عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نصوص أدبية

كمَنْ يَرميْ سهامًا في الهواءِ

تهانينا لكُمْ أهلَ الفَضاءِ

*

قرأتُمْ ما قرضْنا باهْتمامٍ

ولمْ تقِفوا على حدِّ الثّناءِ

*

وعَيتُمْ ما احتواهُ للشّفاءِ

فلبَّيتُمْ كِرامًا للنّداءِ

*

تنزَّلتُم به للأرضِ لمّا

رأيتُمْ ما تكابدُ من عَناءِ

*

رأيتُ جُموعَكُم تطويْ بلادًا

وتُرجعُها بهِ لهُدىْ السّماءِ

*

رأيتُ شيوخَكُم تتلوهُ حينَ الـ

صّباحِ على العبادِ وفيْ المساءِ

*

رأيتُ العدلَ يعْلو فوقَ كلّ

اعتبارٍ دونَ سيفٍ أو دماءِ

*

رأيتُ مدائنًا للعلمِ تُبنى

على أنقاضِ أُخرى للبِغاءِ

*

رأيتُ القُدسَ عائدةً تسوسُ

الدُّنى بعدَ الشّفاءِ من الوَباءِ

*

تنزّلتُمْ بهِ والضّادُ عادتْ

بِكم لغةَ الحضارةِ والنّماءِ

*

وكانتْ قبلَ أنْ تأتوا سُعاةً

تُصانعُ أرضَها أجلَ البَقاءِ

*

وكانَ لها لسانٌ باعَها كيْ

تعِي اسْتسلامَهُ أُذنُ البلاءِ

*

ومن يبِعِ اللّسانَ يبعْ مُقامًا

وما بيْعُ اللّسانِ سوى الفناءِ

*

تهانينا، بكُمْ وبهِ رأينا

بأحياءِ العِدى دورَ العزاءِ

*

تهانينا، وعزّتُنا بكمْ لا

بنفطٍ أو حُقوقٍ أو بناءِ

*

تهانينا، ولسْنا بانتظارِ

انتصارٍ من خِطابٍ أو غناءِ

*

ولا من أمّةٍ أمست غثاءً

وما للخيرِ فيها من رجاءِ

****

أسامة محمد صالح زامل

 

نَهَدَ القَمرُ

وَظِلَالُنَا فَارِغَةٌ حَتَّى مِنَّا

وُرَيْقَاتُ الجُورِي

تَهْذِي وَحِيدَةً

فُستُقَةٌ شَارِدَةٌ

بَيْنَ مَدَافِئِ اللَّيْلِ

تَتَلاَشَى فِي الشَّوْقِ..

*

صَفيرُ الذِّكْرَى..

أَنِينُ نَوْرَسَةٍ

*

لَسَعَاتُ الحَنِينِ

تَبْتَلِعُ شَهَقَاتِي

عَصَافِيرٌ تَرْتَعِشُ

*

أَنا فَتَاةُ الثَّلْجِ

عَلَى ثَغْرِكِ يَا شَامُ

أَذُوبُ لَهْفَةً

بَيْنَ يَاسَمِينِكِ

تَسْقُطُ بكَارَةُ قَلْبِي

**

أَحْمِلُ سَلَّاتِ السَّكِينَةِ إلَيْكَ

بِنُكْهَةِ البَرَاءَةِ

أَرْتَدِيْتك عِطْرَ بْقَائِي..

مِعْطَفَاً لِأنْفَاسِي

عَانِقْنِي بَعِيدًا

عَنْ تَرَاتِيلِ الفَنَاءِ

*

شَوَاطِئٌ تُسَافِرُ

مَعَ كُلِّ مَوْجَةٍ

البَحْرُ صَامِدٌ

العَدَمُ  أَسِيْرُ الوُجُودِ

وُجُودُنَا مَرَافِئُ

لَا اااااااااااااااتَرْحَل.

***

سلوى فرح - كندا

 

يقولونَ انَّ الحضارةَ تأتي فتاةً تسيرُ الهوينا

وتطلُّ علينا

وهيَ تحملُ كأسينِ رهنَ اليدين:

كأسَ عصيرٍ

وكأساً لسُمٍّ زُعافْ

ولا تتحسبُ، لا تترددُ في لحظةٍ، لا تخافْ

سترمي على الأرض كأسَ العصيرِ

وتشربُ كأسَ الزُعافْ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

خُــطى التــعفـف توثيقٌ لِــمأثرَةٍ

من النقاء، وفيها العِـزُّ إرســاءُ

*

طُهْـرُ النوايا بها الذكرى متــوّجةٌ

بنور مضمونها، والحرفُ وضّاءُ

*

إنّ الفِــراقَ إذا ظــرفٌ الــمَّ بــــه

جَذْرُ الموَدّة، رغم البُعـد، مِعطاءُ

*

مهما التفوقُ أبدى حُسنَ ســيرته

لو غادر الطِيبَ، أعــباءٌ وإعياءُ

*

إذا تـــمـيّـزَ تــعبــيــرٌ، بــقـوّتــِه

فأيّ تــكرار لفــظ، فـــيه إبــطاء

*

ضوءُ المضامين، حبٌ بين احرفها

والحب فـــي قسوة الأحوال إحــياءُ

*

في قبضة الكــفِّ، تعبيرٌ له صِلــة ٌ

مـــع الــتحية، إرســـاءٌ وأهــواءُ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

مقام الصبا

(بين ظلٍّ يتأخّر وضوءٍ يستعجل)

***

خطًى...

وأنتَ لستَ هنا... ولا هناكْ

نصفُكَ ظلٌّ تأخّرَ عنكَ

ونصفُكَ الضوءُ يستبقُكَ

ثمّ يرتدُّ... في ارتباكْ

*

كأنّكَ

حين تمشي

توزّعُ نفسَكَ

بين مرآتينْ

*

فلا أنتَ تُخفى...

ولا أنتَ تُعلَنُ كاملًا

ولا الوجهُ وجهُكَ

إن قيل: هذا أنتْ

*

تسمعُ اسمَكَ مرّتينْ:

مرّةً في صدركَ المنسيِّ

ومرّةً في فمِ العالمِ

حين يراكْ

*

وتنظرُ نحوَ الزجاجِ...

فيحتارُ فيكَ:

هل يعكسُ ظلَّكَ؟

أم يفضحُ الضوءَ فيكَ؟

*

فكم أنتَ بينَ اثنينْ

لا حرٌّ تمامًا

ولا مرئيٌّ

تمامًا

*

وكلُّ الجهاتِ

تشدُّكَ نحو احتمالينْ:

أن تختفي...

أو تُقالْ

*

تبدّلُ قلبَكَ نصفينْ

نصفٌ يُخفيكَ

ونصفٌ يُذيعُكَ

في نبضِ هذا العبورْ

*

وتلبسُ وجهًا... وتخلعُ وجهًا...

ولا يستقرُّ عليكَ

سوى هذا التردّدْ

*

فامضِ كما أنتَ بينهما

لا تنثنِ للتمامِ

ولا تنكسرْ... للنقصْ

كنِ العابرَ

في حدِّ نفسِكَ

*

اكتبْ...

ولا تكتبْ تمامًا

قلْ...

واتركْ بقايا الكلامِ

لصمتٍ يُكمّلُهْ

*

فلا شاهدٌ

يستطيعُ القبضَ عليكْ

ولا غيابٌ

يكفي لإخفائكَ الآنْ

*

التمسْ عذرًا

لظلِّكَ إن تأخّرَ

ولوجهِكَ إن سبقْ

*

فلستَ الذي يُرى كاملًا

ولستَ الذي يُنسى

تمامَ النسيانْ

*

وحين اصطدمتَ بنفسِكَ مرّتينْ

لم تنكسرْ...

ولم تنجُ...

بل صرتَ

هذا العبورْ

*

خطًى...

وأنتَ بين ظلٍّ يتأخّرُ

وضوءٍ يستعجلُ

*

لا أحدٌ يقولُ: وصلتْ

ولا أحدٌ يقولُ: غبتْ

*

فكم أنتَ الآنَ...

أقربُ ما تكونُ

إلى نفسِكَ

حين لا تستقرّ

*

وكم أنتَ...

كائنٌ

يحدثُ

في هذا العبورْ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

في صباحٍ شتويٍّ دافئ خفيف، وبينما كان معلم درس الجغرافيا والعلوم (أنور بهجت) يقف عند بوابة المدرسة يراقب دخول التلاميذ، فلمحها للمرة الأول تلقي إليه بنظرة خاطفة تخصّه بها وحده. ثمّ عبرت الرصيف المقابل بخطوات واثقة إلى حيث لايدري..

كانت تحمل حقيبةً داكنة، وشعرها ينسدل ببساطة دون تكلّف على كتفيها.

تلك اللمحة الخاطفة السريعة، والابتسامة الدالة على شئ ما غمرتاه إلى درجة تمنّى عندها أن تتلاشى ضجة الصغار العابرين من البوابة إلى المدرسة وصخب السيارات والتحيَّات التي يتبادلها مع المعلمين وسلام فراش المدرسة. لو اختفى كلّ صوت..

وكل ضجة

لو يبقى الصمت وحده لينعم بنظرتها ولفتتها المذهلة

مع ذلك تمنى أن تنسخ المصادفة نفسها فتطغى مرة أخرى..

كأنّه لم يهتمّ.. فقد تكون مصادفة..

نلتقي الكثيرين ولا نعير نظراتهم اهتماما.

ثمّ

قطع الشكّ باليقين..

لم تعُد المصادفة تفرض وجودها

هي كرّة أخرى

إنها تلتفت إليه عن قصد

تعنيه هو لا أحد غيره

ولا تبتسم لأحد سواه

كان هناك توافق في النظرات.

فتجرّأ وهزّ رأسه، فأجابته بهزّة من رأسها، فدخل غرفة المعلمين بزهو خفيّ، كانت الساعة السابعة والنصف تماما،. الموقف الجديد.. الغريب عليه حقّا.. جعله يشعر بلذة قدح الشاي وفتنة البخار الذي يتلوّى فوقه بخفّة راقصة رشيقة القوام..

وقد

استقبل الصّغار بروح أخرى

درس العلوم والفرق بين الضّباب والغيم، صمت معظم تلاميذ الصفّ الثالث ماعدا واحدا بدا متحمِّسا.. ألحّ وهو يرفع إصبعه بلهفة:

الضباب قريب منا أستاذ والغيوم بعيدة في السّماء.

قبل إطلالتها عليه ببضعة أيّام لفّ المدينة ضباب كثيف، كان زفيره يعبق بخيط طويل كثيف ولم تشر النشرة الجوية التي قرأها على النت إلى تكرار الحالة في المستقبل. تابع الأنواء لأكثر من أسبوع، سيكون الجوّ باردا ممطرا، هناك عواصف غير أن ظاهرة الضباب رسمت على المدينة حالة غريبة دامت أكثر من ساعة.

لربما يقدر أن يكلمها بحرية خلال ساعة يغمرها ضباب كثيف.

سيجد حينذاك شجاعة كافية للحديث معها

كيف يبدأ؟

عليه أن يتأكد فنظرة عابرة لا تكفي وإن تكررت مرّة أخرى.

وهاهي تعلن مع كلّ عبور في الصباح من الرصيف المقابل للمدرسة أنّها تعنيه وحده بنظرتها والتفاتتها.

بعد أيام، تكرّر المشهد.

التوقيت نفسه تقريبًا، المكان نفسه. كانت تحمل كتبها بين يديها كأنّها تضمّ مستقبلها. هذه المرة، رفعت الفتاة عينيها للحظة، والتقت نظرتها بنظرته. لم تكن نظرة طويلة، ولا دعوة صريحة لشيء، لكنها كانت كافية لتجعله يشعر بأن المدينة كلّها صمتت لثانية واحدة.

لا شكّ

ولا تردد

يبقى الخجل وخفقة القلب وحدهما.

أين تذهب ولأية دائرة تقصد؟

موظفة؟

عاملة؟

معها كتب.. طالبة ثانويّة أم جامعة..

لو تأخّر بضع دقائق لايهم، أخبر الآذن الذي يقف خلف بوابة المدرسة أنّه نسي شيئا ما، سيعود إلى البيت، ويمكن أن يشير المدير إلى بديل عنه إلى أن يعود. لن يحضر مراسم رفع العلم ونشيد الصباح، ذلك لا يعني شيئا أمام بادرة الحب الجديدة.. إذ تكاد نظرتها إليه تعبق برائحة مميزة. أيّة رائحة تفضل؟ بياضها المدهش.. خصرها، ورقبتها. . وحين تختفي عند منعطف الطريق يبتسم لنفسه ويمضي، ممتنًا لإعجابٍ عابرٍ لم يطلب أكثر من لحظة تأمّل.. الحبّ لايأتي إلا مصادفة.. لايمكن أن نتعمّده..

أنثى جميلة ورجل..

لابدّ أن تكون جميلة

ما اسمها؟

بأيّ حرف يبدأ

من النبات أزهار.. نرجس.. لؤلؤ..

الضياء..؟

الفتنة؟

هاجس يوحي إليه أنّ اسمها يتلجلج على طرف لسانه..

أين تمضي يا ترى

سار خلفها.

هناك رغبة وبعض القلق.

قد تصرخ بوجهه..

طرد الفكرة سريعا وأيقن تماما أنّه يتبع نظرتها ذات الدلالة الموحية بالحسّ والجمال والألفة والدفء.

وأحسّ بنبضات قلبه من بعيد.

عبرت الجانب الشرقي من مجمّع المولات الجديد، وسارت عند صفّ أشجار الاثل الضخمة حيث النافورة القديمة، واتجهت إلى كلّية الهندسة. التفتت تحذر الشارع لكن حضورها مرّ كنسمة قصيرة تركت أثرًا غريبًا في صدره. هزّ منير رأسه مبتسمًا لنفسه، كأنه يوبّخ هذا الشعور المفاجئ..

ثمّ

حثّ خطاه عائدا إلى المدرسة.

شئ يشبه الإحباط

نوع من اليأس

طالبة؟

ستكون مهندسة؟

لايبدو من خلال نظرات خصّته بها أنّ لديها شعورا بالتَّفوُّق.

بالتعالي والزّهو

يقرؤ من عينيها تواضعها..

ولا يتعجل الأمر

قد تكون موظفة تشتغل بشهادة الثانوية.

لكن ماذا لو كانت طالبة وماهي إلا سنة أو سنتان فتصبح مهندسة، فهل يلعن كُلْيَةً أصبح بسببها معلما؟

نعم في لحظة النشوة يضع اللوم على كُلْيَتِه.

وقد تعمّد أن يأتي إلى المدرسة مبكرا لكنه في هذا اليوم عزم على الحضور في وقت آخر.. زمن يبدو لا يقبل التأجيل سبق أن أعلن كذبا - وإن كان نادرا مايكذب- أنّه يحتاج إلى زيارة طبيب الأسنان فيتعذر مجيئه إلى المدرسة في يوم غد. حصر الزمن في صباح الغد وهو لا يدري إن كانت ستعبر غدا أم لا، مع ذلك فهاهو يتعلق بمسحة واسعة من التفاؤل:

لا بدّ من أن تمرّ

بإصرار

ودافع مبهم

وقف بعيدا عن المدرسة..

اختفى في مكان بين المول الجديد والنافورة القديمة

حتّى انكشفت له الأمور على حقيقتها، أبصرها قادمة من بعيد وبيدها مسطرة قياس مثل التي اعتاد طلبة كلّيّة الهندسة على حملها.

تكشّفت له حقيقة أخرى. ليست موظفة تعمل بشهادة الثانوية، ستكون مهندسة، مالذي يا ترى دفعها لأن تنظر إليه نظرات خاصة، شكله، وسامته، بدلته وربطة العنق، لم يجرب الحب من قبل لكنه يعرفه يأتي مصادفة، حثّ خطاه اإلى المدرسة وكان الجرس على وشك أن يدقّ، اختصر الوقت بالذهاب إلى حمام المعلمين ليلمح وجهه في المرآة والتحق بالصف.

الأطفال بريئون لكنهم مشاكسون وهذه التي اختارتك من بين آلاف الرجال بريئة كما تلمع عيناها.

- كم عدد نفوس العالم الآن؟

- أستاذ ست مليارات.

- صحّ.

- كم المليون أيها الأذكياء؟

- ألف ألف!

- صحيح

من بين ستّ مليارات. ألقت بنظرتها عليّ، وفي خضمّ دهشته وتساؤله، قضى يومه في المدرسة بين البهجة والفرح وبعض الندم. يسمع.. يرى يخاطب المعلمين والتلاميذ ويغيب في الوقت نفسه.

2

في البيت خطر بباله زميل دراسته في المرحلة الثانويّة (أيهم عبد الله) لو لم يكن مرض الكلية الذي فاجأه خلال فترة التقديم إلى المرحلة لكان معه في الجامعة على أقلّ تقدير كلية العلوم. كانت أيّاما صعبة تركت المرارة في نفسه ولا يظنّ أنّه يقدر على أن ينساها بسهولة ويسر.

تطلّع في وجهه بالمرآة ثم مرر يده على بطنه كأنه يجس مكان الجراحة القديم فجاءه صوت أمّه من المطبخ:

هل أحضر الغداء؟

لا بأس سآكل وأغفو ساعة ثم أخرج

لم تكن علاقته بنديم أكثر من علاقة زمالة، مع ذلك كانوا اعلى ماجرت عليه العادة- يتزاورون خلال المرض والأفراح والوفيات. حين تزوج أخوه (ضياء) دعاه إلى البيت. كانا في السنة الثانوية الأخيرة، سنة النجاح ومرض الكلية في الوقت نفسه،، وخلال اسبوع انقلب الوضع تماما، فهتفت أمه إنها عون حسود أخوك تزوج وأنت نجحت من الثانويّة.. وإلا ما الذي حدث وفي المشفى ولما يندمل جرحه زاره نديم زيارة واجب، وفعل آخرون من تلاميذ المدرسة، وقال له أخوه (ضياء)

لا تتأثّر إذا علمت أنّ التقديم إلى الجامعة أغلق ولم يبق لك من مجال سوى التعليم سنتان وتصبح معلما أم هل تقبل العمل بشهادة الثانوية؟

إتضح له أنه حاول أن يتلهى ساعة القيلولة بالنوم، ولو كان معه رقم هاتف (أيهم) النقال لوفر عليه الوقت واللهفة وشدة الرغبة، أسدل ستائر النافذة وأغمض عينيه ووضع ساعده عليهما يستمتع بنعومة الظلمة، حاول النّوم لكنّ صورتها تسللت مثل عطر خفيف إلى أفكاره.

ابتسامتها

صمتها اللذيذ.

شدّه فيها ذلك التركيز الذي يعلو وجهها، وتلك النظرة التي توحي بأنها تفكّر في مكان ولحظة أبعد من المكان واللحظة اللذين نعيشهما. كان يحسّ، وهو يراها، بشيءٍ من الحنين إلى أيام الدراسة، إلى الأحلام الأولى قبل أن تثقلها المسؤوليات. لم يتبعها إلا بنظره، ولا رافقها إلا في خياله، حيث تتحوّل إلى رمزٍ للشغف بالعلم، لا إلى شخصٍ يُقتحم عالمه من دون مقدّمات..

كان يدرك حدوده جيدًا، ويعرف أن المسافة بينهما ليست أمتارًا فحسب، بل أدوارٌ وأعمار وتجارب. لذلك اكتفى بأن يجعلها باعثًا داخليًا على أن يكون معلّمًا أفضل، أكثر صبرًا وإخلاصًا

عالم فقده.. ابتعد عنه مرغما

وآخر يغرق في المثال يقترب منه.

كانت ساعة الحائط بطيئة والمروحة تلف بخفوت.

كلّ يوم تغلبه قيلولة الظهر بعد الغداء.

ويأبى قلبه إلّا أن يستيقظ

وعقله يحوك علامات استفهام لا تنتهي.

هل حقّا فكرت به؟

هل قرأت خجله؟

ارتباكه؟

من أيّ شيء يأتي القلق؟

أحيانا مروحة السقف تصبح قلقا

ضجة تتسلل من الشارع

طنين ذبابة

ليس هو الصمت أو الظلام.

لا لوم على العقل حين ينسج علامات استفهام من دون أسئلة.

يمكن، لو استلقى ليلا، أن يعدّ إلى المائة فيتسلل النوم إلى عينيه لذلك أيقن أنّه لن يربح القيلولة.

أخيرا

نهض، كرع بعض الماء، راودته ابتسامة، وهتف:

- أمي أنا خارج!

وسار وسط الهدوء الذي تخيّله أو افترضه. عبر الشاعرع إلى حيث التقاطع الفاصل بين المول الكبير والحديقة العامة ثمّ انحرف جهة الغرب، وكان بعد دقائق يقابل زميل دراسته (أيهم عبد الله):

- معذرة لم يكن معي رقم هاتفك النقال

- ولو هذه فرصة لنجلس في البيت.

- مادام الجو لطيفا وهو الربيع أفضّل المشي

عبرا الرصيف، واتجها إلى حيث الكافتريا السياحية التي تقبع بموسيقاها الهادئة عند حافة البحيرة الصغيرة. كان كل شئ هادئا فالظهيرة تلاشت في العصر وما زال هناك متسع من الوقت أمام الزبائن وطالبي الراحة. لا طيور تزهو بالتغريد، والهواء يميل، وثمة وزرة تسترخي عند حافة الماء.

يبدو شارد الذهن، يقلب فنجان القهوة بين يديه كأنّه يبحث في قاعه عن إجابة. لاحظ (أيهم) سكون صاحبة فابتسم:

- هل الموضوع على درجة من الأهمية؟ إنّي مصغٍ إليك.

فنفث الهواء وقال:

- لم أتخيّل يوما أن أقع في مأزق يبدو صعبا سهلا مادامت حياتي رتيبة وبريئة مع التلاميذ الصغار

فقاطع أيهم:

- لست صديقا جديدا فأكتشف صفاتك في وقت متأخر هذه أوصاف أعرفها عنك من قبل وهي من إيجابياتك.

- هناك فتاة غيّرت الكثير في حياتي ونظرتي للحياة.

قطب حاجبيه:

معلمة أم طالبة؟ .

فهزّ رأسه بالإيجاب وقال:

نعم طالبة في كلّيّة الهندسة.. كليتك!

ابتسم (أيهم) ابتسامة خفيفة، فيها مزيج من الفضول والتفهّم

- صفها لي ماذا فعلت بك لتصل إلى هذا الحدّ من التفاؤل والتشاؤم بدرجة متساوية (ومن دون أن ينتظر جوابا، واصل:ياصديقي إمّا أن نكون متفائلين أو متشائمين لكن أن نجمع الاثنين في ساعة واحدة فذلك فوق طاقتنا!

ساد صمت قصير، كأنه يحاول أن ينتقي كلماته بعناية. ثم قال

- جميلة جمالها صاخب إلى حدّ ما وهادئ هدوء الفجر ليس غجريا كما يقول الشاعر لكنه يلفت النظر. أمّا عيناها فتحملان ذكاءً واضحًا، وفيهما شيء من التحدي، كأنها لا تقبل الأشياء كما هي دون أن تفكّر فيها أولًا قبل كلّ شئ.

- فضحك ضحكة قصيرة وقال: لغز أم ا ماذا؟ (وانتبه فتحاشى أن يجرح صاحبه) يا صديقي هذا وصف عام ينطبق على معظم الفتيات اللائي يدرسن معنا في الكلية على فكرة كلهن راقيات وجميلات..

فابتسم وقال:

- يبدو أنني أصبحت شاعرا دون أن أدري.

ارتشف (أيهم) من قدحه وتساءل:

- هل تعرف أنك معجب بها. أو هناك تلميحٌ.. إشارة ما..؟

فتأمّل صباحاته من قبل لحظة:

- كل يوم تمر من أمام المدرسة ترمقني بنظرة ذان معنى تشيعها بابتسامة هادئة.

أخذ رشفة أخرى، وتابع:

- ألا تعرف بأيّة مرحلة هي؟ -

- لا!

- علامة أو شئ ما يميزها؟

كل ما أعرفه أنها تخصني عبر الرصيف بنظرات ذات دلالة وإني رأيتها تحمل مسطرة وتدخل كلّيّة الهندسة.

ففكر أيهم قليلا:

- ولا علامة في ملابسها

- فحصر ذهنه لحظة وقال:

يوم أمس ارتدت قميصا أزرق ذا خطوط عريضة بيضاء.

- الطالبات اللائي معنا عددهن ليس بالقليل ربما إذا توفرت لدينا معلومات أجعل صديقتي تسأل عنها.

فرفع قصبة العصير إلى فمه وتساءل:

- لك صديقة؟

في تلك اللحظة انكسر السكون بصوت طائر ترنم بين أغصان شجرة يوكالبتوس، فرفعا رأسيهما باتجاه الشجرة، فقال أيهم:

- ليست من البلد طالبة بعثة من بلد مجاور سأعرفك بها.

فشع أمل في نفسه على الرغم ومن الشكوك:

- هناك بعض الخوف يراودني.

- مال أيهم للأمام قليلًا

- ومم تخاف بالضبط؟

كأنّه ينزف حسرة كلّما تذكّر:

- الفرق.. مرض الكلى اللعين الذي منعني من أن أدخل الجامعة.. ستجد نفسها أعلى مني ذات يوم أو الآن ربما.. عندئذ تكون نزوة تستفيق منها حين تجدني أكون عبئًا على أحلامها، أو أن يكون إعجابي بها فيه نوع من الأثرة وحبّ الذات أراها تمثل طموحي الضائع مع ذلك أشعر أن حياتي تغيرت فما زالت ترسل لي بالنظرات ذات الدلالة.

انصرف أيهم إلى العبث بعروة الكوب ولزم أنور الصمت ثمّ أضاف:

الحقّ تريد لم أحبّها لكونها جميلة فقط بل لأنّها فكرة جميلة اقتربت منّي.

- ابتسم أيهم بتعاطف، وحاول أن يخفي أسفه فيظنّه من دواعي الشّفقة، وقال بصوت هادئ ذي موعظة:

الحب بعيد كما أظنّ عن الامتلاك الذي يفرضه الوضع الطبقي لا أشكّ أن نظرة مجتمعنا تغيّرت بعد الحروب العبثية.. هناك طبيبة تتزوج موظفا ومهندسة.. تتزوج معلما، فقد نجد ميكانيكيا يكسب أكثر من جراح مناجح مشهور.

رفع رأسه، وفي عينيه شيء من الراحة

- لهذا قصدتك كانت توقعاتي صحيحة إذ أنّك نفيت الشكوك عنّي.

هزّ أيهم رأسه مبتسمًا:

- وأظنّك الآن تفهمها.. وتفهم نفسك أيضًا فليس كلّ وجه جميل يترك أثرا في النفس.

- معك حقّ.

ابتسم أيهم ابتسامة خفيفة، وقال:

- إذن دع الأمور تسير بشكل طبيعي. تعال معي إلى الكلية غدًا. الحرم الجامعي واسع، والأنشطة كثيرة. إن كانت طالبة هناك، فستظهر بلا تصنّع ولا مطاردة.

قال بارتياح ممزوج بالأمل:

- هل ألتقيك في الكلية غدا؟

متى تنتهي من المدرسة؟

- أتفرغ تماما بعد الظهر.

4

- لدي ساعة بعد الواحدة.. استراحة.. تعال وستكون فرصة لتتعرف أيضا بصديقتي.

- اتفقنا إذن.

لقاؤه بزميل دراسته القديم دفعه إلى أن ينظر لعلاقته القادمة بصورة أكثر بهجة. النفوس تغيّرت، ولم تعد الكثير من الفتيات يتعالين لشهاداتهن ودراستهن، تعرفه معلما.. رأيته يدخل المدرسة.. كررت نظرتها الخاصة المشفوعة بابتسامتها إليه.. إن كان ولابدّ يمكن أن يتفرغ في المساء ليدرس في جامعة أهلية، فيسد مايشعر به من فرق بينه وبينها. ولربما شكر مرضا داهمه فصرفه عن التقديم إلى الجامعة ليصبح فيما بعد معلما بمدرسة ابتدائية، إذ في هذا المكان التقاها تعبر.. النظرات.. القدر الذي رمى الاثنين في طريق واحد كي يلتقيا ويتعارفا.

لا يستبق الأحداث..

يتفاءل..

وقدأخبر والدته في الصباح أنّه لن يأتي إلى البيت ساعة الغداءوخرج مبكرا ببضع دقائق، في باله أن يلتقيها بعيدا عن المدرسة، فيحييها أو يسلم عليها حتى إذا ذهب إلى لقاء نديم ورأته أدركت أنّه جاء من أجلها. عبر من رصيف المدرسة إلى الرصيف المقابل، وتباطأ في مشيته، التحق به تلميذان، من تلاميذ الصف الثالث، فأصبح بينهما. قال بلطف:

أعبرا إلى الرصيف الآخر مادام الشارع فارغا من السيارات.

قال أحدهما بزهو:

نحب المشي معك يا أستاذ.

يا صغيري العزيزين أنا أمارس رياضة المشي إنها أفضل رياضة، وسأجتاز بوابة المدرسة ثم أرجع ففي الوقت بضع دقائق أستفيد منها.

اقتنع التلميذان بما ةقال عندئذ تنفس الصعداء.. لو بقيا يسيران معه لما أستطاع أن يلقي عليها تحية الصباح.. وعبر البوابة بخطى وادعة بطيئة.. بينه وجرس المدرسة خمس دقائق

ولمّا تعبر بعد!

لتذهب تحية العلم إلى الجحيم

ونشيد الصباح

سيسمع نغمة صوتها..

مع ذلك

هل عبرت مبكرة قبله هذا اليوم؟

أم ربما هو المرض

وليس في باله احتمال آخر

بعض الشك يصبح قلقا ولا يمسح التفاؤل، فيعوّل على لقاء اليوم حيث نديم هناك وصديقته، ويبدو أنّه قضى وقتا متناقضا من الصباح إلى أن انقضت ساعات الوقوف أمام لوحة الصفّ الخضراء:

قلق وأمان

تعب وراحة

تتراوح تناقضاته بين أين هي ولم لم تمر هذا الصباح.

مع ذلك قفز قلبه إلى الفرح حين أعلن الجرس الختام وتراكض التلاميذ قبل المعلمين كطيور انطلقت من أعشاشها. فاستل الهاتف النقّال من جيبه. ووقفت الساعة الأخيرة بينه وبين الموعد مثل متراس يحاول اقتحامه أو حيوان شرس يهم بترويضه. انحرف إلى المول، ودخل مطعما صغيرا. وتلهى عن الزمن الشرس بصحن شاورما وكأس عصير، ثمّ غادر إلى كليةالهندسة.

توقف عند درجٍ يقود إلى القاعات

وتفرس في الوجوه بلمحات سريعة لا تثير الفضول

لعله يلمحها

فتشعر بوجوده.

حلقات الطلبة والطالبات، وعبق الروائح العطرة. ياترى هل أثار فضول بعضهم وجوده الغريب، شعر أن الممر يضيق ويتسع في الوقت نفسه، وأن ضجيج الطلبة يبهت أمام إيقاع قلبه. في المعهد في المعهد حين كان طالبا أثار فضوله أيّ وجه غير مألوف يقتحم المبنى، ولو سارت الأمور سيرا كما شاء هو لا المرض المفاجيء لكان الآن في المرحلة الثالثة. ياترى بأية مرحلة هي. قد تكون في مرحلة أيهم أو أصغر منه بسنة.. لم يسأل عن الكافتريا بل قادته قدماه في الأروقة ثمّ خرج يتجول بين الحديقة والفراغ المطلّ على نهاية المبنى، فدخل وسرعان ما لفحت أنفه روائح الشواءوالطعام وداعبت عينيه حركة الطلاب وبشاشة الطالبات، فسحرته هيبة المكان وسحره قبل أن يهبّ إليه صاحبه من مكان قرب المدخل مرحبا به..

- مرحبا بك (وبسط يده نحو صديقته):

سناء ..

سمراء خفيفة الظل أقرب إلى القِصَر نطقت عن لهجة توحي أنَّها من بلد مجاور رحبت به كما لو كانت تعرفه من قبل:

- مرحبا بك صديق تشرفت.

- أتشرب شيئا.

فابتسم عن مرح تأصل فيه منذ دخوله المبنى:

- ماجئت لأشرب بل أستطلع.

- رائع جدا سناء لا تشرب حيث الرجيم وأنت بدافع العجالة وفرتما عليّ (والتفت إليها) قد نحتاجك.

- من عيني.

خرجوا يتجوّلون بين الممرات وكان أيهم يوزع ابتسامته خ ويهز رأسه يحيّي من يلتقهيم فالتفت إليه ضاحكا:

- لا تعجب إذا ىسمعت من يمنحني لقب شيخ الكليّة

عبروا أكثر من تجمع، فقالت بصوت منخفض أقرب إلى الهمس:

- ألم تلمحها بين هؤلاء.

- أبدا

فابتسم أيهم:

- ليست في إحدى القاعات ولا في الكافتريا يمكن أن تكون ذهبت إلى الحمامات.

فضحكت سناء وهتفت:

- ياوقح! (والتفت إليه): كيف تصادق مثل هؤلاء الوقحين!

فالتفت إلى أيهم:

- على فكرة لم أرها صباح اليوم تمر من الرصيف المقابل لبوابة المدرسة!

صعدوا إلى الطابق الأوّل حيث طلاب المرحلة الخامسة، كان الممر خاليا وليس هناك من طلاب في القاعة، فقالت سناء:

- لابدّ أن يكون لديهم تطبيق عملي خارج الجامعة أو رحلة إلى إحدى المؤسسات!

- لم نخسر شيئا لعلنا نعثر عليها في المرة القادمة.

ربما عدّ غيابها مصادفة لاتدخل في الحسبان سوى أنّ الحبّ لا يقبل الافتعال. هكذا هو القدر يريده أن ياتقيها وحده من دون واسطة.. لقدغابت لكن الغريب أن غيابها لم يخيّبه. كان يشعر أن مجرد الاقتراب من عالمها، من المكان الذي تنتمي إليه، خطوة كافية تجعله يثق في نفسه، ويرفض أي طرف غريب. الحب عمل ابداعي يقتحم عليك روحك فجأة فترى بكلّ جوارحك أنّك تستطيع أن تغيّر العالم.

فودعهما شاكرا وفي باله فرصة أخترعها وقد عزم على ألا يضيّعها مهما بلغ به الخجل مداه.

5

فجأة

ازداد ثقة بنفسه

المرأة لاتحبّ الرجل الجبان.

كل مقومات الرجولة فيه..

ليس هناك من ضعف.. يقف بنفسه ويقدر

غير أنّه الخجل.

وفي اليوم التالي قدم باكرا وحدث نفسه أن يتأخر عن المدرسة، فكمن في الرقعة الخضراء جنب المول.

دقّ قلبه دقّات سريعة.

راوده بعض القلق

وكادت شفتاه تتنمَّلان بخدر لذيذ.

لكنه لم يتراجع بل ابتعد مساحة واسعة عن اليأس والخوف..

تحرر من خجله المألوف

وحين عبرت المول برز من مكمنه.. فاجأها إذ اعتادت أن تلقي عليه نظرتها ذات المدى الساحر وهو أمام باب المدرسة. ابتسمت، وأشرق وجهها عندئذ تشجّع:

- صباح الخير.

ماتزال شفتاها تشرقان:

- صباح النور.

رائحة من نوع ما غريبة عليه، أمَّا المفاجأة فكانت في صليب فضي يتدلى على صدرها.. مسيحية.. يزيد صدرها تلاؤلؤا، وقد تأرجح على قميصها الذي أطبقت عليه الأزرار فأخفت صفحة صدرها.

- آسف قد أكون أزعجتك بإطلالتي المفاجأة.

- أبدا.. أبدا..

اسمي أنور معلم في مدرسة الربيع..

أنا عطارد طالبة في كلية الهندسة السنة الخامسة.

- تشرفنا هل يمكنني مرافقتك إلى الكلّيّة؟

- بكل سرور.

صمتت لحظة، فقال وقد تلاشى خجله:

آسف جدا إذ ليس أمامي غير هذه الوسيلة لأتكلّم معك..

- ليست هناك من مشكلة مادامت النوايا حسنة.

فعاود اعتذاره:

إنها جرأة لكنها ليست وقاحة.. إعجابي بك دفعني أن أستوقفك في الطريق.

فاتسعت ابتسامتها:

لا أظنك فعلت خطأ.

مثلما توقعت سناء. كانوا بالأمس في تطبيق عمليّ.. الصف الخامس يعني أنّها أكبر منه بسنتين. ستنهي الجامعة هذا العام، لا يظنها من الجنوب مثله، ملامحها توحي بأنها من الوسط أو الشمال:

- أتسمحين أن أرافقك إلى باب الكلية؟

بكل سرور.

ليخفِ عنها زيارته يوم أمس ولقاءه بصديقه إلى وقت آخر، ويرى أن يقتنص اللحظة الراهنة بكل حيويتها

- مع ذلك كان الأولى أن أمر على الكلية فألتقيك هناك لكني لم أرك يوم أمس.

فهزّت رأسها بثقة وجدّ:

- كنا في زيارة عمل مع الأستاذ المشرف، واتفقنا أن نلتقي في مؤسسة البحث.

وقبل أن يصلا إلى الكلية بمسافة قريبة:

- هل يمكن أن نلتقي اليوم في أي مكان ترغبين.

سأنتهي الساعة ىالرابعة:

- مارأيك في مقهى الحديقة العمومي؟

قالت دون تردد:

- مكان جميل.

كاد يطير من الفرح:

- إذن أنتظرك هناك بعد الثالثة.

فنظرت إليه نظرة ذات حنوِّ، وهزت يدها ملوحة برفق:

- إلى لقاء.

- إلى لقاء.

تابع خطواتها حتى توارت خلف باب الكلية وقد أنسته النشوة أن يتبادل معها رقمي تلفونيهما، ولم يبالِ في المدرسة لانزعاج المدير من تأخره، وأنسته المغامرة فوضى التلاميذ البريئة خلال فترات الاستراحة، والضجيج وصمت الفصول بعد كل ّ جرس يدعو الصغار للصفوف، وتجاهل الثرثرة في غرفة المعلمين، ولم يشغله سوى الصليب الفضي.. مفاجأة.. ترى هل يشكل عقبة في طريقه؟

هي المرّة الأولى التي يتحدث فيها مع فتاة لا يعرفها. يمكن أن يكون اليوم حقق معجزة مذهلة إلى حدٍّ ما. كان يرى طالبات المدرسة كلّ يوم. مشهد عادي، وفي مرحلة الدراسة لم يتذكر أن تلميذة رفعت إليه بصرها. بنات الجيران يزرن أمه، وكن يأتين إلى أخته قبل أن تتزوّج.. الدنيا كانت تسير بوقع ممل لم ينتبه إلى ملله إلّا اليوم.

دقيقة

لحظة

ثانية

تفصلنا عن الشعور بالسأم زمن مضغوط، مختصر لا يتطاول ببعده إلى ساعة. فنعرف أننا كنا نعيش رتابة لا نحسها.

وقف أمام بوابة المقهى ينتظر على الرصيف.. المكان ذاته الذي جمعه يوم أمس مع أيهم، فكان يهاتفه:

- آلو أيهم.. لقد كلمتها وها أنا أنتظرها عند بوابة المقهى..

- رائع هكذا هي الحياة تحتاج إلى مجازفة!

- اسمها عطارد في السنة الخامسة!

- طيب سنتحرى لك عنها بشكل لا يثير الشكّ.

- طيب.. بلغ تحياتي إلى سناء.

دقائق مرّت ثقيلة..

وأقبلت تتهادى مثل بطّة رشيقة.. أو حمامة.. لا أبدا.. تلك صفات قديمة هناك صفة جديدة فيها لايدركها الآن.. بسط يده وسحب لها الكرسي المحاذي لرصيف البحيرة فجلست ووضعت بهدوء ملفها الجامعي وحقيبتها على المنضدة، وجاء النادل فطلبت قدح شاي، بحث عن معنى يبدأ به كلامه، فلم يجد غير هدوء الجوّ وفجأة تردد فقد يكون الحديث عن جمال الجوّ مقدمة تقليدية استهلكها حتى تلاميذ المدرسة في درس التعبير والإنشاء، ولم يطل الصمت بينهما حيث بادرت:

- الإنسان في حاجة إلى ساعة صفاء كهذه بعد ساعات طويلة من الإرهاق.

فابتسم مؤكدا:

- عني أنا العمل مع التلاميذ يحتاج إلى صبر وتحمل.

وجاء النادل يحمل القدحين، فانحنت على حقيبتها ترتب مساحة للقدحين:

- منذ متى بدأت التعليم؟

- قبل سنتين ومن حسن حظي أنّي عملت في مدرسة الربيع لألتقيك.

زادت ابتسامتها وتورَّد وجهها:

- شكرا للطفك.

فأطلق شبه حسرة وانتبه إلى أن يتحاشى ضعفه:

- كان من المفروض أن أكون في السنة الثالثة من كلية العلوم لا أدري هل ما جمعته من علامات يكفي للكيمياء أم الفيزياء، هو حظي حيث مرض الكلى ففات وقت التقدم إلى الجامعة وأنا راقد في المشفى.

- لا بأس عليك إذا أحببت يمكن أن تتلحق بإحدى الجامعات في المساء.

فصمت لحظة:

- كلامك يبعث الأمل في نفسي من جديد.

هزت كتفيها جادة:

- لم لا مانحتاجه فقط الإرادة.

- مع ذلك أشكر المرض الذي جعلني اختار التعليم لألتقيك أمام بوابة المدرسة وإلا ماكان لما كان هناك من تبادل للنظرات.

نظرت إليه نظرة ذات دلالة:

لكلّ شء بقدر.

فضحك ضحكة قصيرة:

- أقصد التقت عيوننا (وتسللت يده إلى يدها التي لم تتعمد وضعها على الملفّ) هناك صور ووجوه تترك في نفوسنا انطباعا منذ اللحظة التي نراها فيها وكأننا نعرفها ونثق في أننا سنلتقيها ثانية.

فأبقت يدها في يده، وقالت:

- المشاعر تحكمها المصادفات أكثر من التخطيط والتأمّل.

فقال ببراءة مراهق اجتاحت جسده قشعريرة لذيذة:

- علينا أن نخطط إذن لما يأتي.

- مازالت تتطلع في عينيه بذكاء مفرط:

- أول الأمر الجامعة.

- إنّك تعيدين إليّ أملا كدت أفقده إلى الأبد.

وخطفت بصره لمعة من الصليب الذي ارتسم على فتحة قميصها ثمّ طاش نظره لحظة نحو طائر حطَّ على بعد خطوات منهما طائر ذو جناحين خضراوين بنّ!يّ الرّأس، راح ينقر بحماس قطعة تناثرت على الرصيف من شرائح البطاطا المقلية، فخفقت عيناه من الصليب إلى الطائر واستقرت بين عينيها:

- أعدك هي أربع سنوات سأكون كيمياويا أو مدرسا مع أنّي أحبّ الجغرافيا وهي للأسف في القسم الأدبيّ..

ابتسمت وتململت برشاقة:

- هل نذهب الآن؟

- لك ماتشائين!

فلملت ملفها والحقيبة، فتساءل قبل أن يغادرا المقهى:

- هل أطمع في لقاء آخر؟

- طمّاع.!

- في أن ألتقيك نعم (قبل أن تهرب الكلمات منه) ماذا عن غد؟

فقالت بتمنع فيه بعض الرضا:

- سأتصل بك عبر الهاتف.

وإن نسيت؟

- محال سأتصل بالتأكيد.

- أنا في الانتظار!

غادرا المقهى، وسايرها على الرصيف إلمحاذي للمنتزه، وفي نهاية الطريق افترقا وهما يحلمان بلقاء آخر.

6

لم يكن ليصدق

وقف أمام المرآة

يستطلع صورته؟

هل حقّا أنا جميل؟ سأل نفسه.. لا بدّ أن أكون كذلك.. آنسه رائعة.. أقرب إلى الملائكة البياض الخارق.. أعلى مرتبة منه... من غير دين.. تحبّه. من قبل رآى نفسه وسيما مع البدلة وربطة العنقّ.. أما الحب فلا ينسجم معه إلّا ملابس أخفّ وأجمل.. مثلما هو عليه ممثلو السينما المشهورون، في الإعدادية اتفقوا هؤلاء الذين لاصديقات لهم هو منهم أن الرجل يحبّ الجمال.. والمرأة تحبّ الخشونة.. كلما كان الرجل يميل إلى القبح تعلقت به المرأة. عكس طبيعتها. ولولا الأعراف والتقاليد لفضّلت النساء القرود. والدليل ليس ببعيد.. الأوروبيات الرائعات الناعمات يتعلقن بالسود ذوي الأنوف العريضة. والشفاه الغليظة..

وهاهو يلغي انطباعه القديم..

الآن يكتشف وسامته..

يقنع نفسه أنّه وسيم

يختار عطورا مثيرة..

أيّ عطر يثير مشاعر الأنثى إذا ما استافته فليكن.. لن يغيّر عطره.. لم يحن الوقت بعد لمكاشفة سيدة البيت.. مازال الوقت مبكرا، وسوف تعلم أنّها مسيحية.. لا يظنّها ترفض.. منذ صغره يحبّ المسيحيين.. يراهم أمّة هادئة راقية..

التسامح

السلام

المحبّة

يتنفس عن عمق وعيناه ماتزالان ترمقان المرآة.. كان يشعر أنّ الإيمان طقوس عميقة.. تمنحه المحبة والسلام.. لا يقدر أن يعيش من غير دين.. بعض الأحيان يصلي.. لن تنقلب الدنيا سواء صلى أم امتنع.. غير أن شعورا بالراحة والسكينة هبطا عليه حين رآى الصليب يتراقص على صدرها.

لو كانت الآية معكوسة.. ماذا يحدث..

لوكانت مسلمة وهو مسيحي.. هل يضيع الحبّ ولحظاته الرائعة هدرا؟

ابتسم وهو ينظر إلى صورته الجديدة...

وقتها لكلّ حادث حديث..

وانعطف- قبل أن يغادر المنزل- إلى غرفة أمّه التي وجدها منذ وفاة أبيه قبل أن يدخل معهد المعلمين مشغولة إمّا بالإنصات إلى قراءة الذكر أو البحث في غوغل عن قصص الأنبياء والمرسلين والأولياء وبعض الأحيان اليوتوب والأخبار.. لكنها لاتفعل ذلك إلا بعد أن تنهي عملها في المطبخ وترتيب البيت. كانت في بعض الأحيان تتململ وزاد تذمرها بعد زواج أخيه (سراج) موظف الكمارك الكبير وإصرار زوجته على العيش في بيت يخصهما ثمّ زاد ضجرها بعد زواج أخته. لا عذر عنده في الزواج بعد أن نال الوظيفة، لكنه فضل أن يقدم خبر الجامعة في البدء:

- ماهو رأيك أيتها الفاتنة الجميلة في أن أتقدم للجامعة فأدرس في المساء؟

فتأملت لحظة، وقالت بين الشاكة والحائرة:

- ألا يؤثّر التعب في صحتك وكليتيك عمل في النهار وفي الليل مواظبة في الجامعة؟

- لاتخافي يا سيدتي سألت الطبيب فلم يمنعني، لا أريد أن أعيش وأموت معلما هي أربع سنوات فأكون في أحسن حال.

فلانت بعض اللين وإن كانت تخشى عليه من التعب:

- أين الهدف إن شاء الله؟

فردّ وفي ذهنه من دون أن يعلم سباق هائل بينه وبين (عطارد):

- أظنها كلية العلوم.. ولو كانت الجغرافيا في القسم العلمي لاخترتها بعدها يمكن أن أواصل لأحوز شهادة أعلى!

- على بركة الله

غادر المنزل قبل ساعة، ذهب إلى المول الكبير. هي الهدية الأولى التي يقدمها لها. هو العطر الذي لن تغيره سيذكرها به في المستقبل. دون في مفكرة غوغل العطر المناسب لبشرة المرأة الناصعة البياض، فاقتنى قنينة اليزابيث وايت. كان موعدهما في مقهى المول. ولا يظنها غامرت مادامت اختارت المكان. من مدينة أخرى إذن لن تلتقي مصادفة أحدا من أقاربها، أو إن الحرب الأخيرة غيرت في نفوسنا ونحن نستقبل أشياء جديدة كل يوم مثلما قال صديقه (أيهم) . سيل من المخترعات.. والأدوات الجديدة نتلهى بها عن المالوف القديم..

جاءت قبل الموعد بخمس دقائق. سحب كرسيا لها، وانحنى وهو يقدم لها قنينة العطر:

- آمل أن تعجبك؟

- شكرا لك.

وفتحت الحقيبة فقدمت إليه شيئا ما ملفوفا بورق زاه، فطبع قبلة على يدها:

- آمل أن تعجبك هديتي، لكنني الآن في شوق لأن أرى هديتك هل تسمحين:

- بالتأكيد.

فانزاح الغلاف الزاهي اللون عن قلم حبر، فقالت بأريحيّة وثقة:

- لكي تستخدمه في الجامعة.

سألها عما ترغب، فطلبت قهوة بالحليب، فنهض إلى البار، وعاد مع وعاءقهوة، حاوية حليب وسكر، فأدارت لهما قدحين، وعاد للحديث:

- هل تصدقين أني في المدرسة استخدم الطباشير على اللوحة، وبقية يومي مع الكومبيوتر والموبايل إنّه عالم سريع لاندركه بالقلم.

بعد رشفة:

- وماذا عن تصحيح دفاتر التلاميذ؟

- معك حق في هذه الحالة ألجأ إلى القلم مجرد واجب فلا أحسّ انفعالي معه كما هو الحال من قبل.

فتطلعت في عينية ثواني وقالت:

- أحب شفافيتك كثيرا فهل تبقى بهذا الحسّ أبدا؟

- أعدك أنا لا أعرف المبالغة هذه مشاعري.

فنظر كلاهما بعين الآخر وقالت:

- كيف تثبت أنك لا تتغيّر؟

- لأنني لا أكذب وأحب أن أقول لك أنّي صريح معك فقد حرت في كيف ألتقيك فجئت إلى الجامعة لرؤيتك كنت ابحث عنك مع صديق لي منذ الثانوية وكانت معنا صديقته.

فابتسمت بمكر، وقالت:

- مع ذلك لم تحدثتني يوم أمس عن مغامرتك.

- ليست كذبة ومن حسن حظي أني لم أرك ساعتها لأنّ جمال الحبّ في تلقائيته إبداع ذاتي لا يحتاج إلى واسطة أو شخص ثالث.

ومرت لحظة صمت خفيفة تبادلا النظرات والابتسامات كأنّهما يبحثان عن فكرة جديدة قطعها بلهفة:

- لقد حدثتك عن نفسي فهل تخبرينني عنك؟

- عن أيّ شئ؟

- عنك عن أهلك عن بيتكم إخوانك.. أخواتك.

- والدي مهندس في شركة النفط، ووالدتي خريجة اقتصاد لكنها فضلت عمل البيت، ولديّ أخ نور أكبر مني طبيب وأخت سراب أصغر منّي في الثانويّة. هل هذا يكفي أم..

فضغط على يدها برفق، وقال:

- أكثر.

نحن في الأصل من مدينة الشمال وحينا هناك يسمونه حي السلام لا بدّ أنكّ سمعت به.

كل الحي مسيحي؟

معظمه.

فتردد ونطق أخيرا:

أخشى أن...

فأدركت مايجول في خاطره:

أمي منفتحة نحن كاثوليك المتعصب فينا والدي.

آمل ألا يقف حجر عثرة في..

لكل حادث حديث.

وارتشفت من الكأس ثمّ توقفت عن مص القصبة فساح العصير على شفتها. وبخفة وضعت منديلا على شفتيها ونهضت إلى دورة المياه، وعادت ةبعد دقائق:

هل من شئ؟

قابلته بنظرة دافئة، وقالت بصوت حنون:

- عليّ أن أذهب لولا موعدي معك لما تركت البيت فهذه السنة الأخيرة، وعليّ أن أجدّ كي أحوز على درجات تؤهلني لأصبح معيدة في الجامعة.

- لك ماتشائين يكفي أن أراك.

ونهضا فرافقها إلى حيّ المهندسين عندئذ أطلقت يدها من يده وودعها على أن يلتقيا في يوم آخر.

7

بعد اللقائين كثر اجتماعهما..

أصبح كلّ منهما لايستطيع أن يعيش من دون الآخر..

يعرفه..

ليس حب مراهقة

حب آخر كالماء والهواء، شدّه الشوق إليها والعطش بشكل رهيب، فليس هناك من كائن آخر يمكن أن يحلّ محلّها، ولا فتاة مهما بلغت من الجمال والرِّقّة أن تكون بدرجتها.. اسمها.. لفتتها.. ابتسامتها

أشياء كثيرة فيها لاتحصى

نظرتها التي شدّته عن بعد

كلّ مافيها مميز

وجرب الشعر فكتب إليها ذات يوم:

الشمس تغرقني في البحر

والبحر يغرقني في عينيك

قالت:أصبحت شاعرا

فقال مزهوا:

- هذه أولى تجاربي من من وحيك

وازداد زهوا حين سمعها تقول:

- هل كنت تذكر البحر لو كانت مدينتنا حبيسة؟

ربما كنت وأنا تلميذ أشعر بعظمة وارتياح حينما كان المعلم حينذاك يحدثنا عن البحر والسواحل فلا أظن أنّ التلاميذ الذين يعيشون في مدن لاساحل لها يشعرون بالإحساس ذاته (وعقب كأنّه يلتقط نفسا عميقا) البحر والنهر العريض جعلاني أحبك أكثر.

وفي إحدى الصباحات بعد الدرس الأوّل ادعى أنّه يعاني من صداع، فسمح له مدير المدرسة بالانصراف ونصحه إن كان يروم أن يراجع طبيبا فضحك من نفسه وهو يغادر غرفة المعلمين متسائلا هل يعلم الحبّ النقيُّ الرائع الكذب؟

ودّ أن يفاجأها فلم يتصل بها عبر الهاتف النقّال، واتخذ طريقه إلى كلّيّة الهندسة، صعد المدرجات، وغاب عنه الإحساس بالرهبة.. الشعور الذي راوده أوّل مرة يدخل فيها الجامعة فيظنّ أنّ الجميع يعرفونه زائرا غريبا جاء لأمر ما والإحساس الذي يراوده حين ينظر في عينيها فيجتاحه خدر لذيذ لايُقاوَم. مع ذلك يعدّ نفسه ينتمي إلى هذا المكان مادامت (عطارد) ، اجتاز الممرّ ووقف على بعد خطوات من من باب الفصل.

لحظات حرجة

لحظات الجدّة والابتكار

لحظة المفاجأة

بعد دقائق انفرج الباب فخرج الأستاذ الطويل النحيف يحمل حقيبته، ثمّ تدفّق الطلاب والطالبات. ومثلما توقّع:

تحت تأثير المفاجأة

حثت خطاها إليه

تركت مجموعتها وتوجهت إليه:

- ماذا؟ فعلتها؟

قالتها بابتسامة كادت تسع الدنيا؟

- مفاجأة اليست كذلك؟

- حلوة. لا أنت لست سهلا.

- لذلك لم أتصل بك عبر الهاتف.

- لدينا ساعة الغداء؟ مارأيك أن نذهب إلى الكافتريا؟

- هل ترغبين أن ندعو أيهم وسناء..

- بكل سرور!

هبطا إلى حيث الكافتريا كانت الطاولات مزدحمة، ورائحة القهوة تختلط برائحة البرغر الساخن. اختاروا طاولة قريبة من النافذة المطلة على ساحة الجامعة، حيث الأشجار العتيقة التي شهدت أجيالًا من الطلبة وأحاديثهم.. أمامهم أربع سندويجات شاورما وعلب عصير. وبدا أنّ (عطارد) غير متعجلة للأكل وأنها تمضغ الطعام ببطء شديد مما جعل الآخرين يظنونه بعض الميوعة والدلال المألوفين عنها.

سناء وهي تلمز إلى عالم الرجال:

انظري نحن النساء نلتقط الطعام مثل الطيور والرجال..

فأجاب أيهم ساخرا:

نحن أسود أليس كذلك ياصديقي.

فأجاب (أنور) محترسا:

في المستقبل نتعلم من الجنس اللطيف الرقة.

فقالت (سناء) قصدك نروّضكم؟

مسحت (عطارد) بعض قطرات سالت على شفتها السّفلى، ورمت بقية طعامها في الحاوية، وقالت (سناء):

- إنّي أغبطكما أنت على وشك التخرج هذا العام.. أهنئكما أنتَ عندك وظيفة وتستطيعان الاقتران بأسرع وقت.

وانبرى أيهم:

- هل قدمت مشروع التخرج؟

قالت (عطارد) ببعض الفخر:

- البناء صديق البيئة.. (واضافت بعد رشفة قصيرة):إنّه بناء المستقبل.

وربّما دفعت الرغبة (سناء) وطبعها الفضولي أن تتحمّس لفكرة المشروع وترسم علامة استفهام عن طريقة التطبيق مرة بعينيها الواسعتين وتارة بإشارة من يدها، وأضافت بحماس:

- يمكن أن تطوّري نموذجا هندسيا صديقا للبيئة يقلل استلاك الطاقة. ولاكت ثمّ أضافت أنا أثق بك.

فقال أيهم مؤيدا حماسها ولامزا صديقه عن عمد:

- طبعا.. الجغرافيا والهندسة تلتقيان أكثر مما يظن الناس، فاختيار موقع أي مشروع يعتمد على فهم الطبيعة والمناخ والناس. وعلاقة الإنسان بالأرض، ثم إلى القيم التي تحكم سلوك البشر، ثم إلى الدين.

فضحك أنور بنشوة:

أكملي هذه السنة وستجدين البيت جاهزا. لا تقولي ليس صديقا للبيئة!

أنور ببعض الشكّ:

أمامنا سنتان وعندئذٍ آمل الفرج.

والتفتت (عطارد) إلى (سناء) متساءلة:

- هل هناك عائق؟ .

فمطت شفتيها:

ربّما أبي لكن علينا ألّا نيأس.

المشكلة تبقى مشكلتنا؟

فقال أيهم لا أظن هناك مشكلة بالمعنى الصريح؟

فتساءل (أنور) هل أنتِ من دين آخر؟

فضحكت سناء:

نحن من نفس الدين لكن أخشى أن يعترض أبي على اقتراني بشخص من بلد آخر.

فبهرت عبارتها (عطارد)

أووه العالم أصبح قرية صغيرة.. صغيرة جدا جدا بفضل الميديا والمخترعات!

فعلا أكد (أيهم) ونهضوا إلى حيث الدروس ماعدا (أنور) الذي غادر الكلية وفي باله تتلاعب أفكار بدأتها فكرة أن يرفض الأب طلبه ثمّ يتخيل نفسه لا يقدر أن يعيش من دونها أوّل حب له.. إيقاع جديد يجعل للحياة طعما حلوا.. هل يستطيع أن يقنعها على الاقتران به إذا ما قوبل إلحاحه بالرفض.. المسيحيون مسالمون لاينتقمون.. ولا يظنّ أنهم يقدمون على عمل شرير ثمّ يعود إلى الشعور بالسلام فيهدأ ولا يبدو عليه من شئ سوى علامات المرح والسرور!

8

قالت له، قبل يوم الاحتفال بالتخرج وهي تجرب الروب الجامعي، وتستعرضه أمامه:

جميلة؟ أليس كذلك؟

رائع عليك الثوب الأسود بياض وشقرة يا لسعدي (ضمّ يديه مثل الطفل صدره) أنا الآن أكثر سعادة من أيّ وقت.

- أنا أحلى منك!.

ابتسم:هذه بديهة لا تحتاج إلى برهان (بشئ من الاعتراض):

- لكن لم لون الروب الجامعي أسود.. لقد قرأت أن القضاة والمحامين في المحاكم يرتدون الروب الأسود.. كان ذلك في فرنسا ومنها انتقلت العدوى إلى محاكم العالم..

- لم أعرف ذلك من قبل!

لا يتذكر أين سمع أو قرأ القصة فاستطرد:

- قبل 300عام أقلّ أول أكثر عثر شخص على رجل ميت فهرع إلى البوليس في ذلك الوقت لم يكن هناك تحليل وطب متقدم فاتهموه وحكموا عليه بالإعدام وعندما عُرِفت الحقيقة أصبح القضاء يلبس اللون الأسود.

فضحكت ضحكة قصيرة:

- القساوسة عندنا يحبون الحياة لذلك يلبسون اللون البنفسجي مع ذلك أتلهف إلى اليوم الذي تلبس فيه البدلة وأحضر المراسم معك.

- سأفعلها.. كما تحبين.

- بل أريدك أنت كما تحب.

وفي يوم المراسم

ازدانت قاعة الاحتفالات في كلية الهندسة بالأضواء البيضاء واللافتات التي تحمل أسماء الخريجين.. على المنصة باقة من الزهر، وهناك ملحمتا ورد قائمتان عن اليمين والشمال. ثمة على الحائط خلف المنصة ارتفعت لوحة خطّ عليها (حفل تخرج المهندسين) .

عالم غبطة وفرح

كما لو كانت الدنيا تبدأ دورة جديدة..

واكتملت الصورة حين أطلت (عطارد) ترافقها سيدة في الخامسة والأربعين، بيضاء متوسطة القامة.. ذات شعر ذهبيّ وعينين واسعتين.. انتبه إلى أنّها تعلّق على صدرها صليبا فضّيا شبيها بصليب عطارد سوى أنّه أصغر حجما، أماّ الأب فكان طويلا أشقر شديد الشقرة في الخمسين من عمره لا يخلو وجهه من قتام وبعض الجدّ والصرامة، وفي عينيه نظرة غامضة لا يُدرك مغزاها.. ابتسمت حالما وقع بصرها عليه، أشارت بعينها علامة الرضا، فأقدم إليها، سبقته بالتحية، وقدمته بابتسامتها الأليفة:

- أبي.. أمي.. أستاذ أنور..

فانحنى مجاملا ولم يلحظ سوى ابتسامة الأم أما الأب فقد رحب به لكنّه احتفظ بملامح وجهه الجادة كأنّه في لحظة عادية وليست مناسبة فرح، ثمّ انحنى وتراجع متخا مكانه في الصف خلفهما.. يراهم ولايرونه وحالما انتهت من تقديم أبويها إلى أصدقائها وصديقاتها حتى وقفت في طابور الخريجين.. بانتظار بدء المراسم!

هي فرصته الثمينة..

يعيش أجواء الجامعة.. ويبصر العائلة

يتأملها..

يدفعه فضول أن يراقب

أب جاد

وأم منفتحة.. تبدو أكثر مرونة..

يتمعّن في الآخرين من دون أن يرونه

وهاهو يرى الأب يراقب المنصة بعينين تلمعان بالفخر، قسماته الغامضة انفتحت فجأة، بينما لم تتوقف والدتها عن التقاط الصور بهاتفها. كلما ظهرت (عطارد) على الشاشة الكبيرة المعلّقة في القاعة، كانت الأم تبتسم وتهمس لزوجها:

أصبحت مهندسة يحفظك الرّب

يرى الحركات

مشدود للهمسات

تجتاحه سعادة غامرة إذ يرى بشكل آخر.. فاجأته بصورتها الفرحة السعيدة.. الصورة التي من خلالها يتفتح له أمل غير بعيد المنال..

سيعرف أكثر وأكثر..

لعلنا نخطئ في نظرتنا الأولى وفي لقائنا الأوّل

هل مازال يحلم أم حقيقة.

الحديث مع الزميلات لم يمنعها أن ترمقه بنظراتها. . بدت ملامحها مزيجًا من الفرح والدهشة، وكأنها لا تزال ترغب في أن تصدِّق أن سنوات الدراسة الطويلة قد انتهت أخيرًا. قبل سنوات قليلة فقط، كانت طالبة جديدة تحمل أحلامًا كبيرة، أما اليوم فهي مهندسة تقف على أعتاب مستقبل مختلف.

خمس سنوات شاقة صعبة آخرها تكللت بالحبّ قبل النجاح..

أخيرا جاءت اللحظة الحاسمة التي خفق لها قلبه..

نادى مذيع الحفل:عطارد سيلاس

وقفت بزهو غريب ثمّ سارت نحو المنصّة بخطوات واثقة هادئة رشيقة.. صافحت العميد واستلمت شهادتها ثمّ رفعت رأسها نحو الجمهور قليلا.. لمحت أبويها بابتسامة عريضة وخصته بنظرة يكاد يلمسها بكلّ جواره.. له وحده.. تختلف عن أيّة من نظراتها للآخرين فتجعله يعيش في عالم يطلّ على المستقبل من غير أن يلهث من تعب ولا يعاني من ألم.. هي النظرة نفسها التي ألقتها عليه أوّل مرّة وهو عابر من الرّصيف إلى بوابة المدرسة فجذبته إليها برقّة وحنان.. وستبقى إلى الأبد..

لا أحد غيره _حين تلمحه _ يسري في جسده خدر وفي عينيه نعاس..

تتناوشه الأحلام كما لو كان في فردوس..

يمشي وهو حالم

يعيش في ملكوت بعيد عن الأوجاع والآم

ليس هناك من حزن

هي تريدك مثلها بعد أربع سنوات

بالتأكيد تقف الموقف نفسه

بدلتك السوداء

وربما يرافقك طفلكما..

عليه أن يسألها كم طفلا ترغب..

عندئذٍ

مع آخر الهابطين من المنصّة التف الأهالي حول أبنائهم وبناتهم تريث قليلا وسار هادئا يكاد لا يخفي فرحه نحو الثلاثة.. صافح (عطارد) وبارك للجميع.

الآن صورته انطبعت في ذهن الأب والأم

وسيعرف منها إن وجوده _ وهو ليس بطالب في الكلية- أثار بلا شكّ، فضولهم..

لكن ذهنه كان مشغولا بيوم آخر يراه ليس ببعيد..

9

حان الأوان - حسب تصوّره- ليصارح سيدة البيت..

يفاجؤها

هي إلى الآن لم تعرض عليه الأمر

فهل ارتاحت حين وجد أخاه الأكبر بيتا فغادر بتشجيع خفي من زوجته إلى منزل لايبعد عنهم كثيرا.

المهم

رحل الإثنان الأخ والأخت وهناك الطابق العلويّ، من حسن حظه أنّهما تركا حصتهما في البيت له ولأمهما وشاركاه في تركة أخرى. فهل يرى بعد في العالم طمع وشراهة.. ولكي يضفي على الأجواء فتنة ناعمة يدخل يباشر بها موضوعه:

- هل ترغبين في كأس شاي معي.

فعلمت أنّه بصدد قول شئ ما.. لمحته بعينين تشيان بالدهشة:

- بكل سرور

وخرج إلى المطبخ وعاد بالشاي، ومازالت ابتسامتها ترتسم على شفتيها، قالت بإحساس كأنّه إحساس العارف الخبير:

- يبدو أنّ هناك شيئا يدور في بالك. يشغلك.. أظنّك تبدو شارد الذهن أحيانا.

فارتشف وقال:

- ليس هناك من شئ يدعو للقلق.. أُطمئنك أنّ كلّ شئ على مايرام.

- الآن ارتحت..

- أتذكرين يوم لمحت لك عن الزواج!

فابتسمت ابتسامة تنمّ عن الرضا قالت:

- ياليت! سنختار لك.. سنعرض عليك أسماء من نعرفهن.. هل..

- أبدا لا .. هذه طريقة قديمة..

فارتسمت على وجهها حيرة ما:

- هل هناك فتاة في حياتك؟ كنت أنتظر أن تفاتحني بالموضوع.. مهما يكن فهذا خبر جميل.

- هناك فتاة أعرفها منذ فترة اسمها (عطارد) تخرجت هذا العام وستعمل مهندسة.

توقفت لحظة ثمّ سألت بهدوء:

- آ (راحت تهزّ رأسها) فهمت.. فهمت..

فقاطع متعجلا:

- ماذا فهمت؟

لَمَّا تزل هزّ رأسها وتبتسم:

- فهمت لِمَ كنت خلال تلك الأيّام سارحا.. تمشي مثل الإنسان الآلي.. تبتسم وحدك.. شارد.. سارح.. لقد خفت أن تكون تتعاطى شيئا ما لكنّي لم أعرف.. آخر ماخطر على بالي.. آه منكم أنتم الجيل الجديد.. والحمد لله.

- لا تبالغي يا صغيرتي ! (وقرص خدها قرصة خفيفة..) لا تبالغي.. أيّة مخدرات.. لا أخفي أني كلما قابلتها شعرت بالراحة

فقالت جادة:

- كيف عرفتها؟

- حاول أن يختار عباراته بدقّة من دون أن يظهر عليه أيّ افتعال، فلها القدرة على الكشف عن كذبه من دون أن تبذل جهدا:

- كنت أذهب إلى كلية الهندسة ربما من باب الحنين إلى الجامعة ثمّ لا تنسي كافتريا كلّيّة الهندسة القريبة من المدرسة أرخص وأفضل من المقاهي أليس كذلك؟

فقالت تؤكد كلامه:

- هناك التقيتما (ابتسمت بخفة) كنت أظنك رغبت في الجامعة وحدك ويبدو أنّه تحريض منها.

فردّ بحماس:

- لا هذا ولا ذاك لا تحريض ولا تشجيع عندي الرغبة ولو حدث النصيب فسأكون خريج جامعة مثلها ثمّ إني لا أظنها تشعر بالزهو علي فكثير من المفاهيم تغيرت بعد الحروب وغزو الميديا.

فتأملت طويلا:

- يبدو أنّك واثق منها ومن سلوكها.

- أكثر من إعجاب.. تحدثنا أكثر من مرّة، واكتشفت أنها تفكر مثل تفكيري، لو التقيتها للمست طيبة قلبها وخفة روحها.

- قلت اسمها عطارد؟ ابنة من هي؟

- ابنة مهندس في الكهرباء يدعى سيلاس. .

فصفنت لحظة كادت تكون برؤياه طويلة:

- مسيحية؟

- نعم.. هل لديك مانع؟

- هل فكرت في الأمر جيدا هذا موضوع حساس؟

خطر إلى ذهنه الحديث المتفائل عن الموضوع ذاته مع صديقه (أيهم) ، فاحتسى رشفة، يلتذّ بها على الحديث الهادئ:

- نحن الاثنين نتحدّث دائما باحترام عن معتقدات بعضنا (توقّف برهة يستعين على انتقاء كلماته) أنا أعلم أنّ الاختلاف الدّينيّ قد يسبّب بعض التّحدّيات لكنّي أرى فيها إنسانة طيّبة تحترم الجميع.

نظرت الأم إلى ابنها بتأمّل عميق كما لو تنظر إلى أفق مفتوح أمامها:

- وماذا عن المستقبل؟ عن الأسرة والأطفال؟ هذه أمور تحتاج إلى تفكير عميق

- بإمكانك أنت تساعديننا في تربيتهم وأظنهم لن يعيشوا مزدوجي الثقافة قلت لك إنها لاتفكر بمثل مايدور في رؤوسنا.

فهزت رأسها بين القبول الواسع والرفض:

- دعنا نتعرف عليها وعلى عائلتها أوّلا.

- أنا معك.. لتكن سأحاول أن أرتب لها لقاء معك!

أشاع جوّ الحوار بعض الراحة في إذ خشي أن تضع سيدة البيت شروطا تليق بتقاليد الأسرة وجذورها التي تفتخر بها.. بعض الأحيان يراها على حقّ.. كلّ مايحيط بنا الآن مزيّف.. غير أصيل.. النت.. الآي باد... الحياة السريعة.. المعاملات اتلرّسميّة.. الدلفري.. التبضع من شركات عالمية عابرة للقارات.. مع ذلك تلجأ إلى هذه الميديا الدخيلة ولا يمنعها كبرياؤها أن تفخر بأبيها وجدها اللذين لم يمانعا أن تتعلّم وتشتغل.. ب

وخرج ليلتقيها في الحديقة العامة.. كان قلقا فقد اعتاد أن يسبقها إلى المكان قبل الموعد بدقائق، وهاهو يتأخر فجرّب الهاتف النقَّال لكن لا فائدة.. وجدها وآثار الانفعال بادية عليها وهو يعرف أنّ غضبها بعض من الدلال لأنّه تأخّر بضع دقائق عليها، هي المرّة الأولى التي يراى الانزعاج باديا على وجهها:

قالت بحدة:

- انتظرت طويلا وكان عليك أن تصل قبلي ماهذا السلوك؟

- جميلة في الغضب وجميلة مثلما هي رائعة في الفرح أوّل مرة يراها بهذه الصورة:

- اتصلت بك على النقال ولم تردي

- تجاهلت.. نعم تجاهلت كان عليك أن تصل قبلي.

هل تعلمين سبب تأخري:

قالها وهو واثق من أنّه غضب مفتعل شأنها شأن النساء حين يبحثن عن أيّ شئ يكرّس دلالهنّ فيتحججن بحجج متباينة:

- لا أدري حين تحدد الوقت يعني تلتزم به.

سارت أمامه جانب الحديقة نحو أجمة الأعشاب البرية، فجلست على مسطبة وكان قدومهما قد أثار بعض الفراشات والعصافير التي بدأت تحوم بعيدا عن المكان:

- كنت أحدث عنك أمي.

فخفَّت حدتها، ابتسمت في وجهه ونظرت إلى الأرض:

العمّة.. ما اسمها؟

بدور هل السيدة بدور الاسم جميل.

ليس هناك أجمل من البدر.

- ستكونين لها ابنة ثانية!

- أناديها إذن ياخالة.. خالة أجمل لن أعدّها حماتي.. (ضحكت ساخرة وواصلت) تعرف أنّ خبراء الأعاصير في الغرب وأمريكا يطلقون على الأعاصير أسماء حمواتهم فتصبح تلك الأسماء هي المعتمدة في سجلات العالم.

- طيب اسمعي آخر ماكتبته من وحيك:

قبل أن أحبّك

لم يكن الصخر ينطق

ولا الطير يغنّي

كان كلّ شئ في سكون

حتّى هبّت نسائمك!

التقت عيناهما فراوده ذلك الإحساس بالراحة والخدر حيث حلم المستقبل القريب الواعد بالأمان) وازدادت لهفته فالتفت يتيقّنُ من خلو المكان.. ليس هناك من مار أو قريب يزعجهما سوى الفراش وطيور مشغولة بالتقاط الحب والغناء، فازدادت نبضات قلبه وارتفع حماسه، مسك يدها، ضغط عليها ووضع إصبعه تحت حنكها، فرفعت رأسها إليه... رغبة جنونية تدفعه إلى التجاوز أكثر، لم يعد يقاوم فهوى بشفتيه على شفتيها، استغرقت معه بقبلة طويلة، تهدجت أنفاسهما..

استعرت

تأوهت

تجلَّت بين أنفاسه حرارة شفتيها

راحت يده تمر على صدرها من وراء الثوب فشهقت بعمق، وانسلت عنه بخفة.. مسكت جبينها. كانت شفتاها ترتجفان.. فارتسمت في ذهنه إشارة أوحت له أنّه أوّل من قبّلها..

لا تمثل قط

لحظة من البراءة تتمثل أمامه:

- أرجوك.. أرجوك.. كفى.. هذا خطأ

- أعبدكِ

قالت باستنكار وهي تهش فراشة خفقت أمام وجهها:

- ماكان عليّ أن أفعل ذلك أنا متدينة أمارس الصلاة كلّ يوم.

- أعدك أني لن أتطاول أكثر ولكي أثبت ما أقول متى ترغبين أن أزوركم؟

فابتسمت ابتسامة مسحت غمامة الحزن عن وجهها:

- أيّ وقت تشاء، (واستدركت): قد يرفضك أبي من أوّل لقاء. لا تيأس.. ستبقى الكلمة كلمتي.

9

راحت سيدة المنزل ترتب الصالون بعناية فائقة. وضعت صينية الشاي على الطاولة الخشبية، وأحضرت أطباق الحلويات التي أعدتها منذ الصباح.

كليجة تفننت بعملها وزنود الست.

كان هاتفها المحمول تلك اللحظة يرن في حين دخلت نجاة وهي تمسح يديها بطرف مريولتها.. تساءلت:

أمي متى تصل؟

رفعت بدور رأسها وقالت بابتسامة خفيفة:

اتصلت بي إنها على وشك.

في تلك اللحظة قدمت (أريج) زوجة كمال من المطبخ، وهي تحمل طبقا من الكعك:

مارأيكن أن نضعها في الوسط؟

ابتسمت نجاة:

تبدو شهية جدا.. ستعجبها بالتأكيد!

ربما أثارت كلمة (هالة) فتنة (أريج) وغرورها المتوارث.. بجمالها وأصلها الأرستقراطيّ الذي لايقلّ عمّا هو شائع عن عراقة بيت السيدة بدور فردَّت بنغمة توحي بالرضا ويشوبها استهجان خفي:

- لِمَ لا تعجبها هم ليسوا أرقى منا وليس كل المسيحيين راقين.

ساد صمت ثوانيَ، قبل أن تقول سيدة البيت بنبرة هادئة:

تذكرن.. علينا أن نستقبلها ضيفة عزيزة، فلا نريد أن تشعر بحرج لعلّها تكون يوما ما ابنتي (والتفتت إلى أريج) مثلما أنت بالضبط!

- هزت الكنّة رأسها:

- بالطبع ياخالتي. إن شاء الله يحلّ النصيب فتكون واحدة منّا.

رنّ جرس الباب، فتبادلت النساء نظرات سريعة. انصرفت هالة إلى الباب، وعندما فتحته، وجدت أمامها شابة فائقة الجمال ترتدي معطفًا بسيطًا وتحمل حقيبة صغيرة.

- عطارد أليس كذلك؟

- نعم أنت هالة؟

ابتسمت الضيفة:

- جميلة مثلما وصفك أخوك.

- شكرا لذوقك.

- تفضلي نحن بانتظارك.

- بالضبط كما وصفك كمال.

دخلت بخطوات مترددة قليلًا، وكأنها تحاول قراءة المكان. كانت عيناها تتنقلان بين الجدران المزينة بالصور العائلية والسجاد التقليدي. تقدمت سيدة البيت التي بدت بسحنتها الوقورة وجمالها المهيب:

- أهلا وسهلا يا ابنتي شرّفتنا.

ابتسمت قائلة:

- شكرا جزيلا ياخالة أنا ممتنة لهذه الدعوة.

هالة وهي تشير إلى المقعد:

- تفضلي، هل تحبين الشاي؟

- نعم شكرا!

جلست، وضعت حقيبتها بجانبها، بينما راحت هالة تصب الشاي في الأكواب الأنتيكة التي زادها رونقا زخارف تعود إلى قرن ماض. كان الجو هادئا ناعما بحجم المكان الذي تتنافس فيه الأصالة والمظاهر الحديثة لكنه مع ذلك يحتمل شيئا من الترقّب والحذر.

قالت سيدة البيت:

- أخبرنا أنور عنك، قال إنّك مهندسة ناجحة!

قالت بخجل:

- أحاول في الدراسة أو العمل أن أقدم الأفضل (بتواضع) حتى في الثانوية كنت الأولى دائما.

قالت الكنة مجاملة بتصنّع غير ملحوظ، مع أنّها ذهلت لجمال الضيفة حين وقع بصرها عليها أول ماقابلتها عند الباب:

- ماشاء الله عيني باردة وسأمسك الخشب!

- شكرا لك.

تساءلت أثير:

- في أي مجال تعملين؟

- اختصصت في تصميم المباني الحديثة. لكني أحبّ أيضا المزج بين الطابع التقليدي والمعاصر.

خطر في ذهن هالة أن الكنة تكاد تستأثر بالحديث فقالت مندفعة بحماس:

- هذا جميل، هذا البيت قديم، لكنه يحتاج إلى لمسة جديدة.

نظرت الضيفة حولها وألقت نظرا ثابتا على ربة البيت:

- أظنّ أنّ فيه روحا مبصرة من عبق الماضي، فالتفاصيل هنا تحمل قصصا لايقدر الحاضر أن يخفيها بضجيجه!

تبادلت النساء نظرات إعجاب، وشعرت ربة البيت بشئ من الارتياح، فقالت:

- نحن نحب الأصالة والبساطة لكننا نعتزّ بكلّ زاوية في هذا البيت، (وبنبرة دافئة) هل كلّ أهلك هواهم مع الهندسة أم لديهم توجّهٌ آخر؟

ترددت قليلا:

- لا أخفيك نحن عائلة تحب الهندسة والدي مهندس في شركة النفط الهولندية، ووالدتي مهندسة ربة بيت، وأخي يعمل مهندسا في الطيران المدني، وأختي في الثانوية وتحلم أـن تكون مهندسة كهرباء.

قدمت أريج طبق الكعك:

تفضلي جربي هذه.

أخذت الضيفة قطعة صغيرة وقالت:

شكرًا، شكلها رائع (بعد أن تذوّقت كسرة صغيرة) ابتسمت:

طعمها لذيذ جدا.

وقالت بضحكة رسمت علامة دهشة خفيّة على وجه سيدة المنزل التي ترى أنّ كنتها تسعى دائما لأن تثبت حضورها في أيّ محفل:

- إنها من صنع يدي (واستدركت إذ تنبهت لزلة لسانها):مع ذلك فلا واحدة تقدر أن تجاري الخالة في كل شئ، مع كوننا أنا وهالة نطبخ أكلا لذيذا.

سادت لحظة صمت مريحة ثم قالت:

- الحقيقة كنت متوترة بعض الشئ قبل أن آتي إلى هنا.

سألتها هالة:

- لم التوتر؟

- ببساطة لأنني لم يكن لديّ فكرة كيف سيكون اللقاء.

سيدة البيت:

- أحيانا نخاف من المجهول لكن عندما نجلس ونتحدث نجد الأمور أيسر بكثير مما كنا نظنّ.

هزت رأسها مؤكدة:

- صحيح أشعر الآن براحة أكبر.

أريج:

- هذا مانريده تماما.. البيت بيتك ونحن ضيفتان فيه.

نظرت إلى قدح الشاي، وقالت:

أنور ليس في البيت؟

قالت سيدة البيت:

_أردت أن يكون اللقاء بيننا نحن أولا.

وأضافت أريج:

ربما التعارف الهادئ أفضل وأنا أرى لو تُركت كل الأمور للنساء لعاش العالم من دون مشاكل.

فكرت قليلا وقالت:

- هذا تصرف لطيف.

سيدة البيت بنبرة عميقة:

التفتت سيدة البيت إلى أن كنتها تزج نفسها في كل حوار ولم يغب عن بالها الحجج الواهية التي تذرعت بها لتدفع زوجها إلى أن يهجر البيت مقابل أن استأثر بحصة الأسد من الميراث، فيعيش ببيت بعيد عنها إلى درجة أنّ الهاجس نفسه بدأ يراودها عن أنور بعد أن يتزوّج، فقالت بنبرة عميقة:

نحن نؤمن أن العلاقات تُبنى على التفاهم والاحترام (ثمّ نظرت إلى ضيفتها نظرة ذات دلالة، وأضافت):والأهم أن يكون الإنسان صادقا مع نفسه والآخرين.

- أتفق معك تماما.

قالت أريج بابتسامة واسعة:

- وهل تحبين هذا النوع من اللقاءات العائلية؟

قابلتها الضيفة بابتسامة هادئة:

- في البداية أتردد.. لكن عندما تكون بهذا الدفء، تصبح جميلة حقّا.

ضحكت هالة ونطقت ببراءة متناهية تشير إلى المستقبل:

- إذن سنجعلك تحبينها دائما.

ومع مرور الوقت، أصبح الحديث أكثر عفويّة، تبادلن القصص عن الطفولة والحياة اليومية، ولم يخل كلامهنَّ من النكات البريئة. قالت:

- أشعر وكأنّني أعرفكم منذ زمن.

قالت سيدة االبيت:

- هذا ما أتمناه يا ابنتي أنا في غاية السعادة (وأكدت ربما تعني من طرف خفيّ كنتها) البيت يتسع لكلّ من يأتي بنيَّة طيبة.

وقفت هالة، وقالت:

- تعالي أريك البيت والحديقة؟

ساورها حدس أن السيدة ترغب في أن تفرد بكنتها لدقائق، فهزت رأسها:

نعم بكل سرور.

سارت معها خارج غرفة الضيوف، إلى حيث الحديقة وشجرة الياسمين المتسلقة أقدم شجرة اقتناها الجدّ والغرف حيث التحف الأنتيك والصور اتي يعود بعضها إلى عشرينيات القرن الماضي، بينما بقيت أريج وسيدة البيت تتبادلان نظرات مليئة بالمعاني. قالت أريج بصوت أقرب للهمس:

- مارأيك ياخالتي؟

هي اللحظة التي أرادتها فقد فضلت أن تطوف أريج مع الضيفة فهي تدرك جيدا أن نظرة كنتها ودهاءها متوازيان، وفي كثير من الأحيان يصدق حدسها على الرغم من خبثها الخفيّ، وتعاليها الذي - مهما تصنّعت_لا تقدر أن تغطّي عليه_لمن يعرفها_ بأسلوبها الناعم:

-؟؟؟ لطيفة أليس كذلك؟ ولا أظنّ أنّ دينها يشكل عائقا بيننا وبينها.

- نعم ولا تنسي أسلوبها الراقي ياخالة.

فابتسمت السيدة:

- الأيام كفيلة لتثبت حسن ظننا.

فترددت نجاة ثمّ انطلقت كأنّ عقدة لسانها تدفقت:

- مع ذلك أشعر أنّها على الرغم من ثقافتها وشهادتها العالية إلّا أنّ ذوات الجمال الخارق والبياض المدهش باردات الأحاسيس هل تستطيع أن تستوعب أنور بمشاعرها الدافئة مثلما تفعلين، أظنّ وأرجو ألا أكون على صواب أَنَّها تحكم عقلها أكثر من أحاسيسها والزوج يرغب في..

توقفت عن الكلام إذ سمعت وقع أقدام وضحكة قصيرة من ليلى، فدخلتا وعلامات ارتياح تبدو واضحة على وجهها:

- البيت جميل حقا والأجمل الحديقة وشجرة الياسمين نحن نعيش في عالم مصطنع !.

فانتبهت السيدة التي مازالت تفكر بما قالته الكنة:

- الأجمل هو من يملؤه بالحياة.

- أشكركنَّ على ضيفاتكن!

فقالت الكنة، ونظرتها تنتقل بين سيدة البيت والضيفة:

- نحن من نشكرك على حضورك.

وعقبت السيدة:

- مرحبا بك في كلّ وقت إعتبريه بيتك.

وشيعتها هالة وأريج إلى الباب، وفي ذهنها لغز عن البرودة والجمال والبياض المدهش لغز ما.. أثاره حدسها ولم تعرف كنهه لكنها على يقين من أنّ علاقة (عطارد) ب (أنور) هي سكرة لا أكثر.. اكتفى بحبّ أمّه وحنانها الغامر ودلالها له فلم يعرف عنه أنّه من ذوي العلاقات الواسعة، ولم يكن يخرج- كما فعل أخوه الأكبر - ليلعب مع أصدقائه أو يقصد النوادي، والمقاهي، كان أشبه بحبيس البيت، وستذهب السكرة لتأتي بعدها الفترة.

10

كان انطباع عطارد عن البيت القديم ووالدته مريحا مثيرا للإعجاب. لقد أثنت على سيدة البيت التي لمحت لها في أثناء حديثها عن سرورها في أن تعيش معها، وربما فاجأته بسؤال عن زوجة أخيه إذ يبدو الطابق الأعلى بمشتملاته مستقلا عن البيت، ولو سكنا مع سيدة ىالمنزل لما فضلت عطارد أن تستقل ببيت آخر.

كان هناك لغز عن أريج لم تفهمه عطارد وتجنبت أن تشير إليه.

متكبرة تدعي التواضع

مغرورة تقابل سيدة البيت بنديّة

وسألته من دون أن تثير شكوكه:

- هل أريج من أقاربكم؟

- كلا هل أعجبتك؟

- ظننتها من أقاربكم!

- هي من عائلة عريقة.. جدها لأمها من سلالة ملوك أطاحت بهم الانقلابات والحروب.. (وضحك بسخرية) يعني دم أزرق، وكان زواج أخي منها من باب الكفاءة (واستدرك) الآن انتهينا.. اصبحت الشهادة والكفاءة العلمية هي الميزان.

ولم يكن البيت المهندس (سيلاس جبور) فخما مفعما بالماضي.. بيت متوسط يستطيع مهندس يعمل في شركة هولندية أن يسكن ببيت أرقى منه، لكن لم تذهب الظنون والشكوك بعيدا فلعل الرجل يفكر بالعودة إلى مدينته في الشمال حالما يتقاعد..

ترجل من سيارة الأجرة..، تردد لحظة قبل أن يطرق الباب.. كان قلبه يخفق، لا خوفا من اللقاء بل من حديث يعرف أن لا مفرّ منه. فتح الباب السيد (سيلاس).. هناك مسحة من المرح تعلو وجهه على غير مارآه من طابع جديّ في قسماته يوم التخرج.. ابتسم الرجل ابتسامة دافئة وقال:

- أهلا ومرحبا تفضّل.

دخل أنور بخطوات مترددة، لكنه شعر بشيء من الطمأنينة بعد البسمة والترحيب. جلس في صالة الاستقبال حيث كانت الكتب الهندسية تملأ الرفوف، وصور المشاريع الكبيرة تزين الجدران. لحظات، دخلت عطارد، مرتدية ملابس بسيطة، وعيناها تحملان مزيجًا من القلق والأمل، وبين يديها عصير وقطعة حلوى

قالت بخفوت:

- أهلا أنور (وسألت بلمز إلّا أنها تجاهلت الكنة) كيف حال العائلة بخاصة الخالة؟

رد بابتسامة، من غير أن ينتبه:

- الحمد لله تبعثان لك تحياتهما!

قال الأب بقسمات أكثر انشراحا:

- لعله يحب القهوة؟

- الحلوى أنا عملتها بيدي.

وخرجت وفي عينيها نفس العلامة: مرح وقلق، أمل وتوجّس، فشك أنور في أن السيد سيلاس اتفق معها أن تغادر لكنها طمأنته من قبل في أن يعيد الكرة.. مرة وأخرى.. وأكدت له أن والدها لا بدّ أن يلين من الإلحاح المتواصل..

تنفس الأب بعمق وصفن لحظة:

- عطارد أخبرتني عنك يا أنور.. قالت إنك شاب محترم وطموح وعصاميّ أيضا.

تنفس بعمق كأنّه أزاح من على صدره رهبة اللقاء، وقال:

آمل أن أكون عند حسن ظنّك.

صمت لم يستكمر طويلا فقال السيد:

أظنك كما علمت تعمل معلما؟

نعم أظن الآنسة عطارد أخبرتك.

فتمعن في قسمات ضيفه:

هل هناك مانع دراسي جعلك تختار التعليم أهو قلة العلامات أم..

هنا تجلّت علامة لأمر غير مريح تلوح في الأفق، فتعجل:

شاء القدر أن أصبح مريضا بالكلية حال فترة الطلب على التسجيل في الجامعة.. وبعد أن غادرت المشفى لم أجد أمامي إلا معهد المعلمين (التقط قدح العصير لا عن رغبة في الشرب بل ليستعين بأيّ شئ على الكلام، وواصل قبل أن يرفعه إلى شفتيه) مع ذلك أظنّ أنّ لقائي الآنسه (عطارد) غير في مجرى حياتي فدفعني إلى أن أتقدم للجامعة. أدرس في المساء وقد أكمل الدراسة العليا.

ابتسم الرجل بمكر وسأل:

- كيف التقيت إذن بعطارد؟

ازردد ريقه وحسبها الكذبة الثانية أو الثالثة الكذبة التي نطقها بطلاقة لسان أمام أمه:

- لا أخفيك أنّي لست من رواد المقاهي، كلية الهندسة قريبة من المدرسة التي أعمل فيها.. كنت أذهب إلى الكافتريا، أجلس بعض الوقت فأحتك بطلاب يصبحون مهندسين في المستقبل.. طبقة مريحة.. ليسوا مثل رواد المقاهي من السوقة.

فهمت.. فهمت.. لا بأس..

صمت آخر.. تأمل بعده نطق الأب:

- الآن يمكنك أن تقول ما عندك سأسمعك.

قال ببراءة متناهية:

وددت أن تكون هذه الزيارة للتعرف بك قبل أن نزوركم أنا وعائلتي.

- هذا ما أفضله لتعرف ماهو أهم وما هو موقفي.

- ياسيدي قبل كلّ شئ أنا وعطارد التقينا في الجامعة فهمنا بعضنا أحبننا بعضنا أنا معلم وهي تعرف وضعي وإذا كان هناك من إحراج يخص الشهادة فلي استعداد لأسدَّ مايراه الناس نقصا أما عن وضعي فلدينا بيت واسع أشاطر فيه السكن أمي فهل تراني بعد كل هذا جديرا بالآنسة عطارد.

علت سحابة من التجهم على وجه السيد (سيلاس) سرعان ما مسحها بابتسامة مرة:

- ياسيد أنور لا أشكّ في أخلاقك ولا في مستقبلك غير أن هناك أمرا مهما جدا غفلت عنه.

تردد أنور قليلا كأنه يعرف جيدا ماجال بخاطر مضيفه:

أفهم.. أتقصد الدين؟

أوما الأب ررأسه:

- نعم إنّك على صواب.. لاتؤاخذني أنت مسلم.. ونحن مسيحيون.. هذه ليست تفاصيل صغيرة.

فقال بثقة وهدوء:

- أنا أحترم الدين المسيحي، ولم أفكر قط أن أن أكون سببا في أيّ صراع.

ردّ السيد سيلاس بلهجة شبه جافة من دون حدَّة أو قسوة:

- ليس هناك من صراع.. أبناء الدين الواحد قد يتصارعون وينشقون بل المسألة هوية وقيم ومستقبل. ماذا عن الأبناء؟ كيف ستتم تربيتهم؟ سيأتي أحفادي إلي فيعيشون التناقض في بيتين مختلفين.

نظر كمال إلى الأرض لحظة ثمّ قال:

- يمكننا أن نجد حلا بالتفاهم فجيلنا نحن أنا وعطارد لايضع مقياسا لكثير من التفاصيل إنّه جيل الكومبيوتر والميديا.

هزّ الأب رأسه:

- التفاهم لايكفي.. بل في أغلب الأحيان ياعزيزي لا يجدي نفعا حين يتعلق الأمر بأمور العقيدة.

في هذه اللحظة، دخلت عطارد الغرفة، وقالت بين الطلب والرجاء:

- يا أبي نحن نحب بعضنا بعضا وفي هذا الكفاية للتغلب على الكثير من المصاعب!

نظر إليها نظرة ذات دلالة:

- الحب وحده لايبني حياة مستقرة وأهم الركائز عندي التوافق في العقيدة (ثم عاد بنظره إلى أنور وقال بوضوح):ياسيد لو وضعت شرطا هل توافق عليه؟

توترت عطارد واندفعت:

ماهو يا أبي؟

- ياسيد (أنور) أنا مسيحي كاثوليكي متدين أذهب للكنيسة كلّ أحد.. أزوجك عطاردة ابنتي إذا جئت معي إلى الكتيسة وأعلنت أنّك أصبحت من أتباع المسيح.

دفعت الصدمة عطارد إلى أن تنهض من مكانها لكنها لم تغادر الصالة، بقي (أنور) صامتا ذاهلا عيناه تحلقان بالسقف، وواصل السيد سيلاس:

- أو على الأقل تتخلى عن دينك الحالي.

ساد صمت صادم تال ٍ. تجمدت ملامح أنور، وكأن الكلمات أصابته في العمق. نظر إلى عطارد، فوجدها في حالة ذهول وفي عينيها بعض أمل. فقال بلهجة شفافة:

- ياسيد سيلاس أنا جئت باحترام، وبنية صادقة.

شبه إصرار:

- هل أفرط في مبادئي؟ هل تقبل إذا كنت أنت لاتفرّط في مبادئك!

- يا سيدي أنا لا أطلب من عطارد أن تغير دينها ثمّ إنّي أعتقد بالمسيح.. وأظن ذلك طريقا وسطا للتوافق.

أجاب بأسلوب جاف:

- في مسائل العقيدة الطريق الوسط غالبا مايكون بداية لمشاكل أكبر.

هناك دمعة ساخنة في عيني عطارد جذبته إليها:

- أبي من فضلك..

- لا أريد أن أؤلمك يا ابنتي بل أريد أن أحميك.

وقف الضيف متثاقلا، وكأنّ اللقاء لا يعني النهاية بنظره، هو عقبة، ولديه أمل:

أ- فهم موقفك سيدي.. وأحترمه.. مهما يكن من أمر

فقاطع مضيفه:

- بالطبع.. أنت إنسان لطيف.. سوف نظل أصدقاء مرحبا بك في أي وقت بيتي مفتوح لك ويداي مبسوطتان لصداقتك.. ربما في مجتمعكم هناك تحفظ وانغلاق.. نحن عائلة متحررة بحدود المعقول.. نستقبلك في أي وقت.. تستطيع أن تزور عطارد في في الجامعة أو تدعوها في أي مكان عام.. روابط النسب والقربى شئ آخر.. لنبق أصدقاء أليس كذلك؟

فقال كمن استفاق من حلم يقظة:

- نعم.. نعم.. بلا شك!ّ.

وفي الخارج كانت أنوار المساء تهبط ببطء فتضفي على المدينة سحرا شفافا يخالطه شئ من الحزن. لابدّ أن يعلل الرفض بأمل.. قالت له لاتخف.. يرفضك للمرة الأولى.. نوع من الكبرياء.. سوف يلين حتما.. وآخ العلاج الكي.. آخر مايأمله ألا يختار بين الحبّ والعقيدة.. ياسيدي أنا مسلم لكني لا أصلي.. وأصوم رمضان مع العائلة.. قبل أن ييأس يغير دينه.. آخر العلاج الكي.. يجامل.. يرائي.. ليكن.. يذهب إلى الكنيسة.. ثم يرجع.. لاشئ يعنيه أو يعنيها.. ربما لن تصل الأمور إلى هذا الحدّ، المهم الآن بل الأهم هو أن يلح ويواصل زيارته، أما إذا سألته سيدة البيت فسيقول لها إن اللقاء جرى على خير مايرام وأنّ عليه أن يزور العائلة زيارة أخرى ليطئنوا إليه!

لكنه

بالتأكيد سيحاول مرة

وأخرى

لعلّ السيد سيلاس يلين !

11

بدت حين التقاها في كافتريا السكة الحديد ذابلة شاحبة الملامح.. صفرة تغطي جبينها وخديها الورديين وإرهاق يشير إلى قلق مبهم غير خفي عنه.. لعلها عانت من أرق بسبب لقاء أمس.. هو نفسه لم ينم قضى وقته مثل مراهق في الشارع يتغزّل بمصابيح الطريق.

الحب الأوّل ..

الفتنة الحلوة النقيّة التي داعبت مشاعره

يترك دينه من أجلها..

تناول عشاءه في مطعم المول، وهاتف والدته، اتصل بصديقه أيهم وحادثه عن لقائه.. استفاق من بعض غم ربكه وتذكر أن هناك أكثر من لقاء قبل أن يصل الأمر إلى الورقة الأخيرة.. حاول جاهدا أن يعود إلى البيت فيجد والدته نائمة لئلا تكثر معه الحديث. في الهاتف أخبرها أنّ الزيارة كانت ناجحة أقرب إلى الرسميات.. سوف ترتاح فقد وضعت في بالها أنّ الرسميات والحفاوة المقيدة علامة من تقاليد الأسر العريقة... لو طالعها وجها لوجه لما قدر على أنة يصوغ عباراته بدقة متناهية.. نحتاج إلى وقت.. مع ذلك وجد سيدة البيت أو سيدة القصر تنتظره.. سألته فأكد لها أن اللقاء كان عظيما.. وقد هزت رأسها بين الشك واليقين.. وتمتمت نحن الذين يجب أن نتحرى.. فاضطر أن يكذب ويدعي أن السيد سيلارس وعده خيرا بعد أن تجد عطارد وظيفة أما قبل الوظيفة فلا خطبة أو زواج.. فانصرفت نصف مقتنعة إلى حجرتها.. ولم يفته أن يهاتف عطارد.. فاتفق معها على أن يلتقيا في مطعم السكة الحديد التي كانت والدته تعمل فيها.

وفي الصباح فاجأه وجهه

لم ينم إلا عند الفجر

ربما أو بالتأكيد.. حلم بسلك معدني مرن يلتف على رقبته.. وعمارة تقابله.. قد يكون تسلقها مثل سوبرمان. وقد تكون انهارت عليه فقفز يلهث من ثقل على صدره.. وجهه الشاحب الغارق في المرآة أخبره عن االحلم المشتت. المتناثر على ملامحه.

ربما لم يهتم بترتيب شعره وتصفيفه..

اليوم أول أيام العطلة الصيفية.. لن يتقيّد بأي لباس، سيسألها إن كانت تقبل أن تهرب معه.. هو حلّ.. اقتراح يستعدّ له فإن وافقته ينتهي كلّ احتمال. المسيحيون مسالمون.. لا قتل ولا انتقام أقصى انتقام أن يتبرؤوا منها.. لكن حالتها كانت سيئة جدا..

البياض اختلط بالصفرة

وانطبعت آثار سواد وزرقة أسفل عينيها..

هل تعرضت إلى عنف من أبيها؟ مال ظنّه إلى أن لطف السيد سيلاس كان تمثيلا وابتسامته مفتعلة غطت على طبيعة وجهه القاسية، أدهشته ملامحها المتعبة حتّى أنّه لم يستبعد أيّة ردّة فعل عنيفة تعرّضت لها، تناول يدها برفق وطبع عليها قبلة.. أذهله أنّها باردة برودة الثلج.. تعتريها ارتعاشة ودبيب مثل دبيب النمل أو وخز الإبر:

سحب لها كرسيا فجلست بتثاقل:

- هل أنت بخير؟

- الجو خانق.

هل تعرضت للأذى؟ ضربوك في البيت أم تعرضت للاعتداء في الطريق.

نظرت إليه بانكسار:

آخر الأخبار أن جزر المالديف ستغرق بفعل الاحتباس الحراري هذه حقيقة علمية لا أحد يجادل فيها.

- ماذا ياعزيزتي؟

تحوّلت لهجة الانكسار في عينيها إلى غضب:

- المراكب بعيدة، لا تخف.. الجمل ذو السنامين.

أخذته دهشة مفاجئة:

- لم أفهم..

- المكيفات تعمل؟

لمس جبينها براحة يده فسرت إليه بردة شبيهة بالخدر:

- ماذا تقصدين؟

- أين العناقيد الثلاثة؟

اجتاحته نوبة من الشك هل هي تهذي أم من أثر الصدمة، هل وصل بها الحب إلى حافة الانهيار:

- كأس من العصير سينعشك.

استرسلت ببعض العصبية والحماس:

- بعض الطيور غادرت الشجرة، وعلى الشارع كان المارة يزدحمون، في الليل سقطت إحدى الطائرات المدنية على البحر فماتت عائلة في أحد البيوت.. لكن الحرب لم تبدأ بعد هل تعشق الوردة رائحتها أم يكون العيد من دون أطفال أنتم البشر تتكلمون لغات كثيرة لا يفهمها الملائكة، لا أظنّ أن الشمس تفقد بريقها كلّ يوم.

صفق تصفيق خافتا، وصاح:

- الله تحولت إلى شاعرة، هذا كلّه بفضل تعنت السيد سيلارس الظاهري سوف يلين لا بدّ من أن يلين ولتكوني مطمئنة فقد قررت اثنتين لا ثالث لهما إما إن تهربي أو أغير ديني قبلت أيتها الرائعة الطاهرة الرقيقة فأنا بإمكاني أن أتحول إلى شاعر أيضا.

نظرت إليه نظرات ذات شكّ كما لو كانت إحدى الساحرات أو منومنا مغناطيسيا، فراوده إحساس خفيف بالخدر:

- انهار الاتحاد السوفيتي أو سينهار لافرق أمّا أنا فلن أكون بعد اليوم عميلة لأحد..

- يقولون إن الممثلة المشهورة لم تنتحر بل هناك يد خفية دفعتها من فوق.

ولم تتوقف.. تلاحقت ثرثرتها غير المترابطة:

سعر الذهب في السوق بمستواه.

هناك من يشكك بالقمر كالذي يتوقَّع ثورة بركان في المحيط الهادي.

الكلاب أصبحت لا تأكل القرابين..

فجحظت عيناه دهشة وقال:

- هل كتبت كل هذه القصائد البارحة.. هل نزل عليك وحي الشعر بليلة واحدة أم كنت تخفين عني شاعريتك؟

بقيت تنظر إليه بعينين جامدتين فيظل تحت خدر لذيذ:

- إنك تدفعينني لأقتني بعض الدواوين الشعرية.

دقيقة من الصمت، وقد اكتشف في كلامها الشاعري وطريقة إلقائها موهبتين متوازيتين:

- شاعرة وممثلة أراهن أنّك ستتفوقين على كلّ الممثلات في البلد وستنافسين أشهر الممثلات العالميات، وآمل أن يكون حدسي في محلّه.

- صمت.. الرغبة.. القلق.. الحبّ.. الحياة.. نار.. كابوس.. عباد الشمس.. حصان.. رغبة.. صواريخ.. حمام.. رغبة.. شعاع ذري.. تجسّس..

كانت الكلمات تأتي على لسانها كيفما اتفق فأيقن أنها ترهص بشعر مبهم الملامح أو نبؤة بعيدة المنال:

- هل أجلب لك قطعة أسبرين؟

فجأة..

راح رأسها يرتعش، واجتاحت جسدها هزات كادت تخضها إلى الأمام فتلقي برأسها على المنضدة اغير أنّها واصلت الكلام:

- هل نسكن قرب البحر؟

فابتسم ومازال يظنها تمثّل:

- في بيتنا أم ترغبين في بيت بلا نوافذ؟

- دعني أرعى قطة وكلبا.

فجاراها إلى أبعد حد:

- أحلى فستان زفاف وشهر عسل لفي كل بلاد أوروبا.

- يمكن أن نزرع نعناعا وبعض الثوم. فأبي لا يهتم بالألوان!

وتمادى أكثر:

- كم تحبين أن يكون لنا من الأطفال.. لو كل سنة تحبلين خلال 18 عاما سيكون لنا ثمانية عشر ولدا وبنتا.

ربما سنختلف ثمّ نضحك.

- على ماذا؟

صمتت

وأحس بتيار آخر يسري في يدها.. تياران يتلاحقان، بارد وساخن، فظنها البرداء اجتاحتها منذ الليل:

- هي الأنفلوزا.. ما كان عليك أن تأتي، وهمّ أن يشير إلى النادل ليطلب سيارة أجرة، لكنها سحبت يدها برشاقة وعنف من يده ورفعتها تلوح بصفعة تجاوزها إلى أن دكت الطاولة بقبضتها.. أثارت حركتها وحدة صمتها بعض الرواد الذين التفتوا لحظات على وقع قبضتها.. فشعر ببعض الحرج ونهضت وهي تحمل حقيبتها من دون أن تنطق بأية كلمة.. مشت تترنح كالسكرانة، وتوارت من أمام عينيه وراء الباب داخل حمام النساء.

وضع رأسه بين يديه وراح يحدق في الطاولة.. لابدّ أن تكون موجة فلاونزا من الفصيلة النادرة التي تركت كدمات على وجهها.. سوف يرافقها إلى البيت.. يستفيد من هذه اللحظة.. يتألم لها.. حبها أكبر من المرض.. جاءت للقائه على الرغم من انهيارها.. على ثقة أنّه قادر على أن يجتاز الأزمة معها..

مرت دقيقة وأخرى

بضعة دقائق

راوده إزعاج خفيّ مجهول المصدر

تطلع في الساعة فوق البار..

خمس دقائق أو أكثر

نهضت سيدة في الخمسين عن طاولة قريبة إلى دورة المياه.. توارت لحظات خلف الباب وعادت تهرول، أشبه بالمرعوبة، إلى حيث النادل والعاملة عند دكّة البار.. كانت تبدو بملامح مثيرة.. تحدثت مع العاملة.. فهرولت الأخيرة إلى الحمام، لحقها النادل الشاب الذي رجع إلى الطاولة، وقال بلهجة شديدة التأثر:

- الآنسة مغمى عليها في حمام النساء.

فقال بانفعال:

- إنها الانفلونزا.. أو فيروس.. أرجوك إسعاف

12

جلس على المسطبة الخشبية أمام غرفة الطوارئ، منحني الظهر كعجوز تهالكته السنين، ويداه مشتبكتان عند صدره كان يحدّق في بياض الجدران القاسي كما لو كان فراغا هائلا يبتلع أفكاره.. كل شئ أبيض يتقمص جنوب الأرض الأجرد المخيف: المشفى من الخارج والداخل، ملابس الممرضين والممرضات، والمرضى أنفسهم.. الجميع يتساوون بلون واحد يبتلع أفكاره.. في حين تومض الأضواء الخافتة من حوله برحمة مُرتجاة، وكانت حركة الممرضات تخلق في داخله إيقاعا مضطربا يزيد من قاقله.. فيلتفت إلى عمق الممر وتعود عيناه تحدقان في الأرض والجدران كأنهما تبحثان عن إجابة تبعث فيه الهدوء.

ويتخيلها خلف ذلك الباب:

ساكنة

ضعيفة

تهذي بجمل لا يربطها معنى واضح

فيشعر بضعف وعجز يترفّع أن يستسلم لهما. تمرّ الدقائق بطيئة كأنّ الزمن يمتحن صبره، وليس أمامه سوى أن يثبت عينيه على باب الطوارئ.

لوكانتا مسمارين!

لو..

أشار إلى ممرض يهرع في مهمة ما، فلم يلتفت إليه، وقابلته ممرضة بابتسامة باهتة. اعترض بإشارة من يده أحد الممرضين فطمأنه إلى أن الوضع لا يستحق القلق، فتشبّث بمكانه وعاد يحدق بالممر الطويل

كلّ دقيقة تمرّ تبدو أطول من سابقتها.

حاول ثانية أن يقنع نفسه أنّها مجرّد نزلة برد أو إرهاق غير أنّ صورة إغمائها المفاجئ لم تفارق ذهنه. كان يستعيد اللحظة مرارا كيف انقلبت سحنتها وبهت وجهها، فعجزت عن الكلام، فهل تأخر في طلب المساعدة أو أهمل علامة ما؟

تسللت إليه أفكار مخيفة حاول طردها، لكنه لم ينجح تمامًا. .. نهض، مشى خطوتين، ثم عاد إلى مكانه. لم يكن يملك سوى الانتظار، وهذا كان أصعب ما في الأمر..

وخطر في باله أن يتصل بالسيد سيلاس..

تردد

فكرة سخيفة تقلقهم..

أو يظنونه جلب نحسا لهم..

بعد دقائق تغيّر المشهد تماما..

جاءت ممرضة حدقت فيه عن بعد

لم تدن منه

حدقت بدهشة:

- هل أنت متعب؟

- قليلا.. المهم عطارد

مررت يدها على يديه، وقرصت أذنه قرصة قويّة فندهت عنه آهة من ألم واضطرّ أن يكتم غيظه إذ ظنّ أنّهم بدؤوا يجرون عليه فحصا عاما ليثقوا من استجابة أحاسيسه: وأقنع نفسه أنّ عطارد أصيبت بمرض معد

كوليرا

فايروس

مرض خطير

وأنّ العدوى سرت إليه..

تراجعت الممرضة وأطلّ بعض الأطباء من باب غرفة الطوارئ ثمّ اندفع ممرضان وحارس مفتول العضلات.. هاجماه بسرعة مثيرة.. مسك الحارس يديه وكبل الممرضان رجليه بقبضاتهم القوية.. اقتادوه إلى غرفة جانبية وهو يصرخ.. ماذا تفعلون.. هل من شئ.. هذا حرام.. عنف.. هل أحمل داءً ما.. دخل بعدها أكثر من طبيب إلى الغرفة.. ألقوه على السرير.. فتحوا فمه وسقوه شرابا فيه حدة.. مرارة وحرقة

دواء

أم

لقاح

وضع أكبر الأطباء سِنّا سمّاعة الهاتف على صدره، وأنصت.. تتبّع دقّات قلبه ونبض يده.. فتح طبيب شاب فمه واستلّ بقطعة صغيرة بعض لعابه.. وضرب طبيب آخر يقف في الوسط ضربة خفيفة على بطنه فندت عنه آهة سريعة..

قال كبير الأطباء ذو الشعر الأشيب:

- نعم الآن تيقنا أن لا شكّ فيه.. (والتفت إلى الممرضين) دعوه هنا ولا يدخل عليه أحد.

وخاطبه طبيب آخر:

- لم يعد الأمر بأيدينا هنا

فصرخ وهو على السرير:

- ماذا عندي هل هناك من داء خطير.

فصمت الجميع، وقبل أن يتواروا صرخ فيهم ثانية:

- ماذا عندها.. هل هناك من شئ أرجوكم عطارد.. !

ماذا عندها

عندي

ظلّ يواصل الصراخ حتى شعر بخدر لذيذ.. خدر يشبه نظرات عطارد الدافئة التي تبعث فيه النشوة والراحة.. فسكن وخيّل إليه أنّه يتوارى في نوم عميق لا حدود له.

13

لم يطل الوقت عليه ليغرق في التساؤل والدهشة حتى فُتح الباب المحكم الإغلاق ودخل عليه رجلان صارما القسمات تعلو وجهيهما جدية مفرطة، وغلظة ظاهرة، في البدء ظنهما جراحان، وأنهما جاءا ليكشفا عن مرض أصيب به أو عدوى من عطارد وبسرعة لم يتوقعها استلّ أحدهما من جيبه جامعة كبل بها يديه وغطى الثاني وجهه بخمرقة سوداء، هتف:

- مالأمر أقسم أني لم أرتكب جريمة لم أقتلها نادلة المطعم السكك والعامل يشهدون لي ثمّ كيف أقتلها؟ لست مجرما ولا أحد يحبها مثلي!

بقيا صامتين. يداهما تقبضان على ذراعيه.. متهم أم مجرم، وعطارد حسبما يوحي الظاهر ماتت.. مشيا به إلى الخارج.. وراودته رغبة في بكاء طويل لا ينتهي. كان طول الطريق يتوقف عن البكاء، ويهتف: لم أقتلها.. إنها الإنفلونزا.. لست مجرما..

وفي دقائق معدودة لم تتح له فرصة لفهم ماحدث.

شرطة

أمن

دائرة حكومية..

في أيّ مكان هو.

الشئ الوحيد الذي يفهمه أنّه معتقل.. سجين من دون جرم ما.. ألقي في زنزانة معزولة صامتة باردة الجدران لا يسمع فيها سوى صدى أنفاسه. صمت رهيب مطبق مثل صمت في عمق المحيط. الظلام أحاطه من كل جانب فلم ينفعه أن رفع أحدهما العصابة من على عينيه. يا سيدي لا طعم للحياة من دونها. الشوارع أراها فارغة.. الأشجار يابسة والطير جامدة في الهواء.. هي كل شئ.. قد أتيه في هذه الحياة إن لم ترافقني في سيري.. مستقبلي.. بيت.. الحلم.. أطفال.. شهادة عليا.. كأن الوقت توقف داخل هذه المساحة المختنقة بالظلام والصمت.. لم يأت أحد ليسأله.. صمت طويل يزرع شكوكه، ويدٌ ما تمتد من فتحة في الباب المعدني الثقيل تمنحه وجبة طعام وقارورة ما..

غامض.. كل شئ غامض..

لو كانت جريمة قتل لما وضعوه في هذا المكان.. يعتقلونه في سجن عادي مع المجرمين.. لا يعرف الوقت إلا من خلال وجبات الطعام ثلاث وجبات قطعة جبن ومربى في الصباح.. وخبز وبعض الخضار والخبز في الظهر.. ثمّ يأتي رجل مقنع يقوده إلى دورة مياه نظيفة.. فذلك يعني أن يوما انقضى ولابدّ لهذا الغموض الملتبس بالظلام والصمت أن ينتهي..

وسيدة المنزل..

أخته..

أيهم وصديقته..

كيف هم الآن.. أخوه.. هل هناك منو أخبرهم عنه.. إنّه يبحث الآن عن عوالم غريبة يرسمها على وجوه الأقربين إليه فيجدهم يتيهون في احتمالات غيابه..

عيناه مفتوحتان ولا يرى أي مشهد سوى ممر معتم ودورة مياه..

لعلهم يعاملون عطارد الآن مثلما يعاملونه.

عزل من مرض معد خطير والأمل بالحياة والنجاة كبير..

تهمة سياسية توجه إليها

شبهة

كل شئ محتمل عدا أن يقترف بحقها جريمة قتل

عطارد التي تغلغلت في مشاعره فأحس أنفاسه فيها

الحب الأول الذي جعله يرى العالم أليفا مسالما.. ويعيده طفلا بريئا لا يرى إلامعنى الفتنة والجمال

لا يدري متى يصحو وينام، هي بضعة أيام التمس فيها العتمة.. صادق الظلام.. ثمّ فجأة تداركه ضوء ساطع، فراحت أجفانه تنطبق وتنفتح.. ترمش وترتعش تأتلفان الضوء، وهناك باب يفتح أمامه ورجل وسيم يرتدي بدلة رمادية يأخذ بيده إلى أقصى الممر المعتم.. ويقوده إلى مكتب فخم ثمّ ينحني ويخرج فوقع بصره على رجل أربعيني نحيف ذي هيئة تجمع بين الصرامة والحبور. قال وهو يشير إليه أن يجلس:

- آمل أن تفهم إجراءنا ياسيد منير، نحن لم نقصد الإساءة إليك وكنا مضطرين.. كل مافعلناه من أجلك.

بعد أن اطمأنّ إلى لهجة المحقق أو المسؤول أو الكبير، قال:

- يا سيدي لا أعرف لماذا جئت بالقوة إلى هنا ولا أرى أني اقترفت ذنبا (اغتنم لحظة إصغاء الرجل الرسمي إليه) لا أظنُّ أنّي قتلت أو عملت في السياسة أنا معلم أتعامل مع الصغار أعلمهم العلوم والجغرافيا وحب الناس والوطن وليس عيبا أن أحب مادام الحبّ في حدود المعقول..

فابتسم الرجل الرسميّ عن أسنان خالطتها صفرة خفيفة

- لا هذا ولاذاك كل مافعلناه هو لسلامتك.

فقاطع متلهفا:

- وماذا عن عطارد؟

- ستفهم كل شئ (وبلهجة حميمية) أقدر موقفك أعرف أنك تحبها وكنت، حسب الوثائق التي عندي- أن تغير دينك من أجلها.

خجل.. بعض الارتباك:

- قضيّة شكليّة وليست مبدئيّة.

- تلك مسألة لا تعنينا.

تطلع في الرجل أمامه:

- هلا عرفتني من أنتم.

أنت الآن في أمن وأمان، وأنا كبير الدائرة.. لا نتهمك بأية تهمة. أنت ضحية، ولست وحيدا نحن معك واعلم أن الخطر تلاشى ولم يعد له أثر..

في عينيه ذهول وانكسار.. عُزِل عن العالم داخل زنزانة بسبب غير المرض، وهي:

- ماذا عن خطيبتي؟

- عطارد؟

- نعم أظنها تعرضت لفايروس

- هل تصغي لي قليلا؟

- طمئني أهي في المشفى.

الضابط بجد ظاهر:

ياسيد أنور هي ليست أنسانا ولا ملاكا.. كانت تبدو بجلد بشر.. اختلقها الذكاء الصناعي واختلق غيرها كثيرين ظاهرهم بشر ودواخلهم أجهزة.. عقول ألكترونية تمت تغذيته بدقة متناهية ولكي يتمّ التمويه مائة بالمائة وضع في بطون هؤلاء صناديق للطعام والشراب حيث يبدو أيٌّ منهم يأكل ويشرب مثلنا.. من حسن حظك وحظنا نحن أيضا أن هناك خللا طرأ على البرنامج الذي يغذيها، فانسحبت إلى دورة المياه.. حاولت إصلاح نفسها فلم تفلح..

هي التي كانت كل حياته..

لم يكن يتصوّر الحياة من دونها

النقية.. اللطيفة.. العذبة البريئة:

- كنت أظنّها تعاني من إنفلونزا.

- لو حدث هذا الخلل في البيت لتم تداركه لكنه في كافتريا واتصال نادلة المطعم بالمشفى قلب الأمور رأسا على عقب..

ففرك يديه أسفا ومرارة، وكان يشعر بالضياع وفقدان الأمان:

- لكنني (ببعض الخجل) قبلتها على انفراد فشعرت أنها لاتختلف من حيث الإحساس.

- وقابلت عائلتها.. ورفضوك لأنّ واجبها وواجب تلك العائلة أن يعايشوا الاختلاف الديني ذلك هو دورها..

- وماذا عن عائلتها؟

- اختفت.. سُحِبت على عجالة من البيت.. لا يدري أحد أين ذهبت هؤلاء الذين تداخلوا في كل الأحوال.. السجلات المدنيّة الطبّ.. المدارس.. النفط.. الصحة.. الأحزاب.. الأديان.. انسحبوا من دون أن نعرف أين ذهبوا.

راودته جرأة، وكأنّ غشاوة خيّمت على ذهنه فواصل كلامه من دون توقّف:

- أين كنتم يا سيّدي.. من حقي أن أحاسبكم.. لقد اخترقوكم فكنت أنا الضحية وهناك غيري العشرات أو المئات، ماذا أقول لأهلي والمجمتع.. هل صديق الدراسة (أيهم) مزيف أم زميلته.

في هذه اللحظة خرج المحقق عن طوره، ونهض قائلا بجفاء:

- هذه قضيّة لا تخصك سيحاسب المهملون الذين لم يلتفتوا للاختراق.. لا تدخل نفسك في متاهات فتتحول من ضحيّة إلى متهم. أفهمت؟

وخرج من دائرة التحقيق يشكّ في كلّ ماحوله..

السماء..

الأرض..

سحابة تطفو أمام عينيه وغشاوة تثقل ذهنه..

آلاف المطارق تدقّ جبينه..

يوقف المارة يسألهم:

سيدي هل أنت حقيقي؟

سيدتي أنت أنت أم..

كان يرتجف لا يعرف أين يذهب.. أنفاسه تتهدج.. أصبح الهواء يتحجّر في رئتيه.. وبين لحظة وأخرى يستدير ينظر خلفه.. يشكّ في كل شئ ودقات قلبه تعلو على ضجيج الشارع، فلم يعد يثق بما يرى. نظرت إليه.. قبَّلها بحراره.. السيد سيلاس.. الوهم يقول أنت من دين آخر.. أوقف عابرا صادفه يحمل كيسا وسأله بصوت مرتعش:

أنت حقيقيّ أم وهم؟

نظر إليه الرجل بدهشة، وتحاشاه سريعا، فتابع سيره، وراح يوقف امرأة.. ثمّ صبيّا يكرر السؤال نفسه.. نسي المدرسة والبيت.. كأنّ الحقيقة ضاعت منه..

تاهت عنه

فتداخلت الأصوات، في رأسه، وتلاشى الحدّ بين الواقع والخيال، شعر أنّه محاصر وأنّ العالم المحيط به لغز كبير، فلم يعد يفهم إن كان هو هو أم إنّه جزء من وهم يطارده بلا رحمه.. مع ذلك، فقد نسي كلّ شئ، ومازال يصرخ إذا ماقابله أحد:

أنت حقيقيٌّ أم وهم!

ويشقّ طريقة من دون أن يدري إلى أين.

سيلاس عطية

شمس أم عطارد

***

رواية: قصي الشيخ عسكر

إني وأشواقي وكلُّ مشاعري

يومَ النوى في حالةِ استنفارِ

*

سهرٌ وتعذيبٌ وقلبٌ هائمٌ

مَن ذا يَكُبُّ الماءَ فوقَ النارِ؟

*

أمشي وأحمل في الضلوعِ حكايةً

تاهتْ ملامحُها بغيرِ مسار

*

وأعودُ مثلَ الطفلِ أبحثُ خائفًا

عن دفءِ كفٍّ ضاعَ في الأسفارِ

*

يا ليلُ، هل في الصبرِ بعضُ سكينةٍ؟

أم أنني أمضي بلا أسرارِ؟

*

إنّي تعبتُ من انتظارِكِ غائباً

فمتى اللقاءُ يلوحُ كالأقمارِ؟

*

أبكي وتبكي في الضلوعِ قصائدي

وتضجُّ أنفاسي بغيرِ قرارِ

*

وأظلُّ أُوقدُ في الغيابِ مواجعي

وأُذيبُ صبري في لظى الأقدارِ

*

يا غائباً ملأَ الفؤادَ توجُّعاً

حتّى غدوتُ أسيرَ هذا الدارِ

*

هل من سبيلٍ للرجوعِ فإنّني

أمسي وأصبحُ تائهَ الأفكارِ

*

إنّي إذا ناديتُ طيفَك خاشعاً

يأتي إليّ الصمتُ بعدَ حصار

*

فمتى تعودُ وفي عيونك موعدٌ

يمحو بقايا الحزنِ والأوزارِ؟

*

قلبي يُحدِّثُني بأنكِ لم تزلْ

نبضًا يُقيمُ مواسمَ الإعصارِ

*

ويقولُ: صبرًا إنَّ بعدَ غيابِها

فجرٌ سيولدُ من رمادِ الدارِ

*

فأضمُّ وجعي كي ينامَ على الرؤى

وأشدُّ من ألمي حبالَ مداري

*

وأقولُ: إنَّ الحبَّ أقوى إنَّهُ

يبقى عصيًّا رغمَ كلِّ جدارِ

*

وأظلُّ أكتبُ اسمَكِ المتوهِّجَ

المخبوءَ بينَ جوانحي وقراري

*

وأخطُّ من دمعي رسائلَ عاشقٍ

تاهتْ حروفُ هواهُ في الأنهارِ

*

إن غِبتِ، يبقى في الفؤادِ توهُّجٌ

كالشمسِ لا تخبو مدى الأعمارِ

*

أو جئتِ، عادَ الوردُ يضحكُ باسمًا

وتفتَّحتْ في الروحِ ألفُ بهارِ

*

فالحبُّ إمّا أن يكونَ كرامةً

أو أن يكونَ مَسارَ عمرٍ جاري

*

واخترتُكِ العمرَ الذي لا ينقضي

فغدوتِ بدء الحلمِ في أقداري

*

فإذا كتبتُ فأنتِ سرُّ سرائِري

تجري كنبضٍ واضحِ الأسرارِ

*

وإذا سكتُّ، فأنتِ صمتٌ ماثلٌ

بين الضلوعِ ومقلةِ الإبصارِ

*

ما بينَنا شيءٌ يفوقُ حكايةً

ويفوقُ ما يُروى من الأخبارِ

*

قدرٌ تهادى في دمي فكأنّهُ

نَفَسٌ يرافقُ مهجتي ومساري

*

فلتشهدي: أنّي على عهدِ الهوى

باقٍ، وإن جارَ الزمانُ بداري

*

يكفينيَ الإيمانُ أنّكِ في دمي

ويظلُّ حبُّكِ في قرارٍ قراري

***

د. جاسم الخالدي

(حين يعبرُ الطغاةُ كغبارٍ عابر، وتبقى أسماءُ الحكماءِ معلّقةً في عنقِ الأبد، تكتبُ القصيدةُ وصيّتَها الأخيرة: لا يموتُ من قال للروحِ كوني)

*

أيها العابرُ في ضجيجِ العالَم، يا من يظنُّ أنَّ الحديدَ يُنبتُ ذاكرةً، وأنَّ الدخانَ يطمسُ وجوهَ الحكماءِ— توقّفْ قليلاً… فالأرضُ لا تُصغي لخطابِ القوّة، بل تحفظُ همسَ الذين كتبوا أسماءهم على ضوءِ الروح.

*

ماذا تعرفُ عن حضارةٍ تُشبهُ نهراً لا يشيخ؟ حضارةٍ كلّما حاولَ السيفُ أن يقطعَ شريانها، أنبتتْ ألفَ قصيدةٍ وألفَ حكيمٍ وألفَ نجمةٍ تُعلّمُ الليلَ كيف يتهجّى الفجر.

*

هناك، في الجهاتِ التي لا تصلها الضوضاء، يقفُ "زرادشت" كشجرةِ نارٍ تُضيءُ المعنى، ويفتحُ "عمر الخيام" كأسَ الزمنِ على مهلٍ، بينما يدورُ "جلال الدين الرومي" في مدارِ العشقِ حتى يصبحَ الكونُ قلباً واحداً.

*

ومن بعيدٍ، يبتسمُ "سعدي الشيرازي" للإنسانِ أينما كان، ويُعيدُ **ابن سينا** ترميمَ الروحِ بعقلٍ يشبهُ الضوء، ويُنشِدُ **الفردوسي** ملحمةَ البقاء في وجهِ كلِّ عابرٍ يظنُّ أنَّهُ الخلود.

*

هؤلاء لا يسكنونَ في كتبٍ فقط، بل في الهواءِ الذي نتنفسه، في اللغةِ حين تصحو، وفي الطفلِ حين يسألُ عن معنى الجمال.

*

أما أنت— أيها المؤقّتُ كظلٍّ عند الغروب، أيها المارُّ فوق كرسيٍّ من ورق— فصوتُكَ، مهما ارتفع، لن يبلغَ عمقَ جملةٍ كتبها حكيمٌ وهو يُصغي إلى قلبِ الكون. ستذوبُ في زحامِ النسيان، كما يذوبُ الصخبُ في أذنِ التاريخ، وسيبقى أولئك كأنّهم نجومٌ لا تُحصى، كلّما أُطفئتْ واحدةٌ اشتعلتْ ألفُ سماء. فالحضارةُ ليستْ جيشاً، بل ذاكرةٌ تمشي على قدمين من نور، وليستْ قنابلَ بل قصائدَ تُقاومُ الفناء.

*

ومن يكتب— لا يُهزم.

***

د. كريم عبد الله

 

مقام الحجاز

(جسدٌ يتعلّم الاختفاء)

***

جسدٌ...

وأنتَ تحملُهُ مثلَ سؤالْ

ثقيلًا...

ويخفُّ إذا ما تركتَهُ

للـفراغْ

*

تمشي...

فيتبعُكَ الصمتُ فيكَ

كأنَّ الخطى

ليست الآنَ لكْ

*

وتلمسُ يدُكَ يدًا...

فيضيعُ اليقينُ:

أهذا أنا؟

أم بقايا حضورٍ

يمرُّ... ويختفي؟

*

تقولُ: هنا...

فيشيرُ الجسدْ

إلى جهةٍ أخرى

*

كأنّكَ تسكنُهُ مرّةً

ومرّةً

يسكنُ فيكَ

*

فكم أنتَ غامضٌ... في القربْ

وكم أنتَ أبعدُ

حين تكونُ قريبْ

*

تخلعُ تعبَكَ عن كتفيكَ

فيسقطُ فيكَ

ولا يستقرّ

*

وتلبسُ نفسَكَ رفيفًا

كأنّكَ

تجرّبُ شكلَكَ

للمرّةِ الأولى

*

فامضِ...

ولا تثقِ الآنَ

بما يُثقِلُ الخطوَ فيكْ

*

كنِ العابرَ

في جسدٍ

يتعلّمُ ببطءٍ

كيف يخفُّ...

وكيف يغيبْ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

غيوم سوداء قدمت

غطت وطني الجميل

وحيدا على الجبل الوحيد

نظمت قصيدتي

دوزنت طنبوري

تجمعت حولي الحجول القلقة

غنينا معا للمذابح

رقصنا معا للهزائم

استمر هبوب العاصفة

وحدها الذاكرة ما تزال تنبض

وتردد أسماء مردوخ الخمسين (1):

***

مراد سليمان علو

.................

(1) من 1 إلى 50 هي أسماء مردوخ الخمسين

1ـ مردوخ: الفاني

2ـ مار ـ أوتو: ابن الشمس

3ـ ماروكا: خالق كلّ شيء

4ـ ماروتوكا: سند العباد الذين يسبّحون بحمده

5ـ ماراشاكوشو: العطوف

6ـ لوجال ديمير أنيكا: الذي يخشاه من في السماء ومن في الأرض

7ـ ناديلو جالدي مير أنيكا: الذي ترتجف الآلهة بذكره

8ـ أسادلوحي: الذي يحي الموتى

9ـ أسالوحي ـ نامتيلاكو: باعث الروح في الآلهة

10ـ نامرو ـ أسالّوحي نامشوب: الوضّاء

11ـ أسارو: واهب الأرض الخصبة

12ـ أسار أليم: الذي لا يخاف

13ـ أسارا ليمنونا: الجليل

14ـ توتو: الناجي

15ـ توتو ـ زيوكينا: سيد مسالك الآلهة

16ـ توتو ـ زيكو: السميع

17ـ توتو ـ أجاكو: باعث الموتى

18ـ توكو: صاحب التميمة المقدسة

19ـ شازو: عالم الأسرار

20ـ شازو ـ زيسي: الذي أخرس المتمردين

21ـ شازو ـ سوحريم: الذي تمجده الآلهة

22ـ شازو ـ كوزيم: الذي خلق آباءه من جديد

23ـ شازو ـ زحريم: الذي سيبقى اسمه على مرّ الأزمان

24ـ شازو ـ زاحجوريم: قاهر الأعداء في ساحات الوغى

25ـ إينبيلولو: مفجر الينابيع في الأرض

26ـ إينبيلولو ـ ايبادون: الذي يروي الحقول

27ـ إينبيلولو ـ جوكال: ربّ الغلال الوفيرة

28ـ إينبيولولو ـ حيكال: نابت العشب

29ـ سرسر: الذي أقام جبلا فوق تيامت

30ـ سرسر ـ ملخ: الذي البحر مجاله والموج مطيته

31ـ غيليم: خالق الذرة والشعير

32ـ غليما: خالق كلّ الأشياء الباقية

33ـ أغليما: رافع السماوات

34ـ زلوم: الساهر على الطعام

35ـ زولوم أومر: الذي طهّر السماء والأرض

36ـ جيشنوموناب: خالق البشر

37ـ لوجلادبور: محطم تيامت.

38ـ باكال كوإينّا: الذي لا حدّ لقوته

39ـ لوجال دورماخ: صاحب المقام الأعلى بين الآلهة

40ـ أرأنونا: الذي لا يدانيه في الصفات الملوكية إله مهما علا

41ـ دومودوكو: الذي جدد مسكنه المقدّس في دوكو

42ـ لوكال شوأنّا: الحكيم

43ـ إرأوكا: الذكي

44ـ اركينجو: الرقيب الموجه

45ـ كينما: الناصح

46ـ ايسسكور: الذي تبوأ مكانا عاليا في بيت العبادة

47ـ جيبيل: الذي لا أحد يستطيع سبر أغواره

48ـ آدو: الذي اسمه يغطي السماء

49ـ أشارو: الذي وسعت عنايته الناس

50ـ نبيرو: النجم الساطع في السماء،

الذي يتخذ مكانه في نقطة تغيّر الفصول،

والذي يبدد الغيوم السوداء

أمدّ يدي إلى الفراغ

فيسقط اسمك كنجمةٍ ناسِيَةٍ مدارَها

أخبّئه في جيب الضوء

كي لا يراه النهار.

قلبي لا يتكلّم

هو ساعةٌ مكسورة

تعدّ الوقت باتجاهٍ واحد:

نحوك

حين أمرّ بك

تتلعثم الجهات

ويخطئ البحر حساب الموج

وتتعلم النوافذ

كيف تُحدّق

أحاول أن أكتبك

فتسبقني الحروف إلى الغياب

فأتركها تتوه

وأجمع ظلّك

من بين الشقوق

إذا سال المعنى

أمسكه براحتي

وإن تشقّق

أرمّمه بأنفاسٍ لا تُرى

هذا الصباح

لم يقل قلمي شيئا

كان واقفًا

ينصتُ

إلى المسافة

وهي تناديني باسمك

دون أن تنطقه

***

رائدة جرجيس

الربيعُ تسمَّرَ عندَ الحقولِ

وشُلتْ خطاهْ

وطفلُ الربيعِ تحنَّطَ مِن هولِ رعبٍ

وقد جحظتْ مقلتاهْ

والطيورْ

لمْ تجدْ في المزارعِ حُبَّاً

لأن المزارعَ أضحتْ قبورْ!!

والضفافْ

يغادرُها كرمُ النهرِ

اذْ يلجمُ أبناءَها اِنْ دعاهُمْ سخاءُ الروافدِ قحطُ الجفافْ

أمَّهاتٌ بلونِ سوادِ الليالي

وأنتَ ـ كأنكَ لستَ من الناس ـ مستهترٌ لا تبالي

تقولُ بأنَّكَ أفضلُ مَنْ سكنَ الأرضَ طُرَّاً

وانَّ الأنامَ عبيدُكْ

وانَّ السماءَ تريدُكْ

والسماءْ

ـ مثلما علمتْنا الأماكنُ والأزمنهْ ـ

رَفعتْ نفسَها للفضاءْ

لكي لا يمرَّ بعليائِها المجرمونَ

ولا الأدنياءْ!!

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

أبقى أقولُ الى الرقيبِ مُعاتِبا

ما كُنتَ في رفضِ القصيدةِ صائبا

*

لا أدري ما السبب الذي قد غالها

فجرى المِقصُّ أ كُنتُ فيها كاذبا

*

أم كُنتُ فيها حامِلًا مُتَحامِلًا

حتّي تُقيمَ على القصيدة حاجِبا

*

هل كُنتُ في قولِ الحقيقةِ جائرًا

أمْ كُنتُ حَطّابًا بليلٍ حاطِبا

*

إنّي صدقتُ القولَ هذا ديدني

أتَلومُ في قولِ الحقيقةِ كاتبا

*

ألأنّني حددتُ فيها موقِفًا

وذكرتُ عِتريسًا يُحَشّدُ خائبا*

*

هل في القصيدةِ ما يَشينُ وانّني

بيّنتُ فيها يا رقيب مَناقبَا

*

فالوعدُ مِنْ ربِّ البريةِ صادقٌ

نصرٌ مُبينٌ كان أمرًا غائبا

*

وعمى البصيرة شاء فيه حِكمَةً

ومَع العُتاةِ الحربُ امستْ واجبا

*

وبرغمِ ما فيها ستَفرزُ واقعًا

نصرٌ مِن الله يَحوزُ مَكاسِبا

*

وإذا الرقيبُ يرى التقيةَ مَخرَجًا

أملي يُناصِرُ أو يكونُ مُحارِبا

*

إنّ الحياةَ الى الشعوبِ كرامةٌ

فلها غدتْ تسعى وتَلعنُ غاصبا

*

ولها تتوقُ فإنْ تعذّر نَيلُها

شقّوا الطريقَ وبالدماءِ مواكبا

*

بدمِ الرجالِ بني الرجالِ تُقيمُهُ

دربًا ونهجًا للكرامةِ لاحِبا**

*

أمّا الذين بلا كرامَة حسبُهمْ

ذِلٌ كمثلِ الكلبِ يَصحَبُ صاحِبا

*

يسعى لسيدهِ يَعيشُ مُبصبصًا

ذيلًا لحيظى ثم يَصبحُ سائبا***

*

والى الرقيبِ هداكَ ربّي إنني

أرجو تكونَ مع الحَقيقةِ راتبا****

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

الثلاثاء في 6 نيسان 2026

.....................

* العتريس: الجبّار المتكبّر

** الطريق اللاحب: الطريق الواضح

*** بصبص الكلبُ: أي حَرَك ذَنَبَهُ

**** الراتب: الثابتْ

إنّي صعدتُ إلى الذُّرى،

وتركتُ خلفي ما يُقال،

وما يُدانْ،

فرأيتُ في عينيَّ خارطةَ الهوانْ،

تتكسّرُ الأسماءُ فيها،

ثم يولدُها الزمانْ.

لا البحرُ يسألُ: من أنا؟

ولا الرياحُ تُقيمُ وزنًا للعناوين التي

خطّت لها يدُ الإنسانْ.

كلُّ الجهات إذا تأمّلتَ انتهتْ

لصوتِ حقٍّ واحدٍ،

تتلوهُ ذاكرة المكانْ.

رأيتُ بحرًا

لا يُسمّى،

ففهمتُ أنّ الحقَّ

أوسعُ من لسانْ.

إنّي وقفتُ على فؤادي،

أناجي أطلالَ الهضابْ،

ورأيتُ فيهِ مدائنًا

تتقاتلُ الأسماءُ فيها

فوق ذرات الترابْ.

هذا يقولُ: أنا الحقيقةُ،

ذاك يمحو ما أقول،

ولا جوابْ.

فبكيتُ:

كيف يضيعُ وجهُ الأرض

بين حروفِنا؟

ويصيرُ بحرُ الحبّ في بلدي الحبيبة

مسرحًا للاغترابْ؟

فكلُّ أرضٍ تدّعي

أنّ الحقيقةَ ما تُسمّيها اللغاتْ.

رأيتُ بحرًا يحتوي

كلَّ الجهات وبعضَ أضداد الصفاتْ،

فقلتُ:

ما جدوى المسمى

والأغاني النازفاتْ

إنْ ضاعتْ معانيها،

وصارَ المجدُ لفظًا،

وفي التأويلِ ماتت كلُّ الأمنياتْ؟

حار السؤال،

حتى غدوتُ كأنّي

أثرٌ يُحدّق في الترابْ.

فرأيتُ ظلَّ الأرضِ

يمشي في ادّعاءاتِ السحابْ،

وتكسّرتْ في العين نجمة أخرى،

وتكشّفت سُدُل الحجابْ.

وقفتُ أقرأُ في الجهات،

فما وجدتُ سوى صدىً

تتناسلُ الألقابُ فيه بلا ثباتْ.

كلٌّ يقولُ: هنا أنا،

والأرضُ تصمتُ،

ثم تكشفُ عورةَ الكلماتْ.

فالحقُّ ليس بملصقٍ

يُلقى على وجهِ البحار،

ولا يُقاسُ بفيض دمعِ الباكياتْ.

إنّي نظرتُ إلى البعيد،

فلم أرَ الحدَّ الذي

رسموهُ بين الماء والماءْ.

كان المدى

يمحو خطوطَ الوهم،

يكتبُ نفسَهُ

بيدِ الخفاءْ.

فقلتُ: يا تاريخُ،

كم خبّأتَ من زيفٍ

يُزيّنهُ الرواةُ بلا حياءْ؟

إنّي سألتُ الريحَ:

من سمّى الجهات؟

فأجابتْ: الصمتُ الطويلْ.

ورأيتُ أنّ البحرَ

أقدمُ من نزاعِ الاسم،

أصدقُ من جدلِ القبيلْ،

لا ينتمي إلا لمدِّه

حين يعلو

أو يميلْ.

على حوافِّ الضوءِ

أبصرتُ معنىً لا يُقالْ،

يمشي على الماءين،

لا شرقٌ لديه ولا شمالْ.

فإذا اقتربتُ،

تكسّرتْ أسماؤهم،

وبقيتُ وحدي

في السؤالْ.

إنّي كتبتُ على الرمال:

الحقُّ بحرٌ لا يُحاصِرُهُ الجبانْ،

ثم انتظرتُ...

فما أتاني غيرُ صمتٍ

يملأ الأركانْ.

فعرفتُ أنّ الحقيقةَ

لا تُنادى بالهتاف،

ولا تُصاغُ كما يُرادُ لها

بأمرٍ من باع الأمانْ.

رأيتُ في الأسماءِ حربًا

لا تُرى

إلا لمن حدّ البصرْ.

هذا يُبدّلُ وجهَها،

ذاك يُجمّلُ زيفَها،

والكلُّ يقتاتُ الأثرْ.

لكنّ بحرًا واحدًا

يمضي،

ولا يُلقي اعتبارًا للبشرْ.

عدتُ ولا شيء معي

إلا حبائل من يقين

أنّ الحقيقةَ

حين تُختصرْ

تُخانْ،

وأنّ كلَّ تسميةٍ

لا تستندْ لعدلٍ

هي النسيانْ.

سَأَمْضي،

ويَكْفينيَ صَمْتُ الدروب

إذا ضَلَّ في اللَّفْظِ

وَجْهُ البَيَانْ،

فَحَقٌّ يُطِلُّ

إذا غابَ اسْمٌ،

ويَبْقَى،

ويَفْنَى

ضَجيجُ اللِّسَانْ.

بَكَيْتُ لِوَجْهٍ

تَوارَى بِحَرْفٍ،

وَضَاعَتْ مَعَ الاسْمِ

كُلُّ الجِهَاتْ،

فَلَمْ يَبْقَ إِلّا

صَدَىً في فُؤَادِي

يُنَادِي: دَعِ الاسْمَ،

هَذِي الحَيَاةْ.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

النّاسُ يا صاحِ عندَ ربِّهم رُتَبُ

وخيرةُ النّاسِ من لربِّهم رقَبوا

*

لكنّما الناسُ في ذي أمرُهمْ عجَبُ

ألجمْعُ همُّهُمُ والضَّربُ والنِّسَبُ

*

والجمعُ في البنكِ منْهُ البنكُ يكتسِبُ

حتّى تُفرِّقَهُ الشّهْواتُ واللّعِبُ

*

والدّينُ يُخلعُ والأخلاقُ والأدبُ

والشّركُ يملِكُ والآثامُ والكذِبُ

*

والجهلُ يُرفعُ والأرذالُ تُنتخبُ

والعلْمُ يُنزلُ والأشرافُ تنسحِبُ

*

ويُنذِرُ الشّيبُ فالأحشاءُ فالرُّكَبُ

وينفُرُ الأهلُ والبنيانُ ينخرِبُ

*

ويضربُ الدّاءُ والأبدانُ تلتهبُ

والطبّ تخذلهُ الأعراضُ والسّببُ

*

والعمرُ ينقصُ والأنفاسُ تضطربُ

والموتُ يحصدُ والأجداثُ ترتقبُ

*

والفصلُ بين عباد الله يقتربُ

من دونهِ وقْفةٌ في مَحشرٍ تجِبُ

*

والناسُ عن كلّ هذا غُفَّلًا ذهبوا

كأنّها بالهُدىْ لمْ تنزلِ الكُتُبُ

*

والنّارُ تشْكو ويشْكو حالَها السّغبُ

واللهُ موفٍ ومن ذي القوتُ والحطبُ

*

باللهِ نُهْ فالمنايا فجأة تثِبُ

وفي أكُفِّ المنايا تُرفعُ الحجُبُ

*

لله أَنتَ ويومًا سوف تغتربُ

عنْكَ الدّنى والمنى والشَّانُ واللّقبُ

*

وجنّةُ اللهِ بالطّاعاتِ تُكتَسبُ

فاخترْ لنفسِكَ واكتُبْ مثلما كتبوا

***

أسامة محمد صالح

ليس للغجرِ وطنٌ إلا اتساعُ الطريق، ولا جوازُ سفرٍ إلا أنفاس الخيول، ولا بيتٌ إلا صمتُ السهول حين ينامُ العالم.

*

أبناءُ الريح، يطوون المسافات كما تطوي النارُ الهشيم، يولدون كلَّ صباحٍ في جهةٍ مجهولة، ويذوبون عند الغروب في ألوانِ غيمةٍ لا تتكرر. هم قبيلةُ الطينِ الحالم، والضوء الذي لا تقدرُ الجدرانُ على احتجازه.

*

نساءُ الغجرِ يشبهنَ مهرجاناتٍ لا تُطفأ، ألوانُ أثوابهنَّ صاخبةٌ كالأمل، رقصاتُهنَّ تشقُّ الهواءَ كأنهنَّ يضربنَ على قلبِ الكونِ طبولَ الحياة. أيديهنَّ تحملُ خطوطَ النار والولادة، وجباهُهنَّ تسندُ شمساً لا تغيبُ عن الضحكِ أبداً.

*

ورجالُ الغجر؟ أوه، رجالُ الغجر، يجيدون العزفَ على أوتارِ القلوبِ المشرّعة، يغنونَ كأنهمُ يرممونَ انكسارَ العالم، كأن كلّ نايٍ خرجَ من ضلعِ حنينٍ قديم.

*

الغجرُ يعيشون على حافةِ الحياة، حيث تنتهي الخرائطُ ويبدأ الحلم. لا يحتاجون لجدرانٍ كي يشعروا بالأمان، ولا لسقوفٍ كي يتقوا المطر؛ فالله ظلهم، والسماء سقفُهم، والأرضُ مائدةٌ من حرية.

*

حين يجتمعون، تولدُ قريةٌ من ضحكٍ وأغانٍ وطبول، وحين يتفرقون، يتساقطُ الضوءُ من الحقول.

*

اضطُهِدوا لأنهم لم يؤمنوا بالقفلِ، ولا صدّقوا الحدادين، رفضوا أن يعلّقوا أسماءهم على أعناقهم ككلابٍ مطيعة، وآمنوا فقط بالإيقاعِ وبالخطوةِ التي لا تعود.

*

أيها العالمُ، إن كانوا بلا جواز، فهم يحملونَ خريطةَ القلب، وإن كانوا بلا جنسية، فإنهم أبناءُ الضوءِ العابر، وإن كانوا بلا منزل، فإن أرواحهم تُضيءُ الليلَ كبيوتٍ مضيئةٍ من الداخل.

*

أيها الغجرُ، أيها الشعرُ المتنقل، يا سلالةَ الفرحِ العابر، منفاكمُ هو أوطانُنا، ونحنُ المنفيون في خرائطٍ صمّاءَ لا تعرف الغناء.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

ينبثق من أكوام الحزن آلام وجروح، ملتحفة بدموع الثكالى والبائسين. يتفجّر صراخ من عمق الفراغ، ويهتز الأفق بصدى أنينٍ تصنعه قلوب مكلومة ذابت في رماد القهر، كأن الصدى يجرّ وراءه قوافل من الأسى، تتعثر في طرقٍ لا نهاية لها، وتترك خلفها آثارًا من رمادٍ يرفض أن يبرد.

ومن بين ذلك الصدى الممزق، تتساقط الأسئلة بلا جواب، فلا يبقى سوى ردود غامضة تلقي بظلال الشك في دوامة البحر، حتى تغرق الحقيقة رغم وضوحها. ومع ذلك، كلما مدّ يده ليلمس الوضوح، انقلب إلى غموضٍ أشد، كأن العالم يتآمر ليبقى بلا منطق.

كل سؤالٍ يتهاوى كحجرٍ في بئرٍ بلا قاع، فلا يُسمع له ارتطام، ولا يُرى له أثر، سوى دوامة تتسع في العتمة. ثم، حين يخيّم الغموض كستارٍ كثيف، كل جدار يهمس بأسرار لم تُفكّ شفرتها، ومن بين تلك الهمسات تتصاعد أصوات مبهمة تطمس الحقيقة عند ممر الحسم. تحمل بذور الموت لتزرعها في حقول التشويش، وتنقض كالطيور الداكنة على يقين الأسئلة لتنهشه في مهدها.

تتداخل الأصوات كأنها خيوطٌ متشابكة، لا يعرف المرء أين تبدأ ولا أين تنتهي، لتصنع شبكةً من الغموض تحاصر العقل والروح معًا، وتعاظم يقين هذا الكائن أن المجهول خلف الضباب يتسع بلا نهاية، كلما انحدرت الغيوم المثقلة لتغلق حافات العالم عند الأفق القريب؛ ذلك الأفق الذي غدا سرابًا يسكن في النفس كمستقر، كظلٍ ثقيل يلازم الروح ويغرقها في دوامة القلق.

هناك، في لحظةٍ يائسة، يبدو أن الضباب ليس مجرد ستارٍ خارجي، بل امتدادٌ لارتباكٍ داخلي يثقل الكائن ويضاعف غربته.

وفي ومضة خاطفة، ينفتح الامتحان الحقيقي: فرزٌ صارم بين مواطن الصدق ومكامن الكذب. هناك، في مرآةٍ مكسورة، يطل نصف وجه ببرودٍ صقيعي ساخر، فيما النصف الآخر يذوب في شمعةٍ تتوهج على الرغم من آلام الاحتراق.

وما بين المرآة المكسورة والشمعة المشتعلة، يتردد صدى سؤالٍ أبدي: هل يمكن للصدق أن ينجو من الاحتراق، أم أن الكذب وحده يعرف كيف يتجمد ليبقى؟

وهكذا، يبقى الوجه الممزق شاهدًا على امتحانٍ لا ينتهي، بين صدقٍ يتوهج رغم الاحتراق وكذبٍ يتجمد في صقيع السخرية، تاركًا السؤال معلّقًا بلا جواب.

***

كفاح الزهاوي

 

خرج هذا الصباح على غير هدى، تائها محَنَّط الأفكار، يتنفس بصعوبة، يشعر أن حياته أصبحت تفتقد للمعنى، وأن الأحداث تجاوزته وهو يمضي بهدوء بجانب الحائط، غير منتبه لاِنسيابية السنوات وسرعة اِنصرامها، وغير آبه بالوقائع التي عاشها دون أن يستلهم منها العبر، مكتفيا بركنها على رفِّ الذكريات، والمضي خلف سراب يَظُنّه الصَّادي ماءً وهو مُجرّد وَهْم.

ركب التّرام من محطة الليمون، لم تكن لديه فكرة أين سينزل؟ ولا متى سينزل؟ ولا أين سيذهب بعد النزول؟ كانت المناظر تتوالى وهو شاخص ببصره عبر النافذة، البنايات سامقة عالية بعضها بزجاج مدخن، وبعضها بواجهات عادية، والحدائق بأشجارها العالية ومساحاتها الخضراء، عناق بين الزمن والمكان في لحظة الاِنسياب، عيناه تحضُنان المشاهد فَتَنْتَابُه رعشات دِفء تُبدّد برودة الطقس، كانت السماء تجود بغيثها، لأن الفصل شتاء، والأمطار تجاوزت المعتاد.

فكر:

"لعبة البحث عن الزمن الضائع تتواصل، زمن الأبيض والأسود، زمن قوس قزح عندما تعانق ابتسامة الشمسِ رطوبةَ المطر، زمن الفصل بين الممكن والمستحيل، والمضمر في سحر المنظرِ وجمال الصورة، لعلّ الحاضر يكون رحيما بقلب آلَف العِشق وآنس للحظات الاِنتشاء، فيجود عليه بشذرات من السكينة وفلذات من نور المهادنة، ويسمح للعقل الباطن بالتوافق مع العقل الواعي لخلق جسر نحو تلافيف الذاكرة وإعادة ترتيب تجليات الماضي مع بوح الحاضر"

كان الترام يواصل مسيره، منسابا كثعبان، وكان هو مستسلما لتساؤلات عميقة تَشُجّ رأسه، ويحاول أن يتجاوز مطبات الواقع البائس الذي يفرض على أمْثَاله الخُضوع لناموس مَبْنِي على مَنطق تأمُّلي ناقصٍ، يدفع به إلى القبول بتصنيف مهزوز، في مجتمع لا يحسن إلا أكل أبنائه، حَقّ له اليوم أن يعود إلى خبرات الأمس، ويتذكر ذلك النهم الرهيب لِالتهام كتب كبار المفكرين، من أمثال جون لوك، وجون ديوي، وروسو، وبياجي وطوماس هوبز وغرامشي، وابن خلدون ...

قفزت إلى ذهنه فجأة قولة لروسو من كتاب العقد الاجتماعي كان يرددها الأستاذ الفلسطيني للتربية وعلم النفس الذي كان يدرسه بمدرسة المعلمين:

"ولد الإنسان حرا وهو في الأغلال حيثما كان، ذاك يظن نفسه سيد الآخرين، وهو أكثرهم عبودية"

توقف الترام في محطة “المارشي سنترال”، وقع بصره على فندق

لنكولن، عمليات الترميم بعد سنوات من الإهمال تسير ببطئ، قرأ على اللوحات الإشهارية التي تحيط بالورشة:

فندق لنكولن: تاريخ الإنشاء 1917م

المهندس المصمم: هيبر بريد

طراز: أرت ديكو

تحرك الترام، أعلن صوت المذيعة أن المحطة القادمة هي “ محطة الدار البيضاء المسافرين” فكر في النزول، وممارسة رياضة المشي على طول شارع محمد الخامس، لكنه تجاوز الفكرة ومد رجليه إلى الأمام وأسند رأسه إلى زجاج نافذة الترام، واغمض عينيه، وهو يستمع إلى موسيقى “نينو روتا” عبر سمَّاعات الهاتف معتمدا خاصية البلوثوث، تسآل بسخرية: “ماذا لو عاد الأسلاف من رقدتهم الأبدية وشاهدوا السحر التكنولوجي الذي ننعم به، حتما سيعتبرون ذلك إعجازا”

التساؤلات لن تُغيّر من واقع الحال شيئا، فلكل زمن مُعجِزاته وأساطيره، ويصعب علينا اليوم رغم ما نَحن فيه من تقدم عِلمي خارق أن نتخلى عن سِحْر الأزمنة الماضية لأنها بكل بساطة تفسح المجال للخيال وتفتح باب الاِبتكار والخلق، هكذا استدرك وهو منصرف إلى الاستمتاع بلحظة ذهنية تداعت لها جوارحه، مستجيبة  لهرموني السعادة” الدوبامين والسيروتونين”.

توقف الترام بمحطة الدار البيضاء المسافرين، ظل على حاله مغمض العينين، مشدودا إلى الحالة التي انتابته وأودعته عالما يتجاوز حدود الواقع البائس الذي يحس نفسه أسيراً له.

“لا شيء يستحق أن نُسلم بسببه أنفسنا لسيرورة لا نتحكم فيها، ولا نملك القدرة على التعامل مع سياقاتها، لأننا نَعلم منذ البداية أننا مجبرون على القبول بالمفاجئات الأليمة، والرضى بالنتائج القاسية التي تفرضها قوى غير معروفة”

تحرك الترام من جديد، وهو منسجم مع وضعه السابق، غير آبه بما حوله، ولا منتبه لما يجري ويدور من حركة ودُربةٍ، انتبه بعد مُضي ردح من الزمن أن صوت مذيعة الترام قد توقف، وأن شيئا ما قد تغير، تحرك في مكانه ثم فتح عينيه، جال ببصره مستكشفا المكان، اكتشف أن معالم عربة الترام قد تغيرت تماما من الداخل، وأنه لم يعد يَجلس في مكان مكشوف بل أصبح يقبع داخل مقصورة تشي بأنه يوجد بعربة قطار، تطلع إلى النافذة، صُدم بمشاهد طبيعية تجمع بين المساحات الخضراء، وتدفق مياه الينابيع، وشموخ الرُّبى والجِبال، عاد ببصره إلى داخل المقصورة، كانت تجلس بمواجهته سيدة في مُنتصف العمر بيضاء البشرة وبجوارها يجلس شيخ تجاوز السبعين وشابٌّ دون الثلاثين، وفي الجهة المقابلة كان يجلس كهل في مثل عُمره وسيدة شقراءَ تَشِي مَلامحُها بأنّها أوربية، لاحظ أن السّيدة الجَالسة أمامه تُشبه زوجته السابقة زهرة المنوني، جمعهما حب كبير وفرقهما طلاق فجائي.

قد مضى على هذه القصة ثلاثة عقود، كذلك السيدة الشَّقراء ملامحها تُذكِّره بجان دونكور حبيبته التي عاشت معه في شقة واحدة خلال سنوات دراسته بمدينة ليون الفرنسية.

سألته فجأة السيدة التي تشبه طليقته: “ألست بوشتة الراضي ؟”

رَدَّ بِصوت خَافت:” نعم هو ذاك، وأنتِ طبعا زهرة المنوني”

اِبتسمت ونظرت إليه بِمُقلة مُنْكسرة وقَالتْ:

- كان صرحا من خيال فهوى، لا ذنب لإحد منّا فيما حدث، لن

أَلومك على تلك الكلوم التي تسببت لي فيها بغيرتك العمياء.

-كنت أحبك بجنون، وكان وجودك في حياتي بمثابة نسمة ندية

تنعش صفاء سريرتي.

هو صادق فيما قال، فبعد عودته من ديار الغربة اِلتقى زهرة

وتزوّجا بعد قصة حب هادئة، لكن الأقدار كان لها رأي أخر

فغيرتْ مجرى الأحداث، ومضى كل لما قُدّرَ له، قد تكون هذه الفكرة مجرد مبرِّر لِغيرته المفرطة، ولِسلوكها غير المُتّزن، وأهواء النفس يصعب التحكم فيها فهي باب مفتوح على تصرّفات مُتباينة ومُتداخلة قد تُفْرز نتائج صعبة التقبُّل، وهذا ما حدث معهما.

اِفترقا، ثم تزوجت وهاجرت صحبة زوجها إلى كندا، ولم يعد يسمع شيئا عنها.

أيقظته من سهوته وهي تقول:

-أتعلم أن تلك الشهور التي قضينا معا، كانت ثَمرتُها اِبنا في عقده الثالث.

ابن؟؟!! لعل هذا أخر شيء يمكن أن يخطر على باله، سألها

بصوت حادّ:

- لماذا  أخفيت عني هذا الأمر؟ أهو انتقام أم حقد دفين

رّدت وهي تبتسم:

-لا هذا ولا ذاك، بل كان الأمر مجرد عِناد لَيس إلّا، فقد كنتُ بعدَ طلاقنا في حالة تدمّر أبحثُ عن قشة أتشبت بها علّها تُنقدني.

قاطعها بصوت غاضب:

-هي مُبررات تَسُوقِينها، ولكن ما باليد حيلة ما لا يدرك كلّه لا يُترك جُلّه

رَفعت يَدها وأشارت إلى الشابّ الجَالس بجانب الشيخ وقالت:

-هذا هو ابنك “عزيز”

ثم تابعت موجهة الكلام للشاب:

-هذا الرجل الجالس أمامي هو والدك “بوشتة الراضي”

ابتسم الشاب في وجهه ببرود ولا مبالاة، أدرك أنَّ تَعامله معه بهذا الشكل شيء عادي، واللقاء الأول يكون عادة صادما للطرفين.

أحس فجأة بثقل في رأسه، وتسرب إلى عينيه الوسن، فأتكأ على إطار نافذة القطار واستسلم للنوم.

عندما استيقظ جال ببصره في المقصورة، اكتشف أن زهرة المنوني والشاب الذي قالت عنه أنه “ ابنهما” اِختفيا، كذلك

انتبه إلى اِختفاء الشيخ السبعيني، بقيتْ فقط السيدة الشقراء

التي تشبه صديقته السابقة جان دونكور والكهل الجالس بِحذائِها سألها عن زهرة وابنها،أخبرته أنها لم تنتبه إلى غيابهما.

فكر متسائلا:” هل كان حديثه إلى زهرة مجرد وَهْمٍ أو تخيلات

عابرة”.

تجاوز هذا الشعور، واعتبر الأمر مجرد توهمات مرّت بخياله وانتهى أمرها، عاد لاحتضان المشاهد الطبيعية بناظريه، ودخل حالة انبساط قصوى.

طرق سمعه فجأة صوت السيدة الشقراء التي انتقلت لتجلس بمواجهته وهي تسأله:

- كيف هي أحوالك يا “بوش”؟

التفت نحوها، حدق في وجهها ذي البشرة البيضاء الناعمة، هي جان حبيبة الأمس، لا أحد غيرها كان يناديه باسم “بوش”، لاحظ أنها لا تزال تحتفظ بجمالها الذي كان صارخا، رغم بلوغها الستين ربيعا.

رد عليها مبتسما:

- جان!! أي ريح طيبة حملت طيفك إليّ

أمسكت يديه وضغطت عليهما بحنو، ثم قالت:

-أنا لست طيفا يا بوش أنا جان حبيبتك

فكر: لعلها تخيلات جديدة تداهمه، وجان قد تكون وَهْما عابراً

كزهرة، هي لعبة زمانية ماكرة تربك حساباته وتدفع به نحو دوامة تتحكم في حدود إدراكه، وتمزج بين الحقيقة والخيال في شكل صور ذهنية متداخلة لا يستطيع فهم سياقاتها.

قال بصوت خافت متسائلا:

- من رتب لهذا اللقاء بعد أكثر من ثلاثة عقود من التنائي؟

ضحكت جان وقالت:

- للقدر أحكامه يا صديقي

- لقد اختلفت مشاربنا في لحظة فارقة، أنت اخترت البقاء في وطنك، وأنا قررت العودة لبلدي.

- نعم هذا أمر مسَلّم به، لكن القدر له ترتيبه الذي يجبرنا على الامتثال لمشيئة الله والرضى بالمكتوب.

- كلامك يحمل الكثير من المعاني ياجان

اِبتسمت، وهي تَنْظر إليه بِحنان قرأه في عينيها الزَّرقاوين، ثم

قالت:

- حكايتنا لم تنتهِ رغم فراقنا، لأنك زرعت بين أحشائي جَنينا فَضّلت الاِحتفاظ به، وهو اليوم فتاة على أعتاب الأربعين من العُمر، طبيبة أطفال وأم لطفلين هل تصدق هذا الأمر ّ؟

كيف لا يصدق هذا الأمر؟!! فهذا يوم المفاجآت، ابنٌ من زهرة وابنةٌ من جان، اِبنان كانا في علم الغيب، وهاهما اليوم واقع أكيد.

ران صمت قصير على المكان، سرعان ما كسّرَته جان قائلة:

-أتمنى أن لا أكون قد أزعجتك بخبر وجود  ابنتنا “ماريا”

بدا عليه الحزن، وفاضت عيناه بدمعتين وقال:

- ليس هناك إزعاج بل أسف على السَّنوات التي مضت من عمري وأنا أجهل أنّ لي ابنة .

شَعَر من جديد برغبة في النوم فمال برأسه على إطار النافذة وهو ممسك بيدي جان، الزمن تَعطّل، وروحه هامت في ملكوت

التجلي، هو الأن في لحظة إمساك بِشِفْرَات الفرص الضائعة، وإعادة ترتيب أوراقه القديم منها والجديد.

كان لا يزال غارقا في نومه عندما أحس بيد تُربت على كتفه

وتحركه بقوة، فتح عينيه مذعورا وهو يقول:

“ ماذا هناك يا جان؟”

رد عليه صوت رجالي:

- جان ‼ يبدو أنك كنت تحلم ياسيدي، أنا مراقب الترام، وقد

قطعنا ثلاث رحلات ذهبا وإيابا بين محطتي ليساسفة وسيدي مومن وأنت غارق في نومك.

اِعتذر للمراقب، وهو يقول:

-يبدو أن الحبوب المهدئة التي أتناولها كان مفعولها قويا لأنني تناولت جرعة زائدة دون أن أنتبه لذلك.

ساعده المراقب على النزول، كان صوت المؤذن يعلن دخول وقت صلاة العصر، دَعك عَيْنيه عِدّة مرّات ومَسحَ زُجاج نظّاراته

بكُمّ قميصه ثم أعاد وضعها، انقلب على عقبه يستحثُّ الخطى   قاطعا شارع عمر الخيام في اتجاه مسكنه الكائن بحي اسميرالدا،

كان قد بدأ يسترجع أنفاسه ويتجاوز حالة الشرود التي عاشها في الترام، لكن هذا لم يمنعه من اِعتبار الحَالة التي مرَّ بها مؤشرا على حقائق قد تتكشف في أي وقت وزمن، لأن زهرة وجان جزء من ماضيه.

كان قد وصل إلى مسكنه، الزُّقاق فارغ وسيارته الصغيرة بلونها الأسود في ركن قصي، فتح الباب ودلف داخلا، صعد الدُّرج بتثاقل، فتح باب الشقة صفعته برودة قويه وهو يلج، اِتجه إلى الصالون، تمدَّد على الكَنَبة الجِلدية، هذه الأيام يعيش وحيدا

بعد سفر زوجته عند ابنهما بدوسلدوف لإجراء فحوصات طبية،

هي سيدة طيبة تزوجها مباشرة بعد طلاقه من زهرة، عاش معها سنوات طويلة دون مشاكل تذكر،لأنها بكل بساطة كانت تتحمل حماقاته وتتجاوز عن أخطائه الكثيرة، كان يلقبها “ بالقديسة”

فهي ربة بيت حادقة، وأستاذة فاضلة، وحتما ستغفر له ظهور

عزيز وماريا في حياتهما إن كان وجودهما حقيقة لا مراء فيها.

اِتصل بزوجته عن طريق مكالمة مرئية، سألها عن أحوالها الصحية، وعن اِبنه وزوجته وأحفاده كلٌّ باِسمه، فلخَّصت الجواب في جملة واحدة:” الحمد لله كلنا بخير ننتظر فقط

حضورك” حَمَدَ اللهَ وشَكرهُ وأسَرّ لها بأنه قادم في بداية الشهر

بعد حصوله على التأشيرة، وكاد يخبرها بقصة اِبنيه التي عاشها على متن القطار، لكنه اِستكنفَ عن ذلك.

**

مرّ أسبوع على الحالة التي مرّ بها، وطوى صفحة زهرة وجان، وبدأ يُعدّ العُدَّة للسَّفر إلى ألمانيا بعد أن عادت السَّكينة لقلبه وشعر بالاِرتياح، وتخلص من تبعات الأفكار المُحنطة التي سيطرت على تفكيره، ودفعت به إلى مستنقع الكآبة، السفر إلى دوسلدوف مفتاح لكسر وحدته.

اختار قبل يوم من سفره أن يقضي سهرة بفضاء أنوار بعلبك في ضيافة صديقيه حسن أبو الريش ضابط الجيش السابق، وعباس بندحو طبيب الأمراض النفسية المتقاعد، تناولوا وجبة سمك مشوي مسبوقة بِسَلَطَاتٍ مغربية وأخرى مكسكية، وشربوا كؤوس الشاي الأخضر المنعنع، وحَلَّوا بالآ يس كريم، تبادلوا النكت والقفشات، واستعادوا ذكريات الشباب ومغامرات الماضي المنفلت، قال حسن أن الحياة لا تُساوي جناح بعوضة ويصعب فهمها لهذا يجب أن نعيشها دون تَعقيدات ونمارس لا مبالاة مقصودة لتَجنب أثرها السِّلبي، وقال عباس أن جوهر الوجود يقتضي أن نستمع لصوت القلب والعقل في نفس الوقت، وأن نبتعد عن المُنغّصات، ونواجه تقلبات الحياة بالعاطفة والحب وأحضان الأسرة، أحس بأنَّ رأي صديقيه منحه حافزا للاستمرار ومواصلة الرحلة حتى في أحلك الظروف.

عند منتصف الليل وفيما كان يـتأهب لمغادرة فضاء السهرة، صحبة صديقيه رنّ هاتفه، كانت المكالمة عن طريق تطبيق في الإجابة على المكالمة لحظة ولكنّه في أخر الأمر المسينجر تردد

تغلب على تردده وأجاب:

- ألو من يوجد معي على الخط؟

رد عليه صوت أنثوي:

- أنا زهرة المنوني طليقتك

بدت عليه الدهشة والاستغراب ثم قال:

- مرحبا بك، كيف هي أحوالك؟

- أنا بخير

ثم تابعت بعد لحظة صمت قصيرة:

- هناك أمر أريد أن أخبرك به

قاطعها قائلا:

- الأمر يتعلق بعزيز ابننا

ردت بصوت تشوبه رنة دهشة:

- كيف عرفت هذا.. مستحيل حتى اِسمه تعرفه

ضحك وهتف قائلا:

- مسألة حدس وحالة خاصة عشتها منذ أسبوع، ولا داعي للخوض في تفاصيلها

- عزيز يرغب في لقائك باعتبارك والده البيولوجي رغم أنه مسجل باسم زوجي المتوفي مؤخرا.

- أكون سعيدا بلقائه بعد رجوعي من ألمانيا، لأنني مسافر لزيارة أخيه وزوجتي

ثم أردف متمتما:

- الغريب أن هناك أختاً لهما “ ماريا” من جان خطيبتي الفرنسية

قالت زهرة برنة سخرية:

- ثلاثة أبناء لا أحد يعرف منهم الأخر

ثم ختمت المكالمة بطلب رقم هاتفه حتى يتواصل معه ابنه.

استمع صديقاه إلى حديثه وهما مستغربان مما دار بينه وبين المتصلة به، علق عباس وهو يقلب شفتيه:

- كنا نظنك شخصا عاديا دون ماض يذكر، لكن يبدو أنك

“ طلعتي بِخْبِيزْتَك “

ردّ وقد ارتسمت على ثغره ابتسامة شاحبة:

- أنا ضحية لماض لا يد لي في تفاصيله، القصة بدأت حدسا

وانتهت حقيقة لا غبار عليها.

فارق صديقيه وعاد إلى مقر سكنه، أسلم جفنيه للنوم، وعقله وقلبه مع رحلة دوسلدوف التي تنتظره في اليوم الموالي حيث يختلط الشوق بالترقب لما ستخبئه من مفاجئات تهم بالدّرجة الأولى صحة زوجته، له أمل كبير في الله أن تكون بخير وأن يجد فرصة للاستمتاع صحبتها بجمال نهر الرين وأسواق “ كونيغسالي”

وكذلك صلة الرحم مع ابنه وزوجته وأحفاده، وسيحاول بكثير من التروي وسعة الصدر، مع مراعاة الأجواء السائدة، إخبار زوجته بالمستجدّات الطارئة على حياته.

***

قصة قصيرة

محمد محضار

03/ 04 /2026

 

مقام النكريز

(وجهٌ يلاحقني في النور)

***

نورٌ... وأنتَ بلا ظلٍّ واقفْ

ووجهُكَ يسبقُ خطوكَ دومًا

كأنَّ العيونَ اعترافٌ ثقيلْ

*

فلا، لستَ حرًّا...

جميعُ الخطى مرصودةْ

والهواءُ يعيدُ اسمَكَ

كلّما حاولتَ أن تنسحبْ

*

تمرُّ الوجوهُ... عينًا فعينْ

تراكَ... وتُبقيكَ فيكَ

*

وتسمعُ صوتَكَ في كلِّ شيءٍ

كأنَّ الصدى

لا يغيبُ عنكَ

*

وتنظرُ نحو المرايا: حدًّا

فتنغلقُ الآنَ حولكَ

لا لأنَّ الزجاجَ قاسٍ

ولكنْ لأنَّكَ مكشوفْ

*

فكم أنتَ مرئيٌّ... بلا ساترٍ

وكم أنتَ محكومُ هذا الظهورْ

*

وكلُّ العيونِ

تفتّشُ فيكَ

وكلُّ الممرّاتِ

تدلُّ عليكَ إذا ما عبرتْ

*

تبدّلُ وجهَكَ... وجهًا فوجهْ

ولا يتبدّلُ فيكَ الحضورْ

*

وتلبسُ صوتَكَ عند الصباحِ

فيثقلُ في الحنجرةْ

حتّى يُرى

*

فامضِ كما أنتَ... لا تنثنِ

ثقيلاً... كثقلِ الكلامِ المعادْ

وخائفًا... من صدى

لا يزولْ

*

اكتبْ على الضوءِ سرَّكَ جهرًا

ودعْهُ يُقالْ

كما لم تُرِدْ

*

فلا سترَ الآنَ

غيرُ انكشافِكَ

ولا مهربَ

غيرُ هذا الظهورْ

*

التمسْ عذرًا لنفسِكَ

حين تراها

معلّقةً في عيونِ الجميعْ

*

ولأنَّكَ حينَ مرّتْ حياةٌ

عرفتْكَ

قبل أن تعرفَها

*

ولأنَّكَ حين اصطدمتَ

بصورتِكَ الأولى

لم تنكسرْ

بل بقيتَ كما أنتَ

مكشوفًا... مرئيًّا

بلا أيِّ حجابْ

*

نورٌ... وأنتَ بلا ظلٍّ واقفْ

في ساحةٍ لا تنامْ

*

وكلُّ الجهاتِ

تراكَ... وتعرفُ اسمَكَ

*

فكم أنتَ مرئيٌّ هذا المساءْ

وكم أنتَ رغمَ الظهورْ

وحيدٌ

في هذا الانكشافْ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

لمـاذا أستعجلُ نَيـســان..؟

وقد قـضمَ سَوسناتـي ذاتَ رَبيــعْ

لن يقفزَ تـُفَّاح الشَّام على شفتيكَ

ولنْ تشربَ منْ قُــزحِ عَينَيَّ

لتكتَفِ بِندَى الصَّباح

الغافِـي على أوراقِ التُّـوتْ

لـن أعترفَ حتى أرى وجهَ الهواءِ

يرتَجِف على شفتيكَ

وأبـراج الغُـيومِ تمطرُ مِن عينيكَ

دَعِ النَّسيمَ يَلهُو بشعريَ الغَجريّْ

لعلَّ ومضَ غِيرَتِكْ

*

يُشعلُ أمواجَ الحَنينْ

دَع القمرَ يَتلألأُ على صَدري

حاملاً كأسَ نَشوةٍ وقَصيدَة

تَرنَّمْ على شواطِئ سَطوتِي

ريثما يتكوَّرُ بحرُ اليَقينْ

***

سلوى فرح - كندا

اطْلِــقْ قــوافِــيك، تَوْثِـيقــا لِمَفْـخَـرَةٍ

مَســارُها الحَــقُّ والابــداع مطــبوع

*

خُطى التـَعــفّـفِ، في أجوائهـا قَـبَسٌ

مِن النّــقاء، وَهــامُ الطّهْـرِ مرفــوعُ

*

الذِكرى فيـهـا، تـزيدُ المحـتوى ألَـقـًا

حُسْـنُ الـنّوايا، مَدى الأيام مَسْمـوعُ

*

(يامَن يعــزّ عليــنـا أن نـفارقَهـم)

جَذْرُ المَحبةِ، فــي الأحشاء مَنْـقـوعُ

*

صِـياغـةُ الــودِّ مهـما اللـفظُ جَـمَّـلَهــا

فالصِدقُ إنْ غابَ حَلَّ العَـوْزُ والجّوعُ

*

ضوءُ المضامـينِ، حُبٌّ بين احرفهـا

والحـبُ فــي قَسْـوة الأحـوال يـنبـوعُ

*

ما قـيمة العـُـمْـر، والاحـقـادُ سـاريـةٌ

كالسُّــمِ يفْـتـكُ، مهما العُـمْـرُ مَربوعُ

*

فـي قـبْضة الكَـفّ، تعـبـيـرٌ له صِلَـةٌ

مـع الـتحـيـة، مَطْبـوعٌ ومـَصـنـوعُ

*

مهما الجَدارَةُ أبْدَت ْحُسْنَ صَنْعّـتِهـا

إنْ غادر الطِـيـبُ، تشتاق المَجامِـيعُ

*

إذا تَــمَــيَّـزَ تـعـْـبـيــرٌ، بــصيغَــتِــه

فأيُّ تـكْــرار لفـظٍ فــيه، تَــضْـيـيـعُ

*

لاتـرتَجي الــودَّ مِــن قــلْـبٍ تــقـلّـبُه

سُــبُلُ التـصنّعِ، والإرغـامُ تَــبْضـيعُ

*

مارفْــعة الشـأن فــي ثـوْبٍ وقُـبـعَـةٍ

الشأن فـــي جـوْهر الافعال مَـوْدوعُ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

(من البسيط)

في العبيد والعبودية

عبْدِي ابتليْتُك أعوامًا بمُرتزقٍ

فما وجدتُك رخوًا غيرَ مُحتسِبِ

*

فاليوَم تُجزىْ بما صبرْتَ مُعتضِدًا

بيْ لا يُقابلُ صبرُ العبدِ بالعتَبِ

*

عبْدِي أُناديكَ من بيتٍ تُقدِّسهُ

فلا يقابلُ حبُّ اللّاهِ بالغضبِ

*

مجازيًا برئيسٍ حِيطَ بالنُّخَبِ

ناداكَ لاهُكَ عبْد الغَربِ فاسْتجِبِ

*

لبَّى العبيدُ زنيمُهُم وذو الرُّتَبِ

فما انتظارُكَ يا مُزَوَّرَ النّسَبِ!

*

لبِّ فربّ مناةٍ خيرُ مِنْ هُبلٍ

مُنتخبًا حازهَا أمْ غيرَ مُنْتَخَبِ

*

يُحبُّكَ الغربُ حبَّ الذّئبِ للسّلَبِ

يُحبُّكَ الغربُ حبَّ النّار للحَطَبِ

*

لكنَّ غربًا حياتهُ بكَ ارْتهَنت

يُبقيْك ما دامَ حظُّه منَ الحِقبِ

*

فلا يُحكَّمُ جَرْوٌ إنْ يجُعْ أكلَ الْـ

ـحِمْلانَ في وجْبةٍ ما احتاطَ للسَّغبِ

*

ولا تُؤججُ نارٌ إنْ تقدْ أكلَتْ

دون التفاتٍ إلىْ مستقبَلِ اللّهبِ

*

يُحبُّك الغربُ بادنًا بلا عللٍ

يحبُّك الغرْبُ بشًّا غيرَ مُكتئِبِ

*

فلا يُحكَّمُ من يُضويكَ بالتّعبِ

ولا يُؤمَّرُ منْ يُلجِيكَ للهَربِ

*

حتّى إذا أنذرَ الزّمانُ بالسّغبِ

أغنيْتهُ عنْ عناءِ النّهبِ والسّلَبِ

*

فليسَ يُضْطرُّ للغزوِ أو الطّلبِ

وأنتَ بالبابِ جاثيًا علىْ الرُّكبِ

*

فلا يُنازعهُ شرقٌ بمُكْتسبٍ

ولا تُشنُّ حروبٌ دونمَا سببِ

*

يُحبُّكَ الغربُ في جلبابِكَ القُشبِ

مُلقىً علَىْ الفرْشِ لحْمًا أوْ علىْ الكَنبِ

*

منشغلًا بقديمِ اللّهوِ والطّربِ

أو بالجديدِ منَ الألعابِ واللّعِبِ

*

بها تكفُّ القلوبُ عن تقلّبِها

فإنْ تقلّبَ منْ في القبرِ تنْقلِبِ

*

فلا يُحكّمُ قُرْصانٌ مطالبُهُ

تسْتنهِضُ الميْتَ مِنْ صَخرٍ ومنْ خشَبِ

*

فيستفيقُ تكابُرٌ علَى وهَنٍ

وذُلّةٍ تشتريْ الكُرسِيَّ بالذّهَبِ

*

فتلبسُ العتْمَ ثوبَ النّورِ مُدَّعيًا

بأنّ تيهَك بالطَّعْنَاتِ لمْ يُصبِ

*

مبددًا ما اقْتناهُ فيكَ منْ دسمٍ

بالكدِّ أو بعُضالِ الرّبْوِ فيْ الشُّعَبِ

*

يُحبّكَ الغربُ أبكمًا بلا جلَبٍ

يُحبكَ الغرْبُ أميًّا بِلا كُتُبِ

*

فلا يُحكّمُ ثرثارٌ بلا كللٍ

يستنفرُ الكونَ ما يُلقيهِ منْ خُطبِ

*

فتقصدُ العلمَ باحثًا عنِ السّببِ

الّذي دعاهُ لعزوِ الشرِّ للعَربِ

*

فتلتقيْ ماضياتٍ كُنتَ تجْهلُها

يهابُها الغرْبُ أنْ تنقضَّ كالشُّهبِ

*

يَعقبُها ردَّةٌ أبوكَ باعِثُها

يحبُّها كونَها مُطفئةَ اللّهبِ

*

فتنْطفيْ زمنًا وتلتظيْ زمنًا

فيضربَ الداءُ في الشِّرْيانِ والعَصَبِ

*

مبددًا ما اختباهُ فيكَ منْ عضَلٍ

لساعةٍ نارُها المِطواعُ ذو الذّنَبِ

*

أراكَ أمْسَيْتَ مكروبًا وفيْ حَرجٍ

فاسمعْ لِ "جو" إنّهُ مفرّجُ الكُربِ

*

أسجُدْ لهُ فالعبيدُ كلُّهُمْ سجَدوا

وادْعُ صباحًا وبالأسْحارِ يسْتجِبِ

*

إذهبْ إلى بيتهِ الأبيضَ مُعتمِرًا

وطُفْ بهِ باكيًا واكثِرْ منَ الطلَبِ

*

إنِ اسْتطَعتَ فإنْ لم تستطِعْ سفرًا

فزُرْ سفاراتِهِ بالقربِ واقْترِبِ

***

أسامة محمد صالح زامل

​مِنْ أينَ يبتدئُ النشيدُ؟

والجذرُ في رافديهِ يَمُدُّ الشرايينَ

يصعدُ صَوْبَ الأناضولِ

يستنطقُ الثلجَ

لكنَّهُ حينَ أورقَ

أسرى بـجِلَّقَ

واختارَ سمرةَ طينِ الفراتِ هويَّة

أنا نخلةٌ عراقيةُ الصمتِ

أرزيَّةُ الروحِ

سوريةُ النبضِ

فهل يُجرحُ النبضُ إنْ سالَ في مَدَرِ الياسمين؟

​يا عابري الوقتِ

هذي البلادُ قميصُ نبيٍّ

نَسَجناهُ من خصلاتِ الضفائرِ

مِنْ كدِّ مَن مَرّوا..

فما بالُ مَن يشتهي الفتقَ في اللُحمةِ؟

ما بالُ ريحٍ تريدُ انتحارَ الزوايا؟

دمُنا سبيكةٌ لا تُفَكُّ

عجينٌ من الضوءِ والمِلحِ

لا يرتضي دَعسةً فوقَ طهْرِ الحصيرِ

ولا يقبلُ الكسرَ في جَرَّةِ السلمِ

نحنُ الجهاتُ

إذا ما استدارَ الحنينُ التقينا

فلا تسألوا الطيرَ عن ريشِهِ:

أيُّ ريشٍ سيهجرُ جثمانَهُ؟

وأيُّ سماءٍ ستنكرُ زرقتَها؟

​سوريةٌ

جبلٌ لا يُؤرِّخُهُ النحرُ

نهرٌ يفيضُ فترتدُّ عنه الخناجرُ خاسئةً

خيطُنا واحدٌ

إنْ لمستَ طرفاً بـقسوةٍ

أوجعتَ في الطرفِ الأقصى

سُلالة!

***

مرشدة جاويش

 

قِنَاعُ الظِّلّ

وما أدراكَ ما قناعُ الظلِّ في ليلِ الرؤى؟

وَثَنٌ من الوهمِ المُريبِ،

لهُ الطغاةُ تضرّعوا.

سكنوا إلى العتماتِ

حتى صارَ جلدُ الليلِ مسكنَهم،

وتناسلوا سرًّا،

فالصمتُ فيهم يُزرَعُ.

نسجوا الخفايا

من طلاسمِ غابرٍ متآكلٍ،

وتدرّعوا بسِفرِ سحرٍ لا يُرى

ولا يُنزَعُ.

ورمزُهم مثلُ (الهيدرا):

إنْ قُطِعَ رأسٌ

أنبتوا عشرًا،

بقرونِ شيطانٍ تتفرّعُ.

رسموا الحدودَ

مثلَ (نيرون) إذ أضرمَ روما،

فاللحنُ باتَ كالهشيمِ يحترقُ،

والشعبُ في اللهيبِ توزّعوا.

باعوا العقائدَ

في أسواقِ (قارون)،

فغدا الإيمانُ

تحتَ سيوفِ المالِ يُصرَعُ.

جعلوا العقولَ أسيرةً

في كهفِ (أفلاطون)،

ترى الظلالَ حقيقةً،

وبها الوجودُ مقيّدٌ ومقنّعُ.

عينٌ تلوحُ

كأنها عرشُ (زيوس)،

ترنو، وفي أحداقِها

برقُ الوعيدِ يلمعُ.

نسجوا من الأموالِ

مُلكَ (جنكيز خان)،

فالأرضُ تُطوى،

والخضوعُ لهُ يُشرَّعُ.

زرعوا الوباءَ

كلعناتِ (أوديب)،

فالقدرُ أعمى

نحو جرفٍ يُدفَعُ.

نثروا المجاعةَ

مثلَ (أبوكاليبس)،

فالموتُ فارسُهم،

وبه التاريخُ يخضعُ.

والشاشاتُ صاغت

ألفَ وجهٍ زائفٍ،

كأنَّ (لوكي)

يُجمِّلُ فيها ما يُفجِعُ.

لكنْ…

هل يُطفأُ النورُ

الذي في الصدرِ إنْ طالَ الأسى؟

أم أنّه سرُّ الخلودِ،

بهِ الضميرُ يُدرَّعُ؟

كلّا…

فنورُ الحقِّ

ليس يُطفئهُ امتدادُ (تيتان)،

إنْ بغَوا،

ففي القلوبِ الصادقاتِ

بهِ الهدى يتجمّعُ.

شعبُ الجبابرِ

إنْ قيّدوهُ تمرّدًا،

يكسرُ القيودَ،

وصبرُهُ لا يُنزَعُ.

يا مَن سلكتم

دربَ (هتلرَ) في طغيانِكم،

إنّ المصيرَ لكم كذاك،

ولا مفرَّ يُدفَعُ.

سيزولُ ليلُ الزيفِ

مهما شيّدوا من عرشِهم،

ويفيضُ فجرُ الحقِّ،

فيُهزمُ الباطلُ المتمنّعُ.

ويصيحُ فارسُنا المبجّل:

يا بني قومي الأشاوس،

لا تركعوا…

لا تركعوا…

لا تركعوا.

***

غدير حميدان الزبون – فلسطين

 

ينْكَسِرُ الضّوْءَانِ في جسدي.

أسْري إلى مَدَائنِي الْغَدَتْ

محاريبَ سرابٍ

تَتَرَصَّدُني.

أَهِيمُ طَيْفًا يَتَدَلَّى

بين أَوْتاري وأسئلتي.

يُنَضِّدُ الْغيمُ عناقيدَ كُرومِه

على نَضَدِي.

وتَهْجُرُ السّماءُ مَسْرَى لغتي،

ولا ظلالَ تَخْرِقُ الْغاباتِ

كَيْما يَتَوَشَّى همسُ أَعمِدَتي.

*

جدائلُ الْكَرْمِ

بها يَنُوءُ وجهُ الذّكرَياتِ،

والزّاجِلاتُ في نَوافِذي

تُسامِرُني.

تسْأَلُني عن نَخْلَةٍ

كان يَغِيضُ بين كَفَّيْها

لَظَى سَغَبي.

فلا نَخِيلَ الْيَوْمَ أو زَيْتُونَ في الدّارِ

يُمَرِّضُني.

ولا غُبُوقَ ها هنا

يَنْتَشِي به اللَّوْزُ

ويُبْهِجُني.

*

ينكسر الضّوْءان في صدري،

وها جئتُكَ أيّها الطَّلَلْ،

أسألُ عمَّنْ أَوْهَنُوا بالصّفقاتِ يَدي.

خَبِّرْ فؤادي يا طَلَلْ

عمَّنْ تَلَهَّوْا بِظلامٍ لَفَّ أقمِصَتِي.

همْ قَعَدُوا عن مَوْكِبي

وما به لَحِقُوا.

قد ركِبُوا أجنحَةَ الْغُدْرانِ

وابْتَهَجُوا.

أَصْغَوْا لِأَنَّاتِ الْخَوَاءِ في حديقَتي

وما رَبَطُوا.

ما خَفَقَتْ لَهُمْ رِياحٌ

أوْ لَهُمْ ضَجَّ نَهارٌ بِضِياءٍ

وبه غَنِمُوا.

ما قَدَّرُوا طيني،

ولِي قد جَمَعُوا دَهْرًا

وما قَدِرُوا.

*

جِئْتُكَ أيُّها الطَّلَلْ،

أسألُ عمَّنْ رَحَلُوا:

ما زَرَعُوا فيكَ؟

وما قَطَفُوا؟

ولا أزالُ ها هنا

أسألُ عمَّنْ رَمَّدُوا الرَّمْلَ

وما خَمَدُوا.

وإنّني أُصْغي إليهِمْ

يَتَفَتَّحُونَ وَمِيضًا يَتَسَلَّقُني.

ولا أزالُ أَبْتَنِي في مَعْبَدِ اللَّيْلِ

مَنَارَتِي وأَلْوِيَتِي.

*

وها هنا أُصْغي لشهرزادَ

إذْ تَرْسُمُ حَرْفَها

على شفتي.

أُصْغي إليها ها هنا

تَرْتُقُ طيني،

وبِعطرِها

تُرَوِّي الضَّوْءَ في جسدي.

***

بقلمي: هادية السّالمي دجبي- تونس

يستيقظُ الشاعرُ

من ليلٍ يَتَهَدَّلُ فوقَ كتفيه،

ليلٍ تَشِيخُ فيه الكلماتُ

قبل أن تبلغَ أفواهَ المعاني

يتسكَّعُ في ظِلِّه،

ويُجَرْجِرُ في عزلتِه

تابوتَ حنينِه،

يمشي كمن يحملُ

جثَّةَ فكرةٍ

تُقاوِمُ حُفْرَتَها الأخيرة

أفكارُهُ…

طيورٌ جارحةٌ،

تَحُطُّ على جمجمتِه

وتَخْمِشُ لحمَ صمتِه،

فيَلُوذُ لا إلى الهدوءِ

بل إلى شتيمةٍ

تُنْقِذُ ما تبقَّى من روحِه

يستيقظُ

وأنفاسُهُ غُضْبَى،

وصوتُهُ صدى أكواخٍ

تنهارُ عند أوَّلِ نداءٍ،

يتنفَّسُ كظَبْيَةٍ مَذْعُورةٍ

هربتْ من فَخٍّ

لمْ تُخْلَقِ النجاةُ له

مَن يَزورُ قبرَ قصائدِه؟

مَن يَنْفُضُ عن حروفِه

رمادَ السنينَ؟

قصائدُهُ حقولٌ

أكلَتْها الريحُ،

وأغصانٌ لم يَرِثْها أحدٌ

يستيقظُ بقوامِه الهَزيلِ،

يَجُرُّ خلفَه سذاجَتَهُ العاريةَ،

فهو لم يكُنْ بَطَلاً

في حكايةِ امرأةٍ

يُزْهِرُ الليلُ بين يديها،

ولا كان شَهْوَةَ أصابعَ

تتسلَّلُ إلى نَهْدِ الحبيبةِ

إنَّه ببساطةٍ…

الـ"لا" التي تَتَدَلَّى

من شجرةِ الأسئلةِ،

الـ"لا" التي تمشي

عكسَ رياحِ الجميعِ،

الـ"لا" التي

لو نَطَقَ بها حَجَرٌ

لارْتَجَّتِ الأرضُ من تحته

فيا أيُّها الشاعرُ…

لا تُصْلِحْ ما انكسرَ في ليلِكَ،

ولا تعتذِرْ لقصائدٍ

أَجْهَضَها الهواءُ قبلَ الولادةِ

اكتبْ كأنَّ الظِّلَّ آخرُ وطنٍ

يستطيعُ أن يَحْتَمِلَكَ،

وكأنَّ الليلَ

يستعيرُ من وَجَعِكَ

قِنْدِيلَهُ الوحيدَ

امضِ…

واترُكْ للغيمِ نافذَتَكَ،

فلعلَّهُ يفهمُ ما لم يفهمْهُ البشرُ:

أنَّ الشاعرَ

ليس ابنَ المعنى،

بل ابنُ ذلك الفراغِ

الذي يَصْرُخُ كلَّما حاولَ

أن يَصيرَ كلامًا

***

باقر طه الموسوي

بعد انتظارٍ طويلٍ أثقلته الهواجس، رنَّ الهاتف.

حضرتكِ السيدة أمل؟.

ارتجف صوتها وهي تهمس: نعم أنا هي.

عليكِ الحضور إلى المستشفى لتلقي الجلسة الأولى للاشعاع، لقد حان دوركِ.

أغلقت الهاتف، شعرت وكأنها أغلقت بابًا وفتحت آخر. انطلقت بسيارتها تسابق الريح، تسابقها نبضات قلبها. كانت تُحدّث نفسها: أخيرًا.. هناك فرصة. سأحضر زفاف ابنتي، سأعود لزهوري، سأتنفس الحياة من جديد، وسأزور الأماكن التي خبّأتها داخل قلبي طويلًا.

لكن بعد الوصول، وعند مدخل قاعة الانتظار، خفتت سرعتها.. كما خفتت وتلاشت أحلامها للحظة.

القاعة كانت ممتلئة.. وجوه شاحبة، وأجساد أنهكها المرض. عيون فقدت بريقها، وأهداب سقطت بصمت، ونساء يخفين ما تبقى من ملامحهن تحت أوشحة ثقيلة. رجال يضعون الكمامات، لا خوفًا من العدوى فقط، بل خوفًا من انكشاف ضعفهم.

هنا، في هذا المكان، تلاشت الفروق بينهم. الشباب مع كبار السن، الأغنياء والبسطاء.. جميعهم نسخة واحدة من الألم.

ارتجفت، وامتدت يدها إلى وجهها تتحسسه، شعرت وكأنها تودّعه: محدثه نفسها هل سيتغير شكلي؟ هل سيأفل بريق عيناي؟ هل سيبقى زوجي يراني كما كنت؟ أم سأتحول إلى ذكرى حيّة أمامه؟

تسارعت أنفاسها، وكادت تنهار. شعرت بالغثيان، وكأن الأرض من تحتها تميد. للحظة فكرت بالهرب والعودة والاختباء داخل غرفتها، حيث لا مرض ولا وجوه تُشبه هذه النهاية.

لكنها لم تتحرك. كان هناك شيءٌ ما يُبقيها واقفة.. ربما الخوف، وربما الأمل.

مرّت الساعات ثقيلة، قبل أن تبدأ بالتلاشي.. حين تسللت إلى أذنها حكايات الآخرين.

امرأة بجوارها قالت بابتسامة دافئة: أنا أم لثلاث بنات.. ظننتُ أنني انتهيت، لكنني ما زلت هنا. وأزاحت طرف وشاحها قليلًا، وقالت بأستيحاء: أنظري.. عاد شعري يطول من جديد، طال سنتيمترًا واحدًا.. كان كابوسا وانتهى سيعود كل شيء مثل الأول وأفضل.

ضحكت بخفة، فضحك المكان معها.

شيئًا فشيئًا.. تغيّر شيء داخلها. لم يعد المكان مرعبًا كما بدا أول مرة، ولم تعد الوجوه غريبة، بل صار الألم مشتركًا خفيفًا.

وحين نادى صوت الممرضة اسمها، لم ترتجف كما توقعت. نهضت.. ببطء، لكن بثبات. نظرت إلى الوجوه من حولها، لم ترَ نهايات هذه المرة.. بل بدايات.

اعتدلت في مشيتها، وكأنها تعلن شيئًا لنفسها قبل الجميع محدثة نفسها: لن أكون ضحية.

دخلت غرفة العلاج.. لم تكن كما تخيلتها. هي ليست بابًا للنهاية، بل كانت أول خطوة في طريقٍ صعب، لكنه يقودها إلى الحياة مرة أخرى.

تمدّدت على السرير، وأغمضت عينيها مبتسمة، طاردةً جميع الهواجس. بدأت الأجهزة تدور من حولها بصمتٍ مهيب، وضوءٌ خافت ينساب فوق جسدها. حاولت أن تتشبّث بتلك الأفكار الجميلة: زفاف ابنتها.. زهورها.. الحياة التي تنتظرها.

لكن.. صوتًا آخر تسلّل إلى أذنها:

"كم عمرها؟"

"في الأربعين.. الحالة متقدمة."

"هل أخبرتموها؟"

"لا.. هي ما زالت تظن أن العلاج لغرض الشفاء.

***

القاصة نضال البدري.. العراق

لا أنتَ مُفتقِدٌ لا أنتَ مُفتقَدُ

أطِلْ غياباً فكلُّ الناسِ لا أحَدُ

*

إنْ ماتَ طيرٌ فما للناسِ من خبرٍ

لكنْ تُؤَبِّنُهُ الأشجارُ لا البلدُ

*

وعازفُ العودِ بالألحانِ مُنْفَرِدَاً

ما ضرَّهُ قطُّ أنّ العَزْفَ مُنْفَرِدُ

*

مجدُ السفينةِ للقُبْطَانِ حينَ رَسَتْ

أمّا الفَنَارُ فيُنسى أنّهُ السَّنَدُ

*

مُفارِقٌ أنتَ مهما رُمْتَ وصلَهُمُ

وجازعٌ أنتَ مهما قيلَ: مُتَّئِدُ

*

وقابضٌ جمرةً من فيضِ عاطفةٍ

ويَحْسَبونَك بالنّعماءِ تَبترِدُ

*

من فرطِ ما لوّحَتْ عندَ الوداعِ يدٌ

تكادُ تَرْكُضُ خلفَ الراحلينَ يدُ

*

لو قيلَ: دربانِ، فاخترْ واحداً لغدٍ

شَقَقْتَ ثالثَ دربٍ عندما رقدوا

*

وإنْ هَمَمْتَ بأمرٍ ما استشرْتَ وهل

سِوى على نفسِهِ الضِّرغامُ يَعتَمِدُ

*

وفيكَ مِنْ كَرَمِ الْمِرْآةِ أنْ نسيَتْ

بأنْ ترى نفسَها والكلُّ قَدْ وفَدُوا

*

وفيكَ من طَبْعِ نَبْتِ الغارِ أنَّ بهِ

مِسْكاً يفوحُ ولو خانوا الذي عهدوا

*

طفولةٌ مثلَ قوسِ الماءِ زائلةٌ

والعمرُ سهمٌ وعنها ظلَّ يَبْتَعِدُ

*

والحَرْبُ أقبَحُ وَجْهٍ سَوْفَ يُظْهِرُهُ

مَنْ بالسَّلامِ على أوطانِنا يَعِدُ

*

فكَيفَ نَبني عِرَاقاً واحِداً أحَدَاً

وأَلْفُ رَبٍّ لَنا في البَيْتِ قَدْ عُبِدُوا

*

وكيفَ أقنعُهم بالشمسِ مُشرِقةً

وغيرَ هذا الظلامِ المَحْضِ ما وجدوا

*

مُحَاوِلاً فَتْحَ بابِ العَقْلِ في وَطَنٍ

لَهُ من الجهلِ والأوهامِ مُعتقَدُ

*

لذا تَوَارَيْتُ كالأنهارِ حينَ رأَتْ

أنَّ المديحَ جميعاً نالَهُ الزبَدُ

***

د. عبد الله سرمد الجميل

تلك الرُبى وافرة المدد

تفيض على العين قزحية آخرى

تغوص في صور الذات وتمضي

الى أريكة الخيال بثوبِ سفرٍ أخضر.

مطر الغسق الأنيق ينوس ويلهو

ليبارك الأرض يسقى لفيف منعطفاتها

مثل رفيف يتدفق في حلم الليل

كدهشة ريحٍ تخرج من أطراف

مناكبه ضحكة.

بينما الحب مليئاً بالحلم والمرح على مدار

الساعة يتناسل برقاً ورعداً

ثم يغادر كي يتفيأ ظل بداهته

يا رُبى اقشعي الطين من احشاء جسدك

وأعطيني خبزا من ضوءٍ أنقشه في

خضاب دمي قصيدة.

***

عارف عبد الرحمن

 

حين كنتُ طفلًا، كانت القرية التي أعيش فيها مليئةً بالسحر؛ سحر طبيعيٍّ حلالٍ زلال: جبلٌ في الشمال، وتلالٌ عن اليمين واليسار، وفي الجنوب شارعٌ ترابيٌّ يوازي جدولَ الماء المؤدّي إلى الإسكينية السفلى. وكان هذا الجدولُ الغزيرُ ماؤه ينبع من قلب الجبل، بارد صيفا ودافئ شتاء ويشقّ القرية نصفين جارياً نحو بئر الطاحونة المائية التي في نهاية القرية، عابرًا بساتينَ التين والرمان. ويمتدّ الدرب بعد ذلك ليفضي إلى صحراء الجزيرة الواسعة، وقبلها يصل القرى القريبة من الجبل ببعضها، ثم يمضي ليبلغ سنجار، القضاءَ الذي كان السفر إليه حلمًا لا يطاله كلُّ أهالي القرية، بل القلّة فقط من أمثال أبي سليمان علو، البقّالِ المشهور في القرية.

يذهب أبي إلى سنجار ليتبضّع الأشياءَ التي تحتاجها القريةُ في مواسمها الرتيبة من مغازات الصولبند الذائعةِ الصيتِ بالجملة، ويبيع ما يحمله للأهالي بالمفرد. وكان عليه أن ينهض باكرًا، حاله حالُ سائقِنا حسن حجيكا، الذي يقود سيارتَنا البيك آب، الشيفروليه ذاتَ الموديل الـ 55. وطبعًا كان الصدرُ محجوزًا دائمًا لأبي.

والدي كان أحدَ رجالِ القريةِ الحُكماء، وكان يجمع كلَّ ما يحبّه ويحتاجه الأطفالُ في دكّانه، من أقمشةٍ ملوّنة، وحلويات، ومراهمِ البنسلين، وحبوبِ الأسبرين، وعلكة أبو السهم.

لذكريات صباحات الإسكينية شرايين رفيعة كالتي تقطعها السبايا حين حضور الدواعش الأشرار، وهي كذلك مثل خيوط الشمس التي كانت تربط أحلامنا بزجاجات الحلوى على رفوف الدكان، وتلك الصباحات ممتلئة بهورنات ومنبهات بيك آب العم حسن حجيكا المتتالية والمطولة التي كانت تربط بين طفولتي والذهاب شرقا إلى سنجار.

البيك آب مليء بالقرويين من الإسكينية العليا، والإسكينية السفلى، وتل حيالى، والووردية وقصركي وزرافكي، إلى سوق المواصلة التحتاني العامر في سنجار. ينتهي الفجر بخروجنا من القرية، أما صباحها فيكون حافلا برائحة خبز تنور أمي. وضجة ثغاء الخرفان الصغيرة التي تشبه الغيوم البيضاء، وهش وكش وتتراكض إلى التلال القريبة حيث الصباح يهمس بألف زهرة نيسان، وألف عصفور هارب من بساتين الرمان خوف جتلات ومقاليع ومصيادات تلاميذ مدرسة الإسكينية الابتدائية المختلطة الأشقياء.

هديتي كانت طائر وروار إلى نجمتي المفضلة صباح، رجوت من صاحب المكتبة أن يوصل الأمانة ولكنه أكد لي إن صباح شحرورة وإنها تحب طائر الشحرور وليس الشالول الوروار.

في الدكان كان هناك صفٌّ من الزجاجاتِ المملوءةِ بالحلوى والسكاكر، من حلقومٍ، وسمسميةٍ، وحامضٍ حلوٍ، وملبّسٍ، وسكّرِ أبو إصبع. وعلك، وأنواع الجكليت. وكان الرفُّ عاليًا لا تصلُ يدُ الأطفالِ إليه، فيكتفون بالنظر إليها وهم يرفعون رؤوسهم. وكان المنظرُ يسحرُ من ينظر إليه.

صفّ الزجاجات لم يكن مجرّد رفٍّ عالٍ، بل كان أشبهَ بأحلامٍ من الألوان، تظلّل طفولتنا بوعودٍ حلوةٍ لا تنتهي. كانت الزجاجاتُ مصطفّةً كجنودٍ من البلّور، أو كطيورٍ تقترب من بعضها في فجر القرية، يلمع السكّرُ في بطونها كلما لامستها شمسُ الظهيرة المتسلّلةُ من باب الدكّان.

وكان الأطفالُ يقفون تحتها كمن يقف تحت شجرةِ تينٍ أو رُمّانٍ مثمرةٍ لا يطالها، يرفعون رؤوسهم، يحدّقون، يبتلعون ريقهم، ثم يبتسمون ابتسامةً صغيرةً، بعد أن باء دعاؤهم بسقوط إحدى تلك الزجاجات بالفشل. كأنّ تلك الزجاجاتِ تحفظ سرًّا لا يُقال، سرَّ الطفولة حين كانت الأشياءُ البسيطة تكفي لتملأ القلبَ بهجةً وسرورًا.

 ومع ترحيلِنا الإجباريِّ من القرية، بدأ سحرُها يجفّ، وبدأ العملُ في الخيال. وكانت الأحلامُ الحقيقيةُ حينها تلك التي أكون فيها بدشداشةِ طفولتي، أتخيّل ابتسامةَ أبي إن أساء طفلٌ الأدبَ في الدكان، وهو ممسكٌ بطرفِ ثوبِ أمّه.

 أنا أتخيّل الدكّان في غربتي، بينما بريجيت باردو تغادر الكوكب لتلتحق بقطار آلان ديلون، وتترك لنا كلَّ تلك الحلوى في أفلامها، لنتفرّج عليها دون أن نذوقها على مرّ الأيام.

هذا الكلام من قواميس التسكّع في أيام نازحٍ شنكاليٍّ مثلي، وربما كان مكتوبًا على ظهر جوازِ سفرِ سنونو مهاجرٍ يشبهني، أشعله الحنينُ إلى عشه في غرفتنا الصيفية العاليةِ السقف، فأخذ يبحث عني في مدن ألمانيا ليرمي لي آخرَ حبّةِ توتٍ حمراء من شجرتي في باحة داري في سيباي.

عندما أتذكّر لعبي مع أصدقائي بتايرٍ مستهلكٍ لسيارتنا، تتدلّى من ألعابي ولعابي شهوةُ طبيخِ أمي؛ وذلك كان الشبعَ الحقيقي. فأتسلل من دكّان أبي، وأترك أصدقائي ليسيروا بالتاير إلى قرى حوضِ جبلِ شنكال، قريةً وراء قرية، يحملون أحلامَ الأطفال على التاير. طفلا بعد طفل، وفي المساء أُفرغ تلك الأحلام في رفّ الزجاجات المليئة بالحلوى، ليصبح صباحُ الأسكينية حلوًا بنهوض أصدقائي الصغار وهم يلاحقون أحلامهم إلى دكّان أبي.

***

مراد سليمان علو

مقام النهاوند

(ظلٌّ يسبقني إلى الرصيف)

*

رصيفٌ... وأنتَ مع الظلِّ واقفْ

وظلُّكَ يسبقُ خطوكَ... ثمّ يعودْ

كأنَّ الطريقَ اعترافٌ شفيفْ

يُرتَّلُ... ثمّ يخفتْ

*

فلا، لستَ وحدكَ...

نصفُ خطاكَ هنا

ونصفٌ تذروهُ ريحٌ خفيفةْ

كأنَّكَ لم تكتملْ

بأطرافِ صمتٍ كثيفْ

*

تُنصتُ... لعبورٍ خفيّْ

كأنَّ العبورَ صلاةٌ قصيرةْ

ولا صوتَ فيكَ يُقيمْ

*

وتنظرُ نحو النوافذِ: صفوًا

فتنشقُّ صورتُكَ الآنَ فيها

على مهلٍ... ثم تميلْ

كأنَّ الزجاجَ تعبْ

من انكسار الملامحِ فيكْ

*

فكم أنتَ حرٌّ... بلا شاهدٍ

كأنَّ الحريةَ الآنَ

أن لا يراكَ أحدْ

ولا أحدٌ

يتفحّصُ صدعَ العيونِ

ولا أحدٌ

يستدلُّ عليكَ إذا ما انصرفتْ

*

تبدّلُ قلبَكَ بين الجيوبِ

كأنَّكَ تُخفيهُ... كي لا يدلّْ

وتهمسُ: أين اختفى؟

*

وتخلعُ وجهَكَ عند المساءِ

كما تُخلعُ النبرةُ المتعبةْ

وتتركُهُ باردًا

فوقَ صمتٍ مقيمْ

بقربِ أسلاكِ ضوءٍ خفيفْ

يُوشكُ أن ينطفئْ

*

حيثُ العصافيرُ مرّتْ وغنّتْ

وكانَ الغناءُ خفيفًا

وحينَ مررتَ

انكسرَ الصوتُ في الحلقِ... صمتْ

كأنَّ الحفيفَ تأخّرَ فيكْ

*

فامضِ كما أنتَ... لا تنثنِ

رفيفًا... كثقلِ المؤجَّلْ

كأنَّ الخفوتَ جناحٌ ثقيلْ

وثقيلًا... كذكرى

تميلُ... ولا تستقيمْ

*

اكتبْ على الريحِ سرَّكَ

كما تُكتبُ النغمةُ المرتجفةْ

وامحُهُ

قبل اكتمالِ الكلامْ

كأنَّ الكلامَ إذا اكتملَ... انكسرْ

*

فلا قاضٍ الآنَ

غيرُ السكونِ

ولا شاهدٌ

غيرُ هذا الرصيفْ

الذي يعرفُ الخطوَ أكثرَ منكْ

*

التمسْ عذرًا لمن مرَّ

ولم يلتفتْ

فقد كنتَ تمضي ببطءٍ... إليكْ

كأنَّ الوصولَ انسحابٌ خفيٌّ

*

ولأنَّكَ حينَ مرّتْ حياةٌ

انشغلتَ بترتيبِ هذا الغيابْ

كأنَّ الغيابَ نظامٌ دقيقْ

*

وحين اصطدمتَ بسحابةٍ

لم تنكسرْ

بل كتبتَ الحفيفَ

أوّلَ نصٍّ

بملحِ الدموعْ

كأنَّ الدموعَ مقامٌ قديمْ

*

رصيفٌ... وأنتَ مع الظلِّ واقفْ

بزاويةٍ منسيّةْ

كأنَّ الزوايا تُخفي صداها

*

لا أحدٌ

يُربكُ صفوَ روحِكَ

لا أحدٌ

يسألُ: كيفْ؟

*

فكم أنتَ منسيٌّ هذا المساءْ

كأنَّ النسيانَ نعمةُ هذا المقامْ

وكم أنتَ حرٌّ

في هذا الوقوفْ

كأنَّ الوقوفَ انتهاءُ النشيدْ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

يصطخب الموج تحت جلدي ..

غير ان البحر ينكرني.. فيكسرني

*

والوقت يكسرني

المْلِمُه.. بقايا قطاف اخير

أسكبه في خابية، يخذلني جرح بها ..

فينزف عمري...

*

يكسرني الطّريق إلى قْبلة مخبّاة هناك

تحتاج إلى كلّ ذلك الموج...

كلّ ذلك الوقت...

تحتاج إلى كلّ تلك الأشياءالتى

تموت.........

***

حياة بن تمنصورت - تونس

١-  كم هَزارٍ هاداكَ ناغيتَ عِزَّه

وَشَهيدٍ لم يَسْمُ إلاَّ بِغَزَّه

*

العَصافيرُ إذْ تَمايَلْنَ زُهْرًا

يَتَبادَلْنَ البَوْحَ بَيْنَ الأَعِزَّه

*

غُولُ تختالُ فوقَ أَرْضٍ خَرابٍ

مِنْ سَماءِ الصَّدى تُدَمْدِمُ رِكْزَه

*

قَدْ أَرَيْتَ الجَناحَ مِنْ كلِّ صُبْحٍ

في مَساءٍ يغلي حَرائِقَ رِجْزَه

*

٥- طِفْلُ كَنْعانَ في عَواصِفَ حُمْرٍ

نَثَرُوهُ لَمْ يَلْقَ في الرِّيحِ حِرْزَه

*

طِفْلُ كنْعانَ رامَ أُغنيةَ الزَّيْ

تِ وَلَكِنْ سَيْفُ الأكاذيبِ حَزَّه

*

طِفْلُ كنعانَ شَدَّهُ شَغَفُ الزَّيْ

تونِ فوق الأبراجِ يَرْقُصْنَ هَزَّه

*

طِفلُ كَنْعانَ أَيْقَظَتْهُ الأَفاعي

وَفحيحُ الظَّلامِ أَوْغَرَ وَخْزَه

*

طِفْلُ كَنْعانَ أَطْعَمَ البَحْرَ مِنْ أَدْ

مُعِهِ ثُمَّ مِنْ دِما الحُزنِْ مَزَّه

*

١٠-  طِفْلُ كَنعانَ لَمْ يَرَ المَهْدَ حَيْرا

نَ عَلى اللَّحْدِ طارِقُ المَوْتِ رَزَّه

*

قَدْ ذَرى شَمْشومُ الجَرادَ خَرابا

وَرَمى كُلَّ ذي حَمامٍ وَفَزَّه

*

حَمَلوا مِنْ عَصْفِ الأبابيلِ ما لا

شَيْءَ يَسْطيعُ في الأعاصيرِ أزَّه

*

لِهَزاتي مِنْ ألفِ فينيقَ شَدْوٌ

نَخلةٌ تَستطيلُ طُهرًا وَعِزَّه

*

غُصْنُ فازَا هَلْ يَنْحَني لا

يَنْحَني يَوْمًا والسَّماواتُ غَزَّه

*

١٥- حاصَرَ اللَّيلُ أَرْضَها وَسَماها

بِضُحاها بابَ الكَرامَةِ لَزَّه

*

نَطَقَ الصَّمْتُ واسْتَباحَ شِفاهًا

وأذاعَ الحَريقُ في الزَّرْعِ غَمْزَه

*

رِحْلَتا الصَّيْفِ والشِّتا صارَتا مِثْ

لَ يَبابٍ يَبيعُ لِلنَّارِ خَزَّه

*

ذلكَ البَحْرُ خَضَّبَتْهُ دِماهُ

هاشِمٌ أَسْداهُ مِنَ الرَّسْمِ رَمْزَه

*

الظَّما مِنْ وادي الخَليلِ اِنْكِسارٌ

لَمْ يَعُدْ يُبْدي لِلخَفافِيشِ عَجْزَه

*

٢٠- وَلَظًى قاوَمَ السِّنينَ عِجافًا

يَتَكَسَّى على الجَلاميدِ فَوْزَه

***

عبد العزيز شبِّين - هرو ويلد / لندن

١١ / تشرين الأول/ ٢٠٢٥ م

 

الاهداء ـ الى روح أخي الشهيد

لمناسبة مرور 92 عاما لتأسيس الحزب

***

في كل عام أوقد لك شمعة في قلبي

وأتذكر شقرة شاربك وطولك الأهيف

وأتذكر كيف تخبئ الجريدة تحت معطفك القديم

وقلبك ينبض متسارعا تحت الجريدة

وكنت تعرف ان الرفاق ينتظرون

وان صديقك فائق سيقرأها بعيدا عن العيون المتربصة

وأتذكر همسك سرا وانت تحدثني عن شجاعة الرفاق

وعن فهد وسلام عادل وجمال الحيدري

وأنا ما زلت في مرحلة الاعدادية

وتقول انهم لا يهابون الموت الزؤام

لكنك لم تتأخر عن اللحاق بهم

الى ضوء لا يعرفه الخائفون

وكلما يسألني ولدك الوحيد

أقول له: لا تبكِ يا صغيري

فالذين يموتون من أجل وطنهم

لا يموتون أبدا

كنت تحمل حلما أكبر من سجونهم

نعتوك بالمتمرد

فرفعت صوتك لا لظلم الفقراء والكادحين

نم قرير العين مع الرفاق

والأرض التي شربت أزكى الدماء

ستنبت يوما حرية تشبه أرواحكم

***

نص شعري

سنية عبد عون رشو

في المدينة التي تلمع

مثل سكاكين تُغسل كل صباح

يمشي الناس بخطى متشابهة

كأن الأرض قررت أن تمحو الفروق

لكنها تَرَكَت في الظلّ مساحات صغيرة

يكفي أن تنمو فيها الكراهية

كما تنمو الحشائش بين الإسفلت.

*

العنصرية ليست صرخة

إنها حركة بطيئة في الهواء

مثل ضوءٍ يخبو في غرفة مغلقة.

تبدأ من كلمة

من سؤال عن لون

من إيماءة عابرة في حافلة مزدحمة

ثم تكبر

حتى تصير حجراً في يد طفل لا يعرف لماذا عليه أن يرميه.

في الحارات التي تسقط كالحجارة

تتراكم الأصوات كرمادٍ ناعم

والسماء

خزانة مهجورة تُغلق على سرها.

*

أمشي بين جدرانٍ تتنفس بصمت

تحكي قصصًا بلا لسان

وحروفٌ معلقة مثل أكياس بلا وزن

تنتظر أن تُفتح

لكن المفتاح ضاع في زحمة الأيام.

*

كل شيء يبدو عادياً:

مقاهٍ

أبواب مفتوحة

إعلانات بوجوه بلا عيون

حافلات تمضي بلا وجهة

لكن

تحت الأرض

ثمة عظام تتحاور بلغة انقرضت

تحكي عن مدن أكلتها الأيديولوجيا

كما تأكل النار أطراف الورق.

*

أفكر:

ربما يبدأ الموت

حين نمنح الآخر اسماً أقلّ من إنسان

وربما تبدأ الإبادة

حين نعلّق على صدورنا

مرآةً لا تعكس إلا وجوهنا.

*

مدينة الصمت..

انطفأت أصواتها بعد المجزرة.

أرواح

تتدلّى من أسلاك الكهرباء

مثل قمصان نُشرت لتجفّ

لكنها فقدت الأجساد التي كانت تخصها.

*

في الساحات التي غادرها الضوء

تتكدّس الأصوات في صناديق مغلقة

كما لو أن اللغة نفسها خجلت من الكلام.

*

العنصرية طقس يومي

يشبه وضع الزهور البلاستيكية على قبر مجهول.

هي ليست فكرة

بل تنهيدة

تشبه صفعة لا تُرى

تخرج من صدرٍ

يحمل نشيداً قديماً عن النقاء.

*

الإبادة نافذة قديمة

تنفجر في وجه العاصفة.

لا أحد يصرخ.

الجدران صارت أذناً من إسمنت

والسماء

سقف معدني مثقوب بعوادم السيارات

لا بصرخات المذبوحين.

*

أفكر:

هل ننجو بالكتابة؟

أم أن الحبر يتحوّل إلى رماد

حين يُكتب فوق أجساد غائبة؟ .

*

الصمت ليس سلاماً.

إنه جسر بين موتين:

لحظة يُذبح فيها اسمك

ولحظة لا يعود فيها أحد ليذكرك.

*

بعد الإبادة

لا يبقى سوى هواء مُثقل بأسماء لم تُنطق

وخرائط فقدت حدودها مثل وجوهٍ مُسحت من المرايا.

*

الصمت ينهض من الركام

لا كسلام

بل كإله صغير يحمل في يده دفترًا فارغًا

ويبتسم

ابتسامة تشبه الجحيم.

*

في المدينة

الأشجار تنحني مثل شهود زور

والأنهار تواصل جريانها كأن الدم كان ماءً

كأن الحكاية مجرد خطأ في الطقس.

*

من يكتب التاريخ؟

من يضع النقطة الأخيرة؟

لا أحد

سوى الظل

ذلك الظل الذي يتعلم ببطء كيف يكون ذاكرة

ثم يخونها

ليصير فراغاً.

الصمت ينتج أوهاماً عن العدالة

أوهاماً نعلّقها على الشرفات

كما نعلّق الملابس النظيفة

في مدينة امتلأت بالرماد.

*

أفكر:

ربما لم نُخلق لننقذ أحداً

ربما خُلقنا لنشهد

ولنكتب أسماءً تظلّ عالقة على جدران مهدومة

مثل رسائل لم تجد بريدها

أو مثل أصوات انطفأت قبل أن تكتمل.

*

لكن

حتى الصمت يحتاج إلى من يسمعه

إلى قلبٍ واحدٍ على الأقل لا يزال يخفق

ليقول:

كنت هناك

ورأيت كيف تحوّل الإنسان إلى فراغ

والفراغ

إلى قاعدة جديدة للكون.

***

مروان ياسين الدليمي

​هُوَ الحُزنُ

يا سيِّدَ العارِفينَ

يُؤَرْجِحُ نَخْلي

ومازِلتُ حتى هُبوبِ النَّشيدِ

ورِحْلَةَ ظَنِّي

أُمَسِّدُ

جِسْمَ الكواكِبِ فيكَ

وأرعى

جنونَ جِراحي

​ومازِلْتُ

في الاشتياقِ البَعيدِ

أُهَيِّئُ

بينَ السماواتِ والأرضِ

نَبْضاً

يَحِجُّ إليكَ

​فيا سيدَ العارِفين

احتَضِنْ

ما تَبَقَّى

مِنَ السُّهْدِ والشَّهْدِ

في راحَتَيَّ

وأطفِئْ

جِمارَ الثلوجِ على جانِبَيَّ

​فأنْتَ امتدادي

مِنَ البَحْرِ للبَحْرِ

أنتَ عيونُ القطا

حينَ تأوي

إلى حضنِ مالا ينامْ

​ويا سيدي المُسَتهامْ

أراكَ

عميقاً عميقاً

فلا تَحْتَجِبْ

إنني مُذ رآني

ملاكُ التحولِ

أَيْقَظْتُ فيكَ

رَفيفَ المُدامْ

​فلا تَستَعِدْ

ما يموتُ مِنَ الحالَتَيْنِ

وأبرِقْ إليَّ

فإنَّ لِكلِّ البُروقِ التي

في يدَيْكَ

يَطيبُ المقامْ

***

مرشدة جاويش

من المجموعة الشعرية (وصايا الغيم)، دار نون

 

يا أرضُ يا سرَّ البقاءِ وأنسَهُ

يا دفءَ من مرّوا بنا وتفرّقوا

فيكِ الحكايا تستفيقُ كأنّها

نهرٌ من الذكرى يفيضُ ويُغدِقُ

فيكِ الجليلُ ملوّحٌ بفضائِهِ

وترابُهُ بالعهدِ دومًا يَصدُقُ

ستٌّ مَضَوا فاستيقظَ التاريخُ في

أرواحهم وعلى خطاهم يُشرِقُ

والجرحُ صار نشيدَنا في لحنِهِ

والصبرُ في أوتارِنا يتدفّقُ

نمضي ونحملُ في العيونِ كرومَنا

خضراءَ يحفظُ سرَّها مَن يَعشَقُ

نمضي وفي كفِّ الزمانِ حكايةٌ

تُروى وفي صدرِ الرّدى تتعلّقُ

يا أرضُ يا وعدًا يُجدِّدُ عهدَهُ

في كلِّ فجرٍ نورُ عِزٍّ يُطلَقُ

تبقينَ ما بقيَ الضياءُ حكايةً

وتظلُّ فيكِ الروحُ وهي تُحلِّقُ

وتظلُّ فيكِ الروحُ ريّا تستقي

عذبَ الفراتِ بهمّةٍ لا تُرهَقُ

فيكِ الطريقُ وإنْ تباعدَ موضعٌ

يبقى وفي نبضِ القلوبِ يُنسَّقُ

فيكِ البدايةُ كلّما ضاقت بنا

سُبلُ المسيرِ وبابُ نورٍ يُطرَقُ

فيكِ الحقولُ إذا تنفّسَ عطرُها

عادَتْ لنا الأيامُ وهي تُصفِّقُ

فيكِ الطفولةُ تستعيدُ جناحَها

بيضاءَ في عينيكِ حلمٌ يُورِقُ

يا أرضُ يا عهدًا يسيرُ بدمعِنا

ويصاغُ من صبرِ السنينِ فينْطِقُ

نمضي إليكِ كأنّنا في حبِّنا

وترٌ على شرفاتِ فجرٍ يُشرقُ

حتى إذا اكتملَ النشيدُ بأهلِهِ

لَثَمَ الترابَ حُماتُه وتحلّقوا

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

منذ أن رحل ساعي البريد، رحلت معه تلك اللمسة الدافئة، التي كانت تُطرّز الورق بالحياة. لم يعد هناك من يطرق الباب بخجلٍ، ولا من يسلّم القلب في مظروفٍ أنيق.

*

الرسائل الآن بلا رائحة، بلا دمعةٍ جافة على زاوية الورق، بلا أثر شفاهٍ قبّلت السطر الأخير. أصبح الحنين مجرّد إشعارٍ إلكتروني، والشوقُ... مجرّد نصٍّ يُقرأ ويُنسى.

*

ذلك الساعي، كان آخر الشعراء الذين يمشون على قدمين، يحمل في حقيبته قلوبنا ويضعها في صناديق باردة، ثم يغادر بلا ضجيج، كما يغادر الضوء آخر الغرف.

*

أين ذهبت تلك الأوراق التي كانت ترتعش بين أيدينا؟ كانت الرسالة تنام في الجيب ككائنٍ حي، تُخفيها تحت الوسادة، تشمّها كما يُشمّ الحنين في معطفٍ قديم، وتبكي، تبكي لأنك تلمس أثر اليد التي كتبتها.

*

الآن... الرسائل تكتبها أصابع باردة على شاشات لا تحفظ الذاكرة، تُرسلها الآلة، وتستقبلها العادة.

*

لقد تغيّر العالم، لم تعد المسافات طويلة بما يكفي لتولد اللهفة، ولا الأيام قاسية بما يكفي لتبرر الانتظار، أصبح اللقاء أسرع من الاشتياق، والكلمات أسرع من النبض.

*

أشتاق لرسالة تصل بعد عشرة أيام ويكون فيها خربشة قلب، وبقايا عطر، وغيمة من حنين.

*

يا ساعي البريد، عد إلينا ولو مرة، أحضر لنا رسالة واحدة فقط، رسالة لم تكتبها آلة، بل قلب.

*

رسالة تخبرني أن الحبيبة لا تزال تتعطّر بالحروف، وأن الانتظار لا يزال حيّاً في ركن من هذا العالم البارد.

*

عد... قبل أن يُصاب الشوق بالخرس، وقبل أن يتحوّل الحب إلى مجرّد تنبيه في شاشة الهاتف.

***

بقلم: كريم عبد الله

بغداد - العراق

فاطمهْ

تتمشى الى آخرِ الليلِ كيْ تَسحبَ الفجرَ مِنهُ لِتسكبَهُ في مروجِ الجنوبْ ..

*

فاطمهْ

علَّقتْ فوقَ أشجارِ بَلداتِها أنْ يلفَّ الظلامُ شذاها فوانيسَ باهرةً

والفوانيسُ كانتْ قلوبْ

*

فاطمهْ

فتاةُ القرى الطيِّباتِ

ترشُّ الدروبَ التي تتشابكُ حولَ القرى بالطيوبْ

بعدَ اِنْ تمسحَ عنها الدماءَ

وتجهدَ حتى تُزيلَ عن الشجرِ الغضِّ ما علَّمتْهُ الندوبْ

فتمنحُ نفساً ربيعيةً للفداءِ

لكيما يعودُ ربيعُ الجنوبْ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

............................

ملاحظة: هذه القصيدة كتبتها بعد سماعي خبر استشهاد الصحفية اللبنانية فاطمة الفتوني قبل يومين في ميدان عملها قرب بلدتها الجنوبية (الطيبة) رفقة فريق صحفي لبناني يتألف من شقيقها محمد وزميلها علي شعيب اثر قصف سيارتهم من مسيرة اسرائيلية بأربعة صواريخ.

‏نمتُ عميقاً ولم أحلم بك البارحة

‏في المدى الرحيب يتهيأ الفراغ للفراغ

‏طائر بجناحين،

ليس بالضرورة أن يكونا كبيرين

مطلٌ على ما أوتيَ من فضاء

واثقٌ بالهواء ومسرفٌ في الرؤى

ترفعه الموسيقى سُلماً سُلماً

أفقٌ من المساء الفسيح

لست وحيداً في عزلتي،

كل الكلمات معي

أُهَدِّئُ جفلة الحصان

فتحيط بي الخيول التي بلا أسرجة

الخيول التي انفصلت عن عرباتها

أغبطُ اهتزازة وردة

فتتغمدني البراري السعيدة بأغنياتها المنفلتة

أغفو تحت شجرة

فتأتي إليَّ الطرائد آمنةً مطمئنةً

‏لن أرى وضوحي من النوافذ العالية المغلقة

بقدمين حافيتين، ‏

أراه من أمام بيتي الطيني المفتوح للقمر

أنصتُ إلى حكمة الطير

لا تُصلِح سقف البيت الذي يسرب الضوء

إلى عينين ساكنتين في السماء العميقة الزرقاء

يباريني شيء لا أعرفه،

في الليل قد يكون ذئباً جليّاً

في النهار،

شبحٌ بهيئتي

الليل واضحٌ والنهار مبهمٌ

أخّاذٌ يشعل فضولي

بوسع الجواد أن يفوز

بوسع الدم الدافئ أن يؤوي الذكريات

بوسع العالم أن يكون عالماً

تعود المياه إلى الجداول

وعلى ذؤابات شجر الدلب تحط الطيور المغردة

‏***

فارس مطر – برلين

30.03.2026