عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نصوص أدبية

عن بعد أو قرب

في حلمي الأخير

أسود تتربص وسط الأحراج

وغربان تنسج من ذاكرتي أعشاشا

قد تأتي النمور مربوطة بأسلاك من حرير

والقطّ البريّ يلوح بسيف الزنبق ويصرخ: هو النهر ساعتي القديمة فلن أغيّر الوقت

وثمّة الثعالب لاترش مسكا على وردات يسرقن الشمس بل  حزمة من غبار الشفق

عندئذٍ

كلّ يبصر بوما تقرأ في الرمل تاريخ الدنيا

من أول حرف للماء حتى آخر حرف للنار

وحدها الفراشات لا تستعرض أحلامي

تعتذر

لا تريد أن تفسد على ضيوفي

لذّة البراءة التي لم يحن قطافها

فأسأل نفسي

لم كل هذه الصور تعود حين أصحو بشكل آخر

لا أستسيغه

الفراشات تحلّ لغز الأحلام التي لا تقتحمها

الفرق ما بيني والمونى

أنّهم لا يمزقون أكفانهم

لكنّي

أمزّق أحلامي

***

قصي الشيخ عسكر

كلّما أغلقتُ نافذةً

انفتح في صدري شتاء.

عرفتُ متأخّرًا

أنني لم أكن أصدُّ الريح،

بل أدرّب الغياب

على الدخول.

*

بعضُ الطمأنينة:

كرسيٌّ مكسور.

نستريح عليه

واقفين.

*

لم أعد أفتّش عن الخسارة.

هي لم تخرج من البيت،

كانت ترتّب أشيائي كلَّ صباح،

وتعيدني إلى المرآة

أخفَّ:

بقليلٍ من اسمي،

وكثيرٍ من ظلي.

*

سألتُ الوقت:

لماذا تتأخر؟

ابتسم،

وأشار إلى قلبي،

وقال:

أنا أصلُ قبلَك

دائمًا.

*

منذ ذلك الحين

أعدُّ أنفاسي،

لا لأطيلها،

بل لأعرف

كم مرّة

خانني الهواء.

*

الحياة

لا تطعننا دفعةً واحدة.

إنها تتقن فنَّ النقر،

تثقبنا ببطء

حتى نعتادَ الفراغ

ونسمّيه:

نجاة.

*

وفي المساء الأخير،

حين فتحتُ النافذة

لأتنفّس،

سقط يومٌ كامل

من فمي.

فأدركتُ:

أنني كلّما أغلقتُ نافذةً

فتحتُ عمري

على الجوع.

***

د. جاسم الخالدي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ

والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ

​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ

وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ

​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني

خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ

​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي

أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

**

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً

عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب

​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً

عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ

​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني

والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ

​تعب ارتحالي والجهات تضيق بي

هل يرجع النصف المشتت تائبُ؟

**

​طَالَ الطَّوَافُ، فَمَا وَجَدْتُ بَقِيَّتِي

حَتَّى غَدَا نِصْفِي المَصُونُ خَرَائِبُ

​وَالآنَ ضَاقَ الصَّدْرُ.. لَا فَرَحٌ يُرَى

وَعَلَى جُـفُونِـي لِلْـمَوَاجِـعِ نَدَائِبُ

​يَسْتَوْطِنُ النصفَ العَلِيلَ شُحُوبُهُ

فَكَأَنَّ شَمْسِي فِي العُيُونِ مَغَارِبُ

​وَيَثُورُ شَيْبُ الرَّأْسِ دُونَ هَوَادَةٍ

يَـغْزُو غُــرُورِي وَالزَّمَـانُ يُـراقــبُ

**

​يا نصفي المنفي خلف توجعي

عد، إن عمري في غيابك شاحب

​فَارْحَمْ بَقَايَا الرُّوحِ بَعْدَ شَتَاتِهَا

إِنِّـي لِوَصْــلِكَ رَغْــمَ نَأْيِـكَ رَاغِــبُ

​لَـمْ يَبْـقَ مِنِّي بَـعْدَ فَقْدِكَ نَبْـضَةٌ

فَـإِلَـى مَـتَى تبْـقَى بعـيداً غـائـبُ؟

​مَا عُدْتُ أَقْوَى فَالْمَسَافَةُ غُصَّةٌ

وَالصَّبْرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَصَائِبُ

**

​وَمَضَيْتُ أَسْأَلُ عَنْ كَيَانِي: مَنْ أَنَا؟

وَقَفَ المِدَادُ وَفِي السُّطُورِ غَيَاهِبُ

​أنا نقطـة تاهـت بسـطر مواجـعي

والسـطر يمضـي والكـتاب غرائـب

​أَنَا مَـنْ أَنَا؟ إِنْ لَـمْ أَجِدْنِـي كَامِـلاً

فَـالكُـلُّ دُونَ وُجُـــودِ ذَاتِــي كَـاذِبُ

​أَنَا مَنْ يُصِـيغُ مِنَ المَوَاجِـعِ عِـزَّهُ

لَا يَنْـحَـنِي.. وَلَــهُ الشُّـــمُوخُ مَـآرِبُ

***

جليل إبراهيم المندلاوي

ملتحداً بذاتي

وخاتمتي من رماد.

أرى القمر الميمون

وسيما ببراءته

ينظر في وجهي مذهولاً وكأني

لغة تحمل في ثناياها روافد بردى،

كأني رئة لا تحمل إلا زفير والشهيق

ضاع الشهيق المدى

ملأت يدي بالحبر الأزرق

و كانت القصيدة تحرسني

أيقنت بأن طقوس الحب

أمارسها طقسا طقسا

الحب أراه بقناعاتي إغراءات

تقتعد في الأحشاء

والأماسيَّ الحلوة عابرة

وفق خطايَ

أنا المفرد المنسي

بين هياكلي الممشوقة من

تعاريجَ الوقت

لبرج من رمل التراب .

2

الحب له حظ المجتهد في الحياة

أبصره يقف على

فاهِ غديرٍ ممشوق القامة يشبه

زهر اللوز في بداية أيار

أقرؤه فاكهةً طاف فيها

طعم السكر وترك أثره

على خلايا الجسد

حدائق في السهب دون حراسة

مطر الهبوات البيضِ

أخذ نصيبا من نزوات الهوى

واستراح في مقل العيون

أنا في هذا الملكوت أسيرُ

طورا أتكئ على عضد قرنفلة

وطوراً آخر على تنهيدة أنثى .

***

عارف عبد الرحمن

 

بعباءةِ ثلجٍ

يتسربلُ

وبدفئِ قصيدةٍ

خضراءَ يتدثر

عينا صديقي

كليلتان

بضبابِ مونتريال*

بينهما يتهادى

نهرُ أبو بشوت*

ترفُ فوق مياهه

أجنحةُ نوارس

وأنينُ أغانٍ

وصدى مواويل

جنوبية

*

المسافاتُ بيننا

مجردُ أرقام ...

والوقت ُ

ثمَّة َ أوهام

رقدةٌ فصحوة

حلمٌ ويقضةٌ

هناك أقفُ

أطيلُ الإنتظار

*

لعبة ُالإتجاهات

شمالاً وجنوباً

الفوقُ والتحتُ

هناك أنتَ

وهنا أنا

والعكسُ صحيحٌ

*

عيناكَ

في الوطنِ

حقولُ سنابلٍ خضرٍ

وفي الغربةِ

أطفأ ضوءَهُما

وهجُ ثلجٍ قطبي

جمرتان غشاهما

رمادُ نارِ الحنين

*

هل تَبَقَّى يا صديقي

في ذاكرتكَ

بقدر شيءٍ يسير

لعذوقِ نخلةٍ

جاثيةٍ على نهرٍ

جنيةُ الثمرِ

تعالَ.. أهبط ْ

فما عدتَ تحتملُ

زمهريرُ الغربةِ

لنلتقي في الكميت

حيثُ لكَ فيها

بقايا ذكريات

أو لنلتقي هناك

في مدينة السياب

لنؤرجحُ أقدامنا

بمياه شطها الكبير

*

نأكلُ رطباً جنيا

من بساتين شاطئيه

ونرمي النوى للماءِ

فتلتم عليه

غيمة فضية

لسمك الصبور*

تلتهمه وتختفي

في الأعماق

*

النوارسُ تزعقُ

وأجنحتها تلثم

وجنات النهرِ

وأنتَ تومىءُ بيدك

لموجةٍ قادمة مثلنا

من محيطٍ بعيد

تحنُ لحيتانها والدلافين

كما نحنُ نحن ُ

لنخلةٍ ونهرٍ

*

هل ياصديقي

يأتيكَ العراقُ

في حلم المنامِ

طفلا ًباكياً

يتيماً رث َّ الثياب

أو أسيراً محاطا بالأعداءِ

مثخنُ الجراح ِ

لا تأسى يا صديقي

فهو طائرُ الفينيق

يبعثُ من رماده

قمْ توضأ لصلاة ِ الفجر

وأرفع دعاء ًحاراً

لعلَّ الذين يريدون

به شراً

يختفون كالحلم

بلمحِ البصر ِ

***

صالح البياتي

..........................

- لنلتقي هناك: أخاطب بها صديقي الشاعر المغترب عيسى حسن الياسري.

- مونتريال: مدينة تقع في الجنوب الغربي لكندا، في مقاطعة كيبك.

- أبو بشوت: نهر يتفرع من دجلة في ناحية كميت، شمال مدينة العمارة جنوبي العراق.

- الصبور: سمك فضي اللون تشتهر به مدينة البصرة.

في شارعٍ يشبه الضباب

خرجتُ وحيدًا في اليوم الأوّل من رمضان

صائمًا، لا عن الطعام فقط،

بل عن ضجيج العالم أيضًا

كان الليل قد انكمش في زواياه الأخيرة،

والمدينة تستلقي على جنبها ككائنٍ مُنهَك،

تترك خلفها صمتًا ثقيلاً

يملأ الحواري والأركان

كأنه مادةٌ غير مرئية

تسدُّ مسامَّ الهواء

أبوابُ الدكاكين مغلقةٌ على حياةٍ

كانت تدبُّ في الليل،

وحجارةُ الطريق

تقف صامدةً كشواهد قبور

لا تذكر أسماء أصحابها

الشارعُ الرئيسيُّ خالٍ من المارّة،

والسياراتُ قليلةٌ

كأنها أفكارٌ مترددةٌ في رأسِ المدينة

ركبتُ ميكرو باصًا يلفّه شيءٌ من الغموض،

ومعه قلّةٌ من الركّاب

كنتُ أرقبُ ملامحَ السائقِ المحايدة

من خلال المرآة،

وأتأمّل وجوهًا

لا تقول شيئًا،

ولا تخفي شيئًا

في محطة المنيب

كان المترو خاليًا

كأفلام محمد خان

حيثُ المدينةُ بطلٌ صامت،

والفراغُ شخصيةٌ أساسية.

لكن في محطات الجيزة، والعتبة، والعباسية

تبدّل المشهد

كان هناك قدرٌ من الزحام،

كما في كلّ يوم،

غير أن شيئًا ما

ينزلق بين الأكتاف

ولا يُرى

كان الناس يتحرّكون،

لكن ببطءٍ غامض،

كأنهم خرجوا من ذواتهم

وتركوها خلفهم على الوسائد

أجسادٌ تسير

كأنها لا تعرف إلى أين،

أعينٌ مفتوحة

على عالمٍ لا يُسأل عن معناه

لكني مضيتُ

وفي داخلي سؤالٌ

يتقدّم على خُطاي:

هل نصومُ

لنقترب من معنى الحياة،

أم لأننا أدركنا

أن الحياة نفسها

مجرّد انتظارٍ طويل

لمائدةٍ لا تجيء؟

***

د. ماهر عبد المحسن

إرجعْ إلى ملكِكَ الكبيرِ

وانْعَمْ بحُرّيَّةِ الطّيورِ

ودعْ قبورًا عظامُها تشْـ

ـــكو مُنكَرًا لأخٍ نكيرِ

يلهوْ بها في القبورِ حقٌّ

يُكنى التصرّفَ بالمصيرِ

جُبِ السّما فمتى فعلتَ

اقــتدىْ بك الكونُ في المسيرِ

واجلسْ على عرشِكَ المثيرِ

كالكوكبِ السّاطعِ المنيرِ

واقسُ على ذا الزّمان حتَّى

يُصْغي لمالكِهِ الأخيرِ

فلا يكونُ لهُ مسيرٌ

إلّا بأمرٍ منَ الأميرِ

هيّا ابتعِدْ لا يراكَ موتٌ

لا يقنعُ الحرُّ بالقبورِ

وارجعْ إلى حيثُ كنتَ حرًّا

فالأسرُ حرّيّةُ الأسيرِ

في أمّةٍ يأمرُ العميّ الــ

ـــدعيُّ فيها على البصيرِ

***

أسامة محمد صالح زامل

في تلك الليلة، لم تكن العاصفة خارج البيت فقط.

كانت السماء تنقلب على نفسها، كأنها تُفرغ ذاكرة قديمة، والريح تجرّ الأشجار من ظلالها جرًّا، والمطر ينهمر كاعترافٍ متأخر.

وقف سلام في منتصف غرفته، عاري الروح، حين انشقّ الهواء بصوتٍ لا يشبه الرعد.

لم يأتِ من نافذة، ولا من سقف، بل من جهةٍ لا تُرى.

"اهتمّ بالقرب… والقريب أولًا… قبل فوات الأوان."

ارتجف الضوء في المصباح، وتمايلت الجدران كأنها تنصت.

تكرّر الصوت، لا أعلى ولا أخفض، بل أقرب.

اقترب من أذنه.

بل من داخله.

وضع كفّه على صدره.

كان قلبه يضرب بعنف، كأنه يريد أن يهرب من قفصه.

همس:

"من هناك؟"

لم يجبه أحد.

لكن الغرفة ضاقت فجأة، كأن الهواء صار أثقل من أن يُستنشق. أحسّ أنه يُسحب نحو نقطةٍ غير مرئية، نقطةٍ بين ومضتين: ومضة حياة… وأخرى لا اسم لها.

نظر إلى قدميه.

الرخام بارد.

صلب.

حقيقي.

قال بصوتٍ حاول أن يجعله يقينيًا:

"أنا هنا."

لكن الصدى لم يعد إليه.

اندفع خارج البيت.

العاصفة صارت ستارًا كثيفًا من الماء، والشارع خالٍ على نحوٍ غير مألوف، كأن المدينة انسحبت بهدوء وتركت خلفها ديكورًا فقط.

توجّه إلى بيت الشيخ عبد المحفوظ.

كان الباب مضاءً بخيطٍ رفيع من نور.

طرق.

مرة.

مرتين.

انفتح الباب ببطء.

وقف الشيخ هناك، ساكنًا أكثر من اللازم.

عيناه لا تعكسان البرق.

وجهه بلا أثر للدهشة.

قال بهدوءٍ صافٍ:

"تأخرت يا سلام."

تلعثم:

"النداء… سمعته؟".

ابتسم الشيخ، ثم رفع يده إلى أذنه وفمه.

قال:

"لم أسمع شيئًا منذ زمن.

اخترت الصمت… فصار الصمت يختارني."

"منذ شهور أضع قطنا سميكا في أذني لكي لا أسمع، وألوك العلك نهارا لكي لا أتكلم".

حدّق سلام فيه.

ثم لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل:

خلف الشيخ، لم يكن هناك بيت.

لم يكن هناك أثاث.

لم يكن هناك عمق.

فقط ظلام كثيف، كأن الباب مفتوح على فراغ.

تراجع خطوة.

قال بصوتٍ مكسور:

"أين الجدران؟"

أجابه الشيخ:

"أي جدران؟"

نظر سلام حوله.

الشارع اختفى.

المطر توقّف في الهواء، معلّقًا كحبيبات زجاج.

حتى البرق تجمّد، خطًّا أبيض لا يتحرّك.

عاد الصوت.

لكن هذه المرة لم يأتِ من السماء.

خرج من فمه هو.

"اهتمّ بالقرب… والقريب أولًا…"

وضع يده على شفتيه مذعورًا.

حاول أن يتراجع، لكن قدميه لم تستجيبا.

نظر إلى الشيخ… فلم يجد أحدًا.

كان الباب مغلقًا.

البيت مظلمًا.

الشارع عاديًا.

والمطر يهطل كما يهطل كل شتاء.

وقف وحيدًا.

لم يكن هناك عاصفة غير مألوفة.

لم يكن هناك صوت في السماء.

بدأت الذاكرة تتصدّع.

رأى نفسه - لا الليلة - بل قبل أيام، جالسًا في غرفته ذاتها، يضع قطعتي قطن في أذنيه ليتجاهل صراخ أمه المريضة في الغرفة المجاورة.

يتظاهر بأنه لا يسمع.

يمضغ علكة بصوتٍ عالٍ كي لا يجيب.

رأى الباب مغلقًا.

النافذة محكمة.

الصوت محبوسًا في الداخل.

ثم رأى السرير.

ورأى جسدًا ممددًا عليه.

جسده.

باردًا.

ساكنًا.

والقطن ما يزال في الأذنين.

تراجع، أو ظنّ أنه يتراجع، لكن الأرض لم تعد تحت قدميه.

كان واقفًا منذ البداية في البرزخ الذي خافه.

لم يخرج من بيته.

لم يطرق باب الشيخ.

لم تكن هناك عاصفة إلا في رأسه.

النداء لم يكن تحذيرًا من السماء.

كان صدى متأخرًا لصرخةٍ لم يُجبها.

اقترب الصوت للمرة الأخيرة، هامسًا هذه المرة:

"القريب أولًا…"

وحين حاول أن يرد،

لم يكن له فم.

ولم يكن هناك زمن يحتضر.

بل إنسانٌ تأخر.

ثم أُطفئ المشهد…

كما تُطفأ غرفةٌ لم يعد فيها أحد.

***

(قصة قصيرة)

الحسين بوخرطة

(الجرحُ هو الدليل

في حافّةِ الصمتِ الأخير)

1

مَنْ يَحْمِلُ النَّجْمَ

حينَ يَغيبُ الدَّليلُ

وتنطفئُ الجهاتُ كلُّها؟

*

مَنْ يُوقِظُ الأرضَ

إذا نامَ المسيلُ في عروقها

وصارَ النهرُ ذكرى؟

*

من زمنٍ بعيدٍ

لم يُكتَب اسمُه بعدُ

قالت الشجرةُ

لا

لن أُعطي ثمرتي

لجائعٍ لا يعرفُ الجذرَ

ولا ينحني ليسمعَ

نبضَ ما تحته

*

لن أمدَّ ساقي

نحو سحابةٍ

وجهُها قمرٌ مستعار

وجوفُها بلا مطر

2

مَنْ يزرعُ الوردَ

في أرضٍ

لم يعلَق بها المطر؟

*

مَنْ يسمعُ الصمتَ

حين يصيرُ نشيدَ حربٍ

ويرتفعُ فوق البيوت؟

*

من زمنٍ

ذابَ كالدخان

قالت الرمالُ

لا

لن أحفظَ خطوَ مسافرٍ

يمشي ولا ينظرُ للنجوم

كأنَّ السماءَ

ليست جهةً.

*

لن أُخبّئ الماء

في كفٍّ لا ترتجفُ

حين يعطشُ الغيم

*

أمشي في داخلي

وصوتي يسبقني

*

ليلُ الأسئلةِ

أثقلُ من صدري،

والفجرُ

ما زال يتعلّم الطريق

*

كيف نخرجُ

من كونٍ

ضاق حتى على أنفاسه؟

3

أدورُ

في متاهةِ الأيام

*

وظلّي يتقدّمني

كأنّه يعرفُ الطريقَ أكثرَ مني

*

ثلجُ السنينِ

ما زال على القلب،

لم يذبْ،

ولم يشتعل

*

والشمسُ

التي أقولُ إنها ستجيء

ما زلتُ أجهلُ

من أيِّ جهةٍ تولد

*

أمن الشرق

حيث يبدأ الضوء

رفيفًا كاعتراف؟

*

أم من الغرب

حيث يتعلّم الرملُ

فنَّ المحو؟

*

أم من الداخل

حيث لا أُجرؤُ

على النظر في المرآة؟

4

لي في كلِّ فجرٍ

حزنٌ

لم أجد له اسمًا

*

وفي كلِّ شمسٍ تتأخرُ

لمعةٌ

تأتي خجِلًا

*

ذكرياتي

إشاراتُ ضوءٍ

تلوّحُ في هواءٍ لا يثبت

*

أعودُ

كأنني لم أغادر

*

أضعُ قدمي

على أوّلِ الطريق،

وأرى على الأفق

وهمَ ابتسامةٍ

يختبرُ شفتيّ اليابستين

*

أسألها

هل تعيدينني إلى برٍّ

كنتُ أظنه ثابتًا؟

*

أم تمضين بي

إلى ما لا نهاية

صامتةً؟

5

لي في كلِّ خسارةٍ

كتابٌ مغلق

*

وفي كلِّ وداعٍ

حبرٌ

لم يجفّ

*

جراحي

ليست على الجلد،

بل في النبض،

في همسةِ الليل

قبل أن تُقال،

في عينِ أمٍّ

ترى ابنها

يمضي

ولا يلتفت

*

أنا في كلِّ هذا،

وخارجُ كلِّ هذا

6

من يعيدُ الطائرَ

إلى العشِّ

بعد أن اختارَ الصياح؟

*

من يرجعُ الماءَ

إلى النبع

بعد أن تعلّم الجريان؟

*

من زمنٍ

لم يولد بعد

قالت الريح :

لا

لن أحملَ البشارةَ

إلى قلبٍ

أغلق نوافذه

في وجه المطر.

*

لن أرسلَ الرسالةَ

إلى حجرٍ

لا يسمعُ النداء

ولا ينتظرُ المعجزة.

7

لكن

في عينيكِ

شيءٌ

كالنجمةِ في ليلةٍ بلا قمر،

كالنسغِ

في شجرةٍ

ظنَّها العابرون يبابًا

*

ككلمةِ حبٍّ

ضاعت

في ضجيج الحرب

ولم تفقد معناها

*

فأقولُ لكِ

وأنا أعرفُ

أن الكلام

لا يعيدُ ما مضى

*

ربما

في البحرِ

مرفأٌ

لم نره

*

وربما

في الدمعِ

بصيرةٌ

تتعلم أن ترى

*

وربما

في القلبِ

بقيةُ نورٍ

نسينا اسمه

8

ناديتُ نفسي

في الممرِّ الطويل

فعاد الصدى

غريبًا

*

قال:

لستَ وحيدًا،

لكن صوتكَ

ليس أنت

*

متى صرتَ

هذا الغريب

الذي تسكنه؟

9

أنظرُ إلى وجهي

في زجاجٍ

لا يعكسني تمامًا

*

رجلٌ

يحملُ مفتاحًا

ولا يتذكّر

أيَّ بابٍ يقصده

*

رجلٌ

يبحثُ عن اسمه

في جيوبه،

كأنّ البيت

احترق

قبل أن يعود

10

أسألكِ

*

أهذا الجرحُ

يتنكّرُ في زيِّ شفاء؟

*

أهذا السؤالُ

يخشى ظلَّه؟

*

أنتِ في داخلي

وأنا فيكِ

*

نبحثُ عن عذرٍ

للمسافة

11

قلتِ:

الحبُّ

ليس طريقًا مستقيمًا

*

هو متاهة

ندخلها

فتسقطُ أسماؤنا

*

نضيعُ

فنرى

12

فصرتُ أسمعكِ

في همسةِ الريح،

في الصمتِ

قبل أن يتحرّك الماء،

في المسافةِ

بين نبضتين

*

هناك

يتحوّل كلُّ شيء

*

قلتُ:

إذا ضِعنا معًا،

عدنا

13

ما اسمُ هذه الأرض

التي نمشي عليها

ولا تسجّلها الخرائط؟

*

أرضٌ

لا حدودَ لها،

ولا شمسَ

تعرفُ متى تغيب

14

سألتُ الطريقَ:

إلى أين؟

*

فصمتَ طويلًا،

ثم قال:

لا تسألني عن الوجهة

*

أنا

لستُ طريقًا،

أنا

جرحٌ

في جسدِ الزمن

15

النهرُ هنا

لا يجري،

يتساقطُ

كدمعٍ بارد

*

يحملُ ورقةً

عليها اسمٌ

لم يُنادَ به منذ سنين

*

هل كان اسمي؟

أم اسمكِ؟

أم حلمٌ

تأخّر في الرحيل؟

16

رأيتُ شجرةً

على تلٍّ بعيد

*

لا ماءَ.

لا عصفورَ

*

ومع ذلك

تزهر

17

قلتُ لها:

كيف تزهرين؟

*

هزّت الأغصان

وسكتت

*

لم تنتظر

أحدًا

*

أزهرت

18

وقفتُ طويلًا

أصغي

إلى الأرض

التي لا تُسمّى

*

الأشياء

بلا أسماء

ومع ذلك

تقول:

*

أنا هنا

أنا موجود

رغم كلِّ شيء

أنا هنا

*

كودا

(نشيد الحضور)

أمشي

في قلبي

مفتاحٌ

لأبوابٍ

نسيتُها

*

أكتبُ على التراب:

سأبقى

*

ما دام في اللفظِ

نَفَس

*

ما دام في الصمت

باب

*

أقولُ للأرض

التي لا تُسمّى:

*

لستِ خاتمة

أنتِ

البداية

***

د. سعد محمد مهدي غلام

سُــئل البَـوْحُ عن عَـفاف الوِصالِ

قــال : مِـن رافِــدٍ، سـواقِيه تِـبْـرُ

*

كــلما هَــبَّـت الحروفُ اشـتـياقــا

للقــوافي اسـتجابَ للشــوق سـِفْـرُ

*

ليس للــثوب إنْ زهــا، مِن مَقامٍ

ان غَــفــا خــلْــفه شــعـورٌ وفِـكْرُ

*

طــيّــباتُ الذكرى، نَسائمُ خُــلْــدٍ

تــرفــدُ الجّــوَ، والتجارِبُ عِـطْرُ

*

ياربـــيـبَ الابداع، عَزْفـك يسْمو

بـِـتَراتـِـيل، فـــي البلاغـة سِحــرُ

*

ذاك إنْ كـــان تاجُــه فـــوق رأسٍ

قــــد أبـَـتْ تــنحني، ولـلـتاج ذِكْرُ

*

قَــــوْلَـةُ الحـــقِ، لــلثـِقـات وِســامٌ

(عِــش عـزيزا) والسّـِـرُ عندك سِرُ

*

والتــمني إنْ لـم يكن، عـن طمـوحٍ

هـــو لـهْــو ٌ، يــليه عَـوْزٌ وعُسْـرُ

*

عِـــزّةُ الــنـفــسِ والإبــاءُ ســجـايا

فــي اداء الصواب، شــمسٌ وبـَدرُ

*

تـُـرَّهاتٌ رَصْفُ المــديحِ لـكــسـبٍ

- مــاءُ وجهٍ يُراقُ – والعَـوْزُ عُذْرُ

*

لــلوصال العُــذْري تـوظيـفُ عَقْـلٍ

واحتواءُ الوضوح، في السّير فَخْرُ

*

فـــي الـتّـأني، ســلامَـةٌ وحــبـورٌ

وأمـاني العَــلــياء، طــوْدٌ وجِسْــرُ

*

إنْ يكن في الرّضاء فقدان حَـقٍ

دون وعيٍ ، فخطوةٌ فيها قِصْرُ

*

أيُّ حُــبٍ فــيــه التــصنّــعُ نــهْــجٌ

بغيــة المال ، فالحصيلةُ صِفْـرُ

***

(من الخفيف)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

كان أبي آخر من مات من عائلتي، وبموته وجدتني وحيدة بطريقة خانقة وأعاني من وقت فراغ لا أعرف كيف أملأه، رغم أني واصلت ذات الحياة في مزرعة أبي، (بموته آلت ملكيتها إليّ)، مع قطيع الماعز وقبيلة الدجاج (لم أحسن إحصاء دجاجاتي بسبب حركتهن الدائبة) التي كنا نعتاش من بيع حليبها وسلال البيض الكثيرة في سوق المدينة القريبة من مزرعتنا.

هل كان أبي يملأ حياتي بشيء لأشعر بالفراغ من بعد موته؟ أبداً، فقد كان يملأ وقته بزراعة ورعاية بعض الخضار في الصباح، أما وقت ما بعد الغداء وحتى منتصف الليل، فكان يمضيه في صحبة أصدقائه في السمر والشراب، كما أظن (كنت اشم رائحة الشراب تملأ البيت عند عودته كل ليلة) وحتى الصباح الذي وجدته فيه ميتاً في سريره، قبل ما يقرب من عام.

لم أفهم كيف كان يفكر أبي ولم أعرف ماذا كان يريد من حياته، فهو كان قليل الكلام ويتعامل مع الجميع بحيادية، وخاصة بعد موت أمي. أذكر كيف تلقى قرار أخي الوحيد، عندما أخبره بعزمه على السفر، فكل ما فعله هو إنه قال له ببرود: خذ ما تحتاج من مال من الصندوق كي لا تذلك الحاجة للآخرين وخرج لموعده مع أصدقائه، ولم يذكره بعد ذلك اليوم أبداً وكأنه نسيه فجأة أو لم يعد له وجود في الحياة بعد تلك اللحظة.

الصندوق الذي ذكرته هو صندوق خشبي قديم بارتفاع ساق الإنسان المتوسط الطول، وبعرض وطول ساعده، كان يدخر أبي فيه المال.. لحظة، فالأصح أن أقول الذي كان أبي يضع فيه المال، لأن الصندوق لم يكن له قفل، بل لم أر أبي يعد ما فيه من مال يوماً، فمع كل عودة له من المدينة كان يعطيني ثمن ما باع من حليب وبيض ويقول: ضعيها في الصندوق ويخرج.

لم يكن أبي بخيلاً، فبعد وفاة أمي (كانت تشتري لي كل احتياجاتي) داوم على أخذي معه للمدينة، كل بضعة أشهر، وهناك كان يعطيني رزمة كبيرة من المال ويقول لي برتابته المعهودة: خذي كل ما تحتاجين إليه ويتركني لثلاث أو أربع ساعات في السوق، قبل أن يعود ليساعدني بحمل مشترياتي، من دون أن يسألني عما اشتريت أو ينظر إليه.

بعد وفاته ببضعة أشهر، ومن أجل أن أقتل وقت إحدى الأمسيات فقط، نثرت ما في الصندوق من أموال على الأرض فوجدتها كثيرة جداً، بل وأكثر مما سمح مزاجي بعدها أصلاً. ولأني لم أجد ما أفعله بها، أعدتها إلى الصندوق وأغلقته وفكرت في أني سأحتاج لصندوق جديد أضعه إلى جانبه، لأنه كان قد شارف على الامتلاء برزم المال ولأني واصلت بعده بيع الحليب والبيض بذات الوتيرة.

***

لم يطلبني رجل للزواج أبداً، رغم أني الآن في الثانية والثلاثين. صحيح أني لا أتمتع بذلك الجمال الذي يلفت نظر الرجال، لكني أيضاً لست دميمة تلك الدمامة التي تنفر الرجال. حولي، في بيوت المزارع التي تجاور مزرعتي، بل وحتى في أسواق المدينة التي أبيع فيها الحليب والبيض، أرى الكثير من النساء غير الجميلات متزوجات ولديهن أطفال، فلم أهملني الرجال يا ترى؟ هل سعيت أنا للفت انتباه الرجال إليّ أو تحرشت ببعضهم؟ نعم، ولكن ابتساماتي لم تقابل بغير التواءات سخرية شفاه الرجال. لماذا؟ هل أبدو لهم قروية ساذجة وبلهاء؟ كيف وأنا لا أرتدي غير سراويل الديجينز وأحدث الكنزات؟ لماذا تسلل اليأس إلى نفسي سريعاً ولم أعد أبتسم لرجل إذاً؟

في إحدى الظهيرات الدافئة اشتقت لأخي وتخيلت أنه سيعود في قطار ذلك المساء، فذهبت إلى محطة القطار لأستقبله. رصيف المحطة كان مزدحماً، بالمسافرين والمستقبلين، إلى حد أني لم أجد مقعداً أجلس عليه سوى المقعد المقابل لشباك مكتب قاطع تذاكر المحطة الزجاجي. كان المكتب ناتئاً عن بناء المحطة بنصف دائرة واسع، الأمر الذي كان يسمح لقاطع التذاكر بمراقبة رصيف المحطة بكامله، بل وبإحصاء كامل رواده لو شاء. أبهجني دفء شمس الشتاء وضجيج المسافرين فاسترخيت مستمتعة بسماع أصوات الناس وما كان يصلني من نتف أحاديثهم، ربما لساعة وأكثر، قبل أن أتنبه إلى أن عينيّ قاطع التذاكر كانت تنغرز بي وتراقبني نظراته بعدائية لم أفهم لها سبباً.

تجاهلت نظرات قاطع التذاكر وشغلت نفسي بمراقبة رواد المحطة وحتى ساعة وصول القطار، الذي تحول إلى عازل يحميني من سوط نظراته لأكثر من نصف ساعة، ولكن بعد نزول من وصل وصعود من سافر من أهل المدينة ومضي القطار في طريقه باتجاه العاصمة، عدت لمواجهة نظرات قاطع التذاكر، بطريقة أكثر حدة وأعمق أثراً، بسبب فراغ رصيف المحطة وهدوئها الموحش، بعد ذهاب الجميع. ولأن شعوري بتلك النظرات قد تعمق مع فراغ المحطة ولم يعد فيها ما ترصده غيري، تركت المحطة وعدت إلى البيت، من دون أن أنبه قاطع التذاكر إلى أني قد تنبهت لنظراته.

ولكن وبسبب الوحدة وتراكماتها عليّ، داومت على التردد على رصيف المحطة عصر كل يوم، حتى ألفتني عينا قاطع التذاكر أو نسيتني ربما، أو هكذا بدا لي. بل ومع توالي الأيام، وربما بسبب تزايد عدد المسافرين، في فصليّ الربيع والصيف، اقتنعت فعلاً أني انتظر عودة أخي المسافر وأنه لابد سينزل، ذات يوم، مع من ينزل من الواصلين في القطار المسائي، وإلى أن نزل شخص له هيئة وملامح أخي فعلاً، ذات مساء ساخن، فهببت دون تفكير لاحتضانه وتقبيله في أكثر من مكان من وجهه وجبينه، دون أن أنتبه إلى إنه كان يقف أمامي مذهولاً وعلامات الدهشة والاستغراب تملأ وجهه، إلى اللحظة التي تقدم فيها قاطع التذاكر، من وراء ظهري، ليرفع كفي عن خد ذلك الشاب ويبعدني عنه وليقول، وهو يومئ برأسه له بما يشبه الاعتذار: عندما تفكرين باصطياد رجل فأذهبي بعيداً عن محطتي، فالمحطة مؤسسة حكومية ورصيفها يجب ان يبقى نظيفاً وبكامل هيبته.

لهول ما سمعت من قاطع التذاكر والطريقة التي فكر بها في نواياي، لم أستطع الرد عليه بأي كلمة، بل أسرعت للهروب من أمامه وأنا أتعثر بخطواتي من الخجل الممزوج بالغضب.

في الجهة الثانية من بناية محطة القطار، وهي الجهة التي تطل على المدينة، كان الشاب الذي عانقت يصطف بين العشرات ممن وصلوا في قطار ذلك المساء، في انتظار الحصول على سيارة أجرة تقله إلى بيته أو المكان الذي يقصده.. كان وجهه خالياً من أي تعبير ونظرته لا تدلل على إنه كان يفكر بشيء فتساءلت: هل أنا قبيحة ومنفرة إلى حد أنه لم يتعاطف معي، كما يفعل معظم الرجال في مثل هذه المواقف عادة؟ أما كان بمقدوره أن يختلق عذراً لي ويصرف عني قسوة قاطع التذاكر؟ هل كانت مصادفة أن يتفق الاثنان على النظر إليّ بازدراء وشك في نواياي؟ هل يعقل أن تفعل الوحدة كل هذا بالإنسان؟

بعد عودتي إلى البيت، وفي مطبخي الواسع فتحت الثلاجة عدت مرات وأعدت اغلاقها. حاولت غسل الزجاجات التي أوزع بها حليب الماعز في السوق، دون أن أتمكن من التقدم من حوض الغسيل خطوة واحدة. كنت بحاجة لفعل شيء.. ما هو؟ أخذت مصباحي اليدوي وخرجت باتجاه حظيرة دجاجاتي، هل سأتمكن من عدهن وهن تحت سلطان العتمة؟ هل يساعد عد الدجاج في شيء، كالركض حد الانهاك مثلاً؟.

***

سامي البدري

ثرثرة في القطار مع امرأة من كوينزلاند

أدخل القطار كما يدخل المرء إلى ذاكرته.

لا أبحث عن مقعد، أبحث عن موضع داخل سيرة تتبدل كل صباح…

للقطار رائحة لا يخطئها الأنف، رائحة خلاسية لا تعرف كيف تُمسك بها: خليط من عرق خفيف، قهوة مسكوبة، وعطر أنثوي لامرأة ثملة. ليست رائحة كريهة ولا طيبة، هي رائحة جماعية لبشر يمضون إلى أعمالهم أو إلى هروبهم الصغير. رائحة مساواة مؤقتة، تتساوى فيها البدلات الغالية الثمن مع الأحذية المهترئة، ويتجاور فيها المدير والعامل من غير أن يتبادلا النظر.

أجلس قرب النافذة.

المدينة تنزلق إلى الخلف، وأنا أبدو ثابتًا. الثبات هنا حيلة بصرية، خدعة هندسية. السكة تمتد مستقيمة كجملة انضباط؛ خطان متوازيان يرفضان الالتقاء، ومع ذلك يحملان كل هذا الاكتظاظ من الحيوات…

أفكر أن السكك الحديدية ليست مجرد طريق للقطار، هي شكل من أشكال السلطة: تنظيم للمسافة، توزيع للحركة، تحديد لما يجوز وما لا يجوز. من يصعد، من ينتظر، من يُنذر، من يُغرَّم.

ومع ذلك، في داخلي، تبقى السكك الحديدية أرشيفًا للحركة، سجلًا للوداعات واللقاءات، دفترًا غير مكتوب لأعمار تُقاس بعدد المحطات.

في ستراثفيلد صعدت امرأة بشعر أشقر مسحوب إلى الخلف بلا عناية زائدة، بشرتها مشبعة بالشمس، وعيناها فيهما بقايا ضوء قديم، وربما بقايا مجون خفيف لم يخضع تمامًا لقوانين المدن المنظمة. جلست إلى جواري بعد أن ألقت نظرة سريعة على المقاعد، نظرة تشبه سؤالًا صامتًا: هل أزعجك؟

كأنها تسأل أيضًا: هل تتسع ذاكرتك لغريب آخر؟

قالت صباح الخير بصوت فيه أثر ملح البحر. عرفت لاحقًا أنها من كوينزلاند. قالت الاسم كما يقول الناس مكانًا تربّوا فيه، لا بفخر صاخب، بل بحب هادئ، كحقيقة تشبه لون البشرة. نطقت الاسم كأنه مناخ، كأنه بطء، كأنه رفض غير معلن لسرعة المدن التي لا تؤمن إلا بالجداول والمذكرات أكثر مما تؤمن بالناس.

تحدثت، ومن دون مقدمات، عن كوينزلاند، عن بيوت ترتفع قليلًا عن الأرض، عن أعاصير تمرّ وتُبقي الخشب واقفًا، عن بحر صافٍ يلمع بعيدًا. قالت إن الناس هناك لا يركضون بلا سبب، وإن الوقت لا يضغط على صدورهم كما يفعل في المدن الكبيرة.

وأنا أفكر أن الوقت لا يضغط على صدور من يملكون أرضهم.

في الثرثرة شيء من الطفولة وشيء من النجاة.

أراقب يديها أكثر من كلماتها. كانت ترسم الهواء وهي تتكلم، كأنها تخيط الشمال في فضاء العربة. صوتها لم يكن موسيقيًا بالمعنى المألوف، لكنه كان صادقًا إلى حد يربكك… في تلك اللحظة أصبح القطار معبرًا بين بحرها ونهري، بين بطء تربّت عليه واستعجال تعلّمته هنا؛ معبرًا بين إيمانها بالضوء وإيماني بالتراب، بين يقينها بالمواسم ويقيني بأن المواسم لا تعترف بنا.

كوينزلاند في فمها لم تكن ولاية، كانت بطئًا مشروعًا. ضوء طويل، أرصفة لا تتعجل الخطى، ومياه تلمع كأنها لا تعرف معنى الاستعجال.

عند نيوتاون يدخل شاب بملامح آسيوية، غارق في شاشة هاتفه، أصابعه تتحرك بسرعة كأنها تهرب من شيء.

نيوتاون محطة لا تخجل من تناقضاتها؛ فقر أنيق، ثراء متخفٍ، لوطيون يصبغون شعرهم باللون الأصفر وهم يرتدون ملابس تميزهم، فنانون يرسمون على الجدران، وموسيقى تتسرب من حقائب صغيرة.

يتوقف القطار مرة اخري في ردفيرن، تصعد امرأة من السكان الأصليين، سحنة داكنة، شعر أسود كثيف، في نظرتها صمت أقدم من المدينة. هناك شيء في ريدفيرن يشبه الوقوف المستمر على الحافة؛ ليس احتجاجًا صاخبًا، وإنما بقاءً عنيدًا، نظرة مستقيمة لا تطلب اعتذارًا من أحد.

وكأن القطار نفسه مجرد ضيف على قصة أطول منه.

القطار يمرّ، والوجوه تبقى.

يمتلئ القطار بوجوه لا تعرف بعضها، ومع ذلك تتقاسم المسافة نفسها. هنا تتجاور الامتيازات والهشاشات؛ يمرّ الجميع عبر البوابة ذاتها، غير أن الطريق إلى البيت ليس واحدًا للجميع. بعضهم يعود إلى شرفة مطلة على الساحل، وبعضهم يعود إلى غرفة لا يدخلها الضوء إلا استئذانًا.

قبل دخول المحطات يتباطأ صوت القطار. احتكاك الحديد بالحديد يتحول إلى أنين خفيف، كأن العربة تتذكر وزنها فجأة… يدخل العربة مفتشان بزي الشرطة، غالبًا ما يكونان امرأةً ورجلًا، يحملان أجهزة فحص التذاكر ببرود منظم. نظرات سريعة، تذاكر تُمرّر أمام شاشة، إيماءة قصيرة، ثم يمضيان.

التدقيق هنا وظيفة، إجراء لا يحتاج إلى معرفة أحد.

الآلة تقرأ التذكرة ولا تسأل عن الحال.

أتذكر الكمساري في القاطرات السودانية. أصل الكلمة “قمسري”، وهي تركية جرى تطويعها حتى استقرت في لهجتنا كما يناسب مخارج ألفاظنا، وتعني موظف تحصيل الأجرة وفحص التذاكر. ثم صارت اسمًا لوجه مألوف في كل رحلة قطار. كان يحمل دفترًا صغيرًا ومثقابًا يثقب التذكرة بثقب دائري دقيق، كأنه يضع علامة على يوم من عمرك انقضى. لم يكن سلطة بالمعنى الصارم بقدر ما كان جزءًا من المشهد. يعرف من لا يملك ثمن التذكرة اليوم، يعرف من يسافر لأول مرة، يعرف من يعود إلى بيته مثقلًا.

العلاقة هناك لم تكن بين سلطة ومسافر، كانت ذاكرة تقرأ وجوهًا، كانت شكلًا بدائيًا من العدالة، أو من التواطؤ الإنساني ضد النظام الصارم.

وجود المفتشين يعيدني إلى مدينة عطبرة، أو “أدبرا” بلغة الحديد والنار. في العطلات المدرسية كنا نصعد إلى القطار كأننا نصعد إلى موسم من الأعياد. كنت أرى الرجال فوق السطح، جالسين كما لو أن السماء سقفهم الطبيعي. لم يكن ذلك تمرّدًا شاعريًا، كان ازدحامًا بالحياة، وضرورة أحيانًا… القطارات في بلادنا لا تكتفي بحمل الناس داخلها، بل يتمدد الركاب إلى الأعلى، إلى الحواف، إلى ما يتبقى من فراغ.

كبرت قليلًا وصعدتُ أنا أيضًا إلى سطح القطار. الهواء يضرب الوجه بقسوة، الغبار يدخل العينين، والخوف يجاور نشوة غامضة. تحتنا الحديد، فوقنا فضاء مفتوح. شعرت يومها أنني أختبر حدًا بين النظام والفوضى، بين المقعد والسطح الذي لا يسأل فيه كمساري عن رقم التذكرة، بين إيمانٍ باللوائح وإيمانٍ بأن الحياة أكبر من ذلك.

وأنا على سطح القطار سمعت من يتحدثون عن قطار نيالا، عن نساء يطبخن فوق سطح القطار، تفور القهوة ويغلي الشاي، يمتزج البخار بالريح. القطار هناك قرية تمشي، سوق عابر، مطبخ تحت السماء. الحياة لا تنتظر الوصول إلى المحطة كي تبدأ، ولا تنتظر ختمًا رسميًا كي تعترف بوجودها.

تسألني المرأة من كوينزلاند: من أين أنت؟

أقول: من السودان.

تتوقف لحظة، تقول إنها تعرفه من الأخبار.

الأخبار لا تعرف السطوح الممتلئة بالبشر، ولا تعرف الدفتر المثقوب، ولا تعرف أن القهوة يمكن أن تُصنع فوق عربة قطار تهتز عبر أرض عطشى. الأخبار تختصر، والسكة في داخلي تطول، تتمدد، ترفض أن تُختصر.

عند المحطة المركزية تنهض. تجمع معطفها، تبتسم ابتسامة قصيرة لا تعد بشيء. تقول إنها تحب القطار لأنه يمنحها وقتًا للتفكير. أقول إنني أحبه لأنه يذكّرني أن كل إقامة مؤقتة، وأن السقف قد يكون من حديد هنا، ومن سماء هناك، وأن الإيمان الحقيقي ليس في الوجهة، بل في الحركة نفسها.

تنزل المرأة. يبرد المقعد.

أتطلع مرة أخرى إلى المقعد الفارغ، ومن غير مقدمات تتشابك في ذهني رائحة الجوافة. كثمرة أعرفها جيدًا، تفوح بقوة، تسبق حضورها وتبقى بعده. لا أراها، لكنني أكاد ألمسها في الهواء، كأنها دليل خفي على أن الأشياء لا تحتاج إلى جسد كي تترك أثرًا. هكذا فعلت تلك المسافرة العابرة، وهكذا تفعل الذاكرة حين تتمرد على الجهاز الذي يريد اختزالها في تذكرة قطار.

سقفان يفصلان حياتي: سقف العربة المنضبط، وسقف السماء فوق عربات تمضي مكتظة. بينهما أتحرك كتذكرة لم تُثقب بعد، نصفها في جهاز إلكتروني، ونصفها في مثقاب يدوي يعرف اسمي، نصفها في نظام يؤمن بالترقيم، ونصفها في فوضى تؤمن بالناس.

أفكر أن السيرة ليست خطًا مستقيمًا، هي سكة تعبر تضاريس السلطة والحنين، تمرّ فوق مدن تعرف النظام وأخرى تعرف الازدحام، وتحمل في عربة واحدة امرأة من الجنوب، وطفلًا من عطبرة، ورجلًا على حافة الجنون يجلس قرب النافذة ويشكّ في كل يقين نهائي ولا يطلب غفرانًا.

القطار يواصل طريقه.

وأنا أظلّ بين سكتين، أكتب نفسي في الفراغ الذي يفصل المقعد عن السطح، والبحر عن النهر، والذاكرة عن شاشة تقرأ الأثر ولا تعرف صاحبه.

***

إبراهيم برسي

 

غداً مطرْ،

غداً مطرْ،

يُدمدمُ الراعي وقد شمَّ الشجرْ،

وكانت الخِرافْ،

مبثوثةً كالخرَزِ الأبيضِ في قُماشةٍ خضراءْ،

**

غداً مطرْ،

غداً نموتُ بالمطرْ،

ووحدَهُ الراعي يرى الأصواتَ قد تجسّدَتْ،

ووحدَهُ يستعذبُ الحجرْ،

**

عصاهُ لا من خشَبٍ،

لكنّها من نبتةٍ تُباركُ الأرضَ التي تلمسُها،

أمّا إذا الذئبُ دنا،

ستستحيلُ جمرةً منَ الشررْ،

**

غفوتُهُ مُتَّكِئاً والجِّذْعُ كم يألَفُهُ منذُ الصِّبا،

حتّى نمَتْ في ظهرِهِ عروقُهُ،

وانتشرَتْ أسطورةٌ تقولْ:

في كلِّ جِذعٍ ها هنا،

روحٌ لراعٍ ميّتٍ ما مسَّها الذبولْ،

وحينَما تجنَحُ شمسُ اليومِ للأفولْ،

يستسيقظُ الرُّعاةُ من جُذوعِهم،

ليحرسوا القرى وغابةَ الوعولْ،

**

يعودُ بعدَ يومِهِ للكوخِ في انتشاءْ،

ومِعطَفُ الفروِ الذي يلبَسُهُ،

تخلَعُهُ زوجتُهُ وتسكُبُ الحَساءْ،

ويُطفئانِ النارَ في مَوقدِها،

ليُوقدا ناراً بلا انطفاءْ،

**

ما أجملَ الرُّعاةْ،

لا يسلِكونَ مثلَنا الدروبْ،

دروبُهم أوسعَ في القلوبْ،

وحبُّهم نايٌ يظلٌّ باكياً،

لحدِّ أن يُذيبَهم،

وفيهُمُ يذوبْ،

**

ما أجملَ الرُّعاةْ،

توضّأُوا بالعشبِ والورودِ والرحيقْ،

وأرهفوا أسماعَهم،

حتى روَتْ لهم فراشةُ الحريقْ،

حكايةَ الحياةِ من تكوينِها،

**

ما أجملَ الرُّعاةْ،

أكفُّهم آبارُ ماءٍ للطيورِ اللاغبةْ،

أكواخُهم تجيرُ من تأتي إليها هاربةْ،

سماؤهم صافيةٌ صافيةٌ لأنّها مرآتُهم،

وشمسُهم دافئةٌ لأنّها قلوبُهم،

نساؤُهم أقمارُهم لا تعرِفُ النقصانْ،

غصونُهم ستطردُ الغِربانْ،

وطيّبونَ حدَّ أنّهم يبكونَ لو ماتت هنا دجاجةُ الجيرانْ،

***

د. عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

ثقيلة كأحذية العساكر

تمضي أحلامي في الشتات

غريبا بلا هوية يصيرني الغياب

بلا بوصلة هائمة تصير رؤاي

تضيق بي الخيمة والعبارة

والشرفة وشوارع المدينة

في الشتات كلاجئ

يضيق بي المساء والوقت والقول

تصبح عقارب الساعة متشابهة

من فيض الماء يتدفق شوقي

من فرط الهوى لبساتين القصر

تتدفق ذكرياتي وأحلامي

مثل الأنهار المتدفقة

تصب في روحي

رويدا رويدا

تطفو على الماء كالأغصان طفولتي

ودفء مساء القصر الكبير

وليله وشرفاته ودياره

وأشعاره وحكاياه

وخيله ومعاركه

للماء ذاكرة وفتنة يعشقها البحر

لفيض نهر اللوكوس فرسان وحكاية

ولي أنا الغريب في الشتات خيمة

وطيف مدينة تسكنني حد التلف

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

أنا

وأناي

يؤنسنا

الصمت

2-

أنا وأناي

نقتسمُ المقعدَ الأخير،

والصمتُ بيننا

أوفى الأصدقاء.

3-

أنا وأناي

يؤنسنا الصمتُ

حين يضيقُ الكلام.

4-

أنا… وأناي

مقعدٌ ثالثٌ بيننا

اسمه الصمت.

5-

أنا وأناي

لا نحتاجُ

إلا صمتًا

***

بقلم:️ سليمان بن تملّيست

تونس - جربة في 2026/02/14

أفِقْ فيكَ روحي اذْ تنامُ تنامُ

أفقْ لا تغِبْ اِنَّ المنامَ حِمام

*

هنالكَ نهرٌ سادرٌ في صهيلِهِ

هنالكَ نجمٌ بارقٌ و ظلامُ!!

*

هنالكَ حُبّي أيقظَ الكونَ عزفُهُ

هنالكَ قلبي: جَنَّةٌ وغرامُ

*

هنالكَ نخلٌ نرجسيٌ اذا بدا

يعاينُ ظلُّ الماءِ، كيف يُلامُ ؟!

*

أفِقْ لا تُبددْ نشوةً اثرَ نشوةٍ

أنا كلُّ ما يُعطي الكرامَ كرامُ

*

تعالَ ولا تصخبْ معَ الناسِ هوَّموا

فعنديَ في الصحوِ الجميلِ هيامُ

*

لديَّ دروبٌ سوفَ تدري بِسحرِها

فآفاقُها بَعدَ المرامِ مرامُ

*

وأفعالُّ كلِّ العاشقينَ جِنانُها

وأقوالُ كلِّ العاذلينَ كلامُ

***

شعر: كريم الأسدي

.........................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه القصيدة في يوم السادس من أيلول 2024، العراق.

 

لم يغادر غرفة نومي عطرُ جسدكِ ولا رائحةُ البارود . كأنّ الحبَّ حين مرَّ من هنا ترك نصفهُ وسادَةً من دفءٍ، ونصفهُ الآخرَ سحابةً سوداء تتدلّى من سقف الروح.

*

أمشي في الغرفة فتتبعني خطايَ بين نقيضين: ندىً كان يقطر من أطراف أصابعك، ودخانٍ كان يتصاعد من الجهات الأربع حيثُ كانت الأرضُ تختبر قسوتها علينا.

*

لا شيء يُدفن بين ركام الذاكرة. الحروبُ لا تموت، إنها تغيّر أسماءها فقط، وتقيمُ فينا مثلَ وشمٍ خفيّ لا يراهُ العابرون لكنّه يشتعل كلما أغمضنا أعيننا.

*

كنتِ أنتِ المعجزةَ الصغيرة في زمنٍ يتقنُ صناعة المقابر. كنتِ الكوكبَ الذي نجا من اصطدامٍ وشيكٍ بمجرةٍ من الكراهية.

*

وحين كانت السماءُ تُطلق رصاصها على مدنٍ مذعورة، كنتِ تطلقين في صدري رصاصةً أخرى— قبلةً لا تُميت، بل تعيد ترتيب الفوضى، وتجبرُ شظايا القلب على الاصطفاف كجنودٍ يؤدّون تحيةَ الحياة.

*

قبلةٌ واحدة كانت كافية لإعادة تشكيل الكون: تزيحُ الغبارَ عن وجه الشمس، تعلّقُ قمراً جديداً فوق جبهتي، وتفتحُ في خاصرتي نافذةً للريح كي تدخلَ أغاني الطفولة من دون أن تخاف.

*

في تلك القبلة انحنتِ المجرّاتُ قليلاً، واعتذرتِ الأرضُ عن كلّ ما اقترفتهُ من نزف، وتعلّم الجسدُ أن يكون وطناً لا ساحةَ قتال.

*

ما زال عطركِ يتمرّد على قوانين الفناء، يرفض أن يهاجر مع الطلقات الأخيرة، يصرُّ أن يبقى كوصيّةِ نورٍ في غرفةٍ ضيّقة تتّسعُ فجأةً لكلّ هذا العالم.

*

لا شيء يُدفن هنا. حتى الخرابُ يحلمُ أن يصيرَ شجرةً، وحتى الذاكرةُ تتواطأ مع الحبّ كي تنبتَ من بين الأنقاض زهرةٌ اسمُها أنتِ.

*

فإذا ما عاد الليلُ بمعاطفه الثقيلة وأراد أن يختبر صبري، أكتفي بأن أتذكّر: قبلةً واحدة كانت أقوى من حربٍ طاعنة، وأصدقَ من كلّ البيانات، وأطهرَ من رائحة البارود.

*

قبلةٌ أعادتني إلى نفسي، وأعادت العالم إلى قلبه.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

 

هَبْكَ سليْمانَ

وتَجري بين كفّيْكَ الْعواصِفُ

ومنطقُ الطّيورِ قد شَرِبْتَهُ

وأنتَ بِلَظاهُ تبْتهي.

هبْكَ سُلَيْمانَ

تُصفِّقُ الطّيورُ بين كفَّيْكَ وتَجْؤُمُ،

وذاك الْهُدْهُدُ الْباشِقُ عيْنُكَ

ويأتيكَ بما تَهْوَى وتَرْتَضِي.

هَبْكَ سليْمانَ

وهذي الْأرضُ أنفاسُكَ تُحْيِيها

فتُسُلِمُ،

وفي فَكَّيْكَ

مِفتاحُ سِلالِها وأكوَامُ غِراسِها.

هَبْكَ سُلَيْمانَ

وللنَّمْلِ تَهَيُّبٌ منكَ

وخَشْيَةُ هَلاكٍ بمرورك بوَادِيهِ ،

ومنكَ يَخْشَى.

هَبْكَ سُلَيْمانَ

ومُلْكٌ بين كفَّيْكَ وُهِبْتَهُ

وما غيْرُكَ حازهُ…

فهَلْ تُرى تَأْتِيكَ بَلْقِيسُ

وتُسْلِمُ وتَنْحني؟؟؟

*

كمْ مِنْ غُبارِ الذّكْرَياتِ نَشَقَتْ بَلْقيسُ

في الْكُدَى؟

وكمْ مِنَ الْغاباتِ

عَنْ بَلْقيسَ شَحَّتْ بِظِلالِها؟

وما شَكَتْ بَلْقِيسُ

مِنْ هَسْهَسَةِ الظّلامِ أوْ رَوْعِ اللَّظَى،

ولا هَوَتْ مِنْ سَغَبٍ أوْ وَجَعِ الْجَوَى.

*

بَلْقيسُ ترنيمةُ يَعْقُوبَ

وكَفُّ الْوَرْدِ والنَّدَى.

بَلْقيسُ لا تَهَبُ للرِّيحِ وُرُودَها،

ولا تُهْدِي إلى اللَّيْلِ شُعُورَها.

بَلقيسُ ما أَصْدَتْ

لِقَهْرِ الرِّيحِ أوْ هَوْلِ الرَّدَى،

وإنَّما " بْرُوتُسْ" سَقَاها بِيَدَيْهِ

رَشْفَةَ الْقِلَى .

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

 

(إلى صديقي الناقد الكبير الدكتور صالح الرزوق)

غالب الأحيان لا أتذكّر أحلامي، إذ سرعان ما تتلاشى حالما أستيقظ من النوم. غير أنّي تذكّرت هذا الصّباح حلم الليلة البارحة قبل أن يتلاشى. كان واضحا بكلّ تفاصيله الدّقيقة. رأيت أنّي خرجت للتسوق من السوبر ماركت القريب Sainsbury’s

فوجدت الساحة الواسعة التي تقابل الواجهة وموقف السيارات مكتظة بالزبائن، ولاح لي حرس ينتشرون عند المدخل يهشّون الزبائن ويمنعونهم من الدّخول.

(مغلق) هكذا أشارات لافتة كبيرة فوق البوابة.

سألت سيدة تتكئ بذراعها اليمين على عربة التسوّق، فظنتني أتحرّش. راودتني الشّجاعة فاخترقت الصفوف لأواجه أحد الحراس عند المدخل فهزّ كتفيه ساخرا. وخلال لحظات قدمت سيدة من بين الحشد الصامت، وانهالت عليّ بلهجة مهتاجة:

السبب منكم أنتم الأجانب أتتم تقولون سَايِنْسْ بَرِي ونحن نقول سَيْنْس بُرِي ليست هناك من حجة بعد الآن.

هكذا تذكّرت في الصباح الحلم الصامت الصاخب الذي تلاشى من دون زعيق. مع ذلك بقي في نفسي شئ ما، في قناعتي أّنّ السوبر ماركت مغلق، فخرجت من دون أن أتنعم بقهوة الصباح.

انجلت الأمور لعيني حين وصلت وعددته واحدا من الأحلام المخادعة التي تجعلنا نصدّقها حين نستيقظ، دخلت ورحت أتجوّل بين الممرات ذات الأرفف المليئة بالبضائع، ولم تمرّ سوى بضع دقائق حتّى رنّ جرس الإنذار، فاندفعت إلى المدخل لأعرف ماذا يجري فقد يكون هناك حريق فوقع بصري على الحراس وهم يمنعوننا من الخروج، وكان هناك حارسان يمسكان برجل ذي لحية كثيفة يرتدي زيّا غريبا يدلّ على أنّه من العبثيين ومعه أكثر من زجاجة ويسكي. قال الحارس بلطف:

معذرة . زلن تخرجوا حتّى يأتي البوليس ويفتشه فلعله سرق من بعض الزبائن محفظة أوشيئا ما.

وقفت مع الآخرين أنتظر قدوم الشرطة، وذهني يقلّب حلم البارحة الذي وجدتني فيه ممنوعا أنا والآخرين في الساحة الواسعة المفتوحة واللحظة الراهنة وأنا في المحلّ المغلق. . . هل تقودنا الأحلام على الرغم منّا إلى واقع تافه؟

***

قصة لمحة

قصي الشيخ عسكر

أرغفةٌ حائِرةٌ أضاعَت النَّار

كلماتٌ تغرقُ في حِبرِها

هرمَّت الشوارع

تاهَ الوَردُ...عن نــــــــداه

في خُطوطِ الذَّاكرة

أميالٌ حلم

تنبت على ضفتيك

وبيني وبينَك

قوس قُزَح

وصفصافة حنين

**

شفتاي نايات ايلول

تغفو في عيني عصفور

تنتظر المطـر

ورَوحِي تَجثو

على أنفاسِكَ المُتعَبة

تُبَلِل رِيقَك

تُراقِبُك

كيفَ تلمِسُ طرفَ المَوت

وتُحيكُهُ يَاسَمينَاً أبَدِيا

**

اختبئُ بينَ

آهاتِ الرَّحيل

وغَفوَةِ الريـح

غداً يزهِرُ اللَّيلُ

وقـد يأتي بِعاصِفَة

بعدَ السَّيل

تُرى.. ما لونُ عَينَيك!

***

سلوى فرح - كندا

في زاوية منسية من الحياة، تعيش فتاة شابة حملت من الحب ما لم يُعترف به، وأنجبت من الصمت ثلاثة أطفال، كلٌّ منهم ظلٌّ من ظلّها. أكبرهم، لم يبلغ الثانية عشرة بعد، لكنه اختار أن يلوذ بالمعبد، يرتدي الرداء البرتقالي، ويصمت. لم يكن هروبًا من العالم، بل بحثًا عن مكان لا يُسأل فيه عن نسبه.

أما الطفلان الآخران، فهما ينامان إلى جوارها كل ليلة، في بيتٍ لا تملكه، لكنه أيضًا ليس ملكًا لغيرها. بيتٌ تركته امرأة مهاجرة في بلاد بعيدة، بينما تتربص به أخرى، تراه غنيمة لا مأوى. سونيزا لا تطلب الكثير — فقط أن يُقال لها: ''هذا البيت لكِ، لأنك الوحيدة التي لم تطلب شيئًا."

والدها، الذي رحل عن الدنيا في الثانية والخمسين، لم يترك لها سوى الفراغ. عاش لنفسه، ومات كما عاش؛ أما أمها، التي افترقت عنه لكنها لم تفارقه، فقد أنجبت منه طفلة أخرى، ثم تزوجت رجلاً من بلاد بعيدة، واصطحبت الطفلة معها. تلك الصغيرة كبرت، درست، وعملت، بينما بقيت سونيزا خلف الجدار، تنتظر فرصة لم تأتِ.

حين حاولت الأم أن تأخذها معها، رفض الأب. طلب مالًا لم يكن في متناولها، كأن الطفلة سلعة، وكأن الحنان يُشترى. لم يكن يهتم بها، لكنه لم يسمح لها بالرحيل. حرمها من حياة كريمة، لا رفاهية فيها، بل فقط كرامة.

الآن، وقد رحل الأب، وتوارت الأم، بقيت سونيزا وحدها، تحمل عبء أمومتها، وتُطعم أبناءها من صبرها. في ثقافة لا ترحم اليتيم، ولا تغفر للمرأة التي لم تُباركها الأعراف، تُعامل كأنها خطأ يجب إصلاحه، لا إنسانًا يستحق الاحترام.

ومع ذلك، حين قالت لنا: "أنتم عائلتي"، فهمنا أن الحب لا يُقاس بالدم، بل بالدفء. اليوم كان عيد ميلادها. هناك، طُلب منها أن تنظف البيوت. وهنا، أعددنا لها طاولة صغيرة، وضعنا عليها كعكة، وهدية، وقلنا لها: "كل عام وأنتِ بخير." فابتسمت، ثم بكت — لا من الحزن، بل من الدهشة.

***

كفاح الزهاوي

لقد كانت العِشرونَ عندي شفيعةً

لِأدخلَ في خِدْرِ العذارى بلا صَدِّ

*

فكيفَ وقد مرَّتْ سِراعاً سنينُها

كأنْ لم أعِشْها قطُّ من لوعةِ الفقدِ

*

على أنَّ لي عندَ الثلاثينَ حكمةً

تُريني منَ الأشياءِ ما لم يكنْ عندي

*

وما كلُّ مَنْ قد عاشَ بالغُ حكمةٍ

ولا كلُّ سارٍ في الظلامِ سيستهدي

*

أرى هذهِ الدنيا كمثلِ مَفازةٍ

وأعمارُنا إِبْلٌ تَقِلُّ معَ الوَخْدِ

*

سنقطعُها حِيناً وحينا تقطَّعَتْ

بنا عندَها الأسبابُ عن غايةِ القصْدِ

*

وبعضٌ كَدودٌ لا يُجازى برشفةٍ

وبعضٌ ينالُ الماءَ من غيرِ ما جُهْدِ

*

وفي وجهِ من تلقى أَماراتُ قلبِهِ

ستظهرُ مهما غلَّفَ الحِقْدَ بِالوُدِّ

*

وأمَّا خَرَاجُ الأرضِ فهْوَ كأهلِها

إذا أكرموها أنبتَتْهم منَ الصَّلْدِ

*

وما كلُّ ما استعصى عليكَ تنالُهُ

بِشَدٍّ ولكنْ رُبَّما تركُ ذا الشَّدِّ

*

وأحلى طِباعِ النفسِ حِلْمٌ يَزينُها

ورُبَّ سكوتٍ كانَ أقسى منَ الردِّ

*

يُصافحُنا قومٌ وقد تركوا بنا

كصَبَّارةِ الصحراءِ شوكاً على الجلدِ

*

أرى الناسَ مثلَ البئرِ عندَ احتياجِها

فألقِ بدلوٍ منكَ تعرِفْ يدَ الرِّفْدِ

*

فإنْ كانَ ذا لُؤمٍ كبئرٍ تعطلَّتْ

فدلوُكَ مملوءٌ ولكنْ حصى الوَهْدِ

*

وإنْ كانَ ذا خيرٍ كبئرٍ كريمةٍ

أنالَكَ فوقَ الماءِ نجماً منَ السَّعْدِ

*

ورُبَّ سرابٍ كاذبٍ كانَ صادقاً

ولكنْ مردُّ الرأيِ للأعينِ الرُّمْدِ

*

يُثابُ كثيبُ الرملِ إنْ طابَ خطْوُهُ

ويُقدَحُ إنْ زلَّتْ بهِ قدمُ الفردِ

*

وغيري يناجي نجمةً في مكانِها

فتبقى على بُعْدٍ ويبقى بلا وجْدِ

*

فإنْ أنا ناجيتُ النجومَ بمُرهَفٍ

أتتْ راكضاتٍ خلفَ دمعي معَ الرعدِ

*

ولم أُلقِ أشعاري على الناسِ مُطلَقاً

فجُمهوريَ الأطيارُ في شجرِ الرَّنْدِ

*

وقفتُ على الجسرِ العتيقِ مُرَوَّعاً

فكلُّ شهيدٍ نورسٌ أبيضُ البُرْدِ

*

إذا سقطَتْ تفاحةٌ فوقَ دجلةٍ

فزارعُها غيرَ التبسُّمِ لا يُبدي

*

يقولُ: غداً تأتي إليَّ لأنّها

حلالٌ بها رِزقي وحُلْوٌ بها كَدِّي

*

فرقَّتْ عليهِ دجلةٌ ثُمَّ عاكسَتْ

مساراً ومدَّ الغصنُ كفّاً منَ الشَّهْدِ

*

أولئكَ هم أهلي الكرامُ بطبعِهم

وقد بذلوا حتّى النفوسَ منَ الزُّهْدِ

***

عبد الله سرمد الجميل

كـم يـبـصقُ الـتـأريـخُ في

وجــهِ الـطــغـاةْ

وتَـطِـلُّ شـمـسٌ لـلـحـقـيـقـهْ

لـكـنْ دهـاقـيـنَ الـمـزاداتِ

الـعـريـقـهْ

تـغـتـالُـهـا

خـلـفَ الـشـعـاراتِ الانـيـقـهْ

وبـذا جـرى حـكـم الـقـدرْ

وبـه انـتـهـى أمـرُ الـبـشـرْ

فـاذا الـوضـيعُ يـضـوعُ

فـيـه ويـنـجـلي

عـنـه الـوَضَـرْ

ويـصيـرُ مـاضـيـهِ

الـخـنى

فـخـرًا تـسـامـى وسُــوَرْ

وهـو الذي

حَـمَـلَ الـمـبـادئَ والاثــرْ

يَـتَـمَـنْـطـقُ الـسـيـفَ

الـحُـسـامَ

ويـعـتـلي الـمُهـرَ الاغــرْ

هـذي هي الـمـأســاةُ

في أجـلى الـصـورْ

رجــلٌ مُهــانٌ

رهـطُـهُ غـدروا بـشـمـسـي

بـعـد مـا ســرقـوا الـقـمـرْ

وحُـسـامُـه الـواهي

الـجـبـانُ

يَـصـبُّـهُ حـقـدًا

عـلى هــامِ الـبـشـرْ

ولـعُـقـدةٍ مـنـذ الـصِـغـرْ

حَـقـدَ الـوضـيـعُ عـلى الـشـجـرْ

وبـجُـرؤة الـرجـلِ

الـصـفـيـقِ

يـقـوم يـشـتـمُ بـالـتـتــرْ

وحـكـايـةُ الـوطنِ الـشـهـيـدِ

تُـبـاع فـوق الأرصِـفـهْ

وبـهـا يـطـيـب لـنـا الـسَـمَـرْ

هـي لـعـــــبـةٌ

أمْ ذا

تَـصــاريـفُ الـقــدرْ

مـا أتـعـسَ الـوطن الـذي

قـد صِـرتُ أقـرأهُ خـبـرْ

مـذْ ضــاعَ لـلأمـلِ الاثـرْ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / فايلا في 5 / أيلول / 2000

أكتب عن الصمت، تلك اللحظات المبعثرة، كأن حروفا تدفقت في شظايا القلب وبدت كأنها تعانق الروح، وتفرق في ظلال أحلام بين شتات الايام الموجعة بأحرف تحكي عن قلب ينبض بأمل.

ويجوب السماء اخفاء ويسقط كما يسقط المطر في الربيع أضاحك الذكريات وأمض على طريق أنبت زهرة في ارض تهرب كالعمر ولا تبوح عن ثقل الاجواء كأن أفق الصمت خيم في صفحات اوراق الريح، ورابض في وجه القيود.

عليك تهمس بما تخفيه خلف صمتك لعل الحروف تنطق كلمات يعجز اللسان عن البوح بها وخذ من الايام جرعة الحب وانتصر.

خذ ما تشاء من النبض، واترك لي كبريائي، دون ان يسقط ذاك الحب الذي استوطن فؤادي كحبال ضوء علقت على رايات فجر، وغنت في العلا:

ايا قمرا انهمر العشق

كضياء وجعل ترف

الحياة تروي قدر الهوى

وتبعثرت مرايا الروح

وبقايا خطايا مواسم

الرجاء عبرت ايقاع

الحنين وتبدلت ملامحنا

وطوال صفحة الغياب

وتقاوم بالقصيد وتغرق

بين يدي الكلمات تحاكي الحروف طرقت، ضلوع الياسمين كقلادة، بيضاء تطرق صحوة الحلم بثغر باسم لنبض.

شوق تعطر يسكب اناشيد الحرية وبات، يلهو ألقا مناديا، كأني اتنفس حرية القدر بعشقك وأناجي طول السهر.

***

بقلمي: ربى رباعي- الاردن

 

في ذلك الصباح الذي أفلت من بين أصابعي كما تفلت الأحلام حين نمدّ لها اليد متأخرين، فتحتُ عينيّ على قلقٍ مكتمل. لم أحتج إلى ساعةٍ لأعرف أنني تأخرت، ولا إلى نافذةٍ لأدرك أن باص الموظفين الخاص بالشركة، ذلك الموعد الصارم الذي لا يعرف التردّد، كان قد مضى. كان الإحساس وحده كافيًا، ثقيلاً وحاسمًا:

الوقت سبقني هذه المرة.

لم تكن المواصلات العامة خيارًا. أجساد متلاصقة، أنفاس متداخلة، ومعركة مقعد لا أملك لها وسعًا ولا مزاجًا.

كنتُ هشّة على غير عادتي، كأن اليوم قرّر أن يختبر تماسك امرأةٍ، امرأةٍ اعتادت أن تُخفي ارتباكها جيدًا، حتى عن نفسها.

أوقفتُ سيارة أجرة. جلستُ في المقعد الخلفي كمن يتمسّك بطوق نجاة لا يثق به تمامًا. الطريق لا يستغرق عادةً أكثر من أربعين دقيقة، لكن الصباح لا يعترف بالعادة، ولا يحترم الحسابات. ملف الحضور يُغلق عند ساعةٍ لا تعرف الأعذار، واسمي ـ إن تأخر ـ سيتحوّل إلى غيابٍ بارد.

انحنيتُ قليلًا إلى الأمام:

ـ لو تسرع قليلًا ان أمكن… سأدفع مضاعفًا.

نظر إليّ عبر المرآة، بابتسامة رجلٍ أنهكته الطرق ولم تكسره، وقال:

ـ الله يسهّل يا ابنتي.

كان في منتصف الخمسينات، بشعرٍ رماديّ يشبه غبار الذاكرة، ولحيةٍ كثيفة تمنحه وقارًا صامتًا. يداه على المقود كانتا تحكيان عن عمرٍ طويل من القيادة والصبر.

 بدا كأنه يعرف الطريق أكثر مما يعرف نفسه.

جلستُ أراقب انعكاس وجهي في زجاج النافذة:

عينان مثقلتان، وامرأة تحاول أن تُخفي ارتباكها خلف ترتيبٍ سريع لشعرها وهندامها.

كنتُ أشعر بنظراته من المرآة، لا فضولًا، بل إدراكًا خفيًا؛ كأن التعب يتعرّف إلى التعب.

أخرجتُ كتابًا من حقيبتي. القراءة كانت ملجئي القديم، درعي الصامت حين يقترب العالم أكثر مما أحتمل. لكن السيارة بدأت تبطئ. رفعتُ رأسي، وسبقني صوته:

ـ ازدحام… لا أستطيع الإسراع. ربما حادث.

شعرتُ بضيقٍ داخلي. ليس من التأخير وحده، بل من هذا العجز المفاجئ، من أن تُسلب منك السيطرة في اللحظة التي تحتاجها فيها أكثر من أي وقت.

قال فجأة، بصوتٍ خفيض:

ـ لا تستعجلي يا ابنتي، لا تستعجلي…

كل ما يخصك هنا سيبقى خلفك.. بيت، عمل، دراسة وغيرها …

وستبدئين حياةً أخرى بعيدًا، بعيدًا جدًا.. ستعيشين في الجبال الثلجي وسهولها…

رفعتُ رأسي باندهاشٍ قائلة:

ـ لم أفكر بالرحيل أصلًا. ولا بترك شيء. ومن أين لك كل هذا؟

ابتسم بثقة:

ـ أقرأُ الطالع بالتحليل الشخصي. تعلمته منذ سنوات.

برد الجو فجأة. أغلقتُ الكتاب ببطء:

ـ لا أؤمنُ بالطالع!

لكن إنكاري لم يكن يقينًا بقدر ما كان خوفًا. خوفًا من أن يكون قد لمس شيئًا صحيحًا.

قال، كمن لا يشك:

ـ أنتِ ذكية، واثقة، طموحة وعنيدة بعض الشيء، ستتعبين كثيرًا، لكنك لن تنكسري. وستكتبين، ستكتبين عن نفسك يومًا ما …

وقعت كلماته في داخلي كحجرٍ في ماءٍ ساكن. لم تكن غريبة، ولا مألوفة.

 تمسّكتُ بالمنطق:

ـ هذا يمكن ان يُقال لأي شخص.

وأشرتُ إلى الطريق:

ـ الزحام خفّ. أسرِع لو سمحت.

قال مُصرًا وهو يهز راسه بهدوءٍ:

ـ ومع ذلك… كل ما أنتِ عليه الآن سيبقى خلفك.

لم أجادل. نظرتُ إلى ساعتي. الزمن صار خصمًا واضحًا.

 حين توقفت السيارة، ناولته الأجرة، وهممتُ بالنزول. قال خلفي:

ـ لا تستعجلي… وتذكّري..

أغلقتُ الباب، لكن صوته لم يُغلق معي. بقي عالقًا في داخلي.

سرتُ بخطواتٍ سريعة نحو باب الشركة، أشعر للمرة الأولى أنني لا أدخل مكانًا فقط، بل أؤجّل خروجًا مؤجّلًا من ذاتي.

كنتُ أعرف نفسي، أو هكذا كنتُ أظن.

أعرف عنادي، وطموحي الذي يتقدّم دائمًا خطوةً على طمأنينتي، وأعرف خوفي الذي أتركه مؤجّلًا كأنه لن يطالبني يومًا بحقه.

لم أكن امرأةً تنتظر نبوءة، ولا امرأةً تصدّق الغرباء، لكن صوته بقي معي، لا كحقيقة، بل كسؤال.

عند العتبة الأخيرة، شعرتُ أنني لا أدخل المكان وحده، بل أؤجّل شيئًا آخر، شيئًا لم تتضح ملامحه بعد.

دخلتُ، نعم.

لا لأنني حسمتُ الطريق،

بل لأن السير أحيانًا هو الشيء الوحيد الذي نعرف كيف نفعله.

أما الأسئلة…

فقد دخلتْ معي.

كنت أعرف نفسي:

عنادي، طموحي، خوفي المؤجَّل. لم أكن امرأة تنتظر نبوءة، لكنني كنت أعرف أن الحياة أحيانًا تهمس بحقائقها عبر أفواهٍ عابرة.

وعند العتبة الأخيرة، أدركتُ أنني، مهما أسرعت، أحمل أسئلتي معي.

 وأن الطريق، مهما بدا مستقيمًا، يخفي انعطافاته القاسية بعناية.

ومع ذلك… دخلت. قررتُ أن أواصل السير، وأن أكتب حياتي كما أريد، لا كما يُقال لي.

***

سعاد الراعي/ المانيا

كَيْفَ اِنْهَزَمَتْ فِي اَلْأَنْهَارِ اَلْأَسْمَاكْ

حِينَ أَتَاهَا اَلصَّيَّادُونَ بِدُونِ شِبَاكْ؟

**

كَيْفَ تَمُرُّ اَلْأَيَّامُ اَلْبَيْضُ، وَكَيْفَ تَعُودْ

لَابِسَةً أَثْوَابًا سُودْ

وَهِيَ تُرَاقِبُ

مَا يَفْعَلُهُ اَلصَّائِدُ وَالْمَصْيُودْ؟

**

كَيْفَ يَنَامُ اَلْإِنْسَانْ

تَحْتَ ظِلَالِ اَلْأَشْجَارِ،

وَكَيْفَ تَظَلُّ اَلْأَثْمَارْ

صَاحِيَةً لَيْلَ نَهَارْ

زَاهِيَةً تَحْرُسُهَا اَلْأَغْصَانْ

كَانَ اَلْبُسْتَانُ اَلْمُزْهِرُ

يَسْتَفْسِرُ

وَالدُّنْيَا تُمْطِرُ

وَأَنَا أَسْئِلَتِي تَتَكَاثَرُ

**

كَيْفَ اِسْتَنْجَدَ دَمْعِي بِدُمُوعِكِ

حِينِ بَكَيْتِ

كَيْفَ اِسْتَنْجَدَنَا

بِكِلَيْنَا

حِين بَكَيْنَا

كَيْفَ فَقَدْنَا

مَا كَانَ لَدَيْنَا مِنْ أَسْرَارْ

كَيْفَ تَرَكْتِ

أَيَّامِي تَتَقَدَّمُ ضِدَّ اَلتَّيَّارِ

بِتَحَدٍّ، وَبِإِصْرَارْ

وَرَحَلَتِ

**

هَلْ أَبْقَى أَطْرَحُ أَسْئِلَةً

لَا أَسْمَعُ عَنْهَا أَجْوِبَةً؟

***

شعر: خالد الحلّي

 

كلُّ شيءٍ في الكونِ يَحكيْ سلاما

فاسْتَمِعْ يا قلبيْ لتجْنيْ السَّلاما

*

أَنجُمٌ في السّماءِ تمْضي ولا تحْـ

ــتاجُ كيْ تَمضي في الحياةِ إماما

*

هلْ سوىْ ذا الإنسانِ يحتاجُهُ يا

قلبُ كي تَبْتليْ خطاهُ النِّظاما

*

وانْتظامُ الإنسانِ إمّا ضلالٌ

غايُهُ  يُذكيْ النّارَ والإنْتِقاما

*

أو صلاحٌ فيهِ السّلامةُ في الدّا

رَيْنِ حتّى و إن أثارَ اللِّئاما

*

أسْكتَ اللّيلُ كلَّ همسٍ ليَسْتَرْ

ـجِعَ همسُ النّجومِ منهُ الزِّماما

*

فتَرىْ الكونَ خاشعًا ساجدًا و الـ

ــليلُ قد أبقىْ الظّالمينَ نِياما

*

ليتَ ظُلمَ الإنسانِ يُضحي على ما

افْترشَتْ كفُّهُ ليهدا عِظاما

*

والسَّما نورٌ للسّما يحملُ القلـ

ـبَ فيُملا نورًا يَقيهِ الحَراما

*

قد بلَغْتَ العلياءَ يا قلبُ نجمًا

فاسْتَقِمْ مثلما الجِوارُ اسْتَقاما

*

وَجُبِ الكونَ والقَ غيبًا، قديمًا

كلّما خُضتَ فيهِ قالوا انْفِصاما

*

مِنْهُ ماضٍ حتمًا ستَحضُنُهُ، خَلْ:

كانَ لو لمْ تَصْبأْ سيبقى كلاما

*

مِنهُ آتٍ إحْضُنْهُ إنْ شِئتَ أو دَعْ

لا تهَبْهُ ما دُمتَ نجمًا تسَامى

*

وَعُدِ النّجمَ واطلبِ الدّينَ مِنْهُ

واشْكرِ اللهَ أنْ مَحوتَ أثاما

*

ها هُنا لا شركٌ ولا شكَّ، لا شيءَ

يشوبُ الصّلاةَ أو الصِّياما

*

ها هُنا لا تحريفَ في النّصِّ حتّى

يغدوَ الدِّينُ فتْنةً وصِداما

*

ها هُنا أمجادُ الخلائقِ تبقىْ

لا احْترابَ حتّى تصيرَ رُكاما

*

أـترى البدرَ دوننا؟ بعضُ أرضٍ

كان حتّى ابْتُليْ وأمسىْ حُطاما

*

ما ابْتلىْ الجَوْرَ مِثلنا والأسىْ والـ

ـتـّيهَ والغزوَ والدِّما والحِماما

*

والجفا والهجران والفقر والحر

ـمان والغشّ والفرى والسّقاما

*

فالتجا للسّما وقد رٌدَّ حتّى

صارَ مبعوثَها بنورٍ ترَامى

*

حاملًا نورَها لتلكَ الّتي لمْ

تعِ حتّى أنارَ إلّا الظَّلاما

*

هَلْ رأيتَ الجبالَ تيجانُها من

أنجمٍ أُبْدِعَتْ وكانتْ عِماما؟

*

قُلْ: أكنتَ تلقىْ الجبالَ مُلوكا

لو رضِينا ذاكَ الترابَ مُقاما؟

*

والذُّرى لولا وصلُها النّجمَ ما كا

نتْ لَتَسموْ وتبلغَ الأنجاما

*

فاشْكرِ اللهَ أن هداكَ دروبَ الـ

ــنّجمِ وامْضِي نجمًا وأحسِنْ خِتاما

***

أسامة محمد صالح زامل

فبراير.. منتظراً، تُبقيني خلف مسافاتي

في المقهى الخشبي جلستُ طويلاً

قارنتُ مسيرة أيامي بعروق الأبنوس على وجه الطاولة الفخمة

صوت كمان يبزغ من جهة لا أعرفها

يبحثُ عن كتفٍ ليصير وشاحاً

كوبان من القهوة ينتظران مجيئكَ

لكنكَ أبعدُ حلمٍ، أو أقربُ من وهمٍ

من نافذتي راقبتُ غراباً

‏لم يمنعه الثلج المتساقط

والمتراكم والمتجمد منذ الشهر الماضي

من أن ينقر بحثاً عن شيءٍ

عبر الباب الواضح تدخل أغنيةٌ

ومن القلب المفتوح تطير قصائد أجّلها الصمتُ كثيراً

***

فارس مطر - برلين

14.2.2026

​فِي آخِرِ اللَّيْلِ

مِحْبَرَةٌ تئنُّ

وخَفْقُ رِيشَتِهِ وجَعْ!

مَا ظلَّ فِي كفِّ المَدَى

إلَّا قُلَامَةُ صَمْتِهِ المَنْثُورِ

بَيْنَ مَحَاجِرِ الاسْتِفْهَامِ

إشْرَاقُ النَّغَمْ

رَيْحَانَةٌ نَزَفَتْ شُجُونَ عَبِيرِهَا

فَمَضَى يُحَدِّقُ فِي مَرَايَا البرْتُقَالِ

تَسِيلُ دَمْعاً مِنْ نَدَمْ

​كَمْ رَعْشَةٍ لِلضَّوْءِ

فِي أفْيَائِهِ سَكِرَتْ!

قَمَرُ الطُّفُولَةِ كَانَ يَحْبُو

فَوْقَ خَاصِرَةِ الزَّمَانْ

والنَّبْضُ عُصْفُورٌ

عَلَى شَجَرِ الجِرَاحِ

يَجُرُّ خَيْبَتَهُ

إلَى أَقْصَى مَنَافِي اللَّامَكَانْ

​مَا ظَلَّ إلَّا هَذِهِ الأَبْيَاتُ

تُصْغِي كَانْذِهَالِ الطِّفْلِ

تَلْبَسُهُ الحِكَايَةُ

والشُّعَاعُ يَشُدُّ فِي الوَادِي الظَّلِيلِ

حِبَالَ خَمْرٍ

يَخْطَفُ الإبْهَارَ مِنْ عَيْنِ المَعَانِي

يَحْضُنُ الشَّجَرَ المُرْتَجِفَ..

مِنْ شَغَفِ الكَلَامْ

​لُغَةُ المِيَاهِ لَهُ..

وَلِي شَوْقُ الغَرِيقْ

يَا سَيِّدَ الأَنْدَاءِ

حَانَ قِطَافُ لَذَّاتِ الخَلَاصِ

فَلَا مَفَرَّ

انْزِعْ حُشَاشَةَ رُوحِيَ العَطْشَى

مِنْ تِيهِ الوَلَهْ

يَا حَارِقَ الأشْوَاقِ بالصَّمْتِ المُنِيرِ

تَسَرَّبَ الوَقْتُ الجَرِيحُ

فَفُكَّ عُنْقُودَ البَيَانِ

زَنِّرِ الرُّؤْيَا

بِخَصْرِ المَقَامْ

خُذْ هَذِهِ..

خَمْرَ شُرُودِيَ الظَّمْآنِ

يَعُبُّ المَدَى

وصَدَى نِدَائِي..

فِي ثَنَايَا الارْتِهَانْ

***

مرشدة جاويش

 

صوت الأسير

حين كسروا الباب لم يكن الخشب هو الذي تأوّه، كان الفجرُ نفسه ينقسم نصفين، وكانت السماء تُسقِط زرقتها كقميصٍ مثقوب بالرصاص.

*

جاؤوا بأحذيتهم الثقيلة ليوقظوا اسمي من وسادته، ليعلّقوه على جدارٍ بارد كصورةٍ تُتَّهم بأنها تُشبه الوطن.

*

أنا لستُ جسداً يُساقُ إلى القيود، أنا جامعةٌ تمشي على قدمين، دفترٌ مفتوحٌ في وجه الريح، قصيدةٌ لا تُجيد الانحناء.

*

قالوا: تعال. فقلتُ للهواء: احفظ ملامحي. قلتُ للكتب: لا تُغلقي صفحاتكِ، فالحرية لا تُعتقل، هي فقط تغيّر نافذتها.

*

في الطريق إلى العتمة رأيتُ مدينةً تتكوّر في قلبي، ورأيتُ أمّي تخبّئ الله في طرف شالها كي لا يسقط من الرعب.

*

أنا العائدُ من الأسر إلى أسرٍ آخر، لكنني أعرف: كلُّ قيدٍ يصدأ حين يلامسُ نبضَ الأرض.

*

صوت الأم

يا ولدي، حين داهموا البيت لم أسمع سوى حليب السنوات يغلي في صدري. كنتُ أعرف أن البنادق لا تفهم لغة الأمهات، وأن الجدران حين تُداس تشيخ فجأةً.

*

أخذوكَ كأنك نجمةٌ تُقتلع من سمائها، وتركتَ لي ليلًا طويلاً يمشي في الممرات ويتهجّى اسمك على البلاط.

*

أنا لا أبكيكَ، أنا أزرعكَ في الدعاء. أخبزُ خبزكَ كل صباح وأقسمه بين الملائكة كي لا تجوع روحك.

*

قلبي ليس ضعيفاً، هو فقط واسعٌ بما يكفي ليحتملَ هذا الكون حين يضيقُ بك.

*

يا بني، إذا ضاقت الزنزانة فتذكّر أن رحم الأم أضيق ومنه خرجتَ أوسعَ من الجهات.

*

صوت الحبيب

أيتها التي تُشبهين شجرةَ زيتون تتعلم الصبر من جذورها، لا تنكسري. هو لم يُؤخذ، هو ارتفع. البيوتُ تُداهم حين تخاف الحقيقة، والأبوابُ تُكسَر حين تعجز الكلمات عن إسكاتها.

*

هو – ليس اسماً فحسب، هو وعدٌ يمشي بيننا كي لا نصبح أقلَّ إنسانية. دعيني أضع يدي على كتفك، فالكونُ كله يمرُّ الآن من دمعةٍ في عينيك.

*

سنحفظ صوته كما يُحفَظ الضوء في الزجاج، وسنعلّم الأطفال أن الحرية ليست نشيداً، بل قلباً ينبض رغم الحديد.

*

هو

أنا هنا… أكتبُ على جدار الوقت: لن ينتهي المعنى.

*

هي

أنا هنا… أرفعُ يديَّ ليكبر الدعاءُ بحجم السماء.

*

أنا

ونحن هنا… نشدُّ الليلَ من أطرافه ليتذكّر أن الفجر قادمٌ لا محالة.

*

هكذا تتعدّد الأصوات، لكن الجرح واحد، والوطن قلبٌ كونيّ كلما اعتُقل فيه ابنٌ ازداد نبضُه وضوحاً.

*

والحرية؟ كائنٌ أسطوريّ يتغذّى من الألم ليصير نوراً.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

 

يتساءل الجالسون في المقهى القريب. من هذا الرجل الغريب الذي يجوب طرقات مدينتنا؟ لعله أخطأ المكان. لا نعرفه. ولم نره من قبل. كانوا ينظرون اليه باشمئزاز وتوجس! لكنه لم يعرهم اهتمامه.

انقبض قلبه فقط لأنهم يعدونه غريبا!. وهو أبن هذه الأرض وهذه الطرقات. لكنه همس مع نفسه ان الحق معهم فقد غيرت السنون ملامحه بالتأكيد. ولكن المرء ليستحي ان يصفونه بالغريب في بلده.

كان الرجل أهيف، طويل القامة، أسمر البشرة، مجعد الشعر تُنبأ ملامحه عن ذكائه الحاد. يرتدي معطفا أسود اللون ويحمل مظلة سوداء أيضا. يوحي منظره بثرائه ويبدو كأنه من الطبقات الأرستقراطية.

كان المطر يهدر كالشلال في منتصف الليل. وهو لا يزال في الذهاب والاياب يتذكر ماضيه. ويهمس مع نفسه: أيها الحمقى لماذا لا تجرؤون الا على الفقراء والغرباء. تعسا لكم ولنظراتكم المقيتة. وتذكر الموقف الذي يؤلم روحه دائما وأبدا ومهما مرت السنون.

قبل عشرين عاما مضت. قضاها في بلد الغربة. وحين عاد اليوم قصد ديارها والحي الذي كانت تسكنه. لكنه تفاجأ ان خريطة الحي قد تغيرت تماما. ولا وجود لديار أهلها فقد وجد في مكانه مبنى ضخما بأربعة طوابق يزدحم فيه الناس للتبضع من محلاته المختلفة في بضاعتها.

وهنا ارتسم أمام ناظريه المشهد القديم الذي انغرس داخل أعماقه السحيقة. وكيف تقدم لخطبتها حين كان فقيرا. وهو يحمل باقة ورد. اقتطفها من حديقة جاره. لم يسألوه عن أسمه ولا عن علمه ولا عن أسرته.

انما سألوه عما يمتلك في البنك ودائرة العقار. وكونه لا يمتلك اجابة لهذه الأسئلة. تكوم على نفسه وهو يحتضن باقة الورد.

وحين أخبروه ان الحب وحده لا يبني بيتا. تلعثم ولم يجد لهم اجابة مقنعة. لذلك طردوه وأغلقوا بابهم بوجهه. وتمّ حبس حبيبته ومنعها من رؤيته. لكنه سمع استغاثتها وبكائها. نعم أحبها كما يحب الفقراء أمانيهم. ودون ضمانات. وبقلب لا يشوبه الخداع والزيف. لم يذق طعم النوم بعد تلك الليلة العصيبة والموجعة.

وفي صباح اليوم التالي قرر الفتى ان يهاجر. فحمل حقيبة سفره تاركا قلبه معلقا على نافذة غرفتها. وصوتها أبى ان يغادر مخيلته. يسمعه في نومه وفي يقظته.

هاجر الفتى. وهو يقنع نفسه ان البعد سيشفي جروحه. لذا تزوج من امرأة من بلد الغربة. لكن قلبه ظل وفيا لغياب قديم.

وحين عاد الى مدينته مثل طفل يعود الى أحضان أمه. أعياه البحث عنها ليعرف أخبارها فقط ولا يتمنى سوى ذلك.

ولكن المصادفة كانت في محطة القطار، التقت عيناه بعينيّ امرأة. دون ان يدري هل هي حبيبته. أو انها امرأة تشبهها حد الوجع الذي أصابه عند رؤيتها. فالخطوة نفسها. الألتفاتة نفسها. وتسريحة شعرها وحتى الهالة المضيئة التي كانت تشع منها. تساءل مع نفسه: يا ترى كيف لم تتغير ملامحها ودون ان تظهر عليها علامات السنين.

ظل واقفا مبهوتا في مكانه بينما سارت هي في طريقها دون ان تعبأ بنظراته وكأنها لا تراه ولا تعرفه. خفق قلبه، وكأنهما بالأمس قد افترقا تذكر الماضي بكل تفاصيله وسمع صوت استغاثتها وبكائها، ونظرات عينيها الوديعتين. انحدرت دموعه الحارة فوق خديه. تنفس الصعداء ثم لزم الصمت.

لكنه قرر ان يتبعها وان كانت ليست حبيبته. دون ان يدري لماذا.!!

ليس بدافع الفضول بل بدافع شوقه لتلك الحبيبة الغائبة. اجتازت المرأة طرقا كثيرة وهو خلفها بخطوات متقاربة ثم استدارت نحو شارع ضيق في حيّ شعبي ويا للضوضاء في هذه الأزقة الترابية.

وهنا تنبه انه نفس الحي الذي كانت تسكنه أسرته قديما. نعم لم يتغير بكل معالمه، وبيوته، وضجيج الأطفال ولعبهم بين الأزقة وانتشار الغبار المتطاير في أجوائه. يا الهي تفوح منه رائحة افتقدها، رائحة ذكريات طفولته وصباه وأهله الذين رحلوا. ارتجف. وسارت قشعريرة هزت بدنه. وسقطت من يده سيجارته، وكأنه دخل الى مكان مقدس. شغله الماضي بحلوه ومره وهجمت عليه الذكريات تباعا. فبقي مبهوتا لا يدري كيف يتصرف. حتى كادت سيارة مارة ان تصدمه وهو يحدق فيها ناسيا حذر الطريق.

كانت المرأة تلتفتُ احيانا وكأنها تشعر بثقل خطواته خلفها.

توقفت فجأة. نظرت اليه طويلا ثم ابتسمت بأسى وقالت: ـ أنت تبحث عن امرأة أخرى. أليس كذلك؟؟... أنا لستُ هي.!!

هذا واضح من حزنك. وحيرتك. واضطرابك.

ثم توارت عن رؤياه. تجمد في مكانه. عندها ادرك ان عشرين عاما هو الزمن الذي ضاع من بين يديه.

وانه لم يكن يبحث عن حبيبته فقط. بل كان يبحث عن نفسه أيضا. يبحث عن الشاب الفقير الذي طردوه لأنه أحب امرأة بكل معاني الوفاء.

ابتعدت المرأة عنه كثيرا. لم يتبعها هذه المرة. بل أخرج من جيبه صورة قديمة. باهتة الحواف لامرأة مبتسمة بجمال وعذوبة. لم يتحمل رؤيتها في كل مرة الا واغرورقت عيناه بالدمع. لكنه تيقن اليوم ان حبيبته هذه لن تعود. حتى لو عادت المدن. وان الفقر الذي طرده بالأمس لم يكن فيما يملكه. بل كان بقسوة عقولهم وتحجر قلوبهم.

وببطء شديد. مزق صورتها. ومشى في الاتجاه المعاكس.

وفي قلبه حب لم يمت لكنه اختار ان يبقى مجرد ذكرى.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

عَليلُ الوَجدِ قَلبٌ أحمقٌ مُرتابْ

تَمَهَّلْ ما بهذا الوَجدِ عَيشٌ طابْ

*

فَخَلفَ الوَجدِ بابٌ مُبهَمُ المَغزى

بَهيُّ الشَّكلِ فَخمٌ فاتِنٌ جَذّابْ

*

يَظُنُّ المُبتَلى سِحراً به يُشفى

ولكنْ ما وَراءَ السِّحرِ سِرٌّ غابْ

*

أتَعلَمُ ما الذي يَحويهِ هذا السِّرْ

أتَدري ما الذي يَخفى وَراءَ البابْ

*

فَخَلفَ البابِ مَكرٌ فِتنَةٌ شَكوى

بَلاءٌ حَيثُ لا خِلٌّ ولا أصحابْ

*

فَكَم مِن تائِهٍ في الحُبِّ يُستَغبى

يَظُنُّ الغَيَّ رُشداً والهَوى غَلّابْ

*

وكَم مِن عاشِقٍ ظَنَّ النَّوى زُلفى

فَلَم يُبصِرْ خِداعَ الوَجدِ والأسبابْ

*

فَلا تَركَنْ لِوَجدٍ تائِهِ المَمشى

تَراهُ يَرتَدي فَوقَ الأسى أثوابْ

*

وإن أبصَرتَ باباً بالمُنى يَزهو

تَذَكَّرْ.. ما وَراءَ البابِ مِن أعقابْ

*

وإن لاحَ الشَّجى في المُرتَجى فاصبِرْ

فَما تُنجي الأنى إلّا ذَوو الألبابْ

*

وما دُنياكَ إلّا مِثلُ هذا البابْ

فَإيّاكَ الهَوى يُدنيكَ لِلأعتابْ

*

فَلا أنتَ تَرى ما خَلفَ هذا البابْ

ولا البابُ يُبَيِّنُ سِحرَهُ الكَذّابْ

***

جليل إبراهيم المندلاوي

كانتِ الثلوجُ تنصهرُ مودِّعةً

في وادٍ سحيق

كانتِ الشمسُ في السماء

تحمرُّ

وتصفرُّ،

وكانتِ الجبالُ المنخفضة

رطبةً

خضراءَ

بواكيرَ ربيعٍ ملوَّنٍ

يفردُ ثوبه

على رمادِ الحرائق

*

وليكن

حيثُ الوطنُ يجهلُ طريقه إلينا

بائعُ الوردِ

تفوحُ يداهُ ربيعًا

أنتَ وأنا

*

حينَ تشابكتْ أصابعُنا

جاءنا غيثٌ بطعمِ نبيذٍ أبيض،

تفتّحتْ عروقُنا حقولًا

تسوقُ فراشاتِ الزهر

إلى نورٍ وثيرٍ

سقطَ

على شراشفِ الكتّان

*

حينَ مرغتُ وجهي

في زغبِ البنِّ،

اسمرّتِ الرغبةُ

فوق جلدٍ قمحيّ،

وأضناني أن أذوبَ

كالسكرِ

في شاي المساءِ

*

حينَ رفَّ في الهواءِ

زوجُ حمامٍ

وأربكني قصبٌ

نفضَ ماءَهُ ريحُ العشق

وهناك، أعلى الربوة

تلتمعُ النجوم

ويهدأُ في بريقِها حصاني،

وتفيضُ الأنهار

*

كان الليلُ

أخفَّ من قلبي،

والسماءُ أقربَ

من يدي

*

لم يكتملِ الليل

في الممرِّ

صوتُ طبيبٍ

المريضُ رقمُ عشرة

عادَ إلى الحياة.

***

أنجيلا درويش

 

حين غاب صاحبُ الظلِّ الطويل وترك المَملكةَ لانتظار طويل، انبثقت البيضاء الفراتية من عُمق الصبر لتعتلي عرش الحكمة.

كان يليقُ بها تماماً أن تكون السلطانة الملكة بملامحها التي تأسرُ الروح، ووجهها المتلألئ الذي يُضيء كقمرٍ سومريٍّ فوق النهر وعينيها العسليتين اللتين تشبهان ذهب المعابد القديمة تلمعان بحدة الذكاء وهيبة السيادة ورفعة المقام . 

 تعيد صياغةَ الوجود بنهج أكاديمي رصين وتنسجُ من كلماتِها دروعاً لا تخترقها سهامُ العابرين.

كانت تفيض علينا بالحكمة وتقولُ بصوت يملؤه وَقارُ السنين:

السيادة في القدرةِ على توجيهِ مسارِ النهرِ دون أن تلمسَ الماء.

وفي ذروةِ تجليها رسمت لنا حدودَ الكيان الأنثوي:

الوردةُ حين تُقطع لا يُشمُّ عطرُها إلا مرةً واحدة هي قاعدة الوجودِ الأصيل القائمة على "وحدانيةِ الاستحقاق"..

المرأةُ في مذهبِ الفرات نصٌّ لا يُقرأُ مرتين والقلبُ حين يُوهبُ هو وهبٌ كُلّي، استحقاقٌ فريدٌ لا يقبلُ التجزئةَ أو التكرار لأنَّ العطرَ الأوحدَ لا يُباحُ إلا لمن استحقَّ قُدسيةَ الانتماء.

ثم خَتمت السلطانةُ وصيتها بالقول:

" الألواح السومرية نصٌّ أبدي، لا يقبل التكرار ولا يُباحُ مرتين، وهو التزام كفعل كرامة وجودي؛ أن تكونَ المرأة ذلك الرُّقيم المسماريَّ الذي لا يُمنح سرُّه إلا لمن يُعظّم حرمة الانتماء، فمَن أخطأ القراءةَ في المرة الأولى، فقدَ النصَّ للأبد؛ لأنَّ ماءَ الفراتِ الذي كُتبت به الأقدار لا يعودُ للخلف، وصبر السنين الذي صقل الأرواح لا يقبل أن يلوثَه دخيلٌ يجهلُ قيمةَ الحجرِ وعراقةَ العطر.

إنَّ تلك الألواحَ لا تُعرضُ بل تُحفظُ في مخدعِها الأول كأعظمِ اكتشافٍ للبشرية.

(كان ذلك هو الدستور الوجودي الذي أرادته البيضاء الفراتية:

 أن تكون المرأةُ وطناً... وطناً له أسوارٌ من كبرياء، لا يُقرأ إلا بلغة الانتماء الصادق، ولا يُشمُّ عطرُه إلا في مرابعه الأصيلة).

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

 

إهداء الى روح الموسيقار الخالد بليغ حمدي

والى حبيبتي الأزلية مطربة الأجيال ميادة الحناوي

***

بيَ لهفــــــةٌ أن أسألكْ

أتحبنـــــــي قــــلْ يا ملكْ

*

يا من ملكـتَ مشاعري

حكــــمَ الهوى أن أعشقكْ

*

يا مَنْ بقلبــــــي ساكــنٌ

العُمــرُ كلّ العمـــرِ لــكْ

*

يا مَنْ هـــواهُ على الجبيـ

ـــنِ مُسطّرٌ لـنْ أترككْ

*

أنتَ الحيــــــاة ولا أرى

 معنى لها إلّا معــــــــكْ

*

ما العمرُ ما أمسي وما

 يومي اذا أنـــــــا لمْ أرَكْ

*

قدرُ الهوى أن أقتفــــي

 دومـــاً خُطـــاكَ وأتبعكْ

*

أشكو السهادَ فهلْ تُرى

 الوجْـــدُ يوما ً أرّقــــــكْ

*

هلْ ذقتَ طعم الحب هلْ

 شـوقٌ دعـــاكَ وحرككْ

*

قُلْ لي أحبّكَ مــــــــرةً

 وأرحْ فؤادي يـــا ملــكْ

***

جميل حسين الساعدي

...........................

* اشارة الى أغنية أنا بعشقك أنا لمطربة الأجيال ميادة الحناوي، التي أرسلتها من خلال ملحن عراقي الى ثلاث ملحنين وهذا مقطع منها. شيء رائع أن بليغ حمدي صاغ أبياتها باللغة العامية ألأصل، انا بعشقك هي من تأليفي، وهذا ما ذكرته مواقع ادبية عديدة والذكاء الصناعي. وأضاف اليها شيئا من ابداعه. أنا بعشقك الأغنية الخالدة هي من تأليفي في الأصل، ولا ضير أن تنسب اليه، وهذا ما كشفه الذكاء الصناعي ومواقع عديدة أنني من ألف كلمات القصيدة

يَا أَنْتِ… يَا شَهْقَةَ سَرْوٍ نَحْوَ السَّمَاءِ

تَمُدُّ أَغْصَانَهَا، تُسَابِقُ النَّجْمَاتِ

هَمَسَاتُكِ الدافئةُ

كأضواءِ شمعةٍ خافتةٍ،

تَرُشُّ مَغَارَةَ الذِّكْرَيَاتِ

بِبُرُودَةِ النَّدَى

*

النُّورُ يَأْبَى أَنْ يُبَارِحَ صَفْحَةَ خَدِّكِ،

يُقَاوِمُ سَنَا عَيْنَيْكِ فَيَرْتَدُّ

سِهَامَ شَوْقٍ إِلَى الفَضَاءِ

*

الوَرْدُ يَهْمِسُ:

رُدِّي لِي بَعْضَ لَوْنِي

حُمْرَةُ شَفَتَيْكِ قَدْ غَادَرَتْ مَرَاجَهُ،

أَعَارَتْهَا لِلْفَجْرِ السَّقِيمِ

لِيَطْبَعَ قُبْلَةً عَلَى وَجْنَةِ الصَّبَاحِ

*

نَسَائِمُ الخَرِيفِ

تَقْتَلِعُ الأَشْوَاكَ،

وَتَزْرَعُ شَتَائِلَ سَوْدَاءَ

تَتَدَلَّى بَيْنَ الحَاجِبَيْنِ،

تَعْبَقُ بِأَرِيجِ السُّوسَنِ

*

دُجَى خُصَائِلِ شَعْرِكِ

مَحَطَّاتُ اسْتِرَاحَةٍ لِقَلْبٍ

وُشِمَ بِمِيسَمٍ

يَتَلَظَّى بِنَارِ هَوَاكِ

*

لَيْلٌ يُجَاهِرُ بِسَلْبِ الكَرَى،

يُشْهِرُ خِنْجَرَ الغِيَابِ،

يَدْعُوهُ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى مَائِدَةِ المَحْفِلِ؛

غَيْمَةُ مُشْتَهًى غَادَرَتْ،

وَبَقِيَتْ نُدُوبُهَا

مُسَمَّرَةً إِلَى مَضَارِبِ الزَّمَنِ.

*

إِعْصَارٌ يَتَقَاذَفُنِي

بَيْنَ أَمْوَاج اللهفة وشاطئ اللقاء

اتشبث بألواحٍ لزوارقٍ محطمةٍ

تقودني الى دوامةِ

أدور في سوراتِها كراقص صوفي

أردد اذكاراً لأطفو على زبدِ الوهمِ

و يؤذِّنُ سنى الفجرِ بأنّي وحيدٌ

 *

على رمالِ الحقيقةِ

أسأل الريح:

هل تذكُرُ محطاتٍ غادَرَتْني؟

***

جواد المدني

حينما اُغمضتْ نجمتاكْ

تساقطَ مِنْ غيهبِ الكونِ للأرضِ سربُ نيازكْ:

*

نيزكٌ للكرمْ

نيزكٌ للودادْ

نيزكٌ للنبالهْ

*

نيزكٌ للنقاءْ

نيزكٌ للصفاءْ

نيزكٌ للسخاءْ

نيزكٌ للشجاعهْ

نيزكٌ للعدالهْ

*

وتاهَ على اُفقِ الحزنِ في الحزنِ جمعُ حفاةْ

لَمْ يقيموا الصلاةَ على روحِ ميِّتِهمْ

اذْ يقولونَ:

طارَ الى البدرِ كيما يواصلَ في ألقٍ رائقٍ مِنْ هناكَ الحياةْ

***

شعر: كريم الأسدي

.........................

* زمان ومكان كتابة هذه القصيدة  في ليلة الثامن من شباط 2026، في بغداد.

ا- [خَطوَاتٌ على الرَّمْلِ القَديمِ]

عُدْتُ لِأَقْرأَ بَيْتي، لَمْ أَعُدْ لِأَبِيهِ،

مَا زالَ بَابُ الدِّيارِ الآنَ يَحْجُبُني

قَالَ الجِدارُ: هُنا مَرَرْتَ، فَقُلْتُ لَهُ:

كُنْتُ الَّذي يَتَراقصُ الحُلْمُ انْثِيالًا فِيهِ

تَمْحُو الرِّياحُ أَسْماءَنَا إِذَا عَبرَتْ،

لَكِنَّ قَلْبي يُنَادي: "أُمِّي... فَأَيْنَ أَنا؟"

أَمْشي فَتَقْرَأُ خُطْوَاتي مَعالِمَها،

وَتَسْتَفيقُ رُكُوعاتٌ مِنَ الآثارِ

كُلَّما لَامَستْ رِجْلي ذِراعَ جِدارٍ،

مَالتْ أَشْباحُهُ المَرْقُومةُ انْكِسارًا فيهِ

وَإِنْ تَمَسَّكَتِ الأَرْضُ الْآنَ مِنْ خَطَفي،

فَإِنَّ عِطْرَ "العَوْدِ" البَاكي يُفَجِّرُني

فَالْعَوْدةُ الرِّيحُ لَا رِحْلاتُنا فَقَطُ،

بَلْ مَوْجةٌ تُكْمِلُ التَّكْوِينَ في صَدفٍ

**

ب- [الحَرْفُ الأَخِيرُ]

سَأَكْتُبُ الحَرْفَ، ثُمَّ الحَرْفُ يَكْتُبُني،

لَا شَيْءَ يَحْتَمِلُ النِّسْيانَ في زَمَنٍ

الحَرْفُ يَأْبَى فَنَاءً قَبْلَ صَاحِبِهِ،

يَخْرُجُ مِنِّي كَجُرْحٍ في مَسَالِكِهِ

إِنْ لَمْ تَقُلْ... فَمَتى يَسْرِي بَيَانُ دَمي؟

وَأَنَا أَقُولُ: بَعْدَ المَوْتِ لَا أَحَدُ

أُعَلِّقُ النَّصَّ لِلرِّيحِ الَّتي عَبَرَتْ،

لَعَلَّهَا تَحْمِلُ المَوَّالَ لِلصَّمْتِ

أَكْتُبْ بِمَاءٍ، وَبِالرَّمْلِ الَّذي ظَمِئَا،

وَبِالدِّماءِ الَّتي تَسْرِي وَتُعْلِنُنِي

كُلُّ الَّذِي كَتَبتْ كَفِّي سَيَذْكُرُكُمْ:

كُنْتُ... وَمَا زِلْتُ... كُنْتُ... وَالصَّفْحةُ ابْتَسَمَتْ:

أَنَا الَّذِي سَأَبْقَى... بَعْدَ أَصْحَابِي

**

ج- [أُنْشُودَةُ العَوْدةِ]

أَمْدَدْتُ رِجْلي لِرَمْلٍ كَانَ يَحْفَظُني،

فَابْتَسَمَ الرَّمْلُ: "قَدْ جِئْتَ الَّذِي يَهْوَاكَ"

أَحْفِرُ بِالعَيْنِ قَبْرًا لِلَّقَبْ كَانَ يَسْكُنُني،

ثُمَّ التَفتُّ: أُغَنِّي، ثُمَّ أَبْكِيهِ

نَمْ... فَإِنِّي سَأَمْضِي قَبْلَ أَنْ أَصِيرَ رَمْلًا،

فَارْتَجَفَ الرَّمْلُ، وَارْتَفَعَتْ نُجُومُ دَمِي

**

د- [رِسَالَةٌ إِلَى مَنْ يَأْتي بَعْدِي]

إِنْ وَقَفْتَ يَوْمًا عَلَى أَعْتَابِ هَذِهِ الدَّارِ،

فَاعْلَمْ بِأَنَّ الطِّينَ يَحْمِلُ أَثْقَالَنا

وَاللَّيْلُ يَحْفَظُ أَسْماءً عَبَرْنَا بِهَا،

وَالرِّيحُ تَقْرَأُ مَا أَحْفَتْهُ خُطَّانَا

لَا تَبْكِ دَارًا، بَلِ ابْكِ لِلْعِطْرِ الَّذِي

غَابَ فِي صَدْرِهَا، وَانْدَثَرَ الْوَقْتُ بِهِ

وَإِنْ كَتَبْتَ قَصِيدًا، فَاجْعَلْهُ لَحْنًا قَصِيرًا،

كَنَفَسٍ يَرْفَعُ الْوَصِيَّةَ: "كُنَّا هُنَا..."

**

هـ - [نَشِيدُ الرَّمْلِ الأَخِيرِ]

أَمْدَدْتُ رِجْلي لِرَمْلٍ كَانَ يَحْفَظُني،

فَابْتَسَمَ الرَّمْلُ: قَدْ جِئْتَ، فَادْخُلْ مَدَارَتَنَا

أَحْفِرُ بِالْعَيْنِ قَبْرًا لِلِاسْمِ الَّذِي قُتِلَتْ

أَغْصَانُهُ فِي دَمي، ثُمَّ أُغَنِّيهِ.

نَمْ... فَإِنِّي سَأَرْحَلُ قَبْلَ أَنْ أَعُودَ طِينًا،

فَارْتَفَعَ الرَّمْلُ وَاتَّسَعَتْ نُجُومُ دَمِي

**

و- كُودَا

(خَاتِمَةُ سِجِلِّ العَوْدةِ)

هَذَا بَقَايَا الَّذي يَبْقَى:

رَمْلٌ... وَاسْمٌ... وَنَجْمَةٌ تَسْتَعيرُ الْأَعْمارَ

مَنْ يَأْتِ بَعْدَنا يَقْرَأُ في الْأُفُقِ أَبْرَاجًا:

"كُنَّا... كُنَّا... كُنَّا..."

ثُمَّ صِرْنَا طِينًا يُنَادي طِينًا فِي سِرِّ الخَلائِقِ

وَيَبْقَى صَوْتُ العَوْدَةِ يَتَرَنَّمُ فِي أُذُنِ الرِّيحِ:

مَرَّةً أُخْرَى... مَرَّةً أُخْرَى…

حَتَّى يَثْنيَ الْوَقْتُ رَأْسَهُ،

وَيَعُودَ إِلَى بَيْتِهِ الرَّمْلِ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

عندما انتهت الحرب لم ينتهِ شيء. المدن غيّرت أسماءها، والخرائط بدّلت ألوانها، لكن الليل ظلّ هو الليل، يمتلئ بي . صرخًا، وفرحًا مشروخًا، ومعاناةً تمشي على أطراف المعنى، ولا جدوى تتقن فنّ الجلوس في صدري.

*

أنا الآن وحدي، أوسع من الخراب وأضيق من نجاةٍ محتملة. أحمل في جسدي ضجيج العالم كأنني آخر إنسان وأول جريمة.

*

أيتها الغائبة الحاضرة، هل تستطيعين أن تعيدي الأمل إلى نفسي دون أن تعتذري عن هذا الكون؟ هل يمكنكِ أن تلمسي هذا القلب الذي نجا من الرصاص لكنه سقط في المعنى؟

*

خسارة…خسارة كونية ألا أراكِ مرة أخرى، أن ينتهي وجهكِ عند حدود الذاكرة كقمرٍ انطفأ ولم يترك تفسيرًا.

*

أنا لم أغتصبكِ، لا… أنا اغتصبتُ الزمن اللعين، شدَدته من عنقه لأسرق لحظةً نكون فيها خارج التاريخ، خارج الأخلاق الجوفاء، وخارج القوانين التي تبرّر المذابح وتدين الحب.

*

بوجودكِ كنتُ أجد نفسي كما يجد الناجي اسمه بعد أن يُسحب من تحت الأنقاض. كنتِ المرآة التي لا تكذب، والملجأ الذي لا يطلب وثائق.

*

أنتِ المرأة التي عبدتها سنوات طويلة وما زلت، لا لأنكِ إلهة، بل لأنكِ هشّة بما يكفي لتنجو من القداسة. عبدتكِ لأنكِ بشر، لأن عينيكِ لم تدّعيا الخلاص، ولأن صوتكِ كان يعلّمني أن الرحمة ليست ضعفًا بل شجاعة نادرة.

*

عواطفكِ الملوّنة خلقت ألوانًا كثيرة في روحي، ألوانًا لا تراها الطائرات، ولا تدرّسها الأكاديميات، ألوانًا تشبه البكاء حين يفهم نفسه.

*

بعد الحرب لم أعد أخاف الموت، أخاف أن أعيش دون أن أجدكِ في هذا الركام الكبير الذي يسمونه عالمًا.

*

فإن كنتِ تسمعينني الآن من أي جهةٍ في الوجود، قولي للكون أن يتأنّى قليلًا، أن يمنح قلبًا واحدًا فرصة أخيرة ليصدق أن الأمل ليس كذبة متقنة الصنع.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

حقائق محترقة

نشبت نيرانها على حدود منطوية.

حقائب العودة مرهقة خلفها،

زفراتها متقطعة،

تتذوق مرارة الانتظار.

محطات الوصول متهكمة،

بعض المصابيح خافتة،

لمعة متكسّرة تطلّ بها على المحن.

أهزوجة المرايا قلّدتها على قارعة السماء،

ترعد كلّما حركتها ريح،

تتقافز بصداها على جبيني العقيم.

*

حقائق محترقة بلا حدود،

تدركني جيدًا بكل ما داهمني،

وأنا على يقينٍ أني لطالما كنت أخبارًا

وحروفًا مبعثرة في جريدة،

ترصدني منذ وقتٍ،

تهاجر عني كل العناوين،

مهمَّشة،

مقتضبة،

صامتة.

*

جسدي الممغنط،

الملام الوحيد في الحكاية،

هو من شرع صلابته لأغدر بي.

بيدي المسمومة تلك غرست الخناجر في كلي،

نفخت رأسي المحموم،

تحولت تمثالًا تذكاريًا في موطنٍ بلا مواسم.

*

كنت شاهدة عيان لأثري،

أنا فقط الملامة الوحيدة في الحكاية،

لأني بسذاجة ثعلب مكّار

قفزت من حولي، اختبأت خلفي، وتربصت لنقطة ضعفي،

وحين سهوت انقضضت عليّ لأفترسني،

فلأن لا أحد أحقّ بي أكثر مني،

وزعت نفسي على نفسي وتقاسمتني نصفين.

*

من يدرك حاجة قدري أكثر مني؟

مهما فعلت بذاتي لن أؤلمني كما آلمني،

وما زلت أنهش نفسي كلّ حينٍ لأصحو،

وأرتق جرحي حينًا آخر لأستكين.

***

ماتيلدا عواد