عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

الى الوحيدينَ يهفو القلبُ والروحُ

الى القتيلِ الذي واساهُ مجروحُ

*

الى الذي صاغَ مِن صوتِ الضميرِ هُدىً

يكفيهِ مِن لغةِ الأنوارِ تلميحُ

*

أَسرى وكانتْ دُنى الأكوانِ واجمةً

والالتواءاتُ انذارٌ وتلويحُ

*

لكنَّهُ سارَ لا يلوي على أحدٍ

وما حماهُ مِن الحرّاسِ تصريحُ

*

انَّ الصحيحَ هتافٌ في الفؤادِ علا

ما صحَحَ الحقَّ باسمِ الحقِّ تصحيحُ

*

المبصرونَ رأوا والعتمُ مجتمعٌ

بَحراً محيطاً، ولكنْ أبصرتْ روحُ

*

لا تعذلوهُمْ اذا قلّوا لقلّتِهمْ

فالفرقدانِ بليلِ الكونِ توضيحُ

*

لولاهُما ـ وهُما الاثنانِ ـ ما انكتبتْ

أشعارُ حُبٍّ، وما أفضى بها بوحُ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

12/8/2024

حَذَراً مِنْكَ أَرَى مِعْصَمَكا

حَوْلَهُ كَيْفَ يَلِفُّ الفَلَكا

*

أَنْتَ تَيَّمْتَ فُؤَادِي وَأَنا

لَمْ أُتَيِّمْكَ، الدُّجَى تَيَّمَكا

*

فَتَقُولُ: اللَّيْلُ بَحْرٌ سَاحِرٌ

وَأَنَا فِيهِ أَصِيدُ السَّمَكا

*

يَمْلِكُ اللَّيْلُ صَبَاباتِ الهَوى

وَهُوَ يُفَدِّيكَ بِمَا قَدْ مَلَكا

***

إِنَّنِي ذَاكِرَةُ الأَمْسِ، عَلى

طِبْقِها العَالَمُ عِنْدِي يَتَشَكَّلْ

*

أَنا لا أَحْسِمُ إِدْباراً وَلا

أَيَّ إِقْبَالٍ، فَمَنْ أَدْبَرَ أَقْبَلْ

*

حِينَما غَيَّرَها المَرْءُ إِلى

نَهَرٍ يَعْزِفُ بِالنّايِ تَبَدَّلْ

*

إِنَّ لَيْلَ الشِّعْرِ لَا فَجْرَ لَهُ

هُوَ لَيْلٌ سَرْمَدِيٌّ فَتَأَمَّلْ

***

فِي طريقي هَلْ أَنا مُنْحَدِرٌ

أَمْ أَنا مَحْضُ طَرِيقٍ لِلطَّرِيقِ

*

هَلْ أَنَا النَّارُ الَّتِي تحْرِقُنِي

فَلِمَ الشَّكْوى إِذا شَبَّ حَرِيقِي

*

مَنْ هُوَ النُّورُ إِذا البَدْرُ أَنا

وَمَنِ المُعْجَبُ غَيْرِي بِبَرِيقِي

*

أَطَلِيقٌ فِي قُيُودٍ جَمَّةٍ

مَا الَّذِي يَعْنِي إِذَنْ غَيْرُ الطَّلِيقِ

***

إِنَّ قَلْبِي هُوَ بَيْتٌ فِي العَرا

حَيْثُ لَا عُشْبَ وَلَا مَاءٌ جَرى

*

غَيْرَ أَنِّي أَغْرِسُ الحبَّ بِهِ

يَا لَحبِّي حِينَ أَمْسَى شَجَرا

*

شَجَراً يُثْمِرُ أَقْمَاراً، يَدِي

حِينَما تَمْتَدُّ تَجْنِي قَمَرا

*

كُلَّما أَغْوَى نِسَاءً بِالسَّنا

شَاءَ أَنْ يُغْوِي نِسَاءً أُخَرا

***

حِينَ يَأْتِي اللَّيْلُ فَالأَفْكارُ فِي

سَاحَةِ الأَشْواقِ أَرْتَالُ خُيُولِ

*

فَإِذا مَا أَقْبَلَ الصُّبْحُ فَلِي

طَعْنَةٌ تَفْتِكُ بِالحُبِّ الهَزِيلِ

*

كُلُّ هَذا وَأَنا مُسْتَمْسِكٌ

بِقوامٍ هُوَ كَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ

*

كُلُّ قَتْلٍ هُوَ قُطْبٌ خَاشِعٌ

حِينَما نُقْتَلُ بِالقَدِّ الجَمِيلِ

***

رَبِّ إِنَّ المَوْتَ لَا يُرْعِبُنِي

طَالَما مَوْتِيَ جِسْرٌ لِلعُبُورِ

*

كُلُّ مَا أَطْلُبُهُ مِنْكَ إِذا

جاءَنِي المَوْتُ مُنَاجَاةُ ضَمِيري

*

هَذَّبَتْهُ امْرَأَةٌ صُوفِيَّةٌ

مِنْ خَيالٍ وُجِدَتْ بَيْنَ سُطُورِي

*

حِينَما المَرْأَةُ تَغْدُو وَاقِعاً

تَفْقِدُ الدَّهْشَةَ مِنْ فَرْطِ الحُضُور

***

لَسْتُ كَالنّاسِ فَقَدْ أَحْيا بِلا

نَصَبٍ مِثْلَ طُيُورٍ فِي السَّمَاءِ

*

لَسْتُ أَحْتَاجُ جَنَاحَيْنِ أَنا

كَائِناً أَصْبَحْتُ مِنْ سِنْخِ الهَواءِ

*

جَرِّدِي الرُّوحَ مِنَ الجِسْمِ لِكَيْ

تَعْرِفِي السِّرَّ بِصَمْتِ العُرَفاءِ

*

فَحَدِيثُ القَوْمِ لِلنَّفْسِ بِلا

طَرَفٍ آخَرَ سَيَّالٌ كَماءِ

***

كَهْفُ أَفْلاطُونَ لا يُعْجِبُنِي

بَلْ أَنا خَارِجَهُ دُونَ الأَنَامِ

*

إِنَّ أَوْهَامِي هِيَ الواقِعُ فِي

عَالَمٍ آخَرَ فِي كَأْسِ مُدَامِي

*

قَدْ أُصَلِّي عَنْ جُلُوسٍ وَأَنا

فِي أحاسيسي أُصَلِّي عَنْ قِيام

*

وَأَقُولُ: الحُبُّ أَضْحَى زَمْزَماً

وَأَنَا أَقْصِدُ أَنَّ القَلْبَ ظامِ

***

عُمَرُ الخَيَّامُ ضَيْفِي فَأَنا

أَشْعُرُ الآنَ بِوَخْزٍ في ضميري

*

يَطْلُبُ الكَأْسَ وَإنِّي وَرِعٌ

خَائِفٌ مِنْ سَقَرٍ يَوْمَ النُّشُورِ

*

قَالَ: إِنِّي وَرِعٌ أَيْضاً فَلا

تَبْتَئِسْ وَاعْصِرْ مُداماً مِنْ شُعُورِي

*

قُلْتُ: هَذا الحَلُّ حَقًّاً رائِعٌ

قَالَ: لَنْ تَعْدمَ حَلًّاً فِي حُضُورِي

***

أَتُرِيدُ الحَلَّ مِنِّي بَيْنَما

أَنَا فِي الواقِعِ نَفْسُ المُشْكِلَةْ

*

حِينَ يَأْتِي الحَلُّ حَلّاً ناقِصاً

فَعَسِيرٌ بَعْدَ ذا أَنْ نُكْمِلَهْ

*

مَثَلاً نَعْشَقُ لَكِنْ دُونَ أَنْ

يُصْبِحَ العِشْقُ كَبِيرَ القَتَلَةْ

*

لَا أَرى التَّفْصِيلَ فِي الأَمْرِ لِذا

خُذْ عِبَاراتِي وَدَعْهَا مُجْمَلَهْ

***

أَنا عَقْلِي نَفْسُ قَلْبِي فَإِذا

أَنا فَكَّرْتُ أَحَاطَتْنِي نِسَاءُ

*

كُلُّهُنَّ العَقْلُ وَالقَلْبُ مَعاً

فِيكُنَّ الأَرْضَ، وَالأَرْضُ السَّماء

*

قُلْنَ: إِنَّ القَتْلَ طَقْسٌ رَائِعٌ

قُلْتُ: لَا شَكَّ، وَلَكِنْ ما العَزَاء

*

قُلْنَ: لَثْمٌ وَعِنَاقٌ دَائِمٌ

قُلْتُ: حَسْبِي، انْكَشَفَ الآنَ الغِطاءُ

***

باسم الحسانوي

تعالَ... خذْ من نبضي نوافذَ، وافتحْها على روحي، ومن حنيني قاربًا صغيرًا لا يخافُ عواصفَ البحار... تعالَ، لنعلّقْ على أكتافِ الليلِ قناديلَ من نجوم، ونمضي إلى بلادٍ لا تعرفُ الفراق، نبني فيها من خشبِ أرواحنا بيتًا ينامُ على كتفِ الغيم، وتحتَ سقفهِ نخبّئُ ما تبقّى لنا من عمرٍ أضاعتهُ الجهات...

تعالَ، لنجعلْ من شفاهنا صلاةً، ومن عناقنا وطنًا، ومن هذا الحبِّ الذي تأخرَ كثيرًا معجزةً لا تحتاجُ إلى نبوءة.

**

تعالَ... نركبْ موجةً من حريرِ الحنين، ونشقُّ بها زرقةَ بحرٍ لم تطأهُ سفنُ الفاتحين؛ نبحثُ عن جزيرةٍ لا تصلُ إليها خرائطُ العابرين، نتركُ على رملها خطوتينِ متجاورتين، ثم نمحو آثارنا كي لا يعرفَ العالمُ أين اختبأنا. هناك، حيثُ النوارسُ تحفظُ أسماءَ العاشقين، وحيثُ القمرُ يسكبُ فضتهُ على كتفيك، أضعُ رأسي على صدرك، وأصغي إلى قلبك وهو يحكي لي ما عجزتْ عن قولهِ كلُّ رسائلِ الغياب.

**

تعالَ... نرافقْ قوافلَ المساء في صحارى العمر، ونستعيرُ من البدوِ خيامًا لليلةٍ واحدة، نعلّقُ فوقها مصباحًا من يراعة، ونتركُ للريحِ مهمةَ قراءةِ أسرارنا. نبحثُ عن نايٍ سريٍّ ضلَّ طريقهُ بين كثبانِ السراب، فإذا وجدهُ قلبُك عزفَ لنا لحنًا من مقامٍ لا يعرفهُ سوى عاشقين؛ أنا وأنت، ونجمةٌ بعيدةٌ أضاعتْ تاجها في بئرٍ من عسلِ الليل.

**

تعالَ... نحلقْ كفراشتينِ أفلتتا من كتابِ الأساطير، إلى بستانٍ معلّقٍ بين الأرضِ والسماء، تتدلّى من أغصانهِ عناقيدُ العنبِ كأنها ثرياتُ قصرٍ شرقي، وتفوحُ من ممراتهِ رائحةُ الآسِ والريحانِ والنسرين. نتركُ أقدامنا حافيةً على عشبٍ لم يعرفْ خطوَ العابرين، ونشربُ من كأسِ الندى حتى تثملَ أرواحنا، ثم نغنّي للحبِّ كما لو أنَّ أم كلثومَ خبّأتْ في حنجرتها قصيدتنا، وكأنَّ فيروزَ تعرفُ منذُ زمنٍ طويلٍ أنَّ لنا صباحًا لم يولد بعد.

**

تعالَ... نختبئْ في بيتٍ صغيرٍ على سفحِ جبلٍ نسيتهُ القوافل، لا بابَ لهُ إلا ذراعان، ولا حارسَ على عتبتهِ إلا شجرةُ سروٍ عجوز... نجعلُ من الحطبِ نارًا، ومن المطرِ موسيقى، ومن الصمتِ ستارةً تُخفي عنا العالم. قنديلُنا نجمةٌ سقطتْ من كفِّ السماء، وزادُنا قصيدتانِ وجرعةُ ضحك، وماؤنا جدولٌ يمرُّ تحتَ نافذتنا كطفلٍ يسرُّ إلى أمهِ بسرٍّ لا ينبغي لأحدٍ أن يسمعه.

**

تعالَ... نسرقْ من جِرْبةَ ليلةً لا تنتهي، نركبُ قاربًا أسودَ في مياهها الحالمة، ونتركُ للموج أن يرسمَ حولنا دوائرَ تشبهُ خواتمَ العرس... تمرُّ القواربُ من بعيد، ويعزفُ عاشقٌ مجهولٌ على وترٍ وحيد، فتنعكسُ أنوارُ الجزيرةِ على وجهك، وأرى في ملامحك شيئًا من وجوهِ رافائيل، وشيئًا من الغموضِ الذي تركهُ ليوناردو في عيني الموناليزا، وشيئًا من رجلٍ لم ترسمهُ يدٌ بعد، لأنَّ بعضَ الوجوهِ لا يليقُ بها إلا قلبُ امرأة.

**

تعالَ... نقفْ عند أعمدةِ قرطاجَ حين يهبطُ المساء، ونصغي إلى الحجارةِ وهي تستعيدُ أصواتَ الذين مرّوا من هنا ثم غابوا... نرفعُ أيدينا إلى السماءِ لا صلاةً على موتى العاشقين، بل شكرًا لأننا، بعد كلِّ ما انكسر، ما زلنا قادرينَ على أن نحب. تحملُ الريحُ دعاءنا إلى أقصى الجهات، وتتركُهُ في حضنِ البحر، كرسالةٍ أخيرةٍ إلى الآلهةِ القديمة: لقد وجدنا بعضنا، فلا تعيدونا إلى التيهِ.

**

تعالَ... فقد تعبَ قطارُ العمرِ من انتظارنا على الرصيف، ولم يعدْ في المحطةِ متّسعٌ لأحلامٍ مؤجلة. دعنا نلحقُ بالعربةِ الأخيرة، لا نحملُ معنا إلا يدَي بعضنا، وذاكرةً نريدُ أن نغفرَ لها، وأيامًا قليلةً نريدُ أن نجعلها واسعةً كسماء. دعني أنسى معك ما أضاعتهُ الحماقات، وما سرقهُ الخوف، وما أطفأتهُ المسافات؛ دعني أتعلمُ في عينيك كيف يمكنُ لامرأةٍ أن تبدأَ حياتها في آخرِ العمر.

**

أعطني يدكَ...

لا تخفْ من ارتجافها؛ فهذه ليستْ يدَ امرأةٍ ضعيفة، بل يدُ امرأةٍ عبرتْ كثيرًا من العواصفِ وما زالت تريدُ أن تصل.

**

خذني معكَ إلى آخرِ بيتٍ في قصيدةِ عشق، إلى آخرِ نجمةٍ فوقَ بلادِ الشمس، إلى آخرِ الطريقِ حيثُ لا يبقى من العالمِ إلا نحن.

**

ومعكَ...

سأجرؤُ على أن أطلبَ من السماءِ مطرًا من موسيقى، ومن الليلِ قليلًا من خلود، ومن الزمنِ مهلةً واحدة.

**

فأنا لا أريدُ منك عمرًا جديدًا...

أريدُ فقط أن نعيشَ العمرَ الذي سرقهُ منا الغياب.

***

الشاعرة: ميلا العياري

 

حوضُ جبلِ شنكالَ

ذلكَ المكانُ المليءُ بالبهجةِ،

والسِّحرِ،

والهناءِ،

يغزو الذِّاكرةَ ببطء..

كما يذوب السكر في الماء

يشدو بلحنِه الحزين،

ويجهشُ معي..

بالبكاءِ.

***

مراد سليمان علو

يَا مَنبتَ الضَّوءِ

فِي أَقصَى التَّوجُّس

جالسٌ فَوقَ غَيبِ

الصَّمتِ

تفتحُ كُنهَ الرُّوحِ سِرّاً

​أَنَا في محرابِ عَودتِكَ

حِينَ تَرسِمُنِي صدى

لن يغفِر الصَّدرُ لِمن

جَعل النَّشِيدَ

مرثيَّةً

تُردِّدُها على أَرجُوحةِ

الشَّوقِ

أَجنحَةُ الرُّؤَى

​وَكَيفَ أُفلِتُ

مِن شِراكِ خيالِكَ

الْمَزرُوعِ فِي أَورِدَةِ

غَفلَتِي العَذبَةِ؟

​لَم تَلمَح فُؤَادِي الَّذِي

أَمَدَّ الوِدَادَ ظِلاَّ إِلَيكَ

وَكُنتَ تيه العَتمَةِ

فِي إِشرَاقِ الْمَداراتِ

نحوَ الصَّحوِ

​تَزعُمُ حَريق الوِصَال

بتوهُّجِ بُركانٍ مِن

أَطيافٍ

لَكِن لَا يَثُور

​نَايُ الْوِحدَةِ يَنسُبُ

نَبرَتَهُ

لِتَنهُّدِ عُودٍ

أَخفَتهُ الرِّيحُ عَن أَعيُنِ

الكلِّ

فِي واحةِ القَصبِ المُشتَهَى

​وَبَدأَ يَرمِينِي بِسَهمٍ مِن

حَنين

يَدعُو الشَّفقُ لِيَعتكفَ

الخُشوعُ

فِي عُمقِ الكَيانِ

فِي سُجُودٍ مِن لَوعَةٍ

​يَا أَنت

تَتَّسِعُ الكلماتُ

حِينَ تَمرُّ كالغمامَةِ

فِي لَمعَةِ الجَذرِ بِي

وَالزَّمَنُ وَهمٌ

وجرحُ الِاحتمالِ ينبُوعٌ

مِن زَغبِ العصافيرِ

​أَنتَ انطَفَأتَ

كَغَابة الفَرحِ البريءِ

المُشاغِبِ فِي

دَاخِلِي

سَأَنثُرُ بَعضَ رَمَادِكَ

الْمُعتَّقِ

فِي خَمرِ انتِظَارِي

كُحلاً لِجَفنِ المَدِّ

حَتَّى يَستَيقِظ

​يَبكي ثُقُوبَ الشَّاطئِ

المُمتدِّ

مِن رُوحِي

إِلَى زهرةِ النَّدى فِي

القَفْر

خَارجَ تَقَلُّبات الرِّيح

الَّتِي تُفسدُ شَهوَتِي

فِي صفاءِ الطُّقُوسِ

لِتقُومَ مِنْ رِتَابة

الرِّوايةِ

فِي مبادِئِ الصَّيفِ

إِلَى الصَّقيعِ

​فَأَنَا عَانَقتُ اللَّهبَ حينَ

أَنْ هَبَّت بِه

فَليَ التَّشَرّد فِي

عشقِكَ

ولك البقَاءُ

***

مرشدة جاويش

لم أعد أكتب على الورق

بل على جدران قلبي

حيث الحبر لا يجف

وحيث الكلمات تهاجر مثل طيور تضلّ الطريق

وتعود في الليل لتنام على نافذتي.

*

أسمع في الصباح

همس أقداح الشاي وهي تتبادل الحكايات عن أصابعي

وترى في ارتجافها خريطة رحلات لم تكتمل

خطوطها ملتوية

كأنها أنهار تبحث عن مصبّ في هواء متعب.

*

قصائدي

تتكدس في درج من خشب يشيخ معي

أوراقها تتنفس ببطء

تفتح عينيها على الغبار وتنتظر اسمي

كما تنتظر زهرة برية مطرًا وعدها الغيم ولم يأتِ.

*

وأنا

أجلس في المساء قبالة النافذة

أراقب الغروب وهو يطوي المدينة

وأفكر:

ربما البحر وحده يعرف

كم من القصائد غرقت قبل أن تعثر على شاطئ.

*

في الليل

أسمع القصائد تطرق باب غرفتي

تدخل على أطراف أصابعها

تجلس عند قدمي

وتضع رؤوسها على ركبتي كأطفال أضاعوا البيت.

*

كل قصيدة تحمل في فمها رائحة مكان لم أزره

وألوان نهار لم أره

وكأنها جاءت من زمن آخر

زمن لم أكن فيه

لكنه كان ينتظرني.

*

أعرف أن بعضها سينطفئ قبل أن أفتح له نافذة

كما تنطفئ شمعة في ممرّ طويل

أو كحلم يوقظه صوت جارٍ يغلق باب بيته بعنف.

*

أحياناً

أشعر أنني أنا القصيدة المؤجلة

أنا السطر الذي لم يجد مكانه بعد

أنا البياض بين الكلمات

الذي يخشى أن يمحوه المطر أو يهمله القارئ.

*

أفكر أحياناً

لو أنني رحلت قبل أن أضعها في الضوء

هل ستعرف القصائد طريقها وحدها؟

هل ستتسلل من الدرج

وتمشي في الشوارع مثل قطط جائعة تبحث عن بيت؟

*

أخشى أن تضيع

أن تتفتت في الريح

أو أن يلتقطها غريب في محطة قطار

ويقرأها بصوت بارد

كما يقرأ نشرة الطقس في صباح ملبّد.

*

لكنني أرجو

أن أراها تقف صفاً أمام المطبعة

تحمل كل قصيدة قلبها الصغير

وترتجف فرحاً وهي تخرج إلى العالم

كما يخرج طفل للمرة الأولى

ليشم رائحة المطر.

وحين يحدث ذلك

سأجلس في مقهى قديم

أراقب المارة

وأبتسم بصمت

كأنني سلّمت للعالم آخر أسراري

وغادرت.

2

القصائد التي لم تُنشر

تجلس في الزوايا مثل أرامل صامتات

تخيط بأصابعها الخفية

ستائر الليل كي لا ينكشف العراء.

*

كل قصيدة مؤجلة

هي نافذة مغلقة على البحر

عندما تُفتح يتناثر الملح في العيون

ويبتل الهواء بذاكرة قديمة.

*

أحيانًا أشعر أن هذه الأوراق

هي الأبناء الذين لم أولدهم

أبناء من حبر،

يحملون وجهي إلى الغد

كيلا يشيخ تمامًا في مرآة الآخرين.

*

أكتب

لأن الكتابة هي اليد الوحيدة

التي ما زالت تقدر أن تمسح العرق عن جبيني

ولأنني أعرف أن الموت

سيأتي يومًا ليجمع ما لم يُنشر

كما يجمع الحصادُ سنابل نُسيت

على حافة الحقل.

*

"لكنني، قبل أن أغادر

أرجو أن أفتح أبوابها

أن أترك قصائدي تعبر إلى الضوء

ولو لحظة واحدة

مثل طيورٍ ظلت حبيسة القفص

تتعلّم الطيران

من ارتجاف أجنحتها الأولى."

3

في آخر الليل

حين يغفو البيت وتبقى النوافذ نصف مفتوحة

أصغي إلى القصائد

وهي تتهامس فيما بينها

كأن الأطفال في داخلها لا يريدون النوم.

*

كل واحدة منها تحمل لي وجهًا آخر:

وجهًا يشبه طفولتي وهي تجرح ركبتها

على أرصفة الحي

ووجهًا يشبه يد أبي

حين ارتجفت للمرة الأولى

ولم يجد ما يسندها غيري.

*

أفكر:

هل ستبقى هذه القصائد أسيرة أدراجي؟

أم ستجد طريقها إلى هواء العالم

قبل أن ينطفئ قلبي مثل مصباح قديم؟

*

أحيانًا أكتب لأحتمي من الموت

وأحيانًا أكتب كي أودّعه بهدوء

فالموت لا يهاب الكلمات

لكنه يتوقف قليلًا

حين يراها تتناثر مثل خبز ساخن

على مائدة الصباح.

*

لهذا، أرجو فقط

أن أُسلّم هذه الأرغفة الصغيرة إلى أيدي الناس

قبل أن يحين وقت المغادرة

فلا أرحل

وأنا أرى صمتي يبتلعها.

***

مروان ياسين الدليمي

كي ارسم شغفي الواضح كقمرٍ صيفي،

كي أكتب اغاني الحياة،

وطيش الطائر في صدري،

سينقصني اللغة

وانا اكتب عن تدويرة خصرها،

عن صوتها الرقراق،

ضحكتها،

ونظراتها الخرساء،

سينقصني اللغة وانا اكتب عن غًبش احلامي،

كي اذرف الشٍعر مع الدمع،

على صدرها الشهي، او كواكب نهديها،

ان اكتب عن خريف مدينتي بدونها

عن قلق مدينتي،

التي تدفن راسها في نصف سحابة كقطار المساء،

واقول:

هذا الخريف هامشيٌ ايضاً بدونك كأوراق متساقطة تحت شجر التفاح.

***

كيفهات أسعد - السويد

 

دونَ أنْ تسمعَ الحكاياتِ

في المجالسِ المكتظّةِ بذكرِ العاشقين،

نحنُ نرى العالمَ

من زاويتِنا الخاصّة.

ولو أعدنا ترتيبَ الصور،

ماذا عسانا أن نكون؟

جذعَ نخلةٍ

يئنُّ صوبَ الحنين،

أم قاربًا

فارقَ الضفاف؟

هكذا، إذا أردنا،

من وراء قصدِنا المُدَجَّجِ بانفلاتِ الصواب،

كانت جميلةً

فكرتُنا الأولى

عن اختيارِ الصفات.

أشكالُها المختلفة

تأتينا فُرادى،

لا نولدُ بها....

***

رجاء الغانمي - العراق

 

تبدأ القصة من ساحة جامع الفنا، الوقت أصيل والشمس قد بدأت تتشح بلون الاصفرار فتصبغ السماء بلون ذهبي يتماهى مع سحر المكان. كان قد ركن سيارته بعيداً عن زحام الساحة، واختار المشي بتؤدة وتأنٍّ حتى وجد نفسه بين جموع متدفقة في اتجاهات متعددة، وأخرى مجتمعة في زمر حول حلقات مروضي الأفاعي، والبهلوانيين، والحكواتيين، والمغنين الشعبيين، في حين اختار آخرون الجلوس إلى طاولات المطاعم ومحلات العصائر، إما لتناول وجبات تقليدية أو شرب عصائر متنوعة. اختار هو في البدء شرب عصير "زعزع"، ثم انضم إلى لمة كانت ملتئمة حول حكواتي مراكشي معروف بسرده الذي يشد الانتباه ويحفز على التتبع. أدرك اللمة والحكواتي قد بدأ قصة "التاعس والناعس" مستعملاً كل وسائل التشويق التي خبّرَها، وتقنيات الحكي المتاحة لشد انتباه الحضور. اندمج في جو الحكاية، ولم يتأخر في نفح الحكواتي ببعض الدراهم كلما توقف ليطلب من المستمعين دعمه بما يستطيعون.

أنهى الحكواتي الحكاية الأولى، وبدأ حكاية ثانية، فانسحب بهدوء واختار التجوال في أحضان الساحة؛ الناس في حلّ وترحال، وهو منصهر بينهم يحاول أن يتبيّن محله من الإعراب في زمن ضاع فيه المبنى وغاب المعنى.

المد الزمني طوى أكثر من أربعين سنة، وخلايا دماغه الرمادية والبيضاء تبعث الحياة في ذكرياته على شكل تجليات ذهنية، تشرق بصور متناسقة ومتوالية. كان شاباً وسيماً عندما التحق بكلية العلوم بالسملالية، وكانت له تطلعات وأحلام، ولكن هذا لم يمنعه من البحث عن اكتشاف ذاته، وفي الوقت نفسه اكتشاف الزمن المراكشي وسياقات فضائه. كانت وسيلته في ذلك الإبان دراجة عادية، ينطلق بها من الوحدة الرابعة في حي الداوديات، قاطعاً شارع علال الفاسي حتى يصل إلى باب دكالة، ثم يعبر رياض العروس، حيث كان يجد متعة في اختراق الأزقة الضيقة والاستمتاع برائحة التوابل والجلد، وكذلك الاستماع لأصوات الحرفيين التقليديين وهم يشتغلون داخل محلاتهم، والتجار وهم يعرضون سلعهم على السياح الباحثين عن تحف وتذكارات ترافقهم في رحلة العودة إلى بلدانهم..

الزمن المراكشي غيّر الكثير من سلوكياته؛ إذ ذاق لأول مرة سحر الحب ومتعة

اكتشاف الجنس الآخر.

بدأ مغامراته بهدوء وسكينة، وكانت فتاته الأولى حسناء سمراء تعمل بنادي البحر الأبيض المتوسط، لا يزال إلى اليوم يذكر تجربته الأولى معها، والتي زرعت الثقة في نفسه وجعلته يحس بأنه دخل مرحلة جديدة من حياته. في ذلك اليوم، لم تستطع الدنيا أن تسعه وتسع أحلامه وتطلعاته؛ فقد أوصلته الحسناء السمراء إلى أقصى درجات الانتشاء والوجد، فقد استأجر "عربة كوتشي"" وطلب من الحوذي أن يجوب به شوارع مراكش تحت ضوء القمر المكتمل، لينعم بسحر المناظر، ويستمتع بإيقاع حوافر الخيل على الإسفلت كانت هذه البداية

والبقية تأتي...

توالت تجاربه العاطفية بشكل مطّرد؛ إذ عرف في مرحلة معينة شابة فرنسية تدعى "باسكال" قضت معه أكثر من شهرين، سافرا معاً وعاشا حياة بوهيمية في أحضان مدينة الصويرة الساحرة، واقترحت عليه الهجرة بصحبتها إلى فرنسا لكنه رفض؛ بسبب تعلقه الشديد بوالدته. ثم اقتحمت عالمه فجأة فتاة من جمهورية إفريقيا الوسطى تدعى "كوطو"، كانت ذات سمرة خارقة وتتمتع بجسد منحوت بإزميل فنان عبقري، وكأنها تمثال إغريقي ينبض بالحياة، فتعلق بها بجنون وانبهار، وأفسح لها المجال لتسيطر على كيانه، وتؤثث زمنه طيلة فترة تدريبها القصيرة بمدرسة الطيران.

لكن الفتاة التي أحبها بصدق، وعاش معها أياماً لا تُنسى، كانت هي "لطيفة بنور الصنهاجي"؛ كانت فتاة عذبة المعشر، رقيقة الإحساس، ذات جمال بريء ولطف آسر. ومن سوء حظه أنه عرفها خلال السنة الأخيرة من دراسته؛ لم تكن علاقته بها مجرد عاصفة عابرة، بل كانت ملاذاً آمناً لقلبه. تقاسما معاً تفاصيل الزمن المراكشي بوعي مغاير، ولأول مرة اكتشف الحب الشامل الذي يتجاوز رغبات الجسد إلى إشباع الروح وسمو النفس.

وعندما تقطعت بهما السبل، وشاء القدر أن يحكم عليهما بالتنائي والبعاد، قالت له: "أرجو أن تذكرني ولا تنساني "-

أُرسِلَ للعمل في الشمال الشرقي للمملكة لقضاء سنوات الخدمة المدنية، فاستهلكته الأيام في تفاصيل لا حدود لها، وانهمك في غمارها دون أن يهتم بالترتيبات التي تختزنها له الظروف.

نحن مسيّرون.. ولا نملك مصائرنا بين أيدينا، فقد تظهر على حين غرة نقطة تَحَوّلٍ تُغيّر المسار نحو اتجاه آخر.

ترجّل دون مقدمات من على صهوة الماضي، وانفتحت عيناه من جديد على أجواء الساحة وتجلياتها؛ فانتقل من حلقة الحكواتي إلى حلقة مُروض الأفاعي، الذي ما إن رآه يتوقف أمامه حتى أسرع يحيط عنقه بثعبان مُبرقش اللون، وهو يهتف به: "الله أكبر... الشرفاء المباركون سيماهم على وجوههم ظاهرة"

لَعنَ الرجلُ في سرّه وهو يستسلم لفزع شديد يسري في جسده، لكنه تحامل على نفسه وقال بصوت تشوبه نبرة خوف: "أرجو أن تزيح عني هذا الشريف.. وسأعطيك ما يرضيك". ابتسم المروض وقال: "لا تخف يا أستاذ، أنت شريف، ووجهك السمح يشهد أنك من أولياء الله، بإمكانك أن تزيح الثعبان عن عنقك بنفسك".

نفح الرجلُ المروضَ خمسين درهماً، ثم مدّ يديه مزيحاً عن عنقه الثعبان، ويبدو أنه صدّق – في تلك اللحظة – أنه وليّ من أولياء الله..

مرّت نسمة ريح طيبة حملت إليه روائح الأكلات التي تعرضها المطاعم المتراصة في الساحة، فشعر برغبة قوية في تناول وجبة تسكت عصافير بطنه المتوثبة. الزمن المراكشي يشهد أنه كان من عشاق أكلات الساحة إبان سنوات دراسته؛ فهو يتذكر وجبات مثل: "الكرعين" بالحمص، ورؤوس الخرفان المبخرة، و"التقلية" المتكونة من السقط واللفت المحفور، والشواء، و"الطنجية"...

قادته قدماه إلى مطعم يقدم الطنجية المراكشية، فأكل بنهم شديد؛ كان مذاق لحم الضأن لذيذاً ببهارات جعلت نكهته طيبة ومحببة، وكان في الوقت نفسه يرتشف من كأس الشاي بالنعناع وعلامات الرضا تبدو عليه.

سأل صاحب المطعم – وكان كهلاً تجاوز الستين – عن المعلم "مولاي أحمد باولو"، فابتسم صاحب المطعم وقال: "مولاي أحمد توفي إلى رحمة الله منذ مدة، إنك تذكرني بزمن عايشة ريال".

فعلاً، هو زمن "عايشة ريال"، تلك السيدة التي كانت تصر على صدقة بريال واحد لا غير، وزمن مولاي أحمد باولو الذي كان يبيع "النصيص" بدرهمين

"الرّْبَيّع" بدرهم واحد، وكان هو يشتري باستمرار "نصيصاً" مليئاً بلحم لم يكن يعرف مصدره؛ قيل إنه لحم قفا الجمل، لكن العلم عند الله، المهم أنه كان لذيذاً ويشبع نهمه. تجاوز الذكرى، وتابع الأكل وهو يرقب بنظراته المارّة يتدفقون في اتجاهات متباينة.

استقبلته نسمة هواء منعشة، وسرت في جسمه رعشة انتشاء: "جميل أن يوقظ فيك وهج الحاضر إشراقات الماضي المتواري، ويعيد الحياة لتجلياته لتصبح مصابيح تجلو عتمة تراكمات السنين "

الزمن المراكشي يشهد أيضاً أن تلك السنوات الأربع التي عاشها بين ظهراني المدينة وفي أحضان الحرم الجامعي، شهدت أحداثاً ووقائع أصبحت فيما بعد تاريخاً مؤرشَفاً:

سنة 1981م: - إضراب عام دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وأحداث خطيرة في كل مدن المغرب.

سنة 1982م: - استقبل الملك الحسن الثاني ملكة بريطانيا (إليزابيث الثانية) بمراكش، وأقام لها حفلاً بهيجاً بمنطقة "آيت أورير"".

سنة 1983م: - استقبل الملك الحسن الثاني رئيس فرنسا فرنسوا ميتران، وفي اليوم نفسه تعرض الجنرال أحمد الدليمي لحادث سير خطير في مراكش انتهى بمصرعه.

سنة 1984م: - إضراب عنيف بمراكش وبمدن مغربية أخرى بسبب الزيادة في ثمن الخبز (انتفاضة الخبز)

هذه الأحداث عاشها قلباً وقالباً، لكنها لم تكن مؤثرة على حياته الدراسية أو الاجتماعية؛ لأنه كان في أوج العنفوان، وكان مندفعاً ولديه رغبة عارمة لاكتشاف مباهج الحياة التي وُجدت لترضي غرور الشباب وتطفئ جذوة الشهوة البكر المشتعلة في جسده.

في تلك الآونة، جمعته صداقة مع شاب من مدينة وادي زم يكبره بعشرة أعوام، كان يقضي فترة الخدمة المدنية كمتصرف في العمالة.

كان هذا الصديق هو من فتح عينيه على فضاءات السهر وعوالم الليل الخفية، ومن الأماكن التي دأب على زيارتها بمعيته فندق النفيس، ومرقص "تياترو بكازينو السعدي"

الزمن المراكشي يأبى إلا أن يُذكره بالصدمة القوية التي عاشها، وهو الفتى الغر الذي يقتحم عالم الليل والسهر لأول مرة في حياته؛ إذ اكتشف أن العلبة الليلية لفندق النفيس عالم قائم بذاته، ينفصل تماماً عن وقار المدينة الخارجي؛ فالأضواء كانت خافتة تميل إلى الحمرة والزرقة الشاحبة، وتنعكس في خيالات متراقصة على جدران مبطنة بالمخمل الداكن.

انصهر صديقه المتصرف سريعاً في الأجواء، بينما وقف هو لثوانٍ يتأمل المشهد؛ الموسيقى الصاخبة تنبعث من مكبرات صوت ضخمة يتردد صداها في الصدور متناغمة مع قرع الطبول العنيف. وعلى منصة الرقص المضاءة، تمايلت الأجساد في غمرة من الانتشاء غير آبهة بالزمن، وكان دخان السجائر المتصاعد يشكل غلالة ضبابية تسبح تحت السقف الرمادي، لتُضفي على الوجوه ملامح غامضة شبه سريالية.

في تلك الليلة الباردة من ليالي شهر دجنبر، جلسا إلى طاولة خشبية دائرية في زاوية نصف مظلمة، وكان النادل بربطة عنقه السوداء يتحرك بخفة بين الطاولات المزدحمة. هناك، خلف كؤوس زجاجية تلمع تحت ومضات الضوء المتقطع، تلاشت الفوارق بين الموظف الغارق في رتابة يومه، ورجل الأعمال المنقب عن لحظة متعة عابرة، والطالب الجامعي الباحث عن ذاته؛ فقد كانت تلك العلبة ملاذاً يسرقون فيه برهات من الصخب الخالص، قبل أن تشرق شمس مراكش لتعيد كل شيء إلى حالة الانضباط.

تجوَّل طويلاً في رحاب الساحة، ثم انعطف نحو "سوق السمارين"؛ سرقت أنظاره واجهاتُ المحلات التجارية التي تعرض المنتوجات الجلدية، والألبسة التقليدية، والسجاد الفاخر، وتحف خشب العرعر. كانت خطواته متراصة، وفي الوقت نفسه ترسم له مساراً يضج بالذكريات؛ المكان تغير والزمن بدَّل جلده، لكن نفحات الماضي تشهد له بأنه جاور الفضاء وعاش بين أجوائه. سرقه ممر فرعي قاده إلى "درب ضباشي"، حيث لا تزال اللمسة الشعبية حاضرة، ومحلات بيع العصائر والمأكولات الخفيفة لم تتغير كثيراً.

تابع السير حتى وجد نفسه من جديد في الساحة، فداهمته فجأة فكرة التوجه نحو "قصر الباهية" و"دار سي سعيد". استقبل اتجاه "رياض الزيتون" ثم مشى بخطوات واثقة بين بازارات الشارع رغم شعوره بالتعب. فجأة، رنّ جرس هاتفه الذكي، نظر إلى الشاشة ثم رد على المكالمة:

- أهلاً.. هل تأخرتُ عليكِ؟

- كثيراً يا حبيبي! اتفقنا على أن تمرّ عليّ بعد ساعتين، وها قد مرت الآن أربع ساعات ولم تحضر.

- يبدو أنني نسيت نفسي وسرقني سحر الساحة وجماليتها، عشت ذكريات الماضي بكل حذافيرها.

- يبدو أن هوسك الدائم بالفضاءات يسيطر على تفكيرك، وشغفك الكبير بالماضي لا يتوقف عند حدود المعقول.

- نصف ساعة يا سيدتي وأكون عندكِ، بلّغي تحياتي لأختكِ

غادر الساحة على وجه السرعة في اتجاه سيارته، مستغرقاً رُبع ساعة من الهرولة قبل الوصول. امتطى السيارة، أدار المحرك، ثم ضغط على دواسة البنزين.

كان قد ترك زوجته في زيارة خاصة لشقيقتها بعد قطيعة طويلة بينهما بسبب مشاكل الإرث، وكان قد نجح هو وعديله في ردم الهوة التي كانت بينهما، وتقريب وجهات النظر، ودفعهما للصلح وإنهاء الخلاف.

قطع شارع مولاي إسماعيل في اتجاه شارع الموحدين، ومرّ بالقرب من صومعة الكتبية، ثم انعطف نحو شارع محمد الخامس، لينقلب يساراً نحو شارع مولاي رشيد، ثم واصل السير حتى شارع المنارة، وانعطف فيما بعد يميناً نحو شارع الإخاء" الذي قاده مباشرة نحو "حي الإنارة"."

توقف أمام فيلا صغيرة طُلي السور المحيط بها باللون الأحمر المائل إلى حمرة الغروب، وقد برزت عبر سطحه أفنان أشجار الرَّنْج "الزنبوع" المتدلية نحو الخارج. ضغط على منبه السيارة، فخرجت سيدة تجاوزت الخمسين من عمرها، وقد بدت في كامل أناقتها وزينتها، وكان محياها يبدو طلقاً وملامح وجهها تشي بجمال صارخ كانت تتمتع به في شبابها. نزل من السيارة وفتح لها الباب وقال:

- تفضلي يا لطيفة الشمائل

ابتسمت وقالت:

- أخاف كثيراً من تقريظك الزائد

هتف بصوت قوي:

- هل تصدقين أن زواجي بكِ كان حلماً وتحقق بعد عشر سنوات من الفراق؟ ولولا الصدفة السعيدة ما كنا لنلتقي... وأين؟! خارج الوطن وفي أرض الغربة.

ردت بصوت ساخر:

- هذا الحدث أصبح اليوم مجرد ذكرى، وزواجنا تجاوز اليوم الثلاثين سنة...

قاطعها بصوت جازم:

- ذكرى يصعب طيها يا "لطيفة بنور الصنهاجي

***

محمد محضار

بوزنيقة - 20غشت 2026

لا زماني ذا

ولا هذا مكاني

ضائعاً كنتُ، وما زلتُ أنا بينَهما

لا أنا أسطيعُ أنْ أمضي

ولا أرجِعَ شِبراً للوراء

ولقد تنخسِفُ الأرضُ إذا لازمتُها

وإذا جَرّرَتُ ظلي بحبالٍ فوقَها

تنزِفُ من وطأةِ ظلّي الأرضُ قيحاً ودماء

**

أتُرى أنّ هُرُوبي هو من نفسيَ؟

أم أنّ هروبي

هو مما ينفُخُ الوحشُ بهذي المُدُنِ الغضّةِ من أنفاسِهِ؟

ألمَصابيحُ التي ألبستُها نظارتي يوماً

لكي تُبصِرَ ما لستُ أراه

أصبحتْ ضدّي عيوناً للوشاة الرُقباءْ

وبلا قصدٍ

دخلتُ الحربَ في صَفّ عُداتي

مُطلقاً ناري على قبّعتي

لستُ أدري ما الذي حَلّ برأسي

أمرُهُ ما عادَ يُعنينيَ مُذ أسلمتُ أمري للضياعْ

بَيْدَ أني مُنذُ أنْ شاهدتُ ظلي لم يعُد يَتبعُني

قلتُ : مَن يتخذِ السندانَ بيتاً وَوِسَاداً

عبثاً تُجديهِ أقراصُ الصُداعْ

إنها مِطحَنةٌ

والناسُ في غفلتِهِم مثلُ الشعير

من تُرى أسقطني وَسْطَ الفراغ؟

لا أرى غيرَ عيونٍ

مُسختْ في زمن الفاقةِ أفواهاً

بها الأهدابُ أنيابُ ضِباعْ

**

ألملايينُ يدورونَ

ويَهوونَ بآبارٍ عميقة

صمتُهُم يُسمَعُ عن بُعدٍ

وفي تَصخابهم صمتُ القبور

ألملايينُ أطاحتْ بالطواغيتِ

وعادتْ تُسلِمُ الأمرَ لطاغوتٍ جديد

أغلقِ البابَ

وعِشْ في عُزلةِ الأمواتِ

أو فلتَفتَحِ الأبوابَ

ولتتركْ مواريثَكَ نَهباً ليتامى الغُرباء

لم يجيْ من خارجِ الكونِ، ولكنْ

هو من أنفاسِنا هذا الوباء

***

شعر: ليث الصندوق

كَيْ أنْقصَ منسوبَ الوجع المُتَنَشِّب في الأحناء

بعدك،

ما يلزم؟

لا أعرف يا أمّ الصّبر، ومن يعرف؟

يا أولادي

انتحبتْ أمّ الحبّ الصّامت مثل محاني الماء

ضاع العُشّ

وفات أبوكم

يا أولاد

فاختلطت فيّ الأبعاد

وفي الدّنيا

وأمامي قُوَّتي

مُرْتَعِبة

كانتْ رُكني

ورأى النّاس بها

إذ فات أبي

أركانا منتحبهْ

في كل صباحات الغيث الغامر

تسبقنا لتعدّ له ولنا الشّاي

ولها القهوة

تختار البُنّ لقهوتها وتُوزِّع كأسيها

كأسُ الأَصباح

لِحقْلٍ مْعَكَّاز

الأخرى لأَماسي النّول

تصفُّ سُدى الوقتِ ولحمتَه

وأبي قرب النّول يلاحظها منتظرا

وعلى الأسماع

قعقعة عراك ذي يزنٍ في المذياع

مرّ الوقت؟ ما الوقت؟

مِن أوهام الكائنِ والكائنُ أشباحٌ شتّى تسبح في التّيه

قولي لي أنّى رآك؟

في الغيب؟

أم إبّان الجري وراء فراشات الحقل؟

أيّان تكوني في الحاضر أمي!

أأبي الأوّل والأغلى عندك أم أبناؤك؟

كيف تسوّي يا مهبول!

مرّ الوقت؟ ما الوقت؟

ما الكائن حين يسيح في ما لا يُفرَز من ألغاز حين يُكَثَّف ثمّ يَرى ما لا يَفْرِز من أبعاد

حين يُرى شفّافا ويُرى أشتاتاً وأراني غيري أعْرِفُني وأراني لا أعْرِفُني

ما الموت؟

أيعود الشّخص أم الطّيف؟

تلك اللّيلة

من يدري كيف أتاك

من يدري ما كان

غير رشيدةِ قَلبِ الصّفو صديقتك الصّغرى وحفيدتك الفضلى

منذئذٍ صار الآتي منكشفا

الموتُ وشيكٌ ووصاتي أنْ أرتاح هنا جنبكِ فاطمتي

يأتي أبنائي

أُحْمَل للدّار داري

أنيموني فوق سريري أرتاح قليلا واحملوني لأبيكم لأحوك له وأعدّ له الشّاي

في اللّيلِ الآخِر قبل صباح الموت

كنّا بطريق الدّار

كنتِ بقربي نمشي كالعادة مبتسمين ومكتظّين بآلام شتّى تعرفنا منذ فوات أبي حبّك ذاك الأوّل والآخِر

وبقرب الزّيتون وجدناه

كالعادة مبتسما

عانقنا أمّي طويلا ثمّ أشار إليّ أنْ اِمض

سار وسرتِ

نحو الحقل الفاغر

حضنَ برودته

هو مَنْ كان

كالقطّة

إن يُشْغَل عنها يدك

تُلِحّ لِتَجْتَذِبَهْ

آه

موتك أمّي

أكان أبي أم كنت أنا سبَبَه؟

***

البشير النحلي

 

إلى عادل أسمر[1]

....كان رصيفاً مهملاً كانت جريده

تنخل اخبار الوطن

من اطلق الماء على صيف روحي

انا ما قاله العش بعد العاصفة

والهدهدُ الذي اضاعَ بريده

كانت (محلةُ اسمرَ) عشَّه الصغيرَ كانت وريده

هو من يحاصره الحنين الى موجةٍ الى غيمةٍ بعيده

عاد من أوّل القلبِ لبيتِ ابيه

لكنهُ عندما عادَ بكى وافترش الرحيل

صار عصفوراً او قصيدة

كان قبضةً من القمح ببال قطاة

هو ما لمّح َالبحر للبراري

هو فكرةٌ فرّت الى أجفان دواة

*

عادلَ اسمرَ مَن انت؟

أنا ما يُسمّى بعصافير الحقول

انا ما تقولهُ وردةٌ للريح

انا ما يضمرُه ُالغيم للغيمِ

وما تضمنتْهُ الفصول

*

عادلُ صديقُ الناي

ومعملُ طحنِ الحبوب

وطريقٌ موصلٌ بين اسطورتين

وعادلُ كان صلاة المسيح

وما تقوله جوليت لروميو

عودةُ الفَراشِ لكلام شكسبير

كان عادلُ خارجاً من حقول التبغِ ومن بداياتِ الاغاني

وعائداً الى تلكيف

مطراً على زقاق طويل

عادلُ هو الأدواتُ البسيطةُ

وشارعُ البيادر

والزمن الجميل

عادلُ علاقة الماء بالينبوع

*

لابدَّ من تلكيف لابدَّ من قطط الطريق يا صديقي

ولديك من المفردات ما يكفي لتعلّق قمرَ الرصافةِ فوق تلكيف وتمضي مع المسيح الى  (كنيسة الكلدان)[2]

صباحَ الخير يا عادل

أصيحُ في بريّتي مثلَ (ارميا )[3]لا تهجروني  واطعنوا بهذا الجمال انفسكم

يا ابنَ القمر الجميل

نمْ على ريحانةٍ بالقرب من  (قاشات)[4]

نَمْ يا ابن آذار نحلةً ترشدُ المعنى الى مجازات بعيدة

ونم على ذمةِ التلميح

واعطني حصتي من رذاذ قصيدة

صباحَ الخير يا عادل

صباح (ليليات شوبان)[5]

وضعَ الكلام على وردةٍ قلقة

تلكيفُ خيمتُنا الجديدة

تلكيفُ تلميحٌ لغموض الاستعارة

هل أوقف الحبُّ حشوده؟

تلكيف صاحبي الذي مضى الى ذكرياته

وقد وضع القمر البدائي في اعالي الاغنيات

وفوق قداسه الاخير

عادلُ اخرُ ما تبّقى من حصاد تلكيف

وعادلُ آخرُ اسطورة تمرّ في بال الرعاة

وعادلُ يرسم شكلَ الأناة

وعادل كان شقيق الفرات

*

كان رصيفاً مهملا ً كانت جريدة

تنخلُ أخبار الوطن

دموع نرجسةٍ تحاصرُهُ

وتلكيفُ التي نثرت وصاياها الاخيرة

ومشت الى ما ليس تبصر...كالعصافير الشريده

تلكيفُ خيمتُنا الوحيدة

ومملكةُ الحمام

تلكيفُ ذاكرة الفصول

فاتبع صعودَ الشوق كي تتبعَ صعودَه

***

أحمد شهاب

.....................

[1] -شخصية لطيفة من تلكيف الموصل، مازال متعلّقا بالوطن الام العراق

[2] - كنيسة في تلكيف الموصل

[3] - من انبياء العهد القديم

[4] - محلّة في تلكيف

[5] - موسيقى لشوبان

رحلَ رجلٌ من قريتنا،

ذهبَ بعيدًا…

الرجلُ يخرجُ للمشيِ كلَّ يومٍ،

لا يصطحبُ معهُ كلبًا في نزهتِه.

هذا الرجلُ، شاعرٌ شرقيٌّ، لا يؤمنُ بالمساواة؛ ربما لهذا لا يقتني كلبًا أو قطةً.

الرجلُ الشرقي المُهاجرُ، الذي يسمُّونهُ بالشاعرِ،

يذهبُ إلى الحديقةِ القريبةِ كلَّ يوم، وبيدهِ دفترٌ.

يجلسُ وحيدًا،

متكئًا إلى جذعِ شجرةِ بلوطٍ، حتى المساء…

وفي مساءٍ باردٍ من هذا الخريف، بينما كانَ البلوطُ الناضجُ الصغيرُ يتساقطُ عليه، تساءلَ معَ نفسِه:

لماذا البلوطُ هنا صغيرُ الحجم؟

ماذا أفعلُ هنا؟

ولماذا أبدو أنا ـ كما يتراءى لي ـ صغيرًا جدًّا هنا؟

تمرُّ بيّ الكلابُ، تنبحُ وتلتفت إليّ وكأنَّها تخاطبني قائلة:

أيُّها المُهاجرُ العجوزُ،

وحيدًا…

هنا، مع دفترِ أشعارٍك، تحتَ شجرةِ بلوطٍ، بعيدًا عن شمسِ الشرق…

ماذا تفعل؟

***

مراد سليمان علو

لَسْتُ مِمَّنْ يَطْرُقُونَ أَبْوَابَ النَّاسِ بِجَبِينٍ مُنْحَنٍ،

وَلَا مِمَّنْ يَسْتَعِيرُونَ مِنَ الضَّعْفِ لُغَةً لِلنَّجَاةِ.

التَّذَلُّلُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِي،

فَخُذُوا هَذَا عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ،

وَلَا تُرْهِقُوا أَنْفُسَكُمْ فِي مُطَارَدَةِ روح لَنْ تسْقُطَ.

أَنَا لَسْتُ شَجَرَةً تُخْضِعُهَا الرِّيحُ لِجِهَةٍ لَا تُرِيدُهَا،

وَلَا غُصْنًا يَنحني كُلَّمَا مَرَّ بِهِ نسيم عَابِرٌ.

فِي دَاخِلِي جِذْرٌ قَدِيمٌ،

أَعْمَقُ مِنْ أَنْ تَبْلُغَهُ أَيَادِي العَابِثِينَ.

قَدْ أَصْمُتُ،

وَلَكِنَّ صَمْتِي لَيْسَ إِقْرَارًا ،

إِنَّهُ ذَلِكَ البَابُ الثَّقِيلُ الَّذِي أُغْلِقُهُ فِي وَجْهِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ السُّكُوتَ هَزِيمَةٌ.

وَقَدْ أَتْرُكُ لِبَعْضِ الأَشْيَاءِ أَنْ تَمُرَّ،

لِأَنَّي أَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ المَعَارِكِ تَصْغُرُ حِينَ نَنْزِلُ إِلَيْهَا.

فَلَا تَطْمَعُوا فِي انْكِسَارِي ،

فَقَدْ مَرَرْتُ بِمَا كَانَ كَفِيلًا بِأَنْ يَجْعَلَ مِنِّي رُكَامًا،

فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْنِ الحُطَامِ

أَكْثَرَ صَلَابَةً، وَأَقَلَّ قَابِلِيَّةً لِلِانْحِنَاءِ.

وَإِنْ رَأَيْتُمُونِي أَمِيلُ يَوْمًا،

فَلَا تَخْطَئُوا القِرَاءَةَ ،

رُبَّمَا كُنْتُ أُصْغِي لِلأَرْضِ،

الشاهدة على سقوطكم .

أَمَّا أَنْ أَنْكَسِرَ لِأَحَدٍ،

فَتِلْكَ حِكَايَةٌ لَمْ أَكْتُبْهَا،

وَلَنْ أَتْرُكَ لِأَحَدٍ شَرَفَ كِتَابَتِهَا.

أَنَا ابْنَةُ مَا نَجَا،

وَلَسْتُ بَقِيَّةَ مَا سَقَطَ.

***

مجيدة محمدي

أطُوفُ بالرّوحِ في أنْسَامِ مَأْوَاهَا

وَأرْتَجِي الدّفْءَ في كَفٍّ حَوَانِيهَا

*

أعُودُ طِفْلَةَ قَلْبٍ لا يَخافُ سِوى

رؤى الحَنانِ إذا مالَتْ أمانِيهَا

*

ألقي غِواءَ الدُّنى عنّي بلا حَذَرٍ

وَأسْتَرِيحُ على عيْنَيْ مُنَادِيهَا

*

فلا المَقَامُ يَحدُّ الشَّوقَ في أذني

ولا السِّنونَ التي طالَتْ مَطَاوِيهَا

*

كأنّما الوَقْتُ مَهْمَا ضاقَ مُتَّسَعٌ

يَلينُ حينَ نُناجيها ونَحْكِيها

*

نَبْنِي مِنَ الودّ أحلاماً نُحلِّقُ بها

وَنُوقِدُ النُّورَ في أقصَى مَرَاعِيهَا

***

العامرية سعدالله

 

اللحظة (1)

هو اليوم يشرب أنخابه

وينادمه حجر ناتئ

حين كلمه

في الحديث أفاض وأصبح

يصدر فيه عن

هوى منسجمْ.

**

اللحظة (2)

لا تضاهى إذا هي خطَتْ

فالطريق يراها

ويعرفها

فوق جبهته خطَّ

منذ البداية

هاجسها الطاهر الأنثوي.

**

اللحظة (3)

ربما يحدث اليوم مثل الذي

كان يحدث بالأمس

لكنما فارق الوقت كان صفّى حساباته

واستراح.

**

اللحظة (4)

ذاك عرافنا لم يزل ضاربا

في الوقار

بعلاته الآن يجمع أشتاته

بيد أن جنايته لا خلاءَ لديها

ولا كهفَ تأوي إليه إذا عربدت

بين أسنانها عاصفةْ.

***

مصطفى معروفي

1- شَمِشٌّ فِي صِراعٍ

كانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ العَدالَةِ، وَيَعُدُّ نَفْسَهُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، حَتَّى لُقِّبَ بِـ«شَمِشٍّ¹». كانَ يُدافِعُ عَنْ كُلِّ مَظْلُومٍ وَيَقِفُ إِلَى جانِبِهِ، وَيُحارِبُ كُلَّ ظالِمٍ. بَلْ إِنَّهُ كانَ يَقِفُ حَتَّى ضِدَّ مَنْ يَرْتَكِبُ جُرْمًا دُونَ قَصْدٍ، لِيَنْصُرَ المُتَضَرِّرَ.

فِي يَوْمٍ صَيْفِيٍّ، كانَ والِدُهُ يَقُودُ السَّيّارَةَ قاصِدًا البَحْرَ لِلتَّرْفِيهِ، غارِقَيْنِ فِي الكَلامِ وَالضَّحِكِ، فَإِذا بِهِ يَدْهَسُ طِفْلًا لَمْ يَنْتَبِهْ إِلَيْهِ.

صُدِمَ عِنْدَما أُحِيلَ والِدُهُ إِلَى المَحْكَمَةِ. فَعَلَ المُسْتَحِيلَ لِإِنْقاذِهِ، وَلَجَأَ إِلَى أَشْهَرِ وَأَمْهَرِ المُحامِينَ. كانَ حُبُّهُ لِوالِدِهِ مَعْنَى حَياتِهِ، فَأَعْماهُ ذٰلِكَ الحُبُّ، وَنَسِيَ لَقَبَهُ.

اِخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آرائِهِمْ عَمّا حَدَثَ. قالَ بَعْضُهُمْ: «لَوْ كُنّا مَكانَهُ لَفَعَلْنا مِثْلَهُ، فَمَنْ يَتْرُكُ والِدَهُ، أَوْ أَيَّ عَزِيزٍ عَلَيْهِ، يُسْجَنُ؟»

وَقالَ آخَرُونَ: «يا لَهُ مِنْ مُتَناقِضٍ وَأَنانِيٍّ! نَسِيَ مَبادِئَهُ وَسَعْيَهُ لِنُصْرَةِ المَظْلُومِ وَالمُتَضَرِّرِ، ذٰلِكَ الَّذِي كانَ يُنادِي بِأَخْذِ الحَقِّ مِنَ الجانِي وَمُعاقَبَتِهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ قاصِدًا».

لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَنْزِلِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً. كانَ فِي داخِلِهِ صِراعٌ؛ تارَةً سَعِيدًا بِسَلامَةِ والِدِهِ، وَتارَةً حَزِينًا عَلَى طِفْلٍ ماتَ دُونَ ذَنْبٍ.

وَبِحُزْنٍ وَشُعُورٍ بِالعُزْلَةِ، بَعْدَ أَنْ اِبْتَعَدَ عَنْ ضَوْضاءِ الأَلْسُنِ وَالأَسْئِلَةِ، جَلَسَ يَنْظُرُ مِنْ شُرْفَتِهِ، وَيُتَمْتِمُ فِي سِرِّهِ:

«لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ كانُوا الجُمْهُورَ، وَأَنَّنِي كُنْتُ المَسْرَحِيَّةَ».

***

2- مَسْرَحِيَّةُ الدُّمَى

عَلَى المَسْرَحِ، تَتَحَرَّكُ الدُّمَى الخَشَبِيَّةُ بِخِفَّةٍ وَحَماسَةٍ، كَأَنَّها تُرِيدُ أَنْ تُمْسِكَ بِالفَراشاتِ كُلِّهَا الَّتِي حَوْلَها.

تَتَبادَلُ الدُّمَى النِّسْوَةُ الحَدِيثَ، رَيْثَما يَعُودُ أَزْواجُهُنَّ مِنَ العَمَلِ.

تَسْأَلُ دُمْيَةٌ صَدِيقَتَها:

* أُوه، أَنْتِ حامِلٌ مُجَدَّدًا! ما سِرُّ رَغْبَتِكِ فِي الإِنْجابِ واحِدًا تِلْوَ الآخَرِ؟

تَرُدُّ الدُّمْيَةُ عَلَى صَدِيقَتِها:

* أَلا تَرَيْنَ ما أَجْمَلَ الحَياةَ؟ وَقانُونُ الدُّمَى يَنُصُّ عَلَى أَنْ تُولَدَ الدُّمَى جَمِيعُها أَحْرارًا وَمُتَساوِيَةً فِي الحُقُوقِ وَالواجِباتِ.

تُجِيبُ الدُّمْيَةُ:

* نَعَمْ، القانُونُ مَوْجُودٌ، فَلا خَوْفَ إِذَنْ.

اِنْقَطَعَتِ الكَهْرُباءُ، فَصاحَتْ إِحْدَى الدُّمَى مَفْزُوعَةً:

* أَخافُ مِنَ الظَّلامِ!

تَرُدُّ عَلَيْها الدُّمْيَةُ الجَدَّةُ:

* تَخافِينَ مِنَ الظَّلامِ؟ ماذا؟ أَنْتِ لَمْ تَعُودِي طِفْلَةً!

تَرُدُّ عَلَيْها الدُّمْيَةُ:

* هَلْ كانَ ذٰلِكَ بِإِرادَتِي؟ أَلا تَتَذَكَّرِينَ ماذا حَدَثَ لِي قَبْلَ سَنَواتٍ فِي الظَّلامِ، عِنْدَما عَضَّتْنِي دُمْيَةُ الكَلْبِ؟ وَمُنْذُ ذٰلِكَ اليَوْمِ وَأَنا فِي حالَةِ هَلَعٍ وَخَوْفٍ مِنَ الظَّلامِ.

جاءَ الأَزْواجُ مِنْ أَعْمالِهِمْ مُنْهَكِينَ.

قالَ أَحَدُ الأَزْواجِ لِزَوْجَتِهِ:

* بَعْدَ كُلِّ هٰذا التَّعَبِ اليَوْمَ، اِسْتَطَعْتُ أَنْ أَشْتَرِيَ رَغِيفَ خُبْزٍ وَبَيْضَتَيْنِ... سَنَتَقاسَمُهَا أَنا وَأَنْتِ وَالأَوْلادُ الخَمْسَةُ. مَرْحَى!

قالَتِ الدُّمْيَةُ الطِّفْلَةُ لِوالِدِها:

* لِماذا لا تَنْقَطِعُ الكَهْرُباءُ عِنْدَ صَدِيقَتِي تالا؟ قالَتْ لِي فِي حِصَّةِ مادَّةِ الاِجْتِماعِيّاتِ إِنَّ الكَهْرُباءَ عِنْدَهُمْ لا تَنْقَطِعُ.

أَجابَ الأَبُ:

* والِدُ تالا لَهُ نُفُوذٌ وَسُلْطَةٌ، يا اِبْنَتِي، وَنَحْنُ أُناسٌ بُسَطاءُ.

تُغَنِّي الدُّمَى أَغانِيَ فُلْكْلُورِيَّةً، وَتَرْقُصُ عَلَى ضَوْءِ شَمْعَةٍ، وَتَقُولُ بِابْتِهاجٍ:

* ما أَجْمَلَ الحُرِّيَّةَ وَالرِّقَّ...

قَبْلَ أَنْ تَكْتَمِلَ الجُمْلَةُ، اِنْقَطَعَ خَيْطُ إِحْدَى الدُّمَى، فَسَقَطَتْ قَتِيلَةً عَلَى المَسْرَحِ...

كانَ مَوْتُها مُفاجِئًا، فَقَدِ انْقَطَعَ خَيْطُ مُحَرِّكِها.

أُسْدِلَتِ السِّتارَةُ، وَاِنْتَهَتْ مَسْرَحِيَّةُ الدُّمَى بِالبُكاءِ وَالنِّواحِ

***

مريم نزار الديراني

تــمايلَ الغُصنُ مســـروراً بلُـقــيـــانـا

وأومض البـرقُ، ترحيــبا بمسْـعـانا

*

جــمْعُ الأحــبّة ِ، فــي اجـواء قافــيةٍ

تــعـطِـيـُر نَـكْــهـةِ ابــداعٍ بـمَـرْمانـا

*

صرْح الخلود، حروفُ المَجْدِ ترفده

وكــلُ اشــراقِ حرفٍ في العُـلا بانا

*

يامن يلُــوكُ مضامِيــناً، بـهـا حَسَـدٌ

هــذِّب نــواياكَ، أقــوالا وأرسـانا

*

إنْ كُـرِّمَ المبدعُ الموهوبُ، في عَمَلٍ:

تَفْـعـيلُ جهْـدٍ، ومـنحُ الحــقِّ عـنوانا

*

إنّ الوســامَ عـلى صــدرٍ يلـيـقُ بــه

توثـيــقُ عـدلٍ يَرى الانصافَ مِيـزانـا

*

يامَــن يواصِـلُ لهْــواً، دون فــائـدةٍ

إحجبْ، لأجْلِ نصوصٍ ترفعُ الشّانا

*

يعـلـو المُمَـيَّـزُ، فـــي طبْعٍ وموْهِـبةٍ

(إنّ الــنفـيـسَ غــريبٌ حيثما كانــا)

*

للحُــبِ ديــمومَــة ٌ، إنْ كــان يرفــدُه

نــهْجٌ عـفيفٌ، وعـزْمٌ يـبـني اركانـا

*

امْـنح صداكَ أهـازيجـاً، لهـا قِـيـَـمٌ

تُــعـزز العَــزْمَ، تصديــقـاً وإيــمانـا

*

إنّ التــواردَ فــي الافـكار تـتْـبـعـُهـا

حَـصيـلةٌ، فـلْـتكـن خيـراً وبُـنــيانــا

*

مع النــسيم، بريـدٌ مــنك يؤنِــُسني

والشمسُ تمنَـحــه، في الافق ألوانا

*

مُــذْ حـدَّثـونا عـن الاجدادِ من مُثُلٍ

(الا ونحــن نــراه فــيهــم الآنـا)

*

وجْــهُ الـبلاغــةِ، اشْــراقٌ بطلْعَــتِـه

فإنْ تجَــسَّدَ ما فــي الضوء اغْــنانـا

*

فالاســتعارة ُ والتشبيهُ إنْ شَخَصَـتْ

كالــزّرع تَــوَّجَ انـهــاراً ووِديــانــا

*

رِيـادَةُ الادب السّـامي، بَـهـاءُ غَــدٍ

وكـلُّ خطوَةِ نُــصْحٍ، تـبْـني انسـانا

*

يامـن يعــزّ عليــنا أن نـفارقهــم)

نَـيْلُ العلومِ اقتضى، والعِلمُ اسْمانا

***

(من البسيط)

شعر: عدنان عبد النبي البلداوي

مررنا

وكانت الطريق تشقُّ الوادي

بين صخرٍ وشجر

ورأيتُ بيوتًا صغيرة

كأنها أسرارُ الأرض،

تختبئُ منّا

وتأوي إلى ظلِّ الأشجار

*

قلتُ في نفسي

كيف يعيشُ الذين هنا؟

*

هم يرون السماء

لكنهم لا يرون المدى

يرون الشمسَ حين تعلو

ولا يرونها،

وهي تمشي على وجه الأرض

لهم نجومٌ كثيرة

لكن ليس لهم أفقٌ بعيد

ولهم صباحٌ

لكن الجبالَ تقفُ

بينه وبين امتداده

*

ومع ذلك

تُفتحُ الأبواب

ويخرجُ الأطفال

وتُزرعُ الورود

*

وتجلسُ أمي عند المساء

تنظرُ إلى السماء

كأنها تكفيها3151 orthar

فكم من قلبٍ

يسكنُ واديًا ضيقًا

وروحُه أوسعُ من الأفق

وكم من إنسانٍ

يسكنُ بين المدى والسماء

ولا يرى

إلا جدرانَ نفسه

*

ثم تذكرتكِ

منذ أن عبرتِ إلى صمتكِ الأخير

وأنا أسكنُ واديًا

كلما رفعتُ رأسي

ابتعدَ الأفق

البيتُ يعرفُ أن اسمكِ

طريقةٌ أخرى لفتحِ الأبواب

كلما قلتُ

أمي...

هَبطتِ على الأشياء

على المساءِ وهو يمدُّ ظلَّه

كأنه قطعَ طريقًا طويلًا

من الموصل

ليسمعَ صوتكِ

ثم طالَ به الطريق

*

كلما مددتُ يدي

تساقطت منكِ

رائحةُ صابون

خيطٌ أبيضُ عالقٌ بثوب

دعاءٌ بين فراقين

أمنيةٌ نامت تحت وسادة

وشعرةٌ فضيةٌ

تقاومُ الريح

في أسنانِ مشطٍ قديم

*

والنافذةُ

كلَّ صباح

تمسحُ زجاجَها بالضوء

يمرُّ وجهٌ بعيد

يشبهكِ

ثم تمضي الشمس

إلى الجهة الأخرى من الجبل

*

أما أنا

فكلما قلتُ

أمي...

ارتفعت في داخلي

جبالٌ قديمة

وتراجعت

حتى ظهرت السماء

واسعةً

وحيدة

أمدُّ يدي إليها

فتعودُ إليَّ

برائحة يديك

*

وفي المساءِ

حين يضيقُ الوادي

وتنحني الأشجار

تحت الريح

أراكِ

في خيطِ شمسٍ

على حافةِ جبل

وأظلُّ واقفًا

أرى السماء

وأنتظرُ الأفق

*

وعندما أعودُ إلى البيت

أشعرُ أن الجدران

ترتِّبُ صمتَها

وتتركُ عند الباب

مكانًا...

يكفيك

*

وتبقى السماء

معلّقةً فوق البيت

كأنها

آخر ما تركتِه لي

***

بولص آدم

.................

* اللوحة للفنان لوثر إيشو

هذه الدنيا القصيدةْ

أسْــعَدَتْني يا حَميدةْ

*

أشعَلَــتْني بِــحُرُوفٍ

ونُبٌـــــوءاتٍ عَـديدةْ

*

بيديهـــــا ألْبَسَـــتني

بُرْدَةً تُدعى: الفريدةْ

*

صَيَّرَتني مِنْ رسـولٍ

لنَبيــهٍ في الجـريدةْ

**

ذات هَجْسٍ عانَقَتْني

ومَضينـــا كالطريدةْ

*

تَســبِقُ البَرْقَ خُطَانا

للنهايــــاتِ السعيدةْ

*

وسَعِدْنــا بٍوصُــــولٍ

واحتفينــــا بالوليدةْ

*

فأقامَ الكـــونُ عُرْسًا

بجـــديدٍ وجـــــديدةْ

*

وهُتـافٌ مِن بعيـــــدٍ

يَروي عنَّــــــا للبَعِيدَةْ

**

بَعدها صِــــــرنا حياةً

للورى تبدو.. رَغِيدةْ

*

تَتَنـــــامي كل هًجْسٍ

بِمَـــــــــدَاءاتٍ مَديدةْ

*

مَنْ أتـــاها دون زادٍ...

سَطَّحَتْهُ كالحَـــدِيدَةْ

*

قَطَــعَتْ عَـــــنهُ وَتينًا

أنْضَــبَتْ مٍـــنهُ وَريدَه

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

٢٠٢٦/٨/١٣م

 

لو أنبأتني الغجريةُ

أنكِ يومًا ستكونينَ لي،

لما كتبتُ ملحمة (بتلاتِ الوردِ)،

لما انتظرتُ تحتَ شمسِ (سيباي)،

ولا جلست أنتظر على حافة غدير.

أو تبللت تحتَ المطر.

لو أنبأتني الغجريةُ

أني سأقبّلُ جبينَ القمر،

لما رميتُ تلك الحصوات المسطحة في الغدير،

لأتابع عبورها إلى الجهة البعيدة.

فقط لو أنبأتني الغجريةُ

بالمكانِ والزَّمان،

لأتيتُ راكبًا

أبيضَ الحصانِ،

أمسِ، وغدًا،

والآن.

***

مراد سليمان علو

حياةٌ كلُّها ضاقت أفاعي

ولم تنفع هراوات الدّفاعِ

*

بحقدٍ تنفثُ الأنفاسَ فينا

تبثُّ السُّمَّ من غير انقطاعِ

*

ومازالت .. وما كفَّتْ بيومٍ

و قد مرّت على كلِّ المراعي

*

فما أبقت لنا حقلاً بريعٍ

ولا ريعاً ولا شاةً وراعي

*

تفرَّقنا.. وقد كنا جموعاً

مؤاخين المقاصد والمساعي

*

فصرنا قطعةَ الإسفنج قُصَّتْ

إلى العشرين تُذرى من شراعِ

*

وتهنا .. تاهتِ الآمال فينا

فلم نبلغ فنارات القلاعِ

*

وهاجت ثورة الإنسان تغلي

وقد هبّت بمخمصة الجياعِ

*

فهمنا.. هامت الآلاف تبدي

جنوناً جامحاً مثلَ الضِّباعِ

*

وكلٌّ ما به فيه؛ ليحيا

على ما ذاق من ثدي الرّضاعِ

*

فلا يحييه في يومٍ قيادٌ

ولا ينجيه قولٌ باستماعِ

*

لأنَّ المرءَ يدفعُهُ سلوكٌ

بما عاثَ التَّطَبُّعُ بالطِّباعِ

*

ستبقى تُمطِرُ الدُّنيا رزايا

ولم تقلع بعاصفة انقشاعِ

*

ونبقى نألف الآلام فينا

بجمر الحال من لسع التياعِ

*

فلا من راح يأتينا لينجي

ولا من جاء يقلينا بساعِ

*

ستبقى تفتك الأيام فينا

وترثينا مواساة النّواعي

*

ونبكي نندب الأجيال حزناً

على ما كان من مجدٍ مُضاعِ

*

إذاما الحال نفس الحال يبقى

فما الجدوى بخسران انتفاعِ !

***

رعد الدخيلي

 

مقهىً جنوبَ موجةٍ

جنوبَ حقلٍ من أجاص

أعلى من القلبِ الذي خبأتهُ في القنبة[2]

أدنىً من الناي الذي يسكبُ حزنَ القصبة

مقهىً جنوب قطةٍ

وغربَ مفحصِ القطاة

شَمال غرب القافية

الياسُ بكرٍ ها هنا[3]

وهاهنا شُكْرُ الرشيدي[4]

والهيلُ في شاي الشتاء

عبدُ العزيز[5] قادمٌ من محلّةِ العرب

شمالَ غربِ غابةِ الرُّطب

3144 ahmadأما يزال بيتنا مضاء؟

يحيا على ابتسامة ٍ(لفادية)[6]

وصيفُنا الطويل

والضحكةُ التركيةُ

على الزمان الزنجبيل

وكان عمراً اخضراً يا سيّدي

صلّت عليهِ العافية

مقهىً يرتبُ عزلةَ الأزهار في طفولة بعيدة

مقهى يُرتّبُ الحنينَ في طريق المدرسة

مقهى يحاولُ استعادةَ التي طارت حمامةً بيضاءَ نحو الضاحية

*

حميتُ نفسي منَ الأشواق كي أحبّك

وعندما العشّاق يمضون فلستُ ماضياً إلّا اليك

ويسقطُ الثلجُ على كتفي لكي اشاهدَ الصيف على يديك

مقهى على رصيفٍ واسعٍ

والوقتُ صيفٌ ربّما القاكِ في المرة الثانية

وربما خمسُ صنوبرات

يلْقينني في الشارع العام

وقربَ بيت الحاج قاسم [7]

وانتِ بستانُ من القطن الجميل

تفتّحت ازهارُهُ شمالَ غربِ القافية

***

د. أحمد شهاب

..........................

[1] مقى في رشيدية الموصل في الستينات والسبعينات اختفى الآن

[2] القنبة وهي كلمة تركية قد عُرّبت وهي الأريكة

[3] صديق الشاعر

[4] صديق الشاعر

[5] صديق الشاعر

[6] زوجة الشاعر

[7] بيت كبير من بيوتات الرشيدية

حين استدارَ النُّورُ

عن خاصرةِ الظِّلِّ

وانكسر العِطرُ على عتبةِ

الورد

​كانَ الفضاءُ المُلوَّثُ

بالبوحِ

يَفتحُ شهِيَّةَ الغياب

​مرَّت بِنا النَّشوةُ

رماداً مِن غُصنٍ أَعمَى

وخُطواتُ الدَّهشةِ

تُفتِّشُ عَن خُضرةٍ فِي

عينِ الحَجر

​كُنَّا على حافةِ الأَغصانِ

ثِمار سُكْرٍ مُؤجَّل

​هل كان ذاكَ الإِيقاعُ

دَمعَ القَيظِ

في رَملِ القَنَادِيلِ؟

كم التاثَ النَّرجِسُ

بنارِ

قصِيدتِنا السَّوداءْ

​نَحنُ الغَارقُونَ بِما

لاَ يُوصفُ

مِن وَلهٍ

مُثقَلونَ بِغيثٍ بِلا

سماء

تَركُضُ إِلينا مواسمُ

تَجهلُ أُسطورةَ

وَجدنا

​يا قَيُّومَ ما نتكهن

أَنا هالَةٌ هبَطتْ مِن رُؤيَا

امرأَةُ حَدسٍ

تطعَنُ البرِّيَّةَ بشهوةِ

الرَّيحانْ

​وأَنا بين يديَّ

حدائقُ الغَيمَ

لغةٌ هيفاءُ تنزِفُ

رَحيقها

فِي أَغصَانِ الزَّمنْ

​لم يجدِ الولهُ أَبهَى

من شهادةِ تبصُّري

المُتأَصِّلِ

في الرُّؤيَا

سوى أَن ننفُضَ رمادَ

الضَّوءِ

ونصيرَ سيلَ الجريانِ الَّذِي مضى

​أَسرَارُنا نَجتْ

حِين صِرنَا أَشَدَّ صِدقاً

مِن الأَزَلِ

***

د. مرشدة جاويش

وصايا الغيم / دار نون

2010

بين حقيبةٍ تشبه قبرًا صغيرًا،

وبوابات العبور المضيئة كشاشات الاحتضار،

يقف المواطن العربيّ..

يحمل تاريخًا من الهزائم في جيبه الأيمن،

ويورو معدنيًّا في جيبه الأيسر،

ويبحث عن ظلٍّ له في عواصم الضباب.

في مطار شارل ديغول*

أو على حافة هيثرو**

تفتش الكلاب البوليسية في أمتعته،

عن حنينٍ خفيٍّ سرقه من بيته،

أو عن رائحةِ زعترٍ تكفي لإدانته بتهمة الحنين العابر للحدود.

يمشي في "المنطقة الحرة"،

حراً كطائرٍ مكسور الجناحين،

يشتري عطرًا غربيًّا ليخفي به رائحة البارود العالقة في جلده،

ويبتسم لموظف الجمارك من وراء الزجاج الأملس،

بينما في صدرِ ه أمةٌ كاملةٌ تُطرد من تاريخها.

يستوقفه ضابط الحدود:

ـ ما سبب الزيارة؟

ـ أبحث عن بلادٍ لا تحترق،

ـ أبحث عن وجه أمي المنسي خلف جدار السنتيمتر الأخير من الخريطة.

لكنه يبتلع إجابته،

ويكتفي بختمِ دخولٍ مؤقتٍ..

مؤقتٍ جداً، كعمره،

كحلمه،

كأحلام الجياع على شاشات الفضائيات.

***

العامرية سعدالله / شاعرة من تونس

.....................

* مطار شار ديغول: مطار بمدينة باريس الفرنسية.

** هيثرو: مطار بمدينة لندن

يا مرحبا قد أقبلت * تناسقت ألوانُها

مِن كلّ لَون أزْهرتْ * كأنّها جِنانُها

وأينعتْ ثِمارُهُ * وَقَدْ بَدَا أوانُها

مِنَ الغِلالِ كُلِّهَا * تَمَايلتْ أغصانُها

تأرْجَحَتْ تَبَهْرَجَتْ* ومُنعشٌ رَيْحانُها

بَعدَ اِنتظار هِيتَ لَكْ * الآن ذَا زَمانُها

تَعسّلتْ تَرَقْرَقتْ * تَرنَّمَتْ أفنانُها

لِقَطفِهَا تَغنّجَتْ * مُستَسلِمَا عِنَانُها

فاِنْطلقتْ كالمُهْرةِ * إِذَا اِسْتوَى مَيدانُها

وقَد عَلا صَهْوتَها * مُتيّمٌ وَلْهَانُها

وشَدّ شدّا سَرْجَها * تزَعْزَعَتْ أركاتُها

فَحَمْحَمَتْ ضَابِحةً * تأجَّجَتْ نِيرَانُها

حَامِيةٌ آهاتُها * حَالمِةٌ أجفَانُها

تَأوّهَتْ لَذَاذَةً * أنّى لَهَا كِتْمَانُها

واِنتفَضتْ من نَشوةٍ * فِي عَينِها لَمْعَانُها

أَمِيرةً بَايَعتُها * قَالتْ أنَا سُلطانُها

***

سُوف عبيد ـ تونس

فَنَّانَانْ

اِلْتَقَيَا بِالصُّدْفَةِ فِي بُسْتَانْ

كَانَ اَلْأَوَّلُ يَرْسُمُ

وَالْآخَرُ يَعْزِفُ

وَالْإثْنَانْ

فِي أَبْحُرِ إِبْدَاعِهِمَا يَنْغَمِرَانْ

**

كَانَ اَلرَّسَّامْ

قَدْ أَنْجَزَ لَوْحَاتٍ تَتَلَوَّنُ فِيهَا اَلْأَحْزَانْ

وَالْعَازِفُ كَانْ

يَعْزِفُ أَلْحَانًا مَا عَزَفَهَا إِنْسَانْ

حَلَّ اَللَّيْلُ، فَقَالَا سَيَنَامَانْ

بِهُدُوءٍ وَأَمَانْ

بَيْنَ اَلْأَوْتَارِ، وَبَيْنَ اَلْأَلْوَانْ

**

نَامَ اَلْإثْنَانْ

فِي اَلْحُلْمِ رَأَى اَلرَّسَّامْ

أَلْوَانًا لَمْ يَشْهَدْ

مَا يُشْبِهُهَا قَبْلَ اَلْآنْ

وَرَأَى لَوْحَاتٍ تَتَرَاكَضُ،

وَهُوَ يُلَاحِقُهَا دُونَ اِطْمِئْنَانْ

أَمَّا اَلْعَازِفُ، فَالْحُلْمُ أَتَاهْ

وَهُوَ حَزِين يُرْبِكُهُ وَقْعُ خُطَاهْ

وَيَرَى نَفْسَهْ

فَنَّانًا أَسْلَمَ كَفَّيْهِ لِأَوْتَارٍ قَلِقَةْ

وَمَضَى مُلْتَاعًا يَعْزِفُ أَلْحَانًا نَزِقَةْ

**

مَاذَا سَيَقُولُ اَلْاِثْنَانْ

حِينَ يُفِيقَانْ؟

مَاذَا سَيَقُولَانْ؟ !

***

شعر: خالد الحلّي

مَا لِي فُتِنْتُ بِلَحْظِكِ الْفَتَّاكِ

فَوَجَدْتُنِي مِنْ أَسْرِهِ أَهْوَاكِ

*

وَسَلَوْتُ كُلَّ مَلِيحَةٍ إِلَّاكِ

فَكَأَنَّ وَجْدِي مَا احْتَفَى بِسِوَاكِ

*

يُسْرَاكِ قَدْ مَلَكَتْ زِمَامَ صَبَابَتِي

مُذْ عَانَقَتْ وَرْدَ الْهَوَى يُسْرَاكِ

*

وَمَضَلَّتِي وَهُدَايَ فِي يُمْنَاكِ

قَدْ ضَاعَ قَلْبِي بَيْنَ هَذِي وَذَاكِ

*

فَإِذَا وَصَلْتِ فَكُلُّ شَيْءٍ بَاسِمٌ

وَالْكَوْنُ نُوِّرَ مِنْ جَمَالِ بَهَاكِ

*

وَإِذَا هَجَرْتِ فَكُلُّ شَيْءٍ بَاكٍ

حَتَّى الْخَرِيفُ أَسَالَ دَمْعَ جَفَاكِ

*

هَذَا دَمِي فِي وَجْنَتَيْكِ عَرَفْتُهُ

يَسْرِي حَنِينًا عِنْدَمَا أَلْقَاكِ

*

لَا تَسْتَطِيعُ جُحُودَهُ عَيْنَاكِ

فَالسِّرُّ يُفْضَحُ مِنْ بَرِيقِ سَنَاكِ

*

لَوْ لَمْ أَخَفْ حَرَّ الْهَوَى وَلَهِيبَهُ

لَأَذَبْتُ قَلْبِي فِي لَظَى ذِكْرَاكِ

*

لَجَعَلْتُ بَيْنَ جَوَانِحِي مَثْوَاكِ

وَنَذَرْتُ عُمْرِي خَالِصًا لِفِدَاكِ

***

بِقَلَمِ: سُلَيْمَانَ بْنِ تَمَلِّيست

جَرْبَة، فِي 2026/08/16

من الجيدِ أن تكونَ حمارًا، يحسدُكَ الملايينُ من البشرِ كلَّ يوم.

قد يكونُ الأمرُ صعبًا في البداية،

ستنبذُ اللحومَ، وتلكَ الأطعمةَ الدسمةَ المليئةَ بالكوليسترولِ الضار.

ستُصادفُ الكثيرَ من الساخرينَ والمتشككين،

وقد تُضربُ وتُهان، ويُذهبُ بكَ لأعمالِ السخرةِ.

ومن حينٍ لآخر، يمكنكَ أن تحتجَّ على وجودِكَ في المكانِ الخطأ،

بالتبوّلِ واقفًا أو بالرفسِ،

ولكن أيضًا، سيكونُ لكَ أصدقاء،

رجالٌ جادّون، يساعدونكَ على تناولِ وجباتٍ مجانيةٍ من العشبِ الأخضرِ الطازجِ كلَّ يوم.

حينها يمكنكَ أن تتظاهرَ بالسعادةِ، وأن تنهقَ، وتضرطَ…

ويمكنكَ أن تردَّ الجميلَ أيضًا كحمارٍ لهُ كرامتُه،

تحملُ بعضَ متاعِهم،

ويجلس على ظهرك كبارَ السنِّ أثناءَ الفرامينَ عليهم.

مرحى يا حمار!

البشرُ يتداولونَ أعظمَ مقولةٍ قيلتْ فيكَ:

"لتكونَ سعيدًا، وعلى خيرِ ما يرام؛ كنْ حمارًا".

بالتأكيد، من الأفضلِ أن تكونَ كذلك.

مرحى يا حمار.

***

مراد سليمان علو

وحدك علمتني.. كيف تقيم الروح في غير ذاتها..

وكيف يصيرُ القلب بابا.. لا يُغلقه الانسحاب..

ظننتُ الودادَ عهدًا.. القلبَ ميثاقًا

وأن النبض إن صدق.. لا تُغويه رياح المسافات

وإذ بالأفعال تكسر الوعود.. تخدع الأسماء..

لأكتشف أن بعضَ العهود.. تُترك في مَهبِ التأويل..

وأن الصمت خيانة.. تغتال الروح في هدوء.

*

شيء ما فيك يبعثر ترتيبي..

يُسقط المقدمات.. ويتركُ الحكاية بلا خاتمة..

يُعيدني طفلة لا تُجيد سوى الدهشة.

كلما حاولتُ جَسَ نبضي..

تسللتَ من بين الدقات.. ذنباً يُنعشُ مشوار أيامي

يُسقط عني يقيني.. لأصيرَ احتمالاً لا مستقر له..

كلما حاولتُ ترتيبً الغياب..

زرعتَ الفوضى في كل المعاني

وجعلتَ الارتباك يكتبني كما يشاء.

*

ألتمس الوضوح.. فيتقدم نحوي ضباب..

يُغرقني في ظلمات الأبجدية..

ذنبي.. أني صدقت ارتعاش الحرف

حين تاه في دروب الشوق

لم أكن أعلمُ أن القلوب إن أفرطت في العطااء

صارتْ أوطاناً سهلةَ الاجتياح.. ؟

*

في البعد.. لا يضيق المكان فحسب..

بل يَختلُ ميزان الأشياء..

تصير الخطى أثقل من الطريق

ويغدو الزمن.. حجراً في مَجرى الروح..

في القرب.. لا أَستردُني كاملةً..

بل أتعلم كيف أكون أقلَ كي يتسع لك المشهد..

و يختفي الصوت.. ليصغي الصمت

إلى ما فيكَ من مجازٍ..

*

بيني وبينكَ.. حالة بَهماء

تُداهمُني كلما حاولت النجاة..

تُقيم فيَ كلما ظننتُ.. أني نجوت..

فإن كان لما يحدث اسمٌ.. فقد ضاق به اللسان..

وإن كان له مآلٌ.. فإن كل الطرق إليه

تمرُ عبر صمت ينمو..كشجرة لَبلابٍ

يمتد ظلها في كل الجهات..

*

بيننا..حكاية لم تُختم..

لا لأن القدر ضاقَ بنا.. بل لأنك اخترتَ

أن تتركَ الباب موارباً.. وتمضي..

تاركا الصمت مخنوقاً..

اللغة مرتبكة.. والحنين في حالة اضطراب

أفهمُ اليوم جيدا :

أن الصمت الذي مجدناهُ.. كان عذراً جبانا

لوعدٍ لم يكتمل.. حين غابت عنه الشجاعة.

*

كيف استطعنا.. أن نحملَ كل هذا الدفء

ثم نضعهُ على الرُّف.. كذكرى مؤجلة؟

كيف أقنعنا الأرواحَ.. أن التراجع حكمة..

ونحن نعلم يقينا.. أنه خوف يُتقن التبريرَ

عجزٌ.. يغتالُ.. كل ما هو جميل..

ويتركنا هياكل فارغة..

تنتحبُ خَلفَ قُضبان المستحيل

*

لستُ غاضبة لأنكَ رحلتَ..

بل لأنكَ بقيتَ.. نصف حاضر.. نصف غائب..

تُلوحُ لي كلما حاولت النسيان..

ثم تختفي كأنك لم تكن يوما..

سوى لحظة عابرة.. في مشوارٍ بَهِيم..

كنتَ تعرفُ.. أني لا أحب الطرق المعلقة..

الأبواب المغلقة..

والعلاقات اللتي تقتات على الاحتمال..

ثم تركتني أعيش فيكَ.. فكرة بلا مصير..

أتعلم؟.. ليسَ الفقدُ ما يوجع..

بل التواطؤ الخَفيُ على ألا نكتمل.

*

ها أنا الآن.. أغلقُ الصفحة بيد مرتجفة..

لا حبا.. بل غضبا.. من حكاية

كان من الممكن أن تكون كل شيء..

لو لم تَكنْ.. كل هذا التردد.. !!!

***

مالكة حبرشيد - المغرب

 

في نصوص اليوم