نصوص أدبية

نصوص أدبية

في مَدَارِ الكَـوْنِ اسْتَفَاقَ النِّـدَاءُ

وتَـدَانَتْ مِنْ شُرْفَـتَـيْهِ السَّمَـاءُ

رَفَّ فِـي وَعْـدِهِ الضِّـيَـاءُ يَـمَامًا

مِنْ أَغَـانٍ يُـزَفُّ مِنْـهَا الضِّيَـاءُ!

**

كُـنْـتَ إذْ ذاكَ بَـذْرَةً في هَـبَـاءٍ

يَـتَـوَارَى في مُقْـلَـتَـيْـهَا الهَـبَـاءُ

مُذْ ضُحَى المُوْسِيْقَى الإِطَارُ تَجَلَّى

لِـبِـنَـاءِ التَّشْكِـيْلِ حُـمَّ البِـنَـاءُ

آنَ أَنْ كَانَـتِ الطَّبِـيْـعَـةُ أُنْـثَى

تَـرْسُمُ العُمْرَ.. والزَّمَانُ النِّسَـاءُ

تَحْتَ بَحْـرٍ بِالذَّرِّ طَـامٍ عَصُـوْفٍ

ما استَطَاعَتْ رَفْعَ الرُّؤُوْسِ الدِّمَاءُ

يَوْمَهَا قُمْتَ مِنْ مِثَالِ الهُيُوْلَى

أَيُّ رُوْحٍ مِنْ مَوَاتٍ تُضَاءُ؟!

**

هَلَّ صَوْتٌ مِنَ الأَعَالِيْ غَـزِيْرًا:

انْهَضُوا، أَيُّها المَوَاتُ.. وشَاؤُوا!

سَـلَّ نَـهْـرًا مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرْ

ضِ فهَبَّتْ في صَفْحَـتَـيْهِ الظِّـمَاءُ

تَنْـهَـلُ النُّـوْرَ كالدَّوَاءِ اشْتِفَاءً

تَــارَةً ، ثُـمَّ تَـــارَةً وهْـوَ دَاءُ!

**

وابْتَدَا الكَوْنُ نَـفْحَةً مِنْ هَـوَاءٍ

فاسْتَـبَدَّتْ في كَـوْنِـهِ الأَهْـوَاءُ

وتَـنَـاهَـى في كَـائِـنٍ مِنْ تَـنَـاهٍ

يَحْتَسـِي السَّعْـدُ عُمْرَهُ والشَّقَاءُ

يَقْـتُلُ الوَقْتَ، إِخْـوَةً وجِـوَارًا،

تَـبَّ سَـيْـفًا وتَـبَّ فِـيْهِ انْتِمَـاءُ

أَعْـلَـنَ النَّـارَ طَـيْـبَـةً إِذْ رَوَاهَا

بِدِمَـاءِ الأَيْـتَامِ.. بِئْسَ الرَّوَاءُ!

شَفَّـهُ الوَجْـدُ، لا لِعِشْقٍ ودَارٍ،

بَلْ دُوَارٌ، من خَـمْرِ بَغْيٍ، عَمَـاءُ

تَضْرِبُ الأَرْضَ رِجْلُـهُ وبِرِجْلٍ

يَطَـأُ الشَّمْسَ، والذَّكَـاءُ ذُكَـاءُ

أَطِـمَاحًا؟ يـا لَـيْـتَـهُ! بَلْ جِـمَاحًـا

وفَـنَـاءً في ما احْتَـبَاهُ الـفَـنَـاءُ

عَـيَّ عَـنْـهُ طِبُّ القُـلُوْبِ قَدِيْـمًا

كُلَّمَا شَـاخَ شَـاخَ فِـيْهِ الرَّجَـاءُ!

**

قِـصَّةٌ تِلْكَ، لا عَـذَارَى قَصِـيْدٍ،

فَصْلُهَا الأَوَّلُ: (الصَّبَاحُ=المَسَاءُ)

فاسْقِـنِـيْها هَمْزِيَّـةً عَلَّ يَنْسَى-

في مَدارِ الكَوْنِ- الدُّوَارَ الـيَـاءُ

عَلَّ يَنْسَى رَيْبِيَّـةً و(ابْنَ رَيْبٍ)

قَـتَـلَـتْـهُ يَـائِــيَّـةٌ عَـصْـمَـاءُُ

كَيْ يَرِفَّ الغِنَـاءُ فِيْـنَـا يَمَـامًا

مِنْ أَمَـانٍ، كالبَدْءِ رَفَّ انْتِـهَاءُ!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

لي صديقُ في كلِ ليلةٍ يبني لذاكرةِ الله بيتاً

وعند اولِ إغفاءة له يهدمهُ

ذات يومٍ بعث لي فنجانَ قهوةً أزرق مصبوغاً

بسؤال

هل للهِ ذاكرة؟

خرجتُ من نافذةِ التواريخ المعلقة على الحيطان

كانت الساحه صغيرة

ولكن وحدهُ ذلك الشاهد على الحُلم

كان يهتزُ بين ذاكرتي والزمن

سأقولُ لكَ في خفقةٍ من الغربة

وتأكيد النسيان لمرارة الوجوه الجامدة من حولي

جسرُ دوار

وقناع لشاعرٍ يقف على باب غرفة العمليات يأكلُ العصافير بكلِ أشتهاء

متظاهراً

ولا يدرك الوجع لتلك المُتكئة على الحياة

كلُ ما كان

بيني وبين الله يمسي بذاكرة

يحيط بي البرد

وأرتجفُ بألمٍ في عليين

أغنّي وحيدةً

وتسطعُ نقطةُ في البحر

وفي نهايةِ الورقة الخضراء المرمية على الرصيف

تأتي بذرةٍ للرؤيا

حيثُ أنتَ

هل مازلتَ تسأل يا صديقي المُدمى

هل للهِ ذاكرة؟

***

هناء السعيد - إعلامية وشاعرة عراقية

اديلايد

يُوتْيُوبَرْ

ركّبَ فوقَ النحلةِ آلةَ تصويرْ

كي يعرِفَ أينَ تطيرْ

كي يعرِفَ أينَ النحلةُ تذهبُ حينَ الجوُّ مطيرْ

كي يجمَعَ إعجاباتٍ ومشاهدةً ربحاً في عصرِ التزويرْ

لكنّ النحلةَ سقطتْ

وانكسرَ جناحاها

صرختْ: يا هذا الإنسانْ

هل ضاقتْ أرضُكَ كي تلحقَني في زهرِ البستانْ

***

د عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

صاحِ! كم بابٍ سدَّهُ الخلقُ في وجـ

ــــهِك واللهُ بابُهُ مَفتوحُ

*

عُدَّ هلْ سُدَّ بابُه مرةً حتـ

ـتى ونتْنُ الذّنوبِ منكَ يَفوحُ

*

ضَنَّ أهلوكَ والرّفاقُ ويُؤتي

وبما قد آتاكَ تُشْفى الجُروحُ

*

كمْ طريقٍ بنفسِكَ اخْتَرْتها والـ

غيظُ حينَ الرُّجوعِ عنكَ يَصيحُ

*

فأُغيثَ البكاءُ دون حَراكٍ

من لسانٍ كمْ قلتَ فيهِ: فَصيحُ

*

رحمةً منهُ ليت دمعَك يَدري

كم أُجيبَتْ عيناكَ وهْوَ مُريحُ

*

رحمةً منهُ ليت قلبَك يَدري

كم أُقيلَتْ بلواهُ وهْوَ طريحُ

*

رحمةً منهُ ليت غمَّك يُنبي

كيف يُطفا أشْقاهُ وهْوَ يلوحُ

*

أونُحصي يا قلبُ كم قلت لي أنـ

ـنك مِنْ غيرِ اللهِ صِفرٌ صَريحُ؟

*

أونُحصي كم قلتَ أنّ الذي أنـ

ــجزتَ لو لمْ يمْدُدْ لكَ اليدَ ريحُ؟

*

ثمّ تنساهُ حامدًا غيرَه حتـ

ـــتى يجدَّ ما بالهناءِ يُطيحُ

*

عثرةٌ أخْرى في الحياةِ بها تحـ

ـــيا جروحٌ أو تَستجدُّ جُروحُ

*

أينَ منْ قدْ حَمَّدْتَهم قبلَ هذا

مَنْ إذا نادوا في رداكَ تَسيحُ

*

أينَ منْ قدْ أحْبَبْتَ من كلِّ هذا

أينَ همْ؟ من لغيرِهِمْ لا تبوحُ

*

حاضرٌ جلّ لا يغيبُ اخْتفى أم

حضَرَ الأهلُ، جَزْلُهُمْ والشّحيحُ

*

كائنٌ عزّ لا يموتُ مضى أم

بقيَ الصّحبُ، فَدْمُهُمْ والصّحيحُ

*

أنتَ يا قلبُ أنتَ مذ جِئْتها لمْ

يستَفِدْ ممّا  راحَ ما سَيروحُ

*

فالدُّعا للرّحمنِ حين البلا والشـ

شكرُ للنّاسِ في الرَّخا والمديحُ

*

أعلى الضُّرّ أن يمسّكَ حتّى

يذكُرَ اللهَ طبعُكَ المقبوحُ ؟!

*

أَبَعيدٌ حينَ الرخاءِ بخيلٌ؟!

وقريبٌ حينَ البلاءِ لحوحُ ؟!

*

سَئِمَ الضرُّ منكَ حتّى تمنّى

أمسُهُ أن يُنْجيهِ منكَ ضريحُ

*

"وإذا مسّ الناس ضرٌ دعوا

ربّهمُ" أكْمِلْها عسى تسْتريحُ

*

صاحِ! دنيانا عنهُ ما أَبْعَدَتْ غيـ

ـرَ منِ اختارَ البُعدَ مُذ كانَ نوحُ

*

لا تلُمْها على طِباعٍ هي الإنــــ

ـسانُ مُذ أنْ أجْرَتْ دِماهُ الرّوحُ

*

فادنُ إنّ المماتَ يدنو كأنّي

بالبواكي حول الضريح تنوحُ

***

 أسامة محمد صالح زامل

 

على طاولته الخشبية، تبدأ الحكاية..

أنغام مطرقته ليست طرقاً على المعدن، بل هي صدى صرخات المدينة وهي تتحول إلى ألحان......

مع كل نقرة موسيقية، يصحو العقيق الأحمر من غفوته، ويمسح الضياء على جبين المآذن بوقار مَن يرتل صلاة، فيستيقظ النخيل من سكرة وجعه، وينتشر صوبه النور على إيقاع الرنين.

هناك... حيث يذوب الصمت في لحن الصائغ، تنهض المدينة من ذهولها،

تنفض غبار السنين، وتعلن بلسان الطين والماء:

"أنا لست رماداً.. أنا المعزوفة التي كلما حاولوا كتمها، دوت".

***

د. نسرين إبراهيم الشمري

 

تسافر وحدك

على قارب من خيال..

يهيم بدون شراع

يسامر تلك الغواني

ويكرع كل هذا الجدال..

ويمشي الهوينا طويلا

بين الضفاف

وبين الغيوم

وبين الجبال..

لأن العوالم كلها

باتت تودع حالها

في الحياة المحال ..

**

شراعاتنا لم تعد مبحرات

وموجاتنا صاغيات غافيات

يمازحن ريحا تراءة سبات..

**

اراقب هذا المساء الثقيل

يلملم حاله باحتراس

ثم يطفئ الضوء

يموت الظلام في عتمة الخوف

تفر عصافير سدرتنا في الغروب الثقيل

تموج تلاحينه في العراء

ثم، تسود ملامح هذا الزمان العليل ..

**

هل ترون الطقوس ..

حين تلاقحت وتزاوجت

ثم ارتحلت

صوب عالم الغيب

ما وراء الشموس..؟

يسيرون كالموتى

بدون ملامح،

يشربون كؤوسهم

يتقيئون عيونهم وقلوبهم

يتثائبون كلما اقترب المساء

هل ترون الوباء

يضاجع عهره

في الفناء..؟

فقد البعض انوفهم

والبعض عيونهم

واخرون، أجسادا بدون رؤوس

يجلسون ويسيرون بلا رؤوس

وظلالهم تحت الشمس

اطول من قاماتهم

ويتناسلون بدون اعضاء،

هلاميون في عالم من ضباب

يهيم عليه الغبار..!!

***

د. جودت صالح

16 / 1 / 2026

رضا بهلوي

أمامَ حائطِ المبكى

***

وَ هَزَزْتَ رأسَكَ خانعاً مُتَباكياً

قُدّامَ حائِطِنا السَليبْ

*

لامَسْتَهُ مُتباهِياً بِطقوسِ سيّدِكَ الكفيلْ

تشكو إلى (يَهْوَهْ) الرَهيبِ ضَياعَ هَيْكلهِ

وَكُنوزِ جَيْبِ (القَهْرَمانْ)

*

مُتوضِّئا بِدَمِ الحمائمِ والحَجَرْ

فَحَجزْتَ أعلى مَقْعَدٍ

بينَ الذين تَخيّروا

سَقْطَ المتاعِ مِنَ البَشَرْ

*

وَغَدوْتَ أنت المُرْتجى

فيكَ الحَداثَةُ كالنذالةِ تُخْتَصَرْ

*

يا حاملاً

بُشرى الخلاصِ مِنَ البسالةِ والظَفَرْ

*

بَلْ قيلَ عنكَ المُنْتَظرْ

للسادرينَ بِغيّهمْ بينَ الجواري والغَجَرْ

*

حيثُ التهافتُ والتنازُلُ والسَمَرْ

طوبى لَكُمْ فَلَقدْ أَذِنَ المُرابي والدخيلْ

*

وَغياهبٌ في نفسهِ السوداءِ حُبلى

بالشُرورِ وَبالشَرَرْ

*

في ثالثِ الحرمينِ ناحَ مُرائياً

مُتوسّلا تأشيرةً للقصرِ ثمّ الهيْلمانْ

*

مُتجَاهِلاً وَجَعَ الحمامِ وغيظهِ

ذُعِرَ الحَمامُ

فَفَرَّ مذعوراً يُناجي القِبْلَةَ الأولى

وَيَستفتي المنائِرَ والقِبابْ

*

والتينُ والزيتونُ حولَ السورِ مُعْتَكِفٌ

على قَسَمٍ توارى في التُرابْ

*

وَبَكى رُخامُ السورِ والمسرى

على شْجْوِ الحمائِمِ

بينما صرخَ البُراقْ:

*

يا حالِماً بالتاجِ مَحْشوّاً بِقُبّعةِ السَوادْ

مُسْتجْدياً كَأبيكَ أربابَ التوحّشِ والخرابْ

*

يا بهْلوانَ زمانِهمْ وَ زمانِنا

مالي أراكَ مُردّداً كالبَبّغاءْ ؟

*

مَزْمورَ (بابِلَ) داعياً

أوهامَ هَيْكَلِهمْ بِحاشِيَةِ (التَناخْ)

*

أَمُذَكِّرٌ وَ مُناشِدٌ

أسيادَكَ الغرقى هُنا

بِدَمِ الطفولةِ كي يَفوا

*

بِجَميلِ (قورَشَ) حينَما

رَدَّ السَبايا للديارْ؟

*

أَوَ جِئْتَ تسألُ رَبَّهم باسمِ الرِبا

رَدَّ الجَميلْ؟

*

أظَنَنْتَ حائِطَنا العتيقَ سَلالِماً

للحالمينَ بِعودةِ المخلوعِ

للعرشِ المَهيبْ؟

*

فالحائطُ الغَرْبيُّ يَلْعَنُ مَنْ أتى

لِيَدُسَّ في شَقِّ الجُدارِ قَصاصَةً ..

شكوى إلى (يَهْوه) الرهيبْ

*

كيما يُجَنّبَ شعبَهُ المُختارَ زوراً

رُؤْيَةَ (الأغيارِ) في أرضِ المَعادْ

سكرانَ تَلْهجُ في طقوسِ العابرينْ

*

رؤْيا الأُلى قد أمْعَنوا بِدَمِ السِوى

في عُهْدَةِ العهْدِ القديمْ

*

وَأَكادُ أسمعُ صرخةً

بِمَنابرِ الشرقِ البعيدْ

*

مخصوصةً لِسليلِ أحلامِ الطَواغيتِ الصِغارْ

*

واللاهثينَ وراءَ عَرْشِ الشمسِ والطاووسِ

مَزْهوّاً بذيلٍ فاقعِ ا لألوانِ ذُلّاً وانحِناءْ

هيهاتَ مِنّا ذُلّةً:

*

يا نَسْلَ أقْبِيَةِ الحَداثةِ والخديعةِ والخرابْ

إنّي لَمَحْتُكَ عَبْرَ أمواجِ الأثيرْ

*

مُتَملّقاً وَ مُدَنّساً

أطلالَ حَيٍّ للمغارِبَةِ القُدامى الطيّبينْ

*

مُذْ جَرّفَ الأوغادُ حارَتَهمْ هُناكْ

ما بعدَ نكستِنا الشنيعةِ في حُزيرانَ الهَوانْ

*

وَكَأنّما التجريفُ ديْدَنُهمْ مَعَ الأغيارِ

في كُلِّ العُصورْ

هَدَموا بيوتَ العاكفينْ

*

أحفادَ مَنْ مَنحوا إلى أسلافِهِمْ

دِفْء الحمايةِ والأمانْ

مِنْ هَوْلِ ما صَنَعَ الصليبيِّ الأثيمْ

*

هَوَ هكذا في شَرْعِهمْ

غَدْراً يُجازى المُحْسنونْ

*

عُذْراً إلى شيخِ الشيوخِ وصَحْبِهِ

(بو مِدْيَنَ) الغوْثِ الأمينْ

هبّوا معاً وبرفقةِ الشيخِ المكينْ

*

جاءوا مِنَ الأقصى إلى الأقصى

مُلَبّينَ النِداء

*

مَدَداً لِحِطّينَ اللظى والكبرياء

نَفَروا الى أرضِ الرباطِ مُرابطينْ

*

أيّانَ كان المغربِ الأقصى مكاناً

للغيارى الأولياءْ

وَمَنارةٍ لمُلوكِ عَزْمٍ أوفياءْ

*

أبَتي الذي مازلتُ أبكي طيفَهُ رغمَ السِنينْ

لا تَبْتئسْ فَلَرُبّما

تأتي البشائرُ مِنْ لَظى الشرقِ البعيدْ

*

مَدَداً كَفيضِ اللهِ للهادي النبيّ المصطفى

ثمّ الفتى الكرّار والسِبْطِ الشهيدْ

*

لِتُعيدَ للأقصى المنابرَ والمنائرَ والحَمامْ

وَيَعُمُّ في الأرضِ السلامْ

***

د. مصطفى علي

 

لا تفتحِ الأبوابَ للفوضى

فتهدمَ الأساسَ

والسقوفَ

والجدران

أمامَكَ الوحوشُ فاصرعها

أو سُقْ إلى الأسر سياجَ البيتِ والبيبان

ومُتْ – إذا ما شئتَ – مرّاتٍ

وعُدْ

لتبدأَ الصراعَ معْ نفسِكَ من جديد

برايةٍ مثقوبةٍ

مُجرّداً من سيفكّ الصديءِ

تُقارعُ الجيشَ الذي ليسَ يُرى

من دونما درعٍ ، ولا حصان

**

مهما حيينا

وَكْدُنا أن نحتفي

بذلكَ الطفلِ الذي يغسلُ في أحداقنا رجليه

ونسكُبَ الزيتَ

على النبضَ الذي في العمق من جنوننا

يدوي كما البركان

وينفثُ الشرارَ من أفواهنا

ويدفنُ العالمَ بالصُهارةِ الرخوة

والدخان

**

أنظر حواليكَ لكي تعرفَ من أنتَ

وماذا تُريد

أنّى تَلفَّتَّ

تجدْ أشباهَكَ الآلافَ من حولك يرقصون

هذي حدودُ الحُبِّ فادخلها ، ولكن

بعدَ أنْ تبصُمَ بالدمع على وثيقة الغفران

فالحبُّ فيها بذرةٌ

تُنبِتُ أفواهاً تُجيدُ الهمسَ والتقبيل

والحبُّ طوْبٌ ومِلاطٌ

تُبتَنى منهُ بيوتٌ تَشبهُ الإنسان

أبوابُها تبكي إذا ما أُصِدتْ

والسُقْفُ أضلاعٌ إذا ما اعتُصِرتْ

تذوبُ مثلَ الشمعِ في حرارة الأحضان

ألحُبُّ للساعي إليه وطنٌ

مَن خانَ في الحبِّ

كمن قد خانَ في الأوطان

***

شعر: ليث الصندوق

 

سمّته قدر، وكأنها كانت ترى أبعد من جناحيه الصغيرين.

لم يكن الاسم عبثًا، كانت الأم تدرك ـ وهي تراقب ارتعاشه جناحيه الصغيرين ـ أن هذا الفرخ لن يُترك للصدفة.

فهم انشغال أمه رغم صغر سنه. أصر على تحمل عناء تدريبه على الطيران كما تدرب الأرواح على الصبر: خطوة في الهواء، ثم أخرى، حتى يتعلم أن السقوط ليس نهاية، بل درس.

في فضاء كل صباح، كانت تحلّق قبله بخطوة، تُبطئ أحيانًا، وتنعطف فجأة، كأنها ترسم له دروبًا خفية في الهواء.

كان يتبعها، يتعثّر، ينهك، ثم يرفع رأسه مستعطفًا.

تقترب منه، تُثبّت عينيها في عينيه، وتهمس بتغريدة دافئة:

- نحن اليمام.. من صنف المنقار المسنّن، لا نعرف التعب.

يستجمع أنفاسه.

يضرب الهواء من جديد.

يرتفع.. أعلى مما فعل في المرة السابقة.

وتبتسم.

مع كل حصة، كانت تحدد المسار بدقة، تتجنب الرياح الغادرة، وتدلّه على فسحات الأمان.

لم يكن تدريبًا فحسب، بل رحلة عيش.

عند الغروب، كان قدر يقف أمامها على أعلى غصن في شجرة الإيواء.

الصمت يلفّ الجبل، إلا من صدى كلماتها التي لم تكن حكايات، بل خرائط نجاة.

كانت تتكلم ببطء، وكأنها تنقش حكمتها في الهواء.

وهو، بعينين مفتوحتين، لا ينام قبل أن يحفظ الدرس.

حين يغمض جفنيه أخيرًا، يكون قد حفظ طريق الغد واستعد له.

في عتمة الصباح، انضمّ إلى سربٍ مهيب لا يعيش إلا بالحذر.

الصيادون أطلقوا عليه اسمًا، أمّا اليمام فكانوا يسمّونه: سرب الزعيمة.

اجتمعوا على أغصان شجرة سامقة في قلب الأطلس الكبير.

 مكان لم تطأه قدم بشر.

 كانت الزعيمة أول من اكتشفه، بعد أن جابت القمم واحدة تلو الأخرى، بحذر من يعرف أن خطأً واحدًا يعني الفناء.

تبدأ الجلسة دائمًا بصمت.

ثم تتوالى الأصوات:

تشاور.. تخطيط.. نصح.

الغاية واحدة:

لا ليغلبوا أحدا، بل ليضيفوا يومًا آخر إلى أعمارهم دون الوقوع في فخّ إنسان.

كان قدر يصغي.

يراقب أمه وهي تتكلم.

يفهم، مع مرور الأيام، كيف تُصنع الزعامة:

كلمات قليلة، موزونة، تخترق العقول قبل القلوب.

- نحن قلة، تقول.

- لكننا نعيش لأننا نعرف كيف نعيش.

في ليلة باردة، ضمّته إلى صدرها.

كان القمر شاهدًا على ابتسامتها المتعبة:

- كنا أصابع، يا بني.. فأصبحنا سربًا.

مرّت الأيام.

وانحنى جناح الزعيمة.

لم تعد تطير.

اعتكفت في عشّها أعلى الجبل، حيث تُبنى الأعشاش بحكمة الشيوخ.

أمّا قدر، فقد تحمل العبء للحفاظ على ما حققته أمه.

ورث عنها الصمت المثقل بالحكمة. صار يقود السرب، ويعود بأخبار البشر: طريق تشق، أشجار تجتث، وغابة تضيق.

يزور أمه كل يوم للاطمئنان على حالها والاستفادة من خبرتها.

لكن في تلك الليلة.. عاد مختلفًا.

وجهه شاحب، صوته مكسور.

المناشير كانت تأكل الغابة المجاورة.

الأشجار تسقط واحدة تلو الأخرى.

انعزل.

وسؤال قديم عاد ينهشه:

- كيف ننجو منهم؟

- هل النجاة في الهرب ... أم في القطيعة؟

في منتصف الليل، لمعت الفكرة.

مع الفجر، كان السرب ينتظره.

اعتلى غصنًا عاليًا.

أحاطوا به.

قال بصوت ثابت:

- علينا أن نغادر عالم البشر.

همهمة.

صمت.

ثم سؤال شيخٍ هرم:

- وإلى أين؟

قدر: إلى جبلٍ بلا طرق.. بلا بنادق.. فيه ماء وسهول.

الشيخ: وكيف نعيش؟

قدر: بالبذور التي سنأخذها اليوم لنزرع بها الغد... بالمخاطرة.. اليوم نحمي الغد.

فجرًا، انقضّوا على الحقول.

مناقير تغترف، أجنحة تهرب.

دوّى الرصاص.

سقط بعضهم.

لكن البذور وصلت.

وفي الجبل الجديد، نبتت الحياة.

وقف قدر أمام السرب، وقال بهدوء:

- قد نخسر اليوم ... رحم الله شهداءنا ... لكن أبناءنا سيعيشون.

- من اليوم.. نحن أحرار.

ليلًا، جمعهم من جديد.

 قال بهدوء يشبه الأنين:

- الأرض تضيق.. والبشر يبحثون عن عوالم أخرى بعدما دمروا عالمهم...

- نحن ابتعدنا اليوم..

- أثبتنا أننا سلالة لا تصاد...

- وغدًا؟.. الغد في علم الغيب.

وسكت.

وكان الصمت أثقل من كل الكلمات وأبلغ من كل الخطب.

***

(قصة قصيرة)

الحسين بوخرطة

أَ تَشْهَقُ في تلّتي - قال-

والزّرعُ لي نبضُهُ

وشُرُوقاتُ إثمِدِهِ؟

ويَخْتَطُّ ريشُ الْحساسينِ فيكَ

عطورَ الْمَجَرّاتِ،

والطّيْرُ في مَوْقِدي؟

أَيُورِقُ تحت أظافيرِكَ السِّندَيانُ

وهذي الْمَبارِدُ

وَسْمُ يَدي؟

ويُومِضُ في كفِّكَ الْأُقحُوانُ

وما انْعَتَقَ الضّوْءُ

مِنْ أَضْلُعِي؟

أتَعْبُرُ مِنْ بيْن كفّيْكَ

فاكِهَةُ الْقَهَواتِ

وفَكِّي لِجامٌ لها؟

و"هامانُ"، في التّلِّ أَوْقَدَ لي،

ووَهَبْتُ لهُ معطفي.

وإنّي لِمَوْقِدِهِ

أَجْتَدِي الرّيحَ

كيْما يُطَوِّفَني

وَبِهِ أَرْتَوِي.

*

وتلك النِّعاجُ ،

هواها فؤادي،

وإنّي لها لَكَفِيلٌ،

ولي فَيْضُها .

كذلك حدَّثَني هُدْهُدي

وكذلك يُعْلِي يَدي.

*

وهذي الْأخاديدُ ،

فيها صَفِيري

وفيها جُيُوبُ الْغُيُومِ،

وأقْبِيَةٌ…

وفيها تُؤَذِّنُ أجنِحَتي

بِطُفُوحٍ

وعَزْفِ أَزِيزٍ

وتَصْدِيَةٍ…

وإنّي لَأَسْرِي

وأَهْفُو لِمَسْرَايَ، منها ،

إلى طيْفِ " دورغا " وأسْرِجَتِي…

*

لَكَ الْيَوْمَ - قلتُ -

حديثُ الْأَخاديدِ

والْأَكَمَاتُ،

ولي وَمَضاتُ غدي.

لكَ الْيوْمَ

حَشْرَجَةُ الماء

في الطّينِ والْبُرتُقالِ ،

ولي أُرْجُوَانُ المدى.

ولي وَتَرُ الْقَوْسِ،

في شَهْقَةِ الْمِلْحِ،

يُنْبِتُنِي فَلَقًا…

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

..................

إضاءة:

" دورغا": آلهة هندوسية. تجسّدها القدّيسة

" كارني ماتا " في تلال راجستان الهندية في القرن الرابع عشر والّتي تنسب إليها معجزة إقناع آخر ناسك في تلّة " جبل الطيور " بالتّخلّي عن موقعه للملك " راوجودا " لبناء حصن .

فنجانُ قهوةٍ

يقاومُ ارتعاشَ الصباح،

دفءٌ داكن

يتسلّلُ إلى الأصابع

ويُقنعُ القلبَ

أنّ العالمَ لم ينتهِ بعد.

*

أغنيةٌ قديمة

تخرجُ من شرخِ الزمن،

و تستوطن قلوبنا

دون أن تسألَ عن أسمائنا،

تعرفُ وجعَنا

وتكتفي

بأن تُربّتَ على الصمت.

نستعيدُ معها

أصواتًا كنّاها،

ووجوهًا عبرت

كغمامةٍ خفيفة

ولم تعُد.

*

ضحكةٌ عابرة

تُربكُ الحزن،

تجعلهُ يتعثّرُ

لحظةً

في دهليزِ الروح.

*

برقٌ صغير

في سماءِ مكتظّةٍ بالغيوم،

يبرّرُ للعين

أن تواصلَ النظر.

*

تفاصيلُ بسيطة، تمنح

المعنى

أشياءُ هشّة تتقدم

بلا ضجيج،

وتحملُ الحياةَ

على كتف واحدة

تعدّلُ زاويةَ القلب،

وتعلّمُنا

كيف نعيشُ

بين خسارتين

دون أن نموت.

***

مجيدة محمدي

 

رجلٌ أربعيني وافته الكهولة بخبرة السنين وقوة ذاتية وفرها له سِنُّهٌ ومنصبه، وفي بدنه أيضًا عافيةٌ ظاهرة؛ إذ لم تداهمه الأمراض بعد، فيما رغبته تعلن عن فحولةٍ لطالما كانت مصدرًا لثقته بنفسه واعتزازه بقوته.

 لم يكن من السهل عليه أن يشاهد تلك الشقراء ثم يمضي في سبيله كأن لم يسافر إلى نشوةٍ حالمة وذكريات الحب في بستان شبابه الواسع النضر.. كان منذ عقدين يجري في البستان منطلقًا بكل مرح وسعادة؛ بل كان يطير مثل النحلة، فيشم رحيق الأزهار البيضاء والحمراء، بَيْدَ أنه لم يكن يحب اللون الأصفر.

رأى كثيرًا أصحاب الوجه الروماني الأصفر؛ فاستقر في ذهنه أنهم باردون مثل الشتاء، ولم يكن يبغض في حياته أكثر من البرود، سواءً في الوجه أو في الطبع.. وسمع الناس يقولون إن الأصفر لون الغدر والخيانة أو لون المكر، وأيًا كان فليس المكر بعيدًا عن الخيانة، إنه وسيلتها على أية حال.. والشقراء ذات الشعر الأصفر كانت ترتدي بلُوزَةً صفراء، أما البنطال الأزرق الضيق جدًا فقد كان السبب..

كيف لرجلٍ بينه وبين زوجته تلك الجفوة التي زادت أيامها على شهرٍ ونصف ألا تجذبه تلك التفاصيل الشهية؟ كيف له أن يتذكر كم سهرت زوجته وهي تكتب ما يمليه عليها من رسالة الدكتوراه التي حصل عليها بامتياز يثير الإعجاب بعلمه والتعجب من ضعفه الطارئ أمام الجنس اللطيف..

عشرون عامًا تقريبًا كان فيها ذاك المثالي.. قراءةٌ جادة شاملة لم تتوقف ليلة، وعملٌ مُتقَن لم يتوقف يومًا، واهتمامٌ كبير ينصب فقط على علمه وأسرته، والآن أصبح يتسائل عن سر الشهوة المستعرة..

 قد نفهم أن مراهقًا تنتابه مثل تلك الشهوة اللئيمة بأفكارها الدَّنِسَة وخيالاتها المخجلة، أما أن توافيه الأربعون بالخبرة ثم تسلب منه رزانته وتمنعه حكمةً لطالما سيطر بها على نفسه فهذا ما لم يتوقعه أبدًا، أين ذهب العلم يا دكتور؟ أين راحت عزيمتك؟؟؟

"يا زوجتي هداكِ الله" هكذا قالها في نفسه مشمئزًا من النكد.. كان وحيدًا بين جلسائه من ذوي السترات الأنيقة..ألقاب ومناصب.. جمال بيه.. مصطفى باشا..والشقراء تغدو أمامهم وتروح ، والعيون الثعلبية تمارس متعتها في صمت فلا داعي الآن لتبادل الأحاديث، وقديمًا قيل: "الصمت في حرم الجمالِ جمالُ" فليصمتوا إذن حتى يتمَلُّوا.. "فَتَّح عينك تأكل ملبن"

وظلوا يحملقون في البِتِلُّو الأبيض، وهي ترمقهم بطرف عينيها وتبتسم، والجميع يمارسون طقسًا مركبًا بين الصمت والنظر وادِّعَاء البراءة، كل "بِيه" في هذا المجلس العبثي يمثل الوقار والتماسك، وينظر فيمن حوله متأملًا نظراتهم له، ثم يهدأ قلقه حين يراهم جميعًا منهمكون في لذةٍ فاضحة لا داعي معها لذكر الألقاب.

وفيما هم يعبثون دخل عليهم القاعة "الأستاذ فَتُّوح" المدير التنفيذي لجمعية "نبض الحياة"..

وّجَّهَ فَتٌّوح أمرًا إلى الفتاة أن اعملي، ولم تكن مفاجأة لهم أن يعرفوا حقيقة الشقراء.. ملكة جمال مُتَوَّجة مهمتها إحضار الشاي والقهوة؛ لكن لماذا لم تعلن هويتها؟؟ نعم سيدي، إنها تمارس نوعًا من التسول، نوع جديد لكنه أكيد المفعول.. تدخل على الزبائن بثيابها الأنيقة وملامحها الأوروبية فيعتقدون أنها إحدى بنات العائلات ذات النسب، ثم تتبختر أمامهم حتى إذا شخصت إليها العيون وكَفَّت الأفواه عن الثرثرة ونسى الجميع كل شيء إلا ذلك الجسد، سألتهم عما يطلبون، وكم يطربها أن تسمع إجاباتهم بين عصير المانجو والكوكتيل والفراولة، فهذا يعني ولا شك أنها فاكهة! وبعد أن تحضر لهم ما يشتهون تتقاضى من كل رجل بقشيشًا سخيًا.. في الواقع كان ما تفعله كله من أجل البقشيش!

مضت الفتاة لتحضر المشاريب، وصاحبنا الدكتور يضرب كفًا بكف ويتسائل عَمَّن وضع هذا الجمال الساخن في "البوفيه"؟ ألهذه الدرجة صار الحظ أعمى والدنيا ظالمة؟! هكذا تسائل..

 جلسة ممتعة تلك التي كانت في قاعة الضيوف بالجمعية الأهلية. تجاذب المثقفون أطراف الحديث، وانغمسوا في مجاملات هم يعرفون أنها سخيفة، ثم تنادوا فيما بينهم بألقابٍ تركية من تراث العهد البائد. هم الذين يعتبرون الاشتراكية إلهًا يُعبَد ليسوا من الاشتراكية في شيء، هكذا رآهم الدكتور، وأكثر من هذا أنه رآهم بلا وجهة ولا هدف، فكل ما يعلنونه على الملأ من مبادئ وأفكار لا يؤمنون به حقيقةً، فلمذا إذن يجلس معهم إذا كان هذا رأيه فيهم؟.. قضاء الوقت في ندوة أفضل عنده مشاهدة مباريات كرة القدم.

"لكن مجلس هواة الثقافة لا يختلف كثيرًا عن مجلس الدهماء في المقاهي" قالها في نفسه ضاحكًا. ألا تراهم يتبادلون فيما بينهم فاحِشَ القول والنِّكَاتِ القبيحة، ألا يُقِيمُونَ وَلِيمَةً ينهشون فيها لحوم الغائبين عن المجلس من معارفهم فيما خيوط الدخان المستورد تنعقد فوق رؤوسهم مُكَوِّنَةً غَماماتٍ بيض.

 واستمر الجالسون في حديثهم اللاهي فيما صاحبنا تراوده فكرةٌ ما.. ماذا لو؟...

انفض السَّامِر وضَجَّت القاعةُ بالصمت ثم استولى الظلام على الكراسي والنجف والسجاد.. وحده ذهب إلى البُوفِيه.. كان يطمع في علاقةٍ ما تبدأ بكلمةٍ مازحة ثم نظرة فموعد فلقاء! إن مشيتها وضحكاتها تخبره أنها لن تمانع، وهو لا ينقصه المال والوسامة، إذن فليدخل في الموضوع "ساعة الحظ ماتتعوضش"!

مشى في الطرقة مسرع الخطى، وحين أصبح على بعد خطوات، اشتعلت النيران، نيران شبقٍ لم تلبث أن خمدت واختفت. لقد ألجمه الذهول وصار لا يصدق عينيه. إنها الشقراء تخلع باروكتها ليبدو شعرها الطبيعي أسودًا خشنًا على رأسٍ قد أصابته الحكة ليليق بامرأةٍ كانت تتسول البقشيش منذ قليل، أما الوجه الأبيض فلم يكن أبيضًا ولا مُشْرَبًا بحُمْرَة، إِنَّهُ المِيكَب اللعين وليس شيئًا آخر، وطبعًا كانت تضع في عينيها عدساتٍ لاصقة.

وحين دخل عليها المدير من الباب الخلفي دار بينهما ذلك حوار الذي يكون بين الرجل ومعشوقته..

- فتُّوحي، إدِّينِي 4000 جنيه

- يا خبر أبيض، ليه؟ دا انا لسه مِدِّيكِي 2000 امبارح.

- عشان خاطري يا روح قلبي.

من أين جاء توحة بكل هذا الورق الذي ينفقه على ......؟

توحة ليس كأي توحة؛ إنه من كبار الموظفين الفسدة في إحدى الوزارات.. مُحاسِبٌ شديد البراعة في الفساد ولا يمكن أن يترك وراءَه أثرًا مهما سرق، كما أنه – فضلة خيرك- مديرٌ تنفيذي فاسد لجمعية أهلية أقامها أحد المحسنين ولا يدري عنها شيئًا لأنه فَوَّضَهُ ونام..

 المهم الآن أنها خلعت قطعة من ملابسها فعانقها وقَبَّلَها، فخلعت الأخرى فورًا، وإذ لم يتمالك نفسه أسرع يَدُسُّ يدَه في جيبه وأخرج منه خمسة آلاف جنيه، ثم تَوَجَّه إلى مكتبه موتورًا ليغلق النافذة ويرد الباب؛ أما الأنثى اللعوب فقد أخرجت من الثلَّاجة علبة بلاستكية بيضاء غير شفافة كانت قد وضعت فيها البقشيش الذي ادخرته على مدار أسبوع.

ضمت البقشيش إلى المبلغ الذي أخذته للتَّوِّ من المدير العاشق، وبدأت تعد أوراق البنكنوت، حتى إذا بلغت سبعة آلاف جنيه بما يعادل راتب موظف الدرجة الثانية لفت الأوراق بعناية لتضعها في حقيبة اليد.. كل هذا ودكتور الأدب المقارن يواجه دهشته فاغرًا فاه كمن لم يفهم الدنيا ذات يوم.

- يَلَّا يا روحي عشان محتاج حضنك الليلة.

- طب ومراتك مش هتقُولَّك اتأخرت ليه؟

- أعوذ بالله، افتكري حاجة عِدلَة.. أنا قايل لها إني هتأخر الليلة دي، وتبقى تتعشى هي والعيال وتنيمهم.

همس الدكتور قائلًا: إخص، الله يخيبك، زوج ورب أسرة وبتخون مراتك؟؟..

 اكتَنَفَهُ شعورٌ بالخزي وتذكر أنه منذ قليل كان سيفعل نفس الشيء، وفيما كان يعض على شفتيه نادمًا خرج العاشقان متشابكا الأيدي غير مُكْتَرِثَيْنِ لوجوده.. لم يجد لتساؤله عن الحياء معنى، فالأنثى اللعوب لا تعرف الأدب طبعًا، والموظف الفاسد ذو جلدٍ ثخين ولاشك أنه ميت القلب.. القبح سيد الموقف والصفاقة بلا حدود..

مضى العاشقان إلى حيث وكر اللذة، ومضى باحث الأدب إلى بيته مُنْتَوِيًا مصالحة زوجته المخطئة!.. وحين وجدها وأطفاله نائمين في أمان الله رق لهم، ثم انتهز الفرصة فأَعَدَّ قَهْوَتَهُ بِعِنَايَة، ودخل مكتبته عازمًا على استكمال بحثه: بين الأدب والكتب المقدسة.. مَلِك المزابل" بَعْلزَبُول"..

***

قصة: حاتم السروي.

أ حتّى أنتِ مَنْ أرجو

بدا في طبعكِ الغدرُ

*

فأين العهدُ قد أمسى

رعاكِ الله ما الامرُ

*

أ هجرانٌ بلا ذنبٍ

وظلمٌ دونَهُ الكُفرُ

*

حلفتُ اليومَ لا أشكو

وإنْ أزرى بيَ الضُرُّ

*

يمينًا بَرّةً تبقى

إذا ما خانني العُذرُ

*

سأمضي بالاسى وحدي

عسى في عُسرهِ اليُسرُ

*

وأسعى جاهدًا نفسي

وإنّي الصابرُ الحُرُّ

*

هَلُمّي أيها البلوى

فحسبي أنتِ لا الخَمرُ

*

كؤوسي منكِ مترعةٌ

وفي لوعاتِها السُكرُ

*

ومَنْ لم يصطبر فيها

علاهُ الذلُّ والقهرُ

*

ألا يا أيُّها الليلُ

سلامًا أيها السِفْرُ*

*

أ أفشي السِرَّ يا صاحي

وفي جوزائكَ البدرُ

*

وأحكي بعض أشجاني

وما أزرى بي الدهرُ

*

وهل أنتَ كبعض الناسِ

مِن أخلاقها الخترُ*

*

أجبني إنني مُضنى

أجبْني أيها الحِبرُ*

*

سرابُ الحُبِّ آمالي

عليها صادقَ الهجرُ

*

وما قدمتُهُ زُلفى

أضاعَ بجهلهِ الغِرُّ*

*

قرابيني لهُ تبقى

الى أنْ يصدحَ الفجرُ

*

متى يأتي الذي أرجو

يَقِرُّ قرارَهُ الطيرُ

*

أيصفو ليتهُ يصفو

شرابي حِلوهُ مُرُّ

*

صباحي هل تُرى يأتي

عليه النورُ والعِطرُ

*

بهِ أشدو مواويلي

وعندي إنْ وفى نِذرُ

*

سلامًا أيُّها المضنى

سلامًا أيُّها البحرُ

*

كلانا حُبُّهُ مَدٌ

ومَدّي ما به جزرُ

*

ويبقى بيننا شبَهٌ

هو الاعماقُ والسِرُّ

*

فحسبي اللهُ في حُبٍّ

علاماتُ الهوى صِفرُ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

العراق / الكوت

25 كانون ثاني 1971

........................

* الختر: أخبث الغدر

* السِفر: الكتاب الجامع لأسفار اليهود

* الزُلفى: التقرب بالمحبة

*وغالني: أي غدر بي

*الغِر: الذي لم يُجَرّب الحياة

* الحِبر: مرتبة دينية عند المسيحيين

اِنْ أردتَ تقاومُ جمعَ القطيعِ تهيَّأْ

فالقطيعُ قطيع!!

ولكنَّ قائدَهُ شرسٌ ولئيمْ

ويزعجُهُ أنْ يظلَّ على الأرضِ صوتٌ كريمْ

القطيعُ الذي سارَ خلفَ اللئيمْ

هو رهنُ الاشارةِ ينبحُ أو يلسعُ أو يفترِسْ

أو يهيلُ الصخورَ على طولِ دربِكَ،

يُخمِدُ وهجَ الضياءِ بِدنياكَ كي تندرِسْ

أمامَكَ جمعٌ غفيرْ

ولكنَّهُ ـ بَعدَ كلِّ الحساباتِ ـ جمعٌ صغيرْ

***

شعر: كريم الأسدي

.......................

* زمان ومكان كتابة هذه القصيدة في الخامس عشر من كانون الثاني 2026 ، في العراق ـ الناصرية..

صَدِئَتْ قُلوبُ مَفازَةٍ أَبْلَتْ بَلاءً سافِرَا

وَاللَّیْلُ قَصَّ جَناحَھُ مَدَدٌ سَقاني غادِرَا

عَیْنِي تُجَرِّعُنِي لَظى شَطْحٍ أَحَلَّ ذَبیحَتي

وَفَمِي یُقِیمُ الْحَدَّ، لاَ الصَّفْحُ یُكابِرُ ناصِرَا

قَلْبِي یَجُرُّ جُثَّةَ الأَیَّامِ یَحْلِفُ نَاقِمًا

أَنْ یَسْتَقِیلَ مُقاوِمًا وَیَضِبَّ جُرْحًا كاسِرَا

اَلْعُمْرُ یَمْضِي غاشِمًا لایَسْتَسِیغُ وَجِیعَةً

زَجَّ بھا حَفَّارُهُ في مَا یُمِیتُ الْحاضِرَ

أَشْكُو إلى الْعَالي مُنًى حُبْلى بِذَنْبٍ راقِدٍ

قَدْ جَرَّحَتْ وَتَري فَھَامَ اللَّحْنُ یُدْمِي الْخَاطِرَ

وَأُكَفِّرُ عَمَّا جَنَتْھُ حَرْبُ رُوحٍ ما وَھَتْ

جَمراتُھا تَسْتَنْزِفُ حَبًّا وتِبْنًا بائِرَا

أَسْتَصْرِخُ الْمَوْجَ الذي عَضَّ مَجادِیفي ومَا

سَلِمَ قَمِیصُ بَلاغَتي لَمَّا تَرامَى نَافِرَا

أَوَكُلَّما خارَتْ مَناطیدِي وَشُلَّتْ عَبْرَتي

یَغْزُو الْوَرِیدَ مِدادُ أَغْلالٍ سَبَتْنِي باكِرَا

ھَذِي الْجَوارِحُ ما كَسَاھا الصَّبْرُ خاتَمَ حَظِّھا

وَأَنا الْمُغادِرُ یَلْھَثُ خَلْفِي الدواءُ مُعافِرَا

یا مَنْ یُقاضِي مارِدَ الأَیَّام،ِ بِعْ مَنْ یَسْتَحِي

وَرْدُ صِباهُ الرَّافِسُ لِلْحُلْمِ نَذْلاً جَائِرَا

أَعْظِمْ بِنَحْبِ أَصَابِع حِینَ اسْتَزادَتْ جُرْعَةً

مِنْ لَفْحِ صَلْصالٍ ظَعونٍ اِسْتَشاطَ باتِرَا

اِقْطَعْ وُعودَكَ یاحَصادَ اللَّیْلِ وَاشْرَبْ شَمْعَةً

تَبْكي جَلالَ مُعَذِّبٍ وَتَؤُمُّ دَمْعًا قاھِرَا

***

شعر بقلم: د. سعاد دریر

قفزَ اللاشيء في حضنِ الهاوية

على شفيرِ الفناءِ

سقطَ كلُ شيء..

الدُّموعُ تجلدُ ذاتها

بغصنِ رُمَّانة

أحلامٌ مؤجلةٌ تلحقُ

ريحِ الأملِ

**

أنا ابنةُ الوطن الذي لم يُولَد بعد

أحملُهُ جنيناً في أحشائي

**

شهقاتي صدى التُّراب

تتلولبُ أنفاسي ..

قلبي سقطَ  بين الحُفرات

**

أبحثُ عن كوخ ٍ سرمدي

كي ألِدَ فيه وطنَ البقاء

وأولدُ فيه عذراءُ الخلود

**

أبحثُ عن فخَّارةٍ أُعتِّقُ فيها

دمي المُخَضّبْ

برقائقِ ياسمين الشَّام

من أثداءِ الضُّوءِ الأزلي

أقطرُ الصَّحوةَ بين شفتيه

**

إنه اليوم الثالث بعد الموت

إنها  الولادة الخضراء

لا للصَّلبِ.. ثانية

لا للموت.. ثانية

سيكونُ كلُّ شيء....

قيامةَ وطنٍ لا يستبيحُ الصَّلب

لا ينتمي للدماء

لا ينتمي للشهداء

**

وطني ليس بستانَ زيتون

ولا غابة َ صَنوبر

هــــــو نحـن.. ونحـــــن الحياة ..

نعــم للــحياة.

***

سلوى فرح - كندا

ملحمة الإنسان بين الأفعى والتفّاحة

الصوت الكوني

أنتَ الأفعى وأنتَ التفّاحة، ذلك الانحناءُ الأوّلُ في جسدِ المعنى، والعضّةُ التي أيقظتِ الطينَ من براءته. أنتَ السؤالُ حين تمرّد على الصمت، والرغبةُ حين سمّت نفسها حرّيّة. في يدِك سكّينُ الحرب، وفي يدِك الأخرى غصنُ زيتونٍ يرتجفُ من دمٍ لم يجفّ. أنتَ الذي أشعلَ النار ليتدفّأ، ثمّ تركها تكبر حتى أكلتْ أسماءَ الأطفال. كلّ حربٍ خرجتْ منك كانت تبحث عن سلام، وكلّ سلامٍ رفعتَه كان يخفي تحت قماشه بذرةَ خوف. منذ الخلقِ الأوّل وأنتَ تمشي على حدّ المعرفة وحدّ الهاوية.

***

صوت الأنثى

لستُ التفّاحة، أنا اليدُ التي علّمت الضوء كيف يُمسَك دون أن ينكسر. لستُ الأفعى، أنا الخوف حين تعلّم الزحف كي لا يقتل. لم أهبطْ من ضلعك، أنا الأرض حين تعلّمتَ الوقوف، وأنا الصوت الذي قال للطين: انهض. كلّ حربٍ أشعلتَها مرّتْ عبر جسدي، وكلّ سلامٍ حلمتَ به نام في رحمي قبل أن يولد. لا تسألني عن الخطيئة، الخطيئة أن تُترك المعرفة بلا قلب. أنا لم أكن غواية، كنتُ المرآة، رأيتَ فيها وحشك وطفلك معًا. أنا الطريق حين قرّر أن يكون أمًّا لا ساحة قتال.

***

صوت الرجل

لم أكن الحربَ وحدي، كنتُ الخوف حين لم أجد اسمكِ فنطقتُ بالرصاصة. ظننتُ اتّساعكِ هاوية، فبنيتُ جدارًا وسمّيته مجدًا. كسرتُ ضلع المعنى لأشعر أنّني أعلى، وما كنتُ إلّا أقصر من ظلّكِ. علّمتِني أن المعرفة بلا قلب سلاح، وأنّ القوّة بلا أنوثتكِ خرابٌ دقيق الحساب. أنا الرجل، لستُ الجدار، أنا الشقّ الذي تعلّم كيف يصير بابًا. خذيني إلى الإنسان الذي لم أولدْه بعد، إلى عالمٍ لا يترك آثار حذائه على قلب الأرض.

***

صوت الانسان

وهكذا لم تكن الأفعى شرًّا خالصًا، ولا التفّاحة خطيئةً فقط، بل كانت البداية التي لم نفهمها. الحربُ لم تكن قدرًا، والسلامُ لم يكن حلمًا، كانا احتمالين في قلبٍ واحد. وحين تعلّم الذكرُ الإصغاء، وتعلّمت الأنثى النجاة، ووقف الإنسان بينهما عارياً من الادّعاء، بدأ الخلقُ مرّةً أخرى… لا من ضلع، ولا من سماء، بل من وعيٍ اختار الحبّ رغم المعرفة.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

أوقف سيارته الفخمة غالية الثمن عند الركن المقابل للعمارة التي يسكن في طابقها الأرضي، وهي من خمسة طوابق..

أخذ ينظر إلى الماء الراكد الاصفر الذي يميل الى الإخضرار ورائحته النتنه تبعث على التقيؤ. جلب بضع طابوقات من جاره الذي يرمم سياجه الخارجي، لكي يعبر الى باب داره بسبب (منهولة) البناية على الرصيف تنز ماءا اخضر اللون يميل الى الإصفرار.. عبر الى باب منزله وكادت قدمه أن تنزلق فتماسك في أخر لحظة ودخل الدار ذا الباب الأنيقة الامعه.. وعند خروجه في اليوم التالي عصفت بوجهه رائحة مقززه مبعثها ذلك السيل ألأخضر، وهنا، وجد نفسه يقف أمام حالة، تسمى إقتحام الواقع المأزوم..

من أين جاء الماء الأخضر الذي يسيح من تحت (منهولة) المجرى الأمامي للبناية ؟!

سأل أحد الذين يسكنون البناية الفخمة.. وكان جوابه " ان صمبور المياه لدينا معطل ".

فيما اجاب آخر.. " نحن لا نستخدم المياه إلا قليلا وذلك بسبب طبيعة عملنا ".

انتظر حتى اكمل إستفساراته من ساكني البناية وهم أربع عائلات تؤكد عدم استخدامهم للمياه إلا قليلا، وعليه فهم ليسوا مسؤولين عن هذا النضح الذي يتسرب.. وحين سألهم، " هل تشمون هذه الروائح الكريهة ؟ " قالوا.."إنها لا تعنيهم". !!

منهولة البناية التي تسكنونها تسيح منها المياه الثقيلة المقرفة التي ملئت الرصيف بالماء الأخضر، ألا تشمون رائحتها التي تنفر منها الحيوانات؟

قالوا " إن المنهولة ليست ملك أحد"..!!

وهذا يعني أن الذي يعنيهم هو الداخل الذي يسمى (الأنا) وكل الذي يقع في خارج النافذه المطلة على (الخارج) المأزوم بالقيح لا يعنيهم أمره..!!

انشطر العالم أكثر من نصف..

نصف يرى المياه الخضراء النتنة تسيح في الشوارع ويسرعون بإغلاق النوافذ والأبواب وهم يضعون الكمامات على أنوفهم وأفواههم ويحترسون.

ونصف يشمونها ولا يكترثون لها وربما يرونها عادية طالما يسبح العالم في هذا القيح.

والنصف الآخر يشمونها ولا يطيقونها ولكنهم غير قادرين على أغلاق كل الفتحات التي يسيح منها القيح حتى غرقت الأرصفة والشوارع والمتاجر والمعابر وباتت تطفح باللون الأخضر.

 سأل نفسه، إذا كان الجميع لا يستخدم المياه، فمن أين يأتي هذا القيح الذي يسيح في الخارج؟

وقف مذهولا وهو يحدق في الشوارع والأرصفة التي تملؤها المياه الملوثة تحت الأضواء الخافتة والناعسة التي تشع إنبهارا مفجعا.. حيث المياه تسيح من تحت الأبواب الفخمة والبنايات الرائعة وتتسرب لتملأ الشوارع والمزارع وربما المخادع باللون الأخضر..!!

سأل نفسه مرة أخرى بشيء من الذهول والتقزز، وماذا بعد؟

هل الجميع فقد حاسة الشم التي خلقها الله بقدر؟ ما الذي يحصل.. البعض، فقدوا انوفهم والبعض الاخر، فقدوا عيونهم والأخرون اجسادا بدون رؤوس يجلسون ويسيرون بلا رؤوس وظلالهم تحت الشمس أطول من قاماتهم ويتناسلون بدون أعضاء، هلاميون في عالم دبق يسيطر عليه غبار الخارج.!!

أطرق رأسه إلى الارض وتمتم مأخوذا بفضاعة هذا الواقع.. ثم اخذ يراجع الماضي، كيف كانت النقاوة حين كان يطارد العصافير التي تعج في سدرة جارهم المطلة على السطح وكلما رأى (هرا) يمشي على حائط السطح يتربص بهذه العصافير الجميلة يطرده دفاعا عنها. وتذكر صيد السمك في النهر وكيف كان يوقد النار عند الظهيرة من اجل الشواء وكيف كان يخفي الفواكه في سلة مغلفة بإحكام تحت رمال الشاطئ لتحتفظ ببرودتها، ثم السباحة الى الضفة الاخرى من النهر حيث الصخرة الكبيرة التي تتطلع من بعيد وكيف تتجمع النوارس فوق رأسه حين يقطع لها الخبز وهي جائعة تصرخ.. وتعبر الذاكرة الى حيث الأزقة الضيقة التي تعج بالمارين في الصباح وعند المساء وألأولاد يلعبون مع البنات ألعابا مدهشة يقدرها ولا يعوفها جيل، وطقوس المحرمات والمقدسات يحكمها ميزان الواقع العريق بالقوة والشهامة التي تستند الى الحكمة..

استفاق من مسلسل عمق التاريخ الذي بات يتغير لونه كألوان مياه الشوارع والأرصفة التي ما عادت ترزح تحت مياه المطر النازلة من السماء بل من التي تسيح..!!

***

د. جودت صالح

اسطنبول - 14/1/2026

 

أسَرتْ دُنيا منهمُ الأنفاسا

فاستحالوا لدارِها حُرّاسا

*

والأشدُّ حرصًا عليها يُرقّى

كيْ يصيرَ في دارِها كنّاسا

*

كيْ يرىْ مثلما رأَوْا أنّهُ بالْ

كنْسِ قد فاقَ الجِنّةَ والنّاسا

*

فيجوبُ البلادَ طولًا وعرضًا

كيْ يُقيمَ الأفراحَ والأعْراسا

*

فترىْ في أعراسِهِ الشّيخَ والرّقْــ

ــقاصَ والقاضيْ وابنَهُ والرّاسا

*

والوزيرَ واللصَّ والقسَّ والقصْـــ

ـــصاصَ والمُفتيْ وابنةَ من ساسا

*

آهِ لو أنّ عاقلًا ما يراهُ

وهْوَ يَنزو من حولِها نسْناسا

*

فإذا ما أوفىْ ترقّى ليُمسي

حينَ تَلْظَىْ لمائِها لحّاسا

*

كلبٌ ابنُ كلبٍ فلا يكتفيْ

حتّى يصيرَ في أهلِها دسّاسا

*

خنزوانٌ لا يرتويْ أبدا

حتّى يبيتَ في قصرِها خنّاسا

*

بطلٌ من أبطالِكمْ ما نظرتمْ

تحتكُم منْ روسٍ عليها داسا

*

فانْظروا فوقَكم تروا تلالًا

وتروهُ لرأسِهِ نكّاسا

*

بطلٌ إن تزوّجت أمُّهُ جا

ءوهُ من كلِّ جانبٍ أجْناسا

*

إنْ قضىْ أعلَنوا الزمانَ حدادًا

وأقامُوا الصّلاةَ والقُدّاسا

*

هلْ عرفتمُ الآنَ كيف بلادُ ال

عُرْبِ أمستْ تُخلّفُ الأنجاسا؟

*

هلْ عرفتمُ الآنَ كيف يبيعُ ال

دارَ دونٌ بصمتِكمْ قد راسا ؟!

*

هلْ عرفتمُ الآن كيف برغمِ ال

نفطِ والغازِ أعلنوا الإفلاسا؟!

*

أمّ حسبتم أنّ القريضَ هذاءٌ

ما تعدّى في أصلهِ الوسواسا!

*

وعلينا تحكيمُ جهلٍ به كفرًا

نعَتُّمُ العقلَ والإحساسا

***

أسامة محمد صالح زامل

 

وَمِـنْ نَـبْحِ الْـكِلَابِ قَدِ اعْتَقَدْنَا

بِـمَنْ أَخْفَى النِّبَاحَ غَدَا صَدِيقًا

*

وَمَـا كَـانَ السُّكُوتُ صَفَاءَ طَبْعٍ

وَلَــكِـنْ كَـــانَ مِـيـزَانًـا دَقِـيـقًا

*

فَـمَا طِـيبُ الْكَلَامِ سِوَى قِنَاعٍ

وَمَـا كَـانَ الْـوِدَادُ سِـوَى بَـرِيقًا

*

فَـلَـوْ أَعْـطَـوْهُ مَـا يَـصْبُو وَيَـرْنُو

لَـمَـا اتَّـخَذَ الْـخِدَاعَ لَـهُ طَـرِيقًا

*

وَلَـكِنْ لَـمْ يَـجِدْ عَـظْمًا شَـهِيًّا

فَـأَلْـبَـسَ صَـمْـتَـهُ ثَـوْبًـا أَنِـيـقًا

*

إِذَا مَـا دِيـسَ مِـنْهُ الـذَّيْلُ يَوْمًا

تَـــرَاهُ يَــمْـلَأُ الـدُّنْـيَـا زَعِـيـقًـا

*

سَحَابُ الصَّيْفِ لَا يَحْوِي هَتُونًا

فَـلَمْ يُـغْرِقْ وَلَمْ يُطْفِئْ حَرِيقًا

*

وَلَـيْسَ الذِّئْبُ يُنْجِبُ غَيْرَ ذِئْبٍ

حَـــرِيٌّ بِـالْـمُـغَفَّلِ أَنْ يُـفِـيـقَا

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

نِداءُ الذكرياتِ، له شروقٌ

وطِيبُ النبعِ، يَرْفدُه النقاءُ

*

وللذِكْرى مع التاريخ، ذِكْرى

محاسِنُها: ضِياءٌ واقتِداءُ

*

ووَجْه الصدقِ، بَدرٌ مُسْتَنيرٌ

مع الاقمار تؤنِسُه السماءُ

*

إذا استَخْبَرْتَ احداثَ الليالي

فاوثَقها، يُتَوِّجه الوَفاءُ

*

وكلُ نَبَاهةٍ، مَدعاة ُخيْرٍ

إذا حُسْنُ الظنونِ، بها انتقاءُ

*

(ومن طلبَ العُلا سَهر الليالي )

فلا مال يدوم، ولا رِداءُ

*

سطورُ الودِّ، إنْ دَوّنْتَ فيها

مَلامح َعِفّة ٍ، هُزِمَ الخَفاءُ

*

وللموهوب افْقٌ إنْ تَحَلّى

بِعَزْم ٍ، مِنْ طبيعتِه المَضاءُ

*

رويدا رُبَّ بعد الحَسْم شكٌ

يقول هناك في المغزى افتراءُ

*

فتَحليلُ الأمور، بنَهج صَبْرٍ

سلالمُ شامِخٌ فيها البناءُ

*

نَقاءُ الحُبِ، عُذْرِيٌ بنَهْجٍ:

سلالتُه الاصالةُ والعَلاءُ

*

( وما نَيلُ المَطالبِ بالتمني)

ففي الإقدام، للعَزْم احتواءُ

*

إذا كان التواضعُ، في سلوكٍ

سَنا الاخلاق، نِعمَ الاصطفاءُ

*

فإن رُمتَ الوصولَ الى المَعالي

فنهجُك في تواضعِك ارتقاءُ

***

( من الوافر)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

قالوا على الجذعِ من نخلِ

الجزيرة ِ صمغُ

تقطّر حتى خلتهُ

زانهُ اللمعُ

تراه على البعد ِالشفيفِ

ومن أتى يوزعهُ التذكار

صاغَ  له النبع ُ

له رجعُ

له سمعُ

له الذكرى وما اخفى

له إن شئتم وقعُ

كأن مسار الماء فوق جذوعها

أخاديد

دمعٍ هدها الشوقُ والصدعُ

لها صورةٌ تغري

لها دمعةٌ تجري

لها لمعةٌ تسري

لها الإعجابُ والاطراءُ والنفعُ

وأسريَ من وجدي إليكِ

كأنني

أطارد ظبيا في الفلاةِ

به صرعُ

كذلك كانت فرحتي

حين زارها

على ظمأ منها

سحاب له قرعُ!

***

عبد الهادي الشاوي

حدث هناك في ليلة عاصفة! عند الفنار الذي خفت ضوءه.. والنسوة يأخذن على عاتقهن ربط الغولة في جوف الظلام، إذْ حملن قناديل الأمل كي يضئن دروب العودة للبحارة العائدين..

في حي الصيادين الكئيب علت غمامة راحت تستمطر أسرارها الزوجات الحالمات بالدعاء.. يرسلن أطيافهن إلى البحر عبر غياهب الظلام فيخيفهن تعطل المنارة القائمة على اللسان الصخري الغائر في البحر كل حين.. يبحثن بعيونهن عن الرجال العائدين بعد أن أتعبهن الانتظار.. الضياء المنبعثة من النوافذ الواطئة خافتة.. الرياح تفزع الأشياء.. الليل حالك الظلمة.. بارد طويل.. نوافذ البيوت الطينية الحانية على بعضها مشرعة باتجاه البحر.. الأطفال تنيمهم حكايات الجدات عن الشاطر حسن الذي هزم الغولة فتٌحَوِّلُ الرجالَ إلى صيّادين لا يخافون جنيات البحر.. وأهازيج البحارة خافتة تشتتها الأمواج وتطرق سمع "يم" إله البحار الكنعاني فلا جدوى.. الحظ محبوس والفأل مرهون بمزاج يمّ ورضاه.. وزوجات يتلحفن الحنين.. والانتظار صقيع ترتجف لهوله الأوصال.

الحي الكئيب توقظه فوانيس السمّار في بيت المختار الذي لا يولم المسؤولين حتى تاهوا عنه.. تجمع السمار ومن بينهم بعض النسوة اللواتي أتعبهن الانتظار حول العرافة، صاحبة السلطة والولاية على هذا الحي النائي، وقد خضعت لأسئلتهنّ اللاهثة المتعبة.. عن مصير البحارة.

ففي ظل غياب سلطة الدولة النائية بنفسها عن ضجيج الأسئلة ووجع الرأس يتفشى الوهم كالوباء.

وها هي العرافة بعد أن تلمظت سلافة السؤال في بقايا فناجين الحيرة والانتظار.. تختم نبوءتها المحفوفة بابتسامة "يمٍّ" الكنعاني، تهمس وفي عينيها تتوسع حدقة النهار:

"عاد الصيادون بالخير.. هلموا إلى البحر يا رجال.. يا صبايا.. يا أولاد".

لكن شعلة الفنار أخذت تكذب العرافة وتلجم الأسئلة في عقول الزوجات المتعبات.. وعيون أطفالهن تبحث عن الشاطر حسن والجنيات في حكايات الجدات اللواتي داعب النوم جفونهن وتركن العتمة للصغار.

في هذا الشتاء العاصف، والبرد الزمهرير يغشى البيوت ويثير الهواجس في العقول.. يطوف حارس الفنار منادياً بين البيوت وفي يده قنديل مرتجف الذبالة، فتبدد الرياح صوته المتدحرج تحت النوافذ الموصدة بإحكام.. الرياح تفزع الأسقف والأبواب الخشبية وتثير كل ما خف حمله في الحواري والأزقة الضيقة.. وصفيرها يقلب الخوف في رؤوس زوجات ينتظرن السندباد.. يقترب الصوت أكثر كأنه قادم من قاع بئر عميقة.. فتتناغم ظلال الكواشف مع حركة القنديل الواهن.. يصرخ مستنجداً بأعلا الصوت، حتى أنهزم هديره وتملكه السعال العميق كأنه يحتضر:

" يا أهل الحي.. النجدة.. النجدة.. نضب زيت الفنار، فليأت الرجال ومعهم ما يتيسر من الديزل كي نعزز مخزون موّلد الكهرباء بالطاقة حتى تظل كشافات الفنار تضيئ طريق الصيادين في البحر.. وإلا تحطمت مراكبهم على الصخور"..

وحينما يأس من الأمر أخذته الدروب إلى اللسان الصخري، فبدا وهو يصارع الرياح كأنه هارب من الشيطان.

كان ضوء الفنار يلفظ أنفاسه الأخيرة.. رفع الحارس يديه إلى السماء المتلبدة بالغيوم، وقلبه يلهج بالدعاء.. ويبدو أن الرياح العاتية قطعت سلك الهاتف في منطقة ما فانعزل الحارس عن العالم.. وهو يعلم بأن وقت عودة الصيادين من البحر قد أزف.. والطامة الكبرى أن الأهالي لم يسمعوا نداء الإغاثة، فمخزون الديزل أوشك على النفاد فلا حول له ولا قوة.

كان الظلام في طريق عودته إلى الفنار مليء بالأشباح، فبدت كأنها دمًى تحركها الرياح المجنونة.. وبرج المنارة الحجري المخروطي يواجه العواصف وحيداً من فوق اللسان الصخري الغائر في عرض البحر والمتصل بحافة الجرف جهة البر، وها هو يبعث ببقايا الضوء من منافذه العلوية عن طريق كشافات تتزود بالكهرباء من مولد يعمل على الديزل وموجود بجوار قاعدة البرج، حيث ركنت إلى جواره براميل الديزل الاحتياطية التي دُحرج بعضُها بفعل العاصفة وسقط إحداها في الجرف السحيق. وكانت الأمواج العالية أحياناً تتكسر على قاعدة البرج، تم تنبسط طاقتها منتشرة في الجوار لتتحول إلى برك مائية وسبخات.

وقاعدة الفنار تتكون من غرفة صغيرة بمنافعها يقيم فيها حارس المنارة، وتضم نافذتين الأولى تطل على البحر المليء بالنتوءات الصخرية، تقابلها واحدة أخرى تطل على قرية الصيادين النائية التي لم تصلها الخدمات بعد.. فقد أنشأها الصيادون دون إذن رسمي من بلدية المدينة، وظلت مهملة بانتظار إخلائها بموجب قرار بلدي بذريعة أنها ملك لأحد الإقطاعيين في المدينة.. لكن الفقر وضع الأهالي على محك الاختبار.. وحارس الفنار يردد في أعماقه والخيبة تأكل رأسه:

"الإخلاء يعني موتهم.. فالصبر أجدى ولو أدى إلى كارثة"

فلا تُسمع في مثل هذه الأجواء إلا فزعة الأشياء وقرقعتها في وجه الرياح العاتية وصفير موحش يتخلل أزقة حي الصيادين.

وها هو حارس المنارة يغشى برميل الديزل ويفتح الصنبور السفلي ليعبئ بقايا الديزل حتى يملأ خزان المولد الكهربائي.. الخوف يتملكه فترتعد فرائصه.. ويتأفف غاضباً فتنتفخ أوداجه كأنه ديك رومي مفزوع.. يدرك الآن وهو يصعد الدرج اللولبي بأن الكشافات ستنطفئ تلقائياً ربما بعد ساعة أو أقل.. فتتملكه الهواجس وهو يلعن إدارة المنارات البحرية الملحقة بمؤسسة الموانئ حتى تعطل تفكيره.. فيتخيل كيف ستتحطم المراكب على الصخور.. ليتحول حي الصيادين إلى ميتم كبير.. والغربان السود تراقب المشهد وهي تقف على حوائط البيوت الطينية، والعرافة سوف ترمى بالحجارة لأنها عجزت عن التنبؤ بمصير عمالقة البحر الذين هلكوا دون أن تشعرهم بمصيرهم:

"وماذا سيكون مصيري! سيجهز الأهالي عليّ!".

وفجأة.. أخذ ضوء الفنار يزاحم العتمة بينما أصوات البحارة تقترب من الشاطئ، في حين جعلت الزوجات يطلقن الأهازيج.. الوحيد الذي كان يدرك خطورة اللحظات العصيبة، حارس الفنار الذي أخذ يستحلب آخر ما في جالون الديزل ويصب خيطاً منه في تنك الكشاف، كي يظل الضوء يتنفس فيكشف ما أمكنه من سواري المراكب التي ابتعدت عن النتوءات الصخرية؛ لتذهب بالصيادين إلى حيث تعالت الأهازيج في حي الصيادين في الجانب الآخر الذي التهمه الظلام.. وفجأة طرق الباب على حارس الفنار:

" من تراه يباغتني بهذه الزيارة في هذه اللحظات العصيبة!"

فترتعد فرائصه من شدة الخوف.. ظل الأمر كذلك حتى فتح الباب بحذر شديد، كانت ترتدي معطفاً ثقيلاً إلا أنه ميز صوتها بسهولة، كانت السيدة مها زوجة أمام المسجد الضرير، لا يدري من أي ناحية قدمت إلى هذا الحي كونها على قدر من الثقافة.. كما كان يقال عنها، وقد انتبهت إلى رواية كان يقرأها مركونة على رف الكتب المجاور للباب الخشبي، فقالت وهي تتصفح عناوين الكتب بلهفة مقموعة:

" اطمئن، لقد سمعنا نداءك".

وحينما أطل برأسه من الباب إلى حيث أشارت بيدها، استمع إلى بقية حديثها وهي تلهث من التعب:

" أنهن ثلة من النسوة يحملن صفائح معدنية معبأة بالديزل"

فزكمت أنفه الأقنى رائحة الديزل النفاذة، واستطابت روحه لموقفهن الشجاع.. وأدرك بأن الأمر أصبح آمناً مع كمية الديزل التي استلمها من زوجات الصيادين وأخذ يرتبها بجوار مولد الكهرباء.. فتساعده مها بتثبيت المحقان المعدني في فتحة الخزان فيما أخذ يصب الديزل وعينه تراقب المؤشر الأحمر بابتهاج، حتى أتم المهمة،، فيما أفرغت مها بقية الجالونات في البرميل الاحتياطي.. وودعهن وهن يغادرن المكان فيطلقن الأهازيج ليلتحقن بالأخريات حيث وقفن قريباً من البحر، ينتظرن البحارة.. وقد استوقفه سؤال السيدة مها قبل أن تلتحق بهن:

"ألم يحن وقت إطلاق صفارة الإنذار"! وترجته أن تفعل ذلك بنفسها فأتاح لها المجال حيث أشار لها إلى المفتاح الخاص بذلك.. فدوت الصافرة وقد انقبض قلبها فضحكت من هول المفاجأة وهي تخبره بأنها قرأت تلك الرواية المركونة جانباً:

"لا تستغربن! سألتحق بالجارات فها هن يندهن عليّ"

فتركها تذهب بحذر حتى لا تسقط في السبخة المجاورة.. وودع ركبهن ليعود صاعداً إلى مستقره أعلى الفنار.. ويتأمل البحر المليء بالنتوءات الصخرية.. ثم يطلق صافرات الإنذار المدوية من جديد بعد أن لمح من أفق البحر السواري وهي تلمع على ضوء الفنار:

"الحمد لله. سوف يعود الصيادون إلى مهاجعهم وفي جعبتهم حكايات عن البحر اللجي المحفوف بالألغاز".

إنه الحنين الذي كان يعيدهم دائماً إلى حي الصيادين الذي يضج بالحياة والحب رغم الفقر وتداعياته المؤلمة وغياب السلطة عن مضافات مختار الحي الذي لا يولم.. فيعد الزوجات الحالمات بما يجود به خيال العرافة صاحبة السلطة والولاية .

***

قصة قصيرة

بقلم بكر السباتين

 

لم أعد أكتب

ظنّا منّي أنّ الحياة تقاس باللّحظات لا بالحبر

وأنّ الكلمات تموت مهما كان عمقها

إذا جفّت على سطح الورق قبل أن تُقرأ ممّن كُتبت إليه.

الآن يحاصرني النّسيان

وشيء من الحياد

في مواجهة قصّة لم أكتبها.

صمتَ قلمي حين لم تُعِدك الحروف

وحين لم تعد تُشبهك الكلمات.

لم أعد أقرأ

تواجهني العبارات بالفراغ

لتسقط دلالاتها في صمت لا ينتهي

والعدمية الّتي كنت أقرأ عنها

صرتُ أرتديها على ملامح شاحبة

دون أحمر شفاه

أو أيّ محاولات لتلطيف الاغتراب الّذي يسكن جلدي.

لم أعد أحزن

فكلّ شيء يمرّ بسرعة لا تضاهيها المشاعر

لا وقت للحزن

لا وقت للفرح..

وأنا لديّ الكثير لأفعله

وعليّ الاستمرار في الهرب

من الذّكريات

وإليها

من الجنون

ونحوه

وفي كلّ طريق لا أجدني في نهايته أتوقّف

لأدرك فظاعة الحياة

أو تدركني حقيقة العبث الّذي يخنق وجودي

علّني فقط أكتفي بنظرة خاطفة أودّع فيها

فقاعة خيالات الطّفولة

ثمّ أفضّها كوهمٍ صغير

ولا أعود.

***

بقلم: مريم عبد الجواد - تونس

نحنُ أبناءُ ماءٍ لم ينسَ أسماءَنا، وأبناءُ قصبٍ كان يصلّي واقفًا كي لا تنحني السماء.

*

في الأهوارِ كان الآباءُ يولدون مرّتَين: مرّةً من رحمِ أمّهاتهم، ومرّةً من صدرِ النهر.

*

هناك… حيثُ الطيورُ تعرفُ النداء قبل الصوت، وحيثُ السمكُ يحفظُ خرائطَ الحلم ولا يخونُ طريقَ العودة.

*

الحنينُ ليس بكاءً على الماضي، بل ذاكرةُ الكون حين يتذكّرُ شكله الأوّل. إنه نداءُ الطين لأقدامٍ نسيتْ كيف تمشي بلا إسفلت، ونداءُ الماء لقلوبٍ تعلّمتْ القسوة ونسيتْ السباحة.

*

نحنُ لم نغادر الأهوار حقًّا، هي التي اختبأت في دمنا، في مفرداتنا الأولى، في خوفنا من الجفاف، وفي شوقنا الغامض إلى مكانٍ لم نره… لكننا نعرفه.

*

العودةُ إلى مسقطِ الرأس ليست رحلةً في الجغرافيا، بل عبورٌ داخلي من الضجيج إلى الأصل، من الزمن إلى البراءة، من العالم إلى الجنة المفقودة.

*

هناك حيثُ القصبُ يكتبُ أسماءَنا للريح، وحيثُ الطيورُ تُكملُ ما لم يقله البشر، نستعيدُ وجوهَ آبائنا وهم يبتسمون للماء كمن يطمئنُّ إلى الخلود.

*

نعودُ لا لنستقرّ، بل لنتذكّر: أننا خُلقنا من ماءٍ يعرفنا، وأن الجنة لم تكن يومًا في السماء، بل كانت هنا… تنتظرُ أن نشتاق بما يكفي.

***

بقلم: كريم عبدالله - بغداد - العراق

 

ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي

القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ

*

مشَتْ على دربِها زَهْواً بما حملَتْ

يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُمُ

*

وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ

إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَمُ

**

في زاويةٍ قصيَّةٍ

منَ الوادي المُحلَّى..

بالنخلِ

والنهرينِ

أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ)

صرختَه الأولى....

ثمَّ هَوِىَ،

وهو في ربيعِ خُطاهُ!

لكنَّهُ لم ينتهِ،

فلم يلمْهُ عاذلٌ،

ولا نازلٌ..

مِنْ أدراجِ بُرجهِ العاجِّ

باللسانِ

والعينِ المُصيبةِ

قلبَ الولدِ الطّريّ.

*

الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ

في وادي العشقِ المُقدَّسِ

(الكلمة)،

فابتعدَ عن منازل التّحريفِ،

والأسطر الصُّفرِ،

والألسنةِ السّليطةِ التي

أدمنَتْ..

أوكارَ الظّلام،

ودهاليزَ الاستراتيجيات التي..

ألقَتْ بإرثِ الحريةِ الحمراءِ

في قماماتِ نهايةِ التاريخِ،

فأغفلَتْ

وتغافلَتْ

عن دربِ التَّبانةِ

في بيادي العشاق الذين..

لم يميلوا

عن قافلةِ الصّدقِ..

أنمُلةً،

والباحثين

عن نهاية النّفقِ

في رواياتِ الأحلامِ..

المتهالكةِ...؟

***

عبد الستار نورعلي

ديسمبر 2025

اِلى أينَ متجِهٌ يا صديقي القديمْ؟!

الفضاءُ نيازكُ لاهبةٌ

والسماءُ ملاعبُ للشهبِ الحارقهْ

*

اِلى أينَ ذاهب؟!

وكيفَ ستمضي الى جَنَّةٍ في جحيمِ الملاعبْ؟!

أراكَ تُغالي كثيراً وأنتَ تجوبُ التخومْ

والسدائمُ محضُ مقابرَ موحشةٍ

*

أنتَ تحملُني يا صديقي الحميمْ

وتحملُ بيتي القديمْ

ونهري الكريمْ

وتحملُ ذاكرتي والتفاصيلَ: بستانَ نهرٍ وظلَّ نخيلْ

والجميلاتِ تحملُهنَّ القواربُ بينَ الضفافْ

وأحلامُهنَّ بدونِ ضفافْ

وهنالكَ شمسٌ تغيبُ، وبدرٌ يطلُّ، وغصنٌ يميلْ

وهنالكَ أشجارُ سدرٍ

وفي فيئِها يتمددُ فوقَ بساطٍ مِن العشبِ جمعٌ مِن الفتيةِ السابحينْ

يرجعونَ الى نهرِهمْ بينَ حينٍ وحينْ

لِتحملَهمْ موجةٌ مِن جوىً وحنينْ

فمياهُ الروافدِ هاجسُهم جَنَّةً وحياةْ

اِنَّها دجلةٌ والفراتْ

*

أنتَ تحملُ هذي النفائسُ والذكرياتْ

ولكنَّكَ الآنَ تمضي سعيداً الى موعدٍ في الجحيمْ

أيُّها الكوكبُ الغرُّ يا سامري

وصديقي الحميمْ

***

شعر: كريم الأسدي

.......................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه القصيدة: في اليوم الحادي عشر من شهر كانون الثاني 2026، في الناصرية ـ العراق

وفي جوف الليل لم تنم. فقد تأخر موعده. أستيقظ خوفها مجددا. لم تسأل كثيرا. حينها تصبح اكثر انصاتا للصمت. تحصي دقات قلبها بدل الساعات وترتل الدعاء حيث تُختبر القلوب بالصبر. لم تنتظر عودته متأخرا فحسب. بل كانت تنتظر الطمأنينة التي خرجت ذات صباح ولم تعد.

كان الغياب يطرق بابها كل صباح بهدوء يشبه الخوف. تجلس قرب النافذة، تراقب الطريق الذي حفظ خطاه. وتؤمن ان قلب الأم لا يخطئ الاتجاه. والا ستبذل جهدا ضائعا.

حين يطول الغياب مقامه، تعرف ان طريقا آخر للحب وللأمومة، طريقا تمشيه لوحدها مهما تكن وعورته وقسوته.

اليوم انقضى شهران على اجازته العسكرية الدورية وقلبها يحترق شوقا ولوعة وخوفا عليه. غدت أيامها بلا تواريخ. وكانت تعد المساءات. وتعرف ان شيئا ما انكسر في انتظام عالمها. استبد بها اضطراب شديد. أخذت تهمهم همهمة غير مفهومة. وتهمس مع نفسها ـ: ربما مرض دون علمي. أو ربما أصابه عارض سيء. لو كان أبوه حيا لبحث عنه ولما بقي صامتا كما فعلت.

أخذت تؤنب نفسها بشدة. ارتجف جسدها وكأنها شعرت ببرودة المكان لأول مرة. ولكن ما فائدة اللوم في هذا العالم القاسي.؟؟

قالوا لها: الحدود العراقية ـ الأردنية (أج ـ 3) بعيدة جدا

قالت في سرها: البعيد هو ان لا أراه. !! وان لا أتقصى حقيقة غيابه.

شدت عباءتها، وحملت اسمه فقط. وبعضا من متاع الطريق.

ـ أم كامل ـ امرأة كبيرة لكن قلبها كان يسير أمامها بخطوتين.

شعرت ان ساقيها أصابهما الوهن ولا يقويان على حملها لكن إرادتها تدفعها لمواصلة الطريق نحو ولدها. الذي مازال فتيا.

وعند الساعة الخامسة فجرا كانت تقف ـ أم كامل ـ شامخة في مرآب العاصمة بغداد قادمة من مدينتها. تتلفع بعباءتها وتعتمر برأسها (العصّابة) وتضع فوقها (الشيلة) تتقدم نحو أحد الجنود لتسأله عن السيارات المتجهة الى مقر سرية ولدها. اندهش الجندي عما تسأل عنه وأجابها. أنه ذاهب الى هناك ولكن لماذا تسألين.؟؟.

قالت: أريد الذهاب معكم.!!

ضحك الجندي ثم أخذ نفسا عميقا من سيجارته.

وقال: أ تمزحين يا أمي.؟؟ ثم تفرس في وجهها مليا عله يفهم ما تنوي فعله. وهل ما سمعه حقيقة!!

قالت: لا أمزح. ولكن ولدي تغيب عن الحضور وعزمت على السفر اليه.!! وان كانت سيارتكم لا تكفي لا مانع ان أجلس على أرضيتها.

قال: لا توجد سيارات غير هذه (الايفا) المتعبة لنا. فكيف والحال مع امرأة كبيرة مثلك. عودي لدارك.

وفقط أعطني اسمه وسأبحث عنه وأخبره بذلك.

قالت: لن أتراجع عن مهمتي.

قال: سترين الله بهذه الرحلة.!!

قالت: وأنا أريد ان أراه.!!

في الحافلة كانت الوجوه تشبه صفرة أوراق الشجر المتساقطة في فصل الخريف والطريق يشبه قلقها وارباكها وهي ممسكة بحلمها في اللقاء. وكلما اقتربت من المعسكر، شعرت ان الأرض تضيق كي تختبر شجاعتها وصبرها.

تنفخ فوق أصابعها المتجمدة لتتقي برد شباط. تنظر اليهم بين الفينة والأخرى وكأنها تستطلع كم بقي من المسافة. لكنها تجدهم منشغلين عنها وربما تدور في رؤوسهم المتعبة الف فكرة وفكرة. تفاجأهم تنهداتها لتقطع حبل أفكارهم. وهنا تترقرق دموعهم في محاجرها.

عند البوابة، لم تسأل عن القوانين. وغدت القوانين هنا تمثل لهفة أم فقط نظرت الى الجميع نظرة تائهة حيرى. وهي تبحث عنه. علها تراه بين المصطفين أمامها وهم في لحظة اندهاش وتعجب. فربما لأول مرة تحضر امرأة مسنة لهذه الصحراء القاحلة.!!

قالت بصرامة وثبات لم تتعلمهما الا من أمومتها: جئت قاصدة كرم ضيافتكم وباحثة عن ولدي الذي لم يعد.

انبهر الجميع لصلابتها وقوة عزمها. بالرغم من ضعف جسدها وارتعاش يديها وبحة صوتها / لمعاناتها / وتعبها / وعطشها /.

كان حنانها ينتشر في القاعة كرائحة الجنة ودموعها ستورق بارضهم ورودا. هكذا كان رأي أحد الضباط معلقا وهو يسرد حكايتها لزملائه الذين لم يشهدوا لقاءها مع ولدها.

قادوها الى مكان لم يكن معسكرا كما تخيلته، بل ممرا باردا ينتهي بقضبان. هناك خلف القضبان كان ولدها. وفي تلك اللحظة

لم يكن جنديا ولا سجينا بل كان طفلها المدلل. وقفت أمامه بعينين متعبتين وصمت أطول من الغياب. وفجأة وفي تلك اللحظة اشتدت العاصفة المدوية في الأفق وكأنها تنذر باقتلاع المبنى الرطب.

لم تصرخ / لم تبك / مدت يدها حتى اصطدمت بالقضبان ضربته بقوة. وكأن الحديد هو المذنب الوحيد في الحكاية.

ثم قالت بحدة انه عالم لا تخفى مرارته. عالم لا يبث الطمأنينة في الروح. عالم تحكمه قوانين صارمة. أطرق الضابط رأسه.

نهض ولدها مفزوعا يفرك عينيه. وأخذ يتساءل من هذه المرأة.؟؟

ركبتاه ترتعشان وهو حائر بين الجلوس والنهوض. اضطربت عيناه. وكاد ان يقع مغشيا عليه. لم يفهم ماذا حدث. أخذ يفرك عينيه ويتساءل: هل هذا وجه أمي؟؟. أو كنت في لحظة من حلم.

.وعند باب القاعة كان هناك حشد من الجنود وهم يراقبون الموقف بصمت وخشوع. شعر ولدها بضيق في بلعومه. انه يلهث كأنه لم يستطع ان يكبح الصدمة التي اعترت كل حواسه.

ثم قال: سامحيني. أتعبتك. قالها وهو يحملق في وجهها غير مصدق لما يراه ويسمعه. لهذا المشهد الغريب.

قالت: رؤيتك نفضت عني غبار الرحلة، حتى عاد للنفس صفاؤها ونسي الجسد وعثاء الطريق وهنا بدأ دفء الروح.

انتقلت نظراته الى جموع رفاقه وهم يمسحون رذاذ دموعهم فانفجر الفتى ببكاء ونشيج غير منقطع. وما زال المطر ينهمر بشدة غير معهودة. والريح تصفق ابوابهم الحديدية المتآكلة.

في تلك اللحظة فهم آمر الوحدة ان الشجاعة ليست بالبنادق ولا في تواجدهم على الحدود. بل في امرأة قطعت الصحراء كي لا ينام ولدها وحيدا خلف القضبان. أكثر من تلك الأيام.

عادت وهي تحمل وجعا أثقل من الرحلة وجع حال الجميع في تلك الصحراء الموحشة.

لكنها تعرف تماما ان الأم التي وصلت الى هناك لا يمكن ان تعود خاسرة بالتأكيد.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

...................

* العصابة: قطعة من الحرير الأسود يحاك على اطرافها خيوطا تتدلى فوق جبين المرأة. ترتديها بعض النسوة المسنات.

* الشيلة: قطعة من الجرجيت الاسود توضع فوق العصّابة.

 

كلاهما ينتظر. ليس لأن الزمن بطيء، بل لأن القلب أسرع من قدرته على الاحتمال.

*

في أصابعهما ترتعش شرارةٌ خفيّة، نارٌ صغيرة تتدرّب على الاسم، وتخشى إن نُطِقَ أن يحترق العالم دفعةً واحدة.

*

هي تنتظر كرمه، كرم المعنى حين يفيض ولا يسأل. وهو ينتظر رحمتها، رحمةً تعرف أن الضعف أحيانًا هو أصدق أشكال القوّة.

*

بينهما مسافة ليست في الجغرافيا، بل في الذاكرة. حربٌ ضروس لا تُسمَع مدافعها، ولا تُرى خرائطها، لكنّها تُتقن تأجيل الخطوة الأولى.

*

كلٌّ منهما يحمل في صدره رايةً بيضاء، ويخفيها خوفًا من أن تُفهم استسلامًا، لا حبًّا.

*

الأرض تحت أقدامهما تعرف السرّ، تسمع دقّات القلبين كزلزالين صغيرين يرفضان الالتقاء، فتؤجَّل الولادة، ويؤجَّل الضوء.

*

اللغة بينهما واقفة على حافة الفم، كطائرٍ يعرف الطريق ولا يجرؤ على الطيران. الكلمات مشحونة، لكن الصمت أكثر بلاغة وأشدُّ فتكًا.

*

كلّ حربٍ كبرى بدأت هكذا: انتظارٌ طويل، خوفٌ من العطاء، وسوءُ فهمٍ يرتدي درع الكبرياء.

*

لو مدَّ أحدهما يده، لانهارت المتاريس كألعابٍ ورقيّة، ولو ابتسمتْ هي أولًا، لتذكّر هو أن الرحمة لا تهزم الكرم، بل تنقذه.

*

لكنّهما ينتظران. والكون، ذلك العجوز الحكيم، يبتسم في صمت ويؤجّل المعجزة، لأن اللقاء الذي يولد بلا شجاعة لا يستحقّ الخلود.

*

وفي لحظةٍ ما، حين تتعب الحرب من نفسها، وتنسى لماذا اشتعلت، تسقط الرعشتان معًا، كندى الفجر، ويكتشف الاثنان أن البدء لم يكن يحتاج أكثر من قلبٍ تجرّأ أن يكون أوّلًا.

***

بقلم* : كريم عبدالله

بغداد - العراق

أهدي هذه القطعة النثرية الى روح الصديق صباح النواب أخ الشاعر مظفر النواب، الذي رافقني في معظم أسفاري

 ***

من سفرٍ إلى سفرٍ، ومن رحيلٍ إلى رحيلٍ. خطواتٌ تتبعُها خطواتٌ، مدنٌ وقرى تمتدُّ امتداد َالافقِ، ومدىً يختفي في الظلام، ومدىً يتكشّفُ شيئا ً فشيئا ً مع إطلالةِ النورِ. وهذا الفتى العربيّ المولعُ بالسفرِ، يُنزلُ أمتعتهُ عن كاهلهِ، ويُلقي بجسدهِ المتعبِ على رمالِ سواحلِكَ الذهبيّة، يُغمضُ عينيهِ قليلا ً ثمَّ يفتحُها، ليتأمّلَ امواجَكَ، التي تقاذفتْها المسافاتُ من سواحلِ نخيلِ التمرِ إلى سواحلِ جوزِ الهند.

ماذا تقولُ أمواجكَ أيّها البحرُ لرمال الشواطئِ؟ وما الذي تنشدُه الرياحُ في آذانِ النخيلِ؟ ليتني استطيعُ فكَّ رموزَ لغتِكَ لأعرفَ كُنْهكَ وأسبرَ غورَ اسراركَ! فأنا لا اعرفُ عنكَ سوى أنك تُدعى بالبحرِ العربي لماذا سمّوكَ بالبحر العربي؟ لا أعلمُ.. ربّما لأنَّ الشواطئَ، التي انطلقتْ منها أمواجُكَ الأولى كانت عربيّة ً، أو ربّما لأنَّ العربَ أوّلُ منْ امتطى أمواجك َ وليكنْ مايكونُ.. المهمُّ أنَّ اسمكَ استوقفني، فأنزلتُ رحالي، وكعادة ِ العربيّ حينَ يمرُّ بطللٍ، يقفُ طويلا ً، يتأمّلُ الحجارةَ، وكأنّها قمْقم ٌ، حُبِسَتْ فيهِ أرواحُ أحبّائه ِ وخلّانهِ. ها أنا أيّها البحْرُ أمامك َ وجْه ٌيتمعّنُ، يستفهمُ، يتطلّعُ بعينينِ حائرتين إلى امتداداتِك، يرتسمُ عليه ِ ألفُ سؤالٍ وسؤال.. وأنتَ أيّها البحرُ صفحاتٌ مُلأتْ بالأسرارِ! ولكنْ كيفَ يتسنّى لي أن أقرأَ أبجديّة لمْ أتعلمْها، وأنّى لِي أنْ أنْطقَ أصواتا ً ما عرفتْها أوتارُ حنجرتي .

معذرة ً أيّها البحرُ.. لقد كانَ فضولي كبيرا ً، ولمّا تمرُّ إلّا بضْعُ ساعاتٍ على لقائنا. لكنْ هكذا هيَ عادةُ الشعراء والعشاقِ: أسئلةٌ مُلحّةٌ وفضولٌ يستحثّهُ شوقٌ.

معذرةً أيّها البحر، فصدري لمْ تبقَ فيهِ فضْلة ٌ تتّسعُ لشكوى.

آهِ لو كانَ لي مثلُ صدْرِكَ! آهِ لو منحتني بعضَ صبرِكَ!

سلاما ً أيّها البحرُ.. ولتكنْ مصافحتنا أن أنزلَ إلى مياهكَ، وأغتسلَ فيها من غبارِ السفرِ، وأنفضَ عن جسدي روائحَ الباصاتِ والقطاراتِ والعرباتِ، التي أنهكَ خيولها التعبُ. ثمَّ لتسمحْ لَي بعدَ ذلك َ أن أسْمِعكَ حَدِيثي، وأبثَكَ ما في صدري. فيا طالما قد سمعتَ أحاديثَ، وشهدتَ وقائع َ.. محِبّونَ وثّقوا عهودَ ودّهمْ على شواطئِكَ.. سوّاحٌ دفعَهُمْ الضجرُ والمللُ إليكَ، فنصبوا خيمَهم تحتَ نخيلِكَ.. غزاة ٌ شتّى عبروكَ طلبا ً للمالِ والمجدِ.. قراصنةٌ بحثوا عن ضحاياهم فوقَ أمواجِك َ..

معذرة ً أيّها البحْرُ.. لستُ من أولئكَ، الذينَ يذرعونَ شواطئكَ نهارا ً وليلا ً، يكدّرونّ مياهكَ بفضلاتِهم، ويستعلونَ على الحياةِ بأوراقِهِم النقدية. أولئك ذوو الأرواحِ القَزِمة، التي تحاولُ دونَ حياءٍ، أنْ تتعملق َ أمام َ نخيلكَ المتعالي. الطيورُ  أيّها البحرُ  تهاجرُ بعيدا ً، ثمّ تعودُ إلى أوطانِها، لكنَّ روحي طائرٌ لا كالطيورِ.. يُهاجرُ ويهاجرُ، ولا ينتهي من رحيل ٍ إلّا ليبتدأ َ رحيلا ً آخر َ.

وكما تعلو الموجة ُ الموجة َ، يستحثُّ الهاجسُ الهاجس َ، فتندفعُ الروحُ كمُهْرة ٍعربيّة ٍ، تنهبُ الآفاق َ، خيّالُها ذلكَ الشوقُ المشرئبّ دوما ً إلى اللانهاياتِ.. آهِ أيّها البحرُ.. كم هو َ مُحزنٌ أن يتمّ الفراق بينَ المُهْرة ِ والخيّال ِ. مُنْذُ زمانٍ بعيدٍ لمْ يَعُدْ الإثنانِ صديقين كما من قبلُ. فالمهْرةُ العربيّةُ لمْ تَعُدْ تنهبُ الآفاقَ، والخيّالُ اعتراهُ الوهنُ، فتركَ الميدانَ وانزوى كسيرَ الخاطر.

لحظات ويختفي كلّ شئ ٍ أيّها البحرُ، وتخلعُ الروحُ كلَّ الثياب ِ، التي ارتدتها عبر َ رحلاتها.. وأنتَ أيّها البحْرُ مرآة ٌ، أتلمسُ فيها الخطوطَ اللامرئية لذلك الجوهر، الذي غطّى عليهِ غبارُ الوقائعِ وضجيجُ الزمن ِ. آه ِ.. لو تُصغي الأمواجُ لذلكَ النداء البعيد، المنبعث ِمن اللامكانِ ومن كلِّ مكانٍ.. كم أتمنى لو تستطيعُ الرموزُ بكلِّ ما تمتلكُ من قوّةِ الإيحاءِ، أن تنقلَ ولو بعضا ً من تلك الذبذبات ِ، التي عبرتْ بوّابات الأزمنة لتتمترسَ أخيرا ً في نقطةٍ، كما يتمترسُ الحلزونُ في المحارة ِ.

آهِ منكِ أيّتُها اللغةُ.. هلْ يستطيعُ أن يتجمّعَ اللامحدودُ في المحدودِ؟

هلْ بإمكانِ جغرافيّةُ الأرضِ أن تستوعبَ جغرافيّةَ السماءِ؟ كمْ بودّي أنْ أرى الأشواقَ تنزلُ من سمائها، وتتجسّدُ لأولئك الذينَ لمْ يفقهوا فحواها.

أيّها البحرُ.. أنا الغريبُ.. غريبُ الروحِ والجسدِ. ليسَ لإبحاري نهايةٌ. أشرعتي ستظلُّ منشورةَ، وبوصلتي ستظلُّ تُشيرُ إلى لا إتّجاه..

المرافئُ تتكررُ، والوجوهُ والألوانُ تتكررُ، وفي النهايةِ سيكونُ للأشياءِ نفسُ النكْهةِ، ويعودُ المسافرُ يمسكُ بأمتعتهِ مِنْ جديدٍ، فهذا العالمُ ببلدانهِ ومدنهِ، ليسَ سوى محطاتِ انتظارٍ للمسافرِ الغريب.

***

جميل حسين الساعدي

..........................

* صورة الشاعر الساعدي مع المرحوم صباح النواب التقطت في كوبا

[مِسْبَكُ وَهْجٍ]

مَشَيْتُ، لَكِنَّ الفَرَاغَ يُطِيلُ أَوْهَامي،

وَالطَّرِيقُ يَمُدُّ ظِلًّا فَوْقَ أَسْمَائي،

تَسْقُطُ خُطَايَ كَالْكَلِمَاتِ مُنْفَلِتَةً،

تَصِيحُ فِي عَدَمٍ مُطْبِقٍ: هَلْ مِنْ مُجِيبٍ؟

لَوْ عُدْتُ، هَلْ يَبْقَى لِآثَاري عَلَى الرَّمْلِ؟

أَمْ أَنَّ رَمْلَ الْوَقْتِ مَحَا صَوْتي وَأَضْوَائي؟

أَمْشي، وَيُمْسِكُني في الصَّدْرِ كَأْسُ هَوًى،

يَسْكُبُ في دَمي الْأَبْعَادَ، أَعْمَاقَ المَجَرَّاتِ.

أُصَغِّي، فَيَرْتَلُ فِي العَدَمِ صَوْتٌ غَرِيبٌ:

ابْدَأْ مِنَ اللَّاشَيْءِ، مِنْ صَمْتٍ، وَمِنْ لَا نَبْضٍ،

فَأَمُدُّ جَيْبي، فِيهِ حَجَرٌ يَحْمِلُ اسْمًا،

كَأَنَّهُ النَّبْضُ الْأَخِيرُ لِمَنْ يُنَادِيني.

**

[رِسَالَةٌ بِلَا عُنْوَانٍ]

أَكْتُبُ – وَالدَّرْبُ لَا يَبْلُغُ قُطْرَ الْمَوْتَى –

أُخْبِرُكَ: الشَّجَرَةُ الْيَوْمَ انْطَفَأَتْ أَغْصَانًا،

وَالنَّهْرُ صَارَ تُرَابًا يَحْتَفِظُ بِالْمَاءِ،

أَمَّا صَدَاكَ، فَمَا زَالَ يُدَقُّ فِي اللَّيْلِ،

كَأَنَّكَ لَمْ تَمْضِ… بَلْ صِرْتَ صَمْتًا في صَمْتي.

كُلُّ شَيْءٍ هُنَا – وَاللَّيْلُ – رِسَالَةٌ عَذْرَاءُ،

أَطْوِي وَرَقِي، أَرْمِيهِ فِي البِئْرِ الفَاغِرَةِ،

فَيَسْقُطُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيَّ بِقَصِيدَتِهِ.

أَكْتُبُ: إِلَى مَنْ لَا يَقْرَأُ هَذَا الَّذِي يَجْرِي،

وَأُلَصِّقُ صَمْتًا فَوْقَ الظُّرُوفِ، وَأُلقِيهَا،

فَتَخْرُجُ الْوَرَقَةُ البَيْضَاءُ كَأَنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ.

**

[صَمْتُ الْوَرَقِ]

يَهْبِطُ الْوَرَقُ مِنِّي، كَأَنَّهُ وَلَدُ الصَّمْتِ،

يَرْسُمُ طُرُقًا فِي الأَرْضِ، لَا أَسْمَاءَ تَعْرِفُهَا.

أَمْشِي فَوْقَ الحَرْفِ، فَيَتَكَسَّرُ صَوْتًا،

وَكُلَّمَا دَاسَتْ قَدَمِي نَبْرَةً انْطَفَأَتْ،

فَأُدْرِكُ أَنِّي لَا أَمْشِي، بَلْ أَتَهَاوَى،

فِي بِئْرِ وَرَقٍ لَا قَاعَ لَهُ… وَلَا عُنْوَانَ.

**

[نَبْضُ الْعَدَمِ]

أَسْمَعُ نَبْضَ الْعَدَمِ الرَّاحِلَ في عِرْقي،

يَهْتِفُ: سَأَحْمِلُكَ إِلَى عَالَمٍ لَا حَدَّ لَهُ.

فَأَسْتَسْلِمُ، كَوَرَقٍ يَحْتَرِقُ في صَمْتٍ،

وَأَرَى اسْمَكَ يَطْلُعُ في الرَّمَادِ نَجْمًا.

أُمُدُّ يَدِي… فَتَنَامُ فِي خَوْفٍ، ثُمَّ تَسْقُطُ،

فَأَعْلَمُ أَنِّي بَلَغْتُ الصَّمْتَ الَّذي لَا يَنْتَهِي.

**

[العَوْدَةُ إِلَى اللَّاشَيْءِ]

أَعُودُ إِلَى اللَّاشَيْءِ، وَالوَقْتُ يَجْلِسُ فِي صَدْرِي،

وَأَضَعُ خُطَايَ عَلَى أَثَرِي القَدِيمِ فَأَعْرِفُنِي.

أُنَادِي: أَنَا هُنَا – فَيَرْتَدُّ صَدَايَ: هُنَا أَنْتَ،

فَأَعْلَمُ أَنَّ الفَرَاغَ لَيْسَ عَدَمًا، بَلْ مِرْآةً

تَعْكِسُنِي إِلَيَّ… حَتَّى أَصِيرَ اسْمًا يَنْطِقُ اسْمِي

دُونَ أَحَدٍ… دُونَ أَحَدٍ… دُونَ أَحَدٍ…

**

كُودَا

[نُقْطَةُ الضَّوْءِ الأَخِيرَةِ]

هُنَاكَ – فِي وَهْدِ الفَرَاغِ –

يَرْسُمُنِي الصَّمْتُ خَطًّا مِنْ ضَوْءٍ،

وَيَرْفَعُنِي لِمَا بَيْنَ الحَرْفِ وَالرَّمَادِ.

كُلَّمَا سَقَطْتُ، تَرْفَعُنِي الكَلِمَةُ كَنَجْمٍ يَتَجَدَّدُ،

وَكُلَّمَا عُدْتُ، أَجِدُنِي أَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ…

كَمَنْ يَكْتُبُ اسْمَهُ دَاخِلَ نُقْطَةِ ضَوْءٍ، ثُمَّ يَمْضِي.

هُنَاكَ – فِي وَجْدِ الفَرَاغِ –

يَهْجُرُنِي الصَّبْرُ خَصًّا مِنْ نَوْءٍ،

وَيَهْدِرُنِي لِمَا بَيْنَ الحَتْفِ وَالزَّمَانِ.

***

د. سعد غلام

......................

حاشية

القصيدة منظومة على تفعيلة "متفاعلن" من بحر الكامل، مع انزياحات إيقاعية مقصودة تُجسِّد التعثّر والانفصال.

لا يُعدّ الخلل الظاهر في بعض التباعدات خروجًا عن النظام، بل أداءً شعريًا يُوحِّد الصوت والمعنى؛

فالكلمة التي: تسقط،

والنبض الذي: يتوقّف،

والصمت الذي: يكتب،

 تُترجَم إيقاعيًا: بالحذف أو الزيادة.

 تُقترح قراءة القصيدة بصوتٍ مرتفع لإحسان سماع تحوّل الإيقاع من الثبات، إلى السقوط، ثم إلى استنهاضٍ جديد.

أصُرتِ أنتِ بهذا الحرف

أكتبكِ ترنيمةَ عيد للميلاد

مذ عجزتُ أن أخبركِ ذاتَ صباح

إني زرعتكِ وردةً على جرفِ النهر

نسمةُ فرح باردة في لبِّ القبضِ

دفء ما عزَّ الدفء

رحتُ أحلمُ فيكِ غصنَ زيتون

وتأويلةَ سِلم باذخ

املٌ يزرع نبتةُ في كلِّ أثرٍ لميقاتكِ

صورُ إبداع

ضحكةُ طفل

وزقزقةُ عصافيرٌ الصبحِ

عبقٌ لغيثِ اوّلِ هطولهِ

ومعجزةٌ

قصةٌ تروي تفاصيلَ ..

قلبٍ عاشق

***

كامل فرحان حسوني

أصبحت أكتب على سطح الحياة والورق بنفس الأحرف.. وكأنني اتنقل بين قطارين، وبهويتين، وأقطع الحدود بين دولتين ووردتين على حافة السطر بمحبرة قلم لا بجواز سفر...

بعدك أشعر بأنني أطفو بأجزائي المبعثرة على الحياة كما الورق ...، وأعيد كل مرة تلك اللحظات التي كانت بمثابة أوقات فارغة من الدهشة ..

لم أشكو من التعب يوماً حين كان يغزو جلدي. ذاك التعب الذي يتسلق حدود الذاكرة حتى أخمص الورق إلا حين غادرتنا في ذاك الصباح الرمادي البارد....

حاولت لأجلك أن أرفع نبرة صوت الأبجدية وأنا أتحدث مع كل تلك الوجوه التي توافدت علينا ونحن نضرم الوقت على موقد غيابك، وكأننا نغزل للحداد أثوابا بلون وقارك ...

كل شيء حولي أصبح يطفو بترف الخسارات الباهضة كأن الحياة خلعت عن وجهها أقنعتها التنكرية حين كانت اللحظة الخاطفة ترزح تحت وطأة الفاجعة الضبابية .

كل هذا النزيف الحبري الذي أكتبه اليوم هو إمتداد لتلك الإرتدادات التي إعقبت إنحباس صوتك الذي حفظ عن ظهر غيب في زوايا مختلفة..

أرواحنا حين تصطدم بمطبات الحياة القاسية تصبح كالخشب اليابس الملقى في غياهب البرد القارس..

***

مريم الشكيلية / سلطنة عمان.....

إحتمالٌ، أنْ

يكونَ العالمُ

مسودةً أُهمِلَتْ

على طاولةِ الغيب،

وأننا

هوامشُها المرتعشة

نحاولُ إقناعَ المعنى

بالبقاء.

*

إحتمالٌ، أنْ

تستيقظَ الأشياءُ قبلنا،

أنْ تفهمَ الكراسي

ثِقَلَ الانتظار،

وأنْ تحفظَ الجدرانُ

أسماءَ الذين مرّوا

ولم يعودوا.

*

إحتمالٌ، أنْ

يكونَ القلبُ

خطأً جميلاً في الحساب،

وأنَّ الخسارة

طريقةٌ أخرى

لترتيبِ الروح.

*

إحتمالٌ، أنْ

نكونَ قد عشنا

حياةً ناقصةَ الضوء،

فاستعارَ الحلمُ

صوتَهُ من الظلال،

وصارَ الرجاءُ

أثرَ قدمٍ

على ماء.

*

إحتمالٌ، أنْ

الطريقَ لا يقودُ إلى مكان،

بل يعلّمُنا

كيف نمشي

خفيفين

فوق هشاشتنا.

*

إحتمالٌ، أنْ

يكونَ اللهُ

قريبًا

إلى حدِّ الصمت،

وأنَّ الدعاءَ

ليسَ طلبًا

بل إصغاءً طويلًا

لما لا يُقال.

*

إحتمالٌ،

أنْ لا نصلَ أبدًا،

لكننا،

في هذا العبورِ المؤجَّل،

نصيرُ

أكثرَ إنسانية،

وأقلَّ يقينًا،

وأشدَّ

شبهًا

بالسؤال.

***

مجيدة محمدي

كثيرًا ما أبصرتُ نهايتي تقترب مني بسرعة خاطفة، حتى أكاد أتيقن أني لن أعيش الغد الذي صار جِد مُكرر بكل تفاصيله التي تشبه ترنُحي الراكض بين لهيب النيران في جَبهات شهدتْ موت الكثيرين بينما تركتْني حيًا، وكأني لا أستحق أن أنزف حتى الرَمق الأخير فوق الأرض المُتصارع عليها لسنوات ولا كنية شهيد كي تطغى هالتها المهيبة على كل ما اقترفتُ في حياتي من خطايا، فلا يُذكر شيء عني سوى أن الشاب المُتوفى مات دفاعًا عن حياض الوطن الغالي.

كم تعجبني وتغريني إلى حد الآن مثل هذه المُفردات الحَماسية، رغم أننا لا نفهم لها معنى محددًا في أغلب الأحيان، خاصة بعد عمرٍ من الاغتراب، أشعر أني بدأته من قبل تركي البلاد بكثير، وربما من قبل أن تنتهي سنوات الحرب الطويلة أيضًا.

وهكذا مضيتُ وسط ضياع، فقدت في خضم توَهانه نفسي قبل أي شيء آخر، حتى صرتُ ذلك الشخص المُقزِز الذي نقمتْ عليه هديل ولعنته مجددًا، بعد أن تهاوت بين ذراعيّ مثل أيام عشقنا الأولى بعد الزواج، وكأن مراوغة السنين تخشى أن تنال من سِحر جسدها الجميل وملامح وجهها الذي يشدُ الانتباه أولما تراه، وتلك النظرات التي تشعرك أنك مُميز لديها من بين كل الرجال المقَريبن منها، من الأقارب والأصدقاء وزملاء الجامعة.

عرفتُ كيف أتخطى كل من يحاول جذبها نحوه، فانساقت نحوي، كما لو أنها كانت تبحث عني دون أي رجل آخر، رغم أني أكبرُها بنحو عشرة أعوام، ورغم عدم امتلاكي ما يمكن أن يغري فتاة في مثل فتنتها ومستواها الاجتماعي، وما لوالدها من ثروة تواصلُ التضخم حربًا إثر أخرى، والثراء ليس مالًا فحسب، إنما عالم كامل أردتُ الاحتماء به من انهيار دنيايَ، فاستطعتُ على الأقل تأجيل بيع بيت والدي لبعض الوقت، وأيضًا اصطياد مبلغ من المال استطعتُ أن أحجبه في خلسة عن العيون، وقد أفادني في ذلك اعتقال صاحب السَطوة وارتباك شقيقيها تحت وطأة الخوف التي سرت في حياة العائلة.

لكني أيضًا لم أطمع بالكثير، وإلا لتصرفتُ معكِ بشيطانية حقيرة من أجل تجريدك من كل شيء، حتى مَساغك الذي كان يمكن أن يكون رأسمال حياة ترفرف بعيدًا عن أي ضائقة تتسلل إلى حياتي بعد ذلك، وإن كان داء القمار المَلعون الذي تلَبسَني لا يرتوي إسرافه أبدًا مهما تدفقتْ من أموال، سواء كانت من ضمن ثروات شخصية أم من أموال الشعب المنهوبة، حطَ بعضها على أكثر من طاولة قمار أمام عينيّ فلم أُصدِق ما تدخرُه بلادي من خَيرات رغم كل ما تناوبته من محَن وبلايا على مدى عقود.

لو أني لم أغادر ترابها الذي تشرَب دماء الكثيرين منا لدى كل حرب، لربما وجدت طاولات أكثر ثراءً ألعب عليها، وربما أيضًا يحالفُني الحظ فأصير سَيد الموائد الخضراء في عموم المنطقة (الخضراء) أيضًا.

ثرثرة وسَفسطة هَذيان لا وقت لها إلا مع هذا الكأس الذي لا يفرغ حتى أملأه من جديد، وأنا أجلس في ذات الحانة التي اعتادت إيواء ضياعي منذ فترة إقامتى الأولى في سوح هذه المدينة الغريبة والمألوفة لديّ إلى حدٍ كبير، كأني ولدت وأمضيتُ كل حياتي هنا، وكل ما مررتُ به من قبل كان مَحض وهم أو سَرد حكايات شخص آخر أعرفه عن كثب ولا يريد طيفه مفارقتي لحظةً واحدة، رغم رغبتي الجامحة بالتنكر له في أحيانٍ كثيرة، إسقاطه من ذاكرتي تمامًا، كأنه لم يكن موجودا، لعلّي أتحمس لبداية جديدة تنتشلني مما أنا فيه من استنزاف مستمر ظننتُ أنه قد يتوقف، أو ربما أملتُ هذا، عندمَا رأيتها أمامي في دنيانا الجديدة التي اخترناها بمَحض إرادتنا هذه المرة، إلا أن كل شيء ظلَ على حاله، بالنسبة لي على الأقل، مع تراكض السنوات حتى أدركني المَشيب وسكنت وجهي تجاعيد العمر وطيلة السهر على موائد القمار، بالإضافة إلى كؤوس الخمر التي تزيدُ معدتي حُرقة مما اضطرَني إلى دخول المستشفى أكثر من مرة، إلا أني كنتُ أغادر من قبل أن يُسمح لي، دون الإصغاء إلى أيٍ من تعليمات الأطباء وتحذيرهم بأني أقترب من حافة الموت في خطىً مُتسارعة، كما لو كنت في نهاية خريف العمر وكل ما يمكن أن أعيشه بعد ذلك سوف يكون بمثابة ضربة حَظ، مثل حظ المُقامر السعيد الذي قد يدركُه أخيرًا وقد بلغَ الدَرَك الأسفل من الخسارة ولم يتبقَ لديه من فرصة غير ورقة إنقاذ لها القدرة على تغيير الوضع تمامًا، من موتٍ محقَق إلى حياة أخرى أستنشقُ نسماتها مثل الوليد.

ذلك ما أردتُه منها بالتحديد، أن تكون ورقتي الرابحة، فرصتي الأخيرة للنجاة، لكن ليس كما ظنتْ، أني أود استغلالها ثانيةً، استنزاف أموالها من جديد كي أُسدِد ديون القمار المستمرة في تجدد دائم مع دفق أيامي الماضية دون هدف ولا وجهة محددة، كما هي عادتها دومًا، ثم أهملُها ما أن أحصل على غايتي، بلا مبالاة لِما وهبتني من حنوٍ أنثوي تلمستُ لهفته لدى عناقٍ تمنيتُ أن يطول ساعات الليل، بل كل ما تبقي لي من عمر، دون أن أرتوي من شهقاته أبدًا، لولا تلك الرنة الملعونة ونغمة التهديد المقيتة.

كل مرة تبعثُ فيّ ذات رعدة الخوف وكأني أُقبِل على تنفيذ حكم الإعدام، رغم كل محاولاتي أن أُولي ظهري للكلمات المتوَعدة، أيًا كانت، أتجاوزها بمجرد سماعها، وكأنها تخصُ شخصًا آخر، بالكاد أعرفه ليستحق أن أشفق عليه، لكن لا فائدة تُرجى من كل محاولة أُعدُ نفسي لها جيدًا من أجل التبرؤ من تعاسة الواقع بمجرد رؤيتي اسم أحد الدائنين على شاشة الهاتف، عندها تتبددُ كل مواطن القوة والتحدي التي أختزنُها داخلي، وتبقى غريزة الخوف وحدها هي المُسيطرة على كل خلجاتي، وسيلتي للبقاء على قيد الحياة طيلة سنوات مكوثي عند فوهات الموت.

أسيرُ في الظلام وأهجس أن مَلَك الموت يمضي ورائي، يتبعني مثل شبح يتخَفى في ظلمة الطرقات الموصِلة إلى الدار ضَيقة المساحة والمنعزلة عن صخب المدينة، مهَمشة ومَنسية ضمن البيوت المتلاصقة، كما لو أنها من مخَلفات قرونٍ مضت ولا يريد أحد تذكرها، حتى أن بعضها مبنية من الخشب إلى حد الآن، ويمكن لزوبعة ريح عاتية أن تُحيلها حطامًا.

كلما أدخل الحيّ أشعر أن الخطوات التي ظلت تتعقبني من شارع إلى آخر صارت أكثر اقترابًا مني، يكاد يلفعني صَهد أنفاس من تمَ إرساله في مهمة إرغامي على الدفع، أو ربما قتلي، وقد صرنا عند أطراف الطرق الخارجية التي لا تمرُ فيها دوريات الشرطة إلا قليلًا، أو بعد التبليغ عن حادث أو جريمة. قد يجدني أي شخص لا يعرف عني شيئًا جثة هامدة على جانب من الطريق، جثة غريب له ملامح شرقية لا يأبه أحد بالتعرُف على هويتها، خاصة وأني قدِمتُ إلى هذا البلد بمفردي، دون زوجة وأولاد، أو أي ارتباط يمكن أن يستمر لفترة طويلة، وقد يتم الاتصال بعد ذلك بكل رقم مَخزون في هاتفي حتى يصلُ النبأ إلى هديل ودنيا، أكثر إثنتين يمكن أن تهتما لأمري، وقد تبكيني كل منهما بحرقة كبيرة رغم كل ما تعرفه عني وتثقلُني به من تأنيب مستمر كلما التقينا، وإن كانت دنيا تختلف عن سَلاطة لسان مُطلقتي الثانية تمامًا، فهي الابنة الحَنون رغم كل شيء، لم تستطع أن تنسى اهتمامي ومحَبتي لها ولأخيها كما لو كانا ابنيّ أنا، حتى أنهما صارا يتشاجران مع والدتهما كثيرًا لإصرارهما على رؤيتي والخروج معي كي يُمضيان وقتًا طويلًا برفقتي، وكأني صديقهما الحميم الذي يكبرُهما بعدة سنوات لا أكثر، كما كانت تتذمر هند دومًا " كنتُ مسؤولة عن طفليْن، والآن ثلاثة".

حتى زواج دنيا لم أدَعه يُفلت من تدخُلي، رغم أنف أمها وخالها، بالإضافة إلى أمور كثيرة أخرى تخصها وشقيقها، فأنا الأب الذي ربَّى، رغم السخرية التي تثيرها هذه الجملة في أذن كل من يسمعها.

مسؤولية من ضمن المسؤوليات التي سرعان ما ألقيتُها عن كاهلي وفررتُ غير مُبالٍ لشيء أو لأحد، كأني أسعى إلى الانفصال عن ذاتي مرةً تلو مرة، في كل مرة أواجه عزلة وغربة من نوعٍ جديد، وفي النهاية لم أجد أمامي إلا حياة خاوية صارت تبدو مثل رجع صدى لا يلبث أن بنفذ إلى أيامي حتى ينزوي عنها سريعًا، فأبقى قابعًا في جمود يكاد يتخطف الأنفاس بخوائه من همس من يمكن أن يخاف عليّ ذات خوفه على نفسه، على وجوده واستقرار حياته، يغمرني بحبٍ يغنيني عن مراهقة لا ترضى أن تغادرني، إلا أني سوف أظل أتفلتُ من ذلك الحب، حتى إن وُجد، برد فعل شيطانٍ مارد يأبى إلا أن يتحكم بي حتى النهاية، نهاية أتغافل عن التفكير بها ما استطعت، لكنها لا تنفك عن مراودتي كل حين، أثناء الصحو، وخلال النوم أيضًا، ضمن كوابيس تعيدُني غالبًا إلى ساحة قتال تتراشق نحوها الصواريخ والقاذفات من كل صوب...

كل مرة أستيقظُ فزعًا قبل أن تتناثر أشلائي في الخلاء الفسيح، وأصوات الصراخ والعويل تواصل الزعيق في أذنيَ حتى بعد أن أفتح عينيَ وأتأكد من استلقائي فوق السرير، يعاودُني ذات السؤال المُحيِر والذي لا أظن أني سوف أحصل على إجابة مقنعة بشأنه في يومٍ من الأيام: لماذا بقيتُ على قيد الحياة ضمن من نجوا من محرقة الحرب الكبيرة بينما ظل الموت يستلب دون هوادة حياة شباب آخرين، خلَفوا وراءهم مآسي لا حصر لها، وأحلامًا مُرتسمة في ملامح سنوات لم تضئ شموسها وجوههم المتوارية تحت التراب، مع أمنيات دنيا كاملة ضاقت آفاقها في نحيب آباء وأمهات، زوجات وأبناء، وحبيبات ارتدين السواد قبل ارتداء ثوب العرس. إلى حد الآن ألتقي ببعض الأشخاص من ذلك الزمن المغترِب عن حاضرنا، فأبصر في أعينهم ذات السؤال العصيّ عن كل إجابة:

"لمَ تركتكَ أهوال الحرب على قيد الحياة، وما الذي فعلته بعمرٍ آخر وهبكَ إياه القدر بعد أن كتب لك النجاة من أهوال الجحيم؟"

***

أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

......................

* من رواية "اللعب على طاولة النخبة" الصادرة حديثًا عن دار ميزوبوتاميا للنشر/ سوريا

حين تعبتِ السماءُ من عدّ الصواريخ، وأصابَ المجرّاتِ صداعُ الحديد، سقطتْ الحربُ من يدِ الجنرالات كلعنةٍ عمياء لا تعرفُ من تلعنُ أولًا. كانت في البدءِ نشيدًا مزوّرًا، رايةً تتعلّمُ الكذبَ بسرعة، ثمّ صارت فمًا يعضّ خرائطَ الطفولة، ويشربُ أسماءَ القرى دفعةً واحدة.

*

الأرضُ، تلك الأمُّ الكونية، لم تعدْ تفرّقُ بين خطى الجنود ونبضِ القمح، فخلطتْ الدمَ بالمطر، وأرضعتِ القبورَ من صدرها المثقوب.

*

في المدنِ التي فقدتْ ظلالها، كان الأطفالُ يخبّئون قلوبهم في جيوبِ الوقت، ويكتبون واجباتهم على ظهرِ الريح، لئلا تصادرها الدبّابات.

*

الحربُ، حين تُكثرُ من نفسها، تفقدُ ذاكرتها، تنسى لماذا بدأت، وتواصلُ القتل كعادةٍ سيّئة يتوارثها الغبار.

*

البيوتُ لم تعدْ بيوتًا، صارت أسئلةً بلا أسقف، والنوافذُ تطلّ على أعمارٍ ناقصة، والأمهاتُ يعلّقن أسماءَ أبنائهن على حبالِ الغروب كي لا يضيعوا في العتمة.

*

حتى النجومُ أخذتْ تتراجعُ قليلًا، خجلًا من سماء تتدرّبُ على الانفجار، وأرسلتْ ضوءها متأخرًا كاعتذارٍ كوني لم يصلْ في الوقت المناسب.

*

عندما تتحوّلُ الحربُ إلى لعنة، لا أحد ينتصر، السيفُ يخسرُ يده، والمنتصرُ يعودُ مهزومًا بأثقلَ من الهزيمة.

*

وحدهُ الإنسان، ذلك الكائنُ الهشّ الذي تعلّمَ المشيَ بين النيازك، يقفُ عاريًا أمام ضميره، يسألُ: هل كانت هذه الأرضُ تحتاجُ كلَّ هذا الموت لتتذكّر اسمها؟

*

وفي آخر المشهد، حين تتعبُ اللعنةُ من اللعن، تتسلّلُ بذرةُ سلامٍ من شقٍّ صغيرٍ في الجدار، تكفي… كي يتعلّمَ الكونُ من جديد كيف يُنطق كلمة: حياة.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

 

لم ألبِّ دعوة صديقتي القديمة بوصفها احتفالاً عابراً بعيد ميلادها الخمسين، بل كأنني أستجيب لنداءٍ خافت صادر من عمق زمنٍ مشترك؛ من تلك العتبات التي نقف عندها لا لنستعيد ما كان، بل لنحدّق، بقلقٍ مكتوم، فيما آل إليه حالنا.

دخلت بيتها كما يدخل المرء ذاكرته:

بخطى مترددة، وبقلبٍ مثقل بالأسئلة أكثر مما هو مثقل بالحنين.

كان البيت مضاءً بإضاءةٍ حميمية لا تفضح التفاصيل، بل تكتفي بالإيحاء اليها.

صالون واسع تحوّل إلى ما يشبه ملتقى ثقافي مصغّر؛ وجوه متجاورة، متقابلة، لكنها متباعدة في العمق، تلتقي عند المجاملات ثم تنسحب سريعاً إلى عزلتها الأنيقة.

الضحكات خفيفة، مصقولة، تؤدَّى بمهارة، لكنها بلا دفء، كأنها جزء من بروتوكول غير مكتوب.

في الركن الأبعد من الصالة، تحلّقت مجموعة من الأسماء الأدبية التي اعتادت أن ترى نفسها مرايا لبعضها البعض.

انسحبوا من ضجيج الاحتفال، يقودهم زوجها هشام، الكاتب الذي بدا في ذروة احتفائه بذاته. كان يوزّع نسخ مجموعته القصصية الجديدة كما تُوزَّع الغنائم بعد معركةٍ رابحة. لا يقدّم كتاباً بقدر ما يعلن انتصاراً.

يده واثقة، ابتسامته مصقولة بعناية، والغلاف بين أصابعه يبدو كمرآة إضافية تعكس صورته التي لا يملّ تأملها. الكتاب يدور بين الأيدي لا ليُقرأ، بل ليشهد على حضوره، على أنه هنا، في المركز، في الضوء.

هنّأته بدوري، وتقدّمت خطوة، كأنني سأنضم إلى دائرتهم، غير أن حدساً غامضاً أوقفني عند العتبة. شيء يشبه البرودة، أو نفوراً صامتاً لا اسم له. تساءلت:

هل لأنني امرأة؟ أم لأنني خارج شلّته المحكمة؟ أم لأن حضوري لا يضيف شيئاً إلى الصورة التي يحرص على تثبيتها لنفسه؟

انسحبت بهدوء إلى ركن الصديقات، حيث الحديث أكثر عفوية وأقل ادّعاءً، لكن أذني ظلّت معلّقة هناك، كأن خيطاً غير مرئي يشدّني إلى تلك الدائرة.

كانوا يتحدّثون عن شاعرٍ عربي معاصر، اسمٌ ثقيل في تاريخ القصيدة الحديثة. غير أن هشام التقط الاسم كما يُلتقط خصم في حلبة، وراح ينهال عليه بلغةٍ قاسية، أقرب إلى التشهير منها إلى النقد.

قال ضاحكاً، ضحكة قصيرة حادّة:

"شاعر؟! أي شاعر! صور مستهلكة، لغة بلا روح، مجرّد ضجيج."

لم يسق مثالاً، لم يقتبس بيتاً، لم يشر إلى نص. بدا رأيه مكتفياً بذاته، لا يحتاج إلى شاهد.

استفزّني ذلك العنف الخالي من الحجة، ذلك التطاول الذي يتخفّى في ثوب الثقة، فقلت من مكاني، بصوتٍ حاولت أن أجعله هادئاً:

"ألا يستحق رأي كهذا شاهداً؟ نصاً واحداً على الأقل؟ نحن نتحدّث عن الشاعر ابن يوسف، عن تجربة أثّرت في أجيال كاملة."

رمقني بنظرةٍ عابرة، نظرة محايدة حدّ الإلغاء، ثم عاد إلى دائرته كأنني لم أكن. عندها أدركت أن هشام لا يناقش ليقتنع، بل ليؤكّد سيادته الرمزية.

كان كاتباً يخشى الضوء إذا سُلط على غيره، فيفضّل إطفاء المصابيح كلها.

كنت أعرف عنه أكثر مما يسمح به حضوره الواثق.

خلف تلك القشرة اللامعة، كانت سيرة متشققة.

هشام، الابن الأكبر لأبٍ غادر البيت باكراً، تاركاً زوجة وكومة أطفال دفعة واحدة في مواجهة الفقر والأسئلة. اضطر الفتى، وهو بالكاد يلامس المراهقة، إلى ترك المدرسة، ليحمل عبء الإعالة قبل أن يحمل شهادة.

لم يكن الحرمان مادياً فحسب، بل عاطفياً أيضاً:

انكسار صورة الأب، غياب السند، والشعور المبكر بأن العالم مكان لا يمكن الوثوق به.

حين انتمى لاحقاً إلى حزبٍ تقدّمي، لم يكن دخوله بوابة الأفكار بقدر ما كان بحثاً عن عائلة بديلة، عن اسمٍ يعلّقه على صدره ليغطي به هشاشته القديمة.

هناك، بين الجدران المزدحمة بالشعارات، اكتشف الكتب. لم يقرأ بدافع المتعة، بل بشراهة الجائع، كمن ينهش الورق ليعوّض حرماناً مبكّراً من مقاعد الدراسة. كانت المعرفة درعه وسيفه معاً، تعويضاً عن نقصٍ ظلّ ينهشه بصمت.

ومع الزمن، تسلّل ذلك النقص إلى نرجسيته.

صار حضوره ثقيلاً، وكلماته مدجّجة، كأن الدرع أثقل من الجسد الذي يحمله.

في المنفى أحبّ امرأةً فهمت عقدته قبل أن ترى قوته. فهمته أكثر مما يحتمل رجل اعتاد أن يكون مفهوماً على طريقته فقط. أنجبا توأمين، فسكب فيهما كل ما ادّخره من حنانٍ مؤجَّل، وترك الزوجة تتآكل بصمت على الهامش.

كان قاسياً معها، يقلّل من شأنها، يهينها، لا لشيء سوى أن نجاحها التعليمي كان مرآة صافية تفضح جرحه القديم. جرح الصبي الذي لم يُكمل تعليمه وبقي أسير عقدته.

في الندوات الثقافية، كان يمارس طقسه المفضّل:

يبدأ بالتحشيد الخفي، الهمس المسموم، وبثّ الارتباك في القاعة كما لو كان موسيقى خلفية لذاته المتضخّمة. وحين تتعثّر ثقة شاعرٍ أو ترتجف كاتبة، كان يبتسم ابتسامة المنتصر. تلك لحظته الذهبية.

في إحدى الامسيات، وبعد أن أنهت الاديبة قراءتها لمقاطع من روايتها الاخيرة، رفع يده كمن يرفع راية، ووقف بلا تمهيد. قائلا:

"ما هذا؟ قرأت كتابك، فوجدته قصصاً كانت أمّي وأمّك ترويانها على عتبة الدار. هذا ليس أدباً… ثم لا أفهم لماذا تكتبين بصيغة الغائب."

وأشار بسبابته:

"لاحظت ان ارتباكك وخوفك كان واضحا في الرواية، ولهذا تكتبين هكذا. ثم إنك تكثرين الكلام، والكاتب، في رأيي، عليه أن يصمت، ان يستمع."

أنهى كلامه وجلس، منتظراً صدى الانتصار.

بقيت الكاتبة هادئة، مبتسمة. قالت بصوتٍ ثابت:

"هذا رأيك، وأنا أحترمه، رغم أنه لا يمتّ للنقد بصلة. نحن لسنا في قاعة محاكمة ولا ساحة خصام."

وبعد أن وقّعت نسخ من روايتها، اقترب منها هشام معتذراً بهمسٍ خجول:

"آسف، لم أقصد التعرّض لشخصك".

ناولها كتابه إهداءً.

شكرته، وقدّمت له روايتها، لكنه قال بتكبّر:

"لا، لا أحتاجها."

ابتسمت هذه المرّة بسخريةٍ شفيفة، وتركت كتابه على الطاولة كما يُترك شيءٌ بلا أثر.

التفتت الى الاخرين اللذين تحلقوا حولها لتحيتها والتعرف عليها. بادلتهم التحية... ثم ودّعتهم.

وخلفها بقي هشام محاطاً بكلماته الجوفاء، وقد أدرك، متأخراً، أن نرجسيته بكل ضجيجها لم تنتزع منها حتى لحظة انكسار واحدة، وأن الصمت الذي غادرت به كان أعلى صوتاً من كل ما قاله.

**

سعاد الراعي / المانيا

حكاياتُ السّماءِ تقُصُّها الأمطارُ للبشرِ

وما همَستْ بهِ نجماتُها بالأمسِ منْ خبرِ

يُطرِّبُنا بهِ نقرًا على سقْفٍ جدا المطرِ

علىْ أوتاره عزف الهوا لحنًا من الأثرِ

وتنقشُهُ السّيولُ جَداولًا في الطّينِ والصَّخَرِ

وينقلُهُ الثّرى ثمِلًا إلى لُغةٍ منَ الصُّورِ

سيعرضُها الرّبيعُ غدًا على الأعوادِ والشّجرِ

تصدّقُها قلوبٌ في السّما دومًا على سفرِ

فمنْ شمسٍ إلى شمسٍ ومن قمرٍ إلى قمَرِ

ومن فجرٍ إلى عصْرٍ ومن غسَقٍ إلى سَحَرِ

قلوبٌ آمنت باللّهِ والآياتِ والنّذُرِ

وتنكرُها قلوبٌ تسْكنُ الصلصالَ كالحجرِ

فمن كهفٍ إلى قبوٍ ومن بدوٍ الى حَضَرِ

ومن ذنْبٍ إلى ذنبٍ ومن قصْرٍ الى سَقَرِ

قلوبٌ تُنكرُ اللهَ عيونٌ دونما بَصرِ

حكاياتٌ إذا نزلَتْ فكالقرآنِ والسُّورِ

فلا تخْلو-وإن كثُرتْ بشائرُها-من النُّذُرِ

تُطهّرُنا منَ الذّنبِ وتُؤتينا منَ العِبرِ

وتسرقُنا من الحُلْمِ الصّغيرِ ودربِه الوَعِرِ

لأحلامٍ بأيدينا مُغيَّبةٍ عنِ الفِكَرِ

وقدْ كنّا نظنُّ بأنَّها مُنَعَتْ منَ البشرِ

تُفرّحُنا وتسرقُنا لأيّامٍ منَ الضّجرِ

وتُنسينا مآسينا وصورةَ عيشِنا الكدِرِ

ولكنَّ الحياةَ وقدْ بدتْ في أقبحِ الصُّورِ

تَطايرُ فجأةً في العرْضِ مثلَ تطايُرِ الشّرَرِ

لتوقظُنا وتنصحُنا بأنْ نبقىْ علىْ حَذرِ

فإنّا لمْ نزلْ في بيْتِها المسْكوِن بالخَزَرِ

فنرجعُ مثلَ أغرابٍ على الأيّامِ والسِّيَرِ

كغرقىْ في مُحيطٍ دونما شطآن أو جُزُرِ

حكاياتٌ توالتْ خارجَ الأبعادِ والجُدُرِ

على أنّ مشاهدَها بِنا تنسابُ كالنُّهُرِ

أنفرحُ؟ أم نُعوّلُ كوْننا منْ خارجِ الصُّورِ

حكاياتٌ وأبطالٌ بلا خُسْران أو ظَفَرِ

تُنسِّينا حكاياتٍ يُصنّعُها بنو البشَرِ

سنصنعُها برحمته غدا والطينُ في الحفرِ

***

أسامة محمد صالح زامل

 

انطلق القطار في صمتِ صباحٍ باكر، فأيقظ سبات الغابات، والطرق المتثائبة، والبرك المهجورة، كأنّ الأرض نفسها تنفخ فيه الروح بخشوع. لم يكن مجرد وسيلةٍ للعبور؛ بل ذاكرةً حيّة، تحمل ما أُهمل من الأصوات، وما سقط من الحكايات على طول الطريق.

مرّ القطار بأصواتٍ لم تُكتب لها لغة، وكانت عجلاته المتسارعة تفتح صفحات كتابٍ بلا غلاف، مكتوبٍ بالندوب والدموع والانتظار الطويل. امتلأ الهواء برائحة آلاف الرحلات التي مرّت ولم تُدوَّن.

وحين عبر الغابة، خفّ صوته، كأنه ينصت إلى أنين الأشجار المقتلعة، وخشخشة الأوراق المتأرجحة في الهواء، وهي تبحث عن ذاكرةٍ لم تعد قادرة على الإمساك بها، وإلى هدير الطيور الباحثة عن مأوى أبعد من الريح.

وعلى السواحل، جمع نداء البحر همساتٍ ذبلت على الشاطئ، وصرخات نوارس تبحث عن وطنٍ لم يعد واضحًا على الخرائط.

وفي أحياء المدينة، امتصّ القطار دماءً جفّت على الحجارة، وصمت قرى هُدِمت في وضح النهار، ووقع أقدامٍ تعرف الطريق دون أن تعرف أين تتوقّف.

ارتعاش أضواء المصابيح في الصباح الباكر، وسكون مآذن صدئة لمساجد مهجورة؛ جميعها صارت جزءًا من سيمفونيةٍ صامتة. كلّ همسةٍ فيها نغمة، وكلّ ظلٍّ له قصة.

لكنّ المدينة، رغم هدوئها الظاهر، كانت ممتلئةً حتى الاختناق: همسات البيوت، ضحكات معلّقة في الهواء، حفيف الملابس على الحبال، وصوت قطارٍ آخر يختفي في الخلفية، كأنّ المدينة لا تزال تتنفّس.

مع كل محطة، صار القطار راوياً. كل نافذةٍ مرآة، وكل عربة صدرًا يتّسع لما لا يُقال. جمع خفقات قلوبٍ مجهولة، دموعًا لم تُسجَّل، وابتساماتٍ لم تلتقطها الكاميرات.

وعندما انتهت الرحلة، لم ينزل الركّاب وحدهم؛ نزل معهم عبق الحياة، وطعم ما ضاع دون وداع، وبذور أملٍ لم تُسمَّ بعد. تحوّل كل ذلك إلى أغنيةٍ واحدة، غاضبةٍ وواعدة، تتردّد بين السماء والأرض، حاملة أنين الأشجار، ودم الأزقة، وضحكات الأطفال، وبكاء العصافير في أعشاش الخوف.

كانت تلك الأغنية صوت التاريخ نفسه؛ صدى شعبٍ لم ينكسر، بل ظلّ واقفًا، يواصل رحلته رغم كل المتاهات.

أغنيةٌ تتردّدها المدينة، مبتسمةً بوجوه القادمين، ومع كل نبضةٍ ينبثق منها فجرٌ جديد.

***

قصة قصيرة

مامند محمد قادر

ما بين السبابة والإبهامْ

تتدحرج خرزات المسبحة كمثل سنين العمرْ

تتدحرج في إيقاع منتظم نحو القبرْ

والنظرة ثابتة صوب الافق المفتوح على الأحلامْ

وتمر القطة تتمطى

تهزأ من رواد الشايخانة

لا يجمعهم إلا خشب مهترئ لمقاعد نجاروها ماتوا

وعيون غارقة دون كلامْ

ما بين السبابة والإبهامْ

يخشوشن هذا الجلد وتبقى لينة خرزات المسبحة البيضاءْ

***

عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

في نصوص اليوم