عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نصوص أدبية

أمدّ يدي إلى الفراغ

فيسقط اسمك كنجمةٍ ناسِيَةٍ مدارَها

أخبّئه في جيب الضوء

كي لا يراه النهار.

قلبي لا يتكلّم

هو ساعةٌ مكسورة

تعدّ الوقت باتجاهٍ واحد:

نحوك

حين أمرّ بك

تتلعثم الجهات

ويخطئ البحر حساب الموج

وتتعلم النوافذ

كيف تُحدّق

أحاول أن أكتبك

فتسبقني الحروف إلى الغياب

فأتركها تتوه

وأجمع ظلّك

من بين الشقوق

إذا سال المعنى

أمسكه براحتي

وإن تشقّق

أرمّمه بأنفاسٍ لا تُرى

هذا الصباح

لم يقل قلمي شيئا

كان واقفًا

ينصتُ

إلى المسافة

وهي تناديني باسمك

دون أن تنطقه

***

رائدة جرجيس

الربيعُ تسمَّرَ عندَ الحقولِ

وشُلتْ خطاهْ

وطفلُ الربيعِ تحنَّطَ مِن هولِ رعبٍ

وقد جحظتْ مقلتاهْ

والطيورْ

لمْ تجدْ في المزارعِ حُبَّاً

لأن المزارعَ أضحتْ قبورْ!!

والضفافْ

يغادرُها كرمُ النهرِ

اذْ يلجمُ أبناءَها اِنْ دعاهُمْ سخاءُ الروافدِ قحطُ الجفافْ

أمَّهاتٌ بلونِ سوادِ الليالي

وأنتَ ـ كأنكَ لستَ من الناس ـ مستهترٌ لا تبالي

تقولُ بأنَّكَ أفضلُ مَنْ سكنَ الأرضَ طُرَّاً

وانَّ الأنامَ عبيدُكْ

وانَّ السماءَ تريدُكْ

والسماءْ

ـ مثلما علمتْنا الأماكنُ والأزمنهْ ـ

رَفعتْ نفسَها للفضاءْ

لكي لا يمرَّ بعليائِها المجرمونَ

ولا الأدنياءْ!!

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

أبقى أقولُ الى الرقيبِ مُعاتِبا

ما كُنتَ في رفضِ القصيدةِ صائبا

*

لا أدري ما السبب الذي قد غالها

فجرى المِقصُّ أ كُنتُ فيها كاذبا

*

أم كُنتُ فيها حامِلًا مُتَحامِلًا

حتّي تُقيمَ على القصيدة حاجِبا

*

هل كُنتُ في قولِ الحقيقةِ جائرًا

أمْ كُنتُ حَطّابًا بليلٍ حاطِبا

*

إنّي صدقتُ القولَ هذا ديني

أتَلومُ في قولِ الحقيقةِ كاتبا

*

ألأنّني حددتُ فيها موقِفًا

وذكرتُ عِتريسًا يُحَشّدُ خائبا*

*

هل في القصيدةِ ما يَشينُ وانّني

بيّنتُ فيها يا رقيب مَناقبَا

*

فالوعدُ مِنْ ربِّ البريةِ صادقٌ

نصرٌ مُبينٌ كان أمرًا غائبا

*

وعمى البصيرة شاء فيه حِكمَةً

ومَع العُتاةِ الحربُ امستْ واجبا

*

وبرغمِ ما فيها ستَفرزُ واقعًا

نصرٌ مِن الله يَحوزُ مَكاسِبا

*

وإذا الرقيبُ يرى التقيةَ مَخرَجًا

أملي يُناصِرُ أو يكونُ مُحارِبا

*

إنّ الحياةَ الى الشعوبِ كرامةٌ

فلها غدتْ تسعى وتَلعنُ غاصبا

*

ولها تتوقُ فإنْ تعذّر نَيلُها

شقّوا الطريقَ وبالدماءِ مواكبا

*

بدمِ الرجالِ بني الرجالِ تُقيمُهُ

دربًا ونهجًا للكرامةِ لاحِبا**

*

أمّا الذين بلا كرامَة حسبُهمْ

ذِلٌ كمثلِ الكلبِ يَصحَبُ صاحِبا

*

يسعى لسيدهِ يَعيشُ مُبصبصًا

ذيلًا لحيظى ثم يَصبحُ سائبا***

*

والى الرقيبِ هداكَ ربّي إنني

أرجو تكونَ مع الحَقيقةِ راتبا****

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

الثلاثاء في 6 نيسان 2026

.....................

* العتريس: الجبّار المتكبّر

** الطريق اللاحب: الطريق الواضح

*** بصبص الكلبُ: أي حَرَك ذَنَبَهُ

**** الراتب: الثابتْ

إنّي صعدتُ إلى الذُّرى،

وتركتُ خلفي ما يُقال،

وما يُدانْ،

فرأيتُ في عينيَّ خارطةَ الهوانْ،

تتكسّرُ الأسماءُ فيها،

ثم يولدُها الزمانْ.

لا البحرُ يسألُ: من أنا؟

ولا الرياحُ تُقيمُ وزنًا للعناوين التي

خطّت لها يدُ الإنسانْ.

كلُّ الجهات إذا تأمّلتَ انتهتْ

لصوتِ حقٍّ واحدٍ،

تتلوهُ ذاكرة المكانْ.

رأيتُ بحرًا

لا يُسمّى،

ففهمتُ أنّ الحقَّ

أوسعُ من لسانْ.

إنّي وقفتُ على فؤادي،

أناجي أطلالَ الهضابْ،

ورأيتُ فيهِ مدائنًا

تتقاتلُ الأسماءُ فيها

فوق ذرات الترابْ.

هذا يقولُ: أنا الحقيقةُ،

ذاك يمحو ما أقول،

ولا جوابْ.

فبكيتُ:

كيف يضيعُ وجهُ الأرض

بين حروفِنا؟

ويصيرُ بحرُ الحبّ في بلدي الحبيبة

مسرحًا للاغترابْ؟

فكلُّ أرضٍ تدّعي

أنّ الحقيقةَ ما تُسمّيها اللغاتْ.

رأيتُ بحرًا يحتوي

كلَّ الجهات وبعضَ أضداد الصفاتْ،

فقلتُ:

ما جدوى المسمى

والأغاني النازفاتْ

إنْ ضاعتْ معانيها،

وصارَ المجدُ لفظًا،

وفي التأويلِ ماتت كلُّ الأمنياتْ؟

حار السؤال،

حتى غدوتُ كأنّي

أثرٌ يُحدّق في الترابْ.

فرأيتُ ظلَّ الأرضِ

يمشي في ادّعاءاتِ السحابْ،

وتكسّرتْ في العين نجمة أخرى،

وتكشّفت سُدُل الحجابْ.

وقفتُ أقرأُ في الجهات،

فما وجدتُ سوى صدىً

تتناسلُ الألقابُ فيه بلا ثباتْ.

كلٌّ يقولُ: هنا أنا،

والأرضُ تصمتُ،

ثم تكشفُ عورةَ الكلماتْ.

فالحقُّ ليس بملصقٍ

يُلقى على وجهِ البحار،

ولا يُقاسُ بفيض دمعِ الباكياتْ.

إنّي نظرتُ إلى البعيد،

فلم أرَ الحدَّ الذي

رسموهُ بين الماء والماءْ.

كان المدى

يمحو خطوطَ الوهم،

يكتبُ نفسَهُ

بيدِ الخفاءْ.

فقلتُ: يا تاريخُ،

كم خبّأتَ من زيفٍ

يُزيّنهُ الرواةُ بلا حياءْ؟

إنّي سألتُ الريحَ:

من سمّى الجهات؟

فأجابتْ: الصمتُ الطويلْ.

ورأيتُ أنّ البحرَ

أقدمُ من نزاعِ الاسم،

أصدقُ من جدلِ القبيلْ،

لا ينتمي إلا لمدِّه

حين يعلو

أو يميلْ.

على حوافِّ الضوءِ

أبصرتُ معنىً لا يُقالْ،

يمشي على الماءين،

لا شرقٌ لديه ولا شمالْ.

فإذا اقتربتُ،

تكسّرتْ أسماؤهم،

وبقيتُ وحدي

في السؤالْ.

إنّي كتبتُ على الرمال:

الحقُّ بحرٌ لا يُحاصِرُهُ الجبانْ،

ثم انتظرتُ...

فما أتاني غيرُ صمتٍ

يملأ الأركانْ.

فعرفتُ أنّ الحقيقةَ

لا تُنادى بالهتاف،

ولا تُصاغُ كما يُرادُ لها

بأمرٍ من باع الأمانْ.

رأيتُ في الأسماءِ حربًا

لا تُرى

إلا لمن حدّ البصرْ.

هذا يُبدّلُ وجهَها،

ذاك يُجمّلُ زيفَها،

والكلُّ يقتاتُ الأثرْ.

لكنّ بحرًا واحدًا

يمضي،

ولا يُلقي اعتبارًا للبشرْ.

عدتُ ولا شيء معي

إلا حبائل من يقين

أنّ الحقيقةَ

حين تُختصرْ

تُخانْ،

وأنّ كلَّ تسميةٍ

لا تستندْ لعدلٍ

هي النسيانْ.

سَأَمْضي،

ويَكْفينيَ صَمْتُ الدروب

إذا ضَلَّ في اللَّفْظِ

وَجْهُ البَيَانْ،

فَحَقٌّ يُطِلُّ

إذا غابَ اسْمٌ،

ويَبْقَى،

ويَفْنَى

ضَجيجُ اللِّسَانْ.

بَكَيْتُ لِوَجْهٍ

تَوارَى بِحَرْفٍ،

وَضَاعَتْ مَعَ الاسْمِ

كُلُّ الجِهَاتْ،

فَلَمْ يَبْقَ إِلّا

صَدَىً في فُؤَادِي

يُنَادِي: دَعِ الاسْمَ،

هَذِي الحَيَاةْ.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

النّاسُ يا صاحِ عندَ ربِّهم رُتَبُ

وخيرةُ النّاسِ من لربِّهم رقَبوا

*

لكنّما الناسُ في ذي أمرُهمْ عجَبُ

ألجمْعُ همُّهُمُ والضَّربُ والنِّسَبُ

*

والجمعُ في البنكِ منْهُ البنكُ يكتسِبُ

حتّى تُفرِّقَهُ الشّهْواتُ واللّعِبُ

*

والدّينُ يُخلعُ والأخلاقُ والأدبُ

والشّركُ يملِكُ والآثامُ والكذِبُ

*

والجهلُ يُرفعُ والأرذالُ تُنتخبُ

والعلْمُ يُنزلُ والأشرافُ تنسحِبُ

*

ويُنذِرُ الشّيبُ فالأحشاءُ فالرُّكَبُ

وينفُرُ الأهلُ والبنيانُ ينخرِبُ

*

ويضربُ الدّاءُ والأبدانُ تلتهبُ

والطبّ تخذلهُ الأعراضُ والسّببُ

*

والعمرُ ينقصُ والأنفاسُ تضطربُ

والموتُ يحصدُ والأجداثُ ترتقبُ

*

والفصلُ بين عباد الله يقتربُ

من دونهِ وقْفةٌ في مَحشرٍ تجِبُ

*

والناسُ عن كلّ هذا غُفَّلًا ذهبوا

كأنّها بالهُدىْ لمْ تنزلِ الكُتُبُ

*

والنّارُ تشْكو ويشْكو حالَها السّغبُ

واللهُ موفٍ ومن ذي القوتُ والحطبُ

*

باللهِ نُهْ فالمنايا فجأة تثِبُ

وفي أكُفِّ المنايا تُرفعُ الحجُبُ

*

لله أَنتَ ويومًا سوف تغتربُ

عنْكَ الدّنى والمنى والشَّانُ واللّقبُ

*

وجنّةُ اللهِ بالطّاعاتِ تُكتَسبُ

فاخترْ لنفسِكَ واكتُبْ مثلما كتبوا

***

أسامة محمد صالح

ليس للغجرِ وطنٌ إلا اتساعُ الطريق، ولا جوازُ سفرٍ إلا أنفاس الخيول، ولا بيتٌ إلا صمتُ السهول حين ينامُ العالم.

*

أبناءُ الريح، يطوون المسافات كما تطوي النارُ الهشيم، يولدون كلَّ صباحٍ في جهةٍ مجهولة، ويذوبون عند الغروب في ألوانِ غيمةٍ لا تتكرر. هم قبيلةُ الطينِ الحالم، والضوء الذي لا تقدرُ الجدرانُ على احتجازه.

*

نساءُ الغجرِ يشبهنَ مهرجاناتٍ لا تُطفأ، ألوانُ أثوابهنَّ صاخبةٌ كالأمل، رقصاتُهنَّ تشقُّ الهواءَ كأنهنَّ يضربنَ على قلبِ الكونِ طبولَ الحياة. أيديهنَّ تحملُ خطوطَ النار والولادة، وجباهُهنَّ تسندُ شمساً لا تغيبُ عن الضحكِ أبداً.

*

ورجالُ الغجر؟ أوه، رجالُ الغجر، يجيدون العزفَ على أوتارِ القلوبِ المشرّعة، يغنونَ كأنهمُ يرممونَ انكسارَ العالم، كأن كلّ نايٍ خرجَ من ضلعِ حنينٍ قديم.

*

الغجرُ يعيشون على حافةِ الحياة، حيث تنتهي الخرائطُ ويبدأ الحلم. لا يحتاجون لجدرانٍ كي يشعروا بالأمان، ولا لسقوفٍ كي يتقوا المطر؛ فالله ظلهم، والسماء سقفُهم، والأرضُ مائدةٌ من حرية.

*

حين يجتمعون، تولدُ قريةٌ من ضحكٍ وأغانٍ وطبول، وحين يتفرقون، يتساقطُ الضوءُ من الحقول.

*

اضطُهِدوا لأنهم لم يؤمنوا بالقفلِ، ولا صدّقوا الحدادين، رفضوا أن يعلّقوا أسماءهم على أعناقهم ككلابٍ مطيعة، وآمنوا فقط بالإيقاعِ وبالخطوةِ التي لا تعود.

*

أيها العالمُ، إن كانوا بلا جواز، فهم يحملونَ خريطةَ القلب، وإن كانوا بلا جنسية، فإنهم أبناءُ الضوءِ العابر، وإن كانوا بلا منزل، فإن أرواحهم تُضيءُ الليلَ كبيوتٍ مضيئةٍ من الداخل.

*

أيها الغجرُ، أيها الشعرُ المتنقل، يا سلالةَ الفرحِ العابر، منفاكمُ هو أوطانُنا، ونحنُ المنفيون في خرائطٍ صمّاءَ لا تعرف الغناء.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

ينبثق من أكوام الحزن آلام وجروح، ملتحفة بدموع الثكالى والبائسين. يتفجّر صراخ من عمق الفراغ، ويهتز الأفق بصدى أنينٍ تصنعه قلوب مكلومة ذابت في رماد القهر، كأن الصدى يجرّ وراءه قوافل من الأسى، تتعثر في طرقٍ لا نهاية لها، وتترك خلفها آثارًا من رمادٍ يرفض أن يبرد.

ومن بين ذلك الصدى الممزق، تتساقط الأسئلة بلا جواب، فلا يبقى سوى ردود غامضة تلقي بظلال الشك في دوامة البحر، حتى تغرق الحقيقة رغم وضوحها. ومع ذلك، كلما مدّ يده ليلمس الوضوح، انقلب إلى غموضٍ أشد، كأن العالم يتآمر ليبقى بلا منطق.

كل سؤالٍ يتهاوى كحجرٍ في بئرٍ بلا قاع، فلا يُسمع له ارتطام، ولا يُرى له أثر، سوى دوامة تتسع في العتمة. ثم، حين يخيّم الغموض كستارٍ كثيف، كل جدار يهمس بأسرار لم تُفكّ شفرتها، ومن بين تلك الهمسات تتصاعد أصوات مبهمة تطمس الحقيقة عند ممر الحسم. تحمل بذور الموت لتزرعها في حقول التشويش، وتنقض كالطيور الداكنة على يقين الأسئلة لتنهشه في مهدها.

تتداخل الأصوات كأنها خيوطٌ متشابكة، لا يعرف المرء أين تبدأ ولا أين تنتهي، لتصنع شبكةً من الغموض تحاصر العقل والروح معًا، وتعاظم يقين هذا الكائن أن المجهول خلف الضباب يتسع بلا نهاية، كلما انحدرت الغيوم المثقلة لتغلق حافات العالم عند الأفق القريب؛ ذلك الأفق الذي غدا سرابًا يسكن في النفس كمستقر، كظلٍ ثقيل يلازم الروح ويغرقها في دوامة القلق.

هناك، في لحظةٍ يائسة، يبدو أن الضباب ليس مجرد ستارٍ خارجي، بل امتدادٌ لارتباكٍ داخلي يثقل الكائن ويضاعف غربته.

وفي ومضة خاطفة، ينفتح الامتحان الحقيقي: فرزٌ صارم بين مواطن الصدق ومكامن الكذب. هناك، في مرآةٍ مكسورة، يطل نصف وجه ببرودٍ صقيعي ساخر، فيما النصف الآخر يذوب في شمعةٍ تتوهج على الرغم من آلام الاحتراق.

وما بين المرآة المكسورة والشمعة المشتعلة، يتردد صدى سؤالٍ أبدي: هل يمكن للصدق أن ينجو من الاحتراق، أم أن الكذب وحده يعرف كيف يتجمد ليبقى؟

وهكذا، يبقى الوجه الممزق شاهدًا على امتحانٍ لا ينتهي، بين صدقٍ يتوهج رغم الاحتراق وكذبٍ يتجمد في صقيع السخرية، تاركًا السؤال معلّقًا بلا جواب.

***

كفاح الزهاوي

 

خرج هذا الصباح على غير هدى، تائها محَنَّط الأفكار، يتنفس بصعوبة، يشعر أن حياته أصبحت تفتقد للمعنى، وأن الأحداث تجاوزته وهو يمضي بهدوء بجانب الحائط، غير منتبه لاِنسيابية السنوات وسرعة اِنصرامها، وغير آبه بالوقائع التي عاشها دون أن يستلهم منها العبر، مكتفيا بركنها على رفِّ الذكريات، والمضي خلف سراب يَظُنّه الصَّادي ماءً وهو مُجرّد وَهْم.

ركب التّرام من محطة الليمون، لم تكن لديه فكرة أين سينزل؟ ولا متى سينزل؟ ولا أين سيذهب بعد النزول؟ كانت المناظر تتوالى وهو شاخص ببصره عبر النافذة، البنايات سامقة عالية بعضها بزجاج مدخن، وبعضها بواجهات عادية، والحدائق بأشجارها العالية ومساحاتها الخضراء، عناق بين الزمن والمكان في لحظة الاِنسياب، عيناه تحضُنان المشاهد فَتَنْتَابُه رعشات دِفء تُبدّد برودة الطقس، كانت السماء تجود بغيثها، لأن الفصل شتاء، والأمطار تجاوزت المعتاد.

فكر:

"لعبة البحث عن الزمن الضائع تتواصل، زمن الأبيض والأسود، زمن قوس قزح عندما تعانق ابتسامة الشمسِ رطوبةَ المطر، زمن الفصل بين الممكن والمستحيل، والمضمر في سحر المنظرِ وجمال الصورة، لعلّ الحاضر يكون رحيما بقلب آلَف العِشق وآنس للحظات الاِنتشاء، فيجود عليه بشذرات من السكينة وفلذات من نور المهادنة، ويسمح للعقل الباطن بالتوافق مع العقل الواعي لخلق جسر نحو تلافيف الذاكرة وإعادة ترتيب تجليات الماضي مع بوح الحاضر"

كان الترام يواصل مسيره، منسابا كثعبان، وكان هو مستسلما لتساؤلات عميقة تَشُجّ رأسه، ويحاول أن يتجاوز مطبات الواقع البائس الذي يفرض على أمْثَاله الخُضوع لناموس مَبْنِي على مَنطق تأمُّلي ناقصٍ، يدفع به إلى القبول بتصنيف مهزوز، في مجتمع لا يحسن إلا أكل أبنائه، حَقّ له اليوم أن يعود إلى خبرات الأمس، ويتذكر ذلك النهم الرهيب لِالتهام كتب كبار المفكرين، من أمثال جون لوك، وجون ديوي، وروسو، وبياجي وطوماس هوبز وغرامشي، وابن خلدون ...

قفزت إلى ذهنه فجأة قولة لروسو من كتاب العقد الاجتماعي كان يرددها الأستاذ الفلسطيني للتربية وعلم النفس الذي كان يدرسه بمدرسة المعلمين:

"ولد الإنسان حرا وهو في الأغلال حيثما كان، ذاك يظن نفسه سيد الآخرين، وهو أكثرهم عبودية"

توقف الترام في محطة “المارشي سنترال”، وقع بصره على فندق

لنكولن، عمليات الترميم بعد سنوات من الإهمال تسير ببطئ، قرأ على اللوحات الإشهارية التي تحيط بالورشة:

فندق لنكولن: تاريخ الإنشاء 1917م

المهندس المصمم: هيبر بريد

طراز: أرت ديكو

تحرك الترام، أعلن صوت المذيعة أن المحطة القادمة هي “ محطة الدار البيضاء المسافرين” فكر في النزول، وممارسة رياضة المشي على طول شارع محمد الخامس، لكنه تجاوز الفكرة ومد رجليه إلى الأمام وأسند رأسه إلى زجاج نافذة الترام، واغمض عينيه، وهو يستمع إلى موسيقى “نينو روتا” عبر سمَّاعات الهاتف معتمدا خاصية البلوثوث، تسآل بسخرية: “ماذا لو عاد الأسلاف من رقدتهم الأبدية وشاهدوا السحر التكنولوجي الذي ننعم به، حتما سيعتبرون ذلك إعجازا”

التساؤلات لن تُغيّر من واقع الحال شيئا، فلكل زمن مُعجِزاته وأساطيره، ويصعب علينا اليوم رغم ما نَحن فيه من تقدم عِلمي خارق أن نتخلى عن سِحْر الأزمنة الماضية لأنها بكل بساطة تفسح المجال للخيال وتفتح باب الاِبتكار والخلق، هكذا استدرك وهو منصرف إلى الاستمتاع بلحظة ذهنية تداعت لها جوارحه، مستجيبة  لهرموني السعادة” الدوبامين والسيروتونين”.

توقف الترام بمحطة الدار البيضاء المسافرين، ظل على حاله مغمض العينين، مشدودا إلى الحالة التي انتابته وأودعته عالما يتجاوز حدود الواقع البائس الذي يحس نفسه أسيراً له.

“لا شيء يستحق أن نُسلم بسببه أنفسنا لسيرورة لا نتحكم فيها، ولا نملك القدرة على التعامل مع سياقاتها، لأننا نَعلم منذ البداية أننا مجبرون على القبول بالمفاجئات الأليمة، والرضى بالنتائج القاسية التي تفرضها قوى غير معروفة”

تحرك الترام من جديد، وهو منسجم مع وضعه السابق، غير آبه بما حوله، ولا منتبه لما يجري ويدور من حركة ودُربةٍ، انتبه بعد مُضي ردح من الزمن أن صوت مذيعة الترام قد توقف، وأن شيئا ما قد تغير، تحرك في مكانه ثم فتح عينيه، جال ببصره مستكشفا المكان، اكتشف أن معالم عربة الترام قد تغيرت تماما من الداخل، وأنه لم يعد يَجلس في مكان مكشوف بل أصبح يقبع داخل مقصورة تشي بأنه يوجد بعربة قطار، تطلع إلى النافذة، صُدم بمشاهد طبيعية تجمع بين المساحات الخضراء، وتدفق مياه الينابيع، وشموخ الرُّبى والجِبال، عاد ببصره إلى داخل المقصورة، كانت تجلس بمواجهته سيدة في مُنتصف العمر بيضاء البشرة وبجوارها يجلس شيخ تجاوز السبعين وشابٌّ دون الثلاثين، وفي الجهة المقابلة كان يجلس كهل في مثل عُمره وسيدة شقراءَ تَشِي مَلامحُها بأنّها أوربية، لاحظ أن السّيدة الجَالسة أمامه تُشبه زوجته السابقة زهرة المنوني، جمعهما حب كبير وفرقهما طلاق فجائي.

قد مضى على هذه القصة ثلاثة عقود، كذلك السيدة الشَّقراء ملامحها تُذكِّره بجان دونكور حبيبته التي عاشت معه في شقة واحدة خلال سنوات دراسته بمدينة ليون الفرنسية.

سألته فجأة السيدة التي تشبه طليقته: “ألست بوشتة الراضي ؟”

رَدَّ بِصوت خَافت:” نعم هو ذاك، وأنتِ طبعا زهرة المنوني”

اِبتسمت ونظرت إليه بِمُقلة مُنْكسرة وقَالتْ:

- كان صرحا من خيال فهوى، لا ذنب لإحد منّا فيما حدث، لن

أَلومك على تلك الكلوم التي تسببت لي فيها بغيرتك العمياء.

-كنت أحبك بجنون، وكان وجودك في حياتي بمثابة نسمة ندية

تنعش صفاء سريرتي.

هو صادق فيما قال، فبعد عودته من ديار الغربة اِلتقى زهرة

وتزوّجا بعد قصة حب هادئة، لكن الأقدار كان لها رأي أخر

فغيرتْ مجرى الأحداث، ومضى كل لما قُدّرَ له، قد تكون هذه الفكرة مجرد مبرِّر لِغيرته المفرطة، ولِسلوكها غير المُتّزن، وأهواء النفس يصعب التحكم فيها فهي باب مفتوح على تصرّفات مُتباينة ومُتداخلة قد تُفْرز نتائج صعبة التقبُّل، وهذا ما حدث معهما.

اِفترقا، ثم تزوجت وهاجرت صحبة زوجها إلى كندا، ولم يعد يسمع شيئا عنها.

أيقظته من سهوته وهي تقول:

-أتعلم أن تلك الشهور التي قضينا معا، كانت ثَمرتُها اِبنا في عقده الثالث.

ابن؟؟!! لعل هذا أخر شيء يمكن أن يخطر على باله، سألها

بصوت حادّ:

- لماذا  أخفيت عني هذا الأمر؟ أهو انتقام أم حقد دفين

رّدت وهي تبتسم:

-لا هذا ولا ذاك، بل كان الأمر مجرد عِناد لَيس إلّا، فقد كنتُ بعدَ طلاقنا في حالة تدمّر أبحثُ عن قشة أتشبت بها علّها تُنقدني.

قاطعها بصوت غاضب:

-هي مُبررات تَسُوقِينها، ولكن ما باليد حيلة ما لا يدرك كلّه لا يُترك جُلّه

رَفعت يَدها وأشارت إلى الشابّ الجَالس بجانب الشيخ وقالت:

-هذا هو ابنك “عزيز”

ثم تابعت موجهة الكلام للشاب:

-هذا الرجل الجالس أمامي هو والدك “بوشتة الراضي”

ابتسم الشاب في وجهه ببرود ولا مبالاة، أدرك أنَّ تَعامله معه بهذا الشكل شيء عادي، واللقاء الأول يكون عادة صادما للطرفين.

أحس فجأة بثقل في رأسه، وتسرب إلى عينيه الوسن، فأتكأ على إطار نافذة القطار واستسلم للنوم.

عندما استيقظ جال ببصره في المقصورة، اكتشف أن زهرة المنوني والشاب الذي قالت عنه أنه “ ابنهما” اِختفيا، كذلك

انتبه إلى اِختفاء الشيخ السبعيني، بقيتْ فقط السيدة الشقراء

التي تشبه صديقته السابقة جان دونكور والكهل الجالس بِحذائِها سألها عن زهرة وابنها،أخبرته أنها لم تنتبه إلى غيابهما.

فكر متسائلا:” هل كان حديثه إلى زهرة مجرد وَهْمٍ أو تخيلات

عابرة”.

تجاوز هذا الشعور، واعتبر الأمر مجرد توهمات مرّت بخياله وانتهى أمرها، عاد لاحتضان المشاهد الطبيعية بناظريه، ودخل حالة انبساط قصوى.

طرق سمعه فجأة صوت السيدة الشقراء التي انتقلت لتجلس بمواجهته وهي تسأله:

- كيف هي أحوالك يا “بوش”؟

التفت نحوها، حدق في وجهها ذي البشرة البيضاء الناعمة، هي جان حبيبة الأمس، لا أحد غيرها كان يناديه باسم “بوش”، لاحظ أنها لا تزال تحتفظ بجمالها الذي كان صارخا، رغم بلوغها الستين ربيعا.

رد عليها مبتسما:

- جان!! أي ريح طيبة حملت طيفك إليّ

أمسكت يديه وضغطت عليهما بحنو، ثم قالت:

-أنا لست طيفا يا بوش أنا جان حبيبتك

فكر: لعلها تخيلات جديدة تداهمه، وجان قد تكون وَهْما عابراً

كزهرة، هي لعبة زمانية ماكرة تربك حساباته وتدفع به نحو دوامة تتحكم في حدود إدراكه، وتمزج بين الحقيقة والخيال في شكل صور ذهنية متداخلة لا يستطيع فهم سياقاتها.

قال بصوت خافت متسائلا:

- من رتب لهذا اللقاء بعد أكثر من ثلاثة عقود من التنائي؟

ضحكت جان وقالت:

- للقدر أحكامه يا صديقي

- لقد اختلفت مشاربنا في لحظة فارقة، أنت اخترت البقاء في وطنك، وأنا قررت العودة لبلدي.

- نعم هذا أمر مسَلّم به، لكن القدر له ترتيبه الذي يجبرنا على الامتثال لمشيئة الله والرضى بالمكتوب.

- كلامك يحمل الكثير من المعاني ياجان

اِبتسمت، وهي تَنْظر إليه بِحنان قرأه في عينيها الزَّرقاوين، ثم

قالت:

- حكايتنا لم تنتهِ رغم فراقنا، لأنك زرعت بين أحشائي جَنينا فَضّلت الاِحتفاظ به، وهو اليوم فتاة على أعتاب الأربعين من العُمر، طبيبة أطفال وأم لطفلين هل تصدق هذا الأمر ّ؟

كيف لا يصدق هذا الأمر؟!! فهذا يوم المفاجآت، ابنٌ من زهرة وابنةٌ من جان، اِبنان كانا في علم الغيب، وهاهما اليوم واقع أكيد.

ران صمت قصير على المكان، سرعان ما كسّرَته جان قائلة:

-أتمنى أن لا أكون قد أزعجتك بخبر وجود  ابنتنا “ماريا”

بدا عليه الحزن، وفاضت عيناه بدمعتين وقال:

- ليس هناك إزعاج بل أسف على السَّنوات التي مضت من عمري وأنا أجهل أنّ لي ابنة .

شَعَر من جديد برغبة في النوم فمال برأسه على إطار النافذة وهو ممسك بيدي جان، الزمن تَعطّل، وروحه هامت في ملكوت

التجلي، هو الأن في لحظة إمساك بِشِفْرَات الفرص الضائعة، وإعادة ترتيب أوراقه القديم منها والجديد.

كان لا يزال غارقا في نومه عندما أحس بيد تُربت على كتفه

وتحركه بقوة، فتح عينيه مذعورا وهو يقول:

“ ماذا هناك يا جان؟”

رد عليه صوت رجالي:

- جان ‼ يبدو أنك كنت تحلم ياسيدي، أنا مراقب الترام، وقد

قطعنا ثلاث رحلات ذهبا وإيابا بين محطتي ليساسفة وسيدي مومن وأنت غارق في نومك.

اِعتذر للمراقب، وهو يقول:

-يبدو أن الحبوب المهدئة التي أتناولها كان مفعولها قويا لأنني تناولت جرعة زائدة دون أن أنتبه لذلك.

ساعده المراقب على النزول، كان صوت المؤذن يعلن دخول وقت صلاة العصر، دَعك عَيْنيه عِدّة مرّات ومَسحَ زُجاج نظّاراته

بكُمّ قميصه ثم أعاد وضعها، انقلب على عقبه يستحثُّ الخطى   قاطعا شارع عمر الخيام في اتجاه مسكنه الكائن بحي اسميرالدا،

كان قد بدأ يسترجع أنفاسه ويتجاوز حالة الشرود التي عاشها في الترام، لكن هذا لم يمنعه من اِعتبار الحَالة التي مرَّ بها مؤشرا على حقائق قد تتكشف في أي وقت وزمن، لأن زهرة وجان جزء من ماضيه.

كان قد وصل إلى مسكنه، الزُّقاق فارغ وسيارته الصغيرة بلونها الأسود في ركن قصي، فتح الباب ودلف داخلا، صعد الدُّرج بتثاقل، فتح باب الشقة صفعته برودة قويه وهو يلج، اِتجه إلى الصالون، تمدَّد على الكَنَبة الجِلدية، هذه الأيام يعيش وحيدا

بعد سفر زوجته عند ابنهما بدوسلدوف لإجراء فحوصات طبية،

هي سيدة طيبة تزوجها مباشرة بعد طلاقه من زهرة، عاش معها سنوات طويلة دون مشاكل تذكر،لأنها بكل بساطة كانت تتحمل حماقاته وتتجاوز عن أخطائه الكثيرة، كان يلقبها “ بالقديسة”

فهي ربة بيت حادقة، وأستاذة فاضلة، وحتما ستغفر له ظهور

عزيز وماريا في حياتهما إن كان وجودهما حقيقة لا مراء فيها.

اِتصل بزوجته عن طريق مكالمة مرئية، سألها عن أحوالها الصحية، وعن اِبنه وزوجته وأحفاده كلٌّ باِسمه، فلخَّصت الجواب في جملة واحدة:” الحمد لله كلنا بخير ننتظر فقط

حضورك” حَمَدَ اللهَ وشَكرهُ وأسَرّ لها بأنه قادم في بداية الشهر

بعد حصوله على التأشيرة، وكاد يخبرها بقصة اِبنيه التي عاشها على متن القطار، لكنه اِستكنفَ عن ذلك.

**

مرّ أسبوع على الحالة التي مرّ بها، وطوى صفحة زهرة وجان، وبدأ يُعدّ العُدَّة للسَّفر إلى ألمانيا بعد أن عادت السَّكينة لقلبه وشعر بالاِرتياح، وتخلص من تبعات الأفكار المُحنطة التي سيطرت على تفكيره، ودفعت به إلى مستنقع الكآبة، السفر إلى دوسلدوف مفتاح لكسر وحدته.

اختار قبل يوم من سفره أن يقضي سهرة بفضاء أنوار بعلبك في ضيافة صديقيه حسن أبو الريش ضابط الجيش السابق، وعباس بندحو طبيب الأمراض النفسية المتقاعد، تناولوا وجبة سمك مشوي مسبوقة بِسَلَطَاتٍ مغربية وأخرى مكسكية، وشربوا كؤوس الشاي الأخضر المنعنع، وحَلَّوا بالآ يس كريم، تبادلوا النكت والقفشات، واستعادوا ذكريات الشباب ومغامرات الماضي المنفلت، قال حسن أن الحياة لا تُساوي جناح بعوضة ويصعب فهمها لهذا يجب أن نعيشها دون تَعقيدات ونمارس لا مبالاة مقصودة لتَجنب أثرها السِّلبي، وقال عباس أن جوهر الوجود يقتضي أن نستمع لصوت القلب والعقل في نفس الوقت، وأن نبتعد عن المُنغّصات، ونواجه تقلبات الحياة بالعاطفة والحب وأحضان الأسرة، أحس بأنَّ رأي صديقيه منحه حافزا للاستمرار ومواصلة الرحلة حتى في أحلك الظروف.

عند منتصف الليل وفيما كان يـتأهب لمغادرة فضاء السهرة، صحبة صديقيه رنّ هاتفه، كانت المكالمة عن طريق تطبيق في الإجابة على المكالمة لحظة ولكنّه في أخر الأمر المسينجر تردد

تغلب على تردده وأجاب:

- ألو من يوجد معي على الخط؟

رد عليه صوت أنثوي:

- أنا زهرة المنوني طليقتك

بدت عليه الدهشة والاستغراب ثم قال:

- مرحبا بك، كيف هي أحوالك؟

- أنا بخير

ثم تابعت بعد لحظة صمت قصيرة:

- هناك أمر أريد أن أخبرك به

قاطعها قائلا:

- الأمر يتعلق بعزيز ابننا

ردت بصوت تشوبه رنة دهشة:

- كيف عرفت هذا.. مستحيل حتى اِسمه تعرفه

ضحك وهتف قائلا:

- مسألة حدس وحالة خاصة عشتها منذ أسبوع، ولا داعي للخوض في تفاصيلها

- عزيز يرغب في لقائك باعتبارك والده البيولوجي رغم أنه مسجل باسم زوجي المتوفي مؤخرا.

- أكون سعيدا بلقائه بعد رجوعي من ألمانيا، لأنني مسافر لزيارة أخيه وزوجتي

ثم أردف متمتما:

- الغريب أن هناك أختاً لهما “ ماريا” من جان خطيبتي الفرنسية

قالت زهرة برنة سخرية:

- ثلاثة أبناء لا أحد يعرف منهم الأخر

ثم ختمت المكالمة بطلب رقم هاتفه حتى يتواصل معه ابنه.

استمع صديقاه إلى حديثه وهما مستغربان مما دار بينه وبين المتصلة به، علق عباس وهو يقلب شفتيه:

- كنا نظنك شخصا عاديا دون ماض يذكر، لكن يبدو أنك

“ طلعتي بِخْبِيزْتَك “

ردّ وقد ارتسمت على ثغره ابتسامة شاحبة:

- أنا ضحية لماض لا يد لي في تفاصيله، القصة بدأت حدسا

وانتهت حقيقة لا غبار عليها.

فارق صديقيه وعاد إلى مقر سكنه، أسلم جفنيه للنوم، وعقله وقلبه مع رحلة دوسلدوف التي تنتظره في اليوم الموالي حيث يختلط الشوق بالترقب لما ستخبئه من مفاجئات تهم بالدّرجة الأولى صحة زوجته، له أمل كبير في الله أن تكون بخير وأن يجد فرصة للاستمتاع صحبتها بجمال نهر الرين وأسواق “ كونيغسالي”

وكذلك صلة الرحم مع ابنه وزوجته وأحفاده، وسيحاول بكثير من التروي وسعة الصدر، مع مراعاة الأجواء السائدة، إخبار زوجته بالمستجدّات الطارئة على حياته.

***

قصة قصيرة

محمد محضار

03/ 04 /2026

 

مقام النكريز

(وجهٌ يلاحقني في النور)

***

نورٌ... وأنتَ بلا ظلٍّ واقفْ

ووجهُكَ يسبقُ خطوكَ دومًا

كأنَّ العيونَ اعترافٌ ثقيلْ

*

فلا، لستَ حرًّا...

جميعُ الخطى مرصودةْ

والهواءُ يعيدُ اسمَكَ

كلّما حاولتَ أن تنسحبْ

*

تمرُّ الوجوهُ... عينًا فعينْ

تراكَ... وتُبقيكَ فيكَ

*

وتسمعُ صوتَكَ في كلِّ شيءٍ

كأنَّ الصدى

لا يغيبُ عنكَ

*

وتنظرُ نحو المرايا: حدًّا

فتنغلقُ الآنَ حولكَ

لا لأنَّ الزجاجَ قاسٍ

ولكنْ لأنَّكَ مكشوفْ

*

فكم أنتَ مرئيٌّ... بلا ساترٍ

وكم أنتَ محكومُ هذا الظهورْ

*

وكلُّ العيونِ

تفتّشُ فيكَ

وكلُّ الممرّاتِ

تدلُّ عليكَ إذا ما عبرتْ

*

تبدّلُ وجهَكَ... وجهًا فوجهْ

ولا يتبدّلُ فيكَ الحضورْ

*

وتلبسُ صوتَكَ عند الصباحِ

فيثقلُ في الحنجرةْ

حتّى يُرى

*

فامضِ كما أنتَ... لا تنثنِ

ثقيلاً... كثقلِ الكلامِ المعادْ

وخائفًا... من صدى

لا يزولْ

*

اكتبْ على الضوءِ سرَّكَ جهرًا

ودعْهُ يُقالْ

كما لم تُرِدْ

*

فلا سترَ الآنَ

غيرُ انكشافِكَ

ولا مهربَ

غيرُ هذا الظهورْ

*

التمسْ عذرًا لنفسِكَ

حين تراها

معلّقةً في عيونِ الجميعْ

*

ولأنَّكَ حينَ مرّتْ حياةٌ

عرفتْكَ

قبل أن تعرفَها

*

ولأنَّكَ حين اصطدمتَ

بصورتِكَ الأولى

لم تنكسرْ

بل بقيتَ كما أنتَ

مكشوفًا... مرئيًّا

بلا أيِّ حجابْ

*

نورٌ... وأنتَ بلا ظلٍّ واقفْ

في ساحةٍ لا تنامْ

*

وكلُّ الجهاتِ

تراكَ... وتعرفُ اسمَكَ

*

فكم أنتَ مرئيٌّ هذا المساءْ

وكم أنتَ رغمَ الظهورْ

وحيدٌ

في هذا الانكشافْ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

لمـاذا أستعجلُ نَيـســان..؟

وقد قـضمَ سَوسناتـي ذاتَ رَبيــعْ

لن يقفزَ تـُفَّاح الشَّام على شفتيكَ

ولنْ تشربَ منْ قُــزحِ عَينَيَّ

لتكتَفِ بِندَى الصَّباح

الغافِـي على أوراقِ التُّـوتْ

لـن أعترفَ حتى أرى وجهَ الهواءِ

يرتَجِف على شفتيكَ

وأبـراج الغُـيومِ تمطرُ مِن عينيكَ

دَعِ النَّسيمَ يَلهُو بشعريَ الغَجريّْ

لعلَّ ومضَ غِيرَتِكْ

*

يُشعلُ أمواجَ الحَنينْ

دَع القمرَ يَتلألأُ على صَدري

حاملاً كأسَ نَشوةٍ وقَصيدَة

تَرنَّمْ على شواطِئ سَطوتِي

ريثما يتكوَّرُ بحرُ اليَقينْ

***

سلوى فرح - كندا

اطْلِــقْ قــوافِــيك، تَوْثِـيقــا لِمَفْـخَـرَةٍ

مَســارُها الحَــقُّ والابــداع مطــبوع

*

خُطى التـَعــفّـفِ، في أجوائهـا قَـبَسٌ

مِن النّــقاء، وَهــامُ الطّهْـرِ مرفــوعُ

*

الذِكرى فيـهـا، تـزيدُ المحـتوى ألَـقـًا

حُسْـنُ الـنّوايا، مَدى الأيام مَسْمـوعُ

*

(يامَن يعــزّ عليــنـا أن نـفارقَهـم)

جَذْرُ المَحبةِ، فــي الأحشاء مَنْـقـوعُ

*

صِـياغـةُ الــودِّ مهـما اللـفظُ جَـمَّـلَهــا

فالصِدقُ إنْ غابَ حَلَّ العَـوْزُ والجّوعُ

*

ضوءُ المضامـينِ، حُبٌّ بين احرفهـا

والحـبُ فــي قَسْـوة الأحـوال يـنبـوعُ

*

ما قـيمة العـُـمْـر، والاحـقـادُ سـاريـةٌ

كالسُّــمِ يفْـتـكُ، مهما العُـمْـرُ مَربوعُ

*

فـي قـبْضة الكَـفّ، تعـبـيـرٌ له صِلَـةٌ

مـع الـتحـيـة، مَطْبـوعٌ ومـَصـنـوعُ

*

مهما الجَدارَةُ أبْدَت ْحُسْنَ صَنْعّـتِهـا

إنْ غادر الطِـيـبُ، تشتاق المَجامِـيعُ

*

إذا تَــمَــيَّـزَ تـعـْـبـيــرٌ، بــصيغَــتِــه

فأيُّ تـكْــرار لفـظٍ فــيه، تَــضْـيـيـعُ

*

لاتـرتَجي الــودَّ مِــن قــلْـبٍ تــقـلّـبُه

سُــبُلُ التـصنّعِ، والإرغـامُ تَــبْضـيعُ

*

مارفْــعة الشـأن فــي ثـوْبٍ وقُـبـعَـةٍ

الشأن فـــي جـوْهر الافعال مَـوْدوعُ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

(من البسيط)

في العبيد والعبودية

عبْدِي ابتليْتُك أعوامًا بمُرتزقٍ

فما وجدتُك رخوًا غيرَ مُحتسِبِ

*

فاليوَم تُجزىْ بما صبرْتَ مُعتضِدًا

بيْ لا يُقابلُ صبرُ العبدِ بالعتَبِ

*

عبْدِي أُناديكَ من بيتٍ تُقدِّسهُ

فلا يقابلُ حبُّ اللّاهِ بالغضبِ

*

مجازيًا برئيسٍ حِيطَ بالنُّخَبِ

ناداكَ لاهُكَ عبْد الغَربِ فاسْتجِبِ

*

لبَّى العبيدُ زنيمُهُم وذو الرُّتَبِ

فما انتظارُكَ يا مُزَوَّرَ النّسَبِ!

*

لبِّ فربّ مناةٍ خيرُ مِنْ هُبلٍ

مُنتخبًا حازهَا أمْ غيرَ مُنْتَخَبِ

*

يُحبُّكَ الغربُ حبَّ الذّئبِ للسّلَبِ

يُحبُّكَ الغربُ حبَّ النّار للحَطَبِ

*

لكنَّ غربًا حياتهُ بكَ ارْتهَنت

يُبقيْك ما دامَ حظُّه منَ الحِقبِ

*

فلا يُحكَّمُ جَرْوٌ إنْ يجُعْ أكلَ الْـ

ـحِمْلانَ في وجْبةٍ ما احتاطَ للسَّغبِ

*

ولا تُؤججُ نارٌ إنْ تقدْ أكلَتْ

دون التفاتٍ إلىْ مستقبَلِ اللّهبِ

*

يُحبُّك الغربُ بادنًا بلا عللٍ

يحبُّك الغرْبُ بشًّا غيرَ مُكتئِبِ

*

فلا يُحكَّمُ من يُضويكَ بالتّعبِ

ولا يُؤمَّرُ منْ يُلجِيكَ للهَربِ

*

حتّى إذا أنذرَ الزّمانُ بالسّغبِ

أغنيْتهُ عنْ عناءِ النّهبِ والسّلَبِ

*

فليسَ يُضْطرُّ للغزوِ أو الطّلبِ

وأنتَ بالبابِ جاثيًا علىْ الرُّكبِ

*

فلا يُنازعهُ شرقٌ بمُكْتسبٍ

ولا تُشنُّ حروبٌ دونمَا سببِ

*

يُحبُّكَ الغربُ في جلبابِكَ القُشبِ

مُلقىً علَىْ الفرْشِ لحْمًا أوْ علىْ الكَنبِ

*

منشغلًا بقديمِ اللّهوِ والطّربِ

أو بالجديدِ منَ الألعابِ واللّعِبِ

*

بها تكفُّ القلوبُ عن تقلّبِها

فإنْ تقلّبَ منْ في القبرِ تنْقلِبِ

*

فلا يُحكّمُ قُرْصانٌ مطالبُهُ

تسْتنهِضُ الميْتَ مِنْ صَخرٍ ومنْ خشَبِ

*

فيستفيقُ تكابُرٌ علَى وهَنٍ

وذُلّةٍ تشتريْ الكُرسِيَّ بالذّهَبِ

*

فتلبسُ العتْمَ ثوبَ النّورِ مُدَّعيًا

بأنّ تيهَك بالطَّعْنَاتِ لمْ يُصبِ

*

مبددًا ما اقْتناهُ فيكَ منْ دسمٍ

بالكدِّ أو بعُضالِ الرّبْوِ فيْ الشُّعَبِ

*

يُحبّكَ الغربُ أبكمًا بلا جلَبٍ

يُحبكَ الغرْبُ أميًّا بِلا كُتُبِ

*

فلا يُحكّمُ ثرثارٌ بلا كللٍ

يستنفرُ الكونَ ما يُلقيهِ منْ خُطبِ

*

فتقصدُ العلمَ باحثًا عنِ السّببِ

الّذي دعاهُ لعزوِ الشرِّ للعَربِ

*

فتلتقيْ ماضياتٍ كُنتَ تجْهلُها

يهابُها الغرْبُ أنْ تنقضَّ كالشُّهبِ

*

يَعقبُها ردَّةٌ أبوكَ باعِثُها

يحبُّها كونَها مُطفئةَ اللّهبِ

*

فتنْطفيْ زمنًا وتلتظيْ زمنًا

فيضربَ الداءُ في الشِّرْيانِ والعَصَبِ

*

مبددًا ما اختباهُ فيكَ منْ عضَلٍ

لساعةٍ نارُها المِطواعُ ذو الذّنَبِ

*

أراكَ أمْسَيْتَ مكروبًا وفيْ حَرجٍ

فاسمعْ لِ "جو" إنّهُ مفرّجُ الكُربِ

*

أسجُدْ لهُ فالعبيدُ كلُّهُمْ سجَدوا

وادْعُ صباحًا وبالأسْحارِ يسْتجِبِ

*

إذهبْ إلى بيتهِ الأبيضَ مُعتمِرًا

وطُفْ بهِ باكيًا واكثِرْ منَ الطلَبِ

*

إنِ اسْتطَعتَ فإنْ لم تستطِعْ سفرًا

فزُرْ سفاراتِهِ بالقربِ واقْترِبِ

***

أسامة محمد صالح زامل

​مِنْ أينَ يبتدئُ النشيدُ؟

والجذرُ في رافديهِ يَمُدُّ الشرايينَ

يصعدُ صَوْبَ الأناضولِ

يستنطقُ الثلجَ

لكنَّهُ حينَ أورقَ

أسرى بـجِلَّقَ

واختارَ سمرةَ طينِ الفراتِ هويَّة

أنا نخلةٌ عراقيةُ الصمتِ

أرزيَّةُ الروحِ

سوريةُ النبضِ

فهل يُجرحُ النبضُ إنْ سالَ في مَدَرِ الياسمين؟

​يا عابري الوقتِ

هذي البلادُ قميصُ نبيٍّ

نَسَجناهُ من خصلاتِ الضفائرِ

مِنْ كدِّ مَن مَرّوا..

فما بالُ مَن يشتهي الفتقَ في اللُحمةِ؟

ما بالُ ريحٍ تريدُ انتحارَ الزوايا؟

دمُنا سبيكةٌ لا تُفَكُّ

عجينٌ من الضوءِ والمِلحِ

لا يرتضي دَعسةً فوقَ طهْرِ الحصيرِ

ولا يقبلُ الكسرَ في جَرَّةِ السلمِ

نحنُ الجهاتُ

إذا ما استدارَ الحنينُ التقينا

فلا تسألوا الطيرَ عن ريشِهِ:

أيُّ ريشٍ سيهجرُ جثمانَهُ؟

وأيُّ سماءٍ ستنكرُ زرقتَها؟

​سوريةٌ

جبلٌ لا يُؤرِّخُهُ النحرُ

نهرٌ يفيضُ فترتدُّ عنه الخناجرُ خاسئةً

خيطُنا واحدٌ

إنْ لمستَ طرفاً بـقسوةٍ

أوجعتَ في الطرفِ الأقصى

سُلالة!

***

مرشدة جاويش

 

قِنَاعُ الظِّلّ

وما أدراكَ ما قناعُ الظلِّ في ليلِ الرؤى؟

وَثَنٌ من الوهمِ المُريبِ،

لهُ الطغاةُ تضرّعوا.

سكنوا إلى العتماتِ

حتى صارَ جلدُ الليلِ مسكنَهم،

وتناسلوا سرًّا،

فالصمتُ فيهم يُزرَعُ.

نسجوا الخفايا

من طلاسمِ غابرٍ متآكلٍ،

وتدرّعوا بسِفرِ سحرٍ لا يُرى

ولا يُنزَعُ.

ورمزُهم مثلُ (الهيدرا):

إنْ قُطِعَ رأسٌ

أنبتوا عشرًا،

بقرونِ شيطانٍ تتفرّعُ.

رسموا الحدودَ

مثلَ (نيرون) إذ أضرمَ روما،

فاللحنُ باتَ كالهشيمِ يحترقُ،

والشعبُ في اللهيبِ توزّعوا.

باعوا العقائدَ

في أسواقِ (قارون)،

فغدا الإيمانُ

تحتَ سيوفِ المالِ يُصرَعُ.

جعلوا العقولَ أسيرةً

في كهفِ (أفلاطون)،

ترى الظلالَ حقيقةً،

وبها الوجودُ مقيّدٌ ومقنّعُ.

عينٌ تلوحُ

كأنها عرشُ (زيوس)،

ترنو، وفي أحداقِها

برقُ الوعيدِ يلمعُ.

نسجوا من الأموالِ

مُلكَ (جنكيز خان)،

فالأرضُ تُطوى،

والخضوعُ لهُ يُشرَّعُ.

زرعوا الوباءَ

كلعناتِ (أوديب)،

فالقدرُ أعمى

نحو جرفٍ يُدفَعُ.

نثروا المجاعةَ

مثلَ (أبوكاليبس)،

فالموتُ فارسُهم،

وبه التاريخُ يخضعُ.

والشاشاتُ صاغت

ألفَ وجهٍ زائفٍ،

كأنَّ (لوكي)

يُجمِّلُ فيها ما يُفجِعُ.

لكنْ…

هل يُطفأُ النورُ

الذي في الصدرِ إنْ طالَ الأسى؟

أم أنّه سرُّ الخلودِ،

بهِ الضميرُ يُدرَّعُ؟

كلّا…

فنورُ الحقِّ

ليس يُطفئهُ امتدادُ (تيتان)،

إنْ بغَوا،

ففي القلوبِ الصادقاتِ

بهِ الهدى يتجمّعُ.

شعبُ الجبابرِ

إنْ قيّدوهُ تمرّدًا،

يكسرُ القيودَ،

وصبرُهُ لا يُنزَعُ.

يا مَن سلكتم

دربَ (هتلرَ) في طغيانِكم،

إنّ المصيرَ لكم كذاك،

ولا مفرَّ يُدفَعُ.

سيزولُ ليلُ الزيفِ

مهما شيّدوا من عرشِهم،

ويفيضُ فجرُ الحقِّ،

فيُهزمُ الباطلُ المتمنّعُ.

ويصيحُ فارسُنا المبجّل:

يا بني قومي الأشاوس،

لا تركعوا…

لا تركعوا…

لا تركعوا.

***

غدير حميدان الزبون – فلسطين

 

ينْكَسِرُ الضّوْءَانِ في جسدي.

أسْري إلى مَدَائنِي الْغَدَتْ

محاريبَ سرابٍ

تَتَرَصَّدُني.

أَهِيمُ طَيْفًا يَتَدَلَّى

بين أَوْتاري وأسئلتي.

يُنَضِّدُ الْغيمُ عناقيدَ كُرومِه

على نَضَدِي.

وتَهْجُرُ السّماءُ مَسْرَى لغتي،

ولا ظلالَ تَخْرِقُ الْغاباتِ

كَيْما يَتَوَشَّى همسُ أَعمِدَتي.

*

جدائلُ الْكَرْمِ

بها يَنُوءُ وجهُ الذّكرَياتِ،

والزّاجِلاتُ في نَوافِذي

تُسامِرُني.

تسْأَلُني عن نَخْلَةٍ

كان يَغِيضُ بين كَفَّيْها

لَظَى سَغَبي.

فلا نَخِيلَ الْيَوْمَ أو زَيْتُونَ في الدّارِ

يُمَرِّضُني.

ولا غُبُوقَ ها هنا

يَنْتَشِي به اللَّوْزُ

ويُبْهِجُني.

*

ينكسر الضّوْءان في صدري،

وها جئتُكَ أيّها الطَّلَلْ،

أسألُ عمَّنْ أَوْهَنُوا بالصّفقاتِ يَدي.

خَبِّرْ فؤادي يا طَلَلْ

عمَّنْ تَلَهَّوْا بِظلامٍ لَفَّ أقمِصَتِي.

همْ قَعَدُوا عن مَوْكِبي

وما به لَحِقُوا.

قد ركِبُوا أجنحَةَ الْغُدْرانِ

وابْتَهَجُوا.

أَصْغَوْا لِأَنَّاتِ الْخَوَاءِ في حديقَتي

وما رَبَطُوا.

ما خَفَقَتْ لَهُمْ رِياحٌ

أوْ لَهُمْ ضَجَّ نَهارٌ بِضِياءٍ

وبه غَنِمُوا.

ما قَدَّرُوا طيني،

ولِي قد جَمَعُوا دَهْرًا

وما قَدِرُوا.

*

جِئْتُكَ أيُّها الطَّلَلْ،

أسألُ عمَّنْ رَحَلُوا:

ما زَرَعُوا فيكَ؟

وما قَطَفُوا؟

ولا أزالُ ها هنا

أسألُ عمَّنْ رَمَّدُوا الرَّمْلَ

وما خَمَدُوا.

وإنّني أُصْغي إليهِمْ

يَتَفَتَّحُونَ وَمِيضًا يَتَسَلَّقُني.

ولا أزالُ أَبْتَنِي في مَعْبَدِ اللَّيْلِ

مَنَارَتِي وأَلْوِيَتِي.

*

وها هنا أُصْغي لشهرزادَ

إذْ تَرْسُمُ حَرْفَها

على شفتي.

أُصْغي إليها ها هنا

تَرْتُقُ طيني،

وبِعطرِها

تُرَوِّي الضَّوْءَ في جسدي.

***

بقلمي: هادية السّالمي دجبي- تونس

يستيقظُ الشاعرُ

من ليلٍ يَتَهَدَّلُ فوقَ كتفيه،

ليلٍ تَشِيخُ فيه الكلماتُ

قبل أن تبلغَ أفواهَ المعاني

يتسكَّعُ في ظِلِّه،

ويُجَرْجِرُ في عزلتِه

تابوتَ حنينِه،

يمشي كمن يحملُ

جثَّةَ فكرةٍ

تُقاوِمُ حُفْرَتَها الأخيرة

أفكارُهُ…

طيورٌ جارحةٌ،

تَحُطُّ على جمجمتِه

وتَخْمِشُ لحمَ صمتِه،

فيَلُوذُ لا إلى الهدوءِ

بل إلى شتيمةٍ

تُنْقِذُ ما تبقَّى من روحِه

يستيقظُ

وأنفاسُهُ غُضْبَى،

وصوتُهُ صدى أكواخٍ

تنهارُ عند أوَّلِ نداءٍ،

يتنفَّسُ كظَبْيَةٍ مَذْعُورةٍ

هربتْ من فَخٍّ

لمْ تُخْلَقِ النجاةُ له

مَن يَزورُ قبرَ قصائدِه؟

مَن يَنْفُضُ عن حروفِه

رمادَ السنينَ؟

قصائدُهُ حقولٌ

أكلَتْها الريحُ،

وأغصانٌ لم يَرِثْها أحدٌ

يستيقظُ بقوامِه الهَزيلِ،

يَجُرُّ خلفَه سذاجَتَهُ العاريةَ،

فهو لم يكُنْ بَطَلاً

في حكايةِ امرأةٍ

يُزْهِرُ الليلُ بين يديها،

ولا كان شَهْوَةَ أصابعَ

تتسلَّلُ إلى نَهْدِ الحبيبةِ

إنَّه ببساطةٍ…

الـ"لا" التي تَتَدَلَّى

من شجرةِ الأسئلةِ،

الـ"لا" التي تمشي

عكسَ رياحِ الجميعِ،

الـ"لا" التي

لو نَطَقَ بها حَجَرٌ

لارْتَجَّتِ الأرضُ من تحته

فيا أيُّها الشاعرُ…

لا تُصْلِحْ ما انكسرَ في ليلِكَ،

ولا تعتذِرْ لقصائدٍ

أَجْهَضَها الهواءُ قبلَ الولادةِ

اكتبْ كأنَّ الظِّلَّ آخرُ وطنٍ

يستطيعُ أن يَحْتَمِلَكَ،

وكأنَّ الليلَ

يستعيرُ من وَجَعِكَ

قِنْدِيلَهُ الوحيدَ

امضِ…

واترُكْ للغيمِ نافذَتَكَ،

فلعلَّهُ يفهمُ ما لم يفهمْهُ البشرُ:

أنَّ الشاعرَ

ليس ابنَ المعنى،

بل ابنُ ذلك الفراغِ

الذي يَصْرُخُ كلَّما حاولَ

أن يَصيرَ كلامًا

***

باقر طه الموسوي

بعد انتظارٍ طويلٍ أثقلته الهواجس، رنَّ الهاتف.

حضرتكِ السيدة أمل؟.

ارتجف صوتها وهي تهمس: نعم أنا هي.

عليكِ الحضور إلى المستشفى لتلقي الجلسة الأولى للاشعاع، لقد حان دوركِ.

أغلقت الهاتف، شعرت وكأنها أغلقت بابًا وفتحت آخر. انطلقت بسيارتها تسابق الريح، تسابقها نبضات قلبها. كانت تُحدّث نفسها: أخيرًا.. هناك فرصة. سأحضر زفاف ابنتي، سأعود لزهوري، سأتنفس الحياة من جديد، وسأزور الأماكن التي خبّأتها داخل قلبي طويلًا.

لكن بعد الوصول، وعند مدخل قاعة الانتظار، خفتت سرعتها.. كما خفتت وتلاشت أحلامها للحظة.

القاعة كانت ممتلئة.. وجوه شاحبة، وأجساد أنهكها المرض. عيون فقدت بريقها، وأهداب سقطت بصمت، ونساء يخفين ما تبقى من ملامحهن تحت أوشحة ثقيلة. رجال يضعون الكمامات، لا خوفًا من العدوى فقط، بل خوفًا من انكشاف ضعفهم.

هنا، في هذا المكان، تلاشت الفروق بينهم. الشباب مع كبار السن، الأغنياء والبسطاء.. جميعهم نسخة واحدة من الألم.

ارتجفت، وامتدت يدها إلى وجهها تتحسسه، شعرت وكأنها تودّعه: محدثه نفسها هل سيتغير شكلي؟ هل سيأفل بريق عيناي؟ هل سيبقى زوجي يراني كما كنت؟ أم سأتحول إلى ذكرى حيّة أمامه؟

تسارعت أنفاسها، وكادت تنهار. شعرت بالغثيان، وكأن الأرض من تحتها تميد. للحظة فكرت بالهرب والعودة والاختباء داخل غرفتها، حيث لا مرض ولا وجوه تُشبه هذه النهاية.

لكنها لم تتحرك. كان هناك شيءٌ ما يُبقيها واقفة.. ربما الخوف، وربما الأمل.

مرّت الساعات ثقيلة، قبل أن تبدأ بالتلاشي.. حين تسللت إلى أذنها حكايات الآخرين.

امرأة بجوارها قالت بابتسامة دافئة: أنا أم لثلاث بنات.. ظننتُ أنني انتهيت، لكنني ما زلت هنا. وأزاحت طرف وشاحها قليلًا، وقالت بأستيحاء: أنظري.. عاد شعري يطول من جديد، طال سنتيمترًا واحدًا.. كان كابوسا وانتهى سيعود كل شيء مثل الأول وأفضل.

ضحكت بخفة، فضحك المكان معها.

شيئًا فشيئًا.. تغيّر شيء داخلها. لم يعد المكان مرعبًا كما بدا أول مرة، ولم تعد الوجوه غريبة، بل صار الألم مشتركًا خفيفًا.

وحين نادى صوت الممرضة اسمها، لم ترتجف كما توقعت. نهضت.. ببطء، لكن بثبات. نظرت إلى الوجوه من حولها، لم ترَ نهايات هذه المرة.. بل بدايات.

اعتدلت في مشيتها، وكأنها تعلن شيئًا لنفسها قبل الجميع محدثة نفسها: لن أكون ضحية.

دخلت غرفة العلاج.. لم تكن كما تخيلتها. هي ليست بابًا للنهاية، بل كانت أول خطوة في طريقٍ صعب، لكنه يقودها إلى الحياة مرة أخرى.

تمدّدت على السرير، وأغمضت عينيها مبتسمة، طاردةً جميع الهواجس. بدأت الأجهزة تدور من حولها بصمتٍ مهيب، وضوءٌ خافت ينساب فوق جسدها. حاولت أن تتشبّث بتلك الأفكار الجميلة: زفاف ابنتها.. زهورها.. الحياة التي تنتظرها.

لكن.. صوتًا آخر تسلّل إلى أذنها:

"كم عمرها؟"

"في الأربعين.. الحالة متقدمة."

"هل أخبرتموها؟"

"لا.. هي ما زالت تظن أن العلاج لغرض الشفاء.

***

القاصة نضال البدري.. العراق

لا أنتَ مُفتقِدٌ لا أنتَ مُفتقَدُ

أطِلْ غياباً فكلُّ الناسِ لا أحَدُ

*

إنْ ماتَ طيرٌ فما للناسِ من خبرٍ

لكنْ تُؤَبِّنُهُ الأشجارُ لا البلدُ

*

وعازفُ العودِ بالألحانِ مُنْفَرِدَاً

ما ضرَّهُ قطُّ أنّ العَزْفَ مُنْفَرِدُ

*

مجدُ السفينةِ للقُبْطَانِ حينَ رَسَتْ

أمّا الفَنَارُ فيُنسى أنّهُ السَّنَدُ

*

مُفارِقٌ أنتَ مهما رُمْتَ وصلَهُمُ

وجازعٌ أنتَ مهما قيلَ: مُتَّئِدُ

*

وقابضٌ جمرةً من فيضِ عاطفةٍ

ويَحْسَبونَك بالنّعماءِ تَبترِدُ

*

من فرطِ ما لوّحَتْ عندَ الوداعِ يدٌ

تكادُ تَرْكُضُ خلفَ الراحلينَ يدُ

*

لو قيلَ: دربانِ، فاخترْ واحداً لغدٍ

شَقَقْتَ ثالثَ دربٍ عندما رقدوا

*

وإنْ هَمَمْتَ بأمرٍ ما استشرْتَ وهل

سِوى على نفسِهِ الضِّرغامُ يَعتَمِدُ

*

وفيكَ مِنْ كَرَمِ الْمِرْآةِ أنْ نسيَتْ

بأنْ ترى نفسَها والكلُّ قَدْ وفَدُوا

*

وفيكَ من طَبْعِ نَبْتِ الغارِ أنَّ بهِ

مِسْكاً يفوحُ ولو خانوا الذي عهدوا

*

طفولةٌ مثلَ قوسِ الماءِ زائلةٌ

والعمرُ سهمٌ وعنها ظلَّ يَبْتَعِدُ

*

والحَرْبُ أقبَحُ وَجْهٍ سَوْفَ يُظْهِرُهُ

مَنْ بالسَّلامِ على أوطانِنا يَعِدُ

*

فكَيفَ نَبني عِرَاقاً واحِداً أحَدَاً

وأَلْفُ رَبٍّ لَنا في البَيْتِ قَدْ عُبِدُوا

*

وكيفَ أقنعُهم بالشمسِ مُشرِقةً

وغيرَ هذا الظلامِ المَحْضِ ما وجدوا

*

مُحَاوِلاً فَتْحَ بابِ العَقْلِ في وَطَنٍ

لَهُ من الجهلِ والأوهامِ مُعتقَدُ

*

لذا تَوَارَيْتُ كالأنهارِ حينَ رأَتْ

أنَّ المديحَ جميعاً نالَهُ الزبَدُ

***

د. عبد الله سرمد الجميل

تلك الرُبى وافرة المدد

تفيض على العين قزحية آخرى

تغوص في صور الذات وتمضي

الى أريكة الخيال بثوبِ سفرٍ أخضر.

مطر الغسق الأنيق ينوس ويلهو

ليبارك الأرض يسقى لفيف منعطفاتها

مثل رفيف يتدفق في حلم الليل

كدهشة ريحٍ تخرج من أطراف

مناكبه ضحكة.

بينما الحب مليئاً بالحلم والمرح على مدار

الساعة يتناسل برقاً ورعداً

ثم يغادر كي يتفيأ ظل بداهته

يا رُبى اقشعي الطين من احشاء جسدك

وأعطيني خبزا من ضوءٍ أنقشه في

خضاب دمي قصيدة.

***

عارف عبد الرحمن

 

حين كنتُ طفلًا، كانت القرية التي أعيش فيها مليئةً بالسحر؛ سحر طبيعيٍّ حلالٍ زلال: جبلٌ في الشمال، وتلالٌ عن اليمين واليسار، وفي الجنوب شارعٌ ترابيٌّ يوازي جدولَ الماء المؤدّي إلى الإسكينية السفلى. وكان هذا الجدولُ الغزيرُ ماؤه ينبع من قلب الجبل، بارد صيفا ودافئ شتاء ويشقّ القرية نصفين جارياً نحو بئر الطاحونة المائية التي في نهاية القرية، عابرًا بساتينَ التين والرمان. ويمتدّ الدرب بعد ذلك ليفضي إلى صحراء الجزيرة الواسعة، وقبلها يصل القرى القريبة من الجبل ببعضها، ثم يمضي ليبلغ سنجار، القضاءَ الذي كان السفر إليه حلمًا لا يطاله كلُّ أهالي القرية، بل القلّة فقط من أمثال أبي سليمان علو، البقّالِ المشهور في القرية.

يذهب أبي إلى سنجار ليتبضّع الأشياءَ التي تحتاجها القريةُ في مواسمها الرتيبة من مغازات الصولبند الذائعةِ الصيتِ بالجملة، ويبيع ما يحمله للأهالي بالمفرد. وكان عليه أن ينهض باكرًا، حاله حالُ سائقِنا حسن حجيكا، الذي يقود سيارتَنا البيك آب، الشيفروليه ذاتَ الموديل الـ 55. وطبعًا كان الصدرُ محجوزًا دائمًا لأبي.

والدي كان أحدَ رجالِ القريةِ الحُكماء، وكان يجمع كلَّ ما يحبّه ويحتاجه الأطفالُ في دكّانه، من أقمشةٍ ملوّنة، وحلويات، ومراهمِ البنسلين، وحبوبِ الأسبرين، وعلكة أبو السهم.

لذكريات صباحات الإسكينية شرايين رفيعة كالتي تقطعها السبايا حين حضور الدواعش الأشرار، وهي كذلك مثل خيوط الشمس التي كانت تربط أحلامنا بزجاجات الحلوى على رفوف الدكان، وتلك الصباحات ممتلئة بهورنات ومنبهات بيك آب العم حسن حجيكا المتتالية والمطولة التي كانت تربط بين طفولتي والذهاب شرقا إلى سنجار.

البيك آب مليء بالقرويين من الإسكينية العليا، والإسكينية السفلى، وتل حيالى، والووردية وقصركي وزرافكي، إلى سوق المواصلة التحتاني العامر في سنجار. ينتهي الفجر بخروجنا من القرية، أما صباحها فيكون حافلا برائحة خبز تنور أمي. وضجة ثغاء الخرفان الصغيرة التي تشبه الغيوم البيضاء، وهش وكش وتتراكض إلى التلال القريبة حيث الصباح يهمس بألف زهرة نيسان، وألف عصفور هارب من بساتين الرمان خوف جتلات ومقاليع ومصيادات تلاميذ مدرسة الإسكينية الابتدائية المختلطة الأشقياء.

هديتي كانت طائر وروار إلى نجمتي المفضلة صباح، رجوت من صاحب المكتبة أن يوصل الأمانة ولكنه أكد لي إن صباح شحرورة وإنها تحب طائر الشحرور وليس الشالول الوروار.

في الدكان كان هناك صفٌّ من الزجاجاتِ المملوءةِ بالحلوى والسكاكر، من حلقومٍ، وسمسميةٍ، وحامضٍ حلوٍ، وملبّسٍ، وسكّرِ أبو إصبع. وعلك، وأنواع الجكليت. وكان الرفُّ عاليًا لا تصلُ يدُ الأطفالِ إليه، فيكتفون بالنظر إليها وهم يرفعون رؤوسهم. وكان المنظرُ يسحرُ من ينظر إليه.

صفّ الزجاجات لم يكن مجرّد رفٍّ عالٍ، بل كان أشبهَ بأحلامٍ من الألوان، تظلّل طفولتنا بوعودٍ حلوةٍ لا تنتهي. كانت الزجاجاتُ مصطفّةً كجنودٍ من البلّور، أو كطيورٍ تقترب من بعضها في فجر القرية، يلمع السكّرُ في بطونها كلما لامستها شمسُ الظهيرة المتسلّلةُ من باب الدكّان.

وكان الأطفالُ يقفون تحتها كمن يقف تحت شجرةِ تينٍ أو رُمّانٍ مثمرةٍ لا يطالها، يرفعون رؤوسهم، يحدّقون، يبتلعون ريقهم، ثم يبتسمون ابتسامةً صغيرةً، بعد أن باء دعاؤهم بسقوط إحدى تلك الزجاجات بالفشل. كأنّ تلك الزجاجاتِ تحفظ سرًّا لا يُقال، سرَّ الطفولة حين كانت الأشياءُ البسيطة تكفي لتملأ القلبَ بهجةً وسرورًا.

 ومع ترحيلِنا الإجباريِّ من القرية، بدأ سحرُها يجفّ، وبدأ العملُ في الخيال. وكانت الأحلامُ الحقيقيةُ حينها تلك التي أكون فيها بدشداشةِ طفولتي، أتخيّل ابتسامةَ أبي إن أساء طفلٌ الأدبَ في الدكان، وهو ممسكٌ بطرفِ ثوبِ أمّه.

 أنا أتخيّل الدكّان في غربتي، بينما بريجيت باردو تغادر الكوكب لتلتحق بقطار آلان ديلون، وتترك لنا كلَّ تلك الحلوى في أفلامها، لنتفرّج عليها دون أن نذوقها على مرّ الأيام.

هذا الكلام من قواميس التسكّع في أيام نازحٍ شنكاليٍّ مثلي، وربما كان مكتوبًا على ظهر جوازِ سفرِ سنونو مهاجرٍ يشبهني، أشعله الحنينُ إلى عشه في غرفتنا الصيفية العاليةِ السقف، فأخذ يبحث عني في مدن ألمانيا ليرمي لي آخرَ حبّةِ توتٍ حمراء من شجرتي في باحة داري في سيباي.

عندما أتذكّر لعبي مع أصدقائي بتايرٍ مستهلكٍ لسيارتنا، تتدلّى من ألعابي ولعابي شهوةُ طبيخِ أمي؛ وذلك كان الشبعَ الحقيقي. فأتسلل من دكّان أبي، وأترك أصدقائي ليسيروا بالتاير إلى قرى حوضِ جبلِ شنكال، قريةً وراء قرية، يحملون أحلامَ الأطفال على التاير. طفلا بعد طفل، وفي المساء أُفرغ تلك الأحلام في رفّ الزجاجات المليئة بالحلوى، ليصبح صباحُ الأسكينية حلوًا بنهوض أصدقائي الصغار وهم يلاحقون أحلامهم إلى دكّان أبي.

***

مراد سليمان علو

مقام النهاوند

(ظلٌّ يسبقني إلى الرصيف)

*

رصيفٌ... وأنتَ مع الظلِّ واقفْ

وظلُّكَ يسبقُ خطوكَ... ثمّ يعودْ

كأنَّ الطريقَ اعترافٌ شفيفْ

يُرتَّلُ... ثمّ يخفتْ

*

فلا، لستَ وحدكَ...

نصفُ خطاكَ هنا

ونصفٌ تذروهُ ريحٌ خفيفةْ

كأنَّكَ لم تكتملْ

بأطرافِ صمتٍ كثيفْ

*

تُنصتُ... لعبورٍ خفيّْ

كأنَّ العبورَ صلاةٌ قصيرةْ

ولا صوتَ فيكَ يُقيمْ

*

وتنظرُ نحو النوافذِ: صفوًا

فتنشقُّ صورتُكَ الآنَ فيها

على مهلٍ... ثم تميلْ

كأنَّ الزجاجَ تعبْ

من انكسار الملامحِ فيكْ

*

فكم أنتَ حرٌّ... بلا شاهدٍ

كأنَّ الحريةَ الآنَ

أن لا يراكَ أحدْ

ولا أحدٌ

يتفحّصُ صدعَ العيونِ

ولا أحدٌ

يستدلُّ عليكَ إذا ما انصرفتْ

*

تبدّلُ قلبَكَ بين الجيوبِ

كأنَّكَ تُخفيهُ... كي لا يدلّْ

وتهمسُ: أين اختفى؟

*

وتخلعُ وجهَكَ عند المساءِ

كما تُخلعُ النبرةُ المتعبةْ

وتتركُهُ باردًا

فوقَ صمتٍ مقيمْ

بقربِ أسلاكِ ضوءٍ خفيفْ

يُوشكُ أن ينطفئْ

*

حيثُ العصافيرُ مرّتْ وغنّتْ

وكانَ الغناءُ خفيفًا

وحينَ مررتَ

انكسرَ الصوتُ في الحلقِ... صمتْ

كأنَّ الحفيفَ تأخّرَ فيكْ

*

فامضِ كما أنتَ... لا تنثنِ

رفيفًا... كثقلِ المؤجَّلْ

كأنَّ الخفوتَ جناحٌ ثقيلْ

وثقيلًا... كذكرى

تميلُ... ولا تستقيمْ

*

اكتبْ على الريحِ سرَّكَ

كما تُكتبُ النغمةُ المرتجفةْ

وامحُهُ

قبل اكتمالِ الكلامْ

كأنَّ الكلامَ إذا اكتملَ... انكسرْ

*

فلا قاضٍ الآنَ

غيرُ السكونِ

ولا شاهدٌ

غيرُ هذا الرصيفْ

الذي يعرفُ الخطوَ أكثرَ منكْ

*

التمسْ عذرًا لمن مرَّ

ولم يلتفتْ

فقد كنتَ تمضي ببطءٍ... إليكْ

كأنَّ الوصولَ انسحابٌ خفيٌّ

*

ولأنَّكَ حينَ مرّتْ حياةٌ

انشغلتَ بترتيبِ هذا الغيابْ

كأنَّ الغيابَ نظامٌ دقيقْ

*

وحين اصطدمتَ بسحابةٍ

لم تنكسرْ

بل كتبتَ الحفيفَ

أوّلَ نصٍّ

بملحِ الدموعْ

كأنَّ الدموعَ مقامٌ قديمْ

*

رصيفٌ... وأنتَ مع الظلِّ واقفْ

بزاويةٍ منسيّةْ

كأنَّ الزوايا تُخفي صداها

*

لا أحدٌ

يُربكُ صفوَ روحِكَ

لا أحدٌ

يسألُ: كيفْ؟

*

فكم أنتَ منسيٌّ هذا المساءْ

كأنَّ النسيانَ نعمةُ هذا المقامْ

وكم أنتَ حرٌّ

في هذا الوقوفْ

كأنَّ الوقوفَ انتهاءُ النشيدْ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

يصطخب الموج تحت جلدي ..

غير ان البحر ينكرني.. فيكسرني

*

والوقت يكسرني

المْلِمُه.. بقايا قطاف اخير

أسكبه في خابية، يخذلني جرح بها ..

فينزف عمري...

*

يكسرني الطّريق إلى قْبلة مخبّاة هناك

تحتاج إلى كلّ ذلك الموج...

كلّ ذلك الوقت...

تحتاج إلى كلّ تلك الأشياءالتى

تموت.........

***

حياة بن تمنصورت - تونس

١-  كم هَزارٍ هاداكَ ناغيتَ عِزَّه

وَشَهيدٍ لم يَسْمُ إلاَّ بِغَزَّه

*

العَصافيرُ إذْ تَمايَلْنَ زُهْرًا

يَتَبادَلْنَ البَوْحَ بَيْنَ الأَعِزَّه

*

غُولُ تختالُ فوقَ أَرْضٍ خَرابٍ

مِنْ سَماءِ الصَّدى تُدَمْدِمُ رِكْزَه

*

قَدْ أَرَيْتَ الجَناحَ مِنْ كلِّ صُبْحٍ

في مَساءٍ يغلي حَرائِقَ رِجْزَه

*

٥- طِفْلُ كَنْعانَ في عَواصِفَ حُمْرٍ

نَثَرُوهُ لَمْ يَلْقَ في الرِّيحِ حِرْزَه

*

طِفْلُ كنْعانَ رامَ أُغنيةَ الزَّيْ

تِ وَلَكِنْ سَيْفُ الأكاذيبِ حَزَّه

*

طِفْلُ كنعانَ شَدَّهُ شَغَفُ الزَّيْ

تونِ فوق الأبراجِ يَرْقُصْنَ هَزَّه

*

طِفلُ كَنْعانَ أَيْقَظَتْهُ الأَفاعي

وَفحيحُ الظَّلامِ أَوْغَرَ وَخْزَه

*

طِفْلُ كَنْعانَ أَطْعَمَ البَحْرَ مِنْ أَدْ

مُعِهِ ثُمَّ مِنْ دِما الحُزنِْ مَزَّه

*

١٠-  طِفْلُ كَنعانَ لَمْ يَرَ المَهْدَ حَيْرا

نَ عَلى اللَّحْدِ طارِقُ المَوْتِ رَزَّه

*

قَدْ ذَرى شَمْشومُ الجَرادَ خَرابا

وَرَمى كُلَّ ذي حَمامٍ وَفَزَّه

*

حَمَلوا مِنْ عَصْفِ الأبابيلِ ما لا

شَيْءَ يَسْطيعُ في الأعاصيرِ أزَّه

*

لِهَزاتي مِنْ ألفِ فينيقَ شَدْوٌ

نَخلةٌ تَستطيلُ طُهرًا وَعِزَّه

*

غُصْنُ فازَا هَلْ يَنْحَني لا

يَنْحَني يَوْمًا والسَّماواتُ غَزَّه

*

١٥- حاصَرَ اللَّيلُ أَرْضَها وَسَماها

بِضُحاها بابَ الكَرامَةِ لَزَّه

*

نَطَقَ الصَّمْتُ واسْتَباحَ شِفاهًا

وأذاعَ الحَريقُ في الزَّرْعِ غَمْزَه

*

رِحْلَتا الصَّيْفِ والشِّتا صارَتا مِثْ

لَ يَبابٍ يَبيعُ لِلنَّارِ خَزَّه

*

ذلكَ البَحْرُ خَضَّبَتْهُ دِماهُ

هاشِمٌ أَسْداهُ مِنَ الرَّسْمِ رَمْزَه

*

الظَّما مِنْ وادي الخَليلِ اِنْكِسارٌ

لَمْ يَعُدْ يُبْدي لِلخَفافِيشِ عَجْزَه

*

٢٠- وَلَظًى قاوَمَ السِّنينَ عِجافًا

يَتَكَسَّى على الجَلاميدِ فَوْزَه

***

عبد العزيز شبِّين - هرو ويلد / لندن

١١ / تشرين الأول/ ٢٠٢٥ م

 

الاهداء ـ الى روح أخي الشهيد

لمناسبة مرور 92 عاما لتأسيس الحزب

***

في كل عام أوقد لك شمعة في قلبي

وأتذكر شقرة شاربك وطولك الأهيف

وأتذكر كيف تخبئ الجريدة تحت معطفك القديم

وقلبك ينبض متسارعا تحت الجريدة

وكنت تعرف ان الرفاق ينتظرون

وان صديقك فائق سيقرأها بعيدا عن العيون المتربصة

وأتذكر همسك سرا وانت تحدثني عن شجاعة الرفاق

وعن فهد وسلام عادل وجمال الحيدري

وأنا ما زلت في مرحلة الاعدادية

وتقول انهم لا يهابون الموت الزؤام

لكنك لم تتأخر عن اللحاق بهم

الى ضوء لا يعرفه الخائفون

وكلما يسألني ولدك الوحيد

أقول له: لا تبكِ يا صغيري

فالذين يموتون من أجل وطنهم

لا يموتون أبدا

كنت تحمل حلما أكبر من سجونهم

نعتوك بالمتمرد

فرفعت صوتك لا لظلم الفقراء والكادحين

نم قرير العين مع الرفاق

والأرض التي شربت أزكى الدماء

ستنبت يوما حرية تشبه أرواحكم

***

نص شعري

سنية عبد عون رشو

في المدينة التي تلمع

مثل سكاكين تُغسل كل صباح

يمشي الناس بخطى متشابهة

كأن الأرض قررت أن تمحو الفروق

لكنها تَرَكَت في الظلّ مساحات صغيرة

يكفي أن تنمو فيها الكراهية

كما تنمو الحشائش بين الإسفلت.

*

العنصرية ليست صرخة

إنها حركة بطيئة في الهواء

مثل ضوءٍ يخبو في غرفة مغلقة.

تبدأ من كلمة

من سؤال عن لون

من إيماءة عابرة في حافلة مزدحمة

ثم تكبر

حتى تصير حجراً في يد طفل لا يعرف لماذا عليه أن يرميه.

في الحارات التي تسقط كالحجارة

تتراكم الأصوات كرمادٍ ناعم

والسماء

خزانة مهجورة تُغلق على سرها.

*

أمشي بين جدرانٍ تتنفس بصمت

تحكي قصصًا بلا لسان

وحروفٌ معلقة مثل أكياس بلا وزن

تنتظر أن تُفتح

لكن المفتاح ضاع في زحمة الأيام.

*

كل شيء يبدو عادياً:

مقاهٍ

أبواب مفتوحة

إعلانات بوجوه بلا عيون

حافلات تمضي بلا وجهة

لكن

تحت الأرض

ثمة عظام تتحاور بلغة انقرضت

تحكي عن مدن أكلتها الأيديولوجيا

كما تأكل النار أطراف الورق.

*

أفكر:

ربما يبدأ الموت

حين نمنح الآخر اسماً أقلّ من إنسان

وربما تبدأ الإبادة

حين نعلّق على صدورنا

مرآةً لا تعكس إلا وجوهنا.

*

مدينة الصمت..

انطفأت أصواتها بعد المجزرة.

أرواح

تتدلّى من أسلاك الكهرباء

مثل قمصان نُشرت لتجفّ

لكنها فقدت الأجساد التي كانت تخصها.

*

في الساحات التي غادرها الضوء

تتكدّس الأصوات في صناديق مغلقة

كما لو أن اللغة نفسها خجلت من الكلام.

*

العنصرية طقس يومي

يشبه وضع الزهور البلاستيكية على قبر مجهول.

هي ليست فكرة

بل تنهيدة

تشبه صفعة لا تُرى

تخرج من صدرٍ

يحمل نشيداً قديماً عن النقاء.

*

الإبادة نافذة قديمة

تنفجر في وجه العاصفة.

لا أحد يصرخ.

الجدران صارت أذناً من إسمنت

والسماء

سقف معدني مثقوب بعوادم السيارات

لا بصرخات المذبوحين.

*

أفكر:

هل ننجو بالكتابة؟

أم أن الحبر يتحوّل إلى رماد

حين يُكتب فوق أجساد غائبة؟ .

*

الصمت ليس سلاماً.

إنه جسر بين موتين:

لحظة يُذبح فيها اسمك

ولحظة لا يعود فيها أحد ليذكرك.

*

بعد الإبادة

لا يبقى سوى هواء مُثقل بأسماء لم تُنطق

وخرائط فقدت حدودها مثل وجوهٍ مُسحت من المرايا.

*

الصمت ينهض من الركام

لا كسلام

بل كإله صغير يحمل في يده دفترًا فارغًا

ويبتسم

ابتسامة تشبه الجحيم.

*

في المدينة

الأشجار تنحني مثل شهود زور

والأنهار تواصل جريانها كأن الدم كان ماءً

كأن الحكاية مجرد خطأ في الطقس.

*

من يكتب التاريخ؟

من يضع النقطة الأخيرة؟

لا أحد

سوى الظل

ذلك الظل الذي يتعلم ببطء كيف يكون ذاكرة

ثم يخونها

ليصير فراغاً.

الصمت ينتج أوهاماً عن العدالة

أوهاماً نعلّقها على الشرفات

كما نعلّق الملابس النظيفة

في مدينة امتلأت بالرماد.

*

أفكر:

ربما لم نُخلق لننقذ أحداً

ربما خُلقنا لنشهد

ولنكتب أسماءً تظلّ عالقة على جدران مهدومة

مثل رسائل لم تجد بريدها

أو مثل أصوات انطفأت قبل أن تكتمل.

*

لكن

حتى الصمت يحتاج إلى من يسمعه

إلى قلبٍ واحدٍ على الأقل لا يزال يخفق

ليقول:

كنت هناك

ورأيت كيف تحوّل الإنسان إلى فراغ

والفراغ

إلى قاعدة جديدة للكون.

***

مروان ياسين الدليمي

​هُوَ الحُزنُ

يا سيِّدَ العارِفينَ

يُؤَرْجِحُ نَخْلي

ومازِلتُ حتى هُبوبِ النَّشيدِ

ورِحْلَةَ ظَنِّي

أُمَسِّدُ

جِسْمَ الكواكِبِ فيكَ

وأرعى

جنونَ جِراحي

​ومازِلْتُ

في الاشتياقِ البَعيدِ

أُهَيِّئُ

بينَ السماواتِ والأرضِ

نَبْضاً

يَحِجُّ إليكَ

​فيا سيدَ العارِفين

احتَضِنْ

ما تَبَقَّى

مِنَ السُّهْدِ والشَّهْدِ

في راحَتَيَّ

وأطفِئْ

جِمارَ الثلوجِ على جانِبَيَّ

​فأنْتَ امتدادي

مِنَ البَحْرِ للبَحْرِ

أنتَ عيونُ القطا

حينَ تأوي

إلى حضنِ مالا ينامْ

​ويا سيدي المُسَتهامْ

أراكَ

عميقاً عميقاً

فلا تَحْتَجِبْ

إنني مُذ رآني

ملاكُ التحولِ

أَيْقَظْتُ فيكَ

رَفيفَ المُدامْ

​فلا تَستَعِدْ

ما يموتُ مِنَ الحالَتَيْنِ

وأبرِقْ إليَّ

فإنَّ لِكلِّ البُروقِ التي

في يدَيْكَ

يَطيبُ المقامْ

***

مرشدة جاويش

من المجموعة الشعرية (وصايا الغيم)، دار نون

 

يا أرضُ يا سرَّ البقاءِ وأنسَهُ

يا دفءَ من مرّوا بنا وتفرّقوا

فيكِ الحكايا تستفيقُ كأنّها

نهرٌ من الذكرى يفيضُ ويُغدِقُ

فيكِ الجليلُ ملوّحٌ بفضائِهِ

وترابُهُ بالعهدِ دومًا يَصدُقُ

ستٌّ مَضَوا فاستيقظَ التاريخُ في

أرواحهم وعلى خطاهم يُشرِقُ

والجرحُ صار نشيدَنا في لحنِهِ

والصبرُ في أوتارِنا يتدفّقُ

نمضي ونحملُ في العيونِ كرومَنا

خضراءَ يحفظُ سرَّها مَن يَعشَقُ

نمضي وفي كفِّ الزمانِ حكايةٌ

تُروى وفي صدرِ الرّدى تتعلّقُ

يا أرضُ يا وعدًا يُجدِّدُ عهدَهُ

في كلِّ فجرٍ نورُ عِزٍّ يُطلَقُ

تبقينَ ما بقيَ الضياءُ حكايةً

وتظلُّ فيكِ الروحُ وهي تُحلِّقُ

وتظلُّ فيكِ الروحُ ريّا تستقي

عذبَ الفراتِ بهمّةٍ لا تُرهَقُ

فيكِ الطريقُ وإنْ تباعدَ موضعٌ

يبقى وفي نبضِ القلوبِ يُنسَّقُ

فيكِ البدايةُ كلّما ضاقت بنا

سُبلُ المسيرِ وبابُ نورٍ يُطرَقُ

فيكِ الحقولُ إذا تنفّسَ عطرُها

عادَتْ لنا الأيامُ وهي تُصفِّقُ

فيكِ الطفولةُ تستعيدُ جناحَها

بيضاءَ في عينيكِ حلمٌ يُورِقُ

يا أرضُ يا عهدًا يسيرُ بدمعِنا

ويصاغُ من صبرِ السنينِ فينْطِقُ

نمضي إليكِ كأنّنا في حبِّنا

وترٌ على شرفاتِ فجرٍ يُشرقُ

حتى إذا اكتملَ النشيدُ بأهلِهِ

لَثَمَ الترابَ حُماتُه وتحلّقوا

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

منذ أن رحل ساعي البريد، رحلت معه تلك اللمسة الدافئة، التي كانت تُطرّز الورق بالحياة. لم يعد هناك من يطرق الباب بخجلٍ، ولا من يسلّم القلب في مظروفٍ أنيق.

*

الرسائل الآن بلا رائحة، بلا دمعةٍ جافة على زاوية الورق، بلا أثر شفاهٍ قبّلت السطر الأخير. أصبح الحنين مجرّد إشعارٍ إلكتروني، والشوقُ... مجرّد نصٍّ يُقرأ ويُنسى.

*

ذلك الساعي، كان آخر الشعراء الذين يمشون على قدمين، يحمل في حقيبته قلوبنا ويضعها في صناديق باردة، ثم يغادر بلا ضجيج، كما يغادر الضوء آخر الغرف.

*

أين ذهبت تلك الأوراق التي كانت ترتعش بين أيدينا؟ كانت الرسالة تنام في الجيب ككائنٍ حي، تُخفيها تحت الوسادة، تشمّها كما يُشمّ الحنين في معطفٍ قديم، وتبكي، تبكي لأنك تلمس أثر اليد التي كتبتها.

*

الآن... الرسائل تكتبها أصابع باردة على شاشات لا تحفظ الذاكرة، تُرسلها الآلة، وتستقبلها العادة.

*

لقد تغيّر العالم، لم تعد المسافات طويلة بما يكفي لتولد اللهفة، ولا الأيام قاسية بما يكفي لتبرر الانتظار، أصبح اللقاء أسرع من الاشتياق، والكلمات أسرع من النبض.

*

أشتاق لرسالة تصل بعد عشرة أيام ويكون فيها خربشة قلب، وبقايا عطر، وغيمة من حنين.

*

يا ساعي البريد، عد إلينا ولو مرة، أحضر لنا رسالة واحدة فقط، رسالة لم تكتبها آلة، بل قلب.

*

رسالة تخبرني أن الحبيبة لا تزال تتعطّر بالحروف، وأن الانتظار لا يزال حيّاً في ركن من هذا العالم البارد.

*

عد... قبل أن يُصاب الشوق بالخرس، وقبل أن يتحوّل الحب إلى مجرّد تنبيه في شاشة الهاتف.

***

بقلم: كريم عبد الله

بغداد - العراق

فاطمهْ

تتمشى الى آخرِ الليلِ كيْ تَسحبَ الفجرَ مِنهُ لِتسكبَهُ في مروجِ الجنوبْ ..

*

فاطمهْ

علَّقتْ فوقَ أشجارِ بَلداتِها أنْ يلفَّ الظلامُ شذاها فوانيسَ باهرةً

والفوانيسُ كانتْ قلوبْ

*

فاطمهْ

فتاةُ القرى الطيِّباتِ

ترشُّ الدروبَ التي تتشابكُ حولَ القرى بالطيوبْ

بعدَ اِنْ تمسحَ عنها الدماءَ

وتجهدَ حتى تُزيلَ عن الشجرِ الغضِّ ما علَّمتْهُ الندوبْ

فتمنحُ نفساً ربيعيةً للفداءِ

لكيما يعودُ ربيعُ الجنوبْ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

............................

ملاحظة: هذه القصيدة كتبتها بعد سماعي خبر استشهاد الصحفية اللبنانية فاطمة الفتوني قبل يومين في ميدان عملها قرب بلدتها الجنوبية (الطيبة) رفقة فريق صحفي لبناني يتألف من شقيقها محمد وزميلها علي شعيب اثر قصف سيارتهم من مسيرة اسرائيلية بأربعة صواريخ.

‏نمتُ عميقاً ولم أحلم بك البارحة

‏في المدى الرحيب يتهيأ الفراغ للفراغ

‏طائر بجناحين،

ليس بالضرورة أن يكونا كبيرين

مطلٌ على ما أوتيَ من فضاء

واثقٌ بالهواء ومسرفٌ في الرؤى

ترفعه الموسيقى سُلماً سُلماً

أفقٌ من المساء الفسيح

لست وحيداً في عزلتي،

كل الكلمات معي

أُهَدِّئُ جفلة الحصان

فتحيط بي الخيول التي بلا أسرجة

الخيول التي انفصلت عن عرباتها

أغبطُ اهتزازة وردة

فتتغمدني البراري السعيدة بأغنياتها المنفلتة

أغفو تحت شجرة

فتأتي إليَّ الطرائد آمنةً مطمئنةً

‏لن أرى وضوحي من النوافذ العالية المغلقة

بقدمين حافيتين، ‏

أراه من أمام بيتي الطيني المفتوح للقمر

أنصتُ إلى حكمة الطير

لا تُصلِح سقف البيت الذي يسرب الضوء

إلى عينين ساكنتين في السماء العميقة الزرقاء

يباريني شيء لا أعرفه،

في الليل قد يكون ذئباً جليّاً

في النهار،

شبحٌ بهيئتي

الليل واضحٌ والنهار مبهمٌ

أخّاذٌ يشعل فضولي

بوسع الجواد أن يفوز

بوسع الدم الدافئ أن يؤوي الذكريات

بوسع العالم أن يكون عالماً

تعود المياه إلى الجداول

وعلى ذؤابات شجر الدلب تحط الطيور المغردة

‏***

فارس مطر – برلين

30.03.2026

نسجت من دمعها شالا تجمّلْ

ثمّ قالت:

" خذْ تدثّرْ...

فيه عطري.."

لثمتْ زنده شوقا وحنينا،

وضعت في كفٌه الغضّ مدادا

وعلى يمناه وردا وسلاما

قطفت من عينها زنبقة ثمّ استدارت

خاطبت عينيه، قالت:

" جبل الزيتون يرعاها، فخذها حيث تمضي.."

ومضى أيّوب عصرا يتعجّلْ

يرسم الحلم على وجه المرايا

برتقالا ونخيلا..

جبل الزيتون أضحى مهرجانا لحياة

نبضها عطر.. وشال..

راقصته..

هطلت من عينها دمعة عزّ..

دمعتان...

مجّها الشّوق فقالت:

" لثرى الزيتون لون الزيت في القلب..

لست وحدي

من رجا صبحك يا قدس

قد رجاه الموت قبلي..

ذاك يا أقصى أريجي..

ذاك شالي..

قد أتاك اليوم يسعى..."

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي - تونس

بَـعـد طول اِنـتـظـارٍ يَـجُودُ الـقَـدرْ

قدِمت تَـرفُل. مِـن بَـعـيد السّــفـرْ

شَـوقُـها قَـد دَعَـا. مَا ثَناها خَـطـرْ

في شَهيلٍ شَوى. أو بسَـيْـلِ المطرْ

وَعـدت أنـجـزت. رُب وعـد لـحُــر

مــثـلــهـا درة. مـن بــديــع الــدرر

عند شمس الضّحى أقبلت في حَذرْ

لا رقـيــبٌ رأى. فـسريــعًـا تــمُــرْ

رَفرفت خَطْوَها. كالشّـذى قد عَـبـرْ

وردةٌ أيْــنـعَــت. والرّبــيعُ ازدهــرْ

حُـسنُــها فـائــقٌ. بَـهـجـةٌ لـلــنّـظـرْ

بِـــقَـــوام بَــــدا. مائــسًـا كالـزَّهَـــرْ

مِـن سَـنـا وجهِـها. الـبَـهاءُ اِنـتثـرْ

فسَبحـنـا الصفا. وسَلونا الــكـدَرْ

وارتقـيْنا السَّما. فـوق دُنـيـا البـشـرْ

فمشيْنا النّـجـومْ. وعَـدوْنـا الـقـمـرَ

في جِـنان الهـوَى. كم قَطفنا الـثَّمَرْ!

***

سُوف عبيد - تونس

 

في صباحٍ رمضانيٍّ بدا ساكنًا أكثر مما ينبغي، كأن الزمن قد خفّف وطأته ليمرّ متخفيا بين عموم الناس، كان الرجل جالسًا إلى طاولةٍ خشبيةٍ قديمة، يقلب بين أوراقٍ صفراء لم يعد يتذكّر متى بدأ يجمعها. كانت كل ورقة تحمل آثار محوٍ متكرر، كأنها نجت من قرارات لم تُنفّذ أو أُلغيت في اللحظة الأخيرة.

منذ زمن، تعلّم أن يختصر العالم في جملتين.

حين طُرق الباب مرتين، فقط مرتين، رفع رأسه ببطء. لم يكن الطارق مفاجئًا، بل بدا كأنه متأخر. نهض، وفي داخله إحساس ثقيل بأن هذا الطَّرْق قد حدث من قبل، أو كان ينبغي أن يحدث منذ زمن ولم يحدث أو حدث بشكل آخر.

فتح الباب. امتدّ أمامه الحقل الأخضر، لكن لونه كان باهتًا، كأن الحياة فيه مؤجّلة. في الأعلى، كانت الغيوم متراكمة على نحوٍ غير طبيعي، لا توحي بمطرٍ، بل بشيءٍ يشبه الامتناع عن المطر. وكأن السماء، مثل الأوراق التي على طاولته، اتخذت قرارًا ثم تراجعت عنه.

سلّمه ساعي البريد ظرفًا دون كلمة، ومضى.

ظلّ الرجل واقفًا عند العتبة، ينظر إلى الختم. ذلك الشمع لم يكن غريبًا عليه. مرّر إصبعه عليه ببطء، كما لو كان يتحسّس أثرًا قديمًا.. أو مسؤوليةً لم تُدفن جيدًا. فتح الظرف. ورقة واحدة. خطّ كوفيّ متماسك، لا يرتجف، لا يتردد، كما لو أن كاتبه لا يعرف الشك.

قرأ: .. توقّف. ابتسم ابتسامةً واهنة، لا فرح فيها ولا سخرية. فقط اعترافٌ متأخر بشيءٍ كان يعرف أنه سيعود. أعاد قراءة الجملتين، هذه المرة بعينٍ مختلفة، لا تبحث عن المعنى، بل تتحقق من التطابق.

"لم يغيّروا شيئًا.." تمتم، بالكاد.

عاد إلى الطاولة. نظر إلى أوراقه القديمة. بعضها كان يحمل بدايات قرارات، وبعضها الآخر نهاياتٍ مبتورة. وفي الهامش، بخطٍ يشبه الخط في الرسالة، كانت تتكرر صياغات مختلفة.. لنفس العبارتين.

عندها فقط، بدأ الصوت. لم يأتِ من الخارج. لم يكن هتافًا جماعيًا كما تخيّل أول مرة. بل كان أشبه بتذكّرٍ قاسٍ، كأن الذاكرة نفسها قررت أن تتكلم دفعة واحدة.

"يا عمي.. أين اختفيت؟"

"نحن في أمسّ الحاجة إليك.."

أغمض عينيه. هذه المرة، لم يشعر بالخوف. بل بشيءٍ أقرب إلى الإرهاق.

نهض ببطء، واتجه نحو النافذة. كانت الغيوم قد اقتربت أكثر، حتى خُيّل إليه أنها تلامس السطح. للحظة، راوده يقين غامض أن ما في الخارج ليس سوى انعكاسٍ لما لم يُحسم بعد في الداخل.

التفت إلى الطاولة. الورقة الجديدة اختفت. لكن إحدى الأوراق القديمة كانت مفتوحة، وقد أُضيفت إليها جملتان.. بخطّه.

تقدّم نحوها، قرأهما، ثم سحب الكرسي وجلس. أمسك القلم. تردّد قليلًا. ثم شطب إحدى الجملتين.

رفع رأسه نحو النافذة. في الخارج، لمع البرق.. دون أن يتبعه صوت.

***

قصة قصيرة

الحسين بوخرطة

شُكراً لِكُلِّ قَصيـدَةٍ قَد قُلتُها

كانَت لِقَلبي بَلسَماً وَشِفاءا

*

إِن لَم تَكُن تَبْري جِراحاً غائراً

لا تَدَّعِي مَجْداً وَلا أَضْواءَا

*

فَالشِّعْرُ نَبْضٌ لِلْجِرَاحِ طَبِيبُهَا

يُهدي لِروحي الصَّبرَ وَالآلاءَا

*

يا حُسْنُ ذِكرُكَ في الحَنايا لَم يَزَل

بِدُعائِنا نَسْتَمْطِرُ العَلْياءَا

*

وَنِدَاءُ (يَا حَسَنُ) الَّذِي أَلِفَتْ بِهِ

مِنِّي الحُروفُ مَرارَةً وَبُكاءَا

*

وَدَفَنْتُ بَعضِي في تُرابِكَ حِينَما

وارَيْتُ حُلماً طاهِراً وَنَقاءَا

*

يا قِطْعَةً مِنِّي رَحَلْتَ بِمُهْجَتي

وَتَرَكْتَ لِي بَعْدَ الرَّحيلِ عَناءَا

*

يا (حُسْنُ) كَيفَ نَموتُ بَعدَكَ مَرَّةً؟

مُذ غِبتَ صَارَ العَيشُ فيكَ بَلاءَا

*

قَد كُنتَ عُمري، كَيفَ يَرحَلُ عُمرُنا؟

وَيَظَلُّ جِسمِيَ مَيِّتاً أَحياءَا!

*

أَمشِي وَظِلِّي لا يُفارِقُ حُفرَةً

ضَمَّتْ رَبيعاً طاهِراً وَنَقاءَا

*

ما حِيلَةُ المُشتاقِ عِندَ رَحيلِهِ؟

أَنْ يَسكُبَ الدَّمْعَ المَريرَ رِداءَا

*

وَغَدا نَهاري بَعدَ فَقدِكَ مُوحِشاً

كَاللَّيلِ يَملأُ مُهجَتي ظَلماءَا

*

يا (حُسْنُ) خُذ مِني بَقِيَّةَ مُهجَتي

ما عادَ عيشي بَعدَكُم إِغواءَا

*

أَبكي ربيعاً غابَ قَبلَ أَوانِهِ

وَأَظَلُّ أَسأَلُ رَبِّيَ اللُّقياءَا

*

مَرَّتْ سِنِينُ الخَمْسِ وَهِيَ سَرِيعَةٌ

فَكَانَ جُرْحِي لَوْعَةً خَرْسَاءَا

*

ما غَابَ طيفك عَنْ خَيالِيَ لَحْظَةً

بَلْ زَادَ فِي صَدْرِي الشُّجُونَ مَضَاءَا

*

خَمْسٌ مَضَتْ وَالقَلْبُ يَنْزِفُ فَقْدَهُ

وَيَرَى اشْتِيَاقِي لِلِّقَاءِ دَوَاءَا

***

د. جاسم الخالدي

الخميس ١٩ /٣/ ٢٠٢٦م - ٢٩/ رمضان

ليستْ كما نشْتهي الدُّنيا فيا قلبُ

هيّا بنا لدنىً يَقضيْ بها الحبُّ

*

شِبنا معًا أنتَ تُهدي قُبلةً وأنا

أُهديكَ عُمرًا فأشقتْ حبّنا الحَربُ

*

ذُبنا مغا أنت تُعطي دفقةً وأنا

أُلقيكَ شِعرًا فأخفىْ صوتَنا الضّربُ

*

ضِعنا معًا أنت تَخطو خطوةً وأنا

أُعطيكَ حُلْمًا فأدمىْ خطوَنا الدّربُ

*

يا قلبُ لنْ يعرِفوا معنىً لنا وهمُ

يرونَ أنّ لنا ربًّا وهُمْ عُرْبُ

*

يا قلبُ لنْ يسمَعوا بيتًا لنا فلَقدْ

تيقّنوا أنّنا طهرٌ وهُمْ ذنبُ

*

يا قلبُ لنْ يفهَموا شكوًا بنا ولهُمْ

أرضٌ وليسَ لنا في أرضِنا شعبُ

*

أما تعبتَ من الدّنيا وأكؤسِها

قد باعها الشّرقُ كي يُسقي بها الغرْبُ

*

ما الغربُ؟ باللهِ قلْ لي ما هوَ الغربُ؟

إن قلتَ ليْ "بشرٌ" فالشّرقُ ذا ربُّ

*

أينزلُ الربُّ للعبدانِ عن وطنٍ؟

لا يقبلُ العقلُ ما يلْقى ولا القلْبُ

*

يا قلبُ عجّل سئِمتُ السّيرَ فوقَ ثرىً

قدْ غارَ مع أمسِه سَلسالُهُ العذْبُ

*

أينَ المياهُ الّتي أروتْ هوابِرَنا ؟

أينَ الظّلالُ التي آوىْ لها الشبُّ

*

لا ظِلَّ ظَلَّ يردُّ النّارَ عن أمَلٍ

والماءُ لا غطْسةٌ تُبري ولا شُربُ

*

أيرجعُ المحضرُ الشرقيّ من صوري؟

أيرجعُ الأهل والجيرانُ والصّحبُ؟

*

أيرجعُ الملعبُ الليليّ من قصصي؟

أيرجعُ اللّهو والسّاحاتُ واللّعْبُ؟

*

إلى دنىً غير ذي الأحبابُ قد رحلوا

وعندَ غيرهِمُ لنْ يُوجدَ الحبُّ

***

أسامة محمد صالح زامل

 

كلُّ عامٍ وأنتَ أنتَ العراقُ

رغمَ شعبٍ قد دبَّ فيهِ الشِّقاقُ

*

أنتَ أرضٌ عظيمةُ الخيرِ لكنْ

بيدِ الشعبِ للهلاكِ تُساقُ

*

أنتَ أرضُ الصراعِ في كلِّ حربٍ

منكَ يُهدى القربانُ والأرزاقُ

*

أنتَ نهرانِ من دمٍ ونخيلٌ

من ترابٍ حصادُهُ الأعناقُ

*

أنتَ وادٍ منَ الجماجمِ تحكي

قصةَ الغدرِ حينَ خانَ العناقُ

*

أنتَ منفىً وصرتَ تُدعى بلاداً

وحبيبٌ وعنهُ حانَ الفِراقُ

*

أنتَ لفظٌ يعادُ فينا سنيناً

دونَ معنىً تبكي لهُ الأحداقُ

*

مثلَ لغزٍ مُستصعَبٍ قد أطلنا

نظراً فيهِ نالنا الإرهاقُ

*

فتركناهُ بل نسيناهُ حتّى

جاءَ يومٌ وبانَتِ الأوراقُ

*

راحلٌ عنكَ كي أراني فمثلي

تُسرِجُ الغيمَ تحتَه الآفاقُ

*

لستُ أرضى مُقامَ دارِ هَوانٍ

بلْ رياضٌ وجدولٌ رقراقُ

*

كلُّ أرضٍ وطِئتُها تتباهى

بقدومي ينالُها الإشراقُ

*

راحلٌ عنكَ لو لآخِرِ يومٍ

بحياتي وما إليكَ اشتياقُ

***

د. عبد الله سرمد الجميل

 

الألوان:

كائنات أنثوية خرجت للتو من

مطر السحاب، وكلما دنت

منها السماء تزداد ارتفاعاً وشموخاً

الألوان:

لا تهاجر هي الطيور

أينما سافرت لها الفضاء مرتعاً

متوحدةٍ فيه الى أبدية لا تنتهي

من الروعة.

الألوان:

لا تومئ إلى زمن ذابل ولا شجن

قادم

ولا هي معنى للجمال أو للقبح

هي عرض أزياء احتفالي

لاشتقاق ما هو مباح من الطبيعة

فيها يهيج الحنين إلى

الوصف والدهشة

الألوان:

استيقاظ الحواس وراء شرفة زجاجية

واسعة المدى ترشد العين

ما ينتظر القلب من سكينة ورحمة.

الألوان:

إنبِلاج الصباح على خدود الأزهار

و الأحراش البرية الوحيدة في عزلتها

الشوكية.

الألوان:

نداء عروق الرخام في واجهات البيوت

وانتقاء الكلمات للفرح والحزن

وللقصيدة أجنحة..

الألوان:

كامرأة تتعرى على

مهلها في خيال عاشق

معنى من معاني

الغيوم، وتغير مزاج الحياة

المتقلبة.

***

عارف عبد الرحمن

 

(دخان)

لم تقلْ كلمة بعد

ليست لكَ خطوة

لا غيمة تظلّلُك

لا يتبعُك غزال، لاحظْ

كلّ الأسماء التي تعرفها

تلمع وتختفي

تظلّ وحدكَ في الليل

تراقب أسماء تهوي

إلى غبارِها الكوني

*

لاحظْ

كلّ عمرك سيجارة

أدقّ مِنْ إبرة، يحرقها عابر.

**

(مدنٌ)

سأعبّئ في عينَيّ مدناً

تنهضُ مِنْ حرائقِها وتصهل

*

سأصافح الذين هزمتُهم

والذين هزموني والذين سيضحكون

*

مِنْ كلّ حانة سأقطف صخباً

ضحكةً، وردةً، كأساً صغيرة

*

وغيركِ

سأعانق في الليل

مرتعِشاً لاكتشافات المرتحل

في المدنِ الحقيقيّة.

**

(مجنون)

الغريبُ

يمسّد شعرَ الوحدة

يظنّ أنّ الله قريب

فيقصّ القصص

*

يظنّه العابرون مجنوناً

فيصمت

**

(صراخ)

أفضّل لو تصرخ

لكنّكَ حتى في جحيمِك

مهذّب جدّاً.

**

(غرباء)

مشوا إلى المدينة

مِنَ الجبالِ البعيدة

حفاةً خلف جنازة صامتين

كانت أقدامُهم تبعثرُها الرياح

وحقولُهم تختفي خلفَ عيونٍ ماطرة.

**

(زاوية)

لستُ أنا

لأجمعَ الغيم في يدي

وأنثرَه فوق بلادٍ حزينة

لأصنعَ الفجرَ مِنْ دمي

مِنْ هديرِ البحرِ تائقاً إلى خلاصه

لستُ أنا ليطرحني العشقُ

على بساطِ المدى

فتحْتُ للنهرِ بابَ حياتِه

أرويتُ الطيرَ، أرعيتُ الغزالَ

أشممتُ الريحَ عبقَ الزهور

فتحتُ المدينةَ للحفاة

وتلفُّني الزاوية.

**

(نافذة على البحر)

النهرُ يغمرني

وأنا ثمرةُ الأرضِ العاشقة

تكتبُ الرياحُ على وجهي أنغامَها

والمدى تشيّعُه نظراتي

*

تدورُ الأرضُ ليدي

التي تمسك الفصولَ

مبتهجةً بالريحِ

والمطرِ والزهرِ والحقول

وبيدي أرفعُ النجومَ

أطلقُها في السماوات

لأحتفلَ بالمسافة

*

مرّةً كنتُ الغابة

مبتدئاً بالغصون

سيّداً في مملكةِ النبات

أحملُ رؤوسَ الشجرِ إلى أعلى

وأنامُ كالطير محروساً بالنسائم

*

مرّةً كنتُ المغاور والصخور والوديان

مسبوقاً بحذرِي في مملكةِ الحيوان

وبناري التي أشعلتُها بحجر

لأغيّر صوتي

*

ومرّةً كنتُ الحقولَ في سهولِ العالم

المتفتّحِ بأصابعي الرشيقةِ وظهري المستقيم

تجلدُني السياطُ وأطعِمُها خبزاً

لتسمنَ وأنحل وأنتقم

*

الآن أُكملُ دورةَ عمري

يصدِّعُني الحديدُ بعجلاتِه

يملؤني النفطُ لأتخثّرَ بالكربون

يجتاحُني الوحلُ

لينامَ في دمي الرصاص

ليشدَّني الحجر

*

أُكمِلُ دورةَ عمري

لأفتحَ نافذةً على البحرِ

وأسابقَ الريح.

**

(خلل)

إنّه الطقس

يمشي على عكّازين

يتنفّس بمنخارين

أوكسجين

وثنائي أوكسيد الكربون.

**

(بينكم)

حدّاد

يحدّد في رأسي

رسّام

يلوّن تحت عينَي

مجنون

يخرج منّي

ومجنون

يقرع ليدخل

فيا قضاة

لا تخاطبوني بـ "أنتَ"

أنا جماعة

ولا أعرفُ كلَّ جماعتي

بينهم مجرم

لكن حين تصدرون الحكمَ عليّ

يكون المجرم

بينكم.

**

(حيث الذئب)

أنا أيضاً

طيري لم يعد

من رحلته

بعد

أبحثُ بصمتٍ عن نجمةٍ

أضاءتْ مرّةً

واختفت

رأيتُ فراشاتٍ تُذبح

أحلاماً مرتجفةً، موحلةً

في أزقّةٍ غريبة

رأيتُ عرباتٍ يدفعها النمل

وعسساً يسرقونَ حمولتها

أرتقُ الثقوبَ بالجنون

الممسوسُ بعشقِ الشمس:

رفيقي

النمرُ الجائعُ، الأكتعُ:

رفيقي

المحقونون بالنسيان:

رفاقي

والصحراء لي

المطرُ الأخضرُ

الطالعُ في السفوح

حيث الذئب

منتظرٌ طيراً لم يعد

*

أخرجُ

من الغبار

وأجرُّ عمياني.

***

شوقي مسلماني

في المساء الذي بدا أطول من عمره، جلس عبد السلام أمام الطاولة الخشبية، يحدّق في ساعة رملية قديمة. لم تكن أداة فحسب؛ كانت شيئًا يشبه الاعتراف. اشتراها قبل سنوات من سوق عتيق في فاس، يوم كان يظن أن الزمن يُقاس… لا يُعاش.

قلبها ببطء.

انهمر الرمل من الأعلى، كما لو أن شيئًا داخله قد انكسر وبدأ يتسرّب.

لم يكن عبد السلام رجلاً عاديًا. كان مدرسًا أنهكته الحياة، لا من كثرة العمل، بل من ثقل الذكريات. منذ وفاة زوجته، صار الزمن عنده كتلة صامتة، لا تتحرك إلا في هذا الكائن الزجاجي الصغير.

في كل مساء، يجلس أمام الساعة الرملية، يراقب الحبيبات وهي تسقط. لم يكن يقيس الدقائق، بل كان يحاول أن يُبطئ شيئًا لا يُبطأ.

قال لنفسه ذات مرة:

"لو توقفت هذه الحبيبات، هل سيتوقف الألم؟"

لكن الرمل لا يسمع.

في تلك الليلة، حدث شيء غريب.

بينما كان يراقب تدفّق الرمل، لاحظ أن بعض الحبيبات توقفت عند العنق الضيق، كأنها ترددت. اقترب أكثر. وضع عينه بمحاذاة الزجاج.

رأى… وجهًا.

تراجع مذعورًا، ثم عاد ببطء، كمن يخشى أن يكون قد رأى الحقيقة. كان الوجه مألوفًا، متعبًا، لكنه حيّ.

إنها هي.

زوجته.

كانت تنظر إليه من داخل الساعة، كما لو أنها محبوسة بين حبيبات الزمن. شفاهها تتحرك، لكن لا صوت. فهم منها جملة واحدة فقط، كأنها كتبت داخل روحه:

"لم يمت شيء… أنت الذي توقفت."

ارتجفت يداه. أمسك الساعة بقوة، وكأنها قد تسقط.

صرخ: "كيف؟ كيف أخرجك؟"

لكن الرمل عاد يتدفق، أسرع من قبل، وكأن اللحظة ترفض أن تُحتجز.

الذروة

بدافع جنوني، قلب الساعة… ثم قلبها مرة أخرى… ثم ثالثة.

في كل مرة، كان يأمل أن تعود تلك اللحظة، أن يتوقف الرمل عند العنق، أن يظهر الوجه من جديد.

لكن شيئًا لم يحدث.

إلا أنه لاحظ شيئًا آخر.

الرمل في الأسفل… لم يعد كما كان. صار أكثر. أكثر مما يفترض أن تحتويه الساعة.

اقترب، ولمس الزجاج. أحس بثقل غريب. كأن كل لحظة عاشها، كل ذكرى دفنها، كل ألم تجاهله… قد تجمّع هناك.

وفجأة، سمع صوتًا خافتًا، ليس من الساعة، بل من داخله:

"أنت لا تفقد الزمن… أنت تتراكم فيه."

في الصباح، وجده الجيران ممددًا على الأرض، والساعة الرملية مكسورة بجانبه.

لكن الغريب… أنهم حين اقتربوا، لم يجدوا داخلها أي رمل.

كانت فارغة تمامًا.

أما وجه عبد السلام، فكان هادئًا بشكل لم يعرفوه من قبل. كأنه أخيرًا… توقّف عن العدّ.

وفي زاوية الغرفة، على الطاولة الخشبية، كانت هناك ورقة صغيرة، كتب عليها بخط مرتجف:

"حين حاولت أن أُمسك الزمن… اكتشفت أنه كان هو الذي يمسك بي."

***

حسن لمين

مساجلات شعرية* تونسية بين ثلاثة شعراء: الشاعر عادل الهمامي، الشاعر أبو البيرق عمر الشهباني، والشاعر سُوف عبيد

***

الشاعر عادل الهمامي ـ قصيدة يوميات شاعر فقير

أجــــــــوب الشــــوارع مثل الكلامِ

وفـي الجيــــب قفرٌ وبعض الحرامِ

*

أفكّرُ فـــــــــــــــي عصرةٍ من نبيذٍ

وفي النــــــاس والأغنيات الجِسـامِ

*

أدخّنُ تيهـــــــــــي، ومـــا قد تبقّى

من الحلم والشدو والانقســــــــــامِ

*

ولستُ أمــــــــــارس نفسا كنَفْسِي

ولا حبّ لـــــــي في فراشـي المُقامِ

*

فلا قهوتـــــــــــي قد أتتْ بالجديــدِ

ولا جلستـــــــــــــي قد أتتْ بالمُدامِ

*

وفَقْري علـــــى الفقرِ، زاد حريقي

وأمْوالُ حبـــري اعتراها اقتسـامي

*

لِما بين ديْنٍ ومـــــــــــا بين عيشٍ

وما بين فوضـى احتواها انهزامي

*

أنا من زمــــــــــــــــانٍ أكرّر حلمًا

وحلمي يغـــــــــادرُ مثل انسجــامِي

*

تعبتُ من الفقر والأمنيـــــــــــــات

تعبتُ من العشق مثل الغمــــــــــامِ

*

فكلّ الأحبّة غــــابـــــــــــوا كطيفٍ

سقاهُ الذّبـــــــــــولُ، فتاهَ احترامِي

*

أعيشُ، كمنْ لا يعيــــــــــشُ البلادَ

برغم الحروف النبيـــــــــذ الحُسامِ

*

وأُصغـــــــي، كمنْ لمْ تَعِشْهُ الحياةُ

وأمشــــي إلى الصبح دون احْتدامِ

*

أعيشُ من الشعر والأغنيـــــــــات

وبعض المقـــــــــــالات والابتســامِ

*

أؤثّث بعض الأمــــــــــاسي قصيدًا

وفي الصّبحِ أسعـــــــى لبيع كلامِي

*

وأتعبُ مثل نشيــــــــــدي وصوتي

وفي الظّلمـــــــــــات يطيـر حمامِي

*

فبالشعر تأتــــــــــي المراحل شتّى

ولكنْ، بصبر الجِمــــــــــــال القوامِ

*

فلستُ من المـــــــــــاكثيـــــن بظلٍّ

ولست من الراكديــــــــــــن النّيــامِ

*

ولكنْ عزيـــــــــــز أصيــــلٌ كذاتي

وأصلـــــــــــي شريـــف ككلّ هُمامِ

*

أنا لن أتـــــــوب عن الشعر، إنّي

زعيم القصيــــــــــــد، وهذا كلامِي

***

قصيد الشاعر أبو البيرق عمر الشهباني

إلى الشّاعرعادل الهمامي

تصعلك مع الفقر عند العــــــوامي

أيا شــــــــــــاعرا بالكلام العصامي

*

وفكّر بعصر النبيـــــذ المحلّــــــــى

وغنٍّ الأهــــــازيــــــج مثل الحمام

*

وجب في بقـــــــــاع الحوانيت ليلا

كمن لم تسعه الدّنَـــــــــــــى للقيام

*

فتلك الشّـــــــــــــوارع كم مرّ فيها

من الكبريـــــــــــــاء العزيز المُقامِ

*

وعــــــادت إلــى القصر بعد امتداد

كمن شد مهراتهـــــا باللّجـــــــــام

*

فلا الفقه فيـــــــها تمطّـــــى سعيدا

ولا الوعي يسمو علــى كل سامي

تسكّع فهذا الزّمــــــــــــان الحزين

قَد اشتَـــــاق لليـــــــــافعين العظام

*

ودخّن لُفَـــــــاف المرار العميـــــق

وغمّس فراغ الأنَــــــــــــــا بالإدام

*

وطف فالمـــــــــــدائن لا خير فيها

إذا لم يصن شعـــــــــــرها باحترام

*

وجـــاع القريض لنبل المعــــــاني

وضـــاع الشّوادي بوحل الزّحَـــــامِ

*

وصــــار الأديب نزيــــــــل المجاز

ويخشى علــــى النّفس نبس الكلام

*

فمــا عــــاد في القوم رأي سديـــد

وأخلــــى الحلال الفضــــــا للحرام

*

تصعلك فهذي البـــــــــلاد استعدت

لدفع المغـــــــــــــــازي هنا بالنّيام

*

وضع عشرنا فــــي خدود العذارى

وقم للــــــــــــــــوداع لهم بالسّلامِ

*

فإنّي أرى الشنفرى في الحجــــــاز

وكل الأصــــــــــــــول التي بالشّآمِ

*

ووادي 'الرّبـــــاط' انثنى عن مداه

ونيل الكنــــــــــــانة بالوحل طامي

*

أراهم جميـــــــــــعا بوادي الجفاف

قيانًا تغطّــــــي 'الأنا' بالغمَــــــــام

*

فلست الوحيــــــــــــد الذي ضيّعوه

ولست الأخيـــــر الذي في الضرام

فهذي المدائــــــــن تأتِـــــــي بنيها

على الخوف والجــوع في الالتهام

*

فصعّر خدودك فــــــــي الشّعر أنت

" زعيم القصيـــــد، وهذا كلامِي"

***

قصيد الشاعر سُوف عبيد

خَليليَّ عُوجَا على مُستهامِ

وبالشّعر أمسى عظيمَ الغرام

*

فخمسُون عامًا وعَشرٌ هواهُ

وشَابَ ومَا شابَ قلبُ اِضْطرامِ

*

فَسِيرَا على الدّربِ دربِ الحُروفِ

تُشِعُّ بنُورٍ لقَهر الظلامِ

*

وذا عصرُ ظُلمٍ وزيفٍ يسُودُ

وما الشّعرُ إلا مَلاذُ الكِرامِ

*

يُنادون خَيرًا لكُلّ الشّعوب

بحُريّةِ الفِكر دُونَ لِجام

*

وبالعَدلِ شَرْعًا سَتحلُو الحَياةُ

وكالطّير نشدُو لفَجرِ السّلامِ

***

.........................

* تُعتبر المساجلات بين الشعراء غرضا شعريا قديما  ويندرج ضمن فن المعارضات وقد نشر الشاعر عادل الهمامي قصيدة تنسج على منوالها الشاعر أبو البيرق عُمر الشهباني ثم واصل على نفس النسق الشاعر سُوف عبيد فالقصائد الثلاث لئن وردت على نفس البحر والقافية وحامت حول معاناة الشعر ومكابدة الشاعر إلا أن كل قصيدة منها تمتاز بخصائص ذاتية فكأنها جواهر مختلفة ضمن سلك عقد واحد