عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

عرفته من اسم قضيته النادر. كان سجناء «أبو غريب» يختصرون قضاياهم بأسماء قصيرة تكفي وحدها لاستحضار الحكاية كلها، أما قضية الرجل البصري فكانت تسمى «الخارج».

لم يفهم أحد ما إذا كان الخارج مكاناً خلف سور السجن، أم بلداً، أم شيئاً آخر، إلى أن تولى أحد السجناء، وكان مشهوراً بيننا بتنبؤاته القاسية، مهمة معرفة سره. ظل يلاحق أبا الخارج أياماً حتى انتزع منه الاسم على مرحلتين. في اليوم الأول، وبعد إلحاح طويل، قال أبو الخارج كلمة واحدة: «جيكو». وفي اليوم التالي، وبعد أن ظل المتنبئ يترصد له عند الطعام والنوم والتنظيف، انتزع منه الكلمة الثانية: «سلوفاكيا».

ومنذ ذلك اليوم، صار المتنبئ ينادي القضية في غياب صاحبها «جيكو سلوفاكيا»، وكأن الاسم صار ملكاً له، ثم يضيف: «يعني إعدام إلا شبر»!

كان أبو الخارج يتحدث عن الخارج كما لو أنه مكان يعرفه جيداً. هناك، أشجار أكثر من البشر، وهناك أماكن لرمي النفايات، ولا أحد يبصق على الرصيف، ولا أحد يتبول على الجدران في الزوايا. وكان يختم أحاديثه بعبارة «القضية بحاجة إلى تنوير»، ثم يخفض صوته ويضغط رأسه إلى عنقه قائلاً: «نحن بحاجة إلى تنوير».

أما المتنبئ فلم يكن يكتفي بالأسماء. كان يتنبأ بالمصائب، وقد صدقت له واحدة منها. قال ذات يوم إن قاسماً سيُعاقب يوم الخميس القادم، ولم يشرح السبب.

جاء الخميس، وبدأ قاسم، من غير سبب واضح، نقاشاً فوضوياً حول آخر فيضانات بغداد. عاند على السنة، وراهن على كلامه بسيجارتين، فوصفه خصمه بالجاهل، وكانت الكلمة كافية لإشعال عراك شرس انتهى بالشرشحة واقتياد قاسم ومن معه إلى المحجر، وكان قاسم في المقدمة.

بعدها صار المتنبئ يراقب أبا الخارج باهتمام أكبر، كأنه اكتشف أن «جيكو سلوفاكيا» ليست اسماً لقضية فحسب.

أما أبو الخارج فظل على حاله؛ يغسل يديه، وينظف مكانه، ويتجنب مصافحة الآخرين، ويتحدث عن الخارج كما لو أنه يراه أمامه.

ثم بدأت حملة التنظيف الكبرى في أبي غريب.

كانت تلك أقسى علامة على زيارة مسؤول. فجأة صار الغبار جريمة، وصارت الجدران موضع اهتمام رسمي، وأخذ السجانون يركضون بالماء والصابون، وكأن النظافة اكتشاف حديث. أما أبو الخارج فلم يفاجأ. كان قد سبق الجميع إلى حملته الخاصة، فنظف مكانه حتى صار أنظف من الأماكن التي يقصدون تنظيفها، وظل في يوم الزيارة يتفقد الأرض ويمسح موضعاً لا تكاد العين تراه.

دخل المسؤول أخيراً، مجهولاً كما يأتي المسؤولون دائماً، بنظارته السوداء الكبيرة ونظرته الجادة. وقف أمام الزنازين وسأل السجناء إن كانوا يحتاجون شيئاً، فجاءت الإجابات كما لقننا السجانون: «لا أستاذ، لا نريد سوى سلامتك، الله يحفظك ويحفظ الرئيس».

وصل إلى زنزانتنا وسأل السؤال نفسه.

ساد الصمت لحظة، ثم تقدم أبو الخارج وقال بكل جوارحه: «نعم سيدي، محتاجين تنوير».

توقّف المسؤول فجأة، فتوقّفنا معه. ساد صمت، كأن الكلمات نفسها تراجعت خوفًا مما قد يحدث. أسرع السجّان إلى الكلام، محاولًا إنقاذ الموقف قبل أن يتفاقم، وقال على عجل:

«الحقيقة والواقع، سيدي، أن هذا المشاكس بالذات وسواسيّ ومجنون. هو يقصد الإنارة والكهرباء، لا أكثر... المصباح يحتاج إلى إصلاح، وهذا كل ما في الأمر.»

ظل أبو الخارج ساكتاً حتى انتهى السجان من شرحه، ثم نظر إلى المسؤول وقال بهدوء إن المصباح يعمل، وإنه يقصد التنوير.

حاول السجان أن يضحك، ثم أخذ يشرح أن الرجل يقصد شيئاً آخر، وأنه مولع بالنظافة والترتيب، وأن التنوير عنده ربما يعني تحسين المكان. لكن أبا الخارج ظل ينظر إليه، ثم قال للمسؤول: «هو يعرف معنى التنوير، فقد كان يلقننا كل يوم ماذا نقول حين تسألنا».

التفت المسؤول إلى السجان.

وأضاف أبو الخارج: «وكان يقول لنا إن الجواب الصحيح هو أن ندعو لك وللرئيس».

بقي المسؤول ينظر إليه، وبقي أبو الخارج واقفاً في مكانه، نظيف اليدين، نظيف الثوب، نظيف الزنزانة، كأنه أعد كل ذلك منذ أسابيع لهذه اللحظة.

وصارت الزنزانة أهدأ من مقبرة.

***

بولص آدام

 

كلُّ شيءٍ

يكتمل،

إلّا حبُّكِ،

فهو دائمًا

يبحثُ عن الدهشة.

كلّما ظننتُ

أنّي وصلتُ إليكِ،

أخذتني عيناكِ

إلى مكانٍ

لم أعرفه من قبل.

وكلّما قلتُ:

هذه نهايتي،

ابتدأتْ فيكِ

حكايةٌ أخرى.

كأنّكِ

لا تُحبّينَ أن تكتملِي،

وكأنّي

لا أريدُ لهذا الحبِّ

أن يصل.

أريدُهُ

دائمًا في الطريق،

دائمًا قريبًا،

دائمًا على وشكِ

أن يقولَ شيئًا

لم نقله بعد.

فالحبُّ الذي يكتملُ

يصيرُ ذكرى،

أمّا حبُّكِ

فكلّما اقتربتُ منه

ابتعدتْ دهشتُهُ قليلًا،

لأظلَّ

أحبُّكِ

وأبحثُ عنكِ

فيكِ.

***

د. جاسم الخالدي

مشهد/ إيران

٣/ ١٠/ ٢٠٢٦م

جمَّعتُ مِن ورقِ الأشجارِ بعضَ ندىً

صيَّرتهُ نهرَ عشقٍ جامحاً خَطِرا

*

وكنتُ أبحثُ عن بنتٍ لِتسْبَحَهُ

فجاءَ سربُ بناتٍ قدْ درى فسرى

*

اِمّا تراني بفكري سارحاً ثملاً

فقل أتى قَدَراً قدْ أذهلَ القَدَرا

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

لا أحدَ يعلمُ من أينَ جاءَ الدخانُ

العالمُ برمتهِ أعمى.. أم هي ساعةُ الغياب؟

أولُ مرةٍ أرى تُرابًا يبكي

وهواءً ثملًا من الخوفِ!

ولأولِ مرةٍ أبصرُ رأسيَ يركضُ أمامي...

يركضُ كي يفلتَ من رأسِ دخانٍ هائج!

فأنا مثلُ رأسي

لكنني جبلٌ أخرس!

قالَ لي ذاتَ يومِ أبي:

إنني صخرةٌ من ماء

أحملُ في أنهاري مدنًا تلدُ

وأخرى تلدُ أيضًا

لكنّها لا تشبهُني.

قلتُ لَهُ : لم أدرك ألوانَكَ في المعنى.

ابتسمَ لي..ثم قبلّني

وقالَ أنتَ أصابعُ الشمسِ

وخجلُ القمر!

لم أدرك ألوانكَ يا أبتي.

صمتَ قليلًا... ونظرَ إلى صمتِهِ

ثم مضى..

لم أدرك أينَ

لكنني أتنفسُ صوتًا

ظلَّ يفرشُ لي ابتسامتَهُ

كان أبي في المعنى

وأنا في رأسٍ دخانٍ أعمى!

في مكانٍ ما

ما زالَ هناكَ شيءٌ لم يحترق

ربما حلمُ حبيبتي

أو دمعةُ أمي..!

***

حسن رحيم الخرساني

 

لم يعد حميد يعدّ الأيام. كان يفعل ذلك في بداية خدمته العسكرية، حين كان الزمن لا يزال شيئًا يمكن الإمساك به. كان يعرف، تقريبًا، كم يومًا بقي على الإجازة، وكم أسبوعًا يفصله عن نهاية الخدمة، ويستطيع، في الليالي الطويلة، أن يستلقي على ظهره داخل الخيمة أو في ملجأ ضيق تفوح منه رائحة العرق والملابس المبتلة، ثم يبدأ العدّ.

واحد.

اثنان.

ثلاثة.

وكلما وصل إلى رقم جديد، يشعر أنه انتصر على يوم آخر. الزمن آنذاك بالنسبة له يشبه عدوًا يمكن مراقبته من بعيد. أما الآن، فلم يعد يعرف أين يضع يده عليه. انحلّ الزمن من شكله القديم، أو لعل حميد هو الذي انحلّ منه. لم يعد يعرف كم سنة مضت منذ ارتدى البدلة العسكرية للمرة الأولى، ولا كم جبهة انتقل إليها، ولا كم خندقًا نام فيه، ولا كم مرة استيقظ على صوت قصف ليجد أن الليل ما زال في مكانه، وأن النهار الذي يفترض أن يأتي، تأخر مرة أخرى.

الأيام فقدت أسماءها. لم يعد يميز بينها إلا بالموتى.

هذا اليوم مات فيه فلان.

وفي ذلك اليوم اختفى فلان.

وفي يوم آخر حملوا رجلًا إلى الخلف، ولم يعرف إن كان قد مات قبل أن يصلوا به أم بعد ذلك بقليل.

يتذكر الموتى أكثر مما يتذكر الأحياء. ولم يكن في الأمر ما يدعو إلى الدهشة.

كما اكتشف، أن الأحياء يمتلكون عادة مزعجة: يبتعدون، يتغيرون، ينسونك، ثم قد يظهرون بعد سنوات وكأن شيئًا لم يحدث.

أما الموتى فكانوا أكثر انتظامًا. يبقون في اللحظة التي تركتهم فيها. الوجه نفسه، النظرة نفسها، وربما الكلمة الأخيرة نفسها، إذا كانت هناك كلمة أخيرة أصلًا. وهذا جعل الموتى، بطريقة غريبة، أكثر وفاءً من الأحياء.

كان يقضي معظم حياته في الحرب، وإن لم يكن يعرف متى بدأت الحرب تأخذ شكل الحياة في داخله.

كلما وصل إلى جبهة جديدة، اختار زاوية يضع فيها حقيبته، ثم حفظ أسماء الرجال الذين يشاركونه المكان.

بعد أيام قليلة كان يستطيع أن يميز وقع أقدامهم في الظلام، وأن يعرف صاحب الخطوة الثقيلة من صاحب الخطوة المترددة، بل إنه يعرف، أحيانًا، من الطريقة التي يشعل بها أحدهم سيجارته، إن كان خائفًا أم مطمئنًا.

ثم يموت أحدهم.

ويأتي رجل آخر.

هكذا كانت الحرب تُدار بالنسبة إليه. ليس بالخرائط والخطط والأوامر، وإنما بالفراغات التي يتركها الرجال وراءهم.

حين يسأله أحد عن سنوات الحرب يقول :

ـ  كنت محظوظًا.

يقولها بلا ابتسامة تقريبًا، وبلا مرارة ظاهرة، كأنه يتحدث عن شخص آخر. لكنه لم يكن يحب هذه الكلمة.

محظوظ.

يشعر أنها كلمة غير عادلة بالنسبة إلى أولئك الذين لم يعودوا موجودين لكي يسمعوا بها. لذلك يصمت.

مع مرور الوقت، أخذت الوجوه تتآكل في ذاكرته.

يتذكر وجهًا وينسى الاسم،

أو يتذكر الاسم ولا يستطيع أن يستعيد الوجه.

وربما أكثر ما يخشاه من الموت نفسه، أن يأتي يوم يستيقظ فيه فلا يجد أحدًا في ذاكرته. حتى أولئك الذين ماتوا. وهنا بدأ يشك في نفسه.

هل كانوا أصدقاءه فعلًا؟

هل أحبهم؟

أم أن الإنسان، حين يعيش طويلًا في مكان يمكن أن يموت فيه في أي لحظة، يتعلق بمن ينام إلى جواره، لا حبًا به بالضرورة، وإنما لأن وجود جسد آخر في الظلام يمنحه الوهم البسيط بأنه لن يموت وحيدًا؟

لم يعرف.

ولم يحاول أن يعرف.

فقد اكتشف، مع السنوات، أن بعض الأسئلة يكون تركها بلا جواب أكثر رحمة.

وكان هناك شيء آخر نسيه، ربما كان هذا النسيان أكثر قسوة من نسيان الموتى: أنه كان ذات يوم رجلًا لا علاقة له بالجيش. رجلًا آخر.

قبل البندقية كان هناك حميد آخر، وقبل الخندق كان هناك بيت، وقبل الأوامر كانت هناك كتب. كان يحب القراءة. ليس ذلك الحب الذي يعلن عنه الناس حين يريدون أن يبدوا مثقفين، بل ذلك الحب الهادئ الذي يجعل كتابًا مستعملًا، ذا صفحات مصفرة ورائحة غبار، شيئًا أثمن من أشياء كثيرة يملكها المرء. ويكتب أيضًا. أو يحاول أن يكتب.

لديه دفاتر صغيرة، أوراق متفرقة، جمل كتبها في أوقات مختلفة، أفكار لم تكتمل، وبدايات قصص لم تجد نهاياتها. كتَبَ محاولات جادة، ويعتقد، على نحو بسيط ومخلص، أن بعضها يستحق أن يرى النور. لكن النور لم يأت.

ربما لأن الحرب كانت أسرع من الكتابة.

وربما لأن الكتب، في ذلك الزمن، تحتاج إلى أشياء لم يكن حميد يملكها: وقتًا، وهدوءًا، ومكانًا لا تسقط فيه القذائف. ومع ذلك لم يتخلَّ عن الكتب. يحمل واحدًا منها معه أحيانًا إلى الخندق. وهذا، في نظر بعض الجنود، أمرًا مضحكًا. رجل يقرأ بينما يمكن أن يأتي الموت من الجهة الأخرى من الساتر. لكنه لم يكن يرى التناقض. بالنسبة إليه الكتاب شيئًا يشبه النافذة. وحتى لو كانت النافذة صغيرة، وحتى لو لم تُظهر إلا قطعة من سماء بعيدة، فإنها تظل نافذة.

يقرأ تحت ضوء خافت، وفي أثناء فترات الهدوء، وبين انفجارين، وأحيانًا وهو ينتظر دوره في الحراسة. فإذا سأله أحدهم:

ـ ماذا ستفعل بالكتاب عندما تنتهي الحرب؟

يرفع كتفيه، فقط .

ربما سيعود إلى الكتابة. يقولها كأن الحرب شيء له نهاية مؤكدة.

ثم يمر يوم آخر.

ويأتي آخر.

وتستمر الحرب.

ويستمر الكتاب في جيبه.

وبعد سنوات، لم يعد متأكدًا أيهما بقي أطول: الحرب أم الكتاب.

في إجازته الأخيرة، عاد إلى البيت. جسده يعرف الطريق أكثر منه.

دخل، وضع أغراضه في المكان الذي اعتاد أن يضعها فيه، جلس قليلًا، ثم تمدد ونام.

نام طويلًا.

كان نومه عميقًا إلى درجة جعلت زوجته لا توقظه للغداء. وحين سأل الأطفال عن أبيهم، قالت لهم:

ـ اتركوه نائمًا.

كانت تعرف أنه حين ينام لا يكون نائمًا تمامًا، وإنما يبتعد. وتعرف أيضًا أن إيقاظه فجأة ليس فكرة جيدة. ربما لأن الرجل الذي ينام بعد سنوات من الحرب لا يعود دائمًا إلى المكان نفسه الذي نام فيه.

حين استيقظ، ظل لحظات ينظر إلى السقف. لم يعرف أين هو. لم يكن الأمر غريبًا عليه. سمع صوت طفل يركض في الفناء، وملعقة تضرب حافة كوب، وصوت زوجته في المطبخ، ثم احتاج إلى لحظات حتى يتعرف إلى هذه الأصوات التي يفترض أنها أكثر أصوات العالم ألفة. يعرفها جميعًا. ومع ذلك بدت له، للحظة، أصواتًا قادمة من مكان بعيد. ثم تذكر.

البيت.

الإجازة.

الحياة.

في اليوم التالي خرج. لم يكن لديه مكان يقصده. وهذا يروق له. ترك الشارع يختار عنه.

دخل مقهى، شرب الشاي، جلس يراقب الناس. يحب مراقبتهم بطريقة لا يفهمها تمامًا.

رجل يتشاجر مع سائق.

امرأة تشتري الخضار.

طفل يركض خلف كرة.

شاب يضحك بصوت عالٍ.

رجل آخر يقف وحيدًا أمام واجهة محل.

يرى في كل ذلك شيئًا يطمئنه. بأن العالم مستمر. وهذه، في تلك السنوات، لم تكن فكرة صغيرة.

كان يحب المرور قرب دور السينما أيضًا. يتوقف أمام صور الأفلام، يتأمل وجوه الممثلين، ثم يمضي. لم يكن يريد أن يكون مثلهم. فقط يحب فكرة أن هناك حياة أخرى، حياة لا يحتاج فيها المرء إلى معرفة اتجاه الرصاصة قبل أن يسمعها.

يأكل حين يجوع. يمشي حين يريد. يجلس حين يتعب. ولم يكن يعرف أن الناس كانوا ينظرون إليه. بعضهم يبتسم. بعضهم يكتم ضحكته.

رجل تجاوزه ثم التفت إلى الخلف.

شابان صمتا حين اقترب منهما، ثم انفجرا بالضحك بعد أن ابتعد.

امرأة نظرت إليه طويلًا، ثم أمسكت بيد طفلها.

أما حميد فلم يفهم شيئًا. ولم يكن ذلك لأنه غبي. فقط لأنه كان منشغلًا بنفسه على نحو لا علاقة له بالغرور.

كان سعيدًا.

سعيدًا بهذه الحرية الصغيرة التي اكتشفها متأخرًا:

أن يمشي بلا هدف، وأن لا يصدر أحد أمرًا له، وأن لا ينتظر منه أحد أن يطلق النار.

بدا متصالحًا مع نفسه إلى درجة جعلته غير مهتم كثيرًا بما يراه الآخرون فيه.

وعندما عاد إلى البيت، كانت زوجته أول من رآه. نظرت إليه. ثم انفجرت بالضحك. حاولت أن تمنع نفسها، لكنها لم تستطع. ضحك الأطفال معها.

وقف حميد عند الباب. نظر إليهم. ثم قال:

ـ ما الذي يضحك؟

لم تستطع زوجته الكلام.

أشارت إلى الِمرآة.

اقترب منها. نظر إلى وجهه. كان وجهًا يعرفه ولا يعرفه. رجلًا أكبر مما ينبغي، وأصغر مما ينبغي، بحسب الضوء والتعب والسنوات التي لم يعد يعرف عددها. ثم نظر إلى ملابسه. وهناك اكتشف الأمر. كان يرتدي ملابسه المدنية كاملة.

القميص.

السروال.

الحذاء.

وفوق رأسه كانت القبعة العسكرية.

ظل ينظر إليها في المرآة.

ثم قال:

ـ آه.

وكانت تلك الـ"آه" كافية.

ضحك.

لم يغضب.

لم يشعر بالإهانة.

ولم يحاول أن يبحث عن شخص يلومه.

فجأة فهم كل شيء:

تلك الابتسامات في الشارع، ذلك الشاب الذي التفت إلى الخلف،  المرأة التي نظرت إليه طويلًا، الرجلان اللذان انفجرا بالضحك. كلهم رأوا ما لم يره هو. كان قد خرج من البيت بثياب رجل مدني، لكنه ترك الحرب جالسة فوق رأسه. وكان الأمر مضحكًا فعلًا.

ضحك .

ضحكت زوجته.

وضحك الأطفال.

لم يشعر أنه هو موضوع السخرية تمامًا. كان يرى الأمر من الخارج أيضًا، كأنه يشاهد مشهدًا في فيلم. رجل قضى سنوات في الحرب، ثم عاد إلى بيته، وخرج ليتنزه في المدينة، وجلس في المقهى، وتأمل صور السينما، واشترى شطيرة، ثم عاد إلى البيت وفي رأسه قبعة عسكرية لم ينتبه إليها.

كان المشهد سخيفًا. والسخرية، في هذه المرة، عادلة.

خلع القبعة ووضعها على الطاولة. ثم بقي ينظر إليها. لم تكن القبعة مجرد قطعة قماش. حملها سنوات طويلة، حتى صار من الصعب عليه أن يعرف متى يرتديها ومتى هي التي ترتديه.

تذكَّر، للحظة، الخنادق.

تذكر الرجال.

تذكر الكتب.

تذكر دفاتره الصغيرة.

وتذكر الجُمَل التي كتبها ولم يقرأها أحد. ربما لا تزال في مكان ما.

في صندوق.

في حقيبة.

في درج قديم.

أو ربما ضاعت مثلما ضاعت أشياء كثيرة. لكنه لم يشعر بالحزن. كان لديه شعور آخر، أكثر بساطة. أن الكتابة لم تمت. فهي، مثل الكتب، لم تكن تحتاج إلى أن ترى النور لكي تظل موجودة. يستطيع أن يعود إليها يومًا. إذا انتهت الحرب. وإذا انتهى شيء آخر لا يعرف اسمه.

ابتسم.

نادته زوجته إلى العشاء.

التفت إليها. ثم أخذ القبعة ووضعها بعيدًا، ومشى نحوهم.

***

مروان ياسين الدليمي

أفتح نافذة للحلم الواقف

في الباب

وأسأله عن ساقيه

كيف تبادلتا الرقص به

أثناء الليل

وقد كان إلى الدم

في الشجرة ينظر

والغزلان قريبا منه

تثب زرافاتٍ وفرادى

(لا يكفي التوضيب لوجهي زمنا

حتى أتذكره

أو أغرق برؤاه)...

هي الأفكار هلامٌ يتعقبني

آهٍ لو تذروها الريح يبابا

قد يطلع ظني أخضرَ ممزوجا

بعبير الغبطة

وحدي في ردَهات التيه أحدّق

أبني وطنا يتسع

تجيش ذراه منىً

تبحر فيها سفن صادقة الوعد

وتلبس بِشْرَ الزمن القادم.​

***

مصطفى معروفي

 

يتطلع ذاك الرجل في المرآة، تتغير صورته

يرى قردا، بل يرى ثعلبا في هيئة إنسان في المرآة.

أرأيت كيف تغيرت الصورة؟

فغدت ثعلبا في هيئة إنسان!

مهما تتعبك الحيلة، فلن تتغير الصورة

ستبقى ثعلبا في هيئة إنسان.3317 shaf

أمضيت زمنا في اللعبة مختلسا خلسة في الليل

تنظر وتراقب نافذة الفجر، أغراك المشهد في اللعبة

تعاود تنظر في المرآة، تتأمل وجهك ثانية

تلصقه بزجاج المرآة، لتتأكد

تتعجب ...لا تتعجب!!

مهما حاولت، وتساءلت، كيف تحولت؟

كيف أصبحت قردا، بل ثعلبا؟

المرآة لا تكذب:

من قال لك يوما؟

إن للإنسان الثعلب وجها آخر في المرآة

فأكد.

***

لطفي شفيق سعيد

الخامس من تشرين أول 2026

الطائرُ النَقّار وشُجيرة الصُبّار

إلى: ناطورِ الإبتداع

***

بأجنحةِ الأشواقِ أسرى إلى المُطْلقْ

وليسَ سوى الألغازِ مهما السُرى استغْرقْ

**

فلا بُدَّ للنقّار سَبْرَ جذوعِها

هُنالكَ يحلو التينُ إن شوْكُها أشْفقْ

**

لَعلَّ سُلافَ التينِ طابَ مُعتّقاً

بِحَدْسٍ لنا يُوحي ثُمالةَ ما عَتّقْ

**

وَليْتَ تَفي الأسرارُ غوْثَ بشائرٍ

فسادِنُها الناطورِ أمطرَ بل أغدقْ

**

أما يُدْركُ الناطورِ هَوْلَ شِباكِها

بَلى: إنّما غاوٍ يُراوُدُ كي يَعْلَقْ

**

ينادي على الأفلاكِ هاتِ نيازكاً

فإنّ ركامَ النفسِ أجدبَ بل أملقْ

**

رأى عَدَماً يغشى رَمادَ دَوارِسٍ

فَحَبّرَ ماءَ الروحِ في حرْفهِ الأزرقْ

**

ألا يا نديمَ النخْلِ جَفَّ بُويْبُكمْ

وبدرُ خصيبِ الشطِّ غابَ وَلَمْ يُمْحقْ

**

وَ (برْحيَّةٍ) تُهدي عُذوقَ خَصيبِها

(وبَمْبَرهُ) المعسولُ عُنْقودُهُ أطْرقْ

**

حَنانيْكَ نحّاتاً أحَبَّ رُخامَهُ

وَرَشّقَ أحجارَ الكلامِ إلى الأرْشقْ

**

ونُعماكَ رحّالاً يغيبُ لِيَرتقي

ووقتَ حضورِ القلبِ دمعَ الجوى أهرقْ

**

قَفا أثَراً للسابقينَ ولم يَكنْ

يُقلّدُ مطروقاً فَجوّزَهُ الأسْبقْ

**

دَواليْكَ يُسقينا نبيذَ كُشوفِهِ

فَيا حبّذا كشفٌ يُشيرُ ولا ينطقْ

**

وَلاسيّما إيماءَةٍ بِقصيدتي

تُطوّقُ بالإكْليلِ عاتِقَ مَنْ طوّقْ:

**

سُباعيّةً سكرى عَقيقَ قلائدٍ

وجوهرُها الأْلأءُ من قَزَحٍ أأْنقْ

**

وَبورِكَ سَكْراناً بِسحْرِ طريقَةٍ

فأقْلقَ شيخَ الحانِ: طوبى لِمَنْ أقلقْ

**

رُؤاهُ تراءتْ للأنامِ طلاسِماً

بماءِ مرايا الطِرْسِ فائْتَلَقَ الرونقْ

**

وثمَّ يَواقيتٌ تُنيرُ وَصيدَهُ

وتاهَ فَبابُ الغيبِ مِنْ أزَلٍ مُغلقْ

**

تَفائلَ لمّا حازَ بَيْرَقَ سابِرٍ

فربّتما المعنى يجيءُ مع الببْرقْ

**

وسوفَ يعي الراؤون سِرَّ ضبابِهِ

وكيفَ بهذا التيهِ هوّمَ واستطْرقْ

**

وصوبَ ذُرى الألحانِ مَدَّ سَلالِماً

وَسُلَّمُهُ المِفراسُ يا طالما أرهقْ

**

تَلَقّطَ مِسباري بصيصَ نُبوءةٍ

ولكنَّ مَنٌ أفشى الحقيقةَ قدْ يُشْنقْ

**

فَيا عُرَبَ الأنغامِ حَسْبُكِ نشوةً

بِمُبْتَدِعٍ حتى النشازَ بِها مَوْسقْ

**

تغرّبَ حتى جادَ قوسُ كَمنْجَةٍ

مقامَ بَياتٍ في سَفائِنِهِ شَرّقْ

**

فَأوّاهُ يالحنَ البياتِ مع الصَبا

أراقا دَمَ الأوتارِ حينَ الجوى إغروْرقْ

**

لَهُ بِدَعٌ حُسنى تَشُعُّ ضلالَةً

تُضيءُ رُبى الفردوسِ تحتَ الذي حَلّقْ

**

ذنوبُ غُواةِ الشعرِ تُغْفَرُ جُنحةً

فَبشّرَتِ الألحانُ سادِنَها الأنزقْ

**

سُيولُ عُيونٍ في البواطنِ أجْهَشتْ

وَشَلّالُها الهدّارُ أغْرقَ مَنْ أغْرَقْ

**

طُيوفُ أماسيهِ تلوحُ مواكباً

تَزيدُ هوى المفتونِ في نخْلةِ الجوسقْ

**

أضاء فناءَ الكوخِ خَفْقُ يَراعَةٍ

كأنّ شُعاعَ النجْمِ من دمعها يُسْرَقٌ

**

فأسرجَ نحوَ البُرْجِ جمْرَ خسائرٍ

وهل تُبْعَثُ العَنْقاءَ من دونِ أن تُحْرقْ؟

**

بِفيْءِ مَجازِ الوَجْدِ شَيَّدَ خُلْوةً

لعلَّ بِرِمْشِ الريحِ أبوابَها تُطْرقْ

**

على ضَفَةِ المجهولِ صومعةً بنى

بها المَلَأُ الأوفى لقافيةٍ صفّقْ

**

وحادَ عَنِ المُعْتادِ نحوَ غرائبٍ

وقابَ كُوى الديجورِ كوكبهُ أشرقْ

**

تراءت له الأحقابُ قيدَ سلاسلٍ

فَنوّرتِ المِشكاةُ قُمْقُمَهُ الأعمقْ

**

يقولُ كفى الأسلافَ عَزْفُ ربابَةٍ

فعاشقُها المأسورُ آنَ لَهُ يُعْتَقْ

**

فَصاغَ سَليلُ الماءِ من مُتَرَدّمٍ

مُعلّقةَ الآتينَ أنّى بها نلحقْ؟

**

رُوَيْدَكَ نقّاداً يُعيبُ صِياغَةً

مَذاقُكَ خانَ الشَهْدِ أم فَمُكَ الأشْدقْ؟

**

أرامَ سوى تجنيحِ مُعْجَمَ سالِفٍ

فغادرَ مأثوراً تَهلْهلَ إذ أخْلقْ؟

**

يُفتّقُ أكماماً لعلَّ جديدَها

يُبدّلُ أسمالَ القديمِ ولا يَرْتقْ

**

عَقيبَ صدى الطوفانِ جاشَ لُبابُهُ

فرجْرجَ في المخيالِ رؤيا كما الزئبقْ

**

تجاوزَ مألوفَ البُحورِ مدادُهُ

وحينَ تمادى النوْءُ طارَ بهِ الزورقْ

**

يجوسُ عناقيدَ السريرةِ قاطِفاً

وَيَرْشفُ من ناقوطِ سُلافِها الأعرقْ

**

يُنادمُ (شاماناً )ويخلعُ شيْخَهُ

فَصارَ مُريدَ النايَ بل عودِهِ الأصدقْ؟

**

فَيا عَبْقَرَ الغاوينَ جِئْتُكَ سائلاً

قَرينَ خُطى المشّاءِ كم مَرّةً أخْفقْ؟

**

بُعيْدَ هُطولِ الوحْيِ زاغَ مُوارِباً

وأرْعدَ قَبْلَ الصُورِ من بعدِ ما أبْرقْ

**

فَيالكَ صُبّاراً تشوّكَ تينُهُ

وَقَطُّ قَذى الأشواكِ (رنثاهُ) لن تعشقْ

**

فحازَ رُؤى (رَيّاهُ ) دونَ رِضابِها

وَعاودَ عزفَ الناي في قَبْوِهِ الخندقْ

***

د. مصطفى علي

حـربُ الـنـجـومِ إذا أدَرتِ رَحـاها

فـعـلـيـكِ يـا رأدَ الـضُـحى بـلـواها

*

هـي لُـعـبـةٌ لا يـسـتـطـيـعُ حـسـابَـها

مَــنْ لــمْ يُـجَـرّبْ نــارَهـا ولـظــاها

*

هـي لُـعـبـةُ الـمَـغـرورِ حـيـنَ يَـرُومُـها

مُـتــوهّــمًـا فـي كــســبــهِ إيّــــاها

*

وبـهـا يـرى الـمـغـرورُ أيـن مـآلَـهُ

مِـنــهـا ويَــعــلَــمُ أيُّـنـا أشـــقـاها

*

إنّـي اُحَـذرُكِ الـنـتـائـجَ مُـشــفِـقًـا

ولـطــالـمـا حــذّرتُ مِـن عُـقــبـاها

*

هـا أنـتِ فـي صَـلَـفِ اراكِ بـعـيـدةً

عـنْ واقـــعٍ وعِـــلاقــةٍ أمــــلاها

*

ظـرفـي ولـيـنُ مـشـاعرٍ أبـديـتُـها

كُـنـتُ الـسـلـيـبَ ولـمْ اعِ أُخـراها

*

وكـأنـني أمـسـيـتُ فـي زنــزانـةٍ

نَــزّتْ فـســاءَ مَـكــانُـها وهــواها

*

بـلْ صـارَ عِـبْـئُ بُـخـارِها فـي خـاطـري

صَــدَأً ودامَ سَــــحــابُـهُ بِـســمـاها

*

لا تَـعـجَـلي حـربـي أقـولُ نـصـيـحـتي

أنْ تُــوقـفـي قَـبــلَ الـفَـواتِ خُـطـاها

*

كـانَ الـزمـانُ وكُـنـتُ فـيـهِ مُـدَلّـهًا

لا أدري مــا الـدُنـيـا ومــا مَـعــنـاها

*

إذْ كـنـتِ أحـلامـي تـطـوفُ وجـنّـتي

والــروحُ بـيـن ظـــلالـهـا مَــرعـاها

*

أيّـامَ كُـنـتُ أرى صـبـاحيَ مُـشـرقًـا

فـي وجـــهِ فـاتـنـتي وفـي مَـغــنـاها

*

لـتـذوبَ ذاتـي فـي غـيـاهـبِ نَـشـوتـي

عِـشـقًـا وتُـمْـطُـرُنـي غـيـومُ رضـاها

*

لـكـنَّ ســوءَ الـظـنِّ عـنـد حـبـيـبـتي

وصــلافـــةً فـي طـــبـعــهـا أرداها

*

ظـنّـتْ بـأنّـي خـاتـمٌ أو دُمـيـةٌ

هـو مـا قـرأتُ ومـا حَـكَـتْ عـيـنـاها

*

وكـأنـني بـحـيـاتـها لا دورَ لـيْ

دوري انـتـهى وبـهِ انـتـهى مَـلـهـاها

*

قـدْ فِـقْـتُ يـا رَأْدَ الـضُـحى مِـنْ سـكـرتي

وسَــتَـعـلــمـيـنَ مَـنْ الــذي يَـصــلاها

*

رُدّي عَـلـيَّ إذا مـلـكـتِ شــجـاعـةً

قَــوْلِـيْ وأصــدقَ مــا يـكـــونُ وِجــاها

*

هـذي طـبـيـعـتُـكِ الـتي جـربـتُـها

فـمـتـى تـكــونُ الـحـربُ كـي أغـشـاها

*

نُـصـحي إلـيـكِ بـأنْ تَـقَـرّي ســاعـةً

كـيْ تُـنـعــمـي الـتَـفـكـيـرَ فـي اُخـراها

*

مُـضـنـاكِ لا يـخـشى الـوعـيـدَ فَـهـوّنـي

مـا كــانَ حــالاً قـد مَــضـتْ وطــواها

***

الحاج عطا يوسف منصور - الدنمارك

الاربعاء في 14 / آب / 2013

"إذا لم تستطع شيئا فدَعْهُ

وجاوِزْه إلى ما تستطيع"(1)

*

ولا تَنْدمْ على أَمْسٍ تَقَضَّى

تَهيّأْ للغدِ كَي لا يَضيعْ

*

ولا تَبْكِ سِنينَ العُمْرِ فَهْيَ

فُصولٌ بَيْنَها خَيْطٌ رَفيعْ

*

نُجارِيها بِحُلْوٍ مِن هَناءٍ

ومُرٍّ مِن عَناءٍ، كالضَّريعْ

*

فَلَوْ غابَ الخريفُ لَمَا شَتَوْنا

ولا رَقَصَتْ فراشاتُ الرّبيعْ!

*

ولا تَشْكُ جَفا أَغْمارِ قَوْمٍ

فكَمْ ذئبٍ بَدا حَمْلًا وديعْ!

*

وكم راعٍ تَوارى في سُباتٍ

يُهَدهِدُه صَدَى شَكْوى القَطيعْ!

*

يَرى أثناءَ حُلْمٍ أنّ طَيْرًا

تَهاوَى، مِنْ عُلُوٍّ، في وَقِيعْ

*

فَمَا طارَتْ طُيورٌ أو تَعَلَّت

هَوَتْ، وَوُقوعُها سَهْلُ سَريعْ

*

ومَن رَفَع السّماءَ بِلا عِمادٍ

وأَجْرَى الفُلكَ في نَظْمٍ بَديعْ

*

يُدَبِّرُ رِزْقَ كُلِّ الكادِحينَ

ويُقْسِطُ إنْ قَضَى، بين الجميعْ

*

فثِقْ باللهِ، لا تَرْجُ عَظيمًا

سِواهُ، ولا تُطِعْ مَنْ لا يُطيعْ

*

ولا تَكْتُمْ سَنَا وَجْدٍ أَضاءَ

شُغافَ القَلبِ كالطَّلْعِ / الْوَلِيعْ

*

فكَمْ صَمْتٍ أَذاعَ هَوَى مُعَنًّى

وذَا صَمْتِي لِما أُخْفِي يُذيعْ

***

د. المنتصر العامري

........................

(1)      : بيت منسوب لعمرو بن معد يكرب الزبيدي المعروف بصاحب الصمصامة، وهناك من ينسبه إلى دريد بن الصمة الجشمي.

1ـ ساعة الخيانة

كانت المهمةُ من ذلك الطرازِ الذي يُقاس فيه الخطأُ بثمن الروح، في زمنٍ أحالت فيه السلطةُ الكلمةَ العابرةَ إلى حبل مشنقة. فكيف بالكلمةِ التي تنبضُ بها المنشوراتُ المهربة بعيداً عن أعيُنِ الحزب الحاكم، وفي منأىً عن قبضةِ جواسيسه الذين بثهم النظامُ في كل نافذة ومقهى وعلى قارعة كل طريق؟

تتسربُ تلك الأوراقُ بين الأزقة والدروب المطمورةِ بالسكون في حذرٍ أليم، تتنقل كشرارةٍ تعبرُ فتيلها صعداً، آملةً الوصول إلى الأيادي التي تترقبها بعطش الصحراء لقطرة مطر، ولهفة الرضيع لأول قطرة حليب.

بيد أن التخفي والحذر لم يكونا كفيلين بوهب الأمان..

فقد يستحيلان بغتةً باباً يفضي إلى عالمٍ مغاير تماماً، تنقلبُ فيه النباهةُ إلى غفلةٍ طارئة، وتغدو الحذاقةُ فيه سهوةً تودي بحياة صاحبها إلى الظلمات.

ففي دروب العمل السري، تُقاس المسافات بعدد الشكوك المزروعة عند كل منعطف، وبثقل التوجّس من وجهٍ مقنّعٍ بابتسامة. وجهٍ يستطيع أن يقودك إلى حتفك لمجرد أن اشتبه في أن أفكارك تجاوزت حدود المسموح.

انتباهٌ مفرط، وصمتٌ في الأماكن العامة، وأعذارٌ جاهزة على اللسان، وعينان تراقبان الوجوه دون أن تلتقيا بها.

الناس يتصرفون كأن الجدران تسمع.

وأعمق من الاعتقال رعبٌ يفتك بالناس:

شعورٌ متواتر بأن كلمةً عابرة قد تنقلب تهمةً في فمٍ لا تعرفه.

الصداقة مشروطة والحب خطر، والشك هو الهواء الذي يُتنفس:

هل هذا الصديق مراقب؟

هل تلك التي تحاول التودد واشية؟

هكذا صار إشاعة الرعب والشك إسمنتًا يمسك بنية السلطة. ومع ذلك، ظلّت النجاة رهينة حسن ظنٍّ يضطرّ المرء أحيانًا إلى منحه لمن لا يستحقه، كأنه يبتاع قاربًا من ورق ويمضي به في بحرٍ هائج.

انطلقت السيارة تحمل المنشورات، تشقّ سكون المدينة الكثيف، سكونًا لا يكسره سوى أنين المحرك الرتيب ونظرات خاطفةً، قلقة، تتقاطع بين الركاب الثلاثة في ذلك الحيّز الضيق. كانت عينا نوري تتنقلان بين الوجوه، فقد علّمته سنوات التخفي أن أشد الضربات غورًا قد تخرج من المقعد المجاور، من رفيقٍ شاركه رغيف الفقر وعتمة الحلم، قبل أن يتجاوز كل المتاريس التي تفصل بين الصديق والجلاد.

انحرف شغب بالسيارة بغتةً عن المسار المرسوم في الخطة، مستديرًا نحو نقطة الانطلاق الأولى، مبررًا الأمر بأنه نسي غرضًا لا بد من استعادته. ركن نوري التبرير جانبًا، قابضًا على جمر قلقٍ وهسيس خوفٍ خفيّ ينذر بشرّ مستطير. تبلورت الأسئلة في ذهنه وتلاشت سريعًا قبل أن تجد لسانًا.

انشقّت العتمة امامهم، وانبثق من شقّها سيارة داكنة بلا أرقام، انحرفت حتى سدّت الطريق بعرضها، ثم سكنت. ترجل منها أربعة رجال، بلا عجلة، بلا التفاتة، يسيرون سير من يعرف أن الطريق قد انتهى قبل أن يبدأ، وأن أحدًا في هذه السيارة لن يفلت.

وبين شهيقٍ وزفير، صارت فوهات البنادق تحاصر الزجاج من كل جهة.

ثم انفلت من الخارج صوت خشن، ثابت حدّ اليقين، يخرج من حنجرة رجل لا ينتظر اعتراضًا:

"انزلوا... واحدًا تلو الآخر... وأيديكم فوق رؤوسكم."

خطا نوري إلى الخارج بتثاقل، يتعثّر في خطوته الأولى من ثقل الصدمة، فاقدًا الثقة بثبات الأرض تحته. حاول ردم الهوّة بين ذعره المكتوم وخطوته المتعثرة، خانته أنفاسه وهي تعلو وتهبط، لتكشّف عن توتره رغم محاولته الاستقرار. وقعت عينا أحد عناصر الأمن على سترته الخريفية الفضفاضة، كمن يعرف مسبقًا ما تخفيه، فجاء الأمر حادًا سريعًا:

 "انت... افتح السحّاب ببطء، وباعد الطرفين."

تصلّبت أنامله في تلك الهنيهة حتى كاد لا يشعر بها.

لطالما عاش نوري رفقة الموت، غير أن الذي جمّد الدم في عروقه الآن هو ذلك الثقل المخبأ تحت حزامه، ثقلٌ يعني خسارة آخر ثغرة للمناورة أو النجاة.

غدا الوقت أضيق من أنفاسه المتسارعة، وبدت المسافة القصيرة بين أصابعه المرتعشة وسحّاب السترة أثقل من أن يتحملها.

خلف الحزام كان يقبع مسدس آلي صغير، قطعة الحديد التي وضعها رفيقه علي بين يديه مساء أمس بإلحاح، احتياطًا مما قد يفاجئهما وحمايةً أخيرة فرضتها الظروف.

منذ تلك اللحظة استقرّ ملمسه المعدني على خاصرته كعبء ثقيل، طالما حدّثته نفسه بالتخلص منه قبل فوات الأوان، إذ طالما آمن أن الموقف والكلمة أجدى من حمل السلاح.

 كانت تلك المرحلة تعيد صياغة كل المفاهيم بقسوة، مرحلة تُحصي فيها السلطة الأنفاس وتراقب العقول، فيغدو حمل السلاح عبئًا يتجنبه المرء خشية أن تبتلعه أقبية العتمة إلى الأبد.

انصاع بعد تردد وجيز.

تحرّكت يده تحت نظرات متربصة خلف الزناد، وما إن انفرجت السترة حتى بان السلاح في مكمنه.

لم تمهله عيناه أن تطرفا، حتى انقضّت من خلفه يدان غليظتان أحكمتا القبض على معصميه بحركة أفقدته الاتيان بأي حركة للحظة، بينما انتزع أحدهم السلاح من حزامه. وفي اللحظة التالية هوت ضربة من عقب الرشاش على رأسه، فدار المدى من حوله، وترك جسده يترنّح مستندًا إلى حافة السيارة.

على مقربة منه كان صديقه علي يتلقى الضربات ذاتها، جامد النظرات، عاجزًا عن استيعاب هول الخديعة وسرعة السقوط.

أما شغب، فبقي خلف المقود ساكنًا سكونًا يثير الريبة. لم ترتسم على وجهه دهشة المباغَتين ولا فزع الضحايا، ناظرًا ببرود المخرج المسرحي الذي يحفظ تنفيذ الادوار عن ظهر قلب.

انقشع الضباب حينها عن بصيرة نوري، وتيقّن أن المشهد انما هو كمين مدبّر بعناية فائقة لا مجال للصدفة فيه، وبخيانة سبق فيها الإصرار كل خطوة.

التفت صوب علي، وهمس بصوت خافت يعلوه الخذلان:

"ألم أخبرك أن رهانك عليه خاسر منذ البدء؟ فلماذا لم تتأكد منه؟"

جاءت الكلمات حقيقةً صادمة لثقة قُتلت في موضعها.

كان شغب رفيق طفولة علي وموضع ثقته، وسليل عائلة شيوعية ضاربة في النضال، قدّمت للوطن أشخاصًا دفعوا حياتهم ثمنًا، وسنوات من التضحيات. ولأجل هذا التاريخ بالذات، غدا سقوطه في جانب السلطة والعمالة أشد إيلامًا على رفاقه من فوهات البنادق نفسها، وهو ما يدمر كل إمكانية للثقة، التي طالما التمس المرء في ظلها الأمان.

استعاد نوري في ذهنه تفاصيل الساعات القليلة الماضية:

مراقبة شغب المتكررة لعقارب ساعته، ذلك القلق الذي حاول دفنه تحت أحاديث مفتعلة، ارتباكه وإصراره المفاجئ على تغيير المسار والعودة.

غدت كل تلك الإشارات الآن خطوات مرتبة لتسهيل الاعتقال، وتيقّن أن شغب ضبط عودته لنقطة انطلاقهم لتتطابق مع ساعة الصفر المتفق عليها مع رجال الامن مقابل ضمان سلامته الشخصية والتخلص من الملاحقة والاعتقال.

في تلك الأثناء تنحّى أحد عناصر الأمن جانبًا. سحب جهاز اللاسلكي، متحدثًا برتابة من اعتاد رفع البلاغات السريعة:

"سيدي... تمت العملية وفق المخطط بنجاح تام... دون معوقات."

استقرت الجملة في مسامع نوري إعلانًا رسميًّا بانتهاء دورهم كأهدافٍ متحركة، وتأكيدًا أن كل تفصيلة منذ لحظة تشغيل المحرك كانت تتبع سيناريو جرى إعداده في دوائر الأمن.

لم تمر دقائق حتى توقفت سيارة أمن أخرى، ونزل منها عناصر إضافيون انتشروا بآلية عسكرية مدروسة، يتفحصون الممرات تحسبًا لعدوٍّ وهمي، بينما الضحايا أمامهم مكبّلون، لا يملكون سوى عيون مفزوعة.

بدأ الرجال تفتيش السيارة بدقة مستفزة بعد ان أمروا شغب بالترجل، وأُحكمت القيود الحديدية حول المعاصم..

في تلك اللحظة، وبعد ان استوعب نوري حقيقة ما آلت اليه الامور، غادر وعيه الساحة كاملًا، متجاوزًا ما ينتظره خلف الأبواب المؤصدة من استنطاقٍ وعذاب، ليطير قلبه نحو منزله.

مثُل أمامه وجه والده، العسكري المتقاعد الذي أقعدته جلطة قلبية في خريف عمره، مجبرًا على ترك البدلة العسكرية، مكتفيًا ببندقيتي صيدٍ قديمتين يحرسهما بعناية فائقة كشواهد مقدسة على أيام العزّ الغابرة والصولات الخوالي.

كان نوري يعرف، بحكم التجربة، أن العثور على أي قطعة سلاح، ولو كانت للصيد أو حتى خردة صدئة، في منزل متهمٍ بالسياسة كفيلٌ بتحويل لائحة الاتهام إلى حكم إعدامٍ مبرم.

تجاوز جزعه من فكرة موته الشخصي، وارتعدت أوصاله من تخيّل والده الشيخ المريض يُساق بذلٍّ إلى مصيرٍ مظلم، عقابًا على إنجاب ابنٍ اختار طريق التمرد.

ثم تدافعت إلى ذهنه هواجس أخرى، أصبحت أثقل على صدره من حد السلاح: ذلك الشغف القديم بالرسم، رأس لينين بلحيته الذي كان يخطّه بدقة متناهية على حواف كتبه ودفاتره المدرسية حتى غدا بمثابة شفرته المحببة، ووصل الأمر إلى دفاتر شقيقته الصغرى في مرحلتها الابتدائية، تلك الدفاتر التي تقابل فيها الوجه الملتحي المطبوع بضحكاتٍ طفولية بريئة.

رأى بوضوح كيف ستتحول تلك الخطوط البريئة، في نظر المحققين، إلى براهين إعدام تنطق بما يعجز عنه السلاح القابع الآن في سيارة الأمن.

ابتهل في سرّه، بكل ما تبقى في روحه من رمق، أن يكون نبأ اعتقالهم قد تسرّب إلى البيت عبر الأثير قبل وصول طلائع المداهمة، ليمنح الشيخ العجوز فرصة واحدة، ولو ضئيلة، لمحو كل أثرٍ قد يقود رقاب العائلة إلى المقصلة.

أنهى الجلادون استغراقه في التفكير سريعًا حين انهالت الركلات وأعقاب البنادق على كل جزء من أجسادهم، وعُصبت الأعين بقطعٍ من القماش الداكن، ثم دُفعوا بعنفٍ إلى جوف سيارة الأمن. ومع الحركة الأولى للعجلات، بدأت جغرافيا المدينة وأصواتها المألوفة تضمحل شيئًا فشيئًا في غياهب المجهول، بينما شقّت السيارة طريقها مسرعةً نحو مديرية أمن السليمانية، ذلك المكان حيث تُختم آمال البشر بسواد الموت أو يعودون أشباحًا لا تشبه نفسها

***

2 ـ البيت الذي اقتحمه الرعب

كانت السجون العراقية، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أضيقَ من أن تحتمل ما حُشر فيها من أرواح، وعجزت عن إخفاء ما يجري داخلها من أهوال.

عشرات الآلاف من المعارضين للسلطة الدكتاتورية، من شيوعيين وإسلاميين ومستقلين وغيرهم، زُجّ بهم خلف أبواب حديدية أوصدها القمع في وجه كل رأي يجرؤ على المخالفة. كما بلغت الخصومة السياسية في تلك المرحلة حدّ اقتلاع الخصم من جذوره.

توالت النكبات على الحزب الشيوعي متلاحقةً كصواعق الخريف، فما إن انفرط عقد التحالف مع الحزب الحاكم، حتى انفتحت أبواب أجهزة الأمن على مصاريعها، وتتابعت موجاتُ الاعتقال وأحكامُ الإعدام لتعصف بزهوةِ القيادات والكوادر. وأمام هذا الموت المتصدّر لكل درب، بزغ خيار الكفاح المسلح كآخر الملاذات. تدفقت مفارز الأنصار في أودية كردستان وجبالها، تُذكي جذوة حلمٍ قديم بالتغيير.

وفي الجهة المقابلة، جاءت العمليات المسلحة التي أعلن حزب الدعوة الإسلامي مسؤوليته عنها ضد رجال السلطة، وفي مقدّمتها محاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء آنذاك، ذرائع إضافية لتشديد القمع، حتى أُعدم مؤسس الحزب وعدد كبير من أعضائه، وتحولت المشانق في الساحات العامة إلى وسيلة لإرهاب الشارع وترهيب كل من يفكر في المعارضة.

أصبح الخوف روتينًا حين خيم الرعب على تفاصيل الحياة اليومية في الشوارع والبيوت والمدارس وفي كل المؤسسات، حتى صار الناس يترددون قبل التفوه بأي كلمة.

 صور القائد كانت حاضرة في كل مكان. عيناه تتعقبك أينما كنت، حتى في غرف النوم والمرافق. عاش العراقيون زمنًا يُحسب فيه الكتمان والصمت أول شرط للنجاة. ولكن، حتى الصمت يمكن ان يكون موضع شك وتهمة ان لم يُفسر بشكل صحيح.

في ذلك المناخ المشحون، تشكّل وعي نوري، ابن السليمانية، الطالب في المعهد الصناعي، الذي يبدو هادئ الطبع بملامحه الجبلية القاسية، مع حذر واضح تنم عنه نظراته اليقظة. أسرته في الماركسية أسئلتها عن قضايا العدالة وحقوق الفئات الكادحة الفقيرة. فقد كان يبحث عن معنى أوسع للحياة، عن تغيير حقيقي يستوعب الجميع دون ادعاء بطولة. وحين تعرّف إلى أحد أعضاء الحزب الشيوعي، وجد نفسه يقترب من ذلك العالم خطوة إثر أخرى، حتى أضحى العمل السري جزءًا من نسيج أيامه، باندفاع شاب يراهن على التغيير، رغم ادراكه لكلفة هذا الطريق.

بعد ساعات طويلة من التعذيب والتحقيق المتواصل، وقد أعيت رجال الامن محاولاتهم انتزاع اعترافه بتوكيد على انتمائه الحزبي، أو دفعه إلى التعاون معهم، قرروا اقتياده إلى منزله لتفتيشه.

كانت عيناه معصوبتين بأحكام، لكنه استدل على الاتجاه من حركة السيارة وحفظه لتفاصيل الحارة، فعرف أنهم يتجهون لبيته. تضاعف خوفه على عائلته المهددة بسبب وجودهم معه.

اندفع رجال الأمن إلى الداخل بهمجية واضحة، ودوّى صراخهم في أرجاء المنزل، وارتسم الذعر على كل وجه فيه. وقف والده، الشيخ الذي أثقل المرض قلبه منذ سنوات يتوسل، فلم يجد استعطافه أي استجابة.

راحوا يقلّبون المنزل رأسًا على عقب، فلم تسلم الخزائن ولا الفرش ولا الكتب، ولا حتى علب أعواد الثقاب وأغلفة السجائر، في تفتيش انتقامي لا يراعي حرمة.

كان نوري يتابع المشهد بقلبٍ يكاد يتوقف، تجول حواسه وسط الفوضى باحثة عن بندقيتي الصيد اللتين طالما أقلقتاه، عارفًا أن وجودهما كفيل بتحويل التهمة إلى كارثة. غير أن والده، رغم ارتباكه، كان قد سبقهم إلى إخفائهما بحكمة العسكري القديم الذي لم تفارقه خبرته يومًا، فنجتا من التفتيش، ونجا معهما أمل في تفادي التهمة الكبرى.

غير أن المداهمة كشفت أمرًا لم يحسبوا حسابه، إذ لم يتوقع الأب أن ولع ابنه برسم رأس لينين على أغلفة كتبه ودفاتره سيغدو يومًا دليل اتهام قاطع. 

مدّ أحد رجال الأمن يده الى حقيبة صغيرة، فانتزع منها دفترًا مدرسيًا، ثم آخر، ثم ثالثًا، فإذا بالرأس ذاته يتكرر على الصفحات، كأنه ختمٌ لا يُمحى، حتى على دفاتر شقيقته الصغرى نريمان، ذات الأعوام الستة، ظهر ذلك الرسم، وهي التي لم تكن تعرف عن ذلك الوجه سوى أنه رسم كرره أخوها في كراساتها.

رفع الضابط أحد الدفاتر في وجه نوري متسائلًا بنبرة من ظفر بصيده:

"ما هذا؟؟"

فأجابه بثبات وتماسك، رغم ارتباكه المكتوم:

"هذه دفاتر متداولة... لا تحمل دليلًا على شيء."

لم يقتنع الضابط ولم يكترث لكلامه، ومضى نحو نريمان مباشرة.

انتزعوا الطفلة من حضن أبيها الذي لجأت إليه بعد أن هالها ما حل بأخيها، وانزواء أمها ونُواحها وسط عنف مباغت لم تعرف له مثيلًا من قبل.

صرخت نريمان مذعورة، وانفجرت بالبكاء، وهي تمد يديها الصغيرتين محاولة العودة إلى صدر أبيها.

في تلك اللحظة انهار الأب انهيارًا لم يعرفه أحد فيه من قبل، خرّ على ركبتيه يقبّل أحذية الرجال، يتوسل إليهم أن يتركوا الصغيرة، وأن يأخذوه هو بدلًا منها، وبدلًا من ابنه إن شاؤوا.

لم يجد توسله من الرجال سوى الركلات والشتائم، وانهالت عليه الضربات حتى هوى على الأرض فاقد الوعي، ودمه يسيل على البلاط، بينما ظلت صرخات نريمان تتعالى فوق كل صوت آخر في الغرفة.

أفلتت الطفلة من قبضة أحد الرجال، وعادت تجري إليه، جلست قرب رأسه، ومسحت بيدها الصغيرة سيل الدم عن جبهته، وسط صراخ الأم وذهول الجميع.

أما نوري، وهو يُجرّ بعنف إلى خارج المنزل، مقيّد اليدين، فقد أدرك أن عجزه عن حماية والده كان أشد إيلامًا من الأغلال التي تطوق معصميه. وظل صوت أحد رجال الأمن يلاحقه من خلفه بوعيدٍ صارم:

"سنعلّقك في حبل المشنقة... ولن ينجدك أحد."

كان ينظر إلى يديه المقيدتين، وإلى ما حلّ بعائلته في تلك الساعة، ويشعر أن كلفة خياراته السياسية دفعتها عائلته، التي وجدت نفسها في مواجهة البطش من دون أن تختار هذا الطريق يومًا.

***

سعاد الراعي

الفصل الأول من رواية رأس لينين

............................

اجواء ولادة الرواية

 شهادة في كامب الأنصار،

في الهزيع الأخير من ليلةٍ حزيرانية دافئة، وعلى هامش الأمسية الختامية لتجمع الأنصار في هولنداـ 2026، كانت الجبال تهبّ بحكاياتها من جديد.

هناك، حيث اعتاد رفاق السلاح القدامى مذ وصولهم الى الكامب، التسلل عبر صمت الليل لاستعادة سنوات وأيام النضال في ربوع كردستان وجبالها.

تتعاقب الحكايات بحنينها تباعًا كما تتعاقب الأكفّ على نارٍ لا يُراد لها أن تنطفئ. كنتُ قد أصغيتُ إلى بعضها بشغف. وحين جاوز الليل منتصفه بساعة استسلمتُ للنوم تاركةً زوجي وسط صحبه القدامى. غير أن نداءً مباغتاً منه أيقظني بعد منتصف الليل، كان الرفاق ينادونني لأشهد ولادة شهادةٍ استثنائية يرويها أحد الأنصار عن سنوات اعتقاله في زنازين الموت. حملتُ أوراقي وقلمي، ومضيتُ برفقته نحو الحلقة.

تحت الأضواء الخافتة، التقيتُ بحشدٍ غفير فاق توقعاتي، فتسلل إليّ حرجٌ شفيف دفعني إلى الانكفاء في اول زاويةٍ واجهتني، خشية إرباك الاجواء السائدة أو قطع خيط السرد. غير أن طلب الرفاق وإصرارهم على الانتقال إلى الخط الأول كي لا يفوتني نبضٌ من قصة النصير "عماد نوري". فانتقلت الى جواره.

وفي تلك الزاوية ووسط تلك الأجواء الرفاقية الاليفة، وُلدت مسودة السطور الأولى لهذه الرواية، ومن ثناياها لمعت في ذهني تسميتها، فأعلنت في الحال انها ستحمل:

"رأس لينين".

أرجأتُ مشاريعي الكتابية كافة، وانكفأتُ على إعداد خطة السرد والنبش في أسرار المرحلة. جُبتُ المصادر والوثائق التي ترفد هذا الأثر الإنساني، وكان في مقدمتها الكتاب الوثائقي المرجعي للأستاذ والزميل صباح كنجي "دهاليز الموت"، الذي أهداني نسخة منه بود كريم ليكون ركيزةً وثائقية. أضفتُ إليها خزين قراءاتي الممتدة في أدب السجون والوثائق والشهادات الحية، لتخرج هذه الرواية مشبعةً بلحم الواقع ودمه، ووفيةً لأصحابها.

كُلما أقبلَ عازفُ الريح..

وميقات العزلة النُحاسية،

أزهرتْ في القلبِ ذِكراك.

يا قَدَراً رَسَمهُ الإلهُ في خُطُوطِ يَدي،

كأنَّكَ تِشرينُ حِينَ يَجيءُ بِلا مَوعِدٍ..

يَطرُقُ الأبوَابَ بِنُعاسِ غَيمَةٍ بَيضَاء.

مَطَرٌ.. ورِياحٌ.. وشوقٌ يفيض،

فَانُوسُ عِطرِكَ ما زالَ يُضيءُ وَسطَ عُتمَةِ الحَكَايا،

أتلمسُ طيفك في انحناءات الغيم،

أفتّش عنك في زوايا الوقت،

في ورقة خريفٍ هربت من غصنها..

لعلها تحملُ صوتكَ النديّ،

أسمعُ نداءك الدافئ يُرتل اسمي،

فيُشرق تشرينُ في دمي من جديد.

ويكتبنا حكاية حُب عذبة..

لا تشيخ.

***

ذكرى لعيبي

مِن لَسعَةِ الغَدرِ

كُلَّمَا أنفَقُوا أجسَادهُم..

عَلَى إِطفَاءِ النَّارِ

فِي الغَابةِ.،

*

احتَرَقُوا.

فَفَسَّرَتها الرِّيحُ ؛

إِنَّهُ صُرَاخُ الرَّمَادِ

عِندَما تَزئَر

*

وَكَأَنَّ للحطَّابينَ

خِيَار الطَّرِيدِ،..

*

يُنَازِعُ بِبَحَّةِ صَوتهِ،..

قَسوَةَ الْفَأْسِ العَنيد،

*

إِذَا عَادُوا،

لِلدَّارِ فَارغِينَ الْوِدَادِ،

نِهايَتهُم أَكدَاس رِقَابٍ..

*

ستَشرَحُ للقَادمِ..

بَلَاغَةَ المَنْظَرِ.

***

خضير الحسَّاني

 

(أَوْصَى بِكِ اللَّهُ مَا أَوْصَتْ بِكِ الصُّحُفُ)

حَتّى الشَّرَائِعُ يَا أُمَّاهُ تَعْتَرِفُ

*

إِنِّي أُحَاوِلُ أَنْ أُحْيِيكِ فِي لُغَتِي

(وَالشِّعْرُ يَدْنُو بِخَوْفٍ ثُمَّ يَنْصَرِفُ)

*

(مَا قُلْتُ وَاللَّهِ يَا أُمِّي بِقَافِيَةٍ)

فَالْحُسْنُ يَعْجِزُ عَنْ وَصْفٍ وَمَا أَلِفُوا

*

فِي مَوْقِفِ الْعِشْقِ وَالْإِكْبَارِ مُنْصَرِفٌ

(إِلَّا وَكَانَ مَقَامًا فَوْقَ مَا أَصِفُ)

*

(يَخْضَرُّ حَقْلُ حُرُوفِي حِينَ يَحْمِلُهَا)

إِنْ مَرَّ طَيْفُهَا فِي أُفقٍ لَهُ شَغَفُ

*

رِفْدًا مِنَ الْحُبِّ وَالْإِحْسَانِ يَغْمُرُنِي

(غَيْمٌ لِأُمِّي عَلَيْهِ الطِّيبُ يُقْتَطَفُ)

*

(وَالْأُمُّ مَدْرَسَةٌ قَالُوا وَقُلْتُ بِهَا)

لُغَةُ الْحَنَانِ وَعِطْرُ الْبَوْحِ يَعْتَرِفُ

*

يَسْمُو بِهَا كُلُّ مَعْنًى لِلْوَفَاءِ صَفَا

(كُلُّ الْمَدَارِسِ سَاحَاتٌ لَهَا تَقِفُ)

*

(هَا جِئْتُ بِالشِّعْرِ أُدْنِيهَا لِقَافِيَتِي)

حَتّى يُطِلُّ سَنَاءٌ مِنْهَا يَنْكَشِفُ

*

تَسْرِي مَلَامِحُهَا فِي الْعَيْنِ بَاهِرَةً

(كَأَنَّمَا الْأُمُّ فِي اللَّاوَصْفِ تَتَّصِفُ)

*

(إِنْ قُلْتُ فِي الْأُمِّ شِعْرًا قَامَ مُعْتَذِرًا)

فَالْحُسْنُ أَوْسَعُ مِنْ لَفْظٍ وَمَا رَصَفُوا

*

عَجَزَ الْبَيَانُ وَضَاقَ الْحَرْفُ فِي لُغَتِي

(هَا قَدْ أَتَيْتُ أَمَامَ الجَمْعِ اعْتَرٍفُ)

*****

بقلم: سليمان بن تملّيست

الجمهوريّة التونسيّة

أوما تزالين في حيرة

بعد نبشك رمس الأيام الغاديات

كشمس أشرقت خلف تلٍّ

فاجأه الانهيار؟

كاشفة عري الحلم

الذي يعاني غيبوبة حظوظه

ولم يعد بإمكانه الانبهار

حين دفعهُ الدهر لإضاعة البوصلة

طغتْ مفاتنك المتفجّرة

كبركان أمام وجهي

لا أظنّ

أن المقاومة في الهرب

قد تنجو بي إلى الطرف الآخر

والاعتراف بالقبل المؤجلات

تسليمٌ

ينهي ضمئي المترتّب

والقصيدة تقف وراء نافذتك

ناقرة هامسة

طالبة قرباً وظلا

وترياق طغيانك

أحتسي قهوة رفضه كل صباح

ستكتشفين الرجاحة في لجّة الحيرة

والنفور من الواقع

وصحوة روحك

وذلك بعد حُضن دافء

سيغدو الرماد حبراً

بعد الاحتراقِ

سيكتب قصة هائمين على وجه الحاجة

الملحة للاحتواء

تعصف بهما رياح الفراغ

يا نجمتي المتلألئة في سماء أخرى

تصل إليها النظرات، وتغيب فيها النجوم

وتتضرّع لها أكفّ الوصال

أيتها السارقة للانتباه في وضح الجمال

تأتلف الأفكار

كأسراب من سمك السردين في عرض المحيط الأطلسي

تفضّها الشكوك كلَّ مساءٍ

..وأنك سحابة حبلى بألف قصيدة

أخيّم تحت ظلها

بدأتْ تنهمر بغيث الحرف

فتملّكي شأن قلبي أيتها الطاغية

برأفة الفقراء، وكبرياء المنتصرين.

***

سفيان عرب شنگالي

ما إن نجتمع نحن النساء حتى ينفتح الحديث عن الشيطان، الشيطان ليس بقرون حمراء، ولا بذيل طويل ولا بأظافر معقوفة كما تصوره الأفلام السينمائية وازياء الهلوين، إنه إنسان عادي، بسترة وبنطلون أسمه الرجل.

قالت الأولى:

- لم اتزوج عن حب ولا عن علاقة عاطفية عاصفة كبقية الكنديات. كنتُ ابنة مهاجر هولندي قدم في باخرة قديمة لقاء اجر زهيد، ولاني كنُتُ محبة لركوب الخيل، صادف اثناء ممارستي هذه الهواية وجولتي المعتادة في براري كندا، أن اجتزتُ الطريق العام في طريق عودتي الى المنزل، واذا بسيارة تستوقفني، ويسألني الرجل الذي يقودها، والذي كان برفقته شخص اخر عن اسمي وعائلتي ومن اكون، مدعياً ان أسمهُ بوب، كذلك اسم الذي بصحبته.

في اليوم التالي أخبرتني صديقتي في المدرسة.

- بوب ينوي التقدم لخطبتك.

كنتُ في الرابعة عشر من عمري، وهو رجل ناضج.

قلتُ:

- من هو بوب

قالت:

- صاحب السيارة التي اعترضت طريقك يوم أمس

لكن صاحب السيارة، وكذلك صديقه، كان يدعى بوب!

امي وبسبب الفقر كمهاجرين جدد، دفعتني الى القبول، ولم بكن يهم ايهما يكون بوب!3305 niranأما الاخرى وكانت أكبرهن سناً، وقد تجاوزت السبعين، فكانت تتذكر أول رجل احبته، وأول مرة أستقلت فيها دراجة بخارية مع شخص اجنبي عندما كانت في أنكلترا، وتتذكر أول قبلة تلقتها في نادِ للشباب، لكنها لا تتذكر ولو لمرة واحدة حب زوجها لها أو مغازلته أياها.

 الاخيرة، سحبت نفسها بصعوبة وكانت من يوغسلافيا قائلة:

- زوجي كندي، وليس من بلدي يوغسلافيا قبل التقسيم. بعدَ هذهِ الرحلة الطويلة التي قضيتها معه، افتقدتهُ مرة ليسَ في فراش الزوجية. بحثتُ عنه في جميع الغرف، واخيراً وجدته يغفو على الأريكة في صالة الدار، وكان التلفاز يبث نشرة السي أن ان الإخبارية. وما إن حاولت إغلاق التلفاز حتى نهرني بلغة آمرة:

- أنا استمع اتركيني وحدي، رجاءً

ومن يومها أصبحت الأريكة سريره المعتاد الذي ينام عليه.

أجابت الأولى، الهولندية:

- حقيقة لم احتمل تصرفاته وسيطرته عليَ، وكما تعلمون، فهو أكبر مني سناً ويستطيع أن يوجه الحياة بالطريقة التي يريدها دون ان يقيم أي اعتبار لحياتنا المشتركة. ضقتُ به ذرعاً ومن تصرفاته، وكنتُ اتحجج بشخيره، حتى انتهى به الحال الى النوم في صالة الدار على الأريكة.

قالت اليوغسلافية:

حقدتُ عليه منذُ أن هجر فراش الزوجية إلى ألاريكة، وفي أحد الأيام، خرج وهو مخمورا لشراء زجاجة فودكا، اتصلت بالشرطة فوراً وقلتُ لهم:

زوجي يقود السيارة وهو سكران.

ربتت الثانية على كتف الأولى وقالت:

خير ما فعلتِ! افضل درس في حياته، كي يتعلم كيف يتعامل مع المرأة.

أجابت اليوغسلافية:

لكن بوب يحبك!

ردت الهولندية:

- لكنه متسلط وهو يستحق النوم على الأريكة.

لم تخبرنا الإنكليزية فيما اذا كان زوجها ينام على الأريكة أم لا. ربما لا تتذكر اين ينام: فالزهايمر جعلها مشغولة بتذكر أول قبلة حصلت عليها لكنها اجابت:

- الرجال بلُهاء، لا يفهمون احتياجات المرأة، وكان لابد من معاقبته، كيف يقود المركبة وهو تحت تأثير المسكر

أما الرابعة وكانت عراقية، فارادت التدخل في حديث الشخصيات من امام الحاسوب فقالت: لم أعرف الحب الحقيقي إلا بعد الزواج و كنتُ اقوم بخدمته وألبي جميع احتياجاته، لكنه اخيراً و وبدون سابق انذار ولا اعرف كيف ولا متى، قرر النوم على الأريكة امام التلفاز لمتابعة القنوات العربية.

***

نيران العبيدي كندا

اكتوبر 2 / 2026

ليسَ غيرُ الصمتِ من منجىً

فما دامَ صَهيرُ الرفضِ في أعماقنا يُعجَنُ بالدمّ

لكي يوهِمنا أنّ خلايانا تُضيء

سوفَ نبقى أبداً نصرخُ من أفواهنا

فإذا ما سُمِّرَتْ نصرخُ من آذاننا

أو من تجاويف العظامْ

ولقد يتّخذُ البعضُ له من فمه بيتاً

فيأوي – ناشِداً دِفئاً - إليهِ

وينامْ

بيدَ أنّ الموتَ قد يربضُ في أفواهكم

محتمياً خلفَ متاريس ضروسٍ ونيوب

عندما يؤذنُ بالرمي على أعدائِهِ

يَفتحُ نيرانَ الكلامْ

**

بَرِّدوا أفواهَكُم بالثلج

كي لا تُصهَرَ الأسنانُ في نار الصُراخ

أكتموا آهاتِكُم في مِرجَل الأضلاع

أنّ الحاكِمَ المرعوبَ قد يجلدُ حتى لِسنَهُ

عندما يخرجُ ذاكَ اللِّسنُ للنُزهةِ في جُنح الظلامْ

سَمِّروا أفواهَكم بالقفل والمِزلاجِ

أو فلتجعلوا منها شِراكاً للذباب

أجّروها شُقَقاً مفروشَةً

وادَّعوا

أنّ المواليدَ الذين استلموا العُهدة من أشياخِهم

خُلِقوا من دونما ألسنةٍ

فالألسُنُ الغَضّةُ مثلُ الشَعرِ والأظفار تُجتزُّ إذا طالتْ

وقد تُقلعُ بالكُلّابِ عندَ الإتهامْ

وإذا أعيتْكُمُ الحيلةُ في ترويضِها

فابتروها قِطعاً مُشبِعةً

واطعموا منها الكِلابَ السائبات

علّها تَخجلُ أن تنبحَ ليلاً

فتناموا بسلامْ

***

شعر: ليث الصندوق

ثنائيات كتبتها على فترات

***

ربُّ القوافي وربُّ العشقِ يُلهمُني

أنْ أقطفَ النارَ منْ خديكِ يُلهبُني

*

كوني سلاماً، وكوني في الهوى بَـرَداً

فالشّوقُ يعصرُني، والحُلْمُ يُضنيني

**

يا راشفاً، ارتشِفْ مِنْ كأسِكَ الباقي

حتى الثُّمالةِ، فالإشراقُ في الباقي

*

العمرُ ما قد طوى من عَسْفِ نازفةٍ

فالْطفْ بقلبِكَ مِنْ ماضٍ ومِنْ باقي

**

قلْ للّذي يبتغي أنْ يرتدي العِشقا

نقِّي فـؤادَكَ، إنَّ العشقَ ما يَنقى

*

العشـقُ ليـسَ رداءً يُرتَدى، يُلـقَى،

العشقُ في الدَّمِ يجري نابضاً يبقى

**

يا فؤادي، ما الذي تروي إذا

طـفـحَ الـكيـلُ بـمـاذا و إذا!

*

شرِبَ الدَّهرُ سنيني ومضى

وأقـامَ الحَـدَّ للعـمـرِ انقضى

**

خمرةُ الحرفِ وكاساتُ ارتشافي

قطفـوا قلبي و نبْضاتِ شِغافي

*

حلَّقَ الطَّيرُ بآفاقِ جفوني

بجناحٍ مِنْ يقيني واغترافي

**

إجْتمعَ الأرنبُ والثّعلبُ والذّؤبانُ

فوقّـعوا وثيقةً في طيِّها ثعبانُ

*

فقالَتِ الثَّورةُ: ما خجلْـتُمُ!

إنّي أنا الأعينُ والْبركـانُ

**

مرَّ البَغِيُّ على حقـدٍ يُعاقـرُهُ

ومرَّ ثائرُنا بالحبِّ في الوطنِ

*

ذاكَ الوليدُ أتى منْ غورِ داجيةٍ

وذا شروقٌ بهيُّ الثَّوبِ والبدنِ

**

غنِّيْ لِلَيْلاكَ عنْ قربٍ وعنْ بُعدِ

كعاشقٍ غارقٍ في الشَّوقِ والسُّهدِ

*

سألْتُ شِعريَ : كيفَ الْحُبُّ نوصِلُهُ

أجابَ: صُغْني، فإنّي الواصِلُ الوَردي

**

زمنُ التَّفاهةِ والسَّفالةِ والفسادِ

قارونُ أينَ ومثلُهُ ذاتُ العِمادِ!

*

حمقى يسودونَ العوالمَ، قادةً

مِنْ مافياتِ العصرِ قَتْلاً في العِبادِ

***

عبد الستار نورعلي

كيف لنا أن لا نحب هذه البلاد،

أيها السائح الغريب

نحن من مدينة ترابية، صفراء

تعفر وجوهنا، وقلوبنا،

صباحاً، مساءً

ولا نسأم ...

التراب يدخل في تركيبة عظامنا،

يزكم انوفنا،

ويثقل رموشنا، كل ريح ...

ولا نسأم ...

نخمر خبزنا " بالعجاج"

ونطهوه على "طاجين" فخاري

من الطين المحروق ...

أو كسرة "ملة "

بين رمل ورمل،

ولا نسأم ...

الوان بيوتنا ترابية متدرجة ....

اللون الأغمق، صعر، خده طويلا ...

للريح ...

فصرتَ لا تميزه من التراب ...

فكيف لنا ان لا نحب هذه البلاد ....

فنحن "أبناء الطين المجفف بالحب"

***

مجيدة محمدي

لم أكن هكذا.

كنت أرى في وجه الإنسان إنسانا،

وفي الغريب أخا،

وأفتح الباب قبل أن يطرق.

لكنكم نظرتم إلي،

فلم تروا وجهي.

رأيتم ما خفتم منه،

رأيتموني عدوا،

فصرت كما أردتم.

رأيتموني غريبا في دياركم،

وأنا الغريب أصالة

في داري التي احتللتموها،

وسلبتموها مني... .

فلما لم يعد لي

إلا اسمي،

عدت إليه.

عدت إلى قومي،

إلى ظلي الوحيد على الجدار،

إلى الاسم الذي بقي لي

حين سقطت عني كل الأسماء.

لا تلوموني

إن اعتززت بعرقي،

وأغلقت الباب الذي كان مفتوحا،

وصرت أرى في كل وجه خطرا.

أنتم زرعتم في داخلي الغربة،

وأنا سقيتها

حتى أثمرت.

علمتموني الكراهية،

فحملتها إلى سواكم،

ولم أسأل نفسي:

من سواكم؟

وهكذا،

لم تعد الكراهية تبحث عن صاحبها،

بل صرت أنا صاحبها.

هذه الأرض احتلت مرتين:

مرة منكم،

ومرة مني.

مرة حين انتزعتموها من أصحابها،

ومرة حين انتزعت الكراهية

ما تبقى منها في داخلي.

وإذا نطقت الجبال بالعنصرية،

فأنتم من نزعتم منها

لغة الحب.

أنا ما صنعتم...

لكنني لست بريئا

من دم المرآة

التي كسرتها أيديكم.

حملت شظاياها،

ومضيت بها.

وحين ظننت أنني أحمل ما تبقى مني،

اكتشفت أنني

كنت أصنع منها سكينا.

***

د. جوتيار تمر - اقليم كوردستان

30-9-2026

جِئْتُ إِلَى الدُّنْيَا،

وَكَانَ الْغِيَابُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْبَيْتِ.

*

وُضِعَ فِي يَدِي اسْمٌ،

كَأَنَّهُ بَقِيَّةُ صَوْتٍ

عَبَرَ مِنْ هُنَا وَلَمْ يَعُدْ.

*

قِيلَ لِي:

أَنْتَ سُلَيْمَانُ.

*

وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ

أَنَّ لِلْأَسْمَاءِ ذَاكِرَةً،

وَأَنَّ بَعْضَهَا يَحْمِلُ

مَنْ غَابَ قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَهُ.

*

كُنْتُ أَكْبُرُ،

وَالِاسْمُ يَكْبُرُ فِيَّ،

كَمَا يَكْبُرُ ظِلٌّ

لَا نَرَى صَاحِبَهُ.

*

وَكَانَتْ لَهُ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ،

وَجْهٌ ثَابِتٌ

فِي زَمَنٍ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ.

*

كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا طَوِيلًا،

وَلَا أَعْرِفُ:

أَكُنْتُ أَبْحَثُ فِي وَجْهِهِ عَنِّي،

أَمْ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ فِيَّ؟

*

أَمَّا أُمِّي،

فَكَانَتْ تَمْشِي بَيْنَ يَدَيْنِ:

يَدٌ تُرَبِّي،

وَيَدٌ تَسْتُرُ الْفَرَاغَ.

*

لَمْ تَكُنْ تَمْلَأُ مَكَانَ أَحَدٍ،

كَانَتْ تَصْنَعُ لِي مِنَ الْغِيَابِ

مَكَانًا لِلْحَيَاةِ.

*

وَتَتْرُكُ لِلزَّمَنِ

مَهَمَّةَ التَّسْمِيَةِ.

*

مَرَّتِ السِّنُونَ،

وَصَارَ الْغِيَابُ أَلْفَةً،

وَصَارَ الِاسْمُ جُزْءًا مِنِّي،

حَتَّى لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ:

أَأَحْمِلُ اسْمَهُ،

أَمْ أَنَّ اسْمَهُ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُنِي؟

*

وَعَرَفْتُ، مُتَأَخِّرًا،

أَنَّ بَعْضَ الْغِيَابِ

لَا يُغَادِرُ الْبَيْتَ،

بَلْ يَنْتَقِلُ إِلَى أَعْمَقِ مَا فِينَا.

*

وَأَنَّ الْإِنْسَانَ

قَدْ يَقْضِي عُمْرَهُ

لَا لِيَعْرِفَ مَنْ كَانَ،

بَلْ لِيَفْهَمَ مَنْ أَصْبَحَ

بَعْدَ أَنْ غَابَ.

*

لِذَلِكَ،

حِينَ أَقُولُ: أَنَا سُلَيْمَانُ،

لَا أَنْطِقُ اسْمًا فَقَطْ؛

أَنَا أَلْمَسُ أَثَرًا

مَا زَالَ دَافِئًا

رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْبُعْدِ.

*

وَرُبَّمَا لَمْ أَكُنْ،

مُنْذُ الْبِدَايَةِ،

إِلَّا ذَلِكَ الطِّفْلَ

الَّذِي وُلِدَ بَعْدَ أَنْ رَحَلَ أَبُوهُ،

فَجَاءَهُ مِنْهُ اسْمٌ،

وَبَقِيَتْ لَهُ أُمٌّ

تَكْفِيهِ عَنِ الْغِيَابِ

وَلَا تُلْغِيهِ.

***

بقلم: سليمان بن تملّيست - تونس

جربة في 2026/09/29

ليتني حدَّقتُ في عينيها،

وقرأتُ ما كان يُقرأ عليها كلَّ يوم.

أهيَ التي أورثتني كلَّ هذا؟

صباها الملفوفُ بشفتين باردتين،

قال كذلك،

واسترسلَ بالنسيان.

لعلَّه في الغدِ يتذكَّرُ

ويأخذني معه،

نخطُّ على جانبي زماننا المؤقَّت

حيلةً صغيرةً

تُعيدنا إلى ما مضى.

زهرةٌ برّيةٌ

تُلقي على قلبي،

وتومئُ بأطرافها الخمس.

لا بأس،

دعها تخونني.

وانتقلْ إلى ما بعد ذلك،

حيثُ آخرُ طوفانٍ

يجدُ فيه الحجرُ مجراه.

لا سرٌّ يطاوعه،

ولا مصبٌّ طوعَ أمره.

لا نمشي،

لا ننام،

معلَّقانِ، أنا وهو،

كنسمتينِ خفيفتينِ

إن ضاقت بنا الأرض....

***

رجاء الغانمي - العراق

من عينه قفزت دمعة إلى فنجان الْقهوة الْموضوع أمامه على جذع زيتونة متفحّم وسط الرّكام.

امتدّت يده لتخترق الْبخار الْمتصاعد من الْفنجان، تسمّرت عيناه في الْمدى، وامتطى صهوة النّغم…

ورقة غار سمراء رآها تطير من فنجانه ملتفّة ببخار الْقهوة وقد استقرّت دمعته على حوافها الْمنكمشة.

تدفّقت إلى مسمعه وشوشات تتزاحم في شرفات الْبخار الْمتصاعد بين يديه:

- قد حالَ وجهك الْمُغبرّ بيني و بين الْبُنّ، قالت، فأيُّ قَدَرٍ أنتِ؟

- أنا الْعُصارة الْمنكّهة بطعم عرقه، ردّت السّمراء، و ما نسيت ضجيج الطُّرق ولا أصغيْت لغير الْأُفق.

ولا أزال وإنْ هشّ كفّي أحفظ رائحة يديه مذ سرَتْ في التّربة الّتي ضمّت بذرة أمّي الْأولى في أعلى الْهضبة.

ولا أزال أقرأ بصماته على مدارج الْقمر، وما نسيت ومضات عينيه حين كان يتطلّع إلى وجهي الْغضّ مسندا ظهره إلى جذع أمّي.

أنا قَدَرُ قهوته، وقد وهبت الْبنّ عهدي بئلاّ يُدركَه لهيب ملحك مهما جفّ وجهي وهشّ كفّي.

- فإلى أين تمضين بي أيّتها السّمراء؟

- إلى الْأفق الْمخضرّ حيث الْمذاقاتُ الْأُخَرُ، لعلّك…

أطبق جفنيه يستلهم نفحةً من طيب ما فارقت

نبضه.

عادت به الذّكرى إلى حديث أسرّه الْجدّ إليه لمّا أطبق الْمساء فكّيْه على الْقرية:

-كنّا، قال الْجدّ، كلّما داهمنا الْغبار نغتسل بعصارة الْغار فتيْنع بين ضلوعنا غابات السّدر

ويتمدّدُ الشّيح والصّبّار في الْمدى…

هو لم يسأل جدّه حينها عن مقاصد حديثه، وإنّما اكتفى بإغماض عينيه ليتسنّى له السّفر على أجنحة أنفاسه إلى حيث أكاليل الْغار

وروائح الشّيح وأنغام الصّبّار…

حملق في قهوته ولا يزال بخارها يهمس للرّكام.

ابتسم. مدّ يده إلى الْفنجان ليرفعه عن جذع الزيتونة الْمتفحّم، غير أنّ قطعة من جناح

وقعت على زنده…

أحصى قِطَعَ الْفنجان الّذي كاد يقترب من شفتيه.

ألقى نظرة إلى الْجذع الّذي يجلس إليه فألهب الدّخان عينيه…

رفع قطعة الْجناح الّتي أتلفت قهوته، شبك أصابعه.

إنّها قطعة من جناحِ حَجَلٍ…

أطرق زمنا لم يُحصه…

وما رفع رأسه إلاّ على صفيرٍ يضجّ حواليه، ورحيق الْخزامى يتنفّس على شفتيه…

***

(قصّة قصيرة)

بقلمي: هادية السالمي دجبّي

إذا ما قَلِقنَ يزدنَ اخضرارا

ومن نونِهِنَّ يُضِئْنَ المدارا

*

وفي الصوت حزنٌ يطولُ مداهُ

ويوقظُ في القلبِ شيئاً توارى

*

وحينَ انتهى الصوتُ ظلَّتْ يداها

بهاتفها، تستعيدُ الحوارا

*

كأنَّ الكلامَ الذي لم تقُلْهُ

أتى من وراءِ السكوتِ اعتذارا

*

فقلتُ: اطمئنّي، فإنَّ القلوبَ

إذا خافتِ الحبَّ صارتْ نهارا

*

وفي صوتِها رجعُ عهدٍ قديمٍ

يمرُّ على القلبِ شِعراً مُعارا

*

سلامٌ عليها، إذا ما تناءتْ

تظلُّ بقلبي، وإن غابَ دارا

*

سلامٌ عليها، وفي صوتِها

بقايا حنينٍ يطيلُ السُّرارا

*

إذا ما شدَتْ، استعادَ المساءُ

حديثاً قديماً، ووجهاً أنارا

*

وإن صمتتْ، نلت من صمتها

كلاما يمرُّ على القلبِ حارا

*

أقولُ لها: هل أُلاقيكِ يومًا

فقد طالَ شوقي، وطُلْتُ اصطبارا

*

فتضحكُ، ثمَّ تذوبُ كأنّي

رأيتُ ابتسامَتَها بي منارا

*

وتخفضُ نظرتها، في حياءٍ

ومن وجنتيها الهلال استنارا

*

فأهمسُ: هل نلتقي بعدَ هذا

طريقَ انتظارٍ أضاعَ النهارا؟

*

تقولُ: سيأتي زمانٌ قريبٌ

إذا شاءَ ربُّ الهوى أنْ نُدارا

*

فأبقى أعدُّ خُطاها بقلبي

وأرعى من الوعدِ ما لا يدارى

*

وأعلمُ أنَّ المسافاتِ مهما

تطاولَ ليلٌ بها، لن تُوارى

*

فإنْ كانَ بيني وبينكِ بُعدٌ

فحبُّكِ في مهجتي لن يُججارى

***

د. جاسم الخالدي - واسط

23 – 9 - 2026م

أتصور أحيانا أن القول

على شفتي يتموج حتى يصبح

حجرا منكوش الوجه

لقد أتأمله ساعة أدخل

أو

ساعة أخرج

أعبره

لكن لست أسافر

يا أصحابي

اللحظةَ أنا مندهش

أسحب الزمن الراكد خلفي

حيث هواجسه تترى

أتفطن

فأراني كالقطعة من ظمإ تقتات على

الحر اللاصف يتجول بين

أقاليم عظامي

وهمهمة الليل سجت

أركض منفردا حتى ينفجر الصبح

ويأخذ بيدي

ما ثَم مدى يهمس لي

كي أتأبطه...

بعد التطواف بشرنقة البعد

رأيت قرنفلة صاحية عند الباب

تبوح بأسرار الحقل إلى أص يتوسد

خاصرة العتبةْ.​

***

مصطفى معروفي

 

سِـجِـلّاتُ الأكـاشـي

إلى مِـشْـكـاتِـهـا يَـهْـفـو فَـراشـي

وحـيـداً فـي دَيامـيـسِ ارتِـعـاشي

*

عـلى أوراقِ سِـدْرةِ مُـنْـتَـهـاهـا

كـأنَّ المَتْـنَ سُـطِّـرَ والحَـواشي

*

هَـداهِـدُهـا كَـمـا أُمَـراءِ سِـرٍّ

عـلى نَـقْـشٍ هـنـالِـكَ أو نِـقـاشِ

*

رُفـوفٌ أو كـأنَّ بِـحِـبْـرِ ضـوْءٍ

شَـرَعْـتُ

ومـا قـرأتُ سـوى انـدهـاشي

*

أنـا لـبْـلابُ تَـوْقٍ لـيْـسَ إلّا

فَـأنّى نَـحْـوَ سِـدْرَتِـهـا

اعـتِـراشـي ؟

*

وأدري لا سـبـيـلَ سـوى

إذا مـا

أُزِيـحَ عـن الـبَـصـيـرةِ كُـلُّ غـاشِ

*

أيَـسْـطَـعُ فـيَّ مـصـبـاحُ الـتَـجَـلّي

وتُـفْـتَحُ لـي

(سِـجـلّاتُ الأَكـاشي)

**

زواجِـلُ سـاعـي الـبـريـد

هـذا بَـريـدُ زَواجِـلِ الـجُـزُرِ

في أرْخَبـيـلِ تَـلاطُـمِ الـقَـدَرِ

*

مِـنّـي إلَـيَّ رَسـائِـلـي فَـهُـنـا

لا أرْخَـبـيـلَ سِـوايَ يـا فِـكَـري

*

بِـزوارقٍ زرقاءَ هـائِـمـةٍ

كالـفُـلْـكِ في الـطـوفـانِ والـنُـذُرِ

*

بِـحِـسابِـهـا مَـدّاً وجَـزْرَ رؤىً

وعُـبـورِهـا غـيْـمـاً بِـلا مَـطَـرِ

*

بِـصـوابِـهـا الـنِـسْـبِـيِّ تَـرْفَـعُـهُ

كالـمُـطْـلَـقِ الـظَنّيْ فـي الـسِـيَـرِ

*

بِـ مـتى، وكـيْـفَ وهـلْ مُـراوَدةً

والـقَــدِّ مِـنْ قُـبُـلٍ ومِـن دُبُـرِ

*

سـاعـي بَـريـدٍ وَهْـوَ يَـقـرأُ مـا

يَـسْـعـى بِـهِ بِـمَـعِـيّـةِ الـقَـمَـرِ

**

سُـؤالُ الـلا جـواب

سـؤالُـكَ لا جـوابَ ولا.. ولـكِـنْ

بِـهِ في الـبـالِ حُـرِّكَ كُـلُّ سـاكِـنْ

*

ومِـنـهُ تَـفَـرَّعَــتْ أغـصـانُ أنّـى

وكَـيْـفَ: يَـمـدُّهـا الـبَـنّـاءُ فـادِنْ

*

وتَـسألُ عـازِفـاً عـن كُـلِّ سَـلْـوى

ونايُـكَ في نـسـيـمِ السـرِّ طـاعِـنْ

*

سـؤالُـكَ وردة الـمـلَـكـوتِ يـا مـا

تَـمـادى الـنَـحْـلُ

فـي عَـسَـلِ الـكَـمـائِـنْ

*

مَـجَـرّاتٌ ــ سـؤالُـكَ ــ فـي اشـتِـبـاكٍ

سـؤالُ مُـجَـذِّفٍ

فـي

لُـجِّ

بـاطِـنْ

*

وفـيـهِ جـمـيـعُ مـا

مـا لـيْـسَ فـيهِ

سوى قَـمَـرٍ طـوالَ الـلـيـلِ ظـاعِـنْ

*

سـؤالُـك

أمْ عُـقـابٌ طـارَ حـتّـى

تَـلاشَـى تَـحـتَـهُ ضـوءُ الـمـدائِـنْ

**

تـأجـيـل

أجَّـلْـتُ مَـطْـلَـعَـهـا إلى الأسـحـارِ

حـتّـى يُـغـادِرَ سادسُ الـسُـهّـــارِ

*

ثـانـيـهُـمُ والـكـأسُ قِـبْـلَـتُـهُ مَـضـى

مُـتَـوَضِّـئـاً بِـمَـعِـيّـةِ الأطـهـارِ

*

الـثـالِـثُ انـثـالَـتْ رُؤاهُ بَـنَـفْـسَـجـاً

كـالـجـرْحِ خـالَـطَ زُرْقَـةَ الأوزارِ

*

الـرابِـعُ الـقُـطْـبُ الـذي تَـحْـلـيـقُـهُ

في رَقْـصـةِ الأذْكـارِ حَـتّى الـبـاري

*

الـخـامِـسُ الأعـمـى ولـكـنْ نـايُـهُ

فـي الـلـيـلِ قـائِـدُ جَـوْقـةِ الأقـمـارِ

*

الـسـادسُ الـكَـتّـامُ كَـتْـمـاً عـاطِـراً

مـا مَـرّةً قـد بـاحَ بِـالأسـرارِ

*

أبـهـى صُـروحِ تَـرَفّـعِ الـمـعْـمـاري

مـا قـد أشـاحَ عـن الـخـرابِ الـجـاري

**

وغـابَ ولَـم يَـعُـدْ

أَيـا رَنْـثـى، أيـا رَيّـا خُـذانـي

فَـعـنـدَكـمـا مَـقـامـي الـكَـوْثَـراني

*

نَـعَـمْ صـبْـري جـمـيـلٌ، ذاكَ أنّـي

أنـا صُـبّـارُ صـاحـبَـتَـيْ زَمـانـي

*

أنـا نـايٌ لِـمَـنْ غـابَـتْ ولـكـنْ

لِـمَـنْ حـضـرَتْ فَـغـابـةُ خـيـْزرانِ

*

أرَيّـا قَـد بَـدَتْ بِـقـمـيـصِ رَنْـثـى

أرَنـثـى

*

أمْ أمـامي الإثـنَـتـانِ؟

فَـكَـالـرُمّـانَـتـيْـنِ بِـلا اخـتِـلافٍ

عـلى غُـصْـنٍ تَـكَـرّمَ

فَـهْـوَ حـانِ

*

وبِـالـراءَيْـنِ مِـن رَنْـثـى ورَيّـا

تَـمـايَـسَـتـا مـعـاً قَـوْسَـيْ كَـمـانِ

*

عـزَفـتُ وغـنَّـتـا: (يـا لـيْـلُ) حـتّـى

وغـابَ وَلَـمْ يَـعُــدْ جـيـمُ الـفُـلانـي

**

أللا جـوابُ قـصـيـدةٌ قَـمَـروتُ

لا شيءَ

لـوْلا سِـرُّهُ الـمَـلَـكـوتُ

إلّا الـسُـدى واللـيسَ والـظَـلَـمـوتُ

*

مـا قَـبْـلَـهُ

لا قَـبْـلَ إلّا واوهُ

والـتـاءُ، فَـهْـوَ تَـداهُــرٌ أزَلـوتُ

*

إنَّ الـسـؤالَ يَـلِي الـسـؤالَ

كَـمـا الـصَـدى

والّلا جـوابَ قَـصـيـدَةٌ قَـمَـروتُ

*

الّـلـوحُ مَـحْـفـوظٌ تَـقـولُ خُـطـوطُـهُ

والـحِـبْـرُ والآيـاتُ والـقَـلَـمـوتُ

*

والـسِـرُّ وهْـوَ مُـوارِبٌ

عِـرفـانُـهُ

لِـمُـكـاتِـمٍ

والـعـاذِلُ الـعَـلَـنـوتُ

*

بِـالـسِـرِّ إنْ بـاحـوا

فَـتـلْـكَ خـيـانَـةٌ

والـتَـرْجَـمـاتُ لِـشِـعْـرِهِ طَـعَـنـوتُ

*

هُـوَ مَـنْ وتَـعْـلَـمُ

مُـذْ فُـتِـنْـتَ بِـنَـحْـتِـهِ

هَـيْـهـاتَ يُـنْـحَـتُ ذلـكَ الـجَـبَـروتُ

**

مقـايـضة

ألا إنّ الـوانـاً

عـلى وشْـكِ أنْ تُـمْـحَـقْ

بِـمـا قـد عـلـيـهـا رانَ

فـانـطـفـأَ الـرَوْنَـقْ

*

سـدولُ لُـعـابِ الـعـنـكـبوتِ: شِـبـاكُـهُ

كَـغَـزْلٍ مِـن الأضـغـاثِ في

قَـبْـوِكَ الـزوْرَقْ

*

ورائـحـةٌ عَـطـنـاءُ نزَّ سـُـبـاتُـهـا

عـلى كُـلِّ مـاضٍ نـامَ

أو هـا هُـنـا اسـتَـغْـرَقْ

*

حِـبـالٌ ــ ثَـعـابـيـنٌ، فَـنـارٌ ــ لُـوَيْـحَـةٌ

وذيْـلُ عـروسِ الـبَـحْـرِ والـبَـحـرُ

في مُـلْـصَـقْ

*

مُـحـالٌ دخـولُ الـشـمـسِ

فـالـقَـبْـوُ ضَـيِّـقٌ

ومـا في يـَـدٍ عَـجْـفـاءَ

مِـن حـِـيـلَـةٍ أضـيَـقْ

*

لِـماذا تَـجـوسُ الآنَ قَـبْـواً

تُـنـيـرُهُ

بِـقـدّاحـةٍ

إذْ كـدْتَ أو كـادَ

أنْ يُـحْـرَق؟

*

وتَـخـرجُ

كـانَ الـبـحْـرُ يَـلْـفُـظُ جُـثَّـةً

كَـمُـنْـتَـظِـرٍ تُـعـطـيـهِ عـنْـبَـرَهُ الأزرقْ

***

جمال مصطفى

عِنْدَمَا قَالُوا لَهُمْ

لَا تَقُولُوا

كُلَّ مَا تَسْمَعُهُ آذَانُكُمْ

سَكَتُوا،

طَالَ كَثِيرًا صَمْتُهُمْ

لَمْ يُقُولُوا

كَيْفَ غَطَّاهُمْ وُجُومٌ وذُهُولُ

أَو تَوَارَى خَلْفَهُمْ

أَمَلٌ مُضْطَرِبٌ

وحَنِينٌ خَائِبٌ

وَكَلَامٌ هَامِسُ اَلْوَقْعِ خَجُولُ

= 2 =

بَعْدَ حِينٍ سَمِعُوا قَرْعَ طُبُولْ

وَهُتَافَاتٍ تَقُولْ

سُوف نَأْتِي كَلّنَا

حُلْمُنَا يَسْطَعُ فِي آفَاقِنَا

وَنْرَى أَوقَاتَنَا

تَنْثُرُ اَلْبَهْجَةَ فِيمَا بَيْنَنَا

سُوف نَأْتِي، وَاَلصَّدَى يَتْبَعُنَا

**

مَرَّ يَوْمَانِ وَمَا زَالَ اَلصَّدَى

مُبْهَماً، يأتِي حَزِيناً مُجْهَدَا

حِينَهَا قَالُوا لَهُمْ

مَرّةً أُخْرَى

اِسْمَعُونَا كُلَّكُمْ

بَلْوِرُوا أَفكارُكُمْ

وَحَّدُوا أَصْوَاتَكُمْ

وَحَدَوْهَا اَلْآنَ،

لَا، لَيْسَ غَدَا

قَبْلَ أَنْ يَقْتَحِمَ اَلبَابَ اَلرَّدَى

**

لَمْ يَجِيؤوا أَبَدَا

لَمْ يَجِيءْ غَيْر اَلصَّدَى

وَاخْتَفَتْ أَوْجُهُهُمْ

***

شعر: خالد الحلّي

 

أكثر من تمنيتُ مراسلتها، وأيضًا آخر من توقعت أن تحقق لي تلك الأمنية البعيدة على مدى سنوات سبقت مسار ارتحالي الطويل. قرأتُ ما كتبتْ عبر الماسنجر عدة مرات، وكأني أتوقع في كل مرة التنبه إلى كلمة غفلت عنها نظراتي المتلهفة إلى إطلالة حبيبتي برفقة صديقاتها في الجمعية الثقافية التي كنت أشارك فيها بإلقاء نصوصي الشعرية على مسامع الحضور، لم أميز من بينهم سوى وجه يسبح في أنغام القصائد الغزلية، يكسبها نغمًا شجيًا يظل يتردد في أذنيّ طويلًا يستحضر ملامحها أمامي بصورة جلية لا تفارقني فيما أبدأ بكتابة نص جديد أشعر أنها تصغي إليه كلمةً تلو الأخرى حتى أنتهي من كتابة أحرف عشقي لها، تحفزني أن أهمس لها بكلمات حب لم تدونها أناملي بعد، فقد وهبتني روحها المتجلية في إشراق عينيها معنى جديدًا لكل شيء، حتى لِما خلفته الحرب التي صبت نيران غضبها في أنحاء البلاد، وكأنها تحيل الأنقاض التي ظلت متكومة لفترة طويلة في الطرقات والميادين إلى لوحةٍ جديدة مغايرة لكل ما ألفنا عبر وسائل الإعلام المحلية الموَجهة وشديدة الامتثال للأوامر الصارمة، والإذاعات الأجنبية التي تخبر العالم أننا صرنا على  حافة الحياة.

بالنسبة لي صارت هي الحياة ذاتها التي لا أريد أن أحيا سواها، خاصةً بعد أن تسربت كلماتي إلى قلبها وعقلها معًا، وهذا ما كنت أرجوه منذ أن رايتها أول مرة، فالحب لديّ كلمات منتظمة، ضمن وزن وقافية لا ترضى أي زيادة ولا نقصان. كانت تستغرب تشبيهي في البداية وتعرب عن عدم فهمها لِما أريد قوله، فأخبرتها أني ببساطة، وبكل عمق معانِ الكلمات لديّ، أعشقها ولا أريد أن يخالجني ولو مجرد خاطر عابر أن هناك ما يمكن أن يضطرني إلى فقدانها يومًا، ولا أدري لحد الآن كيف أمكنني احتمال غيابها عن ناظريّ عمرًا من التيه ووجع الحسرات، وكيف سمح قلبها أن تكون لرجلٍ غيري فيما كنت أمضي أشهر محنتي بين جدران معتقل تكوي سياطه أجنحة كلماتي المتمردة على قمع كل سلطة تريد تجريدنا من حلم القصيدة في أوقات السِلم والحرب، مع أني لم أشأ سوى لملمة ركام كل حرب عصفت بالبلاد كي يكون صرح حرية وسلام ينأى بنا عن مخالب وعربدة حرب جديدة تحرم الحبيبات من أحبائهن وتتركهن متلفعات بالحزن والسواد، ذات السواد الذي خلفته الحرائق في فضاء مدننا ومبانيها وبهجة أعمار لم تكتفِ من براءة اللعب ولا صفاء الضحكات الطفولية بعد.

***

كنتُ لديهم مثلما وصفتني مراتٍ ومرات، أغدق في الرومانسية الحالمة، والحلم في بلادنا هوَس لا بد من التعافي منه إن رغبتُ ولو ببعض الحياة حتى تلفني الغربة بين طياتها بعيدًا عن سوح الوطن المستباح، مثلما استباحتك مقدرة رجل آخر على الزواج، فصرتِ أرض فحولته ودنيا أهوائه في أي وقت يشاء سلطان شهواته، فقط كي تحظي بالاستقرار وفرحة التباهي أمام صديقاتك، متصيِّدات الفرص في بلادٍ يشقيها البحث عن منفذ نجاة، دون أن تعثر على سوح أمان، فكنتِ بمثابة مخلفات حرب نزفت الكثير من دم الشهداء، وراح يتغنى بها مرتزقة الشعارات التي تبرأتُ منها تباعًا، دون أن أستطيع التبرؤ من حبٍ تغزلت به أروح قصائدي المنسية.

اعذريني على تبجح الوصف وفظاظة كلمات آخر قصيدة كتبتها، قررتُ بعد هجر الشعرـ مثلما هجرت البلاد وحكايات الحب معًا، إلا أني قررت غزو دنيا العديد من النساء، أجمل النساء، وأشهى النساء، لكنكِ بقيت الامرأة التي لم يخالطها سحر أي أنثى مرقت في حياتي، أو قررتُ أن أستعيض بها عن كل مغامرة ترسو بي نحو شواطئ الوحشة من جديد، وحشة ظلت تغور في نفسي عامًا تلو الآخر ونزوة حب إثر أخرى، لكنها لم تستطع أن تغشى شيئًا من ملامح طيفك داخلي، وبعد كل هذا، وسلسلة الأشواق المتراكمة داخلي تسألينني إن كنتُ أتذكرك!

يا لسخف السؤال، ويا لشقاوة سخريتك من حب احتوى عمر قصائدي التي عاودت كتابتها وأبى ترنح غربتي أن أدونها ولو ضمن ورقة صغيرة سرعان ما أنسى أين وضعتها في لا مبالاة، كما لو أني أخشى مصادرة كلماتي وحريتي من جديد، وإن كانت قصيدة عشق وتوق أبى أن يغادرني شهقة عناق تفقد إثارتها سريعًا وتتبدد حميميتها ما دامت لا تسكن عبق شفتيكِ، دون أن يخطر لي أني يمكن أن ألتقيكِ كما زهت الأحرف في ناظريّ مليًا بلا أن تراودني الرغبة بحجب ناظريّ عن رسالتك الممهورة بحمرة قلب صغير يرسم أمامي أطيافًا جديدة لم تشهدها فترة عشقنا الأولى، كما لو أني عدت إلى ذلك المراهق لدى كتابة أولى خواطره في آخر صفحات دفاتره المدرسية قبل أن تنتظم جمله المرتبكة في أبيات من الشعر الحر، والمحاكي قصائد أكبر الشعراء في بداياته، ولمّا تحدثنا في مكالمة فيديو شعرت أني أحتضنك بحرارة تتمرد على قيود المكان والزمان التي تشل جلستي أمام شاشة الموبايل، ولا بد أنكِ أدركت هوس جنوني بفتنتك المهيمنة على حواسي رغم جسارة العقود المتسلطة على ملامح وجه كل منا، رغم خبث الشيب المتذبذب في خصل شعري كيفما شاء، ورغم أن جزءًا مني ومنكِ ظل هناك، في بلادٍ لم تستطع لملمة حكايات العشاق المبعثرة في كل صَوب.

***

أخبرتني أنها آتية إلى مرفأ غربتي في مهمة عمل تستغرق عدة أيام، كما لو أن الشركة التي بدأتْ العمل فيها منذ سنوات، مرت عليها بمثابة عمر بأكمله بعيدًا عن سوح الوطن، أوفدتها لرؤيتي بالتحديد، كي تكمل لي سرد سلسلة الخيبات التي ألقتها نحو، مثل حمامة حلقت طويلًا في عصف الريح، يطوي جنحيها الوهن ويدرك قلبها وجع القنوط تحت وطأة ما عاشت مع زوج سرعان ما ملَّ أحضانها وراح يبحث عن أخريات ممن خلفتهن الحروب بكارى، يتقنَّ لما جنى من أرض النكبات مع كل دمارٍ جديد تخلفه الحروب، ولولا وجود أبناء لكان رماها مثل ثيابٍ قديمة لا يريد أن تثقل حقائبه عند السفر نحو بلد اللجوء الذي فرَ إليه بعد تغير وجه السياسة في بلادنا، بينما راودها شعور غريب أنها يمكن أن تلتقيني ذات محطة سفر من التي اعتاد اجتيازها المغتربون مهما جابت أقدارهم أنحاء الأرض.

لم تلبس عليه ثوب الحداد عندما شهقت فرحة وفاته بين أحضان إحدى العاهرات المتصيِّدات جيوب من ارتحلوا عن بلادهم بما اكتنزوا من غنائم الحروب، دون أن يخطر في بالهنَّ أن مغامرات الحروب الجديدة قد أتت على جُل ما استنزف من نكبات بلاده، وبينما راحت تعد لبداية جديدة عثرت على عاشقها القديم كي تبصر في لمعة عينيه زهو شبابها الآفل.

بعد أسبوع عشق أمضيناه معًا، صار كلٌ منا خلاله مرآة لشتات الآخر، تمزع عمره بين شقاء الغربة التي استوطنتنا، والتي صيَرتنا غرباء عن بعضنا في سوح فراشٍ واحد، رحلت عني من جديد، دون إلقاء سلام الوداع، ودون أن أخبرها أنها لم تعد لديّ إلا بمثابة آخر قصيدة من قصائدي المنسية، قد أتمتم كلماتها في نوبة حنين، ثم لا تلبث أن تتهاوى كلماتها في ذبالة أول كأس خمرٍ أرتشفه في ليالِ الجمود الذي احتواني منذ زمنٍ يبدو لي جد بعيد، كي تبقى ذكرى باهتة تأخذ بالتضاؤل رويدًا رويدا، تؤكد لي أن بعضًا مني لم يبرح سوح المعتقل بعد، رغم إعلان براءتي مما تبقى لديَ من ذلك العاشق والشاعر الذي كان يتغنى بحبيبته وبلاده، قبل أن تلقينا الدنيا في مهب الاغتراب.

***

أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

21 ـ 1 ـ 2025

لو لم أدخل الأرض بصورة إنسان، ماذا كان سيحدث لسيرتي؟ ربما لم تكن لي سيرة أصلاً. الأسد يموت فلا تتذكره الغابة، والقط يختفي ويبقى الزقاق كما كان، والطائر يسقط ولا يحتفظ الهواء باسمه. الإنسان وحده يترك وراءه صورة وملابس واسماً أطول من عمره.

عند حافة البحيرة رأيت ثلاث زهرات لوتس خرجت من الطين ووقفت فوق الماء. ثلاث إنشات فقط. بدت لي تلك المسافة أكبر من عمر كامل.

لو عدت بعد موتي، لا أريد يديّ ولا وجهي ولا ذلك الاسم الذي حملته طويلاً حتى بدأ يحملني. يكفيني جناح لا يعرف إلى أين يذهب، أو زهرة لا تعرف النهاية.

أفكر بالموت أحياناً كمكان يخلع فيه الجسد أحماله، وتخفت فيه الذاكرة قليلاً. ثم تأتي يد لا أعرف يد مَن، تلتقط شيئاً صغيراً بقي منا، وتضعه في مكان آخر. ربما في الماء.

كنت أراقب اللوتس حين تحركت إحداها نحوي. لم تكن هناك ريح. اقتربت قليلاً، وكدت أقول إنها تعرفني، لكنني خفت من الفكرة. الزهور لا تعرف أسماءنا. ربما تعرف شيئاً أقدم من الاسم.

نزعت حذائي وأدخلت قدمي في البحيرة. كان الماء بارداً، كأنه يحتفظ بليل قديم. وفي لحظة شعرت أنني لم آتِ إلى الأرض من اليابسة.

أغمضت عيني. اختفى وجهي أولاً، ثم أصابعي، ثم جسدي كله. بقي شيء صغير يصعب تسميته. سقط في الماء وغاب.

حين فتحت عيني لم أكن رجلاً. كنت صاعداً من الطين، ساقاً رفيعة، ورقة، بتلة، ضوءاً أبيض عند حافته ورد خفيف. كنت زهرة لوتس.

وعلى الضفة كان رجل يشبهني، حافي القدمين، ينظر إليّ كأنه يحاول أن يتذكر شيئاً ضاع منه منذ لحظة.

كنت فوق الماء ثلاث إنشات فقط.

***

 فؤاد ميرزا البغدادي

 

لم يتغير في داخله أيّ شيء،

سوى شهقات دوّنت مشاعرها على أيقونة جسر..

وتطايرت أنفاسها على وقع استغراق لذيذ..

لتعزف لحناً دون سُلَّم موسيقى.

منذ ذلك اللقاء.

وعلى شوق سرمدي بدأ يأخذ جرعته من الذكرى..

كمُدمنٍ على الحروف،

ليشرح طَعم موعده الأول مع امرأة ما زال يستنشق عطرها..

فالحقيقة الماثلة للأنعتاق ضحِلة جدّا في اِرواء رئتيه،

ظنوا بأنّه في مسٍّ مُتأخّر،

عندما كان يبتسم وعيناه الباكية تنصب شِباكها على ايقاع موج النهر..

لتصطاد لحظة باقية من أريج هواءها العليل،

كأنّه يُمشّط خصلات البوح

والكلمات تتكاثر من فمه كَسِرب طيور مهاجرة..

تركت صداها في جُملة واحدة حين قال:

دعوني أكتب عنها للمرة الأخيرة..

وحين بدأ يهذي بتعمُّقٍ أنيق ليقول كُلّ شيء،

تجمَّعت من حوله كُلّ الطيور التي كانت تؤدّي دورها في احياء طقوس زيارته المُقدسة..

حينذاك عرفوا بأنّه شاعر يكتبُ الشِّعرَ،

ليُطيل عُمرها بدُعاء لغوي

فغابَ في غرق مباح..

دون أن ينقذه أحد.

***

خضير الحسّاني / العراق

في نصوص اليوم