لقد كانت العِشرونَ عندي شفيعةً
لِأدخلَ في خِدْرِ العذارى بلا صَدِّ
*
فكيفَ وقد مرَّتْ سِراعاً سنينُها
كأنْ لم أعِشْها قطُّ من لوعةِ الفقدِ
*
على أنَّ لي عندَ الثلاثينَ حكمةً
تُريني منَ الأشياءِ ما لم يكنْ عندي
*
وما كلُّ مَنْ قد عاشَ بالغُ حكمةٍ
ولا كلُّ سارٍ في الظلامِ سيستهدي
*
أرى هذهِ الدنيا كمثلِ مَفازةٍ
وأعمارُنا إِبْلٌ تَقِلُّ معَ الوَخْدِ
*
سنقطعُها حِيناً وحينا تقطَّعَتْ
بنا عندَها الأسبابُ عن غايةِ القصْدِ
*
وبعضٌ كَدودٌ لا يُجازى برشفةٍ
وبعضٌ ينالُ الماءَ من غيرِ ما جُهْدِ
*
وفي وجهِ من تلقى أَماراتُ قلبِهِ
ستظهرُ مهما غلَّفَ الحِقْدَ بِالوُدِّ
*
وأمَّا خَرَاجُ الأرضِ فهْوَ كأهلِها
إذا أكرموها أنبتَتْهم منَ الصَّلْدِ
*
وما كلُّ ما استعصى عليكَ تنالُهُ
بِشَدٍّ ولكنْ رُبَّما تركُ ذا الشَّدِّ
*
وأحلى طِباعِ النفسِ حِلْمٌ يَزينُها
ورُبَّ سكوتٍ كانَ أقسى منَ الردِّ
*
يُصافحُنا قومٌ وقد تركوا بنا
كصَبَّارةِ الصحراءِ شوكاً على الجلدِ
*
أرى الناسَ مثلَ البئرِ عندَ احتياجِها
فألقِ بدلوٍ منكَ تعرِفْ يدَ الرِّفْدِ
*
فإنْ كانَ ذا لُؤمٍ كبئرٍ تعطلَّتْ
فدلوُكَ مملوءٌ ولكنْ حصى الوَهْدِ
*
وإنْ كانَ ذا خيرٍ كبئرٍ كريمةٍ
أنالَكَ فوقَ الماءِ نجماً منَ السَّعْدِ
*
ورُبَّ سرابٍ كاذبٍ كانَ صادقاً
ولكنْ مردُّ الرأيِ للأعينِ الرُّمْدِ
*
يُثابُ كثيبُ الرملِ إنْ طابَ خطْوُهُ
ويُقدَحُ إنْ زلَّتْ بهِ قدمُ الفردِ
*
وغيري يناجي نجمةً في مكانِها
فتبقى على بُعْدٍ ويبقى بلا وجْدِ
*
فإنْ أنا ناجيتُ النجومَ بمُرهَفٍ
أتتْ راكضاتٍ خلفَ دمعي معَ الرعدِ
*
ولم أُلقِ أشعاري على الناسِ مُطلَقاً
فجُمهوريَ الأطيارُ في شجرِ الرَّنْدِ
*
وقفتُ على الجسرِ العتيقِ مُرَوَّعاً
فكلُّ شهيدٍ نورسٌ أبيضُ البُرْدِ
*
إذا سقطَتْ تفاحةٌ فوقَ دجلةٍ
فزارعُها غيرَ التبسُّمِ لا يُبدي
*
يقولُ: غداً تأتي إليَّ لأنّها
حلالٌ بها رِزقي وحُلْوٌ بها كَدِّي
*
فرقَّتْ عليهِ دجلةٌ ثُمَّ عاكسَتْ
مساراً ومدَّ الغصنُ كفّاً منَ الشَّهْدِ
*
أولئكَ هم أهلي الكرامُ بطبعِهم
وقد بذلوا حتّى النفوسَ منَ الزُّهْدِ
***
عبد الله سرمد الجميل





























