عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نصوص أدبية

رغبة في عدم العودة

أخذت حقيبتها وخرجت دون أن تعرف وجهتها. قررت في نهاية المطاف، ان تتوجه الى محطة القطار. صور الأمس واليوم تتراقص أمامها. صراع بين رغبتها في الهروب والبقاء. ذلك البيت الذي تركته دامعة ومنكسرة وحائرة وحزينة، ورمت جسدها وروحها من أعلى قمة كانت تجلس عليها، يحمل لمساتها، وآهاتها، ضحكاتها وفرحها. يحمل متمنياتها، احلامها، سهر الليالي والاستيقاظ في الصباح الباكر جدا قبل الجميع. تتذكر، وهي تخطو بخطوات مترددة، تجر حقيبتها ورائها، كيف كانت تتحسس جدار غرفة نومها عندما تستيقظ، ولا تشعل النور وتغادر الغرفة في هدوء حتى لا توقظه، متجهة الى المطبخ في صمت لأعداد وجبة الفطور.

كادت سيارة أن تدهسها وهي تسير شاردة، مضطربة، تشعر بالاختناق. وتتمنى لو امتلكت عصا سحرية تعيد بها الزمن الى الوراء وتعيد كتابة حياتها من جديد..

انتظرت سيارة أجرة، اتجهت الى محطة القطار والذكريات تهاجمها من كل جانب. جلست، تنظر الى الناس الذين يتسابقون بشكل ميكانيكي الى القطار، ربما أول مرة تنتبه إليهم. أجساد طويلة، عريضة، صغيرة، كبيرة...تتأملهم، تبدو على ملامح بعضهم فرحة هجرتها منذ زمن. وعلى ملامح البعض الآخر قسوة غريبة وهناك من بدوا بدون ملامح. يتحركون بشكل آلي. انتظرت، تسمرت رجلاها ولم تعد تستطع الحركة. جاء قطار وغادر قطار، وهي تعيش لحظة غير طبيعية وغير متزنة، وشريط حياتها يمر من أمامها دون استئذان. غيرت اتجاه نظراتها ورمقت آخرين ترميهم سيارة الأجرة الصغيرة بشكل غير انساني، وعينهم على القطار. لمحت وجها تعرفه جيدا وأحبته بجنون، وجه اختفى عنها منذ زمن. بحثت عنه في المستشفيات، في محطات القطار، على الطرقات. تاهت بعدها وسط ضجيج وصخب وعنف. وجه يشرئب بعنقه من زمن الطفولة واللحظات الصغيرة والجميلة، وجه أبيض منور كالبدر، تشع منه رائحة الحب والصدر الطيب. وقفت، خرجت تجري لا تلوي على شيء تبحث عنه، تاهت من جديد وأدركت أن قدميها تتجهان الى البيت الذي هجرته مرغمة. بيت يسكنها بماضيه وحاضره، تذكرت دموعها، جرت بشكل هيستيري الى غرفتها وأقفلت الباب بالمفتاح. كمن أوصد قلبه في وجه حب قديم.

صراخ في الليل

ولجت بيتها بعد اجتماع طويل، كانت مرهقة ومحتاجة الى الراحة. اتجهت نحو المطبخ بعدما غيرت ملابسها. مطبخ فارغ لا أثر للحياة فيه، تلك الحياة التي غرستها ورعتها حتى كبرت وتمددت وأصبح لها جذور في الأرض وفروع ممتدة في السماء. سألته  وهو مستلق على فراشِهِ، يشاهد التلفاز وفي نفس الآن يحرك هاتفه بين يديه، عن الأكل وخصوصا أنها خرجت مسرعة هذا الصباح بعدما حضرت الغذاء بسرعة جنونية. أجابها دون النظر اليها" كيف تجرئين على طرح هذا السؤال وأنت عائدة في هذه الساعة المتأخرة من الليل" أدركت انه يستعد لحرب نفسية أخرى. فهي منذ ولوجها عالم السياسة وانخراطها، تغير تماما وأصبح كالثور الهائج كلما حضرت متأخرة أو كانت في اجتماع. تركته وانصرفت لأنها غير مستعدة لحرب أعصاب جديدة. لم يعجبه صمتها. قام بعنف شديد، واتجه نحوها. كانت تعد أكلا سريعا وترغب في النوم. قال لها والعنف يتطاير من عينيه " لم يعد يعجبني هذا السلوك. ولا تهتمي بما أقوله. هل صرت غير مهم في هذا البيت؟" ما كانت تخافه حصل. جلست ووضعت أكلها جانبا وقالت له بكل هدوء محاولة امتصاص غضب اللحظة واحضار العقل وقالت له" لا أفهم لماذا تغيرت بهذا الشكل؟ أنت رفضت الاستمرار مع هذا الحزب وقدمت استقالتك. واحترمت قرارك مع أنني ضده. وأنا رغبت في الاستمرار. أين هي المشكلة؟ مع أنك تعلم حقيقة التزاماتي. " ثار من جديد، أخذ أدرع المطبخ ذهابا وإيابا، وضرب بقوة على المائدة وقال لها" الوضع تغير يا سيدتي، أنا لما قدمت استقالتي كنت أنتظر أن تساندينني وتخرجين من الحزب أنت أيضا." لم تعد تمتلك أعصابها، كانت تكره هذه اللحظة التي صارت تجتازها كل مساء بكل حزن وعنف وصراخ. لم تأكل كالعادة، ولم تنعم بالراحة كالعادة. قالت له" ما هذه الازدواجية في تفكيرك وسلوكك. لما كنا معا، كنت تنادي بكل قوة وتعاتب الرجل الذي لا يسمح للنساء بالانخراط في العمل السياسي ويقف أمام طموحهن. ولما اخترت طريقا آخر، تحولت الى ذلك الرجل الذي كنت ضده. أريد أن أفهم لماذا؟".

انهارت وتركت المطبخ الذي كانت تتمنى أن تجد فيه أكلة بسيطة لكن مليئة بالحب والعطاء كما تفعل هي كل يوم.

عنف آخر النهار

كان صباحا مزدهرا، تشع أنواره من كل جانب. تتدفق الحياة بين جدران بيتها الصغير، تخلخل كل سكون وتجعل روحها ترقص من الفرحة. كان أول يوم عطلة، استيقظت باكرا كالعادة، استقبلت أشعة الشمس التي تأتي تلامس جسدها وروحها وتمنحها طاقة قوية كأنها على موعد مسبق معها. قررت في ذلك اليوم، أن تبدأ بأشغال البيت الكثيرة التي تراكمت منذ مرضت السيدة التي كانت تساعدها. عانت كثيرا من ثقل الحمل عليها، عمل خارج البيت وعمل شاق بالبيت. في البداية، كان يقول لها، بأن أشغال البيت واجب على الرجل أيضا. كانت فرحة بهذا التفكير الذي يجعلها تعيش حياة مريحة. لكنه مع مرور الوقت، تحول الى زوج تقليدي، لا يهمه من اشغال البيت شيء. صبرت وقالت ربما سيتغير، لكن اصطدم صبرها بواقع رفضت يوما أن تراه بلا قناع. ففضلت الابتعاد عن المشاحنات، وأصبحت تحاول قدر الإمكان، أن توازي بين عملها بالخارج وبالبيت. قامت ذلك الصباح، وبعد يوم شاق، ارتاحت قليلا، ثم قامت مرغمة تعد وجبة الغذاء. تعب طول النهار، عرق وألم في رجليها من كثرة الوقوف. لكنها نجحت في مهمتها، وأعدت وجبة الغذاء في وقتها. لأنه لا يحب أن يتأخر عنه الأكل. وضعت ما أعدته بكل فرح، وهي تحكي له عن يومها المتعب. نظر اليها دون أن يأكل " ما هذا؟" وأضاف بكل عنف " لا يفتح الشهية" وقام، والغضب يتطاير من عينيه. ظلت صامتة، الدهشة تستوطن كل ملامحها. تاه عنها الكلام. لم تحك له عن يومها الشاق. لم يسألها عن حالها. لم تفهم، لم تدرك، فقط همست لروحها " تعب طول النهار، وعنف في آخر النهار.".

***

أمينة شرادي

 

عندما جلست بمقهى "بلادي" كان كُل همي أن أجد فكرة ذات بعد انساني تنهل من قاموس يمتزج فيه الأصيل بالحديث، لكتابة قصة جديدة وفريدة، لهذا كنت أحاول أن أقتنص تجلياتها، وأنا جالس أمام قهوتي سَادِرا ببصري في اتجاهات مختلفة، وانتظر أن تجود عليّ بنات أفكاري بما يشفي غليلي ويحقق رغبتي الدفينة.

وفيما أنا منصرف إلى إيجاد عتبة لولوج بوّابة الحكي، اِنتشر حولي باعة متجولون، يعرضون سلعهم التي تبدأ بلوازم الهواتف النقالة (وهذا اختصاص إفريقي) مرورا بالفواكه الجافة وعلب الشكولاتة والبسكويت، وصولا إلى مناديل الورق، لم يكن وجودهم يشوش عليّ ولكنه كان بالنسبة لي وسيلة لاقتناص نماذج لشخصيات مؤثرة في قصتي، وحبكة فاعلة تساهم في تطور الأحداث، وتحديد إطار زمكاني يمنح المصداقية للصراع المتصاعد وتسهيل كتابة الأحداث، اقتربت مني فجأة سيدة ترتدي جلبابا أفغانيا، ولا يظهر من خلف النقاب الذي كان يغطي وجهها سوى عينيها الثاقبتين، قالت بلهجة مشرقية:” صدقة ياحاج” ، نقدتها درهما، فقال كهل كان يجلس بجواري: “ أغلب هؤلاء من أكراد سوريا، ليسوا روماً ولا عرباً” ، حرّكت رأسي موافقا ومبتسما في الوقت نفسه.

أغمضت عيني لحظة، وعندما أعدتُ فتحهما اكتشفتُ أن الكهل اِنصرف إلى حال سبيله، وأن هناك شخصاً في بداية عقده الرّابع يجلس على الكُرسيّ المقابل لي، حَيَّانِي بحرارة كأنه كان على معرفة مُسبقة بي، حدّقت فيه مَلِيا، تصفّحت ملامحه، أحسست بأنَّ صورته ليست غريبة عنيّ، ومع مرور الوقت اكتشفت أنه يُشبهني كثيرا، نعم يشبهني بشكل مثير للاستغراب، الفرق الوحيد الذي كان بيننا هو فارق السن، فهو في ريعان شبابه، وأنا كنت في أوج كهولتي، سألته بعد تردد قصير:

“ هل تُشرفني باسمك ؟“ -

رد مبتسما:

- أنا الراوي، جئت لأتسلم منك مفاتيح الحكي، وأنوب عنك في نقل أفكارك وتحديد الرؤية السردية التي تُسرد بها قِصتك.

مكثُ صامتا حينا، ثم قلت بصوت حاد:

- يبدو أنك تريد أن تمارس علي وصاية مُسبقة، تصل إلى حدِّ

تطبيق ما يراه بَارْت موتا حتميا للمؤلف غايته تحويل النص بالكامل نحو قراءَتِه، وطمس أي علاقة للمؤلف بأحداثه وشخصياته؟

قهقه ضاحكا، وهو يقول:

- اللغة هي التي تتكلم، وليس المؤلف كما يقول بارت ، والمؤلف يُرقّع فقط، والنص هو نسيج من الاقتباسات ومفهوم التناص ينشأ أيضًا من موتِ المؤلف.

قاطعته غاضبا:

- هل أنت راوٍ أم ناقد، لا تنسَ أنّني صانعك ومُوجّهك.

ردّ بهدوء:

- لا تغضب يا صديقي، كلانا يحتاج إلى الأخر، تذكّر أنني رسولك إلى المُتَلقّي وناقل أفكارك وخطابك، والقارئ لا يعرف سواي.

ظهر النادل فجأة، يطلب مني دفع ثمن مشروبي، لأن نَوبَته اِنتهت، نَقدْته الثمن شكرني ثم انصرف، اِكتشفتُ أن الراوي ترك مكانه، جُلت بناظري أبحث عنه، لمحته على الرّصيف المُقابل يقف بمحاذاة مسجد الحاج فاتح، أشار إلي ثم هتف بصوت عالٍ اختلطَ بهدير مُحرّكات السيارات والدراجات النارية:

- أنتظرُ منك تحديد مفاتيح السرد، وشخوص القصة، ومُجمل أحداثها، وحدود ذُروة صراعها واِنفراجها.

رفعت يدي موافقا على طلبه ثم قمت مغادرا المقهى، ركبتُ سيارتي ، أدرتُ مُحرّكها واِنطلقْت عائدا إلى البيت.

2

عند منتصف الليل، جاء الراوي وكان مشرق الوجه، فأخبرني بأنه قرأ كُل ما يتعلق بالقصة من أحداث وشخوص وصراع وكذلك تنوير وأنه لن يحتاج إلى إزعاجي بعد الآن.

3

كان دَوّار السَّبت يبدو هادئاً، وقد أرسلتْ شمس الظهيرة

أشعتها الدافئة عبر الحقول الجرداء الممتدة مِلءَ الأفق، لَاحَت بَعض الأشجار العارية ومناطق يغطيها نبات الصّبار في الساحة المقابلة لربوة "لالّة تُيوشَانِينْ" - وهو اسم يُطلقه أهل المنطقة على شجرة تعلو الرّبوة يتبرّك بها الأهالي ويعلقون عليها قِطعاً من ملابسهم الداخلية درءاً للتابعة والعين- انتصبتْ أربعُ خيام حِيكت من وَبَر الماعز نُسجت على أسَطحها العُلوية زخارف ومُطرزات ذاتُ أشكالٍ ترمز للثقافة المحلية، وداخل الخِيّام مُدّت زرابي زيانية ذات زركشات متنوعة، في جوانب الخيام وُضِعت أفرشة بِشكل شبه دائري، تَحُفّها طنافس تتوسطها موائد بأرجل قَصيرةً.

إحدى الخِيام كانت مخصصة للرِّجال والثانية للنساء، أما الثالثة فهي عبارة عن مطبخ مفتوح، في حين أُعِدّت الرابعة لفرق تنشيط حفل العُرس.

في الفضاء المقابل للخيام تم تَخصيص مضمارٍ فسيح للتبوريدة لإمتاع المدعوين بفُنون الفُروسية ومَهارات تنسيق إطلاق النار من بنادق "بُوحبّة" التقليدية

رَحّب بنا والدا العَروسين وكَانا من أعيان القرية.

قال والد العريس:

- أهلا وسهلا "بالفُقْها ديالنا"

رَدْدنا التحية بالابتسام وتبادل العناق، كنا أربعة، أنا ومدير المدرسة عَلِي الكرواني وهو كهل في بداية عقده السادس ومُعلمة الفرنسية خديجة الصافي ومُدرّس العربية الغالي بن داوود، أخذنا مكاننا بين الحضور وكان أغلبهم يرتدي الّلباس التقليدي، كالجلابة البزيوية، والجبادور الفاسي، خديجة فضلت البقاء معنا في خيمة الرجال، رغم إلحاح المُضيفين على أن تلتحق بخيمة النساء.

اِنطلقت مراسِم الحفلِ بِرقصاتِ فرقة عبيدات الرمى التي تتكون في مجملها من رجال متفاوتين في الأعمار يرتدون "جَلابيب بيْضاء" وبُلَغٍ صفراء يَسُرُّ لونها النّاظرين، وعلى رؤوسهم عمائم تميلُ إلى اللون الكاكي، كان رئيسهم (عادة يُسمى المقدّم) يمسكُ بِيده مقصّاً كبيراً ( شَبِيه بالمِقص الذي يُستعمل في جزِّ الأغنام) يستعمله كآلة إيقاعية، بَدأت الفِرقة رقصها على إيقاع الدفوف و"الطعارج" ؛ وردد أفرادها مقاطع من فلكلور المنطقة تعيدُ إلى الأذهان أيّام الصيد و التحياح وكانت اللحظة كَرنفال فرجة حقيقياً، وقد تجاوب الحضور مع الجو الاحتفالي، فاَندفع بعضُ من "سَخّن" رؤوسهم ماء الحياة، إلى الرقص وتَرديد اللازمة خلف الفرقة

قال لي سي الكرواني مازحا:

- النشاط بدا، وَأَرَاكْ للفْرَاجَة!

رفعت صَوتي قائلا:

- اليوم خمر وغدا أمر، أليس كذلك يا أستاذنا الفاضل؟

قدّم لَنا الشّبابُ المُتطوعون من أبناء الدوار، كؤوس الشَّاي المُنعنع وَوضعُوا أمامنا صُحونا معدنية بَيضاء وقد اِحتوت على العَسل المَّحَلِّي والزّبدة البَلَدية مَصحوبة بِخبز " إينور " الساخن.

أكلنا بشَهية مَفتوحة، قالت خديجة إن الوَجبة لذيذة، لم تَكدْ تَكمل كَلامَها حتّى هَلّت أطباق " التقلية" وهي تَتكون أَسَاسا من سَقْطِ الأَكْباش كَالأحْشَاءِ والأمعاءِ وقِطَعَ الكبد، المطهية بطريقة فريدة تعتمد على البهارات وعلى مهارة الإعداد..

وفِيمَا كُنّا مُنشَغِلين بالأكل، سَمِعْنا أنغام الكَمان تُلُهِب المَكان بِفيضٍ من الألحان، فانْتَبهنا فإذا بفِرقة الشّيخات قد بدأت في تقديم وصلتها، كان العازف كهلا يضع الكمان على ركبته اليمنى وهو جالس على كرسي خَشبي، وبجواره العوَّاد، وَنَاقِر الدَّرْبُوكة في حين اِصْطفت الرَّاقصات في صَفّ واحد تَتَوسطهن قَائِدُتُهن وهِي سَيدة في الخمسينات من العُمر، كَانَت باقي الشّيخات صَبايا دُون الثّلاثين يَخْتَلْن في قَفَاطِين مُوحّدة اللّون وَهُنَّ في كامِل زِينتهن.

علّق الغالي:

- الله! الله! على العيطة الزعرية!

ثم مضى يُردد مَع الفرقة:

- طريق جعيدان غادا نيشان

كان الإيقاع قويا، ونغمات الكمان عميقة تتماهى مع رنَّات أوتارالعود، فتخلق جوّا من السحر مشوبا بِدفء غريبٍ أَحْسَسْتُه يَغمرني وأنا أتَمايل ذات اليمين واليسار.

أما الغالي فاندفعَ غَير آبِهٍ بشيء يُشَاركُ الشِّيخات رَقْصَهن، ولم يَتَردّد في في “الغرامة “ عليهن بِورقات بنكية لهن.

جاءت شيخة نحونا تسعى، تسكب غُنجها في رقص اِعتبره سِّي الكَرواني مَاجنا، أما أنا فاكتفيتُ بالنظر إليها دون رأي مُسبق لأنها اِستطاعت أن تُوقعني في شباكها وهي تبتسم وتهمس لي بكلمات ملتهبة لأقتدِي بالغالي وأمنحها ورقة مالية، ودون تردّد علَّقتُ لها خمسين درهما، فتركتني إلى غيري، ضحك سي الكرواني قائلا:

- الشيخات والفقهاء لا يمكن أن تُفلت من الدّفْع لهم ، لكلّ واحد أسلوبه لكن الغاية واحدة وإن اختلفت الوسيلة.

قالت خديجة:

- عالم الشيخات يضج بالمفاجآت، كل واحدة منهن لها قصة تتقاطع مع المعاناة والانكسار، رقصهن وغناؤهن ظَاهِره بهجة وفرح، وباطنُه حزن وألم.

4

عاد الشباب المتطوعون وطلبوا منا اِلتئام كل ثمانية أنفار حول المائدة الواحدة، اِنضم إلينا أربعة ضيوف آخرين، عرفت منهم رئيس جمعية الآباء الحاج العوني، والممرض الرئيسي لمستوصف مركز المعادنة إسماعيل لَمْنَوّر، تبادلنا التحية ثم الحديث، و قلنا لبعضنا إن الحفل باذخ ، ودعونا لأصحابه بالسداد والتوفيق، وحلول البركة، وفيما نحن مُندمجون في تجاذب أطراف الحديث لاح شُبّان بلباس مغربي أصيل يحملون صُحوناً فضية فوقها لحم ضأنٍ مشوي تفوح روائحه الذّكِية من بعيد، أكلنا بشراهة فوق العادة، حتى انطبق علينا المثل القائل:(دخلنا بثلاثة وخرجنا بخمسة) وكانت لنا صولات وجولات مع الأكل الطيب الشهي، ورشفات الشاي المنعنع التي تنعش وتساعد على الهضم.

رُفعت صواني الشواء، وحلت محلها قصعات الكسكس بالخُضار السّبع وقد تصاعد بخارها، رغم التخمة التي شعرنا بها، أقبلنا على قصعة الكسكس نلتهم ما لذّ وطاب ونُكَوّر اللّقَم ونزدردُها مستمتعين بسحر المذاق وجمال النكهات التي تضفيها الخضروات المطهوة بعناية، والمحاطة بالبصل المعسل المخلوط بالزبيب والحمص (التفاية). كانت فرقة الشيخات لاتزال تصنع الفرجة، وهي تؤدي أهازيج من العيطة، وشَدّنِي رقص الشيخة التي تحرشت بي من قبل، وهي

تردد مع باقي عناصر الفرقة:

- آ الغادي للعلوة

تعالى نوصيك بعدا

إلى لحقتي سلم

العلوة لا تْكلّم

آ مالي آ مالي

مالي من دون الناس

الواحد في بيته هاني

وأنا بايْت عساس

آه خلوني نَبكي

خلوني نشكي

على زيارة العَلوة

سارو وما علموني

آ العلوة فين ماليك

وشكون باقي حاضيك

آ وزيدي صبري

الفراق جابو ربي

آ الغادي للعلوة

تعالى نوصيك بعدا

إلى لحقتي سَلّم

العلوة لا تكلم

آ مالي آ مالي

مالي من دون الناس

الواحد في بيته هاني

وأنا بايت عساس

آ الغادي عيب عليك

وا الجاي عيب عليك

تبّعتي أصحاب الحال

ونسيتي واليديك

وگالو ليا درتي

وانا شي ما درتو

وحق ربي المعبود

حبيبي لا فلتو

آه خلوني نبكي

خلوني نشكي

على زيارة العلوة

سارو وما علموني

آ العلوة فين ماليك

وشكون باقي حاضيك

آ وزيدي صبري

الفراق جابو ربي

آ الغادي للعلوة

تعالى نوصيك بعدا

إلى لحقتي سلم

العلوة لا تكلم

آ مالي يا ربي مالي

مالي من دون الناس

الواحد في مَلكه هاني

وأنا بايت عساس

تخيلتها ترقص لي دون غيري، وقد شَدّتْ وَسَطها، كانت مشتهاة، ولا يمكن التغاضي عن جمالها الصارخ، هِي أنثى بِمفَاتِن لا تَغفل عنها العين، سيقانها الممتلئة وصدرها البارز أيقظا في صدري لهيب شهوة حارقة وبعثا كل حوافز العنفوان الساكن في جسدي أفرطت في الخيال، وطويت صفحة السمو والفضيلة، وعطلت الذات الرقيبة، وسمحت لعقلي الباطن بارتكاب التمثلات التي لا تتماشى مع الأخلاق السائدة والأعراف المتواترة. صحوت من سهوي فجأة على صوت سي الكرواني وهو يُرَبتُ على كتفي بيده:

- يبدو أن بنات أفكارك حلقت بك بعيدا فنسيت الفاكهة

همست له ضاحكا:

- الفاكهة هي تلك التي تتمايل راقصة أمامنا

- يبدو أنك خرجت عن السيطرة أيها الأستاذ الفاضل!

- أنا لا أصمد أمام الجمال حتى ولو كانت صاحبته شيخة

عندما أنهت الشيخات وصلتهن الغنائية، بدأ استعراض التبوريدة، إذ اِصطف الفرسان بلباسهم الموحد، حاملين بنادق البارود التقليدية وانطلقت الخيل تثير الغبار، وكأن الأرض تبتسم لحوافرها بنشوة، والسماء تزهو بنقعها المترامي، وقفنا ضمن الواقفين نُصَفّق لركض الخيل وطلقات البارود الموحدة تندفع من فوهات البنادق مقترنة بأصوات الفرسان تُكبِّر وتصلي على النّبي.

في الجهة المقابلة كانت الشيخة التي “تحرشت” بي تقف ضمن المتفرجين على ركض الخيل، غير مبالية بما حولها، تسللتُ بخطى حذرة، مراعيا أن لا أثير انتباه أحد، حتى إذا أصبحت بمحاذاتها، همست لها بصوت خافت:

- هل أطمع في لقاء قريب؟

ردّت دون أن تنظر إلي:

- أنا أقطن بزنقة المطحنة، انتظرني يوم غد قرب محطة “الطاكسيات “على الساعة الواحدة بعد الظهر.

انسحبت بهدوء عائدا لمكاني، استقبلني سي الكرواني بابتسامة ماكرة قائلا:

- يبدو أنك كلّمتها وكلّمَتْك؟

قلت بصوت خافت:

- لم أستطع صبرا يا أستاذي الفاضل.. الحياة بما لها وعليها تضعنا في سياقات خارجة عن إرادتنا، وأيام الحكمة والرزانة آتية لا ريب فيها.

ضحك وقال:

- عنفوان الشباب يدلّل العقبات والصعاب.

كانت الخيل ماتزال تصنع الفرجة، والفرسان يطلقون البارود، والناس فرحون سعداء، والعروسان يحظيان في خيمة النساء باحتفاءٍ خاص وطقوس نابعة من تقاليد محلية تستعيد تاريخ القبيلة وأمجادها الضاربة في القدم.

5

اكتشفتُ أن الراوي تجاوز الخطوط الحمراء في حكيه، وتدخل في حياتي الشخصية، ولم يتردد في دمج بعضٍ من فُصولها في سياق سرده لأحداث القصة، قلت له بغضب:

- علاقة بطل النص بالشيخة، أراها مجرد نشاز ولا محل لها في متن القصة.

- بل هي الحافز والمحرك لتطور الحبكة، لا تحاول أن تربط بين شخصيتك وشخصية البطل فأنا لا أمارس الإسقاط.

- أنت مُخاتل لَعِين، وتَتصرّف في تجاربي ومغامراتي كأنها ملك خاص بك، تذكر أنك لست أنا، وأنا لست أنتَ.

- أنت من صَنعني وعليك تَحمُّل مسؤوليتك والقبول بقواعد اللعبة

- ولكن عليك احترام تصوري العام للأحداث، ورؤيتي الفكرية والفنية.

- لا تنسَ أنني القناع الذي تتخفى خلفه باعتبارك الكاتب لتقديم

عملك السردي، وفلوبير يقول: "يجب أن يكون الروائي في عمله

كالإله في الكون، حاضرا في كل مكان وغائباعن كل عين “

6

نقطة نظام: مع الاعتذار للكاتب، سأواصل سرد الأحداث بضميرالمتكلم باعتباري الكيان التخيلي صاحب الصوت الفعلي الذي لا يعلو صوتٌ على صوته، حتى وإن تقاطعت بعض الأحداث والشخصيات مع حياة الكاتب الفعلي الشخصية.

***

غادرنا الحفل، بعد أن دَعونا لأصحابه بالخير العميم ، و تمنينا الذرية الصّالحة للعروسين

قال الغالي بصوت هامس:

- يبدو أنك فتحت صفحة غرامية مع الشيخة التي نفحتها بخمسين درهما.؟

قلت له:

- يا صديقي، انسَ الموضوع، فقد انتهى قبل أن يبدأ

في صباح اليوم الموالي، قصدت المكان الموعود، وجاءت مالكة وهو اسم الراقصة الشعبية، في الموعد المحدد، قالت إنها تسكن شقة صغيرة صحبة فتاة من مراكش تعمل خادمة لدى أسرة أجنبية يشتغل ربها مهندسا بقطاع الفوسفاط، وزوجته تعمل طبيبة بالمستشفى العمومي، قلت لها: إنَّ هذا جميل.

فردت مبتسمةً:

- سجلت مؤخراً شريط كاسيت بصوتي مع المجموعة بأحد استوديوهات

الدار البيضاء.

- وهذا أجمل

قاطعتني ضاحكة:

وادي زم مدينة صغيرة والناس لا ترحم

قلت بصوت تشوبه نبرة تأكيد:

- يُستحسن أن نسافر لمدينة خريبكة، هناك نستطيع أن نتلافى أعين الرقباء

ترددتْ لحظة، ثم وافقت، ركبنا سيارة أجرة في اتجاه خريبكة،دفعتُ ثمن الأماكن الشاغرة للسائق، انطلقت بنا سيارة المرسيديس الخضراء تَطوي الطريق طيا، قالت مالكة بصوت خافت:

- ”خريبكة عجبتني راها سَايرة تَبْنِي.”

فكرتُ:

- ”عُمّرْ الشِّيخة تَنْسَى هَزّة لَكْتَفْ.”

إنّ جَمالُها يغفر لها كل ما يَبْدُر منها من لغو ولغط، ومن حقها علي أنْ أتجرّد من الوَعْي الشَقِي الحَاضِر في تفكيري والحُمولة الثَقافِية التي تَسْكُنني منذ اكتشفت أهمية التساؤل، وضرورة النّبش في ماهية الأشياء وجوهر الذات، الآن لا شيء يعلو على نداء الغرام ورغبة الجسد.

ولعل العلاقة الجدلية بين الدماغ - باعتباره مسؤولاً عن الوظائف المعرفية العليا كالتفكير واللغة والذاكرة والإدراك- والعقل - باعتباره مفهوماً مجرداً وغير مادي- باتت شبه معطلة. أنا الآن في حِلّ من كل ما يحيل على القيم الحميدة والأخلاق الفاضلة، مستسلم لاستيهاماتي في سياق عالم موازٍ يمزج بين الواقع والخيال، ويفتح أبوابه على مصراعيها ليحتضنني.. أنا ومالكة.

عندما وصلنا لمدينة خريبكة، اسْتقللنا سيّارة أجرة، نحو الحي الأوربي الذي أنشأه الاستعمار الفرنسي إبان الحماية، نزلنا بشارع ألفريد بوجي، واتجهنا صَوب بنايات العُزاب الخاصة بأطر مكتب الفوسفاط.

قالت مالكة:

- هذا الحي جميل، كله خضرة ونضارة، و المغاني منظرها يُريح القلب

أخبرتها أن "الكارسونيير" التي ستأوينا تخص صديق طفولتي “عباس “الذي يشتغل تقنيا بمناجم الفوسفاط، قالت ساخرة:

- لا يهم من يكون صاحبها، ولكن المهم أنها في مكان آمن بعيدا

عن أعين الرقباء والفضوليين.

عندما وصلنا إلى الشقة، فتحت الباب، وضغطت على زِرّ الضوء، المكانُ يبدو هادئا، صالون الصغير بكنبات جلدية تحتضنُ مائدة من خشب الزان مستديرة الشكل، وفي الجهة المقابلة له مطبخ بتجهيزات بسيطة: "حوض غسل الأواني من الألمنيوم، خزانة معلقة، ثلاجة متوسطة الحجم، موقد غاز لطهي الطعام..." ودهليز

يفضي إلى غرفة النوم، وبجوارها حمام بِرشاش فضي اللون.

قالت مالكة:

- هل أستطيع أن آخذ دُشا، حتى أزيل عني عياءالسفر

قلت:

- طبعا يمكنك ذلك، الماء ساخن ولوازم الاستحمام كلها بالحمام

أعددت صينية الشاي، وشطائرَ بالجبن وفطائر السجق، وأيضاً طبق فواكه جافة وطبق زيتون، ووضعت الكل في الصالون، ولم أنسَ بعض علب الجعة الباردة. خرجت مالكة من الحمام وقد لفت جسدها في رداء قطني، فقدمت لها "فوقية"

لترتديها، ثم جلسنا في الصالون نتجاذب أطراف الحديث ونحن نأكل الشطائر

ونرشف الشاي. قالت مالكة:

- عيناك فيهما سحر غريب !!

ابتسمتُ وقدمت لها حُقّ بيرة، وفتحت أخر لي، دلقته في جوفي دفعة واحدة، وقلت لنفسي:

“ اليوم خمر، وغد أمر ونداء الجسد لا يُمكن كبحُ جماحه، وردعه، فهو دينامو

الحياة ومنتهى الغايات”

سايرتني مالكة في توقي وميولي، واستجابت لما أبديته من إعجاب بها ورغبة

في تذوق فاكهتها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قامت ترقص على أنغام

أغنية الحاجة الحمداوية: "منين أنا ومنين أنت".

عذرا أيها القارئ، صديقنا الكاتب يطلب مني التوقف عن السرد، ويريد التّدَخّل، فلا ضَيْر إن أفسحت له المجال ليعبر عن كوامن صدره و سوانح خاطره، فهو في آخر الأمر شريك فعلي في السرد ولو من خلف ستار، فأرجو أن يُفْضي بِمَا عَنَّ له وينصرف إلى حال سبيله.

- ” ليتك تحترم العقد الذي بيننا أيها الراوي، وتبتعد قدر الإمكان عن وصف ما لا يوصف، وتكتفي بالتلميح دون التصريح، لأنك تتحدث بلساني، والقصة ستُذيل باسمي ولن يعرف القراء غيري.

- ”سيدي الكاتب، الأدب لا خطوط حمراء له، فكن عادلا في تقييمك وتجنّب

دكتاتورية الرأي وممارسة النفاق الاجتماعي من أجل كسب ودّ المُحافظين الذين

يلبسون ثوب التقية وهم غارقون في الرذيلة”

! - أنت دائما تحاول أن تُفحمني بحججك

- ”أنا على حق، وأنت تستمتع بحكيي وسردي للأحداث، لأنه يذكرك بتواريخ

ومحطات من حياتك. “

عوداً على بدء؛ انصرف الكاتب إلى حال سبيله بعد أن شوش على أفكاري. كان رقص مالكة فرجوياً، وأجمل ما فيه أنه كان لي وحدي دون سواي، فلم أتمالك نفسي وقمت أشاركها الرقص والشيطان يقاسمنا خطانا، حتى إذا كلّت منا الأجساد دخلنا إلى غرفة النوم.

عدنا في ساعة متأخرة إلى مدينة وادي زم على متن الحافلة التي تربط بين

الدار البيضاء وخنيفرة، قالت لي مالكة أنها قضت معي وقتا ماتعا، وأن المعلمين ليسوا بُخلاء كما يروج بعض الخبثاء، قلت لها بأن معلمي عقد الثمانينيات كرماء وطيبون، وما في جيبهم ليس ملكا لهم.

افترقنا على أمل اللقاء بين الفينة والأخرى كلما سمحت الظروف، وكان الجيب “ساخنا” بدراهم الخزينة العمومية.

6

بعد يومين من حفل العرس، تعطلت المدارس، وغادر التلاميذ والمدرسون الفصول للاستمتاع بعطلة منتصف السنة الدراسية، جمعت حقيبتي وسافرت إلى حَامة مولاي يعقوب صحبة الغالي الذي تستقر أسرته بالمدينة، وذلك للاستجمام وتسخين العظام والاستفادة من مياه الحامة، فهي تفيد في علاج الطفح الجلدي

والبثوروالحطاطات، ولنا فيهاأيضا مآرب أخرى من قبيل إرخاء العضلات وتخفيف آلام المفاصل وأوجاع الظهر.

عندما نزلت إلى صهريج الماء الساخن بالحامة، انتابتني نشوة غريبة، وأحسست بدفء وجوديٍّ قويّ نفض عني غبار الصمت الرابض على صدري، فصرت

أُردّدُ بصوت جهوري:

- ”بارد وسخون آ مولاي يعقوب.”

تَذكّرت شذرات من الماضي بدتْ لي مؤثرة وتعيد الحياة لذكريات شاحبة عشتها بالدّم والدموع، وتسببت لي في نكسة بطعم المرارة، وشعور بالخذلان والانْكسار في زمن النُّكوص والارتداد، تذكرت أنه كان صَرحا من خيال فهوى وأن قصة الحب التي عشتها كغرٍّ جاهل بالحياة انتهت بخيانة غير منتظرة من رُقَيِة الفتاة الرقيقة والجميلة، التي اعتقدتُ أنها ستكون قرينة لي ذات يوم من أيام الله القادمة، لكن الأحداث صارت على غير هوايَ ووقع ذلك الشرخ العظيم الذي غير مجريات حياتي، وحوّلني لِزير نساء، يعيش اللحظة بكل حذافيرها، ولا يفكر بغير المتع الحسية، ويؤمن بأن الحب مجرد تفاعل كيمائي بين الهرمونات السحرية الثلاثة الدوبامين والسيروتونين و النُورإِبينِفْرِين (النور أدرينالين) والتحكم فيها يُغير قواعد اللعبة ويجعل الحب الرومانسي مجرد نُسخ مُكررة مع العديد من العشيقات.”"

عدت إلى نفسي وانطلقت أردد من جديد:

"بارد أو سخون آ مولاي يعقوب"-

حتماً، هذا الماء المعدني الساخن الذي يحتوي على نسب مرتفعة من الكبريت هو وسيلة للاستشفاء، وكذلك الانتشاء، وبفضله أستطيع أن أعيد ترتيب أوراقي من جديد في زمن قاعدته الردّة وأساسه الخروج عن المألوف.

عندما خرجت من صهريج الماء، كنت في حالة ارتقاء وتعالٍ تتجاوز حدود

تفكيري؛ كنت سعيداً بحق، وغير مبالٍ بالقادم من أحداث ووقائع.

أخبرني الغالي أن والديه، يُصرّان على عقد خُطبته على ابنة خالته الشابة التي لم تتجاوز بعد العشرين من العمر، ولكنه طلب منهما تأجيل هذا المشروع إلى حين، وقال لي بنبرة ساخرة:

- "ما الذي يمنعك يا كازانوفا من الزواج وطي صفحة الماضي؟".

لم أعلق على كلامه، واكتفيت بابتسامة باهتة.

مرت أيام العطلة سريعة، وعدت إلى مدينة وادي زم في ساعة متأخرة من

الليل. كان الجو بارداً، والناس قد آووا إلى مساكنهم، ولم يبقَ إلا بعض المتشردين يقاومون قسوة الطقس وشدته. دعكت يديّ، وانطلقت أستحث الخطى نحو

مسكني؛ قطعت زنقة "الحدادة" في اتجاه شارع المستشفى.

في هذا الليل الشتوي، أحسست بحركة غير عادية وأنا أقترب من بناية المستشفى التي كانت تبدو شاحبة غارقة في الكآبة، وقد انعكست عليها أنوار المصابيح

العمومية الباهتة. وعندما أصبحت قريباً من محيطها، لمحت تجمعاً كبيراً لرجال ونساء أمام البوابة الرئيسية، كان أغلبهم في حالة ذهول، وكانت النساء يولولن

ويبكين بحرقة.

وفجأة، شعرت بيد تربت على كتفي، فالتفت لأجد نفسي في مواجهة

"علي بن ذباب"، وهو شاب من أبناء "دوار السبت"، هتف بي قائلاً:

"كيف هي أحوالك يا أستاذ؟".

أخبرته أنني بخير، وسألته بصوت مفعم بنبرة اندهاش:

"ماذا هناك؟ وما سبب تواجد هذا الجمع من ساكنة الدوار بالمستشفى؟".

رد بغصة:

"انتحرت دامية مساء اليوم، شربت سم الفئران!".

ثم تابع مستدركاً:

"دامية.. الفتاة التي حضرت حفل عرسها أنت وزملاؤك منذ أسبوعين".

نظرت إليه باستغراب وقلت:

"انتحرت! أرجوك قل شيئاً غير هذا؟".

"يبدو أنها كانت على علاقة بشاب آخر، وأُجبرت على الزواج بغيره، فكانت

الكارثة".

بدا الأمر لي قريباً من قصة ركيكة مبنية على التناقضات، وأن الانتقال من الفرح إلى الحزن هو مسألة وقت ليس إلا بالنسبة إلى كل إنسان، وأن ما يفصل

الأعراس عن الجنائز لا يعدو أن يكون شعرة دقيقة؛ فعرس دامية تحول إلى مأتم ولو بعد حين، والمباركون الذين قدموا التهاني والتبريكات، سيعودون لتقديم

التعازي وهم يبدون الحزن والأسى، وتستمر ثنائية الحياة والموت طاغية

وحاضرة في انتظار المجهول.

تابعت سيري نحو مسكني وأنا غارق في تساؤلاتي المتداعية بشكل عشوائي،

وقلت لنفسي: (كيف للحب أن يقتل؟ ويصبح خنجراً مسموماً يغرسه العاشق في قلبه عن طيب خاطر بعد أن يُحرم من وصل الحبيب؟).

ليل وادي زم البارد يشهد أن هناك خللاً وجودياً ضارباً في عمق الذات البشرية، يضع كل الأشياء موضع شك، والمقياس الذي يحكم المنطق تتهاوى موازينه وتصبح معاييره بلا أهداف وخارج دائرة التحكم؛ فنفتقد الغاية المحددة سلفاً، ونغرق في حمأة الضياع.

عندما وصلت إلى مسكني، كان الصمت يغشاه، وجدرانه باردة، هرولت نحو غرفة النوم كان الفراش على حاله غير مرتب، غيّرت ملابسي، ودسست نفسي تحت الغطاء، تَركْت مصباح الضّوء مُضيئا، وأسلمت جفوني للنوم.

طيلة الليل داهمتني أحلام مزعجة، رأيت صورة دامية في وضعيات متعددة وعريسها يخنقها تارة ويجلدها تارة أخرى، كانت تصرخ طالبة النّجدة وفي صوتها وجع وألم، ورأيت أيضا صورة مالكة الرّاقصة الشعبية وهي ترقص على إيقاع عيطة زعير، وتمُدّ لي يدها مُستنجدة لكنني لا أستطيع الامساك بها فَتضيع وسط زوبعة عاصفة عنيفة.

7

كان الكاتب يَجلس بمقهى بلادي وهو منصرف إلى اِحتساء قهوته، عندما جلستُ على الكرسي المقابل له، سألته بصوت خافت:

- ما رأيك أيها الأستاذ في طريقة تعاملي مع المُتن الحِكائي وإخضاعه لتقنيات السّرد وأساسيات المبنى الحكائي؟

ظل صامتا، وهو ينظر إليّ بوجوم ثم قال:

- أيها الراوي اللعين! أنا أفكر وأتدبر أمرَ الأحداث وأنت تجني ثمار مجهوداتي، ولا تتردد في اقتحام فصول حياتي الشخصية التي تقدمها للقراء دون إذن أو موافقة مني.

اكتفيتُ بالابتسام، وغادرتُ المكان في انتظار فكرة جديدة تعّنُّ لصاحبنا في أيّ زمن أو مكان.

***

محمد محضار

 21 دجنبر 2025م

الساحر

شبح باهت

يخشى ضوء الشمس

يختبئ في بيت

من زبد البحر

الساحر

مجنون بسحر أسود

في يده مبخرة

تنفث دخاناً، أوهاماً

الساحر

يحلم بالعالم

فرسا

في قبضته

ملك يمينه

**

الساحر ..

يتخيل نفسه

في لوثة غضب هستيري

إله صواعق

فيرسل حممًا

إعصاراً ودماراً

*

الساحر ..

يلهو كالأطفال

فيضئ

سماوات العالم

في سورة جنون

بروقاً

تمطر موتاً

وجحيماً

يتخيلها

في ذروة نشوته

العابا نارية

**

النهارات المضيئة

بوشاح الشمس

تُمسخ ليلاً

تختبئ خوفاً

في الظل حين تراه

*

الساحر ..

مغرور كصبي

يطربه

التصفيق

وتزعجه

زقزقة العصافير

وزغردة أمرأة عراقية

وضحكة طفل كوبي

*

في جيب الساحر

أسرار وطلاسم

وفي جراب سرج لوركا الإسباني*

أشعار وزيتون أندلسي

***

صالح البياتي

......................

* من أنشودة الفارس لفيديريكو غارسيا لوركا:  ( وفي جراب سرجي زيتون)

خرج عبروق من المنتجع مع انبلاج الصباح. ترك خلفه خياماً بيضاء تتكئ على أطراف الصحراء، ومضى وحده نحو الامتداد الأصفر الذي لا يحتفظ بآثار العابرين.

كلما توغل، ابتلعت الرمال ما خلفه من خطى. كانت التلال تتبادل مواقعها في صمت، كأن الأرض نفسها تبدل وجوهها كل حين. لم يلتفت وراءه إلا نادراً؛ فقد كان منشغلاً بأفق بعيد يتراجع كلما اقترب منه.

عند الظهيرة، حين تدلت الشمس فوق رأسه كجمرة معلقة، توقف لاهثاً. دار بعينيه في الجهات الأربع. لم ير سوى دوائر من الرمل تتوالد حوله.

مد يده إلى جيبه. تجمدت أصابعه. أعاد المحاولة. ثم فتش جيوبه كلها. قلب حقيبته على الأرض، فتناثرت أشياؤه الصغيرة فوق الرمل الساخن. أما هي، فلم تكن هناك.

همس بصوت متحشرج: أين ذهبتِ؟

مرّت زوبعة خفيفة بين التلال، فبدت له كأنها تقتاد شيئاً بعيداً.

حدق في الفراغ طويلاً. كانت البوصلة آخر ما يربطه بجهةٍ ما، والآن صار الأفق متشابهاً كصفحات كتاب مُحيَت حروفه.

جلس فوق كثيب وراح يتتبع ارتجاف ظله. أحس أن الصحراء اتسعت فجأة، وأن الجهات الأربع تخلت عن أسمائها، غير أنه نهض. نفض الرمل عن ثيابه، وألقى نظرة أخيرة على الأشياء المبعثرة عند قدميه. ثم جمعها في هدوء، كمن يجمع ما تبقى من نفسه.

اختار اتجاهاً ومشى.

بعد مسافة طويلة لمح أشباحاً تتحرك بين السراب. كانوا رجالاً ونساءً يسيرون ببطء، يرمق بعضهم بعضاً بالحيرة ذاتها. اقترب منهم، فاكتشف في وجوههم ذلك السؤال الذي كان يحمله وحده.

لم يسأل أحدٌ الآخر عن الطريق. اكتفوا بالسير معاً.

وكانت القافلة تكبر كلما ابتلعت الصحراء تائهاً جديداً.

***

الحسين بوخرطة

بينَ (قراءتي الخَلدونيَّةِ) و(هكذا تكلَّم زَرادشت) أرصُّصُ أحلامي،

أُرتِّبُها ألفبائيًا في مكتبتي التي في (سيباي)،

مكتبتي المليئةُ بالأفكارِ الصالحةِ،

ومغامراتِ اللغةِ المُشَوِّقةِ،

وشِعرٍ لي كانَ يسرقُ النومَ من عيونِ صبايا أيزيدخان.

(2)

أَمْشي في (حديقةِ الشُّهداءِ) صباحًا،

الحديقةُ خاليةٌ إلا منَ الشُّهداءِ.

أَحفَظُ قصيدةَ (قِفا نَبكِ) قبلَ الامتحانِ الوِزارِيِّ،

وفي الليلِ أقرأُ شِعرَ (نزارِ قَبانِي) ،

لا أنامُ...

(لا أنامُ) فِيلمًا وشِعرًا يطرُدُ النومَ من عيوني،

وتَسحقُني عَجَلاتُ أَساطيرِ (السَّيابِ).

(3)

الأفكارُ الصالحةُ موجودةٌ في كتابِ (النَّبِي)،

وفي مكتبةِ سنجارَ الفرعيةِ،

تلكَ التي تقعُ في السُّوقِ التحتاني،

تَعرفونَها تلكَ البِنايةَ القريبةَ من (معملِ مُجَو).

الأفكارُ الصالحةُ تكونُ في صباحاتِ رَفعِ العَلَمِ،

عندما يخطُبُ فينا مديرُ مدرستِنا الأستاذُ (طه عبد السلام) ،

وتكونُ في حكاياتِ العَمِّ (خلَف مُجَو) أيامَ تعازي شهداءِ الحربِ.

(4)

لا تَقرأ كتابَ (هكذا تكلَّم زرادشت) ، فهو (لغيرِ أَحَدٍ).

هذا الكتابُ يحتاجُ عُمُرًا لِتَدرُسَهُ.

عليكَ أنْ تَتعلَّمَ لغةَ أفعوانِ زرادشتَ أَوَّلًا،

وتَطيرَ مِثلَ نَسرِهِ أَوَّلًا،

وتختارَ كَهفًا تَعيشُ فيهِ عَشْرَ سنواتٍ.

باختصارٍ شديدٍ يا بُنيَّ:

يجبُ أن تتَّبِعَ خُطواتِ (خِيري الشَّيخ خِدر) أولا،

لِتتأكَّدَ منْ إنَّكَ استوعبتَ الهدفَ من المُغامَرةِ.

(5)

قراءةُ العراقيينَ الخَلدونيَّةُ:

كانتِ الدُّورُ فيها جَميلِيَّةً،

الزادُ وفيرٌ والدينارُ رقيقٌ،

الرمانُ طيِّبٌ والتلُّ قريبٌ،

القمرُ مُنيرٌ والبازُ يطيرُ،

والآنَ، أصبحَ...

بُوقَ نَديمٍ قديمٍ.

(6)

أُولئكَ الذينَ يُودِعونَ كُتُبَهم في وادي (عَبْقَر):

لَوْ حَلِموا مِثلَ جبرانَ خليلِ جبرانَ،

سَتأتيهِم (آلهاتُ الإِلهامِ التِّسعُ)،

وتَشرحُ لهُم (قَواعِدَ العِشقِ الأربعونَ).

(7)

هذهِ الليلةُ...

لَوِ اجتَمَعَ في ديوانِ هارونَ الرَّشيدِ

مَلِكٌ سومريٌّ،

وكاهنٌ بابليٌّ،

ومُحاربٌ آشوريٌّ،

وكوجَكٌ إيزيدي،

سَتهديهِم شهرزادُ حِكاياتِ أَلفِ ليلةٍ وليلةٍ،

ممهورةً بِختْمِ السِّندباد،

بِمناسبةِ بَدءِ العامِ الدراسيِّ الجديدِ.

***

مراد سليمان علو

مضى مسرعا مجتازا بوابة السوق المركزية للمواد الغذائية ليرى طوابيرا من الناس ينتظرون فتح منافذ التسويق المتعددة وقف في اخر احداها متسائلا كم من الوقت سيمر الى ان ياتي دوره بالاستلام ليس اقل من ساعتين اوثلاث تاوه واستل من جيب بنطاله علبة سيكاير واستل منها سيكارة اخذ منها نفسا عميقا متفكرا باولاده الصغار اللذين تركهم في البيت من دون رقيب فطرات الى راسه فكرة خرق نظام الطوابير حاول مرة مرتين ثلاث ففشل وفي محاولته الرابعة قال له احد المنتظمين في الطابور وقريبا من احدى نوافذ التسويق ساسمح لك بالوقوف امامي ولكن بشرط ان تعطيني خمسة دنانير فاجابه برغبة شديدة موافق سلمه الخمسة دنانير واثناء دخوله الطابور علا الهرج والمرج والاحتجاج والتلاسن حتى ان وصل الامر بان استل احدهم سكينا كان يحملها طاعنا المرتشي بساعده الايسر ليتم نقله على الفور الى المستشفى كي يتلقى العلاج عاد الى البيت تعبانا منهكا وفي البيت جلس على كرسي اعتاد الجلوس عليه مدخنا ونادما لما سببه بفعلته هذه لذلك الرجل الذي طعن بتلك الطعنة النجلاء.

***

قصة قصيرة

سالم الياس مدالو

حينَ يُقبلُ الليلُ

أنتظرُ آخرَ طرقةٍ

لبابي،

لعلّي أسمع:

"أنا بابا.

أفتحُ البابَ"

وأُطلقُ صوتي:

"قلتُ لكَ: لا تتأخّرْ بعد"،

"الدِّنية مو أمان".

فيضحكُ ويقول:

"اطلعْ وشوفْ الشوارع".

ثم يمضي الليلُ...

ولا تأتي الطرقةُ الأخيرة.

*

أبقى أحدّقُ في البابِ طويلاً،

كأنّ الغيابَ أخطأَ الطريقَ إليكَ،

وكأنّكَ بعد قليلٍ

ستدفعُ البابَ بضحكتكَ المعهودة،

وتقول:

"أنا بابا".

لكنَّ الصدى وحدَهُ

يعودُ إليَّ،

فأدركُ أنّ الذينَ نحبُّهم

لا يغادرونَ البيوتَ تماماً،

بل يتركونَ أصواتَهم

معلّقةً على الأبواب،

ونبقى كلَّ مساءٍ

ننتظرُ الطرقةَ

التي لن تأتي.

*

رحلتَ،

وما زلتُ كلَّ مساءٍ

أُصغي إلى البابِ،

كأنَّ الغيابَ الطويلَ

سيُخطئُ مرّةً

ويعيدُكَ إليَّ.

*

أبقى أحدّقُ في العتمةِ طويلاً،

وأجمعُ من صدى الذكرى

ضحكتَكَ وكلماتِكَ،

ثم أعودُ وحدي

لأنتظرَ تلك الطرقةَ

التي تأخّرتْ كثيرًا.

***

د. جاسم الخالدي

ليلة الأحد ٧/ ٦/ ٢٠٢٦م

يُــنَاجِي مُــهْجَتِي هَمْسٌ جَرِيحُ

فَــتَصْعَدُ مِنْ شَتَاتِ البُعْدِ رُوحُ

*

تَطِيفُ بِيَ الرُّؤَى دَمْعًا وَحُلْمًا

وَفِــي عَــيْنَيْكِ أَطْــلَالٌ تَــلُوحُ

*

تُــلَمِّحُ أَنَّ فَــجْرًا سَــوْفَ يَأْتِي

يُــؤَجِّجُ ضَــوْءَهُ وَجْــهٌ مَــلِيحُ

*

فَــأَشْرَقَتِ الأَمَــانِي بَــعْدَ خَبْوٍ

وَبَاتَ الزَّهْرُ فِي رَوْضِي يَفُوحُ

*

رَأَيْــتُكِ وَالْــمَسَاءُ يَذُوبُ وَجْدًا

تَــمَادَى الْحُلْمُ وَارْتَفَعَ الطُّمُوحُ

*

وَقَــدْ ضَــاءَتْ بِعَيْنَيْكِ الْمَرَايَا

كَــأَنَّ الــلَّيْلَ يَــغْشَاهُ الْوُضُوحُ

*

كَأَنَّكِ مِنْ ضُلُوعِي خُلِقْتِ سِرًّا

وَمِــنْ لُــغَتِي الَّتِي تَبْقَى تَبُوحُ

*

حَسَسْتُ بِأَنَّ فَجْرَكِ صَارَ مَوْجًا

وَأَنِّــي فِي مَدَى الطُّوْفَانِ نُوحُ

*

تُــنَادِينِي الــشَّوَاطِئُ بِــاشْتِيَاقٍ

وَتَــدْفَعُنِي إِلَــى الْــمِينَاءِ رِيحُ

*

تَــعُدُّ خُطَاكِ أَنْفَاسِي، وَأَخْشَى

بِــأَنْ يَــغْتَالَهَا زَمَــنٌ شَــحِيحُ

*

أَنَــا وَالــلَّيْلُ نَرْسُمُ وَجْهَ شَوْقٍ

يَــخُــطُّ حُــدُودَهُ قَــلْبٌ ذَبِــيحُ

*

أَنَا الظَّمِئُ الصَّدِيُّ إِلَيْكِ أَسْرِي

سَــيَرْوِي خَافِقِي وَعْدٌ صَحِيحُ

*

فَــإِنْ أَبْــعَدْتِ عَنْ عَيْنَيَّ يَوْمًا

حَــنَايَا الــرُّوحِ مِنْ وَجْدٍ تَنُوحُ

*

فَــحُبُّكِ فِي دَمِي شَوْقٌ وَدِفْءٌ

بِــهِ فِي الْحُلْمِ تَرْتَفِعُ الصُّرُوحُ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

في هذه الأيام، وبعد تذبذباتٍ حبرية، أشعر كأننا ظلالٌ تمشي على أرضيةٍ ساخنة في هذا الصيف الملتهب.

أحياناً أحدث نفسي عن تلك الأيام التي أعقبت هذا الضجيج القابع في أعماق ورقي، وأحياناً أخرى تجدني أنكمش بفعل الضباب الكثيف الذي يحجب الفرح الآتي من بعيد. أجلس شاخصةً إلى الورق بلا حرفٍ يمطر سطوري، كأن الترددات الحياتية مرايا تعكس ضوء الحبر.

كنت أرى الحياة من ذاك الضوء البلوري الآسر للروح عبر ثقبِ ورقٍ أبيض، وكنت أحسبه عالماً لازوردياً من الخيال، حتى تعثرت بعتبته ــ أو هكذا كان يُخيّل لي ــ إلى أن أبصرتُ أنّ ما أنا فيه ما هي إلا مطباتٌ حياتية تعيدنا إلى اليقين بأن ليس كل شيءٍ لامعٍ وشفافٍ هو سكونٌ وهدوء ونبضُ فرح؛ حتى الزجاج البلوري يجرح بلمسةٍ خاطفة.

في حضرة فصل الحرائق، أردت أن أكتب سطراً من الكلمات بعد هذا الانقطاع المباغت للوقت، ولكن لدهشتي لا أجد ما أكتبه! رغم تزاحم أبجدية اللغة كلها في حنجرة قلمي، إلا أنني لا أستطيع أن أتنفس الأحرف. هل هذا طبيعي؟ أعني، هل هو شيءٌ عادي أن أتخبط في الورق؟ أم أن هذا هو انعكاس الواقع وهو يزحف رويداً رويداً على سطري، ذاك الانعكاس الذي حدثتك عنه؟!

أحداثٌ كثيرة أود أن أخبرك بها؛ تلك التفاصيل الصغيرة والمتعبة التي تتسلق ذاكرتي كأنها جيشٌ مهزومٌ يسير نحو ساحاتٍ واسعة.. تلك الأحداث التي أردت أن أزيحها عن كاهلي وألقي بها بعيداً دون ذاكرة، حتى أستطيع أن أخط بحبري على ناصيةِ الورق.

***

مريم الشكيلية / سلطنة عُمان

أبتْ لك هِمّةٌ أن تُستضاما

أبا الاحرارِ أو تخشى اللئاما

*

أبتْ لك أن تَقَرَّ على خنوعٍ

وأن ترضى على ضِعةٍ مُقاما

*

فعانقتَ السيوفَ عناقَ صَبٍّ

لتُحيي سُنّةً عنها تعامى

*

أناسٌ ضيعوا الاسلامَ روحًا

وأبَقُوا مِن معالمهِ حُطاما

*

فأرخصتَ الدماءَ لأجل دينٍ

وكُنتَ السبطَ حقًّا والاماما

*

فأنتَ اليومَ قد أعليتَ مجدًا

وقَلّدتَ الاباءَ بها وساما

*

أبا الاحرار عزمُكَ قد تجلّى

بيوم الطَفِّ كي ترعى الذِماما

*

كذا تبقى النفوسُ إذا تسامتْ

فلن تُغرى ولم تَخَفِ الحِماما

*

فأنتَ السبطُ ما ذرّتْ ذُكاءٌ

وشانِئُكَ الطليقُ غدا رُكاما

*

أبا الاحرارِ نورُ الحقِّ باقٍ

بذكرى الطفِّ ذِكراها الخُزامى

*

نهضتَ بعزمةٍ للدينِ صِدقًا

فكانتْ ثورةً صحّتْ نياما

*

أصمَّتْ كلَّ جبّارٍ عُتُلٍّ

وأورتْ في جناجِنِه ضراما*

*

تنادت ثلةٌ فسقتْ وجارتْ

تولّدَ ضِغنُها عامًا فعاما**

ألا هبوا لقتلِ إمامِ حقٍّ

فألفتْ عند صيحتِها زُحاما

*

فقامَ الطامعون وكلُّ فِسلٍ

على حَرَدٍ وحقدٍ قد تنامى***

*

أبو الاحرار أعلى شرعَ طه

وأعلنَ لا وفاقَ ولا سلاما

*

مع الباغي إذا لم يعطِ حقًا

لمظلومٍ وللدينِ احتراما

*

فصارت كربلا للحُرِّ رمزًا

وللطاغوتِ رُعبًا بل سِماما

*

ونورُ اللهِ لا يُطفيهِ إفكٌ

بهِ نسمو ونكتسحُ الظلاما

*

دمُ الاحرارِ والشهداءِ نورٌ

ونورِ اللهِ يَمنحهُ الدواما

*

وما كسبتْ يدُ الاجرامِ إلا

خبيثَ الكسبِ واحتملتْ أثاما

*

وما وجدتْ بقتلكَ بَردَ غِلٍّ

ولكنْ صار عارًا وانهزاما

*

فيا سندي الحسينُ إليكَ أشكو

خطوبًا قد وطسنَ لنا العظاما****

*

ومالي غير شخصكَ مِن مَلاذٍ

إذا خافَ الكماةُ لها اقتحاما

*

رَمتْ قُدسَ النبوة كفُ باغٍ

عَدَتْ ظلمًا عليها واجتراما

*

فصبّت مِن لهيبِ الحقدِ نارًا

أحالتْ كلَّ ما فيها حُطاما

*

شراذمُ قد أتتْ مِن كلِّ صَقعٍ

تُحاولُ أنْ تُعيدَ لها نظاما

*

وكان الله ألزمها بذلٍ

وما كان الوعيدُ لها كلاما

*

وقد كتبَ الالهُ بذاكَ حُكمًا

عليها أينما نزلتْ لزاما

*

فان عادتْ فأمرُ الله آتٍ

قريبًا وهو في لمحٍ إذا ما

*

ولي في أمّةٍ ولدتْ حُسينًا

يقينٌ حين تنتَبذُ الخِصاما

*

ويجمعُ شملَها هدفٌ ودينٌ

وكان الدينُ عِزًّا واعتصاما

*

بأن تعلو وتسمو في زمانٍ

ترامى الظلم فيه ما ترامى

*

أبثكَ يا ابا الاحرارِ وجدي

وحبي وهو بحرٌ قد تَطامى

*

فهذي بعض أنفاسي أتتكُمْ

وحسبي أن ألِمَّ بكمْ لِماما

*

وحسبي أن تكون غدًا شفيعي

واُطْفِئُ عند حوضكُمُ الأواما

*

ومهما قلتُ فيكم مِن ثناءٍ

فما بالغتُ أو بلغَ المراما

*

ومَن يُحصي فضائلَكم مُقيمًا

كمن يُحصي القَطارَ إذا تَهامى*****

*

وما رَفَعَ القريضُ لكم مَقامًا

ولكنَّ القريضَ بِكُمْ تسامى ******

***

الحاج عطا منصور - العراق/ الكوت

صيف 1972

....................

* العُتِلّ: الجافي غليظ الطبع

** أورت: أي أوقدت

*** جناجن: عظام الصدر

**** الفِسل: الخسيس النَسَب

***** القَطَار: المطر الغزير

****** ألقيتُ القصيدةَ يوم العاشر مِن عاشوراء في تجمع حُسيني مُقام في سوق رؤوف بالكوت.

وما ستعني لميْتٍ ماتَ مُنقهرا

أخبارُ عدلٍ على جورٍ قد انتصرا؟!

*

وما لميْتٍ صماخٌ يستقي نبأً

وما له من عيونٍ تحْفظُ الصّورا

*

وما له من ذكا يُغني مداركَهُ

ولا لسانٍ بهِ يسترجعُ الخبرا

*

أَيُرجعُ اللهُ من أروىْ الثرى دمُهُ؟

ليجتنيْ دمَهُ عن غُصنِه ثمَرا؟

*

ليعرفَ العيشَ حُلْوًا لا مرارَ بهِ

من بعدِ صبرٍ على البلوىْ كمِ اخْتبرا

*

أم أنّه يومَ أعطىْ الموتَ ما أمَرا

لتخلُصَ الأرضُ للإنسانِ قد نُصرا؟

*

بلى ولكنّ فرحًا دون صانعِهِ

له من الحزن قلبٌ يُنطقُ الحجرا:

*

يقولُ لولا يعيدُ اللهُ منتصرًا

لم يشْهدِ النّصرَ كي يهْنا به عُمُرا

*

تمضيْ الحياةُ بمَن فيها ورائمُها

يهنا بما تركَ الحرُّ الذي غبَرا

***

أسامة محمد صالح زامل

سَواكِبُ الملاك الأمين على يَبابِ قافيةِ (السِينْ)

(أساريرُ الوَحْي)

***

كَصَلْصَلةٍ أتى ورنينِ جَرْسِ

فَنَوّرَ لُبّهُ من بعدِ حِسِّ

**

بِرُؤْيا بَلْ نُبوءَةِ ما وراءٍ

دَنا ذا مِرّةٍ وشديدَ بأسِ

**

إلى الرُمّانُ يعصرُ جُلّناراً

بِضوْءِ مَلائكٍ لا كَفِّ جِبْسِ

**

تعتّقَ دِيمَةً فاضتْ شروقاً

وكم عَصَفتْ سُلافتُها برأسي

**

وقابَ غُصونِ سِدْرتهِ تدلّى

وأومأ بالإشارةِ دونَ هَمْسِ

**

تُدَلّي السِدْرَةُ القصوى غُصوناً

تُصبّحُهُ بِآلاءٍ وَتُمْسي

**

قَواريرُ الغيوبِ قَدَحْنَ بَرْقاً

هَدى مُتَحيّراً ونزيلَ حَبْسِ

**

فَراحَ يدقُّ ناقوسَ الحيارى

وليسَ براهِبٍ فيها وقَسِّ

**

رمى البرّاقُ نخلتَهُ مجازاً

فَفَتَقَ طَلْعَها وَبِغيْرِ لَمْسِ

**

قُصارى عِشْقِهِ قَبَسَ الحنايا

فأشْرَقتِ اللُبابَةُ فَرْطَ قَبْسِ

**

مُعَتّقةَ القِرى إيماءَ وَحْيٍ

فَدعْ شَهْدَ اللَّمى ورضابَ عِرْسِ

**

فَمَنُّ سماءِنا صَفَواتُ كَشْفٍ

مُعَسّلةٌ ولا كشِفاهِ لُعْسِ

**

أَصَوَّتَ أحْرُفاً أم بثَّ نجوى

تفرّسها النجيُّ بلا مِجَسِّ؟

**

وَمِنْ إشْراقِها قَطَفَ اللآلي

وصاغَ فيوضَها بمَدادِ حَدْسِ

**

وصّيّرَها بياناً سَرْمَدِيّاً

بِسَبْكٍ صِنْوِ مُمْتَنِعٍ و سَلْسِ

**

رعى الموحي نُهى الموحىٰ إليهِ

دريئةَ سَهْوةٍ، حاشا، وهَجْسِ

**

فَخَطَّ على الشِغافِ رُؤى الخُزامى

كأنّ فؤادَهُ شذراتُ طِرْسِ

**

بِبَهْوِ الروحِ قد نطقتْ حُدوسٌ

كما قمرٌ يرتّلُ ضوءَ شمسِ

**

هُنا الحُسْنى أساميهِ تجلّتْ

فَجوْهَرَتِ الهيولى بعد طَلْسِ

**

تجلّى إذ تنوّعَتِ المرايا

فيا أَحَدٌ تعدّدَ فيضَ عَكْسِ

**

ولاتَ ولاتَ حينَ تُضيء حُسْنى

أ يَنْكفئُ الضياءُ وراءَ تُرْسِ؟

**

تأوّلَ عرشَ غائِبِهِ حُضوراً

قُبيْلَ وجودِنا من كلّ جنسِ

**

كذلك أوّلَ الكرسيَّ فتحاً

لنافذةِ الرؤى لا قيدَ كرسي

**

تَخيّرَهُ البهاءُ نَديمَ وَحْيٍ

أنارَ حِراءَهُ مَعَ روحِ قُدْسِ

**

سَجى ليلُ الجِبالِ فشعَّ غارٌ

على شُرُفاتِ كعبَتِنا وَقُدْسِ

**

بَخٍ رَيْحانَ شُبّاكٍ بكوخٍ

حوى الشَرَفَ الرفيعَ جِوارَ أُنْسِ

**

شذى نعناعِ منزلها ترامى

لِمَنْزِلةٍ نأتْ عن كُلِّ رِجْسِ

**

لقد عادَ الصَفيُّ فزمّليهِ

متى شابَ الشحوبَ نقيعُ وَرْسِ

**

رفيقُ الغارِ صَدّقَهُ رَسولاً

فليسَ حَديثُ صاحِبِهِ بِمَسِّ

**

رُويْدَكِ ياقُريْشُ إذن فَلَسْنا

أُصَيْحاباً لِأيْكَةَ أو لِرَسِّ

**

رأى أمَّ القُرى وَأَدَتْ زُهوراً

فَبدّلَ عُرْفَها السادي بِعُرْسِ

**

أحالَ سَرابَ هاجِرَةٍ فُراتاً

تِهاميّاً جرى بِرِمالِ بؤسِ

**

وأودِيَةٍ بِلا زرعٍ فَلاحتْ

عناقيدُ الرُؤى بركاتِ غَرْسِ

**

سَمتْ لُغَةُ الحجازِ كما الُنعامى

لِتسْحَرَ نائِحي طَلَلٍ ورَمْسِ

**

فليسَ بشاعرٍ كصريعِ لُبْنى

ولا عرفَ الكَهانةَ مثلُ (قُسِّ)

**

وكم شهدوا التلاوةَ ذاهلينا

وَأذْهلتِ المُنَخّلَ قَبْلَ قيسِ

**

تماضُرُ لم تَعُدْ تهوى عُكاظاً

وَنابغةُ الحِجا وسليلُ عَبْسِ

**

تباطَأَ عَبْقَرُ الشعراءِ عَزْفاً

فمن خَبَبِ الحصانِ إلى الدِرَفْسِ

**

وما المَلَأُ النوابغُ في النوادي

إزاءَ بَيانهِ الأعلى بِخُرْسِ

**

سُدىً هَرَعوا لِعبْقَرِهمْ سُكارى

ألا إنقشعتْ سَماديرُ التَحَسّي

**

نعمْ هاموا مع الشُمُسِ العذارى

ذواتِ سُرُوجِ أخْيِلَةٍ وشُمْسِ

**

عسى هدأتْ بَلابِلُهمْ بِـ(إلّا)

بُعيْدَ وَساوِسٍ و دبيبِ وَجْسِ

**

مَخافَةَ أن يَرَوْا مُهْرَ البراري

بُعيْدَ نقاهَةٍ يُبْلى بِنَكْسِ

**

وما (إلّا) بأجْنِحَةٍ وَريشٍ

سوى طيرانِ روحٍ فوق نفسِ

**

وهل (بانتْ سُعادُ) سِوى رجوعٍ

إلى أيْكِ الكِناسِ أوانَ كَنْسِ

**

مُعَلّقةً تَنَبّأها بِـ(لامٍ)

نَطاسِيُّ القريضِ، وريثُ نَطْسِ

**

وَبادَلها الصدى نَغَمُ الرُخامى

فَمَنْ نَسِيَ الصدى لا بُدَّ مَنْسي

**

صدى وحْيٍ نُرتّلهُ مقاماً

كأنّهما الأساسُ لِكُلِّ أُسِّ

**

بموسيقى سلالِمُها تُحاكي

كواكِبَ كُنّساً وَذواتِ خُنْسِ

**

مراراً قالَها: لا لَسْتُ فيكم

سوى بَشَرٍ رسولٍ وابْنِ إنْسِ

**

عَصيّاً رحتُ أدرسُهُ لَعلّي

أُبرّدُ حَيْرتي بدموعِ دَرْسِ

**

فَوَسْوَسةُ الجوى هَرَستْ يقيني

وَتوشِكُ مُهجتي تدمى بِهَرْسِ

**

رآني موغِلاً بالشكِّ حتى

يَكادُ بِريبَتي يعْتَلُّ طَقْسي

**

رُويْدَكَ إنما المعنى ملاذٌ

أذا عَدَمٌ تَغشّانا بِلَبْسِ

**

مظالمها طغتْ يانفسُ عومي

لِميناءِ الحقيقةِ ثمّ أرْسي

**

على عُرَبِ الإزاحةِ والتسامي

وقافيةٍ تناهدُ فَخَّ يأسِ

**

فَرُبّتما كُوى اليُسرى أضاءتْ

مخيّلةً إذِ العُسْرى تُقَسّي

**

سأرشُفُ ما تعتّق من خيالي

وأحرسُهُ بِتَطوافٍ وعَسِّ

**

أفيقُ هُنيهةً وأغيبُ أخرى

وسادسةُ الحواسِ فَمٌ لِخمْسِ

**

يسارِرُني النَجِيُّ غداةَ نجوى

وقد كانَ التخاطُرُ طيفَ نَقْسِ

**

فدونَكَ ما وراءٌ، بحرُ غيبٍ

سَتُبْحرُ إنّما هيهاتَ تُرسي

**

كَزِهْوَةِ فَرْقَدٍ لغةُ القدامى

مُشعْشعةٌ بِديباجِ الدِمَقْسِ

**

فما بالُ الأواخِرُ من بَنيها

تمزّقهُ بنابٍ ثمّ ضِرْسِ

**

تَوهّمَ سادِرٌ حطّابَ ليْلٍ

سَيقطعُ سِدْرَةَ المعنى بِفأسِ

**

تَخَبّطَ خَبْطَ عَشْواءٍ هُذاءً

كَوَهْمِ الديكِ في بيضٍ وفَقْسِ

**

لَنا حُلُمٌ بِأُخْرى قيلَ فيها

خلا النُزلاءُ من لَغْوٍ ودَسِّ

**

كفى وَعْدٌ يُخالِسُهُ وَعيدٌ

مَواعِدَ زُيِّنتْ بِوشاءِ خُلْسِ

**

أَ غايةُ شوْطِنا حُورٌ وعِينٌ

ونادِلَةٌ تُراوُدُنا بكأسِ

**

لَعلَّ الى الشقائقِ طيفَ رُجعى

بِسَعْدِ سَديرِها لا يَوْمَ نَحْسِ

**

فَنرْجِسُها كما النِسرينُ أغرى

وَسوْسَنُها بَني عَرَبٍ وَفُرْسِ

**

بفِرْدوْسٍ تَفَصَّمُ عن خيالٍ

نُعاقِرُ حولَ كوثرِها التأسّي

**

وهل فاضَ التوهّمُ سَلْسبيلاً

إذنْ بِعْنا مقاصِدَها بِبخْسِ

**

غَداً تُجْلى فَواتِحُها وَ ياما

أنارتْنا يَراعُ (السينِ) أمْسِ

***

د. مصطفى علي

 

ولَو كنتَ تعرفُني يا غشيم

لَيمَّمتَ وجهكَ نحوَ الفراتْ

ورفعتَ جبينَكَ نحوَ النخيلِ

وقلتَ لِنفسِكَ:

اِنَّ العراقَ الذي شيَّعوهُ قتيلاً

لوى ساعدَ الموتِ حتى أماتَ المماتْ

*

ولَو كنتَ تعرفني يا لئيم

ليممتَ وجهكَ نحوَ ضفافٍ لدجلهْ

وهي تكرمُ أهلَ الديارِ محلةَ طيبٍ باثرِ محلَّهْ

ولَقلتَ بأنَّ أبي صادقاً كان اذ قال هذا الفتى

سأسميه اسماً جميلاً كريم

كي ينافسَ في كرمِ الروحِ نهريه في دجلةٍ والفراتْ

وتجنَّ بِهِ في الأصيلِ وقبلَ البزوغ وبعدَ البزوغ

أغاريدُ سربِ البناتْ

وتأتي الطيورُ مهاجرةً من صحارى الصقيعِ

لكيما تراه

فتكونُ نهايتُهُ مبتداه ..

*

ولو كنتَ تعرفُني يا سقيم

لقبَّلتَ جرفاً لشطِّ العربْ

ووضعتَ جبينَكَ ـ مستشفياً مِن سقامِكَ ـ فوقَ ثراه

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

......................

ملاحظة:

زمان ومكان كتابة هذه القصيدة: في اليوم الثامن والعشرين من آيار 2026 ، في العراق.

يا وجهَهُ،

يا رحلتي،

يا عَتْمة الطريقْ

يا نجمة فوق جبيني يا شراعَ

جفني الغريقْ

يا شفق الجرح، ويا ضبابةَ البريقْ

ملاكي الحارس؟ ام شيطاني؟

يا وجهه النائي عدوّ أنتَ ام صديقْ؟

"نازك الملائكة"

*

[ألا أيُّها الساقي، أَدِرْ كأسًا وناولْها

فإنّي هائمٌ وَجدًا، فلا تُمْسِكْ وعَجِّلْها]1

*

رَقشْتُ اسْمَكِ حَرْفًا

فوقَ جِلْدِ الزَّمنِ الأَخْضرِ،

وصَرخْتُ في وَجْهِ القاصِفِ:

هذي بقيَّةُ ذِكرايَ

*

حَملتُكِ هَمْسًا مُسَهَّمًا،

وقصيدةً من غَسقٍ لا يُمْتَشَقُ،

وغُرْبةً تَرْشحُ من مِلْحِ كفِّي

*

كنْتِ مِرْآةَ صحرائي،

أُلقي عليها ظِلِّي المُتْعبَ،

ونَغمةَ أَنْفاسي،

وبابَ بيتي الَّذي أَلِفَتهُ الرِّيحُ

*

وكنتُ في كفَّيكِ غُصْنَ زَيتونةٍ

تَرْجو السَّلْمَ،

*

وكنتِ ندى المساءِ

على تشقُّقِ شَفَتيَّ

*

[أَلا يا ساقِيَ اللَّيْلِ، أَدِرْ دَمْعَها وَناوِلْها

فإنِّي في تَشَقُّقِ شَفَتَيَّ أَضْمُدُ جُرْحَها]

*

مَلأْتُ لياليكُمْ حِكاياتٍ وتَضرُّعاتٍ،

ثُمَّ عُدْتُ أُلملِمُ من لَيْلِ المَحاقِ كلِماتي،

ودُعاءً تكسَّرَ قبلَ السَّماءِ

*

كيفَ تناثرنا؟

كأَنَّنا لم نكُنْ شُعْلةً قطُّ،

ولم تُرنِّمْ حَنجَرتي

إِلَّا لِفراغٍ يتَّسِعُ

*

يا موسِمَ البُكاءِ والنَّهْبِ

يا ليْلَ العَتْبَةِ الَّتي تأْكُلُ ضِفَّتيها

وتبتلِعُ الماءَ بِلا رجعةٍ

*

رحيلُكِ طائِرٌ من قَشٍّ

يَجُرُّ خُطايَ نحوَ أَرضِ الدُّموعِ

**

[أَلا يا ساقِيَ المَحاقِ، أَدِرْ كَأْسًا وَناوِلْها]

ومن تِلكَ الأَرضِ

انْسلَلْتُ ليلةَ الغَزوِ،

وكانَ عِطْرُ مِياهِها يهرُبُ من جِرارِهِ 2

*

فأَسْقُطُ مِلْحًا على العَتبَةِ،

وأَنهضُ جَمْرًا عتيقًا وماءً

أَزْرقَ الشَّفَتينِ،

*

يَطوفُ حولَ حَجَرِ الكُحْلِ،

وخُطوةً أَغْرقتها شُموسُ العَقابيلِ

في مياهِ الرَّجاءِ

*

يا رَمادَ المياهِ...

بَعْثرْتَ وَجْهِي في لياليكَ،

*

يا رَمادَ المياهِ...

فانْثُرِ الطِّينَ في يديَّ عَصافيرَ

هَربتْ من بُكائِها في المَنافِي

*

وها أَنا أَرجِعُ من غُبارِ المَنافِي إِلى العِراقِ،

حيثُ الفُراتُ يُربِّتُ الذِّكْرى على ضِفَّتَيْهِ

كحَجَرٍ لا يعرِفُ الغَرقَ،

وأَتجوَّلُ في حَديقةِ حافِظٍ الشِّيرازيِّ،

*

أَنْثُرُ رُوحي بينَ الوُرودِ المُوصدةِ

أَسْمعُ صوتَ وَلّادةَ يَتسرَّبُ من مَنارَةِ الحمراءِ:

لقدْ أَتْقَنَّا الحُبَّ

حتَّى نَسِيَتْنا أَصابِعُنا

*

[أَلا يا ساقِيَ الرَّمادِ، أَدِرْ كَأْسًا وَناوِلْها

فقَدْ كانَ الحُبُّ في بَدْئِهِ ماءً،

لكِنَّهُ جَفَّ عَلى حافَةِ الْجُرْحِ]

*

أَفْتَحُ ديوانَ الأَشْواقِ،

فأَجِدُ عينيْ زَرْقاءِ اليَمامةِ تَرْمُقانِني،

تُحذِّرانِني:

سَرابُ الْقَلْبِ يَأْكُلُ الظِّلَّ،

وغُرابُ الدَّرْبِ يَنْعَبُ

فَوْقَ النَّجْمَةِ

**

ويهتِفُ بي الشَّاعِرُ من بعيدٍ،

يُفسِّرُ جُرْحَ العُشَّاقِ

بصمتٍ طويلٍ،

*

ثُمَّ بقصيدةٍ:

[أَلا يا ساقِيَ الْفُراتِ، أَدِرْ

كَأْسًا وَناوِلْها

"که عشق آسان نمود اول

ولی افتاد مشکل‌ها"3]

***

سعد محمد مهدي غلام

....................

الهوامش

1- قصيدة حافظ الشيرازي ترجمة د. إبراهيم أمين الشواربي.

2- توظيف من قصيدة "انطفاء" للشاعر علي جعفر العلاق.

3- حافظ شيرازي.

تَخلْخَلتِ الجدارُ فلا مَنيعُ

وبعضُ رؤوسِها عبدٌ مُطيعُ

*

عراةٌ في زمانٍ لا يُبالي

تكاثرَ إثمهُ ونمى الوجيعُ

*

حقوقُ الناسِ ضاعتْ فاسْتغاثتْ

وطالبُ حَقّهِ فيها الصَريعُ

*

ألاعيبٌ لغاياتٍ وشأوٍ

تُبرِّرها أعاجيبٌ تُريعُ

*

تمرّغَ صِدقُها في وحْلِ بُهتٍ

ودامَ رذيلُها فيها البديعُ

*

تَغلغلَ شرُّها في قلبِ خيْرٍ

فأهَّلها لمزريَةٍ تشيعُ

*

على بَعضٍ أسودٌ سابغاتٌ

على غيْرٍ يهدّدُها الفزيعُ

*

فسلّحْ أمّةً وابْعِدْ أذاها

فكمْ فرِحَتْ إذا فاضَ النجيعُ

*

بطولاتٌ على الإخوانِ جادتْ

لأعْداءٍ بما كنزتْ تَصيعُ

*

أشدّاءٌ على بعضٍ وإنا

لجَوْهَرنا بنازلةٍ نبيعُ

*

تَوغّلتِ المَنايا في رُبانا

وأوْهَنتِ البلادَ بها القطيعُ

*

هيَ الأوطانُ يُسْقطها بَنوها

فيدْهمها بهمْ وحْشٌ رديعُ

*

متاهاتٌ من الأوْهامِ جاءتْ

يُعزّزها عدوٌّ مُسْتطيعُ

*

بروحِ وجودِنا عِشنا أليماً

يوجّهنا إذا لزمَتْ خنيعُ

*

ومِنْ شرٍ إلى وَجَعٍ خُطاها

وإنْ نطقَ الحكيمُ بها يَضيعُ

*

هوانٌ حَفّنا ورَعى أسانا

لأعْداءٍ بها رجحَ الرجيعُ

***

د. صادق السامرائي

 

لا أبي أنصفني يوماً

ولا أمّي

فهل يُنصفني بعدُ الغريب

تركاني في طريق ليسَ يُفضي

وجهتي مجهولةٌ

خطوتي يفصلُها عن أختها قرنٌ من الدهر

وقد ترجعُ قرناً للوراء

لستُ أستجدي عيوناً أحتمي كالطفل في أهدابها

غيرَ أني دونَ أن أسّلَقَ الأعناقَ والأكتافَ

جاهدتُ على البوح بما ينقضُ ظهري

سُترتي رقّعتُها ألفاً من المرّاتِ

حتى لم تعد تصلحُ جلداً لحذاء

**

كانتِ الأقمارُ في طور المحاقِ

وذئابُ الغلّ تعوي

والملايينُ التي تنتظر الميتةَ

تستعجلُ من يطعنُها

وأنا في بَطَرٍ

أبحثُ عن حُبٍّ وأمنٍ في العراء

**

عندما جعتُ تغذّيتُ على لحمي

وأخفيتُ رمادي تحتَ أضلاعيَ معْ جمرِ الحروبْ

لم أرَ الغيبَ – كما قيلَ – على الجبهةِ مكتوبٌ

ولا أصبُعُهُ أومأ أنْ أقصدَ

ما تُخفيه عن عيني عيونُ الأدنياءْ

وكذا الأمرُ مع الواقعِ

فالشَهدَ الذي يُقطِرُهُ

سرعانَ ما في غصّة القهر يذوبْ

وأنا ما بينَ مجهولين أمضي

مثلَ يعسوبٍ بلا أجنحةٍ

يخبطُ في الصمغِ

ويرنو

بغباءِ الحالمِ المأسورِ للأفقِ الرحيبْ

***

شعر: ليث الصندوق

قالَتْ،

هذَا اللَّيْلُ يَأْكُلُ مِنْ خَاصِرَتِي،

كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ آخِرَ أَوْرَاقِ الخَرِيفِ.

لَا رَغِيفَ لِي،

سِوَى الجُوعِ المُعَلَّقِ عَلَى مِسْمَارِ الرُّوحِ.

أُنْصِتُ إِلَى خُطُوَاتِ العَتَمَةِ، وَهِيَ تَجُرُّ أَذْيَالَهَا فِي مَمَرَّاتِ القَلْبِ،

فَأَرَى الظِّلَالَ تَتَنَاسَلُ مِنْ ظِلٍّ إِلَى ظِلٍّ، كَقَبِيلَة مِنَ الأَسْئِلَةِ ضَلَّتْ طَرِيقَ اليَقِينِ.

حَوْلِي ذِئَابٌ شَبِقَةٌ،

تَدُورُ كَالكَوَاكِبِ حَوْلَ خَطِيئَةٍ قَدِيمَةٍ،

تَشُمُّ رَائِحَةَ الخَوْفِ فِي أَكْمَامِ اللَّيْلِ،

وَتَغْرِسُ أَنْيَابَهَا فِي جِهَاتِ الصَّمْتِ.

ولَا رَفِيقَ لِي.

لَا أَحَدَ يُرَتِّبُ الفَوْضَى فِي عُيُونِي،

وَلَا أَحَدَ يَجْمَعُ شَظَايَا النُّجُومِ المُتَنَاثِرَةِ عَلَى أَرْصِفَةِ انْتِظَارِي.

وَحْدَهَا الخَطِيئَةُ المُرَّةُ تَنهش جسدي .

تُقَدِّمُ لِي كَأْسَهَا المُعْتِمَةَ، وَتَقُولُ، اشْرَبِي مِنْ هَذَا الأَسَى،

فَإِنَّ الطُّرُقَ الطَّوِيلَةَ لَا تُنْبِتُ غَيْرَ الأَشْوَاكِ.

فَأَبْتَسِمُ لَهَا، مُعْرِضَةٌ،

كَغَرِيقٍ يُحَيِّي مَوْجَتَهُ الأَخِيرَةَ، وَأَمْضِي...

***

مجيدة محمدي - تونس

في مكةَ كانَ الضُّحى يتوضّأُ بأجنحةِ الحمام، وكانتِ الكعبةُ تفتحُ قلبَها لخطواتِ الأنبياءِ العائدينَ من التعبِ الطويلْ.

*

وقفَ الحسينُ كأنَّ المجرةَ استقامتْ في هيئةِ رجل، وكأنَّ اللهَ حينَ أرادَ أن يكتبَ معنى الكرامةِ ألقى حروفَهُ في دمهِ النبيلْ.

*

قالَ:

«مَنْ كانَ باذلًا فينا مُهجتَهُ فَلْيَرحلْ معنا…»

*

فارتجفتْ نجومُ السماواتِ السبع، وشهقتِ الريحُ كأنها تسمعُ لأولِ مرةٍ صوتَ الحقيقةِ وهيَ تعبرُ حافيةً فوقَ سكاكينِ الأرضْ.

*

كانَ يعرفُ أنَّ الطريقَ إلى العراقِ ليسَ طريقًا، بلْ سلّمٌ من الجراحِ يصعدُ عليهِ الضوءُ نحوَ اللهْ.

*

وكانَ يعرفُ أنَّ المدنَ التي تُبايعُ الطغيانَ تُطفئُ في عيونِ أطفالِها آخرَ قنديلٍ للرحمةْ، وأنَّ السكوتَ حينَ ينامُ في أفواهِ الرجالِ تستيقظُ في البلادِ مقابرُ لا تنتهي.

*

لذلكَ شدَّ على قلبهِ كما يشدُّ النبيُّ على آخرِ آيةٍ قبلَ الرحيلْ، ومضى…

*

وكانَ الرملُ يكتبُ خلفَ خيلهِ سيرةَ الدمِ الطاهرِ على صفحاتِ الأزلْ.

*

يا ابنَ فاطمة، أيُّ نهرٍ هذا الذي حملتَهُ في ضلوعكَ حتى صارَ العطشُ أكثرَ قداسةً من الماء؟! أيُّ شمسٍ كانتْ تنامُ في عينيكَ حتى احترقتْ بكَ كلُّ عروشِ الظلام؟!

*

كنتَ تمشي فتنحني الأزمنةُ القديمةُ كي تمرَّ روحُكَ، وكانتِ الملائكةُ تتبعُ وقعَ خُطاكَ كما تتبعُ القصيدةُ موسيقى قلبِ شاعرٍ مُصلوبٍ على الحنينْ.

*

في تلكَ اللحظةِ لم يكنِ الحسينُ رجلًا يخرجُ من مكةَ إلى العراق، بلْ كانَ الكونُ كلُّهُ يغادرُ خوفَهُ القديمْ.

*

وكانَ التاريخُ يخلعُ تاجَ الملوكِ ليضعَهُ على رأسِ شهيدٍ يحملُ اللهَ في نبضهِ الأخيرْ.

*

مضى الحسينُ…

*

وخلفَهُ كانتِ الأرضُ تتعلمُ للمرةِ الأولى كيفَ يكونُ الوقوفُ بوجهِ الطغيانِ صلاةً كونيةً لا ينطفئُ أذانُها إلى يومِ القيامةْ.

***

بقلم : كريم عبد الله - بغداد / العراق

من ديوان: مجرةُ الحسين: من كربلاءَ إلى أبديّةِ النور

يتَلظّىٰ فيكَ الجِلدْ

مشدوداً ..

فوقَ صَليبِ الحُمّى

عظْمُكَ كالسَعفِ وقد أفْلتَهُ الصَقْر

عيناكَ كشَمسٍ يَبلعُها الليل

ممدوداً ..

في مِحرابِ الحَجْر

كبناءٍ مُنهَدّ

تسمَعُ ..

لا تفهَم ..

فتشقَّ بوَهنْ

كلّ ستائرَ عَينَيكْ

لترى فوقكَ ظلّا أبيضَ ..

يُدنيكْ

وفَماً أحمَرَ يُلقي فيكْ

لا تفزعْ

تُطفئُ رَوْعَكَ باللمَساتْ

تَحمِلُ نبضَكَ في يَدِها

وتذيبُ سعارَ الصمتِ بأنفاسِ الوَردْ

تدنو ..

تحنو..

تُدخِلُ أنفكَ بين وِهاد

تتَرقرَقُ طيّعَةً من غيرِ عَناء

نَزَلتْ عشتارُ اليكْ

لا تدري من أيّ سماءْ

ستُحيلُ جَحيمَكَ برْدْ

انظرْ..

يَهمَدُ رجْفُك كالطفلِ وقد أَمِنَ النَهد

تتَمنّىٰ لو أنّ لسانَكَ يَقوىٰ

آهٍ ..

ألّا تخفَتَ في فَمكِ الكلِماتُ

وتهوىٰ

أن تسألَ عن إسمْ

عن رقَمٍ من عَشرةِ آهاتْ

تحفَظُهُ كالعَهدْ

يفتحُ في الجهةِ الأخرى

لكَ بوّابةَ حُضْن

تبْغىٰ ..

لو أنّكَ في غيرِ مكان

والليلَ بلا لَونْ

لتعودَ اليها ..

تتَذرّعُ بالشُكر ..

يا للعُذر

أوَ لا تعرِفُ هذا العُمْر

يعرِجُ في غيرِ زمان

***

د. عادل الحنظل

......................

* كتبت هذه القصيدة بعد خروجي من غرفة العناية المركزة في مدينة يوتيبوري- السويد

من اوراقي القديمة

***

ذا مشرط في جبهتي

يدمي طيور فكرتي

*

ذي بومة غريبة

قد ارهبت يمامتي

*

لكنما ذي فكرتي

بهية كقصتي

*

ورايتي خفاقة

ناصعة كمهجتي

*

وصرخة في جبهتي

تحمي طيور فكرتي

*

في اضلعي قد اضرمت

اثارها ما بليت

*

ذئابها تكالبت

اسنانها ما كسرت

*

في مهجتي تغلغلت   

جروحها ما ضمدت

*

لكنما ذي اضلعي

بالجلنار ازهرت

***

سالم الياس مدالو

بغداد – 1992

 

قصص قصيرة جداً

- الجمال وحده لا يكفي..

التفت الى الخلف وهو في المقهى.. ثم حدق في اللآشيء وعاد الى فنجانه يرتشف منه رشفة أغمض بعدها عينيه، وحين فتحها ألتقت بعينين سوداويتين واسعتين وأهداب سوداء طويلة وحاجبان أسودان مقوسان حادان كالسيف وأنف صغير وفم ارجواني شهي في وجه أبيض مستدير ينساب على وجنتين شعر كستنائي على رقبة بيضاء طويلة وقامتها تبدو هيفاء سامقة باسقة..

ظل يحدق فيها كلوحة جمال الاهيه، حتى التقت العينان، فأدركت خجلا وتوارت خلف فنجان قهوتها، إلا ان التحديقة الثاقبة هذه ظلت محفورة في ذاكرتها تطاردها في كل رمشة عين، رغم انها حاولت نزعها ولكن دون جدوى..

أدرك ان الجمال شيء والأخلاق شئ آخر.. كما ادرك انه من الصعب إفتراض أن الجمال هو الاخلاق التي هي مصدر القيم بما فيها الجمال ذاته.

 **

قال:

اصطدمت صدفة بأمرأة سمراء قبيحة بشكل لا يطاق وسقطت كتبي على الارض.. فبادرت هي مسرعة الى جمعها وتقديمها إلي مع ابتسامة بريئة فارقة رغم قبح وجهها وبشاعته.. وجه أسود يميل الى الإخضرار وانف افطس ومنخران عميقان وعينان غائرتان تحيطهما هالتان سوداوتان يلاحظ من خلالها لون ابيض بارق عند الإلتفاتة وشعر كثيف أشعث والجمال مفقود تماما ولكنها أبدت روحا غاية في الجمال والإندهاش والبهجة.. وحين ذهبت، اختفى الشكل وظل جمال الروح ماثلا في اعماق الذاكرة..

***

د. جودت صالح

12/ 6 /2026  

حَنانـيْكِ طـالَ الــدَّلالُ

فَحَسْبُكِ هَذا الجَمالُ

وسُبحانَ مَنْ قد بَراكِ

أَبَـعْـدَ الكمال كمـالُ !

فَتِيهِي بِعُجْبِ الحِسَان

كمَا جَال ذاكَ الغَزالُ

وزيدِي شُموخَ الجَلال

فَـما طـاوَلتْكِ الجِبالُ

فحتّى شديدُ الصُّـخُور

تَرَقْـرقَ مـنـهُ الـزُّلالُ

وصارَ يُروّي الفَـيافِي

ثِـمـارٌ لــهَا واِنْـثِـيَــالُ

حَنـانـيْك جُودي بلَمْح

وحـتّـى بِحَـرفٍ يُـقـالُ

وإمّا دعـاكِ الـغُــرور

حَـذاري فذاكَ الوَبـالُ

فإنّـي أبِــيٌّ عَــصِـيٌّ

أحِـبُّ الـتَـحدّي أنَــالُ

إذا كنـتِ نجمًا فَـإنّي

وفَـوقَ النّـجُـوم هِـلالُ !

***

سُوف عبيد  تونس

 

في آخر لحظة

الدنيا المقهورة بالصمت بدت تتشكل من جديد

هل رايتَ عنكبوتا يغار من اوتار القيثار

وامرأة بساقين من جذع النخيل

لا شي

سوى أنَّ القيثار لملم نفسه واقتحم الخيوط مثل ذبابة طائشة

وكانت المرأةُ المرآةُ - يراها الاخرون فلامنكو بساقين من جذع النخيل-

كانت تتخذ من رقصة الاثنين

وشاحا لها

فتدور وتتسع تنورتها الحمراء

الخضراء

الزرقاء

تظل تدور

وتنورتها تتسع بفكّ يفترس الفضاء

لا تتعب

بل

تتلوَّنُ في كلّ الدورات

ولا يتعب معها القيثار أو العنكبوت

سوى أنَّهما لم يصمتا

وإن كانا

من دون خيوط وأوتار

***

د. قصي الشيخ عسكر

يُرَصِّفُ اللّيلُ كؤوسَهُ على أجنحة الْموْج وفي الْمَطَرْ.

يَرْشُفُ فاكِهَةَ قهوةٍ

على شواطئ الْقمَرْ.

ويحتسي عُصارَةَ الْفجرِ الّذي

ما شَهِقَ في الْقُرَى.

حتّى إذا الزّيتونُ ضجَّ ورغا،

تَرَنَّمَتْ صُحُفُهُ

بوَشْوَشَاتٍ عطرُها الْغزَلْ

" أُشْرِبْتُ ريحَكِ وما أنْجَدَني السَّمَرُ

يا أغنيةً في الْموْجِ أيْنَعَتْ.

مالي أراكِ في لحافي

ولك النّجومُ أوْرَقَتْ؟ "

*

تحتبِسُ الْبهجةُ في هسيسِ صمتها

وتسأل:

أفي كفّك يا ليلُ مَزَاهِرُ ونشوَةٌ؟

هَبْني نَسَجْتُ في سمائي

ياسَمينا نَبْضُهُ الْعِنَبُ

هل تُزْهِرُ في كفّك مُقْلَةُ الْقمَرْ؟

*

ها قد مضى نجمي

يُناجي زُرقَةَ الْفَنَنِ والْمدى

وأَمضِي في الدّروب دونما هدى.

فلا شجيُّ اللّحنِ

يُشْجِيني بِشَدْوِهِ

ولا حمّالَةُ الْقِرَبِ

يُدْني شَهَقاتِ الرّيح

من مراكبي.

*

وما بقايا الضّوْءِ تُنْجِدُ المرايا

وحَكايا النّخلِ

بَعْدُ ما توَشَّحَتْ بها الرُّبى.

وها هنا أكُفُّ وَقْواقٍ

غَدَتْ أوْشِحَةً يحُوكُها الْحَجَلْ.

وجِيدُ غَيْداءَ تَوَهّجَ

بكفِّ نَغَمٍ بَعْثَرَهُ الصّدى…

فمن تُراه يَسْتَكِفُّ الْبَحْرَ

لو رقصَ واشتكى؟

ومن تُراه يُبْهِجُ النّهرَ

إذا ما النّهرُ قد عبسَ واكتوى؟

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي- تونس

سَوامِقُ أمّةٍ شمَخَتْ بشعْبِ

وطافَتْ بينَ آفاقٍ برَكْبِ

*

بها المَلويَّةُ الفرهاءُ تَحْيا

منوّرةً مناجيةً لرَبِّ

*

بسامراءَ من ولهٍ تسامَتْ

وأغْنتْ فكرةً ورَعَتْ بحَدْبِ

*

تحدّثنا عنِ الأمْجادِ دوماً

وتسألنا كمأسورٍ بخَطبِ

*

فننظرُها وما نظرتْ إلينا

فتَرْمُقنا بإنْكارٍ وعُتْبِ

*

لأنّ الجيلَ مَقطوعُ اتْصالٍ

بجاهِرَةٍ بأعْماقٍ ودَرْبِ

*

كأنّ وجودَنا مَحْضُ احْتِرابٍ

يُمَزّقنا ويَرْمينا بخُرْبِ

*

فيُهلكنا بما صَنعتْ عُلانا

ويَجْعلنا بلا وَطنٍ وصُحْبِ

*

تَضاءلَ خيرُها والشرُّ يَطغى

ومَنهجُها لمَفسَدةٍ ونَهْبِ

*

وقادتُها على الأوْطانِ شؤمٌ

وأعداءٌ لها صاروا كعُصْبِ

*

أ هاماتُ الوجودِ بها انْكسارٌ

وتَخْشى مِنْ مُناداةٍ بعُرْبِ؟

*

تفتتِ الجُموعُ وما تواصَتْ

بإقْدامٍ وإبْداعٍ ووَثْبِ

*

أ كانَتْ أمّةً ذاتُ ارْتقاءٍ

تلوّى كلّها وسَعى بدأبِ

*

فصارتْ فوقَ هاماتِ التَعالي

تزعزعُ كوْنَها دوما بجَذبِ

*

ومَنْ عَرفَ الصُعودَ إلى سَماءٍ

سَيُدركُ أنّها تَحْيا بقلبِ

*

تَلوّتْ من مَحاسِنها وتاقتْ

لرائدةٍ وخالدةٍ بعُقبِ

*

حِكايةُ دولةٍ في كُنهِ صَرْحٍ

تُلخّصُها العِمارةُ دونَ كِذْبِ

*

وأنّ رقاءَها فيه لُغاتٌ

منوّعةٌ مُسَطّرةٌ بكتْبِ

*

وكلّ حَضارةٍ تَركتْ رموزا

لأجيالٍ تُباركُها بحُبِّ

*

ومنها تَستقي الأرضُ افْتنانا

وإيْمانا بعازمةٍ لوَهْبِ

*

أ فينا نبعُ إشراقٍ وفَخرٍ

ونَنأى عن مَواضِعنا بشَطبِ

*

لماذا جارتِ الدنيا عَلينا

تَصدِّعَ حالُنا فهوى لعَطبِ

*

تواكبتِ الخطوبُ على ثَرانا

بلا أملٍ ولا فرجٍ ورأبِ

*

وكلّ رشيدةٍ وقعتْ بفَخٍ

وعاقلةٍ بها نادتْ بشجبِ

*

هوَ البُطلانُ شرعٌ واعْتقادٌ

وسائسُها الذي يَسْعى لغَلبِ

*

وإنّ الليلَ قد بلغَ اكْتمالا

ويَمضي رغمَ داجيةٍ لوقبِ

*

ودين الله في الدنيا ابْتلاءٌ

فهلْ ذهبتْ بأديانٍ لعُصْبِ

*

وما فرحتْ بما ملكتْ فخابتْ

وشانتْ كلَّ رائعةٍ بنَحْبِ

*

كأنَّ الدمعَ منهلُها المُفدّى

وإنْ فرحتْ فمِنْ سأمٍ وعُجْبِ

*

أراها حالةً ذاتَ احْتضارٍ

وإنْ قُرنَتْ مواضيها برُجبِ

*

فما دامتْ شعوبٌ بانْحِدارٍ

ولا أممٌ إذا حُشِرَتْ بثقبِ

*

فهلْ صَعدتْ مَواكبُها لأوْجٍ

وهلْ نظرتْ لشاهقةٍ تُلبّي؟!!

*

رأيتُ مَنارةً في كَوْنِ إلاّ

تلألأ نورُها فيضاً بغيْبِ!!

*

فطافَ الروحُ هيَّاما بوجدٍ

يُعابقُ نفحةً صَدَحتْ بعذْبِ!!

*

وتشدو لحنَ أشواقٍ وتَوْقٍ

لخلاّقٍ على عُرُشٍ ورُتْبِ

*

هيَ الملويةُ الوثبى بخلقٍ

إلى أمَدٍ بآفاقٍ وسُحْبِ

*

كأنّ الروحَ مِهمازُ انْطلاقٍ

يُسامِقها التلوّي فوق صَعْبِ!!

*

بجاونِها تكاثفَ مُحْتواها

وتاقتْ فوقَ ذِرْوَتها لقُطَبِ

***

د. صادق السامرائي

​نعيش زمناً سريعاً غريباً، يتطور ويتجدد بصورة يومية، يرغمك على مجاراته وضرورة فهمه حتى تتعامل معه؛ فالأمس فيه ليس كاليوم ولا الغد.

​أولاده أهدوه عند بلوغه سن التقاعد هاتفاً حديثاً يرى من خلاله صورة المتصل، بعد أن شحّ منه البصر. لا يرغب في المكوث بالمنزل وسط صخب وضجيج الأحفاد، فلا أحد يمنحه بعضاً من أكسيد الفرح كي يشعر بإنسانيته. ضاقت به حجرات المنزل وكأنها تلفظه، كما لفظته شركة الورق التي عمل بها وأعطاها الكثير من جهده وعمره، في مقابل خطاب شكر تعلنه فيه بنهاية خدمته.

​دنيا تأخذ منحنيات مفاجئة لم يكن يوماً متأهباً لها، والغريب أن روحه ما زالت تنبض رغم تسرب الفرح من بين جنباته. اعتاد السير إلى اللامكان، "زحمة يا دنيا زحمة"؛ تذكر الأغنية الشعبية الشهيرة. الشوارع أصبحت أكثر توحشاً، ولا بد أن تكون منتبهاً أثناء السير، فالسيارات المسرعة لن تتوقف لعبورك الطريق.

​كيف لم ينتبه إلى هوان نفسه ولا موت روحه بغيابها؟ كانت تعرف طلباته دون أن يطلبها، تضبط البيت وتجعله نظيفاً دون ضوضاء ولعب الأطفال حتى موعد عودته من العمل.

​لكزته امرأة دون قصد، ليتها كانت قاصدة! لها جسم لاذ بالفرار بعد أن ألهب الشرر، وبقي عطر جسدها النضر مثل الفاكهة الشهية، استطاع جمعه وإخفاءه في جيب سرواله. وجد نفسه متلبساً بابتسامة مقتضبة، متسائلاً: كيف استطاع إخماد مشاعره عشرين عاماً؟

​لكمته الحياة وأفقدته الكثير من بهاء العيش في لعبة ماكرة، قام فيها بالدورين: الأب والأم. هذه الشمس لا تشرق من أجلك وحدك، لكنها تبهج كل البشر. كان أمامك منعطف الحنين، لكنك اخترت غيره؛ لم تستمتع بموسيقى البحر وتغريد الطيور، ولم تفتح نافذة القلب.

​كانت هناك امرأة شابة تجلس قبالته، متوهجة، ممتلئة حيوية وحباً للحياة، وهي تطل من نافذة الباص على غرائبية الحياة.

***

​ قصة قصيرة

بقلم: محمد محمود غدية - مصر

الريحُ ـ في أصلٍ لها ـ آهاتي

لكنَّ شمسَ الفجرِ مِن بَسماتي

*

للهِ لو تدرينَ بينَ أضالعي

كمْ صدَّ قلبي مِن سهامِ عداتي

*

ولأنني حُبُّ المنابعِ للربى

قلَّدتُ درَّ الماءِ روحَ نباتي

*

حتى بدا خَضِلاً تموجُ بِهِ الدنى

حُبَّاً، كأنَّ الحُبَّ مِن نخلاتي

*

بنتَ النخيلِ أما ترينَ قصائدي

كوناً من الأفلاكِ والنجماتِ

*

سارتْ بِها للوجدِ أفئدةُ الهوى

كيما توحِّدُ آخراً بالذاتِ

*

ذَوباً، فتلتئمُ الحدودُ عوالماً

سحريَّةَ الأنّاتِ والناياتِ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

6/6/2026

ما كنتُ أحسبُ أنَّ حُبَّكِ يولدُ

ليكونَ سجّاني اليه أقصدُ

*

لأعودَ بالبؤسِ القديمِ محمّلًا

بؤسَ الهوى بلواعجٍ تتجدّدُ

*

لله أشكو حالتي هي حالةٌ

يُرثى لها والحُبُّ عِبئي المُجْهِدُ

*

والحُبُّ ما ترك الخَيارَ لعاشقٍ

يومًا ليصحو أو لعينٍ ترقدُ

*

ها أنتِ جنبي ما ترنّم بلبلٌ

أو لاحَ في غَلسِ الليالي فرقدُ

*

وأقولُ هل تَدرينَ حاليَ عندما

أَمْضي لمحرابِ الهوى أتَعَبَدُ

*

لا شيء عندي غَير شخصكِ ماثلٌ

وعلى امتدادِ الشوقِ ليليَ أنشِدُ

*

وتصِبُّ أوجاعي الحنينُ زفيرُها

في بحرِ آمالٍ وقلبيَ مُجهدُ

*

با الله قولي يا مُنايَ الى مَتى

أحيا على حُلُمٍ عَسّيرٍ يُولَدُ

*

قولي فلستُ الى القلوبِ بقارئٍ

وعيونُكِ المَقْرُءُ فيها يُسْعدُ

*

فإلى مَ أبقى يا مُنايَ مُضَيّعًا

وعلى طريقكِ واقفًا أَترصّدُ

***

الحاج عطا يوسف منصور

العراق / الكوت

في صيف 1964

...............

القصيدةُ هي ألأولى نظمتُها بعد خروجي مِن التوقيف في 12 شباط 1964 وتُهمتي [شيوعي] وكانتْ القصيدة لأوّل فتاةٍ خفق لها قلبي سُفّرتْ وعائلتها الى ايران بداية السبعينات وهذا المنهج مخططٌ وضعه حزب البعث لتغير ديمُوغرافية المنطقة الوسطى والجنوب التي هي مناطق الوجود الشيعي في العراق لتقليص عددهم. ومن المفارقات أن خالها كان يلعب معي الشطرنج ولا أعرف بذلك إلّا بعد التسفير أخبرني بهذا أحد الاصدقاء.

قِدِّيسَةٌ تُصَلِّي فِي مِحْرَابِ النَّارِ،

وَالعالم يَرْجُمُهَا بِصَمْتِهِ.

كُلَّمَا ارْتَفَعَ مِنْ جَسَدِهَا دُخَانٌ،

انْخَفَضَ فِي الأَرْضِ مِيزَانُ الإِنْسَان.

كُلَّمَا تَنَاثَرَتْ مِنْ أَضْلَاعِهَا شَظِيَّةٌ،

تَكَسَّرَ فِي السَّمَاءِ نَجْمُ الضَّمِيرِ.

*

غَزَّةُ... الَّتِي تَقِفُ بَيْنَ نَارٍ وَنَارٍ، كَشَجَرَةٍ وَحِيدَةٍ فِي آخِرِ الصّدى،

القِدِّيسَةُ الَّتِي كَفَرَ بِهَا العَالَمُ!

*

لَمْ يُصَدِّقُوا دَمْعَتَهَا،

لَمْ يُصَدِّقُوا دَمَهَا،

وَلَمْ يُصَدِّقُوا أَطْفَالَهَا...

*

وَالعَالَمُ... التِّمْثَالُ الأعَمَى،

يَتَرَاجَعُ القَهْقَرَى...

إِلَى بِئْرِ العَارِ...

***

مجيدة محمدي

منذ انتقالي إلى مدينة (ب) لكي أسكن قريباً من الشركة التي بدأت العمل فيها، اعتدت أن أخرج في الأمسيات أتمشى، أو أجلس على مقعد من المقاعد المنتشرة على كورنيش نهر الراين، أفكر في الحياة وتصاريفها التي أوصلتني إلى هذه البلاد، أراقب الغابات الكثيفة على سفوح الحبال، والقصور الأثرية التي تختبئ بين أشجارها، تثير أبراجها الشاهقة في مخيلتي قصص الأميرات والفرسان والجنيات التي قرأتها في طفولتي. 

أكثر ما لفت انتباهي في الأسابيع الأولى هو النساء المسنات اللائي يركضن أو يقدن الدراجات، وعدد الكلاب التي تقودها السيدات بلطفٍ وصبر، حتى بتّ أعرف وجوهاً بعينها تتكرّر في كلّ مساء، وبدأنا نتبادل التحية، كأننا جيران، أو نسكن في شارعٍ واحد.

من تلك الوجوه، السيدة (ف). كانت في السبعين أو قريباً من ذلك، تمشي بخطواتٍ وئيدةٍ منتظمة، بأثواب أنيقة فاخرة، تجرّ، بسلسلةٍ لامعة، كلباً ضخماً بشعرٍ أبيض ناعمٍ يغطي عينيه الذابلتين الناعستين على الدوام.

"أنا مثلك من أصولٍ مهاجرة"، قالت لي ذات يوم بعد أن لفتت ملامحي العربية انتباهها. "والداي من أصولٍ إيطالية"، أضافت وهي تجد حديثاً تثرثر به، كعادة العجائز والنساء المتقاعدات اللواتي يجدن متعة في الحديث مع أي فردٍ يصادفنه، في موقف الباص، أو على مقعدٍ في قطار، أو على كورنيش الراين.

ذات مساء، بينما كنت أجلس على أحد المقاعد، أراقب الغيوم التي تجري في السماء، والجبال التي تكسوها الغابات في الضفة المقابلة، أو أتأمل الوجوه التي تمرّ أمامي، مرّت السيدة (ف) تجرّ كلبها العجوز، وكان الكلب يمشي بتثاقلٍ حذر. كانت ترتدي ثوباً من قماشٍ بلون المشمش، وفي عنقها سلسلةٌ ذهبية بحجر عقيق، آثار الجمال لا تزال واضحةً على وجهها الأبيض، شعرها الكستنائي مصبوغ بعناية لا تخفى.

جلستْ على المقعد المجاور، وكلبها الضخم يتشمّم العشب كأنه لا يثق بالأرض التي يقف عليها. اقترب مني، وراح يشمّ قدمي وساقي. أصابني الخوف، فرفعت قدمي وانكمشت على مقعدي.

"لا يعضّ. لا تخف إنه حبّوب"، قالت المرأة وهي ترى خوفي، وانفرجت على شفتيها ابتسامةٌ مترفّعة، وراحت تمسّد فروه الناعم الطويل، وتداعب عنقه بلطفٍ مثل طفلٍ مدلّل. لاحظتُ أنها لا ترفع بصرها عنه، أو تنقل عينيها بيني وبين كلبها الحبيب، والكلب يغمض عينيه مستسلماً للمساتها التي اعتاد عليها كما يبدو، ويمدّ لسانه الأحمر..

"ريجي" قالت، تعرّفني على الكلب. "اسم إيطالي، يعني الملك!"، أكملت دون أن أسألها، وفي صوتها نبرة من يعلن لقباً نبيلاً.

"اسم جميل" رددتُ بآلية.

"من  سلالةٍ أصيلة، أبوه شارك في مسابقات أوروبية، وحصل على جائزة في إحدى المسابقات... زوجي أحضره لي من سويسرا، دفع ثمنه ثروة!"، قالت بزهوٍّ، وابتسمت ابتسامةً عابرة، ثم أردفت، كأنها تبرّر لنفسها: "كان يحبني كثيراً"

"كان؟ رحمه الله!"، قلت في نفسي.

نظرت إليّ بعينيها الرماديتين كأنها قرأت أفكاري، وأكملت: "هكذا كنت أعتقد!"

شعرتُ أنّ في كلماتها شيئاً لا تقصده، أو تقصده لكنها لا تريد أن تقوله، وعادت يدها تداعب فرو كلبها الكثيف، وأنا أراقب سفينةً تعبر أمامنا، والنهر تحتها يجري ببطء.

فجأة، حدث ما لم أتوقعه؛ دون مقدّمات نهض الكلب على قوائمه، وعيناه الزرقاوان لمعتا كأنهما الزجاج، زمجر واندفع نحوي وهو يقفز قفزاتٍ ثقيلةً، يمدّ لسانه الأحمر، يلعق وجهي ولهاثه ملأ منخريّ. تدحرجت قارورة الماء التي كانت بجانبي، وأحسست بخوفٍ ممزوجٍ بالقرف، لا أدري، أأدفعه عن وجهي، أم أحتمي منه، أم أترك مقعدي وأمضي؟

نهضت السيدة مسرعةً، شدّت السلسلة المذهبة، وسحبته إليها وهي تهمس له كلماتٍ لا أفهمها. كانت تمسّد صدره، وتقبّل رأسه كأنها تعتذر منه؛ كأنما هو الضحية، وأنا لست سوى خيالٍ لا يستحقّ التفاتة.

" آسفة… آسفة جداً… لا تخف أنا هنا".  كانت تحدّث كلبها بتوترٍ وشفقةٍ عميقة، ولم تعرني أدنى اهتمام إلا بعد أن هدأ الكلب تماماً، نظرت بعينين معتذرتين، ويدها تشدّ على السلسلة بحذر وإحكام.

"آسفة"، قالت لي، ثم وجّهت عينيها نحوي وأردفت: "ريجي لا يؤذي، لكنه يخاف من الغرباء"

- لا بأس. لم يؤذني.

- أنت محظوظ… زوجي لم يكن محظوظاً مثلك.

تنهّدتْ ونظرتْ إلى النهر نظرة عميقة وطويلة، كأنها تستعيد ذكرياتٍ قديمةً مضى عليها سنين، أو لعلها تفكر هل تقول ما ستقوله، أم تمرّر الكلمة وتتركها معلقة… "زوجي، هانز، كان ألمانيا أصيلاً، من عائلة فون بيرغمان النبيلة. حين هاجر والدي من إيطاليا، كان عمري اثنتي عشرة سنة، اشتغل في مزرعة عائلة فون بيرغمان، أمي عملت في المطبخ، وأنا أساعدها. كان منزل العائلة كبيراً، وكانت العائلة كبيرة. هانز عمل كثيراً، مثل كلّ الألمان؛ أضاف ثروة إلى ثروة العائلة. كان يحبّ أرضه أكثر من أي شيء، يعرف كلّ شجرة فيها، يمضي إليها كلّ صباح، قبل أن يستيقظ أحد".

نظرتُ إلى يدها، كانت تتحرّك آلياً على ظهر ريجي. أكملت حديثها، بهدوء، كأنها تقرأ رسالة قديمة لا تخصّها: " كان عمري خمس عشرة سنة حين رآني في الفناء. كنت أحمل سلة الغسيل."

نهضت عن مقعدها، اقتربت من درابزين الكورنيش، والراين يجري في مسيره الأبدي. قالت: "بعد ثلاث سنوات تزوجنا، أمه لم تبارك زواجنا إلا بعد سنةٍ كاملة، لكنّ هانز لم يكترث. أحبني... نعم. هذا حقيقي. أسكنني في البيت الكبير، وعلمني كيف أختار الثياب، وكيف أتكلم مع ضيوفه، وكيف... في بيت فون بيرغمان تعلمت أصول السلوك الأرستقراطي، وتفوّقت بها.". توقّفت، وأخذت نفساً عميقاً بتمهّل... "كنت تلميذته المجتهدة"

كانت كلماتها تخرج باردة، بلا أي شعور، كأنها تحكي قصة إنسانٍ لا يمتّ إليها بصلة، وكان الكلب يراقب بعينيه الناعستين الكسولتين، يلهث بصمت، ولسانه يتدلى من بين أسنانه: "ترك عمل المزرعة لأبي. أراد أن يعوّضني عن سنوات البدايات الصعبة، عرف حبّي للكلاب، فاشترى لي (ريجي)، سافر خصيصاً إلى سويسرا، ليفاجئني به في علبةٍ حمراء في عيد ميلادي"

هبّت نسمة باردة، وتمايلت أغصان شجرة قريبة، ونهض الكلب بتثاقل، وهي تسرد، ولا تكترث لشيء: "كنت سعيدة جداً بكلبي، لكنّ السعادة… السعادة، أحياناً، دودةٌ ناعمةٌ تنخر الشجرة من داخلها"، استأنفت حديثها دون أن تلتفت نحوي، كانت كأنها تحدّث نفسها، أو تستعيد ذكرياتها بصوتٍ مسموع: "صرت لا أخرج إلا مع ريجي، لا أنام إلا بقربه، لا أهتمّ بأحدٍ سواه. أحببته، وتعلّقت به"، قالت بنبرةٍ لا تبدي أيً شعور خجلٍ أو اعتذار، بل كحقيقةٍ باردة، وأنا كنت أنظر إلى الكلب الذي فتح عيناً واحدة، وأقعى على قائمتيه الأماميتين.

"زوجي كان يغار". قالت فجأة، التفتت إلي وأكّدت وهي تهزّ برأسها هزاتٍ بطيئة: "هل تتعجّب؟ رجلٌ يغار من كلب!  قال لي مرة: أنت تحبين ريجي أكثر مما تحبينني. قلت له: ريجي لا يخذلني"

ابتسمت ابتسامة خاطفة، وتابعت كأنها لم تبتسم: "منذ تلك الكلمة، اختلفت حياتنا، صار الصمت بيننا يسود بشكلٍ أطول".

 رحت أفكّر: كيف يفعل المرء ما بوسعه، ليقدّم للمرأة التي يحب، كل ما تحبّ. تخيّلت عمق ألمه وهو يسمعها تقول إنّ الكلب، كلبه هو، الذي سافر إلى سويسرا، ودفع ثروةً ليشتريه لها، "لا يخذلني"، ولم يسمعها تقولها له قطُّ؛ لكني لم أعلّق بشيء. الغريب يمكنه أن يراقب، أن يدرك؛ لكن، لا يحكم.

نهضتُ عن مقعدي، اقتربتُ منها، واستندتُ على الدرابزين بجانبها، وريجي وقف خلفنا، يلهث ولسانه متدلٍ، لم تتوقّف عن الكلام، كأنها لا تشعر بوجودي: "ذات يوم، انقضّ ريجي عليه، كما انقضّ عليك قبل قليل، عضّه في رجله، صرخ الزوج ودفعه بركلةٍ عنيفةٍ كسرت ساقه"، ثمّ صمتت من جديد. كانت عيناها تحدّقان في الأعالي، فوق قمة الجبل، أو السحاب الذي بدأ يتجمّع في السماء الرمادية، أو في الفراغ. "حملتُ ريجي إلى مشفى الكلاب، سجّلتُ محضراً ضدّ زوجي، اتّهمته بالعنف. المحامي قال إنّ القضية سهلة، الكلاب لها حقوق أيضاً. طلبت الطلاق، وحصلت على المنزل، وجزءاً من ثروته"

لأول مرة، منذ بدأت الحديث، التقت عيناها بعينيّ مباشرةً؛ كانتا رماديتين، باردتين، كأنها تنظر من خلف زجاجٍ سميك. باغتتني كأنما تذكّرت فجأة: "أتدري؟ هو أيضاً هاجر". خفضت صوتها، وأزاحت عينيها عني، وقالت بما يشبه البوح: "بعد صدور الحكم، ترك مزرعته وقريته، وغادر البلد كلها إلى أرضٍ بعيدة، إلى كندا. يوم وقّعنا الاتفاق نظر إليّ طويلاً، وقال: استوليت على بيت عائلتي بحكم القانون؛ لكن المفتاح... أنا الذي وضعت المفتاح في يدك، منذ البداية". 

صمتت صمتاًطويلاً؛ لم يكن صمتاً عادياً، كان الصمت الذي يُسكِت المشاعرَ وليس الكلمات، لم أدرِ حينها، هل كانت تنظر إلى النهر، أم أنها دخلت في شرودٍ عميق، كلّ ما أعرفه أنّ أصابعها ضغطت على سلسلة الكلب بقوة، ولم تعد تنتبه لوجودي.

الشمس بدأت تغيب خلف الجبل المقابل. سحبتِ الكلب من سلسلته اللامعة، ومشت بخطواتها المتّئدة، والكلب يلهث خلفها، وذيله يهتزّ، لا يدري أنه كان سبباً في مأساة أحد.

لا أدري كم مكثتُ بعدها، رحت أراقب أضواء المدن تنعكس ملوّنةً على صفحة الماء في الضفة المقابلة، أفكّر بالكلب، والمفتاح، وبالرحل النبيل، زوج هذه السيدة الذي لا أعرفه.

على الطريق، زوجان شابان يدفعان عربة طفل، وغير بعيدٍ، قرب عمود النور، رجلٌ عجوزٌ يضع جريدته في جيب جاكيته ويتهيأ للمغادرة.  أشجار الغابات مثل أشباح فوق الجبال، والقمر يطلّ من بين الغيوم مثل عين كلبٍ جائع،

***

قصة بقلم: منذر فالح الغزالي

بون: 20.05.2026

في زاوية نائية من الغابة المنسية، يذوي بيت خشبي قديم تحت سياط الطقس، حتى يضمحلّ في سكون الكون. الأشجار العالية التي كانت يومًا ما شامخة، تحولت إلى حُرّاس منهكين، يابسة لا تقاوم، تحيط بالمكان كأطياف زمن مضى. أوراق الخريف الميتة تناثرت على الأرض، كأنها شواهد صامتة على اندثار الحياة.

إلى جانب البيت، شاحنة بيك أب صدئة، تحتضر بلا جدوى، جماد فقد وظيفته، يشارك الأوراق موتها البطيء. المشهد كله يشي بالفناء، كأن الطبيعة والجماد اتفقا على إعلان النهاية.

لكن وسط هذا الخراب، كان هناك كلب ضال، يتجول في العدم، يبحث عن شيء لا يعرفه. لم يكن يسمع صدًى ولا حفيفًا، ومع ذلك كان يشعر أنه يتنفس. أنفاسه الخفية بدت وكأنها إعلان أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت مستمرة.

وفي قلب المشهد، تعتصم شجرة الأم، بجذورها في عمق الثرى، تحفظ ما تبقى من ذاكرة تقاوم النسيان، شاهدة على أن الفناء لا يكتمل أبدًا ما دامت هناك أنفاس تتردد في فضاء الغابة.

لم يكن الكلب يبحث عن طعام أو مأوى؛ كان يقتفي أثر الحياة التي ظن الجميع أنها غادرت. وعندما زفر نفساً طويلاً بجانب البيت المتهدم، انحنى له الغبار إجلالاً. ففي تلك اللحظة، تنفّس الصمت.

***

كفاح الزهاوي

أحنُّ إليك…

إلى لحظةٍ من حنوِّ انهمارك،

وصدقِ انتظارك.

أحنُّ إلى لحظةٍ لن تجيء،

أرِقُّ لذكرِ تجاعيدك الناعمة.

أحنُّ إليك…

وكنت امل سماع الحكايا القديمة

تكرِّرها…

وأنت تعيد حكاياك القديمة

وأدفع عمري لأسمع

بعض حكاياك، أبي.

*

ويا لو لمحتُك في لحظةٍ عابرة،

أتعلم أني انتظرتك تجيء

برفقة طير يتيه…

كما حدَّثتني الروايات

عليك السلام، أبي،

عليك حنوُّ الله، أبي،

وبي بعض شوقٍ

لأمسح شرايينك الظاهرة.

أحنُّ…

لأني أموت ببطءٍ مساء الخريف،

لأن الرياح تجوب البيوت،

وتبكي مع أشجارنا العانسات،

وتمضي بصوتٍ حزينٍ يتيه

كطفلٍ صغير

إذا حان لون المغيب.

نموت كثيرًا،

لأن الأماني تراوغ خطوط يدينا،

نحاول ألَّا نستفيق.

أبي…

أيها الترابيُّ الحقيقة،

لقد كنا صغارًا،

نحطم كل أواني الغرابة،

ونجمع ألوان كل الوجوه

لنرسم غابة.

وكنا ننام على أسطح البيت

بصيفٍ فقير،

نحدِّد بعض النجوم بخدِّ السماء،

ونلصقها بأسماء من نحب.

هناك…

كان علينا عبور المحيطات،

ونحت المعاني،

وفهم انتظار المدى بنافذةٍ واحدة.

أمرَّ عليك طريق البرازخ،

وقد كنت تطيل السؤال لذاك الطريق،

فأرسم من التأويل فخًّا

لكي لا تخف، مثل كل الراحلين.

أحنُّ لصمتك في كل حين.

أبي…

مللت البقاء على صورةٍ لن تعود،

مللت الحداد ورسم القيود،

فكل الذين يطيرون إلى الله لا يرجعون،

وكل الذين يمرون مثل ضوء الغروب،

يتيهون عند انتصاف الغروب الأخير.

ولم يأتنا من يقول:

تعالوا،

سيُكشف عندها ما يكون.

تعالوا…

لفهم كل الذي ترغبون.

وكنا نخاف من الذاهبين.

أحنُّ…

فمرَّ عليَّ بجنح الفراشة،

بتحريك سعف النخيل،

بصوت اليمام

***

د. رحيم الساعدي

على قدرِ ما أُعطيتَ من عقلٍ ارْتجيْ

وليسَ علىْ قدرِ الهوى والتوهّمِ

لكيلا يعيدَ النّاسُ فيكَ شماتةً:

غشيمٌ خفيفٌ فاقدُ الفَهمِ والدّمِ

لكيلا تسبَّ الحظّ مع كلِّ نكسةٍ

وحظُّ امرئٍ في عقلهِ بالتعلّمِ

وقدْ ملّ من أمثالك الظُّلمُ كلُّه

و رُبَّ ظلومٍ كسبُهُ بالتظلّمِ

وما نكسةُ الأوطانِ إلا صعودُكمْ

لتقْضوا عليها بالفَنا والتشرذمِ

وما رفعةُ الأوطانِ إلا زوالُكمْ

فيبقىْ لها إذ ذاكَ ذو العقْلِ لا العَمِيْ

فهيّا انقضُوا .. يسترجعِ الكونُ نورَهُ

بأولي عقولٍ في السّما مثلِ أنجُمِ

أخٌ لعميدٍ حالمٌ بإدارةٍ

ورُبْعُ لسانٍ حاضرٌ للتكلّمِ

ولصٌ طليقٌ عائدٌ لوزارةٍ

وعبدٌ وضيعٌ قادمٌ للتزعّمِ

وعالِمُ رقصٍ لابسٌ لإمامةٍ

وكأسٌ برأسٍ فُرِّغَتْ للتعمّمِ

ورسمُ شهيدِ الأرضِ أضحى جريمةً

وصوتُ السّما فيه غنىً للترحّمِ

***

أسامة محمد صالح زامل

نُبدِّلُ أثواباً كثيراً وإننا

سنُلبَسُ ثوباً لا يُبدِّلُهُ الزمنْ

*

إذا كانَ غسلُ الثوبِ يمحو عيوبَه

فكيف بعيبٍ كان في باطنِ البدنْ

*

تفاخرَ أقوامٌ بمالٍ وإنني

تفاخرتُ بالأشعارِ في كلِّ مُرتهَنْ

*

أرى كلَّ شيءٍ قد يُباعُ ويُشترى

سوى الحبِّ إنَّ الحبَّ ليسَ لهُ ثمنْ

*

غيومٌ على شكلِ الحصانِ بذي السَّما

وخيطُ طيورٍ حولَها يشبهُ الرسنْ

*

وشعبٌ خَنوعٌ قد أحبَّ طُغاتَه

لذا كلَّ يومٍ عاكفونَ على وثنْ

*

وُلدنا بأرضٍ لم تكن باختيارِنا

وقالوا لنا هذي البلادُ هيَ الوطنْ

*

أمَسْقَطُ رأسِ المرءِ حَدُّ حياتِهِ

ألا ليتني طيرٌ على ذلكَ الفَنَنْ

*

إذا الشعبُ لم يبدأْ من العقلِ ثورةً

سيبقى رهينَ الأمسِ والجهلِ والفتنْ

*

سلامٌ على الحدباءِ خيرِ مدينةٍ

وطُوبى لمن فيها هنالكَ قد سكنْ

*

سيُصبحُ والأنسامُ تأتيهِ بالندى

ويطردُ حسنُ الليلِ عن جفنِهِ الوسنْ

*

هيَ الوردُ في عين الألى يعشقونها

هيَ الشوكُ في عينِ الحسودِ ومن طعنْ

*

ودجلةُ ماءً كان قبلَ دخولِها

وخمراً بها قد صارَ يجري على وهَنْ

*

هنا إبنُ جِنِّيْ علّمَ الغصنَ مَنطِقاً

ويا ويلَ هذا الغصنِ لو مرّةً لحَنْ

*

أجلْ تَلحَنُ الأغصانُ عند خريفِها

وأغصانُنا خضراءُ لا تعرِفُ الحَزَنْ

***

د. عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

ساعتي

ساعتي

نسيتها في بطن خنزير بريّ جريح

متهالكة

أو

مكسورة

فوق الجدران هي الساعات الأخرى

تسبح فيها

أسماك عمياء قيل انقرضتْ

قبلما يلج الحوت بساعات الرمل

2

بصري

ويح التلال البعيدة إذا ارتدّ إليها بصري

بعدها

لا تستطيع أن تستعيد الماء من وجع الغيوم

وويل لبصري

إذا تطاول

أو

تناهى

3

أعارب

تجلّى في الأعارب كلّ رجس

فقد أنفت طباعهمُ الكلاب

*

فما غير الذباب لهم طعام

ومن بول البعير لهم شراب

*

وهل عثر النفاق بغير قوم

فآخاهم وقد شهد الكتاب

*

تخطّوا في النجاسة كلّ حدّ

فلا ماءٌ يُطَهِّرُ أو تراب

***

قصي الشيخ عسكر

.....................

ملاحظة: الغريب في هذه النصوص أنّها هجمت عليّ دفعة واحدة على تباينها في الموضوع.

ما قبل الجهات

ما بعد الجهات....

***

نحوكَ تُقرِّرُ الصدفةُ وجهتَها.

لم أقلْ إنني جزءٌ من المهمة،

كي أنقادَ إليكَ،

على القمحِ أن ينمو على خاصرتي،

كما اشتعالِ المواقد.

خجلًا من صبيةٍ صغارٍ،

تذوبُ روحي،

فأُلملمُ أطرافَها، وأقول:

أين الطريق؟

الصحوُ مُخيِّمٌ على عيني،

وأنا لا أرى:

عظمَكَ، جلدَكَ،

ودمَكَ المطليَّ بتقلباتِ مزاجِكَ،

وحتى خاتمَكَ الفضيَّ، حين ابتلعه البحر،

لم أجده في جوفِ سمكة.

ما بيني وبينكَ سعةُ عالمين،

ما قبلَ الوراءِ واحدٌ،

وما بعدَ الأمامِ آخرُ.

لم أقل:

عالمٌ مضى،

وعالمٌ آتٍ،

يوخزُ الحنينُ بإبرةِ وجعٍ.

فما بين الحروفِ تأويلٌ،

وثمّةَ صدفة.

***

رجاء الغانمي - العراق

لقرىً ناطحتْ ناطحاتِ السحابِ

هيَ ماءٌ، وهنَّ محضُ سرابِ

*

هيَ نورٌ وروحُه سرمديٌ

جوهريٌ، وهنَّ كذبُ ضبابِ

*

أنكرَ العالمُ الشحيحُ سناها

وهوَ بابٌ لألفِ بابٍ وبابِ

*

صِفةُ الذائدينَ عنها صخورٌ

بِقلوبٍ بِها ينابيعُ آبِ

*

تركتْهمْ شهامةُ العرْبِ حتى

جفلَ الباحثونَ في الانسابِ

*

وهمُ الفاعلونَ أفصحَ فعلٍ

عرفتْهُ فصاحةُ الاِعرابِ

*

أيُّهمْ كانَ بالعروبةِ أحرى

أ خفيفٌ أمْ راسخٌ في الصعابِ

*

واجهَ العالَمَ المُزوَّرَ فذَّاً

و أصيلاً مِن طهرِ أزكى الترابِ؟!!

***

شعر: كريم الأسدي

31 ايار 2026 ـ العراق

ما زال مبلغَ همِّنا الصُّغرى

رغمَ الذي أبدتْ لنا الكُبرى

*

رغمَ الفناءِ نجيبُ فانيةً

ونصدُّ عن أبديّةِ الأُخرى

*

نرتاحُ للدّنيا وكم نكثتْ

ونموتُ من أمّ الوفا ذُعرا

*

ما زالَ في الدّنيا بنا أملٌ

وكأنّها ستبعّدُ القبرا

*

والقبرُ تحتَ عيونِنا وعمىً

فيها بهِ مُدَّ الصّبا عُمرا

*

وكأننا لم نعرف العُسرى

معها ولم نيأسْ من اليُسرى

*

وكأننا لم نشربِ المُرّا

معها ولم نتقاسمِ الصّبرا

***

أسامة محمد صالح زامل

هناك،

تتجذّر ظلالٌ

تشبه الذئاب،

رابضة

خارج تخوم الوعي،

تترصّد لحظة الانقضاض

كلّما اسودّت سماء الكلمات،

وغاصت الأقلام

في سباتٍ سحيقٍ

بلا أحلام

*

عينٌ كهرمانيّة

تراقب من وراء،

تقتفي أثر الكلمات

وما إن تلتفت إليها

حتى ينطفئ وهجها

عينٌ بلا جفون،

عينٌ

لا تعرف الإغماض

*

إنّه الحطّاب

بعد منتصف الليل

ينحت في جمجمة الشعر،

ويطرق عصب القصيدة،

مثل رصاصةٍ

تتربّص بك

في مطلع سطرٍ جديد

*

من ينقذ الشعر

من هذه النيران

المشتعلة في عتمة الكهوف؟

من يمنحه مأوى

من العواصف العمياء،

ويذود عنه

دون كيشوتات الشوارع،

وإذلال العواطف،

وفزع الكلمات؟

*

صوتٌ يجلجلُ بين السطور:

هنا ليس موطنَ الكلماتِ حين تستريح،

ولا ظلالَ المعاني حين تلجأ إلى السكون.

هنا قلبُ اللامكانِ إذا أقفر،

ووحشةُ الفراغِ إذا استبدّت.

دخيلٌ على الشعرِ والشعراءِ،

كأنّ اللغةَ مرّت من هنا ذاتَ حلمٍ ثم مضت،

ولم تلتفت وراءها أبدا.

***

سوران محمد

......................

A Cursed City

There,

certain shadows linger—

shadows that resemble wolves,

beyond the borders of consciousness.

They stand ready to strike

whenever the sky of words grows dark

and pens sink

into a deep, dreamless sleep.

*

An amber eye

watches from behind,

following the footprints of words.

The moment you turn,

its gleam fades.

An eye without eyelids—

an eye that cannot close.

*

It is a woodcutter

after midnight,

carving into the mind of poetry,

like the bullet

that awaits you

at the opening of a new line.

*

Who will save poetry

from all these fires

burning in the darkness of caves?

Who will grant it refuge

from blind storms,

and shield it

from the Don Quixotes of the streets,

from the humiliation of feeling,

and the terror of words?

*

A voice echoes between the lines:

where words find no shelter

and meanings dissolve into silence.

Here, emptiness prevails;

poetry and poets are strangers.

language drifted through like a dream

and vanished without a glance behind.

................

شاری نەفرینی

هەندێك سێبەر

وەک هی  گورگن

لەودیو سنوورەکانی هۆشەوە

خۆیان مەڵاس داوە بۆ پەلاماردان

ئەو ساتانەی ئاسمانی پەیڤ

تاریک دەبێ و

خامە دەنوێ

*

چاوێکی پرتەقاڵی

هەمیشە وا

دوای هەنگاوی وشەکان دەکەوێ

کە ئاوڕ دەدەیەوە

بریسکانەوەی نامێنێ

چاوێکی بێ پێڵو

کە هەرگیز نانوقێ

*

دوای نیوەی شەو

دارکونکەرەیە

دەنوك لە مێشكی شیعر دەدا

وەکو ئەوەی

گوللـەیەك چاوەڕوانت کا

لە دێرێکی چۆڵدا

*

کێ شیعر ڕزگاردەکا؟

لەم هەموو ئاگرە

کە سەرچاوەیان تاریکایی ئەشکەوتە،

کێ پەناگایەکی ئارامی پێ دەبەخشێ و

لە گەردەلولە کوێرەکان

دەیپارێزێ؟

لە دۆن کیشوەتەکانی سەر ڕێ،

سووکایەتی بە هەستەکان،

چاوسوورکرنەوە لە دیدگاکان...

*

دەنگێ:

ئێرە شوێنێکی هەڵەیە

نەدەبوو پەیڤ

بۆ ساتێکیش تیایدا بنوێ،

شوێنێ لە دڵی ناشوێندا،

بە شیعرو شاعیر

نامۆ بێ..

***

لا زلت أتقلب بنومة القيلولة، أصحو قليلا ثم تسحبني اغفاءة أخرى دون إرادتي، أ هو حلم أم حقيقة لا أدري.

أم انها لعنة كابوس أتعبت روحي وطحنت انسانيتي ووأدت أحلامي وحجبت الشمس عني..

رأيت رجالا كأنهم ضباب الفجر الكثيف الذي يجعل الصدر ضيقا حرجا، نحن خلقنا من أديم الأرض لكني لا أمتلك معلومة أكيدة عنهم ممن خلقوا.

يؤلمني انهم تتبعوا خطواتي، مرتبكة حركاتهم تتهادى نواياهم بين روحية الصادق والكاذب.

لا أدري هل ألجأ اليهم أو أنهزم وأختبئ في بيتي الآيل للسقوط، لكني لا أفضل الهروب والتخلي عن أحلامي..

كانوا يتقنون صناعة الكلمات أكثر من صناعة الواقع، يزرعون العسل على أطراف السنتهم، ويخفون الشوك في أعماقهم، فاذا تكلموا صدقهم السامع ولكني لم أجد سوى سراب من الوعود..

لا أفهم اسرار مكائدهم، ولم أجرب بعد خيانة الذات، لذلك هربت. في طرق متعرجة وفوق حافات حادة زلقة حتى كدت ان أواجه الموت المحتوم.

الا اني وجدت فئة من الناس قد أحاطوا بهم، بإجلال ووقار وهم أنفسهم ممن صفقوا ورقصوا لمن سبقهم

أحتج الشعراء في قصائدهم والكتاب في رواياتهم. ولكنهم لا يقرأون ما نكتب..

كانوا يمنحون الناس بركاتهم ووعودهم بزراعة النخيل وسوف يمنحونهم بعضا من ضفائر الشمس الفضية والناس فاغرة أفواههم دهشة واعجابا، وربما تخيلوا داخل جماجمهم قصورا وآمالا عريضة. والنخل ينتظر حتى أصابه اليأس وملّ من وعودهم الكاذبة.

قالت النخلة الأولى وهي تساقط سعفها بحزن: اما زلت تنتظرين خطاهم.؟ لقد تناسوا ظلّنا وجف الماء في عروقنا منذ ان رحلتْ قلوبهم قبل أجسادهم.

تنهدتْ النخلة الثانية ومالت مع الريح وقالت: كنت أظنهم اذا ضاقت بهم الدنيا سيعودون الينا. نحن من حفظ اسرارهم تحت القمر وغطين طفولتهم بالرطب والحنين.

قالت الأولى بمرارة: انهم يمرون من بعيد كالغرباء، كأن تعبنا الطويل لم يكن، وحتى الطيور هجرتنا لأن يد العناية قد غابت.

قالت الثانية: البارحة سمعت النخلات يتهامسن يقلن ان الوفاء مات في قلوبهم وان الأرض تبكي عطشا منذ خانها الفرات. فسكتتا قليلا. وكانت الريح تمشط سعفهما اليابس، كأنها تواسي نخيلا خذله أصحابه.

والرجال يغطون بنوم عميق ويحلمون احلاما وردية لان عطش النخيل لا يعنيهم بشيء.

أصابنا شعور بالتوجس منهم ولكن زاد تشبثنا بكبريائنا المعهود منذ بدء الحضارة.

جلسنا فوق أعشاب خضر ندية وأمامنا تنساب موجات الفرات المتخاذلة. واتفقنا.

ان نمنح انفسنا بعضا من الوقت ونجد طريقة مثلى تخلصنا منهم الى الأبد.

مروا على مواسمنا كالغرباء. قطفوا تعب الأيادي وعلّقوا

أثمار النخيل في اعناقهم.

ثم تركونا حفاة الأرواح. نبحث بين التراب عن ظل حلم كان لنا، لم نكن فقراء لكنهم سرقوا دفء النخيل.

وأطفأوا آخر قنديل كان ينتظر العدالة..

شلّوا حركتنا تماما. تيقنا ساعتها ان الأمور قد ساءت ولا ندري لماذا غرقنا بحالة من ذهول. الا ان أقدامنا تشابكت مع جذور النخيل وتشبثت بها...

 لجأنا لهم مرغمين (كالمستجير من الرمضاء بالنار)..

لكنهم ببساطة تغافلوا وتناسوا وعودهم وتركوا

الجميع في حيص بيص وهنا سادت الفوضى.

فاستطالت أذرع سعف النخيل حتى غدت كأنها قضبان حديدية فرمينا آثار الغرباء في بئر عميق..

وبئرنا لا يشبه بئر يوسف!! لأننا بالتأكيد قطعنا طريق القوافل السيارة..

يا الهي كم أدهشني هذا الحلم. ولكن من هم هؤلاء الغرباء الذين رأيتهم في منامي.؟

أنا لا أعرفهم.!!!

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

في نصوص اليوم