عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

الفصل الثالث

1 - جرعة ماء بين كركوك وبغداد*

قضى نوري تسعة أشهر على هذا الحال القاسي، استنطاقٌ يقود إلى تعذيب، وتعذيبٌ يُسلم إلى انفراد، فقد فيه القدرة على تتبع الأيام، وصار يحسب الوقت بالوجبات وساعات التعذيب. وبعدد المرات التي حاول فيها الهروب وقاوم فيها رغبته في الانتحار او الاستسلام. وكان يتساءل أحيانًا عما إذا كان الرحيل من هذا العالم أفضل من البقاء في هذا العذاب المستمر.

استنفدت غرف التحقيق كل ما تملكه من وسائل التعذيب والإذلال والضغط النفسي. وجد المحققون أن أقوال نوري باقيةٌ على حالها، كل جلسة تعذيب كانت تزيده اصرارا لا تراجعًا.

عندئذٍ صدر القرار بنقله، رفقة عددٍ من المعتقلين، إلى مديرية الأمن العامة في بغداد، حيث تنتظرهم مرحلةٌ جديدةٌ من التحقيق والتعذيب والإجراءات الاخرى، تمهيدًا لإحالتهم إلى محكمة الثورة.

في صباحٍ قائظٍ من أيام آب، أُخرجوا من زنازينهم معصوبي الأعين، مكبلين ببعضهم. أربع سيارات خاصة لنقل المعتقلين كانت بانتظارهم. في كل واحدةٍ سجينان وأربعةٌ من رجال الأمن المدججون بالسلاح. جلس السائق وإلى جانبه حارسان في المقصورة الأمامية، بينما جلس الآخران خلفًا، يحيطان بالسجينين من الجانبين. قُيدت اليد اليمنى لأحد المعتقلين باليسرى للآخر، وبقيت اليد الاخرى لكل منهما حرة، عاجزةٌ عن فعلٍ أي شيء، إلا تذكيره بأنه مقيد...

انطلقت السيارات تشقّ الطريق جنوبًا نحو بغداد. الشمس حارقة وهي ترسل شواظها على صفائح السيارة الحديدية، حتى الهواء داخلها بدا مشتعلًا. داخل الصندوق المعدني أخذ العرق يتصبب من الأجساد المنهكة، والتصقت الثياب بجلودٍ لم تبرأ بعد من آثار السياط. أحسّ نوري بالعطش يتسلل من جوفه إلى حلقه ببطء، ثم يتمدد في جسده كله، حتى غدت فكرة الماء وحدها تطغى على كل ما سواها. كل ما أراده جرعة ماء باردة لا غير.

بعد نحو ساعة ونصف، توقفت القافلة في مدينة كركوك للاستراحة. ترجّل بعض الحراس ودخلوا أحد المطاعم الشعبية القريبة، فيما تُرك السجناء داخل السيارات تحت الحراسة. كان نوري يسمع ضحكاتهم تتعالى، وأصوات قناني البيبسي وهي تُفتح، ثم ارتشاف الماء البارد بنهم. وبعد قليل زحفت رائحة الكباب المشوي مع الهواء الحار، فأيقظت في المعدة الجائعة ألمًا آخر غير ألم القيود والحر والعطش.

كان يعي أن الطعام هنا يبقى امتيازًا لحراسهم، محرما عليهم.

بينما كان الحراس منشغلين بطعامهم، لمح صاحب المطعم السجناء الجالسين داخل السيارات، فاقترب منهم بدافعٍ إنساني، وفي يده جرّةُ ماءٍ باردٍ يتصبّب منها الندى. اعترضه أحد رجال الأمن، ولوّح بكفّه في وجهه كمن يطرد كلبًا عن عتبة بيته:

- ابتعد، ممنوع الاقتراب. ارجع من حيث أتيت. لن أسمح لأحدٍ أن يشمّ رائحة شفقتك العفنة هنا اتفهم.

تطلّع الرجل إلى الوجوه المعصوبة والأيدي المقيّدة، ثم قال بهدوء:

- الجوّ شديد الحرارة يا أخي... وهؤلاء بشرٌ مثلك ومثلي.

ضحك الحارس ضحكةً مقزّزة، وبصق على الأرض قرب قدميه:

- احذرك، هؤلاء حثالةٌ لا يستحقون تعاطفك ولا حتى ظلّك. أتظنّ نفسك الوصيَّ عليهم او أن مصيرك لن يكون مثلهم لأنك صاحب مطعم؟

- لا أدّعي وصايةً على أحد. أنا أرى عطشانَ من حقه ان يشرب فأسقيه.

اقترب الحارس خطوةً، وانتفخت أوداجه:

- نحن نأكل وهم ينتظرون، وهذا عدلٌ لا يطاله عقلك المنخور بالسذاجة.

من جعلك أمًّا حنونًا عليهم؟

صرّ الحارس على أسنانه ومدّ إصبعه كالخنجر ليلامس صدره:

- اسمع، إن أعدتَ الكلام عن "الحقوق" فسأجعل جسدك هذا يتمرغ بالتراب قبل أن يبرد الشاي!

- كلنا إلى التراب يا سيدي، والباقي هو ما نتركه خلفنا.

التفتَ حارسٌ آخر من فوق لقمته، وقال ساخرًا:

- هؤلاء خونة، ونحن نحرسهم ليلًا ونهارًا، فمن أنت لتعلّمنا الإنسانية؟ لو كان الأمر بيدي لجعلتك تشاركهم الحرّ والجوع والعطش. لتتعلّم!

- لا أعرف ما فعلوه، ولا شأن لي بقضاياهم. أعرف شيئًا واحدًا: أنهم عطشى.

اشتدّ غيظ الحارس الأول، حتى كاد صدره يلامس صدر الرجل:

- ابتعد عن السيارة، فواللهِ لو اقتربتَ خطوةً لاعتقلتك واجلستك بينهم!

- الماء لا يُعتقل يا سيدي.

أطرق الحارس لحظةً غاضبةً، ثم نفث الكلمات من بين أسنانه:

- لا تنظر إليّ بهاتين العينين. هنا لا مكان للعواطف، هنا مسؤوليةٌ وتنفيذُ أوامر اتفهم؟

- لكن العطش قاتل يا سيدي.

ساد صمتٌ ثقيل، وتبادل الحرّاس نظراتٍ مرتبكة، ثم قال أحدهم بحدّةٍ تُخفي ارتباكه:

- انت تتعاطف مع هؤلاء؟ هؤلاء ليسوا بشرًا، هؤلاء خونةٌ ومجرمون يستحقون الموت!

ظلّ الرجل واقفًا، يحمل الجرّة بكلتا يديه كأنها أمانة، مكررًا قوله بصوتٍ خفيضٍ ثابت:

- لا أعرف ما فعلوه يا سيدي... أعرف فقط أنهم عطشى.

فردّ أحدهم متهكّمًا:

- اسقهم إذن.. على حسابك! لن ندفع فلسًا لهؤلاء. اذهب، أو ابتلع لسانك وامضِ، قبل أن أُنسيك اسمك واسم مطعمك هذا!

ابتسم الرجل بهدوء، كأنه توقّع هذا الردّ، ثم استدار، وعاد بعد دقائق يحمل لفافات الكباب والماء، يوزّعها على السجناء واحدًا بعد آخر، والحرّاس يتبعونه بعيونٍ يغلب عليها الغضب والتوعد.

هزّ أحد رجال الأمن كتفيه بازدراء:

- دعهم يأكلون ويشربون... لعلّ السمّ يسري في أجسادهم.

وصلت لفافة الكباب إلى يد نوري الحرة. أحسّ بحرارتها تتسلل إلى كفّه قبل أن يتذوقها. كان طعامًا عاديًا، لكن طعمه لم يكن عاديًا بالنسبة له. كانت تفوح منه نكهة الكرامة وليست المنة.

أكل ببطء رغم جوعه، وسؤالٌ يدور في ذهنه لا يفارقه:

"رجل لا يعرفهم، ولا يعرف خلفياتهم، خاطر من أجلهم بكأس ماء ولقمة. كم يحتاج هذا من الشجاعة؟"

لم يعرف نوري مصير ذلك الرجل بعد أن غادرت القافلة المكان.

راوده خاطرٌ مؤلم بأن تلك اللفتة الكريمة قد تكلفه مساءلةً أو تهمةً بالتعاطف مع المجرمين، وربما إغلاق مطعمه أو ما هو أقسى من ذلك.

ظل موقف ذلك الرجل عالقًا في ذاكرته سنوات بعدها.

***

2 - الحقيقة التي لا تتبدل

وصلوا أخيرًا إلى مديرية الأمن العامة في بغداد، مكان يعرفه كل معتقل.

كان اسمه وحده يدعو للرعب.

جرت العادة عند العرب الأقحاح ألّا يُسأل الضيف قبل مضيّ ثلاثة أيامٍ على حلوله، لكن جهاز الأمن استخدم هذه العادة بطريقته الخاصة:

وسيلة أخرى للتعذيب النفسي. فتلك الأيام، طالت أم قصرت بحسب تقديراتهم ومراقبتهم لحالة المعتقل، تعد أثقل من أي جلسة تعذيب، لأنها تبقى انتظارًا بلا نهاية معروفة.

تلك الفترة الصامتة كانت وقتًا مناسبًا لأساليبهم النفسية، إذ كانوا وبالأخص أوقات النوم ليلا، يوهمون المعتقل بأصوات صراخٍ واستغاثة تتردد من خلف الجدران، أصواتٍ تستنجد باسمه وتناديه بلهفةٍ مفتعلة، موحين إليه بأنهم يحتجزون أباه أو احد احبائه، أو يغتصبون ابنته او شقيقته او زوجته وهي تصرخ باسمه طالبةً نجدةً تؤلمه، لا يملك تقديمها.

كانت تلك الأصوات، حقيقية أو مفتعلة، تتسلل إلى عقله وحده، فتزرع فيه شكًا لا يقل قسوة عن أي تعذيب، كان الجلادون يعرفون أن الإيحاء للمعتقل، إذا ترافق مع الرعب، يعذّب أكثر من السوط.

ثم تبدأ جولةٌ أخرى من التعذيب والاستجواب. إعادة الأسئلة نفسها بصياغة أخرى، يراهنون على عدم النوم والإرهاق لأيام سيوقعه في تناقض اكيد.

جلس نوري قبالة المحقق، يسند أثقال جسده المنهك وأعوام عذابات روحه المجهدة بصلابةٍ هادئة لم تفارقه رغم قسوة الأشهر التي انقضت خلف القضبان. رغم العصّابة المحكمة على عينيه، اعتلى وجهه ثباتٌ رصين وهو يعيد سرد وقائع حكايته، مستحضرًا تفاصيل الخديعة الأولى.

جال المحقق بنظراته الفاحصة في وجهٍ نصف مستور بالعصابة، ثم ألقى بقلمه على الطاولة، فتدحرج حتى سقط على الأرض. لم يلتفت إليه. ثم قال بصوتٍ غليظٍ يقطر ازدراءً:

- أتظنني طفلًا في ملعبك يا كلب، فتعيد عليّ هذه الحكاية المهترئة لتقنعني؟

كم من أمثالك مرّوا من هذا الكرسي، فتكسّرت أكاذيبهم قبل أن تجفّ ألسنتهم!

اعتدل نوري في جلسته، ورد بنبرةٍ خافضةٍ تتوشح بالصدق:

- اعيد كلماتي لأن وقائعي لم تتغير، أأكد بان شرارة الخلاف مع شغب اندلعت في اللحظة التي استل فيها ذلك المسدس وألقاه بين يدي. رفضتُ تسلمه في البداية وشعرتُ بالريبة، غير أنه أصرّ باستماتة، مدعيًا أنه وسيلة لتحمي خطانا مما قد يداهمنا في العتمة.

ضرب المحقق الطاولة بكفّه حتى ارتجّ ما عليها واحتدت نبرة صوته مستجوبة:

- اخرس يا ابن الأزقة! أتجعل من أكاذيبك فلسفةً، ومن حثالتك حكيمًا؟

السلاح الذي وُجد معك والمنشورات التي تنطق بتورطك، فأيّ عابرٍ هذا الذي تحمل جيوبه هذه الممنوعات؟ أم أن هنالك خفايا أخرى تنكرها؟

أطرق نوري برأسه قليلًا، ثم رفع وجهه بثباتٍ ينضحُ بمرارة الواقع:

- العابر قد يحمل جيبُه ما لا يعلم به، يا سيدي. ذلك المسدس ألقاه شغب بين يديّ إلقاء كمن يتخلص من جمرة. رفضتُ أول الأمر وأدركني الريب، لكنه ألحّ عليّ. فأيّ إثمٍ في قلبٍ ضعيفٍ صدّق صاحبه، وأيّ جريمةٍ في ثقةٍ خانها مَن وُضعت فيه؟

مال المحقق نحوه حتى لفحته أنفاسه الثقيلة، ثم باغته بصفعةٍ مدوية هوت بكرسيه وأردته إلى الأرض متهاويًا. أشار المحقق بإيماءةٍ للحارس كي يعيدوه.

ثم استطرد بنبرةٍ يقطر منها الحقد والاستهزاء:

- ثقة! تقول ثقة يا بن... ذيل الكلب هذا يحدثني عن الثقة! وماذا عن المناشير يا خسيس؟ أكنتَ تحملها حبًّا في شغب، أم أن وراءها ما تدفنه تحت لسانك؟

- كنتُ أنقلها لقاء أجرٍ معلوم. أنا طالبٌ في المعهد الصناعي، وقد أعجزتني ضائقةٌ مالية خانقة حتى صار الرغيف عندي فوق كل اعتبار. والجائع يا سيدي لا يسأل عمّا في الصرّة التي يحملها، بل يسأل عمّا يسدّ به رمقه.

أطلق المحقق ضحكةً ساخرة:

- جوع! أتبيعني الجوع يا بن... كشهادة براءة؟

كل الخونة يدعون الجوع والبراءة، وكل الجائعين يتّخذون من بطونهم ستارًا لبراءتهم وخياناتهم. أتحسبني من السذاجة بحيث يخدعني دمعٌ يُذرف على رغيف؟

- أنا أروي فقط ما حدث.

سكت المحقق لحظةً يقلّب في يده ورقةً، ثم رفع رأسه وقد اشتدّ صوته وانتفخت أوداجه:

- وماذا عن رؤوس لينين التي وجدناها مرسومةً على دفاترك وكتبك أيها الشيوعي القذر؟ أتنكر أن يدك الوسخة رسمتها؟

- لا أعرف لينين هذا، ولا تربطني به صلة. تلك الدفاترُ والكتبٌ متداولةٌ بين الطلبة، اشتريتها مستعملةً من الأرصفة، وربما مرّت بأيدي كثيرين قبلي، فتركوا عليها خطوطهم وأهواءهم. ولست أدري مَن رسم تلك الرؤوس ولا متى، كما لا أذكر ممن اشتريتُ كل دفترٍ وكل كتاب.

نهض المحقق وطاف حول الكرسي كذئبٍ يدور حول فريسته، ثم انحنى عند أذنه وهمس بصوتٍ كالفحيح:

- أتظنّ أن من تحميه بأكاذيبك هذه يستطيع ان يخلص راسك من حبل المشنقة؟

هنا يا ابن العاهرة تتحول الأكاذيب إلى حبال، وكل حرفٍ تنطقه يُنسج منه خيطُ مشنقتك. فاختر: أتعترف الآن فتنجو بجلدك، أم تتشبث بروايتك حتى تتمنى لو أنك لم تخرج من ... أمك؟

كان يعرف أن كل كلمةٍ يقولها ستصبح سطرًا في ملفٍّ قد يحدد مصيره. صار يزن كل كلمة قبل أن ينطقها. لم يحاول أن يكون بارعًا في المراوغة او الكذب، بل ثابتًا في قوله فقط.

- ان اعترف بما لم أفعل هو انتحارٌ بيدٍ أخرى، وأنت حر فيما تكتب على الأوراق يا سيدي

رفع المحقق يده ليهمّ بصفعة اخرى، ثم أنزلها وقد علا وجهه حنقٌ مكتوم:

- أتحسب أن هذا الكلام المنمّق سيشفع لك أمام محكمة الثورة؟ هناك لا يُصغى إلى البلاغة، بل إلى الحبل.

- أعلم يا سيدي... وليحاسبني القضاء على ما فعلتُ.

صمت المحقق، ثم عاد إلى مقعده، والتقط ورقة المحضر وأخذ يخطّ فيها بعصبية، وقال دون أن يرفع عينيه:

- سنرى يا سافل. فلتطول ألسنتكم ما شاءت، فنحن نملك الوقت كله، وأنت لا تملك منه إلا ما نمنحه لك. هيّا، هيا، اجب... مَن مسؤولك والا مزقناك وألقينا ببقاياك الى الكلاب...؟

وفي ذلك الجلوس الطويل، بين العصابة المحكمة والتهديد الصارم في صوت المحقق، أدرك نوري أن المعركة لا تقتصر على الكلمات وحدها، بل في ألّا يتبدّل حرفٌ منها.

مضى شهرٌ آخر داخل مديرية الأمن العامة، بين محاولاتٍ عديدة للإيقاع بنوري عبر زرع العملاء والوكلاء، والذين كانوا في أكثر الاحيان من السجناء المنهارين الذين يُحوَّلون إلى جواسيس مقابل امتيازاتٍ شخصيةٍ تافهة، وغالبًا ما ينكشف أمرهم، وبين غرف التحقيق ومراجعة المحاضر واستكمال الإفادات وتوقيع الأوراق،

أُغلق ملف التحقيق أخيرًا. اعدت الأوراق وجُهزت الدعوى لتُحال إلى محكمة الثورة، ذلك الاسم الذي كان يكفي ذكره وحده لأثارت الرعب.

***

سعاد الراعي

فصول من رواية رأس لينين

 

شمت حريقَ مدارٍ

مهترئ المرأى

فقضيت الليل أحوك الخطو على

ساق واحدة،

بسمادير العشق أخيط

نهارات تتزامن ركضا تحت

صدار الشمس

تصير كلاما نزقا

رغيفا يتأثّل

تهبط في كبد الأرض بلاءً

أقصد بالضبط:

بلاءً،

ها الجسد تنصل من

عطب الحالة

واحتدّ إلى أن

بزغ الدولار على وجه العملة

ذات النفَس الامبرياليّ...

أقول بأني في الواقع

لست أشارك أبدا

ما الصياد يراه نزعةَ خوفٍ

في قبّرة حذِرةْ.

***

مصطفى معروفي

ذات مساء

سنابل الحب

احرقها

الدجالون

2 -

ذات فجر ازرق

اقتربت نحلة

من سعف نخلة

فاستحالت بنفسجة

3 -

خذي يدي

واطبعي ابتسامتك

على كفي

4 -

في لحظة عناق

بؤبؤ عينها

يصبح قرنفلة

5 -

اقماري وقرنفلاتي

تنبض بزهو

الحقائق الغير

المرتبكة

5 -

فراغات تزاحمني

حينما امضي

لمقابلة قرنفلة

ايامي

6 -

لا وقت لي

للحديث مع

شجرة الصفصاف

7 -

لم يتبق لي سوى قرنفلة

كي افوز بجائزة

القمر الازرق

7 -

ادركت ان الليل

سينجلي لذا البست

بنفسجاتي قبعات

النهار

8 -

ادون احلامي

على ريش عنادلي

وعلى اسدية

قرنفلاتي

9 -

الظلمة البكماء

تنخر مرايا

النرجس

والاقحوان

10 -

طائر الغرنوق

يحلم بسمكة

بنفسجية

11 -

الطقوس البنفسجية

تعكسها مرايا

قلبي

12 -

انشطار الذاكرة

ترممة يمامة

عاشقة

13 -

الاقمار تحزن

حينما تهجرها

النجوم .

***

سالم الياس مدالو

صمم على الانتحار، وحسم الامر ولم يعد يهتم بما يحيطه، والخارج بالنسبة اليه فراغ وعديم الجدوى ولا معنى له، والقرار متخذ وسلاحه محشو واللحظة لم تحدد بعد.

كان الفراغ من حوله واسعا وهو يسير، فراغ وجودي هائل، والعالم بات خاليا من أي نظام وما كان يحدث من حوله بلا مسببات تستحق الذكر سوى شعوره بأنه خارج وجود لا جدوى منه.. محيطه مجرد فراغ وهو في هذا التجريد المحض كان قرار الانتحار متخذ وهو يسير صوب التنفيذ..

تحسس اصابع صغيرة باردة تمسك بيده، وحين فتح عينيه وحدق نحو الاسفل كان وجه طفلة جميلة ارجعه فورا الى وجوده الهلامي حين طلبت منه ان يوصلها الى الرصيف المقابل وفعل ذلك، وقد ودعته بإبتسامة مغزاها الامتنان..الطفولة والبراءة والجمال، ارجعه الى الوجود وهو يلوذ بالصمت.. حيث اخفى سلاحه باستحياء بين قميصه وشرع يعد الخطى لإحتساء كأس من النبيذ..!!

***

د. جودت صالح

12/تشرين أول 2026

 

أفكر كل حين ملء رأسي

ولم أأخذ من الأيام درسي

*

فحيناً أذكر الأطلال حتى

كأنّي ساكنٌ فيها بأمسِ

*

وحيناً يسرح الوجدان عرضاً

وطولاً.. دونما أطفو وأرسي

*

يلازمني الخيال.. فمن خيالٍ

إلى ما قد تماهى رهن نحسِ

*

فأغفو مثقل العينين.. جفنٌ

به الآهات.. إذ جفنٌ بيأسِ

*

فلن يستيقظَ الصَّبُّ المُعنّى

إذا ما نام حلماناً بعرسِ

*

لأنَّ العرسَ في تاريخ خسري

حرامٌ ما به رجسٌ برجسِ

*

فلا يدنوه إنسانٌ حزينٌ

إذا ما كان موهوماً بأنسِ

*

وإنّي العمرَ ما كنت سعيداً

إذا ما كنت أهواها بنفسي

*

نعم حاولت أنْ ألقى حبيباً

إذاما كان من (تيمٍ) و(عبسِ)

*

هناك الحُبُّ ممنوع عليهمْ

ومن يهوى سيلقى مثلُ (قيسِ)

*

لذا آثرت أن أحيا وحيداً

وكأسَ الرّاح أترعُ بعد كأسِ

*

يواسيني.. يسامرني السُّكارى

و كلّهمُ يجيئوني ببؤسِ

*

أعيش الوهم إيّاهم وأصحو

على زيف التّسامرِ بالتّأسّي!!

***

رعد الدخيلي

 

نتسكّع معا تحت شمس الظّهيرة، وروح كلّ منّا تلوذ بالظّل. ثمّة زيتونة صمت عريقة تضرب بجذورها في تربة الذّات العميقة وترخي غصونها على الجراحات الدّفينة. تحت فيئها دائم الخضرة تختبئ كلّ منّا عن خوفها المتوحّش من نفسها والآخر بصوره المتعدّدة، وترسل حمامة الأمل بعيدا بحثا عن جبل جديد للمعنى يرسو عليه فُلك الأمنيات الأخيرة.

نجوب بخطى منسجمة أرجاء المدينة شارعا فنهجا فمنعطفا. ندخل المحلاّت الكبرى والصّغرى. نجلس إلى طاولة مقهى ونغادر قبل أن يعود النّادل بالقهوة. نقزقز بذور عبّاد الشّمس بعصبيّة، ونلفظ قشورها بانفعال حماسيّ كما لو كنّا نرمي نفايات صدورنا على وجه العالم المُرائي.

وحده الخوف المتصوّف يبني بين أضلعنا زاوية محميّة لا تدركها الموعظة الورعة ولا فضول الكلام، تتعبّد فيها الأحزان الشّخصيّة المتكتّمة، منكفئة على خصوصيّتها الحادّة وعزلتها العدائيّة أحيانا..

خلف كواليس المشهد المرئيّ تجوس كلّ منّا في الأزقّة الدّاخليّة المعتمة أو شبه المضاءة من نفسها، مخبّئة عن صاحبتها أسرارها المخجلة الصّغيرة ورغباتها المنحرفة المكبوتة. على مسرح الحياة تحجب النظّارات الشمسيّة شروق المواجع على ضفاف الحدقة وتهرّب السريرة صوتها المُكمّم في الألوان. يضحك وجه النّهار في ورد ثيابها الجوريّ. ويضيء الأصفر هيأتي فيضلّل العابرين عن فوّهة الثقب الأسود المفتوحة خلف سور اللحم والعظام، ويشحن السؤال القلق بطاقة المرح، "كيف حالك حمْرا حمْراء؟" فتردّ ببسمة في لون قميصي، "تفلّق طلْع الوحدة فخرجت أتحرّش بالذّئاب، وأنت، صديقةَ الروح، كيف حالك؟" وتطبق كلتانا الباب على بيتها الدّاخليّ.

لا تسألني، كعادتها، عن آخر محطّة نضاليّة بلغها زوجي في "مناهضة العنف ضدّ المرأة وحقوق الإنسان"، مكتفيا بمنح اسمه لبناته الثلاث، تاركا لي كلّ الباقي من شؤونهنّ الكبيرة والصّغيرة، متباهيا بنجاحهنّ الذي ساهم فيه بكلّ جيناته الوراثيّة، مجال تدخّله الأكثر فاعليّة في تربيتهنّ..

ولا أسألها لمَ ألحّت اليوم على لقائي. هي لم تبادر بفتح أيّ شبّاك على فناء الموضوع المتروك خلف باب السّكوت الخشبيّ المخرّم، وأنا لم أتلصّص عليها من ثقوب اللغة.

عادت دندنة الصّمت الخاشع تضبط تراتيل الوحدة المعتكفة في زاوية الصّدر، فاتّزن إيقاع سيرنا كأنّا جسد وصورته يتمشّيان جنبا إلى جنب. كلّما تجاوزتني بخطوة اختلّ توازنها فتهدّئ من تطرّف الحزن على قدر خافقي المتعب، وكلّما خرج بي الشّرود عن سكّتها عدّلتُه بالتفاتة نحوها تطمئنها أنّي ما أزال هاهنا، وسأظلّ، إلى جانبك فميلي عليّ إذا أتعبتك الاستقامة، واطردي بيدي وحوش الوحدة.

لم أخبرها أنّها حبل العَشَقة1 التقطني من وادي القنوط. خجلت أن أبدو أمامها النملةَ الغرقى تجرّأت على التيّار بلا طوق ذاتيّ للنجاة. لو تأخّرت قليلا لصرت مجرّد خبر في جملة الحياة المنسوخة بـ "كان". قبل ساعة، فرغ رأسي من كلّ الشؤون اليوميّة وأثاث الدّنيا وصار غرفة خاوية مقفلة. غصن بشريّ خشَعت رقبته فتدلّىمن سقف الفراغ المربّع. على الأرضيّة كرسيّ مقلوب.. بعد جدال داخليّ حامٍ لم يجد سيناريست اليأس شخصيّة جديرة بتجسيد دور الغصن الخاشع غير أنا/ بقيّة امرأة أكلتْها القناعة السّاذجة وشربها الرّضا الخبيث فغدت شبحا ناشفا لا يراه زوجها.. رأيتني أتدلّى.. يثبّت المصوّر عين الكاميرا عليّ ملتقطا مشهدي الصّامت الأخير، ويغيّر زاوية التّصوير باستمرار لالتقاط مشاهد زوجي نائحا يعانق طرفيَّ الباردين، معرّضا نفسه بإلحاح أمام الشّاشة..

أظنّ أنّ الحدث، لو حدث فعلا، لكان فاجعة صادمة له. وأنّ حزنه، حينئذ، صادق في حدوده المرئيّة على الأقلّ. الوجه لا يكذب، أو كذا أظنّ. كنت قد استحسنت الخطّة الانتقاميّة ولم يبق إلاّ أن أنقّل الأنشوطة من سقف الخيال إلى سقف الغرفة لكنّ رنين هاتفها قطع استرسال اللقطة السينمائيّة الذّهنيّة وصوّب عيني على الواقع. ستتأذّى بناتي وقد يدمّر المشهد حياتهنّ، ولن يعلم أحد أنّي ضبطته قبل أيّام يستجدي في هوان مخجل، عبر الهاتف، امرأة أخرى أن تتزوّج به عُرفيّا..

لن يعلم أحد أنّي عرفت من هي، حتى أنت صديقي القارئ. وما قد يخطر بظنّك مستقبلا فهو ظنّك.

أمشي بتوْه محبّب تخلخله مشاعر مختلطة غير مستقرّة، تعلو بي إلى ذرى الفرح المجانيّ ثمّ تهوي فجأة إلى الحضيض الكدِر، وتقفز هي على فجوة الحاضر عوْدا على سفر ابنها الوحيد قبل شهرين. تعيد سرد أحداث عرسه بإسهاب يختلط فيه الواقعيّ بالمتخيّل، الذّاتيّ المطعَّم بهلوسة اضطراب نفسيّ صامت بالموضوعيّ المحايد كسطح جليديّ. تخوض متأخّرة معارك لم تخضها حينها، وتستوطن في التفاصيل الصغيرة كأنّما يوم فقط قد مرّ أو يومان. لا أعدّل ساعة ذاكرتها المضطربة، وأعدّ لها حضني متّكأ لحظة تتعثّر في خيبة قديمة أو تنحرف إلى زقاق الاكتئاب ثانية.

- ليس لديّ عشاء لهذه الليلة ولم أتبضّع منذ أسبوع..تعالي..

تنعطف فجأة إلى محلّ تجاريّ. أتبعها. لا ترى غير سكريّات الكربوهيرات فيما تقتني. تلقي علكة في جوف الفم فتطقطق العجينة بين النواذج المنفعلة وتتكوّر على طرف اللسان الشبق دوائرَ مائعة  تنفجر في وجوه العابرين.. يتناثر اللعاب وتترقرق نُقط صغيرة على سطح الورنيش الملتمع لحذاء سيّدة عبرت حذوها..

هل تنشب الحرب أيضا في حذاء نسائيّ أهانته امرأة.. !؟

ساحة عراك شرس صغيرة مكتظّة نشطت في رواق المحلّ، وفي براكين الأحقاد الدّاخليّة الخامدة.. على طرف احتشد جيش متنمّر فضوليّ دفاعا عن كرامة الحذاء، وعلى الآخر نحن: هي المتروكة كبقايا السنابل في الحصيد، متحفّزة لقذف مدافع الشرّ من جوفها المتوقّد أو سلخ وجه أحدهم لحظة اشتباك الأظافر الشرسة، وأنا صديقتها الناجية صدفة من فكرة الانتحار وقد استفقت مؤخّرا وبغتة على كمّ الرايات البيض التي رفعتُ لأنتصر في حروب خشيت خوضها. ذعرت لمّا نزعت نظّاراتها عن عينين متجمّدتين، تحوّل بياضهما إلى سعير يتلظّى تحت جفنين ورِما من فرط البكاء حدّ اليأس المصفّح.. صاحبة الحذاء كذلك ارتعبت وخيّم ظلّ أدكن على وجهها فتراجعت وتفرّق الحشد دهشا مبهوتا.. أنكرتُها. لم تكن تشبه نفسها في شيء. بعثت اللحظة الشّرسة لاميا من جديد فأحيت الحرب النائمة تحت جلد الصّبر، في خلايا الأمومة المغدورة.. الجميلة المتوحّشة تنهض من نومها فيّ أنا أيضا.. خفت منّي عليّ.. ضغطت مرتاعة مفجوعة على ذراعها فانتفضت متوتّرة كمن استفاقت من حالة مسّ غيّبت وعيها. لبست النظّارات. تركت سلّة المقتنيات على جانب من عون الاستخلاص وسحبتني خارجا.

شهقت شربة نهمة من الهواء. نشّط الأكسجين بقايا الحياة في دمها ودمي وشرع غرفنا الدّاخليّة على العالم خارجنا. انتعشت قسماتها قليلا. سألتني هازئة:

- ما اسمها تلك الأفعى؟

- لامِيا.

- ماذا كانت تفعل لامِيا لتحرّر نظرها المتجمّد على مشهد قتل أبنائها المتكرّر أمامها باستمرار لانهائيّ؟

- تقلع عينيها. تتخلّص في العمى من لعنة العوْد الأبديّ للحظة الفقد القاسية.. لكنّها تتحوّل حينها إلى أفعى ضارية..

بعد برهة شاردة، فرقع من فمها الضّحك عاليا صاخبا يثير انتباه المارّة. انكتمت بغتة. حشرجت الكلمات بين أسنانها كأوراق جافّة تهرسها الأقدام فهسهس صوتها حرشا خفيضا لو أنّها تحدّث نفسها أو أنّي نفسها تلك..

- شخص واحد سيحملني يوما أن أقلع عينيّ. سيكون من حسن حظّه ألاّ يعترضني ذات صدفة، أخشى أن يستفزّ الذّئب السّاكن فيه الأفعى السّاكنة فيّ فتغرز سمّها في عموده الفقري..

- من هو؟

- منزلي فارغ ترجّع جدرانه تأوّهات الضجر. الثلّاجة فارغة تصفّر فيها الريح. روحي الأبرد من غرفة تبريد فارغة لم تعد تجد فرقا بين لَفوح وبَليل، منذ شهرين وهي ترتجف في عُلبي العظميّة ولا شيء يدفئها. الخريف فصل سقوط الخفيف من الكيان وانفتاح كلّ أفواه الجوع في بطونه الغائرة.. لكن، لا تجزعي، سأتماسك حتى الصيف القادم، وعدني حبّة القلب أن يزورني، سأحافظ على لياقتي النفسيّة والبدنيّة لأجله.. أستطيع ذلك طالما أنت إلى جانبي..

تعبّر عن جوع المعنى بأكثر من صيغة قوليّة. تترك سؤالي معلّقا إلى مشجب الحيرة، وتمضي بي حيث تشاء.

أقلّب معها البضائع الجديدة والمستعملة في المحلاّت وعلى الأرصفة. نناقش الأسعار والموديلات المعروضة بجديّة. تجرّب أكثر من حذاء بكعب عال وحقيبة يد فاخرة، تقيس عدّة فساتين خاصّة بالسّهرات الباذخة، تطلب رأيي المهمّ في رأيها بإلحاح ولا تعيره اهتماما. لم تكن تريد اقتناء شيء بعينه. كانت تبحث عن وصفة وجوديّة ناجعة تسكت سغب الروّح، وتنشّط المستقبلات العصبيّة للسيروتونين لعلّها تخفّف من تأوّهات فكرة الوحدة المتورّمة في دماغ اللّيل.

لكن منذ متى لم تكن وحيدة؟

مدى عقدين وخمس سنين وهي تنظر في اتجاه واحد، وتدبّ هوْنا في خطوط مستقيمة بحذاء واطئ الكعب، حذرا بخطى منضبطة حتى لا توقظ موسيقى كعبها نوْمة أنثى الجسد المُخدّرة.. تمشي في الظلّ، وتغيّر أقفال سكنها كلّما تسلّقت إلى نافذته عريشة عشق، أو طرق بابه سائل غرام. تعدّل فقر الدّم بحبوب الحديد وسكّر الأيّام بحقن الأنسولين، ولا تعالج الأرق بأيّ مهدّئ.. كانت تخشى لو نامت اُتّهمت في أمومتها بالتّقصير.

كانت في العشرين لمّا انقطعت عن الدراسة لأنّ عصفورا في اليد أفضل من عشرة على الشّجرة. ما على الشّجرة كانت الأحلام نائمة في خدور الورق لم تتبرعم بعد. ما باليد زوج وسيم ميسور، تحوّل بسرعة إلى ضلفة تين شوكيّ ناضجة الأذى، ممتلئة عنفا وبذاءة، ولم تنج منه حتى قبض منها غرامة ماليّة مجزية تعويضا عن ضرر معنويّ لحق كرامته بالطلاق إنشاء. اِستلفت منّي مبلغ الغرامة وأجرة المحامي. ولمّا تمكّنت من العمل عون تنظيف بمؤسّسة خاصّة، بدأت بتقسيط الدّين على دفعات صغيرة، ولم تنته من ذلك حتى اليوم.

أعرف أنّها تتعمّد التأخير في السّداد وتمعن في تقسيطه حتى لا ينتهي شغف النضال الحياتيّ قبل أن تُبلّغ طفلها الوحيد منزلة النجاة. في سريرتي التي نشأت توأما لسيرتها الذّاتيّة رجوت دوما أن يطول قيد الدّين خوف أن تقطع صلتها بي يوم تنقطع عن سداده. وتعرف أنّي أعرف، وأنّي أخشى أن أفقد في فقدها المعنى المؤنّث لوجودي، فتزداد تعلّقا بي كآخر المطاف الآمن في هذه الدنيا.

 لكن، منذ متى لم أكن مثلها وحيدة..؟

- بيد أنّي أنا لم أكن كذلك على هذا النّحو الصّارم..

كأنّما استمعت إلى هذر النميمة بين جنبيّ. كلامها وابل حاصب يرشقني ووجهها ينصرف عنّي مُغضبا.

- كان العالم ممتلئا به، مكتظّا حدّ الازدحام بمشاغله. وكان للشّقاء معنى محبّبا وخفيفا.. ساعات اليوم الأربع والعشرين قليلة، وأقلّ منها أيام الأسبوع وأشهر السنة.. كان رجل حياتي، كيانا صغيرا يختزل معاني الرّجولة المنشودة، كلّ ما تحتاجه امرأة من الحبّ لتكون..ثمّ.. لم يعد هنا. لم أقف من قبل وجها إلى وجهي كما الآن، لم أرني منعكسة على مرآتي من سنين عديدة.. وجهه ما ينعكس عليها، جماله وشبابه وخفّة العمر المبحر في مراكبه الجامحة.. وجوده ما يحثّني أن أتقدّم في العمر واثقة الخطى والقلب معه ولأجله. أرعبتني صورتي حين تعثّرت بها قبل أيّام.. لقد تُركت عجوزا وحيدة في منزل الخمسين يا صديقتي..

هل حقّا تزوّج حبيبي الوحيد وسافر بعيدا عنّي؟

هل عليّ إذن أن أكتفي بلقاء افتراضيّ عبر شاشة تبتلع تفاصيل اليوميّ على وجهه وفي نفسه المختبئة خلف وميض الضّوء..؟ أن أرى حفيدي من وراء الظلال وأسمع كركرة ضحكاته العابثة مسجّلة، محسّنة؟ أن أظلّ هنا بانتظار أن تعنّ له زيارتي ذات صيف لأنهك نفسي في إنعاش الأيام التي كسدت من بعده، لأحبّه بإسراف وأخدم أسرته بلا حسبان ثمّ سريعا ما يرحلون عنّي من جديد..!؟

لم أجب. كان الإثبات يَمِض عند منابت الشّعر المصبوغ، في عصبيّة الحركات، في الظلال الحزينة بين القسمات.. توجعني نظرتها المنطفئة. أبتلع غصّتي. أغيّر زاوية النّظر إلى أفق مختلف. لا أقول إنّه هرّب سعادته الشّخصيّة عن قبضة حنانها المتطرّف، وإنّها لم تحتمل أن يسكن رجلها الوحيد إلى امرأة غيرها فلم تستطع أن تكون حماة بأمومة رصينة معتدلة لا تتحسّس منه متغلغلة في التفاصيل الدقيقة لشؤونه اليوميّة والليليّة، مندسّة إلى أسراره العميقة من الفجوات الصغيرة بين كلمات، والحركات، وفي رفيف الجفن من فرح أو ترح..

أشفق على روحي السّاكنة بين جنبيها، على روحها التي تهب حياتي شربة أمل كلّ ما جفّت الينابيع في نفسي واكتسحني العطش.

- لا تحزني إلى هذا الحدّ حبيبتي. يقف بي الوقت عند حافّة اليأس إذا رأيتك تحزنين. تلك سنّة الحياة. ما يزال في العمر بقيّة إذن ما تزالين شابّة. آن الأوان ليعيش كلّ منكما مستقلا عن الآخر. اليوم، له حياته ولك ما تبقّى من الحياة. لعلّها اللّحظة المناسبة لتنتبهي إلى نفسك وقد أهملتها كثيرا، لأن تمسحي عن مرآتك كلّ طبقات الوجوه المتراكمة على صورتك فتصاحبينها من جديد وتهبينها نصيبا من الحبّ والرّعاية. نحتاج في هذه المرحلة من العمر أن نكون أمّهات أنفسنا نرفق بها ونحنو عليها ونضمّها إلى صدورنا كطفلة مرتعبة، نحتاج أن نغيّر أثاث القلق في بيتنا الرّوحي ونجدّد ستائره ونباتات الزينة في أصصه.. تعالي نتعلّم معا كيف نحبّ أنفسنا وننتمي إليها.. لنتدرّب على انتظارها انتظار المحبّين ونلتقيها إذا جاءت بشوق، بحنين..

أنتِ..

أوقفت سيري التّائه مندفعة نحوي بكلّ عاطفتها المصطخبة، منسحبة منّي كما لو كانت تتهيّأ للتلاشي الفجئيّ من مجالي الحياتيّ برمّته..

- أنا بخير. أستفيق مثلك، ألمّع مرآتي الدّاخلية يوميّا، وأفتح شباك العمر الباقي على وجهة نظر جديدة. اِطمئنّي. أنا بخير. كلّ ما في الأمر أنّ حبيبتك تتعلّم متأخّرة بخمسة عقود كيف تتقن فنّ الموت الحرّ والمرِح كأن تفضّل مثلا أن تظلّ بومة تعشّش وحيدة على شجرة اللّيل الجرداء تترصّد الفئران الغافلة على أن..

- على أن ماذا..؟ ما الذي تخفينه عنّي؟

جرفت غرغرة الدّمع حمولة كلام مثقل بالحنق. وضعت كفّها على فمي تمنع عنّي مزيدا من المخاتلة.

كان النّهار يغادر مدرج اليوم وكان لا بدّ لهذا الهذر العاطفيّ المخادع أن يعود إلى مخدعه. لم تنفصل، فقط، عن جنبي حين انتصبت واقفة قبالتي. خرجت منّي. غرُبت عنّي. برْق غير مرئيّ شطر زيتونة العمر التي ظلّلتنا معا إلى مسارين متوازيين، ولونين أوّليّين ناريّين يتواجهان في صراع خفيّ على احتكار الأفق المشترك.. ذهبت عنّي. عادت إليّ. كتفت ذراعيها تضمّ روحها إلى صدرها، وأهملت روحي إلى صقيع الوحدة. سمّرت نظرها عليّ برهة ثمّ فكّت اشتباك ذراعيها فخفقت عصفورة من فتحة الضّمّة وحطّت على كتف الغد..

هل هذا أوان سداد القسط الأخير من الدّين؟

- لا أعرف أيّ عاصفة يتكتّم عليها الفراغ السّاكن بين جنبيّ. الغابة تشرع لي حضنها، أسمع نداءات أشباحها وقصصها تحرّضني على المسير. قد تنخلع رقبتي ذات التفاتة عشق عنيفة إلى الأمس فتُشلّ حركتي أو أضيّع اتّجاه خطاي القادمة. قد أصير استفاقة مشوّهة بداء الاكتئاب لأسطورة لاميا النّائمة فيّ، أقتل أطفال الفرح في قلوب النّساء، وأبني بيت قلقي الجديد على أنقاض بيوتهنّ. قد أعثر لي هناك على شجرة القصة الأسطوريّة فأتّخذها معتزلا للتعبّد.. لا أعرف ما قد أكون، سوى أنْ لا ذئب في الغابة يستطيع ابتلاعنا معا في بطن واحد..

***

بسمة الشوالي

...............

 1- نبتة أُطلق عليها اسم عشقة كنارية وهي نبتة دائمة الخضرة، زاحفة، تنمو كغطاء أرضيّ خلاب لاسيما في قاع الوديان. تُنشر بذورها بواسطة الطيور، ولها القدرة على التسلّق من خلال جذورها الّتي تتشبث بالركيزة. تُعد من النباتات الناجية من غابة الغار في أوروبا الّتي اختفت منذ حوالي عشرة آلاف عام.

 

نخبكِ يا سيدة الإدهاش

عصفك الزوبعيُّ

قلبَ آية السكينة

رأساً على حُلم

نخبك يا وميض الأمل

القادم من اللانهاية

لقد اختليتُ بالكأس هرباً

فوجدتُكِ تلاعبين أفكاري

هنا إذ أرتّل أناشيد صمتي

لا فكاكَ بينكما:

كأسٌ يحاكي الخيال

وحلمٌ يصهل فوق صهوة اليقين

*

ألملمُ بتلات نضجك

قصيدة تلو أخرى

أنثرها في وجه المدى

حيث مشارف الجمال

وجمعُنا المتناغم في المساء

يرتّل آيات عشقٍ صوفيّ

لعلّ إله الدروب

يرأف بحال معابدك القصيّة

*

لا يتعب الجناح الذي يعشق المرتفعات

وكذلك الصوت الذي وجد للغناء

أما الحرف الذي يصلك

فيناغي الوجود على حافة الصراط.

*

يُدفئ إلهام حسنكِ

خلوةَ تزهّدٍ

وحنين حرفكِ

أحاط المساء بهاء وجمالا

لصمتك أغنية

يعيد الوادي صداها

ويمضي دونك القطار حزيناً

*

اندعكي بجلدي

دعي المسامات تتشرب عطرك

اتكئي على جداري الآيل الى لحزن

وانغمسي بشهد الغرام

هذا وَلَهٌ يمضي الى المرتفعات

لقد طرأتِ، سحابة حبلى، فأهلاً

وملكتِ سماء السُكْرِ سهلاً.

***

سفيان عرب شنكالي

خُضتُ معاركي وحدي،

حتى ظننتُ أنَّ الحربَ لا تحتاجُ إلى عدوّ.

*

كنتُ القاتلَ والمقتول،

اليدَ التي تُشهِرُ السيفَ، والعنقَ الذي يتلقّى الضربة،

الساحةَ التي تتّسعُ للمجزرة، والرصاصةَ التي تبحثُ في جسدي عن آخرِ ما تبقّى منّي.

*

كنتُ النارَ حين ضاقَ العالمُ بي،

والرمادَ حين ضاقَ بي احتراقي.

*

كلّما انتصرتُ على شيءٍ منّي، شيّعتُ شيئًا آخر إلى مقبرةٍ لا شواهدَ فيها.

*

لم يكن هناك أحدٌ ليشهدَ انكساري،

ولا يدٌ تربّتُ على كتفي حين كنتُ أعودُ منّي بجنازةٍ جديدة.

*

وحدي.. كنتُ أُضمّدُ جراحي بالسكّين ذاتها، وأُخفي عن المرآة هويةَ القاتل.

*

حتّى إذا هدأتِ الحرب، وخرجتُ أفتّشُ عن ناجٍ بين أنقاضي،

لم أجدْ أحدًا.

كان ثمّةَ كرسيٌّ فارغ، وفنجانٌ بارد، وظلٌّ يجلسُ قبالتي...

يشبهني تمامًا، لكنّه لم يكن يعرفني.

عندها فقط، أدركتُ أنني لم أكن أحاربُ لأنتصر...

كنتُ أُحاولُ أن أقتلَ فيَّ ذلك الذي تعلّمَ النجاةَ على حسابي.

***

مجيدة محمدي

تتساقط الأحلام كأوراق الخريف،

وتنحني الألوان على أكتاف الأيام.

كل خط يهمس باسم الغياب،

وكل ظل يوقظ صرخة الماء

في صدر الظمأ.

هناك،

حيث تتحول الدهشة إلى نهر،

يغتسل الحزن بضوء الغروب،

تتناسل الكلمات أمطارا صامتة،

فتنبض اللوحة بصوت الشعر.

صوت يلتقط جذور الأرض،

يحنو على وجع البحر،

ويمضي بين الألوان

كأنه يبحث عن نافذة

تطل على ذاكرة المطر.

هنا،

يلتقي الجمال بالذكرى،

وتصير الرؤيا مرآة للروح،

حين تمتد ريشة الرسام،

يتعانق اللون والكلمة،

ليغدو السياب حضورا

لا تحده قصيدة،

ولا تستوعبه لوحة.

فلا يفصل اللون عن الحرف

إلا اختلاف السبيل

إلى شهوة التعبير.

***

رائدة جرجيس

حامِلُ الحُبِّ يُوجَلُ

وبه القلبُ مُثْقَلُ

*

كلَّما قلتُ أَنْتَهي

عادَ بي ما أُعَلِّلُ

*

أنتِ تَمْضينَ في هَوًى

وأنا فيكِ أَذْبُلُ

*

إنْ تَجافَيْتِ لَحْظَةً

فَجُروحي تُرَتِّلُ

*

تَحْسَبينَ اشتِياقَنا

عَطَبًا لا يُعَلَّلُ

*

كُلَّما غِبْتِ أَسْأَلُ

أَيَّ ذَنْبٍ سَأَحْمِلُ؟

*

لَسْتُ أَشْكُو مِنَ النَّوَى

إِنَّما القلبُ يَثْكُلُ

*

كُلَّما لاحَ طَيْفُكِ

عادَ قلبي يُؤَمِّلُ

*

أنتِ تَدرينَ ما بِهِ

والتَّغابي تَجَهُّلُ

*

إنْ أَقُلْ إنَّني شُفِيـ

ـتُ، فَكَذْبي تَجَمُّلُ

***

جاسم الخالدي

سماءٌ بلا نَغَمٍ

وتِلالٌ تُعاتِبُ غيْمًا ونجمًا.

وهذي الْمقابِرُ

تَرْشُفُ كأسي

وتُخرِسُ كَفّي.

تَمُدُّ خَرائطَها بين جَفْنَيَّ،

تُسرِفُ في الْبَسْطِ

تُوغِلُ في النَّسْفِ

تَقْصِفُ وجهي

وتُلْهِبُ صدري.

*

أَمُرُّ جِوارَ الْجِدارِ،

أَجُرُّ خُطايَ وأَعْرُجُ

نحو خِيامٍ تَضِجُّ بِأمسي.

أُصِيخُ لِهَمْسِ قميصي

عساه يُضمِّدُ جُرحي

فَيَرسُو الصَّقيعُ على كَتِفَيَّ

وأَهوِي.

*

أُحَدِّقُ في وَجهِ هذا الْخريفِ،

أُحَدِّقُ في بصماتِ مَخالِبِهِ

في لِحافي،يُحَرِّقُني في الْمَمَرّاتِ

*

فَيْضُ رَوائحِهِ والْفَراغُ.

وتُوغِلُ ألْوانُهُ في الْحديثِ:

بقايا أباريقَ في الطُّرُقاتِ مُهشَّمَةٌ

وزُجاجاتُ عطرٍ جِوارَ الْجدارِ

تَشَرَّدَ عنها الرّبيعُ

فما أَسْكَرَتْني.

وأسألُ تلك السّماءَ الْكئيبةَ

تُفّاحةً وقواريرَ طِيبٍ،

فلا تستجيبُ.

*

فيا أيُّها الْمُزْنُ قُلْ لي:

عَلامَ تُجافي قصيدي

وتَنْأى بعيدا بعيدا؟

فلا الْمَجْدلِيَّةُ بالدَّمعِ تُوقِظُني

وتُرَوِّي قصيدي.

ولا لَوْحُ نُوحٍ

يَقِيني سُيُولَ اللَّهيبِ.

***

بقلمي: هادية السّالمي

 دجبي - تونس

مساء الرحيل:

قلق يهمس في سري

يهد بصمت قلاعي..

فيترك خطا رهيفا

كأن رياحا تشد شراعي..

وتحجم، منذ ان حط المساء على بابه،

يشد بأنيابه

بثقل يزيد هموم النواعي..

وكان المسافر يحتمي بالذكريات الطواعي..

وصار ابتعادي ثقيل

وظلي غدى يستطيل..

وتاهت عيون

وغابت قلوب في دروب الرحيل..!!

**

ودمائي لا تصبح ماء..

كانت عيناها بحرا

جفناها، يرتجفان

كجناحي عصفور خائف،

يرتعش الصبح الغارق في الديجور..

يخرج مذعورا من جوف الماخور..

في اللحظة ما بين دمي وقميصي،

ارسم عشر علامات للحب وللترحال،

وتصيرين امام الرعب امرأة

وتجيئين الى قلقي السري

عارية الأزرار،

ترتعدين،

وتنمو الشهقة في قلبي،

تنمو سريعا كالأزهار..

دشنت أكاليل الشوك،

وجربت ثمار الصحراء

ودمائي لا تصبح ماء..

وأنا رجل متهم ببرودة أعصابي،

وبأني أمشي في النوم وحيدا الى هدف مجهول،

وبأني أرسلت الى نفسي عشر رسائل

كي أتثبت من عنواني..!!

أغمضت عيوني ورحلت وفغرت فمي

وأملت على كتفي عنقي،

وكانت عينا البحر تراقبني

وساعة ذاب الشمع،

وجدتني مقتولا قدام الظل،

ساعة ذاب الشمع حول الجسد العسلي

كانت لا زالت تحمل معنى للأشياء..

ودمائي لا تصبح ماء..

فإلى أين تسافر يا منفي..؟!

أعددت حقائب للتطواف

و كويت قميصي للهجرة

كان القلق السري يداهمني..

والخجل الأعمى يهاجمني..

ومئالي الأخير عزاء

خذوني الى بلد لا تكون الضرورة فيه

عذابا مفزعا يقتفيني..

أو متاعا يشتريني..

أما تسمعون صمت الدموع

تهاجر من تحت اقدامكم

فتغوص بها عجلات الهجرة

وترسم منها خرائط للمنفى ؟!

***

الهروب في الذاكرة:

أقاوم هذا القلق الضارب حولي كالسور

أترك جلدي منفيا،

اركض خلف الشبح الشاخص بين الأشجار..

ودمائي من نار..

وعيوني ما عادت تعرف غير الأشجار..

ما عادت اقداري أقدار..

كانت تضع الشعر البني على كتفي

وأصابع باردة،

وشفاه تقرب مني

وعيون أقرأ فيها أشعار..

أصرخ.. أوهام، فتجيب الريح المذعورة، أوهام..

أهرب في ذاكرتي.. وخلفي يعدو صوت الريح

في الغابة ذاكرتي تبحث عني،

وأصابع باردة

وشفاه تقرب مني،

قالت، خذني.. فتجيب الريح المذعورة، خذني،

وصرخت.. لكن، شفاها كانت تمطرني كالنار..!!

***

د. جودت صالح

1/ تشرين أول 1975

قصائد لم تنشر منذ عقود..

سَمَرْقَنْدُ قولي أيَّ دربٍ سأسلُكُ

فغيرَ دليلِ القلبِ لا لستُ أملِكُ

*

سأستأذنُ التاريخَ؛ هذي حجارةٌ

سَتُنبِيْكَ بالأحداثِ يا من تُشكِّكُ

*

سَمَرقندُ يا وجهاً لأحلى صبيةٍ

إذا ضحِكَتْ فالشرقُ والغربُ يضحَكُ

*

ويا ملتقى كلِّ الحضاراتِ؛ وردةٌ

تُوحِّدُ نَحْلًا عندما يتفككُ

*

بإزميلِ ضوءٍ قد بُنِيتِ وطينةٍ

منَ الشمسِ ألقاها على الأرضِ نيزَكُ

*

رُخامٌ وفيروزٌ، عقيقٌ، زُمُرُّدٌ

زبرجَدُ، ياقوتٌ، نُضَارٌ مُحبَّكُ

*

إذا ضلَّ قومٌ في البحارِ طريقَهم

بغيرِ هدى النجماتِ لن يتحركوا

*

فإنْ ضلَّتِ النجماتُ كانتَ دليلَها

سمرقندُ حينَ الليلُ بالليلِ يَحْلُكُ

*

ورحالةٍ بالأمسِ مروا بأرضِها

وقد قلَّ زاد عندهم وتصعلكوا

*

أقاموا بها يومينِ حتى إذا أتى

نداءُ رحيلٍ بالخيامِ تمسكُوا

*

وقالوا: رَضيناها بلاداً ومعشراً

ومالوا إلى أغصانِها وتنسّكوا

*

قِبابٌ عليها تطمئنُّ حمائمٌ

تسبّحُ للرحمنِ لا ليسَ تُشرِكُ

*

ولونُ غروبِ الشمسِ صيَّرَ ريشَها

كمثلِ دمٍ فوقَ البياضِ سيُسفَكُ

*

سمرقندُ كم غازٍ أتاكِ وطامعٍ

ولكن على سورِ المدينةِ يَهلِكُ

*

فحتى لِطافُ الطيرِ تمسي قشاعماً

ويصبحُ ماءُ الروضِ ناراً ويَعْرُكُ

*

وسوقٍ قديمٍ للحريرِ قصدتُهُ

لِأبتاعَ تَذكاراً بهِ أتبرَّكُ

*

فألبسني الخياطُ ثوباً مُزركَشاً

وقامَ إلى الفانوسِ يهذي ويَفْرُكُ

*

فأخرجَ عِفريتاً وقالَ: هنا هنا

تمَنَّ فإنّ الأمرَ يا صاحِ يُوشِكُ

*

فقلتُ: بلادي فلتكنْ في ربوعِها

كمثلِ سَمَرقَنْدٍ، أذلكَ مُدْرَكُ؟

*

فعادَ إلى فانوسِهِ متعذِراً

وقالَ: سمرقندٌ جمالٌ مُشبَّكُ

*

هي النهرُ لكنْ لا تراهُ وإنما

تحسُّ به بينَ الضلوعِ يُسبَّكُ

*

كجوهرةٍ في بطنِ حوتٍ تخبّأتْ

وقد صاغَها شيخٌ عليمٌ مُحنَّكُ

*

فكلُّ ضياءٍ ما سواها مكذَّبٌ

وكلُّ جمالٍ ما سواها سيُترَكُ

***

عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

هِجائية لمن يقرأون الوجوهَ

 بدلَ القصائد

***

أعينٌ شاخصةٌ

تنظرُ لكن لا ترى

وجسومٌ تخرقُ الجدرانَ في إسراعِها

دون أن تنزفَ

لكن

تنزفُ الجُدرانُ شلالَ دماء

بعضكم يُبصرُ في صاحبه صورتَهُ

وإذا غنّى لهُ

يسكبُ في الكأسِ أغانيهِ

ويقضي ليلَهُ يسكرُ من ذاك الغناء

بينما تصحونَ من سُكرٍ إذا غافلكم صوتٌ غريبٌ

لا يُرى بالعينِ

أو يُلمسُ حقاً باليدين

يدخلُ البيتَ بلا إذنٍ

وفي أعقابِهِ يدخلُ جَمعُ الغرباء

**

هي مرّاتٌ تخاصمتم على قنينة الخمر

وعدتم

بعدَ تعنيفٍ وضربٍ أصفياء

هي مراتٌ تبادلتم معاً أعماركم

مثلما تُستبدلُ الأوجُهُ والأرجلُ ما بين جموعِ الراقصين

بيد أني لا أجيدُ الرقصَ

حسبي أنَّ في مَحبِسِ أضلاعيَ عصفوراً

قد اعتدتُ بأنْ يتركَ أضلاعي، ويمضي لبعيدٍ

كلما ناداهُ للرقصِ الهواءْ

وأنا هيهاتَ أستبدلُ وجهي بسواه

ربما يجهلهُ الناسُ

كما يجهلُ أشعاريَ من لم يرَ وجهي

فأنا أُخرجُ أشعاريَ من صندوقِ أضلاعي

ولا ألصَقُها لوحاً على وجهي

كما يعتادُ بعضُ الشعراء

***

شعر: ليث الصندوق

 

منذ أن رأيتكِ، وأنتِ تقيمين معي في سريرٍ واحد، تتدلّلين بقربي، وتزاحمين وحدتي بغنجكِ وشغب أنوثتكِ، كأنكِ تعرفين الطريق إلى جسدي قبل أن تعرفي الطريق إلى قلبي. ومنذ تلك اللحظة، وأنتِ تقودينني إلى سريركِ لأراه، فإذا به يتحوّل في غيابكِ إلى ملاذٍ ألوذ به من وحشة العالم، وإلى مساحةٍ أستعيد فيها دفء حضوركِ كلما أوصد الليل أبوابه في وجهي.

**

منذ أن رأيتُ خزانة ملابسكِ، صرتُ أختار لكِ ثياب نومكِ، وأنتقي ملابسكِ الداخلية كما لو أنني أهيّئ لكِ طقوس ليلةٍ من الحب، وأتخيّل العطر الذي سيستقرّ على جسدكِ الأسطوري، والفراش الذي سيحتضن تعبكِ حين تستسلمين لنعاسكِ. كنتُ أرتّب هذه التفاصيل الصغيرة في مخيّلتي، وأمنحها من قلبي ما يجعلها أقرب إلى حياةٍ عشتُها معكِ، لا إلى حلمٍ مرَّ عابراً في نومي.

**

أيعقل أن يكون كلُّ هذا وهماً؟ أن تكون تلك التفاصيل التي سكنت أيامي، وذلك السرير الذي صار ملجأي، وتلك الثياب التي اخترتُها لكِ بعينَي عاشقٍ ينتظر، مجرّد أوهامٍ كما تدّعين؟

**

ثم تغادرين...

**

وتتركينني وحيداً أمام هذا الفراغ الذي لا يعرف كيف يصدّق غيابكِ، فأظلّ أطارد ملامحكِ البعيدة في عتمة الليل، وأمدّ يدي إلى الجهات التي مررتِ بها، كأنّ شيئاً منكِ ما زال هناك، يتنفّس في الوسائد، ويختبئ بين طيّات الفراش، ويترك للعطر مهمّة إقناعي بأنكِ لم ترحلي تماماً.

**

وأنا، كلّما حاولتُ إقناع قلبي بأنكِ لم تكوني سوى وهم، أعادني إليكِ تفصيلٌ صغير، ذكرى عابرة، أو صورةٌ تستيقظ في داخلي بلا موعد...

**

فكيف يكون وهماً كلُّ هذا الذي عشته بكِ، إن كنتِ أنتِ مَن علّمني أن أصدّق حضوره؟

**

وتغادرين...

وأبقى أنا، مع سريرٍ يتّسع لغيابكِ أكثر مما يتّسع لجسدي، ومع ليلٍ طويلٍ، طويلٍ... لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

مَرِّرْ

على خصْرِ الكمَنجةِ

بَرْقَ قوْسِكَ

واتركِ المعنى يَهيمُ بهِ الصراطُ المُستقيمُ

على طريقةِ رَقْص موْلانا

إلى (أسْرى وأعرَجَ)

ثُمَّ عادَ

كغيْمةٍ زرقاءَ أوَّلَتْ البَنَفْسَجَ

هكذا

أو

هاكَ ذا

**

بَحْرُ الكَمَنْجَةِ خصْرُها

لا

بَحْرُها يا قوْسُ أنّكِ جِسْرُها

إنَّ الكَمَنجةَ دونَ قوسٍ لا كمنجةَ

إنّما

بالقوسِ قد غنِجَتْ دَلالاً

هَيْتَ هِئْتَ

الآنَ

تُجْتَرَحُ التَقاسيمُ المُقَسَّمَةُ ارتِجالاً

فَهْيَ فَيْضُ مَقامِها حالاً فَحالاً

وَهْيَ.. مهْلاً

إنَّ أنْثى

مِن جِيادِكَ  ذيْلَها تاريخُ قوسِكَ  لا تَكفُّ

عن الصهيلِ

تَكفُّ لكنْ كَيْ تَعودَ

ولا تَعودُ

يَعودُ مِنها شاعِراً إيقاعُ قوسِكَ

ثُمَّ يَتْبَعُهُ صَداهُ

صَداهُ تَلوينُ القِبابِ

بِما تَلاطَمَ مِن سَماواتِ انجِذابِ

المُخْطِئاتِ إلى الصوابِ

كَأنَّ سُبْرانو دخولِكَ لَيْلَ حُجْرتِها

، قَرارٌ يُوسُفِيٌّ

ما زُلَيْخَةُ في الحكايةِ بَعدَ ذاكَ

سوى جوابٍ

فَلْتَكُنْ

ذَكَرَ الكَمَنْجةِ في القصيدةِ

قوْسُها

**

حَوّاءُ تَسْتَلقي على كَتِفِ الوصالِ

وقوسُها القَوّامُ آدمُ

لا يُعاقِبُ بَلْ يُداعِبُ

إنّهُ السَوْطُ المُلَحِّنُ والمُهَيْمِنُ

في الحَنانِ وفي الجُنونِ وفي البُكاءِ،

وفي الشجونِ وفي الأنينِ

وفي الحُبورِ

وفي التَقافزِ كالغزالِ

على رمالِ تَعاقُب الإيقاع في شَبَكٍ أَغَنَّ مِن الجَمالِِ

فَيا صَبَاً وَرثَتُهُ

مِن أطَبْاعِ جَدّتِها الربابةِ

يا صَبا

إنَّ الكَمَنْجَةَ سِرْبُ أمواجٍ لِنسْبَحَ

أو نُسبّحَ إذ نَحَلِّقُ

حينَ نَغرقُ

ثُمَّ نَنْجو

ثُمَّ نغرقُ

ثُمَّ، ثُمَّ  وهكذا في كُلِّ مَوْجَهْ

(اللّهُ)

يُطْلِقُها نَديمٌ في السَماعِ

غريقُ لُجَّهْ

اللّه

يا شرْقَ الكَمَنْجَهْ

**

شَرْقُ الكَمَنْجةِ هكذا

أو:

هاكَ ذا

قُلْ لِلْكَمَنْجةِ: أنتِ شاعِرةُ القصيدةِ

والقصيدةُ هذهِ (خصْرُ الكَمَنجَةِ)

رقْصةُ التَجريدِ أنتِ وقد تَجَسّدَ

في حجازْ

فَتَأّذَّني أَيْ لَوِّني قُبَبَ المَجازْ

بِـ تُرْكُوازْ

وبِما لَدى داعيكِ مِن شَجَنٍ

ومِن عُرَبِ القريحهْ

قُلْ لِلْمَليحةِ يا كَمَنْجَةُ

لِلْكَمَنْجَةِ يا مَليحَهْ

***

جمال مصطفى

 

موتكِ يسألُ:

متى ينكسرُ موتكَ؟

ودونَ أنْ أذهبَ إلى

المرايا

أمشطُ شعري،

ودونَ أنْ أسقيَ آنيةَ

روحي بأنفاسكِ

هلاّ يأخذُني الساحلُ

إلى بحرِ عينيكِ

فأنجو، من المارينَ

والضائعينَ..

قلبي يرفضُ

الاستقالةَ

كدمعةٍ في صحراء.

***

زياد السامرائي

أَتَى الدُّبُّ كَرْماً لَهُ يَنطُرُ

وَفِيهِ مِنَ السِّحْرِ مَا يُبْهِرُ

*

وَفِيهِ العَنَاقِيدُ مِثْلُ النُّجُومِ

بِغَيْرِ ارْتِشَافٍ لَهَا تُسْكِرُ

*

فَعَاشَ أَمِيراً بِقَصْرٍ مَنِيفٍ

هُوَ الأَوَّلُ الحَاكِمُ الآمِرُ

*

فَلَمْ يَحْتَمِلْ كُلَّ ذَاكَ البَرِيقِ

لَقَدْ هَالَهُ ذَلِكَ المَنْظَرُ

*

جَمَالٌ فَرِيدٌ وَعَيْشٌ رَغِيدٌ

حَرِيٌّ بِصَاحِبِهِ يَبْطَرُ

*

فَظَنَّ بِأَنَّ اتِّسَاعَ الكُرُوشِ

يُرَافِقُهُ العِلْمُ وَالمَخْبَرُ

*

مَشَى بِاخْتِيَالٍ كَلَيْثٍ هَصُورٍ

وَبَيْنَ السِّبَاعِ غَدَا يَفْخَرُ

*

يَقُولُ: سَبَقْتُ الثَّعَالِبَ مَكْراً

وَمِنْهُمْ جَمِيعاً غَدَا يَسْخَرُ

*

أَنَا العَبْقَرِيُّ بِهَذَا الزَّمَانِ

أَنَا الحَاذِقُ الأَفْهَمُ الأَمْهَرُ

*

فَخَاطَبَهُ تَتْفُلٌ جَالِسٌ:

!.عُلُومُكَ بَحْرٌ بِهِ نُبْحِرُ

*

فَهَيَّا أَفِدْنَا بِهَذَا الذَّكَاءِ

وَدَعْنَا لِعِلْمِكَ نَسْتَثْمِرُ

*

لَقَدْ عَلِقَ الشَّهْدُ ضِمْنَ الجِرَارِ

عَيِينَا عَنِ الحَلِّ.. هَلْ تَقْدِرُ؟

*

فَخَرَّ كَنَجْمٍ بِعَالِي السَّمَاءِ

إِلَى القَاعِ يَسْبِقُهُ المَنْخَرُ

*

لَقَدْ عَلِقَ الرَّأْسُ ضِمْنَ الإِنَاءِ

كَعِجْلٍ ضَعِيفٍ غَدَا يَجْعَرُ

*

يَقُولُ: انْقِذُونِي فَإِنِّي ضَعِيفٌ

لِهَذَا الإِنَاءِ اللَّعِينِ اكْسِرُوا

*

فَهَذَا المَصِيرُ لِكُلِّ جَهُولٍ

لأَصْلِ الحَقِيقَةِ يَسْتَنْكِرُ

*

فَمَنْ نَاطَحَ العِلْمَ فِي جَهْلِهِ

مَحَالٌ يَفُوزُ.. وَقَدْ يَخْسَرُ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

ويسألني

جسمه في الفضاء

تسربل مد النهار

على كفه بقعة لفراغ

قد استلقت

تعملق فيها الهلام

وبين يديها

أنا جالس أستفز السكوت

وأنزل من فرحي مطرا كاسيا،

ما استفقتَ من النوم

لكنما الشمس تأتي إليك

نشيدا أخضرا

والسواقي خلفها تتفنن في الجري

حيث تراك تشيّأتَ

والعري أعطاك هيكل ذات

بها أئتلفت نزوات الللآلئ

وهْيَ تنوس على جناح لموج

لطيف التكسّر...

غراب تجرد من لونه

واستطال إلى أن تشمر

بالمزن بدءا

وأحرق نِصب الخميل

عمود نباهته

حين مال العمود

عن الاتجاه القويم.​

***

مصطفى معروفي

كانت هدية نجاحه الباهر من الصف الثالث المتوسط بأن منحه الوالد الفخور بإنجاز نجله مبلغاً محترماً يكون زوادته في السفر مع ابن عمه القادم من مدينة من وسط العراق للزيارة والتي مكث فيها في "بغديدا" شهراً كاملاً أمضيا فيه أجمل نصف صيف، فتضاعف سروره بالنجاح، وبعد أسبوع كان في بيت عمه بعد أن اجتازا زمناً قدره ثماني ساعات وأجساد الركاب تختض بفعل ارتجاج مفاصل الباص الأصفر العتيق، وحالما استقر به المقام في بيت عمه لاحظ أن زوجة عمه تمعن النظر ليس في وجهه قط بل في جانبي وجهه، وفي بؤبؤي عينيها توهج بسمة مشرقة وفي الشفتين مشروع كلام، ابتسم بوجهها القروي السمح والذي يعلن عن شمائله حالما تنظر إليه وتتمعن النظر في عينيها السوداوين وخمّن بأنها تفكر في شيء تسّقطته ذاكرته حالما اقتنص كنه النظرة، وتوارد في خاطره ما حكته والدته عن الفعل العجائبي لولادته، فراودته فكرة أن تتعدد الحكاية بكل تفاصيلها ومن زاويتين متناظرتين حاضرتين للحدث، فسألها وهو يمضغ كبة كروية صغيرة جداً مما تبتكره أصابعها المعجونة بالبركة، والتي تستيقظ فيها منذ الفجر صحبة عمه وابن عمه البكر ويهيئون العربة بالقدر الكبير الذي يعج بالكبب ويخرج ابن عمه منذ طرة الشفق يرتزق عيشة الأهل من بيع بضاعته في السوق أمام المقهى الشعبي العاج بأجساد العمال والجنود المبكرين لوحداتهم العسكرية وعابري السبيل الذاهبين إلى غاياتهم وهم يغذون أحشائهم بطعم كبة (أبو حنا) التي يعرفها القاصي قبل الداني في المدينة...، واستيقظ من صفنته جراء لكزة من كف ابن عمه الأثير على كوعه وهو يهمس.

- أين سرحت...؟

وبصوت معجون بجفلة بائنة همس.

- إنني هنا.

فسأله ابن عمه.

- لم لا تلبي رغبة أمي..؟

ومن خجله سأل زوجة عمه.

- عفواً... سرحت.... بم سألتيني؟.

من خلال ابتسامة مشرقة أجابت.

- اقترب مني.

نهض من المائدة العامرة واتجه صوبها وبرك أمامها، قربت عينيها من أذنه اليمنى وهزت رأسها هزات خفيفة متتابعة، ثم أمسكت هامته بشعرها المنسرح وأدارته نصف دورة وأنشأت تتأمل أذنه اليسرى، وبعد حين أفلتت رأسه وهمست.

- صحيح أنهما مسدودان ولكن آثارهما ظاهرة لمن يتعمق النظر فيهما...

يبدو أن عمه استلم الجملة الأخيرة وهو يدخل الطوار فسألها.

- آثار ماذا...؟!

أجابته بصوت أقرب إلى الهمس.

- ثقبا أذنيه.

هتف ابن عمه.

- هل ثقبوا أذنيه مثل البنات؟.

أجابه الوالد بصوت جهير أقرب إلى التوبيخ.

- بل إنها نعمة إلهية..

وغب رشفة من دخان سيكارته الأزلية ونفثها بتلذذ في فضاء الطوار قال كمن يتلو بياناً عسكرياً.

- إبن عمك ولد بأذنين مثقوبتين.

قفز ابن عمه من مقعده وهرول صوبه، تقرفص وصار جسده كله عينين تتقصيان وتبحلقان بدهشة من وجد كنزاً، فرك عينيه أكثر من مرة وحين تيقن أن الأمر صحيح هتف مستنكراً.

- أن يكون ولدِ وهو مثقوب الأذنين فهذا شبه محال...

زجره والده الذي يتصف بسرعة الغضب صارخاً.

- هل تشك بمصداقية كلامي يا ولد؟.

نهض ابن عمه من مكانه وهو يتوقع كالعادة صفعة أبيه الثاوية، ولكن هدوء عمه العجيب وهو يقول.

- من حقك أن تشك في الأمر، وهذا الأمر حصل لي عندما أبلغتني أمك التي كانت في الغرفة مع القابلة المأذونة ساعة الولادة، ولم أصدق إلاّ حين وضعوه في حضني ملفوفاً بملاءة بيضاء وعاينت الأعجوبة.

ثم نظر صوبه بحنان بالغ.

- مهما كتبت يا ابن أخي عن كينونة الفرح فلن تستطيع قط أن تصف الفرح الذي كان يشع من وجه أبيك.

استطردت زوجة عمه مكملة.

- حتى شهيقه الأول لم يكن صرخة، بل كان كلاماً غير مفهوم ولكنه منمّق وكأنه صلاة أو ترتيلة.

ثم أكملت بعد صمت قصير وكأنها تبتهل.

- والأكثر من هذا أنه وُلِد دون ألم مما جعل القابلة تقول... إن هذا الطفل سيكون ذا شأن في المستقبل.

***

هيثم بهنام بردى – أستراليا / ملبورن

صيف عام 1970

.................

* فصل من كتاب السيرة

إلى: عبد الله راجع

أَلِيسْ

لم تشهد بلاد العجائب

ولا خُلسة حتى

لو أنها

حاذت بلادي لحظة

لتساءلت:

كيف نجوتَ؟

*

أَلِيسْ

تعتذر من سفري،

تقول بنبرة أرنبها الخائفة:

رؤاك أغرب من حلمي،

جياع يتهاوون

على مبكى عينيك،

حفاة

يمشون موتى

*

عجبي منك!

من زهرة توصي بها

والمآسي تتناسل حيالك،

عجبي من حب تسقيه

رغم جفاف سقفك

كان عليك الرحيل

كان

عليك

الرحيل

منذ المبعدين

لكنك أبيتَ،

صامد منفاك كمسلة

وإن بكيتَ

*

أنا لم أرَ

غضا نحيل الظل

يحبو على ثلج

تحت موت قمر،

لم ألقَ مزنا ظامئا

والماء من حوله شتى،

هذا السواد صاخب،

هذا

السواد

صاخب

يا صاحبي،

كمْ احتملتَ؟

*

قلتُ:

الوقت يشتهي

دقات قلبي،

يعلمني

كيف ألتهم نفسي

وكيف أولد

حين أرثى

*

أَلِيسْ

أنا لم أنجُ بعدُ،

وعلي

أن أكمل ميلادي،

ربما موتي،

لا يُسألُ وليد

لمَ صرختَ؟

*

أحاول

أن أحدد وجهة

الرجوع إلينا

كأن أصحو على

أغنية "روك" هادئة،

أو أقطف الشمس

من عطر أنثى،

*

غيرَ أن

البوصلة خائنة

والشراع

ثَقْبٌ غرائزي

والسفينة

من كل الجهات تؤتى،

أحاول

لكن البحر ممتد

مهما سبحتَ

***

فؤاد ناجيمي

 

كان يمشي على الرصيف، والطقس مشمس تتخلله رياح خفيفة تتناوب بين السكون والعبور السريع. الأغصان المتدلية كعناقيد العنب كانت تتمايل مع الرياح، فيما ضوء الشمس يتسلل عبر شقوقها ليهطل على الأرض. بدت الخطوط الضوئية المتكسرة على أرضية الرصيف كأنها مياه متحركة، وكلما تحركت الأغصان تراقص الضوء مكوّنًا أمواجًا وهمية تتلاشى وتعود، كأنها موسيقى صامتة تعزفها الطبيعة وحدها.

تسابقت قدماه بخطوات متناسقة فوق تلك الأمواج الوهمية، التي رسمتها أشعة الشمس خلف الشجيرات الكثيفة الممتدة كسياجٍ على طول الرصيف. ومع اشتداد الرياح، ارتفع حفيف الأوراق، فتعاظمت حركة الأمواج دون أن يصدر عنها همس.

وبينما كان يمضي في مسارب الدنيا بحثًا عن خطاه، التف الشارع في غلالة بيضاء من ضوء النهار، كأن نقاوة الحياة تجلت في صفاء الوجدان. شعر أن العالم على أعتاب التغيير، لكنه لم يكن له نصيب، فهو يحيا ليومه الذي صار أفقًا غامضًا يخفي خلفه آماله المؤجلة.

لكن خلف هذا الضوء، كانت الحياة تحمل وجهًا آخر. في أولى لياليه في الشارع، كان البرد ينهش أطرافه والجوع يقرص معدته. تذكر فجأة خط الرسم الذي تعلمه في دار الأيتام، فأخرج ورقة مهترئة وقلمًا صغيرًا كان يحتفظ به.

جلس على الرصيف، وبدأ يرسم وجه امرأة مرّت أمامه. توقفت المرأة، نظرت إلى الرسم بدهشة، ثم وضعت في يده قطعة نقدية صغيرة.

شعر أن الحياة، رغم قسوتها، منحت له نافذة صغيرة للبقاء. بعد أيام، بدأ يعزف على آلة قديمة حصل عليها من أحد المارة، وصار صوته يملأ الشوارع المزدحمة، يجذب السياح والناس، ويمنحه ما يكفي ليواصل يومًا جديدًا.

***

كفاح الزهاوي

 

كانت ميمونة أعجوبةً تناقضت فيها بدائع الجمال وفواجع المأساة، لها شلالٌ من الشعر الذهبي الخالص ينساب على كتفيها كخيوط شمسٍ مغزولة بالنور، يتموج مع كلّ حركة ليخطف الأبصار بنقائه النادر.

لكنّ هذا الألق الساحر كان ينتهي فجأة عند حدود وجهها الذي استقرت فيه ندوب حرقٍ بليغ ومشوه، حوّل نصفه إلى تضاريس قاسية من الجلد المنكمش والداكن، ماحيا ملامح الأنوثة الرقيقة ليحلّ محلها قناعٌ من الألم والرماد.

أصبح هذا التباين الصادم يجعلها تبدو كلوحة عالمية فريدة، نصفها العلويّ يفيض بفتنة الآلهة، ونصفها الآخر يحترق بنيران الفانية، تاركةً الناظر إليها معلقاً بين روعة الذهاب وعمق الفجيعة.

أمّا ابنها صابر، فبدا وجهه ملوّحًا بسحنة صفراء باهتة كقشرة ليمونة منسية، حفر عليها القلق المزمن تجاعيد مبكرة، جمعت حاجبيه المعقودين في دهشة خائبة مستمرة.

وتوسطت وجهه عينان زائغتان متسعتان بالطمع العاجز، تحتهما هالات سوداء من أثر السهر في عدّ قروش غير موجودة، تلتقيان عند شفتين ذابلتين لا تكفان عن التمتمة بالشكوى والندب.

اعتادت ميمونة أنْ تجلس في دكان التوابل، وتطيل النظر بتبسّمٍ غامضٍ إلى مرآة نحاسية مصقولة تعكس وجه ابنها "صابر" وهو يفتش بين أكياس الكمون والكزبرة عن قرش ضائع.

لكنّ ميمونة كانت قد عبرت جسر الزهد منذ زمن، وتنظر إلى الدنيا على أنّها مسرحية هزيلة، بطلها الإنسان الذي يركض خلف لقمة، واللقمة تركض خلف الموت.

دار في باطن ميمونة حوار صوفيّ ساخر: "يا نفس، يبكون على قلة الرزق، ولو عرفوا حقيقة الأمر لبكوا على قلة العقل.

إلهي، صقلتُ مرآة قلبي حتى لم أعد أرى فيها سواك، فاجعل رزقي عصياً على أهل الطمع، واجعل حياتي عبرة ضاحكة، وموتي نكتة مبكية".

كانت دعوة ميمونة صامتة، تكتفي بالنظر إلى المرآة وهزّ رأسها كلما اشتكى صابر من فقر دمّر وسامته المفترضة.

أيقن صابر أنّ حياته لن تستقيم أبداً، وأنّ النحس لن يفكّ أسره إلا إذا وضع يده على سرير أمه، حيث تخبئ صندوق قروشها السري.

وفي ليلة يائسة تسلّل وسرق الصندوق، ثمّ اشترى قماشاً لبيعه، فأكلته الفئران في نفس الليلة، واشترى طحيناً، فمُطر عليه في سوق مسقوف بطريقة إعجازية مضحكة حتى صار عجيناً فاسداً!

اندفع مرة أخرى إلى السوق ليشتري هذه المرة "حماراً" ينقل عليه البضائع، ظانّاً أنّ هذا الحمار سيكون بداية إمبراطوريته التجارية.

وهنا انكشف المستور، وخاب أمل صابر، فالحمار الذي اشتراه بمالها كان حماراً صوفياً بامتياز، إذْ لم يكن يتحرك، ولم يكن يأكل، فكان يقضي اليوم واجماً ينظر إلى السماء بكآبة.

وكلما حاول صابر تشغيله ماتت البضاعة فوق ظهره، فإنْ اشترى حبات البندورة تعفنت في دقائق، وإنْ اشترى زجاجاً تكسّر دون سبب.

لقد أبت إرادة الله أنْ يستقيم رزق ميمونة لأحد.

عاد صابر يجرّ الحمار باهتاً ودخل الدكان، ليرى المفاجأة المدهشة.

نظر في المرآة النحاسية، فلم يجد انعكاس وجهه، فقد رأى الحمار ينعكس في المرآة وهو يبتسم له بأسنان بشرية، وقد كُتب تحت صورته بخط ذهبي: "الرزق مكتوب، فما دخلُ الحمار؟".

وفجأة، انفجرت المرآة ضاحكة بصوت يشبه قهقهة ميمونة، لتسقط الصخرة التي خلفها وتكشف عن سرداب مليء بسبائك الذهب، وبجانبها ورقة كُتب فيها: "أوقفتُ هذا الذهب لعلف حمير المدينة".

التفت صابر وهو يبكي فرحاً ورعباً نحو زاوية الدكان، فوجد أمّه ساجدة وقد فارقت الحياة، وفي يدها حبة تمر واحدة لم تأكلها، وعلى فمها ابتسامة ساخرة تركته غارقاً في دموعه.

هو الآن أثرى رجل في المدينة، لكنه قانونيّا لا يملك سوى ثمن شراء البرسيم للحمار الذي يجلس بجانبه، ويبكي معه بنحيب بشريّ مرعب.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

في هذا الصباح الخريفي المتقلب، وفي منتصف تشرين الآتي من ذاكرة الورق يطل رأس قلمي من تحت الأنقاض الحياتية أو هكذا خيل إلي أم إنه يخرج من رحم الأحلام الورقية ...

 ما عادت الأحلام وردية كما كنت أتخيلها للحياة ألوان مختلفة الكثير منها لا أعرفها ....

 هل تعلم أنني الآن أزحف بحبري كجريح مصاب في ساحة قتال يحاول أن يجد مكاناً ليختبئ فيه؟!

 كنت أتصور حين أرى تعاقب الفصول بتلك العروض المدهشة التي تغير فيها مواقعها وأثوابها وحتى ملامحها كنت أتصور أنها تبعث الحياة ليس في واقع حياتنا وإنما على ضفاف كتاباتنا، وسطور مخيلتنا .....

 إنما الأمر شيء مختلف تماماً إن ما يجعلنا نجدف بأقلامنا في محيطات الورق الأبيض هي في الحقيقة تلاطم حياتنا اليومية.....

 هل تذكر حين حدثتك عن سوداوية الحياة في سطور كافكا، ورمادية السماء في سقف كتابات ألبير كامو؟!

 يومها سألتك هل للحزن وقار يجعل من الأبجدية حضوراً بهي الدهشة ؟، وهل نحن نخترع حياة وهمية على مقاس الورق ونجعل من المفردات حقول تنبت فيها لنخرج إبداع الكتابة من هذا الفراغ الوهمي؟! أجبتني حينها إن للحبر أفئدة ليس لها صوت فقط أحرف تتوشح الحداد كأنها تعقد قرانها على فصل الشتاء البارد ....

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

عن قريبٍ سيَهدرُ نهرٌ ويسطعُ نجمٌ ويلمعُ بدرٌ ويسمقُ نخلٌ، قريباً يعودُ الى الماءِ روحٌ وتصفو سماءٌ لتحضنَ في الأفقِ زرقاءَ ماءً مديداً رهيفاً وأزرقَ في لحظةٍ عمرُها أزلُ الكونِ حتى ذرى الأبديهْ.

*

عن قريبٍ سينطقُ حقٌّ بأبهى الحروفِ ويصدحُ طيرٌ جميلٌ يعودُ الى وطنِ الطفلِ بَعدَ اغترابٍ كئيبٍ تطاولَ يسرقُ حتى غناءِ الطيورِ ويكسفُ نورَ المُحبّاتِ في أحرفِ الأبجديهْ

*

عن قريبٍ سيُكمِلُ عالمُنا جولةَ الحقِّ حتى يحقَّ فيُفتحُ ماءُ الروابي ويُقفلُ صوتُ المرابي لأنَّ الحفيفَ يعودُ فؤاداً يغني وانَّ الجداولَ تهدرُ بالحُبِّ والطيرَ يرقى الى مهجةٍ في سماءِ المواويلِ باهرةِ الأشتياقِ تدونُ ذاكرةً سرمديهْ

*

عن قريبٍ سينطقُ بالحقِّ حقٌّ بأبهى الحروف..

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

...................

ملاحظة: هذه القصيدة من نمط الشعر المدوّر الذي اجترح طريقة كتابته وأبدع نمطه الشاعر حسب الشيخ جعفر لتكون القصيدة قطعة واحدة.. شخصياً اعتمدت هنا نظام المقاطع حيث تأتي القافية في نهاية كل مقطع، وحيث يمكن اعتبار كل مقطع قصيدة.. زمان ومكان كتابة هذه القصيدة: في الثاني عشر من تشرين الأول 2023، في العراق.

"يا ليل، لكم طال الدّربُ.

تعب الركبُ،

وعراقي شطَّ، وسمَّاري

ناموا."

بدر شاكر السياب

سفر أيوب (٧)

ديوان منزل الأقنان

***

لا تَحْزَني...

ضُوعي غدًا...

سنلتقي

على رصيفٍ من ضياءٍ لا ينامْ

هناكَ حيثُ يخلعْ الموجُ الزَّبدْ

كي يستعيدَ من رُكامِ الماءِ وجهًا

قد فَقَدْ

*

لا تَجْزَعي يا لارُ،

إنْ طالتْ ليالي العائدينْ

فالليلُ بابٌ من مُسوحٍ، والنهارْ

يرتدُّ جذرًا في فتوقٍ لا تُرى،

حتّى يصيرَ البابُ غُصنًا في يديكْ.

*

في مُقلتيكِ الفجرُ يجري في دمي،

من أورَ، من طينِ العُبَيدْ،

وكلُّ جرحٍ فيَّ شُبّاكٌ على بحرٍ

يُدجِّنُ في حُطامي نورسًا.

*

لا تَسْأَمي...

تلك المسافاتُ التي

مدَّتْ على أجسادِنا أسلاكَها

لم تَدْرِ أنَّ الماءَ دَبَّ في الحديدْ.

في كلِّ قفلٍ قطرةٌ تمحو الحدودْ،

شُبْعادُ تُصغي من وراءِ صمتِنا

للعَذْبِ في أوتارِنا.

*

لكنّنا نستمطِرُ الوعدَ الشحيحْ،

والريحُ تعبثُ بالخُطى،

والعمرُ مصلوبٌ على صِيْرِ الرجاءْ.

*

خَطوي وَهَى،

والليلُ يسْحنُ صبرَنا،

لكنّني سأضلُّ في عَتَمِ المدى

عينًا تُحدِّقُ في الأثرْ

وأُعيدُ للطينِ القديمِ ملامحي.

*

إنّي هُنا...

رهنُ الترقُّبِ لم أزلْ.

*

كودا

ضُوعي غدًا...

سنلتقي

في كفِّنا يصحو رصيفْ،

والبحرُ طفلٌ،

كلَّما مدَّ اليدينِ،

تنسَّلتْ منهُ الضِّفافْ.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

....................

هامش

"لار": رمز يستخدمه الشاعر منذ عقد السبعينيات من القرن المنفرط ، تتداخل فيه المعشوقة الغائبة، والحلم المفقود، والغاية المصادَرة، والمدينة المنسيّة، والوطن المنتهَب.

"أور": مدينة أثرية في جنوب العراق من مدن مهد الحضارة .

"العُبَيد "تل العبيد يقع على بعد ستة كيلومترات من غرب أور الواقعة على مقربة من مدينة الناصرية،و هي إحدى أقدم الحضارات في بلاد ما بين النهرين فقد ظهرت حوالي 5300 ق. م و4000 ق .م وتنتمي لحقبة العصر الحجري النحاسي.تميزت بتطور الزراعة، وبناء أوائل المجتمعات المدنية والمعابد، وصناعة الفخار المميز المصبوغ باللون الأسود.

"شُبْعاد": اسم متداول قديمًا لـ "بوابي"،- المرتبطة بالمقبرة الملكية في أور - يستدعيها النص استدعاءً تخييليًّا يتّصل بذاكرة الموسيقى والمكان، لا بوصفها واقعةً تاريخية.

"المُسوح": جمع "مِسْح"، وهو كساء من الشَّعر يُلبس للتقشّف، ويرتبط أيضًا بالحداد. ويستدعي "بابٌ من مُسوح" حاجزًا نسيجيًّا خشنًا تتّصل به "الفتوق"، وتكتسب عبره صورة الليل إيحاءً بالحزن والتقشّف. أمّا "يرتدُّ جذرًا" فتصوّر عودة النهار إلى أصلٍ خفيّ يستأنف منه النمو، تمهيدًا لتحوّل الباب إلى غصن.

لهذا أنا أختم خطايَ بالنظر إلى ما حولي،

دون السؤال

إلى أين؟

عينٌ على الجالسين عند بداية السلم،

وعيني الأخرى على المُقعَدين في النهاية

وفكرةٌ أو ربما حيرة لا يكاد يخلو العقل منها.

ماذا جرى؟!

ماذا أرى؟!

*

إلى فكرتي الأولى،

أعيدوني

إلى أساس ركضي اللامنتهي

إلى عقلي المفرط في الذهول

حين رأيتُ صعوداً إلى الهاوية

***

رجاء الغانمي - العراق

 

لم يكن الطفلُ يصعدُ سُلَّمًا إلى السماء،

بل إلى الحياة.

*

درجةً درجة،

يدسُّ خوفَه الصغيرَ في خطوته،

ويمدُّ قدمًا لا تعرفُ من العالم

إلّا يدًا تتلقّاها إن مالتْ.

*

يدٌ من خلفه،

تدفعُه برفق،

ويدٌ من أمامه،

تسبقُ سقوطَه إلى الهواءْ.

*

بين اليدينْ،

يعبرُ العمرُ حافيًا،

ويكبرُ الحلمُ في ظلِّ حبٍّ

لا يتركُ اسمَه على جدارْ.

*

لكنّ السُّلَّمَ مكسورْ ...

فأيُّ حبٍّ هذا

الذي يحرسُ الطفلَ من السقوطْ

ويتركُ تحت خطوه هاويهْ؟

*

وأيُّ يدٍ تكفي

إذا ظلّت الدرجاتُ أفخاخًا

والنجاةُ درسَه الأوّلْ؟

*

أيّها الطفل،

اصعدْ...

*

لا تثقْ بقرب السماءْ،

ولا بكلِّ يدٍ تمتدُّ إليكْ.

*

اصعدْ،

ففي الأعالي متّسعٌ لجناحيكْ،

وفي كفَّيْك غدٌ

لم تُملِهِ يدٌ بعدْ.

*

أمّا نحن،

فليس أعظمَ ما نمنحكْ

أن نمنعك من السقوطْ،

بل أن نترك لك أرضًا

لا تضطرُّ فيها إلى السقوطْ

كي تعرفَ معنى النجاةْ.

***

بقلم: سليمان بن تملّيست - تونس

جربة في 2026/10/19

كثُرَ الأنينُ

وماتَ في فمهِ الجوابُ

وتفتحتْ زُمرُ المشانق ِ

فوقَ وردِ النهرِ

والأمواجُ بابُ

وتسلقتْ في كلِّ رأسٍ غابةٌ

فيها العذابُ

وتلوثَت تلكَ الكرامةُ

فالسماءُ لها كتابُ

لا ماءَ كي يحيا

ولا يمشي سُحابُ

صحراءُ تركضُ

والقلوبُ لها مآبُ

هذا هو النومُ الرمادُ

مطرزٌ فيهِ احتلابُ

موتى هناكَ.. بلى.. هنا

في كلِّ نافذةٍ سرابُ

ركضوا عُراةً للعويلِ

ومضوا وذابوا

ذابوا وما ذابَ الصدى

فالعارُ نابُ

عارٌ يلوكُ الثوبَ

انْ حضروا وغابوا..!

هذا صباحُ الحزنِ

يركلُهُ انقلابُ

***

حسن رحيم الخرساني

 

1ـ نغمة الأمس

كان الزمن قد انزلق بعيداً، مثل ورقة خفيفة تطيح بها الريح فوق رصيف فارغ. في صباح شاحب من صباحات تموز، جلس وحده في غرفته الصغيرة، يتأمل صورة قديمة، ذات أطراف باهتة، تشي بعمرها الطويل. إنها صورة جماعية، التُقطت قبل خمسين عاماً في رحلة مدرسية إلى غابات المدينة. كان الأطفال في الصورة يرتدون زي الكشافة، وجوههم مشرقة، بريئة، تطل على العدسة كما لو أنها نافذة تطل على المستقبل.

تكررت جملة في ذهنه "أمس كان كل شيء جميلاً" بنغمة خافتة، لكنها ثابتة. عادت إليه في لحظات السكون، مثل لحن قديم لا يستطيع نسيانه، يهمس له من أعماق ماضٍ لم يعد له مكان سوى في الصور والتساؤلات.

"كنت هناك"، يقول الصوت الذي ينبثق من داخله، صوت رجل لم يعد ذاك الطفل، لكنه لم يغادره تماماً.

"أنا ذلك الفتى الجالس في الصف الأول، تقريباً في المنتصف، يشير إليّ سهم أبيض صغير كأنه تذكار أخير من حياة كاملة. نعم، هذا أنا . أذكر يوم التقاط الصورة كأنني أراه الآن. كنا نركض بين الأشجار، نغني، نضحك، نظن أن الحياة ستبقى دائماً على هذا النحو."

معظم الوجوه في الصورة لم يعد يذكر أسماءها. لكن شيئاً في ملامحهم، في نظراتهم، في وضعية الوقوف أو طريقة التبسم، ظل عالقاً في ذاكرته. هناك من كان ذكياً، ومن كان شغوفاً، ومن بدا عليه الكسل حتى في لحظة التقاط الصورة. وهناك، في الطرف الأيسر، يقف أستاذ الرياضة ــ كان لطيفاً، هادئاً، رجلاً لا يعلو صوته أبداً، لكنه كان يترك أثراً لا يُمحى.

ثم تساءل  ــ أو لعلها ذاكرتُه هي التي تساءلت نيابة عنه، وقد غدا السؤال حملاً لايزول:

"أين هم الآن؟ من بقي حيّاً؟ من فارق الحياة بهدوء؟ من منهم فقد زوجاً أو زوجة في حربٍ لم تنتهِ حقاً؟ من يعيش في وطنه، ومن تناثر في المنافي؟ وهل ما زالت تلك الفتاة ذات الجديلتين ــ التي أحبها في صمت ــ جميلة كما كانت؟ أم أصبحت جدة؟ هل تزوجت؟ هل بقيت عزباء؟ هل تتذكر هي أيضاً ذلك اليوم؟"

كان الزمن قد قام بما يقوم به دائماً ــ تفريقنا، تغييبنا، محونا تدريجياً من ذاكرة بعضنا البعض .لكن شيئاً في داخله ظل عالقاً هناك، في تلك اللحظة.

"ربما لا يتذكرني أحد. وربما لا يتذكرون الصورة. لكني أتساءل، هل يراودهم، هم أيضاً، ذلك الإحساس العابر بأن الأمس كان كل شيء فيه جميلاً؟"

لم ينتظر جواباً. فقط جلس هناك، يحدّق في الوجوه التي لم تعد له، يحاول أن يسمع من خلالها أصواتاً لم تعد موجودة. وبين نغمة الذكرى ونغمة النسيان، بقيت الجملة تتردد في رأسه، كأنها لازمة من حياة لا تزال مستمرة في بعدٍ آخر:

"أمس... كان كل شيء جميلاً."

في مساء آخر، وبينما كانت الصورة لا تزال مستندة إلى الجدار خلف المكتب الخشبي، أخذ  يتأملها من جديد. هذه المرة لم تكن الوجوه ساكنة كما في المرات السابقة. حدث شيء، بسيط، ربما خدعة من الضوء أو وهماً من ذاكرته المتعبة، لكنه رأى أحد الأطفال يبتسم، ثم الآخر يلتفت نحوه. وسمع صوتاً. كان صوت سمير، أكثر الأولاد ذكاءً في الصف، ذلك الذي كان يعرف الأجوبة دائماً، حتى قبل أن يُطرح السؤال.

- "تأخرتَ يا صديقي. انتظرناك طويلاً."

فرك  عينيه، لم يكن نائماً، ومع ذلك لم يكن مستيقظاً تماماً. عالم الصورة بدأ يتحرك، ووجوه الرفاق تصطف أمامه كأنهم حضروا لموعد لم يحدده هو. كانت هناك سعاد، تجلس القرفصاء في مقدمة الصورة، بنفس الضفيرتين، تقول:

- "هل تتذكر تلك النزهة؟ كنت تضحك طوال الطريق، ثم أضعت قبعتك، وعاتبك المعلم."

ابتسم ، كأنه عاد إلى ذلك اليوم.

- "وأنتِ، ألم تكوني أنت من دفنها تحت التراب لتختبئ مني؟"

ضحكت سعاد، وقالت:

- "ربما. كنا نظن أن الزمن لعبة، وأننا سنبقى صغاراً إلى الأبد."

ثم تكلم شاكر، الذي لم يكن محبوباً كثيراً، لأنه كان كثير الشكوى، لكن الآن بدا أكثر هدوءاً، كأن السنين صفّت شيئاً من طباعه:

- "لقد حاولت أن أعيش كما كنا نحلم، لكن الحروب سبقتنا جميعاً. هل تتذكر كيف كنا نرسم المستقبل على أوراق الكراس؟"

همس:

- "رسمت مدينة كاملة. بيوتاً تطير في السماء، ومكتبة تحت الأرض..."

- "وأنا رسمت نفسي طياراً"، قال شاكر. "لكنني أصبحت ميكانيكياً في مدينة لاتطير فيها حتى الأحلام."

ظهر أخيراً أستاذ الرياضة، ليس كهذاك الشاب الهادئ في الذاكرة، بل كرجل مسنّ، يمشي ببطء لكنه يحمل نفس النظرة التي لا تُخطئها الروح. اقترب وقال له:

- "لقد أحببتكم جميعاً. لم أكن فقط أُدرّبكم على الركض والقفز، كنت أحاول أن أُبقي البراءة فيكم، لأطول وقت ممكن."

- "هل نجحت؟" سأله .

- "لا أدري"، أجابه المدرّس، "لكن ها أنت ذا، ما زلت تعود إلى الصورة، كأنها المخرج الأخير من النسيان."

قالت فتاة أخرى، جميلة، بشعر منسدل وعينين واسعتين ــ لم يكن متأكداً من اسمها، لكنها ربما كانت نجلاء أو مها أو شخصاً لم يكن له اسم أصلاً:

- "هل تعرف أنني بقيت عزباء؟ ليس لأن أحداً لم يطلبني، بل لأن أحداً لم يشبه ذلك الفتى الذي كنتَ عليه."

هنا، بدا الزمن كأنه توقف. لم يكن يعرف ما إذا كان يحلم، أم أنه ببساطة تَركَ الواقع خلفه.

قال لهم جميعاً، بصوت مرتجف لكنه صادق:

- "أردت فقط أن أعرف إن كنتم تتذكرون. إن كنتم، مثلي، تؤمنون بأن الأمس كان جميلاً."

هزّوا رؤوسهم، لم يقولوا شيئاً.  ثم، شيئاً فشيئاً، بدأت الصورة تعود إلى سكونها الأول. الوجوه تجمدت، الحركات تلاشت، والأصوات غابت. بقي وحده، كما بدأ، لكن قلبه لم يكن كما كان.على الطاولة، الصورة ما تزال هناك، صامتة، لكن في داخلها، عالم كامل يتحرك كلما أغلق عينيه.

***

2 ـ  صدى الأسماء

في الليلة التالية، لم يكن  يحلم. كان مستيقظاً تماماً، رغم أن كل ما حوله بدا وكأنه جزء من حلم طويل. جلس إلى طاولته، قرب النافذة، حيث الضوء الشاحب القادم من عمود الكهرباء يراقص ظل الصورة المعلقة أمامه. هناك، على يسار المنتصف قليلاً، يجلس ذلك الطفل، بقبعته المائلة وساقيه المتصالبتين... هو نفسه، لكنه ليس هو. كتب في دفترٍ مفتوح أمامه:

"إذا كانت الصور تحتفظ بأرواح من فيها، فهل يمكن استرجاعهم إن ناديتهم بأسمائهم؟"

لم يكن هذا مجرد تساؤل. لقد قرر أن يبحث. أن يبدأ من جديد.

في اليوم التالي، حمل الصورة إلى محل تصوير قديم في سوق المدينة. المكان بالكاد تغيّر. الرجل الذي استقبله كان كهلاً، أصلع الرأس، يضع نظارات سميكة، ومع ذلك، حين نظر إلى الصورة، أطلق صفيراً خفيفاً وقال:

- "يا للعجب... هذه من ستينات القرن الماضي، أليس كذلك؟ كشافة العروبة؟"

هزّ رأسه.

- "أعرف أنك لا تذكرني، لكنني كنت واحداً منهم. أبحث عن أي خيط، أي اسم يمكن أن يقودني إليهم."

رفع المصوّر الصورة نحو الضوء، تأملها جيداً، ثم قال بصوت خافت:

- "أعتقد أن هذه الفتاة..." وأشار إلى واحدة من الواقفات في الصف الخلفي، "كانت تدعى نادية. كان والدها طبيباً في المستشفى التركي. سافرت العائلة إلى بغداد في السبعينات."

خرج  من المحل والصورة في يده. كانت أول خيوط الزمن قد تحركت. اسم واحد، فقط، لكنه بدا ككسر صغير في جدار النسيان.

وفي الليل، بينما كان يقلب دفتره، دوّن الاسم:

"نادية."

ثم سمع الصوت من جديد. لم تكن الصورة تتحرك هذه المرة، بل بدا وكأن أحداً يتحدث من داخله مباشرة.

- "لم تزل تبحث؟"

كان صوت سعاد، ضفيرتاها تتمايلان في الظلام، كما لو أنه رآها تخرج من خلف الستارة.

- "لماذا الآن؟ بعد خمسين عاماً؟"

- "لأن شيئاً في داخلي لم يغادر الغابة أبداً. لا الصورة، ولا ذلك النهار. أريد أن أعرف... لا أن أعود. بل فقط... أن أعرف."

- "ماذا لو كان ما تبحث عنه لم يعد هنا؟ ماذا لو كانوا جميعاً مجرد أصوات؟"

- "لا بأس. حتى الأصوات أحياناً تكفي."

في الأسبوع التالي، اتجه إلى المدينة القديمة. مشى في الأزقة التي كانت ذات يوم ملعباً لطفولته. توقف أمام باب مدرسة العروبة، التي أُغلقت منذ عقود. المبنى متهالك، الشبابيك مكسورة، لكن حين لمس الجدار الخارجي، أحسّ أن النبض القديم ما زال يسري فيه. جلس على العتبة، أخرج الصورة، ووضعها على ركبتيه. فجأة، هبّت نسمة باردة، كأنها قادمة من غابة بعيدة. لوهلة، سمع ضحكات، أصوات خطوات تركض، صفّارة أستاذ الرياضة. ثم جاءه وجه آخر من الماضي، هذه المرة شاحب، لكنه واضح: سمير. كان وجهه أنحف، بشارب خفيف، بدا كمن قضى نصف عمره في المدن الباردة. قال سمير بصوت يشبه الريح:

- " مصطفى ..... أنا لم أنسَ. لكني لم أعد قادراً على التذكّر أيضاً. ماذا تريد أن تعرف؟"

- "أريد أن أعرف من بقي."

- "كلّنا بقينا، في داخلك، في الصورة، في الأسئلة التي لم تُطرح. لكن إن أردت الحقيقة... فستؤلمك."

ابتلع مصطفى الصمت كحبّة دواء.

قال:

- "ليست كل الحقائق من أجل الطمأنينة. بعضها من أجل أن لا نضيع تماماً."

***

3 ـ نادية

لم يكن العثور عليها سهلاً. مرّت أسابيع، وأمضى ليالٍ طويلة يقلب دفاتر الهاتف القديمة، ويتصل بأشخاص لا يعرفهم، يكتب رسائل طويلة إلى صفحات قديمة على الإنترنت، يبحث في أرشيف الصحف عن أي خبر، أي إعلان نعي، أو حتى تبرّع باسمٍ يشبه اسمها. ثم، ذات مساء، تلقى اتصالًا من رقم غريب.

- "أنت تبحث عن نادية ابنة الطبيب؟"

لم يتكلّم في البداية. الصوت كان هادئًا، مؤنثًا، يشوبه شيء من الحذر.

- "نعم... مصطفى عبد الرزاق . كنا في الصورة ذاتها. رحلة الكشافة، غابات المدينة، قبل خمسين سنة."

سكتت. بدا له وكأنها تزن ما قاله، كما لو كانت تقرأ داخل قلبه من نبرة صوته. ثم قالت:

- "أنا نادية."

في اليوم التالي، استقل القطار إلى بغداد. كانت تسكن في حي الكرادة، في بناية قديمة تطل على دجلة، بحديقة صغيرة نبتت فيها أشجار النارنج. فتح له الباب رجل مسنّ، قالت له نادية إنه شقيقها الأصغر. أما هي، فقد انتظرته في الحديقة، جالسة على كرسي خشبي، ترتدي قميصًا أبيض ناصعًا، وعيناها تحملان ظل السنوات، لكنها حين ابتسمت، ظهرت الطفلة التي كانت تقف في منتصف الصورة، بنفس الشريط الأبيض على شعرها.

- "لم أظنّ أنك ستأتي."

- "ولا أنا. لكنني أتيت. لم أعد أحتمل أن تبقى الصورة صامتة."

ناولها الصورة. تأملتها ببطء، بعناية، كما لو أنها تقرأ كتابًا مقدسًا.

- "شاكر توفي في الغربة. أصابه السرطان بعد أن غادر إلى السويد. تلقّيت منه بطاقة في التسعينات، ثم انقطعت أخباره. أما سعاد... فقد فقدت زوجها في الحرب، ولم تتزوج بعده."

- "وأنتِ؟" سألها مصطفى.

ابتسمت، لكن حزنًا ما تسلل إلى زوايا فمها.

- "تزوجت. مرتين. الأولى انتهت بالخذلان، والثانية انتهت بالموت. لدي ابنة، تعيش في كندا. لا تراسلني كثيرًا."

قال بصوت خافت:

- "هل تذكرينني؟"

نظرت إليه طويلًا.

- "كنت في الصف الأول، أليس كذلك؟ قبعتك تميل دائماً نحو اليسار، وكنت تغني بصوت خافت طوال الطريق إلى الغابة."

ضحك. كان شيئًا داخله يتكسر، بهدوء، كأنه خلية نوم تتحلل.

- "نعم... لم أكن أملك الجرأة لأغني بصوت عالٍ."

قالت:

- "كنا نظن أن الحياة بأكملها تبدأ وتنتهي في تلك الرحلات. لم نكن نعلم أن الأيام تبتلعنا سريعًا."

جلسا طويلاً، لم يتحدثا كثيراً، لكن الصمت بينهما كان جميلاً، مليئاً بما لا يحتاج إلى شرح.

قبل أن يغادر، أعطته نادية ورقة كتبت عليها أسماء أربعة أو خمسة من زملاء الصف، بعضهم ما زال في المدينة، بعضهم انتقل إلى مدن أخرى.

- "لا أحد منهم ينتظر اتصالًا منك. لكن ربما يحتاجه، كما احتجته أنا."

في القطار، وضع الصورة على المقعد المقابل له. نظر إليها من جديد. الآن، لم تكن مجرد ذكرى. أصبحت خريطة، حية، تتكلم. لم يعد فيها أطفال فقط، بل بشرٌ عاشوا، سقطوا، صمدوا، تغيروا... وبقي فيهم شيء من تلك اللحظة، لحظة النور، لحظة الوجود الكامل.

وهمس لنفسه:

"ربما، فقط ربما، لا نبحث عنهم لنجدهم... بل لنجد أنفسنا نحن."

***

4 ـ الاسم الذي لم يعد له وجه

في اليوم التالي، جلس  قرب النافذة في شقته . أمامه الورقة بخط نادية: خمسة أسماء، بعضها مألوف بالكاد، وآخر بدا كأنه لم يُكتب إلا ليوقظ شيئاً نائماً في مكانٍ خفيّ من روحه. عند الاسم الثالث، توقف:

"هيثم ن. عزّام."

لم يكن الاسم غريبًا، بل على العكس، كان مألوفًا جدًا. مألوفًا لدرجة أنه لم يصدّق أنه نسيه. هيثم كان أحد أقرب أصدقائه في المدرسة. كان يجلس خلفه دائمًا في الفصل، يهمس له بالإجابات، ويشاغب المعلمين، ويكتب شعرًا على الطاولات. وفي الصورة، كان يقف خلفه مباشرة، يضع يده على كتفه دون أن ينظر إلى الكاميرا.

- "لماذا لم أره في الصورة من قبل؟"

سأل نفسه بصوت مرتجف. كأن شيئًا في عقله كان يتعمد إقصاء هيثم. وكأن الذكرى أخفته، دفاعًا عن نفسه. في عصر ذلك اليوم، استقل سيارة أجرة إلى حيّ قديم في أطراف المدينة. كان العنوان الذي دوّنته نادية واضحًا:

"حي الزهور، شارع الفرات، منزل رقم 19."

البيت كان صامتًا، بأبواب خشبية قديمة ونوافذ مغلقة. طرق الباب مرتين، قبل أن تفتحه امرأة عجوز بعينين رماديتين وثوب بسيط.

- "بيت هيثم عزّام؟"

قالها بحذر، بصوته المتردد المعتاد حين يواجه الماضي. نظرت إليه المرأة طويلاً، ثم قالت:

- "أنت صديقه، أليس كذلك؟ مصطفى؟"

هزّ رأسه دون أن ينطق. أدخلته إلى غرفة صغيرة، حيث جلس على كرسي مغطى ببطانية شتوية رغم حرارة تموز.

- "هيثم مات منذ أكثر من ثلاثين عامًا. لم يخبرك أحد؟"

ساد صمت عميق. شعر وكأن الهواء في الغرفة انسحب دفعة واحدة.

- "لا... لم أكن أعلم. لم أسمع شيئًا."

قالت المرأة، وكانت خالته كما عرّفت نفسها:

- "مات في الحرب، لكن ليس في الجبهة. مات هنا. عاد في إجازة قصيرة، وبعد يومين، أطلق النار على نفسه في الفجر."

توقف الزمن. الصورة الآن لم تعد كما كانت. أخذ يراها بعين أخرى. يرى يد هيثم على كتفه، الآن كأنها تحذره. كأنها تقول له شيئًا لم ينتبه إليه في حينه.

قالت الخالة:

- "قبل أن يموت بيوم، ظلّ ينظر إلى صورة الكشافة تلك. قال لي إنها اليوم الوحيد الذي شعر فيه بأنه موجود."

خرج من المنزل وهو يحمل في يده صورة قديمة أعطته إياها الخالة. نسخة أخرى، لكنها ليست نفس الصورة الجماعية. كانت صورة صغيرة، لهيثم وحده، وهو يبتسم، نفس القميص الكشفي، نفس القبعة، لكن نظراته كانت غريبة — لا تنتمي لطفل.

في الليل، عاد إلى شقته. وضع صورة هيثم بجوار الصورة الكبيرة. جلس طويلاً أمامها. ثم كتب في دفتَره:

"ربما لا نعرف لماذا نحتفظ بالصور، لكننا نعلم، بطريقة غامضة، أن هناك وجوهاً ستحتاج لمن يعيد تذكّرها حين تختفي. وجه هيثم... لم يعد له أحد. ربما كنتُ أنا آخر من يتذكره."

أطفأ المصباح، وبقي الضوء الوحيد في الغرفة يأتي من الصورة، كما لو أنها تحاول أن تحكي ما تبقّى.

***

5 ـ وجه لم يكن في الصورة

كان المطر خفيفًا، ناعمًا، يشبه الغبار أكثر مما يشبه الماء. الصيف بدأ يفقد شيئًا من حدّته، كأن الوقت نفسه تعب من الحرارة. لم يكن يعرف لماذا قرر أن يذهب إلى المكتبة الوطنية. لم يكن ينوي قراءة شيء، ولا البحث عن أرشيفات إضافية. لكنه وجد نفسه هناك، يمشي بين رفوف الكتب القديمة، المجلدات المحنّطة بالتراب، والصمت العميق الذي يجعلك تشك أنك ما زلت في العالم. ثم، عند الطاولة الثالثة في القاعة الثانية، رآه. شاب في الأربعين ربما، يرتدي قميصًا رماديًا، ينحني فوق كتاب سميك، لكن ما أثار انتباهه ليس وجهه، بل الصورة الموضوعة إلى جوار الكتاب. الصورة... نفس الصورة. الصورة التي يحملها هو. تقدّم ببطء، كمن يقترب من شبح. قال دون مقدمات:

- "من أين لك هذه الصورة؟"

رفع الشاب رأسه، لم يفزع، لم يتفاجأ. نظر إليه بعينين هادئتين، وقال:

- "كنت أنتظرك."

ارتبك .

- "مَن أنت؟"

أغلق الشاب الكتاب، وأشار إلى الكرسي المقابل. جلس مصطفى، وعيناه لا تبتعدان عن الصورة.

- "اسمي نديم. أنا ابن سعاد."

انقبض قلبه.

- "سعاد؟..."

- "نعم. سعاد التي كانت تجلس في الصف الأمامي، يسار الصورة. ضفيرتان، وشريط أبيض. كانت أمي تحفظ أسماءكم جميعًا. كانت تقول لي: هذه الصورة هي الذاكرة، لا البيت، لا المدينة، ولا الوطن. فقط هذه الصورة."

أخرج مصطفى صورته من الحقيبة. وضعها بجوار صورة نديم. الصورتان متطابقتان. حتى التجاعيد الصغيرة في الزاوية العليا، نفس التمزق الخفيف في أسفل الحافة.

قال نديم:

- "كنت أنوي البحث عنك. أمي توفيت قبل عامين. وفي وصيتها، كتبت: ابحث عن مصطفى عبد الرزاق، إذا ما زال حيًا. أخبره أنني تذكرته كل يوم."

أغلق  عينيه. الصورة لم تعد تحمل فقط الماضي، بل تحوّلت إلى وعد لم يُنجز، رسالة ضاعت في بريد السنين.

- "هي... لم تتزوج، أليس كذلك؟"

أومأ نديم بصمت.

- "أنا ابنها بالتبني. كانت تقول لي إن الإنسان لا يُختار من ينتمي إليه، لكن يمكنه أن يختار من يمنحه اسمه، وقلبه."

أخرج من حقيبته دفترًا صغيرًا، أسود اللون، ناوله لمصطفى.

- "هذا دفترها. فيه كل شيء عنكم."

فتحه . كانت هناك أسماء... تواريخ... أوصاف... قصائد صغيرة... رسومات منسية. صفحة كاملة تحمل اسمه فقط، وأسفلها جملة واحدة:

"كان يغني في الطريق إلى الغابة، بصوت خافت، لكنه لم ينسَ."

قال نديم:

- "أمي لم تكن بحاجة لأن تعود إلى الصورة... كانت تعيش فيها."

نهض ، صافح نديم، ثم أمسك بالصورة من جديد. الآن، بدت مختلفة. كانت كما لو أنها نافذة، لا إلى الماضي، بل إلى الأشخاص الذين أبقوا العالم قائمًا، بالصمت، بالتذكّر، وبالوفاء. همس:

"حتى من لم يكونوا فيها... كانوا جزءًا منها."

ثم خرج من المكتبة، وتحت المطر الرمادي، شعر أخيرًا أنه لم يعد يبحث. لقد وجد ما لا يُبحث عنه، فقط يُصادف.

6 ـ الغابة من جديد

الطريق إلى الغابة كان أطول مما تذكّر. كأنّ السنوات أضافت إلى المسافة أميالًا من الصمت والتراب والنسيان. لم تعد حافلة المدرسة تأخذه وهو يغني، ولم يعد الرفاق يتدافعون حوله لقطف التوت أو تسلّق الأشجار. كان وحده هذه المرة، لكن وحدته لم تكن خواء. كانت صحبة.

وصل بعد الظهر، في ذلك الوقت الذي تنكسر فيه الشمس وتصبح الظلال أكثر وضوحًا من الأجسام. كانت الغابة كما هي، تقريبًا. الأشجار صارت أكثر طولا، أو ربما صار هو أقصر. الطريق الترابي ما زال موجودًا، وإن ابتلعه بعض العشب، وإن تغيرت رائحته.

وقف في المكان الذي التُقطت فيه الصورة. لم يحتج إلى خريطة، ولا إلى قياس الزوايا. جسده تذكّر قبل ذاكرته. عرف أين كان يجلس. وعرف أين كانت سعاد، أين وقف هيثم، وأين وضع المعلم يده على كتف سمير.

أخرج الصورة من جيبه. رفعها أمامه، وقارنها بالمشهد الحقيقي. كانت هناك مساحة فارغة، حيث يجب أن يكونوا. فجأة، لم تكن الغابة فقط هي الغابة. كانت خشبة مسرح. وكان هو المتفرج الوحيد. جلس على جذع شجرة. أخرج دفتر سعاد. قرأ من الصفحة التي كُتب فيها اسمه. همس الجملة مرة أخرى:

"كان يغني في الطريق إلى الغابة، بصوت خافت، لكنه لم ينسَ."

ثم، دون أن يشعر، بدأ يغني. بصوت خافت، كما كان. الأغنية نفسها التي لا يتذكر كلماتها الآن، لكن لحنها لا يزال حيًا. وبين الأشجار، كأنّ الأصوات بدأت تعود. خطوات خفيفة، ضحكات بعيدة، صدى صفّارة، وربما — مجرد ربما — يد خفيفة تُوضع على كتفه. لم يلتفت. لم يحاول التأكد. لأول مرة، لم يكن بحاجة إلى اليقين. في تلك اللحظة، أدرك أن الصورة لم تكن مجرد لحظة جُمدت إلى الأبد، بل كانت وعدًا، وعدًا بالرجوع، ليس للزمن، بل للمعنى.

حين غادر الغابة، ترك الصورة هناك، بين جذوع الشجر، مثبتة بحجر صغير. لم تعد له وحده. أصبحت ملكًا لكل من مرّ، ولم يُنسَ. كتب في دفتره جملة أخيرة:

"أمس لم يكن فقط جميلاً... بل كان حقيقياً."

***

مروان ياسين الدليمي

 

في نصوص اليوم