عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

شكل: صياغة العمل الفني وبناؤه اللفظي، هيئته

الشاعر المفكر أدونيس يطرح الكثير من الأفكار الإبداعية التنويرية النادرة وأتابعه دائما، وهذا لا يعني الإقتناع بكل ما يطرحه، وأروع ما فيه أنه يثير أسئلة تريد أجوبة معاصرة. ومن طروحاته كما فهمتها أن القصيدة تصنع شكلها، فلكل قصيدة شكل تنفرد به، ولا قيمة لها إذا تشبثت بمعنى الشعر وفقا لمنطلقات الفراهيدي العروضية.

سأقترب من الموضوع بأفكار ربما تبدو متناثرة!!

نعم لكل إبداع شكله، كما لكل مخلوق شكله، لكن الجوهر الأساسي واحد.

فنظام الخلق واحد وإن تعددت الأشكال، ولا يوجد مخلوق في الكون يشذ عن الجوهر الأساسي للخلق.

البشر مؤلف من أعضاء وأجهزة متفاعلة مع بعضها لتقدم لنا إنسانا بدم ولحم وعظم وروح.

لكن هل وجدت شخصا يشبه آخر بالتمام والكمال، حتى في توائم البيضة الواحدة، وهذا ينطبق على جميع الموجودات الكونبة جامدة وحية.

كل شيئ في الكون لبناته من العناصر الموجودة في الجدول الدوري لمندليف؟

إذا إفترضنا الإبداع نشاط خلق سائب فلن يدوم لأنه يناقض نواميس الأكوان، التي فيها كل شيئ موجود بحسبان ونظام دقيق البنيان، حتى أبسط حشرة لها جهازها التنفسي والهضمي وترى وتسمع وفي رأسها دماغ يوجهها

نعم الحشرات لها أشكالها لكن مفردات خلقها راسخة وذات أساس متين، فالنظام الذي يتوطننا ذاته موجود في الحشرة.

فكيف لنا الإعتداء على نواميس كون إنفجاري دوّار؟

الوجود محتوى والأشكال فيه تحصيل حاصل، وليست هدفا بذاته، فالفكرة هي الجوهر، ولكل عصر أفكاره وتحدياته، ومن الأصلح أن نناقش فكرة القصيدة لا شكلها، فالشكل قد يهين المحتوى.

الإبداع مولود من رحم الدوران، وينتفي بدونه، لأن كل شيئ سيموت لو توقفت الأرض عن حركتها الدورانية لبضعة ساعات.

قد يتساءل القارئ، ما علاقة ما تقول بالشكل الإبداعي، والحقيقة الغائبة أن الوجود بأسره كيان واحد، ويرتكز على منطلقات ثابتة تشترك فيها كافة المخلوقات، وأي إنحراف يعني الإنتهاء، لأن الموجود لكي يبقى عليه أن يتوافق مع المنظومة الكونية الدائبة الدوران.

تخطيط القلب السليم متشابه في جميع البشر، لكن أشكالهم مختلفة.

الفراهيدي لم يخترع علم العروض وإنما إكتشفه، وهو تعبير عن نبضات الأعماق البشرية، فكل عضو أو جهاز في أبداننا له إيقاعه المنتظم، وأي إضطراب فيه يتسبب بتداعيات خطيرة، فلو إضطربت ضربات القلب وتغيرت معالم تخطيطه، لأنذرنا بوجود أزمة ما.

إن الدعوة للتحرر من الإيقاع التعبيري المنتظم عما في دواخلنا، أشبه بالمناداة بإيقاف نبض القلوب.

إن نبضات الأعضاء البشرية متناسقة ومنسجمة، وهي التي أوجدت علم العروض، والفراهيدي أخرجه من خلف أستاره، وبينه لنا بوضوح.

فما قيمة أي نص شعري إذا تحرر من إيقاع دواخلنا النابضة بالحياة، والمنسجمة مع هارمونية الكون الفسيح المتسع؟

ربما علينا مراجعة مفاهيم الحداثة وإدراك أنها تولد من رحم الأصيل، ولا يمكنها أن تعيش دخيلة كالأدغال في مرج جميل.

واحدٌ أصلُ وجودٍ واحدُ

نَبْضُهُ فينا مُقيمٌ خالدُ

كُلّنا أبْناءُ قدْحٍ المُنتهى

فوقَ عرشٍ وعُروشٍ يَصْعدُ

جوهرٌ يَرقى وشكلٌ قد أتى

مُطلقاً يَسْعى فيُبْلى الجاحِدُ

***

د. صادق السامرائي

تهبّ علينا في قابل الأيام نسمات مباركة تعيد تحرير أرواحنا المثقلة... إن النفوس العطشى تنتظر كرنفالاً روحانياً هذه الأيام لتُسقى من نهر الدعوات التي تهطل كرذاذ مطر لتعلَق بضفاف المشاعر المقدسة...

خلال هذه الأيام النورانية، وكأننا على موعد مع السكينة الآتية من البقعة المباركة؛ هناك حيث تلك التهاليل وعمق التكبيرات التي يتردد صداها النوراني إلى أقصى حدود الكون...

في هذه الأيام نشعر وكأننا محاطون برداء من اللطف الإلهي ونحن نتأهب لاستقبال أيام وساعات ممتلئة بالكثير من التفاصيل الروحانية، وكأن الأشهر الحرم هدايا لقلوبنا التي تغوص في تعقيدات الحياة الدنيوية...

أشعر وأنا الآن أخطّ هذه السطور كأنني أسير عبر ممر يصعد بي نحو سماوات زمردية تتخطى حدودنا البشرية المحدودة...

كما إنني أشعر ككائن ضعيف تفيض من حدقاته أدمعٌ، وكأن كل هذه السكينة تجعلني أطفو فوق سطح الحياة بأسرها...

هذه الأيام تدخلنا في محراب مقدس لنخلع عند بابه كل التفاصيل الحياتية التي شغلتنا على مدار الساعة، ولتُعيد ضبط دقائق أرواحنا، وكأنها تضرب موعداً مع الكمال......

إن الأيام المشرعة للسكينة تجذبك بسحرها الازوردي بروحانية تتوغل إلى أعماقك دون سابق إنذار أو استئذان كأنها سحابة رحمة واسعة تحيط بنا جميعاً تجعلنا ننكمش بلطف على أنفسنا لنستقبل هذه الرحمات...

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

لا شك أن النص الإبداعي ليس مجرد كلمات عابرة ترصف على الورق، ولا هو تشكيل تعبيري مغلق يكتفي بذاته، وانما هو كائن حي، يولد لحظة الكتابة، ليكتمل وجوده الحقيقي، ويتوهج حضوره المدهش، في لحظة التلقي المتفاعل.

ولذلك فان النص، مهما بلغ من جمال التعبير، والتمكن من التوظيف البليغ للمفردة، فانه يبقى انثيالا مفتوحاً، إلى أن يتفاعل معه المتلقي، فيتحول عندئذ، من حروف صامتة، إلى تجربة نابضة بكل مفاعيل الحياة.

وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين النص الابداعي، والمتلقي المرهف، ليست علاقة استهلاك عابر، وإنما هي علاقة تفاعل وجداني، يتداخل فيها الإبداع بالتأويل، واللغة بالحس، والمعنى بالحدس. فالمبدع حين يستولد أفكاره، ويكتب بشكل مباشر في اللحظة، فهو انما يترك في متن النص، تجليات دلالية مكثفة، تمنح المتلقي فرصة الدخول بعمق إلى عالم النص الداخلي، ومن ثم إعادة إنتاجه، تبعا لسمو ذائقته، ورهافة حسه، وثراء ثقافته.

وهكذا فان جمالية التلقي، ليست وليدة النص وحده، وانما تنبثق من التفاعل الخلاق بين النص، والمتلقي معا، حيث يصبح النص فضاءا متعدد الأيحاءات، والدلالات، ليأخذ بعده الكلي، من خلال تعدد رؤى المتلقين حوله.

وتجدر الإشارة إلى ان القارئ ليس مجرد متلق سلبي للنص، وانما هو شريك فاعل في إنتاج المعنى، فكل قراءة له، ستكون كتابة جديدة للنص بطريقة غير مباشرة، بحيث يظل النص قادرًا على الإدهاش، مهما تعددت القراءات التالية له.

ولا شك أن للغة النص الإبداعية دورها الفاعل، في تشكيل جماليات التلقي. فاللغة الشاعرية، بما تحمله من إيحاءات، ورمزية، وانزياحات، تستفز الوجدان، وتوقظ الخيال، بايحاءاتها المكتضة، التي تجعل المتلقي يعيش حالة من الاكتشاف المتوهج لدلالاتها التعبيرية، وكأن النص يبيح أسراره، لكل من يقترب منه بحس مرهف.

لذلك فإن جماليات التلقي، لاتعني أن النص الأبداعي هو مجرد فعل كتابة فقط، وانما هو نتاج لقاء وجداني عميق، بين ذاتٍ تكتب، وذاتٍ تقرأ، وبين وجدان، يبحث عن التعبير، ووجدان يبحث عن المعنى، حيث تتوهج في هذا اللقاء، روح النص، ويتحول الإبداع إلى فضاء مشترك للحلم، والتأمل، واكتشاف الجمال الكامن في التعبير، والتلقي، والحياة.

***

نايف عبوش

"الحياة قد حطمتني عدة مرات، رأيت اموراً لم أكن أريد أن أراها، عشتُ الحزن، الفشل، ولكن الشيء المؤكد دائماً، أنني أنهض".. نيلسون مانديلا

في تلك الليلة، لم يكن أحدٌ منّا يظن أن صباح الأول من آيار سيولد من رحم الرصاص، لا من أغاني العمّال وأناشيدهم.

كنّا، نحن الأنصار الشيوعيين المرابطين في منطقة پشت ئاشان، نعيش آخر ساعات الطمأنينة الصغيرة التي تسمح بها حياة الجبال. خلف الطواحين القديمة، حيث تنتشر مقرات المكتب السياسي والمكتب العسكري والإعلام المركزي، كانت النار المشتعلة في المواقد الطينية تبعث شيئاً من الدفء في ذلك الربيع البارد من عام 1983، بينما كان جبل قنديل يراقبنا بصمته الحجري العتيق، مكللاً بالثلج حتى أواخر نيسان.

كنت قد عدتُ قبل أيام إلى إعلام المكتب العسكري، بعد أن أنهيت تدريس مادة الفلسفة في مدرسة الكوادر الحزبية. انتهت الدورة الأولى، وانتهى معها احتفال التخرج البسيط الذي أقمناه وسط تلك البراري المعزولة، حيث كان التصفيق خافتاً، لكنه صادق، وكانت الشهادات تُسلَّم بأصابع متشققة من البرد وحمل السلاح.

في مساء الثلاثين من نيسان، بدا كل شيء مرتباً بعناية فقيرة.

المكان الذي سيقام فيه الاحتفال بالأول من آيار جرى تنظيفه، الكلمات أُعدّت، عريف الحفل حفظ أسماء المتحدثين، وإذاعة "صوت الشعب العراقي" جهّزت برامجها الخاصة بالمناسبة، حتى النشرة الجدارية التي يصدرها فصيل الحماية، كانت معلقة على ألواح خشبية مهترئة، وقد ازدانت بعناوين عن العمال والفقراء والثورات البعيدة.

لكن أكثر ما كان يشغل مخيلة الأنصار لم يكن الخطب ولا الأغاني، بل وجبة اللحم.

اللحم… ذلك الكائن الأسطوري الذي غاب طويلاً عن موائدنا حتى كدنا ننسى طعمه. كان الحزب يحرص أن يمنحنا إياه في المناسبات الكبرى فقط: ذكرى تأسيس الحزب، ذكرى ثورة الرابع عشر من تموز، رأس السنة، والانتصار على الفاشية. لذلك نام الرفاق تلك الليلة وهم يحلمون بقطعة صغيرة منه، ربما لا تتجاوز حجم الكف، لكنها كافية لتعيد للروح شيئاً من بهجتها المنسية.

تناوبنا الحراسات والخفارات كالمعتاد. ثم نمنا بملابسنا القتالية، ونحن ننتظر فطور الصباح: شوربة عدس في طاسة من الفافون يتقاسمها ثلاثة أنصار، مع رغيف خبز وقدح شاي لكل واحد. لا زيادة ولا نقصان. فقد كان الفقر بيننا عادًلاً على الأقل.

غير أن الفجر جاء مختلفاً. قبل أن ينشق أول خيط ضوء عن السماء، دوّى صوت الحرس المناوب بين المقرات الطينة:

!. - رفاق… استنفار! تهيؤ عسكري

نهضنا مذعورين، نتخبط بأحذيتنا وأسلحتنا، فيما كان الظلام لا يزال كثيفاً كالدخان. ومن بعيد، جاءت أصوات الإطلاقات النارية متقطعة، كأن الجبال نفسها تتكسر.

توزع الجميع على مهامهم، وذهبتُ إلى آمر الفصيل، أبو شريف.

كان أبو شريف رجلاً لا يُنسى. طويل القامة بصورة غير مألوفة، حتى إنك حين تقف قربه تشعر أن الجبل نفسه أقصر منه قليلاً. وجهه نحيل، وعيناه حادتان، وصوته يخرج دائماً كأنه أمر عسكري حتى حين يمزح.

قال لي وهو يحدق نحو الشرق:

- رفيق، اذهب إلى پولي… واستطلع الوضع هناك.

ترددت.

كانت المسافة طويلة، والطريق مكشوفاً، والذهاب وحيداً وسط ذلك الفجر المضطرب أقرب إلى الانتحار. تظاهرت بأني لم أسمع جيداً، وأبطأت الحركة عمداً، فلم أتحرك نحو پولي.

بعد دقائق معدودة وصلت الأخبارً: قوات الاتحاد الوطني الكردستاني شنت هجوماً مباغتاً على مواقع الحزب في منطقتي پولي وأشقولكا.

وفي اللحظة ذاتها، صدرت الأوامر بحرق الوثائق وإتلاف المحاضر الحزبية قبل أن تقع في يد المهاجمين.

رأيت الرفاق وهم يلقون الأوراق في النيران المرتعشة: تقارير، رسائل، أسماء، أحلام، سنوات كاملة من العمل السري… كلها تحولت خلال دقائق إلى رماد أسود يتطاير في هواء الجبل.

أما مدير الإدارة، فقد كان يوزع الأرغفة على الأنصار كأننا داخل سفينة تغرق، بينما أُفرغ مخزن الطحين والأرزاق بسرعة محمومة.

وبعد أقل من عشر دقائق، وصلت الأخبار:

سقطت پولي.

استطاع رفاقنا الانسحاب بعد مقاومة غير متكافئة. أعداد المهاجمين كانت أكبر، وتسليحهم أفضل، فيما كان أنصارنا مرهقين ومحاصرين بالخوف والمفاجأة.

بعدها بوقت قصير، جاء الأمر الأخير:

- الانسحاب شرقاً.

أُعطي كل منا رغيفين من الخبز الأسمر، وملأنا زمزميات الماء من النبع الجاري أسفل المقرات. حملنا أسلحتنا وحقائبنا الصغيرة، ثم بدأنا الصعود.

لم يكن أحد منا قد تهيأ لما حدث. قبل أيام فقط، كنا نقتسم الخبز والسجائر والطرقات مع أولئك الذين باغتونا بالهجوم. وفجأة صار الحليف خصماً، وصارت البنادق التي كانت تحرس ظهورنا تتعقبنا بين الوديان والممرات الضيقة.

كان الجبل قاسياً بصورة لا توصف.

الصعود حاد، والثلج يغطي السفوح العليا لقنديل، يلمع تحت الضوء الباهت كأنه زجاج مبعثر فوق العالم. لم نكن نعرف إلى أين نمضي تماماً، لكننا كنا نعرف شيئاً واحداً: أننا نهرب من الموت.

كلما أعيتنا الأنفاس، كنا نبحث عن بقعة صخرية عارية من الثلج لكي نجلس فوقها لحظات قصيرة، ثم نعاود السير. كانت الريح تضرب وجوهنا ببرودة حادة، فيما يتصاعد بخار الأنفاس من أفواهنا مثل دخان قطار متعب.

سرنا ساعات طويلة عبر سفوح جبل قنديل ووديانه العميقة.

هناك، حيث تمتد غابات البلوط والعرعر على المنحدرات، وحيث تبدو القمم البعيدة عند الشروق كأنها جزر معلقة فوق بحر من الضباب.

قرب إحدى القمم، سمعت صراخ رفيقات. كانت "أم ذكرى" تطلب أن تُترك في مكانها، فقد خارت قواها تماماً. لم أكن أعلم آنذاك أن هذه المرأة نفسها ستستشهد لاحقاً في بغداد، بعد أن حوصرت في أحد البيوت السرية، فاختارت أن تحرق الوثائق الحزبية ثم تحرق جسدها معها كي لا تقع بيد الأجهزة الأمنية.

إلى جانبها كانت النصيرة أنسام "موناليزا"، تترنح من التعب هي الأخرى. تلك الفتاة التي سيبتلعها كمين غادر بعد سنوات قليلة في كردستان.

في الحروب، لا أحد يعرف أنه يسير وسط مصائر مؤجلة.

كان الليل يهبط ببطء، والضباب يتكاثف حول القمم، حتى بدا الجبل كأنه يغلق علينا منافذه واحداً بعد آخر. لم نكن نتبادل الكلام إلا نادراً. التعب جعل الأصوات خشنة ومقتضبة، فيما راحت أقدامنا تجر أجسادنا جراً. وكلما سأل أحدنا:

ـ هل بقي الكثير؟

كان الجواب ذاته يتكرر:

ـ مجرد بضعة كيلومترات أخرى.

لكن تلك "البضعة" كانت تتمدد مثل لعنة.

كانت البضعة كيلومترات التي قيل لنا إنها تقود إلى مسجد القرية، تبدو وكأنها رحلة أخرى لا نهاية لها.

كنا نصعد السفوح المتعرجة من جبل قنديل بخطوات متثاقلة، فيما كانت معدنا الخاوية تقرضنا من الداخل، ويشد على صدورنا ذلك الإحباط الثقيل الذي هبط علينا فجأة، كصخرة انفلتت من أعلى الجبل.

وبعد ساعات من عناء طويل، وصلنا إلى الطريق المؤدي إلى قرية سيلوان، أو سيلفان كما يسميها البعض. قرية جبلية كردية تقع داخل الأراضي الإيرانية، قرب الحدود مع كردستان العراق، بين الطرق المؤدية إلى سردشت وبيرانشهر.

عند مشارف الطريق، استقبلنا عدد من الرفاق. ناول كل واحد منا كعكتين صغيرتين. أكلناهما بسرعة موجعة، كأننا نخشى أن يخطفهما منا الهواء. كان الجوع قد بدأ ينهش أجسادنا، والظمأ يحرق الحناجر، حتى بدت تلك الكعكتان كأنهما وليمة كاملة.

لكن الوصول إلى القرية لم يكن نهاية الرحلة. كان علينا أن نواصل السير بضعة كيلومترات أخرى نحو مسجد قديم يقع في طرفٍ بعيد من القرية، متوارياً بين الأشجار والبيوت الحجرية.

هناك فقط، أدركنا للمرة الأولى أننا نجونا… مؤقتاً.

وعندما لاح لنا مسجد القرية أخيراً، صغيراً ومنخفض السقف عند حافة التلة، لم نشعر بالراحة التي توقعناها. كان التعب قد استهلك حتى قدرتنا على الفرح. هناك عرفنا النبأ الذي نزل علينا كطعنة أخرى؛ إحدى المجاميع المنسحبة من الرفاق ضلت طريقها بين الشعاب، ووقعت في الأسر، وفيها الرفيق كريم أحمد "أبو سليم" عضو المكتب السياسي، والرفيق قادر رشيد "أبو شوان" كادر متقدم على ملاك الإقليم.

ساد صمت ثقيل بعد سماع الخبر. حتى أولئك الذين اعتادوا إطلاق النكات في أقسى الظروف، انكمشت وجوههم فجأة، وأخذوا يحدقون في الأرض. كان الأسر في تلك الأيام باباً مفتوحاً على المجهول؛ لا أحد يعرف إن كان الأسير سيعود، أو كيف سيعود، أو إن كان سيبقى حياً أصلاً.

دخلنا المسجد الواحد تلو الآخر. كان صغيراً، أشبه بغرفة طينية قديمة أكثر منه بيتاً للعبادة. الرطوبة تلتصق بالجدران، ورائحة العفن ممزوجة بروائح بشرية قديمة تخنق الأنفاس. وحين نزعنا أسلحتنا الثقيلة، شعرنا كأننا نخلع أجزاءاً من أجسادنا. تدحرجت حقائب الظهر إلى الزوايا، فيما تمدد بعض الرفاق على الفور، وغفوا قبل أن تصل أيديهم إلى الطعام.

أما الطعام نفسه، فلم يكن سوى لبن رائب بطعم حامض، وتمر يابس، وخبز محترق الحواف، لكنه بدا لنا وقتها وليمة نجاة.

أذكر أنني تمددت قرب الجدار، فوق سجادة صغيرة تغير لونها حتى صار مائلاً إلى السواد، تتناثر عليها بقع داكنة من أوساخ قديمة، وكأن الماء لم يلمسها منذ سنوات طويلة. ومع ذلك، لم يكن أحد يملك رفاهية الاشمئزاز. كنا منهكين إلى درجة أن الأرض القذرة بدت أكثر دفئاً من الجبل.

في الخارج كانت القرية تغرق في ظلام كثيف، لا يقطعه سوى نباح متقطع لكلاب بعيدة، وصفير ريح باردة تهبط من أعالي قنديل. أما في الداخل، فقد كان النعاس يهاجمنا بعنف، كأنه إغماء جماعي.

قبل أن ننام، نُقلت الرفيقات إلى بيوت القرية. قيل لنا إن بقاءهن معنا داخل المسجد حرام، وإن أهل القرية المحافظة لن يتقبلوا ذلك أبداً. لم يعترض أحد. لم يكن فينا من يملك طاقة للنقاش أو التمرد على تقاليد قرية نائية معلقة بين الصخور والخوف.

وهكذا افترشنا تلك المساحة الضيقة، نحن وبنادقنا المتعبة وأحلامنا المرتبكة، بينما كان الإحباط ينام معنا، مثل رفيق إضافي لا يمكن التخلص منه.

لم يكن أحدٌ منا قادراً على النوم تلك الليلة في مسجد القرية. كنا مرهقين إلى حدّ الانهيار، أجسادنا مسحوقة من السير الطويل وصعود الجبال، وأرواحنا مثقلة بأخبار الأسرى والرفاق المفقودين، لكن التعب نفسه لم ينجح في إسكات أجسادنا التي راحت تحترق بحكةٍ لا تُطاق. كان كل واحدٍ منا يتقلب فوق بطانيته الخشنة كمن ينام فوق حفنة شوك.

في البداية ظننا أن الأمر بسبب العرق والوحل وقلة الاستحمام منذ أيام الهروب من پشت ئاشان، لكن الحقيقة ظهرت سريعاً عندما بدأ بعض الرفاق يخلعون فانيلاتهم الداخلية المتسخة تحت ضوء الفانوس الخافت. هناك، بين الثنيات والحوافي الداكنة، كانت جيوش القمل تتحرك بوقاحة، وقد وجدت في أجسادنا المرهقة وطناً جديداً لها.

راح البعض يسبّ ويلعن، بينما أخذ آخرون يفركون قمصانهم بأظافرهم بعصبية. كان القمل يلتصق بالحواف كما لو أنه يعرف أننا لا نملك ماءً كافياً ولا وقتاً ولا حتى رفاهية الاشمئزاز. وفي تلك اللحظة شعرنا أن الحرب لا تكتفي بالرصاص والمطاردات والجوع، بل تريد إذلالنا حتى في نومنا القليل.

مع انبلاج الصباح، خرج بعض الرفاق إلى ساقية قريبة يغسلون فانيلاتهم الداخلية بماءٍ بارد، علّ القمل يختفي أو يخفّ قليلاً، لكن الجميع كان يدرك أن غسل قطعة قماش لن يحلّ مشكلة أضيفت إلى سلسلة مصائبنا الثقيلة. فقد كنا لتوّنا منسحبين من مواقعنا تحت وابل النار، نجرّ خيبتنا معنا بين الوديان، ونحمل في صدورنا أخباراً متقطعة عن رفاقٍ وقعوا في الأسر، ولم يكن أحد يجرؤ على تخيّل ما الذي ينتظرهم.

بعد قليل، وزّع علينا بعض خبز التنور اليابس، مع اللبن والجبن المعتّق، وقدح شاي ساخن أعاد شيئاً بسيطاً من الحياة إلى عروقنا. وبينما كنّا نأكل بصمت، ظهر رجل قصير ممتلئ الجسم، في أواسط الخمسين من عمره، يرتدي ملابس كردية فضفاضة وعمامة صغيرة. كان وجهه يحمل طيبة قروية واضحة رغم قسوة الأيام.

اقترب منا مبتسماً، وبدأ يسأل كل رفيق عن مقاس قميصه.. كان اسمه سيد باقي.

وقف إلى جانبي رفيقي أبو عادل البصراوي، الذي كنا نلقبه بـ"الشايب"، رغم أن روحه المرحة كانت أصغر من الجميع. قال سيد باقي بالكردية، لأنه لم يكن يعرف العربية:

ـ رفاق الحزب كلفوني أن أشتري لكل رفيق قميصاً واحداً، يلبسه بينما يغسل الآخر.

هزّ أبو عادل رأسه بأسى مصطنع وقال فوراً:

ـ لكنني أحتاج إلى قميصين، وليس قميصاً واحداً فقط!

نظر إليه سيد باقي باستغراب ورد بجدية صادقة:

ـ لكن الحزب أوصى بقميص واحد فقط.

حين جاء دوري أخبرتُه بمقاسي، بينما عاد أبو عادل يقول وهو يحاول أن يبدو مقنعاً:

ـ أنا مقاسي ستة عشر… لذلك أقترح أن تأتيني بقميصين، كل واحد مقاس ثمانية!

توقّف سيد باقي لثوانٍ وكأنه يحاول فهم المعادلة الغريبة، ثم انفجر ضاحكاً حتى اهتزّ جسده القصير كله.

وضحكنا نحن أيضاً، دفعةً واحدة، كما لو أن الضحكة كانت مختبئة في صدورنا منذ زمن طويل وتنتظر من يحررها.

كانت تلك، على الأرجح، أول مرة نضحك فيها منذ الثلاثين من نيسان. ضحكة قصيرة وسط الخراب، لكنها بدت لنا يومها انتصاراً صغيراً على الحزن والموت والقمل والحرب كلها.

في الليلة الثانية أيضاً، لم يهبط علينا النوم إلا مثل طائرٍ خائف، يحوم فوق رؤوسنا ثم يهرب. كان القمل قد سبق التعب إلى أجسادنا، واستوطن ملابسنا بسرعة مدهشة، كأنه يعرفنا منذ زمن طويل. وكلما أغمض أحدنا عينيه، شعر بشيءٍ صغير يتحرك فوق جلده، فينهض شاتماً، يصفع عنقه أو يحك ذراعه بعصبية، بينما تمتد في العتمة همهمات التذمر والضحك المختنق.

وكان الدكتور صادق، مهند البراك، أكثرنا معاناة مع هذا العدو الصغير. جلس قرب ضوء الفانوس الشحيح، وقد نزع فانيلته الداخلية، يقلبها بين أصابعه بعناية طبيب يبحث عن جرثومة نادرة تحت المجهر. كان وجهه متجهماً، لكنه لم يفقد تلك الابتسامة الساخرة التي لا تفارقه حتى في أقسى اللحظات.

وفجأة صاح أحد الأنصار، بعدما قبض بين إصبعيه على قملة سمينة، ورفعها عالياً كأنه عثر على غنيمة حرب:

 - دكتور… هاي القملة جاية من يمك!

انفجر بعضنا بالضحك، والتفتت الرؤوس نحو الدكتور صادق، الذي لم يبدُ مرتبكاً أبداً. بل رفع راحة يده بهدوء، وكانت فوقها قملة أخرى تتحرك بكسل، وقال بجدية مصطنعة.

 - لا… هاي القملة مالتي، لونها يختلف.

في تلك اللحظة انفجر المكان كله بالضحك. ضحكنا حتى دمعت العيون، ليس لأن النكتة عظيمة، بل لأن الضحك كان الشيء الوحيد الذي يمنعنا من الشعور الكامل بالبؤس. كان القمل ينهش أجسادنا، والجوع يطرق البطون، والخوف ينام قرب بنادقنا، ومع ذلك كنا نجد وقتاً للسخرية من أنفسنا.

ومنذ تلك الليلة، صار القمل فرداً إضافياً. دخل في أحاديثنا اليومية، وفي تعليقاتنا الساخرة، حتى أصبح لكل واحد منا قصة مع "قملته" الخاصة. وكأن الحياة، في تلك الجبال القاسية، أرادت أن تعلمنا درساً غريباً: أن الإنسان يستطيع التعايش مع كل شيء… حتى مع القمل، إذا كان محاطاً برفاق يملكون القدرة على الضحك وسط الخراب.

في اليوم التالي، جاء سيد باقي مع أول خيط من ضوء الصباح، يحمل على كتفيه كيساً خشناً مليئاً بالقمصان الرجالية. أفرغها أمامنا قرب جدار المسجد الصغير، فتدحرجت الأقمشة الرمادية والزرقاء فوق التراب الرطب، لكن أغلب المقاسات لم تكن مناسبة. بعضها كان واسعاً إلى حد يبتلع الجسد، وبعضها الآخر ضيقاً كأنه مفصل لأطفال. ومع ذلك، لم يعترض أحد. كنا قد وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها اللباس سوى تفصيل صغير في حياة فقدت انتظامها كله.

كانت الرفيقات قد عدن من البيوت الفقيرة التي استضافتهن نساء القرية فيها. وجوههن متعبة، لكنها متماسكة على نحو يثير الحزن. وككل صباح، اجتمعنا أمام مسجد القرية، نتناول الفطور بصمت متقطع، ثم ننخرط في أحاديث خافتة عن آخر الأخبار: هل ورد شيء عن أسرانا لدى الاتحاد الوطني الكردستاني؟ هل ظهر أثر للرفاق المفقودين بعد كارثة پشت ئاشان؟ وهل صحيح أن بعضهم شوهدوا في القرى القريبة؟

لكن الأخبار كانت شحيحة دائماً، ومبتورة، تصلنا كأنها قادمة من عالم آخر.

كان عددنا يتناقص يوماً بعد آخر. في كل صباح نكتشف غياب رفيق أو اثنين. كنا نعرف أنهم أُرسلوا في مهمات خاصة، غير أن أحداً لم يكن يجرؤ على السؤال. الانضباط الحزبي كان أقوى من فضول الخوف، وأشد قسوة من حاجتنا لمعرفة مصيرنا. حتى نحن، لم نكن نعرف إلى أين سنُقاد، ولا ما الذي ينتظرنا بعد هذه القرية الإيرانية المنسية بين الصخور والجبال.

ولأن السلطات الإيرانية لم تكن ترغب بوجودنا الظاهر، فقد مُنعنا من التجول بحرية داخل القرية. كنا نكتفي بمراقبة الحياة من بعيد، من زوايا الطرق الضيقة أو من أمام المسجد. هناك، كان رجال القرية يجلسون القرفصاء بمحاذاة البيوت الحجرية، يلوحون بسبحاتهم الطويلة بأصابع بطيئة، يدخنون، ويتبادلون الأحاديث والضحكات كأن العالم لم يكن ينهار على بعد بضعة كيلومترات فقط. أما النساء الكرديات، فكن أشبه بامتداد للأرض نفسها؛ بثيابهن التقليدية الفضفاضة وألوانها الداكنة، يحملن العلف، يسقين الحيوانات، وينشغلن طوال النهار بأعمال لا تنتهي. بعضهن كانت تربط طفلها على ظهرها بقطعة قماش سميكة، ثم تمضي في الحقل أو بين الحظائر دون أن تتوقف لحظة.

مرت الأيام ثقيلة كأنها لا تتحرك. حتى اللحم، الذي كنا نحلم به في مواقعنا الجبلية الباردة، فقد معناه تماماً. كان يُقدَّم لنا أحياناً، لكن أحداً لم يعد يشعر بالرغبة في الطعام. التعب النفسي كان يلتهم كل شيء؛ الشهية، والحديث، وحتى القدرة على الحلم.

وفي صباح اليوم الخامس، جاء الأمر بالتحرك. نهضنا بصمت، وحمل كل منا سلاحه وما تبقى له من أمتعة خفيفة. تحركنا خلف آمر المفرزة في صف طويل ومتعب. كان عددنا القليل يبدو أشد ضآلة وسط الجبال الهائلة التي أحاطت بنا. لم يسأل أحد عن الوجهة، فقد تعودنا أن نمشي دون أسئلة، وأن نترك الطرق تقودنا كما تشاء القيادة.

ساعات طويلة قطعناها عبر المسالك الوعرة، نصعد السفوح الحجرية ثم نهبط في الوديان الضيقة، فيما كانت الريح الجبلية الباردة تصفع وجوهنا المغبرة. وحين كادت أقدامنا تتوقف من الإعياء، التفت إلينا آمر المفرزة وقال بصوت مقتضب:

ـ رفاق.. سنصل إلى لولان قريباً.

عندها فقط عرفنا وجهتنا.

كنا قد قطعنا نحو خمسةٍ وعشرين كيلومتراً سيراً بين الجبال. وكانت لولان تمتد هناك، في تخوم سيدكان، قرب الحدود العراقية ـ الإيرانية، بينما بقيت سيلوان خلفنا، غارقة في صمتها الحجري عند السفوح القريبة من جبال قنديل. وكنا، نحن أيضاً، نمضي نحو المجهول بصمت يشبه صمت تلك الجبال.

وهكذا، لم تكن الرحلة من پشت ئاشان إلى لولان مجرد انسحاب عسكري عبر الجبال، بل عبوراً قاسياً داخل أرواحنا أيضاً. هناك، بين الثلوج والوديان والقرى المنسية، تعلّمنا أن الهزائم لا تأتي دائماً بصوت الرصاص، بل قد تأتي أحياناً بصمت الرفيق الغائب، وبالجوع، والقمل، والخوف، والطرق التي لا تنتهي.

ومع ذلك، وسط ذلك الخراب كله، بقي شيء صغير يقاوم الانكسار: قدرتنا على الضحك.

ضحكة أبو عادل، وسخرية الدكتور صادق، وكعكتا الطريق، وقدح الشاي الساخن في مسجد سيلوان… كانت جميعها انتصارات بشرية صغيرة على قسوة الحرب ووحشة المنافي الجبلية.

لقد أخذت منا تلك الأيام الكثير؛ الرفاق، واليقين، والطمأنينة، لكنها تركت لنا شيئاً لا يقل أهمية: ذاكرة لا تموت. ذاكرة رجال ونساء ساروا بين جبال قنديل وهم يحملون خيباتهم وأحلامهم معاً، ويواصلون السير، لا لأن الطريق كان واضحاً، بل لأن التوقف كان يعني السقوط.

وربما لهذا بقيت كلمات نيلسون مانديلا صحيحة إلى هذا اليوم:

الحياة قد تحطمنا مرات كثيرة، لكن الإنسان يُعرَف دائماً بقدرته على النهوض، حتى وهو يجرّ تعبه وخساراته فوق طرقٍ وعرة تشبه جبل قنديل.

***

جورج منصور

 

بقلم: كلير سوينارسكي

ترجمة: د. محمد غنيم

***

(تكتب كلير سوينارسكي عن المهنة المُرضية والمجزية في إبداع قصص للأطفال)

قبل بضع سنوات، رفضت المحررة التي أتعامل معها منذ فترة طويلة في مجال كتب الأطفال فكرتي لرواية جديدة موجهة لليافعين . كان وقع هذا الرفض قاسيًا عليّ؛ فالقصة التي تدور حول ابنة طاهٍ مشهور تنتقل إلى بلدة صغيرة بعد أن تبناها شقيقها الأكبر كانت تلامس مشاعري حقًا. لكن رفض المحررة كان سريعًا وحاسمًا؛ لم تكن مستعد لقبول أي نسخة من هذه المخطوطة.

بعض القصص تنغرس عميقًا في عقل الإبداعي، وتخرج عبر أغنيات تسمعها في الراديو أو أحلام يقظة عابرة أثناء الاستحمام. إنها ببساطة ترفض أن تتركك وشأنك. خطر لي أن القصة ستكون في الواقع أكثر إثارة للاهتمام إذا رُويت من منظور شقيق الفتاة، ومنظور إحدى السيدات المسنات اللواتي يعشن في البلدة. كتبت الفصل الأول بخط اليد وأنا على متن قارب، وأرسلته على عجل إلى وكيلي الأدبي، الذي أخبرني بثقة أنه يستطيع بيعه. وقد فعل، وهكذا بدأت صفحة جديدة تمامًا في مسيرتي المهنية.

منذ نشر ذلك الكتاب (سيدات الجنازة في مقاطعة إليري)، كتبت رواية أخرى للكبار: (قديسو نادي العشاء)، ومجموعة أخرى من روايات اليافعين. لقد واصلت شق طريقي المهني فى الكتابة لكلا الفئتين العمريتين بشق الأنفس، وأجد نفسي بطريقة ما أكتب لجمهورين مختلفين تمامًا.

"أما السؤال الثاني، فيمكنني الإجابة عليه بسهولة: كتابة قصص جيدة للأطفال أصعب من كتابة قصص جيدة للكبار."

وعند سماع ذلك، عادةً ما يطرح عليّ الكتاب الراغبين في لكتابة لفئات عمرية متعددة سؤالين: هل من الصعب الانتقال بين تلك الفئات؟ وأي الفئات أصعب في الكتابة لها؟

أما السؤال الأول بالنسبة لي، فله إجابة معقدة ودقيقة: الأمر صعب، وليس صعبًا في آن واحد. كأي كاتب محترف، أتمنى لو كنتُ خاضعة لإلهام "ربة الإبداع"، لكنني في الواقع خاضعة لمواعيد تسليم لم أحددها بنفسي. إنّ التنقّل بين الأعمال المختلفة للفئتين أمرٌ مرهق، لكن الحياة مرهقة أصلًا، وعليّ أن أفعل ذلك بحكم عملي، لذا أفعله. وهناك بعض الحيل التي أستطيع اعتمادها لتسهيل الأمر، وأفعل ذلك بالفعل؛ فلديّ قوائم تشغيل موسيقية مرتبطة بكل كتاب، وأحاول الاستفادة من جدولة الوقت على شكل كتل متتابعة، وأتبع طاقتي الإبداعية قدر ما أستطيع خلال أي أسبوع. لكن الأمر ليس، على حدّ تعبير إحدى فقراتي الرقمية المفضلة في Saturday Night Live، "أسوأ من العمل في منجم فحم".

أما السؤال الثاني، فيمكنني الإجابة عليه بسهولة: كتابة قصص جيدة للأطفال أصعب من كتابة قصص جيدة للكبار.

والأسباب وراء ذلك متعددة ومتنوعة في ذات الوقت . أولاً وقبل كل شيء، الأطفال حكام قساة للغاية؛ لن يمنحوك أكثر من صفحة واحدة. إذا لم تجذب انتباههم في أول فقرتين، فأتمنى لك حظًا سعيدًا في جعلهم يصمدون عندما تكون أغنية النداء العذبة لسلسلة كتب "الرجل الكلب" (Dog Man) حاضرة بجوارهم مباشرة.

ثانيًا، كل رواياتي للكبار كانت معاصرة، مما يعني أنها مكتوبة تمامًا بإيقاعي الخاص ونظرتي للعالم. أما كتب الأطفال فتتطلب تحولاً هائلاً في المنظور، وكأنني أكتب بلغة مختلفة تمامًا. لقد كنت طفلة ذات يوم بالطبع، وأتذكر العديد من المشاعر والرغبات ووجهات النظر المهمة لكن صياغة هذه الأشياء بطريقة تلقى صدى لدى طفل اليوم، دون التعالي عليه أو تقديم درس أخلاقي مبتذل وكأنني أرقص على خشبة المسرح، يمكن أن يبدو مهمة هرقلية شاقة.

"لكن الأطفال لا يحبون أن يُتعامل معهم بتعال أو استصغار تمامًا كما لا تحب أنت أو أنا ذلك، وعلاوة على ذلك، فهم يمتلكون عيون صقر في ملاحظة هذا التعالي لأنهم اعتادوا عليه كثيرًا."

ثالثًا، هناك ببساطة ضغط أكبر على كاتب الأطفال للمساعدة في تشكيل وتحويل "الشباب". نحن جميعًا، ودائمًا، نتشكل ونتحول. ولكن هناك فكرة شبه مؤكدة بأن الأطفال يفعلون ذلك بمعدل سريع لا يُصدق، ويمكن أن تكون القصص قنوات للنمو العاطفي، والدهشة، والتعاطف. وبعبارة أخرى: الأطفال هم المستقبل، ومن الأفضل لك أن تصنع قصة تساعدنا في الوصول إلى مستقبل مشرق.

لكن الأطفال ليسوا المستقبل فحسب؛ بل هم أيضًا، كما قال ماك بارنيت (السفير الوطني لأدب الشباب): "الحاضر". إنهم أشخاص يمتلكون كيانهم الخاص هنا والآن، يمرون بصراعات وتجارب، ويحتاجون إلى هدية القصة لمساعدتهم على مواجهة عواصف الحياة تمامًا مثل أي شخص منا. إن منظورهم للأمور أصغر حجمًا بالمعنى الحرفي، لكن هذا لا يجعل احتياجاتهم أقل ضرورة أو إلحاحًا. هناك ما يشبه الصورة النمطية التي ترى أن كتاب الأطفال يجب أن يكونوا إما مهرجين مغفلين أو نسخة حديثة من شخصية "سارة" في رواية (Sarah, Plain and Tall): مستعدين لتقديم الحكمة في أي لحظة. لكن الأطفال لا يحبون أن يُتعامل معهم بتعال أو باستهانة، تمامًا كما لا تحب أنت أو أنا ذلك، وعلاوة على ذلك، فهم يمتلكون عيون صقر في ملاحظة هذا التعالي لأنهم اعتادوا عليه كثيرًا. أنا أكتب بجدية للأطفال لنفس السبب الذي يجعلني أكتب بجدية للكبار، لأنهم بشر حقيقيون يستحقون قصصًا رائعة.

لذا، نعم: الكتابة للكبار صعبة للغاية. والكتابة للأطفال صعبة جدًا جدًا. والكتابة لكليهما أصعب بكثير. ولكن هذا أيضًا ما يجعلها مجزية ومُرضية للغاية. كل يوم يقدم تحديًا إبداعيًا جديدًا، وفرصة جديدة لسرد قصة ذات تأثير، سواء كانت لطالب في الصف السابع أو لجدة ذلك الطالب.

هناك بعض العقبات حين يتعلّق الأمر بالعلامة التجارية، وبالنظر إلى الوراء، ربما كان من الحكمة استخدام اسم مستعار لإحدى الفئتين العمريتين. لكنني لم أرغب في ذلك. لقد كتبت هذه القصص بكامل كينونتي وهويتي؛ لا نسخةً مني مُفلترة ومُعلَّبة للتسويق. هل من المحبط أن يعلق أحدهم قائلاً: «لقد أحببت رواية سيدات الجنازة حقًا، ولكن يبدو أن هذا الكتاب مكتوب للأطفال» تعليقًا على أحدث كتاب لي للأطفال؟ بالطبع. هل يغضب بعض الناس لأن مؤلفة كتب أطفال قد تتلفظ بكلمات بذيئة في رواية للكبار؟ للمفاجأة، نعم. ومع ذلك، فمن الممتع أيضًا أن أذهب في زيارة مدرسية وتخبرني معلمة كم تستمتع برواياتي للكبار، أو أن أسمع عن نادٍ للكتاب يجمع الأمهات وبناتهن، حيث تقرأ الأمهات رواية (سيدات الجنازة) وتقرأ البنات رواية (كل شرارةٍ على حدة)."

ربما كان من الحكمة أن أستخدم اسمًا مستعارًا لفئة عمرية دون الأخرى. لكنني لم أرد ذلك. لقد كتبت هذه القصص بكل كياني؛ لا نسخةً مني مُفلترة ومُعلَّبة ومُسَوَّقة.

أنا ممتنة للغاية لكوني قادرة على سرد القصص لكل من الأطفال والكبار. هذا يحافظ على تنوع جدولي الزمني ويسمح لي باستخدام مهارات إبداعية مختلفة. كما أنه، من الناحية العملية، يوفر لي مصادر دخل متعددة. ولكن الأهم من ذلك كله، أنه يتيح لي الكتابة لمزيد من الناس واستخدام إبداعي للتواصل وخدمة شريحة أكبر من القراء. لأنه على الرغم من وجود اختلافات صارخة بين الكتابة للأطفال والكتابة للكبار، فإن المهمتين تشتركان في الواقع في نفس الهدف: سرد قصة لشخص يحتاج إلى سماعها.

***

.....................

الكاتبة : كلير سوينارسكي/ Claire Swinarski:

ولدت كلير سوينارسكي ونشأت في ولاية ويسكونسن، حيث لا تزال تعيش هناك مع عائلتها وتكتب قصصًا للقراء من جميع الأعمار. كانت رواية "What Happens Next" (ماذا يحدث بعد ذلك) هي أولى رواياتها الموجهة لليافعين، وتبعتها روايتا "The Kate in Between" (كيت في المنتصف) و"What Happened to Rachel Riley" (ماذا حدث لراشيل رايلي)، وحاز الكتاب الأخير على لقب "كتاب الأطفال البارز" من جمعية المكتبات الأمريكية (ALA)، وضمن قائمة "أفضل روايات الشباب" الصادرة عن (YALSA)، كما رُشح لجائزة (Cybils) وجائزة (Edgar) المرموقة. وتلا ذلك صدور روايتي "Take It from the Top" (خُذها من القمة) و"Each and Every Spark" (كل شرارة على حدة). تؤمن كلير بأن التجول في أروقة المكتبة كفيل بحل 95% من مشكلات الحياة.

نص سريالي في احتجاج مؤجَّل

أولاً: الاستدعاء

في الليلة التي تحوّل فيها نهر دجلة إلى حبر أسود، وفي الساعة التي لا تُعدّ ولا تُحسب، تلك الفجوة السائلة بين منتصف الليل ومطلع الفجر، شهد جسر الجمهورية ظاهرةً لم تُسجَّل في أي تقرير رسمي ولم يُشِر إليها أي مراسل: إذ بدأت الأعمدة الحجرية تنبض كما تنبض الأوردة، وارتفع من شقوق الإسفلت دخانٌ بلون العتب القديم.

كان الليل عراقياً بامتياز: حاراً وثقيلاً ومعطَّلاً، كأنه هو الآخر موظفٌ في دائرة حكومية نسيها الإصلاح.

جاء الأول من ضباب اللوح الطيني، مشياً على قدمين لم تُعرَف لهما راحة منذ أن سقطت أوروك. كان جلجامش يحمل تحت إبطه الأيسر لوحاً سومرياً وعليه مكتوب بخط مسماري متذمِّر: "طلبنا لجنة تقصي الحقيقة منذ أربعة آلاف سنة، وما زالت القضية قيد الدراسة." وعلى إبطه الأيمن، كان يتكئ كائنٌ نصفه بشر ونصفه وثيقة رسمية، تتساقط منه أختام دوائر الدولة كما تتساقط أوراق الخريف في بلد لا خريف فيه.

قال جلجامش بصوت يشبه صوت المطر على أرض طينية: "بحثتُ عن الخلود فوجدتُ المحاصصة."

ثانياً: المجلس ينعقد

في ساحة التحرير، ذلك الفضاء الذي تعلّم أن يحمل أكثر مما يطيق، نصب الغائبون خيمةً من ضوء القمر وخيبة الأمل المكتملة. لم تكن الخيمة محسوبةً على أي كتلة، لأن اللاكتلة وحدها لا تمتلك خيماً.

جلس حمورابي على حجر من بابل القديمة، يتأمل شريعته المنقوشة، ويقرأ في وجوه الحاضرين ما لم يكتبه: "كتبتُ أن الأقوى لا يظلم الضعيف. فما الذي حدث؟ من بدّل الشريعة؟ من استبدل العدل بمعادلة توزيع الحقائب؟"

لم يُجبه أحد، لأن الجواب كان معلقاً كلافتةٍ انتخابية فوق رأس كل شارع، ضخمة ومُلوَّنة وفارغة.

في الجانب الآخر من الخيمة، كان المنصور الخليفة العباسي يمشي ذهاباً وإياباً، يرسم بخطاه مخطط مدينة مستديرة لن تُبنى. كان يتحدث بصوت منخفض كالبطانة: "بنيتُ مدينة السلام على التقاء النهرين، وها هم يبنون المنطقة الخضراء على التقاء الخوف والمنفعة." ثم توقف فجأة، نظر إلى السماء وقال بنبرة من يكتشف معادلة: "الفارق هو أن مدينتي كانت دائرية لأن الكمال دائري. ومنطقتهم دائرية لأن الجدار يجب أن يُحيط من كل الجهات."

ثالثاً: الشعراء يشهدون

وصل أبو نواس متأخراً كعادته، يحمل قنينة لا شراب فيها بل دموع ضائعة، من تلك الدموع التي تبكيها المدن على نفسها ولا يراها أحد. جلس القرفصاء أمام تمثاله الذي يعرفه ولا يعرفه، ذلك التمثال الذي احتضن احتجاجات تشرين كما يحتضن الأب ولداً مذعوراً، وقال:

"في زماني شربنا خمر السلطة فسكرنا وأنشدنا وكنا نعرف أننا سكارى. أما هؤلاء فيشربون ولا يعرفون، ويحكمون وهم لا يعرفون أنهم لا يعرفون، وهذا هو المسكر الحقيقي: أن تفقد صحوتك وتظن نفسك صاحياً."

قفز الجواهري من الرقعة الأخرى من الليل، شيخاً ومتقداً في آنٍ واحد، ينشد بصوت كصوت نهر يرفض أن يجفّ:

"يا دجلةَ الخيرِ، يا أمَّ البساتينِ، ماذا فعلوا بكِ يا أمَّ المظلومينِ؟ قسّموا مياهكِ بالكوتا، بالطائفةِ، وأعطوا الأعماقَ لأصحابِ الحصَّةِ، وتركوا السطحَ للشعبِ يسبحُ، يغرقُ، بين بياناتٍ رنّانةٍ وحقائقَ تعرقُ."

ثم جلس مُنهَكاً، لأن اليأس المتكرر يُجهِد حتى الأموات.

رابعاً: الحلاج يعود

لم يأتِ الحسين بن منصور الحلاج من بوابة. جاء من داخل الساحة نفسها، كأنه كان هناك دائماً، متجذّراً في بلاطها كجذر شجرة في صحراء. كان لا يزال يحمل آثار المشنقة كوسام لا كعار، ويتحدث كمن يُتمّ جملةً بدأها منذ ألف عام:

"قلتُ أنا الحق فصلبوني. هؤلاء يقولون نحن الحق، نحن الدولة، نحن الشعب، نحن التاريخ، فمن يصلبهم؟"

التفت إلى الجمهور الغائب وأضاف بصوت هادئ كصوت من لا يخشى شيئاً بعد أن خسر كل شيء: "الفارق بيني وبينهم هو أنني صدّقتُ ما قلتُ، وهم لا يصدّقون ما يقولون. ولذلك أنا المجنون وهم العقلاء. ولذلك أنا الميت وهم الأحياء. ولذلك أنا الخاسر وهم... ولذلك أنا الخاسر."

خامساً: مشهد المحاصصة

على المسرح الذي لم يبنه أحد في وسط الساحة، دار تمثيلٌ لم يكتبه أحد:

دخل ثلاثة رجال، كل واحد يحمل صندوقاً. الصناديق متساوية الحجم، متساوية اللون، ولكن مكتوبٌ على كل منها باسمٍ طائفيٍّ مختلف. وضعوا الصناديق على الطاولة وبدأوا يتفاوضون.

قال الأول: "الصندوق الأول لي." قال الثاني: "الصندوق الثاني لي." قال الثالث: "الصندوق الثالث لي."

ثم بدأوا يتفاوضون على محتويات الصناديق. فُتح الأول فخرجت منه وزارة المال. فُتح الثاني فخرجت منه وزارة النفط. فُتح الثالث فخرجت منه رئاسة الجمهورية. ثم بحثوا عن صندوق رابع للشعب، فلم يجدوه، لأن الشعب لم يُذكَر في جدول أعمال الجلسة.

أشار جلجامش إلى هذا المشهد وقال بهدوء متحجَّر: "في أسطورة الطوفان، نجا من نجا بالسفينة. هنا، يبنون سفينةً ولكنها مُفرَّغة الهيكل، جميلة من الخارج، ويحجزون فيها كل الكراسي لأنفسهم ثم يتساءلون لماذا لا يتحرك الفلك."

سادساً: بابل تعيد ترتيب نفسها

في الساعة الثالثة من ذلك الليل المعلَّق، بدأت المدينة تُعيد ترتيب جغرافيتها من تلقاء نفسها. ذابت المنطقة الخضراء ببطء كجليد في صيف بغدادي، وبدلاً منها نما برجٌ يشبه برج بابل القديم، إلا أن كل طابق كان يتكلم لغة مختلفة لا يفهمها الطابق الذي تحته: الطابق الأعلى يتحدث لغة الميليشيات، والذي يليه يتحدث لغة العقود النفطية، والذي تحته لغة المناصب، والذي في الأسفل لغة الشعارات الانتخابية، والأرضي الذي لا يعدّه أحد: الصمت المعمّى للمواطن.

رأى حمورابي البرج فقال: "في المرة الأولى، أراد الناس أن يصلوا إلى السماء فتشتت ألسنتهم. في هذه المرة، تشتتت ألسنتهم فبنوا برجاً يصل إلى السماء لكنه لا يصل إلى الناس. التسلسل معكوس والنتيجة واحدة: الفوضى."

من بعيد، من الجهة التي كانت فيها مدينة أور قبل أن يبتلعها التاريخ والرمل، جاء صوت لا يُحدَّد مصدره: "كلما أردنا بناء دولة، بنينا دويلات. كلما أردنا دستوراً، كتبنا مقدمةً له ثم تركناه للتفسير."

سابعاً: عبد الكريم قاسم يحمل الملف

جاء الزعيم بمعطفه العسكري المنزوع النجوم، لا لأنه خُلع منه بل لأنه خلعها بنفسه في تلك اللحظة السريالية، إذ لا معنى للنجوم في مكانٍ لا تُضيء فيه. كان يحمل ملفاً وورقياً ثقيلاً بما تراكم فيه من عقود.

قال بنبرة الرجل الذي يُقرأ في كلامه حزنٌ لا يُقال: "أردتُ للعراق أن يكون لكل العراقيين. قالوا إن هذا وهم. الوهم هو الذي يبقى ويحكم وها هم يقولون إن العراق لكل العراقيين، في كل خطاب، في كل منبر، في كل موسم انتخابي. أما في الممارسة فالعراق لكل العراقيين الذين ينتمون إلى الكتلة المناسبة، الطائفة المناسبة، الرجل المناسب، المحفظة المناسبة."

ثم فتح الملف فخرج منه ليس وثائق بل مواطنون مصغَّرون، بحجم إبهام الكف، يمشون في كل الاتجاهات ولا يجدون من يستقبلهم في أي منها. نظر إليهم بحنو من فقد رهانه الكبير وقال: "الشعب موجود. دائماً موجود. فقط لا أحد يراه إلا في أوراق الإحصاءات وصناديق الاقتراع وقوائم الشهداء."

ثامناً: دجلة يُدلي بشهادته

في لحظة لم يتوقعها أحد، حتى النص نفسه، بدأ النهر يتكلم.

لم يكن الكلام مسموعاً بالأذن بل بنوع آخر من الحواس، تلك التي تتشكّل فقط في الأماكن التي تتقاطع فيها اليأس الكافي بالأمل الكافي. قال دجلة:

"أنا أقدم منكم جميعاً. رأيتُ السومريين يروون حقولهم وروّى أحفادُهم البيروقراطيةَ بالإهمال. رأيتُ العباسيين يبنون حضارة من ورق ومن ماء ومن نقاش وجدل، ثم رأيتُهم يسقطون حين صار الجدل مراسيم لا جدلاً. رأيتُ دماءً كثيرة تُصبّ فيّ حتى لوّنتْ مياهي وبات الناس يقولون إنني أحمر. أنا لستُ أحمر. أنا مثقل.

والآن أرى ما يُسمّى إدارةً للموارد المائية فيجدون في محاضرهم نسبي السنوية، حصصي الطائفية، مناسيبي الحزبية. حتى الماء في هذا البلد صار له كوتا."

صمت النهر وعاد إلى تدفقه، والصمت كان أبلغ من الكلام.

تاسعاً: الخريطة تعترض

على الجدار الذي لا يُرى ولكنه موجود، ذلك الجدار الذي بين ما هو ومما ينبغي أن يكون، رُسمت خريطة العراق تلقائياً، كما تُرسم الأحلام: باليد وبالروح وبدون أدوات.

لكن الخريطة التي رُسمت لم تكن هي التي نعرفها. كانت مُجزَّأة إلى مناطق ذات ألوان مختلفة، وعلى كل منطقة كُتب اسم لم يكن اسم محافظة بل اسم مجموعة نفوذ: "منطقة العقد"، "منطقة التعيينات"، "منطقة المشاريع المتوقفة"، "منطقة الاتفاقيات السرية"، "منطقة حدود النفوذ القابلة للتفاوض".

في الوسط، مكان بغداد، لم يكن اسماً بل علامة استفهام كبيرة، مصنوعة من أسلاك الكهرباء المتقطعة.

قال المنصور العباسي بصوت يشبه صوت من يقرأ نعيه في حياته: "بنيتُها مدينة السلام. لأن السلام كان المشروع. أما الآن فالمشروع هو الاستمرار، والاستمرار بأي ثمن، والثمن يُدفع دائماً من رصيد المواطن الذي لم يسألوه إن كان يقبل المعادلة."

عاشراً: المحاكمة التي لا تنتهي

في مكانٍ آخر من الساحة، انعقدت محكمة بدون بناء. القاضي كان عدلاً مجرّداً، بلا ملامح، بلا جنسية، بلا طائفة. المتهمون كانوا يجلسون ولا يجلسون، لأن التهم كانت كثيرة لدرجة أنهم لم يجدوا مقاعد كافية لها.

قُرئت لائحة الاتهام وكانت طويلة حتى سقطت أطرافها خارج النص:

"بتهمة تحويل الحكم من فعل إلى موقع؛ بتهمة إدارة الأزمات بالحد الأدنى الكافي للاستمرار لا بالحد الأقصى الممكن للإصلاح؛ بتهمة أن الكهرباء في بلد النفط لا تصمد اثنتي عشرة ساعة والمواطن يصبر وحده في الحر؛ بتهمة توريث المناصب في جمهوريات لا يورّث فيها قانونياً شيء إلا الفقر؛ بتهمة استخدام خطاب الهوية وقوداً لمحرك الغنيمة؛ بتهمة أن الشهيد يُذكر في الخطاب وتُنسى وصيته في الممارسة."

لم يُنطَق بحكم. لأن المحكمة كانت تعرف ما تعرفه المحاكم السريالية: أن الحكم لن يُنفَّذ ما دام من يُفترض أن ينفّذه هو المتهم نفسه.

حادي عشر: الفجر يتراجع

حين بدأت السماء تُفاوض الليل على بعض الضوء، تهيّأ الغائبون الحاضرون للعودة إلى أزمنتهم. إلا أنهم تأخروا قليلاً، تلك الدقائق التي يطول فيها الوداع لأن ما يتركونه وراءهم أثقل مما يحملونه معهم.

قال جلجامش وهو يلفّ لوحه الطيني: "بحثتُ عن الخلود في كل مكان ولم أجده. العراق وجده: نظام المحاصصة لا يموت. يتحوّل، يتكيّف، يتبدّل الأسماء والوجوه، ويبقى الهيكل."

ودّع الحلاج الجمع بإشارة يدٍ لم تكن يداً بل سؤالاً: "متى تُصبح 'الدولة' فعلاً لا اسماً؟ متى تُصبح المؤسسة مؤسسةً لا إطاراً فارغاً مزيَّناً بالبيروقراطية؟ أسئلة لمن يملكون الجواب ولا يملكون الإرادة لقوله."

نظر الجواهري للأخير إلى دجلة، ذلك النهر الذي يعرفه كما يعرف أصابعه، وقال بصوت يهدأ كما تهدأ عاصفة أخيرة:

"يا دجلة الخير، أنتَ شاهد ولستَ قاضياً. كتبتُ فيك ما كتبتُ، وما زال الحبر يجري. ولكنَّ الحبر وحده لا يُغيِّر. يُوثِّق. والتوثيق كذلك فعلٌ يأتي ثماره في زمن آخر، لجيل ربما يُحسن القراءة أكثر مما أحسن أسلافه الحكم."

ثم رحلوا جميعاً، لا بالخطوات بل بالتلاشي التدريجي الذي تتلاشى به الحقائق الكبيرة في النهار الرسمي: ببطء، بهدوء، وبشيء يشبه الاحتجاج الصامت على حتمية نسيانها.

خاتمة: ما تبقّى

في الصباح، حين عاد الناس إلى الساحة بقهوتهم وهواتفهم وآمالهم المقنَّنة، لم يجدوا أثراً لما جرى. إلا شيئاً واحداً: على بلاط ساحة التحرير، بخط أثري لا يُعرف عمره بالدقة، كانت مكتوبة جملة واحدة بثلاث لغات قديمة ومعناها واحد في جميعها:

"الشعب الذي لا يُدار بل يُستهلَك، يستيقظ ببطء. لكنه حين يستيقظ، لا ينسى."

لم يُفسَّر الخط في أي تقرير رسمي. لأن التفسير كان سيستلزم اعترافاً، والاعتراف كان سيستلزم مساءلة، والمساءلة كانت مرتبطة بطابور انتظار لم تُحدَّد لها موعد بعد.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

......................

* هذا النص لم يكتبه أحد. أو ربما كتبه كل من مرّ بالعراق وفيه وعليه، من زمن الطين إلى زمن الإسفلت، ومن لغة المسمار إلى لغة البيانات، دون أن يتغيّر السؤال الجوهري: لمن هذا البلد؟

ليس الجمال صفة عابرة تلصق بالأشياء والمرئيات، بقدر ما هو طريقة في تأمل العالم، والإنصات العميق إلى نبض الموجودات. فالأشياء، في حقيقتها، لا تقف عند حدود مادتها الصماء، بل تنفتح على احتمالات عديدة من المعنى، حيث يتعانق المرئي باللامرئي، ويتداخل الظاهر بالخفي، ويتحول الحسي إلى فضاء رحب للرمز والتخييل. ومن هنا يتجلى الحس المرهف بوصفه قدرة إدراكية تتجاوز مجرد التلقي العابر، لتجعل من الوجود ذاته، تجربة جمالية متجددة لا تنفد أسرارها.

فالحس المرهف ليس مجرد رقة شعور، أو شفافية عاطفة، بل هو شكل متقدم من الوعي، يعيد ترتيب مرئيات العالم داخل الذات، ويمنح الأشياء العادية أبعادا أخرى من الدلالة، وعندئذ لا يعود نور الصباح مجرد إشراق يومي مألوف، ولا اهتزاز أوراق الأشجار حركة عابرة، ولا تموّج الماء، أو صمت المكان، تفاصيل هامشية تمر على الإدراك دون أثر، بل تتحول جميعها، عبر هذا الحس المتوقد، إلى إشارات كثيفة المعنى، تنبض بإيحاءات تتجاوز ظاهر الأشياء إلى أعماقها الخفية.

وهكذا يغدو الجمال أكثر من كونه مجرد زينة خارجية للأشياء، ليكون حضورا كامنا في جوهرها، ينتظر عينا ثاقبة، قادرة على اكتشافه، وروحا سامية تمتلك شفافية التلقي. فالموجودات لا تمنح معناها دفعة واحدة، وبشكل مباسر، بل تظل مشروعا مفتوحا للتأويل، يتشكل وفق قدرة الإنسان على الإصغاء إلى ما وراء المرئيات.

 ومن هنا يصبح الجمال تجربة ذاتية عميقة، ترتبط بوعي الإنسان للعالم، بقدر ارتباطها بالعالم نفسه، في ذات الوقت.

وفي ضوء هذا الحس، لا تبقى الموجودات أشياء صامتة جامدة، بل تتحول إلى كيانات نابضة بلغة الإيحاء، تتكلم بصمتها، وتفصح بإشاراتها الخفية، عن عوالم لا تدرك بالنظر العابر. فالجمال لا يرى بالعين وحدها، وإنما يدرك ببصيرة ثاقبة، تتجاوز حدود الرؤية المألوفة، لتجعل من التأمل فعل كشف دائم، ومن الوجود رحلة متواصلة نحو المعنى.

ولعل أجمل تجليات الجمال تتبدى حين يتحول الإدراك إلى حوار حيّ بين الإنسان والعالم، لا إلى عملية استقبال سلبية لما تراه الحواس. ففي هذا الحوار يصبح الإنسان شريكا في صناعة المعنى الجمالي، لا مجرد متفرج على تفاصيل الوجود. وهنا تتجلى العلاقة الحميمة بين الذات والعالم، حيث يغدو كل ما حولنا قابلاً لأن يُقرأ بوصفه نصا مفتوحا على التأويل والدهشة.

وبذلك يصبح الجمال فعل اكتشاف دائم للعالم، فلا تنتهي الموجودات عند حدود مادتها، بل تبدأ منها، نحو آفاق أكثر رحابة وعمقا، حيث تتوالد المعاني، وتتجدد الدهشة، ويظل الوجود محتفظا بسره، الذي لا ينكشف كاملا أبدا.

***

نايف عبوش

قراءةٌ لغويةٌ في علّة الفتح عند النحاة واللغويين

إنّ اللغة العربية لم تكن عند أئمة النحو مجرّدَ أصواتٍ تتعاقب في الكلام، بل كانت نظاماً عقليّاً بالغَ الدقّة، تتحرّك فيه الحركاتُ والسكنات وفق عللٍ صوتيةٍ وصرفيةٍ ودلاليةٍ عميقة. ومن هنا لم يكن فتحُ «نون النسوة» في نحو: يكتبنَ وتكتبنَ أمراً اعتباطياً أو خاضعاً للمصادفة الصوتية، بل جاء نتيجةَ انتظامٍ داخليّ في البنية العربية، حيث تتضافر الدلالةُ مع الإيقاع، والصرفُ مع الوظيفة النحوية، في نسقٍ يكشف عبقرية اللسان العربي.

فنقول: النساءُ يكتبنَ، وأنتنَّ تكتبنَ، فنجد النون مفتوحةً دائماً، بخلاف كثيرٍ من النونات التي تتلوّن حركاتُها بحسب الموقع الإعرابي. وهنا وقف النحاة متأمّلين: لماذا فُتحت هذه النون؟ وما سرّ ثباتها على الفتح؟

لقد رأى نحاةُ البصرة، وفي مقدّمتهم سيبويه، أنّ نون النسوة ضميرٌ متصل مبنيّ في محل رفع فاعل، وليست حرفاً زائداً أو علامةً صرفيةً مجرّدة. فهي تدلّ على جماعة الإناث دلالةً ذاتيةً مستقلّة، ولذلك اكتسبت قوةَ الاسم والضمير معاً. وقد علّل البصريون فتحَها بخفّة الفتحة وموافقتها لطبيعة البناء في الضمائر المتصلة، ولا سيما أنّ الفعل معها يُبنى على السكون، نحو: كتبْنَ، فكان فتحُ النون تعويضاً صوتياً يمنع التقاء الساكنين، ويُحدث انسجاماً موسيقياً في البنية اللفظية.

أمّا نحاةُ الكوفة، وفي طليعتهم الفراء والكسائي، فقد مالوا إلى التوسّع في تفسير الظاهرة، وربطوا بين نون النسوة ونون الجمع في جمع المذكّر السالم، نحو: المؤمنون والمجتهدين. فالنون في البابين تؤدّي وظيفةً دلاليةً مشتركة، هي الإشارة إلى الجمع، وإن اختلفت طبيعة العلامة بين الضمير والحرف. ولذلك رأى بعضهم أنّ فتح نون النسوة جاء لمشابهتها نونَ الجمع في الوظيفة الدلالية، فكأنّ العربية حافظت على وحدة الإيقاع الصرفي في علامات الجمع، فجاءت النون مفتوحةً في الموضعين، تحقيقاً لنوعٍ من التناسب الصوتي والدلالي.

غير أنّ الفرق الجوهري بين النونين ظلّ قائماً في نظر النحاة. فنون النسوة عندهم ضميرٌ حقيقيّ، قائم بذاته، يدلّ على الفاعلات، ولذلك تُعرب في محل رفع فاعل، نحو: الطالباتُ نجحنَ. أمّا نون جمع المذكّر السالم، فليست ضميراً، بل حرفٌ جيء به عوضاً عن التنوين في الاسم المفرد. يقول النحاة: إنّ أصل مسلمون هو مسلمٌ، فلمّا جُمع حُذِف التنوين وعُوِّض عنه بالنون، فصارت النون علامةً صرفيةً لا ضميراً دالاً على ذاتٍ عاقلة.

وهنا تتجلّى دقّة العقل اللغوي العربي؛ إذ فرّق بين النون التي تحمل معنى الذات والجماعة معاً، والنون التي تؤدي وظيفةً صرفيةً خالصة. ولذلك كانت نون النسوة أقرب إلى الكينونة النحوية الحيّة، بينما بقيت نون جمع المذكّر السالم علامةً بنيويةً مرتبطةً بميزان الكلمة.

وقد توسّع فقهاء اللغة، كابن جني وابن هشام الأنصاري، في بيان العلاقة بين الصوت والمعنى، فرأوا أنّ الحركات ليست مجرد زينةٍ لفظية، بل تحمل أبعاداً إيحائية. فالفتحة عند العرب أخفّ الحركات وأوسعها مخرجاً، ولذلك ناسبت معنى الامتداد والجمع والانفتاح، بخلاف الكسرة التي توحي بالانقباض، أو الضمة التي توحي بالاستدارة والانغلاق النسبي. ومن هنا أمكن القول إنّ فتح نون النسوة يحمل بعداً صوتياً منسجماً مع معنى الجماعة والامتداد البشري في الخطاب.

إنّ هذه الظاهرة الصغيرة في ظاهرها تكشف عظمة العربية في عمقها؛ إذ لا توجد حركةٌ فيها بلا علّة، ولا بنيةٌ بلا حكمة. فاللغة العربية ليست تجميعاً آلياً للألفاظ، بل نظامٌ فلسفيّ دقيق، تتعانق فيه الأصوات والدلالات والتراكيب في هندسةٍ عقليةٍ مدهشة. ولذلك كان النحاة الأوائل لا ينظرون إلى الحرف بوصفه شكلاً جامداً، بل باعتباره كائناً لغوياً حيّاً، يحمل وظيفةً ودلالةً وإيقاعاً.

وهكذا تبقى نون النسوة شاهداً على عبقرية العربية، حيث تتحوّل حركةٌ صغيرة كالفَتحة إلى بابٍ واسعٍ من التأمل في فلسفة اللغة، وعلاقة البنية بالصوت، والدلالة بالوظيفة، في لسانٍ استطاع أن يجعل من أدقّ التفاصيل عالماً قائماً بذاته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

بات من نافل القول ان الثقافة غدت منذ أمد بعيد، مطلبا لا يمكن للكاتب الذي يريد ان يقدم مساهمة حقيقية وجديرة ان يتجاهله، فهناك كما سيأتي، اكثر من سبب يستدعي البعد الثقافي في الكتابة الادبية الجادة. اقول هذا وانا افكر في تلك الصديقة التي تنتقد ما يورده هذا الكاتب او ذاك من استشهادات، لهذا المفكر او ذاك الكاتب، ضمن ما يقدمه الى قرائه من كتابات ادبية وثقافية عامة وهادفة، كما اقوله وانا افكر في ذلك الذي لا يرى في البعد الثقافي المضمن، او المفترض ان يضمن، في ثنايا ما يقدمه الكتاب المثقفون الملمح اليهم من مواد أدبية ثقافية عامة وهادفة ايضا. كما سلف الا .. استعراضا للعضلات الثقافية والادعاء المعيب.

بغض النظر عما يظهره نقد تلك وادعاء ذاك، من مديح للجهل وعدم المعرفة، وغيبوبة ادبية ثقافية مخلة ومخجلة، فإنني اعود واؤكد انه لا يوجد كاتب حقيقي او حتى شاعر وفيلسوف، قدير وجدير، الا وبدا البعد الثقافي فيما يقدمه لقرائه، او لمن يتوقع ان يقرأه من الناس للتخفيف، ظاهرا جليا، إما عبر الاستشهاد، وإما عبر التضمين او التناص، اقراوا آيا من الكتاب العرب والاجانب المشهود لهم والمتمكنين، سترون ان ما يميزهم هو ذلك البعد الثقافي العام، وانه لا توجد كتابة لهم الا وتحفل بالثراء الثقافي، الذي يدل على مدى اطلاعهم وثقافتهم غير المحدودين.

ان الكاتب الذي يريد ان يكون وان يقدم ما يمكث في الارض، لا غنى له عن البعد الثقافي، الذي يدور الحديث عنه، اضافة الى ما تم الإلماح اليه، نشير الى عدد من الاسباب والمسوغات، وفي مقدمتها ان الزاد او البعد الثقافي لدي الكاتب، انما يأتي ليقول لنا نحن القراء، ان الكاتب الذي يدور الحديث عنه، ليس نسيج وحده، اولا.. وثانيا انه انما يأتي استمرارا لمسيرة ثقافية عامة، وانه ثالثا ينتمي الى منظومة متواصلة الحلقات وان كلا منها تكمل الاخرى.

في التفصيل نقول اننا نعني بقولنا ان الكاتب ليس نسيج وحده، انه انما يواصل مسيرة سبق وابتدأت، منذ زمن ما، وان ما يقوله ويذهب اليه، انما سبق وشغل عقولا اخرى جديرة وقديرة، اما فيما يتعلق بالاقتباس من السابقين، فانه انما يأتي اعترافا بانجازهم اولا، وتسنيدا لما يذهب اليه الكاتب من طروحات ورؤى، وغني عن القول فيما بتعلق بهذه النقطة، ان ما يقوم به الكاتب من اقتباس او اكثر، انما يدمج القول بالمقول، اغناء للمجهود الإنساني العام، بمعنى انني لست نسيج وحدي في هذا العالم وانما انا استمرار لمسيرة وجهد انساني متواصل ولا انقطاع لحباله.

سبب اخر يدعم اهمية البعد الثقافي فيما يقدمه الكاتب الجاد والجدير، يتمثل في تعزيز ما يقوله الكاتب ويذهب اليه، يؤكد هذا ان الكاتب انما يقتبس اهم ما سبق وقيل في موضوعه المقدم للقراء، والايحاء من ثم بان موضوع كتابته انما هو موضوع هام، لذا سبق وطرقه اخرون ممن لهم الباع الطويل في القول والانجاز.

من الاسباب التي تستدعي البعد الثقافي في الكتابة الادبية، هو ما سبق وذهب اليه العديد من المنظرين الادبيين والنقاد، فيما يتعلق بالتضمين او الإشارة او التناص، وكلها تعابير متشابهة، فكل نص جديد انما هو جماع لنصوص سابقة من ناحية، وان الكاتب الجاد عادة ما يتفاعل مع ما سبق واطلع عليه في الموضوع سلبا او ايجابا، ومعروف ان التناص وفق الناقدين المغربي محمد مفتاح والبلغارية/ الفرنسية جوليا كريستيفا، عادة ما يتمثل في الاجتزاء من نص سابق واكماله/ المجتزأ، بما يود الكاتب ان يقوله، وكل هذا انما يقود الى العمق والرحابة في العطاء والقول.

ماذا اريد ان اقول من هذا كله؟.. اريد ان اقول ان البعد الثقافي في الكتابة الادبية، ما هو الا تراكم وتواصل ابداعي، سلبا وايجابا، وان الثقافة منذ كانت، ميزت الانسان العاقل عن نقيضه الجاهل، وقدمت الاول واخرت الثاني، فشقي الاول بعقله فيما نعم الثاني بجهله. ولله في خلقه شؤون..اولا وثانيا وثالثا.

***

ناجي ظاهر

جدليّة الزمن والمعنى بين البصريين والكوفيين

ليست اللغة العربية مجرّد نظامٍ صوتيٍّ أو هندسةٍ نحويةٍ جامدة، بل هي كائنٌ حيٌّ تتداخل فيه الأزمنة والدلالات والانفعالات، حتى تغدو الأداة الصغيرة قادرةً على حمل رؤى فكرية وزمنية كاملة. ومن بين هذه الأدوات الدقيقة تبرز «لَمّا» بوصفها إحدى أكثر الأدوات العربية ثراءً وإثارةً للجدل النحوي والدلالي، إذ تتجاوز وظيفتها حدود النفي أو الظرفية لتصبح معبراً خفيّاً بين الزمن والانتظار، وبين الحدوث والاحتمال، وبين الواقع والترقّب.

لقد أدرك النحاة الأوائل، منذ تشكّل المدرسة النحوية في البصرة والكوفة، أنّ سرّ العربية لا يكمن في الألفاظ الكبيرة فحسب، بل في الأدوات الدقيقة التي تغيّر حركة المعنى بأكمله. ولذلك اعتنى سيبويه والكسائي والفراء وابن هشام الأنصاري بدراسة «لَمّا» عنايةً خاصة، لأنّ اختلاف استعمالها لا يغيّر بنية الجملة فحسب، بل يبدّل أفق الزمن النفسي الكامن فيها.

«لَمّا» بين النحو والزمن

حين نقول:

لمّا يصلِ الغائبُ

فنحن لا ننفي الوصول نفياً مطلقاً، كما يحدث مع «لم»، بل نفتح في اللغة نافذةً خفيّة على المستقبل. فالغائب لم يصل بعد، لكنّ المتكلّم ما يزال ينتظر وصوله. وهنا تتحوّل اللغة من أداة تقرير إلى أداة ترقّب، ومن وصف الواقع إلى استشراف الممكن.

إنّ هذا البعد الزمني العميق جعل «لَمّا» أكثر من حرف نفي؛ إنّها أداة نفسية أيضاً، تعبّر عن علاقة الإنسان بالزمن المعلّق. ولذلك يمكن القول إنّ العربية استطاعت، عبر هذه الأداة الصغيرة، أن تلتقط الفرق الفلسفي بين “العدم” و”التأجيل”. فـ«لم» قد توحي بانقطاع الأمل، بينما «لمّا» تحمل في داخلها بقايا انتظار.

مذهب البصريين: الصرامة المنطقية للنحو

نظر البصريون إلى «لَمّا» بعين التحليل العقلي الدقيق، متأثرين بمنهجهم القائم على القياس والانضباط المنطقي. وقد رأى سيبويه أنّ «لَمّا» حرف نفيٍ وجزمٍ وقلب، تدخل على الفعل المضارع فتجزمه، وتنقل معناه إلى الماضي مع بقاء توقّع وقوعه.

ومن هنا فرّق البصريون بوضوح بين:

«لم يفعل»

و«لمّا يفعل»

فالأولى عندهم نفيٌ مجرّد، أمّا الثانية فنفيٌ ممتدٌّ إلى زمن التكلّم مع بقاء إمكان التحقّق. ولذلك عدّوا «لَمّا» أكثر تعقيداً دلالياً من «لم»، لأنّها لا تكتفي بإبطال الحدث، بل تؤجّله داخل الزمن.

كما ذهب البصريون إلى أنّ «لَمّا» الظرفية في نحو:

لمّا حضرَ المساءُ هدأتِ المدينةُ

هي ظرفٌ يتضمّن معنى الشرط، يربط بين زمنين ربطاً سببيّاً ودلالياً. فالهدوء لم يقع اعتباطاً، بل وقع عند حضور المساء. ومن هنا تتجلّى عبقرية العربية في جعل الزمن نفسه بنيةً نحوية.

لقد كان البصريون ميّالين إلى تقنين المعنى وضبطه، ولذلك رفضوا كثيراً من التوسّعات التأويلية التي رأى فيها الكوفيون مرونةً طبيعية للسان العربي.

مذهب الكوفيين: مرونة السماع واتّساع الدلالة

أمّا الكوفيون، وعلى رأسهم الفراء والكسائي، فقد تعاملوا مع «لَمّا» بروحٍ أكثر انفتاحاً على السماع واللهجات والاستعمالات الشعرية. فلم يحصروها في القواعد الصارمة وحدها، بل نظروا إلى طاقتها التداولية داخل الكلام العربي.

وقد أجاز الكوفيون في بعض المواضع توسّعاتٍ لم يرضَ عنها البصريون، فرأوا أنّ «لَمّا» قد تقترب أحياناً من معنى «إلّا»، مستشهدين بقوله تعالى:

﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾

أي: ما كلُّ نفسٍ إلّا عليها حافظ.

وهنا تصبح «لَمّا» أداة استثناء لا مجرّد نفي أو ظرف. وقد خالفهم بعض البصريين في هذا التأويل، معتبرين أنّ الأصل عدم إخراج الأداة عن معناها المركزي إلّا بدليل قاطع.

كما أبدى الكوفيون تسامحاً أكبر في تقدير المحذوفات وفي تفسير السياقات البلاغية، لأنّهم كانوا يرون أنّ اللغة أوسع من أن تُختزل في القياس وحده، وأنّ الشعر والقرآن والاستعمال العربي الحيّ يملكون سلطةً لا تقلّ عن سلطة القاعدة.

«لَمّا» والبعد الفلسفي للزمن

إنّ التأمّل العميق في «لَمّا» يكشف أنّ النحو العربي لم يكن علماً شكلياً خالصاً، بل كان يحمل وعياً فلسفياً بالزمن والوجود. فاللغة العربية لا تعبّر عن الزمن بوصفه حركةً ميكانيكية، بل بوصفه تجربةً شعورية.

فحين يقول العربي:

لمّا يأتِ الفرجُ

فإنّه لا يصف حدثاً نحوياً فحسب، بل يعبّر عن حالة انتظارٍ إنسانية كاملة. إنّ «لَمّا» هنا ليست حرفاً، بل مسافة نفسية بين الألم والأمل.

ولهذا يمكن القول إنّ النحاة العرب، وهم يدرسون الأدوات والحروف، كانوا يؤسّسون بصورة غير مباشرة لفلسفةٍ لغوية دقيقة، ترى أنّ تغيّر الأداة قد يغيّر بنية الإدراك نفسه. فالكلمة الصغيرة في العربية ليست هامشاً، بل مركزاً دلالياً قد يحمل توتّر الزمن، وقلق الإنسان، وشعوره بالممكن والمؤجَّل.

ابن هشام وبلاغة التدقيق النحوي

وقد بلغ التحليل ذروته عند ابن هشام الأنصاري، الذي تعامل مع «لَمّا» بوصفها أداة متعددة الوجوه، تتنوّع وظائفها بحسب السياق. ففي كتابه مغني اللبيب لم يكتفِ بتحديد عملها الإعرابي، بل كشف أثرها البلاغي والزمني، مبيّناً أنّ سرّ العربية يكمن في العلاقات الدقيقة بين المبنى والمعنى.

لقد فهم ابن هشام أنّ النحو الحقيقي ليس صناعة إعرابية جافة، بل علمٌ بتحوّلات الدلالة. فالحركة الواحدة قد تنقل الكلام من اليقين إلى الاحتمال، ومن الحدوث إلى الانتظار، ومن الإخبار إلى الانفعال.

خاتمة

إنّ دراسة «لَمّا» تكشف عظمة العقل اللغوي العربي، ذلك العقل الذي لم يتعامل مع اللغة بوصفها أصواتاً متجاورة، بل بوصفها نظاماً دقيقاً لتمثيل الزمن والوعي والشعور. ومن خلال الجدل بين البصريين والكوفيين ندرك أنّ النحو العربي لم يكن صراعاً حول الإعراب فحسب، بل كان اختلافاً في رؤية اللغة ذاتها:

أهي بنية عقلية منضبطة كما أراد البصريون، أم كائن حيّ متحرّك يتّسع للسماع والتأويل كما رأى الكوفيون؟

وفي الحالتين، تبقى «لَمّا» شاهداً على عبقرية العربية، حيث تستطيع أداة صغيرة أن تحمل في جوفها كلّ هذا الامتداد من المعنى والزمن والانتظار.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

أمسكُ قلمي هذا المساء على غير العادة، أكتبُ، وأحذفُ، ثمّ يصمت قلمي محدّقًا بكلّ ما حولي بهدوءٍ مخيف أعرفه جيّدا.

إنّه الفقد الذي يتسلل إلى الأشياء الجميلة، يغزو لون السماء، ويتغلغل في رائحة التراب بعد الظهيرة، وأخيرا يصل إلى الطريق الذي كان يقود طفلةً صغيرة نحو الحقول، وهي تظنّ أنّ الحياة خُلقت لها كي تركض فيها.

في تلك الأيام الخالية كانت الأرض ما تزال تحتفظ بقلبها، وكانت تلك الطفلة الحالمة تركض خلف فراشة صفراء غير مدركة أنها تركض في الحقيقة خلف آخر نسخة بريئة من هذا العالم.

لذلك يصحّ أنْ نقول هناك مواسم لا تعود كما كانت حتى وإنْ عادت الأرض إلى دورتها، لتزهر الأشجار في موعدها.

إنّه شيءٌ ما ينكسر خفيةً بين عامٍ وآخر فنصبح غرباء عن الأماكن التي كانت تحفظ أسماءنا الصغيرة.

كنتُ طفلة تركض خلف النهار في مثل هذا الوقت من العام، وكانت تلك الطفلة تشبه أول الضوء الذي يلامس الحقول النائمة، خفيفة كفراشة، وممتلئة بدهشة لا تنتهي.

تركض بشجاعة لا تلتقطها عدسة مصوّر، حافية الروح قبل القدمين، تلاحق الألوان المتطايرة بين الأعشاب.

نسيت أنْ أخبركم عن بعض تفاصيلها، لقد خُلقت لتجمع الفرح الهارب من العالم.

نعم، أنا لا أمازحكم الآن، فلو التقيتم بها في طفولتها لرأيتم في عينيها اتساعَ سماءٍ ربيعية.

آنذاك كانت ضحكتها تشبه خرير الماء الذي يعبر الصخور بهدوءٍ بريء.

وفي صورة مصغّرة أكثر بإمكانكم أنْ تروا شعرها المبعثر تحت الشمس في تمرّد صريح على قيود الضفيرة، أمّا عن قلبها فكان نقيًا إلى الحدّ الذي يجعلها تبكي لأجل فراشةٍ عَلِقَت بين الأغصان.

كلّ ما تعرفه عن العالم أنه واسع بما يكفي للركض، وجميل بما يكفي لتصدّقه بالكامل.

تحصي الأيام على سيقان جافّة، وتراقب الأرض بشغفها المعهود، وهي تتبدل أمام عينيها ببطءٍ ساحر، فالأخضر يمتزج بالأصفر، والتراب الدافئ يتنفس أولى علامات الصيف القادمة.

تدهشها باكورة الثمار وهي تتفتح بخجلٍ فوق الأغصان، وتمنحها الفراشات اليقين الطفولي المجبول بالمغامرة الجريئة .

تركض بين الحقول بلا خوف، وتقلّد أصوات الطيور، فتتوقف طويلًا عند أعشاشها المعلقة فوق الأشجار متأملة ذلك النظام الإلهي الدقيق الذي يجعل من القشّ وطنًا دافئًا.

لم تكن تعرف يومها أنّ الإنسان قد يكبر إلى الحدّ الذي يفقد فيه قدرته على الإصغاء لصوت العصافير.

ثم يأتي الليل بصفحته الزرقاء الهائلة الممتدة فوق رأسها، والموشّاة بالنجوم.

إنّه عالمها الثاني بلا منافس.

في يومٍ شتويّ قلّبت ألبوم صور قديم فالتقيتُ بصورة لها وهي تستلقي طويلًا محدّقة في السماء، تعدّ النجوم التي لا تُعدّ، وترافق الشهب وهي تهوي كأمنيات محترقة.

حتى الظلّ فوق الأعشاب كان يملك حياةً كاملة بانعكاسه المرتجف تحت ضوء القمر، وكثيرا ما وصفت لي حركة الأشجار العملاقة التي بدت لها آنذاك كغيلانٍ أسطورية تحرس الليل بصمتٍ مهيب يزيد من دقّات قلبها الذي يستوطن صدرها المضطرب.

كان للخوف يومها براءة أيضًا، أما الآن فلا شيء يشبه تلك الأزمنة سوى اتساع السماء حتى وإنْ تغيّر لونها.

كلّ شيء صار قاتمًا على نحوٍ يصعب تفسيره، فالأحداث تتشابك مثل خيوطٍ متداخلة، ومعقدة على نحو يصعب فهمه.

لكنّ تنهيدة واحدة تكفي لتفسير زوال القدرة على الانبهار، فلم يعد العالم بسيطًا بما يكفي لطفلة تركض خلف فراشة، ولا نقيًا بما يسمح لروحها أنْ تنام مطمئنة تحت شجرة.

ومع ذلك لو فتّشتم في قلبها لوجدتم شيئا صغيرا يقاوم، إنّه شيءٌ يشبه تلك الشهب القديمة التي كانت تراقب سقوطها بصمت، وهي تشتعل للحظةٍ قصيرة وسط هذا الفضاء المعتم، ثم تختفي، لكنها تترك أثرًا خافتًا من الضوء يكفي أحيانًا كي لا نغرق تمامًا في السواد.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

كان يمكن لهذه المذكرات ألا تكتب. كان يمكن أن يبتلع النسيان “الغرفة 8” كما ابتلع آلاف الغرف التي سكنها فقراء مصر ومبدعوها المجهولون. لكن يدًا أمينة امتدت لتنتشل هذه السيرة من العدم، يد إنسان اسمه الطبيب فهمي عبد السلام. فهل نعرف نحن قيمة هذه اليد وهي تنتشل؟ هل نعرف نحن كم من المبدعين دفنوا في مقابر الفقر الجماعية دون شاهد؟

أنا أنظر إلى "الغرفة 8 " فأرى شيئًا آخر. أراها مختبرًا للوجود، بوتقة تحترق فيها النفس لتخرج ذهبًا خالصًا. الفقر ليس مجرد نقص في المال كما يتوهم أصحاب الحسابات البنكية، الفقر سؤال وجودي يوجهه الله لمن يحبهم من عباده هل تستطيع أن تكون إنسانًا بلا أقنعة؟ هل تستطيع أن تقف عاريًا أمام المرآة وترى نفسك كما أنت، لا كما يريدك الآخرون؟

أمل دنقل في "الغرفة 8" كان يجيب عن هذا السؤال كل ليلة. كان يمد يده إلى القلم فيسيل منه الشعر دمًا حقيقيًا، لا استعارة بلاغية. لأن الكتابة في ذلك المستوى من الحرمان لم تكن ترفًا فكريًا ولا زخرفة لفظية، كانت طوق النجاة الوحيد، وكانت معركة البقاء الأخيرة. من لم يجرب أن يكتب وهو جائع لا يعرف لماذا خلق الإنسان وفي فمه كلمة "كن".

أعجب من مجتمع يحكم على الإنسان بجلده وليس بجوهره! مجتمع يقيس قيمتك بعدد السيارات التي تملكها لا بعدد الأسئلة التي تسكن رأسك. هذا مرض عضال أصاب حضارتنا في مقتل. ترى الشاب القادم من أقاصي الصعيد، من "قفط" حيث الأرض صلبة والسماء واسعة، يأتي إلى القاهرة فيجد نفسه في غابة من الأقنعة. هنا الناس لا يرونك، يرون انعكاس صورتهم في سيارتك اللامعة.

وتأمل معي هذه المفارقة المرة صاحب الروائع الشعرية التي ستبقى بعد موت كل سيارات الأثرياء، يضطر أن يطرق الأبواب عارضًا كنزه على من لا يستحقونه. أليس هذا هو المشهد الأزلي المتكرر الجوهر يباع للزيف بثمن بخس، والذهب الحقيقي يقايض بالزجاج الملون؟

المجتمع المظهري مريض، نعم، لكن مرضه لا يقتل إلا أصحابه. أما أمل دنقل فكان يشفى بمرضه، كان يتطهر بالغربة ويغتسل بالحرمان. ألم يقل المسيح "طوبى للمساكين بالروح فإن لهم ملكوت السماوات"؟ أليس الفقر، حين يقترن بالإبداع، هو أقصر الطرق إلى الله؟ لأنك حين تفقد كل شيء، لا يبقى لك إلا وجهه الكريم.

رفيق المجهول!

وهنا نقف عند المفارقة الثانية فهمي عبد السلام. طبيب عاش في الظل، وكتب في الظل، ومات في الظل. كتب عن كبار الروائيين دراسات تضيء ولا تحرق، حلل بهدوء العلماء لا بضجيج الأدعياء، قرأ الرواية في سياقها الاجتماعي دون أن يسقط في فخ الإسقاط. فماذا فعلت به الثقافة العربية؟ لا شيء. كأنه لم يمر من هنا. كأن كتبه طبعت على ماء النيل وذهبت مع التيار.

هذا هو البؤس الحقيقي. ليس بؤس الفقر الذي عاشه أمل دنقل، فالفقر قد يكون بوابة للخلود كما رأينا. البؤس الحقيقي هو بؤس ثقافة لا تفرق بين الغث والسمين، بين العالم الحقيقي والمزيف الأكاديمي الذي يتكثر بالألقاب. بؤس ثقافة تحول النقاد إلى موظفين، والمفكرين إلى بهلوانات إعلام، والمبدعين إلى موظفين في وزارة الثقافة ينتظرون الترقية والمعاش.

إن موت المبدع الدكتور فهمي عبد السلام دون أن تشعر به الثقافة ليس موت فرد، إنه جريمة معنوية ترتكبها ثقافة كاملة في حق نفسها. إنه انتحار بطيء تمارسه أمة تتخلى عن مصابيحها لتظل في الظلام. وكل مثقف يموت صامتًا وهو يستحق الضجيج، يوجه لنا جميعًا سؤالاً سنسأل عنه يومًا ماذا فعلتم بأمانة الكلمة؟ أين كنتم حين كان النور يخبو؟

الغرفة بداخلنا

الغرفة 8 ليست مكانًا في القاهرة، الغرفة 8 فكرة، سؤال، جرح مفتوح في جسد الثقافة العربية. هي تذكرنا بأن كل مبدع حقيقي يولد من رحم المعاناة، وأن كل قصيدة عظيمة كتبت بحبر الفقر ودموع الغربة. لكنها تذكرنا أيضًا بجريمتنا المتواصلة، أننا نعرف قيمة الشيء بعد فواته، ونكتب الرثاء ولا نكتب الإنصاف.

تأملت طويلاً في هذه المذكرات فوجدتني أسأل كم من أمل دنقل يعيش بيننا الآن في غرفة 8 أخرى، يكتب روائعه على ضوء شمعة، يطرق الأبواب فلا يفتح له؟ وكم من فهمي عبد السلام يكتب دراسات عميقة في صمت، ينتظر كلمة تقدير لا تأتي، فيموت وحيدًا كما عاش وحيدًا؟

الكارثة ليست في وجود الغرفة 8، الكارثة أننا نبني كل يوم ألف غرفة 8 جديدة، نمارس فيها طقوس قتل الإبداع ببطء، نتفرج على المبدعين وهم يموتون جوعًا ثم نبكي عليهم حين يتحولون إلى تماثيل في ميادين لا يمر بها أحد.

كلمة أخيرة للضمير

رحم الله الدكتور فهمي عبد السلام، هذا المثقف الذي عاش نظيفًا ومات صامتًا، حاملاً سره معه أن المعرفة ليست للصيت، وأن النقد رسالة قبل أن يكون مهنة. ورحم الله أمل دنقل الذي جعل من "الغرفة 8 " منارة، ومن الفقر جسرًا إلى الخلود، ومن الرفض موقفًا وجوديًا لا مجرد كلمات.

وتبقى "الغرفة 8 " شاهدة علينا، تسألنا كل صباح أين كنتم؟ ولماذا تكررون الجريمة نفسها كل جيل؟ لماذا يموت مبدعوكم فقراء ثم تثرون من بعدهم ببيع سيرهم؟ لماذا تبنون القصور للذين لا يستحقون، وتتركون أصحاب الكلمة الحقة في الغرف المظلمة؟ أسئلة ليس لها جواب، لأنها موجهة إلى ضمير مات، أو هو في غيبوبة طويلة، نتمنى أن يفيق منها يومًا.

***

عبد السلام فاروق

ظلت الثقافة، لقرون طويلة، لصيقة بالورق، وتحفظ بين دفتي كتاب، اذ كان الكتاب رفيقا ملازما للقراء، ويشكل جزءًا من الهوية الحضارية للثقافة السائدة، حيث انتقلت من خلاله الأفكار، والفلسفات، والعلوم، والآداب، بين الناس، الأمر الذي أسهم في بناء الوعي الإنساني، وتحقيق النهضات الكبرى.

وهكذا كان الكتاب الورقي لزمن طويل، مصدرا للمعرفة، وكانت المكتبات مراكز للفكر، والتنوير، يقصدها الباحثون والقرّاء، لينهلوا من معينها المعرفة، حيث كان القارئ يوم ذاك، يتعامل مع الكتاب ليس بوصفه مادة للقراءة فقط، بل بوصفه صديقا حميما، يرافقه في العزلة، والتأمل.

ولا ريب أن الثورة الرقمية، قد غيّرت بهيمنتها الشاملة، ملامح المشهد الثقافي. فقد انتقلت المعرفة من الورق، إلى الشاشة، ومن المكتبة التقليدية، إلى الفضاء الإلكتروني المفتوح، بعد ان أصبح بالإمكان الوصول إلى آلاف الكتب، والمراجع، بضغطة زر، بعدما كان البحث عن كتاب يستغرق أياما، وربما أشهر.

وهكذا يلاحظ ان الرقمنة، أسهمت في تعميم الثقافة، وجعلها أكثر انتشارًا، وتداولًا بين الناس، فالهواتف المحمولة، والاجهزة الرقمية الذكية، أصبحت مكتبة متنقلة، تحمل في داخلها كل المعلومات، في حين أتاحت المنصات الرقمية، فضاء مفتوحاً للجميع، لنشر إبداعاتهم، ونتاجاتهم في اللحظة، والوصول إلى جمهور المتلقين دون قيود.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه التحولات الجذرية، افرزت أنماطا جديدة من القراءة، اتسمت بالسرعة، والاختزال، والتصفح السريع، حيث تراجعت القراءة القراءة العميقة، والتأمل الفكري، الذي كان يتيحه الكتاب الورقي، بعد إن بات القارئ الرقمي يتنقل بين النصوص، والصور، والإشعارات، بضغطة زر، شتت تركيزه، واضعفت علاقته الوجدانية مع الكتاب.

لقد أصبحت الرقمنة مرحلة جديدة من مراحل تطور وسائل المعرفة، مما يتطلب أن تكون الثقافة، قادرة على التكيّف مع أدوات العصر، دون أن تفقد جوهرها.

ولعل التحدي الحقيقي بات يكمن في كيفية تحقيق التوازن بين أصالة الكتاب الورقي، وحداثة الوسائط الرقمية، بحيث يتم الحفاظ على عمق القراءة، وروحها الإنسانية، وتتحقق الاستفادة من سرعة التقنية، واتساع انتشارها في نفس الوقت.

ومع أن الرقمنة أصبحت ضرورة حضارية، تفرضها طبيعة العصر، وتسارع تطور المعرفة، فإنه يبدو أن الكتاب الورقي، سوف لن يختفي من الوجود بسهولة، لأنه يحمل قيمة رمزية، ودلالة جمالية، لا تستطيع الشاشة أن تعوضها بالكامل.

***

نايف عبوش

 

الذكريات ليست مجرد صور عابرة في أذهاننا عن أحداث طواها الزمن، عشناها يوما ما، وانقضت، بل هي نوارس وجدانية حية، تحلق باستمرار في أعماق الوجدان، دون ان تغادره، او تهجر حدود الذاكرة، لتظل تحوم حول تخوم الذاكرة، ملامسة أعماق الوجدان بسلاسة، تاركة في ثناياه أثرا لا يمحى بمرور الزمن .

وهكذا تظل الذاكرة فضاء وجدانيا واسعا، تنتشر في تخومه نوارس الذكريات، حاملة في أجنحتها لحظات الفرح، وأصداء الحنين، وربما شيئا من بقايا وجع قديم، باستحضار لحظات لن تعود، أو باستذكار أشخاص غابوا نهائيا عن مشهد حياتنا، لكنها تبقى رغم ذلك كله ضرورية لشحن مشاعرنا الوجدانية بالحنين، وليست هروبا سلبيا إلى الماضي.

فكم ياترى جميلة هي حقا تلك الذكريات، التي تتسلل عبر ثنايا الذاكرة، دون استئذان، لتغمرنا بشعورٍ دافيء، نتيقين معه، أن ما مضى لم يرحل، بل يستوطن أعماق الوجدان، لتكون الذكريات عندئذ، امتدادا عاطفيا، يعيد تشكيل حاضرنا، بالتفاعل الوجداني مع الذات، وليست هروبا، وانكفاء مرتدا إلى الماضي، نشدانا لسعادة مفقودة، غادرتنا معه.

هكذا إذن تظل الذكريات نوارس محلقة في أعماق الوجدان، دون استعداد منها للمغادرة والرحيل، لتبقى بذلك، حسا وجدانيا دائم التوهج، يلجأ إليه الخيال، كلما ضاقت بنا تداعيات الحياة.

***

نايف عبوش

 

من فسيفساء المعنى إلى جمالية التراكب

ليس “الكولاج” في جوهره مجرّد تقنيةٍ فنيةٍ وافدة، بل هو، في عمقه الأنطولوجي، منطقُ تركيبٍ ينهض على تجاور المتغاير، وتآلف المتنافر، وتوليد المعنى من شظايا تبدو للوهلة الأولى متباعدةً أو متنافرة. وإذا كان المصطلح قد استقرّ في النقد الغربي بوصفه إجراءً بصرياً حديثاً، فإنّ الثقافة العربية في بنيتها العميقة قد مارست هذا “التشكيل الكولاجي” منذ قرون، ولكن بأدواتها الخاصة: اللغة، والنص، والزخرفة، والذاكرة.

١. الكولاج بوصفه نحواً ثقافياً

في العربية، لا يقتصر “التأليف” على جمع الكلمات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء علاقات دلالية مركّبة، حيث تُستدعى طبقاتٌ من المعاني في نسقٍ واحد. إنّ ظواهر مثل التضمين والاقتباس والتناص تمثّل، في حقيقتها، أشكالاً مبكرةً من الكولاج النصّي؛ إذ يتداخل النص مع نصوصٍ أخرى، فيُنتج معنىً ثالثاً، لا هو الأصل ولا هو الفرع، بل هو التركيب.

يقول الجاحظ في البيان والتبيين ما يُلمّح إلى هذا التداخل حين يصف البلاغة بأنها “أخذٌ من كلّ فنٍّ بطرف”، وكأنّه يقرّ بأن النص البليغ هو نسيجٌ من اقتباساتٍ واعية، وتوليفاتٍ ذكية.

٢. في الشعر: فسيفساء الأصوات والصور

الشعر العربي قديمه وحديثه فضاءٌ رحبٌ للكولاج الدلالي. ففي القصيدة الجاهلية، تتجاور الأطلال مع الرحلة مع المديح، في بنيةٍ تبدو مفكّكةً ظاهرياً، لكنها تؤسّس لوحدةٍ أعمق قوامها تعدّد المشاهد.

انظر إلى قول امرؤ القيس:

قِفا نَبكِ من ذِكرى حبيبٍ ومنزلِ

بسِقطِ اللِوى بينَ الدَخولِ فَحَومَلِ

ثم لا يلبث أن ينتقل إلى وصف الليل والفرس والرحلة. هذه الانتقالات ليست قطيعةً، بل مقاطع كولاجية تُعيد تشكيل التجربة الإنسانية في صورٍ متراكبة.

وفي الشعر الحديث، يتجلّى الكولاج بوضوحٍ أكبر، كما عند الشاعر السوري أدونيس، حيث تتجاور الأسطورة مع التاريخ، والدين مع الفلسفة، في بنيةٍ نصّيةٍ تُشبه اللوحة المركّبة:

“أجمعُ وجوهَ الأزمنةِ في قناعٍ واحد،

وأمزجُ صوتَ اللهِ بأنينِ الإنسان.”

هنا، لا يُكتب النصّ من مادةٍ واحدة، بل من أطيافٍ معرفيةٍ متداخلة.

٣. في السرد: تعدّد الأصوات وتفكيك المركز

السرد العربي، خصوصاً في “ألف ليلة وليلة”، يُعدّ نموذجاً مبكراً للكولاج الحكائي؛ إذ تتداخل الحكايات، وتتوالد داخل بعضها البعض، في بنيةٍ لولبية. فكلّ قصةٍ هي جزءٌ من كلٍّ أكبر، وكلّ صوتٍ هو صدى لأصواتٍ أخرى.

هذا النمط من السرد يقوم على تفكيك المركز، واستبداله بشبكةٍ من الحكايات، حيث لا وجود لحقيقةٍ واحدة، بل لحقائق متجاورة، تُنتج معناها من تفاعلها.

٤. في الفن البصري: من الزخرفة إلى الحروفية

الزخرفة الإسلامية تمثّل كولاجاً بصرياً بامتياز؛ فهي تقوم على تكرار وحداتٍ هندسيةٍ ونباتيةٍ، تُعاد صياغتها في أنماطٍ لا نهائية. إنّها لغة بصرية تُؤلّف بين التماثل والاختلاف، بين الوحدة والتعدّد.

وفي الفن الحروفي الحديث، تُستعاد الحروف العربية لا بوصفها أدوات كتابة، بل بوصفها عناصر تشكيلية، تُدمج في لوحاتٍ معاصرة، حيث تتجاور النصوص الدينية مع الرموز الحديثة، في كولاجٍ بصريٍّ يُعيد تعريف الهوية.

٥. الكولاج كذاكرةٍ ثقافية

الثقافة العربية، في مجملها، تقوم على الذاكرة المركّبة: القرآن، والحديث، والشعر، والحكايات الشعبية، كلّها تتداخل في الوعي الجمعي، فتُنتج خطاباً لا يمكن فهمه إلا بوصفه كولاجاً معرفياً.

فحين يقول المتنبي:

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني

والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

فإنه لا يكتفي بوصف ذاته، بل يجمع عوالم متباينة الحرب والكتابة، الصحراء والمدينة في صورةٍ واحدة، تُجسّد هويةً مركّبة.

خاتمة: من التبعثر إلى المعنى

إنّ “التشكيل الكولاجي” في الثقافة العربية ليس طارئاً، بل هو مكوّنٌ بنيويٌّ في طرائق التعبير والتفكير. إنه يعكس رؤيةً للعالم لا تقوم على الوحدة الصلبة، بل على التعدّد المتآلف، حيث يُصاغ المعنى من شظايا، ويُبنى الكلّ من أجزاء.

وهكذا، يغدو الكولاج في أعمق دلالاته فلسفةً للمعرفة:

أن نفهم العالم، لا بوصفه نصاً واحداً، بل بوصفه نصوصاً تتجاور، تتصادم، ثم تتصالح في أفق المعنى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

كانت تُجْلِسُ عَلَى الْأَرِيكَةِ، تَمُدُّ قَدَمَاهَا إِلَى الْوِسَادَةِ بَعْد اِنْتِفَاخٍ، مِن كَثْرَةِ تَنَاوُلِ الدَّوَاءِ وَفَرْطِهِ فِيهِ تَوَرَّمَتْ الْأَرْجُلُ وَزَادُ اِنْتِفَاخِهَا، دَوَاءَ اِرْتِفَاعِ ضَغْطِ الدَّمِ حَاضِرٌ كُلّ يَوْمٍ وَدَوَاءِ شَرَايِينِ الْقَلْبِ يُلَازِمُهُ فِي كُلّ حِين و يُصَاحِبُهُمَا دَوَاءُ الْحَسَّاسِيَّةِ الْمُفْرِطَةِ، وإذا مَا اِشْتَدَّتْ الرِّيَاحُ وَالزَّمْهَريرُ أَيَّامَ الشِّتَاءِ تُبَاتُ الْمِسْكِينَةُ يَقِظَةٌ، كَثِيرَةَ السُّعَالِ، بَل تُوقِظُ كُلّ أهْلِ الْبَيْتِ لِيَطِيرُوا بِهَا عَلَى جَنَاحِ السُّرْعَةِ لِلْعِيَادَةَ لِتَبْقَى هُنَاك تَتَلَقَّى الْعِلَاَجُ، وقَد لَا يُسَكِّنُ السُّعَالُ إِلَّا بَعْد أَخَذ وَرْدٍ .

فِي دَوَاءهَا مَضْبُوطَةٌ وعَلَى مَوَاعِدِهِ حَرِيصَةً، ذَاكِرَتَهَا قُوِّيَّةٌ فِي مَوَاقِيتِ الدَّوَاءِ، تَحْتَرِمُ وَصْفَةُ الطَّبِيبِ أَيَّمَا اِحْتِرَامٌ ولَا تَخَالُفِ تعَاليمِهَا ولَا تُغَادِرُ الْمَشْفَى إِلَّا إِذَا أُذْنِ الطَّبِيبِ بذَلِك، كَثِيرَةَ التَّرَدُّدِ عَلَى الْأَطْبَاءِ فِي الْعَفَرُونَ ثُمَّ موزاية وَيَزْدَادُ تَرَدُّدُهَا لِمَصْلَحَةَ الْاِسْتِعْجَالَاتِ كَثِيرًا، أَعَيَّتْ الطَّبِيبُ، وَأَتْعَبَتْ الدَّوَاءُ كَمَا الدَّوَاءَ أَتَعَبَهَا وَزَادَهَا السَّقِمَ و الضِّعْفُ وَالْألَمُ .

الْحَاجَةُ نَحِيفَةُ الْجِسْمِ، ضَعِيفَةَ الْبِنْيَةِ، أَعَشَتْ النَّظَرُ، تَضَعُ نَظَّارَةُ سَمِيكَةُ الزَّجَّاجِ بُغْيَةَ التَّمْييزِ وَالنَّظَرِ، تَمْشِي الْهُوَيْنَى، مُتَثَاقِلَةَ الْخَطْوَاتِ، تَدِبُّ فِي الْمَشْي كَطِفْلِ صَغِيرِ يُكَادُ يَتَعَلَّمُ خَطْوَاتُ الْمَشْي، لَكِنّ رَغْمِ هَذَا تَسْتَيْقِظُ بَاكِرًا لِلصَّلَاَةَ الْفَجْرَ، وَتَجْلِسُ لِلذِّكْرُ، لَا تَفَارُقِ السُّبْحَةِ أنَامِلَهَا الرَّقيقَةَ، تَعُدْ فَطُورُ الصَّبَاحِ بكُلّ حَيَوِيَّةٍ وَنَشَاطٍ، مِن بَعيدِ تَشُمُّ رَائِحَةَ قَهْوَتِهَا الزَّكِيَّةِ، تَنْتَظِرُنِي أَلُجَّ الْبَابِ بَعْد صَلَاَةِ الْفَجْرِ مِن أَجَل تقبيل يَدَهَا الْيُمْنَى وتقبيل رَأَّسَهَا كذَلِك، نُجْلِسُ لِطَاوِلَةِ نَتَنَاوَلُ الْفَطُورَ مَع اِبْنِهَا الْمُغْتَرِبَ، نَتَجَاذَبُ أَطْرَافَ حَديثِ شَيِّقِ، تُبَادِرُ الْحَاجَةُ بِالْقَوْلِيَا بُنِّي تَرَبَّيْتُ يَتِيمَةً فِي ظُروفِ قَاسِيَةِ، فِي الْبَادِيَةِ كَان سَكَنِنَا و مِن الْبَارِدَةِ شَرِبْنَا مَاءَ عَذَّبَا غَيْرُ أُسٍّ .

رَحَلَتْ عَنَا بربار بَرَكَاهُمْ الْأُمَّ الْحَنُونَ، الْمَرْأَةَ الْوَقُورِ، تَرَكَتْ الْمَكَانَ مُوحِشًا وَالْقَلْبَ مُوحِشًا كذَلِك فَالْأَمَاكِنَ كُلّهَا مُشْتَاقَةُ إِلَيْك عَلَى حَدِّ تَعْبِيرِ نَجْمِ الْعَرَبِ مُحَمَّدَ عَبْدِهِ، فَالْقَلُوبَ مُشْتَاقَةٌ إِلَيْكَ يَا أَيَّتِهَا الْمَرْأَةَ الصَّبُورِ، حَتَّى جُلُوسِكَ عَلَى الْأَرِيكَةِ فِي بَيْتِ الضُّيُوفِ يَشْتَاقُ لَك، وَدَرَجَكَ فِي الْحَديقَةِ بِخُطَى قَصِيرَةِ مِثْل طِفْلِ صَغِيرِ يَتَعَلَّمُ الدَّرَجَ يَشْتَاقُ لَك، وَمَشْيَتَكَ مَشْيَةَ مُتَثَاقِلَةَ فِي أَرْجَاءِ الْمَطْبَخِ تَتَفَقَّدِينَ الْأَغْرَاضَ تَشْتَاقُ كذَلِك، مُنْذ رَحَلَتْ بَقِيَّةُ الْأوَانِيِّ فِي الْمَطْبَخِ مُكَدِّسَةً، الْأَبْوَابَ مُوصِدَةً وَالنَّوَافِذَ مُغْلَقَةً وَالْكُؤُوسَ مُعَلِّقَةَ فَارِغَةَ، وَإِبْرِيقَ الشَّاي مِن النَّحَّاسِ الْأحْمَرِ يَحُنُّ إِلَى جُلُوسِكَ بَيْن يَدِيِّكَ يُقَدِّمُ لَك كَوِبَا طَافٍ فَوْقهُ الزبٌد، وَأَفْرَادَ الْعَائِلَةِ الْكَبِيرَةِ يَحُفُّونَكَ مِن حَوْل الْأَرِيكَةِ يَتَقَاسَمُونَ مَعكَ أَكْوَابَ الشَّاي الْمُعَدَّةِ لِلسَّمَرَ وَتَجَاذُبَ أَطْرَافِ الْحَديثِ .

لَا زَلَّتْ أَتَذْكُرُ جُلُوسُكَ فِي الْحَديقَةِ عَلَى كَرَّسَ الْبَحْرُ، تَرْمُقِينِي بِنَظَرَتِكَ الطَّيِّبَةِ وَشَخْصِي يُعِدُّ الشَّاي لِأَفْرَادَ الْعَائِلَةِ الْكَبِيرَةِ، كَنَّتْ يَا أُمِّنَا الْحَنُونِ تَشْتَاقِي لِلَمَّةٍ وَالْجَمَاعَةِ وتِلْك الرَّابِطَةِ الْجَامِعَةِ بَيْن الْأَفْرَادِ، وَتُحِبِّينَ الضَّيْفَ إذا وَلُجَّ الْبَابِ، حَلٌّ بِالْبَيْتِ تُسْرِعِينَ رَغْمَ تَثَاقُلِ الْخَطْوَاتِ لِإِعْدَادَ الْقَهْوَةِ وَتَقَدُّمَيْنِ الْأَوَامِرَ لِلْغَيْرَ بَغِيَّةُ إكْرَامِ الضَّيْفِ ولَا تَطَيُّبٍ لَك نَفْسًا حَتَّى يُسْعِدُ الضَّيْفُ، لِلَهَّ دَرَكُ يَا بربار الْمَرْأَةَ الْوَقُورِ، رَحَلَتْ وَتَرَكَتْ الْأَمَاكِنُ فَارِغَةً وَالْقَلُوبَ فَارِغَةٌ كذَلِك.

***

رحموني عبد الكريم - كاتب وقاص من الجزائر.

ليس من السهل، ونحن نقارب النص السردي المغربي المعاصر، أن نطمئن إلى قراءة واحدة أو زاوية نظر ثابتة؛ فالسرد هنا لا يستقر، بل يتحرك كمرآة مائلة، تعكس وتشوّه، تكشف وتحجب، وتعيد ترتيب العالم وفق منطق جمالي لا يخلو من القلق. لذلك، فإن الحديث عن “مرايا السرد” هو مدخل نقدي لفهم نصوص تكتب ذاتها وهي تكتب العالم، وتفكّر في أدواتها بقدر ما تنشغل بموضوعاتها.

لقد شهد السرد المغربي، منذ بداياته الحديثة، تحولات عميقة نقلته من وظيفة التمثيل إلى أفق المساءلة. فإذا كانت التجارب الأولى، كما عند عبد الكريم غلاب، مشدودة إلى همّ بناء خطاب سردي يواكب تشكّل الوعي الوطني، فإن أعمالًا لاحقة، مثل تلك التي أنجزها محمد شكري، دفعت بالسرد إلى تخوم الاعتراف والجرأة، حيث انكشفت الذات في عريها الاجتماعي والنفسي، بعيدًا عن أي تزيين بلاغي. ثم جاءت تجارب أكثر تركيبًا مع محمد برادة والطاهر بن جلون، لتؤسس لوعي سردي جديد، يتجاوز الحكي بوصفه نقلًا للأحداث، إلى الحكي بوصفه سؤالًا في الوجود والمعنى.

أصبح فضاءً لتقاطع الذوات، وتداخل الأزمنة، وتشظي الأصوات. لقد صار النص أقرب إلى فسيفساء، تتجاور فيها المقاطع، وتتقاطع فيها الرؤى، دون أن تنصهر في وحدة مغلقة. وهذا ما يمنح السرد المعاصر طابعه المفتوح، حيث لا نهاية حاسمة، ولا حقيقة واحدة، بل احتمالات متعددة للمعنى.

من أبرز تجليات هذا التحول، حضور الذات الساردة بوصفها كيانًا مأزومًا، لا يملك يقينًا ثابتًا، بل يعيش على حافة الشك. هذه الذات لا تروي العالم من الخارج، بل تنخرط فيه، وتنكشف عبره، وتعيد بناءه من داخل تجربتها الخاصة. لذلك، كثيرًا ما نجد في النصوص المعاصرة نوعًا من التداخل بين السيرة والتخييل، حيث يصعب الفصل بين ما هو ذاتي وما هو متخيل. إنها كتابة تقف في منطقة رمادية، تجعل من السرد فعل اعتراف، ومن الاعتراف فعل إعادة خلق.

وإذا كانت الذات تحتل هذا الموقع المركزي، فإن الزمن بدوره لم يعد خطيًا أو مستقيمًا. فالذاكرة، بما تحمله من انتقائية وتحوير، أصبحت الأداة الأساسية لإعادة بناء الماضي. وهنا، لا يعود الماضي زمنًا منقضيًا، بل مادة قابلة للتشكيل، يُعاد ترتيبها وفق حاجات الحاضر ورهاناته. إن السرد المغربي المعاصر يكتب الزمن بوعي تفكيكي، يجعل من التذكر فعلًا إبداعيًا، لا مجرد استرجاع.

أما على مستوى اللغة، فقد تحررت الكتابة السردية من كثير من القيود، وانفتحت على تعددية لسانية تعكس تعقيد الواقع المغربي. فالنص قد يبدأ بلغة فصيحة رصينة، ثم ينزلق إلى الدارجة، أو يستعير إيقاعًا شعريًا، أو يوظف تعبيرات يومية حية. هذا التعدد لا يُعدّ ضعفًا أو تشتتًا، بل هو اختيار جمالي يعكس وعيًا بأن اللغة ليست وعاءً محايدًا، بل هي جزء من التجربة ذاتها.

وفي قلب هذه التحولات، تبرز موضوعات الهوية والاغتراب والهجرة بوصفها أسئلة ملحّة. فالمغرب، بوصفه فضاءً يتقاطع فيه المحلي بالكوني، يطرح على كُتّابه تحديات تمثيل هذا التعقيد. لذلك، نجد شخصيات روائية تعيش بين عالمين، أو تعاني من انكسار الانتماء، أو تبحث عن معنى وجودها في سياقات متحولة. إن السرد هنا لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يعكس حيرة الإنسان المعاصر، ويحوّلها إلى مادة جمالية.

ولا يمكن إغفال تأثير التحولات الاجتماعية والسياسية على بنية السرد. فقد أصبح النص أكثر حساسية تجاه التفاصيل اليومية، وأكثر انشغالًا بالهامشي والمنسي. لم يعد البطل هو الشخصية الاستثنائية، بل الإنسان العادي، بتفاصيله الصغيرة وهشاشته. وهذا التحول يعكس انتقالًا من السرد البطولي إلى سرد الهشاشة، حيث تصبح التفاصيل البسيطة حاملة لدلالات عميقة.

كما أن السرد المغربي المعاصر لم يعد معزولًا عن الفنون الأخرى، بل انفتح عليها بشكل لافت. فنجد في كثير من النصوص حضورًا لتقنيات سينمائية، مثل القطع والمونتاج، أو توظيفًا للمشهد البصري، بما يمنح النص بعدًا تصويريًا. هذا التداخل يعكس وعيًا بأن السرد ليس فنًا مغلقًا، بل هو مجال تفاعلي، يتغذى من مختلف أشكال التعبير.

إن “مرايا السرد” في هذا السياق، لا تعكس فقط الواقع، بل تعكس أيضًا أزمة تمثيله. فالنص لم يعد يطمح إلى تقديم صورة مكتملة للعالم، بل يكتفي بتقديم شظايا، لقطات، ومقاطع، تترك للقارئ مهمة إعادة التركيب. وهنا، يتحول القارئ إلى شريك في إنتاج المعنى، يملأ الفراغات، ويعيد بناء النص وفق تجربته الخاصة.

ولعل هذا ما يمنح السرد المغربي المعاصر حيويته وفرادته: قدرته على طرح الأسئلة بدل تقديم الأجوبة، وعلى تحويل القلق إلى طاقة إبداعية. إنها كتابة لا تبحث عن اليقين، بل تحتفي بالاحتمال، ولا تسعى إلى الإغلاق، بل تظل مفتوحة على التأويل.

في النهاية، يمكن القول إن النص السردي المغربي المعاصر يعيش لحظة غنية، تتسم بالتجريب والانفتاح، وبالسعي إلى تجاوز الأشكال التقليدية نحو كتابة أكثر عمقًا وتعقيدًا. إنها كتابة تقف عند تخوم الأدب والفكر، وتدعو قارئها إلى أن ينظر في مراياه الخاصة، وهو يتأمل مرايا السرد.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

ابنتي داريا رمزي في باكورة اعمالها تقدم لنا هذا الكتاب الذي يدور أحداثه حول ما يعانيه المهاجرين وأبنائهم خارج الوطن ومن ضواحي المدينةً إلى قائمة أصحاب النفوذ هو اول كتاب شخصي ونقدي اجتماعي وأدبي يتناول القيادة الإدارية في المدرس والطفولة والسلطة، وما يحدث عندما تعجز المدارس عن رؤية الأطفال الذين لا يتناسبون مع المعايير. انطلاقاً من نشأتها التي اتسمت بالتنمر والعنصرية وضغوط ثقافة الشرف والثقافة الموروثة، فضلاً عن الإقصاء طويل الأمد.

تصف داريا رمزي تجربتها في النشأة في السويد حيث يُشكك باستمرار في الاسمها ولون البشرة واللغة والطموحات. في طفولتها، عاشت في أسرة من الطبقة المتوسطة، اب لاجئ من كوردستان العراق وأم لاجئة من رومانيا ذو أصول ألمانية وكانت طموحة وبادرت بتحمل المسؤولية، مع إصابتها باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه غير المشخص، وواجهت متطلبات عالية من الداخل والخارج، في بيئة مدرسية غالباً ما كان الكبار يتجاهلونها. يتنقل الكتاب بين الحياة الشخصية والمهنية، من أروقة المدرسة في الضواحي إلى أروقة السلطة. ومن خلال استرجاع الذكريات والتأملات التحليلية، تُبين رمزي كيف تُلازم تجارب الطفولة من صمت ومتطلبات أداء وأعباء ثقافية مرحلة البلوغ والقيادة. هنا، تُصبح القيادة الشاملة، المُفعمة بالذكاء الثقافي والشجاعة وفهم السلطة والبنية، متطلبات أساسية للقيادة في مجتمع سريع التغير كمجتمع السويد. تكتب السيدة رمزي عن تجربة كونها قائدة شابة تواجه تحيزات المجتمع في مختلف المجالات، وكيف يتم تذكيرها باستمرار بضرورة الفصل بين حياتها المهنية وأمومتها لثلاثة أطفال، وعن تجربة كونها امرأة شابة قيادية في مواقع صنع القرار.

هذا ليس دليلاً تقليدياً، بل هو بيان شخصي لمدرسة شاملة. حل وسط بين قيادة وإدارة مريحة دون تحمل المسؤولية. بأسلوب قوي وعاطفي، يكتب رمزي عن التربية والهوية والطموح، وعن أهمية السماح للأطفال بأن يكونوا متكاملين، لا مجرد أدوات لتحقيق أحلام الكبار أو استغلال أوجه قصور النظام. الكتاب موجهٌ للقادة، ومديري المدارس، ورجال الأعمال، والمعلمين، وصناع القرار، وكذلك مباشرةً للآباء والشباب الذين يعيشون في عصرٍ يتسم بمتطلباتٍ عالية، وتغيراتٍ سريعة، وهوياتٍ معقدة. في زمنٍ يقضي فيه العديد من الشباب جزءًا كبيرًا من حياتهم في عوالم رقمية متوازية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب، تتعمق أسئلة الهوية والانتماء ومسؤولية البالغين. إنه كتابٌ عن التمثيل والمسؤولية. وإمكانية التغيير، وعن سبب كون أخطر شيء يمكن أن يصبح عليه القائد هو الشعور بالراحة المفرطة.

المؤلفه؛ داريا رمزي هي إحدى أصغر مديرات المدارس في السويد، وهي كاتبة ومحاضرة. عملت في المدارس لأكثر من اثني عشر عامًا، وتحمل عشر شهادات في مجال التدريس. في سن الثانية والعشرين فقط، أصبحت معلمة مؤهلة، ومنذ ذلك الحين عملت كمعلمة، ومستشارة، وعاملة لحسابها الخاص، وقائدة مدرسية. من خلال قيادة تتسم بالخبرة والتعاطف والحضور القوي، حولت التحديات إلى فرص لكل من الطلاب والموظفين، مع التركيز بشكل خاص على السلامة النفسية في المؤسسات المدرسية. بفضل قيادتها العصرية والأصيلة، رُشِّحت داريا رمزي وحصلت على تقدير وطني عدة مرات. ففي عام 2023، رُشِّحت لجائزة "القائدة الشابة للعام" في مقاطعة يونشوبينغ، وفي عام 2025، صُنِّفت ضمن أفضل 50 قائدة شابة في السويد. وفي كلتا المرتين، لُوحظ أنها كانت قائدة المدرسة الوحيدة التي أُدرج اسمها في هذه القوائم. بفضل تجاربها الشخصية مع الإقصاء ونقائص النظام المدرسي، رسّخت داريا مكانتها سريعًا كإحدى أبرز الأصوات الشابة في مجال التعليم السويدي. وبصفتها كاتبة عمود، فهي اسمٌ لامع في مجلة "سكوليدارين" التي تصل إلى أكثر من 17,500 من قادة المجتمع في السويد. وقد اتخذت موقفًا حازمًا ضد التنمر في كلٍّ من المدرسة والحياة العملية، وتطرح تساؤلًا حول كيفية مواجهة هذه الظاهرة من خلال المسؤولية الاجتماعية المشتركة.

رقم الكتاب المعياري الدولي: 978-91-531-8393-8

تتوفر المزيد من المعلومات على الموقع الإلكتروني؛

www.dariaramzi.se

إصدار الكتاب: 29/4، www.dariaramzi.se/bokrelease

رقم الكتاب المعياري الدولي: 978-91-531-8393-8

***

د. توفيق رفيق آلتونچي

من المعروف في عالم الكتابة، أنه لا يكفي أن يتجلى دور النص الإبداعي بنقل المعنى، وحسب، بل لابد أن يعيد تشكيل المعنى، في هيئة صور حية، نابضة بالحياة، تخاطب وجدان المتلقي قبل عقله.

فالنص الإبداعي، ليس مجرد رصف كلمات إلى جانب بعضها البعض، وحسب، بل هو تجربة شعورية للمبدع، يتم بناءها من الإيقاع، والخيال، واللغة التعبيرية، التي تتجاوز حدود المباشر في الكتابة، إلى رحابة الدلالة.

وتوصف الصور التعبيرية، بأنها القلب النابض للنص، فهي التي تمنح فكرة النص ملامحها المرئية، وتحوّل المجرد في النص إلى مجسد، ومحسوس، وبالشكل الذي يجعل القارئ عندئذ شريكا في تخيل المشهد، وتمثله.

ولاشك أن هذه القدرة على تحويل اللغة إلى صورة، هي ما يميّز النص الإبداعي عن غيره من أشكال الكتابة.

وهكذا يلاحظ أن الصور التعبيرية، ليست ترفا لغويا مجرداً، بل هي أداة أساسية لتشكيل المعنى، وتعميق مغزاه، وبالتالي فهي تكثّف تجربة الكاتب، وتفتح أبواب التأويل للمتلقي، وتمنح النص قابلية البقاء في الذاكرة.

ولاريب أن الصورة الجيدة تختصر صفحات من الشرح والاسهاب، وتترك أثرا طويل الأمد في نفس المتلقي، لأنها تخاطب خياله، وتحفز وجدانه، وتستثير عاطفته.

ولعل تنوع الصور التعبيرية، تشبيها، واستعارة، وكناية، يسهم في إثراء النص، ومنحه أبعادا متعددة. فالتشبيه يقرّب الفكرة، والاستعارة تخلق الدهشة، في حين أن الكناية تضيف عمقا، وإيحاء لها.

وهكذا فكلما كان الكاتب متمكنا من توظيف هذه الأدوات بكفاءة، واقتدار، ازداد نصه ثراء وجمالا.

على أن الإبداع لا يتحقق بمجرد الإفراط في تكثيف الصور، وإنما بحسن اختيارها، وسلاسة تناغمها مع السياق، حيث أن الصورة عندما تقحم قسرا، تفقد بريقها، في حين أنها عندما تنبع من عمق التجربة الصادقة، تصبح جزءا حيا من النص. ولذلك فالتوازن بين الفكرة، والصورة، هو ما يصنع نصا متماسكا، يجمع بين جماليات التعبير، وتحليات الدلالة، ليكون النص الإبداعي عندئذ، مجالا لتجسيد الإنسان لتجليات عالمه الداخلي، في حين تكون الصور التعبيرية، الجسر الذي يربط هذا العالم بالقارئ، فتجعل من القراءة، رحلة حسية، وفكرية، في آن واحد.

***

نايف عبوش

حدود الإمكان في نظام العربية بين البصريين والكوفيين

ليست العربية نسقاً من العلامات الاعتباطية، بل نظامٌ محكومٌ بقوانين دقيقة تُقيم توازناً بين البنية والدلالة، بحيث لا يُسمح فيه بخرق الحدود بين الأبواب إلا على سبيل المجاز أو التأويل. ومن هنا نشأت فكرة “المستحيلات النحوية”؛ أي تلك التراكيب التي يمتنع وقوعها لا لندرتها، بل لمخالفتها جوهر النظام اللغوي، وانتهاكها لتوزيع الوظائف بين الاسم والفعل والحرف. وقد وقف النحاة وفي مقدّمتهم البصريون والكوفيون عند هذه الحدود، يؤصّلونها، ويُدلّلون على عللها، ويجعلون منها معياراً لسلامة اللسان.

أولاً: استحالة تداخل الخصائص بين الأبواب

يقوم التقسيم النحوي العربي على ثلاثية: الاسم، الفعل، الحرف، ولكلٍّ منها خصائصه التي تميّزه:

فالجرّ من خصائص الاسم.

والجزم من خصائص الفعل.

والبناء من خصائص الحرف (في الأغلب).

ومن ثمّ، فإن “الاسم المجزم” أو “الفعل المجرور” من قبيل المستحيل النحوي، لأنهما يخلطان بين نظامين مختلفين. وقد أكّد نحاة البصرة، وفي طليعتهم سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، أن العلامة الإعرابية ليست زينة شكلية، بل أثرٌ دلاليّ مرتبط بوظيفة الكلمة في الجملة. فلا يُتصوَّر أن يُجزم الاسم، لأن الجزم يدلّ على معنى الفعل من تعليقٍ بشرطٍ أو طلبٍ أو نهي، كما في: لم يذهبْ.

أما الكوفيون، وإن كانوا أكثر تساهلاً في بعض القياسات، فإنهم لم يخرجوا عن هذا الأصل، بل أجازوا بعض التوسّعات التأويلية دون أن يقرّوا بكسر هذا الحدّ البنيوي.

ثانياً: الحرف بين البناء والاستعصاء على الإعراب

يُعدّ إعراب الحرف من المستحيلات عند جمهور النحاة، لأن الحرف موضوعٌ للدلالة على معنى في غيره، لا في ذاته، ولذلك كان مبنياً. وقد ذهب البصريون إلى أن البناء سمةٌ لازمة للحروف، بينما لمح بعض الكوفيين إلى إمكان النظر في بعض الأدوات التي قاربت الأسماء أو الأفعال في الاستعمال، غير أن ذلك لم يرقَ إلى إقرار الإعراب لها.

فالقول بـ”حرفٍ معرب” يُفضي إلى خلخلة النظام، إذ يُفقد الحرف وظيفته الوسيطة، ويُدخله في حقل الدلالة الذاتية التي هي من خصائص الاسم.

ثالثاً: استحالة اجتماع التنوين مع الإضافة أو التعريف

التنوين في العربية علامة تنكير، بينما الإضافة والتعريف بـ”أل” علامتان على التعيين. ومن هنا، فإن اجتماع التنوين مع الإضافة أو مع “أل” يُعدّ من المستحيلات، لأنه جمعٌ بين النقيضين:

فلا يُقال: كتابٌ الطالبِ، بل: كتابُ الطالبِ.

ولا يُقال: الكتابٌ، لأن “أل” تُغني عن التنوين.

وقد شدّد البصريون على هذا التعارض بوصفه تعارضاً دلالياً قبل أن يكون شكلياً، إذ لا يُعقل أن يكون الاسم نكرةً ومعرفةً في آنٍ واحد. أما الكوفيون، فلم يخالفوا هذا الأصل، وإن أبدوا مرونةً في بعض الشواهد الشعرية التي تُحمل على الضرورة.

رابعاً: في نون المثنى والجمع واستحالة الإضافة

من القواعد الراسخة أن نون المثنى ونون جمع المذكر السالم عِوَضٌ عن التنوين، فإذا دخلت الإضافة سقطت النون، لأن الإضافة تُغني عنها. ومن ثمّ، فإن القول: المسلمون المدينة خطأ، والصواب: مسلمو المدينة.

وقد علّل البصريون ذلك بأن اجتماع النون مع الإضافة يُفضي إلى ازدواج في العلامة، وهو ما يناقض مبدأ الاقتصاد اللغوي. أما الكوفيون، فوافقوا في الحكم، وإن كانوا يميلون إلى تتبّع الشواذّ في الشعر لتفسيرها لا لتقعيدها.

خامساً: في استحالة الإسناد إلى غير الأسماء

الإسناد وهو إقامة علاقة بين مسندٍ ومسندٍ إليه، لا يكون إلا إلى الأسماء، لأنها وحدها التي تصلح لتحمّل الحكم. فلا يُسند إلى فعلٍ أو حرف، لأنهما لا يدلاّن على ذاتٍ مستقلة. ومن ثمّ، فإن السؤال لا يتوجّه إلا إلى الاسم: من جاء؟، ماذا حدث؟.

وقد قرّر فقهاء اللغة أن الاسم هو “محور الإسناد”، لأنه يدلّ على ذاتٍ قابلة للوصف، بينما الفعل يدلّ على حدثٍ مرتبط بزمن، والحرف يدلّ على علاقة. وهذا التمييز هو ما يحفظ تماسك الجملة العربية.

سادساً: في الخطأ الشائع وتصحيحه

من مظاهر الإخلال بهذه القواعد قول بعضهم: السلامٌ عليكم، وهو خطأ، لأن “السلام” هنا إمّا أن يكون:

معرفةً بـ”أل”: السلامُ عليكم (بدون تنوين)،

أو نكرةً: سلامٌ عليكم (بدون “أل”).

ولا يجوز الجمع بين “أل” والتنوين، لما فيه من تناقضٍ دلالي.

خاتمة: النحو بوصفه منطقاً للغة

إن ما يُسمّى بالمستحيلات النحوية ليس تضييقاً على الاستعمال، بل هو تعبير عن منطق داخلي يحكم اللغة، ويمنعها من الانفلات إلى الفوضى. وقد أدرك البصريون هذا المنطق فشدّدوا في القياس، بينما تعامل الكوفيون معه بمرونةٍ تفسيرية، دون أن يهدموا أصوله.

وهكذا، يظلّ النحو العربي علماً يوازن بين الحرية والانضباط، ويُعلّمنا أن اللغة كالفكر لا تستقيم إلا حين تعرف حدودها، وتُحسن إدارة إمكاناتها دون أن تنقض أسسها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

(من لا يملك قدرا كبيرا من الغرور، من المستبعد ان يكون روائيا).. موراكامي

هل تريد ان تكتب رواية... هل تبحث عمن يأخذ بيدك ويرشدك الى طريقة ناجعة ومجربة في الكتابة الروائية.. هل تود ان تجلس الى واحد من ابرز كتاب عصرنا في مجال كتابة الرواية، لتستمع اليه يهمس في اذنك مسرا اليك بأسرار كتابته الروائية؟.. وهل تود ان تنعم بلحظات يتمناها الكثيرون مع كاتب شهير يروي لك الحكاية تلو الحكاية والعظة بعد العظة في مجال الكتابة الروائية خاصة.. اذا كنت ترغب في هذا كله واكثر، فان الكاتب الياباني البارز هاروكي موراكامي، صاحب الروايات الشهيرة المترجمة الى أكثر من خمسين لغة، بينها العربية، يوفر لك كل الامكانيات لان تحقق ما تريد واكثر، وذلك في كتابه، الطريف الجديد "مهنتي هي الرواية".

صاحب هذا الكتاب هاروكي موراكامي من مواليد عام ١٩٤٩، وهو من مدينة كيوتو اليابانية. يقول في اكثر من واحدة من صفحات وفقرات كتابه هذا، انه لم يواصل دراسته الجامعية لأنه لم يشعر بالرغبة الجارفة في مواصلتها، ويوجه في كتابه هذا، خاصة الفصل الأخير منه، نقدا لاذعا لأساليب . التعليم في بلاده. اغرم موراكامي بالموسيقى، وافتتح في بدايات حياته العملية برفقة زوجته مقصفا، حرص، كما يقول، على ان يستمع فيه الى الموسيقى التي يحبها طوال الوقت تقريبا، ويضيف انه كان قارئا نهما يقرا اكواما من الروايات، وانه عمل في الترجمة الادبية من الإنجليزية الى لغته اليابانية. اما عن بداياته الاولى في كتابة الرواية فقد تمت خلال متابعته مباراة بيسبول، وحدث ذلك ذات ظهيرة من شهر نيسان عام ١٩٧٨، عندما انتابته حالة من التجلي وشعر بالتالي، ان بإمكانه ان يكتب رواية. بعدها قام بشراء رزمة من الاوراق والاقلام وابتدآ في كتابة روايته الاولى، بعد ذلك فوجئ بمن يخبره ان روايته ستشارك في مسابقة يابانية ادبية شهيرة، وينتابه شعور طاغ انه سيفوز بالجائزة الاولى، ويقول ان الحصول على الجائزة عادة ما يكون نوعا من الاعتراف الادبي والاجتماعي بالكاتب، لا اكثر، ويوحي ان الجائزة عادة ما يحصل عليها الكاتب الروائي، من القراء الذين يقبلون على اقتناء روايته وقراءتها، وفي ردود الفعل التي يغدقها عليه هؤلاء القراء، عبر مكاتبته وملء صندوق بريده بالرسائل، علما انه، كما يقول، يقوم بالرد عليها اولا بأول ولا يوكل هذا، كما يفعل كتاب اخرون، الى اي من المحيطين به والمتعاملين معه.

يطرح موراكامي في كتابه هذا سؤالا، طالما وجهه اليه القراء خلال نشاطاته وفعالياته الادبية، وهو ماذا علي ان افعل كي اكتب رواية، ويقول في الرد على هذا السؤال، بعد إشارة الى تعقيده/ السؤال، وتركيبه، انه توصل بعد تفكير ملي، الى انه يطلب ممن يريد ان يكتب رواية، ان يقرا كل ما تقع عليه يده من روايات، وان يحرص على الكتابة بأسلوب يتصف بالأصالة، بمعنى ان يكون له اسلوبه الخاص في الكتابة الروائية وانتاجها، مشددا على انه يوجد لكل من الكتاب الروائيين طريقته وأسلوبه الخاص والمختلف، الذي يعرفه ويألفه قراؤه عبر قراءتهم رواياته وتمييزهم اياها عن سواها من الانتاجات الروائية.

اما عن تنفيذ الكتابة ذاتها، والبدء فيها، فانه يقول بجلي العبارة، "في رأيي، وهو راي نابع من تجربتي، قد تكون الكتابة اصعب حين لا تجد شيئا يدفعك للكتابة عنه، لكن ما إن يشتغل المحرك وتنطلق السيارة، حتى تصبح الكتابة اسهل، ذلك ان الوجه الاخر لعملة الا تجد شيئا تكتب عنه، هو انك تستطيع الكتابة عن اي شيء. قد تكون مادتك خفيفة لكنك ان اتقنت ربط الاجزاء بعضها ببعض، بحيث ينشأ السحر، فسوف تستطيع ان تكتب ما تشاء من الروايات، وسوف تندهش حين ترى ان اتقان هذه الطريقة يمكن ان يقودك الى انتاج اعمال ذات وزن وعمق، ما دمت تحافظ على قدر حميد من الطموح الكتابي".

بتحدث موراكامي عن تجربته العينية في كتابة الرواية، فيقول انه يكتب يوميا ما يساوي الفين وخمسمائة كلمة، وان ما يدفعه لمواصلة الكتابة اليومية، عبر حوالي الخمس ساعات، هو ذلك الحماس الذي يشعر به اثناء الكتابة، مؤكدا ان شعوره بالحماس لا بد ان ينتقل الى قارئه، ويحرص موراكامي على الاندماج في كتابة روايته، رافضا كل ما يعرض من مغريات تتمثل في الالحاح عليه ان يكتب المقالات المجزية ماديا. اما عندما بشعر بخمول في كتابته الروائية فانه يقوم بممارسة عمله في الترجمة الادبية كنوع من التسخين الكتابي.

يحرص موراكامي، كما يقول في كتابه هذا، على الايقاع الموسيقي للكتابة الروائية، ويقول فيما يتعلق بالقراء، انه لا يوجد كاتب في العالم يرضي كل القراء، وانه/ الكاتب الروائي، مهما كتب وابدع، سيجد من يقول له حبذا لو اختصرت روايتك الى النصف، وما اليها من انتقادات عادة ما يواجه بها الكتاب الروائيون في جميع انحاء العالم. المهم في راي موراكامي هو الاقتناع الذاتي بما يكتبه ويقدمه.. الكاتب الروائي.. الى قرائه المجهولين.

 ***

ناجي ظاهر

.......................

* يقيم موراكامي منذ الثمانينيات في الولايات المتحدة الامريكية، وهو صاحب العديد من الروايات التي يعرفها القراء تمام المعرفة مثل: الغابة النرويجية، و رقص، رقص، رقص، و كافكا على الشاطئ. للمزيد من المعلومات عنه يمكن التوجه الى شبكة البحث الالمترونية العالمية غوغل.

 

مدريد احد المدن الاندلسية التي اسسها المسلمون في حوالي منتصف القرن التاسع بعد دخولهم شبه الجزيرة الايبيرية عام 711 م. ولازالت بعض مناطقها القديمة تتمتع بارثها الحضاري الميمون والذي يشم من خلاله عبق التاريخ الساطع الذي يغمر المدينة بماضيها الاصيل، كالمساجد التي تحولت الى كنائس والاسوار والقصور والاحياء القديمة والعمارة المدجنية. وكذلك المخطوطات العربية التي لازالت مسجات في رفوف المكاتبات وكانها تبحث عن النجدة لمن يرفع عنها غبار الماضي. وتوجد اليوم في مكتبة مدريد الوطنية والاسكريال الاف المخطوطات الاسلامية التي تعتبر نفائس من صنوف الفكر والمعرفة والعلم. ويذكر ان هناك 17 مدينة اسبانية تحتوي على عدد كبير من المكتبات التي تتواجد فيها مخطوطات اسلامية. ناهيك عن ما عثر عليه من مخطوطات قديمة مدفونة بين جدران البيوت القديمة ومكتوبة باللغة الالخميادو (التي تكتب بحروف عربية ولغة قشتالية لاتينية)2708 Andalucía

وقد مرت على هذه المخطوطات الجميلة قرونًا طويلة تستنشق عبق العلم والمعرفة وقد كتبت معظمها بالخطٌّ ألاندلسي المغربي وبالحبر لأندلسي العتيق على ورق الكاغد الذي أوجده أهل شاطبة البلنسية قبل عدة قرون. ونجد اليوم انفسنا امام شغف للهالة الرمزية والعلمية التي تحملها هذه المحطوطات رغم ان العلم اليوم قد تقدم كثيرا عن ذلك العصر ولكن المعارف الفلسفية وعلم اللاهوت والمنطق والبنية الفكرية الانسانية. تبقى هي نفسها تدور في البحث والتفسير لعالم الغيب والكينونة ؟. ويذكر احد العرب الذين زاروا مكتبة مدريد ان صاحبة قسم المخطوطات استغربت من نهمي وكثرة طلباتي، عن المحطوطات. فدنت مني وقد أخرجت بطاقتها القومية واسم عائلتها - السادة - وسألتني: ماذا يعني عندكم بالعربي السادة ؟.. قلت لها السادة هم الأشراف من بيت رسول الله،- ص – وهي رمز لسلالة النبي ومن بني هاشم، كما سالت عن اسم - عليّة – فقلت لها انها كلمة مؤنث من اسم علي، والعلويون هم سلاله ايضا من الأشراف.. ولدت هذه السيدة في مدينة طليطلة، وقالت: ان عائلتها تسمى (بيت النبوة). ولما سمعت هذا الشرح وعرفت اصلها وهويتها فاضت عيناها بالدموع ؟، ثم طلبت مني مصحفًا مترجمًا أرسلته لها بعد عودتي لبرشلونة. ويبدو انها من اصول موريسكية (وهم المسلمون الذين اجبروا على اعتناق المسيحية) واتذكر قصة طريفة وهي ان زعيم الحزب الشيوعي في الاندلس خوليو انكيتا غونثالث 1941 – Julio Anguita كان يمثل سكرتير الحزب الشيوعي في اسبانيا 1988- 1998 وقد عرف عنه- بالخليفة الاحمر- (نسبة الى بني الاحمر الذين حكموا الاندلس في اخر ايامها) وكان قد فاز بالانتخابا في قرطبة 1979- 1986 واصبح محافظا لقرطبة يوم ذاك. هذا الرجل من اصول موريسيكي. وكان يشيد بحضارة العرب ومنجزاتهم العلمية وفضلهم على اسبانيا بل حتى على اوربا. ويذكر انه جمع بعض مشايخ المغاربة في قرطبه وسالهم عن الكتائس التي كانت في الاصل مساجد. وفيما اذا بالامكان ترميمها واعادتها الى مساجد.؟2709 Andalucía

هذه الحكاية وغيرها تشير الى ان التاريخ ممكن ان يعيد نفسه لان الجينات لازالت تسعر وتعيش في داخل جسم الانسان وروحه وحتى لو تقادمت عليها الازمنة فانها تظهر في يوم من الايام.. هذا الموقف الموريسكي يذكرنا ايضا بملك صقلية روجر الثاني 1095 حيث كان العرب يسطرون عليها 827 - فجاء النورمان واخذوها من المسلمين ولكنهم ابقوا على ثقافة المسلمين وتقاليدهم وعاداتهم ولغتهم. عكس ما حدث في الاندلس ويذكر ان الملك كان قد تحول الى الاسلام وابقى ذلك سرا خوفا على مركزه كملك، وكان يجتمع دائما بعلماء المسلمين وسمح لهم باخذ حريتهم في العبادة واللغة واعتمد عليهم في الجيش والامن والدواوين. حتى ان لغة مالطة لحد اليوم مختلطة بين العربي واللاتيني... و يقول الزائر. (خرجت من هدوء المكتبة الوطنية مودعًا تراثنا المسكين إلى شوارع مدريد الصاخبة المكتظة وأنا سارح في تفسير السلجمي ودعابة بن البيطار وروائع قصص بن يحي الضبي حول ديار الأندلس.).. وقال فيها ابن خفاجة ( يا اهل اندلس لله دركم ماء وظل وانهار واشجار.. ما جنة الخلد الا في دياركم ولو تخيرت هذا كنت اختار).

***

د. كاظم شمهود

دراسة في ضوء المذهبين البصري والكوفي

تُعدّ «إذ» من الأدوات المفصلية في النظام النحوي العربي، إذ تتجاوز كونها ظرفاُ زمانياً بسيطاً إلى كونها بؤرة دلالية تتقاطع فيها مفاهيم الزمن، والتعليل، والمفاجأة، والاستحضار التصويري. وقد استوقفت هذه الأداة أئمة النحو، وفي مقدمتهم سيبويه والفراء، فشكّلت ميداناً خصباً للخلاف بين المدرستين البصرية والكوفيّة.

أولًا: «إذ» بوصفها ظرفاً زمانياً للماضي (الأصل الدلالي)

يرى البصريون وعلى رأسهم سيبويه أن «إذ» ظرف زمان مبني على السكون، يُستعمل للدلالة على زمن ماضٍ منقطع، وهو أصلها الذي تُردّ إليه سائر الاستعمالات.

الشاهد القرآني

﴿واذكروا إذ كنتم قليلًا فكثّركم﴾

التحليل

«إذ»: ظرف زمان في محل نصب.

الجملة بعدها في محل مضاف إليه.

تفيد استحضار حالة ماضية مكتملة.

رأي الكوفيين:

يوافق الكوفيون هذا الأصل، غير أنهم كما عند الكسائي يميلون إلى التوسّع في دلالتها، فلا يقصرونها على الزمن الماضي فقط، بل يفتحون باب المجاز والاستعمال.

ثانياً: «إذ» الاستحضارية (القرآنية البلاغية)

تكثر في السياق القرآني بعد فعل «اذكر»، لتؤدي وظيفة إحياء الماضي في الحاضر.

الشاهد

﴿واذكر إذ قال ربك للملائكة﴾

الدلالة

ليست مجرد ظرف زمان، بل أداة تصوير سردي.

تنقل الحدث من كونه ماضياً إلى كونه حاضراً متجدّداً في الوعي.

التحليل البلاغي

يرى بعض المتأخرين أن هذه «إذ» تمثّل تحويل الزمن إلى خطاب، حيث يغدو الماضي مادة للوعي الأخلاقي لا مجرد حدث تاريخي.

ثالثاً: «إذ» الفجائية (الانقطاع الزمني)

تأتي بعد «بينا» أو «بينما»، لتدل على حدث مفاجئ يقطع سياقاً مستمراً.

مثال

بينا نحن نسير إذ انقطع الطريق.

التحليل

تفيد التحوّل المفاجئ.

لا تُؤوَّل بزمن ماضٍ خالص، بل بزمن انفجاري لحظي.

الخلاف

البصريون: يؤوّلونها على الأصل (ظرفية زمنية محذوفة التقدير).

الكوفيون: يقرّون بوظيفتها المستقلة كأداة فجائية.

رابعاً: «إذ» التعليلية (بين الظرفية والسببية)

من أعقد مواضع الخلاف.

مثال

أكرمتُه إذ أحسن إليّ.

رأي البصريين:

يرفضون جعلها حرف تعليل.

يؤوّلونها: في الوقت الذي أحسن إليّ فيه، أي تبقى ظرفاً.

رأي الكوفيين:

يجيزون كونها بمعنى «لأنّ».

يرون أن اللغة تقبل التحوّل الوظيفي.

ويمثّل هذا الخلاف اختلافًا أعمق:

البصريون: نزعة تقعيدية صارمة

الكوفيون: نزعة استعمالية مرنة

خامساً: «إذ» الزائدة (إشكالية الزيادة)

تُوصف أحياناً بأنها زائدة، كما في بعض التراكيب.

الإشكال

هل في العربية «زيادة» بلا معنى؟

رأي البصريين:

يميلون إلى إثبات الزيادة لكن بوظيفة (توكيد _ إيقاع).

رأي الكوفيين:

أقل ميلًا إلى القول بالزيادة.

يفضّلون تفسيرها ضمن السياق.

الموقف الحديث

الزيادة ليست عبثاً، بل اقتصاد تعبيري أو إيقاع لغوي.

سادساً: «إذ» بمعنى «إذا» (الانزياح الزمني)

استعمال نادر، حيث تأتي «إذ» للمستقبل.

مثال

إذ تفعل الخير تُجزَ به.

التحليل

انتقال من الماضي إلى المستقبل.

يمثل كسراً للنسق الزمني التقليدي.

موقف النحاة

البصريون: يعدّونه شاذاً.

الكوفيون: يجيزونه سماعاً.

سابعًا: «إذ» في البنية العميقة للغة

إذا تجاوزنا التقعيد إلى التحليل الفلسفي، نجد أن «إذ»:

تمثّل وعيًا بالزمن المنقضي.

تُحوّل الماضي إلى قيمة دلالية حاضرة.

تكشف عن أن اللغة العربية لا تصف الزمن فقط، بل تُعيد إنتاجه.

خاتمة:

إن «إذ» ليست مجرد ظرف زمان، بل مفصل لغوي وفلسفي تتجلّى فيه عبقرية العربية.

وقد كشف الخلاف بين البصريين والكوفيين عن مسألتين جوهريتين:

هل اللغة نظام مغلق أم كيان حي؟

هل المعنى يُقاس أم يُستنبط من الاستعمال؟

فالبصريون مع سيبويه سعوا إلى بناء نظام صارم،

بينما الكوفيون مع الفراء انفتحوا على دينامية الاستعمال.

وهكذا تبقى «إذ» شاهداً على أن العربية ليست لغة قواعد فحسب، بل لغة وعيٍ بالزمن، وبالتحوّل، وبالإنسان في صيرورته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

"ان قراءة كتاب حاد ثلاث مرات افضل من قراءة ثلاثة كتب"، من اقوال قارئ جاد

اشغل سؤال القراءة وما زال يشغل، الكثير الكثير من المهتمين في بلادنا وفي العالم اجمع، والحقيقة ان هذا السؤال يزيد الحاحا، وسط ذلك الكم الهائل من الكتب التي تصدر كل يوم وساعة، بل كل دقيقة وثانية، فماذا نقرأ من الكتب واي منها نختار، واهم من هذا لماذا وكيف نقرا الكتب.

شاركنا خلال السنوات الماضية، قربا وبعدا، في العديد العديد من اللقاءات الطلابية والشبابية بصورة عامة، وطالما واجهنا مثل هكذا اسئلة، اقلقت وأثارت طارحيها، الامر الذي دفعنا سابقا ويدفعنا الان وربما لاحقا، الى محاولة تقديم اجابة عن الاسئلة المطروحة.

حقا ماذا نقرأ من تلك الكتب التي امتلأت بها المكتبات، والمواقع المعنية التي تحفل بها شبكة البحث الالكترونية العنكبوتية " غوغل". ضمن اجتهاد مخلص وجاد وقائم على تجربة عمر في مرافقة الكتاب ومجالسته، قلنا اجابة عن هذا السؤال، اذا لم تكن قد قرات الكتب الامهات، التي عاشت وبقيت عبر تعاقب السنين والقرون، فعليك ان تقرأها، وهي معروفة مشهورة، وبإمكان اي متعامل جاد مع الكتب، مثل امين المكتبة العامة او الخاصة، توجيهك اليها، سواء كان الكتاب الذي يدور الحديث عنه عربيا او اجنبيا مترجما، وكنا نذكر ضمن هذه الاجابة الكتب الدينية، اضافة الى كتاب الف ليلة وليلة، فهذا الكتاب لحسن الحظ، موجود في طبعات متعددة وتستجيب لكل الاذواق والاعمار، ولنذكر فيما يتعلق بالقراء الكبار انه توجد نسخة اصلية، من الف ليلة وليلة، تعتمد الأصل القديم لها، واضافة الى هذه توجد نسخة مهذبة، اما بالنسبة للقراء الاطفال الصغار، فقد قام الكاتب العربي المصري كامل كيلاني بتيسير العديد من قصص وحكايات الف ليلة وليلة، ليقرها هؤلاء وليستمتعوا بما حفلت به من تسلية وفائدة، وعادة ما كنا نشير الى سفر مرشد وعظيم صدر في العاصمة المصرية القاهرة، قبل العشرات من السنين، وجاء في العديد من المجلدات(يوجد لدينا المجلدات الأربعة الاولى منها). حمل عنوان "تراث الانسانية"، وكتبه مختصون ومثقفون بارزون، يمكن ان يكون دليل القارئ طارح السؤال لاهم الكتب التي صدرت في العالم..

إجابة عن سؤال اخر حول كيفية العثور على كتاب جيد، من بين ذلك الكم الهائل من الكتب الحديثة، كنا وها نحن نردد، ان ذلك يتم عبر واحدة من الوسائل التالية، اما عبر صفحة اعلامية مهنية متخصصة، او عبر خبير متخصص في التعامل مع الكتب، مثل امين المكتبة، العامل في هذه المكتبة الخاصة او تلك العامة، كما سلف، واما عن طريق صديق قارئ مشهود له، او عبر اسم الكاتب المعروف بإبداعه المشهود له، او عبر اسم دار النشر، فهناك الجيد والممتاز من هذه الدور، فيما يتعلق بجودة الكتب التي تصدرها.

بالنسبة للسؤال لماذا نقرأ الكتب، سواء الورقية او الالكترونية، اشرنا طوال الاوقات واللقاءات، الى ما سبق وقاله العشرات والمئات من الكتاب والقراء المعروفين، مثل انني اقرا الكتب، لأنها تضيف الى عمري الزمني القصير مهما طال، اعمارا كثيرة وتغني تجربتي، كما تثري وجودي بما يحتاج إليه ويطلبه من التسلية والفائدة. ونشير في هذا السياق الى ما تكرر وتردد في السابق، وهو انني اقرا الكتب لان عمرا واحدا لا يكفيني. القراءة بهذا تضيف الى عقلنا عقلا والى مزاجنا مزاجا.

في محاولة الاجابة على سؤال كيف اقرا، نجتهد فنجيب، علينا اولا ان نتمرن على إجادة القراءة، ثانيا يمكننا ان نأخذ بالاقتراح القائل بأهمية القراءة التصفحية السريعة قبل الشروع في القراءة المدققة، بعدها يفترض بنا ان نطلع على الفهرست او المحتوى، وان نسجل ما يثيرنا ويخطر في بالنا من اسئلة، ابتداء من عنوان الكتاب وانتهاء بعنوان اي فصل او باب من ابوابه، وان نبادر خلال قراءتنا للكتاب البحث عن أجوبة الاسئلة التي سبق وسجلناها .. طارحين اياها على انفسنا اولا وقبل كل شيء.

***

ناجي ظاهر

 

دلالات التحقيق والاحتمال في ميزان النحاة وفقهاء اللغة

تُعدّ الأدواتُ الصغيرةُ في العربية من أعظم مفاتيح المعنى، إذ قد تختزن في بنيتها اليسيرة تحوّلاتٍ دلاليةً عميقة، تُبدّل وجهَ الخطاب من تقريرٍ إلى ترجيح، ومن توكيدٍ إلى تردّد. ومن أبرز هذه الأدوات حرف "قد" وما يتركّب معه من لام التوكيد في صيغة "لقد"، حيث يتجلّى الفرق بينهما في البنية والدلالة والاستعمال، على نحوٍ شغل أذهان النحاة البصريين والكوفيين، وأغنى مباحث فقه اللغة والبلاغة.

أولاً: "قد" بين التحقيق والتقريب والاحتمال

"قد" حرفٌ مبنيّ لا محلّ له من الإعراب، يدخل على الفعلين الماضي والمضارع، غير أنّ دلالته تختلف باختلاف ما يليه:

مع الفعل الماضي:

تفيد "قد" التحقيقَ والتوكيد، أي إثبات وقوع الفعل وتقريره في ذهن المخاطب، كقول الله تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]

فـ"قد" هنا تُقرّر الفلاح وتُثبّته، كأنّه أمرٌ متحقّق لا مرية فيه.

وقد تفيد أحياناً تقريب الزمن، كقولهم: قد قام زيدٌ، أي قام قريباً.

مع الفعل المضارع:

تنتقل "قد" من دائرة التحقيق إلى دائرة الاحتمال أو التقليل أو التكثير بحسب السياق، فتُشعر بعدم الجزم بوقوع الفعل، أو بتكرّره على نحوٍ غير دائم.

ومن ذلك قوله تعالى:

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨]

فـ"قد" هنا لا تفيد الشكّ في علم الله حاشاه، وإنما تُفيد التقليل أو التدرّج في الإظهار بالنسبة إلى المخاطبين، أو تُقرّب المعنى إلى أفهامهم.

وفي الشعر العربي قول زهير:

قد يُدركُ المتأنّي بعضَ حاجتِه

حيث تفيد "قد" هنا إمكان الإدراك لا حتميته.

ثانياً: "لقد" وتركيب التوكيد المركّب

"لقد" مركّبة من لام التوكيد و"قد"، وهي أبلغ في تقرير المعنى وتثبيته، إذ تجمع بين توكيدين:

اللام: لام الابتداء أو التوكيد، تفيد تقوية الحكم.

قد: للتحقيق مع الماضي.

فإذا قيل:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]

كان في ذلك توكيدٌ مضاعفٌ لوقوع المجيء، وإلزامٌ للسامع بالإقرار به.

الإعراب:

اللام: حرف توكيد مبني لا محل له من الإعراب.

قد: حرف تحقيق مبني لا محل له.

الفعل بعدها: يُعرب حسب موقعه (ماضٍ مبني، أو مضارع مرفوع/منصوب/مجزوم).

ثالثاً: بين البصريين والكوفيين

اختلفت مدارس النحو في تحليل "قد" ووظيفتها:

البصريون:

يرون أنّ "قد" مع الماضي للتحقيق أو التقريب، ومع المضارع للتقليل أو التكثير أو الاحتمال، ويربطون معناها بالسياق ربطاً دقيقاً، ويؤكدون أنّها لا تُفيد الشكّ في ذاتها، بل تُكسِب الفعل ظلالاً دلاليةً مرنة.

الكوفيون:

يميلون إلى التوسّع في دلالتها، فيجيزون حملها على معانٍ أعمّ، ويرون أنّها قد تفيد التحقيق حتى مع المضارع في بعض السياقات البلاغية، إذا دلّ المقام على ذلك.

وقد أشار ابن هشام الأنصاري في مغني اللبيب إلى هذا التباين، مبيّناً أنّ فهم "قد" لا ينفصل عن السياق، وأنّ الاقتصار على معنى واحد يخلّ بثرائها الدلالي.

رابعاً: في فقه اللغة والبلاغة

تُظهر "قد" مرونة العربية في التعبير عن درجات اليقين، فهي ليست أداةً نحويةً جامدة، بل مؤشّرٌ دلاليّ ينقل المتكلّم من الجزم إلى الترجيح، ومن التقرير إلى التلميح. أما "لقد"، فهي أداةُ إلزامٍ بلاغيّ، تُغلق باب الشك وتفتح أفق التوكيد.

ومن لطيف الفرق أنّك إذا قلت:

قد نجح الطالبُ

أفدتَ وقوع النجاح أو قربه،

أما إذا قلت:

لقد نجح الطالبُ

فقد أقمتَ الحجة على نجاحه، كأنك تدفع إنكاراً أو تشكّكاً.

خامساً: خلاصة دلالية

"قد" مع الماضي: تحقيقٌ أو تقريب.

"قد" مع المضارع: احتمال، تقليل، أو تكثير بحسب السياق.

"لقد": توكيد مركّب يُفيد التحقيق القاطع.

وهكذا، يتبيّن أنّ الفرق بين "قد" و"لقد" ليس مجرّد زيادة حرف، بل انتقالٌ من إمكان المعنى إلى يقينه، ومن احتماله إلى إلزامه. إنها دقّة العربية في بناء المعنى، حيث تتحوّل أداةٌ صغيرة إلى مفتاحٍ لفهم طبقات الخطاب، وإدراك درجات اليقين في الكلام.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

ما هو مدى تأثير حياة الشاعر على ما ينتجه ويقدمه من شعر إلى قرائه، هل يؤثر عليه منشؤه وبيئته والى اي مدى..، هل توجد حدود ابداعية يمكث رهنها، ولا يبرحها، باي لغة يكتب الشاعر قصيدته الحديثة، وايهما يكتب الاخر، الشاعر ام القصيدة. الشاعر السوري اللبناني، العربي اولا وقبل كل شيء نزار قباني يطرح في سيرته الذاتية الموسومة بعنوان "قصتي مع الشعر"، هذه الاسئلة وغيرها ضمن محاولة لقطع الطريق على من قد يبادر الى كتابتها، كما هي.. وكما قد يخيل اليه ويتصور، كما يقول.

صمن عودتي الى كتب مؤثرة، سبق وقرأتها في الماضيين القريب والبعيد، عدت هذه الايام لقراءة سيرة هذا الشاعر البارز ذي المكانة الخاصة في شعرنا العربي الحديث، عدت لقراءة سيرته هذه، وانا اتذكر جيدا ما عهدته عنه، وما رد به علي الصديق الكاتب الشاعر الراحل طه محمد علي، اجابة عن سؤال كنت قد وجهته اليه، بعد عودته الى ناصرتنا، في اعقاب نشاطات وفعاليات شعرية احتضنتها العاصمة البريطانية لندن.. في الماضي البعيد، وشارك فيها/ طه، جنبا إلى جنب مع العديد من ابرز الشعراء العرب، اذكر انه قال لي، انه يوجد لكل من الشعراء العرب جمهوره الخاص به، بايتثناء نزار قباني، فان جمهوره هو كل الجماهير العربية.

يكتب نزار قباني (٢١ اذار١٩٢٣- ٣٠ نيسان ١٩٩٨)، قصته مع الشعر بلغة شعرية جزلة، عهدها القارئ العربي جيدا، وطالما لفتت اهتمام الكثيرين ومنهم كاتب هذه السطور، ومما يريد في مطالع قصته هذه، نفيه انه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، او انه مولود في بيئة برجوازية غنية. يقول ان والده توفيق قباني، عمل في صناعة الحلوى، وانه عرف بميوله الوطنية، مشيرا في اكثر من صفحة وفقرة، ان والده كان يقدم كل ما يمكنه دعما لمناهضي الوجود الفرنسي المفروض بالقوة في بلاده سوريا، ويتحدث عن احد ابناء عائلته، ابي خليل القباني، أحد رواد المسرح العربي ومؤسسيه الاوائل في عالمنا العربي المحيط بنا، وعما واجهه من وشايات ومؤامرات، هدفت الى عرقلة مسيرته المسرحية، وثنيه بالتالي، عن مسيرته الفنية الوطنية المظفرة، الأمر الذي دفع به للهجرة الى العاصمة العربية المصرية القاهرة لمواصلة تلك المسيرة، التي ابتداها بترجمته مسرحيات فرنسية وقفت في مقدمتها مسرحية" البخيل"، للكاتب الفرنسي المسرحي الساخر موليير، وتقديمها على الخشبة المسرحية ليشاهدها الناس في تلك الفترة. اما عن البيئة التي نشأ فيها/ قباني، فانه يقول انها كانت بيئة حادبة حانية ومحبة، ويذكر بكثير من الشجن والاسى اخته الكبرى "وصال"، واصفا اياها بانها سهيدة وقائلا انها قتلت نفسها لانها لم تتمكن من الارتباط لحبيبها.

اما عن حياته الشخصية الخاصة، فيقول انه بعد ان تلقى دراسته الجامعية في موضوع الحقوق، التحق، وهو لما يتجاوز العشرين من عمره، بالسلك السياسي الدبلوماسي لبلاده، ليعمل ملحقا في سفارتها في القطر العربي المصري، وليتنقل فيما بعد من دولة الى اخرى، ابتداء من الصين وانتهاء بإسبانيا، ويبقى عاملا في السلك السياسي المذكور سفيرا لبلاده، ليصدر في اواسط الاربعينيات مجموعته الشعرية الاولى "قلت لي السمراء"، وليتبعها بمجموعة اخرى واخرى، الى ان يقرر بعد حوالي الثلاثة عقود، الاستقالة من عمله السياسي، ليتفرغ بالتالي للإنتاج الادبي الشعري، ويقول في تعليق له على كونه شاعرا وعاملا في السلك الدبلوماسي، انه التقى بالكثير الكثير من الشخصيات السياسية وان هؤلاء عادة ما كانوا يبدون تقديرهم له، كونه واحدا من شخوص مملكة الشعر المبجلة، ويقول في موقع آخر فيما يتعلق بالموضوع ذاته، ما مفاده ان الشعر ابقى من السياسة، وانه لولا المتنبي لما ذكر سيف الدولة الحمداني.. والى مدينة حلب وحاكمها آنذاك.

يقول هذا كله عن سيرته ومسيرته الشخصية، اما عن مسيرته الشعرية، فإنه يشير الى ما يواجهه المبدع العربي عامة والشاعر خاصة، من معاناة جراء الازدواجية اللغوية، فهو يعيش ويفكر بالعامية، ويكتب بالفصحى، ويقترح بعد مناقشة مستفيضة لهذه القضية المعقدة، حلا يراه مناسبا، يتمثل بان يمزج في كتابته الابداعية بين العامية والفصحى ويكتب بلغة يطلق عليها اسم اللغة الثالثة، وهو ما يذكر باقتراح تقدم به ومارسه الكاتب العربي المصري توفيق الحكيم.

صمن مسيرته الابداعية الشعرية، يتوقف مطولا عند وسمه بصفة شاعر المراة، متحفظا على هذه الصفة حينا وراضيا بها حينا اخر، وفي التفصيل يقول ان هذه الصفة غير دقيقة، مشيرا الى انه كتب في اواسط الخمسينيات قصيدته النقدية الساخنة "خبز وحشيش وقمر"، وانه تعرض الى نقد شديد، كونه وجه سهام امتعاضه الى الاسترخاء العربي، والاستسلام للأقدار والغيبيات ممثلة بعنوان قصيدته تلك ذاته. اما فيما يتعلق بالمرأة فانه يقول انه كرس الكثير من شعره للانتصار لها موحيا انه انما فعل ذلك ليمنح الطائر العربي حلم ان يحلق بجناحين اثنين، الرجل والمرأة، وليس بجناح واحد.. الرجل فقط..

بعدها يتوقف مطولا أيضا، بعد انفعاله الشديد في اعقاب نكسة عام ٦٧، والاندحار العربي قبالة الرمي الإسرائيلي المباغت، وكتابته قصيدته الشهيرة "هوامش على دفتر النكسة"، وما اثارته من ردود فعل غاضبة في المجتمع الثقافي السياسي المصري، ومطالبة البعض بمنعه من دخول مصر، ومن بث ما كتبه من قصائد واغان، سبق وصدحت بها اصوات مصرية شهيرة منها محمد عبد الوهاب، عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة، الامر الذي دفع به لان يكتب الى الرئيس المصري في حينها جمال عبد الناصر، ويقدم قباني احترامه وتقديره الكبيرين لعبد الناصر الذي امر من ناحيته، بانصافه شاعرا وابقاء وضعه واحترامه في المجتمع المصري كما كان، مرحبا به.. شخصيا وفنيا.

يلفت النظر في قصة نزار قباني هذه مع الشعر، ذلك الفصل الذي يكرسه صاحبها، لكيفية كتابته ما انجزه في مجال قصيدته الشعرية، يقول انه لا يوجد هناك في اللعبة الشعرية قواعد مسلم بها، وانه يوجد لكل شاعر قاعدته الخاصة به، اما فيما يتعلق به، فانه يقر بانه لا يفكر في قصيدته مسبقا، وانه قد يكون لديه ما يود قوله، غير انه لا يعرفه بالضبط، الا بعد ان تكتمل كتابته له، منوها انه لا يكتب القصيدة الا بمدى ما تكتبه هي. ويؤكد فيما يتعلق بهذا كله انه من طبيعة الشاعر ان يكون معارضا، جازما ان كل مبدع حقيقي، انما هو صوت معارض، وانه لا قيمة لكاتب او شاعر يحلس في صفوف الموالين ويصوت مع الاكثرية ويرفع يده موافقا على المشاريع التي وضعها ابو سفيان وهذا سؤال اخر.. اكثر تعقيدا.. قد نعود اليه. وقد لا نعود.

***

ناجي ظاهر

 

جدل البصريين والكوفيين في تخوم الحرفية والاسمية

ليست "رُبَّ" مجرد أداةٍ عابرةٍ في نسيج العربية، بل هي عتبةٌ دقيقةٌ يتقاطع عندها النحو بالدلالة، ويحتدم فيها الخلاف بين مدرستين عظيمتين: البصريين والكوفيين. فهي على قِصَر لفظها تُثقل كاهل الدارس بأسئلةٍ تتجاوز الإعراب إلى فلسفة اللغة ذاتها: أهي حرفٌ خالص الوظيفة، أم اسمٌ متخفٍّ في هيئة أداة؟

ذهب البصريون، وفي طليعتهم أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد، إلى أن "رُبَّ" حرفُ جرٍّ لا محيد عن حرفيته، يُفيد التقليل في أصل وضعه، ويدخل على النكرات فيجرّها لفظاً، نحو: رُبَّ رجلٍ كريمٍ لقيتُ. واستدلّوا على حرفيتها بما استقرّ في منهجهم من معايير تمييز الكلم: فالاسم عندهم ما يقبل علامات الإعراب، ويدخله التعريف بـ"أل"، ويتنوّن؛ والفعل ما يقبل تاء الفاعل أو نون التوكيد، نحو: جلستُ، اذهبنَّ. فأين "رُبَّ" من هذه العلامات؟ لا تقبل تنويناً، ولا تعريفاً، ولا إسناداً؛ فامتنع في نظرهم أن تكون اسماً، وثبتت حرفيتها.

أما الكوفيون، وعلى رأسهم ثعلب، فقد وسّعوا أفق النظر، ورأوا في "رُبَّ" اسماً دالًّا على معنى القِلّة، يُستعمل مبتدأً في بعض التراكيب، نحو: رُبَّ ذكيٍّ لا يفهم. والتقدير عندهم: قليلٌ من الأذكياء لا يفهم. فهي بهذا التأويل اسمٌ مضاف، و"ذكيٍّ" مضافٌ إليه، وما بعده خبرٌ أو جملةٌ خبرية. وقد حملوا "رُبَّ" على "كم" الخبرية، التي تفيد التكثير، فقالوا: كما أن "كم" اسمٌ للعدد، فكذلك "رُبَّ" اسمٌ للقلة.

وهنا يتجلّى موضع التنازع: أهي نظيرة "كم" في الاسمية، أم مخالفةٌ لها في الطبيعة؟

إن "كم" في العربية اسمٌ صريح، يُسأل به عن العدد أو يُخبر به عن كثرته: كم كتاباً قرأتَ؟، كم من رجلٍ لقيتُ. أما "رُبَّ"، فليس لها من سمات الاسم إلا ما أُوِّل، لا ما صُرِّح به. فهي لا تُثنّى ولا تُجمع، ولا تُعرَّف، ولا تُسند، بل تظلّ ملازمةً صدر الكلام، كأنها مفتاحُ افتتاحٍ لا يقبل الإزاحة.

ويؤكد البصريون حجّتهم بقاعدةٍ أصولية: الحرف لا يدخل على الحرف، و"رُبَّ" قد تُسبق بـ"ما" الزائدة في نحو: رُبَّما، كما في قوله تعالى:

﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهو شاهدٌ يفتح باباً دلاليّاً آخر؛ إذ إن "رُبَّ" هنا لا تفيد التقليل على وجهه الصريح، بل تُومئ إلى التكثير أو إلى معنى التهديد والإنذار، كأنها تقول: كثيراً ما سيودّ الكافرون لو كانوا مسلمين. فهل تظلّ "رُبَّ" حبيسة معنى القِلّة؟ أم أن السياق يُحرّرها من قيدها الأول، ويجعلها أداةً مرنةً تتلوّن بحسب المقام؟

ومن الشواهد التي تُعمّق هذا التعدّد الدلالي قول النبي صلى الله عليه وسلم:

«رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في الآخرة».

فـ"رُبَّ" هنا لا تُراد بها القلة الحسابية، بل التنبيه إلى ظاهرةٍ متكرّرةٍ في بُعدها الأخلاقي، وكأن القِلّة قد تُستعمل لتهويل الأمر لا لتقليله.

إن هذا التذبذب بين القِلّة والكثرة، بين الحرفية والاسمية، يكشف أن "رُبَّ" ليست أداةً جامدة، بل كيانٌ لغويٌّ يتأرجح بين حدّين:

حدٍّ نحويٍّ صارم، يقيّدها بوظيفة الجرّ.

وحدٍّ دلاليٍّ رحب، يفتحها على احتمالات التأويل.

ولعلّ أعمق ما في هذا الخلاف أنه لا يدور حول "رُبَّ" وحدها، بل حول ماهية الكلمة في العربية:

أهي بما تقبله من علامات، أم بما تؤدّيه من معانٍ؟

فالبصريون جعلوا الشكل معياراً، والكوفيون وسّعوا الدلالة حتى كادت تُعيد تعريف الشكل.

وخلاصة القول:

إن "رُبَّ" في أفق التحليل الدقيق حرفٌ في بنيتها، اسمٌ في تأويلها، وجسرٌ خفيٌّ بين النحو والبلاغة. فهي تُعلّمنا أن اللغة ليست قوالب جامدة، بل حركةُ معنى تبحث عن صورتها، وأن الخلاف النحوي ليس ترفاً علميّاً، بل هو بحثٌ في سرّ التعبير ذاته: كيف تقول القليل، فتُراد به الكثرة؛ وكيف تبدأ بالحرف، فتفتح به أبواب التأويل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

سنموتُ… وفي النفسِ بقايا «حتّى» لم تُفَسَّرْ، وحدودٌ للقولِ لم تُستكمَلْ.

ليست «حتّى» حرفاً عابراً في العربية، بل هي أداةُ تخومٍ تُحدِّدُ الغاية، وتفتحُ أفقَ الاستمرار، وتُقيمُ صلةً دقيقةً بين ما قبلها وما بعدها. إنّها في جوهرها لغةُ «الحدّ»: حدٌّ زمانيٌّ ينتهي عنده الفعل، أو حدٌّ معنويٌّ يبلغ فيه القولُ ذروتَه، أو حدٌّ دلاليٌّ يتّسعُ حتى يكادُ يبتلعُ ما يليه. ومن هنا كان اختلافُ النحاة في توجيهها، لا اضطراباً في القاعدة، بل ثراءً في قراءة الوظيفة.

أولاً: «حتّى» في نظر النحاة واللغويين

ذهب نحاةُ البصرة إلى تدقيقِ عمل «حتّى» وربطِه بشرط الغاية؛ فهي عندهم لا تعمل الجرَّ إلا إذا دلّت على الانتهاء الحقيقي، ويُحكِمون صلتها بالفعل المضارع إذا نُصِب بعدها بأن تكون للغاية أو التعليل، مع اتصالٍ معنويٍّ بما قبلها.

أمّا نحاةُ الكوفة فكانوا أوسعَ مسلكاً، يُجيزون في «حتّى» من الاستعمال ما لا يضيّقه البصريون، ويُجيزون العطفَ بها في مواضع أرحب، بل ويتسامحون في بعض شروط النصب بعدها، مستندين إلى الشاهد والسماع.

وفي امتداد هذا النظر، تعامل فقهاءُ اللغة مع «حتّى» بوصفها علامةً على بلوغ الحدّ أو استنفاد الطاقة الدلالية؛ فهي عندهم ليست مجرد أداة تركيب، بل مؤشرٌ على اكتمال المسار أو انقلابه، كأنّها «قنطرة» تعبر بها الجملة من طورٍ إلى طور.

ثانياً: حالات «حتّى» الإعرابية

١. «حتّى» حرفُ جرّ:

تجرُّ الاسمَ بعدها، وتفيدُ الغايةَ والانتهاء، ويكون ما بعدها داخلاً غالباً فيما قبلها أو جزءاً منه.

أكلتُ السمكةَ حتى رأسِها.

سرتُ حتى المدينةِ.

فـ«حتى» هنا حدٌّ نهائيٌّ للفعل، تُغلِقُ به الدائرةُ الدلالية.

٢. «حتّى» حرفُ عطف:

تعطفُ ما بعدها على ما قبلها بشرط أن يكون المعطوفُ بعضاً من المعطوف عليه أو غايةً فيه.

مات الناسُ حتى الأنبياءُ.

نجح الطلابُ حتى المقصِّرون.

وهي هنا تفيدُ المبالغةَ في الشمول، كأنّها تُدخلُ «الأبعد» في حيّز «الأقرب»، فتُوسِّعُ المعنى حتى يبلغ أقصاه.

٣. «حتّى» حرفُ ابتداء:

تأتي استئنافيةً، يُبتدأُ بعدها كلامٌ جديد، وغالباً تدخل على الجملة الاسمية أو الفعلية، ويكون لها أثرٌ دلاليٌّ في إبراز المفارقة أو التعجب.

اشتدّ المرضُ، حتى الطبيبُ عاجزٌ.

تفاقم الأمرُ، حتى كادَ الصبرُ ينفدُ.

فهي هنا ليست عاملةً في الإعراب، بل في توجيه النبرة والمعنى.

٤. «حتّى» الناصبة للمضارع (باعتبارها حرف غاية وتعليل)

تنصب الفعل المضارع إذا أفادت الغاية أو التعليل، وكان الفعل مستقبلًا بالنسبة لما قبلها.

سأصبرُ حتى تنجحَ.

أجتهدُ حتى أبلغَ الغايةَ.

وهنا تُصبح «حتّى» جسراً بين الإرادة والنتيجة.

ثالثاً: «حتّى» بين الصرامة النحوية واتساع الدلالة

ليست المسألة في «حتّى» مجرّد تصنيفٍ إعرابيّ، بل هي جدلٌ بين حدٍّ نحويٍّ ومعنى متدفّق. فالبصريون شدّدوا على الضبط، والكوفيون وسّعوا باب السماع، أمّا فقهاء اللغة فرأوا فيها أداةَ «اكتمالٍ» دلاليّ.

إنّ «حتّى» تُجسِّدُ في العربية فلسفةَ الوصول: لا شيء يُفهَمُ إلا بحدِّه، ولا حدَّ إلا بغايةٍ تُبلَغ. ولذلك قيل على سبيل الوجدان اللغوي:

سنموتُ… وفي أنفسِنا شيءٌ من «حتّى»

لأنّ المعنى مهما اكتمل يظلُّ مفتوحاً على غايةٍ أخرى، ولأنّ اللغة مهما بلغت تُبقي في الروحِ سؤالاً لم يُقَلْ بعد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لم تكن كركوك في ستينيات القرن العشرين مجرد مدينة نفطية تتوسط خريطة العراق، ولا نقطة عبور للقوافل أو محطةً في طريق الصحراء. كانت، بامتياز، مختبراً اجتماعياً حياً، تجربة إنسانية نادرة في منطقة تعرف كيف تصنع الخصومة أسرع مما تصنع الجيرة. كانت فسيفساء تتداخل فيها الهويات دون أن تذوب، وتتجاوزر دون أن تتصادم. لم يكن تعايشها ناتجاً عن وصاية الدولة أو قوانين صارمة، بل عن إرادة يومية عفوية، تكرست في تفاصيل صغيرة كالخبز والقهوة والأزقة الضيقة بين البيوت.

في تلك السنوات، كانت كركوك تحافظ على توازن هش لكنّه حقيقي. كانت البلاد تعيش على إيقاع تحولات سياسية كبرى- من عهد عبد الكريم قاسم إلى انقلاب عبد السلام عارف ثم حزب البعث- إلا أن كركوك ظلّت، ككائن حي، تطور آليتها الخاصة للتبريد الاجتماعي. لم يكن التوازن مفروضاً من فوق، بل منسوجاً من تحت، بخيوط الحرير اليومية: تحية الصباح، استعارة السكر أو السمن من الجارة، وموقف الباص الصغير الذي يأخذ الجميع إلى سوق الأربعاء.

هوية كركوك آنذاك لم تكن سؤالاً فلسفياً معقداً، ولا قضية تتصدر عناوين الصحف. كانت رواية متعددة الأصوات لا تحتاج إلى بطل واحد. العرب، والكرد، والتركمان، والآشوريون والكلدان، والأرمن، والصابئة- كلهم كانوا جزءاً من الجسد الكركوكي، ليس كجماعات تنتظر دورها في الحكم، بل كأعضاء حيوية تتنفس معاً. في الأسواق، كان التاجر البارع ينادي على بضاعته بثلاث لغات أو أربع، ليس تكلفاً في التظاهر بالانفتاح، بل فطرةً تجارية واجتماعية: من يريد الطماطم بلغة، ومن يريدها بأخرى، كلهم زبائن يجمعهم الرغيف.

في المقاهي الشعبية - كمقهى "عزاوي"، أو " حسن عجمي"، أو "القلعة"، أو "المصلى"- كانت النرد والطاولة والدومينو يتداولها الرجال من خلفيات مختلفة، واللهجات تتجاور كفناجين الشاي على صينية واحدة. لم يكن أحد يشعر بالغربة، لأن المدينة بكاملها كانت تشبه باحة بيت كبير: فيها زوايا مختلفة، لكن السقف واحد.

إذا كان البيت يعلّم الانتماء الضيق، فإن المدرسة كانت تصنع الانتماء الواسع. لعبت المدرسة دوراً مركزياً في ترسيخ هذا التماسك، ربما أكثر من أي مؤسسة أخرى. كان الأطفال يجلسون على مقاعد خشبية واحدة، يكتبون بالعربية الفصحى، ويحفظون قصائد السياب والجواهري، لكنهم في الفسحة كانوا يتحدثون بالكردية أو التركمانية أو بالسريانية حسب من يلعب معه. لم يكن هذا تشويهاً للهوية، بل تمدداً طبيعياً للذات.

تعلم أطفال كركوك أن التاريخ الذي يدرّس في الصباح هو تاريخ عراقي، لكن الجدات في البيت يحكين حكايات أخرى. ولم يشعروا بتناقض، لأنهم عاشوا على أن الهويات طبقات فوق بعضها، لا جبهات في مواجهة بعضها. في الاحتفالات المدرسية، كانت الأهازيج والرقصات متعددة، يصفق لها الجميع، بغض النظر عن أصل الطفل الذي يقف على المسرح.

كانت أحياء كركوك - كحي "الأصلاح" و"المعلمين" و"القورية" و"عرفة" و"آلماس" و"رحيم آوه"، و"إمام قاسم"، و"تسعين" و"شاطرلو" و"المصلى" - مختبرات مكشوفة للتعايش. في حيّ واحد، كان الجامع يقف قبالة الكنيسة أو المقام الإيزيدي، وكان المؤذن يرفع الأذان، وتقرع الأجراس في توقيت قريب، في مشهد لم يكن يُرى كتنافر، بل كجزء من "بولي فونيا- أو تعدد اصوات" المدينة اليومية. لم يكن هذا تعدداً يتسامح به الناس، بل كان التعدد هو سياق الحياة الطبيعي الذي لم يعرفوا غيره.

الأعراس كانت استثناءً جميلاً من القاعدة. في العرس الكركوكي، كان الجار الكردي يشارك الجار العربي في تقديم القهوة، والجار التركماني يوزع السكّر، والجار الآشوري والكلداني يوزع المرطبات. وحين كانت الأم تقول "ولدي العريس"، كان الجميع يشعرون بأن العريس ابن الحي كلّه. لا تذكر كركوك القديمة أن عرساً اقتصر على طائفة واحدة. وكذلك المآتم: حين يموت أحدهم، كانت البيوت تفتح أبوابها، وتُقرأ الفاتحة بالعربية أو الصلاة المسيحية، وتُرفع الأيادي بحسب عادات مختلفة، والحزن كان واحداً، لا يحتاج إلى ترجمان.

الاقتصاد - بزعامة النفط - أسهم في خلق فضاء مشترك لا يقل أهمية عن الفضاء الثقافي. كانت شركة النفط (آي بي سي) ومصفاة كركوك وحقول بابا كركر نموذجاً للعمل الجماعي. العمال العرب والأكراد والتركمان والآشوريون والكلدان كانوا يتشاركون الخَبَر والخطر. في باطن الأرض، تحت الأنابيب الساخنة والمضخات التي لا تعرف القومية، كان التضامن الطبقي يصنع جسوراً أقوى من أي خطاب قومي.

الذهب الأسود كان يوحد الجميع، وكأس الشاي في الاستراحة كان قسمة مشتركة. من عمال النقل إلى المهندسين إلى عمال النظافة، كان هناك شعور ضمني: "نحن جميعاً كركوك". وهذا الشعور لم يكن خطابياً، بل عملياً، لأن المصلحة في استمرار العمل والإنتاج كانت أسمى من أي خلاف يمكن تأجيله إلى ما بعد الدوام.

لكن هذا التماسك لم يكن أسطورياً أو خالياً من العيوب. لو نظرنا بصدق، سنكتشف أن التوترات كانت موجودة، كامنة تحت الرماد. كانت هناك لحظات احتكاك، وشتائم طائفية في سوق السمك، وعراك بين صبية من أحياء مختلفة. وكانت السياسات المركزية في بغداد تغذي بين الحين والآخر خطاباً قومياً حاداً، خصوصاً بعد انقلاب عام 1968. لكن ما ميّز كركوك في الستينيات هو قدرة مجتمعها على احتواء التوتر ضمن حدود ضيقة لا تهدد النسيج العام.

لم يكن هناك "عقد مدني" مكتوب، بل "عقد غير مكتوب" يقول: نعم، نحن مختلفون، وقد نتنافس، لكننا في النهاية جيران في الزقاق نفسه. كانت هناك مرجعيات مجتمعية - شيوخ، وجهاء، تجار كبار، رجال دين من طوائف مختلفة - يعملون خلف الكواليس لامتصاص الصدمات. في كركوك، كان الخلاف القبلي أو الإثني يُحلّ في غرفة خلفية في مقهى أو عند بيت أحد المعمّرين، قبل أن يصل إلى أي جهة رسمية.

إن استعادة صورة كركوك في تلك الحقبة ليست عملاً حنينياً، ولا هي تبرئة لذات المدينة مما حدث فيها لاحقاً من صراعات دامية. هي بالأحرى محاولة لفهم كيف يمكن لمدينة متعددة الهويات أن تبني تماسكها

 ليس من خلال شعارات "الأخوة القومية" أو "الوحدة الوطنية"، بل من خلال تفاصيل صغيرة من الأسفل: معاملة حسنة في المخبز، صفعة حانية من مدرّس لم يفرق بين تلميذ وآخر، موقف حافلة لم يترك أحداً في المطر.

أثبتت كركوك في ستينياتها أن الهوية ليست جداراً يفصل، بل جسراً يمكن أن يربط - إذا وُجدت الإرادة الاجتماعية لذلك. وأن التعددية ليست عبئاً، بل مصدر غنى وقوة إذا ما أُحسن إدارتها على مستوى الحي والزقاق والسوق. لقد أدار المجتمع الكركوكي تنوعه بفطرةٍ وكياسة، قبل أن تأتي السياسات المتطرفة لتفكك ما نسجته الأيام.

اليوم، حين تعيش كركوك صراعات هوية، وتتنازعها مشاريع إقليمية ووطنية متضاربة، تبدو ستينياتها أشبه بـ (يوتوبيا مفقودة)، أو ذكرى جماعية لا تُصدّق. لكن الحقيقة أن تلك التجربة ليست مستحيلة التكرار. إنها تذكرة بأن الإنسان في هذا الجزء من العالم قادر، حين لا تُفسده السياسات التقسيمية، على صنع جيرته بنفسه.

كركوك التي وُلدنا فيها وترعرعنا لم تكن جنة مفقودة، بل كانت معلماً عملياً على أن العيش المشترك ليس حلماً، بل ممارسة يومية في استعادة هذا الدرس البسيط: أن نتعلم من كركوك ستيناتها، لا أن نكرر أخطاء عقودها التالية، وربما يكمن مستقبل مدن الهويات - في العراق، وسوريا، ولبنان، أو أي مكان آخر.

***

جورج منصور

 

لاشك أن الشاعر الكبير أبو كوثر أحمد علي السالم يعد من بين ابرز الأصوات الشعرية، التي تتجلى في نصوصها شفافية الوجدان، ورهافة الحس، والقدرة الفائقة على التقاط التفاصيل الإنسانية الصغيرة، وتحويلها إلى صور نابضة بالحياة، بعد توظيفها البليغ في نظمه الإبداعي.

ولعل المتأمل في نظمه يلمس حضورا واضحا لتوهج بالحس المرهف في نظمه، ذلك الحس الذي يجعله أكثر التصاقا بوجدانيات عالم الداخلي، في وأكثر قدرة على الإنصات لنبض الأشياء في العالم من حوله.

وهكذا يلاحظ ان لغة النظم في قصائد أبوكوثر أحمد علي السالم لا تبدو مجرد أداة تعبير، بل تتحول إلى كائن حي يفيض بالعاطفة، ويتوهج بالمشاعر، ويتنفس الشوق، ويعانق الحنين، فهو يكتب من اعماق الشعور الوجداني الصادق، حيث تنصهر عنده الكلمة بالتجربة، وتتوهج الصورة الشعرية بحرارة الإحساس، ودفء العاطفة. ومن هنا تأتي قصائده قريبة من قلب المتلقي، لأنها لا تتكلف الحس، ولا تتصنع المشاعر، بل تصدر عن وجدان منوهج، وتجربة صادقة، ونبض متوقد.

على ان من أبرز تجليات الحس المرهف في شعره، تلك العناية الفائقة بالطبيعة، ومفردات عوالمها، وقدرته المدهشة على منح تلك المفردات، أبعادا وجدانية عميقة، تكشف عن شاعر يرى العالم بعمق الوجدان، ونقاء القلب، قبل عين البصر.

كما يتجلى عنده هذا الحس المرهف في حضوره الإنساني، إذ تبدو قصائده طافحة بقضايا المحبة، والوفاء، والتوجد، وما ينعكس عن ذلك في النفس من انكسارات، وآمال، بما هو شاعر متمكن، يلتقط ارتجافة الروح في لحظة الصمت، ليحولها إلى موسيقى لفظية رقيقة، الأمر الذي يجعل القارئ والمتلقي، يشعرون بأن النص، يعبّر عن حقيقة مشاعرهم.

 وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر المبدع أبو كوثر أحمد علي السالم، يميل إلى لغة سلسة عذبة، تعتمد الإيحاء في الدلالة أكثر من المباشرة، وعلى الصورة أكثر من التقرير، مما يمنح نصوصه على المستوى الفني، بعدا جماليا خاصا، دون ان تعني هذه السلاسة البساطة والسطحية، بما تكتظ به من النضج التام في اختيار المفردة القادرة على الوصول للغرض دون عناء، والتأثير في وجدان المتلقي دون ضجيج.

وهكذا نجد إن تجربة الشاعر الكبير أحمد علي السالم أبو كوثر تمثل نموذجا متوهجا للشاعر المقتدر، الذي يصنع من الرهافة قوة، ومن العاطفة جمالًا، ومن الكلمة نافذة على الروح، بحيث يبقى إبداعه شاهدًا على أن الشعر الحقيقي، هو ذلك الذي يمس شغاف القلب أولا، ليستقر في أعماق الذاكرة امدا طويلا.

***

نايف عبوش

بإمكاني، قارئا مجتهدا ومتابعا، وكاتبا منتجا للرواية، اقتطاف ملاحظة من دفتر مذكراتي الخاص، مفادها ان العديد من كتابنا الروائيين العرب، تأثروا في كتاباتهم الروائية، بما سبق وانتجه كتاب غربيون، الامر الذي جعلني اسجل العديد من الملاحظات، بعد قراءتي هذه الرواية او تلك من رواياتنا العربية، تشير وتنبه الى ما سبق وقرأه صاحبها قبل كتابته روايته تلك، ويمكنني ان اسجل هذه الملاحظة تحت عنوان رواية تذكر برواية. سأقوم فيما يلي بإيجاز، ارجو الا يكون مخلا، بتقديم ملاحظات جذرية حول هذا الموضوع.. المهم والحساس، بعدها سأحاول الاجتهاد في تفكيك هذه الظاهرة، والتغلغل في طواياها المعقد والمركبة.

من نجيب محفوظ الى اميل حبيبي

سبق وسجل الدكتور الباحث الادبي شكري محمد عياد، ملاحظة هامة في موضوع حديثنا هذا، مفادها ان الكاتب نجيب محفوظ، الفائز العربي والوحيد حتى الان بجائزة نوبل للأدب، وصاحب الروايات الشهيرة منها" اللص والكلاب" و "الطريق"، قد تأثر في كتابته روايته "ميرامار"، برواية "البيت والعالم" للكاتب الشاعر الهندي البارز رابندرانات طاغور، وهذا، بالمناسبة واحد من الحاصلين على جائزة نوبل للأدب، وفي التفصيل يقول عياد ان محفوظا قد تأثر في تعدد الاصوات، في الرواية الواحدة بتلك الرواية المذكورة، ويوضح انه لم يكن لمحفوظ ان يكتب تلك الرواية متعددة الاصوات، البولوفونية، لو لم يكن في حينها قد قرا رواية "البيت والعالم"، وفي سياق متصل يمكننا الإشارة الى ما نوه اليه محفوظ ذاته اكثر من مرة، وهو ان فكرة كتابة رواية الاجيال ممثلة بثلاثيته الروائية الرائدة "قصر الشوق" ، "بين القصرين" و"السكرية"، ولدت بعد قراءته رواية " آل بدنبروك"، للكاتب الألماني صاحب نوبل للأدب ايضا، توماس مان، وفي سياق متصل يذكر كاتب هذه السطور ان محفوظا اعرب عن امتعاضه، من كاتب اخر صديق له، عندما قام بكتابة رواية اجيال، بعد ان أخبره هو ذاته، انه ينوي كتابة ذلك الجنس الروائي، واصداره رواية في هذا الجنس بعد اشهر محدودة، من حديث محفوظ اليه والى اخرين. محفوظ أضاف في العديد من الأحاديث، انه منذ تلك الفترة آل على نفسه الا يتحدث عما ينوي كتابته من روايات. الكاتب الذي أشار اليه محفوظ فيما بتعلق بهذا الامر هو عبد الحميد جودة السحار ورواية الاجيال المشار اليها هي "في قافلة الزمان".

اما الكاتب اميل حبيبي، فقد تأثر في كتابته روايته "المتشائل- الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل"، برواية اخرى معروفة عالميا، هي رواية "كنديد"، للكاتب المفكر الفرنسي الساخر فولتير، وقد اعترف حبيبي في ثنايا روايته ذاتها، بانه ما ان فتح الاحتلال ابواب مدينة نابلس بعد حرب ٦٧، حتى سارع الى مكتبة هناك، للحصول على تلك الرواية، ويقول انه بعد ان عثر عليها بترجمة الكاتب المثقف الفلسطيني البارز عادل زعيتر، حتى سر بها كثيرا، موضحا انه قراها باهتمام كبير خلال استقلاله سيارة الاجرة من نابلس الى الناصرة، مدينة اقامته في حينها، والحق ان من يقرأ المتشائل، لا سيما اذا كان مطلعا، جيد الاطلاع على العالم الادبي الروائي، يمكنه بسهولة ان يلمس تأثر حبيبي، من اعلى الراس حتى اخمص القدم، في كتابته روايته المذكورة برواية "كنديد"، فهو يتأثر بالاطار الروائي القائم على النوادر والحكايات المتتالية من ناحية، كما يتأثر برؤيته الأدبية التي تمزج ما بين التفاؤل والتشاؤم، والتي تجلت في نحت كلمة واحدة من كلمتين هي المتشائل.

غسان كنفاني وحنا مينة

اذكر فيما يتعلق بأمر "رواية تذكر برواية"، ما سبق ولفت اليه العديد من الباحثين الادبيين والنقاد، بعد قراءتهم هذه الرواية او تلك للكاتب الفلسطيني الصميم الشهيد غسان كنفاني، وبإمكاني ان امزج بين ما قاله بعضهم وبين ما رددته لنفسي بعد قراءتي لكل من رواياته التي سأذكرها فيما يلي، مشيرا الى الرواية التي سبق وقراها قبل كتابته روايته التي سيرد ذكرها، فرواية" رجال في الشمس" ، تذكر بروايتي "البيت والعالم" و"ميرامار"، الاولى، كما سلف، لطاغور والثانية لنجيب محفوظ، وروايته "ام سعد" ، تذكر برواية "الام"، للكاتب الروسي مكسيم غوركي، بينما تذكر روايته "ما تبقى لكم"، برواية "الصخب والعنف" ، للكاتب الامريكي النوبلي ايضا، وليم فوكنر، وقد ترجمها الى العربية كاتبنا الفلسطيني القدير جبرا ابراهيم جبرا، وفي التفصيل نشير الى ما سبق وأشار اليه اكثر من ناقد عربي، وهو ان كنفاني تأثر في كتابته روايته المذكورة، برواية تيار اللاوعي الذي انتهجه فوكنر في رايته تلك.

اما بالنسبة لحنا مينة، فاذكر ان روايته "الشمس في يوم غائم" ، تذكر برواية "زوربا"، للكاتب اليوناني المهم نيكوس كازنتزاكي، لنتذكر رقصة الخنجر، الكبرياء، البراءة، وحب الحياة الحميم حد الالتصاق بها، وروايته "الياطر" ، تذكر برواية "روبنسون كروزو" ، للكاتب الانجليزي الرائد دانيال ديفو، خاصة فيما يتعلق بما يطلق عليه النقاد رواية الغابة، ورواية "ماسادة دمتريو" ، تذكر برواية "مستر "جكل ومستر هايد" ، للكاتب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون، ويتمثل هذا التذكر بالازدواجية الشخصية للبطل الروائي في هذه الرواية.

يحيى يخلف

بد ان قرأت رواية الكاتب الفلسطيني يحيى يخلف الاولى "نجران تحت الصفر"، صدرت في السبعينيات المتأخرة، تذكرت الكتابة الروائية لدى الكاتب الروائي الروسي مكسيم غوركي، لا سيما في واقعيتها الشعرية الملموسة وفي اسلوبها السردي، اما بعد قراءتي روايته "تلك المراة الوردة" فقد تأكد لدي ان يحيى غارق الى أذنيه في عالم غوركي الواقعي الشاعري ذاته، اما في روايته "راكب الريح" ، فقد برز تأثره ب "الف ليلة وليلة" ، جليا واضحا، لا سيما فيما يتعلق بالسرد الغرائبي الخرافي المتخيل، وبما يتطلبه من أدوات مثل السحر والترحل في دنيا الخيال، والقرينة وما اليها من أدوات ورد استعمالها في" الف ليلة وليلة" ، بالضبط كما ورد في القصة او الحكاية الشعبية تحديدا. بالمناسبة نجيب محفوظ ذاته تأثر في روايتيه "الف ليلة وليلة" و"الحرافيش" ، بألف ليلة وليلة ، لا سيما فيما يتعلق بالأدوات التي تأثر بها يحيى يخلف ذاته.

هل من سبب؟

ضمن محاولة تهدف الى تفكيك هذه الظاهرة، نشير الى انها قد تعزى الى العديد من الأسباب، لعل أبرزها، ان الرواية كفن قائم بذاته، هي في الاساس واحد من الفنون الأوروبية التي حذا الكاتب العربي حذوها وتأثر بها، اما فيما يتعلق بتأثر هذا الكاتب بألف ليلة وليلة، فقد جاء على ما يظهر ضمن محاولة لتأصيل هذه الرواية وللاغتراف من منهلها العذب، ونقصد به الف ليلة وليلة، غير ان هذا يبقى ضمن رواية تذكر في العمق والمعنى، ضمن الدائرة ذاتها ب "رواية تذكر برواية".

بغض النظر عما تمتع به الكتاب المذكورون، مع التفاوت الطبيعي الملموس في قدراتهم الروائية السردية، يمكننا القول ان كتابنا العرب أرادوا، اضافة الى طرقهم باب الرواية المستورد الجديد في أدبنا المعاصر، عندما حاولوا، بإخلاص واقعي وملموس، طرق ابواب الرواية التخيلية، وتقديم اجتهاداتهم الجدية والجادة في خدمة واقعهم، لم يجدوا مساحة للمزيد من التخييل سوى ان يتذكروا ما سبق وتمت لهم قراءته من الإنتاج الأدبي الروائي في ذاكرتهم اولا، وثانيا فيما سبق وانتجه كتاب غربيون اخرون، امتلكوا ناصية ذلك العالم الجميل، عالم التخييل الروائي الجامح والهادف الى خدمة الواقع، وذلك عبر تصويرهم ما يمكن ان يحدث، وليس ما سبق وحدث، وهذه لعمري هي حالة الابداع الادبي في عمقها القصي البعيد، كما افترضها الفيلسوف الاغريقي العريق أرسطو طاليس في كتابه الخالد عن "فن الشعر"، او البويطقا.

***

ناجي ظاهر

نحو قراءة نحوية - دلالية في ضوء مدرستي البصرة والكوفة وفقه اللغة

في دقّة الحرف واتّساع الدلالة: تبدو “لولا” في ظاهرها أداةً يسيرة المبنى، غير أنّها في جوهرها تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ النحو العميق، حيث تتقاطع البنية مع الدلالة، ويتحوّل الحرف إلى محورٍ مولِّدٍ للمعنى. فهي ليست مجرّد أداة شرط، بل بنيةٌ لغوية تختزن جدل الوجود والعدم، والوقوع والامتناع، والإمكان والتحقّق. ومن هنا انشغل بها النحاة واللغويون، لا بوصفها تركيباً صناعياً فحسب، بل باعتبارها مفتاحاً لفهم آليات التفكير العربي في التعبير عن السببية والاحتمال.

أولاً: “لولا” الامتناعية — بين تقرير القاعدة وتوليد المعنى

تُعرَّف “لولا” في أصلها النحوي بأنها حرف امتناع لوجود، وهو تعريف اشتهر عند نحاة البصرة، وعلى رأسهم سيبويه، حيث قرّر أنّها تفيد امتناع الجواب لوجود الشرط، كقولنا:

لولا العقلُ لفسدَ الحكمُ.

في هذا التركيب، يتجلّى النسق الآتي:

“لولا”: أداة ربط سببي ذات طابع شرطي غير جازم.

الاسم بعدها: مبتدأ مرفوع.

الخبر: محذوف وجوباً عند جمهور البصريين، تقديره (موجود أو حاصل).

الجواب: جملة فعلية غالباً، تقترن بلام الجواب توكيداُ للربط السببي.

موقف البصريين:

يذهب نحاة البصرة إلى أنّ حذف الخبر بعد “لولا” واجب، لأنّ وجود الأداة يغني عن ذكره، إذ إنّ المقصود ليس الإخبار عن وجود المبتدأ، بل بناء علاقة امتناعية بين شرطٍ مفترض وجوابٍ ممتنع. وهذا الحذف عندهم من باب الإيجاز الذي يقتضيه السياق، وهو ما ينسجم مع نزعة البصريين إلى التقعيد والاقتصاد في البنية.

موقف الكوفيين:

أمّا الكوفيون، وعلى رأسهم الفراء، فقد مالوا إلى التوسعة، فأجازوا إظهار الخبر، وإن كان نادراً، معتبرين أنّ الحذف ليس لازماً من جهة الصناعة، بل هو الغالب من جهة الاستعمال. وهذا يعكس طبيعة المدرسة الكوفية التي تميل إلى الاحتجاج بالسماع وتوسيع دوائر الجواز.

في فقه اللغة:

يرى فقهاء اللغة، كابن جني، أنّ “لولا” في هذا السياق ليست مجرد أداة شرط، بل هي تعبير عن رؤية سببية معكوسة، حيث يُفترض عدم الشرط ليتبيّن أثر وجوده. فهي تُنشئ منطقاً افتراضياً يبرز قيمة الموجود من خلال استحضار نقيضه.

ثانياً: “لولا” التحضيضية — من الشرط إلى الخطاب

حين تدخل “لولا” على الفعل، ولا سيما المضارع، تنتقل من مجال التقرير إلى مجال الإنشاء، فتغدو أداة تحضيض أو عرض أو توبيخ، بمعنى “هلاّ”، نحو:

لولا تجتهدُ فتبلغُ مرادك

هنا لا شرط ولا جواب، بل خطاب موجَّه يحرّك الفعل في المخاطَب.

التحليل النحوي؛

“لولا”: حرف تحضيض أو عرض.

الفعل بعدها: مضارع مرفوع، وقد يأتي ماضياً في سياق التوبيخ (لولا اجتهدتَ).

الجملة: إنشائية لا محلّ لها من الإعراب.

موقف المدرستين:

البصريون: يميلون إلى الفصل الحادّ بين “لولا” الامتناعية والتحضيضية، ويجعلون لكلٍّ منهما باباُ مستقلًا في التقعيد.

الكوفيون: يرون أنّ الأصل واحد، وأنّ التحضيض تطوّر دلالي ناتج عن السياق، لا عن اختلاف جوهري في الأداة نفسها.

في فقه اللغة:

ينظر اللغويون إلى هذا التحوّل بوصفه انتقالاً من المنطق السببي إلى المنطق التداولي؛ أي من بناء علاقة بين جملتين، إلى توجيه فعلٍ في الواقع. فـ“لولا” هنا لا تصف، بل تحرّض؛ لا تقرّر، بل تستنهض.

ثالثاً: البنية والدلالة — جدل المنطق والبلاغة

تكشف “لولا” عن مستويين متداخلين:

المستوى المنطقي (الامتناعي):

حيث تُبنى علاقة سببية قائمة على افتراض النفي لإثبات الأثر، وهو ما يقارب في الفكر الفلسفي ما يُعرف بـ “الشرط المضاد للواقع”.

المستوى البلاغي (التحضيضي):

حيث تتحوّل الأداة إلى وسيلة خطابية تُعبّر عن الرغبة أو اللوم أو العرض، فتدخل في حقل الإنشاء الطلبي.

وهذا التداخل هو ما يمنح “لولا” طابعها المركّب، إذ تجمع بين الوظيفة النحوية والفاعلية التداولية.

رابعاً: في ضوء نظرية التركيب

ذهب بعض النحاة إلى أنّ “لولا” مركّبة من “لو” و”لا”، غير أنّ هذا التحليل، وإن كان مقبولًا من حيث الاشتقاق، لا يفسّر استقلالها الوظيفي. فقد استقرّت في الاستعمال أداةً قائمة بذاتها، لها نظامها الخاص، وهو ما يؤكّد ما ذهب إليه ابن جني من أنّ الاستعمال يُنشئ القاعدة، لا العكس.

خامساً: ملاحظات دقيقة

حذف الخبر بعد “لولا” الامتناعية واجب عند البصريين، جائز عند الكوفيين.

اقتران الجواب بلام التوكيد ليس لازماُ، لكنه الغالب لشدّة الربط السببي.

لا تعمل “لولا” إعرابياً، لكنها تؤثّر في البنية العميقة للجملة.

السياق هو المحدّد الحاسم في تعيين دلالتها: أهي امتناعية أم تحضيضية.

خاتمة: “لولا” بوصفها حدّا بين الإمكان والوجود

ليست “لولا” حرفاً عابراً في بنية العربية، بل هي حدٌّ فاصل بين ما كان يمكن أن يكون وما كان بالفعل. إنها تُقيم اللغة على تخوم الافتراض، وتمنحها القدرة على التفكير في البديل، وعلى مساءلة الواقع عبر نفيه.

في قولنا:

لولا الأملُ لانطفأ القلبُ

لا نُنشئ علاقة لغوية فحسب، بل نعبّر عن قانونٍ وجوديّ:

أنّ ما يحضر فينا… هو ما يمنع غيابنا.

وهكذا تغدو “لولا”:

حرفًا صغيراً في المبنى، لكنّه في ميزان اللغة… أداةٌ تُعيد تشكيل العالم بين شرطٍ لم يقع، وجوابٍ لم يُرِد أن يكون.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

 

في تعاملها مع التراث والفنون والمخطوطات تواصل الفنانة وصال خماسي بحوثها وابداعاتها

من التراث وضمنه تكمن ابداعات السابقين حيث الابداع والابتكار في أزمنة أخرى تبرز في سياقاتها منجزات شتى تقول بالفن والابداع كمجالين للسيرة والمسيرة بالنسبة لمن يترك البصمة الدالة على علامات من جمال ممكن.. وفي هذه العوالم يبحث المهتمون والفنانون عن شيء من ذواتهم بين الاعجاب والكشف والاكتشاف والاستلهام والنظر بعمق القلب ..و هنا تشتغل الفنانة وصال خماسي من سنوات بشغف ودأب حيث تخوض تجربتها الفنية بين رافدي الابتكار والابداع في الرسم من جهة والبحث الأكاديمي والعلمي من ناحية أخرى وبين هذا وذاك تبرز أعمالها الفنية ومنها مشاركاتها في أنشطة تشكيلية وفنية وثقافية في تونس وخارجها .تجلت أعمالها بين الرسم وفنون الزخرفة والابتكار الفني في التذهيب والمعادن .2673 wesal

رافقها ولعها المبكر بالفن والرسم الى أن بلغت مرحلتها الراهنة في ذات الشغف الفني تحمل بين طيات كتاب حياتها تلك الأحلام اليانعة المجسمة في ما تشكله بين اللون والزخارف والتذهيب والابتكارات المتعددة عموما التي قدمتها في مختلف معارضها التي كانت لها مناسبة للمشاركات والحضور.

و عن أعماله ونهجها الفني تقول الفنانة الباحثة وصال خماسي "...تعاملي مع المعادن وحتى اطلاعي على فن التذهيب بالمخطوطات جعلاني اعشق نوعا ما اللون الذهبي وما يحمله من رمزية لذلك اعتمده تقريبا في اغلب لوحاتي.... وما قدمته في تذهيبي لبعض اللوحات من خط بعض الفنانين الاتراك..".

وصال خماسي فنانة عضو اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين وقد شاركت مؤخرا في معارضه ضمن الدورة الجديدة للشهر الوطني للفنون وصالون الفن الى جانب كونها طالبة بمرحلة الدكتورا بكلية الأداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة قسم التاريخ، وهي بصدد إعداد أطروحة دكتورا تخص فن الزخرفة والخط في العمائر العثمانية بمدينة تونس.و طالبة باحثة بمرحلة الدكتورا بجامعة اسطنبول قسم تاريخ الفن حيث نجحت بنسبة 82 نقطة بمناظرة التأهيل للدكتورا yetrlılık sınavı .و حاصلة على شهادة الماجستير في تاريخ العالم المتوسطي وحضارته إختصاص تراث وعلوم متحفية / بكلية الآداب والفنون والإنسانيات جامعة منوبة (تهم رسالة الماجستير دراسة الزخرفة والمنمنمات في بعض العينات من المخطوطات الأندلسية مع نجاح بملاحظة حسن جدا) والشهادة الوطنية في الفنون والحرف / قسم الفن والتواصل اختصاص تصميم تخطيطي/ بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس (قامت ضمن مشروع التخرج بتصميم حملة اشهارية لفائدة الشركة التونسية للملاحة مع نجاح بملاحظة حسن جدا)..2672 wesal

و لها دورات تدريبية منها المشاركة بورشات الدورة التكوينية في تأليف المقال العلمي دفعة 2025 بمقرالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس، أسفرت مشاركتها بالدورة عن انتاج مقال يهم ″نماذج من العلامات المائية من خلال عينات من المخطوطات برصيد دار الكتب الوطنية دراسة كوديكولوجية، والمقال قيد التحكيم.. مع حضور محاضرة «الوثائق الوقفية وأهميتها في دراسة العمران والمجتمع والإقتصاد ببعض المدن الجزائرية خلال الفترة العثمانية» من تنظيم مخبر العالم العربي الإسلامي الوسيط الذي تنتمي إليه، بكلية العلوم الإنسانية والإجتماعية بتونس.. وحضور ندوة علمية تهم «تجارب إدارة التراث الثقافي وتثمينه في البلدان العربية» من تنظيم الإدارة العامة للتراث بوزارة الشؤون الثقافية..و حضور يوم دراسي يهم «البحث العلمي في الأداب والإنسانيات: منهجياته وأخلاقياته» من تنظيم مدرسة الدكتورا تواصل، ثقافة، تراث بكلية الأداب والفنون والإنسانيات بمنوبة. الى جانب المشاركة في دورة جماليات المخطوط العربي من تنظيم دار المخطوطات ووقف السلطان أحمد بإسطنبول وحضور ندوة بعنوان طرق الاستفاضة من الإتفاقيات الدولية في حفظ وصون التراث من تنظيم مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي والمنظمة العربية للتنمية الإدارية...

2016هذا وتواصل الفنانة وصال خماسي نشاطها الفني حيث تعد لمعرضها الشخصي خلال الفترة القادمة حيث تقدم بانوراما متنوعة لمجمل أعمالها الفنية والمبتكرة ضمن الفن التشكيلي والابتكارات هذا الى جانب مشاركاتها الثقافية والابداعية المتعددة.

***

شمس الدين العوني

لاريب أن النص الإبداعي ليس نتاج صفاء مزاج دائم، ولا ثمرة بهجة مزاج خالصة، بل هو في كثير من الأحيان، نتاج تناقض عميق، يسكن الوجدان، وبتجسد بذلك التوتر الخفي، بين عكرة المزاج، وبهائه في اللحظة، حيث تتوارد الأسئلة في ذهن الكاتب، من رحم ذلك القلق، وتتداعى من غبار تلك الحيرة، لتشكيل المعنى، حيث، يتوهج النص، ليحمل بصمته الخاصة به، بين هذا الحال، وذاك.

وهكذا يلاحظ ان وجدان الكاتب، حين يتعكر، في لحظة الإبداع، تتكاثف داخله مشاعر متداخلة، من ضيق، وحنين، وانكسار، وغضب صامت، وتطلع متفائل، حيث يكون الكاتب في تلك اللحظات، في حالة عدم انسجام مع ذاته، وعوالم محيطه، ليجد نفسه في حالة مواجهة قلقة معها، لكن تلك المواجهة، على قسوتها، ستفتح أمامه أبوابا غير مألوفة للتعبير الابداعي، حيث يصبح النص، عندئذ، وسيلة للتنفيس عن الحال، ومحاولة وجدانية لترميم الداخل المتازم. فعكرة المزاج في اللحظة، لا تعطل انثيالات الإبداع، بل تدفعها إلى حافات أكثر صدقا، واعمق عاطفة، واشد جرأة، لتكون لغة التعبير أكثر اقترابا من حقيقة حس الوجدان.

ولعل النص لا يكتفي بهذا الوجه القاتم من المواجهة، فهناك ثمة لحظات بهاء، تتسلل إليه كومضات ضوء، تخترق عتمة ظلامه، حيث يستعيد الكاتب في هذه اللحظات، توازنه، ويعيد ترتيب فوضاه الداخلية، في قالب جمالي، يتحول فيه الوجع، إلى صورة، والحيرة، إلى استعارة، والانكسار، إلى تطلع متوهج، يسري بين الكلمات.

 وهنا لابد من الإشارة إلى أن البهاء يتجلى في النص، وان الوهج يشع في ثناياه، لا بوصفه نقيضا لعكرة الوجدان، بل بوصفه امتدادا متفاعلا لها، ونتيجة طبيعية، لعملية التحول التي تمر بها تجليات الشعور الوجداني للمبدع، داخل ثنايا النص.

وهكذا نجد إن النص الإبداعي الحقيقي، لا يولد من حالة واحدة صافية، بل إنما يستولد من تداخل الحالات، وتصارعها. فالعكرة تمنحه العمق، والبهاء يمنحه القدرة على الوصول. فنجد إن العمق يغذي الفكرة والبهاء يصقلها، ويجعلها قابلة للانبعاث في وجدان القارئ، حيث يتشكل بينهما التوازن الدقيق، الذي يميز النص الناضج عن غيره.

وتجدر الإشارة إلى أن جاذبية النص الإبداعي تكمن في هذه الثنائية المتفاعلة، لاسيما وأن النص يجسد تقلبات مزاج الكاتب الوجدانية، ويعكس صدقه في حالة ضعفه، وقوته معا، في ابداع نص حي نابض، يحمل شيئا من معاناته، وأحلامه، والتي يتلمسها المتلقي في ثنايا كلمات النص، أثرا لتجليات عكرةٍ وجدانية، مر بها المبدع، أو بهاء تاق إليه، فيشعر المتلقي، عندئذ، بأن النص قد كتب له، أو عبر عن حسه.

وهكذا نجد إن النص الإبداعي، هو طريقة راقية لاحتضان اضطراب وجدان الكاتب، وتحويله إلى عنصر جمال جذاب، يمكن تلمسه بين عكرة المزاج وبهائه، حيث يولد النص الإبداعي، ككائن مزدوج، يجمع بين تداعيات الألم، والضياء، والعكرة والبهاء.

***

نايف عبوش

عندما يكتب عن كتابك في السيرة "غيمري.. كدتُ أصبح إماماً" كاتب ومترجم مرموق مثل الدكتور جودت هوشيار، فإن الأمر يتجاوز حدود القراءة العابرة أو الإشادة التقليدية. فالكتاب لا يكون أمام مراجعة عادية، بل أمام مرآة دقيقة تُعاد فيها صياغة نص الكاتب على يد قارئ محترف، يعرف كيف ينصت لما بين السطور، لا لما كُتب فيها فقط.

هوشيار لا يقرأ ليحكم، بل ليكشف. كأنه ينقّب في طبقات الذاكرة التي حاولتَ أن ترتّبها أو حتى أن تخفي بعض شقوقها. فهو يلتقط التفاصيل الصغيرة التي ظننتها عابرة، ويعيد وضعها في سياق يمنحها معنى أعمق، كأنها كانت تنتظر قارئاً مثله لتُولد من جديد.

في هذه اللحظة، تشعر أن سيرتك لم تعد ملكك وحدك. لقد أصبحت نصاً حيّاً يتنفس في وعي آخر، يتأملها بعين ناقدة، ولكن أيضاً بعين من يعرف ثقل التجربة الإنسانية وتعقيداتها. لا يجامل، لكنه لا يقسو؛ لا يبالغ، لكنه لا يبخس.

أن يكتب عنك كاتب مثله، هو نوع من الاعتراف غير المعلن: أنك كتبت ما يستحق التوقف عنده، وأن تجربتك لم تكن مجرد حكاية شخصية، بل جزء من سردية أوسع، تهم القارئ كما تهمك أنت.

وهكذا، لا تعود القراءة حدثاً عابراً، بل تصبح حواراً صامتاً بين كاتبين: أحدهما كتب الحياة كما عاشها، والآخر أعاد قراءتها كما فهمها.

وإليكم ما كتبه:

متعة السرد في «غيمري – كدتُ أصبح إمامًا"

جودت هوشيار

يُعدّ كتاب «غيمري – كدتُ أصبح إمامًا» للكاتب جورج منصور من السير الذاتية التي تمزج بين الاعتراف الشخصي والسرد الروائي، في تجربة قراءة آسرة تتجاوز حدود التوثيق إلى فضاء الحكي المشوّق. فالكتاب لا يكتفي بسرد وقائع من حياة الكاتب، بل يحوّلها إلى مادة سردية نابضة، تتداخل فيها الذاكرة مع التأمل، والواقع مع البعد الإنساني الأعمق.

ينطلق منصور من تجربة شخصية حساسة، تتمحور حول اقترابه من عالم ديني وثقافي مختلف، في منطقة «غيمري» ذات الدلالات التاريخية والروحية، حيث كاد – كما يشير العنوان – أن يسلك مسارًا مغايرًا تمامًا لحياته. هذا المنعطف يشكّل العمود الفقري للنص، ويمنحه توترًا داخليًا يجعل القارئ مشدودًا منذ الصفحات الأولى، إذ يتابع رحلة التحوّل الفكري والوجداني بشغف متصاعد.

تكمن جاذبية الكتاب في أسلوبه السلس وقدرته على بناء مشاهد حية تنبض بالتفاصيل. فالسرد هنا ليس تقريريًا، بل أقرب إلى رواية تتكشّف تدريجيًا، حيث يُحسن الكاتب توظيف الإيقاع والتشويق، فينتقل بالقارئ بين لحظات التأمل العميق والمواقف الدرامية التي تحمل مفارقات إنسانية لافتة. كما أن الصدق العاطفي في الطرح يعزّز هذا التأثير، ويجعل التجربة قريبة ومؤثرة.

ولا يقلّ البعد الثقافي أهمية عن الجانب الشخصي، إذ يقدّم الكتاب نافذة على عوالم فكرية ودينية قد تبدو بعيدة عن القارئ، لكنه ينجح في تقريبها من خلال لغة واضحة وحكايات مشوقة، مما يضفي على النص طابعًا استكشافيًا يزيد من متعته.

في المحصلة، يبرز «غيمري – كدتُ أصبح إمامًا» كسيرة ذاتية مشوّقة لا تُقرأ بوصفها سردًا لحياة فرد فحسب، بل كتجربة إنسانية غنية بالتحولات والأسئلة، تُبقي القارئ في حالة ترقّب دائم، وتمنحه متعة القراءة بقدر ما تثير فيه التفكير.

***

جورج منصور

 

الموت معبراً إلى المعنى

 تبدو "الرواية الغريبة" في النص الفرعوني للوهلة الأولى أسطورة موت وبعث، لكنها في العمق محاولة أولى لتدجين الفناء وتحويله من حادثة بيولوجية إلى بنية للمعنى. المصري القديم لم يكتب عن الموت بقدر ما كتب ضد الموت، فجعل من الكلمة جداراً يحاصر العدم. الزمن الدائري بديلاً للفناء الغريب في السرد الفرعوني أنه لا يعترف بالنهاية. أوزوريس يُقتل ويُقطع ثم يُجمع ويُبعث. رع يموت كل مساء ويولد كل فجر. هذا الإصرار على التكرار يكشف هاجساً فلسفياً مبكراً: الخوف ليس من الموت بل من اللاعودة. فابتكر الكاهن – الفيلسوف زمناً دائرياً، دورة لا تنكسر، يكون فيها القبر محطة لا مقبرة. وهكذا تحوّل الموت من انقطاع إلى طقس عبور، والجسد من جثة إلى مشروع خلود مؤجل. الكتابة سلاح ضد النسيان الرواية الفرعونية غريبة لأنها مكتوبة على الحجر داخل غرف مغلقة، لا تُقرأ للأحياء بل للموتى. هنا تنقلب وظيفة اللغة: لا تتواصل بل تحصّن. "نصوص الأهرام" و"كتاب الموتى" ليست أدباً بل تعاويذ قانونية يقدّمها الميت لمحكمة أوزوريس. الكلمة تصبح وثيقة هوية كونية. فالفلسفة الضمنية تقول: ما لم يُدوّن يُمحى، وما يُمحى لم يوجد. لذا فالمصري القديم هو أول من جعل الأرشيف شرطاً للوجود. الجسد كمعمار للروح الغريب أيضاً أن النص لا يزدري الجسد بل يقدسه. التحنيط ليس هوساً بالمادة، بل رهان فلسفي على أن الروح تحتاج بيتاً. الثنائية هنا ليست جسد/روح بل جسد/اسم/ظل/قرين. الإنسان شبكة من الكيانات، فإن انهار أحدها انهار الخلود. هذه النظرة المركّبة تسبق بقرون جدل الفلاسفة حول علاقة النفس بالبدن، وتضع الجسد في قلب الميتافيزيقا لا على هامشها. العدالة معياراً للخلود تكمن غرابة الرواية في مشهد "وزن القلب". لا طقوس ولا أنساب تنقذ الميت، بل ريشة ماعت. لأول مرة في التاريخ يُربط مصير ما بعد الموت بالأخلاق لا بالقرابين. الميزان يسبق الجنة. هذا الشرط الأخلاقي يجعل النص الفرعوني نصاً سياسياً مبطناً: الدولة التي تضبط ميزانها على الأرض تضمن خلودها، والحاكم الظالم ميت حتى لو كان في قصره. الخلاصة: فلسفة ضد العبث الرواية الفرعونية غريبة لأنها ترفض عبثية الوجود. الموت موجود لكنه مُروّض بالطقس، والزمن قاسٍ لكنه مُكسور بالدورة، والجسد فانٍ لكنه مُحصّن بالكتان والكلمة. إنها فلسفة عملية للخلاص الفردي والجماعي، صاغها مجتمع زراعي يرى النيل يموت ويحيا كل عام، فقرر أن الإنسان يستحق الدورة نفسها. ما يبدو لنا أسطورة كان لهم دستوراً وجودياً: أن تعيش يعني أن تترك أثراً لا تمحوه الريشة، وأن تموت يعني أن تبدأ مفاوضاتك مع الأبدية بنص مكتوب.

***

محمد البغدادي

جدلُ البصريين والكوفيين في بنية الدلالة العربية

تُعَدُّ "أل" من أدقِّ الأدوات في العربية، لا لكونها علامةً تعريفية فحسب، بل لأنها تُجسِّدُ مفترقَ طرقٍ بين مدرستين نحويتين كبيرتين: مدرسةِ البصرةِ التي تُحكِمُ الصناعةَ بضوابط القياس، ومدرسةِ الكوفةِ التي تُوسِّعُ أفقَ السماع وتُجيزُ ما شهد له الاستعمال. ومن هذا المفترق تتولَّدُ قضايا لغوية دقيقة، تتعلّق بوظيفة "أل" ومعناها، وبعلاقتها بالمشتقات، وبموقع "الآن" في النظام الزمني، وبالوزن الصرفي بوصفه مِعْياراً عند الكوفيين يقابل الإعراب عند البصريين.

أولاً: "أل" بين التعريف والموصولية

يرى البصريون، وعلى رأسهم سيبويه، أنّ "أل" حرفُ تعريفٍ محض، وظيفتُه إدخالُ الاسم في حيّز التعريف، لا غير. فهي عندهم أداةٌ دلالية تُكسِبُ الاسمَ خصوصيةً أو عهداً أو استغراقاً، لكنها لا تنهضُ مقامَ الأسماء الموصولة. ومن ثمّ لا يجيزون تفسير "أل" في نحو: الضاربُ زيدًا بمعنى "الذي ضرب زيدًا"، بل يعدّون "الضارب" اسمَ فاعلٍ مُعرَّفاُ بـ"أل" لا غير، وعلاقته بالفعل علاقة اشتقاق لا صلة موصول.

أما الكوفيون، ومنهم الفراء، فيرون أنّ "أل" قد تتجاوزُ التعريفَ إلى معنى الموصول، فتقوم مقام "الذي". وبذلك يفسّرون قولهم: مررتُ بالضاربِ زيداً على أنّ التقدير: "بالذي ضرب زيداً"، فجعلوا "أل" رابطةً بين المشتقّ وصلته، تُنشئُ بنيةً شبيهةً بالموصول الاسمي.

هذا الخلاف ليس شكلياً، بل يمسُّ جوهرَ النظر إلى اللغة:

فالبصريون يُحافظون على نقاء التقسيم بين الحروف والأسماء.

والكوفيون يوسّعون وظائف الأدوات وفق ما يتيحه الاستعمال.

ثانياً: "أل" الداخلة على المشتق: بين التمييز والتوصيل

يؤكّد المبرد، ممثّل الاتجاه البصري المتأخر، أنّ "أل" في المشتقات ليست إلا علامةَ تعريفٍ وتمييزٍ للاسم، تُخرجه من التنكير إلى التعيين، دون أن تُغيّر بنيته الاشتقاقية. فـ"الضارب" عنده اسمٌ باقٍ على اسميته، و"أل" لا تُنشئ فيه صلةً ولا تحتاج إلى عائد.

بينما يُصرّ الكوفيون على أنّ "أل" في هذا الموضع تُكسِب المشتقّ قوةَ الفعل، وتجعله أقرب إلى الجملة الفعلية المختزلة، حيث تتضمّن معنى الحدث والفاعل والمفعول، وهو ما يفسّر اتساعهم في إعمال اسم الفاعل والمعمولات.

ثالثاً: "أل" في "الآن": بين الزيادة والأصل

تُثير لفظة "الآن" إشكالاً دلالياً وصرفياً.

فالبصريون يميلون إلى اعتبار "أل" فيها زائدةً للتعريف، وأنّ أصل الكلمة "آن" بمعنى الوقت الحاضر، ثم أُدخلت عليها "أل" للتوكيد أو التعريف.

بينما يرى بعض الكوفيين أنّ "أل" فيها جزءٌ من بنيتها الدلالية، حتى كأنها تُثبّت اللحظة في الوجود، فتجعل "الآن" زمناً مُعيَّنًا لا يُتصوَّر انفكاكه عن الحضور.

ومن هنا يتجلّى الفرق بين المدرستين:

البصريون يُفسّرون بالبنية، والكوفيون يُفسّرون بالاستعمال.

رابعاً: الوزنُ عند الكوفيين والإعرابُ عند البصريين

من أعمق الفروق المنهجية أنّ الكوفيين يُعطون للوزن الصرفي منزلةً تقارب منزلة الإعراب عند البصريين. فالوزن عندهم ليس قالباً شكلياً فحسب، بل دليلٌ على المعنى والوظيفة. ومن هنا يتوسّعون في الاحتجاج بالشواهد الشعرية، كما في قول الفرزدق:

ما أنتَ بالحَكَمِ التُرضى حُكومَتُهُ

حيث تُقرأ "الحَكَم" بوصفها على وزنٍ يُكسبها دلالةً مخصوصة، ويُفسَّر دخول "أل" فيها على ضوء هذا الوزن الذي يُحدّد طبيعة الكلمة ووظيفتها.

أما البصريون، فيُقدّمون الإعراب بوصفه الحاكم الأعلى في تحديد المعاني، ويرون أنّ تغيّر الحركات هو الذي يُنتج الفروق الدلالية، لا مجرد الوزن.

خامساً: بين القياس والسماع: فلسفةُ الخلاف

يتجاوز الخلافُ حدودَ "أل" إلى رؤيةٍ أعمق للغة:

فالبصريون يُقيمون نظاماً منطقياً صارماً، يجعل اللغة نسقاً قابلاً للضبط.

والكوفيون يرونها كائناً حياً، يتّسع لما قاله العرب، ولو خرج عن القياس.

ومن هنا نفهم قولهم إنّ "الوزن عند الكوفيين كالإعراب عند البصريين": فكلُّ مدرسةٍ تتّخذ معياراً تُقيم عليه فهمها للغة، وتبني عليه أحكامها.

خاتمة: "أل" بوصفها أفقاً دلالياً

ليست "أل" حرفاً جامداً، بل أفقٌ دلاليٌّ يتّسع بين التعريف والتوصيل، بين الثبات والتحوّل. وفي الجدل بين البصريين والكوفيين تتجلّى عبقرية العربية: لغةٌ تُمسك بالمعنى من جهتين، جهةِ القياس وجهةِ الاستعمال، وتُبقي الباب مفتوحاً أمام التأويل.

وهكذا يغدو البحث في "أل" بحثاً في فلسفة اللغة ذاتها:

هل المعنى يُصاغ بالقواعد، أم يتخلّق في الاستعمال؟

وهل الحرف حدٌّ فاصل، أم جسرٌ بين الدلالات؟

ذلك سؤالٌ لم يُغلق منذ سيبويه حتى اليوم، وسيظلّ مفتوحاً ما بقيت العربية حيّةً تنبض بين نحوٍ يُقنّنها، وشعرٍ يُحرّرها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

كنتُ أكتب كلماتي لك كلما اشتقتُ إليك، كأن بيني وبينك موعدًا لا يهزمه الزمان ولا المكان، وكان البعد الذي حلّ بيننا ثابتًا لا يُخلفه الغياب، وكأن حروفي وحدها كانت الطريقة الوحيدة لأُبقيك قريبًا مني، ولو على أوراقي.

لكن هذه المرة.. مرّت أيام، وأُصيب قلمي بالشلل، فلم يعد يكتب. مرّت أيام أخرى، ولم يكن بيننا حديث، ولم أنتبه حتى أنني تأخرت.

لا أعرف إن كان هذا الصمت الذي أصابني، وأصاب قلمي، صدفة أم بداية شيء مختلف يتشكل في داخلي..

ربما بدأتُ أهدأ قليلًا، وأخفّ من ذلك التعلّق الذي كان يملؤني بك من كل اتجاه.

لم أعد أبحث عنك بين كلماتي،

ولا أفتّش في الوجوه عن ملامحك،

فقد تعلّمت أن بعض الغياب لا يُملأ،

وأن بعض الأشخاص لا يُعوَّضون.. بل يرحلون عن أفكارنا بالتعب، لا بالنسيان.

لم يعد حضورك يشغل أفكاري كما كان، ولم تعد التفاصيل الصغيرة التي كنت أفتّش عنها تستفز اشتياقي لك بنفس القوة.

أظنني بدأتُ أتخطّى.. ليس دفعة واحدة، بل على دفعات، مهلاً مهلاً، كأن قلبي يتعلم أن يتركك دون أن ينهار.

أصبحت أعود إلى نفسي أكثر، ألتفت لحياتي، وأفكر بنفسي أولًا.. وهذا جديد عليّ معك.

ومع ذلك.. لا أستطيع أن أقول إنك غبت تمامًا.

فما زلت تمرّ في بالي أحيانًا، بشكل أخف، كفكرة عابرة لها طعمها، لا تقيم طويلًا في روحي، لكنها تترك أثرها في الصمت.

أسمع همسات تشبه صوتك، أو أقرأ جملة تحمل شيئًا من كلامك، أو أرى صورة تحمل ملامحك، فأبتسم بهدوء.. ثم أستمر.

الغريب، يا صديقي، أنني لم أعد أركض خلف هذا الشعور كما كنت..

صار يزورني ثم يرحل مسرعًا، وأنا لا أتمسك به كثيرًا، وكأنني بدأت أفهم أنني أستحق أن أكون أهدأ من هذا الانتظار المميت.

ربما هذا هو التغيير الذي لم أكن ألاحظه..

أنت ما زلت في الذاكرة، لكنك لم تعد تسيطر على قلبي كما في السابق.

صار لك مكان أصغر، أهدأ، لا يوجعني كثيرًا.. لكنه لم يختفِ تمامًا.

إن قرأت كلماتي هذه يومًا..

فلتعلم أنني كنت صادقة معك دائمًا، وأنني أحببتك بطريقتي،

لكنني بدأت أيضًا أحب نفسي أكثر، وأتعلم أن أعود إليها خطوةً خطوة.

ما زلت أذكرك..

لكنني لم أعد أضيع فيك وفي ملامحك.

أنا لا أنساك..

لكنني لم أعد أملك رفاهية أن أحبك كما كنت..

فقلبي الذي كان يركض إليك، صار الآن بالكاد يقف على قدميه.

ذكرى البياتيلم اعد ابحث عنك بين كلماتي

كنتُ أكتب كلماتي لك كلما اشتقت لك، كأن بيني وبينك موعدًا لايهزمه الزمان والمكان والبعد الذي حل بيننا ثابتًا لا يُخلفه الغياب، وكأن حروفي وحدها كانت الطريقة الوحيدة لأُبقيك قريبًا مني ولو على اوراقي.

لكن هذه المرة.. مرت ايام وقلمي اصابه الشلل لم يعد يكتب، وعدة ايام ونحن لا حديث بيننا، ولم أنتبه حتى أنني تأخرت.

لا أعرف إن كان الصمت الذي أصابني وإصابة قلمي هذا صدفة أم بداية شيءٍ مختلف امتلكني بداخلي..

ربما بدأتُ أهدأ قليلًا، وأخف من ذلك التعلق الذي كان يملأني بك من كل اتجاه.

**

لم أعد أبحث عنك بين الكلماتي،

ولا أفتش في الوجوه عن ملامحك،

فقد تعلّمت أن بعض الغياب.. لا يُملأ،

وأن بعض الأشخاص، لا يعوضون.. بل يرحلون عن افكارنا بالتعب لا بالنسيان..

فلم يعد حضورك يشغل افكاري كما كان، ولم تعد التفاصيل الصغيرة التي كنت أفتش عنها تستفز اشتياقي لك بنفس القوة.

أظنني بدأت أتخطّى.. ليس دفعة واحدة، لكن على دفعات مهلا مهلا، كأن قلبي يتعلم أن يتركك دون أن ينهار.

أصبحت أعود لنفسي أكثر، ألتفت لحياتي، وأفكر بنفسي أنا أولًا.. وهذا جديد عليّ معك.

ومع ذلك.. لا أستطيع أن أقول إنك غبت تماما.

فما زلت تمرّ في بالي أحيانًا، بشكل أخف، كفكرة عابرة لها طعمها لا تقيم طويلًا في روحي لكنها تترك أثرها في الصمت.

أسمع همسات تشبه صوتك ، أو أقرأ جملة تحمل من كلامك أوصورة تحمل ملامحك، فأبتسم بهدوء.. ثم أستمر.

الغريب يا صديقي أنني لم أعد أركض خلف هذا الشعور كما كنت..

صار يزورني ثم يرحل مسرعا، وأنا لا أتمسك به كثيرًا، وكأنني بدأت أفهم أنني أستحق أن أكون أهدأ من هذا الانتظار المميت.

ربما هذا هو التغيير الذي لم أكن ألاحظه..

ولكنك انت ما زلت في الذاكرة، لكنك لم تعد تسيطر على القلبي كما قبل.

صار لك مكانك أصغر، أهدأ، لا يوجعني كثيرا.. لكنه لم يختفِي تماما.

إن قرأت كلماتي هذه يومًا..

فلتعرف أنني كنت صادقة معك دائمًا، وأنني أحببتك بطريقتي،

لكنني أيضا بدأت أحب نفسي أكثر، وأتعلم أن أعود إليها خطوة خطوة.

ما زلت أذكرك..

لكنني لم أعد أضيع فيك وفي ملامحك.

أنا لا أنساك..

لكنني لم أعد أملك رفاهية أن أحبّك كما كنت..

فقلبي الذي كان يركض إليك، صار الآن بالكاد يقف على قدميه..

***

ذكرى البياتي

 

يشهد الأدب المغربي المعاصر حيوية لافتة في مجال الرواية، حيث تتكاثر الإصدارات وتتعدد التجارب والأساليب، وتتشعب الموضوعات بين أسئلة الهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية والهجرة. غير أن هذه الغزارة الإبداعية لا تجد صداها بالقدر نفسه في مجال النقد الروائي، مما يخلق نوعًا من الاختلال بين الإنتاج والتلقي، ويدفع إلى التساؤل حول واقع النقد ووظيفته في هذا السياق الثقافي المتغير.

يبدو واضحًا أن كثيرًا من الروايات المغربية تصدر دون أن تحظى بقراءات نقدية معمقة تواكبها وتفكك بنياتها وتضيء رهاناتها الجمالية والفكرية. وغالبًا ما تُقابل هذه الأعمال بنصوص انطباعية سريعة أو تقديمات احتفالية تفتقر إلى التحليل المنهجي الصارم. كما أن عدد النقاد المتخصصين في الرواية يظل محدودًا، في وقت يتزايد فيه عدد الروائيين والنصوص، وهو ما يوسع الفجوة بين الإبداع والنقد. ويزداد الأمر تعقيدًا حين يتحول الخطاب النقدي الأكاديمي إلى خطاب مغلق لا يجد طريقه إلى القارئ العام، بينما يظل النقد الصحفي سطحيًا وموسميًا.

تتعمق هذه الأزمة أيضًا بسبب إشكالات منهجية، حيث يلاحظ تردد بين التمسك بمناهج تقليدية لم تعد قادرة على استيعاب تحولات السرد المعاصر، وبين استيراد نظريات نقدية غربية دون تكييفها مع خصوصية السياق المغربي. هذا التذبذب يحد من قدرة النقد على إنتاج أدوات تحليلية فعالة، ويجعل الكثير من القراءات تبدو منفصلة عن روح النصوص التي تحاول مقاربتها.

كما لا يمكن إغفال دور الوسائط الثقافية في هذه الأزمة، إذ تراجعت المجلات الأدبية المتخصصة، وقلّ حضور الصفحات الثقافية في الصحافة، واختفت تقريبًا البرامج الإعلامية التي تعنى بالنقد والكتاب. ورغم أن الفضاء الرقمي أتاح إمكانيات جديدة للنشر والتفاعل، فإن أغلب ما يُنشر فيه يظل أقرب إلى التعبير السريع والانطباعي، دون أن يرقى إلى مستوى التحليل النقدي العميق. في هذا السياق، يفقد النقد جزءًا كبيرًا من وظيفته كحلقة وصل بين النص والقارئ.

تنعكس هذه الوضعية أيضًا على طبيعة العلاقة بين الروائي والناقد، حيث تسود أحيانًا مشاعر الحذر أو التوجس، خاصة حين يكون النقد صارمًا. في المقابل، يميل بعض النقاد إلى المجاملة أو الصمت، وهو ما يضعف حيوية النقاش الأدبي ويحد من إمكانيات التطور والتجديد. ويؤدي هذا الوضع إلى نوع من القطيعة غير المعلنة، حيث يكتب الروائي بمعزل عن قراءة نقدية جادة، ويشتغل الناقد في دائرة ضيقة لا يتردد صداها في الفضاء الثقافي العام.

ورغم كل هذه الإكراهات، فإن هذه الوضعية تفتح أفقًا للتفكير في سبل إعادة الاعتبار للنقد الروائي، من خلال تشجيع القراءات التطبيقية المنطلقة من النصوص، والانفتاح الواعي على مقاربات متعددة، وتعزيز حضور النقد في الفضاء الرقمي بشكل أكثر عمقًا واحترافية، إلى جانب بناء علاقات صحية بين النقاد والروائيين قائمة على الحوار والتفاعل.

إن الرواية المغربية، وهي تواصل ترسيخ حضورها، تحتاج إلى مواكبة نقدية تليق بحيويتها، وتساهم في إبراز قيمتها الفنية والفكرية، وتساعد القارئ على الولوج إلى عوالمها المركبة. فالنقد يظل عنصرًا أساسيًا في دينامية الأدب، يرافقه ويغنيه ويوجه مسارات تلقيه، ويمنحه أبعادًا أعمق داخل المشهد الثقافي.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

 

المقدمة: لا يمكن الحديث عن الشعر العربي الحديث دون المرور باسم صلاح عبد الصبور، الشاعر الذي جمع بين الحداثة الفنية والعمق الإنساني، وجعل من قصيدته مرآة للوجدان العربي. لقد امتد تأثيره في مسار الشعر الحر، حيث نقل اللغة الشعرية من قيود التقليد إلى فضاءات أرحب تعبّر عن نبض الإنسان في مواجهة الحياة، وتجسّد آماله وآلامه في كلمات حية تبقى خالدة. في هذا المقال نسلّط الضوء على حياته، شعره، وأهم أعماله الأدبية التي جعلت منه علامة فارقة في الأدب العربي.

نبذة عن حياته

وُلد صلاح عبد الصبور في ٣ مايو ١٩٣١ بمدينة الزقازيق بمصر، ونشأ في أسرة تقدّر العلم والثقافة، ما مكّنه من صقل موهبته الشعرية منذ الصغر. التحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة وتخرج في قسم اللغة العربية عام ١٩٥١، وهو ما أسّس خلفية ثقافية غنية ساعدته على المزج بين التراث العربي والاتجاهات الحديثة.

بدأ مسيرته المهنية كمدرس للغة العربية، ثم انتقل إلى العمل الصحفي والأدبي، فعمل محررًا في مجلات مثل روز اليوسف وصباح الخير، ومحررًا أدبيًا في صحيفة الأهرام. فيما بعد تقلّد مناصب ثقافية مرموقة شملت نائب وزير الثقافة ورئيس الهيئة العامة للكتاب، حتى وافته المنية في ١٤ أغسطس ١٩٨١.

التجديد الشعري والهم الإنساني

يُعد ديوان الناس في بلادي أحد أهم أعماله، إذ يُعدّ نقطة البداية الحقيقية للشعر الحر في مصر، محرّرًا القصيدة من قيود الوزن والقافية التقليدية، وموفّرًا مجالًا واسعًا للتعبير عن صراع الإنسان وهمومه اليومية.

من أبرز ما يميّز شعره دمج الحس الوطني بالبعد الإنساني العميق، وجعل القضايا الفردية جزءًا من التجربة الجماعية، كما تظهر قدرته على تحويل الألم إلى لغة فنية تعبّر عن أمل الإنسان وتجدده. ومن شعره نقرأ

"نموت حتى نولد في الغد…

بلا موعد… بلا عنوان…

نموت حتى نعود أطفالًا

نرى النور في بزوغ الصبح"

تظهر هذه الكلمات الفلسفة الإنسانية في شعر عبد الصبور، حيث الموت ليس نهاية، بل بداية لتجدد الحياة.

"جنوب يا جنوب…

لوعة الوجدان

حكاية كل من عشقك

قبل أن يرى النور…"

هذه الأبيات تجسّد الانتماء للوطن والروح الجماعية التي تحاكي وجدان الشعب المصري، بما يعكس قدرة الشاعر على المزج بين الفردي والجماعي في نص شعري واحد.

"على أرض تشتهي المطر

وعلى قلب يشتهي الأمل…

يبقى الرجل واقفًا

يغني لليل…"

رمزية هذه الكلمات تُظهر الإنسان في مواجهة قسوة الحياة، مع الحفاظ على الأمل والصمود.

المسرح والكتابة النقدية

إلى جانب الشعر، كتب صلاح عبد الصبور نصوصًا مسرحية هامة مثل مأساة الحلاج، ليلى والمجنون، الأميرة تنتظر، وبعد أن يموت الملك، حيث مزج بين الشعر والدراما ليعالج موضوعات إنسانية وفلسفية.

كما أسهم في النقد الأدبي، وكتب مقالات تناولت الفن والشعر واللغة، مؤكدًا على أهمية الشعر كمرآة للواقع والوجدان.

الإنسان في شعره

من أبرز ما يُذكر في نقد شعر عبد الصبور، أنه لعب دورًا مركزيًا في تقديم الشعر كصوت للإنسان العادي الذي يعيش في عالم يتبدّل بلا رحمة، ويقدّم نصوصه عمقًا انسانيًا يناقش الأسئلة الكبرى حول الحياة، والوجود، والحرية، والمعنى.

كان عبد الصبور يرى أنّ الشعر هو التعبير الأصدق عن الذات وعمق الوجدان، وأن على الشاعر أن يقترب من واقع الإنسان نفسه، فيفرّق بين الحزن كحالة نفسية والوجع كدافع لخلق معنى جديد.

الخاتمة

يبقى صلاح عبد الصبور شاعرًا خالدًا في الأدب العربي، لأنه لم يكتفِ بجماليات اللغة، بل جعل من الشعر تجربة حياة، يصوغ من خلالها وجدان الإنسان وهمومه، ويجعل من الألم والأمل لغة مشتركة تعكس وجود الإنسان في عالم متغير. لقد أحدث عبد الصبور نقلة نوعية في الشعر العربي، فكان الصوت الذي جمع بين الحداثة، الإنسانية، والعمق الفلسفي، ليصبح مرجعًا حقيقيًا لكل من يبحث عن الشعر الذي يلامس الروح ويثير الفكر في الوقت ذاته.

***

بقلم: وفاء محمد يونس