عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

لا تلعنوا راسبوتين

أنكم بذلك تصفعونَ وجوهكم يأيديكم

ألستُم صورتَهُ المعكوسة في مرآة

لعناتُكُم كلعناتِ القاتل لأقرانِهِ

ليوهِمَ الشَرَطة

أنّ الدماءَ التي تقطُرُ من فمِهِ

هي ما تميَّعَ من التسابيحِ والصلواتِ

كلّ لعناتِكم لن تتجاوزَ فوّهاتِ قناني خمورِكم

لو علِمتُم أنّها تخترقُ القبور

لفتحتُم رُخامَةَ قبرِهِ

ونزلتم لتقاسُمِ غنائِمِكُم مع جُثّته

**

ملعونُكُم أيها اللاعنون ما زالَ في موتِهِ حيّاً

وجثّتُهُ المدفونةُ في طيّاتِ كُتُب التاريخ

هي لواحدٍ من ضحايا المؤرِّخين

أنه في قبرِهِ يسمعُ لعناتِكم

ويُرطّبُها بلُعابِهِ

ليُبَرِّدَ بها آتونَ جحيمِه

ولأنّ القبورَ لا تتّسعُ لمزيدٍ من الشياطين

فقد اعتزلَ في قبرهِ الرَهبَنة

وتحوّلَ إلى صانعِ دُمى

يضُخُّ من تحتِ رُخامةِ القبرِ للمعابِدِ

أشباهَكُم من الدمى المقدّسة

دُمىً ذاتُ أسنانٍ

إذا لم تجدْ ما تقضِمُهُ

يقضِمُ بعضُها بعضاً

وذاتُ بطونٍ

رُفِعتْ عن الأرض بسِقالاتٍ

فقد نُفِختْ لتستوعبَ مواريثَ الأيتام

**

قُتلَ راسبوتين

لكنّ غيومَ ثلوجِهِ السُود

ما زالتْ تزحَفُ على سَمَاواتِنا المتعافية

لتُصيبَ نجومَنا بالجَرب

وتُنبِتَ أمطارُها في حقولنا

غاباتٍ من اللحى والعمائِم

***

شعر: ليث الصندوق

ما بينَ وجهِكِ والغروبِ

تغفو الحياةُ بلا لُغوبِ

*

لِيَطِلَّ مِنْ بينِ الغمامِ

بنورهِ وعلى دروبي

*

وأراكِ بينَ جنّائنٍ

إبداعُ علّامِ الغُيوبِ

*

اُمّي أيا نَبعَ الحنانِ

لَأنتِ طيبٌ للطيوبِ

*

مِنْ بَعدِ فَقدِكِ لم أجدْ

دِفئً كدِفئكِ في القلوبِ

*

أشتاقُ صدرَكِ عندَ ما

تجتاحُني ريحُ الخطوبِ

*

أشتاقُ صوتَكِ والصدى

ترنيمَةً فوقَ السُهُوبِ

*

هي ما تزالُ بمَسمعي

ودُعاءُكِ وقتَ الغُروبِ

*

ولدي حَمَاكَ اللهُ لا

تأسى وصبرًا يا حبيبي

*

سيَزولُ عنكَ نحوسُها

إنْ شاءَ ربّيْ عن قريبِ

*

اُمّي ظِلالُكِ مَؤلي

وإليكِ مِنْ وَجَعيْ هُروبي

*

يا دوحةَ البيتِ التي

بَرِئتْ ببلسمها نُدوبي

*

هذا نِثارُ الذكرياتِ

تلوّنَتْ فيها كُروبي

*

لأعيشَ ساكِنَها النَدِيَّ

مُكَفِّرًا فيها ذنوبي

*

وأرُشَّ روحيَ عِطرَها

فوّاحةً مِنْ غيرِ حُوبِ*

*

مُدني بقايا الذكرياتِ

أزورُها عِندَ الوجوبِ

*

وأطوفُ بعضَ رياضِها

مُتحامِيًا عَينَ الرقيبِ

*

شتّانَ روضكِ والرياضُ

إذا تَنَسّمَ بالهبوبِ

*

فالرَوحُ أنتِ وراحَتي

وإليكِ مُلهِمَتي نسيبي

*

أستلهِمُ الذكرى أُداوي

نازفًا أعيى طبيبي

*

أستلهِمُ الذكرى لكي

تبقى طيوفُكِ مِنْ نصيبي

*

لأرُدَّ وحْشةَ وحدَتي

وعواديَ الزمَنِ المُريبِ

*

يا جَنَّتي يا جُنَّتي

ذكراكِ تستدعي نَحيبي

*

فعليكِ تَسليمي الدوام

مِن الشروقِ الى المَغيبِ

***

احاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / فارا في يوم: الاحد 13 مايس 2012

..................

* الحُوب: الذَنْب

"عُودوا بِنُور الوَصْلِ مِن غَسَق الجَفَا

فَالهَجْر لَيلٌ والوِصالُ صَباحُ"

شهاب الدين السهروردي

***

ركبتُ مَوجا ثائرًا

حَسِبتُه لا يُغرِقُ

وغُصتُ في عِشقي،

فمِثلي مُقدِمٌ إذ يَعشق

أَسقي لهيب دهشة

تأجّجتْ في مُهجتي

وأُفلِتُ من جنّة نيرانُها لا تَحرِق

كَيْ أَلحَق الكأس التي تَوَقَّدتْ

فأَسْكَرَ من حَرّها، لكنني لا أَلحَقُ!

لا أُمَّ لَكْ!

يا عاشقا تَكَشَّفَّتْ أحوالُه

إنّ الشقيَّ لَلّذي معشوقُه لا يُشفِقُ

يُطارِد نورَ الطريقِ زاهدًا...

في خُلْوَة تَأبَّدَتْ أرجاؤُها،

والهَجرُ فيها مُطْبِقُ

رُويْدَكَ!

فهل أَراكَ لائما حَبيبكَ

وقلبُك مُسبِّحٌ بعشقه إذ يَخفِقُ؟!

رُويْدَكَ!

فرُبَّ صَبٍّ أَرهقَته رِحلةٌ في طَيِّها

تَخالُه حِين تَراه، فانيًا مِن شَوقِه - -

تُعيده لِلوَجدِ

خَمرةُ الصَّبابةِ، وسرُّها المعتَّقُ

فتُزهرُ في الدَّربِ تَوبةٌ...

شَذى أريجِها يُدغدِغ الرّوحَ

التي حَنّتْ لعطرٍ يَعبِقُ

والشّمسُ تَنْضُو صَمتَها...

فتُنشِدُ، وتَرقصُ

لِيَسقُطَ المُريدُ في أنوارها تَجَلِّيًا

ويَصْحُوَ مُردِّدًا مُذْ تُشرِقُ:

مُتَيِّمي، "

ها قد صَحوْتُ ساعيًا للرِّزقِ راجيًا

فَالوَصْلُ رِزقٌ...

دُلَّني، لَعَلّني...

مِنْه بِشيْءٍ أُرزَقُ"

***

د. المنتصر العامري

 

رواية قصيرة جدا

مهدي شاب في العشرين من عمره، يعيش في قرية تضطجع على شكل قيثارة بغنج على منحدر جبلي يمتد الى ساحل البحر كامتداد لسان كلب لولغ الماء، ترك دراسة الحقوق حيث وجدها منحازة الى أصحاب المال والنفوذ، عاد الى بيته وأمتهن الصيد، علاقته غاية في البرود مع أقرانه من الأناث والذكور، بسبب (شذوذ) أفكاره ومخالفته للأغلبية حول الوجود والواقع المعاش...

- يا أخي أني لاأتفق معكم حول تفسيراتكم لنشوء الحياة على الأرض، ولا أتفق معكم حول وجود الأنسان في هذا الكون، حواء ضلع من ضلوع آدم ...

- لا أرى معنى لهذه الحواجز بين القارات والبلدان وتقييد الأنسان ضمن رقعة جغرافية محددة تدعى الوطن، أرى ذلك سلوك انسان مستبد أو مجموعة من الناس لفرض سيطرتهم على جمع من الناس ضمن حيز معين واستعبادهم بأس الوطن والوطنية.

يبتسم صديقه سهيل بوجهه مع نظرة إستغراب وتساؤل استنكاري

- ماذا يا أخي هل أنت من كوكب أخر، ألست أنت إبن قريتنا إبن فطيمه ومزهر... فمن أين أتتك هذه الأراء؟؟

- هل هناك من يخرج من البحر ويلقنك هذه الأفكارأثناء وجودك على شاطيء البحر للصيد؟؟

- انَّ من علمني هو موج البحر، فسطحه مستو مفتوح بلا حدود ولا قيود، تتعايش فيه الآلاف من المخلوقات دون تميز ودون حدود، يعطي للجميع ولايكتنز اللؤلوء، ولا يعرف البيع والشراء

- أرى أن هيجانه أحيانا غضبا لما يجري على اليابسة من تمييز واستعباد واكتناز، يغضب من وجود البارجات والمدمرات والغواصات وهي تنتهك حرمته ليقتل أهل البر بعضهم البعض، يختبرون أسلحتهم ومتفجراتهم المدمرة في البحر، لايشكرون ما يمنحهم البحر من الخيرات، وأشكال وأنواع لاتحصى من أنواع الحيوانات للغذاء والدواء البشري!!

 فلماذا لايتمثل البشر حياة البحار والمحيطات فيعيش الجميع بسلام وأمان ورفاه وحرية؟؟

- ظل سهيل فاتحا فاه مستغربا لما يسمع من مهدي، محاولا الرد بكون هذه الطبيعة البشرية ولايمكن تغييرها منذ عشرات الآلاف من السنين...

- لا يا أخي انه واقع مصطنع، أوجده الأقوياء والطغاة لتكون حياة أهل البر بهذه التعاسة والألم والخوف والتمييز ...

- هز سهيل يده معبرا عن يأسه من إقناعه بتغيير سلوكه الغريب

- حمل مهدي شبكة صيده وتوجه نحو البحر ليناغيه ويصغي له ويلقي بشبكه ليتلقى كرمه من السمك اللذيذ كما في كل يوم شاكيا له ضلال أهل الأرض ...يستعيد نشاطه ثم يلقي بشبكته في البحر ...

- يهديه عدداً من السمكات المتنوعة الجميلة في المرة الأولى، ولكنه تلقى في المرة ثانية هدية من نوع آخر

:- انها قنينة جميلة الشكل، جذابة اللون تسر الناظرين، ينبعث منها شعاع ذهبي وامض ... مما جعل مهدي يسحب شبكته ويتنحى قليلا عن ساحل البحر ليطلع على هذه القنينة وطبيعة محتوياتها ..

فتح الغطاء الفضي المثبت فوق عنق القنينة، وأخرج ما في داخلها فوجد ورقة مطوية محفوظة داخل أنبوبة زجاجية شفافة، وبجانبها قنينة صغيرة على شكل قلب على الرغم من إغلاقها كانت تفوح منها رائحة لم يشم مثل عذوبة رائحتها في حياته !!!

أخفى انبهاره برائحة العطر، وفتح غطاء الإنبوبة لإخراج ورقة ملفوفة باحكام، فتحها بعد أنْ سحب حلقة من خيوط الذهب البراق كانت تمثل مشدا لها، بسط الورقة أمام عينيه فكانت تقول:-

" أنا الأميرة شيرين إبنة (أميرة البحر) نتيجة زواجها بعد قصة حب أسطورية مع راعي غنم وسيم أستحوذ على قلبها، عبر قصة حب طويلة على سطح البحر، ولكنه كان ضحية عصابة تسليب، مما رمل أمي التي عادت الى غياهب البحر كارهة ناقمة على مايجري من توحش وطغيان على الأرض، وبقيت أنا عهدة جدي عائلة الراعي، كانت أمي تزورني بين حين وآخر قرب ساحل البحر تحتضنني بحنان وتبكي مستذكرة حبيبها المقتول، ثم تلقي في حضني عددا من الجواهر الثمينة من اللؤلوء والمرجان النادر، وتغادر عائدة الى البحر على أمل اللقاء في وقت لاحق ...

 أصبحت عائلة والدي ثرية من جراء بيع هذه الجواهر الثمينة الفريدة من نوعها وقد خف استغرابهم وتساؤلهم حول من يزودني بهذه الجواهر الثمينة، فلم يكونوا على دراية بطبيعة أمي طيلة حياتها مع ولدهم، ولا كيف وأين توارت بعد مقتله، وأنا الآن في سن التاسعة عشرة من عمري، أسكن في قصر منيف مع جدي وجدتي على ساحل أحد البحار في هذا العالم الفسيح، أجيد الغناء، وقول الشعر، ورسم صورة أمي باشكال شتى كانت الصورة محل إبهار وإدهاش كل من يراها نظرا لجمالها ولم يروا مثيلا لحسنها وملامحها في كل العالم المحيط، دفعوا لي مبالغ طائلة لأبيعهم نسخ منها إلا إنّي كنت وما زلت أرفض البيع مهما كان الثمن، كما إنّي أمنع تصويرها عند توافدهم لرؤيتها حيث تتواجد في قاعة خاصة في المنزل ..

- أنا شيرين إبنة الراعي وأميرة البحر قررت أن لا أتزوج بالطريقة التقليدية المعروفة، سأتزوج من سيعثر على هذه الرسالة في القنينة الطافية في البحر، حاملا معه الرسالة، والحلقة، وقنينة العطر المرفقة التي لامثيل لعطرها على وجه الأرض، ستكون هي مهري وشرط عقد الزواج وسأعيش معه كيفما يعيش، وأن يتعهد بعدم الإلتزام بعادات وتقاليد أهل الأرض المسببة للعدوات والقتل والنهب واغتصاب حق الغير، وعلى أنّْ يتعهد بأن لايحذو حذو أبناء جنسه في السعي للكنز، وأستعباد الناس عبر المال، هذا الوبال الذي غير شكل حياة البشر وجعلهم عبيداً له، واستخدامه لأستعباد الآخرين، مع علمهم انَّه من صنع أيديهم، فما أغرب أن يخلق الأنسان مخلوقاً يستعبده ويخضعه لأرادته، وأن يعاهدني على البقاء بمزاولة مهنته في الصيد لأني واثقة بأن قنينتي ورسالتي ستكون في شبك صياد .

أريد أنْ يكون الصيد هو مصدرعيشنا سوية وعدم الأستغراق في الأبهة والبذخ والكسل، بما يمكن أنْ تيسره لنا هدايا والدتي (أميرة البحر) من كنوز...فالعيش الكسول على جهد الغير مذلة وتطفل أمقته ولو كنت في الجنة ...

على حين غرة إدلهمت السماء، قطعان من الغيوم حجبت ضياء شرائط الشمس الحمراء، فار البحر، وزمجر الرعد، وعصفت الرياح، فلملم الصيادون شباكهم وصيدهم وأسرعوا بمغادرة الساحل البحري الذي بدى هائجا عبر جبال حمراء بفعل حمرة غروب الشمس، أمواج البحرالمتلاطمة التي تسعى لمعانقة السماء وتقبيل شمس الغروب قبلة الوداع، جمع مهدي شباكه وحمل صيده وقنينته سريعا وهرع قاصداً العودة ًللدار، وسط ثغاءالأغنام والماعز العائدة الى حضائرها...نازلة من سفوح الجبال

مع بريق الغيوم وصوت هطول المطر يسمع مهيار أصوات رعد الطائرات والصواريخ المتبادلة بين الدولتين المتحاربتين، حيث تزهق الأرواح، وتدمر البساتين والبيوت والمصانع، وتحرق مليارات الدولارات في جنون الحروب والقسوة التي تستنكرها حتى الوحوش الكاسرة ...

  2

واصل مهدي طريقه نحو محل سكنه وقد كان رأسه مثقلا بسيل من الاسئلة حول صاحبة الرسالة، وهل هي حقيقة ام نسج خيال فتاة حالمة؟

واسئلة أخرى محيرة تحتاج الى اجابة، أعاد ترتيب شباكه ولف سماكته المتبقية، وضم الرسالة والقنينة ومحتوياتها في جيبه، مغلقا باب الاسئلة الى حين وصول الدار ليتدبر الامر بعد ذلك...

وصل الدار بعد أن خف هطول المطر، وصوت الريح، وبدأت الغيوم تنقشع لتكشف قبة السماء المجدورة بقطع الغيوم المتناثرة تتخلها ضياء نجوم مرسلة خيوطها لتقبل سطح برك مياه الأمطارالآسنة مستمتعة بأصوات نقيق الضفادع عازفة سمفونية عشق مكبوت في موسم التكاثر، يصغي مهدي باعجاب كبير لانتظام سير الحياة لمختلف الكائنات الحية على كوكب الأرض بسلاسة وهارمونيا منتظمة لولا عبث الإنسان ووحشيته في تعامله مع الطبيعة ومع أبناء جنسه، متخيلا براكين الدم البشري الفوارة بسبب القذائف المتبادلة المجنونة التي يسمعها بين القوى المتحاربة

 3

- في طريقه للدار شاهد طفلل ينبش القمامة وسط المطر يستخرج القناني الفارغة ليضعها في كيس يحمله على ظهره، أوقف عربته متوقفا قربه

- ماذا تفعل وسط القمامة ياصغيري؟؟

- كما ترى ياعم أفتش عن القناني الفارغة، أجمعها وأضعها في هذا الكيس لأبيعها كي أحصل على لقمة عيشي، وإن لم أجد أضطر الى التسول، أو أضطر الى ...

- ما اسمك ياولدي؟؟

- أسمي (سعيد)؟؟

- قلت (سعيد)... نعم ياعم أسم سعيد لتعيس بائس مفارقة طبعاً!!! يحلم والدي بالسعادة

- ووالديك أين ياصغيري؟؟

- قتل كل أفراد عائلتي بسبب قصف الطيران الصهيوني لقريتنا، هدمت الدار، فتشردت الى المدينة دون مأوى، بدون معيل، فاضطررت الى هذه المهنة والتسول لأبقى على قيد الحياة ...

 أغرورقت عيون مهدي بالدموع تأسياً على حال الطفل، الطفل الواقف على الرصيف أنشغل بمشاهدة التلفاز في المقهى فاغرفاه أمام التلفاز الذي يعرض عملية إحراق ملايين الدولارات في التنور، وعشرات الأكياس الدولارية وقوالب الذهب البراقة المستخرجة من حفرة المجاري، ورزم أموال تستخرج من حفرة داخل حمام أحد الدور في العراق. نبهه مهدي خوفا عليه من حركة السيارات في الشارع، فأفاق (سعيد)من دهشهته وتوجه صوب الرصيف بعد أنْ غطى وجهه رشاش المياه المطينة بفعل طشاش إطارات السيارات المسرعة كقطيع جاموس هارب من ملاحقة وحش مفترس، أخفى لفة الليرات الورقية المتهرئة حصيلته من جولة التسول الصباحية في جيبه متوجها الى صنبور ماء في الشارع لغسل وجهه من الطين ...

- يمسح مهدي على رأسه، ويناوله عدد من السمكات يبيعها ويتصرف بما يحصل عليه من المال، مودعا إياه على أن يلتقيه متى تمكن من مساعدته ...

يسترجع (سعيد) صور أصحاب الفلل والقصور ومالكي أكداس الأموال، ينظر الى قدميه المتسختين، فسالت دموعه الحرى على وجنتيه الذابلتين رافعة رأسه نحو السماء مخاطبا الرب :-

- ياربي ألم تكن انت خالقنا جميعا؟

- ألم تقل أنك من توزع الأرزاق وتعطي من تشاء، فأية مشيئة هذه التي تمنح بعضهم المليارات في حين يبقى الملايين يتحسرون على كسرة خبز؟؟

- ماذا تقول إصبر فلك عندي جنات تجري من تحتها الأنهار؟؟

- لماذا أنا جنتي مؤجلة الى يوم الحساب وهؤلاء الأثرياء يعيشون الجنة اليوم وغدا؟؟

- هل خيرتني بالوجود بهذه الحال، هل هذا الوجود هو خياري في الدنيا لأكسب الجنة في الآخرة إنّ صلح عملي، وآنى لي بالصلاح وأنا بهذا البؤس وأنت تريد صلاة وصوم وحج وتوزيع صدقات؟؟

- أنا لا أرى عبادتك واجبة علي، فلماذا أعبد من خلقني ورماني في هذا الجحيم، ولماذا أصوم وأنا أعيش الصيام طوال عمري وليس في شهر رمضان فقط؟؟

- اقتنص كسرة خبز فأسمى سارق وأعاقب، يسرقون المليارات يصنفون بالشطار ويكافئون، لا أملك المال لأعطي صدقة واكسب حسنة تمحو سيئاتي، في حين هم قادرون على منح الملايين، ويحجون الى بيتك فتغسل ذنوبهم وتمحى سيئاتهم مهما عظمت فيعودون كما ولدتهم أمهاتهم، يدفعون المال لمن يصلي ويصوم ويحج بالنيابة عنهم فيثبتون لك طاعتهم، فماذا أدفع أنا لأغسل ذنوبي حين أسرق رغيف خبز، أو أنشل محفظة ثري، أوأسرق حذاء أو سروالا من حانوت لأكسو عريِّ...

- ماذا تقول لمن أذلوني وأغتصبوني بالقوة، ومن اذلوني مقابل شريحة لحم، وقطعة حلوى، أوقميص مهتريء، أكيد ستغفر لهم عندما يحجون بيتك، هم يدفعون لتمسح ذنوبهم أما أنا مذنب تزجني في نارك؟؟

- اطفالهم يولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهب، ونحن نولد وفي أفواهنا مشاعل من نار الجوع والتشرد والخوف...

- تقول إنَّي أوصيتهم ان يرأفون بكم، (وللسائل والمحروم) ويتصدقون عليكم أنتم الفقراء، السؤال لماذا نحن فقراء وهم أثرياء، لماذا نمد أيدينا ونذل أنفسنا لهم لتستمر حياتنا من صدقاتهم؟؟

- أليس أنت المانح الرزاق فلماذالاترزقنا كما ترزقهم؟؟

- آباؤنا وأمهاتنا يعملون في مزارعهم، ومصانعهم، وخدمتهم في بيوتهم ليل نهار، ولايعطونهم ما يسد رمق عوائلهم، وغالبا ما نأكل فضلات موائدهم

- أين العدل في هذه القسمة في الأرزاق، فلماذا تفضل بعضنا على بعض في الرزق، لا حتى انَّك تمسك الرزق عنا حد الموت ألسنا جميعا خلقك؟

- تقول سيعيش الجميع برفاه وسعادة مجابة طلباتهم وكل مايرغبون في الجنة، انهار من الخمر واللبن، وحواري وأولاد مخلدين أليس كذلك؟؟ فلماذا لاتنصر من يريدون اقامة هذه الجنة على الأرض، يقتلوهم ويسجنونهم أصحاب الثروة، ويدعون انّهم يكفرون بك، كيف يكون هذا وهم يريدون تحقيق ارادتك للانسان الصالح العامل الكادح المسالم على الأرض قبل السماء، الا يرضيك أن يكون خلقك سعداء في الأرض وفي السماء، وسوف تكون النار شبه فارغة لأن المساواة والعدالة على الارض سوف تقضي على كل أسباب العصيان لا أوامرك بالعدل والسلام لكل البشر ...

- يكفكف دموعه يمسحها بطرف كمه المتسخ المبلل، يتفقد اللويرات في جيبه خشية ان يكون قد سرقها منه أحد أصحاب الكروش، أو أحد الشقاة، والذي يكنزون الذهب والفضة والدولار بما يسرقونه من بطون وجيوب الفقراء...

- أتوجه للمبيت تحت درج العمارة وسط المدينة، يصادر مني الحارس ماحصلت عليه أثناء التسول ويجبرني على تنظيف غرفته، وغسل ملابسه، و...

- أرى العديد من المساجد والجوامع في المدينة حيث لايخلو شارع من واحد أو أكثر من هذه المساجد الفارهة والجوامع التي تسمى بيوت الله، فقررت أنْ أذهب الى إحداها علني أجد مكانا للمبيت في أحد بيوت الله أليس الله هومن خلقنا و لأتخلص مما أنا فيه، و لكن ما إنْ أصل باب الجامع محاولا الدخول حتى يستقبلني خادم الجامع بالصراخ أمام أنظار إمام الجامع يأمرني بالخروج الفوري لئلا أدنس الجامع بوساختي ونجاستي...وعندما ترجيته وتوسلته نهرني بشدة، أغرب من وجهي الجامع ليس مأوى للمشردين والصعاليك!!!

- لماذا تطردني اليس هذا بيت الله ونحن عيال الله فاين أذهب؟؟

- نعم أخرج فأنت غير طاهر والجامع مخصص للعبادات وليس لأيواء من أمثالك!!!

- يا الله هل ترى وتسمع اني مطرود من بيتك على الأرض وأكيد مطرود من جنتك في السماء ...!!!

- كيف تمكن وتملك قوى الجبروت والطغيان كل هذه القوة القاهرة، ليقتلوا ن ويشردوا، ويقتلوا عبادك وخلقك، وانت الذي تقل للشيء كن فيكون، ألسنا أتباع أنبيائك ورسلك؟؟

  4

اقتربت عربته من دار سكنه، فلمح والدته واقفة تنتظره عند عتبة الدار غير مبالية بالريح والمطر يلفها القلق على ولدها الوحيد، ما ان لمحته حتى هرعت اليه مرحبة تحمد الله على سلامته، أحتضنها بشوق قبل يديها ودخلا الدار، بعد أن أوقف العربة، وفك رباط الحصان، شاركته والدته حمل اشياؤه بما فيها الأسماك والشباك داعية إياه بتغيير ملابسه المبتلة والأستراحة، ثم انشغلت في إعداد طعام العشاء كالعادة في كل يوم مما يتيسر من الأسماك والخضروات واللبن، حيث يتناولان طعام العشاء بالقرب من منقلة مليئة بجمر الموقد الذي يتوسطه إبريق شاي تفوح منه رائحة الهيل المنعشة ....

 أثناء جلسة مسائية تحت ظلال (حديثات نخيل البرحي) المتراصة لمسافات طويلة على حافة الهور ترفرف بمرح النوارس والأوزات البرية التي تأتي الى أهوار الجنوب مقتبل كل شتاء يدفعها الحنين الى فراديس التزواج السنوي المعتاد حيث الدفءووفرة الغذاء ورائحة حضارة تمتد لآلاف السنين. خاطبت فطيم حبيبها (مزهر)حينما كانت حاملا بمهدي بغنج انثوي أخاذ حبيبي الغالي يبدو انّي أتوحم بلحم طير الحذاف ونبات (العكيد) فهل يمكن ان تجلبه لي؟؟

- قبلها مزهر قبلة عشق لم تخبو حرارته ولم يخف وهجه طوال سنين مذ تعرفها لأول مرة والتقت نظرات عيونهم في عمق الهور، فاشتعل فتيل الحب داخل قلبيهما، وهما يرقبان بخجل عذري طيور الخضيري تتقاقز متلاقحة جذلة فرحة تهز ريش ذيولها تشارك ذوائب القصب المتراقصة متناغمة مع رياح الشمال العذبة، بعد موجة مطر خفيف اغتسلت بقطراته نباتات الهور الخضراء ...

- أغلق نافذة الذكريات ونهض من ساعته حاملا بندقية صيده (الشوزن) خماسية الطلقات، لف رأسه بيشماغه، ولف جسده (بالمزوي)، وبعد أنْ أنعش جسده بكأس من الشاي المهيل الساخن تناوله من يد(فطيم) المضيئة بالوشم الأزرق الأخاذ على ظاهر كفها وأصابعها الناعمة البيضاء كبياض قيمرالصباح، فك رباط الزورق المتراقص فوق مياه الهور المربوط في باب الكوخ الذي تبدو مقدمته كأنها فم عطش يعب من ماء الهور ولايعرف الأرتواء، أمسك (بالمردي) غارزا إيّاه في وسط مياه ضحلة فأندفع الزورق شاقاً طريقه نحو عمق الهور، ودعه كلبه حنفوش بنباح مموسق، تفرقت محلقة فوق القصب أومتوغلة بين نباتات البردي (دجاجات الماي السوداء)، توغل برشاقه بعيدا في عمق الهور بواسطة زورقه الذي تزين صدره صورة ملونة للزعيم عبد الكريم قاسم محبوب الصيادين والفلاحين الفقراء، وقد كان والدك رئيس جمعية الصيادين، موجها سير الزورق عكس تيار الهواء حتى لا تشم رائحتة الطيور الحرة (الخضيري، ابو بسيله، الحذاف، البط)، فمن طبيعتها تستشعر رائحة الإنسان من بعد فتسارع بالطيران مبتعدة عن الخطر يقول الصيادون الطيور الحرة (تريّح)، فلو أمتلك ثوار تموز وانصار الزعيم حاسة الشم هذه، لشموا رائحة المتآمرين وأفشلوا الانقلاب الأسود ولكن ...

- على مبعدة من مكانه أبصر مهدي تجمع للطيور ومن ضمنها (الحذاف)، فكمن خلف أكمة من البردي مصوبا بندقيته صوب تجمع الطيور، وهو المشهور بدقة التصويب كصياد ماهر، ركز على حذافتين متجاورتين وأطلق النار، فاصطبغ الماء حولهما باللون الأحمر وهمدت الحذافتين ومعهما فحل خضيري بعد رفرفة يائسة ضربت أجنحتها سطح الماء دون تمكنها من الطيران، فهمدت ساكنة بلا حراك، وجه البلم صوبها منتشلها من الماء ووضعها في بطن البلم، ثم بدء بقلع نبتات البردي من الجذور ليعد باقة من (العکيد) لحبيبته الغالية، حول مقدمة الزورق نحو طريق العودة، فتح صدره للنسيم العليل المشبع برائحة البردي والقصب، والزهور الصفراء الطافية على سطح الماء، فرحاً بتحقيق طلب حبيبته الغالية ووليدهما القادم، طابت نفسه وانفتحت أساريره، فأطلق صوته العذب بأبيات من الأبذوية، المعبره عن حبه وعشقه لحبيبته فطيم، تمايلت ذوائب القصب طربا وصفقت اجنحة الطيور تشاركه فرحه، وأجساد الجاموس العائمة، يعتلي ظهرها بعض الصبيان، ملاحظا بعض القرويات، يلاعب الريح أطراف ثيابهن الملونة، يسترقن السمع الى صوته الجميل فتتمايل أجسادهن طربا فوق المشاحيف المحملة بحزم القصب والبردي، ومشاهد الصيادين الذين يجمعون صيدهم من الشبوط، البني الاصفر، القطان، والحمري العالقة في شباكهم الممتدة وسط مياه الهور، مستمتعا برقصات الأسماك المتراقصة على جوانب الزورق الذي يشق صدر الماء بقوة دفع مردي مزهرامندفعاً صوب كوخه ...

  5

مهيدي يلاحظ والدته سارحة بعيدة عنه تماما فخاطبها:-

- أمي العزيزة أراك في عالم آخر بعيدة عني تماما فما الذي يشغل بالك .؟؟

- تبتسم له مع تنهيدة طويلة تعبر عن الفقد وألم الذكريات، قائلة:

- لاتهتم ياولدي انَّما أنا استذكر أيام كنا مع والدك في العراق يالقرب من الأهوار وما حصل بيني وبينه أثناء حملي بك حيث الهوروذكريات الطفولة والصبا بين أحضان الطبيعة والأهل والأصدقاء، وظروف لجوئنا الى بيروت هربنا خلاصا من ملاحقة السلطة الفاشية البعثية بعد انقلاب 8 شباط 1963 ومقتل الزعيم عبد الكريم قاسم، وإتهام والدك بأنَّه قاسمي، وشيوعي وأصبح مطلوبا للسلطات، قبل الانقلاب كنا نعيش أياما رمضانية جميلة لاتنسى على الرغم من البرد القارس حد الأنجماد حينها، فوأدوا الثورة، وأوغلوا في جرائمهم حتى في أعماق الأهوار، صار رأس قلم (الحمرة) مطلوبا، وأخفى سمك الزوري حمرة شفتيه، وساد سوق الحناء الكساد وأخذت شباك الصيادين لاتجلب السمك وحده بل كتبا ذا أغلفة حمراء، وصور ملتحين من دون عمائم، صار سمك الحمري يجلب الشبهات، ممادفع والدك بمساعدة أحد البحارة اللبنانيين في البصرة بنقلنأ وتهريبنا الى لبنان بيروت بفعل توصية من أحد أقاربه العاملين في الميناء و كنت صغيرا وأنت تعرف بقية القصة، ثم انتماء والدك الى المقاومة اليسارية الفلسطينية واستشهد داخل فلسطين... عشقت أنت البحر والصيد لإعاشتنا ورفضت إكمال دراستك بسبب تعسر ظروفنا المعاشية وعدم قناعتك بمهنة المحاماة...

- تكاثفت غيوم الحزن أمام أنظار مهيدي مسترجعاً ذكرياته مع والده، أختطت الدموع لها مجرى على وجنتيه، مترحما على والده متأسيا لوالدته، و من أجل طي ورقة الحزن والذكريات المرة أستعاد هدوئه وبادر والدته قائلا :-

- أمي العزيزة سأخبرك بما حوته شبكتي اليوم من داخل البحر

- ماذا هل هي سمكة من نوع نادر، أو محارات معبأة باللؤلؤ؟؟

- لا يا أمي لا هذا ولا ذاك، وعرض أمامها، الحلقة الماسية، وقنينة العطر التي ملأت الحيز بعطرها، والرسالة الجميلة المكتوبة بخط اليد ...

- انبهرت أم مهدي بما رأت، وما شمت، مستغربة متسائلة هل ساقت الأمواج القنينة الى شبكتك، لتكون الفتاة من نصيبك وقدرك، متسائلة عن كيفية معرفة صاحبة الحلقة والعطر والرسالة؟؟

- تعذر على ولدها الأجابة على السؤال فليس هناك أشارة الى عنوان أو مكان فكيف لنا التوصل اليها

- بعد لحظة تفكر وتذكر قالت :-

- ياولدي أنا أعلم إنَّ بعض الصاغة يضعون ختما يدل عليهم عند صياغة مثل هذه التحف المميزة، فلنتفحص الحلقة علّنا نجد ما يدل على الصائغ وربما عن طريقه نستدل بها على صاحبتها

- وضع مهدي الحلقة تحت الضوء وأخذ يدورها غارزا بصره في داخلها، فكانت المفاجأة إنْ وجد ختم باسم الصائغ أستطار فرحاً ومخبراً والدته بما قرأ..

- أشرق وجهها، مخبرة إياه بأنها تعرف هذا المحل وصاحبه ومكانه، وهو من أمهر الصاغة وصاحب شهرة كبيرة ...

- جيد جداً يا أمي اذنْ سنبكر غداً بالذهاب الى هذا الصائغ عسى أنْ يدلنا على مكان صاحبة الرسالة

- وبالفعل أصطحب مهدي والدته وذهبا الى محل الصائغ وسط بيروت، فوجدا شخصاً تكلل رأسه بالبياض، وبانت عليه علامات الوقار والوسامة الظاهرة، رحب بهما مستفسرا عما يريدون معرفته، فعرض عليه مهدي الحلقة، أنتابه الأستغراب والدهشة لرؤيته الحلقة، وما الذي أوصلها الى يد هذا الشاب الصياد الفقير؟؟

- ياعم هذه قصة يحكيها لك البحر وليس أنا ...

- كل ما أطلبه من حضرتكم أنْ تدلني على مكان سكن صاحبتها ...

- نعم ياولدي إنَّ صاحبة هذه الحلقة زارتني قبل سنوات وزودتني بمادة خام غريبة لم أر مثلها في حياتي وغير متداولة في سوق الصاغة، لاهي من الذهب ولاهي من الألماس ولا الفضة والبلاتين ولكنها أجمل وأكثر بريقا من كل هذه المعادن مادة لم أر ولم أسمع بمثلها من قبل طيلة عملي بالصياغة، طلبت مني أنْ أصوغ لها حلقة، وقرط وأساور من هذه المادة التي لم تعلمني مصدرها ومن أين جلبتها، ورفضت رفضا قاطعا ْان تبيعني ولوبضع غرامات منها، وعندما أتت لأستلام المصوغات أعلمتني أنْ سيأتي يوماً من يسأل عنها وعن محل سكنها، فإنّ كان يمتلك هذه الحلقة أخبره إنَّ الحلقة ستكون دليله، فأنها سترشده الى سكني، فإن حضر اليك أخبره رجاء بذلك وسألتقيه حتما ...

- كانت ياولدي فتاة باذخة الجمال لم أر مثيلا لها في لبنان تبدو وكأنها ليست من كوكب الأرض هنيئا لك بلقائها يا ولدي وفقك الله ...

- ودع مهدي ووالدته الصائغ شاكرين له حسن الأستقبال وبما فاض عليهم به من معلومات حول صاحبة الحلقة وسبيل الوصول اليها

- خرجا من المحل وقد أمسك الحلقة بيده فأرسلت سهما مشعا باتجاه البحر، تبعا إتجاه السهم تهمين عليهما الدهشة لما يحصل، ساراكما مؤشر حتى بلغا ساحل البحر، فأشر السهم نحو اليسار، فأتجها يسيران بهذا الأتجاه حتى تركز الضوء عند باب قصر منيف على الساحل، ما إنْ توجها نحو الباب حتى فتح على مصراعيه على ممر مرمري بألوان زاهية يتوسط حديقة غناء تضم أنواع الزهور والطيور الملونة المغردة الراقصة وكأنها في عرس جميل ...

- تقدما نحو الداخل بعد أن أخرج مهدي قنينة العطر التي فاحت بعطرها على المحيط المزهر، ففتح الباب الداخلي تلقائيا لتطل منه فتاة شابة ساحرة الجمال ولا في الخيال، مشوقة القوام، لها ضفائر ذهبية تكاد أن تلامس الارض، وعيون واسعة زرقاء كزرقة مياه البحر، وصوت عذب يسلب الألباب، مرحبة بهما بوجه بشوش ومودة ظاهرة وكأنهم معرفة قديمة، وأنها موعودة بقدومهم، أفسحت لهم الطريق للتوجه الى صالة واسعة مهيبة تزينها ثريات ضخمة غاية في السحر والجمال وقدمتهم الى جدتها أم أبيها كهلة غاية في الوسامة والوقار، تلتف بقماش حرير أبيض يشع عطرا أخاذ، فعرف مهدي بأسمه ومهنته ومقدما والدته لها ولجدتها التي اسنقبلتهم بترحاب كبير ...

- أجزلت لهم الضيافة والترحيب بحلو الكلام وعطر المقام المختلطة بعطر قنينة العطر دليلها بيد مهدي ...

- نعم يامهدي انا شيرين كما كتبت في رسالتي، كان القدر أنْ تكون بين يديك، فهل أعلمتنا عن دافع زبارتكم لنا؟؟

- عندما عثرت على القنينة وأطلعت على مضمون الرسالة، شعرت كأني قد عثرت على ضالتي التي أبحث عنها خلال سنواتي السابقة، فأنت منيتي وغاية مرامي، وتحقيق أحلامي...

- وهل أطلعت على شروطي في الرسالة؟؟

- نعم ...نعم وكأني أنا من وضعها وليس أنت فما أعجب انسجام روحيّنا قبل أنْ يتعرف بعضنا على بعض!!؟؟

- على حين غرة أطل رجل بالغ الهيبة، مسترسل شعر رأسه ناصع البياض كشلال من ثلج ونور، ولحية بيضاء تغطي صدره، يتوكأ على عكاز من خشب الأرزمرحباً بمهدي ووالدته مقدما نفسه بأنَّه جد شيرين لوالدها رحمه الله ...

- ثم دخلت أمرأة متوسطة العمر تفوح من ملابسها رائحة تماثل رائحة قنينة العطر العجيب الذي في يد مهدي، تشع بالهيبة والوقار والجمال الأخاذ، مقدمة نفسها والدة شيرين، قام مرحبا بها الجميع، أتت خصيصا لحضور هذا اليوم يوم خطبة ابنتها الوحيدة، عانقت والدة مهدي ومهدي ومصافحة الشيخ المهيب، وجدتها أحتضنت شيرين وعاجلتها بقبل حرى ودموع فرح بيوم كانت تنتظره مذ ولدت أبنتها الوحيدة، ألبستها قلادة تشع نوراً وجمالاً من نفس معدن الحلقة، وألبست مثيلتها مهدي تتوسط القلادتين جوهرة حمراء تخطف الأبصار، وأهدت والدته خاتماً أذهلها جماله ودقة صنعه قائلة:-

- شرفني حضوركم نورتموني بنوركم، وأعتذر كثيرا لأني لا أستطيع أستضافتكم في بيتي، فأنا من سكنة البحر وأنتم من أهل البر، شاءت الأقدار وملكة النقاء والجمال أنْ تجمع بيننا، سرني كثيرا إسم وخلق ونسب وسلوك مهدي أنا الذي كنت أتابعه من خلف ستر، أشارك الأب الكريم جد شيرين مباركتكما راجية لكما السعادة الدائمة حيث البساطة والسلام وأتحاد قلبيكما، حتما سأحضر يوم زفافكما بعد أن سمعت موافقة عمي وعمتي جد وجدة شيرين لأبيها، أنقل لكم تهاني وأمنيات ومباركة عالم البحر هذا الأتحاد المقدس لمثل البحر السامية ومثل الأرض النبيلة

- علت زغرودة جنوبية من حنجرة أم مهدي في حين أنشد سرب من طيور الحب التي زينت قاعة الجلوس، متناغمة مع موسيقى تسمع ولاترى، فاح عطر الحب والمودة وتعانق الحبيبان حيث نجح مهدي بإلباس شيرين الحلقة العجيبة، وألبسته هي حلقة الرباط المقدس حلقة لم تر مثيلا لها عين بشر، ودارت على الجميع فناجين الزعفران قدمتها فتيات مزهرات كأغصان البان تتلوى كأعواد الخيزران ...

عصر اليوم المتفق عليه للزفاف، قدمت أم شيرين تتقدم موكبا مهيبا من عشرات عرائس البحر باهرات الجمال والحسن يرتدين ملابس من حرير زاهي الالوان، مطرز بخيوط الذهب، يلبسن اقراط وقلائد وأسوار مضيئة لم يشهد شبيها لها أهل الأرض، تغطي المسيرة خيمة من أسراب نوارس البحر، تهفهف اجنحتها بانتظام كرقصة تبهر الأبصار، تحمل بعض العرائس باقات مدهشة من زنابق البحر، باقات من نباتات تشع أمواجاً من أنوار ملونة تضفي البهجة والسرور على الموكب، موسيقى راقصة تأسر الألباب ترسلها أمواج البحر قاذفة حبيبات من اللؤلؤ بألوان زاهية، ونماذج من الجواهر والمرجان، يتقدم موكب العروسان مصحوبا بدبكات شباب وشابات فرحا بهذا اليوم السعيد بزواج ابن قريتهم العزيز مهدي، حيث يحمله الشباب على الاكتاف، مغمورا بأنواع حلوى (الجكليت والملبس) الملونة، ونسق من الأطفال يحملون باقات ورد الجوري والقرنفل، والياسمين، أوصلوهم لباب الدار، مع صخب زغاريد الفرح، ناثرة عليهم مناقير النوارس حبات اللؤلؤ الملونة فترتفع الزغاريد، وتفتح الاكف لأستقبال هدايا البحر التي تفوق الخيال ولم تخطر على بال ...

أحاط الجمع بموائد اكتظت بما لذ وطاب من طيبات البر والبحر، فرح وبهجة وتبادل قبل الحبيبين تزيد الجمع سعادة وترتفع أصوات الزغاريد وأنغام الموسيقى وتفتح أسارير الشباب والعذروات ..

- بعد الزفاف وانتظام حياة العائلة في بيت مهدي، أول ما قام به مهدي تفقد الطفل (سعيد) الذي عثر عليه في المكان نفسه حيث التقاه أول مرة، فعاش في كنفهم، مشاركا مهدي الصيد ومتابعة الدراسة بتفوق . وسط فرح ورعاية شيرين، فعاشت العائلتان بفرح ومرح وسعادة وسلام ورخاء...وأصبحت الدار مأوى كل مشرد ومشردة، وسد حاجة كل من يطلب مساعدة، فسميت ب(دار المحبة والحنان) .

- آملا أن تجد البشرية طريقها نحو العدل والمساواة والحرية ليكون العالم كله دارا للمحبة والحنان والسلام

***

حميد الحريزي

 

كان الضوء الشاحب يتسلل عبر النوافذ العريضة لقاعة الطعام ببطءٍ حزين، كأنّه يخشى إيقاظ ما خلّفته الليلة السالفة من توترٍ دفين. جلس الجميع حول الطاولات في صمتٍ ثقيل، لا يشبه السكينة بقدر ما يحاكي هدنةً مؤقتةً أعقبت عاصفةً لم تخمد نيرانُها تماماً.

كانت أصوات الملاعق واحتكاك الأكواب تتردد بخفوتٍ حذر وسط ذلك الفراغ البارد، فيما انزوت ندى تحتسي قهوتها بصمتٍ مجهد، تحاول واهمةً إقناع نفسها بأن ما جرى بالأمس قد خبا وهجه، أو أنه على الأقل نأى قليلاً عن صدرها المثقل. وبينما كانت غارقةً في لُجّة أفكارها، لمحت إحدى النساء تشير إليها بإلحاح كي تقترب.

نهضت بترددٍ أملته الروح، وفي داخلها إحساسٌ غامض بأن ما ينتظرها ليس سوى امتدادٍ رديء لملحمة الأمس. وحين انحنت قليلاً لتصغي إليها، قالت المرأة بصوتٍ هامس، كأنها تبث سماً زعافاً تخشى أن يشاركها الآخرون سماعه:

ـ رئيسةُ وزرائنا امرأةٌ ساقطةٌ ومُنحطة… هي ومن معها مَن فتح أبواب البلاد على مصراعيها لهؤلاء اللاجئين، وتسبب بكل هذه الكوارث التي خرّبت بنيان البلد.

تأملتها ندى لثوانٍ طويلة دون أن يرتسم على تقاطيع وجهها أي انفعالٍ واضح.

لم تُفاجأ هذه المرة، ولم يشعل جوفها ذلك الغضب العارم الذي اعتاد أن يستعر في داخلها كلما طرقت مسامعَها كلماتٌ من هذا الصنف، بل كان الأمر بالنسبة إليها بمثابة لحظة انكشافٍ أخيرةٍ وحاسمة. ابتسمت ابتسامةً قصيرةً واهية، تحمل إرهاق إنسانٍ زهد في محاولة تبرير ما لا يريد الآخر فهمه، ثم قالت بهدوءٍ صاعق:

ـ الآنَ فقط، وضَعْتِ يدَكِ على حقيقةٍ لا تشوبُها ريبة… وهي أن هذا العداء ليس رأياً عابراً أو خوفاً مؤقتاً، بل هو عَرَضٌ لمرضٍ أعمق بكثير، شيءٌ يسكن الجذور المتأصلة، ويتسرّب عبر التربية، والذاكرة، والدم. أشكركِ جزيلاً، لأنكِ اختصرتِ عليّ المسافات، ووفّرتِ على روحي عناء البحث عن إنصاف.

ابتعدت ندى خطوتين، لكنها تسمّرت في مكانها فجأة، إذ شعرت أن الكلمات التي غصّ بها حلقها لم تعد تقبل الارتداد إلى سجن الصمت. استدارت نحو المرأة من جديد، ثم تقدمت نحوها هذه المرة بكامل إرادتها، لتدافع عن هويتها المستباحة، ولتضع أمام عينيها مرآةً صقيلة ترى فيها قبحَ ما تنطق به. انحنت قليلاً نحوها، وهمست بنبرةٍ وادعةٍ أربكت المرأة وزعزعت ثباتها أكثر مما يفعل أي صراخ:

ـ هل تعلمين؟ ... ان أمثالكِ هم من لا ينتمون حقاً إلى هذا المجتمع، ولا إلى أي مجتمعٍ يدّعي التحضر. لأن الحضارة البشريّة لا تُقاس يوماً بلون البشرة، ولا بأصل الإنسان العرقي، بل بقدرته الفطرية على رؤية الآخر كإنسانٍ مساوٍ له في الوجود. أما لغة الكراهية المقيتة التي تتحدثين بها أنتِ وأشباهكِ، فهي المقبرة التي ينتهي بها المطاف دائماً في مزبلة التاريخ… والأدلة التاريخية شواهدُ حيةٌ على ما أقول، إن أردتِ يوماً الرجوع والتأكد.

بقيت المرأةُ واجمةً لا تحير جواباً، بينما عادت ندى إلى مقعدها بخطواتٍ وئيدة، وهي تشعر في أعماقها بهدوءٍ غريب وشفاف لم تختبره منذ زمنٍ بعيد.

 لقد كان ذلك الصفاء البارد والرفيع الذي يبلغه الإنسانُ حين ينفض يده تماماً، ويتوقف عن انتظار الفهم من أولئك الذين اختاروا العمى والجهالة طوعاً. كان هذا الإدراك، برغم قسوته، بوابةَ عبورها نحو التحرر والابتعاد عن منطق التبرير.

لم يكن انعزالُ ندى عن مجتمع المصحّة قراراً سهلاً، أو نزوةً عابرةً فرضتها بمحض رغبتها، بل كان بمثابة ردّ فعلٍ بطيء تشكّل في وجدانها تحت وطأة ما تجرعته من نظراتٍ شزرة ومواقفَ جارحة جعلتها أكثر تيقظاً وحذراً.

 كانت تشعر، كلما أُكرهت على الجلوس بينهم، أن على كاهلها عبء الدفاع عن مشروعية وجودها قبل أن تنطق بكلمة، وأن عليها تبرير اختلافها ولونها حتى في أبسط تفاصيل عيشها اليومي. لكل ذلك، بدأت تنسحب بوقارٍ وهدوء من ضجيجهم الآسن حمايةً وصوناً لما تبقّى من توازنها الداخلي الهش.

وغدت تمضي ساعة الصباح التي تلي وجبة الإفطار وحيدةً في أحضان الغابة المتاخمة للمصحّ، تسير بين الأشجار الباسقة الطويلة التي بدت لها، برغم وحشتها وعزلتها، أكثر رحمةً ورأفةً من الوجوه الكثيرة التي صادفتها في القاعات.

 كانت تحاول الائتلاف والاندماج مع ذلك الضوء المتسلل باستحياءٍ بين الأغصان، ورائحة التراب الرطب، وهدير الريح البارد الذي يلامس محيّاها وهي تعبر بين الجذوع الجافة، كأنها زفرات قديمة لا يريد أحدٌ من أهل الأرض سماعها.

في أثناء تجوالها اليومي ذاك، كانت كعادتها التي استحدثتها هنا، تتخلص خفيةً من حبوب العلاج الكيميائي التي أثقلت رشاقتها، وأربكت روحها الحرة أكثر مما خففت من وجعها. كانت تقذف بها بعيداً بين طيات الأعشاب البرية، فتنتبه إلى حركتها الطيورُ الصغيرة، تقترب منها بخفةٍ وحذر، تراقبها بفضولٍ بكرٍ بريء، ظنّاً منها أن ما تلقيه يدا هذه المرأة ليس سوى حباتِ طعامٍ شهي.

عندها، كانت ندى تطلق ضحكةً منثورة وحدها في المدى، ضحكة خفيفةً، صافية، تخرج من صدرها للمرة الأولى بعيداً عن غياهب التوتر وقاعات المصحّة المغلقة. ثم تنطلق مخيلتها إلى مساحات من الطفولة التي لم تمت في جوانحها تماماً، متسائلةً في سرها:

ـ ترى، ماذا لو ابتلعت هذه الطيور الفاتنة تلك العقاقير؟

هل ستنتشي وتُصاب بالسكينة وتغرد بصوتٍ أعلى شجواً؟

أم أنها ستغط في نومٍ عميق لأيام طوال فوق الأغصان؟

أو لعلّها ستستيقظ فجأة وقد تحولت بفضل السحر الطبي إلى مخلوقاتٍ أخرى؛ أكثر حزناً، أو أكثر حكمة وجودية؟

كانت تلك الأفكار الخيالية العابرة تمنحها لحظاتٍ نادرة من الخفة والتحليق، كأن خيالها وحده بات الدرع المتبقي القادر على إنقاذها من ثقل الواقع وبلادة التفاصيل.

ثم، بعد أن يهدأ رنينُ ضحكتها في المدى، كانت تطمئن نفسها بفكرةٍ بسيطةٍ وعميقة في آن: أن الطيور، وسائر الكائنات الحرة في الطبيعة، تعرف بفطرتها النقية ما ينفعها فتقترب منه مستبشرة، وتميز ما يؤذيها وينفث السم في جسدها فترفضه وتمضي في سمائها. وحين كانت تصل بنظرها إلى هذه القناعة، كانت تشعر بوخزةٍ خافتة تلسع قلبها، كأنها تسأل نفسها بصمتٍ موجع وعتابٍ مرير:

ـ لماذا يبدو الإنسان، برغم كل ما يدّعيه لنفسه من عقلٍ وحكمةٍ وفلسفة، أقل قدرةً من هذه الطيور الضئيلة على تمييز ما يجرح كرامته ويدمي روحه؟

***

سعاد الراعي

.........................

* الفصل السابع من رواية تحت الطبع

لأَشباحِ المدى أُعطي بعضَ صوتي

ولآخرِ نَوئي

تَشرُدُ الكواكبُ

فَأُلَملِمُ شظاياها

في كأسِ قَلبي

مَنْ

سيتنفَّسُ بقيَّةَ عدمي؟

ما زالَ حنيني عَلى نافِذَةٍ

نَسيت نُثارَ عُمْري

على أَطرافِها

لَعَلَّ مَوتي يَدورُ كالأَفلاكِ

ويُنْبئُ مجازاتِ القصيدةِ

بسُفوحِ وهجي

هَل تَعويذَةُ رَجعي

وساماً لِكَينونتي؟

أَم كانَتْ

تلكَ النُّجومُ الَّتي

تَرقُبُ بِحذَرٍ جنّازي؟

ها أَنا ذا

أرتِّلُ كالبرقِ رِياحي

وعلى مقرُبةٍ مِن هشيمِكَ

وعلى فَرَسِ الضُّحى

أَدُقُّ

ناقوسَ صَلبي

لَنْ أُسمِّيكَ

سِوى العائدِ

مِن

أَقاحي الكَلامِ

وَلَنْ

أُبْصرَ في ضَواحيكَ

إِلّا ما يَستحِمُّ

بِلُغتي العاليةِ

هل كانَ ما أُسمِّيهِ وِداداً

قابلاً للإحتراقِ؟

أَمْ كانَ

كأَناشيدِ الأَيائِلِ

تُحيطُهُ المياهُ المُعذَّبَةُ

مِن جهاتِهِ المُغلقةِ؟

هذِهِ عَصافيري

أُبشِّرُكَ:

لَنْ تُعْلِنَ دَفْني

بَلْ

سَتَسقُطُ فَوقَ الأَغاني

غَيثاً بِلَونِ

أَعْذَبِ مُخمَلٍ

للقصيدَةِ الَّتي

لَم أَكتُبها بَعِد

***

مرشدة جاويش

من مجموعتي هواجس الحنايا

2009

لم يكن في كلية الطب بموسكو طالب لا يعرف تاتيانا. كانت هادئة، رزينة، متفوقة في دراستها، وناشطة في الكومسومول. لم تكن من النوع الذي يلفت الأنظار بحضوره، ومع ذلك كانت الأنظار تتجه إليها. ربما لأن هدوءها لم يكن خجلاً، ولأنها كانت تعرف كيف تكون قريبة من الجميع من دون أن تسمح لأحد بأن يقترب منها أكثر مما تريد.

أما خالد، الطالب العراقي، فقد كان يراقبها بصمت. يفتش عنها بعينيه كلما دخل قاعة المحاضرات، ويشعر أن وجودها وحده يربك أفكاره. لم يكن ينقصه الإعجاب، بل الشجاعة الكافية ليحوّله إلى كلام

كانت أولى محاولاته بسيطة.

ذات صباح اشترى لها باقة ورد، دفع ثمنها من راتبه المتواضع، وانتظرها بعد انتهاء المحاضرات. وما إن قدمها إليها حتى سألته باستغراب:

- ما المناسبة؟

ارتبك، وخانه الجواب. اكتفى بابتسامة مرتبكة. أما هي فابتسمت ابتسامة قصيرة، ثم نزلت إلى الطابق الأرضي حيث المشجب، وقدمت الباقة إلى العاملة المسنة.

- تفضلي... هذه لك

تجمدت المرأة لحظة، ثم قالت وقد اغرورقت عيناها بالدموع:

- هذه أول مرة، منذ بدأت العمل هنا قبل خمس سنوات، يهديني فيها أحد باقة ورد

ثم احتضنت تانيا وقبلتها بحرارة وهي تردد كلمات الشكر.

وقف خالد يراقب المشهد بصمت. كان يتوقع أن يشعر بالخيبة، لكنه شعر بشيء مختلف؛ كأن الهدية لم تضع، بل وجدت طريقها إلى قلب آخر كان أحوج إليها. يومها فقط بدأ يدرك أن الأشياء لا تصل دائماً إلى حيث نقصد.

ومضى أكثر من أسبوع قبل أن يحاول مرة أخرى.

لحق بها في الممر بعد إحدى المحاضرات.

- تانيا... هل تقبلين أن أدعوك إلى مطعم شرقي لتناول الغداء ذات يوم؟

نظرت إليه مبتسمة.

- وما المناسبة؟

تردد قليلاً، ثم قال:

- لا أعرف... أردت فقط أن أجلس معك

ابتسمت وقالت بهدوء:

- ولماذا تبدد راتبك الشحيح في المطاعم الغالية؟ إذا كان لديك ما تريد قوله، فقله هنا... أنا مصغية.

ألقى نظرة على الممر المكتظ بالطلبة، ثم هز رأسه

- ليس هنا

ابتسمت ابتسامة خفيفة، ومضت

وانقضت أيام أخرى.

وفي ظهيرة يوم بارد، كان خالد يقف في بهو الكلية قرب المشجب حين رآها تتسلم معطفها وقبعتها استعداداً للمغادرة. أراد مساعدتها على ارتداء المعطف . قالت:

-  لا داعي أنا بنفسي. انتظر حتى ارتدت معطفها، ثم تقدم إليها.

– هل تسمحين أن أمشي معك قليلاً؟

تأملته لحظة، ثم أومأت موافقة.

خرجا معاً إلى الشارع. كانت الثلوج تتساقط في هدوء، والريح الباردة تلسع الوجوه، فشدت تانيا قبعتها الصوفية على أذنيها، ولم يبق من وجهها سوى عينيها العسليتين.

قالت وهي تسرع الخطى:

– أنا على عجلة من أمري. أمي تنتظرني على الغداء

ابتسم خالد ابتسامة متوترة.

- لن أؤخرك

سارا صامتين بضع خطوات، ثم قال:

- منذ أسابيع وأنا أبحث عن فرصة لأتكلم معك

والتفتت إليها، ثم أشار إلى مقهى صغير عند الزاوية.

- فلنجلس دقائق

جلسا في مقهى شبه خالٍ. طلبت تانيا كوباً من الشاي، وطلب خالد القهوة، وما إن ابتعدت النادلة حتى خيم بينهما صمت قصير.

قالت وهي تنظر إليه مباشرة:

- تفضل... أنا أسمعك.

تنفس خالد بعمق.

- أنا أحبك يا تانيا

لم تبدُ عليها الدهشة، بل سألته بهدوء:

- وماذا تعرف عني حتى تقول هذا؟

- أعرف أنك متفوقة... وناشطة في الكومسومول

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

- وهل يكفي هذا للحب؟

ساد الصمت.

أدرك خالد فجأة أنه لا يعرف عنها شيئاً تقريباً. لم يكن يعرف ماذا تقرأ، ولا ماذا تحب، ولا كيف تفكر، ولا حتى ما الذي يضحكها أو يحزنها. شعر للمرة الأولى أنه لم يقع في حب إنسانة، بل في حب صورة رسمها لها في خياله.

قال محاولاً إنقاذ الموقف:

- في ملامحك شيء من الشرق

قالت:

- أمي أرمينية، وأبي روسي

ثم أضافت، بعد لحظة صمت:

- ومع ذلك... أنت لا تعرف عني شيئاً

ارتدت قفازيها ونهضت

- نحن نلتقي في الكلية كل يوم، ويمكننا أن نتحدث هناك

تنهد خالد.

– لكنك دائماً محاطة بالأصدقاء والصديقات

ابتسمت ابتسامة ودودة.

- وأنت أيضاً صديق

وبقي خالد لحظات أمام كوب القهوة الذي لم يشرب منه إلا القليل.

لم يكن الرفض هو ما أوجعه. كان السؤال..

بعد ذلك بدأت تتجنب اللقاءات الطويلة معه، واكتفت إذا التقيا في أحد الممرات بتحية عابرة وابتسامة مهذبة. فهم خالد الرسالة، فلم يحاول أن يفرض حضوره عليها.

مر الشتاء، وحل الربيع ببطء. لم يعد يقف في الممرات مترقباً مرورها كما كان يفعل في الأسابيع الأولى، بل صار يقضي ساعات أطول في المكتبة، ويشارك زملاءه في حلقات النقاش، واكتشف أن الحياة الجامعية أوسع بكثير من انتظار فتاة عند باب قاعة المحاضرات. ومع ذلك، كانت صورتها تعود إليه بين حين وآخر، لا بوصفها حلماً بعيداً، بل سؤالاً لم يجد له جواباً.

وكلما تذكر حديثهما في المقهى، استعاد سؤالها: "وماذا تعرف عني؟" كان السؤال يلاحقه أكثر مما يلاحقه رفضها. أخذ يراجع نفسه، فاكتشف أنه لم يحاول يوماً أن يعرفها حقاً؛ لم يسألها عن كتبها المفضلة، ولا عن الموسيقى التي تحبها، ولا عن أسرتها أو أحلامها. كان قد أحب الصورة التي صنعها خياله، لا الإنسانة التي كانت تمشي كل صباح في ممرات الكلية. وعندما أدرك ذلك، خفتت مرارة الخيبة، وحل محلها فضول صادق لفهم الناس قبل إطلاق الأحكام عليهم أو التعلق بهم.

ذات يوم، كان خالد يجلس مع زميله الروسي إيفان في مقصف الكلية.

قال إيفان وهو يقلب صفحات مجلة

- إذا أردت أن تكسب إعجاب فتاة روسية جادة، فتحدث معها عن الأدب الروسي

ابتسم خالد هذه المرة، ولم يأخذ النصيحة بالحماسة نفسها التي كان سيأخذها بها قبل أشهر، لكنه قرر أن يبدأ أخيراً بقراءة الأدب الروسي، لا ليبهر تانيا، بل لأنه شعر أنه يعرف روسيا من شوارعها وجامعتها أكثر مما يعرفها من كتبها.

وفي أحد أيام الربيع، لمح تانيا جالسة على مصطبة في حديقة الكلية، تقرأ كتاباً.

اقترب منها.

– مرحباً يا تانيا... كيف حالك؟

- بخير

جلس إلى جانبها وقال:

"  - بدأت مؤخراً قراءة رواية "آنا كارينينا

أغلقت الكتاب على إصبعها ونظرت إليه باهتمام

- حقاً؟ وما رأيك فيها؟

ثم قالت عن ظهر قلب:

"كل الأسر السعيدة تتشابه، أما كل أسرة شقية فلها شقاؤها الخاص"

- ابتسم خالد في شيء من الحرج، وقال بصراحة:

– لم أصل بعد إلى هذه الصفحة... ما زلت في الفصول الأولى

نظرت إليه لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لم يستطع أن يفسر معناها.

قالت:

- إذن واصل القراءة... ليس من أجلي، بل لأن الرواية تستحق

ثم حملت كتابها، وألقت عليه تحية قصيرة، ومضت.

ظل خالد يتابعها بنظره حتى غابت عن الأنظار. ولم يشعر هذه المرة بالخيبة، ولا بالحاجة إلى اللحاق بها. فتح الرواية من جديد، وبدأ يقرأ. وبعد صفحات قليلة، أدرك للمرة الأولى أن تانيا، مثل الكتاب الذي يستحق أن يُقرأ، لا تكشف نفسها دفعة واحدة. لم يكن يعرفها من اللقاء الأول، ولا من الكلمات التي قالتها عن نفسها، بل من التفاصيل الصغيرة التي كانت تكشفها مع مرور الوقت؛ من مواقفها، ومن صمتها، ومن الأشياء التي كانت تخفيها أكثر مما تُظهرها. وكلما ظن أنه عرف تانيا، ظهرت له فيها صفحة جديدة لم يكن قد قرأها من قبل.

***

جودت هوشيار

........................

ملاحظة: تانيا هي الصيغة المختصرة الشائعة من تاتيانا، وتُستعمل في الحديث اليومي بين الزملاء والأصدقاء والأقارب.

عَـيْـنَـاكِ آخِـــرُ مَـعْـقِـلٍ لِـدِفَـاعِـي

مِـنْ بَـعْدِمَا سَقَطَتْ جَمِيعُ قِلَاعِي

*

فَـمِنَ الـمُحَالِ بِـأَنْ أُغَـادِرَ خَـنْدَقِي

وَالـقَلْبُ يَنْبِضُ فِي حِمَى أَضْلَاعِي

*

أَمْـسَى الـتَّرَاجُعُ عَـنْهُمَا لَـوْ خُطْوَةً

يَـعْنِي الـبِدَايَةَ فِـي طَرِيقِ ضَيَاعِي

*

تَــتَــقَـاذَفُ الأَمْــــوَاجُ آخِــــرَ زَوْرَقٍ

أَمْـسَى بِـعُمْقِ الـبَحْرِ دُونَ شِـرَاعِ

*

أهفو إلَيْكِ وفي الحشاشةِ رَعْشَةٌ

كَـفَـرِيـسَةٍ دخـلـت بـوكـرِ أفـاعـي

*

عَـيْـنَـاكِ آخِـــرُ مَــرْفَـإٍ لِـسَـفِـينَتِي

وَسِـوَاهُـمَا الـقُـرْصَانُ تَـحْـتَ قِـنَاعِ

*

وَيَـظَلُّ طَـيْفُكِ فِـي دَمِـي مُتَوَهِّجًا

لـيَذُوبَ هَـمْسًا فِي حُرُوفِ يَرَاعِي

*

يَــا مَــنْ مَـنَحْتِ قَـصِيدَتِي أَلْـوَانَهَا

وَغَـدَوْتِ نَـبْضَ الحَرْفِ فِي إِبْدَاعِي

*

يَـا زَهْـرَةً نَبَتَتْ عَلَى صَخْرِ الأَسَى

فَـغَـدَتْ رَبِـيـعَ الـرُّوحِ فِـي الأَصْـقَاعِ

*

أَمْـضِي وَحَـوْلِي أَلْـفُ سَـيْفٍ حَـائِرٍ

لَــكِــنَّ عَــزْمِــي ثَــابِــتُ الإِيــقَـاعِ

*

مَـا عَـادَ لِـي وَطَـنٌ سِـوَاكِ فَـإِنَّنِي

أَمْــضِـي إِلَــيْـكِ بِـلَـهْـفَةِ الـمُـلـتَاعِ

*

يَـا مَـنْ زَرَعْـتِ الـحُبَّ فِـي أَعْمَاقِنَا

فَـغَـدَا هَـوَاكِ مُـعَشْعِشًا بِـنُخَاعِي

*

مَــا كَــانَ حُـبُّـكِ وَهْـمَ طَـيْفٍ عَـابِرٍ

بَــلْ نَـبْـضَةً وُلِــدَتْ مِـنَ الأَوجَــاعِ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

في هذا الزمنِ الغريب، حيثُ صارتِ الوجوهُ تُصنعُ بلمسةِ زر، وحيثُ دخلَ الذكاءُ الاصطناعيُّ إلى مرايا البشر، فأعادَ تشكيلَ الملامح، ومزجَ الحقيقةَ بالوهم، حتى صارَ الوجهُ لا يعرفُ هل هو صورةُ صاحبهِ أم قناعٌ صاغتهُ خوارزمياتُ الخيال.

*

رأيتُ وجوهًا كثيرةً تخلّتْ عن دفئها، ارتدتْ جمالًا مصطنعًا، ونظراتٍ لم تعرفها العيون، وشفاهًا لم تنطقْ يومًا بالحبِّ أو الحزن.

*

كلُّ النساءِ تقريبًا أصبحنَ أسيراتِ المرايا الجديدة، يبحثنَ عن صورةٍ مثالية لا تشبهُ أرواحهنّ، ويطاردنَ وجهًا آخر صنعتهُ الآلاتُ وأضاعتهُ القلوب.

*

إلّا أنتِ… بقي وجهُكِ نقيًّا، كصفحةِ ماءٍ لم تلمسها يدُ العاصفة، كأنّكِ آخرُ إنسانةٍ تدافعُ عن جمالِ الحقيقة في زمنٍ انتصرَ فيهِ التزييف.

*

لم تحتاجي إلى خوارزميةٍ لتصبحي أجمل، ولا إلى مرآةٍ ذكية لتخبرَ العالمَ من أنتِ؛ ففي ملامحكِ كانت تسكنُ حكايةُ الروح، وكان الصدقُ أجملَ زينة. وجهُكِ ليسَ صورةً قابلةً للتعديل، بل قصيدةٌ كتبتها الحياةُ بيدها الأولى، ولم تجرؤْ عليها أصابعُ المصممين.

*

حينَ تداهمني المحن، وحينَ يصبحُ العالمُ معرضًا للوجوهِ المستعارة، أبحثُ عنكِ… لا لأرى جمالًا فقط، بل لأتأكدَ أنَّ الإنسانَ ما زالَ قادرًا أن يبقى إنسانًا.

*

أنتِ قبلتي حين تضيعُ الجهات، وفجري حين يطولُ الليل، والوجهُ الوحيدُ الذي لا يحتاجُ إلى تحديثٍ لأنه مكتملٌ بالنور.

*

فليصنعِ الذكاءُ الاصطناعيُّ آلافَ الوجوه، وليمنحِ المرايا ملايينَ الأقنعة… سيبقى وجهُكِ وحدهُ ذلكَ الوجهَ القديمَ الجميل، الذي حينَ أنظرُ إليهِ أعرفُ أنَّ الحقيقةَ ما زالتْ تمشي بيننا.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

قصص قصيرة جدا  

أغنية هندية

في حدود ضيقة وزمن منفلت، تحرك الشوق في ذاكرته، فانطلق يبحث عن تواريخ متوارية وحطام سنين عابرة، اهتزت جوارحه لنغمات أغنية هندية انفلتت صدفة على شاشة هاتفه الذكي، الأغنية أحيت وقائع قد مرت به تشهد أن دموع الهنود ورقصاتهم فجرت في وجدانه عواطف متنامية.

**

بقايا المهانة

بالكاد يكسب قوت يومه، عندما يعود إلى مسكنه الوضيع بسطح عمارة متهالكة، يجد زوجته قد عادت ببقايا طعام وكسر خبز، ودراهم معدودات نظير عملها الشاق في البيوت، يتبادلان النظرات البائسة، تجف الكلمات في حلقيهما، يأكلان بقايا المهانة، يمسحان الكآبة بكأس شاي بالنعناع الأخضر، وفجأة يدخلان في نوبة ضحك، يقول الزوج: الهم إذا زاد  "گيْضَحّك"

**

ترتيبات

سرقته تفاصيل الحياة، ارتقى بهدوء إلى القمة، ونزل دون مقدمات إلى نقطة الصفر مع هامش من الرحمة، اكتشف عالما جديدا، وترتيبات غير مرتقبة، وطالته التَّجاوزات التي مارسها على الآخرين وهو يلبس إيهاب القوة. ذاق مرارة الضعف فَكَرِه نفسه وَكَرِه الضُّعفاء.

**

نقطة إلى السطر

عندما التقاها كانت قد قطعت أطوارا من عمرها: عمل، زواج، طلاق،

توتر، صراع، انبلاج.  كان يصغرها سِنّاً، لكنه أحبها بجنون.  اعترضوا، وقالو:

“طرقت الباب الخطأ” .

لم يكترث قال: إن الحياة أكبر سِنّاً مِنا جميعا، دعوني أعيش الساعة، ولها

مدبر حكيم.

***

محمد محضار - المغرب

(الى الصديق الشاعر الفلسطينيّ طارق عون الله)

***

1. حين التفتتِ الْوردةُ:

حين التفتَتِ الوردةُ

كانَ طفلُ النَّارِ

قد احترقتْ أصابعُهُ،

لم يكنِ القاطفُ

غيرَ لهبِ الدَّمِ، خاثراً

في بقايا القارورةِ الَّتي

سرقتْها ريحُهُمْ

منْ حديقةِ الدَّار المحترقةِ.

*

حين التفتتِ الوردةُ

لم تجدْ غيرَ الرَّمادِ

وأصابعَ ملقاةٍ

على قارعةِ الوَهْمِ

في البيتِ العتيقِ الَّذي

جدرانُهُ منَ الطِّين الحُرِّي

متصدِّعاً

منذ أنْ اختفى طفلُ القريةِ،

والوردُ

منْ عتبةِ الحُلُمِ المؤجَّل

حتى يومِ ينهضونَ

منْ رمادِ الحديقةِ الخلفيةِ....؟

*

حين التفتتِ الوردةُ

كانتِ النَّارُ قد أتَتْ

على الأصابعِ المُمتدَّةِ

حتى....

آخرِ الحديقةِ....

**

2. بيانُ النّار:

هذا بيانُ النّار/الفكرة:

أنا النّارُ الّتي ابتلعتْ الطُّفولةَ،

يومَ عاشتْ...

وتعيشُ...

في أُتونِها البراءةُ،

والحُلُمُ المؤجَّلُ

حتى يومِ القيامةِ..

منَ الرُّقاد.

*

العنقاءُ تنهضُ....

منْ وسطِ الرُّكام،

ورمادِ أجنحتها المحترِقةِ،

ثُمَّ تحترقُ....

ثمَّ تنهضُ....

في متواليةٍ مُفخَّخةٍ

بفكرةٍ تتفجَّرُ

كلَّما نهضتْ بها طفولةٌ..

من النَّارِ/ الفكرةِ الأزلية.

*

أشعرُ بحريقِكَ يصلُني،

أيُّها الطَّائرُ المُحلِّقُ

من خلالِ لهيبِ الكلماتِ،

وجمرةِ الأحاسيسِ،

والفكرةِ المؤجَّلة..

ثانيةً....

وثالثةً....،

خارجةً منَ "الأخدودْ

النَّارِ ذاتِ الوَقودْ"

ونحنُ عليها شهودْ...

شهودُنا...

لا شهودُهُم...

المزوِّرون؟!

***

عبد الستار نورعلي

حزيران 2026

كان اقتراحَ غيمةٍ في آخر الشتاء

مزرعةَ الهَيل ذ نونُ

نعناعَنا البريَّ.. زورقَ النجاة

يقفزُ من فوق سياج المدرسة

كما تغادرُ القطاة

شراكها

يعود حين سنونوٌ يعود

إلى سقوف دارنا

يصرخُ مثل ارميا في برية الشتات

ذ نون ُ ساهرٌ (بمقهى غانمٍ ٍ) يسيلُ من جبينه الفرات

بحثتُ في ذ نوننا كي التقي ذ نون

فانكسرَ السُّبات

فقد يكون صاحبي خروجنا المنسيّ من بوابةِ السبات

ذ نون يأتي كي يراك بين درسين وفرصة

ذ نون يأتي عبر مهرجان ذلك الربيع في ثيابه تزغردُ (الغابات)

ذ نون عَبر سرير عاشقٍ يحاورُ النايات

*

ذ نونُ أغنى من رغيفٍ يابس

من دكةٍ في مسجدٍ

ذ نونُ اعلى من دُخَان سجارةٍ لاحقه العشاق

ذ نون انقى من حوارنا اليوميّ أحلى من زقاق

لفّ خطوتيّ في (محلة العرب)

ذ نون ما يمرّ في بال جميلٍ عن بثينة

ذ نونُ في المقهى يحاورهُ ذ نون

هل هذه الموصل ُ أم اكذوبة ُ؟

من أين تأتي الطائراتُ يا ذ نون؟

تقصف شكل العاطفة

فنم قليلاً صاحبي

ونم لكي ننام في سريرنا الممدود ليلاً فوق سطح العاصفة

*

أبحثُ عن ذنونَ في شوارعِ الروضةِ

أو قربَ دكّان علي جركز..

أو قرب بيتِ مُصطفى الحبّار

*

يذهبُ ذ نونُ ولا تأتي القصيدة

ذ نونُ في المقهى.. على الرصيف

يغيبُ في الجريدة

يَعدّ طعنات الوطن

مَن سلّم الموصل ذ نونُ؟

وفتّحَ الأبواب للأغراب

كي يُعلي شُرودَه؟

ذ نونُ لم يبق رغيفٌ واحدٌ في بيتنا

والعدوُّ خلفَ البابِ فلتردع حشودَه

*

هذا هو الموت الرشيديُّ الذي يأتي من الطائرة المسيّرة

وكان ذ نون يتأمل الرصيف من مقهى وكان صاحبي مقاتلاً في الفاو

ظل سنينا في موضع من طين

كان نبيّاً يغطي جرحه اليقطين

ذنون في نهاية المقهى الرشيديّ الحزين

تذكّر الحرب التي تخوضنا

تذكر الموت الذي نخوضه

فأشعل السجارة

*

كل المقاهي اقفلت ابوابها

والحارس الليلي يأتي من نهاية الزقاق

والطائرات أرسلت جحيمها اليوميّ

فوق رأس أهلنا في الجانب المنكوب

الطائرات أرسلت سمها العبري ّ.. ذ نون هناك صامدٌ أمام باب صفنا

يرتبّ الغروب

كي تعود قطةُ إلى صغارها

الطائراتُ حاصرت ذ نوننا المنسي ّوالصامد

ذ نوننا الواحد

ذ نوننا القادم من جسرنا العتيق

ذ نوننا الصديق

والبسيطُ والجميل ........

كلّ المقاهي اقفلت ابوابها

يا ربّ سونامي

وربّ كلّ أمة ٍ منكوبة ٍ

الطائرات اتت من آخر البحار

وسقفنا مثقوب

وعمرنا مثقوب

*

ذ نونُ صحونا البعيد

ونصرنا في الجانب الأيسر

جمّارنا البصريُّ ذ نونُ

نشيدُنا النثري ّوالقدسيّ

وشكّنا الذي يفوحُ من عباءة السؤال

دشداشةُ العيد التي نعبُّ من جيوبها مُلبّسأً وهال

رسالةُ العشق التي نكتبها لكي تحبّنا نوال

*

عرفتُ ذ نون إذا السماء زغردت غيومها بكى

ذ نون يأتي عندما صيفنا يعود بسلّة العنب

وصامتٌ إذا جرحتهُ كزهرةٍ من لوز

الطائرات خلف بابنا تقصف حتى حبّة الاسبرين

ذ نون لا يحبّ امريكا

لأنها تحرمُه التدخين والمشيَ في الليل

وتمنع الرغيف عن أولاد جاره

الطائراتُ تقصف الأشياء والأسماء والذكرى

ذ نونُ يجري باتجاه النهر في أثوابه أحزان أسواق العراق

والطائرات تقصف النهرا

والشطّ الذي ادمنهُ ذ نون

يا ربّ سيبتمبرٍ فلتوقف حديد الجوّ

ولتحفظ العمرا

وشتلةَ الطماطم التي زرعتُها بآخر البستان

ذ نونُ لا يحبُّ أمريكا التي أضاعت الإنسان

*

وكانَ ذ نون على مشارف الأهوار

والأعداءُ أعداءُ

وكان حفرُ الباطنِ البعيد يأخذُ شكلَ خوذةٍ

لم يكترث ذ نون بالأعداء

كانت تطيرُ تحت جلده منارةُ الحدباء

ذ نون كان مؤمناً بهذه العبارة:

قطاتنا لا تخطيءُ العشّ اذا حاصرها الليل

فكّر ذ نون ُ من الذي يعكّر الهواء

كان الذي يهمُّ ذ نون معارك الأيسر

وداعشُ التي تموء مثل قطة ٍعمياء

يا صاحبي الذي رأيته في الفاو سدّدْ لكي تنظّفَ الهواء

وكي يعود بيتنا مضاء

*

هذا هو الايسرُ يا صديقي

هذا هو الايمن يا ذنون

يا طالعاً من خضرة الزيتون

يا طعم رغيفنا المحزون

مهجّرٌ عاد لكي يمدَّ خيمة ً جديدة

لو يكبرُ الحزن لكي تأتي القصيدة

لو خنجرٌ تابَ فلم يمشِ على هدْي العقيدة

زرعتُ قلبي حول صمتك الجميلِ وردةً وحيدة

فاثبتْ هنا ذ نون

رشاشُك الشخصيُّ في الساحل الأيمن فرصةٌ أخيرة

لكي نسيرَ خطوةً نحو النجاة

ظهري الى الحائط لا تمش ولا تهذِ ولا تبكِ

فقد تمرُّ الطائرات

واثبت هنا لكي نرى حديد جسرنا العتيق

لكي نصادق النوارس التي تلتقط ُ الفُتات

ونشربَ الشايَ الذي ندمنه ُ في ساحة الميدان

*

اقولُ للأعداء شكراً للقذائف التي تهبُّ من جنونكم تجاه سقفنا وحوشنا

تجاه صحن حسائنا

تجاه بابنا الذي يثقبه الشتاء

أقول للأعداء شكراً إننا نموت تحت سقوط حائطٍ

تحت تكسّر الهواء والعواء والبكاء

هذا هو الأيمن لم أجد سوى الحجارة البيضاء

تسقط في شوارع (الدواسة)

لا سينما تفتحُ في الليل

لا حمامةٌ بيضاء

تحطّ في منارة الشيخ فتحي

وقربَ (سدّة ٍ) هناك كنتُ بانتظار امرأة يدعونها هديل

وما أتت هديل

فليأت ذنون اذن وبعده بشّار

فراشةً قادمة ًمن آخر النهار

لا الجامع النوريّ اذّن في العيد

لكي يغادر التتار

اقول للأعداء هل تعششون في هوائنا

وفي رغيفنا اليوميّ هل

تعسكرون دائما ً في ضحكة الصغار؟

***

أحمد شهاب

أَيا مَنْ بِكَفِّ الْغمامِ أَقَمْتِ

 ومُذْ أَمَدٍ ما أَتَيْتِ.

 ومُذّاكَ

ما ضحِكَ الْجُلّنارُ

 وما بسِمَ الْأُقحُوانُ

 وظَلَّ يُسائِلُني عنكِ الترابُ .

*

فَأيُّ النُّبُوءاتِ تُنجِدُني

 والْمرايا تُغَبِّشُها وَشْوَشاتُ السّرابِ؟

*

 وهذا الْيَمامُ

تُرَوِّعُهُ قَهْقَهاتُ الذّئابِ.

 وهذي النَّوارسُ

ما صَخِبَتْ

مُذْ تَمَدَّدَ في الْبحرِ ليلٌ،

 ونامت على صدره أجْنُحُ الذّارياتِ.

*

 وإنّي شَجَتْني الطّحالبُ تَمْتَدُّ نَشْوَى.

 وهاجَ فؤادي

ربيعٌ بِأَندَلُسٍ

 وجلالٌ

 وذكرى مُطوَّقَةٍ في الْجنانِ

 ومَرْوَى.

*

 وإنّي على وجهِ أمّي سَطَّرْتُ وَشْمًا،

فما باح للظّامئينَ

بِأَمْوَاهِيَ الرّاوِياتِ،

ولا هُمْ به جعَلُوا للزّياتينِ صَرْحًا

لِتُومِضَ بين النُّجومِ.

**

فيا مَن تَقَدَسَ وَجْهُكِ!

إنِّيَ آلَيْتُ أَلاَّ أُحَدِّثَ كَأسي

 ووَجْهُ الْغُروبِ يُصَدِّعُ كَعْبِي.

 وإنِّي تَسَوَّرْتُ سُورَ الْغَمامِ

لَأبْسُطَ كفِّي إِليكِ.

*

إليكِ مُعَتَّقَ خَمْرِي

 ومُهْجَةَ نفسي.

خُذي نَشْوَةَ الْكأسِ مِنِّي

 وكوني على وجهِ أمّي

قصيدهْ.

فَإنَّكِ مِنْ قبْلُ

كنتِ لِقابيلَ

وَمْضَةَ سلْوَى.

**

شَجاني نَشيجُك - ردَّتْ -

يُها الْكَرَوانُ الَّذي

بِالْهُيامِ شَدا

في الدِّيارِ وأفْضَى.

أتاني حديثُكَ مِن لُجَجِ الظَّلامِ

نداءً ونَجْوَى،

 ولَستُ رَضِيتُ بكَفِّ الْغمامِ

يَغُمُّ سَنايَ،

يُلَثِّمُني

فَيُغَيِّبُني عنْ صَلاتي.

 وإنّي وَإنْ غَيَّبَتْني طِباقُ الْغَمامِ،

بَقِيتُ أُرَجِّي

حَفِيفَ الرِّياحِ

 وبَوْحَ شُعَيْبِ…

***

بقلمي: هادية السّالمي دجبّي - تونس

النافورة التي توقّفت عند الساعة السابعة

رائحة رذاذ الماء

الحمامات التسع التي هبَطت توّاً

الجرو السعيد

الشمس التي ستغيب بعد ساعتين

نصف القمر المضيء

نصفُه الآخر

ملامحك وآفاقك الشاسعة

أشجار الكستناء التي خلفك

الأوردة الخضراء في يدك

يدك البيضاء الصافية

ها أنا ذا أثق بالوقت

بالريح

بالضوء

بجلستك الهادئة المليئة بك تماماً

قد أكون مخطئاً

لكن الاتّجاه البعيد هو الذي أقصده

أريد أن يتم العثور عليَّ

2

طيور الحمام

الرجل الذي يجمع قناني البلاستيك الفارغة

الكلب الذي معه

محطّة القطار

القطار الذي وصل في الخامسة والنصف

الشمس التي ستغيب بعد ثلاث ساعات ونصف

نصف الكلام

الثلاثاء الذي صار كل شيء فيه متوتّراً

لم أعد أثق بالوقت

برائحة الغسق

بالنادل

بالنادل الآخر

بالريح التي تحرّك شرشف الطاولة

بالطاولة التي تحتها أربعة أقدام متقابلة

اثنتان غاضبتان واثنتان قلقتان

بالضوء الذي بدا خاوِياً

أخيراً..

كالغريب الذي يحمل رأسه

‏تركتُ الأفق يتكسر يتداعى ويعيد تشكيل نفسه

أمسكتُ بالهواء لأتذكَّر نفسي

وضعتُ الحلم فوق شجرة

أعطيتُ القصيدة غابةً ونهراً

اجترحتُ المصبّ

وقبلّتُ روحي في وجه البحيرة

***

فارس مطر

برلين 9.8.2026

كان الباب هناك منذ أن عرف الناس الطريق. يمرون أمامه كل يوم، يلمحونه ثم يمضون. في طفولتهم كانوا يسألونك إلى أين يؤدي؟

وكان الكبار يجيبون، دون أن يكترثوا لك لا أحد يعرف.

ومع الوقت، تعلّم الصغار أن يتوقفوا عن السؤال. فقد صار الباب جزءًا من المألوف، مثل الأشياء التي ترافق الإنسان طويلًا حتى ينساها. كان بعض العابرين يقتربون منه، يضعون أيديهم على المقبض، ثم يتراجعون.

ذات مساء، عاد رجل مسن إلى المكان. تذكر أنه مر من هنا أول مرة وهو في العشرين. يومها كان يحمل حلمًا لم يمنحه وقتًا، فألقى نظرة سريعة إلى الباب ثم مضى، وهو يظن أن الطريق أمامه أطول مما كان. وظلّ يؤجل فتحه عامًا بعد عام.

وحين عاد إليه، وقف أمامه طويلًا. بقيت يده معلقة فوق المقبض لحظة، كأنها تستعيد أعوامًا من التردد، ثم دفعه ببطء.

فتح الباب. و لم يجد الا امتداد الطريق. كان الطريق نفسه... ذلك الذي ظل يراه طوال عمره، دون أن يجرؤ على رؤيته من هذه الجهة. ظل الرجل واقفًا يتأمل طويلًا. أطال النظر إلى الطريق الذي عبره، ثم إلى ما بقي منه. جلس عند العتبة، ولأول مرة لم يشعر بالخوف. شعر فقط بالتأخر. وفي الصباح، مر العابرون. وجدوا الرجل جالسًا هناك، والباب مفتوحًا.

سألوهك

 ماذا يوجد خلفه؟

رفع رأسه، وقال:

 ما كان أمامي طوال الوقت.

مضى العابرون.

وبقي الباب مفتوحًا.

***

قصة قصيرة

مامند محمدقادر - كاتب وشاعر عراقي كوردي

 

في منتصف طريقها إلى اكتمال العطر ...

اختنقت "آهة" الاوركيد

كان الأمر اشبه بسقوط حرّ من حكاية شاهقة

كانت "الخيبة "كعادتها حقيرة ..

تتابّط حذاءها ..

تتسلّل وراء غلالات الحبّ

على عجل تلقي دلْوها البارد على حكاية دافئة مازالت تنسج غطاءها الصّوفيّ

تتهيّأ لدوجمبر

فتذكي جمر المدفأة...

ها أنا الآن ..

اكاد أشمّ .. رائحة الحطب ..

رائحة الحطب الّذي يحترق..

أكاد اشتمّ

رائحة الحكاية ..!

***

حياة بن تمنصورت - تونس

 

النَّهَارُ لَا يَأْتِينِي بِكَ،

وَالرِّيحُ لَا تُخْبِرُ عَنْكَ،

وَالْوَقْتُ بَنْدُولٌ

بَيْنَنَا.

*

مَرَّةً إِلَى الْأَعْلَى،

نَلْمَسُ سَحَابَ اللَّذَّةِ،

وَنَمْتَطِيهِ،

أَوْ يَمْتَطِينَا.

*

وَمَرَّةً إِلَى الْأَسْفَلْ،

نَنَامُ عَلَى أَنْفُسِنَا

مِنَ الضَّجَرْ.

*

فِي اللَّيْلِ،

نَتَحَدَّثُ بِاللَّمْسْ؛

أَعْصِرُ تَيِّنَكَ حَدَّ اللُّزُوجَةْ،

وَتَعْصِرِينَ عَنَاقِيدِيَ السُّمْرَ

الْمُدَلَّاةْ.

*

لِهَذَا،

نَرْتَدِي اللَّيْلَ كُلَّ مَرَّةْ،

وَنَهْرُبُ مِنْ شَمْسِ النَّهَارْ.

*

لَا أَرْغَبُ بِالْعَلَانِيَةِ مَعَكَ؛

فَالسِّرُّ لُعْبَةْ،

تُجِيدُهَا كُلُّ الْآلِهَةْ،

وَتَسْتَعْمِلُهَا

لِتُطِيلَ نَضَارَتَهَا وَعُمْرَهَا.

*

أَرْغَبُ بِالْعَتْمَةِ الشَّهِيَّةْ،

لِنَنْصَهِرَ مَرَّةً

فِي كُلِّ سَرِيرْ.

*

أَكْفُرُ بِالسَّتَائِرْ

وَزُجَاجِ النَّوَافِذْ؛

قَدْ يَشِي بِالسِّرْ،

فَتَمُوتُ قُدْسِيَّةُ الْقُبْلَةْ

وَمَا بَعْدَهَا.

***

ياسين غالب

2026-هلسنكي

فرّقتم الدّينَ حتّى صارَ أديانا

والماءُ في نُهْرِكُم ينسابُ ألوانا

فرّقتمُ البيتَ حتّى انهارَ أركانا

والأصلَ حتّى تمارى الخلقُ إن كانا

حتّى غدتْ أرضُكمْ للموتِ وجهتَهُ

ودوركُم للبُكا واللّطمِ عنوانا

يمرُّ شيطانُ جنٍّ في شوارعِكُم

فلا ترى عينُه في الخيرِ إنسانا

فيحمدُ اللهَ أن أنشاهُ من لهبٍ

وسِرُّهُ: آهِ لو لم أعْصِ ديّانا

حكّمتمُ الغربَ فيما كانَ بينكُمُ

كأنّ خالِقَكمْ لم يُوحِ قرآنا

وبعدما كنتمُ الأسيادَ فوقَهمُ

بتّم تنادون دودَ الأرضِ: "مولانا"

***

أسامة محمد صالح زامل

 

ثمة عطر سيدة يضيء شرايين خطاياك،

تكتبك قصيدة بنشوة عاشق،

ضع عصبيتك جانباً

ومزاميرك القصيرة،

واكتب خصرها المزنر بزهور الجبال برومانسية حزيران،

اكتب عن موسيقى نهديها،

دع شفتيها تغرر بك بعفوية الصبي المراهق

وعصبيته.

تغرر بك بطيبة "الكوجرية"

وتعصر شهوتك البيضاء في بداية الصيف

ايها المتوجس

نسيت ان تقول لك

اعتني بطواويسي،

أدجنها كما يدجن الناي احزان الرعيان.

***

* الشاعر كيفهات أسعد

شاعر كردي مقيم في السويد له اربع مجموعات شعرية منشورة

عضو اتحاد الكتاب

في عين الليل الموحش

أغرس سهما

أشرق إشراقة لؤلؤة ساطعة اللحم

تجوس خلال اليم

وأمرق وعلا منتشيا في الغابة

ذات الوجه الشرقيّ

مروق سهام الغربة في

أحشاء البلد النائيّ

أدس كياني في قاعات البلياردو

أبحث عن دفء عسليٍّ يتهادى

في الليل

لكي في مشجبه ذي العينين الواسعتين

أعلق ضحكي المضفور بإحكام

بحبال الرغبة

أنا لا أملك لي إلا أن أمسك

خيط الماء

لأصعد أورقة الجسد بحيث

أخط على الصدر مراثي الزمن الآتي

يتسنم أجنحة الموسيقى

وهو يعاقر كأس الوطن ويقرأ

ألواح الطين الأولى الواحدَ تلو الآخر.

***

مصطفى معروفي

أنا أيضًا أشبهُكم،

وُلِدتُ بالهلاهلِ مثلَكم،

وكبرتُ مع الدموعِ كما كبرتُم،

لكنَّني... أحيا على الذكرى.

(2)

حجولُ الجبلِ هاجرتْ…

سنونواتُ القريةِ ابتعدتْ،

ولكن، الشمسُ شاهدةٌ لا تغيبُ.

لا نَسأَمُ من النظرِ إلى بعضِنا…

جبلُ شنكالَ، وأنا.

(3)

أطلبُ السماحَ عمَّا فعلتُه…

أطلبُ السماحَ من شرفدين، من الإسكينية، من سيباي، من شنكال، ومن جبلِ شنكال،

فهم بالتأكيدَ يعرفونَ لماذا تركتُهم وحيدين!

وهربت إلى مدن الثلج.

(4)

كلُّ ما نُحبُّهُ يتغيَّرُ:

القُرى، المزارات، وشنكال.

أيه، إن منْ يجتاحُهُ الفرمانُ يتغيَّرُ..

حتى القُرى، المزاراتُ، وشنكال…

ونحنُ.

(5)

طفولتِي التي كانت في الإسكينية العُلْيا،

بقيت هناك، ضاعت في بساتينِ القَرية،

حتى عندما طُرِدتُ من وطني بقيت طفولتِي هناك،

تتسكَّعُ على حافاتِ البيادر، تغطس في الجدول..

وتتسلَّقُ الجبل.

(6)

مكتوب في حكايات قرى شنكال الطينية الأولى، إنكِ الإسكينية العليا بجمال بيوتها البيضاء، وبساتينها..

وجاء في أخبار قرية الإسكينية إنكِ كنت العاشقة التي تقود الدبكة في البيادر..

ومذكور في نصوص العشق إنكِ أنتِ ليلاي.

تلك الفتاة التي كنت أتسلل إلى سطح منزلهم لأقابلها كل مساء

تلك التي كتبت سيرتها في حكايات قرى شنكال الطينية.

***

مراد سليمان علو

قصيدة هايبونية

في صباح يوم ربيعي مشمس

استيقظت من نومي اغتسلت

وابتسمت لشعاع الشمس الداخل

كزائر عزيز عبر نافذة غرفتي ثم ارتيت ملابسي الرياضية

وخرجت كان عطر الازاهير العذب يملا رئتي

تنفست تنفسا وحسب ايقاع اربع توان شهيق

وثانيتين حبس النفس وست ثوان زفير

كان صباحا عذبا رائعا رائعا

فمضيت صوب الغابة

وفي طريقي ابتسم لي عندليب غريد

وانا اسير قرب حديقة غناء

تسالت كيف حالك ايها العندليب الجميل

اجابني العندليب الغريد

لا باس لاباس وقد تعترض حياتي اليومية

بعض المنغصات

كنعيق بومة او نعيب غراب

واحيانا وفي بعض الليالي وانا نائم

يوقظني عواء بنت اوى او ثعلب

فابقى يقظا الى الصباح وهذا اشد ما

يؤذيني ويؤلمني قلت له اترغب ان تبني

عشك بامان في قلبي

اطلق العندليب الجميل تغريدة فرح ملونة

مرفرفا بجناحيه الرماديين ثم اجاب نعم

نعم بكل تاكيد نط من غصن الى غصن ومن ثم

دخل قلبي  وغنينا معا

اغنيات البرق

الريح

والمطر

واغنيات الفراشات والنحلات الجميلات

في مروج الحياة

***

سالم الياس مدالو

تَـرمـي يَـواقـيـتَـهـا

فـي الـيَــمِّ

... كـانَ ضُـحـى

لَـيْـلاً ومـا إنْ صَـحَـتْ

حَـتّـى مَـضـى شَـبَـحـا

*

قُـرْصـانُ غـافِـيَـةٍ

فـي كَـوْثَـلٍ ــ ذَهَــبٍ

رُبّـانُ قـافِـيَـةٍ

يـا طـالَـمـا جَـنَـحـا

*

عـنْ هَـدْيِ بـوْصَـلـةٍ فُـصْـحـى

إلـى جُـزُرٍ

عَـذْراءَ تِـنّـيـنُـهـا

مـا مَـرَّةً مَـزَحـا

*

الـصـاعِـدونَ عـلى الأسـوارِ

مـا رَجـعــوا

وكـيـفَ يَـرجـعُ مَـنْ أصـغـى

أو الـتَـمَـحـا؟

*

كَـمـا تُـطِـلُّ أبـاريـقٌ

عـلى قَـدَرٍ

فِـي الـغَـيْـبِ

تَـحْـسـبُـهُ

مِـن تَـحْـتِـهـا قَـدَحـا

*

فـاضَ الـمَـجـازُ مُـريـداً

شـيْـخُـهُ مَـدَدٌ

واشّـابَـكَـتْ فـيـهِ

سُـبْـحـانـاتُـهُ جُـنَـحـا

*

حَـدَّ انـفـلاقِ الـنـوايـا

فـي مَـدارِ رؤىً

قَـبْـلَ الـمـحـاقِ بِـعـرْجـونِ

الـذي اقـتَـرَحـا

*

أنْ تَـصـطـفـي مـا أرادَتْ

مِـن جـواهِـرِهِ

إلّا بِـرُمّـانـةِ الـيـاقـوتِ

مـا سَـمـحـا

*

إذْ يَـرجـمُ الـغـيْـبُ غَـيْـبـاً

لـيـسَ بَـيْـنَـهُـمـا

سـوى تَـقـاذُفِ مـا يَـحْـلـو غَــداً

بَـلَـحـا

*

ومـا تَـخـاطَـرَ

مِـن إيـقـاعِ سـابِـحَـةٍ

فـي بـالِ مَـنْ ظَـنَّ

فـي إيـقـاعِـهـا سـبَـحـا

هَـمّـتْ بِـقـسْـطـاسِـهـا الأعـلى

وَهَــمَّ بِـهـا

ولا يَـزالانِ

لا كَـفَّـتْ ولا رجَـحـا

*

كـأنَّ مِـنـهـا عـلى أمـواجِـهِ

زَبَـداً

كـأنَّ مـنـه عـلى

أقـواسِـهـا قُـزَحـا

*

هـل تـلْـكَ ذاكَ

أمْ الـمـعـنـى عـنـادِلُـهُ

تَـطـغـى عـلـيـهِ إذا مـا فَـجْـرُهُ

صَـدَحـا

*

شيءٌ يَـظـلُّ مِـن الّـلا شيءِ

فـيـهِ صـدىً

يَـجـري ودافِـعُـهُ يَـبـدو كَـمَـنْ

كَـبَـحـا

*

مـجْـرى الـسـؤالِ الـذي امـتَـدَّتْ

رَوافِـدُهُ

فـي

عُـمْـقِ أدغـالِ ــ لَـمْ يُـغْــلِـقْ ولا فَـتَـحـا ــ

*

بَـرْقٌ يُـعـانِـقُـهـا خَـطْـفـاً فَـتـأخـذُهُ

مِـنـهـا الـدَيـامِـيسُ

مـا شـاءَ الـذي مَـنَـحـا

*

قَـلْـبُ الـرمـادِ رمـادِيٌّ

مـتى ظـعـنـتْ

قـبـيـلـةُ الـسِـرِّ ! حـتّـى الـكـلـبُ

مـا نَـبـحـا

*

لَـمّـا يُـضِئْ زيـتُـهـا

زيـتـونـةٌ أُمِـرَتْ

بـل كـادَ لـكِـنّـهُ

عـن (كـادَ) تـيـكَ

نَـحـا

*

نَـحْـوَ اغـتِـرازِ فـتـيـلٍ

هـكـذا بَـدأتْ

وهـكـذا خَـمَّـنَ الـمَـغْـروزُ

كَـمْ رزَحـا

*

فـي جُـبِّ أحـوالـِـهِ حـتّـى

إذا رضعـتْ

تـلْـكَ الـذُبـالَـةُ

شَـبَّ الـحَـدْسُ واجـتَـرَحـا

*

عَـرْشـاً عـلى الـمـاءِ

قـال الـسـومَـرِيُّ: هـنـا

لا بَـيْـتَ كـالـفُـلْـكِ

إنَّ الـمـاءَ قـد طَــفَـحـا

*

مـا أنـفَـكَّ يَـسْـري

سَـرى مـاءً

مَـفـازَتُـهُ

سـرْحـانُ سـيـرَتِـهـا والـلـيْـلُ مـا بـرحـا

*

يَـعْـوي عـلـى الـبـدْرِ

مَـغـسـولاً بِـفـضّـتِـهِ

فـالـعـيْـنُ ذي

ذئـبُـهـا مِـن وحـشْـةٍ

سَـرِحـا

*

وأنَّ سـابِـحَـةً أسـرى بِـهـا أرِقٌ

كَـمْ خَـطَّ مِـن طُـرُقٍ

فـي رَمْـلِـهـا ومَـحـا

*

فـي كُـلِّ خـافـيَـةٍ

مِـن تَـحْـتِ بـادِيَـةٍ

بِـئْـرُ الـسـرابِ

ومَـلْأى دَلْـوُ مَـنْ مَـتَـحــا

*

جـاءَ الأُجـاجِـيُّ مِـن بـحْـرِ الـفـلاةِ

لِـكـيْ

يـذوبَ

فـي عـذْبِـهـا إنْ كـوزُهـا نَـضـحـا

*

غـامَ الـغـطـاءُ

وكـانـتْ (سَـوْفَ) عـارِيَـةً

مِـثْـلَ الـبَـداهَـةِ غَـطّـاهـا الـذي

شَـرحـا

*

هُـنـا، هُـنـاكَ: فُـوَيْـقَ الـنـونِ

جَـمْـرَتُـهُ

وكُـلُّ مَـنْ َ حـامَ

مِـنْ حَـوْلِ الـتي لُـفِـحـا

*

كـأنَّ ضـنْـكـاءَ

إذ جُـنَّـتْ مُـقَـهْـقِـهَـةً

تَـقـولُ : وحْـدي هـنـا

مَـنْ تُـبْـدِعُ الـفُــسَـحـا

*

أتـى عـلـيـهـا

مِـن الـدَهْـرِ الـذي ذكَـرتْ

حـيـنٌ

وكـان كـمـا شَـقَّـتْـهُ مُـفْـتَـتَـحـا

*

يُـفْـضـي إلـى ... بَـغـتَـةً

أفْـضـى إلـى

ـ ـ ـ ـ

ظُـلَـمٌ

مـا عـادَ مِـن خَـلْـفِـهـا ضـوءٌ

ولا رَشـحـا

*

إلّا

قــنـاديـلَ تُـسْـقـى مِـن مُـخَـيِّـلَـةٍ

إلّا

تـآويـلَ

خـيْـطُ الـفَـجْـرِ مـا اتَّـضَـحـا

*

الـحَـقُّ

مَـنْ لَــمْ تَـرَ الـمـرآةُ صـورَتَـهُ

والـريْـبُ في مَـن رأى واعـتَــمَّ

واتَّـشَـحـا

*

قـافـا حـقـيـقـتِـهِ

لا يَـسْـنَـحـانِ مَـعـاً

أسـخـى بَـوارِقِـهِ قـافٌ

إذا سَـنَـحـا

***

جمال مصطفى

2014

جـمـال مـصـطـفـى

قصّة لمحة

يوم كانت السماء تنطق عن الآلهة

تنقلت إلهة الحب بين اكثر من إله

الصغار والكبار

ولم يكن أيٌّ من الآلهة ليشك فيها أن تخونه

كانت تعبث بهم جميعا

وهم غافلون

وعندما ظهرت على الإلهة الجليلة بوادر الحمل

طرقت باب كلّ إله

انفردت به

وصارحته بما كان

وهل يرغب في أن ينسب حملها له؟

فراود الخجل كلّ واحد منهم

كل إله طلب منها ان تحفظ السر

لكن إلهة الحب طلبت ان تلتقيهم مجتمعين عند كبير الآلهة

عندئذ صرخت بصوت اهتزت له السحب والكواكب:

ياكبير الآلهة الم نلتقي في ساعة لطف؟

ياإله الحرب الم يجمعنا فراش واحد؟

يا اله الشفق اتذكر ليلتنا الحمراء

ياإله الفن

يا..

يا..

واحدا واحدا

خاطبتهم

ثم القت عليهم سوطها:

ابن من منكم هو؟

رفع الآلهة رؤوسهم.. احتدوا في النقاش وانفعلوا كادوا يدخلون في عراك شديد مرير

 كان كل إله يدعيه ولايدعيه

يقرّ وينكر

في النهاية رفع كبير الاهة يده فتوقف الجميع . صمت لحظة وقال

مادام الامر كذلك أرتأي ان نخلق كوكبا ندعوه الارض يعيش عليه المولود الجديد سوف يكون بعيدا عنكم لا يقدر الوصول اليكم ولا تلمسونه إلا في أحلامه!

***

قصي الشيخ عسكر

المنافي البخيلةُ لا تعشقُ الأسخياءَ لذا كنتَ فيها وحيداً ومغترباً أبديا..

المنافي اللئيمةُ لا تعشقُ الكرماءَ وتبحثُ عن صحبِها اللؤماءِ ولا ترتجي أنْ يكونوا لها أبدَ الدهرِ خلّانَها الأوفياءَ ولكنْ يؤدونَ أدوارَهمْ ثمَّ ينصرفونْ ..

في المنافي المريبةِ سوف ترى انَّ ابنَ المدينةِ يتبعُ سيدَهُ، وترى انَّ ضيفَ المدينةِ يتبعُ سيدَهُ، وأنتَ تحاولُ ان تتأملَ حُرَّاً وتعشقَ حُرَّاً وتكتبَ حُرَّاً بلا سيدٍ كي تكونْ..

اذا كانَ أسيادُهم نفسَهم ستكونُ لغاتُ الاشارةِ واسطةً في العيونِ ومِنْ غمزةٍ يفهمونْ.

وأنتَ ـ وانْ كنتَ تفهمُ ـ تبقى وحيداً ومغترباً أبديا ..

***

شعر: كريم الأسدي – العراق

1/8/2026

كان آخرُ لقاءٍ لنا يشبهُ صلاةً بلا قبلة، ودعاءً يعرفُ قبلَ أن يُرفعَ أنَّ السماءَ لن تجيب.

*

التقينا خارجَ الزمن... هناكَ حيثُ لا ساعاتٍ تُطاردُ أعمارَنا، ولا قطاراتُ الغيابِ تجرُّ خلفها حقائبَ الراحلين.

*

كنا معًا فقط... كأنَّ العالمَ كلهُ نسيَ طريقهُ إلينا، وكأنَّ القدرَ، للحظةٍ عابرة، أغلقَ كتابهُ وتركنا بينَ السطور.

*

لكنَّ الواقعَ كان ينتظرنا عندَ بابِ المطار، واقفًا بوجهه البارد، يحملُ تذكرةَ الفراقِ ويبتسمُ بلا رحمة.

*

رأيتكِ يومها تجرّينَ خطواتكِ بصعوبة، كأنَّ الأرضَ تمسكُ قدميكِ وتقولُ لكِ: لا ترحلي...

*

كانت حقيبتكِ الصغيرةُ تختبئُ بينَ يديكِ لكنني كنتُ أعرفُ أنها كانت أثقلَ من الجبال. ففيها لم تضعي ثيابَ السفر، بل وضعتِ أعمارَنا الصغيرة، ضحكاتِ الصباحاتِ التي لن تعود، دفءَ الليالي التي نامَ فيها الحزنُ بعيدًا، ورسائلَ لم نكتبها لأنَّ عيونَنا كانت تعرفُ القراءة. كنتِ تحشرينَ ذكرياتِنا بينَ ثنايا الحقيبة، كأنكِ تخافينَ أن يسقطَ منها شيءٌ من قلبكِ.

*

أما أنا... فكنتُ أحملكِ بينَ ذراعيَّ كما يحملُ الغريقُ آخرَ خشبةٍ من سفينتهِ المحطمة. كنتُ أحتضنكِ بيأسٍ عظيم، بيأسِ رجلٍ يعرفُ أنَّ هذه الذراعينِ ستعودانِ بعد لحظاتٍ فارغتينِ من معجزةِ وجودكِ. كنتُ أريدُ أن أقولَ لكِ: ابقي... لكنَّ صوتي ماتَ في صدري، فبعضُ الأحزانِ أكبرُ من الكلمات، وبعضُ الرحيلِ لا يملكُ الإنسانُ أمامهُ إلا أن ينحني.

*

كانت حقيبتي بجانبي... تلك الحقيبةُ التي رتبتِها بيديكِ في الليلةِ الأخيرة، حين كنتِ تضعينَ أغراضي وأنتِ لا تعرفينَ أنكِ تضعينَ معها آخرَ نبضةٍ من طفولتي. بقي فيها عطرُ أصابعكِ، بقي دفءُ يديكِ، بقيتْ لمسةٌ صغيرةٌ منكِ تقاومُ السفرَ والغياب. حتى الملابسُ هناك كانت تعرفُ أنكِ رحلتِ.

**

ثم جاء النداء... ذلك الصوتُ الباردُ في المطار الذي لا يعرفُ شيئًا عن القلوب. نادى اسمكِ... فشعرتُ أنَّ نصفَ روحي غادرَ قبلَ أن تتحركَ الطائرة. ونادى اسمي... فشعرتُ أنني ذاهبٌ إلى مكانٍ لا يوجدُ فيه أنتِ.

*

مشيتِ نحوَ طريقكِ، ومشيتُ نحوَ طريقي. يا لقسوةِ الحياة... حتى الأقدامُ التي اعتادتْ أن تمشي معًا، تعلمتْ في لحظةٍ واحدة كيف تفترق. أنتِ ذهبتِ نحوَ الشرق، وأنا ذهبتُ نحوَ جهةٍ أخرى، وبيننا بقيَ المطارُ مثلَ جرحٍ مفتوحٍ لا ينام.

*

كانت طائرتانِ تنتظرانِنا... طائرتكِ أخذتْ صوتكِ، وضَحكتكِ، وظلَّكِ الذي كان يسكنُ عيني. وطائرتي حملتني بعيدًا عن المكانِ الوحيد الذي كنتُ أشعرُ فيه أنني حيّ.

**

حين ارتفعتْ طائرتكِ... لم أرَ جناحينِ يصعدانِ إلى السماء، بل رأيتُ قلبي معلّقًا في نافذةٍ صغيرة، ينظرُ إليَّ ولا يستطيعُ العودة.

**

ومنذُ ذلك اليوم... كلُّ مطارٍ أراهُ أبحثُ فيه عنكِ. كلُّ حقيبةٍ تمرُّ أمامي توقظُ رائحةَ أصابعكِ. كلُّ امرأةٍ ترتبُ شعرها تعيدُ إلى ذاكرتي يديكِ وهما ترتبانِ فوضى أيامي.

لقد غادرتِ... لكنَّ الغيابَ لم يأخذكِ مني. لقد ترككِ في داخلي جرحًا جميلاً، ينزفُ كلما تذكرتُ أنَّ بعضَ الذين نحبهم لا يرحلونَ بعيدًا... بل يسكنونَ المسافةَ بينَ نبضةٍ ونبضة.

*

وما زلتُ، إلى اليوم... أقفُ في ذلك المطارِ القديم، أحملُ حقيبتي، وأنتظرُ طائرةً لن تأتي، لأنني أعرفُ... أنَّ آخرَ رحلةٍ لنا لم تكنْ إلى مدينةٍ أخرى، كانتْ إلى الذكرى... وكان اسمُها: الذكرى الأخيرة في المطار.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

كان الرجل واقفاً في الغرفة،

كأن الجدران نسيت أن تفصله عنها.

لا يدخلها حقاً ولا يغادرها

يرتدي قميصاً أصفر. قالت له بهدوء: جميل. لكن الكلمة لم تجد سطحاً تهبط عليه وظلّت معلّقة، كلونٍ لا يعرف لأيِّ ضوءٍ ينتمي.

لم يكن القميص مكويّاً كان مسترخياً عند الشكلومتوتراً عند المعنى، كأن اللون حُمِّل ما لا يطيق.

تقدّمت خطوة. لم ترَ شيئاً بعينه، بل زيادةً لا تعرف سببها كأن الجسد يستعين بالشكل ليستر نقصاً لا اسم له.

لم تخف الدهشة وحدها حضرت.

حاول الرجل أن يُشغّل ما لديه حرّك، ضغط، وأعاد المحاولة، كمن ينتظر من شيءٍ أن يفعل ما لم يُخلق له. ثم نهض، وجاء بآلةٍ لا اسم واضحاً لها تشبه لابتوباً، أو جهازاً صغيراً، أو اختراعاً لا وظيفة مؤكدة له شغّلها.

اندفع هواءٌ بارد، باردٌ بما يكفي ليملأ الفراغ، لا ليغيّر شيئاً.

عندها لم تعد تنظر إليه بل إلى المشهد كله. انسحبت بهدوء. لم تُصلح القميص، ولم تُجادل اللون، ولم تبحث عن اسمٍ لما رأت. خرجت وهي تعرف: أن ما يتعطّل في الداخل لا تصلحه الريح.

يُترك.. ليتعلّم بردَه بنفسه.

*** 

رائدة جرجيس

رِهَـانُ الـحَـقِّ والـمَـالِ ابْـتِـلَاءُ

بِـمَـنْزِلَـةِ الـرَّجَـاءِ ولَا رَجَــاءُ

**

- يَقُولُ (الجَاهِـلِيُّ): أَمُوْتُ أَشْوَىٰ

مِنَ الأَغْـلَالِ؛ فَالـحَبْسُ الفَـنَـاءُ

لِأَنَّ الـمَوْتَ وَمْضٌ في سَحَـابٍ

وحَـبْسُ الـمَرْءِ مَضْغٌ وارْتِـغَـاءُ

فأَيُّ القَـاتِلَـيْنِ أَمَـضُّ فَـتْـكًـا؟

وأَنْـكَىٰ في ذَوِيْ القَتْلَـىٰ، تَـشَاءُ؟

وإِطْـفَـاءُ الحَـيَـاةِ بِـغَـيْـرِ حَـقٍّ

لِـحَـقِّ الحَـيِّ فـي الحَـقِّ انْطِـفَـاءُ

ولٰكِـنْ أَهْـوَنُ النَّـارَيْـنِ نَـارٌ

تَـمُـرُّ بِـهَا، وأَهْـوَلُـهَـا الثَّـوَاءُ!

**

ورَاهَنَـهُ (مُحَامِيْ الحَبْسِ)، صَبْرًا

عَلَىٰ حَـبْسٍ، وإِنْ طَـالَ العَـنَـاءُ:

- حَيَاةٌ فـي جَحِـيْمٍ لِـيْ حَيَـاةٌ،

ومَـوْتٌ فـي النَّـعِيْمِ لِـيَ امِّـحَاءُ!

**

- فصَاحَ (الجَاهِـلِيُّ): عَدِمْتُ مَالِـي،

فَلَا، وأَبِيْكَ... رُحْ، هٰذا افْتِرَاءُ!

أَمَوْتُ الفَـرْدِ، مَوْفُـوْرًا عَزِيْـزًا،

ودَعْـسُ الجَمْعِ في فَـرْدٍ، سَوَاءُ؟!

ومَـا الأَغْـلَالُ إلَّا كَـاغْـتِـيَـالٍ،

وإِنْ يُـرْجَىٰ بِـغَـيْـهَـبِـهَا الفِدَاءُ؟

فخُذْ قَصْرِي، ومَا مَلَكَتْ يَمِيْـنِـي،

ثَـكِلْـتُكَ، إِنْ تُطِقْهَا، يَا لَـفَـاءُ!

**

فتَمَّتْ صَفْقَـةُ الـمَغْـبُـوْنِ عَصْرًا

وأَعْلَنَ عَنْ رِهَانِـهِمَـا العِـشَاءُ

وأُوْدِعَ مُجْتَـبَىٰ الأَغْـلَالِ سِجْـنًا،

وبَـاتَ (الجَـاهِـلِيُّ) لَـهُ رُغَــاءُ:

- أَهَنْتَ العُمْرَ، يَا مَغْرُوْرُ؛ فَاهْنَأْ

بِـمَا غَـزَلَتْ يَـدَاكَ، ولا عَـزَاءُ!

**

وبَـيْـنَا (الجَاهِـلِيُّ) يَـدُوْرُ عُجْـبًا

بِصَفْـقَـتِـهِ، يَـطِـيْرُ بِـهِ انْـتِـشَاءُ

تَـرَدَّىٰ مِنْ أَعَالِـيْ القَـصْرِ مَـيْـتًا،

وصَـاحِـبُـهُ تَـرَدَّاهُ الـثَّـرَاءُ!

**

وغَـادَرَ مُوْدَعُ الأَغْـلَالِ سِجْـنًا

وبَـاتَ قَـرِيْـرَ عَـيْنٍ لَا يُـسَـاءُ

وأَجْرَىٰ إِرْثَ مَا اسْتَـثْـرَىٰ رِهَانًا

عَلَىٰ مَنْ كَانَ مَسْجُوْنًا؛ فَبَاؤُوا

إِلَىٰ أَهْلِـيْـهِمُ صُبْـحًا صِبَـاحًا

كَأَنْ لَـمْ يُسْجَنُوا يَوْمًا، وفَاؤُوا

إِلَىٰ الحَقِّ القَرَاحِ، وصَفْوِ حُبٍّ،

إِذَا مَا أَظْلَمَ الـمَسْرَىٰ أَضَاؤُوا!

**

ورُبَّ غَدٍ أَتَـىٰ مِنْ غَيْرِ وَعْـدٍ

بِـمَا لَا يُـشْتَـهَىٰ فِيْـهِ الـغَـدَاءُ

ورُبَّ غَدٍ أَتَـىٰ مِنْ غَيْرِ وَعْـدٍ

بِـمَا لَا يُـشْتَـهَىٰ فِيْـهِ الـمَـسَاءُ!

**

فَـلَا تَـعْـجَـلْ؛ فَـإِنَّ اللهَ أَدْرَىٰ

بِـمَا رَسَمَتْ يَدَاهُ لِـمَنْ يَـشَاءُ!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.............................

(1)  مستوحاة من قِصَّة «الرِّهان»، للكاتب الروسي (أنطون بافلوفيتش تشيخـوف، -1904).

أبحث عنك في الخطى المفارقه

يقودها إلى لاشئ، لا مكان

وهم الانتظار والحضور والغياب

"صلاح عبد الصبور "

1

خِلسةً أُعرِّي ضوْءَكِ مِنِّي،

أَشُمُّ هُمومَ شهوتِكِ الآنْ،

ينهدُّ فيكِ سُهومُ اللَّمسِ،

ويصيرُ جَفْني شطَّ رُؤاكِ

2

وقبَ الأحاسيسَ نوتُ* الشَّذا،

وأُصيخُ للَّفْحِ، نبضي يهيمُ،

أَستلُّ من فروةِ البوحِ روحًا،

يهوي كطلٍّ نحيلِ الظِّلِّ

3

مَنْ هزَّ شالًا على رَفرَفٍ؟

مَنْ صيَّرَ الثَّغرَ وحيًا يهُمُّ؟

أَطفأْتِ شكلَ دُجى لمسِنا،

فسقى الدُّخانُ كؤُوسَكِ مِنِّي

4

يا وهجَ حوَّاءِ في نَفْسِها،

سالَ النَّدى فارتعدتُ وُجودًا،

ها أَنتِ، حينَ دعوتِ انتِزاعي،

تُداوينَ جُرحي بِلفحِ الحنينِ

5

أَرسُمُ وَجْهَكِ كالبتلةِ،

تتدلَّى بينَ نهديْكِ الآنْ،

هلْ تَسلُبينَني  صلاتي؟ لقدْ

نادى الضِّياءُ أَصيلَ العُيونِ

6

صُبحي بريقُ عُيونِكِ، يهوي

فوقَ النَّسيمِ ويرفعُ روحي،

نايُ المَلاماتِ يبكي ويجري

في وترِ الجُرحِ بِما يستطيعُ

7

ترقُصُ رِيشةُ أَهدابي،

وتطيرُ بلابِلُ نبضي مِنْكِ،

فلا تُفسِدِي للسَّمعِ نبرتهُ،

دَعِيهِ يَرُومُ بَقَاءَ المُقَامِ

8

حَلَماتُ نغمٍ كمِنقارِ طيرٍ،

تستفزِزُ لحظي وتوقِظُ دمِّي،

من أَيِّ دِينٍ؟ من أَيِّ نبضٍ؟

قلبي لجُوؤُكِ.. وَجْهٌ يتيمُ

9

لا شيْءَ يُطفئُ هذا اللَّظى،

أَشتعِلُ الآنَ.. دعيني أَفورُ،

اسكُبي نبذةَ نبيذٍ عليَّ،

فقدْ شبِعَ القلبُ نارًا.. نارًا

10

ضمينةُ الرَّحمةِ اسقيني،

هذا ظمئي لا يُطفِئُهُ دِينٌ،

فِجاجُ غُروبي طويلةٌ،

والنَّزغُ يخُرُّ بِجنْبي ويوقِدُ روحي

(وقفة)

[أَشعلَ نيرونُ نارَ رُوميَّتي،

شُحُّ همسٍ..

شطُّ الجُفونِ..

وبقيتُ أَرى بِالعينِ الَّتي

خلقَ اللهُ في الأُولَى

*

أَهيَ ليلةٌ،

وأَمضي،

أَحمِلُ صليبي،

أُعاوِدُ صُعودي نحوَ الجُلجُثةِ..

قولي: آمينْ..

قولي: آمينْ

*

سلي "أَسترَ" عَنِ اليهودِ..

كُلُّنا أَبناءُ تُرابٍ،

والطِّينُ لا يصلُحُ بِلا ماءٍ]

الكودا

أَنتِ تُوقِدينَ في جُرحي صوتًا،

وترُشِّينَ نارًا على نبضِ نبضي،

ما زِلْتُ أُولِعُ..

ما زِلْتُ أَهوَى،

وجميعُ جُروحي تهتِفُ:

هاتي

***

سعد محمد مهدي غلام

.....................

هامش:

نُوْتُ: هي إلهة السماء المصرية القديمة، و تلقب ملكة السماء، وتُرسَم كامرأة مقوسة مرصعة بالنجوم تمد جسدها فوق الأرض.

 

أنا الذي عبرتُ الحدودَ

على شفراتِ قوسِ قزحٍ مُنكسر

أركضُ بلا أقدامٍ

أطاردُ ظلاً يُغنّي في أذنِ جرسٍ أصمّ

سمكة تُلقي بزعانفِها في فمِ ساعةٍ

لم أدرِ أنَّ الحزنَ قبّةٌ من شمع

تُطوى كسجادةٍ

مع من حالفه الحظ بالخروج من السباق.

*

تحاملتُ على نفسي وأعلنتُ العصيانَ

مِثل تمثالٍ يرفضُ أن ينكسر

أو ساعةٍ تُلقي بأرقامِها

مع أن قلبي كرةٌ من أسلاكٍ شائكة.

تتملّكني رغبةٌ عنكبوتٍ

ينسجُ من عينيهِ صحراء

تُطيرُ على أجنحةِ البحر

أعبرُ بها الوهادَ

أحلق في رئةِ السماءٍ

أغرقُ في بركةِ أصواتٍ

تُشبهُ أظافرَ القمر

أصمتُ أمامَ ألسنةٍ تُلوّحُ بأيدٍ مقطوعةٍ .

*

أرمقُ الحياةَ بعينٍ تُشبهُ مرآةً تُبكي زجاجَها

أعرّي الآمالَ كشجرةٍ تُمطرُ أغصانا

أشطبُ اللافتاتِ بأظافرَ من ورقٍ أسود

أحرقُ النبوءاتِ في شوارعَ لها رائحة فاسدة .

*

أكتب بروح أتعبها الأمل

وجسد تحمله ثياب تُعانقُ الجِلد .

*

حذائي كفٌّ مُغبرةٌ

أطردُ عنهُ فرحاً من نافذةٍ مخضبة بالانتظار

أظلُّ وحيداً

أكتبُ إلى رحمِ الرحيلِ المُذاب.

2

أُعيدُ ترتيبَ وجهي

كما تُرتِّقُ الأرملةُ قميصَ ميتٍ

أخلعُ ملامحي

وأرتدي صوتَ من سقطوا سهواً من دفاترِ الضوء.

*

أحشو فراغي بصدًى يتأتأُ من فمِ الغياب

أجرُّني بخيطٍ من دخان

كأنني أمنيةٌ عالقةٌ

في درجٍ لا يُفتحُ إلا بالعطش.

*

أغمسُ أصابعي في حبرٍ متخثّر

وأكتبُ لا لأشفى

بل لأتذكّر أنني ما زلتُ أنزف.

كلُّ كلمةٍ جدارٌ

وكلُّ فاصلةٍ صفعةٌ

وكلُّ سطرٍ جثةٌ

أحنّطُها على عجل

ثم أبتسم.

*

أتسلّقُ جدارَ الوقت

بأظافرَ هشّة

وفي قلبي جُرحٌ يتثاءب

كلما فكّرتُ بالنجاة.

*

في عيوني خريطةٌ تُمزّقها الرياح

وأنا أتابعُ طيرانَ غربانِ الحنين

أينما ذهبت

يسبقني ظلّي

ينامُ على عتبَةِ حبرٍ مُتّقد

ويصحو على صوتِ مفاتيحٍ ضائعة.

*

أكتبُ

كأنني آخرُ الناجين من زلزالِ الأمل

وأمامَ بابٍ لا يُفضي إلى شيء

أنتظرُ...

أن ينضجَ الصمت

وأحملَه بين كفّي

كوصيّةٍ غير مكتوبة.

3

في داخلي نايٌ

كُسرتْ نغمتُه الأخيرة

وما زال يعزفُ صمتًا

يشبه نباحًا في فجرٍ أعمى.

*

أفتحُ صدري لريحٍ

تُربّتُ على كتفي كأمٍّ نسيت أسماء أولادها

أمشي بخطى تُشبه صلاةً

لم تكتملْ.

*

كلُّ شجرةٍ في ذاكرتي

تحمل اسمًا

دفنته في قصيدةٍ لم أكتبها بعد

وكلُّ حريقٍ

مرآةٌ أطلُّ منها على وجهٍ لا يشبهني.

*

أنقرُ على الجدار

كأنني أُراودُ الليلَ عن صمته

أجمعُ غبارَ الشكّ

وأذرّه على جرحٍ نسي كيف يبرأ.

*

اللغةُ طينٌ أعجنهُ بأوجاعي

وأبني منهُ بيتًا ليس له باب

ولا سقف

ولا جدران

فقط نافذة تُطلُّ على حقلٍ من رؤوسٍ مبتورة.

*

أُمسكُ بالقلمِ

كمن يمسكُ بعقربٍ

ينزفُ من ذيله حروفًا

تشربُها أوراقي ببطءِ ميتٍ

أُقيم له طقسَ الكتابة.

*

أنا لستُ سوى ظلّ

يعبرُ من تحتِ الكلمات

باحثًا عن ملامحه

في وجوهٍ لا تعرف كيف تبكي.

4

أمشي على حوافِّ الذاكرة

كأنني أحرثُ رملًا بصوتي

تُحدّق فيّ الجهاتُ الأربع

ولا جهةَ تحتويني.

*

كلّما كتبتُ

انسلّت منّي طيورٌ بلا مناقير

تحمل رسائلَ لم يقرأها أحد

وتعود مثقلةً بخيبةٍ

تقطرُ من أجنحتها سطورٌ مبتورة.

*

أنامُ في فراشٍ من أسئلة

تتململُ تحتي الأحلامُ

كعُملةٍ سقطت بين الأرصفة

تُصفّرُ الريحُ حولها

ولا يلتقطها أحد.

*

وجهي كتابٌ مفتوح

نزعتُ عنه الغلاف

وبقيتُ أقرأني

كلّما أغمضتُ جفنيّ

أصفّقُ لذاكرتي

كأنها ممثلٌ فاشل

نسي دوره في منتصف العرض.

*

أُجرّ الصوت من حنجرته

وأُعلّقهُ على مشجبِ البوح

أرقبُ الكلماتِ وهي تتدلّى

كجثثٍ لا تجد ترابها.

*

أعيش في جملةٍ شرطيةٍ

معلّقةٍ بين "لو" و"لكن"

وفي قلبي

مدينةٌ بلا مداخل

كلّما حاولتُ الدخولَ

صادفتُني واقفًا على الباب

أرفضُ أن أفتح لنفسي.

*

ها أنا أصلُ

لا إلى نهاية

بل إلى حافةٍ أرقَّ من الورق

أقفُ هناك وألوّحُ لظلي

الذي سبقني إلى الغياب.

*

أُسدِلُ ستارةَ القلب

وأطفئُ قنديلَ الجُمل

لم يتبقَّ منّي سوى نفسٍ دافئ

عالِقٍ بين حبرٍ جاف

وصوتٍ لم يصرخْ بعد.

*

الكتابةُ لم تُشفِني

لكنها علّمتني

كيف أنجو بلا جناحين

وكيف أرمّمُ عُزلتي

بأبجديةٍ لا تُجيدُ الطمأنينة.

*

فإن سألوك عنّي، قل:

كان يكتبُ كمن يخلعُ جلدهُ

بحثًا عن وجهٍ

يليقُ بهذا الانطفاء.

***

مروان ياسين الدليمي

في نصوص اليوم