عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

طفل.. طفل بحجم قطرة طل شقت سبيلها على خد الحياة، ريحانة قطفت قبل أن تورق.. وتركت الفراشات يتامى !

عمر أشبه برؤيا قبل آذان الفجر.. انطوى في ثمانين متراً من عتمة الأرض! أيها القدر: ما المسافة بين الضحكة والرحيل؟ هل فعلا قد لا تتجاوز خطوة كخطوة أيوب؟ وأن الفرح قد يُطوى تماماً كما تطوي ريح الخريف ورقة تشردت عن أخواتها في فيافي الأرض؟

يا جبا ابتلع البراءة! لو كنت تدري ما قساوة المشهد لردمت نفسك على نفسك قبل تلك الخطوة اللعينة التي غفل عنها أيوب.. امتدت إلى ثمانين مترا.. "أخياه عذرا خبزك لا زال تحت إبطي.. إن عدت بالشويهات مساء.. أحضن أمي ونم.. وتذكرني.. خبزك ما زال تحت إبطي.. !

 وأيدي آهالي القرية التي حفرت الصبر بالحديد، صارعت الزمن بأظافر الأمل! أربعة أيام كانت دهراً سحيقا ، دعوات الأمهات والرجال والصبيان.. أدرع ممتدة الى كبد السماء كاغصان اشجار عارية.. عل طفلا يعود إلى أمه!

أيوب قد رحل.. رحل وحيداً.. لا.. لا ليس وحيدا شيعه دفء الحكايات وصوت أمه وذمعة أبيه الذي لم تفارق ذاكرته حتى في عتمة الجب.. !

هو الآن حيث لا آبار، ولا ظلام، ولا انتظار.. طائر الجنة!

وبقي الصدى.. صدى صبي أسمر الوجه، يمضي في المساء بلفافة الخبز الدافئة، باسماً، نحو أبدية لا تعرف القاع.. !

وداعا أيوب!

***

الداودي الخالدي/المغرب

 

عبر الكتب الأكثر مبيعاً في التاريخ

منذ أن تعلم الإنسان تدوين أفكاره، ظل الكتاب هو الوعاء الأوفى لحضارته، والنافذة التي يطل منها على عوالم لم يزرها، وأزمنة لم يعشها. إن البحث عن الكتب الأكثر مبيعاً ليس مجرد بحث في لغة الأرقام والإحصائيات، بل هو غوص في وجدان الشعوب وتتبع لاهتمامات العقل البشري وتطور ذائقته الأدبية والفكرية عبر القرون.

الركائز الروحية: السيادة للكتب الدينية

تصدرت الكتب الدينية قائمة المبيعات والانتشار تاريخياً، فهي لم تكن مجرد كتب للقراءة، بل دساتير حياة ومنطلقات عقائدية لملايين البشر. يتربع [الإنجيل] على قمة الهرم التاريخي بأكثر من 5 مليارات نسخة، تلاه [القرآن الكريم] الذي تجاوز حاجز الـ 3 مليارات نسخة. هذه الأرقام الضخمة تعكس الدور المحوري للدين في تشكيل الهوية الإنسانية وتوجيه السلوك البشري عبر العصور.

عصر الرواية: الخيال الذي حكم العالم

بعيداً عن الكتب السماوية، نجد أن الأدب الروائي قد استأثر بحصة الأسد من شغف القراء. وتعتبر رواية (دون كيخوتة) للإسباني ميغيل دي ثيربانتس ظاهرة استثنائية، حيث تُقدر مبيعاتها بنحو 500 مليون نسخة، وهي الرواية التي سخرت من أوهام الفروسية لترسخ مفهوم الرواية الحديثة.

وفي سياق متصل بالواقعية الاجتماعية والتاريخية، تأتي رواية (قصة مدينتين) لتشارلز ديكنز، التي بيعت منها 200 مليون نسخة. لم تكن مجرد سرد لأحداث الثورة الفرنسية، بل كانت صرخة ضد القمع والظلم الاجتماعي، مما جعلها المادة الأدبية الأكثر تدريساً في المدارس العالمية، وخصوصاً في الولايات المتحدة.

عوالم الفانتازيا والأسطورة

أثبتت المبيعات أن الإنسان يميل غريزياً إلى الهروب نحو العوالم الخيالية. وهنا تبرز عبقرية ج.ر.ر تولكين في ملحمته (سيد الخواتم) التي تجاوزت مبيعاتها 150 مليون نسخة، وروايته الأخرى (الهوبيت) التي تخطت 100 مليون نسخة. هذه الأعمال لم تكن قصصاً عابرة، بل كانت بناءً متكاملاً للغات وثقافات وأجناس خيالية، ألهمت السينما وأجيالاً من الكُتاب. ولا يمكننا إغفال ظاهرة (هاري بوتر) للكاتبة ج.ك رولينج، حيث حقق الجزء الأول (حجر الفيلسوف) 120 مليون نسخة، بينما تجاوزت السلسلة كاملة 500 مليون نسخة، مما أعاد الاعتبار لأدب الطفل والناشئة في العصر الحديث.

الفلسفة، الغموض، والروحانيات

تنوعت اهتمامات القراء لتشمل الفلسفة الرمزية كما في (الأمير الصغير) لأنطوان دو سانت أكزوبيري 140 مليون نسخة، التي قدمت حكماً عميقة على لسان طفل من كوكب آخر. وفي عالم الجريمة والغموض، تألقت أجاثا كريستي بروايتها (ثم لم يبق أحد) التي بيعت منها 100 مليون نسخة، لتثبت أن الإثارة الذهنية مطلب دائم للقارئ.

أما في العصر الحديث، فقد استطاع دان براون برواية (شفرة دافنشي) 80 مليون نسخة أن يمزج بين الفن والتاريخ والمؤامرة، بينما لمس باولو كويلو شغاف الروح في روايته (الخيميائي) 65 مليون نسخة التي تدعو لاتباع الأحلام. ومن الشرق، فرضت الرواية الصينية الكلاسيكية (حلم الغرفة الحمراء) نفسها كواحدة من أكثر الكتب مبيعاً بـ 100 مليون نسخة، موثقةً حياة المجتمع الصيني بدقة متناهية.

لماذا نقرأ هذه الكتب؟

إن القاسم المشترك بين هذه العناوين، رغم اختلاف مشاربها من (الحرب والسلام) لتولستوي إلى (الجمال الأسود) لآن سويل، هو قدرتها على ملامسة جوهر التجربة الإنسانية. سواء كان ذلك عبر معالجة قضايا المراهقة كما في (الحارس في حقل الشوفان)، أو عبر تقديم مغامرات ملحمية في أدغال أفريقيا كما في رواية (هي) لهنري رايدر.

في الختام، إن هذه القائمة ليست مجرد أرقام تجارية، بل هي خريطة تدلنا على ما يشغل بال البشرية: البحث عن العدالة، الهروب إلى الخيال، فهم الذات، والبحث عن المعنى. ويبقى القارئ هو الحكم الأول والأخير، فهو الذي يمنح الكتاب حياته واستمراريته، ليظل الكتاب، مهما تطورت التكنولوجيا، هو الصديق الذي لا يمل، والكنز الذي لا ينضب.

***

رمزي ميركاني

من سواحل البحر الأبيض المتوسط الدافئة إلى خط القطب الشمالي. لم اعد اعرف المرات التي كتبت فيها وانا أطوف سابحا في الطائرة على السحب البيضاء وأشاهد المدن كانّها مصابيح تزين الثرى. الأجمل هنا وأنت جالس في الطائرة تراقب في هذا الصباح وترى في الأفق خطا برتقاليا يتحول إلى حمرة دقيقة بدقيقة إيذانا بشروق الشمس، التي اعشقها لتنير المعمورة إيذانا بولادة يوم جديد.

إيلاف صيف ٢٠٢٦ انتهى واترك الأندلس على أمل العودة في الشتاء القادم وعلى عادتي كل عام.الصعوبة في السفر تحدث مع إجراءات السفر بصورة عامة ولكن مواطني الاتحاد الأوربي لا يعانون الكثير من تلك الإجراءات. أعاني صعوبة في السفريات التي أقوم بها في الصباح الباكر لأني أحب النوم في الصباحي. السلوك البشري في السفر يختلف كثيرا عن الحالة الطبيعية والعديدين يعيشون في حالة توتر وغضب وآخرون يفقدون السيطرة على حركاتهم ويتشتت أفكارهم.

ان أجمل ما في مدن الأندلس انك تعيش مع التاريخ جنبا إلى جنب مع مظاهر الحياة العصرية فكل مدنها متاحف طبيعية بأحيائها التاريخية القديمة ودور العبادة والقصور والحصن التي تركها المسلمون في فترة حكمهم للبلاد خلال اكثر من ثمانية قرون. الجميل بان رغم المآسي التي مرت على البلاد إلا ان معظم تلك الآثار لا تزال شاخصة في قصور امثال القصر الحمراء في غرناطة وقصر المعتمد بن العباد في أشبيلية والجامع الأموي الكبير في قرطبة وأماكن آثارية كثيرة. زيارتي هذا الصيف كانت حافلة بزيارة العديد من المدن والقصبات القريبة من مكان اقامتي في مدينة ملقا وهنا اود ان انقل للقارئ الكريم بعض ما شاهدته في تلكً الأماكن وانا أتنزه مع اخي الذي رافقني هذا العام فنحن أصدقاء ودرسنا وسكنا معا في الجامعة ولدينا العديد من الذكريات المشتركة وهذا أضاف نكهة مختلفة لهذا اللقاء. المدينة التي اود ان أتحدث لكمً عنها تسمى ستي نيل وهي قريبة نوعا ما عن مدينة ملقا وتقع في إقليم الأندلس والطريق معبد وجميل جدا مليء بالأشجار والغابات الفواكه وخاصة أشجار الزيتون والتي تشتهر بها الأندلس.3229 tawfiq

"لم يكن العيش على الحدود التي تفصل مملكة بني نصر عن مملكة قشتالة بالأمر الهين على مدينة ستي نيل، الذي كان مثالاً للمقاومة والنضال عبر تاريخه.

لقد عشتُ تلك الحقبة. ثلاثة أشهرٍ حاسمةٍ في عام ١٤٨٤، ما قبل المعركة، وأثناءها، وما بعدها، تلك المعركة التي أسقطت مدينة سيتًىً نيل المنيعة. كانت المدافع وقذائف الهاون تضرب المدينة، إلى جانب اثني عشر ألف رجلٍ مسلح في مواجهة ألف روحٍ بالكاد تتمسك بإيمانها. فقدتُ جزءًا من حياتي، أيامًا، ودَمَى الزمن جراح قلبي. ألقيتُ الحبل الذي أنهى الحصار. كنتُ مسيحيًا ذات يوم، كنتُ موريًا ذات يوم، واليوم أتجول بلا هدفٍ في عالمٍ مختلف. لم يكن ذلك ليحدث."3230 tawfiq

بيدرو رامالو، بطل رواية "Setenil 1484"

مدينة تعيش سكانها في بيوت نحتت في الصخر، معجزة الإنسان أندلسي ومن عصر الموحدين. وتأتي أصل التسمية حسب إحدى الروايات من اللاتينية (Septem nihil) أي "سبع مرات لا"، وتردد أنها تعبير عن 7 محاولات فاشلة للجيوش المسيحية لاقتحامها في العصر الإسلامي قبل سقوطها النهائي لاحقا. أما "بودوجاس" فجاءت لاحقة للاسم بسبب مزارع الكروم وإنتاج الخمور والتي تشتهر بها المنطقة في العصر المسيحي.

بالقرب من هذه المدينة هناك مدينة اخرى تسمى روندا. قال فيها الشاعر ابو البقاء الراوندي؛

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ

فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ

*

هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ

مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ

*

وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ

ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ3231 tawfiq

هذه هي مدينة فوق الجبل رواندا انها مدينةً الشاعر ابو البقاء الراوندي والذي بدات بأبياته هذه المادة. المدينة بأكملها فوق قمةً جبل ويمكن مشاهدة الوادي من الجسر الذي يربط طرفي المدينة وفيها حديقة غناء جميلة جدا زارها الكاتب الشهير ارنست همانغواي وصاحب الشيخ والبحر ولمن تدق الأجراس أحب المدينة وخلد بتمثال تذكاري له لتقديره الكبير لتاريخ المدينة. سأكتب تقريرا مفصلا عن مدن الأندلس لاحقا واكتفي بهذه المدينتين في مادتي هذا.

بعد ايام يتمكن المواطن السويدي من إدلاء بصوته في الانتخابات النيابية واختيار الحزب الذي يود ان يترجم برنامجه الانتخابي إلى واقع ومع الموجة القومية السلبية والتي تجتاح أوربا اليوم لا ارى الكثير من الضوء في نهاية النفق.

هنا يعلن كابتن الطائرة بقرب هبوط الطائرة وان درجة الحرارة لا تتعدى ٢٤ درجة مئوية واهلا بكم في الوطن.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي

من على متن طائرة الخطوط الملكية النرويجية

٢٠٢٦

في ذاك الكافيه الذي دخلته للمرة الأولى، كان ثمة شيءٌ ما يجذبني إليه دون أن أعرف السبب... وحين دخلته، شعرت أن روحي قد سكنت فجأة، بينما كانت دقات قلبي تتسارع وكأنها تستقبل شيئًا تعرفه قبل أن تراه.

كنت بالقرب من ضفاف النيل، وحينها هدأت دقات قلبي شيئًا فشيئًا، وطربت روحي مع أغنية «دارت الأيام» لسيدة الغناء العربي، وكأن الأغنية كانت تعرف شيئًا عن تلك اللحظة أكثر مني.

وفي خضم ذلك الهدوء، سمعت صوتًا جعل الفضول يأمر عيناي أن تبحثا عن عينيك.

كان في كلماتك نبرة الصعيد، وفي حضورك شيء من الهيبة التي تُهاب، فاستيقظت في ذاكرتي صورة قديمة...

أنتَ من كنتَ معي في ساحة المطار!

لحظة صغيرة، ربما لم تكن تعني لك شيئًا، لكنها بالنسبة لي كانت بداية حكاية لم أكن أعرف أنها ستأخذ كل هذا المكان في ذاكرتي.

بدأت قصتي معك بنظرة وكلمة بسيطة، ثم تحولت مع الأيام إلى مشاعر عميقة.

في البداية كانت النظرات والكلمات بيننا عابرة؛ كلمتين أو ثلاثًا، لا شيء معقد، ولا شيء يوحي بأن خلفها حكاية طويلة. كان كل شيء عابرًا في أرواحنا، حديثًا يتنقل بيننا كالريح، يأتي ثم يمضي دون أن نلتفت إليه.

لكنني لم أكن أعرف أن تلك الكلمات الصغيرة كانت بذورًا ستنبت في داخلي يومًا بعد يوم، وأنها ستكبر بشكل يفوق ما كنت أتوقع.

كان كل شيء يبدو بسيطًا في البداية، لكن مع مرور الوقت بدأت تلك النظرات والكلمات تتحول إلى مشاعر أعمق... مشاعر كانت تملأ قلبي شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت جزءًا مني، جزءًا لا أستطيع تجاهله، ولا أعرف كيف أهرب منه.

ولعل الغريب في الحكايات الجميلة أنها لا تخبرنا متى تبدأ، ولا متى تصبح شيئًا يسكننا.

فربما تبدأ بنظرة لا نلقي لها بالًا، وبكلمة عابرة لا نحفظها، ثم نجد أنفسنا بعد زمن نبحث عن تلك النظرة، ونستعيد تلك الكلمة، ونسأل بصمت: كيف استطاعت لحظة صغيرة أن تكبر فينا إلى هذا الحد؟

تعالَ أنا وأنتَ نخترع أبجدية جديدة...

أبجدية لا يعرفها سوانا، نكتب فيها ما عجزت الكلمات القديمة عن قوله، فيها أزفُّ إليك اشتياقي، وأغلف بها حنيني الدائم لعينيك وللنيل.

أبجدية أرتل فيها أحرف اسمك، وأعطرها بمياه النيل، كما لو أنني أتصفح كتابًا مقدسًا؛ كلما مررت باسمك بين صفحاته، غمرني شعور بالطمأنينة، وكأنه لحنٌ من ألحان عبد الوهاب، يأتي من بعيد فيوقظ في الروح شيئًا نام طويلًا.

لقد ضاقت الأحرف والكلمات في أسفل حنجرتي، وتعثرت اللغة على عتبات البوح...

أما من لغة أجد فيها ما تعثر به اللسان؟

أما من كلمة تستطيع أن تحمل كل هذا الحنين دون أن تسقط من ثقل الشعور؟

وكلماتي... أما من قصيدة تُكتب وتُبعث إليك، ولو حملت بين أبياتها قليلًا من اشتياق قلبي؟

أما من رشفة أمل ألتقيها بالقرب منك، فأخبر النيل أنني ما زلت أبحث بين موجه وهدوئه عن لحظة تجمعني بك؟

فأنا، رغم المسافات، ما زلت أترك شيئًا مني هناك...

على ضفاف النيل.

هناك حيث بدأت الحكاية بنظرة، وكلمة، وصوتٍ جاء من بعيد...

وهناك حيث ما زالت روحي، كلما سمعت أغنية، أو مرّ طيف النيل في ذاكرتي، تعود إلى تلك اللحظة الأولى، وكأن الزمن لم يمضِ.

وما زلتُ هائمةً على ضفاف النيل، لا أبحث عن شيء سوى لقياك...

لعلّ النيل يعرف الطريق إليك، ولعلّ الموج يحمل إليك يومًا رسالةً كتبتها روحي قبل أن تكتبها يداي.

***

ذكرى البياتي

في السنوات الأخيرة من عمري، بعد أن تجاوزت الستين ونيف، بدأت أستيقظ قبل شروق الشمس كما لو أن جسدي ما زال يتذكر موعدا قديما لم يعد له صاحب.

أفتح عيني في الظلام، فأرى السقف أولا، ثم أسمع الصمت وهو يتحرك في الغرفة.

كان الصباح في السابق يعني شيئا. يعني أن أنهض، أغسل وجهي، أعد الشاي، وأجلس إلى الطاولة لأكتب.

أما الآن، فقد صار الصباح يصل إلي، ولا أعرف ماذا أفعل به. أبقى مستلقيا. ساعة. ثم ساعتين. وأحيانا أكثر. أنظر إلى رفوف الكتب المقابلة للسرير، فأشعر أنها تنظر إلي أيضا. صفوف طويلة من الكتب التي جمعتها طوال سنوات عمري، بعضها اشتريته بحماس، وبعضها وصل إلي مصادفة، وبعضها كنت أعتقد أنني سأحتاج إليه يوما ما. ذلك اليوم الذي لم يأت.

أحيانا أتخيل أن أنهض فجأة، أفتح باب الغرفة، أحمل الكتب كلها إلى مرآب البيت، أسكب عليها النفط، وأشعل فيها النار. فأرى الدخان يتصاعد من بين الصفحات.

ويعجبني، في تلك اللحظة المتخيلة، أن أرى الكلمات وهي تتحول إلى رماد. لكنني لم أكن أعرف: هل كنت أريد إحراق الكتب، أم إحراق السنوات التي قضيتها وأنا أعتقد أن الكتابة والقراءة يمكن أن تنقذا شيئا؟.

قبل يومين، فعلت شيئا أقل بطولة من الحريق وأكثر قسوة منه.

نهضت. وقفت أمام الرف الأول، ومددت يدي إلى كتاب. تصفحته . ثم أعدته.

أمسكت بآخر. لم أتذكر لماذا احتفظت به. سحبته. ثم آخر. ثم آخر.

بدأت الكتب تسقط على الأرض، الواحد بعد الآخر، والغبار يتصاعد منها مثل أرواح صغيرة أفزعتها اليقظة بعد نوم طويل.

لم أهتم بالغبار. كنت أريد أن أرى الرفوف وهي تخف. كان هناك نوع من الحساب يجري أمامي. هذا الكتاب لا ضرورة له. وهذا أيضا. أما هذا، فقد انتهى دوره منذ زمن. وهذا لم يكن له دور أصلا.

بعد قليل، صار على الأرض كومة كبيرة. وحين رفعت رأسي، رأيت الفراغ الذي تركته الكتب على الرفوف.

شعرت بشيء غريب. تنفست. للمرة الأولى منذ زمن، شعرت أن الهواء يدخل إلى صدري من دون أن يصطدم بشيء.

جلست على الأرض.

أخذت كتابا من الكومة.

مزقت غلافه.

ثم مزقت الصفحة الأولى.

ثم الثانية.

وجدت الأمر أسهل مما توقعت. كانت الصفحات تتمزق بصوت خافت، صوت يشبه احتكاك ورقة بشيء ميت. واصلت حتى صار الكتاب كتلة من القصاصات البيضاء.

لم أكن أمزق الكتاب لأنه رديء، بالضرورة. كنت أمزقه لأنه، في نظري، لم يعد يستحق أن يصل إلى يد أخرى. كانت تلك هي الفكرة التي لم أستطع التخلص منها. لا أريد لهذا الكتاب أن يجد قارئا آخر. لا أريد لشخص، بعد سنوات، أن يفتحه، فيظن أن بين صفحاته شيئا يستحق البقاء.

ربما كنت أتصرف كحارس غاضب لمكتبة انتهى زمنها.

وربما كنت أعاقب الكتب لأنها بقيت، بينما تغير صاحبها.

مزقت أكثر من خمسين كتابا.

وضعتها في كيسين من النايلون. خرجت بهما إلى حاوية النفايات خارج البيت.

كان الصباح قد أصبح أكثر وضوحا. رأيت رجلا يمر في الشارع، فخفضت رأسي قليلا، كأنني أخفي شيئا. لم يكن هناك ما أخفيه. مجرد كتب ممزقة.

في اليوم التالي فعلت الشيء نفسه.

وفي اليوم الثالث أيضا.

وبعدها بدأت الغرفة تتغير. لم تتغير الجدران، ولم تتسع النافذة، ولم يتحرك السرير من مكانه، لكنني شعرت بأنها أصبحت أكبر. كان هناك فراغ جديد. فراغ يمكن التنفس فيه. الرفوف نفسها بدت أخف. والهواء أنقى. ومع ذلك، لم يتغير شيء في الصباح. كنت ما زلت أستيقظ قبل الشمس. وما زلت أحدق في السقف. وما زلت لا أرغب في الكتابة.

اكتشفت أنني لم أكن أكره الكتب. كنت أكره ما تذكرني به. كل كتاب كان يحمل معه نسخة قديمة مني؛ الرجل الذي كان يعتقد أن عليه أن يقرأ، وأن يكتب، وأن يترك وراءه شيئا. الرجل الذي كان ينهض باكرا لأنه يخشى أن يضيع عليه يوم كامل من الكتابة. أما الآن، فقد صرت أخشى شيئا آخر:أن يبدأ اليوم.

ومع ذلك، بين فترة وأخرى، يحدث أمر لا أفهمه. أمد يدي إلى القلم. أكتب جملة. ثم جملة أخرى. فأشعر، فجأة، بأن شيئا ما يتحرك في داخلي، شيئا صغيرا، يكاد لا يرى، لكنه موجود. أواصل الكتابة قليلا. وعندما أتوقف، أشعر براحة لا أستطيع تفسيرها. كأنني، لبضع دقائق، كنت شخصا آخر. ولأنني لا أعرف كيف أشكر ذلك الشخص، أذهب إلى المطبخ. أملأ إبريق الشاي بالماء من الصنبور. أضعه على الطباخ. أشعل النار. ثم أنتظر.

أراقب الماء وهو يبدأ بالارتجاف داخل الإبريق. وأفكر، للمرة الأولى في ذلك الصباح، أنني ربما لم أكن أمزق الكتب كي أتخلص من الكتابة. ربما كنت أمزقها لكي أجد بينها، في مكان ما، كتابا واحدا لم أكتبه بعد.

***

مروان ياسين الدليمي

ظلٌت أمٌه في كل عيد إضحى تجمع له من الأقرباء سبعة ألسن ليأكلها على بركة اللّه مع الأمل أن تحُلَّ الألسن السّبعة عُقدة لسانه ولكن وبعد أن عادت أعياد عديدة ثم مضت ولا جديدٌ اِستسلمت الأمّ إلى القضاء والقدر يائسة حينا راجية أحيانا فما نفعت تلك الألسن السّبعة لسانَ ولدِها الوكواكِ بشيء

(2)

في حيّ الغُبار والشّمس وعلى مشارف صحراء الجنوب يُخبّئ الولد لسانه الثقيل عن الناس فلا يشارك في الكلام بينهم بل كان يكتفي بالبسمة مرة وبإشارة الرأس مرّة وبضرب الرِّجْل على الأرض تعبيرًا عن المكان القريب او برفع اليد إلى الأمام مشيرا بإصبعه كناية عن المكان البعيد... هكذا تعلم الولد الصّمت والإنصات واِستغنى بقليل الكلام اليسير عن كثيره العسير وآمن بالطّبع أن البلاغة في الإيجاز فتجنّب ـ والحمد الله ـ الثرثرة ورُبّ ضارّة نافعة

(3)

وكان ذلك اليومُ العظيم وما أدراك ما ذلك اليومُ ! يومُ الدّخول إلى المدرسة فزاد لسانُ الولد ثِقَلا على ثِقَل وها هو يُزَحزحُه في فمه بين فكّيه يَمنةً ويَسرةً وأسفل وأعلى فلا يَقدر على الرٌاء والظاء والدّال وقد يسُدّ لسانه عليه الهواء إن هو حاول في الحلق إخراج القاف من الأعماق أمّا عندما تهُمّ به الباءُ أو التاء أو الفاءُ فإنّ الدّنيا تنسَدُّ عليه وما أدراك ما التأتأة التي يعقبها البكاءُ يُطفئ به جمرةً في القلب

(4)

الولدُ الذي جلس في الشّمس

ونام في المغارات

مازال يجلس فى الصّمت

يقف في القلق

يُراقب جدرانا مُشقّقة

وحوافر مفلّلة

وفوارس مُثخنة

وهوادج ...بلا زغردة

فالولد حزين حزين

جفّت بسمتهُ

كالطّين

(5)

معَ سيلان أعوام العمر بالصّبر والعذاب وبالمُجاهدة صارت الأبجدية سَلِسَلة على لسانه ...نعم إنٌ سيزيف أوصل هذه المرّة الصّخرة إلى القمّة ولم تتدحرج كالعادة نحو السّفح فجَرى الكلامُ على لسانه طَيّعا يدعُوه فيستجيب له ولكنّه اليومَ حينما يسقط حرفٌ من نصّه أو حينما تحتجب جريدة من الجرائد أو حينما يُمنع كتاب من الكتب فإن تلك الحالة القديمة تعود إليه فيثقل لسانه كما كان وتتعسّر الحروف وتضطرب في كلامه حتى يكاد يختنق فيتأكّد أنّه ليس وحده الذي لم يستطيع إبلاغ صوته ....نعم ليس وحدَه الوكواك !؟

***

سُوف عبيد - تونس

لا أتذكر متى بدأت علاقتي مع القلم، فمنذ وعيت وهو رفيق رحلتي. في المرحلة المتوسطة، أتذكر أن التعبير كان من أقرب المواد إلى قلبي، رغم ميولي العلمية التي كانت تتيه بين الأرقام، وتنغمس في قوانين الفيزياء، ولا تشعر بالوقت وهي تحلل وتستنبط. وكنت، حين تواجهني معادلة مستعصية، أظل ألاحقها ليالي وأيامًا حتى أصل إلى حل يرضيني، أو إلى تحليل مقنع لعقلية فتاة في صباها، معتدة بذكائها وشغفها للعلم.

لكنني كنت أجد في التعبير شيئًا آخر؛ كان يأخذني إلى متاهات المشاعر، فأغوص في الحدث أو الموقف حتى أستجلي ما وراءه، كباحث تأخذه الساعات في مختبره، يجرب ويكتشف المستور، أو كمبضع جراح دقيق يعرف أين يضع مشرطه حتى يصل إلى أصل الداء.

مرت الأعوام، وبقي القلم صديق مراهقتي، حافظ أسراري ومكنونات نفسي، وأسئلتي التي لم تكن تواتيها الشجاعة إلا حين أمسك به.

كنت امتلك كمية لا يستهان بها من الدفاتر التي تخلصت منها في كبري، وأنا صاحبة هوس بـ«في التخلي تجلّي». تلك التي تحتضن خواطري، والأحلام التي تعشش في مخيلتي، والقصص الكثيرة التي كنت أرجو أن أولد من بعدها روائية يُشار إليها بالبنان. ثم كبرت، ودرست القواعد والأدب  والنقد، وأصبحت بعض تلك المحاولات القديمة مثار سخريتي وحنيني في آن واحد.

أما التساؤلات، فلم أتخلص منها.

كبرت بها ومن خلالها رحلة قراءاتي، وتنقلت من كتاب إلى آخر بحثًا عن إجابة أو عن سؤال أكثر عمقًا. حينًا تشدني الكتب العقدية، وأحيانًا يأخذني السؤال إلى الفلسفة علني أجد راحتي، وتارة أرتمي بين أحضان الروايات العربية والعالمية.

وهكذا بقي القلم رفيقي الوفي، دون أن أفكر طويلًا في دوره، أو فيما كان يفعله بي طوال هذه الأعوام.

لم يكن القلم هواية أمارسها متى أشاء، ولا ترفًا فكريًا يأخذني إلى عالم الثقافة والفنون، بل كان يكبر معي، وتنضج تجربتي من خلاله.

لا أعلم ماذا يحدث لي حين أمسك القلم.

كل حرف يبدو حيًا، يتنفس أعماقي. تمتزج مادته بجروحي، وتتخلل آلامي وقفاته وحركاته، وكأن أعاصير تجتاح روحي، ثم تنكسر أمواجها المتلاطمة على شواطئه، مخلفة خدرًا لذيذًا وسكينة بحجم الكون.

قد يكون قاسيًا أحيانًا، يعري هشاشتي وضعفي اللذين أحاول مرارًا الاختباء منهما، لكنه يعيدني بعد ذلك أكثر تحررًا، وأكثر قدرة على النظر إلى ما يؤلمني دون أن أهرب منه.

ألجأ إليه حائرة، تائهة، وقد كسر الفقد ألف جدار وجدار كانت قوتي ومصدر إلهامي. وحين تبدأ الحروف في الانهمار منه، أشعر كما لو أن السماء تتخفف بالمطر من ثقل سحبها؛ ثم تصفو، فأستطيع أن أرى الحكاية بوضوح أكبر، وكأنها اكتملت فصولها.

ربما لهذا لم تعد الكتابة بالنسبة إليّ مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبحت وسيلة للفهم، والتشافي .

وهنا تلتقي تجربتي الشخصية مع ما حاول علم النفس أن يفهمه منذ عقود.

فقد ارتبط اسم عالم النفس جيمس بينيبيكر بأبحاث واسعة حول الكتابة التعبيرية، التي تقوم على إتاحة المجال للفرد للكتابة عن تجاربه الصعبة ومشاعره وأفكاره المرتبطة بها. وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن هذا النوع من الكتابة يمكن أن يساعد في معالجة التجربة والتخفيف من بعض مظاهر الضيق النفسي، وإن كانت النتائج البحثية ليست متطابقة، وتأثير الكتابة يختلف من شخص إلى آخر. 

والفكرة الأكثر أهمية ليست أن الكتابة تمحو الألم، وإنما قد تمنحنا مسافة عنه، وتساعدنا على فهمه، وإعادة النظر في معناه.

وهذا قريب مما يحدث في بعض ممارسات العلاج المعرفي السلوكي؛ إذ تُستخدم الكتابة لمراقبة الأفكار والمشاعر والمواقف، ثم فحصها وإعادة تقييمها بدل أن تبقى تدور في الذهن وكأنها حقائق مكتملة.

حين أكتب، أستطيع أن أسأل:

ماذا حدث فعلًا؟

ماذا شعرت؟

ماذا قلت لنفسي حين حدث ذلك؟

لماذا آذاني هذا الموقف إلى هذا الحد؟

وهل ما أعتقده الآن هو الحقيقة الوحيدة الممكنة؟

حين تصبح الأفكار مكتوبة أمامنا، قد يصبح من الأسهل مراقبتها بدل الانقياد لها.

ومن هنا ظهرت تطبيقات متعددة للكتابة في المجال النفسي، من اليوميات والتسجيل الذاتي إلى الكتابة التعبيرية الموجهة، حيث لا يكتفي الإنسان بسرد ما حدث، وإنما يحاول أن يقترب من تجربته بأسئلة أكثر عمقًا:

ما الشعور الذي سيطر عليّ؟

ما الذي كنت أحتاجه في تلك اللحظة؟

ما الذي أوصلني إلى هنا؟

كيف تعاملت مع ما حدث؟

وماذا يعني لي الآن؟

وهنا تصبح الكتابة شكلًا من أشكال الاستبطان وإعادة بناء المعنى.

فبعض التجارب المؤلمة لا تؤلمنا فقط بسبب ما حدث، وإنما بسبب المعنى الذي منحناه لما حدث.

قد لا نستطيع تغيير ماحدث، لكننا نستطيع أن نغير الطريقة التي نفهم بها علاقتنا به. والكتابة تمنحنا هذه المساحة التي نعيد فيها ترتيب التجربة، واكتشاف أشياء فيها لم نكن قادرين على رؤيتها ونحن في قلبها.

وربما لهذا أشعر أنني حين أكتب لا أفرغ ما بداخلي فقط، بل أتعرف إليه.

أحيانًا أكتب وأنا أظن أنني أعرف ما يؤلمني، ثم أكتشف أن الألم كان في مكان آخر.

وأحيانًا أبدأ الكتابة بحثًا عن إجابة، فأخرج منها بسؤال جديد، لكنه سؤال أعمق وأكثر صدقًا.

لهذا كانت الكتابة وما زالت، في تجربتي، واحدة من أكثر الوسائل التي أجد فيها قدرة على الاحتمال والفهم والتخفف.

لم تعلمني الكتابة أن أنسى الألم، بل أن أجد لغة أستطيع بها أن أحمل ما حدث، دون أن أظل أسيرة له.

وربما لا يكون الشفاء أن تختفي الحكاية من داخلنا، بل أن نستطيع روايتها ذات يوم دون أن تعود لتكسرنا.

***

منى الصالح

 

بين مذاهب النحاة وأسرار التعبير القرآني

«وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ»: حينُ اللغة حينَ تضيقُ المخارج

قال الله تعالى:

﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣].

تُعدّ عبارة ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ من التراكيب القرآنية التي اجتمع فيها جلال البيان ودقّة البناء النحوي وعمق الدلالة؛ إذ تختزل في كلمات قليلة معنى فوات الأوان وانسداد سبيل النجاة. وقد استوقفت كلمة «ولات» على وجه الخصوص أئمة العربية، فتعددت في إعرابها وتوجيهها آراء البصريين والكوفيين، وتباينت اجتهادات اللغويين في أصلها وعملها وما يليها من ألفاظ الزمان. ومن هنا تأتي هذه القراءة لتتتبع المسألة في ضوء أقوال النحاة وفقهاء اللغة، مع الوقوف على ما في التركيب القرآني من أسرار الحذف والإضمار والإيجاز، وكيف تتضافر الصناعة النحوية مع الدلالة لتجعل من العبارة القصيرة نصًّا بالغ الكثافة والجمال.

في هذه الآية القصيرة تتكاثف طبقاتٌ من العربية: النفي، والزمن، والحذف، والإضمار، والتقديم والتأخير، ودقّة الدلالة؛ حتى غدت عبارة «ولات حين مناص» واحدةً من أكثر التراكيب القرآنية إثارةً لاهتمام النحاة واللغويين.

فالمعنى الإجمالي: نادوا واستغاثوا، ولكن لم يكن ثمّة وقتٌ للفرار أو النجاة؛ فقد جاء الاستغاثة بعد فوات أوانها، وصار الزمن نفسه مغلقًا في وجوههم. وقد فُسِّر «مناص» بالمنجى والمفرّ، وأصلها من ناصَ يَنوصُ، أي فرَّ أو تأخّر، وقيل أيضًا: تقدّم؛ فهي من الألفاظ التي دارت في العربية على معانٍ متقابلة.

أولًا: ما «لات»؟

«لات» أداة نفي، وهي في أشهر مذاهب النحاة مشبّهة بـ«ليس»، غير أنها ليست مطلقة التصرف كـ«ليس»، بل ارتبط استعمالها ـ في مذهب سيبويه ـ بأسماء الزمان، ولا سيما «حين» وما جرى مجراها. والتاء فيها عند سيبويه زائدة، أُلحقت بـ«لا»، كما أُلحقت التاء في بعض الاستعمالات بـ«ثم» و«رب».

ومن هنا يصبح التركيب قريباً في بنيته من:

 ليس الحينُ حينَ مناصٍ.

لكن العربية حذفت أحد ركني التركيب، فجاءت العبارة القرآنية في غاية التكثيف:

 ولاتَ حينَ مناصٍ.

وهنا تبدأ روعة الحذف؛ لأن المتكلم لا يقول: ليس هذا حينَ مناص، وإنما يترك للسامع أن يستحضر المحذوف من سياق الكلام.

ثانياً: مذهب سيبويه والبصريين

يذهب سيبويه إلى أن «لات» محمولة على «ليس» في العمل والمعنى؛ لأنها أداة نفي، وأن اسمها مضمر في الآية، و«حين» خبرها منصوب.

وعلى هذا يكون التقدير:

 ولاتَ الحينُ حينَ مناصٍ.

أي:

ليس الحينُ حينَ مناصٍ.

وبعبارة أوضح: ليس هذا الوقت وقتَ فرارٍ أو نجاةٍ.

وهذا الوجه هو الأشهر في توجيه الآية؛ لأن القراءة المتواترة جاءت:

 ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾

بنصب «حين». وقد نقل عن سيبويه أيضًا أن العرب قد ترفع «حين»، لكنه عدّ الرفع قليلًا.

ويتميز مذهب سيبويه بدقة نحوية لافتة: فـ«لات» لا تعمل عمل «ليس» على إطلاقه، بل يضيق مجالها، فتتصل بالزمن، ولذلك كان من أمثلتها:

 ولاتَ حينَ مناصٍ.

ولاتَ أوانَ فرارٍ.

ولاتَ ساعةَ ندمٍ.

وقد أورد النحاة شواهد شعرية على هذا الاستعمال، منها:

 طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍ

فَأَجَبْنا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاءِ

وهو شاهد يبرز اقتران «لات» بالزمن.

ثالثاً: الكوفيون واتساع النظر في «لات»

أما المدرسة الكوفية فلم تتعامل مع المسألة على النحو نفسه الذي استقر عند البصريين؛ فقد نُقلت عن نحاة الكوفة أوجه متعددة في «لات»، من بينها القول بإمكان جرّ ما بعدها في بعض الاستعمالات، مع توجيهات مختلفة لطبيعة التاء ووظيفتها. وقد نقل الطبري عن بعض نحويي الكوفة أنهم أجازوا أن تُضاف «لات» وأن تُخفض بها في بعض الشواهد.

وهنا تظهر سمة مهمة من سمات الخلاف بين المدرستين:

البصريون يميلون إلى ضبط القاعدة وتقعيدها، والكوفيون أوسع احتفاءً بما ورد عن العرب من شواهد واستعمالات.

ولا يعني ذلك أن البصريين يرفضون السماع أو أن الكوفيين يهملون القياس؛ وإنما هو اختلاف في منهج بناء القاعدة النحوية وحدود الاحتجاج بالشاهد.

رابعاً: الأخفش يفتح باباً آخر

وتزداد المسألة ثراءً عند الأخفش؛ فقد نُقل عنه أكثر من توجيه، ومن ذلك أن «حين» يمكن أن تكون اسم «لات»، ويكون خبرها محذوفًا.

وعلى هذا يكون التقدير:

 ولاتَ حينَ مناصٍ لهم.

أي إن «حين» اسم، والخبر محذوف دلّ عليه السياق.

كما نُقل عنه وجه آخر يجعل «لات» مهملة، ويُقدَّر عامل آخر في «حين».

وهذا الاختلاف ليس مجرد تمرين إعرابي؛ إذ يكشف لنا أن النحاة كانوا يتعاملون مع النص العربي بوصفه بنية مفتوحة على احتمالات التقدير، ما دام المعنى والسماع يسمحان بذلك.

خامساً: هل «حين» اسم «لات» أم خبرها؟

هنا لبّ المسألة.

على مذهب سيبويه:

لاتَ: نافية تعمل عمل ليس.

اسمها: محذوف، تقديره «الحين».

حين: خبر «لات» منصوب.

مناص: مضاف إليه.

فيكون التقدير:

 ولاتَ الحينُ حينَ مناصٍ.

وعلى بعض أوجه الأخفش:

لات: عاملة.

حين: اسمها.

خبرها: محذوف، تقديره «كائنٌ» أو «حاصلٌ لهم» ونحو ذلك بحسب التوجيه.

وهناك وجه آخر يجعل «لات» غير عاملة، و«حين» مبتدأ، وخبره محذوف. وقد عرضت كتب إعراب القرآن هذه الأوجه وربطتها باختلاف النحاة والقراءات.

وهكذا تتحول كلمة واحدة ـ «حين» ـ من خبر إلى اسم، بحسب المدرسة النحوية والتوجيه الذي يتبناه المعرب.

سادساً: لماذا قال القرآن «ولات حين مناص»؟

هنا تنتقل المسألة من النحو إلى البلاغة.

لم يقل القرآن الكريم:

 فنادوا وليس حينَ مناص.

ولم يقل:

 فنادوا فلم يكن لهم حينٌ للمناص.

بل جاء التركيب مكثفاً:

 ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾

فإذا كان «حين» خبر «لات» واسمها محذوف، فإن الحذف نفسه يصنع إحساسًا بالعجلة والانقطاع.

لقد نادوا، لكن النداء جاء بعد انغلاق الزمن.

كأن اللغة نفسها تقول:

 كان يمكن أن يكون للمناص وقت، لكن ذلك الوقت مضى.

وهنا يصبح الزمن فاعلًا في المأساة.

ليس العجز في القوة وحدها؛ بل في فوات اللحظة.

فالإنسان قد يملك القوة، لكنه إذا فقد اللحظة فقد النجاة.

ومن هنا يمكن أن نفهم العمق البلاغي لعبارة:

 ولات حين مناص.

فهي لا تعني فقط: لا فرار الآن، وإنما تحمل معنى أعمق:

 لقد جاء النداء بعد انقضاء زمن الاستجابة.

سابعاً: «مناص» بين الفرار والتأخر

واللافت لغوياً أن «مناص» من مادة ن و ص، وقد ذكر اللغويون أن ناصَ يَنوصُ يأتي بمعنى فرَّ أو تأخر، ونُقل أيضاً معنى التقدم، ولذلك عُدّت المادة من الألفاظ التي احتملت معاني متقابلة بحسب السياق.

ومنها:

ناصَ عن الأمر: ابتعد عنه أو فرّ منه.

استناص: طلب المفرّ أو النجاة.

وعليه فإن:

 مناص يساوي مفرّ، مهرب، منجى.

فتكون الآية الكريمة:

 ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾

أي:

 ليس ذلك وقتَ فرارٍ ولا مهرب.

وهذا ينسجم تمامًا مع سياق الهلاك؛ فقد جاءهم النداء والاستغاثة حين انقطعت إمكانية الخلاص.

ثامناً: هل التاء في «لات» تاء التأنيث؟

هذه من المسائل الطريفة التي شغلت النحاة.

ذهب سيبويه إلى أن التاء زائدة في «لات»، وحُمِلت على ما ورد في العربية من زيادة التاء في بعض الأدوات، بينما رأى آخرون فيها وجوهًا أخرى متصلة بالتأنيث أو بالبنية الصوتية للكلمة.

ومن هنا جاءت مسألة الوقف:

هل يُوقف على:

 ولاتْ

ثم يُستأنف:

 حين مناص

أم تُوصل الكلمة بما بعدها؟

وقد نقلت المصادر أن سيبويه والفراء وابن كيسان والزجاج ذهبوا إلى الوقف على «ولات»، في حين نُقل عن الكسائي وجه الوقف بالهاء: «ولاه»، وهو خلاف يكشف مقدار العناية التي بذلها علماء العربية في ضبط الصوت والوقف والرسم والأداء.

تاسعاً: أمثلة تطبيقية

يمكن أن نتصور عمل «لات» في تراكيب عربية فصيحة على النحو الآتي:

١. ولاتَ حينَ ندمٍ

أي:

ليس الوقتُ وقتَ ندمٍ.

٢. ولاتَ ساعةَ فرارٍ

أي:

 ليست الساعةُ ساعةَ فرارٍ.

٣. ولاتَ أوانَ اعتذارٍ

أي:

 ليس هذا أوانَ الاعتذار.

٤. ولاتَ حينَ رجوعٍ

أي:

 ليس هذا الزمن زمنَ الرجوع.

وهذه الأمثلة تكشف خاصية «لات»: أنها لا تنفي مجرد وقوع الشيء، وإنما تنفي صلاحيّة الزمن له.

فحين تقول:

 ليس وقتُك وقتَ الرحيل

فأنت تنفي مناسبة الزمن للرحيل.

أما حين تقول:

 ولات حين رحيل

فإن في العبارة إيحاءً بأن الزمن نفسه قد أغلق أبوابه.

خاتمة: حينُ النحو يصبح فلسفةً للزمن

ليست «ولات حين مناص» مسألةً نحويةً عابرة، ولا مجرد خلاف بين البصريين والكوفيين حول عاملٍ محذوف أو اسمٍ مضمر؛ إنها نموذج بديع لكيف تستطيع العربية أن تحمل في تركيب صغير تاريخًا طويلًا من التفكير اللغوي.

فسيبويه يرى فيها أثر «ليس»، والأخفش يفتح لها بابًا آخر في الإعراب، والكوفيون يوسّعون دائرة السماع والتوجيه، واللغويون يتتبعون أصل «مناص»، والمفسرون يستخرجون من العبارة معنى الفوات وانغلاق أبواب النجاة.

لكن وراء كل هذه الدقائق النحوية يقف المعنى الأكبر:

أن للإنسان وقتًا يستطيع فيه أن يفرّ، ووقتًا يستطيع فيه أن يعتذر، ووقتًا يستطيع فيه أن يعود؛ فإذا انقضى الوقت، لم تعد كثرة النداء تصنع مخرجًا.

ولهذا جاءت العبارة القرآنية في غاية القصر:

 ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾

كأن العربية نفسها أغلقت بابها عند آخر كلمة.

فالـ«لات» تنفي، و«حين» يحدّد الزمن، و«مناص» يفتح معنى النجاة؛ ثم يأتي الحذف ليقول، بصمتٍ أبلغ من الكلام:

لقد انتهى الوقت.

وهنا تبلغ العربية واحدةً من أصفى لحظاتها: (حين يتحول الإعراب إلى معنى، ويتحول الحذف إلى دلالة، ويتحول الزمن من ظرفٍ في الجملة إلى قدرٍ لا فكاك منه).

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

جاء أيلول مرة أخرى هذا العام. جاء يجر معه طوفانا هادرا من الحنين، وأحرف الورق، والأبجديات المتلاطمة التي تضرب جدار الروح كأنها تقرع أجراس الكنائس.

 عاد أيلول مرة أخرى بدفء مطر كأنه يربت على أرض أحرقها لهيب حرائق الصيف والورق .

وأنا ما عدت أنا شيء ما تغير في ملامح أسطري، وأخشى أن أيلول بكل هيبته ورقة حضوره، وشعوره غير قادر على إطفاء حريق الأشهر الماضية كأن الصيف عقد قرانه على اهتزازات الحياة الواقعية، ولم يعد قادراً حتى على إخماد النيران التي تمددت على سفوح الورق .

عاد أيلول، وكنت أعد لك سطرا من فاكهة المفردات اللغوية المنعشة التي تعكس روح أيلول وخريف وحنين أيلول حتى أعيد توازن الحبر بعد تلك التصدعات التي أعقبت انحصار قلمي .

عندما تجرك عيناك إلى أسفل هذه السطور المتدحرجة ككرة جليد انصهرت وأحدثه إنهيار كتابي كتلك التي تحدث في أنحاء العالم بعد حدث فاصل يغير من حولك حتى طعم الفصول الخمسة، عندما تأخذك عيناك إلى العمق سوف تتنفس براعم المفردات المشرعة للحياة .

اعدك إنني سوف أخط لك فصلا جديدا من بهاء الكلمات، واجعلها كمزهريات ورد تليق بعبق أيلول. أعدك بأنني سوف أعيد كتابة كل الأشياء التي تجعلك تزهر بعد كل هذا الرماد البركاني، والكتابي للحياة المعتمة.

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

قراءة نحوية في جدل البصريين والكوفيين

تبدو كلمة «الآن» في ظاهرها لفظةً زمنيةً مألوفة، تدل على اللحظة الحاضرة التي يقع فيها الفعل أو ينشأ فيها القول، غير أن هذا اللفظ البسيط يخفي وراءه مسألة نحوية ولغوية دقيقة، تكشف عن اختلاف منهجي عميق بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة في النظر إلى وظيفة «ألـ»، وإلى علاقة اللفظ بأصله الاشتقاقي، وإلى ما يجوز حمله على القياس وما يجوز حمله على السماع والضرورة الشعرية.

والسؤال الذي يستوقف اللغوي هنا: هل «الآن» اسم زمان جامد مستقل، أم أنه في أصله تركيب اشتقاقي دخلت عليه «أل»؟ وهل «أل» فيه للتعريف، أم أنها زائدة، أم أنها جزء من بنية اللفظ؟

وهذه المسألة تفتح باباً أوسع من مجرد إعراب كلمة؛ إذ تكشف عن اختلاف المدرستين في فهم طبيعة اللغة بين القياس والسماع، وبين الأصل والتحول، وبين ما تقتضيه الصناعة النحوية وما تحفظه العرب في كلامها.

أولاً: «الآن» من حيث أصلها اللغوي:

يرتبط لفظ «الآن» بالفعل «آنَ»، أي: حان وقته، أو جاء أوانه. تقول العرب:

 آنَ الرحيلُ.

أي: حان وقته.

وتقول:

 آنَ للغائب أن يعود.

أي حان له وقت العودة.

ومن هذا الباب يمكن ردُّ الدلالة الزمنية إلى معنى الحلول والحين والبلوغ إلى الوقت.

وقد قرن اللغويون بين «آن» و«حان» في الدلالة؛ فكلاهما يفيد بلوغ الوقت وحلوله. ومن هنا تأتي الصلة الاشتقاقية بين الآن وآنَ، وإن كانت المسألة في حقيقتها أوسع من مجرد القول إن «الآن» اسم فاعل أو مشتق مباشر من الفعل.

فالقول:

 الآنَ وقتُ الرحيل.

يحيل إلى زمن حاضر محدد، في حين أن:

 آنَ الرحيلُ.

يفيد أن زمن الرحيل قد حان.

وهنا يتحول الفعل من الدلالة على حدوث حلول الزمن إلى الاسم الدال على الزمن الحاضر نفسه.

ثانياً: «أل» في «الآن»؛ أهي للتعريف؟

هنا تبدأ المسألة النحوية الدقيقة.

فالأصل العام عند النحاة أن «أل» تدخل على الاسم لتعريفه، مثل:

 رجل - الرجل

كتاب - الكتاب

علم - العلم

غير أن دخول «أل» على بعض الألفاظ لا يجري دائماً على صورة التعريف الاسمي المعتادة.

وقد ذهب البصريون إلى عناية شديدة بأصل الكلمة وبنيتها الاشتقاقية، ولذلك نظروا إلى «أل» في بعض المواضع بوصفها ذات صلة بالبنية الأصلية للفظ، لا مجرد أداة تعريف يمكن فصلها عنه آلياً.

ومن هنا تظهر قيمة المثال الذي نحن بصدده: الآن.

فإذا حملنا «الآن» على أصلها المتصل بـ«آنَ»، فإن «أل» لا تبدو مجرد أداة طارئة أضيفت إلى اسم زمان مستقر، بل تصبح جزءاً من التحول الذي انتهى باللفظ إلى صورته المعروفة.

وهذه القضية نفسها هي التي تجعل بعض الأبنية العربية القديمة عصية على التفسير إذا عوملت «أل» فيها دائمًا باعتبارها مجرد علامة تعريف.

ثالثاً: القياس البصري وأصل الاشتقاق:

منهج البصريين يقوم في جانب كبير منه على القياس، وردّ الفروع إلى الأصول، وتعليل الظواهر اللغوية.

ولهذا كان المبرّد ومن سار في طريقته شديدي العناية بتفسير الظواهر من داخل نظام العربية، لا بمجرد إثبات ورودها في كلام العرب.

ومن القضايا المتصلة بهذا الباب أن «أل» قد تدخل على بعض المشتقات التي يكون معناها قريبًا من معنى «الذي».

فنقول:

 جاء الشاري.

أي:

 جاء الذي اشترى.

ونقول:

 مررت بالبائع.

أي:

 مررت بـالذي باع.

فـ«أل» هنا ليست مجرد علامة تعريف سطحية، وإنما يمكن أن تحمل معنى الموصول في بعض الاستعمالات، بحيث يصبح:

الشاري يساوي الذي اشترى

البائع يساوي الذي باع

الضارب يساوي الذي ضرب

وهذا من المواضع التي تكشف عن ثراء العربية في نقل الوظيفة النحوية من أداة مستقلة إلى بنية صرفية أو تركيبية.

رابعاً: «أل» والموصول عند الكوفيين:

أما الكوفيون، فقد كانوا أكثر اتساعاً في قبول المسموع والرواية، وأقل تشدداً في إخضاع جميع الظواهر للقياس البصري الصارم.

ومن ثم يمكن فهم بعض تأويلاتهم لـ«أل» في المشتقات على أنها تؤدي وظيفة تخفيفية أو اختصارية؛ إذ تغني عن الإتيان بالموصول وما بعده.

فبدل أن نقول:

 جاء الذي اشترى الكتاب.

يمكن أن نقول:

 جاء الشاري الكتابَ.

أي إن البنية الاسمية المشتقة قد تحمل في داخلها دلالةً موصوليةً يمكن أن تستغني بها العربية عن التركيب الأطول.

وهذا ينسجم مع طبيعة العربية في الإيجاز والحذف والتضمين.

خامساً: شاهد الفرزدق:

ومن الشواهد الشعرية المشهورة في هذا الباب قول الفرزدق:

ما أنتَ بالحَكَمِ التُرضى حُكومتُهُ

ولا الأصيلِ ولا ذي الرأيِ والجدلِ

والشاهد هنا في قوله:

 التُرضى حكومتُه

فـ«أل» في «التُرضى» تحمل معنى الموصول، والتقدير:

 الذي تُرضى حكومتُه.

فليست «أل» هنا مجرد تعريف لـ«التُرضى»، وإنما أدت وظيفة تركيبية يمكن أن تقارب وظيفة «الذي».

وهذا الشاهد يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن العربية لا تفصل دائمًا بين التعريف والموصولية فصلًا جامدًا؛ فقد تتداخل الوظائف بحسب البنية والسياق.

سادساً: هل «أل» في المشتق هي نفسها «أل» التعريف؟

هنا تتباين طرائق النحاة في التحليل.

فإذا قلنا:

 جاء الرجلُ.

فـ«أل» للتعريف.

أما إذا قلنا:

جاء الضاربُ زيدًا.

فيمكن أن يكون المعنى:

 جاء الذي ضرب زيدًا.

وهنا يصبح الاسم المشتق العامل أقرب إلى تركيب موصولي.

ومن ثم فإن:

 الضارب يساوي الذي ضرب

ليس مجرد استبدال لفظ بلفظ، وإنما هو انتقال من بنية موصولية إلى بنية اشتقاقية أكثر تكثيفًا.

وهذه الخاصية تكشف جانباً من عبقرية العربية؛ فهي قادرة على ضغط الجملة في كلمة واحدة دون أن تفقد العلاقة الدلالية بين الفعل والفاعل والمفعول.

سابعاً: بين البصريين والكوفيين: القياس والسماع

الخلاف بين البصريين والكوفيين في هذه المسائل لا ينبغي اختزاله في أن هؤلاء «يصححون» وأولئك «يخطئون»، فكلتا المدرستين أسهمت في بناء النظرية النحوية العربية.

البصريون أكثر ميلًا إلى:

القياس.

رد الفروع إلى الأصول.

ضبط القاعدة.

تقليل الشواذ.

تعليل الظاهرة.

أما الكوفيون فكانوا أوسع روايةً واستشهاداً، وأكثر قبولاً لما ورد عن العرب، ولا سيما في الشعر واللهجات.

ولهذا كان الشعر عند الكوفيين مجالًا واسعاً للاحتجاج، حتى يمكن صياغة الفرق بين المنهجين في عبارة موجزة:

 ما كان عند البصريين خروجاً يحتاج إلى تعليل، قد يكون عند الكوفيين شاهداً على اتساع العربية.

ولذلك فإن العبارة التي تشير إلى أن «الوزن عند الكوفيين كالقياس عند البصريين» يمكن فهمها في إطار اختلاف النظرة إلى الشعر: فالبنية الشعرية عند الكوفيين ليست أمرًا هامشيًا، بل عنصر مهم في تفسير بعض الظواهر اللغوية التي لا تستقيم إذا حُصرت في النثر المعياري وحده.

ثامناً: الضرورة الشعرية ليست كلام الطبع:

غير أن الاحتجاج بالشعر لا يعني أن كل ما يرد فيه يصبح قاعدة مطردة.

فهنا ينبغي التمييز بين:

لغة الطبع ولغة الضرورة.

فـ«لغة الطبع» هي ما جرى عليه لسان العربي من غير تكلف ولا اضطرار، أما «الضرورة الشعرية» فهي ما حمل الشاعر عليه الوزن أو القافية أو مقتضيات البناء الشعري.

ومن الخطأ أن نجعل الضرورة الشعرية أصلًا يقاس عليه في النثر.

فالشاعر قد يحذف، أو يزيد، أو يقدم، أو يؤخر، أو يصرف لفظًا على غير القياس المألوف، لأن البحر والقافية يفرضان عليه أحيانًا ما لا يفرضه الكلام المنثور.

وهنا تتضح قيمة عبارة:

ليس كل ما في الشعر كلامَ طبع، كما أن ليس كل ما خالف القياس خطأ.

فاللغة أوسع من القاعدة، والقاعدة محاولة لوصف اللغة لا سجنها.

تاسعاً: «أل» وشبه اسم الإشارة

ومن الملاحظات التي تنسب إلى الاتجاه الكوفي النظر إلى بعض الأدوات والبنى من حيث وظيفتها الإشارية أو الدلالية، لا من حيث صورتها الصرفية وحدها.

وهذا يفتح باباً مهماً لفهم «أل» في بعض الأبنية: فهي قد تتجاوز كونها علامة تعريف إلى وظيفة تحديدية تجعل الاسم معيناً في ذهن المتلقي.

فحين نقول:

 الآن

فنحن لا نشير إلى زمن مجهول، بل إلى زمن معين حاضر في مقام الكلام.

وكأن اللفظ يقول:

 هذا الوقت.

ومن هنا يمكن تقريب «الآن» من الوظيفة الإشارية في الاستعمال، وإن لم يكن ذلك معناه النحوي المباشر بالضرورة.

فاللغة لا تعمل في فراغ؛ إذ يتداخل فيها الزمان، والمقام، والإشارة، والتعيين، والتعريف.

عاشراً: أمثلة تطبيقية

لننظر إلى الفروق الآتية:

١. الفعل «آن»

 آنَ أوانُ الرحيل.

أي: حان وقت الرحيل.

٢. اسم الزمان «الآن»

 سأبدأ الآن.

أي: في هذا الوقت الحاضر.

٣. اسم الفاعل

 جاء البائعُ.

أي: جاء الذي باع.

٤. الصفة المشتقة ذات الدلالة الموصولية

 أكرمتُ الضاربَ زيداً.

أي:

أكرمتُ الذي ضرب زيدًا.

٥. «أل» الموصولة في الشاهد الشعري

 التُرضى حكومتُه

أي:

 الذي تُرضى حكومتُه.

وهنا نرى كيف يمكن لبنية واحدة أن تضغط تركيبًا موصوليًا كاملًا.

خاتمة: العربية بين القياس وذاكرة الاستعمال

إن قضية «الآن» و«أل» ليست مسألة جزئية في أبواب النحو، وإنما هي نافذة على فلسفة العربية نفسها. فالعربية لغة تحفظ أصولها، لكنها لا تتجمد عندها؛ وتستعمل القياس، لكنها لا تستغني عن السماع؛ وتحتكم إلى القاعدة، لكنها تترك للشعر واللهجات والتطور الدلالي مساحات واسعة للحركة.

ومن هنا كان اختلاف البصريين والكوفيين اختلافًا في منهج النظر إلى اللغة بقدر ما هو اختلاف في تفسير ظاهرة بعينها.

فالبصري يسأل:

 ما الأصل الذي يمكن أن نرد إليه هذا الاستعمال؟

والكوفي يسأل، في كثير من المواضع:

 كيف قالت العرب؟ وهل ثبت ذلك في كلامها؟

وبين السؤالين تشكل علم النحو العربي.

أما «الآن»، تلك الكلمة الصغيرة التي نحملها في كل جملة عن الزمن الحاضر، فتظل شاهدًا بديعًا على أن الكلمة العربية ليست جسدًا صوتيًا جامدًا؛ إنها تاريخٌ مختصر للاشتقاق، وذاكرةٌ للسماع، وحركةٌ بين الفعل والاسم، وبين الحضور والإشارة، وبين القياس وما تحفظه العربية من أسرارها القديمة.

وفي ذلك كله تتجلى إحدى خصائص العربية الكبرى: أن الكلمة قد تكون أصغر وحدة في الجملة، لكنها تحمل في أعماقها تاريخًا نحويًا وصرفيًا ودلاليًا بأكمله.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

الارتجال أو فن هو مهارة إذا كانت لدى الشاعر كانت عنوانا على تمكنه واتقاد قريحته وهي تكون دليلا على انقياد اللغة عنده وعلى تطويع القول الشعري والدلالة على التحكم في زمامه، ونحن كقراء للشعر لا نخفي إعجابنا ببعض الشعر الذي قيل على البديهة وكان مرتجلا ثم دوّن لما فيه من فائدة مضمونا أوجمالا أو هما معا.

من الارتجال نذكر أن أبا نواس كان في جماعة فقال لهم أجيزوا قولي:

عذُب الماء وطابا

فقال أبو العتاهية من فوره وكان حاضرا:

حبذا الماء شرابا

ومن الشعراء الذين عرفوا بديهيتهم وعلو كعبهم في الارتجال الشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي والعقاد الذي نظم قصيدة في ذكرى حافظ إبراهيم وهو في القطار في مدة أقل من نصف ساعة وهي القصيدة التي يقول فيها:

لم تكن حصتي من الحفل نظما

لا ولا قــلــتــه بوعـــد مــديــنا

وعدد أبيات هذه القصيدة أكثر من ثلاثين بيتا.

ومن الذين اشتهروا بالارتجال أبو تمام، حيث يروى أنه قال في أحد ممدوحيه من الأمراء:

إقدام عمرو في سماحة حاتم

في حلم أحنف في ذكاء إياس

فقال له أحد الحاضرين ـ والمظنون أنه الكندي الفيلسوف ـ:

شبهت الأمير بمن هم دونه من العرب.

فقال أبو تمام على البديهة:

لا تنكروا ضربي له من دونه

مثلا شرودا في الندى والباس

فالله قــد ضــرب الأقل لنوره

مــثلا مــن المشكاة والنبراسِ

وقد عرف المتنبي بالبديهة والارتجال كما عرف إبراهيم ناجي بهما في عصرنا الحاضر.

ومن الارتجال الذي حفظه لنا التاريخ في الشعر قصيدة الفرزدق في زين العابدين بن الحسين بن علي وهي التي نحن لحد الآن ما زلنا نحفظها عن ظهر قلب منذ أيام الدراسة، وذلك أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك كان يطوف بالبيت وأراد استلام الحجر الأسود فلم يستطع لكثرة الزحام فنصبوا له منبرا وجلس عليه ينظر للناس، فإذا بزين العابدين أقبل وأخذ يطوف بالبيت وأراد استلام الحجر الأسود فتنحى له الناس، فقال رجل شامي:

من هذا الذي تنحى له الناس؟

فقال هشام:

لا أعرفه.

فقال الفرزدق وكان حاضرا:

أنا أعرفه.

فقال الرجل الشامي:

من هو يا أبا فراس ؟ وأبو فراس كنية الفرزدق.

فأجابه الفرزدق على البديهة:

هَــذا الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأَتَهُ

وَالــبَيتُ يَــعرِفُهُ وَالــحِلُّ وَالحَرَمُ

هَــذا اِبــنُ خَــيرِ عِــبادِ اللَهِ كُلِّهِمُ

هَــذا الــتَقِيُّ الــنَقِيُّ الطاهِرُ العَلَمُ

هَــذا اِبــنُ فاطِمَةٍ إِن كُنتَ جاهِلَهُ

بِــجَــدِّهِ أَنــبِياءُ الــلَهِ قَــد خُــتِموا

وَلَــيسَ قَــولُكَ مَــن هَذا بِضائِرِهِ

العُربُ تَعرِفُ مَن أَنكَرتَ وَالعَجَمُ

كِــلتا يَــدَيهِ غِــياثٌ عَــمَّ نَــفعُهُما

يُــستَوكَفانِ وَلا يَــعروهُما عَــدَمُ

سَــهلُ الــخَليقَةِ لا تُخشى بَوادِرُهُ

يَــزينُهُ اِثنانِ حُسنُ الخَلقِ وَالشِيَمُ

حَــمّالُ أَثــقالِ أَقــوامٍ إِذا اِفتُدِحوا

حُــلوُ الــشَمائِلِ تَــحلو عِــندَهُ نَعَمُ

مــا قــالَ لا قَــطُّ إِلّا فــي تَشَهُّدِهِ

لَـــولا الــتَشَهُّدُ كــانَت لاءَهُ نَــعَمُ

عَــمَّ الــبَرِيَّةَ بِالإِحسانِ فَاِنقَشَعَت

عَــنها الغَياهِبُ وَالإِملاقُ وَالعَدَمُ

إِذا رَأَتـــهُ قُــرَيــشٌ قــالَ قــائِلُها

إِلــى مَــكارِمِ هَــذا يَــنتَهي الكَرَمُ

يُغضي حَياءً وَيُغضى مِن مَهابَتِهِ

فَــمــا يُــكَــلَّمُ إِلّا حــيــنَ يَــبــتَسِمُ

بِــكَــفِّهِ خَــيــزُرانٌ ريــحُهُ عَــبِقٌ

مِــن كَفِّ أَروَعَ في عِرنينِهِ شَمَمُ

يَــكــادُ يُــمسِكُهُ عِــرفانَ راحَــتِهِ

رُكــنُ الــحَطيمِ إِذا ما جاءَ يَستَلِمُ

الــلَــهُ شَــرَّفَــهُ قِــدْمــاً وَعَــظَّــمَهُ

جَــرى بِــذاكَ لَــهُ في لَوحِهِ القَلَمُ

وبالله التوفيق ومنه نطلب المدد، كل المدد.

***

مصطفى معروفي

تشريح العاطفة بين وهم المثالية وقسوة الواقع

نافذة العشق على قماشة التصوير

حين نتأمل لوحة "القبلة" (The Kiss) للرسام النمساوي الشهير غوستاف كليمت، نجد أنفسنا أمام عالم تتهاوى فيه حدود الواقع لصالح اندماج روحي وجسدي مطلق؛ فالحبيبان غارقان في فضاء ذهبي خالص، ينعزلان عن العالم الخارجي ليعيشا ذروة الاتحاد والوجد، بينما تتناثر الألوان والزخارف الهندسية لتحيط بهما كشرنقة أمان مقدسة. إن هذه اللوحة الخالدة وأمثالها من روائع الفن العالمي لا تقتصر على نقل ملامح وجهين محبين، بل تقدم تجسيداً بصرياً حياً لمعنى "الحب" كحالة من الخلاص والاندماج الأبدي. من هنا، يبرز السؤال العميق: كيف استطاع الفنانون عبر التاريخ القبض على هذه اللحظة الخاطفة وتحويلها إلى مادة مرئية؟ وكيف نجحت فرشاة الرسام وعلم نفس الصورة في تحويل الصباغ والألوان إلى لغة تنبض بالعاطفة الخالصة؟ هذا ما سنكشفه عبر المحاور التالية.

تاريخ تعبير الحب لدى الرسامين.  من هو رسام الحب عبر العصور؟

منذ أن خط الإنسان أوائل رسومه على صخور الكهوف وحتى ظهور المدارس الفنية الكبرى، ظل الحب الهاجس الأكبر والمحرك الخفي للإبداع البشري. فعلى عكس السائد بأن الفن البدائي اقتصر على توثيق الصيد والطقوس المرعبة، تشهد جدران بعض الكهوف، مثل كهوف بيوتش في فرنسا أو مغارات الارتس في إسبانيا، على محاولات الإنسان الأول لتخليد عواطف التكاثر والارتباط الجماعي؛ فقد كان الحب في بداياته الأولى مرتبطاً بالبقاء وبالأمومة المقدسة، إذ لم يكن رسم الأجساد الملتفة والخصائص الأنجبتية البارزة مجرد تسجيل واقعي، بل كان تعبيراً سحرياً عن الرغبة في الاستمرار والالتقاء بالآخر لمواجهة قسوة الطبيعة.

ولم يلبث هذا التعبير أن ارتقى مع الحضارات الكبرى، ففي الحضارة المصرية القديمة، لم يُنظر إلى الحب باعتباره نزوة عابرة، بل كقوة كونية ممتدة حتى في العالم الآخر؛ وعلى جدران المعابد ومقابر دير المدينة، نجد تصويراً فريداً لعلاقة الحب الزوجي والعائلي، حيث تُظهر النقوش الفرعونية الملوك والملكات، مثل إخناتون ونفرتيتي، في وضعيات حميمة وغير مسبوقة في تاريخ العالم القديم، متقاربين بالأجساد، متبادلي النظرات الحانية، وتمسك الأيدي بعلامة "العنخ" رمز الحياة. لقد استطاع الرسام الفرعوني أن يدمج بين مهابة الطقوس الدينية ودفء العاطفة الإنسانية، معتبراً أن الحب هو الجسر الذي يعبر به الإنسان نحو الخلود.

ومع قدوم لوحات المستشرقين في القرنين التاسع عشر والعشرين، اتخذ التعبير عن الحب شكلاً آخر يمتزج بالغرائبية والشغف المكاني؛ فقد حاول فنانون استشرقوا الشرق، مثل جان ليون جيروم أو أوجين ديلاكروا وإن تفاوتت رؤاهم، البحث عن العاطفة في فضاءات الحريم والأسواق الشعبية والواحات الصحراوية. وعلى الرغم من أن بعض هذه الأعمال حملت شيئاً من التخيل الاستعماري أو المبالغة الرومانسية، إلا أنها نجحت في التعبير عن "الحب الممنوع" أو العشق المشحون بالغموض والترقب خلف الحجاب والستائر الخشبية المزخرفة، مما أضاف بُعداً بصرياً جديداً يكشف كيف يرى الغرب عاطفة الجسد والروح في الشرق الساحر.

هذا التطور التاريخي العريق مهد الطريق لظهور عمالقة النهضة؛ ففي عصر ليوناردو دا فنشي، تحول الحب إلى حالة من السمو الروحي والغموض البصري المتوازن، بينما تحرر في العصر الحديث مع فينسنت فان كوخ ليصبح طاقة وجودية ملتهبة ترفض القيود الأكاديمية. إن تاريخ الفن التشكيلي، بهذا المعنى، ليس سوى سجل متصل لمحاولات الإنسان المستميتة لانتزاع عاطفة الحب من تجريدها الفكري، ووضعها حية ونابضة على حجر الكهف، وجدار المبرم، وقماشة اللوحة.

لمسات الفرشاة: هل تمكن الرسامون من تجسيد الحب مادياً؟

إن "لمسة الفرشاة" ليست مجرد أداة تقنية لتوزيع الألوان على مسطح قماشي، بل هي النبض الخفي للفنان، والأثر المادي الملموس الذي يحول الصباغ الجامد إلى عاطفة تنبض بالحياة. وحين نتساءل عما إذا كان الرسامون قد نجحوا في تجسيد "الحب" أو الارتباط الإنساني مادياً، فإن الإجابة تتشكل عبر تنويعات هائلة تعكس صراع الإنسان مع مشاعره عبر التاريخ

ليوناردو دافنشي: مادية الضوء والشفافية (السفوماتو) عند دافنشي، لا نجد قبلات صارخة أو أجساداً ملتحمة، بل تجسيداً عميقاً للحنان والترابط البشري من خلال إذابة الخطوط الحادة. بتقنية "السفوماتو"، تتحول طبقات الزيت الشفافة إلى ما يشبه الأنفاس البشرية المتداخلة. تتجلى مادية العاطفة هنا في نعومة البشرة وتدرجاتها الخفية، كأن الحب كيان سائل يتدفق في ملامح الوجه دون صخب، فيلامس الروح قبل الجسد.

سالفادور دالي: مادية الرغبة المنصهرة واللاوعي في قطب نقي ومضاد، يقدم سريالي العصر سالفادور دالي مقاربة صادمة للجانب النفسي والمادي للرغبة. الحب والعاطفة هنا ليسا قالبين مثاليين، بل هما خاضعان للزمن، والتحلل، وأعماق اللاوعي الفرويدي. تنصهر الأجساد وتتداخل بطريقة تعكس رغبة الإنسان الدفينة في كشف أسرار الآخر، لتصبح المادية الفنية هنا طوبوغرافيا سريالية تحول المشاعر الداخلية إلى كتل بصرية ملموسة ومثيرة للتأمل.

فان جوخ: مادية الضربات الخشنة والثورة العاطفية لا أحد جعل من لمسة الفرشاة صرخة حب واشتياق مثل فان جوخ. في كتل الألوان البارزة والثخينة (Impasto)، لم تكن الفرشاة مجرد أداة تلوين، بل شحنة طاقة مضلعة وثقيلة؛ فاللون يلتوي، ويبرز عن سطح اللوحة ليعلن أن المشاعر العميقة أثقل من أن تحتويه القواعد. الحب هنا ليس نظرة ناعمة، بل حريق مادي تلمس آثاره البارزة بأصابعك من خلال نسيج اللوحة الخشن والنابض بالألم والشغف.

أوتو ديكس: مادية الواقع المجرح وصدمة التاريخ ومع دخول القرن العشرين وجحيم الحرب العالمية الأولى، جاء الرسام الألماني أوتو ديكس ليحطم أي أسطورة رومانسية للحب. في ظل الخنادق ودمار ما بعد الحرب، لم تعد العاطفة ترفاً مثالياً، بل أصبحت تشبثاً بشرياً هشاًّ بالبقاء. استخدم ديكس ضربات فرشاة حادة، وقاسية، وغير مهادنة، لنقل الوجوه والأجساد بأقصى درجات الواقعية المجردة. هنا، تكتسب مادية الوجع الإنساني حضوراً طاغياً، حيث يحمل جسد الإنسان، حتى في لحظات قربه وحميميته، ندوب التاريخ والإنهاك والواقع القاسي.

هكذا، يتكشف لنا أن مادية الحب في الفن لم تكن قط قالباً واحداً؛ بل تراوحت بين شفافية الروح عند دافنشي، وسريالية الرغبة عند دالي، وثورة الضربات عند فان جوخ، وصولاً إلى قسوة الواقع وحقائقه العارية عند أوتو ديك

قراءة الجو العام والتعابير.  دراسة لغة الرسومات من خلال علم نفس الصورة 

هل يمكن للوحة أن تُقرأ بالكامل من خلال النظر إلى جوها العام وتعابيرها؟ هنا يتدخل "علم نفس الصورة" (Visual Psychology) ليؤكد أن العقل البشري يمتلك قدرة فطرية على قراءة الشفرات العاطفية البصرية دون الحاجة لكلمات. فعندما نقف أمام لوحة تنبض بالحب، فإننا لا نرى ألواناً مجردة، بل نستجيب لاسترخاء خطوط الوجه، وتوزيع الظلال، وانحناءة الأجساد التي تثير في الدماغ إفراز هرمونات الألفة والتعاطف. إن علم النفس يثبت أن "الجو العام" للوحة (الذي يجمع بين الإضاءة والإيقاع اللوني) يخلق حالة من العدوى الشعورية؛ فاللون الداكن الحار عند فان كوخ يعكس لوعة الفراق والتعلق، بينما يعكس غموض دا فنشي سحر الانجذاب الصامت. بهذا تُصبح اللوحة نصاً نفسياً مفتوحاً، يقرأه المتلقي بوجدانه قبل عينيه، ليجد في تفاصيلها مرآة لمشاعره الدفين

***

ئاريان علي

منذ أن خطّ الإنسان الأول هواجسه على جدران الكهوف، لم يكن الحيوان مجرد طريدة أو وسيلة بقاء، بل كان الشريك الأقدم والمرافق الأول في رحلة الوعي. ومع تطور الكلمة وانتقالها من الشفاهية إلى التدوين، استحال الحيوان في صفحات الأدب إلى "قناع" يرتديه الكاتب لقول ما لا يُقال، و"مرآة" تعكس أعطاب النفس البشرية وهشاشتها. إن حضور الحيوان في السرد العالمي والعربي ليس مجرد استعارة جمالية، بل هو استراتيجية فكرية وفلسفية تهدف إلى سبر أغوار الذات ومساءلة السلطة وتفكيك تعقيدات الحياة.

دوافع التوظيف: ما وراء القناع

تتعدد الدوافع الكامنة وراء استحضار الحيوان في النص الأدبي، وأن هذا الاستدعاء يتجاوز المرافقة الواقعية ليشمل دلالات نفسية واجتماعية عميقة. لعل أبرز هذه الدوافع هو تفادي الرقابة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية؛ فمن خلال لسان الحيوان، استطاع الأدباء تمرير رسائل نقدية لاذعة للسلطة دون صدام مباشر. ففي عالم (كليلة ودمنة)، كانت الحكايات وسيلة الفيلسوف (بيدبا) لتقديم نصائح سياسية وأخلاقية للملك (دبلشيم)، وفي (مزرعة الحيوان) لجورج أورويل، تحولت الخنازير والخيول إلى تجسيد حي لمسار الثورات حين تنحرف نحو الاستبداد، حيث يمثل الخنزير (سنوبول) ورفاقه تحولات السلطة من الحلم إلى الكابوس.

إلى جانب البعد السياسي، يبرز البعد الرمزي السيكولوجي؛ فالكلب في الأدب قد يرمز للوفاء كما في (أرغوس) في ملحمة الأوديسة، أو للعبودية والخنوع في سياقات أخرى. أما القطة فتجسد الغموض والأنوثة، بينما تظل الطيور رمزاً أبدياً للتحرر أو الاغتراب. وفي رواية (المسخ) لكافكا، لم تكن الحشرة العملاقة إلا أداة وجودية كبرى للتعبير عن العزلة والموت المعنوي للإنسان المعاصر.

شرط الإقناع وجماليات السرد

لا ينجح توظيف الحيوان في الأدب إلا إذا كان مبرراً سردياً، فالحيوان لا يُضاف للزينة، بل يجب أن يكون فاعلاً ومتحركاً في الأحداث، وجزءاً لا يتجزأ من بيئة الرواية. هذا التوازن بين الحضور الرمزي والدور الوظيفي هو ما يمنح العمل الأدبي قيمته. ففي رواية (العجوز والبحر) لهمنغواي، لم تكن السمكة مجرد صيد، بل كانت تجسيداً للصراع الأزلي بين الإنسان وقدره، وبين الإرادة وقسوة الطبيعة. وفي رواية (حياة باي)، يمثل النمر (ريتشارد باركر) الصراع الداخلي بين الخوف والإيمان، مما يجعل الحيوان شريكاً في تشكيل الرؤية الفلسفية للعمل.

من التراث العربي إلى الأدب العالمي

يزخر التراث العربي بمؤلفات جعلت من الحيوان محوراً لها، وعلى رأسها كتاب (الحيوان) للجاحظ، الذي لم يكن مجرد موسوعة علمية، بل كان عملاً أدبياً فلسفياً يربط بين سلوك الحيوان ونفسية الإنسان. ويشير الأدب القديم إلى أن العرب أطلقوا مئات الأسماء على الأسد والجمل والجواد، مما يعكس تلاحماً وجودياً مع هذه الكائنات. توفيق الحكيم في كتابه (حماري قال لي)، الذي يضم مجموعة من المقالات الفلسفية والاجتماعية الساخرة، يتخذ فيها من شخصية الحمار رمزاً للتأمل والحكمة وبث الآراء النقدية؛ حيث يعتمد توفيق الحكيم على أسلوب الحوار التخيلي والفلسفي مع حماره. وحتى في (ألف ليلة وليلة)، كان تحول البشر إلى حيوانات وسيلة لاستكشاف الجوانب المظلمة والمخفية في النفس البشرية.

أما في الأدب الحديث، فقد استمر هذا الشغف؛ فيحيى الطاهر عبد الله في (حكاية على لسان كلب) استخدم الكلب (محظوظ) لينتقد التنكر للأصول والطبقية الاجتماعية. وفي الأدب العالمي، نجد (نورس جوناثان ليفنجستون) لريتشارد باخ، الذي حلق بعيداً عن السرب ليبحث عن السمو والكمال، متجاوزاً حدود الغريزة نحو آفاق الفكر.

عالم الطفولة والبرية الصامتة

يمثل أدب الأطفال المساحة الأرحب لبطولة الحيوان؛ فشخصيات مثل (ويني الدبدوب) و(دب بادينغتون) و(شبكة شارلوت)، ليست مجرد حكايات للتسلية، بل هي قنوات لغرس قيم الصداقة، والتضحية، وقبول الاختلاف. إن الحيوان في قصص الأطفال يتحدث بلغة الطيبة والبساطة التي يفتقدها عالم الكبار.

وفي المقابل، هناك جانب البرية الصامتة التي تجسدها أعمال جاك لندن مثل (نداء البرية)، حيث الصراع بين قيود الحضارة وغريزة الحرية. أو الجانب المرعب الذي يمثله القرش في (الفك المفترس)، حيث يواجه الإنسان قوى الطبيعة التي لا يمكن السيطرة عليها، مما يذكره بضآلته أمام جبروت الكون.

الخاتمة: الحيوان كمرآة للروح

إن الأدب الذي يتخذ من الحيوان بطلاً ليس أدباً حيوانياً بالمعنى الضيق، بل هو أدب إنساني بامتياز. إنه محاولة لكسر الحدود بين اللغة والغريزة، ولإيجاد صوت لتلك الأسئلة التي يعجز الإنسان عن قولها بلسانه المباشر. من وفاء الكلب (أرغوس) إلى فلسفة الكلب (إنزو)، ومن حكمة (أصلان) في نارنيا إلى تمرد (سنوبول) في المزرعة، يظل الحيوان في الأدب وسيلة لاكتشاف ذواتنا. إن الحكايات هي الجسر الذي يتجاوز الحدود، ومع كل حرف، تصبح الخطوط الفاصلة بيننا وبين شركائنا في الخلق أكثر ضبابية، ليتجلى جوهر التجربة الحياتية الواحدة في تنوعها المدهش. إننا نقرأ عن الحيوانات لنفهم، في نهاية المطاف، معنى أن نكون بشراً.

*** 

رمزي ميركاني

ثمة أمكنة لا تنتهي عند حدود الجغرافيا. تبقى مفتوحة على الذين مرّوا بها، وآخرين لم يستطيعوا الوصول إليها. وثمة حجارة تتحول، بفعل الذاكرة، إلى رسائل صامتة، وأمكنة تجذب الزوار.

في جزيرة (شيلاند) أكبر جزر الدنمارك، حيث يلامس بحر كاتيغات حافة اليابسة، ينتصب حجر تذكاري يحمل اسم الفيلسوف الدنماركي "سورين كيركيغارد 1813 ـ1855". هنا، كان يجد في العزلة واتساع البحر فسحة للتأمل والتفكير، ويجلس طويلاً يتأمل العالم والإنسان والأسئلة التي ستصبح لاحقاً جوهر مشروعه الفكري. أقيم الحجر التذكاري عام 1935، في الذكرى المئوية لزيارته الأولى للمكان.

غير أن لهذا الحجر، بالنسبة إلى عراقيي المنفى، حكاية أخرى لا يعرفها الحجر نفسه.

في عام 1996 كانت كوبنهاغن عاصمة للثقافة الأوروبية، وكانت مدن المنفى العراقي قد صنعت، في تلك السنوات، فضاءً ثقافياً موازياً للوطن الغائب. وفي قلب تلك الفعاليات جاءت تجربة "تحت سماء أخرى"، التي كان للفنان عباس الكاظم دور أساسي في تنظيمها، بمشاركة فنانين من بلدان عديدة، وبحضور أسماء عراقية ثقافية، كان المنفى قد جمعها على أسئلة الوطن والفن والحرية. من بين الذين أسهموا في الإعداد لهذه الفعالية الشاعر فوزي كريم، والكاتب كامل شياع، إلى جاب الفنان الكاظم. البرنامج لا يقتصر على المعارض والندوات، بل يفتح للضيوف أبواب المدن والمتاحف والأمكنة التي تختزن ذاكرة الدنمارك الثقافية. ومن بين تلك الأمكنة كان موقع حجر كيركيغارد.

ذهب فوزي كريم إلى هناك. أما كامل شياع، فقد حالت ظروفه دون أن يرافقه في تلك الرحلة. كان فوزي قد عاد إلى لندن وهو يحمل في ذاكرته صورة المكان: البحر، الحافة العالية، الريح، الخضرة، والحجر الذي ترك عليه كيركيغارد اسمه، كأنما ترك جزءاً من صمته هناك. حدّث كامل عن الزيارة، وعن ذلك الموضع الذي كان الفيلسوف يأتي إليه ليصغي إلى ذاته بعيداً عن ضجيج المدينة. كتب عنها بعاطفة الهبت مشاعر شياع على أمل زيارة الحجارة في فرصة ثانية. لكن الحياة لا تمنح دائماً المواعيد التي نؤجلها.

لعل هذا التفصيل الصغير هو الذي منح المكان، بعد سنوات، معنى آخر

كيركيغارد نفسه كان فيلسوفاً جعل من الفرد وتجربته الداخلية مركزاً للتفكير. هو مؤسس الفلسفة الوجودية المعاصرة، وممثل التيار الوجودي المسيحي المؤمن، لا المادي، لذا يعد أحد كبار فلاسفة الدين، لم يكن منشغلاً بالإنسان بوصفه رقماً في جماعة، بل بوصفه كائناً يقف وحيداً أمام الاختيار والقلق والإيمان والمسؤولية.

منذ ذلك الحين، صار الطريق إلى صخرة كيركيغارد طريقاً آخر إلى كامل، كل آب، يعود الفنان عباس الكاظم إلى المكان. مع مجموعة من الأصدقاء العراقيين، يحملون الزهور، يقفون أمام الحجر.

أمام اسم كيركيغارد المحفور في الصخر. يتقدم عباس من بينهم يضع صورة كامل شياع في أسفل الصخرة، يحيطها بالزهور. ثم يبدأ بتلاوة رسائل كامل إلى أصدقائه، كتبها في أوقات مختلفة: إشارات، إحالات واحتمالات، نبؤات، أحلام ضائعة، قراءات فكرية غزيرة، وتأملات عميقة، كانت أكثرها قسوة تلك التي ترقب فيها موته.

تتجاور الصورتان: كيركيغارد الذي كان يجلس هنا وحيداً ليكتب عن القلق والاختيار واليأس والإيمان، وكامل شياع الذي كان يفكر في وطنه البعيد، وفي الإنسان الذي يستحق وطناً أقل قسوة وأكثر عدلاً.

يمر الزمن، ويبقى الحجر.

في آب من عام 2003، عاد كامل شياع إلى بغداد. غادر المنفى إلى فضاء الوطن، حاملاً معه إيمانه بأن العراق لا يُترك للخراب، وأن المثقف يستطيع أن يكون جزءاً من عملية استعادة الحياة. وفي آب 2008 كان الموت يترصده، في الثالث والعشرين منه، ليصبح ذلك اليوم فاصلاً بين حياة رجل ومشروعه، وبين وطن كان يحلم بالمساهمة في بنائه، ووطنٍ ابتلعته يد العنف.

وفي كل آب، يحمل عباس الكاظم الورد، يمشي نحو الشاهد، كما لو أنه يمشي إلى موعد تأخر كثيراً. كان البحر في الأسفل يمدّ زرقة لا تنتهي، ريح أب تحرّك الأشجار بقوة، معها يتمايل العشب حول الحجر، فيما يظل اسم كيركيغارد محفوراً في الصخر، ثابتاً أمام الزمن. يلتفت الكاظم صوب البحر كأن صوت كامل يأتيه من بغداد، يحمل أسئلة الوطن، فيجيبه:

ـ نعم يا صديقي، البحر هنا، والحجر لم يتغير، وحدك لم تصل! فجئت إليك أنا أحمل شيئاً من حلمك المؤجّل.

ـ كنت أظن أنني سأعود إلى هنا يوماً.

ظل عباس صامتاً، وضع صورة شياع على الصخرة، لتصبح شاهداً على صداقة تقاوم الموت. والزهور لمقاومة النسيان، وضع عباس آخر وردة ونهض: ظل الحجر صامتاً.

***

جمال العتّابي

 

كلَّ يومٍ أسافر.. أسافر بعقلي وروحي، وأحلّق في فضاءات التأمل والصمت والتمعّن والتبصّر. أنقّب في مفهومٍ من مفاهيم الحياة الكثيرة، وتسحرني الطبيعة البشرية بما فيها من تعقيدٍ وغموض؛ فأغوص في ردّة فعلٍ صدرت مني، أو في مشهدٍ مرّ أمامي في الحياة، أو حتى في لقطةٍ من فيلمٍ لامست قلبي.

لا أتوقف عند ظاهر الحدث، بل أحاول أن أتمعّن في روحه، وفي ذلك الشيء الخفي الذي يختبئ خلف الكلمات والأفعال والمشاعر.

ثم تأتي الكتابة… المحطة الأخرى من هذه الرحلة.

فعندما أكتب، أتبصّر أكثر فيما جال في عقلي وخيال روحي، وأحاول أن أحوّل ذلك اللاملموس إلى شيءٍ ملموس، يمكنني رؤيته والتأمل فيه ومواجهته. وربما لهذا أشعر، حين أكتب، بمسؤولية تجاه ما أكتبه؛ لأنه لم يعد مجرد فكرةٍ عابرة، بل أصبح شيئًا خرج من أعماقي إلى النور.

وأشعر، على نحوٍ خفي، أن الكتابة تساهم في ترتيب عقلي وروحي، وكأنني في كل مرة أكتب فيها أضع شيئًا من الفوضى في مكانه، وأمنح بعض الأسئلة شكلًا، وبعض المشاعر اسمًا، وبعض الألم فرصةً لكي يُفهَم.

وقد ساعدتني في بعض هذه الأسفار علاقاتٌ جاءت محمّلةً برسائل لكشف ظلالي، فأظهرت لي جوانب في نفسي ربما لم أكن لأراها لولاها. ومن كشف الظلال قد يصبح الطريق أكثر سلاسةً نحو النور.

لذلك، ربما لا تكون كلُّ العلاقات المؤلمة علاقاتٍ فاشلة، إذا أحسنّا قراءة ما جاءت لتكشفه لنا؛ فقد تنتهي العلاقة، لكنها تتركنا أكثر معرفةً بأنفسنا وأقرب إلى نورنا الداخلي

وهذا يجعلني أتذكر ما قرأته لعالم النفس كارل يونغ عن تلك الجوانب المتعددة التي يحملها الإنسان في داخله؛ جانب النور، بما يمثله من .خيرٍ ووعيٍ وقيمٍ جميلة، وجانب الظل، بما يختزنه الإنسان من مشاعر مكبوتة، وآلام، وغضب، وضعف، وربما جوانب لا يحب أن يراها في نفسه أو يعترف بها.

ولعل الحكمة الحقيقية لا تأتي من ادعاء أننا أبناء النور فقط، بل من امتلاك الشجاعة للنظر إلى ظلالنا أيضًا.

فالإنسان المتصل بنوره ليس ذلك الذي لا ظلال له، بل ذلك الذي عرف ظلاله، وكاشف نفسه بها، واعترف بما فيها، وحاول أن يفهمها ويعالج ما يمكن علاجه فيها، ثم تصالح معها دون أن يسمح لها بأن تقوده.

ربما كانت بعض أسفاري الأعمق هي تلك التي لم أقطع فيها طريقًا، ولم أحمل فيها حقيبة…

بل أغمضت عيني، وتأملت، وغصت في أعماقي، ثم عدت من تلك الرحلة وأنا أعرف عن نفسي شيئًا جديدًا.

فالأسفار التي غيّرتني حقًا، لم تكن جميعها إلى مدنٍ بعيدة…

بعضها كان إلى داخلي.

بذور أفكاري

***

حميدة القحطاني

 

رُفْقَةَ الْمُحِبِّينَ وَمَلْحَمِيَّةِ قِصَصِ الْحُبِّ فِي الْأَدَبِ

منذ أن أدرك الإنسان هشاشته أمام الفناء، لم يجد سلاحاً يواجه به عبث الوجود أبلغ من "الحب". لم يكن الحب مجرد عاطفة عابرة تسكن الأرواح، بل وُجد كقوة كونية صاغها البشر على مر التاريخ في حكايات وملاحم خالدة، لتكون هي الدليل الوحيد الذي تعلموا منه كيف ينبضون، كيف يتألمون، وكيف يخلدون.  لقد تشرّب الوجدان البشري معاني العشق والوجد لا من الكتب النظرية، بل من أتون القصص الكبرى؛ من صرخات روميو وجوليت على شرفات الشوق، إلى جنون ليلى وقيس في صحراء الوجد، ورماد التضحيات الذي اشتعل طوال آلاف السنين في حكايات شيرين وفرهاد وغيرهم من عشاق التاريخ. تلك الروايات لم تكن مجرد حكايات تسلية، بل أصبحت هي المرجع الذي ألهم البشر واخترع فيهم القدرة على الحب والوجع بهذا الإرث الإنساني العظيم، ومن قلب الحكاية التي لا تموت، السؤال. هل هذا الإرث هو الذي صنع فينا القدرة على العشق، أم أن الحب كان كامناً فينا فجاءت الحكايات لتمنحه لغته وألمه؟ وكيف تحول من مجرد شعور خفي إلى ملحمة تعبر الأزمنة؟ وكيف تتداخل لغة القلب مع قسوة الواقع والجسد؟

من جذور الواقع إلى سحر الأسطورة.. الحقيقة التاريخية لقصص الحب الخالدة

من المشاهد الأساسية من الشرفة الشهير في مسرحية "روميو وجولييت" للكاتب وليام شكسبير. تتساءل جولييت عن تأثير الأسماء والعائلات على الحب، معربة عن رغبتها في التخلي عن هويتها من أجل حب روميو، كما تتأمل كيف أن جوهر الشخص لا يحدده اسمه.

جوليـت -آه يا روميو، لماذا أنت روميو؟ ... تخلَّ عن أبيك وتبرأ من اسمك؛ أو إن لم تفعل، فاحلف أنك غدوت حبيبي، ولن أكون بعد اليوم من آل

كابوليت."

روميـو: أأستمع إليها أكثر... أم أرد عليها الآن؟"

جوليـت: إن اسمك وحده هو عدوي! فلست أنت مونتيغيو. وما هو مونتيغيو؟ ليس بيد، ولا برجل، ولا بذراع، ولا بوجه، ولا بأي جزء يخص إنساناً.

اهتِكْ هذا الاسم وتبدل! فما الاسم أصلاً؟ إن ما ندعوه وردة، لو سميناه بغير اسمه لظل يحمل العطر نفسه ويفوح به!"

بهذا الحوار الخالد الذي يعلن تمرد العشق على الأسماء والقيود، يعلمنا مسرح شكسبير أن الكلمات حين ترتفع من رحم المعاناة، فإنها تغادر تفاصيل الواقع العابر لتسكن عرش الأسطورة. وحين نغوص في أصول قصص الحب الكبرى، نصطدم بحقيقة مدهشة مفادها أن الواقع التاريخي كان مجرد شرارة أولى، بينما تكللت الأسطورة بصياغة الوجدان البشري. خذ مثلاً قصة كليوباترا ومارك أنتوني في القرن الأول قبل الميلاد؛ فهما شخصيتان تاريخيتان حقيقيتان، كان صراعهما السياسي واقعاً موثقاً، لكن التاريخ لم يخلّدهما كقادة، بل حوّلتهما الأقلام لا سيما المؤرخ والفيلسوف اليوناني فلوتارخ إلى رمز مطلق للتضحية بالعالم كله في سبيل العشق. وبالمثل، تبرز ملحمة خسرو وشيرين وفرهاد الممتدة في ذاكرة الشعوب الشرقية؛ حيث تحيلنا إلى أحداث وشخصيات حقيقية من حقبة الإمبراطورية الساسانية في القرن السابع الميلادي، ليأتي الشاعر الكبير نظامي الكنجوي في القرن الثاني عشر الميلادي (1141–1209 م) ويخلدها في ملحمته الشعرية الخالدة، محولاً صراع السلطة والمهور المعجزة وشق الصخور إلى أيقونة أبدية لشهداء العشق والرفض المطلق للخضوع. وفي السياق العربي، تجسد شخصية قيس بن الملوح (مجنون ليلى) في العصر الأموي (القرن السابع الميلادي) جذوراً حقيقية للوعة الفراق، أضافت عليها الذاكرة الجمعية طبقات من العزلة حتى غدت المعيار المطلق للحب العذري. أما في الأدب العالمي، فنجد روميو وجوليت اللذين استوحاهما شكسبير في أواخر القرن السادس عشر من صراعات إيطالية قديمة، لكنه منحها روحاً فلسفية سرمدية. وهنا يعلمنا الفيلسوف الألماني لودفيغ فيورباخ (أحد أبرز عقول القرن التاسع عشر الذي أعاد الاعتبار للإنسان وجسده ومشاعره) أن الحب ليس وهماً طارئاً، بل هو المرآة الأصدق التي يكتشف فيها الكائن البشري جوهره الحقيقي. إن سر انتشار هذه القصص لا يكمن في حرفية ما حدث، بل في قدرة الرواة على التقاط النواة التاريخية المؤلمة وتضخيمها، لتتحول من حكايات أشخاص عابرين إلى ملاحم خالدة تؤرخ لفجيعة الإنسان الأبدية مع الفقد والحنين.

. لماذا تتشابه قصص الحب عبر العصور؟ ثبات الطبيعة الإنسانية وصراع العاطفة مع القيود

— قيـس بن الملوح مخاطباً ظلال الرمال والقبيلة

أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى

أُقَبِّلَ ذَا الجِدَارَ وَذَا الجِدَارَا

وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي

وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا"

بهذا النحيب الخالد الذي يعبر الحدود والقرون، يفتح لنا قيس باب الفهم على ثبات الطبيعة الإنسانية في أصفى تجلياتها؛ فبصرف النظر عن اختلاف الزمان أو المكان أو اللغة، سواء كانت في بادية العرب، أو فارس القديمة، أو إيطاليا عصر النهضة، تظل المشاعر الأساسية كالخوف من الفقد، والرغبة في الاقتراب، والشوق والغيرة والتضحية، هي ذاتها مشاعر بيولوجية ونفسية يشترك فيها كل البشر لتجعل الحب يعبر عن نفسه بالطرق الجوهرية ذاتها. أما التشابه الأكبر فيكمن في بنية الحبكة؛ فجلّ قصص الحب العظيمة لا تقوم على السعادة المستمرة، بل على الصراع الأزلي بين العاطفة الجارفة والقيود المفروضة. وتتخذ هذه العقبات أشكالاً متكررة وثابتة، كالعقبة الاجتماعية أو الطبقية، أو العقبة السياسية والسلطوية كصراع الملوك والدول وتسلط الحكام، أو العقبة القدرية والزمنية المتمثلة في المرض والفقد والموت المفاجئ. فالكاتب أو الراوي يحتاج دائماً إلى هذه "المقاومة" لتبرز قوة العشق، وكلما كانت العقبة أصعب وكلما التقت العاطفة بقسوة الواقع، كلما تخلدت القصة أكثر. ومن هنا تكتسب هذه الملاحم طابعها الخالد حين تنتهي بـ المأساة أو التضحية المطلقة، فالموت أو الفراق الأبدي هو الذي يمنع الحكاية من الذبول، ليأتي الوجع والفجيعة فيطبعان القصة بمسحة أسطورية تترك في الوجدان الإنساني أثراً أعمق بكثير من تلك النهايات التقليدية التي تبحث عن السعادة العابرة

ذاكرة الإنسانية وسطوة الحب.. حين ينتصر العشق على فناء الزمن

إذا كانت الحوادث التاريخية العابرة والحروب الكبرى تذبل في دفاتر النسيان وتتآكل تحت وطأة الأيام، فإن الحب وحده يمتلك تلك الكيمياء السرية التي تتحداة الفناء وتنقش نفسها في الذاكرة الجمعية للبشر. إن الأحداث السياسية والجغرافية تتغير وتتبدل، لكن صرخة عاشق في ظلام الليل أو همسة وفاء تحت شرفة بعيدة تظل تقاوم الزمن وكأنها وُلدت بالأمس. هذا الصمود الأسطوري لا يعود إلى سحر الكلمات وحدها، بل لأن الإنسان يودع في الحب أعمق مخاوفه من الزوال والموت. فحين نتذكر قيس أو روميو أو شيرين، فنحن لا نروي مجرد حكايات ماضية، بل نستعيد الجزء الخالد في أرواحنا الذي يرفض أن ينطفئ. إن الحب هو المحطة الوحيدة التي يستطيع فيها الذاكرة البشرية أن تعيد هندسة الواقع، محولةً الألم والفقد إلى أيقونة تتوارثها الأجيال كدليل قاطع على أن الوجود البشري له معنى أسمى يتجاوز حدود الجسد وقسوة الفناء.

بين كيمياء الدماغ وصراع الوعي.. ثنائية القلب والعقل في مواجهة العاطفة

حين نغادر صخب الأساطير لنهبط إلى مختبرات العلم الحديث، نكتشف أن العاطفة الجارفة ليست مجرد خيال شعري، بل هي سيمفونية بيولوجية دقيقة تديرها خلايا الدماغ ودوائره العصبية؛ فالوهج الذي يغمر الروح عند اللقاء الأول ليس إلا انفجاراً لكيمياء الدوبامين والأوكسيتوسين التي تعطل مؤقتاً أجزاء حيوية من القشرة الجبهية المسؤولة عن التفكير النقدي، ليبقى الإنسان منقاداً لدوائر المكافأة في ظاهرة "العمى العاطفي". من هنا يمتد الصراع التاريخي الأبدي حول الجهة التي تقود دفة الإنسان: أهو القلب بمشاعره أم العقل بحساباته؟ فالقلب يمثل المنبع الصافي الذي يستقبل طاقة الاندفاع بفيضان جارف لا يعرف الحذر، بينما يقف العقل كحارس صارم يحاول عبثاً ترويض هذا الفيضان. لكن الحقيقة الأعمق التي يدمجها العلم بالوجدان هي أن الحب الحقيقي ليس انتصاراً مطلقاً لطرف على حساب الآخر، بل هو التوازن الهش بينهما؛ فحين يمنح الدماغ والجسم طاقتهما البيولوجية الدافعة، يأتي وعي العقل ليمنح هذا الشعور عمق الاستمرار، ليتحول الحب من مجرد استجابة عضوية عابرة إلى تجربة وعي كبرى تندمج فيها حرارة الروح بصرامة الفكر لتبني إنسانًا يعي تماماً عظمة ما يعيشه

لماذا يقترن الحب بالألم؟ بين نقاء الجوهر وقسوة الواقع والدراما

حين نتأمل حكايات العشق الكبرى، يبرز السؤال الأكثر إيلاماً: لماذا يبدو الحب وكأنه توأم حقيقي للوجع والفجيعة؟ في جوهره الأصلي، لا يُخلق الحب ليكون أداة تعذيب، فهو طاقة أمان وسلام داخلي تسعى لتوحيد الأرواح، لكن العالم الخارجي بعقباته وقسوته هو الذي يفرض الألم. إن الفراق والرفض والقيود الاجتماعية ليست سوى جدران صلبة تصطدم بها العاطفة الجارفة، فتتحول طاقة الوصل إلى طاقة احتراق. وهنا يكمن السر وراء تركيز الأدب والتاريخ على النهايات المأساوية؛ فالبشر لا يخلّدون الحب السهل الهادئ، بل يجدون في الألم وسيلة التخليد الكبرى التي تثبت صدق التضحية وعمق التعلق. فحين يتجرع المحب مرارة الحرمان، يتحول الألم من شعور بالكسر إلى دليل قاطع على سمو الروح وتمردها على فناء المادة، ليصبح الوجع هو الطابع الذي يمنح القصة أبعادها الأسطورية التي لا تمحوها الأيام.

التناقض والتحمل. الجسد والروح كقطبين لقصة واحدة

في محطتنا الأخيرة من تفكيك ماهية العشق، نصل إلى المعضلة الكبرى التي تلخص التجربة البشرية برمتها: كيف يتحمل الإنسان كل هذا الفيض من التناقضات؟ إن الحب الحقيقي لا يعرف الحلول الوسطى، فهو يجمع في آن واحد بين أقصى درجات النعيم وأعمق حفر العذاب، وهو القوة الوحيدة التي تجعل المحب مستعداً لاحتمال قسوة العالم في سبيل لحظة وصْل عابرة. وهنا تسقط تلك الثنائيات المصطنعة التي تفصل بين الروح والجسد؛ فلا حب بلا حضور مادي ولا جسد يشتعل بغير إحراق الروح. إن الحب والجنس ليسا سوي قطبين لمدار واحد يسمى الإنسان، حيث يمنح الجسد للشعور لغته المحسوسة، بينما تمنح الروح لذلك اللقاء طابعه السرمدي الخالد. وحين يتقاطع التحمل مع هذا الامتزاج الكلي، يتسنى للإنسان أن يعبر جحيم الفقد وقسوة الفناء واقفاً على قدمين من يقين، مدركاً أن عظمة التجربة لا تكمن في خلوها من الألم، بل في قدرة هذا الكائن الهش على العشق حتى آخر نَفَس.

***

ئاريان علي

لقد تناول الكثير من الشعراء في قصائدهم قضية الهوية اللغوية التي تعتبر جزء لا يتجزأ من الشخصية الوطنية والعربيّة، ومن بين هؤلاء الشعراء الذين ترعرعوا في كنف لغتهم وتنفسوا أكسجينها الحيوي الشاعر المصري الكبير (حافظ إبراهيم) شاعر النيل رحمه الله وأسكنه فسيح جناته الذي وقف مدافعا عن لغته العربيّة التي تعرضت لأشد الهجمات الشرسة في ظل الإستدمار والإستلاب الزاحف لمحو مقومات الأمة إلى جانب الكثير من الشعراء والكتاب والمصلحين الذين مجدوا لغتهم في أبهى القصائد والمقالات والدعوة للرفع من مكانتها لما تتعرض له لغتنا التي هي رمز أصالتنا،وانتمائنا يقول حافظ إبراهيم على لسان اللغة العربية1.

وَسِعْتُ كِتابَ اللَهِ لَفظاً وَغايَةً

وَما ضِقْتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ

فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ

وَتَنسيقِ أَسْماءٍ لِمُختَرَعاتِ

أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرّ كامِنٌ

فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي

فَيا وَيحَكُم أَبلى وَتَبلى مَحاسِني

وَمِنكُم وَإِن عَزَّ الدَواءُ أَساتي

فَلا تَكِلوني لِلزَمانِ فَإِنَّني

أَخافُ عَلَيكُم أَن تَحِينَ وَفاتي.

إلى أن يقول في أبيات آخرالقصيدة:

إِلى مَعشَرِ الكُتّابِ وَالجَمعُ حافِلٌ

بَسَطتُ رَجائي بَعدَ بَسطِ شَكاتي

فَإِمّا حَياةٌ تَبعَثُ المَيْتَ في البِلَى

وَتُنبِتُ في تِلكَ الرُموسِ رُفاتي

وَإِمّا مَماتٌ لا قِيامَةَ بَعدَهُ

مَماتٌ لَعَمري لَم يُقَس بِمَماتِ

وما دام (للغة قيمة جوهرية كبرى في حياة كل أمة فإنها الأداة التي تحمل الأفكار، وتنقل المفاهيم فتقيم بذلك روابط الاتصال بين أبناء الأمة الواحدة، وبها يتم التقارب والتشابه والانسجام بينهم. إن القوالب اللغوية التي توضع فيها الأفكار، والصور الكلامية التي تصاغ فيها المشاعر والعواطف لا تنفصل مطلقاً عن مضمونها الفكري والعاطفي)2، وفي قصيدة (اللغة العربية والشرق)3. يقول مصطفى صادق الرافعي:

أتى عليهـا طـوال الدهـر ناصعـة

كطلعة الشمس لم تعلق بهـا الريـب

ثم استفاضـت ديـاج فـي جوانبهـا

كالبدر قد طمست من نوره السحب

إلى أن يقول:

سلوا الكواكـب كـم جيـل تداولهـا

ولـم تـزل نيّـراتٍ هـذه الشهـب

إلى أن يقول في نهاية المطاف:

أنتـرك الغـرب يلهينـا بزخـرفـه

ومشرق الشمـس يبكينـا وينتحـب

وعندنـا نهـر عــذب لشـاربـه

فكيف نتركه فـي البحـر ينسـرب

فدعوة الشعراء والمفكرين لم تكن اعتباطية للتمسك باللغة ذلك أنها أصل الهوية وأصالة الأمة وأن التمسك بها لايقود إلى الضياع.وقد عمل الكثيرون من العلماء من المصلحين في وطننا العربي من أجل المحافظة على كيان الأمة من الضياع ببعث اللغة العربية في مجتمعاتهم قصد المحافظة على انتمائها الحضاري ذلك أن اللغة هي الوعاء الحضاري للأمة أمثال الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله وغيرهم من المصلحين في كافة الأقطار والأمصار. وفي الأخير لا يسعني إلا أن أوكد وأنوه بما للعربية من أهمية في بناء الإنسان العربي والمحافظة على كيانه  بما قاله المستشرق الفرنسي ما سينيون:( لِيصمد العربُ، فالعالَمُ  بأمسّ الحاجة إليهم وليحترموا عربيتهم، هذه الآلة اللغوية  الصافية التي تصلح لنقل اكتشافات الفكر في كافّة الأقطار والأمصار، وليحافظوا على أصالتها فلا تنقلب مسخا مقلِّدا للغات الآرية، أو أن تتخثـر في حدود ضيّقة شأن العبرانية الجديدة التي تخثـرتْ في الصهيونية المتطرفة)4.

***

بقلم: تواتيت نصرالدين - الجزائر

....................

الهوامش

1- قصيدة اللغة العربية تتحدث عن نفسها للشاعر حافظ إبراهيم

2 - د. فرحان سليم، من مقال اللغة العربية ومكانتها بين اللغات

3 - قصيدة اللغة العربية والشرق لمصطفى صادق الرافعي

4 - أقوال مضيئة في اللغة العربية، منتدى اللغة العربي

أسطورة لهوميروس المعروفة ويعتقد أنها نُظمت كملحمة في نهاية القرن الثامن ق.م. عن حرب طروادة ومغامرات أوديسيوس ملك (أثيكا) للنجاة من الغربة ورحلة العودة إلى أحضان زوجته زوجته (بنيلوب) ولقاء ابنه الوحيد (تليماك) ووطنه يدور بالدرجة الاولى في مخيلة الشاعر يرويه بلسان الراوي وبطل الرواية الذي يشارك كبطلً في حرب طروادة تلك الرواية الخيالية والتي تنتهي بخدعة حصان طروادة ومغامراته هذا البطل الأسطوري يستمر في الاوديسة وليس هناك اي وثيقة تاريخيّة تثبت حتى وجوده كشاعر وربما هي من الرويات التراثية التراكمية والتي انتقلت شفاها عن طريق المرويات ولا علاقة بالواقع كما في روايات الف ليلة وليلة اي ان تلك الحوادث ليست حقيقية بل انها متواترة في المخيال الشعبي رغم وجود آثار قديمة تصور حوادث الملحمتين الإلياذة و الاوديسة ونرى في بعض الآثار القديمة توثيقا صوريا في التماثيل وبعض الصور على الأواني الفخارية لتلك الأسطورة . 3154 odes

الملحمتبن كما نعرف ترتبط بمجتمع وثني يؤمن بتعدد الآلهة وأنصاف الآلهة والخرافات (زيوس، بوسايدون، هيرا، الجميلة أثنا، مارس، ابولو، وربة الحب والجمال أفروديت …،) تقابل هذّه الالهه أسماء اخرى في الحضارات العراقية والمصرية والرومانية القديمة.

صراع البشر في أوديسة مع الطبيعة صراع أزلي للبحارة في ذلك الزمن والهة البحر والمغامرات تكاد ان تكون شبيه بمغامرات سندباد البحري. خيال الكاتب هوميروس الضرير، الأعمى الذي كتب الملحمة الشعرية الإلياذة، وكذلك الأوديسة في 24 نشيدا شعريا تأثر به العديد من الكتاب الغربيون ولحد اليوم والإشعار في وزن شعري سداسي يصور الحوادث من حروب اليونان القديم والبيئية المعروفة.

اليوم معظم المناطق التاريخية للملحمتين تقع في جمهورية تركيا وخاصة الطبيعة الزلزالية للمنطقة ويربط الحوادث بالخرافات وبوجود قوى ما وراء الطبيعة كالغول والساحرات و عالم الأموات السفلي الذي نشاهده كذلك في ملحمة گلگامش بالرواية الآشورية والبابلية لكنه كذلك يحاول مزجها مع صراع الإنسان الأزلي من اجل البقاء على الحياة.

الملحمة واقعي في توضيح سلوك والطبيعة البشرية للشخصيات في النص الشعري ويربط علاقة الآلهة بالبشر وإعمالهم الخارقة وحتى ظهوره فقط لشخص أوديسيوس ملك (أثيكا)  "المختار " وحده دون رفاقه في الرحلة. الذين يقضون جميعا في حين ينجو هو بمساعدة الآلهة في كل مغامرة يخوضها. جميع تلك المغامرات تجري في البحر واليابسة هي الجزر الواقعة في البحر الأبيض المتوسط وخليج إيجة.

الحديث عن الحنين إلى الوطن والعودة إلى الجذور حلم طالما راود العديد من المهاجرين اللذين قضوا في المنافي دون تحقيق ذلك الحلم.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي

 

هل ما زلت تبحث عني في وجوه النساء، متمنيًا أن تجد شيئًا مني في إحداهن؟

أم أنك ما زلت تبحث عمّن يساعدك على نسياني، بينما يرتدي شبحي معك، ولا يرحمك؟

يطاردك أحيانًا، ويطاردني أحيانًا أخرى…

في كل مكان، وفي كل وقت، مع كل عطر يمرّ بك، وكل صوت يعيد إلى مسامعك شيئًا من الماضي.

صديقي…

ربما لم نعد كما كنا، وربما فرّقتنا الأيام والسنون، لكنني أؤمن أننا ما زلنا موجودين في ذاكرة بعضنا.

كلما قاومتني، ربما ازددت شوقًا إليّ، وكلما حاولت أن تنساني بأخرى، عادت بك الذاكرة إلى أيامنا، وعدتُ أنا إلى ذاكرتك دون استئذان.

كنتُ يومًا أمتلك عرشًا في ذاكرتك، وربما كان لي مكان في قلبك أيضًا، لكنني قذفت ذلك العرش في قاع نهر الذكريات، ومضيت دون ندم… أو هكذا أقنعت نفسي.

ثم أصحو من جديد على الحنين، وأسأل:

أين أنت الآن؟

مرت سنوات طويلة يا صديقي…

سنوات مختلفة من حياتي، بعضها كان حلوًا، وبعضها مرّ كأن الأيام أرادت أن تختبر قدرتنا على الاحتمال.

وما يجعل حنيني إليك مختلفًا، أنك لم تكن مجرد صديق عابر.

كنت مختلفًا عن جميع أصدقائي.

فهناك أصدقاء يسكنون ذاكرة الروح،

وهناك أصدقاء لا تنساهم العيون،

وهناك من لا يفارقون البال مهما ابتعدت بهم الطرق…

وأنت كنت من هؤلاء جميعًا.

وربما لهذا يوجعني غيابك حتى اليوم.

أتذكر لحظاتنا، ضحكاتنا الصادقة، وأرواحنا الصغيرة التي كانت تحلّق في سماء من البراءة، دون أن تعرف أن الأيام ستخبئ لنا فراقًا بهذا الطول.

كان وجودك في حياتي أكبر من أن أدرك معناه وأنا طفلة.

كان شيئًا يشبه الأمان، يشبه ذلك الجزء الجميل من الطفولة الذي لا نعرف قيمته إلا بعدما يصبح ذكرى.

ثم جاء يوم الفراق…

ذلك اليوم الذي لاحت فيه الحرب في السماء، واضطرتنا الأيام إلى العودة إلى بغداد.

ما زلت أذكر المشهد كأنه لم يغادر ذاكرتي قط؛

صوتك، وبكاءك، وركضك خلف السيارة التي كانت تحملنا بعيدًا عنكم…

كنتَ تصرخ وتبكي، وكنتُ أنا أبكي بصمت طوال الطريق.

لم أكن أعرف يومها أن تلك اللحظات الصغيرة ستكون واحدة من أكثر الذكريات رسوخًا في قلبي.

علمت بعد ذلك أنكم عدتم إلى نينوى، ومضت السنوات…

لكنني كلما عدت بذاكرتي إلى ذلك اليوم، أشعر وكأن الفراق يحدث من جديد.

هل مرّ ذلك اليوم بذاكرتك يومًا؟

هل تذكرت السيارة التي ابتعدت بنا؟

هل تذكرت صوتك وأنت تركض خلفها؟

هل تساءلت يومًا أين أخذتنا الحياة بعد ذلك؟

أما أنا، فما زلت حين أتذكره أشعر بحزن يعتصر القلب، وبفراغ تركه غيابك في روحي.

مرت الأيام، وكبرنا، وتبدلت المدن والوجوه، وتغيرت أشياء كثيرة…

إلا أن بعض الذكريات لا تكبر معنا، بل تبقى في العمر نفسه الذي حدثت فيه.

وأنت واحدة من تلك الذكريات.

قد لا أعرف أين أنت الآن، وكيف أصبحت حياتك، وما الذي فعلته بك السنوات…

لكنني أعرف شيئًا واحدًا:

كلما دق جرس الذكرى في داخلي، كنت حاضرًا.

ولأنك كنت جزءًا من طفولتي، وجزءًا من زمن لا يمكن استعادته، سأظل أذكرك بالدعاء.

فبعض الغائبين لا نبحث عنهم كي يعودوا،

ولا ننتظر منهم شيئًا…

نكتفي بأن نقول في سرّنا:

اللهم أينما كان، احفظه، وأسعد قلبه، وامنحه من الطمأنينة ما يعوّضه عن كل ما فقد.

فربما فرّقتنا الحياة،

وربما أخذتنا الطرق إلى أماكن لم نخترها،

لكن في الصدر قلبًا ما زال ينبض بذكرى قديمة…

ذكرى صديقٍ كان يومًا قريبًا،

ثم أصبح بعيدًا،

وبقيت بيننا مسافة لا تقيسها المدن…

بل تقيسها السنون والحنين.

 ***

ذكرى البياتي

 

تجسيد العاطفة ومتاهات الوجود عند نجيب محفوظ

عرفتُ الحبَّ لأول مرة في حياتي. إنه كالموت تَسمع عنه كلَّ حين خبرًا ولكنك لا تعرفه إلا إذا حضَر. وهو قوةٌ طاغية يلتهم فريستَه، يَسلبُه أيَّ قوةِ دفاع، يطمس عقله وإدراكه، يصبُّ الجنونَ في جوفه حتى يطفح به. إنه العذاب والسرور اللانهائي

الحب فوق هضبة الهرم.  نجيب محفوظ،

طبيعة الحب في روايات نجيب محفوظ العمق والتشريح الفلسفي

عندما نغوص في مفهوم الحب عند نجيب محفوظ نكتشف سريعاً أننا أمام كاتب لا يتعامل مع العاطفة بوصفها شعوراً وجدانياً منعزلاً بل ينظر إليها كأداة تشريح نفسية واجتماعية وفلسفية لا غاية في ذاتها بل كاشف يختبر من خلاله جوهر الإنسان ويقيس مدى قدرته على مواجهة أزمات الوجود والطبقة والزمن، فلا يعيش أبطال رواياته الحب بسذاجة أو ارتياح بل يدخلون التجربة العاطفية وهم محملون بأسئلة كبرى حول المعنى والمصير والحرية ليتحول الحب إلى صدمة إيقاظ ومرآة تعكس اغتراب الفرد وعجزه أمام حتمية القدر، متمثلاً تارة في الحب الفطري والعذري النقي الذي ينبع من التقارب البسيط بين النفوس قبل أن يصطدم بصخور الواقع الخشن، وتارة في الحب الرومانسي الحالم الذي يخوضه الشباب كتمرد على الرتابة بحثاً عن المطلق قبل أن يرتطم بحواجز الواقع الصارم، ليتحول مع تقدم العمر واختلاف الظروف إلى حب عاطفي إنساني يرتكز على العشرة والمسؤولية وصبر الأمومة والتحمل، في مقابل وجه آخر مظلم ومصلحي تستغل فيه العاطفة أو الجسد كأداة للقفز فوق الحواجز الطبقية والهروب من الفقر نحو نهايات كارثية مأساوية تجعل من الحب في أدب محفوظ ساحة اختبار كبرى لكشف عيوب المجتمع وهشاشة النفس البشرية

الحي الشعبي المكان كبطل حي وفلسفي

لا يمكن بأي حال فصل أي قصة حب أو صراع إنساني عن بيئته الحاضنة في عوالم نجيب محفوظ فالحارة القاهرية ليست مجرد ديكور خلفي تجري عليه الأحداث بل هي شخصية دراسية قائمة بذاتها ولعلها البطل الحقيقي الأبرز في مشروعه الروائي، حيث تجتمع في هذا الحي الشعبي كافة التناقضات والطبقات الصغرى من فقراء ومهمشين وأصحاب حرف مما يجعل أي حدث فردي شأناً جماعياً يخص الحارة كلها ولا ينعزل عنها، وتخضع حياة الجميع لرقابة جماعية صارمة بسبب التلاصق المكاني الشديد والبيوت المتقاربة التي تعدم خصوصية الأفراد لتصبح السمعة والستر هما العملة الأهم للبقاء حيث تُقابل أي محاولة للخروج عن النص العرفي بالنبذ والسحق، وتعيش الحارة في كثير من الأحيان داخل زمن دائري مغلق تتكرر فيه الأنماط البشرية المتشابهة لكنها تتعرض دائماً لصدمات عنيفة بفعل رياح التغيير التاريخي والحداثة والانتقال إلى أحياء القاهرة الجديدة الذي يمثل سفراً وجودياً واغتراباً طبقياً ونفسياً صعباً، ومن هنا يحمل موقف محفوظ ازدواجية عميقة تجاه الحي باعتباره أماً رؤوماً تمنح أبناءها الدفء والانتماء والتضامن الإنساني التلقائي وفي ذات الوقت كابوساً طاحناً يخنق الطموحات ويسحق الأحلام الفردية ويفرض قيوداً لا تحصى لتصبح خلاصة العمق المكاني هي أن الحي هو القانون الأخلاقي والاجتماعي الصارم الذي يُشكل العواطف ويحدد مصائرها بين الرفض والقبول

الحب والمرأة إدارة الحياة

رغماً عن القهر تشغل المرأة في عوالم نجيب محفوظ المركز الأكثر سخونة ومأساوية في معادلة الحب والمجتمع فبينما يملك الرجل مساحة نسبية للتمرد أو الهروب تكون المرأة غالباً هي حائط الصد الأخير الذي يُنظر إلى عاطفته واختياراته من منظور جماعي صارم يربط شرفها ووجودها بمدى التزامها بالقواعد التقليدية، فلا يُعد الحب بالنسبة لبطلات محفوظ تجربة رومانسية عابرة أو تسلية وقتية بل هو غالباً قدر محتوم أو محاولة مستميتة للتحرر تستثمر فيها المرأة مشاعرها كرهان أخير لانتشال نفسها من جحيم الفقر أو التهميش أو القهر الأسري ليتولى هذا الرهان الاصطدام بسلطة مجتمعية ذكورية صارمة تتحول في كثير من الأحيان إلى فخ مدمر، وتتعدد طرق النساء في إدارة حياتهن وسط القهر عبر عوالم محفوظ متخذة شكلين رئيسيين هما المقاومة الصامتة بالتحمل والصبر كما في نموذج أمينة بالثلاثية حيث تُدار تفاصيل الحياة الأسرية بحكمة بالغة واستنزاف روحي صامت لتحويل العاطفة والعشرة إلى درع يحمي الأسرة من الانهيار، والتمرد الجامح للبحث عن الوجود مثل حميدة ونظيراتها حيث تحاول المرأة انتزاع حريتها بالقوة والرفض للواقع مستخدمة جاذبيتها أو طموحها ليكون هذا التمرد غير الممنهج عرضة للسحق السريع لافتقاره إلى الغطاء الاجتماعي، لتأتي إدانة المجتمع لا المرأة لتشكل عدالة المؤلف الواقعية فعندما تُساق بطلات محفوظ نحو نهايات مؤلمة وقاسية قد يبدو للوهلة الأولى أن الكاتب يعاقبهن أخلاقياً على خروجهن عن المألوف غير أن القراءة الفاحصة لعمق النص تؤكد أن نهاياتهن المأساوية هي إدانة صارخة لمجتمع ظالم يرفض الاعتراف بإنسانية الإنسانة وبحقها المشروع في الاختيار ويقفل في وجهها كل الأبواب العادلة فلا يترك لها سوى خيارات مميتة يتحول فيها جسد المرأة وعاطفتها إلى ساحة صراع تسعى المنظومة المجتمعية لتستعبده وفق تقاليدها بينما تسعى المرأة لاستخدامه كأداة للحرية والخلاص مما ينتهي بصدام مأساوي يكشف هشاشة الفرد أمام جبروت المنظومة

حميدة في زقاق المدق دراسة حالة لتشريح المأساة

تُعد شخصية حميدة في رواية زقاق المدق التطبيق الأقسى لكل المحاور السابقة؛ فهي ملتقى لقسوة البيئة الشعبية وطموح الحب الجامح. لا يمكن فهم جموحها بمعزل عن بيئتها كفتاة يتيمة تعيش في قاع زقاق مخنوق تحكمه الفاقة وغياب الأفق، مما يفسر رغبتها المستميتة في الهروب نحو الثراء. لكن عبقرية نجيب محفوظ تكمن في خلق "منطقة رمادية" لشخصيتها؛ فهي ليست ضحية بريئة تماماً، إذ امتزج طموحها بالغرور والاستعلاء على كل من حولها، مستغلة جمالها للعبور نحو طبقة أعلى. بوقوعها في فخ البرجوازية الزائفة واستسلامها لتجار الوهم، تحولت عاطفتها إلى سلعة رخيصة قادتها نحو قاع الانحطاط. وتأتي نهايتها المأساوية بمصرعها على يد خطيبها "عباس الحلو" لتشكل الستار الأخير على إنسانة تمرّدت على قدرها بوسائل خاطئة، لتصبح حميدة التجسيد الحي لمأساة الطموح الأعمى حين يغيب الوعي والعدالة الاجتماعية.

من النص إلى الشاشة كيف تعامل السيناريو مع حب محفوظ؟

يمثل الانتقال بأدب نجيب محفوظ من صفحات الرواية إلى شاشة السينما المحطة الأخيرة والأكثر جماهيرية في رحلتنا النقدية فهذا التحول لم يكن مجرد نقل لحكايات على الورق بل كان مواجهة فنية كبرى بين وسيطين مختلفين وهما وسيط أدبي يعتمد على التحليل النفسي والعمق الفلسفي ووسيط سينمائي يعتمد على الصورة والاختزال والجذب الجماهيري، حيث تفوقت السينما المصرية بامتياز في تجسيد المناخ العام للحب المأزوم بالبيئة الشعبية ونجح المخرجون الكبار مثل صلاح أبو سيف وحسن الإمام في تجسيد لغة العيون والصمت الثقيل وحالة الحب المقموع الذي تحاصره الجدران والتقاليد كما تمكنت الكاميرا من إبراز الصراع الطبقي بوضوح بصري مذهل كما ظهر في أفلام مثل بداية ونهاية وثلاثية بين القصرين وقصر الشوق مما جعل المشاهد يشعر بوزن القيود الاجتماعية على قلوب العشاق، وفي المقابل واجه السيناريو عجزاً حتمياً أو تضييقاً في نقل البعد الفلسفي والوجودي العميق الذي كان يضفيه محفوظ على العاطفة فالرواية لا تجعل الحب مجرد قصة غرام بل تساؤلاً وجودياً كبيراً حول معنى الوجود والعدالة بينما اضطر السيناريو بحكم ضيق الوقت وطبيعة الوسيط التجاري إلى أنسنة الحب وتلخيصه في صراع عاطفي مباشر مما أدى أحياناً إلى اختزال التعقيد الفكري للنص الأصلي، وفي حالات مثل شخصية حميدة في زقاق المدق استطاعت السينما تجسيد التمرد والطموح بصرياً لكن المونولوجات الداخلية العميقة والصراعات النفسية التي برر بها محفوظ تناقضات حميدة وغرورها تعرضت لشيء من التسطيح ليتحول الحب الجامح المأزوم في بعض المعالجات السينمائية إلى مجرد سلوك غريزي أو رغبة مادية واضحة مما أفقر المنطقة الرمادية المعقدة التي رسمها الأديب بدقة، ومن المثير للاهتمام أن نجيب محفوظ نفسه كتب سيناريوهات لبعض أعماله وكان واعياً تماماً بأن السيناريو فن الاختزال فحاول في هذه النصوص أن يخلق معادلة صعبة استبدل فيها التأملات الطويلة بفعل درامي حركي يدفع الأحداث للأمام ورغم نجاح هذه المحاولات في خلق أفلام خالدة إلا أنها ظلت نسخة سينمائية مكثفة تختلف في جوهرها عن اتساع وسعة النص الروائي لتتمثل خلاصة الانتقال من النص إلى الشاشة في أن السيناريو استطاع أن يمنح حب نجيب محفوظ أجساداً حية وملامح ناطقة فنقلت حرارة الشارع وألم الفراق ببراعة منقطعة النظير لكنها تركت خلفها جزءاً من العمق النفسي والتحليل الفلسفي البطيء الذي لا ينمو إلا بين صفحات الرواية الطويلة لتقدم السينما المشهد المرئي بينما يحتفظ الكتاب بالروح الخفية للعاطف

***

ئاريان علي

بورتريه لم يغادر مقهى ياسين

لم تكن الصداقة بين الفنان شاكر حسن آل سعيد والشاعر حسين مردان صلة عابرة بين رسام وشاعر، جمعتهما مصادفات الحياة الثقافية في بغداد، بل كانت جزءاً من مناخ شامل عاشته المدينة في خمسينيات القرن الماضي، حين لم تكن الحدود بين الشعر والرسم والموسيقى والفكر حادة كما أصبحت لاحقاً. كان الجميع تقريباً يجلسون إلى الطاولة نفسها، ويتجادلون في القصيدة واللوحة والفلسفة والحياة، ويخرجون من المقهى وهم يحملون أسئلة أكثر مما حملوا إليه.

وحين يستعيد شاكر حسن آل سعيد علاقته بحسين مردان، فإنه لا يستعيد إنساناً وحده، بل يستعيد زمناً بكامله. الذاكرة عنده ليست أرشيفاً مرتباً، إنها أصوات وروائح وأمكنة وضحكات ومشاحنات وأصدقاء غابوا، حتى ليبدو حسين مردان في هذه الاستعادة صوتاً أكثر منه صورة: ضحكته العالية، لهجته الشعبية، تعليقاته الساخرة، طريقته في الحديث، ونبرته التي تختلط فيها الجدية بالهزل.إنها بغداد الخمسينيات، يوم كانت المقاهي امتداداً للحياة الثقافية.

يتقدم مقهى ياسين إلى قلب الحكاية بوصفه المسرح الأبرز لتلك الصداقة. كان المقهى مطلاً على شارع أبي نواس، فضاءً للقاءات الأدبية والصداقة اليومية. وملتقى لشاكر حسن آل سعيد وحسين مردان وبلند الحيدري وفريد الله ويردي وآخرين.

فيه تتشكل أمامنا صورة جيل: شاعر، رسام، صحفي، موسيقي، أكاديمي أو فيلسوف يجلسون معاً بلا حواجز، كان حسين مردان في مركز هذه الجلبة.

ثقافته ممتزجة بشخصيته اليومية، ولهجته الشعبية جزءاً من حضوره، حتى إن عباراته ونكاته وتعليقاته كانت تكشف عن رؤيته إلى الإنسان بقدر ما تكشف عنها قصيدته.

كانت هناك مقهى البرازيلية أيضاً، ارتبط اسمها بمزاج ثقافي مختلف. كان مردان ينظر بشيء من الريبة إلى بعض مثقفي البرازيلية، ويرى فيهم نزوعاً برجوازياً. وهذه المعلومة الصغيرة تكشف شيئاً من الانقسامات الثقافية والاجتماعية التي كانت تتحرك تحت سطح الصداقات. مع ذلك لم تكن الحدود قاطعة.

كانت الجماعات تتداخل، والأصدقاء ينتقلون من مكان إلى آخر، والأسماء التي ستصبح لاحقاً علامات كبيرة في الثقافة العراقية، تتجادل وتضحك وتختلف: بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري، جواد سليم، غائب طعمة فرمان، محمود صبري، حسين مردان، نهاد التكرلي، جواد سليم، شاكر حسن آل سعيد وغيرهم. هو مناخ تؤكده شهادات متعددة عن مقاهي بغداد في تلك المرحلة، فقد كانت مقهى ياسين والبرازيلية وغيرهما ساحات فعلية لتشكيل الاتجاهات الجديدة في الشعر والفن.

الصورة التي يرسمها شاكر حسن لمردان بعيدة عن صورة الشاعر الوقور المحاط بهالة أدبية. كان رجلاً صاخباً، ساخراً، شديد الاعتداد بنفسه، يملك حساً فطرياً بالمفارقة، وقدرة على تحويل الجلسة إلى مشهد مسرحي. بمقدوره أن يمنح الآخرين ألقاباً تظل عالقة بهم أياماً، وأن يحول حادثة عابرة إلى نكتة تتداولها الجماعة.

وراء ذلك الوجه المرح كان ثمة إنسان آخر: إنسان قلق، متمرد، شديد الحساسية، يحمل شعوراً بالعزلة لا تبدده الضحكات تماماً.

هذه المفارقة هي أجمل ما تلتقطه ذاكرة شاكر حسن: حسين مردان الذي يملأ المقهى بصوته قد يكون في داخله أكثر الجالسين وحدة.

حتى علاقته بالمرأة والحب، تبدو في شهادة آل سعيد جزءاً من ذلك التناقض. كان يتحدث عن الحب والجسد بلا مواربة، ويصرح بمغامراته العاطفية والجنسية بحرية أثارت من حوله كثيراً من الكلام. غير أن وراء هذه الجرأة كان ثمة بحث دائم عن معنى آخر للوجود، كأن التمرد على الأعراف لم يكن غاية في ذاته بقدر ما كان وسيلته لاختبار حريته الفردية.

لا يمكن فصل صورة حسين مردان عن ديوانه الشهير "قصائد عارية"، الذي تعرّض بسبب إلى الملاحقة والمحاكمة والسجن.

يستعيد شاكر حسن تلك الواقعة بوصفها جزءاً عضوياً من شخصية مردان، والمثير في شهادة آل سعيد أنه لا يتعامل مع هذه النزعة بوصفها بطولة خالصة، ولا يدينها أخلاقياً. إنه يراقب صديقه ويحاول فهمه: لماذا كان حسين مصراً على الذهاب إلى الحافة؟ لماذا كان يستفز المجتمع؟ ولماذا كان يعرّض ذاته للرفض؟ ربما لأن الحرية عنده لم تكن مفهوماً أدبياً، بل امتحاناً شخصياً. يتساءل آل سعيد: هل كان مردان وجودياً؟

لم يكن السؤال يعني انتماء الشاعر إلى مدرسة فلسفية منظمة، بل كان يتعلق بطريقة عيشه: تمرده على المألوف، إصراره على الاختيار، تحمله نتائج اختياراته، ومحاولته أن يصنع حياته وفق إرادته الخاصة. في إحدى مغامراته قرر مردان الهجرة من العراق نحو الغرب، متوهماً أنه بمقدوره عبور الصحراء نحو بلاد الشام سيراً على الأقدام. أخذ معه شيئاً من الخبز، وانطلق فعلاً. مترنماً بالربع الخراب، غير أن الطريق أنهكه قبل بلوغ غايته، وبعد تجاوز الفلوجة شعر بالتعب، وكاد أن يرديه. فاكتشف أن مغامرته أكبر من قدرته الجسدية، فعاد خائباً مكسوراً.

حادثة تبدو طريفة في ظاهرها، لكنها عند شاكر حسن ذات دلالة: كان حسين يريد أن يختبر الفكرة بجسده، لإثبات فلسفته العبثية، لم يكن مردان وجودياً، بل كان متمرداً.

في ذاكرة شاكر حسن أسماء أخرى: طالب الكيلاني بنقده اللاذع ومداخلاته العلمية، والموسيقي فريد الله ويردي، الصحفي عبدالمجيد الونداوي، الشاعران كاظم جواد، وبلند الحيدري، والمترجم نهاد التكرلي.

كانت النقاشات تحتدم أحياناً، تتخللها الصرخات والضحكات والتعليقات الساخرة. تكمن أهميتها أنها تقدم صورة نادرة عن كيفية إنتاج الثقافة العراقية آنذاك.

كان مردان، في نظر آل سعيد، حاداً في أحكامه أحياناً، سريع النفور ممن لا يرضى عنهم، معتدّاً بذاته، قاسياً في السخرية، وربما متعجلاً في الحكم على الآخرين. لكنه، في الوقت نفسه، كان صاحب شخصية لا تشبه غيرها.

هنا تكمن قيمة الشهادة، انها لا تصنع تمثالاً للشاعر بعد موته، إنما تعيد إليه انسانيته:

يحب ويغضب، يسخر ويتفاخر، يحلم بالهجرة ثم يعود، يدخل في المناقشات ويعلو صوته، يروي مغامراته، ويعيش الشعر بوصفه موقفاً من الحياة.

إنها صورة لجيل عراقي كان يعيش الثقافة بوصفها فعلاً يومياً، جيل لم يفصل بين الفن والحياة.

وحين انطفأ المقهى وتفرّق رواده، بقي حسين مردان في الذاكرة وجهاً يطل من طاولة بعيدة في مقهى ياسين: كأن بغداد الخمسينيات لم تغادر تماماً، وإنما أغلقت باب المقهى وتركت أصوات أصحابه في الداخل.

***

د. جمال العتابي

في فضاءات الفكر والأدب، تلتقي الأرواح في حضرة الكلمة، ويُخيل إلى المرء دائمًا أنّ من يغزل الحروف ويسكب المشاعر الإنسانية في قوالب روائية لا بُدّ أن يحمل في صدره قبسًا من تلك القيم السامية التي ينادي بها. غير أنّ الحياة تظلّ هي المحك الحقيقي الذي تتساقط عنده الأقنعة وتتكشف الحقائق.

بدأ الأمر ببادرة حملت في طياتها الكثير من الود والتقدير، حين خطت قدم ذلك الصديق والزميل عتبة المنزل للمرة الأولى. كان يحمل بين يديه وليد أفكاره، رواية أصدرها قبل سنوات مضت، وكتابًا آخر أهداهما بوقار الكُتّاب وشغف المبدعين. غمرت البهجة أرجاء المكان وهو يتجول بعينيه الفاحصتين بين رفوف المكتبة النابضة بثقافات شتى، خطها راحلون تركوا إرثًا خالدًا للبشرية، وآخرون ما زالوا ينسجون في حاضرنا أجمل ما لديهم من فكر وإبداع. كان مشهدًا نخبويًا بامتياز، تخلله نقاش عذب ولطيف، انتهى بوعد قاطع برحلة استكشافية في عالم روايته، قبل أن يستأذن الضيف ويمضي سريعًا في طريقه.

لم يتأخر العهد إذ فتحت صفحات الرواية ليتجلى فصلها الأول مثيرًا للغاية، مسبوكًا بأسلوب متميز ومشاهد غامضة نُسجت بحرفة أدبية لافتة للأنظار. دفع هذا الإعجاب الأولي إلى مشاركة خاطرة جميلة تشجيعية على منصات التواصل الاجتماعي، تهنئةً له على هذا الألق والتميز. لكن، ومع التوغل في الجزء الثاني، بدأت ملامح الوهن تتسلل إلى جسد السرد، وظهر إسهاب ممل يكاد يسلب القارئ متعة المواصلة. ومع ذلك، وبدافع من الالتزام الأدبي والأخلاقي، استمرت القراءة بصبر حتى طويت الصفحة الأخيرة في اليوم التالي. أُرسلت رسالة شكر للروائي تنم عن قراءة عميقة متبوعة بعبارة استدراكية تحمل في طياتها الكثير، ولكنني أحتاج إلى جلسة حوارية لتقديم الرؤية الكاملة، فجاء رده سريعًا في اليوم التالي يطلب لقاءً عاجلاً في مقهى قريب بعد نصف ساعة فقط.

في المقهى، وقبل أن يصل الزميل، كانت الأجواء مهيأة لحديث أدبي ثري. وعند اللقاء انطلق الحوار وتفرع، متناولًا معضلة بعض المؤلفين الذين يضيقون ذرعًا بالنقد البناء الموزون بضمير الاحترام والتقدير للكاتب. وعلى امتداد أكثر من ثلاث ساعات كاملة، فُككت الرواية تفكيكًا دقيقًا، وجرى الحديث بموضوعية عن حلقتها الأقوى ومواطن الضعف والقصور فيها، والزميل يستمع بملامح تبدو عليها أمارات السرور والامتنان. وفي غمرة ذلك النقاش الممتد طلب الروائي مائدة صغيرة متعللًا بضيق وقته لتناول وجبة الغداء، لتأتي النادلة بالطعام، بينما اقتصر الطرف الآخر على كوب القهوة فقط. كلّ شيء كان يسير في عفوية المحبة وتلقائية الوجود الإنساني النبيل.

لكنّ اللحظات الحاسمة في العلاقات لا تأتي إلّا مع النهايات. بعد الأذان بساعة كاملة، أعلن الصديق فجأة رغبته في الرحيل، ونهض قائلًا بملء فيه، "أكرمك الله". في تلك الثواني القليلة، جثم ألم اللحظة على الصدر، وتجلت المفارقة الصارخة، فالرسالة المسبقة كانت تفيد ضمنيًا بأنه المضيف، والواقع الآن يفرض العكس تمامًا. جرت محاولة اختلاس النظر والتمتمة عن مكان النادلة للدفع، مع إشارات غير مباشرة تمنحه فرصة المبادرة، إلّا أنه، وبلا مقدمات، استأذن سريعًا للذهاب إلى دورة المياه، تاركًا الموقف بأسره على عاتق صاحبه الذي دفع الحساب بصمت، برغم ثراءه، الموقف، لم يكن يحتمل عتابًا أو نقاشًا.

عند الخروج، رفع الروائي يده مودعًا إياه إلى "لقاء آخر"، ومضى في سبيله. وفي طريق العودة، بدأت العبارة في أعماق النفس، "أكرمك الله". نعم، الكرم من الله وحده، فالمال ليس معيار الصداقة، بل إنّ بعض الأصدقاء قد يحصرون الصداقة في منفعة عابرة. انتهى اللقاء، وتولدت قناعة راسخة بأنّ الثقافة ليست في مجملها كتبًا تُقرأ أو روايات تُكتب، بل هي في المقام الأول ثقافة النخوة والشهامة والكرم، فإن غابت هذه القيم سقطت الأقنعة، ولم يبقَ من الثقافة إلّا حبر باهت على ورق.

***

فؤاد الجشي

 

يتجدد بين الحين والآخر السؤال التالي "هل يحق للفنان ممارسة الكتابة النقدية"؟ مع كل تجربة فنية جديدة: هل يستطيع الفنان أن يكون ناقداً في الوقت نفسه، أم أن اقترابه من العمل الإبداعي يجعله أسيراً لذائقته الخاصة وغير قادر على إصدار أحكام موضوعية؟

إن العلاقة بين الفن التشكيلي والنقد ليست علاقة تناقض، بل علاقة تكامل معرفي وجمالي. فالفنان لا ينتج عمله في فراغ، وإنما يستند إلى ثقافة بصرية وتجارب وأسئلة فكرية تجعله أقرب الناس إلى فهم آليات العمل الفني. لذلك فإن ممارسة الفنان للكتابة النقدية تمنحه فرصة للكشف عن خفايا التجربة الإبداعية، وتوضيح الأساليب التقنية والرؤى الفكرية التي قد تغيب عن المتلقي العادي. وكثير من التحولات الكبرى في تاريخ الفن الحديث ارتبطت بفنانين كتبوا عن تجاربهم وعن مفاهيم الفن والجمال، فأسهموا في تأسيس تيارات ومدارس جديدة في العراق. أو أشاعوا الوعي الفني لدى الجمهور.

نذكر منهم على سبيل المثال: نوري الراوي، شاكر حسن آل سعيد، جبرا إبراهيم جبرا، جميل حمودي، محمود صبري، ضياء العزاوي، شوكت الربيعي، يحيى الشيخ، علي النجار، موسى الخميسي، عادل كامل، خالد خضير الصالحي. وآخرون.

لكن في المقابل، يواجه الفنان ـ الناقد إشكالية أساسية تتعلق بالحياد. فالفنان غالباً ما يكون منحازاً إلى أسلوبه أو جيله أو رؤيته الخاصة، مما يدفعه إلى تمجيد تجارب تشبهه وإقصاء تجارب أخرى تختلف عنه. ومن هنا تظهر أهمية التوازن بين الحس الإبداعي والمعرفة النقدية. إذ لا يكفي أن يكون الإنسان فناناً كي يصبح ناقداً، بل يحتاج أيضاً إلى أدوات تحليلية وثقافة فلسفية وتاريخية تساعده على تجاوز الانطباع الشخصي نحو قراءة أعمق وأكثر اتساعاً.

كما أن النقد الفني ليس مجرد إصدار أحكام بالمدح أو الذم، بل هو عملية تفسير وتأويل وكشف للعلاقات الجمالية والفكرية داخل العمل الفني. والفنان الذي يكتب نقداً يمتلك ميزة إضافية تتمثل في معرفته الدقيقة بتقنيات الإنتاج الفني، الأمر الذي يسمح له بقراءة التفاصيل التي قد لا ينتبه إليها الناقد الأكاديمي البعيد عن الممارسة العملية. ولهذا يمكن للفنان أن يقدم نوعاً من "النقد من الداخل"، أي النقد الذي ينبع من التجربة الحية لا من التنظير المجرد.

وفي المشهد الثقافي العربي، كثيراً ما أسهم الفنانون التشكيليون والشعراء والروائيون في إثراء الحركة النقدية، لأن الإبداع الحقيقي يولّد بالضرورة أسئلة فكرية وجمالية. فالفنان عندما يكتب عن الفن لا يدافع فقط عن تجربته الشخصية، بل يشارك في صياغة الوعي الثقافي العام، ويساعد على بناء ذائقة جديدة لدى المتلقي.

يبدو الأمر مألوفاً في تاريخ الفن الأوربي، فالفنانون أنفسهم هم الذين أسسوا للنقد والكتابة التشكيلية، وكانوا المنظّرين للتيارات والمدارس التي أبدعوها. حتى نكاد لا نجد فناناً لا تضم المكتبة النقدية إحدى إصداراته. للفنان "فازاريللي" مكتبة عن الفن البصري لا تقل أهمية عن خصوبة انتاجه في الرسم. كذلك هو شأن "بول كلي" و "كاندينسكي". أما بيكاسو وبراك فقد وضعا أسس التكعيبية، كذلك فرناند ليجيه، وهنري ماتيس. بينما يختلف الأمر بالنسبة إلى فناني البلدان العربية، تعاف أنفسهم الكتابة، يترفعون عنها بدعوى أن هناك حدوداً بين النشاطين العملي والنظري، بدعوى أيضاً أنها لا تخلو من النرجسية ومغازلة الأنا والذات المبدعة قد يبدو هذا القول معقولًا، غير أنه يخفي سؤالًا صارخًا يمكن صياغته كالتالي: إلى أي حدّ يمكن للتشكيلي الناقد أن ينسلخ عن أحادية تجربته الشخصية، ومن ثم عن نرجسيته الفنية، كي يقوّم تجارب الآخرين؟ فالممارسة النقدية مهما كانت "موضوعيتها" الموهومة هي تجربة ذاتية.

قد يقول قائل إنه ليس ثمة أفضل من التشكيلي، دارس الفن التشكيلي الحديث، ومعرفته في تاريخ الفن، وممارسته له، من أن يتصدى لتجربته الإبداعية. بيد أن أغلب من يجمعون بين ممارسة الإبداع التشكيلي والنقدي يدعوننا، ضمناً ومن باب المقارنة، إلى تقويم علاقة إبداعهم بكتابتهم النقدية. من ثمّ، نحن نجد من بينهم من يقدّم لنا في المجالين معًا تجربة إبداعية ونقدية متواضعة، وهؤلاء هم الغالبون في الساحة النقدية العربية ومن يكتسحون صفحات الجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية. وأغلبهم ممارسون للصحافة الفنية. ومنهم من يقدّم لنا تجربة تشكيلية رصينة، وبالمقابل ممارسة نقدية خصبة، وما أقل هذا الصنف..

إن حق الفنان في ممارسة الكتابة النقدية لا ينبغي أن يكون موضع شك، لأن الإبداع والنقد وجهان لعملية ثقافية واحدة. غير أن نجاح الفنان كناقد يتوقف على قدرته في التحرر من الذاتية الضيقة، والانفتاح على التجارب المختلفة، واعتماد رؤية معرفية تتجاوز المجاملة والانفعال. وعندما يتحقق هذا التوازن يصبح الفنان الناقد صوتاً مهماً يربط بين التجربة الجمالية والتأمل الفكري، ويمنح الثقافة الفنية عمقاً وحيوية أكبر.

***

د. جمال العتّابي

حين يعيش الخيال فينا ونعيش فيه

تُعدّ الشخصية الروائية الخلية الحيّة والنبض الأساسي لأي عمل سردي؛ فهي المحور الذي تتكئ عليه الحبكة، والعدسة التي من خلالها يرى القارئ عوالم النص وأفكاره. ولعلّ أصدق ما يعبر عن هذه السطوة هو مقولة الروائي الكبير ماريو بارغاس يوسا حين قال: «الروايات لا تروي لنا قصصاً لنعيش فحسب، بل تمنحنا حياةً موازية نعيش فيها ما حرمنا منه الواقع». من هذا المنظور الأدبي البحت، لا يُنظر إلى الشخصية الروائية باعتبارها مجرد نقل فوتوغرافي لإنسان واقعي، بل هي كائن فني دلالي يُصاغ بعناية فائقة من الكلمات والرموز لتأدية وظيفة جمالية وفكرية محددة.

تتجلى هذه البنية الأدبية في تكامل أبعاد الشخصية؛ فهناك الشخصية الحية النامية التي لا تظل راكدة على حال واحدة منذ بداية الرواية وحتى نهايتها، بل تخضع لتحول تدريجي نتيجة اصطدامها بالأحداث والصراعات، وهو ما يمنح السرد عمقه النفسي. وتتقاطع في بناء الشخصية المتكاملة أبعاد رئيسية تشمل البعد الفيزيائي الخارجي من ملامح وهيئة، والبعد الاجتماعي المتمثل في الانتماء والعلاقات، والبعد النفسي الذي يضم الهواجس والدوافع الخفية والصراع الداخلي بوصفه المرتكز الأساسي لعملية الإسقاط الذاتي. وتتجاوز الشخصية في الأدب الرصين حدود كونها فرداً فريداً لتتحول إلى رمز أو أيقونة تعبر عن فكرة أوسع أو حالة إنسانية عامة، إذ لا يخلق الكاتب الشخصية عبثاً، بل يجعلها أداة استقصاء يكشف من خلالها عن تعقيدات النفس البشرية وأسئلتها الوجودية. ومن أعظم المفارقات الجمالية في فن الرواية أن هذا الكائن المصنوع من حبر وورق يكتسب استقلالية اعتبارية عن خالقه، ليمنحه الروائي صوتاً ودوافع منطقية تجعل القارئ يتعامل معها ككائن حقيقي يملك حرية الاختيار والألم.

الرواية كمرآة للذات الإسقاط الذاتي

حين نفتح صفحات الرواية، فإننا لا نبحث مجرد بحث عن حكاية تسلي أوقاتنا أو تخرجنا من روتين الواقع، بل نمارس خفاءً طقساً من طقوس البحث عن الذات. تتحول الشخصية الروائية في هذه اللحظة إلى مرآة صاقلة تعكس خبايا نفوسنا الصامتة، وتمنح أسماء دقيقة لمشاعر وعواطف ومخاوف عجزنا طويلًا عن صياغتها أو الإقرار بها. إن قراءة صراع شخصية ما أو ترددها أو انكسارها يضعنا أمام مرآة داخلية نرى فيها أنفسنا بوضوح مدهش، فنقول في سرنا: هذا تماماً ما يعتمل في صدري.

ولا يتوقف هذا الإسقاط الذاتي عند حدود اكتشاف الداخل، بل يتجاوز لكسر العزلة الشعورية القاتلة التي ترافق الإنسان في لحظات أزماته وتساؤلاته الوجودية. فعندما نلتقي ببطل يعاني من ذات الهاجس أو يحمل نفس التناقضات، ندرك فجأة أننا لسنا وحدنا في هذا النسيج الإنساني المعقد، وأن ما نتحمله من مخاوف وانفعالات ليس عيباً فردياً خاصاً بنا، بل هو جزء أصيل من التجربة البشرية المشتركة. هذه المواساة الصامتة التي تمنحها الشخصية الروائية للقارئ تعيد ترتيب الفوضى الداخلية، وتزيل شيئاً من وحشة الاغتراب النفسي، لتصبح القراءة بذلك رحلة عودة آمنة إلى أعماق الذات الحقيقية.

كيف تؤثر الشخصيات الرومانسية فينا؟

تمتلك الشخصيات الرومانسية أو تلك التي تخوض قصص حب جارفة كيمياء خاصة وتأثيراً عاطفياً طاغياً على وجدان القارئ. وهي تفعل ذلك لأنها تخاطب الطبقة الأكثر هشاشة وعمقاً في النفس البشرية؛ كالوقوع في الشوق، والخذلان، واللهفة، والخوف من الفقد، مما يجعل التعاطف معها فورياً وحارقاً. من خلال هذه الشخصيات، نختبر أقصى درجات الشغف والألم الوجداني في بيئة آمنة تتيح لنا استكشاف طاقاتنا العاطفية دون دفع الثمن الواقعي لتلك الصراعات.

ومروراً بالمقارنة مع الأنماط الأخرى، فبينما تكون الشخصيات الرومانسية أشد تأثيراً على المستوى الوجداني السريع لتماسّها المباشر مع عواطف القلب، تتفوق الشخصيات الوجودية أو المأزومة فكرياً في ترك أثر أبقى على البنية الفكرية وتوسيع الوعي. يظل هذا التأثير نسبياً ومحكوماً بحالة القارئ النفسية وحاجته اللحظية؛ أهو بحاجة لمن يداوي عواطفه الملتهبة، أم لمن يستفز عقله وأسئلته الكبرى؟

إسقاط الشخصيات على الواقع المحيط فهم الآخرين

لا يقف الأثر العميق للشخصيات الروائية عند حدود استكشاف الذات وتقصي خباياها الداخلية، بل يتجاوز ذلك ليمتد إلى فضاء الواقع الخارجي والمحيط الاجتماعي. فحين نتأمل دوافع الأبطال وصراعاتهم، وتناقضاتهم بين المعلن والخفي، فإننا نكتسب تدريجياً مفاتيح نفسية وأدوات تحليلية تجعلنا أكثر قدرة على قراءة البشر من حولنا. تتحول الشخصيات الروائية في هذا السياق إلى نماذج بشرية حيّة نلتقي بنسخ منها في تفاصيل حياتنا اليومية، مما يعيننا على تفكيك سلوكيات المعارف والأصدقاء وتجاوز الأحكام السطحية المتعجلة. وهكذا، تصبح الرواية جسراً معرفياً يربط بين تخوم الخيال وعتمة الواقع، مانحةً إيانا عدسة شفافة نرى من خلالها تعقيدات النفس البشرية أينما حللنا، لنقترب من فهم الآخرين بمزيد من التعاطف والوعي والبصيرة.

رسم الخطوط الخارجية والمواساة دون حلول جاهزة

تتميز الشخصيات الروائية العميقة بأنها نادراً ما تقدم حلولاً سحرية أو إجابات جاهزة لمعضلات الحياة، بل تكتفي برسم الخطوط الخارجية لمخاوفنا وانفعالاتنا وتساؤلاتنا الوجودية. هذا الإحجام عن تقديم الوصفات الجاهزة ليس نقصاً في البناء الفني، بل هو جوهر جماليتها؛ إذ تترك للقارئ مساحة حرة ليتلمس حدوده النفسية بنفسه. وحين نرافق شخصية تخوض صراعاً بلا نهايات سعيدة مبسطة، فإننا ندرك أن التعقيد الإنساني هو الحالة الطبيعية للوجود. وبهذا الدور غير المباشر، تمنحنا الرواية شكلاً فريداً من أشكال الأنس والمواساة الصامتة؛ فنحن لا نبحث عن منقذ يحل لنا عُقدنا، بل نبحث عن رفيق يشاطرنا ثقل الطريق، ويخبرنا من خلال مصيره المتخيل أن الارتباك الإنساني والقلق الوجودي هما قدر مشترك لا مفر منه، مما يخفف من وحشة الوحدة ويمنح الذات طمأنينة خفية توازي أعمق إجابات الفلاسفة.

التجاوز والتحرر: آفاق أوسع خارج حدود الواقع

إلى جانب كون الرواية مرآة للذات وأداة لفهم المحيط، فإن الشخصيات الروائية تمنحنا قدرة فريدة على "القفز فوق الأسوار" التي يفرضها علينا الواقع اليومي المحدود. عندما نرافق شخصيات تخوض تجارب جذرية، أو تتخذ خيارات جريئة لم نكن نمتلك شجاعة الإقدام عليها في حياتنا الفعلية، فإننا نعيش تلك التجربة بالوكالة. هذه المعايشة الافتراضية تكسر جمود الروتين، وتوسع خيالنا الأخلاقي والنفسي، وتمنحنا مرونة أكبر في تقبل الاختلاف البشري وتخيل احتمالات بديلة لحياتنا. هكذا لا تعود الشخصية مجرد انعكاس لما نحن عليه، بل تصبح نافذة تطل بنا على ما يمكن أن نكونه، أو ما يمكن للحياة أن تسعه من عوالم ومعانٍ أرحَب.

سلطة الخيال النافذة: حين يتقمص القارئ مصير البطل

لا تقف حدود تأثير الشخصيات الروائية عند الإسقاط النفسي أو الفهم العاطفي، بل تتجاوز ذلك أحياناً لتبلغ مرتبة التقمص الكلي الذي يمحو الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال. ولعل التاريخ الأدبي الإنساني يحتفظ بشواهد حية على هذه السلطة الطاغية؛ فأبرزها ما حدث عقب صدور رواية "آلام ورثر الصغير" لجوهان غوته عام 1774، حيث تحولت شخصية البطل المأزومة إلى نموذج تقمصه مئات الشباب حرفياً في ملابسهم وسلوكياتهم، وصولاً إلى موجة انتحار جماعي تاريخية عُرفت بـ "حمى ورثر". هذه الظاهرة المتطرفة، التي أفرزت لاحقاً في علم النفس مصطلح "متلازمة ورثر"، تثبت أن سطوة الكائن المصنوع من حبر وورق قد تكون أحياناً أقوى وأنفذ من الواقع الصلب نفسه، قادرة على هز وجدان الإنسان وقيادته إلى أقصى درجات الوجد أو الهلاك

***

ئاريان علي

في الذاكرة الإنسانية قريتان تتشابهان حتى في اللفظ: "جورنيكا" في إسبانيا، و"كوجو" في سنجار. الأولى دمّرتها طائرات الحرب الأهلية الإسبانية عام 1937، فنهض بابلو بيكاسو من بين الركام ورسم لوحته الخالدة، لتغدو جورنيكا رمزاً عالمياً في إدانة الحروب والوحشية. اللوحة إحدى قمم الأعمال الفنية التي أنجزها بيكاسو في تجسيد مأساة مدينة "جورنيكا" ومواجهة القسوة تحت وابل القنابل التي قذفتها طائرات الفاشية، حتى سوّتها بالأرض.

  بيكاسو اعتمد اللونين الأسود والأبيض، للإفصاح عن غرضه، وهو التعبير البليغ عن بؤس الإنسانية، وكأنه بهذا العمل قد تنبأ بكل ما جرى بعد ذلك، وبأوسع نطاق، في أثناء الحرب العالمية الثانية.3141 bablo

   لم يلجأ الفنان لأية محاولة للضبط أو الحذر اللازمين دائماً لضمان نجاح عمله، بل سيطر الاندفاع العنيف على كل خطوط ومساحات اللوحة، ولا أحد يستطيع أن يتصور بأي عزم أو أية إرادة استطاع بيكاسو أن يوجّه الأشكال المرسومة لتعبر عن غرضها. حتى أننا في خضمّ اندفاع الخطوط هذا لا نستطيع ان نميز الهوس العاطفي المكتوم المسيطر على جو العمل الفني الناتج من احساسه بفقدان بلده إلى الأبد. لقد أحال بيكاسو عواطفه الصادقة إلى عاصفة من المساحات الحادة والانفعال غير المحدد لحادثة مفجعة.

أما الثانية، فهي قرية "كوجو" في سنجار.. ما أوحش الدرب اليها، بعد أن وطأته قوافل الردى وعواء الذئاب، اجتاحها أهل اللحى المتوحشون، الخارجون من كهوف التاريخ المظلمة، في آب عام 2014، فارتكبوا فيها واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في القرن الحادي والعشرين، وما تزال المقابر الجماعية شاهدة على ما جرى.3139 kocho

لكن السؤال الذي يؤرق الضمير الإنساني هو: من يرسم "كوجو"؟ من يخلدها؟

من يمنح أطفالها وجوههم من جديد؟ من يجعل صرخات نسائها وأمهاتها لغةً يفهمها العالم؟ من يحوّل الخراب إلى ذاكرة بصرية لا يستطيع التاريخ أن يمحوها؟

لقد أنقذت ريشة بيكاسو جورنيكا من النسيان، فلم تعد مجرد مدينة أُحرقت، بل صارت ضميراً أخلاقياً للبشرية. أما "كوجو"، فما تزال تنتظر، رسّامها الكبير، وموسيقاها التي ترفع أسماء ضحاياها إلى مرتبة الخلود.

ليس الفن ترفاً بعد المذابح، بل هو الشاهد الأخير عندما تصمت البنادق، ويُخذل الساسة، ويبهت الخبر في نشرات الأخبار. لذلك فإن كوجو لا تحتاج إلى نصب تذكاري فحسب، بل إلى عمل إبداعي عظيم يجعل العالم، كلما نطق باسم جورنيكا، تذكّر كوجو أيضاً، لأن الدم البريء لا وطن له، ولأن الإنسانية إذا حفظت مأساة شعب واحد، وجب عليها أن تحفظ مآسي جميع الشعوب.

جورنيكا، لم تخلّد المدينة لأنها وثّقت تفاصيل المجزرة، بل لأنها حوّلت الألم المحلي إلى رمز إنساني عالمي. هذه هي المهمة التي ما تزال تنتظر كوجو: ليجعلها رمزاً كونياً للإبادة، تماماً كما أصبحت جورنيكا رمزاً للحرب، وهيروشيما رمزاً لسلاح الدمار النووي. وكوجو الصحراء في وحشتها.

  آن للقبور التي سيجت منازلك بالموت، أن تنهض، فخاتمة الدنيا فناء فيك، هنا على ترابك تمتحن الأرض، فما عادت تعطي تيناً وزيتوناً، لأن الماء دماء، فأصيح في لهف يمزقني:3140 kocho

عفوك الآن (كوجو..)

لقد غلبني اليأس، وأسلمت نفسي للبكاء، كان أحرى أن لا أراك، انه الموت في زمن الرايات السود، إني أتيه، أتيه في صمتي، أحثّ خطاي اليك..

أصيح ..أصيح…حتى تنتهي رئتي، وتسقط في فمي حنجرتي، فيجيبني رجع الصدى، والحشرجات، فانطوي، وأعود أصرخ.. ألف أصرخ …لا الصدى ينبي، ولا صمتي، ولا قافيتي…

الى أين رحلتِ يا كوجو، وغبتِ؟؟

وأهلك إلى أين أبحرتم، ومعكم متاعكم الأخير؟

ها هي الاضلع العجفى المقيمات على صحرائك، تتصدى لهجوم الهمجيين، أية عذابات أشتعلت فينا، كأننا ننصت لأصوات الابتهالات والاستغاثات، ياقرابين الضحايا الاوفياء لتراب كوجو، دعونا نسمع، لا تدعوا ارواحكم تجفل من هذا القادم المستريح، وهو يتحاشى أن يعبر مثوى الشهداء، انكم والله ترنيمة بين شفاه الانبياء.

ألف جيل يا كوجو، ستظل الشمس خجلى في الشروق بعد اختفائك،

أبداً ستلاحقنا ضحكات اطفال كوجو، ونحن نغادرك، بل ستطاردنا دماؤهم، وأنتَ يا جبل سنجار، هذا الوهج المتكبر، والقمر الملقى خلفك، ادركنا من صوت الثأر، فنحن وديعة بين يديك، لم يبق لدينا سوى الندم المتعثر والأسف، وأولئك لن ينقذهم من مشنقة التاريخ مسارهم القذر..Public Sénat

***

جمال العتّابي

في عام 1999، خرجت من مكتبة صغيرة في الموصل وأنا أحمل شيئا يشبه المخاطرة أكثر مما يشبه الكتاب. كانت مجموعتي الشعرية الأولى قد خرجت للتو من المطبعة، على نفقتي الخاصة، في بلد كان يعيش حصارا دوليا وحشيا، حتى إن أبسط الأشياء كانت تبدو وكأنها تحتاج إلى إذن كي توجد. لم أكن أعرف آنذاك ماذا سيحدث للكتاب، ولا كم نسخة ستجد طريقها إلى القراء، ولا حتى إن كنت سأظل أتعامل مع الشعر بالطريقة نفسها بعد سنوات.

كنت أعرف شيئا واحدا فقط: أن الكتاب يحمل زمنا كاملا في داخله.

من الصعب أن يكتب المرء في العراق آنذاك من دون أن يدخل الحصار إلى النص، حتى لو لم يذكره. يتسلل إلى النفس، وإلى العلاقات، وإلى الأشياء الصغيرة، وإلى الخوف من الغد، وإلى تلك القدرة الغريبة التي يكتسبها الإنسان حين يعيش طويلا وسط النقص. لذلك جاءت المجموعة محملة، من حيث مناخها النفسي والإنساني، بذلك الزمن. واليوم، حين أعود إلى قصائدها، أشعر أنني أرى كاتبها القديم من مكان آخر. لقد تجاوزت تلك المرحلة في فهم الشعر، لغة وأسلوبا ورؤية، كما يتجاوز المرء غرفة عاش فيها طويلا، ثم يكتشف، بعد سنوات، أنها كانت أضيق مما كان يظن.

لكن هناك شيئا في ذلك الكتاب لم أتجاوزه. كان على الغلاف رُسِم باللون الأسود، وفي الداخل تخطيطات سوداء أخرى، كلها من عمل لوثر إيشو. وحين أفكر في المجموعة الآن، لا أجد أن أكثر ما يشدني فيها هو ما كتبته أنا، بل ما رسمه هو.3124 marwan

أقول ذلك لا انتقاصا من النصوص الشعرية، وإنما لأن السنوات أعادت ترتيب الأشياء في الذاكرة. تغيرت علاقتي بالنصوص، أما خطوط إيشو فبقيت بالنسبة إلي كما هي: شهادة على فنان يعرف أن الخط ليس مجرد أثر على الورق، وأن اللون الأسود يمكن أن يكون أكثر من لون.

كان إيشو يرسم بقلم الروترنك، ويستطيع بهذه الأداة البسيطة أن يصنع عالما شديد التعقيد. خط دقيق يقود إلى خط آخر، وكثافة تتجاور مع فراغ، ومساحات تبدو ساكنة فيما هي، في الحقيقة، مشحونة بحركة خفية. لم تكن أعماله الداخلية شروحات بصرية للقصائد، ولم يحاول أن يرسم ما تقوله الكلمات. كان يفعل شيئا أصعب: يدخل في حوار معها.

سلمته المخطوط وأنا أشعر بشيء من القلق. فأنا أعرفه جيدا بما يكفي لأعرف أن الثقافة وحدها يمكن أن تجعل الفنان أكثر قسوة على ما يقرأ، لا أكثر تساهلا معه. كان إيشو مثقفا في الفن، صاحب معرفة واسعة، ويمتلك رؤية نقدية لا تسمح له بأن ينجز عملا لمجرد أنه طلب منه. كان يستطيع، بأدب نادر، أن يقول لك إنه غير مقتنع بما تريد، ثم ينهي الحديث من دون أن يجرحك.

لهذا لم أكن واثقا من أن المخطوط سيعجبه. أعطيته الكتاب، وذهبت.

بعد أسبوع التقينا. لم يقل لي شيئا طويلا. سلمني لوحة الغلاف، ثم وضع بين يدي بقية التخطيطات الداخلية. أخذتها، ونظرت إليها واحدة واحدة. لم أسأله: هل أعجبك النص؟ ولم يكن السؤال ضروريا أصلا. كانت اللوحات قد أجابت. فأنا أعرف إيشو جيدا، لو لم يجد في القصائد ما يستحق، لما جلس إلى الورق، ولما أمضى وقته في بناء ذلك العالم الأسود الذي بدا كأنه نشأ بالتدريج من صمت طويل.

هكذا بدأ أحد أغرب الفصول في علاقتي بذلك الكتاب. لم أكن، في ذلك الوقت، أفكر في أن السنوات ستجعلني أنظر إليه بهذه الطريقة. كان كتابا أول، ومغامرة أولى، وربما شيئا كنت أحتاج إلى القيام به أكثر مما كنت أعرف ماذا أفعل به بعد أن أنجزته.

ثم ضاعت النسخة الأصلية من المخطوط أثناء نزوحـي من الموصل إلى أربيل. وبين الأشياء التي تفرقت في الطريق، ضاع المخطوط الذي كانت تتجاور فيه القصائد مع رسوم إيشو الأصلية. بقيت لي الذكرى، لكن الذكرى، مهما كانت دقيقة، لا تعوض الورق حين يكون الورق جزءا من التاريخ.

سنوات مرت....

قبل عام، حدث ما يشبه المصادفة التي لا تبدو مصادفة تماما. عثرت على نسخة من المجموعة عند أحد الأصدقاء، وهي النسخة التي أهديتها له قبل زمن طويل. أخذتها منه، وفتحتها، وفجأة شعرت أنني لا أستعيد كتابا قديما، بل أستعيد غرفة كاملة من الماضي. وقفت عند الرسوم طويلا. في تلك اللحظة أدركت كم كان إيشو قد وصل، قبل أكثر من ربع قرن، إلى مستوى من التقنية لا يفسره التمرين وحده. ثمة عقل وراءها يراقب نفسه، وفنان لا يرضى بأن يكرر ما وصل إليه في المعرض السابق. وهذه، في رأيي، إحدى العلامات التي تميز الفنان الحقيقي من الحرفي الماهر. الحرفي يعرف كيف ينجز ما أتقنه. أما الفنان فيظل مشغولا بما لم ينجزه بعد.

إيشو ينظر إلى تجربته كما لو أنها مشروع لم يكتمل. كل معرض عنده يبدو محطة، لا نهاية. وكل نجاح كان يفتح أمامه مشكلة أخرى. ولهذا لم يكن رساما متمكنا من أدواته فقط؛ كان يفكر في الفن، ويشك في نتائجه، ويراجع نفسه. بمعنى آخر، كان ناقدا لتجربته.

وحين رحل عام 2011، لم يغادر المشهد التشكيلي العراقي رساما جيدا فحسب، بل غادره عقل فني كان يمكن أن يواصل إنتاج الأسئلة. ولهذا السبب، كان رحيله أكثر من غياب شخص.

ثم جاء ما حدث لناحية "قره قوش" التابعة إداريا لمحافظة نينوى حين سيطر تنظيم داعش عليها، وكانت قد أصبحت مكان إقامته بعد تدهور الأوضاع الأمنية في الموصل بعد عام 2003، تعرضت أعمال كثيرة لإيشو للنهب والفقدان. لوحات خرجت من أماكنها، وأخرى اختفت، وأعمال كانت تنتمي إلى حياة كاملة لم يعد ممكنا الوصول إليها. لكن بعض اللوحات بقيت عند الأهل والأصدقاء، كما بقي جزء من إرثه محفوظا في الأقراص الرقمية.

ولعل في هذه النهاية المفارقة ما يلائم سيرته. فالفنان الذي رفض مغادرة العراق حين كان يمكنه ذلك، انتهت بعض أعماله إلى التشتت خارج المكان.

كان أشقاؤه قد توزعوا في أكثر من بلد أوروبي منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وعرضوا عليه أن يغادر مثلهم، لكنه رفض. لم يكن الأمر بطولة معلنة. بل شديد الارتباط بالمكان الذي يمنحه معنى لهويته. كان عراقيا آشوريا، يعرف أن المكان ليس مجرد عنوان جغرافي، بل ذاكرة أيضا.

من الصعب أن نتحدث عن إيشو من دون أن نتحدث عن هذا الارتباط. فانتماؤه إلى المكان يشبه الطريقة التي ينتمي بها اللون إلى اللوحة: لا يمكن نزعه من دون أن يتغير شكل الشيء كله.

وأتذكر الآن تلك الجلسة التي أخبرني عنها بعد صدور المجموعة. قال إن نقاشا طويلا دار حول الكتاب بينه وبين عدد من أدباء قره قوش، منهم شاكر مجيد سيفو وهيثم بردى وزهير بردى.اتفقوا جميعا على أنه يستحق الانتباه. وكانت هناك مفاجأة في هذا الأمر؛ فأنا لم أكن قد نشرت قبلها نصا شعريا في الصحف، ولا كنت قد أعددت الأرض مسبقا لمثل هذه المغامرة.

شهادة إيشو، بالنسبة إلي، أكبر من مجاملة. لأني أكن إعجابا خاصا بتجربته التشكيلية، ولم يكن إعجابي منفصلا عن شخصيته. فهو رجل رفيع الأخلاق، هادئ في تعبيره، دقيق في أحكامه، ويمتلك من الوعي الفني ما يجعله يعرف الفرق بين العمل الذي يستحق الإنجاز والعمل الذي لا يستحق. لهذا بقيت كلماته في ذاكرتي.

حين أعود اليوم إلى تلك النسخة القديمة من مجموعتي الشعرية"رفات القطيعة"، لا أبحث عن الشاعر الذي كنتُ عليه عام 1999 بقدر ما أبحث عن اليد التي كانت تمسك بقلم الروترنك فوق الورق. أقرأ القصائد بعين مختلفة، لكنني أتوقف عند اللون الأسود لرسوماته، كما لو أنني أتوقف عند شاهد نجا من الحريق.

ربما لهذا السبب لم يعد الكتاب، بالنسبة إلي، مجرد أول مجموعة شعرية. إنه المكان الذي التقى فيه شاعران من نوعين مختلفين، أحدهما بالكلمات والآخر بالخط.

وحين ضاع المخطوط، بقي الكتاب.

وحين ضاعت بعض لوحات إيشو، بقيت آثارها.

وحين ابتعد الزمن، بقي الأسود.

وهذا هو الشيء الغريب في الفن: أحيانا ينسى المرء ما كتبه، لكنه لا ينسى اليد التي أعطت كتابه شكله الأخير.

***

مروان ياسين الدليمي

الهايكو قصيدة يابانية شديدة التكثيف، خرجت من الهوكّو، المقطع الافتتاحي في الشعر الياباني المترابط. وكان الهوكّو، قبل أن يستقلّ بنفسه، يفتح الباب لقصيدة يشارك في بنائها أكثر من شاعر. ومع ماتسو باشو، في القرن السابع عشر، بلغ هذا الفن من الصفاء والعمق ما جعله أكبر من مجرّد استهلالٍ لقصيدة، وصار قادراً على أن يحمل، في ومضة قصيرة، عالماً كاملاً من النظر والإصغاء والدهشة.

أما اسم الهايكو بصورته الحديثة، فقد ترسّخ في أواخر القرن التاسع عشر مع الشاعر والناقد الياباني ماساوكا شيكي، الذي أسهم في تحرير هذا الفن وتجديد النظر إليه.

لكنني لا أريد أن أدخل إلى الهايكو من باب تاريخه وحده، ولا من باب قوانينه وعدد وحداته الصوتية. فالقصيدة، حين تسافر من لغة إلى أخرى، لا تحمل معها المسطرة ذاتها.

ما يعنيني فيه شيء أبسط.

أن ترى.

أن تصغي.

أن تترك للحظة حقَّها في أن تكون لحظة، قبل أن يفسدها التفسير.

وربما يحتاج قارئ الهايكو إلى أن يستعيد شيئاً من طفولته، من البراءة التي كانت تجعل الأشياء أكبر من أسمائها، ومن الدهشة التي تسمح للقمر بأن يكون وجهاً، وللشجرة بأن تكون ذاكرةً، وللثلج بأن يسقط خارج النافذة وفي داخلنا معاً.

لا تبحث دائماً عن المعنى.

فالمعنى أحياناً يأتي متأخراً، بعد أن تكون الصورة قد عبرت.

وبين مقطعٍ وآخر، أحب أن أتخيّل ضربةً واحدةً من وتر الكوتو الياباني. رنّةً قصيرةً، صافيةً، ثم صمتاً.

فربما كان الصمت، في هذا النوع من الشعر، سطراً رابعاً لا يُكتب.

هذه النصوص لا تدّعي أنها هايكو ياباني خالص، ولا تريد ذلك. بعضها يقترب منه، وبعضها يبتعد عنه نحو السخرية أو الحلم أو الحكمة أو المفارقة.

إنها تقف فقط...

على تخوم الهايكو

كيف يكون لهذا القمر

شمسانِ صغيرتانِ

تتدلّيان من أذنيه؟

*

لا طريقَ واضحاً

يوصلني

إلى حيث أقف.

*

مستسلمون لخَدَر النسيان اللذيذ...

تلمسنا الأرائك كما نلمسها،

وتحسُّ بنا كما نحسُّ بها.

*

شجرةُ التوت خضراءُ في الذاكرة...

خلف النافذة

يتساقط الثلج.

*

الزوجةُ الكبرى تمشي بعكّاز...

الوسطى والتي تليها تفسحان لها الطريق،

والرابعة، أصغرهنّ، تضحك.

*

هرمتِ السنديانةُ

التي كبرتِ المدينة حولها...

شاع الخبر في الشتاء، بين طالبي الحطب.

*

قطيفة، قطّي العجوز، فقد ذاكرته...

وعلى الحائط ساعةٌ كقلب المسيح المفتوح،

نسيت دقّات الوقت.

*

عزفوا ألحاناً رائعةً من بعيد...

رقص الفقراء على الأنغام.

فالفرح لا يطلب مليماً.

*

الرجل العجوز يخطو على مهل،

ثم يجلس على صخرةٍ حيث يروقه...

منذ أن نسيته العيون، صار كلُّ مكانٍ مقعداً له.

*

الحكومة تراقب المدينة...

اختفت المدينة.

ظلّت عيون العسس مفتوحة.

*

الذباب فوق القمامة...

يحتشد على صفحات الجريدة.

أخبار الأمس... وليمة اليوم.

*

يطلع الفجر...

تذوب ألوان الليل.

الحاضر وحده يضيء.

*

على المسرح يتقن كلَّ الأدوار...

يعود إلى البيت،

فينسى دورَ نفسه.

*

وشاحٌ أبيض...

يستر قداسةَ اللوحة

قبل أن ترتكب الفرشاة أول حماقة.

*

تنجرف مع تيّار الشلّال

نحو الهاوية...

فناءٌ يفتن غفوةَ الصخور.

*

بمفاتيحَ صدئة...

يفتح الناس

أبوابَ الحاضر.

*

حكمةٌ عن الرضا

في ورقة حلوى صينية...

الصغار جياع، والشمس تميل إلى الغروب.

***

فؤاد ميرزا بغدادي

....................

* الصورة: آلة الكوتو اليابانية.

القارئ للشعر العربي القديم لا بد وأن يكون قد مرت عليه بعض القصائد، البعض منها يتنازعه أكثر من شاعر ويدعيه لنفسه، ومن هذه القصائد قصيدة تسمى ب"القصيدة الدعدية" وهذه القصيدة لها قصة مشوقة ، وقد ادعاها لأنفسهم شعراء كثر، ولذا فقصتها جديرة بأن تروى.

تقول الحكاية أن امرأة من نجد أو من اليمن وهي بالمناسبة أميرة من الأميرات العربيات أخذت على نفسها العهد أن لا تتزوج من رجل إلا إذا غلبها بفصاحته وبيانه ، وبقي الأمر على هذه الحال مدة ما تقدم إليها رجل فيها ليخطبها للزواج إلا وخسر الرهان بما عنده من بلاغة وفصاحة، ورجع مهزوما يجر أذيال الخيبة. وحدث أن سمع بها شاعر بليغ وفارس شجاع وأراد أن يجرب حظه في طلب الزواج منها، فاجتهد في سبك قصيدة وأحسن سبكها مبنى ومعنى، ثم عزم على الرحيل ليخطب المرأة، وفي الطريق أبصره رجل من الذين سبق لهم أن تقدموا للزواج من الأميرة ورسبوا في الامتحان، فتقدم لشاعرنا فسأله عن الغرض من سفره، فأخبره بأنه يريد الزواج من الأميرة وأنه يحمل معه قصيدة للامتحان، فاحتال الرجل إلى أن قتل الشاعر وأخذ القصيدة وذهب بها إلى الأميرة.

سألته الاميرة عن نفسه فأجاب إجابات تخالف تماما ما يوجد في القصيدة، فصرخت على الفور:

اقتلوا هذا فإنه قاتل بعلي.

وقد ادعى القصيدة كثير من الشعرا، فنسبت مثلا إلى ذي الرمة، وإلى أبي الشيص وإلى العَكَوَّك الخ، والقصيدة مشهورة ب"القصيدة الدعدية" نسبة إلى "دعد" الذي هو اسم الأميرة.

ونظرا لطول هذه القصيدة من جهة، ونظرا إلى إيغالها في وصف جسد المرأة، سنقتصر منها على ما يفي بالغرض فقط. وقبل ذلك نشير إلى أن هذه القصيدة شبيهة بقصيدة النابغة الذبياني وخاصة في وصف "المتجردة" زوجة الملك النعمان، وهي القصيدة التي تبدأ بهذا البيت:

أمنَ آل ميةَ رائح أو مغتدِ

عجلانَ ذا زاد وغير مزوّدِ

والله المستعان.​

***

مصطفى معروفي

..........................

القصيدة الدعدية:

هَـــل بِــالــطُّلولِ لِــسائِل رَدُّ

أَم هَـــل لــهــا بِــتَــكَلُّمٍ عَــهدُ

أبــلَى الــجَديدُ جَــديدُ مَعهَدِها

فَــكَــأَنَّما هـــو رَيــطَةٌ جُــردُ

مِن طولِ ما تَبكي الغُيومُ على

عَــرَصــاتِها ويُــقَهقِهُ الــرَّعدُ

وتُــــلِــثُّ ســارِيــةٌ وغــادِيَــةٌ

ويَــكُــرُّ نَــحــسٌ خَــلفَهُ سَــعدُ

تَــلــقــى شَــآمِــيَــةٌ يَــمــانِــيَةً

لَــهُــما بِــمَورِ تُــرابِها سَــردُ

فَــكَسَت بَــواطِنُها ظَــواهِرَها

نَـــورًا كـــأَنَّ زُهــاءَهُ بُــردُ

يَــغدُو فَــيَسدي نَــسجَهُ حَدِبٌ

واهــي الــعُرى ويُــنيرُهُ عَهدُ

فَــوَقَفتُ أســألها ولــيسَ بِــها

إِلَّا الــمَــهــا ونَــقــانِقٌ رُبـــدُ

ومُــكَــدَّمٌ فــي عــانةٍ جَــزَأَت

حَــتَّى يُــهَيِّجَ شَــأوَها الــوِرْدُ

فــتناثرت دِرَرُ الــشُؤونِ عَلى

خَـــدّى كَــمــا يَــتَناثَرُ الــعِقدُ

أو نــضحُ عزلاءِ الشَّعيب وقد

رَاح الــعَسيف بــملئها يــعدُو

لَــهَفي عَــلى دَعــدٍ وَما حفَلت

إِلّا بــــحــرِ تــلَــهُّــفي دَعـــدُ

بَــيضاءُ قَــد لَــبِسَ الأَديمُ أديم

الــحُــسنِ فــهو لِــجِلدِها جِــلدُ

وَيَــزينُ فَــودَيها إِذا حَــسَرَت

ضــافي الــغَدائِرِ فــاحِمٌ جَعدُ

فَــالوَجهُ مــثل الصُبحِ مبيضٌ

والــشعُر مِــثلَ الــلَيلِ مُــسوَدُّ

ضِــدّانِ لِــما اسْــتُجْمِعا حَسُنا

وَالــضِدُّ يُــظهِرُ حُــسنَهُ الضِدُّ

أوَ مــا تَــرى طِــمرَيَّ بَينَهُما

رَجُـــلٌ أَلَـــحَّ بِــهَزلِهِ الــجِدُّ

فَــالسَيفُ يَقطَعُ وَهُوَ ذو صَدَأٍ

وَالــنَصلُ يَفري الهامَ لا الغِمدُ

هَـــل تَــنفَعَنَّ الــسَيفَ حِــليَتُهُ

يَـــومَ الــجِلادِ إِذا نَــبا الــحَدُّ

وَلَــقَــد عَــلِمتِ بِــأَنَّني رَجُــلٌ

في الصالِحاتِ أَروحُ أَو أَغدو

بَــردٌ عَــلى الأَدنــى وَمَرحَمَةٌ

وَعَــلى الــحَوادِثِ مارِنٌ جَلدُ

مَــنَــعَ الــمَــطامِعَ أن تُــثَلِّمَني

أَنّـــي لِــمَعوَلِها صَــفاً صَــلدُ

فَــأَظــلُّ حُـــرّاً مِــن مَــذّلَّتِها

وَالــحُرُّ حــينَ يُــطيعُها عَــبدُ

آلَــيــتُ أَمـــدَحُ مــقرفاً أبَــداً

يَــبقى الــمَديحُ وَيَــذهَبُ الرفدُ

هَــيهاتَ يــأبى ذاكَ لي سَلَفٌ

خَــمَدوا وَلَــم يَــخمُد لَهُم مَجدُ

وَالــجَدُّ حــارثُ وَالــبَنون هُمُ

فَــزَكا الــبَنون وَأَنــجَبَ الجَدُّ

ولَــئِــن قَــفَوتُ حَــميدَ فَــعلِهِمُ

بِــذَمــيم فِــعــلي إِنَّــني وَغــدُ

أَجــمِل إِذا طــالبتَ فــي طَلَبٍ

فَــالجِدُّ يُــغني عَــنكَ لا الــجَدُّ

وإذا صَــبَــرتَ لــجهد نــازلةٍ

فــكــأنّه مـــا مَــسَّــكَ الــجَهدُ

وَطَــريــدِ لَــيــلٍ قــادهُ سَــغَبٌ

وَهــنــاً إِلَـــيَّ وَســاقَــهُ بَــردُ

أَوسَــعتُ جُــهدَ بَشاشَةٍ وَقِرىً

وَعَــلى الــكَريمِ لِضَيفِهِ الجُهدُ

فَــتَــصَرَّمَ الــمَــشتي وَمَــنزِلُهُ

رَحــبٌ لَــدَيَّ وَعَــيشُهُ رَغــدُ

ثُــــمَّ انــثــنى وَرِداوُّهُ نِــعَــمٌ

أَســدَيــتُها وَرِدائِـــيَ الــحَمدُ

لِــيَــكُن لَــدَيــكَ لِــسائِلٍ فَــرَجٌ

إِن لِــم يَــكُن فَــليَحسُن الــرَدُّ

يــا لَــيتَ شِــعري بَــعدَ ذَلِــكُمُ

ومــحــارُ كُـــلِّ مُــؤَمِّلٍ لَــحدُ

أَصَــريعُ كَلمٍ أَم صَريعُ ردى

أَودى فَــلَيسَ مِــنَ الــرَدى بُدُّ

هل أخبرتكم من قبل أن الكتابة قد تكون موجعة؟ وأن وجعها قد يكون قاتلًا، خاصة حين يكون ما تخطّه أقلامنا قادرًا على إثارة الحنين إلى أيام مضت؛ سوداء كانت أم بيضاء.

حين تكتب، ستفهم كيف يمكن للحنين أن يعيدك إلى سجنك القديم، إلى ذكريات ظننت أنك تجاوزتها، فإذا بها ما تزال تسكن في مكان ما من روحك.

وفي نفس كلٍّ منا ذكرى لعلاقة قديمة، وأحلام من زمن الصِّبا، ولحظات كانت يومًا سعيدة. وفي خاطرة كلّ منا وجوه لا تستطيع تضاريس الزمن أن تمحوها، وأمكنة بقيت عالقة في الذاكرة، وساعات انتظار استلبنا فيها وعودنا القديمة، ونحن نرسم على جدران العمر أحلامًا لم نكن نعرف أنها ستغادرنا ذات يوم.

الآن فقط، أعيد استحضار ذلك الشغف، وكل ذلك الحنين والحب الذي امتلكناه ذات يوم، بعد أن مضت سنوات العمر، وأصابتنا من الجراحات والنزف ما يكفي لأن يجعل القلب أكثر حذرًا، والذاكرة أكثر وجعًا.

نعيش عودة المحارب، بثياب الشوق والحنين الممزقة البالية، وبوجهٍ أثقلته مرارات الفقد.

وحين نعود إلى البدايات، لا نذكر أحدًا...

فكل ما كنا نتمتم به عند مصافحتهم لنا لم يكن سوى همهمات مبهمة، وكلمات ضاعت بين ارتباك اللقاء وثقل ما حملته السنوات.

تنحدر الكلمات إلى منحدر عميق في أرواحنا، جاهدةً أن تنال قسطًا من الراحة، لكنها لا تقوى على الخروج؛ فارتجاج عاصفة الحنين ما زال ينهكها، واحتباس الرهق المشدوه لا يترك لها منفذًا للشفاء.

هل لي أن أعرف كيف أخرج من ذاكرتي سريعًا، إلى غرفتي المغلقة، المغبّرة بالشوق بعد طول غياب؟

أفتح نافذتها الشرقية لأجدد بعضًا من هواء الشمس النقي، كما كنت أفعل في عادتي القديمة...

لكن، أين ذهبت نافذة منزلكم؟ وأين اختفت الشرفة الخلفية؟

فهي لم تعد تطل هناك...

لطالما التقت عيناي بعينيكِ من خلالها مرارًا، وكأن تلك النافذة كانت موعدًا صامتًا بيننا، لا يحتاج إلى الكلام.

ولم تعد الأزهار في فناء منزلكم الخلفي كما كانت؛ ضاع أريجها، وضاعت ألوانها، وأصبحت باهتة، لا تستدعي شعوري وإلهام كتاباتي كما كانت تفعل.

لماذا تغادر الأشياء والذكريات الجميلة معكِ دون استئذان؟

ها أنا أكتشف أنني عدت إلى الفراغ...

بلا ماضٍ.

ها أنا، يا صديقي، أغرق في بحر من الذكريات، ويتلاطمني الحزن من كل الجهات.

أجراس الكنيسة، والمدرسة التي كنتِ فيها، وأناشيد الصباح، وهتافات بائعي اللبن، وطيور الجنة...

كلها لم تعد هنا.

كأن المدينة نزعت عن نفسها ملامحها القديمة، وتركتني وحدي أبحث عنها في الذاكرة.

ها أنا أفتقدكِ بشغف...

أفتقد ضحكتكِ، وابتسامتكِ، وأماني صباحاتكِ المشرعة على الفرح.

أصبحت أستجدي كلماتنا وقصائدنا الرائعة، وأغنياتنا التي كنا نرددها معًا، لعلها تبقى معي قليلًا من الوقت...

لكنها تأبى.

ثم ترفض.

وتمضي في رحيلها الأخير، مرددةً سؤالًا واحدًا:

أين أنتِ؟

ضاع الأمس منا يا صديقي، وانطوت في القلب حسرة حضورٍ كان ذات يوم يملأ شوارع القاهرة...

وما بقي لي الآن سوى ذاكرة تفتح أبوابها كلما ظننت أنني أغلقتها، وتأخذني إلى هناك...

إلى حيث كنتِ،

وحيث كانت الأشياء أجمل،

وحيث كان للقاء معنى، وللشوارع ذاكرة، وللصباح صوت، وللقلب متّسع للحلم.

ربما لا يوجعنا الرحيل بقدر ما يوجعنا أن نعود إلى المكان نفسه، فلا نجد الذين جعلوا للمكان معنى.

وهكذا فهمت أخيرًا...

أن بعض الأماكن لا تغادرنا،

لكنها تصبح أكثر وحشة حين يغادرها من أحببنا.

***

ذكرى البياتي

 

لقرب الاحتفاء بيوم النخلة العالمي، تقف نخلة هرمة لا تشبه سواها. في أحد الأزقة الضيقة من مدينة الحرية، حيث تتجاور البيوت المتعبة، تتساند مع بعضها. ليست الأعلى بين نخيل بغداد، ولا أكثرها حملاً للتمر، لكنها أكثر إصغاءً للهمس الإنساني. تتفرع من جذعها العتيق ثلاثة جذوع، محمّلة بالرطب. أكثر من رواية تؤكد أن النخلة تعود للسادة بيت سيد طالب الحسيني يرحمه الله، في منطقة بستان الچلبي، قريباً من متوسطة الأحرار للبنات سابقاً، بمواجهة مخبز شيخ كريم (مخبز النصر)، في شارع مشتل عواد.

جذعها الرئيس ملفوف بقماش أخضر، تتدلى منه عقد صغيرة وخيوط باهتة، تركتها أيادٍ مرتجفة جاءت تحمل وجعها، ثم انصرفت، تركت عندها نصف أحزانها. لم تعرف النخلة أنها ستصبح يوماً مزاراً.

غرستها يد مجهولة، وروتها مياه ساقية تخرج من بستان الچلبي، كانت تصل تلك الأرض قبل أن تموت الساقية وتشيخ المدينة. كبرت مع البيوت، ومع الأطفال الذين صاروا رجالاً، ثم غاب أكثرهم في الحروب. كانت ترى الوجوه تتبدل، والأبواب تُطلى ثم يتآكل طلاؤها، والنساء يزددن انحناءً عاماً بعد عام، تتقوس ظهورهن، لكنها بقيت واقفة، كأن جذورها أوثق من كل ما يتداعى حولها.

ثم جاءت السنوات التي صار فيها العراق وطناً للأمهات الثكالى. كل حرب كانت تمرّ، كانت تقتطع سعفة من عائلة، ونافذة من بيت، وضحكة من طفل. صار الفقد عادةً يومية، حتى لم تعد النساء يسألن: من مات؟ بل يسألن: ابن من هذه المرة؟

في مدينة الحرية، حيث يعيش البسطاء بأمل أكبر من قدرتهم على الاحتمال، بدأت الحكاية:

امرأة فقدت ابنها الوحيد. قيل إنها جاءت إلى النخلة في فجر شتائي، وضعت خدها على جذعها، وبكت حتى ابتلّ اللحاء بدموعها. لم تطلب معجزة، كانت تريد فقط أن تنام ليلة بلا كوابيس. وعندما عادت إلى بيتها، قالت لجاراتها إنها شعرت بأن أحداً كان يصغي إليها.3118 jamal

من هنا تبدأ الأساطير دائماً

امرأة أخرى جاءت تطلب طفلاً بعد سنوات من العقم، وثالثة حملت صورة زوجها المفقود، ورابعة جاءت تستغيث من مرض عضال، وخامسة تريد أن يعود ولدها من الغربة. لم يكن أحد يعرف من أين جاءت الحكاية الأولى، لكنها كانت تكبر مع كل رواية، مثل كرة ثلج تتدحرج فوق ذاكرة شعب أنهكته الخسارات.

شيئاً فشيئاً، صار القماش الأخضر يلتف حول الجذع. لم يكن أخضر لأنه لون النبات، بل لأنه لون الرجاء. كل قطعة قماش كانت تحمل أمنية. كل عقدة، تخبئ دعاءً. كل خيط كان يشدّ قلب امرأة إلى السماء.

ولأن البشر حين يعجزون عن تغيير الواقع يبحثون عن نافذة للرجاء، فقد أصبحت النخلة نافذتهم.

في المساءات، كانت النسوة يقفن عندها بصمت. لا صلوات جماعية، ولا طقوس معلنة. مجرد نساء يتبادلن النظرات، ثم يضعن أكفّهن على الجذع الخشن، وكأن حرارة الحياة ما زالت تسري فيه. بعضهن يهمسن بأسماء الأبناء، وبعضهن يقرأن الفاتحة، وبعضهن لا ينبسن بشيء، لأن الأحزان الكبيرة لا تحتاج إلى كلمات. في المدن المجروحة.. النساء يشتهين لحظة الوحام عند شجرة النخل، أو تمطر السماء لتخصب الأرحام. والنساء العاقرات كن انتظرن بضع سنوات كي يلدن لكن دون وحام.

كانت النخلة، بصمتها الطويل. ربما لم تكن تشفي أحداً، لكنها كانت تمنح الناس وهماً جميلاً بأن آلامهم لم تعد وحيدة. والوهم الرحيم، أحياناً، أقل قسوة من الحقيقة.

أجيال، مرّت عليها..

كانت تشهد صبايا يأتين ممسكات بأيدي أمهاتهن، يوقدن شموع أحلامهن ونذورهن، ثم عدن بعد ثلاثين عاماً وهنّ يمسكن بأيدي حفيداتهن. في "ذاكرتها" العريس الذي خرج مزهوّاً ببدلته العسكرية، ثم عاد بتابوت من جبهات القتل.    حين يصطلي الفقراء بمجامر الحروب، تأتي إليها الأمهات وهن يزغردن لعودة الجنود، ثم يبكين الجنود أنفسهم حين تشتّد النزالات.

النخلة تحفظ الوجوه التي مرّت عليها، وسعفاتها الطوال كانت تحمل أسماء الغائبين. وما خبّأته العصور، وما أرّخته المقادير.

في الليل، حين يهبط على الزقاق، يجعلها تبدو كـ "شيخة" وقورة ترفع ذراعيها إلى السماء بالدعاء. لم تكن النخلة مقدّسة. لكن الوجع الذي علق بها كان مقدساً. لم تكن تصنع المعجزات. إنما كانت تجمع الدموع التي لم تجد كتفاً تستقر عليه.

أقول للذين استباحوا عفاف النخيل، والذين بغوا في البلاد: هذه جنّة الله، لا يعتريها ذبول.. ظلت النخلة واقفة. ليست لأنها أقوى من الريح، بل لأن آلاف الأمنيات المربوطة إلى جذعها كانت تسندها، تحيط به قلوب النساء الموجوعات. تكفيها بعضاً من قطرات مالحة.

***

جمال العتّابي

في المثقف اليوم