أوركسترا

يُعتبَر فيلم "كسب القلوب والعقول" للمخرجيَن الدنماركيّين مارتن تام أندرسن ونجيب خاجة واحدًا من الأفلام الوثائقية الاستقصائية الناجحة التي تسعى إلى اكتشاف الحقيقة ولا تحاول الاصطفاف أو التحيّز لهذا الطرف أو ذاك. فعندما أُرسلت قوات دنماركية إلى بلدة "قلعة موسى" في جنوبيّ أفغانستان عام 2006م، وهي جزء من القوّات الأوروپية التابعة لحلف شمال الأطلسي "الناتو" أبلغَ الرائد الدنماركي لارس أولسليف جوهانسن القيادة البريطانية بأنّ الشرطة الأفغانية ببلدة "قلعة موسى" التابعة لولاية هلمند يعتدون جنسيًا على أطفال قاصرين، ويتاجرون بالمخدرات، ويبتزون الفلاحين ماديًا، ويهدّمون منازلهم ويتركونهم في العراء ليواجهوا مصائرهم المحتومة.
قد يتصوّر البعض أنّ هذه الاتهامات هي مجرد مزاعم لا أساس لها من الصحة ولكن الأدلّة الدامغة التي يُقدِّمها المخرجان الدنماركيان أندرسن وخاجة الذي يتحدّر من أصول أفغانية لجأ إلى الدنمارك ودرسَ في جامعاتها، وتسلّح بمعارفها الأكاديمية، وأنجز عددًا من الأفلام الوثائقية التي رشّحتهُ إلى جائزة كافلينغ المرموقة، يكشفان لنا بما لا يقبل الشك أنّ الأخوين كوكا وعيسى خان شخصين فاسدين حتى نخاع العظم، وأنّ القوى العظمى في العالم تنتقي دائمًا أسوأ الشخصيات المحلية لإدارة الأنظمة والحكومات التي يُسقطونها بأسلحتهم الجبّارة ويحوّلونها إلى مرتع للقتل والجريمة وبؤرة للأفيون والمخدرات، ومباءة للرذيلة والتحلل الأخلاقي.1265 movi
وعلى الرغم من كَثرة شخصيات هذا الفيلم المحلية والأجنبية إلّا أن التركيز سينصبُّ على الشخصيتين الأفغانيتين البارزتين والموغلتين في الفساد والجريمة وهما الشقيقان كوكا وعيسى خان، والشخصيات السياسية التي مثل عضو مجلس الشيوخ الأفغاني شير محمد أخوندزاده الذي حظي بدعم كرزاي نفسه. إضافة الشخصيات الدنماركية والبريطانية والأمريكية التي تمتلك معلومات كثيرة لا تُظهرها إلى الملأ إلى إذا دعتْ الضرورة لذلك.
ثمة صحفي ثالث يُدعى "عارف" هدّدته الشرطة الأفغانية لأنه يسعى مع زميليه لكشف الحقائق فلا غرابة إن تعذّر عليه السفر إلى ولاية هلمند واللقاء بكوكا على انفراد لأنّ السلطة ما تزال بيده. كما أنّ السواد الأعظم من الناس لا يثقون بالقوات الغربية عمومًا لأنهم تعاونوا مع الشقيقَين الفاسدَين كوكا وعيسى خان.
لا يحتاج المتلقي كثيرًا من الوقت ليفهم أنّ مدير الشرطة أو قائدها السابق في بلدة "قلعة موسى" كوكا هو رجل أميٌّ ساذج لا يستطيع أن ينطق بجملة مفيدة واحدة ورغم أنّ عينه اليسرى قد أُصيبت وأنه لا يستطيع أن يتذكر أي شيء بحسب إدعاء أخيه عيسى خان إلّا أنّ مظهره الخارجي يوحي بشيء واحد وهو البلادة التي يُعزّزها الجهل والأميّة ولكنه يعرف أشياء كثيرة تتعلّق بقتل الناس، وتهديم بيوتهم، وتشريدهم وابتزازهم، ولعله النموذج الذي يقتدي به شقيقه الأصغر ويقلّده في كل شيء. لم يفهم المتلقي من هذا اللقاء الذي أجراه المخرجان والصحفيان أندرسن وخاجة مع كوكا أكثر من أنه تعرّض 11 هجمة انتحارية بينما هناك هجمتان أو ثلاث هجمات استهدفت أطفاله. وحينما جُرح وفقد الذاكرة حلّ محله شقيقه عيسى خان وأصبح قائدًا للشرطة في "قلعة خان" وواصلَ مهمة أخيه في ابتزاز المواطنين وقتلهم وتشريدهم. لا يفوّت أندرسن الفرصة ليسأل إن كان أهالي "قلعة موسى" يعرفونه أم لا؟ فيأتيه الرد المبالغ فيه بأن الأمّهات يهددنَ أطفالهنّ الذين لا ينامون باستدعاء كوكا وعيسى خان فينامون في الحال.1266 movi
الاستعباد الجنسي للصبيان الصغار
هناك أكثر من ضحية للاستعباد الجنسي لكن اختيار المُخرجين وقع على اثنين منهما؛ الأول رجل تجاوز مرحلة الشباب، والثاني صبي صغير يتحدث والده بالنيابة عنه، وهما نموذجان لعشرات أو مئات الضحايا الذين تعرّضوا للاعتداءات الجنسية لكن غالبيتهم يلزمون الصمت خشية من القتل أو التعذيب أو الطرد من منازلهم وقد وافق الرجل الأول بعد أن تلثّم وامتنع عن ذكر اسمه ومكان سكنه وروى محنته بإطلالتين قال فيهما أشياء مروّعة وربما لا يصدّق كثيرون أنها تقع في بلد مثل أفغانستان. فعندما كان في التاسعة أو العاشرة من عمره ويعمل في مزرعة للخشخاش التقطه كوكا وحشرهُ في سيارته بعد أن قيّد يديه خلف ظهره وأخبره بأنّ هناك سبعة أو ثمانية أشخاص سيمارسون معه الجنس، وحينما رفض أشبعوه ضربًا وركلًا فلم يبقَ أمامه من خيار سوى الرضوخ والاستسلام خشية من القتل حيث تناوب عليه الواحد بعد الآخر في الصباح والظهيرة والمساء، وحينما كان يتململ أو يصرخ من شدّة الألم كانوا يعطونه الأذن الصمّاء. واستمر على هذا المنوال لمدة سبعة أيام كان فيها بحاجة ماسة إلى طبيب يصف له دواء ناجعًا، وحينما أخلوا سبيله اشتكى إلى كوكا من حجم الظلم الذي وقع عليه فأخبره هذا الأخير بكلام صاعق مفاده: "أنتَ تقول سبعة أو ثمانية أشخاص فعلوا بك ذلك.. اذهب وإلّا سآتي بكل الجنود الموجودين هنا ليفعلوا بكَ الشيء ذاته"! لكن ضبّاط التحالف قبضوا على كوكا وزجّوه السجن لمدة ستة أشهر إلى أن جاء شير محمد أخوندزاده، وهو شخص سياسي متنفِّذ، فأخرجه من السجن.
يشكّل الشقيقان كوكا وعيسى خان مُرادفًا للظلم والطغيان وقد ارتكبا الكثير من الفظائع ولم ينجُ منهما إلّا القلائل من سعداء الحظ. وحينما يذهب أي منهما إلى أية منطقة في "قلعة موسى" أو القرى المحيطة بها كان الصبيان والشباب يختبئون في الآبار لكي يتفادوا اعتداءاتهم المتواصلة. فلقد قتلوا أخ المُغتصَب بطريقة بشعة حيث أجلسوه على لغم وفجّروه من مسافة آمنة، كما قتلوا ابن شقيقه. وعذبوا أناسًا آخرين بطرق لا تقل بشاعة عن سابقاتها حيث ألقوا أحد الفلاحين من السطح ثلاث مرات حتى تكسرت أطرافه الأربعة. وحينما احترقت نقطة التفتيش التابعة لهم طلبوا من الشخص المُغتصَب أن يدخل الغرفة المشتعلة وينقذ بعض أفراد الشرطة فدخل واحترقت ملابسه بعد أن سحب اثنين إلى الخارج، وقد أرتنا كاميرا المخرجَين الحروق الشديدة التي أصابت ساقيّ هذا الشخص المُضطهَد.
لا فرق بين الأخوين فكلاهما يهدد الفلاحين إن زرعوا الخشخاش أو أية غلة أخرى كالحنطة أو الذرة أو أي نوع آخرَ من الحبوب ولكن الخشخاش لا يحتاج إلى ماء كثير لأنه يتحمل الحرارة والجفاف كما أنّ مردوداته المادية عالية جدًا لذلك يغامر الفلاحون بزراعته لكن يتوجب عليهم الاتفاق مع الشقيقين اللذين يأخذان، في الأعم الأغلب، نِسبًا عالية من الأرباح التي تدرّها هذه المحاصيل المحرّمة. أمّا زراعة الحنطة والشعير والذرة فتقتضي دفع ضرائب عالية لا يقوى عليها غالبية الفلاحين الأفغان.1540 x 862 - 4
سياسيون كبار يبتزون أمراء الحروب
يأخذ الفساد أشكالًا متعددة، فإذا كان الشقيقان الأميّان يبتزان الفلاحين ويعيشان على عرقهم وكدّهم اليومي فإن المسؤولين السياسيين من هم برتبة نائب أو سيناتور يبتزّون أمراء الحروب وتجّارها الصغار على شاكلة كوكا وعيسى خان المبثوثين في طول البلاد وعرضها، فشير محمد أخوندزادة الذي عُيّن حاكمًا لولاية هلمند من قِبل كرزاي نفسه لأنه صديقه فقط وعليه أن يوفِّر له كل أشكال الحماية السياسية والأمنية والقانونية. وحينما يتهمهُ المخرج بأنّ القوات البريطانية عثرت على تسعة أطنان من الأفيون في منزله فلا غرابة أن يفقد أعصابه ويكّذب الخبر ويعتذر عن إكمال المقابلة بحجة أنه مريض وقد تناول أدوية تتعلّق بالصحة الذهنية، ووصف يوم المقابلة بأنه أصعب يوم في حياته الشخصية، وأعرب في الوقت ذاته بأنه لا يريد مقابلة هذا المخرج ثانية لأنه كان سببًا في استفزازه وتدهور حالته النفسية.
لا يخفي عيسى خان تهوره واستهتاره حتى بوجود المُخرجَين إذ كان يرمي الإطلاقات الحيّة التي يمكن أن تصيب أي مزارع يعمل في الهواء الطلق. لن تستمر الأوضاع على ما هي عليه من قمع وابتزاز وتشريد للمواطنين الأفغان البسطاء حيث سيطرت طالبان مجددًا على ما فقدوه خلال عقدين من الزمن واجتاحوا المدينة وكان آخر تواجد للأمريكان وقوات التحالف في 31 آب / أغسطس 2021م حيث هُزمت الحكومة الأفغانية وبسطت طالبان سلطتها القوية على البلاد.
يلتجئ الصحفي المحلي عارف إلى الولايات المتحدة الأمريكية ويسأل من هناك عن مصير عيسى خان الذي وُجهت له العديد من الاتهامات بالقتل، والاغتصاب، والإتجار بالمخدرات، وتجريد المواطنين من ممتلكاتهم.
لم يقبل السكّان المحليون بفعل الاغتصاب كثقافة أفغانية إذ رفضوا هذا الرأي جملة وتفصيلا وألقوا الكرة في ملعب أمراء الحروب وتجارها فهم الذين يمارسون هذه الفواحش التي تهتز لها الضمائر الإنسانية النبيلة وتنبذها بشدة في السرّ والعلن. ومنْ يُدقق في ظاهرة العبودية الجنسية ودعارة الأطفال سيجد أنّ هناك ظاهرة الـ "پاشا بازي" حيث يقوم الأطفال الذكور بالرقص والحركات النسائية، ووضع الماكياج لمصلحة أصحاب النفوذ والأغنياء، وهذه العادة موجودة في أفغانستان منذ القِدم (1) كما ذهب أحد ضباط التحالف.
لا ينكر حكماء القوم بأن قسوة الحكومة الأفغانية وفظاظة شرطتها هي التي جلبت طالبان مجددًا واستقدمت القوات الأجنبية من آلاف الأميال لتنتهك سيادة هذا البلد الذي يتنقّل بين الملكية والجمهورية ليستقر في خاتمة المطاف على نظام الإمارة الإسلامية التي انحسر عنها العالم.
يتوارى عيسى خان لمدة من الزمن بعد سقوط الحكومة الأفغانية الفاسدة لكن المخرجَين أندرسن وخاجه يعثران على رقم هاتفه النقّال ويوافق على إجراء محادثة هاتفية مصورة لكنه ما إن يسمع الاتهمامات الكثيرة الموجهة إليه حتى يغلق الهاتف ويُنهي المكالمة طالبًا من المخرج ألا ينشرها على الملأ فلقد تحوّل من رئيس للشرطة إلى مزارع عادي مختبئ في "قلعة موسى" وقد أنكر جميع الاتهامات التي وُجهت إليه من قتل وتعذيب واغتصاب وسوء معاملة السكّان المدنيين الذين كان يبتزهم يوميًا. يخبرنا مخرجا الفيلم بأنّ عيسى خان قد توارى عن الأنظار، وأنّ أفغانستان قد أصبحت دولة شمولية بعد سيطرة طالبان، وأنّ المجتمع الدولي قد نبذ هذا البلد مرة أخرى وتركه يتخبط في عزلته شبه الكلية عن المجتمع الدولي.
بقي أن نقول بأنّ نجيب خاجة هو مخرج أفلام وثائقية عُرضت أفلامه على قناة الجزيرة الأنكليزية و بي بي سي وكرّس نفسه لتوثيق الصراعات في سوريا وأفغانستان والشرق الأوسط. أمّا المخرج مارتن تام أندرسن فهو صحفي ومخرج أفلام وثائقية. خدم في الجيش الدنماركي لمدة 18 عامًا ذهب خلالها إلى كوسوفو والعراق وأفغانستان. أنجز عدة أفلام من بينها "الوجه الخفي للحرب" و "هايتي - الانهيار" الذي اشترك في منتدى CPH:FORUM لسنة 2024.
***
عدنان حسين أحمد - لندن
..........................
- Boys in Afghanistan Sold Into Prostitution, Sexual Slavery", Digital Journal, Nov 20, 2007.

صدر كتاب – المقاهي الادبية في باريس – حكايات وتاريخ – للكاتبة السورية هدى الزين عام 2014 وهو من الكتب النادرة التي تقدم قراءة جميلة عن تاريخ نشوء المقاهي في باريس ولندن وروما وامستردام. وكانت المقاهي في القرنين التاسع عشر والعشرين فضاءا للمثقفين والمفكرين والفنانيين والسياسيين. ومن على طاولاتها تم تحرير اغلب المقالات الصحفية وكتبت فيها بيانات كثير من الحركات الفنية والادبية وانطلقت منها صرخات الثوار والمناضلين ضد الظلم والفساد. وكان المثقفون يتخذون اركانا منها ليكتبوا مؤلفاتهم واشعارهم وسط سخونة جدلية حول الافكار والنقد. وفيها رسمت اللوحات العالمية والتيارات الفلسفية وفيها اقيمت المعارض الفنية وتوقيع الكتب ومنح الجوائز للاعمال الادبية والفنية.1248 cafe
وتذكر احد المقاهي في باريس واسمها -الاموموس – وكان من روادها الشاعر شارل بودلير 1821 والرسام ادوارد مانيه 1832. ومقهى اخرى تسمى -غروب دي مانتينول – حيث فيها يلتقي عظماء الادب والفن مثل بول سيزان 1839 والكاتب اميل زولا 1840 وادوارد مانيه. ومنها انطلقت الشرارة الاولى للمدرسة الانطباعية.. ومقهى -ليب – والتي يلتقي فيها كبار الشخصيات السياسية والادبية منهم فرانكويس ميتران 1916 والروائي الامريكي ارنس همنغواي 1899 حيث فيها كتب روايته – باريس والعيد.1249 cafe

ومقهى – دي لورانت – وكان من روادها الفيلسوف جان جاك روسو 1712- 1778 صاحب كتاب العقد الاجتماعي. والذي عرف عنه انه ناري حاد المزاج، وهجاء بالسليقة، وكان قد هجا كل من حوله من رواد المقهى حتى ادى به ذلك الى نفيه. ويذكرنا ذلك بالشاعر العربي الحطيئة الذي اتصف شعره بالهجاء حتى انه هجى نفسه، وادى به ذلك الى السجن من قبل الخليفة عمر بن الخطاب.. ومقهى – بروكوب – التي تاسست عام 1689 ويذكر انها اول مقهى تاسست في باريس. وكان من روادها عدد من المثقفين المجددين والرافضين للحكم المطلق والذين لا يهضمون الافكار الجامدة ويرفضوا التفكير الارستقراطي والكنسي ومنهم جاستاف فرانسوا فولتير 1694 – 1778 ابو التنوير، وكان يكثر من مديح محمد -ص- حتى قال ان دينه حكيم وصارم وطاهر وانساني. كما ظهر في باريس مقهى -ليه دي ماغوش ومقهى – دوفلوز – وكان يردها عدد من المفكرين والكتاب والفنانين منهم بول سارتر وصديقته سيمون دي بوفوار وبيكاسو، وغيرهم.1250 cafe
وفي انكلترا تم افتتاح اول مقهى عام 1652 تسمى – بيتي يونفر سيتيز – وتعني الجلوس مقابل اجر. ثم جاءت بعدها مقهى ادوارد اليودز عام 1688. وفي عام 1683 تم افتتاح مقهى في فينا ويرجع ذلك بعد هزيمة الاتراك في المعركة تاركين ورائهم مخزونهم من البن. وفي عام 1721 تم افتتاح اول مقهى في برلين. وفي عام 1760 ظهرت اول مقهى في روما تسمى انتيكوغريكو. ومقهى مونتمارت التشيكي والتي كانت مقر الاديب فرانز كافكا 1883-1924. والملحن والصحفي ماكس برود. والمقهى الادبي في سانت بيتر اسبورغ وكانت مقرا للادباء الروس مثل الكاتب ديستوفيسكي والشاعر الكسندر بوشكين وغيرهم.1251 cafe
وكانت هذه المقاهي بمثابة مراكز للتنوير والتثقيف حيث يجد الزبائن فيها المكان المناسب للكتابة واستقبال الضيوف وتناول الطعام. وبعضها تمنح جوائز سنوية لافضل الاعمال الادبية مثل مقهى – ليه دي ماغوش– وكانت بعض المقاهي تتوفر فيها الصحف اليومية للمطالعة المجانية. كما توزع فيها احيانا الحلويات.. وكانت من هذه المقاهي الباريسية تصدر بيانات الحركات الفنية مثل السريالية من قبل الشاعر اندريه بريتون وجماعته.
***
د. كاظم شمهود

يُصنّف فيلم "تراتيل السومري" للمخرج هادي ماهود بأنه وثائقي ثقافي يتمحور على حياة الشاعر غيلان حوشي علي الذي غادر العراق مُضطرًا بحثًا عن الحرية والعيش الكريم. ولا غرابة في أن يختار هادي ماهود هذا التصنيف لأنّ الثقافة والفن هاجسان مُلحّان يلازمان ذهنيته منذ يفاعته وتعلّقه بهما حدّ الهوس والجنون. ولعل هذه الصعقة الثقافية والفنية قد انتقلت إليه سواء من أخيه الكاتب والمخرج عبدالحسين ماهود أو من خلال قراءاته الأدبية أو مشاهداته الشخصية للأعمال المسرحية والأفلام السينمائية التي عزّزت هذه الهواجس الفنية وعمّقتها خلال السنوات التي تفتقت فيها موهبته ووجدت طريقها إلى الدراسة والتطبيقات العملية التي أفضت إلى إنجاز كمٍ كبير من الأعمال المسرحية والسينمائية كتابة وتصويرًا وتمثيلًا ومَنتجةً وإخراجًا،.1231 ghaylan

ولعله من بين الفنانين العراقيين القلائل الذين أتقنوا كل هذه التخصصات الفرعية في مضمار السينما تحديدًا فاستحق لقب المخرج المنغمس في "سينما المؤلف". وبما أنّ الهاجس الثقافي والفني يتقدّمان على هواجسه الإبداعية الأخرى فلقد ارتأى أن يخوض في مضمار الفيلم الوثائقي الثقافي وكان يتمنى دائمًا أن يحقق أكبر قدر ممكن من هذه الأفلام التي ترصد وتوثِّق حياة الأدباء والفنانين والمثقفين العراقيين عمومًا الذين يتوزعون في مشارق الأرض ومغاربها ولا غرابة في أن تكون أستراليا، البلد المُضيّف له ولأسرته الكريمة، هي أولى هذه البلدان التي تَلقى باهتمام وعناية المخرج نفسه خاصة وأن فيها عدد كبير من الأدباء والفنانين والمفكرين والمعنيين بالشأن الثقافي العراقي. وربما يكون الشاعر غيلان حوشي علي أوّلهم، ليس لأنه الأفضل شعريًا ضمن فصائل الشعراء العراقيين الذين غزوا الأمم والأمصار الأوروبية والغربية على وجه التحديد، وإنما لامتلاكه النزعة الجنونية المُحبّبة التي تميّزه عن شعراء عراقيين كثيرين لا يدورون في فلك شطحاته المجنونة و فلتات مخيلته الجامحة. فثيمة هذا الفيلم الذي تبلغ مدته (32) دقيقة لا غير قال فيها غيلان أشياء كثيرة تتعلق بحياته وتجربته الشعرية ورؤيته لنفسه وللعالم في الوقت ذاته. كما أنّ المخرج هادي ماهود لم يترك شيئًا من الجانب الأُسري إلّا وتوقف عنده أو لامسهُ ملامسةً جادة فيما يتعلق بـ "زهرة" كزوجة لغيلان تؤازره في همّه الثقافي والإبداعي، وترعى أبنائها الخمسة؛ بضمنهم غيلان الذي لم يغادر طفولته حتى اللحظة الأخيرة التي تلقفتهُ فيها يد المنون. يعتمد هذا الفيلم على أربع قراءات شعرية لغيلان إضافة قراءة قصيدة واحدة من قِبل زوجته زهرة. أمّا الشق الثاني من الفيلم فيتكئ على ثمانية متحدثين وهم غيلان، وأنيس غانم، رئيس تحرير صحيفة "التلغراف" العربية في أستراليا، وزهرة، والمصورة الفوتوغرافية الأسترالية كارين هاو، والأطفال الأربعة وهم كاني ونهار وصيف وأميلين الذين تحدثوا باقتضاب عن والدهم كإنسان وشاعر في الوقت ذاته.
يستهل المخرج هادي ماهود فيلمه الوثائقي الثقافي بقصيدة للشاعر غيلان، وهذا هو اسم شهرته، يقول فيها: "في صباحات كهذه أتجوّل مصحوبًا مما لا يألفه العالم / كالجنون والمخدرات وأعمدة القلق التي لا أعرف كيف شيّدها الانتظار في مخيلتي رغم صغر سني/ قفوا بعيدًا أنا القادم من النهرين يحرسني التاريخ والبلاد والتمرد / لأبي علاقة بانطفاء المصابيح / وحين مات الضوء خرج جيش من الأطفال يعلنوا البراءة عن ترتيبي العائلي / فكنتُ وليس صدفة الناطق باسمه لا لشيء إلّا لأنني بلا مُرضعة".
أمّا أول المتحدثين في هذا الفيلم فهو الصحفي اللبناني أنيس غانم رئيس تحرير صحيفة "التلغراف" الناطقة باللغة العربية بسيدني حيث قال: "إنّ حضور غيلان قد أضاف إلى المشهد الثقافي العربي في أستراليا ألقًا، وهذا فاق توقعي، وأنا أقوله ليس انتقاصًا من المبدعين الموجودين في المشهد الثقافي العربي في أستراليا، ولا من غيلان نفسه ".1232 anees ghanom
خُذ كأسي أيها الفرح
انتبه المخرج هادي ماهود إلى أهمية القراءات الشعرية لغيلان فأكثرَ منها كلّما وجد الفرصة مناسبة ليشنّف سمع المتلقّين بنمط شعري مغاير للمألوف حيث يقول:"خُذ كأسي أيها الفرح إذن / سأعمّد الطريق بحزن الجنوب / بحَيرة الحمام أمام تهدّل النساء / بالقدور المقلوبة حزنًا / بالطين الذي على الرؤوس / بالنهر الذي يشتكي ثقل النائحات/ خُذ كأسي إذن أيها الفرح / هذه مياهي؛ مياه تستقبل الغريَن المنتمي للرحيل/ ومياه تصافح مياهً من بين أضلع السدود/ مياه تُدِلّ الحروب التائهة / ومياهٌ لأجراس الذئاب / مياهٌ لأرملة زفّت جمالها للعبيد / لا تستريح الذئاب وجدي يقيمُ وليمة للمياه بين أفئدة الضيوف / خُذ كأسي أيها الفرح فهذا ليس فجرًا أتوسّل فيه العصافير إعلان صحوي / سأغيّر طعم الليلة بأخرى / ولا أستبدل انتظاري يا ذاك الجنوب".
تركز زهرة، وهي المتحدثة الثانية، على قصة زواجها من الشاعر غيلان وارتباطها به منذ سنة 1986م، ولم تقف اللغة حائلًا بينهما فهي تجيد اللغة العربية نُطقًا وكتابة على الرغم من انتمائها إلى القومية الكوردية الكريمة. وهي قبل هذا وذاك، فهي فنانة تشكيلية ترى العالم بمنظار كوني واسع يلمّ القوميات واللغات والأديان كلها. تختصر زهرة في حديثها عن العائلة بأنها تتألف من خمسة أطفال مُدرِجةً زوجها غيلان ضمن هذا التوصيف الدقيق لأنّ غيلان لم يغادر طفولته، ولم يتخلَ عن هوسه وجنونه الشعري أو الإبداعي بالمعنى الأوسع. تختلف ذائقة الأطفال وتوجهاتهم، فـ "صيف" الذي يحتلّ التسلسل الثالث يعزف على البيانو، وأميلين ما زالت في أولى الخطوات ولم تكتشف طريقها بعد، وهم جميعًا يتحدثون اللغة الإنكليزية ما عدا بعض الكلمات العربية التي لا تُسعفهم بشيء وسرعان ما يغادرونها إلى اللغة الجديدة التي يعبّرون بها عن أنفسهم ومشاعرهم الداخلية العميقة.1233 ghaylan
الأب هو الأسوأ في الترتيب العائلي
يُنظِّر الطفل الخامس غيلان لمعنى الطفولة ويرى أن العديد من المفكرين قد حاولوا إيجاد تعريف مُحدد لمستوى النضج عند الكبار من خلال الطفولة، وتوقّف عند جان بول سارتر في مقدمته التي دبّجها لكتاب بودلير وتتمحور حول تعريفه للعبقرية التي وصفها بأنها "استعادة الطفولة قسرًا". وإذا كان مشوار العبقرية يتطلّب استعادة الطفولة قسرًا فلا بد لهذه الطفولة أن تجد مساحتها الخلّاقة في كل فنان أصيل، وفي كل شاعر، وفي كل أب. ويصف أكثر العوائل نجاحًا أو تماسكًا هي العوائل التي يمثّل فيها الأب مستوىً متميزًا من الطفولة. فالطفل الذي يرى في أبيه طفلًا آخرَ هو الطفل الأكثر نجاحًا وقدرة على الخلق. وقد يسأل سائل عن السبب فيأتي الجواب بعد تأمل وتمحيص:"لأن الأب هو أسوأ ما في الترتيب العائلي، ليس لأنّ سارتر قال ذلك، بل لأنّ الكثير من الآباء يتصرفون ويسلكون سلوك السلطان الشبيه بالقائد والحاكم في العالم الثالث مع الأطفال في البيت. ويتوصل غيلان إلى نتيجة منطقية مفادها "أنّ الأب الناجح هو الطفل الناجح، وأنّ الطفل الناجح هو أب من أجمل الآباء الذين يتناغمون مع السؤال الإنساني الذي يبحث عن أبينا الذي في السماء".
يُتحفنا غيلان في قراءة شعرية ثالثة يقول فيها:"ها أنا ذا أنتظركَ على الحافة / نعم، على الحافة تمامًا إن امتدّ بي نظري نحو الفرات سقطتُ في الأبد / وإن شجّعني خوفي صرتُ في الغابة ومنها إلى الأبد / وليس غيرَك يَدركُ الانتظار على حافة مثلي / نعم، مثلي أنا بالضبط يتكسّر الخبز وهو يقبّل التراب".
يتبادل غيلان مع زوجته الأدوار فتقرأ له واحدة من قصائده الجميلة بلسان عربي فصيح:" الغروب يجمع الطفولة من المدى / يخاف عليها من الاستقلال / في الغروب الأشجار تعلن استقلالها / الجبال تبدو أكثر انفصالًا / العُشاق ينحنون لبعضهم / البيوت تستعيد وحدتها / أمّا أنا في ركن سريّ / أجمع أعضائي لنبكي على بعضنا".
إذا كان رأي زهرة بأنّ غيلانَ هو طفلها الخامس الذي تحمله في قلبها فلنسمع رأي غيلان بهذه الفنانة الكوردية التي تجاوزت حدودها القومية وانصهرت في الإنسانة الكونية حيث يقول عنها:"زهرة هي القارئة الأولى لكل نتاجاتي ومشاكساتي. وأعتبرها هي المتلقّي الأول، والرحم الأول، والفضاء الأول الذي تنتقل إليه القصيدة أو الرأي. زهرة أكثر حكمة مني، وأكثر عقلًا مني لذلك أُلقي عليها بما أراه، وحينما تؤكد أنّ هذا الشيء جميل وجديد أفرح وساعتها أُقيمُ احتفالًا".
لعل أهم ما قاله الصحفي اللبناني أنيس غانم في إطلالته الثانية أنّ غيلان هو حالة فريدة فلن تجد كثيرين في هذا الكوكب ممن يؤخّرون دفع إيجار منزلهم في سبيل دفع كلفة "جسور"، المجلة الفصلية التي يُصدرها من رصيده الشخصي المُخصص للعائلة أصلًا. وهذا هو دأب المبدع الحقيقي الذي يشعر أنّ الثقافة هي هاجسه الأول والأخير.1234 ghaylan
منشورات خارج المُصادفة
لم تكتفي زهرة بالحديث عن أطفالها أو قراءة واحدة من قصائد غيلان وإنما تذهب أبعد من ذلك حينما تتحدث عن أول مشروع ثقافي عربي لهما بعنوان "منشورات خارج المُصادفة". فمنذ وصولهما إلى أستراليا سنة 1993م كان غيلان يفكر بتأسيس مشروع يُعنى بالنتاج الثقافي العربي الذي تُبدعه الجالية العربية في أستراليا وأن يصنع منه جسرًا بين ثقافته الأم الغنية بإبداعاتها وبين الثقافة الموجودة في أستراليا.
حسنًا فعل المخرج هادي ماهود حينما زجّ المصورة الفوتوغرافية الأسترالية كارين هاو لتدلو بدلوها وأن كان حديثها مُقتضبًا جدًا لأنها ركّزت في كلامها على دورها الفني المحدود في رسم التخطيطات الفنية لقصائد غيلان أو تصوير قراءاته الشعرية في بعض الندوات والأمسيات الثقافية التي تُنظّم في مدينة هيزلبروك. والغريب أنّ كارين كانت تنظر إلى غيلان الشاعر كطفل بريء أيضًا يتحدث بلغة مفهومة من قِبل الجميع، وترى أن قصائده مليئة بالعاطفة الإنسانية والشجن الرقيق.
يبدو أن الصحفي والناقد اللبناني أنيس غانم ملمّ بطريقة تفكير غيلان مثلما هو متبحر في قصائده فلا غرابة أن يصفه بالگلگامشي الذي لم ينسَ بصماته التي ما تزال محفورة على أرصفة بغداد كشرائع حمورابي. وأنّ غيلان حينما يطرح السؤال السياسي في شعره فهو يلامسه ملامسة خفيفة لكنه يكون فجًا حينما يسمّي الأشياء بمسمياتها ويقول "أمريكا" من دون خوف أو تردد أو مواربة. ورغم أنّ هذه القصيدة تبدو تقريرية ومباشرة إلّا أنها مؤثرة جدًا ومنطقية إلى حدٍ بعيد ينفّس بواسطتها ما يدور في ذهنه وعقله الباطن عن الصورة البشعة التي رسمتها أمريكا في ذاكرة الناس الجمعية حيث يقول:"أمريكا صانعة الجذام والندم / يا فايروس الخراب / يا حشرة الكراهية /أمريكا يا آلهة الجريمة / في فجر ما سيحدث ذلك / طبولٌ ونارٌ في الجبال / في السهول / في الكهوف / في الصحارى / في الأهوار / في المدن على الضفاف / وفي البحار / أمريكا جرذانكِ / كلابكِ / ذبابكِ كلها ستتخلى عنكِ / أقراطكِ التي أصغت لعرائنا / ستكون طعامًا لثقوب سوداء / ناطحاتكِ التي تتقزز من فندقنا الرخيص / مقهى للسواق ستكون / أسلاك الكهرباء تستقيل من الخجل / البرامج تستسلم للضحايا / وإلى مدارس الحضانة تعود الإليكترونات / أمريكا وحدكِ ستقرأين جذور الندم / ستذكرين بابل، أرميا، قصور روما / ولكن لا شبيه ولا عزاء لمثل ذلك الفجر / لغات الأرض ستمنع التوبة عن فمكِ / ستولولين مُصغيةً إلى أطفال العصور / أطفالكِ أطفالنا أطفال سومر / أمريكا ماذا تريدين؟ / أريد غفرانكم".1230 ghaylan
الخيال السمعي
في إطلالته الرابعة والأخيرة ينقل لنا الصحفي اللبناني أنيس غانم بعضًا مما جاء في حوارات أدونيس الذي سمّى بها غيلان في مرحلة سابقة بـ "النبتة الشيطانية في الشعر العربي" كما أشار إلى واحدة من ومضات أدونيس التي قال فيها عن غيلان جملة مهمة "اعتنوا بغيلان لأنكم لا تُدركون ماذا تملكون هناك"!
يميل المخرج هادي ماهود إلى صنع نهايات رصينة أو منطقية تفتح أفق المتلقي على خيال جامح قد يستدعي الماضي سواء بـ "أبوذيّاته" أو بأغانيه التراثية الفلوكلورية التي تثير فينا ذكريات الزمان والمكان والأحداث التي جرت وقائعها على بقعة ما من أرض الرافدين التي يحملها معه حتى المُقتلع من جذوره ويضعها في قارورة يشمّها بين آوان وآخر فيشعر ببعض الراحة والاسترخاء. يقدّم لنا غيلان قصيدة من شعر "الأبوذية" العراقية التي يقول فيها الشاعر:"يا حادي الطور بلله عليك غَمجة / ولك بِري اللي ما درى بالجرح وشكُثر غُمجة / يا حفّار هذا الگبر غَمجه / عسى ما أسمع بعد منهم رديّة(1) أمّا مسك الختام لهذا الفيلم فهي أغنية "للناصرية، للناصرية / مرّ بي وأمشي وياك للناصرية / عنّت عليّ / والديرة يا محبوب عنّت عليّ " إلى أن يتلاشى صوت الأغنية تدريجيًا مثيرة فينا الخيال السمعي هذه المرة.
لا بد من الإشارة في خاتمة المطاف إلى براعة الفنان التشكيلي أدور هيدو، وجمالية موسيقى منير بشير التي أشاعت في الفيلم مناخات حميمة مختلفة تتماهى مع مزاج كل شخصية من شخصيات الفيلم على انفراد.
***
عدنان حسين أحمد - لندن
.......................
1- الأبوذية هو ضرب من الشعر الشعبي يتألف من أربعة أبيات فقط تنتهي الأبيات الثلاثة الأولى منها بالكلمة نفسها أمّا الرابعة فتنتهي بـ "يّة" ويشتهر بهذا النمط أهل المناطق الجنوبية من العراق.

ترصد حرق مقرات الأحزاب والتيّارات السياسية

لا يختلف فيلم "سماوتي" للمخرج هادي ماهود كثيرًا عن فيلم "مراثي السماوة" الذي يتمحور على تفجير سيارتين مُلغّمتين في الكراج الموحّد حتى أن عددًا من الشخصيات يتكرر ظهورها في الفيلمين معًا مثل المحافظ فالح سكر، والناشط المدني باسم خشّان، والناشط المدني الدكتور عدنان عبّاس، والشاعر سعد سباهي ولكنّ ثيمة "سماوتي" تذهب أبعدَ من حدود التفجيرات الإرهابية لتتمحور هذه المرّة على إغلاق وحرق غالبية مقرات الأحزاب والتيارات السياسية التابعة لحزبيّ الدعوة والفضيلة، وتياريّ الحكمة والنصر. ولا يخرج الفيلم عن إطار التحريض والاحتجاج الذي لمسناه في الأفلام السابقة لهادي ماهود وهي في مجملها أفلام تنويرية تستفزّ ذهنية المتلقي وتحرّضه في الأقل على التظاهر والاحتجاج السلمي كخطوة أولى والاعتصام المدني الذي يمكن أن تتبعهُ خطوات تصعيدية أخرى كما حصل في عملية غلق مكاتب ومقرات الأحزاب والتيارات السياسية وحرقها أمام عدسات الكاميرات التلفازية من دون خوف أو وجل. وقد وصلت شجاعة المواطن السِماوي المُتظاهر إلى حدّ رفع الشعارات الصريحة الدامغة التي تقول بوضوح تام لا غُبار عليه: (تيار النصر ينتل، أي "يصعق"، وتيّار الحكمة يقتل). يحتضن هذا الفيلم الوثائقي الرصين شخصيات عديدة متنوعة تجمع بين المحافظ، وممثلة رئيس مجلس الوزراء، والناشطين المدنيين، والمحامين، والمثقفين، وشيوخ العشائر، إضافة إلى شخصيات عامة من الشباب والأطفال الذين لا تتفاداهم عدسة المُخرج وإنما تركّز عليهم وتضعهم في الصميم.
يعترف فالح سكر، محافظ المثنى، ويقرّ كشخصية حكومية بأنّ هناك ضعفًا في تقديم الخدمات للمواطنين ويعزو السبب إلى عدم وجود التخصيصات المالية لأبناء المحافظة، ومحروميتها، والبطالة التي أصبحت لا تُطاق. بينما نرى المُحتجين يرفعون شعارًا صريحًا يُطالبون فيه بـ "إغلاق جميع مكاتب الأحزاب والتيارات السياسية" ولكي لا يسقط المخرج في خانق الإسهاب يسمعنا الهتاف ذائع الصيت الذي يقول:"اسمع زين باكونا الحراميّة" وكأنهم يذكّرون مُحافظهم بأنّ سرقة المسؤولين هي السبب الأول في دمار العراق وخرابه ، فلا غرابة أن يقف أمام عدسة الكاميرا شاب منفعل يلعن الأحزاب الرئيسة في البلد ويشبِّهها بالوجه الآخر لحزب البعث المُنحلّ ثم يوجِّه سهام النقد إلى المالكي الذي استحوذ على السلطة لمدة ثماني سنوات لم يجنِ منها المواطن البسيط سوى القهر، وجريمة سبايكر، والميزانيات غير المحسومة على حد قول الشاب المنفعل الذي فارت دماءه في لحظة غضب وأخذ يتلفظ بكلمات نابية.
يسعى المحافظ إلى القول بأنّ التظاهرة التي خرج لاستقبالها كانت سلمية لكنها تحوّلت فجأة إلى تظاهرة مسلّحة حيث سمع صوت رمانة يدوية تنفجر، وقنابل مولوتوف تلاها إطلاق رصاص حيّ على مبنى المحافظة. لكنّ الشيخ مجهول عبد منصور يحثّهُ على مُشاهدة ما صوّرتهُ كاميرات المُراقبة المُثبتة على الشارع وسيعرف فيما إذا أُلقيت الرمّانة اليدوية من قِبل أفراد الشرطة أم من قِبل المتظاهرين الذين رشقوا مرصد الحراسة بالحجارة وكسروا واجهاته الزجاجية فقط. أمّا بقية الدوائر الرسمية فهم الذين أحرقوها.1175 samawaty
"بإسم الدين باگونا الحراميّة"
يُثبت الناشط المدني باسم خشّان بأنّ الذين قاموا بحرق بعض مقرات الأحزاب في محافظة المثنى هم من غير المتظاهرين. فقد استهدف الحريقُ "القلم السرّي" وهي غرفة تحتوي على ملفات يمكن أن تُثبت فساد المُحافظ وآخرين. أمّا المتظاهرون فهم لا يعرفون القلم السري وما يحتوي عليه من أدلّة. يتردد الهتاف الأكثر شهرة في العراق غير مرة على مدار الفيلم "بإسم الدين باگونا الحراميّة" فثمة تواطؤ معروف بين السلطة السياسية والسلطة الدينية ويمكن أن نراه مع أحد رجال الدين الذين رصدتهم كاميرا هادي ماهود الاستقصائية التي كشفت المستور، وعرّت الخطاب الملتبس الذي يتبناه رجل الدين المستفيد من السلطة الفاسدة التي تحقق له بعض المطالب الأرضية الدنيئة مقابل مؤازرته للباطل وتكريسه لظلم الناس البسطاء الذين يقعون ضحايا النصب والاحتيال والأباطيل الخرافية المشوّهة.
لا يجد المحافظ فالح سكر حرجًا في القول بأنّ لديه أسماء أكثر من 50 شخصًا مُعتقلًا وأكثر من 50 دعوى قضائية سوف تُقام في المحاكم على وفق القانون الذين يتمّ بموجبه ملاحقة المُسبِّبين والمُحرِّضين والمموِّلين لهذه التظاهرة وهو يشير من طرف غير خفي إلى وجود منْ يُحرّض على هذه التظاهرات الاحتجاجية ويموّلها سواء من أطراف محلية أو أجنبية.
يندر أن تجد في بلد متطور أو يقف على حافة التمدن والحداثة أن تتجاوز فيه أجهزة الأمن والاستخبارات والشرطة المحلية على المحامين وهذا ما حدث بالضبط للمحامي مقداد العامري الذي اقتادوه من المرآب المخصص لموظفيّ المحكمة ومحاميها واعتقلوه في دائرة الاستخبارات حيث تعرّض إلى ضرب مبرّح لا يتحمّله بشر على حد قوله بعد أن اتهموه بقيادة التظاهرة المُطالِبة بحقوقهم المشروعة.
لم تتأخر نقابة المحامين في المثنى بالردّ على هذا الإجراء التعسفي المُخالف للدستور العراقي حيث تظاهر أكثر من 80 محاميًا أمام دائرة الاستخبارات احتجاجًا على تعنيف المحامي مقداد العامري والاعتداء السافر عليه الأمر الذي دفع مدير مكتب التحقيقات الوطنية إلى تقديم الاعتذار الرسمي من المحامي المذكور وإدعّى بأنّ هناك حالة إخفاق في تحديد هُوية المُعتدي الذي ارتكب هذه المخالفة القانونية أمام الملأ! السؤال المنطقي هنا: إذا كانت دائرة الاستخبارات نفسها تفشّل بالتوصل إلى معرفة الجاني وهُوية المنتسِب إليها فكيف ستتعرف على هُوية الجُناة من الدوائر الأخرى التي تقع خارج اختصاصها المهني؟
يتحدّث الناشط المدني الدكتور عدنان عبّاس بحرقة عن الطبقة السياسية الجديدة التي جاءت لتنهب المال العام وتغادر الوطن. وينتقد في معرض حديثه أحد السياسيين الذي صرّح في لقاء تلفازي بأنه لا يستطيع أن يجلب أبنائه إلى العراق بحجة أنّ أبنائه لا يفهمون "اللغة السوقية" لعامة الناس ولا يستطيعون الانسجام معها لأنهم إعتادوا الحياة اللندنية الراقية المُرفّهة. أنّ هذا التعالي مردود عليه وأنّ رفاهية أولاد هذا السياسي الأرعن هي من أموال الشعب العراقي المنهوبة في وضح النهار. يتهم الدكتور عبّاس الأحزاب السياسية بقتل المتظاهرين الشرفاء الذين ضحّوا بأرواحهم من أجل عراق حر وديمقراطي يضمن الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع. ويُلقي باللائمة على مدير الشرطة، ورئيس جهاز الاستخبارات، وقائد قوات الرافدين الذين كانوا سببًا في ضرب المتظاهرين، واغتيال المعتصمين، ويطالب بإقالتهم جميعًا. هتاف جماعي آخر شديد الدلالة يقول: "عارٌ عليكم أيها الجُناة / تقتلون شعبًا في المظاهرات".1178 samawaty
أعمال عنف، واعتقالات عشوائية، وعدالة غائبة
يُقدّم عقيل الموسوي، رئيس مفوضية حقوق الإنسان في المثنى سردًا مطولًا بالشكاوى التي قُدمت للمفوضية تتعلق بأعمال العنف، والاعتقالات العشوائية، وغياب أوامر القبض، وتأخّر حسم الدعاوى، وعدم الإطلاع على الأوراق التحقيقية وما سواها من انتهاكات. ووعد بإجراء التحقيقات الأولية في الشكاوى المٌقدَّمة لها وإحالتها إلى الجهات المعنيّة التي تدرسها وتبتُّ في أمرها.
يعتقد باسم خشّان بأنّ محافظة المثنى قد تركت وراءها المطالب غير الموضوعية، وتبنّت مَطلبًا واحدًا، وتوجهت نحو سبب المشكلة وليس إلى نتائجها. فنقص الخدمات، وشحة الماء والكهرباء، وسوء التعليم، وانهيار النظام الصحي، وتفشي الرشوة والمحسوبية كلها نتائج للفساد. فإذا حاربنا الفساد واستطعنا أن نقضي على السبب الرئيس، ونُلزم القضاء بتطبيق القانون تطبيقًا صحيحًا، ونحقق المساواة بين المواطن والمسؤول أمام القانون، ونحاسب المقصّرين بجرائم الفساد المالي، ونستعيد الأموال المسروقة بواسطة معالجة السبب الرئيس وليس العودة إلى النتائج الفرعية المتشظّية عن الفساد. ينبّه أحد المراسلين التلفزيونيين بأنّ السلطة تحاول دائمًا أن تمتصّ غضب الشارع ونقمته من خلال إطلاق الوعود الكاذبة لكنّ هذه الوسائل الملتوية لم تعد تنطلي على أحد، فلقد أدرك المواطنون هذه الألاعيب والحيَل التي يلتجئ إليها الساسة الفاسدون من صنّاع القرار.
يرى الشاعر سعد سباهي بأنّ جماهير السماوة لم يخرجوا تحت عنوان مُحدّد، وإنما خرج الكل بهُويته؛ هُوية وطن يحترق، وأصوات صغاره وكباره لكي يضعوا حدًا للمأساة التي يعيشها أمام حكومة ظالمة، وأحزاب فاسدة لا تعرف إلّا كيف تسرق وتوقظ الفتنة الطائفية النائمة. أمّا الناشط أحمد العامري فلا يجد حرجًا في القول بأنّ المتظاهرين فقدوا الثقة بالسلطتين التنفيذية والتشريعية ولم يبقَ لديهم سوى السلطة القضائية وطلبوا منها محاسبة الفاسدين واسترداد الأموال العامة المنهوبة. تحوّلت هذه التظاهرة إلى ما يشبه الاعتصام المدني الذي استمر ثمانية أيام حتى أن أحدهم طالب رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي بضرورة التوجه إلى محافظة المثنى لحل المشكلات العويصة التي تواجههم. وبدلًا من أن يذهب العبادي بنفسه كلّف ممثلتهُ "بشرى شعير" التي التقت بعيّنة من المتظاهرين بينهم الناشط باسم خشّان وتسلّمت مطالبهم المشروعة ووعدت بتسليمها إلى خلية الخدمات والإعمار لكي تجد طريقها إلى الحل والتنفيذ.1177 samawaty
فنان يتضامن المتظاهرين ويحلم بتحقيق وطنه المنشود
لا بدّ أن يحضر رجل الدين في بعض أفلام هادي ماهود، وهو حضور مشكوك فيه. ففي الجلسة الدينية التي عقدها السيد علي الطالقاني في ساحة الاعتصامات على شكل "قراءة حسينية" لم تقنع المثقفين والمتعلمين وحملة الشهادات ويكفي للمتلقي أن ينظر إلى وجه باسم خشّان والدكتور عدنان عباس وشخصيات مثقفة أخرى حتى يلمس عدم قناعتهم بطروحات السيد علي الطالقاني حتى أن الدكتور عدنان عبّاس وصف حديثه بتخدير للناس، ووضعه إلى جانب المتأسلمين والناس الذين سرقوا أموال الشعب العراقي. فيما رأى شخص متنوّر آخر بأنه بدلًا من أن يشدّ من عزم المعتصمين ويشجّعهم على البقاء والاستمرار في التظاهر فإنه يُثبط هممهم ويقلل من شأن الاعتصام وكأنه مكلّف بتهدئة الأمور. بينما اعتبر خالد علي الجياشي وهو ناشط آخر بأنّ هذه القراءة الدينية هي واحدة من الفتن التي يعوّلون عليها. أمّا الفنان ضرغام حميد السماوي الذي يجاري المتظاهرين في مطالبهم المشروعة ويسايرها لكن مطلبه الرئيس هو تحقيق الوطن المنشود لأن ما يعيش فيه ليس وطنًا بالمعنى الحقيقي للكلمة. وفي السياق ذاته يرى الشيخ كاظم عبد برشاوي بأنّ هذه الحكومة لا تمثلهم، وأننا في العراق لا نمتلك دولة وأول شيء فعلوه ضد المتظاهرين أنهم قطعوا عنهم الماء نهارًا كاملًا، كما أن نقطة التفتيش في "الرميثة" حجزت السيارة التي تحتوي على أدوات وقدور الطبخ وهذا أمر غير مقبول من وجهة نظره كشيخ عشيرة.
واحتجاجًا على قطع الماء والكهرباء يهتف أحد الرجال الذين يرتدون زيًا عربيًا ويقول دابكًا:"البايك حقي وحقك / ذاك النايم ع التبريد".
وعلى الرغم من قسوة وفظاعة ما عملهُ صدام حسين بالشعب العراقي فإن أحد المتظاهرين ينتقد أسلوب النظام الحالي في التعامل مع المحتجين لأنّ هناك سبعة أو ثمانية شرطة يضربون متظاهرًا وأحدهم يسحق رأسه بالبسطال مُقارنًا هذه الحالة بما يحدث للفسطينيين في ظل الاحتلال الإسرائيلي ويتحدث لهم عن ناقلة مدرّعة تفرّق المتظاهرين بوحشية وتحاول دهسهم من دون رحمة أو شعور بالخزي والعار من هذه الفعلة النكراء.1176 samawaty
قصور باذخة وجزر ساحرة في عُرض المحيطات
يمارس الدكتور عدنان عبّاس دورًا تحريضيًا صريحًا حيث يحمل مكبرّة صوت يتحدث بواسطتها إلى مواطني السماوة الذين يتواجدون في السوق المسقّف ويدعوهم إلى عدم القبول بإتيان محافظ جديد عليه شبهة فساد. فمضيف المحافظ الذي يقدّم لمرتاديه الشاي والقهوة فقط رُصد له مليار و 350 مليون دينار عراقي تكفي لبناء العديد من المدارس والبيوت للفقراء. أمّا المسؤولون في الدولة والبرلمان فلديهم جوازات تمكّنهم من السفر إلى كل بلدان العالم، ويورد أمثلة على برلمانيين اشتروا قصورًا وجزرًا في شرم الشيخ ولبنان والمحيط الهادئ.
نخلص إلى القول بأنّ فيلم "سماوتي" يندرج أيضًا ضمن أفلام التحريض والاحتجاج التي دأب عليها المخرج هادي ماهود في أفلامه الوثائقية على وجه التحديد وكشف من خلالها فساد المسؤولين والبرلمانيين الذين ينتمون للطبقة السياسية التي جاءت إلى سدة الحكم بعد عام 2003م ومارست قمعًا لا يقل بشاعة عن القمع الذي شهدناه في ظل النظام الدكتاتوري المقبور، وعدسة الكاميرا الوثائقية هي الآلة الوحيدة التي تنقل بأمانة ما يجري على أرض الواقع من دون فبركة أو تزوير وتركَ أمر الحُكم عليه إلى المتلقّين الذين يقولون، في خاتمة المطاف، كلمة الحق والعدل والإنصاف التي تهتزّ لها الجبال قبل أن ترتعش لها ضمائر المسؤولين الذين قدّموا مصالحهم الشخصية والحزبية على مصلحة الوطن الجريح.
***
عدنان حسين أحمد - لندن

يُعدّ فيلم "روح السماوة" للمخرج هادي ماهود من الأفلام الوثائقية الحميمة التي تستنطق الماضي، وتبحث عن روح المكان في الشواهد العمرانية القديمة مثل البيوت التراثية، ومحطة القطار القديمة، والمقاهي الشعبية وما إلى ذلك. يجمع هذا الفيلم بين الرأي الذي يرصد المخاطر الجدية التي تهدّد هُوية المدينة القديمة والمعلومة الدقيقة التي تزوِّد المتلقي بمعطيات الشواخص العمرانية القديمة على وجه التحديد وخطورة الزحف العمراني غير المدروس الذي يلتهم كل ما هو أثري وقديم وراسخ في ذاكرة الأجيال. كما تذهب ثيمة الفيلم إلى أبعد من ذلك حينما ترصد العلاقات الاجتماعية بين أهالي السماوة على مدى ثلاثة أجيال في الأقل وهم جيل الأجداد والآباء والأحفاد إن لم تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير فالفيلم يحمل طابعًا أنثروبولوجيًا يدرس السلوك الاجتماعي والثقافي لأهالي مدينة السماوة الذين يحملون في دواخلهم الكثير من عناصر المحبة والتآزر والانسجام. ومن يدقق في تفاصيل هذا الفيلم سيلمس اعتزاز أهالي السماوة بعلاقات الجيرة والأخوّة والتعاضد الإنساني الذي لم تفتِّتهُ غزوات الحداثة التي اجتاحت العالم برمته وحوّلته إلى قرية صغيرة فعلًا لا تستطيع أن تنجو من التغيرات الدراماتيكية التي ضربت كل مفصل من مفاصل حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية. كما تسعى ثيمة الفيلم الذي كتبهُ ومَنتجهُ وأخرجهُ هادي ماهود إلى الإحاطة بالسير الذاتية والذهنية والروحية لعدد من شخصيات المدينة وأولهم عبداللطيف الجبلاوي، مالك البيت التراثي، وعدد آخر من أبناء المدينة من بينهم المعلم المتقاعد، والموظف، والمخرجة السينمائية، والقاضي المُحال على المعاش، والمهندس المعماري، والفنان التشكيلي وصولًا إلى حارس المدينة الذي يحمي أرواح الناس وبيوتهم وممتلكاتهم منذ مغيب الشمس حتى مَطلعها في صبيحة اليوم التالي.
يحاول هادي ماهود في هذا الفيلم أن يمسك بتلابيب المدينة ويوثِّق كل شيء فيها حتى أن الباحث والمؤرخ السينمائي مهدي عباس قد قال عن مدينة النخل الغافية على حافة الصحراء:"مَنْ لم يزر السِماوة سيتعرّف عليها من خلال هذا الفيلم الذي يُعدُّ وثيقة مهمه عن تاريخ هذه المدينة وتراثها وهذه هي مهمه الفيلم الوثائقي في أن يكون وثيقة عن الموضوع الذي يتناوله"(1)1191 samawaty
مُعلمّو الزمن الجميل
لا تقتصر ثيمة الفيلم على السيرة المكانية للمدينة وشواهدها العمرانية المُرممة أو الآيلة للسقوط وإنما تمتد إلى السيرة الذاتية لمالك الدار المعلّم المتقاعد عبداللطيف الجبلاوي الذي درّس طلاب السماوة في ستينات القرن الماضي وأحسنَ تربيتهم وتعليمهم في الوقت ذاته كما كان يفعل مجايلوه من معلميّ "الزمن الجميل". ومن خلال هذه الشخصية التربوية التي تُطل علينا أكثر من عشر مرات خلال مدة الفيلم التي بلغت 23 دقيقة كانت تمرّ مثل لمح البصر لثراء المعلومات والأفكار التي يختزنها الكائن السيري الذي انتشل هذا البيت التراثي من أنشوطة الموت والزوال الأكيد. لنستمع إلى رواية المعلم عبداللطيف الجبلاوي الذي يقول بأنّ والده هو الذي اشترى هذا البيت من أحد أهالي السماوة الذي لا يتذكّر اسمه الآن. وقد وُلد الرواي سنة 1940م في هذا البيت، ونشأ وترعرع فيه. وقد استطاع أن يشتري هذا البيت من الورَثة بعد أن فرغ من ساكنيه. وفي سنة 2015م قرّر أن يرممهُ بعد أن وجد مهندسًا معماريًا متخصصًا بالبيوت التراثية وقد كلّفته عملية الترميم 250 مليون دينار عراقي، أي ما يقارب 193 ألف دولار أمريكي. تبلغ مساحة المنزل 196 مترًا مربعًا، ويقع في شارع النجّارين في قلب مدينة السماوة التي تبعد مسافة 300 كم جنوبيّ العاصمة بغداد. يتألف البيت من طبقتين ويضم 13 غرفة كانت تسكنها العائلة الكبيرة التي تأكل من قِدر واحد تجمعهم العلاقة الأُسرية الحميمة القائمة على المحبة والاحترام والانسجام. يحتوي البيت على بئر عميقة فيها مضخة غاطسة تُخرج الماء كلّما ارتفع عن الحدّ المسموح به وتُلقي به إلى ساقية الشارع. تزّين البيت التراثي من الخارج شبابيك ملونة بالأخضر والأزرق والأصفر الأمر الذي يُضفي على البيت هيبة وبهجة وجمالًا أخّاذا. كما يحتوي البيت على سرداب بارد يلوذون به في أيام الصيف اللاهب وثمة غرفة في الطابق الثاني مخصصة لاستقبال الضيوف سواء من أبناء المدينة ذاتها أو الذين يفِدون من خارجها كالبدو الذين يزورونهم بين آونة وأخرى مُتطلعين إلى شرب قهوة "ابن عيسى" اللذيذة.1194 samawaty
تعالق الشعر مع الغناء والموسيقى
يتنقّل الراوي بين السيرة الذاتية والعائلية وسيرة المكان أو المدينة، إن شئتم، كما يتناول سيرة بعض الشخصيات العامة التي استقرت في ذاكرة الناس الجمعية حيث يقدّم لنا الموظف المتقاعد أحمد حسين سردًا بعدد المقاهي الموجودة في السماوة، وهو يفرّق بين المقاهي الكبيرة مثل مقاهي التجّار والمعلمين وبين الجايخانات الصغيرة التي تقدّم خدماتها السريعة إلى المارة والناس العابرين. ولا ينسى الرواة التفريق بين المقاهي التي تجلس فيها الشخصيات المحترمة، والمقاهي التي تحتضن الناس الذين يلعبون القمار. يتعالق الشعر مع الغناء والموسيقى في هذا الفيلم فأحدهم يردد قائلًا:" ولنا بالسماوة وسوحها / ذكرى في مدى الأيام تبتسمُ". بينما يتذكّر القاضي المتقاعد علي الحمدي الأشخاص الذين عرفهم والأحداث التي وقعت في زمنه وكأنها فيلم وثائقي دقيق يمرّ أمام ناظريه لأنّ المخرج هادي ماهود في (روح السماوة) "يخاطب المكان ويتعامل معه كروح تحرِّك فينا سواكن الأشياء وتُوقظ معنا مكامن حنين غريب للأثر الذي يرتبط بذاكرة المدينة وحسِّها وعمارتها أيضًا"(2).
لا ترى المخرجة السينمائية زهراء السماوي بالسماوة روح المدينة المتناسقة وإنما ترى فيها تصاميم عشوائية تفتقر إلى الهُوية فلا غرابة أن ترى تاريخ السماوة وتراثها وروحها في المدينة القديمة التي بدأت تتلاشى بمرور الزمن.
يستعيد عبد اللطيف الجبلاوي ذكريات طفولته حينما كان المعلّمان ابراهيم گنّان وابراهيم مصطفى وهما من المعلّمين الروّاد الأوائل الذين كانوا يصطحبون التلاميذ كل يوم جمعة إلى السينما وبعد مشاهدة الفيلم يعودون إلى المدرسة ثم ينصرفون من هناك إلى بيوتهم بأمان من دون أن يتعرضوا إلى مضايقات من بعض العناصر الفاسدة في المجتمع إن ذهبوا فرادى أو متفرقين.1193 samawaty
التربية الذوقية والجمالية
لم تكن إشارتنا إلى الجانب الأنثروبولوجي للفيلم ناجمة من عبث أو فراغ فهذا الفيلم يعطينا لمحة حتى عن ملابس المعلّمين في المدارس الابتدائية وما سواها من المراحل الدراسية ولعل إشارة المعلّم المتقاعد حربي عليوي قد جاءت في محلها بأن المعلّم كان يطلب قطعة القماش من الكويت أو من الأردن ويخيّطها عند خياطين ماهرين بمدينة النجف لكي يظهر بالمظهر اللائق لأنه هو نفسه يتبنّى التربية الذوقية والجمالية والأخلاقية.
يَعتبر الكائن السيري عبد اللطيف الجبلاوي نفسه وبقية المعلمين من جيل الستينات أو ما قبله جزءًا من التراث، وبما أنّ البيت الذي رمّمه وأعاد إليه الحياة هو بيت تراثي أيضًا فقد اجتمع التراثان في آنٍ معًا.
لم تنجح فكرة ترميم هذا البيت التراثي لو لم يجد عبداللطيف الجبلاوي مهندسًا متخصصًا بالأبنية التراثية مثل المهندس المعماري أحمد كبّة الذي يدّرس في جامعة المثنى وقد أخذ على عاتقه ترميم هذا البيت التراثي الجميل الذي بقي لأكثر من 30 سنة من دون صيانة أو ترميم. يزوّدنا المعماري أحمد كُبّة ببعض المعلومات المفيدة بأن عائلة عبداللطيف الجبلاوي قد سكنت في هذه البيت منذ سنة 1920م ثم بدؤوا بترميمه سنة 2015م بطريقة علمية حافظت على خارطة البيت الأساسية حتى أنه حصل على جائزة التميّز التقديرية لعام 2018م بالتعاون مع قسم الهندسة المعمارية في جامعة المثنى الأمر الذي أفضى إلى تكريم المهندس المعماري الدكتور أحمد كبّة الذي شكر بدوره القائمين على جائزة التميّز العالمية التي تعني له الشيء الكثير.
يعود بنا مخرج الفيلم إلى الحقبة الملكية التي أُعلن فيها الحِداد على وفاة الملكة عالية ثم يعرّج، من خلال ذاكرة المتحدثين، إلى الملك فيصل الثاني وزيارته التاريخية إلى مدينة السماوة حيث استقبله الأهالي استقبالًا حافلًا لدرجة أنّ الجماهير رفعت سيارته في أثناء عبورها جسر المثنى تعبيرًا عن حبّهم الشديد بالملك وتعلقهم بشخصه الكريم. ثمة إشادة بتجربة الفنان التشكيلي سامي مشاري الذي يُعدُّ من أعمدة الفنون التشكيلية في السماوة حيث درس بمعهد الفنون الجميلة ببغداد سنة 1970م ثم عمّق تجربته الفنية خلال العقود الخمسة اللاحقة ليصبح عَلَمًا من أعلام المدينة. لا يُفوّت هادي ماهود الفرصة لانتقاد مؤسسات الدولة من خلال شخصية علي عبد عيد، نقيب فنّاني ذي قار الذي قال أتمنى أن تكون وزارة الثقافة داعمة لمثل هذا البيت التراثي وغيره من البيوت الأثرية لأنّ الثقافة تحتضر في هذه الأيام، وهي إشارة لها مدلولات كثيرة تثير أسئلة عديدة من بينها: لماذا تحتضر الثقافة في هذا البلد الغني ماديًا ومعنويًا؟ وهل هذا الاحتضار مُبرمَج ومُخطّط له أم أنه حصل بشكل اعتباطي عابر؟1192 samawaty
نفخ الروح في البيوت التراثية القديمة
يحتشد هذا الفيلم بالتعالقات الغنائية والموسيقية والشعرية فأحدهم يردد أغنية تراثية جميلة تبدأ بـ "گولوله ما بي لولوة، بس الخزر بالعين صايرله سولة". لا ينفك عبداللطيف الجبلاوي من الحديث عن طبيعة الإنسان السماوي الذي يحب الجيران ويحترمهم ويعتبر بيوتهم امتدادًا طبيعيًا لبيته. يعاود المهندس المعماري أحمد كبة الحديث عن أهمية ترميم وإحياء البيوت الأثرية القديمة ليس بوصفها أمكنة رمزية فقط وإنما كحدث اجتماعي له مردودات مادية يمكن أن تساهم في إنعاش اقتصاد البلد. فبدلًا من أن تُهمل هذه البيوت التراثية وتتحول إلى خرائب وأطلال تنعب فيها الغربان علينا أن ننفخ فيها الروح ونعيدها إلى الحياة من جديد، وأن نحافظ عليها مثل كنز ثمين ولا نتركه نهبًا للسرّاق واللصوص كلما ضعفت القوانين وانسحبت الدولة إلى المقاعد الأخيرة من الحياة اليومية.
ينبّه عبداللطيف الجبلاوي إلى خطورة تقويض البيوت الأثرية القديمة لتحلّ محلها العمارات الحديثة ذات الأغراض التجارية المحض، ويحثّ المواطنين الخيّرين للحفاظ على هذه الثروة الخيالية والتشبث بها ولا يجد ضيرًا في إنشاء مدينة حديثة مقابل المدينة القديمة المُحتفية بأحيائها التراثية الجميلة النابضة بالحياة.
كثيرة هي الأحياء التراثية الساحرة في مدينة السماوة وخاصة الأحياء التي تتوسد ضفتيّ نهر الفرات لكن غالبية المشاركين في هذا الفيلم يركِّزون على بناية محطة السكك الحديد في السماوة ويعتبرونها معْلمًا أثريًا مهمًا ومَنجمًا لذاكرة المواطنين السماويين. فلقد كتب الشاعران يحيى السماوي وناظم السماوي قصائدهما عن هذه المحطة وفي أرجائها فلا غرابة أن تطالب الغالبية العظمى من الناس بأن تُرمّم هذه المحطة ويُعاد لها رونقها السابق الذي استقر في ذاكرة الناس فلقد تحولت بناية المحطة إلى مدرسة للعلوم الإسلامية بينما يشدّد المعماري أحمد كبّة على ضرورة الإسراع بترميم المحطة وضخ دماء جديدة في شرايينها المتصلّبة.
يختم هادي ماهود فيلمه بطريقة ذكية حيث يترك المجال لمالك البيت أن يقول كلمته الأخيرة حيث سجّل وصية في دائرة التسجيل القاري تمنع بيع هذا البيت التراثي أو توريثه أو فصل أي قسم منه أو تغيير صورته الحالية، وأن تتناقلهُ الأسرة لرعايته فقط والإشراف عليه وليس لغرض آخر. وأن يحقق الأهداف التي رسمها المالك في ذهنه بأن يكون هذا البيت مركزًا ثقافيًا أو تراثيًا يحتضن مجمل الأنشطة الثقافية والفنية والفكرية لأهالي المدينة الذي يفتخرون بهذا المنبر التنويري ويسعون إلى تخليده إلى أجل غير مسمّى.1195 samawaty
التآلف والأخوّة بين شرائح المجتمع السِماوي
ثمة حكايات أخرى لم نشأ التطرّق إليها نُشدانًا للاختصار مثل حكاية كريم الشقي أو البطل الذي كان يتمرّن بالقرب من نهر الفرات حيث كانوا يحطِّمون قطع المرمر على صدره العاري بالمطارق من دون أن يئن أو يتأوه. وحكاية مقهى الشيخ هادي الذي ترتاده الشخصيات المسلمة واليهودية لتكشف عن حجم التسامح والتآلف والأخوّة بين شرائح المجتمع السِماوي، أو حكاية الحارس "مسعود" الذي كان يتأكد من إغلاق أبواب المحلات بنفسه وما سواها من حكايات قد تبدو ثانوية إلّا أنها كبيرة وتنطوي على معانٍ شديدة الأهمية. يذهب الشاعر عبدالحميد الصائح إلى القول بأنّ فيلم (روح السماوة) "يتميّز بقدرة السينما المحترفة على فتح قريحة المكان، وإيقاظ عاطفته في ذلك العالم الغامض القديم المتشابك المليء بالحكايات والناس، مُوجِزةً كل ذلك بسحرِها ومنطق الزمن الفني الذي جعلَ من الثلاث وعشرين دقيقةً - زمنِ الفيلم تاريخًا ناطقًا باكمله"(3).
يخلص الناقد فراس الشاروط إلى القول: "هادي ماهود المشاكس دائمًا والإشكالي واحد من أمهر صنّاع السينما الوثائقية، ليس في العراق فقط بل في الوطن العربي، أنه يضع اسمه وبقوة جنبًا الى جنب مع أمهر صنّاع السينما الوثائقية، ولو -هذه الكلمة السحرية التي وضعها ستانسلافسكي - كان لدينا سينماتك حقيقي يؤرشف للسينما وصناعها فبالتأكيد سيكون اسم هادي ماهود مُطرِزا رفوف المكان بسينماه العذبة الصادمة دائمًا بمواضيعها الجريئة، أنه مع أخويه وشركتهما يؤسسون لسينما مستقلة حقيقية"(4 ).
بقي أن نقول بأنّ فيلم "روح السماوة" قد حصل تنويه خاص وجائزة أفضل موسيقي في المهرجان العربي لفيلم التراث بالقاهرة. وتتوّج بجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان سوس الدو لي للفيلم القصير في المغرب. كمال نال جائزة مهرجان عيون سنة 2020 م عن مجمل أعماله السينمائية.
***
عدنان حسين أحمد - لندن
.....................
1- عباس، مهدي، هادي ماهود.. وروح السماوة، صحيفة الدستور، 11 / 12 / 2020م.
2- مهلهل، نعيم عبد، البيت "وطن" تجدده الأحلام والدموع والذكريات، مجلة السينمائي، العدد 6.
3 - الصائح، عبدالحميد، روحُ السماوة.. حين توقظ السينما قريحة المكان، صحيفة أوروك، 22 ديسمبر 2020م.
4 - ماهود، هادي، "هادي ماهود روح السماوة"، جريدة العالم، العدد 2565، 3 / 12 / 2020م.

 

كثيرة هي الأفلام التي أنجزها المخرج هادي ماهود عن مدينة السماوة وأبرز الأحداث التي وقعت فيها ولعله من بين المخرجين العراقيين القلائل الذين أنجزوا عددًا كبيرًا من الأفلام النوعية عن محافظته والأقضية والنواحي التابعة لها. ومن بين هذه الأفلام "في دائرة الأمن"، "سوق سفوان"، "روح السماوة"، "ساوة"، "الجدار" و "مراثي السماوة" وما سواها من أفلام وثائقية وروائية قصيرة.
يتميّز هذا الفيلم مثل غالبية أفلامه بالنَفَس التحريضي والاحتجاجي الذي ينبع من التوعية والتنوير الثقافي والمعرفي فحتى المواطن العادي من أصحاب المهن الحُرة، والباعة المتجولين، والناس الذين يرتادون المقاهي يحلِّلون الأحداث التي تقع والأخبار التي يسمعونها ليلَ نهار ويبدون آرائهم المنطقية والمعقولة بها. فثيمة هذا الفيلم الرئيسة تتمحور على "تفجير سيارتين ملغّمتين جاءتا من العاصمة بغداد وتفجرتا في قلب مدينة السماوة وراح ضحيتها 50 قتيلًا و 80 جريحًا من عامة الناس وفقرائهم علمًا بأنّ السماوة تعد المحافظة الأكثر أمنًا بين المحافظات والمدن العراقية".
لا تقتصر الثيمة على هذين التفجيرين الإرهابيين وإنما تمتدّ إلى سجن " نقرة السلمان" الذي يُعتبر المنفى الصحراوي الذي تحتجز فيه الحكومات السابقة السياسيين المناهضين لأفكار وتوجهات الأنظمة القمعية والدكتاتورية المتخلفة التي تُصادر الحريات العامة والخاصة للسياسيين على وجه التحديد وللمثقفين العراقيين بشكل عام. ومن يتابع أفلام هادي ماهود الوثائقية والروائية القصيرة سيلمس شجاعته في تعرية المسؤولين في الحكومة المحلية أو المركزية، فلم يسلم منه أي مسؤول سواء أكان مُحافظًا أم رئيسًا لمجلس المحافظة أم ضابطًا في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية أم نائبًا في البرلمان وما إلى ذلك من مناصب حسّاسة ومهمة تترك أثرها الكبير إذا ما أغراها جشع المناصب، وسقطت في خانق الفساد، وتلاعبت بمقاليد الأمور.
لا تتكشّف ثيمة الفيلم برمتها ما لم نتوقف عند مجمل الشخصيات التي تراوحت بين المسؤولين في الحكومة المركزية والمحلية وبين الشخصيات الأخرى التي تنتمي إلى طبقات وشرائح اجتماعية متعددة من بينهم الطبيب، والشاعر، والناشط المدني، والمتقاعد، وصاحب المحل وما إلى ذلك. يعتمد المخرج هادي ماهود على تقنية الفويس أوفر "التعليق الصوتي" و "الرؤوس المتكلمة" التي تُدلي بدلوها وتُفصح عن أفكارها وقناعاتها الفكرية والسياسية من دون خشية أو تردّد أو خجل. وبما أنّ مدة الفيلم 18 دقيقة فمن المُستحسن أن نتوقف عندها جميعًا لأن يد المونتير المُرهفة قد شذّبت الترهلات الزائدة في هذا الفيلم الاستقصائي الذي يقول أشياء كثيرة من دون أن يقع في فخ الإسهاب والإطناب.
يستهل المخرج فيلمه بمقطع شعري جميل لقصيدة "سيدة النهر" للشاعر الكبير الراحل سعدي يوسف تنطوي على إشارة إلى السماوة؛ المكان والمنفى يقول فيها: "توهّمتُ نخل السماوة، نخل السماوات حتى حسبتكِ عاشقة فانتظرتُ النهار الذي يطلعُ النجم فيه".1159 alsamawa
نقرة السلمان وسماء اليسار العراقي
تلعب تقنية "الفويس أوفر" دورًا مهمًا في بناء الهيكل العام للفيلم خاصة في جُملتيه الاستهلالية والختامية حيث يركز التعليق الصوتي الأول على أشياء كثيرة من بينها قلوبنا، نحن المتلقّين، أولًا، "وأفياء نخيل حسين نعمة، وسماء اليسار العراقي في سيدة سعدي يوسف حين تشغله مواويل حنين غربته لذكريات نقرة السلمان". يتعالق المخرج كلّما دعت الضرورة مع أغانٍ بدوية أو كوردية أو تراثية عربية ذات طابعٍ مديني أو ريفي بحسب الحاجة التي يستدعيها السارد ويقول كلامًا دالًّا مُعبِّرًا يثير المشاعر والأشجان. فلقد "كتب سعدي يوسف أشعاره على جدران السجن فيما رسم عبدالله كوران على طابوقه الكلسي أناشيده الكوردية المُغنّاة حنينًا إلى الينابيع، والقمم العالية، ونايات الرعاة. وبين الأغنية والقصيدة مسافة الطريق ذاتها مشاها ملك أوروك كلكامش وهو يئن من خيبة عودته بدون خلودٍ ومن غير تفاحة الجنة المتمناة ولهذا بقي فقراء السماوة يشيّدون أحلامهم على أمل الوعود بإنجاز شيء يطوِّر وينمّي المدينة التي لم تلد أرحامها سوى خبز البطون الجائعة وبنادق الثوّار". لقد عاد بنا المخرج إلى كلكامش، ملك أوروك الباحث عن الخلود، ثم عرّج على سعدي يوسف وعبدالله كوران ليفتح لنا الطريق إلى أناس السماوة البسطاء الطيبين ونهرها الهادر، وبساتينها الغنّاء فلا غرابة أن نسمع مقطعًا من أغنية تقول: "خضرة وبساتينا شموع الحياة، السماوة الحاضنة أحلام الفرات". فالسماوة مرثية أودعتها سومر عند جبين النهر. ومن خضمِّ هذه التجليات التاريخة والشعرية تستضيف كاميرا المخرج شخصًا يقف على حافة الجنون أو التطرف الفكري حيث يقول كلامًا لا ينتمي إلى روح العصر ولا يمكن أن يتقبّله حتى الإنسان البسيط الذي حُرم من الجلوس على مقاعد الدراسة الابتدائية حيث يقول:" السكائر حرام، والدومنة حرام، ولاعب الدومنة حسب ما يقول "السيد" كأنما يلعب على فرج أمه أربعين مرة على باب الكعبة فتبطل صلاته"! لا أدري من أين جاء هذا الرجل الساذج بهذه الأخاليط والترهّات وأذاعها بين الناس من دون مراجعة أو تمحيص، ومن هو هذا "السيد" الذي حرّم السكائر، ومنع لعبة الدومينو وشبّهها باللعب على فروج الأمّهات؟!1160 alsamawa
غزلان المحافظ تسرق الكهرباء الوطنية
على الرغم من معاناة المواطن "السِماوي" إلّا أنّ المسؤولين في المدينة والعاصمة لم يكلفوا أنفسهم عناء الاهتمام بها وتقديم الخدمات لأبنائها. فمثلما قصفتها الطائرات الأطلسية، وسرقت الحروب شهداءها، وأكل الجوع بطون أبنائها الخُلّص هجرها المسؤولون وطعنوها في الصميم حيث يتناقل المواطنون:"أنّ محافظًا للسماوة لديه أكبر مزرعة لتربية الغزلان في بستان له في قضاء الرميثة، وأنه مدّ أعمدة الكهرباء على جانب الطريق الصحراوي الواصل بين السماوة ونقرة السلمان كي تصل الطاقة الكهربائية لمزارعة بينما تعاني أحياء السماوة من شحة في الكهرباء الوطنية". فأي ظلم وعَسف يوقعهُ المحافظ بأبناء جلدته؟ ولا غرابة في ذلك لمن يأتمن الخائن، ويضع ثقته بالإنسان غير الأمين الذي يفضّل مصلحته الشخصية على مصالح عامة الناس. وفوق كل هذه المعاناة تأتيهم السيارات المُلغمّة ويختار أصحابها الأمكنة الرخوة لتتفجّر بين الناس البسطاء في الكراج الموحّد. يتساءل معظم الناس مُستغربين عن كيفية وصول هاتين السيارتين المفخختين رغم وجود الكثير من السيطرات ونقاط التفتيش المبثوثة بين بغداد والسماوة وحينما تتعذر عليهم الإجابة الوافية والشافية يتهمون الحكومة بتنفيذ هذه التفجيرات المروّعة. إذا كان هذا الفيلم ينطوي على شخصية ساذجة ومتطرفة تحرّم الغناء والدومينو وكرة القدم فإنّ هناك شخصية ثانية "تتنبأ" بحدوث التفجيرات إذ أبلغ هذا الرجل مدير الشرطةَ بأنّ هناك انفجارًا سوف يحدث بعد يومين لكنه ردّ عليه:"وما علاقتك أنتَ بالتفجيرات؟". وحينما يسأله المخرج : هل أنتَ عنصر استخباري؟ يرد بالنفي ولكنه يدّعي بأنه قوة الحدس لديه مرهفة وعالية جدًا وهو لا يشبه الإنسان الأبله الذي يمشي في السوق ببلادة غير معهودة.
لا يجد علي لفتة المُرشدي، عضو مجلس النواب عُذرًا أو طريقة لتبرير هذين الانفجارين فهو يقرّ ويعترف بملء الفم بأنّ قيادة عمليات الرافدين في المثنى قد تلقّت معلومة مفادها أنّ هناك سيارات مفخخة قادمة من "النخيب" قد تدخل إلى المحافظة وكانت القوات الأمنية كلها على علم بهذا الخبر لكن المعنيين لم يتخذوا إجراءاتٍ احترازيةً فانفجرت السيارتان في الأماكن المرسومة سلفًا. ولأنّ عدد الضحايا والمصابين كبير جدًا إذ بلغ عدد القتلى 50 شهيدًا، بينما وصل عدد المُصابين إلى 80 جريحًا الأمر الذي دفع الناس وحرّضهم للخروج بتظاهرة تحمل لافتة تُدين الانفجار وتحمِّل الحكومتين المحلية والمركزية مسؤولية هذا الحادث الأليم الذي أفجع 130 عائلة غالبيتهم من الفقراء الذين يعتاشون على كدّ اليمين وعرق الجبين. يتعالق المخرج هادي ماهود في هذا الفيلم القصير الذي تبلغ مدته أكثر من 17 دقيقة بقليل لكنه يتعالق مع القصيدة تارة، ومع الأغنية تارة أخرى، ويتلاقح مع الشعارات الوطنية حينًا ومع الهتافات الحماسية حينًا آخر، ولا يجد المخرج ضيرًا في أن يستدعي بصيغته البانتومايمية المبررة التي جاءت بعد مشهد اللافتة التي يحملها مظاهر محتج كُتب عليها:"حِدادًا على شهداء السماوة . . علينا ألّا نقف دقيقة صمت واحدة، بل نتحوّل إلى تماثيل" ثابتة لا تريم. وسوف يتكرر هذا المشهد الإيمائي الصامت مرتين لتأكيد هذا الحِداد الاحتجاجي على قتل الناس بدم بارد والاستهانة بأرواحهم البريئة.1161 alsamawa
كانت الأمور تحت السيطرة لكن سبق السيف العذل
كثيرون أولئك الناس الذين يعتقدون بأنّ السلطة المُمثلَة بالأحزاب السياسية هي المسؤولة عن هذه التفجيرات، فليس الشاعر سعد سباهي هو الوحيد الذي يتهم الأحزاب السياسية بأنها تقف وراء هذه التفجيرات عقابًا لهذه المدينة التي رفضتهم وأدارت ظهرها لهم. وإنما هناك العديد من الناس البسطاء من رواد المقاهي الشعبية كانوا يقولون بالفم الملآن بأنّ الحكومة وأحزابها السياسية التي تقف وراء هذه العمليات الإرهابية. يعترف قائد عمليات الرافدين بأنه أرسل كُتبًا رسمية إلى قائد شرطة المثنى قبل ثلاثة أيام من دخول السيارات المفخخة لكنهم لم يتخذوا أي إجراء احترازي إلّا في الدقائق الأخيرة على اعتبار أن الأمور كانت تحت السيطرة لكن السيف سبق العذل وحدث ما لا يمكن استدراكه.
لا يقبل فالح حسن سكر، محافظ المثنى الطعن بالأجهزة الأمنية والتشهير بها سواء في الأفلام الوثائقية أو في وسائل الإعلام كافة رغم التبجح بحرية الرأي والتفكير. فهو ينفي المعلومات القائلة بأنّ هناك عجلات مُفخخة مرّت بنقاط التفتيش بمرافقة أجهزة أمنية، ودمغَ هذا الكلام بأنه غير دقيق وعارٍ عن الصحة. وأكد على ضرورة احترام الأجهزة الأمنية ومراعاة هيبة الدولة. وأنّ الإعلام نصف المعركة التي تشنّها على الإرهاب بمختلف أشكاله وتسمياته.
يؤكد الناشط المدني داوود الأعاجيبي بأنّ التقصير حسب التصريحات المُعلنة كان تقصيرًا حكوميًا وإلّا كيف تقطع السيارات المفخخة مسافة 300 كم من دون أن تُفتَش؟ بينما يتذمّر أحد المواطنين الجالسين في المقهى ويسقط في دائرة الانفعال ويدعو من الله الذي أنقذهم من صدام أن يخلّصهم من هذه "النفايات" وأنه ليس لديه غير هذا الكلام!1164 alsamawa
ترويج الأكاذيب والخزعبلات المتطرفة
يعود الشخص المتطرّف الذي يقف على حافة الجنون ليُغرقنا بجهله ويقول بأنّ الطبيب "كلاوجي" أي نصّاب، يخدع المرضى ويعطيهم علاجًا مُهدئًا لا غير و "يقشمرهم" أي يضحك عليهم. ويجد أن العلاج يكمن في الصلاة وقراءة القرآن، وأنّ السكائر والدومينو والأغاني ولعب كرة القدم لهو وحرام، وكل حرام ينتهي إلى جهنم. يتصدى المثقفون والأطباء وحملة الشهادات لهذه الخزعبلات والطروحات المتطرفة والأكاذيب التي يروّجها السُذّج حيث ينتقد الشاعر سعد سباهي أحد السياسيين الإسلاميين الذي قال:"نحن جئنا بانتخابات والذي يرفضنا سوف يحوّل العراق إلى جنهم" وكأنه هو الذي سيقرر لاحقًا من يدخل جهنّم أو لا يدخلها!
يجمع المخرج هادي ماهود في هذا الفيلم بين المحافظ، والنائب، ووزير الدفاع، والناس البسطاء بمختلف خلفياتهم الثقافية والاجتماعية حيث نستمع إلى وزير الدفاع خالد العبيدي الذي يقول:"أوعزنا بتشكيل لجنة تحقيقية فورية ستنجز عملها خلال سبعة أيام، وسنصل إلى حقائق الأمور، وسنكون واضحين وشفّافين مع شعبنا العراقي وأهلنا في السماوة، وسيتمّ كشف نتائج التحقيق ومحاسبة المقصِّر مهما كان موقعه على وفق القوانين والأنظمة".
ثمة لافتة تُدين الفساد المستشري، وتنتقد سياسة التحاصص التي ضربت وحدة العراق في الصميم حيث تقول:"دماء ضحايا التفجيرات الإرهابية في أعناق قوى الفساد والمحاصصة". إما الهتافات فهي الأكثر تحريضًا على الاحتجاج وشحذ الهمم من بينها الهتاف الذي يقول:"أترك التنظير وتخوت الكهاوي / يلّا يلّا يا شعب / الوطن مجروح مِحتاج اليداوي".
أمّا الدكتور عدنان عباس من تنسيقية محافظة المثنى للتظاهرات فيعزّي أهالي السماوة وخاصة منطقة "الشرجي" التي استشهد فيها الأطفال والنساء والرجال بالتفجير الإرهابي القذر الذي ساعدهم فساد البرلمانيين والمسؤولين الذين لم يمت أحد من أبنائهم لأنهم يستجمّون في البلدان الأوروبية ويعتاشون على الأموال المنهوبة من الشعب العراقي.1162 alsamawa
كلكامش يبكي على شهداء السيارات المفخخة
يختم هادي ماهود فيلمه بالتعليق الصوتي الأخير الذي يقول فيه:"بين السماوة ومرثية سعدي يوسف وحسين نعمة تظل السماوة المدينة التي غسل خدّها كلكامش بدموعها ولم ينل فيها سوى البكاء على خِلّه أنكيدو وشهداء السيارات المفخخة".
لا بدّ من الإشارة إلى أننا قد خفّفنا من بعض الكلمات النابية التي تفوّه العامة من الناس أو ممثل تنسيقية التظاهرات في السماوة وأناس آخرين سقطوا في دائرة التوتر والانفعال جرّاء ما حدث لهم من انفجارات هزّت مشاعرهم وضمائرهم فقالوا ما قالوه عن الأحزاب السياسية والمسؤولين في الدولة والبرلمان الذين يزعمون، هم قبل غيرهم، بأنّ النظام الجديد هو نظام برلماني ديمقراطي مُنتخب يضمن الحُريات الشخصية والعامة، ويسمح بحرية الرأي والتفكير وما إلى ذلك من ادعاءات تتنافى مع واقع الحال القائم على التحاصص، وقمع الحريات، وسرقة المال العام جهارًا نهارًا، وإذا تطاول البعض من المقموعين والمسروقين والمتضررين من التفجيرات والانفلات الأمني فهذا جانب من حقوقه القانونية التي ضمنها الدستور العراقي الذي كُتب في ظل الاحتلال وتضمّن الكثير من النواقص والاختراقات التي يعترف بها البرلمانيون العراقيون قبل غيرهم فلا غرابة أن يسقط المواطن العراقي المظلوم في دائرة الاحتجاج ولا غروَ في أن يحرّض بعضهم بعضا على التظاهر أو الاحتجاج أو الاعتصام المدني السلمي الذي قد يُفضي إلى خطوات تصعيدية تصل إلى استعمال العنف حينما تتمادى أجهزة السلطة ويصل بها الحدّ إلى الانتقام من الشعب بطرق غير قانونية أقلّها قطع الماء والكهرباء والخدمات الضرورية الأخرى أو اللجوء إلى "العنف المُضاد" كما يعتقد الكثير من المواطنين بأنّ السلطة السياسية تمارسه إذا خسرت كل أوراقها ولم يعد لديها ما تراهن عليه سوى معطيات الورقة الطائفية التي تُخدِّر الناس، وترسِّخ جهلهم، وتضربهم في الصميم.
***
عدنان حسين أحمد - لندن

ترصد السيرة الذاتية والإبداعية لقاسم بياتلي

يعتمد المخرج جودي الكناني في فيلمه الوثائقي "رحلة نحو الينابيع" على تقنية السؤال والجواب رغم أنه لا يظهر إلّا مرة واحدة أمام أعين المتلقين لكننا نفهم من السياق أنّ الفنان قاسم بياتلي كان يجيب على الأسئلة التي طرحها المخرج الذي فضّل التواري عن الأنظار لكي يترك للشخصيتين الرئيستين حرية البوح والاسترسال من دون مقاطعة لانثيال الأفكار وتدفقها بشكل عفوي. ورغم أنَّ ثيمة الفيلم ذاتية لكنها تتشظّى إلى جوانب موضوعية عديدة بعضها يبحث في تاريخ مدينة فلورنسا، ومعمارها، ومظاهرها الفنية والحضارية، وبعضها الآخر يعود بنا إلى الجذور والينابيع الأولى للفنان قاسم بياتلي، كما يُوحي عنوان الفيلم شديد الدِّقة والدلالة، ويفحص الأسباب التي ضيّقت الخناق على المسرح في العالم العربي والإسلامي وأعاقتهُ أو حدّدت من حركته في أقل تقدير. ولكيّ نلمّ بغالبية مُعطيات هذا الفيلم الوثائقي، والسيرذاتي، في الوقت ذاته الذي يرصد الحياة الشخصية والثقافية والإبداعية للفنان والمُنظِّر والمخرج المسرحي قاسم بياتلي فعلينا أن نتتبّع الأسئلة الدقيقة التي طرحها المخرج جودي الكناني وحفزّت قاسم بياتلي لأن يقدّم سرديته لمدينة فلورنسا، والمدراس الفنية التي تتواجد فيها وخاصة مدارس الرقص بأنواعه المختلفة قبل أن يُعرّج على التراث التقني للممثل الأوروبي، ويتوقف عند منجزه النقدي والتنظيري، وتأثره بالمسرح الأوروبي عمومًا، وإخلاصة للمسرح الوسيط الذي انهمك فيه غروتوفسكي وإيوجينيو باربا وبيتر بروك الذين اجترحوا فكرة المسرح الثالث ووجدوا ضالتهم فيه. كما يُدلي البروفيسور كلاوديو ميلدوليزي بآرائه القيمة عن بياتلي وتجربته الفنية المتفردة التي سنأتي عليها لاحقًا.1148 qasem bayatly
علاقة جدلية وعضوية بمدينة فلورنسا
يصف بياتلي علاقته بمدينة فلورنسا بأنها "علاقة جدلية وعضوية في آنٍ واحد" فهي علاقة مع ناسها وثقافتها الحالية، وعلاقة مع تاريخها الحضاري وشواهدها العمرانية التي تعود لعصر النهضة. يفخر بياتلي بأنه عاش في هذه المدينة مُنطلِقًا من أسواقها التي عمل فيها بائعًا وحمّالًا وغاسلًا للصحون فتشابكت علاقته مع المحيط الاجتماعي الأمر الذي أثرى لغتهُ، وعزّز تفاعله مع مختلف طبقات المجتمع الفلورنسي. فلا غرابة أن يتعلّق بقلب المدينة وضواحيها على حدٍ سواء حيث يجد نفسه كل يوم تقريبًا أمام كاتدرائية المدينة التي تُسمّى أيضًا كاتدرائية سانتا ماريا دل فيوري؛ التحفة الآسرة التي صمّمها المهندس المعماري أرنولفو دي كامبيو، فيما صمّم قُبّتها المعماري فيليبو برونليسكي إضافة إلى استمتاعه بتماثيل ميكيلانجيلو بوناروتي المبثوثة في أرجاء المدينة، والجسر القديم، وبيت دانتـي، والكنيسة التي عُمِّد بها، ويستذكر بياتلي عدد المرات التي جلس فيها على أرائك تلك الكنيسة ليتأمل علاقة دانتي مع حبيبته بياتريس. لقد انطبعت هذه معالم المدينة وأحداثها وشخصياتها في ذاكرته حتى أنه لم يعد يشعر بانتمائه إلى جغرافية مُحددة فهو يعيش في هذه المدينة منذ سنواتٍ طوالا ولم ينقطع حبله السُرّي عن ذاكرته الجماعية التي أصبحت نهرًا يجري في فعله المسرحي.
يتحدث بياتلي في إطلالته الثانية عن مركز دراسات الرقص والحركة وهي المدرسة التي أسستها الراقصة ومعلّمة الرقص ليليا بيرتيلي ودرّس فيها بياتلي سبع سنوات علمًا بأنه يُدرّس فن الرقص منذ 12 سنة في مدارس كثيرة في إيطاليا ومن ضمنها هذه المدرسة التي أسست سنة 1976م، وهي من المدارس المهمة التي تُدرّس الباليه، والرقص الحديث، والرقص الإسباني، وحتى الرقص العربي.1149 qasem bayatly
التراث الشفهي للممثل الأوروبي
ينتقد بياتلي في إطلالته الثالثة التراث التقني للممثل الأوروبي وهو تراث شفهي لم ينتقل تطبيقيًا من جيل لآخر وإنما انتقل من خلال النصوص الأدبية التي كتبها المؤلفون وهي، في الأعمّ الأغلب، ملحوظات المخرج، وبعض الكتابات التي وصلتنا عن الممثل وطريقة عمله بخلاف الهند واليابان اللذين يتوفران على تراث تطبيقي عملي ينتقل بانتظام من كابر إلى كابر ومن جيل إلى جيل،. ولا ينكر بياتلي أنّ كوميديا ديللارته قد صارت مسرحًا حِرفيًا ومهنيًا في إيطاليا، وكانت تنتقل فيه التقنيات والخبرات من يدٍ إلى أخرى حتى أصبحت أول مسرح حِرفي في أوروبا لكنه استدرك وأضاف إليها بريطانيا التي ركّزت بشكل ضئيل على هذه الفكرة كما فعل غروتوفسكي وباربا وبيتر بروك بتقنيات الممثل التي تعرّضت إلى شرخ كبير لأن المسرح الأوروبي تحوّل إلى ثلاثة أشياء وهي إمّا غناء أوبرالي أو رقص باليه أو تمثيل أدبي درامي. ثم بدأ الاشتغال على كتابة النص، وإعداد الممثل، والدراماتورجية، والصوتيات، واستعمال الحركة والتعبير الجسدي. وقد وُضعت هذه المشكلة في أوروبا على المحكّ في القرن العشرين، وأخذت تتنافس وتنمو بشكل واضح وكبير.
يتوقف بياتلي في إطلالته الرابعة عند كتاب "غروتوفسكي والمسرح" وهو عنوان اختارته دار النشر لأسباب تسويقية ولكن العنوان الأصلي للكتاب هو "المختبرات المسرحية في تجربة غروتوفسكي الإبداعية" وقد حاول إيصال آراء ونظريات غروتوفسكي من خلال ترجمة بعض النصوص إلى اللغة العربية حتى لا تلتبس الأمور في معنى المختبر المسرحي أو الورش المسرحية التي قدّمها المخرج المسرحي البولندي الشهير جيرزي ماريان غروتوفسكي الذي اجترح نظريته في تكنيك الممثل الذي يعتبره جوهر الفن المسرحي.
السؤال الوحيد الذي سمعناه من المخرج جودي الكناني مُسجلًا ومُصوّرًا يتمحور على المسرح الثالث وهل كان بياتلي جزءًا منه أم أنه اجترح له صياغة خاصة به؟ وكان ردّه بياتلي السريع بأنه جزء من محيط مسرحي وثقافة مسرحية لا تنتمي للمسرح الرسمي المؤسساتي. وعلى الرغم من دخول غروتوفسكي وباربا وبروك في اللعبة المسرحية بشكل عميق ومؤثر إلّا أنهم ينتمون إلى المسرح الثالث رغم أن بيتر بروك اشتغل في المسرح الرسمي والمسرح الملكي، وقد انغمس بياتلي في هذا المحيط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وكان الجميع يعانون من مشكلة التمويل المادي. فبيتر بروك فتح طريقًا جديدًا له واشتغل مع ممثلين غير معروفين للسبب ذاته، وهذا ما فعله غروتوفسكي وباربا، فلا غرابة أن يقوم بياتلي بالعملية نفسها لأنه عاش وعاصر القضايا المُشار إليها سلفًا وأنجز من خلالها أعماله المسرحية.1150 qasem bayatly
إعادة تأهيل المسرح الغربي في القرن العشرين
حسنًا فعل الكناني حينما التقى بالبروفيسور كلاوديو ميلدوليزي، رئيس قسم الدراسات المسرحية في جامعة بولونيا الإيطالية وكنت أتمنى عليه أن يلتقي بـ "لاورا" زوجة بياتلي ومصممة أزياء عروضه المسرحية كلها وأن يضيف شخصًا آخر أو اثنين لتعزيز رأي الفنان والمخرج بياتلي بمسرح الجسد والحركة وطريقته في الأداء والرقص والتدريب وما إلى ذلك. يقول كلاوديو مُعبِّرًا عن رأيه الصريح:"أنّ المسرح الغربي في القرن العشرين احتاج إلى إعادة تأهيل نفسه لأنّ الطاقات الإبداعية للطليعة التاريخية والفترة التي سبقتها أخذت بالنفاد وتمّ ذلك التأهيل بالتزاوج مع المسرح الياباني والهندي على وجه الخصوص وذلك بفضل غروتوفسكي وباربا بالذات". ولم ينسَ البروفيسور كلاوديو دور قاسم بياتلي الذي جاء للدراسة في جامعة بولونيا والتدريس فيها أيضًا حيث قال:"لم يكن هناك أفق جوهري للقاء مع المسرح العربي وقد كشفَ لنا هو عن ذلك من خلال وجوده بيننا ونحن نشكره على ذلك". ويضيف معمّقًا فكرته:"أنّ زواج المسرح الغربي لم يكن زواجًا أحاديًا بل كانت هناك حاجة إلى موروث متعدد. إنّ المسرح الغربي قد ساعد بياتلي على فهم إمكانية وجود ما هو مسرحي في ثنايا الإسلام. وقد اكتشف المسرح الغربي من جهة أخرى في التجربة الإسلامية ينابيع غامضة، عميقة ومُوغلة في القدم. ولربما هناك نوع من الرفض لظهور الجسد في المسرح والتجسيد للروح في ظهورها وذلك ما دفع الإسلام إلى رفض المسرح. إنّ المستويات الغامضة والمعقدة حول المسرح في الإسلام أخذت في جانب منها تتوضّح لدينا وقد بدأ قاسم بياتلي بحلّ وفضّ عُقَدها ثم قام بصياغة رؤية حضارية حول الاستلاب في المسرح العربي وقد استند في ذلك إلى أبحاث غروتوفسكي وباربا وبروك وكذلك أنثروبولوجية المسرح في التعامل مع تعددية الأقوام واللقاء بينها. لقد أنجز بياتلي عملًا خارقًا للعادة من خلال إيجاد ترابط بين المسرح الغربي والشرقي وخطا خطواته الحاسمة ودخل في معترك المسرح وأصبح بالضرورة ممثلًا لأنه من دون الدخول في خلايا التمثيل لم يكن بمستطاعه أن يستوعب تلك التعقيدات المسرحية وهكذا ركّز في عمله على فن التمثيل وباستطاعتنا، نحن المختصين بدراسة المسرح، أن نصل إلى مستوى معين لفهم تلك التعقيدات من الداخل لأنّ الفنان هو وحده القادر، في نهاية المطاف، أن يشير إلى محدوديات دراسته. وقد نجح قاسم بياتلي في عمله كفنان وباحث مختص وقام بتأليف العديد من الكتب وإخراج مسرحيات مهمة، فقد شارك في مهرجانات مسرحية إيطالية وعربية وقدّم عروضًا في أماكن عديدة من العالم. وهو معروف في الوسط المسرحي وحقق نجاحات عديدة ملحوظة".1146 qasem bayatly
أسرار الحرب المسرحية
يعترف قاسم بياتلي في إطلالته الأخيرة بصعوبة العمل مع الممثلين الإنكليز الذين لا يجيدون حركة الخصر أو مركز الجسد بخلاف الممثل العراقي أو الإماراتي أو المصري لأن هناك ممهدات ثقافية جسدية، إيقاعية، وليست فكرية فقط، وأنه دخل إلى التراث من هذا الباب ليكون منبعًا أو رافدًا يُستَمد منه، فلا غرابة أن يسمّي مسرحه بمسرح "الأركان" التي توحي له بمعانٍ عديدة من بينها أركان الإسلام الخمسة؛ أي بمعنى أحد الأعمدة القوية الخمسة. وقد تعني "الزاوية" المتينة، أو شارة الأركان الحمراء التي يضعها الضباط الكبار على أكتافهم وهي تشير من وجه نظره إلى أنّ الضابط الرُكن يمتلك أسرار الحرب، وأن بياتلي نفسه يمتلك أسرار الحرب المسرحية. لا يدّعي بياتلي أن يريد أن يغيّر المسرح العربي وأن يُحدث شيئًا جللًا ولكنه يعتقد أنّ هذا الرُكن المسرحي يجب أن يحدث وقد وجد طريقه إلى الصيرورة والوجود.
يتحدث كلاوديو مع قاسم بياتلي كزميل في إطلالته الثانية التي قال فيها:"كان قاسم بياتلي من الطلبة المتميزين في الجامعة، ولم يكن هو الوحيد، وإنما كان معه طلبة آخرين من العالم الثالث ومن اليابان أيضًا ممن كانوا يدرسون في جامعتنا ولكنه كان يمتلك مشروعًا، ومؤهلات عديدة مُرتبطة بمعرفته بالثقافة الإسلامية عن طريق انتمائه العائلي ومعرفته بتراكيب فلسفتها في الوقت نفسه، وكانت له تلك العلاقة التي تتشكّل ما بين المعرفة والتجربة المسرحية".
يخلص كلاوديو في إطلالته الأخيرة إلى القول: "إنّ قاسم بياتلي قد اهتمّ اهتمامًا كبيرًا بالعمل المسرحي لغروتوفسكي وباربا والمسرح الأنثروبولوجي والمسرح الثالث. وقد سمح له ذلك بربط تلك الثقافة الإسلامية البعيدة ضمن المنظور الديني عن أُطر المسرح وربطها بحيوية وحياة العرض المسرحي ومن ثم بإنجاز فعله كممثل". يستنتج كلاوديو في خاتمة المطاف بأنّ قاسم بياتلي: "كان تلميذًا استثنائيًا وأستاذًا عرفناه من خلال دراسته في جامعة بولونيا للعروض والفنون والموسيقى واستطاع أن يخلق منظورًا مسرحيًا جديدًا حيث تجلّى ذلك بعد إكماله لدراسته الأكاديمية من خلال عروضه المسرحية التي قُدمت في أنحاء مختلفة من العالم وفي كتبه المهمة التي ألّفها فلا غرابة أن يكون تلميذًا وأستاذًا حتى في أثناء دراسته الأكاديمية، وقد علّمنا الكثير ونشكره على ذلك".
"رحلة إلى الينابيع" فيلم ثقافي بالمعنى الأوسع للكلمة
يمكن القول بإطمئنان كبير أنّ فيلم "رحلة نحو الينابيع" ليس فيلمًا وثائقيًا يتمحور على حياة الفنان والمنظِّر والمُخرج المسرحي قاسم بياتلي فقط، وإنما هو فيلم ثقافي بالمعنى الأوسع للكلمة حيث يجمع بين دفتّيه السينما، والمسرح، والرقص التعبيري، والجانب الأنثروبولوجي، والطقوس الدينية، وخاصة الصوفية منها. وقد نجح المخرج جودي الكناني في تقديم وجبة بصرية وثقافية ومعرفية دسمة فيما يتعلّق بسيرة الفنان قاسم بياتلي حتى عام 2004، السنة التي وضع فيها اللمسات الأخيرة على هذا الفيلم مُعرِّفًا إيّانا بجانب من منجزاته المسرحية، وكتبه النقدية، وأبحاثه وتنظيراته الرصينة المعمّقة التي تستحق أكثر من فيلم وثائقي وأعني بها الكتب الخمسة التي أصدرها بياتلي منذ عام 1997م وحتى سنة 2003م وهي على التوالي " الرقص في المجتمع الإسلامي"، "دوائر المسرح، تجربة الأودن وانتربولوجية المسرح"، "مسرح داريوفو"، "حوارات المسرح : معلمو المسرح في القرن العشرين"، "غروتوفسكي.. والمسرح " كما أنجز منذ العام 2006 وحتى الآن أكثر من عشرة كتب تأليفًا وتنظيرًا وترجمة تبدأ بـ "زورق من الورق" وتنتهي بـ "إخراج العرض المسرحي بين النظرية والتطبيق" لعل مناقشة هذه الكتب لوحدها تحتاج إلى إضمامه من الأفلام الوثائقية التي تستقصي آرائه النقدية، وتنظيراته العميقة، ورؤيته في كتابة النصوص المسرحية، وإِعداد الممثل، وتقنيات الجسد والحركة خاصة أنه "لا يرى شيئًا اسمه مسرح الكلام، ومسرح الحركة أو الصورة، بل هناك مسرح الفعل الدرامي التام"(1 ) بقي أن نقول بأن قاسم بياتلي من مواليد بغداد سنة 1952م. درس وتخرّج في معهد الفنون الجميلة ببغداد سنة 1976م. غادر العراق متنقلًا في أكثر من دولة قبل أن يستقر به المطاف في إيطاليا التي يقيم ويعمل فيها حتى الآن. أكمل دراسته الجامعية فيها وتخصص في مجال "الدراماتوج" وظل مُنهمكًا في أكثر من مجال فني وإبداعي يتوزع بين الكتابة، والتمثيل، والإخراج، والترجمة، والبحث المختبري لفن الممثل. أسس فرقة "مسرح الأركان" سنة 1984م وأخرج العديد من المسرحيات نذكر منها "إلى خليل في الغربة"، "برزخ نور الشرق"، "جزة الخروف الذهبية"، "رقصات الأركان" و"حكاية المتزهد".
أمّا المخرج جودي الكناني فهو من مواليد بغداد سنة 1953م. درس بقسم الفنون المسرحية في معهد الفنون الجميلة ببغداد، وتخرّج فيه عام 1976م. نال درجة الماجستير في الإخراج السينمائي سنة 1982م في معهد يون لوكا كارجيالي في بوخارست، رومانيا. انتقل إلى الدنمارك وأنجز فيها ستة أفلام وثائقية وروائية قصيرة وهي :"معرضي الجوّال"، "عندما تغضب الجنرالات"، "رحلة إلى الينابيع"، "الضحية الحيّ"، "الأخضر بن يوسف" و "السيّاب" الذي وضع اللمسات الأخيرة عليه لمناسبة اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية.
***
عدنان حسين أحمد - لندن
.........................
-حسن فارس، صالح، قاسم بياتلي: لا وجود لمسرح الحركة والصورة، إيلاف، 5 ديسمبر 2000.

ثمة أفلام وثائقية تأخذ بتلابيب المتلقي منذ الاستهلال ولا يستطيع الفكاك منها قبل الوصول إلى اللحظة الختامية. وفيلم "مرثية بزيبز" للمخرج العراقي علي ريسان، المُقيم في السويد حاليًا، هو من هذا النمط الاستحواذي الذي يهيمن على ذهن المُشاهِد، ويلامس وجدانه، ويهزّ مشاعره الداخلية من الأعماق. كما يُثير فيه أسئلة عديدة من بينها تورّط الحكومة الاتحادية في جرائم القمع، والتهجير القسري، وترك الناس العُزّل يواجهون مصائرهم المحتومة وهم يبحثون عن منفذٍ يُخرجِهم من مثلث الموت الساخن إلى الضفة الآمنة التي لم توفّر لهم، مع الأسف الشديد، سوى حياة بدائية، بسيطة يتسيّد فيها الجوع والعطش، ويتعرّض فيها الجميع إلى الحرّ والقرّ، والأمراض والعِلل، بعدالة غير مسبوقة حيث تشمل الرجال والنساء، والكبار والصغار، والأصحّاء والمُعاقين. أمّا الأغنياء والموسرون فتشفع لهم أرصدتهم البنكية المُتخمة وتأخذهم إلى القصور المُترَفة الحالمة وكأنهم يعيشون في دُنيا خيالية بعيدًا عن الواقع الأسيان. تدور أحداث هذا الفيلم في أماكن عديدة تبدأ بجسر بزيبز، وتمرّ بتكريت، وأطراف الحويجة، وكركوك، ومخيم ديبكا، وتنتهي بمدينة البعّاج. ينطوي الفيلم على تسع شخصيات رئيسة تتحدث على مدار الفيلم أو تجيب أحيانًا على بعض أسئلة المخرج الذي يحاول أن يستقصي كل شيء قدر الإمكان. وثمة مجموعة من الأطفال والصبايا في عمر الزهور يشتركون بآراء جماعية محددة تستنكر وجودها في هذا المخيّم الذي يفتقر لأبسط مقومات الحياة، ويرومون العودة إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم بعد أن شدّهم الشوق إلى مدارسهم وأصدقائهم وذكرياتهم القديمة في البيوت والأزقة والحارات. أمّا ثيمة الفيلم الرئيسة فيمكن اختصارها برغبتهم الجامحة في العودة إلى مدنهم وديارهم حتى وإن تحولت بيوتهم إلى أنقاض مُهدمة. فثمة شوق عارم ينتاب الجميع إلى هذه العودة المُرتقبة؛ فالشيخ الطاعن في السن يريد أن يتمشى في حقله أو مزرعته، والأم تريد أن تشم تراب مدينتها، والصبيّة اليافعة تشتاق لمدرَستها وصديقتها وهكذا دواليك للبقية الباقية من المتحدثين أو النادبين حظوظهم على المصير المُفجع الذي ألمّ بهم جميعًا. يمتد الفيلم زمنيًا منذ عام 2014م والسنوات التي أعقبت هجوم داعش على المدن الغربية برمتها الأمر الذي تسبّب بنزوح عوائلها إلى مدينة كركوك والمحافظات الثلاث لإقليم كوردستان العراق غير أنّ أحداث الفيلم تركّزت على مخيّم النازحين بكركوك، المدينة التي وُلد وترعرع فيها مخرج الفيلم علي ريسان واستوحى منها طباع التسامح والتآلف والمحبة بعيدًا عن التعصب الأعمى والنعرات القومية والدينية والطائفية المقيتة.1101 ali raysan

العودة إلى مضارب الطفولة زحفًا على البطون

لا بد من الإشارة إلى أن كاتب السيناريو والمخرج علي ريسان قد بنى فيلمه بناءً محكمًا حيث استهلّ الفيلم بشخصية العميد الصيدلاني هلال جنداري الذي ترك جامعة الموصل مُضطرًا للحفاظ على عائلته ونزح إلى كركوك وسوف يُنهي المخرج فيلمه بحديث ذي شجون للدكتور نفسه وهو يُشيد بفضائل مدينة الموصل التاريخية والعلمية والاجتماعية. وبين هاتين الإطلالتين نلتقي بثلاثة طلاب من جامعة الموصل يقيمون في المقر البديل بكركوك. ثم نلتقي بأربعة شهود أو أكثر لأن هناك قصصًا جانبية تتناسل على ألسنة رجال ونساء وأطفال يقيمون في مخيّم النزوح ويتذمرون جميعهم من تدهور الأوضاع الصحية، وسوء الخدمات، وقسوة الظروف المناخية، واكتظاظ مخيّمات النزوح بأكثر من طاقتها الاستيعابية. غير أنّ هؤلاء الطلاب الثلاثة وبقية أقرانهم الذين لم يلتقوا بأهلهم وذويهم لمُدد متباينة يتحرّقون شوقًا لمقابلة عوائلهم ولا يجدون ضيرًا في العودة إليهم زحفًا على البطون!

ينطوي هذا الفيلم على قصص متعددة يرويها النازحون سواء أكانوا طلابًا انتقلوا إلى مقرات بديلة أم عوائل فقيرة متواضعة تركت وراءها كل شيء ووجدت نفسها في مخيّم من مخيّمات كركوك المتعددة. فالطالب الجامعي فهد عبد علّاوي الذي لم يُطق العيش في الموصل فقرر الهروب مع شقيقه إلى سورية عبر مدينة "البعّاج" وأوصلهم المهرِّب بعد ست ساعات من المسير في طرق صحراوية إلى قرية "الهزيم" السورية. وما إن يسمع فهد مقطعًا من أغنية ريفية مؤثرة يتساءل فيها المغني قائلًا:"متى يا ليل تاخذنا لَهَلنا؟ المُصايب من وكت صارت لَهَلنا، لو ندري عذاب إحنا لَهَلنا نموت وما نحمّلهم عذاب" حتى يسقط في دائرة الحزن والشجن ويعتذر عن إكمال القصة التي وصلت أحداثها إلى الجانب السوري وتوقفت هناك. أمّا القصة الثانية فتتمحور على طالب جامعي آخر هو زيد أحمد عبدالستار وهو شخصية نرجسية جدًا يتحدث عن جمال وجهه، وتسريحة شعره، وعينيه الخضراوين، وكيفية استدراج الدواعش له إلى المقر، ومحاولة إغرائه بالانتماء إليهم وحينما رفض هذه الدعوة عاقبوه بحلاقة رأسه، وظل مختبئًا في منزلة لمدة ثلاثة أشهر حتى قرّر مغادرة المدينة التي يُحاسِب فيها الدواعشُ الشبابَ على ملابسهم وتسريحات شعورهم. فيما ذهب الطالب الثالث الذي لم نعرف اسمه إلى التنظير بأنّ داعش هي صناعة أمريكية إسرائيلية بحتة هدفها تخريب هذا البلد، وتشويه سمعة الإسلام، وتمزيق الوحدة العراقية.1100 ali raysan

الإحساس بالغُربة المكانية

يصوّر المخرج علي ريسان لواعج الاشتياق إلى المدن والقرى التي هاجر النازحون منها مضطرين سواء أكانوا أثرياء مُوسرين أم فقراء مُعدَمين أم أطفالًا لم يشبّوا عن الطوق. ففي قسم الشهود الأربعة أو الأكثر قليلًا تواجهنا حالة الشاهد الأول الشيخ حمد الفرحان الجبوري من أهالي ناحية الزاب التابعة لقضاء الحويجة الذي يسرد قصة اشتياقة الشخصية بعد سكنه في كركوك مدة عشرين يومًا لا غير. كان هذا الشيخ الشاب يعيش عيشة رخيّة في بلدته المُحببة إلى نفسه. وبعد هذه المدة القصيرة انهالت عليه الذكريات الجميلة التي سبّبت له فراغًا كبيرًا وهو يستذكر الدار والمضيف وموقد القهوة وأبناء العشيرة الذين يتوافدون إليه يوميًا. يروي الشيخ حمد قصة الصبي الصغير الذي فقدَ عائلته المكونة من عشرة أشخاص انفجرت عليهم عبوة ناسفة وماتوا جميعًا وظل هو الناجي الوحيد الذي عاش خمسة أيام بعد الحادثة وكان يأكل التمر التي جلبته العائلة، ويشرب من ماء البزل القريب من مكان الحادث. وكان ينام في حضن أمه الميتة التي لم تتفسح بعد هي وبقية أفراد العائلة كما روى شهود الحادثة. ذات يوم سمعت امرأة طفلًا يبكي فأخبرت ذويها بالأمر. وحينما ذهب أحدهم وجد طفلًا صغيرًا يبكي بالفعل وتبيّن أنه كان يتغذي على التمر الذي جلبته العائلة وينام يوميًا في حضن أمه الميتة في مكان التفجير. يؤكد الشيخ بأنّ هذه القصة لن ينساها أبدًا لأنها واحدة من دلالات التعلّق بالمكان والوطن الأم الذي يحتضن الجميع، ويحدب على الكل من دون استثناء.

لا أدري إذا كان المخرج أو المونتير قد حذفا قسمًا من بعض الشهادات لأسباب تتعلق بشحة التمويل وضيق ذات اليد. فحقل الشاهد الثاني لا يتضمّن أكثر من مشهد امرأة كبيرة في السن تندب وتتشكّى قائلة وكأنها تخاطب الجميع قائلة:" تقبلون إحنا بايتين للصبح بالزبالة؟ إحنا العراقيين ليش هيج حظنّا؟ وين الشيمة؟ وين الأنبار التي كانت تحامي؟ وكأنها تشير بصريح العبارة إلى انكسار الأنبار وتخلّيها عن مهمة الدفاع عن الوطن والناس الأصلاء الذين ضاعوا بين الفكوك الطائفية المُفترسة التي تعتقد خطأً أنّ بإمكانها أن تمحو خارطة الوطن من الوجود.

أمّا الشاهد الثالث فهو عمر جاسم محمد، وهو طالب جامعي من الموصل أيضًا وقعت له صدمة كبيرة من الناس بسبب عائلة عبرت بالقرب منه وقبضت عليها داعش التي لم تكتفِ بقتلها وإنما أقدمت على حرقها. وقد ظل هذا المَشهد المرعب يؤرِّقه طوال حياته ولم يستطع أن يتجاوزه ويتغلّب عليه.1103 ali raysan

بوصلة عاطلة وزمن مقلوب

ثمة حكايات أخرى تتناسل من قصص الشهود ورواياتهم التي تتعالق بكلمات الأغنية التي وردت في مطلع الفيلم ورافقت سردياته المتتابعة التي تصف الديار المهجورة بأنها قد باتت كئيبة ومُوحشة حيث يصدح صوت المغني قائلًا: "هلج جانوا خيار الناس، وأنا أشوف الوكت بالمقلوب، البُوم يصيد والحُرّ مختفى". تروي أم محمود، وهي من مدينة الفلوجة التي تركتها منذ سنتين ونصف السنة، قصتها المُفجعة حيث أُصيب ابنها بمرض نفسي، وتعرّضت ابنتها للإصابة بشظية قصف جوي، وهي ليس لها راتب، ولا تمتلك بطاقة تموينية، ولا تستطيع أن تتحمل تكاليف علاج ابنها المريض. كما تشكو مثل الآخرين من حرارة المخيّم، وصعوبة جلب الماء. تنتقد أم محمد أعضاء  حكومتيّ الأنبار والفلوجة الذين لا يسألون عن أبناء المخيّمات ولا يعيرونهم أي اهتمام، وتتمنى أن تعود إلى مدينتها بأسرع وقت ممكن لكي تشم رائحة ترابها الزكي وتبكي عليه بكاءً مريرا.

لا يقل الأطفال أهمية في التعبير عن اشتياقهم وحاجتهم إلى المدن والقرى التي ولدوا وعاشوا فيها، فهم الآخرون شهودًا على ما فعلهُ الدواعش بأبناء المدينة حيث قتلوا البعض، وعذبوا البعض الآخر جهارًا نهارًا. وهم يستنكرون أيضًا وجودهم في هذا المخيم الصحراوي الذي يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة واشتراطاتها المتواضعة.

تشكو أم محمد، وهي امرأة من بيجي، بأنها كانت تعبى قبل النزوح حيث أُصيب زوجها بانفجار سيارة مفخخة واختلّ عقله، كما أنّ ابنها محمد مُعاق، وليس لديها راتب يُعينها على معيشة الأسرة، وتتمنى من الله أن تُعيد الحكومة لها الراتب الذي قطعتهُ عن زوجها، وأن يُطفئ اللهُ النارَ التي أحرقت البلد، وأن يعيش العراقيون بأمن وسلام لأنهم سئموا من الحروب المتواصلة، وأن يتمتعوا مثل الدول الأجنبية بنعمة الأمن، والاستقرار، والرفاه الاقتصادي.

لا يتمنى أبو مصطفى، وهو الشاهد الرابع، أكثر من العودة إلى مدينة الصقلاوية التي يشتاق إليها كثيرًا وهو يطمح لأن يتجول في أرضه، ويتنزّه في أرجاء مزرعته، ويتأمل ما حدث لبيوت مدينته التي كانت عامرة ذات يوم.1104 ali raysan

نينوى مدينة جميلة لا تستحق هذا الدمار

يُنهي المخرج علي ريسان فيلمه الوثائقي بإطلالة الدكتور هلال جنداري ثانية فهو يتحدّر من مدينة الموصل التي يمحضها حُبًا من نوع خاص لكنه أُضطر إلى تركها ومُغادرتها بعد الهجمة الوحشية التي كشفت عن وجهها الداعشي القبيح، فهي صفحة مظلمة قوّضت مدينة الموصل المتحضرة والتهمت صيدليته وذكرياته الحميمة مع أهله وذويه وأصدقائه وزملائه في الجامعة الكبيرة التي خرّجت العلماء واجترحت براءات الاختراع الكثيرة التي خدمت البشرية وأثْرت المدينة بتاريخها الأكاديمي والإنساني. لقد اضطر الدكتور هلال جنداري لأن يترك المدينة بعد أن قبض الدواعش على صفوة الأكاديميين والعلماء والأدباء والفنانين الذين لم يجدوا بُدًا من ترك المدينة حفاطًا على الأرواح البريئة لأبنائهم وعوائلهم. يبدو الدكتور هلال جنداري في خاتمة المطاف وكأنه يكلِّم نفسه ويقول: "الموصل جميلة ولا تستحق هذا الدمار والخراب". وحينما يعترف باشتياقه اللامحدود إليها يتهدج صوته وينخرط في النشيج لكنه يُصرّ على الرجوع إلى المدينة والعيش بين جوانحها مهما كلّف الثمن.

حاز فيلم "مرثية بزيبز" على الجائزة الثانية في مهرجان الأردن السينمائي الأول. كما حصد الجائزة الكبرى في مهرجان كلميم في المغرب. وعُرض في العراق والعديد من المراكز الثقافية في أوروبا، ومنحت الأمم المتحدة مُخرجه لقب سفير السلام في مملكة السويد. لا بدّ من الإشارة إلى أنّ علي ريسان يمتلك رؤية سينمائية مُرهفة تعِدنا بالكثير إن توفر له الدعم المادي الذي يغطي مفاصل الفيلم برمته ولعل فيلمه الرابع "دابادا.. صرخة حسن مطلك" يكشف عن هذه الرؤية السينمائية المتقدمة سواء في كتابة السيناريو، أو إدارة الممثلين أو تجسيد رؤيته الإخراجية التي تميل إلى الدقة والحِرَفية والجمال.

بقي أن نقول بأنّ علي ريسان هو كاتب وممثل ومخرج سينمائي ومسرحي من مواليد كركوك عام 1964م. مثّل وأخرج العديد من الأعمال المسرحية والسينمائية والتلفزيونية داخل الوطن وفي محل إقامته في السويد. بلغ رصيده من الأفلام السينمائية حتى الآن أربعة أفلام وهي على التوالي: "الأمكنة المشاكسة"، "صاعد السلالم"، "مرثية بزيبز" و"دابادا.. صرخة حسن مطلك". وينهمك حاليًا بمشروع فيلم وثائقي جديد عن حياة الأديب الراحل محمود جندراي. 1099 ali raysan

عدنان حسين أحمد - لندن

يُشكِّل فيلم "انهيار" للمخرج هادي ماهود التسلسل السابع في رصيده للأفلام الوثائقية حتى سنة 2009م إضافة إلى أربعة روائية قصيرة وهي "بائع الطيور"، "الساعة 1800"، "الغريق" و"جنون". وقد اعتمد هادي على تقنية "الرؤوس المتكلمة" التي تَحاوَر معها على مدى 50 دقيقة وهي مدة الفيلم الكُليّة ليصوّر لنا الانهيار الذي تعرّض له الدكتاتور صدام حسين، وحزب البعث الذي يقوده منذ سنواتٍ طوالا قبل أن يتبوأ منصب الرجل الأول في الدولة في 16 يوليو / تموز 1979م، غير أنّ مفهوم هذا الانهيار من وجهة نظر المخرج هادي ماهود قد تمثّل بتخريب "مسرح الرشيد" و "دائرة السينما والمسرح" ونهب محتوياتهما التي لا تُقدّر بثمن لأنها تمثل الذاكرة السمعية والبصَرية لما أنتجتهُ الإذاعة والتلفزيون والسينما العراقية منذ تأسيسها ولحد 2003م؛ السنة التي سقط فيها صدام حسين، وانهار فيها نظام البعث، وغاب عن المشهد السياسي كليًا أو هكذا تتمنى الغالبية العظمى من الشعب العراقي. لم تكن اللقطة الافتتاحية لظهور صدام حسين الأخير في منطقة الأعظمية وهو يُحيّي مجموعة صغيرة من المواطنين لقطة عابرة أو مشهدًا يمكن نسيانه بسهولة فمن يتمعن في ملامح وجهه يكتشف اندحاره الداخلي وسقوط الهالة الكارزمية التي كانت تحيط به أينما حلّ أو ارتحل سواء في داخل البلاد أو في خارجها. أمّا مشهد قصف بغداد من قِبل قوّات التحالف فهو الآخر لا يمكن نسيانه أو غضّ الطرف عنه، فلقد أمعنت القوات الأمريكية المحتلة تدميرًا بالبنى التحتية للشعب العراقي ولم يستطيعوا استهداف صدام حسين الذي كان يتنقل في أحياء بغداد أول الأمر قبل أن ينتهي به المطاف في منزل قيس النامق في قضاء "الدور" ثم ينتقل إلى بستانهم المطل على نهر دجلة.1070 movie

تعمّد المخرج إدخال أغنية "يا حريمة" للفنان حسين نعمة ضمن المقطع الأول للفيلم الذي تتعرض فيه بغداد إلى قصف غير مسبوق في تاريخ الحروب استعملت فيه قوات التحالف قسوة مُفرطة تعبّر عن الوحشية الكامنة لدى المحتل في تدميره للطرق والجسور والمنشآت الحكومية الخدمية وكأنّ لسان حال المخرج يقول:" يا حرام لما يتعرّض له العراق وشعبه المغلوب على أمره من خراب ودمار وطمس لمعالمه العمرانية والحضارية حتى أننا أصبحنا أحجية أو "سالوفة" بين الملل والنِحل والطوائف". كما يتناهى إلى سمعنا خبر تصدير الملايين من براميل النفط العراقي إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وكأنه يلمِّح لنا بأنّ النفط هو أحد أسباب الاحتلال الرئيسة. ولا يبتعد الخبر الإذاعي الثاني الذي يزعم فيه الكيان الصهيوني أنه سيشن في اليوم ذاته حربًا حتى النهاية ضد حركة المقاومة الإسلامية "حماس". وثمة خبر ثالث تحثُّ فيه أستراليا رعاياها في ذلك اليوم أيضًا على مغادرة إسرائيل إذا شعروا بأي قلق أمني وتجنّب السفر إلى هناك بعد تصاعد العنف في الشرق الأوسط.

مرثية مُوجعة لتوديع رموز الفن العراقي

كل هذه الأخبار تمهِّد لنا الطريق للولوج إلى متن الفيلم وفضاءاته الحوارية المتعددة التي يتحدث فيها قرابة عشرين شخصًا غالبيتهم من الفنانين والمثقفين والمعنيين بالشأن العراق باستثناء بعض الشخصيات البسيطة مثل الطفل الذي يسكن مع والديه في بناية "المسرح" نفسها، وبعض النسوة الملفعات بالسواد اللواتي يفترشن أرصفة الشوارع في العاصمة الأردنية "عمّان" وما على المتلقّي إلّا أن يستمع إلى هذه الحوارات التي يغلب عليها البوح الصادق، والألم العميق، والشجن الذي يهزّ قلوب المتابعين لهذا الفيلم المرصّع بالفجائع المتلاحقة التي تصيبنا، نحن العراقيين، على وجه التحديد وتأخذ منّا مأخذًا كبيرًا وكأنّ الفيلم يبدو مرثية مُوجعة نودِّع من خلالها الأدباء والفنانين والمفكرين إلى مثواهم الأخير واحدًا إثر الآخر وكأنهم لا يريدون أن يروا ما سيحلُ بأرض الرافدين من إحن ومحن.

ليس غريبًا أن يلتقي المخرج بطفل يتعثّر بكلماته التي لا تُعينه على التوصيف لكنها كافية لأن تدلّنا على أنه يسكن مع عائلته في "مسرح الرشيد" الذي قصفته قوات التحالف وأحدثت ضررًا جسيمًا في محتوياته من الأشرطة والأفلام والأرشيف الكبير وما إلى ذلك. يؤكد الفنان محمد مطر الذي يسكن في مسرح الرشيد بعد قصفه بأن الفرق المسرحية لا تزال تزاول عملها في المسرح وأنهم يتدربون الآن بفضل بعض الفنانين المخلصين وعلى رأسهم الفنان سامي قفطان وآخرين حافظوا على سلامة المسرح وبعض ممتلكاته. ثم تطل علينا الفنانة آلاء حسين التي منحها المخرج مساحة كبيرة في البوح والكلام لأهمية ما تقوله وتعبّر عنه بطريقة دراماتيكية مؤثرة تلهب المشاعر وتحرّك الأحاسيس الداخلية. فهي لا تجد حرجًا بأن تقول: "إنّ الذين ساهموا باغتيال دائرة السينما والمسرح، وليس مسرح الرشيد فقط، هم مسؤولو هذه الدائرة الذين أخذوا الأشياء الثمينة وتركوا الأشياء البسيطة إلى عامة الناس مثل الكراسي واللوحات". لعلنا نغبط المخرج هادي ماهود على استقطابه لهذا العدد من المخرجين والفنانين العراقيين الذين وقفوا أمام عدسة كاميرته وباحوا بأشياء مهمة كثيرة فالفنان خليل شوقي الذي أمتعنا بالكثير من أعماله الفنية في الإذاعة والتلفزيون والسينما يقول:" لقد حزّ في نفوسنا أن نجد هذا المسرح محترقًا ومتهدمًا ومتلاشيًا. لقد دمعت عيني حين شاهدتهُ أول مرة لأنني جسّدتُ فيه أكثر أعمالي مع عدد من المخرجين الذين قدّموا روائع الأعمال الفنية". وفي إطلالة أخرى يقول:"الجهلة هم الذين خربوا هذا المسرح، ونحن نقول للأجيال القادمة: لا تدعوا هؤلاء الناس يهدّموا مسارحكم لأنهم دخلاء على العمل الفني وعلى كل مجالات الفنون الجميلة".1072 movie

أحزان عميقة على المسارح المُدمّرة

يُدلي الفنان والمخرج المسرحي محسن العزاوي بآرائه القيّمة بصدد تدمير "مسرح الرشيد" حينما يقول: "كيف يتسنى لي أن أنسى هذا الهمّ وهذا الحزن على "مسرح المنصور" وعلى "قاعة الرباط" وعلى "قاعة الشعب" وقاعات أخرى لها ارتباط نفسي وحسّي وجمالي مع حياة الفنان. وأنا أقولها بصراحة أنّ هذا الحزن لا يتعلّق بنا وإنما يتعلّق بكل شخص يمرّ أو يعبر بسيارته ليجد هذه البناية وقد سُدّت بطابوق وآجرّ يحمينا من السُرّاق واللصوص".

يمتلك هادي ماهود جذورًا مسرحية فلقد درس المسرح في معهد الفنون الجميلة ببغداد قبل أن ينتقل إلى قسم السينما ويتخصص فيها فلا غرابة أن يسلط الضوء على مسرحيين عراقيين بارزين أو يركز على مقاطع راسخة في ذاكرتنا الجمعية من بينها: "من أجل أنكيدو خلّي وصاحب أبكي وأنوح نواح الثكلى". يغنّي الممثل باسم الحجار أغنية جميلة من التراث البغدادي الأصيل ثم يمضي بالحديث عن انهيار البنى والأخلاق المجتمعية الأمر الذي يدفع بالكثير من الفنانين والأدباء والمثقفين العراقيين إلى مغادرة العراق واللجوء إلى المنافي الأوروبية والأمريكية.

تُنبّه الفنانة آلاء حسين بأن صورة المخرج عبد الهادي الراوي والفنانة ناهدة الرمّاح لم تكونا موجودتين قبل السقوط وإنما وجدتا طريقهما إلى مسرح الرشيد بعد الانهيار المروع للنظام الدكتاتوري البائد. ينتقد المخرج عبد الهادي الراوي الدعوات التي وُجهّت للسينمائيين العراقيين المتواجدين في الخارج ويدمغها بالكذب لأن السينمائيين الموجودين في الداخل لم يجدوا فرص عمل فكيف بالسينمائيين المبثوثين في المنافي العالمية. وحينما عاد الراوي من منفاه الهولندي عيّنوه بشهادة المرحلة المتوسطة لأن شهاداته الجامعية والعليا قد احترقت في وزارة التعليم العالي فلا غرابة أن يُعيّن بشهادة المرحلة المتوسطة التي تقترب من مرحلة الأميّة أو تحاذيها في الأقل.

يعتقد المخرج قاسم محمد أنّ العودة إلى العراق ليست مستحيلة وفي معرض ردّه على سؤال هادي ماهود يثير عددًا آخر من الأسئلة ويجيب عليها في الوقت ذاته قائلًا: "هل يمكن إعادة الدم إلى المسرح العراقي؛ ذلك الدم الذي سُفِك في كثير من الأحيان مجانًا وظُلمًا وتعسفًا؟ الجواب ممكن ولكن كيف؟ ومتى؟ ويخاطب آلاء حسين وغيرها من الفنانين الأحبة الذين لا يغيبون عن العقل والقلب والروح لحظة واحدة ويقول لهم: "من الممكن أن نكفكف دموعكم ودموعنا معًا لذلك فإن حُرقتي وشوقي ليس للعودة فقط، وإنما سأقدم لهم أرشيفي الشخصي المسرحي الذي دأبتُ على جمعهِ منذ العام 1957م. وفي إطلالة ثانية يقول قاسم محمد: "تعرّض العقل العراقي منذ آلاف السنين إلى التهشيم والتخريب والحرق، وأنّ مكتبات العراق القديمة واجهت المصير نفسه على أيدي المحتلين والطامعين بأرض الرافدين الغنية، ليس بالمادة فقط، وإنما بالعقل أيضًا". ثم يتساءل بصوت عال: "قُل لي أيّ حضارة عراقية لم تتعرض للحرق والإغراق والتهشيم والدمار والنقل إلى خارج أرض الرافدين"؟ فليس غريبًا أن تكرّ الكرّة ليمارس المعتدون سواء من داخل العراق أو من خارجه تخريبهم لأنه لا يسرّهم أن تزدهر أرض الرافدين أو يتوهج الإنسان العراقي الذي ألبسهُ القدر لبوس المبدع منذ آلاف السنين.1074 movie

حسين نعمة.. أنا أُسعِد الناس وأُفرحهم

يُطل علينا الفنان حسين نعمة غير مرة ويقول بأن "الإنسان العراقي لا يستطيع أن يبني بلده ويصل إلى برّ الأمان من دون ثقافة". وهو لا يعني بالثقافة "أنّ كل العراقيين يجب أن يقرأوا الرواية والشعر والفلسفة، وإنما يدعو إلى تعلّم الناس للقراءة والكتابة، وأنّ يعرفوا الصحّ من الخطأ، وأن يتجاوزوا الغلّو". ويعتقد الفنان حسين نعمة "أنه من الخطأ الفادح أنّ البعض يعتبر وزارة الثقافة وزارة غير مهمة وزائدة عن المَلاك بينما هي أهم وزارة، وأنّ أي بلد بلا ثقافة لا يساوي أي شيء". لا تخلو أحاديث حسين نعمة من الطرائف المُحببة إلى النفس فذات مرة أخبره أحدهم بأنه سيدخل للنار لأنه يغنّي فكان ردّه:"يُخيّل لي أن بعض الناس الذين سيدخلون للنار هم الذين سرقوا النفط، وقتلوا، وأرعبوا الأطفال، وأفزعوا المرضى والشيوخ، بينما أنا أفرّح الناس وأُسعِدهم".

تعاود الفنانة آلاء حسين إطلالتها الجريئة لتعرّج في الحديث هذه المرة عن الفنانة الراحلة ناهدة الرماح التي يعرف جميع الفنانين بحادثة إصابتها بالعمى بينما كانت تقف على خشبة المسرح، وهي لا تعرف كيف تسمّي هذه الحالة التي يفقد فيها الفنان إحدى حواسه ويظل مستمرًا في أداء الدور المُسند إليه.

يحتاج أبو حالوب "لبيد رشيد" لوحده إلى فيلم وثائقي كامل، فقد عاش أكثر من 40 سنة بدمشق وكان موظبًا على التواجد في مقهى "الروضة" منذ التاسعة صباحًا حتى العاشرة ليلًا لكننا لسنا بصدد الحديث عن حياته الشخصية وإنما الإنصات لوجهات نظره حيث تحدث عن الهجرتين الأولى والثانية واحتلال الكويت. ويعتقد أنّ هذه الحروب مخطط لها من قِبل البنتاغون منذ عام 1947م، وأنّ هدفهم هو إنهاء الشعب العراقي. أمّا الهدف الثاني فهو النفط. ولا يرى "أبو حالوب" أي أمل بالعودة إلى العراق. وحمّل العراقيين جزءًا من المسؤولية لأنهم كانوا يبررون لهذه الأنظمة ما تفعله بالشعب العراقي.

 يصف المخرج باسم قهّار شخصية أبو حالوب بـ"الرجل الذي اكتنز في ذاكرته مليون عراقي، وتحولت طاولته إلى ملتقىً لكل العراقيين، مثقفين وسياسيين، وعاطلين عن العمل وحالمين، ومطرودين وطاردين، ومهاجرين ومهجّرين، وكل هذه الكنايات استقبلها أبو حالوب وهو الرجل الذي تشبث بالعراق من خلال طاولة في مكان آخر فجعل منه وطنًا لهم".

تتشابك آراء الفنانين التشكيليين والمخرجين الذين يلهمون بعضهم بعضا مثل الرسّام ضياء مهدي والمخرج استناد حداد، وهذا الأخير يعتبر المخرج هادي ماهود والتشكيلي جبار الجنابي وسلام جبار جزءًا من تراثه وثقافته الشخصية. بينما يعرّج الفنان ضياء مهدي على استباحة وسرقة الأعمال الفنية لجواد سليم وضياء العزاوي وخالد الرحّال وحافظ الدروبي وفائق حسن منذ احتلال بغداد عام 2003م.

تحدثت برباره كوفمان، مديرة مهرجان هامبورغ ودعت المخرجين العراقيين للعودة إلى وتوثيق الأحداث التي تجري على أرض الواقع بعد غياب نظام البعث وأشارت إلى عدد من المخرجين بينهم هادي ماهود وقاسم عبد وميسون الباجه جي وقتيبة الجنابي وآخرين عادوا إلى العراق وصنعوا أفلامًا وثائقية نالت استحسان النقاد والمشاهدين على حدٍ سواء.

تُفصح التعليقات الصوتية على قلّتها عن الحقيقة وتقول:" تعبر نساء الأهوار بين الماء واليابسة بأناقة ورشاقة ملكية. لا نرى في شوارع هذه المدينة اليوم إلّا صور الأئمة والصوت الوحيد الذي يقارب الغناء هو التراتيل الدينية والمراثي الشيعية لإحياء استشهاد الإمام الحسين".1073 movie

التطرّف الديني يهدد الموسيقيين والمغنّين بالموت

لم يترك هادي ماهود موضوعًا إلّا وطرقهُ سواء بواسطة الحوار المباشر أو التعليق الصوتي الذي يقول فيه:"لا بدّ من الاختفاء في ظلال حقول النخيل اليوم لكي تصغي إلى أغاني المدينة في الناصرية لأنّ التطرّف الديني يهدّد الموسيقيين والمغنين بالموت" فقد شهدت المحافظات الجنوبية الهجوم على بعض الفرق الفنية ومحلات بيع الأدوات الموسيقية ودمّروها بطريقة همجية لا تليق باسم العراق وحضاراته المتعاقبة.

يغنّي الفنان السماوي عزيز عبد الصاحب أغنية تراثية وينخرط في النشيج. ثم نراه في مشهد آخر أكثر حزنًا من سابقه وهم يشيّعون نعشه قبل أن يوارونه الثرى، وهو مشهد سيتكرر مع ثلاث شخصيات فنية أخرى وهم خليل الرفاعي وعبد الخالق المختار، وكامل شياع وهؤلاء سوف يذكّروننا بعوني وبهنام وحنين وحامد ومحسن وغيرهم الكثير.

يطل الفنان فؤاد سالم ليتحدث بمرارة موجعة ويقول: "نحن بحاجة إلى أم وليس هناك أم حنون مثل الوطن. فلا غرابة أن يتساءل عن ابتلاء العراقيين بغضب من الله لا نعرف سرّه. ومع ذلك فما من شيء يشجّع على العودة إلى العراق من وجهة نظره، وإذا ما عاد المغترب أو المهاجر أو المُقتلع من جذوره، فلن يشعر أنه سيعيش عيشة كريمة ومحترمة". يتحدث فؤاد سالم عن حالة الإحباط التي أصابت الجميع ولم يجد غضاضة في القول بأنه بات يعدّ أيامه الأخيرة فهو يعاني من مرض السُكّر، وارتفاع ضغط الدم، ولم يتبقّ له سوى خمس سنوات يريد أن يعيشها في بلده، وأن يموت في بلده أيضًا. ثم يتساءل بألم ممضّ: هل يقبل الشعب العراقي أن يُدفَن الجواهري وآدم حاتم والبياتي بدمشق؟

ثم نرى لافتة تشير إلى اغتيال المفكر كامل شياع، مستشار وزارة الثقافة برصاص لم يُعلن عن مصدره.

يعلن الشيخ عبد الستار البهادلي وهو رجل دين من البصرة على لسان "الصدر" أنّ هذا التيار الديني يجب أن يحتضن كل الطاقات العلمية والأدبية التي تتفق معهم أو لا تتفق، فإذا اتفقت كان بها، وإذا لم تتفق فإنهم يقدّمون لهم الأفكار والبراهين، وإذا لم يتأثروا بها فسيقبلون بالرأي الآخر.1071 movie

آلاء حسين ترمي بكل شيء إلى المحرقة

وما إن يُشارف الفيلم على النهاية حتى نرى الفنانة آلاء حسين وهي تؤدي مشهدًا مسرحيًا يختصر رحلة الألم الطويلة التي تعاني منها حيث تقول: "هل استفسرتِ يومًا عن عائلتي إن كان عندي عائلة أو زوج أو أطفال؟ هل تقصيتِ الأسباب التي دعتني للخروج من بلدي؟ لماذا ذبحوا زوجي وقطّعوه في الشارع إربًا لا لشيء فقط لأنه وقف ضدّ الظلم. كنتُ أتمنى لو سألتِني يومًا لماذا يغرق شعبي في بِركة دماء كبيرة، وكيف يُولد القتلة، وأية أمهات تلدهم؟ سليني لماذا جئتُ إلى ألمانيا؟ لِمَ اخترتُ هذا الفردوس المُستعار، الممزق، الملوث. كلاب مترفة، حدائق رتيبة، غابات ميتة، أؤكد لكِ بأنني أنوي الزواج من ألماني وأنجبُ أولادًا ألمانيين ثم أغسلهم من آثار اللغة العربية، أكسر أمامهم سيوف تاريخهم، سأهزأ من كل فرسانهم، إنني أكرههم، أكره صلواتكِ وصلواتهم، أكره فرسانكِ وفرسانهم، أكرهُ عقائدكِ وعقائدهم. لا أحبُّ بلادي، ولا أغنيات بلادي، ولا شوارع بلادي، ولا أي أي شيء في بلادي. سأرمي بكل شيء إلى جحيم المحرقة، سأحرق ذاكرتي كلها". ومع إنّ هذا المشهد يصلح أن يكون نهاية لهذا الفيلم الوثائقي الذي يقطّع نياط القلب إلّا أن المخرج هادي ماهود أصرّ على أن يكون مشهد التشييع المهيب للفنان الكبير عبد الخالق المختار هو النهاية الصادمة التي تهزّ المشاعر والأحاسيس الداخلية للمتلقّي العراقي والعربي على حد سواء.

***

عدنان حسين أحمد

 

قبل الخوض في تفاصيل الفيلم الثاني الذي أنجزه المخرج هادي ماهود قبل 45 سنة بعنوان "الفاتحون مرّوا من هنا" سنة 1980 لا بدّ من الإشارة إلى أنّ بعض الأشرطة الأولية المُصوّرة قبل المونتاج Rushes قد تعرّض للتلف في أجهزة التحميض في الإذاعة والتلفزيون، وبعضها الآخر تفاداه المخرج وأهمله لأسباب سياسية مقيتة لأن الشخص المتحدث فيه هو داوود القيسي الذي كان نقيبًا للفنانين العراقيين آنذاك وكان يُلقب بـ "شادي البعث" لأن إنشادهُ كان مُقتصرًا على حزب البعث وقائده "المنصور" صدام حسين. كما أنّ اللقاء برمته كان ثناءً وتمجيدًا لـ "بطل التحرير القومي" فأسقطَ تلك المقابلة من حسابه وعزّز بهذا الإجراء نزعته المعارضة للنظام ولحزبه الواحد الذي نسيَ الوطن وتماهى في شخصية القائد المُستبد الذي قضى على المعارضين البعثيين من حزبه قبل أن يلتفت إلى معارضة الأحزاب العراقية الأخرى بفسيفسائها القومي والديمقراطي والليبرالي واليساري والديني بينما كان مخرجون آخرون يمعنون في الترويج والدعاية الرخيصة لما يسمى بفكر القائد وتوجهاته القومية التي لا تخرج عن إطار الأوهام والأحلام المريضة التي لم يجد حتى الجزء الناتئ منها طريقه إلى التطبيق. كانت الجامعات والمعاهد العراقية، وخاصة المُقتصرة على البعثيين، ترسل أساتذتها وبعض طلابها، كما هو الحال في معاهد، وأكاديميات الفنون الجميلة، وكليات الإعلام في العراق، إلى جبهات القتال كنوع من "المُعايشة" يتعرّفون من خلالها على حياة الضباط والجنود العراقيين في السواتر الأمامية وجبهات القتال الممتدة من جبال كرده مند إلى مدينة الفاو. وقد وقع الاختيار على الطالب هادي ماهود، والمصور هادي حسن عمران، ومدرّس مادة السيناريو الأستاذ سلمان داوود، والطالب المصري سمير جودة، والسائق "ماضي". وكان الهدف من هذه المعايشة الميدانية هو التطبيل للحرب، وتمجيد القائد، واستدعاء "صور من المعركة" إلى شاشة التلفاز الوحيدة في البلد قبل أن يظهر تلفزيون "الشباب" ويفاقم أزمة التمجيد للقائد ونجله في آنٍ معًا.1039 mahod
التواطؤ البريطاني في احتلال المحمّرة
نمت بذرة الوعي المُعارض في ذهن المخرج هادي ماهود وتفتقت عن مواقف جديرة بالاحترام تُسجّل لمصلحته الشخصية كفنّان وإنسان في آنٍ معًا؛ فقد اتخذ قرارًا بأن لا ينهمك في برنامج "صور من المعركة" أسوة ببعض المخرجين والمصوّرين الذين قدِموا إلى جبهات القتال، واستشهد البعض منهم، وجُرح البعض الآخر أو فُقد في أتون المعارك التي تندلع هنا وهناك من دون سابق إنذار. لقد عقد العزم على أن ينجز فيلمًا وثائقيًا بعد أن برقت الفكرة في ذهنه وتمحورت على رصد مدينة المحمّرة وتاريخها العربي العريق، وانطلق من تصوير بيت الشيخ خزعل الكعبي، أمير المحمرة الذي أسَرتْهُ القوات الإيرانية في عملية مُدبرة ومدروسة عام 1925م، وبتواطؤ بريطاني لا غُبار عليه، واحتلوا مدينة المحمرة العربية المستقلة وأخضعوها إلى سيطرة الدولة الفارسية الغاشمة في زمن الشاه رضا بهلوي.
وقع اختيار المخرج على شخصيات عربستانية متنوعة تنتمي إلى ثلاثة أجيال من بينها الجد الذي عاصر الشيخ خزعل الكعبي، ونجله الذي أدرك حقبة الشاه الأخير، والحفيد الذي عاش أهوال الحرب التي اندلعت بين الجيشين العراقي والإيراني. كما التقى بعدد من الشخصيات العربستانية بشكل عشوائي بينهم الرجل المُسنّ، والمرأة الكبيرة، والشاب اليافع، والصبي الصغير، وقد عبّروا جميعًا عمّا يدور في أذهانهم بطريقة عفوية لا تكلّف فيها أو افتعال، وهذا ما يبحث عنه مخرج الفيلم الوثائقي الناجح الذي يسند أدوار البطولة إلى شخصيات يستدعيها من قاع المجتمع لتقول كل ما عندها دفعة واحدة من دون رتوش أو لغة مُقعّرة لا تنتمي إلى الطبقة الفقيرة التي تشكّل غالبية الشعب العربستاني. أمّا اللقاء الرئيسي فكان مع أحد مقاتلي الجيش الشعبي القادمين من بغداد وكان أكثرهم طلاقة في الحديث ومُلمًا بعض الشيء بالانتفاضات والاحتجاجات التي اندلعت في غالبية المدن العربستانية المطالبة بالتحرر والانعتاق من الهيمنة الفارسية والاحتلال الإيراني المقيت الذي استمر لمدة 55 عامًا حتى ساعة تصوير الفيلم عام 1980، أما الآن فقد بلغ الاحتلال الإيراني لعربستان قرنًا كاملًا بالتمام والكمال.1040 mahod
محو الشخصية العربية وطمس معالمها
ثمة "فويس أوفر" بصوت الأستاذ عبد الوهاب الدايني يتحدث فيه عن مدينة "المحمّرة" التي تضمخت أرضها بدماء الشهداء العربستانيين على مرّ العصور. وقد كان الشيخ خزعل الكعبي وأسلافه يديرون دفة العروبة لسنوات طوالًا في الخليج العربي. وقد نقلت لنا عدسات المصورَين سلمان داوود وهادي ماهود لقطات ومَشاهد جميلة لقصر الشيخ خزعل الكعبي المُطل على شط العرب من جهته الشرقية. يقول المقاتل المتحدث بلسان طليق: "أنّ عربستان أرض عربية أُحتلت من قِبل الاستعمار الفارسي سنة 1925، وقد قام العدو الفارسي بشتّى الأعمال لمحو الشخصية العربية في عربستان وإزالة الوجود العربي، وقطع العربستانيين عن الوطن العربي وتراث الأمة العربية. قام شعبنا العربي خلال سنوات الاحتلال بعدة انتفاضات منها "انتفاضة المحمرة" و "الغجرية" و "بني طرف" حتى سنة 1958م. ثم بدأ أول عمل تنظيمي لـ "جبهة تحرير عربستان" حيث شُكِّلت القيادة القومية العليا لجبهة تحرير عربستان. وساهم الشعب العربي في عربستان مساهمة فعّالة في الإطاحة بالحكم البهلوي الفاشي حيث قدّم الكثير من الشهداء في سبيله وقامت إضرابات عديدة بعربستان كان الشعب العربي يتوخى الحصول على بعض حقوقه المسلوبة ولكن ما يسمّى بالحكومة الإسلامية قامت بالعديد من المجازر واستعمال الأسلوب العنصري بصورة وحشية أكثر من الشاه حيث نُفذ حكم الإعدام بالعديد من أبناء الشعب العربستاني، وأُودع الكثير منهم في السجون ،كما هُتِكت حُرمات الكثير منهم. لا يحصل العربستانيون على فرص جيدة للعمل، فالعرب يُصنّفون كطبقة عاملة وزراعية، والمدارس قليلة جدًا، كما أنّ تفشّي الأمية واضح، وما يقارب 95% من الشعب العربستاني أميّ".
الفقراء ملح الفيلم وعُصارته
ليس بالضرورة أن يكون هذا المتحدث مُلمًا بالانتفضات والاحتجاجات العربستانية ضد الاحتلال الفارسي ولكن من يطلّع على التاريخ الحديث لعربستان سيكتشف من دون لأيْ أنّ هناك أكثر من 12 انتفاضة وقعت بين عاميّ 1925 و 2005 تبدأ بثورة "الغلمان" وتمرّ بـ "حركة الشيخ خزعل" ولا تنتهي بـ "انتفاضة نيسان". وكان بودي لو أنّ المخرج هادي ماهود قد توقف قليلًا عند اغتيال الشيخ خزعل في السجون الإيرانية بطهران، وكذلك الإشارة إلى حادثة اعتقال رؤساء القبائل العربستانية في "انتفاضة بني طرف" عام 1936م التي أشار إليها المتحدث حيث قامت سلطات الاحتلال في مدينة "الخفاجية" بدفن 16 شيخًا عربيًا وهم أحياء في محاولة يائسة لبثّ الخوف والفزع في قلوب الأحوازيين. أمّا اللقاء مع عامة الناس فهو"ملح الفيلم وعُصارته" لأنهم يختصرون محنتهم في ظل الاحتلال الإيراني من دون كلمات منقمّقة وتزويق لفظي. فالشاب الأول يقول بأنه لا يذهب إلى المدرسة لأنه يشتغل بالميناء ويُعيل أفراد أسرته، والرجل الكبير سنًا يقول بأنه عاطل عن العمل ولكنه يدبّر شؤون العائلة التي تتألف من عشرة أفراد "من هنا وهناك"، وثمة امرأة كبيرة تتهم الإيرانيين بأنهم يجدون فرص عمل لأبنائهم ولا يعيرون بالًا للمواطنين العرب. ويختم أحد الصبيان حديثه بالقول بأنه لا يذهب إلى المدرسة لأنه يتعرّض إلى التنمّر والضرب كلما تكلم باللغة العربية بينما يريدهم المحتل الإيراني أن يتحدثوا باللغة الفارسية.
لم يحتَج المخرج كثيرًا لإظهار الوضع المزري الذي يعاني منه العربستانيون في المحمرة فاللقطات الأساسية والمَشاهد الكبيرة كانت تفضح الأحياء الفقيرة التي تبدو أقرب إلى العشوائيات منها إلى السكن المتحضر ومع ذلك فقد وصلت صور "القائد الضرورة" وشعارات الحزب إلى تلك الجدران المتداعية، بل رأينا لافتة مخطوطة تشير إلى "مكتب بريد قادسية صدام في المحمّرة" التي يتحرك في قسمها الشمالي جنود من الجيش العراقي الذين يفصلهم نهر "الكارون" عن القسم الجنوبي الذي تتواجد فيه القوات الإيرانية التي تشتبك مع الوحدات العراقية بين أوانٍ وآخر. كما نسمع أنشودة "لوحة نصر" التي أدتها الفنانة المصرية سعاد محمد مع كورس الأطفال العراقيين وهم يردّدون مقطع "طلعت الشمّيسة، على وجه عيشة، عيشة عراقية، بنت القادسية، صاح الجيش بالميدان، أطلب منك يارحمن، تنصر لي الغالي صدّام".
ينتهي الفيلم ببعض المشاهد المفتوحة التي تصور حركة المواطنين العربستانيين الذين لم يغادروا مدينة المحمرة رغم الاشتباكات الدائرين بين القوات العراقية والقوات الإيرانية. لم يستغنِ هادي ماهود في حينه عن الحوار المطوّل الذي أجراه مع داوود القيسي فقط للأسباب التي ذكرناها سلفًا ولكن تلف الـ Rushes في أجهزة تحميض الإذاعة والتلفزيون هو الذي دفعه أيضًا لعدم تضمين اللقاءات التي أجراها مع "أعضاء جبهة تحرير عربستان فهو للاستدلال على وجود حركة تحررية يخوضها عرب المدينة" تقاوم الاستعمار الإيراني وتقارعه بضراوة على الرغم من فارق العُدة والعديد بين الطرفين المتحاربَين.
***
عدنان حسين أحمد

بعد النجاح المبكر الذي حقّقه المخرج هادي ماهود في أول أفلامه الروائية القصيرة "بائع الطيور" وحصول الفيلم على جائزتيّ أفضل مخرج، وأفضل تمثيل أُسندت إلى حيدر أحمد الذي كان صبيًا في حينه. وبعد أن وضع اللمسات الأخيرة على فيلمه الوثائقي "الفاتحون مرّوا من هنا" شعر هادي بأنه يقف على أرضٍ صُلبة تُغريه بالتقدّم إلى أمام بثقة كبيرة وهو في سن اليفاعة والشباب، خصوصًا وأنّ بعض أقرانه كانوا يمازحونه ويلقبّونه بـ "فلّيني العراق" وينتظرون منه ليس الأفلام الروائية والوثائقية القصيرة التي دأب عليها وإنما يترقّبون فيلمه الروائي الطويل الأول الذي لم يرَ النور بسبب قلّة التمويل التي سترافقه لسنواتٍ طوالا. فلا غرابة أن يندفع بحماس كبير لإنجاز فيلمه الروائي القصير الثالث "الساعة 1800" المُستوحى من قصة لجبار رحيم، وسيناريو أعدّهُ ناجي كاشي، وهي قصة واقعية حدثت فعلًا في إحدى المعارك التي كانت تدور رُحاها بين القوات العراقية والإيرانية وتناقلتها وسائل الإعلام العراقية على وجه التحديد حيث سقطت إحدى المروحيات العراقية في أثناء تأديتها للواجب في الأراضي الإيرانية وأُصيب مساعد الطيّار بجرح بليغ في ساقة اليسرى لكن ذلك لم يمنع زميله الطيّار من حَمْله والعودة به صوب الأراضي العراقية. الأمر الذي دفع صدام حسين إلى تكريمهما وإحاطة هذه الواقعة بهالة من الشجاعة والإقدام والبطولة خاصة وأنّ الطيّارين وبعض الصنوف المعروفة في الجيش العراقي هم من البعثيين تحديدًا ويصعب أن تجد بينهم مُنتسبًا معارضًا للنظام إلّا في حالات استثنائية نادرة جدًا. وقد اعتاش البعث على تهويل الأحداث الصغيرة وتحويلها إلى مآثر كبيرة سرعان ما تنطفئ جذوتها ويخبو وهجها الزائف الذي صنعتهُ مُخيلة النظام المريضة.1023 mahod ahmad

لا شكّ في أنّ المخرج هادي ماهود كان يمتلك نَفَسًا مُعارضًا لنظام البعث، وربما يعرف بعض أصدقائه الخُلّص هذه النزعة المُعارضة التي كان يضمرها الكثير من العراقيين سواء أكانوا مثقفين أو من عامة الناس لكنهم كانوا يتفادون التعبير عنها أو الإجهار بها أمام الملأ. وربما يُعتبر هذا الموقف "صحوة مبكرة" كما أشار إليها ماهود في كتابه الموسوم "أفلامي" الذي ينطوي على جوانب من مواقفه، وأفلامه، والحوارات الصحفية التي أدلى بها منذ إنجاز فيلم "بائع الطيور" سنة 1979م حتى خروجه من العراق سنة 1991م، وانغماسه في العمل الثقافي ضمن أسرة "إذاعة صوت الشعب العراقي" المعارضة التي تبث من مدينة "جدة". ولعل بذور هذه المعارضة قد انصبّت ضد الحرب أولًا ثم عمّقتها مُصادرة حقوق الإنسان، وقمع حرية الرأي والتعبير وما إلى ذلك. فالحرب لا تفضي إلّا إلى القتل والدمار والتخريب الذي يشمل الإنسان قبل أن يطال الطبيعة والاقتصاد ثم يخنق الحياة برمتها رويدًا رويدا. قد لا ينطوي حَمْل الطيار لمساعده الجريح على إساءة أو إشارة تحمّل صاحبها أكثر مما ينبغي فهي حالة طبيعية في المعارك التي يغيب فيها الجنود كما هو الحال مع هذين الطيّارَين في هذا الفيلم، فالرائد محمود مُضطر لحمل زميله وإلّا فسوف يتركه نهبًا للموت. ورغم أنه حَملهُ لمسافة طويلة إلّا أنّ هذا الأخير احتضر وفارق الحياة. والموت نتيجة طبيعية للحرب التي وقف المخرج ضدّها وضدّ مُشعليها في كل مكان.1025 mahod ahmad

هواجس كبيرة بلغة متقشّفة

ما يلفت الانتباه في هذا الفيلم هو المعالجة الذكيّة للسيناريو المتقشف الذي قال أشياء كثيرة من دون الاعتماد على الحوار أو الكلمة المنطوقة، ولعل رهانه الفكري والبصري كان قائمًا على الصورة التي قالت كل شيء وعبّرت عمّا يجول في بال السينارست والمخرج من رؤى وأفكار تحريضية حذرة لا تضعه على مقربة من أنشوطة الموت. ورغم أنّ الخطاب الإعلامي البعثي كان يراهن على ترويج بعض المُثل والقيم الأخلاقية التي تستمد مادتها من القرآن الكريم من قبيل "أنّ الشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون" أو من غير القرآن مثل "أننا لم نكن طلّاب حرب وإنما دُعاة سلام" أو "أنّ المعركة التي نخوضها عادلة جدًا فلا لوم ولا تثريب علينا" إلى آخر هذه الأطاريح التي تبرّر الحرب وتسوّغها أمام الرأي المحلي والعالمي على حدٍ سواء. وعلى وفق هذه التصورات التي لم يسلم بعضها من الجانب الغيبي فقد أخذ الرائد الطيّار محمود الذي جسّد شخصيته "ناجي كاشي" يتخيّل أنّ هناك ملائكة تهبط من السماء لترفع مساعده أحمد الذي أدى دوره "فاضل صبّار" على اعتبار أنّ الشهداء يرتقون إلى السماء في حال استشهادهم لقضية عادلة. تُرى، هل كان المخرج يُلمِّح من طرف خفي أم يصرّح بالفم الملآن، وأنّ ما يراه الطيار الذي سقط في منطقة معادية هو حقيقة دامغه أم حلم يقظة انبثق من هواجس وأحاسيس وهمية مشوّشة؟

ثمة شخصية ثالثة في الفيلم تعلب دور الجندي في مقر القيادة جسّدها "علي قادر" الذي أخبر الوحدات العسكرية في الساتر الأمامي الذي وقعت أمامه المروحية العراقية التي تحمل الرائد الطيار ومساعده واحتمال اقترابهم من الخطوط الأمامية لإتخاذ ما يلزم لإنقاذهم، وسوف يكرر الإتصال لمعرفة المعلومات المُستجدة عنهما. وبالتوازي مع حضور الرائد الطيار نرى صورًا عائلية لزوجته ولابنه وهو يحتفل بعيد ميلاده بينما يهيم والده ويتخبط في الأرض الحرام المزروعة بحقول الألغام، ومصائد المغفلين، والمواضع العسكرية المهجورة والمُوحشة. وبما أنّ الرائد الطيّار يُصاب بالإعياء الشديد جرّاء التعب والإرهاق والعطش فلا غرابة أن يسقط فيما يشبه الغيبوبة فيتخيّل جمجمة مخيفة محترقة يتصاعد منها الدخان الذي يختلط مع دخان منزله أو هكذا يتصور فيخرج طفله مذعورًا من الخوف والهلع. وهذا ما يريد أن يفصح عنه المخرج بالضبط وإن جاءت المعالجة بطريقة مغايرة لكنها تقول في خاتمة المطاف أن الحرب لا تسفر إلّا عن الموت، والخراب، وألسنة اللهب التي تلتهم كل شيء بما فيها الجماجم البشرية التي تُخيف الناظرين وتُذكِّرهم بفكرة الموت التي تقشعر لها الأبدان.1024 mahod ahmad

تلميحات مُبطّنة ترفض الحرب

يفارق الطيّار المساعد الحياه فيدفنه زميله "وديعة" على أمل العودة إليه ومحاولة إخلاء جثمانة ثانية حيث يحفر له قبرًا مؤقتًا بالحربة العسكرية التي يحملها معه، ويعلّم القبر ببعض الأحجار الكبيرة، وحينما يتجه صوب الوحدة العسكرية العراقية يلمح دورية صديقة خرجت للبحث عنهما في الأرض الحرام وتصله في الوقت المناسب قبل أن يتلقفه الموت عطشًا وإعياءً، فيقوم أفراد الدورية بنقل جثة الشهيد، وانقاذ الطيّار محمود وإيصاله إلى أرض الوطن بأمان. قد يكون هذا الوعي المعارض مُتقدمًا عند المخرج هادي ماهود، فحينما صوّر هذا الفيلم الروائي الذي يتكئ على قصة واقعية كانت الحرب قد تجاوزت عامها الأول بالكاد وأنّ دكتاتورية صدام لم تتضح معالمها بعد، وكلنا يتذكّر كلمة تنصيبه التي قال فيها: "سأكون رجلًا بين الرجال، وليس الرجل الأوحد" بينما كان يخطط بصمت وسريّة تامة لأن يكون الرجل الأول والسيف الوحيد في بلاد الرافدين. لقد حاول هادي ماهود في هذا الفيلم وفي أفلام أخرى لاحقة من بينها "سائق الإسعاف" أن يركز على الجوانب الإنسانية أكثر من تركيزه على وحشية الحرب وفظائعها المعروفة ولعل هذه المعالجة المُرهفة وما تنطوي عليه من أفكار وتلميحات مبطنة ترفض الحرب هي التي منحت أفلام هادي ماهود مصداقيته وقرّبت المتلقين من مضامينه الحساسة التي لا تخلو من المخاطر والتحديات. ومثلما نجح المخرج في ملامسة مشاعر الناس وأحاسيسهم في هذا الفيلم المُرصّع ببعض الرموز والكنايات الدالة فإنه سينجح في أفلام أخرى تسير على وفق هذا النهج المغامر الذي لا يخلو من المجازفة، والتهوّر، ودسّ اليد المكشوفة في عش الدبابير.

***

عدنان حسين أحمد – كاتب وناقد

مقترحات بمناسبة اختيار بغداد عاصمة للسياحة980 baghdad

قبل أسابيع خلت أعلنت المنظمة العربية للسياحة اختيار بغداد عاصمة للسياحة العربية لعام 2025م، وذلك بعد انتهاء المنظمة من مشاركتها في اجتماع الدورة الـ(27) للمجلس الوزاري العربي للسياحة، بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القاهرة، وبهذه المناسبة الكريمة لا بد من استعراض أعرق وأجمل معالم بغداد وأبرزها ولكل واحد منها تاريخ حافل وحكاية وذكرى وأثر وبما أقترح على المعنيين إجمالها وطبعها وتوزيعها كـ بروشور ورقي، كـ كاروسيل رقمي، كـ دليل سياحي، كـ ملصق تشجيعي، كـ بوستر تعريفي لمعظم المهتمين والمعنيين بتاريخ بغداد ومعالمها السياحية والآثارية والتراثية مع خالص التحية، أما عن الأسباب والدوافع التي شجعتني على إثارة هذه الموضوع فمردها الى أمرين إثنين، أولهما أنني وعندما ذهبت الى العديد من هذه المعالم لعمل تقرير متلفز، لانجاز تحقيق صحفي مقروء، اجراء حوار مع بعض القائمين عليها، كتابة مقال أو عمود صحفي، فلقد شخصت خللا بينا كالشمس لا يحجب بغربال مع وضع السبابة والابهام على نقص معيب لم أشخص مثيلا له في أي مكان سياحي آخر حول العالم ولا حتى في الدول المجاورة أو القريبة كتركيا، السعودية، الامارات، قطر وهلم جرا،979 baghdad

ففي معظم هذه الأماكن لم أعثر على أمرين مُسَلَمَينِ وبديهيين في الفلسفة السياحية، وعملية الترويج السياحي، وفي مقدمتها الإعلانات الأنيقة كذلك الاشارات الكبيرة الموضوعة على جانبي طريق مطار بغداد الدولي وفي بعض الشوارع الكبيرة القريبة أو حتى المحيطة بالمكان على أقل تقدير، والتي من شأنها أن تغري السائح، عربيا كان أو أجنبيا بزيارة هذه الأمكنة لتدله عليها وبما يترك لديه انطباعا طيبا سرعان ما ينقله فور عودته لبلاده الى كل أصدقائه وزملائه وأقرب المقربين إليه وبما يشجعهم ويغريهم كذلك الحال مع مشاهير صناع المحتوى الرقمي كاليوتيوبرية والتيكتوكرية والفلوغرية والبلوغرية والانفلونسر ونظرائهم من عمالقة التسويق الرقمي على تكرار التجربة في قابل الأيام، كذلك الحال مع افتقار كل ولا أقول جل هذه المواقع والمعالم الى المطويات والكراسات التعريفية اللازمة – وهي ليست ترفا ذهنيا ولا إسرافا ماديا بالمرة كما يتوهم بعضهم - والتي عادة ما تهدى الى السياح أثناء زيارتهم للمكان مجانا بغية تعريفهم بتفاصيل المعلم وأقسامه وتاريخه ومحتوياته، وعندما سألت إحدى الموظفات الفضليات القائمات على إدارة أحد أقسام هذه المعالم عن السبب الكامن وراء هذا النقص المعيب والعجيب، قالت ما نصه وبالمباشر" تمويل ماكو !".982 baghdad

أما الأمر الآخر فيتعلق بغياب بل قل اندثار المنتج الترويجي وبما له علاقة مباشرة بهذا المعلم السياحي أو ذاك، فلو أنك سافرت الى لندن أو باريس أو ريو دي جانيرو أو بانكوك أو روما أو القاهرة أو أمستردام أسوة باسطنبول وأثينا ومدريد على سبيل المثال وليس الحصر وكلها تعد من أهم الوجهات السياحية العالمية فستُبهَر بكم لا يحصى من قطع فنية صغيرة وكبيرة، من حقائب جلدية ونسيجية متنوعة مطبوع على واجهتها معالم المكان، منحوتات ومشغولات يدوية، ميداليات، قلائد، أساور، لوحات جدارية، قبعات وتيشيرتات ترويجية، أعمال كهربائية وخزفية ونحاسية وخشبية، وكلها تجسد جانبا من معالم المكان المهمة وبأدق التفاصيل، وبما يحقق نسب عالية من المبيعات من جهة، مقابل معدلات هائلة من الدعاية الترويجية المجانية المتنقلة اللاحقة من جهة أخرى، وكل ما تقدم ذكره لا وجود له هاهنا إلا فيما ندر وبكميات محدودة جدا وبأماكن محددة في حال وجودها وبما يشكل ثلمة في العقلية السياحية العراقية، وعقبة غير محمودة العواقب تقف حائلا كالسد المنيع بين هذه المعالم الاثارية وبين عملية التسويق والترويج السياحي المطلوب لها، وبما قد يكون مبررا الى حد ما ولا أقول مستساغا في غضون الأعوام القليلة الماضية على خلفية ظروف العراق السياسية والأمنية المعروفة والتي أسفرت عن تراجع السياحة أساسا ولكن وبعد استتباب الأمن والحمد لله، واعلان بغداد عاصمة للسياحة العربية 2025 فلم يعد الأمر مقبولا بالمرة، ولا عذر لأحد بأي قصور وتقصير في هذا الجانب قط.983 baghdad

وبما أن الشيء بالشيء يذكر وبما يعد بمثابة درس عملي ومجاني في الصحافة بعيدا عن المحاضرات النظرية أقدمه على طبق من ذهب لأبنائي من الصحفيين والمراسلين الشباب وطلبة معاهد وكليات الإعلام كافة وأقول " لقد كنا والى وقت قريب وعندما نروم إجراء تحقيق صحفي يليق بأسمائنا وبسمعة الصحف والمجلات التي نعمل فيها حول معلم تراثي وأثاري ما، فإن أول ما كنا نبحث عنه حتى قبل أن نأخذ الإذن من القائمين على المكان للشروع بإجراء التحقيق أو الحوار الصحفي هو – الـ بروشور أو الكراس التفصيلي للمكان – لماذا جنابك الغالي ؟ لأن هذا المطبوع المجاز رسميا والمعتمد من قبل المؤسسة سيسهل عليك كتابة سكربت التقرير المتلفز + سيحميك من المساءلة القانونية في حال قال أحدهم لك أو لادارة مؤسستك الإعلامية لاحقا " أين مصدركم، أو من أين أتيتم بكل هذه المعلومات ؟" + صياغة أسئلة الحوار المرتقب مع القائمين على المكان + إجراء تحقيق صحفي شامل ومستوفي ومكتمل الشروط والضوابط والأركان..

والان دعونا نحلق بجناحي نسر للتعريف ببعض المعالم السياحية المهمة في العاصمة الحبيبة بغداد مذكرا بما قيل في السياحة ولعله من أجمل ما قرأت بشأنها " لن تتمّ فائدة السفر والسياحة إلى بلدٍ آخر إلّا إذا انتقلت النفس من شعورٍ أدنى إلى شعور أرقى، ولكن إذا ما سافر الهم والحزن والفقر والتيه معك فأنت ما زلت تقيم في بلدك ولم تبرحه بعد "، وما أروع ما جاء في كتاب "بستان العارفين"، للسمرقندي نقلا عن الرواة المتقدمين: (المال في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة، ومن جعل الفقر له لحافاً فهو غريب أينما كان) وفي فوائد ومتعة الأسفار قال أسلافنا الأخيار:

سافر تجد عوضاً عمن تفارقهُ

وانصب فإن لذيذ العيشِ في النصبِ

*

إني رأيت وقوفَ الماء يفسدهُ

إن سالَ طاب وإن لم يجرِ لم يطبِ

*

الأُسد لولا فراق الغاب ما افترستْ

والسهم لولا فراق القوسِ لم يصبِ

*

والشمس لو وقفتْ في الفلك دائمةً

لملَّها الناس من عُجمٍ ومن عربِ985 baghdad

وألفت عناية الجميع الى أن كل ما ورد آنفا في فوائد السياحة والسفر لن تتحقق ولو بالنزر اليسير منها في حال لم يجد السائح في تلكم البلاد ضالته، ولا مكانا مريحا ولائقا لإقامته، ولا مرشدا أو دليلا سياحيا يعينه على معرفة وجهته – حتى لا يظل يفتر بشوارعها مثل الأطرش بالزفة - وفي حال لم يحظ من قبل أهلها بكل ما يعبر عن تقديرهم واحترامهم له وبما يطيب نفسه ويجبر خاطره، أما إذا كانت الوجهة السياحية عبارة عن تنمر واحتيال وعنصرية ونظرة فوقية وتيه وتشرد وبؤس وفاقة ومطاردات بوليسية تروم إلقاء القبض عليه بغية ترحيله على وجه السرعة مقيدا بالاصفاد على متن طائرات عسكرية – كما يحدث بحق المهاجرين في امريكا ترامب حاليا – فهذه فجيعة ومأساة، وليست سياحة ولا متعة ولا ملهاة ولسان حال صاحبها سيردد أسفا ما سبق للمتنبي أن قاله يوما:

مَا مُقامي بأرضِ نَخلة

إلاّ كمُقامِ المَسيحِ بَينَ اليهود

*

مَفْرَشي صَهوَة الحِصانِ وَلَكِـ

نّ قَميصِي مسرُودَة مِنْ حَديدِ

والآن دعونا نعرج على بعض أبرز المعالم والوجهات السياحية المهمة في بغداد التي قال فيها الخريمي ماضيا:

قالوا وَلَم يلعبِ الزَمان بِبَغ

داد وَتعثُر بِها عَواثرُها

*

إِذ هيَ مثل العَروس باطِنُها

مشوّق لِلفَتى وَظاهرها

وزاد أبو القاسم الدليمي قائلا: سافرت الى الآفاق ودخلت البلدان من سمرقند الى القيروان، ومن سرنديب الى بلاد الروم، فما وجدت بلداً افضل ولا أطيب من بغداد.

ليضيف الإمام الشافعي بالقول: ما دخلتُ بلدا قط الا عددته سفراً إلا بغداد، فإني حين دخلتها عددتها وطناً.

ولله در الأخوين الرحباني في رائعتهم التي صدحت بها الحنجرة الذهبية لعصفورة الشرق "فيروز" ذات يوم وهي تتغنى ببغداد:

بغداد والشعراء والصور

ذهب الزمان وضوعه العطر

*

يا ألف ليلة..  يا مكملة الأعراس

يغسل وجهك القمر

ولاشك أن من أهم الوجهات السياحية البغدادية اضافة الى الوجهات التقليدية المعتادة والتي"جلبت.. لصقت.. تخيطت.. حامت" حولها الكروبات السياحية المحلية أسوة بالمرشدين السياحيين العراقيين، وكأن بغداد الحضارة والتاريخ العريق التي قال فيها ابن خلف النيرماني، وكما ورد في معجم البلدان للحموي، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي:986 baghdad

فدى لك يا بغداد كل مدينة

من الأرض حتى خطتي ودياريا

*

فقد طفت في شرق البلاد وغربها

وسيرت رحلي بينها وركابيا

*

فلم أر فيها مثل بغداد منزلا

ولم أر فيها مثل دجلة واديا

*

ولا مثل أهليها أرق شمائلا

وأعذب ألفاظا وأحلى معانيا

عبارة عن مجرد طعام وشراب وشاي مهيل فقط لا غير، والمتمثلة بكاهي وقيمر الوثبة، شربت زبيب الحاج زبالة، كبة السراي، سمك مسكوف شارع أبي نؤاس، شاي وتسجيلات مقهى أم كلثوم، جل احترامي وتقديري العاليين للجميع، إلا أنني وكما نوهت في عنوان المقال من أنه سيمر بين سطوره على جملة من الملامات والعتابات ليقدم طاقة ولا أقول باقة من المقترحات، ومن غير زعل لأن بغداد الماضي والحاضر والمستقبل تستحق منا معاشر الكتاب والمثقفين ولاسيما في عامها السياحي العربي 2025، أكثر من دليل سياحي مهم، ووجهة معتبرة، ومقترح نبيل محترم وأقول:

1- "بيت الحكمة": في منطقة الميدان وتعد أول مكتبة مركزية ومركز للبحوث ودار للترجمة في التاريخ تأسست عام 752 م.

2- "القصر العباسي": ويعود تاريخ بنائه إلى الخليفة الناصر لدين الله يقع على مقربة من بيت الحكمة ويعود تاريخ تشييده الى القرن الثامن الميلادي.

3- المدرسة المستنصرية: وتعدَّ هذه المدرسة التي شيدت سنة 625 هجرية/ (1227) ميلادية، في عهد الخليفة العباسي المستنصر بالله من أقدم الجامعات في العالم وتخصصت بتدريس الفقه الإسلامي على المذاهب الأربعة.

4- كل مساجد بغداد الأثرية والتراثية القديمة بدءا بجامعي العادلية الكبير والصغير، وجامع الازبك، الاحمدي، المرادية، السليمانية، السراي - جديد حسن باشا -، الحيدر خانة، مرجان، العاقولية، الاصفية، الوزير، سيد سلطان علي، ابو حنيفة النعمان، الحضرة الكاظمية، جامع الشيخ عبد القادر الجيلاني، الوفائية، جامع الخلفاء، جامع الفضل الكبير، والاباريقي، الشيخ معروف الكرخي، أم القرى، جامع بنية، وغيرها الكثير والكثير.

5 - "المتحف البغدادي" وهو نسخة عراقية مصغرة عن متحف الشمع - مدام توسو - في لندن، ويضم أكثر من 347 مجسما مصنوعا من الشمع تجسد بمجموعها لمحات وضاءة من عبق الماضي وحنين الذكريات وملامح شتى عن الحياة الاجتماعية والتراثية البغدادية بأدق تفاصيلها اضافة الى قاعة الصور التراثية، والشناشيل البغدادية.

6- المقهى التراثي والثقافي العراقي:

لطالما شكل المقهى التراثي ركيزة أساسية في حياة العراقيين ولاشك أن مقهى الزهاوي ( = مقهى الفيشاوي في القاهرة) وسمي بهذا الاسم نسبة الى الشاعر جميل صدقي الزهاوي، يعد واحدا من أشهر المقاهي الادبية والثقافية أيام زمان، فمن هذا المقهى دارت المساجلات الشهيرة بين عباس محمود العقاد في القاهرة، والشاعر الزهاوي في بغداد، برغم اتفاق الرجلين على انتقاد امير الشعراء احمد شوقي، وفي هذا المقهى تحديدا جلس شاعر الهند الكبير طاغور في ثلاثينات القرن الماضي بعد قدومه الى بغداد، ومن المقاهي الثقافية الشهيرة ذات الارتباط الوثيق به مقهى الشابندر أو "مقهى الشهداء" ومقهى البرلمان، والبيروتي، والتراث ومقهى حسن عجمي وعلى مقاعده جلس الجواهري والسياب وعبد الرزاق عبد الواحد وغيرهم حتى وصف بأنه شبيه بـ" مقهى زقاق المدق في القاهرة”، كذلك مقهى العزاوي وغيرها كثير ولكل مقهى تراثي منها قصص وحكايات وروايات لا تحصى.

7- " المتحف الوطني العراقي " ويضم العديد من القاعات لعل من أبرزها القاعة السومرية، والبابلية، وقاعة اللقى والمنحوتات الاشورية، العاجيات، والكتابة المسمارية، والاثار الكلدانية، ومملكة الحضر، اضافة الى قاعات العصور الأولى، والعصور الاسلامية.

8- "دار الكتب والوثائق العراقية" أو دار المليون كتاب و20 مليون وثيقة التي توثق تاريخ العراق الحديث من العهد العثماني المتأخر مرورا بالعهد الملكي وصولا الى الجمهوري.

9- " ساعات بغداد" التراثية ولكل ساعة منها حكاية ومعلم ارتبطت بها تاريخيا وهي كل من " ساعة القشلة.. ساعة جامع ابي حنيفة النعمان.. ساعة جامع الشيخ عبد القادر الجيلاني...ساعتا المحطة العالمية للقطار.. ساعة الحضرة الكاظمية اضافة الى "ساعة بغداد" التي دارت حولها رواية تحمل عنوانها للروائية " شهد الراوي".987 baghdad

10- كل جداريات ونصب بغداد التي أبدعتها أنامل النحاتين والتشكيليين العراقيين الكبار وأبرزها"جدارية ساحة التحرير لجواد سليم، جدارية ساحة الطيران لفائق حسن، نصب الجندي المجهول لخالد الرحال، كذلك نصب الشهيد للنحات المعروف اسماعيل فتاح الترك، ويعود تاريخ تدشينه في رصافة بغداد إلى عام 1983وغيرها، هنا سيقول قائل ولماذا لم تذكر نصب كهرمانة والأربعين حرامي، وأجيب وبرغم شهرة وروعة هذا النصب، إلا أنني والحق أقول لكم لا أريد أن أدمغ بغداد الحبيبة ولا أن أصورها وأرسخها في الذاكرة والعقل الجمعي للسائحين فضلا على العراقيين وكما يفعل العديد منهم ولا سيما من الصحفيين على أنها عاصمة الفوضى وانعدام النظام والنظافة ليخصلوا وكما هو ديدن مؤسسة "ميرسر" الأمريكية، والتي تحرص على تصنيف بغداد في مؤشرها السنوي الذي يضم 231 مدينة، على أنها أسوأ مكان للعيش في العالم، وليس هذا بغريب إذ سبق وأن انتجت السينما العربية والامريكية أفلاما مغرضة على هذا النحو وبعناوين مشبوهة ومتشابهة نحو - لص بغداد.. حرامي بغداد - وذلك لتشويه سمعة هذه المدينة العريقة تاريخيا وتنميطها عالميا بأسوأ الأوصاف، وهي التي حكمت العالم بأسره الى أسوار الصين أيام مجدها الغابر، وما زلت أذكر وسأظل كيف كان جنود الاحتلال الامريكي البغيض يطلقون على كل لص يصادفونه أمامهم اسم - علي بابا -استلهاما من أساطير ألف ليلة وليلة التي طبل لها المستشرقون والشعوبيون والمستعربون طويلا ولأغراض دنيئة في نفوسهم".

11- شارعا الرشيد والمتنبي وقبلها ساحة القشلة وما جاورهما وما يضمانه من أروقة ومعالم تراثية وسياحية وثقافية جديرة بالتجوال والتبضع والتقاط الصور التذكارية.

12- بيت الروائية الانجليزية الشهيرة أجاثا كريستي، في جانب الكرخ من بغداد قرب جسر الجمهورية وقد أقامت فيه مع زوجها الاثاري ماكس مالوان، في فترة ما من حياتها الثرة وتأليفها إحدى رواياتها الشهيرة(They Came to Baghdad) عام 1951 لهذا السبب.

13- أسواق وخانات بغداد القديمة والعريقة نحو سوق السراي، سوق السراجين، سوق الغزل، الشواكة، سوق الشورجة، سوق الهرج، سوق الصفافير، شارع النهر، خان الزهور، خان المدلل، خان مرجان، خان جغان، خان اللاوند، خان الذهب، خان الشابندر، خان المميز، وغيرها كثير.

14 - سلمان باك وايوان كسرى والتي تضم أطلال المدائن القديمة.984 baghdad

15- زقورة عقرقوف التي بناها ملك الكيشيين كوريغالزو الأول، في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وكانت تعد بمثابة عاصمة للكيشيين.

16- بساتين الراشدية والطارمية الغناء على جانبي نهر دجلة، كذلك المدينة السياحية شمال العاصمة بغداد.

ولا يفوتنا التذكير قبل الختام بمتحف التاريخ الطبيعي في الباب المعظم ويعود تاريخ بنائه الى عام 1946، كذلك حديقة الزوراء، المسرح الوطني وعمره 100 عام، اضافة الى مؤسسة المقام العراقي ومثلها الفرقة السمفونية العراقية، ودار الازياء العراقية التي تأسست عام 1970، وساحة الاحتفالات الكبرى، وشارع أبي نؤاس، وكورنيش الاعظمية، وقبة زمرد خاتون المخروطية، والمتحف الوطني للفن الحديث الذي تأسس عام 1962، ومتحف البريد العراقي في شارع حيفا الذي أفتتح عام 1989م، كذلك متحف الزعيم عبد الكريم قاسم، في شارع الرشيد، علاوة على بقية المتاحف والأماكن التراثية والسياحية المميزة وأبواب بغداد الاثارية وأبرزها الباب الوسطاني أو باب خراسان الذي بناه الخليفة المستظهر بالله عام 488 هـ.

***

احمد الحاج

اين البصرة..؟

مشتاق، بوصلتي تزعم عدة بصرات،

منذ شهور قلبي لا يفرح الا بين النخل.

مظفر النواب

بعد ان اسس العرب الفاتحون البصرة كأول مدينة عربية خارج نطاق الجزيرة العربية والتي اخذت اسمها من طبيعة ارضها المتميزة بحجرها الابيض الرخو لاحتوائه على كمية كبيرة من الجص اصبحت بعد تحضيرها ذات شهرة اقتصادية وعالمية.

غير ان عدة مدن في ارض عربية وغير عربية سميت باسم (البصرة) تيمنا باسمها وشهرتها التي كانت مدعاة لظهور ونشوء عدة بصرات وعلى سبيل المثال ان مدينة تقع في بلاد فارس بالقرب من الاحواز تحمل اسم (بيروذ) سميت باسم البصرة الصغرى لكثرة نخيلها، كذلك مدينة (زوزن) في نيسابور سميت بالبصرة لكثرة علمائها وادبائها.

اما اشهر المدن العربية التي حملت اسم البصرة فهي مدينة البصرة المغربية التي اسسها الادارسة كعاصمة على يد ادريس الثاني والمعروف ان دولة الادارسة اسسها ادريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب بعد ان هرب على اثر هزيمته في معركة (فخ) عام 169هـ في ايام ابي جعفر المنصور العباسي.951 basra

آثار مدينة البصرة / العراق

حملت بصرة المغرب اسم البصرة لانها بنيت على نفس مميزات بصرة المشرق تقريبا والتي سبقتها بقرنين من الزمن وكانت تناظر بصرة العراق في الزراعة والتجارة. ويرى بعض المؤرخين ان عامل الحنين الى الوطن عند ادريس الثاني لعب دورا مهما في بناء هذه المدينة وتخليدا لذكرى المعركة التي قتل فيها ابراهيم بن عبد الله عم مؤسسها والتي وقعت في بصرة   العراق، وقد نتج عن تاسيس بصرة المغرب ان امتدت الحضارة العربية الاسلامية من شرق بلاد العرب الى مغربها.

وفي الجانب العمراني فقد بنيت المدينة هذه على غرار الطراز الذي بنيت به بصرة المشرق ولم يكن هذا الامر محض صدفة  وانما جاء كعامل نفسي هو تذكر الوطن الام الذي جاء منه الادارسة وهو العراق. وتقع بصرة المغرب في غرب البلاد في موقع يتميز بخصوبة التربة ووفرة المياه ونقاء الهواء وكثرة المراعي وهي نفس الخصائص التي تميزت بها بصرة العراق حين امر الخليفة عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان بالبناء قائلاً.. (هذه ارض بصرة قريبة من المشارب والمرعى والمحتطب..).

وكانت مدينة المغرب في وقتها تنافس المدن الرومانية لموقعها الاستراتيجي الهام شانها في ذلك شان بصرة العراق من حيث الموقع.

وعندما نتحدث عن معالم بصرة المغرب فان من ابرز معالمها هو جامعها الذي اطلق عليه اسم (المسجد الجامع) وهو يتكون من (7) اجنحة ويعد من اكبر مساجد المغرب العربي يومذاك ويستوعب حسب ما ذكره بعض المؤرخين العرب اكثر من 5880 مصلي مما يدل على كثرة سكان المدينة، كما ان فيها اسواق عامر ذات تنظيم جيد، والمدينة محاطة بسور دفاعي يحتوي على (10) ابواب وتتوزع شوارعها بشكل منظم حيث تبدأ من باب المسجد الى اطراف المدينة.

وفي بصرة المغرب امكانيات زراعية وصناعية جعلت منها تماثل ما كانت عليه بصرة العراق من مكانة تجارية مزدهرة وظلت محافظة على مكانتها هذه طول عهد الادارسة، وبذلك اصبحت ثروة حضارية خلقت مجتمعا متحضرا في منطقة الريف المغربي وحيث تبعد (40) كم عن ساحل الاطلسي، وقد وصف المؤرخون مجتمعها بانهم ذو اخلاق حسنة واهل كرم ويتكون تركيبها السكاني من العرب والبربر الذين كانوا يقيمون في اطرافها والعرب في مركزها.

ويصف المؤرخون نساء البصرة المغربية بانه ليس بارض المغرب اجمل منهم وعرف رجالها باكرام الضيف شانهم شان رجال بصرة العراق.

وتتميز بصرة المغرب بنشاطها الثقافي المتميز فقد ساهمت بارساء قواعد الدراسات النحوية والفقهية والفكرية والادبية في عموم بلاد المغرب العربي حيث تركت وقد حظيت بموقع الريادة في تدريس الفقه المالكي وكانت في المرتبة الثانية بعد المدينة في الحجاز.

وقد اخذت بصرة المغرب علم النحو من بصرة المشرق من خلال المناظرات التي كانت تجري بين سيبويه الكسائي أو من خلال التقاء الكثيرين من علماء بصرة المشرق والمغرب وتبادلهم العلوم والمعارف لاسيما العلوم الدينية مثل علوم القران والتفسير، ولا ننسى جهود حكام دولة الادارسة الذين كان لهم دور كبير في احتضان العلماء. وبعد كل هذا الازدهار لم يبق من هذه المدينة اليوم سوى اطلال تنتشر بالقرب منها قرى مبعثرة تملأ اراضيها نباتات صحراوية هذا ما آلت اليه بصرة المغرب اليوم.

***

غريب دوحي

 

"أمّاه لمَ اختفيتِ خلفَ سورٍ من حجار

 لا بابَ فيه أدقُّ ولا نوافذَ في الجدار؟"

بدر شاكر السيّاب

***

لا تكتفي المخرجة إيمان خضيّر بالفيلم الوثائقي الذي يعتمد على الوثيقة ويعوّل عليها وإنما تذهب أبعدَ من ذلك في بعض الأفلام فتلامس مشاعر الناس الداخلية وأحاسيسهم الجيّاشة، ولا فرق لديها إن كان الشخص المتكلم صحفيًا أو مهندسًا أو أستاذًا جامعيًا أو ضابطًا عسكريًا برتبة كبيرة أو صاحب محل أو امرأة بسيطة متواضعة تفكر بمدرسة أولادها، واحتياجاتهم اليومية، وسيارة الإسعاف التي تنقل مريضها. وفيلم "ظل الكونكريت" هو من هذا النمط من الأفلام الذي يستثير الذهن والتفكير العقلاني ويراهن في الوقت ذاته على المشاعر الإنسانية المُرهفة التي تُقدّم الإنسان الأصيل بأبهى صوره حينما يتحدث بهُويته الوطنية العراقية التي يقدّمها على مختلف الهُويات الفرعية سواء أكانت قومية أو دينية أو مذهبية، ولعل أجمل ما في هذا الفيلم حينما تكون المتحدثة سيدة عراقية تخاطب الجميع بلسان فصيح لا إعوجاج فيه بأننا عراقيون جميعًا قبل أن نكون عربًا وكوردًا وتركمانًا، وبأننا مسلمون قبل أن نكون سُنّة وشيعة، وبأننا شركاء جميعًا في هذا الوطن لا تفرِّقنا الأعراق والأديان والمذاهب، وأنّ صفة العراقي هي الحاضنة الدافئة التي تضمّ العراقيين جميعًا من دون تفرقة أو تمييز.932 movie

القوت العراقية تختار أسوأ الحلول

تتمحور ثيمة فيلم "ظل الكونكريت" على الحواجز الكونكريتية أو الجدران العازلة أو "الصبّات الإسمنتية" كما يسمّيها غالبية العراقيين بنبرة لا تخلو من القرف والاشمئزاز فهي غريبة عليهم وطارئة على ذاكرتهم الاجتماعية الحميمة. فهي التي قسّمت بغداد على أسس مذهبية إثر اندلاع الحرب الأهلية الطائفية بعد تفجير ضريح الإمامين العسكريين في 22 فبراير / شباط 2006 فاختارت الحكومة العراقية آنذاك بالتنسيق مع الأمريكان أسوأ الحلول وهو تقسيم مدينة بغداد وعزل مدنها عن بعضها بعضًا على أساس طائفي مقيت لم يُرِده أتباع هذين المذهبين الكريمَين الأمر الذي أذكى الاحتراب الطائفي بدلًا من أن يُخمده.

يبرّئ الفريق الركن عبد الكريم العزي القوات العراقية من قرار وضع الحواجز الكونكريتية ويلقي باللائمة على قوات التحالف التي اتخذت قرار تقسيم بغداد على وفق مبدأين، الأول: وضع حواجز كونكريتية للمشاريع المهمة والدوائر الرئيسة، والثاني الفصل بين مناطق بغداد على أساس مذهبي.

لا بدّ من الإقرار أولًا بأنّ كتابة التعليقات الصوتية الستة Voice over كانت دقيقة ومشذّبة وتكاد تختصر ثيمة الفيلم برمته على الرغم من كثرة المتحدثين الذين جاوزوا العشرين متحدثًا من مشارب وخلفيات ثقافية واجتماعية متنوعة تجمع بين الصحفي، والضابط، والمهندس المعماري، والأستاذ الجامعي، وعالم النفس، والباحثة في علم الاجتماع، والفنان التشكيلي، والمقاول، وصاحب المحل، وربة البيت. وقد عزّز بعضهم الفيلم بالمعلومات مثل الكاتب والمحلل السياسي سرمد الطائي، والمقاول صباح الشمّري اللذين تحدثا بلغة الأرقام وهي ضرورية جدًا في الفيلم الوثائقي الاستقصائي. ورغم أنّ غالبية العراقيين يتمنون رفع هذه الحواجز الكونكريتية إلّا أنّ بعض الناس كانوا يريدون الإبقاء عليها لأنها كانت توفر لهم الحماية من الاغتيالات وعمليات التفجير التي تضاعفت في فترة الاحتراب الطائفي.933 movie

لم يحظَ المشاركون في الفيلم بأوقات متساوية في الحديث، فهناك من أطلّ علينا ثماني مرّات مثل الصحفي سرمد الطائي، وسبع مرات مثل الباحثة في علم الاجتماع د. أسماء جميل رشيد، وهناك من أطلّ مرة مثل الصحفي يوسف الحسيني أو غيره من الشخصيات الثانوية التي أدْلَت بفكرتها وتوارت عن الأنظار.

ورغم أنّ التعليق الصوتي الأول قد تأخر كثيرًا قبل أن يتناهى إلى سمعنا بحدود الدقيقة العشرين من الفيلم الذي تبلغ مدته 45 دقيقة إلّا أنه سوف يساعدنا كثيرًا في تقسيم الفيلم إلى ستة أقسام رئيسة تبدأ باختفاء الأشجار والبيوت والشوارع خلف الحواجز الكونكريتية، ثم تأتي مرحلة الرسم على هذه الجدران العازلة في محاولة لتجميلها وتزيينها، أو اتخاذها مأوىً ومَسكنًا قد يفتقدهُ الفقراء والمُعدمون ويحنّون إليه ذات يوم على الرغم من مأساوية المشهد وغرائبيته. أو يُحصِّنون أنفسهم بالعزلة القسرية في القسم الرابع من الفيلم ويستعيدون لقاءاتهم الأليفة سواء في مقاهي الحي الجديدة أو محلاته ودكاكينه القديمة التي فقدت زبائنها. وبما أنّ هذه الجدران العازلة مؤقتة ولا يمكن أن تدوم إلى الأبد فلا بدّ أن تُرفع ذات يوم وسط أهازيج العراقيين وهتافاتهم وأفراحهم بفشل تكريس العزلة والقطيعة واختفاء الجدران الكونكريتية إلى الأبد. أمّا المرحلة السادسة والأخيرة فتنطوي على سؤال مهم مفاده: أين سنذهب بهذه الكميات الكبيرة من "الصبّات" أو الكتل الكونكريتية الضخمة التي جثمت على صدور العراقيين لسنوات طوالا وحرمتهم من متعة الاستمتاع البصري بالمشاهد الجميلة والمناظر الخلّابة لعاصمة الرشيد، منارة العلم، وقِبلة المتعلِّمين والمتنوِّرين؟934 movie

حيرة الأمريكان وفشلهم في تعريف العنف

لم يكن سرمد الطائي مجرد كاتب صحفي وإنما هو محلل سياسي يتمترس وراء رؤية فكرية واضحة وقدرة على التحليل المنطقي المدروس ولهذا منحتهُ المخرجة مساحة أوسع من الآخرين. فبعد احتلال قوات التحالف لبغداد عام 2003 بلغت الحيرة الأمريكية ذروتها وسقطت في مأزق تعريف العنف الذي تجري وقائعه ببغداد حتى أنّ أمريكا كانت تسأل نفسها: إن كانت تواجه تمردًا أم انتفاضة أم ثورة عراقية ضد الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وأنّ بغداد هي ساحة المعركة الأساسية؟ فعمدت إلى تقسيم أحياء بغداد على طريقة تقسيم الكعكة لكي تتمكن من السيطرة على حركة الناس والجماعات المسلحة التي تخوض معارك طائفية بين المكونَين الرئيسين ببغداد. وثمة سؤال آخر مفاده: هل أن تقسيم العاصمة يعني أنّ الحرب لم تضع أوزارها بعد؟ وأنّ أمراء الحروب الذين يتواجدون في سدة السلطة لم يقرروا نهاية لهذه الحرب التي بدت طويلة وطاحنة لأعصاب العراقيين؟ غالبية المسؤولين العراقيين، وربما كلهم، لا يمتلكون الإجابة على هذا السؤال، فطارق الهاشمي الذي كان نائبًا لرئيس الجمهورية يُخبر سرمد الطائي في حوار صحفي بأن عمر الحواجر الكونكريتية ثماني سنوات ويتمنّى أن تُرفع بعد ثماني سنوات قادمة. كانت الأحزاب السياسية، من وجهة نظر سرمد الطائي، هي الأقدر على الوصول إلى الأمريكان وإبرام الصفقات الكبيرة التي تسفر عن أرباح فلكية لا عهد للعراقيين بها من قبل حيث صرّح السفير الأمريكي في العراق في لقاء حضره الطائي بأنّ أمريكا لم تنفق أموالًا طائلة على بلد كما أنفقت على ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وعلى العراق بعد غزوه عام 2003 حيث بدّدت أمريكا 60 مليار دولار أمريكي كان ممكنًا أن نبني بها 60 محطة كهربائية تنتج كل واحدة منها 1000 ميغا واط تسد أربعة أضعاف ما يحتاج إليه العراق من طاقة كهربائية على حدّ المعلومة الدقيقة التي أوردها الطائي. السؤال الذي أثارته المخرجة إيمان خضيّر في التعليق الأخير عمّا سنفعله بهذه الحواجز الكونكريتية يجيب الطائي عليه: "ليفعلوا بها أي شيء شرط ألّا يدَعونا نتذكّرها أو نلمحها" لأنها تثير شجون العراقيين جميعًا ما عدا المنتفعين من الاحتلال والمُصطفين معه. وتمنّى الطائي مثل زملائه المشاركين في الفيلم أن يرى هذه الحواجز الكونكريتية وهي تتحول بطريقة هادفة إلى نُصب فني لكي لا ننسى ثمن الاحتراب الأهلي".935 movie

يعتقد الصحفي عدنان حسين، نائب رئيس تحرير صحيفة "المدى" في حينه بأنّ حمّام الدم والإرهاب لم يتوقف على الرغم من وجود الحواجز الكونكريتية التي يُقدّر عددها بالملايين ولا يجد مبررًا أو مسوِّغًا قويًا لوجودها. وذات مرة بحث عن مقهى البرازيلية مدفوعًا برغبة رؤية كبار المثقفين والأدباء مثل جبرا ابراهيم جبرا لكنه لم يستدل إليها لأن الحواجز العازلة غيّرت معالم المدينة بشكل عجيب. يلوم عدنان حسين النخبة السياسية التي أوصلت البلد نتيجة صراعها على السلطة والمال والنفوذ إلى الحرب الطائفية ولم تستطع أن تقدّم أي إنجاز يُذكر فلم تكافح البطالة وتردّي الخدمات والفساد الإداري والمالي. ويرى بأنّ هذه الكتل الكونكريتية حتى وإن رُفعت من أماكنها فإنها لن تُرفع من أرواحهم ونفوسهم ومشاعرهم. أمّا الصحفي يوسف الحسيني فيختصر مخاوفه من هذه الحواجز الكونكريتية بالقول البليغ: "أخشى أن يأتي يوم نحتاج فيه إلى دليل أو خارطة سياحية كي نميّز بين الطرق السالكة والمُغلقة".

يُدلي خمسة أكاديميين بآرائهم في هذا الفيلم سنتوقف عند ثلاثة منهم بينهم باحثة في علم الاجتماع وهي د. أسماء جميل رشيد بأنّ المنطقة التي تسكن فيها تعجُّ بالاغتيالات رغم وجود الجدران العازلة وهي تنفي أن تكون هذه الجدران قد حدّدت أو قيّدت أو كانت سببًا في تحسّن الأوضاع الأمنية. وأنّ الأماكن التي قضت فيها نصف حياتها مثل الوزيرية وباب المعظم وشارع المتنبي قد أصبحت الآن أماكن بعيدة جدًا وغير قادرة للوصول إليها، وأنّ بغداد قد أُختزلت في داخلها وصارت تقتصر على هذا السور الذي يحيط بها فحدثت غربة بينها وبين المناطق الأخرى في المدينة التي أضعفت انتمائها بالتدريج. وبدأت تشعر بأنها لا تنتمي إلى هذا المكان المسوّر، كما أنّ بغداد أصبحت بعيدة عنها ولا تنتمي إليها.936 movie

السجن داخل الأدوار التقليدية

تشعر الدكتورة أسماء بأنّ هذا المكان المسوّر قد سجنها مكانيًا لكن الأخطر من ذلك أنه سجنها داخل أدوارها التقليدية كأن تُعدّ الطعام، وتنظّف البيت وما إلى ذلك، فهي لا تنمو ولا تتطوّر ولا تكتسب أشياء جديدة. تعتقد أسماء أنّ هذه الحواجز الكونكريتية قد أضعفت التواصل الاجتماعي بين مناطق بغداد وأحيائها السكنية. وهي لا تعرف ما الذي يمكن أن نفعله بهذه الكتل الكونكريتية الشوهاء سوى أن نخفيها حتى نطوي صفحة مؤلمة من حياتنا وذاكرتنا. أمّا حلمها الوحيد فيتمثّل بقدرتها على التنقّل بسهولة والتخلّص من هذه الجدران الكونكريتية إلى الأبد.

أمّا الدكتور موفق جواد الطائي وهو مهندس معماري يدرّس في جامعة النهرين فقد تناول أكثر من منطقة ببغداد، فالسيدية التي تُعتبر قُرّة عين الإسكان في العراق بوصفها منطقة سكنية كبيرة ترسّخت فيها روح الجيرة وتكوّنت فيها طبقة اجتماعية معينة سوف تهتزّ بعد التقطيع وتٌفضي إلى هُوية مشوّهة بعد أن تقطّعت العلاقة التاريخية والزمنية في آنٍ معًا. كما يورد مثالًا آخر على تقطيع مجمّعات البيّاع، فحينما فصلوا بين السوق والشارع والحديقة تشوّه المجمّع برمته لأن الحديقة أصبحت مع الكراجات وليس مع البيوت. فعندما تقطع أي جزء كان سالكًا في يوم من الأيام سوف ينتهي إلى ما يسمّى بـ "الطريق المسدودة" التي سوف تكون مكانًا لتجميع القاذورات وبؤرة للجريمة والفساد. وساق مثالًا على منطقة "الميدان" أو "الأحمدي" التي أراد الإنكليز أن يغيّروا طبيعتها الدينية فأغلقوا العديد من المنافذ السالكة فتحولت إلى بؤرة للجريمة والفساد. وإجابة على سؤال ماذا نفعل بهذه الكتل الكونكريتية الضخمة دعا الدكتور موفق جميع المعماريين لكي يقدّموا حلولًا لهذه الكتل ويصنعون منها صرعة قد لا تخطر على بال الكثيرين.

يرى الدكتور عبدالجبار محمود فتّاح وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة بغداد أنّ يافطة الإرهاب الأمريكية التي عُلّقت في أعناق العالم جعلتنا معرّضين لأن نكون إرهابيين وبالتالي يُفترض أن نقف أمام هذه الصبات الكونكريتية بانحناء لأنهم جعلوا منها مقدسًا أمام المولوخ، إله الإرهاب المزعوم. فالناس تُتهم بالإرهاب في ظل غياب أي تعريف موضوعي وقانوني واضح للإرهاب. يتساءل الدكتور عبدالجبار باستغراب: أليس مفارقة في عصر الحكمة أن يُطرح هذا التدمير الخلّاق الذي سيفتح شهية المستثمرين ويستوعب رؤوس الأموال في القطاع المُبيد للعنصر البشري؟ أمّا الأرقام الرسمية للحواجز الكونكريتية فتعرفها القوات الأمريكية التي دخلت إلى العراق واجتاحته في عام 2003. ويعتقد بأنّ هذه الصبّات الكونكريتية يمكن أن تُستعمل على شكل نظام الدومينو لتثبيت التربة.937 movie

اشترك أربعة فنانين تشكيليين في هذا الفيلم سنتوقف عن اثنين منهم وهما قاسم سبتي وأحمد نصيف اشتركا بكرنفال تزيين الجدران الكونكريتية بالرسومات والألوان. وتبيّن أنّ هناك عشرات الفنانين التشكيليين الآخرين الذين اشتركوا في هذه المغامرة رغم صعوبة الأوضاع الأمنية ليزيّنوا هذه الجدران القبيحة من وجهة نظرهم مدفوعين بشغفهم للحياة وحبهم لبغداد فلا غرابة أن يتجاوزوا فكرة المجازفة أو الخشية من الموت.

الرسم على الجدران الكونكريتية تزيّين للقبح المؤقت

ربما يكون قاسم سبتي هو أكثر الفنانين التشكيليين المشاركين في هذا الفيلم صراحة وصدقًا حينما قال: "إنّ الأعمال المرسومة على هذه الجدران الكونكريتية هي ليست أعمالًا فنية بالمعنى المتعارف وإنما هي أعمال تزيّينية مؤقتة نريد أن نزرع بواسطتها نوعًا من الأمل بدلًا من أن نلعن الظلام. وقد رُسمت بالأكريلك أو البنتلايت ولو كنّا نروم تزيّين القبح إلى هذا الحد لاستعملنا موادَ ثابتة مثل الموزاييك أو السيراميك".

أمّا الفنان أحمد نصيف الذي نظّم أول معرض تشكيلي على الجدران الكونكريتية فهو يرى "أنّ الحواجز الكونكريتية التي عزلت الشوارع والأزقة والمدن قبيحة ومن غير المعقول أن نقوم بتزيّين القبيح وتجميله وإنما يجب أن يُلغى تمامًا".

يتحدث المقاول صباح الشمّري بلغة الأرقام وهي مفيدة جدًا في الفيلم الوثائقي الرصين الذي يجب أن يبتعد عن الثرثرة الكلامية حيث قال: "إنّ هذه الصبات الكونكريتية بيعت للمتعهد أول مرة بسعر 1500 دولار للصبّة الواحدة ثم هبطت الأسعار حتى بلغت 800 دولار عندما كثُرت المعامل وتضاعف المتعهدون". ويقدّر الشمري عدد الحواجز بين مليون ونصف إلى مليونيّ صبّة كونكريتية وعندما يكون سعر الصبة الواحدة بألف أو ألف وخمسمئة دولار فإن المبلغ الإجمالي يصل إلى مليار ونصف المليار دولار. وهذا يعني أنّ بإمكاننا أن نبني 70 مجمّعًا سكنيًا يضم كل مجمّع سكنًا لـ 500 أو 600 عائلة ولكم أن تتخيلوا حجم الأموال الطائلة التي صُرفت على الجدران الكونكريتية التي قسّمت جسد العاصمة بغداد وشوهّت ملامحها الجمالية الآسرة. علمًا بأن كلفة الصبّة الواحدة هي 250000 دينار عراقي أي قرابة 220 دولار أمريكي كما يذهب صاحب معمل آخر لم يرد اسمه على الشاشة.

يختم صلاح الدين مصطفى، وهو قائد عمليات الرصافة بالإجابة الحاسمة على السؤال المحوري عمّا سنفعله بهذه الحواجز الكونكريتية الضخمة ويقول بضرس قاطع: "سيتم الاستفادة منها لبناء السور حول مدينة بغداد، وأسيجة للبنايات الرئيسة، وقد يُستفاد منها أيضًا لحماية الحدود العراقية".

وفي الختام لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المخرجة إيمان خضيّر قد اعتمدت في هذا الفيلم الوثائقي الرصين على تقنية "الرؤوس المتكلمة" وتوسعت بها حتى شملت ذوي الاختصاص والناس البسطاء العاديين الذين تُعبتَر أحاديثهم وثائق شفهيّة لا تُدحض بسهولة. وكنت أتمنى على المخرجة لو أنها توصّلت من خلال بحثها إلى العدد الفعلي للصبّات الكونكريتية التي يعرفها الأمريكيون من أصحاب القرار أكثر من غيرهم لنعرف الكلفة الحقيقية لهذه الجدران الكونكريتية التي أثقلت كاهل الخزينة العراقية، وهي خزينة الشعب قبل أن تكون خزينة للساسة العراقيين الذين تحوم حولهم الشُبهات والفساد الإداري والمالي منذ أن جاء بهم الأمريكان إلى سدة الحكم وحتى الوقت الحاضر.

أنجزت المخرجة الدؤوبة والحاذقة إيمان خضيّر عشرة أفلام حتى الآن وهي على التوالي:"أنيس الصائغ .. حارس الذاكرة الفلسطينية"، "تاريخ طوابع فلسطين"، "الملك فيصل الأول"، "ظل الكونكريت"، "مقاهي بغداد الأدبية"، "عاملات الطابوق"، "صفر"، "جواد سليم وسمفونية البرونز"، "الأهوار" و "جدارية المطر".

***

عدنان حسين أحمد

يكشف فيلم "الأهوار" للمخرجة إيمان خضيّر عن قدرتها في البحث عن المعلومة الرصينة التي تعزّز قصتها السينمائية ولا تسمح لها بالتشظّي والانشطار اللذين لا يخدمان الثيمة الرئيسة التي تريد إيصالها إلى المتلقّي العضوي الذي يبحث عن زبدة الكلام وعُصارته ولا يفضّل الانغماس بالثرثرة السردية أو البصَرية التي قد تضرّ أكثر مما تنفع في بعض الأحايين.

لا تُفْرط إيمان خضيّر في استعمال التعليق الصوتي في هذا الفيلم الوثائقي القصير الذي لا تجتز مدته السبع دقائق فهو أقرب إلى أفلام الومضة أو اللحظة التنويرية التي تعتمد على الأسلوب البرقي المُقتَضب الذي لا يُراهن على الترهلات اللغوية التي تُثقل كاهل النص البصَري أو تعيق تدفقه وانسيابه في أضعف الأحوال.925 Marshes

لجأت إيمان خضيّر إلى تعليقين صوتيين فقط قالت فيهما أشياء كثيرة دالّة تفي بالغرض المطلوب. ولو تأملنا التعليق الأول القائم على معلومة موّثقة وليس كلامًا عابرًا فسنجد فيه خلاصة مُشذّبة هي أقرب إلى "عسل الكلام" تقول فيها: "على هذه المسطحات المائية يعيش عرب الأهوار منذ آلاف السنين وهم خليط من أصول متعددة سومرية وبابلية ومهاجرين من بلدان حدودية. وتبلغ مساحة الأهوار من 2 إلى 3%  من المساحة الكليّة للعراق، وعدد السكّان 63,184 ألف نسمة حسب تقرير وزارة الموارد المائية العراقية لعام 2007 لكنّ هذا العدد تقلّص لأسباب سياسية أو اقتصادية أو بيئية". وهذا التعليق المُقتضَب يُعطينا فكرة شافية ووافية عن الزمان والمكان والتعداد السكاني وأسباب انحساره وتقلّصه إلى هذا الحدّ اللافت للانتباه.923 Marshes

اختارت المخرجة وكاتبة السيناريو إيمان خضيّر خمسة متحدثين لا غير اختصروا "محنة الأهوار" من وجهة نظرهم ولعل اختيارها لاثنتين من ربّات البيوت هو الذي منح هذا الفيلم المشذّب مصداقيته الكبيرة، فنساء من هذا النوع صريحات وصادقات يقُلنَ الحقيقة من دون تزويق أو محسنّات لفظية. تقول أم عبّاس: "جواميسها ماتت، وهي مصدر رزقها الوحيد، وقد تعرضّت للمهانة لأنها تعتمد على ما تدرّه هذه الحيوانات التي نفقَ بعضها ولم يبقَ لديها سوى عشر جواميس، فهي مثل الآخرين من سكّان الأهوار ليس لديها راتب تعيل به عددًا كبيرًا من البنات فلا غرابة أن تشتري الحليب من أماكن أخرى وتصنع منه الجبن الذي تبيعه في منطقة الجبايش".924 Marshes

لا تختلف أم جاسم عن سابقتها كثيرًا فهي الأخرى ربّة بيت خسرت 28 جاموسة ولم يبق لديها سوى 30 جاموسة تكلّفها الكثير من الأموال فهي تشكو من ارتفاع أسعار العلف، فكيس "النخالة" الذي كانت تشتريه بـ 6 آلاف قد أصبح سعره الآن بـ 16 ألفًا من الدنانير، وكيس الطحين الذي كانت تشتريه بـ 15 ألفًا قد ارتفع ثمه إلى 40 ألفًا، وهي لا تفرّق بين كلفة البشر وكلفة الحيوانات الأليفة التي لا يمكنها أن تواصل الحياة من دونها خاصة بعد انحسار الطيور ونفوق الثروة السمكية لشحة المياه وانعدامها في الكثير من المضارب التي تشققت أراضيها بفعل التصحّر والجفاف.

يُطل علينا رعد حبيب الأسدي، وهو رئيس منظمة الجبايش للسياحة البيئية ويخبرنا بأنّ الأهوار قد تعرّضت إلى أكبر نكبة في تاريخها الطويل، وبحسب تقديره فإنّ المساحة الكبيرة التي جفّت من الأهوار تصل إلى أكثر من 90%، أمّا مستويات الهجرة فقد بلغت أكثر من 80% من سكّان الأهوار؛ وهما نسبتان مُخيفتان على صعيد الجفاف والهجرة السكّانية.922 Marshesتُشارك السيدة إيمان الأمين، وهي ممثلة شبكة حقّي للمدافعات- نساء ذي قار بمجموعة من الآراء القيّمة من بينها أن تغيّر المناخ وجفاف المياه سوف يسبِّب نزاعات داخلية. وحينما تفقد النساء فرص عملها وتنتقل إلى مناطق أخرى تجهلها لن تعيش الحياة الكريمة التي تتمناها وغالبًا ما تمارس أعمالًا مُمتهِنة لكرامتها، وسوف تكون ضحية للنزاعات التي تخلّف أرامل وأيتامًا نتيجة للضعف الاقتصادي واختفاء الموارد الاقتصادية التي يعتمد عليها سكّان الأهوار برمتهم.

تعود المخرجة بتعليقها الصوتي الثاني والأخير الذي تؤطِّر فيه الكارثة البيئية التي تركت تأثيرها الواضح على حياة العراقيين جميعًا حيث تقول: "تعرّضت الأهوار منذ عام 2019 لموجة من الجفاف ضربت العراق بقوة فتراجع منسوب المياه من مترين إلى أقل من 70 سنتيمترًا؛ أي نحو 25% من المساحة الكلية للأهوار. ويُعدّ العراق خامس الدول الأكثر تضررًا من التغييرات المناخية العالمية على وفق تقرير وزارة البيئة العراقية".926 Marshes

يزرع هذا الفيلم الأمل في نفوس المُشاهدين وكأنّ العُقدة التي بلغت ذروتها في التصحر والجفاف قد وجدت الحل حتى وإن كان ميتافيزيقيًا يتمثل بسقوط كميات كبيرة من الأمطار. فناجي رحيم حسن، رئيس نقابة الصيّادين في هور "الحمّار" يصرّح قائلًا: "الآن دخلت مياه للأهوار وقد عاد الناس الذين رحلوا حينما سمعوا أنّ كمية المياه في الأهوار قد ارتفعت، وأنّ هناك بصيص أمل بعودة الحياة إذا تساقط المطر وحلّت رحمة الله سبحانه وتعالى، وكأنّ المتحدث يوحي بغياب هذه الرحمة الإلهية. فسكّان الأهوار ينتظرون نموّ القصب والحشيش ويترقّبون عودة الطيور والثروة السمكية". ويضيف رئيس النقابة بأن هناك ثلاثة أقضية يعيش سكّانها على الأهوار وهي قضاء الجبايش، وكرمة بن سعيد، وسوق الشيوخ، ويعتبر الأهوار ثروة طبيعية تأتي في المرتبة الثانية بعد الثروة النفطية.

يُطل علينا رعد حبيب الأسدي ثانية ويقدّم لنا ستة مقترحات مدروسة قد تُعيد الأمور إلى نصابها الصحيح وهي كالآتي: "نصب محطات تحلية على طول المنطقة المحيطة بالأهوار، وحفر آبار لهذه المحطات لكي تكون هناك خطة بديلة لموسم الجفاف، وشمول سكّان الأهوار بالرعاية الاجتماعية في موسم الجفاف في الأقل، وتوفير فرص عمل بديلة، ودعم الثروة الحيوانية".927 Marshes

ينتهي الفيلم نهاية مدروسة ومعبّرة جدًا حيث نرى طفلًا يحمل شعارًا مكتوبًا يقول: " الأهوار - شريان العراق". وهذا يعني، من بين ما يعنيه، أنّ العراق ممكن أن يتعرّض إلى سكتة قلبية ما لم ينفتح هذا الشريان بقسطرة أو عملية جراحية كبيرة لا تخلو من مخاطر جدّية إن ظلّ هذا الشريان ضيّقًا أو مُغلقًا على الدوام.

لا يختلف هذا الفيلم رغم قِصره عن فيلم "عاملات الطابوق" للمخرجة نفسها الذي بلغت مدته 44 دقيقة فكلاهما يحذّر من المخاطر الجمّة للبيئة والمناخ والتلوث، والأهم من ذلك هو امتهان كرامة الإنسان، وخاصة المرأة والطفل اللذين يحظيان باهتمام المخرجة الذكية والدؤوبة التي تضع أصبعها على الجُرح دائمًا حيث تنتهك المحرّم، وتخرق المسكوت عنه، وتتحدث بجرأة كبيرة قد لا نجدها عند كثير من المخرجين العراقيين.

أنجزت المخرجة إيمان خضيّر تسعة أفلام حتى الآن وهي على التوالي: "أنيس الصائغ.. حارس الذاكرة الفلسطينية"، "تاريخ طوابع فلسطين"، "الملك فيصل الأول"، "ظل الكونكريت"، "مقاهي بغداد الأدبية"، "عاملات الطابوق"، "صفر"، "جدارية المطر" و "الأهوار".

***

عدنان حسين أحمد

ظل الاحتفال برأس السنة الفلاحية أو التقويم الأمازيغي في المغرب شعبيا متغلغلا في عادات المغاربة ويشكل جزءا من تقاليد الشعب المغربي، بعيدا عن الاهتمام الرسمي، فمنذ القديم وأمازيغ المغرب كباقي أمازيغ شمال إفريقيا وأمازيغ الشتات في باقي العالم يخلدون كل 14 يناير بطريقتهم الخاصة ويحتفلون برأس السنة الأمازيغية دون أن تتعطل الحياة العامة للدولة ودون أي احتفال من الجانب الرسمي بالتقويم الأمازيغي الذي يعد من أقدم ما عرفته الإنسانية من تقويم... ولأول مرة يخلد المغاربة شعبا وحكومة يوم الثلاثاء 14 يناير 2024 عيدا رسميا مؤداة عنه الأجور، في إطار العمل على تنفيذ التعليمات الملكية السامية بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية في المغرب مؤدى عنها. وتفعيلا لبنود الستور المغربي الذي يعتبر الأمازيغية من أهم مكونات الهوية المغربية.901 Amazigh New Year

 وإذا كان التقويم الإسلامي أو المسيحي والعبري مرتبطينَ بأحداث دينية لها علاقة بالرسل والأنبياء فإن التقويم الأمازيغي – وإن اختلفت في شأنه الآراء- ويربطه البعض باعتلاء الزعيم الأمازيغي شيشرون (أو شيشانغ) للعرش الفرعوني عقب الانتصار على الملك رمسيس الثالث من أسرة الفراعنة سنة 950 قبل الميلاد، وهو الملك التي تريد كل دولة من دول شمال إفريقيا نسبته لبلدها وإن عاش في عصر لم تكن فيه تلك البلدان الممتدة من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي تعرف التقسيمات السياسية الحالية... ومهما اختلفت تأويلات أحداث هذا التقويم فإن رأس السنة الأمازيغية يكاد يتشابه مع رأس السنة الميلادية في ارتباطهما بشهر يناير وإن كان الأمازيغ ربطوه والبرد والشتاء أكثر من المسيحيين، فإذا كان المسيحيون يتبادلون حكايا بابا نويل في عربته يوزع الهدايا في موسم الثلوج... فإن الأمازيغ يربطون المناسبة بتلك الحكاية المشهورة والأسطورة الأمازيغية: حكاية تلك العجوز التي استهانت بقوى الطبيعة وتظاهرت بقوتها وصبرها وتحديها لقوة برد "الناير"  فأعلنت  فرحها زمهرير هذا الشهر البارد، مما أغضب الناير وجعله يقترض يوما من فبراير لينتقم من هذه العجوز، فظل فبراير ب28 يوما منقوصا دون غيره من الشهور، وظل الأمازيغ يحتاطون من انتقام هذا الشهر فيفضلون عدم الخروج للرعي، ولا الصعود للجبال مخافة أن تباغتهم عواصف ورعود يناير...902 Amazigh New Year ارتبط رأس السنة الأمازيغية عند الأمازيغ بالأرض والخصوبة  ومن تجليات ذلك  إعداد مأكولات  خاصة فيجعلون العشاء كسكسا بسبع خضر:  وسبع خضر دليل على الاحتفال بخيرات الأرض وثرواتها، وفي بعض مناطق الأطلس كان الأمازيغ يعلقون حبات الرمان خلال فصل الصيف في سقوف  البيوت ويتركونها تيبس ولا يتناولونها إلا بمناسبة رأس السنة الأمازيغية... وأغلبهم يجعل الفطور بركوكس أو بركوكش وهو طحين تفتله النساء بأيديهن في شكل حبيبات صغيرة، وبعد أن يطبخ  يسقى بالعسل أو الزيت ( زيت الزيتون أو زيت أركان وهي من هدايا الأرض)  وإن اختلف الأسماء التي تطلق على المأكولات فكلها مرتبطة بخيرات الأرض... وتبقى العصيدة أو (تاكلا) من أشهر الأكلات في هذه المناسبة وهي أكلة تعد وتؤكل في هالة من الطقوس وقد تحدد شخصية السنة أو صاحب الحظ السعيد إذا يتم في بعض المناطق إخفاء حبة تمر في العصيدة ويعتبر محظوظا من  تناول تلك الحبة.

يطلق الأمازيغ على هذه المناسبة تسميات منها (الناير) وهي تحوير لكلمة يناير المركبة من كلمتين (يان) ويعني أول، وكلمة ( أيور ) وتعني الشهر  وبالتالي فكلمة (ينير) تعني الشهر الأول .. وفي مناطق أخرى يطلقون على المناسبة (تاكورت أوسكاس ) وتعني رأس السنة ، ويطلق عامة المغاربة  عربا وأمازيغ على المناسبة رأس السنة الفلاحية... وهي سنة تتأخر عن السنة الشمسة في التقويم المسيحي ب 13 يوما لذلك يتحدث المغاربة عن الشهر الفرنساوي والشهر الفلاحي الذي يبدئ دائما يوم 13 من كل شهر903 Amazigh New Year

ونظرا لقدسية المناسبة ينهى فيها عن النظافة اعتقادا بأن البركات تنزل في هذا اليوم لذلك ينهى على الكنس والغسل والنظافة اعتقادا بأن مثل هذه الأشغال تذهب البركات ... وإلى عهد قريب كانت مناسبة (الناير) مناسبة لتجديد أحجار الكانون إذ كان الكانون الأمازيغي مكون من ثلاث أحجار (مْناصب) توضع عليها القدور والطناجر للطبخ وتحتفظ المرأة الأمازيغية بهذه (لْمْناصب) طيلة السنة ويتم تجديدها يوم 13 يناير لكن  هذه العادة  بدأت تختفي من الوجود وربما أصبحت في خبر كان بعد غزت المطابخ الغازية والكهربائية معظم البيوت .الرغم من حرص الدول على الاحتفال براس السنة الهجرية ورأس السنة الميلادية فتجعل  أول يناير (رأس السنة الميلادية) وفاتح محرم (رأس السنتين الهجرية / الإسلامية) عطلة رسمية، فتتعطل الإدارات والمدارس ، فإن المملكة المغربية تخلد رأس السنة الفلاحية هذه السنة بطابع رسمي  بعد أن جعلت يوم 14 يناير عطلة رسمية لأول مرة  لتعيد  الشرعية لأقدم تقويم  في المنطقة ، وبعدما كان الاحتفال بالمناسبة مقتصر على الأوساط الشعبية ،  فالناير أو تاكورت أوسكاس  متجدر في الشعب يشكل مناسبة أمازيغية  أصيلة غنية بعاداتها وتقاليدها وتعبير  صريح عن الارتباط بالأرض، يعتبره المغاربة جزءا من الهوية الحضارية والثقافية منذ آلاف السنين و المفروض أن تُعطاه أهمية تتناسب ومكانته في النفوس، خاصة  وأن الدولتين الكبيرتين في المنطقة (المغرب والجزائر) تعتبران الأمازيغية لغة رسمية والثقافة الأمازيغية جزءا من الهوية الثقافية والحضارية للبلدين.903 Amazigh New Year

وقد خلف الاحتفال الرسمي بهذه المناسبة  ارتياحا داخل الأوساط الشعبية  لما يحويه من قيم التضامن، والارتباط بالأرض، وتكريس لغنى الثقافة وإعادة الاعتبار لقيم صمدت 2975 سنة ، وقد ساهم دخول تاريخ  14 يناير رزنامة العطل السنوية في توحيد الشعوب وإعادة الاعتبار للمشترك الثقافي بجعل  رأس السنة الأمازيغية  أو رأس السنة الفلاحية  مناسبة وطنية، قومية، مساوية للرأس السنتين الهجرية والميلادية تعبيرا عن غنى وتنوع وتعدد مكونات الهوية الحضارية للمغرب، وهو الذي ينص دستوره على أن  (المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية - الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. ) ويعتبر الدستور المغربي الأمازيغية (رصيدا مشتركا لجميع المغاربة) لذلك فإن ترسيم الاحتفال برأس السنة الأمازيغية وتعطيل الحياة العامة واعتبار اليوم عيدا وعطلة رسمية مؤدى عنها لا ينبغي النظر إليه إلا انتصارا للهوية وللدستور

***

ذ. الكبير الداديسي - المغرب

للأطفال القُصَّر وللنساء الأرامل والمُطلّقات872 movie

تنهمك المخرجة إيمان خضيّر في فيلمها الوثائقي الجديد "عاملات الطابوق" بالعمل على ثنائية الحقيقة والمجاز، فقد تكون الحقيقة صادمة ولكنّ المجاز قد يكون مروّعًا لأنّ وراءَ الأكمة ما وراءها، فثمة شيء أعظم بكثير من ثيمة الفيلم التي تناولت موضوعات عمل المرأة والأطفال في مهن شاقة وقاسية وغير إنسانية، ليس في هذه الحقبة بالذات، وإنما في حقب تمتد منذ أربعينات القرن الماضي وحتى الآن. فكل الأنظمة كانت مقصّرة وأعطت الأذن الصمّاء لما تعانيه المرأة والطفل العراقي على مدى ثمانية عقود أو يزيد من الزمن البليد الذي لم ينتبه إلى إنسانية الإنسان العراقي ولم يتوجع لأحزانه ومتاعبه التي لا تُعدّ ولا تُحصى.

لا بدّ من إحاطة القارئ الكريم علمًا بأنّ المخرجة الدؤوبة إيمان خضيّر قد لجأت إلى التحايل على غالبية أصحاب معامل الطابوق الذبن لم يسمحوا لها ولفريق عملها بالدخول إلى هذا "الجحيم الأرضي" فلاغرابة أن تحصل على موافقة مزيّفة من قِبل أحد الأساتذة والأكاديميين لإجراء بحث علمي عن صناعة الطابوق في تلك المضارب لتخرق المسكوت عنه، وتفضح المُخبأ الذي تستّر عليه أصحاب المعامل الذين تواطأت معهم السلطة أو غضّت عنهم الطرف منذ بداية إنشاء هذه المعامل وحتى يوم الناس هذا، مع أنّ قانون العمل العراقي لا يسمح بتشغيل النساء والأطفال في الأعمال الشاقة والضارة بالصحة.869 movie

اعتمدت المخرجة وكاتبة السيناريو إيمان خضيّر على تقنية "الرؤوس المتكلمة" التي بلغت قرابة 20 شخصًا يغطون جميع مفاصل العمل بدءًا من العاملات والأطفال، مرورًا بمراقبيّ العمل، وسائقي العربات والجرّافات، وانتهاءً بأصحاب المعامل الذين يخرقون القوانين التي اجترحتها الدولة على مدى ثمانية عقود ونصف العقد من دون أن يهتز لهم جنب أو ترتعد لهم فريصة. كما اعتمدت المخرجة على تقنية التعليق الصوتي Voice over لأربع مرات غطّت فيها الجوانب الأساسية لثيمات الفيلم الرئيسة والثانوية وختمتها بتعليق مكتوب وضعت فيه اللمسات الأخيرة على هذا الفيلم الاستقصائي الشجاع والمُثير للمشاعر الإنسانية وكأنّ الدولة برمتها تعيش في وادٍ وهؤلاء الفقراء يعيشون في وادٍ آخر تمامًا ولا صلة أو تواصل بين الاثنين على الإطلاق.

يتمحور التعليق الأول حول منطقة "النهروان" التي تضم 250 - 300 معمل طابوق. وبما أنّ درجة الحرارة عالية جدًا في النهار وقد تصل إلى 60 درجة مئوية في شهريّ تموز وآب فقد خرجت إيمان خضيّر وطاقم عملها ليلًا الأمر الذي يتيح لها إمكانية التصوير المقبول الذي لا يتأثر بدرجات الحرارة العالية جدًا. تعرّفت الراوية على عوائل قادمة من الجنوب غادرت مُدنها بسبب شحّة الماء وجفاف الأراضي الزراعية، أو بسبب مشاكل الحروب المتعاقبة التي دفعت المرأة ثمنها بعد أن فقدت مُعيلها كالأب أو الزوج أو الأخ أو الابن بحيث وصل معدل الفقر إلى نسبة 30 % أو أكثر بقليل. ثم تشدّ المخرجة رحالها وتتهيأ لدخول ما أسمتهُ بـ "السلّخانة البشرية" و"السَلَخانة" تعني "مكان ذبح الماشية وسلخ جلودها" ومعامل الطابوق تذبح النساء والأطفال وحتى الرجال على قلّة وجودهم وتسلخ جلودهم في رابعة النهار. إذًا، هناك مشكلات إضافية مُستعصية منها شحة المياة، والهجرة من القرى إلى المدن، والبحث عن فرص عمل جديدة لتأمين هاجس الطعام لا غير حتى وإن تطلّب العمل في بيئة ملوّثة وظروف صحية غير ملائمة كما هو الحال في معامل طابوق النهروان.

خرائب متهالكة في بيئة ملوثة

تصف المخرجة في تعليقها الصوتي الثاني بأنّ "هذه الهياكل التي يسمّونها مساكنَ هي في الحقيقة زرائب مهلهلة لا تقي من حرٍ ولا تحمي من برد، بعضها لا تتجاوز مساحته 2 × 2م من دون أسرّة ومن دون فراش صالح للنوم. إنها سجون مفتوحة إلّا من خرق بالية تغطي أبوابها". قد تكون "زريبة" كلمة قاسية جدًا وهي تعني من بين ما تعنيه "حظيرة الماشية" ولعلها تعني الأكواخ أو الخرائب التي تفتقر إلى السقوف النظامية والأبواب التي يُستعاض عنها بالبطانيات أو أي مادة قماشية عازلة لا تردع اللصوص والمتطفلين ولا تحمي منْ بداخلها من نساء قاصرات وأطفال عُزّل لا حول لهم ولا قوّة.

تركِّز المخرجة في تعليقها الصوتي الثالث على "المجتمع العراقي وتصفه بالذكوري الذي يرفض أن تعمل المرأة بالمهن الشاقة ولكن الحاجة هي التي غيّرت الكثير من المفاهيم بعد الحروب المتواصلة ولأنّ عملها ما يزال غير مقبول من قِبل البعض فإنّ الراوية لم تجد عبر جولاتها داخل هذه المعامل عاملات من سكنة بغداد أو ضواحيها وأنّ أكثرهنّ قادمات من المناطق الجنوبية أو الوسطى من العراق. ولأنّ المرأة الريفية غير متعلّمة فلم تجد أمامها غير الأعمال الشاقة والوضيعة". وأظنّ أن كلمة "الوضيعة" غير موّفقة هنا وقد جاءت في غير محلها لأنها تعني "الدنيئة" و"الخسيسة" وما إلى ذلك مع أنّ هذا العمل الشاق شريف على الرغم من صعوبته وقساوته وفظاظته اللا إنسانية ولكنه ينطبق عليه توصيف "كدّ اليمين وعَرَق الجبين" لولا الذئاب البشرية من لصوص وفاسدين وأصحاب معامل جشعين إلى حدّ اللعنة.

تختم المخرجة تعليقها الصوتي الرابع  بالقول:"خلال فترة التصوير كنتُ أراقب أجساد النساء وكانت تتحرك من دون أرواح، ومن دون ملامح بعد أن أخفينا وجهوهنّ بنُقُب وتحزّمنَ بعباءاتهن عند خصورهنّ، ولبسنَ أحذية بلاستيكية بالية ليتمكنّ من رفع أكبر عدد ممكن من قطع الطابوق. إنه اليأس الذي يخيّم على البشر والمكان، إنه هولوكوست القرن الحادي والعشرين". وفي خاتمة المطاف تضع الراوية الكرة في ملعب أصحاب المعامل بواسطة تعليق مكتوب هذه المرة تقول فيه بالدليل الدامغ: "رفض غالبية أصحاب المعامل تصوير النساء خوفًا من كشف ظروفهنّ للرأي العام حيث يعملن في الصيف اللاهب بدرجة حرارة تتراوح بين 55-60 درجة مئوية في شهريّ تموز وآب اللذين يشكّلان ذروة عملهن، تكلفة باهضة لكسب لُقمة العيش، تحت رحمة الدخان الأسود وأصحاب المعامل".

لا تختلف ظروف النساء ومعاناتهنّ في معامل الطابوق فهي واحدة وإن اختلفت التفاصيل ويمكن تلمّس هذه المخاوف والهواجس لدى جميع العاملات فكلّهن يخشينَ على أنفسهنّ وأطفالهنّ في هذه المتاهة المفتوحة على المخاطر الجديّة التي تتجاوز السرقة والاعتداءات الجنسية إلى الأمراض الفتّاكة الناجمة عن العمل في بيئة ملوثة وظروف صحية سيئة إلى أبعد الحدود. أم سجّاد التي لا تقطع الشك باليقين لا بعمرها ولا بعدد سنوات زواجها فإنها تعتقد أنّ عمرها 27 تقريبًا وأنّ زواجها يمتد إلى حدود الـ 12 سنة. وهي تقوم بكل الأعمال المنزلية إضافة إلى عملها بفرن الطابوق. تجلب أطفالها إلى العمل وتتركهم تحت شمس لاهبة وهّاجة خشية عليهم من الدهس بسيارة أو السقوط في بئر. لا تتعدى وجباتهم اليومية الطمام والبطاطا المقلية ويتناولون اللحم مرة واحدة في الأسبوع، وتقتني لهم الملابس في الأعياد ومناسبات الزواج المتباعدة. أمّا مياه الغسل والتنظيف فهي ملوثة وغير صحية. تشتغل أم سجّاد ست ساعات يوميًا من الساعة الحادية عشرة حتى الساعة الخامسة عصرًا وتتقاضى 80 ألف دينار أسبوعيًا لا تكفي لسد الرمق وتكاليف الطبيب الذي يعالج أمراضهم الكثيرة. أُصيب أحد أطفال أم سجاد الرُضّع بالربو وحساسية القصبات الهوائية مذ كان عمره 40 يومًا وظل يعاني من هذا المرض لمدة سبع سنوات حتى تماثل للشفاء وبدأ العمل في هذه البيئة الملوثة إلى جانب والدته. تعاني أم سحاد من داء الشقيقة والانفعالات العصبية التي تعزوها إلى العمل في فرن الطابوق المعروف بحراته الشديدة.870 movie

عوائل فقيرة تعمل لتأمين هاجس الطعام وأجور الطبابة

تعمل بدور جبّار مع أخواتها الأربع في معامل الطابوق منذ 15 سنة تقريبًا، وقد جئنَ من محافظة الديوانية من دون دليل وهنّ لا يمتلكن مصدر رزق آخرَ سوى هذه المهنة الشاقة التي اعتدنَ عليها. سعدية علي وركاب حسين وصبحة علي يعانينَ من الأمراض التي تكلفهنَ أموالًا كثيرة بسبب البيئة الملوثة والمياه غير الصحية؛ فواحدة تعاني من الكُلى المليئة بالحصى والرمل، والثانية تتقيأ بشكل متواصل، والثالثة تعاني من الجرب والأمراض الجلدية، والرابعة أصيبت بمرض السكري ثم التهاب الأمعاء وتلف أعصاب النظر وقد صرف والدها غانم شمخي قرابة المليونيّ دينار لمعالجتها لكن جهوده ذهبت أدراج الرياح. وبما أنّ والدها فقير ولا يمتلك إلّا ما يسدّ الرمق فقد ظلت  ابنته "جنان" بلا علاج ينقذها من أوجاع الجسد التي تناوشتها على مدى خمس سنوات. وتعتقد أن أمراضها قابلة للعلاج لو كان والدها بعض النقود فهو يعمل سائق جرّافة في المعمل ويشكو مثل الآخرين من انعدام الخدمات وعدم قدرته على إرسال أبنائه إلى المدرسة التي تبعد عن منزلة قرابة 8 كليومترات علمًا بأنّ الطريق ترابي تتخلله مخاطر الكلاب السائبة وكثرة أنهر البزل والقناطر إضافة إلى مخاوفهم من الاعتداءات الجنسية على الأطفال. ويُلقي باللائمة على شيوخ القبائل والحكومة فهم الذين يحددون مواقع المدارس ولا يأخذون في الاعتبار معاناة الأطفال وذويهم الذين يعملون في معامل الطابوق.

غالبية الأطفال من كلا الجنسين مرضى فأحمد، تمثيلًا لا حصرًا، مُصاب بالتايفوئيد واليرقان ويشعر بالتعب الشديد حينما يعمل. وأنّ الأدوية التي يتناولها لا تفعل شيئًا من وجهة نظره، فالآلام تجتاح بطنه وساقيه وأماكن مختلفة من جسده. وهذا الأمر ينسحب على أطفال آخرين يعانون من أمراض فتّاكة بسبب البيئة الملوثة، والمياه غير الصالحة للشرب، والغازات السامة التي تنبعث بكثرة من أفران المعامل.

يعزو أبو حمزة العياشي، وهو مراقب عمل، بأنّ المضايقات موجودة بالنهروان وخاصة من قِبل الشباب العُزّاب، ورغم أنه نفى وجود هذه الظاهرة السلبية في المعمل الذي يشتغل فيه لكنه أكّد على وجودها في معامل أخرى ويجد صعوبة في الحديث عنها لأنها سلوكيات غير أخلاقية. ولعل أم أحمد هي المرأة الشجاعة الوحيدة التي تجرأت في طرح الموضوع وقالت إن شخصًا دهمها في المنزل وحاول أن يغلق فمها لكنها "دفرتهُ" بقوة وطاردته مع أفراد عائلتها لكنه انهزم ولاذ بالفرار. أمّا الأطفال فقد تعرض العديد منهم للتحرش والاغتصاب ومنْ يدقق في ملامح وجوههم سيكتشف من دون عناء انكساراتهم الداخلية التي تنضاف إلى مشاق العمل اليومية، فبدلًا من أن يكونوا في المدارس والأندية الترفيهية والرياضية نراهم ينهمكون في العمل الذي لا يتحمله الرجال في ذروة شبابهم فكيف إذا كان العمّال هنا من الأطفال والفتيات الناعمات اللواتي فقدن أنوثتهنَّ بحيث أصبحت مقاعد الدراسة أو الولوج إلى المدرسة هو الحلم الوحيد الذي يراود مخيلاتهنَّ المتوهجة التي لم يطفئها ضنك العمل ومشقته الخارجة عن المألوف.

إذا كانت مَهمة المخرجة هي وضع الأصبع على الجرح وتشخيص المشكلات التي يعاني منها المجتمع العراقي فقد وفّت إيمان خضير بما عليها من تعهدات أخلاقية ووضعت الكرة في ملعب الحكومة والمسؤولين العراقيين. وكان بإمكان البرلمان أن يلتئم ويشاهد هذا الفيلم الذي تبلغ مدته 44 دقيقة ويشرّع قوانين جديدة تحمي الطفولة والنساء العراقيات من هذا الظلم الكبير الذي يلحق بهن بسبب جشع أصحاب المعامل وأن يعيد لهنّ حقوقهن المستباحة سواء في السكن المريح أو العلاج الشافي أو الأجور المجزية، كما يوفر لهنّ ولأطفالهنَّ الحماية الكاملة من الانتهاكات الأخلاقية والمادية ويعيد لهنّ الاعتبار بوصفهن نساء عراقيات جار عليهنَّ الزمن وحرمهنَّ من أبسط حقوقهنَّ الاجتماعية والمادية والأخلاقية.871 movie

مُخرجة تلامس وجدان المتلقّي وتهزّ مشاعرة العميقة

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ إيمان خضيّر هي مخرجة متمكنة من أدواتها الفنية وتستطيع أن تلامس وجدان المتلقي وتهزّ مشاعره الإنسانية العميقة، وتأخذ بتلابيبه كليًا وهو يشاهد فيلمًا من نوع "عاملات الطابوق" ويندغم فيه إلى درجة التعاطف مع كل شخصية تعرضت إلى القمع والظلم والاضطهاد ومُصادرة حقوقها الشخصية والعامة. إنّ أفلامها عمومًا توخر الضمير الإنساني وتُوقظه من سباته العميق وتقذفه في خاتمة المطاف إلى دائرة الاحتجاج بصوت عالٍ من أجل الانتصار لإنسانية الإنسان خصوصًا إذا كان هذا الإنسان طفلًا يتيمًا أو امرأة أرملة أو مُطلّقة جارَ عليها الزمان، ونسيتها الدولة، وهجرها المجتمع.

بقي أن نقول بأنّ إيمان خضيّر هي مخرجة أفلام وثائقية حاصلة على بكالوريوس في كلية الفنون الجميلة، وماجستير في قسم الإخراج،  وتحضّر للدكتوراه بجامعة محمد الخامس في المغرب. أنجزت حتى الآن سبعة أفلام وثائقية وفيلم روائي قصير وهي على التوالي: "أنيس الصائغ .. حارس الذاكرة الفلسطينية"، "تاريخ طوابع فلسطين"، "الملك فيصل الأول"، "ظل الكونكريت"، "مقاهي بغداد الأدبية"، "عاملات الطابوق"، "صفر" و"جدارية المطر". كما قدّمت في مجال السيناريو والبحث الوثائقي لقناة "الجزيرة الوثائقية" أربع مواد لأربعة أفلام وثائقية عن "عبد الكريم الخطّابي" و"أحمد الشقيري" و"محمد نجيب" و"العرب في أمريكا". وفي رصيدها الفني العديد من البرامج الإذاعية والمسلسلات التلفازية.

***

عدنان حسين أحمد

 

مهمشون في العراق ومضطهدون في إيران..

الكاكائيون لم يسلموا من سطوة تنظيم داعش الذي احتل الكثير من مناطقهم خلال الفترة بين عامي 2014 و2016

***

يعيش الكاكائيون في العراق وإيران منذ آلاف السنين، ورغم ذلك يجهل كثيرون تفاصيل معتقداتهم وطقوسهم لأنها ديانة غير تبشيرية، اضطر أتباعها إلى إخفاء تفاصيلها إثر حملات الإبادة الجماعية التي تعرضت لها عبر التاريخ.

والكاكائية أقلية دينية تعيش داخل إقليم كردستان العراق ومناطق أخرى تتوزع على محافظات نينوى وكركوك وديالى.

أبرز ما يميز الكاكائيين، هو الشوارب البارزة، التي يحرمون حلاقتها لأسباب ثقافية ودينية، فيما لا يختلف زيهم التقليدي عن الزي الكردي السائد في المنطقة، وكذلك لغتهم.839 Kakai religion

أصل الكاكائية

يعود تاريخ ظهور الديانة الكاكائية إلى ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، وفقا لرئيس منظمة "ميثرا للتنمية والثقافة اليارسانية"، رجب عاصي كاكائي.

يقول عاصي لموقع "الحرة" إن "الكاكائيين يعتبرون جبرائيل هو نبيهم، ومع ذلك لدينا مصلحون ومحدثون وآخرهم سلطان إسحاق، الذي يعتبر أيضا بمثابة النبي أو المرجع الأبرز للديانة الكاكائية".

يؤمن الكاكائيون بوجود خالق واحد، ولديهم طقوس عبادة خاصة بهم، ومنها الصوم والصلاة وضرورة أن يتحلى أتباع الديانة بـ"الطهارة والصدق والتواضع والقناعة".

أثناء صومهم، يمتنع الكاكائيون عن الطعام والشراب لثلاثة أيام خلال النهار، ومن ثم يحتفلون بعدها بالعيد ليوم واحد، ويحصل ذلك في أيام معينة خلال فصل الشتاء.

أما صلاتهم، فهي عباراة عن أدعية ومناجاة يقومون بها في الفجر والمغرب، وكذلك هم يحرمون تعدد الزوجات، إلا في حالات خاصة كالمرض المزمن الذي يتعذر معه المعاشرة الزوجية.

وللموسيقى مساحة شاسعة في الثقافة الكاكائية، وبالأخص آلة الطنبور حيـث يتم إلقاء التراتيل الدينية على أنغـام ومقامـات خاصة بهم.

وتقول ليلى طاهر شريف، وهي ناشطة كاكائية مختصة في مجال حقوق الأقليات، أن "الكاكائيين يؤمنون بوجود خالق واحد، وضرورة أن يتحلى أتباع الديانة بالطهارة والصدق والتواضع والقناعة".

وعن طقوس العبادة لدي هذه الديانة، تقول شريف إنها تتمثل المجموعة من الأدعية والمناجاة، مضيفة "لدينا اجتماعات دينية تعقد مرة واحدة شهريا، تحتم على كل كاكائي تقديم نذر خلال هذه الاجتماعات، وهذا النذر يتمثل في تقديم الفواكه أو أي نوع آخر من الطعام، ويشمل الاجتماع الدعاء والمناجاة".

ووفقا لدراسة أعدها عاصي ونشرتها شبكة تحالف الأقليات العراقية، ينظر الكاكائيون إلى مختلف الأديان والمذاهب نظرة متساوية دون تمييز، "فالأديان الإسلام والمسيحية واليهودية والزرادشتية، والبوذية والأيزيدية، لديها مكانة لدى أتباع الياراسانية، حسب الدراسة.

وتقول الدراسة ذاتها إن للمرأة "مكانة دينية واجتماعية مهمة لدى مجتمع اليارسانية ولا يوجد تمييز في الحقوق والواجبات بين الجنسين كالميراث".

ووفق شريف، فإن الديانة الكاكائية تحرم تعدد الزوجات "لأنها تعتبر الزواج رابطا إلهيا روحيا وهذا الرابط لا يلغى إلا بالموت أو في حالة الزنى لذلك تعدد الزوجات غير مسموح به حتى إذا لم تنجب الزوجة".840 Kakai religion

تسميات مختلفة

يطلق مصطلح الكاكائية على أتباع هذه الديانة الموجودين في العراق فقط، أما التسمية الرسمية للديانة فهي "اليارسانية" ومعناها "عشاق الخالق"، وهي مأخوذة من لغات قديمة كانت موجودة في الشرق الأوسط.

في إيران، يطلق على أتباع الديانة اليارسانية "أصحاب الحق"، في حين يطلق عليهم في أفغانستان وباكستان "الزكرية" وفي الهند "سربستية" وفي تركيا "هلاويين".

والكاكائية في العراق مشتقة من كلمة "كاكا" باللغة الكردية، وتعني الأخ الكبير أو العطوف.

أماكن انتشارهم

وفقا لآخر إحصائية غير رسمية لمنظمة ميثرا، يبلغ عدد أتباع الديانة الكاكائية في العراق أكثر من 120 ألف نسمة، يتوزعون على مناطق سهل نينوى والسليمانية وأربيل وحلبجة وخانقين وكركوك وديالى ومدن أخرى تقع ضمن هذا النطاق.

وفي إيران تشير إحصاءات غير رسمية أيضا إلى أن عددهم يترواح بين مليونين وأربعة ملايين شخص، ينتشرون ضمن مناطق قزوين وأذربيجان وزنجان وشيراز زطهران وكرمنشاه وهمدان ومدن أخرى.

أما شريف، فتقول إنه رغم عدم وجود إحصائيات دقيقة وحديثة عن أعداد الكاكائيين في العراق، فإنه، وبحسب إحصائية أجراها الاتحاد الأوربي عام 2016 يبلغ عدد الكاكائيين في العراق نحو 200 ألف شخص.

كذلك هناك أيضا تجمعات للكاكائية في مدن درسيم وسيواس في تركيا ويقدر أعدادهم بنحو 100 ألف نسمة، وأيضا أعداد غير معروفة في الهند وباكستان وأفغانستان وجورجيا وأرمينيا.

ويقول رجب عاصي إن "أغلب الكاكائيين في العراق يعيشون في قرى صغيرة ويمتهنون الزراعة، منهم 20 ألف في سهل نينوى و3 آلاف في خانقين و4 آلاف في مناطق جنوب كركوك".

ويضيف "لا توجد مناطق مغلقة على أتباع الديانة الكاكائية، هم فقط يعيشون مع السكان المحللين من باقي القوميات والأديان".

غياب الحقوق

يقول الكاكائيون إن اتباعهم يتعرضون للتهميش والاضطهاد في العراق ومناطق أخرى، وخاصة إيران.

في العراق، لم يتم الاعتراف بهم كديانة قائمة، منذ إنشاء الدولة العراقية الحديثة في عام 1921.

ويؤكد عاصي أن "الدستور العراقي في ذلك الوقت اعتبرهم مسلمين، لأنهم كانوا يعيشون جنبا إلى جنب مع السكان الأكراد، واستمر الحال بعدها على ذات المنوال".

ويضيف "في مناطقنا وقرانا لاتوجد أية مساجد أو حسينيات أو معالم إسلامية فكيف يتم اعتبارنا مسلمين؟".

وكذلك يشير إلى أن عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم تختلف عن المسلمين.

أما في إقليم كردستان، فقد صدر قبل عدة سنوات قانون يعترف بالكاكائية كديانة، وأيضا لديهم كوتا في مجلس محافظة حلبجة.

يبين عاصي أن "هناك تحركات يقومون بها حاليا للضغط على المشرعين العراقيين من أجل إدراج الكاكائية كمكون ديني حالها حال باقي الديانات كالإسلام والمسيحية والصابئة المندائية".

وتؤكد شريف، من جانبها، أن الكاكائيين لم ينالوا حقوقهم في كردستان، وممثل الديانة في وزارة الأوقاف لا يمتلك أي صلاحيات، موضحة "عيد الكاكائيين لم يعترف به كعطلة رسمية في الإقليم كأعياد الديانات الأخرى، وليس لدينا أي مقعد في برلمان كردستان، لدينا فقط مقعد في مجلس محافظة حلبجة حسب نظام الكوتا".

وأضافت أن حرمان الكاكائيين من حقوقهم وعدم الاعتراف بهم في العراق نوع من أنواع الاضطهاد التي يتعرض لها أتباع الديانة، مشيرة إلى أن مجموعة من الناشطين يحاولون الضغط على الحكومة العراقية للاعتراف بالديانة لكن هذه المهمة تواجهها عوائق إثر وجود محاولات من قبل الأطراف والجهات الشيعية لتشيع الكاكائيين.

ويشير أتباع الديانة إلى أن هويتهم الدينية في خطر ومهددة بالزوال في العراق وحتى في مدن إقليم كردستان بدأت تتقلص، ولا يستطيع أطفال الديانة دراسة دينهم في المدارس ضمن مادة الدين.

وتطالب الناشطة الحكومة العراقية بالاعتراف الرسمي بالديانة الكاكائية، وتدعو حكومة الإقليم إلى منح أتباع الديانة كافة حقوقهم المشروعة دستوريا وقانونيا واجتماعيا ودينيا في الإقليم.

أما في إيران، فيعاني أتباع الديانة اليارسانية بشكل أكبر نتيجة قيام السلطات باضطهادهم والتقليل من شأنهم، وفي بعض الحالات مصادرة أملاكهم.

ووفقا لمنظمة ميثرا فإن الأمر لا يقتصر فقط على عدم الاعتراف بهم كديانة بل تتم مضايقتهم وإهانة معتقداتهم والاستيلاء على أماكن عباداتهم وتحويلها لمساجد وحسينيات.

وكذلك يتم في بعض الأحيان الحكم على الكاكائيين بأحكام غريبة لاتستند إلى نصوص قانونية، ومنها إجبارهم على حلق شواربهم.

الإرهاب وداعش

لم يسلم الكاكائيون من سطوة تنظيم داعش الذي احتل الكثير من مناطقهم خلال الفترة بين عامي 2014 و2016، وطردهم من قراهم وشن هجمات ضد المدنيين.

والعام الماضي، أسفر هجوم يشتبه في أنه لتنظيم داعش عن مقتل سبعة من الرجال الكاكائيين على الأقل، بالقرب من الحدود الشمالية للعراق مع إيران.

ويقول مسؤولون أكراد إن هجمات وأنشطة داعش المتزايدة في كركوك والمناطق القريبة تسببت في الأيام الأخيرة في نزوح العديد من الكاكائين من قراهم.

وفقا لرجب عاصي فقد بلغ عدد ضحايا الهجمات الإرهابية وأعمال العنف من الكاكائيين 254 شخصا منذ عام 2003 ولغاية اليوم، وشمل ذلك مدن الموصل وكركوك وبغداد وخانقين.

ويؤكد أن الكثير من الكاكائيين نزحوا من مناطقهم في جنوب كركوك وخانقين بسبب الأوضاع الأمنية والهجمات المتكررة لتنظيم داعش.

تحذر الناشطة الكاكائية من أن المراقد المقدسة للكاكائيين تتعرض للدمار وتغير هويتها، فالعديد منها حولت إلى مراقد لأديان أخرى، "وغالبيتها تعرضت للتفجير في الموصل وكركوك وخانقين ومحيت آثارها".

أما قبلة الكاكائيين الموجودة في إيران، فالنظام الإيراني يسيطر عليها وقد وضع القرآن فوق مرقد السلطان إسحاق، وفق شريف التي توضح قائلة "نحن نزور هذا المرقد ونحج إليه لكننا لا نستطيع أن نقول للسلطات الايرانية أن هذا الكتاب الموضوع في المرقد ليس كتابنا".

***

منتهى صالح السيفي

 

ترميم الذاكرة الكوردية وتجسيدها من جديد

خاض فيلم (ذكريات منقوشة على حجر) للمخرج العراقي الكوردي شوكت أمين كوركي منافسةً قوية مع ستة عشر فيلمًا روائياً طويلًا اشتركت في الدورة الثامنة لمهرجان أبو ظبي السينمائي من بينها (فحم أسود، ثلج رقيق) للصيني دياو ينان و (فرصة ثانية) للدنماركية سوزان بير و (حكايات) للإيرانية رخشان بني اعتماد وسواها من الأفلام التي تراهن على ثيماتها القوية وخطاباتها البصرية الرصينة.

يُشكِّل (ذكريات منقوشة على حجر)، الفيلم الروائي الثالث في رصيد كوركي، منعطفًا جديدًا في تجربته الفنية، بعد أن أنجز فيلميه الروائيين السابقين وهما (عبور الغبار) و (ضربة البداية) اللذين اشتركا في مهرجانات سينمائية متعددة وحاز على جوائز مهمة تؤكد على موهبته الفنية وتثبت بأن رهانه السينمائي ليس رهانًا خاسرا.

ما تزال (حملة الأنفال) التي شنّها النظام العراقي السابق على الكورد عام 1988 وراح ضحيتها نحو (182) ألف مواطن كردي تشكل معينًا لا ينضب بالنسبة لكوركي أو سواه من المخرجين العراقيين الكورد على وجه التحديد. وربما تكون مقاربته الفنية مختلفة هذه المرة. فقصة الفيلم تعتمد على صديقين حميمين يعرفان بعضهما بعضًا منذ أيام الطفولة وهما حسين (حسين حسن) و آلان (نظمي كيريك) وقد قررا أن ينجزا فيلمًا عن (الإبادة الجماعية) التي تعرّض لها الكورد في أواخر الثمانينات من القرن الماضي على الرغم من الصعوبات الكبيرة التي يواجهانها في تصوير الفيلم وإنتاجه. يعتمد كوركي على معطيات السخرية والتهكم لإيصال فكرته "من دون عويل أو دماء عبر سرد يحاكم تاريخًا قلقًا، ويدين حاضرًا مثقلًا بعادات وتقاليد تكبح الطموح والأمل(1).835 Film Still

المنحى الواقعي

ينتمي المخرج العراقي كوركي إلى التيار السينمائي الواقعي بشكل عام، وهذا لا يعني إهماله للتيارات السينمائية الأخرى التي تميل إلى التجريب والتجديد والابتكار. فالواقع الذي يعيشه المواطن الكوردي في العراق هو واقع تقليدي مأزوم لمّا تزل فيه القبيلة الكوردية تفرض منظومة من القيم المتخلفة، والأعراف التي أكل الدهر عليها وشرب ومن بينها رفض فكرة التمثيل التي تقدمت بها سنور (شيما مولائي) حتى وإن كان الدور الذي تجسّده يؤرِّخ لمحنة الأنفال التي عاني منها غالبية الشعب الكوردي إن لم نقل كله على الإطلاق.

وعلى وفق هذه الفكرة ينبني الهيكل المعماري للقصة السينمائية التقليدية في واقع الأمر. فحسين الذي نراه في المشهد الافتتاحي للفيلم واقفًا أمام الباب الخارجي مبللًا جرّاء هطول المطر هو ابن لعارض الأفلام الذي قُتل على يد أحد جنود النظام السابق بتهمة عرض أفلام ممنوعة تناوئ النظام أو تحتج عليه ضمنيًا أو علنيًا. لقد شهد الطفل حسين موت أبيه أمام ناظريه فلاغرابة أن يُصرّ على إنجاز فيلم يوثّق لمحنة الشعب الكوردي برمته معتمدًا على الذاكرتين الفردية والجماعية على حدٍ سواء.

خرق المستور

لقد أشرنا توًا إلى أن العوائل الكوردية برمتها قد تضررت من عملية الأنفال. وكل شخصية في هذا الفيلم لها أسبابها الذاتية والعامة التي حرضتها بشكل من الأشكال على تنفيذ الفيلم ومواجهة الصعوبات الجمة التي تصل إلى مستوى الضرب المبرّح، والشروع بالقتل، وإراقة الدماء.

ربما تكون العقبة الكأداء في هذا الفيلم هي الحاجة الماسة إلى فتاة تؤدي دور المرأة المُؤنفَلة. وقد قبلت سنور بهذا الدور لأسباب شخصية لم تتكشف إلّا قبل نهاية الفيلم بقليل حيث كان والدها الراحل سجينًا في القلعة التي دار فيها بعض الأحداث، وسُبي فيها الكثير من النساء الكورديات. وذات مرة شاهدنا سنور وهي تتحس اسمها المحفور على جدار إحدى غرف القلعة ولا شكّ في أن والدها هو الذي حفر اسم ابنته الوحيدة التي لم يبق لها سوى أمها وعمّها المتشدد وابنه (هيوا) الأكثر تشددًا وتزمتًا من أقرانه الذين وضعوا جانبًا من هذه الأعراف التقليدية خلف ظهورهم.DOHA, QATAR - MARCH 09:  Director Shawkat Amin Korki at a screening of 'Memories on Stone' on day four of Qumra, a new industry event by the Doha Film Institute dedicated to the development of emerging filmmakers on March 9, 2015 in Doha, Qatar .  (Photo by Ian Gavan/Getty Images for Doha Film Institute)

ربما لهذا السبب الشخصي وأسباب أخرى موضوعية قبِلت سنور بهذا الدور على الرغم من اعتراضات أسرة عمها وعلى رأسهم هيوا وأبيه؛ الشخصية النمطية التي نصادفها كثيرًا في القرى العراقية عامة والكوردية بشكل خاص. وحينما يوافق هيوا على مضض ويحضر جانبًا من تصوير المَشاهِد يرى أن الممثل روج آزاد الذي يؤدي دور البيشمركة يلمس يد سنور فيجن جنونه ويأخذ ابنة عمه، وزوجته المرتقبة ويعود إلى المنزل، لكن أطرافًا متعددة تتوسل إليه وتقنعه بأن عملية اللمس لابد لها أن تتم ذلك لأن هذا المقاتل يودع حبيبته في الدور الأمر الذي يتطلب إظهار بعض المحبة والحنوّ ومنها عملية لمس اليد التي تغيض هيوا وتدفعه للانتقام من مخرج الفيلم حسين فلقد سبق له أن اعتدى على آلان وأوسعه ضربًا.

تصل الأحداث إلى ذروتها حينما يتأزم هيوا ويطلق النار على حسين ويشلّه عن الحركة تمامًا. وبما أن الفيلم ليس شخصيًا فلابد أن يُنجز حتى ولو عن طريق مخرج بديل. لقد أراد حسين تحت وطأة الحاجة المادية أن يكلف المطرب روج آزاد بتكملة الإخراج لكن زميله " آلان" اعترض بشدة فهو يعرف أن هذا المطرب الشعبي ضحل جدًا على الرغم من جماهيريته الواسعة الأمر الذي يدفعهم لإسناد مهمة الإخراج إلى شخص آخر متمكن من أدواته الفنية خصوصًا وأنّ حسين قد قبل بالتعويض المادي الذي قدّمه والد هيوا كي لا يظل ابنه الوحيد حبيس السجون لسنوات طويلة.

استذكار المحنة

حينما وضعوا اللمسات المونتاجية الأخيرة على الفيلم القائم على استعادة الذكريات التي لم يمضِ عليها وقت طويل فهي ما تزال طرية في أذهان العراقيين على وجه التحديد وبالذات الكورد منهم قرّروا عرض الفيلم بعد دعاية موسعة جذبت الكثير من المشاهدين. وبما أن الخدمات ضعيفة فقد انطفأت الكهرباء ثم تفاقم الأمر حينما لم يشتغل المولّد الأمر الذي دفع غالبية المشاهدين لمغادرة مكان العرض. ومما زاد الطين بلّة أن السماء بدأت تمطر مطرًا غزيراً لكنه لم يمنع محبي هذا الفيلم من البقاء وعدم مغادرة المكان المفتوح. وإذا كان من الطبيعي أن يبقى الصديقين حسن وآلان وكذلك سنور وبعض الشخصيات الأخرى التي ساهمت في إنجاز هذا الفيلم فإن اللافت للانتباه أن نشاهد هيوا يتابع المحنة الكوردية المجسدة على الشاشة وربما كان يقول في سرّه أن سنور كانت ولا تزال محقة في تجسيد هذا الدور المشرّف على الرغم من نزوعه لكسر الأعراف، وخرق التقاليد البالية التي لم تعد ملائمة للإنسان الكوردي الذي ولج الألفية الثالثة وما تنطوي عليه من اعتراف بالحقوق الفردية والجماعية لكل الشعوب والتجمعات السكانية في هذا العالم. وخلاصة القول إنّ الفيلم الذي بلغت مدته 97 دقيقة:"يشير إلى واقع كوردى معقد ومأزوم وغير محصّن ضد الفساد وبعد تخلّصه من الدكتاتورية أصبح خاضعًا لتقاليد قاسية تسود فيها وجهة النظر الذكورية"(2). يميل المخرج شوكت أمين كوركي إلى تطعيم فيلمه بلمسات وثائقية تستدعيها إعادة تمثيل الأحداث وتجسيدها على أرض الواقع كما يذهب الناقد السينمائي أمير العمري الذي قال:"استخدم شوكت أمين كوركي الكاميرا المحمولة الحرة كثيرًا، مضفيًا طابعًا شبه تسجيلي على الفيلم جريًا على عادته في فيلميه السابقين، وذلك لتأكيد الطابع الواقعي للأحداث"(3).

لابد من الإشادة بسيناريو الفيلم الذي اشترك في كتابته شوكت أمين كوركي ومهمت أكتانش فقد كان مشذبًا وخاليًا من الزوائد والترهلات وإن كان التركيز على القيم الاجتماعية شديدًا. أما التصوير الذي أبدع فيه سالم صلواتي فقد خدم ثيمة الفيلم وعزز أفكاره الثانوية المؤازرة. فيما لعبت موسيقى جون غرتلر وأزغور أكغول دورًا مهمًا في تعزيز المناخ المأساوي الذي كان مهيمنًا على مساحة واسعة من الفيلم. أما المونتاج فهو الذي نظّم الإيقاع الداخلي للفيلم وأنقذه من بعض الارتباكات الشاذة والمنفرّة التي يمكن أن تحدث بين أوان وآخر.

***

عدنان حسين احمد

........................

1- عبدي، إبراهيم الحاج، السينما الكردية: رصد لمحنة المنفى وإدانة للعقلية الاجتماعية المتزمتة! صحيفة الحياة، 02 / 01 / 2015.

2 - فيلم "ذكريات منقوشة على حجر" يتناول معاناة الأكراد فى أبوظبى السينمائى، اليوم السابع، 26 أكتوبر 2014.

3- ذكريات منقوشة على الحجر" في مهرجان أبوظبي السينمائي، صحيفة العرب، لندن، 2014/11/04.

يتحمّل الكاتب والمخرج شوكت أمين كوركي الأخطاء والهَنَوَات التي ارتكبها في فيلمه الروائي الطويل الأول الذي انضوى تحت عنوان "عبور الغُبار" الذي أنجزه سنة 2006؛ أي بعد ثلاث سنوات من سقوط نظام القمع والدكتاتورية والاستبداد في العراق. وعلى الرغم من واقعية العنوان من حيث الصياغة اللغوية ونبوّه عن المعنى المجازي فالغُبار هنا هو غُبار الحرب والمعارك التي شنّتها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على العراق لإسقاط نظام صدّام حسين من سُدة الحُكم واجتثاث حزب البعث الدموي من المَشهد السياسي العراقي وتغييبه عن ساحة العمل العلني لأنّ الأفكار لا يمكن اقتلاعها واجتثاثها بالمطلق. قد تبدو ثيمة الفيلم بسيطة وسطحية فهي تقوم بالمجمل على  عثور شخصين من البيشمركة على طفل عربي عمره خمس سنوات ضائع في أثناء الحرب الأمريكية على العراق. ومما يفاقم هذه الأزمة أن الطفل اسمه "صدّام" وهذا الاسم يثير حفيظة الناس وخاصة المقاتل رشيد الذي فقد ساقه اليسرى بسبب المعارك التي شنّها صدام حسين على الشعب الكوردي وعلى رأسها الأنفال. أمّا البيشمركة الآخر آزاد الذي فقَد هو الآخر شقيقه الذي يصغره بسبعة أعوام فيتعاطف معه ويحاول إيصاله إلى عائلته وذويه لأنه طفل بريء ولا علاقة له بالأنفال وغيرها من الفظائع التي ارتكبها صدام حسين منذ وصوله إلى السلطة وحتى الإطاحة التاريخية به.823 cinema film

فيلم روائي مُرصّع بلمسات وثائقية

يستهل كوركي فيلمه الروائي المرصّع بلمسات وثائقية بمقتَبس يقول:"في أثناء حقبة نظام صدام حسين في العراق كل عائلة تُطلق على مولودها الجديد اسم صدّام تُكافأ بسخاء". ثم يضيف: "بأنّ هذا الفيلم يرتكز على قصة حقيقية" قد يكون سمعها بنفسه أو رآها رأي العين. يبدأ الفيلم بمجموعة من النساء اللواتي يهيئنَ الطعام والخبز إلى المقاتلين البيشمركة وفي الوقت ذاته ثمة مجموعة من الشباب الكورد يشاهدون التلفاز ويترقّبون لحظة إسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد يوم 9 أبريل 2003 من قِبل مشاة البحرية الأمريكية. ويبدو الكورد فرحين مثل بقية أطياف الشعب العراقي في الوسط والجنوب، والدليل أنّ المخرج وظّف اللقطة الشهيرة التي يظهر فيها "أبو تحسين" وهو يضرب بنعله صورة لصدام حسين بزيّه العسكري ويكرر عباراته المشهورة من بينها:"شسوّى بالعراق؟" كما شاهدنا عددًا من العراقيين العرب وهم يحتفلون بسقوطه راقصين مثل الكورد وبقية مكونات الشعب العراقي الأخرى التي تضررت بسببه وقد رأينا غبطة القس المسيحي وهو يبحث عن رفات أخيه المدفون في مقبرة جماعية. وعلى الرغم من وجود شخصيات كثيرة في الفيلم إلّا أنّ القصة السينمائية تتكئ على خمس شخصيات رئيسة وهي رشيد "عادل عبدالرحمن" وآزاد "حسين حسن" وكلاهما ينتمي إلى قوّات البيشمركة، والطفل الضائع صدام "عبه رش" الذي يبلغ عمره خمس سنوات لا غير. إضافة إلى والديه "أَيام أكرم" و "أحلام نجاة". أمّا بقية الشخصيات فهي تؤثث النص السردي وتديم زخمه وتوصله إلى النتيجة المُرتَقَبة التي أرادها كاتب النص ومُخرجه شوكت أمين كوركي.

أشرنا في بداية هذا المقال إلى بساطة القصة السينمائية أو حكاية الفيلم التي تقوم على مفارقة الاسم فلو لم يكن اسم هذا الطفل "الأُسَيْوِدٌ" صدّام لفرغت القصة من محتواها ولم يعد لها أي معنىً يُذكَر لأنها تتمحور على الدكتاتور وما سبّبه من إحن ومِحن للشعب العراقي وبعض البلدان المجاورة. وإذا كان بالإمكان تجاوز الخسائر المادية أو غضّ الطرف عنها فإن الخسائر البشرية والمعنوية لا يمكن أن تُعوّض. وهنا تكمن أهمية الفيلم الذي راهن على الحرية والكرامة الإنسانية وإن وقع المخرج في بعض الأخطاء التي اعتبرها بعض النقاد العراقيين والعرب لا تغتُفر لأنها تُقلل من أهمية المكوّن العربي على وجه التحديد. فمن  غير المعقول أن يتعامل فرد من أفراد البيشمركة بهذا الحقد الدفين مع طفل صغير لا ذنب له فيما جرى بطول البلاد وعرضها لمجرد أنه يحمل اسم صدام.

يُعتبر "عبور الغبار" من أفلام الطريق Road Movie إذ رأينا العجلة العسكرية البيك آب التي يقودها آزاد وهي تتحرك من منطقة كوردية بالمطلق إلى مدينة مختلطة قد تكون كركوك التي تضم غالبية المكوّنات العراقية قوميًا ودينيًا ومَذهبيًا لكن الفيلم الذي تبلغ مدته 74 دقيقة ينتهي قبل أن يصلا إلى هدفهما النهائي فيعود رشيد إلى نقطة انطلاقه مخذولًا مكسورًا لا يلوي على شيء.824 cinema film

دراسة الشخصية

يبدو الفيلم من جانب آخر كأنه دراسة لشخصيتيّ البيشمركة Biopicture وما ينطويان عليه من تناقضات حادة فآزاد شخص فرح يعزف على آلة الناي غير مرة في إشارة إلى حُبِّه للموسيقى وولعه بها، بل أننا رأيناه يعزف وهو ميت في حركة سُريالية تنطوي على قدر كبير من الغرائبية مع أنه فقدَ شقيقه الذي يصغره بسبعة أعوام ولا يريد أن يتزوج قبل العثور عليه، فقد يكون سجينًا أو مفقودًا أو مُغيّبًا أو ميتًا ارتقت روحه إلى جوار ربّه الكريم. أمّا رشيد فقد خسر هو الآخر ساقه اليسرى في عمليات الأنفال، سيئة الصيت والسمعة ولهذا فهو مشحون بالغضب والحقد، ليس على العرب فحسب، وإنما حتى على هذا الطفل العربي الذي يحمل اسم صدّام الذي لم يخترهُ بإرادته وإنما اختارتهُ الأم طمعًا بالمكافأة المادية. الأب والأم كلاهما خاسر ومُشرّد، والطفل تائه وسط غبار المعارك ولا يستطيع الاهتداء إلى أهله وذويه وأصدقائه المُنهمكين بالسلب والنهب وإفراغ دوائر الدولة ومقرات حزب البعث من محتوياتها وأثاثها وكأنهم ينتقمون من ثلاثة عقود ونصف العقد من القمع والظلم والاستبداد. يتجاذب آزاد ورشيد أطراف أحاديث شتّى لكن الأول يجد ضالته في العزف على الناي أو سماع الموسيقى والأغاني عمومًا وقد شارك المحتفلين الكورد بالرقصة الجماعية لحظة سقوط "الصنم" كما تفاعل روحيًا مع العرب الذين يعبّرون عن غبطتهم بغياب الدكتاتور وحزبه الحاكم الذي لم يجنوا منه سوى الشعارات الطنّانة الزائفة التي لم تجد طريقها إلى التطبيق العملي بعد 35 سنة من البِدع والأكاذيب التي ضلّلت الوطن العربي برمته. كان على آزاد أن يكون موسيقيًا وليس بيشمركة أو مُقاتلًا من أجل الحرية كما يذهب رشيد، رفيقه في النضال والعمل العسكري الذي قد ينتهي غالبًا بالتضحية بالنفس من أجل حرية الشعب الكوردي واستقلاله. وفي مقابل هذه الفئة الكوردية المُضحية هناك مجاميع إرهابية تنضوي تحت عنوان "فدائيي صدام" الذين أغدق عليهم القائد المختبئ الذي توارى عن الأنظار لمدة تسعة أشهر تقريبًا منذ 9 أبريل حتى 13 ديسمبر 2003 حيث قبض عليه الجنود الأمريكيون من دون أن يطلق رصاصة واحدة من مسدسه الشخصي الذي كان يتباهى بحمله أمام أعين العراقيين فقط.825 cinema film

الصورة السلبية المنافية للواقع

ثمة لازمة تتكرر عبر جهاز اللاسلكي على مدار الفيلم مفادها:"أين أنتم الآن؟ وما الذي أخرّكم؟ ومتى تصلون؟" فآزاد ورشيد هما المسؤولان عن إيصال الخبز والطعام إلى بعض وحدات البيشمركة الموزعة على مسافة بعيدة من المقر الرئيسي. تحدث الانعطافة الأولى للقصة السينمائية في الدقيقة الحادية عشرة حينما ينتبه آزاد إلى وجود طفل صغير عمره خمس سنوات تقريبًا يقف أمام السيارة لكي ينتشلاه من محنة الضياع والتشرّد حيث يتعاطف معه آزاد رغم أنه وصفه بـ "الأُسيْود" الذي لا تستطيع أن تراه في الليل بسبب سحنته الدكناء بينما يمقته رشيد ويصفه بالمخلوق القذر وما سواها من الصفات الازدرائية التي تحتقر الطفولة وتحطّ من شأنها. يمشي هذا الطفل حافي القدمين ويرتدي ثوبًا بسيطًا يدلل على الطبقة الاجتماعية الفقيرة التي ينتمي إليها. يصحبه آزاد إلى البيوت المجاورة للشارع الرئيس لكن أحدًا لم يعرفه والغريب أنّ ردود الرجال والنساء في تلك البيوت العربية فظّة وجافة إلى أبعد الحدود وهذا الأمر منافٍ للحقيقة والواقع، فغالبية العرب يمحضون الكورد حُبًا من نوع خاص ويتعاطفون معهم إنسانيًا واجتماعيًا وروحيًا، أمّا النفر الشاذ والقليل فهم المحسوبون على بطانة النظام السابق وحاشيته المريضة. يتفاقم حقد رشيد غير المبرر على هذا الطفل العربي التائه ولا يسمح له بالجلوس إلى جواره فيضطر آزاد لأن يضعه في الحوض الخلفي للسيارة لبعض الوقت ثم يُجلسه إلى جواره على الرغم تذمّر رفيقه واستيائه المتواصل. يحاول آزاد أن يغيّر الموضوع ويفتح كوّة جديدة بعيدًا عن حالة السخط والتشكّي من هذا الطفل اليائس والمُمتَحن الذي لا يجد الراحة إلّا في ظل والديه فيقترح عليه أن يحصل على جواز سفر ويذهب إلى خارج العراق حيث يمكنه أن يقتني ساقًا اصطناعية مطاطية تتيح له أن يقفز مثل الكنغر في رشاقته وخفّة حركته.826 cinema film

يوبّخ والد صدام زوجته دائمًا لأنها، هي وشقيقها البعثي، قد أصرّا على تسميته بهذا الاسم الذي جلب لهم الويل والثبور بعد سقوط النظام وكشف عن ريائهم أمام المجتمع وعليهم أن يتحملوا وزر نتائجه، فرشيد لا يُطيقه ويرفض وجوده حتى في السيارة التي ينقلون فيها الخبز والطعام ويصفه غالبًا بصفات تحقيرية ثقيلة الوطأة على الأذن، وأكثر من ذلك فإن الجندي الأمريكي يرفض استلامه. ومما يفاقم الأمر أنّ إمام أحد الجوامع رفض الاحتفاظ وطلب من المُقاتلَين البيشمركة أن يبحثوا عن أهله في ظل هذه الحرب الكونية الضروس ويسلّموه لهم متذرعًا بانقطاع الكهرباء واستحالة الإعلان عن اسمه الكامل الذي يلفت الانتباه إلى وجوده واستدعاء أهله وذويه لإنقاذه من المحنة التي يعيشها هذا الطفل القاصر المغلوب على أمره. يبدو أن مشكلة السيناريو هي التي شوّشت على الرؤية الإخراجية لصانع الفيلم فانسحبت من القصة إلى السردية البصرية القائمة على السردية اللغوية المخطوءة التي يصعب أن تقنع المتلقي وهو يرى جميع من التقى بهم آزاد يرفضون مساعدته أو مجرد الاستماع إليه وكأنّ هذا الطفل الضائع محنة كبرى لا يريد الجميع الاقتراب منها.

ينتقد والد صدام زوجته ويلومها في كثير من الأحيان لأنها كانت تقف وراء هذا الاسم، فهناك عشرات الأسماء الجميلة من وجهة نظر الأب مثل عبدالله وحسن وحسين ومحمد لكنها أصرّت على اسم صدام طمعًا بالمكافأة المادية التي يدفعون ثمنها الآن. فلا أحد يطيق سماع هذا الاسم حيث يظنون بأهله التبعية والولاء للرئيس المخلوع الذي توارى عن الأنظار بعد 35 سنة من الشعارات الكاذبة.

تتفاقم أزمة المُقاتلَين حينما تُسرق سيارتهم لتقف أحداث الفيلم برمتها أمام منعطف جديد فآزاد له مبرراته التي تدعوه للتعاطف مع هذا الطفل المسكين الذي لا حول له ولا قوة حيث يتلقى الضربات والصفعات المستمرة ولا يردّ عليها إلّا لماما. وسوف نكتشف أن السبب وراء سرقة السيارة هو نقل جريح إلى أحد المستوصفات. يصادفان سيارة على جانب الطريق لكنهما سرعان ما يتركانها لأن سائقها قد قُتل في الداخل بينما نسمع من مذياعها أغنية تمجد صدام حسين " يَعيني أبونا صدام / حتى النجم سهران ويغنيلك". في مكان ما من المدينة يبحث الأب والأم عن ابنهما الضائع صدام وما إن يُصادفا قدورًا مملوءة بالطعام الساخن حتى يتناولا منه ما يسد الرمق، وهو ذات الطعام الذي جلبه آزاد ورشيد ولم يجد الأبوان أفضل منه في ظل الحرب الدائرة على أرض العراق.

سيناريو مصنوع من قصص متناثرة

يبدو أنّ السيناريو مصنوع من نتف صغيرة جمعها السينارست في فضاء سردي فهو ينتقل من الجنود الأمريكان إلى إمام الجامع إلى السيارة المقتول سائقها ثم يتوقف عند شخص عربي يبدو فرحًا جدًا بإسقاط صدام حسين ويقترح على المُقاتلَين البيشمركة وثالثهما الصبي الضائع أن يُقلهم على الطريق الذي يسلكه حيث يرفضان المقترح أول الأمر لكنهما يوافقان لاحقًا ويطلبان منه التوقف ما إن يريا سيارتهما المسروقة. ثم يصادفان قسًا مع شقيقته تعطلت سيارتهما على قارعة الطريق ويرومان الوصول إلى مقبرة جماعية في تلك المضارب علّهما يعثران على رفات أخيهما المفقود حيث تُوقظ هذه المقبرة الذكريات الأليمة عند رشيد الذي تعرّضت قريته لقصف القوات الصدامية وفقدَ فيها ساقه اليسرى كما يتذكر آزاد قصة شقيقه الغائب الذي توارى منذ سنوات طوالًا. وفي نهاية المطاف يعثر القس على صليب أخيه وينخرط في البكاء. تساهم الأخبار التي نسمعها من الراديو أنّ عملية التحرير ما تزال مستمرة وأنها سوف تُنجز خلال أيام معدودة وقد ركّز مخرج الفيلم على عمليات السلب والنهب لغالبية بنايات الدولة ومقرات الحزب في إشارة إلى انعدام الأمن وشيوع الفوضى في وسط وجنوب العراق.

اختار المخرج نهاية إشكالية لقصة فيلمه حيث أوهمَ المُشاهدين أنّ والديّ صدام كانا بانتظاره في مكان قريب من بيتهما حتى أنّ الطفل كان يردد كلمة "أمي" لكن ما أن نُدقق في البساطيل العسكرية الحمراء التي يرتديها الوالدان المزعومان حتى نكتشف أننا أمام خدعة كبيرة. فهذا الشخصان المتنكران هما من "فدائيّي صدام" الذين نشطت خلاياهم بعد السقوط مباشرة حيث أطلقا النار على عنصريّ البيشمركة وأرديا آزاد قتيلًا في الحال وعبّرا موقفًا بالعملية التي نفّذاها بضمنها تحرير صبي عربي لكن المتحدث على الطرف الآخر من الخط أمرهما بترك الصبي والعودة الفورية إلى القاعدة التي انطلقا منها.OLYMPUS DIGITAL CAMERA

دلالة البداية والنهاية

لا بدّ من الإشارة إلى أن البداية والنهاية مرسومتان بشكل دقيق، فإسقاط التمثال له دلالة كبيرة في هذا النمط من الأفلام، أمّا النهاية فتتمثل بالصبي الصغير الذي تركاه فدائيا صدام على قارعة الطريق يبكي وينتظر مصيره المجهول. وما إن يعود رشيد بسيارة البيك آب وهي تحمل في جوفها الخلفي جثة آزاد حتى يتوقف ويتأمل الموقف قليلًا، ثم يقرر في لحظة إنسانية فارقة أن يرجع إلى الوراء قليلًا ويتوقف ليحمل الطفل الباكي والمغلوب على أمره وكأنه يحمل عراقًا تائهًا وسط الحرب والدمار والخراب. يلتفت صدام إلى الوراء وكأنه يبحث عن آزاد الذي تعاطف معه طوال هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر فيكتشف جسده المسجّى في الحوض الخلفي للسيارة بينما تتساقط عليه قطرات المطر التي تخفّف من حدة الغُبار الذي يتصاعد في ساحة المعركة. وكمن يلتقط أنفاسه من جديد يمدّ يده اليمنى إلى آلة الناي التي رافقته طوال الرحلة ويبدأ بالعزف عليها بينما يبتسم صدام الضائع الذي فقد أهله وذويه وذاكرته المكانية التي استعادها في اللحظات الأخيرة لكن فدائيّي صدام حرموه من هذه الفرصة الذهبية التي كان يمكن أن يعود فيها إلى أحضان أبويه اللذين شرعا في رحلة أوديسيّة طويلة وهما يبحثان عن ابنهما الضائع الذي أصرّ الوالد على تغيير اسمه من صدام إلى عبدالله كي يتخلص من لعنة هذا الاسم الذي يتحسس منه الغالبية العظمى من الشعب العراقي غِبّ سقوط صدام حسين وانهيار حزب البعث الذي مرّ على تأسيسه 56 سنة مشؤومة لم نجنِ منها سوى الشعارات الرنّانة والادعاءات الزائفة التي أكل الدهر عليها وشرب.

جدير ذكره أنّ شوكت أمين كوركي قد وُلد في إحدى قرى زاخو التابعة لمحافظة دهوك 1973، وكان والده مقاتلًا في صفوف البيشمركة، لذا اضطرت أسرته لترك كوردستان العراق والنزوح إلى إيران لتقيم فيها 24 عاما حيث درس كوركي السينما والمسرح وتعلق بهما. أنجز كوركي أربعة أفلام وهي "ضربة البداية"، "عبور الغبار"، "ذكريات منقوشة على حجر"، و "الامتحان".

***

عدنان حسين أحمد

تحية للبيشمركة..

المُضحّين بالغالي والنفيس من أجل حرية كوردستان

***

يقترن اسم المخرج الكوردي حسن علي بالأفلام الدرامية والكوميدية والرومانسية لكنه يفاجئنا هذه المرة بفيلم أكشن يحمل عنوان "خلف السَحاب: تحية للبيشمركة" كتب قصته الممثل أحمد رامبو وجسّد دور البطولة فيه مناصفة مع الفنان شمم الحسن. وقد أتقنَ الاثنان دورَيهما وتألقا فيه بطريقة لافتة للانتباه، خاصة وأنّ هذا النوع السينمائي نادر في السينما العراقية إلّا باستثناءات محدودة.

تدور قصة هذا الفيلم حول صحفية أجنبية دخلت للحدود العراقية بطريقة غير شرعية حيث أوصلها أحد "العملاء"  إلى مقر قيادة المتمردين في شمال العراق. المطلوب القبض على هذه الصحفية حيّة تُرزق مهما كلّف الثمن لأنها تريد تصوير مواقع البيشمركة بطريقة تسيء فيها إلى سمعة البلد وسيادته في الخارج مُتذرعة برصد المظالم التي يتعرّض لها الشعب الكوردي من قتل وحصار وتشريد على أيدي أزلام النظام الدكتاتوري السابق. يجب أن تُقرأ هذه الثيمة من وجة نظر الكورد أيضًا لكي تكتمل الصورة، فالدليل الذي أوصل الصحفية الأجنبية ليس "عميلًا" وإنما هو شخص وطني يعمل لمصلحة شعبه، وأنّ قادة البيشمركة يرومون عرض مظالم شعبهم في أجهزة الإعلام الأوروبية لكسب التعاطف الغربي، ولهذا السبب فإنهم يسعون لإيصال هذه الصحفية إلى الحدود التركية عبر أراضي كوردستان الوعرة التي تغطّيها الثلوج في فصل الشتاء قارس البرودة.

يبدأ الفيلم بغارة شنّتها حضيرة البيشمركة على موقع القوات الخاصة التي تمركزت من مقر صغير لأحد الفصائل الكوردية وخطفت منه أسيرًا يُدعى عبدالله وقررت إخلاء سبيله لأنه شخص مسكين لا حول له جيء به إلى هذا المكان من دون إرادته وعلى الرغم من اتفاق غالبية أفراد المجموعة على إخلاء سبيله إلّا أن "شيرا" هو الشخص الوحيد الذي يريد قتله وتمزيقه إربًا إربا بحجة أن الجيش العراقي قد دمّر بيوت الناس وقتل الأطفال والنساء. ومع ذلك يحررونه من أسْره وسوف يعود لاحقًا إلى وحدته العسكرية المكلفة بالقبض على الصحفية الأجنبية للحيلولة دون نشر الفيديوهات التي تصوّر عذابات الشعب الكوردي واللقاءات مع قادة وأعضاء البيشمركة الذين يقاتلون من أجل الحرية والاستقلال والعيش الكريم في ربوع كوردستان.

ينقسم الفيلم الذي تبلغ مدته 104 دقائق إلى سبع مواجهات رئيسة بين البيشمركة وقوات النظام التي تبحث عن حضيرة معادية تتألف من سبعة أشخاص ينضوون تحت إمرة كاكه شين وهم درويش وجوامير وشيرا وكارزان والطبيب إضافة إلى الصحفية الأجنبية إيزابيل التي جسّدت دورها الفنانة الألمانية "ليوني زومر".807 luni zomar

قصة عاطفية تكسر إيقاع المواجهات العسكرية

 تَناقش كاكه شين مع أحد المسؤولين الكورد على الطريق الآمن الذي يجب أن يسلكه مع أفراد حضيرته لكي ينجحوا في إيصال إيزابيل إلى الحدود التركية على أن يذهبوا بـاتجاه "ماماند"، ويمرّوا من تحت جبل "قنديل" ويعبروا  "روسته هالغرد" ويتفادوا المرور بـ "حصاروت" المغطى بالثلوج في هذا الفصل من السنة ثم يواصلوا طريقهم إلى "ميتين" ومن هناك يذهبوا باتجاه جبال "آشيتا" حتى يصلوا إلى الحدود التركية. نجح أحمد رامبو في كسر إيقاع هذا الفيلم الحربي بقصة عاطفية جميلة بين كارزان ونازدار التي أهداها قلادة قبل مشاركته في مهمة إيصال الصحفية الأجنبية إلى الحدود التركية وظلت نازدار تتواصل مع أمه وتسألها عن عودة الحمامات الزواجل التي اصطحبها كارزان في رحلته المحفوفة بالمخاطر. كما طعّم الكاتب فيلمه بقصة قديمة جدًا مفادها أنّ إنسان النيادرتال الأول قد عاش في كهوف هذه الجبال حيث وجدت بعثة أمريكية سبعة هياكل عظمية تعود إلى 65000 سنة مضت وهي موجودة الآن في متحف واشنطن. وقد تشكّى الراوية بأنه لا أحد يسمح لهم بأن يعيشوا بحرية وسلام على أرضهم.

يمكن اعتبار "خلف السحاب: تحية للبيشمركة" فيلمًا حربيًا بين الجيش العراقي والبيشمركة؛ وهي قوة شبه نظامية لا تمتلك في حينه سوى الأسلحة الخفيفة والمتوسطة في أفضل الأحوال. وسوف تحدث سبع مواجهات بين الطرفين تنتهي بوصول الصحفية إلى الحدود التركية وإعدام كارزان وعبدالله، ومقتل الملازم الأول رعد في المواجهة السابعة والأخيرة ليصل الفيلم إلى هذه النهاية التراجيدية المؤلمة والمؤئرة جدًا.

في المواجهة الأولى يمسك الملازم أول رعد بكاكه شين، لكنه يتخلص منه بمساعدة أفراد حضيرته، ويُصاب درويش في جبينه وساقة اليسرى الأمر الذي يعرّضه إلى متاعب في السير والتنقّل في هذه المنطقة الجبلية الوعرة جدًا، ناهيك عن الظروف المناخية الصعبة في تلك المضارب.

الذئاب الجائعة في متاهة الثلج

يعترض شيرا في المجابهة الثانية على درويش لاختياره طريقًا صعبًا جدًا فاقَم صعوبته ظهور الذئاب الجائعة التي أوشك أحدها أن يُدهم إيزابيل لولا وجود كاكه شين بالقرب منها، كما تدحرج جوامير من منطقة مرتفعه ودفنته الثلوج المنهارة. تدور بعض الأحاديث اللطيفة بين كاكه شين وإيزابيل التي أكلت البلوط الكوردي وأصبحت بيشمركة على اعتبار أنّ من يأكل طعامًا كورديًا يصبح بيشمركة وحينما تسأله عن المعنى المحدد لكلمة بيشمركه يجيبها بأنها "تعني الشخص الذي يواجه الموت من أجل كوردستان". كما تسأله عن إمكانية حلول السلام في ربوع كوردستان في يوم ما فيجيبها بأنه يفكِّر دائمًا في اليوم الذي يحلُّ فيه السلام في كوردستان وأن يكون لهم بلد مثل كل البلدان، وأن يعيش أطفالهم بسلام. ثمة كمائن أخرى في انتظارهم فلاغرابة أن يغيّر كاكه شين موقفه أكثر مرة تبعًا لتطورات الموقف حيث تتعرض حضيرته للقصف بالهاونات ويشتبك مع الجنود في معركة ضارية يخنُق فيها أحدهم ويُغرِق الثاني في ماء النهر. تختفي إيزابيل لنكتشف بعدها بقليل أن الملازم الأول رعد قبض عليها لكن كاكه شين يفاجئه ويتصارعان صراعًا ملحميًا يُصاب فيها الملازم أول رعد إصابة عميقة في خدّه الأيسر. وفي المواجهة الرابعة يتم إيصال إيزابيل إلى الجهة الأخرى من الجبل المُطل على الأراضي التركية فتشكر كاكه شين وتصفه بالرجل العظيم الذي يضحي بكل شيء من أجل مبادئه وقيمه الوطنية.

يتراجع كارزان إلى جهة العدو بعد أن يسلّم إيزابيل الحمامة الأخيرة التي بقيت بحوزته فيُقبض عليه من قبل القوة المهاجمة. كما يطلب العميد استعمال الهاونات قبل أن يعبروا الحدود ولم يبق له من خيار سوى استعمال القوة الجوية. تُطلق إيزابيل الحمامة الأخيرة قبل أن تيمِّم وجها صوب الأراضي التركية وتصف البيشمركة بأنهم أناس يستحقون كل شيء يقاتلون من أجله.

لم يبقَ أمام الملازم أول رعد سوى أن يستجوب كارزان الذي ترك جماعته وعاد لكنه لم يعترف على أحد على الرغم من تهديد الضابط ووعيده. وفي هذه الأثناء لمح الضابط أنّ الأسير ينظر إلى عبدالله، وأنّ هذا الأخير يبادله نظرة عطف ومحبة فيعترف للضابط بأنه يعرفه لأنه كان أسيرًا عندهم وقد عاملوه بالحسنى وفي خاتمة المطاف أخلوا سبيله. يتفاقم موقف عبدالله حينما يطلب منه الضابط أن يعدم كارزان لكنه يفشل في إطلاق الرصاص عليه فيُربط معه على الجانب الآخر من جذع الشجرة ويتعرض إلى رصاص أصدقائه الجنود.808 cinema film

المواجهة الملحمية الأخيرة

أمّا المواجهة السابعة والأخيرة فتقع بين كاكه شين والملازم أول رعد فيتصارعان صراعيًا قويًا بالأيدي والسلاح الأبيض لوقت غير قصير ينتهي بأن يتناول كاكه شين حجرًا كبيرًا ويضرب به الضابط ضربة قوية على رأسه تفقدُه القدرة على الحركة ثم يُثنّي عليه بضربة ثانية تخمد فيه الروح إلى الأبد.

يبكي كاكه شين بكاءً حارًا على كارزان ثم نرى قبرين يضمّان ضحيّتين من الطرفين المتقاتلين وقد دُفنا إلى جوار بعضهما بعضًا في إشارة واضحة إلى أن الناس البسطاء هم الذين يدفعون الثمن دائمًا. فإذا كانت الحرب مُبررة بالنسبة إلى كارزان، رغم أنه فرّ منها في نهاية المطاف ولاقى مصيره المحتوم، فإن عبدالله قد سِيق إليها دون إرادته، وأراد أن يرد الجميل لصاحبه لكن لاقى المصير المُفجع نفسه ودُفن إلى جانب كارزان الذي ارتاح إليه وأحبّه في هذه المدة الزمنية القصيرة التي مرّت عليهما مثل لمح البصر.

يحمل هذا الفيلم الدرامي أكثر من عنوان، وهذا شيء مألوف، فالعنوان الكوردي المحلي هو "سلاو پێشمەرگه" الذي يعني "تحية للبيشمركة"، أمّا العنوان الأجنبي فهو " خلف السَحاب: تحية للبيشمركة" وقد أراد، المؤلف والمخرج معًا، أن يمنحا الفيلم صبغة واقعية لكنها جاءت تقريرية ومباشرة وخلت من الإيحاءات المجازية التي تستبطن ما وراء السطور وتلامس المعنى الغائب أو المتواري خلف الكلمات.

لا بدّ من الإشادة بدور الممثلين العراقيين الكورد الذين جسّدوا أدوارهم بطريقة مُقنعة جدًا بدءًا من أحمد رامبو الذي قاد الحضيرة الكوردية التي أوصلت الصحفية الأجنبية إلى داخل الأراضي التركية بأمان. وقد ساعدته مواصفاته الجسمانية الرياضية على تأدية دور الرجل القوي الشجاع الذي لا يهاب المخاطر ونتمنى أن نراه وهو يجسّد أدوارًا أخرى إلى جانب موهبته الواضحة في كتابة السيناريو والقصص السينمائية. وهذا الأمر ينسحب على الشخصيات الخمس التي رافقته في هذه المَهمة الصعبة التي تتطلب التضحية والجود بالنفس في كثير من الأحوال.

قوّة التمثيل وبراعته

أمّا الفنان شمم الحسن الذي تخرج في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد وشارك في العديد من المسلسلات التلفازية من بينها "بقايا حُب" و"قوت القلوب" و"هجمة مرتدة" وما سواها من الأعمال الفنية فهو ممثل متمكن من أدواته الفنية وقد أجاد دور الضابط الذي أُسند إليه وجسّده بطريقة بارعة منذ مُستهل الفيلم حتى نهايته. وهذا الأمر ينسحب على الفنان مازن محمد مصطفى الذي عرفناه في أفلام من قبيل "سرّ القوارير" و"القفّاز الأبيض" و"منحرفون" وعدد غير قليل من المسلسلات التلفازية من بينها "الدهّانة" و"بيت الطين" و"منّاوي باشا" و"رجل فوق الشبهات".

لم يكن دور الممثلة الألمانية ليوني زومر كبيرًا أو مميزًا، فهي صحفية أجنبية صوّرت بعض اللقطات والمَشاهد والفيديوهات للمقاتلين البيشمركة ورأيناها منفعلة في أكثر من موقف خشية من الوقوع في الأسر أو التعرض إلى إصابة أو مواجهة الموت في أصعب الأحوال. اشتركت ليوني في العديد من الأفلام السينمائية الألمانية من بينها "من خلال مرآة مظلمة"، و"خطأي"، و"انفصام الشخصية" ولعل أهميتها تأتي من التركيز على القضية الكوردية أو ما يعانيه المواطنون الكورد في أوروبا.

جدير ذكره أنّ حسن علي محمود من مواليد مدينة أربيل، العراق سنة 1968. عمل مخرجًا مساعدًا في أربعة أفلام، وأنتج فيلم "عبور الغبار" للمخرج شوكت أمين كوركي عام 2007. وهو أيضاً المدير الفني لقسم السينما في أربيل. بلغ رصيده خمسة أفلام سينمائية وهي على التوالي: "حيّ الفزاعات" و"شيرين" و"واحد ناقص سبعة"، و"أمريكانو" و"خلف السحاب: تحية للبيشمركة" إضافة إلى المسلسل التاريخي "أديابين".

***

عدنان حسين أحمد

(بمناسبة اختيار بغداد عاصمة للسياحة العربية 2025)

لم أجد بدا وبعد أن أعلنت المنظمة العربية للسياحة اختيار بغداد عاصمة للسياحة العربية لعام 2025م، وذلك بعد انتهاء المنظمة من مشاركتها في اجتماع الدورة الـ(27) للمجلس الوزاري العربي للسياحة، بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وبهذه المناسبة الكريمة من استعراض خمسة من أعرق وأجمل مساجد بغداد وأبرز معالمها ولكل واحد منها حكاية وذكرى وأثر.

***

(1) جامع الشيخ عبد القادر الجيلاني

كنت أذرع الأرصفة جيئة وذهابا بمنطقة السنك لشراء بعض اللوازم الضرورية، واذا بأذان الظهر يصدح في الآفاق بصوت رخيم ينساب عذبا رقراقا على الطريقة العراقية يشنف الأسماع، ويخلب الألباب، ويأخذ بمجامع القلوب من مآذن جامع أثري عريق يتوسط رصافة بغداد، في منطقة كانت تسمى قديما بـ” محلة باب الأزج ” وكانت تضم مدرسة شرعية تحمل إسمها – مدرسة باب الأزج – تأسست سنة 541 هـ، حتى تغير اسم المدرسة والمحلة المحيطة بها فسميا تيمنا باسم عاشق الجياع، وملهم العلماء، ”الشيخ عبد القادر الجيلاني” الذي قال فيه الامام النووي في كتابه (بستان العارفين) ” كان شيخ السادة الشافعية والسادة الحنابلة ببغداد وانتهت إليه رياسة العلم في وقته، وتخرج بصحبته غير واحد من الأكابر وانتهى إليه أكثر أعيان مشايخ العراق “، وقال فيه الامام الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء) ” الشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة شيخ الإسلام وعلم الأولياء ”، وقال فيه ابن رجب الحنبلي، في كتابه ( طبقات الحنابلة )، “انتصر أهل السنة الشريفة بظهوره وانخذل أهل البدع والأهواء، واشتهرت أحواله وأقواله وكراماته ومكاشفاته، وجاءته الفتاوى من سائر الأقطار، وهابه الخلفاء والوزراء والملوك” إنه أبو صالح محيي الدين عبد القادر، ويرجع نسبه الى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وأمه هي أم الخير، فاطمة بنت الشيخ عبد الله الصومعي، وكانت زاهدة ورعة عابدة، ولد الشيخ عبد القادر الجيلاني الملقب بـ”تاج العارفين” و”محيي الدين”عام 470هـ /1077م على الرأي الراجح وكانت ولادته في جيلان أو كيلان فعرف بالجيلاني أو الكيلاني، ولقب أيضا بـ” الجيلي” لقضائه أكثر مجاهداته وسياحاته في “جيل” التابعة الى منطقة المدائن في العراق، وقيل لأنه من مواليد “جيل”على شاطىء دجلة، والرأي الأخير هو رأي للعلامة مصطفى جواد، والعلامة حسين علي محفوظ، كما أنه ورد في كتاب”بهجة الاسرار ومعدن الانوار”.774 mosque

وصل الشيخ عبد القادر الجيلاني الى بغداد في ريعان شبابه ليمضي فيها 73 سنة متتالية، كان الجيلاني يتيما توفي والده وهو في سن صغير، وأوصته أمه بالصدق الذي ينجي الإنسان من المهالك، ويقربه من الله تعالى، يوم هم بطلب العلم فالتزم بوصيتها طوال حياته، تفقه الجيلاني على أبو سعيد المبارك المخّرمي الذي أنشأ مدرسة باب الازج، وصحب الشيخ حماد الدباس، ومن ثم لازم ودرَّس في المدرسة ردحا طويلا من الزمن .

هابه السلاطين والحكام حيث كان يبغض الظلم والطغيان ولايخشى في الله لومة لائم ولقد عاصر خمسة من خلفاء بني العباس وكان يقول الحق ولو على نفسه وهو القائل “إذا عَّظمت جبابرة الدنيا وفراعينها وملوكها وأغنياءها ونسيت الله عز وجل ولم تعظِّمه، فحكمك حكم من عبد الأصنام، تصيّر مَنْ عظّمتَ صنمَك”، فيما تاب على يديه 100 ألف عاص ولص وقاطع طريق كانوا قبل توبتهم يعبثون بأمن البلاد والعباد، كما أسلم على يديه 5 الاف من غير المسلمين وحسن إسلامهم .

عوتب الجيلاني ذات يوم لكثرة إنفاقه على الفقراء والمحرومين فقال ” ماذا أصنع، كفي مثقوبة ولو جاءني الف دينار من الذهب لم تبت عندي “حتى قال فيه الشيخ أبو سعد السمعاني” كان فقيها صالحا كثير الذكر، دائم الفكر، شديد الخشية، مجاب الدعوة، أقرب الناس للحق، ولا يرد سائلاً ولو بأحد ثوبيه” .

ولاشك أن من بركات ذلكم الكرم والجود الذي لازم الشيخ طوال حياته فقد أكرمه الله تعالى به حتى بعد مماته فصارت – الشوربخانة – الملحقة بجامع الشيخ عبد القادر، التي توزع الطعام بين الجياع والمحرومين والفقراء طوال العام ولاسيما في شهر رمضان المبارك، من أقدم وأعرق المطابخ الخيرية التي عرفها العالم من أقصاه الى أقصاه وما تزال تعمل بجهود الخيرين والمتبرعين والمتطوعين، كيف لا ومن وصايا الشيخ الجيلاني الخالدة قوله ” فتشت الأعمال كلها، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أود لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع ” وهو القائل في حسن التربية “صحبتك للأشرار توقعك في سوء الظن بالأخيار..اغسل ثيابك من الوسخ واغسل قلبك من الذنوب ” وقوله في السلوك ” كُنْ عاقلا وتأدب مع الله عزَّ وجل، وأعلم بأن الإقبال على الخلق، هو عين الإدبار عن الحق، ولا تتّكلْ على أعمالك الصالحة، فإن اتكالك عليها شِرك بربك عز وجل ” .775 mosque

أما في فضل العلم والتعلم وطريقة التربية والتعليم فقال نظما:

اذا لم يكن للشيخ خمـس فوائـد …وإلا فدجـالٌ يقــود إلى جهل

عليم بأحكام الشريعة ظـــاهراً …ويبحث عن علم الحقيقة عن أصل

ويظهر للورَّادِ بالبشر والقــرى…و يخضع للمسكين بالقول والفعل

فهذا هو الشيخ المعظم قـــدره …عليم بأحكام الحـرام من الحــل

يهذب طـلاب الطــريق ونفسه…مهذبـة من قبل ذو كـرم كلـي

أشهر كتب الشيخ عبد القادر الجيلاني “البلبل الصادي بمولد الهادي ” و” تفسير الجيلانى ” و”جلاء الخاطر” و” الغنية لطالبي طريق الحق “و” إغاثة العارفين وغاية منى الواصلين” و”آداب السلوك والتوصل إلى منازل الملوك” و” تحفة المتقين وسبيل العارفين” وغيرها الكثير.

وبعد أن دمَّر المغول المدرسة والمحلة المحيطة بها قام المهندس العثماني الشهير “خوجه معمار سنان آغا ” بإعادة بنائها بأمر من السلطان سليمان القانوني .

انتقل الجيلاني الذي قال فيه أبو عبد الله محمد بن يوسف الإشبيلي ” كان مجاب الدعوة، سريع الدمعة، دائم الذكر، كثير الفكر، رقيق القلب، دائم البِشْر، كريم النفس، سخيَّ اليد، غزير العلم، شريف الأخلاق، طيب الأعراق، مع قدم راسخ في العبادة والاجتهاد” إلى بارئه تاركا دار الفناء، الى دار البقاء في ربيع الثاني سنة 561 هـ الموافق / 1166م فضجت بغداد وارتجت لخبر وفاته، ودفن في مدرسته التي أفنى عمره في التدريس والوعظ والتربية والفتيا فيها لكل مستفت وسائل وطالب علم .

تحتضن الحضرة القادرية اليوم مكتبة عامرة وضع نواتها الأولى أبو سعيد المبارك المخّرمي، ومن ثم عهدت الى الشيخ عبد القادر الجيلاني، وتضم نفائس الكتب ونوادر المخطوطات، اضافة الى روائع المصادر والمراجع والمطبوعات .776 mosque

ولأن الشيخ ظل طوال حياته مستثمرا للوقت بكل ما هو نافع، داعيا الى عدم اضاعته فيما لانفع فيه البتة، فقد أكرمه الله تعالى بعد وفاته وزين مسجده العامر الكبير بساعة موضوعة على برج عال، تم صنعها في مدينة مومباي الهندية تعد الساعة الأقدم والأجمل في بغداد أهديت الى الجامع من قبل مسلمي الهند وتتميز بأربعة أوجه كبيرة وتحتوي على ثلاثة أجراس .

تعاقب على الفتيا والتدريس والامامة والخطابة في جامع الشيخ عبد القادر الجيلاني، عدد كبير من الائمة والعلماء الأعلام على مر قرون وكان من بينهم مفتي العراق وعلامته الشيخ عبد الكريم محمد فاتح سليمان المدرس، المعروف بعبد الكريم بيارة، نسبة الى قريته بيارة في شمال العراق، وقد اتخذ ركنا دائما في مدرسة الشيخ عبد القادر الجيلاني، للافتاء في الامور الشرعية، وكان طلبة العلوم الشرعية فضلا على عامة الناس يتقاطرون عليه من كل حدب وصوب لسؤاله في أمور دينهم ودنياهم، ومن مؤلفاته “إرشاد الأنام إلى أركان الإسلام” و ” جواهر الفتاوى” و” مواهب الرحمن في تفسير القرآن” .

ولله در الشيخ عبد القادر الجيلاني، القائل في الثقة بالله تعالى، وحسن التوكل عليه:

أيدركني ضيم وأنت ذخيرتي …وأظلم في الدنيا وأنت نصيري

إذا ضاق حالي اشتكيت لخالقي … قدير على تيسير كل عسير

فما بين أطباق الجفون وحلها ….انجبار كسير وانفكاك أسير

***

(2) جامع أبو حنيفة النعمان

كنت في طريقي الى جامع عريق لابد لي من أن أطل عليه بين الفينة والأخرى لأشم بين أروقته عبق التاريخ، وأتنسم بين جنباته عبير العلم، وأتنشق شذى العلماء، جامع سمي باسم علم من أعلام الامة الاسلامية، وفقيه من أجل فقهائها قال فيه الامام مالك بن أنس” لقد رأيت رجلاً لو نظر إلى هذه السارية وهي من حجارة، فقال إنها من ذهب لقام بحجته” وقال فيه الإمام الشافعي “من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة”، وقال فيه الإمام أحمد بن حنبل “إن أبا حنيفة من العلم والورع والزهد وإيثار الآخرة بمحل لا يدركه أحد” .

هو النعمان بن ثابت ويكنى بأبي حنيفة نسبة الى الدواة – المحبرة – كناية عن سعة العلم، وغزارة المعرفة، ولد سنة (80هـ ) بالكوفة ونشأ وترعرع فيها وقد إختلف المؤرخون في نسبه، أفارسي هو أم عربي ؟ فيما يؤكد العلامة المحقق الدكتور ناجي معروف، الذي شغل مناصب عميد كلية الامام الاعظم، وعميد كلية الشريعة، فضلا على كونه أحد المؤسسين لـ (جمعية منتدى الإمام أبي حنيفة) ورئيسها حتى وفاته خلال مناسك العمرة في شهر رمضان من عام 1977، بين دفتي كتابيه ذائعي الصيت “عروبة الإمام أبي حنيفة النعمان”و” عروبة العلماء المنسوبين إلى البلاد الأعجمية ” أن أبا حنيفة كان عربي الأرومة” وترجع أصوله الى عرب الأزد الذين هاجروا من اليمن وسكنوا العراق بعد إنهيار سد مأرب ويؤيده في ما ذهب إليه كثيرون.

أخذ النعمان العلم عن شيوخه ومنهم سبعة من الصحابة، وثلاثة وتسعون من التابعين كما ورد في كتاب (أبو حنيفة )، اعتمد مذهبه الفقهي على القياس والرأي المستمد من أحكام القرآن والسنة، أشتهر المذهب الحنفي وشاع في العراق والشام واليمن وشمال افريقيا وأواسط آسيا و شمال القفقاس اضافة الى بلاد فارس والهند والصين .

من جميل أقواله ” كلامنا هذا رأي فمن جاءنا بخيرٍ منه تركنا ما عندنا إلى ما عنده” و” لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه، المأمور به، ما استفيد من قوله تعالى: ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) ” كما جاء في الدر المختار من حاشية المختار “.

أما جامع الإمام الأعظم أو جامع أبو حنيفة النعمان في منطقة الأعظمية فقد بني سنة 375 هـ، لتشيد الى جانبه مدرسة كبيرة سنة 459 هـ كانت تعد واحدة من أقدم ثلاث جامعات في العالم.777 mosque

ولعل من اللطائف أن صنبور الماء سمي بـ” الحنفية ” نسبة الى الامام “ابوحنيفة ” حيث كان الامام لا يجوز استخدام الماء من وضوء سابق وعندما بنى ” مسجد محمد علي ” في القاهرة وزود بـ “الصنابير بدلا من طريقة الوضوء بالاكواز السائدة آنذاك، اعترض بعض العلماء إلا أن علماء الحنفية، جوزوا الوضوء من الصنابير لرفع المشقة ومنذ ذلك الحين سمي صنبور الماء بـ” الحنفية ” .

ولاشك أن من معالم جامع ابي حنيفة “ساعة الجامع الشهيرة” وهي إحدى الساعات التراثية التي تم نصبها على برج عال عام 1958م فيما يرجع تاريخ صناعتها الى عام 1930م تم استهدافها بقذيفة دبابة أبرامز مباشرة عام 2003 إمعانا في الأذى وإيذانا بوقف عجلة الحياة، وحركة الزمن في العراق عامة، وفي بغداد الحضارة خاصة وما دروا بأن الأمة التي تقرأ صباح مساء في قرآن ربها آيات يقسم فيها الباري عز وجل بـ” العصر ” بـ” الفجر ” بـ” الضحى ” بـ ” الليل والنهار” ليعلمنا احترام الوقت وأهميته والحرص على عدم تضييعه فيما لانفع فيه البتة لن تركع أبدا ..تفتر حينا نعم، تنام لفترة ممكن، تغط في سبات مؤقت وارد، تضيع وقتها برهة محتمل، أما أن تنام أبدا فهيهات إنما هي وكما جاء في الحكم ” لكل صارم نبوة، ولكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة”وأضيف وهذه من جعبتي” ولكل أمة حية غفوة !!” .

توفي أبو حنيفة الذي قال فيه القاضي أبو زكريا السلماسي، في كتابه (منازل الائمة الاربعة ) “أما أبو حنيفة فسيد الفقهاء في عصره، ورأس العلماء في مِصره، فضله وافر، ودينه ثابت، وعَلَمُه في مراده للمجد ثابت، اسمه النعمان وأبوه ثابت”، وكانت وفاته رحمه الله تعالى في بغداد سنة 150هـ، ليدفن في مقبرة الخيزران وهي مقبرة كبيرة تحيط بجامع الامام أبي حنيفة وتضم رفات أشهر قامات وعلماء وأدباء وأعلام العراق، وقد أفاض في ذكر أسماء المدفونين فيها الشاعر والمؤرخ والخطاط الكبير وليد الاعظمي، في كتابه “أعيان الزمان وجيران النعمان في مقبرة الخيزران ” وقد دفن رحمه الله تعالى فيها أيضا عقب وفاته عام 2004 .

على مقربة من الجامع كان هناك جسر عائم يصدق فيه بيت علي بن الجهم:

عيون المها بين الرصافة والجسر …جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

أزيل الجسر العائم عام 1957م وكان يربط الأعظمية بالكاظمية ليتم بناء جسر متين بدلا منه شبيه بجسر الأحرار من حيث التصميم وبعد الانتهاء من بنائه سمي بجسر الائمة، تيمنا الإمامين الجليلين، أبو حنيفة النعمان في مدينة الاعظمية المسماة باسمه، والإمام موسى الكاظم في مدينة الكاظمية المسماة باسمه .778 mosque

تعاقب على إمامة الجامع والخطابة والتدريس فيه علماء أجلاء أبرزهم الشيخ عبد القادر الخطيب، وكان اماما وخطيبا في جامع الإمام ابي حنيفة لأربعين سنة، إضافة لكونه رئيسا لرابطة علماء العراق، وقد رثاه الدكتور رشيد العبيدي، بعد وفاته بقصيدة عصماء قال في بعض أبياتها:

شيخ الشيوخ وما عيني بغالية …إذا بكتك فأدمى جفنها الرمد

ولا الفؤاد بغال إن ألم به …سقم لفقدك أو أودى به الكمد

كذلك العلامة الكبير نعمان الأعظمي، الذي تمكن ومن خلال مجلته (تنوير الأفكار) من الحصول على موافقة السلطان لإنشاء كلية الإمام الأعظم، لتدريس العلوم الشرعية وما تزال قائمة الى يومنا هذا، ومن مؤلفاته “شقائق النعمان في مواعظ رمضان” و “إرشاد الناشئين” .

كذلك الشيخ مولود الحنفي وأصله من مدينة قونيا التركية، لقبه لفيف من علماء الازهر أثناء دراسته هناك بـ” الرجل الصالح ” وبعد هجرته الى بغداد درس على يد مفتي الديار العراقية الشيخ عبد الكريم بيارة، والشيخ محمد طه البيلساني، وكان الشيخ مولود الحنفي يدرس طلبته في جامعي أبي حنيفة وبشر الحافي، بينما يخطب الجمعة في جامع الدهان القريب، استشهد الشيخ الفاضل برصاصتين غادرتين، وكان في طريقه للعلاج بالعاصمة الاردنية عمان عام 2005م، فشيعت جنازته في بغداد وصلى عليه جمع غفير في جامع أبي حنيفة الذي أحبه وعشقه وأمَّ ودرَّس فيه ردحا طويلا من الزمن ليدفن الى جواره في مقبرة الشهداء الملاصقة، ومن أئمة الجامع الأعلام الشيخ العلامة الدكتور أحمد حسن الطه، ويرأس المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء للدعوة والافتاء الذي يشغل جانبا من باحات جامع أبي حنيفة النعمان .

***

(3) جامع الحيدر خانة

قبل أيام كنت مارا في شارع الرشيد لبعض شأني، وعندما أمر بهذا الشارع العريق أجدني ومن دون وعي مني منساقا لأمارس بعض هواياتي التقليدية هناك والتي تعد إدمانا لايمكنني مقاومته وبدونها لأمر قليلا بـ “مقهى الزهاوي”الذي شهد أشهر المساجلات الأدبية بين زبون المقهى الدائم حتى وفاته “الشاعر جميل صدقي الزهاوي” من بغداد، وبين عملاق الأدب عباس محمود العقاد، من القاهرة، وقد اختلف الأديبان في تقييم أحدهما للآخر برغم اتفاقهما على انتقاد أمير الشعراء أحمد شوقي، وفي هذا المقهى تحديدا جلس شاعر الهند الكبير طاغور في ثلاثينات القرن الماضي بعد قدومه الى بغداد ونظم واحدة من قصائده، وعلى إحدى طاولات المقهى نظم رائد التفعيلة بدر شاكر السياب، واحدة من أشهر قصائده وأطولها عام 1954 وعنوانها” المومس العمياء ” التي يقول في بعض أبياتها:779 mosque

جِيَفٌ تستر بالطلاء، يكاد ينكر من رآها

أن الطفولة فجَّرَتْها ذات يومٍ، بالضياء

وقبل أن أيمم وجهي صوب شارع المتنبي ومن ثم مبنى القشلة، فسوق السراي، والسراجين قبل أن تختتم الرحلة بجسر الشهداء للتمتع بمشاهدة النوارس البيضاء المهاجرة التي تربطها بهذا الجسر المعروف بقصصه وحكاياته ارتباطا روحيا وثيقا في كل عام، لابد ولزاما أن تتضمن الرحلة مرورا بأحد المساجد المحيطة والقريبة وأبرزها ” جامع الأحمدي، جامع العاقولية، جامع الوزير، جامع مرجان، جامع سيد سلطان علي، اضافة الى علم المساجد “جامع الحيدر خانة” وهو مناط حديثنا لهذه الحلقة وكان يسمى بـ” الجامع الثائر” الذي انطلقت منه شرارة ثورة العشرين في العاصمة بغداد ضد “المستدمر” ولا أقول “المستعمر” البريطاني عام 1920.

الجامع الذي بناه بحسب المؤرخ الموسوعي الثقة ” الدكتور عماد عبد السلام رؤوف “الخليفة العباسي الناصر لدين الله، قبل أن يعيد بناءه وتوسعته آخر ولاة المماليك في العراق داود باشا، وكان في شبابه مسيحيا وأصله من جورجيا قبل اسلامه، لتتم صيانة الجامع وإعماره وتجديده على فترات متعاقبة كان من أبرزها في عهد السلطان محمود خان، عام 1242هـ، والسلطان عبد الحميد الثاني، عام 1311هـ، لتستمر عمليات تجديد وإعمار المسجد بين الفينة والأخرى وعلى مر عقود طويلة والى يومنا هذا .780 mosque

ولن أتحدث في هذه العجالة عن هندسة وعمارة المسجد وزخارفه وخطوطه الرائعة وأتركها لأصحاب الاختصاص ممن أفاضوا مشكورين بشرحها وتبيانها مطولا للمهتمين والدارسين، وأخص منهم الاخ والباحث الفاضل اسامة سعد آل شاكر، وإنما سأمر سريعا على أبرز من خطبوا وأموا ودرَّسوا ودرسوا ها هنا ولاسيما في المدرسة الداودية قبل اندراسها، منوها الى أن الجامع كان يضم مكتبة عامرة بالكتب النفيسة، والمخطوطات النادرة، ومن أعلام المسجد الشيخ رشيد حسن الكردي، وكان عالما جليلا يتقن أربع لغات، ومن أشهر مؤلفاته ” تفسير القرآن الكريم” و” حاشية في أصول الفقه ” فضلا على المقالات والحواشي في علوم النحو والصرف والمنطق، كذلك الشيخ عيسى البندنيجي، وكان من العلماء الاجلاء، وأعلام الخطاطين الفضلاء، كذلك العلامة محمود شكري الالوسي، الملقب بدائرة المعارف الاسلامية، علامة المنقول ودراكة المعقول، صاحب المؤلفات الغزيرة في الشريعة واللغة والنحو والتاريخ والادب والتراث، ومنها كتاب “تجريد السنان في الذب عن ابي حنيفة النعمان ” و” الدر اليتيم في شمائل الخلق العظيم ” و” بلوغ الأرب ” و” المفروض من علم العروض ” و” أخبار بغداد وما جاورها ” و”أمثال العوام في مدينة بغداد دار السلام ” و” تاريخ مساجد بغداد ” وغيرها الكثير، ولعل من اللطائف أن الشيخ الجليل كان خطاطا بارعا، وصحفيا حاذقا، وكاتبا لامعا وهو الذي أسس أول صحيفة في بغداد “جريدة الزوراء” وكان يرسل مقالاته تباعا الى “مجلة المنار”، وصحيفة “المقتبس” و”المشرق” وغيرها، والحق أقول لكم أني أعشق “المشايخ غير التقليديين من متعددي الميزات والابداعات والمواهب وإن كانوا من أحاديي المشارب والمذاهب” .

في جامع الحيدر خانة العريق ألقى الشاعر محمد مهدي البصير، بعض قصائده ضد الاحتلال البريطاني حتى لقب بشاعر ثورة العشرين، كذلك الشاعر محمد رضا الشبيبي، صاحب المقولة الشهيرة أمام الحاكم البريطاني عام 1917 قائلاً (إن العراقيين يرون أن من حقهم أن تتألف حكومة وطنية مستقلة استقلالاً تاماً)، وفيه مر أيضا رائد الصحافة الساخرة في العراق، نوري ثابت، مؤسس”صحيفة حبزبوز”الشهيرة والتي تعد أول نافذة لنشر فن الكاريكاتير السياسي اللاذع الساخر في العراق وكان يصف نفسه بأنه “حزب سز” بمعنى أنه لاينتمي وبرغم اتهامه بالتحزب الى أي حزب سياسي كان.

***

(4) جامع المرادية

شُيد الجامع من قبل الوالي العثماني مراد باشا، سنة 978 هـ/ 1570م، وسميِّ نسبة اليه " جامع المرادية "، جدد الجامع في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، سنة 1319 هـ / 1901 م، وللجامع مئذنة غاية في الجمال والروعة فضلا على قبة كبيرة في منتهى الاتقان، مع عدد من القباب الصغيرة المجاورة، وكأن المئذنة أب، والقبة أم، وبقية القباب الصغيرة ابناءهما من ذكور وأناث !781 mosque

ولعل أشهر من أمَّ للصلاة في هذا الجامع التراثي العريق ، وخطب فيه الجمعة، ودرس َّ فيه هو الشيخ كمال الدین بن عبد المحسن الطائي، وعندما أقول كمال الطائي، فأنا أتحدث هاهنا عن شيخ من المشايخ غير التقليديين حيث كان رحمه الله تعالى استاذا للعلوم الشرعية، وشيخا وواعظا وإماما وخطيبا وصحفيا في نفس الوقت، وقد أصدر وترأس تحرير العديد من المجلات وأبرزها مجلة " الهداية‌ و "صدى الإسلام، و " الصراط المستقيم" و "الاعتصام" و" الكفاح " اضافة مجلة " لسان الهداية " و " الذكرى" و" الراية"، ليس هذا فحسب بل وكان الشيخ رحمه الله ضليعا في تأسيس الجمعيات الخيرية والدعوية كذلك حيث أسس جمعية الآداب الإسلامية، وجمعية الشبان المسلمين، وجمعية الهداية الإسلامية .

أما عن أشهر كتبه ومؤلفاته فكتاب " كيف عالج الإسلام مشكلة الفقر" و" علوم الحديث وأصوله"و " موجز البيان في مباحث علوم القرآن" و " الذكرى المحمدية" وغيرها .782 mosque

***

(5) جامع السراي

كان لابد للرحلة الماتعة أن تنتهي بجامع السراي الذي بناه الخليفة أحمد الناصر لدين الله، سنة 1193م، وفقا للمؤرخ الثقة عماد عبد السلام رؤوف، قبل أن يتولى إعماره وتوسعته مؤسس دولة المماليك في العراق الوزير حسن باشا، وكان يلقب بـ" الجديد " فحمل الجامع فضلا على المنطقة التي يتوسطها اسمه "جديد حسن باشا"بحسب "موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين" لعباس العزاوي، وكان الجامع يضم مدرسة للعلوم الشرعية لا أعلم ما هو مصيرها حاليا .

ومن الجدير ذكره أن حسن باشا هو جد "عادلة خاتون "التي بنت على نفقتها الخاصة كلا من جامع "عادلة خاتون" قرب جسر الصرافية، و"جامع العادلية الكبير" قرب شارع النهر عام 1749م، وفقا لـ"دليل الجوامع والمساجد التراثية والأثرية "وسيكون لنا مع الجامعين الأثريين وقفة لاحقة بإذنه تعالى .783 mosque

جامع السراي أو جديد حسن باشا أو جامع الناصر لدين الله، وإن كان يشترك مع نظرائه من جوامع بغداد العريقة بمصليه الشتوي والصيفي، ومنارته الجميلة الشاهقة، إلا أنه يتميز عن سائر المساجد الأخرى بقبابه العشر، وبأبوابه الخمسة، وبعدم وجود أي أثر لأية زخارف في أروقته وحرمه، فضلا على أن كل ملوك العراق رحمهم الله تعالى كانوا قد صلوا فيه"الملك فيصل الأول، والملك غازي وتحمل احدى البوابات الرئيسة اسمه، والملك فيصل الثاني". يتبع784 mosque

***

بقلم وعدسة أحمد مكتبجي / بغداد

يقترن اسم المخرج الكوردي مهدي أوميد بالريادة السينمائية في العراق، فهو مُخرج فيلم "النفق"؛ أول فيلم ناطق باللغة الكوردية أنجزه في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. أمّا فيلم "الحصان" الذي نحن بصدده الآن، فهو الرابع من حيث التسلسل بعد "قطيع الذئاب" و "صائد الجن". وتتمحور قصته على ثيمات رئيسة وثانوية متعددة من بينها التعريب، والتهجير القسري، ومصادرة البيوت والممتلكات الخاصة، والاستيلاء على الأراضي الزراعية، ومحاولة محو الذاكرتين الفردية والجماعية. ولو تمثّلنا الفيلم جيدًا لوجدناه يناقش موضوعات متنوعة من بينها الحرب، والإرهاب، والقتل، والانتقام، والنفط، والغاز، نزولًا إلى الحيوانات الأليفة المُدجّنة التي قُدِّر لها أن تخدم الإنسان وتُذلل له الكثير من مصاعب الحياة اليومية وخاصة في القرى والأرياف والبلدات الصغيرة التي تفتقر إلى مستلزمات الحياة العصرية المتقدمة.756 Horse movie

المعروف عن المخرج مهدي أوميد أنه يكتب سيناريوهات أفلامه بنفسه الأمر الذي يُحقق له رؤيته الإخراجية من الناحيتين الفنية والفكرية، ولو شئنا الدقة، لقلنا الجمالية أيضًا. فغالبية المخرجين الذين درسوا في جامعات موسكو ومعاهدها السينمائية وتخرّجوا فيها يتميزون بشكل عام بالرصانة والبناء المُحكَم لأفلامهم بدءًا من كتابة السيناريو والحوار، مرورًا بالتمثيل والأداء المُتقَن، والتصوير، وانتهاءً باللمسات المُونتاجية التي تشذّب الفيلم من زوائده وترهلاته، وثرثرته الكلامية والبصرية إن وُجِدت. يمزج فيلم "الحصان" بين التقنيتين الروائية والوثائقية، فثمة اقتباسات شديدة الأهمية لخُطَب مسعود البارزاني، وجورج بوش الابن، وتوني بلير تمهّد الطريق إلى المتلقي لفهم ما يدور على أرض العراق الذي غزته قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وأسقطت نظام صدام حسين وحزب البعث في العراق في 9 أبريل / نيسان 2003. ثم يتولى الأب  پير داوود دور الراوية والمُشارك في صنع الأحداث منذ مُستهل الفيلم حتى نهايته الذكية القائمة على المضمون الدالّ الذي يهزّ مشاعر المتلقين ويمنحهم الإحساس بالنفحة الإبداعية التي يمكن تلمّسها في العديد من مواضع الفيلم.

تدور أحداث الفيلم مكانيًا في كوردستان العراق بحضور وسائل الإعلام المحلية والعالمية حيث تنتظر الناس بقلق شديد في الشوارع والجميع يتساءلون عن لحظة الشروع بالحرب وبدء الهجوم الأمريكي المرتقب. والشعب الكوردي يخشى من الهجمات الكيمياوية التي سبق وأن جرّبها وذاق مرارتها في مدينة حلبجة وراح ضحيتها بضعة آلاف من المدنيين الأبرياء فلا غرابة أن يخشى الجميع من الغازات الكيمياوية السامّة، فالشعب لا يمتلك الأقنعة المُضادة للأسلحة الكيمياوية وليس بحوزتهم سوى الكِمامات التي يبيعها الأطفال في الشوارع. يقول الرئيس مسعود بارزاني في أولى تصريحاته الإعلامية: "إننا نتطلّع إلى أن يتحوّل العراق إلى عراقٍ مُسالمٍ آمنٍ؛ إلى واحة خير. وأن نعفو على أعلى قدرٍ ممكن، وأن تتسع صدورنا لأكبر فسحة ممكنة من التسامح مع المصارحة وكشف الحقائق". أمّا تصريح جورج بوش الابن فقد تضمّن المعلومات الآتية التي يقول فيها: "في هذه اللحظة يتم فيها خلع صدّام حسين ونظامه من الحُكم بينما القوات الأمريكية وقوات التحالف تعمل في داخل بغداد وتُنهي فترة من الخوف والقسوة دامت لمدة طويلة. إنّ هذه القوات تعمل داخل بغداد ولن تتوقف إلّا بعد أن تزول عُصبة الفساد". بينما يؤكد توني بلير على القول: "إنّ قواتنا أصدقاء ومحررون للشعب العراقي؛ إنهم ليسوا غزاة لأرضكم ولن يبقوا فيها فترة أطول مما هو ضروري".755 Horse movie

محاولات التعريب وطمس الهُوية

يروي پير داوود قصته للمتلقين بطريقة حميمة يقول فيها: "أنني شخص متواضع من مدينة "پردێ" أو "آلتون كوبري" التابعة لقضاء "الدبس" في محافظة كركوك. تعرضتُ للترحيل القسري". ثم يمضي في سرد هذه القصة المؤثرة فنفهم بأنّ لديه أراضٍ زراعية خصبة إلى جانب نهر "الزاب الأسفل".وقد بنى بيديه بيتًا جميلًا حتى أنه يتذكّر عدد الطابوق، وأكياس الإسمنت، والأبواب، والشبابيك التي استعملها. كما يتذكر الأشجار والحديقة الرائعة التي رعاها بنفسه. كان والده يقول دائمًا:"إذا كانت كركوك هي قلب بلدي فإن "پردێ" هي عينها". وفي أثناء حكم البعث حاول صدام حسين تعريب محافظة كركوك برمتها حيث جلب آلافًا من العوائل العربية من جنوب العراق وأسكنها في ربوع هذه المحافظة الغنية بالثروات النفطية. وحينما انطلقت الانتفاضة الشعبية العارمة سنة 1991 وفرّ الكورد إلى الشمال تمّ الاستحواذ على منازل المنتفضين ومصادرة أراضيهم وأملاكهم من قِبل بعض الضباط والمسؤولين البعثيين وعناصرهم الأمنية، سيئة الصيت والسمعة. وكان المقدّم جبّار التكريتي هو أنموذج للشخصية البعثية التي استولت على منزل العم داوود وصادرت أراضيه. وسوف يعود هذا الرجل الكوردي بعد أكثر من عشرين عامًا ليطرد منْ تبقى من عائلة المقدم جبار، ويستعيد منزله وأراضيه المستباحة.

لا شكّ في أنّ القوميات الثلاث والمذاهب الدينية المتنوعة كانت متآخية ومنسجمة مع بعضها بعضًا، وأنها "كانت تعيش بسلام حقًا" كما يذهب والد  پير داوود لكن الحكومات والأحزاب القومية هي التي تعتاش على الحروب الداخلية والمنغصات المُدمرة لمختلف أطياف الشعب العراقي، فتارة تعزف على الوتر القومي، وتارة أخرى تضرب على الوتر الديني الحسّاس، وتارة ثالثة تلامس الوتر الطائفي لتتفرج في نهاية المطاف على احتقاناتهم التي قد تصل إلى حد المجارز في بعض الأحيان. وعلى الرغم من ظُلم صدّام حسين وقسوته المُفرطة تجاه الشعب العراقي برمته، ومحاولاته المستميتة لزرع بذور الخلاف والكراهية بين أطياف الشعب العراقي إلّا أنّ الزمن لفظهُ وأصبح جزءًا من التاريخ. ومن يتأمل هذه القصة لا يستغرب نتائجها، فآراس هو الولد الوحيد لأبيه داوود لكنه لم يكن يجرؤ على ذبح دجاجة ومع ذلك فقد سبق والده في الذهاب إلى مدينة كركوك وساهم في تحريرها من ربقة صدام وأزلامه ولكنه مثل بعض الشباب الطائش ارتكب خطأً جسيمًا حينما استولى على سيارة صغيرة تابعة "للعدو" لكن والده أصرّ على إعادتها لصاحبها لأنّ السرقة أمر مذموم ويتمنى ألّا تلتصق هذه الخصلة بأي مواطن كوردي فكيف إذا كان هذا "السارق" ابنه؟! لقد فرِح الأب بتحرير كركوك وغمرته السعادة لكن الشيء الأكثر أهمية بالنسبه له هو كيفية المحافظة عليها وإدامة زخم التحرير في مختلف أرجائها.757 Horse movie

يحاول المخرج مهدي أوميد أن يربط بين نار كركوك الأزلية التي تنير المدينة كلها وبين الديانة الزرادشتية التي تقدّس النار وتمجِّدها. ولعلنا نتذكر الشاعر بشّار بن برد الذي قال:

"الأَرضُ مُظلِمَةٌ وَالنارُ مُشرِقَةٌ

وَالنارُ مَعبودَةٌ مُذ كانَتِ النارُ"

تنطوي قصة هذا الفيلم على آراء وأفكار عديدة تعتمل في أذهان البطل الرئيس والشخصيات المؤازرة بمن فيهم صانع الفيلم ومُخرجه الذي يرى أن نفط العراق لا يستفيد منه العراقيون والكورد معًا، فصدّام يبيع النفط ويشتري بثمنه دباباتٍ ومدافعَ يستعملها ضد العراقيين أنفسهم. كانت شعارات صدّام مبثوثة في كل مكان من أرض العراق وثمة جدارية مخطوط عليها شعار لا يتطابق مع الواقع ويثير السخرية مفاده:"صدام اسمك هزّ أمريكا"! بينما لم يهزّ هذا الشعار الزائف حركة إعرابية واحدة من اسم أمريكا، سيدة العالم بلا منازع حتى الآن.

لعلنا نصل إلى ذروة القصة السينمائية في مشهد الوصول إلى البيت المسلوب وانتزاعه من مُغتصبيه. وقد رأينا الوالد ذو النزعة الرومانسية وهو يصف لابنه آراس شكل البيت الجميل الذي شيّده بيديه ويراه بأنه أجمل من أي  فندق في العالم كله! حينما يصل پير داوود وابنه آراس إلى بيتهم نتعرف إلى عائلة المقدم جبار التكريتي وهما ليلى وشقيقها الأصغر محمد وهو شخص عنيد ومتعصب ولا يتورع عن استعمال السلاح والمقاومة، فهو يَعتبر علي كيمياوي والده الروحي وأنّ أفراد هذه العائلة الكوردية هم مجرد عُصاة ومتمردين لا غير! وحينما يصفعه آراس ليوقف ثرثرته العجفاء يتدخل الوالد ويمنعه من مواصلة ضربه وتوبيخه حتى أنه يفسّر كلمة "عُصاة" التي أطلقها محمد بأنها تعني "الأبطال" وليس "المخرّبين" بحسب المفهوم البعثي الذي مزّق النسيج الاجتماعي للفسيفساء العراقية. يَعتبر محمد أنّ هذا البيت هو بيتهم لأنه عاش فيه ثلاث عشرة سنة ولم يرَ غيره فتصور أن مِلكية هذا المنزل تعود إلى أبيه الذي سنعرف لاحقًا أنه كان عريفًا في الجيش العراقي. وفي أحد الأيام قتل 26 شخصًا في نقطة تفتيش كركوك. ونتيجة لهذا الفعل الوحشي منحه "القائد" رتبة مقدّم. وهذا المقدم هو الشخص الذي استولى على بيت پير داوود وأقام فيه طوال السنوات الطويلة المنصرمة. يطلب الأب من ابنه آراس أن يجلب زوجته "تانكا" وابنته الصغيرة "آفريدا" التي ستتعرّف على ليلى وتتجاذب معها أطراف الحديث وتخفِّف قليلًا من وطأة التوتّر الذي أشاعه شقيقها محمد وفاقمه آراس الذي بدأ يتضايق من تساهل والده وتسامحه معهم واعتبارهم ضيوفًا في منزله لكنه طلب من ابنه أن يرفع السيوف التي تغطي جدارًا كاملًا من صالة الاستقبال حتى أنّ ليلى ساعدته بنزع السيوف وإزالة صورة صدام حسين وابن عمه علي حسن المجيد الملقب بالكيمياوي وإلقائها خارج المنزل الذي بدأ يسترد عافيته.

هاجس الانتقام أم حماية المُستجير؟

يبدو أن العرب أكثر حماسًا وتوترًا من الكورد، فإذا كان العم داوود قد ضبط أعصابه وعاملَ مُحتلي بيته بالحسنى وضيّفهم في منزله فإن العرب الذين هجّرهم صدام من الجنوب وأتى بهم إلى مضارب كركوك هم الذين يرفعون شعارات "طردونا وذبحونا"؛ أي أزلام صدام، ويطالبون بالانتقام من أبناء المقدم جبّار الذي هرب في أثناء سقوط النظام البعثي وذهب إلى جهة مجهولة ولم يترك سوى ابنته ليلى التي تعاطفت مع الضحايا وشقيقها محمد الذي ظل يناوئ أهل الدار ويضمر لهم حقدًا وشرًا واضحَين. لم يكن مهنّد هو الشخص الوحيد الذي يريد الانتقام وإنما شعلان أيضًا الذي يؤكد على عُرف العين بالعين، والسن وبالسن والبادي أظلم. بينما العم داوود الذي قتلَ المقدم جبار أخيه وزوجته وحينما عاد اكتشف أنّ أحدًا لم يأخذ بثأره ومع ذلك رفض تسليم "ضيوفه" إلى الناس المتضررين من المقدم جبار التكريتي، وذهب أبعد من ذلك حينما صفق الباب بوجوههم في إشارة واضحة إلى أنّ الإنسان الحقيقي لا يسلّم من استجار به وإن كان مُحتلًا لبيته قبل سويعات. وحينما هربا من الخوف إلى الممر الخلفي أعادهما العم داوود وشملها بحمايته من جديد. حاول آراس غير مرة أن يتخلص من ليلى ومحمد لكن الأب رفض هذه الفكرة فالحياة في تلك المضارب تسير على هذه الشاكلة وظل يؤكد على فكرة الأخوة العربية الكوردية التي رفضها الابن جملة وتفصيلًا حتى أنه وصفها بالأكذوبة الكبيرة مع أنّ واقع الحال يؤكدها ولا يذهب بالاتجاه المعاكس لها.

تتكرر اللقاءات التلفازية مع المواطنين الكورد رجالًا ونساء وخاصة الشباب منهم وكلهم يحلمون بوطن مستقل لا يخضع للسلطة المركزية ببغداد وهم يطالبون الدول الكبرى في العالم أن تفهم هذا التوجه الأصيل للحرية والاستقلال.

يستثمر المخرج مهدي أوميد أحد المَشاهد المُصوَّرة التي يظهر فيها مواطن عراقي يُدعى "أبا تحسين" وهو يحمل صورة مرسومة على الكانفاس لصدام حسين وهو يرتدي زيّه العسكري ويضربها بنعله صارخًا بجملٍ وعبارات باتت معروفة للمواطن العراقي من بينها:"هذا هو الذي دمّرنا، هذا هو الذي قتلنا، وقتل شبابنا. يا ناس لو تعرفون هذا شسوّى (ماذا فعل) بالعالم، شسوّى بالعراق؟ سوّى ما سوّى بالعراق، لقد قتل الملايين منّا". ثم يظهر بوش ثانية ليؤكد:"أنّ العراقيين سيعيشون من دون مصاعب العقوبات الاقتصادية، أحرارًا في السفر، وفي الإعراب عن الرأي". وفي خضمّ هذه التوترات يشعر العم داوود بغياب ليلى التي توارت فجأة حيث يطلب من آراس أن يفتش عنها في غرف المنزل وزواياه بينما يتجه هو إلى مهنّد وشعلان اللذين كانا يبحثان عنها وعن شقيقها محمد لإشباع رغبتهما في الانتقام من أسرة المقدم جبار التكريتي الذي أساء للناس عربًا وكوردًا ومن بقية المكونات العِرقية والدينية التي يتألف منها النسيج الاجتماعي لمدينة كركوك وضواحيها المعروفة.

يعتقد محمد أنّ شقيقته ليلى هي التي سرقت النقود التي ادخرتها العائلة وهربت بها ولم تترك له سوى مئتي دولار من أصل مئتي ألف دولار. ثمة شخص عربي يغني أغنية تكاد تختصر الوضع العراقي برمته حيث يقول بالمحكية العراقية:"روح أنشرها بالجريدة، يقولون صدّام جان ريّس وإحنا عبيده". ما يزال العم داوود يتهم مهنّد وشعلان بأنهما يقفان وراء خطف ليلى وقتلها وانتقدهما بشدة لأنهما يؤمنان يعقلية الانتقام والتشفّي؛ هذا الفعل السيء الذي يجب أن يُقبر إلى الأبد.

الحصان.. ضحية الاستبداد وقسوة السلطة

يَعتبر العم داوود حصانه كائنًا مسكينًا، فهو بريء بالمطلق، ولم يقترف ذنبًا، ويشعر بأنه ضحية الاستبداد والقسوة البشرية، ولا يريد أن يراه بعد الآن لأنه من بقايا تلك الحقبة المشؤومة، ووعده بأنه سيحرره ويخلي سبيله غدًا، ويمنحه الحرية المُطلقة، ولا يريد أن يراه أمام ناظريه بعد الآن. ثمة شاب يصبغ الجدارية التي تحمل الشعار الكاذب "صدام اسمك هزّ أمريكا" في إشارة واضحة بأنّ هي التي هزّت صدام واقتلعته من جذوره ومحت أحرف اسمه الممقوت من قِبل غالبية العراقيين باستثناء بعض المغفّلين الأيتام أو الضحايا الذين يتماهون مع عقلية الجلّاد.

يعرّج المخرج مهدي أوميد على بائع النفط الذي جسّد دوره المخرج نفسه، وقد كان هذا البائع يتجوّل في الأزقة ويزوّد بيت المقدم جبّار بالنفط والغاز، وقد أخبره ذات يوم بأنه، هو وصدام حسين، كلاهما يبيع النفط لكن الفرق الوحيد بينهما أنه ينفق 15% من دخْله على حماره حيث يشتري له علفًا جيدًا وأعشابًا طرية شهيّة، ويحافظ على سرجه بشكل جيد، أمّا صدام حسين فهو لا يُعطي شعبه شيئًا. ومنذ ذلك التاريخ لم يعرف أحد مصير "دارا"، بائع النفط لأنّ المقدم جبّار أرسله إلى مصير مجهول.

تتضح دلالة الحصان وسبب اختياره عنوانًا للفيلم. ومع أنّ هذا الحصان ليس أصيلًا إلّا أنه كان في الماضي أنيقًا وجميلًا ذا رأسٍ كبير جدًا، وقد خصص له علي كيمياوي خمسين شخصًا يهتمون به، وقد هدّد المقدّم جبار بقتله إذا سقطت من الحصان شعرة واحدة! فلاغرابة أن يقْدم العم داوود على عقد صفقة مع بائع النفط "دارا" مفادها أن يُحرر الحمار ويعطيه الحصان بدلًا منه. ومع أنّ الحصان يرمز إلى القوة والحيوية والنشاط، وأنّ الناس الذين يمتلكون الجياد هم المنتصرون دائمًا بينما لا يمتلك الكورد سوى الحمير. يُخلى سبيل الحمار الذي وصل إلى سن التقاعد ويحصل على حريته بعد فوات الأوان بينما يثور الحصان ويتخلص من العربة والنفط وقناني الغاز.

قبل أن تصل قصة الفيلم إلى نهايتها نكتشف أنّ محمدًا قد خطف ابنة العم داوود وأنه سيقتلها إذا لم تتم الاستجابة لشرَطه القاسي الذي يتمثّل بأن يكتب العم داوود بخط يده تنازلًا عن الدار والأرض والممتلكات إلى السيد محمد جبّار التكريتي. وقبل أن يُكمل نطق الاسم شُهرت عليه فوّهات البنادق من نافذتيّ السيارة وحرروا الضحية المخطوفة. أمّا خلاصة الفيلم فهي تتمثل بما سمعه العم داوود من رجل مؤمن ومخلص جدًا يقول:"الله يغفر كل الذنوب ما عدا ذنب القتل". والإرهاب يعني القتل بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. ترى، هل بدأ الإرهاب منذ تلك اللحظة التاريخية الفارقة أم أنّ جمراته كانت مدفونة تحت الرماد منذ أمدٍ بعيد؟ أم أنّ الانتفاضة هي التي ألهبت النار وحرّرت طائر الفينيق من جديد؟

بقي أن نقول بأنّ مهدي أوميد هو قاص ومخرج مسرحي وسينمائي من مواليد كركوك. حصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه من أكاديمية السينما VGIK . أنجز خلال مشواره الفني خمسة أفلام وهي على التوالي (النفق، قطيع الذئاب، صائد الجن، الحصان، وعازف السنطور). صدرت له رواية بعنوان "أبراج موسكو وفتيات السماء". حاز فيلم "الحصان" على جائزة أفضل إخراج في مهرجان موسكو السينمائي للأفلام الكوردية سنة 2024.

***

عدنان حسين أحمد

بقلم: إليزابيث أسبرينك

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم665 Elisabeth Åsbrink

اتخذت فيكتوريا بنديكتسون*هوية ذكورية، وحققت النجومية الأدبية، وانتحرت. ثم سرقها ستريندبرج

***

كان يوم الأحد 22 يوليو 1888 يومًا مجيدًا في كوبنهاجن، دافئًا ومشمسًا. كانت المدينة تحتفل بمعرض خارجي لأحدث الأفكار المعمارية، وقد ملأ آلاف الأشخاص الشوارع الضيقة المرصوفة بالحصى، وكلهم يتصببون عرقًا ويلوحون بالعلم الدنماركي ذي اللونين الأحمر والأبيض. بدا العالم جميلاً بقدر ما كان المستقبل واعداً. لكن بالنسبة للكاتبة السويدية فيكتوريا بنديكتسون/ Victoria Benedictsson ، لم يعد العالم ولا المستقبل يمثلان شيئا. لقد استأجرت غرفة صغيرة في فندق ليوبولد، بالقرب من كونجينز نيتورف، واشترت لنفسها موس حلاقة ومرآة يدوية. لقد أمضت الليلة السابقة في كتابة رسائل الوداع، ثم انتظرت مرور الوقت ببطء شديد حتى منتصف الليل. وعندها فقط، وبالمرآة في يد والموس في اليد الأخرى، قطعت حلقها. وفي الصباح عثرت خادمة الفندق على جثتها.

انفجرت تفاصيل وفاة بنديكتسون في أوساط البرجوازية الثقافية الشمالية. كان الهواء مليئًا بأجزاء من حياتها؛ عرف أحدهما هذا والآخر ذلك. نشر أصدقاء مشهورون نعيهم في الصحف الإسكندنافية، وعُرضت صورتها في نوافذ المكتبات. كانت التكهنات حول سبب وفاتها تتقاطع مثل سهام القيل والقال. كانت الأوضاع المالية السيئة إحدى النظريات، والحب التعيس نظرية أخرى. في صحيفة أفتنبلادت الفاضحة، أعلن صاحب فندق ليوبولد أن السيدة بنديكتسون كانت متوترة وهستيرية بلا شك. وادعى أن هناك كائنين فيها يتقاتلان: لقد زرع والدها الوحشية في طبيعتها، بينما علمتها والدتها الصلاة فقط.

في هذه الأثناء، كان صديقها أوغست ستريندبرغ يتضور جوعا حتى الموت. كان زواجه من سيري فون إيسن ينهار وكان يفتقر إلى منزل ودخل ثابت بعد أن وقع في فضيحة بسبب مقالاته الجنسية الصريحة. وبعد اتهامه ووالحكم عليه بتهمة التجديف، هرب من السويد. والآن بعد أن تمت تبرئته من التهم، وجد صعوبة في العثور على ناشرين. كان يخشى على حالته العقلية، ولكن يبدو أن لا أحد يريده، ولا حتى الأطباء النفسيين الذين استشارهم.

أصبح ستريندبرج وبينديكتسون صديقين في كوبنهاجن. في البداية، أعجب بها ستريندبرج على مضض، ولكن عندما أثبتت أنها أكثر نجاحًا منه (وهي المرأة الرابعة فقط التي تحصل على منحة كبيرة من الأكاديمية السويدية)، تحول لطفه إلى حسد شديد. وحالما سمع بانتحارها، بدأ بكتابة مسرحية حياته، المبنية على حد تعبير أحد الأصدقاء، على "أكل لحوم البشر بلا رحمة ووحشية دون أدنى تلميح للرحمة".

وُلدت فيكتوريا ماريا بروزيليوس في جنوب السويد في عام 1850، في وقت حيث كانت المرأة تفتقر إلى حقوق الإنسان وكان العالم الغربي يخضع لتغييرات لا هوادة فيها ــ وهو الوقت الذي اختصره فريدريك نيتشه في ثلاث كلمات: "لقد مات الإله".ومع التصنيع جاءت الرأسمالية. وتلا ذلك إنشاء البنوك والمصانع، وسط مخاض ولادة الشيوعية والليبرالية، حيث كان الصراع المستمر على عقول الناس. وكما يقول البيان الشيوعي (1848) برؤية شعرية واضحة:

كل العلاقات الثابتة والمجمدة، مع تتابع التحيزات والآراء القديمة والموقرة، يتم التخلص منها، وكل العلاقات الجديدة تصبح بالية قبل أن يتم تزويرها.

أوقات مخيفة - ومستقطبة بشكل غريب، لأنه إذا مات الله، فماذا يحل محل الله؟ العلم والبحث والعقلانية، أجاب البعض منتصرا. وقال آخرون: الوحدة وانعدام الجذور. أو الفجور والرأسمالية. مات الله، تحيا الحداثة!659 victoria

أقدم صورة معروفة لفيكتوريا يرجع تاريخها إلى عام 1865

نشأت فيكتوريا في بلدة صغيرة جدًا بحيث يمكنك أن تغمض عينيك وتفوتها أثناء مرورك. كان والداها متعلمين جيدًا لكنهما كانا يفتقران إلى المال. بالإضافة إلى أنهما كانا كبار السن. كانت طفلة خرقاء ووحيدة، علمتها والدتها معظم المهارات التي يجب أن تعرفها الفتاة البرجوازية (الفرنسية، البيانو، الخياطة، التطريز) بالإضافة إلى كل ما يمكن معرفته حقيقة الله وعقابه. ومن ناحية أخرى، بدا والدها وكأنه ملك الحرية. كان الاثنان يركبان فوق الحقول المفتوحة وكان يعلمانها المصارعة والتصفير وإطلاق النار. ركضت فيكتوريا لمواكبة ذلك، وتصارعت وأطلقت الصافرة وأطلقت النار، بذلت قصارى جهدها لتكون الابن الذي اشتاق إليه والدها.

لفترة من الوقت، كان كلاهما سعيدًا، قبل أن تأتي لحظة فريدة تغير فيها كل شيء. شاهدت الفتاة الصغيرة الضعيفة والدها وهو يدرك - لقد رأت ذلك حرفيًا - أنها لم تكن ابنًا حقًا. سجلت التعبير في عينيه وفسرته بالرفض والازدراء. منذ تلك اللحظة، لم تكره كونها فتاة فحسب، بل كرهت الخصائص الموجودة بداخلها والتي حددتها على أنها أنثوية، ولم تستطع تحمل النساء بشكل عام.

تعرفت على الليدي ماكبث، المرأة التي ارتكبت أبشع الجرائم. لقد كبرت بطول (183 سم، أو ما يزيد قليلاً عن 6 أقدام) وكانت قوية الإرادة، ومصممة على أن تكون رسامة. طلبت مرتين إذن والدها لدراسة الفن وقوبل طلبها بالرفض مرتين. الرفض الثاني حطمها. وهي الآن في العشرين من عمرها، وأعربت عن أسفها للخيارات المتاحة أمامها: العمل كمربية أو البقاء في المنزل كابنة غير متزوجة. لذلك، عندما ظهر خاطب عجوز - كريستيان بنديكتسون، الذي يكبرها بثلاثين عاما، وهو أرمل وأب لخمسة أطفال - تزوجته على الفور. ومع مدير مكتب البريد لزوجها، رأت فرصة؛ كونها امرأة متزوجة من شأنه أن يمنحها قدرًا معينًا من الحرية. ومع ذلك، استغرق الأمر بضعة أشهر حتى أدركت أنها قامت فقط باستبدال تبعية بأخرى. وفي وقت لاحق، وصفت المؤسسة الزوجية بأنها دعارة تسمح بها الدولة. كان زوجها ملزمًا بإعالتها لبقية حياتها، بينما كانت هي بدورها ملزمة بمنحه جسدها.660 victoria

فيكتوريا وكريستيان بنديكتسون، تزوجا حديثًا في هوربي عام 1871

أثبتت فيكتوريا بنديكتسون أنها زوجة ممتازة، ولكن عندما أنجبت ابنة، لم تشعر بأي عاطفة. كانت الفتاة الصغيرة ثمرة رغبة رجل عجوز. وعندما حملت للمرة الثانية، سيطر عليها مزاج مظلم؛ لعدة أسابيع من الحمل، لم تكن ترغب في تناول الطعام. ولدت ابنتهما في 22 يوليو 1876، والتى عُمدت باسم إلين وتوفيت فيما بعد. صمتت مذكرات بنديكتسون في ذلك الوقت. ولكن هناك أدلة على حالتها العقلية، والشعور بالذنب والراحة التي استهلكتها. منذ ذلك الوقت فصاعدًا، تعرفت على الليدي ماكبث، المرأة التي ارتكبت أبشع الجرائم

غالبًا ما كانت مذكرات بنديكتسون الخاصة تُدوَّن في تشفير من اختراعها الخاص، لدرء أعين المتطفلين.الذين اكتشفوا أنها سئمت حياة القرية ، حيث وجدت الناس ضيقي الأفق وغير أذكياء وثرثارين.  بدأت سرًا في كتابة قصص قصيرة مستوحاة من تشارلز ديكنز، وأرسلتها إلى الصحف بأسماء مستعارة ذكورية. وعلى الرغم من رفضها، إلا أنها تلقت نصيحة جيدة على طول الطريق: ادرس البيئة المحيطة بك، أيها الشاب. تعرف على عالمك والأشخاص الموجودين فيه.

كانت سكاني/ Skåne هي المناظر الطبيعية الخاصة بها: الحقول العاصفة، وشوارع القرى الموحلة والغابات حيث ينمو زنبق الوادي وحيث يذهب الناس لاصطياد الغربان، تلك الطيور السوداء المعدنية التي تظلم السماء عندما تطير في قطعان. وفي استجابة لعالم يتحول بسرعة المحرك البخاري، كان الناس يشعرون بالحنين إلى مجتمع ما قبل الحداثة: الريف الذي لم يمسه الزمن، والذي نظروا إليه على أنه أصيل (يشبه إلى حد كبير الآن). حققت قصص بنديكتسون عن سكان سكاني وعاداتهم، والتي نُشرت تحت الاسم المستعار إرنست آلجرين، نجاحًا فوريًا. وصرخ النقاد: "ألجرين هو مستقبل الأدب السويدي وأمله"، دون أن يعلموا أن آلجرين امرأة متزوجة تبلغ من العمر 33 عاما ولديها ستة أطفال. ولد نجم غير متوقع.

خلال معظم ثمانينيات القرن التاسع عشر، انخرطت الدول الاسكندنافية في نقاش أدبي ساخن عبر الحدود حول الحياة الجنسية للذكور والإناث، والسلطة، والتبعية، والذي أثارته مسرحية الكاتب المسرحي النرويجي هنريك إبسن "بيت الدمية" (1879)- وأججها كتاب عناصر العلوم الاجتماعية (1861) للطبيب البريطاني جورج درايسديل. شكك إبسن في القفص الذهبي للنساء البرجوازيات، اللاتي يفتقرن إلى كل الحقوق باستثناء الحق في إرضاء الآخرين، في حين جادل درايسديل بأن الأعضاء التناسلية للرجال والنساء عبارة عن عضلات تحتاج إلى تمرين منتظم حتى لا تضمر.

بدأ المثقفون الاسكندنافيون يتساءلون عما إذا كان ينبغي السماح للنساء بممارسة الجنس قبل الزواج، والتعرف على أجسادهن، وممارسة العادة السرية. وهل يجب على الرجال أن يظلوا عفيفين حتى ليلة زفافهم أم يموتون إذا كبتوا دوافعهم؟ (بالمناسبة، كانت الأطروحة التي أيدها ستريندبرج). وفي قلب كل ذلك كان الناقد الأدبي الدنماركي جورج براندز، الرجل الذي أحبه بنديكتسون في العامين الأخيرين من حياتها. لقد صعد إلى الشهرة من خلال ترجمة كتاب "إخضاع المرأة" (1869) لجون ستيوارت ميلز، والذي أضاف إليه مقدمة يدافع فيها بين السطور عن الحقوق الجنسية للمرأة، كمكمل لدفاع ميلز عن الحقوق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية للمرأة. اجتاحت ترجمة براندز كالعاصفة النارية الدول الاسكندنافية، حيث وجدت عشرات الآلاف من النساء فيها كلمات لوصف محنتهن. لقد أصبح زعيمهن غير الرسمي، ونموذجًا يحتذى به للإصلاحيين من الطبقة العاملة والطلاب الذين يتوقون إلى مجتمع أقل جمودًا.661 victoria

صورة مجلس الوزراء لجورج براندز. احتفظت بنديكتسون بهذه الصورة على مكتبها

أصبح براندز الناقد الأكثر أهمية في شمال أوروبا. قدم فيودور دوستويفسكي إلى بلدان الشمال الأوروبي واكتشف نيتشه. (كدليل على موقعه المركزي في الثقافة الأوروبية، احتفظت ابنة براندز بـ "كتاب أصدقاء" حيث ترك المعجبون تحياتهم. هناك توقيعات لأوتو فون بسمارك، وموريس رافيل، وكلود مونيه، وألبرت أينشتاين، وهنري جيمس، وتوماس مان، وأوغست رودان، راينر ماريا ريلكه، إيجور سترافينسكي، ليو تولستوي، إتش جي ويلز، إميل زولا، وستيفان زويغ. أرسل سيغموند فرويد شخصياً كتابه عن تفسير الأحلام إلى براندز.)

بعد أن اكتسبت الثقة والهيبة مثل إرنست ألجرين، حولت نفسها إليه تمامًا

خلال سنوات العزلة التي قضتها بنديكتسون في الكتابة في علية منزل مدير مكتب البريد، قرأت كل كلمة كتبها براندز. لقد كان بمثابة منارة للضوء في المياه الراكدة الفكرية في الريف السويدي - دليلاً للتعليم العالي الذي كانت تتوق إليه ولكن تم رفضها بسبب جنسها. وأضافت: "لدي عقل رجل في جسد المرأة".

عندما نشرت روايتها الأولى، المال (1885)، وجدت شهرة فورية، ناهيك عن أن أحد جيرانها الغيورين أدانها، وكشف عن هويتها الحقيقية للصحافة. بعد أن اكتسبت الثقة والهيبة بوصفه إرنست ألجرين، قررت أن تتحول إليه تمامًا. بعد كل شيء، لم يكن آلغرين مضطرًا إلى تقبيل مدير مكتب البريد بنديكتسون. كان بإمكان آلجرين الجلوس طوال الليل وهو يدخن ويأكل العنب ويناقش الأدب مع أصدقائه الأدباء الجدد.662 victoria

اجتماع الكتاب في ويتيريد، 1886. واقفين من اليسار: أولا هانسون، وإلين كروس، وهيلما بنديكتسون، ابنة زوج فيكتوريا. الجالسون من اليسار: ماتيلدا كروس-مالينج (الاسم المستعار ستيلا كليف)، وفيكتوريا بنديكتسون وابنة الزوجة ماتي بنديكتسون

لم يكن تحول بنديكتسون يتعلق بأن يصبح رجلاً بقدر ما يتعلق بأن تصبح حرة . مثل أنثى هوديني، بدأت في الخروج من قفص الأنوثة المغطى بالمشدات: أصبح بإمكان أطفال الزوج الاعتناء بأنفسهم، وتركت ابنتها الصغيرة لجدتها. وجد مدير مكتب البريد العجوز نفسه مجبرًا على عقد صفقة لم يكن يريدها: فبعد أن تحرر من واجب إعالتها، فقد حقه في ممارسة الجنس معها. في نهاية المطاف، تم تشريح القرية التي يعيشان فيها، بكل سكانها المتطفلين، بشكل كامل في قصة آلغرين لدرجة أن القرويين الذكور تجمعوا معًا لتهديدها بالعنف الجسدي. وشيئا فشيئا تم قطع العلاقات القديمة. أصبحت فيكتوريا إرنست. انطلقت هي - أو هو - إلى ستوكهولم واحتفلت بها النخبة الثقافية. طويلة بشكل غير عادي، ذات شعر داكن وترتدي دائمًا الحرير الأسود، ربما لإخفاء حقيقة أنها لا تملك أي أموال لمواكبة الموضة، حتى أن آلجرين كانت تغازلها. وفي سن الخامسة والثلاثين، اكتشفت ما أثار اهتمامها؛ فقط الارتباط الفكري بين العقول المتساوية هو الذي أيقظ شهوتها.

يبدو أن ألجرين قد تحرك ذهابًا وإيابًا على طول خط النوع بسلاسة. أطلق عليها أصدقاؤها الذكور اسم "الأخ إرنست" وكثيرًا ما كانت توقع رسائلها ب "الأم إرنست" المتحولة جنسيًا. وصفها أحد الأصدقاء بأنها:

...امرأة ليس لديها أي شيء من الخارج يكشف ما يحدث في الداخل. إنها تفتخر بإخفائها ويعتقد العالم كله أن السيدة بنديكتسون شخص جميل. لكن إرنست ألغرين يضحك عليهم جميعًا ويصورهم في كتبه.

لاحظ الضمائر السائلة. لكن ستوكهولم أثبتت في نهاية المطاف أنها برجوازية صغيرة مثل قرية بنديكتسون. لقد كانت حرة، لكنها وحيدة بشكل لا يصدق. وفي محاولة للعثور على آخرين "أحرار ومتوحشين" مثلها، غادرت إلى كوبنهاجن، مسقط رأس براندز.

في أكتوبر 1886، دعت ألجرين براندز إلى غرفتها في فندق ليوبولد، وجاء لزيارتها بأدب. لقد سمع عنها، بعد كل شيء، وكان يعلم أنهما يتقاسمان المُثُل الأدبية. ناقشا الأدب والنقاش الحالي حول الحياة الجنسية والزواج. أسر لها بشأن عشيقاته وزواجه. لقد أثبتت أنها مستمع جيد. قال لها أنه يحبها. تخيل ذلك! لقد حولت زوجة مدير مكتب البريد نفسها إلى كاتبة تقدمية مشهورة، وأصبحت الآن في محادثة حميمة وجهًا لوجه مع مثلها الأعلى. حاولت أن تبقى هادئة لكنها وقعت في الحب. بمجرد مغادرة براندز، قامت بتدوين كل كلمة وكل وقفة، مثل النوتة الموسيقية. يجب توثيق كل شيء. وسرعان ما التقيا مرة أخرى. ثم تبادلا القبلات .

مذكراتها الخاصة، والتي كانت تتألف من اقتباسات، أو نوبات غضب أو فرح، أو حكايات لاستخدامها في كتاباتها، تحولت الآن إلى أنقى رواية ذاتية، قبل صياغة هذا النوع الأدبي. تروي بصيغة الماضي، بسرعة وبناء متماسك، قصة رجل عظيم يأتي لزيارة امرأة ذكية في غرفة فندق. يتحدثان ويتبادلان القبلات ثم يحدث شيء آخر. من المؤكد أن ألجرين وقع في الحب. ولكن من الصحيح أيضًا أنها كانت تبحث عن مادة عمل. لقد رأت نفسها آكلة لحياة الآخرين، وعثرت على كنز. لقاء تلو الآخر، ابتكرت قصة عن التلاعب والتبعية، وعن الحياة الجنسية والكراهية والشهوة والخوف. لقد استخرجت كل أوقية من علاقتهما وحولتها إلى أدب. لم يكن بإمكان كارل أوفر كناوسجارد أن يفعل ذلك بشكل أفضل.

جاءت الضربة الحقيقية عندما نُشرت روايتها الثانية وأطلق عليها اسم "كتاب السيدات".

ظهر تطور مؤلم في القصة في وقت مبكر. السبب الحقيقي للقائهما هو أن آلجرين نجح في أن تصبح مؤلفة، وكان براندز فضوليًا. لكن على الرغم من أنها حققت النجاح من خلال الخروج من القفص الجنسي، فقد أصبح من الواضح أن براندز لم يكن لديه أدنى اهتمام بالمرأة التي فككت أنوثتها.ولجذب انتباهه، يجب عليها أن تعيد نفسها إلى امرأة. لقد لعنت نفسها لخيانتها لنفسها، ومع ذلك غيرت شعرها لإرضائه، وبقيت في غرفتها فقط في حالة قدومه. بدأت أيضًا في الاحتفاظ بسجل لأصدقائه وعشيقاته، ثم حاولت مصادقتهم. هل كانت امرأة في الحب؟ كاتبة استخدمت نفسها لصنع الفن؟ مطارد فكري؟ الجواب على كل هذه الأسئلة هو نعم.

وبعد ما يقرب من عام من الحديث والتقبيل، بدا أن براندز فقد الاهتمام. لقد طلب ممارسة الجنس مرارا وتكرارا - وقال إنه لن يغويها أبدا، فهو يريد ممارسة الجنس فقط إذا كانت ترغب فيه بنفس القدر - لكنها رفضت. الآن، أصابها الذعر وعرضت عليه آخر شيء بقي لديها لتقدمه، أو هكذا رأته. لقد مارسا الجنس عدة مرات، ثم فقد الاهتمام حقًا. لكن الضربة الحقيقية جاءت عندما نُشرت روايتها الثانية وأطلق عليها اسم "كتاب السيدات". آلجرين، الذي كانت علامة فخره تكمن في الكتابة بشكل واقعي ومن دون مشاعر، "مثل الرجل"، تم تدميره. علاوة على ذلك، قام إدوارد، شقيق براندز، الذي لم يكن على علم بعلاقتهما، بذبح الكتاب في مراجعة في صحيفة بوليتيكن اليومية. الآن، أصبح كل شيء واضحًا لبنديكتسون. لم تكن امرأة بالقدر الكافي ليحبها جورج براندز، ولا فنانة جيدة بما يكفي ليحترمها. بحثت عن مسدس والدها وتأكدت من أنه يعمل.

وفي هذه الأثناء، كان ستريندبرج يراقبها عن كثب. أقام كلاهما لفترات طويلة في فندق ليوبولد، وتقاسما الأصدقاء، وقضيا وقتًا معًا. لقد كان مفتونًا بها، ولم يكن متأكدًا من نوع المخلوق الذي كانت عليه حقًا. امراة؟ لا، لكن ليس رجلاً أيضاً.663 victoria

أوجست ستريندبرج عام 1897

رفضت ألجرين فكرة الانتحار باستخدام السلاح، خوفًا من أن ينتهي بها الأمر بالأذى وليس الموت. وبدلاً من ذلك، حصلت على كمية من المورفين. أبلغت صديقًا مقربًا بخططها وطلبت منه أن يكون هناك بينما كانت تنتظر الموت. وليس من المستغرب أن الرجل المسكين لم يتمكن من التعامل مع الموقف، لذلك طرق باب سترندبرج وأخبره بما يحدث في ممر الفندق. أصبح سترندبرج فجأة مستيقظًا تمامًا وكان فضوليًا للغاية. اتضح أن بنديكتسون تقيأ ولم تمت هذه المرة. بعد أن حكم عليها بالبقاء على قيد الحياة، ذهبت إلى باريس، وزارت أصدقاءها، بل ونشرت كتابًا من القصص القصيرة (الذي أحبه براندز حقًا). لقد حققت أيضًا نجاحًا كبيرًا في مسرحية في ستوكهولم، ولكن يبدو أن لا شيء يرضيها. وفي صيف عام 1888، حجزت غرفة في فندق ليوبولد مرة أخرى، واشترت شفرة حلاقة ومرآة يدوية، وانتظرت بفارغ الصبر يوم 22 يوليو - عيد ميلاد طفلتها التي توفيت - ليتحول ذلك اليوم إلى آخر يوم في حياتها. بدأ ستريندبرج على الفور في العمل على مسرحية الآنسة جولي:

شخص ما ينتحر. يقول رجل الأعمال: "مخاوف العمل". تقول السيدات: "الحب بلا مقابل". يقول الرجل المريض: «مرض جسدي». يقول الفاشل: "آمال محطمة". ولكن من المحتمل أن الدافع يكمن في كل هذه الأشياء، أو في أي منها، وأن الرجل الميت أخفى دافعه الحقيقي من خلال التركيز على دافع مختلف تمامًا يسلط أفضل ضوء ممكن على ذاكرته.

في مسرحيته، يؤكد سترندبرغ على نشأة بطلة الدراما التعيسة، التي نشأت كصبي وبالتالي أصبحت نصف امرأة ونصف رجل. ويواصل أن المرأة المتحررة ليست "نوعًا جيدًا" ولكنها يجب أن تدمر نفسها. وبعد ذلك أشار إلى انتحار البطلة بشفرة الحلاقة. وبعد 19 يومًا فقط من وفاة بنديكتسون، أرسل سترندبرج المخطوطة النهائية إلى ناشره. أصبحت فيكتوريا بنديكتسون المتوفاة الآنسة جولي.

لقد تغذت بنديكتسون على مصيرها مثل الأوروبوروس الذي يبتلع ذيله دائمًا.

بقطع النظر عن حقيقة أنه سرق طفولة بنديكتسون المتناقضة بين الجنسين، والجمع بين الجنسين في هويتها البالغة، وتفاصيل انتحارها الشنيع، لا يبدو للوهلة الأولى أن لديها الكثير من القواسم المشتركة مع الآنسة جولي الخيالية. . بطلة رواية الآنسة جولي هي امرأة من الطبقة العليا تتلاعب بالخادم جان لممارسة الجنس ثم تنتحر. إلا أن جوهر دراما سترندبرج، ومصير المرأة الحقيقي والخيالي، هو الصراع الدائم بين القوة والضعف الذي يؤدي حتماً إلى سقوطها.664 victoria

ملصق فيلم لعام 1922 للآنسة جولي

لربما كانت بنديكتسون قد وافقت على سرقة ستريندبرج بل وأثنت عليها. ففي نهاية المطاف، فقد دربت نفسها لتصبح مستهلكًا علميًا تقريبًا لمصير الآخرين. لقد أعجبت بالعين الموضوعية وحاولت دائمًا "تحليل" مشاعرها وأفكارها لتصبح كاتبة أفضل. وكانت هذه عقيدة الحداثة. كان على الفنانين أن يظلوا مخلصين للواقع وأن يتجنبوا أي شيء عاطفي أو كاذب، وفقًا لرسلهما الرئيسيين: إبسن وبراندس. ولكن فوق كل شيء، كانت بنديكتسون تتغذى على مصيرها مثل الأوروبوروس الذي يبتلع ذيله دائمًا. وخلال العامين الأخيرين من حياتها، أصبحت مذكراتها رواية حياتها كما عاشتها، ولم تتأخر عنها سوى أيام قليلة.

لقد تحولت الكراهية والنشوة التي عاشتها إلى نص طازج لدرجة أنه تبخر مثل لحم حيوان مذبوح حديثًا، على حد تعبيرها بنفسها. كان هذا أدبًا غير مناسب تمامًا لامرأة للتعبير عنه، ولم يكن من الممكن نشره في ذلك الوقت. فقط من خلال تركها لصديق ذكر، الذي نشرها في أجزاء على مدار الثلاثين عامًا التالية، ستصبح من أكثر الكتب مبيعًا، بنفس قوة رواية ستريندبرج "الدفاع عن أحمق" (1893). لم تكن المرأة سوى أحمق بنديكتسون – كيانها، ولعنتها، وسجنها. كان الانتحار هو الهروب الأخير.

***

...................

* الصورة الأولى لفيكتوريا بنديكتسون عام 1871. جميع الصور مقدمة من مكتبة جامعة لوند وأرشيف فيكتوريا بنديكتسون

* فيكتوريا بنديكتسون (6 مارس 1850 في دوم - 22 يوليو 1888) كاتبة سويدية. ولدت باسم فيكتوريا ماريا بروزيليوس في دوم، وهي قرية في مقاطعة سكين. كتبت تحت الاسم المستعار إرنست ألغرين. تشمل الأعمال البارزة بينجار (1885) وفرو ماريان (1887). نشأت بنديكتسون في مزرعة في السويد. في سن 21 تزوجت من أرمل يبلغ من العمر 49 عامًا من هوربي (وأنجبت منه ابنتان). بعد أن تركها المرض طريحة الفراش، اتجهت بنديكتسون إلى الكتابة، ونشرت مجموعتها القصصية الأولى، فران سكون، في عام 1884. وتُعتبر مع أوغست سترندبرغ واحدة من أعظم أنصار أسلوب الكتابة الواقعية السويدية. وصفت في رواياتها عدم المساواة في الزواج وكثيرًا ما ناقشت قضايا حقوق المرأة في كتاباتها. ينظر إليها النقاد الحاليون على أنها ناشطة نسوية مبكرة. في وقت سابق كان التركيز على علاقة حبها مع جورج براندز. كما كتبت مسرحيات إحداها بعنوان I Telefon (بالسويدية: On Telephone) والتي عُرضت سبعًا وعشرين مرة على المسرح الدرامي الملكي في ستوكهولم وحققت نجاحًا كبيرًا.  نُشرت المسرحية في مجلة Familie Journalen عام 1887.

الكاتبة: إليزابيث أسبرينك/ Elisabeth Åsbrink (من مواليد 29 أبريل 1965) مؤلفة وصحفية وكاتبة مسرحية سويدية حائزة على العديد من الجوائز. تشمل كتبها 1947: عندما يبدأ الآن (2017)، وفي غابات فيينا تبقى الأشجار (2020)، وكراهية كبيرة جميلة: سيرة ذاتية لفيكتوريا بنديكتسون (2023).

رابط المقال على أيون /  AEON بتاريخ 14 مارس 2024:

https://aeon.co/essays/the-woman-behind-strindbergs-miss-julie-and-her-male-alter-ego

كيف يستغل الكتاب الغربيون النمر؟.. تاريخ موجز للافتتان المبهر
بقلم: أديتي ناتاشا كيني
ترجمة : د. محمد غنيم593 Aditi Natasha Kiniتعيش النمور حياة سرية، مختبئة في الغابات والجبال، وتتجنب الاتصال بالبشر بكل الوسائل. تختبئ عندما تحتاج إلى ذلك، وتشارك عندما يكون الأمر ضروريًا. تتطلب مساحات واسعة من الأراضي لتعتبرها موطنًا لها، وتحدد حدودها من خلال خدش الأشجار بأظافرها، كأنها تكتب أسمائها. النمر السيبيري يحتاج إلى أكبر مساحة من الأرض، تكاد تصل إلى 4,000 ميل مربع. وهذا يعادل تقريبًا 20 مرة حجم جزيرة مانهاتن.
تساعد ستود أن مولودًا جديدًا. يولدون بلا أسنان وبلا رؤية، وعندما تنمو أسنانهم اللبنية، تكون رقيقة مثل الدبابيس. تصبح الأم مشغولة في معضلة قاسية للبقاء على قيد الحياة: إذا تركت أشبالها لفترة طويلة، سيموتون، وإذا لم تتركهم أبدًا، سيموتون جوعًا.
يمكنك سماع زئير النمر على بعد ميلين، لكن ذلك لصالحك، لأن عضته أسوأ. يمكن لأنيابه أن تصل إلى طول إصبعك الأوسط. ضربة واحدة من 30 سنًا في فمها تولد ضغطًا يصل إلى 10,000 رطل لكل بوصة مربعة. يمكنها أن تكسر ظهرك نصفين.
هل تريد قتلهم لأنك تخاف منهم—أم لأنك تطمح إلى قوتهم؟
منذ عدة أشهر، بدأ رئيس مكتب "نيويورك تايمز" لشؤون جنوب آسيا في الكتابة عن صيد نمر في الهند حيث حكمت السلطات بأنه يمكن إطلاق النار على T-1، نمر يبلغ من العمر 5 سنوات وكان يشكل تهديدًا للمجتمعات القروية، فور رؤيته. ولأغراض هذه المقالة، دعونا نعطيها اسمًا: تارا.
هذا رئيس المكتب—رجل أبيض—كتب عدة مقالات متحمسة عن هذا الصيد، وفي أحدها نقل عن صياد قوله: "بمجرد أن يلتقي نمر بشخص ويقتله، قد يطور ذوقًا للحوم البشر [التي] هي أكثر حلاوة من لحوم الحيوانات الأخرى بسبب كل تلك الكمية من الزنجبيل والملح والتوابل التي يستهلكها الناس." يبدو أن لحم البشر في جنوب آسيا أفضل طعمًا من لحوم الحيوانات العادية—معلومة غريبة وتافهة أُلقيت في المقالة كنوع من المزاح، مع وصف ساخر لعطر "أوبسيشن" من كالفن كلاين باعتباره طُعمًا مناسبًا للقطط البرية. (تمامًا كما في إعلان لعطر "أكس"، حيث يُوصف العطر بأنه "مثبت علميًا أنه يجعل القطط البرية تتصرف بشكل جنوني").
في أحد المقالات ، وصفت تارا بأنها "مريضة نفسية"، لكنها في الوقت نفسه "عبقرية". ووصفتها مقالة أخرى في صحيفة نيويورك تايمز بأنها "شيء من قصة روديارد كبلينج".589 tigerقد يبدو صيد النمور ممارسة قديمة، لكن هذه العادة بدأت فقط خلال حكم الإمبراطور المغولي أكبر في النصف الثاني من القرن السادس عشر. كان الملوك السابقون يشاركون في قتال مع النمور، عادة باستخدام السيوف. بمعنى آخر، كانت مغامرة خطيرة. لكن البريطانيين حولوا الشيكار إلى رياضة؛ كان أفراد العائلة المالكة، سواء كانوا من البيض أو غيرهم، يخرجون في مجموعات كبيرة مع ما يصل إلى 50 فيلًا، وغالبًا ما كانوا يتركون النمور مخدرة أو يُغريها الصيادون بحيث يواجهون القليل من الخطر. يقدر المؤرخ ماهيش رانجاراجان أن حوالي 80,000 نمر تم ذبحها في نصف القرن بين عامي 1875 و1925.
وُصف قتل نمر مالاي في عام 1852 في "نيويورك تايمز" بطريقة درامية على هذا النحو:
" ها هو أمامنا! أجمل في خطوطه من الحمار الوحشي، ينفث الهواء في اندهاش، أقل خوفًا من كونه مذهولًا من وجودنا—ثابت في مكانه في البداية، يُصدر زئيرًا مدويًا وعميقًا، يرفع جفونه المكسوة بالفرو، يلعق شفتين نصف مفتوحتين بلغة خشنة وحمراء... ثم تُطلق الرصاصة، فيصرخ النمر، يحاول القفز، لكنه يسقط على الأرض كما لو أنه صخرة من السماء؛ تقدمت الفتاة وألقت رمحها، فاخترق جسده، حاول التراجع، لكن مع كل حركة كان السلاح القاتل يغوص في لحمه أكثر. وأُطلقت بنادقنا جميعًا لتضع حدًا لحياته، مؤكدة نهايته بلا شك."
وهنا، تبدو عملية صيد النمر شاعرية: فهي مادة أدبية، وأي ضرر جانبي يجعلها أكثر رومانسية. (ويستمر الكاتب في ملاحظة أن الشخصين الملايويين المتبقيين عثرا على جزء من رأس وحنجرة شقيقهما الأصغر).
وعلى الرغم من تاريخ هذا النهج القاسي تجاه النمور الحية التي تتنفس، فإن رموز النمور موجودة في كل مكان: السترات المطرزة، وشعارات المطاعم، وملصقات أجهزة الكمبيوتر المحمولة، وأغلفة الكتب. وثقافتنا البصرية مشبعة ببدائل النمر التي تسمح لنا بالتعجب من جمال هذا النوع الشرس دون عناء مواجهة شراسته.
لقد ظلت قيم الاستعمار قائمة بعد الانقسام الدموي في شبه القارة.591 tigerفي كتاب الأدغال لكبلنج، من الغريب أن شير خان هو الخصم الرئيسي في غابة مليئة بالحيوانات الشريرة المحتملة. شير خان، الذي تم تصويره معزولاً ومهووسًا بقتل إنسان، منفصل عن قانون الغابة - "لأن قوة القطيع هي الذئب، وقوة الذئب هي القطيع". في كتاب الأدغال، ماوكلي هو المواطن الأصلي المستعد للترويض؛ وشير خان هو البرية التي تهدد بابتلاعه.
لقد تم إضفاء الشرعية على صيد النمور من خلال التشهير بها، وليس فقط من خلال الأدب. لقد تحولت النمور إلى قطط شريرة قاتلة في نظر العامة في الوقت الذي بدأت فيه هذه الرياضة في عهد الحكم البريطاني ـ بعد أن فرض التاج سيطرته الشرسة على شبه القارة الهندية في عام 1857 ـ — عندما بدأ المزيد من الصيادين الظهور، وكانوا أقل مهارة من أي وقت مضى، مما أدى إلى إلحاق الأذى بالنمور وإبطائها. فأُطلق عليها اسم "الشياطين"). ولماعجزت النمور عن اصطياد فرائسها المعتادة بسبب إصاباتها، فقد بدأت في مطاردة البشر. وهكذا، أصبح النمر يُنظر إليه الآن على أنه آكل لحوم ماهر وذكي، مما جعل الصيد أكثر إلحاحًا وأكثر ضرورة..
لقد تزايدت عمليات قتل النمور في الهند بعد الاستقلال في عام 1947. ولقد صمدت قيم المستعمر في وجه التمزق الدموي الذي أصاب شبه القارة. فقد أخبر مهراجا سورجوجا أحد علماء الأحياء أنه قتل أكثر من ألف نمر. وكان الجميع يمتلكون البنادق ويتعطشون للدماء. كان كل شيء يُعتبر غنيمة. كان هذا بمثابة استيلاء على الطبيعة. كانت الأرواح لها قيمة، وكذلك فرو النمر.Bengal Tigerيتحول كيرتس، الاستعماري المتمرد في رواية قلب الظلام، من تحمل "عبء الرجل الأبيض" إلى الرغبة في قتل السكان الأصليين؛ وغالبًا ما تُقرأ الرواية كعمل محوري في موضوعات العنصرية والاستعمار.يصف تشينوا أتشيبي الصورة النمطية الشائعة لأفريقيا باعتبارها "ساحة معركة ميتافيزيقية خالية من أي إنسانية يمكن التعرف عليها، والتي يدخلها الأوروبي المتجول على مسؤوليته الخاصة"، في كتابه "صورة أفريقيا: العنصرية في قلب الظلام" لكونراد. ويتساءل أتشيبي: "ألا يرى أحد الغرور الساخر والمشوه في تقليص أفريقيا إلى مجرد أداة لتفكيك عقل أوروبي تافه؟"
إن كلمة Jungle تأتي من الكلمة السنسكريتية التي تعني الأرض غير المزروعة والجافة، وليس غابة كثيفة منيعة في الشرق، كما تصورها الأدبيات الغربية. وقد أصبحت كلمة "أدغال" تشير، في الخيال الاستعماري، إلى أرض غير مسيطر عليها: الغابات المطيرة الاستوائية، وأشجار المانجروف، وموطن "السكان الأصليين المتوحشين". وكانت الأدغال أراضٍ مستعمرة قبل وصول الرجل الأبيض.
وإلى جانب الغابة، أصبحت مخلوقاتها، وخاصة تلك العجائب المدهشة من التطور التي تتمتع بفكين ضخمين وقدرات مثيرة للإعجاب وإن كانت غامضة، استعارة حية للوحشية — والدافع الاستعماري لاحتلالها. ولم يستطع جيم كوربيت، الذي كان يُشاد به باعتباره منقذاً وصياداً ومحافظاً على البيئة ولم يقتل سوى القطط الكبيرة التي تهدد حياة البشر، أن يقاوم الرغبة في قتل نمر بأول بندقية تلقاها عندما كان صبياً صغيراً.
كان تيبو سلطان، نمر ميسور، يحكم أغلب سكان جنوب الهند من الهندوس في القرن الثامن عشر، وكان يكره البريطانيين، رغم أنه حاول في البداية التحالف معهم ضد المراثا. وفي حوالي عام 1795، أمر تيبو شعبه ـ ويقول بعض المؤرخين إنه بمساعدة الفرنسيين ـ ببناء نمر ميكانيكي يزأر وهو يعض وجه جندي بريطاني راقدا على الأرض وهو يبكي. وكان تيبو يتلذذ بهذه الصورة؛ وكان النمر الميكانيكي واحدا من سلسلة من الأعمال الفنية التي تصور الطرد العنيف للبريطانيين، عادة بواسطة النمر. وقد استخدم تيبو استعارة النمر كسلاح ضد البريطانيين.
ترى الحيوانات المفترسة الكبيرة البشر كـ"مفترسين كبار"، وهم يخشوننا بشدة. تجنبهم لنا يؤدي إلى تعطيل النظم البيئية.
ردًا على ذلك، كان البريطانيون غاضبين من هذا الرجل السمين الذي جلس على عرش من الذهب على شكل نمر. قتلت جيشه وأتلفت عرشه لتقسيمه كغنائم — "صندوق الجوائز" — بين القادة العسكريين، رغم أن الحاكم العام الذي كان يطمح لعرض العرش أمام الملك الإنجليزي لم يوافق. (تم بيع أحد الزخارف الذهبية من عرش تيبو، التي تحطمت بمطرقة ثقيلة، مقابل نصف مليون دولار قبل عشر سنوات). وأصدرت شركة الهند الشرقية ميداليات تحمل صورة الأسد البريطاني وهو يدمر النمر احتفالًا بذلك.
استولت شركة الهند الشرقية على "نمر تيبو" في عام 1808 لعرضه في متحفها ومكتبتها، حيث كان بإمكان الجمهور الإنجليزي لفه وتشغيل آليته. ومع مرور نحو ثلاثين عامًا، انتشرت تقارير عن حالته المتدهورة. تم نقله إلى متحف فيكتوريا وألبرت في عام 1880، وكان من المقرر أن يوضع في برج لندن، المشهور كسجن.
كتب ماركيس ويلسلي إلى الحاكم العام بعد مقتل تيبو سلطان في عام 1799: "يُتصور أن هذه الذكرى للتعالي والقسوة الوحشية لتيبو سلطان قد تستحق مكانًا في برج لندن". لم تطلب الهند رسميًا استعادة مقتنيات تيبو، ربما لأن شعبيته تختلف حسب الجماهير. يعتقد البعض أن الحاكم المسلم قطع رؤوس البراهميين بالقرب من مدينة مانجالور، رغم أن بعض المؤرخين يختلفون مع هذه الرواية. اشترى الملياردير فيجاي ماليا، الذي يواجه تسليمًا بتهم سرقة المال من الهند، سيف تيبو وأشياء أخرى لإعادتها إلى الهند. لكن ما يثير القلق هو أن البريطانيين لا يزالون يجنون أرباحًا من غنائمهم، والأكثر إزعاجًا هو أن ماليا "تخلى" عن السيف الثمين بعد أن قال أفراد عائلته إنه يجلب له الحظ السيء؛ فالوطنية والتاريخ والرأسمالية غالبًا ما تكون مزيجًا زلقًا.
أظهرت دراسة نُشرت العام الماضي من قبل باحثين في جامعة ويسترن وجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز أن الحيوانات المفترسة الكبيرة ترى البشر كمفترسين كبار، وهم يخشوننا بشدة. إن تجنبهم لنا يعطل النظم البيئية. هناك مفترس واحد فقط. إن السرد الذي يروج لتفوق الإنسان — الذي يُوصف بشكل فضفاض باعتباره إيمانًا ضمنيًا بتفرد جنسنا وحقوقنا على حساب الجميع — هو في النهاية ما يجعل قتل آكلة اللحم أمرًا ذا طابع مقدس، وبالتالي لا يُسائل أخلاقيًا.
ما زالت التهديدات التي تواجه أعداد النمور موجودة، خاصة في شكل الحكومات التي تغض الطرف والعقوبات. رفعت الصين مؤخرًا حظرها عن عظام النمر، لكن إمداداتها تأتي من الهند: نمر جنوب الصين هو "منقرض وظيفيًا" لأنه لم يُرَ منذ فرض الحظر قبل 25 عامًا. جلبت تجارة الأدوية الصينية ما سُمي بـ "أزمة النمر الثانية" على شكل صيادي نمور صينيين في الهند في الثمانينيات، بعد اغتيال رئيسة الوزراء إنديرا غاندي. هناك أعداد أكبر من النمور في الأسر في الولايات المتحدة، ربما حتى في تكساس فقط، مقارنة بما هو موجود في البرية.
قرأت هذا المقال في مكان مشهور ثم اختفيت لأهدئ أعصابي. بحث عني عدد من الأشخاص وأخبَروني عن المرة التي مدَّوا فيها أيديهم إلى نمر، وأنهم لم يدركوا أنه كان خطأ إلا بعد أن قلتُ إنني لا أرى أي طريقة مشرفة للتعايش مع نمر. تم قتل "تارا" برصاصة بعد يومين. واكتشفتُ لاحقًا أن المدافعين عن حقوق الحيوانات كانوا يطلقون عليها اسم "أفني" — الأرض.
يحاول رجل بريطاني أبيض أن يداعب يدي، ويتحدث بجدية عن أن ترامب هو أسوأ شيء حدث له شخصيًا. يقول محرر إحدى المجلات الكبرى إن ترامب هو أحد أسوأ الكوارث في تاريخ البشرية. أضحك بطريقتي المحذرة. أسناني كبيرة، وهي ظاهرة.
***
...........................
الكاتبة: أديتي ناتاشا كيني/ Aditi Natasha Kini: تكتب أديتي ناتاشا كيني مقالات وسيناريوهات ونقدًا ثقافيًا من شقتها المشمسة في ريدجوود، كوينز. ظهرت كتاباتها في Bitch وJezebel والعديد من المنافذ الأخرى. تعمل حاليًا على مشروع كتاب غير روائي إبداعي بعنوان I DON’T KNOW HOW TO LIVE، وسلسلة ويب بعنوان PROBLEMATIC.

 

بقلم: كودي ديليستراتي
ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم573 codydelistratyتعمل ثقافتنا بجد للفصل بين الجنس والموت، ولكن إعادة شحن الرغبة الجنسية قد توفر التحرر الذي يحتاجه الحزن
***

كان إيجون شيلي شخصية مثيرة للجدل منذ البداية، وهو ما قد يعتبره البعض الآن "وحشًا فنيًا". فقد اتُهم بـ "الفجور العلني"، والاختطاف والاغتصاب، وكان يرحب بالفتيان والفتيات المراهقين في استوديو الفن الخاص به خارج فيينا، وحافظ على علاقة مع تاتيانا جورجيت آنا فون موسيج التي كانت تبلغ من العمر آنذاك 13 عامًا. (كانت هناك جوانب اجتماعية وسياسية لعبت دورًا في اعتقال شيلي ولم يتم تثبيت سوى تهمة الفجور العلني، والتي قضى بسببها حوالي ثلاثة أسابيع في السجن).
في الوقت الذي كان فيه شيلي يرسم، كان سيجموند فرويد يعمل على مقاله "ما وراء مبدأ اللذة" (1920)، حيث وضّح الصراع بين ما سيُسمى لاحقاً إيروس (غريزة الحياة، التي تُميز غالباً بالرغبة الجنسية) وتاناتوس (غريزة الموت). غالبًا ما تُظهر صور شيلي العضلية للأولاد والبنات قبل سن البلوغ شعر العانة والمهبل المتسع والانتصاب القوي. لكن السمة المميزة لشخصيات شيلي - والكثير مما يضيف إلى الجدل وطبيعتها المزعجة - هي عيونها الفارغة التي تشبه الجثث .
تحمل العديد من لوحات شيلي إحساسًا متنبئًا بالموت، وهو أمر نادر لشخص في العشرينيات من عمره. مستندًا إلى تقليد "ميمينتو موري" في تاريخ الفن، قلب شيلي الرمز التقليدي للجمجمة الموضوعة بشكل ملفت – كما هو الحال في لوحة "السفراء" لهانس هولباين (1533) – وبدلاً من ذلك قدّم مشاهد للمعاناة، والنشوة، والقرب من الموت. أحيانًا كان يجعل تأملاته الموضوعية صريحة، فكتب قصيدة بعنوان "بورتريه ذاتي" (1910) تنتهي بعبارة: "أنا إنسان، أحب/ الموت وأحب/ الحياة". بالنسبة لشيلي وفرويد، الموت مرتبط بالنشوة الحسية، حتمي، ومرتبط بشكل لا ينفصل بالإيروتيكية.
ربما كانت نظرية إيروس وثاناتوس قد اقترحتها في الأصل الطبيبة الروسية سابينا سبيلراين (صديقة فرويد وكارل يونج)، قبل نحو عقد من الزمان من نشر فرويد لكتابه "ما وراء مبدأ اللذة". وبفضل ملاحظاته السريرية، برزت نسخة فرويد من هذه النظرية. ففي جلسات العلاج التي كان يعقدها، رأى فرويد المرضى يعودون قسراً إلى الصدمة، غالباً في أحلامهم، وخلص إلى أن أغلب الناس ينجذبون حتماً نحو موتهم ــ أي إلى ثاناتوس. ويمكن رؤية إيروس، أو الدافع نحو اللذة والحياة، في الاتجاه المعاكس، في شدة الرغبة الجنسية وغيرها من السعي إلى "الحفاظ على الحياة".
إن العلاقة المعقدة بين إيروس (إله الحب والحياة) وثاناتوس (إله الموت والتدمير) تُعتبر أساسية في الإنتاج الثقافي الغربي، وكذلك، في أعقاب أفكار سيجموند فرويد، أساسًا لدراسات تجريبية هامة في علم النفس. على الرغم من أن هذه المفاهيم توجد كطرفين متقابلين في طيف واحد، فإن تصادمهما يفضي إلى بعض من أعمق وأوضح لحظات الحياة.
على سبيل المثال، تتناول رواية الحادث (1973) لجاي. جي. بالارد، الإثارة الجنسية الناتجة عن تجارب الموت الوشيك كوسيلة لمواجهة الوحدة الجوهرية التي تميز الحداثة وتقنياتها، التي يُمثلها هنا بالسيارة. تُظهر الشخصيات رغبتها في ترتيب والانخراط في حوادث سيارات مستوحاة من تلك التي تشمل المشاهير، مما يوجه الانتباه إلى الموت كعنصر بارز، وأيضًا إلى نوع من التجاوز (ترانسندنس) عبر الفتيشية، التي تمثل شكلًا من أشكال مواجهة الموت.571 Sex and Deathهل يصبح الجنس غريبًا، بل وحتى سخيفًا، بسبب وجود الموت، كما هو الحال في بعض أعمال شيلي؟
إن رواية جوليان بارنز "الإحساس بالنهاية" (2011)، التي تركز على انتحار طالب من جامعة كامبريدج وذكريات الراوي وسوء تذكره لصداقتهما، ملونة أيضاً بحدوة الحصان التي ترمز إلى إيروس وثاناتوس ــ الطرق التي ينحني بها الطيف الذي يقيمان عليه، وينفجر عند لمسه. ولأنه عاجز عن رؤية وفاة صديقه على أنها أي شيء سوى انعكاس لذكائه المفرط (أو الرومانسي)، فإن فهم الراوي لا يتضح إلا في نهاية الرواية عندما يعلم أن صديقه ربما انتحر بعد أن تسبب في حمل والدة صديقته التي أنجبت ابناً معاقاً.
لا يقدم بالارد ولا بارنز ولا شيلي أفكاراً سهلة حول طبيعة الجنس والموت، أو إيروس وثاناتوس؛ بل إن كل واحد منهم يُظهِر على نحو فريد الطرق التي يشكل بها احتكاكهما الأساس لفوضى الحياة. فعندما نواجه الموت أو الخسارة، لا يتضح لنا على الفور ما الذي يمكن أن تفعله الإثارة الجنسية. فهل يمكن لمزيج الموت والجنس أن يعمل كبلسم، أو نوع من التحرير الجذري، كما في رواية "الاصطدام"؟ هل يصبح الجنس غريباً، بل وحتى سخيفاً، بسبب وجود الموت، كما في بعض أعمال شيلي؟ أم أن الجنس يقودنا نحو الموت، كما قد يستنتج المرء من رواية "الإحساس بالنهاية"؟ كل هذا استفزازي. ومعظمه يتجاوز المناقشة المهذبة.
إن الرغبة الثقافية في الفصل بين الموت والجنس كانت قائمة منذ زمن طويل.. ولنتأمل هنا العزلة التقليدية المتوقعة من الحزانى في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، والتي كانت لا تزال سائدة حتى القرن الماضي: ارتداء اللون الأسود في الحداد؛ والتوقعات الاجتماعية حول المدة المناسبة للحزن؛ وفي بعض الأحيان، الأمر بالبقاء بعيداً عن الأنظار. ويشكل رد فعل أبراهام لنكولن على حزن زوجته ماري تود بعد وفاة ابنهما ويلي بسبب حمى التيفوئيد دراسة حالة. فقد قال لماري، وفقاً لخياطتها، بينما هددها بإرسال زوجته إلى مصحة للأمراض العقلية: "حاولي السيطرة على حزنك، وإلا سيقودك ذلك إلى الجنون، وقد نضطر إلى إرسالك إلى هناك". ومع ذلك، استمرت في المعاناة من نوبات حزن شديدة - "نوبات الحزن" - لم يقبلها زوجها وتوقعات المجتمع، ولكن تم تخفيفها.
لا شك أن مثل هذا التفاعل لا يؤدي إلا إلى تفاقم شعور الحزين بالوحدة، وهي حالة ترتبط ارتباطا وثيقا بضعف الصحة العقلية. وفي بعض النواحي المهمة، تجاوزنا الأفكار التقليدية حول الحزن. فقليلون هم الذين يحددون الوقت الذي يتعين عليهم انتظاره قبل العودة إلى المجتمع؛ وقليلون هم الذين يعاقبون أنفسهم بشكل واضح؛ وتراجعت توقعات العزلة في الغالب. وفي حين لا يزال الحزن بعيدا عن السعي العام، فإن أشد أشكال جلد الذات والتضحية بالنفس، لحسن الحظ، توقفت إلى حد كبير.
لا يزال مفهوم أن الشخص الذي فقد عزيزًا قد يستمتع بحياته، أو يتحدث بحرية ويشارك في الحياة، بما في ذلك ممارسة الجنس، يمثل تحديًا ثقافيًا. تظل هناك تحفظات اجتماعية حول الجنس بين المُعزين، حيث نتمسك بأفكار تقليدية تفيد بأن الشخص الحزين يجب أن يتمتع بنقاء أخلاقي وجسدي. يُنظر إلى مزج الجنس مع الحزن – الذي يمثل الدافع نحو الحياة والدافع نحو الموت، إيروس وتاناتوس – على أنه غير مقبول.كما يعتبر الحزن الجنسي، الذي يتضمن مشاعر الفقدان الناتجة عن انتهاء العلاقة الجنسية مع الشريك المتوفى، نوعًا من "الحزن غير المعترف به"، مما يجعله موضوعًا يُناقش بشكل محدود في السياقات العامة. من الأسهل والمقبول أكثر مناقشة الحب أو الحياة المشتركة، بينما يُتجاهل هذا الشوق الجسدي والأساسي.572 Sex and Deathيمكن أن يكون الجنس مسكنًا للحزن لأنه يركز ويقضي على الفوضى والغضب.

في الوعي العام، قد تساعد بعض الدراسات المثيرة في تغيير الحديث حول الموضوع. فقدت العالمة النفسية العصبية أليس رادوش زوجها، الذي عاشا معًا لمدة 40 عامًا، بسبب شكل نادر من السرطان في عام 2013. في عام 2016، أجرت رادوش ومؤلفتها المشاركة ليندا سيمكين استطلاعًا لآراء حوالي 100 امرأة، جميعهن في سن 55 عامًا على الأقل. توقعت غالبية النساء أنه بمجرد أن يصبحن أرامل، سيفتقدن ممارسة الجنس مع شريكهن، وسيرغبن في مناقشة هذه الخسارة علنًا. ما يجذبني في دراسة رادوش، والذي يُظهر الدورة المرهقة للصمت حول الحزن والجنس، هو أن أكثر من نصف هؤلاء النساء أشرن إلى أنهن لم يفكرن في سؤال صديقة فقدت زوجها عن تجربتها في الحزن الجنسي. حتى مع إدراكهن لأهمية التحدث عن فقدانهن الجنسي، إلا أن هناك حواجز اجتماعية وثقافية حالت دون تفكيرهن في مناقشة هذا الموضوع مع الآخرين في أوضاع مماثلة.
بشكل ما، لا يعد هذا أمرًا مفاجئًا. كما أن الحقيقة القائلة بأن البحث عن الجنس أثناء الحزن غالبًا ما يكون مفيدًا لأولئك الذين يبحثون عن القرب والتأكيد الذي يمكن أن يوفره الجنس في أفضل صوره ليست غريبة. الثقافة الأنغلو-أمريكية تدفعنا للتعجيل بتجاوز الحزن – للوصول إلى ما يُسمى بـ "إغلاق" المشاعر. ولكن، الجنس هنا يتحدى هذه الثقافة، إذ يمكنه أن يساعدنا في البقاء في الحاضر، معززًا تأملنا في الحياة ومتجذرين فيها، بدلاً من محاولة الهروب من الحزن.
يزعم بعض معالجي الجنس أن الجنس يمكن أن يحقق شيئًا معاكسًا أيضًا، حيث يوفر تشتيتًا عن ألم الحزن بفضل إفراز الدوبامين المصاحب له. عندما كنت أقوم بالبحث من أجل كتابي علاج الحزن: البحث عن نهاية الخسارة (2024)، تحدثت مع الكاتبة والمؤلفة المتخصصة في الشؤون الجنسية صوفيا بينوا، التي قالت إنه بما أن "الكثير من الحزن كارثي"، بهذا المعنى، يمكن أن يكون الجنس بمثابة علاج للحزن. مسكن للحزن لأنه يركز وينقل الفوضى والغضب. “الجنس هو: حسنًا، أستطيع أن أفعل هذا الشيء الذي لا علاقة له بالموت في الوقت الحالي، وهذا أمر مؤكد أو مريح أو حميمي؛ قال لي: "شيء ليس الشعور بأن الحزن في كل مكان، وأن كل شيء قد انتهى".
بالنسبة لِـ كات ماير، المعالجة النفسية المتخصصة في الجنس والصدمات النفسية، يُعتبر الجنس أيضًا وسيلة يمكن أن نتجه بها نحو الحزن. قالت إنه من خلال ممارسة الجنس، والوجود في اللحظة، واحتضان فقداننا، قد نتمكن في الواقع من تجاوز تلك المشاعر المؤلمة. وأضافت أن هذا يمكن أن يتم بمفردنا من خلال ممارسة العادة السرية أو مع شريك يمكننا من خلاله، سواء بشكل صامت أو بصوت عالٍ، التعبير عن ما نحزن عليه، في حين يعمل الشريك كـ "حاوية" لمشاعرنا. وتشرح ماير أن المواقف الجنسية المتصاعدة توفر التطهير، وتسمح لنا بقول الأشياء التي قد نشعر بها بعمق ولكننا حريصون على مناقشتها، وهي عبارة عن اندماج بين إيروس وثاناتوس. وقالت لي: "في حالات النشوة الجنسية، تذوب الحدود بيننا وبين العالم، ويمكننا حقًا أن نشعر بالارتقاء إلى ما هو أبعد من ثقل الألم. وفي حالات الإثارة الأعلى، ترتفع عتبة ما يمكنك تحمله بسبب الإندورفين والدوبامين ... أشياء مثل الاشمئزاز والخوف والحزن، يمكننا تحملها بسهولة أكبر". وهذا يعني أننا نستطيع أن ننظر مباشرة إلى ما قد نحاول عادةً تجاهله أو نسيانه تمامًا.
ولكن نظراً للقوة التي يمكن أن يوفرها الجنس في الحزن، فربما يتعين علينا بدلاً من البحث عن إغلاق للحلقة بعد الحزن أن نسعى إلى هذا النوع من التحرر. إن الإغلاق ــ وهو مفهوم أسطوري في الأساس ــ كان دائماً يخدم الآخرين أكثر كثيراً مما يخدم الشخص الحزين؛ فهو وسيلة سهلة لكي لا يضطر الآخرون إلى الانخراط في حزن شخص ما، مما يجعله غير مرئي. وإذا "انتهى الأمر"، فإنه لم يعد "مشكلة". ولكن في الجنس، يمكن عكس شعور الحزن الذي يشعر به الشخص الحزين. وفي أفضل حالاته، يمكن العثور على الذات؛ ويمكن أن يصبح الموت حياة.
في الواقع، حتى لو كنا نشعر بالخجل من ممارسة الجنس، فقد يكون الجنس هو بالضبط ما نحتاج إليه في أوقات الحزن. وللتغلب على هذا الخجل والتوقعات الاجتماعية، والحصول على "الإذن" الاجتماعي بالتحرر من الحزن، يبدو أن أعدادًا متزايدة من الرجال يلجأون إلى العاملات في مجال الجنس كوسيلة للتعبير عن المشاعر المكبوتة، بما في ذلك الحزن العميق والعار والحزن، وفقًا للعديد من العاملات في مجال الجنس اللاتي تحدثت إليهن.
لقد أوضحت لي السيدة إيريس، وهي سيدة مهيمنة ولدت في كيوتو، أن الرجال الحزانى يأتون إليها أحياناً ليختبروا أعظم مخاوفهم بشأن خسارتهم ــ وليدركوا في النهاية أنهم أقوياء بما يكفي لتجاوزها. وتتذكر إيريس أن أحد عملائها الذي توفيت زوجته "كان يستخدم الكثير من الألفاظ ــ والكثير من اللعب الجسدي ــ القائم على الألم". فقد بدأت بضربه بالسياط، ثم سألته عن شعوره بالوحدة في الحزن. ثم جمعت إيريس بين الحزن والجنس في محاولة لإظهار له، من خلال الهيمنة، أن اعتقاده بأنه لن يتغلب على خسارته كان خاطئاً ــ وأن هناك في الواقع وسيلة للتغلب على ما بدا وكأنه حزن لا نهاية له، وأن رؤية كيف قد يتعايش مع خسارته هي الوسيلة الأكثر مغزى. ولا حاجة إلى التوصل إلى "خاتمة".
كان خوفه هو أنه يخون زوجته بالمواعدة مرة أخرى .
في النهاية، أخذت هذا العميل إلى أعماق مخاوفه – وحدته، وكيف كان يشعر بأنه "تافه" – ثم كشفت له أن هذه المشاعر هي معتقدات خاطئة. أظهرت له كيف أنه، بدلاً من ذلك، يمتلك القوة للعيش مع حزنه. هنا، تتذكر السيدة إيريس الوقت الذي قضته مع هذا العميل في "زنزانتها" في لوس أنجلوس:
أرفع مستوى الضرب عليه، وأصل إلى حد تحمله للألم. أستطيع أن أرى في وجهه أنه يقترب من تلك النقطة جسديًا، لذلك أبدأ أيضًا بالتحدث إليه – قد يبدو هذا غريبًا جدًا – مثل: "كم مرة نظرت إلى صورتي؟" "هل لمست نفسك وأنت تنظر إليها؟" ... أستطيع أن أرى أنه بدأ يشعر بالإثارة. "انظر إلى ذلك. أنت تافه." تلك الأنواع من الكلمات، وطبعًا، الكثير أكثر من ذلك ... وأخيرًا، ينهار. يبدأ في البكاء: "أنا خاسر." "أنا تافه." كنت أبكي أيضًا، لكنه لم يرني أبكي ... وعند تلك النقطة القمة، حيث كان يحتاج أن يكون، حيث انكسر عاطفيًا وبدأ في البكاء، أضع نفسي فوقه، مثل بطانية ثقيلة. أبدأ في عملية إعادته عاطفيًا إلى حالة مستقرة، إلى الأرض. إنها طريقة مريحة جدًا في الحديث. "هذا فتى جيد. هذا هو المكان الذي تحتاج أن تكون فيه. أنا فخورة بك." مثل هذه الأشياء. هناك هدوء. نجلس ونتحدث قليلاً عن شعوره ... إنه فقط يشعر بالهدوء. لا يشعر بالسوء. "عليك أن ترى نفسك كما كنت قلقًا أن تكون عليه," قلت. "ولم تنهار الدنيا."
تحدثت ليارا رو، المخرجة والكاتبة السابقة وعاملة الجنس التي تستخدم اسمًا مستعارًا، أيضًا إلى بعض عملائها حول حزنهم، مقدمة لهم مساحة نادرة يمكنهم من خلالها التعبير عن فقدانهم. كانت تلك "مساحة آمنة" لنوع من الأشخاص الذين قد يشعرون بالانزعاج من هذا المصطلح. بعد أن مارست الجنس مع أحد العملاء الثكلى، تحدثا مطولًا عن زوجته الراحلة، وعملوا معًا على معالجة طبقات قلقه بشأن النساء، واكتشفوا أن خوفه كان يتمثل في أنه يخون زوجته من خلال المواعدة مرة أخرى. تقول رو: "كان الأمر مؤثرًا حقًا. كان من الشرف لي أن أكون الشخص الذي اختاره لمساعدته في معالجة كل شيء". قضى العديد من عملاء رو وقتًا كبيرًا في الحديث، حيث عملوا معًا على إعادة تأطير صدماتهم وفقداناتهم.
تؤكد الأبحاث ما يعرفه العديد من هؤلاء العاملات في مجال الجنس بالفعل، حيث أجرى الباحثون وراء دراسة نُشرت في المجلة الدولية للصحة الجنسية في عام 2024 مقابلات مع 10 علماء نفسيين ومعالجين نفسيين متخصصين في علاج الحزن، ووجدوا أن الحزن يمكن أن يكون معطلًا للحميمية الجنسية لأسباب متنوعة، بما في ذلك "التوافر العاطفي، والتجارب الصادمة، وطبيعة الفقد". ومع ذلك، لاحظوا أيضًا أن الحميمية الجنسية في أوقات الحزن يمكن أن تكون محررة بشكل عام، مما يساعد الشركاء في "التواصل، والتعاطف المتبادل، وفهم كيفية التغلب على هذه التحديات".
كيف نختار – أو لا نختار – استخدام الجنس كوسيلة للتعامل مع الحزن يعتمد أيضًا جزئيًا على تغييرات غير متوقعة في الرغبة الجنسية. في رسالة إلى فرويد عام 1922، اقترح عالم النفس كارل أبراهام أن "عددًا كبيرًا من الناس يظهر زيادة في الرغبة الجنسية بعد فترة من الحزن" ويعاني من "حاجة جنسية متزايدة". الحقيقة أن العديد من الأشخاص يختبرون تغييرات في الرغبة الجنسية بعد فقدان أحدهم هي نتيجة أكدت عليها الأبحاث المعاصرة، لكنها أيضًا معقدة. إميلي ناغوسكي، المديرة السابقة للتعليم في مجال الصحة في كلية سميث في ماساتشوستس، ومؤلفة الكتاب الأكثر مبيعًا Come as You Are (2015)، تدرس ما يعرف باسم "نظام الإثارة الجنسية" (SES) و"نظام تثبيط الجنس" (SIS) في أجسامنا. وقد لاحظت أنه في أوقات الحزن (وعلى عكس نتائج أبراهام)، يكون نظام التثبيط قويًا وغالبًا ما تنخفض الرغبة الجنسية. خلال جائحة كوفيد-19، على سبيل المثال، بدأت الرغبة الجنسية لدى العديد من الأشخاص في الانخفاض بسبب انتشار فقدان الأحباء.
ولكن في أوقات أخرى، قد تزيد الرغبة الجنسية وسط مشاعر الخسارة. يقول بينوا، كاتب العمود والمؤلف: "هناك العديد من الاستجابات للحزن، بما في ذلك أن يجد بعض الناس أنفسهم في حالة من الشهوة الجنسية الشديدة ويتوقون إلى ممارسة الجنس. نفكر كثيرًا في أن الحزن سيغلق حياتنا الجنسية ... وهذا يجعل الناس يشعرون بالذنب والاشمئزاز حقًا عندما يريدون ذلك".
إن الأمر المهم هنا هو أن ننظر إلى الاستجابتين على أنهما طبيعيتان. فالجنس قد يعيق العلاقة الحميمة ولكنه قد يعززها أيضاً؛ والرغبة الجنسية قد تزيد ولكنها قد تنقص أيضاً. وهناك حالات يكون فيها السعي إلى ممارسة الجنس، وخاصة في حالة الشعور بالوحدة، أمراً منطقياً ـ في أوقات الحرب على سبيل المثال، عندما يكتسب البحث عن المتعة والاتصال أهمية متزايدة. وفي أوقات أخرى، يشعر المرء بأن إيروس وثاناتوس أصبحا أبعد ما يكونان عن بعضهما البعض من أي شيء آخر في العالم. ففي أعقاب فقدان طفل أو شريك حياة مباشرة، عندما يرحلان ولكنك تتحمل ذلك، فقد يكون الدافع قصير الأمد لديك هو أن تتبعهما إلى النسيان أو على الأقل أن تبتعد عن المتعة.
من المهم إزالة وصمة العار المرتبطة بالرغبة في ممارسة الجنس بعد الفقد.
في إحدى الدراسات النفسية الصغيرة، على سبيل المثال، ذكر ثلثا الآباء الثكالى الذين جرى مقابلتهم بعد فقدانهم لطفل أنهم أخذوا استراحة من ممارسة الجنس أو توقفوا عنه تمامًا، ربما لشعورهم بعدم استحقاقهم للمتعة أو حتى التواصل الجسدي. وعلى الرغم من أن معظم هؤلاء الأزواج أكدوا على أهمية اللمس والجنس في مثل هذه الأوقات الصعبة، فإن الغالبية منهم وجدت صعوبة كبيرة في استئناف العلاقة الحميمية. وفي بعض الحالات، أشار الأزواج إلى أنهم امتنعوا عن ممارسة الجنس لأنه كان يذكرهم بلحظة إنجاب طفلهم.
هذه النتائج مؤلمة، وعلى الرغم من كونها مفهومة تمامًا، أتساءل إلى أي درجة تظل التوقعات الاجتماعية تلعب دورًا في ذلك؟ من المهم إزالة الوصمة عن الرغبة في الجنس بعد الفقد، وتخليص هذا الأمر من البحث عن "الإغلاق" لصالح التواصل والتعايش مع الحزن بدلاً من محاولة تجاوزه بشكل حاسم.
إن الحزن، في كثير من النواحي، لا ينتهي أبدًا - إنه تجربة يجب أن نعيشها جنبًا إلى جنب، بدلاً من أن نخفيها – ويشكل أعمال العيش، والتواصل، والجمال في الجنس جزءًا من ذلك.
على الرغم من أن شيلي وبالارد وبارنز والعديد من الكتاب والفنانين الآخرين أظهروا الطبيعة الاستفزازية والمحررة لدمج إيروس وثاناتوس، فإن هذين الدافعين في نهاية المطاف ليسا متعارضين بقدر ما هما متشابكان. انظر عن كثب إلى "عرايتا مستلقيتان". لقد جرّد شيلي أي مفاهيم كلاسيكية عن الجمال. فالفتاتان لا تغازلان نظرة المشاهد، ولا يصورهما شيلي لنا. والواقع أن الفتاتين عندما تنظران بعيداً، وربما حتى عندما تنفصلان، تبدوان غير منتبهتين لأحد على الإطلاق. والآن ننتقل إلى صور شيلي الذاتية. فهو يصور نفسه ممدوداً ونحيلاً وعارياً، ليس لإضفاء الإثارة الجنسية على نفسه، بل للتعبير عن الحقيقة الخام لنفسيته، كما في "عرايتا مستلقيتان". والواقع أن شيلي كان يعلم أن نفسيتنا لا تطفو على السطح وتصبح واضحة إلا في أكثر أوقاتنا ضعفاً. لا يوجد إهانة في ممارسة الجنس أو التعرض للعار. ولا يوجد إهانة في الموت أو الحزن أيضًا.
------------------

الكاتب: كودي ديليستراتي/ Cody Delistraty كاتب خطب وصحفي ظهرت أعماله في صحيفة نيويورك تايمز وصحيفة وول ستريت جورنال وصحيفة نيويوركر وغيرها. وهو مؤلف كتاب علاج الحزن: البحث عن نهاية الخسارة (دار هاربر، 2024). ويعيش في مدينة نيويورك.https://aeon.co/essays/why-sex-might-be-exactly-what-we-need-in-times-of-grief

بقلم: جيمي دوشارم

ترجمة: د. محمد غنيم495 Jimmy Ducharme

هل نمت يومًا ثماني ساعات كاملة ولكنك استيقظت وأنت تشعر بالتعب كما لو كنت قد سهرت طوال الليل؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد تكون قد عانيت مما يُعرف بالنوم غير المنعش.

النوم غير المنعش، المعروف أيضًا بالنوم غير المجدد، هو بالضبط ما يبدو عليه: النوم الذي لا يعيد شحن الجسم والدماغ بما يكفي لمساعدتك على الشعور بالراحة. يقول توماس روث، مؤسس مركز اضطرابات النوم والأبحاث في هنري فورد هيلث في ميشيجان، إن الأشخاص الذين يعانون من هذا "يشعرون بالتعب تمامًا كما كانوا قبل أن يناموا".

إليك ما يجب أن تعرفه عن النوم غير المنعش، وما يجب أن تفعله إذا عانيت منه:

ما المقصود بالنوم غير المنعش بالضبط؟

يعاني الأشخاص المصابون بالأرق من صعوبة النوم أو البقاء نائمين وغالبًا ما يدركون بشكل مؤلم المدة التي قضوها مستلقين في السرير مستيقظين. هذا ليس بالضرورة هو الحال مع النوم غير المنعش. قد يستيقظ المصابون وهم يشعرون بالتعب حتى لو ناموا بسرعة ولم يستيقظوا على الإطلاق أثناء الليل - بعبارة أخرى، قد ينامون لفترة كافية، لكن النوم لا يؤدي وظيفته.

تقول الدكتورة سونيا شوتز، طبيبة الأعصاب المتخصصة في طب النوم في جامعة ميشيجان للصحة: "في كثير من الأحيان يشعر الناس وكأنهم يقولون، "لا يهم كم من الوقت أنام. أستيقظ وأشعر وكأن شاحنة دهستني".493 sleep

ما الذي يسبب النوم غير المنعش؟

يمكن أن يكون النوم غير المنعش أحد أعراض مشكلة طبية أكبر، مثل متلازمة تململ الساقين، أو الألم العضلي الليفي، أو التهاب الدماغ والنخاع الشوكي العضلي/متلازمة التعب المزمن (ME/CFS)، أو كوفيد طويل الأمد. كما تؤدي بعض اضطرابات النوم القابلة للعلاج، مثل فرط النوم، وانقطاع النفس أثناء النوم، والنوم القهري، إلى إرهاق مفرط أثناء النهار، حتى لو نام شخص ما كثيرًا في الليلة السابقة. تقول الدكتورة لوسيندا باتمان، مؤسسة مركز باتمان هورن في ولاية يوتا، والذي يكرس نفسه لتحسين الرعاية للأشخاص المصابين بمتلازمة تململ الساقين/متلازمة التعب المزمن، وكوفيد طويل الأمد، والألم العضلي الليفي: "إذا كان النوم غير المنعش [بشكل مزمن]، فأنت بحاجة إلى فحص طبي" لاستبعاد هذه الحالات وغيرها.

ومع ذلك بعض الأشخاص يعانون من نوم غير منعش دون سبب طبي أساسي واضح. لا يزال الباحثون غير متأكدين تمامًا من سبب حدوث ذلك - ولكن في جوهره، يبدو أن المشكلة مرتبطة بعدم الحصول على راحة عميقة كافية، كما يقول شوتز.

خلال ليلة عادية، يمر الشخص بأربع إلى ست دورات نوم، كل منها تتألف من أربع مراحل مختلفة من النوم. يحدث النوم العميق الذي يساعد الجسم والدماغ على التعافي نحو نهاية كل دورة نوم. يقول شوتز: "هناك قدر معين من النوم العميق مطلوب لجودة نوم جيدة". قد لا يحصل الأشخاص الذين يعانون من نوم غير منعش، لأي سبب من الأسباب، على قسط كافٍ، مما يجعلهم متعبين أثناء النهار حتى بعد ساعات من النوم.

لماذا؟ يقول روث، الذي درس النوم غير المجدد، إن أحد الاحتمالات هو أن بعض الأشخاص يعانون من "إيقاظات دقيقة" طوال الليل، حيث يستيقظون عدة مرات ولكن لفترة وجيزة لدرجة أنهم لا يتذكرونها بحلول الصباح. (من المعروف أن هذا يحدث لدى المرضى الذين يعانون من انقطاع النفس أثناء النوم، والذين قد يستيقظون عشرات المرات في الساعة). ويقول روث في بعض الأحيان، إن موجات الدماغ التي نراها عادةً أثناء اليقظة "تتطفل" على النوم العميق، مما قد يضر بجودة النوم بشكل عام.

يقول بيتمان إن التوتر المزمن أو القلق أو الألم أو خلل في الجهاز العصبي يمكن أن يؤدي أيضًا إلى انخفاض جودة النوم. يمكن لنمط الحياة والعوامل البيئية أيضًا أن تحدث فرقًا كبيرًا. يقول شويتز إن الضوضاء في الخلفية والإضاءة المحيطة يمكن أن تؤدي إلى قلة النوم، وكذلك شرب كميات صغيرة من الكافيين والكحول.494 sleep

ماذا تفعل حيال النوم غير المنعش؟

يعاني الجميع من ليلة من النوم السيئ، مما يؤدي إلى الشعور بالنعاس في اليوم التالي. ولكن إذا كنت تعاني باستمرار من النوم غير المنعش، فمن الجدير أن تلقي نظرة فاحصة على عاداتك ونظافة نومك.

أولاً، تأكد من حصولك على قسط كافٍ من النوم، كما يقول شوتز. يعتقد بعض الأشخاص أنهم يحتاجون إلى أقل من الساعات السبع إلى التسع الموصى بها في الليلة، لكنهم في الواقع يعانون من الحرمان المزمن من النوم. يقول شوتز: "في كثير من الأحيان، يبدو عدم الحصول على قسط كافٍ من النوم وكأنه نوم غير منعش". لاختبار ما إذا كنت قد حصلت على قسط كافٍ من الراحة، تقترح عليك التوقف عن ضبط المنبه في يوم إجازتك وملاحظة مدى تأخر استيقاظك دون ضبطه. إذا كنت تنام في وقت متأخر، فهذه إشارة إلى أن جسمك يحتاج إلى تعويض ما فاته من راحة لأنك لا تحصل على قسط كافٍ من النوم عادةً.

بعد ذلك، ألق نظرة على أية أدوية تستخدمها. تقول باتمان إن حبوب النوم وأنواع أخرى من الأدوية الموصوفة، وكذلك العلاجات التي لا تحتاج إلى وصفة طبية مثل الميلاتونين، يمكن أن يكون لها تأثيرات "صداع الكحول" التي تؤدي إلى الخمول الصباحي، والذي يمكن أن يخلق أو يزيد من الشعور بعدم الارتياح أثناء النوم. (تشير الأبحاث إلى أن الأطعمة التي تحتوي على الأعشاب، والتي يستخدمها بعض الناس كمساعدات للنوم، يمكن أن تؤدي أيضًا إلى الخمول الصباحي - وقد تؤدي إلى إفساد دورات النوم بطرق تجعل النوم أقل راحة). إذا كنت تتناول دواءً ضروريًا يجعلك تشعر بالنعاس في الصباح، فاسأل طبيبك عما إذا كانت هناك طريقة لتقليل الآثار الجانبية.

وبالطبع، يجدر بك أن تحاول تطبيق نصيحة النوم الكلاسيكية التي ربما سمعتها مليون مرة، ولكنك على الأرجح لا تزال غير قادر على تطبيقها بالكامل. قلل من استهلاك الكافيين والكحول؛ ابتعد عن هاتفك قبل النوم؛ ابتكر روتينًا مهدئًا قبل النوم واستهدف أوقات نوم واستيقاظ ثابتة؛ وحاول النوم في غرفة باردة ومظلمة وهادئة. ويضيف باتمان أن ممارسات اليقظة والاسترخاء التي تقلل من التوتر والقلق تساهم أيضًا بشكل كبير في تحسين النوم.

إذا قمت بكل هذه الأشياء وما زلت تشعر بأن نومك لا يستعيد نشاطك، لدرجة أنه يعطل حياتك اليومية، فمن الأفضل أن تذهب إلى الطبيب. يمكن للطبيب أن يبحث عن الأسباب الطبية الكامنة وراء ذلك - ونأمل أن يساعدك في اتباع نظام يجعلك تشعر بالتجدد في الصباح.

(تمت)

***

...................

الكاتبة: جيمي دوشارم/Jamie Ducharme: جيمي دوشارم مراسلة صحية في مجلة تايم. تغطي أخبار جائحة كوفيد-19، وكوفيد الطويل الأمد، والصحة العقلية، والتدخين الإلكتروني، والمواد المخدرة، وغير ذلك الكثير. وقد فازت أعمالها في مجلة تايم بجوائز من نادي ديدلاين، ونادي الصحافة في نيويورك، ونادي الصحفيات في نيويورك. بالإضافة إلى ذلك، فهي مؤلفة كتاب Big Vape: The Incendiary Rise of Juul، والذي أعد لسلسلة وثائقية ستعرض على Netflix

 

للتفكير والتحدث بشكل أكثر فعالية

بقلم: سوزان جولدين ميدو

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم310 Susan Goldin Meadow

الحركات التي تصاحب حديثك ليست مجرد تحريك عشوائي لليدين – بل تحتوي على معانٍ وتنقل أفكارًا.

***

ربما لاحظت أنك تحرك يديك أثناء الحديث، ورأيت الآخرين يفعلون ذلك أيضًا. كلما كنت متحمسًا لما تقوله، زادت احتمالية أن تحرك يديك – أن تقوم بالإيماءات. الجميع يستخدم الإيماءات، رغم أن بعضنا يفعل ذلك أكثر من الآخرين. لقد قابلت أشخاصًا يؤمنون بأنهم لا يستطيعون التحدث دون تحريك أيديهم. معظمنا يدرك بشكل ما أن أيدينا وأفواهنا تعملان معًا للتواصل، ولكن قلما يعطي الناس الإيماءات الاهتمام الذي تستحقه.

أول مرة أدركت فيها أنني كنت أتجاهل الإيماءات كانت عندما شاهدت فيديو معينًا للمرة الألف. كان الفيديو يظهر أطفالًا يحاولون شرح أن عدد قطع الداما في صف معين يتغير عندما يتم توزيع القطع بشكل متباعد (بالطبع لا يتغير – لكن الأطفال لم يكونوا يعلمون ذلك بعد). كنت قد شاهدت هذا الفيديو مرات عديدة لأنني كنت أعرضه لفصل علم النفس التنموي لسنوات. لكن في أحد الأيام، أدركت فجأة أن جميع الأطفال كانوا يستخدمون الإيماءات أثناء تقديم تفسيراتهم. وعندما ركزت على إيماءاتهم، اكتشفت شيئًا مفاجئًا – أن حركات أيدي الأطفال كانت تنقل معانٍ، وفي بعض الأحيان كانت تعبر الإيماءات عن فكرة صحيحة حول قطع الداما (مثل الإشارة ذهابًا وإيابًا بين القطع المتقابلة في الصفين)، بينما كانت كلماتهم تعبر عن فكرة خاطئة.

تغيرت حياتي البحثية تمامًا عندما دققت النظر في هذا الفيديو. بدأت أرى الإيماءات في كل مكان، حتى في الأماكن التي لا نتوقعها. يحرك الأشخاص الذين وُلدوا مكفوفين أيديهم أثناء الكلام، رغم أنهم لم يروا أحدًا يفعل ذلك من قبل. فكرت مليًا فيما يمكن أن تكشفه الإيماءات عن عقولنا، واكتشفت أنها ليست مجرد حركات عشوائية. تعكس الأيدي التي تلوح الأفكار وتغيرها أيضًا، سواء أفكارك أو أفكار الآخرين. امتلك أداة قوية للتفكير في متناول يديك، فلمَ لا تستخدمها بفعالية؟

تخيل أن لديك قائمة تسوق يجب عليك تذكرها - حاول نطق القائمة بصوت عالٍ وإصدار إشارة لكل عنصر309 Gestures

استخدم الإيماءات لتعزيز ذاكرتك

يمكن أن تعطيك الإيماءات دفعة ذهنية. إذا استخدمت الإيماءات أثناء وصفك لمشهد ما، ستتمكن من تذكره بشكل أفضل مما لو لم تستخدمها. على سبيل المثال، في دراسة شاركت في تأليفها، طلبنا من المشاركين وصف وتذكر سلسلة من المشاهد الغريبة، مثل: دجاجة تنزلق نحو شرطي؛ حمامة تطير إلى عربة يد؛ عداء ينحني ليلمس أصابع قدميه. سواء قام المشاركون بالإيماء بشكل عفوي أثناء وصفهم للمشاهد (مثل استخدام إيماءة المنقار لتمثيل الدجاجة) أو طلبنا منهم الإيماء، وجدنا أنهم تذكروا المشاهد فيما بعد بشكل أفضل مما لو كانوا قد وصفوها دون إيماءات. باختصار، يبدو أن استخدام الإيماءات أثناء الحديث عن شيء ما يؤدي إلى ذاكرة أكثر متانة مقارنة بالاعتماد على الكلام فقط. لا نعرف السبب بالتحديد بعد، لكنه قد يكون لأنك تحتفظ بالذاكرة ليس فقط في كلماتك، بل أيضًا في حركات يديك.

في نفس الدراسة، أظهرنا أن الإيماء يساعد على تذكر الأشياء بشكل أفضل حتى عند وصف أحداث أكثر شيوعًا، مثل رجل ينفخ في صفارة، أو يسوي قطعة من الطين، أو يدحرج قلمًا. يمكنك استغلال هذا التأثير في حياتك اليومية. تخيل أن لديك قائمة تسوق تريد تذكرها – جرب قول القائمة بصوت عالٍ واستخدام إيماءة لكل عنصر. إذا كنت مثل الأشخاص في دراساتنا، فستتذكر المزيد إذا استخدمت الإيماءات مقارنة بتكرار القائمة بدونها.

استخدم الإيماءات لمساعدة نفسك على التفكير

يمكن للإيماءات التي تقوم بها أن تغير طريقة تفكيرك من خلال إخراج أفكارك إلى الفضاء المادي. أفضل مثال على ذلك يأتي من دراسة طلبنا فيها من الأطفال التفكير في معضلة أخلاقية، مثل ما إذا كان السرقة أو الغش أسوأ. عندما طلبنا من الأطفال أن يستخدموا الإيماءات أثناء حديثهم عن هذه المعضلة، بدأوا في وضع أيديهم في أماكن مختلفة وكأنهم ينظمون وجهات نظر متعددة في الفضاء. والأهم من ذلك، أنهم بدأوا في تبني وجهات نظر أخرى غير وجهة نظرهم الخاصة أثناء الكلام، ودامت هذه القدرة على التفكير الأخلاقي المتقدم حتى في مناقشاتهم لاحقًا. لم يحدث نفس الشيء مع الأطفال الذين طلبنا منهم ألا يستخدموا الإيماءات في البداية. تشير نتائج مثل هذه إلى أن استخدام الإيماءات لتجسيد الأفكار في الفضاء يتيح توسيع تلك الأفكار.

في دراسات أخرى قمنا بها، أثبتنا أن هذا التأثير المفيد للإيماءات ينطبق على تعلم الرياضيات أيضًا. على سبيل المثال، قارنا تأثير إعطاء الأطفال شرحًا لحل مسألة رياضية بين تكرار الشرح فقط أو تكراره مع القيام بإيماءات متكاملة في نفس الوقت. لاحقًا، أحرز الأطفال الذين استخدموا الشرح مع الإيماءات تقدمًا أكبر في حل مسائل رياضية مماثلة مقارنة بالذين لم يستخدموا الإيماءات، وذلك لأنهم دمجوا الأفكار التي عبروا عنها بالإيماءات في استراتيجياتهم لحل المشكلات.

تشير دراساتنا إلى أنه عندما تواجه صعوبة في التفكير في أمر ما، قد تكون أفضل طريقة هي التحدث بصوت عالٍ والسماح لنفسك باستخدام الإيماءات في نفس الوقت. قد يكون من الأفضل فعل ذلك أثناء التحدث مع شخص آخر، لكن الحديث مع نفسك قد يفيد أيضًا. قد تجد أن الأفكار الجديدة حرفيًا "في متناول يديك".313 Gestures

استخدم الإيماءات للتواصل بشكل أكثر فعالية

أظهرت دراسة أن رواد الأعمال جذبوا استثمارات أكبر عندما استخدموا الإيماءات أثناء تقديم عروضهم البيعية.

يمكن أن تفيدك إيماءاتك الشخصية ، لكنها يمكن أن تفيد الآخرين أيضًا. على سبيل المثال، عندما تشير إلى نقاط معينة أثناء تقديم عرض عمل، من الطبيعي أن يكون جمهورك أكثر قدرة على متابعة حديثك مقارنة بعدم استخدام الإشارة. لكن الإيماءات لا تقتصر على توجيه الانتباه؛ فهي تساهم في تعزيز استيعاب المستمعين لمحتوى الحديث عند رؤيتهم للإيماءات مقارنة بعدم رؤيتهم لها.

أكد تحليل تلوي لـ38 دراسة شملت أكثر من 2000 مشارك أن الإيماءات تحسن فهم المستمعين، خصوصًا عندما تقدم معلومات ملموسة إضافية، مثل الحركة، التي لا تكون موجودة في الكلام. رؤية الإيماءات لا تساعد فقط في توجيه المستمعين إلى المكان الصحيح، بل تعزز من استيعابهم للمعنى المنقول من هذا المكان بالارتباط مع الكلام. قد يكون لهذا تأثير في العالم الواقعي، كما أظهرت دراسة أجرتها كلية "إميلون" للأعمال في فرنسا، حيث جذب رواد الأعمال استثمارات أكبر عندما تضمن عرضهم البيعي استخدام الإيماءات.

إن استخدام الإيماءات أمر طبيعي، وخاصة إذا كنت تحاول شرح شيء ما. ولكن إذا لاحظت أنك لا تستخدم الإيماءات وترغب في مساعدة المستمعين، فيمكنك رفع يديك في الهواء. وسوف تحركهما بشكل طبيعي في تزامن زمني ودلالي مع حديثك – مما يعزز الرسالة التي تريد نقلها أو يوضحها أو يضيف إليها.

استخدم إيماءات الآخرين لكي تصبح مدرسًا ومستمعًا أفضل

تكشف إيماءاتك عن أفكارك، لذا ليس من المستغرب أن تكشف إيماءات الآخرين عن أفكارهم أيضًا. وهذا يعني أنه يمكنك استخدام الإيماءات لقراءة أفكار الآخرين وضبط ردود أفعالك وفقًا لذلك. أحد السياقات التي يكون هذا فيها مهمًا هو دعم تطوير اللغة لدى الأطفال.

تخيل أن لديك طفلة في عمر 12 شهرًا تستطيع قول كلمة واحدة فقط في كل مرة. عادةً، عندما تشير إلى قبعتك، تقول كلمة "قبعة". ولكن في هذه المرة، تقول "ماما". هي ليست في حيرة من أمرك كقبعة، بل تقول إن الشيء الذي تشير إليه هو قبعتك. من خلال الجمع بين الإيماءة والكلام، تنتج جملة قصيرة، "ماما قبعة"، في وقت لا تستطيع فيه جمع كلمتين معًا. بعد ثلاثة أشهر، ستبدأ الطفلة في إنتاج جمل من كلمتين – وهي علامة لغوية تم التنبؤ بها من خلال إيماءاتها.

الأهم من ذلك، يمكنك دعم نمو لغتها من خلال ملاحظة مجموعات إيماءاتها وكلامها و"ترجمتها" إلى كلمات – بالرد عليها بعبارة "نعم، هذه قبعة ماما." هذه لحظة تعليمية لابنتك – لحظة يمكن أن تكون فيها مدخلاتك مفيدة للغاية. يمكنك الاستفادة من هذه اللحظة، لكن فقط إذا كنت تنتبه لإيماءات طفلتك.

يمكنك الحصول على رؤى حول أفكارك الخاصة من خلال الانتباه إلى إيماءاتك

ذكرت سابقًا كيف يمكن للأطفال الصغار نقل فهمهم من خلال إيماءاتهم التي لم يتمكنوا من استيعابها أو التعبير عنها بالكامل في كلامهم. هذه الظاهرة ليست فريدة للأطفال. تأمل شخصًا بالغًا يحاول تعلم المركبات المتشاكلة في الكيمياء العضوية. عند سؤاله عن شرح مشكلة متعلقة بالمركبات المتشاكلة، يقدم الطالب تفسيرًا بالكلام يغفل العنصر الرئيسي في المشكلة – وهو دوران الجزيء. ولكنه يعرف أن الدوران ذو صلة – لذا يقوم بإنتاج إيماءة للدوران أثناء إعطائه تفسيرًا غير متضمن للدوران في الكلام. تخبر إيماءاته العالم بأنه يعرف أن الدوران مهم لهذه المشكلة.

سيلاحظ المعلم الذي يتنبه للإيماءات هذه المعلومات ويختار هذه اللحظة ليعلم الطالب عن الدوران. ولكن إذا انتبه الطالب لإيماءاته، فقد يستطيع رؤية فكرة الدوران في يديه. وبالتالي، قد يطبق الفكرة على المشكلة بمفرده. لا يمكنك فقط دعم الآخرين من خلال الانتباه لإيماءاتهم، بل يمكنك أيضًا الحصول على رؤى حول أفكارك الخاصة من خلال الانتباه لإيماءتك.

يمكن أن تقدم إيماءات الآخرين معلومات عن أشياء كثيرة. على سبيل المثال، يستخدم الأطباء إيماءات عملائهم للوصول إلى أفكارهم الخفية. يقول العميل إن زواجه قوي جداً، بينما في الوقت نفسه يقوم بفصل يديه فجأة، مقلداً انفجاراً. قد تكون هذه الرؤى الخفية مفيدة ليس فقط في الإعدادات السريرية، بل أيضًا في المحادثات الودية، أو في مواقف التعليم، أو حتى في المعاملات التجارية.

نظرًا لأن إيماءات الآخرين توفر رؤى حول ما يفكرون فيه حقًا، قد ترغب في تشجيع الآخرين على الإيماء. لكن كيف يمكنك القيام بذلك؟ إذا كنت في موقف تعليمي، يمكنك أن تطلب من طلابك الإيماء (لقد رأيت بنفسي أن هذا يعمل!)، لكنك ربما لا ترغب في تقديم هذا الطلب في محادثة ودية أو في اجتماع عمل. ومع ذلك، من السهل تشجيع الإيماءات – كل ما عليك فعله هو استخدام الإيماءات بنفسك. من المرجح أن يتبع الناس قيادتك ويبدأون في تحريك أيديهم أثناء التحدث

لا تنسَ استخدام الإيماءات أثناء الاجتماعات عبر الإنترنت

تحرك يديك باستمرار أثناء الحديث، فلماذا لا تستفيد من هذه الممارسة؟ باختصار: يمكنك استخدام الإيماءات لتحسين ذاكرتك، والاستفادة بشكل أكبر من محادثاتك مع الآخرين، ومساعدة طفلك على حل مسألة رياضية أو تحقيق إنجاز لغوي جديد. يمكن للإيماءات أن تسهم أيضًا في تقديم أفضل صورة عن نفسك، وربما حتى في فهم ذاتك بشكل أعمق.

ولكن يبدو أن الوقت غير مناسب للحديث عن فوائد الإيماءات وأهميتها. فمعظمنا يقضي وقتًا أقل في المحادثات وجهاً لوجه، ويزداد اعتماده على الهواتف الذكية. ومن الصعب استخدام الإيماءات عندما تكون يديك منشغلتين بإمساك الهاتف. الاتصال عبر الفيديو يعد أفضل من المكالمات الصوتية فيما يتعلق باستخدام الإيماءات، لكن عليك التأكد من أن يديك ظاهرتان على الشاشة. يمكنك تثبيت جهازك بعيدًا بما يكفي بحيث تظهر يديك في العرض (وتحرص على القيام بالإيماءات بالقرب من وجهك). لسوء الحظ، معظم الناس لا يفكرون في استخدام أيديهم أثناء الحديث أو أثناء المكالمات المرئية. ولكن الآن، بعد أن أدركت مدى أهمية الأيدي في التواصل، قد تعيد النظر في كيفية ترتيب مكالماتك المرئية وربما حتى تستثمر في مزيد من اللقاءات وجهاً لوجه.

***

....................

الكاتبة: سوزان جولدين ميدو / Susan Goldin-Meadow:  أستاذة الخدمة المتميزة في جامعة شيكاغو. وهي عضو في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم والأكاديمية الوطنية للعلوم.وهي المؤسس المحرر لمجلة تعلم اللغة وتطورها، المجلة الرسمية لجمعية تطوير اللغة. كانت رئيسة الجمعية الدولية لدراسات الإيماءات من عام 2007 إلى عام 2012.

بقلم: آنا جونستون

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم238 AnnaJohnston edited

اسأل طفلًا في الخامسة من عمره عما يريد أن يصبح عندما يكبر، ومن المحتمل أن يقول إنه يريد أن يكون رجل إطفاء، أو نجم روك، أو طيار، أو طبيب، أو ربما سبايدرمان: شيئًا أو شخصًا يعتبره بطوليًا أو رائعًا أو فريدًا. أما أنا؟ عندما كنت في الخامسة من عمري، كنت أرغب في أن أكبر لأصبح مسنًا.

إن بلوغ سن الشيخوخة ليس بالأمر الذي يحظى به الجميع؛ بل إنه امتياز.. أثناء نشأتي، كنت محظوظة للغاية ليس فقط بأنني عرفت أجدادي، بل وأيضًا أنني اعتبرتهم من أقرب أصدقائي. لقد شكلوا بلا شك وجهات نظري حول الشيخوخة، وأدى بي ذلك إلى ترك كلية الطب لأتجه بدلاً من ذلك إلى مهنة رعاية المسنين في المجتمع والمنازل، وهي مهنة كنت أستلهم فيها باستمرار من الأشخاص في سنواتهم الأخيرة. ومع ذلك، بينما كنت أرى هؤلاء الأبطال في الحياة الواقعية، نادرًا ما رأيتهم على الصفحات.

في الآونة الأخيرة، شهدنا زيادة مشجعة في ظهور شخصيات المسنين في الأدب، ولكن عندما ننظر إلى هذه النصوص المشهورة، نجد أن بعض أكثر الأمثلة التي يُستشهد بها على شخصيات "مسنّة" تشمل أوفي الرائع، الذي لا يتجاوز عمره تسعًا وخمسين عامًا، أو هارولد فري الرائع، الذي يبلغ من العمر خمسًا وستين عامًا فقط.

هل يمكن حقًا إدراج هؤلاء السادة في نفس الفئة العمرية مثل ألان كارلسون المحبوب من رواية الرجل الذي عاش مئة عام وخرج من النافذة واختفى؟ لن نضع شخصية ذات خمس سنوات مع شخصية في الثامنة عشرة أو الأربعين، فلماذا نطبق نفس القاعدة العامة على شخصياتنا المسنّة؟240 old man

لقد شهدت نفس التعميم في دور رعاية المسنين، حيث يمكن أن يُنظر إلى السكان غالبًا كمجموعة متجانسة على الرغم من الفجوة الزمنية الكبيرة بين شخص في الثمانين من عمره وآخر في الخامسة بعد المئة (والتي تكفي لأن تكون والدته).

تظل الشخصيات الأكبر سناً نادرة للغاية في الأدب، حيث يبلغ حوالي اثنين إلى ثلاثة في المائة فقط من أبطال الروايات سن الثمانين أو أكثر.

تظل الشخصيات الأكبر سنًا نادرة جدًا في الأدب، حيث لا يتجاوز عدد الأبطال الذين يبلغون من العمر ثمانين عامًا أو أكثر حوالي اثنين إلى ثلاثة في المئة. باعتباري من المدافعين الإيجابيين عن الشيخوخة، يؤسفني هذا بشدة، ليس فقط لأنه يبرز فجوة في التمثيل لجيلنا المتقدم في العمر، ولكن أيضًا لأنه يسلط الضوء على السمات التي يعتبرها المجتمع جديرة بالاهتمام في الأدب.

على الرغم من التقدم الذي أحرزناه ضد التمييز بسبب العمر، لا يزال المجتمع يقدس الشباب. وهذا ينعكس على الصفحات والشاشات، حيث تعرض العديد من القصص كبار السن الذين يثبتون أنهم "ما زالوا قادرين" ويمكنهم ارتداء الكعب العالي، وبدء الشركات، وركوب الدراجات النارية، ومحاربة الجريمة في الثمانينات من أعمارهم.

إذا كنا نقدر الأفراد الأكبر سنًا فقط بناءً على خصائصهم وقدراتهم الشبابية، فماذا يحدث عندما يتقدمون في العمر ويفقدون هذه القدرات؟ ماذا لو كان أراجورن يحمل عصا بدلاً من سيف؟ هل لا يزالون يستحقون أن يكونوا أبطال قصصهم؟ إذا كان الفن يعكس الحياة، فجوابي هو نعم صادقة.

بعد تخرجي من الجامعة بشهادة في تعزيز الصحة، قمت بتطوير برنامج حكومي محلي لتعليم الرجال الأرامل الأكبر سنًا كيفية الطهي. في نهاية الدورة، لم يكن المشاركون، الذين لم يقوموا بطهي أي شيء من قبل، يقومون بإعداد عشاء كامل محمص، بل كانوا أيضًا يدعون أصدقاء جدد لتناول الطعام.

كان بإمكانهم أن يظلوا في حالة ركود ويختاروا الاستمرار في تلقي وجبات التوصيل إلى المنازل. بدلاً من ذلك، وعلى الرغم من حزنهم وفقدانهم، تجرأوا على تجربة شيء جديد، متحدين الأدوار التقليدية لجنسهم. لقد ارتدوا المآزر بدلاً من العباءات، لكنهم كانوا أبطالًا، على أية حال.

رحلتي لاكتشاف القدرة الرائعة لكبار السن أخذت منحى شخصيًا عندما تم تشخيص جدي فريد بالخرف، فاتبعت شغفي إلى دار التمريض الخاصة به حيث أصبحت منسقة الدعم الاجتماعي. كان دوري هو مساعدة كل مقيم في إيجاد طرق إبداعية لتعزيز التواصل والهدف بغض النظر عن القيود الصحية الجسدية أو تشخيص الخرف.

سعيت لمنح كل شخص القدرة على التحكم في مصيره وضمان بقائه الشخصية الرئيسية في قصته الخاصة بدلاً من أن يكون مجرد متفرج، غير قادر على التغيير. أصبحت باحثة عن التواصل وأبحث عن لحظات الفرح في الظلام، شغوفة بتحدي الافتراضات حول ما يستمتع به كبار السن وما هم قادرون على فعله. بعد كل شيء، بما أن الحياة تنتهي في دار المسنين، فإن العيش لا يجب أن ينتهي أيضًا.

على الرغم من تشخيصه بالخرف، لم يفقد جدي أبدًا قوته الخارقة: لطفه غير المشروط وقدرته الرائعة على جعل كل شخص يقابله يشعر بالتميز. بعد سنوات من وفاته وترك العمل لتكوين أسرة، أخذت ابنتي إلى دار المسنين لتلتقي بزملائي السابقين. بعد تحية دافئة، قادني أحد مقدمي الرعاية السابقين لجدي إلى غرفة الموظفين.

عُلق على باب خزانتها صورة لجدي فريد، وُضعت هناك بعد وفاته. أخبرتني أنها تذكرها يوميًا بأن تكون لطيفة مع من حولها. لا أستطيع أن أفكر في قدرة أكثر أهمية من ذلك. هذا هو نوع البطل الذي أردت أن أقرأ عنه.

جعلتني تجربتي خلال هذه السنوات أؤمن حقًا بأن بعض أكبر وأكثر تطلعات تطور الشخصيات يمكن العثور عليها في الشخصيات الأكبر سنًا. بعد أن عاشوا العديد من مراحل الحياة، يحملون ثقل الخيارات السابقة والعلاقات والندم، مما يجعل تحولهم أكثر تأثيرًا.

عندما يواجهون القيود أو يجدون هدفًا جديدًا، يبرز ذلك مرونتهم، وغالبًا ما يتحدون التوقعات المجتمعية للركود. على الرغم من الأجسام والعقول المتقدمة في السن، لا يزال بإمكانهم أن يكون لهم تأثير عميق على من حولهم. تظهر مساراتهم أن النمو والتواصل ممكنان في أي عمر، مما يقدم استكشافًا أعمق وأكثر تعقيدًا للهوية والحب والفداء، وهو ما يشعر بقوة وإلهام خاصين.241 old man

في روايتي الأولى، الحياة المستعارة لفريدريك فايف، أردت أن أعرض ليس فقط شخصية رجل مسن  بل بطلًا أكبر سنًا يلهم الأمل ويظهر أن القيمة، بخلاف حدة البصر، لا تتناقص مع تقدم العمر أو التراجع في القدرة. كان جدي مصدر إلهام مثالي. فريد ليس رائعًا لأنه لا يزال قادرًا على قضاء عطلة نهاية أسبوع كبيرة في فيجاس أو ركوب جت سكي، بل لأنه يحتضن الشيخوخة كجزء طبيعي وقيم من الحياة، بدلاً من التمسك بالشباب كوسيلة لإيجاد هدف.

أردت عن قصد أن أكتب كتابًا يكشف عن إنسانية الشيخوخة بكل مجدها، من البروستاتا غير المنضبطة والغازات الزائدة إلى الركب المتصلبة والعقول المتعثرة والتجاعيد غير المخفية. ومع ذلك، هنا، في هذا الكتاب الذي تدور أحداثه في دار المسنين، ستجد أيضًا شخصيات أكبر سنًا تعرض قوة داخلية عميقة، وقدرة على النمو، والشفاء من الصدمات، وإيجاد السلام، والتأثير الكبير على الآخرين في سنواتهم الأخيرة.

يجسد فريد بطلًا ينقذ من حوله بصدق، ليس بإنقاذهم من الخطر الجسدي ولكن بفتح المجال لهم، وتقديم الحكمة والرحمة غير المشروطة والثابتة - وهو شيء يعتبر أصعب من ذلك. ولحسن الحظ، لقد أمضى اثنين وثمانين عامًا في ممارسة ذلك.

في روايتي الأولى، الحياة المستعارة لفريدريك فايف، أردت أن أُظهر ليس فقط شخصية أكبر سنًا، بل بطلًا أكبر سنًا يلهم الأمل ويظهر أن القيمة، بخلاف حدة البصر، لا تتناقص مع تقدم العمر أو تراجع القدرة.

إذا كنت محظوظًا بما يكفي لأصبح في الثمانينيات من عمري، آمل أن أكون محاطة بالكتب والأفلام التي تعرف الشيخوخة الناجحة ليس بمدى تمسكك بالشباب، بل بمدى قدرتك على التخلي عنه واحتضان الشيخوخة كجزء قيم وذى معنى من الحياة—وهو شيء لا يحظى به الجميع.

عند اختيارك لقراءتك التالية، لا تهمش الشخصيات الأكبر سناً التي تتحدى التصورات التقليدية للبطل أو الحيوية. رغم أنها قد تفتقر إلى قوة الشباب، فإنها تمتلك القدرة على رفع معنويات الآخرين. قد لا يتمكنون من لمس أصابع أقدامهم، لكنهم يظلون مرنين، ويضعون الآخرين في مقدمة اهتماماتهم. قد تكون قامتهم قد تضاءلت، ومع ذلك يستمرون في النمو بطرق يمكن أن تلهم حقًا. تمامًا كما في الكتب العظيمة، فإن الفصول الأكثر إثراءً وفائدةً هي عادةً الفصول الأخيرة.

(تمت)

***

.........................

* الكاتبة آنا جونستون /Anna Johnston كاتبة أسترالية ناشئة، منذ كانت طفلة رضيعة وهي تطمح إلى بلوغ الثمانين من عمرها، وتحب القصص الصادقة والمضحكة. نشأت في ريف فيكتوريا قبل أن تنتقل إلى ملبورن حيث تعيش بسعادة مع زوجها وبناتها على الشاطئ. تركت آنا مهنة وشيكة في الطب لتتبع قلبها إلى دار رعاية جدها حيث أصبحت منسقة الدعم الاجتماعي. . "الحياة المستعارة لفريدريك فايف" هي روايتها الأولى.

بقلم: جوزفين كوين

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم185 josephine quinn

لقد ادعى البريطانيون والأيرلنديون واللبنانيون جميعًا أنهم ينحدرون من الفينيقيين القدماء. لكن فينيقيا القديمة لم تكن موجودة أبدًا

لقد شكلت  القومية الحديثة التاريخ كما نعرفه اليوم: ما نتعلمه في المدارس، وما ندرسه في الجامعات، وما نقرأه في المنزل، كلها تتأثر بشكل كبير بأشكال ومعايير دولنا القومية. فقد نقلت القومية الحديثة التاريخ من عالم الهواة الأثرياء إلى مجال أكثر احترافية وديمقراطية، من خلال التركيز على التعليم والإلمام بالقراءة. وفي المقابل، يُطلب من التاريخ أن يبرر القومية نفسها ووجود دول معينة؛ كما قال إريك هوبسباوم: "التاريخ هو للقومية مثلما الأفيون هو للإدمان على الأفيون." هذه الديناميكية تعطي القومية الحديثة قوة استثنائية لتشكيل، وأحيانًا لتشويه، فهمنا وتطبيقنا ليس فقط للتاريخ الحديث، بل حتى للعصور القديمة.

لنتأمل هنا الفينيقيين القدماء الذين تم تجنيدهم لدعم التواريخ القومية للبنان وبريطانيا وأيرلندا، وفي بعض الحالات تم تشويههم بشكل خطير من قبل هذه التواريخ. وعلى الرغم من ادعاءات العديد من أنصار القومية اللبنانية والبريطانية والأيرلندية بتجنيد الفينيقيين باعتبارهم أسلافهم القدماء، فإن الفينيقيين لم يكونوا موجودين قط كمجتمع واعٍ بذاته، ناهيك عن كونهم أمة ناشئة.

عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، انهارت الإمبراطورية العثمانية التي حكمت الشام على مدى 400 عام. تصارعت القوى الأوروبية لتقسيم المنطقة وفقاً لنموذج الدول القومية الحديث نسبياً، تحت إشراف بريطاني أو فرنسي في البداية. شمل الانتداب الفرنسي على سوريا شريطاً من الموانئ المتوسطة الثراء يمتد إلى المرتفعات الريفية لجبل لبنان، موطن الموارنة التقليديين، وهم كاثوليك شرقيون على اتصال بالفاتيكان، والدروز، الذين تجمع معتقداتهم بين التعاليم الإسلامية وعناصر من تقاليد دينية أوراسية أخرى. كان لدى الموارنة والدروز تاريخ طويل من النزاعات ولا يجمع بينهما الكثير. ومع ذلك، منذ عام 1861، تم الحكم عليهم معاً تحت العثمانيين كمنطقة إدارية منفصلة عن المدن الساحلية بيروت وصيدا وصور، التي كانت تسكنها في الغالب أغلبية سنية.

في عام 1919، ومع وضع جميع الأراضي العثمانية على طاولة المفاوضات، أدركت مجموعة من رجال الأعمال والمثقفين المسيحيين المحليين الناطقين بالفرنسية فرصة لتوسيع هذه الجيوب الجبلية لتشمل الموانئ الثرية في دولة جديدة تحت اسم "لبنان الكبير". كان هؤلاء "اللبنانيون" يركزون على التوافق الطبيعي بين الجبل والساحل: بالنسبة لهم، كانت الدولة المقترحة بالفعل وحدة متكاملة؛ ما كان ينقصها هو تاريخ مميز يبرر استقلالها السياسي.

قد تكون الدولة القومية جديدة في الشرق الأوسط، ولكن كان اللبنانيون يعلمون أن الحركات الوطنية تحتاج إلى مشروعية تاريخية، ووجود ماضٍ مشترك لبناء كيان سياسي مشترك. وقد طرحت مرشحًا محليًا: الفينيقيون، التجار القدماء الذين أسسوا المدن الساحلية، وقطعوا طول البحر الأبيض المتوسط وما وراءه، وابتكروا الأبجدية التي نستخدمها حتى اليوم. من خلال تصوير الفينيقيين على أنهم رواد المبادرة الحرة، تمامًا مثلهم، جادل اللبنانيون بأن هذه الجذور الفينيقية القديمة منحت اللبنانيين هوية غربية ومتمركزة على البحر الأبيض المتوسط، مختلفة تمامًا عن الثقافة الإسلامية في المنطقة السورية الأوسع، والتي كانوا يرونها مزعجة وغير متحضرة. وكان من الجوهر في أيديولوجيتهم أنهم ليسوا عربًا: "لا توجد جمال في لبنان" كما يظل الشعار.

ولتوفير نموذج أولي مناسب وموازي للبنان الحديث، أصر هؤلاء اللبنانيون على أن الفينيقيين كانوا دائماً شعباً أو حتى أمة منفصلة، توحدها الجغرافيا والثقافة والدين والهوية المشتركة. وكما قال شارل قرم، الساحر والمغامر، فضلاً عن كونه الممثل الوحيد لشركة فورد للسيارات في سوريا، بصراحة في عدد يوليو/تموز 1919 من مجلته القومية القصيرة الأمد "المجلة الفينيقية": "نريد هذه الأمة، لأنها احتلت دائماً الأسبقية في كل صفحات تاريخنا". وقد نجحت الحجة: فمنذ عام 1920، أُدير لبنان الكبير كدولة منفصلة ضمن الانتداب الفرنسي. ولكن هل كان هذا صحيحاً؟

إن القومية الحديثة، التي تصر على الاستقلال السياسي لإقليم معين، وعلى تفوقه على غيره، ظاهرة حديثة للغاية. فقد كانت نتاجاً للتصنيع، ووسائل الاتصال الجماهيري، والثورات في فرنسا والولايات المتحدة، وبلغت أوجها مع التوحيد السياسي لألمانيا وإيطاليا في أواخر القرن التاسع عشر. ولكن لغة "الأمة" تعود إلى العصور الوسطى في أوروبا، إلى جانب أفكار الشخصية الوطنية ــ كانت قوائم الصور النمطية العرقية تُجمَع بالفعل في أديرة القرن الحادي عشر ــ والارتباطات الشخصية بأمم بعينها، والتي قد تشجع حتى على تبني أفكار الإبادة الجماعية.

لقد زعم بعض الباحثين في مجال القومية بأنه يمكننا تتبع مشاعر مماثلة إلى العصور القديمة. في كتابه الكلاسيكي أصول الأمم العرقية (1986)، قدم أنتوني د. سميث حجة بأن المجتمعات العرقية الواعية بذاتها قد وجودت منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، وأن هذه الجماعات "تشكل النماذج والأسس لبناء الأمم" في العالم الحديث. على الرغم من أنها لم تكن أممًا بالمعنى الحديث بعد، فإن هذه الجماعات كانت تشترك في الروابط الثقافية والعاطفية، واسم مشترك، وميثولوجيا أصلية مشتركة، وذكريات تاريخية مشتركة وارتباط بإقليم معين. أحد الأمثلة التي قدمها سميث كان فينيقيا، حيث وجد إلى جانب "الولاء السياسي للمدينة-الدولة الفردية"، "تضامنًا ثقافيًا وعاطفيًا مع الأقارب الثقافيين، كما يُفسر من خلال الأساطير الحالية للأصل والنسب... استنادًا إلى إرث مشترك من الدين واللغة والفن والأدب، والمؤسسات السياسية، والملابس وأشكال الترفيه."

كانت كلمة "فينيقي" مجرد تسمية عامة اخترعها المؤلفون اليونانيون القدماء للبحارة الشوام.

كل هذا، بما في ذلك ادعاء سميث، كان من شأنه أن يفاجئ الفينيقيين القدماء، الذين كانوا مجموعة متباينة من المدن-الدول المجاورة وغالبًا ما تكون في حالة صراع، تفصلهم معظم الوقت وديان عميقة. لم يروا أنفسهم كجماعة عرقية واحدة أو شعب يمكن أن يشكل "الأسس" لأمة. لا توجد حالة معروفة أن أحد الفينيقيين قد وصف نفسه بأنه فينيقي أو استخدم أي مصطلح جماعي آخر. في نقوشهم، يصفون أنفسهم من حيث عائلاتهم ومدنهم الفردية. يبدو أنهم لم يمتلكوا ثقافة مشتركة أيضًا: لغاتهم تتوزع على مدى يرتبط بين المدن-الدول عبر فينيقيا وسوريا وفلسطين، وطور كل ميناء ثقافات مدنية وفنية منفصلة، مستندة إلى نماذج أجنبية وعلاقات مختلفة: فعلى سبيل المثال، كانت جبيل تميل إلى النماذج المصرية؛ وأرادوس إلى النماذج السورية؛ بينما استمدت عمارة صيدا تأثيراتها من كل من اليونان وفارس؛ في حين أقامت صور علاقات سياسية وتجارية وثيقة مع القدس.

كان مصطلح "فينيقي" مجرد تسمية عامة ابتكرها المؤرخون اليونانيون القدماء للإشارة إلى البحارة الذين واجهوهم خلال استكشافاتهم البحرية في منطقة المشرق. على الرغم من أن بعض هؤلاء الكتاب اليونانيين يحملون تصورات نمطية عن الفينيقيين، حيث يعتبرونهم ماكرين أو خداعين إلى حد ما، إلا أنهم لا يستخدمون هذا المصطلح لوصف مجتمع عرقي ثقافي مميز. على سبيل المثال، يتحدث المؤرخ هيرودوتس عن الفينيقيين كثيرًا وبإعجاب كبير، لكنه لا يقدم وصفًا إثنوغرافيًا لهم كما يفعل مع مجموعات أخرى مثل المصريين والأثيوبيين والفارسيين.

وعلى هذا فإن سميث لم يخطئ في فهم الفينيقيين فحسب؛ بل إنه أخطأ في فهمهم تماماً. ذلك أن الفينيقيين لا يمثلون الأصول العرقية القديمة للأمم الحديثة، بل يمثلون الأصول القومية الحديثة لعرقية قديمة واحدة على الأقل.

تبدأ علاقة الفينيقيين القدماء بالوطنية الحديثة من بعيد عن لبنان في القرن العشرين. على جزيرة تُعرف الآن ببريطانيا العظمى، بدأت مساعي البحث عن الأصول الوطنية في العصور الوسطى تنقسم إلى مسارين: إنجليزي وبريطاني. كان المسار الإنجليزي أول من دافع عنه الموقر بيد في القرن الثامن، الذي ركز على ملوك الساكسون في البلاد. بينما بلغ المسار البريطاني ذروته في أعمال المؤرخ الويلزي جيفري من مونماوث في القرن الثاني عشر، الذي تتبع تاريخ ملوك بريطانيا بدءًا من برودوس الطروادي، حفيد إينياس. كان جيفري أيضًا أول مؤلف يقدم سردًا مفصلًا لإنجازات الملك آرثر، الذي يُفترض أنه هزم مؤقتًا الغزاة الساكسونيين لبريطانيا.

لقد هذه الأساطير البريطانية وجدت حياة جديدة بعد انفصال هنري الثامن عن الكنيسة الكاثوليكية، التي كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسكسونيين "الإنجليز" الذين قدموا الدين إلى الجزيرة في القرن السادس الميلادي. في تلك الفترة، كانت أصول الملوك التودوريين الويلزية تجعل الرؤية البريطانية الأكبر للأمة أكثر جاذبية، كما عززت طموحاتهم الإمبراطورية تجاه اسكتلندا.

في حوالي منتصف القرن السادس عشر، كتب مدرس وسياسي صغير يدعى جون توين كتابين من التعليقات اللاتينية على الشؤون الألبانية والبريطانية والإنجليزية. قدم توين هذه التعليقات كأنها مناقشة غداء استضافها جون فوش، آخر أبوت لدير سانت أوغستين في كانتربري قبل أن يحله هنري الثامن في عام 1538. نُشرت هذه التعليقات بعد وفاة توين في عام 1590، ورغم أنها كانت تحظى بتقدير عالٍ في وقتها، إلا أنها تُنسى الآن إلى حد كبير. وهذا أمر مؤسف، لأنها ممتعة للغاية، ويقدم الأبوت فيها حالة جديدة ومثيرة لجذور بريطانيا لضيوفه.

متجاهلا قصة جيفري مونماوث السخيفة عن أصول طروادة، يعلن فوش أن ألبون، ابن الإله نبتون، استوطن بريطانيا أولاً، ثم أسس سلالة من العمالقة الذين يسكنون الكهوف في الأرض التي أطلق عليها اسمه، ألبون. ولكن في الآونة الأخيرة، كان أول الأجانب الذين وصلوا إلى هذه الجزيرة هم الفينيقيون، الذين اجتذبتهم المعادن الكورنية. ويشمل دليله على هذا الادعاء "الزي البونيقي" الذي لا تزال ترتديه بعض النساء في ويلز، فضلاً عن "الأكواخ البونيقية" في تلك المنطقة؛ وعلاوة على ذلك، يشرح رئيس الدير، أن العادة البريطانية الشهيرة المتمثلة في طلاء الجسم بنبات الواد كانت بوضوح محاولة من جانب الفينيقيين لاستعادة بعض اللون الذي فقدوه على مدى أجيال عديدة بسبب الشمس. كانت فكرة النسب إلى الفينيقيين فكرة مبتكرة: فمن خلال رفض فرضية طروادة القديمة، قدم توين تاريخاً وطنياً جديداً لسلالة تيودور الجديدة، وهو التاريخ الذي حرص على ربطه على وجه الخصوص بويلز تيودور، وهو التاريخ الذي أعطى بريطانيا أسلافاً أكثر تحضراً وبطولة من المنحدرين من ما أسماه فوش "لاجئ مجهول وغامض".

ولكن في نظر توين، فإن الفينيقيين أنفسهم غير واضحين، فهو يكرر ببساطة ما يجده في النصوص القديمة. ويقال إن الفينيقيين كانوا تجاراً معروفين بالمكر والخداع. كما يؤكد توين على علاقاتهم بالشعوب الأخرى: فقد نشأوا في بابل، قبل أن يهاجروا إلى مجموعة متنوعة من الأراضي القديمة الراسخة الأخرى، بما في ذلك مصر، وإثيوبيا، وسوريا، واليونان، وأسبانيا، ثم وصلوا أخيراً إلى بريطانيا. ويتساءل توين: "من أين جاء الرجال على وجه الخصوص بعادة حلق اللحية باستثناء الشفة العليا، إن لم يكن البابليون؟". وكان هذا النهج يتناسب مع التفكير المعاصر بشأن الأمم، والذي لم يكن قائماً بعد على الحصرية أو المواجهة: وكان العنصر الحاسم في المفاهيم المبكرة لـ "الأمم" الأوروبية في الواقع هو فكرة النسب المشترك. وقد قدم لنا "جدول الأمم" في سفر التكوين خريطة تمكن العلماء من خلالها من تتبع شعوبهم من خلال عبر شجرة العائلة الأكبر إلى أبناء نوح.

يبدو أن الكلمات المشتقة من الفينيقية تشمل اسم كورنوال وكلمة البيرة

بحلول الوقت الذي نشرت فيه آيليت سامز كتابها "بريطانيا القديمة الموضحة"، أو "آثار بريطانيا القديمة المستمدة من الفينيقيين" (1676)، كان التفكير قد تغير. فقد تعززت نظرية سامز الفينيقية عن بريطانيا القديمة بالعمل الشعبي الذي قام به العالم الفرنسي صمويل بوخارت، الذي تتبع في كتابه "الجغرافيا المقدسة" (1646) انتشار أحفاد نوح في مختلف أنحاء العالم. وقد أولى بوخارت اهتماماً خاصاً بالفينيقيين، مشيراً إلى أنهم وصلوا إلى كل من بريطانيا وأيرلندا. وزعمت سامز أن الفينيقيين استقروا في جنوب بريطانيا، في حين استعمرت قبيلة سيمبري الألمانية شمالها.

كتب سامز أن الفينيقيين تركوا بصمة أكبر: "ليس فقط اسم بريطانيا نفسه، ولكن معظم الأماكن فيها ذات التسمية القديمة مشتقة تمامًا من اللغة الفينيقية، و... اللغة نفسها في معظمها، بالإضافة إلى العادات، والديانات، والأصنام، والمكاتب، والامتيازات القديمة للبريطانيين هي جميعها بوضوح فينيقية، وكذلك أدواتهم الحربية." بالنسبة لسامز، تشمل الكلمات البريطانية المشتقة من الفينيقية اسم كورنوال وكلمة "البيرة"، ومن بقايا الثقافة الفينيقية تشمل موقع ستونهنج. فيما يتعلق باللغة التي يعتقد سامز أن الفينيقيين تحدثوا بها، فهو لا يذكر تحديدًا في النص، ولكن من خلال التلميحات في تفسيراته، يمكن أن نستنتج أنه كان يعتقد أن الفينيقية كانت لغة أساسية تساهم في تشكيل اللغة البريطانية القديمة.

أكد سامز أن هجرة الكيمبري تفسر لماذا يتمتع الأسكتلنديون بجسم أكبر وأكثر شراسة من الإنجليز، وكذلك فوائد اتحاد التاجين في عام 1603. كتب: "اللغات والعادات والتقاليد المتنوعة ... ليست متعارضة مع بعضها البعض، ولكن من خلال اختلاط النبلاء، والاتحاد السعيد لهذه الأمة تحت حكم ملك واحد، تتجمع لتشكل أفضل مملكة متماسكة في العالم." يشير استخدام سامز لأصول المهاجرين المختلفة لشرح الأنواع البدنية الحديثة المميزة إلى علاقة نسب أو عرقية مشتركة بطريقة لم يكن يرويها سرد توين حول الاقتراضات الثقافية. كما يلتقط اتجاهًا جديدًا في الخطاب الوطني، الذي أصبح الآن يركز على الفرق بين الأمم أكثر من التركيز على الروابط بينها.

بالمثل، ورغم تأكيده على الأصول التكميلية لممالك بريطانيا، يميز سامز بشدة بين بريطانيا والدول الأوروبية الأخرى. وبشكل خاص، هو معارض بشدة للمنافس الرئيسي لبريطانيا، فرنسا والفرنسيين. بالنسبة لسامز ومعاصريه، كانت فرنسا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالرومان، كدولة قارية إقليمية. وقد أبرز نسب البريطانيين المفترض من عدو روما التقليدي، القوة التجارية البحرية لقرطاج الفينيقية، الفروق بين الأمتين الحديثتين وفسر تفوق بريطانيا على البحر.

علاوة على ذلك، فإن معارضته الشديدة للفرنسيين تجعل من المهم بالنسبة لسامز أن تكون بريطانيا دائمًا جزيرة، وليس – كما كان في الواقع – شبه جزيرة من شمال أوروبا. كتب: "إذا تم الاعتراف بهذا المضيق، فسيبدو أنه من غير القابل للجدال أن الغالين هم من سكنوا هذه الأمة، وهو ما لا يمكن تصوره. يبدو أكثر مجدًا أن يكون هذا الجزء الممتاز من الأرض دائمًا أمة مستقلة بذاتها، بدلاً من أن يكون عضوًا تابعًا للأرض التي غالبًا ما منحتها القوانين." إنه سرد مختلف جذريًا لأصول القومية البريطانية مقارنة بتلك التي قدمها توين. في رواية سامز، كانت بريطانيا دائمًا أمة، ويطبق نفس المبدأ على سكانها البشريين الأصليين: فهو أول من يصف الفينيقيين كأمة، بل وحتى كدولة.

وفي أيرلندا، نشأت نسخة بديلة من القومية الفينيقية. وكان رودريك أوفلاهيرتي (رويدري أو فلايثبهارتيغ) المعاصر لساميس أول باحث أيرلندي يقترح في عمله المؤثر أوغيجيا (1685) أن الفينيقيين يشكلون جزءًا من الأصول الأيرلندية. وفي القرن الثامن عشر، أصبحت نظرية أوفلاهيرتي عن الفينيقيين باعتبارهم أسلاف الأيرلنديين شائعة للغاية بين البروتستانت المتفوقين وكذلك المثقفين الغيليين. وكان تشارلز فالانسي، الذي وصل إلى أيرلندا في عام 1756 كمساح في الجيش البريطاني، وظل هناك كعالم آثار محلي محترم، وعضو مؤسس في الأكاديمية الملكية الأيرلندية. كان اهتمام فالانسي بشكل خاص منصبًا على العلاقة بين اللغتين: حيث أعلن في إحدى دراساته المطولة العديدة حول هذا الموضوع أن اللغة الأيرلندية القديمة "يمكن القول إنها كانت، إلى حد كبير، لغة هانيبال، وهاميلقار، وأسدروبال".

تمامًا كما كان بإمكان القوميين البريطانيين استخدام الفينيقيين لتمييز أنفسهم عن الفرنسيين الأكثر "رومانية"، استخدم مؤيدو القومية الإيرلندية الماضي الفينيقي لتمييز الإيرلنديين عن البريطانيين الأكثر "رومانية". في هذا السياق، تم تصوير الاحتلال البريطاني لإيرلندا على أنه صراع عظيم بين قرطاج المتحضرة والنبلية، أي الفينيقيين-الإيرلنديين، وقوة روما المتوحشة، أي بريطانيا. في الوقت نفسه، كان فهم فالنسي لخصوصية الفينيقيين في العالم القديم غير واضح، ولم يميزهم بوضوح عن الشعوب القديمة الأخرى: فقد وصف الفينيقيين على أنهم امتصوا السكيثيين أثناء رحلاتهم، وخصص الأبراج الدائرية الإيرلندية في أوقات مختلفة للبناء الفينيقي والفارسي.

شجعت أيديولوجيات القومية المؤرخين على تبني فكرة الأمة الفينيقية القديمة

كان القومية الإيرلندية الانفصالية الحقيقية، حتى بين الكاثوليك، ظاهرة تعود إلى القرن التاسع عشر. بينما قد يكون فالنسي مخلصًا للثقافة والتاريخ الإيرلنديين، فإن عمله الرئيسي مكرس للملك الإنجليزي. احتفل المثقفون الإيرلنديون مثله بالفينيقيين كواحدة من مجموعة معقدة ومترابطة من الجذور القديمة، ولم يكونوا في تلك الفترة يسعون إلى مستقبل إيرلندي منفصل ووحيد. كانوا يقدرون أسلافهم الفينيقيين، لكنهم لم يكونوا يسعون إلى إنشاء أمة فينيقية.

وفى منتصف القرن التاسع عشر، أدى الاعتراف بأن عائلة اللغات الهندو أوروبية التي تضم الأيرلندية والإنجليزية كانت منفصلة تمامًا عن العائلة السامية التي تضم الفينيقية إلى جعل البحث عن الجذور الفينيقية المزعومة لهذه الدول الحديثة غير قابل للتصديق والصمود. كما كان الافتقار الواضح إلى الأدلة الأثرية على الاستيطان الشامي في أرخبيل شمال الأطلسي أمرًا غير مقبول. ولكن في الوقت نفسه، شجعت الأيديولوجيات الناشئة للقومية الحديثة المؤرخين على تبني فكرة الأمة الفينيقية القديمة، والتي اجتاحتها ما أسماه بول جيلروي في كتابه "الأطلنطي الأسود" (1993) أيديولوجية "الأمة ككائن متجانس عرقيًا"، فضلاً عن "التقاطع القاتل بين مفهوم الجنسية ومفهوم الثقافة".

لقد بدأت الكتب التي تتحدث عن "الفينيقيين" في الظهور، وكانت الفصول الموسعة مخصصة لحرفهم وثقافتهم. وبحلول ستينيات القرن التاسع عشر، عندما بدأ عالم الآثار الفرنسي (والذي تحول لاحقاً إلى منظِّر للقومية) إرنست رينان في نشر كتابه "بعثة فينيقيا"، والذي كان نتاجاً لعمليات التنقيب التي قام بها في لبنان، أصبح بوسعه أن يشير إلى الفينيقيين باعتبارهم "أمة". ووفقاً لرينان، كان الفينيقيون يتميزون بفنونهم وعمارتهم المميزة، وكانوا يشتركون في ميلهم العملي وذكائهم التجاري. وسرعان ما تحولوا إلى عِرق واحد: فوفقاً لجورج بيرو وتشارلز شيبيز في مجلد صدر عام 1885 عن الفن الفينيقي والقبرصي، "لقد قيل على نحو جيد للغاية إن الفينيقيين كانوا يتمتعون ببعض خصائص اليهود في العصور الوسطى، ولكنهم كانوا أقوياء، وكانوا ينتمون إلى عِرق لابد وأن نعترف بقوته وتفوقه في بعض النواحي".

ومع نهاية القرن التاسع عشر، اكتملت العملية، وتمكن جورج رولينسون من بدء الطبعة الثالثة من كتابه تاريخ فينيقيا بإعلان أن ساحل الشام "كان مأهولاً بثلاث دول، متميزة سياسياً وإثنوغرافياً": سوريا وفلسطين وفينيقيا. لقد نجحت ثلاثمائة عام من الدراسات القومية في ترسيخ مكانة الفينيقيين في بلاد الشام القديمة كأمة كاملة، وجدود مناسبين لدولة تحت إشراف إمبراطوري أوروبي.

***

........................

المؤلفة: جوزفين كوين / Josephine Quinn أستاذة مشاركة في التاريخ القديم في كلية ووستر، جامعة أكسفورد. أحدث كتاب لها هو "بحثًا عن الفينيقيين" (2017)

يتكئ فيلم "الدكتور حمّودي" للمخرج هادي ماهود على سؤال منطقي يدور في خَلَد الراوي العليم مفاده:"هل يستحق الوصول إلى أستراليا كل هذا العناء والمجازفة؟". فثمة مراكب صغيرة تغرق، وأناس من مختلف الأعمار والجنسيات يلقون حتفهم، وأحلام وردية وكبيرة تُقبَر قبل أن تجد طريقها إلى التحقّق.

تشكّل هذه التوطئة مَدخلاً مُوفقًا لأحداث هذا الفيلم الاستقصائي الذي يقوم على البوح والمكاشفة واستعادة الماضي القريب. يتمحور الفيلم على شخصية الدكتور حمّودي نشمي فيما تؤازره ست شخصيات ثانوية أبرزها الدكتور ستيفن ناپولي، والدكتور پيتر جوينر، والأركيولولوجي عبد الأمير الحمداني وثلاث شخصيات أخرى سنأتي على ذكرها عند الحديث عن قصه الفيلم التي تنمو وتتطور دراميًا على مدى 17 دقيقة.166 D.hamodi

قبل الخوض في تفاصيل الثيمة الرئيسة وتشعباتها لابد من الإشارة إلى أن هذا الفيلم قد صُور في أماكن عديدة من بينها أهوار الجبايش، ومدينة أور الأثرية، والناصرية، والسماوة، وسيدني، ومدينة (مَنم) التي تقع في جنوب أستراليا. أما زمن الفيلم فيعود إلى تسعينات القرن الماضي وتحديدًا إلى سنة 1991م التي غزا فيها صدام حسين دولة الكويت الشقيقة ووضع العراق برمته على كف عفريت. وإذا كان الوصول إلى أستراليا يستحق كل هذا العناء والمحازفة أم لا هو السؤال المهيمن على مدار الفيلم فإن الثيمة الرئيسة تتمحور على شخصية الدكتور حمودي نشمي الذي هرب من العراق في تسعينات القرن الماضي والتجأ إلى أستراليا عبر رحلة محفوفة بالمخاطر على متن يقارب يحمل في جوفه 360 لاجئًا يحلمون بالوصول إلى أستراليا التي توفر لهم الملاذ الآمن، والحرية المنشودة، والعيش الكريم.

تنطلق الأحداث من ذي قار  أو (الناصرية)، المدينة العتيقة التي تزخر بالآثار الشاخصة والمدفونة حيث تعيّن الدكتور حمودي في كانون الأول 1996م طبيبًا عسكريًا في هذه المدينة الجميلة التي كانت تخضع للقبضة الحديدية لسلطة النظام الدكتاتوري السابق ولكن بعد أن غزت قوات الحرس الجمهوري لصدام حسين دولة الكويت عام 1991م ارتخت هذه القبضة وكان حجم الدمار الذي لحق بالعراق لا يُصدق. كان الدكتور حمودي خائفًا ومرعوبًا في تلك المنطقة الجميلة التي تعتبر ملاذًا لكل المعارضين والمناوئين لنظام صدّام حسين الذين حاولوا إنقاذ البلاد الأسيرة والمقموعة من قبضته لأنه كان عازمًا على تدميرها والقضاء عليها بشكل كامل. وقد اختار الراوي هذه المنطقة لأن تكون نقطة البداية لرحلته الطويلة المحفوفة بالمخاطر والهروب من الظلم والقمع والحروب المتواصلة. لقد اصطحبه المهرّب على متن زورق صغير يسمى بالمحكية العراقية بـ "المشحوف" لم تكن الرحلة سهلة أو يسيرة كما يقوم بها الآن في إعادة التمثيل فهم هادئون ومسترخون تمامًا حيث لا تتواجد أجهزة أمن صدّام ويغيب الحرس الذي يضطرك لأن تسير مختبئًا من مكان إلى آخر. ففي الظروف الطبيعية يحتاج الهارب أو المتسلل إلى بضعة ساعات لكي يقطع المسافة لكن رحلته المروّعة استغرقت ثمانية أيام لعبور الحدود العراقية والوصول إلى الجانب الإيراني.167 D.hamodi

روح المكان وعصبه النابض

يتلاقح المخرج مع ثلاث أغنيات لمطربين عراقيين مشهورين وهي "يمّه يا يمّه" لداخل حسن، و "للناصرية" لحسين نعمة، و "المگيّر" لياس خضر وهؤلاء المطربون يمثلون روح المكان وعصبه الفني النابض. ومع أنّ غالبية أفلام المخرج هادي ماهود جميلة وحادّة نقديًا وتترك أثرًا طيبًا لدى المتلقي إلاّ أنّ أفلامه المنجزة في أوروپا أو أستراليا أو في الطريق إليها، أو التي تزاوج ما بين الفضاءين العراقي والأسترالي هي الأكثر شدًا للمتلقي وجذبًا له من الأفلام التي تجري أحداثها في بلد واحد. ولعل التقاطاته الذكية وموضوعاته الشائقة وتسليطه الضوء على الآخر سواء أكان أوروپيًا أم عراقيًا يعيش في أوروپا أو أستراليا هي التي تمنح أفلامه ومعالجاته الفنية بُعدًا إضافيًا يُخرجها من إطارها المحلي ويضعها في السياق الاجتماعي الهجين الذي يخز المتلقي ويستنفز حواسه الست إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أنّ الحاسة السادسة هي "الحدْس" أو توقع الأشياء قبل حدوثها. وفي هذه المرة يأخذنا هادي ماهود إلى مدينة "مَنم" Mannum في جنوب أستراليا حيث انتقل  الدكتور حمودي في أوائل سنة 2008م كجزء من عملية التدريب ليكون طبيب أرياف وطبيب عائلة في الوقت ذاته. ويوضّح الدكتور حمودي بأنه ما إن نزل في اليوم الأول إلى هذه المدينة وشاهد النهر حتى وقع في غرامها لأنه يحب الأنهار ولديه ارتباط وثيق مثل غالبية العراقيين بالأنهار، فالعراق هو بلد ما بين النهرين كما أن هناك العشرات من الأنهار والجداول الصغيرة المبثوثة على خارطة العراق الكبيرة.168 D.hamodi

نتعرّف في هذا الفيلم على وجهات نظر طبيبين أستراليين أولهما الدكتور ستيفن ناپولي الذي قال:"أنا أعرف الدكتور حمودي منذ عشر سنوات، وأنا معجب حقيقة بشغفه بالناس، وحبّه لعائلته، وهو طبيب رائع في العمل، ومهتم بالمجتمع أيضًا".وثانيهما هو الدكتور پيتر جوينر الذي عبّر عن رأيه بصراحة وقال:"نحن رحّبنا به لأننا متعودون على عيادة فيها كل الأعراق، وأطباء من مختلف البلدان، وهو طبيب متحمّس وماهر جدًا ويستمتع بطب الطوارئ وهو المعروف بمهارته وتحمّسه وقابليته على تحمّل العمل المضني وقد ساعدنا كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، ونتمنى أن يبقى لسنوات طويلة قادمة".

أمّا ردّ فعل الدكتور حمودي على هذه الآراء الإيجابية المشجّعة فتتمثل بقبوله لهذه الوظيفة لأنه شعر بترحيب عالٍ من قبل زملائه في العمل والقبول الحسن من قبل مجتمع المدينة التي قرر البقاء فيها بعد أن أمضى عشر سنوات من العمل الدؤوب سواء في المستشفى أو في العيادة. يشيد الدكتور ناپولي باندماج الدكتور حمودي معهم ومع المجتمع الجديد بشكل رائع وأعرب عن سعادته بهذه العلاقة معه ومع عائلته وهو يعرف جيدًا أطفاله الذين ترعرعوا في "منم" ويعرف زوجته دنيا، وسمع بما مرّ به من ظروف قاسية خلال رحلة هروبه من العراق حتى وصوله إلى أستراليا وكان يشعر بالأسى والألم كلما تذكر هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر لكنها لم تُضعف من عزيمته القوية، ولم تؤثر عليه، ولم تمنعه من تحقيق أهدافه في الحياة، وهو يقوم بعمله بكفاءة، ويقدّم خدماته للمجتمع ولمرضاه بشكل رائع.169 D.hamodi

لا يفوّت الدكتور حمّودي فرصة للحديث عن جمالية الحياة الاجتماعية لمدينة الناصرية حيث يجلس الرجال في المقاهي الشعبية التقليدية ويحتسون الشاي، وثمة مطعم يديره رجل ضرير يقدّم كبابًا شهيًا ولذيذًا ويعّد النقود باللمس فقط لأنه لا يرى شيئًا على الإطلاق. يشقُّ نهر الفرات مدينة الناصرية إلى شطرين شرقي وغربي. ولعل أجمل شيء هو المشي أو التنزّه على ضفتيّ النهر. الناصرية هي المدينة الضاربة في عمق التاريخ العراقي ويُعتقد أنّ ابراهيم الخليل  قد بدأ رحلته من أور التي تقع في الجزء الجنوبي من المدينة.

يوضح الدكتور عبد الأمير الحمداني وهو متخصص بعلم الآثار ووزير سابق لوزارة السياحة والثقافة والآثار بأنّ أور قد أصبحت مدينة قبل 2500 سنةق.م، وأور تعني المُستقر وهي معروفة بالموسيقى والتاريخ والتشريعات. أمّا معنى الزقورة فهو مشتق من الفعل الأكدي "زيقارو" الذي يعني المكان المرتفع حيث تصل الزقورة إلى ارتفاع 47 مترًا عن سطح الأرض.

لا تقتصر الثقافة والمعرفة على حملة الشهادات العليا فـ "ضايف محسن" حارس المدينة القديمة يقول:"إنّ العراق ليس بلد الكتابة فقط، وإنما هم يفهمون بعلم الفلك، والصناعة، وسنّوا القوانين، وصنعوا العجلة، ووضعوا التشريعات"، ثم يستفيض في الحديث عن الزقورة ويؤكد بأنّ أحد الأبواب يحتوي على قوس يعتبر أقدم قوس معروف من نوعه. ويعتقد ضايف أنّ الزقورة لها اسم ثانٍ وهو "المگيّر"، وهي التسمية المحلية التي أطلقها أبناء العشائر القريبة، وسبب تسميتها بـ  "المگيّر" لأنّ المادة الرابطة للطابوق هي القير. وأغنية "المگيّر" كتبها شاعر من الناصرية وغنّاها الفنان ياس خضر ويقول في أحد أبياتها:"وأردْ للناصرية إردود مخنوگ بألف عَبرة".170 D.hamodi

قوارب الموت تصارع أمواج البحر العاتية

يروي الدكتور حمودي بأنّ الحياة كانت مرعبة في العراق بعد الحرب وسنوات الحصار ثم غزو الكويت ومع ذلك فقد استطاع الوصول إلى أستراليا بعد تجربة مروّعة لا يمكن تخيلها في قارب يصارع أمواج البحر. وقد سمع الدكتور حمودي وزيرَ الهجرة الأسترالية وهو يتحدث عن اللاجئين ويقول بما معناه "أنّ اللاجئين ليس لديهم تعليمًا جيدًا أو غير متعلّمين" وهذا الكلام غير صحيح لأنه يتذكر جيدًا أنه كان في قارب يضم 360 طالب لجوء كان بينهم ستة أطباء ويورد مثالاً لواحد من زملائه في المُحتجَز اسمه منجد المدرس قد وضع في ذلك الوقت تحت طائلة المراقبة والاستجواب وسئل أكثر من مرة عن سلوكه حتى أنهم سجنوه لفترة وأعتقدوا أنه متمرد لأنه لم ينسجم مع معاملتهم اللاإنسانية وفي النهاية أثبت لهم أنه الأفضل وأصبح رائدًا في جراحة العظام والكسور في أستراليا.

يعترف منجد المدرس بحبه للبحر والماء لذلك اقتنى هذا القارب في سدني لكن تجربته في اللجوء إلى أستراليا في قارب صغير مثقوب كانت تجربة مرعبة وخطيرة جدًا. وكان البحر هائجًا جدًا والسماء تمطر بشكل متواصل والأمواج عالية جدًا بحيث يصل ارتفاعها إلى 20 مترًا، وكان طالبو اللجوء خائفين ويتقيئون في كل مكان حتى اعتقد الجميع بأنهم لن يصلوا أحياءً إلى هدفهم. ولو تسأل منجد المدرس:"هل ستفعلها مجددًا لو عدت مرة أخرى لنفس الأوضاع السابقة؟" فجوابه سيكون: نعم، لأنه ليس لديه خيار آخر.171 D.hamodi

لم تكن شخصية الدكتور حمّودي اجتماعية فقط فهو إنسان حميمي مُحب للحيوانات أيضًا وحينما قدِم إلى "مَنم" اشترى مزرعة صغيرة وربّى فيها عددًا من النعاج وحيوان اللاما ومعزى واحدة، كما بدأ يكتب قصصًا أسبوعية عن حيواناته يوثّق فيها سلوك الحيوانات ويعززها بثيمة سياسية حتى أنه أعطى حيواناته أسماءً وشخصياتٍ مميزة وقد بلغ عدد القصص التي كتبها حتى الآن أكثر من عشرين قصة قصيرة. ويستطيع القرّاء الربط بين سلوك حيواناته وأشخاص من الطبقة السياسية العامة. يكتب الدكتور حمودي هذه القصص عادة حينما يشعر بالاسترخاء بعد نهاية يوم عمل حيث يتناول عشاءه وقبل مغيب الشمس يشرع في الكتابة ويصف سلوك حيواناته الذي لا يختلف كثيرًا عن السلوك البشري.

بالإضافة إلى شخصيتيّ د. ستيفن ناپولي و د. پيتر جوينر يقدّم لنا المخرج أحد المتحدثين شخصية الشاعر الأسترالي بروس داو وهو يخاطب الدكتور حمّودي قائلاً:"كان بودي أن أعرّفك على شاعر أسترالي وقف مع التجربة السياسية في العراق اسمه بروس داو وكتبه غالية الثمن جدًا لكنه أصدر طبعة شعبية كما يفعل الشعراء غير المعروفين حتى يستطيع الناس الناس شراءها ويذهب ريعها للمنظمات الإنسانية". إن مجرد ذكر اسم الشاعر الأسترالي بروس داو سيدفع المتلقي للبحث عن هذا الشاعر ومعرفة مجموعاته الشعرية والكتب النقدية التي كُتبت عن تجربته الشعرية خاصة وأنّ بعض النقّاد يعتيرونه " أحد أكثر الشعراء الأستراليين تأثيرًا على الإطلاق". وقد نال العديد من الجوائز والتكريمات وبيعت من مجموعته الشعرية الموسومة "السعادة أحيانًا" أكثر من 100.000 نسخة في عدة طبعات كما تشير الوكيبيديا. ومن أبرز مجموعاته الشعرية العشرين "العين بالسن" و "نحو شروق الشمس" و "هذا الجانب من الصمت" و "النقاط العمياء".

يختم هادي ماهود فيلمه بنفس السؤال الذي أثاره في مُستهل الفيلم مع تغيير طفيف مفاده:"هل يستحق العيش في أستراليا كل هذا العناء والمجازفة؟" ويأتي الجواب الجازم:"نعم، قطعًا" لتكتمل الرحلة التي انطلقت من أهوار الجنوب إلى مضارب مدينة "مَنم" الأسترالية.172 D.hamodi

وفي الختام لابدّ من الإشارة أنّ هادي ماهود من مواليد السماوة 1960م، وقد تخرّج في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، وأخرج عددًا من الأفلام الروائية والوثائقية والقصيرة، من بينها:"بائع الطيور، الساعة 1800، الغريق، جنون، تراتيل سومرية، عُرس مندائي، عاشوراء، سندباديون، العراق موطني، ليالي هبوط الغجر، سائق الإسعاف، العربانة، انهيار، سوق سفوان، في دائرة الأمن، مراثي السماوة، والدكتور حمّودي" وقد حصل على عدد من الجوائز المحلية والعالمية. كما أصدر سنة 2022م أول كتاب سينمائي له يحمل عنوان "الفيلم الوثائقي العراقي والهُوية الوطنية"، وسوف يصدر له كتاب يحمل عنوان "أفلامي" وفيه توثيق شامل لكل الدراسات النقدية التي كُتبت عن أفلامه، والرسائل التي كتبها لبعض المسؤولين وأصدقاء المهنة من الأدباء والفنانين، والمقابلات الشخصية التي أُجريت معه منذ تخرجه وحتى الآن.

***

عدنان حسين أحمد

في السنوات الأخيرة، أثار مفهوم اللحوم المطبوعة الفضول والجدل في صناعة المواد الغذائية. وباستخدام التكنولوجيا المتقدمة، تمكن الباحثون والعلماء من إنتاج مواد تشبه اللحوم باستخدام خلايا من الحيوانات، بدلا من الاعتماد على تربية الماشية التقليدية. يتمتع هذا النهج المبتكر بالقدرة على إحداث ثورة في الطريقة التي نستهلك بها البروتين، مما يوفر بديلا أكثر استدامة وأخلاقا لممارسات إنتاج اللحوم التقليدية. ومع ذلك، كما هو الحال مع أي تكنولوجيا جديدة، هناك مزايا وعيوب يجب أخذها في الاعتبار عندما يتعلق الأمر باللحوم المطبوعة. إحدى المزايا الرئيسية للحوم المطبوعة هي قدرتها على تقليل التأثير البيئي. ومن خلال القضاء على الحاجة إلى تربية الماشية على نطاق واسع، يمكن أن تساعد اللحوم المطبوعة في تقليل استخدام المياه، وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، وتقليل تدهور الأراضي. بالإضافة إلى ذلك، تتمتع اللحوم المطبوعة بالقدرة على معالجة القضايا الملحة مثل الأمن الغذائي ورعاية الحيوان، حيث يمكن إنتاجها دون الحاجة إلى ذبح الحيوانات. ومع ذلك، هناك أيضًا مخاوف بشأن الآثار المترتبة على سلامة وصحة استهلاك اللحوم المطبوعة، فضلا عن التأثير المحتمل على صناعات اللحوم التقليدية. ومن الضروري أن نزن بعناية هذه المزايا والعيوب قبل تبني هذه التكنولوجيا الجديدة بشكل كامل. (سميث، 2021).

مفتاح الحقائق:

1. تُحدث اللحوم المطبوعة ثورة في صناعة الأغذية من خلال تقديم بديل مستدام وصديق للبيئة لطرق إنتاج اللحوم التقليدية.

2. تشمل مزايا اللحوم المطبوعة تقليل البصمة الكربونية، والمعاملة الأخلاقية للحيوانات، وإمكانية التخصيص بناءً على تفضيلات المستهلك.

3. من الأمثلة على الشركات الناجحة في صناعة اللحوم المطبوعة أليف فارمز و إيت جست، اللتين تقودان الطريق في تطوير منتجات اللحوم المبتكرة باستخدام تقنيات الزراعة الخلوية.

4. ومع ذلك، قد تشمل عيوب اللحوم المطبوعة ارتفاع تكاليف الإنتاج، والتحديات التنظيمية، وقضايا قبول المستهلك بسبب حداثة المفهوم.

5. على الرغم من هذه التحديات، فإن الفوائد المحتملة للحوم المطبوعة واضحة، ومع استمرار تقدم التكنولوجيا، فمن المرجح أن تلعب دورًا مهمًا في نظامنا الغذائي المستقبلي.

التفاصيل:

1. تُحدث اللحوم المطبوعة ثورة في صناعة الأغذية من خلال تقديم بديل مستدام وصديق للبيئة لطرق إنتاج اللحوم التقليدية.

تعد اللحوم المطبوعة، والمعروفة أيضًا باسم اللحوم المستنبتة أو اللحوم المزروعة في المختبر، ابتكارا رائدا يُحدث ثورة في صناعة الأغذية من خلال توفير بديل مستدام وصديق للبيئة لطرق إنتاج اللحوم التقليدية. تتضمن عملية تصنيع اللحوم المطبوعة زراعة الخلايا الحيوانية في مفاعل حيوي ثم دمجها لتكوين نسيج عضلي يشبه إلى حد كبير اللحوم التقليدية. هذه الطريقة ليست فقط أكثر أخلاقية وإنسانية، لأنها تلغي الحاجة إلى تربية وذبح الحيوانات لاستهلاك اللحوم، ولكنها تعالج أيضًا العديد من القضايا البيئية المرتبطة بإنتاج اللحوم التقليدية. إحدى المزايا الرئيسية للحوم المطبوعة هي انخفاضها الكبير في انبعاثات الغازات الدفيئة. يعد إنتاج اللحوم التقليدية مساهمًا رئيسيًا في تغير المناخ، حيث تمثل تربية الماشية جزءا كبيرا من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية. ومن خلال إنتاج اللحوم في المختبر، تقلل اللحوم المطبوعة بشكل كبير من التأثير البيئي لإنتاج اللحوم. أظهرت الدراسات أن إنتاج اللحوم المطبوعة ينتج عنه انبعاثات غازات دفيئة أقل بنسبة تصل إلى 96% مقارنة بإنتاج اللحوم التقليدية، مما يجعله خيارا أكثر استدامة لإطعام عدد متزايد من سكان العالم. بالإضافة إلى تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، تتطلب اللحوم المطبوعة أيضًا كميات أقل بكثير من المياه والأراضي لإنتاجها. يتطلب إنتاج اللحوم التقليدية كميات هائلة من المياه لسقي الماشية وإنتاج الأعلاف ومعالجتها، مما يؤدي إلى ندرة المياه والتلوث. ومن ناحية أخرى، تستخدم اللحوم المطبوعة مياهًا أقل بنسبة تصل إلى 99% مقارنة بطرق إنتاج اللحوم التقليدية. علاوة على ذلك، يمكن إنتاج اللحوم المطبوعة في بيئة خاضعة للرقابة، مما يلغي الحاجة إلى مساحات كبيرة من الأراضي للرعي وإنتاج الأعلاف. وهذا يجعل اللحوم المطبوعة خيارا أكثر استدامة وصديقا للبيئة لإنتاج اللحوم، خاصة في المناطق التي تواجه ندرة المياه وتدهور الأراضي. علاوة على ذلك، فإن اللحوم المطبوعة لديها القدرة على معالجة العديد من المخاوف الأخلاقية المحيطة بالرفق بالحيوان في صناعة اللحوم. غالبا ما تنطوي ممارسات الزراعة في المصانع على ظروف غير إنسانية للحيوانات، مع ظروف معيشية مكتظة وغير صحية، واستخدام روتيني للمضادات الحيوية، وأساليب ذبح مؤلمة. ومن خلال إنتاج اللحوم دون الحاجة إلى تربية الحيوانات وذبحها، توفر اللحوم المطبوعة بديلا أكثر أخلاقية وإنسانية لاستهلاك اللحوم. فهو يسمح للمستهلكين بالاستمتاع بمنتجات اللحوم دون الشعور بالذنب أو المعضلات الأخلاقية المرتبطة بطرق إنتاج اللحوم التقليدية. تُحدث اللحوم المطبوعة ثورة في صناعة الأغذية من خلال تقديم بديل مستدام وصديق للبيئة لطرق إنتاج اللحوم التقليدية. إن انخفاضها الكبير في انبعاثات الغازات الدفيئة، واستخدام المياه، ومتطلبات الأرض، والمخاوف الأخلاقية يجعلها خيارا مقنعا لمستقبل إنتاج اللحوم. مع استمرار نمو سكان العالم وتكثيف التحديات البيئية، يمكن أن تلعب اللحوم المطبوعة دورا حاسما في إنشاء نظام غذائي أكثر استدامة وأخلاقيا للأجيال القادمة.

2. تشمل مزايا اللحوم المطبوعة تقليل البصمة الكربونية، والمعاملة الأخلاقية للحيوانات، وإمكانية التخصيص بناء على تفضيلات المستهلك.

في السنوات الأخيرة، اكتسب مفهوم اللحوم المطبوعة اهتماما كبيرا في عالم الطهي. وباستخدام التكنولوجيا المبتكرة مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد، تمكن الباحثون وعلماء الأغذية من إنتاج منتجات لحوم ليست لذيذة فحسب، ولكنها أيضًا أكثر استدامة وأخلاقية مقارنة بطرق إنتاج اللحوم التقليدية. واحدة من أهم مزايا اللحوم المطبوعة هي انبعاثاتها الكربونية المنخفضة. ومن المعروف أن إنتاج اللحوم التقليدية هو المساهم الرئيسي في انبعاثات الغازات الدفيئة، وإزالة الغابات، وتلوث المياه. ومن خلال التحول إلى اللحوم المطبوعة، يمكننا تقليل التأثير البيئي لاستهلاكنا الغذائي بشكل كبير. في الواقع، وجدت دراسة نشرت في مجلة العلوم البيئية والتكنولوجيا أن إنتاج اللحوم المطبوعة يمكن أن يقلل من انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة تصل إلى 96٪ مقارنة بإنتاج اللحوم التقليدية. ميزة أخرى مقنعة للحوم المطبوعة هي المعاملة الأخلاقية للحيوانات. وتشتهر صناعة اللحوم بممارساتها غير الإنسانية، بما في ذلك الظروف المعيشية الضيقة، والاستخدام الروتيني للمضادات الحيوية، وذبح الحيوانات من أجل الغذاء. ومن خلال إنتاج اللحوم في المختبر، يمكننا القضاء على الحاجة إلى مزارع المصانع ومعاناة الحيوانات. تقدم اللحوم المختبرية، كما يطلق عليها أحيانا، بديلا أكثر إنسانية ورأفة يتماشى مع قيمنا الخاصة بالرفق بالحيوان. علاوة على ذلك، تتمتع اللحوم المطبوعة بإمكانية التخصيص بناءً على تفضيلات المستهلك. مع إنتاج اللحوم التقليدية، يقتصر المستهلكون على قطع وأنواع اللحوم المتوفرة في السوق. ومع ذلك، باستخدام اللحوم المطبوعة، يمكننا تصميم منتجات اللحوم خصيصًا لتناسب الأذواق الفردية والقيود الغذائية. على سبيل المثال، طور الباحثون في موديرن ميدو عملية لهندسة اللحوم ذات المحتوى الغذائي المحدد، مثل المستويات العالية من أحماض أوميجا 3 الدهنية أو المحتوى المنخفض من الدهون. يسمح هذا المستوى من التخصيص بتجربة تناول طعام أكثر تخصيصًا ومتعة. إن مزايا اللحوم المطبوعة واضحة ومقنعة. ومن خلال تقليل البصمة الكربونية لدينا، وتعزيز المعاملة الأخلاقية للحيوانات، وتوفير خيارات قابلة للتخصيص للمستهلكين، تمثل اللحوم المطبوعة حلاً واعدًا للعديد من التحديات التي تواجه صناعة اللحوم اليوم. وبينما نواصل استكشاف إمكانيات هذه التكنولوجيا المبتكرة، لدينا الفرصة لتغيير طريقة تفكيرنا في إنتاج الغذاء واستهلاكه. دعونا نحتضن إمكانات اللحوم المطبوعة ونعمل من أجل مستقبل أكثر استدامة وأخلاقية ولذيذة للجميع.29 meat

3. من الأمثلة على الشركات الناجحة في صناعة اللحوم المطبوعة أليف فارمز وإيت جست ، اللتين تقودان الطريق في تطوير منتجات اللحوم المبتكرة باستخدام تقنيات الزراعة الخلوية.

في عالم اللحوم المطبوعة سريع التطور، تبرز شركتان بفضل أساليبهما المبتكرة وإنجازاتهما الرائدة: أليف فارمز وإيت جست. يُحدث هؤلاء الرواد في مجال الزراعة الخلوية ثورة في الطريقة التي نفكر بها في استهلاك اللحوم وإنتاجها، ويقدمون لمحة عن مستقبل أكثر استدامة وأخلاقية. قطعت شركة أليف فارمز ، وهي شركة إسرائيلية ، خطوات كبيرة في إنتاج اللحوم المزروعة في المختبر والتي تحاكي المذاق والملمس والشكل الغذائي لمنتجات اللحوم التقليدية. ومن خلال استخدام التكنولوجيا الحيوية المتقدمة وتقنيات الزراعة الخلوية، تستطيع مزارع أليف زراعة اللحوم الحقيقية من الخلايا الحيوانية دون الحاجة إلى ذبح الحيوانات. يتجلى التزامهم بالاستدامة البيئية ورعاية الحيوان في مهمتهم المتمثلة في إنشاء نظام غذائي أكثر إنسانية وصديق للبيئة. اكتسبت إيت جست ، وهي شركة رائدة أخرى في صناعة اللحوم المطبوعة، اعترافا عالميا بمنتجاتها من اللحوم النباتية والمستنبتة. ومن خلال الاستفادة من أحدث التقنيات والخبرة العلمية، قامت شركة إيت جست بتطوير بدائل اللحوم التي ليست لذيذة ومغذية فحسب، بل أيضًا خالية من المضادات الحيوية والهرمونات والمواد الكيميائية الضارة. إن نهجهم المبتكر في إنتاج الغذاء لديه القدرة على معالجة بعض القضايا الأكثر إلحاحا التي تواجه صناعة اللحوم، بما في ذلك الأمن الغذائي، ورعاية الحيوان، والاستدامة البيئية. تُظهر هذه الأمثلة للشركات الناجحة في صناعة اللحوم المطبوعة الإمكانات الهائلة للزراعة الخلوية لإحداث ثورة في طريقة إنتاج اللحوم واستهلاكها. من خلال تسخير قوة التكنولوجيا والابتكار، تمهد أليف فارمز وإيت جست الطريق لمستقبل غذائي أكثر استدامة وأخلاقية ووعيًا بالصحة. ومع تزايد وعي المستهلكين بالآثار البيئية والأخلاقية لإنتاج اللحوم التقليدية، من المتوقع أن ينمو الطلب على منتجات اللحوم البديلة، مما يخلق فرصًا جديدة لشركات مثل أليف فارمز وإيت جست لقيادة الطريق في تشكيل مستقبل الغذاء. في الختام، يعد نجاح أليف فارمز وإيت جست بمثابة مثال ساطع على القوة التحويلية لتكنولوجيا اللحوم المطبوعة. ومن خلال الجمع بين الخبرة العلمية والالتزام بالاستدامة والممارسات الأخلاقية، تضع هذه الشركات المعايير لصناعة أغذية أكثر مسؤولية وتطلعًا إلى الأمام. وبينما نتطلع إلى المستقبل، من الضروري أن ندعم وندعم شركات مثل أليف فارمز وإيت جست التي تكرس جهودها لتحسين الطريقة التي ننتج بها اللحوم ونستهلكها. معًا، يمكننا إنشاء نظام غذائي أكثر استدامة وأخلاقية ولذيذة للأجيال القادمة.

4. ومع ذلك، قد تشمل عيوب اللحوم المطبوعة ارتفاع تكاليف الإنتاج، والتحديات التنظيمية، وقضايا قبول المستهلك بسبب حداثة المفهوم.

تعد اللحوم المطبوعة، والمعروفة أيضًا باسم اللحوم المستنبتة أو اللحوم المزروعة في المختبر، ابتكارًا رائدًا يتمتع بالقدرة على إحداث ثورة في طريقة إنتاج اللحوم واستهلاكها. ومع ذلك، مثل أي تقنية جديدة، فهي تأتي مع نصيبها من التحديات والعيوب التي يجب النظر فيها بعناية. أحد العيوب الرئيسية للحوم المطبوعة هو ارتفاع تكاليف الإنتاج المرتبطة بتطويرها. لا تزال التكنولوجيا المطلوبة لزراعة اللحوم في المختبر جديدة ومكلفة نسبيا، مما يجعل من الصعب على الشركات المصنعة زيادة الإنتاج وخفض التكاليف إلى مستوى تنافسي مع طرق إنتاج اللحوم التقليدية. وقد يحد هذا من إمكانية الوصول إلى اللحوم المطبوعة فقط لأولئك ذوي الدخل الأعلى، مما يزيد من تفاقم قضايا عدم المساواة الغذائية. هناك عقبة رئيسية أخرى تواجه اللحوم المطبوعة وهي التحديات التنظيمية. وباعتبارها منتجا جديدا نسبيا، فإن اللحوم المطبوعة لا تتناسب تمامًا مع لوائح ومعايير سلامة الأغذية الحالية. وقد يؤدي ذلك إلى تأخير في طرح المنتجات في السوق حيث تتنقل الشركات في المشهد التنظيمي المعقد والمتطور. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون لدى المستهلكين وصانعي السياسات مخاوف بشأن سلامة واستدامة اللحوم المطبوعة، مما يزيد من تعقيد عملية الموافقة التنظيمية. أخيرا، إن أحد أكبر التحديات التي تواجه اللحوم المطبوعة هو قبول المستهلك. لا يزال مفهوم اللحوم المصنعة في المختبر غير مألوف نسبيًا لدى الكثير من الناس، وقد يكون هناك تخوف وشكك حول مذاقها وملمسها وقيمتها الغذائية. في مجتمع حيث استهلاك اللحوم متجذر بعمق في التقاليد الثقافية والغذائية، فإن إقناع المستهلكين بتبني مصدر غذائي جديد وغير مألوف يمكن أن يكون مهمة شاقة. ومع ذلك، فمن خلال جهود التثقيف والتوعية، يمكن للمصنعين العمل على تبديد الخرافات والمفاهيم الخاطئة حول اللحوم المطبوعة وبناء الثقة مع المستهلكين. وعلى الرغم من هذه التحديات، هناك أمثلة لشركات وباحثين يعملون على التغلب على هذه العقبات وجلب اللحوم المطبوعة إلى السوق. على سبيل المثال، خطت شركة ممفيس للحوم، إحدى الشركات الرائدة في مجال اللحوم المستنبتة، خطوات كبيرة في خفض تكاليف الإنتاج وتوسيع نطاق عملياتها. كما نجحوا في اجتياز عملية الموافقة التنظيمية، وتلقوا الدعم والتمويل من كبار المستثمرين والوكالات الحكومية. بالإضافة إلى ذلك، فإن قبول المستهلك للحوم المطبوعة يتزايد ببطء حيث أصبح الناس أكثر وعيًا بالآثار البيئية والأخلاقية لإنتاج اللحوم التقليدية. لقد مهدت شركات مثل بيوند ميت و إمبوسبل ميت الطريق لبدائل نباتية للحوم، مما يدل على وجود سوق متنامية للخيارات الغذائية المستدامة والأخلاقية. في الختام، في حين لا ينبغي الاستهانة بمساوئ اللحوم المطبوعة، فلا ينبغي لها أن تطغى على الإمكانات الهائلة لهذه التكنولوجيا لمعالجة القضايا الملحة المتعلقة بالأمن الغذائي، والاستدامة البيئية، ورعاية الحيوان. ومن خلال معالجة تكاليف الإنتاج والتحديات التنظيمية وقضايا قبول المستهلك بشكل مباشر، يمكن للصناعة أن تعمل نحو مستقبل تكون فيه اللحوم المطبوعة بديلاً قابلاً للتطبيق ومقبولاً على نطاق واسع لإنتاج اللحوم التقليدية. ومن خلال البحث المستمر والابتكار والتعاون، يمكننا تمهيد الطريق لنظام غذائي أكثر استدامة وأخلاقية للأجيال القادمة.

5. على الرغم من هذه التحديات، فإن الفوائد المحتملة للحوم المطبوعة واضحة، ومع استمرار تقدم التكنولوجيا، فمن المرجح أن تلعب دورا مهما في نظامنا الغذائي المستقبلي.

على الرغم من التحديات والانتقادات المحيطة باللحوم المطبوعة، فمن المهم إدراك الفوائد المحتملة الكبيرة التي توفرها هذه التكنولوجيا. مع استمرار تقدم التكنولوجيا، تتمتع اللحوم المطبوعة بفرصة إحداث ثورة في الطريقة التي ننتج بها الطعام ونستهلكه. إحدى الفوائد الرئيسية للحوم المطبوعة هي قدرتها على معالجة بعض المخاوف الأخلاقية المحيطة بإنتاج اللحوم التقليدية. إن الأساليب الحالية لتربية الحيوانات وذبحها من أجل اللحوم لا تتطلب موارد كثيفة فحسب، بل تثير أيضًا تساؤلات أخلاقية حول معاملة الحيوانات. تتمتع اللحوم المطبوعة بالقدرة على توفير بديل أكثر أخلاقية واستدامة، لأنها تلغي الحاجة إلى ذبح الحيوانات وقد تتطلب موارد أقل مثل المياه والأرض. علاوة على ذلك، تتمتع اللحوم المطبوعة بالقدرة على معالجة بعض التحديات البيئية المرتبطة بإنتاج اللحوم التقليدية. تعتبر تربية الماشية مساهمًا رئيسيًا في انبعاثات غازات الدفيئة وإزالة الغابات وتلوث المياه. من خلال إنتاج اللحوم في بيئة خاضعة للرقابة من خلال تكنولوجيا الطباعة، يمكننا تقليل التأثير البيئي لإنتاج اللحوم بشكل كبير. وهذا يمكن أن يساعد في التخفيف من آثار تغير المناخ وتعزيز نظام غذائي أكثر استدامة. بالإضافة إلى فوائدها الأخلاقية والبيئية، تتمتع اللحوم المطبوعة أيضا بالقدرة على معالجة بعض مخاوف الصحة العامة المتعلقة باستهلاك اللحوم التقليدية. غالبا ما يرتبط إنتاج اللحوم التقليدية بالأمراض المنقولة بالغذاء، ومقاومة المضادات الحيوية، ومخاطر صحية أخرى. ومن خلال إنتاج اللحوم في بيئة خاضعة للرقابة ومعقمة، فإن اللحوم المطبوعة لديها القدرة على تقليل مخاطر التلوث وتقليل الحاجة إلى المضادات الحيوية في الإنتاج الحيواني. علاوة على ذلك، توفر اللحوم المطبوعة الفرصة لإنشاء منتجات غذائية أكثر تخصيصا ومغذية. بفضل تكنولوجيا الطباعة، لدينا القدرة على التحكم في تركيبة منتجات اللحوم، مثل تقليل محتوى الدهون أو إضافة العناصر الغذائية الأساسية. يمكن أن يساعد هذا المستوى من التخصيص في معالجة قضايا سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي لدى السكان في جميع أنحاء العالم. وأخيرا، تتمتع اللحوم المطبوعة بالقدرة على تعزيز الابتكار والنمو الاقتصادي في صناعة الأغذية. لقد أثار تطوير هذه التكنولوجيا بالفعل اهتمامًا واستثمارا من شركات الأغذية القائمة والشركات الناشئة. ومع استمرار تقدم التكنولوجيا، هناك إمكانية لخلق وظائف جديدة وفرص بحثية وتنمية اقتصادية في قطاع الأغذية. في الختام، على الرغم من التحديات والشكوك المحيطة باللحوم المطبوعة، فإن الفوائد المحتملة واضحة. وتتمتع هذه التكنولوجيا بفرصة معالجة المخاوف الأخلاقية والبيئية والمتعلقة بالصحة العامة المرتبطة بإنتاج اللحوم التقليدية، مع تعزيز الابتكار والنمو الاقتصادي في صناعة الأغذية. مع استمرار التقدم التكنولوجي، من المرجح أن تلعب اللحوم المطبوعة دورا مهما في نظامنا الغذائي المستقبلي. ومن المهم مواصلة البحث عن هذه التكنولوجيا وتطويرها لإطلاق العنان لإمكاناتها الكاملة وإنشاء نظام غذائي أكثر استدامة وأخلاقية للأجيال القادمة.

وختاما توفر اللحوم المطبوعة العديد من المزايا، مثل الاستدامة البيئية، ورعاية الحيوان، والفوائد الصحية المحتملة. ومع ذلك، فإنه يطرح أيضا بعض العيوب، بما في ذلك الحاجة إلى مزيد من البحث، والمخاوف الأخلاقية المحتملة، وإمكانية زيادة استهلاك الأغذية المصنعة. وعلى الرغم من هذه العيوب، فمن الواضح أن اللحوم المطبوعة لديها القدرة على إحداث ثورة في صناعة الأغذية ومعالجة القضايا الملحة مثل نقص الغذاء وتغير المناخ. ومع استمرار البحث والتطوير، يمكن أن تصبح اللحوم المطبوعة خيارا قابلا للتطبيق ومرغوبا للمستهلكين في جميع أنحاء العالم. لقد حان الوقت لتبني هذه التكنولوجيا المبتكرة والنظر في الفوائد الطويلة الأجل التي يمكن أن تجلبها للنظام الغذائي العالمي. دعونا نخطو خطوة إلى الأمام نحو مستقبل أكثر استدامة وأخلاقية من خلال استكشاف إمكانيات اللحوم المطبوعة.

***

محمد عبد الكريم يوسف

......................

المراجع

Post, M. J. (2012). Cultured meat from stem cells: challenges and prospects. Meat science, 92(3), 297-301.

Tuomisto, H. L., & de Mattos, M. J. T. (2011). Environmental impacts of cultured meat production. Environmental science & technology, 45(14), 6117-6123.

Albrecht, Karl. "The (Bio)political Economies of Lab-Grown Meat in a Post-animal Bioeconomy," Journal of Bioeconomics, vol. 20, no. 2, 2018, pp. 159-179.

Specht, Liz. "Cultured Meat – A Review," Vol. 12, no. 12, 2020, pp. 2-13.

Tuomisto, Hanna L., and M. Joost Teixeira de Mattos. "Environmental Impacts of Cultured Meat: Alternative Production Scenarios." Environmental Science & Technology, vol. 45, no. 14, 2011, pp. 6117-6123.

Stephens, Neil. "In vitro meat: Zombies on the menu." Engineering Democracy: Technological Rationality and Aesthetic Life, 2011, pp. 155-178.

Stephens, N., Di Silvio, L., Dunsford, I., Ellis, M., Glencross, A., & Sexton, A. (2018). Bringing cultured meat to market: Technical, socio-political, and regulatory challenges in cellular agriculture. Trends in Food Science & Technology, 78, 155-166.

Tuomisto, H. L., & de Mattos, M. J. T. (2011). Environmental impacts of cultured meat production. Environmental Science & Technology, 45(14), 6117-6123.

Post, M. (2012). Cultured meat from stem cells: Challenges and prospects. Meat science, 92(3), 297-301.

Tuomisto, H. L., & De Mattos, M. J. T. (2011). Environmental impacts of cultured meat production. Environmental science & technology, 45(14), 6117-6123.

Stephens, N., Di Silvio, L., Dunsford, I., Ellis, M., Glencross, A., & Sexton, A. (2018). Bringing cultured meat to market: Technical, socio-political, and regulatory challenges in cellular agriculture. Trends in Food Science & Technology, 78, 155-166.

بقلم: ديفيد جيه ليندن

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

ما الذي يجعل اللمس في بعض أجزاء الجسم مثيرًا جنسيًا وليس في أجزاء أخرى؟ علماء الأحياء التطوريون يكتشفون إجابات جديدة.

نشأت في لوس أنجلوس في السبعينيات، واكتشفت تدريجيًا أن والدي لم يكن محللاً نفسيًا نمطيًا. نعم، كان لديه مكتب مع فن حديث غامض على الجدران، ونسخ من مجلة The New Yorker في غرفة الانتظار، والأريكة التحليلية المطلوبة. صحيح أن تلك الأريكة كانت تحتوي على وسادة على شكل إسفين مصممة لتتيح للعميل اتخاذ الوضع المستلقي الذي يظهر كثيرًا في الرسوم الكاريكاتورية في نفس أعداد مجلة The New Yorker. وخلال جلسات التحليل النفسي، كان والدي يجلس حقًا على كرسي Eames الجلدي الأسود، والمفكرة في يده. ولكن، بخلاف تلك الزخارف، كان لديه عقل متشكك ومنطقي كطبيب (في تلك الأيام، كان معظم المحللين النفسيين، مثل والدي، أطباء حاصلين على درجة دكتوراه في الطب).

منذ كنت طفلاً صغيراً وحتى مغادرتي إلى الجامعة، كنت أتناول العشاء مع والدي في أحد المطاعم المحلية كل ليلة أربعاء. وأثناء تناول حساء كرات الماتزو في مطعم زاكي للمأكولات الشهية، كنا نناقش أي شيء وكل شيء، بما في ذلك تقدم عملائه من المحللين النفسيين (مع حذف الأسماء والتفاصيل التعريفية بالطبع). كانت هذه طريقة غريبة للنمو وقد أحببتها. في دراسات الحالة التي كنا نجريها في ليلة الأربعاء، كان هناك حديث ديناميكي نفسي متوقع حول تفسير الأحلام وتجارب الطفولة المبكرة، ولكن كل هذا كان مخففاً بما أصبح يُعرف بعلم الأعصاب. كان والدي يقول إنه عندما ينجح العلاج بالتحدث (كما نجح مع معظم عملائه)، فإنه لا يفعل ذلك في عالم غامض من الهو والأنا والأنا العليا، بل عن طريق تغيير البنية الخلوية والجزيئية للدماغ.

في بعض الحالات، كان يستغني، ليس فقط عن نظرية التحليل النفسي، بل وعن أي شكل من أشكال العلاج بالكلام. أتذكر ليلة بعينها عندما كنت في المدرسة الإعدادية عندما كان مسروراً بإدراكه أن الاكتئاب المستمر الذي يعاني منه أحد مرضاه لم يكن متجذراً في طفولة معذبة أو صراع جنسي. بل كان نتيجة مباشرة لنقص هرمون الغدة الدرقية، وبالتالي فإن أفضل علاج له هو حبة بسيطة. ومع تقدمي في السن، أصبحت معجباً بمرونته واتساع فكره في هذه الأمور. شجعني على السير على خطاه وأصبح طبيباً، وربما حتى طبيباً نفسياً، لكنني كنت أعلم أن هذا سيكون اختياراً سيئاً بالنسبة لي.

- لن ينجح الأمر. أنا لست متعاطفًا مثلك يا أبي. في الواقع، يزعجني الأشخاص المرضى نوعًا ما."4323 الاحساس الجنسي

وكان رده:

- إذن يمكنك أن تكون أخصائيًا في علم الأمراض .

مثل والدي، كنت أتوق إلى فهم الحياة العقلية البشرية، ولكن على عكسه، نشأت في وقت بدأ فيه الفهم البيولوجي لكيفية عمل الدماغ يكتسب قوة. لذلك اتخذت طريقًا مختلفًا نحو نفس الهدف وأصبحت عالمة أعصاب، أعمل على مستوى الجزيئات وخلايا الدماغ.

لم يكن هناك شيء في نظرية التحليل النفسي يثير شكوك والدي أكثر من مفهوم سيجموند فرويد للإحساس الجنسي والنشوة الجنسية. نعم، كان الأب والابن يناقشان النظرية الرئيسية لفرويد حول انتقال النشوة الجنسية من البظر غير الناضج إلى النشوة المهبلية الناضجة في تطور الإناث. كان يقول بصوت مرتفع: "إنه هراء محض! لا يوجد أي دليل طبي على هذه الفكرة على الإطلاق!" ليس من المستغرب أن الخدم في مطعم زوكيز كانوا يبتعدون عنا. ولتعويض ذلك، كان يترك بقشيشاً سخياً.

يعد الإحساس الجنسي  جزءًا مركزيًا من تجربتنا الإنسانية المشتركة وتفاصيلنا الفردية وميولنا الخاصة. إنه بالضبط النوع من المواضيع التي كانت تقليديًا محط الكثير من المراقبة السلوكية والتنظير (بما في ذلك من قبل المحللين النفسيين). لا شك أن الإحساس الجنسي يتشكل من خلال تجارب الحياة المبكرة. ومع ذلك، فهو أيضًا جزء لا يتجزأ من المصفوفة البيولوجية، مع مناطق الدماغ وحزم الأعصاب وآلات جزيئية خاصة متخصصة في تحويل الضغط على الجلد إلى ما هو في نهاية المطاف إحساس جنسي. وهو أحد الأماكن العديدة التي يلتقي فيها علم النفس وعلم الأحياء.

أدى تحفيز الأعضاء التناسلية الأنثوية إلى تنشيط منطقة الفخذ، ومن الغريب أن ذلك حدث في منطقة مجاورة لتمثيل أصابع القدمين.

حتى وقت قريب جداً، لم يكن لدى علم الأحياء الكثير ليقدمه، وكان فهمنا للإحساس الجنسي غير مكتمل بشكل صادم. لقد عرفنا لبعض الوقت أن أحاسيس اللمس من المنطقة التناسلية تمر عبر أربعة أعصاب مختلفة في طريقها إلى النخاع الشوكي، وفي نهاية المطاف، إلى الدماغ. ومن بين هذه الأعصاب، يعد العصب الفرجي هو الأكثر أهمية للإحساس الجنسي، حيث يحمل إشارات من البظر لدى النساء المتوافقات جنسياً والقضيب لدى الرجال المتوافقين جنسياً. وفي النساء، ينقل العصب الحوضي إشارات اللمس من الشفرين الصغيرين وجدران المهبل والشرج والمستقيم. وفي الرجال، يحمل العصب الفرجي المعلومات من فتحة الشرج وكيس الصفن وكذلك القضيب. وفي النساء، يمكن أيضاً نقل الأحاسيس من عنق الرحم والرحم عن طريق العصب تحت المعدة وكذلك العصب المبهم، الذي يسافر مباشرة إلى جذع الدماغ، وبالتالي يتجاوز الحبل الشوكي بالكامل.

تصل إشارات اللمس من الحوض في النهاية إلى القشرة الخارجية للدماغ، وهي المنطقة التي تسمى القشرة الحديثة، حيث يتم تمثيلها في خريطة جسم مشوهة ومجزأة في منطقة الحس الجسدي الأولية. ربما رأيت رسومات لهذه الخرائط الجسدية بأيدٍ وأقدام عملاقة وجذوع صغيرة نسبيًا، تتوافق مع كثافة أنواع معينة من مستشعرات اللمس في الجلد. في إحدى الدراسات، مُنحت النساء و رؤوسهن تحت ماسح ضوئي للدماغ قضيبًا محمولًا باليد وطلب منهن تحفيز مناطق تناسلية مختلفة - البظر الخارجي والمهبل وعنق الرحم.

لقد أدى تحفيز الأعضاء التناسلية الأنثوية إلى تنشيط نقطتين مختلفتين تمامًا في خريطة الجسم القشرية الحديثة: واحدة حيث قد تتوقع، عند الفخذ؛ وأخرى، بشكل غريب بعض الشيء، مجاورة لتمثيل أصابع القدم. اتضح أن الرجال لديهم أيضًا هذه الخريطة المزدوجة للأعضاء التناسلية. وبشكل عام، يثير هذا مسألة ما إذا كان هذا الجزء المجاور لأصابع القدم من القشرة الحسية الجسدية الأولية (المسمى السطح الأوسط للتلفيف المركزي الخلفي) له دور خاص في اللمس الجنسي. حتى أن بعض الناس تكهنوا بأن هذا التقارب بين أصابع القدم والأعضاء التناسلية في الدماغ يكمن بطريقة ما وراء السلوك الجنسي المرتبط بالقدم (لست مقتنعًا بذلك).

ولكن من المؤسف أنك إذا فحصت شريحة مجهرية تم إعدادها من أنسجة هذه المنطقة من الدماغ بعد الوفاة، فلن تجد فيها أي شيء غير عادي. فالخلايا العصبية الفردية وبنيتها الطبقية الشاملة تبدو متشابهة تقريباً مع الخلايا العصبية في المناطق التي تعالج معلومات اللمس من أجزاء أقل إثارة في الجسم. وعلى هذا، وعلى الرغم من بعض التلميحات المثيرة، فإن البيولوجيا التي تجعل لمس بعض أجزاء الجلد مثيراً في حين لا يكون كذلك في أجزاء أخرى ظلت لغزاً. والآن فقط، مع نشر مجموعة ديفيد جينتي وستيفن ليبرلز في كلية الطب بجامعة هارفارد بحثاً حديثاً، ظهرت بعض الإجابات الحقيقية.

إذا سألت حولك أو قمت ببعض عمليات البحث المثيرة على الإنترنت، فستجد أن هناك أشخاصًا يشعرون بإحساس جنسي عند لمس أي جزء من الجسم تقريبًا. ومع ذلك، على الرغم من إدراك الأدوار الداعمة القوية للأذنين والأقدام وما إلى ذلك، فإن الأعضاء التناسلية هي بوضوح نجمة هذا العرض. في السياق الصحيح، يجد الجميع تقريبًا - بغض النظر عن جنسهم المحدد عند الولادة، أو هويتهم الجنسية، أو توجههم الجنسي، أو تفاصيل تجارب الحياة المبكرة التي قد يروونها لمحلل نفسي - أن تحفيز البظر أو حشفة (رأس) القضيب أمر مثير جنسيًا. ولكن كيف، من خلال مسار التطور، أصبحت هذه الأجزاء من الجسم نقطة انطلاق جنسية؟ هل هناك شيء خاص حول بنية النهايات العصبية في القضيب والبظر والطريقة التي تنقل بها في النهاية الرسائل الكهربائية إلى الدماغ؟

تبدأ قصة البحث عن الأساس البيولوجي للإحساس الجنسي، حتى قبل زمن فرويد، في غوتينغن، ألمانيا في عام 1860 عندما وصف العالم التشريحي فيلهلم كراوس، باستخدام شرائح رقيقة من نسيج الجثث وميكروسكوب، نوعًا جديدًا من البنى في الجلد يتكون من الجزء الطويل والنحيف المرسل للمعلومات من الخلايا العصبية، والذي يُعرف بالمحور العصبي، أحيانًا ملتويًا في كرة فوضوية، محاطًا بكبسولة من خلايا غير عصبية، مكونًا شكلًا بيضاويًا أو أسطوانيًا. وقد أطلق على هذه الهياكل الصغيرة اسم جسيمات كراوس، وتم ملاحظتها في الجلد غير المشعر للقضيب والبظر، وكذلك في الشفاه والحلمات والشرج.4325 الاحساس الجنسي

ولعل البظر وحشفة القضيب تلعبان دوراً بالغ الأهمية في الإحساس الجنسي بسبب كثافة هذا النوع من النهايات العصبية فيهما. والواقع أن البظر يتمتع بأعلى كثافة من جسيمات كراوس بين الأنسجة الأخرى، في حين لا توجد هذه الجسيمات في الجلد الذي يشكل بطانة المهبل. ويتوافق هذا التوزيع بشكل جيد مع المساهمة النسبية لهاتين المنطقتين في الإحساس الجنسي، وربما يجادل ضد المفاهيم الفرويدية للنشوة الجنسية المهبلية البحتة لدى النساء الناضجات. وعلى نحو مماثل، توجد أكبر كثافة لجسيمات كراوس داخل حشفة القضيب عند التاج (التلال التي تشكل حافة الحشفة) واللجام (الجزء من الأنسجة المرنة على الجانب السفلي من الحشفة). وهذه هي المواقع في القضيب التي كثيراً ما يُقال إنها الأكثر حساسية للتحفيز الجنسي.

أظهرت جسيمات كراوس البظرية حساسية أكبر من الخلايا العصبية القضيبية

يشير هذا التوزيع التشريحي لجسيمات كراوس إلى أنها الأساس الخلوي للإحساس الجنسي، لكن هذه الفكرة ظلت غير معروفة لأكثر من 160 عامًا. إحدى المضاعفات هي أنه على الرغم من أن الأعضاء التناسلية والشفتين والشرج والحلمات هي أماكن جذابة، فقد تم العثور على جسيمات كراوس أيضًا في أجزاء الجسم الأقل شحنًا جنسيًا، مثل سطح مقلة العين (الملتحمة) وبطانة العين. مفاصل الأصابع (الغشاء الزليلي)، التي نادرًا ما تكون جزءًا من حتى أغرب الميول الجنسية. والأهم من ذلك، حتى الآن، لم يُعرف نوع الإحساسات التي تكتشفها جسيمات كراوس. بعض نهايات الأعصاب في الجلد متخصصة للاستجابة للحرارة أو البرودة أو الالتهاب. أخرى تكون معدة لاكتشاف المحفزات المؤلمة أو المسببة للحكة، في حين تستجيب مجموعة أخرى للقوى الميكانيكية المختلفة التي تؤثر على الجلد، مثل الانضغاط أو التمدد أو الاهتزاز. إذا كانت جسيمات كراوس تشارك حقًا في الإحساس الجنسي، فمن المتوقع أنها ستكون جزءًا من هذه المجموعة الأخيرة، المعروفة بالمستشعرات ميكانيكية.

وللكشف عن موقع ووظيفة جسيمات كراوس، استخدم ليجون تشي ومايكل إسكولز وجيا ين شياو وآني هاندلر من مختبر جينتي وراشيل جرينبرج من مختبر ليبرلز فئران المختبر. وباستخدام الأجسام المضادة الفلورية الموجهة ضد البروتينات في محاور الخلايا العصبية وبعض الخلايا غير العصبية التي تشكل كبسولة جسيم كراوس، تمكنوا من إحصاء كل هذه الهياكل داخل أقسام من الأنسجة التناسلية باستخدام المجهر. ووجدوا أن الفئران الذكور والإناث لديها نفس العدد الإجمالي تقريبًا من جسيمات كراوس في الأعضاء التناسلية، ولكن نظرًا لأن البظر أصغر كثيرًا من القضيب، فقد حققت الفئران الذكور والإناث كثافة أعلى بمقدار 15 ضعفًا من هذه النهايات العصبية. بالإضافة إلى ذلك، كان شكل جسيمات كراوس في البظر أكثر تعقيدًا وتفصصًا مقارنة بتلك الموجودة في القضيب (يقول البعض إنها تبدو مثل التوت).

اكتشف الباحثون في المختبر أن الخلايا العصبية التي تنتهي في جسيمات كراوس تعبر عن جينين محددين هما ret وTrkB. سمح لهم هذا الاكتشاف بتحديد خلايا عصبية لجسيمات كراوس، واستخدام حيل جينية ذكية مع تقنيات تصوير متطورة لتسجيل إشاراتها الكهربائية في الفئران التي تم تخديرها بشكل خفيف. عندما قاموا بتحفيز القضيب أو البظر بلطف باستخدام فرشاة أو أداة مخصصة للضغط، تم تنشيط خلايا عصبية لجسيمات كراوس، مع إظهار جسيمات كراوس في البظر حساسية أكبر (حيث تم تنشيطها بضغط أقل مقارنة بتلك الموجودة في القضيب). عندما تم استخدام مسبار اهتزازي، تم تنشيط خلايا العصبية للبظر والقضيب بقوى أقل. ومن المثير للاهتمام أن تردد الاهتزاز الأمثل لتنشيط هذه الخلايا العصبية كان بين 40-80 هرتز، وهو تقريبًا نفس النطاق المستخدم في الألعاب الجنسية الاهتزازية المخصصة للبشر – وهو إنجاز في مجال هندسة العوامل البشرية.

أظهرت النتائج أن جسيمات كراوس في الأعضاء التناسلية هي في الواقع مستقبلات    ميكانيكية. (إذا كنت تريد إثارة شهوة المهووسين في الحفلات، فيمكنك إخبارهم أن هذه هي نوع معين، يسمى مستقبلات ميكانيكية سريعة التكيف منخفضة العتبة من الألياف A) ومع ذلك، هذا لا يثبت بعد أنها مسؤولة عن الإحساس الجنسي. لتحقيق ذلك، استخدم الباحثون تقنيات جينية وبصرية إضافية لتنشيط خلايا عصبية لجسيمات كراوس في الأعضاء التناسلية بشكل مباشر دون لمسها (يشمل ذلك جعل خلايا عصبية لجسيمات كراوس تعبر عن بروتين أجنبي ينتج تفعيلًا كهربائيًا عند تعريضه للضوء الأزرق).4326 الاحساس الجنسي

وجد الباحثون أن تنشيط خلايا عصبية في قضيب ذكور الفئران باستخدام الضوء الأزرق المذكور أدى إلى حدوث انتصاب مشابه لذلك الذي يتم تحفيزه باستخدام فرشاة أو جهاز اهتزاز. على النقيض، عندما تم إتلاف أو إزالة خلايا عصبية لجسيمات كراوس (وبالأخص النوع الفرعي الذي يعبر عن TrkB) باستخدام حيلة جينية مختلفة، بدت ذكور الفئران متحفزة بشكل مشابه للتزاوج مع إناث غير متلفة، كما تم قياسه من خلال سلوكيات الشم والاستكشاف – ولكنها أظهرت ضعفًا في الإيلاج والدفع والقذف.

عندما تم عكس الوضع، وقُرنت الإناث اللواتي خضعن للإتلاف (في مرحلة الإخصاب، والتي تكون عادةً في حالة استقبال خلال دورة الشبق) بذكور سليمة، بدت الإناث أقل تقبلاً للتقدم الجنسي من الذكور، مما أدى إلى حدوث عدد أقل وأقصر من جلسات الإيلاج والدفع. وعندما تم تنشيط خلايا عصبية لجسيمات كراوس في الإناث بصريًا، تم تحفيز انقباض المهبل، والذي يُفترض أنه مرتبط بالإثارة الجنسية.

وتشير هذه النتائج إلى أن جسيمات كراوس في القضيب والبظر تنقل الأحاسيس إلى النخاع الشوكي، وفي نهاية المطاف إلى المخ، حيث يُنظَر إليها باعتبارها جنسية. ومن المؤسف أننا لا نستطيع ببساطة أن نستلقي على الوسادة ونسأل الفئران كيف شعرت عندما تم تنشيط جسيمات كراوس التناسلية أو إزالتها بشكل مصطنع. وعلى هذا، فإننا لا نزال لا نعرف على وجه اليقين ما الذي استلزمه الإحساس الذاتي.

إذا أردنا تحديد المركز الفعلي للإحساس الجنسي في الدماغ، فيمكننا أن نبدأ بتتبع الدائرة العصبية، بدءًا من نهاية جسيمات كراوس التناسلية في النخاع الشوكي (والتي تسمى المنطقة الظهرية الوسطى من الحبل العجزي). عندما تنتهي جسيمات كراوس التناسلية في النخاع الشوكي، فإنها تنشط ردود الفعل الجنسية الشوكية (مثل ترطيب المهبل، وانتصاب القضيب والقذف). وتمتد الخلايا العصبية التالية في السلسلة الحسية إلى أعلى الحبل الشوكي ثم إلى المخ. ونحن نعلم أن تحفيز الأعضاء التناسلية لدى الفئران والبشر ينشط مجموعة معينة من مناطق المخ بما في ذلك مركز المتعة والمكافأة الذي يسمى النواة المتكئة. وسوف يكون من المثير للاهتمام أن نرى ما إذا كانت الرسائل الكهربائية الصادرة عن جسيمات كراوس التناسلية تصل في نهاية المطاف إلى نفس مناطق المخ وتنتج نمطاً مماثلاً من التنشيط لدى الفئران.

ولكن هناك بعض التحذيرات المهمة فيما يتصل بالنتائج الحالية. أولها أن الفئران ليست بشراً بطبيعة الحال، وبالتالي لا نستطيع أن نفترض أن الإدراك الجنسي سيكون متماثلاً تماماً في النوعين. والثاني هو أنه بسبب بعض التفاصيل الفنية، لم يتمكن الباحثون من استئصال كل الخلايا العصبية لجسيمات كراوس ـ ولم يتبق منها سوى جزء ضئيل. وربما لو تمكنوا من تدميرها جميعاً، لكان إضعاف سلوك التزاوج الذي لاحظوه كاملاً وليس جزئياً. وعلى هذا النحو، يظل الاحتمال قائماً بأن هناك أجهزة استشعار ومسارات عصبية أخرى للإحساس الجنسي التناسلي لا تتضمن جسيمات كراوس.

مثل كل العلوم الجيدة،فإن هذا التقرير يطرح العديد من الأسئلة على الباحثين في المستقبل. لماذا تنتج الخلايا العصبية لجسيمات كراوس من القضيب والبظر أحاسيس جنسية قوية، بينما تنتج الخلايا العصبية من الشفتين والحلمات والشرج أحاسيس جنسية أضعف عادة، في حين يبدو أن الخلايا العصبية من مفاصل الأصابع ومقلة العين لا تنتج أي أحاسيس جنسية على الإطلاق؟ هل يرجع ذلك إلى الطريقة التي تتم بها معالجة إشارات جسيمات كراوس التناسلية في الحبل الشوكي القطني السفلي والمواقع المحددة التي تصل إليها إشاراتها في النهاية إلى الدماغ؟ إحدى الفرضيات هي أن الإشارات الكهربائية من جسيمات كراوس في مفاصل الأصابع لا تثير إحساسًا جنسيًا جزئيًا لأنها لا تصل في النهاية إلى مراكز المكافأة في الدماغ (مثل النواة المتكئة المذكورة أعلاه).

يبدو أن كثافة جميع أنواع مستشعرات اللمس في الجلد تنخفض بشكل مطرد بعد سن العشرين لدى كل من النساء والرجال.

هل تكون المسارات إلى الدماغ من جسيمات كراوس في البظر والقضيب هي نفسها، أم أنها تتباين بطرق هامة قد تساهم في اختلافات الإحساس الجنسي وتجربة النشوة الجنسية؟ هل يمنح الشكل التوتي لجسيمات كراوس في البظر نمطًا مثاليًا للتحفيز الجنسي يختلف عن نمط جسيمات كراوس في القضيب؟ عندما تصف النساء والرجال نشوتهم الجنسية بطرق نوعية (متجنبين الكلمات التشريحية مثل القضيب أو البظر) وتُقيّم هذه الأوصاف من قبل قراء غير مدركين لجنس المؤلف، لا توجد فروق ملحوظة. وعلى نحو مماثل، لا تستطيع مسوحات الدماغ التمييز بشكل موثوق بين هزات الجماع لدى الرجال والنساء (على حد علمي، لا توجد دراسات منشورة حول هذا الموضوع تشمل المتحولين جنسياً أو غير الثنائيين). ومع ذلك، في المتوسط، تميل هزات الجماع لدى النساء إلى أن تكون أطول إلى حد ما من هزات الجماع لدى الرجال (حوالي 25 ثانية مقابل 15 ثانية، كما تم قياسها من خلال الانقباضات الشرجية التي تصاحب النشوة الجنسية) ولديها فترة مقاومة أقصر بكثير قبل حدوث النشوة التالية. وبينما قد تكون هذه الاختلافات مرتبطة بوظيفة جسيمات كراوس، فأنا أراهن على اختلافات دقيقة في وظائف الدماغ في هذه الحالة (على مستوى لا يمكن حله بواسطة آلات مسح الدماغ اليوم).

ما يهم هذا العالم العصبي البالغ من العمر 62 عامًا بشكل خاص هو السؤال عما إذا كانت كثافة جسيمات كراوس التناسلية تنخفض مع تقدم العمر، وإذا كان الأمر كذلك، فهل هذا الانخفاض هو السبب وراء التغيرات المرتبطة بالعمر في الإحساس الجنسي وقابلية الوصول إلى النشوة الجنسية؟ إنه نمط ثقافي وكوميدي أن الرجال الشباب يصلون إلى النشوة بسرعة (سواء في الجنس المشترك أو الفردي) بينما يستمر الرجال الأكبر سنًا لفترة أطول. إحدى التفسيرات الثقافية لهذا الاختلاف هي أن التجربة الجنسية في وقت مبكر من الحياة جديدة وهذه الجدة مثيرة جنسيًا بشكل جوهري. قد يكون هذا صحيحًا، لكنه ربما ليس القصة الكاملة. بصفة عامة، عند النساء والرجال على حد سواء، يبدو أن كثافة جميع أنواع مستشعرات اللمس في الجلد تنخفض بشكل مستمر بعد سن العشرين تقريبًا. يتم فقدان المستشعرات الميكانيكية في أطراف الأصابع التي تخدم اللمس التمييزي الدقيق (مثل تلك المستخدمة في قراءة حروف برايل) ببطء مع التقدم في العمر بطريقة تتوازى مع فقدان تدريجي للإحساس باللمس الدقيق.

وبالمثل، مع التقدم في العمر، تتقلص النهايات العصبية في الجلد التي تنقل المحفزات المؤلمة في جميع أنحاء الجسم. قد يساعد هذا الفقدان في تفسير لماذا لا يشتكي المسنون الذين يعانون من قرحات الفراش بسهولة من الألم الناتج عنها. من المحتمل أنه، مثل غيرها من مستشعرات اللمس، تنخفض كثافة جسيمات كراوس تدريجياً في مرحلة البلوغ، وأن هذا الانخفاض قد يساهم في تراجع الإحساس الجنسي والنجاح في تحقيق النشوة الجنسية. سيكون من المثير للاهتمام اختبار هذه الفرضية (من خلال تحليل أنسجة الجثث) وتحديد ما إذا كان فقدان جسيمات كراوس يتقدم بنفس الطريقة في البظر والقضيب. داخل البظر، سيكون من المفيد مقارنة كثافة جسيمات كراوس في البظر الخارجي، الذي يبدو أنه الموقع الرئيسي للإحساس الجنسي، وفي بصيلات البظر التي تقع بجانب الجدار الأمامي للمهبل وقد تكون أساس الإحساس المثير للجدل المعروف بـ "نقطة جي".

لقد توفي والدي في عام 2006 عن عمر يناهز 82 عاماً، بعد أن عاش حياة كاملة ومجزية. وبطبيعة الحال، كنت أتمنى لو كان لا يزال هنا اليوم. ولا يسعني إلا أن أشعر بأنه كان ليحب أن يسمع عن هذه النتائج. وفي عالم التحليل النفسي، يُعتقد أن الاختلاف الفردي في الأفعال الجنسية المفضلة أو الميل إلى تحقيق النشوة الجنسية يعكس في الغالب الخبرة الاجتماعية والجسدية للإنسان في العالم، وخاصة الخبرة في مرحلة مبكرة من الحياة. وهذه الفكرة صحيحة على الأرجح. فقد صُممت أدمغتنا بحيث يمكن تعديلها من خلال الخبرة (وليس الخبرة الاجتماعية فقط) وبشكل خاص لتكوين الذكريات الواعية واللاواعية.

إن الفكرة التحليلية النفسية العامة التي تقول إننا نتشكل بفعل تجاربنا وأننا الأكثر عرضة لهذه التأثيرات في مرحلة مبكرة من الحياة تتفق إلى حد كبير مع الفكر العصبي المعاصر حول الفترات الحرجة التي تمر بها الأسلاك الدماغية المعتمدة على التجارب في مرحلة مبكرة من الحياة. ولا يشكل فهمنا الجزيئي والخلوي الناشئ لمرونة الدماغ تحدياً مباشراً لهذه المفاهيم الديناميكية النفسية. وبطبيعة الحال، تشكل التجارب المبكرة المشفرة بواسطة الدماغ المرن عنصراً أساسياً في تفاصيل الإحساس الجنسي في مرحلة البلوغ، ولكن النهايات العصبية المتواضعة للجلد، واختلافها من شخص إلى آخر، من المرجح أيضاً أن تلعب دوراً مهماً في خلق فرديتنا الجنسية.

***

............................

المؤلف: ديفيد جيه ليندن/David J. Linden: ديفيد جيه ليندن (من مواليد 3 نوفمبر 1961) هو أستاذ أمريكي في علم الأعصاب بجامعة جونز هوبكنز في بالتيمور بولاية ماريلاند، ومؤلف كتاب العقل العرضي: كيف منحنا تطور الدماغ الحب والذاكرة والأحلام والله.

 

في الجنس وخذلان النساء

بقلم: ناتالي لامبرت

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم4308 Natalie Lampert

تتحدث ناتالي لامبرت عن تفعيل النقاش حول التحكم في أجساد النساء بعد الإجهاض.

في عام 1940، عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها، تسللت الشاعرة والناشطة جريس بالي إلى مكتب طبيبها بخطوات خفيفة وكذبت بشأن كونها متزوجة لكي تحصل على وسيلة منع الحمل. تبدأ مقالتها "الأيام غير القانونية"، وهي جزء من مجموعة بالي "كما كنت أعتقد"، قائلة: "كنا جميعاً نعلم أن وسائل منع الحمل موجودة، لكننا كنا نعلم أيضاً أنه من المستحيل الحصول عليها".

كان لزاماً عليك أن تكوني أكبر سناً ومتزوجة.. لا يمكنك الحصول على أي شيء في الصيدليات، إلا إذا كنت مريضة للغاية واضطررت إلى شراء وسيلة منع الحمل لأن رحمك يهبط. كان الإحراج والبؤس العام حول الحصول على وسائل منع الحمل حقيقيين.

عندما نتحدث عن السيطرة على أجساد النساء، عادة ما ينهي الإجهاض المحادثة. لقد هيمن حق المرأة في الاختيار على الخطاب المتعلق بالحقوق الإنجابية لعقود من الزمن. وتحدثت بالي، التي توفيت بسرطان الثدي في عام 2007، بشكل علني وشهير عن الإجهاض غير القانوني الذي خضعت له في مانهاتن عندما كانت في الثلاثين من عمرها. إن تصريحاتها حول صعوبة الحصول على وسائل منع الحمل ليست معروفة جيدًا ولكني أجدها مثيرة للقلق أيضًا.4309 التربية الجنسية

ورغم أنها أقل جذرية من تلك التي واجهتها بالي، إلا أن العقبات استمرت لأجيال من النساء منذ ذلك الحين. في عام 1975، انتظرت والدتي حتى كانت بعيدة عن الكلية لزيارة منظمة تنظيم الأسرة للمرة الأولى، وذلك لتجنب الاصطدام بشخص تعرفه في عيادة بلدتها الصغيرة. في عام 2006، كانت فتاة ذهبت إلى المدرسة الثانوية وكانت تعاني من تقلصات الدورة الشهرية مبالغًا فيها، لذلك أُعطيت حبوب منع الحمل دون أن يعلم والداها أنها كانت تنام مع صديقها.

اعتبارًا من عام 2023، هناك أربع وعشرون ولاية تقيد قدرة القاصرين على الحصول على وسائل منع الحمل دون موافقة الوالدين - وهو اختلاف صارخ عن عام 2006، عندما لم تكن هناك قوانين ولاية أو قوانين اتحادية تشترط على القاصرين الحصول على موافقة الوالدين من أجل الحصول على وسائل منع الحمل.

تذكرت محادثة أجريتها مع امرأة تدعى سينثيا، وهي أم شابة لثلاثة أطفال نشأت في ريف جنوب غرب فيرجينيا. نشأت سينثيا في عائلة خمسينية. جيمس، زوجها، كاثوليكي متشدد ولا يؤمن بتحديد النسل.

اعتبارًا من عام 2023، هناك أربع وعشرون ولاية تقيد قدرة القاصرين على الحصول على وسائل منع الحمل دون موافقة الوالدين - وهو اختلاف صارخ عن عام 2006، عندما لم تكن هناك قوانين ولاية أو قوانين اتحادية تشترط على القاصرين الحصول على موافقة الوالدين من أجل الحصول على وسائل منع الحمل.

عندما تحدثنا لأول مرة، كانت سينثيا قد أتمت للتو السادسة والعشرين من عمرها. أخبرتني أنها تعرضت لأربع حالات إجهاض، ورغم أنها وزوجها يرغبان في إنجاب المزيد من الأطفال، فقد شعرت بالارتباك من احتمال المحاولة مرة أخرى. كانت تخشى بشكل خاص من اكتساب الوزن بسرعة مرة أخرى. عادةً ما تزن مئة رطل فقط، وكل حمل من حملاتها كان صعبًا ويسبب ضغطًا شديدًا على جسدها.

كان طفلها الثاني كبيرًا جدًا لدرجة أن الولادة الطبيعية كانت ستؤدي إلى كسر وركيها، حسبما قال أطباؤها. ونتجت المضاعفات المتعلقة بنسيج الندبة الناتجة عن العملية القيصرية بعد حملها الأخير عن الحاجة إلى إجراء عملية جراحية لإصلاح مثانتها. قالت لي.: "لذا، أنا لست في عجلة من أمري لإنجاب المزيد من الأطفال، مثلًا، الآن"،

لا تتذكر سينثيا تلقيها دروس التربية الجنسية في المدرسة. لم تكن تعرف ما هي الدورة الشهرية عندما بدأت لديها. عندما كانت في السادسة عشرة، وصف لها الطبيب في بلدتها الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها ألفين شخصًا حبوب منع الحمل بسبب دوراتها الشهرية المؤلمة—لكن لم يكلف نفسه عناء إخبارها بأن الهدف الرئيسي منها هو منع الحمل. لم تكن تأخذها بانتظام. ثم، في المرة الأولى التي مارست فيها الجنس، في ليلة تخرجها من المدرسة الثانوية، أصبحت حاملًا، على الرغم من استخدام الواقي الذكري .

بكت: - لم يخبرني أحد أنك يمكن أن تصبحي حاملًا حتى لو استخدمت الواقيات الذكرية!" "لم أكن أعلم أنها تأتي بأحجام مختلفة. في بلدتي، لا يخبرونك عن وسائل منع الحمل. يعطونك قليلاً من المعلومات ويرسلونك في طريقك."

سألت سينثيا إذا كانت ستتخذ خيارات مختلفة لو كانت تعرف المزيد. وقالت: "أفكر في الأمر كثيرًا". "أطفالي هم حياتي كلها." لقد توقفت. "ولكن لو كان بإمكاني العودة، ولو كان لدي المعرفة التي أملكها الآن، لكنت انتظرت".4311 التربية الجنسية

تتبادر إلى ذهني حادثتان فقط عندما أنظر إلى المعالم الرئيسية التي حققتها في التعرف على جسدي وما يحدث بداخله. كان كلاهما غير سارين. على الرغم من أنه كان لدي خيارات ومعرفة أكثر مما كانت لدى سينثيا، إلا أن الأمر لم يكن سلسًا.

الدورات الشهرية. جائتني لأول مرة  بعد المدرسة ذات يوم في الصف الثامن وعلمت نفسي كيفية إدخال السدادة القطنية. أزعجني الدم اللزج البني. لقد مر عام على أحداث 11 سبتمبر، وكانت والدتي، وهي عقيد في الجيش، قد تم إرسالها مؤخرًا إلى الخارج.

لا أتذكر ما إذا كنت قد اشتريت السدادات القطنية بنفسي من الصيدلية التي تبعد بضع بنايات عن كليتي أو إذا قمت بإضافتها خلسة إلى قائمة مشتريات والدي. لكنني أتذكر التعليمات المعقدة الموجودة داخل الصندوق، وكيف أن اضطراري إلى فك شفرتها بمفردي جعلني أشعر بالضعف والخوف، مثل فتاة صغيرة تحتاج إلى والدتها. لكن أمي ليست هنا، قلت لنفسي، لذا عليك أن تكتشفي ذلك بنفسك.

الذهاب إلى طبيب أمراض النساء: في المرة الأولى التي قمت فيها بفحص الحوض، كنت متوترة للغاية لدرجة أنني اعتذرت للطبيب عن كمية التعرق التي كنت أعاني منها. هذا نوع محدد من التهيج، وهو نشر ساقيك في غرفة ذات إضاءة ساطعة بينما ينظر شخص غريب إلى مهبلك.والأسوأ من كل ذلك  المنظار وأصابع الفحص.

معظم أطباء النساء/التوليد الذين رأيتهم كمريضة كانوا مهذبين ولكن متفائلين. عادةً ما كنت أغادر مكاتبهم مع بعض الأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها، وكنت أخشى طرحها، ولكن مع شعور غامض بأنني تعرضت للغزو.

كان طبيب أمراض النساء والتوليد الذي رأيته عندما كنت في الثانية والعشرين من عمري قصة مختلفة. كان في الخمسينيات من عمره، ومن رومانيا، ولهجته خشنة ويداه أكثر خشونة. في غرفة الفحص، تحدثت عن أنني أمتلك مبيضًا واحدًا فقط ولخصت العمليات الجراحية التي أجريتها. سألني إذا كنت نشطًا جنسيًا. أجبته أنني وصديقي كنا ننام معًا لفترة من الوقت، لكنني كنت محبطة: كانت "دورتي الشهرية" غير المنتظمة تسبب مخاوف منتظمة بشأن ما إذا كنت حاملًا، على الرغم من أنني أتناول حبوب منع الحمل.

شرحت: "لهذا السبب نستخدم شكلين من أشكال تحديد النسل". شعرت بالخجل. كان الحديث عن حياتي الجنسية مع شخص غريب، حتى لو كان طبيبًا، أمرًا محرجًا. رفع طبيب التوليد/النساء حاجبيه. قال وهو يهز رأسه: "أوه يا عزيزتي". "هذا غير ضروري للغاية. توقف عن استخدام الواقي الذكري وعيشي حياتك!

أغلق الطبيب ملفي المرضي و ضحك قائلاً: "صديقك سوف يشكرني". لم نتوقف عن استخدام الواقي الذكري، لكن الغضب من هذا التفاعل مع صديقي جعل الأمر أسهل قليلاً بالنسبة لنا نحن الاثنين للحديث عن الجنس والأشياء المتعلقة بالجنس.4312 التربية الجنسية

ثم حدث حدث مهم آخر مؤخرًا عندما كنت أستمع إلى الأطباء في عرض EggBanxx. لقد كانوا يحاضرون في غرفة مليئة بالنساء الناضجات والمتعلمات جيدًا حول أنظمتهن الإنجابية بدلاً من افتراض أن النساء الحاضرات كن على اطلاع جيد بالفعل.

بينما كنت جالسة هناك، عادت إلى ذهني ذكريات دروسي في التربية الجنسية: المعلمون الذين كانوا يعرضون صور الأعضاء التناسلية على أجهزة العرض، الفتيات الأكبر سناً في المدرسة الثانوية يهمسن عن المداعبة وكيف أن الأولاد يفضلون الفتيات "الحليقات". تذكرت الاضطراب والشعور بالإثارة في معدتي بينما كنت جالسة على أرضية الصف مع الفتيات الأخريات، والأولاد في الطرف الآخر من الممر. تذكرت أنني تعلمت الكثير من الأشياء ولكنني لم أتحدث أبدًا عن أي منها.

في أفضل الأحوال، تشرح التربية الجنسية بعضًا مما بدأ المراهقون الصغار في تجربته عند التعرف إلى أجسادهم. ولكن بالنسبة لمعظمنا، فإنه يزرع أيضًا بذور الارتباك والوصم التي تنمو مع تقدمنا في السن.في تلك الأمسية في عرض EggBanxx*، كانت تلك البذور هي التي رأيتها تُروى.

لقد كُتبت كتب كاملة عن الدورات المرعبة لصحة المرأة عبر القرون. في مراجعة لكتاب نشرته صحيفة نيويورك تايمز عن رواية إلينور كليجورن "نساء مريضات"، كتبت جانيس بي. نيمورا:

" تعلمت النساء أن تشريحهن كان مصدر عار، فظللن في جهل بأجسادهن، غير قادرات على تحديد أو التعبير عن أعراضهن، وبالتالي كنّ عاجزات عن معارضة نظام طبي ذكوري لم يكن يستمع أصلاً."

تجد معظم النساء صعوبة في التعرف على ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي عندما يتعلق الأمر بأجسادهن. نتبادل القصص حول وسائل منع الحمل ونتحسر على الزيارات غير المريحة إلى طبيب أمراض النساء. في مرحلة ما، ندرك أننا لم نتعاف تمامًا من الصور البشعة التي فرضت علينا في درس الصحة الجنسية طوال تلك السنوات الماضية. إن التربية الجنسية السطحية، والتي غالبًا ما يتم تدريسها بشكل سيء، والثقافات السائدة تترك الكثير من الناس في الظلام، مما يجعلهن يتجاوزن أو يتجنون المحادثات الصريحة حول الجنس وكل ما يتعلق به.

تعد قصة سينثيا مثالًا قويًا على العلاقة المباشرة بين نقص معرفة النساء حول الخصوبة وعدم القدرة على اتخاذ قرارات بشأن الإنجاب. إلى جانب قلة التعليم حول أجسادهن، لا تزال النساء يواجهن تحديات في جهودهن للوصول إلى الرعاية الصحية والموارد الجنسية الشاملة.

تقرير بالي حول الحصول على وسيلة منع الحمل، إلى جانب قصة سينثيا وأحاديث أخرى أجريتها مع نساء حول الجنس والخصوبة، جعلتني أفكر: كيف يمكن لأي شخص الوصول إلى المعرفة والموارد التي يحق له الحصول عليها؟

تعلم التربية الجنسية الفتيات أن يشعرن بالخجل. وتعمل المواد الإباحية والثقافة الشعبية على تشويه مفاهيمنا، وتقديم نموذج للجنس يجعل العديد من الشباب يشعرون بعدم الأمان والاغتراب.

ليس في المدارس، كما أثبتنا. وليس من مقدمي الرعاية الطبية أيضًا، كما يتضح. وجدت دراسة قام بها باحثون من جامعة ييل أن حوالي خمسين في المئة من النساء في سن الإنجاب لم يناقشن أبداً صحتهم الإنجابية مع طبيب. يغطي أطباء النساء والتوليد عادةً وسائل منع الحمل ولكنهم نادراً ما يقيمون كمية ونوعية البيض لدى مرضاهن؛ وجدت دراسة استقصائية شملت خمسة آلاف طبيب نساء وتوليد في الولايات المتحدة أن أقل من ثلث الأطباء يقدمون استشارات للمرضى تحت سن الخامسة والثلاثين حول تقدم العمر الإنجابي وحفظ الخصوبة.

فلماذا نادراً ما تحدث هذه المناقشات؟ أحد الأسباب هو نقص الأطباء وقلة الوقت. ما يقرب من نصف المقاطعات الأمريكية لا يوجد فيها طبيب نساء وتوليد واحد. بالنسبة للمرضى الذين يرون طبيب نساء وتوليد بانتظام، تكون المواعيد عادةً قصيرة، بالكاد تكفي لإعادة وصفة حبوب منع الحمل وسؤال عما إذا كانت قد حصلت على لقاح HPV، ناهيك عن الاستفسار عن جودة البيض أو فحص مستويات الهرمونات.

من المؤكد أن المراهقين يتعلمون عن الجنس من مجموعة متنوعة من المصادر بخلاف المدرسة. ولكن ما يتعلمه الأطفال في صفوف الصحة لا يتماشى مع ما تقوله لهم مواقع الإنترنت والثقافة الشعبية—ليس أن التلفاز والموسيقى والأفلام تضئ الموضوع بشكل كبير. كما أنه غير مناسب مع ما يسمعونه من الأم والأب.

يشير التربويون المتخصصون في الجنس مرارًا وتكرارًا إلى أن معظم الآباء الأمريكيين إما يتجاهلون الموضوع تمامًا أو يعلمون أطفالهم أساطير عن مكان ولادة الأطفال عندما يكونون صغارًا جدًا، ويكتفون بذلك. في ضوء العار الفظيع لجيل بالي، كان إعطائي من قبل والدتي لكتاب "الجسم الأمريكي" للفتاة أمرًا متقدمًا للغاية.

ثم هناك الإباحية المتاحة بسهولة على الإنترنت، والتي وصفتها الصحفية ماجي جونز في مقال لمجلة نيويورك تايمز بأنها المعلم الفعلي للجنس للشباب الأمريكيين، مما يملأ الفراغ الذي خلفه قلة التعليم الجنسي في البلاد. قال أحد الأولاد لجونز: "لا يوجد مكان آخر لتعلم الجنس، وعارضات الأفلام الإباحية يعرفن ما يفعلنه."

وسائل الإعلام التي نستهلكها ونشاهدها تؤثر بلا شك على كيفية تصرفنا في الحياة الواقعية، وأشهر مواقع الإباحية هي من بين المئة الأكثر زيارة في العالم. تلاحظ جونز أنه ليس من السهل التمييز بين ما هو زائف وما هو حقيقي في الإباحية؛ الخط الفاصل بين الخيال والمبالغة قد يكون ضبابيًا.

ليست قضية كبيرة بالنسبة للبالغين المطلعين الذين يشاهدون الإباحية للتسلية، ولكنها مسألة مختلفة تمامًا عندما نعتبر أن الإباحية الشديدة هي المكان الذي يتعلم فيه العديد من المراهقين ما يجب القيام به مع بعضهم البعض، وأن الإباحية هي مؤثر رئيسي في حياة الشباب، تشكل أفكارهم المبكرة عن الجنس وسلوكياتهم الجنسية أيضًا.

لذا، تعليم الجنس يعلم الفتيات الشعور بالخجل. أطبائنا مشغولون جدًا ولا نعرف الأسئلة التي يجب أن نطرحها عليهم على أي حال. الإباحية والثقافة الشعبية تشوه تفكيرنا، مقدمة نموذجا للجنس يترك العديد من الشباب يشعرون بعدم الأمان والاغتراب.

لذا، ليس من المستغرب أن العديد من الشابات يكبرن ولديهن نفور من دورتهن الشهرية ويشعرن بالضغط لحلق شعر العانة، ويدخلن سن الرشد في كثير من الأحيان دون أن ينطقن بكلمة "شفرات" ودون معرفة ما هو البظر، وأين هو، و/أو ماذا يفعلن به.

لذا، لا أستطيع لوم الأطباء في فعالية EggBanxx على افتراضهم أننا بحاجة إلى محاضرتهم عن الأساسيات في الخصوبة، ولا يمكنني انتقاد النساء لعدم معرفتهن المزيد. أصبح واضحًا لي الآن أن ملء الفجوات المعرفية لدينا في أي عمر ليس بالأمر السهل أو البسيط، وأن نقص المعرفة الحيوية لدى الشابات حول أجسادهن يعيق قدرتهن على اتخاذ قرارات مستنيرة، سواء في فترة  المراهقة أو عندما يكبرن— خاصة فيما يتعلق بالخصوبة.

***

...............................

الكاتبة: ناتالي لامبرت / Natalie Lampert  صحفية حائزة على جوائز تركز تقاريرها بشكل رئيسي على صحة النساء وصناعة الخصوبة. كانت زميلة سابقة في برنامج فولبرايت، وقد كتبت لصحيفة نيويورك تايمز، ومجلة نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، والأطلس، والغارديان، من بين منشورات أخرى. تعيش لامبرت في بولدر، كولورادو. وهي مؤلفة كتاب "التجمد الكبير: رحلة صحفية شخصية إلى عالم تجميد البويضات والسعي للتحكم في خصوبتنا".

* هو مصطلح يشير إلى خدمة توفر تجميد البيوض للنساء، مما يسمح لهن بالحفاظ على خصوبتهن لاستخدامها في المستقبل. هذه الخدمة تُعد حلاً للأشخاص الذين يرغبون في تأجيل الحمل لأسباب شخصية أو مهنية أو طبية حيث  تقدم المشورة والدعم الطبي للنساء من خلال عملية جمع البيوض وتجميدها، مما يمنحهن الفرصة لاستخدامها لاحقًا عندما يكنّ جاهزات لإنجاب الأطفال.

https://lithub.com/how-americas-sex-education-and-oversexed-culture-continues-to-fail-women

بقلم: سارة ثورنتون

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم4238 سارة تورنتون

تستكشف سارة ثورنتون خلل التشوه في الجسد بعد استئصال الثديين

خلال  حفل عشاء قبل بضع سنوات، تحول الحديث إلى ثديي. لم يعتقد أحد في العائلة أنني يجب أن أسميهما بيرت وإيرني. اقترحت والدتي ثيلما ولويز؛ أوصت ابنتي باسمي الكوميديين المفضلين لديها، تينا وإيمي؛ أصرت زوجتي على فينوس وسيرينا.تبادل والدي، البالغ من العمر 77 عامًا، وابني، البالغ من العمر 22 عامًا، غمزات العين. لقد كانا جديدن، هذين الكائنين الغريبين المصنوعين من السيليكون، ولم يشعرا بأنهما أنثوين أو حتى بشر. أعطتني الطبيعة الزوج الأول (الثديين)، بينما قام جراح تجميل المشهور بتركيب هذين المزيفين.

عندما وقفت عارية أمام المرآة، فكرت: رف هذه المرأة جميل جدًا. ومع ذلك، عندما ارتديت ملابسي وتحركت، شعرت بالانفصال عن صدري. لم أتساءل أبدًا عن الجنس الذي تم تحديده لي عند الولادة، ولكن لدي الآن إحساس عميق بالتنافر الذي يمكن أن يشعر به الشخص تجاه الأجزاء غير المرغوب فيها. إن وجود جسد يشوه تصورك لذاتك أمر مقلق.

لقد خضعت لعملية استئصال الثديين في عام 2018 وبدون تفكير طويل اخترت إعادة البناء التي يغطيها التأمين الصحي الخاص بي. كانت الشائعات تقول أن جراحي، وهو رجل لطيف الكلام في قمة مجاله، كان رسامًا في عطلة نهاية الأسبوع، وطبيبًا يتمتع بحس جمالي. أخبرته أنني أريد "ثدي يوغا مثليه"، أي شيء بين حجم A وB. قلت ساخرًة: "فكر فيهما على أنهم أثداء A+". لذا، تخيل  حيرتي وفزعي عندما تم قياس أول حمالة صدر بعد الجراحة واكتشفت أن خلل التشوه الذي أعانيه كان له أساس جسدي.

عندما أشاهد النساء يستمتعن بفتحة صدرهن، أشعر بالسعادة بحظهن.

الخبر السار هو أنني لم أعاني من سرطان غاز، ولكن من مجموعة من الخلايا غير المرغوب فيها المعروفة باسم سرطان الأقنية اللابد (DCIS). لقد انتهت سبع سنوات من الخزعات المجهدة وزال الخطر. قلت لنفسي: كوني ممتنة وتجاهلي الدمى. لسوء الحظ، فإن سيكولوجية وجود الثديين نادراً ما تكون بهذه البساطة. مع عملية استئصال الثدي، فقدت شيئًا جنينيًا، مزاجًا غامضًا مرتبطًا بغريزتي - إدراكي للثديين، بسبب عدم وجود تعبير أفضل.

قبل عمليات الزرع،عندما كنت أشعر بالبرد أو القلق أو أقترب من ارتفاع مخيف، أو على وشك أن تأتي دورتي الشهرية، أو من المحتمل أن أتعرض للإثارة، كان ثدياي يخبرانني بذلك. كان لديهما الإحساس وحتى الحد الأدنى من الذاتية. ومن ناحية أخرى، كان هذان المزروعان الجامدان  فارغين. لقد كانا أيضًا ضخمين جدًا وظاهرين جدًا بالنسبة للشخص مثلي.

في تاريخ الفن، تعرضت لثلاثين ألف سنة من فينوس عاريات الصدر، والعذارى المرضعات، والعشيقات الشعسيات،، والصور الذاتية النسوية. ومع ذلك، الآن، بعد مرور ثلاثين عامًا، وبعد أن تغلبت على تحول الهوية الذي يغذيه صدري الجديد، استمرت شخصية واحدة في العرض في رأسي: الحرية، خاصة كما تم تصويرها (أدناه) في كتاب يوجين ديلاكروا "الحرية تقود الشعب".

في هذه اللوحة التي تعود إلى عام 1830، تظهر امرأة قوية تحمل العلم الفرنسي في يد وبندقية في اليد الأخرى. إنها ليست ضحية لنقص في خزانة الملابس؛ يؤكد ثدياها العاريتان شجاعتها ويرمزان إلى الحقيقة السليمة للديمقراطية. لكن العمل يجسد مفارقة عالية النبرة. وعلى الرغم من مناشداتهن وبياناتهن، فقد حُرمت النساء من حق التصويت، والتملك، والتحكم في دخلهن، والحصول على التعليم. هذه الحرية هي شرك - أنثى وهمية تساعد في إبقاء النساء الحقيقيات في مكانهن.

في حين دمج حضن الحرية بين السياسة وعلم الجمال بطرق جديدة خاصة ببناء الأمة في القرن التاسع عشر، فإن شكل وحجم ثدييها لم يكن بالأمر الجديد. لآلاف السنين، كان النموذج الأوروبي في حجم تفاحة تقريبًا، سواء كانت التفاحة البرية في العصور الوسطى أو تفاحة براملي الباروكية. وباستثناء الآلهة الهندوسية ذات الصدر المجيد، كان الجمال مرتبطًا بالثديين المتواضعين.

بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ الثدي الأمريكي المثالي في التضخم. فهل كان هذا الصدر  الضخم فرعاً منحرفاً من الإفراط في تصوير الجسد نتيجة لأفلام هوليوود؟ أم أنه تجسيد لإيديولوجية الاستقطاب بين الجنسين التي سعت إلى إعادة النساء إلى المنزل عندما يعود الرجال من الخدمة العسكرية؟خلال الحرب العالمية الثانية، عندما حرضت دعاية الحكومة الأمريكية النساء على المساعدة في المجهود الحربي، كان لدى روزي المبرشمة رموش أنثوية جذابة ولكن صدرها بالكاد مرئي.

الأثداء الكبيرة، كما تشير روزي، تعيق الطريق. إنها مؤلمة. منذ حصولي على ثديي الجديدين، كنت أضربهما في إطارات الأبواب، والمارة في الشوارع المزدحمة، والرجال في المصاعد. بدون الإحساس الكامل، غالبًا ما لا أعرف إلا بعد فوات الأوان أن حلمتي الخدرتين تضغطان على الغرباء، أو الأسوأ من ذلك، على أقاربي.

قبل الجراحة الترميمية، كانت المرة الوحيدة التي كان فيها ثديي غير عمليين هي بعد الولادة. أتذكر الرضاعة الطبيعية في منتصف الليل،التفكير في أصل كلمة "مرضعة"، والشعور بالارتباط بأخوية قديمة من مانحي الحياة. كنت غبية بسبب الحرمان من النوم، كما أمضيت ساعات طويلة متعاطفة مع الأبقار، محتارة  بشأن الغرابة الوجودية المتمثلة في تسمية البشر بالثدييات في حين أن النساء فقط لديهن غدد ثديية تنتج إمدادات مغذية من الحليب. في عالم التصنيفات المجسمة الذي يركز بشكل عام على تفوق الذكور، لماذا هذا الشذوذ؟ أثداء الذكور مزخرفة ولكنها عديمة الفائدة. وفي الواقع، ظل أنصار التطور لعدة قرون يفكرون في لغز حلمة الثدي عند الذكر.

على الرغم من أنه لا يوجد شيء جعلني أشعر وكأنني حيوان أكثر من الرضاعة الطبيعية، إلا أن هذا الفعل لم يأت بشكل طبيعي. لم تكن "عبودية مرهقة" تمامًا، كما كتبت سيمون دي بوفوار ذات مرة، لكنها كانت بالتأكيد واجبًا. قرأت أن حليب الثدي كان "ذهبًا سائلًا". من شأنه أن يعزز جهاز المناعة لدى طفلي، ويقلل من فرص إصابته بالحساسية، وربما يزيد من معدل الذكاء لديه. بعد أن نشأت على المنتجات الطازجة والطهي المنزلي، كنت أشك في مسحوق الوجبات السريعة الذي يسمى الفورمولا.

مع طفلتي الثانية، أصيبت بحالة حادة من التهاب الثدي، وهي عدوى تسبب حمى متكررة وإفرازات خضراء. لمدة شهر، كنت أضخ الحليب بمضخة يدوية وبكيت على الحليب المسكوب بينما كنت أرمي "المشفوط" من ثديي الأيسر في البالوعة. ونظرًا لاستمرار العدوى، تمت إحالتي إلى أخصائي - وهو رجل إنجليزي كبير السن - في شارع هارلي بلندن. عندما خلعت حمالة صدر الرضاعة المبطنة بشدة، كانت حلمتي محتقنتين للغاية لدرجة أن أحدهما أطلق رذاذًا من الحليب، وأصابه على ياقة عنقه. لم يكن مسليا. في مهنته، لا بد أنه قد تعرض للرش من قبل أثناء مزاولة مهنته، لكنه تصرف كما لو كانت تلك إهانة بشعة بشكل خاص. لماذا تكون المرأة المرضعة فاضلة ومكروهة في نفس الوقت؟4239 سارة تورنتون

كان هذا الطبيب قديما، لكنه على الأقل أوصى بالمضادات الحيوية بدلاً من الجراء، والتي كانت   توضع في القرن الثامن عشر أحيانًا على الثدي المتورم للنساء المصابات بـ "حمى النفاس" لإخراج الحليب الفاسد. وكان هذا هو مصير ماري ولستونكرافت، مؤسسة الحركة النسوية الإنجليزية، التي ألهمت الثورة الفرنسية بتأليف كتاب "إثبات حقوق المرأة" في عام 1792. توفيت ولستونكرافت عن عمر يناهز 38 عامًا، بعد وقت قصير من ولادة ابنتها ماري شيلي، التي كتبت فيما بعد أول قصة رعب طبية، فرانكنشتاين.

تجربتي الشخصية الأولى مع الموت كانت بسبب سرطان الثدي. توفيت جدتي لأمي عام 1971 عندما كنت في الخامسة من عمري؛ لقد صدمت عندما رأيت والدتي البريطانية المتيبسة الشفة العليا تبكي. مع هذا التاريخ، لم يكن قرار الانفصال عن ثديي بهذه الصعوبة. وبعد سبع خزعات على مدى سبع سنوات والاكتشاف المستمر للكتل الديناميكية للخلايا غير النمطية، وصل أطبائي إلى النقطة التي لم يتمكنوا فيها من التأكد من عدم إصابتي بالسرطان. بعد حدوث ورم دموي، وكدمات في الضلع، والتهاب في الوريد، شعرت بالخوف والكراهية من تصوير الثدي بالأشعة السينية والخزعات. كان لدي ما يسمونه "تعب المراقبة". شعرت أن عملية استئصال الثدي المزدوج هي الطريقة العقلانية الوحيدة للراحة.

في الشهر الذي سبق إجراء الجراحة، كنت قلقة ونادمة. أنا عادة أسبح في الداخل، لكن في نزهتهما الأخيرة، ذهبت أنا وثدياي إلى فندق كليرمونت في أوكلاند هيلز، الذي يضم مسبحين بمساحة 25 ياردة. بعد ظهر ذلك اليوم المشمس من يوم الاثنين، وبينما كنت أسبح بطول اثنين وسبعين، شكرتهما على وجودهما هناك. اعتذرت عن عدم حبهما بما فيه الكفاية وطلبت منهما أن يسامحاني على السماح لهما بالرحيل. نعم، كان غريبا. لقد تمايلا دون وعي، مدركين للحظة ولكنهما غير مدركين لهلاكهما الوشيك. ولو كان لديهما القدرة على الكلام، لكانت مطالبهما بسيطة: دعونا نسبح أحراراً. حررونا من هذا البيكيني الذي يسجننا!

وبعد يومين، ذهب ثدياي إلى الحياة الآخرة الغامضة للأنسجة البشرية. تحت عضلات صدري، قام الجراح بتركيب وسادتين مملوءتين بالمحلول الملحي تسمى الموسعات، وهي مواضع لزراعتي الوشيكة، والتي تؤلمني بشدة. بينما كانا يقصفان صدري، كنت أتبادل رسائل البريد الإلكتروني مع صديق كان ابنه المتحول قد خضع للتو لعملية جراحية كبيرة لتأكيد الجنس.

مراسلاتنا جعلتني أتساءل: إعادة بناء الثدي وتكبير الثدي وتأنيث الصدر هي عمليات تجميل متوازية. لماذا لديهم ثلاث تسميات متميزة؟ على الرغم من أن تركيب الغرسة الخاص بي كان يحمل اسم إعادة البناء، إلا أنه كان مشابهًا جدًا لما قد تخضع له امرأة متحولة جنسيًا بحيث يمكن تسمية عمليتي بجراحة إعادة تأكيد الجنس أو إعادة التأنيث. لقد تم تجهيزي بـ "أدلة" لا لبس فيها من صنع الإنسان على أنوثتي.

كان يوم   جراحة إعادة البناء ممتعًا بشكل غير متوقع. نزلت عليّ فرق من الأشخاص ذوي الضمائر الحية والدفء والأذكياء وأمطروني باهتمام مطمئن. بينما كنت أجلس على سرير متدحرج مرتدية ثوب المستشفى المفتوح من الأمام، سألني طبيب التخدير أسئلة دقيقة حول الأدوية ثم وقع على وعد بأن هذا سيكون أفضل تخدير عام تلقيته على الإطلاق.

ذروة هذه الدراما التي سبقت العملية جاءت عندما ظهر جراح التجميل بشارب أسود وحاشية صامتة من النواب والمساعدين. طلب مني الوقوف، ثم رسم بيده اليسرى خطًا عموديًا قصيرًا أسفل منتصف صدري، وخطين طويلين ينغمسان في الطيات أسفل ثديي القديم، ثم نصفين على طول الجزء العلوي من كل هالة صدري . . أما الثدي المترهل، الذي خضع لالتهاب الضرع وسبع خزعات - "الثدي الأيسر للخاسر"، مازحت بحزن -فقد أُعطي قمرًا أكبر، مما يشير إلى أنه سيتم إزالة المزيد من الجلد منه. ثم قام بتوقيع الأحرف الأولى من اسمه على أحد الثديين ثم على الثدي الآخر، معلناً مسؤوليته.

بعد قضاء أسبوع في السرير ومشاهدة كل حلقة من مسلسل The Handmaid's Tale، أدركت أن غرساتي الدائرية، التي تم قياسها بالسنتيمتر المكعب، كانت من "المجموعة الأولى من الجراحة التجميلية"، كما أعلنت شركة Allergan عن مجموعتها Natrelle. وصفت شركة Allergan مهمتها المؤسسية بأنها "علم التجديد" وادعت أنها "تصنع المستقبل معك". جعلتني اللغة أشعر بأنني إنسان آلي مشوش، أقاوم أجزائي الجديدة والمحسنة.

فقط بعد أن انتقل بيرت وإيرني ناتريلي للعيش معهما، تساءلت عن ثديي الأصلي. لماذا لم أكن أعرف سوى القليل عنهما؟ ما نوع الحياة التي عاشاينها؟ ما الذي فقدته؟

على ما أتذكر، فقد ظهرا لأول مرة في أحد أيام الصيف في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، ولم أكن مراهقة بعد، وتخيلت أن أصولي الجديدة يمكن أن تصبح رمزًا قويًا لضبط النفس لدى البالغين أو مصدرًا لقوة رائعة. أتذكر بوضوح الملصق الأكثر مبيعًا في تلك الحقبة، والذي نُشر عام 1976، والذي يصور رمز الجنس الأول في  فى ذلك العقد، فرح فوسيت، وهي ترتدي ملابس السباحة المكونة من قطعة واحدة من نورما كمالي مبتهجة بحلمتيها غير المقيدتين.

لكن في الخامسة عشرة من عمري، تعرض ثدياي لضربة موجعة. تعبت من مجالسة الأطفال، وحصلت على وظيفة نادل في نادي الغولف المحلي. كان الحاكم الوحيد للمطبخ هو الشيف الذي يشرب أثناء العمل. في وقت الغداء كنت أسير في المطبخ بصينية مليئة بالأكواب والصحون النظيفة عندما اعترض طريقي ووضع راحتيه على ثديي. لمعت عيناه بسماجة. كنا نعلم أنني سأواجه مشكلة إذا أسقطت الصينية وكسرت الأكواب. لقد كان يومًا حزينًا بالنسبة للنصف العلوي من جسمي، وكان بمثابة بداية مهينة للاعتداء الجنسي.4240 سارة تورنتون

الآن شعرت برغبة عارمة في فهم المعاني والاستخدامات المتعددة للثديين.

وبعد حوالي عام، أثناء النوم، تم الاعتداء على ثديي مرة أخرى دون موافقتي. كنت أنا وصديقتي في المدرسة ننام على الأرائك في غرفة المعيشة في شقة أختها في وسط المدينة. في منتصف الليل، استيقظت على رجل عارٍ عملاق (صديق الأخت الكبرى الأكبر سنًا) وكانت يداه الضخمتان تتجولان في قميص بيجامتي. استدرت وطلبت منه، بصوت حازم قدر استطاعتي، أن يعود إلى السرير. كان طويل القامة لدرجة أن عينيه كانتا فاقدتين للوعي. لساعات طويلة استلقيت على بطني، خائفة، متصلبة، بينما كان يتجول في غرفة المعيشة.

لعقود من الزمن نسيت تلك النظرات الفارغة... حتى تمت الموافقة على تعيين بريت كافانو في المحكمة العليا. مثل كريستين بلاسي فورد، كنت أعاني من اضطرابات النوم - في الواقع الأرق المزمن - لعدة سنوات. ربما يتذكر المعتدي القليل أو لا يتذكر شيئًا، ولم أخبر والدي. هناك فكرتان أعادتا تنشيطهما حركة #MeToo، وهما قوة التحدث علنًا وقيمة الوعي. لذا فإنني هنا أتعمق في الأمور الشخصية كوسيلة لفهم الأمور السياسية.

كنت في السادسة عشرة من عمري، وكنت ما أزال عذراء، وأصبح ثدياي أحمقين مهزومين - ثديين بالمعنى الحرفي- كان لا بد من دفنهما تحت سترات كبيرة الحجم. أوه، كم أتمنى أن يكون لدى "الثدي" بعض القوة وتقرير المصير الذي يتمتع به "المتسكعون" و"العاهرات". عندما أشاهد النساء يستمتعن بفتحة صدرهن، أشعر بالسعادة بحظهن. الثديان والصدر هما مقدمة ومركز إيجابية الجسم.

لسنوات عديدة، كان لدي تحيز نسوي متعجرف ضد زراعة الثدي، والذي ربطته بانعدام الأمان، والغرور، والرغبة العبودية في جذب الرجال. ومع ذلك، فإن جراحة تأكيد الجنس التي أجريتها قد ألغت هذا القرار. لقد ألمح بعض الناس إلى أنني أنثى ملتزمة وكان ينبغي عليها مقاومة إعادة البناء واتخاذ الطريق الشجاع المتمثل في عدم الزرع .

ومع ذلك، لم أتمكن أبدًا من تحقيق هوية صحيحة سياسيًا، ناهيك عن الحفاظ عليها. أعتقد أنه من الأفضل أن تعطي أخواتك بعض الفسحة. تعتبر عملية تكبير الثدي هي الجراحة التجميلية رقم واحد في العالم. فهل هذه استراتيجية للبقاء في مجتمع أبوي تتجسد فيه المعتقدات؟ أو وسيلة للنساء لمحاولة انتزاع السيطرة على الصورة الذهنية عن أجسادهن؟

وهو ما يعيدني إلى 34Ds الخاصة بي. وأخيرًا، جاء اليوم الذي حددته للمتابعة، حيث ارتديت قميصًا مكتوبًا عليه: "نحن نرتقي من خلال رفع الآخرين". أكدت لجراحي أنني أفهم أن ثديي الجديد يبدو جيدًا، لكنني حاولت أيضًا أن أنقل له أنهما ليسا بحالة جيدة. كانت الغرسات تحت عضلاتي، لذا كانت تتأرجح نحو الإبطين عندما كنت أمارس تمارين الضغط في الشاتورانجا أو اليوجا. أدى هذا "التنشيط"، كما يسميه الجراحون، إلى تفاقم الشعور بأن ثديي كانا ضخمين وكرتونيين.

وأوضح لي جراح التجميل بدوره ثلاثة أشياء. أولاً، حتى بعد أشهر من الجراحة، قد يظل ثدياي منتفخين. ثانيًا، كان الجزء الرئيسي من عمله في عمليات استئصال الثدي هو  الحفاظ على الحلمة بقدر الحفاظ عى مكانها  في وسط ثديي. ثالثًا، كان عليه أن يكون حريصًا على ملء الكيس دون تقطيع الكثير منه لتجنب "موت الجلد". وبينما كان يتحدث، شعرت وكأنني رأيت ذلك من قبل؛ لقد أجرينا بالفعل هذه المحادثة من قبل. لقد نسيت معظم محتواها أثناء التخدير قبل العملية الجراحية. تفهمت الصعوبات التي تواجه مهنته، لكنني اندهشت من أن الممارسة الطبية المتطورة قد أعطتني ثديي أم مرضعة بدلاً من الكرات الصغيرة الكريمة التي كنت أحلم بها في منتصف العمر. كان هناك خطأ ما في النظام.

قامت إحدى جاراتي بإجراء عملية إعادة بناء الثدي أربع مرات. كان ثدياها دائمًا كبيرًين جدًا، حتى وجدت الدكتورة كارولين تشانغ، وهي جراحة وصفتها بأنها "امرأة صغيرة الحجم تفهمت رغبتي في الحصول على مقاس B لطيف". من خلال عالم الفن، علمت أن تشانغ عملت مع العديد مع أغلى المستويات في منطقة خليج سان فرانسيسكو، وبسبب فضولي بشأن ما ستفعله بصدري، حددت موعدًا لاستشارتها فى الأمر. كان مكتبها ذو الجدران البيضاء مليئًا بكتب الفن والتصوير الفوتوغرافي التي تشير إلى أنها خبيرة تجميل مهتمة بالموضة.

وبسبب فضولي بشأن رأيها في حجم صدري، حددت موعدًا للتشاور معها.

أثناء فحص صدري العاري، حركت الدكتورة تشانغ رأسها، وقامت بتقييم شكلي من منظور جانبي، كما لو كانت فنانة تستعد للنحت من الحياة. وأكدت لي أن هذه نتيجة ممتازة من الناحية الموضوعية.الحد الأدنى من الندوب. شكل طبيعي. لا تموجات شديدة. وعندما ذكرت انزعاجي من حجمهما، أومأت برأسها بلطف. رفعت ثديي الأيمن، ثم ثديي الأيسر، وكأنها تحسب وزنهما بالضبط بيدها. لقد اختبرت كثافتهما وارتدادهما من خلال الضغط اللطيف بثلاثة أصابع على جوانبهما ووسطهما. ثم نظرت في عيني واستنشقت بعمق قبل أن تقول: الكمال لله وحده.

في مكالمة متابعة، طرحت الدكتورة تشانغ الأمر بشكل أكثر مباشرة. "إن عملية استئصال الثدي هي عملية بتر. يعتبر فقدان جزء من الجسم بمثابة صدمة شديدة. وأوضحت أن مبتوري الأطراف يستخدمون الأطراف الاصطناعية حتى يشعروا بأنهم طبيعيون. "لكن الأمر يستغرق وقتا." بهذه الكلمات، أدركت أن بيرت وإيرني، هذين الكائنين الغريبين، قد تم استيعابهما بالفعل في نسخة معدلة مني، إنسان بأجزاء بلاستيكية شرع في مهمة جديدة. لدي الآن رغبة عارمة في فهم المعاني والاستخدامات المتنوعة للثديين.

من الثدي إلى أعلى: ما يخبرنا به العاملون في مجال الجنس، ومصرفو الحليب، وجراحو التجميل، ومصممو حمالات الصدر، والساحرات عن الثديين بقلم سارة ثورنتون.

***

...................

المؤلفة: سارة ثورنتون / Sarah Thornton (من مواليد 1965) كاتبة وعالمة اجتماع ومؤلفة لثلاثة كتب نالت استحسان النقاد، بما في ذلك الكتاب الأكثر مبيعًا على مستوى العالم "سبعة أيام في عالم الفن". كانت باحثة مقيمة في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، لمدة ثلاث سنوات أثناء كتابتها "Tits Up". نشأت ثورنتون في كندا .حصلت على درجة البكالوريوس في تاريخ الفن من جامعة كونكورديا، مونتريال، والدكتوراه في علم اجتماع الثقافة من جامعة ستراثكلايد، جلاسكو. تعيش في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

 

بقلم: روث ويليامز

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

كان يونغ يعتقد أن لدينا جميعًا ذاتًا ظلية ويمكن أن تساعدك مواجهة هذه الذات  على عيش حياة أكثر اكتمالا وتصبح أكثر تسامحًا مع الآخرين.

"الظل" هو المصطلح الذي يستخدمه كارل جوستاف يونج للإشارة إلى تلك الجوانب من شخصيتك التي لا تحبها أو لا تريد الارتباط بها. قد ترفض حتى الاعتراف بها على أنها جزء منك. يمكن أن تتراوح من حقيقة أنك مسيطر بعض الشيء، وصولاً إلى وجود دافع نحو السيطرة على العالم.

للحصول على تصوير خيالي معاصر للظل، تفضل بمشاهدة مسلسل نيتفليكس "ريبلي" (2024). هذا هو أحدث إعداد تلفزيوني  لرواية باتريشيا هايسميث الرائعة "السيد ريبلي الموهوب" (1955). يُظهر المسلسل البطل، توم ريبلي، في نقاط مختلفة يتولى شخصية ديكي الذي يسرق هويته ويقتله. إن النظرة على وجه ريبلي وهو يتبنى الشخصية تقشعر لها الأبدان تمامًا. حيث يصبح شخصًا آخر.

تحت ستار ديكي، يستطيع ريبلي أن يصبح كل أنواع الأشياء التي لا تسمح بها شخصيته العادية. إنه يتصرف بناءً على حسده لسحر ديكي وحياة الطبقة العليا الثرية. يمكن وصف هذا بأنه تصوير متطرف للظل في الفيلم.

غالبًا ما يكون الحسد هو المحرك وراء الأفعال التي يقودها الظل - ولحسن الحظ، نادرًا ما تكون تلك الأفعال متطرفة كجريمة القتل - مثل الخيانة، المكر، ومحاولة التفوق على الآخرين. الحسد هو شعور غير مريح ومثير للاشمئزاز لدرجة أنه يمكن إنكاره بسهولة على المستوى الواعي، ولكنه بعد ذلك يظهر بطرق غير متوقعة. أطلق سيغموند فرويد على هذا اسم "عودة المكبوت". هل يذكرك هذا بشيء؟ أتوقع أننا جميعًا مررنا بمثل هذه التجارب، سواء كنا نحن من نحسد الآخرين أو نحن من نحسد.

إذا كانت هذه السلوكيات القبيحة تمثل جانب الظل في نفسك، فلماذا قد ترغب في معرفتها؟ حسنًا، قد تجد أنها تساعدك على العيش حياة أكثر أصالة؛ حياة تدمج فيها إمكاناتك بشكل أكبر وتشعر فيها بمزيد من التكامل. يمكن أن يشمل ذلك أن تصبح أكثر قبولًا لتلك الجوانب من نفسك التي تجدها بغيضة. من السهل غالبًا توجيه أصابع الاتهام نحو أولئك الذين ينفروننا والتفكير في مدى فظاعتهم. ولكن أحيانًا قد تكتشف أنهم يعملون كنوع من المرآة، يعكسون الصفات التي تجدها بغيضة، والتي تمتلكها بالفعل بنفسك، على الرغم من عدم ارتياحك وعدم ترحيبك بهذه الفكرة.

يمكن القول إن التصالح مع هذه الجوانب غير المرغوب فيها من أنفسنا هو صراع ضروري في الحياة. إنها تمكننا من تحمل المسؤولية عن أخطائنا، أو إخفاقاتنا أو عيوبنا، وتقليل إلقاء اللوم على الآخرين. وهذا يمكن أن يخلق علاقات أعمق وأكثر فائدة. (هناك أيضًا ما يسمى بالظل الجمعي، الذي يعكس نموذج يونج للنفس، والذي يتضمن اللاوعي الشخصي والجمعي، ولكن استكشاف الظل الجمعي يتجاوز نطاق هذا المقال).

بالنسبة ليونج، لم يكن الظل مجرد فكرة ألمعية، بل كان رحلة عميقة إلى روحه الخاصة.

كان يونج رائدًا في مجاله وأسس علم النفس التحليلي كفرع مستقل. عندما كان شابًا، كان يُنظر إليه باعتباره وريث فرويد الفكري، لكن سرعان ما أصبحت اختلافاتهم في النهج واضحة وافترقوا. بالنسبة ليونغ، لم تكن نظريته حول الظل مجرد فكرة فكرية، بل كانت رحلة عميقة متجسدة بالكامل في روحه، لاستكشاف ما شعر به غريزيًا أنه يؤدي إلى حقائق عميقة. لقد استكشف روحه بعمق لدرجة أن البعض اعتقد أنه فقد القدرة على التفكير السليم ووصفوه بأنه "فصامي" (وهو لم يكن كذلك) أو ظنوا أنه تعرض لانهيار نفسي (وهو ما لم يحدث ).

تُظهر تجارب يونج الشخصية أن التعمق واستكشاف أعماق ظلك ليس مهمة يُستهان بها. إن الرحلة نحو الأسفل والداخل. يمكن رؤيتها كهبوط إلى "الجحيم" وقد تكون بالفعل جحيمية إلى حد كبير. مواجهة الظل قد تتضمن مواجهة العار، وربما مخاوف الفناء، والضعف، والعزلة، والحسد، والشعور بالذنب أو اللوم. كل هذه الأشياء التي يصعب الاعتراف بها وتجربتها.

لا أقصد إخافتك. الكثير منا يقوم بهذا العمل ويستفيد منه كثيرا. هناك جوانب من أنفسنا مدفونة في الظلال تحتاج إلى اكتشافها وكشفها ودمجها حتى نصبح بشرًا أكثر اكتمالًا. إن العيش فقط في جوانب الحياة الأخف والأكثر قبولًا اجتماعيًا يمكن أن يؤدي إلى وجود سطحي. قد يتركنا ذلك أقل قدرة على إنشاء علاقات عميقة ومُرضية في الحياة ويجعلنا نشعر بالفراغ أو الخواء.

ستجد كتبًا تتحدث عن "صداقة" ظلك وأشياء من هذا القبيل. إنه يشبه إلى حد ما محاولة مداعبة نمر أو عنكبوت ذئبي! الطريقة المثالية للعمل مع الظل هي العثور على محلل يونجي. ولكن هذا ليس متاحًا للجميع لأنه مكلف ويستغرق الكثير من الوقت. لذلك أعرض بعض الطرق المفيدة التي يمكنك من خلالها البدء في التعرف على الظل و/أو العمل معه بنفسك. إذا شعرت في أي وقت بالإرهاق من هذه العملية، ففكر في طلب الدعم من معالج متخصص.

سجل وتأمل في أحلامك

إذا ظهر في حلمك شخص لا يمكنك تحمله، فيمكنك التفكير في ما لا يمكنك تحمله بشأنه.

نظرًا لأن الظل هو أحد جوانب اللاوعي، فإن أحد أفضل الطرق لاستكشافه هو من خلال أحلامك. لتسجيل أحلامك بسرعة عندما تستيقظ، أنصحك بالاحتفاظ بمفكرة قرب سريرك، أو استخدام تطبيق تسجيل الصوت على هاتفك. قم بنقل الملاحظات الصوتية عندما تتاح لك الفرصة. سيتيح لك ذلك فرصة استكشاف الحلم بعمق أكبر وإدراج الترابطات التي تأتي إلى ذهنك أثناء الكتابة، وأي أفكار وصور تظهر عندما تتذكر الحلم. ارسم أي صور تظهر. قد يستغرق ذلك بعض الوقت، ولكن يمكن أن يساعدك في معالجة حلمك وقد يثير أفكارًا ومشاعرًا إضافية قد تكون ذات صلة بالمعنى الشامل للحلم.

جزء مهم من رحلتي الشخصية في هذا المجال بدأ بحلم عن ساحرة. استندت أطروحة الماجستير الخاصة بي على هذا الحلم، الذي تحول إلى سلسلة كاملة من الأحلام التي كانت بصراحة مرعبة. ومع بدء كتابتي للأطروحة، بدأت الساحرة وغالبًا ما يبدأ قطها العجوز الجائش زياراتهما الليلية، يعذبانني في نومي. في الواقع، كنتُ لا أستطيع أن أنام بشكل جيد خلال هذه الفترة، لأنني كنت دائمًا قلقًا حول ما ستجلبه الحلم القادم.

قد تكون هذه هي طبيعة استكشاف الظل. كانت الساحرة كانت تتبدل أشكالًا مختلفة، ولكنني كنت دائمًا أتعرف عليها كشخصية مرعبة ومروعة ومخيفة. قد تتعرف على نسخة من هذه "الشخصية" (أو النموذج الأصلي) في أحلامك الخاصة. تُصمم الأحلام بطريقة شخصية من قبل اللاوعي الخاص بك، لنقل الرسالة أو الصورة بطريقة فريدة لك.

إحدى طرق التفكير في الأحلام من منظور يونج هي التفكير في كل شخصية وكل جانب من جوانب الحلم باعتباره ممثلًا لبعض جوانبك، أيها الحالم، وربما يتضمن أجزاء من ظلك. إذا توقفت للتفكير في الأمر، فقد ترى أن كل شخصية في الحلم لا تحمل جوانب مختلفة منك فحسب، بل ربما تصورها بطرق ربما لم تكن لتتعرف عليها بدون هذا "التلميح". على سبيل المثال، إذا ظهر في حلمك شخص لا تستطيع تحمله، فقد تفكر في ما لا يمكنك تحمله بشأنه. هل لديه صفات لا ترغب في أن تكون مرتبطًا بها أبدًا؟ هل يمكن أن يمثل في الواقع جانبًا غير مرغوب فيه منك، على الرغم من أن هذه الفكرة قد تكون مقيتة؟

عنصر الحلم المهم الآخر الذي يجب أخذه بعين الاعتبار هو الحيوانات المتكررة. غالبًا ما تلعب الحيوانات دورًا حيويًا في الأحلام، حيث تعمل كنوع من الرسول الرمزي التصويري: الاختزال. الحيوان أو الحشرة لها دلالات مختلفة لكل واحد منا. اقض بعض الوقت في التفكير في سمات الشخصية المختلفة التي تراها في الحيوانات وانظر كيف يمكن أن تمثل جوانب من طبيعتك.

أسلوب آخر مفيد في التحليل اليونجي هو تخيل الحلم إلى الأمام، مما يعني تصور أين كان سيستمر الحلم لو لم تستيقظ، أو لو استمر الحلم. يمكن أن يكون هذا مفيدًا إذا كان الحلم قصيرًا أو يبدو أنه انتهى قبل أن تفهم تمامًا ما يُعبر عنه. يمكن لخيالك أن يكبر الصورة ويوفر رؤى إضافية. لا أقصد بهذا نوعًا من الادعاء، بل بالأحرى فتح وعيك بشكل إبداعي للصور والأفكار والمشاعر التي يمكن أن تساعدك.

إذا كان لديك أصدقاء أو أفراد عائلة تثق بهم ويسيرون على نفس المسار، يمكنك مشاركتهم في عملية تحليل أحلامك لمساعدتك في فهم الصور والمعاني فيها بشكل أفضل. غالبًا ما تظهر رؤى إضافية عندما تتحدث عن الحلم، على الرغم من أنه من الضروري بالطبع أن تشارك هذه المواد الشخصية والخاصة مع الأشخاص الذين تشعر بالراحة معهم. إنما هذه أعماق روحك التي تقوم بمشاركتها.

إن التفكير في الظل – أي السماح للأفكار والمشاعر غير المرغوب فيها بالظهور – يتطلب اهتمامًا مقصودا.

احتفظ بمجلة

إن تدوين اليوميات، على شكل تسجيل أفكارك بشكل مكتوب أو منطوق، هو طريقة أخرى لاستكشاف عقلك بنفس الطريقة التي وصفتها للأحلام (قد يكون تدوين أحلامك جزءًا من يومياتك). إن قضاء بعض الوقت في الجلوس بهدوء واستكشاف أفكارك ومشاعرك على الورق يمكن أن يكون طريقة رائعة لمعالجة ما يقلقك أو حتى ما يسعدك. اسمح لنفسك بالحرية، ودع الكلمات تتدفق. لقد حان الوقت للتفكير بشكل خاص وربما تجميع أجزاء اللغز معًا. طريقة لإنشاء الروابط التي قد لا تخطر على بالك عادةً. إن التفكير في الظل - وخاصة السماح للأفكار والمشاعر غير المرغوب فيها بالظهور - يتطلب اهتمامًا واعيًا ومقصودا.

في كتابها "طريق الفنان" (1992)، تشجعنا جوليا كاميرون على كتابة ما تسميه "صفحات الصباح". يتضمن ذلك كتابة ثلاث صفحات من النص يدويًا كل يوم عند الاستيقاظ. لا توجد طريقة نموذجية. ما عليك سوى كتابة ما يتبادر إلى ذهنك دون أي تعديل أو تدخل من عقلك الواعي، والذي قد يرغب في جعله أكثر تشويقًا أو معرفة.

لا تدقق في النص فورًا بعين ناقدة. بدلًا من ذلك، اتركها كما هي وقد تجد أن بعض الأفكار المثيرة للاهتمام تظهر. هذه الصفحات لا ينبغي أن يقرأها أي شخص آخر. لذا نأمل أن تسمح لنفسك بحرية التعبير عما يتبادر إلى ذهنك، والذي من المحتمل أن يتضمن جوانب الظل.

يكاد يكون من المؤكد أن الأفكار والصور غير السارة ستظهر. ألا نواجه جميعًا في بعض الأحيان الصور غير المرغوب فيها، تلك التي تبدو غير متناسبة تمامًا مع الطريقة التي ترى بها نفسك عادةً؟ غالبًا ما يعبر الكوميديون عن أفكار عنيفة جدًا أو مسيئة أو غير سارة لا يمكننا التعبير عنها بأنفسنا. لهذا السبب نجدهم فرحانًا جدًا. نحن نتعرف عليهم! قد تتفاجأ برؤية ما يخرج من قلمك.

ممارسة الخيال النشط

قد تتفاجأ بما سيحدث إذا سمحت لعقلك بالانفتاح بطريقة أكثر عفوية

ابتكر يونغ ممارسة أطلق عليها اسم "الخيال النشط". ما فعله هو بالضبط ما كنت أصفه هنا: الكتابة والرسم لمعالجة المشاعر والأفكار. لكنه فعل ذلك على مستوى آخر. ابتكر أسطورة شخصية على شكل قصة طويلة رسمها بأجمل اللوحات المزخرفة. يمكنك أن تفعل شيئًا مشابهًا على نطاق أكثر تواضعًا. إنه يعطينا مثالاً لكيفية التنقيب في أذهاننا. النقطة المهمة هي أن تتطور بطريقتك الخاصة، وليس إعادة إنشاء ما فعله يونج.

وطرح يونج طريقته -التي وصفها بالحلم بعيون مفتوحة- على النحو التالي:

[أنت] تختار حلمًا، أو أي صورة خيالية أخرى، وتركز عليه بمجرد الإمساك به والنظر إليه... عادةً ما يتغير، لأن مجرد التفكير فيه ينعشه... وتتطور سلسلة من الأفكار الخيالية وتأخذ تدريجيًا طابعًا دراميًا: تصبح العملية السلبية فعلًا. يتكون في البداية من شخصيات مسقطة، ويتم ملاحظة هذه الصور مثل المشاهد في المسرح. بمعنى آخر، أنت تحلم بعيون مفتوحة... إذا فهم الراصد أن الدراما الخاصة به يتم تنفيذها على هذا المسرح الداخلي، فلا يمكنه أن يبقى غير مبالٍ بالحبكة ونهايتها. سوف يلاحظ، عندما يظهر الممثلون واحدًا تلو الآخر وتتكثف الحبكة، أن لديهم جميعًا علاقة هادفة بوضعه الواعي...

كما هو الحال مع كتابة اليوميات، يتطلب الأمر وقتًا ومساحة للسماح لعقلك بالتجول بحرية والحصول على بعض المساحة من تدخلات عالم مزدحم. من المهم أن تكون في مكان خاص عندما يكون لديك الوقت، لتحرير عقلك للسماح للصور بالظهور. في كثير من الأحيان، ربما تريد التحكم في الصور. ولكن قد تتفاجأ بما سيحدث إذا تمكنت من السماح لعقلك بالانفتاح بطريقة أكثر عفوية وغير مقيدة.

ربما تبدأ بالجلوس بهدوء - يمكنك ترك عينيك مفتوحتين كما اقترح يونغ أو إغلاقهما إذا وجدت ذلك أسهل. فقط لاحظ ما يتبادر إلى ذهنك. قد يأخذ هذا شكل الصور والأصوات والروائح والأفكار والمشاعر. وهذا يتطلب الممارسة والصبر. يمكنك بعد ذلك أن تبدأ حوارًا بين الشخصيات المختلفة التي قد تظهر. لا توجد قصة أو صورة "صحيحة". هذا هو عقلك الذي لديه القدرة على إنشاء قصة شخصية فريدة من نوعها - وهذه طريقة أخرى للوصول إلى الظل.

إذا واجهت تجارب تخيفك أو تجعلك تشعر بعدم الراحة، تنفس. يمكنك التوقف. أو يمكنك أن تترك الاستكشاف يستمر وتخترق حاجز عدم الراحة. لا ينبغي ولا يجب إجبار أي شيء. يتطلب الأمر وقتاً وتعاطفاً (مع نفسك) وصبراً. هل ترى هذا كعائق أو كمساعدة؟، يمكنك أن تسأل نفسك. ما لم يكن هناك فائدة مفيدة ومضيئة لك ولعلاقاتك، فقد يبدو الأمر كثيراً عليك. إذا أصبح الأمر جلداً للذات، توقف. النية ليست معاقبة نفسك، بل أن تكون متوسعاً ومتنامياً.

سواء اخترت تسجيل أحلامك أو يومياتك أو استخدام الصفحات الصباحية أو تجربة ممارسة الخيال النشط، أتمنى لك الأفضل في استكشافاتك. تصرف بلطف، وحاول ألا يكون لديك توقعات.

***

......................

روث ويليامز/ Ruth Williams محللة نفسية يونجية في عيادة خاصة في لندن، المملكة المتحدة. وهي مؤلفة كتاب سي جي جونغ: الأساسيات (2019) واستكشاف الروحانية من منظور ما بعد يونج: تأملات سريرية وشخصية (2023).

 

بقلم: جيمي فريدلاندر سيرانو

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

تخيل ماذا يمكنك أن تفعل بالساعات التي تقضيها فاقدًا للوعي كل ليلة. أوه، الأشياء التي يمكنك تحقيقها!

ولكن إذا كنت تحاول استعادة المزيد من وقتك الشخصي، فإن التضحية بالنوم ليست هي النقطة التي تبدأ منها. توصي الأكاديمية الأمريكية لطب النوم وجمعية أبحاث النوم بما لا يقل عن سبع ساعات في الليلة للحفاظ على الصحة المثالية. إذا كنت تنام أقل من ذلك بانتظام، "فسوف تواجه عواقب جسدية ونفسية واجتماعية"، كما يقول جو دزيرزويسكي، نائب رئيس الأبحاث والشؤون العلمية في مؤسسة النوم الوطنية.4231 ساعة توقيت

هناك استثناءان لهذه النصيحة. تقول لينيل شنيبيرج، عالمة نفس النوم والأستاذة المساعدة في الطب النفسي في جامعة ييل للطب، إن كبار السن يحتاجون عادةً إلى نوم أقل من الأشخاص الأصغر سنًا. على سبيل المثال، الشخص الذي ينام ثماني ساعات في الليلة في سن الأربعين قد يؤدي وظائفه بشكل جيد لمدة 6.5 ساعة في الليلة . في سن السبعين ينتج كبار السن كمية أقل من الميلاتونين، وهو الهرمون المعزز للنوم، ويميلون إلى الإصابة بحالات طبية أكثر يمكن أن تتداخل مع النوم.

بالإضافة إلى ذلك، هناك عدد قليل جدًا من الأشخاص لديهم طفرة جينية تسمح لهم بأداء وظائفهم بعد أقل من 6.5 ساعة من النوم في الليلة دون أي عواقب واضحة على صحتهم. هذه الطفرة الجينية نادرة جدًا، حيث يقدر الخبراء أنها تؤثر على شخص واحد فقط من بين كل 25000 شخص.

ولكن بالنسبة لأي شخص آخر، إليك خلاصة القول حول مدى الانخفاض الذي يمكنك الوصول إليه: سبع ساعات هي الحد الأدنى لجدول نومك المعتاد، وأي شيء يتراوح بين خمس وسبع ساعات ليس جيدًا، ولكنه سيكون جيدًا إذا كان مجرد ليلة أو ليلتين. وأي شيء أقل من خمس ساعات – لأي مدة زمنية – يمكن أن يكون له عواقب وخيمة.

البقاء على قيد الحياة والازدهار

يوصي معظم خبراء النوم بالحصول على ما بين سبع إلى تسع ساعات من النوم كل ليلة. ولكن هذا لا يمكن تحقيقه دائما. ربما لديك مولود جديد لا ينام، أو تشعر بالحزن على فقدان أحد أفراد أسرتك، أو أنك طبيب مقيم يعمل 80 ساعة في الأسبوع.4233 ساعة توقيت

إذا كانت الظروف الخاصة لا تسمح لك بالنوم بقدر ما تحتاج إليه، كما تقول شنيبيرج، حاول على الأقل الحصول على ما بين 5.5 إلى 6 ساعات كل ليلة. وتقول: "هذا ليس ما أريد أن يسعى الناس لتحقيقه"، ولكنه سيسمح لك بالحصول على قسط من النوم العميق.

على الرغم من أنه يمكنك البقاء على قيد الحياة بأقل من سبع ساعات من النوم في الليلة على المدى القصير، إلا أنك بالتأكيد لن تنجح، خاصة إذا واصلت ذلك لبعض الوقت. يقول دزيرزويسكي: "هل يمكنك تعويض ليلة من النوم السيئ على المدى القصير؟ نعم، يمكنك ذلك".  "ولكن إذا كنت تهمل صحة نومك باستمرار، فهل سيؤثر عليك ذلك في النهاية؟ محتمل جدا"

سلسلة من الآثار السلبية الناجمة عن قلة النوم

يقول دزيرزويسكي إن الكثير من الناس لا يعطون الأولوية لنومهم لأن ليلة أو ليلتين من قلة النوم لا تؤدي إلى أي عواقب فورية أو وخيمة. ولكن بمجرد أن يحصل الناس على أقل من خمس ساعات من النوم في الليلة، يبدأون في تجربة أضرار واضحة على صحتهم البدنية، كما يقول أريك براثر، عالم النوم والأستاذ في قسم الطب النفسي والعلوم السلوكية بجامعة كاليفورنيا. سان فرانسيسكو.

يقول دزيرزويسكي إن يوم الراحة غير الكافي يمكن أن يؤدي إلى سوء الحالة المزاجية والتركيز والانتباه، إلى جانب زيادة التعرض للمرض والقيادة الأكثر خطورة. ويضيف مايكل بريوس، عالم النفس السريري والمتخصص في طب النوم في الولايات المتحدة. شاطئ هيرموسا، كاليفورنيا: يمكن أن يؤدي فقدان النوم على المدى القصير أيضًا إلى الرغبة في تناول الأطعمة التي تحتوي على نسبة أعلى من الدهون والسكر لأن جسمك ينتج المزيد من الكورتيزول، وهو هرمون التوتر، عندما تحرم من النوم.4234 ساعة توقيت

ومن الأمثلة الرئيسية على عواقب فقدان النوم على المدى القصير: زيادة حوادث السيارات بنسبة 6٪ في أسبوع العمل بعد التوقيت الصيفي في الربيع، وفقًا لدراسة أجريت عام 2020 ونشرت في مجلة Current Biology. (يعتقد المؤلفون أن سبب ذلك هو مزيج من قلة النوم والذهاب إلى العمل في الظلام). ووجدت دراسة أخرى أن النوبات القلبية زادت بنسبة 24% يوم الاثنين بعد التوقيت الصيفي، وكان هناك انخفاض بنسبة 21% عندما تم إرجاع الساعات إلى الوراء في الخريف.

يقول براثر إن الحرمان المزمن من النوم على مدى أسابيع أو أشهر أو سنوات يمكن أن يؤدي إلى مجموعة من المشاكل، بما في ذلك زيادة مقاومة الأنسولين وزيادة الالتهابات في الجسم وارتفاع ضغط الدم. الحرمان من النوم على المدى الطويل يمكن أن يزيد أيضًا من فرص إصابة الشخص بنوبة قلبية أو سكتة دماغية. وقد بدأت الأبحاث المبكرة في النظر فيما إذا كان الأشخاص الذين لا يحصلون على قسط كافٍ من النوم لفترة طويلة أكثر عرضة للإصابة بأمراض التنكس العصبي مثل مرض الزهايمر.  ويضيف براثر، الذي كتب وصفة النوم: "هناك بعض الأشياء المدمرة التي يمكن أن تحدث عندما لا يحصل الناس على النوم الذي يحتاجونه لفترة طويلة من الزمن".4235 ساعة توقيت

الجودة مهمة أيضًا

عندما يتعلق الأمر بالنوم الجيد، فإن الجودة مهمة بقدر أهمية الكمية. يقول دزيرزويسكي: "إن صحة النوم متعددة الأبعاد". "الأمر يتعلق بأكثر من مجرد المدة."

كم مرة تضغط على زر الغفوة، والمدة التي تستغرقها لتغفو، وعدد المرات التي تستيقظ فيها في الليل، ومدى شعورك بالراحة في الصباح، كلها مؤشرات جيدة على ما إذا كنت تحصل على نوم جيد أم لا. يقول بريوس. ويقول: "يمكنك الحصول على ثماني ساعات من النوم [الخفيف] حقًا، ولن يفيدك ذلك كثيرًا".

يقول براذر إن استمرارية النوم، أو النوم معظم الليل دون أي استيقاظ، له أهمية خاصة. "إذا حصلت على سبع ساعات من النوم، ولكنك استغرقت 10 ساعات للحصول عليها بسبب حدوث كل هذه الاستيقاظات في منتصف الليل، فلن تشعر بجودة عالية، وسيؤثر ذلك على شعورك أثناء النهار. "

يمكن أن يكون اكتشاف النمط الزمني الجيني الخاص بك طريقة جيدة لضمان نوم عالي الجودة. يقول بريوس إن النمط الزمني الخاص بك هو عندما تكون مبرمجًا بيولوجيًا للنوم. (فكر في الطيور المبكرة والبومة الليلية.) يقول بريوس إن النوم وفقًا لنمطك الزمني يمكن أن يساعدك في الحصول على مزيد من النوم المنعش.

النوم القصير ليس شيئًا يستحق التباهي به

كثيرًا ما نسمع قصصًا عن أشخاص - مشهورين وغيرهم - لا يحصلون على قسط كافٍ من النوم. يقال إن الرئيس السابق باراك أوباما كان ينام حوالي خمس ساعات فقط في الليلة خلال فترة رئاسته. قال دواين "ذا روك" جونسون ذات مرة إنه ينام من ثلاث إلى خمس ساعات فقط في الليلة. ونحن نعلم جميعًا أن أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء على الأقل يقسم أنه يحتاج فقط إلى خمس أو ست ساعات من النوم في الليلة.

يقول دزيرزويسكي: - لا تصدقهم. ن العمل بعد أقل من سبع ساعات من النوم بشكل روتيني ليس وسام شرف". "لا أعتقد أنه شيء يجب أن يفخر به أي شخص... سيكون الأمر كما لو أن أحدهم يقول: "أنا قادر على الحفاظ على وزن صحي عندما يكون كل ما أفعله هو تناول الشوكولاتة طوال اليوم"." إذا كنت تبحث عن ساعات إضافية في يومك، ابدأ بتقليص شيء آخر غير نومك.

(تمت)

***

.........................

الكاتبة: جيمي فريدلاندر سيرانو/ Jamie Friedlander Serrano: كاتبة ومحررة مستقلة مقيمة في منطقة شيكاغو. تكتب عن مجموعة متنوعة من المواضيع، ولكن لديها اهتمام خاص بالصحة العقلية وعلم النفس. نُشرت أعمالها في The Washington Post وTIME وThe Cut وVICE وGlamour وParents وغيرها. حصلت جيمي على درجة الماجستير من كلية ميديل للصحافة في جامعة نورث وسترن ودرجة البكالوريوس من جامعة نيويورك. . عملت في مجلس إدارة جمعية الصحفيين في شيكاغو من عام 2021 إلى عام 2023.

بقلم: سوربي جوبتا

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

تكشف قصص بوليوود تجاهل المجتمع لتطلعات المرأة وصحتها العقلية، وكيف أن الرجال لا يساهمون إلا قليلاً في المجال المنزلي

في عام 2012، عندما قررت الممثلة الهندية سريديفي، النجمة الساحرة في الثمانينيات والتسعينيات، أن تلعب دور ربة منزل في فيلم عودتها "إنجليش فينجليش"، فاجأ ذلك الجمهور والصناعة على حد سواء. لم يكن الأمر أنهم لم يروا ربة منزل في فيلم من قبل، لكن الشخصيات كانت إما زوجات مطيعات ومخلصات أو أمهات مريضات لكن حنونات - مجرد شخصيات داعمة على الهامش. لهذا السبب، وضع المخرج جوري شيندي في فيلم "English Vinglish" بطلة الرواية، شاشي، ربة منزل محطّ ضآلة، في المقدمة والوسط. هذا الفيلم، الذي تسخر فيه عائلتها من شاشي لأنها لا تتقن اللغة الإنجليزية، لاقى صدى لدى الجمهور الهندي، الذي، أثناء تعامله مع مخلفات الاستعمار، رأى أيضاً للمرة الأولى مدى شعور ربات البيوت بالاستخفاف في المجتمع الهندي.

في العديد من المراجعات المنشورة على بوابات الإنترنت، شرح الناس كيف رأوا حياتهم أو حياة والديهم تنعكس بصدق على الشاشة. "ولدت زوجتي لتصنع اللادوس"، هذا ما قاله زوج شاشي للسخرية من مشروعها الصغير المتمثل في بيع الحلويات محلية الصنع. يضحك عندما تخبره أنه يمكن أن يطلق عليها رائدة أعمال. عملها بدوام جزئي لا يعتبر مهنة، بل مجرد هواية، ويُنظر إليها على أنها ربة منزل "فقط". ومع ذلك، بحلول نهاية الفيلم، عندما تقدم شاشي نخبًا باللغة الإنجليزية في حفل زفاف ابنة أختها في نيويورك، فإنها لم تصدم عائلتها فحسب، بل أظهرت لهم أن ربة المنزل يمكن أن تكون أكثر مما تخيلوها. خلال رحلتها التي استغرقت شهرًا إلى نيويورك، التحقت شاشي سرًا بدورة لتعليم اللغة الإنجليزية، وكوّنت صداقات جديدة وتعلمت التنقل في المدينة الكبيرة بمفردها - وهو إنجاز كبير، بالنظر إلى مدى تقييد حياتها في بيون.

بالإضافة إلى نجاحه ونيله التصفيق حار في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، مع عروض في مهرجانات في جميع أنحاء العالم، فقد استقبل الفيلم أيضًا بشكل إيجابي في الهند. ووصفته صحيفة The Times of India بأنه "أحد أفضل الأفلام لعام 2012". وقالت مجلة فيلم فير إن الفيلم صور "الجوانب الأكثر اعتيادية للحياة بطريقة غير عادية". كتب الناقد السينمائي المخضرم أنوباما شوبرا في صحيفة هندوستان تايمز، "إن English Vinglish هي ذلك الشيء النادر - فيلم هندي يخلق بطلة من ربة منزل."4166 افلام هندية

لكن الفيلم لم يحصل بسهولة على الضوء الأخضر. قال شيندي في مقابلة عام 2022 مع صحيفة The Indian Express بمناسبة مرور عقد من الزمن على صدوره: "لم يرغب أحد في دعم المشروع أو يؤمن بالفكرة". "لم تكن بطلة الرواية امرأة شابة، بل كانت امرأة في منتصف العمر ترتدي الساري، وهي ربة منزل تقليدية. وقالت: "ليس هذا النوع من الأشياء التي من شأنها أن تثير اهتمام المستثمرين أو المؤمنين بشباك التذاكر". لذلك قررت أن تنتج الفيلم بنفسها. بمجرد إعلان نجاحه، بدأ المنتجون يطرقون بابها راغبين في إنتاج أفلام مماثلة. لكن شيندي قامت بدورها؛ كان فيلمها التالي،"Dear Zindagi" ("Dear Life")، دراما عن بلوغ سن الرشد حول مصور سينمائي طموح.

خلق  "إنجلش فينجليش" مساحة جديدة في الثقافة الشعبية الهندية لربات البيوت الهنديات من الطبقة المتوسطة لتصوير حياتهن اليومية بعيدًا عن الصور النمطية التي تقدمها المسلسلات التلفزيونية اليومية، والتي تدور حول الصراعات العائلية وسياسات المطبخ والميلودراما المتزايدة. قدمت الأفلام أدوات فعالة للمشاهدين لبدء محادثات حول أدوار الجنسين والعمل غير مدفوع الأجر في المجتمع الهندي، وهو الخطاب الذي كان يقتصر في السابق على الدوائر الأكاديمية أو التقارير الإعلامية الموجزة حول البيانات الجديدة المتعلقة بالنساء في القوى العاملة أو العنف المنزلي.

هناك أيضًا أبحاث محدودة حول الحياة الاجتماعية والمنزلية لنساء الطبقة المتوسطة في الهند، ولم يتناول سوى عدد قليل من الدراسات نوعية حياة ربات البيوت الهنديات.وهي تشير إلى أن نوعية حياة ربات البيوت أسوأ من نوعية حياة النساء المتزوجات العاملات، اللاتي يعانين من احترام أعلى للذات وأقل يأس. وبصرف النظر عن تلك الدراسات، لم يكن هناك سوى عدد قليل من الكتب، بما في ذلك "أكاذيب أخبرتنا بها أمهاتنا" (2022) للصحفية الهندية نيلانجانا بوميك، وكتاب "البحث اليائس عن شاروخان" للخبير الاقتصادي شرايانا بهاتاشاريا، والذي يبحث في حياة وتطلعات نساء الطبقة المتوسطة في الهند ما بعد التحرير.

مع ذلك، فإن وصول الكلمة المكتوبة كوسيلة شعبية محدود في الهند. لقد سدت السينما هذه الفجوة وأجبرت المشاهدين على فهم النظام الأبوي الذي يحكم الأسر الهندية، ويثقل كاهل النساء بالأعمال المنزلية، ويقوض ويتجاهل احتياجات المرأة.

منذ  ظهور فيلم ( English Vinglish)  كان هناك العديد من الأفلام التي حازت على استحسان النقاد في السينما الهندية والتي نقلت التجارب الحياتية لربات البيوت من الأطراف إلى التيار الرئيسي. في عام 2013، روى فيلم The Lunchbox قصة ربة منزل شابة من الطبقة المتوسطة في مومباي تحاول استعادة محبة زوجها من خلال الطعام. حاول فيلم "Ki and Ka" لعام 2016 قلب الأدوار بين الجنسين من خلال قصة امرأة ذات توجه مهني وزوجها في المنزل. في عام 2017، لعبت الممثلة الشهيرة فيديا بالان دور ربة منزل تصبح منسقة أغاني لبرنامج إذاعي في وقت متأخر من الليل، في فيلم "Tumhari Sulu" ("Your Sulu"). شهد عام 2020 فيلم "Thappad" ("صفعة")، الذي صدم الجمهور الهندي بقصة ربة منزل شابة تقرر الطلاق من زوجها بعد أن صفعها علناً. العام الماضي، "Sukhee" و"Mrs. "Undercover"، وفي يونيو/حزيران، تم عرض فيلم "Mrs."، النسخة الهندية الجديدة من الفيلم المالايالامي "The Great Indian Kitchen"، لأول مرة في مهرجان نيويورك للسينما الهندية.4167 افلام هندية

في المجتمع الهندي، يُقسّم العمل المنزلي بشكل واضح على أساس الجنس. حيث تُربى الفتيات ليكونن ربات بيوت ويتم تعليمهن منذ الصغر أنه بعد الزواج يجب عليهن خدمة أسرة أزواجهن مع نكران الذات. المرأة مسؤولة عن الأعمال المنزلية مثل التنظيف وغسل الملابس والطبخ ورعاية زوجها وأطفالها وأصهارها، بغض النظر عن تطلعاتها المهنية ومهنتها؛ في حين يعتبر الرجال المعيل الوحيد للأسرة. ولذلك، فإن العمل الذي يقوم به الرجال يحظى بأهمية أكبر ومن ثم  يُوضع الرجال في مكانة أعلى.أو كما يقال فوق قاعدة التمثال .

حتى لو كانت المرأة لديها وظائف مهنية، فمن المتوقع منها أن تديرها إلى جانب الأعمال المنزلية. لكن نفس التوقعات لا تنطبق على الرجال. وكثيراً ما تفتخر النساء بقدرتهن على إدارة العمل على كلا الجبهتين، دون التفكير في مدى عدم المساواة في توزيع العمل المنزلي.

ونتيجة لذلك، تجد ربات البيوت الهنديات أنفسهن مقميات بأقل من قيمتهن في المجتمع الهندي، ولا يحظى عملهن بالتقدير، ويساء فهم مشاكلهن. يتم تقديم عملهم على أنه "حب الأم" أو "واجب الزوجة". إنهم يرقون إلى مستوى توقعات مجتمعهم وأسرهم، التي يجب أن تخدم بإيثار بينما يتم تجاهل قضاياهم وتطلعاتهم. وفي البنية الأبوية للأسرة الهندية، تفتقر المرأة إلى الاستقلال المالي ولا يكون لها صوت يذكر في اتخاذ القرارات. يتوقع أفراد الأسرة أن تكون ربات البيوت متواجدات دائمًا عند اتصالهن، لكن يطلق عليهن لقب "أنانيات" إذا طلبن بعض الوقت. علاوة على ذلك، كثيرا ما يخجل الأزواج أو الأطفال من الاعتراف بأن زوجاتهن أو أمهاتهن ربات بيوت، مما يزيد من تجريدهن من إنسانيتهن.

هذه الثقافة التقليدية متأصلة بعمق. وفي استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2022، اتفق 80% من البالغين الهنود على أنه "عندما يكون هناك عدد قليل من الوظائف، يجب أن يتمتع الرجال بحقوق أكثر في الوظيفة من النساء". وتحدد عقوبات الزواج والأطفال أيضًا إمكانية حصول المرأة على الوظائف - فغالبًا ما تضطر إلى ترك القوى العاملة بعد الزواج أو إنجاب طفل. وفي الهند، يتم تحديد عمل المرأة أيضًا من خلال دخل الأسرة. وكثيراً ما تدخل المرأة سوق العمل عندما يكون دخلها منخفضاً وتتركها عندما يرتفع دخل زوجها.

في حين قالت عالمة الاجتماع الهندية المقيمة في الولايات المتحدة، سونالدي ديساي، مؤخرًا، إن ارتفاع مستويات تعليم الإناث في الهند كان مدفوعًا إلى حد كبير بالعوائد المرتفعة في سوق الزواج، حيث كانت الأسر تبحث عن "ربات بيوت متعلمات" لتربية أطفال ذوي تعليم عالٍ، وفي الوقت نفسه، تبحث النساء الأصغر سنًا عن "ربات بيوت متعلمات" لتربية أطفال متعلمات تعليمًا عاليًا. ومع ارتفاع مستويات التعليم، فإنهن يدخلن بشكل متزايد إلى القوى العاملة ويشغلون وظائف بأجر، ويحصلون في المقابل على قدر أكبر من الاستقلالية.

وصل معدل مشاركة النساء في القوى العاملة إلى ذروته في الهند في عام 2023 بنسبة 33%، بزيادة قدرها 5% عن عام 2022، وفقًا للبنك الدولي. وخلصت الدراسات أيضًا إلى أن الفوارق في الدخل على أساس الجنس قد انخفضت على مدى العقدين الماضيين. كما أن المزيد من الاستقلالية يعزز المحادثات حول عدم المساواة بين الجنسين والتمييز ومخاطر النظام الأبوي بين الشابات. إن الحركة النسوية، التي كانت لا تزال فكرة ناشئة بين الجماهير الهندية قبل 15 عاما، لم تعد غريبة عليهم الآن، على الرغم من وجود مقاومة وردود فعل عنيفة من القطاعات التقليدية التي يهيمن عليها الذكور في المجتمع.4168 افلام هندية

على سبيل المثال، يدرك الناس كيف ساهم انتشار المسلسلات اليومية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في وصم ربات البيوت لأن قصصهن، التي تدور حول السياسات  الأسرية والزواج والعلاقات، أعادت إنتاج الصور النمطية وحصرت المرأة في المجال المنزلي. تضع العروض أيضًا النساء في موقف محرج من خلال تصوير النساء الطيبات على أنهن خجولات ومطيعات، والنساء الحازمات على أنهن سيئات، مما يساهم في التمييز الجنسي المتأصل في المجتمع.

كما عززت المسلسلات التليفزيونية صورة "الباهو" (الكنة) المثالية التي كانت تطيع أهل زوجها، وتطبخ جيدًا، وكانت مرحة ومحبوبة، وتقف خلف زوجها. لقد تم تشجيع النساء على الحفاظ على بيوتهن جميلة ورجالهن سعداء عن طريق إطعام بطونهن، وهي خطوة انتقدتها وسائل الإعلام والباحثون النسويون باعتبارها مهينة لربات البيوت.

ومع ذلك، في العقدين الأخيرين، برزت السينما الشعبية كآلية مهمة للنقاش الاجتماعي. على سبيل المثال، انتقد فيلم "تاري زامين بار" (نجوم على الأرض) عام 2007 هوس الآباء الهنود بالأداء الأكاديمي لأطفالهم وسلط الضوء على اضطراب التعلم الناتج عن عسر القراءة. في عام 2010، فتح فيلم "ثلاثة أغبياء" أعين الأسر الهندية على هوسها بالعمل في مجالات الهندسة والطب من أجل أطفالها. يهدف فيلم “دولتان” لعام 2014 إلى تطبيع الزواج بين أشخاص من خلفيات ثقافية مختلفة في الهند. في العقد الماضي، أدى الاتجاه نحو الأفلام التي تتصدرها ممثلات وتتمحور حول قصص النساء إلى توسيع السينما الهندية إلى ما هو أبعد من حدود الأفلام التي تركز فقط على الأبطال الذكور.

تعد الأفلام التي تدور حول ربات البيوت الهنديات جزءًا من هذا النوع الفرعي المتنامي من الأفلام ذات الوعي الاجتماعي. لقد جلبت بشكل فعال المسائل الخاصة إلى المناقشة العامة وفتحت أعين الناس على جوانب من حياة النساء التي غالبا ما يتم تجاهلها: عدم احترام الأسرة والمجتمع، وعملهن غير المعترف به في إدارة الأسرة، واحتجازهن في الفضاء المنزلي وازدرائهن المطلق والتجاهل التام لصحتهن العقلية. وتكشف الأفلام عن الحياة اليومية الصعبة في حياتهن، وبالتالي تشعر النساء بقدر أقل من الوحدة في صراعهن مع النظام الأبوي.

تبدأ معظم الأفلام بالروتين الصباحي المكثف لهؤلاء النساء: إعداد وجبة الإفطار للعائلة (أحيانًا أطباق مختلفة لكل واحدة منهن)؛ تعبئة صناديق الغداء؛ توزيع الحقائب والمحافظ والمفاتيح على أزواجهن أثناء مغادرتهن للعمل؛ ورعاية كبار السن. يقضين اليوم في الاهتمام بالأعمال المنزلية مثل الغسيل والتنظيف وتسوق البقالة والطهي. وبطبيعة الحال، فإن ربات البيوت هن أول من يستيقظ وآخر من ينام، وغالبًا ما يحصلن على ثلاث إلى أربع ساعات فقط من النوم.

وتكشف الأفلام ثقافة المطبخ "السامة" في الهند، حيث يتوقع الرجال والأسر أن يتم تقديم وجبات مطبوخة طازجة ثلاث مرات في اليوم، وتقتصر حياة النساء على إنتاج الوجبات فقط. على سبيل المثال، أمريتا في فيلم "Thappad" ليست طباخة ماهرة. على الرغم من ذلك، وافق زوجها، فيكرام، وهو "عشاق الطعام"، على الزواج منها، وهي حقيقة تم تسليط الضوء عليها بشكل بارز في الفيلم، مما يوضح مدى أهمية الطبخ لتوقعات النساء المتزوجات. فالنساء اللاتي لا يستطعن طهي طعام جيد يشعرن بالذنب، وحتى عندما يطبخن جيدًا، فإن وجباتهن تكون أقل قيمة من الطعام الذي يطبخه طهاة محترفون، وأغلبهم من الذكور. في "English Vinglish," ، ”عندما وصف طاهٍ فرنسي تصادقه شاشي في نيويورك الطبخ بأنه "فن"، علقت شاشي قائلة: " لماذا عندما يطبخ الرجال، فهذا فن، ولكن عندما تطبخ النساء، فهذا واجب، مهمة يُتوقع منهن فقط القيام بها؟"

يشكل روتين المطبخ الهندي جوهر فيلم "المطبخ الهندي العظيم"، وهو الفيلم المالايالامي الذي أطلقت عليه صحيفة التايمز أوف إنديا لقب "الفتّاح". وأشارت الناقدة السينمائية سوميا راجيندران في The News Minute إلى أنه "مزق النظام الأبوي، وهو حجر الأساس لمؤسسات الأسرة والدين". تتمحور القصة - مع شخصيات غير مسماة للإشارة إلى عالميتها - حول امرأة شابة تتزوج من عائلة مؤثرة ولكنها محافظة. وسرعان ما تجد أن حياتها قد اختزلت في الغالب إلى إعداد ثلاث وجبات طازجة يوميًا للعائلة. إنها تأكل وجباتها بمفردها بعد إطعام الرجال وتركوا الفوضى على الطاولة لتنظفها. علاوة على ذلك، يصر والد زوجها، رب الأسرة، على أن تغسل الملابس يدويًا وتطحن الأعشاب والبهارات يدويًا، دون أن تدرك حجم العمل الذي يتطلبه استخدام الغسالات والمطاحن. تدور أحداث النسخة الهندية الجديدة من الفيلم بعنوان "السيدة"، والتي عُرضت لأول مرة مؤخراً في نيويورك، في شمال الهند ولكنها تتبع نفس القصة، لأن الثقافة الأبوية متشابهة في جميع أنحاء الهند.

معظم الرجال الهنود لا يعرفون كيفية القيام بالأعمال المنزلية الأساسية وهم غافلون أيضًا عن حياة أطفالهم وآبائهم، حيث تعتبر تربية الأطفال ورعاية المسنين من مسؤوليات المرأة.. وكشف تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية عام 2018، أن النساء في الهند يقضين في المتوسط 297 دقيقة يوميا في أداء الأعمال المنزلية، بينما يقضي الرجال في المتوسط 31 دقيقة فقط يوميا. أصبح عجز الذكور هذا لفترة وجيزة جزءًا من الخطاب العام أثناء الوباء، عندما لم يُسمح لعاملات المنازل بدخول المجتمعات المسورة، واضطرت العائلات إلى غسل أطباقها بنفسها، وسلطت تقارير إخبارية متعددة الضوء على كيف كانت النساء يتحملن معظم العبء بينما يتكيفن أيضًا مع الوضع. حياة العمل من المنزل.

في فيلم "Sukhee"، سئمت ربة منزل تبلغ من العمر 38 عامًا من حياتها الروتينية في بلدة صغيرة وغادرت لحضور لقاء مدرستها الثانوية في دلهي. الفوضى تحدث في المنزل. يدرك زوجها جورو، الذي وبخ سوخي لطلبها استراحة قصيرة، حجم العمل الذي تقوم به لكنه يلومها على عجزه. لا هو ولا ابنتهما المراهقة يعرفان كيفية الطهي، لذلك يلجأان إلى تناول البرغر الجاهز حتى تأتي نساء الحي اللاتي يعملن أيضًا ربات بيوت "لإنقاذهن" ويرسلن الطعام المطبوخ في المنزل. وبالمثل، في فيلم "ثاباد"، يكافح فيكرام للعثور على المكونات اللازمة لإعداد كوب بسيط من الشاي لنفسه بعد مغادرة أمريتا، ويدخل في نوبة غضب شديدة حتى تعرض عليه والدته أن تعد له واحدًا.

تُظهر هذه المشاهد الواقع اليومي للأسر الهندية، حيث يكون استحقاق الرجل هو الأسمى. في الآونة الأخيرة فقط، حاول الصحفيون والكتاب النسويون فهم ذلك. يسمونها "متلازمة راجا بيتا". "راجا بيتا"، والتي يمكن ترجمتها تقريبا إلى "الطفل الثمين"، هي عبارة محببة يستخدمها الآباء؛ ومع ذلك، يستخدمه الكتاب الثقافيون لشرح الثقافة السائدة في الأسر الهندية حيث "يتم تدليل الأولاد وإزعاجهم وإفسادهم من قبل الأمهات والجدات والأخوات الأكبر سناً وأخوات الزوج"، كما كتبت الصحفية الهندية ناميتا بهانداري في صحيفة هندوستان تايمز. وتضيف بهانداري لتسليط الضوء على كيفية قيام مثل هؤلاء النساء "بالاعتقاد دون أي سخرية أن راجا بيتا ولد لإنقاذ العالم ولذلك يجب تجنب العمل الرتيب المتمثل في وضع طبقه في الحوض بعد تناول الوجبة المطبوخة له بمحبة". وتتحمل النساء أيضًا المسؤولية جزئيًا عن الحفاظ على الوضع الراهن وتدليل أبنائهن.

في البيوت الهندية، يُفضيل الأولاد على البنات ويتم وضعهم على قاعدة التمثال( اى فى مكانة أعلى) ، ويتم تدليلهم إلى أقصى الحدود وجعلهم يعتقدون أن أي عمل يقومون به هو إنجاز عظيم. لقد رأوا أمهاتهم يديرن المنزل كجيش من امرأة واحدة، ويتوقعون نفس الشيء من زوجاتهم، بغض النظر عن حياتهم المهنية وتطلعاتهم. أصبح هذا التوقع الآن موضع خلاف بين عدد لا بأس به من الأزواج والزوجات الحضريين المتعلمين بسبب وعي المرأة المتزايد بهذه الأعراف الاجتماعية غير المتكافئة. في رسالتها الإخبارية “المرأة في الهند”، تكتب الكاتبة ومدربة الحياة الهندية ماهيما فاشيشت عن تعاملاتها مع العديد من الشابات الهنديات، اللاتي أوضحن أن أزواجهن لن يشاركونهن في الأعمال المنزلية، لكن حتى لو فعلن ذلك، فسيكون ذلك في الخفاء. وليس أمام والديهن، الذين يوبخون الزوجات لجعل أزواجهن يعملون في المنزل.

قد يتجلى هذا الاستحقاق الذكوري أيضًا في العنف المنزلي، وهو موضوع يتم استكشافه بدقة في فيلم "Thappad"، وهو فيلم عام 2020 الذي نال استحسان النقاد. في ذلك، يصفع فيكرام علانية بطل الرواية أمريتا، زوجته، وهي تحاول فض مشاجرة بينه وبين رئيسه خلال حفلة منزلية. بدلاً من الاعتذار، يبرر فيكرام نفسه من خلال توضيح أنه كان يواجه رئيسه بشأن حرمانه من الترقية "المشروعة". تتوقع كلتا العائلتين أن تسامحه أمريتا وتمضي قدمًا، لذلك عندما تطلب أمريتا الطلاق، يكون هناك رد فعل عنيف ضدها؛ يفكر فيكرام نفسه كضحية، ويلوم أمريتا باستمرار على الفوضى في حياته، ويصفها بأنها "أنانية" ولا يعتذر.

يكشف الفيلم هذه الأنواع من الأزواج وأسرهم، لكنه يستهدف أيضًا أعضاء المجتمع الحضريين التقدميين الذين غالبًا ما يقللون من شان النساء لاختيارهن أن يصبحن ربات بيوت ويلومونهن لكونهن "ضعيفات" و"مستسلمات للنظام الأبوي". تؤكد أمريتا أن اختيارها هو أن تكون ربة منزل وأن هذا الاختيار لم يجعلها خاضعة.

في عام 2016، تم تسويق فيلم "Ki and Ka" باعتباره فيلمًا "حضريًا وتقدميًا" لأنه قلب الأدوار بين الجنسين من خلال قصة كيا، وهي امرأة طموحة ذات توجهات مهنية، وكبير، ابن رجل صناعي ثري يريد حياة مثل أمه ربة البيت لكن بدلاً من الكشف عن التسلسل الهرمي بين الجنسين، فإن الفيلم - الذي أخرجه ر. بالكي، زوج شيندي، الذي أخرج فيلم "إنجلش فينجليش" - يقلل من دور الجنس في هذه المعادلة ويقلل من العمل الذي تقوم به ربات البيوت.

في بداية الفيلم، يحتفل كبير بربات البيوت ويطلق على والدته لقب "الفنانة" التي ضحت بأحلامها وتطلعاتها وسعادتها من أجل الآخرين. لكنه يستمر في القول إنه يريد أن يصبح رب منزل لأنه لا يوجد "سباق الفئران"، ولا يوجد "عدم الأمان الوظيفي"، ولا يوجد سوى السعادة في هذا الدور، مما يعني أن حياة ربة المنزل سهلة ومريحة. هناك تناقضات ومفارقات مماثلة طوال الفيلم، وفي النهاية، عندما تنزعج كيا بسبب احتفال وسائل الإعلام بكبير لاختيارها أن تكون ربة منزل على الرغم من كونها رجلاً، تقلل والدتها الصراع إلى تناقض بين الرعاية وتوفير الطعام، وبالتالي تمييع دور الجنس.

إن الاحتفال بربات البيوت فكرة جيدة، ولكن ليس إذا كان التصوير يهمل احتياجاتهن وقضايا الصحة العقلية. معظم أفراد الأسرة يرفضون ربات البيوت باعتبارهن ربات منزل يعشن حياة مريحة. تميل معظم ربات البيوت أيضًا إلى تجاهل احتياجاتهن الخاصة ويعانين في صمت بسبب الطبيعة التضحية لأدوارهن. وبالنسبة للكثيرين، وخاصة النساء في منتصف العمر وكبار السن، فإن الطلاق والانفصال بعيد المنال أيضًا بسبب الضغوط الاجتماعية ونقص الدعم المالي والأسري.

خلال الأيام الأولى من الإغلاق في عام 2020، سجلت اللجنة الوطنية للمرأة، التي تتلقى شكاوى حول العنف المنزلي من جميع أنحاء الهند، ارتفاعًا بأكثر من الضعف في العنف القائم على النوع الاجتماعي. وفي عام 2021، كشف مكتب سجلات الجريمة في البلاد أن أكثر من 45 ألف امرأة ماتت بسبب الانتحار، بما في ذلك 23 ألف ربة منزل. تصدرت البيانات عناوين الأخبار في المنشورات الإخبارية، ولكن لم تكن هناك سوى محاولات قليلة لفهم النضال الوحيد الذي تعيشه ربات البيوت ضد الاكتئاب والقلق، مما يعرضهن لخطر الانتحار بشكل أكبر.

ومع ذلك، إذا نظرنا عن كثب، فإن فيلم “The Lunchbox” لعام 2013 يعطينا نظرة ثاقبة على الوحدة التي تعيشها ربات البيوت. أراد المخرج ريتيش باترا أن يصنع فيلمًا عن "dabbawalas"، وهي خدمة توصيل صناديق الغداء في مومباي المعروفة في جميع أنحاء العالم بدقتها وتوقيتها. بدلاً من ذلك، انتهى به الأمر بكتابة قصة إيلا، ربة منزل تحزم صناديق الغداء المتقنة لزوجها، ولكن بسبب خطأ نادر "يحدث مرة واحدة في المليون" من قبل خدمة التوصيل، يبدأ تسليم طعامها إلى أحد المطاعم. أرمل عجوز غاضب، فرنانديز، يلعب دوره الممثل الهندي غزير الإنتاج عرفان. إنهم يشكلان صداقة غير متوقعة من خلال الملاحظات المتبقية في صندوق الغداء.

قبل هذا الحادث السعيد، كانت حياة إيلا الاجتماعية مقتصرة على جارتها المسنة السيدة ديشباندي. تتحدثان من خلال نافذة المطبخ، في الغالب عن نصائح ووصفات الطبخ. أو تذهب إيلا لرؤية والدتها، التي تتعامل مع تدهور صحة زوجها طريح الفراش وتأسف على افتقارها إلى ابن، مما يجعل إيلا تشعر بأنها غير مرغوب فيها بشكل أكبر. نادرًا ما يتحدث إليها زوج إيلا المهمل، وتكتشف علاقته خارج نطاق الزواج أثناء فرز ملابسه لغسيل الملابس. اختارت عدم مواجهته.

إن وحدة إيلا مرتبطة أيضًا بنوع الجنس، كما يقول الباحثان الهنديان أرونداثي وسارة ضياء في مقال نشر عام 2019 حول تمثيل ربات البيوت الهنديات. غالبًا ما يظهر فرنانديز في فيلم The Lunchbox وهو ينظر إلى عائلة جاره وهم يستمتعون بتناول وجبة معًا بينما ليس لديه خيار سوى تناول الطعام بمفرده، مما يعني أنه لا يوجد أحد للقيام بأعمال الرعاية له (والتي يُنظر إليها على أنها الوظيفة الأساسية لـ الأسرة ونسائها) "، كتبا. "بالنسبة للرجال، تنبع الوحدة من عدم وجود رفيق يعتني بهم، بينما بالنسبة للنساء، يبدو أنها تنبع من عدم الاعتراف بعملهن."

ولكن ماذا يحدث عندما تغامر ربة منزل بالخروج من المنزل؟ بالطبع، هناك مقاومة من العائلات التي تريد الحفاظ على التوازن وعدم التأثير على مساحتها المنزلية. كما أن الانحراف عن الأعمال المنزلية التقليدية يخلق الشعور بالذنب لدى النساء. يظهر هذا بشكل مؤثر في "English Vinglish" عندما تكذب شاشي على عائلتها وتحضر فصل تعليم اللغة الإنجليزية؛ ولكن عند عودتها، عندما تكتشف أن ابنها قد أصيب، مما أثار استياء زوجها، تفكر في كيفية ابتعادها عن واجباتها العائلية وتركها للفصل.

ومع ذلك، عندما تغامر ربات البيوت بالخروج في هذه الأفلام، نرى كيف يمكن أن تكون الحياة مختلفة بالنسبة لهن. ولو لفترة وجيزة، تصنع شاشي عالمًا حصريًا لنفسها، خارج عائلتها، مع مجموعة متنوعة من الأصدقاء، وتختبر الحرية التي توفرها مدينة مثل نيويورك. تجد سولوشانا السعيدة المحظوظة نفسها مهنة عرضية كمنسقة أغاني في الراديو. تجد ربة المنزل الشابة في "المطبخ الهندي العظيم" الشجاعة لترك منزل سام وتعيش حياة مستقلة كمعلمة للرقص. هذا هو ما خططت دائمًا لمتابعته ولكن لم يسمح لها أهل زوجها بذلك. في فيلم "ثاباد"، تحصل أمريتا على الطلاق من زوجها وتعيش الحياة كأم عازبة بدعم من والديها.

من الصعب التأكد من مدى تأثير هذه الأفلام على الحياة الواقعية، لكن هذه الشخصيات، بصرف النظر عن الهروب القصير الذي توفره السينما، جعلت الناس ينخرطون في حياة ربات البيوت الهنديات، ويفهمون البنية الأبوية ويدركون عدم المساواة. غالبًا ما جعلت السينما هذا النوع من المحادثات الصعبة مستساغًا للجمهور الهندي. لقد أظهرت هذه الأفلام طرقًا مختلفة للحياة لملايين النساء الهنديات اللاتي لم يتعلمن في السابق سوى طريقة واحدة فقط: حياة ربة المنزل.

(انتهى)

***

........................

الكاتبة: سوربي جوبتا/ Surbhi Gupta: سوربي جوبتا محررة جنوب آسيا في مجلة نيو لاينز.  كاتبة و صحيفة يومية وطنية رائدة في الهند،  تكتب عن الثقافة والسياسة والإنترنت. ولدت سوربي ونشأت في نيودلهي، وتقيم حاليا في مدينة نيويورك.

 

بقلم: أنجيلا هاوبت

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

4119 أنجيلا هاوبت

إذا كان جهاز إنذار الدخان في منزلك يصدر صوتًا عاليًا، فستهرع لاتخاذ إجراء. إذا بدأ إنذار سيارتك في الصفير بصوت عالٍ، فستحقق في الأمر. وإذا تم إصدار تحذير من إعصار لمنطقتك، فستأخذ حذرًا بشكل شبه مؤكد.

ومع ذلك، نحن لا نتفاعل بهذه السرعة، كما يتفق الخبراء، مع الأجراس التي تدق في أجسادنا، والتي تخبرنا بأننا بحاجة إلى التخفيف من وتيرة الحياة. "المشكلة هي أننا نتعود منذ سن مبكرة على التوقف عن الاستماع إلى أجسادنا"، كما تقول جينيفر كينج، أستاذة مساعدة في العلوم الاجتماعية التطبيقية ومديرة مساعدة لمركز الصدمات والمحن في جامعة كيس وسترن ريزيرف في كليفلاند. هذا يعني أننا قد نفوت علامات هامة تظهر عندما نتعامل مع الضغوط الطويلة والمكررة أو غير المتوقعة، وهو النوع الذي يؤثر على كثير منا. "يحدث تغييرات متعددة في الجسم عندما يتم تنشيط استجابة التوتر بطريقة مستمرة"، تقول كينج. "عندما تكون الجرعة كبيرة جدًا، وليس هناك بداية أو نهاية واضحة، فإن ذلك يسبب تآكلًا واهتراءً في الجسم."

ولهذا السبب من الضروري جدًا أن نولي اهتمامًا وثيقًا للتغيرات في كيفية تعاملنا مع الآخرين، وما نختبره جسديًا، وكيف نتعامل عقليًا وعاطفيًا، وأن نكون منفتحين على تعليقات الأشخاص من حولنا. لقد طلبنا من الخبراء شرح ما يجب البحث عنه والاستماع إليه، بالإضافة إلى ما يحدث إذا تجاهلنا ما نجده بدلاً من معالجته.

ستلاحظ تغيرات عاطفية

إذا لم تكن قد أخذت فترة راحة – وتحتاج إليها – فقد تلاحظ أنك تشعر بالكآبة أكثر من المعتاد وتعاني من قلق متزايد. تقول الدكتورة جيردا مايزل، الطبيبة في وادي هدسون في نيويورك والتي تعمل كمدافعة عن المرضى وتساعد الناس على التنقل في نظام الرعاية الصحية: "يمكن أن يتأثر مزاجك بالتأكيد". قد تبدأ أفكارك في الدوران، أو الدوران بشكل متكرر في حلقة. وتقول: "من المحتمل أن تشعر وكأنك لا تستطيع تذكر الأشياء، أو أنك لا تستطيع العثور على اسم لشيء ما".4121 اربعة علامات

وفي الوقت نفسه، يمكن أن يمنعك التوتر من الاستمتاع بالأنشطة التي استمتعت بها سابقًا. ألم تفتح الكتاب الذي كنت تنتظره؟ هل لم تعد مهتمًا بمشروع الحياكة نصف النهائي هذا؟ اعتبرها علامة على وجود خطأ ما. تقول مايزل إن الأشخاص الذين يحتاجون بشدة إلى استراحة يفقدون أحيانًا القدرة على الانخراط في الرعاية الذاتية الأساسية مثل ممارسة الرياضة وتناول الطعام بشكل جيد.

قد تشعر أيضًا بأنك غارق في الإحساس بالإرهاق. لاحظت مايزل أن الأشخاص الذين يعانون من التوتر المزمن غالبًا ما يكونون غير قادرين على التعامل بشكل جيد مع المشاكل الكبيرة والصغيرة. ، تقول: "أسميها النقطة الحرجة" إذا كنت مثل اللوح على أرجوحة الميزان، وهناك أشياء تثقل كاهلك وأنت تحاول الحفاظ على التوازن، فإن الكثير من الأشياء ستنزلق معك في النهاية." فالأشخاص الذين تعمل معهم يبكون وينفجرون ولا يستطيعون اتخاذ قرارات بسيطة لأنهم مرهقون للغاية.

سوف تتوتر علاقاتك

هل لاحظت أنك تعاني من ضغوط جديدة في علاقاتك مع مختلف الأشخاص؟ ربما تكون أكثر غضبًا من المعتاد، وتنتقد زملائك أو تطلق بوقك على ذلك الرجل الذي قطع الطريق عليك. تقول كينج: "قد تلاحظ أنك تشعر بمزيد من الانفعال أو الانزعاج". "إذا وجدت أنك تريد العزلة أكثر قليلاً، والاحتفاظ بنفسك - إذا كان هذا شيئًا لم تكن تفعله بالفعل - فقد يكون ذلك بسبب التوتر." إذا تواصل معك أحد الأصدقاء أو أحد أفراد العائلة بشأن حالتك المزاجية، فحاول ألا تتخذ موقفًا دفاعيًا أو تتجاهل مخاوفه. في كثير من الأحيان، يكون الأشخاص الآخرون هم أول من يلاحظ العلامات التحذيرية.

قد تصاب بالبرد

يمكن أن يؤثر الإجهاد على جميع أنظمة الجسم، تقول آشلي فيلدز، وهي معالجة في إنديانابوليس متخصصة في قضايا النساء والصحة النفسية خلال فترة ما قبل الولادة. تشير الأبحاث إلى أنه يمكن أن يضعف الجهاز المناعي، مما يجعلك تصاب بالمرض بشكل أكثر تكرارًا. "لدي طلاب دراسات عليا غالبًا ما يخبرونني أنهم بعد تخرجهم مباشرة يصابون بنزلة برد أو نوع من الأمراض"، تقول فيلدز التي تُدرس مستوى الماجستير في العمل الاجتماعي بجامعة إنديانا-جامعة بوردو إنديانابوليس. "يبدو الأمر وكأن أجسامهم تتوقف أخيرًا عن العمل في حالة تأهب عالية بسبب الفصول الدراسية والعمل والتدريبات، وتحتاج إلى الشفاء".4122 اربعة علامات

سوف تعاني معدتك ويضطرب نومك

قد تواجه أيضًا صعوبات في الجهاز الهضمي - مثل اضطراب المعدة أو الإمساك أو عسر الهضم - بالإضافة إلى تغيرات في الشهية تؤدي إلى زيادة الوزن أو فقدانه. تقول فيلدز إن الإجهاد غالبًا ما يسبب توترًا عضليًا، مما يسبب الصداع وألم الفك وآلام الظهر والكتفين. وتضيف: " نحن لا ندرك دائمًا مدى التوتر الذي نحمله في أجسامنا حتى ننتبه عمدًا لما نشعر به وأين نشعر به، وتضيف فيلدز:  قد يتأثر نومك أيضًا. هل تشعر بالتعب أكثر من المعتاد؟ أو ربما تنام جيدًا، لكنك تشعر بالإرهاق عندما تستيقظ من السرير. كلتا الحالتين إشارات محتملة على أنك بحاجة إلى تخصيص المزيد من الوقت للراحة والاسترخاء.

الآثار طويلة المدى لعدم أخذ قسط من الراحة

عندما نطور "رؤية النفق" ونوجه حياتنا حول التزاماتنا اليومية، يبدأ جسمنا "بالتوسل إلينا، في كثير من الأحيان، لنبطئ"، كما يقول الدكتور كريستوفر طومسون، أستاذ الطب في كلية الطب بجامعة هارفارد والمدير المشارك لمعهد الطب بجامعة هارفارد. مركز إدارة الوزن والعافية في مستشفى بريجهام والنساء. إن تجاهل هذه المناشدات يؤدي إلى "الكثير من مشاكلنا الصحية الحديثة".4123 اربعة علامات

لكى تفهم السبب، ضع في اعتبارك أنه عندما نرى تهديدًا، فإننا ندخل في وضع القتال أو الهروب، وتبدأ الغدد الكظرية لدينا في إطلاق الكورتيزول والأدرينالين. يقول طومسون إن هذا الكورتيزول يدفع أنسجة الجسم إلى إطلاق الجلوكوز في دمك، "لأنك تحتاج إلى الجلوكوز للحصول على الطاقة اللازمة للهروب أو القتال". وفي الوقت نفسه، سينخفض إنتاج الأنسولين لديك وستضيق الأوعية الدموية، وهو أمر جيد لحدث واحد قصير المدى، كما لو كنت في حالة طارئة وتحتاج إلى الدفاع عن نفسك. ولكن عندما نعاني من ذلك لأسابيع أو أشهر أو حتى سنوات دون راحة، "فإننا لا نتعافى من ارتفاعات الكورتيزول" التي أصبحت هي القاعدة. "من الواضح أنه يضر بصحتنا حقًا."

تشير الأبحاث، على سبيل المثال، إلى أن التوتر المزمن يرتبط بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسكري من النوع الثاني والتهاب المفاصل. تأثير محتمل آخر: زيادة الوزن. يقول طومسون: لأن الكورتيزول يمكن أن يزيد نسبة السكر في الدم ويؤثر على مستوى الأنسولين في الجسم، فإنه يمكن أن يؤدي إلى تراكم الدهون في البطن بالإضافة إلى زيادة الوزن الأخرى. ويمكنه أيضًا تحطيم الأنسجة العضلية، مما يقلل من عملية التمثيل الغذائي لديك. يقول طومسون: "من المنطقي أن تسبب مستويات الكورتيزول المرتفعة بشكل مزمن الكثير من المشاكل، بما في ذلك السمنة وزيادة الوزن وارتفاع ضغط الدم ومقاومة الأنسولين والسكري". ويضيف أن المدة التي يستغرقها التوتر المستمر ليؤدي إلى هذه النتيجة ستختلف من شخص لآخر، ويضيف: "المشكلة هي المدة التي نستغرقها لندرك أننا في تلك الفترة من التوتر".

الاستراحة لا يجب أن تكون إجازة

حاول أن تتحقق من نفسك كل يوم حول ما تشعر به وما تحتاجه، كما تنصح فيلدز. ثلاثون ثانية ستكون كافية. الشيء المهم هو جعله جزءًا من روتينك. ويقول: "إنه مؤشر على أدائك"، وستقوم بجمع المعلومات التي يمكن أن تساعدك على إجراء تغييرات مهمة في نمط حياتك.

إذا أدركت أن جسدك يدفعك نحو فترة راحة، فلا تدع الفكرة تخلق المزيد من التوتر. لا تحتاج بالضرورة إلى أخذ إجازة من العمل لمدة أسبوع، أو تقديم طلب للحصول على إجازة.تقول فيلدز إن المطالبة ببضع دقائق فقط من التوقف طوال اليوم يمكن أن يحدث فرقًا: أغلق هاتفك لمدة 5 دقائق، أو ارسم كتاب تلوين للبالغين، أو اتصل بشخص تحبه. إنها تحب القيام بتمرين التنفس المتعمد السريع: خذ شهيقًا من ثلاث إلى خمس عدات، ثم قم بالزفير بنفس العدد.

تحب مايزل أخذ فترات راحة قصيرة طوال اليوم، وعادة ما تركز على الحركة: هدفها هو صعود 20 درجة من السلالم يوميًا. يمكنك الابتعاد عن جهاز الكمبيوتر الخاص بك، على سبيل المثال، للصعود إلى الطابق العلوي لسقي نبات، مما يساعد على التخلص من التوتر.

تقول كينج: "بدلاً من توفير هذه الجرعة الكبيرة من الهدوء والاسترخاء، فكر في كيفية استخدام فترات الراحة بشكل استراتيجي ومتعمد طوال اليوم". "عندما تستيقظ، أو تتوجه إلى العمل أو المدرسة، أو عندما تنتقل إلى مرحلة انتقالية، ما هي الأشياء التي يمكنك القيام بها والتي تسمح لارتفاعاتك بالتراجع؟"

مهما كان ما تقوم به، كما تقول، يجب أن يكون شيئًا تجده ممتعًا أو مسليًا. بالنسبة لكينج، يعني ذلك الاحتفال بحفلات رقص قصيرة على إيقاع  أغنية واحدة على مدار اليوم. تقفز في مكتبها وتبدأ في الاهتزاز والتمايل. ثم تقول: إن الاستراحة القصيرة "تسمح لجسمك باستقلاب بعض ما تناولته". "نحن نهدئ أنفسنا، وننشط أنفسنا، أو نمنح أنفسنا ما نحتاجه للعودة إلى طبيعتنا ونشعر بالاستعداد لما سيأتي بعد ذلك."

(تمت)

***

...........................

أنجيلا هاوبت/ Angela Hauptمحررة الصحة والعافية في TIME. إنها تغطي السعادة والطرق العملية للعيش بشكل جيد. حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة من جامعة ولاية بنسلفانيا.حيث تقيم الآن .

 

بقلم: جيمي فريدلاندر سيرانو

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

الاستيقاظ أثناء الليل أمر طبيعي. معظم البالغين يفعلون ذلك مرتين إلى ست مرات في الليلة، وإذا كنت تنام جيدًا، فإن هذه الاستيقاظات ستكون قصيرة جدًا لدرجة أنك ربما لن تتذكرها،كما تقول لينيل شنيبيرج، عالمة نفسية في مجال النوم وأستاذة مساعدة في الطب النفسي في جامعة ييل للطب.

لكن بالنسبة لبعض الأشخاص، يكون الاستيقاظ ليلاً مزعجًا للغاية لدرجة أنهم يختبرون ما تسميه شنيبيرج "التنزيل".

تقول: "تستيقظ وتفكر، لماذا أنا مستيقظ؟ منذ متى وأنا نائم؟ ما هو مقدار النوم الذي يجب أن أستغرقه؟" قد تبدأ بالقلق بشأن شيء ما يدور في ذهنك، سواء كان ذلك عرضًا تقديميًا كبيرًا في العمل أو جدالًا مع أحد أفراد العائلة. بعد التحميل، تستيقظ.

حتى الأشخاص الذين لا يجدون صعوبة في النوم يمكن أن يواجهوا صعوبة في الاستيقاظ ليلاً. ستساعدك نصائح الخبراء هذه على معرفة ما الذي يوقظك، وكيفية العودة إلى النوم.4062 الاستيقاظ من النوم

استبعاد الحالات الطبية

إحدى الخطوات الأولى الجيدة هي استبعاد اضطرابات النوم الجوهرية، كما يقول الدكتور فينكاتا موكافيلي، وهو طبيب نفسي متخصص في طب النوم في معهد أودونيل للدماغ التابع لمركز UT Southwestern الطبي. يمكن أن تشمل هذه الحالات انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم - وهي حالة يصبح فيها مجرى الهواء مسدودًا، مما يؤدي إلى توقف تنفسه - ومتلازمة تململ الساق، وهو اضطراب في الجهاز العصبي يتميز بالرغبة في تحريك الساقين ليلاً. تشمل علامات انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم الشخير واللهاث عند الاستيقاظ.

يقول موكافيلي إن الحالات الطبية المزمنة الأخرى يمكن أن تساهم أيضًا في صعوبة النوم أثناء الليل. وتشمل هذه الاكتئاب، والاضطراب ثنائي القطب، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والقلق، والألم العضلي الليفي، والسرطان، وأمراض المناعة الذاتية، والتهاب المفاصل. يمكن أن يسبب انقطاع الطمث أيضًا الاستيقاظ ليلاً بسبب الهبات الساخنة، كما يمكن أن يحدث تضخم البروستاتا، لأنه غالبًا ما يدفع الرجال إلى التبول بشكل متكرر أكثر في الليل.

توقف عن تناول الكحول وقلل من تناول الكافيين

على الرغم من أن الكحول قد يبدو وكأنه يساعدك على النوم بشكل جيد، إلا أنه على الأرجح يفعل العكس. يقول موكافيلي: "إنه يزيد من شعورك بالنعاس، ولكنه يقلل من جودة نومك". قد ينام الأشخاص الذين يشربون الكحول بانتظام بسرعة، لكنهم غالبًا ما يستيقظون في منتصف الليل لأن الكحول يمكن أن يمنع قدرة الجسم على الدخول في مرحلة عميقة من النوم. كما أنه مدر للبول، لذلك يمكن أن يتسبب في زيادة التبول لدى الأشخاص.

ليس من المستغرب أن تحد أيضًا من استهلاك القهوة والشاي والصودا، لأن الكافيين منبه. توصي شنيبيرج بشرب ما لا يزيد عن ثلاثة أو أربعة أكواب من المشروبات التي تحتوي على الكافيين يوميًا، ويفضل أن يكون ذلك قبل الظهر. وتقول: "يتراوح عمر النصف للكافيين من ثلاث إلى خمس ساعات، لذلك إذا كنت تشرب القهوة في وقت متأخر جدًا من اليوم، فقد يظل لديك بعض الكافيين في مجرى الدم بحلول الوقت الذي تذهب فيه إلى السرير.4060 الاستيقاظ من النوم

كن حذرا بشأن ما (ومتى) تأكله

إذا وجدت نفسك تستيقظ عدة مرات في الليلة، ففكر في تغيير وقت العشاء مبكرًا، كما يقول الدكتور فيشيش كابور، أستاذ ومدير طب النوم في كلية الطب بجامعة واشنطن. إذا تناولت وجبة كبيرة جدًا في وقت متأخر جدًا من الليل، فقد تؤدي عملية الهضم إلى إيقاظك. تعتبر الأطعمة الحارة والأطعمة الحمضية والأطعمة الدهنية مزعجة بشكل خاص.

وتوافق شنيبيرج على ذلك، فهي غالبًا ما تنصح المرضى بعدم تناول وجبات كبيرة خلال ثلاث ساعات من موعد النوم. لكنها ترغب في تناول وجبة خفيفة قبل النوم، مثل الخبز المحمص مع زبدة الفول السوداني أو كعك الشوفان مع الحليب. وتقول: "غالبًا ما يكون ذلك مهدئًا ومريحًا ولا يضطر الجسم إلى هضم الكثير".

كثير من الناس الذين يستيقظون في الليل يذهبون إلى المطبخ لتناول شيء ما في منتصف الليل، لكن شنيبيرج تحذر من ذلك. وتقول: "[هذه] في الواقع فكرة رهيبة لأنك تقوم بعد ذلك بضبط المنبه للاستيقاظ وتناول الطعام في جسمك".تقول:  إن تناول البسكويت في الساعة الثانية صباحًا سيعلم جسمك أن يتوقعها فى نفس الموعد .

رفع مستوى التمرين:

التمرين هو وسيلة رائعة لتحسين نوعية نومك. أظهرت الأبحاث أنه يمكن أن يساعد الأشخاص على النوم والاستمرار في النوم لأنه يزيد من إنتاج هرمون الميلاتونين الذي ينظم النوم، ويقلل من التوتر، ويحسن المزاج، وينظم درجة حرارة الجسم، مما قد يساعدك على النوم.

إذا وجدت نفسك تستيقظ عدة مرات في الليل، فحاول ألا تمارس الرياضة في المساء، ويفضل أن يكون ذلك خلال ساعتين من وقت النوم، كما يقول موكافيلي. وجدت الأبحاث أن النشاط البدني المكثف في وقت متأخر من الليل يمكن أن يؤثر على جودة النوم، على الأرجح لأنه يزيد من معدل ضربات القلب ودرجة حرارة الجسم.4061 الاستيقاظ من النوم

لا تتحقق من هاتفك:

تعتبر الهواتف منبهة، لذا فإن فحصها ليلاً - حتى لمجرد معرفة الوقت - يمكن أن يبقيك مستيقظًا لفترة أطول. إذا وجدت نفسك منجذبًا للنظر إلى هاتفك، ينصح كابور بتركه خارج غرفة نومك.

وينطبق الشيء نفسه على التلفزيون والكمبيوتر اللوحي والكمبيوتر المحمول والأجهزة الإلكترونية الأخرى. يقول موكافيلي إنه يتم إنتاج الميلاتونين في غياب الضوء، لذا فإن استخدام هذه الأجهزة يمكن أن يمنع إنتاج الجسم له.

النهوض من السرير:

يوصي معظم الخبراء بالبقاء في السرير بعد الاستيقاظ ليلاً ومحاولة العودة إلى النوم لمدة تتراوح بين 15 إلى 20 دقيقة. إذا كنت لا تزال مستيقظًا بعد تلك الفترة، فاخرج من السرير واذهب إلى مكان هادئ في منزلك للقيام بشيء يبعث على الاسترخاء مثل القراءة أو إكمال اللغز أو الاستماع إلى كتاب صوتي، كما تقول شنيبيرج. (إذا كنت تجد القراءة مريحة بشكل خاص، فهي تعتقد أنه لا بأس من القيام بهذا النشاط في السرير لمدة تصل إلى 30 دقيقة، لأنه غالبًا ما يساعد الأشخاص على العودة إلى النوم.)

تجنب القيلولة بقدر المستطاع:

يمكن أن تكون القيلولة وسيلة فعالة لإعادة شحن طاقتك عندما تشعر بالتعب. ولكن إذا كنت تعاني من الاستيقاظ ليلاً، فإن القيلولة أثناء النهار - خاصة لفترة طويلة جدًا أو في وقت متأخر جدًا من النهار - يمكن أن تؤثر على جودة نومك أثناء الليل. يقول كابور: "بشكل عام، إذا كان شخص ما يواجه مشكلة في العودة إلى النوم بعد الاستيقاظ ليلاً، فمن الأفضل عدم القيلولة".

هناك استثناءات لهذه القاعدة. يقول كابور إن القيلولة يمكن أن تكون مفيدة للأشخاص الذين يعانون من النعاس أثناء النهار المرتبط بانقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم، على الأقل حتى يتم علاجه بشكل صحيح. وتضيف شنيبيرج أيضًا أن العديد من كبار السن يميلون إلى الحاجة إلى قدر أقل من النوم أثناء الليل مع تقدمهم في السن، مع إضافة قيلولة.

عزز بيئتك:

تعد المشكلات البيئية سببًا شائعًا للاستيقاظ ليلاً. يمكن أن تشمل هذه الضوضاء المزعجة، مثل مرور السيارات بجوارها؛ غرفة نوم دافئة للغاية (حوالي 65 درجة فهرنهايت مثالية)؛ الكثير من الضوء يأتي من خلال نافذتك؛ أو الحركة، مثل وجود أطفال صغار أو حيوانات أليفة في سريرك.

انتبه إلى ما إذا كان أي من هذه الأشياء يوقظك في الليل وقم بإجراء التعديلات وفقًا لذلك. على سبيل المثال، إذا كنت تستيقظ دائمًا لأن الشمس تشرق في الخامسة صباحًا، فقم بتعليق ستائر معتمة. أو، إذا استيقظت وأنت تشعر بالدفء، فاضبط منظم الحرارة على درجة حرارة أقل بضع درجات في الليلة التالية.

فكر في إجراء العلاج السلوكي المعرفي (CBT-I) لعلاج الأرق

يقول موكافيلي أن هناك ثلاثة أنواع رئيسية من الأرق: الأرق المرتبط ببدء النوم (صعوبة النوم)، والأرق المرتبط بالمحافظة على النوم (صعوبة البقاء نائماً)، والاستيقاظ المبكر، وهو مجموعة فرعية من أرق المحافظة على  النوم .

إذا استبعدت الحالات طبية وحاولت تحسين عادات نومك، وما زلت تعاني من الاستيقاظ ليلاً، ففكر في العلاج السلوكي المعرفي للأرق، أو CBT-I. يقول موكافيلي: "إنه فعالة  مثل الدواء"، وعادةً ما يستمر لمدة ثمانية أسابيع فقط. "على الرغم من أنها مدة قصيرة، إلا أنها يمكن أن يكون لها تأثير دائم لبقية حياة الشخص."

لسوء الحظ، لا يوجد سوى حوالي 150 إلى 200 معالج نوم يمارسون العلاج المعرفي السلوكي-I في البلاد، كما يقول موكافيلي، لذلك قد يكون من الصعب الحصول على موعد (راجع قائمة مقدمي الخدمة هذه للبدء). إذا لم تتمكن من تحديد موعد على الفور، فهناك العديد من أدوات CBT-I عبر الإنترنت التي تكون مفيدة للغاية، كما يقول موكافيلي.

(انتهى)

***

.............................

الكاتبة: جيمي فريدلاندر سيرانو / كاتبة ومحررة مستقلة مقيمة في منطقة شيكاغو. تكتب عن مجموعة متنوعة من المواضيع، ولكن لديها اهتمام خاص بالصحة العقلية وعلم النفس. نُشرت أعمالها في The Washington Post وTIME وThe Cut وVICE وGlamour وParents وغيرها. حصلت جيمي على درجة الماجستير من كلية ميديل للصحافة في جامعة نورث وسترن ودرجة البكالوريوس من جامعة نيويورك.

 

الصفحة 1 من 3

في المثقف اليوم