خرج هذا الصباح على غير هدى، تائها محَنَّط الأفكار، يتنفس بصعوبة، يشعر أن حياته أصبحت تفتقد للمعنى، وأن الأحداث تجاوزته وهو يمضي بهدوء بجانب الحائط، غير منتبه لاِنسيابية السنوات وسرعة اِنصرامها، وغير آبه بالوقائع التي عاشها دون أن يستلهم منها العبر، مكتفيا بركنها على رفِّ الذكريات، والمضي خلف سراب يَظُنّه الصَّادي ماءً وهو مُجرّد وَهْم.
ركب التّرام من محطة الليمون، لم تكن لديه فكرة أين سينزل؟ ولا متى سينزل؟ ولا أين سيذهب بعد النزول؟ كانت المناظر تتوالى وهو شاخص ببصره عبر النافذة، البنايات سامقة عالية بعضها بزجاج مدخن، وبعضها بواجهات عادية، والحدائق بأشجارها العالية ومساحاتها الخضراء، عناق بين الزمن والمكان في لحظة الاِنسياب، عيناه تحضُنان المشاهد فَتَنْتَابُه رعشات دِفء تُبدّد برودة الطقس، كانت السماء تجود بغيثها، لأن الفصل شتاء، والأمطار تجاوزت المعتاد.
فكر:
"لعبة البحث عن الزمن الضائع تتواصل، زمن الأبيض والأسود، زمن قوس قزح عندما تعانق ابتسامة الشمسِ رطوبةَ المطر، زمن الفصل بين الممكن والمستحيل، والمضمر في سحر المنظرِ وجمال الصورة، لعلّ الحاضر يكون رحيما بقلب آلَف العِشق وآنس للحظات الاِنتشاء، فيجود عليه بشذرات من السكينة وفلذات من نور المهادنة، ويسمح للعقل الباطن بالتوافق مع العقل الواعي لخلق جسر نحو تلافيف الذاكرة وإعادة ترتيب تجليات الماضي مع بوح الحاضر"
كان الترام يواصل مسيره، منسابا كثعبان، وكان هو مستسلما لتساؤلات عميقة تَشُجّ رأسه، ويحاول أن يتجاوز مطبات الواقع البائس الذي يفرض على أمْثَاله الخُضوع لناموس مَبْنِي على مَنطق تأمُّلي ناقصٍ، يدفع به إلى القبول بتصنيف مهزوز، في مجتمع لا يحسن إلا أكل أبنائه، حَقّ له اليوم أن يعود إلى خبرات الأمس، ويتذكر ذلك النهم الرهيب لِالتهام كتب كبار المفكرين، من أمثال جون لوك، وجون ديوي، وروسو، وبياجي وطوماس هوبز وغرامشي، وابن خلدون ...
قفزت إلى ذهنه فجأة قولة لروسو من كتاب العقد الاجتماعي كان يرددها الأستاذ الفلسطيني للتربية وعلم النفس الذي كان يدرسه بمدرسة المعلمين:
"ولد الإنسان حرا وهو في الأغلال حيثما كان، ذاك يظن نفسه سيد الآخرين، وهو أكثرهم عبودية"
توقف الترام في محطة “المارشي سنترال”، وقع بصره على فندق
لنكولن، عمليات الترميم بعد سنوات من الإهمال تسير ببطئ، قرأ على اللوحات الإشهارية التي تحيط بالورشة:
فندق لنكولن: تاريخ الإنشاء 1917م
المهندس المصمم: هيبر بريد
طراز: أرت ديكو
تحرك الترام، أعلن صوت المذيعة أن المحطة القادمة هي “ محطة الدار البيضاء المسافرين” فكر في النزول، وممارسة رياضة المشي على طول شارع محمد الخامس، لكنه تجاوز الفكرة ومد رجليه إلى الأمام وأسند رأسه إلى زجاج نافذة الترام، واغمض عينيه، وهو يستمع إلى موسيقى “نينو روتا” عبر سمَّاعات الهاتف معتمدا خاصية البلوثوث، تسآل بسخرية: “ماذا لو عاد الأسلاف من رقدتهم الأبدية وشاهدوا السحر التكنولوجي الذي ننعم به، حتما سيعتبرون ذلك إعجازا”
التساؤلات لن تُغيّر من واقع الحال شيئا، فلكل زمن مُعجِزاته وأساطيره، ويصعب علينا اليوم رغم ما نَحن فيه من تقدم عِلمي خارق أن نتخلى عن سِحْر الأزمنة الماضية لأنها بكل بساطة تفسح المجال للخيال وتفتح باب الاِبتكار والخلق، هكذا استدرك وهو منصرف إلى الاستمتاع بلحظة ذهنية تداعت لها جوارحه، مستجيبة لهرموني السعادة” الدوبامين والسيروتونين”.
توقف الترام بمحطة الدار البيضاء المسافرين، ظل على حاله مغمض العينين، مشدودا إلى الحالة التي انتابته وأودعته عالما يتجاوز حدود الواقع البائس الذي يحس نفسه أسيراً له.
“لا شيء يستحق أن نُسلم بسببه أنفسنا لسيرورة لا نتحكم فيها، ولا نملك القدرة على التعامل مع سياقاتها، لأننا نَعلم منذ البداية أننا مجبرون على القبول بالمفاجئات الأليمة، والرضى بالنتائج القاسية التي تفرضها قوى غير معروفة”
تحرك الترام من جديد، وهو منسجم مع وضعه السابق، غير آبه بما حوله، ولا منتبه لما يجري ويدور من حركة ودُربةٍ، انتبه بعد مُضي ردح من الزمن أن صوت مذيعة الترام قد توقف، وأن شيئا ما قد تغير، تحرك في مكانه ثم فتح عينيه، جال ببصره مستكشفا المكان، اكتشف أن معالم عربة الترام قد تغيرت تماما من الداخل، وأنه لم يعد يَجلس في مكان مكشوف بل أصبح يقبع داخل مقصورة تشي بأنه يوجد بعربة قطار، تطلع إلى النافذة، صُدم بمشاهد طبيعية تجمع بين المساحات الخضراء، وتدفق مياه الينابيع، وشموخ الرُّبى والجِبال، عاد ببصره إلى داخل المقصورة، كانت تجلس بمواجهته سيدة في مُنتصف العمر بيضاء البشرة وبجوارها يجلس شيخ تجاوز السبعين وشابٌّ دون الثلاثين، وفي الجهة المقابلة كان يجلس كهل في مثل عُمره وسيدة شقراءَ تَشِي مَلامحُها بأنّها أوربية، لاحظ أن السّيدة الجَالسة أمامه تُشبه زوجته السابقة زهرة المنوني، جمعهما حب كبير وفرقهما طلاق فجائي.
قد مضى على هذه القصة ثلاثة عقود، كذلك السيدة الشَّقراء ملامحها تُذكِّره بجان دونكور حبيبته التي عاشت معه في شقة واحدة خلال سنوات دراسته بمدينة ليون الفرنسية.
سألته فجأة السيدة التي تشبه طليقته: “ألست بوشتة الراضي ؟”
رَدَّ بِصوت خَافت:” نعم هو ذاك، وأنتِ طبعا زهرة المنوني”
اِبتسمت ونظرت إليه بِمُقلة مُنْكسرة وقَالتْ:
- كان صرحا من خيال فهوى، لا ذنب لإحد منّا فيما حدث، لن
أَلومك على تلك الكلوم التي تسببت لي فيها بغيرتك العمياء.
-كنت أحبك بجنون، وكان وجودك في حياتي بمثابة نسمة ندية
تنعش صفاء سريرتي.
هو صادق فيما قال، فبعد عودته من ديار الغربة اِلتقى زهرة
وتزوّجا بعد قصة حب هادئة، لكن الأقدار كان لها رأي أخر
فغيرتْ مجرى الأحداث، ومضى كل لما قُدّرَ له، قد تكون هذه الفكرة مجرد مبرِّر لِغيرته المفرطة، ولِسلوكها غير المُتّزن، وأهواء النفس يصعب التحكم فيها فهي باب مفتوح على تصرّفات مُتباينة ومُتداخلة قد تُفْرز نتائج صعبة التقبُّل، وهذا ما حدث معهما.
اِفترقا، ثم تزوجت وهاجرت صحبة زوجها إلى كندا، ولم يعد يسمع شيئا عنها.
أيقظته من سهوته وهي تقول:
-أتعلم أن تلك الشهور التي قضينا معا، كانت ثَمرتُها اِبنا في عقده الثالث.
ابن؟؟!! لعل هذا أخر شيء يمكن أن يخطر على باله، سألها
بصوت حادّ:
- لماذا أخفيت عني هذا الأمر؟ أهو انتقام أم حقد دفين
رّدت وهي تبتسم:
-لا هذا ولا ذاك، بل كان الأمر مجرد عِناد لَيس إلّا، فقد كنتُ بعدَ طلاقنا في حالة تدمّر أبحثُ عن قشة أتشبت بها علّها تُنقدني.
قاطعها بصوت غاضب:
-هي مُبررات تَسُوقِينها، ولكن ما باليد حيلة ما لا يدرك كلّه لا يُترك جُلّه
رَفعت يَدها وأشارت إلى الشابّ الجَالس بجانب الشيخ وقالت:
-هذا هو ابنك “عزيز”
ثم تابعت موجهة الكلام للشاب:
-هذا الرجل الجالس أمامي هو والدك “بوشتة الراضي”
ابتسم الشاب في وجهه ببرود ولا مبالاة، أدرك أنَّ تَعامله معه بهذا الشكل شيء عادي، واللقاء الأول يكون عادة صادما للطرفين.
أحس فجأة بثقل في رأسه، وتسرب إلى عينيه الوسن، فأتكأ على إطار نافذة القطار واستسلم للنوم.
عندما استيقظ جال ببصره في المقصورة، اكتشف أن زهرة المنوني والشاب الذي قالت عنه أنه “ ابنهما” اِختفيا، كذلك
انتبه إلى اِختفاء الشيخ السبعيني، بقيتْ فقط السيدة الشقراء
التي تشبه صديقته السابقة جان دونكور والكهل الجالس بِحذائِها سألها عن زهرة وابنها،أخبرته أنها لم تنتبه إلى غيابهما.
فكر متسائلا:” هل كان حديثه إلى زهرة مجرد وَهْمٍ أو تخيلات
عابرة”.
تجاوز هذا الشعور، واعتبر الأمر مجرد توهمات مرّت بخياله وانتهى أمرها، عاد لاحتضان المشاهد الطبيعية بناظريه، ودخل حالة انبساط قصوى.
طرق سمعه فجأة صوت السيدة الشقراء التي انتقلت لتجلس بمواجهته وهي تسأله:
- كيف هي أحوالك يا “بوش”؟
التفت نحوها، حدق في وجهها ذي البشرة البيضاء الناعمة، هي جان حبيبة الأمس، لا أحد غيرها كان يناديه باسم “بوش”، لاحظ أنها لا تزال تحتفظ بجمالها الذي كان صارخا، رغم بلوغها الستين ربيعا.
رد عليها مبتسما:
- جان!! أي ريح طيبة حملت طيفك إليّ
أمسكت يديه وضغطت عليهما بحنو، ثم قالت:
-أنا لست طيفا يا بوش أنا جان حبيبتك
فكر: لعلها تخيلات جديدة تداهمه، وجان قد تكون وَهْما عابراً
كزهرة، هي لعبة زمانية ماكرة تربك حساباته وتدفع به نحو دوامة تتحكم في حدود إدراكه، وتمزج بين الحقيقة والخيال في شكل صور ذهنية متداخلة لا يستطيع فهم سياقاتها.
قال بصوت خافت متسائلا:
- من رتب لهذا اللقاء بعد أكثر من ثلاثة عقود من التنائي؟
ضحكت جان وقالت:
- للقدر أحكامه يا صديقي
- لقد اختلفت مشاربنا في لحظة فارقة، أنت اخترت البقاء في وطنك، وأنا قررت العودة لبلدي.
- نعم هذا أمر مسَلّم به، لكن القدر له ترتيبه الذي يجبرنا على الامتثال لمشيئة الله والرضى بالمكتوب.
- كلامك يحمل الكثير من المعاني ياجان
اِبتسمت، وهي تَنْظر إليه بِحنان قرأه في عينيها الزَّرقاوين، ثم
قالت:
- حكايتنا لم تنتهِ رغم فراقنا، لأنك زرعت بين أحشائي جَنينا فَضّلت الاِحتفاظ به، وهو اليوم فتاة على أعتاب الأربعين من العُمر، طبيبة أطفال وأم لطفلين هل تصدق هذا الأمر ّ؟
كيف لا يصدق هذا الأمر؟!! فهذا يوم المفاجآت، ابنٌ من زهرة وابنةٌ من جان، اِبنان كانا في علم الغيب، وهاهما اليوم واقع أكيد.
ران صمت قصير على المكان، سرعان ما كسّرَته جان قائلة:
-أتمنى أن لا أكون قد أزعجتك بخبر وجود ابنتنا “ماريا”
بدا عليه الحزن، وفاضت عيناه بدمعتين وقال:
- ليس هناك إزعاج بل أسف على السَّنوات التي مضت من عمري وأنا أجهل أنّ لي ابنة .
شَعَر من جديد برغبة في النوم فمال برأسه على إطار النافذة وهو ممسك بيدي جان، الزمن تَعطّل، وروحه هامت في ملكوت
التجلي، هو الأن في لحظة إمساك بِشِفْرَات الفرص الضائعة، وإعادة ترتيب أوراقه القديم منها والجديد.
كان لا يزال غارقا في نومه عندما أحس بيد تُربت على كتفه
وتحركه بقوة، فتح عينيه مذعورا وهو يقول:
“ ماذا هناك يا جان؟”
رد عليه صوت رجالي:
- جان ‼ يبدو أنك كنت تحلم ياسيدي، أنا مراقب الترام، وقد
قطعنا ثلاث رحلات ذهبا وإيابا بين محطتي ليساسفة وسيدي مومن وأنت غارق في نومك.
اِعتذر للمراقب، وهو يقول:
-يبدو أن الحبوب المهدئة التي أتناولها كان مفعولها قويا لأنني تناولت جرعة زائدة دون أن أنتبه لذلك.
ساعده المراقب على النزول، كان صوت المؤذن يعلن دخول وقت صلاة العصر، دَعك عَيْنيه عِدّة مرّات ومَسحَ زُجاج نظّاراته
بكُمّ قميصه ثم أعاد وضعها، انقلب على عقبه يستحثُّ الخطى قاطعا شارع عمر الخيام في اتجاه مسكنه الكائن بحي اسميرالدا،
كان قد بدأ يسترجع أنفاسه ويتجاوز حالة الشرود التي عاشها في الترام، لكن هذا لم يمنعه من اِعتبار الحَالة التي مرَّ بها مؤشرا على حقائق قد تتكشف في أي وقت وزمن، لأن زهرة وجان جزء من ماضيه.
كان قد وصل إلى مسكنه، الزُّقاق فارغ وسيارته الصغيرة بلونها الأسود في ركن قصي، فتح الباب ودلف داخلا، صعد الدُّرج بتثاقل، فتح باب الشقة صفعته برودة قويه وهو يلج، اِتجه إلى الصالون، تمدَّد على الكَنَبة الجِلدية، هذه الأيام يعيش وحيدا
بعد سفر زوجته عند ابنهما بدوسلدوف لإجراء فحوصات طبية،
هي سيدة طيبة تزوجها مباشرة بعد طلاقه من زهرة، عاش معها سنوات طويلة دون مشاكل تذكر،لأنها بكل بساطة كانت تتحمل حماقاته وتتجاوز عن أخطائه الكثيرة، كان يلقبها “ بالقديسة”
فهي ربة بيت حادقة، وأستاذة فاضلة، وحتما ستغفر له ظهور
عزيز وماريا في حياتهما إن كان وجودهما حقيقة لا مراء فيها.
اِتصل بزوجته عن طريق مكالمة مرئية، سألها عن أحوالها الصحية، وعن اِبنه وزوجته وأحفاده كلٌّ باِسمه، فلخَّصت الجواب في جملة واحدة:” الحمد لله كلنا بخير ننتظر فقط
حضورك” حَمَدَ اللهَ وشَكرهُ وأسَرّ لها بأنه قادم في بداية الشهر
بعد حصوله على التأشيرة، وكاد يخبرها بقصة اِبنيه التي عاشها على متن القطار، لكنه اِستكنفَ عن ذلك.
**
مرّ أسبوع على الحالة التي مرّ بها، وطوى صفحة زهرة وجان، وبدأ يُعدّ العُدَّة للسَّفر إلى ألمانيا بعد أن عادت السَّكينة لقلبه وشعر بالاِرتياح، وتخلص من تبعات الأفكار المُحنطة التي سيطرت على تفكيره، ودفعت به إلى مستنقع الكآبة، السفر إلى دوسلدوف مفتاح لكسر وحدته.
اختار قبل يوم من سفره أن يقضي سهرة بفضاء أنوار بعلبك في ضيافة صديقيه حسن أبو الريش ضابط الجيش السابق، وعباس بندحو طبيب الأمراض النفسية المتقاعد، تناولوا وجبة سمك مشوي مسبوقة بِسَلَطَاتٍ مغربية وأخرى مكسكية، وشربوا كؤوس الشاي الأخضر المنعنع، وحَلَّوا بالآ يس كريم، تبادلوا النكت والقفشات، واستعادوا ذكريات الشباب ومغامرات الماضي المنفلت، قال حسن أن الحياة لا تُساوي جناح بعوضة ويصعب فهمها لهذا يجب أن نعيشها دون تَعقيدات ونمارس لا مبالاة مقصودة لتَجنب أثرها السِّلبي، وقال عباس أن جوهر الوجود يقتضي أن نستمع لصوت القلب والعقل في نفس الوقت، وأن نبتعد عن المُنغّصات، ونواجه تقلبات الحياة بالعاطفة والحب وأحضان الأسرة، أحس بأنَّ رأي صديقيه منحه حافزا للاستمرار ومواصلة الرحلة حتى في أحلك الظروف.
عند منتصف الليل وفيما كان يـتأهب لمغادرة فضاء السهرة، صحبة صديقيه رنّ هاتفه، كانت المكالمة عن طريق تطبيق في الإجابة على المكالمة لحظة ولكنّه في أخر الأمر المسينجر تردد
تغلب على تردده وأجاب:
- ألو من يوجد معي على الخط؟
رد عليه صوت أنثوي:
- أنا زهرة المنوني طليقتك
بدت عليه الدهشة والاستغراب ثم قال:
- مرحبا بك، كيف هي أحوالك؟
- أنا بخير
ثم تابعت بعد لحظة صمت قصيرة:
- هناك أمر أريد أن أخبرك به
قاطعها قائلا:
- الأمر يتعلق بعزيز ابننا
ردت بصوت تشوبه رنة دهشة:
- كيف عرفت هذا.. مستحيل حتى اِسمه تعرفه
ضحك وهتف قائلا:
- مسألة حدس وحالة خاصة عشتها منذ أسبوع، ولا داعي للخوض في تفاصيلها
- عزيز يرغب في لقائك باعتبارك والده البيولوجي رغم أنه مسجل باسم زوجي المتوفي مؤخرا.
- أكون سعيدا بلقائه بعد رجوعي من ألمانيا، لأنني مسافر لزيارة أخيه وزوجتي
ثم أردف متمتما:
- الغريب أن هناك أختاً لهما “ ماريا” من جان خطيبتي الفرنسية
قالت زهرة برنة سخرية:
- ثلاثة أبناء لا أحد يعرف منهم الأخر
ثم ختمت المكالمة بطلب رقم هاتفه حتى يتواصل معه ابنه.
استمع صديقاه إلى حديثه وهما مستغربان مما دار بينه وبين المتصلة به، علق عباس وهو يقلب شفتيه:
- كنا نظنك شخصا عاديا دون ماض يذكر، لكن يبدو أنك
“ طلعتي بِخْبِيزْتَك “
ردّ وقد ارتسمت على ثغره ابتسامة شاحبة:
- أنا ضحية لماض لا يد لي في تفاصيله، القصة بدأت حدسا
وانتهت حقيقة لا غبار عليها.
فارق صديقيه وعاد إلى مقر سكنه، أسلم جفنيه للنوم، وعقله وقلبه مع رحلة دوسلدوف التي تنتظره في اليوم الموالي حيث يختلط الشوق بالترقب لما ستخبئه من مفاجئات تهم بالدّرجة الأولى صحة زوجته، له أمل كبير في الله أن تكون بخير وأن يجد فرصة للاستمتاع صحبتها بجمال نهر الرين وأسواق “ كونيغسالي”
وكذلك صلة الرحم مع ابنه وزوجته وأحفاده، وسيحاول بكثير من التروي وسعة الصدر، مع مراعاة الأجواء السائدة، إخبار زوجته بالمستجدّات الطارئة على حياته.
***
قصة قصيرة
محمد محضار
03/ 04 /2026