عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

يتجدد بين الحين والآخر السؤال التالي "هل يحق للفنان ممارسة الكتابة النقدية"؟ مع كل تجربة فنية جديدة: هل يستطيع الفنان أن يكون ناقداً في الوقت نفسه، أم أن اقترابه من العمل الإبداعي يجعله أسيراً لذائقته الخاصة وغير قادر على إصدار أحكام موضوعية؟

إن العلاقة بين الفن التشكيلي والنقد ليست علاقة تناقض، بل علاقة تكامل معرفي وجمالي. فالفنان لا ينتج عمله في فراغ، وإنما يستند إلى ثقافة بصرية وتجارب وأسئلة فكرية تجعله أقرب الناس إلى فهم آليات العمل الفني. لذلك فإن ممارسة الفنان للكتابة النقدية تمنحه فرصة للكشف عن خفايا التجربة الإبداعية، وتوضيح الأساليب التقنية والرؤى الفكرية التي قد تغيب عن المتلقي العادي. وكثير من التحولات الكبرى في تاريخ الفن الحديث ارتبطت بفنانين كتبوا عن تجاربهم وعن مفاهيم الفن والجمال، فأسهموا في تأسيس تيارات ومدارس جديدة في العراق. أو أشاعوا الوعي الفني لدى الجمهور.

نذكر منهم على سبيل المثال: نوري الراوي، شاكر حسن آل سعيد، جبرا إبراهيم جبرا، جميل حمودي، محمود صبري، ضياء العزاوي، شوكت الربيعي، يحيى الشيخ، علي النجار، موسى الخميسي، عادل كامل، خالد خضير الصالحي. وآخرون.

لكن في المقابل، يواجه الفنان ـ الناقد إشكالية أساسية تتعلق بالحياد. فالفنان غالباً ما يكون منحازاً إلى أسلوبه أو جيله أو رؤيته الخاصة، مما يدفعه إلى تمجيد تجارب تشبهه وإقصاء تجارب أخرى تختلف عنه. ومن هنا تظهر أهمية التوازن بين الحس الإبداعي والمعرفة النقدية. إذ لا يكفي أن يكون الإنسان فناناً كي يصبح ناقداً، بل يحتاج أيضاً إلى أدوات تحليلية وثقافة فلسفية وتاريخية تساعده على تجاوز الانطباع الشخصي نحو قراءة أعمق وأكثر اتساعاً.

كما أن النقد الفني ليس مجرد إصدار أحكام بالمدح أو الذم، بل هو عملية تفسير وتأويل وكشف للعلاقات الجمالية والفكرية داخل العمل الفني. والفنان الذي يكتب نقداً يمتلك ميزة إضافية تتمثل في معرفته الدقيقة بتقنيات الإنتاج الفني، الأمر الذي يسمح له بقراءة التفاصيل التي قد لا ينتبه إليها الناقد الأكاديمي البعيد عن الممارسة العملية. ولهذا يمكن للفنان أن يقدم نوعاً من "النقد من الداخل"، أي النقد الذي ينبع من التجربة الحية لا من التنظير المجرد.

وفي المشهد الثقافي العربي، كثيراً ما أسهم الفنانون التشكيليون والشعراء والروائيون في إثراء الحركة النقدية، لأن الإبداع الحقيقي يولّد بالضرورة أسئلة فكرية وجمالية. فالفنان عندما يكتب عن الفن لا يدافع فقط عن تجربته الشخصية، بل يشارك في صياغة الوعي الثقافي العام، ويساعد على بناء ذائقة جديدة لدى المتلقي.

يبدو الأمر مألوفاً في تاريخ الفن الأوربي، فالفنانون أنفسهم هم الذين أسسوا للنقد والكتابة التشكيلية، وكانوا المنظّرين للتيارات والمدارس التي أبدعوها. حتى نكاد لا نجد فناناً لا تضم المكتبة النقدية إحدى إصداراته. للفنان "فازاريللي" مكتبة عن الفن البصري لا تقل أهمية عن خصوبة انتاجه في الرسم. كذلك هو شأن "بول كلي" و "كاندينسكي". أما بيكاسو وبراك فقد وضعا أسس التكعيبية، كذلك فرناند ليجيه، وهنري ماتيس. بينما يختلف الأمر بالنسبة إلى فناني البلدان العربية، تعاف أنفسهم الكتابة، يترفعون عنها بدعوى أن هناك حدوداً بين النشاطين العملي والنظري، بدعوى أيضاً أنها لا تخلو من النرجسية ومغازلة الأنا والذات المبدعة قد يبدو هذا القول معقولًا، غير أنه يخفي سؤالًا صارخًا يمكن صياغته كالتالي: إلى أي حدّ يمكن للتشكيلي الناقد أن ينسلخ عن أحادية تجربته الشخصية، ومن ثم عن نرجسيته الفنية، كي يقوّم تجارب الآخرين؟ فالممارسة النقدية مهما كانت "موضوعيتها" الموهومة هي تجربة ذاتية.

قد يقول قائل إنه ليس ثمة أفضل من التشكيلي، دارس الفن التشكيلي الحديث، ومعرفته في تاريخ الفن، وممارسته له، من أن يتصدى لتجربته الإبداعية. بيد أن أغلب من يجمعون بين ممارسة الإبداع التشكيلي والنقدي يدعوننا، ضمناً ومن باب المقارنة، إلى تقويم علاقة إبداعهم بكتابتهم النقدية. من ثمّ، نحن نجد من بينهم من يقدّم لنا في المجالين معًا تجربة إبداعية ونقدية متواضعة، وهؤلاء هم الغالبون في الساحة النقدية العربية ومن يكتسحون صفحات الجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية. وأغلبهم ممارسون للصحافة الفنية. ومنهم من يقدّم لنا تجربة تشكيلية رصينة، وبالمقابل ممارسة نقدية خصبة، وما أقل هذا الصنف..

إن حق الفنان في ممارسة الكتابة النقدية لا ينبغي أن يكون موضع شك، لأن الإبداع والنقد وجهان لعملية ثقافية واحدة. غير أن نجاح الفنان كناقد يتوقف على قدرته في التحرر من الذاتية الضيقة، والانفتاح على التجارب المختلفة، واعتماد رؤية معرفية تتجاوز المجاملة والانفعال. وعندما يتحقق هذا التوازن يصبح الفنان الناقد صوتاً مهماً يربط بين التجربة الجمالية والتأمل الفكري، ويمنح الثقافة الفنية عمقاً وحيوية أكبر.

***

د. جمال العتّابي

حين يعيش الخيال فينا ونعيش فيه

تُعدّ الشخصية الروائية الخلية الحيّة والنبض الأساسي لأي عمل سردي؛ فهي المحور الذي تتكئ عليه الحبكة، والعدسة التي من خلالها يرى القارئ عوالم النص وأفكاره. ولعلّ أصدق ما يعبر عن هذه السطوة هو مقولة الروائي الكبير ماريو بارغاس يوسا حين قال: «الروايات لا تروي لنا قصصاً لنعيش فحسب، بل تمنحنا حياةً موازية نعيش فيها ما حرمنا منه الواقع». من هذا المنظور الأدبي البحت، لا يُنظر إلى الشخصية الروائية باعتبارها مجرد نقل فوتوغرافي لإنسان واقعي، بل هي كائن فني دلالي يُصاغ بعناية فائقة من الكلمات والرموز لتأدية وظيفة جمالية وفكرية محددة.

تتجلى هذه البنية الأدبية في تكامل أبعاد الشخصية؛ فهناك الشخصية الحية النامية التي لا تظل راكدة على حال واحدة منذ بداية الرواية وحتى نهايتها، بل تخضع لتحول تدريجي نتيجة اصطدامها بالأحداث والصراعات، وهو ما يمنح السرد عمقه النفسي. وتتقاطع في بناء الشخصية المتكاملة أبعاد رئيسية تشمل البعد الفيزيائي الخارجي من ملامح وهيئة، والبعد الاجتماعي المتمثل في الانتماء والعلاقات، والبعد النفسي الذي يضم الهواجس والدوافع الخفية والصراع الداخلي بوصفه المرتكز الأساسي لعملية الإسقاط الذاتي. وتتجاوز الشخصية في الأدب الرصين حدود كونها فرداً فريداً لتتحول إلى رمز أو أيقونة تعبر عن فكرة أوسع أو حالة إنسانية عامة، إذ لا يخلق الكاتب الشخصية عبثاً، بل يجعلها أداة استقصاء يكشف من خلالها عن تعقيدات النفس البشرية وأسئلتها الوجودية. ومن أعظم المفارقات الجمالية في فن الرواية أن هذا الكائن المصنوع من حبر وورق يكتسب استقلالية اعتبارية عن خالقه، ليمنحه الروائي صوتاً ودوافع منطقية تجعل القارئ يتعامل معها ككائن حقيقي يملك حرية الاختيار والألم.

الرواية كمرآة للذات الإسقاط الذاتي

حين نفتح صفحات الرواية، فإننا لا نبحث مجرد بحث عن حكاية تسلي أوقاتنا أو تخرجنا من روتين الواقع، بل نمارس خفاءً طقساً من طقوس البحث عن الذات. تتحول الشخصية الروائية في هذه اللحظة إلى مرآة صاقلة تعكس خبايا نفوسنا الصامتة، وتمنح أسماء دقيقة لمشاعر وعواطف ومخاوف عجزنا طويلًا عن صياغتها أو الإقرار بها. إن قراءة صراع شخصية ما أو ترددها أو انكسارها يضعنا أمام مرآة داخلية نرى فيها أنفسنا بوضوح مدهش، فنقول في سرنا: هذا تماماً ما يعتمل في صدري.

ولا يتوقف هذا الإسقاط الذاتي عند حدود اكتشاف الداخل، بل يتجاوز لكسر العزلة الشعورية القاتلة التي ترافق الإنسان في لحظات أزماته وتساؤلاته الوجودية. فعندما نلتقي ببطل يعاني من ذات الهاجس أو يحمل نفس التناقضات، ندرك فجأة أننا لسنا وحدنا في هذا النسيج الإنساني المعقد، وأن ما نتحمله من مخاوف وانفعالات ليس عيباً فردياً خاصاً بنا، بل هو جزء أصيل من التجربة البشرية المشتركة. هذه المواساة الصامتة التي تمنحها الشخصية الروائية للقارئ تعيد ترتيب الفوضى الداخلية، وتزيل شيئاً من وحشة الاغتراب النفسي، لتصبح القراءة بذلك رحلة عودة آمنة إلى أعماق الذات الحقيقية.

كيف تؤثر الشخصيات الرومانسية فينا؟

تمتلك الشخصيات الرومانسية أو تلك التي تخوض قصص حب جارفة كيمياء خاصة وتأثيراً عاطفياً طاغياً على وجدان القارئ. وهي تفعل ذلك لأنها تخاطب الطبقة الأكثر هشاشة وعمقاً في النفس البشرية؛ كالوقوع في الشوق، والخذلان، واللهفة، والخوف من الفقد، مما يجعل التعاطف معها فورياً وحارقاً. من خلال هذه الشخصيات، نختبر أقصى درجات الشغف والألم الوجداني في بيئة آمنة تتيح لنا استكشاف طاقاتنا العاطفية دون دفع الثمن الواقعي لتلك الصراعات.

ومروراً بالمقارنة مع الأنماط الأخرى، فبينما تكون الشخصيات الرومانسية أشد تأثيراً على المستوى الوجداني السريع لتماسّها المباشر مع عواطف القلب، تتفوق الشخصيات الوجودية أو المأزومة فكرياً في ترك أثر أبقى على البنية الفكرية وتوسيع الوعي. يظل هذا التأثير نسبياً ومحكوماً بحالة القارئ النفسية وحاجته اللحظية؛ أهو بحاجة لمن يداوي عواطفه الملتهبة، أم لمن يستفز عقله وأسئلته الكبرى؟

إسقاط الشخصيات على الواقع المحيط فهم الآخرين

لا يقف الأثر العميق للشخصيات الروائية عند حدود استكشاف الذات وتقصي خباياها الداخلية، بل يتجاوز ذلك ليمتد إلى فضاء الواقع الخارجي والمحيط الاجتماعي. فحين نتأمل دوافع الأبطال وصراعاتهم، وتناقضاتهم بين المعلن والخفي، فإننا نكتسب تدريجياً مفاتيح نفسية وأدوات تحليلية تجعلنا أكثر قدرة على قراءة البشر من حولنا. تتحول الشخصيات الروائية في هذا السياق إلى نماذج بشرية حيّة نلتقي بنسخ منها في تفاصيل حياتنا اليومية، مما يعيننا على تفكيك سلوكيات المعارف والأصدقاء وتجاوز الأحكام السطحية المتعجلة. وهكذا، تصبح الرواية جسراً معرفياً يربط بين تخوم الخيال وعتمة الواقع، مانحةً إيانا عدسة شفافة نرى من خلالها تعقيدات النفس البشرية أينما حللنا، لنقترب من فهم الآخرين بمزيد من التعاطف والوعي والبصيرة.

رسم الخطوط الخارجية والمواساة دون حلول جاهزة

تتميز الشخصيات الروائية العميقة بأنها نادراً ما تقدم حلولاً سحرية أو إجابات جاهزة لمعضلات الحياة، بل تكتفي برسم الخطوط الخارجية لمخاوفنا وانفعالاتنا وتساؤلاتنا الوجودية. هذا الإحجام عن تقديم الوصفات الجاهزة ليس نقصاً في البناء الفني، بل هو جوهر جماليتها؛ إذ تترك للقارئ مساحة حرة ليتلمس حدوده النفسية بنفسه. وحين نرافق شخصية تخوض صراعاً بلا نهايات سعيدة مبسطة، فإننا ندرك أن التعقيد الإنساني هو الحالة الطبيعية للوجود. وبهذا الدور غير المباشر، تمنحنا الرواية شكلاً فريداً من أشكال الأنس والمواساة الصامتة؛ فنحن لا نبحث عن منقذ يحل لنا عُقدنا، بل نبحث عن رفيق يشاطرنا ثقل الطريق، ويخبرنا من خلال مصيره المتخيل أن الارتباك الإنساني والقلق الوجودي هما قدر مشترك لا مفر منه، مما يخفف من وحشة الوحدة ويمنح الذات طمأنينة خفية توازي أعمق إجابات الفلاسفة.

التجاوز والتحرر: آفاق أوسع خارج حدود الواقع

إلى جانب كون الرواية مرآة للذات وأداة لفهم المحيط، فإن الشخصيات الروائية تمنحنا قدرة فريدة على "القفز فوق الأسوار" التي يفرضها علينا الواقع اليومي المحدود. عندما نرافق شخصيات تخوض تجارب جذرية، أو تتخذ خيارات جريئة لم نكن نمتلك شجاعة الإقدام عليها في حياتنا الفعلية، فإننا نعيش تلك التجربة بالوكالة. هذه المعايشة الافتراضية تكسر جمود الروتين، وتوسع خيالنا الأخلاقي والنفسي، وتمنحنا مرونة أكبر في تقبل الاختلاف البشري وتخيل احتمالات بديلة لحياتنا. هكذا لا تعود الشخصية مجرد انعكاس لما نحن عليه، بل تصبح نافذة تطل بنا على ما يمكن أن نكونه، أو ما يمكن للحياة أن تسعه من عوالم ومعانٍ أرحَب.

سلطة الخيال النافذة: حين يتقمص القارئ مصير البطل

لا تقف حدود تأثير الشخصيات الروائية عند الإسقاط النفسي أو الفهم العاطفي، بل تتجاوز ذلك أحياناً لتبلغ مرتبة التقمص الكلي الذي يمحو الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال. ولعل التاريخ الأدبي الإنساني يحتفظ بشواهد حية على هذه السلطة الطاغية؛ فأبرزها ما حدث عقب صدور رواية "آلام ورثر الصغير" لجوهان غوته عام 1774، حيث تحولت شخصية البطل المأزومة إلى نموذج تقمصه مئات الشباب حرفياً في ملابسهم وسلوكياتهم، وصولاً إلى موجة انتحار جماعي تاريخية عُرفت بـ "حمى ورثر". هذه الظاهرة المتطرفة، التي أفرزت لاحقاً في علم النفس مصطلح "متلازمة ورثر"، تثبت أن سطوة الكائن المصنوع من حبر وورق قد تكون أحياناً أقوى وأنفذ من الواقع الصلب نفسه، قادرة على هز وجدان الإنسان وقيادته إلى أقصى درجات الوجد أو الهلاك

***

ئاريان علي

في الذاكرة الإنسانية قريتان تتشابهان حتى في اللفظ: "جورنيكا" في إسبانيا، و"كوجو" في سنجار. الأولى دمّرتها طائرات الحرب الأهلية الإسبانية عام 1937، فنهض بابلو بيكاسو من بين الركام ورسم لوحته الخالدة، لتغدو جورنيكا رمزاً عالمياً في إدانة الحروب والوحشية. اللوحة إحدى قمم الأعمال الفنية التي أنجزها بيكاسو في تجسيد مأساة مدينة "جورنيكا" ومواجهة القسوة تحت وابل القنابل التي قذفتها طائرات الفاشية، حتى سوّتها بالأرض.

  بيكاسو اعتمد اللونين الأسود والأبيض، للإفصاح عن غرضه، وهو التعبير البليغ عن بؤس الإنسانية، وكأنه بهذا العمل قد تنبأ بكل ما جرى بعد ذلك، وبأوسع نطاق، في أثناء الحرب العالمية الثانية.3141 bablo

   لم يلجأ الفنان لأية محاولة للضبط أو الحذر اللازمين دائماً لضمان نجاح عمله، بل سيطر الاندفاع العنيف على كل خطوط ومساحات اللوحة، ولا أحد يستطيع أن يتصور بأي عزم أو أية إرادة استطاع بيكاسو أن يوجّه الأشكال المرسومة لتعبر عن غرضها. حتى أننا في خضمّ اندفاع الخطوط هذا لا نستطيع ان نميز الهوس العاطفي المكتوم المسيطر على جو العمل الفني الناتج من احساسه بفقدان بلده إلى الأبد. لقد أحال بيكاسو عواطفه الصادقة إلى عاصفة من المساحات الحادة والانفعال غير المحدد لحادثة مفجعة.

أما الثانية، فهي قرية "كوجو" في سنجار.. ما أوحش الدرب اليها، بعد أن وطأته قوافل الردى وعواء الذئاب، اجتاحها أهل اللحى المتوحشون، الخارجون من كهوف التاريخ المظلمة، في آب عام 2014، فارتكبوا فيها واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في القرن الحادي والعشرين، وما تزال المقابر الجماعية شاهدة على ما جرى.3139 kocho

لكن السؤال الذي يؤرق الضمير الإنساني هو: من يرسم "كوجو"؟ من يخلدها؟

من يمنح أطفالها وجوههم من جديد؟ من يجعل صرخات نسائها وأمهاتها لغةً يفهمها العالم؟ من يحوّل الخراب إلى ذاكرة بصرية لا يستطيع التاريخ أن يمحوها؟

لقد أنقذت ريشة بيكاسو جورنيكا من النسيان، فلم تعد مجرد مدينة أُحرقت، بل صارت ضميراً أخلاقياً للبشرية. أما "كوجو"، فما تزال تنتظر، رسّامها الكبير، وموسيقاها التي ترفع أسماء ضحاياها إلى مرتبة الخلود.

ليس الفن ترفاً بعد المذابح، بل هو الشاهد الأخير عندما تصمت البنادق، ويُخذل الساسة، ويبهت الخبر في نشرات الأخبار. لذلك فإن كوجو لا تحتاج إلى نصب تذكاري فحسب، بل إلى عمل إبداعي عظيم يجعل العالم، كلما نطق باسم جورنيكا، تذكّر كوجو أيضاً، لأن الدم البريء لا وطن له، ولأن الإنسانية إذا حفظت مأساة شعب واحد، وجب عليها أن تحفظ مآسي جميع الشعوب.

جورنيكا، لم تخلّد المدينة لأنها وثّقت تفاصيل المجزرة، بل لأنها حوّلت الألم المحلي إلى رمز إنساني عالمي. هذه هي المهمة التي ما تزال تنتظر كوجو: ليجعلها رمزاً كونياً للإبادة، تماماً كما أصبحت جورنيكا رمزاً للحرب، وهيروشيما رمزاً لسلاح الدمار النووي. وكوجو الصحراء في وحشتها.

  آن للقبور التي سيجت منازلك بالموت، أن تنهض، فخاتمة الدنيا فناء فيك، هنا على ترابك تمتحن الأرض، فما عادت تعطي تيناً وزيتوناً، لأن الماء دماء، فأصيح في لهف يمزقني:3140 kocho

عفوك الآن (كوجو..)

لقد غلبني اليأس، وأسلمت نفسي للبكاء، كان أحرى أن لا أراك، انه الموت في زمن الرايات السود، إني أتيه، أتيه في صمتي، أحثّ خطاي اليك..

أصيح ..أصيح…حتى تنتهي رئتي، وتسقط في فمي حنجرتي، فيجيبني رجع الصدى، والحشرجات، فانطوي، وأعود أصرخ.. ألف أصرخ …لا الصدى ينبي، ولا صمتي، ولا قافيتي…

الى أين رحلتِ يا كوجو، وغبتِ؟؟

وأهلك إلى أين أبحرتم، ومعكم متاعكم الأخير؟

ها هي الاضلع العجفى المقيمات على صحرائك، تتصدى لهجوم الهمجيين، أية عذابات أشتعلت فينا، كأننا ننصت لأصوات الابتهالات والاستغاثات، ياقرابين الضحايا الاوفياء لتراب كوجو، دعونا نسمع، لا تدعوا ارواحكم تجفل من هذا القادم المستريح، وهو يتحاشى أن يعبر مثوى الشهداء، انكم والله ترنيمة بين شفاه الانبياء.

ألف جيل يا كوجو، ستظل الشمس خجلى في الشروق بعد اختفائك،

أبداً ستلاحقنا ضحكات اطفال كوجو، ونحن نغادرك، بل ستطاردنا دماؤهم، وأنتَ يا جبل سنجار، هذا الوهج المتكبر، والقمر الملقى خلفك، ادركنا من صوت الثأر، فنحن وديعة بين يديك، لم يبق لدينا سوى الندم المتعثر والأسف، وأولئك لن ينقذهم من مشنقة التاريخ مسارهم القذر..Public Sénat

***

جمال العتّابي

في عام 1999، خرجت من مكتبة صغيرة في الموصل وأنا أحمل شيئا يشبه المخاطرة أكثر مما يشبه الكتاب. كانت مجموعتي الشعرية الأولى قد خرجت للتو من المطبعة، على نفقتي الخاصة، في بلد كان يعيش حصارا دوليا وحشيا، حتى إن أبسط الأشياء كانت تبدو وكأنها تحتاج إلى إذن كي توجد. لم أكن أعرف آنذاك ماذا سيحدث للكتاب، ولا كم نسخة ستجد طريقها إلى القراء، ولا حتى إن كنت سأظل أتعامل مع الشعر بالطريقة نفسها بعد سنوات.

كنت أعرف شيئا واحدا فقط: أن الكتاب يحمل زمنا كاملا في داخله.

من الصعب أن يكتب المرء في العراق آنذاك من دون أن يدخل الحصار إلى النص، حتى لو لم يذكره. يتسلل إلى النفس، وإلى العلاقات، وإلى الأشياء الصغيرة، وإلى الخوف من الغد، وإلى تلك القدرة الغريبة التي يكتسبها الإنسان حين يعيش طويلا وسط النقص. لذلك جاءت المجموعة محملة، من حيث مناخها النفسي والإنساني، بذلك الزمن. واليوم، حين أعود إلى قصائدها، أشعر أنني أرى كاتبها القديم من مكان آخر. لقد تجاوزت تلك المرحلة في فهم الشعر، لغة وأسلوبا ورؤية، كما يتجاوز المرء غرفة عاش فيها طويلا، ثم يكتشف، بعد سنوات، أنها كانت أضيق مما كان يظن.

لكن هناك شيئا في ذلك الكتاب لم أتجاوزه. كان على الغلاف رُسِم باللون الأسود، وفي الداخل تخطيطات سوداء أخرى، كلها من عمل لوثر إيشو. وحين أفكر في المجموعة الآن، لا أجد أن أكثر ما يشدني فيها هو ما كتبته أنا، بل ما رسمه هو.3124 marwan

أقول ذلك لا انتقاصا من النصوص الشعرية، وإنما لأن السنوات أعادت ترتيب الأشياء في الذاكرة. تغيرت علاقتي بالنصوص، أما خطوط إيشو فبقيت بالنسبة إلي كما هي: شهادة على فنان يعرف أن الخط ليس مجرد أثر على الورق، وأن اللون الأسود يمكن أن يكون أكثر من لون.

كان إيشو يرسم بقلم الروترنك، ويستطيع بهذه الأداة البسيطة أن يصنع عالما شديد التعقيد. خط دقيق يقود إلى خط آخر، وكثافة تتجاور مع فراغ، ومساحات تبدو ساكنة فيما هي، في الحقيقة، مشحونة بحركة خفية. لم تكن أعماله الداخلية شروحات بصرية للقصائد، ولم يحاول أن يرسم ما تقوله الكلمات. كان يفعل شيئا أصعب: يدخل في حوار معها.

سلمته المخطوط وأنا أشعر بشيء من القلق. فأنا أعرفه جيدا بما يكفي لأعرف أن الثقافة وحدها يمكن أن تجعل الفنان أكثر قسوة على ما يقرأ، لا أكثر تساهلا معه. كان إيشو مثقفا في الفن، صاحب معرفة واسعة، ويمتلك رؤية نقدية لا تسمح له بأن ينجز عملا لمجرد أنه طلب منه. كان يستطيع، بأدب نادر، أن يقول لك إنه غير مقتنع بما تريد، ثم ينهي الحديث من دون أن يجرحك.

لهذا لم أكن واثقا من أن المخطوط سيعجبه. أعطيته الكتاب، وذهبت.

بعد أسبوع التقينا. لم يقل لي شيئا طويلا. سلمني لوحة الغلاف، ثم وضع بين يدي بقية التخطيطات الداخلية. أخذتها، ونظرت إليها واحدة واحدة. لم أسأله: هل أعجبك النص؟ ولم يكن السؤال ضروريا أصلا. كانت اللوحات قد أجابت. فأنا أعرف إيشو جيدا، لو لم يجد في القصائد ما يستحق، لما جلس إلى الورق، ولما أمضى وقته في بناء ذلك العالم الأسود الذي بدا كأنه نشأ بالتدريج من صمت طويل.

هكذا بدأ أحد أغرب الفصول في علاقتي بذلك الكتاب. لم أكن، في ذلك الوقت، أفكر في أن السنوات ستجعلني أنظر إليه بهذه الطريقة. كان كتابا أول، ومغامرة أولى، وربما شيئا كنت أحتاج إلى القيام به أكثر مما كنت أعرف ماذا أفعل به بعد أن أنجزته.

ثم ضاعت النسخة الأصلية من المخطوط أثناء نزوحـي من الموصل إلى أربيل. وبين الأشياء التي تفرقت في الطريق، ضاع المخطوط الذي كانت تتجاور فيه القصائد مع رسوم إيشو الأصلية. بقيت لي الذكرى، لكن الذكرى، مهما كانت دقيقة، لا تعوض الورق حين يكون الورق جزءا من التاريخ.

سنوات مرت....

قبل عام، حدث ما يشبه المصادفة التي لا تبدو مصادفة تماما. عثرت على نسخة من المجموعة عند أحد الأصدقاء، وهي النسخة التي أهديتها له قبل زمن طويل. أخذتها منه، وفتحتها، وفجأة شعرت أنني لا أستعيد كتابا قديما، بل أستعيد غرفة كاملة من الماضي. وقفت عند الرسوم طويلا. في تلك اللحظة أدركت كم كان إيشو قد وصل، قبل أكثر من ربع قرن، إلى مستوى من التقنية لا يفسره التمرين وحده. ثمة عقل وراءها يراقب نفسه، وفنان لا يرضى بأن يكرر ما وصل إليه في المعرض السابق. وهذه، في رأيي، إحدى العلامات التي تميز الفنان الحقيقي من الحرفي الماهر. الحرفي يعرف كيف ينجز ما أتقنه. أما الفنان فيظل مشغولا بما لم ينجزه بعد.

إيشو ينظر إلى تجربته كما لو أنها مشروع لم يكتمل. كل معرض عنده يبدو محطة، لا نهاية. وكل نجاح كان يفتح أمامه مشكلة أخرى. ولهذا لم يكن رساما متمكنا من أدواته فقط؛ كان يفكر في الفن، ويشك في نتائجه، ويراجع نفسه. بمعنى آخر، كان ناقدا لتجربته.

وحين رحل عام 2011، لم يغادر المشهد التشكيلي العراقي رساما جيدا فحسب، بل غادره عقل فني كان يمكن أن يواصل إنتاج الأسئلة. ولهذا السبب، كان رحيله أكثر من غياب شخص.

ثم جاء ما حدث لناحية "قره قوش" التابعة إداريا لمحافظة نينوى حين سيطر تنظيم داعش عليها، وكانت قد أصبحت مكان إقامته بعد تدهور الأوضاع الأمنية في الموصل بعد عام 2003، تعرضت أعمال كثيرة لإيشو للنهب والفقدان. لوحات خرجت من أماكنها، وأخرى اختفت، وأعمال كانت تنتمي إلى حياة كاملة لم يعد ممكنا الوصول إليها. لكن بعض اللوحات بقيت عند الأهل والأصدقاء، كما بقي جزء من إرثه محفوظا في الأقراص الرقمية.

ولعل في هذه النهاية المفارقة ما يلائم سيرته. فالفنان الذي رفض مغادرة العراق حين كان يمكنه ذلك، انتهت بعض أعماله إلى التشتت خارج المكان.

كان أشقاؤه قد توزعوا في أكثر من بلد أوروبي منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وعرضوا عليه أن يغادر مثلهم، لكنه رفض. لم يكن الأمر بطولة معلنة. بل شديد الارتباط بالمكان الذي يمنحه معنى لهويته. كان عراقيا آشوريا، يعرف أن المكان ليس مجرد عنوان جغرافي، بل ذاكرة أيضا.

من الصعب أن نتحدث عن إيشو من دون أن نتحدث عن هذا الارتباط. فانتماؤه إلى المكان يشبه الطريقة التي ينتمي بها اللون إلى اللوحة: لا يمكن نزعه من دون أن يتغير شكل الشيء كله.

وأتذكر الآن تلك الجلسة التي أخبرني عنها بعد صدور المجموعة. قال إن نقاشا طويلا دار حول الكتاب بينه وبين عدد من أدباء قره قوش، منهم شاكر مجيد سيفو وهيثم بردى وزهير بردى.اتفقوا جميعا على أنه يستحق الانتباه. وكانت هناك مفاجأة في هذا الأمر؛ فأنا لم أكن قد نشرت قبلها نصا شعريا في الصحف، ولا كنت قد أعددت الأرض مسبقا لمثل هذه المغامرة.

شهادة إيشو، بالنسبة إلي، أكبر من مجاملة. لأني أكن إعجابا خاصا بتجربته التشكيلية، ولم يكن إعجابي منفصلا عن شخصيته. فهو رجل رفيع الأخلاق، هادئ في تعبيره، دقيق في أحكامه، ويمتلك من الوعي الفني ما يجعله يعرف الفرق بين العمل الذي يستحق الإنجاز والعمل الذي لا يستحق. لهذا بقيت كلماته في ذاكرتي.

حين أعود اليوم إلى تلك النسخة القديمة من مجموعتي الشعرية"رفات القطيعة"، لا أبحث عن الشاعر الذي كنتُ عليه عام 1999 بقدر ما أبحث عن اليد التي كانت تمسك بقلم الروترنك فوق الورق. أقرأ القصائد بعين مختلفة، لكنني أتوقف عند اللون الأسود لرسوماته، كما لو أنني أتوقف عند شاهد نجا من الحريق.

ربما لهذا السبب لم يعد الكتاب، بالنسبة إلي، مجرد أول مجموعة شعرية. إنه المكان الذي التقى فيه شاعران من نوعين مختلفين، أحدهما بالكلمات والآخر بالخط.

وحين ضاع المخطوط، بقي الكتاب.

وحين ضاعت بعض لوحات إيشو، بقيت آثارها.

وحين ابتعد الزمن، بقي الأسود.

وهذا هو الشيء الغريب في الفن: أحيانا ينسى المرء ما كتبه، لكنه لا ينسى اليد التي أعطت كتابه شكله الأخير.

***

مروان ياسين الدليمي

الهايكو قصيدة يابانية شديدة التكثيف، خرجت من الهوكّو، المقطع الافتتاحي في الشعر الياباني المترابط. وكان الهوكّو، قبل أن يستقلّ بنفسه، يفتح الباب لقصيدة يشارك في بنائها أكثر من شاعر. ومع ماتسو باشو، في القرن السابع عشر، بلغ هذا الفن من الصفاء والعمق ما جعله أكبر من مجرّد استهلالٍ لقصيدة، وصار قادراً على أن يحمل، في ومضة قصيرة، عالماً كاملاً من النظر والإصغاء والدهشة.

أما اسم الهايكو بصورته الحديثة، فقد ترسّخ في أواخر القرن التاسع عشر مع الشاعر والناقد الياباني ماساوكا شيكي، الذي أسهم في تحرير هذا الفن وتجديد النظر إليه.

لكنني لا أريد أن أدخل إلى الهايكو من باب تاريخه وحده، ولا من باب قوانينه وعدد وحداته الصوتية. فالقصيدة، حين تسافر من لغة إلى أخرى، لا تحمل معها المسطرة ذاتها.

ما يعنيني فيه شيء أبسط.

أن ترى.

أن تصغي.

أن تترك للحظة حقَّها في أن تكون لحظة، قبل أن يفسدها التفسير.

وربما يحتاج قارئ الهايكو إلى أن يستعيد شيئاً من طفولته، من البراءة التي كانت تجعل الأشياء أكبر من أسمائها، ومن الدهشة التي تسمح للقمر بأن يكون وجهاً، وللشجرة بأن تكون ذاكرةً، وللثلج بأن يسقط خارج النافذة وفي داخلنا معاً.

لا تبحث دائماً عن المعنى.

فالمعنى أحياناً يأتي متأخراً، بعد أن تكون الصورة قد عبرت.

وبين مقطعٍ وآخر، أحب أن أتخيّل ضربةً واحدةً من وتر الكوتو الياباني. رنّةً قصيرةً، صافيةً، ثم صمتاً.

فربما كان الصمت، في هذا النوع من الشعر، سطراً رابعاً لا يُكتب.

هذه النصوص لا تدّعي أنها هايكو ياباني خالص، ولا تريد ذلك. بعضها يقترب منه، وبعضها يبتعد عنه نحو السخرية أو الحلم أو الحكمة أو المفارقة.

إنها تقف فقط...

على تخوم الهايكو

كيف يكون لهذا القمر

شمسانِ صغيرتانِ

تتدلّيان من أذنيه؟

*

لا طريقَ واضحاً

يوصلني

إلى حيث أقف.

*

مستسلمون لخَدَر النسيان اللذيذ...

تلمسنا الأرائك كما نلمسها،

وتحسُّ بنا كما نحسُّ بها.

*

شجرةُ التوت خضراءُ في الذاكرة...

خلف النافذة

يتساقط الثلج.

*

الزوجةُ الكبرى تمشي بعكّاز...

الوسطى والتي تليها تفسحان لها الطريق،

والرابعة، أصغرهنّ، تضحك.

*

هرمتِ السنديانةُ

التي كبرتِ المدينة حولها...

شاع الخبر في الشتاء، بين طالبي الحطب.

*

قطيفة، قطّي العجوز، فقد ذاكرته...

وعلى الحائط ساعةٌ كقلب المسيح المفتوح،

نسيت دقّات الوقت.

*

عزفوا ألحاناً رائعةً من بعيد...

رقص الفقراء على الأنغام.

فالفرح لا يطلب مليماً.

*

الرجل العجوز يخطو على مهل،

ثم يجلس على صخرةٍ حيث يروقه...

منذ أن نسيته العيون، صار كلُّ مكانٍ مقعداً له.

*

الحكومة تراقب المدينة...

اختفت المدينة.

ظلّت عيون العسس مفتوحة.

*

الذباب فوق القمامة...

يحتشد على صفحات الجريدة.

أخبار الأمس... وليمة اليوم.

*

يطلع الفجر...

تذوب ألوان الليل.

الحاضر وحده يضيء.

*

على المسرح يتقن كلَّ الأدوار...

يعود إلى البيت،

فينسى دورَ نفسه.

*

وشاحٌ أبيض...

يستر قداسةَ اللوحة

قبل أن ترتكب الفرشاة أول حماقة.

*

تنجرف مع تيّار الشلّال

نحو الهاوية...

فناءٌ يفتن غفوةَ الصخور.

*

بمفاتيحَ صدئة...

يفتح الناس

أبوابَ الحاضر.

*

حكمةٌ عن الرضا

في ورقة حلوى صينية...

الصغار جياع، والشمس تميل إلى الغروب.

***

فؤاد ميرزا بغدادي

....................

* الصورة: آلة الكوتو اليابانية.

القارئ للشعر العربي القديم لا بد وأن يكون قد مرت عليه بعض القصائد، البعض منها يتنازعه أكثر من شاعر ويدعيه لنفسه، ومن هذه القصائد قصيدة تسمى ب"القصيدة الدعدية" وهذه القصيدة لها قصة مشوقة ، وقد ادعاها لأنفسهم شعراء كثر، ولذا فقصتها جديرة بأن تروى.

تقول الحكاية أن امرأة من نجد أو من اليمن وهي بالمناسبة أميرة من الأميرات العربيات أخذت على نفسها العهد أن لا تتزوج من رجل إلا إذا غلبها بفصاحته وبيانه ، وبقي الأمر على هذه الحال مدة ما تقدم إليها رجل فيها ليخطبها للزواج إلا وخسر الرهان بما عنده من بلاغة وفصاحة، ورجع مهزوما يجر أذيال الخيبة. وحدث أن سمع بها شاعر بليغ وفارس شجاع وأراد أن يجرب حظه في طلب الزواج منها، فاجتهد في سبك قصيدة وأحسن سبكها مبنى ومعنى، ثم عزم على الرحيل ليخطب المرأة، وفي الطريق أبصره رجل من الذين سبق لهم أن تقدموا للزواج من الأميرة ورسبوا في الامتحان، فتقدم لشاعرنا فسأله عن الغرض من سفره، فأخبره بأنه يريد الزواج من الأميرة وأنه يحمل معه قصيدة للامتحان، فاحتال الرجل إلى أن قتل الشاعر وأخذ القصيدة وذهب بها إلى الأميرة.

سألته الاميرة عن نفسه فأجاب إجابات تخالف تماما ما يوجد في القصيدة، فصرخت على الفور:

اقتلوا هذا فإنه قاتل بعلي.

وقد ادعى القصيدة كثير من الشعرا، فنسبت مثلا إلى ذي الرمة، وإلى أبي الشيص وإلى العَكَوَّك الخ، والقصيدة مشهورة ب"القصيدة الدعدية" نسبة إلى "دعد" الذي هو اسم الأميرة.

ونظرا لطول هذه القصيدة من جهة، ونظرا إلى إيغالها في وصف جسد المرأة، سنقتصر منها على ما يفي بالغرض فقط. وقبل ذلك نشير إلى أن هذه القصيدة شبيهة بقصيدة النابغة الذبياني وخاصة في وصف "المتجردة" زوجة الملك النعمان، وهي القصيدة التي تبدأ بهذا البيت:

أمنَ آل ميةَ رائح أو مغتدِ

عجلانَ ذا زاد وغير مزوّدِ

والله المستعان.​

***

مصطفى معروفي

..........................

القصيدة الدعدية:

هَـــل بِــالــطُّلولِ لِــسائِل رَدُّ

أَم هَـــل لــهــا بِــتَــكَلُّمٍ عَــهدُ

أبــلَى الــجَديدُ جَــديدُ مَعهَدِها

فَــكَــأَنَّما هـــو رَيــطَةٌ جُــردُ

مِن طولِ ما تَبكي الغُيومُ على

عَــرَصــاتِها ويُــقَهقِهُ الــرَّعدُ

وتُــــلِــثُّ ســارِيــةٌ وغــادِيَــةٌ

ويَــكُــرُّ نَــحــسٌ خَــلفَهُ سَــعدُ

تَــلــقــى شَــآمِــيَــةٌ يَــمــانِــيَةً

لَــهُــما بِــمَورِ تُــرابِها سَــردُ

فَــكَسَت بَــواطِنُها ظَــواهِرَها

نَـــورًا كـــأَنَّ زُهــاءَهُ بُــردُ

يَــغدُو فَــيَسدي نَــسجَهُ حَدِبٌ

واهــي الــعُرى ويُــنيرُهُ عَهدُ

فَــوَقَفتُ أســألها ولــيسَ بِــها

إِلَّا الــمَــهــا ونَــقــانِقٌ رُبـــدُ

ومُــكَــدَّمٌ فــي عــانةٍ جَــزَأَت

حَــتَّى يُــهَيِّجَ شَــأوَها الــوِرْدُ

فــتناثرت دِرَرُ الــشُؤونِ عَلى

خَـــدّى كَــمــا يَــتَناثَرُ الــعِقدُ

أو نــضحُ عزلاءِ الشَّعيب وقد

رَاح الــعَسيف بــملئها يــعدُو

لَــهَفي عَــلى دَعــدٍ وَما حفَلت

إِلّا بــــحــرِ تــلَــهُّــفي دَعـــدُ

بَــيضاءُ قَــد لَــبِسَ الأَديمُ أديم

الــحُــسنِ فــهو لِــجِلدِها جِــلدُ

وَيَــزينُ فَــودَيها إِذا حَــسَرَت

ضــافي الــغَدائِرِ فــاحِمٌ جَعدُ

فَــالوَجهُ مــثل الصُبحِ مبيضٌ

والــشعُر مِــثلَ الــلَيلِ مُــسوَدُّ

ضِــدّانِ لِــما اسْــتُجْمِعا حَسُنا

وَالــضِدُّ يُــظهِرُ حُــسنَهُ الضِدُّ

أوَ مــا تَــرى طِــمرَيَّ بَينَهُما

رَجُـــلٌ أَلَـــحَّ بِــهَزلِهِ الــجِدُّ

فَــالسَيفُ يَقطَعُ وَهُوَ ذو صَدَأٍ

وَالــنَصلُ يَفري الهامَ لا الغِمدُ

هَـــل تَــنفَعَنَّ الــسَيفَ حِــليَتُهُ

يَـــومَ الــجِلادِ إِذا نَــبا الــحَدُّ

وَلَــقَــد عَــلِمتِ بِــأَنَّني رَجُــلٌ

في الصالِحاتِ أَروحُ أَو أَغدو

بَــردٌ عَــلى الأَدنــى وَمَرحَمَةٌ

وَعَــلى الــحَوادِثِ مارِنٌ جَلدُ

مَــنَــعَ الــمَــطامِعَ أن تُــثَلِّمَني

أَنّـــي لِــمَعوَلِها صَــفاً صَــلدُ

فَــأَظــلُّ حُـــرّاً مِــن مَــذّلَّتِها

وَالــحُرُّ حــينَ يُــطيعُها عَــبدُ

آلَــيــتُ أَمـــدَحُ مــقرفاً أبَــداً

يَــبقى الــمَديحُ وَيَــذهَبُ الرفدُ

هَــيهاتَ يــأبى ذاكَ لي سَلَفٌ

خَــمَدوا وَلَــم يَــخمُد لَهُم مَجدُ

وَالــجَدُّ حــارثُ وَالــبَنون هُمُ

فَــزَكا الــبَنون وَأَنــجَبَ الجَدُّ

ولَــئِــن قَــفَوتُ حَــميدَ فَــعلِهِمُ

بِــذَمــيم فِــعــلي إِنَّــني وَغــدُ

أَجــمِل إِذا طــالبتَ فــي طَلَبٍ

فَــالجِدُّ يُــغني عَــنكَ لا الــجَدُّ

وإذا صَــبَــرتَ لــجهد نــازلةٍ

فــكــأنّه مـــا مَــسَّــكَ الــجَهدُ

وَطَــريــدِ لَــيــلٍ قــادهُ سَــغَبٌ

وَهــنــاً إِلَـــيَّ وَســاقَــهُ بَــردُ

أَوسَــعتُ جُــهدَ بَشاشَةٍ وَقِرىً

وَعَــلى الــكَريمِ لِضَيفِهِ الجُهدُ

فَــتَــصَرَّمَ الــمَــشتي وَمَــنزِلُهُ

رَحــبٌ لَــدَيَّ وَعَــيشُهُ رَغــدُ

ثُــــمَّ انــثــنى وَرِداوُّهُ نِــعَــمٌ

أَســدَيــتُها وَرِدائِـــيَ الــحَمدُ

لِــيَــكُن لَــدَيــكَ لِــسائِلٍ فَــرَجٌ

إِن لِــم يَــكُن فَــليَحسُن الــرَدُّ

يــا لَــيتَ شِــعري بَــعدَ ذَلِــكُمُ

ومــحــارُ كُـــلِّ مُــؤَمِّلٍ لَــحدُ

أَصَــريعُ كَلمٍ أَم صَريعُ ردى

أَودى فَــلَيسَ مِــنَ الــرَدى بُدُّ

هل أخبرتكم من قبل أن الكتابة قد تكون موجعة؟ وأن وجعها قد يكون قاتلًا، خاصة حين يكون ما تخطّه أقلامنا قادرًا على إثارة الحنين إلى أيام مضت؛ سوداء كانت أم بيضاء.

حين تكتب، ستفهم كيف يمكن للحنين أن يعيدك إلى سجنك القديم، إلى ذكريات ظننت أنك تجاوزتها، فإذا بها ما تزال تسكن في مكان ما من روحك.

وفي نفس كلٍّ منا ذكرى لعلاقة قديمة، وأحلام من زمن الصِّبا، ولحظات كانت يومًا سعيدة. وفي خاطرة كلّ منا وجوه لا تستطيع تضاريس الزمن أن تمحوها، وأمكنة بقيت عالقة في الذاكرة، وساعات انتظار استلبنا فيها وعودنا القديمة، ونحن نرسم على جدران العمر أحلامًا لم نكن نعرف أنها ستغادرنا ذات يوم.

الآن فقط، أعيد استحضار ذلك الشغف، وكل ذلك الحنين والحب الذي امتلكناه ذات يوم، بعد أن مضت سنوات العمر، وأصابتنا من الجراحات والنزف ما يكفي لأن يجعل القلب أكثر حذرًا، والذاكرة أكثر وجعًا.

نعيش عودة المحارب، بثياب الشوق والحنين الممزقة البالية، وبوجهٍ أثقلته مرارات الفقد.

وحين نعود إلى البدايات، لا نذكر أحدًا...

فكل ما كنا نتمتم به عند مصافحتهم لنا لم يكن سوى همهمات مبهمة، وكلمات ضاعت بين ارتباك اللقاء وثقل ما حملته السنوات.

تنحدر الكلمات إلى منحدر عميق في أرواحنا، جاهدةً أن تنال قسطًا من الراحة، لكنها لا تقوى على الخروج؛ فارتجاج عاصفة الحنين ما زال ينهكها، واحتباس الرهق المشدوه لا يترك لها منفذًا للشفاء.

هل لي أن أعرف كيف أخرج من ذاكرتي سريعًا، إلى غرفتي المغلقة، المغبّرة بالشوق بعد طول غياب؟

أفتح نافذتها الشرقية لأجدد بعضًا من هواء الشمس النقي، كما كنت أفعل في عادتي القديمة...

لكن، أين ذهبت نافذة منزلكم؟ وأين اختفت الشرفة الخلفية؟

فهي لم تعد تطل هناك...

لطالما التقت عيناي بعينيكِ من خلالها مرارًا، وكأن تلك النافذة كانت موعدًا صامتًا بيننا، لا يحتاج إلى الكلام.

ولم تعد الأزهار في فناء منزلكم الخلفي كما كانت؛ ضاع أريجها، وضاعت ألوانها، وأصبحت باهتة، لا تستدعي شعوري وإلهام كتاباتي كما كانت تفعل.

لماذا تغادر الأشياء والذكريات الجميلة معكِ دون استئذان؟

ها أنا أكتشف أنني عدت إلى الفراغ...

بلا ماضٍ.

ها أنا، يا صديقي، أغرق في بحر من الذكريات، ويتلاطمني الحزن من كل الجهات.

أجراس الكنيسة، والمدرسة التي كنتِ فيها، وأناشيد الصباح، وهتافات بائعي اللبن، وطيور الجنة...

كلها لم تعد هنا.

كأن المدينة نزعت عن نفسها ملامحها القديمة، وتركتني وحدي أبحث عنها في الذاكرة.

ها أنا أفتقدكِ بشغف...

أفتقد ضحكتكِ، وابتسامتكِ، وأماني صباحاتكِ المشرعة على الفرح.

أصبحت أستجدي كلماتنا وقصائدنا الرائعة، وأغنياتنا التي كنا نرددها معًا، لعلها تبقى معي قليلًا من الوقت...

لكنها تأبى.

ثم ترفض.

وتمضي في رحيلها الأخير، مرددةً سؤالًا واحدًا:

أين أنتِ؟

ضاع الأمس منا يا صديقي، وانطوت في القلب حسرة حضورٍ كان ذات يوم يملأ شوارع القاهرة...

وما بقي لي الآن سوى ذاكرة تفتح أبوابها كلما ظننت أنني أغلقتها، وتأخذني إلى هناك...

إلى حيث كنتِ،

وحيث كانت الأشياء أجمل،

وحيث كان للقاء معنى، وللشوارع ذاكرة، وللصباح صوت، وللقلب متّسع للحلم.

ربما لا يوجعنا الرحيل بقدر ما يوجعنا أن نعود إلى المكان نفسه، فلا نجد الذين جعلوا للمكان معنى.

وهكذا فهمت أخيرًا...

أن بعض الأماكن لا تغادرنا،

لكنها تصبح أكثر وحشة حين يغادرها من أحببنا.

***

ذكرى البياتي

 

لقرب الاحتفاء بيوم النخلة العالمي، تقف نخلة هرمة لا تشبه سواها. في أحد الأزقة الضيقة من مدينة الحرية، حيث تتجاور البيوت المتعبة، تتساند مع بعضها. ليست الأعلى بين نخيل بغداد، ولا أكثرها حملاً للتمر، لكنها أكثر إصغاءً للهمس الإنساني. تتفرع من جذعها العتيق ثلاثة جذوع، محمّلة بالرطب. أكثر من رواية تؤكد أن النخلة تعود للسادة بيت سيد طالب الحسيني يرحمه الله، في منطقة بستان الچلبي، قريباً من متوسطة الأحرار للبنات سابقاً، بمواجهة مخبز شيخ كريم (مخبز النصر)، في شارع مشتل عواد.

جذعها الرئيس ملفوف بقماش أخضر، تتدلى منه عقد صغيرة وخيوط باهتة، تركتها أيادٍ مرتجفة جاءت تحمل وجعها، ثم انصرفت، تركت عندها نصف أحزانها. لم تعرف النخلة أنها ستصبح يوماً مزاراً.

غرستها يد مجهولة، وروتها مياه ساقية تخرج من بستان الچلبي، كانت تصل تلك الأرض قبل أن تموت الساقية وتشيخ المدينة. كبرت مع البيوت، ومع الأطفال الذين صاروا رجالاً، ثم غاب أكثرهم في الحروب. كانت ترى الوجوه تتبدل، والأبواب تُطلى ثم يتآكل طلاؤها، والنساء يزددن انحناءً عاماً بعد عام، تتقوس ظهورهن، لكنها بقيت واقفة، كأن جذورها أوثق من كل ما يتداعى حولها.

ثم جاءت السنوات التي صار فيها العراق وطناً للأمهات الثكالى. كل حرب كانت تمرّ، كانت تقتطع سعفة من عائلة، ونافذة من بيت، وضحكة من طفل. صار الفقد عادةً يومية، حتى لم تعد النساء يسألن: من مات؟ بل يسألن: ابن من هذه المرة؟

في مدينة الحرية، حيث يعيش البسطاء بأمل أكبر من قدرتهم على الاحتمال، بدأت الحكاية:

امرأة فقدت ابنها الوحيد. قيل إنها جاءت إلى النخلة في فجر شتائي، وضعت خدها على جذعها، وبكت حتى ابتلّ اللحاء بدموعها. لم تطلب معجزة، كانت تريد فقط أن تنام ليلة بلا كوابيس. وعندما عادت إلى بيتها، قالت لجاراتها إنها شعرت بأن أحداً كان يصغي إليها.3118 jamal

من هنا تبدأ الأساطير دائماً

امرأة أخرى جاءت تطلب طفلاً بعد سنوات من العقم، وثالثة حملت صورة زوجها المفقود، ورابعة جاءت تستغيث من مرض عضال، وخامسة تريد أن يعود ولدها من الغربة. لم يكن أحد يعرف من أين جاءت الحكاية الأولى، لكنها كانت تكبر مع كل رواية، مثل كرة ثلج تتدحرج فوق ذاكرة شعب أنهكته الخسارات.

شيئاً فشيئاً، صار القماش الأخضر يلتف حول الجذع. لم يكن أخضر لأنه لون النبات، بل لأنه لون الرجاء. كل قطعة قماش كانت تحمل أمنية. كل عقدة، تخبئ دعاءً. كل خيط كان يشدّ قلب امرأة إلى السماء.

ولأن البشر حين يعجزون عن تغيير الواقع يبحثون عن نافذة للرجاء، فقد أصبحت النخلة نافذتهم.

في المساءات، كانت النسوة يقفن عندها بصمت. لا صلوات جماعية، ولا طقوس معلنة. مجرد نساء يتبادلن النظرات، ثم يضعن أكفّهن على الجذع الخشن، وكأن حرارة الحياة ما زالت تسري فيه. بعضهن يهمسن بأسماء الأبناء، وبعضهن يقرأن الفاتحة، وبعضهن لا ينبسن بشيء، لأن الأحزان الكبيرة لا تحتاج إلى كلمات. في المدن المجروحة.. النساء يشتهين لحظة الوحام عند شجرة النخل، أو تمطر السماء لتخصب الأرحام. والنساء العاقرات كن انتظرن بضع سنوات كي يلدن لكن دون وحام.

كانت النخلة، بصمتها الطويل. ربما لم تكن تشفي أحداً، لكنها كانت تمنح الناس وهماً جميلاً بأن آلامهم لم تعد وحيدة. والوهم الرحيم، أحياناً، أقل قسوة من الحقيقة.

أجيال، مرّت عليها..

كانت تشهد صبايا يأتين ممسكات بأيدي أمهاتهن، يوقدن شموع أحلامهن ونذورهن، ثم عدن بعد ثلاثين عاماً وهنّ يمسكن بأيدي حفيداتهن. في "ذاكرتها" العريس الذي خرج مزهوّاً ببدلته العسكرية، ثم عاد بتابوت من جبهات القتل.    حين يصطلي الفقراء بمجامر الحروب، تأتي إليها الأمهات وهن يزغردن لعودة الجنود، ثم يبكين الجنود أنفسهم حين تشتّد النزالات.

النخلة تحفظ الوجوه التي مرّت عليها، وسعفاتها الطوال كانت تحمل أسماء الغائبين. وما خبّأته العصور، وما أرّخته المقادير.

في الليل، حين يهبط على الزقاق، يجعلها تبدو كـ "شيخة" وقورة ترفع ذراعيها إلى السماء بالدعاء. لم تكن النخلة مقدّسة. لكن الوجع الذي علق بها كان مقدساً. لم تكن تصنع المعجزات. إنما كانت تجمع الدموع التي لم تجد كتفاً تستقر عليه.

أقول للذين استباحوا عفاف النخيل، والذين بغوا في البلاد: هذه جنّة الله، لا يعتريها ذبول.. ظلت النخلة واقفة. ليست لأنها أقوى من الريح، بل لأن آلاف الأمنيات المربوطة إلى جذعها كانت تسندها، تحيط به قلوب النساء الموجوعات. تكفيها بعضاً من قطرات مالحة.

***

جمال العتّابي

حدّثنا ماجدُ بنُ وسّامٍ قال: مُرِّغْتُ بحربٍ وهُدْنَة، ونعيمٍ مُغَلَّفٍ بالمِحْنَة. وآثرتُ البَوْحَ بيُسْرِ الحال. وتقلّبتُ في الخَلْقِ بين خاطِبٍ ودَلّال. وقد كان لي شيخٌ خَشِنُ العُود، بادي الجُود، حافظٌ للحُدود، مُولَعٌ بالقُدود. قد لاكَ العِلمَ وابتلَعَهْ، وقَطّعَ الأَدبَ ووَزَّعَهْ، ولَمَّعَ الفَنَّ وأَوْزَعَهْ، وعَجَنَ الحِسابَ ورَقَّعَهْ.

وأنا في حالي أذكُرُ أيّامي في مَرْتَعِ صِبايَ وصِباه، وأتساءَلُ مُبِينًا عن دُنيايَ ودُنياه. فقد بُلينا بانقِطاعِ الزّاد، وانقِطاعِ المِعاد. وضَجّتِ الأسواقُ، وحُدِّقَتِ الأعالي، واتّخَذَ النّاسُ خُلْسَةً في اللّيالي، واكْتَرى مَنِ اكْتَرى خِلْعَةً مِنَ المَعالي، واقْتَرَضَ مَن تَقَطّعَتْ حِبالُهُ سَلْفَةً مِنَ الأعالي. وذُعِرَتِ المَخابِزُ والمَفارِز، واكْتُنِزَتِ الأموالُ والمَحارِز. وقالوا: لَعَنَ اللهُ أيّامَ هالِكِ بنِ حارِز، وأيّامًا ضَجّتْ بالعَويلِ والجَنائِز، حيثُ الدِّماءُ والهَوابِز، والأناشيدُ والأراجِز. وحيثُ يُكَرَّمُ الخاسِرُ كالفائِز.

وبينَما أنا في هذا الشُّرود، أُفَكِّرُ في الحُشود، تاقَتْ نَفسي إلى حِزبِ الجَماعَة، حيثُ تُصانُ الكَرامَةُ بالشَّجاعَة، ويَلوذُ الذّائِدُ بهِم مِنَ المَجاعَة. فلمّا عَرَّجْتُ إليهِم، وجَدتُ فيهِم حَسناءَ تَجمَعُ بالقَوم، قد لَمَعَ مِنَ الذَّهَبِ طَرَفُ إزارِها، ورُصِّعَ بالماسِ جيدُها وخِمارُها. وقيلَ: هذه جُلْنار شمسُ النّهار، ورَبّةُ الحُسنِ في زَمَنِ الضِّرار.

تَتبَعُ صاحِبًا أنْسَتْنيهِ الأيّام، ودِرْعًا شَدَدْتُهُ في الحُروبِ الضِّرام، وحُجَّةً قد لَطَّخَتْ جَبينَ الإسلامِ، ذلكَ رَفيقي سالِمُ بنُ سَلام. فلمّا وَرَدَ البُقعَة، وأطفَأَ الشَّمعَة، وقَضى الرَّكعَة ولَفَّ الجَمعَة، وصَلّى الجُمُعَة، رَكَنَ إلى المِنَصَّة وانتَهَزَ الفُرصَة، وهَلَّلَ واستَمال، وسَبَّحَ وحَمِدَ واستَقال. ثمّ رَجَزَ وقال:

يا خِلّانَ الصَّفا، ويا دُروعَ الهَيْجا، ويا وَهَجَ الدُّجى،

آثَرْتُمُ الكَرامَةَ بِصَونِ الإدامَة، ومُنادَمَةِ الحُطامَة

واختيارَ المُواجَهَةِ، ومُغالَبَةَ الخُضوعِ ومُناكَبَةَ المَوضوع.

صالِحٌ بَعدَ صالِح، كَريمٌ بَعدَ كَريم. فكَمْ لَئيمٍ سَطرَ بِتّارُكُم في الوَغى؟ وكَمْ جَبانٍ رَدَمَ رَشاشُكُم في الرِّغى؟وكَمْ مَأجورٍ شَتَمَهُ صَوتُكُم في اللُّغى؟

فالأمْنُ مِن هذهِ الدَّعوَةِ قُوَّةٌ وإيمان، والتَّكذيبُ في أصلِها خُضوعٌ وكُفران.

أيُّها النّاسُ، اعْلَموا أنَّ الكَرامَةَ حِصنٌ لِلنُّفوس، وتاجٌ لِكُلِّ عَجوزٍ وعَروس. فخُذوا مِن سيرَةِ الأجاوِدِ الكَواسِر، مِمَّن قارَعوا الأباطِر، ونادَوا في الوَغى: ألا مِن ناصِر؟ أولئكَ حِزبُ عليِّ بنِ أبي ناصِر، قَومٌ حَرَّروا المَفارِز، وقارَعوا طُغيانَ هالِكِ بنِ حارِز. فأصابوا مِن حَظِّهِم إحرازَ الجَوائِز، وتَقَشَّفوا فيما غَنِموا مِنَ المَحارِز. واصْبِروا تُنصَروا، وكَبِّروا تُكبَروا، فإنَّ كُلَّنا لِلنَّصرِ حارِز، ولِلكَرامَةِ في صَونِ المالِ والعِرضِ حائِز. ذلكَ وَعدُ اللهِ لِكُلِّ فائِز.

فلمّا اشتَعَلَ الجَمعُ واستَقام، وفاضَ كَيلُ الحَقِّ بالباطِلِ وهام، هَتَفَ الجَمعُ رافِضًا لِلسَّلام، وتَحَلَّقوا ورَجَزوا مَعَ سالِمِ بنِ سَلام. فلمّا أُنهِكَتِ الأرواحُ، واستُبيحَ السِّلاح، وأُتعِبَ القَوم، وخَلَدوا مِن رُقادِ بَصيرَتِهِم إلى النَّوم، أخَذَ سالِمٌ المَقسومَ، وفَرَّ بهِ مَعَ جُلنارَ خَلفَ السِّتار.

فلمّا أفَلَ النّهارُ وانقَضى ما دار، تَبِعتُهُم فَوَجَدتُ حِرزَ النّور، والسِّرَّ المَستور، وشُعلَةً ثارَتْ على الباطِلِ والجُور. قد تَعاظَمَ مِنَ الطَّعامِ لغدهُ، ولَمَعَ مِنَ النَّعيمِ جَبهَتُهُ وزَنْدُه. ما غَيَّرَتِ الأيّامُ فيه، وما لاكَ يَومًا بالباطِلِ لَحمَ أخيه. فقُلتُ: هذا واللهِ حُجَّةُ الإسلام، والبَطَلُ الضِّرغام. عليُّ بنُ أبي ناصِر الرَّسّام.

فلمّا سَألْتُهُ عَن أمسِهِ وأُنسِه، وعَن مُدامِهِ ودَوامِه وفَرَحِهِ وكَرَبِه، وعَن حَربِهِ وحِزبِه، كَشَّرَ مُنثَنِيًا على هَودَجِهِ مَعَهُم وراح، وأنكَرَ خِلًّا شارَكَهُ الرّاح. فأنشَدتُ أقول:

لا تُوحِشَنَّكَ خَيبَةُ الأمَلِ

خَطَأُ الطَّبيبِ إصابَةُ الأجَلِ

فَلِكُلِّ فائِتَةٍ وحاصِلَةٍ

سَبَبٌ يَدِقُّ على ذَوي الحِيَلِ

تَخفى عَلَينا الموجِباتُ لَها

فَنَسوقُ ظاهِرَها إلى العِلَلِ

وأقولُ قَولًا في جَوانِبِهِ

رَمَزَ الحَقيقَةِ وهوَ كالمَثَلِ

لَولا المَرارَةُ في المَذاقِ لَما

عَرَفَ المَذاقُ حَلاوَةَ العَسَلِ

***

أمين صباح كُبّة

 

قال لي صديقي: أنتِ امرأة غريبة المزاج، باردة العاطفة... أما عرفتِ الحب يومًا؟

ابتسمت وقلت: يا صديقي، لم يكن الحب يومًا غايتي، ولم أسعَ إليه كما يسعى الآخرون. كنتُ أؤمن أن الحرية وطنٌ لا يضاهيه وطن، وأن روحي أوسع من أن تُحاصرها مشاعر رجلٍ شحيح التعبير، متقلب الكلمات، غافلٌ عن التفاصيل التي تُنعش القلب.

لطالما كنتُ أشفق على الطيور في الأقفاص، لأنها تشبهني أكثر مما ينبغي. خُلقتُ مثلها لأحلّق في فضاءٍ مفتوح، وأتنفس العزلة كما يتنفس غيري الحب. فلا أطيق الركود طويلًا، ولا أُجيد الإقامة في الأماكن أو القلوب التي تضيق بروحي.

فكيف لك أن تظن أنك قادر على احتجاز مشاعري بين نبضات قلبك؟

لا تطلب مني أن أحب، ولا تقترب أكثر مما ينبغي. فقد صار قلبي يكتفي بمهمته الأولى... أن يضخ الدم، أما العطاء فقد استنزفته خيباتٌ تركت في الروح ندوبًا لا تُرى.

لا تغضب من آرائي، ولا تحاكم اختياراتي. فأنت لا تعرف مقدار قلقي من العلاقات التي تبدأ جميلة ثم تُثقل القلب بقيودها. يرهقني الاهتمام المبالغ فيه، وتربكني الغيرة، وتخنقني المواعيد المتكررة، ويستنزفني ذلك التفكير الطويل الذي يسمونه حبًا.

ولستُ مستعدة لأن يوقظني أحد عند الرابعة فجرًا ليخبرني أنه يشتاق إليّ، أو أن يحاصر أيامي بالمكالمات والرسائل. يكفيني أن تعرف اسمي، وربما المدينة التي وُلدت فيها، أما ما تبقى فهو مساحة تخصني وحدي.

اعذرني... فأنا لم أعتد البوح، ولم أتعلم كيف أتنازل عن حريتي. أنا امرأة وجدت في الوحدة سلامًا، وفي الاستقلال حياة.

ولا تستفزني برسائلك المتكررة، فأنت ما زلت بعيدًا عن فهم ما أعنيه.

ليست المشكلة فيك... بل في ذاكرتي التي تأبى أن تغادر زمنها الجميل. ما زالت معلقة بمراسلات الحمام الزاجل، وبالعيون التي كانت تقول كل شيء دون كلمات، وبالأحاسيس الصادقة، ومحطات القطار التي كانت تحمل شوق العائدين، وأغنيات وردة، وأم كلثوم، وعبد الحليم، حين كان الليل موعدًا للحنين، وكان اللقاء حلمًا يُنتظر.

لذلك لا تلمني يا صديقي...

فأنا امرأة من القرن الماضي، أؤمن بأن الحب لا يُقاس بكثرة الرسائل، ولا بطول المكالمات، بل بصدق الحضور، ووفاء المشاعر، وبقلبٍ يعرف كيف يبقى، حتى في غياب الكلام.

وربما لا أخشى الحب... بل أخشى أن أفقد نفسي وأنا أبحث عنه. فبعض النساء لا ينقصهن قلبٌ يحب، بل روحٌ تجد من يصون اتساعها. وإذا جاء الحب يومًا، فليأتِ دون أن ينتزع مني حريتي، ودون أن يطلب مني أن أكون نسخةً لا تشبهني. فالحب الحقيقي لا يبني أقفاصًا، وإن كانت من ذهب، بل يفتح النوافذ للروح كي تحلّق، ثم يبقى واقفًا على عتبتها... مطمئنًا أنها ستعود باختيارها.

***

ذكرى البياتي

 

لماذا لا يوجد شيء اسمه 'تأخرت في الحياة'؟"

في أروقة العقول، يتردد صدى شبحٍ خفي، يربك الخُطى، ويستنزف الطاقات، ويطفئ جمر الشغف قبل أن يشتعل.. اسمُه "فوات الأوان". كم من أحلامٍ دفنها أصحابها في مقبرة النسيان، لا لشيء إلا لأنهم توهموا أن قطار الحياة قد جاوز محطتهم، وأن العمر أثقل من أن يحمل بداية جديدة! ولكن، لو تأملنا حقيقة الوجود بعين الحكمة، لوجدنا أن مقولة "تأخرت في الحياة" هي واحدة من أكبر الخدع النفسية التي كبّل بها الإنسان روحَه.

كيف تتأخر في شيء أنت جزء أصيل منه؟

إن الحياة ليست كياناً خارجياً منفصلاً عنك تسعى لللحاق به؛ أنت لست مسافراً يركض خائفاً خلف حافلة تسير في المدى، بل أنت المسافر والحافلة والطريق ذاته! أنت ذرة حية في هذا الكون الفسيح، وإيقاع حركة الوجود ينبض في عروقك. فكيف يمكن لجزء من الموزاييك الكوني أن يكون "متأخراً" عن الصورة الكلية؟ إن حركة وجودك متناغمة بالضرورة مع حركة الكل، وما تحسبه تأخيراً ليس سوى مرحلة اختمار وتكوّن في رحم الزمن.

تأمل الطبيعة التي خلقها الله تبارك وتعالى من حولك؛ إنها المعلم الأكبر الذي يمنحنا دروساً صامتة في السكينة والتوقيت. الوردة لا تلتفت إلى الوردة المجاورة لتقول لها بال حسرة: "لقد أزهرتِ قبلي بساعتين، لقد ضاعت حياتي وانتهى أمري!"

الوردة لا تقارن، ولا تتفقد سريان الوقت، ولا تصاب بالذعر لأن برعماً آخر انفتح قبلها تحت أشعة الشمس. إنها تعرف غريزياً أن جوهرها مبرمج على الإزهار، وأن نضجها يحتاج مقادير محددة من الظلام والندى والدفء. كل شجرة في الغابة تمارس حقها في النمو بإيقاعها الخاص؛ فشجرة البامبو تقضي سنوات تحت الأرض تبني جذوراً صلبة دون أن يظهر منها شبر واحد فوق التراب، ثم تنطلق كالرمح نحو السماء في أسابيع قليلة. هل كانت البامبو متأخرة طوال تلك السنوات؟ أم أنها كانت تؤسس لما يضمن بقاءها؟

إن المأساة الحقيقية تبدأ عندما نتحول إلى أسراء لعقلية "المقابلة والمقارنة"، وننظر إلى الوقت باعتباره "مضمار سباق". في المضمار، يوجد خط بداية واحد، وحارة ضيقة، ورابح واحد يقطع الشريط أولاً بينما يُعتبر الباقون خاسرين. لكن الحياة لم تكن يوماً مضمار سباق!

الحياة في حقيقتها لوحة فنية تُطلى بالتدريج.

في اللوحة، لا توجد ضربة فرشة "أفضل" من ضربة فرشة أخرى لأنها وُضعت أولاً. بعض الأجزاء تحتاج إلى طبقات دافئة من الألوان الداكنة في البداية كي تبرز الألوان المضيئة التي ستأتي لاحقاً. كل تجربة مررت بها، كل انكسار، كل تأخير ظننته عاطلاً، كان في الواقع طبقة لونية تُضيف لروحك عمقاً، ولشخصيتك بعداً، ولنضجك سحراً لا يمكن تزييفه. اللوحة تستغرق ما تحتاجه من وقت لتكتمل، وكل تفصيل فيها يأتي في موقعه الصحيح ليصنع في النهاية تحفة فريدة: وهي أنت.

إن فكرة "فوات الأوان" هي نتاج توقيتات مجتمعية وهمية، صاغها البشر ليقيسوا بها نجاحات بعضهم البعض. أما توقيتك الحقيقي فهو مادي وروحي، منسوج من تجاربك الخاصة ونضجك الفريد. إن الكاتب الذي ينشر رائعته في سن الستين لا يقل إبداعاً عن الشاب الذي يكتبها في العشرين، والحيوي الذي يبدأ مشروعه في الخمسين يمتلك حكمة لا يملكها ابن العشرين.

حين تتوقف عن النظر إلى ساعة غيرك، وتبدأ في الاستماع إلى نبضك الخاص، سيختفي وهم "التأخر". اعلم أن كل جزء من هذا الوجود يزهر في لحظته الكونية المقدرة له، لا قبلها بثانية ولا بعدها بثانية.

اطرح عن كاهلك عبء السباق، واخلع عن روحك قلق الساعات، وتذكر دائماً: ما دمت تتنفس، فأنت لست متأخراً، أنت فقط في مرحلة التكوّن، والفرشاة ما زالت بيدك لتلون لوحتك بجمال لم يسبق له مثيل.

***

ذ يونس الديدي باحث أكاديمي

ليس بإمكاننا إيقاف تلك الصور والأحاسيس والأحداث التي تمرّ مرور الريح..

لذلك تصبح الذاكرة ملاذاً..

الكتابة والرسم والتصوير والسينما.. كلّها محاولات يائسة لإقامة خيمات وهمية ثابتة عند فوهة مياه الشلال!

بغداد الحلم / الحقيقة

تلوّنت السماء بأحشاء زرقاء، وبدت أشبه بموج البحر.. ومن الألوان الأشدّ عمقاً والأثقل من الأثير، كان يأتي الموج.. ويختلط الزبد بالغيم، والنوارس بالأسماك، والقوارب الصغيرة بالصقور، والرعد بخرير الجدول والشلال..

كنت عابراً، مرتحلاً، مؤقتاً، وقفراً..

في بلّورة الروح

تنمو المروج.. وتعدو الخيول.. وتجري البحار!

فهي المدينة نفسها.. والروح مكتئبة.. الأخت والأم وابنة الجيران ينتحبن في الزاوية.. والأخ يدور في حلقة التوجّسات والأقدار المعتمة.. عسسٌ بلا أسنان حول البيت يتربّصون بشمعة تُضاء، فتلمع روحها في الباب والنافذة.. حان موعد الخروج.. عَدْواً بين القبور أو أزاهير المروج!

لؤلؤة بحرية

تنام فينيسيا تحت الماء، لتصحو بمنائرها وأبراجها الخالدة مع كلّ فجر..

ما زلت أتذكّر ذلك اليوم البعيد من عام 1978، حين أُجبرتُ، في ليلة سوداء، على الرحيل هارباً من العراق عبر تركيا إلى اليونان، بجواز سفر وختم منتهيَي الصلاحية..

كنت أعدو باحثاً عن مرفأ أو ملجأ..

الباخرة اليونانية متّجهة إلى فينيسيا.. وضعت حقيبتي في الغرفة المخصّصة للنوم، وخرجت إلى المقصف الرئيس.. أحسست بالإعياء والدوار.. دوار البحر رافقني طوال الرحلة.. صداع وغثيان.. الناس في الصالة يمارسون كلّ أنواع المرح، ويتناولون الطعام والأنخاب، ويتعارفون ويرقصون.. بينما أزدرد أنا حبوب الدوار واحدةً بعد أخرى، وأتألّم..

بعد أيام في البحر، أعلنوا موعد الوصول: الخامسة صباحاً..

خرجت إلى سطح الباخرة.. السماء بلا نجوم، ترقد كلوح أسود فوق بساط البحر العميق المعتم.. حزن وخوف ورهبة.. المشهد لا يوصف.. فراغ لانهائي مغلق.. اختفى الكون كلّه، وتهدّمت أعمدته في فراغ معتم..

النسيم وصوت محرّك الباخرة وحدهما ما يذكّر بالحياة.. أينما نظرتَ ترى سواداً يتكرّر.. العقل يتشوّش ويضيع المعنى..

شعور مرير بالمرض والرهبة والضعف والوحدة والوحشة والقنوط..

من لا مكان.

فجأةً.. انبثقت عبر الظلام البعيد رؤوس أبراج تشعّ مثل بصيص أمل أو خيط من سراب.. كانت تلك فينيسيا، الغافية وسط محارة كونية، تستيقظ وهي تتثاءب.. أبنية وأبراج وسفن راسية ومعالم مدينة كاملة تظهر..

أحسستُ بلذعة جنونية من البهجة..

أخذت أضحك بلا انقطاع..

أنظر إلى السماء وإلى البحر وأضحك..

أضحك على السواد والعتمة والشك والضعف واليأس والحزن..

بهجة الدنيا كلّها وعافيتها استيقظتا في داخلي..

يا له من فرح!

كلا.. لا يمكن لفينيسيا أن تُرى إلا بهذه الطريقة.. يُعثر عليها كمحارة بحرية في لحظة قنوط.. تؤخذ دفعةً واحدةً.. بكلّيتها.. تؤخذ ولا تُعاد.

نوارس

في صيف عام 1995، وفي زيارتي الأولى لشلالات نياگرا في كندا، بقيت مذهولاً، غائباً عن الوعي للحظات..

المياه الجبّارة تنهمر على الأرض، خالقةً ما يشبه حلماً فلسفياً غامضاً، له لون أزرق ودخان رذاذي يفصل المياه عن الهواء.. يفصل الوجود عن العدم.

ولولا ذلك الرذاذ البارد المتطاير على وجهي، لما استيقظت من حلمي العجيب ذاك!

إنه الانذهال المغتبط الحزين أمام رؤية الجمال الكوني المطلق!

أحسست بقربي وجود رجل من السكان الأصليين، من الهنود الحمر، أتى بابنه في فجر ذلك الصباح البلّوري ليريه الشلال العظيم..

كان وجودهما أثيرياً، وخطابهما طقسياً:

قبل أن يطأ رجل أبيض أو أسود أو أصفر أميركا، واحة الملائكة هذه..

يشرح الهندي لابنه:

إذا دقّقت النظر في الرذاذ الشفيف، سترى في قوس القزح المائي انبعاث أرواح أجدادك الموتى، وستسمع حديثهم، وحتى ضحكاتهم.

بعد لحظات، كانا قد انقلبا إلى نورسين، ولحقا بالنوارس التي كانت تحلّق بغبطة فوق سطح الماء!

الفردوس

في بيرو تمتدّ غابات الأمازون..

عشنا أياماً في بطن الحوت.. لا توجد مكيّفات هواء، ولا مرافق صحية، ولا أطعمة لها مذاق مألوف أو مأمون.. ننام ونصحو تحت المطر.. رذاذ ومطر..

المطر في كلّ مكان.. داخل الخيمة مطر، وخارج الخيمة مطر.. سيول من المطر، وكأن البحر انتصب واقفاً، يفرغ مياهه فوق هامات الأشجار والحيوانات والطيور والبشر على السواء..

من العسير التنفّس في هذا المكان، إلا لمن يمتلك رئةً صالحةً.

بعد اليوم الرابع من المطر المتواصل، ظهرت الشمس بين أطراف أشجار الغابة التي بدت وكأنها تودّع الحياة، كشراع سفينة تغرق..

مع ضوء الشمس ظهرت بالونات نيونية من ألوان باهرة.. وظهرت برك مليئة بالأسماك المذهلة.

من أين جاء كلّ هذا السمك؟..

ظهر هنود الأمازون بأجسادهم العارية ونبالهم المسمومة، وعلى أكتافهم صيدهم من الطيور والأرانب والقِرَدة..

نباتات وأشجار فطرية عذراء، وحيوانات وطيور لم ترَ إنساناً، ولم تتلوّث برائحته بعد..

كيف خُلق هذا العالم، ولمن؟..

قال المترجم:

هذا هو الفردوس.. إذا تخلّف فيه إنسان واحد، فسيحيله إلى جحيم!

ساحرة جامايكا الوثنية

بسنانيرها تعلّق الفراشات والطيور والأسماك الصغيرة..

على الشاطئ، في مكان قريب من صخرة كونية هائلة، كانت تبيع الحلزونات العملاقة وقلائد الصدف المربوطة بتعاويذ الفودو..

لونها، بسبب أشعة الشمس والغوص الدائم في الماء المكثّف بملوحة البحر، وبسبب أرديتها القليلة التي لا تكاد تغطّي عورتها وصدرها، يجعلها تبدو كحارسة سوداء من بنات الجزر..

بمليمات قليلة وضعناها وسط راحتها، أدنت من آذاننا تلك القواقع والحلزونات، وتركتنا نلمسها بعناية ولطف، لنصغي إلى صوت انطلاق الريح وتكسّر الأمواج على الشطآن البعيدة التي لم ترَ بشراً من قبل.

انصرفنا عن المرأة، وفي قلوبنا لغز، وفي أرواحنا متاهة من ضباب.

راهبات المتعة

في مساء مدينة كيوتو، دخلت مقصفنا أربع دمى من نوع الغيشا، بملابسهن الزاهية، وأشرطتهن الحريرية، وقبعاتهن التي تمثّل الربيع والجمال..

رقصن بمظلّاتهن الملوّنة رقصات الباراسول*، وغنّين أربع أغنيات من الميكادو*، ثم جلسن على الأرض ليعزفن لنا مقطوعات على الشاميسن*، ويلقين على مسامعنا أبياتاً من نظم ماتسوؤو باشو*..

كان علينا أن ننظر ولا نلمس..

تلك الأشرطة الصفراء التي تطوّق الخصور الرهيفة لا يمكن فتحها.. تلك الشفاه لا يمكن تقبيلها.. تلك الأجساد لا يمكن لمسها أو رؤيتها عاريةً.

يبتسمن ولا يضحكن، فالضحك ممنوع..

يتحدّثن بأصوات تشبه أجراس النسيم..

راهبات الفن والبهجة.. عذراوات بوجوه دمى من مرمر..

كيف فكّر اليابانيون في خلق ذلك الحلم.. تلك الهلوسة الزاهية للوجود البشري؟..

يا لها من عذوبة يتخدّر بها السمع والبصر.. تبقى معك، ولا تتلاشى ولا تنتهي ما حييت..

لا أزال أفكّر بهن.. بوجوههن الحقيقية.. بأجسادهن التي لم يلمسها بشر.. بأقدامهن بالغة الصغر..

أراهن سجينات صومعة وهم مقدّس.. شهيدات كاميكازي*..

لولا كراهيتي للسيوف والحروب، لتمنّيت أن أعود ساموراي*، لأطلق وثاق حبيباتي السجينات..

لا أزال أشمّ عطرهن المميّز.. عطر جزر اليابان المقدّسة..

آه، يا له من حلم مدوّخ!

Geisha: a traditional female Japanese entertainer.

Parasol dance: a dance performed with an umbrella.

Mikado: a type of traditional Japanese singing.

Shamisen: a banjo-like, three-stringed musical instrument.

Matsuo Bashō (1644–1694): one of the greatest Japanese poets.

Kamikaze attacks: suicide attacks carried out by Japanese aircraft against U.S. warships and aircraft carriers during World War II.

Samurai: warriors in feudal Japan.

فايكنغ

في الدنمارك زرنا قصراً جبّاراً يعود إلى الملك.. جلسنا على أثاث ذهبي يعود إلى الملكة.. تمشّينا بين الساحرات ذوات الشعور والعصي الذهبية..

ألقينا نظرةً على حشائش كريستيانيا، وشربنا من مياه بحر يضجّ بحوريات أندرسن..

خلعنا أرديتنا، وارتدينا قبعةً وأساطيرَ مجد الفايكنغ..

يا له من مكان عامر بالأمن والسلام..

ما إن تركناه، حتى ذبلت السعادة في قلوبنا كذبول أزهار وأشواق صديقتي «هَه ني»، التي اختطفتها قبلات طيور القاطرات المعدنية، شرهة المخالب والمناقير!

التفاحة الكبيرة

حفنة من صبايا الغيوم ترقص حول جذوع ناطحات السحاب..

الخراف البيض والسود تمرح في الطرقات بين حقول الحجر والأسمنت..

الساعات المعلّقة فوق رؤوس الأبراج، والتي تشبه ساعة «بيغ بن»، تنثر علينا نثارة الوقت كأشرطة ونجيمات الأعياد..

جادات نيويورك تفضي كلّها إلى مراقص ومطاعم وبارات..

أضواء تشبه المساحيق الملوّنة لمهرّج السيرك..

نرتعد مع كلّ مفاجأة.. ونجفل من كلّ مطب..

كؤوس وأوانٍ خزفية تتهشّم.

*التفاحة الكبيرة: أحد أسماء مدينة نيويورك. Big Apple

خبز

يلقي نهر مانثاناريس ربطة عنقه الزرقاء خلف ظهره، فتخفق كمنديل في طرقات مدريد وساحاتها..

هذا اليوم لم تكن السماء المشمسة على طبعها المعتاد.. رُزقنا بغيوم كأزهار شوكية دامعة..

بلا مظلّات أو ربطات رأس تقي تسريحات النساء، يتسكّع المدريديون، وعلى بدلاتهم الباذخة الملوّنة تنقر الغيوم بمناقير مائية نقرات سريعةً مرحةً.

كالعشّاق، يطوّحون بأذرعهم فوق الأسيجة، ويتبادلون مسرّة إطعام أسماك متلألئة كالألمنيوم اللمّاع، أيقظتها فقاعات المطر، فأخذت تتقافز قرب أقواس القناطر والجسور..

خلف صرح متحف «ديل برادو» البهي، توقّفت لأراقب الثور الهائج الذي أطلقوه في طرقات المدينة..

قالت فتاة ترقص في الشارع رقصة الفلامنكو مع شاب خصره كخصر الدبور:

ننام جياعاً ليلةً أخرى لتخفيف الوزن.

ثم تبادلا قبلات سريعةً.

ضغط دالي على الزر في طرف شاربه الأيمن.. فخرجت لنا ساحات الأزمان الرمادية المغطّاة برائحة أسلحة الحروب الأهلية..

جرادة إسبانية طويلة الأطراف تربض على عنق فرانكو..

حياة عنيفة وموت.. رقص وخبز وجوع!

تحليق

النفق الذي يصل المطار بالطائرة يمرّ بمتحف زجاجي يحتوي على مجسّمات مصنوعة بإتقان وعناية فنان:

أغلال تتدلّى من معاصم عبيد فشلت أجنحتهم في محاولة الطيران الأولى..

صقور ونسور بمناقير بشعة وعيون محتقنة بالحمرة، تفترس عصافير أسكرتها الحرية والثقة بالنفس..

حشرات بقلوب مذهّبة، احترقت أجنحتها بين لهيب مشاعل الإغراء وشموع الدفء..

أنا المسكون بالوحشة..

أنام بين مقاعد السماء الرابعة والخامسة..

أحلم بالأرض الموعودة القديمة.. أرض سومر وعيلام.. مرتعاً للجنّة الأولى، وللزاد والماء الوفير.. مرتعاً للبهجة الفطرية وأحلام الخلود..

ذراعاي من طين غريني وماء..

أحلّق فوق مدرّجات مسلّات الرحمة وعتبات الحق والغفران..

أسري بأجنحتي..

لا يعفّرني التراب، ولا يمنعني الحنين..

أحلّق..

أنجو..

ولا أعود!

عودة

أخطو على هذه الدرب الطويلة الموبوءة بالهواجس..

سأمرّ من تحت قنطرة المرفأ..

طيور فاختة ونوارس على أسفلت الدكّة المبلّلة..

سأجتاز دروباً ومحلّات تصعد.. حتى أصل إلى مدرّجات طويلة تشبه مدرّجات معبد.

وأخيراً أصل إلى بيتي..

بابه رمّانيُّ الخشب..

أفتحه..

يصرّ.. يصرّ..

أطبقه..

ويتلاشى الخوف!

***

فؤاد ميرزا

 

تعد اللغة المرآة الحقيقية لهوية الشعوب، ومستودعاً لتاريخهم وحكمتهم وتصوراتهم عن الكون. وفي عالمنا المعاصر، يتحدث البشر ما يقرب من (7159) لغة حية وفقاً لتقديرات مرجع اللغات العالمي (إثنولوج). هذا الرقم ليس مجرد إحصائية صماء، بل هو تعبير عن ثراء ثقافي هائل تشكل عبر آلاف السنين، إلا أنه اليوم يقف أمام منعطف تاريخي خطير يهدد هذا التنوع بالزوال.

خارطة التوزع الجغرافي: أين تتنفس اللغات؟

تتوزع لغات العالم بشكل غير متكافئ بين القارات؛ حيث تحتضن قارة آسيا النصيب الأكبر بنحو(2301) لغة، تليها أفريقيا بـ (2138) لغة، ثم منطقة المحيط الهادئ بـ (1313) لغة، والأمريكتان بـ (1064) لغة. والمفارقة تكمن في قارة أوروبا، التي رغم تأثيرها السياسي والثقافي الكبير، لا تضم سوى (286) لغة حية فقط.

وعند النظر إلى الدول، تبرز (بابوا غينيا الجديدة) كأكثر دول العالم تنوعاً لغوياً، حيث يتحدث سكانها الستة ملايين بـ (839) لغة مختلفة. تأتي بعدها إندونيسيا بـ (707) لغات، ثم نيجيريا بـ (526) لغة، تليها الهند بأكثر من (450) لغة. هذا التنوع المذهل في مساحات جغرافية محدودة يعكس كيف ساهمت العزلة الجغرافية والأنماط الاجتماعية القديمة في صياغة أنظمة تواصل فريدة.

من العصر الذهبي إلى عنق الزجاجة

تشير الدراسات الحديثة إلى أن البشرية عرفت عصراً ذهبياً للتنوع اللغوي قبل نحو (1000) إلى (3000) عام، حيث يُقدر عدد اللغات التي كانت مستخدمة حينها بنحو (50) ألف لغة. إلا أن ظهور الإمبراطوريات القديمة والتوسع الاستعماري اللاحق أدى إلى ما يشبه عنق زجاجة تاريخي؛ إذ فرضت القوى المهيمنة لغاتها، مما أدى إلى اندثار آلاف اللغات المحلية. وبدلاً من أن تزداد اللغات مع نمو السكان، حدث العكس تماماً؛ فالهيمنة السياسية والاقتصادية جعلت لغات محددة تبتلع ما حولها.

عائلات اللغات: الجذور المشتركة

رغم تعدد اللغات، إلا أن معظمها ينتمي إلى عائلات لغوية كبرى تعود لأصول بدائية مشتركة. وأبرز هذه العائلات:

- العائلة الهندو-أوروبية: وهي الأضخم من حيث عدد المتحدثين (3 مليارات نسمة)، وتضم الإنجليزية، الإسبانية، الهندية، والروسية.

- العائلة الصينية-التبتية: يتحدث بها حوالي (1،4) مليار شخص، وتقودها لغة (الماندرين).

- العائلة النيجيرية-الكنغولية: هي الأكثر تنوعاً من حيث عدد اللغات داخلها (1400) لغة، ويتحدث بها نحو (600) مليون شخص في أفريقيا.

- العائلة الأفرو-آسيوية: وتضم اللغة العربية والأمهرية والصومالية، وتعد من أعرق العائلات اللغوية في التاريخ المسجل.

هرم السيطرة واللغات الأكثر انتشاراً

في قمة الهرم اللغوي الحالي، تسيطر لغات معدودة على المشهد العالمي. تصنف الإنجليزية كأكثر اللغات انتشاراً بنحو (1،5) مليار متحدث، تليها الصينية (الماندرين)، ثم الهندية، والإسبانية. أما اللغة العربية، فتراوح مكانها بين المركز الرابع والسادس عالمياً وفقاً لإحصاءات مختلفة، حيث يتجاوز عدد المتحدثين بها (400) مليون شخص، وهي إحدى اللغات الرسمية الست المعتمدة في الأمم المتحدة (إلى جانب الإنجليزية، الفرنسية، الصينية، الروسية، والإسبانية).

شبح الانقراض: هل يختفي التنوع اللغوي؟

يواجه العالم اليوم كارثة ثقافية صامتة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن (44%) إلى (50%) من لغات العالم مهددة بالانقراض. نحن نفقد حالياً نحو أربع لغات سنوياً. هذا الاندثار لا يعني فقط ضياع كلمات، بل يعني ضياع نظم معرفية كاملة. فعلى سبيل المثال، لغة (الياجان) في أمريكا اللاتينية، التي يعود عمرها لـ (10) آلاف عام، لم يتبقَّ من يتحدث بها سوى شخص واحد فقط. إن تركز (80%) من سكان العالم حول بضع لغات كبرى أدى إلى تهميش اللغات المحلية. ويرى الخبراء أننا بنهاية القرن الحالي قد نفقد نصف اللغات المنطوقة اليوم، ولن يتبقى سوى بضع مئات من اللغات المهيمنة.

الخاتمة

إن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي كائن حي يتطور، يتأثر، وقد يموت. إن التحدي الذي يواجه البشرية اليوم هو كيفية الحفاظ على هذا التنوع اللغوي في ظل العولمة المتسارعة. فكل لغة تنقرض هي نافذة تُغلق للأبد، وحكاية إنسانية تُمسح من ذاكرة التاريخ. إن صون اللغات المهددة هو صون للمخزون الإبداعي للبشرية جمعاء، وضمان لاستمرار السيمفونية اللغوية التي ميزت كوكبنا منذ فجر التاريخ.

***

رمزي ميركاني

(1907 – 1948)

كنتُ كنسرٍ في السماء، لكنّي ضربت في جناحيّ.

كنتُ كغصنٍ يحمل أزهارًا أرجوانية، لكنّني انكسرتُ في فصل الربيع.

تمجيد الشعراء للسلطة والقائد له تاريخ قديم فمدح الشعراء للكبار القوم والقادة وحتى الأنبياء موثق من ايام ما يسمى بالجاهلية إلى عصرنا هذا. لكننا نعرف بان الناس أيضا منافقون يرفعون ذلك القائد إلى السماء وثم في ليلة سوداء يعدموه في الشوارع، اقرأ التاريخ قارئي الكريم.

لكن هذا لا يعني بان جميع الشعراء هم مداحون لان هناك من الشعراء ممن ناضلوا ضد الظلم والدكتاتوريات وعاشوا في المنافي او بآسين في أوطانهم ولا تزال قبورهم خارج أوطانهم وقدموا حياتهم فداء بما يؤمنون به من أفكار.

نحن هنا إمام شاعر من تركيا جمع بين الرومانسية والنقد حيث دخل السجن لنقده شخص اول رئيس جمهورية وباني صرحً دولة تركيا الحديثة واعني مصطفىً كمال المكنى ب (اتاتورك) الذي قاد حرب التحرير وانهى حكم الخلافةً العثمانيةً وبدا بتحديث الدولة ومؤسساتها وسن قوانين عصرية.

نقرأ في سيرته الذاتيةً الشاعر التركي صلاح الدين علي بانه وُلد عام ١٩٠٧ في بلدة إغريديري (أردينو حاليًا في جنوب بلغاريا) التابعة لسنجق غومولجين (كوموتيني) حاليًا في شمال اليونان، كانت آنذاك تابعةً إلى الدولة العثمانية. كان والده، ضابطًا في الجيش العثمانيً، اما والدته حسنية خاتون. تعود أصولها إلى منطقة البحر الأسود. عاش الشاعر في إسطنبول وچناقله وإدرميت قبل التحاقه بمدرسة المعلمين في مدينةً باليك كسير.

عند انقلاع الحرب العالمية الأولى انقطع عن التعليم الابتدائي والإعدادي لكنه مع انتقاله إلى كلية التربية في إسطنبول، واصل دراسته حيث تخرج عام ١٩٢٦ بشهادة مدرس. بدأ حياته الأدبية بنُشر قصائده وقصصه القصيرة في صحيفة طلاب المدرسة. بعد أن عمل كمدرس في يوزغات لمدة عام واحد، حيث حصل على زمالة من وزارة التربية الوطنية للدراسةً في مدينة پوتسدام بألمانيا من عام 1928 إلى عام 1930.

عندما عاد إلى تركيا، قام بتدريس اللغة الألمانية في المدارس الثانوية في أيدين وقونية.

كما كنت، ما زلتُ مغرماً بكِ.

كل يوم بالنسبةً لي سنه، لقد سئمت السير وحيداً لا تظني أنني مستاء منك، ما زلتُ مغرماً بكِ .

حتى حين أبتسم للآخرين، وحتىً حينً ابتعد عنكً، وحتى إذا عرفت انكً لا تحبيني، فما زلتُ مغرماً بكِ.

بعد عبوري الجبال، وتُركي خلفي جميع الرفاق. تعالي حبيبي، تعال يا أختي، فأنا ما زلتُ مغرماً بك.

أثناء عمله مدرسًا في قونية، اعتُقل بسبب قصيدة كتبها ينتقد فيها سياسات مصطفىً كمال (أتاتورك)، واتُهم بالتشهير به وبحمله للأفكار اليسارية.  كتب لاحقًا رسالة إلى أتاتورك يعتذر جاء فيها: "

حُكم عليّ بالسجن لمدة عام. ما يُحزنني أكثر ليس الحكم، بل زجّ اسمك في هذه القضية كوسيلة للانتقام الشخصي مني. لم أفعل ذلك، وأريدك أن تُصدّقني. أطلب المغفرة. أستطيع إثبات براءتي أمام محكمة نزيهة خالية من الأفكار السيئة والمخاوف غير المبررة". 

بعد أن قضى عقوبته السجن لعدة أشهر في سجن مدينة قونية، ثم في سجن قلعة سينوب، أُطلق سراحه عام 1933 بموجب عفو مُنح بمناسبة الذكرى العاشرة لإعلان الجمهورية التركية. ثم تقدّم بطلب إلى وزارة التربية الوطنية للحصول على إذن بالتدريس مجددًا. بعد أن أثبت ولاءه لأتاتورك بكتابة هذه القصيدة؛

شغفي

حين تتدفق مشاعرنا من طرف قلم، يضيق عليه مسارٌ ا ضيقٌا؛ إن لم تفهمني بنظر ك الى عينيي، فشق صدري وانظر كيف ينبض قلبي. ………

عُيّن على اثرها في قسم النشر بوزارة التربية الوطنية. تزوج صباح الدين علي من السيدةً علية في 16 مايو 1935، ورُزق بابنة اسمها فيليز. أدى خدمته العسكرية عام 1936. استُدعي للخدمة العسكرية مرتين خلال الحرب العالمية الثانية، شأنه شأن معظم الرجال الأتراك البالغين في ذلك الوقت. لكنه سُجن مرة أخرى وأُطلق سراحه عام 1944.

أسس علي مجلة أسبوعية شهيرة بعنوان "ماركو باشا"، وترأس تحريرها بالاشتراك مع الكاتب الكبير والساخر عزيز نسين والأديب رفعت إلغاز.وفي الفترة ما بين عامي 1941 و1944، كان من بين مديري مجلة علم الاجتماع الشهرية "ي (يورت ودنيا) الوطن والعالم والتي كانت تصدر في أنقرة.

تبقىً متاهة الشعراء في مدح القائد من المواضيع المتكررة في جميع العهود والأزمان وسيرا على نهج الفيلسوف الألماني نيتشه في وجود الإنسان الخارق الذي لا يعرف البشر العاديون كنه أعمالهم وعليه يجب إطاعتهم كما حصل مع الفوهر هتلر واخرون.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي - الأندلس

2026

(قراءة في رواية)

(إن أحلى ما في الحياة أنها لعبة؛ نعيش ونموت، نفرح ونحزن، نبني ونهدم، ونجري ونواصل السير حتى انقطاع النفس".

حقًا، الحياة لعبة، والذكي هو من يعرف أدواتها، ويتقن الرقص على أوتارها.

طشاري رواية للكاتبة والصحفية العراقية إنعام كجه جي. طالما قرأت عن أعمالها، ولم يتسنَّ لي اقتناء واحدة منها. لكن عنوان هذه الرواية وحده كان كافيًا ليشدني إليها؛ فـ”طشاري” كلمة عراقية تختزل وجعًا كاملًا، وكأن أصوات حروفها شظايا زجاج تناثر بعد تحطمه، يستحيل جمعها وإعادتها كما كانت.

وصلت إليها إلكترونيًا، ومنذ صفحاتها الأولى أخذتني بكل حواسي. هناك، في باريس، تجلس الطبيبة العراقية وردية على كرسيها المتحرك. ظننت في البداية أنني سأقرأ رواية أخرى عن الهجرة والاغتراب، وعن شعب أنهكته المنافي، لكنني اكتشفت أنني أمام عمل يتجاوز ذلك كله.

كنت أستمتع بكل عبارة، وأعود أحيانًا إلى إعادة قراءة بعض الصفحات لجمالها، رغم ما تحمله من وجع؛ وجع وطن، ووجع أم، وغربة، ومعاناة امرأة شقت طريقها لتصبح طبيبة في مجتمع ذكوري. ولعلها أول رواية لا ألتفت فيها إلى عدد صفحاتها، ولا أبحث عن نهايتها، ولا أستعجل معرفة ما سيحدث بعد ذلك. كانت الرواية هي التي تقودني، لا فضولي.

والمفاجأة أنها انتهت قبل أن أرتوي منها.

إنها طشاري على كل المستويات؛ طشاري الأسرة الصغيرة والكبيرة، وطشاري الأديان والمذاهب، والقرى والمدن، والفقراء والأغنياء، والمثقفين والبسطاء. حتى نحن، القراء، نغدو طشاري بين الأزمنة؛ من أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي إلى الألفية الجديدة، وبين الأمكنة؛ من الديوانية إلى بغداد والموصل، ثم إلى باريس وكندا ودبي. كل ذلك دون أن تشعر للحظة واحدة بالملل، وأنت تتأمل براعة الكاتبة في الوصف، وتفكيك المشاعر، وتفتيت الوجع، ورسم الصور التي تقف أمامها مدهوشًا متسائلًا: كيف استطاعت أن ترى كل هذا؟

حتى الساعة تتحول في الرواية إلى شاهد على هذا التشتت:

الساعة الآن السابعة صباحًا في باريس،

والتاسعة في بغداد،

والعاشرة في دبي،

وما زالوا في منتصف الليلة الماضية في مانيتوبا،

وهي الواحدة بعد منتصف الليل في هايتي…

ثم تأتي الصورة التي تختصر كل شيء:

“كأن جزارًا تناول ساطوره، وحكم على أشلائها أن تتفرق في كل تلك الأماكن…”

حين تصف وردية أبناءها الذين بعثرهم الساطور في جهات الأرض، ندرك أن الساطور ذاته هو الذي مزق الوطن. ذلك الوطن الذي احتضن وردية المسيحية، ابنة الموصل وبغداد، والتي عملت طبيبة في الديوانية، في الجنوب الشيعي، ولم تقبل هدية سوى المصحف الشريف كما جرت العادة. وردية التي لم ترتدِ العباءة، لكنها دخلت بيوت الريفيات كواحدة منهن، واستمدت محبتها من بساطتها وصدقها، وباركتها العلوية شذرة، وأرضعت ابنتها الكبرى على يد امرأة من الجنوب، وعاش في كنفها غسان الفلسطيني فردًا من العائلة.

كان الوطن يومًا بيتًا كبيرًا، يتسع للجميع، بمذاهبهم وأديانهم واختلافاتهم.

وبين تلك الصور المضيئة، وذلك الطشاري الذي مزق كل شيء حتى غدا جمعه أقرب إلى المستحيل، تفاجئنا الكاتبة بفكرة لا تخطر على بال.

إذا كان الأحياء قد تفرقوا… فأين يجتمعون؟

هنا يظهر الإسكندر، حفيد أخيها، المولود في باريس، الذي لم يعرف العراق إلا من الحكايات الباهتة التي رسمتها له أمه الصحفية. ومع اقترابه من عمته وردية، يبدأ في التعرف إلى تاريخ عائلته، وإلى موتاهم الموزعين في بقاع الأرض، فتولد الفكرة العبقرية: إنشاء مقبرة افتراضية تجمع الشتات.

إذا لم نستطع أن نجتمع أحياء، فلتتجاور قبورنا على الأقل.

بدأ يجمع من دُفن في أقصى الغرب إلى جوار ابنه المدفون في الشرق، ويزين القبور بما أحب أصحابها، بل ويترك مكانًا لمن لا يزال حيًا، ليكون قريبًا من أحبته حين يحين موعد الرحيل. كبرت المقبرة، وأصبحت مقصدًا لكل من أنهكه الفقد والمنفى.

فكرة حالمة، عبقرية، تربت على الجراح، لذلك وجدتها وردية وأمه عزاءً جميلًا. لكنها بدت لوالده مجرد وهم جديد:

“فالشق كبير، وإبرتنا صغيرة…”

ثم يمضي النص في وصف العراقيين الذين يبنون وطنًا كاملًا على شاشات الإنترنت؛ وطنًا يستيقظون معه كل صباح في المنافي، قبل أن يضعوا أباريق الشاي على النار. وطنًا يطل فيه الرهبان والمعممون والصوفيون، وباعة الشلغم والسميط، وتنهض فيه الملوية والزقورة وطاق كسرى، ويعود الرصافي والجواهري ونازك والسياب إلى الحياة، وكأن العراق، بكل حضاراته وحاضره المثقل بالجراح، يتمدد على شاشة صغيرة، يحاول أبناؤه أن يمنعوه من التسرب بين أصابعهم.

إنها حياة افتراضية، يتحقق فيها ما عجز الواقع عن تحقيقه.

لكن الأحلام الجميلة كثيرًا ما تذبل حين تلامسها يد الواقع.

تبقى المقبرة الافتراضية وهمًا جميلًا في زمن قاحل، لكنها تطرح سؤالًا مؤلمًا: هل يكفي الخيال لترميم ما كسرته الحروب والمنفى؟

أغلقت الرواية وأنا أشعر أن طشاري لم تكن حكاية عائلة عراقية فحسب، بل كانت حكاية وطن، وربما حكاية كل إنسان عرف معنى الفقد والتشتت.

إنها الحياة… لعبة.

فهل نجرؤ، كلما هزمنا الواقع، أن نجرب فكرة جديدة؟

***

منى الصالح

التاء في العربية: بين الرسم والصوت والدلالة، تاء التأنيث الساكنة، والتاء المربوطة، والتاء المفتوحة في ضوء النحو وفقه اللغة

تُعَدُّ التاء من أكثر الحروف العربية ثراءً في وظائفها الصرفية والنحوية والإملائية، إذ تتجاوز كونها حرفاً مبنياً إلى أن تصبح علامةً فارقةً في بنية الكلمة، ودليلًا على معناها، ومفتاحاً لفهم أصولها واشتقاقها. وقد أولى النحاة واللغويون هذه التاء عنايةً بالغة، فتناولوا أنواعها وأحكامها، وميّزوا بين تاء التأنيث الساكنة، والتاء المربوطة، والتاء المفتوحة، مبرزين ما بينها من فروقٍ صوتيةٍ وصرفيةٍ ودلالية.

لقد نظر نحاة البصرة إلى الظواهر اللغوية من خلال القياس والاطراد، فجعلوا لكل نوعٍ من هذه التاءات وظيفةً محددةً لا يجوز الخلط بينها، بينما اتسم منهج الكوفيين بسعة الرواية وكثرة الاحتجاج بالسماع، فقبلوا بعض الاستعمالات التي تحفظت عليها المدرسة البصرية. ومن هنا نشأ ثراءٌ علمي أسهم في تعميق فهم بنية العربية.

أولًا: تاء التأنيث الساكنة:

هي التاء التي تلحق آخر الفعل الماضي للدلالة على أن فاعله مؤنث، وتكون ساكنةً في الأصل، ولا محل لها من الإعراب، لأنها حرف مبني.

ومن أمثلتها:

١ - كتبتْ فاطمةُ الدرسَ.

٢ - نجحتْ الطالبةُ.

٣ - أشرقتْ الشمسُ.

وقد أجمع البصريون والكوفيون على أنها علامة تأنيث لا ضمير، وإنما هي حرف دال على تأنيث الفاعل، ولذلك لا تُنطق عند الوقف إلا بالسكون، ولا تتحول إلى هاء كما هو شأن التاء المربوطة.

ويرى إمام النحاة  أن هذه التاء لحقت الفعل محافظةً على المطابقة بين الفعل وفاعله المؤنث، وهي من العلامات الملازمة لبنية الفعل الماضي إذا كان الفاعل مؤنثًا ظاهرًا أو ضميرًا مؤنثًا.

ثانياً: التاء المربوطة:

التاء المربوطة علامةٌ صرفية تلحق غالب الأسماء المؤنثة، وتُكتب (ة)، وتُنطق هاءً عند الوقف، وتاءً عند الوصل.

ومن أمثلتها:

- مدرسة.

- شجرة.

- مدينة.

- فاطمة.

فنقول:

- هذه مدرسةٌ كبيرةٌ.

- ذهبتُ إلى المدرسةِ.

فالوقف يكون: "مدرسه"، والوصل: "المدرسةِ".

وقد أكد علماء الصرف أن التاء المربوطة ليست مقصورةً على تأنيث الأسماء، بل قد تلحق أسماءً مذكرةً سماعًا، مثل:

١ - حمزة.

٢ - طلحة.

٣- معاوية.

كما قد تأتي للمبالغة، نحو:

١- علّامة.

٢- نسّابة.

٣- رحّالة.

وأشار فقهاء اللغة إلى أن التاء المربوطة تطورت تاريخياً عن هاء التأنيث في بعض اللهجات العربية القديمة، ثم استقر رسمها في المصحف والكتابة العربية بالشكل المعروف اليوم.

ثالثًا: التاء المفتوحة:

التاء المفتوحة تُكتب (ت)، وتبقى تاءً في الوقف والوصل معًا، وترد في مواضع متعددة، منها:

أولًا: في جمع المؤنث السالم:

١- معلمات.

٢- طالبات.

٣- مؤمنات.

ثانياً: في بعض الأسماء المختومة بتاء أصلية:

١- بيت.

٢- صوت.

٣- زيت.

ثالثاً: في بعض الكلمات المرسومة بالتاء المفتوحة رسماً اصطلاحياً، مثل:

- بنات.

- أوقات.

- أصوات.

وقد ناقش الكوفيون هذه الظاهرة على ضوء اختلاف الرسم والاشتقاق، بينما جعلها البصريون من مسائل السماع التي لا يُقاس عليها إلا بدليل.

آراء المدرستين البصرية والكوفيّة:

امتازت المدرسة البصرية بالدقة والقياس؛ فكانت ترى أن لكل علامة وظيفةً مخصوصةً، وأن القياس هو الأصل، ولا يُترك إلا لسماعٍ ثابت.

أما المدرسة الكوفية فقد وسعت دائرة الاحتجاج، فأجازت كثيرًا مما ورد في كلام العرب وإن خالف القياس، وعدّت السماع أصلًا لا يقل شأنًا عن القياس.

ولهذا نجد أن البصريين أكثر تشددًا في التفريق بين التاء المربوطة والمفتوحة، في حين أن الكوفيين يفسرون بعض ظواهر الرسم والإبدال تفسيرًا تاريخيًا يعتمد على اختلاف اللهجات.

موقف فقهاء اللغة:

يرى فقهاء اللغة أن التاء ليست مجرد علامة كتابية، بل هي شاهد على تاريخ الكلمة وتطورها. ولذلك فإن التمييز بين التاءات الثلاث يقتضي الجمع بين علوم النحو والصرف والإملاء وأصول اللغة.

وقد نبه العلماء إلى أن كثيرًا من الأخطاء الإملائية المعاصرة مردُّها إلى إهمال الأصل الاشتقاقي للكلمة، فيكتب بعضهم "مدرست" بدل "مدرسة"، أو "رحمه" بدل "رحمة"، أو يقف على التاء المربوطة تاءً، وهو لحنٌ يخالف سنن العربية.

نماذج تطبيقية:

النموذج الأول:

١ - كتبتْ هندٌ الرسالةَ.

٢ - التاء: تاء التأنيث الساكنة؛ لأنها لحقت فعلًا ماضياً.

النموذج الثاني:

١ - هذه مكتبةٌ واسعةٌ.

٢ - التاء: تاء مربوطة؛ لأنها في اسم مؤنث.

النموذج الثالث:

١ - حضرت الطالباتُ مبكراتٍ.

٢ - التاء: تاء مفتوحة؛ لأنها علامة جمع المؤنث السالم.

النموذج الرابع:

١ - ارتفعت الأصواتُ.

٢ - التاء: تاء مفتوحة ثابتة في الوقف والوصل.

النموذج الخامس:

١ - رحمةُ الله واسعةٌ.

٢ - عند الوقف تُنطق: "رحمه".

٣ - وعند الوصل: "رحمةُ الله".

إن التمييز بين تاء التأنيث الساكنة، والتاء المربوطة، والتاء المفتوحة ليس قضيةً إملائيةً فحسب، بل هو مظهرٌ من مظاهر إحكام النظام اللغوي العربي، حيث تتداخل الأصوات مع الأبنية، وتتآزر الدلالة مع الرسم، ويغدو الحرف الصغير شاهدًا على عبقرية العربية في إحكام بنيتها. ولئن اختلف البصريون والكوفيون في بعض التفصيلات المنهجية، فإنهم أجمعوا على أن العربية لغةٌ دقيقةٌ في نظامها، وأن فهم دقائقها لا يتحقق إلا بجمع السماع إلى القياس، والرواية إلى الدراية، والصرف إلى النحو، حتى تبقى لغة الضاد مثالًا للفصاحة والإحكام.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لا تُقاس عظمة الوعي الإنساني بحجم المعارف التي يختزنها الفرد، بل بمدى ما يفيض به هذا الوعي على محيطه. فالمعرفة التي لا تتحول إلى فعل منير للآخرين، تظل طاقة كامنة، أشبه بسراج موصد في غرفة مظلمة.

إن الحكمة في جوهرها ليست امتلاكاً، بل مسؤولية. ومثلما لا قيمة للنور إذا لم يبدد العتمة، كذلك لا قيمة للوعي إذا لم يصنع طريقاً للتائهين.

ومن هنا يبرز مفهوم العطاء الحقيقي: ليس في أن تحترق من أجل الآخرين فتُطفئ شموعك، بل في أن تشعل شموعهم من لهيبك دون أن ينقص ضوؤك.

وهذا يقودنا إلى الحقيقة الجوهرية: إن عملية الإنقاذ الأولى والأخيرة تقع على عاتق الذات. فانتظار يدٍ خارجية لانتشالنا ما هو إلا استسلام مقنع للعجز. بينما النهوض الحقي يبدأ عندما يتحول الإنسان إلى يده التي يبني بها، وإلى عقله الذي يقوده، وإلى روحه التي تنهض بنفسها.

وهكذا لا ينحصر الوعي في حدود الذات، بل يتجاوزها ليكون شرارة التغيير في نسيج المجتمع. فالنور الحقيقي هو الذي يتسع ليبدد الظلمات المحيطة، وتغدو الإنسانية أسمى في بناء مجدها، عندما يصبح كل فرد مشتعلاً يُهتدى به، لا مجرد مستهلكٍ للضوء.

***

زينب طارق

 

 

فيصل لعيبي فنان قدير وموهوب، لا يحتاج المتلقي إلى كثير من العناء لكي يكتشف سعة تجربته وثراء عالمه التشكيلي. يكفي أن نتأمل جانباً من منجزه, حيث فعلت أنا، المتنوع في الرسم والتخطيط والملصق والأعمال الغرافيكية، لندرك مقدار خبرته في اختيار الكتل اللونية، وتنظيم الفضاء، وبناء اللوحة، ومنح التفاصيل الصغيرة وظيفة لا تقل أهمية عن وظيفة المشهد بأكمله.

في عدد من أعماله ذات الطابع الشعبي، لاحظت بأن الفنان قد اختار، عن قصد ووعي، الرؤية عبر استعادة براءة الطفل الأولى حين يفتح عينيه لكي يتأمل ازدحام الشارع.. كأي طفل، يرى: وجوهاً، ونوافذ، وعربات، ولافتات، وباعة، وشرفات، وأيدٍ تلوّح من بعيد.

أحسست بأن هذه البراءة وهذا التبسيط هما مجرد تقنية وجدانية وقناع جمالي لإخفاء ثقافة تشكيلية عميقة. رأيت بأن الفنان اختزل التفاصيل الواقعية، ثم أعاد ترتيبها وفق منطق الذاكرة والدهشة والخيال، لا وفق ما تفرضه قوانين المنظور الأكاديمي وصرامة العين الواقعية.

تأتي لوحة «بغداد» ضمن مجموعة من الأعمال الشعبية المعروضة على صفحته.. وأي عمل من تلك الأعمال بإمكانه أن يتحول إلى جدارية.. أو توضع قرب بعضها بعضاً، لتكوّن تراثاً بصرياً شعبياً وذاكرة للمدن.. لذا أهيب بإدارة عاصمة بغداد أن تتبنّى اقتراحي هذا، وتضع تلك الجدارية في ساحة التحرير أو شارع المتنبي..

أعود إلى تلك المجموعة من اللوحات التي استلهم فيها الفنان فيصل لعيبي تراث المدن بصرياً بطريقة شعبية اختزالية، وبالأحبار الملونة، لما تمنحه تلك الأحبار من خفة وصفاء يقتربان من عالم الرؤيا والحكاية الشعبية والطفولية. وهكذا استطاع أن ينجز مشروعه من دون أن يثقل اللوحة بالصنعة، أو يستعرض مهارته على حساب روح المكان.

رأيت بغداد التي في اللوحة مسرحاً شعبياً مفتوحاً، تتجاور فيه واجهات المحال مع الأقواس والشرفات والنوافذ واللافتات، فيما يتزاحم الناس في الشوارع وداخل الحافلة الحمراء ذات الطابقين.3089 laibi

أحسست بأن تلك الحافلة ليست مجرد وسيلة نقل عابرة، بل عالم وتفصيل مكاني يتحرك داخل المدينة الكبيرة.. رأيت وجوهاً لأناس أعرفهم، من أعمار وطبقات مختلفة، اجتمعوا عن قصد في عربة واحدة، لغاية أن نتأملهم، وننصت إلى ما لا يقولونه.

هنا أحسست بالإيقاع والضجيج الداخلي والسردي للوحة. فكل نافذة توحي بحكاية، وكل شرفة تخفي انتظاراً، وكل وجه يحمل ماضياً قد نعرفه أو نتخيله. حتى المجموعات البشرية المتقاربة تبدو كأنها على وشك الكلام أو الجدال، فتتحول اللوحة إلى حكايات صغيرة تتحرك داخل الحكاية الكبرى للمدينة.

إن تسطيح المنظور وتبسيطه وإلغاء العمق الأكاديمي التقليدي، حيث تتقدم العناصر كلها نحو سطح اللوحة، وتتخلى الأجساد والأبنية عن الحجم والمسافة كما نعرفهما في المدينة الواقعية.. يحيل اللوحة إلى طقس وجداني بريء يُحَسّ بالقلب والذاكرة.

ما هو أكثر رسوخاً في الذاكرة كَبُر حجمه، وما هو أشد التصاقاً بالوجدان برز أكثر وضوحاً ولمعاناً. فالذاكرة، لا العين، هي التي تحدد مواقع الأشياء وأحجامها.

أعرف بخبرتي البسيطة بأن الفنان استخدم الخطوط السوداء التي تحدد الأشكال، كي تؤدي دوراً بنائياً وتعبيرياً في آن واحد. فهي تفصل المساحات اللونية، وتحفظ وضوح الشخصيات وسط الزحام، وتمنح العمل أيضاً طابعاً قريباً من الجداريات الشعبية، ورسوم المقاهي، والحكايات المصورة التي كانت تُروى في الأزقة والبيوت.

وسط إيقاع وموسيقى وحركة الأشكال والشخوص المنظورة، يأتي إيقاع الألوان الصريحة والمضيئة، المنفتحة بكل حنجرتها: الأحمر والأخضر والأزرق والوردي والأصفر، لتؤكد حيوية الحياة وضجيجها وحضورها في المدينة...

من وجهة نظري.. أرى بغداد التي يرسمها فيصل لعيبي سجلّاً بصرياً لتعدد المجتمع العراقي وتنوعه بكل فروقه الصغيرة التي تكمل بعضها بعضاً، وتكمل هوية المدينة، التي لا تزال تحتفظ بذاكرة جماعية، تختلط فيها الاحتفالات بالاحتجاجات، والحياة اليومية بالأحداث الكبرى، والخاص بالسياسي، وصوت الفرد بأصوات الجموع.

وأخيراً، أرى بأن تميّز العمل يكمن في هذه المنطقة الملتبسة تحديداً.. في قدرته على الجمع بين البساطة الظاهرة والتعقيد الداخلي، وبين الحس الشعبي والثقافة التشكيلية، وبين ذاكرة الفنان الفردية وذاكرة الناس الذين عرفوا بغداد، أو تخيلوها، في حكايات ألف ليلة وليلة: مدينة نابضة، مزدحمة، ملوّنة، حميمية، مشاكسة، ومفتوحة على عدد لا ينتهي من الحكايات..

***

فؤاد ميرزا بغدادي

 

في تاريخ الموسيقى العراقية تظهر أسماء كثيرة لكن قليلاً منها يتحول إلى علامة، علاء مجيد واحد من هؤلاء الذين لا يكتفون بالعزف أو القيادة بل يصنعون معنى جديداً للموسيقى نفسها، هو ليس مجرد مايسترو يقف أمام الأوركسترا إنه رجل يحمل على كتفيه تراثاً كاملاً ويعيد تشكيله كل مرة كأنه ينقذ ذاكرة وطن من الضياع.

وفي مشهد موسيقي يعاني من التشتت وتراجع الإنتاج يبرز اسم المايسترو علاء مجيد بوصفه واحداً من أهم الشخصيات التي حافظت على الخط الموسيقي العراقي الأصيل وقدمته للأجيال الجديدة بأسلوب معاصر دون أن يفقد جذوره، علاء مجيد الذي يمتد مشواره لأكثر من أربعة عقود أصبح اليوم مرجعاً في قيادة الفرق الموسيقية وإحياء التراث داخل العراق وخارجه.

ولد علاء مجيد عام 1960 في العمارة، المدينة التي تتقاطع فيها مياه دجلة مع ذاكرة الجنوب، هناك في بيئة مشبعة بالأنغام الشعبية تشكلت أولى بذور الحس الموسيقي لديه، لكن انتقاله المبكر إلى بغداد كان نقطة التحول العاصمة التي لا تمنح المجد بسهولة لكنها تعطيه لمن يستحقه، في معهد الدراسات الموسيقية بدأ رحلته مع آلة الناي، الآلة التي تحتاج إلى روح قبل أن تحتاج إلى نفس فكان مجيد يدرسها كما لو أنه يتعلم لغة جديدة.

لم يكن مجيد مجرد طالب مجتهد كان مشروع قائد موسيقي منذ بداياته، انضم إلى الفرقة القومية للفنون الشعبية بين 1977 و1983 ثم عمل مع فرقة التراث العراقي قبل أن يقوده القدر إلى واحدة من أهم محطاته وهي قيادة الفرقة الموسيقية لبرنامج أصوات شابة بإشراف المرحوم فاروق هلال، البرنامج الذي قدم لاحقاً أسماء أصبحت أعمدة في الساحة الفنية العراقية.

قاد مهرجانات عربية ودولية من بابل إلى جرش إلى باريس ووقف على منصات عالمية ممثلًا العراق ليس كعازف فقط بل كصوت للهوية الموسيقية العراقية.

حين غادر العراق لم يغادر الموسيقى في السويد أسس فرقة طيور دجلة واحدة من أنجح التجارب العراقية خارج الوطن حيث جمع الأصوات النسوية وقدم التراث العراقي بأسلوب حديث دون أن يفقد أصالته.

ثم انتقل إلى لندن ليصبح عميد أكاديمية الموسيقى العربية ويؤسس فرقاً جديدة بينها فرقة التراث العربي وفرقة سومريات النسوية التي وصلت إلى أكثر من 60 مؤدياً بين عازف ومغني.

بعد غياب دام 21 عاماً، عاد علاء مجيد إلى بغداد ليؤسس الفرقة الوطنية للتراث الموسيقي العراقي ويعيد تقديم الأغنية العراقية الأصيلة لجيل جديد لم يعش زمنها الذهبي، في حفلاته لا يقف كقائد أوركسترا فقط بل كحارس لذاكرة العراق يقدم المقام والموشحات والأغاني التراثية بصرامة فنية لا تقبل التنازل.

من يشاهد علاء مجيد على المسرح يدرك أن الرجل لا يحرك يديه عبثاً، كل إشارة منه تحمل معنى وكل حركة هي جزء من بناء موسيقي متكامل، يملك قدرة نادرة على ضبط عشرات العازفين والمغنين دون أن يفقد دفء الأداء أو روحه، إنه قائد يعرف كيف يوازن بين الانضباط والخيال.

قدم ودعم أصواتاً شابة كثيرة بينها كرار نوري، حسين جبار، ضامن ياس خضر وغيرهم ممن وجدوا في علاء مجيد بوابة عبور إلى الاحتراف.

حصل على لقب أفضل موسيقي شاب عام 1986 وعلى قلادة الإبداع وشهادات تقدير من مهرجانات عربية ودولية وصولاً إلى جائزة التميز لموظفي الدولة العراقية عام 2024، لكن القيمة الحقيقية لعلاء مجيد ليست في الجوائز بل في أثره في الفرق التي أسسها وفي الأصوات التي صنعها وفي التراث الذي أنقذه من التلاشي.

في زمن تتسارع فيه الإيقاعات الإلكترونية وتختفي الأصوات الأصيلة يقف علاء مجيد كجدار أخير يحمي الموسيقى العراقية من التلاشي، هو ليس مجرد مايسترو إنه ذاكرة وطن ومرآة لروح العراق وصوت يعيد للناس ما فقدوه من جمال.

***

بقلم: جلال باقر - كاتب عراقي

لدينا عددٌ كافٍ من الشموع في منزلنا الريفي في أوسنابروك.

دائما، نبقيها بالقرب.

نوعُنا المفضل هو الشموعُ برائحة الياسمين من الإنتاج الألماني الفاخر،

رغم أننا اعتدنا على النوع العراقي العادي.

وكان ذلك قبل أن نهاجر إلى ألمانيا ونكتشف هذا النوع المميز.

الشموعُ مرصوصةٌ بعناية، بعلبها القوية ذات اللون الرصاصي الفاتح،

دون كلماتٍ عليها، أو علامات مميزة.

هنا، يمكننا الحصول على الكثير من الشموعٍ البيضاء، ذات القواعدَ المتساويةٍ والتي لها رؤوسٍ مدببة.

الفتائلُ طويلة، تشتعل بشكلٍ مثيرٍ في الظلام،

وحينها،

يمكن لبعض الفراشات أن ترقصَ على ضوء تلك الشموع.

يمكنني أيضًا أن أشعلَ سيجارتي بلهيبها المتمايل،

ولكن...

لا أنا أدخن،

ولا الوقتُ هو المساءُ حتى نشعلَ الشموع.

كنتُ أرغبُ أن أُهديكِ هذا، في مساءٍ يزهو بالحنين،

فنلتهبُ بالقبلاتِ، كأننا نُشعلُ ليلَ شنكالَ بالياسمين.

***

مراد سليمان علو

كنت أتمشى في المدينة القديمة للمدينة الأندلسية تورامولينوس (برج الطاحونة) واذا بي مقابل نبع ماء يتدلى من الحائط حنفية ماء (صنبور ماء) ياتي الناس ليملوا الجرات (القلل الفخارية) في الاسبانية Jarra والكلمة من الجرة العربية لشرب الماء لان مياهها قابلة للشرب في حين الماء الجاري في بيوت الناس لا يحبذ شربه. هذا البئر الواقع على مرتفع الصورة أعلاه له تاريخ قديم اذ هناك العديد من نبع ماء في المدينة وشارع باسم شارع الينابيع يجتمع فيه المغاربة والمهاجرين من شمال إفريقيا وفيها مسجد المدينة والمحلات الشرقية. كان اهل الحي يجتمعون في هذا المواقع ويتبادلون أطراف الحديث والأخبار ايام لم تكن هناك تلفزيونات ولا سينمات.

التسمية نبع (كلڤارو) أتت لكونها في مرتفع وتيمنا بمكان او مرتفع صلب سيدنا المسيح عليه الصلاة و السلام. هذه نافورة مركزية في المدينة، التي في أصلها كانت قرية للصيادين قبل ان يكتشفها الأوربيين كمصيف من احمل مصايف الأندلس ورمالها الذهبية من أجمل سواحل إسبانيا المسماة ساحل الشمس حيث يصور فيها الأفلام السينمائية وزارها العديد من الممثلين المشهورين وأقاموا فيها. تقع عند زاوية تقاطع شارعي فرناندو دي برادو وشارع أوروبا في المدينة القديمة. ومخصصة للاستخدام لان المياه في البيوت غير قابلة للشرب عادة ولهذا تستخدم مياه هذه الينابيع للشرب لحد يومنا هذا لان.

أتحدث احيانا مع أحفادي عن ذكريات الطفولة وعن الماضي يتعجبون لسماعهم من اخبار لانه مقارنة بما اصبح لديهم امور العصر والتطور تعتبر غريبة فيما كانت حالة طبيعية لنا ولجيلنا. هم لا يمكنهم تصور سلوك حياة مختلفة عن حياتهم العصرية.

حين افتتح الملك فيصل الثاني محطة قطار مدينة التون كوبري، پر دێ وفي العربية القنطرة الذهبية وهي جزيرة واقعة على نهر الزاب الصغير وتتوسط عاصمة اقليم كوردستان ومدينة كركوك وطني الصغير وكانت عاصمة للاشوريين في الحضارات العراقية القديمة باسم كرت هرات.3054 andolss

أقول حين افتتح الملك الشاب محطة قطار المدينة قبل اشهر من استشهاده تجمع الناس يمشون خلفه وكنت احدهم وعن قرب رايته وهو عاقد الأيادي خلفه يمشي على خطوط السكك الحديدية يستمع إلى شروحات علية القوم بهدوئه المعتاد رحمه الله. كان في جوانب المحطة قد تم بناء دور للسكك وبجانب المحطة مستوصف صغير يوزع المسند الوحيد حبوب كتب عليها العراق وفي الجهة الاخرى مجانا ولكل الأمراض. المدرسة كانت بعيدة بعض الشيء وكان علينا ان نعبر الجسر الحديدي لنصلها وكانت هناك مدرستان ابتدائيتان احدهما للذكور والآخر للإناث فيما كان هناك معسكر للجنود قرب المحطة. المهم قارئي الكريم ان صنابير الماء لم يكن يتوفر في البيوت بل كان هناك حنفية (صنبور) مياه في الساحة المقابلة لبيوت العمال ويتجمع النسوة هناكً لأخذ الماء للاحتياجات المنزلية والاستحمام بينما يلعب الأطفال في مسطحات المياه حفاة.

الجدير بالذكر ان تسميةً الصنبور بالحنفية رواية مفادها؛ "تُنسب تسمية "الصنبور" بـ الحنفية إلى طائفة المذهب الحنفي. تعود القصة إلى القرن التاسع عشر في مصر المحروسة، وتحديداً عند إدخال تمديدات أنابيب المياه الحديثة للمساجد. اعترض فقهاء المذاهب الأخرى على الوضوء منها، بينما أفتى علماء المذهب الحنفي بجوازها، فأطلق العامة اسم "الحنفية" على الصنبور والله اعلم. لكن الحنفية كصفة أقدم بكثير وقد سمي جماعة الأحناف به وتلك جماعة موحدة كانت تعيش في الجزيرة العربية قبل نزول الرسالة المحمدية السمحة ويطلق القران الكريم على نبينا إبراهيم بالحنيف كذلك وعلينا عدم نسيان الإمام الأعظم ابو حنيفة النعمان بن ثابت الذي يعتبر أعظم فقهاء الإسلام ورائداً في علم الفقه وهو مؤسس أحد المذاهب الفقهية الأربعة، الحنفية. يرقد على ساحل نهر دجلة في الطرف المقابل لمرقد الإمامين موسى الكاظم وحفيده الإمام محمد الجواد سلام الله عليهم، في الكرخ في العاصمة بغداد.

عودة إلى دور العمال ومحطة قطار التون كوبري التي هدمت كما سمعت وحتى بناية المحطة القديمة وقبل سنوات وانا اكتبيها مذكراتي عن المدينة في طفولتي فذكرت البيت الذي ولدت فيه على ضفاف الزاب الصغير فأسعفني احدهم بصور للبيت بعد ان تم تحديثه حيث عاشوا هناك اي في بيت (الملا باميا) عشرات السنين وكنت قد ذكرت بستانيا كنت اذهب اليه بمعية المرحوم الوالد، طفلا يجود علي من بستانه كلّ الطيبات اسمه عثمان سرخوش واخرون من الناس الطيبون اللذين جلهم ترك هذه الدنيا الفانية ليرحمهم الله جميعا وموتاكم.

ومن الأندلس الى ضفاف الزاب وابناءه الكرام الف سلام.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي

الأندلس ٢٠٢٦

قال أبو نواس يومًا:

دعْ عنكَ لومي فإنَّ اللومَ إغراءُ

وداوِني بالتي كانت هي الداءُ

غير أنّ الأزمنة تتبدّل حتى يصبح البيت الشعري محتاجًا إلى مراجعة عندما يغدو الداءُ عرشًا، ويجلس الجلاد على كرسيّ الحكمة متوشّحًا بأقنعة الحضارة فعذرًا يا أبا نواس.

ولذلك أقول: لقد بات الواقع أشدَّ مرارةً من أنْ تداويه استعارةٌ قديمة.

هذا المساء حلّ الليل مختلفا معاديا للأسودَ الذي يصنعه الرسامون.

أراه يتدرّج من رمادٍ كثيفٍ إلى زرقةٍ جريحة، لعلّ السماء نسيت لونها فوق كتف الأرض.

أسمعُ الريح تمشطُ الأشجار بأصابع مرتجفة، فيما تتسلّل من التراب رائحةٌ يصعب تفسيرها لشيء يشبه ذاكرةً عتيقةً كلما حاولوا دفنها خرجت أكثر عطرًا.

رأيتُ الطرقات تمشي على مهل، فالحجارة قد تعبت من حمل التاريخ فوق ظهورها، ورأيتُ الأبواب تحدّق في المارّة بعيون خشبية دامعة تنتظر أصحابًا تأخروا كثيرًا.

وفي آخر الأفق كانت شجرةٌ عجوز تسرّح شعرها الأخضر، وتخاطب الغيم بصوتٍ لا يسمعه إلا الذين يعرفون أنّ للأرض قلبًا يخفق تحت الطين، وأنّ التراب إذا أحبّ أبناءه صار أكثر قدرةً على إنبات الحكايات من إنبات السنابل.

أما اللون فطوبى وطيبٌ لأخضرَ صار صلاةً تتكئ على جذوع الأشجار، ولأبيضَ صار نافذةً تتنفّس منها الأرواح إذْ يضيق الهواء، ولأحمرَ صار توقيعًا يخطّه الشهداء الذاهبون إلى نومهم المقدّس كي لا يزوّر أحدٌ رواية الضوء، ولأسودَ خيّم عباءةً تخفي البذور حتى يحين موعد انبثاقها.

هناك...في تلك البقعة التي لا تحتاج إلى اسمٍ كي يعرفها القلب كانت الجبال ترفع هاماتها أمام حكماء العصر الصامتين، وكانت الوديان تحفظ أسرار العائدين، والسنابل تميل قليلًا كلما مرّت روحٌ نقية.

ذلك الوطن يا سادة، لا يظهر كاملًا على الخريطة، فهو ممتدٌّ حتى آخر الذاكرة.

يختبئ في رائحة الخبز، وفي خضرة الزيتون، وفي بياض الكوفية التي تغسلها الشمس، وفي حبر القصائد التي كلما مزّقها الطغاة أعادت الريح كتابتها على وجه السماء.

لهذا لا تطلبوا من الأرض أنْ تشرب النسيان، فهي تعرف أسماء أبنائها واحدًا واحدًا.

ولا تطلبوا من الحجر أنْ يعتذر عن صلابته، فقد تعلّم منذ البدء أنّ بعض القلوب لا يوقظها إلا صدى الصخر.

إنّ الغطرسة ضجيج عابر، أما الحقيقة فتسير حافيةً، بطيئةً، مطمئنةً، لكنها تصل دائمًا.

فلنصنعْ مساءً لذلك الوطن الذي لا يشيخ مهما حاولت السادية أنْ تكسوه بثياب العتمة؛ لأنّ الضوء هناك يسكن القلوب، والقلوب إذا آمنت بالأرض صارت هي الفجر.

وفي آخر الليل سيخفت ضجيج الحديد، وستبقى نافذة صغيرة مضيئة في آخر الحيّ.

وكلّما سأل طفلٌ: لمن هذا الضوء؟ قالت الجدّة: هذا ضوء الحكاية الذي لا يُطفئه الغياب، فما يُكتب على جدار القلب لا تمحوه الرياح.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

من القصائد الجميلة التي كنا نسمعها وكتبناها لتبقى رهن أيدينا وقتما أردنا العودة إليها لقراءتها أرجوزة طريفة تم الجمع فيها بين العربية الفصحى واللهجة المغربية الأمازيغية، وهي لرجل مغربي اسمه الشيخ أحمد الريسموكي توفي سنة 1080 هجرية، ومن منطقة سوس في المغرب، وعنه قال العلامة المغربي المرحوم المختار السوسي صاحب كتاب "سوس العالمة" وكتب أخرى:

"شاعر بليغ ... من مفاخر عصره، وممن يستقدم لتزدان المحافل بعلمه ... له أرجوزة شهيرة مزج فيها العربية والأمازيغية" انتهى كلام المختار السوسي.

وهذا مقطع من الأرجوزة مع شرح مفردات اللهجة الأمازيغية موضوع بين قوسين:

بسم الإله في الكلام إيزوار (سبق)

وهو على عون العبد إيزضار (قادر)

وهو الذي له توليغتين (الأمداح)

وهو المجير عبده من تومريتين (المحن والمصائب)

وبعده على النبي تازاليت (الصلاة)

أعظم بها أجرا ولو تاموليت (مرة واحدة)

ونحن نكتفي بهذا القدر منها، لأن كلامنا سيكون عن نوع آخر من الشعر يجمع بين الفصحى والعامية، وهو المسمى ب(الشعر الحلمنتيشي)، وهذا الشعر كان عبارة عن معارضات لأشهر القصائد العربية من عصور مختلفة، ومن الشعراء الذن برزوا فيه شفيق حسين المصري الذي عارض معلقة طرفة بن العبد فقال:

لزينب دكان بحارة منجدِ

تلوح به أقفاصُ عيشٍ مقدد

وهذا الشخص هو الذي هجاه بيرم التونسي، حيث قال في مستهل الهجاء:

يا حسين ابن شفيقةْ

ضجرت منك الخليقةْ

وبيرم التونسي كما نعرف جميعا هو صاحب الأغنية الرائعة التي أدتها المرحومة السيدة أم كلثوم والتي بعنوان:

القلب يعشق كل جميل

وقد برع بيرم في الشعر الحلمنتيشي، فعارض عمر بن الفارض في لاميته التي يقول في بدايتها:

أنتم فروضي ونفلي

أنتم حديثي وشغلي

قال بيرم معارضا:

أنتم فروض ونفلي

أنتم حديثي وشغلي

أهل الكلوب وما لي

عن الكلوب تخلي

قضيت فيه حياتي

على سبيل التسلي

لكن أروع ما عارض به بيرم في شعره الحلمنتيشي هي قصيدة الشريف الرضي العينية، وهي قصيدة طويلة نكتفي منها بهذه الأبيات:

مَنابِتُ العُشبِ لا حامٍ وَلا راعِ

مَضى الرَدى بِطَويلِ الرُمحِ وَالباعِ

القائِدِ الخَيلِ يُرعيها شَكائِمَها

وَالمُطعِمِ البُزلِ لِلديمومَةِ القاعِ

مَن يَستَفِزُّ سُيوفاً مِن مَغامِدِها

وَمَن يُجَلُّلُ نوقاً بَينَ أَنساعِ

يَسقي أَسِنَّتَهُ حَتّى تَقيءَ دَماً

وَيَهدِمُ العيسَ مِن شَدٍّ وَإِبضاعِ

ما باتَ إِلّا عَلى هَمٍّ وَلا اِغتَمَضَت

عَيناهُ إِلّا عَلى عَزمٍ وَإِزماعِ

خَطيبُ مَجمَعَةٍ تَغلي شَقاشِقُهُ

إِذا رَموهُ بِأَبصارٍ وَأَسماعِ

يقول بيرم معارضا حلمنتيشيا إن صح التعبير للشريف الرضي:

حطوا الغفير على الدكان يحرسهُ

فباعهُ "جملةً" لا بيعَ "قطاعي"‏

جاء الحرامي له ليلاً وقاوله‏

على الذي فيه من مالٍ وأبضاعِ‏

والصبح جاء إلى الدكان صاحبه‏

فلم يجد فيه غير السقف والقاع‏

قال المعاون شغل ليس نعرفه‏

فاللص لا يسرق المستيقظ الواعي

اللهم لا تؤاخذنا بما كسبت أيدينا، ودامت السعادة للجميع.

***

مصطفى معروفي

 

عندما تنوي الرجوع إلى شنكال، قم بجولةٍ أخيرةٍ في المدن الألمانية، ولتكن مغامرتك حافلةً بالأحداث.

لا تخشَ السقوط...

ستنهض ثانيةً، لأنك شنكالي، ولأن لك قلبًا تواقًا للحرية.

لا تقارن خبز الأسواق بالخبز الذي كانت أمك تصنعه في تنورٍ سومريٍّ قديم.

احفظ أسماء الخبز جيدا: توست، بغوجن، خبز الكرنب، ولا تقارنها بخبز التنور المسمسم، الصووك، خبز الصاج.

تذوّق الأطعمة المتاحة في مطاعم المدينة: النقانق المشوية، سلطة البطاطس، أو المعكرونة المصنوعة من البيض، ولا تقارنها بطبيخ أمك من التشريب، الدولمة، وكبة الموصل.

اعبر الأنهر العديدة، واترك على كل جسر قفل لحبّ ضائع. ولكن، بالله عليك، لا تقارن تلك الأنهر بدجلة والفرات.

زر ميادين المدن، وألقِ قطعة نقود في الماء النازل من كل نافورة من أجل الحظ، ولا تقارن ذلك بعقد الأماني على البريات الملوّنة للمزارات المخروطية الجميلة أيام الجماعية.

لا تفكّر كثيرًا بالمقارنة..

لا شيء يشبه الوطن.

وتبقى شنكال كريمةٌ كأمٍّ لا تُغلقُ بابَها...

وهبتكَ الخروجَ يومًا، ثم ردّ إليكَ هواها،

فعزمتَ الرجوع.

***

مراد سليمان علو

إلى ذلك القريب البعيد... إلى من تقف بيني وبينه حدودٌ وأوطان، بينما لا تزال المسافة بين القلبين أقصر من كل الخرائط. كان الوقت بيننا بغداديَّ النكهة، تفوح منه رائحة الأزقة القديمة، وصوت دجلة وهو يعانق الفرات. ليتنا بقينا كما كانا... قريبين، لا تفرّقنا الجهات ولا تسرقنا المسافات.

أكتب كلماتي، ولعلّها تعبر إليك خلسةً بين طيات الصفحات، مدوّنةً باسمي، وممهورةً بمشاعري، علّك تلمح فيها نبضًا كان يومًا يسكن قلبك.

ما يثير دهشتي حقًا ليس الفراق، بل كيف تتحول المشاعر الصادقة، بكل دفئها وضجيجها، إلى ذكريات عابرة يمرّ بها الزمن دون أن يستأذن. كيف يصبح الصمت سيد الموقف بعد أن كانت الكلمات تتسابق بيننا، وكيف تتبدد الأسرار التي كانت تسكن أعماقنا، فنعود غريبين بعد أن كنا أقرب من يعرف بعضه بعضًا.

في هذه الحياة، لا بد أن يلتقي كل واحد منا بشخصٍ لا تستطيع الذاكرة أن تنساه، والأعجب من ذلك أنه قد لا يكون من نصيبنا أبدًا. نراه وكأنه الصورة التي رسمها القلب طويلًا، والحلم الذي ظل العقل يبحث عنه بين الوجوه، فإذا به يقف أمامنا... ثم تأخذه الأقدار إلى طريقٍ آخر.

وحينها نمضي نحن أيضًا إلى حياة لم نختر تفاصيلها، وإلى أماكن لم يرسمها القلب، ولا خطط لها العقل. نعيش أيامنا، بينما يبقى ذلك الشخص حاضرًا في زوايا الروح؛ مرةً حبيبًا، ومرةً صديقًا، ومرةً غريبًا لا نملك إلا أن نمرّ بقرب اسمه بصمت.

وتمضي الأيام بلا رجعة، ونفتش عن سبيلٍ يقودنا إلى حديثٍ قصير معه، فلا نجد سوى الأمنيات. نخشى التعلّق به، بينما الحقيقة أننا تعلّقنا به ألف مرة، في كل ذكرى، وفي كل دعاء، وفي كل لحظة حنين.

أحيانًا يخيل إلينا أنه لنا، وأن المسافات ستتعب يومًا من الوقوف بيننا، لكننا نعود فنضم أرواحنا إلى صدورنا، ونهمس بتنهيدةٍ لا يسمعها أحد:

"ليس كل من أحببناه كُتب لنا، فبعض الأرواح تأتي لتترك في القلب أثرًا لا يزول، ثم تمضي... لتعلّمنا أن أجمل الحكايات ليست دائمًا تلك التي تكتمل، بل تلك التي تبقى حيّة في الذاكرة ما بقي القلب ينبض."

***

ذكرى البياتي

في صغري، كان لديَّ العديد من الأصدقاء الصغار المرحين..

كانت رفقتنا ممتعة، نلعب معًا في بيادر قرية الإسكينية العليا، وكذلك في بساتين سنجار، أو قرب منارتها الذهبية.

أصدقائي الصغار في (مدرسة الإسكينية الابتدائية المختلطة) أو في (مدرسة سنجار الثانية الابتدائية للبنين)،

من أجل المتعة،

كنا نجتمع قرب الطاحونة المائية،

أو في ظل المنارة، ونغزو بساتين التين والرمان.

ثم بدأ بعضهم يختفي في أبعادٍ مبهمة.

قالوا لي: قد يكون هناك بُعدٌ خامس، أو سادس، أو حتى بُعدٌ سابعٌ غير معلوم.

كل ما أتذكره... عندما انتهت طفولتي وبدأت أعدّ أصدقائي من جديد، وجدت أن بعضهم قد اختفى في بُعدٍ غامض.

عبثًا حاولت أن أستوعب ماهية ذلك.

أشعر بحزنٍ شديد، وبانقباضٍ في قلبي.

قريبًا...

سأختفي أنا أيضًا دون أن أنتبه،

فقد حان موعد فرمانٍ جديد.

***

مراد سليمان علو

كيف روّض كريستوفر نولان وحوش هوميروس سينمائيا؟

17/7/2026 .في الساعة الحادية عشرة من صباح مشمس في العاصمة الفنلندية هلسنكي كنت أجلس وسط جمهور غفير، غالبيته من الشباب، لحضور العرض الأول لفيلم كريستوفر نولان الجديد "الأوديسا" في قاعة   IMAX. بتقنية الليزر وبجودة  700mm

منذ اللحظة الأولى بدا واضحًا أن الفيلم أعاد جمهور السينما إلى القاعات. بالكاد تمكنت من الحصول على تذكرة، ولم أجد إلا مقعدًا في الصفوف الأمامية، وهي مقاعد مرهقة بصريًا، خصوصًا مع شاشة IMAX العملاقة ذات الأبعاد المربعة والانحناءات الطرفية، حيث يبقى أفضل مكان للمشاهدة هو منتصف القاعة. قبل بداية العرض، دخل أحد موظفي Finnkino وهو يحمل سيفًا يشبه سيوف الإغريق، مرحبًا بالحضور ومتمنيًا لهم مشاهدة ممتعة. كانت لفتة جميلة ربطت أجواء الفيلم بالحاضر. كما حضرت بعض الشابات بملابس مستوحاة من اليونان القديمة، ووضعن أكاليل ذهبية على رؤوسهن، فبدا وكأن العرض الأول نفسه جزء من التجربة السينمائية.

ماذا عن الفيلم؟ بصريًا، يقدم نولان مستوى من الإبهار والتجويد يتجاوز كل ما قُدم سابقًا عن هذه الأسطورة. كنت أترقب كل كادر سينمائي، وأقارنه في ذهني بالأفلام السابقة التي تناولت الأوديسا، متسائلًا: كيف سيتجنب نولان الوقوع في فخ التكرار، خاصة وأن أحداثًا مثل حصار طروادة وحصانها أصبحت من أكثر الصور استهلاكًا في السينما؟ لقد حُلبت هذه الحكاية بصريًا وسرديًا حتى ظننا أنه لم يعد هناك جديد يمكن أن يقدمه أي مخرج.

لكن... ليس مع كريستوفر نولان.الفيلم أقرب إلى رواية نفسية منه إلى فيلم مغامرات ملحمي. هناك أنسنة واضحة لأوديسيوس وللأحداث، كما أن كلمة "المنطق" تبدو المفتاح الحقيقي لفهم رؤية نولان. فلا مكان للأسطورة والآلهة إلا ضمن قوانين صارمة يفرضها الفيلم ويجعلها مقنعة للمشاهد.  وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف يمكن تحويل المخيال الهوميري إلى عالم يمكن لعقل المشاهد المعاصر أن يتقبله، أو على الأقل يقترب من تصديقه؟نعم، الوحوش الأسطورية والمحطات الخرافية في رحلة أوديسيوس ما زالت حاضرة، لكن نولان يمررها عبر لعبة سينمائية ذكية تجعلها تبدو جزءًا من واقع الفيلم، لا مجرد عناصر خيالية منفصلة عنه.أما أوديسيوس نفسه، فلم يكن البطل الكامل الذي اعتادت الأفلام السابقة تقديمه. كان إنسانًا قبل أن يكون أسطورة؛ تحركه دوافع بشرية، ويضعف أحيانًا، ويتصرف بأنانية أو براغماتية عند الضرورة، ولم يكن مبدئيًا أو بطوليًا على امتداد الفيلم. وهذه إحدى نقاط القوة في المعالجة.أما التجربة البصرية، فأنت أمام لوحات سينمائية تصلح لأن تُعرض في أرقى معارض الرسم الزيتي؛ من حيث التكوين، والظل والضوء، وتناسق الألوان، والأهم من ذلك قدرة نولان على ترويض هذا الجمال البصري ليحكي الحكاية حتى في لحظات الصمت، ومن دون الاعتماد على الحوارات. فالصورة هنا لا ترافق السرد، بل تصنعه.

من أكثر المفاجآت البصرية كان تصميم حصان طروادة. لم يظهر كجسم خشبي ضخم يخفي الجنود داخله كما استقرت صورته في المخيلة الشعبية، بل بدا أقرب إلى تمثال برونزي هائل يقف على قائمتيه الخلفيتين، في رؤية جديدة تمنح الرمز التاريخي هيبة مختلفة.كما لفتني تنوع ملامح الشخصيات؛ فقد شاهدنا وجوهًا آسيوية وأفريقية وأوروبية إلى جانب الملامح المتوسطية، بعيدًا عن النمطية التي سيطرت على الأفلام السابقة. وبرأيي، فإن هذا الاختيار منطقي، لأن جغرافية العالم القديم كانت أكثر انفتاحًا وتداخلًا مما نتصور اليوم.وأعجبتني كثيرًا الممثلة Anne Hathaway  التي أدت دور الملكة بينيلوب؛ فقد نجحت في تجسيد الأمومة، والوفاء، وثقل الانتظار، والخوف، والدهاء، معتمدة على نظراتها وصوتها وحضورها الجسدي بأداء مقنع ومؤثر.ويبدو أن نولان حتى في تصميم الأزياء اختار طريقًا مختلفًا؛ فملابس الشخصيات تنتمي بوضوح إلى العصر الإغريقي، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو غريبة عن عين المشاهد المعاصر، في مزاوجة ناجحة بين التاريخ والحداثة.

ومن التفاصيل الجميلة أيضًا وجود كلب لعب دورًا مؤثرًا في الحبكة، ولم يكن مجرد عنصر هامشي، بل ساهم في تقريب صورة الحياة اليومية في تلك الفترة.أما الموسيقى، فلم تكن مجرد خلفية صوتية، بل حضرت كشخصية إضافية داخل الفيلم. كانت تُرى وتُسمع معًا، وكأنها تمثل إلى جانب الممثلين. وأكثر لحظة بقيت عالقة في ذهني كانت في نهاية الفيلم، عندما شد أوديسيوس وتر قوسه ونقره بإصبعه؛ ذلك الصوت وحده كان مشهدًا قائمًا بذاته، أو ما يمكن وصفه بـ"ماستر سين" حقيقي، إذ تحوّل صوت الوتر إلى حدث درامي مركزي سبق الفعل نفسه.

بالمحصلة .. كانت تجربة سينمائية ممتعة بكل المقاييس. لم أشعر أنني شاهدت إعادة إنتاج لأسطورة معروفة، بل قراءة جديدة لها بعين كريستوفر نولان، حيث يلتقي الإبهار البصري مع العمق النفسي، وتخضع الأسطورة لمنطق يجعلها أقرب إلى الإنسان من الخيال. لهذا السبب، سأعود قريبًا لمشاهدة الفيلم مرة أخرى، ليس لأنني لم أفهمه، بل لأنني متأكد أن هناك تفاصيل كثيرة تستحق أن تُكتشف في مشاهدة ثانية، وربما ثالثة أيضًا.

*** 

كتب: ياسين غالب

اخترت ثلاثة شعراء ممن ازرى بهم الدهر فكانوا نزلاء سجون، أو أسرى في معسكرات الأعداء. وهؤلاء الشعراء من فترات تاريخية متباعدة وبيئات مختلفة، ولكن القاسم المشترك بينهم هو السجن وما كانوا يعانونه داخل هذه السجون المظلمة، وهم: الشاعر ابو فراس الحمداني وناظم حكمت، ومحمد سعيد الصكار. ولم يكن هؤلاء الشعراء وحدهم الذين عانوا من مرارة السجون، بل كان هناك العديد، على سبيل المثال: الحطيئة في سجن المدينة، والفرزدق في سجن البصرة، وأبو نواس في سجن بغداد، والمتنبي في سجن حمص، وأبو العتاهية في سجن بغداد و احمد صافي النجفي في سجن بيروت وغيرهم.

لقد تميزت قصائدهم بالقوة وكانت وصفاً رائعاً لحياة السجناء في مختلف العصور، رغم أن الشاعر هنا لم يكن طليقاً بل كان سجيناً وأسيراً يستعطف الآخرين.

* أبو فراس الحمداني في سجن القسطنطينية

شاعر عباسي عاش في ظل الدولة الحمدانية التي كان يتزعمها ابن عمه سيف الدولة في الشام. وقع أسيراً أثناء معركة مع الروم البيزنطيين، وقد امتد أسره لسبع سنوات وكثرت رسائله لسيف الدولة يطلب فيها مفاداته، ولكن ما من مستجيب، ثم افتداه سيف الدولة وأطلق سراحه.

قال قصائد يصف فيها حالته في الأسر:

جِرَاحٌ وَأَسْرٌ وَاشْتِيَاقٌ وَغُرْبَةٌ

أُحَمَّلُ أَنِّي بَعْدَهُ لَحَمُولُ

وَأَسْرً اقَاسِيه وَلَيْلٌ نُجُومُهُ

أَرَى كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَهُنَّ يَزُولُ

تَنَاسَانِيَ الأَصْحَابُ إِلا عِصَابَةً

سَتَلْحَقُ بِالأُخْرَى غَدًا وَتَحُولُ

وقال أيضاً:

أَقُولُ وَقَدْ نَاحَتْ بِقُرْبِي حَمَامَةٌ

أَيَا جَارَتَا هَلْ تَشْعُرِينَ بِحَالِي؟

أَيَضْحَكُ مَأْسُورٌ وَتَبْكِي طَلِيقَةٌ

وَيَسْكُتُ مَحْزُونٌ وَيَنْدُبُ سَالِي؟

لَقَدْ كُنْتُ أَوْلَى مِنْكِ بِالدَّمْعِ مُقْلَةً

وَلَكِنَّ دَمْعِي فِي الْحَوَادِثِ غَالِ.

ولقد عدت من روائع الشعر العربي.

* ناظم حكمت في أحد سجون تركيا

يعد الشاعر ناظم حكمت من أبرز شعراء تركيا في العصر الحديث. تأثر منذ شبابه بالأفكار اليسارية وعارض دكتاتورية الرئيس التركي كمال أتاتورك، ولأسباب سياسية زُج في السجن لفترة طويلة امتدت أكثر من (12) سنة، وعندما خرج من السجن هاجر إلى موسكو وظل فيها حتى وفاته عام 1963م.

تعتبر قصيدته (ذبحة صدرية) التي كتبها في سجنه عام 1948م من أبرز قصائده، وفيها يصف حالته الصحية فيقول:

إذا كان نصف قلبي هنا أيها الطبيب

فنصفه الآخر هناك في الصين

مع الجيش الزاحف نحو النهر الأصفر

وكل صباح عند شروق الشمس يعدمون قلبي في اليونان

وفي كل ليلة أيها الطبيب

عندما ينام السجناء ويغادر الكل المستشفى

يطير قلبي ليحط على منزل مهدوم في إسطنبول

في الليل أحدق عبر القضبان

ورغم الثقل الذي يطبق على صدري

ما زال ينبض مع النجوم البعيدة.. البعيدة

* محمد سعيد الصكار في سجن البصرة

شاعر عراقي من مواليد مدينة ديالى، هاجر إلى البصرة بين عامي 1947 - 1957 وتزوج فيها، وتبلورت أفكاره السياسية والأدبية فيها. تتميز قصائده بالسلاسة والعذوبة، تعرض في البصرة إلى السجن والاعتقال بسبب نشاطه السياسي، غادر العراق إلى فرنسا عام 1978 واستقر فيها حتى وفاته عام 2014م.

كتب قصيدته الرائعة (القمر) وهو في سجنه بالبصرة يصف فيها حالته وحالة السجناء الذين معه، وهذا نص القصيدة:

(القمر)

كان ليلاً مغمض الأَنجُمِ.. مَسلوبَ القَمَر

بارداً كَالمَوتِ وَالبَصرَةُ يَقظَى لا تَنَام

إنَّهَا لا تَعرِفُ النَّومَ إِذَا غَابَ القَمَر

إنَّهَا تَرشُقُ بِالمَوتِ عِصَابَاتِ التتر

إن تَصَدَّت لِلقَمَر

كَانَ لَيلاً بَارِداً كَالمَوتِ وَالبَصرَةُ يَقظَى

ومع اللَّيلِ احتَوَتنَا.. غُرفَةٌ سَودَاءُ عَفِنَة

كَرِوَاقِ المَجزَرَة

... رطبه خَانِقَةٌ كالمبخره

يَا صَدِيقِي وَمَعَ اللَّيلِ نسجنا لِلقَمَر.. أُغنِيَة

لَيلُنَا كَانَ غِنَاءً وَسَجَايِر

وَبُطُولَاتٍ وَأَحلَامَ مُغَامِر

وَسَمِعنَا فِي سُكُونِ اللَّيلِ أَعقَابَ البَنَادِق

نتهاوى كالمطر -تسحق العزة أَعقَابَ البَنَادِق

والينا من زَوَايَا غُرفَةِ التَّعذِيبِ كَانَت تَتَسرَّب

كَأَنِينِ الوَردِ أَصوَاتٌ جَرِيحَة

إِنَّهُم أحبابنا، إِنَّهُم، إِخوَانُنا

يَا صَدِيقِي قَبلَ أَن يَنبَلِجَ الصُّبحُ سَيَأْتِي دَورُنَا

هَا هُمَا عَامَانِ مَرَّا يَا صَدِيقِي

أَنَا لَم أُبصِركَ يَومًا فِي طَرِيقِي

مُنذُ أَن كُنَّا نُغَنِّي لِلقَمَر

مُنذُ أَن فَرَّقَنَا الخَفَّاشُ تِلكَ الأُمسِيَة

حَيثُ أَغرِتكَ عِصَابَاتُ التتر

وَأَنَا غيبني السِّجنُ وَفِي صَدرِي قَمَر.

وختاماً، المجد لقصيدة نبتت في ظل زنزانة ثم نمت إلى شجرة وافرة الاثمار وارثة الظلال.

***

غريب دوحي

نقول "ارتجال" و"بديهة" و"تمليط"، ثلاث كلمات يكون المنضوي تحت كل واحدة منها شعرا، ونحن في هذا المقال تهمنا كلمة "تمليط" بالضبط، وما تعنيه وإعطاء مثال يوضح معنى التمليط وضوحا وخصوصا للقارئ الذي يقرأ عنها لأول مرة.

التمليط هو أن يجرب شاعران أو شعراء ما يجول بخاطرهم حول موضوع واحد حتى ينقطع نفس أحدهما أو أحدهم، وهو نوع من السجال بحيث يأتي الشاعر بقسم من البيت صدرا أو عجزا، ويأتي صاحبه بالقسم الباقي، ويكون ذلك في معنى واحد فقط لا يتعدى إلى غيره.

ومن أمثلة التمليط ما كان بين امرئ القيس والتوأم اليشكري واسمه الحارث بن قتادة اليشكري .

قَالَ أَبو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كَانَ امْرُؤُ الْقَيْسِ مِعَنًّا عِرِّيضًا يُنَازِعُ كُلَّ مَنْ قَالَ إِنه شَاعِرٌ، فَنَازَعَ التوأَم الْيَشْكُرِيَّ فَقَالَ لَهُ: إِن كُنْتَ شَاعِرًا فَمَلِّطْ أَنصاف مَا أَقول وأَجِزْها، فَقَالَ: نَعَمْ.

فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

أَصاح أُريك بَرْقًا هَبَّ وَهْنًا

فَقَالَ التوأَم:

كَنَارِ مَجُوسَ تَسْتَعِرُ استعارا

فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

أَرِقْتُ لَهُ ونامَ أَبو شُرَيحٍ

فَقَالَ التوأَم:

إِذا مَا قلْتُ قَدْ هَدَأَ اسْتَطارا

فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

كأَنَّ هَزيزَهُ بِوَراءِ غَيْبٍ

فَقَالَ التوأَم:

عِشارٌ وُلَّهٌ لاقَتْ عِشارا

فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

فَلَمَّا أَنْ عَلا كَنَفَي أُضاخٍ

فَقَالَ التوأَم:

وَهَتْ أَعْجازُ رَيِّقِهِ فَحارا

فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

فَلَمْ يَتْرُكْ بِذاتِ السِّرِّ ظَبْيًا

فَقَالَ التوأَم:

وَلَمْ يَتْرُكْ بجَلْهَتِها حِمَارا

أشير إلى أن هناك كتابا طريفا أعجبني جدا وهو كتاب: بدائع البدائه، تأليف جمال الدين أبي الحسن علي بن ظافر بن حسين الأزدي الخزرجي، المتوفي سنة 613 هجرية. في غلاف الكتاب وتحت العنوان مباشرة ما يلي:

جمع فيه مؤلفه أخبار الشعراء في البدائه والارتجال ومحاسن أشعارهم في مواطن الإسراع والإعجال وأورد منها حكايات لم يسبق إليها.

والله ولي التوفيق وهو المستعان.​

***

مصطفى معروفي

لاريب أن الجمال ليس مجرد صورة متوهجة تسر العين، أو مشهد رائع يأسر الانظار، وإنما الجمال ومضة وجدانية، يتفاعل معها الوجدان قبل الحواس، وتترجمها النفس وفق ما تختزنه من رهافة حس، وعمق تأمل.

 فكم هناك من منظرٍ جميل، يوقظ في وجدان البعض الدهشة والإعجاب، بينما يمرّ عليه آخرون مروراً عابراً لا يترك في نفوسهم أثراً، وذلك لأن الجمال لا يكمن في جمال المشهد، وانما في قابلية الانسان لاستقبال ذلك الجمال بايجابية، والتفاعل معه بوهج.

ولا ريب إن الحس المرهف موهبة فطرية رفيعة، تمكن صاحبها من التقاط تفاصيل مفردات الحياة الدقيقة، حيث يرى في الأشياء العادية عالماً من الدلالات والمعاني. فهو عندما يتأمل زهرة متفتحة يستشعر عظمة الخالق، وعندما يصغي إلى تغريد الطيور يستحضر معاني الطمأنينة، وعندما يتوقف أمام غروب الشمس، يقرأ في ألوان السماء لوحة إبداعية لا تتكرر. أما البليد صاحب الحس الجامد، فإن تلك المشاهد ذاتها لا تثير فيه سوى نظرة عابرة، لأنه فقد القدرة على الإنصات لنبض الجمال الكامن في تفاصيل مشاهد الحياة.

ولعل اعتياد الإنسان رؤية المشاهد، يفقده دهشته الأولى. فالانشغال المفرط بإيقاع الحياة السريع، والانغماس في العالم الرقمي، وتراكم الضغوط اليومية، كلها عوامل قد تفضي إلى بلادة الحس، فيغدو الإنسان محاطاً بمظاهر الجمال دون أن يلتفت إليها، وكأنه يعيش في عالم بلا ألوان، ولا موسيقى.

على أن البلادة لا تعني نقصاً في الذكاء، أو المعرفة، وإنما البلادة خفوت في التفاعل الوجداني، يجعل الإنسان أقل قدرة على التأثر بالمشاهد الجمالية. ومع استمرار هذا الخفوت، تضيق مساحة التأمل، وتتراجع مشاعر الحس المرهف، ويصبح الإنسان أكثر ميلاً إلى الجفاف الوجداني واللامبالاة.

وهكذا فإن رهافة الحس ليست مجرد صفة فطرية، فحسب، بل هي قيمة وجدانية يمكن تنميتها بالمطالعة، والتأمل، ومجالسة أصحاب الذوق الرفيع، والاقتراب من الطبيعة، والانفتاح على الفنون الراقية، والآداب الأصيلة، حيث أن كل هذه الروافد تصقل الوجدان، وترسخ قدرته على اكتشاف الجمال في كل ما يحيط به من مشاهد.

 وهكذا يبقى الجمال تجليات لا تنضب، لكنه لا يكشف أسراره إلا لمن يمتلك وجدانا شفافا، وحساً مرهفاً، يقرأ في تفاصيل الكون آيات الإبداع الإلهي. أما البلادة، فإنها تحجب عن صاحبها وهج هذا العالم البديع، فيعيش بين مظاهر الجمال، دون أن يتذوق منها شيئاً.

 ومن هنا، فإن التسامي الحسي، والارتقاء الوجداني، هو ارتقاء بالإنسان ذاته، لأنه يعيد إليه قدرته على رؤية مفرادت الحياة بعين المحبة، وقلب الامتنان، وروح الجمال.

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم