نصوص أدبية

احمد غانم: كواليس أزمنة الحرب

كنتُ مثل شخصية روائية يكتبها وفق مزاجه، يرسم عالمها، يحدد مساراتها، يرقب تفاصيل أفعالها وردود الأفعال، ويبتعد عنها حتى تظن أنها أفلتت من سوح أفكاره وصارت سيدة قرارها، تختار مصيرها بإرادة حرة مستقلة، ولم يعد يملك من زمام أمورها شيئًا، كي تدرك في النهاية أن تمردها ومهربها من ضمن خطة درامية أتقنها بمكرٍ مخاتل يعيدها إلى ملكوت عرشه أنى شاء، كي تنجرف مع مدٍ سردي جديد، دون أن تدرك ما يمكن أن يصبو إليه قبل اكتمال النص، وحبكة نصه التي ولجتُها، رغمًا عني، مشرعة على طريق أكثر ضبابية من شوارع لندن، فلا أستطيع أن أبصر أكثر من مدى الخطوة القادمة التي يريدني أن أخطوها، بمشيئةٍ يفرضها هو وإن أوهمني بحق الاختيار.

 كان يعلم أني أقيم وحدي في الشقة، وكذلك بعمل محمد في مطعم الشاورما الذي وجد كيسه ملقى على طاولة الصالة كما هو، ولم تواتني شهية لتناول الطعام، وتكاسلت عن فعل أي شيء، فقط ارتميت على الكنبة أول دخولي، كما لو كنت في انتظاره فعلًا كي يعاجلني بمفاجآت خططه المتتابعة، منذ أن قرر لقاء هاني بمحمد في عمّان واستطاع إقناعه بصداقة قديمة من السهل أن ينساها زوجي في مغبة الأعوام التي مضت على افتراقهما، بالإضافة إلى الخلل المتسَرب إلى خلايا ذاكرته بعد لطمات الحرب، حتى هذا الأمر أدرك تفاصيله ومراحله من تقارير الأطباء المتخصصين في بغداد. معنى هذا أن عيون مراقبته لي لم تفقد همتها حتى بعد اضطراره لمغادرة العراق على نحوٍ سريع، لم يذكر سببه أو أسبابه، ومن جهتي لم أهتم بالسؤال.

ـ وماذا لو تم قبول اللجوء في بلدٍ آخر؟ هل تتحكم بقرارات مفوضية اللاجئين أيضًا؟

ضحكَ ضحكته المستخفة، والتي صارت تثير حنقي: كنت سأتصرف، كما أن فروع مؤسسة كمال موجودة في الكثير من البلدان التي تقبل اللجوء، وبالنسبة لحالة زوجك كان قرار الموافقة على الطلب شبه محسوم، وحسب الرغبة في اختيار البلد.

ـ ولماذا مؤسسة كمال ياسين بالذات، وما علاقتك بها؟ كل واحد منكما على جانب بعيد عن الآخر.

ـ "شويه شويه" أنا أمام محقق؟

ـ طبعًا، أنت فقط معتاد على التحقيق واستنطاق الآخرين.

ـ عدنا إلى دس الكلام، بعد كل هذه السنوات، حتى لندن الرحبة بالحرية لم تغيرك.

صرختُ في وجهه: أي حرية وأنت ترصد كل تحركاتي، من بلدٍ إلى بلد ومن قارة إلى أخرى، حتى إجهاضي الذي لم يعرف محمد شيئًا عنه، ولا عن حملي، أنت عرفت به وكلمتني لتطمئن عليّ.

ـ كنتِ حبلى وأجهضتِ! صدفة عجيبة، شفتِ؟ مهما خطط الإنسان يبقى رهن الصدف، هذا يعني إنك لا تريدين الإنجاب من زوجك لأنكِ لا تنوين الاستمرار معه، معكِ حق، الرجل مضطرب نفسيًا، ومثل هذا الأمر ليس بيده، المهم أنتِ، لمَ تظلين مرتبطة بواحد مثله؟ تخلصي من تورطكِ بعقده، واخرجي من مغارته الكئيبة. يعني مغادرة العراق وترك كل أهلك كانت أسهل؟

 فطنتُ إلى ما يرمي إليه، فلزمت الصمت، أنتظر ما في جعبته ولم أتبينه بعد، ولمّا ظل على صمته، يرمقني بنظرات أفهم إشاراتها جيدًا، قلت في ضيقٍ واضح: 'عمّار، لا تلاعبني، أنت أظهرت نفسك اليوم أمامي وجئت لتجيب على أسئلة تعلم جيدًا إنها يمكن أن تنتهي بي إلى الجنون إن لم أعثر لها على إجابات مقنعة.'

صمتُ وتأففت، ثم سألته: خولة أخبرتك؟ هل هي من عيونك عليّ هنا؟

راح يدندن: "عيني والله ما شافت غيرك، سهَّرتني ونمت وخليتني ويا طيفك."

ـ أنت سكران؟

ـ ماذا أفعل لكِ، هذا بدل أن تشكريني؟

ـ أشكرك على اقتحامك حياتي بهذه الطريقة. جعلتني مثل طفلة تنظر إليها وتضحك من تصرفاتها وأفعالها من بعيد.

أحاط خصري بذراعيه وجذبني نحوه: قولي مثل عصفورة وجدتها عالقة في شِباك الموت، تتذكرين؟ أول مرة رأيتكِ فيها ترتدين السواد باكية على كل من مات والمنتظَر موته، مع أن الحرب لم تكن قد بدأت ولا اقتربت نيرانها منا بعد.

 عناقه استثار جسدي للحظات، كأيامنا الماضية، وصدري استكان إلى صدره في خدَرٍ عذب ينتظر التعري بين حناياه، وسمعتُ صوت الباب يُفتح، أو شيء في داخلي أراد توَهم ذلك، وانتفضتُ على حلقة ذراعيه فارتختْ في ارتباك لدى قفزي مبتعدة عن نيراننا، لا نيران الحرب، ونظرتُ إليه بذهول يستغرب وقاحة تطاول رجل غريب اقتحم شقتي عنوة.

ـ ما بكِ؟ فقدتِ الذاكرة، أم اختل عقلك مثل زوجك؟

ـ أنتَ قلتها، زوجي، ولو لم أكن متزوجة، أنت تعرف وقلتها لك منذ البداية، أنا لست...

قاطعني متذمرًا: أعرف، أعرف، نفس موال فتاة الكلية التي تلتزم الوقوف عند الخط الأحمر ولو في آخر لحظة، لكنكِ الآن واحدة أخرى، حرة، مستقلة تعيش في دنيا لا تشل حركتها القيود ولا العيون المتطفلة وثرثرة الألسن، وزواجك يهتز مثل اهتزاز جسدك في حضني.

ضقتُ بضحكته مرةً أخرى فأسكته بقولي: بفضلك على الأكثر، أنت طلبت من كمال فصله من المؤسسة، وحتى عراكه مع العامل الإنكليزي ربما كان من تخطيطك أيضًا، دفعته إليه وعلَّمته كيف يستفزه.

ـ تفرحني ثقتك الكبيرة بقدراتي، وترضي غروري.

امتعضتُ من قهقهته، فقلت: كفاك سخرية واستفزازًا. كبرتُ عليه، وأنت قلتها، نحن الآن في لندن، كل شيء مختلف هنا.

ـ أنتِ التي تنقليني بين هنا وهناك كما تشائين، اثبتي على حال لأعرف كيف أكلمك.

 عرفتُ أنني لن أتخلص من مراوغته المحتالة حتى لو أمضينا الليل كله في حديث طويل ممل، ولن أحصل منه في النهاية إلا ما ينوي قوله، مستمتعًا بفضولي واستغرابي وحيرتي.

 خولة كل ذنبها أنها ثرثارة، في الأمور التي لا تخصها على الأغلب، أبلغت صديقة مشتركة بينهما، على حد تعبيره، تاركًا لي فهم ما يقصد كما أشاء، ولمّا عرف كلَّمني للاطمئنان عليّ، وقد كان في توق لرؤيتي.

 افتعلتُ تصديقه، وقد يكون هذا فعلًا ما حصل في خضم المسرحية متشابكة الأحداث التي أعد لها بإتقان، غير غريب عن عالم مثل العالم الذي ولجه في عمرٍ مبكر.

 على كل حال ذلك الأمر أمسى ثانويًا إلى جانب علاقته الوطيدة برفيق وصديق والدي القديم، والتي تسمح له بدخول مكتبه من الباب الخاص بشخصيات "V. I. P."، أخبرني أنه الآن شريك في شركة استثمارية في هولندا، وعلاقته بكمال ياسين وابنه أسامة علاقة عمل، والتجارة لا شأن لها بأي موقف أو توجه سياسي، الأمور متداخلة فقط في العراق، أما في عالم الأعمال الحر فالوضع مختلف تمامًا، وتلك متاهة لا داعي لأشغل نفسي بها، يكفي أن آخذ فكرة عن الأساسيات كي لا أظل في حيرة من أمري.

 اقتنعتُ أم لم أقتنع فالنتيجة واحدة، وتشعُب علاقات السياسة وتفجُر رؤوس الأموال الطائلة على حين غفلة من الأمور التي لا تعنيني بالتأكيد، ما دمت قد اتخذت قراري بتقديم استقالتي دون تأخير والابتعاد ما يمكنني عن مغارة الريبة التي ألقتني فيها خططه المخابراتية، لكن هل أستطيع بذلك أن أنجح بالإفلات من قبضته، بل قبضاته المتتبعة رفرفة جنحيّ المحلِقة في فضائه؟

 لم أكن أبالغ كثيرًا في تصور كاميرات المراقبة المحدِقة بي في كل وقتٍ ومكان قبل رحيلي من العراق، وهنا أيضًا، وعلى نطاقٍ أوسع، لسبب تحيَّرت فيه، ربما فقط لإرضاء غطرسته المستمرة بامتلاكي، دون أن يخضعني لإشباع شهوته، مثل سابق عهده منذ تعارفنا، مستأنسًا من جديد بمباغتة الكر والفر فيما بيننا حتى أصير في متناول فراشٍ يجمع جسدينا بكامل إرادتي.

 إرادتي؟ وهل امتلكت يومًا إرادة حرة بالكامل كي أحتمي بصلابتها الآن، ومن مَن، منه بالذات، وهو القادر على اختراق حياتي بكل بساطة؟ أف... هأنا أدور في حلقته المفرغة بلهاث أنفاسي، تائهة عن نقطة البداية الملعونة.

 حلقة من ضوءٍ خافت، مثل شمس الشتاء الباهتة، يلقي المزيد من الحيرة والوحشة في قلبٍ وشمت نبضاته الغربة من قبل الرحيل عن الوطن البعيد، المكلوم بغصات أبي ومحمد والكثيرين، أغلبية صامتة على حد تعبير صحفي قرأته ضمن مقال يتناول وضع العراق عهدًا تلو الآخر، متقلب الأهواء والصراعات والتوجهات.

لا، هم ليسوا بالأغلبية الصامتة. كاتب المقال لم يحسن دقة الوصف، أو أنه أراد وصفًا تجميليًا بعض الشيء. إنها أغلبية مخروسة، مقطوعة الألسنة، ومجهضة الأحلام كما أجهضتُ جنيني خفيةً عن أبيه، إشفاقًا عليه من دنيا انسحب أمانها عني دون أن يسجل عمري الصغير أي خطيئة، فكيف لي أن أهب ما أفتقد مع رجلٍ وجد في إعداد وبيع الشطائر أفضل ما يمكنه فعله للابتعاد عن أي ضغطٍ يزيده اضطرابًا في مواجهة ريحٍ عاتية كانت قد نبذته إلى الفناء، فعاد متشبثًا بأذيالها اللاهية في سوح عبثٍ جديد لا ندري إلى أي حال يمكن أن يرسو بنا.

 سمعتُ صفق الباب ليؤكد خروجه، إثر ثورة غضب وصياح قهر مكبوت أثقل كاهل سنواتي، على أن يعاود اللقاء بي في المكان والوقت المناسبين لرغبة يهيء لها الظرف الملائم لإرادته، والغامض من أهواءٍ لا ترسو على ملمحٍ واضح يجيب على سؤال من الأسئلة المتفرعة التي ينثرها وراءه بكل برود مقيت.

 رجل الأمن الخفي، والمزوّد بجواز سفر هولندي، باسم غير اسمه ربما، هذا إن كنت أعرف اسمه الحقيقي فعلًا، يتيح له السفر وحرية التنقل في أي بلدٍ يشاء، في مهام أمنية خاصة (خاصة جدًا)، أو من أجل جني المزيد من الثروة والنفوذ والهيمنة، أو كلا الأمرين معًا.

  في اليوم التالي ذهبتُ إلى عملي، معتزمة ألا أطيل المكوث قبل خروجي من جنة الفردوس الزاهية إلى غير رجعة، فقط سأقدم ورقة الاستقالة وأدير ظهري دون أن أنتظر جوابًا، وإن اضطررت إلى ذكر أسباب الاستقالة سأتعذر بحالة محمد الصعبة والتي تتطلب مني ملازمته لفترة طويلة لا تناسبها أي إجازة، وقد جدت عملًا بدوام جزئي، أو أي حجة من هذا القبيل، عسى ألا أضطر لمقابلة كمال ياسين الذي سيحاول بالتأكيد إثنائي عن هذا القرار، لإرضاء عمّار وليس لأجل ذكريات جمعته برفيقٍ قديم في بدايات مسيرته النضالية، محدقًا في عينيّ، كما هي عادته، وهذه المرة ستكون أكثر من سابقاتها، كي يجبرني على الإفصاح عن السبب الحقيقي وراء قراري الغريب، وربما سيعاود إغوائي بالشقة الفارهة التي ظلت لحد الآن مجرد وعد من الوعود التي كنا نسمعها عبر إذاعة، أو إذاعتيّ، المعارضة بكل حماس يبشرنا أن رجال الحرية المنتظرة سيصلون القصر الجمهوري مع تباشير الصباح، وذات الأمر بالنسبة للدكتور النفسي الذي سيتم تحديد موعد معه من أجل مراجعة محمد، وكأن الأخير سيرَحب بذلك ولن يتملكه عناد الأطفال وحنق عقد الكبار.

 لكن المعارض السياسي البارز غير موجود، وكذلك ابنه، والمؤسسة بكل ضخامتها وحركتها المستمرة بدقة، كخلية النحل، يسودها الارتباك وتشنج الأعصاب العام، رغم محاولات رؤساء الأقسام وأعضاء مجلس الإدارة الحفاظ على انضباط العمل، دون نقل أي خبر عن رجل الأعمال والسياسة سوى أن حالته مستقرة إثر تعرضه لإطلاق النار، رغم إحاطته بحراسة مشدَّدة لا تغيب عيونها عن أدق تحركاته ولو من بعيد، دون أن تثير أي انتباه.

 اتصلت بخولة عدة مرات حتى ردت معتذرة مني لعدم الإجابة، فهي مشغولة جدًا مع الخالة نوال التي فاجأت الجميع بسرعة ذهابها إلى المستشفى ما أن أبلغها أسامة بالحادث الذي يسوده الغموض، لحد الآن على الأقل.

 قلقي على الخالة نوال ورغبتي بالبقاء إلى جانبها، أكثر مما قد تكون بحاجة إلى بقائي قربها، دفعني إلى أن ألح في الطلب من خولة أن تنتظرني عند مدخل المستشفى كي تسهل وصولي إلى حضن امرأة ينزف أنينها في صمت منذ زمن، مثل جرحٍ متقَيح لا سبيل للتخلص من لعنته المرتحِلة معها في بلاد الغربة.

رابط غريب يجمعني بهذه المرأة، فأنا ألوذ بالفرار مما انغمستْ به في عنفوان الشباب ووالدي وزوجها السابق الذي انتابها الخوف عليه، فرغم كل شيء، لحد الآن تحبه، على عكس ما تبُدي، أم أن عينيها تذرفان الدمع على السنين التي قضتها في رفقته، كل الأحلام التي انتهى بها السبيل إلى وجع الخذلان، وكل نبضات الخوف المرتجفة كأوراق الخريف.

 انزوت بعيدًا عنه وعن كل ما وعَت عليه في شبابها من شعارات. صارت لديها كومة ذكريات، وتتحسر على وهج أمانيها المنطفئ في صمت الثكالى، بينما ظل هو في ركضه المزداد سرعة حينًا بعد حين، لا ينظر وراءه إلا كي يلمح مطارديه ويعرف كيف يتسنى له المزيد من المراوغة في درب صعوده نحو القمة التي اختارها، تلفظ أنفاس كل حلمٍ راوده وبهت أمام ناظريه، فصار مثل ورقة تحمل أثر كتابة ممسوحة لا يريد أن يتذكر من كلماتها حرفًا إلا عند الحاجة كي تفتح أمامه آفاقًا أوسع.

 لعلَّ ما قرأتُه أمدني بهذه الصورة محتدمة الأحداث عنه، لكن السر الحقيقي، يبقى لديها أكثر من أي شخصٍ عرفه، وهذا ما جعلها موضع أنظار الكثير من منافسيه وأعدائه، محاولين جرجرتها إلى سهول البوح الطويل عبر من يدفعون إليها من صحفيين عراقيين يُعَد هذا النوع من التحقيقات الفاضحة مورد رزق أساسي لهم في بلاد اللجوء، إلا أنها كانت دومًا تصر على الصمت وإبعاد كل من يحاول الاقتراب من مخابئ ذكرياتها، ومن يعاند ذلك الإصرار عليه تحمل تطاير شرَر عصبيتها الحادة والمهددة بالاتصال بالشرطة، الموزِعة عدد من رجالها هنا وهناك، ربما لهذا السبب أكثر من سواه وجدتُها تجلس في غرفة استراحة خاصة، يقف على بابها حارسين شخصيين، رغم خلو المكان من أي صحفي، كما بدا لي على الأقل، كل حين يمر ولدها أسامة من خلف الزجاج، يطمئنها بإيماءة من رأسه وهو يتكلم في الموبايل الذي يكاد لا يفارق أذنه، دون أن تبدو علامات التوتر والقلق على قسمات وجهه الوارث ملامح والده مع شيء من إشرق عينيّ والدته المميَز.

 حاولتُ الربط بين زيارة عمّار له، ومن ثم ما جرى بيننا من حديث، وبين حادث إطلاق النار، لكني بالتأكيد لم أستطع الوصول إلى نتيجة، أو أستقر على تخمينٍ يمكن أن أسترشد به لأهتدي إلى الخفي دومًا عن عقول المعتادين الفرجة من بعيد، دون أن تكون لديهم القدرة على فعل شيء، ملتزمين بأدوارهم الهامشية المفروضة عليهم من قبَل هذا الطرف أو ذاك، وإن اقتضت الضرورة يصيرون مجرد ردود أفعال (طيِّعة) ليس لها تجاوز المساحة المحددة لها، فقط مؤثرات صوتية مواكبة للصراع الدرامي متباين الأحداث غير المنتهية، وأنا كنت ما بين متفرجة ومشاركة، رغمًا عني، على خشبة المسرح التي وجدتها بانتظاري بين ثنايا مدينة ربما تتشابك فيها الصراعات الخفية أكثر من أي حاضنة لجوء أخرى.

 ليس بوسعي فعل شيء سوى الوقوف حيرى داخل حلقة عمّار وكمال ياسين، ألمحُ ظل المرأة التي أمضت جلّ سنواتها المناهزة السبعين ما بين صعودٍ وهبوط من خشبات مسارح مختلفة الديكور، حتى اتخذت قرارها الحاسم بالاختفاء خلف الكواليس، ما استطاعت على الأقل.

 أبتْ مغادرة المستشفى إلا بعد التأكد من استقرار حالة زوجها السابق، رغم طلب أسامة منها ذلك لأكثر من مرة، على أن يهاتفها ويخبرها بما يحصل من مستجدات أولًا بأول. في النهاية نهرته أمامنا لتذَكره بعنادها الذي لا تتنازل عنه في أصعب المواقف، وشعر بحرجٍ تلافاه بضحكة ساخرة، وقال في ابتسام: "من يقدر أن يغلب إرادة الرفيقة نوال؟"

 لم ترد على مشاكسته الممازحة، تنهدت قويًا دون رد ينتظره منها، ثم عادت لكي تحني رأسها في صمتٍ يؤازر الغيبوبة المستولية على رفيق دربها القديم، بينما رفع أسامة نظراته وحوَّلها نحوي، نظرات جامدة لا تفصح عن تعبير محدد، كأنه استغرب وجودي قرب والدته، وأحنى رأسه قليلًا إشارة للتحية، ثم سألني عن أخباري، مبتدئًا جملته القصيرة باسمي، الأمر الذي استغربتُه لوهلة ثم استدركت لمّا بزغ عمّار في رأسي مجددًا، وإلى ما لا نهاية على ما يبدو، لا أعرف بماذا أخبرَه ووالده عني بالضبط، وما دخلي بالعلاقة الغامضة التي تجمعهم، لكن من الواضح أن تأثيره عليهما جد قوي بحيث أني صرت خلال فترة وجيزة، نسبةً إلى معاناة المغتربين الجدد، ضمن السكرتارية الخاصة بقِمة هرم السلطة، أقصد المؤسسة.

قالت نوال في غيظ: لكن ما الذي فعله أبوك ليُطلَق عليه النار هذه المرة، وكيف تم اختراق كل الحراسة التي تحيط به؟ ربما تكون أكثر من حماية رئيس جمهورية.

ضاقت قسمات وجه أسامة، فأجاب: هذا ليس وقته يا ماما، نطمئن عليه ثم نسأل ونفهم.

حدّقت في عينيه: يعني أنت لا تعرف؟

ـ لا، لا أعرف. ألم تشترطي عليّ وجعلتِني أحلف بالقرآن ألا تكون لي أية علاقة بعمل أبي في السياسة؟

تأفف وخرج سريعًا. قالت نوال وهي تنظر نحو خطاه المبتعدة: مثل والده بالضبط عندما يتهرَّب من أي سؤال لا يريد أن يجيب عليه، يفتعل العصبية ويهرول بعيدًا لينهي الكلام متى يشاء. آه من كمال ومن لعنته التي تطاردني في الولد الآن.

 *

 نوال حاولت إبعاد أسامة عن فلك والده وتقلقل حياته قدر استطاعتها، لكن استقراره في لندن، بعد اختفاء دام سنوات، جرّدها من بقايا أسلحتها ولوّى عنق رغبتها بالانعتاق منه للأبد، فقد ظل الشاب اليافع يربطهما، شاءت أم أبت، والحوالات المالية متضاعفة المبالغ بشكلٍ يتفق مع ما يصلها من أخبار عن هرولته هنا وهناك، والتي كانت ترفض استلامها لتُرد إليه حيث حطّ الرحال. تلك الحوالات صارت حياة كاملة جرفت ريحها ابنها بعيدًا عنها كما جرفتها شخصية حبيبها وحماسته الثورية من قبل إلى تشرد لا ينتهي وإن استطاعت العودة إلى وطنها ذات يوم يبتعد كلما تمادت السنوات.

 تشرد استوطنها، يجول بأحلامها في كل مدينة سكنتها وكانت جسر عبور إلى مدينةٍ أخرى، في ذات البلد أو خلف حدودٍ جديدة لم يدركها الظن أنها ستجتازها يومًا، هو معها وليس معها، تتقطع حياتهما ما بين حضورٍ وغياب يخلِّف مزيدًا من الخوف بين أضلعها، تخشى تسربه إلى الجنين الذي أخذ يثقلها بعبءٍ مضاعف، فكرت بالإجهاض أكثر من مرة، لكنها لم تجرؤ على فعل ذلك، لذا غبطت هالة على صلابتها عندما أجهضت جنينها، لكن بعضًا منها ظل مندهشًا من تلك القسوة التي استملكتها ودفعتها إلى خنق فرحة قد لا تدرك مثيلتها يومًا، حتى وإن حملت وأنجبت فيما بعد، مرة أو مرات، لن تكون أبدًا يذات زهو الأمومة الأول الممتد في الشرايين، يستبق الدبيب الأثير في الأحشاء، ظل يعلو ويعلو حتى أعلن تمرده على رحمها في اجتماع تأسيسي لتنظيمٍ جديد مرتبط ببقايا حزبهما الأسير داخل البلاد، أحد الرفاق كان طبيبًا من حسن الحظ، فتم وضع فراش إسفنجي على طاولة الاجتماعات الطويلة، ساعدتها رفيقاتها بالاستلقاء عليه، استبشر الجميع ببكاء أسامة، كدلالةٍ لولادة جديدة في درب النضال، حتى اقترح أحدهم تسميته "ماركس"، رد آخر: "لا، سلام أو عادل، أو اسم مرَكب: سلام عادل"... "لينين"... "الأفضل ستالين"، لكنها رفضت كل اسم مقترح، وقالت:

لا أريد أن أفرض عليه شيئًا منذ الآن؛ ليكبر، ومن ثم له أن يختار رؤيته الخاصة بنفسه.

سأل أحدهم في دهشة: كيف! نحن نريد أن يستمر فكرنا عبر الأجيال.

ردت: فكرنا قائم على روح التمرد والثورة، لا على التوريث وتدجين العقول.

 عنَّفها زوجها لإحراجه أمام رفاقهما مما قد يُفسَر كنوعٍ من التمرد على مبادئ الحزب الذي يحاولون لملمة شتاته في بلاد المهجر، لكنها أصرت ألا تحوِلهم أفكارهم إلى عبيد لديها بالكامل، فيواجهوا ذات الهزيمة التي لحقت بهم في وطنهم.

 لو أنها كانت هناك لذهبت إلى بيت أهلها، ومهما كان غضبهم منها ما كانوا سيَلقون بها وطفلها إلى الشارع الذي تحفظ كل بيوته وأسماء ساكنيها، أما شوارع الغربة، الباردة في كل فصول السنة، فتبقى أمامها غامضة الاتجاهات، لا تعرف في أيٍ منها تمضي دون أن يدركها ندم مضاعف يتركها هائمة وسط طريق جديد، تتشعب منه الفروع والمسالك أكثر فأكثر، بمنأى عن الرفاق الذين صاروا يتبادلون وزوجها الاتهامات.

***

 أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

...................

* من رواية "عصفورة الكواليس" الصادرة موخرًا عن دار الوصل للنشر والتوزيع.

في نصوص اليوم