عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

لا إلى هؤلاءِ أو هؤلاءِ

وحدَهُ للعراقِ يبقى انتمائي

*

إنّ أرضاً شَرِبْتُ أوّلَ ماءٍ

من يديها لها فداءً دمائي

*

وغصوناً قد ألبسَتْني ظِلالاً

أكسِرُ الفأسَ إنْ أتَتْ للعَداءِ

*

ومناراً مُحْدَودِبَ الظهرِ قد علَّـ..

مَني أن أعيشَ دونَ انحناءِ

*

ثُمَّ ثوراً مُجنَّحاً ليس يدري

سائحٌ ما أمامَهُ من بهاءِ

*

أضعُ الكفَّ فوقَهُ ثُمَّ أُصغي

هل عرفْتُم كفّاً منَ الإصغاءِ

*

البلادُ التي تريدُ لنا الخيـ..

رَ وإنّا نسوقُها للشقاءِ

*

كلّما للأمامِ همَّتْ بسعيٍ

أرجعوها لما وراءَ الوراءِ

*

والبلادُ التي ستُنبِتُ نخلاً

لو صخوراً ألقَمْتَها بجفاءِ

*

فهلِ الأرضُ أهلُها أم تُراها

مُبتلاةً بأهلِها الغرباءِ

*

وهلِ النهرُ مُسعَدٌ وهْو يجري

بينَ قبرينِ في دجى الصحراءِ

*

يسقطُ الغيثُ والعراقُ ككوخٍ

باردٍ مُوحشِ وغيرِ مضاءِ

*

وصراخٌ لطفلةٍ وسطَ غابٍ

ثُمّ صمتٌ يَرينُ في الأرجاءِ

*

يسقطُ الغيثُ والشوارعُ تخلو

من خطى كلِّ شاعرٍ مشّاءِ

*

ويراني الشرطيُّ يرتابُ ممّا

أنا فيهِ من عزلةٍ وانكفاءِ

*

من يكونُ الغريبَ؟ قلتُ خيالٌ

هدنةٌ بينَ ظلمةٍ وضياءِ

*

ليسَ يدري بأنّ عنديَ فصلاً

خامساً في الحياةِ فصلَ البكاءِ

*

جالساً في الحديقةِ العامّةِ الوقْـ..

تُ كعينيكِ ترسمانَ سمائي

*

وأمامي عِمارةٌ دونَ ضوءٍ

ما عدا غرفةً تثيرُ اشتهائي

*

صاعداً نحوَها سأطرُقُ باباً

مثلَ طرقِ الأمطارِ جلدَ الظِّباءِ

*

يُفتَحُ البابُ وحدَهُ ثُمّ أرنو

لا أرى في المكانِ غيرَ العراءِ

*

وأُزيحُ الستارَ أصرُخُ رُعْباً

إذ أراني عندَ الحديقةِ نائي

*

صِرْتُ ضدّينِ؛ ها هنا محضُ نارٍ

وهناكَ المياهُ في أسمائي

*

عجِبُ الناسُ أنّ نورسَ نهرٍ

ليسَ خبزاً يريدُ عندَ النداءِ

*

رُبَّ ميْتٍ بهيأةِ الطيرِ يأتي

فدعوهُ يَقصُصْ حكايا الفَناءِ

***

د. عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

الأرصفة التي تغير جلدها في الليل

لن تذكرك في الصباح

المدن ذات الألف وجه

تجيد الابتسام في وجه الغرباء

مقاعد القهوة الممسوحة الذاكرة

تتماهى مع سحنة كل زائر

الميناء وضجيج النوارس

كلما ابتعدت هيأوا ترنيمة وداع جديدة

يحتسون البرود أمام نظرتك الحائرة

لن يشتروك

أنت المتخم بالخسارة

وحدك البائع يأخذون ما لديك

يقايضونك بالحنين

تكتب تنزف

تحشر اللغة في حيز الجسد

في الواقع الأمكنة لا تحتمل

المجاز يفعل

حمامة بيضاء تحط على كتفك

لم تأت من وراء البحر

ولا الرصيف دلها

ولا يعني شيئًا

أنك شممت رائحة القهوة لحظة وصولها

كل ما في الأمر أنك دفعت ثمنًا غاليًا

الحنين تُرّهة

القصيدة شُبهة

الوطن ذاكرة!

***

أريج محمد

 

كان يوماً قارس البرودة، من تلك الأيام الصقيعية التي تجعل المرء في موسكو ينسى كل شيء، ولا يفكر إلا في كيفية الاحتماء من البرد. كانت الحرارة قد هبطت إلى درجات لا يرحم فيها الهواء الوجه، وكانت شبكة توزيع المياه في بعض أحياء المدينة تتجمد، فتغدو المياه في الأنابيب كتلاً من الجليد. وكان البرد شديداً إلى درجة أن المرء، وهو يعبر الشارع، لا يفكر إلا في الوصول إلى أقرب مكان دافئ.

عدت مساءً إلى شقتي، مرهقاً بعد يوم دراسي طويل في الجامعة. كنت أسكن في الطابق الخامس من إحدى العمارات الجديدة في حي جريوموشكي، جنوب موسكو. وكانت تلك العمارات من مباني خروشوف التي شاع بين الناس أن يسموها، بسخرية محببة، «علب خروشوف»، لضيق شققها وصغر مساحاتها.

لم يكن في العمارة مصعد. صعدت الطوابق الخمسة ببطء، وأنا أشعر بثقل حقيبتي ومعطفي وحذائي المبلل بالثلج. كان الضوء في الدرج شاحباً، والهواء بارداً، وكانت رائحته خليطاً مألوفاً من السمك المقلي والزيت المحروق والثوم.

كنت أريد أن أصل إلى شقتي بأسرع ما يمكن. كان البرد قد أنهكني، وكل ما كنت أحلم به هو أن أخلع معطفي الثقيل، وأعدّ عشاءً خفيفاً، ثم أرتشف على مهل كوباً من القهوة البرازيلية التي كنت أحتفظ بها بعناية للمناسبات الجميلة. وبعد ذلك أندس في فراشي الدافئ، وأفتح الرواية التي اشتريتها قبل أيام، وظلت تنتظرني فوق الطاولة؛ رواية لم أجد، منذ اشتريتها، وقتاً لقراءة صفحة واحدة منها.

كان في انتظاري، إذن، مساء صغير وهادئ، لا أريد له أن يخطئ موعده.

وصلت إلى باب شقتي، وما إن فتحته حتى جاءني من الداخل صوت جهوري:

- قف! ولا تتحرك!

تسمّرت في مكاني.

لم يكن الصوت غريباً فحسب، بل كان آمراً إلى درجة جعلتني أطيعه قبل أن أفكر.

بقيت واقفاً عند العتبة، ويدي لا تزال على مقبض الباب، أحدق في الظلام داخل الشقة. لم أفهم من أين جاء الصوت، ولا من يخاطبني، ولا لماذا.

هل هناك أحد في الشقة؟

تسارعت دقات قلبي.

قلت في نفسي:

لص؟

لكن كيف دخل؟

أم أن الأمر يتعلق بشيء أخطر؟

مرّت في رأسي احتمالات كثيرة خلال ثوانٍ قليلة.

ثم خطر لي احتمال آخر أكثر إثارة للقلق: رجل أمن سري. وربما أكثر من رجل. فقد كانت مساكن الطلبة الأجانب، في ذلك الزمن، محاطة دائماً بشيء من الريبة، وكان الأجنبي يحتاج أحياناً إلى وقت طويل كي يقنع نفسه بأن أحداً لا يراقبه.

لم أجرؤ على التقدم خطوة.

كان بإمكاني أن أعود إلى الدرج، لكنني كنت قد صعدت خمسة طوابق، وكانت ساقاي بالكاد تحملانني. ثم إنني لم أكن أعرف إن كان الرجل يقف خلف الباب، أم في غرفة الجلوس، ولا إن كان مسلحاً أم لا.

ربما دخل أحدهم الشقة.

ربما كان ينتظرني.

ربما...

جاء الصوت مرة أخرى:

- قف! لا تتحرك!

شعرت بأن يدي، التي ما زالت على مقبض الباب، أصبحت باردة كالجليد.

لم أتقدم.

ولم أتراجع.

كنت واقفاً بين الخارج والداخل، بين برد موسكو وما قد يكون في الشقة.

وفجأة انطلقت موسيقى صاخبة.

تبعها صوت المذيع، ثم أصوات أشخاص يتحدثون ويتجادلون.

عندها فقط فهمت.

التلفزيون!

لقد نسيت أن أطفئه قبل أن أذهب إلى الجامعة.

ظل يعمل طوال النهار، وكان البرنامج الذي يُبث في تلك اللحظة يتضمن مشهداً درامياً بدا، من دون أن أرى الشاشة، كأنه تهديد حقيقي موجّه إليّ.

بقيت لحظة أحدق في جهاز التلفزيون، ثم انفجرت ضاحكاً.

ضحكت من نفسي، ومن خوفي، ومن ذلك الرجل الذي كنت أتخيله لصاً أو رجل أمن، فإذا به مجرد صوت يخرج من جهاز تلفزيون تركته يعمل منذ الصباح.

دخلت وأغلقت الباب.

خلعت معطفي وتوجهت إلى غرفة الجلوس.

نظرت حولي مرة أخرى.

كان كل شيء كما تركته: التلفزيون يعمل، والنافذة ترتجف تحت ضربات الريح.

ومع ذلك، لم تعد الشقة كما كانت قبل دقائق.

جلست طويلاً أحاول أن أستعيد ما حدث. لم يكن هناك لص، ولا رجل أمن، ولا حركة خلف الباب. لم يكن هناك أحد.

كنت وحدي؛ طالباً أجنبياً أنهكه يوم طويل، في شقة صغيرة وسط شتاء موسكو، بينما كانت الريح تضرب النوافذ وتعبث بأعصابي.

ابتسمت، ثم ضحكت. كنت أضحك وحدي.

قلت لنفسي إن الأمر لم يكن أكثر من وهم عابر، لحظة صنعها التعب والصمت والليل. ومع ذلك، بقي شيء واحد يزعجني:

كيف أمكن لشقة أعرف كل زاوية فيها أن تبدو لي غريبة إلى ذلك الحد؟

بعد قليل وضعت القهوة على النار.

ثم أخرجت الرواية من حقيبتي وجلست قرب النافذة.

في الخارج كانت موسكو بيضاء، ساكنة، كأن المدينة كلها قد اختبأت تحت بطانية ضخمة. وظل التلفزيون يتحدث.

هذه المرة لم أخف من صوته.

كنت أسمعه وأبتسم.

ومنذ ذلك المساء، كلما تذكرت تلك الشقة الصغيرة في جريوموشكي، لم أتذكر البرد وحده، ولا السلالم الخمسة، ولا رائحة القهوة البرازيلية.

أتذكر دائماً ذلك الصوت:

«قف! ولا تتحرك!»

وأتذكر أنني، في تلك اللحظة، صدقته تماماً.

ثم أبتسم.

فقد علّمتني تلك الليلة شيئاً لم أنسه عن موسكو، وعن الغربة، وعن الإنسان حين يكون وحيداً ومتعباً.

يكفي أحياناً صوت يأتي من جهاز تلفزيون، في شقة صغيرة وسط ليل موسكو، لكي يتحول في رأسك إلى خطر حقيقي.

ويكفي أن تهدأ قليلاً...

كي تكتشف أن أكثر ما أخافك لم يكن موجوداً إلا في داخلك.

***

جودت هوشيار

دَعْ عَنْكَ مَا يُقَالُ فِي الْجَلَسَاتِ السِّرِّيَّةِ

وَلَا تُصْغِ لِلْأَفْوَاهِ الْهَوْجَاءِ

كُلَّمَا أَسْكَرَنَا الشَّوْقُ نَبِيذًا

وَغَرَقْنَا فِي الْعَطَشِ...

نَحْنُ مَنْ نَرِثُ السَّمَاءَ

وَنَنْزَلِقُ كَطِفْلَيْنِ فِي الْاحْتِرَاقِ.

قُلْ شِعْرًا وَتَعَالَ حَبيبِي،

اِنْتَبِذْ مِنَ النَّثْرِ نَخِيلًا يُغَنِّي

فَأَنَا لَا أُحْصِي عَدَدَ الثِّمَارِ الَّتِي....

وَلَا أُدْرِكُ جُنُونَ الرُّومَنْسِيِينَ

الَّذِينَ اجْتَاحَهُمْ الْحُبُّ

أَنْتَ بُسْتَانٌ مُتَّسِعٌ فِي مَدَايَ

وَأَنَا هَمْسَةُ مَسَاءٍ عَلَى شُرْفَةِ التِّيهِ

أَضَاعَتْ طَرِيقَ عَوْدَتِهَا إِلَيْكَ...

أَنَا نَايٌ أُسْطورِيٌّ مِنْ سِيمْفُونِيَّاتِ "نِينْوَى"

رَاقِصْنِي إِذَنْ، كإلَاهَةٍ شَبَقِيَّةٍ،

تَرَكَتْ شُمُوعًا تَذُوبُ فِي كَنَائِسِ التَّمَنِّي

كَأُرْجُوحَةٍ مُلَوَّنَةٍ مِنْ زَمَنٍ سَعِيدٍ.

كُنْ أَنْتَ فَقَطْ،

كُنْ كُلَّ الْمُشَاهِدِ وَكُلَّ الْأَشْرِطَةِ وَكُلَّ الْأَسَاطِيرِ

وَالْخُرَافَاتِ الْقَدِيمَةِ....

وَقَصَائِدَ السُّكَّرِ الَّتِي فَاضَتْ، مِنْ كُؤُوسِ المُنَى

وَانْسَابَتْ كَحُبيْبَاتِ ضَوْءٍ فِي الْأَرْوِقَةِ...

ضُمَّنِي أَكْثَرَ، كُلَّمَا اشْتَدَّ الْفَرَاغُ

وَاقْتَبَسَتِ الْقُبُلَاتُ حَرَارَةَ الشِّفَاهِ

خُذْ مِنْ أَلْوَانِ عَيْنَيَّ مَا يَكْفِي لِلْعَتمَة

وَمَا يَجْعَلُ اللَّيَالِي مُتَلَأْلِئَةً.

لَا تَكْتَرِثْ إِنْ قُلْتُ لَكَ سَأَرْحَلُ

مُتَأَهِّبَةً لِلضَّـيَاعِ

لِعُنْوَانٍ بِلَا شَارِعٍ

فَأَنَا لَمْ أَكَنْ أَشْتَهِي الذَّهَابَ مِنْ قَبْلُ.

فَهَلِ النِّهَايَاتُ لَذِيذَةٌ حَبيبِي

كَرَائِحَةِ الْوَرْدِ الَّذِي انْتَشَرَ

كَالْعِطْرِ الَّذِي فَاضَ مِنْ إِنَاءِ الكَوْنِ

كَشَجِرِ الْمِسْكِ الَّذِي عَبِقَ؟

اِقْتَرَبْ أَكْثَرَ مِنْ حَفِيفِ ثَوْبِي

وَمِنِ اللَّهْفَةِ الشَّاهِقَةِ

أَنْتَ مَنْ يُدْرِكُ مَا تَبَقَّى مِنْ فَرَحٍ

فِي جُيُوبِ الْأَمْنِيَاتِ.

أَيُّ هَذَيَانٍ أَجْمَلُ مِنَ أَنّنَا هُنَا

اثْنَانِ، نُؤَدِّي طُقُوسَنَا الْمُخْتَلِفَةَ

عَلَى أَرَضٍ لَا تَعْتَرِفُ بِالْحُبِّ

وَلَا تُؤْمِنُ بِالْمَشَاعِرِ الَّتِي تَكْبُرُ كَالْسَّنَابِلِ

تَطِيرُ فِي السَّمَاءِ كَالْيَمَامِ

وَتَحُطُّ عَلَى الْأَشْجَارِ الْبَعِيدَةِ...

ثُمَّ تُغْتَالُ كَالْشُّهَدَاءِ

عَلَى التِّلَالِ وَالسَّاحَاتِ الْخَالِيَةِ.

لِتَتَحَوَّلَ إِلَى عَصَافِيرَ خَضْرَاءَ

تُؤْمِنُ أَنَّ السَّمَاءَ قَرِيبَةٌ.

***

الشاعرة والرسامة سليمى السرايري - تونس

قصيد من ديواني "غدا تزهرُ الأناشيد"

 

لا تكتم ما في القلب

واسرج للروح فرسها الجامح

ودعها في ميادين القوافي تنطلق

ودع الكلمات تتنفس

من أوردة الحياة

مقبلة غير مدبرة...

وَعَرِّ صمت الحنين

ارحل في مدى الشوق...

وانهل من دفاتر الأيام

شمساً لغدك

انفض غبار التردد

ولا تخشَ...

ولا تخشَ

أيها المسافر

في رحاب الوجد

حَلِّقْ في معراج الهوى

فالروح ظمأى

لمستقرّ لها...

فكن الحارس

وكن المنافح

وكن الركن والمنطلق

وكن القاضي والمتهم

واسكر من خمرة العشق

فلا يلام من كان خمره الهوى

واكتب أوائل الآيات وآخرها

فما الحياة بحياة

بدون الشوق والعشق

ثم املأ الكأس

تعلقاً وولها...

***

عباس علي مراد

شيخٌ مثلي يحلمُ بالثورةِ دائمةً

في كونٍ تاهَ

بين محيطاتِ الظلمةِ، بينَ الحربِ

وضبابِ الرؤيةِ

ليسَ غريباً أنْ يعشقَ لوحةَ أرنستو تشي جيفارا؛

كي تسريَ في أنهار القلبِ ووديان العين،

تلك الأحلامُ الورديةُ في زمن الكلماتِ الكبرى

وأساطيرِ اليوتوبيا البشرية.

*

الذاكرةُ:

المرآةُ المصقولةُ، والملأى بالصورِ وبالألوانِ

تتقاطعُ في نزعاتِ الغيثِ

يُـمطرُ بالزَّهرِ وبالشَّمعِ

بحماماتِ فضاءِ الأصداء.

*

يا أرنستو،

تلك القممُ الشَّاهقةُ

بين سماواتِ جبالِ الأنديز

تعشقُ فيكَ سيجارةَ هافانا

ولباسَ الگوريلا

والأقسام.

*

يا ذا الأيامِ نداولُها بينَ بيوتِ القصبِ

والغاباتِ المكتضَّةِ في أحضانِ الأمزون

وبينَ كهوفِ (تورا بورا)،

هذي أزقةُ سانتياغو الحافيةُ

مازالتْ تعشقُ مملكةَ الحبّ السِّحريةِ

في أشعار بابلو نيرودا

وقصائدِ (عيون ألزا)

ومراجل سلفادور الليندي،

ذاك الشَّيخُ الصّامدِ في قلعتهِ حتى الموت؛

من أجل عيونِ (سانتياگو).

*

العشقُ سؤالٌ مطروحٌ فوق بساط الكون

من أيام التفاحةِ والفردوس المفقودِ

حيّرَ أصداءَ رسالاتٍ زحفتْ

ورسالاتٍ ذُبِـحَت

ورسالاتٍ تخبو

ورسالاتٍ تحبو

*

كمْ مِـنْ معشوقٍ قتلَ العاشقَ في اللعبةِ

كم منْ نبتٍ جفّ على دربِ الأشواق المُحرقةِ

كم منْ قلمٍ قد ذابَ على رَجْعِ القلبِ

كم منْ فقراءَ

هامُوا في رائحةِ الخبزِ

فاحترقوا

في تيزابِ أولي الأمر .

*

العشقُ ضياءٌ مرسومٌ في روح الأرض

حيّر أمراءَ الحرفِ وصنّاعَ الكلماتِ

والثَّوراتِ

وأصحابَ دهاليز الموتْ.

*

يا أرنستو،

لو عادتْ خيلُ الوديان تقاومُ عاصفةَ البحر الهائج

لو أنَّ سنابلَ أرض الفقراءِ

وبنادقَـهم

أحلامَ الليل وأنفاسَ الجدران الصدئةِ

تقفز من فوق الغاباتِ، والأنهارِ، والصحراء،

لاعتدْنا للكافر بنصاعةِ عينيكَ سعيرا.

*

ليسَ بيدي، يا أرنستو،

أو بيدِ الزمن الغافي

في تعليلاتِ الحرس الأقدمِ، والأجددِ،

والقادم فوق حصانٍ مِنْ خشبٍ،

أو تحليلاتٍ منْ خبراء الزّ،من الخائبِ

أن يُحصَرَ وجهُـك في شقّ الذاكرة،،

في أسوار الكتبِ،

في متحفِ تاريخٍ ذاب.

*

العشقُ سؤالٌ

صدّعَ رؤوسَ حكماءِ الأحلام

صدّعَني:

لِمَ هذا الإنسان يُـحِبّ؟

لِمَ يحترقُ بنار الشّوقِ؟

لمَ يأسرُهُ وجهُ المعشوقِ؟

لمَ كلُّ جراحات التّوقِ؟

مَـنْ ذا يحظى برنين القلبِ ووخز الشّوقِ؟

مَـنْ هذا الحائزُ جائزةَ الطوقِ ؟

منْ غيرُك أجدى،

جيفارا؟!

*

مازالَ الحلمَ الأبهى والأقدمَ

في طيفِ الليل وهمسِ الفجرِ

ونبضِ الحرفِ

حلمُ جبالِ (سيرا مايسترو)

وخارطةِ الألفِ ميل.

*

مَنْ يقدرُ أنْ يختطفَ

مِنِ حَدَقاتِ الأيام ومِنْ قلبي

صورةَ أرنستو

تشي جيفارا؟

***

(عبد الستار نورعلي)

..........................

رُويَ أنَّ أحدَ رجالاتِ الدولةِ الكبارِ - منَ الراحلينَ - قالَ يوماً:

"انتهى زمنُ الثورات وجيفارا لم يكنْ ذا صوابٍ أبداً..."

وقالَ جيفارا:

"لا تحزني، يا أمي، إنْ مُتُّ في غضِّ الشبابِ غداً، سأحرِّضُ أهلَ القبورِ، وأجعلُها ثورةً تحتَ التراب."

عيون المدينةٍ

تمنحني الدفء

قبل هطولِ الشتاءِ المُرصَّعِ

بالسوقِ والنَّافِلاتْ

*

تُعَلٍّمَني الحبّ في لمحةٍ قبل أنْ

يَرتد طرْفي

يُضِجّ المدينة

يأوي إلى ذاتٍ قلبٍ

تُفَرِّدُ بين حقولٍ الأماني بلا فلسفاتْ

وَتَسْلُكُ وَجْها

يصونُ حَياءً ويفْنَى صَلاةْ!

*

وأشهى عيونِ المدينةِ

تٍلك التي إِنْ رَمَتْ

أَسْقَطَتْ مملكاتْ!

***

محمد ثابت السَّمَيْعي

 

(إلى جليل خزعل)

ربما نحنُ الوَحيدَان اللذان انتهيا

في هذه العزلة بعدَ الطوفان

وعدانا، كلّهم قد رحلوا

في ذاتِ ألواحٍ ودُسْرٍ لبلاد الغرباء

أنتظرنا أنْ تدورَ الأرضُ بالمقلوب

أو أنْ يخرجَ المُنقذُ من صَدْعِ الزمان

بيدَ أنَّ المدَّ ما انزاحَ

ولم يستجلِبِ المُنقذَ ترتيلُ صلاةٍ ودعاء

**

نحنُ مُتنا مثلما الفينيقُ مرّاتٍ

وعُدنا من جديدٍ

لنزيدَ الحِملَ حِملاً

كلما نمنا بنا استيقظتِ الذكرى

ومنها بدأ الجُرحُ المُدمّى بالعُواء

من حَصارٍ لحصار قد هربنا،

وعلى أكتافنا نزحف ما زلنا

هروباً من حصارٍ قادمٍ

أو بعد أن خضنا مع الدنيا حروباً خاسِراتٍ

وهَرَبنا

ربما نخسَرُ كي نهربَ

من حربٍ ضروسٍ مع أجرام الفضاء

**

هل نَسَونا؟

أم تُرى قد مُحِيتْ ذاكرتانا؟

لم تعد أصواتُنا تُسمعُ في هذا الفراغ

فلماذا لم تزل أفواهنا مفتوحة؟

ولماذا لا نُعينُ القُفلَ أنْ يكبتَ فيها

رغبةَ السكّيرَ ليلاً بالغناء؟

لم تعد تُبصرنا أعينُ من نؤثرهم حتى على أنفسنا

هل هو الحبُّ الذي أمحَلَ؟

أم أنَّ الذي ماتَ بنا

غطّى على أحداقنا

فغدونا نُبصرُ الروضَ حُطاماً وخُواء

سقطةٌ موجعةٌ أنْ تَسمعَ الأبعَدَ والأدنى إليك

بينما هم عبثاً يُصغوا لِتَصخَابِ جراحِكْ

وإذا ما أبصروا في ثوبكَ النيرانَ

غذّاها بأحطابٍ

لكي تُنضجَ من لحمكَ للأغرابِ أسياخَ الشِواء

**

إنقضت أعمارنا في غفوةٍ

لكننا حين صحونا

كانت الأعوامُ قد طاحتْ كما الأوراقُ من أشجارها

ووجدنا أننا في ساعةٍ شِخنا قروناً

وبأنّا قد ركِبنا في قِطارٍ

عبثاً يرجعُ يوماً للوراء

ألدمُ النابضُ ما عادتْ لهُ نقراتُ طبلٍ

والتصاويرُ التي تضحكُ، أو نضحكُ فيها

بَهُتَتْ مثلَ وجوهِ الضاحكين

بينما الضحْكاتُ فيها اعتُصِرَتْ في قبضةِ النسيان

حتى لم تعُد في سُحُبِ العُمرِ بنا قطرةُ ماء

***

شعر: ليث الصندوق

بعد أن حوّل مدينته إلى مهرجان مفتوح للعاشقات، لم يعد الرجل يعرف أين تنتهي النساء اللواتي عرفهن وأين تبدأ النساء اللواتي اخترعهن. كانت له عدة كاملة تليق بعاشق محترف: نظارات سوداء للتحديق من خلفها دون أن يُكتشف، وصحف مثقوبة بعناية تسمح له بمراقبة المقهى المقابل، ومنظار صغير للشواطئ، وآخر أكبر للأيام التي يكون فيها البحر كريمًا بالنساء. وكان يحمل هذه الأدوات بجدية عالم آثار يبحث عن حضارة مفقودة، مع فارق بسيط هو أنه كان يبحث عن امرأة ترتدي مايوهًا.

كان يرى امرأة من نافذة الترام فتبتسم، فيعود إلى البيت مقتنعًا بأنها قضت الليل كله تنتظره. وكانت أخرى تترك مظلتها في المقهى، فيفسر الأمر على أنه حيلة كي تعود في اليوم التالي. وثالثة تسأله عن اسم الشارع، فيخبر أصدقاءه أنها لم تكن تريد معرفة الشارع، وإنما كانت تريد معرفة الطريق إليه. وهكذا أخذت مدينته، في روايته، شكل معرض دائم للحب، كل شارع فيه موعد مؤجل، وكل مقهى كمين، وكل امرأة مصادفة تنتظر أن تتحول إلى فصل في سيرته.

وذات مساء خرج من السينما، وكان الثلج ينزل بهدوء، فرأى امرأة تقف عند المدخل وتنظر إلى ساعتها. نظر إليها، فنظرت إليه، ثم عادت إلى الساعة. قال في سره: «الموعد تأخر». بقي واقفًا تحت الثلج حتى جاءت سيارة أجرة، فركبت المرأة وغادرت. التفت إلى صديقه وقال: «كانت تنتظرني». قال صديقه: «ربما كانت تنتظر سيارة الأجرة». أجابه: «أنت دائمًا تفسد الجانب الشعري من الوقائع».

بعد ذلك بدأ يصدر أسطورته إلى المدن الأخرى. دخل فندقًا ذات ليلة، فناولته موظفة الاستقبال جواز سفره، ثم أعطته المفتاح وقالت: «الغرفة 214». نظر إلى المفتاح، ثم إلى الموظفة، ثم عاد إلى صديقه وقال: «عرفتني». قال صديقه: «إنها الغرفة التي حجزتها». فرد عليه: «كان يمكن أن تعطيني 215». ومنذ تلك اللحظة أصبحت موظفة الاستقبال، في روايته، أول امرأة في تلك المدينة تخفي ارتباكها خلف مهنة الاستقبال.

وذات صيف وقف على شاطئ مزدحم بمنظاره، ثم أعلن بعد عودته أن ثلاث نساء تبادلن النظرات بسببه، وأن رابعة سقطت في الماء من شدة التأثر. ولما سأله صديقه كيف عرف أنها سقطت بسببه، أجاب: «كانت تنظر نحوي قبل أن تغرق». وفي مناسبة أخرى أشعل سيجارته أمام امرأة في محطة قطار، فسعلت وابتعدت خطوتين. قال: «أربكتها». وبعد شهر صارت القصة أن المرأة وقعت في حبه من الطريقة التي أشعل بها سيجارته.

أما أعظم حكاياته فكانت عن سفينة سياحية تعرضت لحادث في البحر. كان، بحسب روايته، واقفًا على الشاطئ حين لمح امرأة تصارع الأمواج. خلع معطفه، ورمى نفسه في الماء، وأنقذها بعد معركة كادت تستمر حتى الغروب. وحين استعادت أنفاسها، نظرت إليه وقالت إنها لن تنسى الرجل الذي أنقذ حياتها. ظل يروي الحكاية سنوات، وفي كل مرة كان البحر يصبح أكثر هياجًا، والسفينة أكبر، والأمواج أعلى، والمرأة أجمل، أما هو فكان يقترب شيئًا فشيئًا من مرتبة أبطال الميثولوجيا.

سأله صديقه ذات مرة: «وأين كانت تسكن؟»

قال: «في مدينة جميلة مطلة على بركان».

صمت الصديق قليلًا ثم قال: «بركان؟»

قال الرجل: «نعم».

«وهل كان البركان نشطًا؟»

ابتسم العاشق ابتسامة رجل لا يرضى بأن تفسد الجغرافيا عليه قصة حب.

قال: «كان في ذلك شيء من الرومانسية».

ومنذ ذلك الحين صار البركان نفسه جزءًا من أسطورته؛ كان يقول إن المرأة كانت تنظر إلى البركان كل صباح وتتذكر الرجل الذي أنقذها من البحر، وإن المدينة كلها كانت تعرف قصته، وإن الدخان المتصاعد من الجبل لم يكن سوى إشارة من الطبيعة إلى قوة الحب.

بعد أن اتسعت الحكايات أكثر مما تحتمل مدينة واحدة، بدأ الرجل يعتقد أن النساء في المدن البعيدة يتناقلن خبره كما يتناقل الناس أخبار المطر. كانت تصله رسائل من مدن لم يزرها قط، واحدة تبدأ بعبارة «أعرف أنك ستأتي»، وأخرى تنتهي بعنوان فندق، وثالثة لا تحتوي إلا على اسم مدينة. وكان يقرأها بوقار رجل أتعبته الشهرة، ثم يقول للنادل: «يبدو أنني تأخرت كثيرًا عن موعدي».

وكان يقع في الحب بسرعة لا تليق برجل يدّعي كل هذه الخبرة؛ أحيانًا قبل أن يعرف اسم المرأة، وأحيانًا قبل أن يسمع صوتها، وفي الحالات الاستثنائية كان يقع في الحب قبل أن يراها. دخل ذات مساء مقهى، فنهضت امرأة وغادرت فورًا. تابعها بعينيه وقال لصديقه: «لقد تأثرت». قال الصديق: «ربما كانت ذاهبة إلى بيتها». أجابه: «الحب له طرق غامضة».

ومع السنوات صار لكل مصادفة عنده تاريخ، ولكل ابتسامة قصة، ولكل خطأ عاطفة، ولكل امرأة لم تلتفت إليه سبب عميق يمنعها من إظهار مشاعرها. حتى النساء اللواتي لم يرينه قط دخلن سيرته بطريقة ما؛ واحدة احتفظت بمنديل لأن الرجل مر بالقرب منها في الشتاء، وأخرى كتبت قصيدة عنه دون أن تعرف اسمه، وثالثة رفضت الزواج لأنها كانت تنتظر عودته، ورابعة سمّت قطها باسمه، وخامسة لم تفعل شيئًا على الإطلاق، فكان ذلك أكثر ما أثار حيرته، لأنها، في رأيه، كانت تخفي شيئًا.

وفي أحد الأيام عاد إلى مدينته. سار في الشوارع التي صنع منها أسطورته، مر بالسينما، ودخل المقهى، وجلس إلى الطاولة نفسها. كانت الثلوج تتساقط، والنساء يعبرن الشارع في معاطف طويلة، والمدينة مشغولة بمواعيدها الحقيقية. انتظر امرأة تلتفت، ونادلة ترتبك، ورسالة مجهولة تصل، أو حتى سيجارة تحتاج إلى نار. مرت عشر دقائق، ثم عشرون، ولم يحدث شيء. طلب قهوته، فأحضرتها النادلة دون ابتسامة. أشعل سيجارته وحده.

وحين خرج من المقهى، سمع صوت امرأة خلفه: «عفوًا، هل تعرف أين تقع محطة الحافلات؟» استدار ببطء، وعدّل ياقة معطفه، ونظر إليها بثقة رجل عاد إليه مجده. قالت المرأة: «أبحث عن المحطة». أشار إليها إلى الطريق، فشكرته ومضت. بقي واقفًا لحظة، يتابعها بعينيه، ثم ابتسم ابتسامة العاشق الذي وجد أخيرًا تفسيرًا لما حدث وقال: «كانت مرتبكة».

***

بولص آدم

قريتي

في أيادي الجبال تنام

تزغرد فيها الرياح

وترقص شجوا حروف المياه

فيسكت رجع القوافي إلى أن تميس

ضفائرها الغلْبُ بالسفن الماخرات التي

لا يطال الكلام...

حفيف

وزنبقة تستعيد صدى

لنهار قديم

ونخلٌ رشيق القوام يصلي

لآلهة الفرح العائليّ

على فمه قريتي تتمطى

تعب رحيق سواقي الضحى

لا تنام

إلى صدرها الرحب

حيث المنابع ترفل في الانتشاء

وتفهق بالتبر

تأوي طيور القطا

واليمام.​

***

مصطفى معروفي

 

لا تُخطّط لتلك المساءات،

خلف ارتجافِ قلبكَ الفتيّ

وارتعاشةِ هواكَ.

ثَمّةَ ما يُقال عن الحب،

وما يُدرَسُ بطريقةِ العارفين عن هوسٍ عذريٍّ حلوِ المذاق.

جاهزًا لالتقاطِ أيِّ لحظةٍ عابرة،

بشذى عطرِها الموسميّ.

كُنْ كما تريد،

لا كما يريدُ من تحبّ.

بطوقِ نجاتِكَ المعشوشب تحيا،

وجناحاك متاحان لرفرفةِ السنونو....

***

رجاء الغانمي - العراق

أتيتُ اليكَ فـي وضـــــــحِ النهـــــارِ

وبـي شـــوقٌ قديــــــمٌ للبحــــــــــار

*

سألـــتُ الناسَ قـــالــــوا أنتَ نهــرٌ

وظنّـي أنَّ بحـــراً في انتظــــاري

*

أتاجـــــة أيّها النهــــــرُ المُعافـــى

سأروي قصتـــــي لكَ باختصـــارِ

*

غريـبٌ ها هنـــا جســـداً وإنّـــــي

غـريبُ الروحِ فــي أهلـي وداري

*

تنكّــــرَ أخوتي لـــي غيــرَ أنّــــــي

حفظـتُ مودتــــي رغم انكسـاري

*

فحالي حــــــالُ يوسفَ في صبـاهُ

مررتُ كذاكَ فــي أقسى اختبــــارِ

*

وحــالُ الرافديــــنِ شبيـــهُ حالــي

فدجلـــةُ والفــراتُ الـى انحســــارِ

*

حقــــولٌ أمسِ قـــد أينعنَ خضْـراً

أراهـا اليـــوم أشبـــهَ بالصحاري

*

ريــاضٌ ظامئــاتٌ كـــــم تمنّــــتْ

لو انَّ المــــــاءَ يُحمـــلُ بالجــرارِ

*

تمنّــتْ نيـــلَ شييءٍ مُستحيـــــــلٍ

عصـــــيٌّ مثــــل أحـــلامِ الصغارِ

*

ولكــــنْ ربّمـــا الأقـــــدارُ يومـــاً

تُحيـــــلُ الانكســـارَ الـــــى اقتدارِ

***

جميل حسين الساعدي - لشبونة

17/8/2026

..........................

* هذه القصيدة كتبتها هذا العام اثناء زيارتي للشبونة عاصمة البرتغال وقد ذهبت الى النهر الطويل العريض (تاجة) وكنت أعتقد انني ذاهب الى البحر، فكانت هذه القصيدة التي أوحت لي بها تلك الزيارة

* نهر تاجة هو اطول نهر في شبه الجزيرة الأيبيرية، ويجري في دولتي اسبانيا والبرتغال الى ان يصل الى المحيط الاطلسي ويبلغ طوله 1038 كيلومترا.

أما الحافز الذي دفعني الى كتابة هذه القصيدة فهو عظمة النهر الذي ظننته بحرا، الى أن أخبرني شخص برتغالي كان جالسا على صخرة قريبة من الصخرة التي كنت أجلس عليها بأنّ هذا هو نهر وليس بحرا. كنت وقتها أتأمل في الأمواج فتذكرت دجلة والفرات حينما كنت في العراق هذا العام في شهر مايس وكيف ان المياه انحسرت كثيرا فشرعت بكتابة هذه القصيدة في الحقيقة بدأت بالبيتين التاليين

غريبٌ ها هنــــا جســـداً وإنّي *** غريــبُ الروح فـي أهلي وداري

تنكّــــرَ أخوتي لي غيرَ أنّـــي *** حفظــتُ مودتــي رغمَ انكســاري

فالتفت اليّ الشخص الجالس جنبي سائلا أتتكلمُ مع الله..؟ فضحكت قائلا: لا أنا اتحدث مع البحر شعرا قال لي انه نهر وليس بحرا، ثم ترجمت له البيتين الى اللغة البرتغالية وهذه هي ترجمة البيتين:

Um estranho de corpo aqui, e um espirito entre os meus e no meu próprio lar.

Os meus irmãos viraram-me as costas; ainda assim, mantive firme o meu afeto, apesar de estar despedasado

سَئِمَ الوقتُ انشغالَ الوقتِ دومًا بالتباهي

لم يُطِق منه الغرورُ

حينما أطفأ عمدًا كلَّ أضواءِ القصيدةْ

سحبَ الوقتُ المسدسْ

أطلقَ الوقتُ على الوقتِ رصاصةً

وانتحرْ..

2

جرتِ العادةُ للوقتِ بألا ينفدَ الوقتُ لديهْ

وتمطَّى بعدَ يومٍ متعبِ الساعاتِ مِن طولِ نهارْ

قد قضاهُ في شؤونِ الآخرينْ

غافلًا عَن موعدِ الحبِّ الذي أرجأهُ عامًا فعامًا

قَدرٌ يَعلوه تأويلُ النُبوءة

في غموضِ الانتظارْ

3

أبصرَ الوقتُ بأنَّ الوقتَ ينفدْ

رفأ الحيرةَ مِن جنحِ الغمامْ

قبلَ أن يكتبَ عن متسعِ الوقتِ حكايةً

لبراكينِ الحروبْ

4

رصفَ الوقتُ الطريقْ

بجزيلِ الأمنيّاتْ

وتمطَّى بخيالٍ

أشبهَ الشبهَ بأسرارِ نبيٍّ

هو لم يطرقْ حتى لحظةً

إنما أخبرنا دونَ حياءْ

بحصادٍ

مِن

مواويلِ

الحروبْ

5

طلبَ الوقتُ

مِنَ الشاعرِ

أنْ يكتبَ في الوقتِ قصيدةْ

فتدلَّى شعرهُ الأبيضُ أعناقَ سنابلْ

غمسَ الحرفَ بماءِ الاشتعالْ

وتملَّى في عيونِ الوقتِ وقتًا

شمَّرَ الوقتُ ذراعيهِ وغنَّى

لشذى وردِ القرنفلِ

في شبابيكِ الحقولْ

6

قلتُ للوقتِ: تهجَّى صوتَها بين الزهورْ

فهي مني فسحةُ الروحِ

وعِرقٌ وفضاءْ

هرولَ الوقتُ طويلًا

بينَ قلبي وشقاواتِ الطفولةْ

ضحكتْ عيناهُ مني

إذ أجُسُّ الأرضَ ظنًّا

أنني ألمسُ مِن أثركِ

طيبًا

وندىً

مِن

قدميكِ

7

صدأتْ أعمدةُ الوقتِ ولا زالتْ تضيءْ

دربنا

نحوَ

النهايةْ

8

لم أطقْ عجرفةَ الوقتِ

فقد طالت ذنوبُه

إذ يقولُ:

إنما الحبرُ سباتٌ للكلامْ

مضغَ الفحمَ وأفتى

بسلالاتِ الفناءْ

طأطأَ الحرفُ تواريخَ الكتابةِ

وقضى:

آنَ

الرحيلُ

9

حدقَ الوقتُ بمرآةِ الغرورْ

ورأى سحنَتَهُ بينَ العصورْ

دارَ أدوارًا كثيرةْ

دورةَ الموتِ الذي نجهلهُ

ودَوارَ الموتِ في هذا الزمانْ

عَجِلًا كانَ

وحافي القدمينْ

ماشيًا

بينَ

عناوين

الخرابْ

10

لبِسَ الوقتُ الوقارَ

وادَّعى:

نخلُ بلادي

مهجتي

قرةُ عيني

شربَ الماءَ المقدسَ

فتبدتْ عورتاهْ

11

لم يكنْ للوقتِ وقتٌ..

لفلفَ الأمرَ وغادرَ

ما اهتدينا لوجيبِ القلبِ حتى

هزَّنا الفجرُ على موتِ غزالةْ

بينَ أحداقِ الرجالْ

ونخيلِ المقبرةْ

12

قالَ لي الوقتُ زَمانًا

كلما

أدمَنتَ

في

الطَّرقِ

وَلجِتَ

**

طارق الحلفي

 

انطفأت الجهات دفعة واحدة..

الحديقة صحراء محاصرة بالسراب..

الأشجار واقفة.. لكنها لم تعد ترفع أغصانها نحو الضوء. خذلها الأمس.. فانحنت بصمت الأنبياء..

في قاع البئر.. وجدت الخلاص.

*

النهر.. الذي كان مزهوا بخريره..

صار يعانق الضفة الأخرى.. ولا يلتفت..

أدرك أن الوفاء.. يعيق مجراه..

فمضى.. كأن المرفأ لم يكن يوما موطنه.

*

كل شيء.. تعلم الغياب دفعة واحدة..

الشرفة نزعت رداء الانتظار..

لتحفظ برودة العابرين.

الفصول خلعت مواسمها..

وتركت للريح ما تبقى من الحكاية.

المصباح.. الذي كان يسهر حتى مواويل الفجر..

أطبق انواره .. حين طال انتظار خطوات

اضاعت طريق الإياب.

*

جمعتُ ما تناثر من الحكاية:

ضحكات تشبه الضوء..

رسائل لم تصل.. مواعيد ملغاة..

وأعمار قصيرة تمددت في لحظة شرود.

في صندوق صغير وضعتها..

أغلقته برفق من يخبئ بذورا سماوية..

حين أيقنت أن الأرض القفر ..

لن تنبت معجزة.. ولو أغرقها المطر حتى آخر الغيم.

*

منذ ذلك الحين.. كلما رأيتُ عصفورا تائها..

عرفتُ أن بعض الهجرات لا تفشل لأن الطريق طويل..

بل لأنها في منتصف التحليق...

تضيع جهة السماء.

كلما مرت بي غيمة تفوح منها رائحة الأمس..

أشيح بوجهي.. بحر الحنين يجيد إغراق اليقين.

*

لم تعد في الأفق نجمة تؤجل الغياب..

لم يبق.. سوى شجرة تخفي في جذعها دوائر العمر..

كلما مرت بها الريح.. تساقط منها..

شيء يشبه الربيع..

شيء يشبه الذكرى..

وشيء يشبه الفراغ.

*

اقف الآن على أطلال ما كان..

لا أحمل في قلبي وعدا..

لا أردد بين دعواتي اسما..

ولا أفتح في روحي نافذة

يتسلل منها الحنين متنكرا في هيئة نسمة.

*

ذبلت زهرة الصبير التي كانت تقاوم الفصول..

انطفأ آخر قنديل كان يعلم العتمة معنى الضوء.

لم يبق في براح الروح إلا درس مكتوب بحبر الفقد..

علمني أن بعض الناس لا يرحلون يوم يغادرون..

بل يرحلون حقا حين يطفئون الحلم..

يكسرون مرايا الضوء.. ويتركون القلب..

خرابا يحتله الصدى.

***

مالكة حبرشيد - المغرب

 

و أرى الصّبحَ دون عينيك ليلاً

دونما البدر والنّجوم إنكدارا

*

بعدما كنت لا أرى إذ أراكِ

قفرة البيد في رؤاك ازدهارا

*

لا أرى الشّوك في صحاراك شوكاً

بل أراه بعالمي الأزهارا

*

لا تغيبين.. كوني قربي كثيراً

مثلما الظّلّ لو مشيت نهارا

*

لا تروحين.. لو رحلتِ بعيداً

ربما الصَّبُ يفتديك انتحارا

*

كيف لي العيش.. دون معنى ومغْنى

و أنا الآن دون أنتِ إنكسارا..

*

عشتُ واللّهِ.. مُذْ رحلتِ ذويتُ

مثلما الورد.. مُذْ رأى الإعصارا

*

فانظري الحال.. لا أقول تعالي

كيف تأتين.. تلتقين احتضارا

*

لكيانٍ يموتُ.. شيخاً مسجّى

في سريرٍ عليه آنستُ نارا

*

يا ندى الصّبح.. يا شذاءً بنتنٍ

فاقدِ الذّوق.. لا يفي الإعطارا

*

ليت أستاف ما يضوع بثغرٍ

عنبريٍّ يفيض ليلاً نهارا

*

لو أوافيكِ من فمي ما انتظرتِ

سوف تجلين عن حياكِ الخمارا

*

بل تذوبين مثل ثلجٍ بمائي

ساخناً عشت مذ حمئتُ انتظارا

*

ذوبي كالثّلج.. أو كقطعة حلوى

بين أشداق من يفور استعارا

*

أنتِ كالثّلج.. دون دفءٍ سيبقى

و أنا الدٌّفءُ.. فاستميلي الجِرارا

*

و أملأي الرّوح من شرابي بكأسٍ

ليلكيٍّ يهم فيه السُّكارى

*

لوعة الحُبِّ أنْ يعيشَ البرايا

دونما الوصل في الحياة حيارى

*

و إلى الآن.. مُذْ ولدتُ وإنّي

أحبو مازلتُ.. قد رأيتُ انقبارا

*

ادفنوا الطّفل.. منذ عمرٍ ويحبو

دار في الأرض ألف حولٍ ودارا

*

كي يلاقي الحبيب.. حتى بحلمٍ

والحبيبُ الغريبُ في التّيه سارا

***

رعد الدخيلي

 

تتوق الأقدام للراحة

من سيخلع تلك البساطير الثقيلة؟

يد تعزف موسيقى،

أخرى ترسم،

ثالثة تكتب شعرًا،

واحدة انفصلت عن جسدها

*

بين الأيادي في جنون البورصة،

اختفت بعضها، تنجرف في غياهب النسيان.

لا تزال الأقدام تتوق للراحة.

من سيخلع تلك البساطير المنهكة؟

*

يلتفت طفل إلى أمه قائلا:

أنزلي تلك الموزة المتوهجة المعلقة عاليًا،

في ظلال هذا العالم، تتألق مضيئا في السماء -

تنساب شعاعها الذهبي بهدوء عبر النافذة،

لتهبط برفق على الورق حيث تولد هذه الكلمات..

***

سوران محمد

.....................

* بحسب المثل التركي الشهير، صوتت الأشجار لصالح الفأس.: "كانت الغابة تتقلص، لكن الأشجار استمرت في التصويت للفأس، لأن الفأس كان ذكيًا وأقنع الأشجار بأنه واحد منها لأن مقبضه مصنوع من الخشب".

.وهو بمثابة استعارة قوية للاختيارات المدمرة للذات

...................

Who did the trees vote for?

The feet long for rest. 

Who will remove those heavy Combat Boots?

A hand strums music,

Another sketches,

Another writes poetry,

one has broken away from its source. 

*

Among the  hands in stock exchange frenzy,

Some have vanished, drifting into oblivion. 

The feet still yearn for relief. 

Who will take off those weary Combat Boots? 

*

A child turns to his mother and says,

"Bring down that glowing banana hanging high,

shimmering like a beacon in the sky." 

In the shadows of this world, its golden ray 

streams softly through the window,

landing gently on the paper where these words are born.

............

* According to the famous proverb, the trees voted for the axe, the axe was clever and convinced the trees that because his handle was made of wood, he was one of them, it serves as a powerful metaphor for self-destructive choices.

..................

درەختەكان دەنگیان بە كێ دا؟

پێیەكان پێویستیان بە پشووە

كێ ئەو پۆستاڵانە دادەكەنێ؟

دەستێك مۆسیقا دەژەنێ

دەستێك وێنە دەنەخشێنێ

دەستێك شیعر دەنووسێ

دەستێك لە لاشەكەی جیابووەتەوە

*

دەستەكان لە ناو قەرەباڵغی بۆرسەكانا

 ون بوون

پێیەكان پێویستیان بە پشووە

كێ ئەو پۆستاڵانە دادەكەنێ؟

*

مناڵێك داوا لە دایكی دەكا

ئەو مۆزە ڕووناكەی بۆ داگرێ

كە لە ناوەندی ئاسمانا داگیرساوەو

لەتاریكی ئەم سەر زەویەدا

تیشكەكەی لە پەنجەرەكەوە

دەكەوێتە سەر كاغەزی ئەم شیعرە..

قالتْ: رأيتُكَ مشغولًا بأبياتي

والشِّعرُ عندكَ موصولٌ بآهاتي

*

ما بالُ بيتِكَ لا معنىً يُساندُهُ

كالطيرِ في الأفقِ مقصوصِ الجناحاتِ

*

أرى قوافيكَ قد أُرعِشنَ عن هزلٍ

والبيتُ عندكَ مثخونُ الجراحاتِ

*

قلتُ: اعذريني، فبوحُ الحبِّ أكتمُهُ

وعنكِ في ذا الهوى أُخفي عذاباتي

*

شطري وحيدٌ، فلا عجزٌ يُتمِّمُهُ

والبحرُ عنديَ مقرونٌ بحسْراتي

*

أُساهرُ الليلَ، لا حرفٌ يُرافقني

والصبحُ في وجلٍ يمحو كتاباتي

*

قولي: أحبُّكَ، تأتي شمسُنا بغَدٍ

تُعانقُ البدرَ رقصًا بين نجماتِ

*

هذي حروفي، بخيطِ الشمسِ مغزلُها

علّي أُذيبُ بها ثلجَ الغياباتِ

*

بوحي بعطرٍ لأبياتي على خجلٍ

ليسطعَ الحرفُ في عمقِ اضطراباتي

*

لا تسألي، وجلًا، كيف اللقاءُ بنا

فالحلمُ يمحو بنا بُعدَ المسافاتِ

*

إلى لقاءٍ به نشدو قصائدَنا

نُحيي مواضيَ فيضٍ للملذّاتِ

*

نرجو العناقَ هوًى من بعد غربتِنا

عسى العناقُ يُزيلُ اليأسَ من ذاتي

*

أرتِّلُ الحبَّ كالآياتِ أكتبُهُ

وأحملُ الوجدَ في أبهى ابتهالاتي

*

أنا يمينُ الهوى، فاقسمْ بعِشرتِنا

أن تجعلَ الحبَّ نورًا للغدِ الآتي

***

فوز حمزة

أهدي قصيدتي لأخي وشاعري الاستاذ عبد الستار نور علي

جوابًا على قصيدته المهداة الى الأخ الشاعر  الدكتور مصطفى علي

الـمنـشورة في صحيفة المثقف في 11 أيلول 2026

*** 

نحن بشر

إنّ الشيوعيْ مثلما تدري بشرْ

فسلوكهم متفاوتٌ وطباعهم لم تُختبرْ

*

ولقد خَبِرتَ كما خَبَرتُ زمانهم

بقـيادةٍ عاشتْ غرورًا وبـطـرْ

*

وأنـا كما قد كنتَ منهم واحدًا

عاينتهمْ فسلوكهمْ حـمـل الوضرْ

*

أمّا عن الفكرِ الذي نادوا به

هو كـذبةٌ مـمن تعاطى وسـكرْ

*

هو إبـنُ حاخامٍ يهـودي أصلُهُ

في فكرهِ لا يـسـتقـيمُ مع الـفِكرْ

*

أو ما ترى دولًا تـبنتْ فكرَهُ

عادتْ بخـيـبتها لِإصلاحِ الضررْ

*

واراكَ انسانًا نبيلًا واضحًا

فأعدْ بـفكرٍ فـاسدٍ بعض الـنظرْ

*

انّ الـبلاءَ إذا تـحـجر فـكرُنا

ومـسار دنـيانا دروسٌ وعِـبَـرْ

*

وأعـودُ في قـولي لأذكرَ حـكمةً

إنّ الـنـبـيهَ بغـيرهِ مَـنْ اعـتبـرْ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

الاحد في 19 أيلول 2026

خارج بيوت (سيباي) الطينية، يُطلُّ تلٌّ كبيرٌ تكسوه الرمال الناعمة.

هناك، غديرٌ قديمٌ نائمٌ أسفلَ التلِّ، يمتلئ بمياهِ الأمطارِ الموسمية.

في الصيف، يتراقصُ سطحُ الماءِ الصافي مع الرياحِ الغربية.

في صغري...

كنتُ أقتربُ من الغديرِ، دونَ وعيٍ، كنتُ أغمسُ قدميَ الصغيرةَ فيه.

أندهشُ من اقترابِ كائناتٍ لا أعرفُ أسماءَها،

كنتُ أشعرُ بأنني يجبُ أن أعانقَها.

وما إن أضعَ قدميَ الثانيةَ بجانبِ الأولى، كانت تلكَ الكائناتُ العجيبةُ تتراجعُ، ويتموّجُ سطحُ الماء.

أضعُ الخوفَ والخيالَ جانبًا، وأمدُّ يديَ بهدوءٍ في الماء،

وأردُّ على تحيّتهم، ثم أمضي مبتعدًا عن الغدير.

لكنَّ صوتَ تموّجِ الماءِ يبقى يلاحقني، وكأنَّ الغديرَ يهمسُ لي بأسراره،

أسرارٍ لا أفهمُها، لكنها تستقرُّ في أعماقي كأنَّها نبضُ الحياة.

ألتفتُ مرةً أخيرةً نحوَ التلِّ، وأتساءلُ:

هل ستظلُّ المياهُ تنتظرُ قدميَّ الصغيرتين؟

أم أنَّ الكائناتِ العجيبةَ ستجدُ زائرًا جديدًا يعانقُها ويفهمُ لغتَها؟

الريحُ تهبُّ بهدوء، تحملُ معها سلامَ التلِّ والغدير،

وأنا، كما كنتُ دائمًا، أظلُّ أحملُ ذكرى الماءِ..

وقلبًا يشتاقُ لدهشةِ البيوتِ الطينيةِ الأولى.

***

مراد سليمان علو

اهداء: الى صديقي نهرِ الراين

 اذْ أخبروني بِجفافِه

***

أيُّها الراينُ الأخضرُ الحلو

كيفَ انتهيتَ الى يابسهْ

وأنتَ اخضرارُ السهوبِ

وعارفُ أسرارِ نبضِ القلوبْ

تناجيكَ وقتَ الغروبِ

وقَبلَ الغروبِ

وبَعدَ الغروبْ

*

لَم أزلْ أذكرُ غابتَكَ المستطيلةَ صحراءَ خضراءْ

تُرى كيفَ أصبحتَ مَحْلاً

وقدْ أودعَ الشِعرَ في ضفتيكَ فتىً شاعرٌ مِنْ جنوبِ العراقْ

وكانتْ دموعُكَ كوناً مِن الماءِ اِذْ كنتَ تسمعُهُ فتُراقْ

كنتَ لي ايُّها الخِلُّ أصداءَ دجلهْ

وكنتَ النجيَّ اذا ما أتانيَ صوتُ الفراتْ

غريبٌ عجيبٌ كلامُكَ يأتي اليَّ بأفصحِ اشكالِهِ العربيهْ

وحين ترافقني امرأةٌ علَّمتْني لغةَ الراينِ الأجنبيهْ

تغافلُها ثم تقرأُ شِعراً جميلاً فتمشي على الماءِ فيهِ بثينهْ

ويصدحُ فيَّ الجميلُ جميلْ

يقولون جفَّتْ مياهُكَ..

قلتُ مِن المستحيلْ

فقدْ كنتُ اسكبُ في قلبِكَ المستهامِ فراتاً ودجلهْ

كيْ تنامَ

وكيْ لا تنامْ ..

وكيْ يعبرَ مرتحلاً مِن نخيلِ الفراتينِ فجراً

الى شجرِ الزيزفونِ على ضفتيكَ اليمامْ

***

شعر: كريم الأسدي

.........................

ملاحظة: كتبتُ هذه القصيدة في اليوم الحادي عشر من ايلول 2026 بعد مسيرات على كورنيش النيل الجميل في القاهرة، ولأنَّ الأنهار اخوة تذكَّرتُ نهر الراين الذي سامرني في غربتي، وحيث اُخبرتُ بجفافه.

غَريبٌ في بلادِ الإغْترابِ

بعيدٌ عن مُجالسةِ الصِحابِ

*

مَضى زمنٌ بهِ الأيّامُ راقتْ

نُبادلُها طموحاتَ الشبابِ

*

وقد دارتْ وألقتْ مُحْتواها

وأوْجَعتِ الخوافقَ بالخيابِ

*

إليها كيفَ عُدنا من جديدٍ

تُطاردُنا عَقابيلُ الغيابِ

*

مَلأنا كأسَنا سُلاّفَ نورٍ

وألقينا مَواعِظَ للترابِ

*

قليلٌ فاعلٌ والكُثرُ قالوا

وإنَّ طريقَها رهنُ الذهابِ

*

يُعربدُ صامتٌ وبها تَوارى

يُجالسُ هدأةً بنتَ اضْطرابِ

*

تَعانقَ سوؤها والشرُّ يَطغى

وكلّ قويةٍ صارتْ تُحابي

*

مَعالمُ ذاتها بَلغتْ ذُراها

مُعلقةً بداهيةِ المَآبِ

*

عقودٌ من تَجَهُمها أماتتْ

وفرّقتِ الأحبّةَ بالصِعابِ

*

مُعللتي بنورٍ بعدَ نارٍ

رمادُ الذاتِ في قاعِ الجوابِ

*

سألتُ الكونَ عن زمنٍ أليفٍ

فأوْهَمني بمِهْمازِ الصوابِ

*

بأمْرٍ عاجلٍ رغِبتْ نفوسٌ

كأنَّ الصبرَ من بُدَعِ الكتابِ

*

خوافقُ وَجْدنا حنّتْ لماضٍ

تزيّنهُ الرغائبُ بالعِصابِ

*

مَتاهاتٌ بها عَثَرتْ خُطانا

مَشيناها على ظهرِ السَرابِ

*

شوارعُها دموعٌ مِنْ دماءٍ

تعبّدُها أعاجيبُ الريابِ

*

سَمِعْتُ لشدْوها صوتٌ نَحيبٌ

يُذكّرنا بواعيةِ انْتكابِ

*

هيَ الأحلامُ خائبةُ المَزايا

تطيرُ بنا مُعانقةَ الضبابِ

*

نِيامٌ كلنا في خدرِ أدْري

ويَقظتُنا بإبْلاسِ التصابي

*

فهلْ نفعتْ تمائمُ مُنطوانا

إذا حانَ الوداعُ بلا عِتابِ

*

بَذلنا العمْرَ في وادٍ سحيقٍ

ستطمرهُ العواضلُ بالعِقابِ

*

فلستُ بقاضمٍ صخراً حديداً

ولا بمُصارعٍ بعُلى الهضابِ

*

نبيضُ القلبِ في وطنٍ عَزيزٍ

حَملناهُ بأفئدةِ ارْتقابِ

*

بُذِرنا في ترابٍ لا يُضاهى

به الأجدادُ مشروعُ انْتسابِ

*

قصيرٌ ليلنا إنّا رَقدنا

فكانَ لصُبْحِنا صَخبُ احْترابِ

*

سَلامَتنا بهاعَجبٌ فريدٌ

فكلّ مَسيرةٍ ذاتُ ارْتكابِ

*

كذا الأيامُ تفعلُ ما لديْها

وتَختمُها براعيةِ ارْتعابِ

*

بلوْعةِ شوقِها سَعيٌّ تَواصى

يُذكّرها بمَرْعودِ السَحابِ

*

تَطامرَ بدْؤها بختامِ سِفْرٍ

يوافيها بألوانِ الوَصابِ

*

تواءَمتِ الخلائقُ في رُباها

وفيها نارُ ملحَمةِ العِقابِ

*

عَداواتٌ بلا سَببٍ صَريحٍ

تؤجّجها مَراسيمُ اكْتسابِ

*

بها الأيّامُ تحدونا لحَتفٍ

وترسِمُنا على وجهِ الشِعابِ

*

فكنْ فيها كما شاءتْ خُطاها

فلا أملٌ بدائرةِ انْعطابِ

*

خطونا فوقَ مقبرةِ البرايا

ونَحفرُ قبرَنا حينَ اقْترابِ

*

أحاديثٌ مُفبركةٌ بوهمٍ

تؤمّلنا بواسعةِ الثوابِ

*

ذئابٌ في عَدالتها عَفافٌ

وإمْعانٌ بحاميةِ انْتهابِ

*

سَلونا كلّ مُنطلقٍ جَميلٍ

ودُمنا في مُجالسةِ الكَوابي

*

تأديكة الدجاجة حينَ صاحتْ

لأنّ ديوكَها ذاتُ اكْتئابِ

*

برايا من ثرى زمنٍ خصيمٍ

تواكبَ مَوجُها بينَ الروابي

*

تُعللنا بأضْواءٍ لروحٍ

مُصدّحةٍ بها نحوَ انْجيابِ

*

تماسكَ جوهرٌ برؤى مُغيثٍ

يُبشرُنا بمعسولِ الشرابِ

*

سَبقنا ظلنا والموتُ أدْنى

يُباغتنا بمَهروعِ الرِكابِ

*

لقيتُ كلومَها في بحرِ جَهْلٍ

يُغرّقنا بأمْواجِ انغلابِ!!

*

عَجائبنا مِن الإعْجابِ هانتْ

تُدثرها طواميرُ انْسحابِ

*

خشيلٌ عاصفٌ فينا بقيلٌ

يُبشّرُنا بسَحْبانِ الخطابِ

*

مَضى عمرُ ابْتلاءٍ في عناءٍ

وكانَ حصادُنا ضدّ المَتابِ

*

فهلْ بلغتْ رؤانا مُنتهاها

وهلْ ولّى زمانُ الإنقلابِ؟

*

تدجّنتِ الخَطايا والرزايا

ودامَ فسادُها دونَ احْتِسابِ

*

تُواعدُنا روافدها بنَهرٍ

عظيمِ الماءِ في زهوِ الثيابِ

*

أ مغلوبٌ بها أضْحى وصياً

كغالبهِ الذي قبلَ انْسرابِ

*

أ ضاعَ العمرُ في بُهتٍ ووهمٍ

كموؤودٍ بأحْجية التغابي؟!!

*

د. صادق السامرائي

للمرة الأولى في حياتي رأيت نجوم الظهر.

حدث ذلك في الأيام التي كنت أقضيها متنقّلًا بين دوائر الدولة في الموصل، في حزيران ثم في تموز، تحت شمس لا تبدو مهتمة بما يحدث تحتها. لم أرها نتيجة جوع، ولا مرض، ولا تعب بالمعنى الذي نعرفه. كانت تظهر فجأة، في منتصف النهار، حين أخرج من دائرة وأدخل أخرى، حاملا ملفًا أزرق تحت إبطي، وأحاول أن أتذكر لماذا جئت إلى هنا أصلًا.

في صباح اليوم الأول كنت متفائلًا.

كان الملف يضم جميع الأوراق التي طلبوها مني. حملته كما يحمل أبٌ ابنه إلى الامتحان الأخير، بحذر زائد، وبشيء من الثقة التي لا نعرف مصدرها. ربّتُّ على غلافه قبل أن أغادر الفندق وقلت في سري:

ساعتان، ثلاث على الأكثر، ونعود.

لم أكن أعرف، آنذاك، أنني أنا الذي سأعود، وأن الملف سيواصل حياته الخاصة.

مع حلول المساء كنت لا أزال أدور في الممرات نفسها. الموظفون يتبدلون، الغرف تتبدل، أرقام الأبواب تتبدل، لكن الملف ظل ثابتًا في يدي، كأنه يعرف الطريق أكثر مني. كان ينتقل من مكتب إلى آخر بثقة موظف كبير، بينما كنت أسير وراءه مثل حارس شخصي فقد مهنته منذ زمن.

بعد ثلاثة أيام اكتشفت أن الملف لم يعد ملفا. صار كائنا حيا. كل دائرة تضيف إليه ورقة. كل ختم يجر خلفه ختما آخر كما يجر المغناطيس سلسلة من قطع الحديد الصغيرة. كان ينمو بصمت فوق المكاتب، ويتضخم داخل الأدراج، ويزداد نفوذا كلما ازداد سمكا. شيئا فشيئا بدأت أشك أن الدولة كلها ليست سوى جهاز ضخم خُلق لخدمة الملفات.

الملفات أولا. ثم الأختام.  ثم الاستمارات.  ثم التعليمات.

أما المواطن فيأتي في مكان متأخر جدا، بين الدبوس الصدئ والورقة المنسية في آخر الحافظة. لم يكن أحد يقول ذلك بصراحة، لكن كل شيء في المكان كان يؤكده.

وصلت إلى دائرة كاتب العدل. كانت القاعة مزدحمة على نحو يجعل المرء يعتقد أن نصف سكان العراق لديهم معاملات مؤجلة منذ عهد الخليفة المأمون. وجوه شاحبة. ملفات منتفخة. أكياس بلاستيكية محشوة بالأوراق. ورجال ينظرون إلى الموظفين كما ينظر البحارة إلى الأفق بحثا عن يابسة. انتظرت دوري. وحين جاء أخيرا، تناولت الموظفة الملف الأزرق. لاحظت أنها لم تنظر إليّ أولا. نظرت إليه. قلبت أوراقه. تفحصت أختامه. ثم رفعت رأسها نحوي كما لو كانت تتذكر فجأة أن لهذا الملف مالكا بشريا. قالت:

ـ نحتاج تأييد سكن.

قلت:

ـ أنا أسكن خارج العراق منذ عشرين عاما.

قالت:

ـ نعم.

قلت:

ـ لا أملك بيتا في الموصل.

قالت:

ـ نعم.

قلت:

ـ ولا أقيم فيها.

قالت:

ـ نعم.

ثم أضافت بهدوء من يخبرك بأن الشتاء يأتي بعد الخريف:

ـ إذن أحضر تأييد سكن من الموصل.

في تلك اللحظة شعرت أن المنطق خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه.

خرجت أبحث عن هواء يكفي لإنقاذ ما تبقى من عقلي. عند الباب رن هاتفي. كان المحامي الذي أوصاني به أحد الأصدقاء. لم أكن قد رأيته بعد. كنت أعرفه من صوته فقط. صوت سريع ومطمئن ومشغول دائما. قلت له:

ـ تطلب الموظفة تأييد سكن من الموصل.

ساد صمت قصير.

ثم قال:

ـ طبيعي.

قلت:

ـ طبيعي؟

قال:

ـ افعل ما يطلبونه الآن. سنتحدث لاحقا.

وأغلق الخط.

كان ذلك أول درس أتلقاه في فقه المعاملات. لا تسأل لماذا. نفذ المطلوب أولا. أما الفهم فرفاهية قد لا تصل إليها أبدا. مع ذلك لم أستطع منع نفسي من التفكير في الأمر. كنت أخرج جواز سفري وأشير إلى عشرين عاما قضيتها خارج العراق. أشرح أنني لا أملك بيتا في الموصل ولا أقيم فيها. فيهز الموظف رأسه متفهما ثم يقول:

ـ نعم... لكن التعليمات.

وقال لي أحدهم ذات يوم:

- هذه الإجراءات جاءت بعد تحرير المدينة من سلطة تنظيم "داعش" .

هززت رأسي ومضيت.

لم أشأ أن أجادل أكثر. لكنني شعرت وكأن الدولة لا تسأل: من أنت؟ بل تسأل: هل تستطيع أن تثبت أنك لست الشخص الذي نشك فيه؟ لكن السيد الملف كان يريد المزيد. كان يحتاج إلى تأييد سكن. ولأن السيد الملف لا يسكن في أربيل، أو بغداد ولا في الموصل، ولا في أي مكان معروف، فقد كان عليّ أن أذهب إلى مختار المنطقة التي كنت أسكنها قبل عشرين عاما.

عشرون عاما كاملة. أي أن المطلوب لم يكن إثبات مكان إقامتي الحالي، بل إثبات أنني كنت موجودا في الماضي.

وصلت إلى الحي القديم. تغير كل شيء. الأشجار اختفت. الدكاكين تبدلت. البيوت صارت أكثر بدانة. حتى الأرصفة بدت كأنها هاجرت ثم عادت. كنت أمشي داخل ذاكرتي أكثر مما أمشي داخل الشارع.

عند المختار اكتشفت الشرط الجديد. السيد الملف يطالب بشاهدين. شاهدين من كبار السن تحديدا. لم أسأل لماذا. فالإنسان الذي أمضى أسبوعا بين الدوائر الحكومية يفقد تدريجيا فضيلة السؤال. مع ذلك حاولت أن أفهم. ربما لأن الشباب لا يملكون ذاكرة معترفا بها رسميا. وربما لأن الحقيقة لا تصبح حقيقة إلا بعد أن تتجعد بما يكفي. اتصلت بالمحامي. قلت له:

ـ المختار يريد شاهدين تجاوزا السبعين.

قال:

ـ ممتاز.

قلت:

ـ ما الممتاز في ذلك؟

قال:

ـ على الأقل لم يطلب أربعة.

وأغلق الخط.

بدأت رحلة البحث. كنت أفتش عن الشاهد الأول كما يفتش علماء الآثار عن قطعة فخارية مفقودة. بعد ساعات وجدته جالسا أمام باب بيته. نظر إليّ طويلا. قال:

ـ من أنت؟

قلت اسمي.

هز رأسه.

قلت اسم أبي.

هز رأسه.

قلت اسم جدي.

هز رأسه.

ثم فجأة اتسعت عيناه.

وقال:

ـ آه... أنت صاحب الدراجة الحمراء.

شعرت بالارتياح. فالدراجة الحمراء أثبتت وجودي أكثر مما أثبتته هويتي الوطنية.  في الحقيقة لم أكن أتوقع أن تبقى الدراجة الحمراء في ذاكرة أحد كل هذه السنين. كنت شابا هادئا آنذاك. قليل الكلام. أميل إلى الاستماع أكثر من الحديث. أهرب من المشاجرات الصغيرة، لكنني لا أتراجع حين يصبح التراجع نوعا من الجبن.

كانت الدراجة رفيقتي في منتصف التسعينيات. اشتريتها بعد شهور طويلة من الادخار. طليتها بيدي مرات عدة حتى استقرت على ذلك اللون الأحمر الفاقع الذي جعلها تبدو كأنها قطعة من إشارة مرور انفصلت عن الشارع وقررت أن تتجول وحدها.

في أحد أيام الحصار وصلت إلى الموصل صحفية أجنبية كانت تعمل لمجلة أوروبية. جاءت لتكتب عن الأطفال الذين صاروا يكبرون بأجساد أصغر من أعمارهم. كانت تبحث عن مترجم ودليل يعرف الأزقة والأحياء الفقيرة. لا أعرف كيف انتهى بها الأمر عندي. ربما لأن أحد الأصدقاء دلها عليّ. وربما لأن المصادفات، مثل الموظفين، تحب أن تضع أختامها على حياة الناس دون استئذان. عندما التقينا سألتني إن كنت أملك سيارة. ضحكت. في تلك الأيام كان امتلاك سيارة يشبه امتلاك طائرة صغيرة. أشرت إلى الدراجة الحمراء. نظرت إليها ثم نظرت إليّ. ظنت أنني أمزح. لكن بعد دقائق كانت تجلس خلفي، تحمل حقيبتها الجلدية الكبيرة، بينما كنا نعبر شوارع الموصل.

أتذكر الوجوه أكثر مما أتذكر الطريق. أصحاب الدكاكين خرجوا إلى الأبواب. الأطفال ركضوا خلفنا. بعض الرجال توقفوا عن شرب الشاي. وامرأة كانت تنشر الغسيل فوق سطح بيتها نسيت الملاءة في يدها وظلت تراقبنا حتى اختفينا عند آخر الزقاق. في ذلك الزمن لم يكن مشهدا عاديا أن تجلس صحفية أوروبية شقراء خلف شاب موصلي على دراجة حمراء. لأيام طويلة أصبحنا حديث المقاهي. كل راو كان يضيف تفصيلا جديدا. واحد قال إنني كنت أعمل مراسلا لصحيفة أجنبية. وآخر أقسم أنه رآني أشرح لها خريطة الشرق الأوسط. وثالث أكد أن المرأة جاءت خصيصا للبحث عني. أما الحقيقة فكانت أقل إثارة بكثير. شاب يقود دراجة حمراء. وامرأة تبحث عن قصة. ومدينة جائعة كانت مستعدة لتحويل أي تفصيل صغير إلى حكاية.

بعد أسابيع غادرت الصحفية. واختفت من حياتي كما تظهر الشخصيات الثانوية في الأفلام. لكن الدراجة بقيت. وبقي معها ذلك المشهد. ربما لهذا السبب لم يتذكر الرجل اسمي. الأسماء تذبل. أما الصور الغريبة فتعمر طويلا. ولهذا، بعد عشرين عاما، لم يتذكر أحد الموظفين ولا المختارين ولا أصحاب الأختام من أكون. لكن رجلا عجوزا تذكر على الفور صاحب الدراجة الحمراء.

أما الشاهد الثاني فكان أكثر حكمة وأقل اهتماما بالحياة. نظر إليّ. ثم نظر إلى السماء. ثم سألني:

ـ هل ما زلت موجودا فعلا؟

ضحك الحاضرون. ظنوا أنه يمزح. أما أنا فلم أضحك. لأن السؤال بدا منطقيا تماما بعد أسبوع كامل مع السيد الملف.

في اليوم التالي وقف الشاهدان أمام المختار. الأول يتذكر دراجتي. والثاني غير متأكد تماما من اسمي. ومع ذلك تحولت ذاكرتاهما المرتجفتان فجأة إلى وثيقة رسمية أقوى من الهويات والبطاقات والمستمسكات كافة.  الدولة تتعامل مع البشر والأوراق كما لو أنها تحاول التوفيق بين شاهدين متخاصمين؛ فلا تصدق الإنسان إلا إذا شهدت له ورقة، ولا تصدق الورقة إلا إذا شهد لها إنسان. وهكذا يبقى الجميع يدورون في دائرة مغلقة مثل حمار مربوط إلى ساقية قديمة.

خلال الأيام التالية صار المحامي يظهر في حياتي عبر شاشة الهاتف أكثر مما يظهر البشر الحقيقيون. كلما اتصلت به كان في محكمة أو دائرة أو سيارة أو ممر. وكلما شرحت له الطلب الجديد أجاب بالهدوء نفسه:

ـ طبيعي.

بدأت أشك أن كلمة "طبيعي" هي أول مادة تدرّس في كلية القانون.

بعد أيام أخرى من الركض بين المختارين وكتّاب العدل والموظفين بدأت أشعر أن الدولة لا تريد أن تعرف من أكون. كانت تريد فقط أن تختبر قدرتي على تكرار الجملة نفسها ألف مرة دون أن أصاب بالجنون. كنت أستيقظ كل صباح وفي رأسي سؤال واحد:

ماذا يريد السيد الملف اليوم؟

شاهدا ثالثا؟

وثيقة من القرن الماضي؟

إفادة من جار مات منذ عشر سنوات؟

أم شهادة من جدي تؤكد أنني كنت موجودا فعلا؟.

حين اكتملت الأوراق أخيرا ظهر المحامي للمرة الأولى خارج الهاتف. تعرفت إليه من بعيد. كان طويلا ونحيلا وأنيقا على نحو لا ينسجم مع الممرات التي يسير فيها. بدلته الرمادية مكوية بعناية. حذاؤه يلمع. وربطة عنقه تبدو كأنها لم تسمع قط بكلمة "معاملة". صافحني مبتسما. ثم أخذ الملف من يدي. للحظة شعرت أن السيد الملف التقى بمحاميه الخاص. دخلنا إلى الدائرة. كانت الموظفة نفسها تجلس خلف المكتب. قبل أسبوع كانت تتفحص الملف كما يتفحص ضابط حدود جواز سفر مزورا. أما الآن فقد بدا المشهد مختلفا. تبادلت مع المحامي كلمات قصيرة لم أسمعها. ابتسمت. ابتسم هو أيضا. ثم اختفى في آخر الممر. بعد دقائق عاد. لا أعرف أين ذهب. ولا ماذا قال. ولا ماذا سمع. لكنني أعرف أن شيئا ما تغير. الأوراق التي كانت ناقصة أصبحت كاملة. الملاحظات التي كانت تتكاثر مثل الأعشاب البرية اختفت فجأة. والاعتراضات التي كانت تخرج من الأدراج بلا نهاية بدت وكأن أحدا صرفها من الخدمة. قلبت الموظفة الملف. تفحصت الأختام. ثم ابتسمت. قالت:

ـ ممتاز.

تنفست الصعداء.

ثم أضافت:

ـ الآن أصبح ملفا محترما.

مدت يدها وربّتت على الغلاف الأزرق بحنان أربكني. شعرت أن الملف حصل أخيرا على الجنسية التي كان يبحث عنها.

خرجنا من الدائرة. كان المحامي ينظر إلى ساعته. وكأن شيئا مهما لم يحدث. أردت أن أسأله ماذا فعل. لكنني لم أفعل. فبعض الأسئلة تشبه الأبواب المغلقة. الجميع يعرف ما يوجد خلفها. لكن أحدا لا يمد يده إلى المقبض. في تلك اللحظة بدأت أفهم أشياء كثيرة. فالمشكلة لم تكن في نقص الأوراق. الأوراق كانت موجودة. ولم تكن في نقص الشهود. الشهود كانوا موجودين. ولم تكن في نقص المعلومات. الجميع كان يعرف الحقيقة منذ البداية. المشكلة كانت في ذلك النظام العجيب الذي يستطيع أن يحول أبسط الوقائع إلى متاهة ذات مئة باب. والأطرف من ذلك أن كثيرا من هذه الأبواب لا تحتاج إلى مفاتيح. إنها تحتاج إلى شيء آخر. شيء سائل القوام. شيء يتحرك بخفة بين الجيوب والمكاتب والأدراج. شيء يملك قدرة خارقة على اختصار الزمن وإقناع الأبواب العنيدة بأن تنفتح من تلقاء نفسها. أدركت يومها أن المعاملات في بلادنا تشبه الأنهار الموسمية. إذا حاولت عبورها على قدميك غرقت في الوحل. أما إذا امتلكت الوسيلة المناسبة، فإن المياه نفسها تحملك إلى الضفة الأخرى وهي تبتسم.

خرجت من المحكمة عند الغروب. وكان الملف تحت إبطي أكثر سعادة مما كان عليه يوم خرج من الفندق. أما أنا فكنت أتساءل طوال الطريق: هل أنجزت معاملتي فعلا؟ أم أن السيد الملف هو الذي حصل أخيرا على الاعتراف الرسمي الذي كان ينتظره منذ ولادته؟

***

مروان ياسين الدليمي

مهداةً إلى الصديق العزيز الشاعر د. مصطفى علي*

قالوا: شيوعيٌّ. فقلتُ:

كلُّ منْ يشعُّ نورُ الشمسِ في عينيهِ،

دفءُ الأرضِ في قلبهِ

في لسانهِ، الفولاذُ يسقيهِ،

وربُّ الشعرِ والكلامِ والفكرِ وصدقُ القولِ راويهِ،

وحبُّ الناسِ حاديهِ وناديهِ،

طريقُ الشعبِ في النضالِ بالأيدي وباللسانِ، بالقلبِ،

وحقُّ الوطنِ المسلوبِ في الحريةِ الحمراءِ

روحٌ من أغانيهِ،

سلامُ الكونِ، أمنُ الناسِ فيضٌ منْ أمانيهِ

خلوُ البلدِ الرابضِ في الصدرِ

من الجوعِ من الفقرِ

من الأميةِ الضاربةِ الأطنابِ هاديهِ،

تقولونَ: شيوعيٌّ!

*

أنا الساكنُ في زاويةٍ شمالَ غربِ الأرضْ

أنا الحاملُ هذا النبضْ

أنا الواقفُ فوق القدمينْ

ثابتتينْ

في عمقٍ جذرِ الأرضْ

ما كنتُ يوماً في (الشيوعيينَ)، معْ أنّي التقيتُ

و(اختلفتُ).

*

ما كنتُ يوماً شارةً، أو رايةً، أو طلقةً،

لكنَّني

بكلِّ ما في أضلعي البسيطةِ الرقيقةِ الطيبةِ

أحببتُ.

في حدقتيَّ أنجماً أويتُ، وارتويتُ، فارتقيتُ

سحائبَ الجبالِ والوديانِ والسهول والأمطارِ والأنهارِ

والنخيل والأهوارِ،

والمدنِ الكبارِ والصغارِ،

والأزقةِ الظلامِ والجوعِ، بيوتِ الطينِ والصفيحِ والقفارِ،

وسُحْتُ ....

في خارطةِ العالمِ،

في الشرقِ وفي الغربِ

وفي الشمال والجنوبِ

في أحياء كلِّ الفقراءِ الضعفاءِ، الأقوياءِ بالثورةِ، بالحبِّ،

بحلم الوطن الحرِّ السعيدِ

باليوتوبيا البشريةْ.

*

ما كنتُ يوماً في الملفّاتِ

ولا في ماحكتْ عينُ المجلاتِ.

رأيتُ، وتقصَّيتُ، وراقبتُ،

تأمَّلتُ، قرأتُ:

ما يقولُ رأسُ المالِ والبيانُ، والقصةُ والشعرُ،

غوركي، ماياكوفسكي، لوركا، أراغونُ، نيرودا،

وكزانتزاكيسُ، بورخيسُ ، وماركيزُ،

وكلُّ الأدباء الشرفاء العظماءِ بالحرف وبالضياءِ

بالعشقِ، وبالتوقِ، المساواةِ، العدالةِ،

إنهيارِ السور بينَ اللونِ واللونِ،

وبينَ الدين والدينِ،

وبينَ القوم والقومِ،

سبحتُ ....

في عوالمٍ تزخرُ بالكفاحِ،

بالكلامِ، بالأحلامِ، بالحمامِ، بالسلامِ،

بالجراحِ، بالنيرانِ، بالعشقِ، وبالأرواحِ،

بالقلوبْ.

*

ما كنتُ يوماً في التواريخ، ولكنّي قرأتُ

عن باريسَ، عن كومونةٍ شعبيةٍ حالمةٍ ثائرةٍ.

قرأتُ عن ثورةِ أكتوبرَ

عن عشرةِ أيامٍ تهزُّ العالمَ الساكنَ، الثابتَ،

الفاسدَ، الظالمَ، الخائفَ، الواقفَ فوقَ النارِ والحديدِ،

والغارقَ في الظلمِ وفي الأغلالِ والحروبِ والدماءِ والصديدِ.

قرأتُ عن لوركا واسبانيا،

وعن فهدٍ، وإضرابٍ لعمالِ كورباغي

وعن وثبةِ كانونَ 1948

وانتفاضةِ تشرينَ 1952

وعن ثورةِ تموزَ 1958

وعن مذبحةِ شباطَ1963 

وعنْ جبهتهمْ.

قرأتُ عنْ جيابَ، هوشي منه، جيفارا، ودوبريه،

سانتياغو والليندي

ثُمَّ غورباشوفَ، يلتسينَ،

شيفرناتزهْ وبرلينَ! 

*

عشقتُ

ما ينشدهُ السيابُ، والنوابُ، والأخضرُ بنْ يوسفَ، والريفيُّ محمودُ

ورشدي، ماجدُ العامل، خصباكُ، وشمرانُ، وفرمانُ،

ودرويشُ، سميحُ القاسمِ، معين بسيسو، أميل حبيبي،

حنا مينا، نجيب سرور، صلاح عبد الصبور .....

*

وقد أبحرتُ

في بحرِ المجلاتِ التي قد وُصِمتْ حمراءَ،

لا صفراءَ أو سوداءَ،

حمراءَ !

نعم ...

منْ لا يحبُّ وردةً حمراءَ

يهديها الى الأمِ، إلى الصديق والحبيبِ،

والحزبِ الذي ما كنتُ يوماً صوتَهُ أو ظلَّهُ،

مع أنني التقيتُ،

و(اختلفتُ) ؟!

*

لكنَّني أسألُ هذا اليومَ

في خضمِّ هذا العالم الأعرجِ الأهوجِ،

الواقفِ فوقَ قرنهِ الواحدِ،

والثاني برسمِ الغيبِ:

كيف تجلسُ الحمامةُ البيضاءُ جنبَ النِّسرِ والصيادِ

والذئابِ والثعالبِ السوداءِ والصفراءِ

وبريمرَ

فوقَ مائدةْ

وواحدةْ!!

وكيفَ قد تحوَّلَ الصراعُ والمنازلةْ

أيامَ حربٍ باردةْ

مغازلةْ!

وكيفَ صارَ الغزوُ والتدميرُ والقتلُ

وقصفُ الطائراتِ القاتلةْ

مسألةً فيها نظرْ

تحريرَ أرضٍ منْ خطرْ

منْ قائدٍ فيها جبرْ!

وكيفَ أمسى القفزُ من يسارِ تلكَ القافلةْ

إلى اليمينِ الحافلةْ

بالموتِ بالجياعِ باللصوصِ بالحروبِ

بالمذابحِ المُواصِلةْ

بالنائباتِ النازلةْ

تحديثَ فكرٍ مِنْ حَجَرْ

سياسةً عاقلةً فيها بصرْ!

       **   

خاتمةُ الكلامِ:

نحنُ اليومَ في حيرةِ أمرْ

فنحنُ مدهوشونَ مصعوقونَ

في ضيقٍ بصدرْ:

كيفَ والبلدانُ تُحرَقْ

كيفَ والانسانُ يُسحَقْ

كيفَ والخيراتُ تُسرَقْ

كيفّ والكونُ سيغرَقْ

كيفَ والغزوُ يُبرَّرْ

كيفَ منْ أصبح في نيرِ احتلالاتٍ مُحرَّرْ

كيفَ والشعوبُ بالمُخصَّبِ الذرَّةِ تُضرَبْ

كيفَ والفقرُ يمدُّ النابَ والضرسَ

وفي كلِ بلادِ اللهِ ينهشْ

كيفَ والناهشُ معروفٌ مُجرَّبْ

كيفَ والحاكمُ كذّابٌ وسَـرَّاقٌ وذبَّاحٌ

وكيلٌ في دهاليزَ مُدرَّبْ

كيفَ والحرُّ نقيُّ اليدِ والفكرِ على الأرضِ مُغرَّبْ

ومُطوَّقْ

ومُعوَّقْ

ومؤرَّقْ

ومُحرَّقْ!!

كيفَ، قلْ لي، يلتقي الضدانِ:

جبارٌ عتيٌّ رأسماليٌّ ومصاصُ دماءْ

واشتراكيٌ عتيدٌ ونصيرُ الفقراءْ!!!

***

عبد الستار نور علي

فجر السبت 23 أغسطس 2008

 

وصلني ذات صباح إشعار من دائرة البريد في المنطقة التي كنت أسكن فيها في موسكو، يخبرني بأن رزمة بريدية باسمي وصلت من العراق، وأن عليّ مراجعة الدائرة لاستلامها في أقرب وقت.

لم يكن محتوى الرزمة مجهولاً بالنسبة إليّ. كنت أعرف، من رسائل أهلي التي كانت تصلني بعد أسبوعين أو أكثر من إرسالها، أنهم أرسلوا إليّ بعض الأشياء التي أحتاجها في شتاء موسكو القارس.

كان الطالب الأجنبي في ذلك الوقت يعيش بين نظامين من القيود: قيود الطقس، وقيود الأوراق الرسمية.

فكل ستة أشهر، وعند الطلب، كانت عمادة الأجانب في الجامعة تمنحنا كتاباً موجهاً إلى دائرة البريد، يثبت أننا طلاب أجانب، وأن من حقنا استلام رزمة واحدة من الخارج معفاة من الرسوم الجمركية. أما الرزم الإضافية، فكان لها حساب آخر.

ذهبت إلى دائرة البريد، وقدمت للموظفة الكتاب.

كانت امرأة شقراء، ممتلئة الجسم، ذات ملامح سوفياتية صارمة لا توحي بأن الابتسام جزء من وظيفتها. ألقت نظرة سريعة على الكتاب، ثم قالت:

- خوروشو.

أي: حسناً.

اختفت في غرفة جانبية، وتركتني واقفاً أمام شباك الاستلام. وبعد دقائق عادت تحمل رزمة متوسطة الحجم، وضعتها أمامي.

وقّعت، وأخذتها، ثم بدأت أفتحها وأنا أتخيل ما فيها.

كان أول ما ظهر لي حذاء أسود جميل من أحذية «باتا»، مبطن من الداخل، يبدو مناسباً تماماً لشتاء موسكو الذي لا يرحم.

لكنني سرعان ما اكتشفت شيئاً غريباً.

كان في الرزمة حذاء واحد فقط.

حدقت فيه لحظات، ثم قلبته، كأن الفردة الثانية يمكن أن تكون مختبئة في قاع الرزمة.

لم تكن هناك ثانية.

رفعت رأسي إلى الموظفة وقلت:

- وأين الفردة الثانية؟

نظرت إليّ بهدوء، وكأن السؤال لا يعنيها كثيراً، ثم أجابت:

- الرزمة الثانية موجودة تحت يدي.

وأشارت إلى الغرفة الجانبية.

لم أفهم.

- ماذا تقصدين؟

- الفردة الثانية موجودة هنا أيضاً، ولكن عليك أن تدفع الرسوم الجمركية.

- ولكن لماذا؟

- لأن هذه رزمة، وتلك رزمة.

حاولت أن أشرح لها أن الحذاء زوج واحد، وأن إرسال كل فردة في رزمة منفصلة ليس قراراً اتخذته أنا، وأنه لا معنى لأن تكون فردة واحدة معفاة والأخرى خاضعة للرسوم.

كانت تستمع إليّ بوجه خالٍ من التعبير.

ثم قالت:

- التعليمات.

كلمة واحدة، لكنها كانت كافية لإنهاء النقاش.

قلت:

- لكن يحق لي استلام رزمة واحدة معفاة كل ستة أشهر.

- صحيح.

- إذن هذه هي الرزمة.

- هذه رزمة. والثانية رزمة أخرى.

- ولكنها فردة الحذاء الثانية!

رفعت كتفيها قليلاً.

- هذا لا يغيّر شيئاً.

كان الحد الأقصى المسموح به لوزن الرزمة الجوية نصف كيلوغرام، ويبدو أن أهلي اضطروا إلى إرسال الحذاء في رزمتيْن حتى لا يتجاوز الوزن المسموح به.

وقفت أمامها أفكر في عبث المسألة.

كان بإمكاني أن أذهب إلى أحد المتاجر وأشتري زوجاً من الأحذية السوفيتية بثلاثين أو أربعين روبلاً، وأرتاح من هذه المعركة الصغيرة. لكن حذاء "باتا" كان أجمل وأدفأ، والأهم أنني كنت بحاجة إليه فعلاً في ذلك الشتاء.

سألتها:

- وما الحل؟

قالت، ببساطة شديدة:

- تجلب كتاب إعفاء آخر.

لم تكن العمادة ستمنحني كتاباً ثانياً، لأن التعليمات تنص على رزمة واحدة فقط خلال الفترة المحددة.

وجدت نفسي أمام معادلة لا حل لها: إما أن أترك الفردة الثانية في البريد، فأصبح مالكاً لفردة حذاء لا أستطيع ارتداءها، وإما أن أدفع رسوماً تفوق ما كنت مستعداً لدفعه أصلاً.

قلت لها:

- كم؟

قالت:

- أربعة وأربعون روبلاً.

كان المبلغ كبيراً بالنسبة إلى طالب أجنبي يعيش بميزانية محدودة. والأغرب أنني كنت سأدفعه من أجل فردة واحدة.

دفعت.

أحضرت الموظفة الفردة الثانية، ووضعتهما أمامي.

خرجت من دائرة البريد وأنا أحمل زوجاً كاملاً من الأحذية، لكنني كنت أشعر أنني اشتريت فردة واحدة بأربعة وأربعين روبلاً، أما الفردة الأولى فقد وصلتني مجاناً، بفضل ورقة رسمية تحمل ختم الجامعة.

في الطريق إلى السكن، ضحكت وحدي.

في موسكو، كنت قد تعلمت أن الأشياء لا تكون دائماً كما تبدو. فالورقة يمكن أن تكون أهم من الشيء نفسه، والختم قد يكون أقوى من المنطق، والزوج يمكن أن يتحول، بقرار إداري بسيط، إلى رُزمتين منفصلتين.

وحين وصلت إلى غرفتي، وضعت الحذاءين أمامي.

كانا جميلين فعلاً.

لكنني، كلما نظرت إليهما في ذلك الشتاء، تذكرت المرأة الشقراء في دائرة البريد، وتذكرت كلمتها القصيرة:

- خوروشو.

كان كل شيء «خوروشو» بالنسبة إلى التعليمات.

أما بالنسبة إليّ، فلم يكن الأمر كذلك تماماً.

لقد احتجت إلى حذاءين كي أمشي في شوارع موسكو الثلجية، لكن النظام السوفيتي علّمني يومها أن الحصول على زوج من الأحذية قد يحتاج إلى أكثر من رزمة، وأكثر من ورقة، وأكثر من منطق.

***

جودت هوشيار

 

العكس يضرم في السفح

ويحرق عند السهل

ويسفك في المقل ..

**

خامل أنت يا جبل الجليد ..!!

لست كالسهل أنت

أو كالشراع الذي

تمزقه ريح الشمال

وريح الجنوب

العاتيات ..

**

تكسره الامواج في اليم

ولا تعاني ..

كحال النوارس

عند السواحل

يرتجفن من نثيث المطر..

ثم، يكتحلن بشمس الصباح

وليس مباح لهن ركوب البحر..

وكما هو حال القطا،

يسبحن بين رذاذ قامات القصب..

ولا يأبهن بالرصاص العنيد

بالقرب من حشود الغضب..

**

غارق أنت أيها البحر

بالضباب وبالضجيج وبالخطر

تتكسر الأمواج تحتك لا تبالي..

تتوجع الحصوات

عند ساحلك الرهيف ولا تعاني..

عظيم انت ايها البحر

صابر عبر كل العصور..

صابر بين اكوام

المهازل والمهالك والقبور..!!

**

تطهرت يوما بـ(رغوك) كي اطوف

مع النسائم أنتشي، وأسائل نفسي:

هل مات تشرين من الهم وقهر الارتياب.. ؟

ام يتنفس الصعداء في اليم الرخيم..؟

لا شيء في تشرين يدنو للقطوف..

خذها التي قد عفتها في جوف تشرين المزايا ..

خذها الى حيث معترك الحياة كأحجية المرايا ..

فلقد تداعت حال تشرين، مذ غربت رؤاه كما

نراها، هي موسم الصولات والجولات

في اليم الرحيم..

فتمزقت في دربها تلك السرايا

وتعرت الاجساد تحت الشمس

تحت اغطية السلام ..

لم يبق غير انين من رحلوا

ومن ماتوا في دروب

هدها شغب الزحام ..!!

**

يتحدث الموهوم عن

(وهم) يريده يحيى من جديد

يتبجح الموتور في معنى السلام ..

الحل عندي والقوم ما زالوا يتاما في الخيام ..

لم لا تكف عن الصراخ عن السلام ..؟

وفوق مسرح أمتي

يتهافت السفهاء منهم

يتبختر الحمقى

يماطلون ويفتكون..!!

لم لا تطالب من تمادى بالرجوع الى الوراء..

صراخك لا يعني بحال عند قوم في الخيام..

وصخبك لا يعدو سوى قمع وإذلال وتيه تحت أقبية

الظلام ..!!

***

د. جودت صالح - إسطنبول

4 / 9 / 2026

حين دعوت الليل ليستريح على صدري، ويلقي بظلمته الموغلة بالمجهول والغموض بأعماق ليل عمري وعتمة دربي، ضحك، بسخرية واستهزاء، واخرج من أمعائه المغطاة ببياض ناصع يذهل العين ويخطف البصر لسانا متقدا بفوهات بركانية تسيل من أحشائه إلى أحشائه، واندفع يشكل ملامح الساعات ببريق جهنمي الطلعة، وسالت منه روائح نار زكية، روائح حشائش دستها في طفولة عمر تقضى بين أحضان البيارات والجبال والسهول والربى.

قال لي:

صدرك صغير، غير مكتمل النمو، لا يتسع لفراش السهل، بل لا يتسع لبيت نمل في جبل، ولا يتسع لجذر نرجسة تسكن ربوة من ربى الأرض التي تعرفك ولا تعرفها، وأنا، طويل، ممتد، من حد الكون، إلى حد الكون، كبير، من حد الأرض، إلى حد السماوات، ثقيل، لا تسعني الأرض، ولا تسعني الشمس، والقمر أعلن عجزه منذ الأزل، وصدرك صغير صغير، تنحره حبة عتمة، وتذبحه حبة ظلمة.

قلت:

في صدري عوالم مفتوحة الآفاق والآماد، تترامى أطرافها إلى اللانهاية، وتمتد جذورها إلى أعماق لم تصلها عتمتك أبدا، ولم تغزوها ظلمتك، وعلى صدري جلد مغطى بشعر، غابة تغص بالغنى، تشعر بالبرد، تنتفض حرا، تتنسم رحيق النسيم المغادر ثرى الأرض لتؤصله بذاتها، في صدري تسكن حياة، تمور بها مياه الانفعال، وتتلاطم أمواج الحب، وتسجر بالغضب المشتعل، وتنساب جداول الرضى بين أروقة المجهول، وتزهر براعم عطف، تكبر، تنمو، تتحول دغلا متشابك الأغصان، كثيف الخضرة، ثخين الجذوع، تتفجر ينابيع الحنان، لتروي الدغل، لتمنحه البقاء، الثبات، الرسوخ، المتانة.

تفيض أبحر الكراهية، وتعلو أمواج الحقد، تتشكل اعاصيرا جارفة، تضرب جنبات النفس والصدر، يكبر شعر الصدر، ويعلو الجلد، يسمك، هذا بعض من عوالم تسكن صدري، بعض قليل، قلة ظلامك أمام وهج شمس دافئة.

قال:

مسكين أنت، تستحق شفقة الديدان، هل تعلم معنى الرهبة؟ معنى الوحشة؟ معنى المجهول؟ معنى العمى؟ معنى السواد؟ ومعان أخرى تتلفع بصفاتي؟ حين أخيم، يسدل الستار على الأشياء والأمكنة، على الآماد والآفاق، على الشواطىء والكثبان، على الصحارى والأنهار والجداول، كلها تضيع في عتمتي، تختفي في ظلامي، يصبح لها شكلا آخر، ومعنى آخر، فالصحراء التي تغتسل بحمام شمس، ليست هي الصحراء التي تنخرها برودة ظلامي، ليست هي التي يتجرؤ الإنسان عليها، حين أخيم، يظهر جبن الإنسان أمامي، يتجلى، دون خجل أو حياء، حين تسقط دموع تيهه على رملي الناعم، لتذوي، تتلاشى، في حين ينمو الرعب في جوفه كصبار وحشي الشوك، يخزه في قلبه، في روحه، فتراه يسقط مكوما على نفسه، عاجز عن الحركة، ثابت بالرعب مكانه، بين طيات عتمتي.

قلت:

ولكن حين تشرق الشمس، ويتنفس الصبح، تراه ينطلق محلقا بين الأغصان، وعلى قمم الجبال، كنسمة عشق، وروح شهيد، يناغي الأزهار، ويرفع الحجر عن الأعشاب المخضوضرة، كقصيدة شعر، ترن حروفها بأعماق أبي القاسم الشابي، الذي قاوم حمى المرض، ووجع الليل، بالغناء الرقيق للطبيعة والجبال، وكأن تونس الخضراء أصبحت حية فقط بكلماته، هل زرت تونس يوما، لو زرتها لعرفت أنها بديوان الشابي، أجمل منها بالحقيقة، لأنه استطاع أن يعيد بناء خضرتها من قلبه المُدَمًى وروحه المرهقة، لكنه نسيك أنت، وتجاوزك، كما يتجاوز العمر لحظات الظلام وهو يمسك بين أحداقه بشعاع شمس لا تطفأ.

هناك وفي الأرض الممتدة من نور الشمس إلى نور الغناء والمرح، تكبر الأشياء وتتجلى المكونات، تنهار عوالم، وتنهض عوالم، تتلاشى آفاق وتنفتح آفاق، يصعد الدَوًريُ ليوازي الغراب، وتخرج الأفعى وهي تتلع برأسها، تنضنض بلسانها، تبحث عن فأر أو جرذ، تسخن الأرض وتغلي الدماء، يقع في روع الموت نهايات، ويبرز من قلب العدم بدايات.

قال لي:

جاهل أنت، بل ومغرق بغرور الجهل، لأنك ما زلت تحبو على أربع، تماما كما يحبو الجنون بأعماق خلايا العقل المكسور، الكسيح، أنت والغباء صنوان متقابلان.

أتدري ما الفرق بين الإنسان المنتشر بالنور، وبين الإنسان المكور في الظلمة، هو نفس الفرق الكامن بين من يصول ويجول في لحظات الاستئناس بالوجود العارم للناس والأشياء المحيطة بذاته، وبين الإنسان المعرى أمام حقيقية ذاته وكينونته.

فالإنسان بين الناس، وتحت شعاع الشمس، وبين خيوط النور والضوء، وبين هدير الحياة والحركة، هو ليس الإنسان الذي تلفه طبقات الظلام والعتمة في جبل مهجور أو صحراء خالية.

هناك تبدأ الغلالات بالتمزق والتكشف، قسرا وقهرا وجبرا، ليتهاوى قناع الذات ويتهتك، ولتخرج النفس بأبهى وأنقى صورها المتماسكة مع الحقيقة والجبن، هناك تسيل زوابع الأشياء التي تختفي في الصدور تحت ضوء الشمس ونورها.

انظر معي إلى ذاك الرجل المتروك على قمة جبل مهجور، وقد توغلت الظلمة فيه إلى حد الهوس واليقين، أتراه كيف يرتجف، خوفا ورعبا، هل تسمع دقات قلبه وهي ترج العظام وتخلخل الجمجمة، لو كنت مثلي تستطيع الانتشار بداخله، لعرفت كيف يمكن لصرخة مخفية في حنجرة يشلها الخوف، أن تمزق الكون وتفتت الوجود، انظر جيدا إلى شعر صدره الممتد كدغل متشابك، كيف ينتصب كالإبر والدبابيس، حتى يبدو وكأنه يود أن يخز الجبل فيؤلمه.

هل ترى الدموع المنهلة كمطر لا يرحم، وهل ترى النظرة الزائغة الحيرى، اعلم بأنك لا تستطيع أن تدرك ذلك، لا تستطيع أن تفهم ذلك، ولو كنت قادرا على مثل هذا، لما كانت عتمتي كابوسا يمس تلابيب دماغك، وتنسكب في رؤاك كسواد عقيم لا يحمل غير الرعب والجنون.

أنت الإنسان، ذات الإنسان، الذي ولد ليغذي ويتغذى بالغرور والجهل والغباء، بالتخفي أمام اشراقة الشمس، ليرى نفسه، وليقدم نفسه للإنسان كما يحب ويشتهي، والحقيقة، كل الحقيقة، بان الدودة الراقدة في جسدك، والتي تنتظر هبوطك للقبر، لتسبح في كل مكوناتك داخل العتمة، تملك من الرؤى والبصيرة أضعاف أضعاف ما تملك أنت.

***

مأمون احمد مصطفى

فلسطين – مخيم طول كرم

النرويج – 1- 06- 2007

مُوتيفاتٌ من أسفار النَّدى وعَتْمَة المدى

  ***

بعد أن سمّروني وألقيت عينيّ نحو المدينة

كدت لا أعرف السهل والسور والمقبرة

"بدر شاكر السياب"

1

في مرافينا نوارسْ

تستريحُ من المسافةْ

تشربُ الأحزانَ صمتًا،

وتعيدُ الماءَ خُطوَهْ

*

كلُّ شيءٍ كان يسألْ:

هل تعودينَ إلينا؟

هل يعودُ الصوتُ حيًّا،

ويعودُ القلبُ رَهْفًا؟

*

ها أنا أمشي وحيدًا

فوق ألحانِ العتابْ

لوّحتْ كفّي لظلٍّ

غاب في أقصى الضبابْ

*

غسلَ الموجُ جبيني،

وغفا الحزنُ على نافذةْ

*

(أهو هذا الذي يريدون؟

أشلاء وأنقاض منزل

مهدود)1

2

يا صباحًا يتفتّحْ

فوق جفنِ الكلماتْ

يا نداءً خفيًّا يسري

من عميقِ الوجعِ

جئتِ، والضوءُ الشفيفُ

شقَّ سترَ الظلماتْ

يبحثُ عن بقاياكِ

في الليلِ الداجي

*

حرّرتِ الجرحَ من صمتهِ،

فأبى أن يرحلَ

*

فتعالي، قد تعبتُ

من خرابٍ يتردّدْ

ومن الصحوِ الذي يبني

سرابًا ثم يهوي

فتعالي نوقدِ الوردَ

الذي خبّأهُ سامْ*

إنَّ صبحًا دون عينيكِ

يطولُ ولا يجيءْ

*

(مُدنٌ بلا فجرٍ تنامْ

ناديتُ باسمكَ في شوارعِها،

فجاوبني الظلامْ)

3

صرخَ البابُ: أهذا

وقعُ خطوتِها البعيدةْ؟

أين وجهٌ كان يأتي،

فتلينُ لهُ العتبةْ؟

كان خشبُ البابِ يصحو،

ويعيدُ الظلَّ طفلًا

مرّتْ عليهِ نفحةٌ منها

من شبابيكِ التمنّي

*

عاد عطرٌ ثم غابْ،

وأنا أبحثُ في الصمتِ

عنِ الصوتِ القديمْ؛

كان يهديني نداءً

ويمدُّ الليلَ نوءًا؛

مرَّ في بغدادَ جديدٌ

فاستفاقَ الحجرُ مذعورًا،

بدّلتْ أبوابُها أقفالَها

واختبأ المفتاحُ فيها،

وحدّقتْ شُرَفُ البيوتِ

في رمادٍ لا ينامْ،

وانحنتْ في الظلِّ مئذنةٌ

*

كأنَّ الضوء ذنبْ؛

يا بقايا بابِ عمري

هل كفانا أن نكونَ شظايا؟

*

(أو يفض الظلام ألا لكي تندّك جيكور

بالسلاح الجديد)2

4

في مرافينا تواريخٌ

تموتُ ولا تُشيَّعْ

ومدينةٌ مدّتْ خناقًا

نافذةٌ نادتْ ظلالًا،

فاستجابَ لها الغبارْ

*

حين ألقى الليلُ شهقتَهُ،

أتتْ ريحُ الفراقْ

يا بعيدةْ،

كيف أبصرتِ انكساري؟

حين دارَ البحرُ في صدري،

وفاضَ على الكلامْ

*

يا بقايا الوجدِ عودي،

وامنحي قلبي هداهْ

تشكّلي غيمًا خفيفًا،

واستردّي الوقتَ منّي

ثم غيبي عن عيوني،

كي أعودَ إلى الندى

*

(أسريت أطوي دربي النائي

بين الندى والزهر والماء

أبحث في الآفاق عن كوكب)3

5

كنتِ نارًا،

كنتِ سيفًا،

كنتِ بابًا للوجودْ

كنتِ صوتَ العائدينَ

حين ضاقَ نشيجُ الطريقْ

*

فتّشتُ فيكِ عن دروبٍ

ضاعَ أولُها

وعن الوردِ الذي أبقتْهُ

في مرآتها الرؤى

وعن البيتِ الذي نامتْ

على أعتابهِ خطواتُنا

*

نام ملحُ البيتِ وحدهْ،

واستحالَ الخبزُ طيفًا

جاء من بيتِ الجوارِ

دون كفٍّ أو سلامْ

أنكرتْ جرّتُنا الماءَ،

وضاع مفتاحُ الذاكرةْ

والوجوهُ رأتْ سواها،

فرأتْ في المرآةِ قناعًا

*

كلّما ناديتُ: لارا،

انتبه في الليلِ جسرْ

وأضاءَ النهرُ قنديلًا،

وأخفاهُ عنِ العابرينْ

*

لستُ أدري:

أنتِ مَن غابتْ؟

أمِ اختبأتْ مدينةٌ

في سوادِ العينِ منكِ؟

*

(ولست أسأل عابريها عن بعيد عن قريب

من منتهاها واكتئابي

والحنين مع الغروب)4

6

يومُ نورٍ قد تكسّرْ

في دمي، فابتلَّ صوتي

كتبتْكِ الروحُ ماءً

فوق ألواحِ الحروفْ

كنَفَسٍ

يسري خفيًّا في المسافةْ

*

دخلتِ في ضوءِ الندى،

فاهتزَّ غصنٌ كان صابرْ

واستفاقَ الظلُّ فيهِ

بعد أعوامِ الخريفْ

*

وكتبتُ الليلَ سرًّا

ينثرُ النوءَ الخفيَّ

فوق جفنِ المساءِ،

فتستفيقُ بهِ النجومْ

وتسلّلَ الفجرُ نحوكِ،

فاستحالَ الليلُ بدرًا

وجهُكِ الموشومُ بالغسقِ،

استفاقَ بهِ الشجنْ

فتفتّحتِ الملامحُ

عن سكونٍ من سحرْ

*

(صيحاتك صوت نبيٍّ يبكي تحت

الأسوار)6

7

كانتِ السهولُ تخطُّ

للمسافرِ دربَهُ

وكان نهرُ الضوءِ يهدي

للطيورِ مسارَها

والنخيلُ العتيقُ ينسجُ

من ظلالِهِ الحكايا

*

كلّما ألقى دجلةُ

للغروبِ مراياهُ،

رأى لارا

ثم راحَ يشقُّ في الطينِ

دروبًا لضفّتيهِ

باحثًا عن ثوبِها

في نخلةٍ عبثتْ بها الريحُ

*

يا نسيمًا مرَّ هادئًا

على طرفِ الندى

يا ورودًا في شراييني

تدلُّ القلبَ دربَهْ

لو تعودينَ لأورقْ

في خُطانا كلُّ دربْ

وردَّ النهرُ المعنى

*

(غابتْ وعدتُ خاسرًا مهزوم

أُسائلُ الأطلالَ والرسوم)7

8

يا شباكي، دمعةٌ تمشي

على كتفِ السحابْ

*

خطوةٌ عادتْ بلا ظلٍّ،

تجرُّ تعبَ السنينْ

تنثرُ الريحُ حزنَها

فوق الترابِ الجافي

*

أُصغي، وما حولي

سوى صمتٍ وغبارْ

والكتابةُ تستفيقُ

إذا مشتْ فوق الشجنْ

فتعيدُ الصوتَ حيًّا

بعد أن نامَ صداهْ

ليس ليلٌ مثلَ ليلٍ

ضلَّ فيهِ عاشقاهْ

ليس بحرٌ مثلَ قلبٍ

ضاعَ في الموجِ مرساهْ

*

عادَ مَن غابوا،

فما عرفتْ خُطاهمُ العتبةْ

وقفوا عندَ البابِ،

والجدرانُ عادتْ للصمتِ

*

مرَّ خبزُ الأمسِ بينهم،

فاستنشقوهُ ولم يدروا

*

(ما أوحشَ الليل إذا ما انطفأ

المصباح)8

9

يا مسافرةَ الندى،

ما ظلَّ في الكفّينِ منكِ؟

ماذا تبقّى في يديكِ؟

ضوءٌ خبّأهُ الغيابْ

*

خدعتْ ريحٌ خُطايَ،

ومحتْ وجهيَ القديمْ

*

يا نجومَ المدنِ القصوى،

أضيئي للعائدينْ

ربَّ نجمٍ ضلَّ فيها،

وهدى مَن أضاعَ دربَهُ

*

فتعالي كي أرى وجهًا

يلمُّ البوحَ من جمرِ العناقْ

فالليالي تستريحُ

حين يرقُّ بها النسيمْ

حين ينسلُّ اقترابُكِ

فوق صدرٍ مستهامْ

يكتبُ الليلُ من النجوى

ضوءَكِ فوق الكلامْ

علّني أدركُ معنًى

يمشي خلفي كالسؤالْ

مرَّ بي حينًا وغابَ،

ثم عادَ بلا ملامحْ

والشوارعُ خبّأتْ

تحت الغبارِ أسماءَنا

والنخيلُ يسائلُ الماءَ:

مَن استبدلَ الوجوهَ؟

*

مَن أضاعَ الاسمَ فيها،

وسوّى الوجهَ بالقناعِ؟

مَن تركَ ميزانَ بيتٍ

في مهبِّ الريحِ ينكسرْ؟

*

يا لارا، أين تركتِ

للمدينةِ ظلَّ عينيكِ؟

وفي أيِّ المرايا خبّأتْكِ

يدُ الغيابِ عن عينيَّ؟

كلّما ناداكِ دجلةُ

عاد مكسورَ النداءْ

باحثًا في الماءِ

عن وجهٍ توارى

وعن اسمٍ لا يُقالْ

*

(الصيفُ جاء وذهبْ

وأنتِ تضحكين

لاهيةً، بالرمل تلعبينْ

حطّ على شُرفتك الغرابْ

وارتحل الأحباب)9

***

الكودا

سأجمعُ منكِ الظّلالَ

كي لا يبدّدَها الرحيلُ

وأوقدُ من جفوني

قبسًا يمحو المسافةْ

بين نبضي

والنّدى

*

أنا آخرُ ماءِ دجلةَ

حين ينسى النهرُ مجراهْ

يحملُ النخلَ المكسّرْ

في مراياهُ ويمضي

ويمدُّ للضفافِ كفَّهُ

كي يستردَّ من الغيابِ

صوتَ لارا،

ويعيدَ إلى البيوتِ

ملحَها،

ودفءَ خبزِ الجيرةْ

*

أنا آخرُ الماءِ

إن ضاعتْ ضفافُ الأرضِ

أحملُها بقلبي،

ثم أمضي في ظلالِكِ

نحو أوّلِ قطرةٍ

في الندى.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

...................

هوامش

1,2,3,4 بدر شاكر السياب

5,6,7,8,9 عبد الوهاب البياتي

* سام هو العم سام كناية عن الولايات المتحدة الأمريكية

وُلِدتُ في زمنٍ

لم يولد بعدْ.

جئتُ وفي فمي

طعمُ كلمةٍ

لم تُنطقْ.

كبرتُ،

وكان الغد

يكبر بعيدًا عنٌي.

كلّما ركضتُ نحوه،

عثرتُ على أيامٍ مستعملة،

ووجوهٍ

تلبس مقاساتٍ قديمة.

قالوا:

كن واقعيًّا.

وضعتُ أذني

على صدر الواقع...

سمعتُ طفلًا

يحاول أن يتذكّر اسمه.

فصرتُ أفتّش

عن شقوقٍ

يتسرّب منها الجدار،

وعن عتمةٍ

تخفي في قاعها

بذرةَ ضوء،

وعن الإنسان

وهو يخلع

جلد الإنسانْ.

وحين أحببتُ،

لم أحبّ وجهًا؛

كنتُ أبحث

عن نافذةٍ

يأتي منها

هواءٌ لم يتنفّسه أحدْ.

وحين تعبتُ من الزمن،

نزعتُ ساعتي

وعلّقتها على شجرة.

في الصباح،

كانت الأغصان

تُورق دقائقْ.

ومنذ ذلك الحين

أمشي بلا وقت...

وفي يدي

أثرُ يدٍ

كانت تبحث عنّي

قبل أن أُولدْ.

***

بقلم:️ سليمان بن تمليست - تونس

جربة بتاريخ 10 سبتمبر 2026

شيدت جدارا للصمت على

جثث الموتى

لم أر في كفي صحراءَ

تشج الفيء

وتلبس تحت عويل الريح

ثياب الثلج

وتتلو تاريخا ما زال على ورق هش

يحبو بطلاقته المعتادة

تنبت بين جوانحه

وتطيش الأنباء

سأظل أدور كما هي حالي

وأغامر

لي فاكهة بظلال العالم تنضج

فوق الأرض المخمورة...

أنظر في المرآة

فيأكل بصري منها مدنا شائقة

تحتضن الشمس

ودربا بشعاب تهذي

تتجمد فيها الأبوابْ

أبصر مقهى وطن ساجٍ

يشرب فيه التتر الأنخابْ

أبصر سردابا للموتى عينه شاخصة

في الأفق الواسع

كالورق اليابس لم يفتأ ينغل

في ردَهات كتابْ.​

***

مصطفى معروفي

لم أكن أعرف، قبل تلك الرحلات إلى الموصل، أن الطريق يمكن أن يحمل في داخله ذاكرة أثقل من المدينة التي ينتهي إليها.

أخرج من أربيل وفي ذهني شيء من التردد الذي يسبق كل رحلة لا نذهب إليها بكامل رغبتنا، ثم أستسلم للمقعد الضيق في الميكروباص، مستسلما أيضا إلى أولئك الركاب الذين لا تجمعني بهم معرفة، سوى أننا سنقضي معا الساعات نفسها، ونصغي إلى صوت المحرك، وننظر إلى الطريق وهو يتراجع خلفنا.

لم تكن وجوههم تزعجني.

بينهم عامل تحمل يديه آثار عمله، وقروي تبدو في ملابسه رائحة الأرض، ورجال من أولئك الذين اعتادوا أن يحسبوا قيمة الأشياء قبل أن يشتروا شيئا.

أشعر، وأنا بينهم، بأن الفقر لا يصنع اختلافا بين الناس، بل يكشف فقط هشاشتهم المشتركة. لكنني أعرف أن الرحلة الحقيقية لم تبدأ بعد.

تبدأ حين تظهر السيطرة.

عند بداية الحدود الإدارية للموصل، يحدث ذلك التحول الغريب الذي لا تستطيع العين أن تلتقطه، ولكن النفس تدركه قبل كل شيء.

يخف الكلام، تتجه الأيدي إلى الجيوب، وتظهر الهويات كما لو أن الركاب، من كثرة ما مروا بهذا المكان، تعلموا الطقس دون أن يتفق أحد معهم عليه.

السائق ينعطف عن الطريق العام ويتوقف. ثم يأتي أحد عناصر الأمن. في تلك اللحظة أشعر دائما بشيء يشبه انقباضا قديما في صدري، ربما لأنني أعرف أن الهوية، وهي مجرد قطعة صغيرة من البلاستيك تحمل اسما وصورة، يمكن أن تتحول فجأة إلى شيء يشبه الحكم المؤجل.

الرجل يأخذ الهوية، ينظر إليها، ثم يرفع عينيه إلى صاحبها.

من أين أنت؟

من أي عشيرة؟

أين تسكن في أربيل؟

أين أهلك في الموصل؟

ماذا تعمل؟

كنت أتساءل أحيانا: هل كان يريد معرفة شيء عنا، أم أنه كان يبحث في وجوهنا عن شيء يعرفه هو ولا نعرفه نحن؟

وإذا لم تعجبه الإجابة، أو الوجه، أو ربما شيء غامض لا علاقة له لا بالإجابة ولا بالوجه، كان يأمر الرجل بالنزول والتوجه إلى الكرفان. هناك، خلف نافذة صغيرة منه، يجلس عنصر آخر أمام جهاز الحاسوب. يدخل الاسم، وينتظر. وفي أثناء الانتظار يتحول الإنسان إلى احتمال:

مطلوب، غير مطلوب، مشتبه به، أو مجرد اسم آخر مر أمام الشاشة.

أكثر ما يؤلمني ليس السؤال نفسه، وإنما ذلك الشعور الخفي الذي يبقى بعده، الشعور بأن حياتك، التي عشتها يوما بعد يوم، يمكن أن تختصر في لحظة إلى خانة مضيئة على شاشة.

لقد سألوني أكثر من مرة:

لماذا تسكن في أربيل؟

متى سكنت أربيل؟

هل كنت في الموصل عندما سيطر تنظيم داعش عليها؟

كنت أجيب، لكنني لم أكن أجيبهم وحدهم. كنت أجيب أيضا شيئا في داخلي بدأ، مع تكرار الأسئلة، يشك في حياته هو الآخر.

متى سكنت أربيل؟

كنت أعرف التاريخ. لكن متى، بالضبط، يبدأ الإنسان بالسكن في مدينة؟ هل هو اليوم الذي يستأجر فيه بيتا؟ أم اليوم الذي يترك فيه المدينة القديمة وراءه؟ أم اليوم الذي يكتشف فيه، فجأة، أنه لم يعد يعرف أين يجب أن يعود؟.

ذات مرة كنت أجلس في مقدمة الميكروباص. عندما اقترب أحد العناصر، أخرجت هويتي من جيبي ومددتها إليه، لكنه أشار بيده أن لا حاجة. أعدتها. كان يمكن للحكاية أن تنتهي عند تلك الإشارة الصغيرة. لكنها لم تنته. دقق الرجل هويات الركاب، ثم طلب من شابين أن ينزلا ويتجها إلى الكرفان. حمل هويتيهما ومشى خلفهما. بقيت في مكاني. وضعت ذراعي على حافة النافذة، ونظرت إلى الخارج، كما لو أنني أصبحت، فجأة، شخصا لا علاقة له بما يحدث. ثم جاء عنصر آخر. اقترب من النافذة وقال:

— لماذا لم تنزل وتذهب إلى الحاسبة؟ هل أنت أفضل من الآخرين؟ هيا، انزل.

كانت نبرته تحمل شيئا لم أجد ضرورة لتسميته.

نزلت.

كنت غاضبا، لكنني كنت أعرف أن الغضب في ذلك المكان لا يعود ملكا لصاحبه. قد يظهر على الوجه فيتحول إلى إساءة، وقد تخرج كلمة فتتحول إلى مشكلة، وقد تحاول أن تشرح موقفك فتجد نفسك مضطرا إلى شرح أشياء لم يسألك عنها أحد. لذلك صمت.

وقفت خلف الشابين. كنت أنتظر دوري، ولا أدري لماذا تذكرت في تلك اللحظة أشياء بعيدة لا علاقة لها بالسيطرة: غرفة قديمة، طريقا في الموصل، صوتا أعرفه، ووجها ربما لم أره منذ سنوات. لعل الخوف يعيد ترتيب الذاكرة على طريقته. عندها لمحني العنصر الذي كان قد طلب مني في البداية أن أبقى في السيارة. اقترب مني وقال:

— لماذا أنت واقف هنا؟

كان السؤال بسيطا، لكنني شعرت للحظة أنني دخلت بين سؤالين لا أملك الخروج منهما. لو قلت له إن زميله أمرني بالنزول، فقد يغضب زميله. ولو سكت، فقد يبدو صمتي مريبا. قلت:

— زميلك هو الذي أمرني.

وضع يده على كتفي، وأعادني إلى الميكروباص.

قال:

— ارجع واجلس في مكانك.

عدت.

كان العنصر الآخر يقف بعيدا ويراقبنا. لم يتحرك.

جلست، وتحركت السيارة بعد قليل.

وأنا أنظر من النافذة، شعرت أن السيطرة لم تبق وراءنا، كما يفترض للأماكن أن تبقى. كانت قد انتقلت معي.

ربما لهذا السبب، كلما فكرت بعد ذلك في السفر إلى الموصل، لم تعد المسافة بين المدينتين هي ما يشغلني. كنت أفكر في تلك الدقائق القليلة، في اليد التي أشارت، وفي الكلمة التي قيلت، وفي الكرفان الصغير، وفي الشاشة التي يظهر عليها اسم الإنسان ثم يختفي. والأغرب أنني، بعد كل تلك السنوات، صرت أخرج هويتي قبل أن يطلبها أحد. أتحسسها في جيبي. ثم أتركها هناك. أحيانا أنظر إلى صورتي عليها وأشعر بأنني أتعرف إلى رجل أعرفه منذ زمن طويل، لكنني لا أستطيع أن أضمن أنه ما زال هو الرجل نفسه. ربما لهذا السبب صرت، كلما اقترب الميكروباص من السيطرة، أسأل نفسي السؤال الذي لم يطرحه علي أي عنصر أمن:

إذا كانت الهوية تثبت من أكون، فمن الذي يثبت أنني ما زلت الشخص نفسه؟

تنعطف السيارة. وتظهر السيطرة.

أمد يدي إلى جيبي، قبل أن تمتد يد أخرى نحوي.

***  

مروان ياسين الدليمي

 

في نصوص اليوم