أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

لاريب أن الذكاء الإصطناعي اصبح اليوم، أداة فعالة للإبداع، في مختلف المجالات، لما يتمتع به من تقنيات متقدمة في تطبيقاته، وما تتميز به خوارزمياته المتطورة من امكانات هائلة في التغذية.

ولذلك بات الأمر يتطلب الانتباه الى ضرورة استخدامه بحكمة متناهية، لكي لا يستلب الحس المرهف في النتاج الإبداعي، فيتحول إلى نص ٱلي جاف، خال من المشاعر والعواطف الوجدانية، التي تميز النتاج الابداعي للكاتب، الذي ينبغي عليه أن يحافظ على نقاء الحس المرهف في نتاجه، ويحرص على التعبير عن أفكاره، ومشاعره الوجدانية، بطريقة مؤثرة.

وتجدر الإشارة الى انه أصبح بإمكان الآلات، إنتاج نصوص، وموسيقى، وفنون، بصورة مذهلة، ومدهشة، في ظل ثورة اتمتة المعلومات، وعصر الذكاء الإصطناعي، وبصورة قد تقترب شكلا، وتعببرا، من النتاج الادبي للكاتب، حتى بات السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح، كيف نحافظ على الحس المرهف، والنفحات الوجدانية في النتاج الإبداعي، من الإستلاب، والمسخ؟ لاسيما وان الحس المرهف، يعد كما هو معروف، من بين ابرز ما يميز الإبداع البشري من سمات عن النتاج الآلي، فالحس المرهف هو جوهر الإبداع، الذي يمنح الكاتب، القدرة على التعبير، عن مشاعره، وأفكاره بطريقة مؤثرة، حيث ان الحس المرهف، هو ما يجعل العمل الإبداعي، يلامس القلب، ويبقى في الذاكرة.

ومع ان الذكاء الإصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية للإبداع، إلا انه يمكن أن يسلب الحس المرهف، إذا لم يستخدم بحكمة، لاسيما وأن الآلات اصبح بامكانها إنتاج نصوص، وموسيقى، وفنون، بسرعة، وبدقة، ولكنها تظل تفتقر إلى الحس المرهف، الذي يميز الإبداع البشري عن غيره من النتاجات.

ولكي نحافظ على نقاء الحس المرهف من الاستلاب، والمسخ، فان استخدام الذكاء الإصطناعي، ينبغي أن ينحصر في حدود كونه أداة لإنتاج أفكار جديدة، وحسب، دون السماح له بسلب الحس المرهف للنتاج.

***

نايف عبوش

الحقيقة أنني لم أكن أعرف الدكتور سعيد السريحي شخصياً. لا أدري لماذا يشعر المرء بالحاجة إلى توثيق هذه المقدمة بهذا الشكل، وكأنه يعتذر عن شيء. ربما لأننا تعودنا ألا نكتب عن أحد إلا إذا جلسنا معه على مقهى، أو تبادلنا أطراف الحديث في مؤتمر، أو كانت لدينا صورة تجمعنا به في مكان ما. ربما لأن ثقافتنا العربية تحب الشهادة الحية أكثر مما تحب القراءة المتأنية.

لكن الحقيقة الأخرى هي أنني قرأت له. وهذا في النهاية هو السبيل الوحيد الذي يجعل كاتباً ميتاً قادراً على مصافحة كاتب حي. القراءة. هي الجسر الوحيد الذي لا تهدمه الوفاة.

***

«الحياة خارج الأقواس».

هذا العنوان وحده كان كافياً.

تذكرت وأنا أقرأ السيرة التي كتبها، تلك المقولة التي لا أعرف إن كان قالها هو أم قالها غيره، لكنها عالقة في ذهني: «لا تكتب سيرتك الذاتية لتعترف، بل لتفهم». وهكذا كان. لم يكتب الراحل الدكتور سعيد السريحي سيرته كما يكتبها غيره، لم يجمع التواريخ ويصف الأمكنة ويعدد الأسماء. كان يحفر في نفسه كما يحفر عالم آثار في تل قديم، لا يبحث عن القطع الأثرية المصقولة، بل عن الكسرات التي تروي حكاية أعمق.

هذا هو الاختلاف الجوهري.

هذا النوع من الكتابة لا يشبه السيرة الذاتية التقليدية. إنه أقرب إلى التشريح، لكن بأدوات جراح لا يخشى الدم. كنت تقرأ الفصل فتتوقف لحظة، تضع الكتاب جانباً، وتتساءل: هل يقول عني هذا أيضاً؟.

لا أدري لماذا يشعر القارئ أحياناً بأن الكاتب يتسلل إلى رأسه ليلاً. ربما لأن التجربة الإنسانية، رغم تنوعها، تشترك في نقاط التماس ذاتها: الخوف من الفشل، الهاجس بالزمن الضائع، الوحشة وسط الزحام، والشك الدائم في أننا جميعاً نؤدي دوراً لا نرغب فيه.

(السريحي) تجرأ وكتب عن ذلك. خرج من تحت الأقواس المذهبية والمنهجية والاجتماعية، ووقف في العراء. والعراء مكان مرعب.

***

ثم «حجاب العادة».

عنوان يستفزك منذ الغلاف.

الرجل لا يكتب عن الكرم كفضيلة بديهية. هذا ممل. هذا ما يفعله خطباء الجمعة وأعمدة المجلات النسائية. (السريحي) يطرح السؤال الأكثر خطورة من الذي قرر أن هذا كرم وذاك بخل؟ كيف تحولت العادات إلى أخلاق، ثم تحولت الأخلاق إلى مسلمات، ثم تحولت المسلمات إلى سجن؟

الحقيقة أنه كان يمتلك تلك العين السينمائية التي ترى ما لا يراه الآخرون. عندما ينظر إلى مشهد عادي- ضيوف يصلون، مضيف يجهز القهوة، مجاملات تتطاير في الهواء - كان يرى طبقات من الخطاب المطوي. يرى السلطة وهي تختبئ خلف الكرم، يرى التراتبية الاجتماعية تحت مسمى «تقدير الضيف»، يرى الرقابة الذاتية التي تمارسها الجماعة على الفرد عبر مدح فضيلة العطاء.

هذا النوع من القراءة لا يدرس في الجامعات.

يمكنك أن تدرس طالباً عشرين عاماً قواعد النقد ومناهج التحليل، لكنك لا تستطيع أن تمنحه هذه النظرة. إما أن تكون لديه، وإما أن تظل كتاباته صحيحة نحوياً وميتة روحياً.

(السريحي) كانت لديه.

***

«غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم».

الحقيقة المؤكدة هي أننا نمر على مئات الأشياء يومياً دون أن نراها.

تمر القهوة في أيدينا صباحاً ومساء، نتجرعها في الاجتماعات المملة، نقدمها للضيوف بآلية تخلو من التفكير، نفرح بفناجينها المزخرفة، نشتم رائحتها فنستيقظ. لكن (السريحي) نظر إلى فنجان القهوة فرأى فيه عالماً.

كان مهتماً بالخطاب. بالتحريم والإباحة. بالتسمية والسلطة.

ليس مهماً أن تختلف مع تفاصيل تحليله. المهم أنك بعد أن تقرأه، لن تنظر إلى القهوة بالطريقة ذاتها. وربما، وهذا هو الأهم، لن تنظر إلى أي شيء بالطريقة ذاتها. هذه هي المعضلة الحقيقية مع كتاب كهذا: يفسدون عليك متعة الاستهلاك الساذج. يضعون في رأسك أسئلة لا تنام.

***

ثم هنالك الجرأة.

نتحدث كثيراً عن الجرأة في الثقافة العربية. كل أسبوع نكتشف كاتباً جريئاً، وكل شهر ندفن كاتباً قالوا عنه إنه تجرأ أكثر مما ينبغي. لكن جرأة (السريحي) كانت من طراز خاص؛ ليست جرأة الصوت العالي ولا الصادم المجاني. إنها جرأة الرجل الذي يقرر أن يفكر بصوت مسموع، في مجتمع لا يحبذ أن يفكر أحد بصوت مسموع.

هذه الجرأة كلفته.

لا أحد يكتب «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث» في التسعينيات ثم يجد الطريق مفروشاً بالورود. لا أحد يفكك خطاب «الصحوة» ويكتب «كي لا نصحو ثانية» ثم يتوقع أن يصفق له الجميع. لكن المثير للاهتمام - وهو ما يبدو واضحاً لمن يتتبع سيرته - أنه لم يكن مهتماً كثيراً بالتصفيق. كانت لديه هذه العادة السيئة، يكتب ما يعتقده، لا ما يضمن له مقعداً في الصف الأول.

***

هذه هي المفارقة، أليس كذلك؟

نحن في الوسط الثقافي نمارس لعبة غريبة. نتباكى على فقدان الجرأة، ونبكي على من رحلوا، ونكتب مقالات التأبين الباكية، لكننا في حياتنا اليومية - وقبل رحيلهم - كنا ننظر إليهم بارتياب. نضعهم تحت المجهر. نبحث في سيرهم الذاتية عن هفوة، في كتاباتهم عن زلة، في مواقفهم عن تناقض.

(السريحي) لم يسلم من ذلك.

وبرحيله، اكتشفنا فجأة أننا فقدنا شخصاً لم نكن نحسن قراءته وهو حي.

***

الحقيقة التي أحاول الوصول إليها، بعد هذه الرحلة القصيرة في مشروعه، هي أن (سعيد السريحي) كان يمثل نموذجاً نادراً، مثقف يرفض أن يكون ديكوراً !.

في ثقافتنا كثير من الديكورات. لوحات جميلة معلقة على الحائط، لا تؤثر في حرارة الغرفة ولا في هوائها. كتاب يصدرون كتباً، يحضرون مؤتمرات، يظهرون في شاشات، يلتقطون صوراً مع الوزراء، ثم يرحلون وكأنهم لم يكونوا.

(السريحي) لم يكن ديكوراً.

كان - باستعارتي الخاصة - «ناراً تحت الرماد» . قد لا تراها مباشرة، قد تظن أن الرماد هو كل شيء، لكنك إذا اقتربت كفاية، وضعت يدك فوقه، شعرت بحرارته.

***

لا أعرف إن كان (سعيد السريحي) سعيداً حقاً.

العنوان الفرعي لسيرته يقول إنها «سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد». كلمة «المدعو» تحمل شيئاً من السخرية المريرة، من المسافة التي يضعها الكاتب بينه وبين اسمه. من لا يشعر باغترابه عن هويته لا يكتب هكذا.

ربما لم يكن سعيداً.

لكن السؤال الذي يلح علي، وأنا أكتب هذه الكلمات في ليلة من ليالي فبراير 2026، ليس هل كان سعيداً؟، بل هل كان يستحق العناء؟.

والإجابة، ببساطة، هي نعم.

كل كتاب تركه، كل سطر كتبه، كل محاضرة ألقاها، كل طالب علمه كيف يشك في البديهيات، كل قارئ فتح عينيه على عالم غير الذي كان يراه، كل هذا كان يستحق العناء.

***

يقولون إن الإنسان يموت مرتين.

الأولى حين يتوقف قلبه عن النبض.

والثانية حين يتوقف الناس عن قراءته.

(السريحي) لا يزال على قيد الحياة. أمسكت بأحد كتبه قبل أيام، كان موضوعاً على رف لم أفتحه منذ سنة. فتحت العشوائية، وبدأت أقرأ. بعد دقائق، وجدت نفسي أحدثه: «حسناً يا دكتور، هذه النقطة لا أوافقك عليها».

هذا هو الخلود الوحيد الذي يستحق الذكر.

***

قبل أن أنهي هذه الكلمات، أتذكر شيئاً قاله الروائي أحمد خالد توفيق - وهو الآخر رحل تاركاً فراغاً لا يملأه أحد - عن الموت والكتابة. لا أتذكر النص حرفياً، لكن الفكرة كانت: أننا نكتب لأننا لا نستطيع أن نعيش مرتين، فنحن نفعل ذلك على الورق.

(سعيد السريحي) عاش أكثر من مرة.

عاش في المملكة العربية السعودية حيث درس وعلم وأبدع، وعاش في القاهرة حيث ناقش وشكك وحاور، ويعيش الآن في كل مكتبة تضم كتبه، في كل قارئ يفتح «الحياة خارج الأقواس» لأول مرة، في كل باحث يعود إلى «غواية الاسم» ليستخرج منه دلالة جديدة.

ربما هذا هو ما تبقى لنا في النهاية.

ليس الموت هو النهاية، بل النسيان. و(السريحي)، بجدارة، لن ينسه أحد.

***

د. عبد السلام فاروق

رسم هذه اللوحة الفنان الفرنسي ويليام ادولف بوغيرو عام 1888، وهو احد ابرز رموز الرسم الاكاديمي الفرنسي في القرن التاسع عشر، المعروف بمعالجته الهادئة للموضوعات الانسانية الوجودية. لا يندفع بوغيرو نحو الدراما الصاخبة، بل يتوقف عند لحظة ما بعدها، عند الصمت الذي يعقب الفاجعة، حيث يبدأ المعنى في التشكل.

ليست كل بداية ولادة، فبعض البدايات كانت جرحا. هكذا يمكن قراءة لوحة اول الحزن، لا بوصفها مشهدا تاريخيا بعيدا، بل بوصفها لحظة تاسيسية في وعي الانسان بنفسه وبحدوده.

في هذه اللوحة لا نرى الجريمة، بل ما بعدها. لا يد الفاعل، بل جسد الضحية. لا لحظة الفعل، بل زمن العاقبة. الزمن الذي يواجه فيه الانسان، للمرة الاولى، ما لم يكن في حسابه: الموت، والفقد، والعجز، والندم الذي لا يعيد شيئا، ولا يعيد ما كان كما كان.

الاب جالس، يحتضن جسد ابنه لا بقوة، بل بتردد. كأن الذراعين فقدتا معناهما. الابوة، التي كانت اسما للقوة والحماية، لم تعد قادرة على الفعل. والام تنحني في صمت. لا صراخ ولا احتجاج، بل دهشة موجعة امام عالم خرج فجاة عن انتظامه الاول، وامام حقيقة لم تكن معروفة من قبل: ان بعض الاشياء، حين تقع، لا يمكن اصلاحها.

هذه ليست لوحة عن الموت فقط، بل عن انهيار وهم السيطرة. الخطا هنا ليس مجرد فعل عنيف، بل الاعتقاد بان الفعل يمكن التحكم بمصيره. منذ هذه اللحظة ينتقل المشهد من اطار الحدث الى اطار التجربة الانسانية العامة. لا تعود الاسئلة اسئلة ادانة او تبرير، بل اسئلة وعي، وعاقبة، وتحول داخلي. هنا تظهر الحرية، لا كقدرة على الاختيار فحسب، بل كمسؤولية عما يترتب عليه.

بوغيرو لا يضخم الماساة. باسلوبه الاكاديمي الهادئ، يجعل الاجساد مصقولة، والضوء محسوبا، والجمال متقنا. غير ان هذا الاتقان لا يخفف الحزن، بل يضاعفه. كأن اللوحة تقول: حتى في اعلى درجات النظام، يبقى الموت فوضويا، عصيا على التهذيب.

هذا هو اول الحزن، لانه اول مرة يدرك فيها الانسان انه ليس مركز الحكاية. هنا، في هذا المشهد الصامت، يحتل جسد صغير اللوحة كلها، اثقل من التاريخ ذاته. لا بوصفه موتا فقط، بل بوصفه علامة على اللاعودة.

هنا لا يكون الندم دمعة عابرة، بل تحولا داخليا عميقا. وفي هذا المعنى يعرّف ابو حامد الغزالي الندم، في احياء علوم الدين (كتاب التوبة)، بانه توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب، ويذكر ان علامته طول الحسرة والحزن، وانسكاب الدمع، وطول البكاء والفكر. فالندم الحقيقي ليس مشهدا عاطفيا، بل حالة وعي تستقر في القلب وتغير علاقة الانسان بفعله ومعناه.

في حياتنا اليومية نعيش هذا المعنى بصور اخرى. نتصرف احيانا كما لو ان كل شيء قابل للاصلاح، وكأن الاعتذار يعيد الزمن، وكأن النية الطيبة تمحو الاثر. غير ان التجربة تعلمنا ان بعض الافعال، حين تترك اثرها، لا يمكن محوه، بل يمكن فقط تحمله. وهنا، بالضبط، تخرج اللوحة من اطارها الفني الى الحياة، وتتحول الى مرآة لتجاربنا اليومية مع الخطا، والفقد، والنتائج التي لا يمكن التراجع عنها.

اللوحة لا تمنح عزاء جاهزا، ولا تعد بخلاص سريع. لا نور في الافق، ولا وعد مباشرا. فقط انسان يكتشف ثقل الفعل. ولهذا تبدو معاصرة. فنحن نعيش زمن النتائج، لا زمن الافعال وحدها.

اول الحزن ليس حدثا قديما، بل حالة متكررة. كل فقد لا تفسير له، وكل ظلم لا يمكن اصلاحه، يعيدنا الى تلك الجلسة الصامتة امام ما لا يملك الانسان حياله الا الاعتراف.

وفي هذا الاعتراف يتكشف العجز، لا بوصفه ضعفا، بل معرفة مؤسسة. وقد عبر عن هذا المعنى بدقة ابن القيم في مدارج السالكين حين قال: من عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة، ومن عرفها بالعجز عرف ربه بالقدرة. فالعجز هنا ليس نهاية الطريق، بل بداية رؤية اقل وهما واكثر صدقا، رؤية يتحول فيها الانسان من وهم التحكم الى تحمل المسؤولية.

من هذا الحزن يولد الضمير. ومن هذا العجز تنشأ المسؤولية. لا لان الانسان صار خيرا فجاة، بل لانه صار اقل ادعاء. كأن مسار التجربة يتضح هكذا: الانكسار يوقظ، والتكوين يثبت، ثم تاتي المسؤولية بوصفها الاثر الاكثر نضجا لثقل الفعل.

لهذا تبقى اللوحة حية. لانها لا تعلمنا كيف نتجنب الخطا، بل كيف نعيش بعده.

***

د. احمد عابر

 

هل نستمتع النظر ونحن نرى الصور والكتابات على الحائط ونحن نتجول في المدن؟ وماذا لو تغير سلوك هؤلاء من المراهقين من الخرمشه إلى انتاج فن دائم يكون جزء من تخطيط المدن الحديثة؟ وهذا ما لاحظته في مدن إسبانيا رغم ان هناك أماكن كثيرة فيها كتابات عشوائية يعبر الشاب فيه عن دواخله تجاه المجتمع بتخريب والشخابيط او إرسال رسالة ضمنية إلى حبيبته. تحويل طاقة الشباب إلى عنصر إبداعي شاهدته بين شباب العراق ابان حركة تشرين المباركة والذي تحول فيه العصيان السلمي إلى حركة ثقافية وسياسية وفنية. لكنها لم تستمر مع الأسف.2378 rafeq

كنت خلال سنوات اجلس في هيئة الثقافة في مدينتي ولأربع دورات انتخابية وناقشنا العديد من الأمور الخاصة بالشباب والاستفادة من نشاطهم وتوجيهها إلى خدمة المجتمع واقترحنا تخصيص مناطق خاصة لهم كي يمارسوا فيها رسم الحائط وإجراء مباريات في فن الگرافيت البديع .

2382 ana زرت معرض الفنانة آنا كورتيس وهي مصمه ورسامة لها العديد من الأعمال الفنية في رسم الحائط في العديد من المدن الإسبانية التي تسميها "الرسم داخل الرسومات "، أقول زرت معرضها على قاعة الفن الحديث في مدينة ابن المدينة الأندلسية الساحلية الجميلة .

أعمالها الفنية تعطي انطباعاً بالفرح والسرور وتضيف إلى اجواء المدن الكثير من الفرح . في هذا المصيف الساحلي المسماة برج الطاحونة هناك في الحي القديم التي كانت في البدا مجرد قرية لصيادي الأسماك واليوم مصيف يامه السياح من جميع انحاء العالم وكانت قبلة للفنانتين امثال بيكاسو وسلفادور دالى والعديد من أفلام الهوليودية جرى تصويرها في سواحلها الجميلة حيث أفلام امثال كيري دوگلاس، بريجيت باردو، فرانك سيناترا، ايڤا گاردنر واخرون احدى أعمالها الفنية البديعة حيث كانت المنطقة بأسرها خرائب وتحولت إلى حديقة عامة ذو خلفية جدارية كبيرة بديعة بالوانها الساحرة.

آنا كورتيس التي تستخدم الاسم الفني bosska، بوسكاً مصممة گرافيك ورسامة، وُلدت في مدينة (ألي كانتا) الساحلية على ضفاف آلبحر الأبيض المتوسط، وانتقلت للعيش في مدينة (ملقا) ملتقى الثقافات والشعوب ومدينة كبار الفنانين امثال بيكاسو وأنطونيو بانديراس واخرون، لكن أسلوب رسوماتها متاثرة بأسلوب مكسيكي واضح، وذلك كنتيجة لكونها عاشت في المكسيك سبع سنوات. تخرجت عام ٢٠١٣ بشهادة في التصميم الگرافيكي من جامعة لا سال في كانكون، المدينة التي بدأت فيها مسيرتها في التصميم والرسم. تدعونا الأعمال الفنيةً لهذه الرسامةً إلى التوقف والتأمل، والغوص في طبقات الرمزية والمعنى، والتساؤل عما هو بديهي. في حالة التداخل الحسي، تتلاشى الحدود ويتوقف الإدراك عن كونه خطيًا:

 فالشعور هو أيضًا الفهم. تُطور أسلوبها عبر الزمن، ولغتها البصرية المميزة، والتي تتسم بـ"الرسم داخل الرسومات" وسرد عضوي متأثر بفن (الآرت نوفو) اي (أسلوب الفن الحديث. يتناول في أعمالها الفضاء والهوية والرمزية، ويتجلى في مشاريع وطنية داخل إسبانيا ودولية. في هذه التجربة الحسية المتداخلة، تدعونا بوسكا إلى تجاوز الظاهر وتجربة الصورة كلقاء بين العاطفة والخيال والحواس. على مر السنين، تطورت موهبتها الفنية، واشتهرت بأسلوبها الفريد في الرسم: "الرسم داخل الرسم". وقد أدى هذا الأسلوب إلى إجراء مقابلات معها على شبكة CNN الأمريكية الشهيرة "في أعمالها تجربة على أسلوب الفن الحديث أحاسيس تستوقف النظر وتفتح على طبقات متعددة من المعاني، والصدى، والرمزية. إنها دعوة لتجاوز الحدود المعروفة، التساؤل عن البديهيات، والعيش في مكان يكون فيه الشعور فهمًا. يُغير التداخل الحسي القواعد:

"تتداخل حاسة مع أخرى، ويتوقف الإدراك عن كونه خطيًا"

كتب للتعريف على أعمالها في حائط المعرض.

***

تقرير وصور: توفيق رفيق آلتونچي

الأندلس 2026

......................

اشارات:

bosska.es

مركز مدينة ابن المدينة للمعارض؛ من الأربعاء إلى السبت: من 9:30 صباحًا إلى 1:30 ظهرًا / من 5:00 مساءً إلى 7:00 مساءً أيام الأحد والعطلات الرسمية: من الساعة 10:00 صباحاً إلى الساعة 2:00 مساءً. ‏[email protected] / هاتف: 952 56 28 20

هذا الموضوع ليس لمجرد القراءة العابرة، بل هو دعوة للتأمل العميق. لو أنزلنا فلسفة المفكر الجزائري مالك بن نبي على واقعنا المعاصر في عام 2026، لادركنا حقيقة مرة: أننا برغم كل مظاهر التطور، لا نزال نعيش جهلاً مركباً؛ نجهل جوهر ديننا، وننساق خلف "دراويش العصر الجديد".

وثنية "صنم الذات" وضياع العقيدة

في هذا العصر، انتشرت وثنية خطيرة جداً؛ حيث نصبنا "صنم الذات العليا" بدلاً من الخضوع لله، مما أدى لغياب عقيدة كاملة من وجداننا. أصبح الموت مجرد كلمة باردة لا نخشاها ولا نعمل لها، لأن بريق "الروحانيات الزائفة" وتنمية الذات طرح أفكاراً وثنية مغلفة بأسماء براقة مثل "الجسد الأثيري" و"العقل الباطن".

وحين ظهر صنم العقل الباطن، اختفى التوكل الحقيقي على الله والرضى بأقداره. حتى الإيمان بالقدر (خيره وشره) تم تمييعه ليصبح مجرد "جذب للأفكار" السلبية والإيجابية. ومع صعود صنم "الطاقات"، ضاع الأمان النفسي وحلت الأنانية، وأصبحت الشعوذة تُقدم لنا كـ "درع حماية".

لقد أصبحنا اليوم أكثر جهلاً من عجائز الماضي؛ فهنَّ كنَّ يبخرن بالجاوي ويتمتمن بالطلاسم، أما نحن "المتعلمون"، فنتأمل ونفعل الطاقات، ونستخدم الموسيقى والخيال لتسكين أرواحنا المنهكة، هرباً من مواجهة الحقيقة.

تحذير مالك بن نبي وباب "التيه"

يقول مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة:

"لقد كان من واجبنا أن ننتبه فلا نلدغ من جحر مرتين، غير أننا لم نكن في الواقع قد تخلصنا من الأسلوب الخرافي، ذلك الأسلوب الطفولي الذي نتجت عنه قصة ألف ليلة وليلة... ولو أننا احتطنا لأنفسنا بمثل هذه الاحتياطات البسيطة لاستطعنا منذ ذلك التاريخ أن نواجه الواقع، وأن نحل مشكلتنا بأيدينا حلاً واقعياً علمياً."

ماذا لو عرف بن نبي أننا نخصص ساعات لقراءة روايات الجن وعوالمهم؟ ماذا لو رأى انبهارنا بخزعبلات "الزوهرية" وطاقة الأحجار الكريمة و"ألوان الهالة"؟ إن هذا الكلام المنمق الذي ظاهره "علم ومنطق" ليس في باطنه إلا شرك ووثنية مقنعة.

الهروب من التغيير النفسي إلى "الدروشة السياسية"

المشكلة ليست في الحكومات أو القادة كما اعتدنا أن ندعي؛ فالحقيقة التي أعادها لي بن نبي هي أننا نركض خلف سراب "طاقة الحياة" لنروي عطش أرواحنا في صحراء التيه، بينما نبتعد عن حقيقة التغيير الأصيلة. نحن نسعى لـ "التميز الخارق" وتفعيل الطاقات بينما دواخلنا تعاني من انهيارات وانجرافات تحتاج لتنظيف قبل البناء فوق الركام.

يقول مالك بن نبي موضحاً أصل الداء:

"ألم تكن المعجزة الحقة في تحويل الأمة وتقدمها شيئاً أغلى من هذا السراب؟ ألم يكن موطن المعجزة هو ما دل عليه القرآن؛ أي في النفس ذاتها؟.. إن الاستعمار ليس من عبث السياسيين، بل هو من النفس ذاتها، التي تقبل ذل الاستعمار، والتي تمكن له في أرضها."

إن التحرر الحقيقي لا يأتي بكلمات أدبية أو خطابات حماسية، بل بـ تحول نفسي يجعل الفرد جديراً بكرامته. وحين يتغير الإنسان، يتغير وضع حاكميه تلقائياً.

زردة 2024.. مبخرة التقليد الأعمى

إننا لسنا في زمن تحرر، بل نحن مأسورون بأفكار غير إسلامية؛ من خيالات الروايات وشعوذات "شيوخ الطاقة" وأدبيات الأغاني والمسلسلات. إنها شرعة السماء الخالدة: "غير نفسك، يتغير التاريخ".

لقد كانت "زردة" عام 1936 نكسة حين عادت البلاد للأفكار الوثنية على يد النخبة السياسية، ولكن "زردة 2024" أقوى وأشد فتكاً. اليوم، نصنع الحجب والتمائم لأنفسنا خوفاً من "الطاقات"، ونتخلى عن هويتنا وسترنا باسم "الانفتاح" و"الموضة". نلقي بهويتنا العربية على مبخرة التقليد الأعمى للغرب، فنجعلها تتبخر وتتلاشى كدخان في الهواء.

تذكروا دائماً كلمة بن نبي عن الحقوق والواجبات: إن الحقوق لا تُؤخذ ولا تُعطى كهدية أو غنيمة، بل هي "نتيجة حتمية للقيام بالواجب". الشعوب لا تنشئ دستور حقوقها إلا إذا عدلت وضعها الاجتماعي المرتبط بسلوكها النفسي.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

.......................

* هذا المقال هو جزء من الفصل الثالث من كتابي الجديد:

[ما بعد شروط النهضة: قراءة في فكر مالك بن نبي ٢٠٢٦]

يظل للمكان سحره في وجدان الإنسان.. فالمكان ليس مجرد ربوع، ومعالم جغرافية، وحسب، بل هو حس رمزي ينبض بوهج الحياة، حيث تتشكل في معالمه الهوية، وتتجسد في ربوعه كل الذكريات.

ولذلك فقد احتل المكان في الأدب والشعر، مكانة خاصة، حيث يتحول إلى رمز يعبر عن تفاعلات أعماق الوجدان، ويجسد لحظات الإنتماء لربوع النشأة.

فالمكان باعتباره مسرحا للذكريات، يحتضنها بصدق، لتكون جزءا لا يتجزأ من وجود الإنسان، وبهذا يتحول بربوعه الساحرة، عندئذ، إلى رمز يعج بكل تلك الذكريات، التي ترعرعت في ربوعه .

وهكذا يكون المكان فضاء متوهجا، يلهم الوجدان بكل مشاعر الحنين إلى ذكريات الماضي، والاشتياق إلى تلك اللحظات الجميلة.

ولذلك يظل المكان، أكثر من مجرد ربوع، ووهاد، وانهار، وتلال، وحسب، فهو تجسيد للوجود الإنساني المكتض، بلحظات الإمتلاء بالذكريات، والانتماء للربوع، التي تم التعايش معها، حيث يتحول المكان بإيحاءاته المتوهجة، إلى رمز، يعبر عن مكنونات أعماق الوجدان، والحنين لكل الذكريات.

***

نايف عبوش

برليناله 2026: حين تختبر السينما قدرتها على قول الحقيقة

تشهد العاصمة الألمانية "برلين" من 12 ولغاية 22 فبراير 2026 انطلاق الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (Berlinale)، أحد أعرق المهرجانات السينمائية في العالم وأكثرها انخراطا في قضايا الإنسان والواقع المعاصر. وعلى مدار عشرة أيام، تبدو برلين وكأنها تستعيد دورها التاريخي ليس فقط كعاصمة للسينما، بل كمساحة مفتوحة للصراع الرمزي بين الصورة والواقع. ففي عالم يتجه ـ اليوم ـ نحو تحولات الاستقطاب، والانغلاق، وتطبيع العنف، يعود مهرجان "برليناله" ليؤكد أنه ليس مهرجانا للحياد، بل منصة واعية، ورؤى فنية، وأسئلة كبرى تنحاز بوضوح إلى الإنسان حتى حين يكون هذا الانحياز مكلفا.. لتكون برلين محطة فنية وثقافية بارزة تجمع صناع السينما والنقاد وعشاق الفن السابع من مختلف أنحاء العالم. 

منذ نشأته في قلب الحرب الباردة، حمل المهرجان طابعا سياسيا لا لبس فيه، ومع مرور العقود لم يتخلَّ عن هذا الإرث، بل أعاد صياغته بلغة سينمائية أكثر تعقيدا وعمقا. دورة 2026 تأتي لتؤكد أن السياسة في برليناله ليست شعارا، بل بنية تفكير. وان  مهرجان برليناله لازال يُعد واحدا من أهم الأحداث السينمائية العالمية، لا من حيث عدد العروض فقط، بل أيضا لما يقدمه من منصة للنقاش والتأمل حول قضايا الإنسان المعاصر. في دورة 2026، اختارت إدارة المهرجان برنامجا يعكس هموما إنسانية وسياسية واجتماعية، ما يجعل السينما ليست مجرد فن للتسلية، بل أداة لفهم التحولات الكبرى في عالم اليوم.  بمعنى آخر، مساحة تجمع بين البعد الفني والبعد السياسي والاجتماعي.

أجل، دورة هذا العام تنعقد في ظل عالم مضطرب: حروب طويلة بلا أفق، صعود خطابات اليمين المتطرف، أزمة لاجئين متجددة، وتآكل مفاهيم العدالة والحرية. هذه السياقات لا تظهر في أفلام برليناله بوصفها خلفية، بل كموضوع مركزي يتسلل إلى السرد، والشخصيات، وحتى إلى اختيارات الشكل والأسلوب. السينما هنا لا ترفع لافتات مباشرة، لكنها تشتغل على ما هو أعمق: تفكيك بنية العنف، مساءلة السلطة، واستعادة صوت الفرد في مواجهة الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولهذا تحديدا، يظل برليناله مهرجانا “غير مريح”، لكنه ضروري. بل منصة للحوار الثقافي والفكري، حيث تتحول السينما إلى لغة عالمية مشتركة قادرة على طرح الأسئلة الصعبة، ومساءلة الواقع، وبناء جسور بين الشعوب.

يعرض المهرجان هذا العام أكثر من 276 فيلما من أكثر من 35 دولة، فيما تضم المسابقة الرسمية 22 فيلما تمثل نحو 28 دولة. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المشاركة، بل تكشف عن خيار واضح: فتح المنصة لأصوات متعددة، كثير منها يأتي من مناطق نزاع أو هامش ثقافي وسياسي. الإنتاجات المشتركة العابرة للحدود تشكل نسبة لافتة، وكأن السينما نفسها تبحث عن بديل لفكرة الحدود الصلبة التي يعاد تكريسها سياسيا في العالم. لكن الأهم من الأرقام هو طبيعة هذه المشاركات. الدورة الحالية تشهد حضورا قويا للسينما الأوروبية، خصوصا من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والنمسا وبولندا وإيرلندا، لكن هذا الحضور لم يعد مهيمنا. إلى جانبه، تتقدّم السينما الآسيوية من اليابان وكوريا الجنوبية ونيبال، وسينما الأمريكيتين، إضافة إلى حضور أفريقي وعربي (تونس، المغرب والسنغال) ضمن إنتاجات مشتركة، خصوصا عبر أقسام Panorama وForum، تحضر بوصفها شريكا في صياغة خطاب سينمائي عالمي جديد، لا تابعا ولا هامشيا. ابتعدت عن الخطاب التقريري، والأهم: اشتغلت على التفاصيل اليومية، وعلى العلاقة المعقدة بين الفرد والدولة، وبين الجسد والتاريخ. إنها سينما أقل صخبا، لكنها أكثر عمقا وأكثر ثقة بلغتها الخاصة.

اللافت أثناء مشاهدتنا العديد من الأفلام في عروض خاصة للصحفيين المعتمدين  akkreditierte Journalistenفي مواعيد محددة قبل إنطلاق المهرجان، أن إدارة المهرجان لم تبحث عن “أفلام شعارات” بل عن أعمال تنطلق من الخاص لتلامس العام، ومن التجربة الفردية لتكشف البنية العميقة للواقع. هنا، السينما ليست خطابا مباشرا، بل مساحة تفكير..أفلام المسابقة الرسمية هذا العام تبدو وكأنها مختبر للأسئلة الكبرى: ما معنى العائلة في عالم متحوّل؟ كيف تُستعاد الذاكرة الفردية في مواجهة تاريخ جماعي عنيف؟. أين يقف الفرد أمام سلطة المجتمع أو الدولة أو التكنولوجيا؟. اللافت أيضًا هو حضور الأنيميشن ضمن المسابقة، في إشارة إلى كسر الحواجز التقليدية بين “السينما الجادة” والأنواع الفنية الأخرى، والاعتراف بأن اللغة البصرية قادرة على التعبير عن أعمق القضايا، مهما كان شكلها.

الأقسام الموازية للمهرجان ـ حيث تولد السينما القادمة، لا تبحث عن الإجماع، بل عن الصدمة الفكرية، وعن زعزعة المسلّمات الجمالية والسياسية السائدة. فإذا كانت أفلام المسابقة الرسمية تمثل واجهة المهرجان، فالأقسام الموازية هي روحه الحقيقي. ففي Panorama“ و “Forum مثلا، تتجلى الروح السياسية للمهرجان بأوضح صورها. هنا نجد أفلاما تتناول قضايا اللجوء والهجرة، الجسد والهوية، العنف البنيوي، تركة الاستعمار والذاكرة الجمعية. فيما يذهب القسم الآخر أبعد، لعب دوره كمساحة للأصوات المهمّشة والسينما السياسية الجريئة. نحو تفكيك اللغة السينمائية نفسها، وتقديم أعمال قد تكون صعبة، لكنها ضرورية. „Generation“ يؤكد أن مخاطبة الأجيال الجديدة لا تعني التبسيط، بل الذكاء الفني. بينما„Berlinale Shorts“  يظل مؤشّرا حقيقيا على مستقبل السينما، حيث تظهر غالبا التجارب الأكثر طزاجة وجرأة في عالم مضطرب ـ يجعل ـ مهرجان سينمائي عريق مثل "برليناله" أن يوازن بين الجماليات الفنية والرهان الأخلاقي والسياسي؟.

تتولى هذا العام لجنة تحكيم دولية مكوّنة من سبعة أسماء بارزة مهمة تقييم أفلام المسابقة الرسمية، برئاسة المخرج الألماني الكبير "ويم ويندرس" WIM WENDERS، أحد أهم الأصوات السينمائية في أوروبا. وتضم اللجنة: باي دونا (كوريا الجنوبية) ـ ممثلة، مين بهادور بهام (نيبال) ـ مخرج، هكاري (اليابان) ـ مخرجة وكاتبة، رينالدو ماركوس غرين (الولايات المتحدة) ـ مخرج، شيفندرا سينغ دنغاربور (الهند) ـ مخرج ومنتج، إيفا بوششينسكا (بولندا) ـ منتجة.

مهرجان ’’برليناله،، لا يكافئ “أفضل فيلم تقنيا” بقدر ما يكافئ الفيلم الذي: يطرح سؤالا إنسانيا ـ سياسيا راهنا، يمتلك لغة سينمائية واضحة وغير تصالحية، ينحاز إلى الهامش، أو يعيد تعريف المركز ولا يخشى أن يكون “غير مريح”. لذلك غالبا، الدب الذهبي يذهب لفيلم ’’موقف،، والإخراج يذهب لفيلم ’’شكل،، فيما التمثيل يذهب لـ ’’الأداء،، مكثف لا استعراضي. بهذا المنطق، يمكن قراءة التنافس بصفة نقدية استشرافية مبنيّة على منطق برليناله وتاريخه. لهذا، فإن الرهان الحقيقي هذا العام ليس على الفيلم “الأكثر إتقانا”، بل على الفيلم الذي: يوسّع أفق التفكير ويواجه الواقع دون تجميل ويستخدم السينما كأداة وعي لا كملاذ هروب. ملامح دورة 2026. يميل لمنح الدب الذهبي لفيلم “يصعب تلخيصه” لكنه يظل عالقًا في الذهن.

ليس من السهل التنبؤ بجوائز مهرجان برلين السينمائي الدولي 76، لأن برليناله، بخلاف كثير من المهرجانات الكبرى، لا يكافئ “الأفضل” وفق معايير تقنية أو جماهيرية، بل وفق منطق أخلاقي ـ سياسي وجمالي متشابك. الجوائز هنا ليست تتويجا بقدر ما هي تصريح موقف..

من هذه الزاوية تحديدا، يمكنني قراءة ملامح توزيع الجوائز الكبرى لهذه الدورة على النحو التالي: الدب الذهبي مرشح للذهاب إلى فيلم يحمل عبئا سياسيا واضحا دون الوقوع في المباشرة، فيلم يضع الفرد في مواجهة السلطة لا عبر الشعارات، بل من خلال اليومي والهشّ. في هذا السياق، يبرز فيلم Yellow Letters  بوصفه العمل الأكثر انسجاما مع روح برليناله التاريخية: سينما ترى في الفن فعل مقاومة، وفي القمع بنية تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة للحياة. فوز هذا الفيلم بالدب الذهبي سيكون امتدادا طبيعيا لتقليد المهرجان في مكافأة الأفلام التي تقول “لا” بهدوء، ولكن بوضوح. "حروف صفراء" إخراج: إيلكر تشاتاك ∙ بطولة: أوزغو نامال، تانسو بيشر، ليلى سميرنا كاباس ∙ ألمانيا، فرنسا، تركيا ∙ 127 دقيقة ∙ باللغة التركية يواجه الزوجان الفنانان ديريا وعزيز تعسف الدولة، فيفقدان وظيفتيهما بين ليلة وضحاها، ومعهما مصدر رزقهما. ويُصبح التوفيق بين مُثلهما وضرورات الحياة تحديا كبيرا لزواجهما. أما جائزة أفضل إخراج (الدب الفضي)، فتبدو أقرب إلى فيلم يغامر باللغة السينمائية نفسها، فيلم لا يطلب تعاطفا مباشرا، بل يدعو المشاهد إلى اختبار الزمن، والصورة، والذاكرة. هنا يبرزDao  للمخرج آلان غوميس كمرشح منطقي: عمل عابر للجغرافيا، يتعامل مع الهوية بوصفها حالة سيولة لا تعريفا مغلقا. برليناله غالبا ما يفصل بين “الفيلم الذي يمثّل اللحظة” و”الفيلم الذي يوسّع حدود السينما”، وهذه الجائزة تحديدا تُمنح عادة للثاني. في المساحة الثالثة، حيث تقف جائزة لجنة التحكيم، يفضّل المهرجان غالبا الاعتراف بالأفلام التي تثير الانقسام داخل اللجنة: أعمال صارمة، صامتة، لا تسعى لإرضاء المتفرج. فيلم My Wife Cries  لأنجيلا شانيليك يقع في قلب هذه المنطقة الرمادية. هو فيلم قد لا يحظى بإجماع، لكنه يحمل نقاءً أسلوبيا وفكريا يجعل تجاهله مستحيلًا. منحه جائزة لجنة التحكيم سيكون إشارة احترام لسينما التأمل القاسي، دون تحميلها عبء الجائزة الكبرى.

بهذا التوزيع المحتمل، لا تكون برليناله قد كافأت ثلاثة أفلام فحسب، بل ثلاث وظائف مختلفة للسينما: سينما تواجه السلطة، وسينما تعيد اختراع اللغة، وسينما تصرّ على الصمت كخيار جمالي وأخلاقي. وهو تقسيم، إن تحقق، سيجعل من دورة 2026 واحدة من أكثر دورات المهرجان انسجاما مع تاريخه، ومع قلق العالم الذي يعكسه.

***

عصام الياسري

 

أن تصادف كتابًا يُفصح عمّا بداخلك بشفافية ودقة، فذلك ليس حدثًا عابرًا في حياة القراءة، بل تجربة أشبه بالمكاشفة. ثمّة كتب تمنحك معرفة، وأخرى تمنحك نفسك، ضمن هذا العمق النفسي يأتي كتاب (الجلاد تحت جلدي) للدكتور عماد رشاد عثمان، عمل يتجاوز الطابع التنموي السريع ليغوص في طبقات النفس محاولًا تفكيك واحدة من أكثر العقد شيوعًا في الإنسان المعاصر: الكمالية وجلد الذات.

عالم تحكمه المقارنات والإنجازات المتلاحقة، يبحث الإنسان عن السعادة والسكينة، لكنه كثيرًا ما يجد نفسه عالقًا في سباق لا ينتهي مع ذاته قبل الآخرين، يريد أن يكون أفضل دائمًا وأكثر نجاحًا وأكثر قبولًا، غير أنّ هذا السعي، حين يفقد توازنه، يتحول إلى محكمة داخلية لا تعرف الرحمة، هنا لا يبدو طلب الكمال نعمة، بل قيدًا خفيًا يضيّق الخناق على صاحبه ويدفعه إلى ملاحقة معايير يستحيل تحقيقها.

العنوان الذي اختاره المؤلف يحمل دلالة عميقة، فالجلاد ليس قوة خارجية تمارس سلطتها علينا، بل صوت داخلي يتشكّل عبر السنوات، نحن الذين نُسرف في محاسبة أنفسنا بلا هوادة ونضاعف أخطاءنا، ونربط قيمتنا الإنسانية بمدى اقترابنا من صورة مثالية متخيلة، هذه الفكرة تشكّل المنطلق الأساسي للكتاب، مصدر الألم غالبًا ليس في العالم، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع ذواتنا.

يستند المؤلف إلى خبرة بحثية وعلاجية امتدت لسنوات، تناول خلالها أنماط السلوكيات الإدمانية وإساءات الطفولة وصدمات النشأة، بوصفها جذورًا محتملة لتكوين الشخصية الكمالية، وهو يؤكد أنّ الكمالية ليست مرضًا منفصلًا يمكن وصمه أو استئصاله، بل دفاع نفسي معقد في محاولة لحماية نفسها من الألم أو الرفض، تبني معايير صارمة للنجاة، لكنها تتحول مع الوقت إلى عبء ثقيل. 

يتوسع الكاتب في تحليل البنية الداخلية للشخص الكمالي: دوافعه الخفية، ومخاوفه، وصراعاته الصامتة، الشخص الذي يبدو شديد الانضباط أو مفرط الطموح قد يكون في الحقيقة مدفوعًا بشعور عميق بعدم الكفاية، الإنجاز لديه ليس رغبة في التفوق فحسب، بل محاولة مستمرة لإثبات الاستحقاق، الفشل هنا ليس تهديدًا وجوديًا بل تجربة عابرة.

من الجوانب اللافتة في الكتاب رفضه للحلول السريعة والشعارات التحفيزية الجاهزة النصائح من قبيل (كن لطيفًا مع نفسك) أو (لا تؤجل عمل اليوم) قد تمنح راحة مؤقتة، لكنها لا تعالج الجذور النفسية للمشكلة حسب قوله، التعافي، كما يطرحه المؤلف، يتطلب وعيًا أعمق وفهمًا لتاريخ الفرد الشخصي، ومواجهة صادقة للمشاعر المؤجلة، لا مجرد تعليمات سطحية.

يدعو الكتاب القارئ إلى الانتقال من القراءة الباردة إلى المشاركة الفعلية في المعنى، الفكرة ليست استهلاك المعلومات، بل تحويلها إلى تجربة ذاتية شريكًا في بناء المعنى، لا مجرد متلقٍّ.

لا يعالج (الجلاد تحت جلدي) وصفة جاهزة للسعادة، بل يقدّم مرآة تكشف مصادر القسوة الداخلية، وتفتح باب المصالحة مع الذات، بهذا الوعي الصريح يبدأ الطريق الحقيقي نحو التعافي.

***

فؤاد الجشي

 

يفاجئك دروب المعنى للدكتور الرفاعي بمجرد أن تلِج صفحاته، وتأخذك الدهشةُ الممتعة تمامًا كما هي حين تلتقيه شخصيًّا أوّل مرّة.

أنت الذي خبرته، وهو الذي يخوض بك في أرضٍ طالما حُذِّرت منها؛ يتوغّل معك برِفقٍ ما بين الاغتراب الميتافيزيقي والظّمأ الأنطولوجي. فكلّ كتابٍ من كتبه يفتح لك عوالم جديدة، ويرتقي بفكرك ونضجك ووعيك بدرجات متقدّمة، تتعمق الفكرة، وقد تحتاج إلى إعادة الصفحة عدّة مرّات، لتناقش وتبحث وتراجع كتبًا أخرى، وتغوص معه حيث علم الكلام والفلسفة الغربية، حديثِها وقديمِها. تتعرّف من خلال سلاسة أسلوبه على شخصيّات كان من الصعب فهم نظريّاتهم والوقوف على رؤاهم، لتجد نفسك أمام المعلّم الموسوعي.

لكنّ دروب المعنى، منذ بداياته، وجَدَتني أمام كتابٍ يُقتنى ليكون مرجعًا، لا لتقرأه مرّة واحدة؛ بل تحتاجه كلّما أرقك سؤالٌ مُحيِّرٌ في هذا العالم الظالم، تبحث فيه عن الله:

«الله حيٌّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطة باسم الدين».

تعود إليه مُتلهّفًا لتجد ما يُسكّن قلقك الوجودي، بأنّ السؤال لا ينتهي:

«تتجلّى قوّة العقل في أنّ الأسئلة فيه لا تنتهي إلى إجابات نهائية مغلقة، بل إنّ الإجابات تتوالد منها أسئلة أعمق من الأسئلة التي وَلَدت أحيانًا».

في كلّ بحثٍ تخوض فيه، وتحاول الاستشهاد بمن يدلّك على الطريق، تشعر أنّ تجربتك ليست استثناءً عن البشر، وأنّ خطأك طبيعيّ في مجتمعٍ يعتبر الخطأ ذنبًا وأسرًا لا سقف لها، فيهرب منها أبناؤها:

«يتخفّف الإنسان بالاعتراف بالخطأ داخليًّا أوّلًا… لو اعترفنا بأخطائنا لتخلّصت عوائلنا من كثيرٍ ممّا يهدّد كيانها ويعصف بأمنها».

في عالم،  التنافس فيه شعار، والمثالية وامتلاك الحقيقة تُشعرنا بالعجز والضعف:

«حاولتُ أن أدرّب نفسي على أن أنظر إلى هشاشتي وضعفي البشري قبل أن أنظر إلى ما أتوهم أنّي أتميّز به على غيري».

فتتوازن، وتشعر أنّ هذا الضعف جزءٌ من بشريّتنا، ولا يُخلّ بشخصيّاتنا.

وتتعلّم، على بساطة كلماته، أنّ:

«حكمة الحكيم تجعل حياته آمنة، وتمكّنه من إدارة علاقاته بسلام».

حين تتيه بين نزاعات الأديان وحروبها، ويؤرق الشكّ لياليك، تجد فيه ما ينساب على روحك كالماء الزلال:

«لا يولد السلام بين الأديان في فضاء الاعتقاد، بل يولد السلام بين الأديان في فضاء الإيمان».

ويعلّمك أنّ الإنسان الذي يستهدف أن يواصل تعليمه:

«ينبغي الإصغاء لحديث كلّ شيء في الطبيعة مهما كان، وينصت لصوت الوجود… كلّ شيء في الوجود يتحدّث إلينا بلغةٍ خارج اللغات البشرية المتداولة».

الكتابُ حديقةٌ غنّاء تتجوّل فيها، فتتيه بين جمال النرجس ورِقّة التوليب وعطر الياسمين. تفتّش في كلّ حرف، تريد أن ترى صورتك فيه بكلّ تجلّياتها.

تسمع فيه صوت الرحمة، وتغيب عنه صور العقاب والانتقام.

وكما تتفاجأ وأنت بحضرة المفكّر الكبير والفيلسوف، بالإنسان الهادئ؛ حيث لا بدّ لك أن تهدأ حتى تستطيع الإمساك بحديثه. المحبّ الذي يحتضن من عرفه ومن لا يعرفه، الموافق لفكره والمختلف معه.

فالحبّ عنده دين، والدين حبّ. فتتعدّد تجلّيات الحبّ بثراء شخصيّته وقدرته على العطاء، كما تتعدّد بكتبه وحروفه. فهو الذي يؤمن أنّ طريق القلب يوصل إلى الله، وأنّ العقل يؤسّس إيمانًا يملأ الفكر بدهشة عظمة وجود الله.

فأنت أمام إنسانٍ في كتاب.

فـدروب المعنى هو رفيق كلّ باحثٍ عقلُه مشاكس، وقلبه مطمئن .

***

منى الصالح

 

في ظل النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، غالباً ما يُطرح سؤال جوهري حول دور المثقف والفنان: ما هي مسؤوليتهم تجاه مجتمعاتهم؟ هل هم صوت الضمير الجمعي، أم أن فنهم يجب أن يعلو فوق صخب السياسة؟ الإجابة ليست بالأبيض والأسود، بل تقع في منطقة رماديّة معقدة تشكل تحدياً أخلاقياً وإنسانياً.

الصمت ليس حياداً دائماً:

في خضم المعاناة، يُنظر إلى صمت بعض المبدعين على أنه تواطؤ أو تخلي عن المسؤولية. المجتمع يتوقع من أصحاب المنصة والتأثير أن يكونوا صدى لمعاناته. هذا التوقع، وإن كان مُفهوماً، قد يتجاهل المخاطر الحقيقية التي يواجهها الأفراد وأسرهم في الأنظمة الاستبدادية. البقاء في المناطق الخاضعة للسلطة لا يعني بالضرورة التأييد، فقد يكون نتيجة ظروف قاهرة أو خوف حقيقي.

مسؤولية الكلمة:

من ناحية أخرى، يُحاسب المبدع على كلمته. عندما يختار التعبير، تكون لتلك الكلمة ثقلها. تقديم الدعم العلني لقوى مرتبطة بانتهاكات، أو تبرير العنف، أو التقليل من معاناة الضحايا تحت أي ذريعة، هو أمر يخضع للنقد الأخلاقي وليس فقط السياسي. هنا لا يكون النقاش حول حرية التعبير، بل حول التوظيف الأخلاقي لتلك الحرية.

بعد العاصفة: تحديات المصالحة والذاكرة:

ما بعد الصراع يمثل الفصل الأصعب. كيف تتعامل المجتمعات الممزقة مع أولئك الذين صمتوا، أو الذين وقفوا في "الجهة الخطأ" بحسب الرأي السائد؟ الإقصاء المجتمعي الكامل والتشهير قد يؤديان إلى مزيد من التمزق، ويعيقان عملية بناء السلام الهشّة. لكن غياب أي شكل من أشكال المساءلة الأخلاقية أو الاعتراف بالألم المشترك قد يغذي الاستياء ويؤجج جراح الماضي.

معايير عالمية وإنسانية:

توضح التجارب الدولية أن مسار التعافي الوطني لا يمر عبر "محاكمات النوايا" أو التطهير المهني الجماعي. الحلول غالباً ما تكون في:

1. ضمان حرية التعبير: للجميع، بما في ذلك أولئك الذين نختلف معهم، ضمن أطر القانون التي تحظر التحريض على العنف والكراهية.

2. خلق مساحات للحوار: تسمح بسماع روايات مختلفة، وفهم السياقات المعقدة التي تحرك الأفراد.

3. العدالة الانتقالية: التي تركز على كشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا كأولوية، بدلاً من الانتقام.

4. الفصل بين النقد والإقصاء: يمكن نقد موقف فنان أو مبدع أخلاقياً وفنياً دون الدعوة إلى منعه من ممارسة حقه في العمل والتعبير.

خاتمة:

الحرب لا تترك أحداً بلا أثر، والمبدع جزء من نسيج مجتمعه الجريح. اختبار الإنسانية الحقيقي يأتي في قدرتنا، بعد انتهاء القتال، على التمييز بين الجلاد والمتورط، وبين الخائن والخائف. بناء مستقبل مشترك يتطلب شجاعة للاعتراف بالألم من جهة، وشجاعة للتخلي عن ثقافة الإلغاء من جهة أخرى. ربما تكون مهمة الفن العليا في هذه المرحلة هي استعادة الجسور بين الذاكرات المتصارعة، وليس تكريس هوامش جديدة بيننا.

***

بهيج حسن مسعود

 

الكاتب عباس محمود العقاد (1889 - 1964)، شاعر ومفكر وناقد، وعاش مشعلا ثقافيا متوقدا في النصف الأول من القرن العشرين، وألف العديد من الكتب التي تجاوز عددها المئة، ويلقب بعملاق الفكر العربي، وحائز على جائزة الدولة التقديرية (1959) .

والحديث عنه يطول، لكنه من أبرز المعبرين عن العصامية وسلوك التحدي والإصرار، فهو لم يتخرج من جامعة أو يحصل على شهادات أكاديمية، لكنه إنغمس في حب المعرفة وكان موهوبا في المجالات التي خاض فيها، وأكد أن الموهبة بمكن صقلها مهما كانت الظروف مناهضة لها.

تعرفت على كتبه وأنا في المتوسطة، وأصابني هوس جمع ما أستطيعه منها، ومضيت أقرؤها وأعيد قراءتها، ولا تزال بعضها ترافقني، قرأت عبقرياته وإسلامياته، ومنازلاته الأدبية والفكرية مع أنوار عصره، وأشعاره، وما جادت به يراعه من بحوث ودراسات ومحاججات وردورد على تهم وإدعاءات.

تعلمت من كتبه قيمة اللغة والفكر وضرورة البحث والصبر والإصرار على الإنجاز، فكنت أستمد لغتي من كتاباته في حينها، وأتخذه قدوة لإنارة دروب يراعي.

وفي ثمانينيات القرن العشرين إلتقيت بأديب مشهور وشكوت له ولعي بهذا الكاتب، فأرشدني إلى التواصل مع كتبه لأنه سيعلمني اللغة الأدبية الرفيعة، وأسلوب الإقتاع الواضح.

فعدت مرة أخرى إلى البحث عن كتبه في مكتبات بغداد وجمعت ما لم يكن عندي منها، وقرأتها ومضيت أقرؤها، لكن العجيب في الأمر، أنني اليوم عندما أتصفحها وأعاين ملاحظاتي وتعليقاتي على حواشي الصفحات، أفتقد تلك المتعة التي كنت أعيشها وأنا أقرؤها، وينتابني شعور بأنها قد غادرت عصرنا، ولا تنتمي إلا لزمانها.

لكن كتبه كانت مدرستي وأسهمت في توجيهي وتكويني، وإن صح القول فهو أستاذي بلا منازع، وقد زرت قبره ونصبه والحبيب يُزارُ!!

يُرافقني كتابٌ في حياتي

ويُخبرني بأحْجيةِ السعاةِ

لتنويرٍ وتحْريرٍ لشعْبٍ

وتثويرٍ لماحقةِ العُتاةِ

بعقادٍ أبانتْ مُحتواها

جواهرُ أمّةٍ رغمَ الغزاةِ

***

د. صادق السامرائي

 

قراءة في «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير» لابن المقفع

كان ابن المقفع يمشي وحيدًا في دهاليز العقل، لا يحمل سيفًا ولا راية، بل مصباحًا صغيرًا من حكمة.  لم يكن يكتب ليُدهِش، بل ليُوقِظ. كأن كلماته خرجت من فرن التجربة، ساخنة، بسيطة، لكنها قادرة على إنضاج العقول الباردة.

 في «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير» لا نقرأ كتبًا، بل نطلّ على مرآتين: واحدة يواجه فيها الإنسان نفسه، وأخرى يرى فيها الحاكم صورته عارية من الزينة. في الأدب الصغير، الدرس من الداخل.  هنا لا عروش ولا بلاطات، بل نفسٌ بشرية تتقلب بين عقلٍ وهوى.

يتحدث ابن المقفع عن العقل كما لو كان بذرةً مدفونة في تربة الروح؛ لا تنبت وحدها، ولا تُثمر إن تُركت بلا رعاية.

 الأدب عنده ماءٌ خفيّ، إذا سقينا به العقل استقام، وإذا حُرم منه يبسَ ولو امتلأت اليد ذهبًا. يحذّر من الخطأ الصغير، لا لأنه صغير، بل لأنه يتكاثر في الظل.  يوصي بالصمت حين يغلب الهوى، وبالتأني حين تُغرينا العجلة.

 كأن النص همسٌ طويل يقول: أصلِح نفسك، فالعالم يبدأ من هناك الباب على ساحة الحكم، حيث لا يُمتحَن الذكاء بل الضمير.

أما في الأدب الكبير، أرض زلقة اسمها السلطة. كلمةٌ واحدة طائشة قد تزلزل بلدًا، ورأيٌ أعمى قد يورث خرابًا طويل الأمد.

يرسم المؤلف صورة الحاكم العادل كما لو كان شجرةً وارفة: جذورها في الحكمة، وساقها في الحلم، وأغصانها في المشورة.

 ويُذكّر بأن العدل ليس قرارًا مفاجئًا، بل عادة يومية، وبأن الاستبداد لا يبدأ بالقسوة، بل بتجاهل النصيحة. ثم يهبط ابن المقفع من علياء السياسة إلى دفء الإنسان.

 الصديق عنده ليس زينة مجالس، بل مرآة صادقة، إن كسرتَها جرحتك الشظايا. الصداقة امتحان أخلاقي، واختيارها فعل عقل، لا انفعال عابر.  هنا يصبح الإنسان كائنًا اجتماعيًا لا بثرثرة اللسان، بل بصدق العلاقة.

وحين نجمع الكتابين، نكتشف أن ابن المقفع لم يكتب فصلين منفصلين، بل طريقًا واحدًا ذا مرحلتين:

مرحلة تهذيب النفس، ثم مرحلة تدبير الناس.

كأن الرسالة تقول: من لم يحكم نفسه، لا يصلح أن يحكم غيره....

أسلوبه، هذا السهل الممتنع، يشبه نهرًا هادئًا يخفي تيارًا عميقًا. لا زخرف لغوي، ولا ضجيج فلسفي، بل جمل تمشي على مهل، وتصل. كأن ابن المقفع كان يخاطب قرّاء المستقبل، أولئك الذين سيتعبون من الخطب العالية، ويبحثون عن كلمة صادقة تنقذهم من فوضى الداخل والخارج.

في زمننا، حيث تتزاحم الأصوات وتُصفِّق الشاشات للسطحي، يعود ابن المقفع مثل ناسكٍ قديم يضع إصبعه على الجرح....

العقل إن لم يُؤدَّب صار أداة خراب، والسلطة إن لم تُقيَّد بالأخلاق صارت وحشًا، والعلم إن لم يتحول إلى سلوك بقي حبرًا باردًا....

هكذا يظل «الأدب الصغير» درسًا في أن تكون إنسانًا،

ويظل «الأدب الكبير» تذكيرًا قاسيًا بثمن الحكم،

ويبقى ابن المقفع شاهدًا على أن الكلمة، حين تُكتب بصدق، تعيش أطول من السيوف....

***

بقلم: بلحمدي رابح -  الجزائر

الإبداع هو عملية انجاز شيء جديد ومبتكر، نتاجا اديبا كان، او انجازا تقنيا، وهو وليد توهج الحس المرهف، والاقتدار المتمكن على رؤية الأشياء المحيطة بالانسان، والتفاعل معها ايجابيا من زوايا مختلفة.

 ولاشك ان الرؤية المتأملة للمدركات المحيطة بالانسان، توهج في وجدانه مشاعر الحس المرهف في اللحظة، وتستولد في وجدانه، ارهاصات الإبداع الحقيقي، بحيث يكون الإبداع هو نتاج رؤية ما لا يراه الآخرون، وذلك من خلال توقد الحس المرهف، الذي يساعد على التقاط التفاصيل الدقيقة لتلك الأشياء، برؤية إبداعية.

وهكذا يكون الإبداع الحقيقي، تعبيرا حيا عن المشاعر والأفكار الصادقة، التي استولدته، فالإبداع هو نسغ الحياة.

وتجدر الإشارة الى ان الانغلاق على الذات، يستولد التبلد، الذي يؤدي إلى فقدان القدرة على الإبداع، والتوقف عن العطاء.

ولذلك يظل التبلد عدوا للإبداع، ودافعا إلى تقليد الآخرين، ونسخ نتاجاتهم، بدلاً من اللجوء إلى الابتكار، والتجديد، ليكون التقليد الأعمى عندئذ، قتلا للإبداع.

وللحفاظ على توهج الحس المرهف، يتطلب الأمر، الحرص على ادامة التغذية الفكرية، بقراءة المزيد من الكتب، ومشاهدة الأفلام، والوقوف على التجارب الابداعية الجديدة، فالتغذية بالمستجدات، وممارسة الكتابة، والتعبير عن الأفكار المتوقدة، هي وقود الإبداع المتجدد .

كما أن الانفتاح الجاد على العالم، والسفر، والتعرف على ثقافات جديدة، هي عوامل تحفز الابداع، وتفتح ٱفاقه على مصراعيها.

وهكذا فالإبداع، بما هو توهج الحس المرهف، يمكن أن يتحول إلى تبلد مقرف، بتداعيات صخب الحياة، ويطفىء وهج التالق، ما لم تتم المحافظة عليه، وادامة وهجه، من خلال التغذية الفكرية الدائمة، ورفده بالمستجدات الثقافية.

***

نايف عبوش

الرمزية مفهوم يشير إلى استخدام الرموز في النصوص، والنتاجات الأدبية، والخطابات، للتعبير عن مرادات، أو مشاعر معينة، دون اللجوء لتسميتها بشكل مباشر، وتحضر عادة بشكل واضح، في مجال الأدب، والفن، بينما تتجسد الإيحاءات الوجدانية، في القدرة على إثارة المشاعر، وتحفيز العواطف لدى المتلقي، قارئا كان، أو مشاهدا أو مخاطبا.

ولاريب أن استخدام الرمزية، والإيحاءات الوجدانية في الأدب، والفن، يتم بصيغة توظيف الرموز ببلاغة، تعبيراً عن المرادات والأفكار، أو المشاعر، باعتبار أن الرمز، هو مفتاح المعنى المقصود، حيث تكون الرموز، عندئذ، لغة العقل. فاستخدام مفردة البحر في الأدب، مثلا، قد يأتي تعبيرا عن الحياة، بينما قد يعبر استخدام اللون الأبيض، عن النقاء الخالص.

وتتعدد أنواع الرموز، حسب المقصود منها في التوظيف، فهناك الرموز الطبيعية، والرموز الثقافية، والرموز الاجتماعية .

ويلاحظ أن الإيحاءات الوجدانية، تعبر عن القدرة على إثارة المشاعر، وتحفيز العواطف، وبذلك ينعكس الإيحاء حسيا، من خلال قوة تأثيره في مشاعر المتلقي. وتتجسد أدوات الإيحاء الوجداني، باستخدام بلاغة اللغة، باعتبارها أداة الإيحاء، بالاضافة الى استخدام الصور، والألوان، والأصوات، وغيرها من المؤثرات. كما تتجسد الإيحاءات الوجدانية، باستخدام الموسيقى في الأفلام، لإثارة حس المشاهد، باعتبارها لغة المشاعر, بينما يتم استخدام الصور في الإعلانات، للتأثير في مشاعر المتلقين.

وتجدر الإشارة إلى أن استخدام الرمزية، والإيحاءات الوجدانية في الأدب، يتم باستخدام الرموز، والإيحاءات، بقصد تعميق مضامين النتاجات الادبية، وتحسين جمالية النصوص الإبداعية, باعتبار الأدب هو فن الإيحاء، كما هو معروف، بينما يأتي استخدام الرموز، والإيحاءات الوجدانية في الفن، لإثارة المشاعر، باعتبار الفن هو لغة التعبير عن العواطف.

وهكذا يلاحظ ان الرمزية، والإيحاءات الوجدانية، تاخذان بعدهما الفعال في الأدب والفن، اذ من خلال استخدامها، يمكن للمبدع إثارة المشاعر، وتأجيج العواطف، إضافة إلى تعميق جماليات العمل الفني، باعتبار ان الرمز، هو مفتاح تجليات المعنى، بينما يجسد الإيحاء، قوة التأثير في المتلقي.

***

نايف عبوش

 

بين يدي الآن نسخة قديمة من الطبعة الأولى لكتاب "في الشعر الجاهلي"، تتناثر بين صفحاتها هوامش بقلم رصاص، وتحتفي حواشيها بعلامات استفهام وتعجب، وكأن القارئ الذي مر عليها قبل عقود كان يحاور النص بحرارة، أو يستفهم منه بقلق المستنير. هذا الكتاب الذي صدر قبل مائة عام، لا يزال ينبض بسؤال النهضة، وينزف جرح الهوية، ويثير غبار المعارك الفكرية التي ظننا أنها انتهت، فإذا بها تعود في ثياب جديدة، وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغة.

نظم معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفالية بمئوية هذا الكتاب المثير للجدل، إلى جانب اختياره نجيب محفوظ شخصية للمعرض. لا أعرف إن كان القرار مقصوداً أم مصادفة، لكن الثنائية عميقة الدلالة: طه حسين ونجيب محفوظ، رجل الشك ورجل التساؤل، صاحب "في الشعر الجاهلي" وصاحب "أولاد حارتنا". كلاهما اخترق المناطق المحرمة، وكلاهما دفع الثمن، وكلاهما أصبح جزءاً من أسطورة الثقافة العربية الحديثة التي تتراوح بين التقديس والتحريض.

جرح ثقافي لم يندمل!

عندما صدر الكتاب عام 1926، كانت المنطقة العربية تمر بلحظة تأسيسية حرجة: خروج من سبات العثمانيين الطويل، مواجهة مع الاستعمار الجديد، بحث عن هوية في عالم يتشكل بمنطق القوميات والدول. وفي هذا المناخ، جاء كتاب طه حسين ليسأل أسئلة أبعد من الشعر الجاهلي، ليتناول أسس الهوية نفسها: كيف نقرأ تراثنا؟ بأي منهج نتعامل مع موروثنا؟ أين يبدأ الدين وأين تنتهي السياسة؟

لم يكن طه حسين يكتب عن الشعر فقط، كان يكتب عن منهج التفكير. كان يستعير ديكارت ومبدأ الشك المنهجي ليضعه في قلب الثقافة العربية التي كانت تعتمد التسليم والاتباع. قوله بأن الشعر الجاهلي موضوع، وأنه منحول من العصر الإسلامي لأسباب سياسية وقبلية، لم يكن مجرد رأي في النقد الأدبي، بل كان ضربة في الصميم لكل السرديات المستقرة عن الأصل والهوية.

أحس كثيرون أن طه حسين لا يشكك في الشعر فقط، بل يشكك في "الجاهلية" ككل، وبالتالي في "الإسلام" كقطيعة وحلول. وإذا كان الشعر الجاهلي منحولاً، فما قيمة كل ما بني عليه من قيم وأخلاق وتاريخ؟ السؤال كان وجودياً، والخشية من أن يؤدي الشك في الشعر إلى الشك في كل شيء كانت حقيقية.

ما فعله طه حسين هو محاولة نقل العقل العربي من حالة اليقين المطلق إلى حالة التساؤل النسبي. اعتماده على منهج الشك المنهجي كان ثورياً في زمانه. لقد طرح سؤالاً بسيطاً وجوهرياً: إذا كان هذا الشعر قد دون في العصر الإسلامي، بلغة قريش الموحدة (لغة القرآن الكريم)، فكيف نوفق بين ذلك وتعدد لهجات القبائل في الجاهلية؟ كيف نصدق أن هذه اللغة الموحدة كانت لغة شاعرة من شعراء الجاهلية المزعومين؟

السؤال اللغوي كان مدخلاً لإشكالية أكبر، إشكالية التدوين والسلطة. من يدون؟ ولمن؟ ولماذا؟ وهل يمكن فصل عملية التدوين عن الأغراض السياسية للدولة الإسلامية الناشئة التي أرادت توحيد اللغة كما توحد الأرض؟

هنا كان طه حسين يلامس أعصاباً حساسة: العلاقة بين السلطة والمعرفة، بين السياسي والديني، بين التوحيد والتعدد. كان يقول، بطريقة غير مباشرة، إن التاريخ يكتبه المنتصرون، وإن الشعر الجاهلي لم يسلم من هذه القاعدة.

ما حدث بعد نشر الكتاب كان أشد إثارة من الكتاب نفسه. تحول النقد الأدبي إلى معركة سياسية، والجدال الفكري إلى صراع حزبي. سعد زغلول يهدد بالاستقالة من البرلمان، نواب الوفد يستجوبون الحكومة، صحفيون يقدمون بلاغات، كتاب يسحب من الأسواق، مؤلف يحاكم.

لكن المحاكمة كانت لحظة فارقة. فالقاضي محمد نور، في مرافعته التي اكتشفها خيري شلبي لاحقاً، برأ طه حسين بلغة النقد الأدبي. كان القاضي يقول، في جوهر كلامه: إن قضية الشعر قضية أدبية يجب أن تحسم بأدوات النقد، لا بأدوات القانون. كانت هذه المحاكمة اعترافاً بوجود مجال مستقل للأدب والفكر، له منطقه الخاص المختلف عن منطق المحاكم.

لكن اللافت أن الردود على الكتاب جاءت من مواقع مختلفة: الرافعي في "تحت راية القرآن" دافع عن القديم بقدسيته، محمد الخضر حسين هاجم المنهج، محمد فريد وجدي حاول النقد الموضوعي. كل رد كان يكشف عن موقف من التراث، عن رؤية للعلاقة بين الدين والمعرفة.

سؤال المنهج: هل انتهينا منه؟

بعد مئة عام، السؤال الذي يفرض نفسه: هل انتهينا من معركة المنهج التي أطلقها طه حسين؟ الإجابة المؤسفة هي لا. ما زلنا نعيش انقساماً بين منهجين: منهج يرى في التراث نصاً مقدساً مغلقاً، ومنهج يرى فيه نصاً تاريخياً مفتوحاً. منهج يرفض الشك، ومنهج يتخذه مدخلاً للمعرفة.

اللافت أن أسئلة طه حسين عادت تطفو على السطح في السنوات الأخيرة، لكن في ثياب جديدة: سؤال الهوية، سؤال العلاقة بين الدين والسياسة، سؤال القراءة التاريخية للنصوص التراثية. وكأننا نعيش لحظة مشابهة لتلك التي عاشها طه حسين، لكن بأدوات مختلفة وصراعات أكثر تعقيداً.

ماذا بقي من في الشعر الجاهلي؟

إذا قرأنا الكتاب اليوم، بعد مائة عام، قد نختلف مع كثير من فرضياته. الأبحاث اللغوية والأثرية والتاريخية تقدمت، وأصبحنا نملك أدوات أكثر دقة للحكم على الشعر الجاهلي. لكن قيمة الكتاب لم تكن في صحة فرضياته بالضرورة، بل في منهجه، في شجاعته في طرح السؤال، في كسر تابوهات التفكير.

طه حسين علمنا أن القراءة يجب أن تكون نشاطاً نقدياً، لا ترديداً آلياً. علمنا أن التساؤل حق، وأن الشك منهج، وأن اليقين المطلق وهم. علمنا أن التراث ليس جثة نقدسها، بل حياة نتعايش معها، نناقشها، نتفهمها في سياقها التاريخي.

الاحتفاء بمئوية الكتاب اليوم يجب أن يكون مختلفاً عن الاحتفاء التكريمي البارد. يجب أن يكون فرصة لإعادة القراءة، لإعادة النقاش، لإعادة السؤال. لنعيد طباعة الكتاب كما صدر أول مرة، مع كل الردود عليه، مع وثائق المحاكمة، مع كل ما دار حوله من جدل.

لنضع كل هذا بين يدي القارئ الجديد، ليقول كلمته، ليحكم بنفسه. الثقافة الحية هي التي تعيد قراءة تراثها باستمرار، التي لا تخاف من أسئلتها، التي تتقبل تعدد القراءات.

طه حسين لم يرد أن يقتل الشعر الجاهلي، إنما أراد أن نقرأه قراءة جديدة. لم يرد أن ينفي التراث، بل أراد أن يفهمه فهماً تاريخياً. كان رجلاً يؤمن بأن النهضة لا تتحقق إلا بنقد الذات، بمراجعة التاريخ، بطرح الأسئلة المحرجة.

نحو ثقافة التساؤل

بعد مائة عام، ما زلنا نحتاج إلى روح طه حسين، إلى شجاعته الفكرية، إلى إصراره على الحق في الشك والسؤال. في عالمنا العربي اليوم، حيث تتصارع اليقينيات وتتصادم المطلقات، نحتاج إلى أن نتعلم أن المعرفة تبدأ بالتساؤل، وأن الحقيقة نسبية، وأن القراءة النقدية للتراث ليست خيانة له، هي إحياء له.

الاحتفاء بكتاب "في الشعر الجاهلي" بعد مئة عام هو احتفاء بحرية الفكر، بحق الاختلاف، بضرورة الحوار. هو اعتراف بأن الثقافة العربية مرت بلحظات تأسيسية عظيمة، كان فيها المثقفون على استعداد لدفع الثمن من أجل فكرهم.

طه حسين يخاطبنا اليوم من صفحات كتابه القديم، اقرأوا كما لم تقرأوا من قبل، اسألوا كما لم تسألوا من قبل، فالنقد ليس هدماً، هو بناء، وليس تخريباً، بل هو تأسيس. والشك ليس كفراً، بل هو إيمان أعمق بالعقل وبقدرته على المعرفة.

هكذا يظل الكتاب، بعد قرن كامل، ينبض بالحياة، لأن أسئلته حية، ولأن النهضة التي حلم بها طه حسين ما زالت مشروعاً ناقصاً، ينتظر من يكمل الطريق.

***

عبد السلام فاروق

من البطولة الأسطورية إلى النهضة الفكرية

تمهيد: عن الكتاب

يُعد كتاب "شروط النهضة"، الصادر في عام 1948، حجر الزاوية في مشروع المفكر الجزائري مالك بن نبي (مشكلات الحضارة). وفيه يقدم بن نبي تشريحاً دقيقاً لأسباب أفول الحضارة الإسلامية وقابلية الشعوب للاستعمار، مؤكداً أن النهضة ليست "تراكم بضائع" بل هي تفاعل حيوي بين ثلاثة عناصر أساسية: (الإنسان، والتراب، والوقت)، ضمن إطار عقدي ناظم.

في هذا الكتاب أفكارٌ غزيرة تلمس نقاطاً حساسة في جروح حضارتنا التي أصبحت مستعمرة؛ ليس بالسلاح والقوة فحسب، وإنما بتقييد الفكر ومحاولة محو إرادة النهوض. إن جوهر أزمة الشعوب الإسلامية اليوم ليس في نقص الموارد، بل في غياب "البناء الحضاري" والغرق في "دور البطولة الأسطوري.

فخ البطولة وغياب المشروع

يفرق بن نبي بين "عهود الملاحم" و"عهود البناء"؛ فالشعوب التي تعيش على الأمجاد والبطولات دون وعي حقيقي بأسباب التخلف، تظل تائهة في التاريخ. إن البطولة وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى مشروع حضاري واعٍ يرتفع بالفكر إلى مستوى الأحداث الإنسانية، ويتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها.

الاستعمار الفكري والوهم الافتراضي

بإسقاط رؤية بن نبي على واقعنا، نجد أننا لا نزال مستعمرين فكرياً؛ مسلوبي العقل الحضاري، ومشغولين بعوالم افتراضية أُتقنت صناعتها لإلهائنا. نحن نتوهم التقدم ونحن في "وضعية الجلوس"، بينما الحقيقة أن الكلمة المؤثرة – كما وصفها بن نبي – هي تلك التي تحول الفرد إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة، كصرخة جمال الدين الأفغاني التي كانت نداءً للاستيقاظ لا لمجرد الثورة المسلحة.

من المقاطعة المادية إلى المقاطعة الفكرية

لقد أثبتت أحداثنا الحالية أن للكلمة والوعي تأثيراً قوياً، تجلى بوضوح في "سلاح المقاطعة". ولكن، لكي تصبح هذه المقاطعة ثورة حضارية حقيقية، يجب أن تتجاوز المنتجات المادية لتشمل "المقاطعة الفكرية".

إن النهضة الحقيقية تقتضي منا نبذ التقاليد الدخيلة، ومقاطعة المحتوى الفكري والسينمائي الأجنبي الذي يطمس هويتنا. كما تخلصت الشعوب قديماً من مظاهر التبعية، علينا اليوم الانتصار على "الذات المستعمرة"، والتخلص من الملهيات الافتراضية للتركيز على بناء حضارة حقيقية تحترم عاداتها ويضرب لها العالم ألف حساب. إن أي نهضة لا تبدأ من السلاح، بل تبدأ من الداخل؛ من الوعي الذاتي والتمسك بالهوية، فلكي تنهض أمتنا، يجب أن ننهض نحن أولاً.

***

بقلم: فاطمة الدفعي

لا شك أن عبد الحميد الديب شاعرٌ متمكن من ناصية البيان ولا تعوزه اللغة؛ كما أن لديه القدرة على تركيب المعاني وحسن التصوير؛ إلا أن قصائده عادةً تدور في فلك الهجاء والسخرية المُرَّة، فكانت انعكاسًا لمسيرة حياة لم يشهد فيها إلا الفقر والخيبات.

 لقد عاش "الديب" حياةً حزينة مُلِئَت بأوجه البؤس والحرمان مما قلل كثيرًا من إنتاجه الشعري، فنادرًا ما كان يُدَوِّن أشعاره أو يحتفظ بها؛ بل كان يلقيها بلا اكتراث ثم يعاود نظم الشعر، ويلقي ما نظمه على مسامع الغير ثم لا يحتفظ به! غير أن المتاح بين أيدينا من أشعاره يؤكد لنا أننا أمام شاعر مُجِيد قطع أشواطًا في عالم الشعر.

وُلِدَ "عبد الحميد الديب" في شهر يوليو من عام 1898 بقرية كمشيش في محافظة المنوفية لأسرة فقيرة؛ حيث لم يملك والده الفلَّاح أرضًا يزرعها؛ بل كان أحيانًا يتاجر في المواشي لحساب الغير، وأحيانًا أخرى يستأجره بعض أهالي القرية لذبح الخِرَاف والعجول في المواسم والأعياد، ورغم ذلك لم يهمل طفله "عبد الحميد" بل ألحقه بكُتَّاب القرية ليحفظ القرآن، وحلم بأن يكون الولد "شيخ عمود" بالأزهر الشريف، و"شيخ العمود" هو العالم الذي يجلس عند عمود من أعمدة الجامع الأزهر ويتحَلَّق حوله الطلبة ليشرح لهم العلوم الدينية.

ورغم أن "الديب" قد نشأ في الريف المعروف بطيب هواءه وروعة أنسامه، واللون الأخضر الجميل الذي تزدان به الحقول؛ إلا أنه في صباه لم يستمتع بكل هذا ولم يتأمل في جمال القرية؛ لأن الفقر كان يعتصر قلبه ويشعره بالعجز؛ لذلك هرب من هذا الواقع الأليم إلى القراءة، فكان يقرأ كل ما يقع تحت يده من الأدب والتاريخ والجغرافيا والعلوم، والشعر بما في ذلك أشعار أبي العلاء المَعَرِّي.

ورغم الفقر إلا أن والده أصر على مواصلته الدراسة في الأزهر، فألحقه بمعهد الإسكندرية الديني، لتصبح الإسكندرية من أهم المحطات في حياة الديب؛ فقد أعادت تشكيل وجدانه، بعد أن سحرته بجمالها، وقد لازمه الفقر فيها أيضًا إذ كان يسكن في غرفة على السطوح بلا أثاث في حي شعبي، وكان يمضي يومه سائرًا في الشوارع بغير هدف، ولم يكن هذا حبًا في التسكع، بل هربًا من وطأة الفقر على روحه، وحتى لا يشعر بالجوع، ويظل سائرًا عامَّة يومِه حتى إذا آذنت الشمس بالمغيب وجد نفسه أمام البحر فيناجيه.

ورغم أن والده كان يرسل إليه كل شهر قروشًا قليلة إلا أنه أكمل تعليمه في الأزهر واستطاع الحصول على شهادة المعهد الديني، وبعدها التحق بكلية دار العلوم في القاهرة؛ غير أنه لم يستطع مواصلة تعليمه فيها خاصةً بعد وفاة والديه، وكان السبب في عزوفه عن التعليم أنه شعر بعدم الجدوى وأنه لا قيمة لشيء، واجتاحه الشعور بالخوف المقرون بالشقاء وفقد الطمأنية. وبالجملة فقد كانت طبيعته غير راضية، وزاد من إحساسه بعدم الرضا فقده لوالديه اللذيْن قال عنهما:

الوالدانِ هلكتُ بعدَهُما.. من لي على ردِّ الأسى بهِمَا

أستوحِشُ الدنيا كرَاهِيَةً.. مُذْ ذُقتُ كأسِيَ من فراقِهما

وفي هذه الأثناء تعرف "الديب" على الموسيقار "سيد درويش" وشعر لأول مرة أن الحياة تبتسم له؛ فقد كان "درويش" سَخِيًّا عليه، وكثيرًا ما أخذه معه في سهراته ليأكل ويشرب ويستمع إلى ألحانه، ولأن الحظ كان على غير وفاق مع "الديب" فإن أيام سعادته لم تدم طويلًا؛ حيث مات الموسيقار وبرحيله عادت الدنيا لتظلم في وجه الديب، وعاد هو إلى حبيبه "الشارع" ليتصعلك بعد هدنة من العَوَز.

 ومشي في شوارع القاهرة وحواريها، وكانت المواقف البائسة التي يمر بها تلهمه وتذكي قريحته فيكتب شعرًا، ومن شعره – على سبيل المثال-:

حظي ومصرعُهُ في لين أخلاقي.. وفيضِ عطفي على قومي وإشفاقي

بين النجوم أُناسٌ قد رفعتُهُمُ.. إلى السماء فسَدُّوا باب أرزاقي

وكم وَقَيْتُ الردَى من بِتُّ مضطَّرِبًا.. في أَسْرِهِ المُرِّ لم أَظْفَر بإطلاقي

يا أمةً جَهِلَتْني وهْيَ عالِمةٌ.. أن الكواكبَ من نوري وإشراقي

أعيشُ فيكًم بلا أهلٍ ولا سكنٍ.. كعيش منتجع المعروف أفَّاقِ

وليس لي من حبيبٍ في ربوعِكُمُ.. إلا الحبيبينِ أقلامي وأوراقي

رِيشَت لغدري سِهامٌ من نميمَتِكُم.. فصارعتني ومالي دونها واقي

لمْ أدرِ ماذا طَعِمتُم في موائدِكُم.. لحمَ الذبيحةِ أم لحمي وأخلاقي

وقد حاول أصدقاء "الديب" أن يساعدوه بالسعي له في أروقة المصالح الحكومية لإيجاد وظيفة تنتشله من الضياع إلا أن أشعاره التي كان يسخر فيها من كل شيء تقريبًا حتى من الوظيفة حالت بينه وبين التوظف.

 وبعض من حكى سيرته قال إنه توظف بالفعل إلا أنه كره الوظيفة ورآها قيدًا واستقال منها، ولايبعُد هذا عن الحقيقة لاسيما وأن "الديب" كما قال عنه صديقه الكاتب "فتحي رضوان": "كان كسولًا يكره العمل ويضيق بالنظام والرتابة، ويعشق التجوال، ولم يكن يصبر ليُتِمَّ عملًا حتى على نظم شعره" ومن المعروف عن "الديب" أنه كان قَلِقًا مولَعًا بالتغيير المستمر لا يستقر في الحياة ولا في الوظيفة.

وفي قمة بؤسه تزوج "الديب" من امرأة مُطَلَّقة اسمها "إحسان" وكانت أمًا لطفلين، وانتقلت الزوجة المسكينة بطفليها لتعيش معه في غرفته التي على السطوح، وكان يغيب عنها بالأيام هربًا من دفع قيمة الإيجار ومسئولية الإطعام، ثم يعود إليها خالي الوِفَاض، وضاقت زوجته بهذه الحياة فطلبت الطلاق بعد شهور، وبالفعل طلَّقَها.

وظل الديب هائمًا على وجهه بلا عائلة ولا سكن ولا مال، وكان يبيت لياليه المُفعَمة بالضياع في الحدائق العامة والمساجد ولا يجد ما يسد الرمق، والعجيب أنه رغم هذا كان قادرًا على إنتاج الشعر وإن كانت بعض أشعاره لا تليق، فقد استخدم فيها ألفاظًا لا شك أنها وقحة.

ويرى "فتحي رضوان" في كتابه "عصر ورجال" أن "الديب" شاعر موهوب وكان جديرًا بأن يُثرِي ديوان الشعر العربي فوق ما أثراه بألوان غير مسبوقة، وبمعانٍ جديدة غير مطروقة لو أن الوسط الأدبي كان جادًّا أكثر، ولكن الواقع أن الحياة الأدبية كان يشوبها لونٌ من الهزل يُمارَس على قوارع الطُّرُق وفي المقاهي، وداخل مكاتب رؤساء تحرير الصحف، وهكذا سقط الديب في أيديهم، فتَلَهُّوا بِهِ طويلًا، وأكدوا عنده الميلَ إلى الكسل، وأفقدوه احترامَهُ لنفسه، ولم تمتد منهم يدُ جادٍّ لتقويمه والارتفاع بموهبته في حدود خصائصه النفسية"

وذات يوم وُجِدَ الديب ميتًا في حديقة عامة، وفي رواية أخرى أنه توفي بمستشفى "قصر العيني" ومن الواضح أن بؤسه تسبب في وفاته، وعلى أية حال فقد مات وترك الضيق والعناء بعد خمسةٍ وأربعين عامًا لم يَتهَنَّ فيها يومًا واحِدًا، وجديرٌ بالذكر أن أولى ذكرياته الحزينة جاءت هو في سن مبكرة؛ حيث مات جاره الأعرابي "سالم" وكان شابًا وسيمًا طيبًا يتخذه "الديب" قدوةً له.

وبعد رحيل "الديب" بمدة شكَّل الشيخ "أحمد حسن الباقوري" وزير الأوقاف لجنة لجمع أشعاره ودراستها؛ إلا أن اللجنة انقسمت على نفسها ولم تقم بمهمتها على الوجه الأمثل، ورغم رحيل الديب إلا أن اسمه لم ينقطع ذكره، فقد درَس االباحثون في الأدب أشعاره وأُلِّفَت عنه بعض الكتب، ويمكن القول في الختام أن "الديب" هو بحق "وريث الصعاليك" ونموذج يُلتَفَت إليه للتأمل في الأدب، وفي الحياة أيضًا.

***

حاتم السروي

 

عندما كلفني الاخ الدكتور (طالب الجليلي) المعروف بحسه الأدبي المرهف وحبه للحكاية الشعبية بقراءة صفحاته التي كتبها عن الواقع العراقي المرير الذي عاشه المجتمع وجدت فيها تلخيصا لمعاناة مجتمع يحب السلام لكنه لم يناوله أبدا نتيجة لافرازات السياسية التي حصلت في بلد اسمه العراق صفحات الدكتور الجليلي تسجل لحرب (الشمال) لأنه خدم كطبيب مجند هناك لكن لم يتحدث عن الأكراد أو الكرد إلا بكل الود والاحترام كما تحدث عن أحداث الجنوب وما فيها من مآسي وقسوة تعامل من السلطة تجاه أبناء هذه البقعة من العراق، صور في هذه الورقات مأساة الجيش العراقي في شمال العراق والكيفية التي يعيش فيها الضباط والجنود في مغاراتهم، يمنح المكان صورة تشكيلية أو قل قصيدة شعرية فها هو يصف الجبل وكأنه عاشق ينظر الى محبوته وليس الى صخور غطتها الثلوج وليس الى مكان سالت منه الدماء مدرارا عندما يصف المنظر بقوله " بدت الجبال مجسمة تبدو في الافق كأنها لوحة رسمت بفرشاة مونيه، السماء مكسوة بالغيوم الرمادية والبيضاء لكن الجبال" ومونيه كما هو معروف عنه رائد الانطباعية في العالم ويوصف أيض انه صاحب ثورة جمالية الأمر الذي يعطينا إشارة إن الطبيب الجراح (طالب الجليلي) حتى في مشرطه مع المريض يمارس الفن ويضفي عليها فلسفة استقاها من أساتذته. أما عن الجنوب صاحب المأساة الكبرى في التاريخ العراقي الحديث، فهو يرسم صورة أخرى عن مأساة الضابط والجندي العراق في جنوب العراق فما بالك بالشخص العادي، يرسم اللوحة المأساوية " كنت في أحد الصباحات منهمكا في المطالعة في ملجئي، فلمحت الأمر ينزل مسرعاً من كتف النهر وهو منهمك بفتح سحاب سرواله بعد أن ترك ساحة العرضات راكضا.. اتجه الى المرافق الصحية وهو يأمر الخادم بأن يلحق به بالإبريق.. تعمدت أن أزوره بعد أن قضى حاجته ودلف الى البهو رأيته يجلس واجما وحزينا على كرسيه الميداني.. ما أن رأني حتى انفجر بسباب لم أسمعه منه من قبل.. قام بشتم الجميع ماعدا (السيد الرئيس) !! كما قال.. كان يردد: حتى الحيوان في الخارج يلقى العناية ويجد من يهتم به من البشر هناك.! أما نحن ف تفو.."فيها إشارة لحب الدكتور طالب الجليلي للمطالعة في تلك الظروف المأساوية.

وزعت الطبعة الأولى من رواية (الحوم) في بعض البلدان الأوربية وقد صدرت عن دار الرضوة للنشر وستتوفر قريبا جدا جدا في المكتبة الجامعية في الكوت العراق.

***

رائد عبد الحسين السوداني

هناك مدن كلما زرتها، وأخذتك قدماك بطرقها وشِعابها، كلما ازددت حبًا وتعلّقًا؛ تتعتّق فيك كعطرٍ أصيل، كلما قَدِم زادت قيمته، كبخور العود يعلَق بك وتحمله ثناياك، فيشاركك أمسياتك المعطّرة، وينثال على أحلامك، ينتشل بقايا ألمك، ويُشافي جروحًا طال مكوثها.

كيف لبلدٍ فيه كل هذه الجروح، يئنّ تحت وطأة سنين من الجهل والعبودية، لا مكان للهواء فيه، تخطّته الحداثة بقرون، فبات يلهث خلفها بفوضى تفقده التركيز؟

مدنٌ بكل هذا الضجيج، بكل هذا التلوّث العجيب على كل الأصعدة، ما زالت قادرة على أن تتغزّل بي على ضفاف دجلة والفرات كطفلةٍ لم تعرف أبجدياتها إلا على رمال شواطئه، فتعزف ما بين الكرخ والرصافة أجمل الألحان.

مع كل الصراعات والحروب التي مزّقته وتركته أشلاءً يصعب لملمتها، ما زال رحمًا ولودًا بمئات المفكّرين وأصحاب العقول المميّزة؛ هناك، في أزقّته (درابينه)، تولد الأسئلة الصعبة، وعلى صوت استكانة شاي يولد ألف موّال، فإذا بحضيري أبو عزيز:

مكتوب نمشي العمر

لو نرضه لو نلومه

هو إحنا نمشيه

لو هو الماشينا؟

ليصبح شرب الشاي فكرةً فلسفية.

وعند عتبة شارع المتنبي تتيه بين نازك وهي تتغنّى:

«لن أنسى هواك،

ولو طال بي الزمنُ، ولو ناءت خُطاي»،

والسيّاب يشدو:

«عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحر»،

لتجد نفسك بين ألف نازكٍ وسيّاب.

مآذنها شامخة رغم كل الانكسارات، تذكّرك أن هاهنا كانت حضاراتٌ حيّة؛ فالسومرية والبابلية ما زالتا توقظان في الذهن دهشة الاستفهام وبهجة المغامرة.

وما بين النهرين تصرخ كالجواهري:

«أنا العراقُ لساني قلبُهُ

ودمي فراتُهُ وكياني منه أشطار»

فتعرف أنك في بلاد الرافدين، حيث تُطعِم الحبّ فيغرد البيان.

***

منى الصالح

 

لو وضعنا الفلسفة والشعر على رفٍ واحد، كما يفعل التقليد الأكاديمي الصارم، لسارعنا إلى الفصل بينهما: الفلسفة بوصفها خطابًا عقلانيًا منضبطًا، مشدودًا إلى اللوغوس، والشعر باعتباره فنًا جماليًا عاطفيًا، ينتمي إلى الإحساس والخيال. هذا الفصل هو ابنُ تقليدٍ غربيٍّ جزّأ المعرفة، ووزّعها على حقول متخصصة، حتى بدا كل مجالٍ وكأنه مكتفٍ بذاته. غير أن من اقترب حقًا من الفلسفة والشعر معًا، لا بد أن يكون قد أحسّ—ولو مرة—برباطٍ خفيّ، بحميمية صامتة تشدّ أحدهما إلى الآخر.

فالفلسفة والشعر ليستا طريقين متقابلين، بل مساران متجاوران يسلكهما الإنسان بحثًا عن المعنى، والحقيقة، والجمال. كلاهما محاولة للإقامة في أسئلة الحياة، وكلاهما ينبثق من الإيماءة الأولى ذاتها: الدهشة. الذي عدّه اليونان أصل التفكير وأصل الشعر معًا. الدهشة ليست معرفة، بل انفتاح؛ ليست جوابًا، بل استعداد للنظر إلى العالم كما لو أنه يُرى للمرة الأولى. ومن هذه الدهشة، الممزوجة بشيء من العجز والارتباك أمام كثافة الوجود، تتفتح المساحة التي يصبح فيها الفكر والشعر ممكنين.

الشاعر النمساوي "راينر ماريا ريلكه" يعبّر عن هذه الحالة بكثافة شاعرية حين يدعونا إلى أن نسكن الأسئلة بدل أن نستعجل الإجابات. فالسؤال، في نظره، ليس نقصًا، بل فضاء، وغرفة مغلقة، وكتابًا مكتوبًا بلغة غريبة، لا يُفتح إلا بالعيش لا بالتفسير. الكلمات لا تحيا إلا حين يسبقها فراغ، ولا يولد الجمال إلا من رحم عدم اليقين. فحيث لا فجوة في الفهم، لا نبض، ولا شعر، ولا فلسفة.

الفيلسوفة الاسبانية "ماريا زامبرانو"، التي كرّست فكرها لاستعادة الصلة بين الفلسفة والشعر، جعلت من الفراغ عنصرًا جوهريًا في الإبداع. الفراغ عندها ليس خواءً، بل مساحة مقدّسة تسمح بظهور المعنى. في مفهومها عن «العقل الشعري»، حاولت تجاوز الانقسام الذي فرضته العقلانية الغربية بين الفكر والعاطفة، بين المفهوم والصورة. العقل الشعري ليس منطقًا خالصًا ولا انفعالًا محضًا، بل قدرة على الإقامة في المجهول دون استعجال، وعلى استقبال الدهشة دون أن تُختزل في تفسير. من هنا، تصبح الفلسفة والشعر شكلين من أشكال المعرفة المتجسدة، معرفة لا تنظر إلى العالم من مسافة باردة، بل تخوضه بكلمات حيّة، تتنفس وتتعثر وتضيء.

بهذا المعنى، يمكن القول إن الفلسفة والشعر أخوات في الصمت. فهما لا تسعيان إلى إغلاق الأسئلة، بل إلى حراستها. لا تدّعيان امتلاك الحقيقة كاملة، بل تعترفان بأن العالم أوسع من أن يُستنزف بالمفاهيم القاطعة. الصمت هنا ليس عجزًا، بل احترامًا لما يتجاوز القول.

حتى فيتغنشتاين، الفيلسوف الذي شغله حدّ اللغة وإمكاناتها، رأى في الشعر لغةً قادرة على استحضار الواقع لا تمثيله. فهناك ما لا يمكن قوله بدقة منطقية، لكنه مع ذلك يُرى ويُحسّ. في هذه «اللا دقة» يكمن سر الشعر: فجوة دلالية تفتح المعنى بدل أن تغلقه، وتتيح للفكر أن يبلغ مناطق تعجز عنها اللغة التقريرية. الشعر لا يضعف حين يكون غير مباشر، بل يكتسب قوته، لأنه يعيدنا إلى التجربة في تعقيدها الخام، قبل أن تُهذَّب أو تُختزل.

وتجسّد الشاعرة البولندية "فيسلافا شيمبورسكا" هذا الموقف في شعرها اليومي البسيط والعميق في آن واحد. فهي تعثر على الدهشة في التفاصيل الصغيرة، في يومٍ يمرّ «دون تساؤل»، فتذكّرنا بأن الغياب المؤقت للدهشة ليس براءة، بل فقدان. الحياة، في نظرها، لعبة كونية بقواعد مجهولة، والمشاركة فيها تبدأ من الانتباه، من السؤال الذي يطلّ فجأة وسط العادة.

في الحياة اليومية تحديدًا، تلتقي الفلسفة بالشعر على نحوٍ أوضح: في سؤال يولد في الزحام، في لحظة قراءة بطيئة، في كتابة تقطع الإيقاع الآلي للزمن. وسط شبكة العادات المتكررة، تصبح الفلسفة والشعر تمرينين على الحضور، تذكيرًا بأن هناك دائمًا فجوة يمكن النفاذ منها إلى العالم. الشعر، بقدرته على الإبطاء، يمنحنا رؤية مختلفة لما اعتدناه، وهذه الرؤية—في جوهرها—فعل فلسفي بامتياز.

***

محمد إبراهيم الزموري

هل قدر على الشاعر العربي المعاصر أن تكون فاجعة موته هي القصيدة الأخيرة التي تضمن له حق التواجد على الساحة الأدبية العربية؟

و الواقع الذي علينا أن ننتبه إليه انه ما عاد يكفي في هذا العصر أن يكتب الشاعر شعرا جيدا ليثبت على الساحة بل ذلك شرط أساسي ولكنه ليس كافيا وحده بالمرة ... فقد تداخلت الآن العملية الإبداعية بمسألة النشر والتوزيع والطبع، ومضى عهد الراوية ليحل محله سلطان الترويج.

و الشاعر الراحل أمل دنقل من الشعراء الذين حجبهم حاجز المعاصرة عنا، فهو من الشعراء الذين كانوا في الظل لأسباب ليس هذا مجال التعرض إليها.

خيول بيكاسو

لست أدري لماذا تذكرت لوحة غيرنيكا الشهيرة للرسام الاسباني العالمي بيكاسو والتي رسمها بعد الغارة الوحشية على تلك القرية من طرف الطيران الفاشستي في منتصف الثلاثينات. وهذه اللوحة العالمية يظهر فيها من جملة ما يظهر خيول جامحة تصهر غضبا وثورة، ولكنها أيضا تئن من الألم والأوجاع...كذلك هي الخيول في قصيدة امل دنقل ترزح تحت الجبروت الإنساني بعد أن كانت تنعم بالحرية إذ كانت:

تمتلك الشمس والعشب والملكوت الظليل

ظهرها لم يوطأ لكي يركب القادة الفاتحون

و لم يلن الجسد الحر تحت سياط المروّض

و الفم لم يمتثل للجام

و لم يكن الزاد ... بالكاد

لم تكن الساق مشكولة

و الحوافز لم يَكُ يثقلها السنبك المعدني الصقيل

كانت الخيل برّية

تتنفس حرّية

فالخيول في هذه القصيدة رمز للينابيع الأولى للحياة البدائية الأولى، الخالية من الاستغلال والتجبر والسوط والبعيدة عن الهموم والتعب اليومي، والرافضة للقوانين وللأوامر المتمثلة في الساق المشكولة وفي الفم الملجوم ، والمتخلصة كذلك من مظاهر الحضارة التي جعلت الفطرة الأولى تنمحي تمام من حياتنا. وما رمز السنبك الصقيل إلا دلالة على كل ذلك.

2

إضافات جديدة

صورة الجواد الجريح في المعركة معروفة في الشعر الحماسي. ولعل الأسماء المتعددة للخيل في القاموس العربي تدل على معاني موحية في تلك الأسماء . فالحصان مثلا ما كان من الخيل قويا حصينا يمنح راكبه المناعة والنجاة في المعارك والأخطار ،أما الجواد فالواحد من الخيل المحفوظ النسب الجيد الأصل، والفرس هو الذي يتصف بالذكاء والفطنة والفراسة.

فما الذي أضافه دنقل إلى معاني الخيل في الشعر العربي؟

- هو يجعل من الخيل ضحية حروب الإنسان ، إذ القصيدة تقول:

الفتوحات في الأرض مكتوبة بدماء الخيول .

- يجعل من الراكبين المائلين رمزا للعذل الغائب في الأرض . يقول:

والركابان: ميزان عدل يميل مع السيف حيث يميل.

- يجعلها رمزا للقوة المخيفة الباطشة في يد السلطة. فقد صارت الخيول مجرد أداة طيّعة للزينة وللرعب... رعب الأطفال والناس.

والخيول عند أمل دنقل مسلوبة القدرة على الاغارة والركض، وعاجزة تدب إلى الموت والفناء... اذ يقول:

اركضي كالسلاحف.

نحو زوايا المتاحف

بل تصبح الخيول لعبا للأطفال من الخشب وحلوى مصيرها الى الامتصاص والذوبان وتنحت تماثيل من الحجر في الميادين العامة رمزا للتلاشي والابتعاد عن الأصلي والجوهري.

الخيل والناس

الخيول في قصيدة دنقل خرجت عن كونها مجرد حيوانات أليفة لتكون ذات إحساس واع بالحياة وبصروفها وبالناس، وهي تصبح في مرحلة ثانية كالناس لا يفصل بينها وبينهم الا كاف التشبيه. وتكون الخيول في أخر المطاف الناس تماما تحمل همومها وتحلم احلامهم وتتحمل عذاباتهم كواحد منهم اذ تقول القصيدة:

كانت الخيل في البدء كالناس برية تتراكض عبر السهول

كانت الخيل كالناس في البدء

وهذه الخيول يجعلها امل دنقل تتنفس حرية

مثلما يتنفسها الناس في ذلك الزمن الذهبي النبيل...

ونلاحظ في القصيدة مقابلة بين حالة الخيول في الماضي وحالتها في الحاضر يقول الشاعر:

3

ماذا تبقى لك الآن؟

ماذا؟

سوى عرق يتصبب من تعب يستحيل دنانير من ذهب

في جيوب هواة سلالاتك العربية في حلبات المراهنة الدائرية في نزهة المركبات السياحية المشتهاة

وفي متعة المشتراة

وفي المرأة الأجنبية تعلوك تحت ظلال ابي الهول

هذا الذي كسرت انفه

لعنة الانتظار الطويل

انها الخيول العربية المجروحة بهذا الزمن الصعب، زمن الخيل الأشباح حيث كل شيء يواجه الانسان العربي بالتحدي ويهدده بالانسحاق. وكان امل دنقل من الذين وضعوا أصابعهم على الجرح بألم، فكانت قصيدة " الخيول " قصيدة التجريح الذاتي للأنا الجماعية التي فقدت كالخيول براريها وسهولها وحريتها.

***

سُوف عبيد ـ  تونس ـ 1984

 

الرمزية الأدبية هي لمسة إبداعية تثري النص الأدبي، وتجعل منه تجربة وجدانية، وجمالية معا، اذ يمكن للكاتب من خلال استخدامه المقتدر للرموز، أن يعبر عن مراداته، من معاني ودلالات عميقة، بطريقة غير مباشرة، ليترك تأثيرًا واضحا في ذهن القارئ، وبذلك يكون الرمز، هو الجسر الرابط، بين الواقع المحيط به، والخيال الذي انثال عنه. وهكذا تكون الرمزية الأدبية تقنية إبداعية متميزة، تستخدم الرموز تعبيرا عن دلالات، ومعاني أعمق من التناول المباشر لتلك المعاني. وتساهم الرمزية في إثراء النص الأدبي، وتجعل منه تجربة وجدانية وجمالية فريدة للمبدع، من خلال استخدامها المفردات والصور، للتعبير عن معانٍ أعمق من المعنى الحرفي المتداول لها، ليكون الرمز هو المنفذ إلى فك مجاهيلها.

وتجدر الإشارة إلى أن الرموز تأخذ اشكالا متعددة، فهناك الرموز الطبيعية، مثل الشمس، القمر، والكواكب، الماء، والرموز الشخصية، الخاصة بالكاتب. على ان الوجدانية الإبداعية هي ينبوع التعبير عن المشاعر، حيث تسمح الرمزية للكاتب بالتعبير عن مشاعر عميقة، بطريقة غير مباشرة.

وبما ان الشعر هو اروع لغة للتعبير عن المشاعر المرهفة، فان الرموز تساعد في خلق جو نفسي ملائم في النص، حيث تتمكن الرمزية بذلك، ان تجعل القارئ يتفاعل مع النص بعمق . وتتجسد الجماليات التعبيرية للرمزية الابداعية بالإيحاء والإشارة، حيث تعتمد الرمزية على الإيحاء والإشارة، بدلاً من التصريح المباشر، لتظل إشارة إلى ما لا يقال في النتاج الإبداعي. وهكذا تسمح الرموز بتعدد التاويلات، والقراءات للنص، لتفتح أبواب التأويل على مصراعيه، ومن ثم تستكشف جمالياته الكامنة .

كما ان الرمزية باعتمادها على الصور البيانية، تستولد تأثيرات جمالية اضافية للنص، تتجاوز برمزية صورها الإبداعية، حواجز الواقع المحيط بها، وتفك اسرار مرموزاته.

***

نايف عبوش

"المتحف الصغير".. هكذا ارتأى الفنان فاروق حسني، بكل ما تحمله الكلمة من دلالات التواضع والحميمية والتركيز على الجوهر، أن يسمي أجمل وأغلى ما يملك. حول حلمًا ظل يراود مخيلته طويلاً، ويتراءى له في لحظات الصفاء والإبداع، إلى مشروع ثقافي يروي قصة عمر بأكمله، عمر قضى شطرًا كبيرًا منه في دهاليز السياسة وإدارات الثقافة، لكن قلبه ظل معلقًا بين ريشة وألوان ولوحة.

وعلى الرغم من صغر مساحته، إلا أن هذا المشروع أمسى يمثل نقطة ضوء تشع إبداعًا وجمالا بالألوان. يضم بين جنباته تأثيرات متراكمة، طبقات فوق طبقات من الخبرة الجمالية والتجريب الفني، يستشعر قوتها ووقعها كل من تطأ قدماه تلك المساحة الوديعة الرحبة.

وكتأثير أجنحة فراشة تحرك الهواء بلطف، قد يبدو خفيًا للوهلة الأولى لكن عواقبه تمتد عبر المسافات، تستطيع هذه المساحة المتحفية أن تبعث في الروح شغفًا بالألوان والأشكال والفراغات والخطوط، تلك المكونات الأولية والأساسية لعالم البصر والإبصار.

منذ أن فتح المتحف أبوابه في حي الزمالك العريق، ذي الشوارع الوارفة الظلال والعمارات العتيقة التي تحكي تاريخًا، باتت مساحته الهادئة دليلاً قاطعًا، في زمن مزدحم بالاستعراض والزحام والصخب اللفظي والبصري، على أن الفن والإبداع لا يحتاجان إلى ضجيج بقدر حاجتهما إلى الصدق، ولا إلى الضخامة بقدر احتياجهما إلى العمق، ولا إلى التعقيد بقدر توقهما إلى البساطة الموحية. وبهذا المتحف الصغير ذي التأثير العميق، ستظل تجربة الفنان فاروق حسني واحدة من أبرز وأهم التجارب المؤثرة في تاريخ الفن التشكيلي المصري المعاصر، شاهدة على إرث ثقافي متماسك، ومشروع جمالي متواصل.

قصة الوفاء.. بين الوعد والتحقيق

عند أحد أركانه وقف فاروق حسني، يستقبل محبيه وأصدقاءه، وهم كثر، من مختلف الأجيال والاتجاهات. وبابتسامة انتصار خفيفة تعلو وجهه، قدم لهم جوهرة عمره، لوحاته، وخزانة ألوانه، وما تحمله من رؤيته التجريدية عن الفن والحياة والطبيعة والكون. إنه متحفه الصغير، الذي يحمل تجربته مع الحياة في أكثر من مائة عمل مفعم بالألوان، تتفجر داخلها كافة المشاعر الإنسانية بقوة لا هوادة فيها، من الفرح الأقصى إلى الحزن الأعمق، ومن الثورة الصاخبة إلى التأمل الساكن. من لون البحر الشديد الزرقة، ذلك اللون المتغلغل في ذاكرته الإسكندرانية، وما يمثله من مشاعر تمرد وغضب وعمق لا ساحل له، إلى لون الخضرة اليانعة وما تحاكيه من هدوء وسكينة وطمأنينة ترتوي بها النفس، وحتى لون الأصفر المتوهج وما يمثله من مشاعر إنسانية صارخة أو حتى مشاعر دفينة، كامنة في الأعماق، داخل كل واحد منا.

الكل جاء ليلتقي به وبمنجز حياته، يتأمل مقتنياته ولوحاته وإصراره العنيد على مواصلة التواجد بقوة وسط زخم الحياة الإبداعية والفنية والثقافية، رافضًا أن يكون وزيرًا سابقًا فحسب، مصرًا على أن يكون فنانًا دائم الحضور.

جاءوا والفضول يملأ قلوبهم عما يحويه هذا المتحف الصغير الذي طال انتظاره. سنوات وسنوات مرت وهو يردد في مناسبات شتى، وبإصرار لا يلين، أنه سيترك أعماله ومقتنياته وبيته ليكون متحفًا يتبع الدولة المصرية ووزارة الثقافة، هبة منه للأجيال القادمة.

تبدلت الظروف وتغيرت الأحوال، ومرت الأيام وتحولت المواقف، وظل هو على فكرته راسخًا كالجبل، ووعده ثابتًا كالقطب. حتى جاء اليوم المنشود، فأوفى بوعده، وحول مرسمه الصغير وحديقته البسيطة التي كانت ملاذه الخاص، إلى متحف يحمل اسمه "المتحف الصغير لفاروق حسني". لم يكن تحويل المكان مجرد فعل إداري أو معماري، بل كان تحويلاً للروح، تحويلاً للذات من حيز الخصوصية إلى فضاء العمومية، بكل ما في ذلك من كرم وتضحية.

طبيعة المكان وروحه..

"أول متحف للفن التجريدي في مصر".. هكذا تحدث عنه الفنان فاروق حسني نفسه، وزير الثقافة الأسبق، الذي أطلق عليه اسم "المتحف الصغير" نظرًا لمساحته المحدودة الممتدة داخل دور أرضي لإحدى عمارات حي الزمالك ذات الطراز المعماري المميز، العتيق والأنيق. إلا أن هذا الصغر الظاهري، وهذا التواضع المتعمد في التسمية، لا ينفي أبدًا أن هذا المكان يمثل قراءة شخصية شاملة وعميقة لمسيرة الفنان الإبداعية الطويلة. كل ركن من أركانه، كل زاوية من زواياه، يحمل جزءًا من تاريخه وتجاربه الفردية، رسوماته التي هي سيرة حياته المرئية، صوره الشخصية التي تلتقط لحظات من عمر طويل، أدوات رسمه وألوانه وفرشه الخاصة وهي امتداد لأصابعه وروحه، مكتبه وكرسيه المفضل حيث جلس يفكر ويخطط ويحلم، حتى مكتبته الخاصة المليئة بأمهات كتب الفن والإبداع والمقطوعات الموسيقية أيضًا، والتي كانت تغذي عقله ووجدانه.

كما يضم المتحف أعمالاً فنية لرواد الفن التشكيلي في مصر والعالم، مما يجعله سجلًا لعلاقات فنية وإنسانية امتدت لعقود. فالمتحف الصغير يعتبر مساحة دائمة للحوار الحر بين فاروق حسني الفنان، وفاروق حسني الجامع لمقتنيات فنية، وبين مختلف الفنون والاتجاهات، مع تركيز خاص على الفن التجريدي المعاصر. وهو بهذا يحمل تأثيرًا عميقًا ومحتملاً في حركة الفن التشكيلي المصري، ويمثل إضافة جديدة ومهمة، بل وثمينة، لسجل المتاحف الفنية المصرية التي تزداد ثراء بهذا الصرح الجمالي المتواضع في شكله، العظيم في مضمونه.

رسالة للأجيال القادمة..

"إليهم أترك متحفي الصغير كي يقوموا بإثرائه بأفكارهم ورؤاهم.. هم نخبة من الشخصيات ذات الفكر والثقافة والإبداع".. هكذا تحدث عن المتحف الصغير، بمنطق الأب الروحي الذي يودع أبناءه الفكريين إرثه، واثقًا في قدرتهم على الحفاظ عليه وتنميته. وقد قرر أن يكون هذا المتحف جزءًا من مؤسسة فاروق حسني للفن والثقافة، مما يضمن له الاستمرارية والحيوية. وهو، حسب رؤيته، يسعى لاحتضان شباب المبدعين والفنانين، ويوجه لهم دعوة صريحة وقلبية يرددها "المتحف مفتوح لكل من يرغب من الشباب.. أنتم مرحب بكم في كل وقت..".

هنا، داخل هذه المساحة، يجد الزائر الشاب أو الباحث مكتبة متخصصة في تاريخ الفن والتصميم والعمارة، وأخرى مكتبة موسيقية لكل من يريد أن يبحث ويستزيد وينهل من منابع المعرفة الجمالية. كما يشعر المرء بأن هناك تزاوجًا عبقريًا بين الأعمال واللوحات من جهة، والفراغ والعمارة المحيطة من جهة أخرى، في تناغم بصري أخاذ يريح النفس ويثري العين.

ويضيف الفنان شارحًا فلسفته قائلاً: "المتحف قد يحمل اسمي، لكنني لم أحب أن أستأثر به لأعمالي وحدي.. فضلت أن يحتضن مقتنياتي من أعمال كبار الفن، حتى يشعر الزائر بالسخاء الفني والتنوع الجمالي..". فالمتحف، في النهاية، ما هو إلا احتفاء بوجود كل المحبين والفنانين والمبدعين، واحتضان لهم، كي يؤثروا بدورهم في المجتمع ككل. إنه هدية يقدمها بكل الحب والتقدير، لأن "هم أولى به، وهو أولى بهم"، على حد تعبيره الدافئ، الذي يجمع بين الامتنان والمسئولية.

بين الإدارة والإبداع..

عرف المصريون فاروق حسني وزيرًا للثقافة لأمد طويل، ونصيرًا للفن والإبداع على مدار أكثر من أربعين عامًا. وكان طوال تجربته الحكومية رجل دولة بامتياز، نجح في الحفاظ على مكانته السياسية باحتراف، وتمكن من جمع الوسط الثقافي والفكري بفضل رؤيته وسعة صدره. وبالرغم من دوره السياسي والإداري البارز، الذي قد يبتلع أي فنان، كان يطل سنويًا بمعرض فني جديد يحمل بعضًا من رؤاه وأفكاره الجديدة، لينال حفاوة وتقديرًا مستحقًا من الوسط الثقافي والفني الذي رأى فيه دائمًا الفنان الحقيقي قبل الوزير.

واليوم، في هذه المرحلة المتألقة من عمره، يعود مرة أخرى ليقدم تجربته الحياتية والفنية مجسدة في مكان، ويقوم بحكايتها بنفسه داخل مرسمه الخاص المتحول إلى متحف، متحولًا من وزير إلى راو لفنه، من مسئول إلى حكاء، من مدير إلى مبدع يعرض خلاصة رحلته. إنها تحولات عميقة في الأدوار، لكنها تحولات تظل متماسكة بخيط جوهري واحد هو حب الفن والتفاني في خدمة الجمال.

لغة اللون والخطوط..

يفتح المتحف أبوابه للناس جميعًا، للعارفين والمبتدئين، للنقاد والجمهور العادي، ليشاركوه ألوانه وأحلامه وأفكاره دون حاجز أو وسيط أو تكلف. فهو مساحة حميمية بامتياز، اختارها لتكون بمثابة اعتراف شخصي منه كفنان، اعتراف متاحًا أمام الجمهور بكل شفافية. هناك، يستطيع المتأمل أن يرى تفاصيل عالمه التجريدي الخاص، حيث يصبح اللون هو البطل بلا منازع، هو المحرك والباعث والمعنى. لا نجد في لوحاته حكاية مباشرة ذات تفاصيل وسرد واقعي، إنما عالمًا مليئًا بالإحساس المفعم والخيال الجامح، يحمل رؤية تعيد تشكيل المساحة وتقدم بعض الذكريات المجردة والمشاعر المكثفة، تاركة مهمة استكمال التفاصيل وإدراك المعنى لكل من يراها، لكل عين تتأمل وكل قلب يفتح.

كل ركن في المتحف يشبه صفحة من سيرة غير مكتوبة، تتجاوز تجربة الفنان فاروق حسني الفردية لتمتد إلى تجارب فنانين آخرين، بعضهم من الشباب الواعد الذي يرى في المتحف منارة، والبعض الآخر من رواد الفن المصري العظام الذين رافقوه في الرحلة. حيث يستقبل الزوار عند العتبة تمثال "المحارب" للفنان العظيم آدم حنين، وكأنه يقف شامخًا ليدافع عن صديق عمره وحلمه. وداخل المتحف، ثمة جدار أشبه بجدار التكريم، يضم عددًا من أعمال أهم الفنانين الذين أثروا الحياة الفنية المصرية، منهم أدهم وسيف وانلي، ومنير كنعان، وحامد ندا، ومن قبلهم محمود سعيد. كأننا أمام خريطة علاقات إنسانية وثقافية حية، صنعتها سنوات الفن والإبداع والمودة عبر أكثر من قرن من الزمان.

وداخل المتحف، توجد غرف صغيرة أيضًا في حجمها، لكنها عميقة التأثير في محتواها غرفة تحوي شاشة تعرض كل مقتنياته وأعماله وأفكاره بشكل رقمي. تجلس أمامها، فيأخذك الزمن الفني دون أن تشعر، تستعرض كل شيء، لوحات، إنجازات، بناء متحفي، أفكار إبداعية. هي متحف افتراضي، متحف صغير داخل المتحف الصغير، يثري التجربة ويوسع مداها. وهناك أيضًا غرفة صغيرة أخرى تحتضن جدرانها بعضًا من صوره الشخصية وبورتريهاته، التي يبدو فيها بشكل يشابه لوحاته، مليئًا بالحياة والتأمل، وتتوسطهم لوحته القديمة لمراكب شط إسكندرية، حاملة عبق الماضي وملح البحر وذكريات البدايات.

رحلة مشاعر بصرية

المتحف الصغير يأخذك في تجربة بصرية جمالية راقية وممتعة، مليئة بالألوان التي تتحاور وتتصارع وتتناغم، تنبض بكل المشاعر الإنسانية المتضاربة والصادقة في نفس الوقت. داخله، يستطيع الزائر أن يتأمل لوحات ضخمة يبدو أنها تحكي قصة تمرد أو غضب كوني، ولوحات أخرى أصغر تحمل مسًّا من الهدوء والسكينة، أو يبدو عليها شعور خفي بالرضا والامتنان للحياة. أكثر من مائة عمل فني تستعرض خلطات سرية من الألوان، تكشف عن مشاعر صادقة وأحيانًا صادمة وصارخة، لا يملك كل من يراها سوى التفاعل معها على نفس القدر من الشعور، سواء كان إعجابًا أو حيرة أو سؤالاً.

وقد يحتاج المتحف الصغير لأكثر من زيارة، حتى يتمكن محبو الفن التشكيلي من استيعاب هذا القدر الهائل من المشاعر المتفجرة بقوة، والتي أضفت خصوصية شديدة الذاتية والتميز للجملة التجريدية داخل أعماله الفنية. كل زيارة تكتشف فيها طبقة جديدة، معنى مغايرًا، حوارًا مختلفًا بين الألوان.

موسيقى لونية متمردة..

ثمة مقولة تنطبق على الفنان فاروق حسني، مفادها أن الفنان الحقيقي بطبعه متمرد، ولو لم يكن متمردًا، لظل ثابتًا في مكانه، ولتموت داخله روح الإبداع والبحث. وهو ما انطبق عليه تمامًا، حيث ظل على قناعاته التجريدية راسخًا، يبحث ويجرب ويسبر أغوار الكون من حوله، في رحلة شيقة ومتواصلة من الألوان والخطوط. انطلق من قناعة راسخة بأن التجريد هو الوسيلة المطلقة للتعبير عن المطلق نفسه، عن الجوهر المجرد من القشور. وداخل متحفه الصغير، نجح في إثبات أن التجريد ليس هروبًا من الواقع، بل هو فن راسخ وعميق، يبحث في مطلقات الأشياء والقيم والرؤى، ويمتلك القدرة على الاقتناص من الفكر المطلق والشعور الخالص، وتكثيفه في رسم ذي إيقاع موسيقي فني.

وهذا ما نراه جليًا في لوحاته؛ فهو فنان متمرد على الإيقاع التقليدي، متمرد على مساحة اللون النمطية، متمرد على الخطوط المتعارف عليها، تمردًا من أجل خلق جديد، من أجل لغة بصرية خاصة به. لوحاته تكشف عن رؤية عاطفية ووجدانية وذهنية معًا، تضع المشاعر اللونية في مجال له صيغة نص متكامل، كأنها قطعة موسيقية نراها بالعين لا بالأذن، نسمع ألوانها بإحساسنا لا بآذاننا.

***

د. عبد السلام فاروق

يضم المعرض أعمالا فنية تبرز جوانب تترجم حيزا من تجربتها ضمن العلاقة بالفن التشكيلي والابداع عموما.

تواصل الفنانة التشكيلية الدكتورة عربية غريبي نشاطها الثقافي والفني حيث تعمل على الاعداد لمعرضها الشخصي للموسم الثقافي الجديد وخلال السنة الجديدة 2026 وقد كانت لها مشاركات سابقة ضمن ندوات علمية معنية بالفنون التشكيلية والتراث والفنون كما أنها نجحت قبل سنة في نيل شهادة الدكتوراه بعد مناقشة أطروحتها بعنوان :" تونس "من خلال الرسوم المائية لشارل للمان في اختصاص علوم التراث ( تاريخ– تراث – آثار)، بإشراف الدكتور الهادي جلاب، وذلك بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس.و يأتي هذا التتويج العلمي والأكاديمي في سياق عملها الفني وتواصل تجربتها بين الابداع الفني التشكيلي والتدريس بالجامعة والبحث الأكاديمي وتسعى لدعم حضورها في عدد من المشاركات الفنية التشكيلية فضلا عن الاسهامات الثقافية في فعاليات بتونس وخارجها حيث أقامت بباريس لفترة في مجال تخصصها الأكاديمي ومقتضيات بحثها الذي دام لسنوات ...2317 arabya

و كان Charles Lallemandشارل للمان (1826-1904) موضوع الأطروحة ومن خلال رسومه المائية ..و من ضمن البحث المقدم لنيل الدكتوراه ما يلي "..في أواخر القرن التاسع عشر كانت بلدان المغرب العربي موضوعا للرسم والتصوير من قبل العديد من الرحالة والرسامين المستشرقين ومنهم المستشرق الفرنسي شارل للمان "Charles Lallemand " ( 1826-1904) ،الذي اهتم بالتراث المشرقي والمغاربي فكانت رسومه المائية سنة ( 1890-1892) مستوحاة من تراث تونس حيث رسم لنا المدن والمعمار من( أسوار وأبواب....) كما وثق اللَّباس والحياة اليومية والعادات والتقاليد ومعالمنا التاريخية .فكانت بذلك رحلة مصَّورة لعناصر التراث التونسي فترة الاستعمار ورؤية جمالية رغم نقائها وثغراتها وغاياتها غيرالبريئة!.."..الفن فسحة وجدان وعنوان تواصل وكشف واكتشاف..كانت أعمال بول كلي في رحلته التونسية عنوانا بارزا للقول بالخصوصية التونسية في الألوان والظلال والأنوار..بقيت رسوماته من بدايات القرن الماضي الى يومنا هذا ماثلة أمام الفنانين والنقاد ونشطاء الفنون الجميلة ..هكذا رأى كلي صورتنا وملامح حياتنا وتفاصيلها...و غيره كثر ..الرحالة والفنانون الذين كانوا بيننا عبر التاريخ تركوا شيئا من انعكاس الحالة التونسية على كتاباتهم وتلويناتهم وهنا نذكر لوحات وأعمال شارل للمان الفنية والتشكيلية التي رأى من خلالها تفاصيل تونس من مشاهد وتراث وعادات ومختلف مظاهر الحياة اليومية.. وهو مستشرق رحّالة، خلّف لنا خلال رحلته إلى تونس سنة (1880- 1895) عددا هامّا من الرّسوم المائيّة، ارتبطت بتراثنا المادّي واللاّمادّي وثقافتنا التونسيّة خلال القرن التاسع عشر..2315 arabya

الباحثة والفنانة التشكيلية التونسية عربية المصلي الغريبي اهتمت بهذا المجال في إعداد أطروحة الدّكتوراه وهي متحصلة على ماجستير في جماليّات وممارسات الفنون المرئيّة في اختصاص فنون تشكيليّة بالمعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة بملاحظة حسن بعنوان" النّصوص التّقديميّة للمعارض الفنّية وواقع الممارسة التشكيليّة : نصوص "النّاصر بن الشيخ" و"الحبيب بيدة" نموذجا.خبيرة تكنولوجية تدرس بجامعة القيروان بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان.أقامت عددا من المعارض منها معرض شخصي بعنوان "نافذة تشكيليّة للتراث التونسي من خلال أعمال شارل للّمان" بالمدرسة السليمانيّة بتونس ومعرض جماعي بعنوان "تنويعات" وذلك بفضاء حضرموت بالمسرح البلدي بسوسة والمشاركة في معرض جماعي للفنون التشكيليّة بالمتحف الأثري بسوسة و معرض جماعي تحت عنوان "تجلّيات" بالمتحف الأثري بسوسة.و معرض جماعي تحت عنوان "رؤى تشكيليّة" بالمركز الثقافي الجامعي يحي بن عمر بسوسة.الى جانب المشاركة في ندوات من خلال محاضرات ومداخلات علمية منها مداخلة بعنوان" التراث التونسي: من خلال رسوم المستشرقين ..شارل للّمان نموذجا بفضاء المدرسة السليمانيّة من تنظيم المعهد العالي لمهن التراث بتونس بمناسبة الاحتفال بشهر التراث ضمن محور عام هو التراث بين المحافظة والتّثمين..

هكذا هيالفنانة التشكيلية والدكتورة عربية المصلي الغريبي التي تواصل تجربتها بين الابداع الفني التشكيلي والتدريس بالجامعة والبحث الأكاديمي وقد قدمت عددا من المشاركات الفنية التشكيلية فضلا عن الاسهامات الثقافية في فعاليات بتونس وخارجها وقد أقامت بباريس لفترة في مجال تخصصها الأكاديمي ومقتضيات بحثها الذي دام لسنوات.

و يضم المعرض الشخصي الجديد للفنانة عربية الغريبي أعمالا فنية تبرز جوانب من اشتغالاتها الفنية التي تترجم حيزا من تجربتها ضمن العلاقة بالفن التشكيلي والابداع عموما.

***

شمس الدين العوني

قصص الحب التركية والهندية ملأت الدنيا وشغلت الناس!.. أينما وليت وجهك داهمتك تعبيرات الحب التي شلت اهتمام الناس وإرادتهم، وهان لأجل اتباعها الوقت والجهد والتفكير في ما هو أبعد بقليل من شجون القلب!.. هل ما يحاصرنا اليوم هو الحب حقا أم هامش إلهاء جديد، يخدر العقول كي لا تنشغل بما حولها من أوجاع، وتتعطل حركة الحياة في مجتمعاتنا بفعل اللهاث خلف صراع الديكة في كل عمل درامي؟

لاشك أن لكل أمة تقاليدها الخاصة بالحب، وتعبيراتها المتفردة والخاضعة لطقوس ومثُل وقيم دينية وأخلاقية محددة. وما يجري اليوم من استهلاك درامي مفرط لقصص الحب، إنتاجا وإخراجا ومشاهدة، هو تذويب للاختلاف في بوتقة حب معولم، لا يستهدف في حقيقة الأمر سوى تحرير هذا الشعور من نبله وسموه ليُتخذ وسيلة لتفتيت منظومة القيم، وتحييد الإباحية لتصبح مشهدا اعتياديا على الشاشات وفوق الأرصفة. وقد كان حريا بكتاب السيناريو والمخرجين والمنتجين، ممن يزعمون السعي البريء لتحريك المشاعر الإنسانية في عالم المادة الجلف الغليظ، أن يطلعوا على ما في خزانة الأمة من تقاليد حب امتزجت فيها المشاعر بمثالية خلقية قوامها الطهر والعفاف، واستوعبتها الرسالة المحمدية بمزيد من التهذيب والسمو، فتشكلت صورة عامة للحب تتسامى فوق الغرائز، وتوازن بحرص بين دفقات الشعور ومتطلبات عالم الحس والمادة!

شهدت البادية العربية قديما قصص حب ملهمة، وجديرة بأن تستعاد اليوم ضمن سياق تهذيبي يحفظ خصوصية المجتمع المسلم. قصص يتجلى فيها الحب الروحي الذي وإن كان يأخذ في الغالب منحى مأساويا حزينا، إلا أنه جسد مثالية بالغة السمو في صون المحبوب عن كل دنيئة أو إثم. طبعا لم يكن الحب العفيف هو التمظهر الوحيد للعلاقة بين رجل وامرأة، لكن بعض القصص التي خلدها التاريخ أسست لنموذج مثير في فضاء جاهلي لم يتوان عن استباحة جسد المرأة وتسليعه. ومن أقدم النماذج التي حفظها ديوان العرب: قصة عروة بن حزام الذي أحب ابنة عمه عفراء، وبذل وسعه لتتويج حبهما الطاهر بالزواج، لكن أسرة الفتاة غالت في المهر، فلم يجد عروة بدا من السعي خلف المال في كل مكان. وفور عودته تم إيهامه بأن عفراء ماتت، إلا أن خبر زواجها من أحد أغنياء الشام تناهى إلى سمعه، فرحل إليها، واحتال لرؤيتها ثم عاد مجددا إلى قبيلته بني عذرة حرصا على سمعة محبوبته، وإكراما لزوجها الذي أحسن وفادته. وفي أرض الوطن هاجت العاطفة مجددا، ففزع إلى الشعر يبث في قوافيه آلامه وأشجانه قبل أن تسوء حاله، و يسلمه الوجد والأسى للموت. وما كاد نبأ وفاته يبلغ عفراء حتى أودى بها الجزع للحاق به!

إن أشعار عروة بن حزام جسدت قيما أخلاقية لم تحل العاطفة المتأججة دون الوفاء لها، ولم تفلح المنظومة المترهلة للجاهلية في إفسادها. نحن هنا أمام محب يرضى بالحرمان ويأنف من ارتكاب حماقات تخدش سمعة محبوبته، فلا يحرضها على الهرب وإجبار الأهل على الرضوخ للأمر الواقع، ولا يفسد زواجا فرضته مشيئة الأهل والعوائد والتقاليد. وهي الحماقات التي تشيد بها الدراما المحلية أو المستوردة باسم الحب!

يصف عروة حاله بعد عودته من الشام، وما يضطرم في فؤاده من لواعج الأسى قائلا:

 تحملت من عفراء ما ليس لي به ولا للجــبـال الراسـيـات يــدان

 كــأن قطـــاة عُلقـت بجــناحـــها على كبدي من شدة الخفقان

 جعلـت لعـراف اليمامة حكـمـــه وعـــراف نجـد إن همـا شفياني

 فقالا: نعم نشفي من الداء كله وقــــاما مــع العُـــواد يـبتـــدران

 فـمـا تـركــا مــن رقيــة يعلمانها ولا سُـلـوة إلا وقــد سـقيـانــي

 وما شـفيـا الـداء الذي بي كلــه ولا ذخــرا نــصحــا ولا ألـــوانــي

 فقـالا: شفاك الله، والله ما لــنـا بمـا ضُمنت منـك الضلـوع يــدان

وعلى منوال عروة وعفراء نسجت البادية العربية قصصا عفيفة نذر أصحابها حيواتهم لصون الرباط المقدس، و بذل ولاء عجيب للمُثل في خضم جاهلي يسترخص كل ما حوله، في سبيل شهوة طاغية أو أنانية لا تفتر!

فكان تمسكهم بالطهر والعفاف يسمو بهذه النماذج فوق مستوى الغرائز، حتى لو خلا أحدهما بمحبوبه! يقول جميل بثنية:

 وكان التفرق عند الصبـــا ح من مثل رائحة العنبر

 خليلان لم يقربــا ريــبــة ولم يستخفا إلى منكر.

ومع ظهور الإسلام استشرفت النفوس آفاقا جديدة للحب. وهيأت لها كلمات القرآن معرفة أعمق بالله والنفس والعالم من حولها، فسلك العربي مسالك الهدى والنور ليتخذ مثالا أعلى يتناسب مع عظمة الرسالة. ولم تعد قصص الحب مدعاة للتيه والشرود في الأودية والقفار بعد أن اتسع نطاقه، وارتقت به تعاليم الدين نحو السعي خلف حب الله، ذاك الحب العلوي الذي تصل به النفس غاية الصفاء لتمسك بطرف ملائكي شفاف!

بادر الإسلام إلى تهذيب العاطفة ووصل المشاعر بالقيم. ونهى عن الإسراف في كل شيء لتستعيد النفس توازنها، و العاطفة حدودها المرسومة. وكان السبيل إلى ذاك التهذيب هو الحث على جعل الدنيا مزرعة للآخرة، ولزوم ما يتطلبه حب الله تعالى من اتباع أمره، واجتناب نهيه، والتأسي برسوله. والتحذير من بذل الأوقات في غير ما يعود على المؤمن بخير العاجل والآجل. وتتابعت الآيات والأحاديث التي تقرن الحب بمعان إنسانية أخرى يشرف بها كالرحمة والعدل والصدق، حتى لا يبلغ الحب الفطري بالنفس السوية مرتبة الغلو والإفراط. يقول الله عز وجل: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) الروم، الآية 21. وفي الحديث الذي رواه ابن ماجة وصححه الألباني يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم (لم يُر للمتحابين مثل النكاح). وجسدت معاملته لزوجاته أمهات المؤمنين إطارا للحب في شريعتنا. حب يسمو بالنفس، ويوازن بين انجذابها لاهتزازاته، ومقتضيات الحرص على آصرة الزواج المقدسة والنهوض بحقوقها وواجباتها. إنه حب مقرون بالرحمة لا بالشهوة فحسب، لأن شرارة الانجذاب تخفت وتزول، ويبقى لزاما على المحب قيامه بالحقوق!

وأما مظاهر الحب المعاصر فقد أفسدها زخم الجنس، والاستحضار الوثيق للمصالح المادية والاجتماعية. فمنذ الثورة الجنسية التي شهدها العالم نهاية القرن الثامن عشر ارتخت قبضة التعاليم والقيم، وأصبح ما يسميه جيل ليبوفيتسكي "الاستثمار الزائد للحب " عنوانا على مرحلة جديدة لا تطمح فيها النفوس لغير سعادة قوامها الحب والاكتمال الحميمي، حتى وإن تطلب الأمر ثورة على القيم والمُثل، وتفجيرا للنشاط الجنسي خارج مؤسسة الزواج، وقفزة نوعية في أعداد المواليد غير الشرعيين!

 إنه الحب الذي يعبر عن أنانية مفرطة في العيش بانفصال عن المجتمع بأسره.

وهو الحب الذي يخلف آلاما وأوجاعا وتبديدا للأواصر الاجتماعية، ثم يختتم دورة استحالته بأبشع المآسي.

وهو الحب الذي يحرر غريزة العنف من إسارها، ويئد على نحو مفجع معاني الرجولة والشهامة والمروءة، حين يبيح للحبيب أن يشعل الحرائق في البلد سعيا خلف محبوبته.

قديما سُئل رجل من بني عذرة: ممن أنت ؟ فأجاب: أنا من قوم إذا أحبوا ماتوا!

وحالنا اليوم يكشف عن مجتمع إذا أحب فتيانه وفتياته أهلكوا.. وأتعبوا.. وأماتوا!

***

حميد بن خيبش

اليوم أجلس للكتابة، لكن الحروف تهرب منِّي وبثبات الطلاق البائن، ويبتعد منِّي كل رسمها التركيبي والصرفي جراء الملل الذي يصيبني من ضجر التضايق. كانت حروفي مُكرهة لا أبطال، حين كنت أُحملها ما لا طاقة لها به، من ضنك عيش العياء المستديم للذات والتفكير، ومن ذاك الخواء النفسي الارتجاجي بالتذمر والسخط.

كنت يقظا بالغباء الفطري حين استبدلت الكتابة من رسم الحروف بالهيروغليفية القديمة إلى الكتابة على بياض سحب الهواء العلوية بأناقة التموج والعلة والتسامي. كنت حينها أحمل ذاتي العصية عن التطويع، أمارس تنجيم الكتابة المسمارية. أمارس التجريب في نمذجة الكتابة الشبح، والتي لن تنمحي بسلاسة رقعة الأرضية، ولن يستطيع أحد من ملامستها بالقراءة، أو التدوير بالفرك والعصر وإشعال نقد الشكلانيين الروس.

تختفي كل الأسطر الممشوقة في السماء العلوية، ويبقى الرسم الزخرفي حاضرا بالتفرد، ويحمل كل أمنيات الجنيات. من فرط فرحتي الممتعة، حين تَبَيَّنْتُ باليقين أن هواء السماء لم يعد بالكثافة والبياض، بل تلون بألوان أقلامي التي أعياها بياض أوراقي المبعثرة أرضا وبلا ترتيب تسلسلي لزمن ذكرياتي. كنت حينها أُوازي حركة العالم في دورانه حول نفسه، كي أرتب ذاتي بالترتيق، وضمن سياقات الوجود الممكن. كنت أستعيد ذاكرتي بالكامل قسطا بعد قسط، لكني كنت مشمئزا من تدمُّر تلك الذاكرة الحادة في استرجاع المآسي والأوجاع.

من فضل الوجود كَرما، فقد أعيش بلا هوية ضمن زمن الجدران والسماء ونور نافذة تستهلك أيامي وتزيد من دمار ذاتها بذات الأرض الصغيرة. من عيوني التي أعياها التأسي وتضيق وسعا، وقد أهملت الحلم المستنير. هنا باتت تلك العيون العصية عن الدمع السائل، تصاحب شحوب البشرة الداكنة، وبلا بريق لامع، ولكنها كانت بالضرورة البينة تحمل نوعا من الوعي الكثيف وبلا متغيرات سوداء آتية من مصفوفات مدوناتي.

 كنت أحس حينها أن العالم قد تناساني بلا تذكر عودة، لكن الجدران تشقق وأعلن الثورة على نمط الهدوء والسكون، وبات ينادي بالتغيير، وبالزاوية الناتئة للعدل.

اليوم كانت تلك العيون التي أعياها خواء العياء، لا تدمع بتاتا من التعاسة، مادام القلب ينبض بتلك السرعة النهائية بالاستفاقة، والتي تبحث عن السكينة والأمن، وتخفيض مستويات الأدرينالين من القلق المُغرض في المقاصد. في زيادة الحركة نحو تلك النافدة الضيقة، كانت مستويات البحث عن الفضاء الذي يتغير قد بات ملتصقا بالذاكرة المتصلبة في الماضي الضيق، والتي كنست مستويات الحلم من كل عالمها الداخلي.

في السماء القريبة تصلبت كل كتاباتي المسمارية من عهد بدايات أم اللغات السنسكريتية، وانتعشت بالتشابه والتضامن، حتى أنِّي أصبحت من الأميين الذين لا يفقهون في رسم الحروف قراءة ولا ربطا دالا لغويا. صُدمت من الأمية الفكرية التي تركبني مرات عديدة، ومن تضييع ثقافتي اللامادية كهوية ناسخة لتفكيري، لكن فرحتي زادت ذكاء، حين رأيت كتابي لازالت تحمل توليفات لاصقة من مداد كلماتي التي لا حدود لها غير البحث عن معرفة ذاتي وذاكرني العصية، وبناء عوالم من خوارزميات الثقة والتصالح مع الذات والآخر، وقياس التغيير الممكن.

في نشأة التلاشي المفرط في فوضى الزمن والأمكنة المنظمة، قد أستعيد جزء من ذاكرتي، ولما لا هوية ثقافتي الأولى حتى بالصدمة الراقية. حقيقة رمزية، ما أصعب أن تمتقع لحظة وبكلمات عجلى ومتطفلة بالقراءة الرديئة، وتُسرع في بوح طبول الحرب، ثم تداوم على الصراخ في وحشة درب الحياة، وبجبن الإقدام. ما أصعب أن تحمل أحلامك كما ولدت، وبلا مشيمة لاصقة، ومن خلف كل شيء تشرع في الهروب، وهي بالطبع لم تشخ بالتداول.

 ما أصعب أن تجد أحلامك ترقد خلف الغيوم المطرة، وقد تتساقط ثلجا باردا فوق قمم جبالا لا طائل من المغامرة للوصول إليها. قد يولد العالم من جديد في الحلم وتزكية الذاكرة الماضية، لكنه يبقى في الحقيقة يُعاقبنا بتلك القوانين التي سنتها القوى المهيمنة في ذاك الدفتر الأسود العمودي بالامتداد. لا علينا جميعا، فهو عالمنا جميعا، ومنه بالضبط قد نسقط عندما يرتج الكون بما حمل. 

***

محسن الأكرمين

شكيب: صابر بالفارسية

أرسلان: أسد بالتركية

شكيب أرسلان (25\12\1869 – 9\12\1946)، كاتب وأديب ومفكر وشاعر وسياسي عربي لبناني إشتهر بلقب أمير البيان. غزير الكتابة، ومن أبرز دعاة الوحدة العربية ويجيد عدة لغات (العربية، التركية، الفرنسية، الألمانية). أقام في أوربا وبسط قضايا العرب والمسلمين على منابرها.

دعى إلى التحرر والإتحاد والسير في مواكب النهضة والعلم الحديث، وفند التعارض بين العروبة والإسلام، وبين العقيدة والحكم وأنكر عزل الدين عن المجتمع، وإقتداء الدول الشرقية بالغرب.

ويرى أن تأخرنا سببه غياب العلم، وفساد الأخلاق، ونقص الفضائل التي حث عليها القرآن. كان من أوائل الدعاة لإنشاء الجامعة العربية.

أساتذته:

أسعد فيصل لحفظ القرآن، عبداللة البستاني بعلوم العربية،  وإلتقى الشيخ محمد عبدة والشيخ جمال الدين الأفغاني .

كتبه:

لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم، الإرتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف، تأريخ الترك، الحلل السندسية في الآثار الأندلسية، سوقي أو صداقة أربعين سنة، ديوان الأمير شكيب أرسلان، تأريخ غزوات العرب.

كما إشتغل بالصحافة وأصدر جريدة (لواء الإسلام) في برلين (1921)، وجريدة (الأمة العربية) بالفرنسية في جنيف (1930 - 1938).

وكان من المتنبئين بويلات العرب قبل حصولها بعقود، وحذر منها فحسبوه من المشاكسين والمتوهمين، ولديه أقوال ووجهات نظر متنوعة تخص ما تعانيه مجتمعات الأمة وآليات نهوضها، وهي كثيرة والمقال للتذكير بهذه القامة المعرفية وحسب.

له مواقف كثيرة بخصوص الخلافة العثمانية، وما جرى في الحرب العالمية الثانية وقادتها في ألمانيا وإيطاليا، لا نريد الخوض فيها لأنها تعبر عن تفاعله في أوانها ولا يمكن الحكم عليه من خلالها.

شكيبٌ أنتَ من أُسُدِ الريادِ

وبُرهانُ التقدمِ بالقيادِ

إذا الأقوامُ قد جافتْ سِماها

تزعْزعُها أساطينُ الفسادِ

ألا تبّتْ شرائعُ إفْتراسٍ

مُفعّلةٌ بأرْجاءِ البلادِ

***

د. صادق السامرائي

 

تسعى الخرائطُ إلى أن تكون ثابتة لا تتغير، رغم عبث البشر ومطامعهم وحروبهم، مُتشبثةً بحدودها، التي ترتسم على مساحة الكرة الأرضية بأكملها، مصرّةً على أنّها أمرٌ واقعٌ لا مفرّ منه، وحقيقةٌ ثابتةٌ غير قابلة للنقاش، وإن التجاوز عليها أو إحتلالِ شيءٍ منها، هو الغدر بعينه، وهو استلابٌ فضٌ لحقوقٍ ناجِزةٍ وثابتة.

ومع أن الخرائط، تقر بأنّ الكون كلّه يحفل بمثيلاتٍ لها، إلى درجة يصعبُ معها عدها، وأنّ لكلٍّ منها خصوصيتها ومكانتها وحرمتها، تقر من جانب آخر بأن علاقتها ومعرفتها ببعضها البعض، ليست كافية، أو ليست كما ينبغي، وأن كلّ المؤشرات توحي بأنها ستبقى كذلك إلى أمد غير معروف.

ومن هنا، اختارت أن تتحدث عن نفسها فقط، وعلى نطاق الكرة الأرضية، والكوكب الذي نعيش عليه، تاركة لخرائط الكواكب السماوية الأخرى، أن تتحدث عن نفسها بنفسها، لأن خرائط كلِّ كوكب تختلف عن خرائط غيره.

تلِفُّ الخرائطُ وتدور حول أماكنها، مكتشفةً أشياءً جديدةً لَمْ تدركها من قبل، وهي رغم كونها تعرف جيداً أننا نعيش في عالم كثير التنوع والتقلب والأشكال والصفات، فإن ما تكتشفه لم يكن نابتاً في حدائق خيالها من قبل، إذ أنها، كانت وما زالت، تكتشف الحين بعد الحين، سَحَناتٍ بشرية لم نر مثل ألوانها، ومياهاً بألوانٍ غير مألوفة، وحيوانات لم نشهد ما يماثلها، أو نقرأ عنها في كتب الطبيعة أو الحيوان، وهذا ما ذكّرني بكتاب تراثي هو "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" لمؤلفه أبو عبد الله بن زكريا القزويني المتوفي عام 1283م عن 77 سنة، والذي تناول فيه "علم أوصاف الكون، فوصف السماء وما فيها من كواكب وأبراج وحركاتها وما ينتج عن ذلك من فصول السنة، وتكلم عن الأرض وتضاريسها، والهواء وما فيه من رياح وأنواعها، والماء والبحار، والجزر، وما يعيش من نبات وحيوان في الماء واليابسة".

تقول الخرائط مزهوة أن القزويني قد توفي قبل ما يزيد عن 743 سنة منذ الآن، وأنّ لديها وهي تتحدث في العام 2026م الكثير مما لم يدركه أو يتحدث عنه، بسبب ما حصل منذ رحيله حتى الآن، من حروب وحرائق وزلازل وفيضانات، نتجت عنها تغييرات لخرائط، واستحداثات لخرائط جديدة..؟، ولكنها رغم ما حصل أو ما قد يحصل، سيظل مناها أن تتمسك بحدودها.

وأنا أواصل النظر إلى الخرائطُ، وهي تلفُّ وتدور حول أماكن شتى أراها أو أتخيلها، لا أدري كيف تذكرت رواية "عالم بلا خرائط"، التي صدرت طبعتها الأولى عام 1992، وهي الرواية الوحيدة المعروفة عربياً، التي كان قد تناوب على كتابتها روائيان عربيان مرموقان راحلان هما عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا.

تتحدث هذه الرواية عن قصة حب غريبة بين شخصين ينتمي كلُّ منهما إلى عالم مختلف ولا تجمع بينهما سوى المدينة، التي اخترعها الأديبان وجعلا منها واقعاً، بينما إنّها لا توجد في خريطة أي بلد.

وأنا أكتب هذه الكلمات، يكون قد مرّ وقت غير قصيرعلى قراءتي للرواية، وأنا لست الآن بصدد استعراضها بشكل أوسع أو أوفى، لأنني أردت فقط أن أستذكر كيف أن الإبداع قد قدّم لنا عالماً بلا خرائط. ومن هنا أجيز لنفسي أن تتساءل:

هل هنالك عالم بلا خرائط حقاً؟ وأين نجده خارج رواية منيف وجبرا؟

سؤال صعبٌ ومعقّدُ، والإجابة عنه أكثرصعوبة وتعقيداً.

هذا ما قالته الخرائط، ثم أمرتني بالسكوت. وبعد دقائق معدودات، وجدتها تقول بزهو أنها موجودة في كل مكان، وأن لديها من الحدود ما يكفي لأن ترسمه لكل ما هو موجود، فهنالك خرائط لتفاصيل حياة الأحياء كلها، ولهذه الخرائط ما لها من الحدود، حيث أن داخل كل مخلوق توجد حدود، وأن هنالك بين الناس جميعاً، مهما اختلفت طبيعة ارتباطاتهم حدود وحدود، وتلافياً للاستغراق في الاستطراد والتكرار، يمكن لي أن أوجز ما قالته الخرائط، وباختصار شديد أن الحدود تحافظ على الوجود.

كانت الخرائطُ تتحسر بألم وهي تتحدث عن الحدود، وقالت بصوتٍ باكٍ أنّ الحدود قاتلة، وكم من البشر قد ماتوا، ويموتون، بسببها أو على مشارفها، سيما عندما يتعلق الأمر بحدود جغرافية مستقلة تشكّل دولاً أو أوطاناً.

وأنا أنصت بكثير من الألم والحزن والقلق إلى ما كانت تقوله الحدود، كنت أحس أنها قد عرفت بأنني أرغب بمغادرتها، وقد اتضح ذلك بالفعل، عندما سمعتها تخاطبني : أنت أسيري الآن، وإذا رغبت بأن أطلق سراحك، أو أن تهرب منّي، قستكون أسير حدود أخرى، وعليك أن تتذكر أن الحدود، هي مدارت مترابطة يسلمك الواحد منها إلى الآخر.

لم أفهم ماقالته الحدود بشكل جيد، وكانت الفرحة تغمرني لأنها ستطلق سراحي، وستسمح لي بالانتقال إلى مكان آخر، يمكن أن تتضح لي طبيعة حدوده، بمساعدة دليل سيرافقني. وبدأنا .......

***

خالد الحلِّي

..................

* من كتاب معد للطبع بعنوان "مدن نائمة فوق خرائط حالمة – سوانح وحكايات".

في ترجيحه نيل المعرفة من الكتب يرى الخطيب البغدادي أن ملاقاة العلماء إذا غلب عليها شهوة المباهاة والرياسة، مع الاستحياء من الرجوع إلى الحق، فإن ذلك يُحدث التباغض. و"إذا كانت القلوب على هذه الصفة امتنعت من المعرفة وعميت عن الدلالة. لكن الكتب شأنها غير ذلك، فالمتوحد بقراءتها لا يباهي نفسه، ولا يغالب عقله."(1)

ويأتي كلام الخطيب في سياق الدفاع عن الكلمة المكتوبة، بعد أن ظل العربي أمدا طويلا يراهن على قوة الذاكرة، ويعتز بنقل المعارف مشافهة. هذه الخصيصة التي ضعفت في الأجيال التالية غيرت النظرة إلى النص المكتوب، فصار من دواعي الفخر أن يمتلك المرء مزيدا من الكتب.

إلا أن انتشار الكتاب رافقه ظواهر وسلوكيات استدعت تأطير العلاقة معه، فكان للفقيه حضور بارز في الفضاء الثقافي، وآراء عكست في مجملها إقرارا بدور الكتاب في تحصيل العلم ونشره، وسد الفراغ الهائل الذي ترتب عن اتساع جغرافية العالم الإسلامي.

أثيرت مسائل متعلقة بإعارة الكتب وبيعها، وأحكام المحبسة منها على المكتبات والجوامع. ومع ازدهار حركة الترجمة تشكلت مواقف حول كتب تمس العقيدة، أو تشغل وقت المسلم بمواضيع لا طائل تحتها، ككتب القصص والتنجيم. بل بلغ الأمر حد الإفتاء بعدم جواز إمامة من يقرأها لأنها كذب، ومستحل الكذب كاذب.

يروى عن ابن أبي الحواري أنه غسل كتبه وهو يقول: نعم الدليل كنت لي على ربي، ولكن لما ظفرت بالمدلول فالاشتغال بالدليل محال. غير أن هذا لم يكن حال طُلّاب العلم في أرجاء دولة الإسلام، فقد كان التفريط في الكتب أو ضياعها حسرة دفعت العديد منهم للتحذير من إعارتها، حتى قال شيخ القراء حمزة الزيات: لا تأمنن قارئا على صحيفة، ولا جمّالا على حبل. فكيف يوفق المسلم بين ترغيب الكتاب والسنة بنشر العلم وبذله، وبين صيانة كتبه ومخطوطاته؟

لا شك أن إعارة الكتب كانت ولاتزال أحد أهم وسائل نشر العلم، والخيار الأنسب للتغلب على ارتفاع سعر الكتاب أو ندرته. وفي أمة يحض دينها على طلب العلم ونشره كانوا يعدون إعارة الكتب من صفات العلماء المحمودة. ويبدو أن الأمر لم يسلم من حوادث ضاعت خلالها كتب نفيسة ومخطوطات قيمة، فكان لزاما البحث عن حل وسط تؤطره أحكام وفتاوى فقهية، ويتأسس من خلالها ما يمكن أن ننعته بأخلاقيات الإعارة.

يحكي الإمام أحمد بن علي النخشبي المعروف بالأبار أن رجلا من أهل بغداد امتنع أن يعطيه كتابا له، فقدمه إلى القاضي إسماعيل بن إسحاق. يقول النخشبي: فسألني القاضي عن الكتاب أ بخطي أم بخط صاحبي؟ فقلت: بعضه بخطه وبعضه بخطي. فأمر الرجل أن يعطيني حتى أنسخه، فقال الرجل: أعز الله القاضي، هذا رجل غريب، أخاف أن يذهب بالكتاب، فتوثق لي حتى أعطيه. فقال القاضي له: اِكترِ رجلا بدرهمين في كل يوم، وأقعده معه حتى يفرغ من نسخه.

وقد تشعبت مسائل الإعارة فاختلف فيها الفقهاء على أربعة أقوال:

أولها أن الإعارة مندوبة إن لم يكن في الأمر ضرر، ودليلها قوله تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) البقرة-195. فهي من الإحسان الذين يعين على نشر العلم وتحقيق المنفعة للخلق.

والثاني حمل الأمر على الجواز لما فيها من الانتفاع المباح.

أما الثالث فحملها على الوجوب للمحتاج إليها من طلبة العلم والقضاة والحكام، لأنها من العارية التي يلزم بذلها لمن احتاج إليها إذا كان أهل ثقة. ويستدل الإمام ابن حزم في المحلى بقوله تعالى (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين هم يراءون ويمنعون الماعون) الماعون.4-7.

بينما يرجح القول الرابع كراهية الإعارة لما يترتب عنها من إلحاق الضرر. لكن أهل العلم ناقشوا ما ورد تحته من تعليلات، وبينوا معارضتها لمقصد الإعانة على الخير.

شهد العصر العباسي تطورا كبيرا في أساليب نسخ الكتب ونشرها وتجليدها، خاصة بعد اختراع الورق الذي أحدث قوة دافعة في هذا المجال. ويمكن القول دون تردد أن الزمن العباسي أحدث تغيرا جوهريا في الثقافة الإسلامية من خلال عنايته الواضحة بالكلمة المكتوبة. وكان من تجليات هذا التغير انتشار خزائن الكتب والمكتبات العامة والخاصة، وشيوع الوقف الخاص بالكتب والمطبوعات كدعامة للحركة العلمية والتربوية، وتفعيلا لمقتضى الحديث النبوي الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه:" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له."

سيترتب عن وقف وتحبيس الكتب تجدد المشكلات المرتبطة بالإعارة، لكن هذه المرة من خلال علاقة الفرد بالمؤسسة، سواء كانت مسجدا، أو مدرسة، أو دارا للكتب. وبما أن الوقف من القرابات التي لا يجوز نقضها بعد فعلها، لا للواقف ولا لغيره كما يصرّح بذلك الإمام الشوكاني، فإن الفقيه ضبط الإعارة بما يضمن استمرارية هذا المرفق العلمي والثقافي.

للإمام جلال الدين السيوطي (توفي سنة911هـ) رسالة في هذا الباب بعنوان (بذل المجهود في خزانة محمود). وسبب هذه الرسالة أن مؤسس المدرسة المحمودية بمصر، واسمه جمال الدين محمود السودوني، اقتنى مكتبة رائعة من ورثة القاضي برهان الدين بن جماعة، وشرط ألا يخرج منها كتاب. فما كان من السيوطي الذي ضايقه الأمر، إلا أن اعترض على هذا الشرط، وأورد في رسالته تلك حججا وأدلة على بطلانه.

مما قوى عزم السيوطي في الاعتراض على شرط الواقف أن كلا من القاضي البلقيني والإمام المناوي كان يستعير الكتب من هذه الخزانة، ويذهب بها إلى بيته لتمكث عنده أياما عديدة. وهما إمامان بلغا رتبة الاجتهاد في المذهب، ويصح الاقتداء بهما. أما حجج الاعتراض كما ساقها السيوطي فتتضمن الإشارة إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل الذي يُجوّز مخالفة شرط الواقف إذا اقتضت المصلحة ذلك، واعتماد القاعدة الشرعية التي تُجوّز استنباط معنى يخصصه، وبالتالي السماح بإخراج الكتب لمن يتحقق فيه مقصود الواقف وهو تمام النفع وتمام الحفظ، ثم النظر في عبارة الواقف التي تنصب على مجموع الكتب لا على بعضها، وقد جرت العادة ألا يستعير أحد ما في الخزانة دفعة واحدة.

تكشف نوازل الكتب ليس فقط على علاقة المسلم بالكتاب، وإنما كذلك على جوانب من الحياة الثقافية في بلد ما؛ على اعتبار أن الكتاب أساس الثقافة، والرافعة الجديدة لتبلور شروط نقل المعرفة من المشرق، وإحداث مراكز ثقافية في شتى أنحاء العالم الإسلامي.

من هذا المنطلق يعرض كتاب "المعيار المعرب" للإمام أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (توفي سنة914 هـ) صورة لحضور الكتب في فتاوى" أهل إفريقية والأندلس والمغرب". ومعلوم أن هذا الكتاب هو موسوعة ضخمة، حوت اجتهادات الفقهاء في عواصم الغرب الإسلامي طوال ثمانية قرون. أما مؤلفه فقد بلغ من التحصيل العلمي والمكانة في الفقه والقضاء والفتيا ما جعل الإمام محمد بن غازي، شيخ الجماعة بالمغرب، يُصرّح قائلا: "لو أن رجلا حلف بطلاق زوجته أن أبا العباس الونشريسي أحاط بمذهب مالك، اصوله وفروعه، لكان بارا في يمينه، ولا تطلق عليه زوجته".

في "المعيار المعرب" تبرز مشكلات الإعارة وكتب الوقف، شأنها في ذلك شأن ما جرى في مصر أو بغداد. نجد على سبيل المثال أن الإمام سئل عمن استعار كتبا ثم ادعى ضياعها، فأجاب بأنه إن ثبت تعديه ببينة أو إقرار منه فإن القاضي يشدد عليه بالتهديد بالضرب والسجن لاستخراجها.

وسئل رحمه الله عن كتب ومصاحف حبست على موضع معين، هل يجوز إخراجها والانتفاع بها؟ فأجاب بأن المراد من حبس الكتب تعريفها بذلك المكان، ولا باس أن ينتفع بها خارجه في حيطة حتى ترد إليه. أما اشتراط من حبس كتبا بألا يعطى إلا كتاب بعد كتاب، فقد بين أن ما يراعى هو قصد المحبس لا لفظه، فإذا كان الطالب أمينا يدفع له أكثر من كتاب.

ولارتباط الكتب بأماكن العبادة فقد كان من البديهي أن تثار أسئلة حول حضور كتب أخرى غير القرآن الكريم. سئل الإمام عن قراءة كتب المواعظ والقصص على العامة في المساجد، فأجاب بأن مجالس القصص مكروه عند السلف الصالح، بينما عدّ كتب المواعظ من المستحب الحسن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخول أصحابه بالموعظة، ولا فرق بين كونها كلاما أو قراءة من كتاب، شرط أن يكون صحيحا لا ترده القواعد العلمية.

يقدم "المعيار" صورة طريفة للعناية بالكتاب وهي الاعتراض على وقوعها في يد غير المستحق. سئل الإمام عمن توفي وخلف كتبا فقهية، هل يجبر الورثة على بيعها إن لم يكونوا لها أهلا؟، فأجاب بأنهم لا يجبرون على ذلك ولو لم يكونوا أهلا لها في الحال. وأما من أوصى بأن تدفن معه نسخة من كتاب فقد رد وصيته لأنها لا تصح.

وضع الفقيه بصمته على حركة التأليف والترجمة والنشر التي امتدت جذورها منذ القرن الأول الهجري، من خلال فتاوى واجتهادات تؤطر علاقة المسلم بالكتاب. وتكشف الآراء المتعددة والمتضاربة أحيانا عن قناعة بأن الكتب وعاء حضاري لعقول وإبداعات المسلمين في شتى مناحي الحياة.

من هذا المنطلق مارس الفقيه دوره في تسديد الفعل الثقافي ليتناسب مع مقاصد الشريعة، فكان اعتراضه على رواج وقراءة كتب الخرافات والشعوذة والعزائم والتنجيم وغيرها ينسجم مع مقصد اغتنام الوقت وجمع القلب على العلم النافع، باعتباره عبادة وقربة يُبتغى بها وجه الله تعالى.

***

حميد بن خيبش

..................

1) الخطيب البغدادي. تقييد العلم. ص155

  

سؤال العبور والمعنى

وقف على حافة الجرف العميق، ينظر إلى الأسفل متردّداً، مُجهَداً، ضعيفاً وخائفاً، توقّف عنده كل شيء عن التّدفّق، الدّم في العروق، والوقت والتّفكير، عَلَتْهُ برودة مبهمة، شعر بالغربة، يريد أن يصرخ، يتمرّد، يغضب، لكنّه هرب وأغلق من دونه الأبواب والنوافذ وجميع المنافذ، عَبَرَهُ التّعب واليأس فوقف هناك كأنّه على موعد، كان يظن أنه مازال في الجراب متّسع من الوقت، لكن القطار وصل إلى آخر محطّة، لا أحد يستطيع الرجوع، كل المسافرين انصرفوا إلى أيامهم، وهو هنا، على الجرف ينتظر.

انقطع الأمل، واسودّة الدنيا في عينيه، هناك مرّت بذهنه صورٌ كثيرة، من لحظة ميلاده إلى وقوفه على حافة الجرف ينتظر متسائلا، أين الذين فرحوا وزغردوا يوم مولدي، أنا الآن هنا، انتظر الموت وحيداً، يائسا؟ وحده الآن، مستعدّ للتّخلّي عن نفسه رمياً من عل، انتحاراً، فالموت ليس صدمة اللحظة، بل تراكم أشياء كثيرة رانت على القلب فأظلم وانفطر، يفكّر في الحصيلة التي يحملها، وهو هناك، في لحظة التّوقُّف الأخير، عاف الدنيا وبات على مقربة من مغادرتها، صاح، ومن صوته تفوح رائحة الهزيمة، تعطّلت حواسُّه وهو ينتظر لحظة صحوٍ مفاجئة لن تأتي، يؤلمه مالم يعشه في الأيام الخوالي التي تسلّلت منه باردة، باهتة، عصِيَّة على العيش. تأسّف على الحبّ الذي لم يبح به لها، والشّوق الذي حكم عليه بالكبت، والغضب الذي تراكم داخله حتى انفجر أمراضاً عصية على الطبيب والدّواء، واللقاءات التي أجَّلها ظنّاً منه أن هناك وقتاً، وأن هناك فرصة أخرى، ناسياً أن الوقت لا يتنظر أحدا.

اجتاحت رأسه أسئلة مقلقة، كيف يبدو الموت؟ هل هو جميل حين نقترفه في الأماكن الجميلة كالمكان الذي اختاره هنا الآن؟ أم «نُجمِّلُ الموت حين نتقبّل النهاية؟»1 ، وهل هناك معنى للموت وهو يقترب منا كما في الحياة؟ تجيئه الآن، ولم يدرِ لمَ، كلمات قصيدة «لو عشتُ حياتي من جديد» لبورخيس؟ كانّه ندم عن أشياء وتمنّى لو فعل أخرى، ومات مرتاحاً.

بين عالمين وقف، في لحظة الحقيقة والمواجهة، يرى ما كان وينتظر ما سيكون، بين الكائن والممكن يطرح أكثر من سؤال، تكشّفت هشاشته، فوقف هنا كعابر في ممرٍّ من ظلال، بينه وبين الموت حجاباً شفّافاً، يختبئ في مكان مكشوف، هل له أن يختار بين الموت والحياة وهو في لحظة اليأس الجامحة؟ بين الفناء الذي يتهدّده أو البقاء الذي تبعثرت أوراقه؟

بين الموت والحياة إشارات خفية، أسئلة مقلقة حارقة، لا يقين، نقترب ونبتعد، لا ننظر إليهما كحدثين عاديين، بل حالتين تسكناننا في كل لحظة، في كل نَفَس، ونرى بصدق وبعمق أنفسنا أمامهما فيضطرب المعنى داخلنا.

بالموت نقدِّر الحياة ونَهَبُها معنى، وفكرة الموت تمنحنا الإحساس بالحياة، إذ منذ ولادة الإنسان وهو يحمل بذرة الموت، يداريها، يهرب منها، يسائلها، ذاك ما يفعله وهو يوشك أن يخوض التجربة، وهو في كامل قواه العقلية، وفي لحظات ضعفه القصوى، ينتظر بعيون مبلّلة، ووداعٍ غريب، وعجز ظاهر. مجرّد التفكير في الموت/الانتحار، في النّهاية، يهز مشاعره ويثير مخاوفه، بل يتساءل من أين أتتْه القوة ليقف هنا قاب قوسين من الموت أو أدنى؟ ومن أين له بالصبر ليواجه الموت وهو يخافه؟ كيف نخافه ونحن نحمل بذرته التي تكبر فينا منذ لحظة تشكُّلنا؟ تُنبّهنا الشيخوخة والأمراض والانكسارات واليأس من الحياة، أن الموت منّا قريبٌ كحبل الوريد. الموت هو الحقيقة التي لا تعتريها التباسات أو شكوك، لا تحتاج إلى برهان، لا أحد ينجو منها رغم أننا ننصرف عنها طمعا في سنوات نضيفها إلينا. الآن سيتخلّص من وهم الامتلاك، لن يحمل معه ما حرص عليه، سيغادر وحيداً إلى أفق آخر لا يعلم عنه شيئا، سينتقل من ضجيج الدنيا إلى سكونٍ آخر، ربما غريب، يعرّي، يفضح اختياراته، ينتظر أن يطرق ضيفه الباب. هل يحتاج الموت أن يطرق الباب استئذاناً؟ استفردت به الموت في هذا العراك على حافة الجرف ذي الصّخور الناتئة والمسنّنة والمطلّ على البحر الهادر والصّاخب. تذكّر أشياء ليُهوّن من رائحة الموت، لم يعد مهمّاً إلى أين المصير، فما عاد لشيء قيمة وهو هنا في أقصى حالات اليأس، لا قيمة للوقت، سريعا أم بطيئا سيعبره، تأكّد له، وهو على الجرف ينتظر، أن الموت كان يسير معه كرفيق يذكّره بأن الطّريق له نهاية، قد تختلف النّهايات، وفي النّهاية يُجْبَر الإنسان على أن ينظر إلى الحياة من أعلى، كما ينظر إليها الآن من علٍ، لا تبدو التّفاصيل، بل تظهر الصّور كلها، لأن «الموت محطة للرّحيل أكثر منه محطّة للإياب، إلاّ أنّنا نلوذ به في لحظات انكسارنا» 2.

إن الحياة من دون موت، إلغاء للذات البشرية، إذ به تقاس قيمة الحياة، ولابدّ من الموت كي ينقذنا من الأبدية، أبدية الشيخوخة والعجز، أبدية المرض والألم، أبدية اليأس والخيبات، أبدية الذّل والانكسارات، لذا فكل حي فانٍ، وحين ينفلت الموت من دائرة السؤال ليفرض وجوده، رحمته أو عقابه، يُصبح حقيقة لا تقبل الجدل، لذا فهو يستهدفنا ليُظهر لنا قوته وقيمة الحياة التي نحياها، فالحياة تعبر بجانب الموت، والموت أيضا يعبر بجانب الحياة، «.. حتى مقْدِم تلك اللحظة التي لا مفرّ منها، حين سنقف أمامه وجهاً إلى وجهٍ فينتزع وجودنا أو ينتزعنا من الوجود»3 .

مرّت بذهنه الصّوّر التي عاشها وكل هذه الأفكار عن الموت والحياة، على حافة الجرف، يفتح دفاتره السرية والمعروفة، انتابته رعشة، وبكى خوفاً، بدأت المسافة بينه وبين الموت تقصر، بدأ ريقه ينشف كلّما أوْغَلَ في الانتظار، تسائل: هل ما سأُقدم عليه قرارٌ صائب أم هزيمة؟ وهل نُهزَمُ حين نقف ضعافاً أمام الموت؟ أم مجابهة الموت وجها لوجه انتصار؟

يقترب، وفي كل اقتراب يُطلُّ بذاكرته على جانب من عمره الذي يُحِسُّه يتسرّب منه، يُدَوْزن أوتار سِنِي عمره، يضبطُ الوتر النّشار، ويعدّل الخارج عن النّغم الذي اختاره لحياته، قد فات أوانُ ذلك، حين وقف هنا ينوي وضع حدٍّ لحياته دون أن يقول وصيته أو يكتبها، فكّر في اعتزال الحياة ليرتاح، أصوات لا يعرف مصدرها تصله حزينة وادعة، متوسلة باكية، قوية في الآن نفسه، كيف بعد كل هذا العمر جئت البحر باحثا عن نهاية؟

هناك أسباب كثيرة دفعته للإقدام على الموت، لكن هناك سببٌ واحد قد يعيده إلى الحياة، لكنه صمّم، وقدّر، ثم عزم وحكم، ووقف هنا ينتظر رحلته ليصل قبل الأوان، ليس له أن يقرّر، الموت يأتي بموعد، لكن أن تضع لحياتك حد، أن تنتحر، فذلك وصول قبل الأوان، «فالموت ليس موضوع تأمّل فكري، [أو اختيار]، بل هو تجربة تعاش كما يتعايش المرء مع السر.. فالموت لحظة حاسمة من لحظات هذا الوجود» يقول غابرييل مارسيل.

من أعلى الجرف فكّر كثيرا، هل الموت، أو بالأحرى الانتحار، خلاص أم انهزام؟ وهل بالموت أو بالانتحار نتخلّص من الموت أم نتخلّص منّا؟ تلك لحظات لا يجيب عن أسئلتها إلا من وقف على الجرف ينتظر، أو من عاند الحياة واستسلم لليأس؟

***

(نص): عبد الهادي عبد المطلب

الدار البيضاء / المغرب

....................

1- جلال برجس. دفاتر الورّاق. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط 12 2024. (ص88).

2- نفس المرجع (ص93).

3- من أقوال الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام.

الحس المرهف هو الشعور الوجداني، بالعواطف الرقيقة، بعمق، والتعبير عنها بصدق، وبذلك يمكن للحس المرهف، والمشاعر المتوقدة، أن تؤثر في حياتنا العامة، وتجعلنا أكثر تواصلًا، وتفاعلا مع أنفسنا، ومع الآخرين. ومع ظواهر الطبيعة.

وهكذا فإن الحس المرهف، والمشاعر المتوقدة، والتعبير عن الانفعال العاطفي في اللحظة، هي انفعالات وجدانية مهمة في حياتنا، يمكننا من خلالها التعبير عن مشاعرنا بصدق، والتواصل مع الآخرين بايجابية، وبروح ودية، تعزز علاقاتنا الاجتماعية، وتحسين جودة حياتنا العامة.

ولذلك تظل المشاعر المرهفة، هي اللغة الوجدانية الصادقة، التي تتحدث بها القلوب، ومن هنا فإن الإنسان المرهف الحس، هو من يشعر بكل شيء يحفز عواطفه، ليعبر عنها، ساعتئذ، بانفعالات متوهجة، بعيدة عن التصنع، والاختراع المفتعل.

 وهكذا فإن المشاعر المتوقدة، بما هي عواطف متدفقة، لابد لها ان تؤثر في التفاعل الوجداني مع الاخرين، باعتبارها الوقود المعنوي للعلاقات الاجتماعية، حيث يمكنها أن تؤثر في خياراتنا الشخصية، وفي تفاعلاتنا اليومية، بشكل واضح.

ولاشك ان التعبير عن الانفعال العاطفي، في اللحظة، يعكس صدق المشاعر، ووجدانية الاستجابة، لمحفزات ومضة اللحظة، لتكون عندئذ، جسرا سلسا، للتواصل، والتفاعل .

***

نايف عبوش

أوهكذا رسم محمد القماطي

هذه واحة ـ وِذرف ـ الوارفة بجوار واحة ـ قابس ـ والمستأنسة بواحة ـ شنّني والمَطوية فما أجمل هذه الربوع التي اجتمعت فيها محاسن النخلة وخيرات البحر وطرائف الجبل وصفاء الصحراء ...!

ما أسعدنا عندما وجدنا صديقنا الفنان والشاعر محمد القماطي في انتظارنا على مدرج دار الثقافة بوذرف وقد فرغ لحينه من اللمسات الأخيرة لإقامة معرض لوحاته بالبهو الكبير لدار الثقافة التي وجدناها كخلية نحل وقد انهمك في أنديتها الأطفال ضمن ورشات فنية متنوعة إنهم مواهب المستقبل إذا دأبوا على المثابرة والصقل كيف لا وقد كان صديقنا محمد القماطي مثلهم يافعا ينظر إلى أمه وهي عاكفة على منسج المرقوم تطعمه اللحم والسدى في سنفونية الألوان العجيبة فتستحيل لوحات هندسية بديعة من بين أصابعها وهي تنسجها بلا كلل ولا ملل ومن حظ هذا الفتى أن وجد ذلك الفتى معلما مشجعا له على التصوير وفاتحا له آفاق الرسم !

تمضي السنوات تلو السنوات ويختص الشاب في دراسة إحدى الشعب الطبية لكنه يظل مولعا بفن الرسم يوغل في شتى مدارسه وأنواعه ويقيم عشرات المعارض هنا وهناك في مختلف أنحاء البلاد وفي بعض البلدان الأوروبية لكنه يظل وفيا لبلدته وذرف فيقيم بها معرضه هذا الذي جمع فيه أهم مراحل مسيرته الفنية وكم كان جذلان ومحتفيا بأصدقائه الذين دعاهم واحتفى بهم وقد لبوا دعوته الكريمة بكل اعتزاز مساء الجمعة 16 جانفي 2026...

لوحات الفنان محمد القاطي ترى فيها ظلال النخيل في بعضها وأمواج البحر في بعضها وشموخ الجبال في هذه وامتداد الصحراء في تلك...وبين هذه وتلك ترى بلدة وذرف في أشكال مرقومها وألوانه..!

وفي الختام تحية شكر وسلام

مع باقة ورد.

***

سُوف عبيد ـ تونس

 

من النادر أن أُعيد قراءة كتاب ثلاث مرات في أوقات متقاربة، وإن حدث ذلك، فغالبا ما يكون بعد سنوات من القراءة الأولى، حين يكون جرس اللذة أو عنصر المفاجأة قد خفت، ويغدو الكتاب أشبه بصديق قديم اعتدتُ حضوره، لا يفاجئني كثيرًا.

غير أن كتاب الدكتور ياس خضير البياتي، للأمانة، كان استثناءً لافتا؛ فقد أبحرتُ مع كتابه (خطوط الزمن / سيرة ذاتية) أكثر من مرة خلال يومين فقط، وكأن النص كان يستدعيني للعودة إليه، لا بوصفه كتابا، بل بوصفه ذاكرة حية.

هذا الكتاب أعادني إلى ما يقارب أربعين عاما، وربما أكثر، فمعظم ما احتواه، ولا سيما مرحلة العمل الإعلامي، كنتُ على معرفةٍ واسعة بتفاصيلها من خلال عملي المهني والنقابي، وقربي من الشخوص الذين ورد ذكرهم، وهم زملاء كرام تقاطعت معهم طرق الحياة والعمل.

ليست هذه سيرة تقليدية، كما يصرح المؤلف، بل هي، بحق  صحيفة عمر، مدادها القلب، وعناوينها فصول رجل عاش بين الحبر والطباشير، بين قاعة الدرس وصفحة الجريدة.

كل سطر فيها حكاية، وكل فصل مرآة لرحلة إنسان كتب وطنه بالألم والأمل معا، وحلم رغم سواد العناوين، وحرر نفسه ووطنه قدر ما استطاع، لتبدو هذه السيرة كصحيفة حياة مطبوعة بنبض معلم وصحفي ومواطن، تمنيتُ لو قرأها كل أبناء العراق.

إنها سيرة مواطن عاش غربتين: غربة البعد، حيث الحياة المرفهة والهدوء الظاهري، وغربة الوطن، حيث الغربة الأشد قسوة، حين يكون الإنسان في قلب بلده، لكنه يشعر بالاقتلاع.

نحن إذن أمام كتاب مكتنز بسيرة جديرة بالتأمل، سيرة كتبت في ظروف ظاهرها مفرح، وعمقها حزين. تضادّات حادة رسمتها زوايا الزمن: مواطن يزرع الأمل في أرض جرداء، ووطن يقف مترقبا الفرج على حافة الانكسار، وغربة تنهش الروح، وأخرى تقلع التاريخ من جذوره.

في هذه السيرة مغارات من الدرر الإنسانية المجهولة في حياة البياتي، وما إن نرافقه في رحلة عمره حتى نكتشف عوالم أخرى؛ نلمس الألم والمعاناة، ونبتسم للنكتة، ونمضي دون ملل حتى الصفحة الأخيرة، وقد غرفنا من المعرفة والمتعة الكثير.

يرى البياتي أن الأمس لن يعود، والحاضر لن يدوم، والمستقبل مجهول الملامح. ويقول: تعلّمت من الألم، ورفضت أن أكون رفيقا له، فالحياة بلا فائدة موت ذليل، مثلما أن الشقاء كوكتيل من الألوان المتضادة، والأفكار المتناقضة، وصراع دائم من أجل البقاء.

إنها فلسفة حياة تقوم على التكيف الواعي مع تهديدات الفناء، بحثًا عن بر أمان إنساني.

ويعزز رؤاه بأمثلة فكرية، فيستحضر ما قاله الفيلسوف "كارل يونغ" عن مراحل الحياة، تلك الرغبة الكامنة في داخلنا بأن نظل أطفالًا، وأن نقاوم كل ما هو غير مألوف. ومن هنا، يستعيد البياتي نشأته في منطقة الفضل ببغداد، أواخر أربعينيات القرن الماضي، من أب بغدادي عريق متوسط الحال، وأم موصلية من عائلة معروفة، ليؤكد أن سلسلة مترابطة من الأفعال والمواقف تصوغ شخصية الإنسان الباحث عن معنى وجودي كبير:

لماذا نحن هنا؟

وما جدوى الحياة؟

وما الغرض من الوجود؟

وهي أسئلة شغلت الفلاسفة عبر التاريخ؛ فسقراط رأى في الحياة بعدين: فرديا وروحيا، وأفلاطون عدها شكلا من أشكال المعرفة، وشوبنهاور رآها فوضوية بلا معنى، ونيتشه قاسية، وسارتر وعيا بالوجود والحرية.

وفي زمننا هذا، ثمة من يختزل الحياة في ممتلكات فاخرة وأموال مكدسة، وآخرون يرونها مزحة عابرة، يمرون بها خفافا بلا أثر.

ما شدّني في سيرة الصديق البروفيسور البياتي هو موقفه الأخلاقي في استذكار الأشخاص الذين مروا في حياته، ونبرته الإنسانية تجاه أهله وأسرته ووطنه والإنسان عموما. وهنا تذكرتُ قراءتي لمذكرات رسول حمزاتوف في "داغستان بلدي"، وكتاب "الأيام" لطه حسين، حيث يتجلى حب الوطن والمعرفة بوصفهما قدرا لا خيارا.

وقبل أن أهنئ أبا الحارث الدكتور ياس على كتابه المهم، أود القول إن كتب السيرة هي جنس أدبي رائق، يوثق حياة الإنسان منذ بواكير الوعي حتى مراحل متقدمة من العمر. وقد أدرك العظماء عبر التاريخ أهمية هذا الجنس الأدبي، فكتبوا سيرهم أو كتبت عنهم، مع فارقٍ جوهري بين السيرة المكتوبة بيد صاحبها، وتلك التي يكتبها الآخرون.

وفي كتب السيرة، قديمها وحديثها، كنوز من الحكمة وخبرة الحياة. ويكفي أن نستحضر ما قاله برتراند راسل في مذكراته: ثلاثة شغوفات بسيطة لكنها قوية حكمت حياتي وهي : الشوق إلى الحب، والبحث عن المعرفة، والشفقة التي لا تُحتمل تجاه معاناة البشرية.

وفي الختام، أدعو زملائي الإعلاميين إلى اقتناء هذا الكتاب؛ ففيه تجارب مهنية وإنسانية ثرة، فصاحب السيرة أستاذ جامعي معروف، وصحفي رأس مجلات متخصصة في الإعلام والفنون، وله مساهمات إذاعية وتلفزيونية مؤثرة.

إنه، باختصار، كنز معرفي يستحق القراءة والتأمل

***

زيد الحلي

بعدد أعضائه البالغ ثلاثة ملايين ونصف، بالإضافة إلى عشرين مليون منتسب للمنظمات التابعة له، كان الحزب الشيوعي الأندونيسي ثالث أكبر حزب شيوعي في العالم، بعد الحزبين الحاكمين في الاتحاد السوفياتي والصين. أثار هذا الوضع قلق العالم الرأسمالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية؛ لذا تطلب الأمر جراحة عاجلة تسببت في ارتكاب إحدى أبشع المذابح في التاريخ المعاصر.

في الفترة بين عامي 1965 و1966 أقدم الجيش الأندونيسي على استهداف أعضاء الحزب الشيوعي، قبل أن تنجرّ البلاد نحو أعمال تطهير واسعة النطاق على امتداد عدة أشهر. وتشير التقديرات إلى مقتل نصف مليون شخص، بينما ترجح أخرى أن العدد يصل إلى ثلاثة ملايين. وانتهت المرحلة بإلغاء الحزب الشيوعي كقوة سياسية، وإسقاط الرئيس سوكارنو، ليبدأ عهد جديد من السلطوية بزعامة الديكتاتور محمد سوهارتو.

تحول البلد إلى ما يشبه المصيدة، وتَشكّل داخل أندونيسيا طوق مروع من الصمت إزاء ما جرى. كان من المتعذر حتى مجرد مناقشة الجرائم المرتكبة، فضلا عن المطالبة بالإنصاف وتحقيق العدالة، وهي أمور يكفلها القانون الدولي. وخلال فترة حكم سوهارتو جرى تشويه للأحداث، وتم تلقين الأجيال الناشئة رواية ملفقة لتفاصيل المجزرة المليونية.

خلال السنوات اللاحقة ازدهر في أندونيسيا أدب الشتات، وظهرت أعمال أدبية تنكأ الجرح لتقديم رواية تتطابق مع ما جرى، خاصة بعد أن تم رفع السرية سنة 2007 عن جملة من وثائق الحكومة الأمريكية التي تُثبت تورط جهازها الاستخباراتي في تلك المذابح، وتقدم معطيات كفيلة بإدانة الحادثة وتحريك المتابعة القضائية في حق الجناة. ضمن هذا السياق يبرز اسم الكاتبة ليلى شودوري، والتي تتمحور أعمالها حول مواضيع الذاكرة، والهوية المتصدعة بفعل مرارة النفي والشتات، لبناء سردية واثقة تفكك الرعب السائد.

في روايتها الأولى (الوطن) Pulang، تدور الأحداث حول الصحفي ديماس سوريو الذي اتُهم بالانتماء للشيوعية، ولحسن حظه كان في الخارج لحظة الانقلاب، فتمكن رفقة زملائه من الذهاب إلى الصين ثم إلى باريس، حيث افتتحوا مطعما أندونيسيا، والتقى بشريكة حياته خلال انتفاضة ماي 1968، وأنجب منها ابنته لينتانغ.

تستحوذ الابنة على الأحداث اللاحقة للرواية، حين تستجيب لدمها وتراثها الأندونيسي وتقرر أن تعود إلى البلاد لإنجاز فيلم وثائقي. وهناك ستعاين عن كثب أجواء اضطرابات عام 1998، والتي أفضت إلى سقوط سوهارتو بعد ثلاثة عقود من قبضة الحديد والنار.

تستكشف الرواية تجربة المنفى ونضال الأندونيسي عديم الهوية خارج وطنه، وكيف تؤثر تداعياتها على الجيل اللاحق الذي يسعى خلف الحقيقة. وبأسلوب يمزج بين الخيال والكتابة الصحفية، نجحت الكاتبة في استدعاء الإمكانات السردية لشهادات السجناء السياسيين والمنفيين الذين التقتهم في أماكن مختلفة.

صرّحت شودوري في حوار صحفي مع يومية"Le petit journal" الفرنسية أن الكتب التي قرأتها في كندا، حيث لا توجد رقابة، سمحت لها بالحصول على تفسير آخر لانقلاب عام 1965، ككتاب" المجتمعات المتخيلة" لبنديكت أندرسون. وعند العودة من كندا، توقفت في باريس، وهناك التقت بلاجئين أندونيسيين سابقين، واكتشفت جزءا كاملا من تاريخ البلد لم يسمح نظام سوهارتو بتداوله.   

تدور أغلب مشاهد الرواية داخل مطعم أندونيسي بباريس. ويحقق المزج بين الكلمات الشعرية ونكهات الأطباق الحارة تناغما مذهلا، يربط شخوص الرواية بوطنها في الواقع، بل يجعل من الطبخ فعلا مقاوما لهيمنة الكتابة التاريخية المشوهة:

" بالنسبة لي طهي طبق ما لا يقل أهمية عن كتابة قصيدة. كل حرف يبرز ليجد رفيقه ويشكل كلمة. وينطبق الأمر نفسه على الطبخ. الثوم والفلفل الأحمر ومعجون الروبيان يمكن أن تتناغم جيدا. لكن، هل يتناسب السلمون مع معجون الروبيان؟ أشك في ذلك. من الواضح أنهما ليسا متعارفين أو مقربين أو منسجمين بعد.."

تتنقل شودوري بين الأزمنة بشكل متكرر، لشرح خلفيات الشخصيات من جهة، ولتكريس عبء الازدواجية الذي يرهق جيلين مختلفين: جيل ديماس "الأب"، اللاجئ الذي يتوق للعودة إلى الوطن، وجيل لينتانغ التي نشأت في فرنسا ولا تعرف أرضا غيرها:

" إندونيسيا بالنسبة لي مجرد مفهوم. معرفة يفترض أنها تسري في عروقي، وتشاركني أرضا مع الدم الفرنسي.."

تستمد الرواية واقعيتها من البحث الجاد والمعمق الذي حاولت من خلاله الكاتبة الوصول إلى سياق اجتماعي وتاريخي يقترب من الواقع. تغوص مخيلة القارئ في قصص حية لعدد من المنفيين الذين ناضلوا قرابة أربعين سنة من أجل البقاء، واتخذوا من المطاعم كيانا يخفف من الشعور بالاغتراب، ويقاوم سياسة المحو والإقصاء التي انتهجها سوهارتو ضد الآلاف من أبناء شعبه.

تكتب شودوري بلغة بسيطة، تقترب من اليومي دون أن تقلل من فنية السرد، أو من عمق القيم التي ينشدها كل أديب ملتزم بقضايا مماثلة. وهي في عرضها لشخصيات مستلهمة من الواقع، تقدم سلسلة متكاملة من وجهات النظر السردية، لتوجيه القارئ نحو فهم سياسي معتدل، وهو ما فسره البعض بافتقاد عملها الروائي لروح المبادرة التي تحفز القراء الشباب خاصة لإحداث التغيير.

مما يعمق الشعور بالفجيعة في هذا العمل أن بطل الرواية، ديماس سوريو، لم يكن ممن تبنوا إيديولوجية سياسية محددة ليدرك أن مأساته هي نتيجة حتمية للنضال. لقد عاش كصحفي محترف عذابا لا مبرر له، رغم أنه يُكنّ حبا صادقا لوطنه، ويجدد كل سنة تقديم طلب الحصول على تأشيرة دخول إلى البلد دون جدوى. ذاك الإصرار الذي يأبى الرضوخ للواقع، وقناعته بأنه ابن أندونيسيا وله الحق في وطنه، سيُتوجان بعودته إلى الديار بعد الإطاحة بنظام سوهارتو في ماي 1998.

ولدت ليلى شودوري في العاصمة جاكرتا سنة 1962، ونشرت أولى قصصها في مجلات الأطفال وهي في الثانية عشر من عمرها. ثم التحقت بجامعة ترينت بكندا، حيث حصلت سنة 1988 على درجة الباكلوريوس في العلوم السياسية ودراسات التنمية المقارنة.

 وفي سنة 1989 انضمت إلى مجلة "تيمبو" الإخبارية للعمل كمراسلة صحفية إلى أن تقاعدت أواخر عام 2017، إضافة إلى اهتمامها بكتابة سيناريوهات للمسلسلات التليفزيونية.

حازت شودوري على جائزة أفضل كاتبة سيناريو تلفزيوني في مهرجان باندونغ السينمائي سنة 2007، ثم اتجهت إلى كتابة الروايات التاريخية التي تتناول حملة التطهير المناهضة للشيوعية منتصف الستينيات، ونضال الحركات الطلابية التي تُوّجت بإسقاط نظام سوهارتو.

صدر للمؤلفة رواية (لأجل نادرة) 2009، و(بولانغ) أو الوطن 2012، و(البحر ينطق باسمه)2020، و(اسمي: عالم) 2024، بالإضافة إلى مجموعات قصصية تهتم بالدراما العائلية وحوار التقاليد والحداثة، وحقوق المرأة وغيرها من المواضيع التي تتسم بالجرأة.

تهتم شودوري أيضا بالنقد السينمائي، حيث تقدم سلسلة مراجعات للأفلام على قناة يوتيوب بعنوان (وقت الشاشة مع ليلى. إس. شودوري)، كما تهتم بنقل خبرتها في العمل الصحفي لما يقارب ثلاثين سنة، من خلال تقديم دورات متنوعة للطلاب في الكتابة الإبداعية.

في جواب عن سر تركيزها على التاريخ المظلم لأندونيسيا تقول شودوري: " كان علي أن أبني كل شيء تدريجيا، وأن أخلق عالما متكاملا. كان نظام سوهارتو جزءا من هذا العالم الذي ابتكرته، لكنني لا أعتقد أنه ينبغي للناس أن ينظروا إليه كرواية تاريخية."

***

حميد بن خيبش

تجدر الاشارة إلى أن التفاعل بين الكاتب، والنص، والمتلقي، هو السبيل الذي يتيح للمتلقي، المشاركة الفعالة، في تشكيل النص، من خلال تعميق جماليات سرده، وكشف نقاط قوته.وبيان مثالبه، بما يجعل المتلقي شريكا وجدانيا في عملية الإبداع.

ولاشك ان المتلقي يمكنه التفاعل مع النص بطرق مختلفة، تذوقا للغته، واعجابا ببلاغته، ونقدا لمضمونه.وهكذا يكون النص بمثابة حوار بين الكاتب، والمتلقي، فاذا ما كان دور الكاتب، هو ابداع النص، وتشكيل الإطار العام له، فان الكاتب، وهو يضع نصه للتداول بين يدي المتلقي، فانه بذلك، يسهل للمتلقي المشاركة الفعالة مع النص. 

وبهذا يكون النص، هو الفضاء الذي يلتقي فيه الكاتب، والمتلقي، ليكون المتلقي عندئذ شريكا ابجابيا في تشكيل النص، بحيث يمكن وصفه بالمبدع الثاني له، لاسيما إذا كان المتلقي حاضرا وجدانيا في تعامله مع النص بطريقة تؤثر فيه، بحيث يكون عند ذاك، جزءا من وجدانيات بنية النص.

ولاشك ان لثقافة التفاعل، دورا فعالا، في تعزيز مشاركة المتلقي، في الغور بعمق في ثنايا النص، وبالشكل الذي يزيد النص متعة، وبهاء، ويجعله أكثر جاذبية.

 ولاريب أن لكل متلق تجربته الخاصة، وذوقه الأدبي في تفاعله مع النص، لتكون قراءته تجربة جديدة، في كل تعاط جاد له مع النص.

 كما أن التفاعل الأدبي المتمكن، يعزز روح الإبداع لدى المتلقي، بما يثيره في وجدانه من حافز متوقد للإبداع، في نقده النص، وتدوين ملاحظاته بخصوصه.

وهكذا يكون الأدب التفاعلي للمتلقي تجربة إبداعية جديدة من خلال ما تتيحه للمتلقي من المشاركة الفعالة في تشكيل النص، بما هو حوار متشابك بين الكاتب والنص والمتلقي، ولما يفرزه من ملامح تجربة جديدة.

***

نايف عبوش

تزود الكاتب الناقد الفلسطيني يوسف سامي اليوسف، بنوع متين من الثقافة والاطلاع، الامر الذي اهله للإدلاء بآراء مختلفة وغير مألوفة في الفن والثقافة الفلسطينيين خاصة، ورغم احترامه وتقديره الشديدين لهذه الثقافة واعلامها، فقد تعامل بها برؤية متعمقة بعيدة عن التقديس المُهلك والمدمر للثقافة، ويعتبر رايه في كتابات غسان كنفاني، مثلا، رايا مختلفا وجديرا بالاهتمام.

يوسف سامي اليوسف من مواليد قرية لوبية المهجرة عام 1938، نزح إلى لبنان عام 1948، وغادر إلى سورية سنة 1956، التحق بجامعة دمشق 1960 وتخرج فيها. عاش حياته في مخيم اليرموك، في بيت متواضع بناه "حجراً على حجر"، وعلى مراحل، وكان بيته وكانت مكتبته ملاذاً لأجيال من المبدعين الفلسطينيين والسوريين والعرب المقيمين في سورية، كما شهد الكثيرون من هؤلاء.

سجل كاتبنا سيرته الذاتية في ثلاثة اجزاء، صدر اثنان منها عن "دار كنعان"، في دمشق تحت عنوان" تلك الايام"(هذا العنوان بالمناسبة، هو عنوان ايضا احدى روايات الكاتب العربي المصري فتحي غانم)، ولا يعلم ما اذا صدر الجزء الثالث منها. يعود الوسف فسيرته هذه الى اجداده الاول فيذكرهم بالاسم، الفصل والاصل، حتى يصل الى والده الذي عمل شرطيا في فترة الانتداب، ما قبل قيام اسرائيل، ويستعرض فيها حياته اولا بأول، كأنما هو يريد ان يقدم الى قرائه شهادة تؤكد قصة انتمائه الفلسطيني وكفاحه كانسان مناضل من اجل الوجود والحياة.

كتب اليوسف وصنف العديد من المؤلفات هي: مقالاتٌ في الشعر الجاهلي- دراسة- دمشق 1975والغزل العذري- دراسة – دمشق 1978. وبحوث في المعلقات- دراسة- دمشق 1978. والشعر العربي المعاصر- دراسة- دمشق 1980و، ما الشعر العظيم،- دراسة- دمشق 1981 وكتاب عن غسان كنفاني بعنوان، رعشة المأساة، - دراسة- عمان 1985 وكتاب عن الشخصية والقيمة والأسلوب- دمشق2000 . وكتاب في التاريخ بعنوان "حطين "- دراسة- دمشق، 1987وآخر بعنوان "فلسطين في التاريخ القديم، – دراسة- دمشق، 1989. وكتاب عن" الخيال والحرية" دمشق 2001 و" مقدّمة للنّفري"- دراسة في فكر وتصوف محمد بن عبد الجبار النفري- دمشق، 1997. و"ابن الفارض" – دراسة، دمشق، 1994. وترجم عن الإنجليزية: "الديانة الفرعونية"، و"مختارات من شعر اليوت"Eliot. أما سيرته الذاتية فقد صدر منها جزآن فيما نعلم عن دار كنعان في دمشق ولا يعلم ما اذا كان الجزء الثالث، صدر ام لا.

اتيح لي قراءة بعض من مؤلفاته هذه، لا سيما كتابيه " الخيال والحرية"، و" مختارات من اليوت" و" رعشة المأساة" وهذا الاخير يبحث في كتابات وروايات الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني. يضمن اليوسف كتابه عن الخيال رؤية ادبية واعية وعميقة للأدب، وبإمكاننا اعتبار هذا الكتاب الفريد مدخلا جيدا ومرشدا لقراءة الادب وفهمه، ويلمس قارئ ترجمته لمختارات من شعر اليوت، تمكنه من اللغة الانجليزية وجديته في التعامل معها، اما كتابه عن رعشة المأساة، فانه يقيّم فيه التجربة التراجيدية التي عاشها غسان كنفاني معتبرا اياه نموذجا حيا للتجربة الفلسطينية التي تسببت فيها ظروف قاهرة.. جعلتها تختلف عن معظم التراجيديات في العالم. وهو يقرا كنفاني في كتابه هذا عنه قراءة متعمقة، ترى ما له وما عليه، ومما يقوله بجرأة غير معهود وقائمة، ان روايتي "عائد الى حيفا" و" رجال في الشمس" لا تعدوان كونهما قصتين قصيرتين ممطوطتين، او شيئا من هذا القبيل، وان احدا من نقاد كنفاني الكثيرين لم يتجرا على الادلاء بمثل هذا الراي الجدير بالنظر والمعاينة.

بعد وفاة يوسف سامي اليوسف عام 2013 مباشرة، توجهت الى عدد من الاصدقاء من مديري المؤسسات الثقافية التراثية طالبا ان ننظم ندوة تهدف الى التعريف به، او إحياء ذكراه.. فوعدوا.. ولم يفوا حتى الآن.. فهل اجدد الطلب؟

***

ناجي ظاهر

 

كانت (أبوتسو - ني) (حوالي 1222 – 1283 م) كاتبة مقالات ومذكرات وناقدة أدبية وباحثة وراهبة بوذية وشاعرة تانكا (1) يابانية بارزة وغزيرة الإنتاج من فترة (كاماكورا) (1185 – 1333 م) التي اتسمت بالتحول النوعي العسكري، وشهدت الكثير من التغيرات والمستجدات الأمنية، ونشبت خلالها العديد من الحروب والصراعات بين عشائر الساموراي الكبرى التي كانت تبتغي مصالحها وتسعى لتحقيق أهدافها، مثل حرب (جينبي 1180 – 1185) بين عشيرة (ميناموتو) وعشيرة (تايرا) التي شملت عدة معارك، ومنها معركة (اوجي 1180) ومعركة (دان نو أورا البحرية 1185)، وانتهت بانتصار الأولى. وكذلك ضد المغول الغزاة أيضا (1274 و1281 م) الذين تم ردعهم بمساعدة عواصف إعصارية طبيعية ضربت الأساطيل المغولية (كاميكازي - الرياح الإلهية أو الرياح المقدسة) (2) وغيرها.

كما شهدت فترة (كاماكورا) تشكيل أول حكومة عسكرية (باكوفو – حكومة الخيمة) على يد القائد العسكري (ميناموتو نو يوريتومو) (1147 – 1199) في عام 1192، وتشريع القانون العسكري الياباني الأول بعنوان (غوزيباي شيكيموكو) الصادر عام 1232 ميلادية على يد عشيرة ساموراي قوية ومتنفذة (هوجو)، هيمنت على لقب (شيكن – الوصي الوراثي) على شوغونية (كاماكورا) اعتبارا من عام 1203، مع تعزيز الهوية العسكرية للبلاد لقرون قادمة، والمتمحورة حول صعود الساموراي وانشاء حكومة عسكرية قوية، عملت في ظل قانون عسكري صارم بدلا من الحكم الإمبراطوري التقليدي، مع تعزيز الإقطاعية وترسيخ القيم والمبادىء المنبثقة من البوذية الجديدة. ولكن على حساب الحالة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة في الفترة السابقة (هييان) (784 – 1185 م).

و قد انحسر دور الإمبراطور في هذه الفترة لصالح ألحاكم العسكري (الشوغون) وأمراء الحرب وأتباعهم من الساموراي الذين شكلوا العمود الفقري للجيش، واستحوذوا على معظم الامتيازات في الأراضي والرواتب والمناصب، فتراجعت كتابة اليوميات والقصص والقصائد في البلاط الإمبراطوري على نحو بين مقارنة بما كان عليه الحال في فترة (هييان) الذهبية. وتراجعت مكانة المرأة في ظل الحكم الإقطاعي، وانحسرت فرصها في التأليف الأدبي، فكان معظم أدب هذه الفترة من تأليف الرجال تقريبا، من أمثال الناقد والشاعر الكبير (فوجيوارا نو تيكا) (1162 – 1241 م) والشاعر والكاهن البوذي البارز (سايغيو هوشي) (1118 – 1190 م) والشوغون (الحاكم العسكري) والشاعر المعروف (ميناموتو نو سانيتومو) (1192 – 1219 م) والشاعر اللامع (فوجيوارا نو يوشيتسون) (1169 – 1206 م) والشاعر الراهب (جين) (1155 – 1225 م) والشاعر الفحل (أسوكاي جايو – أسوكاي ماساري) (1241 – 1301 م) وغيرهم كثر.

وذلك بعكس ما كان عليه الأمر في فترة (هييان) المزدهرة التي تمثل بحق العصر الذهبي للثقافة اليابانية، ولشعر التانكا النسوي الياباني على وجه الخصوص، وشهد ظهور شاعرات رائدات، فتحن دروبا جديدة وواسعة في عالم الشعر النسائي الياباني، مثل (أونو نو كوماتشي، إيزومي شيكيبو، كوشيكيبو نو نايشي، إيسي نو مياسودوكورو، موراساكي شيكيبو، غيشومون إن نو تانغو، ونيجوين نو سانوكي) وغيرهن كثيرات.

ولدت الشاعرة والأديبة (أبوتسو – ني) باسم (أنكامونين نو شيجو) في عائلة من بلاط (كيوتو)، وتربت على يد (تايرا نو نوريشيغي)، وكان رجل بلاط من طبقة حكام الأقاليم ذوي الرتبة المتواضعة. وسميت بأسماء عديدة، ومنها (أنكامونين شيجو، أنكانومين إيتشيزين، وأنكانومين أويمون نو سوكي). خدمت الأميرة الإمبراطورية (أنكامونين) كوصيفة (لقب فخري) منذ أن كانت فتاة مراهقة في الرابعة عشرة من عمرها، ومن هنا حصلت على لقبها المدني (أنكامونين نو شيجو). انضمت في شبابها إلى خدمة صالون إمبراطوري معروف، وتلقت هناك تعليما واسعا وراقيا في كتابة الشعر والرسم والخط واستخدام البخور وغيرها من فنون الرقي الأنثوي. اشتهرت بعدها باسم (الراهبة أبوتسو) بعد أن نذرت نفسها للرهبنة البوذية، وعاشت في دير بوذي بارادتها مع معاناة من الفقر المدقع كأم عزباء.

برز اسم (أبوتسو – ني) في التاريخ الأدبي الياباني على نحو بين حوالي عام 1253 عندما تزوجت من الشاعر والسياسي الشهير(فوجيوارا نو تاميي) (1198 – 1275). وكان رجل البلاط المتنفذ والثري وابن الشاعر الشهير (فوجيوارا نو تيكا) (1162 – 1241) مؤسس مدرسة (ريزي) الشعرية، والوريث الرئيسي لأسرة (ميكوهيداري)، وأنجبت منه ثلاثة أبناء، شجعتهم مع والدهم على إتقان فنون الشعر والبراعة فيه. وهم (جوغاكو) المولود عام 1253 تقريبا ومشكوك في نسبه، و(تاميسوكي) المولود عام 1263 (ت 1327) وتاميموري المولود عام 1256. وفي عام 1256 أوصى زوجها (تاميي) بوثائق مهمة تشمل أعمال العائلة ألأدبية ومخطوطات نادرة والعديد من الكتب الكلاسيكية المشروحة من قبل الجد (تيكا) لابنه (تاموجي)، وبعدها لابنه (تاميسوكي) تحت تأثير الأم (أبوتسو)، ووفقا لرسائل محررة خلال الفترة 1272 – 1273، الأمر الذي أفضى إلى اقامة دعاوى قضائية بعد عام 1275.

كانت تلك الأعمال الشعرية والأدبية المهمة التي تركها زوجها بعد وفاته عام 1275 محل نزاع مرير وطويل في المحاكم المحلية والعسكرية (الشوغون) في العاصمة (كاماكورا) التي شاركت فيها في العديد من الفعاليات والأنشطة الأدبية المحلية مع قيامها بتدريس مجموعة كبيرة من الطلاب. وحسم الموضوع قضائيا في عام 1313 تقريبا قبل أن تسمع (أبوتسو) الحكم النهائي بخصوصه، أي بعد وفاتها بفترة، وكان لصالح ابنها الأكبر (تاميسوكي) الذي صار الوريث والحامي لمخطوطات والده الشعرية بحكم القانون (3)، علما كانت قد احتفظت سرا ببعض من أثمن وأندر الوثائق والمخطوطات الخاصة بزوجها المتوفى، نظرا لأهميتها الحيوية وحرصا منها على مصالح ابنها.

وقد ساعدت الوثائق القانونية الوفيرة الخاصة بهذا الموضوع الحيوي والجوهري بالنسبة إليها على الوقوف على سيرة حياة هذه الشاعرة المبدعة والكاتبة الكبيرة على نحو واف، إلى جانب أعمالها الأدبية الكثيرة والكتابات النقدية التي تناولت أعمالها (4). ومن أهم تلك الانتقادات، افتقار عملها (إيزايوي نيكي) إلى التركيز والصقل الأدبي مقارنة بغيره من أعمالها الأدبية، بالرغم من عمقه التاريخي والعاطفي وطابعه التأملي. مع وجود اختلافات أسلوبية في تأليفه عند مقارنته بعملها (نوم متقطع)، وقد عزاه البعض الآخر إلى السنوات الطويلة التي فصلت بينها والظروف الحياتية والأحوال العسيرة التي واجهتها في فترات لاحقة.

و ل (أبوتسو – ني) كتاب مذكرات (يوميات القمر المتضائل - إيزايوي نيكي) المنوه عنه أعلاه، والذي قدمت فيه وصفا دقيقا ووافيا عن ثقافة القصر والمعابد في تلك الفترة الزمنية المهمة والحيوية في تاريخ الأدب الياباني، والشعر الياباني على وجه الخصوص. وتضمنت هذه اليوميات (88) قصيدة تانكا (من أصل 887 قصيدة قامت بتأليفها)، وتعتبر من أهم الأعمال الكلاسيكية اليابانية، وقد نشر مطبوعا منذ عام 1659 وترجم لعدة لغات، ونال اهتماما بحثيا واسعا وخصوصا في الأوساط الأكاديمية (5). ولها أيضا كتاب (نوم خفيف أو نوم متقطع) المشار إليه أعلاه أيضا، وهو عمل نثري رائع. وكتاب (يورو نو تسورو - طائر الكركي الليلي) الذي يعتبر أول كتاب شعري مستقل من تأليف امرأة يابانية، وقد ترجمه إلى اللغة الإنكليزية وقدم له (إريك إستيبان) ونشره في المجلد التاسع عشر 2015 من مجلة (الدراسات اليابانية).

و قد تأثر بها الناقد الأدبي وشاعر الهايكو الياباني الكبير (ماتسوو باشو) (1644 – 1694 م) من القرن السابع عشر، وأشاد بها وأصدر حولها عدة آراء، وقد وصفها بأنها (واحدة من أعظم ثلاثة كتاب رحلات).

كما أدرج بعض أعمالها قديما في الكتب التعليمية الخاصة بالمرأة باعتبارها نتاج الزوجة المخلصة التي يقتدى ويتأسى بها، كما أستشهد ببعض أعمالها الأدبية في الكتب التربوية والتعليمية فيما بعد باعتبارها المرأة المثالية العفيفة النزيهة، وصاحبة موهبة نادرة ومهارة فطرية متميزة، الأمر الذي ساعدها على تخطي الصعوبات والتحديات الجندرية السائدة في زمانها على نحو ناجح (6).

ومن شعرها (مترجم عن الإنكليزية):

كم هي قصيرة هذه الليالي

و كم هي خفيفة الأحلام التي تراودني

أثناء نومي المتقطع

رغم أنني أشد وسادة القش الخاصة بي (7)

لأهجع مطمئنة البال

***

(2)

عندما يكربني الغم

أهيم

في حيرة من أمري

و إن ألقيت بنفسي في غور الشلالات

يا لها من عاقبة وخيمة (8)

***

(3)

تنبري الأمواج التي بلغت

الصنوبرات المنتشرة

على الشاطىء

في الطريق الشرقي

على هيئة زهور أيضا (9)

***

(4)

منخفضة هي نبرة صوتك

يا طائر الوقواق (10)

متى ستفصح عن شهرتك

و أنت تحلق

في عنان السماء؟ (9)

و من شاعرات فترة (كاماكورا) أيضا (كايومونين نو إيتشيزين)، وكانت سيدة نبيلة وشاعرة معروفة من أوائل القرن الثالث عشر. استمرت بالكتابة حتى سنة 1248 وفقا لبعض المصادر الموثوقة. خدمت (فوجيراوا نو شوكوشي) (شيتشيجو – إن) والدة الإمبراطور (غو - توبا) (1180 – 1239) وابنته (كايومون – إن). وهي من (الشاعرات الخالدات ال 36) (نيوبو سانجوروكاسين) التي لا يعرف اسم جامعها وتاريخ جمعها على وجه الدقة (11).

و أيضا (فوجيوارا نو تشيكاكو)، وكانت سيدة نبيلة أبضا وشاعرة مبدعة نشطة من فترة (كاماكورا). لا يعرف الكثير عن تفاصيل حياتها التي ضاعت في غياهب الزمن. لها اسم آخر وفقا لبعض المصادر. وردت قصائد لها في مجموعة (الشاعرات الخالدات ال 36) أيضا.

أما (سايونجي شوشي) المعروفة أيضا باسم (إيفوكو مونين) (1271 – 1342) فكانت شاعرة إمبراطورة وزوجة للإمبراطور (فوشيمي) (1256 – 1317). وردت قصائد عديدة لها في (مختارات فوغا واكاشو الإمبراطورية) التي جمعت بأمر الإمبراطور (هانازونو) (1297 – 1348) وتضم (2210) قصيدة موزعة على عدة مجلدات. قادت مدرسة (كيوغوكو) الشعرية التي شهدت النور على يد (كيوغوكو تاميكو) وشقيقه (تاميكان) في سبعينيات القرن الثالث عشر. وقد شهدت سقوط حكومة كاماكورا والتراجع المستمر لمكانة البلاط الإمبراطوري، ولها قصيدة غرامية تحمل في طياتها دلالات تاريخية خفية بهذا الخصوص.

و هناك (نيجو غيشي) المعروفة باسم (تاميكو) التي ولدت في أواخر القرن الثالث عشر، وكانت شاعرة من أسرة أرستقراطية محبة للشعر، تزعمت مدرسة شعرية سميت باسمها (نيجو)، فوالدها هو الشاعر المعروف (نيجو تامييو) الذي يعتقد بأنه قد علمها فنون الشعر، أما جدها فهو (فوجيوارا نو تيكا). كانت وصيفة للإمبراطورة وتزوجت من الأمير الشاعر (تاكاهارو شينو) الذي أنجبت منه ثلاثة أطفال، ولكنها توفت في سن صغيرة جراء عملية ولادة عسيرة. كانت شاعرة بلاط (يوجيمونين غون – دايناجون)، وساهمت بفعالية في المشهد الشعري السائد آنذاك. أدرجت قصائد لها في مجموعة شعرية إمبراطورية.

***

بنيامين يوخنا دانيال

............................

(1) – تانكا: (من أشكال الواكا قديما)، ويعرف شعر (الواكا) وفقا لعدة مصادرعلى أنه شكل شعري ياباني كلاسيكي عريق وشامل، وضارب في القدم، حيث يعود تاريخ ظهوره إلى فترتي (أسوكا 593 – 710 م) و(نارا 710 – 794 م). وهو فن أدبي رفيع، حظي بمنزلة مرموقة ومكانة محترمة لدى الشعب الياباني لأجيال عديدة ومنذ أكثر من ألف عام. ويشكل مصطلح (الواكا - الشعر الياباني – القصيدة اليابانية) المظلة التي ضمت عدة أشكال شعرية تقليدية يابانية (كاتاوتا وتشوكا وسيدوكا وبوسوكوسيكيكا)، ومنها شعر (التانكا) أيضا الذي قد يكون من أشهر أشكال شعر الواكا، وهومستمد أصلا عن شعر ال (تشوكا – القصيدة الطويلة) في القرن الثامن، ثم أخذ بعدها الشكل السائد (القرنان 9 – 10). وقد أصبح مرادفا للواكا في القرن العاشر الميلادي تقريبا، مع اندثار وخفوت بعض أشكال الواكا الأخرى على نحو تدريجي تقريبا. وقد أستخدم مصطلح (التانكا) على نحو بين، وبشكل متميز في اواخر القرن التاسع عشر بعد أن خضعت قصيدة (الواكا) لعملية تقنين استمرت لقرون. وكان للشاعر والناقد الياباني الكبير (ماساوكا شيكي) (1867 – 1902) من عصر (ميجي) (1868 – 1912) الدور المحوري البين في إحياء وتطوير وتمييز التانكا، داعيا إلى الابتعاد عن أوجه الخيال السائدة قديما، واستخدام اللغة اليومية الحية والملاحظات الدقيقة في تأليفه بدلا من الوسائل الكلاسيكية المعقدة. وفعل كذلك مع شعر الهايكو الذي تطور من قصيدة (الهوكو)، والتي هي جزء من قصيدة التانكا (الأبيات الثلاثة الأولى)، وانفصلت عن الأخيرة في القرن السادس عشر. وغالبا ما كانت تستخدم كافتتاحية في القصائد الأطول مثل (الرينغا). وقد انصب تركيز(شيكي) بادىء ذي بدء على الهايكو، وباعتماد (الواقعية الموضوعية)، ومستمدا مفهومه الرئيسي (شاسي – انعكاس الطبيعة) من جماليات العصور الوسطى الصينية، ثم انتقل بعدها إلى شعر التانكا، وبذات الطريقة. وقد اعتمد (إيتو ساتشو) صاحب مجلة (أشيبي) الأسلوب نفسه، وتبعه أيضا شعراء الشاسي (شيماغي أكاهيكو، ناكامورا كينكيتشي، ناغاتسوكا تاكاشي، وكويزومي تشيكاشي) كما تظهر في أعمالهم المنشورة في مجلة (أراراغي) الشعرية.

و بحسب (ماكوتو أويدا) (1931 – 2020) الناقد والمحرر وأستاذ الأدب الياباني السابق في جامعة ستانفورد (إن قصيدة التانكا هي قصيدة الواكا الحديثة والمحدثة). للمزيد من الاطلاع، ينظر:

1 - Anna Zalewska، What makes a tanka poem tanka ? Modern approachesto from and versification in Japanese tanka poetry، Oriental Languages and Civilizations، pp. 91 – 100 Jagiellonian University Press 2022.

2 – Alexander Dolin، The Fading Golden Age of Japanese Poetry، Akita International University Press 2014.

3 - Beverley George، Tanka: the myriad leaves of words.

https: // www. eucalypt. info

4 - Donald Keene، Shiki and the Tanka.

https: // Columbia Universitypresscholarship. com

5 - J. W. Carey، What is Waka Poetry ?

https: // verslibre. co. vo. uk

6 - أوكا ماكوتو، ترجمة (د. محمد عضيمة)، محاضرات في التقاليد الشعرية اليابانية، التكوين للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق 2016.

7 - نور طلال نصرة، الأدب النسوي في قصيدة الواكا اليابانية.

https: // cinemasumer. blogspot. com

(2) – تقول الأسطورة اليابانية إن عواصف إلهية قد ضربت أساطيل (قوبلاي خان) (1215 – 1294) المغولي الغازية في القرن الثالث عشر وساعدت على انقاذ البلاد. وتشير بعض الحقائق التاريخية إلى هبوب مثل هذه العواصف وقتها، وتأثر القوات الغازية بها فعلا، وبخاصة في الغزو الثاني.

(3) - تم نقض قرار الحكم من قبل محكمة (كيوتو) في عام 1291، فلجأ (تاميسوكي) الابن إلى تقديم دعوى أخرى مضادة، انتهت أخيرا لصالحه لما بلغ ال (50) من العمر.

(4) - كان الصراع مع (تاميوجي) ابن (فوجيوارا نو تاميي) من الزوجة السابقة ووريث أسرة (ميكوهيداري)، فطعن في وصية والده حول الإرث. وقد ورد وصفا وافيا لهذا النزاع القانوني الطويل والمعقد في (مذكرات ليلة القمر ال 16 – نحو 1280 م) ل (أبوتسو). للمزيد من الإطلاع، ينظر (كارولينا نيجري، إيزايوي نيكي: تاريخ تراث متنازع عليه في فترة كامورا 1185 – 1333) المنشور باللغة الإنكليزية في:

Annali de Ca ‘ Foscari Serie orientale. 56 (56)، June 2020

(5) – ينظر:

Edwin O. Reischauer، The Izayoi Nikki، Harvard Journal of Asiatic Studies، Vol. 10، No. 3 / 4 (Dec.، 1947)، pp. 255 – 387.

(6) – للمزيد من الاطلاع، ينظر:

1 - Cristian Laffin، Rewriting Medieval Japamese Women: Politics، Personaloty، and Literary Production in the Life of Nun Abutsu، University of Hawaii Press 2023.

2 - Steph Chun، Politics، Personality، and Literary Production in the Life of Nun Abutsu، University of Hawaii Press 2013

(7) – صنعت الوسائد في اليابان القديمة من أكياس قماش محشوة بمواد طبيعية متوفرة كالقش المجفف وألياف النباتات والقصب، ثم أستخدمت قشور الحنطة السوداء (سوباكاوا) لتوفير الصلابة والتهوية وللمحافظة على تسريحات الشعر.

(8) - كتبت (أبوتسو) قصيدة الوداع هذه بعد أن حسمت أمرها، وقررت أن تترهب لخدمة بوذا للمرة الأولى، وكانت في ريعان الشباب، وبسبب قصة غرامية فاشلة مع نبيل رفيع المستوى خلال عملها لأول مرة في منزل (أنكامونين) على مقربة من (كيتاياما)، فقصت شعرها حتى وصل إلى كتفها، أي على طريقة سيدات بلاط (هييان)، واحتفظت به داخل ورقة ووضعته في صندوق أدواتها الشخصية. ثم توجهت إلى دير بوذي على أطراف المدينة مغمومة مكسورة الفؤاد. ينظر:

Donald Keene، Diaries of Kamakura Period، Japan Quarterly، Vol. 32، No. 3، July – September 1985.

(9) - من كتابها الموسوم (مذكرات القمر المتضائل – إيزايوي نيكي)، ومن ترجمة الأكاديمي والدبلوماسي والباحث في تاريخ اليابان (د. إدوين أولدفادر رايشاور) (1910 – 1990).

(10) – الوقواق: طائر صاخب ومخادع بحجم الحمامة تقريبا، يتطفل على أعشاش الطيور الأخرى. منه (26) نوعا، مثل السوندا والشاحب والهندي.

(11) – وتشمل أيضا (كوداي نو كيمي، دايني نو سانمي، كوناي كيو، تانغو غيشومونين، هاتشيجو إن تاكاكورا) وغيرهن من شاعرات فترتي هييان وكاماكورا. وتمثل اعترافا بأهمية الشاعرات في الأدب الياباني الكلاسيكي والشعر على وجه الخصوص.

يُقدّم الكاتب والشاعر الفرنسي خالد الذكر الفونس دي لامارتين (21 تشرين الاول 1790 - 28 شباط 1869، في روايتيه الهامتين، "جزيلا"، أولا، و"رفائيل" لاحقا، رؤية دافئة للحب الإنساني الراقي، يزيد في أهمية ما يقدمه.. وفي قيمته أيضا، انه اعتمد في كتابته لهاتين الروايتين على تجربته الذاتية.. تلك التجربة التي ابتدأت سخونتها تزداد رويدا رويدا حتى انتهت الى جمرة، تحرق اليد وتشعل الروح.. بنار الفقد والحرمان من اجمل ما خلق الله.. المحبة على هذه الارض.

لامارتين شاعر فرنسي عرف بانه من اهم شعراء الحب والرومانسية، ولد في مدينة لاكان الفرنسية عام 1790 ورحل عن عالمنا عن عمر ناهز التاسعة والسبعين عاما. كتب الشعر وله فيه عدد من المجموعات أهمها " التأملات"، كما كتب الرواية وله فيها روايتان كما سلف، تحدث فيهما عن حبه المتقد المشبوب.

سبق وقرأت هاتين الروايتين وعاودتني الرغبة في قراءتهما مؤخرا، فقمت بقراءتهما واحدة اثر الأخرى. ابتدأت بقراءة الرواية الأولى "جزيلا"، بترجمة إبراهيم النجار، وقد صدرت في أواسط الثلاثينيات، بعدها قرات رواية رفائيل"، بترجمة احمد حسن الزيات، علما ان مجيد غصن قام بترجمة هذه الرواية مجددا، وقد قدمتُ قبل فترة، محاضرة عنها في المعهد الفرنسي في مدينتي الناصرة، قارنت فيها بين الترجمتين. فرأيت ان الزيات قدم ترجمة اعتمد فيها على تمثل الحالة اللغوية الروائية وقام بعدها بتعريبها، وكأنما هي كتبت بلغة عربية جزلة، في حين كانت ترجمة مجيد غصن اقرب الى ما تكون الى النص المترجم المتبع حاليا فيما يقوم اخرون بترجمته من لغات أخرى الى لغتنا العربية.

يَتّبع لامارتين في كتابته لكل من هاتين الروايتين أسلوبا مميزا يركز على التطور البطيء للحدث، لكن الغني في تفاصيله ووصفه للمشاعر، لهذا ليس من السهل تلخيصهما، اما فيما يتعلق بالحدث الروائي ذاته فان مؤلفهما، يحكي في جزيلا عن رحلة الى إيطاليا، قام بها أيام شبابه الاول، وتعرف خلال رحلته هذه على جزيلا، ابنة الصياد الفقير، التي ستقع في هواه، بسبب طيبته وايجابيته في التعامل معها ومع عائلتها، وبسبب انسانيته الدفاقة. تتعلق جزيلا بالراوي، مع علمها انه لن يرتبط بها لبعد الشقة بين عائلته الغنية وعائلتها الفقيرة. وتنتهي الرواية نهاية محزنة مؤسية تتمثل في الفراق الابدي بين اثنين، رجل وامرأة، كان بالإمكان ان يعيشا قصة حب فريدة من نوعها. لكن بدل ان تنتهي هذه القصة الى التواصل والوصال، تنتهي بالفراق، لهذا تحقق نوعا من خلود .. امه الشوق وابوه التوق الابدي.

في روايته الثانية" رفائيل"، واذكر بالمناسبة ان طبعة منها صدرت في بلادنا، قبل العشرات من السنين، وقيض لي ان اطلع عليها في حينها وان اقراها، فان الحدث الرئيسي فيها لا يفترق كثيرا عن الحدث الرئيسي في جزيلا، فهي تحكي قصة حب ملتهب بين شخصية عظيمة يقوم بتقمصها، والتعامل معها على اعتبار انها قناع روائي، هي شخصية الفنان العالمي العظيم، رفائيل، وبين امرأة قست عليها الحياة فاقدتها الام والأب، والقت بها في ميتم للأطفال في ضائقة. في هذا الميتم، او الملجأ، تتعرف على واحد من رجال العلم يكبرها بخمسة اضعاف عمرها، كما تخبر رفائيل في بداية تعرف كل منهما على الاخر، هذا الرجل لا يهمه شيء سوى سعادتها. وعندما يشعر بضيقها الذي سرعان ما يتحول الى معاناة صحية، يرسل بها لتقيم في بلدة سافوا الفرنسية، وهناك يلمحها رفائيل، القادم من باريس العاصمة، ويأخذ في تحين الفرصة للقاء بها. القدر لا يبخل عليه بهذا اللقاء المتمنى، فيتصادف ان تواجه عاصفة قاربا يقلها، فما يكون من رفائيل الا ان ينقذها. هاتان الشخصيتان، يقع كل منهما في هوى الآخر. وتتطور الاحدث الى ان تقوم تلك المرأة المحبوبة بإبعادة عنها، بادعاء تلفقه، ليتبين لنا، نحن القراء في نهاية الرواية، انها انما أبعدته عن معاناتها في ايامها الأخيرة وتقضي هذه الحبيبة ليعيش رفائيل مأساة حياته بفقده الفادح لها. 

كما قلت في كل من هاتين الروايتين، مواقف تسمو فيها احاسيس كل من العاشقين المدنفين المتيمين، الى افاق عالية شاهقة. تبحر في افاق الإنسانية العامة، وتقدمان كما سلف صورا مبهرة للحب الرومانسي الطاهر الحنون. روايتان تدفعان من يقرأهما لأن يتفاعل مع احداثهما، وكأنها تقع الآن وهنا.

***

بقلم: ناجي ظاهر

يعتبر الكتاب الأول في حياة الكاتب الصحفي او الاديب اشارة بانطلاق مسيرته الإبداعية، ونقطة تحول في عطائه، وفيه تظهر موهبته، أسلوبه، وقدرته على التعبير، وتحديد هويته الابداعية، ويعكس نضجه الفكري، ويعزز ثقته بنفسه، ويفتح له الأبواب نحو عوالم القراءة والتأليف الأعمق والأكثر نضجا في لاحق السنين.

لقد لمستُ فرحا كبيرا، لدى اخي وزميلي حاكم الشمري، وهو يعلن اصدار مولوده البكر، كتاب (إمضاءات على جدار ابيض) الذي ضم مقالاته واعمدته الصحفية المنشورة في الصحف والمجلات المحلية والعربية.. وهذا الفرح يزدهي بطموح، يتماهى مع إصرار الصديق الشمري على تقديم ابداعات ثرة بمختلف الاتجاهات الفكرية والاعلامية الساعية الى معالجات في البيئة والاقتصاد والتعليم والاسكان والصحة والاستثمار وتشجيع الدفع الالكتروني وغيرها من امور الحياة .

لقد سعدتُ فعلا، وانا اطالع 184 صفحة، وهي عدد صفحات الكتاب، الذي تزّين بتصميم صحفي جميل، وخطوط فنية وحروف مريحة للعين، حيث لاحظت الوضوح، والجاذبية، والعمق التحليلي، والموضوعية، والاتصال المباشر بالقارئ عبر تقديم رؤية مدعومة بحقائق اجتماعية معاشه، مع إتقان اللغة والأسلوب، وامتلاك الحساسية الصحفية من خلال القدرة على ربط كتاباته بحياة القراء بمختلف اوجههم، كونه يحسن اختيار المواضيع ذات الصلة المباشرة بحياة المواطنين أو تلامس اهتماماتهم العامة، بمقدمات جذابة، حيث يعرض الفكرة بأدلة وشواهد، وخاتمة تستخلص الرؤية أو تقدم النصيحة، وبأسلوب مباشر وموجزة متجنبا التعقيد، جاذبا القارئ لمتابعة كتاباته.

بشكل عام، اقول ان العمود الناجح هو الذي يترك أثراً لدى القارئ، يجعله يفكر، ويتفاعل، ويشعر بأن الكاتب يخاطبه شخصياً بصدق وعمق، مع الحفاظ على إطار مهني دقيق، وهذا ما اكد عليه الزميل الشمري في كتابه الصادر مع بداية السنة الجديدة 2026

***

زيد الحلي

الشاعر "كزار حنتوش" واحد من الشعراء القلائل الذين لا تكتفي بقراءة أشعارهم مرة واحدة، ذلك أنك تكتشف عمقها وجمال لغتها وصورها الشعرية مع كل قراءة جديدة، الأمر الذي يحفز القارئ على العودة إليها بين فترة وأخرى، فهي أشعار غنية بالمعاني والاستعارات الموفقة، بعيدة عن التعقيد، كما ان جمالها ظاهر للقارئ لا يتطلب مجهوداً في فك طلاسمها والتأمل العميق في رموزها واستعاراتها، وهذه واحدة من سمات الأشعار الخالدة.

(أيامي ذهبت) واحدة من قصائد الشاعر "كزار حنتوش" التي ضمتها أعماله الشعرية الكاملة التي صدرت مؤخراً عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بمناسبة ذكرى رحيله التاسعة عشرة، وكنتُ واحداً من المساهمين في إعدادها ومراجعتها، وهذه القصيدة تبدو في ظاهرها قصيدة ساخرة، لكنها تخفي في طياتها الكثير من المرارة والمفارقة لما آلت إليه أيام الشاعر وأيام العديد من العراقيين، قصيدة تزدحم فيها الصور الشعرية المتضادة، والتهويمات الجميلة، والتشبيهات الموفقة التي لا يجيد قنصها وصياغتها إلا شاعر يعرف أسرار المفردة وحسن توظيفها، حيث يصف فيها الشاعر كزار حنتوش أيامه التي ذهبت بكل ما فيها من خيبات وغيم وصحو، وقد حاول من خلال أداة التشبيه (مثل) أن يقرّب الصورة بينه وبين محيطه، محاولاً إظهار قوة العلاقة بين الطرفين . وقد شاع في الشعر العربي القديم والحديث أسلوب التشبيه بأدواته المتعددة ؛ فالسياب -مثلاً- استخدم في قصيدة (عرس في القرية) أداة التشبيه (مثل) أكثر من عشر مرات، منها قوله :

مثل حقل من القمح عند المساء من ثغور العذارى

 تعبّ الهواء حين يرقصن حول العروس منشداتٍ:

 نوارُ اهنئي يا نوار حلوةٌ أنتِ مثل الندى يا عروس

ولكن ما يميز الشاعر "كزار حنتوش" عن غيره في استخدام هذه الأداة أنه وظفها في القصيدة بلغة بسيطة لا تكلف القارئ الكثير من التأمل، كما اختار لها صوراً من الحياة اليومية تقترب من معنى الوصف لا المقارنة. وعلى الرغم من تكرار هذه الأداة في القصيدة، إلا أنك لا تشعر بالملل، إنما تستأنس بإيقاعها وهي تلتقط رديفها من الواقع. وقد اخترتُ هذه القصيدة نموذجاً لتأكيد ما ذهبتُ إليه في مقدمتي.

***

ثامر الحاج أمين

.......................

(أيامي ذهبت)

 كزار حنتوش

 مثل الصيف، مثل شيوعي في "جيبوتي"، مثل مغنٍّ في الديوانية، مثل الليل، مثل "العبدو" *، مثل حياء لا يعرفه أحد هذي الأيام، مثل صديق ينوي أن يقذف جسمك في بالوعة، مثل شمال ما فيه جنوب، مثل حصان يتشمس تحت مظلة إقطاعي، مثل فلسطين، مثل غداء تحت جسور العشار، مثل سعدي الحلي، مثل سماء أخرى، مثل الجندب، مثل "البزون" الجائع، مثل محب في ناحية "الدغارة "، مثل المتنبي، مثل طريق يسلكه بدوي، مثل الشمس في ليلة عيد، مثل تمور تشرى في البصرة، مثل عناق ضرير، مثل الفقمة، مثل الغمة إذ يأذن الرب لها فتفتك بالأمة، مثل العمة إذ يتزوجها رجل لا يعرف فمه من خشمه، مثل الديوانية، مثل صديق يبتاعك سراً أو جهراً، مثل البانزين، مثل كهرباء الديوانية، مثل ممثلنا في المجتمع الوطني، مثل الخبز، مثل القط، مثل الفأرة إذ لا يأكلها أحد، مثل الأدباء، مثل جميع الناس.. أنا مهجور ومطارد ووحيد.

***

.................

* العبدو: من صعاليك الديوانية

 

في المثقف اليوم