عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

مِن أين أبدأُ يا شجوني

لأهلَّ بالدمعِ الهَتونِ

بالسِبطِ وهو مُضرّجٌ

أم بالعقيلةِ والضعونِ

أم بالسبايا العائدينَ

لكربلا في الأربعينِ

يحدو بهم أملُ اللقاءِ

مُخضّبًا بدمِ الشؤونِ*

بالحزن بالألم المريرِ

ليستقرّا في الجفونِ

لأرى العقيلةَ زينبًا

ألَقًا يُضيئُ مَدى السنينِ

ودمَ الحسينِ بكربلا

نهجًا تجلّى باليقينِ

هو ثورةُ الحقِّ المُبينِ

فسِرْ على النهجِ المُبينِ

وهو الصِراطُ المستقيمُ

لِمَنْ شرى دنيا بدينِ**

ودمُ الشهيدِ شهادةٌ

بالنور تُكتبُ في الجبينِ

أمّا الطغاةُ كما ترى

في مَوقفِ الذلِّ المُشينِ

منهم يزيدُ ابن الطليق

ينامُ بالركنِ الركينِ

دنياهُ كانتْ لُعقَةً

فيها انتهى أربُ اللعينِ

وغدا اللعينُ ابن اللعينِ

بلعنهِ بُرءَ الحزينِ

فعليهِ لعنةُ ربِّنا

ما رفَّ طيرٌ في الوكونِ

ذكراهمُ نتنًا تفوحُ

وأيُّ ذكرى للمَهين

فقبورهم هي شاهدٌ

ما بين أزبالٍ وطينِ

هُمْ عِبْرَةٌ تبقى لنا

ولكلِّ ذي لُبٍّ فَطينِ

وترى الحُسينَ بمجدهِ

يعلو ويسمو كلّ حينِ

لتظلَ ثورتَهُ لنا

مددًا وترسيخًا لدينِ

ولسوف تبقى كربلا

كربًا على أهل الضُغُونِ

وتكون حتفَ الناصبيِّ

وكلِّ ذي غَرَضٍ ودوني

هي كربلا وكفى بها

عِطرًا تفوحُ على السنين

للآنَ يخشاها العِدى

فهي المنونُ على المنونِ

هي كربلا تبقى إذًا

ماءَ العيونِ الى العيونِ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / فارا - الجمعة في 5 شباط 2010

....................

* بدم الشؤون: الدم الجاري مِن مجاري العيون

** شرى الدنيا: باع الدنيا

تُصَلّي قافِلَتي نحوَ قِبلَةٍ أُخرى

تُردّدُ كلما دَنَوت

أدعيةَ العُميان

لعَلّي أفتحُ باباً الى السَماء

لكنّني كالشَجرِ العاري

لا تَهُزّني الرياحُ..

للصَلاة

**

2

الجِسرُ الذي يًحمِلُني كلّ يوم

في يوتيبوري

لا تَجري تَحتَهُ طُفولَتي

كأنّما يمقُتُ آثاري

فأخلَعُ عن وجهيَ القِناع

لأبتَزَّ من يَعبُرون..

بسَحنَتي

**

3

غفَلتُ أن أُزَخرفَ السِنين

ببضعَةِ أسماء.. بضعةِ أيّام

فصِرتُ كالحَجَرِ الثَقيل

نسيَ الجِبالَ التي أنجَبَته

تركُلُهُ الريحُ.. والمَطَر

وأنتظِر.. أنتظِر

ركلةً أُخرى

**

4

ناصَفَتْني جَدّتي السَرير.. في العاشرة

لم يكُن عندَها زُجاجةُ عِطر

لكنّني.. كلّما شَرَطتُ ذاكرَتي

أشمُّها .. أشمُّني

وحينَ أغرَقَتْني ألسَبعون

ترَكتُ نصفَ الفِراش..

لها

**

5

للنَهرِ في بابِ سُليمانَ فَمٌ

غنّى للطينِ..

ولي

لم أعرفْ أن النَهرَ تعلّمَ الصَمت

منذُ نأَيتْ

فأغرَقَ قاربي..

بلا مياه

**

6

في عَتمَةِ الفَجر

تَصُكُّ يدي على قَلمٍ بَليد

وقِرطاسٍ طَوِيّ

وفي فَمي مَرارةُ الأرَق

أسعىٰ كحالمٍ عَنيد

أجري.. وتُنهِكُني

قصيدةٌ بَلهاء

**

7

أنتَ

حلَلتَ في السَبعين

دَسَستَ في عُمرِكَ مفتاحاً

لا يفتحُ الرَغَبات .. متى أرَدت

دَعهُ على جدارِ الذاكرة.. صَدِئً

واضحك كثيراً.. كثيرا

كبائعِ السِنين

**

8

غَسَلَتْ أمّي حافةَ الصَباح

بأوراقِ السِدر

لا زالَ بابُ سُليمان..

يقطُرُ بين أصابعِها

ليتَكَ لم تزَل ذلكَ الطِفل

الذي تطَهّرَ كلّ صَباح

بالسِدر

**

9

في زاويةِ الحان

أرقُبُ الخُدودَ الحُمر

والأعيَنَ التي تُخجِلُ الضِياء

حتى الهَواء

أحبِسُ عِطرَه

كأنّ بي رَيبَةً.. اذا يَمرُّ الهَواء..

يُنكِرُني

**

10

في ظِلّي..

أُذُنٌ ليسَت لي

كأنّني فارِسٌ من طين

أيبَسَتْهُ الشَمس

في بلَدٍ يَتَبتّلُ فيهِ الظِلّ

كلّ عام

مرّتين

***

د. عادل الحنظل

 

وراءَ الغيابِ المؤنثِ

حيثُ استوى

مَن يُلامسُ جمرَ الصليلِ

وماءَ الغرائبِ

في الأطهرَيْنِ

استوى كالقصيدةِ

كان شهابي

يُعيدُ إلى أغربِ التِّيهِ

حُزني

وشوقي القتيلَ

وما بين روحي

وبين النوارسِ

كان السؤالُ الطعينُ

يُعلِّقُ ناري

على حائطٍ للهديلِ

وكنتُ أنا

أمَّ وردِ الصفاتِ

وأرواحُ حدسِ اللغاتِ

أُبايعُ جُرحي

وأنفضُ عنِّي الذهولَ

وأرنو إلى زلَّاتِ اسمِكَ

كيفَ بطلقةِ ماءٍ رجيمٍ

تُميتُ المقدَّسَ

ثمَّ تصيرُ الجحيمَ البليغَ

لرجعِ المُدنَّسِ

كم مادَ ظلُّ المجرَّةِ

بالأرجوانِ الذي

في الهيامِ حبانا

وكم ضاقَ صدرُ البنفسجِ

في مقعدِ العمرِ

وهو وحيداً

يُرمِّمُ ما قد تهدَّمَ

بعدَ الأفولِ

فهل أنتَ

مَن كانتِ الأرضُ

أسطورةً في يدَيْهِ

ومن هالةِ السحرِ فيكَ

تغارُ عذارى الفصولِ

وهل أنتَ

مَن كان نصُّ الجنونِ

يَخِفُّ إليكَ

ويغفو على صدرِكَ المستحيلِ؟!

سأنجو أنا

حُجَّةَ العاشقاتِ

بقلبي

سأنجو بعرشِ البريقِ الذي

صار بدراً

يُشيرُ إلينا

وأنساكَ خلفي

سأنسى الذي

يُنفِقُ الآنَ أوقاتَهُ

بالتهامِ بياضِ الحرامِ

وأُغمِدُ في الرِّجسِ سيفي

***

مرشدة جاويش

الطبعة الأولى ٢٠١٠

ماء الضياء / دار نون بحلب

 

أْن نقفزَ من المُرجيحةِ

في السَّاعةِ الثّالثةِ والعشرين،

حينَ تَقرَعُ أجراسُ الذُّبول

آخرَ مواعيدِها

قبل الغيابْ،

علينا أنْ نتعرّى

عن آخر ورقةِ توت

خلفَ السِّتار

*

السِّتارُ غامقُ اللون

وعليهِ خربشاتُ عمرٍ

طويل

وأكاذيبِ الكتبِ

المُصطفَّةِ

في خزانة الألعابِ

النّارية

*

اليدُ الممتشقةُ أصابعَها

من خلفِ الحجاب

الحاجز

بين العينين

وبينَ لغةِ الأمّ

لم تقتطفْ

إلّا الفراغ

*

الأمُّ المرتديةُ

السَّوادَ،

ما بقيتْ

في وادي السَّواد،

بقيتْ واقفةً

في مكانِها

خلفَ القضبانِ

وبين قرعِ طبولِ الحرب،

ترتدي عباءةَ الظلّ

غيرِ الوارف

إلّا بمطحنة الكلماتِ..

السرِّيةِ

المتقاطعةِ

في شجرة التُّفاح

*

حين قضمْتُ

مع نفسي

تفاحةً

التهبَ لساني

باستفهامٍ..

مجازيٍّ:

لماذا...!

***

عبد الستار نورعلي

آب 2026

بعضُ الناسِ لا يحبونَ المجانين.

أما أنا، فقدْ أستلقي على قفايَ ساعةً من نكتةٍ قالها مجنون،

أو يبقى فمي فاغرًا لدقائقٍ بعدَ سماعي حكمةً خرجت من فم مجنون،

وأجدُ نفسي غارقًا في دهشةٍ لا تنتهي.

ولكنَّ بعضَ الناسِ لا يحبونَ المجانين،

يتجنبونَهم كما لو كانوا وباءً يشبه الكورونا،

يرشونَ عليهم الماءَ الوسخَ ويقهقهون،

يرشقونَهم بأيِّ شيءٍ يقعُ تحتَ أيديهم.

أما أنا، أكادُ أنفجرَ من الغيظ،

أصرخ عليهم، ويضحكون.

ألعنُهم، ويضحكون.

أصرخُ في وجوهِهم، لكنَّ الصوتَ يضيعُ بينَ القهقهاتِ العالية،

وينعتونَني بالمجنون… المجنون.

يرددونَ الكلمةَ كأنها نَشيدٌ مُبهج، 

أيه، ماذا أقول عنهم..

إنهم مجانين.

***

مراد سليمان علو

الهايكو

يلقي الرئيس خطابه

نراقب التلفاز

تحط ذبابة على أنفه

***

القصة

لم يكن الامر يعنينا نحن المشاهدين، فكل بيت ظلّ مشدودا إلى التلفاز ربما كنا نامل شيئا جديدا.. لعله يعلن -شأنه كل مرة -عن زيادة في الرواتب او بناء مشاريع جديدة .. كلنا ابصرنا ذبابة حطّت على انفه

 ابتسمنا..

أو

سخرنا

 رايناه يرفع ابهامه فتطير الذبابة وتحط على صلعته.. بقيت دقائق ثمّ طارت

لا يعنينا الامر ولا احد من الموظفين الذين ينتظرون زيادة الرواتب يجرؤ ان يتحدث في أثناء العمل عن الذبابة اما الامر الاستثاني الذي شاع بين الناس او في عقولهم من دون ان يجرؤوا على الحديث فيما بينهم هو أن عمال الاستوديو والموظفين والمصور تعرضوا الى المساءلة من اكثر من جهة ما... ...

كيف دخلت الذبابة وكيف اختفت؟

***

قصي الشيخ عسكر

وكان فيه امة تمشي الى غيمة بعيدة

وفيه ما يكفي من الاحزان

كي تأتي القصيدة

يا وجهك الذي يطوق الاعتاب والستائر

يا وجهك الذي طاردته عامين مثلما أطارد الدخان

ومن جنوب القلب حتى شمال السنبله

طاردته

ستون جرحاً في الفؤاد

ستون عاما يا صديقي

لم يبترد في نهرك الحسون

لم تتكيء على مخاد الريش في الاهوار

لم تتبع كلكامش المحزون

لم ترث الخلود من عشب البراري

ولم تهدد هدهدا اعطاك ما يدمي خطاك

يا ابن البداية التي قد ورثت من ادم نسيانه

ولم ترث معنى ثقافيا

ستون عاما يا صديقي

ما قصفت طائرة سواك

حفظت حبي كله عن ظهر قلب علني

القى هواك

*

ستون عاما يا صديقي ترقب البرابرة

وما اتى البرابرة

فخذ على مهل حمَامك الأخير

وطر الى بلادك العابرة

*

آن الاوان كي تصالح الغياب او تصالح الحضور

لا فرق بين المحنتين عندما تقصفنا الطائرة

طائرة للنازحين والهنود الحمر

قرطاج يا قرطاج

اريد ان احيا كما يحيا صنوبر على مشارف الحقول

اريد ان احيا كما يحيا هُميروس

لو انني اصير شيئا اخرا

صرت شاما زاهرة

لو انني مثل حقول القطن في الديلتا

ومثل نيل القاهرة

وفي خريف الالفية الاخير

لم تعترضه غيمة ولم تبت بوروقها في الخاصرة

*

غنيتُ فانتبهت ايام وحشته

كان الكلام على شطآنه ابتردا

هذا تبددِهُ انغامُ اغنيةٍ

وكلّما انغلقت ابوابهُ شردا

ماذا اذا عبرت ايامُ محنتهِ

وراح عن ضفة الأحزان مبتعدا

قد ارتقى مرة حسّا وذاكرة

وطار متقدا او حط محتشدا

وكان في سجنه حر يحررنا

وكان عن سربه قد طار منفردا

مالي اذا امرأة مالت بسوسنها

اصيح من عطشي يا نيل يا بردا

خخف على القلب اها كنت تسكنها

صفصافة في المرايا تستريح غدا

من اطلق الملح في شريان اغنتي

فالماء غادرها والامنيات سدى

يا بذرة الحق يامن لست تشبههم

صدى لصوتك او ما يستحيل صدى

***

احمد شهاب

 

منذ سنواتٍ أصبح الصيفُ امتحانًا ثقيلًا للروح، وأخذتِ الفصول تتبدّل وتفقد ذاكرتها شيئًا فشيئا، وبات الهواء يضيق حتى يكاد المرء يفتّش عن نسمةٍ بين شُرفتَيْن، وعن ظلٍّ في مدينةٍ أكل الإسمنتُ أشجارها، وابتلعَ مارد العمران هواءها.

يا إلهي، ماذا حدث لنا؟

ثمّة شيءٌ أكثر خفاءً انكسر في العالم.

لقد صار كلّ شيءٍ أكبرَ حجمًا وأقلَّ معنى، واتّسعت البيوت حتى ضاقت بأهلها، وامتلأت الأيدي بما لم تعرفه أيدي الآباء، بينما خلت القلوب من تلك الطمأنينة التي كانت تُشيّد أوطانًا كاملةً من رغيفٍ واحد وكلمةٍ طيبة.

في هذا المساء، وأنا أتنقّل بين ثقوب البيت باحثةً عن هواءٍ لا يخنقه الحَرّ افتقدتُ الفاطمة، تلك المرأة التي كانت إذا حضرت استقامت الفصول، وإذا ابتسمت خفَّ وهجُ آب، وإذا فتحت باب البيت اتّسعت غرفةٌ واحدة لتضمَّ مدينة كاملة.

منذ رحيلها صار الصيف صيفين: أحدهما تعلنه الشمس، والآخر تعلنه الذاكرة.

أعترف أمام محكمة هذا المساء اللّاهب أنّ الهواء بدا متعبًا يلهث بين الجدران الإسمنتية، ثمّ يسقط مغشيًّا عليه، وأنّ السّماء انخفضت فوق المدينة إلى الحدّ الذي يُخيّل إليّ أنها تسند رأسها على أسطح البيوت من فرط الإرهاق.

صار الاختناق يملأ الصّدر ويفيض بثمالته ليملأ الفضاء كله.

حتى الأشجار غاضبة، وأقسمت أنها ستؤجل أوراقها المتراقصة مع الهواء إلى فصلٍ آخر.

لا أدري ما الذي حدث لكوكب الأرض؟ ولا أدري أيُّ قفزةٍ تلك التي أصابت أدمغة هذا الجيل؟

نعيش اغترابا مقيتًا مع جيلٍ يستغرب الصبر، ويستهجن القناعة، ويحسب أنّ السعادة تُقاس بما يُشترى.

كلما سمعتُ أحدهم يشكو من ضيق الحياة رغم امتلاء يديه تذكرتُ بيتنا القديم، وازداد يقيني بأنّ الوفرة تكمن فيما يملأ القلوب.

في هذا المساء أعترفُ مجدّدا أنّ اسمكِ عبَرَ قلبي كما تعبر نجمةٌ وحيدة سماءً صيفية.

طبتِ مساءً يا فاطمة...وأمام سيرتكِ تُرفع القبعات.

لقد كنتِ فصلًا كاملًا من فصول البيت، تدخلين المطبخ فيصبح الشتاء أكثر دفئًا، وتفتحين النوافذ فيتراجع الصيف خطوةً إلى الوراء خجلا من حرّه أمام ابتسامتك الساحرة.

كنتُ أتظاهر بحبّ الصيف لأنك كنتِ تحبينه.

كنتِ تقولين إنّ الشمس أمّ القمح، وإنّ التين لا ينضج إلا إذا صبر على حرّها، وإنّ العرق الذي يسيل من جبين الفلاح هو الماء الحقيقي الذي تشربه الأرض.

كنتُ أصدّقك، ولا زلت كذلك، لأنك كنتِ تجعلين لكلّ شيء معنى.

أما اليوم، فقد صار الصيف عبئًا ثقيلًا، وصرتُ أمقته مقتًا شديدًا.

اكتشفت يا فاطمتي الجميلة، ولو متأخرًة أنّ الذي كنتُ أحبه لم يكن الفصل، لقد كان حضورك فيه.

إي والله يا ملهمتي.

كان الصيف معك ساكنًا للجمال، وكانت الأيام تمشي على مهل، وكان الزمن يجلس في ظل التينة ليستريح.

أعود بذاكرتي إلى ذلك البيت الذي لم يكن واسعًا على مقاييس الهندسة، لكنه كان يتسع للعالم كله.

غرفة واحدة...حدودها الجدران الحجريّة، وسقفها السماء، وأبعد من السماء رحابةُ قلبك.

في تلك الغرفة كانت الحياة تتوزع بعدالةٍ لا تعرفها المدن الحديثة.

تسعة أبناء، والجدة التي كانت تحفظ أسماء النجوم أكثر مما تحفظ أسماء الشوارع، وأعمام وعمات أثقلتهم السنون، وضيوف لا يُسألون متى يرحلون.

كان المكان يضيق بالأجساد، لكنه قطعًا لا يضيق بالحبّ.

ولم أركِ يومًا تحسبين عدد الأرغفة قبل أنْ تقسميها، ولا عدد الوسائد قبل أنْ تفرشيها، ولا عدد القلوب التي تنتظر منك كلمةً حانية.

كنتِ تعرفين بفطرة الأمهات أنّ البركة لا تُولد من كثرة الموجود، وإنما من الجود بما هو موجود.

كم يبدو هذا الدرس بعيدًا عن هذا الزمن!

الآن تملك البيوت غرفًا أكثر، لكنها تحتضن بشرًا أقلّ، والموائد باتت أطول، والأحاديث للأسف أصبحت أقصر.

أنظرُ حولي فأرى كلّ الأبواب محكمة الإغلاق، والقلوب أشدّ إحكامًا، إذْ صار لكلّ فرد عالمه الخاص، بينما كنتِ أنتِ عالمنا جميعًا.

أتذكركِ عند الغروب بملامحكِ الحنطيّة التي لوّنها القمح وصافحتها الشمس.

ولكِ أنْ تتخيّلي أنني ورغم ضعفي في الرسم إلّا أنني بارعة في رسم العينين الواسعتين اللتين كانتا تقرآن وجوهنا قبل أنْ نتكلم.

أشتاقُكِ يا صاحبة الكفّين الناعمتين اللتين صقلتهما عجينة الخبز، وحطب الشتاء، ومواسم الحصاد.

أشتاقُ وجهك بتجاعيده الملكيّة التي تبدو كخرائط لكنزٍ قديمٍ دفينٍ لعمرٍ أنفق نفسه في صناعة الآخرين.

حتى صوتكِ كان له هيئة الظلّ.

إذا ارتفع قليلًا عاد البيت إلى نظامه، وإذا لانَ نام الخوف في قلوبنا.

ولم يكن في قاموسكِ شيء اسمه المستحيل، فكلّ أزمة كنت تجدين لها بابًا، وكلّ ضيقٍ تفتحين له نافذة، وكلّ نقصٍ تملئينه بحكمةٍ لا تُدرَّس في الجامعات.

هي حكمةٌ تُولد مع الأمهات اللواتي يشبهن الأرض، وأنت يا فاطمة، الحبيبة، والأرض، والوطن المشتهى، والفصول قبل أنْ تفقد ذاكرتها.

لهذا، كلما ضاقت بي الدنيا أبحث عن تلك الغرفة القديمة.

أبحث عن صحنِ البئر البارد، وعن رائحة الطابون، وعن إبريق الماء الفخاري، وعن حصيرٍ جمعنا كتفًا إلى كتف، وعن ضحكةٍ كانت تكفي لتطرد الحرّ من آب اللّهّاب.

وأعترف في كلّ مرة أنّ الأمكنة تموت عندما يغيب الذين كانوا يمنحونها روحها.

لهذا لم يعد الصيف كما كان، ولن يعود؛ لأنّ فاطمة رحلت، وأخذت معها السرّ الذي كانت تُجمّل به الفصول، وتُهذّب به الزمن.

ولا زالت تُعلّمنا أنّ السماء مهما ضاقت فوق الرؤوس تتسع دائمًا لقلب أمّ.

فجأة ابتسمتْ أمي وهي تنظر إليّ، ثم قالت بصوتها الذي يشبه ظلَّ شجرة التوت في ظهيرة آب:

"يا بنتي... لا تخافي على العالم كثيرًا".

قلتُ لها وأنا أتشبث بكفها:"ولكنْ يا أمّي، لماذا صار كلُّ شيءٍ خانقًا؟ الهواء، والوقت، والقلوب، وحتى الصيف؟"

هزّت رأسها في هدوء، وقالت:"لأنّ الناس كبروا في البيوت، ولم يكبروا في القلوب، فما عاد أحدٌ يجد مكانًا في قلب أحد".

ساد الصمت.

رأيتُها تقوم ببطء، تُسوّي طرف منديلها الأبيض، وتمضي نحو الباب.

وقبل أنْ تعبر العتبة التفتت إليّ، وقالت مبتسمة:

"عندما تكتبين عنّي... لا تكتبي أنني ربّيتُ تسعة أبناء، اكتبي أنني حاولتُ أن أُربّي قلبًا يتّسع لهم".

ثم اختفت.

في اللحظة نفسها أفقتُ على ارتطام كتابٍ كان قد انزلق من حجري إلى الأرض.

فتحتُ عينيّ.

كانت الشمس ما تزال معلّقة فوق الشرفة، والغرفة خالية، والكوب الذي تركتُه قبل قيلولتي لم يبرد بعد.

مددتُ يدي باحثةً عن كفِّ أمّي...

لم أجد سوى دفءٍ غامضٍ يملأ راحة يدي، وكلماتٍ لا تزال تتردّد في الهواء:

"ليست الأمهاتُ مَن يرحلن... لكنّنا نستيقظ متأخرين".

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

مَن يقدِرُ

أَنْ يتجاوَزَ حُلْماً

عاشرَهُ في اليَقَظَةِ

أَو في النَّوم؟

أنتَ تُحاصِرُ سِرّاً نفسَكَ

بينَ القُوتِ وبينَ

الجنسِ

وبينَ المَوتِ

كَمْ تشرَّدْتَ في أَجملِ

هَيئاتِ

إِلَّهاتِ المُتعَةِ

حَتّى يُضنيكَ العَقلُ

وتَخطفكَ اللَّحظَةُ

نحوَ حَوافِّ الهذَيان؟

أَيُّ صلاةٍ

ستجوبُ الآن وأنتَ

يُحرِّكُكَ الظِّلُّ

إِلى أَشباحِ غواياتِ

الإفْناء؟

حتماً ستُصابُ بنسيانِ

الوَجهِ الوهمِيِّ

لإيقاعِكَ

ثُمَّ تعودُ لوسوسةٍ أُخرى

تَسقُطُ فيها

بينَ غيابِ الوردَةِ

ونزيفِ الشَّيطانِ

يا هذا السّاكِنُ في

العُزلَةِ

والمُتوحِّدُ معَ أطيافِكَ

قمْ..

ليسَ بينكَ وبينَ

الشطآنِ

سوى أن تتوضأَ بالريحِ

وأن تنسى اسمَكَ

قليلاً

كلُّ الصلواتِ التي

ضلّتْ طريقَها

كانت تبحثُ عنكَ

قُمْ

مِن غيبوبتِكَ الآنَ

تَنكَّبْ شَجرَ

الإرهافِ

تَحسَّسْ رأْسكَ

ثمَّ اقطعْ بالسَّيفِ

حريرَ سرابِكَ

قُم وابدَأ أغنِيةً

تخرُجُ مِن أَشتاتِ

حواسِّكَ

تخرُجُ مِن مُوسيقى

الفاجعِ

في القَلبِ إِلى أَورِدةِ

الغَيمِ

ستُمسِكُ بعدئِذٍ

بنواصي النُّورِ

وأرواحِ الشُّطآنِ

لجهةِ النّارِ المعشوقَةِ

في النَّرجسِ

والإِنسانِ…

***

مرشدة جاويش

من مجموعتي وصايا الغيم

 

إضرب كريحٍ قاصفٍ عاتيه

يا شيخَ تلٍّ علّها القاضيَه

جاءوا وظنٌّ أنّها خاليه

وما خلَتْ من ريحِها ثانيَه

لكنّه حلْمُ الفِرى الفانيه:

أرضٌ بلا قاصفِها الباقيَه

وعادةُ الرّيحِ معِ الطّاغيه

بقاؤُها عنْ عينهِ خافيَه

حتّى إذا قاربَ أدنىْ الذُّرى

هبّتْ ولم تترُكْ له ناحيَه

تصيحُ من أمّك يا ابن الزنا

اليوم فيأتي ردُّه: الهاويَه

يا شيخَ تلٍّ مرّةً ثانيه

لم تصحُ بعدُ الأمّةِ الغافيَه

يا شيخُ منْ جنّتكَ العاليَه

هبَّ تعُدْ أيّامُنا الخاليَه

***

أسامة محمد صالح زامل

يتعملق في حنجرتي وأنا أمشي

نخل الكلمات

أبعثر حبري سحبا شاردة

أدرك أني شبه مساء يتلفع

بطرق الصمت

على الراس يخر بدون

دعاء أو آه...

اَلميناء المدحوُّ على خاصرة الساحل

يبدو مكتئبا

ليس يلوح لنا ولا للسفن الماخرةِ ولو

لمدة ثانيتين

ونجمتنا في لجج الأحلام تلوب

سواعدها الغضة تكرع من

سؤر عذابات الوقت

إلى أن ذبل الزخم الورديّ بها

ثُمةَ أقعي السهد أمام نواظرها

كي يمتص علالةَ مقلتها...

فلنستمرئ السير إذن في

ناصية الكون

فنحن وإن كنا أحيانا نتمتع

بالطرب الرومانسيِّ

وإيقات الناي الغجريِّ فإنا

لم نفتأ نعشق نجمتنا الرائعةَ

ولم نفتأ نفتح أذرعنا لعناق الدهشة

في مقل الأطفال

ونغزل بخيوط الأمل العذب

قميص الغد حين يجيء.

***

مصطفى معروفي

مرثيّة لابن خالي حسن بن حسن ولأرواح الحرّاقة المنسيّين

***

على مشارف نهاية العالم،

يتسلّل برد الصيف الغريب إلى عظام مساء فرمونت البائس،

تحت وطأة الغياب المعلّق.

*

يطبق الضباب على نوافذ كوخ شينغل،

مثقلا بذكرى فروست وأودن وروثكه،

شعراء عرفوا أن الحزن قد يصير لغة،

وأن الموت باب موصد،

وإن حاولنا أن نتشاعر أمامه.

*

تربكنا ذكريات لم نعد قادرين على الاعتراف بحقائقها،

فنهرع إلى صور أكلت السنوات أطرافها.

بعضها لوجوه كنا نألفها،

لم نقرّر بعد أن نلحقها بمئات أتلفناها،

محاولين اغتيال ماض لم نعد نحتمل وطأة معانيه،

في زمن يزداد فيه غيابنا كلّما حاولنا أن ننسى.

*

في إحدى الصُّور التي نَجَت،

ما زلت أراك، يا حسن،

نائما في غُرفتي.

جسدك الصّغير منطو على سكينته،

ويداك مطبقتان على نسخة من القرآن،

تضمّها إلى صدرك.

لم تكن تشبه طفلا نائما،

بل شابّا يتهيّأ للرحيل.

يخيّل إليّ أنني أستطيع

أن أعبر الصورة،

وأن أجثو إلى جوارك،

وأمدّ يدي لأوقظك.

لكنّك لا تستيقظ.

*

تضمّ المصحف إلى صدرك،

تتشبّث به، كأنّك سمعت، من بعيد،

نداء لا تستطيع المراثي المغتربة سماعه،

وأبدا، لن يفهمه شعراء كوخ شينغل.

رغمَ كلّ ما تركوه من قصائد فقد ورثاء.

***

نزار فاروق هِرْمَاسْ - جامعة فيرجينيا

 7/31/2026

..............................

* يوم وصول جثمان ابن خالي حسن بن حسن حمه الله إلى مسقط رأسه قابس للدفن.

*كوخ شينغل: منزل تاريخي في كلية بنينغتون (Bennington College)، بولاية فيرمونت (Vermont) وهي من أكثر الولايات الأمريكية عزلة ومن أقلها سكانا. أقام فيه الشاعر روبرت فروست فترة من الزمن، ثم سكنه لاحقا الشاعران و. هـ. أودن وثيودور روثكه. وبالقرب منه تقع منطقة تعرف باسم “نهاية العالم The End of the World “.

 * روبرت فروست (Robert Frost): شاعر أمريكي ارتبط شعره بطبيعة نيو إنغلاند (New England)، وبتأملات الإنسان في العزلة والموت والاختيار.

 * و. هـ. أودن (W. H. Auden): شاعر إنجليزي–أمريكي تناول في شعره موضوعات الحب والفقد والأخلاق والاضطراب السياسي.

* ثيودور روثكه (Theodore Roethke): شاعر أمريكي عرف بشعره التأملي الذي يستكشف الطبيعة والذاكرة وأعماق النفس.

في كلِّ مرّةٍ كان الحبُّ يفتحُ نافذتَهُ علينا، فتدخلُ النجومُ خفيفةً كأنها تعرفُ أسماءَ أنفاسِنا.

*

كنتِ تقولين: لا تُطفئْ هذا الليل... فالعمرُ لا يهبُ العاشقين سوى لحظاتٍ تليقُ بالخلود.

*

وكانت يداكِ، كلما اقتربتا، تمنحانِ الصمتَ لغةً لا يعرفُها إلّا قلبان نسيا العالمَ خلفَ الباب.

*

في كلِّ مرّةٍ كان الزمنُ يخلعُ ساعتَه، ويجلسُ بعيدًا كي لا يقطعَ تراتيلَ اللقاء.

*

وكنتِ، بابتسامةٍ تُشبهُ اكتمالَ القمر، تتوسّلينَ للحظةِ أن تتأخرَ عن الفجر، وللعناقِ أن يجدَ وطنًا لا تنتهي حدوده.

*

فلماذا... في المرّةِ السابعةِ وحدها، استيقظتِ الذاكرةُ بوجهٍ آخر؟ من الذي بدّلَ أسماءَ الأشياء؟ من الذي أقنعَ الوردَ أنَّ رائحتَهُ كانت شوكًا؟ ومن الذي أقنعَ الليلَ أن يتبرّأ من نجومه؟

*

أيُّ ريحٍ دخلتْ بعدنا وأعادتْ ترتيبَ الحكاية حتى صارَ القلبُ شاهدَ اتهامٍ على نفسه؟

*

أنا لا أجادلُ وجعَكِ... فالوجعُ حين يتكلّم، قد يرى ما لا يراهُ العقل. لكنني أقفُ مذهولًا أمامَ المرايا. كيف تستطيعُ المرآةُ ذاتها أن تمنحَ وجهًا واحدًا صورتين لا تلتقيان؟

*

أكان الحبُّ يكتبُ لغتين؟ أم أنَّ الزمن، ذلك الكاتبُ الماكر، عادَ إلى مخطوطتِنا ومحا بمدادِ الغياب ما كتبناهُ بلهفةِ الروح؟

*

ما زلتُ أذكرُ أنَّ الليلَ كان شاهدًا. وكان القمرُ يبتسمُ فوق نافذتنا. وكان الصباحُ يغارُ من تأخّرنا عن العودةِ إلى العالم. فمن الذي غيّرَ شهادةَ السماء؟ أنا لا أبحثُ عن براءةٍ، فالقلوبُ لا تُحاكمُ بالقوانين، ولا أبحثُ عن إدانةٍ، فالذكرياتُ ليست محكمة.

*

أنا أبحثُ فقط عن تلك المرأةِ التي كانت، في كلِّ مرّة، تؤمنُ أنَّ الحبَّ حين يُمنَحُ كاملًا، يُشبهُ صلاةً لا جريمة.

*

وأبحثُ عن الرجلِ الذي كنتُهُ قبل أن يكتشفَ أنَّ الذاكرةَ قد تُبدّلُ أسماءَ النجوم، لكنها لا تستطيعُ أن تُغيّرَ الحقيقةَ التي عاشها القلب.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

حينَ كانَ النهرُ يجرُّ ظلالَهُ

مثلَ شيخٍ نسيَ أسماءَ أبنائه،

مررتُ وحدي.

*

كانتِ الأشجارُ

ترفعُ أذرعَها للريح،

كأنها تُصلّي

لطيورٍ لن تعود.

*

وفي جيبي

حصاةٌ أخذتُها من طفولتي،

كلما لامستُها

سمعتُ أمي

تفتحُ البابَ

ولا يدخلُ أحد.

*

يا أيها الوقت،

أيُّ نهرٍ أخفى وجوهَ الذينَ أحببتُ؟

وأيُّ غيمةٍ

غسلتْ أصواتَهم

حتى صارَ الصمتُ

أكثرَ شبهًا بهم؟

*

أجلسُ على حافةِ المساءِ،

وأراقبُ نجمةً

تتدلّى من السماءِ

كما تتدلّى دمعةٌ

من عينِ جنديٍّ

عادَ بلا مدينة.

*

لا شيء يحدث...

غيرُ أنَّ القلبَ

يتعلّمُ كلَّ يومٍ

كيفَ يحملُ خرابَهُ

بهدوءِ سنبلة،

وكيفَ يبتسمُ

للمارّين،

بينما يُخفي

غابةً كاملةً

من الحنين.

***

حيدر كرار عدنان

الهجرُ ليس وطنًا ثانيا،

ليس منزلا فخما مُؤثَّثًا بعناية،

ليس حديقةً خلفيةً تتسللُ إليها السناجبُ والأُبُوامُ.

عندما تُدركُ أنكَ نجوتَ من آلامِ الوطن،

حينها تُدرككَ آلامٌ أخرى.

إنها باردةٌ…

إنها حافةُ النهاية.

وتمتدُّ طرقُ الغربةِ اللانهائية،

وتمتلئُ الليالي بصمتٍ يشبهُ الغياب.

الحنينُ يطرقُ أبوابَ الذاكرة،

ويعيدُ صورا منسيةً لأصواتٍ وأماكنَ لم تُغادرِ الروح.

الغربةُ انتظارٌ طويلٌ،

وأحلامٌ مؤجلةٌ تذوبُ كالشمعِ أمامَ النار.

وما زالت الروحُ تبحثُ عن دفءٍ في مدنٍ بلا قلوبٍ،

وأوطانٍ قاسية صُنعتْ من الحجارة.

***

مراد سليمان علو

في داخلي

ليلٌ يحدّقُ في عيوني،

ووجوهٌ

تتكسّرُ في المرايا.

يدٌ تمتدُّ

نحوَ المستحيل،

وزهرةٌ

تشقُّ صخرَ العتمة،

وسمكةٌ

تسبحُ في دمي

نحوَ يقينٍ غائب.

أمضي

في دهاليزِ اللاوعي،

أفتّشُ عن لؤلؤةٍ

خبّأها البحرُ

في قاعِ الروح.

وحين لامستُها

عرفتُ...

أن اليقينَ

ليسَ أن نرى الحقيقة،

بل أن نحملَ نورَها

ونمضي.

***

لوحة وشعر بكر السباتين

31 يوليو 2026

..................

* من أعمالي الفنية

لوحة زيتية سريالية (قماش طول: 120 سم. عرض 80 سم) من مقتنياتي الخاصة. بعنوان "اللاوعي ولؤلؤة اليقين" قمت برسمها عام 2016

أنا لستُ أعرِفُ قاتلي

أنا لا أراهْ

هوَ من سماءٍ عاليةْ

سيدوسُ زرّاً

بعدَها

أجسادُنا نهبٌ لنارٍ عاتيةْ

*

أنا لستُ أعرِفُ قاتلي

أنا لا أراهْ

أنا لا أحسُّ بهِ هنا

شبحٌ وقد حُذفَتْ خُطاهْ

الموتُ أجملَ كان قبْلُ

فطعنةُ السيفِ اختراقُ السهمِ أهونُ

من صواريخِ الظلامْ

حتى اللثامْ

قد كان يُنزَعُ عندما يجثو القتيلُ بطعنةِ الغدرِ الزُؤامْ

*

أنا لستُ أعرِفُ قاتلي

أنا لا أراهْ

هو جالسٌ في طائرةْ

فلربما يصغي إلى أغنيّةٍ

او ربما هو جائعٌ ومفكرٌ ماذا سيأكلُ حينَ يرجِعُ

رُبّما هوَ كانَ مشتاقاً إلى أطفالِهِ

لكنه سيعودُ كي يلقاهُمُ

وأنا سأرحلُ دونَ أن ألقاهُمُ

أنا لستُ أعرِفُ قاتلي

أنا لا أراهْ

***

عبد الله سرمد الجميل

الكلُّ يضحَكُ في رقاعَهْ

دربي وأيّامي المُضاعَهْ

حتّى طُموحي الدَيْدُبانُ

أراهُ في كنزِ القناعَهْ*

ويطلُّ ماضيِّ الكئيبُ

يقولُ ما هذي الشناعَهْ

أنَسيتَ أنّكَ قد صبأتَ

وقد خرجتَ على الجماعَهْ

لَمّا سمحتَ لنفسِكَ العطشى

بحُلمٍ ما لهُ يومًا شفاعَهْ

هَلّا حَلِمتَ بأن تكون مُتا

جِرًا أو تابعًا أو كالبضاعَهْ

لتعيشَ عُمرَكَ هانئًا

في حانةٍ تُدعى الوضاعَهْ

فبها ترى الرهطَ الذينَ

بقربهمْ تَجدُ المناعَهْ

وتنالُ صفو العيشِ ما دُ

مْتَ المداومَ في الخناعَهْ

فبها سترقى منصبًا

وتحوزُ أوسِمةَ الشجاعَهْ

***

الحاج غطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / فارا في 4 آب 2001

............................

* الديدبان: الرقيب أو الحارس

لَسْتُ أَذْكُرُ مَتَى أَصْبَحْتُ فَارِغًا.

أَذْكُرُ فَقَطْ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ غَادَرَنِي لَمْ يُغْلِقِ الْبَابَ، تركه مواربا، وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنَا أَجْمَعُ الْغِيَابَ كَمَا يَجْمَعُ الْبَحْرُ أَمْوَاجَهُ الْمُتَكَسِّرَةَ.

مَرَّ عَلَيَّ عَاشِقٌ، وَتَرَكَ عَلَى خَشَبِي رَعْشَةَ يَدٍ أَحْجَمَتْ عَنِ الْعِنَاقِ فِي اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ...

وَجَلَسَ عَلَيَّ شَاعِرٌ، وَنَسِيَ بَيْتًا كَامِلًا بَيْنَ مِسْمَارَيْنِ، فَصِرْتُ أُرَدِّدُهُ لِلْغُبَارِ كُلَّمَا دَخَلَتِ الشَّمْسُ مِنَ النَّافِذَةِ.

وَأَتَتْنِي امْرَأَةٌ تُخْفِي دَمْعَهَا خَلْفَ ابْتِسَامَةٍ مُهَذَّبَةٍ، وَتَبْكِي أَيَّامَهَا الْمَهْدُورَةَ. وَحِينَ نَهَضَتْ، بَقِيَ الْحُزْنُ جَالِسًا، وَرَحَلَتْ هِيَ.

أَنَا الْوَحِيدُ الَّذِي يَعْرِفُ أَوْزَانَ الْأَرْوَاحِ، فَالْأَجْسَادُ مُتَشَابِهَةٌ، أَمَّا الْخَيْبَاتُ، فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَزْنُهَا الْخَاصُّ.

كَمْ مِنْ إِنْسَانٍ جَلَسَ مُنْتَصِبًا، وَكَانَ مِنْ دَاخِلِهِ يَنْهَارُ كَبِنَايَةٍ مهجورة .

وَكَمْ مِنْ آخَرَ ضَحِكَ حَتَّى ارْتَعَشَتْ قَوَائِمِي، بَيْنَمَا كَانَ الْمَوْتُ يُرَتِّبُ لَهُ مَقْعَدًا فِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِنَ الْحَيَاةِ.

أَنَا لَا أَشْكُو الْفَرَاغَ.

الْفَرَاغُ، هو أَنْ يَمُرَّ بِكَ الْجَمِيعُ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ أَثَرًا يُشْبِهُهُ.

*

أَعْتَقِدُ أَنَّ الْبَشَرَ يُشْبِهُونَ الْكَرَاسِيَّ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْتَرِفُونَ؛ يَقْضُونَ أَعْمَارَهُمْ فِي حَمْلِ الْآخَرِينَ، ثُمَّ يَكْتَشِفُونَ، مُتَأَخِّرِينَ، أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا مَنْ يَجْلِسُ دَقِيقَةً وَاحِدَةً إِلَى جَوَارِ وَحْدَتِهِمْ.

لَيْلًا، حِينَ يَنَامُ الْمَنْزِلُ، أَسْمَعُ الْخَشَبَ يُصَلِّي لِلشَّجَرَةِ الَّتِي كَانَتْهَا رُوحِي يَوْمًا، وَأَسْمَعُ الْمَسَامِيرَ تَعْتَذِرُ لِلْجُرُوحِ الَّتِي أَسْكَتَتْهَا.

فَأَحْلَمُ بِذَلِكَ الْإِنْسَانِ الَّذِي سَيَجْلِسُ عَلَيَّ يَوْمًا لِيُصَالِحَ قَلْبَهُ.

عِنْدَهَا فَقَطْ...

سَأَتَوَقَّفُ عَنْ كِتَابَةِ هَذِهِ الْمُذَكِّرَاتِ.

***

مجيدة محمدي

غزل بطريقة رياضية

رسمتُ مثلثَ الأشواقِ رمزاً

وأضلاعُ الحنينِ لك استمالت

*

فأنتِ النقطةُ الأولى بقلبي

شراييني لها حنَّتْ ومالتْ

*

وزاويةُ الفؤادِ غدتْ حصاراً

إذا اللحظات ناحيتي توالت

*

سأبقى في محيطكِ ذا حنينٍ

فمنكِ الروح كل الودِّ نالتْ

*

تقاطعتِ الخطوطُ بكلِّ دربٍ

وعندَ حدودِ قلبينا تتالتْ

*

أقيسُ مسافةَ الأبعادِ شوقًا

فتلقى لهفتي مهما استحالتْ

*

فلا أبقى لأبعادي رهينًا

إذا ما روحُنا للحبِّ آلتْ

*

وكلُّ مساحةٍ في الكونِ ضاقتْ

وفي عينيكِ أزمنتي استطالتْ

*

لأنَّكِ لا نهاياتي وقصدي

وكلُّ مطالبي في الروحِ صالتْ

*

خَطَطْتُ معَ الهوى في الحبِّ فخرًا

براهينٌ الغرامِ بها تعالتْ

***

للشاعر فيصل النائب الهاشمي

شَطَبْتُ النِّسَاءَ مَسَحْتُ الأثَرْ

وَأَثْــبَـتُّ أَنَّـــكِ أُنْــثَـى الــقَـدَرْ

*

وَأَنَّــكِ فِـنْـجَانُ قَـهْوَةِ صُـبْحِي

وَمِـعْطَفُ دِفْـئِي بِـوَقْتِ المَطَرْ

*

فَـحُـبُّـكِ رَمَّــمَ كــلَّ جـراحـي

وَأَوْرَقَ بَـعْـدَ الـجُدُوبِ الـشَّجَرْ

*

فَـأَنْـتِ الـتَّـمَرُّدُ.. أَنْـتِ الـخَيَالُ

وَبَــوْحُ الـقَـصَائِدِ عِـنْدَ الـسَّحَرْ

*

سَأَكْتُبُ فِي سِفْرِ هَذَا الهَوَى

بِـأَنَّـكِ شَـمْـسٌ تُـرِيـحُ الـنَّـظَرْ

*

وَأَنَّ الــحُـرُوفَ بِـغَـيْرِكِ مَـاتَـتْ

وَمِـنْ شَـفَتَيْكِ اسْـتَفَاقَ الوَتَرْ

*

وَطَـيْـفُكِ يَـحْـتَلُّ أَرْضَ خَـيَالِي

فَـــبِــتُّ أَرَاكِ بِــكُــلِّ الــصُّــوَرْ

*

وَأَحْـرَقْتُ كُـلَّ المَرَاكِبِ خَلْفِي

أَمَـامِي صِـعَابٌ.. وَخَلْفِي بَحَرْ

*

لِـيَبْقَى هَـوَاكِ الـمَلاذَ الـوَحِيدَ

أَعُـــودُ إِلَــيْـهِ بِــحَـالِ الـخَـطَرْ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

ستشهد عليكِ ملابسكِ الداخلية بما اقترفتِه بحقِّ وردتكِ الحمراء الذابلة وسط أمواج توجّعكِ. وستلعنكِ مساماتُ جلدكِ الرقيق كلما تنفستْ أنفاسَ غزواتي. وستبقى حمّالةُ صدركِ الحمراء معلّقةً في عنقكِ، تحمل أثر أصابعي؛ لأنها تعلّمت مني كيف تكون حرّة. حتى ساقاكِ الناعمتان ستعلنان تمرّدهما عليكِ كلما حاولتِ أن تضمّيهما بقوة، كما فعلتِ بي. وستبقى يداكِ مغلولتين إلى صدركِ، لا تفقهان كيف تستران حلمتين كانتا ترقصان في فمي. حتى شفتيكِ النحيلتان لن تسكتا عن همسٍ ظلّ باقيًا فيهما مني. لن ينقذكِ الصمت من لعنتي الأبدية، وأنتِ تخفين جريمة العشق منذ أن عرفتِ براءةَ الروح.

*

يا أنتِ... إذا كنتِ تلتزمين الصمت، فإنّ كلَّ مسامّةٍ من مسامّات جلدكِ الرقيق لن تنسى، ولن تصمت؛ فقد تنفّست ذات يومٍ لهيبَ عشقي. وكلُّ عضوٍ فيكِ لن يغيبَ أثرُه طويلًا، بعد أن احتضنتُه عن قرب، وأنشأتُ له ذاكرةً جديدةً، وعلّمتُه كيف يتحرّك بدلال. حتى ملابسكِ لن تصمد طويلًا أمام صمتكِ، ستحدّثكِ عنّي: ملابسكِ الداخلية، حمّالةُ صدركِ، أدواتُ زينتكِ، كُحلُ عينيكِ، والشالُ الذي يرافق خطواتكِ... كلُّ ما فيكِ سيبقى شاهدًا، ولن يصمتَ أبدًا. ستطاردكِ ذكرياتي الحيّة أينما ذهبتِ، وأينما كنتِ... فإلى أينَ ستهربين؟!

***

بقلم: كريم عبد الله

بغداد - العراق

 

الفصل الخامس: في المصحة

استقبلتهم الوجوهُ الرسميةُ ببرودٍ صقيعي. ملامحُ جافةٌ كأنها قُدَّت من جدران تلك القلعة العتيقة التي لا تبوح بأسرارها لأحد. بدأت طقوسُ العبور، إجراءاتٌ رتيبةٌ لفرز الأرواح وتصنيف الأوجاع، وتوزيع الإقامات على غرفٍ ستتضح لهم بعد قليل أنها الذاكرة الوحيدة المتبقية لهم في هذا العالم.

وجدت ندى نفسَها ضمن جوقةٍ بشريةٍ مؤلفةٍ من سبعةٍ وعشرين ظلاً، كان الزمان قد استبقى جُلَّهم في مقتبل الثلاثين، فيما بدت هي وامرأةٌ أخرى كشجرتي سدرٍ عتيقتين في حقلٍ من العشب الغَضّ، تحملان في خطوط كفيهما حكاياتٍ غائرةً لا يدرك كُنهَها هؤلاء الشباب.

استلموا "دستورَ التأهيل"، برنامجًا دقيقًا يحكمُ تفاصيل نهاراتهم القادمة، حيثُ الزمنُ مقسمٌ بمشرطِ الطبيب بين فحوصاتٍ مخبريةٍ تستنطقُ الجسد في بواكير الصباح، وجلساتٍ نفسيةٍ تحاول ترميمَ المرايا المهشمة في أعماق الروح، ومواعيدَ ثابتة للأكل والدواء والرياضة. ظنت ندى للوهلة الأولى أنها صُممت لتذيبَ التوتر العالق في مساماتها منذ سنين.

لم تمنحهم مسؤولةُ المجموعة فسحةً كافيةً لالتقاط أنفاسهم. فما إن انتهت تلك الاستراحة القصيرة التي بدت لندى كأنها شهيقٌ متردد في صدر غريق حتى قادتهم بخطواتٍ ثابتة إلى قاعة الجلسات. كانت القاعة كبيرة على نحوٍ يضاعف في نفوسهم الإحساس بالغربة، والجدران مطلية بلونٍ باهتٍ يشبه سِحَنًا مستنزفةً أنهكها السهر الطويل.

وقفت المرأةُ أمامهم بابتسامةٍ مدروسة، تلك التي تُرتدى وتُخلع كما تُرتدى القفازات في الأماكن المشبوهة، ثم قالت بصوتٍ متصنّع حاولت أن يبدو ودودًا:

- سأترككم ساعةً من الزمن، لعلّ القلوب تتعارف.

مضت، تاركةً خلفها صمتًا حذرًا.

جلست ندى في طرف القاعة القصي، تسند ظهرها إلى المقعد كأنها تودع عليه أثقال عمرٍ كامل. كانت الخمسون التي تحملها فوق كتفيها لا تشبه رقمًا عاديًا، بل تشبه مدينةً من الخسارات القديمة، مدينةً شُيّدت حجرًا فوق حجر من الفقد، ثم تُرِكت مهجورةً تحت أمطار الأعوام الدارسة. تأملت الملامح من حولها بعين امرأةٍ خبرت تقلبات الناس أكثر مما ينبغي. عرفت أن البشر، مهما اختلفت لغاتهم وتباينت هيئاتهم، يتشابهون تمامًا حين ينهزمون من الداخل.

كانت الوجوه الشابة تبدو مضطربة، كأن كل واحدٍ منهم يخفي حربه الضروس الصغيرة تحت قناع صمته وانزواءه. بعضهم يشيح ببصره عن الآخرين خشية افتضاح سر ارقه، وبعضهم يبتسم بتوترٍ طفولي، وآخرون يحدقون في الفراغ السديمي كما لو أنهم ينتظرون حكمًا بالقصاص سيصدر بحقهم.

لوهلة، انتابها احساس بأمومةٍ غامضة وتلقائية تتسلل إلى قلبها تجاه هؤلاء الغرباء، كأنهم جميعًا أبناءُ رحمِ خوفٍ واحد. لكنها، في الوقت ذاته، أحست بغصة وحشةٍ مقيتة وهي تلاحظ كيف تتفادى بعض الحدقات الالتقاء بنظراتها، نظرات ندى، المرأة الأجنبية الوحيدة المستكينة بينهم. كانت تجلس بصمتٍ مرتبك، تضم أصابعها إلى بعضها كأنها تحاول واهمةً أن تمنع روحها من التبعثر. بدا حضورها هشًا للغاية، كشمعةٍ ضئيلة موضوعة في مهب ريحٍ عاتية.

التفتت إلى تلك المرأة الأخرى التي تقاربها في السن، فرأت في غضون تجاعيد وجهها ظلًا مألوفًا من الاعياء، كأن الحزن، حين يطول مكوثه في الجسد، يمنح ضحاياه الملامح ذاتها والسحنة نفسها:

خيبات متلاحقة..

قلق مزمن..

ذعر من الوحدة..

وتلك الجروح الغائرة التي لم يجدوا لغةً بشريةً تليق بقولها.

قطع ذلك الصمتَ الثقيل شابٌ جلس في الجهة المقابلة لندى. اعتدل في مكانه بنزق فاضح، وقال بنبرةٍ خشنة مدفوعة بالعداء:

- في مدينتنا، صار الأجانب في كل زاوية ومكان…

هذا أمرٌ مقيت لا أستطيع تقبله أو ابتلاعه أبدًا.

ثم تابع نفث كلماته المسمومة بوقاحةٍ باردة، كمن يفتح كيس قمامةٍ نتن في غرفةٍ مغلقة ضيقة:

- إنهم يثيرون القرف…

أصواتهم صاخبة..

روائحهم خانقة..

أشكالهم تبعث على الاشمئزاز..

جئت إلى هنا التماسًا للراحة..

لم أتوقع أبدًا أن أجد واحدةً منهم تجلس بيننا!

وأشار بإصبع اتهامٍ واضحة إلى ندى.

شعرت ندى كأن تيارًا كهربائيًّا لافحًا قد صعق جسدها دفعةً واحدة. اتسعت عيناها المنهكتان من مباغتة اللحظة ومن جرح تلك الإهانة العارية التي تأتي طعنًا بلا مقدمات، فتجرد الإنسان في لحظة من توازنه وكبريائه.

نظرت حولها بريبة وسرعة، كمن يفتش عن يدٍ دافئة تنقذها من هاوية السقوط. كانت تأمل، بقلبها المتعب، أن يعترض أحدٌ من الحاضرين، أن يوقف هذا الانحدار البهيمي، أن ينطق أحدهم بكلمةٍ واحدةٍ تعيد إليها كرامتها المستباحة وشيئًا من إنسانيتها. لكنها، وا أسفاه لم تجد سوى عيون زائغة، ووجوهٍ مرتبكة شحبت بالخزي، وصمتٍ رصاصي ثقيل كان يشبه التواطؤ الصريح.

ثم... وقفت امرأةٌ من الجانب الآخر لتؤجج النيران، وقالت وهي تهز رأسها بامتعاض:

- نعم.. نعم، هذا كله صحيح.. الأجانب يسرقون أقواتنا من الأسواق والمزارع ومن كل شيء يخصنا.

وأضافت جارتها بسرعةٍ محمومة، كأنها تخشى أن يفوتها الدور في حفلة الكراهية الجماعية:

- إنهم يحاولون التقرب منا عبر طعامهم المقرف… لكنني أربأ بنفسي أن أذوق شيئاً من صنع أيديهم، فرائحة الثوم والبهارات الفجّة التي يطبخون بها تخنق أنفاسي، والعمارة السكنية بأكملها غدت لا تُطاق بسبب وجودهم. هم حتى في مظاهرهم وتصرفاتهم يبدون كأغرابَ ساقطين من عالمٍ آخر سحيق، مظاهر لا تمتُّ لثقافتنا بأدنى صلة، ولا تشاطرنا حتى لغةَ الوجود أو الموت.

كانت الكلماتُ القاسية تتساقط على رأس ندى وروحها كالحجارة. كان الألمُ مضاعفًا بسبب فجاجة الإهانة، وبسبب ذلك اليقين المرعب والبارد بأن أحدًا في هذه القاعة لا يرى نزيف وجعها، ولا يكترث لإنسانيتها. في تلك الثواني المريرة أحست بأنها تُدفع رغمًا عنها خارج حدود الدائرة البشرية نفسها، باعتبارها جثةً مشوهة، عفنة يجب النأي عنها وتطهير المكان من دنسها، لا باعتبارها امرأةً متعبةً جاءت تطلب العون والبرء.

لم تستطع حبس أنفاسها أو الاحتمال أكثر، نهضت بجسدها المرتعش في صمتٍ مرتبك، وغادرت القاعة بخطواتٍ متسارعة واهنة، فيما كانت أصواتهم الآسنة تلاحقها كنباح كلابٍ ضالة في بريةٍ بعيدة.

***

الفصل السادس: الحياد الأسمنتي

حين عادوا في اليوم التالي إلى القاعة نفسها، بدا الهواءُ راكداً بالبلادة ذاتها، والمقاعدُ باردةً بالهيئة عينها، والوجوهُ مغلفةً بالحياد الذابل كأن شيئاً لم يحدث بالأمس. سألتهم المشرفة بنبرةٍ رتيبةٍ جافة:

- كيف كان تعارفكم؟ وكيف شعرتم في الساعة الأولى؟

رفع أحدهم كتفيه بلا مبالاةٍ صفيقة قائلاً:

- لم أكن أتخيل أبداً أن أرى أجنبيةً تجلس معنا في هذا الملاذ الذي ظننته آمنًا. وأضافت امرأةٌ بنبرة تذمّر:

- والدولةُ تصرف على هؤلاء من جيوبنا وأموالنا.. كلُّ هذا الخراب بسبب السياسة الرعناء.

وتابعت أخرى، وقد تلوّن الخوفُ في نبرتها بحقدٍ دفين:

- وجودهم بيننا هو سببُ مرضي وقلقي المزمن.. إذ لا أستطيع النومَ ملء جفوني وأنا أعلم أن واحدةً منهم تقاسمنا هذا السقف.

ثم أخذت الأصواتُ تتعالى في جوّ القاعة، كلٌّ يضيف كذبةً جديدةً إلى ملف الكراهية العتيق.. الأجانب يسرقون الوظائف، يحتلون البيوت، يستنزفون أموال الضرائب، ويسرقون حيواناتنا الأليفة ليأكلوها! حتى بدا المكان بأكمله كأنه ينحدر نحو هاويةٍ بدائيةٍ مظلمة، حيث يتحول الإنسان إلى ذئبٍ ضارٍ لمجرد أنَّ الآخر الذي يجلس مقابله وُلد في بقعةٍ أخرى من هذا العالم.

كانت ندى تُصغي إلى ذلك الكلام بصمتٍ ثقيل، كأن كل جملة تهوي في داخلها حجراً آخر. كانت الإهانة في الألفاظ التي أيقظت فيها طبقاتٍ دفينة من الذاكرة. عادت إليها الطرق البعيدة التي سارتها منهكةً، والمدن التي أغلقت أبوابها خلفها، والليالي التي قضتها وهي تتقلب بين خوفٍ قديم وقلقٍ جديد، تراقب الغد كما يُراقَب مجهولٌ يختبئ خلف الضباب.

في تلك اللحظة، بدا لها أن المنفى لا يبدأ يوم يغادر المرء بيته، ولا عند اللحظة التي يطوي فيها آخر نظرة نحو وطنه. ثمة منفى آخر، أشد قسوةً وأطول عمراً، يتسلل ببطء إلى الروح، حين يجد الإنسان نفسه مضطراً لأن يبرر وجوده في كل مرة، وأن يثبت أحقيته في الاحترام، وأن يقرأ في عيون الآخرين سؤالاً صامتاً: ماذا يفعل هذا الغريب هنا؟

أما المشرفة المعالجة، فظلت صامتةً طوال الجلسة.. لم تقاطع أحداً، ولم تعترض على تجاوز، ولم تحاول حتى أن تُواري حيادها البارد المطلي بالصقيع. بدا صمتها الإداري ذاك أشد قسوةً ونكالةً من الكلمات الجارحة نفسها، لأن الإهانة حين تُساق على مرأى من سلطةٍ صامتة، تتحول تلقائياً إلى عُرفٍ يحمل طابع الشرعية.

وفجأة، انبعث صوتُ شابٍ من مؤخرة القاعة، حاداً وواضحاً كوقع الصفعة:

- اخجلوا من أنفسكم!

ساد الصمتُ للحظةٍ مباغتة، كأنَّ طائراً كاسراً حلّ فوق الرؤوس. أكمل الشاب وهو يرمقهم بنظرات مدفوعة بغضبٍ صادق ونبيل:

- ماذا تعرفون أنتم عن مآسي البشر وعذاباتهم حتى تتحدثوا بهذا الصلف المقيت؟

 هل رأيتم النيران وهي تلتهم الحواضر؟

هل شاهدتم أطفالاً يموتون من الجوع والعطش وهم يمتصون الحصى؟

 هل حملتم بين أيديكم امرأةً اغتُصبت امام اطفالها ثم رُميت في العراء لتواجه حتفها؟

 أنا رأيت ذلك الخراب وأبشع منه بكثير… حين كنت أعمل لسنواتٍ طويلة مع منظمات الإغاثة الدولية في أحراش إفريقيا ومقابر آسيا، رأيت بشراً يُبادون ويُقتلون لمجرد أن حظهم العاثر رماهم في المكان الخطأ من الجغرافيا. وأنتم.. انتم هنا، في هذا النعيم، تتحدثون عن بني جنسكم وكأنهم حيواناتٌ ضالة أو نفايات!

كانت كلماته تهتز بحرارة التجربة الحية، لا برنين الخطابة الجوفاء. شعرت ندى بأن هناك عيناً آدَميّةً رأتها حقاً في هذا المكان، كإنسانةٍ مكتملة الكرامة، لا كعشبةٍ غريبة أو امرأةٍ أجنبية.

التفتت الوجوهُ إليها أخيراً، كأنّ الصمت، بعد طول ارتباكٍ وتواطؤ، وجد في حضورها المنعزل المخرجَ الوحيد من عتمته الثقيلة. شعرت بأن الأنظار تنغرس في ملامحها المستكينة مثل إبرٍ باردة، وأن القاعة الضيقة تزداد ضيقاً كلما تصاعدت في الفضاء رائحة التوتر والأنفاس المكبوتة.

أخذت نفساً عميقاً، لتستعيد هدوءها السليب ولتجمع شتات روحها التي أنهكتها الساعاتُ الأولى في هذه المصحّة، بسبب الإهانات العارية التي تركت في نياط قلبها ندوباً لا تبرأ.

رفعت رأسها ببطءٍ يحمل معاناة السنين، وقالت بصوتٍ بدا هادئاً مستقراً، على غير ما كان يعتمل في صدرها من براكين الثورة:

- أريد أن أقول لمن يحمل في صدره هذا القدر من الكراهية العارية، إن قلبه لم يعد يتسع لشيءٍ سوى العفن الذي تصنعه الأحقاد المكبوتة. أنت تعيش على الكره كما تعيش النار على الحطب.. يبدأ الأمر ببوادر ازدراءٍ صغير، ثم يتحول إلى غضبٍ عارم، ثم إلى عنفٍ أعمى، حتى ينتهي الأمرُ بسفك الدماء والقتل.

سكتت لحظةً قصيرة، كأنها تستحضر مشهداً دموياً ما زال يطاردها في كوابيس نومها ووضح يقظتها معاً، ثم تابعت بصوتٍ أكثر صلابةً:

- قبل أسبوعٍ واحدٍ فقط، وقف رجلٌ يشبهك في ملامحه وأفكاره تماماً، وفي وضح النهار، أطلق الرصاص من سلاحه على عائلةٍ بريئة كاملة أمام مرأى المارة، لأنه استكثر عليهم حق الحياة… فقط لأنهم مختلفون عنه. ظنّ في أوهامه المريضة أنه يحمي مجتمعه من الأفكار المتخلفة، بينما كان في الحقيقة يكشف بفعله عن الوجه الأكثر قبحاً ووحشيةً للتخلف البشري.

كانت الكلمات تخرج من بين شفتيها حارةً مقدودةً من صخر، مشبعةً بمرارة خساراتٍ طويلة، لكنها لم تكن تصرخ، لم تكن بحاجةٍ إلى الصراخ أبداً، فقد كان صدقُ الألم نفاذاً وقاطعاً كحد السيف، أشد تأثيراً من أي ضجيج.

- أنت، ومن على شاكلتك، تمثل ذلك الوجه العنصري القديم، الوجه الذي قام تاريخه على إلغاء الآخر لا على استيعابه وفهمه، وعلى احتقار الآدمي لا على الاعتراف بكرامته المصونة. ما يُطلب منك اليوم ليس بطولةً خارقةً للعادة، بل الحد الأدنى من شروط الإنسانية: أن تعترف بالآخر إنساناً مساوياً لك، حتى وإن ضاق صدرك الحرج عن تقبّل وجوده قربك.

حين انتهت ندى من فيض كلامها، خيّم على القاعة صمتٌ رصاصي ثقيل، بدا كأنه ارتطامٌ خفيّ وعنيف بين عالمين لا يملك أحدهما جسراً ليعبر به إلى الآخر. ارتسمت على الوجوه علامات دهشةٍ متباينة، بعضها اتسعت حدقاته ذهولاً، وبعضها الآخر انكمش بضيقٍ وتبرّم مكتوم، كأن كلماتها لم تصدمهم لأنها قاسية، بل لأنها خرجت مدويةً من تلك المرأة النحيلة التي اعتادوا رؤيتها صامتة، مطرقة، تنكمشُ داخل رداء عزلتها كلما حمي وطيس النقاش.

وبعد لحظاتٍ تمطى فيها السكون، قالت إحدى النساء بنبرةٍ غريبة امتزج فيها الارتباك الفاضح بشيء من اللوم والعتاب:

- كنتِ هادئةً طوال الوقت… بالكاد نسمع لكِ صوتاً. وفجأة، ومن دون مقدمات، تتحدثين بكل هذا الانفعال الشديد! لم نتوقع منكِ هذا الرد أبداً.

ابتسمت ندى ابتسامةً باهتةً ذابلة، أقرب إلى خيبةٍ منهكة منها إلى سخرية التهكم، ثم قالت بصوتٍ خفيض، لكنه كان مقطراً من مرارة إنسانٍ أدرك أن صمته الطويل والمهذب لم يُفهم على وجهه الصحيح:

- إذن، أنتم لم تفهموني أبداً.

توقفت قليلاً، وكأنها تبحث بين مفردات اللغة عن طريقةٍ أقل قسوة لقول ما يعتمل في صدرها المتعب، لكنها أدركت أن الحقيقة حين تتأخر كثيراً، تخرج عاريةً وجارحة مهما حاول صاحبها تلطيف حوافها.

- كنت أظن أنكم بفطرتكم فهمتم ما الذي كنت أرمي إليه، وأنكم أدركتم ما يعنيه صمتي وتحفّظي الطويل. توقعت، ولو للحظةِ إنصاف، أن يعيد أحدكم النظر فيما قاله من حماقات… أو أن يشعر بأدنى درجات الحرج، حتى لو صاغه في اعتذارٍ عابرٍ من باب المجاملة الاجتماعية... ظننت أن واحداً منكم على الأقل سيسأل نفسه في خلوته: ماذا لو كنت أنا الغريب في بلادهم؟

كيف سيكون وقع هذه الكلمات السامة على روحي؟

 لكن يبدو أن أكثر ما أزعجكم وأقضّ مضاجعكم ليس النتن الذي قيل في حقي… بل أنني كشرت عن صوتي وتكلمت أخيراً، وقد كان ذلك في ميزان كبريائكم دليلاً زائداً ورأياً لا تستحقونه.

في هذه الاثناء، شعرت ندى بأن شيئاً دفيناً وغائراً قد تصدّع في أعمق نقطةٍ من كينونتها، بصوتٍ حادٍ لم يسمعه في القاعة أحدٌ سواها تساءلت مع نفسها:

 هل كان ما حدث انتصاراً كما خُيل إليها لوهلة وهي تواجههم بثباتٍ نادر، ام كان أشبه بانكشاف جرحٍ قديمٍ متعفن ظلّ لسنواتٍ طويلة مطموراً تحت طبقاتٍ كثيفة من الصبر القسري، والتهذيب الاجتماعي، والتظاهر المرضي بالقوة؟

كأن العمر كلّه، بثقله الفادح وتعبه ومحاولاته المضنية للتلاؤم والتكيّف، قد خرج فجأة إلى السطح عارياً، يرتجف بصدقه، حتى أربكها هي نفسها ذلك الصدق الفاضح، وهي التي اعتادت طوال العقود أن تخفي معاناتها بعناية مَن يدرك جيداً أن العالم لا يرحم المتعبين والمستضعفين.

رفعت عينيها ببطءٍ نحو المعالجة النفسية، كما لو أنها تتعلق بآخر خيطٍ واهٍ يمكن أن ينقذ المعنى الإنساني من السقوط الكامل في الهاوية. راحت تحدّق في وجهها بترقّبٍ حذر، تبحث في تقاطيعها عن إشارةٍ صغيرة تعيد إليها شيئاً من الطمأنينة المفقودة: نظرة تعاطفٍ خفية، اعتراضٍ خافت، أو حتى ارتباكٍ إنساني عابر يوحي بأن ما جرى في قاعتها لم يكن أمراً عادياً أو مقبولاً في شرعة الطب.

لكنها واأسفاه لم تجد في سحنتها سوى ذلك الوجه الأسمنتي الجامد الذي يشبه الأبواب المؤصدة في البيوت المهجورة، ملامح باردة، ومحايدة على نحوٍ أثار في قلب ندى خوفاً أشد فتكاً وقسوة من الكلمات التي قيلت قبل قليل.

 استغربت ندى بمرارةٍ كيف استطاعت تلك المرأة التي يُفترض بحكم مهنتها ورسالتها أنها قائمة على سبر الأغوار وفهم الكسور الخفية في أرواح البشر، أن تصغي إلى كل ذلك الصديد اللفظي المتدفق من أفواههم الباغية ثم تبقى ساكنةً، وادعة، كأنّ شيئاً لم يحدث تحت إشرافها!

 كيف قبلت، بصفتها حارسة الوعي هنا، أن تُهان الأجنبية الوحيدة بينهم بهذا القدر من العنف المبطّن؟

 وكيف استطاعت أن تراقب المشهد ببرودٍ مهنيّ جاف، بينما كانت كرامتها تُسحق وتسيل أمام الجميع ببطء؟

كان ذلك الصمت المهني أشد وطأةً على روحها من الإهانة نفسها، فالكلمات الجارحة، مهما بلغت قسوتها وضراوتها، تبقى واضحة الملامح والهوية، يمكن للمرء مواجهتها أو حتى صب اللعنات عليها. أما الحياد البارد، ذلك الذي يتخفّى خلف أقنعة "الموضوعية والمهنية الزائفة"، فكان بالنسبة لندى أشبه بجدارٍ زجاجي شفاف، ترى من خلاله إمكانية النجدة الآدمية، لكنها كلما حاولت الاقتراب منه ارتطمت بقسوته الصامتة التي تهشم الوجوه.

عندها بدأ يتسلل إلى أوصالها خوفٌ ثقيل ومرعب:

ماذا لو أن هذه المرأة التي جاءت إليها طلباً للفهم والتداعي والعلاج، لا تراها هي الأخرى إلا مجرد حالةٍ عابرة في ملفٍ كرتوني بارد؟

ماذا لو أن معاناتها، بكل ما فيها من غصاتٍ وتشققاتٍ خفية، لا تعني للمصحّة أكثر من دقائق معدودة تنتهي بانتهاء وقت الجلسة وكتابة تقريرٍ إداري روتيني؟

وفجأة، باغتتها بوادر انفصالٍ نفسي، كأنها تنظر إلى المشهد بأكمله من الخارج، كأنها انخلعت للحظة عن جسدها وصارت ترى نفسها واقفةً وسط القاعة:

 امرأة خمسينية تتكلم بحرقة إنسان لا يطالب إلا بحقه البديهي في أن يُعامل بآدمية، فيما الآخرون يرمقونها بنظراتٍ مستنكرة كما لو أنها تجاوزت حدود الدور الهامشي المرسوم لها في سيناريو الحياة والعيش. لقد كان صمتها الطويل، مريحاً وممتعاً لهم أكثر مما تخيلت، وأنهم ربما أحبّوا فيها تلك المرأة المستكينة الهادئة التي تبتلع الإساءة بابتسامةٍ مهذبة وتنكفئ، لا هذه الكتلة الثائرة التي تقف الآن عاريةً بصوتها، وألمها، وحقها المقدس في الغضب الصاعق.

اجتاحها شعورٌ بوحدةٍ جارحةٍ مميتة، وحدة لا تشبه عزلة المسافات الجغرافية ولا غربة اللسان واللغة، بل ذلك الفراغ الكوني البارد الذي يبتلع الإنسان بالكامل حين يُترك وحيداً أعزل في مواجهة ضباع الكراهية، بينما العيون الآدمية من حوله تراقبه بفتورٍ قاسٍ وبليد، كأن وجعه مجرد تفصيلٍ عابر في شريط الأخبار لا يستحق أن تمتد نحوه يدٌ أو عاطفة.

لم تكن غربتها يوماً في الكلمات ومخارج الحروف، فقد أتقنت لغتهم حتى صارت تتدفق على لسانها بعفوية طفولتها الأولى، ولا في هذا البلد الذي أمضت فيه أكثر من ثلاثين عاماً من عمرها، أكثر من نصف حياتها، عملت فيه بإخلاصٍ وتفانٍ، ولدت أبناءها وربّتهم وسط بيئتهم وثقافتهم، وشاركت ناسه أفراحهم الصاخبة وأحزانهم الثقيلة، حتى توهّمت يوماً، بساذجةِ من يبحث عن الأمان، أنها اقتلعت جذور المنفى من قلبها إلى الأبد.

لكنها، في تلك اللحظة الرهيبة تحديداً، واجهت الحقيقة العارية التي ظلت مختبئةً بخبث خلف القشرة اللامعة والبراقة لما يسمونه ب- "الاندماج"، أن بعض الأوطان البديلة قد تمنحك اوراق جنسيتها، وثيقتها، لكنها تبقيك في أعماق وجدانها الجمعي كائناً طارئاً، شخصاً غريباً يمكن أن يُذكَّر في أي لحظة ضعفٍ أو أزمة بأنه جاء من وراء الحدود، مهما طال مكوثه ومهما أحبّ وتربّب في الأرض التي يعيش فوقها. وأن السنوات الثلاثين التي حملتها بفخرٍ في قلبها كتاريخٍ حافل من التعب، والانتماء، والوفاء المطلق، قد انهارت وتلاشت فجأة أمام كلماتٍ مشبعةٍ بالغل، وصمتٍ رسمي أشد وحشية وضراوة منها.

ومع ذلك، وبرغم ذلك الخراب والدمار الداخلي كله، تعلقت ندى في رمقها الأخير بشيءٍ صغيرٍ جداً يشبه بصيص الأمل، ليس إيماناً كاملاً بالعدالة، بل كحاجةٍ غريزية ملحة كي لا تسقط وتنهار تماماً أمامهم، حين قالت في سرّها مناديةً ما تبقى من يقينها:

 إن المعالجة النفسية ربما ستعتذر لها لاحقاً، حين تنفرد بها في غرف الجلسات الفردية المغلقة، ربما ستقول لها بلسان الطبيب إن ما حدث بالأمس واليوم كان خاطئاً وجريمةً في حق العلاج، أو ستحاول، ولو بكلماتٍ قليلةٍ صادقة، أن تضمّد ذلك الجرح الراعف الذي أصاب أكثر مناطق روحها ضعفًا وعرياً.

لكنّ سؤالاً ثقيلاً كصخور الجبال ظلّ معلقاً في سراديب داخلها كجرسٍ خافت الإيقاع لكنه لا يتوقف عن الرنين:

 هل ستفعل ذلك حقاً وتنتصر لإنسانيتها المهنية…

أم أن التجاهل البارد سيبقى هو الجواب الوحيد الصالح لهذه المصحّة؟

تابع

*** 

سعاد الراعي

في كل صباح، قبل أن تفتح نافذة غرفتها، كانت تفتح نافذة أخرى لا تُطلّ على شارع أو سماء، وإنما على آلاف الوجوه المعلقة خلف الشاشات. تبتسم للكاميرا، ترتب خصلات شعرها بعناية، وتقول جملتها التي أحبها متابعوها:

«صباحكم أجمل من كل ما تتمنون.»

ثم تضغط زر البث.

في البداية، لم تكن هناء تبحث عن الشهرة. كانت تبحث عن مساحة صغيرة تقول فيها ما تفكر فيه، وتشارك صورًا من حياتها اليومية، وتقدم نصائح بسيطة للفتيات اللواتي كنّ يجدن في حديثها شيئًا من أنفسهن. شيئًا فشيئًا، أخذ عدد المتابعين يتضاعف. عشرة آلاف، ثم مئة ألف، ثم اقترب الرقم من المليون.

صار اسمها معروفًا.

بدأت شركات الإعلان تطرق بابها، ثم جاء المنتجون، وأصبحت صورها تُنشر على الملصقات والإعلانات. كانت تتلقى عروضًا لم تكن تتخيلها، وتتحدث إليها هواتف لا تتوقف عن الرنين.

لكن الشهرة التي تبدو من بعيد كحديقة مزهرة، كانت تخفي تحت أوراقها أشواكًا كثيرة.

في أحد الأيام، جاءها مدير إحدى الشركات بعقد طويل.

قال وهو يقلب الأوراق أمامها:

- هذا العرض ممتاز، وستحصلين على مبلغ كبير.

قرأته هناء بتمعن، ثم قالت:

- لكن الإعلان يطلب مني أن أقول شيئًا لم أجربه، ولا أستطيع أن أضمن للناس أنه جيد.

ابتسم الرجل ابتسامة باردة.

- الناس لا يريدون الحقيقة يا هناء. يريدون الصورة.

أغلقت العقد.

- وأنا لا أريد أن أبيع صورتي بالكذب.

خرج الرجل غاضبًا.

بعد أيام، بدأت حملة صغيرة ضدها. منشورات مجهولة المصدر تتهمها بالغرور، وتعليقات ساخرة تشكك في نجاحها، ومقاطع مبتورة من حديث قديم تُعرض خارج سياقها.

ثم ظهرت منافسة جديدة.

كانت جميلة، ذكية، وتعرف جيدًا كيف تستفز الناس. لم تذكر اسم هناء صراحة، لكنها كانت تلمح إليها في كل ظهور:

«بعض المشهورات يعتقدن أن النجاح شهادة أبدية، وأن الجمهور ملكية خاصة.»

انتشرت العبارة.

وفهم الجميع المقصود.

هناء أيضًا.

حاولت أن تتجاهل الأمر. لكنها كانت كلما دخلت إلى حسابها وجدت تعليقًا جديدًا، وكلما فتحت هاتفها وجدت رسالة أكثر قسوة من سابقتها.

ثم جاء الضربة الأكبر.

ألغى أحد المنتجين مشروعًا كانت تعمل عليه منذ أشهر، بعدما وصلت إليه أخبار وحكايات ملفقة عنها. لم يدافع عنها أحد. بعضهم صمت، وبعضهم وجد في سقوطها فرصة للصعود.

وفي تلك الليلة، جلست هناء أمام مرآتها.

كانت ترتدي الثوب نفسه الذي ظهرت به قبل أسابيع في إعلان حصد ملايين المشاهدات. غير أن وجهها في المرآة لم يكن الوجه الذي يعرفه الجمهور.

كان متعبًا.

أطفأت الأنوار.

وظلت في الظلام.

مرّ أسبوع.

ثم أسبوع آخر.

اختفت هناء عن الشاشة.

بدأ المتابعون يتساءلون:

«أين هناء؟»

«هل اعتزلت؟»

«ماذا حدث لها؟»

لكنها لم تجب.

كانت قد فقدت رغبتها في الكلام. حتى الكلمات التي كانت تكتبها بسهولة صارت تبدو ثقيلة كالحجارة. كلما أمسكت الهاتف شعرت كأنها تمسك مرآة تُظهر لها أسوأ ما فيها.

وفي إحدى الليالي، وصلتها رسالة من فتاة لا تعرفها.

كتبت:

«هناء، ربما لا تعرفينني، لكنني تابعتك منذ بدايتك. لم أحبك لأنك مشهورة، وإنما لأنك كنتِ صادقة. لا تسمحي لأناس لا يعرفونك أن يقنعوك بأنك لستِ أنتِ.»

قرأت هناء الرسالة مرة.

ثم مرتين.

ثم بكت.

لم تكن تعرف لماذا جعلتها تلك الكلمات تبكي. ربما لأنها للمرة الأولى منذ وقت طويل شعرت أن أحدًا يرى الإنسان المختبئ خلف الصورة.

بعدها اتصل بها صديقها القديم سامر.

قال لها:

- أنتِ لا تخسرين لأن بعض الناس تكلموا عنك. تخسرين فقط إذا صدقتِ كلامهم.

قالت بصوت خافت:

- لكنني تعبت.

- إذن استريحي، لكن لا تختفي.

سكتت.

ثم أضاف:

- أنتِ صنعتِ هناء التي عرفها الناس بيديك. فلا تتركي الآخرين يهدمونها بلسانهم.

في الأيام التالية، بدأت الرسائل تتوالى.

رسالة من فتاة تقول إن فيديو لهناء ساعدها في تجاوز أزمة.

شاب كتب لها أن نصيحتها ذات يوم دفعته إلى العودة إلى الدراسة.

امرأة أخبرتها أن حديثها عن الخوف منحها الشجاعة في لحظة صعبة.

كان العجيب أن هناء لم تكن تتذكر معظم هؤلاء.

لكنهم كانوا يتذكرونها.

اكتشفت أن الأشياء التي ظنت أنها ضاعت في بحر الشهرة لم تضع كلها. بعض كلماتها بقيت في مكان ما، داخل أشخاص لم تر وجوههم يومًا.

ذات صباح، جلست أمام الكاميرا.

لم تضع مكياجًا كثيرًا.

لم تختَر خلفية فاخرة.

لم تعدّ نصًا طويلًا.

ضغطت زر البث.

ظهرت عشرات التعليقات في اللحظة الأولى، ثم مئات.

نظرت إلى الشاشة وقالت:

- غبتُ لأنني تعبت. خفتُ، وتألمت، وصدقت للحظة أن قيمتي تتوقف على عدد المشاهدات والإعجابات.

توقفت قليلًا.

- ثم فهمت شيئًا.

رفعت عينيها إلى الكاميرا.

- نحن لسنا الأرقام التي تظهر تحت صورنا.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم أضافت:

- الشهرة تستطيع أن تجعل الناس يعرفون اسمك، لكنها لا تستطيع أن تمنحك قيمتك. هذه القيمة عليك أن تعرفها أنت أولًا.

امتلأت الشاشة بالتعليقات.

«اشتقنا إليك.»

«عودتك أجمل من أي إعلان.»

«نحن هنا.»

«لا تختفي مرة أخرى.»

ابتسمت هناء.

كانت تلك الابتسامة مختلفة.

لم تكن ابتسامة صنعتها الكاميرا، وإنما خرجت من مكان عميق استعاد شيئًا كان قد ضاع.

بعد أيام، عاد المنتجون إلى الاتصال.

وعادت العروض.

وعادت المنافسات أيضًا.

لكن شيئًا في هناء كان قد تغيّر.

صارت تقرأ العقود بعناية، وترفض ما لا يشبهها، ولا تدخل معارك صغيرة من أجل إثبات أنها الأقوى. وحين كانت تسمع تعليقًا جارحًا، لم تعد تقضي الليل تبحث عن صاحبه.

كانت تطفئ الهاتف.

وتنام.

وفي مساء هادئ، وقفت أمام المرآة نفسها التي جلست أمامها ذات ليلة منكّسة الرأس.

نظرت إلى وجهها طويلًا.

ثم ابتسمت.

لم تكن الشاشة هذه المرة أمامها.

ومع ذلك، شعرت أنها ترى نفسها للمرة الأولى.

***

حسن لمين

ناولَ المريدُ شيخَه قدحَ الماءِ، طلبًا للرّواء وسدًّا لعطشةٍ فرضتْ ذاتَها بعد تناولِ وجبةٍ دسمةٍ من طعام الكسكس. ترنّحتْ كفّ الشيخ فانفلتَ القدحُ من قبضته وتهشّمَ أرْضا... وفي ردّةِ فعلٍ سرِيعةٍ نبس الشيخُ قائِلًا: أعوذُ بالله من الشيْطانِ الرّجيم. وفي ردّ فعلٍ أسرعَ منْ ومضة، ودون تفكير، ردّ المُريدُ:

- وما دخْلُ الشيْطانِ في هذه النازِلة يا شيخَنا؟

استغربَ الشيخُ لهذا الردّ. ولم يتوقّعْهُ من جليسه البتّة. وهو المطمئنّ إلى حصيلةِ تعليمه وتوجيهه وإرشاده أنّها انغرستْ في قلوب مريديه وعقولهم.

- كيفَ تسأل هذا السؤال يا ولدي؟

- ولِمَ لا أسأل؟

- لأن البداهةَ تقول ذلك.

- لا يا شيخي... البداهةُ لا منطق لها. البداهةُ تسليمٌ قامَ على العجز والقبول الخاوي وكذا على شَلِّ حركية العقل. وحضرتكم قد علّمْتُمونا أن نشكّ لبلوغِ اليقين.

سُقِطَ في يدِ الشيخ، وحاول صرفَ الحوارِ إلى منطقةٍ أخرى حتّى لا يستفحل ويجرّ الحالَ إلى المحال.

في الضّفّة الهيولانيّة الأخرى من المجلس، قال الشيطان لخليلته: أسمعي يا خليلتي إلى هؤلاء. وبربِّكِ، هل تدخّلتُ في النازلة؟ هل عاكستُ كفَّ الشيخ كي يسقط القدحُ من تحكّمه؟ هل مارستُ إلهاءً كبيرًا أو صغيرًا على سمْتِهِ حتى يحشرَني في هذا الأمر.

قالتْ: أشهدُ أنكَ إبّانَ حدوثِ النّازلة كنتَ تغطّ في قيلولتك غطًّا سادِرا، وكنتَ تشخرُ شخيرًا هادِرا...

ضحك الشيْطان حتّى بدتْ نواجدُهُ، ثمّ استلْقى على ظهرهِ في نشوةِ المظلوم الّذي ظهرتْ براءته.

شطّب المريدُ أشلاء القدح من البلاطِ، وجمعها في كيسٍ مرصودٍ للقمامة. ثم التفت إلى شيخه وقال:

- افرِض يا شيْخي أن توقيتَ سقوط القدح من كفّك هو توقيتُ نومِ الشيطان؟

- وهل اليشطانُ ينام؟

- نعم... ينام...

- وما دليلك؟

- دليلي من القرآن.

- هات ما عندك.

- النوم حالةٌ ناقصةٌ. والشيطان ناقص.

- لم تُفْحِمني.

- الله سبحانَه وتعالى، هو الوحيد الّذي لا تأخذه سنةٌ ولا نوم. وبقية الخلق يعتريها الكلل والتعب والعياء فتطلب النوم صفةً لاصقةً بنقصانِها.

سمعَ الشيطانُ مقالة المريد، ابتسم في وجه خليلتِه ثم قال: علينا أن نرصدَ لهذا الشابِّ مزيدا من الرقابة. إنه خطر عليْنا.

ردّتْ بأن العكسَ هو الصحيح. لأنه طاقةٌ تكسّرُ المسلّمات. ونحن نقيم في التفاصيل. فلندعهُ يمارِس بعض الهدمِ في غيرِ شعورٍ أو إرادة، عسى أن تنبثق من تفاصيلِنا في روْعِهِ خدعةٌ أو خدعتان، نرعاها ونرويها وننشرها كأنّها اليقين المقيمُ في رفرفة الفراشة.

انبرى الشابُّ مدفوعًا برغبة عارمة في اجتناء المعرفة. قال:

- أسألكم يا شيخنا. لِم في وصفِنا للشيطان نصفه دائما بالبشاعة والقبح..؟

- ردّ الشيخُ: لأنّ البداهةَ قالتْ ذلك.

- وهل للبداهةِ سلطان على العقل؟

- وما بديلك أيّها الشابّ المشاكس؟

- بديلي هو أن الشيطانَ جميلٌ ووسيم.

- على أيّ بنيانٍ أسّسْتَ قناعتَك؟

- قد أثبتْنا الآن في نازلة سقوط القدح أن الشيطان برئ. أليس كذلك يا سيّدي؟

- بلى...

- إذن فكل برئٍ هو جميل.

- هل تقصدُ جمالَ المظهر؟

- طبعًا لا يا شيخي. أقصد جمال المخبر.

- هل جُنِنْتَ وكل الأدلّة النصية والعقلية تقول بخبث الشيطان.

- نعم يا شيخي. ولكنني أقصد بجمال الشيطانِ ووَسامتِهِ إخلاصهُ لمشروعه الأزلي والتاريخي.

- أيّ مشروع يا هذا؟

- مشروع الغَواية.

- كيف؟

- ألم نقرأ في كتاب الله العزيز قوله (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ . إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ .قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)؟

- بلى... قرأنا واستوعبنا وحسمْنا... فما مكمنُ الجدّة والفرادة في هذا؟

- الشيطانُ جميلٌ ووسيمٌ لأنه قرّر وأخلص المضيّ في القرار بخلاف البشر الذين يغلب عليهم الإخلاءُ بالقرار والتخلّي والتراجع والخيبة وما شابه. الشيطانُ برئٌ ووسيمٌ وصادق، لأنه أقسم أن يبلغ بمهمّته في الغَواية مبلغَ التنفيد في دقّةٍ متناهية. وما أحوجنا أن نتعلّم منه هذه القوة في التنظير وفي التظهير.

بدا على الشيخِ بعضُ الارتباك نتيجةَ جرأة المريد. وقرّر في روعهِ أنْ يحسمَ النقاشَ بطريقةٍ قيصريّةٍ، ولكنّه لم يجرؤ على الفعل تقديرًا لصورةِ المعلّمِ المتجرّدِ في تعليمه، والمخلص في أهدافه وغاياته، وإيمانِه أن أول شرطٍ من شروطِ المَشْيَخَة ألّا يتكاثَر الشيخُ عبر استنساخِ ذاتِه في مُريديه، وأن يعلّمهم دونَ نيةِ قهرِهم كي يتبنّوا ما اعتقده في التفكير، اللهم في الاعتقاد، فهو مسألةٌ مركزيةٌ تقوم على التوحيدِ... وهو خطٌّ أحمر.

سايرَ الشيخُ مريدَه لا لجبْرِ خاطر، وإنما لإحساسٍ فيه تولّدَ، وقام على أن يجتنِيَ من النهرِ ما ليس في البحر.

انبرى المريد سائِلًا وهو في غمرةِ الحماسِ المطوِي في صدرهِ منذ زمن:

- لِمَ يا شيخنا عندما نصف الشيطان نصفُهُ بقرْنيْن وذيلٍ وأظلاف، وأظافر مثل المخالب...؟

- لأنّه كذلك، وهذه التفاصيل تعبير مناسبٌ لصورةِ الغوايةِ فيه ومناسبٌ للشرّ الكامِنِ فيه...

- لا يا سيدي... هذه الصورةُ نمطيّةٌ لا علاقة للشيْطانِ بها، وإنّما بنتْها وأسّستْها وروّجتْ لها ذاكِرَتُنا الغارفَةُ من وجدانِنا الجمعي الّذي حاصر هذا الكائن في هذه الدائرة الضيقة، وأورَثهَا للأجيالِ حتى ترسّبتْ فينا ترسّبًا منحها مصداقية الحضور وأعطاها صفةَ الإطلاقية وثبّتْناها برغبتِنا الكسولة في تجسيدِ الشيْطان تجسيدًا خرافيًّا لاعلاقةَ له بالمنطق وبسيرورة هذا المخلوق وصيرورته.

- فكيف يا ولدي الحاذِق في الفهم والعلم يكون هذا الشيطان وما صفاتُه وخصائصه وشكله وباطنه؟

- مهلًا يا سيدي مهلا... فأنا أحاصر حديثي في تمثّلاتِنا المغلوطة فقط. فلا قيمةَ للشيطانِ بالقرنيْنِ والذيل والمخالب والأظلاف.

- كيف ذلك؟

- إنّ هذه الصورة النمطية غريبة وفاشلة لأنها لا تقومُ على حقيقة، وإنما تقوم على وهم. زِدْ على ذلك أن وظيفةَ الشيطانِ الإغوائية تفرِضُ عليه أن يتقدّم للمغرَّرِ بهم في صورةٍ وسيمةٍ وجميلةٍ للتمكّنِ منهم. فهو إن بدا على الشكل النمطيّ المعهود فسيكشف بعضَ أوراقِه وسيدفع المغرّر بهم إلى الاحتياط منه. وسيفضحُ خطّته كلّما تجلّى بقرنيْن وذيلٍ ومخالب وأظلاف...

- ما هذا التخريجُ الغريب لصورةِ الشيْطان؟

- أنا أجتهد يا سيدي، وقد علّمتمونا أن باب الاجتهاد مفتوحٌ على مصراعيْنِ واسعيْن لآفاقَ أوسع...

- وإلى أين قادكَ اجتهادك؟...

قالَها الشيخُ وقد تحوّل من معلِّمٍ إلى متعلّمٍ يجتني بعض المعرفة من هذه الحصاةِ الصغيرة. فالقول القديم (لا تحقرنّ من الأمر صغيرةً، إنّ الجبال من الحصى) هو الآن قولٌ بمصداقية واضحة. وقد أبدى اهتماما بأطروحاتِ تلميذهِ وانفتحَ عليها بعقلٍ مستقبلٍ منقّح وناقد...

- الصورةُ العالقةُ في أذهانِنا عن الشيطان بقرنين وذيل ومخالب وأظلاف، صورة نازحةٌ من التديّنِ المسيحيّ الّذي بنتهُ أفكار العصور الوسطى في تأويلِها لنزول الشيطانِ مغضوبًا عليه من السماء.

- هذا صحيحٌ يا بنيّ... ولكن ما قولك في الآية الكريمة الواصفة لشجرةِ الزّقّوم ( طلعُها كأنّه رؤوسُ الشّياطين)...؟

- لستُ في مقامِ المفسّر المالك لضوابط التفسير، ولكنّني من موقع الحق في قراءةِ التراث وفهمهِ في اجتهادٍ مائلٍ جدًّا إلى الخطأ منه إلى الصواب أقول إنّ الموصوف هنا هو المُبأّرُ وهو الشجرة وليس الشيطان. ومع ذلك أقول إن القبحَ هنا مسنودٌ للمشبّهِ وللمشبّهِ به معًا. ومن ثمّةَ فالشيطانُ يمتلك رأسًا بشعةً قريبةً في بشاعتِها من شجرة الزقوم. ولكن دعْنِي يا شيخي أوضحُ مسألةً هي في غاية الأهمية...

- ما المسألةُ الجديرة بالإنصات يا ولدي؟ فقد شوّقْتني للمزيد...

- تأكّدْنا يا سيدي من أن الشيطانَ قبيحُ الرأس مثل شجرة الزقوم. السؤال هنا هو: هل يستقيم المعنى داخلَ الحقيقةِ ام داخل التجلّي؟

- الحقيقةُ هي بشاعة الشيطان، والتجلّي لابد أن يكون في الجمال حتى يتسنى للشيطانِ ممارسةُ الإواء.

- هو ذا ما كنتُ أرومه. وألهجُ بتسطيره في اجتِهادٍ منّي اجتهادًا قاصرا. لابد للشيطانِ من التجلي لضحيتهِ في صورةٍ جميلة انسجامًا مع خطّتهِ في تحقيق الكمال في الاستدراجِ والإغواء والانتصار على المغرّرِ بهم. والصورة تتمايز بين الحسن والقباحة بتمايز سياقات الضحية. فقد يتجلى الشيطانُ بشعًا لفلان ويتجلى جميلا لفلان وهكذا... كلٌّ حسب سياقه المفرد والمتفرّد...

- أنت تتكلّمُ يا ولدي خارج النقل.

- تمامًا يا شيخي. أتكلّم من زاية العقل مشفوعًا بتأويل النقل تأويلًا لا يشط بالمعنى القرآني بعيدًا عن الحق.

- أما زلتَ تلحّ على وسامةِ شيْطانك يا بنيّ؟

- نعم... وأزيدكم وأنتم العارفون.

- زِدْني زادك الله من توفيقه.

- في الثقافة المسيحية للعصور الوسطى، تبثَ في جدارياتِ الكنائس وخاصةً في إيطاليا ظهور الشيطان في صورة الملاكِ الأزرق السماوي. لكن هذه الصورة الملائكية تمّ التخلي عنها لاحقًا لصالح مظهر شيطاني... وفي بعضِ النصوص البابلية القديمة، ذُكرت الشياطين مُجنّحةً تطير ليلًا، وتُغوي الناس.

- وما قيمةُ هذا التوثيق التاريخي البعيد؟

- قيمتهُ تتجلّى في الحضور الملائكي في شخص الشيطان. ومنهُ نستدعي قيمة الجمال الشيْطاني.

- أنتَ تشطّ بعيدًا يا ولدي؟

- فما قولكم يا سيدي في اختلاف علماء الإسلام في جذور الشيطان بين جذر الجنّ وجذر الملائكة.

- هذا خلافٌ محسومٌ يا أيّها الباحث المنقّب. وهو محسومٌ لصالحِ الجن الذي هو أصل الشيطان.

- وهل هذا يقوم دليلًا على أن الجنّ كانَ قبيحًا وبشعًا وبقرنيْن وذيلٍ ومخالب وأظلاف..؟

صمتَ الشيخُ برهةً من الزمن. ثم طأطأ رأسه كأنه يبحث عن ضالّة. ثمّ قرّر... أراد الشيخُ تبديل وجهة الكلام خشيةَ أن يبزّه المريدُ بزًّا إضافيًّا، وحتّى لا يفقد بعضَ سمتِهِ وهو المعلّم الّذي يُشهد له بالحكمة والعقل، أرسل الشابّ في مهمّة خارج مقرّ الزاوية، ثمّ ركنَ إلى قيلولته المعهودة.

***

أبوشامة نورالدين حنيف - المغرب

 

منذُ خمسين عاماً أطرقُ أبوابَ الثّلجِ

انوحُ على خيباتِ الإسراءِ

أدلجُ في معصيةِ النّشوى

بحثاً عن ظلّي

في قطرةِ دفءٍ من شبحِ الأمسْ

ماذا يُهديكَ البحرُ العارمُ هذا والأمواجُ الرّعناء؟

ماذا تهمسُ في العَتمةِ أطيارُ النّيل؟

حذائي باتَ يوبّخني

بترابِ الطّرقاتِ تخطُّ بناطيلي

ليلي يتثاءبُ من أرقِ التّرحال

أتذكرُ يا هذا الرّملُّ الماجنُ

لمّا كنتَ تداعبُ خصلاتِ التّبر

تُمسّدُّ عاجَ الأجسادِ الشّبقة

للحسناواتِ الشّقراوات

وحرقتَ أصابعَ أقدامي وقفاي؟

ما بالكَ تسعلُ هذا اليومَ

كالزّمنِ المحموم؟

هل شاخت أيامُك من "روماتيزم" القهرِ

أم خانك وعدُّ القمرِ؟

ماذا ظلَّ بعينيك الغاضبتين

من دفءِ الصّيفِ الفائتِ

غيرُ الرّملِ الباردِ

ودموعُ المنفى وثلوجُ الإقصاء؟

***

قصائد من مملكة الزيتونّ

شعر: د. قحطان مندوي

الأربعاء ٢٥-١-٢٠٢٣ فالنسيا-إسبانيا

 

مَا كُنْتُ أُحْصِي الشُّقُوقَ الَّتِي

تَنَامُ تَحْتَ رُخَامِ الْكَلَامِ،

وَلَا كُنْتُ أُفَتِّشُ فِي الظِّلِّ

عَنْ سِكِّينٍ يُخَبِّئُهُ الِابْتِسَامُ.

فَالْأَشْجَارُ لَا تَسْأَلُ الرِّيحَ عَنْ نِيَّتِهَا

حِينَ تُهْدِي الْغُصُونَ نَشِيدَ الرَّبِيعِ،

وَلَا النَّهْرُ يَرْتَابُ مِنْ ضِفَّتَيْهِ

إِذَا أَوْدَعَ الْمَاءَ فِيهِمَا سِرَّ الْمَسِيرِ.

لِذَلِكَ تَرَكْتُ الْأَبْوَابَ مَفْتُوحَةً لِلنَّدَى،

وَلِلْوَقْتِ يَعْبُرُ بَيْنَ الْمَرَايَا بِثَوْبِ الْبَرَاءَةِ،

وَلِلذِّكْرَى تَتَجَوَّلُ فِي بُرَاحِ الرُّوحِ

دُونَ حُرَّاسٍ عَلَى الْقَلْبِ،

أَوْ شَكٍّ يَنَامُ فِي قَفَصِ الصَّدْرِ.

كَانَ لَنَا مَقْعَدٌ عِنْدَ آخِرِ حُلْمٍ،

تَجِيءُ إِلَيْهِ الْمَسَاءَاتُ مُحَمَّلَةً بِعِطْرِ الْبِدَايَاتِ،

فَنَقْتَسِمُ الصَّمْتَ كَمَا يَقْتَسِمُ الْعَاشِقَانِ

رَغِيفَ الْحَنِينِ.

كَانَتْ يَدُ الذِّكْرَى بَيْضَاءَ كَالْمَاءِ

حِينَ يَمُرُّ عَلَى حَجَرٍ

لَمْ تُعَلِّمْهُ الْخَيْبَاتُ فَنَّ الْأَنِينِ.

لَكِنَّ شَيْئًا خَفِيًّا تَسَرَّبَ مِنْ بَيْنِ شَرَايِينِ الْوَقْتِ،

شَيْئًا يُشْبِهُ الصَّدَأَ، مُنْتَحِلًا هَيْئَةَ الذَّهَبِ،

أَيْقَظَ فِي الْمَمَرَّاتِ وُجُوهًا

تَجْرَحُ الْوَرْدَ بِسِكِّينِ غَدْرٍ.

رَأَيْتُ السَّنَابِلَ تَنْحَنِي لِفَرَاغٍ خَلَّفَهُ الْجَرَادُ،

وَرَأَيْتُ الْوَفَاءَ حِصَانًا أَصِيلًا

يُبَاعُ فِي الْمِزَادِ.

رَأَيْتُ الْحَقِيقَةَ تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا عَارِيَةً،

تُخَبِّئُ وَجْهَهَا كَعَذْرَاءَ بَاغَتَتْهَا الْعُيُونُ،

بَيْنَمَا الْكَذِبُ يَخْتَالُ فِي السَّاحَاتِ مُزْهُوًّا

بِأَوْسِمَةِ الِانْتِصَارِ.

عِنْدَهَا أَدْرَكْتُ أَنَّ بَعْضَ الْخَرَابِ لَا يَأْتِي صَاخِبًا،

بَلْ يَتَسَلَّلُ مِثْلَ بَخُورٍ زَكِيٍّ، يَمْلَأُ الْغُرْفَةَ عِطْرًا،

وَيَخْنُقُ الْهَوَاءَ النَّقِيَّ،

فَتَمُوتُ الْأَحْلَامُ فِي الزَّوَايَا كَمَدًا.

أَدْرَكْتُ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُوجِعُ الْقَلْبَ

لَيْسَ سُقُوطَ الْقِنَاعِ،

بَلِ اكْتِشَافُ أَنَّ تَحْتَ الْقِنَاعِ... قِنَاعًا.

الذِّكْرَى مَا زَالَتْ هُنَاكَ،

عِنْدَ نَافِذَةِ الْعُمْرِ، فِي ثَوْبِهَا الْأَوَّلِ،

تُسَرِّحُ شَعْرَ الْمَسَاءَاتِ بِمِشْطِ الطُّمَأْنِينَةِ،

وَتَضْحَكُ ضَحِكَاتٍ صَاخِبَةً

تَجْعَلُ الْعَالَمَ أَقَلَّ وَحْشَةً.

لَا أَلْعَنُهَا،

فَالْيَنْبُوعُ لَا يُدَانُ إِذَا لَوَّثَتْهُ يَدٌ عَابِرَةٌ،

وَالْفَجْرُ يَبْقَى فَجْرًا،

وَلَوْ مَرَّتْ فِي أُفُقِهِ أَسْرَابُ غَيْمٍ مُهَاجِرَةٍ.

لِذَلِكَ أَرْفَعُ لِلذِّكْرَى تَحِيَّةَ مَنْ عَرَفَ دَائِمًا قِيمَتَهَا،

وَأَتْرُكُ لِلْخِيَانَةِ مَجْدَهَا الْوَهْمِيَّ.

فَمَا كُلُّ مَا يَسْقُطُ يَنْدَثِرُ،

وَلَا كُلُّ مَا يَبْقَى يَظَلُّ لَهُ مَعْنًى.

فَبَعْضُ الْأَشْيَاءِ تَمُوتُ

حِينَ تَفْقِدُ شَرَفَ الْمَعْنَى،

وَأُخْرَى تَبْقَى خَالِدَةً،

لِأَنَّهَا كَانَتْ، بِصِدْقٍ نَادِرٍ،

حَتَّى وَإِنْ خَانَهَا الْبَشَرُ.

***

مالكة حبرشيد

 

الثعلب أمين المجلس

قصة أدبية خيالية

***

"ما فسدت الممالك يوم غاب عنها القانون، وإنما فسدت يوم تولى تنفيذه من جعل هواه فوق الميثاق وقواعده المنظمة."

يحكى أنه في قديم الزمان، قامت في قلب الغابة مملكة ضربت بها الأمثال في حسن النظام واستقامة العدل، حتى كانت الوفود تأتيها من أقاصي البراري لتتعلم كيف تستقيم المملكة إذا استقام ميثاقها، والتزم الجميع بقواعده المنظمة.

وكان على عرشها أسد وقور، عرف بين الرعية برجاحة العقل، وسعة الصدر، وحسن الظن بمن يعملون معه. ولم يكن يرى في الحكم مغنما، وإنما كان يعده أمانة ثقيلة لا يحملها إلا من خاف الله في رعيته. لذلك أحاط نفسه بمجلس من حكماء الغابة، وجعل النمر كبيرهم ورئيسهم، ورشح الثعلب ليكون أمينا للمجلس، يتولى حفظ الميثاق، وتنفيذ قواعده، وتنظيم أعمال المجلس، ومتابعة كل من يتقدم للانضمام إلى صفوف الحكماء.

وكان أمين المجلس ثعلبا ، اشتهر بين الحيوانات بحسن الهيئة، ولين الحديث، والتفاني في الخدمة التملق، حتى ظنت أكثر الحيوانات أن الأمانة قد اتخذت له صورة تمشي على الأرض.

كان إذا لقي النمر بالغ في الثناء عليه، وأفرط في التملق له، وإذا اجتمع بالحكماء أظهر العلم والورع والحرص على العدل، وإذا قابل عامة الحيوانات ابتسم في وجوههم، وسارع إلى قضاء حوائجهم، حتى صار مضرب المثل في حسن المعاملة.

لكن البومة الحكيمة - وهي من أعضاء المجلس - كانت تقول في سرها: "ليس كل من أكثر من الحديث عن الأمانة كان أمينا، فبعض النفوس تجعل الفضيلة ثوبا ترتديه حتى تبلغ غايتها."

ولم تكن البومة تدري أن وراء تلك الابتسامة الهادئة نفسا يملؤها طموح لا يعرف الحدود.

فقد كان الثعلب يرى نفسه أذكى من أعضاء المجلس جميعا، وأقدر على القيادة من رئيسه، وكان يحدث نفسه كلما خلا بها: "ولماذا أبقى أمينا، وأنا أصلح للرئاسة؟ ولماذا أتبع غيري، وأنا أولى بأن أتبع؟"

وكان يرى أن المنصب الذي يشغله اليوم ليس إلا الدرجة الأولى في سلم طويل ينتهي، لا محالة، عند مقعد الرئاسة.

وفي ناحية بعيدة من الغابة كانت تعيش أنثى ذئب عجوز، لم يبق لها من قوة الشباب شيء، لكنها اشتهرت برداءة الطبع، وخسة النفس، والحقد على الآخرين، والمكر بهم. وكانت تعرف كيف تنفذ إلى النفوس المريضة، فتوقظ فيها ما خفي من شهوة السلطان وحب السيطرة.

فلما رأت ما يعتمل في نفس الثعلب من كبر وطموح، قربته إليها في مناسبات كثيرة، وأخذت تستعمله لتنفيذ أغراضها في رفع الفاسدين من جلسائها وخدمها، والتنكيل بالنجباء ممن لا يأتمرون بأمرها، ولا ينصاعون لرغباتها.

وكان الثعلب يصغي إليها، وينفذ مطالبها في مجلس الحكماء دون تردد، ظنا منه أن التقرب منها رفعة لشأنه، ووسيلة تعبد له الطريق إلى شهوة الرياسة.

وفي تلك الأيام، شاع في أنحاء الغابة أن النحلة المجتهدة، التي كانت تسكن في الجهة نفسها التي تسكنها أنثى الذئب العجوز، قد استوفت جميع الشروط التي نص عليها الميثاق وقواعده المنظمة، للانضمام إلى مصاف الحكماء، بعد سنوات طويلة من العمل الدؤوب، والإنجاز الذي شهد لها به القاصي والداني.

وما إن بلغ الخبر أنثى الذئب العجوز، حتى انقبض وجهها، واشتاطت غيظا وحقدا، فتواصلت مع الثعلب، وقالت له :" لا بد، بكل السبل والوسائل، أن نمنع النحلة من الترقية والانضمام إلى مصاف الحكماء، فإن وجودها بينهم يضر بمصالحنا المشتركة."

فأدرك الثعلب ما رمت إليه أنثى الذئب العجوز، ومنذ تلك اللحظة عقدا بينهما عهدا خفيا، ألا يدخرا وسيلة تحول دون وصول النحلة إلى مصاف الحكماء.

ولم ينتظرا حتى تصل أوراق النحلة إلى مجلس الحكماء للنظر فيها، بل شرعا في إعداد المسرح قبل بدء المشهد. فاستعانا بغراب وقح، متملق، من حاشية أنثى الذئب العجوز، اعتاد الخيانة والتملق طلبا لمصالحه، حتى صارا سجية من سجاياه، فخان النحلة التي وقفت إلى جواره في أوقات انكساره، وأسدت إليه من المعروف ما كان فارقا في حياته ومساره.

وما إن أحيل ملف النحلة إلى مجلس الحكماء، حتى أيقن الثعلب أنه لا بد من تجهيز لجنة من الخبراء تدين لهما بالولاء، يحال إليها ملف النحلة للنظر فيه وتحكيمه، حتى يتم التنكيل بها، ورفض ترقيتها إلى مصاف الحكماء كما يرغبان.

لكن غالبية أعضاء مجلس الحكماء، لما عرف عنهم من نزاهة، واستقلال، وخبرة، فطنوا إلى مخطط الثعلب وأنثى الذئب العجوز، ورفضوا الأسماء التي اقترحها، وفضحوا مخططهما، وأجمعوا على تشكيل لجنة من الخبراء امتازت بالكفاءة، والشرف، والاستقلال، والعدالة، لتنظر في ملف النحلة، وتقول فيه القول الفصل. ثم أحالوا إليها الملف، وانتظروا تقاريرها.

وفي أثناء فحص لجنة الخبراء لملف النحلة، استقطب الثعلب وأنثى الذئب العجوز أحد أعضاء اللجنة، وهو الفأر، ليساعدهما في تنفيذ مخططهما من داخل اللجنة. فأخذ يطعن في ملف النحلة، ويردد معهما ما أشاعاه في حقها، بل تضامن معهما في التواصل مع أعضاء لجنة الخبراء، للترويج لديهم بضعف ملف النحلة، بل وادعى أنها انتحلت بعض ما ورد فيه من أعمال الآخرين، وأن ذلك لا يؤهلها للترقية إلى مصاف الحكماء، بل يستوجب طردها من المملكة، لخيانتها وعدم أمانتها، كما زعموا.

لكن لجنة الخبراء لم تنصع لهم، ولم تأخذ بما كانوا يرددونه من شائعات حول النحلة، وأجمعت على أن تنظر في ملفها بحياد وعدل، فإن كانت تستحق الترقية إلى مصاف الحكماء أقرت بذلك، وإن لم تستحق، بينت الأسباب في وضوح وتجرد.

وجاء اليوم الموعود، الذي سيعرض فيه تقرير لجنة الخبراء على مجلس الحكماء.

دخل النمر قاعة المجلس، وجلس على مقعد الرئاسة في وقاره المعهود، وعن يمينه البومة الحكيمة، وعن يساره الفيل الوقور، ثم اكتمل حضور أعضاء المجلس، وفي مقدمتهم الثعلب أمين المجلس، والفأر عضو اللجنة، اللذان بدت على وجهيهما علامات القلق والاضطراب.

وما إن أمر النمر بفتح تقارير لجنة الخبراء الخاصة بملف النحلة، حتى بادر الثعلب والفأر بالاعتراض، وطلبا تأجيل عرضها وإعلان نتيجتها، الأمر الذي أثار استغراب أعضاء المجلس.

فقالت البومة: "لقد عهدنا إلى لجنة الخبراء بالفصل في هذا الملف، فكيف نمنع أنفسنا من سماع ما انتهت إليه؟"

وقال الفيل: "إن الميثاق لا يجيز حجب تقارير الخبراء عن مجلس الحكماء، وإلا فما جدوى إحالة الملفات إليهم؟"

وأضاف الببغاء: "إن احترام الميثاق يبدأ باحترام إجراءاته، وأولها أن تعرض التقارير على المجلس كاملة، دون زيادة أو نقصان."

وأيدت السلحفاة وسائر أعضاء المجلس هذا الرأي، وأجمعوا بالأغلبية على فتح التقارير وإعلان ما انتهت إليه لجنة الخبراء.

ففتحت التقاررير، وجاءت جميعا متوافقة، لا يكاد يختلف أحدها عن الآخر، مؤكدة أن النحلة قد استوفت جميع الشروط التي نص عليها الميثاق وقواعده المنظمة، وأنها جديرة بالترقية إلى مصاف الحكماء عن جدارة واستحقاق فائق.

فقال الفيل: "لقد حسم الخبراء الأمر." وقالت السلحفاة: "ولم يتركوا موضعا للشك." وقالت البومة: "إذا شهد الأمناء بالحق، وجب على المجلس أن ينصف أصحابه."

وعقب مناقشات طويلة، أجمع أعضاء مجلس الحكماء - فيما عدا الثعلب والفأر - على إقرار استحقاق النحلة للترقية ألى مصاف الحكماء، وقرروا تحرير شهادة رسمية بذلك، ووقع عليها أعضاء المجلس، تمهيدا لرفعها إلى الأسد لاعتمادها.

غير أن ذلك لم يرق للثعلب، الذي كانت جميع أوراق النحلة، وتقارير الخبراء، ومحاضر المجلس مودعة بعهدته، بحكم منصبه أمينا للمجلس.

ورأى أن المؤامرة التي خطط لها مع أنثى الذئب العجوز توشك أن تنهار، وأن النحلة أصبحت على بعد خطوة واحدة من الانضمام إلى مصاف الحكماء.

وهنا استبد به الهوى، وغلبت شهوة الانتقام على صوت الضمير. فانتهز فرصة انشغال أعضاء المجلس، وأخذ يراجع الأوراق وحده، ثم مد يده إلى أحد تقارير لجنة الخبراء، فغير في مضمونه، وبدل بعض ما ورد فيه، ليظهر وكأن بين تقارير الخبراء اختلافا وتباينا، بعد أن كانت متفقة على استحقاق النحلة، ليعطل استحقاق النحلة.

وقف الثعلب أمام أعضاء المجلس، وقال: "لقد تبين لي، بعد مراجعة الملف، أن هناك اختلافا بين نسختي أحد تقارير لجنة الخبراء، وأن الأمر يقتضي التريث، بل يستوجب إعادة فحص ملف النحلة من جديد، حتى لا يقع المجلس في خطأ لا يمكن تداركه."

ساد المجلس شيء من الدهشة، وأخذ الأعضاء يراجعون الأوراق، ويدققون في التقارير، ويتناقشون فيما بينهم.

وبعد مناقشات طويلة، تبين لغالبية أعضاء المجلس أن ما أثاره الثعلب لا ينهض دليلا على إسقاط حق ثبت بأدلة قاطعة، ولا يصلح سببا لإهدار ما انتهت إليه لجنة الخبراء بعد فحص علمي دقيق.

لذلك انتهى المجلس، بالأغلبية، إلى التمسك بقراره السابق، وإقرار استحقاق النحلة للترقية والانضمام إلى مصاف الحكماء، وحرر بذلك شهادة رسمية، وقع عليها الأعضاء، ثم أنابوا النمر لرفعها إلى الأسد، مرفقة بما دار في المجلس، وما وقع فيه من خلاف، للنظر فيه وإصدار القرار النهائي.

قرأ الأسد الأوراق كلها في صمت طويل، ولم يتعجل حكما، ثم رفع رأسه وقال: "إذا اختلطت الأهواء بالأمانة، وجب أن يبدأ الإصلاح من حيث بدأ الخلل؛ فالميثاق لا يظلم أحدا، وإنما يظلم الناس حين يتولى تنفيذه من يجعل هواه فوق نصوصه."

ثم أمر بإعادة فحص جميع الإجراءات التي صاحبت نظر ملف النحلة، والتحقق من كل ما أثير حوله، حتى تستبين الحقيقة كاملة، ويطمئن الجميع إلى أن العدل قد أخذ مجراه.

وبعد أيام، صدر مرسوم الأسد بإعادة تشكيل مجلس الحكماء، فعين رئيس جديد عرف بالحزم والنزاهة، واختير أمين جديد، لم يعرف عنه إلا احترام الميثاق وقواعده المنظمة، واستبعد الثعلب من منصبه، وأعفي من عضوية المجلس، بعد أن فقد الثقة التي كانت أساس الأمانة.

وكان أول ما كلف به المجلس الجديد أن يعيد النظر في ملف النحلة كاملا، دون التفات إلى ما دار في المجلس السابق، فعكف أعضاؤه على دراسة الأوراق من جديد، وراجعوا الوثائق، وتقارير لجنة الخبراء، ومحاضر مجلس الحكماء، واستمعوا إلى كل ما يتصل بالقضية، حتى لا يبقى موضع لريبة أو تأويل.

وبعد مراجعة دقيقة، أصدر المجلس الجديد قراره بالإجماع - وكان الفأر من بين الموافقين عليه - وجاء فيه: "ثبت للمجلس ثبوتا يقينيا أن النحلة مستحقة للترقية والانضمام إلى مصاف الحكماء، وأن استحقاقها ثابت بتقارير لجنة الخبراء التي أقرتها لجنة الحكماء السابقة، وبالتزامها الكامل بأحكام الميثاق وقواعده المنظمة، ولا سيما المادة (25)، التي استوفت جميع شروطها استيفاء كاملا، مما ينفي عن النحلة كل ادعاء، ويدحض كل شبهة أثيرت حول أمانتها أو استحقاقها."

فوقع الأسد القرار، ثم قال: "إن الحق قد يتأخر، لكنه لا يضيع ما دام في المملكة رجال يقدمون الميثاق على أهوائهم، ويجعلون العدل فوق المصالح، والأمانة فوق المطامع."

أما الثعلب، فلم يحتمل أن يرى الحقيقة تنتصر، فخرج يطعن في المجلس الجديد، ويشكك في نزاهته، ويزعم أن النحلة لا تستحق ما نالته، غير مدرك أن كثرة الطعن في الأحكام العادلة لا تغير من الحقيقة شيئا، وإنما تكشف للناس ما يعتمل في نفس صاحبها من حقد وعجز.

وأما أنثى الذئب العجوز، فقد انصرف عنها كثير ممن كانوا يظنون فيها الحكمة، بعدما أدركوا أنها لم تكن تطلب إلا بقاء نفوذها، ولو كان الثمن إهدار العدل، وتضييع حقوق المستحقين.

وأما النحلة، فلم تلتفت إلى ضجيج الحاقدين، ولم تنشغل بالرد على افتراءاتهم، بل مضت في طريقها كما كانت دائما، تعمل في صمت، وتنجز بإخلاص، وتبني ولا تهدم، حتى غدت أعمالها، يوما بعد يوم، أعظم شهادة على أن قرار مجلس الحكماء لم يكن منحة، ولا مجاملة، وإنما كان اعترافا متأخرا باستحقاق لم تستطع المؤامرات أن تطفئ نوره، ولا الأهواء أن تحجب ضياءه.

وعندئذ قالت البومة، وهي تخاطب صغار الغابة، وقد اجتمعوا حولها يلتمسون الحكمة: "تذكروا دائما أن أخطر الجهل ليس أن يجهل المرء الحقيقة، وإنما أن يعرفها ثم يحاربها؛ لأن الاعتراف بها يهدم الصورة التي رسمها لنفسه. فإذا اجتمع الجهل بالغرور، والاستبداد بالطمع، لبس الظلم ثوب الأمانة، وظن صاحبه أنه يحسن صنعا."

ثم أشارت إلى باب مجلس الحكماء، حيث كانت قد نقشت عبارة بقيت تتردد على ألسنة الأجيال: "إذا صار الأمين خصما، فانتظروا ضياع الحقوق. وإذا عاد الأمين خادما للميثاق وقواعده، عاد العدل سيد المملكة."

وهكذا بقيت حكاية الثعلب أمين المجلس تروى في أنحاء الغابة جيلا بعد جيل، لا لأنها تحكي قصة ثعلب أو نحلة أو ذئب، وإنما لأنها تذكر الجميع بأن المؤسسات لا تفسد بضعف قوانينها، بل تفسد حين يتولى تنفيذها من يجعل هواه حاكما على الميثاق، ومصلحته مقدمة على العدل، فيغدو أخطر على الأمانة من أعدائها المعلنين.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

ذاتَ موسمٍ في أراضي الشرق البعيدة...

كانت فراشاتٌ برتقاليةٌ كثيرةٌ على الأشجار،

بالنسبة لي كان أمرا جميلا ومدهشا.

فراشاتٌ برتقاليةٌ على حوافِ الدروبِ الترابيةِ، المزدانةِ بالزهور البرية...

فراشاتٌ بنقوشٍ وخطوطٍ سوداءَ وبيضاءَ لامعةٍ على أجنحتها الرقيقة.

تلكَ الفراشاتُ الذهبيةُ التي على الزهورِ، عندما تلامسُ بعضها، تبدأُ بوضعِ بيوضِها الصغيرةِ الغالية.

البيوضُ تفقسُ، واليرقاتُ تظهرُ بخطوطٍ عموديةٍ مميزةٍ، باللون الأسودِ والأبيضِ والأخضرِ.

الألوانُ المميزة تذكرني بعلمِ الوطن الغالي.

الشرانقُ الشفافةُ تتدلى في وضعٍ مقلوبٍ، وتتغذى على الرحيق، إلى أن يحينَ وقتُ رفرفتها.

صدفةً، كنتُ هناكَ في عيدِ نيسان،

لأقطفَ باقةً من شقائقِ النعمان.

فراشاتٌ برتقاليةٌ، عندما ألمسها، يتناثرُ كُحلُ أجنحتِها على أصابعي، وكأنها ترغبُ بالانتحار…

ترتجفُ الفراشةُ الجميلةُ بينَ أصابعي، وكأنها تؤدي رقصتَها الأخيرة، قربَ لهيبِ شمعةٍ.

غريبٌ أمرُ تلكَ الفراشاتِ البرتقاليةِ الجميلة،

التي تحبُّ الموتَ عندما يقتربُ منها غريبٌ.

تلكَ الفراشاتُ الرائعة،

تشبهُ كثيرًا السبايا الأيزيدياتِ المنتحرات.

*** 

 مراد سليمان علو

 

في دربِنا الظليلِ قنطره!

من خشبٍ ، جيء بها

من بلدِ السندِ البعيدِ عن ديارنا

أو من بقايا تدمر!

أو من تراث ِ"خزعل"!

لا أدري من أينَ أتت!

لكنّني عرفتُها متينةً وصابره

حاولتُ أن أسألها

رأيتُها خانقةً مستنكره!

فأدركت

قالت بصوتٍ دافئٍ

يا ولدي

قد كنتُ يومًا في بلادي شجره

يدبُ في فروعي الماءُ الزلال ُ

وتستفيقُ

روحي زهرةً معطره

حتى إذا ما جاءَ فأسٌ ظالمٌ،

قُطعتُ

أشلاًء فصرتُ كما ترى...

مبعثره!

هوّن عليَّ بالمسير،

فقد حملتُ زهوكم ولعبكم

ودبَ فوقَ ظهري الكبيرُ والصغيرُ

لكنّني

مازالتُ أشكو وقعهُ

ألامه ُ!

في جسمي النحيفِ غائره

يا ولدي:

إنا وإن تباعدت أوضاعُنا

يشبهُ بعضُ بعضَنا

وننتهي يوما إلى مصير!!

***

عبد الهادي الشاوي

 

في نصوص اليوم