نصوص أدبية
جليل المندلاوي: شاءَتْ
شَاءَتْ وَيا لَيْتَها تَشَاءُ ليْ صَبْراً
إذ أعرَضَتْ دونَ أَنْ تُبْديْ لَنا عُذْراً
*
وما أَظُنُّ الهَوى يَقْضي لَها مَضْجِعاً
حَتَّى ظَنَنْتُ بأَنَّ قَلْبَها صَخْراً
*
تَمْشي بفخرٍ وكأنَّ الأرْضَ طَوْعُ يَدٍ
والكَونُ خَلْفَ خُطاها يَنْشُدُ النَّصْرا
*
نامَتْ إذا جَنَّ لَيْلُ العِشْقِ في رَغَدٍ
بلا اهْتِمامٍ لِمَنْ يَعْشَقُها سِرّاً
*
أُقَلِّبُ الطَّرْفَ في الآفاقِ مُنْتَظِراً
طَيْفاً يَلُوحُ، ولكنْ لا أَرى بَدْرَا
*
يا لَيْلُ طُلْ أوْ فَغِبْ، ما عادَ يُؤنِسُني
إلا خَيالٌ بَنى في مُهْجَتي قَصْراً
*
مَجْنُونَةٌ وَبِها أَصْبَحْتُ ذا خَبَلٍ
كأنَّ مسّاً أصابَ القـلبَ أو سِحْراً
*
فَيا لَهيبَ جَوَىً في الصَّدْرِ يَحْرِقُني
عَجِبْتُ كَيْفَ صَغِيرٌ يَحْمِلُ البَحْرَا
**
إذا أَطَلَّتْ يَغيبُ البَدْرُ بَلْ أَضْحى
طَيْفاً ضَئيلاً وَأَضْحى وَجْهُها بَدْراً
*
تَسبي العُيُونَ بِإيماءٍ وتَرْشُقُها
بِلَحْظِ رِمْشٍ يُذيقُ الخافِقَ الذُّعْرا
*
حَتَّى إذا اهْتَزَّ قَلْبي مُولَعاً شَغِفاً
وَلَّتْ فِراراً وَأَرْخَتْ بَيْنَنا سِتْراً
*
بَعْدَ الفِرارِ تَعُودُ مِثْلَما بَدَأَتْ
نَهْراً يَفيضُ عَلى مَنْ حَوْلِها خَيْراً
*
تَجودُ لِلغُرْبِ بالبُشْرى وتَحْرِمُني
حتى ذَبُلْتُ وعِزُّ النَّفْسِ قَدْ أُزْرى
*
كَفاكِ لا تَجْحَدي حُبّي لَكِ فَأَنا
ما أَشْفَقَ العِشْقُ بي سِرّاً ولا جَهْراً
*
تَسْقِي الرُّوَاةَ وَقَلْبِي ظَامِئٌ عَطِشٌ
كَأَنَّنِي لَمْ أَكُنْ فِي نَهْرِهَا مَجْرَى
*
فإنْ قَضَيْتُ قَتيلاً في مَحَبَّتِها
فَلْتَكْتُبوا: عاشَ يَبْغي وَصْلَها دَهْراً
**
شَاءَت ولَمَّا يَشَاءُ قَلْبَها أَمْراً
جَارَتْ عَليهِ وَلَمْ تُبْقِ مِنْهُ ذِكْراً
*
تَمْضي ويَمْضي مَعِي مَوْتٌ أُغالِبُهُ
كَأنَّ رُوحي لَدَيْها أَصْبَحَتْ أَسْرى
*
وَاسْتَسْلَمَتْ لِبَقايا الْوَهْمِ في وَجَلٍ
لَمَّا أَبَتْ أَنْ تَبيحَ قَلْبَها وَطْراً
*
أَبَتْ وفي صَمْتِها شَكٌّ يُحاصِرُها
كَأنَّما خافَتِ الأَشْواقَ أَنْ تُشْرى
*
ناجَيْتُها طالِباً وَصْلاً بِلا خَجَلٍ
يَأْبى الوِصالَ حَياءٌ كَأْسُهُ خَمْراً
*
فَصَارَ نُطْقي دُمُوعاً لا حُرُوفَ لَها
وَصَارَ صَمْتِي يَبُثُّ الشَّوْقَ مُسْتَتِرَا
*
أَسْرَرْتُ حُبَّكِ في رُوحِي فَمَا عَلِمَتْ
عَيْنُ الوُشَاةِ، وَصَانَ القَلْبُ ذَا السِّرَّا
*
ما كانَ مِنْها اسْتِجابَةٌ وَلا أَمَلٌ
لَرُبَما يَأْتِ بَعْدَ عُسْرِها يُسْراً
***
جليل إبراهيم المندلاوي






