أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

في صباح يوم السبت 4 جانفي 2024 اِستقبل نادي الميعاد بجمعية ابن عرفة بمدينة تونس العتيقة وبالتعاون مع دار الثقافة السليمانية أعضاء نادي الشعر والرّواية بمدينة قرنبالية فكانت مناسبة رائقة التقى فيها عديد الشعراء الذين أنشدوا قصائدهم المتنوعة المواضيع والأساليب مؤكدين أن الحركة الشعرية التونسية تعيش فترة مزدهرة نعتبرها رافدا مُهمّا في خضم الشعر العربي المعاصر الذي ما فتئ يتجدّد ويتطوّر مشرقا ومغربا وباعتزاز يشرفني أن أنقل ما تيسّر من تلك القصائد التي اِستمعنا إليها شاكرا للشعراء تعاونهم وللصديق الشاعر ميلاد ميلاد رئيس نادي الشعر والرواية بقرنبالية جمعها .

..........................

الوالدان هما العينان والبصرُ

هما الدّروعُ لنا والدِفء والأملُ

*

هما الأصولُ ونحن الفَرعُ والثمَر

هما القداسةُ والإجلال والمَثَلُ

*

هما الأمان لنا في عالَم الفِتن

هما المَلاذُ إذا ضاقت بنا السّبلُ

*

هما السعادة في الدنيا فإن رَحلا

تَغدو الحياة جَحيما ليس يُحتمَلُ

*

كم مِن ليالٍ قضَوا في الخوف والقلق

لما وُلدنا وما نامَت لهم مُقَلُ

*

باعوا النفيسَ لكَي يَقضُوا حوائجنا

وأكرمونا وما ملّوا وما بخِلوا

*

وعلّمونا أُصُول العِزّ والأدب

وكيف نحيا كِراما ما بنا خجَلُ

*

ضحّوا بصحتهم والمال والعُمُرَ

حتى كبُرنا وهُم وافاهمُ الأجَلُ

*

مهما مدَحنا ومهما طال شُكرهُمُ

فلن تعبّر عن إحساسنا الجُمَلُ

*

فمن يبَرُّ ويُرضي والديه نَجا

ونال خيرا فنِعْم الصُنعُ والعمل

*

ومَن عصاهم ولم يحفَل بنصحِهمِ

يَعِش قرينا لجُرح ليس يَندملُ

*

فالوالدان هما كل الحياة لنا

وليس يوجدُ في الدنيا لهم بدَلُ

*

فالشهدُ مُرًّا يصير بعد موتهم

والعَلقمُ المُرّ في أحضانِهم عسَلُ

*

وليد السبري – تونس

......................... 

تحولات

قمري المرائي يزرع الأشواك ،

في حلقي..يسافر في دمي،

قمرا حزين

يغزو نوافذ وحدتي،

ها أنني أوصدتها..فتحدَّها إن شئت،

لن ترتاح في حلمي،

و لن تستطعمنْ شهد الأنين

أتُراك زُرْتَ مقابر الأحياء،

هل أحرقْت صُفْر كتائب النساك،

أم عرّجْت في وطني على خمارة الحي العتيق

أو هل تراك قد استكنْت إلى كوابيس الحريق

شرّشْتَ في وعي المرافئ كالقدر

فتحجّرتْ سفني..على مرمى حجر

لا..لم تكن قمري و لا حزني الدفين

لن تستبيح دماء حلمي،

لا و لن تستطعمنْ شهد الأنين

إني أضأت شموع قلبي،

فليكن نهَمي البكاءُ،

و أطعمتْني من موائد رحلتي ،

أعنابُ هذا التيه،

فاسترشدْتُ أقمار الضِّياع

و أكلت من خبز الجياع

سِيانِ..مأتم مسجدي و كنيسة الأمر المطاع

و دفاتر الأشجان.. ذاع

سري..تفرق من دمي بين القبائل،

ما يُروّي عشق آلاف الضحايا

ولْتغفرِ الأم الخطايا

سيان..ما هدأ الصراع

كلا..و ما أدفأتُ من جمري،

و لا أشبعت من خبزي الجياع

أبدا..كما لم يهْدِني نجمي..،

و لا قمر الضياع

***

صفوان بن مراد

.....................

وطني العزيز

وطني العزبز ، تراك عيني شامخا

عزفت حروفي من هواك نشيدا

*

لا يولد العظماء الا مرّة

و اراك تولد كالصّباح جديدا

*

و أرى العواصم في جوارك أنجما

و أراك بدرا في السماء فريدا

*

قضّيت عمرا في دروبك هانئا

في كل يوم في ربوعك عيدا

*

اني بحبك يا الحبيبة تونس

أحببت شعري و ارتجلت قصيدا

*

اعلى مقامك ما استطعت بأحرفي

و أخط من فنّ القريض مزيدا

*

فالصدر حبّ غامر متجدد

و الحرف كان من الضلوع وليدا

*

و الجسم طوفان قوي هادر

و القلب ان لمع الحديد حديدا

*

انا كسطح الماء يبدو ساكنا

و إذا استشاط الغيض صار شديدا

*

فإذا تخطاك العدو بجنده

و اراد كيدك عاد منك طريدا

*

نلقاه أسدا و النيوب قواطع

نحميك بل نسقي الطغاة صديدا

*

تاريخك العزّ الذي نحيا به

و بدون حصنك قد نصير عبيدا

*

يا بيرقا يسمو و يخفق شامخا

يعلو بمجدك في السّماء بعيدا

***

بقلمي: الشاعر التونسي

الحبيب المبروك الزيطاري نابل. تونس...

.......................

من مجموعتي الشّعريّة السّادسة

وصيّتي هذا البلد

يا أمّه..

هزّي إليك

بجذع بعض غمامةٍ

كيُ تسكبي

بردًا..سلامًا في الكبدْ

وعليكِ..يسّاقط

من الرُّطب الجنيّات

الجلدْ

ليُربّت الوجع الجليلَ

ضميدةً

بُشرى

بعمر الصّابرينَ

وبسمةً

تفترّ عن ألق الحياةِ

بجرحه..

ذاك الولدْ

هذا البلدْ...

*

يا جرحهُ

ياريحَ مسكٍ

في

مسامّ الأرض

في..

عبق التّراتيل الحميمةِ

والصّلاة

وعطر أنفاس الشّهادةِ

والولادةِ

في..

تسابيح المددْ

تهفو

لأذكار الأماني

في مخاضات البلدْ...

*

يا أمّهُ...

طوبى لجرحك

خضّب الرّوح النّديّة

واصطفى..

محضيّة الحلم المفدّى

والمُنى..

وسليلة الوجع المعتّقِ

بالإباءِ

وبالحياة...

يا جرحها

يا جرحها الحنّاءَ

يا زغرودةً

خضراءَ .. في لون الرّبى

ونديّةً

مثل الغمامةِ ..

ريحها

قد فاح في

كفّ المدائنِ

عنبرًا

مِسْكًا ونَدْ

من طيب أبخرة البلدْ

*

زفّيه

في ألق القريضِ

قصيدةً

وبلابل الحرف الشّفيف

مطيّةٌ

قد زغردت أنفاسهُ

وتعطّرت

شقّي عليه الحرف

مختال الرّؤى

وتيمّمي

صعَدًا..صعيدًا طيّبا

من نفحة الأرض التي

شقّت

على دمه الأديمَ

معانقًا

نبض الجسدْ

ومسافرًا

فوق المدى

في عمق أوردة البلدْ

ضُمّيه

للقلب الكليمِ

تميمةً

وتنفّسي نفْح الطّهورِ

بجرحه

في

نزْف شريان البلدْ

*

با أمّه..

يا أمّنا الخضراءَ

يا عبَقَ النّدى

من عطر ألف حضارةٍ..

وحضارةٍ

ها..ها أنا

يمّمت شطرَ الحرف

أسكب مُنيتي

حبّا

خرافيّ السّمات

هوًى

طفوليّ الرّؤى

ورغيف حلمٍ

مُشتهَى

أهفو لهُ

ويطوف بالأحلامِ

معتمرًا

إلى وطنٍ

يُساكنني

وقِبلتُه البلدْ

*

يا أمّهُ..

لا تذرفي ادرّوح الشّفيفةَ

في الحدادِ

وربّتي

رَوْح البلاد الرّاجغة

ردّي إليكِ

وشاحَ أقواس القزح

وتزيّني

وتكحّلي

في عينك الشّلاّلُ

يُغرق حُرقةً

تطفُو

بذكرى الرّاحلينَ

منارةً

ونشيدَ بوصلةٍ

بأوصال البلد

ترجيعةَ النّغم الشّهيدِ:

وصيّتي هذا البلدْ

وصيّتي هذا البلدْ

وصيّتي هذا البلدْ

- بسمة الحذيري -

....................

مشاركة الشاعرة والكاتبة سليمى السرايري

من كتاب رسائلُ إلى بحّارٍ ورسائلُ أخرى

المشاركة برسالة إلى الأستاذ سوف عبيد

أستاذي الشَّاعِر سُوف عبيد،

لَقَدْ أَخَذَتْنَا الحَيَاةُ وَتَقَلُّبَاتُهَا بِمَا فِيهَا مِنْ عَنَاصِرَ خَلَقَهَا اَللَّهُ فَكَانَ لَهَا اَلْأَثَرُ اَلْأَكْبَرُ عَلَى حَيَاتِنَا اَلْبَسِيطَةِ مِثْلَ اَلنَّارِ واَلسَّمَاءِ واَلْقَمَرِ واَلشَّمْسِ واَلْمَاءِ واَلرِّيحِ واَلْمَوْتِ وَالْعِشْقِ، فَوَظَّفَتْ اَلْأَسَاطِيرُ هَذِهِ اَلْمُفْرَدَاتِ وَمَثِيلَاتِهَا، فَكَانَتْ لَهَا دَلَالَاتُهَا وَرُمُوزُهَا اَلْبَيِّنَةُ وَالْخَفِيَّةُ لِتُبْرِزَ أُسْطُورَةَ اَلْمَاءِ اَلَّتِي يُوَظِّفُهَا جُلُّ اَلشُّعَرَاءِ فِي هَمْسِهِمْ لِلْقَلَمِ. فَكَأَنَّهُمْ عَلَى مَوْعِدٍ قَائِمٍ مَعَ (آلِهَةِ المَاءِ) اَلَّتِي تَلُوذُ بِأَفْنَانِ اَلْهَوَى أَيْنَمَا تَتّجِهُ. فَتَرَاهَا قَابِعَةً فِي جَوْفِ كُفُوفِهِمْ تَهْمِسُ:

أَنَا هُنَا خُلِقْتُ مِنْ مَاءِ وَصَدَفٍ " مَعْرُوكَةً " بِصَلْصَالِ اَلْغُيُومِ.

وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ تَعُودُ مِنْ آخِرٍ اَلْأُسْطُورَةِ لِتَلْتَقِينَا عَلَى عَتَبَاتِ اَلشَّوْقِ، تُثِيرُ اَلْعَوَاصِفَ وَالشُّمُــوسَ وَالْأَلْوَانَ اَلْمُتَبَقِّيَةَ عِنْدَ اَلسَّاحِلِ اَلْقَدِيمِ…

اَلْوَقْتُ هُنَاكَ يَرْقُصُ عَلَى أَصَابِعِ اَلْمَوْجِ اَلَّتِي تَحْتَضِنُ اَلْحَنِينَ وَتَقُولُ: لَا تَتَأَخَّرْ حَبِيبِي رُبَّمَا يَغْمُرُنِي اَلطُّوفَانُ…

وَنَحْنُ يَا صَدِيقِي، فِي دَهْشَةٍ مِنْ أَمْرِنَا نَتَسَاءَلُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ مَاذَا يَلْزَمُنَا اَلْآنَ؟ أَمَلٌ؟ اِسْتِقْرَارٌ؟ فَرَحٌ؟ لَعَلَّنَا نَقِفُ عَلَى مَا وَرَاءِ هَذِهِ اَلْحَاجَاتِ اَلْمُلِحَّةِ، حِينَ تَضِجُّ تِلْكَ اَلْآلِهَةُ بِالْوَجَعِ.

إِذَنْ، هِيَ اَلْحُرِّيَّةُ اَلَّتِي يَصْبُو إلَيْهَا كُلُّ كَاتِبٍ، وَنَفْهَمُ هَذَا مِنْ إِشَارَتِهِ إِلَى البَحْرِ، وَاَلشَّجَرِ وَالْعَصَافِيرِ، إِلَى طَرِيقٍ مُمْتَدَّةٍ جَمَالًا، نُقِيمُ فَوْقَهَا أَعْرَاسًا لِلْغَيْمَاتِ الشَّارِدَةِ.

هَلْ هَذَا كُلُّ مَا يَصْبُو إِلَيْهِ اَلشَّاعِرُ؟ إِنَّهُ اَلْوَجْهُ اَلسَّاكِنُ فِي ذَاتِهِ، وَجْهٌ يَنْتَظِرُهُ فِي تَمَوُّجَاتِ اَلضَّوْءِ وَفِي عُزْلَةِ اَلْأَشْيَاءِ.

هَلْ هُوَ اَلْحُلْمُ؟ أَمْ اَلانْتِظَارُ؟ أُمْ تَعْوِيذَةُ اَلْعِشْقِ اَلْمُكَبَّلِ دَائِمًا بِالْخَوْفِ؟

اَلْخَوْفُ اَلسَّاكِنُ فِي قُلُوبٍ عَاشِقَةٍ، خَوْفُ اَلْهَجْرِ وَالرَّحِيلِ غَيْرَ أَنَّهُ عَادَةً مَا يَعُودُ اَلْكَاتِبُ، مِنْ كُلِّ هَذِهِ اَلتَّخَوُّفَاتِ وَهَذِهِ اَلْحَيْرَةِ بِأَمَلٍ يُدَاعِبُ رُوحَهُ اَلْمُتَعَطِّشَةَ إِلَى الجَمَالِ يَزْرَعُهُ اَلطَّرَفُ اَلْآخَرُ عَلَى شَرَاشِفِ اَلْقَصِيدَةِ.

وَأَنَا اَلْمَحُكَ فِي أَوْجِ اَلْأُسْطُورَةِ، تَفُكُّ ضَفَائِرَ "الجازية" اَلْفَاتِنَةِ حِينَ وَصَلَتْ تَحْمِلُ فِي عَيْنَيْهَا اَلنَّاعِسَتَيْنِ تِلْكَ اَلْبِحَارَ اَلَّتِي لَمْ تَرَهَا، كُنْتَ تُدْرِكُ حِينَهَا، أَنَّكَ نَسِيتَ اَلرَّشَادَ مُجْتَازًا اَلْأَهْوَالَ تَهَبُ أَحْلَامَكَ لِسَوَادِ شَعْرِهَـا اَلْغَجَـرِيِّ، وَتَسْكُنُ مِائَةَ عَامٍ فِي اَلْعِشْقِ اَلْمُكَبَّلِ بِالضَّفِيرَةِ اَلطَّوِيلَـةِ كَلَيْلِ اَلصَّحْرَاءِ وَأَنْتَ اَلَّذِي لَفَّتْكَ مَوَاوِيلُ اَلْقَوَافِلِ اَلرَّاحِلَةِ نَحْوَ أَرَاضِي اَلْمَاءِ تَقِيسُ تِلْكَ اَلْمَسَافَاتِ وَتَنْتَظِرُ هُنَاكَ مُرُورَ الرَّكْبِ، وَالْجَازِيَةُ اَلْحَسْنَاءُ مَا زَالَتْ تَجْمَعُ نَظَرَاتِكَ اَلْوَلْهَى وَتَحْتَفِظُ بِقَصَائِدِكَ المُشْتَعِلَةِ وَجْدًا وَهُيَامًا بَيْنَ طَيَّاتِ ثَوْبِهَا اَلْمُطَرَّزِ بِالْعَقِيقِ وَالْمَرْجَانِ وَتَعَلِّقُ فِي أَقْرَاطِهَا اَلْفِضِّيَّةِ هَمْسَكَ اَلنَّاعِمَ:

هِيَ الحُسنُ في سِحرِها العَجَبُ

فَلَوْ بَسَمَتْ يُجْرَحُ العـنبُ

ولو حَادثـتْها الفيافي بصوتٍ

جَرى سَلسَبِيلٌ كَما الخببُ

إذا ما مَشَتْ نَوّرَ الغُصْنُ شَوْقًا

وأُحْرِقَ دَرْبِي هِيَ اللَّـهَبُ

يَا لَهُ مِنْ هَمْسٍ اَلَّذِي سَكَنَهَا وَأَسْكَنَهَا فِرَادِيسَ اَلْعُشَّاقِ!! وَقَدْ كَسَاهَا اَلْخَجَلُ فَأَسْبَلَتْ جَفْنَيْهَا حَيَاءً تُزِيحُ عَنْ جَبِينِهَا قِطْعَةً حَرِيرِيَّةً مِنْ شَعْرِهَا اَلْأُسْطُورِيِّ وَقَدْ فَاحَتْ مِنْهُ رَائِحَةُ اَلْأَعْشَابِ اَلْجَبَلِيَّةِ وَالزُّيُوتِ اَلنَّادِرَةِ، تِلْكَ اَلْخَلِيطَةُ اَلْعَجِيبَةُ اَلَّتِي قَالُوا إِّنَّهَا أَطَالَتْ جَدَائِلَهَا فَعَانَقَتْ لَيْلَ اَلصَّحْرَاءِ وَتَجَمَّلَتْ بِهِ اَلْيَافِعَاتُ فِي أَحْلَامِهِنَّ اَلْوَرْدِيَّةِ . . .

اِنْهَضْ فَقْد دَقَّتْ اَلشُّمُوسُ عُيُونَ اَلرُّعَاةِ وَاشْرَأَبَّتْ نَحْوَ قَطِيعِ اَلْأَغْنَامِ تَزِيدُ مِنْ لَمَعَانِ وَبَرِ اَلْمَاعِزِ اَلْغَزَالِيِّ النَّاعِمِ...

يَا صَدِيقِي، قَدْ رَحَلَتْ اَلْجَازِيَةُ اَلْفَاتِنَةُ وَأَسْدَلَ اَلْفَرَاغُ جَنَاحَيْهِ اَلثَّقِيلَيْنِ عَلَى تِلْكَ المَرَاعِي، فَحَزِنَتْ الأَعْشَابُ وَالأَطْوَادُ وَظَلَّ اَلنَّخِيلُ وَحِيدًا يَنْتَحِـبُ فِي صَمْتٍ وَخُشُوعٍ.

صَدِيقَتُكَ

 ..................

لا تلمني

بقلم : نجاة الورغي

لا تلمني إن أخذت الشمس إلفا

ولففت البدر لفا

وتلحفت بنورالكون لحفا

*

لا تلمني إن جعلت الطائر الشحرور

ضيفا

ولبست السحب والأمطار شالا

تلك أحلامي ثمالا تتسابق تتعالا

نحو مدارات الرؤى

*

لا تلمني إن كسرت أغلال الركود

وصفقت الباب في وجه الجحود

وزرعت الحب بذرا كي يجود

بالتآخي، بالخلود

*

لا تلمني إن تساميت بفني

إن سخرت من عشيقات التجني

وأميرات الرياء...

*

إنني يا لائمي أخت الصفاء

وأنا أخت النجوم هاهنا

نرعى بدرا باسما فوق الورى

بدر تم يتهادى والعلا

فاندهش إن شئت

أو قل ما تشاء

إذ أنا بنت السماء!

*

داء الهوى

قالت

أحقّا صرفك عشقي عن النّساء

وهل اغتناجي أغناك عن الغواني

قلت:

لمّا عشقتك والفؤاد إليك فاء

من أوّل نظرة ببعض الثّواني

*

أرديتني أسيرا مالي منك وجاء

أردّد اسمك في لحن الأغاني

*

أخلصتك حبّا وإن عزّ اللّقاء

ما تحوّلت وإن كنت أعاني

*

حبيبتي أنت ملكة وهنّ الإماء

أتوق إليك والوجد كواني

*

يا بؤبؤ العين دونك النساء

ضنّك في البوح قرحا ابكاني

*

يا جنّة ملؤها الجمال والنقاء

نذرت لك مهجتي ونبع حناني

*

بفخامة الحوطة حول الضّياء

ذوت من الجوى روحي والنوم جفاني

*

طاب لي المقام ومعك رمت البقاء

فهل لي وطر فيك يجلي أحزاني

*

إنّما الكتمان بألم زؤام الدّاء

جودي يا خير من بالوصل داواني

*

انت ملهمتي وحبيبتي الغنجاء

يا سرّ سحر الوجود يا قمر زماني

*

جدت لك غزلا من حروف السّنا

كيف لا وأنت الحسناء أحصن الحسان

***

ميلاد محمود ميلاد(تونس)

...................

جياد النور

لو يصير المرج أخضر

لو يصير الركب أكبر

يستح الاعداء دوما

من صهيل من عويل

من رجا دهر تعثّر

لا تعودوا للمذكّر

لا تخطوا الرقم دفتر

فيه عنوان تنكر

عهدهم يحتاج محضر

دينهم نقْض تبخّر....

إنْ هُمُ جادت مداهم

حطمت قلبا تعطر

والأماني كالهشيم

والمعاني تتبخر

صيّروا الأحلام طين

عطّلوا فكر اليقين

طفلنا اليوم تفتّر

يا حماة العرض هبوا

ما لنا سقف ليستر

من فلسطين نجوع

نذرف الدمع ونستر

من فلسطين نموت

ندفن الاشلاء نُقبر

رأس طفل قلب أمٍّ

بعثرت كلسا تحجّر

والدّماء من عجين

تجري من عين وتقطر

والأيادي من لعين

لطّخت وجها كمقمر

دمرت في الأرض سلما

قطعت وصلا تجسّر

ضيقت أفْقِ الحنين

جمّدت نبضا تحضّر

أرسلت عرق الجبين

مزقت أرضا ومحجر

عاهدت نور اليقين

أخلفت من أرضي منصر

خاب في التّدبير جيل

مات من حقد تنكر

مات من حقد تنكّر

***

الشاعرة حياة عبد الخالق

.........................

هذه الأرض تلعنكم

عودو من حيث أتيتم

أو موتوا بغزة أن غزة إن شئتم

فأديم الأرض يلعنكم

أحياء كنتم أو موتى

*

الطفل بغزة ينذركم

قسما بالأقصى سنخرجكم

سنظل نغني القدس لنا

و تعود الأرض بحوزتنا

النصر النصر و إما فلا

لا سلاما كان و لا كنتم

*

الطفل يعانق لعبته

يروي أسراره للقمر

و يصون عرين عروبته

يبني أمجادا بالحجر

و يمد ذراعه مبتهجا

أماه خطي هنا اسمي

إن مت شهيدا ذا لقبي

تجدين الوشم على جسدي

*

الطفل رماد عروبتنا

في جوفه نار تتقد

ستثور الأرض لنصرتنا

و يعود الطفل و يتحد

ليخط بنود وصيته

قولو لأبي أن لا يبكي

من مات شهيدا طوبى له

من أجل القدس فلا تبك

*

عودو من حيث أتيتم

أو موتوا بغزة أن غزة إن شئتم

فأديم الأرض يلعنكم

أحياء كنتم أو موتى

***

شكري الغضاب

......................

حديث الروح

جلست أنا..

و طيفك القريب البعيد

احتسي قهوتي

المعطرة بالشوق

واعتصرت

دمع الحبر الورديِّ

على ضفاف الحنين

فتناثرت صفحات

الذكريات

مع خفقان القلب العليل

جلست احتسي

عصير كل قصائد

العشق الأزليِّ

حملت الرياح الروح اليك

ليتك تقرا نبض الشوق

بعيون قلبك

فقد امتلأت اجزاءي

بتعويذة الوجد

*

أجابت روحه...

يااال تعويذة الوجد

بتبتّل ترتلها

راهبة الحب

من أعماق القلب

بشفيف اللبّ

بالفؤاد الصبّ

فاقت مدايات الودّ

*

حبيتي...

يا ناسكة العشق...

يا هالة القمر بالغسق

يا وضّاءة الجبين

بجمال الشفق

يا عاشقة الياسمين

يا عالما غروسه الورد

*

عشقت فيك...

الحِلم والحُلم...

النبض وبنات القلم

ورقي الروح بالخضم

عشقت بعشقك القهوة

بلون ومذاق العتم

يستهويني شعرك فأردّ

*

اما نظرت...

طويلا في عيوني

حيث انت تحت جفوني

كما سكنت الشغاف

بالروح بالأوصاف

وانا الولهان الهاف

اما وجدتني لك في الهزل والجدّ

*

يا مناي انت...

أريدك بكلّك كما انت...

أصلّيك بجهري وصمتي

أصونك ولا اخونك

دهري حبيبتي انت

يقتلني وجدي إذا غبت

الثواني أعواما في عدّي

***

هالة بنت خفيز الدامرجي

قلة من الشعراء هم الذين نالوا المكانة الأدبية المرموقة الى جانب المكانة الروحية التي تصل حد التقديس، وقد يكون الشاعر حافظ الشيرازي(1315 ـ 1390 م) من بين الشعراء الذين نالوا المنزلتين عند الشعب الايراني، فقد حظي هذا الشاعر باحترام كبير ليس لدى السلاطين الذين عاصر حكمهم فحسب انما لدى الشعب ايضا، فهو يمثل " صوت الغيب " عند الايرانيين ولا يكاد يخلو بيت إيراني من ديوان حافظ، ذلك ان الفرد الايراني عندما يشعر بالقلق فما عليه الا ان يفتح ديوان " الشيرازي " عشوائيا ليجد الاجابة الشافية، فالاعتقاد السائد انه معهم في الشدائد ومن كلماته يستمدون القوة والتغلب على الحزن والألم ويمنحهم ايضا العزيمة والاصرار على السعي والمواجهة فهو يحثهم على الصبر وتحمل المشاق في مسيرة الوصول الى الهدف (ان كان عليك ان تعبر الصحراء لتصل الى هدفك، إمض دون ان تلق بالاً للأشواك الجارحة) كما ان الايرانيين ولشدة ايمانهم بحكمته وصواب رؤيته فأنهم يستخيرون بأشعاره حيث يجلس العديد من الايرانيين عند باب مقبرته وبأيديهم ديوان الشيرازي يفتحونه لمن يريد ان يقرأ طالعه او يريد الاقدام على أمر مصيري وذلك مقابل مبلغ بسيط من المال .

زرت ضريح الشاعر حافظ الشيرازي في مدينة شيراز الايرانية فوجدته تحفة فنية ومعمارية نادرة في الهندسة وصرحا شامخا بالجمال والعظمة وسط  طبيعة ساحرة تحف ضريحه الورود من كل جانب وعلى لوح ضريحه المصنوع من المرمر نقشت إحدى قصائده، ومشاركة لهمه الروحي (كم أشتهي الحديث معك عن حال قلبي) جلست بأجلال  حيث يرقد وقد غشيني الخجل من انني لم اتمكن من تحقيق رغبته (لا تجلس بجوار قبري دون خمر أو موسيقى، فربما أنهض من قبري راقصاً، عندما استشعر شذا وجودك) عندها شعرت بصدى قصائده يتسلل الى أعماق الروح:

 إن عمرنا قصير، ولكن طالما أننا قد نفوز

بالمجد وهو الحب، فلا تحتقر

الاصغاء إلى توسلات القلب

فهو يؤمن أن الحب، عذرياً كان أو عملياً، لا يستغنى عنه الشعر:

أيها الحب اجمع بيننا

فما حاجتي بعد ذلك إلى الجنة،

إن الذي خلق غدائر شعرك من ذهب وفضة،

وجمع بين الوردة الحمراء والوردة البيضاء

وأسلم إليهما خدك في شهر العسل

أليس بقادر على أن يمنحني الصبر، وأنا ابنه

اشعار حافظ الشيرازي تعكس حكمة عميقة وهي جزء من الحكمة الروحية للشرق وتتردد فيها مضامين تدين مظاهر النفاق الديني والاجتماعي كما يرفض بقوة واقع النفاق الذي عم عصره وما يميزه عن مجموعة عظماء الشعر الفارسي الخالدين، جلال الدين الرومي وسعدي الشيرازي وفريد الدين العطار ونظامي الكنجوي وأبو قاسم الفردوسي ان ديوانه قد ترجم إلى سبع وعشرين لغة حية، كما ان الشاعر الالماني " غوته " هام عشقا بأشعار حافظ، ونسج معه علاقة روحية خاصة وفي النهاية كتب ديوانا شعريا أهداه لحافظ الشيرازي تحت عنوان "الديوان الشرقي للشاعر الغربي ويعتبر شعره إلى جانب شعر جلال الدين الرومي  من المواد الأساسية للمغنين في إيران فهم يسلطنون على كلماته القائلة .

ألا يا أيها الساقي أدر كأسا وناولها

فأن الكأس للملدوغ بالعشق هي الراقي

والذي لفت نظري في زيارتي لضريحه ان هناك من يعتمد في دخله اليومي على بيع "فال حافظ" للمارة وهي عبارة عن مغلفات يحوي كل واحد منها على مقطع من شعر حافظ مع شرح ييسر على القارئ فهم المعنى، فوفقا لتقاليد قديمة فإن الإيرانيين في الأعياد الدينية وغيرها يأخذون الطالع من الديوان.

***

ثامر الحاج امين

عندما نقرأ عن شغف الأقدمين، بجمع الكتب العربيَّة الإسلاميَّة، نعني المخطوطات، فكان ظهور آلة الطّباعة حداً بين المخطوط والمطبوع، وذلك خلال القرنين السَّادس عشر والسَّابع عشر. لذا، لم يسترعِ ما خُط بعدهما الاهتمام، كأثر مخطوط، وإنْ ظهرت المخطوطات القديمة مطبوعات، فتبقى أصولها بمنزلة الآثار.

كانت أسواق الكتب تبيع المخطوط، ودكاكينها تُعرف بالوراقين (التَّوحيدي، الإمتاع والمؤانسة). صُنفت كتب عديدة، منها موسوعات في الوراقة والوراقين، نفعت المهتمين بعالم المخطوطات، جمعت فيها تراجم المئات مِن باعة الكتب ونُساخها، بينهم وراقات ونساخات نساء، ومؤلفون بمنزلة أبي حيان التّوحيديّ(ت: 414هج)، الذي اضطر إلى النسخ لوزراء، أقل منه مرتبةً، لذا صنف فيهم «ذم الوزيرين».

حضرتُ معرض المخطوطات السُّعوديّ، الذي أقامته وزارة الثّقافة السُّعوديَّة مؤخراً، حيث محافظة «الدِّرعيَّة»، ووجدته مناسبة لمعرفة النَّفائس مِن الخزائن الداخليَّة، والمعروض كان نماذجَ فقط (2000 مخطوط)، في مختلف المعارف: الفقه، والطِّب، والتاريخ، والجغرافيا، والمنطق والفلسفة، كذلك كان المعرض مناسبة لقيام ورش عِلم حفظ المخطوطات، وتعليم فن قراءة الخطوط القديمة، في زمن تراجع فيه القرطاس والقلم.

أقيمت ندوات، تصدرها محققو ومقتنو المخطوطات، عرب وسعوديون معروفون، كان الأبرز المحقق البغداديّ بشار عواد معروف، الذي حقق نحو خمسمائة مجلد، وأخيراً أنجز تحقيق تاريخ الطَّبريّ (عشرون مجلداً)، سيصدر قريباً عن «دارة الملك عبد العزيز» بالرِّياض، وغيره مِن أمهات التّاريخ، وتراجم الرّجال، ومِن المحققين تُعرف النَّفائس، فقبل مؤلف الكتاب اعرف مُحققه.

عندما نقول المفقود أكثر مِن الموجود، نحسب الدَّمار، الذي أصاب خزائن المخطوطات، عند اجتياح المغول لبغداد(656هج)، مع تحفظنا على رواية ابن خلدون(ت: 808هج) أنّ الكُتب كافة ألقيت في دجلة(ديوان المبتدأ والخبر)، وابن تغري(ت: 867هج) قال: حرقوا الكتب، وجعلوها آجراً لجسر عبر النّهر(النّجوم الزَّاهرة). كيف تكون القراطيس آجراً؟ وأخذ عنهما المتأخرون وأضافوا: جرى دجلة بالأسود والأحمر(الحبر والدَّم).

إلا أنَّ المرجح، خلال الحصار: «كان أهل الحلة والكوفة والسّيب يجلبون إلى بغداد الأطعمة، فانتفع النّاس بذلك، وكانوا يبتاعون بأثمانها الكُتب النّفيسة»(الحوادث، تحقيق بشار معروف). نعم الكتب لا تعني المغول، ولا أي غزاة، وقد جربنا غزاةً(متحضرين)، فماذا فعلوا(2003)؟ فما بالك بالمغول(1258م)، لكننا نتحدث عن صدق الرواية أو تلفيقها.

تحدث أُسامة بن منقذ(ت: 584هج) عن ضياع أربعة آلاف مجلد له، باستحواذ قراصنة عليها وإتلافها(الاعتبار)، وأنَّ ولده مُرهْف(ت: 613هج) كان جامعاً للكتب، ولمحنةٍ اضطر إلى بيع الآلاف منها، وياقوت الحموي(ت: 626هج) اشترى كتباً منه(معجم الأدباء)، وهذا وغيره يُعد تراثاً مفقوداً.

أكثر المخطوطات المفقودة، ما يُعرف بـ «الأمهات» - بخطوط المؤلفين - فصار ضياعها ذريعة لمنكري التاريخ، مع أنَّ أغلب المؤلفين تُنسخ كتبهم، ومِن عظائم الكتب وصلنا مدوّناً بطريقة «الأمالي» - إملاء المؤلف - مع عدم وجود ثقافة حفظ الأصول، لكن العديد مِن الكُتب نُسخ في عصر مؤلفيها، ومنها مقروء عليهم، حتّى في العصر الحديث، مَن لا يحب خط يده لرداءته، مثلما فعل معروف الرُّصافي(ت: 1945) بكتبه، مع صديقه صاحب الخط الجميل، الوزير مصطفى عليّ(ت: 1980).

مَن يطلع على كتب الفهارس، مثل «الفهرست» للنّديم الوراق(ت: 388هج)، سيجد ثروة مِن الكتب ليس لنا إلا عناوينها، وهناك كتب أنقذها الخصوم، من الفقد، عندما ردوا عليها، وما اقتُبس مِن المفقودات، وحفظته بطون الكتب.

تستحق المخطوطات العناية، بمعارض سنوية، مستقلة، أو ضمن معارض الكتب، نقول هذا لمَن يُقدر أهميتها، وأهمية التّاريخ، لا مَن ينكره بعذر عدم وجود المخطوطات الأُمهات. أقول: إذا كتب شمس الدّين السَّخاويّ(ت: 902هج) «الإعلان بالتّوبيخ لمَن ذمَ التّاريخ»، يكون «الإعلان بالتّوبيخ لمن أنكر التّاريخ»، فالآلاف المؤلفة مِن المخطوطات، في مختلف المعارف، لم تُكتب مسرحياتٍ ودرامياتٍ، إنما وقائع عاشها النّاس، دُونت على الرّقِ والورق.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

لعلم من لا يعلم وهو يتحدث عن الشعر... إن (الهايكو) ليس شعراً إنما هو صناعة يابانية ذات مدلول رياضي ذهني... وإن الشعر (النثري) هو شعر متعدد القوافي وله احياناً اكثر من وزن، وموسيقاه لا خلاف حولها... وقصيدة النثر ليست - تافهة -، وإن هذا التوصيف لا يليق بالنشر.. وهنا، لست ممن يدافع عن هذا التحديث في الشعر فهو كفيل في أن يثبت قدرته على الثبات بإبداعاته المتميزة.. التطور والحداثة لا تلغيان جوهر الشعر ولا جماليته ولا حتى موسيقاه، إنما تشذبانه من الاضطراب ذي الطابع الشخصاني الذي لم يفهمه البعض لكثافته ورمزيته... عليتا ان نقرا الكثير لكي نتعلم اكثر ومن ثم نتمكن من إبداء الرأي حتى لا نخرج بالتالي بخفي حنين !!

الشعر العمودي ثابت لا غبار عليه، وهو يتربع عبر التاريخ مكانته القيمية ومنذ ما قبل المعلقات.. وأن الحداثة والتحديث لا يعني، كما أسلفنا مراراً، التقليل من قامة الشعر العمودي، إنما رفع الشوائب المتراكمات التي يتركها البعض من الذين يكتبون الشعر على سجيتهم دونما إمعان بمقومات الشعر العمودي وشروطه، ولا يقصد من ذلك الإساءة إنما حماية النص من المدخلات والشوائب عن طريق تفكيك الأنماط والقوالب الشخصانية التي تلبست قامات بعض الشعراء، وهو عمل بارع يتجلى في قوة النص وجماليته وإيقاعه الساحر وموسيقاه وإبداعه في غائيته.

***

د. جودت صالح

29/12/2024

 

  يا صديقي ورَفيقَ الكلِمَةِ الرصِينَةِ،

اِعلَم أنَّ الكلِمَةَ، في جَوْهَرِها، هي المِيثاقُ الأوَّلُ بَينَ الإنسانِ والعَالَمِ، وهي القَبَسُ الذي أضاءَ دُروبَ المَعرِفَةِ مُنذُ الأَزَلِ. لقد كانت الكلِمَةُ وسيلَةَ الإنسانِ لفَهمِ الكَونِ، وحِوارِه معَ ذاتِهِ، وبِناءِ الجُسورِ بَينَ العُقولِ والقُلوبِ. ولكن، ماذا يَحدُثُ حينَ تَفقِدُ الكلِمَةُ هَيبتَها؟ حينَ تَتحَوَّلُ من أداةِ بِناءٍ إلى مِعولِ هَدمٍ؟

إنَّ فُقدانَ الكلِمَةِ لِهَيبتِها ليسَ مُجرَّدَ تَراجُعٍ في قِيمَتِها البَلاغِيَّةِ أو تَأثيرِها التَّعبِيرِيِّ، بل هوَ انهيارٌ في مَنظومَةِ القِيمِ التي تَدعَمُها. فحينَ تُستَبدَلُ الكلِمَةُ الصَّادقَةُ بِالنِّفاقِ، وتُستَغلُّ لإضفاءِ الشَّرعِيَّةِ على الجَهلِ والخُرافَةِ، فإنَّ ذلكَ يَعدُّ إعلانًا صَريحًا عن انحِدارِ العَقلِ الجَمعِيِّ للمُجتَمَعِ.

إنَّ هَيبةَ الكلِمَةِ تُستَمَدُّ من احترامِ العَقلِ الذي يُنتِجُها والعَقلِ الذي يَستَقبِلُها. ولكن، في مُجتَمَعَاتِنا العَرَبِيَّةِ، كثيرًا ما نَرى الكلِمَةَ تُستَباحُ لأغراضٍ شَخصِيَّةٍ أو طائِفِيَّةٍ أو سِياسِيَّةٍ، فتُصبِحُ أداةً لِلتلاعُبِ بدلاً مِن أن تَكونَ مَنارَةً للهِدايَةِ. الكلِمَةُ التي كانت تُلقِي الضَّوءَ على الحَقائِقِ، باتَت تُستخدَمُ لِتشويهِها. الكلِمَةُ التي كانت تُحارِبُ الظَّلامَ، أصبحَت تُزيِّفُهُ في قَوالِبَ بَراقةٍ مِنَ الوَهمِ.

الكلِمَةُ والخُرافَةُ: تَصادُمٌ بينَ العَقلِ والفَوضَى

اِعلَم يا صديقي،

حينَ تُصبِحُ الكلِمَةُ وسيلَةً لإعلاءِ شأنِ الخُرافَةِ، فإنَّها تَخرُجُ مِن دائرةِ العَقلِ إلى فَضاءِ الفَوضَى. تُستَخدَمُ لِتزييفِ الوَعيِ، ولِلتلاعُبِ بِمشاعِرِ العامَّةِ. كم مِن كَلمَةٍ زُرِعَت في أرضٍ خَصِبَةٍ بالجَهلِ، فأثمَرَت أوهامًا دَفَعَتِ المُجتَمَعاتِ إلى التَّقهقُرِ؟ وكم مِن كَلمَةٍ خاطِئَةٍ أصبحَت حَجرَ الأساسِ لأساطيرَ بالِيَةٍ، نُدافِعُ عَنها كأنَّها مُسلَّماتٌ؟

إنَّ احترامَ الكلِمَةِ يَتطَلَّبُ أن تَكونَ مَحكومَةً بِمَنطِقِ العَقلِ والعِلمِ. لكنَّ الخُرافَةَ تَزدهِرُ عندما تُستخدَمُ الكلِمَةُ كأداةٍ لِتغييِبِ التَّفكيرِ النَّقديِّ. فبدلاً مِن أن تُثيرَ التَّساؤُلاتِ، تُغلِقُ الأبوابَ أمامَ أيِّ حِوارٍ. وبدلاً مِن أن تَكونَ مِفتاحًا للمَعرِفَةِ، تُصبِحُ قَيدًا يُعيقُ الحُرِّيَّةَ الفِكرِيَّةَ.

الكلِمَةُ والجَهلُ: تَحالُفٌ ضدَّ النَّهضَةِ

الجَهلُ ليسَ مُجرَّدَ غِيابٍ للمَعرِفَةِ، بل هو حالةٌ نَفسِيَّةٌ واجتِماعِيَّةٌ تَجعَلُ الإنسانَ يَقبَلُ بِما يُلقَى عليهِ دونَ تَمحيصٍ. حينَ يَتحالَفُ الجَهلُ مع الكلِمَةِ، تُصبِحُ الأخيرةُ عَدوًا للإنسانِ.

فالجَهلُ يُضفِي عليها سُلطةً زائِفَةً، ويَمنَحُها قُوَّةً خارِقَةً تُؤثِّرُ في عُقولِ العامَّةِ. إنَّها كَلِماتٌ بِلا جَوهَرٍ، أشبَهُ بِفقاعاتِ الهَواءِ التي تَلمَعُ في الضَّوءِ، لكنها تَتلاشَى عندَ أوَّلِ لمسةٍ.

في ظِلِّ هذا التَّحالُفِ، تُصبِحُ الكلِمَةُ أداةً لِلإقصاءِ بدلاً مِنَ الشُّمولِيَّةِ، وأداةً لِلتَّفرِقَةِ بدلاً مِنَ الوَحدةِ. كم مِن كَلِمَةٍ أُطلِقَت لِتُشعِلَ الفِتنَ، وتُقسِّمَ المُجتَمَعاتِ، وتَزرَعَ الكراهِيَةَ؟ وكم مِن كَلِمَةٍ استُخدِمَت لِتَبريرِ الظُّلمِ والاستِبدادِ؟

إنَّ استِعادَةَ هَيبةِ الكلِمَةِ ليست مُجرَّدَ مَسألَةٍ لُغَوِيَّةٍ أو أَدَبِيَّةٍ، بل هي مَشروعٌ فِكرِيٌّ وأَخلاقِيٌّ وإنسانِيٌّ. إنَّها تَتطَلَّبُ إعادةَ بِنَاءِ العَلاقةِ بَينَ الكلِمَةِ والعَقلِ، وبَينَ الكلِمَةِ والحَقِيقَةِ. الكلِمَةُ الصَّادِقَةُ لا تُولَدُ إلَّا في بِيئَةٍ تَحترِمُ الفِكرَ الحُرَّ، وتُشَجِّعُ التَّساؤُلَ، وتُقدِّسُ المَعرِفَةَ.

علَينا أن نُعيدَ للكلِمَةِ مَعناهَا الحَقِيقِيَّ: أن تَكونَ صَوتًا لِلحَقِيقَةِ، وسِلاحًا في وَجهِ الظُّلمِ، وجِسرًا بَينَ العُقولِ. علَينا أن نُعلِّمَ الأَجيالَ أنَّ الكلِمَةَ ليست مُجرَّدَ أداةِ تَواصُلٍ، بل هي مَسؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ. مَسؤُولِيَّةٌ تَحترِمُ العَقلَ الذي يُبدِعُها، والعَقلَ الذي يَتلقَّاها.

يا صديقي،

إنَّ فُقدانَ الكلِمَةِ لِهَيبتِها هو انعِكاسٌ لأَزمَةٍ أَعمَقَ في مُجتَمَعاتِنا: أَزمَةُ ثِقَةٍ بِالحَقِيقَةِ، وأَزمَةُ احتِرامٍ لِلعَقلِ، وأَزمَةُ وَعْيٍ بِالمَسؤُولِيَّةِ. ولن نَستَطيعَ استِعادَةَ هَيبةِ الكلِمَةِ إلَّا إذا واجَهْنا هذهِ الأَزَماتِ بِجُرأةٍ وحِكمَةٍ.

 أوَّاهُ مِن جَهلٍ يُقيِّدُ فِكرَةً

ويُشيِّدُ الأَوهامَ فوقَ مَعابِدِه 

والفِكرُ إنْ لَم يُوقِظِ القَلبَ النَّدِي

ظَلَّتْ ظِلالُ الجَهلِ فوقَ مَوائِدِه

  وختامًا، الكلِمَةُ هي جَوهرُ الإنسانِ. فهي ما يُميِّزُهُ عن باقي الكائِناتِ، وهي ما يُخلِّدُ ذِكرَاهُ. فإذا فَقدَتِ الكلِمَةُ هَيبتَها، فَقدَ الإنسانُ جُزءًا مِن إنسانِيَّتِهِ. فَلنُعِدْ لِلكلِمَةِ هَيبتَها، لِنُعيدَ لِأنفُسِنا كَرامَتَنا، ولِنُعيدَ لِمُجتَمَعاتِنا أَمَلَها.

ودُمتَ في أمانٍ وسلامٍ.

***

بقلم: د. علي الطائي

5-1-2025

إلى فارسِ الكلمةِ وسليلِ الحروفِ، يا مَن تسكنُ الهيبةُ في مُحيّاكَ، وتنبضُ قُدسيّةُ الكلمةِ بينَ يديكَ ورؤاك، أكتُبُ إليكَ رسالتي هذهِ وكأنني أنقشُها على صفحاتِ الروحِ، لا الورقِ، وأغزلُها من خيوطِ الفكرِ لا الحبرِ. هي رسالةٌ تُسافِرُ عبرَ أفقِ المعاني، وترسو على شواطئِ الحِكمةِ، عسى أن تجِدَ في مرافئِ قلبِكَ لها مقامًا، وفي رِحابِ عقلِكَ لها مُتكأً.

أما بعد،

الكلمةُ، يا صديقي، ليستْ مجرّدَ نُطقٍ يتردّدُ بينَ الشِّفاهِ، ولا حروفًا تصطفُّ في سطورٍ بلا غايةٍ. الكلمةُ، كما أُؤمنُ، هي حياةٌ أُخرى تعيشُها العقولُ، هي مفتاحُ الأسرارِ، وهي الرّمزُ الذي يُحيلُ الجمادَ إلى نبضٍ، ويُحوِّلُ الصّمتَ إلى لُغةٍ تتحدّثُ بلغةِ القلبِ والعقلِ معًا.

أليستِ الكلمةُ هي التي خُلِقَ بها الكونُ؟ ألمْ تكنْ "كُنْ" هي أُولى الكلماتِ، وأبلغُ الأفعالِ، التي أعطتِ الوجودَ معناهُ، والعَدَمَ حدودَهُ؟ تلكَ الكلمةُ التي لا تحتاجُ إلى تكلُّفٍ أو تزييفٍ، بل تحمِلُ في ذاتِها قُدسيةَ الوضوحِ وإعجازَ البساطةِ.

يا فارسَ الأدبِ، إنّ الأديبَ هو سيّدُ الكلمةِ، وراعيها، ومهندسُها. هو مَن يغزلُ من خيوطِها نسيجًا يُدفئُ الأرواحَ ويسترُ عُريَ الأفكارِ. الأديبُ لا يكتبُ فقطْ ليملأَ الصفحاتِ، بل ليملأَ الفَراغاتِ في العقولِ والقلوبِ. هو مَن يضعُ الكلمةَ في مكانِها الصحيحِ، ويسند إليها الفعلَ الربيح، كأنّهُ يبني بها جِسرًا بينَ العالمِ الماديِّ والعالمِ الرُّوحيِّ.

إنَّ الكلمةَ، يا صديقي، أشبهُ بسلاحٍ ذي حدّين. هي دواءٌ إذا أحسنّا استخدامَها، وسُمٌّ إذا جهلنا حقيقتَها. إنّها تُحيي وتُميتُ، تبني وتهدمُ. كم مِن كلمةٍ ألقتْ في نفوسِ سامعيها الأملَ، وكم مِن كلمةٍ أُخرى طعنتْ قلبًا لم يكنْ لها عدوًّا. هنا تكمنُ المسؤوليةُ، وهنا يظهرُ الفارقُ بينَ مَن يكتبُ مِن أجلِ المعنى ومَن يكتبُ مِن أجلِ الفراغِ.

أتدري، يا فارسُ، ما يجعلُ للكلمةِ قُدسيةً خاصّةً عندَ الأديبِ؟ إنّها صدقُها. الكلمةُ الصادقةُ لا تحتاجُ إلى زينةٍ، ولا تتعكزُ على تكلُّفٍ. هي كالنجمِ في السماءِ، يُضيءُ بريقُهُ مِن ذاتِهِ، ويهدي التائهينَ في عتمةِ الليلِ ومتاهاته. الكلمةُ الصادقةُ هي التي تخرُجُ مِن القلبِ، فتصلُ إلى القلبِ بلا وسيطٍ. أمّا الكلمةُ المُزيّفةُ، فهي كالسرابِ، تبدو كالماءِ للظمآنِ، لكنّها لا تروي، بل تزيدُهُ عطشًا.

الأديبُ يا صديقي كالعابدِ في محرابِهِ، يقفُ أمامَ الكلمةِ بخشوعٍ، يتأمّلُها، يُعيدُ صياغتَها، يزنُها بموازينِ الحِكمةِ، ويسقيها من ينابيعِ إحساسِهِ، ومن أصيلِ مِراسه. الكلمةُ عندَ الأديبِ ليستْ مجرّدَ وسيلةٍ للتعبيرِ، بل هي غايةٌ في حدِّ ذاتِها، بل ربما ترسمُ حدَّ المصير. إنّها الحياةُ التي يعيشُها، والمِرآةُ التي يرى فيها ذاتَهُ والعالَمَ.

ومن هنا، فإنَّ للكلمةِ مسؤوليةً عظيمةً. فالكلمةُ التي يكتبُها الأديبُ ليستْ ملكَهُ وحدَهُ. إنّها تُسافرُ عبرَ الأزمنةِ، وتُصبحُ جزءًا مِن ذاكرةِ الإنسانيةِ. كمْ مِن كلماتٍ قالَها الحُكماءُ والأدباءُ في الماضي، ولا زلنا نُردّدُها اليومَ، كأنّها قيلتِ الآنَ. هذهِ هي عظمةُ الكلمةِ، وهذهِ هي مسؤوليتُها.

يا فارسُ، احفَظْ قلمَكَ مِن الانجرارِ وراءَ الأهواءِ، ولا تجعلِ الكلمةَ تسقُطُ في مستنقعاتِ الزّيفِ. اجعلْها نورًا يُضيءُ الطريقَ للآخرينَ، لا نارًا تُحرقُهُم. اكتُبْ مِن أجلِ الحقيقةِ، مِن أجلِ الجمالِ، مِن أجلِ الإنسانيةِ. واجعلْ قلمَكَ كالسيفِ في يدِ المُحاربِ، لا يضربُ إلّا دفاعًا عن الحقِّ لا يداهِنُ أو يوارِب، ولا يُرفعُ إلّا مِن أجلِ العدلِ، وفي سبيلِ البذل.

إنّ الكلمةَ، كما أراها، تُشبِهُ العطرَ. العطرُ الصافي يتركُ أثرًا لا يُنسى، كذلكَ الكلمةُ الصافيةُ تُخلّدُ في الأذهانِ والقلوبِ. أمّا الكلمةُ المُزيّفةُ، فلا أثرَ لها، كأنّها غُبارٌ تذرُوهُ الرياحُ. الأديبُ الحقيقيُّ هو مَن يجعلُ كلماتِهِ عطرًا دائمًا، لا يزولُ مع الزمنِ، ولا يبهتُ مع التكرارِ.

ختامًا، يا صديقي، كُنْ للكلمةِ أمينًا، وكُنْ لها راعيًا. لا تكتُبْ إلّا ما يُشرّفُ قلمَكَ، ولا تقُلْ إلّا ما يُعلي قدرَكَ. تذكّرْ أنّ الكلمةَ تبقى بعدَ أن يرحلَ صاحبُها، وأنّها تُخلّدُ في ذاكرةِ التاريخِ، إمّا شاهدًا على عظمةِ قائلِها، أو دليلًا على سقوطِهِ.

والحرفُ إنْ شُحذَ الوفاءُ بجوفهِ=يُحيي القلوبَ وفاؤه، يمحو الألمْ

لا تُرسلِ الألفاظَ زيفًا إنّها=تحيا بصدقٍ أو تموتُ بلا قيمْ

دمتَ للكلمةِ نبضًا، وللأدبِ شعلةً لا تنطفئُ.

صديقُكَ المُخلصُ، عليّ.

***

بقلم: د. علي الطائي

25-12-2024

 

علمتني التجارب ألاَّ أُعير شأنا في ملاقاة بؤر العواصف المتدفقة بلا اتجاه، فالمواقف الرزينة تصنع عودة الرجال. علمتني الحياة أَلاَّ أُحارب الطواحين الهوائية السفلية، لأن الفراغ في الجاذبية يصنع الرفعة والأنفة. علمتني التجارب رأفة منَّا من الضربة القاضية، حتى لا نسقط خصومنا في تجويف المنحدر الفراغ (جُرُف هَار) بلا منتهى.

بالصدق تعلمت الابتعاد عن البوليميك الوبائي، وممانعة التخندق في المواقف المتغيرة، والسفسطة الوبائية بالتحجر والدوغمائية. علمتنا التجارب أن نصفق سبعا للسنابل الحاملات مائة حبة، وهي تتراقص في انحناءة التواضع، وتوزيع التحية بلا تمايزات ولا استثناءات، وبلا امتيازات التموقعات. علمتنا الحياة ألا تنكسر مشاعرنا الذاتية مهما كان الضغط التفجيري، وأن نُمارس تفكير الانزياح عن مَناطقةِ تفكير قطيع العقل الجمعي بُعْدا بحساب زوايا الأضلاع المتقايسة.852 mohsen

تعلمت من أبي الفلاح (رحمه الله)، أن العقل الجمعي دائم التغيير والتغير، ويمثل نصب تذكار الغوغاء في مدينة الملاهي الباذخة. علمتنا الحياة أن الأخلاق ثابتة، والقيم متحولة، فمَّا كان بالأمس القريب مُحرما، بات اليوم بعكس المتناقضات من الحلال المباح، و قد يصبح من الريع المغدق بالمناولة، والتمركز حول الذات النفعية.

تعلمت من هَمِّ الحياة، رمي حروفي وكتاباتي مستقلة وأنيقة،  وأَلاَّ تبحث عن صناع التبعية، والوفاء بالتعيين للمريدين. قد تكون كلماتي تُخلخل التموقعات ورسم الخرائط البديلة، وقد تكون من حكمة الرزانة والوفاء لمنطق الإعتقاد. علمتنا الحياة ألا أعير التمثلات الجمعية شأنا، وأن أُلزم عقلي البحث في جوهر الأحداث الشبيهة والمتناقضة بالتباين، وأَلاَّ أوازي بين التدبير والتسيير والعلاقات الاجتماعية الفُضلى. تعلمت من التجارب، أن الأشكال الأولية للحياة تُستنسخُ من براءة الطفولة غير المنسية، ومن تصحيح أخطاء التصوريين الفوضويين للمعرفة والأفكار والمتناهيات الممكنة.

 علمتني التجربة النظر في الضمائر الفردية (أنا) التي تنشط في (هَامَةِ) الذاتية، وتتحول بالضرورة إلى متمثلات جماعية بعقلية القطيع المستورد، وبلا دمغة جمارك.

علمتنا التجارب الحياتية أن الطبيعة البشرية هي جمع بين الكائن الفردي (الأناني) والكائن الجمعي (الاندماجي). تعلمت العيش والتعايش في خنادق ثنائية الكيانين المختلفين. علمتني الحياة التعب في التفكير ونزع قياسات الشر عن كلماتي.علمتني الحياة أنَّ نَفَسَ الطَّبالِ والنَّفَّارِ والغَيَّاطِ  محدود الإتساع، وقد يصنع الصوت الرنان، ولا يصنع المواقف العادلة....

***

محسن الأكرمين

يمتاز النسيج الاجتماعي والثقافي في جمهورية لاوس الديمقراطية الشعبية بالتنوع والغنى والتناغم، وهو متأتي عبر تاريخ طويل من التفاعل والتعايش السلمي، ويضم الكثير من المجتمعات المحلية والمجموعات العرقية المتميزة التي تشكل مناطق استيطانها الحجر الأساس في السياحة العرقية في البلاد (نحو 160 مجموعة عرقية تتحدث ب 82 لغة)، وتجذب فئة واسعة من السياح ومن مختلف بلدان العالم، بالإضافة إلى القرى العرقية الخاصة بها، والتي تمثل مغريات سياحية مهمة ونقاط جذب قوية على خارطة السياحة العرقية في البلاد. وهي موزعة بالدرجة الأساس في الجنوب حيث هضبة (بيلافين) البركانية التي تحتل مساحة (50) كم 2 وبارتفاع (3500) قدم، وضمن محافظة (تشامباسك). بالإضافة إلى أجزاء من (سيكونغ) و(أتابيو) التي تقطنها مجموعة (لافين) العرقية التي تتميز بمهارات فائقة في أعمال الخشب ومنذ غابر الأجيال، وفنون النحت الإبداعية الراقية والأصيلة المرتبطة بهذه المادة الجميلة، والمستلهمة خصائصها الجمالية من الحضارات القديمة التي شهدتها المنطقة، ووفق مرجعيات عتيقة وتقاليد ضاربة في التاريخ، وتعمل أيضا في زراعة البن والهيل والقرفة والموز والمطاط والقطن والفلفل والذرة والأرز والبطاطا الايرلندية. بالإضافة إلى المحافظات الشمالية مثل (بوكيو) المعروفة بمناجم الأحجار الكريمة وغير الكريمة، وتقطنها (34) مجموعة عرقية. وتمثل محمية طبيعية غنية بمختلف الأنظمة الايكولوجية المتميزة. وأيضا (بونغسالي) وفيها معرض خاص بالقبائل. وأيضا في (لوانغ نامثا) حيث مجموعة (خمو) العرقية و(يكو) و(همونغ) و(ياو). ومن القرى العرقية في لاوس تلك الموجودة بين (كيو) و(فو خي مين) في (سايابولي)، و(بان نام جان) في (لوانغ برابانغ)، و(بان ناخين) في (ساينيابالي). وغيرها كثيرة كانت الأساس في إيجاد وتطوير منتجات سياحية جديدة مرتبطة بالسياحة العرقية في لاوس التي صارت تجذب السياح الأجانب من كل أصقاع العالم، وبخاصة من الصين وكوريا الجنوبية واليابان الذين يعرف عنهم باهتماماتهم الواسعة بالبيئة، الأمر الذي رسخ مكانة هذا البلد على الخارطة السياحية للمنطقة على نحو بين.

***

بنيامين يوخنا دانيال

فيينتيان – لاوس

في 21 – 11 – 2015.

 

أَي صَدِيقِي،

 اِعْلَمْ أَنَّ الكَلِمَةَ إِذَا تَجَسَّدَتْ إِنسَانًا، تَحَوَّلَتْ إِلَى تَجْرِبَةٍ تَتَنَفَّسُ. لَيسَتْ جَسَدًا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، بَلْ كِيَانًا يُعِيدُ تَشْكِيلَ الوَاقِعِ مِنْ حَولِهِ. الكَلِمَةُ التِي تَنْبِضُ بِالحَيَاةِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صَوْتٍ يُسْمَعُ، بَلْ هِيَ فِكْرَةٌ تَنْمُو كَدَوَّامَةٍ، تَبْدَأُ صَغِيرَةً ثُمَّ تَتَوَسَّعُ لِتَبْتَلِعَ مَعْنَى الوُجُودِ ذَاتَهُ. هِيَ ذَاكَ الحُضُورُ الصَّامِتُ الذِي يُثْقِلُ الفَضَاءَ، حَيْثُ لَا يُدْرِكُ المَرْءُ وُجُودَهَا إِلَّا حِينَ يُخْتَبَرُ أَثَرُهَا العَمِيقُ.

الكَلِمَةُ حِينَ تَتَجَسَّدُ إِنسَانًا، تَكُونُ الجَدَلَ المُتَوَاصِلَ بَيْنَ الأَنَا وَالآخَرِ، حَيْثُ تَتَصَارَعُ فِي دَاخِلِهَا مَفَاهِيمُ الحُرِّيَةِ وَالقُيُودِ، الحَقِيقَةِ وَالوَهْمِ. تَتَجَلَّى كَمِرْآةٍ تَعْكِسُ تَنَاقُضَاتِنَا البَشَرِيَّة: تُعَرِّي زَيْفَ الأَقْنِعَةِ وَتُوَاجِهُ الذَّاتَ بِجُرْأَةٍ لَا يَمْلِكُهَا سِوَى مَنْ وُلِدَ مِنْ رَحِمِ الصِّدْقِ.

إِنَّهَا الحَيْرَةُ المُتَجَسِّدَةُ، ذَلِكَ السُّؤَالُ الذِي لَا يَجِدُ إِجَابَةً نِهَائِيَّةً، لَكِنَّهُ يَفْتَحُ أَبْوَابًا نَحْوَ مَزِيدٍ مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ.

هِيَ اللايَقِينُ الذِي يمنَحُ الحَيَاةَ مَعْنَاهَا، تِلْكَ اللَّحْظَةُ التِي تُدْرِكُ فِيهَا أَنَّ الثَّبَاتَ مُجَرَّدُ وَهْمٍ، وَأَنَّ التَّحَوُّلَ هُوَ الحَقِيقَةُ الوَحِيدَةُ.

 حِينَ تُصْبِحُ الكَلِمَةُ إِنسَانًا، تُولَدُ فِي قَلْبِهَا الفَجْوَةُ التِي تَفْصِلُ بَيْنَ المَعْنَى وَاللُّغَةِ. لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَسِيطٍ لِنَقْلِ الأَفْكَارِ، بَلْ هِيَ التَّجْرِبَةُ التِي تَكْشِفُ عَجْزَ الكَلِمَاتِ ذَاتِهَا عَنْ احْتِوَاءِ الحَقِيقَةِ.

إِذَا كَانَتِ الكَلِمَةُ إِنسَانًا، فَهِيَ الغُرْبَةُ المُسْتَمِرَّةُ التِي تَسْكُنُ بَيْنَنَا. لَيْسَتْ غُرْبَةَ المَكَانِ، بَلْ غُرْبَةَ المَعْنَى، ذَلِكَ الشُّعُورُ بِأَنَّ الوُجُودَ ذَاتَهُ لُغْزٌ لَا يَنْكَشِفُ. الكَلِمَةُ المُتَجَسِّدَةُ تَحْمِلُ فِي مَلَامِحِهَا أَلَمَ المَعْرِفَةِ، ذَلِكَ العِبْءَ الذِي يَجْعَلُهَا تُدْرِكُ أَنَّ كُلَّ إِجَابَةٍ تَلِدُ سُؤَالًا جَدِيدًا.

هِيَ الرِّحْلَةُ التِي لَا تَنْتَهِي، حَيْثُ كُلُّ خُطْوَةٍ تُقَرِّبُنَا مِنَ الفَهْمِ، لَكِنَّهَا تَزِيدُ المَسَافَةَ عَنِ اليَقِينِ.

الكَلِمَةُ-الإِنسَانُ لَا تَمْشِي بِخُطًى مُعْتَادَةٍ، بَلْ تَسِيرُ فَوْقَ حَبْلٍ مُشَدُّودٍ بَيْنَ الفَنَاءِ وَالخُلُودِ. هِيَ لَحْظَةُ التَّوَازُنِ المُسْتَحِيلَةِ، حَيْثُ تَقِفُ عَلَى حَافَّةِ الهَاوِيَةِ دُونَ أَنْ تَسْقُطَ، لِأَنَّ سُقُوطَهَا يَعْنِي انْطِفَاءَ المَعْنَى، وَوُجُودَهَا يَعْنِي اسْتِمْرَارَ الحَرَكَةِ الدَّؤُوبَةِ نَحْوَ اللَّانِهَائِيِّ.

فِي وَجْهِ الكَلِمَةِ-الإِنسَانِ، تَرَى خَرَائِطَ الزَّمَنِ: خُطُوطٌ تُظْهِرُ انْتِصَارَاتِ الرُّوحِ وَانْكِسَارَاتِهَا. لَيْسَتِ الجَمَالَ السَّطْحِيَّ الذِي تَأْلَفُهُ العَيْنُ، بَلِ الجَمَالَ المُرْبِكَ الذِي يُشْعِلُ فِيكَ أَسْئِلَةً أَكْثَرَ مِمَّا يُمْنَحُكَ إِجَابَاتٍ.

عَيْنَاهَا لَيْسَتْ نَافِذَةً إِلَى الرُّوحِ، بَلْ هُمَا هَاوِيَةٌ تَنْجَذِبُ إِلَيْهَا، حَيْثُ تَرَى انْعِكَاسًا لِمَا تُخْفِيهِ أَعْمَاقُكَ أَنْتَ.

حِينَ تَتَحَدَّثُ، لَا تَسْمَعُ صَوْتًا، بَلْ تَشْعُرُ بِذَبْذَبَاتٍ تُحَرِّكُ أَرْكَانَكَ. حَدِيثُهَا لَيْسَ جُمَلًا مُكْتَمِلَةً، بَلْ شَظَايَا مِنَ المَعَانِي تَتَّحِدُ لِتَخْلُقَ لُغَةً جَدِيدَةً، لُغَةً لَا تُقَالُ بَلْ تُحَسُّ. عِنْدَمَا تَصْمُتُ، يَكُونُ صَمْتُهَا نِدَاءً. لَيْسَ الفَرَاغَ بَلْ حُضُورًا يُعِيدُ تَشْكِيلَ الهَوَاءِ مِنْ حَوْلِهَا.

حِينَ تَتَمَثَّلُ الكَلِمَةُ بِإِنسَانٍ، لَا تَبْقَى مُجَرَّدَ كِيَانٍ يَسْتَهْلِكُ الزَّمَنَ، بَلْ تُصْبِحُ صَانِعَةً لَهُ. هِيَ الفِعْلُ الذِي يُحْدِثُ تَغْيِيرًا، لَيْسَ بِسَطْوَةِ القُوَّةِ، بَلْ بِعُمْقِ التَّأْثِيرِ.

إِنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تَزْرَعَ الشَّكَّ فِي أَرْضِ اليَقِينِ، وَأَنْ تُزِيلَ ثِقَلَ المَعَانِي المُتَكَلِّسَةِ لِتُفْسِحَ المَجَالَ لِأَفْكَارٍ جَدِيدَةٍ تَنْبِضُ بِالحَيَاةِ.

الكَلِمَةُ-الإِنسَانُ تَعِيشُ فِي مُفَارَقَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ؛ فَهِيَ تَشْتَاقُ لِلثَّبَاتِ لَكِنَّهَا تُدْرِكُ أَنَّ الثَّبَاتَ مَوْتٌ. تَجِدُ قُوَّتَهَا فِي الضَّعْفِ، وَوُضُوحَهَا فِي الغُمُوضِ. هِيَ ذَلِكَ الهَامِشُ الذِي يَتَحَدَّى المَرْكَزَ، الظِّلُّ الذِي يُرَافِقُ النُّورَ، لَكِنَّهُ لَا يَنْتَمِي إِلَيْهِ.

الكَلِمَةُ التِي تَتَمَثَّلُ بِإِنسَانٍ لَا تَعِيشُ لِنَفْسِهَا، بَلْ تَحْمِلُ عِبْءَ أَنْ تَكُونَ جِسْرًا بَيْنَ العَوَالِمِ. هِيَ الوَسِيطُ بَينَ المَادِّيِّ وَاللَّامَادِّيِّ، بَيْنَ المَرْئِيِّ وَالمَخْفِيِّ. وُجُودُهَا دَعْوَةٌ لِلتَّأَمُّلِ فِي عُمْقِ الحَيَاةِ، لِتَحْطِيمِ القَوَالِبِ التِي تَسْجُنُ الأَفْكَارَ، وَلِلْتَحَرُّرِ مِنْ قُيُودِ اللُّغَةِ التِي تَجْعَلُنَا نَعْتَقِدُ أَنَّنَا فَهِمْنَا بَيْنَمَا نَحْنُ غَارِقُونَ فِي الجَهْلِ.

هِيَ مَنْ تُذَكِّرُكَ أَنَّ الإِنسَانَ لَا يُقَاسُ بِمَا يَمْلِكُ أَوْ يَفْعَلُ، بَلْ بِمَا يَحْمِلُ مِنْ مَعَانٍ تَتَجَاوَزُ ذَاتَهُ. هِيَ الكِيَانُ الذِي يُعِيدُ تَعْرِيفَ الإِنسَانِيَّةِ، لَيْسَ كَمُجَرَّدِ وُجُودٍ بَيُولُوجِيٍّ، بَلْ كَطَاقَةٍ قَادِرَةٍ عَلَى صُنْعِ الوَاقِعِ وَتَغْيِيرِهِ.

وختامًا، يا صديقي،

حِينَ تُصْبِحُ الكَلِمَةُ إِنسَانًا، تُصْبِحُ فِكْرَةً خَالِدَةً تَتَحَدَّى الفَنَاءَ. لَيْسَتْ كَائِنًا عَابِرًا، بَلْ كِيَانًا يَعِيشُ فِي كُلِّ مَنْ يَتَأَمَّلُهُ. هِيَ أَنْتَ حِينَ تَصْمُتُ لِتَسْمَعَ صَوْتَ المَعْنَى فِي دَاخِلِكَ. هِيَ أَنَا حِينَ أَكْتُبُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، مُحَاوِلَةً أَنْ أَقْبِضَ عَلَى المُسْتَحِيلِ. هِيَ نَحْنُ، فِي كُلِّ لَحْظَةٍ نُحَاوِلُ فِيهَا فَهْمَ الحَيَاةِ بِمَا يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الإِدْرَاكِ.

وتقبَّل مني أجملَ التحيات.

***

بقلم: د. علي الطائي

3-1-2025

يا إلهي! ما الذي سيجري؟ أشعر باقتراب القيامة إنه صباح رمادي اللون والنكهة كأن الطبيعة غاضبة حَدّ الجنون.. صفير رياح الهَيْف ينذر بالموت، والأرض عطشى متشققة تتلظى من شُحّ الأمطار وتتوسل السماء كي تُسعفها بقطرة ماء.. والشمس احتجبت خلف السُحب السوداء التي غَشَّتها.. برق ورعد بلا مطر.. بلا مطر!! تناهى إلى مسامعي فجأة صدى أصوات غامضة لا أميزها كأنها محاورة قادمة من بين الغيوم...

- ما الذي يضنيك يا رفيق العمر؟ أرى صدرك العامر بالآهات والزفرات كأنك تحتضر.. هلمَّ إليّ غرّقني بغيثك، وفجر ينابيع قلبك ولنمطر معاً كي تهدأ النفوس وتغمرها السكينة.. فأنا أتألم معك ولأجلك.. هلمَّ.. عطشي يشتاق إلى نضح السماء..

- لا.. لن أمطر يا غيمتي السمراء على الأرض الجاحدة! كي لا تصطبغ مياهي العذبة بدماء البشر.. ألا تشاهدين ما يجري بينهم؟ يتقاتلون ويتذابحون باسم الله، وكأن الله أحل الدم والقتل!.. هل الشرائع السماوية تشرّع الظلم؟ ألا يفهمون بأنهم وحدة متصلة لو تأذى أحدهم لتألم الآخر؟؟ إنهم جزء لا يتجزأ كالبنيان المرصوص، مَثل الجسد الواحد يشد بعضه بعضا وفي توادهم وتراحمهـم وتعاطفهم، ومثل الزهور والندى والطبيعة المُتآزرة.. فالقتل لا يجر إلا القتل..

- آه يا حبيبي.. تقول الحق كل الحق إنما ما هو ذنب الأرض المتعطشة لعطائنا؟ وما هو ذنب الزهور، والنباتات، والطيور، والأعشاب؟ ستموت الطبيعة ، إن لم تُغدق عليها من مُزْنك..

إن الله محبة، وقد منحنا الحب في الوجود وفي هذه السماء الفردوسية، وعلمنا الكثير من العطايا إنما البشر يغضّون الطرف عنها لأنهم لا يدركون ما يفعلون أو يدركون ويفعلونه عمدا.. لا بد من الصبر الجميل، والتسامح، واستمرار العطاء.. فهلمَّ لنمطر معاً محبة وعطاء على مدى الزمن..

- كيف لا يعرفون يا غيمتي السمراء؟ ألم يرسل الله أنبياءه ورسله لهم ليتعظوا؟ ألم يفهموا بأنه لا جدوى من الحياة إلا بالمحبة النابعة من القلوب الخالصة، وإن كل شيء على وجه الأرض زائل، وسيرحلون يوما حُفاة عُراة، ولا يبقى من آثارهم سوى ذكرى أعمالهم ومحاسنهم الطيبة ومحبتهم لا غير؟؟

- هناك منهم من يتعظ وقد مسحه النور، وهناك ما زال في الظلام يئن وليس لديه الاستعداد الكافي ليستمع إلى صوت الله لنشفق عليهم لعلهم يرجعون.. والله يُشرق بشمسه على الأخيار والأشرار، ونحن رموز لله في السماء وعلى هذه على الأرض.. دعنا نمطر ولا تيأس فبالأمل، والإيمان، والحب تُصنع المعجزات.....

- نعم يا عزيزتي يبدو أن الغضب تَملّكني وأنساني ذاتي.. كم أحبني الله بمحبتك التي لا تنضب ولا تزول.. أشكرك لتذكيري بذاتي.. كم أحبك ملء الحب.. فلنمطر معا ونُغنّي للحياة جميعا...

 ما هي إلا بضع ثواني حتى تعاظم لمعان البرق واشتدّ قصف الرعود، وبَدَت السماء لوحة ناطقة بالخير الآتي، وهطلت الأمطار بغزارة.. ففرحت الأرض، والفلاحون الطيبون، والطبيعية فرحا غامرا بهذا اللقاء الحميم.. وذهب الخوف من صدورهم وعيونهم على محاصيلهم..

فصارت الحياة جميلة وخصبة، والسماء صافية، والشمس تغازل النسيم، وارتفع صدى أصوات الناس عاليا، وهم يرددون: الله محبة.. الله محبة..

***

سلوى فرح - كندا

 

عاشت الحروشية، الراعية الأمازيغية، بنفس متغلبة على مساوئ وشرور الحياة في بلدتها الصغيرة في جنوب إمارة سيكا. كانت تستيقظ كل صباح مع الفجر، توقظ قطيع غنمها بحنان الأم وحرص القائد. توجه تعليماتها لرئيس القطيع، فيتبعها القطيع بتناسق تام. النعاج تتقدم بهدوء، ويتبعها الخرفان جريًا ونشاطًا. لم تكن مجرد راعية؛ بل كانت رمزًا للجديّة والالتزام في كل لحظة من لحظات حياتها.

أحبها قطيعها حبًا لا مثيل له. اعتادت أن تخرج يوميًا في العتمة، غير عابئة بلسعات البرد القارس أو زخات المطر المفاجئة. تعلّمت تلحين الصفير بلسانها وفمها، محوّلة كل نغمة إلى أمر لا يُمكن تجاوزه. كان الحب والحنان والرعاية أساس تقوية انضباط القطيع واستجابته لتوجيهاتها. أمضت طفولتها متأملة أسرار الطبيعة، وربطت حياتها بحياة قطيعها بطريقة فريدة. كانت تتقاسم معهم الجزء الأكبر من خبز شعيرها، وتجلس بينهم مبتسمة، تهدي لكل منهم قطعة خبز مدهونة بزيت الزيتون. مع الوقت، تعلم القطيع معنى التضامن والوفاء، وأصبح مستعدًا للتضحية من أجل "الزعيمة". تحولت "معمعات" القطيع إلى عبارات نضال من أجل سعادة الحروشية.

في يوم مشمس من أيام الربيع، خرج العز الولاني، ابن قائد القبيلة، ممتطيًا حصانه للصيد في الغابة. كان برفقة فريق من الحرس الذين عينهم والده لحمايته وتنشيط يومه. عندما اقترب من قمة الجبل، لفت انتباهه مشهد الحروشية مع قطيعها. كانت قصيرة القامة، لكنها تمتلك جمالًا يجذب القلوب، وبساطة تأسر النفوس. تعجب من انضباط قطيعها دون كلب مدرب أو عصا كباقي الرعاة. كان صفيرها العذب هو آليتها الوحيدة.

عاد العز إلى بيته، ينتظر بفارغ الصبر انتهاء والده من جلساته القضائية. وعندما سنحت الفرصة، ارتمى على يد أبيه مقبلًا إياها، متوسلًا أن يزوجه الحروشية. صرخ القائد مستنكرًا: "أتقصد تلك الراعية ابنة الرجل العجوز؟". أجاب العز بتوسل: "نعم، نعم يا أبي". تهاطلت دموعه على وجنتيه من شدة الخوف من رفض أبيه، وأخذ يقنعه بعبقرية تلك الفتاة التي لم يصادف مثلها قط. بعد إلحاح شديد، وافق القائد على مضض.

عاد سلام، ابن الحروشية، إلى مسقط رأس والدته. صعد الجبل مسترجعًا كل ما حكاه والده عنها. كانت والدته دقيقة السلوك والتصرف ومبدئية في كل شيء، وقد أسر له والده أن مكانتها عنده لا تقارن بأحد. تمعن سلام في مفهوم "القطيع" وحسن انضباطه، الذي كان دائم الحضور في حديث أبيه.

الوفاء لذكرى والدته الحروشية والتزامها بقيم الكينونة البشرية أصبح مصدر إزعاج لسلام في حياته. بصفته موظفًا ساميًا، ورث عن والدته نزاهتها وصدقها وشفافيتها، ما جعله مصدر خوف للسلطات. حالت جديته وكفاءته دون أن تُفتح أمامه الأبواب الموصدة.

تسببت رسائل رؤسائه التي تحثه على التكيف مع الأوضاع الفاسدة في إصابته بالكآبة. نشأ سلام على مبادئ واضحة. القانون هو مصدر التكيف، وليس العكس. وفي جلسة أخيرة مع أحد أصدقائه المقرّبين، قال سلام بحسرة: "معضلات وطني مستعصية. تجاوز القانون لتلبية ضغوطات التكيف هو إجرام ملفوف بالمخاطر. التذرع بتجاوز الواقع سلبيًّا للتراكمات التشريعية هو حق يراد به نشر الباطل".

انتشرت قصة الحروشية كالنار في الهشيم في الأوساط الشعبية. حل سلام ضيفا على كل الملتقيات والتظاهرات الفكرية والأدبية والفنية. عمت الوقفات تراب الإمارة. رددت الجماهير كل مرة وبدون انقطاع عبارة : "ربيع الحروشية، ربيع الحروشية،....". لم تبق القصة مجرد حكاية عن راعية غنم. شاع الحديث عربيا ومغاربيا عن هذه المرأة النموذجية وابنها سلام. الكل أصبح يتحدث بصوت مرتفع عن مواجهة منظومة تعيد إنتاج الظلم بأساليب شرعية في واضحة النهار. استقبل الأمير سلام استقبال الأبطال. أعرب له عن رضاه. دعم سلام من طرف المجتمع والمؤسسات وتحولت القصة إلى شعار جعل إرادة التغيير قائمة في نفوس من يحملون إرث الحروشية وقيمها.

***

الحسين بوخرطة

في هذا العصر المتسارع، حيث تتداخل الأصوات والصور بشكل لا مثيل له، قد يطرح المثقف الواعي تساؤلاً عميقًا: هل بات الشعر معاقًا؟ هل صار هذا الفن الأصيل عاجزًا عن ملامسة الأرواح كما كان في الماضي، أم أن التحديات الجديدة التي فرضتها الحضارة الحديثة قيدت حركته وأفقدته جاذبيته؟

في عصور مضت، كان الشعر روح الأمة ولسان حالها، يحفظ تاريخها وينقل أحلامها. كان وسيلة التعبير الأبرز والأكثر تأثيرًا. كانت القوافي والأوزان سحرًا يأسر النفوس، وكان الشعراء نجوماً يحتفى بهم، يحملون رسالة الكلمة ويتحدثون باسم قبائلهم وأوطانهم.

لكننا اليوم نعيش في عصر مختلف، حيث الهيمنة أصبحت للمادة على الروح، وللصورة على الكلمة. صار العالم أسرع من أن يتوقف لتذوق بيت شعر أو أن يتأمل جمال استعارة أو تشبيه. ومع هذا التغير، بدأ الشعر يخسر جزءًا من حضوره وسط ازدحام الوسائل الحديثة.

بلاغة الجمال أم قيد التكنولوجيا؟

إن التقنية، بما قدمته من تسهيلات، أصبحت سيفًا ذا حدين على الإبداع الإنساني. فهي التي أفسحت المجال للأصوات أن تصل للعالم، لكنها في الوقت ذاته أدخلت الفن في منافسة شرسة مع أدوات الترفيه السطحية.

صار الشعر اليوم يواجه معضلة: كيف يحافظ على عمقه وجماله في عالمٍ يعتمد السرعة والإيجاز؟ هل يمكن لقصيدة من عشرات الأبيات أن تصمد أمام منشور سريع على منصة اجتماعية أو فيديو قصير يجمع بين الصوت والصورة؟

رغم ذلك، يبقى الشعر قادرًا على مقاومة هذا التحدي ولو إلى حد معين، إذا استطاع شعراء اليوم استخدام هذه التقنيات كوسيلة لانتشاره بدلًا من أن تكون عائقًا أمامه.

التجديد: ضرورة أم تهديد؟

في محاولاته للتكيف مع الواقع الجديد، خضع الشعر لتحولات جذرية. فقد ظهرت أشكال جديدة مثل قصيدة النثر والشعر الحر، التي كسرت قيود الوزن والقافية. البعض يرى في هذا التطور تحريرًا للشعر، بينما يعتبره آخرون تخليًا عن جوهره وأصالته.

لكن السؤال هنا: هل الشكل وحده هو معيار الشعر؟ أليست الروح الشعرية، التي تتجلى في التصوير البديع والعاطفة الصادقة والخيال الواسع، هي جوهر الفن؟

إن التجديد في الشعر ضرورة حتمية، لكنه لا يجب أن يكون انحرافًا عن معاييره الجمالية. الشعراء مطالبون بالموازنة بين الأصالة والتجديد، للحفاظ على مكانة هذا الفن.

الشعر والإنسان: علاقة خالدة

قد يظن البعض أن انصراف الناس عن قراءة الشعر دليل على ضعفه أو فقدانه لمعناه. لكن الحقيقة أن الشعر باقٍ، لأن الإنسان بطبيعته بحاجة إلى ما يروي ظمأ روحه. في كل لحظة ألم أو فرح، يبحث الإنسان عن تعبير عميق يتجاوز اللغة العادية، وهنا يأتي دور الشعر.

الشعر هو انعكاس للعاطفة الإنسانية، سواء كانت حبًا أو ألمًا أو أملًا. وإذا بدا أنه يتراجع في عصرنا، فإن ذلك يعود إلى ضعف العلاقة بين الإنسان والروح، لا إلى ضعف الشعر نفسه.

الشعر في مواجهة التحديات

الشعراء اليوم مطالبون أكثر من أي وقت مضى بأن يجعلوا قصائدهم قريبة من الناس. عليهم أن يبتكروا أساليب جديدة للتعبير، وأن يوظفوا التكنولوجيا لنشر الشعر على نطاق أوسع.

كما أن المسؤولية تقع على عاتق المؤسسات الثقافية والتعليمية، لتعزيز قيمة الشعر في نفوس الأجيال الجديدة. يجب أن تُدرَّس بلاغة الشعر، لا كمادة جامدة، بل كتجربة حيّة تلهم الطلاب وتفتح أمامهم أبواب الإبداع.

هل من أمل؟

لا يمكن أن يُقال: إن الشعر بات معاقًا، بل إنه يمر بمرحلة تحدٍّ وتحوّل. الشعر كالكائن الحي، قد يضعف أحيانًا لكنه لا يموت. بل إن الشعر الحقيقي يظهر أكثر قوة في الأزمات، لأنه يجد دائمًا من يؤمن بجماله وقدرته على التأثير.

فلنعد إلى الشعر، فهو ليس مجرد فن عابر، بل هو حاجة إنسانية ملحّة. في زمن الضوضاء والتشتت، نحتاج للشعر كصوت هادئ يعيد ترتيب الفوضى، وكضوء خافت يضيء عتمة الروح.

فهل نعود لنُصغي لهذا الوحي الذي لا يغيب؟

قلتُ في هذا المعنى بعض أبياتٍ من الكامل:

الشعرُ روحُ القلبِ، سرُّ بقائهِ

منهُ الحروفُ كأنّها تنزيلُ

هو زائرٌ أمسى يغيثُ موَلَّهاً

في كلِّ قلبٍ حُجّةٌ ودليلُ

هو صوتُنا العالي إذا خَفَتَ الصدى

والشعرُ رغمَ العاتيات هَطولُ

يا حاملَ الأشعارِ كنْ متوشِّحًا

بالعزمِ فهي رسالةٌ ورسولُ

***

...................

بقلم: د. علي الطائي

20-12-2024

منذ القدم والشعوب تحتفل باعيادها الوطنية والقومية والدينية وكانت بلدان الشرق في طليعة الشعوب بهذه الاحتفالات كبلاد الرافدين وبلاد النيل والشام وقد ارتبطت هذه الاعياد بمظاهر الطبيعة كالفيضانات وخصوبة الارض وفصل الربيع حيث تقام طقوس احتفالية في بلاد سومر واكد وبابل واشور بمراسيم خاصة في بداية كل سنة.

لقد كانت اقامة مثل هذه الاحتفالات كل عام امراً ضرورياً وحيوياً من وجهة نظر الفرد في العصور القديمة لانه كان ينطلق من فهمه وتفسيره للظواهر الطبيعية والتي يعدها قوى خارقة غير منظورة لذلك اصبحت شيئاً مقدساً عليه اعادتها كل سنة لأنها تفسر له اسرار الكون واسرار خلق الانسان من قبل الهة غير مرئية ولهذا كان السومريون والبابليون يقيمون احتفال راس السنة حيث تجري خلال هذه الاحتفالات اعادة مسرحية واسطورة التكوين والتي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالخصوبة والتكاثر (بالنسبة للانسان والحيوان والنبات) وعلى النحو الذي جاءت به اسطورة تموز وعشيقته عشتار ويرمز تموز إلى الخصوبة والنمو بينما ترمز عشتار إلى الحب وكان ارتباطهما وزواجهما مقدساً يجب اعادته (اي اعادة تمثيله) في كل عام وفي فصل معين هو الربيع لما له من اهمية في ازدهار الطبيعة والنمو، وهكذا تعاد وقائع ذلك الزواج الالهي كل عام حين يقوم الكاهن الاعظم بتمثيل شخصية (تموز) بينما تقوم الكاهنة بدور الزوجة (عشتار) حيث يجري احتفال مهيب داخل المعبد يسميه قدماء العراقيين (الزواج المقدس) وقد كان هذا الزواج معروفاً لدى العراقيين (في حدود عام 2750 ق.م) وهكذا يقترن عيد راس السنة السومري والبابلي بمظاهر الطبيعة والزواج المقدس، وسبب هذا الاقتران ان السومريين والبابليين كانوا من الشعوب التي تعتمد اساساً على الزراعة والرعي وهي لذلك تهتم اهتماماً كبيراً بدورة الفصول وتعاقبها لذا فأن تجديد الطبيعة يتحتم وجود زواج مقدس وولادة جديدة وكان السومريون والبابليون يقدمون القرابين للمعابد في هذه المناسبة التي يجري الاحتفال بها في بداية شهر نيسان ولمدة سبعة ايام من 1-7 نيسان حيث الاعتدال الربيعي ويكون الاحتفال مصحوباً بالتراتيل الدينية والاناشيد والرقص الجماعي من شهر نيسان كونه موسم سقوط المطر وفيضان دجلة والفرات ونضج المحصول الزراعي التي تتم بعده عملية الحصاد، ولايزال سكان المناطق الريفية في وسط وجنوب العراق يعدون شهر نيسان (شهر الحصاد) وهذا معروف حتى في اهازيجهم الشعبية التي يرددونها اثناء وبعد الحصاد .

المعروف ان سكان بلاد الرافدين هم الذين بدأوا بممارسة الاحتفالات بعيد راس السنة غير ان المؤرخين والمهتمين بالتاريخ الفرعوني يرون عكس ذلك اي ان مصر هي التي لها قصب السبق في هذا الاحتفال، فقد ورد في احد اعداد مجلة الهلال المصرية مقالاً بعنوان (عيد راس السنة اخترعته مصر) بقلم الدكتور (سيد كريم) (ان مصر تحتفل بعيد رأس السنة قبل 7546 سنة اي قبل ميلاد السيد المسيح بحوالي (5) الاف سنة ونصف واعتبرته عيداً دينياً وقومياً)

صحيح ان هناك تشابه بين البلدين في الطقوس والاحتفال حيث ربط المصريون عيد راس السنة بفيضان نهر النيل الذي يكون في فصل الصيف نظراً لسقوط الامطار وبكميات كبيرة على منابعه كما فعل العراقيون ايضاً، كما ان احتفالات المصريين تجري عادة في الشوارع والمعابد والساحات كمعبد الكرنك ويقوم المصريون بتزيين المنازل واعداد الزهور اثناء الاحتفال، كذلك كان البابليون يقيمون الاحتفال بالشوارع والمعابد والساحات وهناك شارع يسمى (شارع الموكب) في بابل وقد سمي بهذا الاسم لان مواكب الاحتفالات تمر عبر هذا الشارع وقد سمي ايضاً باسم (شارع المسيرة) وهكذا نجد التشابه واضحاً بين الحضارتين ولكن اي بلد منهما الاسبق فهذا اختلاف في اراء المؤرخين العراقيين والمصريين وكل منهما يدعو إلى العودة إلى الرقم الطينية بالنسبة للعراق والبرديات بالنسبة لمصر لتحديد الاسبقية في هذا الميدان، ويبدو من التفاصيل التي ذكرها الاستاذ المشار اليه في مجلة الهلال المصرية ان المصريين قد سبقوا العراقيين في هذا المضمار فيذكر الدكتور في مقالته قائلاً .. (مع بداية الدولة القديمة وخلال عصر الاهرام تحول الاحتفال بعيد راس السنة بجانب الاحتفال الديني والقومي الرسمي . كانت جميع طبقات الشعب المصري تشارك في الاحتفال به في المنتديات العامة والساحات والميادين والحدائق وداخل القصور مصحوبة بالاناشيد والرقص والاغاني والتراتيل الدينية والمساكن التي تزين بسعف النخيل والزهور والمشاعل التي تضاء مع غروب الشمس لتنير ارجاء المدينة طوال ليلة العيد. وكان القصر الملكي بفتح ابوابه لاستقبال الجماهير التي تأتي من جميع انحاء البلاد لتحية الفرعون فيغدق عليهم بالكثير من الهدايا والاوسمة على حكام الاقاليم ويعفو عن الكثير من السجناء (كما يحدث اليوم)، وكان المصريون في هذا العيد يزورون مقابر موتاهم وينشرون الزهور على قبورهم ويوزعون على حراس المقبرة (الفطائر) وماتزال هذه العادة موجودة في مصر حتى اليوم

ومن عادات المصريين في هذا اليوم عقد قران الزواج لكي تكون بداية حياة زوجية سعيدة وقد خصصت ساحات لعقد القران الجماعي باحتفال كبير تعزف فيه الموسيقى ويتم فيه الرقص الجماعي.

وبعد شروق شمس اليوم الجديد يوزع المصريون الفطائر المزينة بالفواكه الطازجة وخاصة زهرة اللوتس وتقدم الحلوى، كما يقدم المصريون في عيد (الكرسمس) (ديك الكرسمس) الذي يتصدر مائدة العيد او ما يسمى بالاوز البري وقد اقتبس الاوربيون هذا التقليد واستبدلوه بالديك الرومي. وقد ابتكر المصريون تقليداً اخر هو شرب عصير العنب الطازج كنخب للعام الجديد، وهكذا كان المصريون القدماء اول من شرب نخب العام الجديد ..).

كل الاماني لشعبنا العراقي النبيل بالامن والسلام لمناسبة العام الجديد .

***

غريب دوحي

فنان أخذته لعبة التلوين الى عوالم متعددة وهو يتغير مع المكان والزمان اقامة ونشيدا..

أعمال فنية متعددة الأحجام والمواضيع للفنان التشكيلي الهادي فنينة تشهدها فضاءات المركز الثقافي الدولي بالحمامات في الفترة من 8 إلى 31 ديسمبر 2024 ضمن سياقات الاشتغال الفني في عنوان دال وهو "النور الذي يفيض ".. فسحة جمالية لابن مدينة الحمامات بين المكان وجماله وذاكرته وتفاصيله ومن خلال تجربة فنية لعقود خمسة شهدت مشاركات ومعارض فردية وجماعية بتنويعات عن الانسان والسلام والبيئة .. وأجواء الحمامات مدينة الفنان الملهمة.. والكراسي ولعبتها المربكة..

هكذا هي الحالة الفنية التشكيلية وهي تحتفي بابن الحمامات الفنان التشكيلي الهادي فنينة الذي توزعت أعماله الفنية على جدران الفضاءات المعدة للمعارض الفنية والثقافية بالمركز الثقافي بالحمامات في معرض جديد .في هذا السياق وبخصوص المعرض كنبت الناقدة الأستاذة الجامعية بمعهد الدراسات التطبيقية بتوزر هاجر هيلة عن أعمال الفنلن الهادي فنينة مشيرة الى خصائص أعماله الفنية واهتماماتها الجمالية والاجتماعية والبيئية والثقافية لترى في تجربته عالما متعدد الاهتمامان والشواغل الفنية من علاقته بالآخرين وبمحيطه الثقافي والمجتمعي ونعني مدينة الحمامات وما توفرت عليه من عوالم نهل منها الفنان ومضى بفنه الى التوغل فيها رسما وتلوينا..796 alhadi

وفي مدخل المعرض بالمركز الثقافي بالحمامات كان هناك كرسي لا يصلح للجلوس لما أحدثه فيه الفنان ليصيرا مائلا وبشكله الطويل ولونه الأصفر وكلها علامات اجتمعت في ذهن الفنان الهادي فنينة لتحيل الى الكرسي ودلالاته العديدة ومنها السلطة فقد عبر بشكل واضح عن مسألة الحكم والسلطة وما يحف بهما من متاهات ومنعرجات وفخاخ ليؤول الأمر الى السقوط والانهيار..

في هذا المعرض الجديد يأخذنا عم الهادي "دلفين" الحمامات على علاقاته بالرسم يحمل بين أنفاسه حبه الدفين للحمامات بعطورها القديمة والحديثة وهو الذي عاش في ألمانيا لفترة وفي دوسلدورف حيث تعرف الى العديد من تفاصيل الحياة والناس  والفنون ليعود وفي قلبه شيء من حتى...من قيمة الفن في حياة الناس.. رغم المتغيرات والأحداث وهو الذي عايشها وفي عنفوان الأحداث بعد الثورة كانت معارضه بالحمامات في الفضاءات الثقافية والمركز الثقافي الدولي وبالمقاهي السياحية... وهاهو الآن يعود في هذه الأحوال ليعرض لوحاته مختلفة الأحجام والثيمات بفضاء دار سيباستيان بالحمامات وكأنه يرى في ذلك جانبا تنشيطيا يخوضه الفنان وفنه في بلاد تحتاج ترميما لما تداعى بأحوالها وأحوال الناس فيها...

الفنان التشكيلي " دلفين الحمامات "  الهادي فنينة يعرض أعماله بالحمامات بفضاءات المركز الثقافي الدولي بالحمامات في الفترة من 8 إلى 31 ديسمبر 2024 ضمن سياقات الاشتغال الفني في عنوان دال وهو "النور الذي يفيض "..فسحة جمالية لابن مدينة الحمامات بين المكان وجماله وذاكرته وتفاصيله ومن خلال تجربة فنية لعقود خمسة شهدت مشاركات ومعارض فردية وجماعية.

***

شمس الدين العوني

تكمن الأهمية السياحية للمباريات والاستعراضات والبطولات والمسابقات والمهرجانات الرياضية وغيرها من الفعاليات والنشاطات الرياضية المرتبطة بها في كونها مغريات (مشوقات – مجذبات) سياحية، تجذب الزوار والسياح من كل حدب وصوب، وتصنف ضمن (المغريات الثقافية) التي تشمل أيضا كل الأوجه والمظاهر الفنية والعلمية والأدبية والدينية والفلكلورية والتراثية في البلاد. بالإضافة إلى الممارسات والمراسيم والمتعلقة بالعادات والتقاليد الطقوس وبمختلف أنواعها وغيرها، والتي تمارس وتقدم عبر المهرجانات والاستعراضات والأحتفالات واللقاءات والمناسبات والزيارات، لتشكل إلى جانب المغريات الطبيعية (مناطق جليدية، الشواطئ، مساقط المياه والشلالات، الجزر، ومناطق التخييم...) والتاريخية (الكولوسيوم، الأهرامات، النصب، والمزارات...) والاصطناعية (قاعات التزلج على الجليد، الفنادق الرياضية، مضامير السباقات، الصالات الرياضية، المسابح الأولمبية، ملاعب سباق الخيل، منصات القفز على الثلوج، وملاعب الغولف...) منظومة الجذب السياحي المهمة في المعادلة السياحية التي تجمع بين السياح من جهة والمنتجات السياحية من جهة ثانية. وقد أدركت السلطات الرياضية والسياحية في كثير من الدول أهمية هذه الجوانب، وإمكانية مساهمتها في تنمية وتطوير صناعة السياحة الوطنية، وتنويع منتجاتها السياحية، وإيجاد أسواق جديدة لهذه المنتجات، واستقدام المزيد من السياح الأجانب، والدفع بالمسيرة الرياضية في البلاد للأمام، وتنشيطها على النحو المطلوب. فدأبت على توظيف واستغلال المباريات والمهرجانات والمسابقات الرياضية في الأنشطة والفعاليات السياحية، مع إتاحة فرص درجها ضمن البرامج السياحية، والترويج لها على نحو واسع وفعال، ومن خلال حزمة برامج فعالة وحيوية من أجل استقطاب الكثير من السياح الأجانب.          

***                

بنيامين يوخنا دانيال

.............................

* للمزيد من الاطلاع، ينظر (مقالات في السياحة الرياضية) للباحث، مطبعة بيشوا، أربيل – العراق 2013.     

 

قديمًا كان الصديقُ شريكَ القلبِ، ومُؤنِسَ الدَّربِ، كأنَّ الإنسانَ لا يُعقَلُ أن يعيشَ دونَ آخرَ يُرافقُه ليُعينَه أو حتّى يُكابدَ معهُ مَلَلَ الأيّامِ وثِقَلَ اللّحظاتِ. إلا أنّ الزّمنَ الذي نعيشُ فيهِ حملَ معهُ عالَمًا جديدًا بالكامل؛ عالَمًا تُشَيَّدُ مَعالمُهُ بالأصفارِ والآحادِ، وتُشَغَّلُ آلاتُه على هدوءِ لوحةِ المفاتيحِ، لنجدَ صديقًا آخرَ يُؤنِسُ وَحدَتَنا، يَحفَظُ خُطواتِنا ويُشارِكُنا أفكارَنا وأحلامَنا... "الحاسوب".

هذا الجهازُ، الذي بدأَ اختراعًا تقنيًّا لتسهيلِ العمليّاتِ الحسابيّةِ والبَرمجيّةِ، ما لَبِثَ أن تَحَوَّلَ إلى نافذةٍ سِحريّةٍ على الحياةِ. كيفَ لا، وهو الآنَ يُمَكِّنُ الشّاعرَ أن يَسكُبَ بَحرَ المُتَقاربِ في "مِلَفٍّ نَصِّيّ"، أو يَنشُرَ مَقالتَهُ النّقديّةَ إلى العالَمِ أجمعَ بكَبسةِ زِرّ؟! الحاسوبُ لم يَعُد مجرَّدَ أداةٍ صامِتةٍ، بل صارَ كالرفيقِ الذي لا يَمَلُّ حديثَكَ، ولا يَسأمُ إبداعَكَ مَهْما طالَ.

رفيقُ الكَلِمةِ والإبداعِ

كلَّما جَلَستَ إليهِ، بدا وكأنَّهُ مُنصِتٌ صَبورٌ يُمَهِّدُ لك الطُّرُقَ:

للشِّعرِ:

على شاشتِهِ تَتَفَتَّقُ الأبياتُ وتَنْثالُ كجَدْوَلٍ رَقراقٍ. لم تَعُدْ بحاجةٍ إلى الأوراقِ المُبَعثَرَةِ التي تُرهِقُكَ في تَرتيبِها؛ يَكفي أن تَكتُبَ، وتُراجِعَ، وتُعيدَ تَشكيلَ القَصيدةِ حتّى تَخرُجَ كعِقدِ لُؤلُؤٍ مُتناسِقٍ.

للمقالةِ:

الحاسوبُ خِزانةُ أفكارِكَ ومكتبتُكَ الإلكترونيّةُ التي لا تَفرُغُ. يُساعِدُكَ على التَّعديلِ، والحَذفِ، وإضافةِ الأدلّةِ والبَراهينِ؛ بل إنّه صارَ بَوّابةً للمعرفةِ اللامُتناهيَةِ بفضلِ ما يَتَّصِلُ بهِ من مَحَرِّكاتِ بَحثٍ.

للقراءاتِ النَّقديّةِ:

النّقدُ يَحتاجُ إلى دِقَّةِ النَّظَرِ ووُضوحِ الرؤيةِ، وهُنا يَأتي الحاسوبُ ليُتيحَ لكَ عَرضَ النُّصوصِ وتحليلَها بتَأَنٍّ وتَعمُّقٍ. يَدعوكَ إلى المُقارنةِ بينَ الأعمالِ، وإلى الاحتفاظِ بملاحظاتِكَ وتَطويرِها، وكأنَّهُ مُحَرِّرٌ خَفيٌّ يُعيدُ ترتيبَ أفكارِكَ.

صَديقٌ مُطيعٌ بلا جِدالٍ

إذا أردتَ صَديقًا يَعمَلُ دونَ كَلَلٍ ولا مَلَلٍ، ويُطيعُكَ دونَ أن يُجادِلَكَ أو يَتَذَمَّرَ، فلَن تَجدَ خَيرًا مِن الحاسوبِ!

هو عَبدٌ مُطيعٌ: مَهما طالَ وَقتُ العملِ أو تَعَدَّدَتِ المَهامُ، فهو لا يَشكو. يَكفيكَ أن تَضَعَهُ تحتَ أنامِلِكَ، ليَحفَظَ لكَ نُصوصَكَ، ويُنفِّذَ أوامِرَكَ بِدِقَّةٍ.

لا يَغيبُ عَنكَ: حتّى في ظلامِ اللّيلِ، أو وَحشةِ الوَحدةِ، يُضيءُ شاشتَهُ ليكونَ مَعَكَ.

يُقَدِّمُ لكَ العالَمَ على طَبَقٍ: بِضَغطةِ زِرٍّ واحدةٍ فقط، يُطْلِعُكَ على الأحداثِ حولَ العالَمِ: الأخبارِ، العُلومِ، التّاريخِ، الشِّعرِ، أو أيِّ مَعرِفةٍ تُريدُ. وكأنَّهُ صَديقٌ لا يَمَلُّ مِن البَحثِ ليَعودَ إليكَ بالمَعلومةِ جاهِزةً، مُهَذَّبةً، مُرتَّبَةً في دَقائِقَ مَعدودةٍ.

حينَ تُصبِحُ الوَحدةُ إبداعًا

قد يُقالُ إنَّ الحاسوبَ صَنَعَ نَوعًا مِن "الوَحدةِ"، لكنَّهُ في الحقيقةِ مَنَحَكَ فُرصَةً لِخَلْقِ عالَمِكَ الخاصِّ:

بجُلوسِكَ إليهِ لِساعاتٍ طَويلةٍ، تُصبِحُ الكَلِماتُ أَنيسَكَ.

هو مَعمَلُكَ: تَبدأُ بفِكرةٍ، تُحَوِّلُها إلى نَصٍّ مُتكامِلٍ، تُضيفُ لها رُوحًا بالإيقاعِ أو المَعنى أو النّقدِ.

وهو حافِظُكَ الأمينُ: لا يَتَشَتَّتُ ولا يُهمِلُ حَرفًا تَكتُبُهُ، بل يُعيدُهُ إليكَ مَتى طَلَبتَ.

بوّابةٌ إلى المَعرِفَةِ بلا حُدودٍ

من نافذةِ الحاسوبِ الصَّغيرةِ تِلكَ، تَرى العالَمَ كُلَّهُ:

تَطَّلِعُ على أَحدَثِ الأخبارِ، وتُتابِعُ أحداثَ السّاعةِ أينَما كُنتَ.

تَنهَلُ مِن المَعرِفَةِ والعُلومِ بِغيرِ حُدودٍ أو قُيودٍ.

تُبحِرُ في أَعماقِ الأدبِ والفِكرِ، فَتَعودُ أَكثَرَ ثَراءً.

بينَ التَّقليدِ والحداثةِ

ما أَجمَلَ تِلكَ اللّحظةَ التي تُمسِكُ فيها بِقَلَمٍ وتَكتُبُ على الوَرَقِ! لكنَّ الحاسوبَ جَعَلَكَ تَتَجاوَزُ حُدودَ "المَساحَةِ التَّقليديَّةِ" لِلكِتابةِ:

تُحرِّرُ أفكارَكَ،

تُعيدُ صِياغةَ سُطورِكَ دونَ شَطبٍ أو تَشويهٍ،

تُشارِكُها مع الآخَرينَ بِضَغطةِ زِرٍّ... وكأنَّكَ تُطِلُّ مِن نافذةٍ إلى العالَمِ أَجمعَ، تُعلِنُ فيهِ عن وُجودِكَ وأَدبِكَ.

خاتمة: خَيْرُ صَديقٍ!

إنَّ الوَقتَ الذي تَقضيهِ مع حاسوبِكَ لَيسَ ضَياعًا، بل هو رِحلةٌ في رِحابِ الإبداعِ. هو "الصَّديقُ الذي لا يَطلُبُ مِنكَ شَيئًا"، بل يُعطيكَ كُلَّ ما تُريدُ: مَساحةً، أَدواتٍ، ونافذةً إلى عالَمٍ لا يَحُدُّهُ أُفُقٌ. إنَّ علاقتي بالحاسوبِ ليست مُجرَّدَ استخدامٍ لآلةٍ صامتةٍ، بل هي صَداقةٌ متينةٌ تتجاوزُ حدودَ التقنية. في ساعاتِ العُزلةِ، يُضيءُ الحاسوبُ عَتمةَ الوحدةِ، ويُصبِحُ نافذةً على المعرِفةِ والخَيالِ، وبحرًا أُبحِرُ فيه بلا مَوانئَ أو حُدود. إنَّه مُلهِمٌ يُترجِمُ أفكَاري إلى كلماتٍ، ورفيقٌ أستندُ إليهِ حينَ تتعثَّرُ أحلامي. كُلُّ حَرفٍ أكتُبُه، وكُلُّ فكرةٍ أُطلِقُها مِن خِلالِه، تَزيدُ مِن أواصِرِ العِشقِ بينَنا، وكأنَّه رفيقُ دَربٍ لا يُمَلُّ ولا يَكِلُّ.

وإن كانَ لِكُلِّ مُبدِعٍ صَديقٌ يُعينُه

حاسوبي : خير جليسٍ في الزمان.

***

بقلم: د. علي الطائي

في مبادرة تعتبر الأولى من نوعها، نظم الفنان التشكيلي والباحث الدكتور محمد البندوري معرضا حروفيا، وذلك في شراكة مع المديرية الجهوية لوزارة الثقافة مراكش أسفي، وبتنسيق مع محافظة قصر الباهية تحت شعار " الخط المغربي من المخطوط إلى اللوحة الفنية".

مشكلا مبادرة فنية، وتراثية، وثقافية تسهم في تنمية الواقع الحقيقي للحروفية المغربية وطنيا ودوليا، وذلك من خلال إغناء تجربة الخط المغربي الصحراوي.767 albandori

ويظهر انخراط الفنان محمد البندوري في نسج المجال التنظيري لهذا الخط من خلال كتابه الأخير: "الخط المغربي الصحراوي المقصديات الجمالية والوحدوية، ونسج المجال التطبيقي في نطاق تجديد الخطاب الفني المغربي وتقويته وتنويع آلياته جماليا وفنيا وثقافيا وحضاريا".

وفي هذا النطاق أبرز المعرض الحروفي المغربي الصحراوي  مختلف الجماليات الحروفية لهذا الخط الذي يشكل رصيدا ثقافيا ومكونا للهوية المغربية، ويشكل كذلك جزءا فاعلا في نقل مفردات الهوية الوطنية وتوصيلها إلى الرأي العام العالمي باعتباره حلقة تواصلية هامة، في مقاربة إبداعية متجانسة ومتناسقة مع كل ثوابت الهوية الوطنية والقيم المغربية الرصينة، حيث يقدم نموذجا حيا عن التطور الفني والحضاري المغربي.

***

لبنى ياسين: سويسرا

 

إذا كان أي نص تشعبي يعكس إنجاز الكتابة الأدبية والفكر الإنساني، وإذا كان أيضا يمثل صورة إيجابية عن أي مجتمع، ألا يمكننا أن نبني على هذه الاستعارة رؤية جديدة للعالم وللفلسفة ؟ هكذا طرح ليفي وبولتر سؤاله في هذا المجال المتشعب:

يمكن اعتبار مجموعة الرسائل والتمثيلات المتداولة في مجتمع ما، كنص تشعبي كبير ومتحرك، ومتاهة بمئات التنسيقات، وبألف طرق وقنوات حيث يشترك سكان نفس المدينة في العديد من العناصر والوصلات المتشابكة الضخمة والمشتركة. كل شخص يمتلك رؤية شخصية، وجزئية بشكل رهيب، مشوهة بواسطة عدد لا يحصى من الترجمات والتفسيرات. هذه الروابط التي لا داعي لها، وهذه التحولات التي تديرها الآلات المحلية، مفردة وذاتية، المرتبطة بالخارج، هي التي تعيد إدراج الحركة، والحياة، في النص التشعبي المجتمعي الكبير وبالتالي إلى "الثقافة" بشكل عام .

يمكننا أن نتوقع من العلماء المعاصرين أن يتوصلوا إلى استنتاج مفاده أن كتاب الطبيعة هو نص تشعبي بامتياز، ولغته هي الرياضيات الحسابية للرسوم البيانية الموجهة. إنه احتمال مثير للاهتمام. لأنه إذا كان العلماء يدرسون ترابطية الطبيعة، بينما يقرأ آخرون النصوص التشعبية، فيمكن عندئذٍ توحيد رؤيتنا للطبيعة مع تقنيتنا في الكتابة بطريقة لم نشهدها منذ العصور الوسطى.

إن استفزاز النص التشعبي هذا، كما رأينا أعلاه قد سخر منه البعض الذين يتساءلون فيما إذا كان النص التشعبي يخفض مستويات الكوليسترول - وبالتالي يصبح سلطان الاستعارات، والاستعارات الفائقة.

لطالما كان اللجوء إلى الاستعارة الحسابية يبدو لنا غريبًا إلى حد ما : فنحن نصنع آلات هي الأنسب للإنسان من خلال وضع أنفسنا في فرضيات تقوم على عمل العقل ونصرخ من أجل تحقيق المعجزة لأن الآلات المذكورة ستؤكد هذه الفرضيات . لكن هذه بلا شك نظرة كاريكاتورية إلى حد ما للأشياء. إن المحاكاة والافتراضية تعبر عن الطريقة التي يستخدم بها تطوير التقنيات الجديدة المعرفة المتواضعة جدًا عن الجنس البشري .

***

مترجم بتصرف

إبراهيم ناجي بن أحمد ناجي بن إبراهيم القصبجي، شاعر مصري تأريخ ميلاده (31\12\1898)، وتأريخ وفاته (24\3\1953)،  من المنصورة، وقد أصيب بمرض السكر في بداية حياته، وتوفي في العقد السادس من عمره.

ومن ألقابه (طبيب الشعراء)، (شاعر الأطباء)، (رئيس الرومانسية الشعرية العربية).

تخرج من كلية الطب سنة (1923)، وإنطلق بشعره العاطفي الرهيف، وهو صاحب قصيدة الأطلال التي تغنت بها (أم كلثوم).

بدأ حياته الشعرية بترجمات لشعراء فرنسيين (دي موسية، توماس مور، بودلير)، وإنضم لجماعة أبولو سنة (1932)، وتعرض لنقد شديد من العقاد وطه حسين.

وكان ناثرا قديرا وكاتبا موسوعيا، ويُقال أن كتاباته النثرية أكثر من الشعرية، لكنها لم تلق الإهتمام الكافي.

ترجماته: الجريمة والعقاب لديستوفسكي، وعن الإيطالية (الموت في إجازة)، ولديه دراسة عن شكسبير.

ومن دواوينه: وراء الغمام (1934)، ليالي القاهرة (1944)، في معبد الليل (1948)، الطائر الجريح (1953).

وكانت هذه الدواوين ترافقني في مرحلة الإعدادية، وأترنم بها ماشيا على سدة سامراء، عندما كانت زاهية وتسر النظر، بترقرق المياه، وهفو الأطيار، وتقافز الأسماك، والأفق الساحر، والموج الهادر،  فكان لها وقع ممتع في النفس والأعماق الطافحة بعشق الجمال.

وكم رددنا كلمات أغنية الأطلال في المساءات العذبة:

يا فؤادي لا تسل أين الهوى

كان صرحا من خيالٍ فهوى

إسقني واشرب على أطلاله

واروي عني طالما الدمع روى

....

يا حبيبي كل شيئ بقضاء

ما بأيدينا خلقنا تعساء

ربما تجمعنا أقدارنا

ذات يوم بعد أن عز اللقاء

فإذا أنكر خل خله

وتلاقينا لقاء الغرباء

ومضى كل إلى غايته

لا تقل شئنا فإن الحظ شاء

**

وهي من ألحان رياض السنباطي وغنتها (أم كلثوم) عام (1965)، ولا زلت أستمع إليها لعذوبة كلماتها وروعة لحنها ومعانيها.

ولقصيدة الأطلال قصة معروفة.

تحية للشاعر الطبيب الأديب الدكتور إبراهيم ناجي في ذكرى وفاته، وبأمثاله تفخر لغة الضاد الأبية!!

و"هل رأى الحب سكارى مثلنا"؟!!

***

د. صادق السامرائي 

كان عائداً من وحدته العسكرية بإجازة دورية، ولم يكن يكترث لحالة الذعر التي ارتبطت بمصير وطن، افترست روحه أجنحة الموت، بعد أن تساقطت جسور العابرين، وعُطلت حركة السير بين المدن، لتطفو الأرض وسط خلاء يقطنه برد الخوف، والجوع، والألم، وينسف احشاءه ليل الروع.

**

نُسِفَت محطات الكهرباء، والوقود، ومخازن الغذاء؛ السايلو، وتحطمت معالم البنى التحتية، بما في ذلك مركز الطاقة الكهربائية، والمستشفيات، والمدارس، ومراكز الخدمات المدنية، والمؤسسات الحكومية.

**

باتت حركة السير أشبه بشريان جسد ينخر روحه الهلع؛ جنود يرتدون بزاتهم العسكرية بطريقة مبعثرة، سيطرات الانضباط العسكري اختفت تماماً، انقطعت الاتصالات الخاصة بخدمات شبكات الهاتف ، سيارات النقل القلاب حلت محل الباصات، أوالحافلات، لنقل مَن يريد الوصول إلى بيته، أو وحدته العسكرية.

**

ابتدأت المنشورات التي كانت تقذف بها طائرات قوات التحالف إلى ضباط الجيش، والمعسكرات، تدعوهم فيها إلى ترك معسكراتهم، تؤثر في نفوس الناس؛ ذلك تزامناً مع دعوتهم إلى استلام المؤن، والمساعدات الغذائية، والماء تحت ظل حصار شامل.

**

افترش نهر الفرات ذراعيه بعد انقطاع مياه الشرب، بينما حل خشب الأشجار محل الوقود، وعلى غرار ذلك تحولت قناني الزجاج إلى مصابيح، على نمط الفوانيس حيث تمرر قطعة قماش منقوعة بالنفط عند حافة تمر، أو عجينة خبز تمسك نهايتها البائسة، لتطلق الضوء باهتاً.

**

أصبحت العبارات، والزوارق النهرية وسائل نقل معتمدة للمسافرين، والقادمين من ثكناتهم العسكرية.

**

غدا الانتقال من مدينة إلى أخرى يحتاج إلى يومين وثلاثة، هذا لمن يمتلك القدرة على التزاحم مع المسافرين، أو لمن يحالفه الحظ؛ ذلك بعد أن أضحت معالم الحياة أشبه بمقابر تتوسطها أطلال كيانات هشة.

**

الناصرية في ذلك اليوم اختفت معالم ملامحها، وتغيرت صور شوارعها، ومحلاتها وسط عتمة من السواد لا نظير لها حتى في عالم الأشباح، أو في المنام حين يجد الإنسان نفسه قد ضل الطريق وهو يمشي في غياهب ليل بلا عيون، لولا وميض طائرة حلقت، لتعقبها صفارات إنذار، ثم انفجار بناية مجاورة ، لما يسمى بدائرة الدفاع المدني.

**

واصل السير باتجاه الشوارع المتاخمة لمكان سكناه، مع شتاء يوم ممطر، مثل معوق حرب يتكئ على صولجان جراحه في شوارع مقفرة، يستل بقايا أنفاسه وقد أجهده التعب، والجوع والعطش، أملًا بلقاء محبيه، وزوجته التي تركها حاملاً تحت رعاية أهلها قبل أن يغيب.

***

عقيل العبود

.....................

* يوم فرضت قوات التحالف سيطرتها على المدن، وما سبق "انتفاضة شعبان".

* أضطر الناس إلى تسخين الماء، وتنقيته بقطع قماش بعد انقطاع مياه الشرب، واستعمال القناني الزجاجية للإضاءة.

* التكملة ستأتي إن شاءالله. 

في الواحد والعشرين من آذار الجاري صادف يوم الشعر العالمي، وهو مناسبة يحتفل فيها العالم بفن الشعر، الذي يعد أحد أشكال التعبير وأحد مظاهر الهوية اللغوية والثقافية، فضلًا عن الاحتفاء بالشعراء المبدعين الذي تحظى اسهاماتهم بتقدير عميق وكبير.

إنه يوم مكرس للإلهام والإبداع والتثقيف وتقدير المشاعر الإنسانية التي يمكن أن يخلقها الشعر، وتكوين علاقات ذات مغزى، وتوسيع مدارك الفرد حول التاريخ والثقافات، ومنح الشعراء التكريم لتألقهم الإبداعي، وإعطاء زخم للحركات الشعرية الوطنية والإقليمية والدولية.

والاحتفال بالشعر هو إنصات للصوت الرقيق الهادئ الهامس للإنسان، لصوت دواخله، الصوت الروحي الوجداني الذي كلما علا وصدح إلا وصدحت مع مشاعر المحبة والسلام والتسامح. فهو الصوت الداعي باستمرار إلى إنسانية الإنسان، والانتصار لقضاياه، في معارك الحرية والحضارة والخلاص من القهر والظلم والاستغلال.

إن الحاجة للشعر تتعاظم من أجل ان يعيش الإنسان بسلام على هذه الأرض، فهو الصوت الخفي الوامض داخل الإنسان، وطوق النجاة من الظلاميين وزارعي الأحقاد والكراهية ومشعلي الحروب، وهو قناعتنا وإيماننا بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة – كما قال درويشنا.

والاحتفال بالشعر هو دعوة للإنسان كي يرى صوته في مرآة وجوده، فجذوة الشعر وناره لا ولن تنطفئ، وإن خبت بين حين وآخر، إذ أن الشعر هو الوجه الأكثر صفاءً ونقاءً للإنسان في مسالك ودروب الحياة الوعرة، وفي عالم مليء بالألغام.

والشعر هو الأقرب إلى مشاعر الأفراد ومطالبهم وآمالهم، والمجسد لطموحاتهم، والمعبر عن أحلام الشعوب المقهورة ويمدها بالنفس والشجاعة والمقاومة من أجل تغيير العالم والمناداة بالمساواة، واحترام الهويات الثقافية والمعرفية.

والشعر هو صوت الحب الذي تريد قوى وأصوات الظلام والإرهاب أن تخنقه وتكتمه داخليًا في نفوسنا. فلنواصل كتابة الشعر ولنحتفل به إعلاءً لصوت الحب، الذي لا صوت يعلو عليه، ونشر ثقافة التسامح والمحبة والامن والسلام في شتى أصقاع الدنيا وأنحاء المعمورة، وكل يوم عالمي للشعر والبشرية والشعراء بألف خير.

***

بقلم: شاكر فريد حسن  

الحسين بوخرطةبشرى ترجمة روايته "مرافئ الحب السبعة" بالحروف اللاتينية

تحية للعلامة الدكتور علي القاسمي، الروائي والقاص والفاعل اللغوي الفذ في صناعة المعجم العربي التاريخي والأديب والمفكر المتألق.

تحية للأخ العزيز الأستاذ مصطفى شقيب، الذي متعني بتواصل زاخر بالحب والمعزة.

هنيئا للعالمين العربي والمغاربي بترجمة هذه الرواية القضية إلى الفرنسية. إنه فعلا ولوج إلى الفضاء الأدبي الفرنكوفوني الرحب بأدواره الريادية غربا. إنها خطوة في العالمية، ستليها بلا شك خطوات أخرى، بلغات حية كونية، ستزكي لا محالة الهاجس المشترك والدائم الذي يخالج النفوس باستمرار، إنه هاجس تثبيت مسار جديد في مجال التلاقح الأدبي والفكري والعلمي والإنساني ما بين الشمال والجنوب.

فالحديث عن علي القاسمي في هذا الشأن، كإنسان عربي، ليس بالأمر العادي، بل هو حديث عن قداسة قضية المواطن العربي المكافح المبدئي والمتعلم والمناضل، الذي الصق القلم بأصابعه وسخر عقله ووجدانه طوال حياته للعلم والمعرفة وخدمة الأجيال العربية من الخليج إلى المحيط. ذكره في تعليق أو مقال جعلني أحس أن الأمر يتطلب الحكمة والتبصر واستحضار حق أمة حضارية عريقة تاريخية في فرض الذات كونيا. القاسمي نموذج رجل أمة ارتقى وجدانا وعقلا ووجودا ذاتيا متوغلا في التراكمات الفكرية والعلمية المتفوقة في العالم المعاصر منذ صباه. هو كذلك نموذج رجل قدوة، قدم للعرب والمغاربيين تجربة لا تتيح خيار الحياد. تفاعلاته القوية عبر الترجمة مع المنتوجات الفكرية الكونية قدمت خدمات ثمينة للأجيال منذ عقود، ويستمر بنفس الإصرار بالرغم من تقدمه في السن.3138 النسخة الفرنسية

وهنا لا يمكن أن أتردد في اعتبار ترجمة روايته: "مرافئ الحب السبعة" للغة الفرنسية، كونها اعتراف واضح بقامة فكرية عربية لم تستوعبها الأنظمة العربية العسكرية داخل فضاء ترابي فسيح ومقدس، ارتقت حضارته تاريخيا بأمجاد معارفه ومروءة ناسه. رتب حاجياته الخاصة في حقيبته، وغادر شابا موطنه باحثا بعزم الكبار عن العلم والمعرفة ومقومات التأثير القوي على الوعي الجماعي العربي. لقد غادر بلا شك ليس بدافع الخوف على نفسه، بل هلعا من وأد إرادة وعزيمة شاب متشبث بصعود الجبال وجلب المنفعة لأمته. لقد خطا خطوات ثرية عبر سنوات عمره في العالمية، ليتوج مساره بخطوة رسمية إضافية، بقيمة مستحقة، على طريق العالمية وتصالح الحضارات وخدمة المصير المشترك.

وفي الأخير، أرفع قبعتي عاليا تمجيدا واحتراما لجهود أخي وعزيزي المترجم الأستاذ مصطفى شقيب، الرجل الذي تذوق بلاغة وجاذبية الكلمة والعبارة العربية في هذه الرواية، مشددا على تقديمها برقي للعالم بلغة بلد موليير (جُون بَابتِيسْت بُوكْلَان).

الشكر والامتنان موصول كذلك لأستاذة الأدب المقارن بجامعة غرناطة الدكتورة ماري ايفلين لوبودير في تقويم ومراجعة النسخة المترجمة.

فهنيئا للإنسانية بهذا المولود الأدبي العالمي، مولود بعبارات تقشعر لها الأبدان، وتنتعش بها الأماني والأحلام بغد أفضل.

وتعميما للفائدة بمناسبة هذا الحدث التاريخي الرائع، أقدم في هذا الموضوع، فيما يلي مقال الأخ العزيز المترجم الأستاذ مصطفى شقيب.

 

الحسين بوخرطة

......................

* يمكنكم قراءة المقال على الرابط ادناه

https://www.almothaqaf.com/d/e2/960259

 

 

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: ما الذي يجعلنا نحب الأم أكثر أو الأب اكثر؟ .. تارة نميل لها وتارة نميل له ! .

شهريار: مخزونات العقل الباطن لا تتغير إلا اذا سعى أحدنا لذلك جاهدا، ومن غير تدبير منّا فإننا نمر بمواقف تعيدنا الى مشهد في الذاكرة يزيد من تعلّقنا بالأب او الأم، في تلك اللحظات حينما نوقن أن تصرفا ما لأحد الطرفين – كنّا نحسبه فيما مضى خطأً جسيما – كان في غاية الصواب، وبحكم خزنه في العقل الباطن نحسن التصرف ونتجنب موقفا مهلكا، هنالك نُقّر لأحد الوالدين بالحكمة وبالمسامحة عن ذنب لم يرتكبه أبدا، ومن غير أن نشعر أو نفكر يرى أحدنا نفسه وهو يميل الى الطرف الآخر بخلاف الأيام او الاعوام السابقة، وهكذا نحب الأب أكثر او الأم أكثر، فكما إن الحياة مراحل والإدراك مراحل فالمحبة لكليهما مراحل.

قمة المسامحة والعفو يا شهرزاد لأبٍ أو أمٍ فارق أحدهما أولاده في ليالٍ حالكات، أو أيام مهلكات، ثم عاد بعد سنين طوال عانت خلالها العائلة أعظم معاناة ليطلب الصفح من أبنائه وبناته، إنها أقسى لحظات تمر على الطرفين، فالأول تتجلى أمامه كل ذنوبه، ويقر بتقصيره وعظيم عيوبه، والطرف الثاني (الأبناء والبنات) تتكالب أمام عينيه ذكريات لا طائل له بها، تجعل قلبه كالصخر نحو أبيه العائد او أمه العائدة بعد طول غياب، هنا تكون الكلمة الفصل لعقل راجح، أو قلب مجروح وهيهات أن يجتمعا على رأي واحد في مثل هذا الموقف، فأمّا العقل الراجح فهو يعاني من تربية أولاده، ويدرك قيمة رسالته، وعظيم منزلته عند ربه، فيصفح ويسامح، وفي اللحظة التي ينطق بها: (أسامحك أمي، أغفر لك أبي) يعود صغيرا ليرتمي في أحضانٍ افتقدها لأعوام وأعوام، ويشعر أن الدنيا باسرها قد أصبحت ملك يديه بعد طول انتظار . 

وأمّا القلب المجروح فيجد الفرصة المؤاتية للإنتقام ممن (ظلمه) وحرمه من أبسط حقوقه في الحياة، إنه كيتيم قضى عقدا من الزمن وهو يتلظى بين نيران الحرمان وآلآلم الفراق، وهاقد جاءته الفرصة ليداوي جراحه، فيشتاط صاحبه غيظا وينسى أن من يقف أمامه كان سببا لوجوده في هذه الدنيا، وأنكل مايقال في مثل هذه الأحوال: (لماذا عدت؟..لا حاجة لنا بك الآن) .

والغالبية العظمى ممن يعانون صدمة اللقاء مع الأب أو الأم المُفَارِقَين لايمكنهم المسامحة من غير تفريغ (شحنات سلبية) عاشت معهم سنين طوال، إن أحدهم كبركان هائج ينتظر هذه اللحظة (منذ قرن) ليرمي بحممه، ويحرق ماحوله قبل أن يعود الى حالة السكون .

وهنا أنصح كل أب فارق أبناءه وبناته ليعيش في كنف آخر، او أمٍ رَمت بأولادها في أحضان جدتهم وجدهم لتعيش عالما آخر، أن يستعدا لاستقبال تلك الحمم البركانية، وأن يصبرا على ماكانا سببا في تخزينه وإطلاقه من قساوة وغلظة وجفاء، وأن يعاودا الكَرةَ مرات ومرات حتى تسكن تلك العاصفة، وحينها سيتفقُ القلب مع العقل على أعظم صَفْحٍ عرفه التاريخ، إنها مغفرة ومسامحة على عذاب طويل لم يتوقف في أي لحظة أو ساعة أو يوم أو عام كان فيها الأب او الأم متنصلين عن أسمى رسالة في الحياة .. رسالة الوالدين .

ولي صديق من أهل البصرة .. رحل أبوه هربا من الخدمة العسكرية إبان حرب الثمانينيات من القرن الماضي، كان لصاحبي (ذو القلب الكبير ) أخَوَان أصغر منه وأختان تكبرانه بعامين وثلاثة، وكانت أمه بسيطة التعليم، وأكبر أختيه في الخامسة عشرة، لم يترك الأب حتى رسالة وداع، وأبلغ الأم بأنه سيعود ما أن تتوقف الحرب .

علمت الأسرة بعد غيابه عاما أنه في ألمانيا، ومرت ثلاثة أعوام من غير أن تصل منه رسالة واحدة، الأم طورت من مهاراتها في الخياطة لتقوم بدور الأب.

مرت 17 عاما وهي تواصل الليل بالنهار مجتهدة صابرة على الفاقة، وترفض أن يترك أي من أولادها الخمسة الدراسة، كانت تأتيهم إعانات من جدهم، وكل ذلك لم يكن كافيا لتوفير عيش كريم.

بعد تغيّر الحال، وفي نهاية عام 2004 ظهر الأب فجأة ليجد ابنتيه متزوجتين ولكل واحدة منهما 3 أولاد، أمّا الأخَوَان الأصغران فقد قتل أحدهما إبان غزو العراق، والثاني يدرس في المرحلة الاخيرة من كلية الهندسة، أمّا صاحب القلب الطيب فلم يكمل ألا الدراسة الإعدادية، وهو في ذلك اليوم من أشهر طباخي البصرة، متزوج ولديه ولد وبنت، ومازال يعيل الأسرة الكبيرة، وقد رحلت أمه منذ أشهر حسرة على ولدها الشاب وسنين طوال قضتها في الكد على أبنائها وبناتها .

يقول ذو القلب الكبير إنه تفاجأ برجلٍ وقور بهندام مترف يطرق باب الدار الداخلية .

- عفوا من أنت؟ ولماذا دخلت الى الدار من غير استئذان؟ !.

- ألم تعرفني .. أنا أبوك .

في تلك اللحظات .. مرت الذكريات الأليمة في رأسه كفيلم روائي يوثق مايزد عن عقد ونص من الحسرات والآلام والخوف والفاقة والحرمان .. إعتلته رعشة غير مسبوقة وأصابه صداع شديد، ومن غير أن يدري تساقطت دمعاته على شفتيه لتلامس إبتسامة حائرة، طال سكوته وهو ينظر الى (الأب الضال) الذي عاد للتو يطلب الصَفْحَ الجميل، كان يتقلب بين عبارات تطرق مسامعه، وأخرى تدور في رأسه .

- ولدي سامحني أعرف أنني مقصر في حقكم، لم يكن ذلك بإرادتي، كنت مجبرا على الهروب، كان الموت قريبا مني في تلك المعارك الطاحنة.

نظر الى أبيه وقد علَتْ الدهشة محياه وأجابه من غير أن ينطق بكلمة واحدة:-

- نحن خضنا معارك من نوع آخر، كادت الفاقة تقتلنا، وغيابك طالما أشعرنا باليتم الدائم .

- انا لم أكن قادرا على الإتصال بكم، وعشت لأعوام طويلة في فقر شديد .

- لم يكن فقرك كفقرنا وها أنت ترتدي بدلة أنيقة تدل على غناك .

- ولدي .. أرجوك سامحني، سأعوضكم عما فاتكم .

- هل ستعوضنا عن الحرمان منك؟ أم عن سنوات القحط؟.. عن مستقبلي الدراسي الضائع؟ .. عن أمي التي ماتت من حسرتها .. عن أخي؟.

- ولدي ..هل تسمعني؟ .. لماذا لا ترد عليّ؟ .

رفع ذو القلب الكبير يده اليسرى طالبا من أبيه أن يسكت، تأمل إبنه وإبنته اللذين يقفان عند قدميه ويرفعان رأسيهما إليه، كانهما يسألانه عن دمعاته، وعن هذا الرجل الغريب الذي يقف أمامه؟، مسح بيده اليمنى على رأسيهما، وهو يقول مع نفسه: هل سأقف كموقفه المخزي هذا؟ .. هل سأتنصل عن مسؤولتي تجاه أسرتي في يوم ما؟.. هل ستسامحني زوجتي وأولادي انْ انا فعلتُ ذلك؟.

قرر في لحظتها أن يسامح أباه .. مد ذراعيه لمعانقته حيث بكيّا طويلا وبحرقة، ومن يومها صار مدافعا عن أبيه أمام امتناع أحدى أختيه وأخيه، ومازال متكاتفا معه حتى إلتأم شمل الأسرة .

لقد تجلت يا شهرزاد في تلك الدقائق العصيبة أرفع مشاهد العفو،  وأرق معاني المحبة، أنْ يصفح أحدنا عن أكثر من عقد ونصف من القهر والضياع وإنتظارٍ للمجهول بسبب قرار طائش فذلك عفو ما بعده عفو أرقى ولا أسمى منه، إلا محبة متعاظمة تزيد من تلاحم الأسرة، وتعوضها بشكل ما عن سنين الحرمان والفقر والقهر .

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

......................

* من وحي شهريار وشهرزاد (41)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

 

ايناس نازلي نعيش ونحن على بعد أيام قليلة لتوديع سنة منتهية بحلوها ومرها، واستقبال عاما جديدا ندعوا أن يحمل بدايات أفضل ووعودا جديدة بهجة الاحتفالات برأس السنة الجديدة كعادة متوارثة منذ القدم يقال أنها تعود إلى أكثر من 500 سنة بعد ميلاد المسيح بن مريم عليه السلام، حيث تكون قد عرفت في حوالي عام 1500 في ألمانيا أولا لتمتد إلى كامل دول القارة الأوروبية بعد مرور قرن من الزمان وتنتشر لاحقا إلى القارتين الأمريكيتين ثم إلى دول العالم، ويقال أن أول احتفال بمولد المسيح أقامه القديس يوسف في العام الأول من ولادة المسيح بمدينة الناصرة مسقط رأس السيدة مريم العذراء وبها بشرت بمولد السيد المسيح حيث ولد بها وقضى فيها معظم سنين حياته حتى نسب إليه إذ كان يدعى بالناصري، ومنها اشتق أسم النصارى، وهناك وثائق تذكر أن أول من احتج على إقامة هذه الاحتفالات في دول العالم هو المصلح الديني" فون كايزر" وأعلن احتجاجه في خطبة ألقاها من أعلى برج أحدى الكنائس في ألمانيا عام 1508هاجم فيها بشدة ما اعتبرها بدعة جديدة تتمثل في تزيين صالة الجلوس بالبيوت في يوم ميلاد المسيح من كل عام بأغصان الصنوبر، إلا أن احتجاجاته لم تلق آذانا صاغية بل بالعكس واصلت الكثير من العائلات الألمانية إقامة الاحتفالات بصخب أكبر حتى كان الكثيرون من الفتيان والفتيات يقتطعون المال من مصروفهم اليومي طوال السنة لشراء ما أصبحت تسمى صراحة وجهرا " شجرة الميلاد " وشراء كعكة العيد وملحقاتها من أشرطة الزينة الملونة التي يقال أن أول من وضعها هو أحد الرهبان البروتستانتيين خلال احتفاله البهيج الذي أقامه مع أفراد أسرته بالمنزل الذي يملكه بمدينة ستراسبورغ عام 1605 حيث وصف حينها الاحتفال بأنه " رمز للتواصل من عام إلى آخر يتجدد فيها الزمن "

عيد الميلاد المجيد في التاريخ هو يوم 25 ديسمبر، ويذكر علماء الفلك أن يوم الانقلاب الشتوي حيث تصل فيه الأرض إلى آخر مدى لها عن الشمس ويكون النهار في أقصره، وفي اليوم الموالي تصعد الشمس، لذلك كان يعتبر هذا اليوم، يوم ميلاد الشمس، وقد احتفل به الوثنيين كعيد آلهة الشمس، واستمر ذلك إلى أن ظهرت المسيحية .

تمثل شجرة الميلاد في نظر الملايين من البشر في العالم رمزا مقدسا عرفته وتعاملت معه شعوب الحضارات القديمة، فزين سكان روما منازلهم وشرفات بالأشجار في احتفالات بهيجة تقام في الأسبوع الأخير من كل عام، وفي أثينا كانت تقام الاحتفالات حول شجرة عظيمة يتم تثبيتها في منتصف المدينة وتسمى " شجرة العالم "، وفي وقتنا الحاضر يحتفل الملايين من الناس في بقاع الأرض بالمناسبة  بتزيين الشجرة والتفنن في تجميلها بالكرات الزجاجية الملونة والأجراس والزهور لما تمثله من قدسية محببه إلى النفس إلى جانب اعتبارها رمزا لطقوس الاحتفالية المميزة بأعياد رأس السنة ، وللشجرة مكانة عالية وقدر كبير في نفوس الناس حتى أصبحت عادة شائعة عند الكثيرين يبدعون في تزيينها  وتنصيبها في مكان بارز بالمنزل قبل موعد العيد بعدة أيام وتبقى في موضعها حتى عيد الغطاس"

بالعودة إلى قصة ميلاد السيد المسيح عليه السلام في المراجع الدينية لا نجد أي رابط بين حدث الميلاد وشجرة الميلاد، فنتساءل من أين جاءت هذه الفكرة؟ ومتى بدأت؟ وكيف استقرت هذه العادة ؟ أشارت احدى الموسوعات العلمية إلى أن الفكرة ربما تكون جاءت من ألمانيا الغنية بغابات الصنوبر وذات الاخضرار الدائم، وذلك خلال القرون الوسطى، وكانت العادة لدى بعض القبائل الوثنية التي تعبد الإله " ثور" إله الغابات والرعد أن يقوموا بتزيين الأشجار، ويتم تقديم ضحية بشرية من أبناء احدى القبائل يتم الاتفاق عليه مسبقا، وفي عام 727 ميلادي أوفد إليهم البابا بونيفاسيوس مبشرا وشاهدهم وهم يقيمون احتفالا تحت احدى الشجرات وقد ربطوا ابن أحد الأمراء وقد هموا بذبحه كضحية فهاجمهم وأنقذ ابن الأمير من بين أيديهم ووقف فيهم مخاطبا أن الإله الحق هو إله السلام والرفق والمحبة الذي جاء ليخلص لا ليهلك، ثم قام بقطع تلك الشجرة ونقلها إلى أحدى المنازل، ومن ثمة قام بتزيينها حتى تصبح من ديكور المنزل فلا يطمع في استعادتها أحد، ثم أصبحت من حينها رمزا لاحتفالهم بعيد المسيح، وانتقلت هذه العادة بعد ذلك من ألمانيا إلى فرنسا وانجلترا ثم إلى أمريكا .

يتساءل العديد من الناس مع قدوم مناسبة الاحتفال بعيد الميلاد ورأس السنة الجديدة عن العجوز البشوش صاحب الذقن الطويلة البيضاء والرداء الأحمر والعصا الطويلة الذي يحمل الهدايا في كيسه القطني الأحمر ويطوف ليلا فوق طوافة يجرها ثمانية من الغزلان متنقلا من دار لأخرى يضع الهدايا أمام أبوابها، لقد أصبح هذا الشيخ " بابا نويل" عرف منذ القرن التاسع عشر لا تأتي الهدايا إلا معه ولا تتحقق الأحلام إلا بقدومه على عربته الشهيرة مع بداية كل عام ميلادي جديد التي تجرها الغزلان على الثلج في جيرولاند أو حتى على ظهر قارب أو جمل في البلاد التي لا تقل درجة الحرارة فيها عن 30درجة مئوية، لقد غمس فنان الكاريكاتور توماس نيست ريشته في الألوان ورسم على الورق سانتا كلوز سمينا ذا خد متورد ولحية طويلة بيضاء احتفالا بأعياد الميلاد ونشرتها إحدى المجلات في وقتها فأصبحت هذه الصورة هي المعتمدة لشخصية بابا نويل أي أب الميلاد بالفرنسية، أما الانجليز والأمريكيين فيطلقون علي  موزع الفرح في قلوب الأطفال سانتا كلوز الذي يعني بالإيطالية القديسة . هناك قصص وأساطير عديدة حول هذه الشخصية التي أحبها جميع الأطفال في العالم،  وتروي الأساطير أن بابا نويل يسكن القطب الشمالي في مكان بارد جدا من جرينلاند الجزيرة الأكبر في العالم، حيث يقف بابا نويل بكل هيبته أمام كوينجز جاردن، مزرعة الملك ومسكنه الذي يعيش فيه ويتدلى من عنقه المفتاح الذهبي لمصنع الألعاب الذي يعمل فيه على إعداد الهدايا ليؤكد بإصرار على أنه الوحيد الذي يصنع البهجة في النفوس، وتروي قصة شهيرة أنه منح ثلاث عذارى فقيرات في ليلة عيد الميلاد أموالا مكنتهن من الزواج، وقد جعلته هذه القصص منبع الكرم ومصدر العطف والحنان على الأطفال لأنه ارتبط بعيد مولد السيد المسيح القائل " دعوا الأطفال يأتون إلي " في لفتة إنسانية .

تختلف احتفالات رأس السنة الميلادية من بلد لآخر، التقويم " الجريجوري" هو تقويم مقتبس عن التقويم الذي ابتدأ به العمل في عهد الامبراطور الروماني يوليوس قيصر الذي يبدأ من أول فبراير وهو تاريخ بداية العمل بالقانون المدني الذي ينص على أن يتولى الشعب حكم نفسه عن طريق نوابه لمدة سنة، ومنذ آلف السنين كانت البشرية تعتبر فصل الربيع هو بداية عودة الحياة إلى الأرض بعد انقضاء فصل الشتاء، ولذلك يعتبر بداية السنة الجديدة، وكانت تستمر الاحتفالات سبعة أيام .

أما الاحتفالات البابلية برأس السنة فكانت أكبر وأضخم من احتفالات الروم، ومن العادات التي استوحيت من الحضارات القديمة اعتماد بطاقات تصور أطفالا في اليونان واعتبار الطفل رمزا للعام الجديد، حيث تضع الأمهات أطفالهن الرضع في سلال من القش ويتجولن بهم في أنحاء المدينة، أما التقليد الروماني الذي شاع في الكثير من مناطق العالم فهو توزيع القطع النقدية المعدنية على الأطفال، وبدأ من حينها الإمبراطور في زيادة صك العملات المعدنية تحمل اسمه يوزعها في بداية السنة ويبدأ التعامل بالقطع الجديدة على أمل أن تكون السنة خيرا ويمنح الأطفال بعض القطع القديمة .

ويعود إطفاء النور ثم إعادة إنارته إلى اعتقادات الديانات القديمة التي كانت تعتبر أن ضوء الشمس أمر إلهي  يحمل دفء الحياة، واما الظلام فهو يعني الموت لذلك يضيء الناس الشموع أو أي إنارة أخرى كتقليد لإبعاد شبح الموت في العام الجديد.

أما عند الأمازيغ شعوب شمال إفريقيا فتنتهي عندهم السنة الأمازيغية مع غروب شمس يوم12 يناير لتبدأ السنة الأمازيغية الجديدة يوم 13 يناير ويطلق عليه الأمازيغيون "أسوكاس أمكاز" وبدأ الحساب الأمازيغي منذ عهد الملك " شيشنق الثاني " وهي حسابات تعتمد على السنة الفلاحية، وتفيد المعلومات المتوفرة أن الأمازيغ لا يأكلون اللحم في هذه المناسبة ولا يشعلون النار وأكثر من ذلك لا يغسلون أغراضهم التي تخص الطبخ والاعتقاد السائد هو أن البركة ستحط عليهم إن تركوا أغراض الطبخ دون غسيل .

إذا كان للجانب الروحي أثره على النفس تسمو به وتتألق فيتعزز معها تقدير الفرد لذاته، فإن الجانب الاجتماعي هو التوازن الحقيقي للإنسان في حياته فيها تزهو حياة الفرد ويوفق في تلمس بدايته الفعلية نحو جعل أحلامه حقيقية، وأعياد الميلاد مصدر لشحن نفس الأطفال بالطاقة الإيجابية ولتطوير الذات وتعزيز الإيجابية لدى الطفل التي تدفعه للانطلاق إلى أفق أوسع دون أن يلجأ إلى فكرة الاصطدام الشديد بالمجتمعات وثوابتها بشكل عام سواء على مستوى العقيدة أو الحقوق والأفكار، ومن هنا تكون البداية لتقارب الحضارات والثقافات والأديان لخير البشرية .

 

إيناس نازلي الجباخنجي

 

 

في المثقف اليوم