أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

برحيل الكاتبة العراقية لطيفة الدليمي في الثامن من مارس 2026 في عمّان، يطوى فصل مهم من فصول السرد العربي المعاصر. فقد كانت هذه الكاتبة واحدة من الأصوات الهادئة والعميقة التي أسهمت، على امتداد عقود طويلة، في بناء رؤية سردية تتجاوز حدود الحكاية إلى فضاءات الفكر والتأمل الفلسفي. إن خسارة الثقافة العربية لاسم مثل لطيفة الدليمي ليست مجرد فقدان كاتبة مبدعة، بل فقدان تجربة إنسانية وفكرية نادرة جعلت من الأدب وسيلة لفهم العالم ومساءلة مصائر الإنسان في زمن التحولات الكبرى.

وُلدت لطيفة الدليمي سنة 1939 في العراق، ونشأت في بيئة ثقافية جعلتها مبكراً تميل إلى القراءة والكتابة. وقد درست اللغة العربية في جامعة بغداد، وهو ما أتاح لها التكوين المعرفي الذي سيغذي لاحقاً مشروعها الأدبي. ومنذ بداياتها في ستينيات القرن الماضي، اختارت الدليمي أن تنتمي إلى تيار أدبي ينظر إلى الكتابة بوصفها فعلاً معرفياً، لا مجرد نشاط جمالي. ولذلك جاءت أعمالها الأولى محمّلة بأسئلة الإنسان والوجود، وبحساسية اجتماعية واضحة تجاه التحولات التي عاشها المجتمع العراقي والعربي.

تميّزت تجربة الدليمي السردية بقدرتها على المزج بين الحكاية والتأمل الفكري. فالرواية عندها ليست مجرد بناء تخييلي، بل فضاء لتقاطع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والحرية والذاكرة. لقد كانت تدرك أن السرد يستطيع أن يكون شكلاً من أشكال التفكير، وأن الرواية يمكن أن تتحول إلى مختبر لاختبار الأفكار والرؤى حول الإنسان والعالم.

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في أعمالها هو انشغالها الدائم بالإنسان في لحظة القلق الوجودي. فشخصياتها غالباً ما تعيش على تخوم التحولات التاريخية، محاصرة بأسئلة المعنى والهوية. ولعل هذا ما جعل نصوصها تبدو أقرب إلى تأملات عميقة في المصير الإنساني، حيث يتجاور الخاص والعام، ويتداخل الفردي مع الجماعي. لقد كتبت عن الحروب، وعن الاغتراب، وعن ذاكرة المدن التي أنهكتها الصراعات، لكنها في الوقت نفسه كتبت عن الأمل الكامن في قدرة الإنسان على إعادة بناء ذاته.

ومن بين المحاور الأساسية في مشروعها الأدبي حضور المرأة بوصفها ذاتاً فاعلة لا مجرد موضوع سردي. لقد سعت الدليمي إلى إعادة صياغة صورة المرأة في الأدب العربي، فابتعدت عن القوالب التقليدية التي تختزلها في دور اجتماعي ضيق، وفتحت أمامها أفقاً إنسانياً وفكرياً أرحب. فالمرأة في نصوصها كائن مفكر، يتأمل العالم ويقاوم القيود الاجتماعية والثقافية التي تحاول تحديد مصيره.

ويظهر هذا التوجه بوضوح في عدد من أعمالها الروائية والقصصية، من بينها رواية عالم النساء الوحيدات التي تُعد من أبرز نصوصها، حيث قدمت فيها رؤية سردية عميقة لعالم النساء في سياقات اجتماعية معقدة. كما أصدرت مجموعات قصصية عديدة مثل ممر إلى أحزان الرجال و"موسيقى صوفية"، وهي نصوص كشفت عن حساسية لغوية خاصة وعن قدرة على التقاط التفاصيل الإنسانية الدقيقة.

ولم تقتصر مساهمة الدليمي على الإبداع السردي فحسب، بل امتدت إلى مجال الترجمة والعمل الثقافي. فقد نقلت إلى العربية عدداً من الأعمال الفكرية والعلمية، وكتبت مقالات في الثقافة والفكر، الأمر الذي منح تجربتها أفقاً معرفياً واسعاً. لقد كانت تؤمن بأن الكاتب لا ينبغي أن ينعزل داخل حدود النص، بل أن يكون منخرطاً في الحوار الثقافي الأوسع.

أما على مستوى الأسلوب، فقد عُرفت الدليمي بلغة شفافة تميل إلى التأمل الهادئ أكثر من ميلها إلى الصخب البلاغي. فالسرد عندها يقوم على بناء تدريجي للعالم الروائي، حيث تتشكل الشخصيات عبر التفاصيل الدقيقة، وتنبثق الأفكار من داخل التجربة الحياتية للشخصيات. وقد منحها هذا الأسلوب قدرة على خلق نصوص تتسم بالعمق الإنساني، دون أن تفقد جاذبيتها الجمالية.

إن قراءة تجربة لطيفة الدليمي تكشف عن مشروع أدبي متكامل، يقوم على الإيمان بأن الأدب قادر على توسيع أفق الوعي الإنساني. فالرواية بالنسبة إليها ليست مجرد وسيلة للتسلية، بل وسيلة للتفكير في العالم، ولفهم التحولات التي يعيشها الإنسان في العصر الحديث. ولذلك فإن نصوصها لا تنفصل عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحرب والمنفى والهوية والذاكرة.

واليوم، بعد رحيلها، يبدو واضحاً أن إرثها الأدبي سيظل جزءاً من الذاكرة الثقافية العربية. فالكتّاب الحقيقيون لا يغيبون تماماً، لأن نصوصهم تظل قادرة على الحياة في وعي القراء وفي ذاكرة الأدب. ومن خلال أعمالها العديدة، ستبقى لطيفة الدليمي حاضرة كواحدة من الكاتبات اللواتي وسّعن أفق السرد العربي، وفتحْن أمامه مسارات جديدة تجمع بين الجمال والمعرفة.

لقد رحلت الكاتبة، لكن عالمها السردي ما يزال مفتوحاً، يدعو القرّاء إلى الدخول إليه واكتشاف تلك الأسئلة العميقة التي ظلت ترافق كتابتها: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته وسط الخراب؟ وكيف يستطيع الأدب أن يكون شاهداً على الألم، وفي الوقت نفسه حارساً للأمل؟

بهذه الأسئلة نفسها سيظل اسم لطيفة الدليمي حيّاً في تاريخ الأدب العربي، بوصفها كاتبة جعلت من السرد طريقاً لفهم الإنسان والدفاع عن كرامته.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

 

برحيل لطفية الدليمي يخسر الأدب العراقي صوتاً نادراً ويترجل صوتٌ أدبيٌّ مميّز من قافلة الثقافة العراقية، صوتٌ ظلّ لسنوات طويلة يكتب بهدوء العارفين وعمق الباحثين عن المعنى. لم تكن الدليمي مجرد قاصة أو روائية، بل كانت مشروعاً ثقافياً متكاملاً، تمزج في كتابتها بين حساسية الأدب وفضاء المعرفة، فتفتح أمام القارئ نوافذ واسعة على العلم والفلسفة والإنسان.

عرفها القرّاء كاتبةً تمتلك لغة شفيفة وقدرة نادرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة كبرى عن الوجود والحرية والوعي. وفي أعمالها كانت المدن العراقية تمرّ كظلالٍ حنونة، وكانت المرأة حاضرةً بصوتها العميق وتجربتها الإنسانية الغنية، بعيداً عن الضجيج، قريبةً من جوهر الحياة. لقد كتبت عن الإنسان وهو يواجه قلق العصر، وعن المعرفة بوصفها طريقاً للخلاص من العتمة.

امتازت تجربتها الأدبية بخصوصية واضحة؛ فهي من القلائل الذين أدخلوا العلم والفكر العلمي إلى السرد الأدبي العربي بهذا القدر من الرهافة والوعي. كانت تؤمن أن الأدب لا ينفصل عن أسئلة الكون الكبرى، وأن الكاتب ليس مجرد راوٍ للحكايات، بل شاهدٌ على عصره، وحارسٌ للمعنى في زمن الاضطراب.

ومع رحيلها يخسر الأدب العراقي والعربي قامةً ثقافيةً وضميراً إبداعياً ظلّ وفيًّا للكلمة النزيهة. غير أن الكتّاب الحقيقيين لا يغيبون تماماً؛ فهم يتركون في كتبهم حياةً أخرى، تمتد في ذاكرة القرّاء وتواصل الحوار مع الأجيال الجديدة.

ستبقى لطفية الدليمي حاضرة في قصصها ورواياتها ومقالاتها، وفي تلك الروح المعرفية التي بثّتها في نصوصها، حيث يمتزج الجمال بالتأمل، والسرد بالفكر، والحلم بالمعرفة.

رحلت الجسد، لكن الكلمة التي كتبتها ستظل حيّة، تمضي من قارئ إلى قارئ، ومن زمن إلى زمن، شاهدةً على أن الأدب الصادق لا يشيخ ولا يختفي.

سلامٌ لروحها،

وسلامٌ للكلمات التي تركتها لنا ضوءاً في دروب القراءة والمعرفة، وللكلمات التي ستظل تمشي بيننا، حتى بعد أن غابت صاحبتها.

***

جورج منصور

لماذا لا ينضجُ المعنى إلا على حوافّ الفقد؟ ولماذا لا نُبصرُ بهاء الأشياء إلا وهي تُنتزعُ من جذورِ أرواحنا؟ هو ذاك السؤالُ السيزيفيُّ الذي يحرثُ وجودنا كلما داهَمَنا مساءٌ منتحبٌ لا يتركُ لنا إلا صدى خيباتنا

لمن نبكي الآن؟ والوجودُ خلفنا يتبخر والأشياءُ التي ظننّاها أبديةً تفرُّ من بين أصابعنا كالسراب

​أذكرُ تلك اللحظة في المشفى حين كنا نحيطُ بسريره كأشجارٍ يابسةٍ ضربها الإعصار كنتُ متكتلةً على نفسي منزويةً في ركنِ ذهولي أحاولُ أن أسترقَ من صدرهِ نفساً واحداً يطردُ فكرةَ الرحيل

 في ذلك الضيق زحفت إليّ الذكرياتُ كأشباحٍ تعاتبني استحضرتُ أوجاعهُ الصامتة التي كان يغلفها بهيبةِ كبريائه وحين نطق الطبيبُ بحكمِ الإعدام: (لقد غادر الحياة)

 لم تكن مجرد جملة إنما كانت فأساً هشّمَ مرآةَ كوني

 في تلك اللحظةِ الرهيبة فرغت الغرفةُ من ركامها البشريّ رغم ازدحامِ إخوتي حولي سقطتُ في ثقبٍ أسود من الغربة وجدتُني وحيدةً تماماً وسط الزحام

 أدركتُ حينها أن الامتياز الذي كنتُ أرتديهِ كدرعٍ ليحميني في وحدتي انهار مع أولِ صرخةِ غياب

​يا الله! كم استبدَّ بي الزهو حين ضربتُ بنصحهِ عُرضَ الحائط! ظننتُ في لحظةِ طيشٍ وجودي أن الثباتَ صفةُ الدنيا وأن الجدارَ الذي أستندُ إليه منذُ وعيتُ على الأرض سيظلُّ شامخاً بوقارهِ ودِفئه وعذاباتهِ التي كانت تفيضُ حُبّاً مبطناً

 لم أتوقع أن ينكسر ذاك الجبروتُ بلمحةِ بصر

كنتُ أمارسُ تجاهلاً مقدساً للحقيقة حتى هوى السقفُ فوق رأسي مع صعود روحه إلى السماء

كان صوتهُ في مكالماته الأخيرة يأتيني الآن كأجراسٍ جنائزية تخترقُ صمتَ الغرفةِ لتعذبني بما أضعته

كنتُ حينها غارقةً في كتبي أطاردُ أحلامي الجامعية في بلاد الغربة بينما كان هو يطاردُ طيفي بكلماتٍ لم أدرك أنفاسها الأخيرة إلاّ الآن:

(​لا تتركي الغربةَ تسرقُ ملامحكِ)

​(هل يكفيكِ ما معكِ من مال؟)

(متى تعودينَ لتضيئي الديار؟)

​(متى تزفينَ إليّ فرحةَ زواجكِ؟

​كنتُ حينها أُتقنُ فنَّ الهروب أراوغُ الحوار وأتجاهلُ نبض الخوف في نبرته

 واليوم وأنا محاصرةٌ بين أربعةِ جدرانٍ باردة أجدُ عواطفي مشلولةً تماماً أمام جلالِ الموت أتساءلُ والحرقةُ تأكلُ حنجرتي:

لماذا لا نقدّسُ أشجارنا العظيمة إلا حين تجتثها الريح؟

​يأتي السؤالُ كالعلقم لزجاً كطعمِ الفقد..

​ألملم شتات روحي لكنني أقتفي أثرهُ في كل خطوة

لماذا ؟ غيبه الموت ؟

 يأتي السؤال مراً مستنكراً الحقيقة

 ألملمُ نفسي وأتماهى مابين حزْني و رائحة الموْت

وأحملُ نصائحهُ كتميمةٍ أخيرة

 وأمضي أتَرحَّم

***

مرشدة جاويش

 

وُلد الباحث والناقد ثامر الحاج أمين سنة 1955م في مدينة الديوانية، تلك المدينة التي نهضت على ضفاف الفرات محمولةً على نغمة “الحسجة” الفراتية، وأنجبت أجيالاً من الشعراء الشعبيين الذين صاغوا وجدان الجنوب العراقي وأهدوه موسيقاه العميقة ولهجته المتفردة. في هذه البيئة المشبعة بالشعر والإنشاد، تشكلت ملامح وعيه الأولى، فكانت الديوانية أكثر من مدينة ولادة ؛ كانت رحمًا ثقافيًا صاغ حساسيته الأدبية ووجه شغفه المبكر نحو الكلمة.

أكمل دراسته الأولية فيها، ثم انتقل إلى كلية القانون ليتخرج محاميًا ناجحًا، جامعًا بين صرامة النص القانوني ورهافة النص الأدبي، في تزاوج نادر بين العقل التحليلي والروح الشاعرة. غير أن القانون لم يكن سوى أحد مساراته، أما مساره الأصيل فظل الأدب، حيث كان منذ صباه مولعًا بالشعر، نهمًا للقراءة، يلتهم الكتب التهامًا، حتى نمت ملكاته الأدبية واتسعت رؤيته النقدية. وما إن بلغ ريعان الشباب حتى بدأ يكتب، ليجد طريقه سريعًا إلى النشر، ويغدو واحدًا من الأسماء الحاضرة في المشهد الثقافي العراقي بفضل قدراته الأدبية ونشاطه المتواصل، أصبح عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، ثم انتُخب رئيسًا لاتحاد الأدباء والكتاب في الديوانية لدورتين متتاليتين، وهو منصب لم يكن مجرد موقع إداري، بل منصة ثقافية مارس من خلالها دوره التنويري، وأسهم في تحريك الحياة الأدبية في مدينته، وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي العراقي العام. وكان حضوره مائزًا في المحافل والمهرجانات والأنشطة الثقافية داخل الديوانية وخارجها، حيث عُرف بحيويته الفكرية وقدرته على إدارة الحوار الثقافي بروح منفتحة ومسؤولة.

بدأ مسيرته الأدبية في مطلع السبعينيات بكتابة القصة القصيرة، ونشر عددًا من نصوصه في الصحف العراقية الصادرة آنذاك، قبل أن يتجه تدريجيًا إلى الدراسات النقدية والمقالات الفكرية. وقد نُشرت كتاباته في طيف واسع من الصحف والمجلات العراقية والعربية، من بينها:(الصباح، الزمان، طريق الشعب، المؤتمر، الدستور، الحقيقة، البينة الجديدة، الصباح الجديد، بغداد، الاتحاد، الشرارة، القدس العربي، القبس الكويتية، مجلة الثقافة الجديدة، مجلة التراث الشعبي)، وهذا الانتشار الواسع يؤشر إلى حضوره المؤثر، وإلى الثقة التي نالتها كتاباته من المؤسسات الثقافية والإعلامية.

عُرف ثامر الحاج أمين بين زملائه بعلاقته الحميمة بالوسط الثقافي، وبروح المودة والتواصل التي نسج بها شبكة واسعة من الصداقات الأدبية داخل مدينته وخارجها، كما تميز بقدرته على اختيار الموضوعات “البِكر”، المثيرة للاهتمام، تلك التي لم تُستنفد نقديًا، فكان نصه غالبًا يحمل طزاجة السؤال وحرارة الاكتشاف. ولهذا غطّت مقالاته مساحات واسعة من الصحف والمجلات، وارتبط اسمه بالبحث الجاد والتنقيب الدؤوب في المنجز الإبداعي العراقي، غير أن دوره الأبرز يتجلى في وفائه النادر لزملائه الراحلين، إذ لم يكتفِ بالرثاء العابر، بل انشغل بجمع نتاجهم، وتوثيق تجاربهم، وكتابة الدراسات عنهم، حتى غدا بحق مؤرخًا أدبيًا غير معلن لمدينة الديوانية. ولولا جهوده في الجمع والتوثيق، لضاع الكثير من نتاج شعرائها وكتابها، كما ضاع غيره في غبار الإهمال والنسيان. لقد تصدى لمهمة شاقة: إنقاذ الذاكرة الثقافية من التآكل، وحماية التراث الإبداعي المحلي من الضياع.

أما إصداراته، فهي تشكل خريطة واضحة لاهتماماته النقدية والإنسانية، ومرآةً لتحولاته الفكرية والجمالية:

ساهم عام 2008 في إعداد ومراجعة وطبع المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي الراحل كزار حنتوش، في عمل توثيقي بالغ الأهمية.

وفي العام نفسه أعد وقدم ديوان الشاعر صاحب الضويري الموسوم " كتابات على جدار الزمن ".

عام 2011 صدر له عن دار تموز في دمشق كتاب «نهارات مشمسة»، الذي ضم قراءات في عدد من التجارب الإبداعية.

وفي عام 2015 صدر له عن دار كانون كتاب «ما يمكث في القلب»، وهو سياحة عميقة في فضاءات إبداعية مختلفة.

عام 2020 صدر له ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب «سيرة وجع عراقي»، متناولًا محطات من التجربة الحياتية والإبداعية للشاعر الراحل علي الشباني، في عمل يجمع بين النقد والسيرة والوفاء الإنساني.

عام 2021 صدر له عن دار نيبور كتاب «مرايا الطين»، الذي ضم إضاءات نقدية في نصوص إبداعية متعددة.

عام 2023 صدر له ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب «قطاف ما بعد الموسم»، جامعًا مقالات سياسية واجتماعية وأدبية.

عام 2024 صدر له عن دار رؤى للطباعة والنشر كتاب «التحليق في سماء ممطرة»، وهو مجموعة مقالات نقدية تعكس نضج رؤيته التحليلية.

وفي عام 2025 صدر له عن دار رؤى أيضًا كتاب «البقاء على قيد المهزلة»، الذي يمثل تأملات عميقة في واقع سريالي يختلط فيه العبث بالألم.

ولا يزال ثامر الحاج أمين يواصل عطاؤه الإبداعي، من خلال النشر المنتظم في الصحف، والمشاركة في النشاطات الثقافية، والحضور الدائم في المشهد الأدبي، مؤكدًا أن الكتابة لديه ليست مهنة عابرة، بل قدرٌ ثقافي، ورسالة وفاء للكلمة، وحراسة مستمرة لذاكرة العراق الثقافية.

إنه باختصار: كاتبٌ يمسك بالقلم كما يمسك المؤرخ بالمخطوطة، ناقدٌ يقرأ النص بعين المحبة قبل عين التحليل، وباحثٌ يدرك أن ضياع التراث يبدأ حين نصمت عنه.

***

محمد علي محيي الدين

اثار الباب المغلق دائما شجوني واحزاني، وطالما وقفت امامه في هذه اللحظة العصيبة او تلك، وانا اتساءل: ما الذي حصل واين ولى واختفى من كانوا هنا، وراء هذا الباب وفي داخل البيت؟.. لقد توقفت امام الباب المغلق عددا كبيرا من المرات، بعضها مر وانستني اياه المشاغل والايام، وبعضها الاخر ترسخ في الذاكرة واعترف انه بات جزءا عصيا على النسيان لا يفارقني الا ليعود فارضا نفسه على، ومشددا انه وجد يوجد ولسان حاله يردد: لن ارحل كما رحلوا.

قصصي الاولى مع الباب المغلق ابتدأت منذ تفتح وعيي على الحياة، وكانت اولى تلك الحكايات قصة احد امراء الف ليلة ولية، عندما تزوج من امرأة احبها كثيرا وعندما دخلت قصره توقفت قبالة سبعة ابواب وتساءلت عن وجود تلك الابواب، فابتسم زوجها الامير وقال لها: هنا ستمكثين معظم وقتك.. في غيابي، ثم قال لها انه بإمكانها ان تفتح الابواب الستة متى تشاء، اما الباب السابع فقد طلب منها الا تفتحه. ما ان غادر الامير قصره حتى اخذت زوجته الطرية الجديدة بالتفكير في الباب السابع، وكما هو متوقع.. ما ان غادر زوجها حتى بادرت الى فتح ذلك الباب لتبدا سلسلة من الالام والاحزان والمعانيات.

اما قصصي مع الباب المغلق فاعتقد ان اولاها كانت، عندما عدت من الحارة الى بيتنا الغافي بين الاشجار الظليلة الدافئة.. وانا لما اتجاوز الثالثة او الرابعة من العمر، ووجدت باب البيت مغلقا، فحاولت ان افتحه الا انني لم اتمكن، فنمت قريبا منه، وعندما عادت فوجئت بي نائما هناك، فحملتني ووضعتني في سريري الخشبي لترافقني تلك الحادثة طوال ايام العمر.

قصة اخرى وقعت لي ما الباب المغلق، وتركت اثارا لا تُمّحى ولا تقدر على محوها الايام، كانت يوم توجهت الى شقة زوجين شابين قريبين جدا، بعد ان سمعت من اخرين ان الزوج غادر بيته الى المجهول، بعد ان طلبت منه زوجته المغادرة. طرقت يومها باب الشقة.. بقي صامتا غارق في هدأته.. اعدت الطرق فواصل سكوته ولم يرد.. فما كان مني الا ان دخلت في حالة باكية من الصمت، وحملت نفسي وفي قلبي غابة من الاسئلة عن الخسارة والفقد.

ذروة توقفاتي امام الباب المغلق وحكاياتي معه، كانت يوم كتبت قصتي الباب المغلق، نشرت في مجموعتي القصصية " ظل على السطح"، هذه القصة تحكي عن شخص نبذته زوجته، فراح يبحت عن طريقة تعيده اليها والى بيته الدافئ الحنون. حاول طرق العديد من الابواب، بما فيها ابواب من يعنيهم الامر، الا انه لم يتمكن لان كلا منهم مستغرق في بابه المغلق، فما كان منه الا ان انطلق في الشارع الطويل.. المفضي الى الباب المغلق.. بابه.

الباب المغلق له مكانة محزنة حافلة بالاسى في قلبي، بالضبط مثلما كان له في قلوب الكثيرين ممن اعرفهم ولا اعرفهم من اهل القول والكلام، اذكر منهم هنا شاعرتنا الراحلة فدوى طوقان ابنة مدينة نابلس، ومجموعتها الشعرية" امام الباب المغلق"، والالماني بورشرت صاحب مسرحية امام الباب المغلق، والشاعر المرحوم ميشيل حداد ابن بلدتي الذي كرس قصيدة او مجموعة شعرية نثرية كاملة لـ" السيد المغلق"، اما السيدة فيروز فقد فجرت مكامن احزان الكثيرين وهي تدق على الباب المغلق وتردد بحرقة: دقيت دقيت وايدي تخلعوا وقنديلكن سهران ليش ما بتفتحوا؟

رحم الله الشاعر الصديق الراحل عدوان ماجد، الذي انصرف عن قول الشعر بعد محاولات قليلة، عندما هتف في احدى قصائده:" افتحوا الابواب قلبي لا يحب الباب مغلق"، فقد لامس حفاف احزان الباب المغلق الحافلة بمشاعر الفقد والاسى.. بالضبط مثلما لامستها وعشتها.

***

ناجي ظاهر

في المرة السادسة لا يعود السير هناك تكرارًا، وإنما يتحول إلى طقس مقدّس. نعم، لا تتعجب من وصفي، هو طقسٌ يشبه أنْ تدخل في كتاب يعرفك أكثر مما تعرفه، وأنْ يفتح لك شارع النبي دانيال صفحته الليلية بلا فهرس. كان الليل الإسكندراني يهبط ببطء كشيخ متعب يفرش عباءته الزرقاء على الأرصفة.

شارع النبي دانيال لمن لم يزر أمّ الدنيا ما هو إلّا سطر طويل من جملة مصرية لا تنتهي لأصوات تتقاطع، وروائح تتخاصم، وأقدام تتصالح، وذاكرة تمشي بلا عكاز.

المارة يمشون كما لو أنهم خرجوا لتوّهم من رواية جماعية شخصياتها تثير الجدل، طالبٌ نحيل يحمل حقيبة أكبر من أحلامه، وسيدةٌ تجرّ كيس خضار وكأنها تجرّ يومها كله، وشابٌ آخر يضحك في هاتفه ضحكة عالية مبالغًا فيها، ضحكة من يعرف أنّ الغد لا يستحق الهم، ورجلٌ يبيع المناديل الورقية، ينادي بصوت مبحوح:

"خد يا بيه… الدنيا بتعيّط".

الباعة المتجولون كانوا أوركسترا الشارع، هذا يطرق على عربة الفول كإيقاع بدائي، وذاك يصرخ: "حمص الشام سخن… يسخّن القلب قبل الجيب"، وعجوز تبيع سبحًا ومسابح، تقول لك بعينين لامعتين: "دي مش سبحة… دي صبر متكوّر".

روائح الذرة المشوية، والقهوة المحروقة، والعرق الإنساني النبيل، كلها تمتزج فالشارع قرّر أنْ يكون جسدًا واحدًا، يتنفس بك.

دخلتُ مكتبات عتبات الطريق، وهناك بين رفوف تعرف كيف تُغريك دون أنْ تلمسك، التقيتُ يوسف زيدان مرتين: مرة على الغلاف، ومرة في المرآة الداخلية التي يفتحها كتابه. اشتريت كتابين، لأنني أعرف أنّ هذا الشارع لا يسمح لك بالخروج خفيفًا.

ثم رأيته. الرجل السبعيني، واقفٌ أمام ميزان القبان البلدي، واقف كآخر عمود من أعمدة معبد قديم لم ينهَر بعد. الميزان صدئ قليلًا، لكنّ وقفته مستقيمة، وعيناه لا تزالان تعرفان الفرق بين الوزن الحقيقي ووزن الهمّ.

قلت له:

— "نِجرب؟"

ابتسم ابتسامة من يعرف النتيجة قبل السؤال:

— "جرّبي… الميزان ما بيكدبش، اللي بيكدب هو العمر".

وقفت.

أخذ مقاس طولي كأنه يقيس تاريخي، وسجّل وزني كأنه يسجّل اعترافًا.

ثم دون أنْ أطلب بدأ الحوار.

كان واسع الثقافة على نحوٍ مفاجئ،

يعرف عن التغذية أكثر مما يعرفه أطباء اليوتيوب، ويتحدث عن الخبز الأبيض كأنه خطيئة صغرى، وعن السكر كصديق يضحك في وجهك ويطعنك لاحقًا.

كتب لي برنامج تغذية على ورقة صغيرة بقلم أزرق، وبقليلٍ قليل من الجنيهات. قال وهو يناولني الورقة:

— "ما تظلميش صحتك… دي عاشرتك العمر كله".

ضحكت ضحكة فيها شيء من البكاء، لأنّ الحكمة أحيانًا تأتيك من رجل يقف أمام ميزان على ناصية الطريق.

كانت الحياة حولنا تستمر بلا انتظار، طفلٌ يركض خلف بالون، وشابان يتجادلان حول فريق كرة، وامرأة تنادي على ابنها كمن ينادي على الزمن: "يا واد!"

والشارع، شارع النبي دانيال كان يراقبنا جميعًا، عارفًا أنّ هذه الليلة ستُعاد، لكنْ لن تكون هي نفسها أبدًا.

خرجتُ في يدي كتابان، وفي جيبي ورقة تغذية، وفي صدري ضحكة سوداء مضحكة مبكية…تمامًا كالحياة هنا، وهناك.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

في مغامرة طريفة ذات يوم مع قارئة الفنجان المغربية، فقد تأبطت الجُهد المرهق والمتعب على استقراء طالعي الخفي، والذي اعتبرته منذ البداية التنجيم أنه يبدو منكسرا ومقهورا، وحتى أنها عبرت عنه بأنه:" تالف عن حياة ويعيش الارتباك الخاضع. عملت منجمتي بكل جُهد قُدرتها وبمشقة عسر على فك جزء من ذاكرتي المحجوبة ببيان إظهار الحقيقة وتبيين التوضيح. لكنها تكمدت موضع الصدمة تلوى الأخرى، وعاشت لحظات من الفشل المتكرر في الكشف عن تجليات أوجاعي الموحلة في الحزن الشديد.

حينها أقرت بالبوح الطيع، كفاف محاولاتها، وأن موجات وذبذبات ألمي عليها من الحراس الشداد الغلاظ لا رحمة لهم في معاودة حك شفرات الألم بالاستدامة، وغلق تموضعات تسربات ألمي بأقفال وسلاسل أسرى العبودية، والتي قد تُماثل الحاجز الحديدي الذي أقامه ذو القرنين في مواجهة ياجوج  وماجوج.

لكنها أعادت الكرة ثانية، ولم تيأس تلك المنجمة من الكشف والذي باتت يُفتت آليات أحداث الماضي، ويَنكى هربا من تقشير الجروح، وفشل ضبط عقارب ما يحدث في الحاضر والمستقبل. أحسست أنها لم تستلم بتاتا وإعلان عوزها السرمدي (من لا بداية له لا نهاية له) في فك ولو جزء بسيط من الطلاسم المستعصة لذاكرتي المحجوبة، والتي قد تماثل توهيمات قوة القبة الحديدية !!!

في جلستها المنتصبة الأعين في اتجاه هامة رأسي المائلة يسارا، برهنت منجمتي أنها قادرة على فتح طالع ذاكرتي المحجوبة، ولو حتى بالمعاودة وترك الفشل يقع بين الحين والآخر. ابتسمت ابتسامة المستسلم، ثم تجهمت بالثواني نفسها وقالت: " أيها السيد لم تتعلم الألم من مقررات الدراسة في المدرسة العمومية... لم تتعلم الألم من ممارسة الظلم والحكرة على الآخرين، بل امتلكت الألم وترسخ في ذاكرتك الصامتة من خلال تجاربك البينية والذاتية، ومن خلال السياقات الاجتماعية التي تكابد وجع الفقد، وتداوم على منازلة النكسات. أيها السيد لن تستطيع نفض غبار تقادم الوجع عن هوامشها القصية، ولكنك تستطيع أن تصنع متنفسا لسد الألم والتوتر النفسي الهائج".

لم أكن أحفل بتعابيرها، وآرائها الرنانة عن ذاكرتي المحجوبة فكل ما قالته منجمتي كان فضفاضا ويليق لكل التشابهات بالتعميم. نعم قد نتشابه جميعا في حمل لبنات شديدة من وضعيات مشكلة، فالألم يتوزع دائما بيننا وبغير التساوي والانصاف، ومن خلال تجربة ترتبط بالمشاعر الشخصية. لكنها انتفضت مرة أخرى وقالت: "ألمك يا سيدي يكون حادا ومستمرا حين فقدت الدعامة الإنسانية بالفقد الفجائي... وضيعت المشاعر المتجددة من حولك، وتبيت تعيش الوحدة في عمرك الحاضر لا في ذات المستقبل. ألمك يا سيدي يكون باهتا ومتقطعا حين تكتم الوجع بالضغط عبر مساحات شاسعة من ذاكرتك المحجوبة، وتصنع ابتسامة مفبركة للإلهاء".

أحسست أنها لم تلحق بالتمام بحل أقفال ذاكرتي المحجوبة، وإنما استطاعت معرفة منغصات حياتي والتي لم أستطع يوما من وضع كيس أمان للوقاية من صدماتها المتكررة، حينها سحبت جسمي المتهاوي من أمام عيونها المتسلطة، وانسحبت أجر خيبة ألمي في ذاكرتي المحجوبة.

***

محسن الأكرمين

(اجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة والا اجتذبك. العلم بابي والمعرفة بوابي واليقين طريقي الذي لا يصل سالك الا منه. من علامات اليقين الثبات ومن علامات الثبات الامن في الروع)... محمد بن عبد الجبار النفري

في هذه العبارات المكثفة يضع النفري فرقا دقيقا بين العلم والمعرفة. فالعلم كلمات تقال وتكتب وتسمع، اما المعرفة فهي ما يسكن القلب ويتحول الى حضور داخلي يثبت الانسان ويمنحه الطمأنينة. غير ان هذه الثنائية ليست بسيطة كما تبدو، فالنفري نفسه يحذر: ان لم تجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة اجتذبك. اي ان العلم قد يكون خطرا اذا ووجه بلا واسطة، وقد يصبح جفافا وقسوة ان لم يسبقه او يصاحبه ذوق قلبي. هذه الفكرة عن انتقال الحكمة من الكلمات الى القلب تتجسد بصمت في لوحة "قصة قبل النوم" للفنان الالماني ادولف ايبرله، حيث تتحول القراءة من مجرد فعل تعليمي الى لحظة حميمية تنتقل فيها المعرفة من جيل الى جيل. لكن ما الذي يحدث بالضبط في هذه اللحظة؟ وكيف يمكن لانوار المتصوفة والمفكرين المختلفة ان تكشف طبقاتها الخفية؟2482 Adolf Eberle

تصور اللوحة امرأة مسنة تجلس قرب سرير طفلة صغيرة وقد انحنت قليلا وهي تقرأ من كتاب تمسكه بيديها. الطفلة مستلقية بهدوء وقد استسلمت للنوم او تكاد، بينما تتكئ على وسادة بيضاء. الضوء الخافت الذي يغمر المشهد يمنح الغرفة دفئا خاصا. لكن مصدر هذا الضوء غير مرئي: لا مصباح ظاهر ولا شمعة. النور ينساب من الجهة اليسرى العليا ليسقط على وجه الطفلة اولا ثم على الكتاب في يد الجدة. الكتاب نفسه ليس مضيئا بذاته، بل هو يعكس الضوء القادم من خارج اللوحة. هذا التفصيل الدقيق يحمل دلالة: النور ليس منبثقا من الكتاب، بل هو خارج عنه، لكن الكتاب يتوسط وصوله الى الطفلة. الجدة لا تنظر الى الطفلة ولا تنظر الى الكتاب فقط؛ عيناها شاخصتان في الفراغ بينهما، وكأنها ترى الحكاية بعين الخيال او تستشعر حضورا ثالثا غير مرئي. وضعية الجسدين ايضا تحكي: الطفلة افقية منبسطة، مستسلمة، اما الجدة فعمودية منتصبة، يقظة حارسة. في هذا التكوين، تصبح القراءة طقسا لا مجرد نقل معلومات.

تنتمي اللوحة الى تيار الواقعية الذي ازدهر في اوروبا في القرن التاسع عشر. رسمها ادولف ايبرله (١٨٤٣-١٩١٤) وهو فنان الماني اشتهر بتصوير الحياة اليومية في بافاريا والتيرول. لم يكن ايبرله فيلسوفا ولا متصوفا، لكنه ابن بيئة كاثوليكية شعبية حيث كانت القراءة العائلية المسائية، خاصة من الكتاب المقدس او قصص القديسين، طقسا يوميا ينقل الايمان والعاطفة معا. هذا السياق التاريخي يضيف بعدا: اللوحة تختزن ذاكرة دينية شعبية، ليست نخبوية، بل هي اقرب الى ما يسميه علماء الانثروبولوجيا "التدين الممارس". في هذا المناخ، تصبح الجدة كاهنة البيت الصغيرة، والكتاب مذبحا مصغرا، والطفلة متلقية للبركة لا للمعلومات فقط.

هذا المشهد يضيء بطريقة جديدة قول النفري: "اجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة". الجدة هنا هي هذا "الفرق". هي التي تحول الكتاب (العلم) الى دفء (معرفة). لولا وجودها، لكان الكتاب مجرد اوراق، ولاجتذب العلم الطفلة الى عالم التجريد قبل اوانها. لكن وجود الجسد الحاضر، والصوت الحنون، والدفء المنبعث من القرب، كل ذلك يحمي الطفلة من جفاف العلم ويجعلها تتذوق المعرفة قبل ان تفهمها.

واذا انتقلنا الى محيي الدين بن عربي نجد تصنيفا دقيقا للعلوم يمكن ان يضيء اللوحة من زاوية اخرى. يقسم ابن عربي العلوم الى ثلاثة انواع: علم العقل، وهو علم النظر والدليل والبرهان؛ وعلم الاحوال، وهو علم الذوق والمشاهدة الذي لا يدرك بالعقل وحده بل بالكشف؛ وعلم الاسرار، وهو العلم اللدني الذي يهبه الله لمن يشاء من عباده بلا واسطة. في اللوحة، تمثل الجدة "علم العقل" بالمعنى الايجابي: هي تحمل الكتاب وتعرف ما فيه. لكن الطفلة لا تتلقى "علم العقل" مباشرة، بل تتلقى "علم الاحوال" عبر الذوق: تذوق دفء الصوت، والامان، والحضور. و"علم الاسرار" هو ذلك النور الخفي الذي يغمر المشهد ويجعله خارج الزمن. لاحظ ان ابن عربي يقول: "العلم نتيجة المعرفة" ، اي ان المعرفة القلبية هي الاصل والعلم النظري ثمرة لها. وفي اللوحة، الطفلة ستنمو لتصبح عالمة يوما ما، لكن اصل علمها سيكون هذه اللحظة الحضورية التي تذوقت فيها المعرفة قبل ان تتعلم.

لكن الفرق بين ابن عربي والغزالي دقيق هنا. ابو حامد الغزالي يهتم اكثر بفكرة "النور" الذي يقذفه الله في القلب بعد تطهيره. في "المنقذ من الضلال" يصف تجربته مع الشك واليقين، ويقرر ان اليقين الحقيقي ليس نقاشا عقليا ولا حسيا، بل هو نور يقذف في القلب. هذا النور هو الذي نراه في اللوحة منعكسا على وجه الطفلة. لكن الغزالي يؤكد ان هذا النور يحتاج الى استعداد: "بصفاء التقوى وكمال الزهادة يصير العبد راسخا في العلم". الطفلة هنا ليست تقية ولا زاهدة، لكنها نقية بفطرتها، وهو استعداد اخر. الغزالي يضيف بعدا اخلاقيا: المعرفة ليست مجرد ادراك، بل هي فضيلة وتحول وجودي. والطفلة تتحول في اعماقها: ستكبر وهي تحمل احساسا بالامن والثقة في العالم، وهذا هو التحول الوجودي الذي يعنيه الغزالي.

هنا يلتقي المشهد مع المفكر العراقي المعاصر عبد الجبار الرفاعي بشكل لافت. الرفاعي، المتخصص في الفلسفة وعلوم الدين وأحد مؤسسي علم الكلام الجديد، يقدم قراءة نقدية للتجربة الدينية التقليدية قد تفسر لنا لماذا تحتاج الطفلة الى هذه الوساطة الحضورية. يصف الرفاعي تجربة مريرة عاشها في دراسته الدينية، تجسد بدقة تحذير النفري من خطر العلم بلا معرفة. يقول واصفا دراسة الفقه والكلام التقليديين: "يُورِث الفقهُ والكلامُ التقليديّ نفسَ دارسه نوعًا من الجمود والجفاف المعنوي وضياع الروح... إذ أصابني ضمورٌ روحيّ وضياعٌ أفقدَنِي طلاوةَ الإيمان، فكنتُ أقف في صلاتي أستدعي الخشوع، فلا تأتيني إلا العَبْرَةُ بعد العَبْرَة على ما وصلتْ إليه نفسي" . هذا هو الاجتذاب بعينه: ان يجذبك العلم الى نفسه فتضيع الروح وتجف.

ولكي نفهم الخلاص من هذه الورطة، نعود الى الرفاعي حيث يتحدث عن "الظمأ الأنطولوجي" الذي لا يروى الا بالاتصال الحي بالمقدس . في اللوحة، الطفلة تعاني ظمأ وجوديا هي لا تدري به: ظمأ الى الامن، والى الحضور، والى المعنى. الجدة لا تروي هذا الظمأ بالمعلومات، بل بالحضور. الرفاعي يقدم مفتاحا مهما: "ما وجدتُ الله إلا في نفسي، وما رأيتُه حقًّا إلا عندما رأيتُني حقًّا... عندما نتَّصل به بهذه الصورة في أنفُسِنا؛ ندرك عن طريق تجربته واختباره أنّه إلهُ العالَمين حقًّا وصدقًا، وأنّه رحمان تتَّسع رحمتُه كلَّ شيء" . الطفلة في اللوحة تتصل بالمعنى من خلال اتصالها بنفسها اولا: جسدها المستسلم، وروعها المطمئن، وحضورها الكامل في اللحظة. هي لا تتعلم عن الرحمة، بل تذوقها. ثم من خلال هذا الذوق، تبدأ رحلتها لاكتشاف العالم. ويقول الرفاعي في عبارة يمكن ان تكون تعليقا على اللوحة: "اكتشافُ العالم يبدأ باكتشاف الذات. وعيُ العالم يبدأ بوعي الذات... حب الله والانسان والعالم يبدأ بحب الذات" .

وهكذا، حين يتحدث الرفاعي عن "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين" ، فانه لا يعني شيئا مجردا، بل يعني تحديدا ما يحدث في هذه اللوحة: ان يصير الدين مصدر رحمة وحضور لا مصدر جفاف ونقاشات عقيمة. ان يعود الى "ابعاده المعنوية والعقلانية والجمالية والرمزية" . الجدة هنا تمثل هذا الإنقاذ العملي: تنقل الدين كحضور ورحمة، لا كنصوص جامدة.

لكن هذه الاقتباسات المتعددة تثير سؤالا: هل يمكن التمييز بدقة بين "الذوق" عند ابن عربي و"النور" عند الغزالي و"الظمأ الأنطولوجي" و"النزعة الإنسانية" عند الرفاعي؟ في اللوحة، الطفلة تمتلك هذه العناصر كلها. الذوق يتجلى في تلقيها الحسي للصوت والدفء. النور يتجلى في الضوء الساقط على وجهها. الظمأ الأنطولوجي هو ما يرويه هذا الحضور. والنزعة الإنسانية هي ان تصبح العلاقة بين الجسدين هي وسيلة تلقي المعنى. المفاهيم تتكامل لا تتناقض، وكل مفكر يضيء جانبا مختلفا من المشهد نفسه.

وهنا تبرز قوة النفري الذي يجمعها كلها في كلماته الموجزة. النفري لا يتكلم عن ذوق او نور او ظمأ كمراحل منفصلة، بل يتكلم عن "الفرق" الذي يحفظ المسافة الآمنة بين الانسان والعلم. هذا الفرق هو ما توفره الجدة. ونتيجة هذا الفرق هو "الثبات" و"الامن في الروع". والطفلة في اللوحة هي مثال الثبات: جسدها ثابت في سريرها، لا يتململ، وروعها آمن مطمئن. النوم هنا ليس مجرد نوم، بل هو صورة اليقين.

لكن هل هذه المعرفة القلبية قادرة على الصمود عندما تكبر الطفلة وتواجه صخب الحياة وجفاف المناهج الدراسية، وربما "الجمود والجفاف المعنوي" الذي تحدث عنه الرفاعي؟ هذا سؤال تطرحه اللوحة ولا تجيب عنه. ربما يكون الجواب في استمرارية الطقس: ستعيد الطفلة الكبرة يوما ما قراءة القصص لحفيدتها، وتنقل ما تلقت. وهكذا تبقى المعرفة حية بالتداول لا بالحفظ. لكن السؤال يظل مفتوحا: في عصر يسود فيه العلم التقني ويتراجع فيه الحضور العائلي، هل يمكن ان تحل المعرفة القلبية محل العلم الجاف ام انها تضيع؟ النفري لا يجيب، لكنه يحذر: "الا اجتذبك العلم". الاجتذاب هنا قد يعني السحب الى منطقة الخطر حيث العلم بلا معرفة.

وهكذا تظل اللوحة تتحدى المشاهد: ماذا ترى في وجه الطفلة؟ نعاسا عاديا ام يقينا باطنيا؟ وماذا في نظرة الجدة؟ قراءة حرفية ام مشاهدة قلبية؟ الاجابة تتوقف على درجة المعرفة لدى الرائي. وكما يقول ابن عربي: "لكل ذائق ما يذوق". واللوحة تصبح مرآة لحال من يتأملها. ربما هذا هو سر الفن الحقيقي: ان يظل مفتوحا على كل هذه القراءات، دون ان يستنفده قول واحد.

***

د. احمد عابر

 

قال لي: النية نيتان: نية تطلب بها ما عندي، ونية اطلب بها ما عندك. فاذا تركت لك الاولى رايت نفسك، واذا تركت لك الثانية رايتني.

بهذا القول الحاد المباشر يدخلنا النفري في سر العلاقة بين العبد وخالقه، بين ما يضمره القلب وما يظهره الفعل. واذا وقفنا امام لوحة "نية" للفنانة الكندية من اصول عراقية احلام محمد، نشعر اننا ازاء تجسيد بصري لهذا الموقف. فالعمل لا يكتفي بتقديم صورة لوجه انساني، بل يفتح مساحة للتامل في المعنى الباطن للفعل الانساني، حيث تصبح النية جوهر التجربة. وتبدو تجربة الفنانة هنا متشكلة بين ثقافتين، اذ تستحضر اللغة العربية ورمزيتها الروحية داخل بناء بصري حديث تشكل في سياق الفن المعاصر في المهجر.

احلام محمد تنتمي الى جيل من الفنانين الذين يعيشون بين ذاكرة المكان الاول وافق المكان الجديد. حضور اللغة العربية في اعمالها لا يبدو مجرد عنصر زخرفي، بل يحمل وظيفة رمزية وثقافية، كأنه محاولة لاعادة وصل الصورة البصرية بتراث لغوي وروحي عميق. في هذا المعنى تبدو لوحتها "نية" اقرب الى مساحة حوار بين الهوية والذاكرة، بين الحساسية التشكيلية المعاصرة والحمولة الروحية التي تختزنها الكلمات العربية.2476 ahmad

في اللوحة يظهر الوجه بشكل غير مكتمل. تبرز العينان والانف والشفاه بوضوح، بينما تختفي حدود الراس وتذوب في الفراغ المحيط. هذا الاختزال في الملامح يمنح العمل طابعا معاصرا، ويجعل الفراغ جزءا اساسيا من التكوين لا مجرد خلفية. فالوجه هنا لا يرسم ككتلة مغلقة، بل كاشارة الى حضور يتولد تدريجيا من داخل المساحة اللونية. كأن الفنانة تتعمد ترك الهوية مفتوحة على التأويل، فلا تقدم لنا صورة مكتملة بقدر ما تقدم اثرا انسانيا يتشكل من الداخل.

الخلفية الزرقاء الهادئة تحتل معظم مساحة اللوحة، وتشكل حقلا بصريا واسعا يحيط بالملامح القليلة الظاهرة. هذا اللون يمنح العمل حالة من السكون والتامل، ويخلق تباينا واضحا مع دفء الوان البشرة. كما ان اتساع المساحة الزرقاء يعمق احساس العزلة والتركيز، فالعين لا تجد ما تتشبث به سوى هذه الملامح القليلة والكلمة المكتوبة في الاعلى: "نية". ومن الناحية التشكيلية يعمل اللون هنا كحامل للمعنى، اذ يتحول الفراغ اللوني الى فضاء بصري يبرز فكرة النية باعتبارها امرا خفيا لا يرى بالعين.

العينان مرسومتان بعناية اكبر من بقية الملامح، وكأنهما مركز الثقل البصري في العمل. النظرة هادئة لكنها يقظة، وتبدو معلقة بين الداخل والخارج. في تقاليد الرسم البورتريهي غالبا ما تشكل العينان نقطة الاتصال بين المشاهد والشخصية المرسومة، لكنهما هنا تكتسبان بعدا اخر، اذ تتحولان الى اشارة الى البصيرة لا مجرد الابصار. لذلك تبدو بقية الملامح اقل حضورا، وكأن الفنانة تريد ان تشير الى ان الرؤية الحقيقية لا تنبع من اكتمال الشكل الخارجي بل من الاستعداد الداخلي.

يقول محيي الدين بن عربي: الاعيان الثابتة في علم الله لا تظهر في الوجود الا بحسب استعدادها. هذا القول يضيء لنا معنى عدم اكتمال الوجه في اللوحة. فالوجه هنا ليس صورة نهائية، بل حالة في طور التشكل، مرآة للاستعداد القلبي الذي يتجدد بتجدد النية. الهوية ليست شيئا جامدا نولد به، بل هي حصيلة ما ننويه وما نقصده. ويمكن قراءة هذا المعنى ايضا في طريقة توزيع الملامح داخل الفراغ، حيث تبدو العناصر الاساسية للوجه حاضرة لكنها غير محاطة بحدود واضحة، وكأنها تخرج من الفراغ ثم تعود اليه.

كلمة "نية" المكتوبة في اعلى اللوحة تضيف بعدا مفاهيميا واضحا. فهي ليست مجرد عنوان، بل عنصر تشكيلي يشارك في بناء التكوين. موقع الكلمة فوق الوجه يجعلها اقرب الى فكرة او مركز معنوي يعلو الشخصية ويؤطرها. بهذا المعنى يصبح النص جزءا من الصورة، ويعمل الخط العربي كجسر بين البعد الثقافي والبعد البصري. هنا يتقاطع التراث اللغوي مع حساسية الفن المعاصر، حيث تتحول الكلمة الى شكل بصري يحمل دلالة روحية.

اما الامام الغزالي فيميز بين معنيين للنية: الاول هو القصد المصاحب للعمل، والثاني هو الباعث او الدافع الخفي. ويقول ان تحقيق صدق النية ليس بالامر الهين، فكثيرا ما يتصور الانسان ان دوافعه لله ثم يكتشف انها كانت للهوى او الدنيا. هذا التمييز يمكن ان يقرأ ايضا في التوتر البصري داخل اللوحة، بين وضوح بعض الملامح وغموض بعضها الاخر.

وفي افق معاصر لقراءة هذه الثنائية، يشير عبدالجبار الرفاعي في مشروعه لتجديد علم الكلام الى ان التجربة الدينية لا تنفصل عن التجربة الانسانية، وان البحث عن الله يمر عبر تعميق الوعي بالانسان. من هذا المنظور يمكن ان يقرا الفراغ الازرق في اللوحة كمساحة وجودية مفتوحة، تعكس عطش الانسان الدائم الى المعنى، ذلك الظمأ الداخلي الذي يدفعه الى مراجعة قصده والبحث عن صدق نيته.

نعود الى النفري لنختم حيث بدا المقال. قال لي: النية نيتان: نية تطلب بها ما عندي، ونية اطلب بها ما عندك. في اللوحة تبدو العينان كأنهما تتجهان نحو الكلمة المكتوبة في الاعلى، نحو مركز المعنى. لكن الخلفية الزرقاء الواسعة تحيط بالوجه من كل جانب، وكأنها فضاء اكبر يحتضن هذا الحوار بين الانسان وربه. اللوحة برمتها تشبه وقفة تامل قبل الفعل، لحظة صمت يراجع فيها الانسان قصده قبل ان يتحول الى عمل. في هذه اللحظة يخف حضور الشكل الخارجي، وتظهر اهمية السر الداخلي. وهنا تذكرنا احلام محمد من خلال عملها بان الانسان ليس وجهه فقط، بل هو ايضا نيته، ذلك السر الخفي الذي يشكل حقيقته العميقة.

***

د احمد عابر

 

يحفر الكاتب الاسباني سانتياغو بوستيغيو، ضمن كتابه "دماء الكتب- تاريخ الادب المنسي"، في مناطق أدبية محببة وتهم القارئ المثابر، ويذهب إلى ما وراء العديد من الكتب والأحداث الأدبية المؤثرة، مركزا في كتابته المميزة هذه، على بعدين أحدهما البعد السردي الذي يعتمد نبرة خاصة، سرية مشوقة، والأخرى التنقل بين الأزمان السردية من فترة إلى أخرى، وذلك عبر توظيفه العناوين التي تأخذ القارئ بسلاسة متنقلة به، ومصطحبة إياه  من فترة إلى أخرى، ومن زمان الى اخر.

مؤلف الكتاب سانتياغو بوستيغيو كاتب اسباني، من مواليد عام ١٩٦٧ ، عرف باهتماماته بتاريخ الادب المنسي الحافل بالكثير من الإثارة، وهو مؤلف العديد من الكتب التي تعزف على هذا الوتر المحدد. من مؤلفاته" أنا روما" و"حياة الكتب السرية"، القريب جدا في موضوعه من كتاب "دماء الكتب" الذي نتحدث عنه. اهتمت "دار مسكلياني" التونسية، بمؤلفات هذا الكاتب، وصدر عنها عدد منها مترجما إلى العربية، ترجم الكتاب موضوع قراءتنا عبد اللطيف البازعي وصدر قبل سنتين.

يفتتح المؤلف كتابه بحديث يظهر فيه أمران، أحدهما وفاء التلميذ لأستاذه ودور الادب في إحقاق الحق وإحلال العدالة، ويتحدث عن الشاعر اليوناني القديم فلشينيو ارسيا، وعن إقامته في روما، كما يتحدث عن مكيدة حاكها له بعض من اخصامه وعاذليه، هدفت إلى طرده من المدينة، وتصدي تلميذه الخطيب المفوه سيشرون للدفاع عنه، مفحما الادعاء، ومقنعا الحكام بأن الشاعر قد رفع من شأن روما في العديد من أشعاره ، ما يدفع بالمحكمة إلى منحه الاقامة، متأثرة بدفاع التلميذ عن استاذه ومقتنعة بشكل أو بآخر، أن العدالة تقتضي منها إصدار أمر يبقي الشاعر في البلاد. في سياق متصل يتطرق المؤلف إلى مصادفات تكاد تكون من عالم آخر، تسببت في ظهور كتاب "الانياذة" للشاعر الروماني فيرجل، الذي جاء بعد العملين الخالدين "الالياذة" و" الاوديسة" للشاعر اليوناني تلخالد هوميروس بردح مديد من الزمن، واضاف إلى هذين الكتابين الملحميين.

من الفصول المثيرة في الكتاب فصل يتحدث عن الرواية  الخالدة الموسومة بعنوان "دراكولا" مصاص الدماء، للكاتب الايرلندي برام ستوكر. تلك الرواية التي تدور أحداثها الدموية الرهيبة في رومانيا، التي يكاد الكاتب لا يعرفها ولم تطأ قدماه أرضها، الا في القليل النادر وربما لم تفعل بالمرة. أما كلمة دراكولا فإنها تعني الشيطان، علما أن أحداثها تدور خلال الاحتلال العثماني لرومانيا، والطريف ان المؤلف يرى في هذه الرواية واحدة من أبرز روايات الرعب في العالم لافتا النظر إلى أنها تشكل استمرارا حيا لكتابات الكاتب الأمريكي البارز ادغار الان بو، تلك الكتابات التي أسست لرواية الرعب والرواية البوليسية أيضا. ومن الطريف أن المؤلف يضمن كتابه هذا فصلا خاصا، عن تلك النهاية المؤسفة التي انتهت إليها حياة رائد القصة البوليسية ورواية الرعب في الادب الحديث.

لفتني في هذا الكتاب المبدع فصلان أحدهما عن تفاصيل التفاصيل في المبارزة التي قتل فيها الشاعر الروسي العظيم الكسندر بوشكين على يد ضابط فرنسي، والآخر عن اختفاء او مقتل كاتبة الرواية البوليسية اغاثا كريستي. في الكتابة عن بوشكين يطلعنا المؤلف على أدق التفاصيل، ومما يفاجأ به القارئ المتابع المطلع، أن تلك المبارزة التي انهت حياة واحد من أهم الكتاب والشعراء الروس على مر العصور وتعاقب الازمان، لم تكن الاولى، ومعروف أن بوشكين طلب مبارزة ذلك الضابط الفرنسي، الذي يكشف المؤلف عن اسمه اول مرة، بعد زمن من عدم معرفة الكثيرين له، وهو جورج دانتس. أما سبب تلك المبارزة فقد تمثلت في ملاحقة ذلك الضابط الفرنسي الغزلية لزوجة بوشكين التي اعتبرت من فاتنات المجتمع الروسي في تلك الفترة.

فيما يتعلق بمقتل الكاتبة البوليسية اغاثا كريستي، يتحدث الكاتب عن اختفائها بعد خلاف مع زوجها، الأمر الذي يدفع الشرطة إلى اتهامه بقتلها وتجري التحقيقات معه، إلى أن تظهر الحقيقة عبر نزول الكاتبة المشهورة باسم مستعار في أحد الفنادق وتلقي الشرطة خبرا يفيد بذلك، الأمر الذي يفضي إلى حقيقة مفادها أن سفر الكاتبة، وفي المقابل سفر زوجها ذاك، إنما تم بغرض ابتعاد كل منهما عن الاخر، للبت في قرار البقاء معا أو الطلاق. الحالة تنتهي إلى طلاق اغاثا من زوجها الاول ارشيبالد كريستي وارتباطها فيما بعد بعالم الآثار ماكس مالوان، الذي ستصحبه إلى منطقة الشرق الاوسط، سوريا والعراق، ولتغتني كتاباتها التالية بأجواء جديدة وإضافية. ويذكر أن رواية "قطار الشرق السريع", تعتبر من أبرز روايات الكاتبة.

الكتاب يتطرق إلى العديد من الكتاب والشعراء المعروفين في شتى بقاع العالم، امثال الاسبانيين سرفانتس صاحب "دون كيخوتة"، وكالدرون صاحب "الحياة حلم". و فرناندو بسوا صاحب كتاب "اللاطمانينة'، وانجليزي ديفد هربرت لورانس صاحب الرواية الشهيرة "أبناء وعشاق" والايطالي كاتب الخيال العلمي اميليو سالغاري مؤلف رواية"زهرة القيامةـ عجائب الألفية الثالثة"، الذي وضع حدا لحياته في الثامنة والأربعين من عمره، تاركا وراءه أربعا وثمانين رواية تعتبر من عيون الادب الايطالي. أما سبب انتحار هذا الكاتب المهم فهو كما يفهم يتمثل في وضعه المالي الصعب. فالناشرون يقطفون ثمار كتابته معوضين إياه بالقليل مما لا يكاد يسد الرمق.

***

ناجي ظاهر

بسم الله مُنجي الصادقين، رافع المستضعفين، مدرك التائهين، راوي أفئدة المشتاقين، صريخ الملتاعين، مبير الظالمين، وقاصم الجبّارين. والحمد لله الذي انقادت الحقائق بأزمّتها إليه، وانكبّت الخلائق في تضرّعها عليه. وجود وجوده حساب، وسكون حركته اضطراب. أذلّ لنا مصاعب الأمور، وتولّانا عن قوارع الدهور، وزيّن بنا قفار الحقائق، وكفانا في دهمائنا فواجئ البوائق. حتّامَ تنساني يا ربّ، وتحجب وجهك عني، جاعلًا من أقاويلي وبالًا، ومن عقائدي ضلالًا، مصيّرًا نجواي هذه هربًا من اليقين، وفرارًا من كل انكسار ولين؟ فأنت القادر ونحن الضعفاء، أنت الواجد ونحن العدماء، أنت الراوي بعد الظماء، وأنت الغنيّ ونحن الفقراء. إلى متى تنساني يا الله؟ إلى متى أحمل الغصّة في نفسي، والحسرة في قلبي؟ حتّام تُطفئ شمعتي وتُلهب لوعتي، وتحجب من اختبارك فكرتي؟ سرّحني من قيد هذه الحال الكدِرة، ومن معاناة هذه الأحوال الوضِرة. فقد تقلقلت من التعذّر في تصديق قضائك، واضطربت من التسليم إلى جوهر ندائك. إلهي، قد توجّرت روحي بجمرات الحسرة، وتطلّعت إلى سيل رحمتك قطرةً قطرة. عطشت إليك روحي يا ربّ، ولهج بذكرك لساني، وانطوى من فراق نورك زماني. فأنت سِرَاجي عندما تشتدّ الظلمة حولي، وأنت في الضرّاء قوتي وحولي، منك المنجى والخلاص، فأنت المصبّر على رَوع الزمان الغاصّ. أنت الشافي من وباء فتنته وبساطها الشائك، وأنت المنجي من ظلمات المهالك. وإنما ألهج بذكرك عند القريب والبعيد، لتشفع لي ببذل المزيد. وإنما أُعذّب روحي بالظمأ إليك، حتى تملكها بالأنس معك. إلهي، ما ألذّ رضاك في قلوب العارفين، وما أوسع رحمتك على أفئدة الحائرين. جالت بي الخطى وما اهتديت إلى سنا رضاك، وتاه بي الجوى وما وجدت زلال هُداك. إلهي، جعلت الحيرة غلالةً بيني وبين نورك، وجعلت العجلة حائلةً بيني وبين فيوضك. قد انكسرتُ من ذنوبي، وأُرديتُ من نُدوبي، و تفرّطتُ من رباطة جأشي، وصدئتُ من غُلّة عطشي. فلا تحرمني من حبيبي، ولا تُضعني في محاولاتي وتجريبي. أدعوك سرًّا وجهارًا، أدعوك صامدًا ومنهارًا، أدعوك ليلًا ونهارًا. انصرف أهل الورد حين بلغوك، وانقضى فصل أهل الجزم حين درسوك، وأنا محجوب عنك بك، فارٌّ منك إليك. يا من أسكرني بحبّه، وحيّرني في ميادين قربه، أسألك نبعًا يفيض بما فاض به أوّل الخلق، وطمأنينةً لا عطشَ فيها بطلب الحقّ. يا من بَلا وبرأ، يا من ألوذ به وألجأ، يا من سقاني بالظمأ، قوّني وضعّفني، واروِ منّي وعطّشني، واسقني من رحيق رضاك، كما كرّمت أولياءك بالسقيا، ولا تجعل سَهوتي غايتي في الدنيا. اللهم لا تؤدّبنا بعقوبتك، ولا تُحيّرنا بقطع وصلك، ولا تُسرّحنا في ميادين شبعك، ولا تُفتنّا برحيق ابتلائك، ولا تُشغلنا بما ليس لنا. فلم أستطع، مع إقراري بابتلائك، صبرًا… وكيف أصبر على ما لم أُحط به خبرًا؟ يا ساكنًا في الكوامن، يا من لا تحويه الأماكن، يا من لا تفوته الأقدار، يا نابعًا بالقرار، يا من لا يفوته قرار، ولا تُدركه الأبصار. إليك أشكر رحمةً منك منقطعة، وعطشةً لقرب رحمتك متلوّعة. فمن ذا الذي ذاق حلو المحبّة وفرّ منها؟ ومن ذا الذي أدرك حقيقتك ولم يَرْوَ عنها؟ ومن ذا يعرف جوهر أسرارك ولا يتيه فيها؟ ومن ذا يتيه في صحراء حقيقتك ولم يجُل فيها ؟ فحيرتنا من هذا القول فلاة، ونحيبنا للوصل بأذنك صلاة، وهيامنا في تلقّيه معارف، بها يفتقر إلى القرب كلّ تائه خائف، ويدرك جوهر الحنين كلّ ملتاع وعارف. واصقل، يا ربّ، معرفتنا بالأفهام، فقد قيل إنّ من أحبّ الله فهم عنه. ولا تصرف عنّا وجهك، واجعلنا من أهل الحظوة عندك، واحفظنا، اللهم، بعينك الرحيمة، واسقِ حيرتنا من منابعك المقيمة.

" طاب لي خلعُ عذاري *** في هوى البدر التمام

بافتقاري وانكساري *** أرتجي نيل المرام

خمرةُ الأحباب تُجلى *** هيَ حِلٌّ لا حرام

من دموع العين تُملَى *** صانها البرّ السلام

في سماء الحُسن هلّت *** غادةٌ تسبي الأنام

ولسيف اللحظ سلّت *** قاطِعٌ تحت اللثام

يا عذولي لا تلمني *** ما على العاشق ملام

ادنُ مني واروِ عني *** أنا في العشق إمام "

***

أمين صباح كُبّة

.......................

* اشارة الى قوله تعالى (إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا)

* اشارة الى قول ابو الحسن الشاذلي( المحبّة أصل في الافهام فمن أحب الله فهم عنه)

* الأبيات لعبد الغني النابلسي

إلهي كيف أدعوك وأنا أنا، وكيف أقطع رجائي منك وأنت أنت؟!

 بهذا السؤال الحائر الذي لا جواب له إلا الوقوف بين يدي المسؤول، نقف أمام لوحة "الصلاة" في مسجد عمرو بن العاص التي أنجزها الرسام الفرنسي جان ليون جيروم عام ١٨٧١، وهي اللوحة الزيتية التي تقتنيها الآن متحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك.

اللوحة ليست مجرد تسجيل معماري دقيق لأقدم مسجد في مصر وأفريقيا، بل هي نافذة على علاقة معقدة بين الشرق والغرب وبين المرئي والمقدس، رسمها فنان استشراقي لم يكن مجرد رحالة عابر، فقد سافر جيروم إلى مصر وبلاد الشام والأناضول بحثا عن مشاهد تنبض بـ"الشرق" الذي كان أوروبيو القرن التاسع عشر يتخيلونه، فكانت أسفاره صيداً بصريا للمشاهد التي تختزل الحياة الشرقية في لحظاتها الأكثر تعبيراً: الأسواق والحمامات وصحاري القوافل والمساجد. وهو في ذلك واقعي في تقنيته وأكاديمي دقيق في تفاصيله، يرسم كما لو أنه يوثق لكن عينه لم تكن محايدة، بل كانت تبحث عن النكهة والغرابة المألوفة وعن الشرق الذي يليق بلوحات المتاحف الأوروبية، وهنا تكمن المفارقة: هل يمكن لعين وافدة تبحث عن "الغرابة" أن ترى ما هو "مقدس"؟2474 Jean Léon Jérôme

نقف الآن أمام اللوحة، الأعمدة الرخامية تمتد في بهو المسجد الفسيح، آلاف القناديل المعلقة تضيء العتمة، والمصلون صفوف خاشعة، هنا يتوقف الزمن. لكن قبل أن نغوص في التفاصيل، نقف على هدي من فكر عبد الجبار الرفاعي، حيث يرى أن المسجد ليس جدرانا وقبابا فحسب، بل هو فضاء يخرج المؤمن من يوميته إلى أفق آخر، وأنه يمثل اللامكان واللازمان الذي يتجلى فيه القدسي. هذه الرؤية تضيء لنا زاوية الدخول إلى اللوحة: فالمساحة الداخلية التي صورها جيروم لا حدود لها تقريبا، والأعمدة تتكرر لتخلق إيقاعا بصريا يشبه التكبيرات، والضوء لا يدخل من نافذة واحدة محددة بل ينسرب من الأعلى من مكان لا تراه العين، وكأن النور الحقيقي ليس مما تصنعه الأيادي. والقداسة في هذا الفكر لا تقوم في الحجر بل في القصد، فحين يدخل المؤمن المسجد يدخل بقصد الصلاة، ونفس الحجر لولا النية لكان مجرد أثر سياحي. جيروم رسم الحجر بدقة متناهية، لكن هل استطاع أن يرسم النية؟ أم أن النية تبقى ذلك السر الذي لا تنقله الريشة؟

محمد بن عبد الجبار النفري في كتابه "المواقف والمخاطبات" يقدم لنا مفتاحا للتأمل. يقول النفري:  "يا عبد إذا قمت إلى الصلاة فاجعل كل شيء تحت قدميك".

في اللوحة، المصلون قد وضعوا نعالهم عند أعمدة المسجد، هذه التفصيلة الصغيرة التي قد تمر دون انتباه تتحول عند النفري إلى علامة على معنى أكبر: النعل المحسوس ما هو إلا صورة لما يجب أن يوضع تحت الأقدام من علائق الدنيا والأنا والرؤية ذاتها. حين يقوم العبد إلى الصلاة، يرفع قدميه عن كل ما سوى الله، ليس فقط عن التراب بل عن كل ما يشغل القلب. جيروم رسم النعال بدقة، لكنه رسمها كجزء من المشهد الإثنوغرافي، أما المؤمن فيراها إعلانا عن خلع الدنيا قبل خلع الحذاء.

ثم يقول النفري: "قل يا رب كيف وأنت معلم أوليائك".

هنا المفارقة الكبرى التي يفتتح بها المقال: كيف ندعوه وهو الذي علمنا الدعاء؟ كيف نطلب منه وهو الذي أقامنا في مقام الطلب؟ في اللوحة لا أحد يرفع يديه بخشوع ظاهر، الجميع في سكون واستسلام، وكأنهم يعيشون هذه الحيرة الصامتة: كيف نطلب وأنت من أقامنا في مقام الطلب؟ ربما لأن الدعاء الأعمق لا يكون برفع الأكف بل بطمأنينة القلب في محراب الحضور. المصلون في اللوحة جلوس، ليسوا في صلاة فريضة بل في تلاوة أو ذكر، وهذه إشارة إلى أن "الصلاة" في معناها الأوسع هي كل توجه يستغرق العبد، حتى لو كان جالسا ساكنا.

ويزيد النفري: "سواي لا يدوم فكيف يدوم به غناء".

في كل زاوية من اللوحة ثمة ما يشهد على الفناء: الأعمدة ستنهار وتعاد، القناديل ستنطفئ، الألوان ستبلى، الزمن سيبدل كل شيء، ويبقى وجهه. هذه العبارة النفرية تذكرنا بأن جيروم نفسه، واللوحة نفسها، وكل من فيها من مصلين، كلهم في حكم الفناء، وما يبقى هو الوجه الذي قصدته الصلاة.

يبقى السؤال الذي لا يمحوه الزمن: هل رأى جيروم ما وراء الأعمدة والقباب؟ أم أن عين المستشرق بقيت أسيرة ما تراه لا ما تلمحه البصيرة؟ وهل يمكن للوحة أن تنقل الصلاة، أم أن الصلاة تبقى ذلك السر الذي لا يراه إلا من كان في باطنها؟ في اللوحة ضوء متسلل من الأعلى، لكنه ضوء مرسوم بزيت وألوان. النور الحقيقي، كما يقول النفري، هو نور الحضرة الذي لا يراه إلا من طهر قلبه وجسمه. جيروم طهر تقنته وأخلص لرؤيته، لكن هل طهر قلبه لما يراه؟ لا جواب عندنا.

نختم كما بدأنا، بهذا الدعاء الذي يتردد في بعض المصادر عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام:

 "إلهي كيف أدعوك وأنا أنا، وكيف أقطع رجائي منك وأنت أنت؟!"، نبدأ بسؤال الحيرة وننتهي بسؤال الرؤية.

 اللوحة التي أرادت أن تحكي عن الشرق حكت عن الإنسان، عن وقوفه بين يدي خالقه، عن حيرته كيف يطلب وقد أوصله الطلب إلى باب المسؤول عنه، عن يقينه بأن الستر من الله هو الستر كله. وربما تكون الإجابة عند من صلى، لا عند من رسم، عند من وضع نعله تحت قدميه وقدم قلبه بين يدي ربه، لا عند من أتقن رسم النعال والقباب.

***

د احمد عابر

 

هذا النصب مقام في الساحةً المقابلة للمحطة الباصات والقطار المركزية في مدينة ملقا تعتبر جزءا مهما من تاريخ المدينة وأبنائها: تكون مجموعة تماثيل الإسكوتينكو مشهدًا يرأسه الوزير خوسيه غالفيز.

يظهر وهو جالسًا وصدره متقاطع مع شريط وسام الملك تشارلز الثاني. خوسيه دي غالفيز إي غاياردو (1720–1787) الماركيز الأول لسونورا، كان شخصية سياسية إسبانية بارزة ومحامياً شغل منصب المفتش العام في إسبانيا الجديدة (1764-1772) ثم عضواً في مجلس جزر الهند (1775-1787). لعب دوراً حيوياً في تنفيذ إصلاحات بوربون وتعزيز الإدارة الإسبانية في الأمريكتين. حيث قاد سياسات مركزية وإصلاحات اقتصادية وإدارية في المستعمرات الإسبانية

. يقف بجانبه اخيه القديس ميخائيل، قرينه، حاملاً ملفاً. زيه ليس سوى رداء أسود، كونه عضواً في الرهبنة الصغرى. كلاهما كانا عضوين دائمين في مجلس مدينة مالقا تقديراً لتفانيهما المستمر لمدينتهما و وطنهم.

أمام الشخصيتين ، يدير ظهره ، الشخصية في وضعية بدء مسيرة برناردو دي غالفيز

  23 يوليو 1746 - 30 نوفمبر 1786 يقف بيدٌ مضطربة، متشابكة، مع المرسوم الذي وقّعه جوست للتو: لتعيينه حاكمًا لمقاطعة لويزيانا الإسبانية وعقيدًا للفوج الثابت الذي يحمل الاسم نفسه، وعاصمته نيو أورليانز.

الذي كان قائد عسكريا ومسئولا حكوميا شغل منصب الحاكمً لمقاطعة لويزيانا وكوبا ثم أصبح نائبا لملك إسبانيا . اما الجنرال ماتياس كوريز، شوندور (1717 - 3 نوفمبر 1784 . فقد كان جنرالًا إسبانيًا ونقيبا عاما لغواتيمالا ونائب للملك تشكل هذه الوثيقة المقدسة، السياق الفكري لفصل بالغ الأهمية في تاريخ الأندلس . من نيو أورليانز، قام برناردو دي جيلدر بجمع المساعدة من إسبانيا إلى ثلاثين من الأغلونيين الأمريكيين. بينما كان والده ماتياس فينسيراتا يقاتل الإنجليز في غواتيمالا، كان بيرناردو ليبينفارا يقاتل البريطانيين على متن سفينة "ميسيسيبي موبايل" في بينساكولا. بالنظر إلى كل هذه الخدمات، منح كارليس الثالث بيماندي دي غالفيز لقب إيوندريك غولفر. ستثبت لاحقا بان هذه الأعمال الرائعة أنها كانت حاسمة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق الاستقلال في أمريكا. ماتيب، برناردو دي كالفيز يرهن كنائب الملك في نوتيفا إيفورا، في عواصم المكسيك. ألينين جا كوليسيا (بينيلسكابا دي سان فرناندو، ريبوسر ري سوس تيستوس2471 khaima

النحات خايمه فرناندس 

وُلد النحات خايمه فرناندس في مدينة مالقا، وقضى شبابه في بلدة لوس روبيوس، التابعة لبلدية رينكون دي لا فيكتوريا. عمل مصممًا داخليًا في النرويج، حيث درس أيضًا تقنيات النحت. لاحقًا، عمل في الولايات المتحدة الأمريكية على نحت تماثيل نصفية بناءً على طلبات خاصة. بصفته عضوًا في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة في سان تيلمو، ابتكر بيمينتل أعمالًا فنية مميزة لمدينة مالقة، مثل تمثال "إل سيناشيرو" والحمار "بلاتيرو" في الحديقة، والذي التقطت على ظهره صورٌ لأجيال من سكان مالقا.

من بين أعمال الفنان البارزة الأخرى تمثال بيزناغيرو، وفتاة بينالمادينا، وطيور النورس في حديقة ريتيرو بمدريد، وطيور النورس المحلقة فوق قاعة إدواردو أوكون، ونصب الإلهة الفينيقية نوكتيلوكا على واجهة رينكون دي لا فيكتوريا البحرية، وتمثال جابيغوتي على ممشى لاريوس في توري ديل مار. وقد نال النحات العديد من التكريم والجوائز، منها الدرع الذهبي لمصيف فيليز مالقة عام 2007، وجائزة بيايو التي منحها مركز "إل سيناتشيرو" الثقافي للفلامنكو عام 2008، وجائزة فينيكي ستار عام 2008، ولقب "الابن بالتبني لرينكون دي لا فيكتوريا".

ويعتبر تمثال صياد السمك اليوم الأثر الأكثر رمزية لمدينة ملقا.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي

 

منذ بدءٍ إلى دهورٍ،

المطلوبُ هو كسرُ القالبِ

إبداعاً في التقدّم.

*

منذ بدءٍ إلى دهورٍ،

التجديدُ ولو متفلِّتاً.

*

"الذي يُحبّ يجب

أن يُطلقَ سراح من يحبّ".

*

الذي يحبّ

هو الذي يُطلق سراح

من يحبّ.

*

نعم،

"من يحبّ

يطلق سراحَ

من يحبّ".

*

الوعي

هو في الدِقّة.

*

"الوعي

هو في دقّةِ

الملاحظة".

*

الوعي

هو في دِقّةِ

ملاحظةِ الفارق.

*

الطريق

كلّها عثرات،

امشها بحياء.

*

الحياة

ليست في

كمْ عدد المرّات

التي تعثّر فيها

بل هي في

كم عدد المرّات

التي تعلّمَ منها

وتجاوزَ.

*

"الحياة

ليست في

كم عدد المرّات

التي وقع فيها

بل هي في كم

عدد المرّات

التي وقف

فيها

على قدميه".

*

الحياة

هي أن تمسك بالرأسِ

الذي في الرأس.

*

الحياة

هي أن تقبضَ

على رؤوسٍ

في الرأس.

*

"العادةُ

هي أنّ الناسَ

لا يأخذون بالنصائح

التي يتلفّظون بها".

*

"هناك

أغنام وذئاب

وقد لا تراها

لكنّك تعرف الفارق.

أيّها المسافر

وقد أضعتَ طريقكَ

من سيتبرّع لرحلتِكَ

إلى محجّتِك البعيدة"؟.

*

الأملُ

يجعلُكَ تصدّق.

*

الأملُ

يجعلك ترى ماذا تريد.

*

كلُّ ثقافةٍ

هي بتاريخِ صلاحيّة.

*

"تغييرُ النّصوص

أم تغييرُ النفوس"؟.

*

"تغييرُ النفوس

أم تغييرُ النّصوص"؟.

*

الموتُ

هو أن تفقد

الصِلةَ بالواقع.

*

الموتُ

هو أن تؤجِّل

مُدرِكاً ماذا تعمل.

*

"المسؤول

عنِ الكبيرةِ

مسؤول

عنِ الصغيرة".

*

"الصعودُ

إلى حلبةِ الملاكمة

شيءٌ،

وأن تفوزَ بالمباراةِ

شيءٌ آخر تماماً".

*

حلمك

لا يراه أحدٌ

غيرك.

*

حلمُك

لن يراه أحد

غيرك.

*

الميْت

هو من مات الحلمُ

فيه.

*

رُقّي

من حمار

إلى بغل.

*

"علّمتْهُ العبوديّةُ كيف ينجو

ولكنّها لم تعلّمْه كيف يعيش".

*

"الإنسانُ لكي يطالَ

ولذا هي هذه السماء".

*

"مسِنٌّ

وأحلامُه "بيزنطة"!.

*

"عند كلّ عارض

متى ستكفّين عن قطعِ أنفاسِك؟.

ما كان يجب أن تعطي الثقة لأحد

من دون حراسة.

ما كان يجب أن تتركي يديكِ

أو أن تغمضي عينيكِ.

وليكن هذا درساً لكِ".

*

أو هي

رمْيةٌ في العماء.

***

شوقي مسلماني.

......................

- "كلّ ما هو بين مزدوجين صغيرين مترجم أو منقول، وغالباً بتصرّف".

(الأسئلة مبصرة والأجوبة عمياء)... أرسطو

كان الفيلسوف الاغريقي العريق سقراط، كما يصفه تلميذه النجيب، السائر في أثره وعلى خطاه، أفلاطون في جمهوريته المثلى تحديدا، اقول كان سقراط يصل إلى الحقيقة عبر طرح السؤال تلو السؤال، على محدثه، وذلك ضمن محاولة واعية لوضعه في حالة وصول إلى الحقيقة بأسلوب ذكي جدا وذاتي جدا، أما الكاتب الروماني المنبت، الفرنسي الهوى يوجين يونسكو صاحب المسرحية الرائعة" الجوع والعطش"( ترجمها إلى العربية الدكتور حمادة ابراهيم وصدرت ضمن سلسلة المسرح العالمي الكويتية)، فإنه يثير سؤال السؤال في كتابه المميز "ملاحظات وملاحظات مضادة"، بصورة خاصة، وذلك عندما يذهب إلى أن السؤال يكتسب أهمية لافتة في الكتابة الأدبية الإبداعية، كونه يعبر عن راي ورؤية في الآن ذاته، ناهيك عن أنه يشكل من ناحية ثانية حافزا مثاليا لتفكير الاخرين.

اذا اعتبرنا العملية النقدية نوعا آخر من العمل الابداعي، يكمله ولا يعيش على هامشه، كما رأى العديد من النقاد الافذاذ، منهم الناقد العربي المصري غالي شكري صاحب الكتاب اللامع "شعرنا الحديث.  إلى اين؟", فإنه يكون من المقبول والمرضي عنه إلى حد بعيد، أن يقف السؤال في صلب العملية النقدية، وان يتربع على عرشها، كما يتربع العاشق على عرش القلب، فيملكه، حسبما تقول اغنية "عندك شك بأيه" لسيد مكاوي، ولا يجد بعد ذلك داعيا لأن يفقد طمانينته ورضاه بحالته الغرامية. يعزز أهمية السؤال في الكتابة النقدية، أن السؤال في كل حالاته، عادة ما يكون واحدا، يتم طرحه من قبل الناقد بتمكن وعمق، في حين أن الجواب عادة ما يتعدد بتعدد القراء من ناحية، وربما يحتاج إلى أن تتوكل بتقديمه المؤسسات الثقافية الفاعلة والمعنية من ناحية اخرى.

أضف إلى هذا، أن الناقد المتبحر، عادة ما يكون متمكنا من طرح سؤاله، حينا بصيغة بلاغية، لا تحتاج إلى الرد وتتضمن الجواب في ثناياها، كما أنها قد توحي بالجواب في أعمق اعماقها، بمعنى أننا إذا ضمنا متابعتنا في نقد الحالة الشعرية، وتطرقنا عينيا، إلى ظاهرة نراها سلبية، مثل ظاهرة العربدة والصراخ في إلقاء البعض لما كتبوه وانتجوه في مجال القول الشعري ، فإنه يبات من المفروغ منه أننا طرحنا السؤال واصفين الداء ضمن محاولة لتقديم الجواب، أو الدواء الضمني، ممثلا في إيحائنا بأن المطلوب، هو ألا نعربد والا نصرخ وان نمنح بالتالي كل نأمة وحركة استحقاقها في جمالية المكتوب أولا  الملفوظ الشعري ثانيا.

في سياق متصل نقول، أما إذا انتقدنا الكتابة النسائية الشعرية، طارحين السؤال حول كينونتها النثرية بالمجمل، فإن الجواب المطلوب هو أن تقوم النساء، الشواعر المقصودات تحديدا، بالتخصيص وليس بالتعميم، بدراسة عروض الشعر العربي ممثلة في ستة عشر بحرا، وان يقمن بالإضافة إلى هذا بقراءة مكثفة للشعر العربي الجميل حتى يستقيم ويغتني القول الشعري لديهن.

السؤال بهكذا وضعية لا يمكن أخذه على اعتبار أنه تعميم، بقدر ما هو تخصيص عيني، في كينونته الذاتية وفي توجهه إلى حالة أو أكثر محددة، فجميعنا يعلم في العمق البعيد، ان الحديث اي حديث والسؤال النقدي اي سؤال، عادة ما يتمحور في قاعدة محددة ولا ينسى أن لكل قاعدة استثناء، بالضبط كما أنه توجد هناك لكل قاعدة تدرجاتها. بمعنى أن عملية العربدات والصرخات، لا يمكن مهما حاولنا وصفها، أن تكون بدرجة واحدة وإيقاع واحد.

ان العملية النقدية الأدبية بهذا، تسعى ضمنا، إلى تصويب ما هو معوج ويحتاج إلى شيء من التقويم في المسيرة الشعرية، وذلك عبر اكتفائها بطرحها السؤال البلاغي، الذي لا يحتاج إلى جواب، لأن هذا الأخير/ الجواب، يعتبر أحد جوانبه الخفية المطروحة ضمنه وفي داخله، من ناحية، وهو ما يعني في أغواره البعيدة السحيقة، أننا إنما نطرح السؤال أو الداء، في متابعتنا النقدية الأدبية، مضمنين إياه الدواء الذي يعتبر من بعض جوانبه دواء شافيا من وجهة نظرنا، وغير متغاضين عن أنه يوجد حق لكل قارئ لما كتبناه وطرحناه من أسئلة، في التفكير بحالته الخاصة، أنه يوجد لكل داء دواء، العثور عليه ليس مستحيلا، وان كل ما يتطلبه للعثور عليه، هو بذل المزيد من الجهد للفهم القويم، وربما فهم

***

ناجي ظاهر

 

النص الإبداعي هو انثيال وجداني خالص، مكتض بالحس المرهف، والمشاعر العاطفية الشجية، تعبيرا عن تجربة الإنسان الداخلية. فالنص الابداعي بهذه الاسلوبية التلقائية في التعبير، يعكس وهج عواطف الإنسان، والق وجدانه، في لحظة تفاعله مع محفزات الوجدان في حينه.

 وهكذا تظل عفوية انثيال النص الإبداعي، من بين أهم ملامح جماليات النص، حيث تتدفق الكلمات، والصور من العقل الباطن، دون قيود أو حدود، لتعكس الحقيقة الداخلية لذات الكاتب، في اللحظة، وهو يعبر عن تجربته الذاتية، بطريقة وجدانية، صادقة ومؤثرة.

وتجدر الإشارة الى ان النص الإبداعي، يمكن أن يكون في نفس الوقت، طقسيًا ومنظما، حيث يتم بناؤه، وتشكيله عندئذ، وفقًا لقواعد، وٱليات محددة، عند الكاتب.

ولاشك أن النصوص ذات المنشأ الطقسي، تعكس قدرة الكاتب على الإبداع والإبتكار، بما يمتلكه من حنكة، وخبرة متراكمة، وقدرة متمكنة، في الحبك، إضافة لموهبته، تعبيرا عن رؤيته لمراده، بطريقة منظمة، ومتماسكة، ومقصودة.

ولتحقيق التوازن بين العفوية والطقسية، في كتابة النصوص، فانه ينبغي على الكاتب أن يكون قادرًا على توظيف موهبته الإبداعية، في التعبير عن تجربته الداخلية، بطريقة صادقة، ومؤثرة، وان يكون قادرًا في الوقت نفسه، على بناء نص إبداعي منظم، ومتماسك، بتوظيف خبرته، ومهارته، بطريقة متمكنة، تجعل من النص الإبداعي الطقسي، نتاجا قويًا، ومؤثرًا في المتلقي.

***

نايف عبوش

رسم إدفارد مونش لوحة "الصرخة" أول مرة عام 1893، في هيئة جنينية، بقلم شمع على كرتون. ثم عاد إليها في العام نفسه، فصاغ النسخة الأشهر بتقنيات مختلطة من الزيت والتمبرا والباستيل، قبل أن يعيدها إلى الحياة مرتين أخريين، عامي 1895 و1910. وكأن الصرخة، منذ ولادتها، لم تكن حدثًا مكتملًا، بل نداءً يتكرر، ويتحوّل، ويصرّ على البقاء.

منذ أكثر من مئةٍ وثلاثين عامًا، لا تزال الصرخة تحدّق فينا. ليست لوحةً عتيقةً أنهكها الزمن، بل جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الإنسانية.

رغم تهديد الرطوبة لألوانها، ورغم هشاشة الكرتون الذي احتضنها، ما زالت قادرة على الدهشة، لا لقيمتها الفنية وحدها، بل لأنها لم تكفّ يومًا عن قول ما نعجز نحن عن قوله.

بقوتها التعبيرية، وبألوانها المشبعة بالاختلال، وبالسر الذي لا ينفد من قراءته، تحوّلت الصرخة إلى رمز للإنسان الحديث: إنسان الوحدة، والقطيعة، وانكسار الانسجام مع الكون. لم يعد الحلم وسيطًا للواقع، بل صار الواقع نفسه كابوسًا يُعاش مباشرة، بلا حماية. الوجه في اللوحة لا يصرخ فقط؛ إنه يُلتهم من الألم، يذوب فيه. الزمن الداخلي يبتلع التاريخ والعلاقات، ويحوّل العالم إلى صدى داخلي خانق.

بلغة الصورة، يترجم مونش ألمًا كونيًا. ما نراه ليس فردًا، بل حالة وجودية. ولهذا لم تكن الصرخة حكرًا على الرسم وحده. ففي عام 1918، كتب فرانز روزنزفايغ نصه الصرخة، حيث تصبح الصرخة لحظة تصالح مأساوي بين الروح والجسد، «الصرخة التي تستدعي الأبدية والتفرّد»، تلك التي تكشف «الدراما العظمى بين الإنسان والعالم في مثلث الخلق». الصرخة هنا ليست صوتًا، بل حدثًا ميتافيزيقيًا.

هذا الصدى نجده أيضًا عند كيركغارد، حيث القلق هو نغمة العصر، وعند دوستويفسكي، حيث الإنسان يسير على حافة مرتفعة بين هاويتين: أنانية بلا حب، أو قداسة بلا أمل. وحتى عند نيتشه وسارتر، تتخذ الصرخة شكل الإحساس المأساوي بالحياة، ذلك الشعور بأن الواقع ذاته بات غير متوافق جذريًا مع إنسانيتنا.

في الفكر الحديث، لم يعد العالم مأوى، بل مسرح توتر دائم. عدم الانسجام لم يعد استثناءً، بل قاعدة.

عام 2021، وأثناء نقل الصرخة إلى المتحف الوطني النرويجي الجديد، كُشف سر صغير لكنه زلزل المعنى: نقشٌ خافت بقلم رصاص في الزاوية العليا للوحة عام 1893، يُنسب إلى مونش نفسه، يقول: «لا يمكن أن يكون قد رُسم إلا بواسطة مجنون».

بعد 130 عامًا، لا تزال كلمة مجنون تطالبنا بالمسؤولية. مسؤولية الصورة في زمن طغيان الصور. ومسؤولية ما يسميه إينزو بورغنا «الإيماءات المفقودة»: تلك الأفعال الصغيرة التي لم ننجزها، وكان يمكن لها أن تقول للآخر: أنا أراك. مصافحة، ابتسامة، عناق. في اللوحة، يمرّ أشخاص آخرون، غير مبالين. الصرخة تُطلق، لكن لا أحد يلتفت.

وهنا ينفتح تأويل جديد: مونش لا يرسم صرخته وحده، بل صرخة الجرحى والمهمّشين، صرخة المضطهدين، صرخة من تُركوا خارج السرد. الصرخة هي أيضًا صرخة المهجورين، أولئك الذين لم يجدوا من يسمع.

ربما حان الوقت أن نقف أمام هذه اللوحة من جديد، لا بعين الإنسان المتخم بخطابات الحداثة، بل بأذنٍ أكثر تواضعًا. أن نصغي إلى منظور الفقراء، والمنبوذين، والمجانين، والمضطهدين، الذين ما زالوا يسألون: إلى متى؟

تدعونا الصرخة إلى النظر في الحروب، والأوبئة، والهجر، والعنف، واستغلال الضعفاء، وفي كرامة الإنسان المهدورة. تدعونا إلى استعادة ذاكرة المظلومين، أولئك الذين مُحوا طويلًا من روايات المنتصرين. موضوع هذه القصة الأخرى هو كل ما «تُرك خلفه».

ولكي نروي هذه القصة، لا نحتاج أولًا إلى الكلمات، بل إلى الصمت. صمتٍ يشبه الوقوف أمام شواطئ كوترو، أو أمام جسد طفل مغطّى بالكفن في أي بقعة من هذا العالم.

هناك، فقط هناك، تبدأ الصرخة في أن تُسمَع.

***

محمد إبراهيم الزموري

(الرحمة لا العقل هي ما يجعل الانسان انسانا).. ليو تولستوي

في لوحة العودة للديار المرسومة سنة ١٩٣٦، لا نواجه حدثا دراميا ولا ذروة سردية، بل ما يشبه ما بعد الحكاية، حين تنتهي اللغة وتبقى الاجساد وحدها شاهدة. جندي عاد من الحرب، او لعل الحرب لم تغادره بعد، جاث على ركبتيه، مثقل، منكسر، وقد اسند راسه الى حضن امرأة لا تعرف، ولا تسمى، ولا تحدد هويتها. لا نعرف ان كانت اما، او اختا، او حبيبة، وربما هي كل ذلك معا. ما نعرفه فقط انها تستقبله بلا سؤال، وبلا دهشة، وبلا شرط.

اللوحة من اعمال الرسام الالماني هانز ادولف بوهلر، المنتمي الى تقاليد الواقعية الرمزية المتاخرة ذات الجذور الكلاسيكية، حيث تمنح الاجساد حضورها الكامل، وتقال الافكار عبر الايماءة لا عبر الخطابة. في مناخ فني الماني في ثلاثينيات القرن العشرين كان ميالا الى تمجيد القوة والانتصار، تأتي هذه اللوحة على هامش التيار الغالب، لا لتعارضه صراحة، بل لتلتفت الى ما يتجاهله، لحظة العودة حين يسقط القناع، وحين يعود الانسان لا كبطل، بل ككائن محتاج الى من يلتقطه.2462 ahmad

المرأة في اللوحة لا ترفع الجندي، ولا تعيده واقفا، ولا تعيده قويا. هي تفعل شيئا ادق واعمق، تسمح له ان يكون ضعيفا. يدها الموضوعة على راسه ليست اشارة سلطة، بل ايماءة معرفة قديمة، معرفة الجسد بالجسد، ومعرفة العناية التي لا تحتاج الى تفسير. هنا يمكن استحضار فكرة ايمانويل كانت عن كرامة الانسان بوصفه غاية في ذاته، لا وسيلة. فالجندي، وقد انتهت وظيفته الحربية، يستعيد قيمته لا لانه ادى دوره، بل لانه انسان يستحق الاحتواء. الكرامة هنا لا تمنح بالقوة، بل تستعاد حين يعترف بالهشاشة دون اذلال.

لكن اللوحة لا تتوقف عند الاخلاق العقلانية، بل تنفتح على افق اعمق، اقرب الى ما كان تولستوي يلتقطه في الحرب والسلام. اللحظة التي ينهار فيها العقل المنظم، وتتعطل الحسابات الكبرى، ويبقى شيء واحد صالحا للحياة، الرحمة. كل ما في الجندي يقول ان المنطق فشل، وان الحرب لم تترك له تفسيرا ولا معنى. وكل ما في المرأة يقول ان المعنى لا يصنع، بل يحتضن. الرحمة هنا ليست فضيلة مجردة، بل فعلا يوميا بسيطا، يحدث بلا اعلان، وبلا بطولة.

ومن هذا المعنى، يمكن قراءة اللوحة في افق انساني ديني بلا لاهوت، يلتقي مع ما يطرحه عبد الجبار الرفاعي، حين يرى ان الدين الحي هو الذي يداوي جراح الانسان، لا الذي يفسرها فقط. هذه المرأة لا تنطق باسم الله، ولا تحمل خطابا اخلاقيا، لكنها تفعل ما هو اسبق من كل خطاب، ترافق الالم. وكأن اللوحة تقول ان المعنى لا يولد من الالم نفسه، بل من الطريقة التي يستقبل بها هذا الالم حين يعود الى البيت.

وهنا تصبح العودة للديار عودة مختلفة عما توحي به الكلمات. الديار ليست مكانا، ولا وطنا سياسيا، ولا نهاية حرب، بل حضنا يسمح للانسان ان يضع راسه اخيرا دون ان يسال عما فشل فيه. الانوثة في اللوحة ليست رمزا سماويا، ولا استعارة لاهوتية، بل الذاكرة الاولى للامان، تلك التي يعرفها الجسد قبل ان يعرف اللغة. في هذا الاحتضان الصامت، تستعاد الانسانية لا بوصفها قوة، بل بوصفها قابلية للكسر، وقابلية للعناية. وربما لهذا السبب تبقى اللوحة حية، لانها لا تعد بالخلاص، بل تقول شيئا ابسط واصدق، ان الانسان حين يعود مكسورا، لا يحتاج الى تفسير، بل الى من يبقى.

***

د. احمد عابر

 

ما أجمل أن تقطن بين أحضان مدينة ذاكرتها تنام تهورا في شمس قيض، ولا تستيقظ إلا عند الاستحقاقات الانتخابية. دوما كانت ذاكرة المدينة تفيق مع الفزع الملازم، ومرات عديدة التلاشي مع مآسي الأحداث الطارئة. فما أسوأ!!! التذكر حين تُمْسي وقد تنام ذاكرة المدينة في سهو منسي، ونحن لا نزال نُشغل عقولنا بالتراخي الرخو حتى لا تموت المدينة بالحتمية والفجائية. إنها بحق الأحلام المبتورة، والتي تحمل كل مثيرات الأضواء الزائفة، وملونات فقاعات نصب الفخاخ المميتة.

يبق لنا بالجمع أن نستغرب من شيء واحد، أن مدينة طيعة منذ أن كان القدر سيدا في مسقط رأسي بين أسوارها الأميرية. ومهما كانت غرابة الاستدلالات بالذاكرة المفقودة للمدينة الطيعة موضع بديلا عن المدينة الفاضلة، فالأمل الضائع بات سيد الحديث ومنه كانت البدايات والختم الانتظاري.

منذ الزمن الماضي القريب كان جزء من الأحلام المبتورة للمدينة الطيعة، يسارع الوقت على نحو من التهور والفهلوة بالبحث عن المنقذ (المهدي المنتظر). وخلافا لمحطة (غودو) الأخيرة، فقد طال أمد الانتظار عن التنمية الموعودة، وعن عودة ابتسامة الحياة للمدينة. لكن الأدهى من ذلك كانت أحلام ذاكرتنا جميعا تلتصق بالماضي، وتصنع منه الرمزية (الذهبية)، وتلقي باللوم على الحاضر ( المصدي) الذي لم يقدر أن يصنع ولو جزء من الماضي القريب بالتشريف والذكر.

التشكيك بكل النيات الحسنة، اختلط مورده بذاكرة مدينة اليقظة بالنميمة السياسية، وتم تعويم رؤية الفساد على وجه تربها. فكل الوعود الجميلة التي واعدونا بها، باتت حتى هي من الاستدلالات الفاسدة، ولم يبق لنا من صحتها غير الدعاء وراء الإمام وقول: (آمين)!!! فحين قال: اللهم امحق الفاسدين، نقول جماعة وراءه: (آمين)، يقول: اللهم شتت شملهم، نقول: (آمين). يقول: اللهم احرق أموالهم، وحاسبهم حساب الحكامة بمحاكم المالية، نقول: (آمين)، ونحن نعلم علم اليقين أن صدقات الفاسدين تحميهم من دعاء الإمام!!!

كل ضروب التشويش وتعطيل التنمية بمدينة الذاكرة المنسية، تعطل عيوننا من الإبصار في الأفق الجميل المبتسم. ولم يبق لدينا غير الحق الوحيد في استرجاع الثقة في قدرتنا على إقرار عقاب الصناديق الانتخابية (2026). لم يبق لدينا غير المشاركة وليس المقاطعة البئيسة السلبية التي تجعل من صغير القاسم الانتخابي يتسيد المشهد السياسي العقيم، ويماثل في خرجاته (دُونْ كِيشُوتْ) المعارض.

حقيقة غير مراوغة بفنية (سفسطائي)، أن ذاكرة المدينة لا تطيق فهم الكليات الواجبة للتغيير، واستدلالات البدائل، بل فهمنا في حدود ظل ذواتنا في الغروب الباهت، يقف عند الحقائق السهلة المختلطة بفساد الاستدلال والتبعية الموغلة في لحظات الانبطاح، والهرولة نحو الاقتيات من فتات بقايا الريع (الحلال) للأسياد.

ذاكرة مدينة تُنتج الحذلقة في النزق(والنزوقية)، في ظل غياب أسس ما ذكر في دستور المملكة من الكلمات دالة ومليحة (الحكامة/ الديمقراطية/ التشاركية/ العدالة/ حق الدولة/ العدالة الاجتماعية/ الرفاه/ المناصفة/ الكرامة/ العدالة المجالية...). فحين تغيب الأخلاق والقيم عن السياسة، نكون نتفحص الانتقاد الثنائي (الأغلبية والمعارضة) في فكر سياسي عبثي، ونحن نعلم أنها تلاسنات مغرضة ومفبركة لدغدغة المشاعر اللينة الصامتة، ويمكن أن يصبح المعارض بالأمس أبكما وغبي الفهم حين يتربع على كرسي الأغلبية متسيدا !!!

هي مسألة ذاكرة مدينة تتصيد العجب في بحيرة مستنقع لا سمك تنموي فيها ذي جودة. ومن حمية استحضار الذاكرة المنسية حتى ولو بالجزئية لا الكلية، أن نحارب الاستدلالات المغرضة بمدينة العجائب، حتى لا يصاب الجميع بداء النسيان ونكوص الثقة في المستقبل، والتقادم الذي يريد تحنيط حتى الأسوار والقصبات، ويبخس كل رؤية تحديث للتمكين الحضاري.

***

محسن الأكرمين

كتب أحدهم ما مفاده انك قد تقرأ مئة كتاب، وقد تمر على كل ما فيها باهتمام كبير، متوقفا عند كل حرف وحركة، الا أنك قد تكتشف فجأة نسيانك كل تلك الكتب التي قرأتها، وقد تنسى كل ما تضمنته ايضا، سوى انك ستكتشف انك بت إنسانا غير ذلك الذي كان قبل قراءة كل تلك الكتب. أورد هذا كله واستشهد به مجتمعا في القراءة وفائدتها الآنية وبعيدة المدى في نفسية وكينونة من يمارسها.. مقضيا الساعات الطوال برفقة الكتب وبين يديها، فالقراءة في عمقها الانساني تعني الكثير وقد تنبه اديبنا العربي العريق ابو عثمان بن عمر بن بحر المكنى بالجاحظ، لجحوظ في عينيه، أن القراءة هي عقل غيرك يضاف إلى عقلك، في حين ردد العشرات، منهم الكاتب العربي المصري البارز عباس محمود العقاد، ما سبق ولحق، ما ردده العديدون من الكتاب والمفكرين، وهو أن القراءة هي زاد يطيل العمر ويثريه كونها تجربة تضيف إلى تجربتنا وعمرا يضاف إلى اعمارنا.

اقول هذا وانا افكر في نوادي القراء القائمة في العديد من بلداتنا ومدننا العربية، غاضا النظر عن انها جاءت كالعادة تقليدا، لكن لا باس به، لنواد سبق واقيمت في شتى التجمعات المتحضرة في العالم ولدى ابناء العم اسحق في بلادنا تحديدا، ومتفكرا فيها وفيما قدمته وتقدمه بين الحين والآخر، من متابعة حافلة بالمحبة والتقدير للكتاب ولكل من يهتم به، سواء بصورة شخصية أو بصورة عامة عبر ما نشرته وسائل الإعلام عن هذه النوادي المباركة في كل الاحوال، بإمكاني تسجيل الملاحظات التالية.

الملاحظة الاولى: أن هذه النوادي كما عرفنا والفنا، تنشط بصورة موسمية، وهي عادة ما تقيم نقاشا حول هذا الكتاب أو ذاك، في فترات متباعدة، ويخيل لي أن كلا من نشاطاتها، إنما يقوم بعد تحمس، من حماس، أحد اعضائها، اثر قراءته كتابا ما فيقوم باقتراح مناقشته في ناديه وإذا ما لاقى اقتراحه القبول تم اقتناء الكتاب المقصود، تلاه توزيعه على أعضاء النادي وعقدت بالتالي الجلسة، ليكتب عنها خبر يتم نشره في وسائل الإعلام الإلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي، مسجلا إنجازا للنادي الذي يدور الحديث حوله، ولتتلو نشر ذلك الخبر حالة من البيات، بانتظار مديد لاقتراح اخر لمناقشة كتاب جديد. هكذا نلاحظ، وارجو ان أكون مخطئا في ملاحظتي هذه، أن تلك النوادي، خاصة في المكتبات العامة أو بين ظهرانينا في التجمعات المعنية، بدلا من أن تعمل بصورة مكثفة ومركزة، كما يفترض، تتحول الى العمل بصورة متقطعة، وتفتقد إلى الحماس المطلوب للمواصلة الهامة جدا والمحببة فيما يتعلق بحالة القراءة والكتابة.

الملاحظة الثانية: أن هذه النوادي، بدلا من أن تهتم بالعمق في عملها، تلجأ إلى السطحية، بمعنى أنها تنتظر الاقتراحات من أصحاب الكتب الصادرة مؤخرا، وليت الأمر يتوقف في قبولها هذا الاقتراح على تقديمه، ذلك أن الأمر يتجاوزه إلى مدى، أكاد اصفه بأنه مكروه، وهو أنني أنا مدير النادي، اذا ما كنت من أصدقاء الكاتب صاحب الاقتراح، وافقت على اقتراحه أو طلبه فورا ودون تردد، أما إذا لم أكن كذلك، أعني من اصدقائه، فإن الأمر يختلف، ذلك أن الاقتراح سيرفض إما بسبب أننا جمدنا نشاطنا حاليا، واما أننا سندرس الأمر، وقد ندخل اقتراحك في برنامجنا للسنة القادمة. اقول هذا انطلاقا من تجربة شخصية، فقد تلقيت مثل هكذا ردين، كل على انفراد بالطبع، على اقتراح وضع كتاب جديد لي ضمن نشاطات وفعاليات ناديين في منطقة إقامتي الناصرة، وتلقيت الرد ذاته ، وفي الوقت نفسه قام هذان الناديان، أو أحدهما بالحتم، بمناقشة كتاب لكاتب واصل ويتقن فن العلاقات العامة. لماذا اقول هذا؟.. أنني أقوله للفت النظر ولمعالجة الأمر بهدف إيجاد الدواء للداء القتال.. لا اكثر.

الملاحظة الثالثة: أن هذه النوادي عملت، عندما ركبها شيطان الرغبة أو الهوس حينا، وعندما تقبلت هذا الاقتراح أو ذاك حينا اخر، بطريقة لا تختلف عن طريقة بقية المؤسسات الثقافية في بلادنا تحديدا، في مقدمة هذه الطريقة، انتظار الاقتراح يأتي من الخارج، واضعة ذاتها بذلك في خانة رد الفعل البدائي، وعدم المبادرة المتحضرة، بمعنى الفعل المرغوب به والمحبب، ولي تجربة مرة بطعم الحنظل بهذا الصدد. هذه التجربة حصلت على النحو التالي: اقترح علي صديق متأدب شاب ذات لقاء مرافقته إلى مؤسسة ثقافية تحتضن ناديا للقراء، بهدف اهدائها كتابه الجديد الصادر مؤخرا. ما إن تناولت مديرة المؤسسة الكتاب حتى اقترحت عليه جلسة اخرى، لوضع الكتاب ضمن برنامج نادي القراء، بعد ذلك جرى حديث حول الحراك الادبي الثقافي في البلاد. وعندما سألتني تلك المديرة، عن رأيي، رددت عليها قائلا، إن ما حصل في ذلك اللقاء لم يعجبني وآثار حفيظتي، المديرة فوجئت وعادت تسألني عن السبب، فاجبتها بمنتهى الوضوح، أن اقتراحها مناقشة كتاب صدر مؤخرا هو أمر مبارك، بغض النظر عن أنها لم تقرأه بعد، بعد ذلك جرى نقاش، ودي معها، اطمئنوا لست عنيفا، الخصه بكلمات قلائل فأقول إن ما حصل لم يرق لي لأنه ليس من المطلوب من الكاتب صاحب الكتاب الصادر حديثا ان يتوجه إلى المؤسسة الثقافية أو نادي القراء، ليتم اقتراح مناقشة كتابه في النادي، وان الأفضل أن يقوم أحد أعضاء النادي بقراءة ما يتم إصداره من كتب جديدة ومستحقة بالطبع ، وان يقترح بالتالي ما هو جدير بالوضع ضمن أعمال ناديه القرائي لتتم مناقشته، أما أن يذل الكاتب نفسه ويزور المؤسسة المعنية أو نادي القراء وفي نفسه أن يقوم هذا الأخير بوضع كتابه ضمن أعمال النادي، وان تصل الرسالة المشفرة بالتالي، فتقترح الإدارة الاهتمام بكتابه، فإن هذا يدل على واحد من امرين، أما أن النادي ما هو إلا ناد التفاخر واتمام واجب مؤسساتي، يخدم في العادة جهة اجتماعية او سياسية، وإما أنه مصاب بحالة نوم وبيات، وهو ما لا يليق في كلا الحالتين.

كي لا افهم خطا اقول.. إنني اعرف ان عمل نادي القراء، اي نادي، يحتاج إلى بذل الكثير من النصب أو التعب والجهد، ويكفي أن أشير إلى ما يحتاج إليه لمناقشة قرائية واحدة، توضيحا لما اقوله، فالنادي يحتاج اولا إلى شراء عدد من نسخ الكتاب يوازي عدد أعضائه الراغبين في المشاركة، بعدها يحتاج إلى توزيع الكتاب عليهم، يليه قراءة الكتاب في وقت محدد، يقينا انني اعرف هذا كله، غير أن ما قصدته من ابداء ملاحظاتي الانفة، هو ما بعد هذه الامور الشكلية الضرورية والهامة.. أنه يصب في خانة عمل النادي ذاته وليس خارجه.  . أما الهدف من هذه الكتابة وما تضمنته من ملاحظات، فإنه يأتي من محبة كبيرة لحياتنا الأدبية الثقافية عامة.. اولا وثانيا وثالثا.. فهيا الى العمل.

***

ناجي ظاهر

شاهدتُ فيلمَ (Out of Africa 1985) مرتينِ، كانت المرةُ الأولى بعيدةً بُعدَ عَقْدٍ من عُمري الجارِي، وأظنُّ حافزَها اسم الممثّلة ميريل ستريب (١٩٤٩ـ ) يشاركُها دَوْرَ البطلِ الممثّلُ روبرت رَدفورد (١٩٣٦- ٢٠٢٥م)، ومَنْ لهُ فِي السينما نَظرٌ فاحِصٌ وذوقٌ دقيقٌ لا يدعُ فيلمًا لهذينِ المُبَرّزينِ في إتقانِ الأَداءِ و براعَة التمثيل، فكيفَ وهذا الفِيلم يقومُ على قِصّةِ الرُّوائيّة الدنماركيّة كارين بلكسِن (١٨٨٥- ١٩٦٢م) وترسّمِ حياتِها بمآلاتِها وأَسقامِها كلِّها، وسَرْدِها عن تجربتِها؛ وقد جسّدتْها ستريب أروع تجسيدٍ ! والمرةُ الأخرى، وَقَعَتْ قبل أيامٍ، إذ نِعمةُ العُطلِ في البلدِ العزيز حثّتْنِي على تمحيصِ أوراقٍ كثيرة مُستقرّةٍ على المكتبِ، بينها قائمةُ الكتبِ المطلوبة ـ أي التي لم أجدْها بَعدُ ـ وهذا العنوان بالإنكليزيّة مكتوبٌ أمامه: آملُ الحصولَ عليه، لَكن أينَ؟ وَلِكي أدفعَ يأسَي من سوقِ الكُتب حيث باعَةُ الأطعمةِ وجوّالةُ التصوير وزوّاقو الورقِ يزعقونَ وينعقونَ وينشرونَ ويسمّون ما يفعلونه ثقافةً وإنشاء محتوى، ولِكَي أربأَ على مشَقّة شَحْنِ هذا الكتاب إليّ من موقعِ تسوّقٍ صينيّ .. شَرَعتُ بمشاهدتِهِ يُترعُني عِنادٌ عجيبٌ معَ نفسي على تحمّل مشاهِد كَبَوات الأقدارِ بالبَشرِ!! ولمّا تمكّن منّي ما نابَ كارين، فجسدُها عليلٌ وعلاجُه بالزّرنيخ، ومزرعةُ البُنّ حُلمها الذي بددتْهُ النّار في خِصابِ كينيا، وعشيقُها قد اقتنصتْهُ المنيّةُ لمّا قرَّ على الزّواجِ بها غِبَّ وحدةٍ وضَياع وكرِّ ارتحالٍ؛ جعلتُ أقرِّعُ نفسي على مطاوعتِها لهمومٍ قصّيّةٍ عَنها غالبًا ما تتصيّدها باصرتي السينمائيّة على أنّ نجواي وراء هذا التصيّد هي الهروب من الأدبِ والاستكفاء من القراءةِ! وإذ يُختتمُ الفيلمُ بِلَقْطَاتٍ قد أَتى لـ: كارين ما لا تريدُ من الحياةِ؛ قَدَحَتْ خِزانتي العصبيّةُ جملةً من المعرّيِّ المتوفّى سنة ٤٤٩ هجريّة: فَتضحكُ الأقدارُ، ولزوم ما لا يلزمُ ليسَ في رفٍّ عالٍ من المكتبةِ بحيث لا تتصفحّ يدايَ الجزء الثاني، وتلتمسُ عيناي " ضَحِكَ الأقدار " في الصحيفة ٦١٠ ـ طبعة دار طلاس بشرحِ نديم عَدِي:

يا إنسَ ! كَمْ يَرِدُ الحياةَ مَعاشِرٌ

ويكونُ مِن تَلَفٍ لَهم إصـدارُ

*

أَ تَرومُ مِنْ زَمنٍ وفاءً مُرْضِيًا

إنَّ الزّمـــانَ كَأهلِهِ غَدّار ُ

*

تَقِفونَ والفَلَكُ المُسخّرُ دائـرٌ

وتُقدِّرونَ فَتَضْحَكُ الأقـدارُ

وكارين إنسانٌ أقبلَ على الحياةِ، رَغمَ ما يعتريه من خذلانٍ ونَصَبٍ ثُم يدبِرُ عنها، وبين إقبالِه وإدبارِهِ أملٌ خادعٌ، وزعمٌ باطِلٌ أنّ سيطالُ منها ما ابتغى ويغنمُ بما دبّر وتقحّمَ .

***

د. سَحَر شُبّر

تعدو الأيام بالتباع ونَحن نُغير أقنعة وجوهنا بتغير السياق والمواقف الحياتية، وفي هذا التراكم أشعر أحيانا أن وجهي ليس لي ولا أمتلكه بتاتا، بل هو مُغلق ومُغلَّف من ركد التعب والهروب من الخوف. حقيقة مطلقة بالإدراك الوصفي، أن الوجوه تتنوع بتنوع شظايا المرايا المتناثرة من بعض الأحداث، فقد يكون يوما وجهي مكدودا ومنكسرا بالندوب العارية، ومرات أخرى قليلة تجد وجهي طافحا بالحياة، مزهرا بالحلم والأمل.

من ثورة وجهي على ذاتي الآنية أنه يحب الصمت، ومرات أخرى عديدة يخالفني في نسب الصمت، والصوم عن الثرثرة والكلام المباح. لكني في صميم عمق تفكيري، كنت أؤمن بلغة الصمت المكتملة والإنتشاء من ملامح وجهي العاقل، وحينها كنت لا أحاول معاكسة وجهي بالثرثرة الفوضوية.

نعم سياسة تنوع الوجوه تُلاحقنا جميعا بين الحقيقة وظن السوء، ولما لا القناعة بالعري العاطفي البئيس. حين ذاك كان وجهي يلاحقني بالمساءلة والمحاسبة العصية، وقد أبيت لحظتها أستمع إلى أصوات ذاتية مخيفة، وترعبني أشد رهبة حين تساءلني بالاستنكار الذي يمحو وجودي وكياني وعالمي، لكني أترزن ولا أثور على ملامح وجهي، وبحق المكاشفة فقد لا أمتلك وفرة من الشجاعة كي أضع حدا لاستبداد وجهي الظالم والماكر.

في معرفة النزر القليل من فكر الوجودية، تعرفت أنها تضع الفرد في مواجهة ذاته أولا وبعدها العالم ثانيا. كنت أشك خيفة من وجهي الصامت في أن أقع تحت ضغطه وأمارس ملامح الاستبداد على عالمي ووحدة محيطي، من تم كنت أرتكز قناعة من حكمة لغة الصمت المكتملة في الوجود النوعي.

من مستملحات وجهي الغافلة، حين دعاني بصمت التمهل وإطالة عمق الرؤية في الممكنات، حينها أحسست أن وجهي يلاحقني بالرج حتى في تفكيري الخامل. كنت ذكيا لحظتها، حين تقشفت في كلامي لكي أماثله، وجعلت من وجهي يلازم الصمت بالابتسامة، ويلعب على لغة الانصات، وهو يستعير علامات تعجب نبض الغباء.

في صمت وجهي المستديم، رأيته يبحث عن وجه آخر كي يكون أنيسا له. لحظتها مارست عقلانية البرودة الظاهرية، وتقمص جمالية الهدوء الرتيب بالتأني، إنها بحق تجربة من نوايا الجسد الماكر والنفس الأمارة بالسوء والتي كانت تستفزني طواعية، وتترقب: هل حقا سأطلق الصمت بحضور أنيس وجهي الآخر في المرآة أم لا؟

طيلة عمري الصامت، يظل ملمح وجهي يفضحني ببقايا الثرثرة المتسربة بالأنانية. عندها لم أرغب في أن أكون شخصا آخر معاديا لذاتي ووجودي المتواضع. لم أرغب في أن أكون مرئيا تحت ضياء الكشف الإكلينيكي، بل وددت أن أكون مرئيا من داخل ذاتي فقط، وهو ربح صعب الكسب والامتلاك. وفي هذا الاختبار الأخير، لم أكن حرا في اختياراتي، بل حاولت بكل جهد من تأسيس سد يقطع الشعور بالوحدة والاستماع إلى أنين الصمت الداخلي، وقياس الضغط النفسي الذي لا يقاس بآلة.

في صمت وجهي صنعت بالرغبة وجها محايدا عن الوجوه الأخرى المتداولة بالتقسيط والجملة، والتي غالبا ما تتكدس خلف أقنعة الرياء والبلاهة وحتى التفاهة. هي تجربة تُعاش بالمقايسة والمعاينة الحقيقية، وليست من روايات الخيال والأزلية. لم أحارب يوما وجهي بالتضاد وهو سعيد بتمثل الصمت، أو حتى وهو يقف عند حافة الانكسار. قد أفرح برهة، حينما أستنتج أن الصمت أكثر دلالة من الكلام البليغ والفصيح والدارجي، لكن وجهي العاطفي والإنساني يفضحني بعريه المباح على رفض الصمت كلغة متكاملة.

في مساءلة وجهي المحايد تحت طائلة الصمت والمنزوع الذاكرة والهوية، كنت أحتاج أن أقوم قومة الهارب من ذاتي وزماني ومكاني وعشيرتي، والفرار بتحدي حدود تموضعات، وبلا أقنعة تمويه من حياة الصمت، حتى ولو كانت الخلفية تُزهر بالسعادة والرفاه. ومن بداية هروبي تعلمت صدق صمت وجهي، حتى ولو كانت كل الوجوه تلمع بالبلاهة وسياسة التفاهة التي تحارب البرودة الصامتة والذكية.

***

محسن الأكرمين

وجه وردي واحد من حديقة العالم يكفينا.

حافظ الشيرازي - غزليات حافظ

ترجمة من الفارسية

***

بهذا السطر الهادئ من غزليات حافظ الشيرازي لا ندخل الى لوحة رينوار دخول من يبحث عن معنى مخبوء خلف الصورة، بل دخول من يقف على عتبة الاكتفاء. غير ان هذا الاكتفاء نفسه ليس بريئا تماما. فهو يوحي بالسكينة، لكنه يخفي توترا رقيقا بين الرغبة في الفهم، والاستعداد للتخلي عنه.

لوحة امراة في الحديقة (Woman at the Garden, 1873) للفنان الفرنسي بيير اوغست رينوار لا تقدم حكاية قابلة للامساك. لا حدث، لا ذروة، لا بداية ولا نهاية. امراة تمشي في حديقة، او ربما لا تمشي بل توشك على التوقف. الضوء يتكسر على العشب، والالوان لا تستقر في حدود واضحة، كأنها في حالة تردد دائم بين الظهور والتلاشي. كل شيء يبدو بسيطا، لكن هذه البساطة نفسها مربكة. ماذا نرى حقا؟ وماذا نضيف نحن الى ما نراه؟2459 ahmad

الانطباعية، التي ينتمي اليها رينوار، غالبا ما توصف بوصفها ثورة تقنية في الرسم: تفكيك اللون، كسر الخط، التقاط انعكاسات الضوء. لكن النظر الطويل الى هذه اللوحة يكشف ان الامر ابعد من التقنية. هنا موقف وجودي كامل: الثقة باللحظة العابرة، والقبول بان ما يظهر لا يحتاج دائما الى تفسير. ومع ذلك، هل نستطيع حقا ان نكتفي بهذا القبول؟ ام ان اللغة، بما تحمله من قلق قديم، تفرض نفسها علينا رغم صمت الصورة؟

في هذه اللوحة لا تبدو المراة موضوعا منفصلا عن الطبيعة، لكنها ايضا ليست ذائبة فيها تماما. هناك مسافة خفية، بالكاد ترى، بين جسدها وبين الحديقة. مسافة تجعل المشاهد مترددا: هل هي جزء من المشهد ام عابرة فيه؟ هذا التردد هو ما يمنح اللوحة توترها الصامت. فلو كانت المراة مندمجة تماما، لفقدناها. ولو كانت منفصلة تماما، لتحولت الى رمز سهل. لكن رينوار يتركها في منطقة بين بين، منطقة لا تطمئن التفسير.

هنا يصبح قول محمد بن عبد الجبار النفري مفتاحا بصريا لا لفظيا: (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة).

اللوحة تجسد هذه المقولة لا عبر المعنى، بل عبر العجز عنه. فما يتسع في الالوان والظلال وحركة الضوء لا يجد طريقه الى اللغة من دون ان يفقد شيئا من كثافته. نحن نتكلم لاننا لا نرى بما يكفي، وربما نكتب لان الرؤية، حين تتسع اكثر من اللازم، تصبح ثقيلة على الاحتمال.

الحديقة في هذه اللوحة ليست مجرد مكان طبيعي. انها حالة اتساع. غير ان هذا الاتساع لا يمنح الطمانينة مباشرة. بل يربك. يضع المشاهد امام سؤال غير معلن: هل يكفي ان نرى؟ ام ان الرؤية نفسها تحتاج الى تدريب داخلي كي لا تتحول الى استهلاك بصري؟

في هذا السياق، يبدو كلام عبد الجبار الرفاعي عن المعنى اقرب الى تنبيه منه الى تفسير. يكتب الرفاعي عن المعنى بوصفه شيئا لا يصنع قسرا، بل يكتشف حين تهدأ النفس. المعنى لا يولد من الضجيج، بل من رهافة الانتباه. غير ان هذه الرهافة ليست سهلة. انها تتطلب نوعا من التعليق المؤلم للرغبة في السيطرة. في لوحة رينوار، لا شيء يقاد، ولا شيء يخضع. المراة لا تؤدي دورا دراميا، والطبيعة لا تتآمر على المشاهد. ومع ذلك، يظل القلق قائما: ماذا لو لم يكن هناك معنى اصلا؟ ماذا لو كان كل ما نراه هو مجرد حضور عابر؟

هنا تتدخل الرؤية، لا لتغلق السؤال، بل لتعيد صياغته. ابو حامد الغزالي، في حديثه عن مشاهدة الجمال في احياء علوم الدين، لا يتعامل مع الجمال بوصفه زينة للعالم، بل بوصفه طريقا الى معرفة لا تنال بالاستدلال الجاف. غير ان هذه المعرفة ليست يقينية بالمعنى المنطقي. انها معرفة ذوق، معرضة للانكسار بقدر ما هي معرضة للانكشاف. حين ننظر الى المراة في الحديقة، لا ندرك جمال شكلها فقط، بل جمال العلاقة الهشة بينها وبين الضوء والظل واللون. علاقة قد تتبدل لو تغير موضع الشمس او زاوية النظر.

ويبلغ التوتر ذروته حين نستحضر قول محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية: (ان الحق يتجلى في الصور).

هذا القول، حين يوضع امام لوحة رينوار، يفتح بابا خطرا. اذا كان الحق يتجلى في الصور، فهل كل صورة تجل؟ ام ان التجلي مشروط باستعداد الرائي؟ المراة هنا قد تكون تجليا، وقد تكون مجرد امراة تمشي. الفرق لا تصنعه اللوحة وحدها، بل العين التي تنظر، والقلب الذي يتلقى.

لهذا لا يجوز ان نحول اللوحة الى رمز مطمئن. ليست المراة رمزا للطبيعة، ولا الطبيعة خلفية محايدة للمراة. هناك وحدة، نعم، لكن هذه الوحدة ليست اندماجا كاملا. انها وحدة مشروخة، تذكرنا بان الجمال لا يلغي المسافة بيننا وبينه، بل يجعلها مرئية.

في النهاية، تعود الكلمات الى حافظ الشيرازي، لكن العودة هذه المرة ليست عودة هادئة تماما.

(وجه وردي واحد من حديقة العالم يكفينا).

نعم، يكفينا، لكن بشرط ان نقبل بما في الاكتفاء من فقد. ان نرضى بان لا نملك اللوحة، ولا نملك معناها، ولا نحسم تاويلها. الاكتفاء هنا ليس راحة، بل تمرين روحي: ان نترك الجمال يمر، وان نشكره لانه كان هنا، ولو للحظة، ثم مضى.

حين نقف امام اللوحة، ربما لا يكون السؤال الاهم هو: ماذا تعني؟ بل: هل نستطيع ان نراها من دون ان نرهقها بمعانينا؟.

***

د. احمد عابر

(العلم لا يعطيك بعضه الا إذا أعطيته كلك).. ينسب إلى الكثيرين منهم النظام

أمسية اثر أمسية وندوة تلو ندوة، تتأكد لدي أحقية ذلك السؤال الملح والمحير حول انصراف القطاعات العامة من الناس عن الشعر، فلماذا بات افضل الشعراء، وانا اعرف هذا عن قرب، يكتفون في فترتنا الراهنة بطباعة مئة أو خمسين نسخة من مجاميعهم الشعرية، بل لماذا راحوا يوزعونها مجانا على من يقدر الشعر وعلى من لا يقدره، الأمر سيان لديهم، وهل انصراف الناس، في العمق، عن الشعر يعود إلى مشكلة تتعلق فيهم، ام في الشعراء وفيما ينتجونه تحديدا.

طالما اقلقني هذا السؤال وغيره من الأسئلة المماثلة، لا سيما وانا ارى بأم عيني تهافت الشعراء على المنابر، وعدم تورع بعضهم عن استجداء التصفيق حينا بالصراخ وآخر بالتغنج، لا فرق في هذا بين شاعر وشاعرة، بالطبع بين قوسين كبيرين، وما أثارني في هذا السياق الا ذلك المتشاعر الشيخ المتصابي، عندما قرأ ترهاته وانتهى منها ليصفق له الجمهور لا لانه أبدع، وانما لأنه انتهى من مسرحيته المملة، فما كان منه إلا أن شلف قصيدة أخرى من جيب قميصه وتوجه إلى جمهرة الحاضرين سائلا اياهم: هل اقرا عليكم قصيدة أخرى.. وقبل أن يتلقى الإجابة يجود بالمزيد من ترهاته المدعوة ظلما شعرا.. أما منظمو هذه الأمسية أو تلك الندوة، فإنهم يبادرون لاستضافة الشعراء.. لواحد من سببين، أما لأنهم يريدون أن يسجلوا نشاطا لهذا السبب أو ذاك، وأما لأن متشاعرا أو أكثر قرعوا رؤوسهم، طالبين منهم أن يقيموا أمسية شعرية يصدحون فيها بصرخاتهم حينا وبتغنجاتهم حينا آخر.

من متابعة حثيثة ومن محبة صافية للشعر، ذلك الكائن الحي الجميل وأملا في أن استمع الى صوت شعري حقيقي مدهش ومثير، تابعت الامسية اثر الامسية والندوة تلو الندوة، فتأكد لدي أننا أمام كارثة شعرية وان الشعر يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة على يد من يعرف ومن لا يعرف، وان الاشراقات السعرية الأصيلة في بلادنا وحتى في البلدان المجاورة قليلة جدا وتكاد تكون نادرة.

بالعودة إلى السؤال حول انصراف الجمهور أو الناس عامة عن الشعر، وضمن محاولة الإجابة عليه، اسجل فيما يلي بعضا من الملاحظات التي تكررت في العديد من الأمسيات والندوات الشعرية في العديد من البلدات والمدن، وعلى الوفير من المنصات.

الصراخ والعربدة

ما ان يذكر مدير الامسية اسمه وبعضا من المعلومات عنه، حتى يدنو الشاعر المعتز بنفسه وبما يحمله من آراء يسارية من متكا إلقاء الشعر، يسوي المسماع الالكتروني/ المايكرفون، يمينا ويسارا. يضرب عليه بإصبعه ليتأكد من أنه شغال وفعال، بعد أن يسمع صدى ضربته تلك، يقف رافعا رأسه وصوته، وكأنما هو في معركة لا بد له من تحقيق النصر فيها، وخذ يا صياح، وعندما يلاحظ أن أحداً لا يصفق لدرره الشعرية الثمينة، يهيب بجمهور الحاضرين سائلا إياهم أن يصفقوا وهائبا بهم: لماذا لا تصفقون. فيبادر أحدهم للتصفيق، الأمر الذي يدفع آخرين إلى حذو حذوه واتباع تصفيقه بتصفيق، لا احد يعرف سببه.. في اغواره البعيدة السحيقة. بعد قراءة شعرية تطول  أو تقصر، تنتهي مسرحية الالقاء، لتنتشر على وجوه أهل المعرفة في الشعر وفنونه، أكثر من علامة سؤال، وبما أن الجمهور يميز بوعيه أو بلا وعيه الجمعي، كما يرى عالم النفس السويسري الشهير كارل غوستاف يونج، اقول بما أن الجمهور يميز ما بين الشعر وسواه، فإن الكثيرين من افراده يضعون رؤوسهم بين ايديهم، وربما يقسمون أنهم سيقومون بمقاطعة المسخرة الشعرية القادمة.

في صميم العملية الشعرية

يتفق أهل العلم والمعرفة على أن للشعر مفاهيمه المتفق عليها، وان هذا الكائن الجميل، يحتاج إلى دربة ومران واسعي النطاق، حتى يستقيم العطاء في مجاله، ومما يذكر في هذا السياق أن الإنسان العربي القديم لم يكن ليقدم على الإنتاج في المجال الشعري، الا بعد أن يدرس ويتعلم ويحفظ الالاف من الأبيات الشعرية، تمهيدا للدخول الى ملكوت الشعر وحرمه المقدس، كما حصل مع الشاعر العباسي المشهود له بالابداع الحقيقي والتجديد أيضا، وأقصد به الحسن ابن هاني، المكنى بابي نواس، وهذا كله يعني أن الإنسان لا يمكن أن يكون شاعرا إلا بعد أن يتمكن من الصنعة على حد تعبير الناقد العربي العريق أبي هلال العسكري في كتابه عن الصناعتين ـ الشعر والنثر، أما ما يحدث اليوم في زمن وسائل التواصل الاجتماعي وما تحفل به من فوضى، فقد بتنا نرى من يقتحم الشعر وعالمه العصي بكل استخفاف، صافا الكلمات النثرية جنبا إلى جنب مدعيا أنها من الشعر، وغير عادم من يؤيده في فوضاه تلك من أصدقاء ومجاملين اجتماعيين، وأكاد أقول و.. منافقين. ما يحدث بعد تراكم كمية من كلامه النثري الفارغ والمكتوب وفق تصور شخصي محض للشعر، غالبا ما يكون تصورا رومانسيا ساذجا، يتوجه إلى المطبعة ليقدم درره المغرر بها ولتقم هذه بالتالي بطباعتها بعد أن تتلقى، لقاء طباعتها المئة أو الخمسين نسخة، التي تعلم تمام العلم أنه سيوزعها على الاصدقاء والمحيطين مجانا وعلى امل أن  يقرأوها، بعدها وقد بات واضحا أنه أطلق على نفسه صفة شاعر، وربما طلب من المطبعة أن تقوم بطباعة كرت يعرف به بتلك الصفة، فإنه يقوم بالتوجه إلى ادارة هذه المنصة أو تلك لتأتي النتيجة المرجوة، فها هو يقتحم المنصة، ويشرع في قراءة ما هو منفر من كلام لا علاقة له بالشعر لا من قريب ولا من بعيد. هنا ايضا يكمن سبب آخر في انفضاض الناس عن الشعر وترهاته.

الافتقار إلى الثقافة

من المتفق عليه والمعروف في عالمنا الابداعي الادبي المعاصر تحديدا، أنه لا يمكن لإنسان أن يبدع وأن يقدم ما يذكر، خاصة في مجال القول الشعري، الا اذا كان متمكنا تمكنا تاما أو شبه تام، من ثقافته وسعة اطلاعه، وقد أمن العالم من القدم أن الشاعر الحقيقي لا يمكن أن يكون وان يوجد، إلا إذا كان مميزا وذا معرفة لا تتوفر للجميع، وقد اكتسبت الثقافة التي يتصف أو يتحلى بها الشعراء في عالمنا المعاصر، منذ الشاعر الأمريكي/ الانجليزي تي. اس اليوت، حتى الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، موقعا خاصا في تكوين شخصية من يريد أن يكون شاعرا، فرأينا شاعرا مثل التونسي المنصف الوهابي يعمل على تثقيف نفسه ليل نهار ليقدم ما هو مبدع، مثير ومدهش في مجال القول الشعري، وهذا يعني أنه يدأب على القراءة والاستزادة منها، بعد ذلك يقدم على عملية الخلق الشعري بقوة وتمكن لافتين، الأمر الذي يدفع الاخرين، حتى لو كانوا قلة من القراء، يقبلون على ما ينتجه وبتابعونه بلهفة وشوق. صحيح أن هكذا وضعية لا تنهي معاناة الشعر وغربته في فترتنا الجارية، إلا أنه قد يفتح بابا نحو ملكوت الامل والشعر الجميل. في المقابل لهذا كله، اعرف عن قرب أن هناك من يكتفي حين يقرر أن يصبح شاعرا بالتوجه الى من يعلمه العروض/ البحور الشعرية العربية، وعندما يتمكن من واحد من آحادها الستة عشرة، أو اكثر، يأخذ في نظم الكلام وصفه على المسطرة. وغني عن القول أنه يوجد هناك فرق كبير بين النظم والخلق الشعري وفق تعبير ناقدنا العربي المبدع الخالد عبد القاهر الجرجاني صاحب الكتاب الشهير عن أسرار البلاغة. على مستوى آخر، يكتفي من يغتر بما يقوله آخرون من ترهات وكلمات فارغة، بأن يقصر اطلاعه على تلك المساخر التي يفرضها هذا المضلل لذاته أو ذاك المعتز بشعره بالفتح لا بشعره بالكسر. لتأتي النتيجة مثل تلك المشار إليها انفا، طباعة ديوان يطلق عليه افتئاتا وظلما صفة شعر.. وظهور منفر على اكثر من منصة شعرية وفي أكثر من بلد.

***

ناجي ظاهر

"يفتش الإنسان في كل شيء عن شيء منه، يريد أن يرى صورته منعكسة في كل ما يواجهه في هذا الوجود.. حتى في إيمانه يتطلع إلى أن يرى صورة كمالاته المفقودة متجلية في الإله الذي يعبده".. عبد الجبار الرفاعي

ليس هذا القول وصفا نفسيا عابرا، بل تشخيص دقيق لجوهر التجربة الإنسانية. فالإنسان لا يواجه العالم بوصفه موضوعا محايدا، بل بوصفه مرآة. كل ما يراه، يراه محملا بشوقه، بنقصه، ببحثه عن اكتمال لم يتحقق بعد. حتى الإله، في أعمق طبقات الإيمان، لا يطلب فقط بوصفه مطلقا، بل بوصفه صورة لما ينقص الإنسان من معنى وطمأنينة وكمال.

من هذا الأفق، يمكن النظر إلى اللوحة التي تصور رجلا يحتضن فرسا منهكا، لا بوصفها مشهدا تاريخيا، بل بوصفها مرآة للألم الإنساني حين يبلغ أقصاه.2458 Nietzsche

في اللوحة، لا مدينة واضحة، ولا زمان محدد. الخلفية سوداء كثيفة، كأن العالم انسحب تاركا الكائنين وحدهما. الرجل منحن، وجهه قريب من رأس الفرس، لا يسيطر عليه، لا يقوده، بل يتكئ عليه. الفرس واقف، لكنه واقف بصعوبة؛ جسده ثقيل، عيناه مفتوحتان على إنهاك صامت. لا دماء، ولا حركة عنيفة، ومع ذلك فالألم حاضر بقوة. إنه ألم بلا صراخ، بلا تفسير، بلا خلاص. هذه اللوحة لا تطلب الشفقة، بل تفرض المشاركة. المشاهد لا يقف خارجها، بل يستدرج إلى داخلها، ليجد نفسه متورطا في السؤال: أين أنا في هذا المشهد؟ هل أنا الرجل؟ أم الفرس؟ أم ذاك الصمت الذي يحيط بهما؟

في شتاء عام ١٨٨٩، في مدينة تورينو، رأى فريدريك نيتشه رجلا يجلد فرسا في الشارع. اندفع نحوه، احتضن رأس الفرس، وانفجر بالبكاء. بعد تلك اللحظة، انهار نيتشه عقليا، ولم يعد إلى صفائه الذهني مرة أخرى. كثيرا ما تقرأ هذه الحادثة بوصفها علامة على الجنون، أو دليلا على الانهيار العصبي.

لكن قراءتها فلسفيا تكشف شيئا أعمق: نيتشه، الذي فكك الميتافيزيقا، وهاجم الأخلاق، وأعلن موت الإله، لم يحتمل رؤية الألم العاري. في تلك اللحظة، لم يكن الفرس حيوانا فقط. كان مرآة. مرآة لإنسانية لم يعد نيتشه قادرا على حمايتها بالفلسفة. هنا يتقاطع قول الرفاعي مع نيتشه على نحو غير متوقع: الإنسان يرى صورته في ما يواجهه. ونيتشه، حين واجه الألم الخالص، رأى نفسه فيه، بلا وسائط، بلا مفاهيم، بلا لغة.

يتعمق ابن عربي في هذه الرؤية الوجودية، حيث يرى أن الوجود كله مرايا تتجلى فيها الحقائق. يقول ابن عربي في فصوص الحكم: "فإن الحق جل جلاله جعل الصور مظاهر لأسمائه، فلا ترى في الوجود غير ما تطلبه الأسماء الإلهية من صورها. فاعرف نفسك أيها السامع، تعرف ربك، ولا تر النقوش وجهلت دورها." هذا القول يفتح أفقا جديدا لفهم علاقة الإنسان بالعالم: ليس العالم مجرد موضوع ننظر إليه، بل هو مظهر من مظاهر ما نحمله في أنفسنا. نيتشه لم ير في الفرس مجرد حيوان يعاني، بل رأى صورة لمعنى الألم الذي كان يعيشه في داخله. ويضيف ابن عربي في موضع آخر: "فالعالم كله مرايا، والأشخاص مرايا بعضهم لبعض، والصور المنعكسة فيها لا تخرج عن عين من هو لها." في ضوء هذا القول، تصبح حادثة تورين أكثر وضوحا: الفرس كان مرآة لنيتشه، والرؤية كانت انعكاسا لروحه التي أنهكها البحث عن المعنى.

أما أبو حامد الغزالي، فيقرب المسافة أكثر بين معرفة النفس ومعرفة الله. يقول الغزالي في إحياء علوم الدين: "من عرف نفسه عرف ربه. فإنك إذا تأملت جسدك وجدت فيه من العجائب ما يدل على صانع حكيم، وإذا تأملت قلبك وجدت فيه من المعاني ما يدل على عالم قدير." هذا القول يربط بين المعرفة الذاتية والمعرفة المتعالية. الإنسان لا يصل إلى الحقيقة الكبرى إلا من خلال الغوص في حقيقته الصغرى. نيتشه، في لحظة انهياره، كان في أعمق حالات معرفة الذات، لكنها معرفة مؤلمة، معرفة بلا وسائط، معرفة تكشف عن العجز لا القدرة. ويستطرد الغزالي في مشكاة الأنوار موضحا علاقة القلب بالرؤية: "القلب هو اللطيفة الربانية التي هي محل النظر والمعرفة، وهو الذي يعرف الله، وهو الذي يخاطب ويعاتب، وهو الذي يثاب ويعاقب." إذا كان القلب هو محل المعرفة، فإن رؤية نيتشه للفرس لم تكن رؤية بصرية فقط، بل قلبية. قلبه هو الذي رأى، وقلبه هو الذي انكسر حين لم يعد قادرا على احتمال ما رأى.

في أفق آخر، يقول النفري في المواقف: "يا عبد انتقل بقلبك عن القلوب التي لا تراني… فانظر قلبك فإن كان من بيوتي فهو حرمي." النفري لا يدعو إلى البحث عن الله في الخارج، ولا في الصور، ولا في المفاهيم، بل في موضع الرؤية ذاته: القلب.

القلب الذي يرى بلا حجاب، لا لأنه قوي، بل لأنه مكشوف. لوحة الرجل والفرس، وحادثة نيتشه، وقول الرفاعي، تلتقي كلها هنا: في لحظة سقوط الأقنعة. في لحظة يرى فيها الإنسان نفسه دون زينة، دون ادعاء كمال.

ما تقدمه هذه النصوص مجتمعة هو تأويل جديد للحادثة: الألم ليس مجرد شعور عابر، بل هو موضع الرؤية الأعمق. حين يبلغ الألم مبلغه، تسقط الحجب، وتنكشف الحقائق. نيتشه لم يكن مجنونا في تلك اللحظة، بل كان صافي الرؤية إلى حد لا يحتمل. الغزالي يرى في الألم موعظة: "واعلم أن الألم كلما اشتد، انكشف به من الغطاء ما لا ينكشف بالراحة." وابن عربي يرى في الألم تجليا للصفات الإلهية: "الألم رحمة في صورتها، فإنه يكفر الخطايا ويزكي النفوس."

ربما القلب الذي يصير حرما، كما يقول النفري، هو القلب الذي لا يهرب من الألم حين يراه، ولا يحوله إلى فكرة، ولا يبرره باسم الحكمة، بل يحتضنه، كما احتضن نيتشه الفرس، ويصمت. في ذلك الصمت، تبدأ الرؤية. اللوحة، في النهاية، ليست عن نيتشه، ولا عن الفرس، ولا عن تورينو. اللوحة عن كل إنسان يرى صورته في عيون المتألم، فيقف عاجزا، لكنه لا يهرب. يقول الرفاعي: "الإنسان يبحث عن مرآته في كل شيء، حتى في إيمانه." ونحن، في بحثنا عن المعنى، لا نجد أجمل من تلك المرآة التي لا تكذب: مرآة الألم، حين يكون صادقا.

***

د احمد عابر

 

يُصنَّف بدر شاكر السياب بوصفه أحد أبرز روّاد الشعر العربي الحديث، ومن الأسماء التي أحدثت تحوّلًا حاسمًا في بنية القصيدة العربية ومضامينها. ولم تأتِ أهميته من التجديد الشكلي وحده، بل من قدرته على تحويل تجربته الشخصية القاسية إلى خطاب شعري عام عبّر عن أزمة الإنسان العربي في منتصف القرن العشرين.

وُلد السياب عام 1926 في قرية جيكور التابعة لقضاء أبي الخصيب في محافظة البصرة بالعراق. وقد شكّلت هذه القرية عنصرًا أساسيًا في تكوينه الثقافي والوجداني؛ إذ أسهمت البيئة الزراعية والأنهار وبساتين النخيل في تشكيل ملامح ذاكرته الأولى. غير أن جيكور ارتبطت كذلك بإحدى أبرز محطات الفقد في حياته، وهي وفاة والدته في طفولته المبكرة، وهو حدث ترك أثرًا نفسيًا عميقًا لازمه حتى نهاية حياته، وظهر جليًا في الحضور المتكرر لصورة الأم في شعره. واجه السياب ظروفًا معيشية صعبة منذ شبابه، فعانى الفقر وعدم الاستقرار الوظيفي بعد انتقاله إلى بغداد للدراسة والعمل. وتعرّض للفصل من الوظيفة أكثر من مرة بسبب مواقفه السياسية، مما أدخله في أزمات مالية متواصلة. وقد انعكست هذه الظروف في نتاجه الشعري، حيث تحوّل الحرمان المادي والاغتراب إلى ثيمات أساسية عبّرت عن القلق والضياع وفقدان الأمان. على الصعيد الإبداعي، كان السياب من أوائل من تبنّوا الشعر الحر في العالم العربي، وأسهم إسهامًا بارزًا في ترسيخ هذا الاتجاه، متخذًا منه أداة للتعبير عن واقع متحوّل وتوترات نفسية واجتماعية حادة. ولم يكن هذا الخيار الفني معزولًا عن تجربته الحياتية، بل جاء منسجمًا مع حالة الانكسار والتشظي التي عاشها على المستويين الشخصي والعام.

في سنواته الأخيرة، دخل مرحلة قاسية بسبب المرض، إذ أُصيب بمرض عضال أقعده عن الحركة، وتطلّب علاجات طويلة داخل العراق وخارجه في ظل إمكانات مادية محدودة. وقد أسهم المرض في تعميق نظرته التأملية، فازدادت قصائده تركيزًا على ثنائية الحياة والموت، واليأس والأمل، من دون أن يفقد إيمانه الرمزي بالخلاص.

تتقاطع تجربة السياب مع تجارب عدد من شعراء الحداثة في العالم، من بينهم الشاعر الإنجليزي T. S. Eliot في توظيف الرمز والأسطورة للتعبير عن أزمة العصر، والشاعر الإسباني Federico García Lorca في الحس المأساوي والارتباط بالأرض، إلى جانب الشاعر التشيلي Pablo Neruda، والشاعر التركي Nazım Hikmet في الجمع بين البعد الإنساني والهمّ الاجتماعي.

ورغم هذا البعد العالمي، بقيت جيكور حاضرة بقوة في شعره، بوصفها مرجعًا مكانيًا ووجدانيًا، ومقابلًا رمزيًا للمنفى والمرض والفقر. فقد تحوّل المكان الصغير إلى علامة كبرى في تجربته، تختزل الحنين والخسارة والبحث عن الاستقرار. توفي بدر شاكر السياب عام 1964 عن عمر ناهز الثامنة والثلاثين، لكنه خلّف إرثًا شعريًا جعله واحدًا من أكثر الأصوات تأثيرًا في تاريخ الشعر العربي الحديث. وتبقى تجربته مثالًا واضحًا على العلاقة الوثيقة بين الإبداع والسيرة الشخصية، حيث تحوّل الألم الفردي إلى نص شعري ذي بعد إنساني واسع.

***

ياسين غالب

 

القصيدة الرائعة التي ألقاها الجواهري الكبير في حضرة الملك الأردني الحسين (أسعف فمي) كان لها وقعها المؤثر في نفوس الأردنيين ونفوس الكثير من العراقيين. أتذكر إنني طربت لها سماعاً وغبت فيها إعجاباً. وكنا إلتقينا أكثر من مرة في بيوت بعض الأصدقاء على (ريوك تشريب باقلاء مع كيمر ودبس) وكان طبق (الريوك) الأساسي هو تلك القصيدة الرائعة، يوم كان الفيديو هو سيد التسلية، قبل ان يزيحه الستلايت ويجعله جهازاً أرشيفياً.

في الأردن التي كنا نتردد عليها وقت الحصار، والتي كانت وظلت نافذة من النوافذ التي يتنفس منها العراقيون، كنت أينما ذهبت أستمع للقصيدة بصوت شاعرنا العملاق، في المقاهي وفي المطاعم والفنادق، وحتى أن الصوت كان يأتيك من نوافذ البيوت

(يا سيدي أسعف فمي ليقولا

في عيد مولدك الجميل جميلا)،

والجواهري الذي كان قد تعدى التسعين ربما بخمس سنوات كان يبدو بذاكرة متوهجة، وهو كما كانت عادته، يلقي قصائده بلا ورقة، وأما ذاكرته الوهاجة فكان يدخل عليها، في مرات قليلة جداً، حافظٌ اعتاد أن يقف خلفه فيذكره لو أنه نسي، وقد كان نسيانه نادراً حقاً.

لقد تركت القصيدة وقتها تساؤلاتٍ محيرة من قبل العديدين. قال أحدهم : الشعراء هم هكذا، ليس لهم مواقف مبدئية ثابتة، فلقد عرف عن الجواهري أنه كان من أشد أنصار الثورة على الملكية تلك التي قادها قاسم وعارف، وكان حينها شاعراً وسياسياً وصحفياً.

ولقد قتلت تلك الثورة العائلة المالكة، وهم أبناء عم الملك الحسين بن طلال، ولذا فإن وقوف الشاعر في حضرة الملك حسين كان يحتاج إلى أكثر من تفسير. البعض لم يتورع عن القول أن إغراء المادة كان وراء تلك الوقفة ناسياً أن الجواهري كان تجاوز التسعين بسنوات، وإنه خَبَر الحياة بطولها وعرضها قبل ان يختار دمشق كمسقط جثة ووداع روح، ولم يكن قد ظل في عمره ما يغريه على طمع في مالٍ زائد أو مجدٍ مضاف، إضافة إلى أنه كان قد حظي في دمشق على كفايةٍ منحته الأمان، إذ كان رئيس سوريا آنذاك حافظ الأسد قد أكرمه بفيلا ليسكن فيها وراتب يعول عليه مما كفاه شر الحاجة التي ربما تدفعه إلى مدح الحكام. ولربما كان الملك حسين هو آخر من قد يفكر فيه الجواهري لو كان فكر بمن يلجأ إليه، إذ كان بينه وبين الملكية الهاشمية ما يجعله يفكر الف مرة قبل ان يلجأ إلى موقف قد يأكل من تاريخه ذاك، ولم يكن الجواهري بحاجة إلى إدراك أن موقفه سيكون عوناً لخصومه الذين سيمنحهم بنفسه فرصة أن يتهموه بالتذبذب والتقلب وحتى الانتهازية وسيَهُونُ عليه الكثيرُ إن هم ظنوا أن الجواهري قد غاب عن وعيه، وهو ما كان قد غاب، أو ان الفاقة كانت قد مسخته فإرتضى أن يحرق أخضر تاريخه بيابسه.

غير أن حسم الحيرة قد تجلى حينها بأمرين، أولهما أن الجواهري لم يقبل ما عرضه عليه الملك حسين حينما طلب منه قبول مكرمته بدارٍ ومرتبٍ لم يكن صغيراً، وقد أكد موقفه الرافض هذا على أنه لم يكن بالأصل قد مدح الملك من باب الطمع. ولم يكن معقولا أن يلجأ الجواهري إلى الحسين وهو كان يعيش برعاية الأسد الذي كان بينه وبين الملك الأردني خصومة شديدة مما يجعله يفقد امتيازه الدمشقي الذي لا أعتقد أنه كان مستعداً أن يفقده. ولعل هذا وذاك، وربما غيرهما، ما يجعل الموقف بحاجة إلى تفسير يتجاوز سطحيات الأحكام وتقليدية الشروح وعموميات التوضيح.

ولقد اكتشفت بعدها أن القصيدة كلها، ما عدا بيتها الأول، لم تكن جديدة، إذ كان الجواهري قد ألقاها قبل منتصف القرن الماضي بأكثر من عقد من السنين في حضرة عبدالإله، الوصي على العرش الملكي العراقي، أما المناسبة فكانت الاحتفال بعيد مولد هذا الأخير. وهذه الرواية كان كتبها المرحوم عبد المجيد القيسي الذي شغل حينها منصباً رفيعاً في تشريفات القصر الملكي. ففي كتابه الذي ألفه دفاعاً عن الوصي وعن نوري السعيد والعائلة المالكة، والذي حمل فيه على خصومهم وخاصة السيد رشيد عالي الكيلاني وقادة ثورة مايس، العقداء الأربعة، جاء القيسي بهذه القصيدة نصاً. وهذا الكتاب كان صدر قبل ان يقوم الجواهري بإلقائها أمام الملك الأردني مما ينفي إمكانية أن يكون القيسي قد نقلها عمداً زيادة في تشويه مواقف الجواهري الذي كان قد سكنه الغيض منه بعدما تحول هذا الأخير من محب للملكية العراقية إلى نصير لإعدائها، متهماً إياه بالتقلب والنفاق.

ولعلي أظن أن السيد القيسي كان أخطأ التوصيف حينما أراد أن يذكر الجواهري بمواقفه المتناقضة من النظام الملكي بين ضد وتأييد فيؤكد من خلال ذلك على انتهازية الجواهري وتذبذبه، فالجواهري لم يكن قد تغير بين ليلة وضحاها وإنما خلال فترة كانت حفلت بكل ما يجعل النقلة من موقع التأييد إلى موقع المعارضة أمراً لا يصعب تفسيره. وستدلنا مقارنة من هذا النوع كيف يصير من الظلم والاجحاف ميلنا إلى استعمال مساطرنا الخاصة في تحديد درجة انحراف الآخرين عن خطوطنا المستقيمة دون أن نحاول دراسة التحولات، التي يمكن حين العودة إليها، أن تضبط أحكامنا في مساحة الموضوعية التي لا تسلبها المشاع والأخلاقيات المطلقة قدرتها على ان تنجب الموقف الذاتي المرتهن بلحظته.

ثم أن علينا أن نتجرد من انحيازاتنا الفئوية أو همومنا الشخصية حين نقترب من دراسة هذه المواقف، لا لإنصاف من نحكم عليه وإنما لغرض أن نلتزم بقواعد البحث الرصين. ولعل امتحان قدرتنا على ذلك الالتزام إنما تعبر عن نفسها حينما نقترب من قضايا الخصوم قبل أن تعبر عن ذلك حين الحديث عن النفس أو الأخوة أو الأصدقاء، فالتاريخ الحقيقي، إن أريد له أن يُكتب بأدوات البحث العلمي الأخلاقي الرصين، يفرض علينا أن نبتعد به عن عين الود أوالرضا أو عين الانحيازات المسبقة والاسقاطات الفئوية أو الشخصية لأن ذلك سيسلم سفينتنا إلى قبطان لا يتقن فن مقارعة الأمواج الصاخبة. وما أكثر صخب الأمواج في بحارنا المكتظة بأسماك القرش و الحيتان المفترسة.

ولعلي لا أحمل تفسيراً للموقف الذي ارد الجواهري ان يسجله في عودته إلى إلقاء ذات القصيدة التي كان ألقاها في حضرة الوصي عبدالإله سوى ذلك الذي يقول أن شاعرنا العظيم كان أراد أن يُعَّبر، وهو على أبواب موتٍ قريب، من خلال وقفته أمام الملك الحسين بن طلال عن رؤيته الخاصة للملكية العراقية من خلال تفحص لما جرى بعد انهيارها.

غير ذلك اسمحوا لي أن أقول أن كل ما كان يحيط بالجواهري وقت إلقاء القصيدة، وكل ما كان لديه حينها من مال وجاه، كان يُمَّكِنه على عبور موقف كذاك، ولولا أنه آمن أن عليه دَيْناً أراد أن يرده لَما حشر نفسه في موقف مستفز لخصومه ومُحَّير لمحبيه.

ولست الآن بصدد التبشير بما يكون الجواهري قد آمن به في مسك ختام رحلته المبدعة الطويلة، لكني بكل تأكيد بصددالدعوة إلى التمعن الدقيق بموقفه. وقضيتي هنا لا تستهدف الدفاع عن الشاعر العملاق شخصياً ولا عن التجربة الملكية في العراق، وإنما تستهدف إيصال فكرة الموقف لا التفصيلة. سواء أخطأ الجواهري سياسيا حينها أم أصاب، يوم عاد عن تراثه الضد للملكية، فإن ما علينا أن نتعظ به هو شجاعة نقد الذات. ويوم يَقدِم رجل كالجواهري على العودة عن تاريخ طويل سجل فيه كل ما يحمل العداوة والبغضاء للملكية الهاشمية في العراق فلا بد أن يكون موقفه الجديد ذاك تعبيراً مجرداً عن قناعة أخلاقية وسياسية كان وصل إليها بعد رحلة عمر كان حافلاً بالعواصف والحرائق، وقد تكون تلك قناعة خاصة به، لكن ما يخصنا منها هو جانبها الموقفي الصحيح.

***

جعفر المظفر

تأمل في الكوميديا الالهية

وجود المرء غابة لا تؤتمن

فيها من الاهواء وحش يفتتن،

في الصدر الف ذئب كامن

وخنزير شهوة لا يستكن،

فاحذر نفسك كل حين

فيها الصلاح وفيها الفتن.

المصدر: مولانا جلال الدين البلخي الرومي، المثنوي

المعنوي، الدفتر الثاني. ترجمة من الفارسية.2449 William Blake

لا ينظر الرومي الى الانسان بوصفه جوهرا اخلاقيا مستقرا، بل باعتباره حيزا للصراع. فالوجود الانساني عنده ليس طريقا مستقيما، بل غابة كثيفة متداخلة، يسهل الضياع في مسالكها. في هذه الغابة تعيش قوى متناقضة؛ ذئاب ترمز الى العنف والافتراس، وخنازير تشير الى الشهوة والانغماس. ومع ذلك، لا يخلو هذا الوجود من الصلاح والخير. التحذير هنا ليس من الشر الخارجي، بل من التراخي امام تعقيد الداخل. فالرومي لا يدعو الى قتل الذئاب، بل الى معرفتها، ولا الى انكار الغابة، بل الى اليقظة داخلها.

تقدم لوحة وليام بليك مشهد الافتتاح الشهير من الكوميديا الالهية لدانتي، حيث يصور الشاعر تائها في غابة مظلمة تمثل الضلال الوجودي، يحاول تسلق تل تشرق عليه الشمس رمز الخلاص، لكن طريقه تعترضه ثلاثة وحوش. الفهد يرمز الى الشهوة والملذات الدنيوية، والاسد يرمز الى الكبرياء والعنف، والذئبة ترمز الى الجشع والطمع الذي لا يشبع. في الافق تظهر هيئة نورانية، يمكن قراءتها بوصفها تجسيدا للنعمة الالهية، وهي الحالة الروحية التي ستتجلى لاحقا في صورة بياتريس، ملهمة دانتي ومصدر نداء الخلاص. وقد ارسلت هذه النعمة الشاعر الروماني فيرجيل في مشاهد اخرى.

فيرجيل رمز العقل والحكمة الانسانية، ارسل ليقود دانتي في رحلته عبر العوالم الثلاثة.

ما يميز قراءة بليك لهذا المشهد ان الوحوش لا تبدو مرعبة بالقدر المتوقع. وليس ذلك لعجز في التصوير، بل لاختيار واع، فبليك بخلاف دانتي لا يجعل الجحيم مكانا نهائيا، بل حالة داخلية. الصراع هنا لا يدور بين الانسان والشيطان، بل بين الانسان ونفسه. هذا المشهد البليكي يعيدنا الى غابة الرومي ذاتها، حيث الوحوش الداخلية والنداء العلوي يتجليان في آن. وليام بليك، احد ابرز شعراء ورسامي المدرسة الرومانسية في انجلترا، ينتمي الى حركة فنية وادبية ظهرت كرد فعل على عقلانية عصر التنوير وجفاف الثورة الصناعية. رفع الرومانسيون قيمة الخيال والعاطفة والروحانية، وراى بليك ان العالم المادي ليس سوى انعكاس للعالم الروحي، وان الخيال هو بوابة الحقيقة المطلقة. وكانت رؤاه منذ طفولته مصدر الهامه الفني والفكري.

يقول ابو حامد الغزالي في كتابه احياء علوم الدين، في باب شرح عجائب القلب، ان النفس الانسانية مجمع صفات متضادة، وان تهذيبها لا يكون بالغائها بل بتربيتها. ويقول في معنى كلامه: ان من لم يعرف جنود نفسه لم يعرف طريق تزكيتها. فالغزالي يرى ان معرفة هذه القوى الداخلية شرط اساسي للسير في طريق التزكية، وان الصراع الداخلي ليس عائقا، بل هو ميدان العمل الروحي الحقيقي.

اما محيي الدين ابن عربي فيذهب ابعد من ذلك في فصوص الحكم، اذ يرى ان الانسان مرآة جامعة، يظهر فيها الحق والخلق معا، وان الصراع ليس خطأ في التكوين، بل شرطه. فالكمال لا يتحقق بالسلام الداخلي الساذج، بل بالقدرة على حمل التناقض دون انكار. يقول ابن عربي: "فان الحق تجلى لآدم في مرآة اسمه الجامع، فخلق الانسان على صورته، فكان هو العين الجامعة للحضرات كلها". فالانسان عنده هو البرزخ الجامع بين النور والظلمة، وبين الملائكي والحيواني، وهذا الجمع هو سر خلقه.

هنا نعود الى الرومي، لا بوصفه واعظا، بل شاهدا على هذه الحقيقة الوجودية. الغابة لا تغادر، والذئاب لا تختفي، لكن الانسان مدعو الى الا يسلم القيادة لاي منها. الرومي، وبليك، والغزالي، وابن عربي، جميعهم يلتقون عند فكرة واحدة: الانسان ليس معركة تحسم، بل معركة تدار. وإذا كان الصراع هو بنية الوجود الانساني لا عرضا فيه، فهل يكون الخلاص في الانتصار على النفس، ام في ان تصغي الى الغابة دون ان تتحول الى احد وحوشها؟!!!!

***

د. احمد عابر

لم يكن دخولي إلى بغداد عام 2003 مجرّد عبورٍ حدودي من الكويت إلى العراق، بل كان عبوراً بين زمنين. ثمانيةٌ وعشرون عاماً فصلت بين مغادرتي الأولى وعودتي تلك، بين دخولي مشياً على الأقدام عبر جبال كردستان عام 1981، ودخولي هذه المرة في موكبٍ من الأسئلة الثقيلة والدهشة المرّة. كان الطريق القديم طريق خوفٍ وأمل، أما الجديد فكان طريق ارتباكٍ وحنينٍ وانكسار.

في تلك الليلة الأولى، نمتُ في بيتٍ خشبيٍّ صغير داخل باحة القصر الجمهوري، كأنني ضيفٌ مؤقت على ذاكرةٍ أوسع من قدرتي على الاحتمال. وفي صباح اليوم التالي، انتقلتُ إلى فندق الرشيد في المنطقة الخضراء؛ اسمٌ فخمٌ يختزن زمناً آخر، لكن محيطه كان يوحي بأن الفخامة صارت قشرةً رقيقة فوق واقعٍ مضطرب.

لم يكن يفصل الفندق عن مقر عملي في قصر المؤتمرات سوى شارعٍ واحد، غير أنّ الشارع لم يكن عادياً؛ كان ممرّاً لاحتلالٍ كامل. جنودٌ أجانب بأحذيتهم الثقيلة وخوذهم الخاكية، بنادقهم مشرعة، وأعينهم حذرة. كنتُ أعبر بينهم كمن يعبر في حلمٍ لا يدري إن كان سيستيقظ منه أم سيظلّ عالقاً في تفاصيله.

الحرارة لاهبة، والشمس قاسية، وبغداد - دار السلام - بدت كأنها تئن تحت طبقاتٍ من الرمال.

كنتُ أفتّش في وجوه الناس عن أثر المدينة التي عرفتها. رأيتُ حزناً صامتاً، وغضباً مكتوماً، وحنيناً عجيباً إلى ماضٍ لا يعود. النوستالجيا لم تكن كلمةً مستوردة، بل حالةً يومية تتسلل من نظرات العابرين ومن ارتباك خطواتهم. ولا أعرف شعباً يحمل وطنه في صوته كما يفعل العراقيون؛ كأن العراق ليس أرضاً فحسب، بل ذاكرةً تسكن الحنجرة.

وأنا أتنقل في الشوارع، شعرتُ أن بغداد لم تُهزم مرةً واحدة، بل هُزمت مراراً: في كل حربٍ مرت عليها، وفي كل حصار، وفي كل غزو. عمارات مثقوبة بالرصاص، وأعمدة متآكلة، وإشارات ضوئية لا يلتفت إليها أحد، وسيارات تعاند الأرصفة، وآليات عسكرية تشق الطريق ببطءٍ ثقيل. الزحام كبير، لكن الوحدة أكبر. والضجيج عالٍ، لكن الصمت في الداخل أشد.ّ

كنتُ أتساءل: متى تعود بغداد إلى وعدها الأول؟ متى تصير مدينةً للحياة لا مسرحاً للنجاة؟ متى يتحرر اسمها من صور الدبابات ليعود مقروناً بالعلم والشعر والنهر؟

-2-

بعدها زرت بغداد مرتين. المرة الأولى في تشرين الثاني عام 2023 لحفل توقيع كتابي "إيفين.. حفرٌ في الذاكرة" الصادر (عن داري الرواق وأهوار للنشر والتوزيع). والثانية في شباط 2026 لحفل توقيع كتابي "غيمري.. كدّتُ أصبح إماماً" الصادر (عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون). وفي كلتيهما دخلت بغداد وبيدي كتاب لا حقيبة قلق.

غير أن الدخول الأخير كان دخولاً إلى قلبٍ نابض، لا إلى منطقة محصنة. ففي المتنبي، شعرتُ أن بغداد ما زالت تتنفس. الكتب مصطفّة، والباعة ينادون، والقرّاء يتجادلون، والوجوه تحمل فضولاً حيّاً. هناك، تحت ظلال الأبنية القديمة، بدا لي أن الثقافة ليست ترفاً، بل مقاومة. أن تبيع كتاباً في بغداد، هو أن تزرع شجرةً في أرضٍ عرفت الحرائق.

وأنا أوقع كتابي في المتنبي، كنتُ أرى في الوجوه المشرقة شغفاً لا ينطفئ رغم كل شيء، فأدركتُ أن بغداد  التي يزدحم فيها الناس حول كتاب، لا يمكن أن تموت. فيها شيءٌ من دجلة؛ قد يعكر ماؤه، وقد يفيض أو ينحسر، لكنه لا يتوقف عن الجريان. غير أن الجريان وحده لا يكفي. فالنهر يحتاج إلى ضفتين تحميانه، كما تحتاج المدينة إلى وعيٍ يحرسها.

في المتنبي حيث يتجدد النبض، لا تشعر أنك في شارع، بل في فكرة. الكتب ممدودة كأذرع مفتوحة، والقرّاء ينتقلون بين العناوين كما ينتقل النحل بين الأزهار. هناك، شعرتُ أن بغداد ما زالت تحتفظ بقلبها الثقافي، حتى لو تكسرّ جسدها العمراني. وأنا أغادر المتنبي في مساء التوقيع، شعرتُ أنني لم أوقع كتاباً فحسب، بل أوقعت شهادة حب لمدينة أعرف عيوبها كما أعرف فضائلها. مدينة خانتها السياسة، وأرهقتها الحروب، لكنها ما زالت قادرة على أن تدهشنا.

في أزقة بغداد، تذكرتُ أن هذه المدينة لم تكن يوماً هامشاً في التاريخ، بل كانت متنه. منذ أن أسسها أبو جعفر المنصور لتكون "مدينة السلام"، وهي تحاول أن تبرّر اسمها أمام العواصف. هنا، في زمنٍ بعيد، كان بيت الحكمة؛ هنا تُرجمت الفلسفات، ونُقلت علوم اليونان، وصيغت أسئلة جديدة للوجود. هنا، كان العالم يأتي لا ليغزو، بل ليتعلم.

لكن المفارقة اليوم موجعة. فبين بغداد التي كانت مركز إشعاعٍ حضاري، وبغداد التي تكافح لتوفير كهرباءٍ مستقرة ومياهٍ نقية، مسافةٌ لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالرؤية. المدينة تبدو وكأنها ترتدي ثوبين في آنٍ واحد:

ثوب الماضي المطرّز بالمآذن والكنائس والقباب والنقوش، وثوب الحاضر المرقّع بالفوضى العمرانية والإهمال.

نعم، ثمة محاولات تجميل: في شارع الرشيد تُرمّم بعض الأبنية، ويُستعاد بغض الذاكرة، وتُعاد الحياة إلى شرفاتٍ كانت شاهدة على زمن ملكّي أنيق. تُشيّد مولات حديثة، وتعلو عمارات زجاجية، وتزدحم الطرق بمشاريع متفرقة. لكن المدينة ليست واجهات، المدينة روح. بغداد لا تحتاج إلى مزيدٍ من الإسمنت بقدر ما تحتاج إلى رؤية. لا تحتاج إلى أبراجٍ أعلى، بل إلى جذورٍ أعمق. لا تحتاج إلى ضوءٍ عابر، بل إلى مشروعٍ طويل النفس يعيد وصل ما انقطع بين الأمس واليوم.

وإذا خرجتَ قليلًا نحو عمق التاريخ العراقي، بدا السؤال أكبر. في آثار بابل، حيث مشت مواكب نبوخذنصر الثاني، يقف الحجر شاهداً على مجدٍ عظيم، لكنه يفتقد الرعاية التي تليق به. وفي زقورة عقرقوف، تقف الزقورة وحيدةً كراهبةُ طينٍ تصلي للزمن كي لا ينساها. المشكلة ليست في تهدّم جدار، بل في تصدّع المعنى. فحين تفقد الأمة علاقتها بتاريخها، يصبح المستقبل مشروعاً مؤجَّلاً.

في كل مرة أكون في بغداد، أشعر أنني لا أمشي على أرضٍ فحسب، بل أمشي فوق طبقاتٍ من التاريخ، كأن كل حجرٍ فيها يخفي حكاية، وكل زقاقٍ يهمس باسم شاعرٍ أو خليفةٍ أو عالم. كانت المدينة يوماً عاصمة الدنيا، ومركز إشعاعٍ حضاري لا تغيب عنه الشمس، يوم أسّسها أبو جعفر المنصور لتكون "مدينة السلام"، فإذا بها تصير مدينة العلم والفلسفة والترجمة، وملتقى الشرق والغرب. على ضفاف دجلة، كانت المآذن تتعانق مع القباب، والأسواق تضج بالحياة، والكتب تُباع كما تُباع الأرغفة.

لكن بغداد اليوم، حين تتأملها بعينٍ حزينة، ترى مفارقةً موجعة بين الأمس واليوم. ترى آثار الجمال والحضارة شاخصةً كأطلالُ مجدٍ بعيد، بينما تتكدس حولها تشوهات الحاضر: شوارع مكتظة، وبنايات بلا روح، وفوضى عمرانية، وبنية تحتية تئن تحت ثقل الإهمال وسوء التخطيط.

الخراب ليس في الواجهات وحدها، بل في العمق؛ في شبكات الماء والمجاري، في الكهرباء، في التخطيط الحضري، في غياب رؤية تحفظ الهوية قبل أن تستنسخ نماذج بلا جذور. ليس الخراب في تهدم الحجر فحسب، بل في غياب الوعي. فالأمم التي لا تصون ذاكرتها، تفرط في مستقبلها. وما يبدو إهمالاً عابراً، قد يتحول مع الزمن إلى طمس متعمد للهوية، أو إلى قطيعة مع تاريخ كان يوماً مصدر فخر واعتزاز.

بغداد لا تحتاج إلى مولٍ جديد بقدر ما تحتاج إلى رؤيةٍ تحترم روحها. لا تحتاج إلى أبراجٍ زجاجية بقدر ما تحتاج إلى ترميم بيوتها التراثية، وإحياء أزقتها، وصيانة آثارها، وتعليم أبنائها أن هذه المدينة ليست مجرد عاصمة، بل فكرة حضارية.

ستبقى بغداد، رغم كل شيء، مدينةً عصيّة على الموت. فيها شيءٌ من دجلة؛ قد يتكدّر ماؤه، لكنه لا يتوقف عن الجريان. غير أن الجريان وحده لا يكفي. فإما أن نستعيد ألق الماضي بعقلٍ معاصر ومسؤوليةٍ تاريخية، وإما أن نظل نرثي مدينةً كانت يوماً قلب العالم… وأصبحت اليوم تبحث عن قلبها.

***

جورج منصور

في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدا سنة 1866، تقدم العالِم والموظف السامي الياباني هيسوكا ميجيما Hisoka Maegima باقتراح للتخلي عن الرقوم الصينية المستخدمة في اليابان منذ ألف عام. وعبّر عن إدانته للكتابة الصينية بالقول" إن الصين امبراطورية ذات كثافة سكانية ومساحة شاسعة، ومع ذلك مازال شعبها بربريا، ومازال يعاني الإذلال على يد القوى الغربية. ويكمن سبب ضعفها الحقيقي في كتابتها الرسومية الفكرية، فهي تشكل عقبة أمام التعليم الشامل لشعب الصين".

 تأثر الإصلاحيون داخل الصين بالموقف الياباني، فدعوا للتخلي عن تلك العلامات الخطية المقدسة، باعتبارها سببا للهزائم التاريخية. كتب الموظف السامي في التربية لدى حكومة سلالة ال"كينغ" زهانغ هيلينغ قائلا:" إن كتابتنا تشكل حاجزا بين الأشياء والعقل، مثل القفل العصي الذي لا يكون فتحه في متناول جميع الناس، وعلى سبيل المقارنة فإن البلدان التي تستخدم الكتابة السهلة، تنعم بتقدم محقق على بلدنا، كتقدم التلغراف على البريد الذي يستخدم حصانا".

تعد الكتابة الصينية أقدم نظام للكتاب يستخدمه ربع سكان العالم منذ أربعة آلاف سنة حتى اليوم. وخلال هذا العمر الطويل لم يشهد سوى تعديلات طفيفة لم تؤثر على جوهره الفعلي. أما البداية الحقيقية لهذا النمط من الكتابة فمن الصعب تأكيدها، لأن أقدم ما عُثر عليه، ابتداء من سنة 1898 حتى حفريات مقاطعة هينان سنة 1928، هو كتابات منقوشة على ألواح برونزية، وعظام حيوانات، وأوعية وأواني كانت تستخدم للتنجيم خلال الفترة الممتدة بين القرنين الخامس عشر والثاني عشر قبل الميلاد.

تضمنت النقوش المبكرة رسوما حسية بخط قديم يدعى "غو-فين"، لكن بعد اختراع ريشة الكتابة ظهر نموذج الكتابة النظامي العادي حوالي سنة 400 ميلادية، والذي حافظ الصينيون على طابعه العام حتى بعد اختراع الطباعة.

ويعد هذا النموذج من الكتابات الصعبة، نظرا لأشكاله التي تعد بالآلاف؛ فالكتابة الصينية تستعمل حرفا أو رسما واحدا لكل كلمة، لذا يحتاج القارئ العادي لأن يعرف ثلاثة آلاف رسم منها لقراءة النصوص العادية، بينما تحتوي القواميس والمصادر المرجعية على أزيد من أربعين حرفا إذا أضيفت الألفاظ النادرة. إلا أنها تحقق فائدة عملية في بلد تبلغ لهجاته المحلية حوالي مئة، بشكل يجعل التفاهم الشفهي شبه مستحيل. فالكتابة تدون المفهوم بالرمز نفسه حتى وإن اختلف لفظه من لهجة إلى أخرى.

تقوم البنية الداخلية للكتابة الصينية على رسوم تُعبر عن مفاهيم، دون الارتباط بعلاقة صوتية. فالغابة يعبر عنها برسم شجرتين، وفعل "تحدث" برسم فم يخرج منه الزفير، وكلمة "وسط" برسم قرص وسهم، وهكذا. ثم تمت لاحقا إضافة رموز ذات عناصر صوتية تسمح باستخدام الرسوم للدلالة على مفاهيم مجردة.

تتميز الكتابة الصينية بخصائصها الفنية والأسلوبية، فالكلمات تشغل مربعات وهمية متساوية المساحة، ويتولى الخطاط ضغط اللمسات التي يتضمنها الحرف لتلائم الشكل المربع. وسرعان ما أصبحت خطوط الرسوم الأنيقة جزءا لا يتجزأ من التصوير الصيني، كما اندمجت مع مكونات الهندسة المعمارية، لتضفي على القصور والمعابد إحساسا فائقا بالمهابة والجلال.

أما اتجاه الكتابة فيسير من أعلى إلى أسفل في مربعات مرتبة فوق بعضها على شكل أعمدة متوازية. ويرجع سبب هذا النمط من الترتيب إلى شرائح قصب البامبو التي اعتمدها الصيني القديم لوحا للكتابة، والتي لا تتسع لأزيد من حرف واحد وطولها لا يتجاوز عشرين سنتيما.

قبل أن يكتشف الصينيون الورق استخدموا شرائط أعواد البامبو، ودروع السلاحف، وألواح الخشب. كما اعتمدوا الحرير لكونه لينا ومناسبا لتدوين النصوص الطويلة. وفي سنة 105 ميلادية اكتشف تساي لون طريقة أفضل وأرخص لإنتاج الورق، تعتمد على طحن لحاء الشجر، والخِرق البالية، وشباك الصيد القديمة، ثم تكوين عجينة يتم فرشها وتجفيفها للحصول على شرائح رقيقة ومتينة.

أما أدوات الكتابة فكان يُستعمل في الغالب قلم مصنوع من عود البامبو، إلى أن اكتشف الزعيم العسكري مينغ تين فرشاة " بي"، وهي فرشاة مصنوعة من وبر الجِمال، تُناسب الكتابة على الحرير والورق. فكان لاستخدامها أثر كبير على الخط الصيني الذي أصبح فنا حقيقيا.

إن الارتباط القوي للصيني بكتابته لم يمنعه من التعرف على نظم كتابة سهلة ومبسطة، لتجاوز التعقيدات التي تطرحها الكتابة الصينية، خاصة فيما يتعلق بترجمة الكلمات الأجنبية. لذا شهدت الصين منذ عدة قرون، محاولات للانتقال من نظام الكتابة بالكلمة، إلى الكتابة الصوتية ذات الطابع المقطعي.

في الفترة ما بين القرنين الخامس والسادس الميلادي، ظهرت منظومة "فان تسي" لقراءة أصوات الرموز النادرة. فكانت الكلمة تقسم إلى مقطعين على نحو شبيه بالكتابة المسمارية.

وفي سنة 1913 ميلادية تأثر الصينيون بالكتابة اللاتينية التي حملها أفراد البعثات المسيحية، فوضعوا منظومة مقطعية تعتمد رموزا في غاية البساطة، وأسموها " تشوين-تسيزيمو" أي الأبجدية الوطنية، وكان اتجاه الكتابة أفقيا، من اليسار إلى اليمين، كما هو الشأن في الكتابات الأوربية. لكن تلك الجهود لم تكلل بالنجاح المطلوب، لأن اعتماد كتابة جديدة يعني ببساطة انقطاع صلة الصيني المعاصر بتراث أسلافه.

إن السخط الذي عبّر عنه بعض المثقفين أواخر القرن التاسع عشر إزاء نظام الكتابة الصينية، ارتبط أساسا بنظرة الأوربيين المتعالية، ومحاولتهم ربط التقدم بمراجعة السياسة اللغوية للبلد. ومن الأفكار التي أثرت في المشهد الثقافي ما روج له الإرسالي الأمريكي آرثر سميث من أن نظام الكتابة للغة الصينية يسبب تشويشا في العقل، تماما مثلما تفضي حرارة الصين إلى القيلولة!

غير أن التكنولوجيا الحديثة ستحسم الموقف لصالح الرموز المهيبة، فالحاسوب اليوم أوجد حلا لنظام الكتابة على الشاشة، بل ذهب بعض المتحمسين إلى القول أنها أفضل من الحروف الأبجدية، لأنها تُعلّم اللغة بالصورة، وبالتالي فهي لغة جمالية مشبعة بالقيم الإنسانية. أما على مستوى التقنية الحديثة فهي تسمح بتكثيف جيد للمعلومات ونقل الرسائل.

في مؤلفه (قصة الحضارة) يدافع ويل ديورانت عن إحدى أهم خصائص الكتابة الصينية، وهي أنها سمحت للأمي بأن يقرأ الأدب الصيني الذي ظل يُكتب بهذه الحروف نحو ألفي سنة كاملة. وشكلت بذلك عاملا قويا للاحتفاظ بالثقافة الصينية، وتمسك أهلها بعاداتهم وتقاليدهم، فكانت من أجلّ الأعمال العقلية، وأعلاها شأنا.

***

حميد بن خيبش

............................

إحالات:

- ويل ديورانت: قصة الحضارة. المجلد الرابع

- يوهانس فريدريش: تاريخ الكتابة

- آن شينغ: الفكر في الصين اليوم

«يا عبد قف بين يدي وحدك لا بعلم ولا بعمل ولا برؤية…»

محمد بن عبد الجبار النفري

كتاب المواقف والمخاطبات (المخاطبة الاولى)

بهذا النداء العاري يبدأ النفري لا بوصف ولا بشرح بل بايقاف الانسان في موضع لا يملك فيه سندا. الوقوف هنا ليس مكانا بل حالة تجرد من المعرفة بوصفها ضمانا ومن العمل بوصفه نجاة ومن الرؤية بوصفها طمأنينة. هذا الافق هو مفتاح النظر الى لوحة طوف الميدوزا لا باعتبارها حادثة بحرية بل باعتبارها موقفا بالمعنى النفري للكلمة. النظر الى النفري يقودنا اولا الى مدينته نفر (نيبور) عاصمة العبادة في ارض الرافدين حيث تداخل المقدس بالحياة اليومية وحيث تعلم الانسان منذ اقدم العصور ان يقف امام قوى اكبر منه، الالهة، الطبيعة، و المصير. من تلك الارض التي عرفت اول التقاويم الزراعية واقدم النصوص الطقسية خرج صوت النفري لا ليبني نسقا بل ليكسره بشرحه المواقف. كأن المدينة التي تعلمت الحساب والقياس انجبت رجلا قال حين تتسع الرؤية تضيق العبارة.2434 Tudor

وعلى مسافة قرون وجغرافيا يقف طوف خشبي فوق بحر لا يعد بشيء. رسم تيودور جيريكو هذه اللوحة في مطلع القرن التاسع عشر مستلهما حادثة غرق الفرقاطة الفرنسية ميدوزا سنة ١٨١٦، حين ترك اكثر من مئة انسان على طوف بدائي مات معظمهم جوعا وعطشا واقتتالا. لكن جيريكو لم يختر لحظة الغرق ولا لحظة النجاة بل اختار اللحظة الاشد قسوة لحظة رؤية السفينة في الافق دون يقين. هنا لا بطولة مكتملة ولا خلاص مضمون بل اجساد مرهقة تتراوح بين الاستسلام والالتزام الاخير بالفعل.

المشهد مشدود بين هرمين هرم الموت في المقدمة حيث الاجساد الساكنة وهرم الرجاء في الاعلى حيث ذراع مرفوعة نحو الافق. غير ان الرجاء هنا ليس وعدا بل احتمال. الطبيعة نفسها غير متعاطفة شمس حارقة بحر مضطرب سماء خانقة. كأن الكون يقول ببرود افعلوا ما شئتم فالنتيجة ليست في ايديكم.

من هذا الموضع يمكن استدعاء قول ابي حامد الغزالي «اعلم ان مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس». على الطوف تنتزع النفس من كل زينة اجتماعية لا القاب ولا ادوار ولا اخلاق مؤطرة سلفا. يبقى الانسان مع نفسه عاريا في مواجهة سؤال بسيط ومفزع هل اتحرك ام اترك نفسي للموت. هنا تتحقق معرفة النفس لا بالتأمل الهادئ بل بالانكشاف القاسي. ليست المعرفة نظرا بل تجربة حدية يكتشف فيها الانسان ما الذي يبقى منه حين تسقط الضمانات. العمل هنا لا يقاس بنتيجته بل بنيته فالفعل لا يؤدى طلبا لثمرة بل استجابة لضرورة داخلية.

ثم يأتي صوت محيي الدين بن عربي بقوله «الصمت على قسمين صمت باللسان وصمت بالقلب». في اللوحة تتجاور هذه الاصناف من الصمت صمت الموتى حيث سكت الجسد والقلب وصمت الاحياء المرهقين حيث سكت اللسان وبقي القلب معلقا بالافق وصمت ثالث اعمق صمت الانتظار حيث يتجرد الفعل من الكلام ويصير الجسد نفسه دعاء ممدودا نحو البعيد. هذا الصمت ليس فراغا بل امتلاء لا تحتمله العبارة.

اما الجنيد البغدادي فيختصر حال هؤلاء بقوله «الصبر تجرع المرارة من غير تعبيس». لا شيء في اللوحة يوحي بالرضا ولا شيء فيها يدعي السكينة. ومع ذلك لا نرى استسلاما كاملا. الاجساد المنهكة ما زالت تتماسك والذراع المرفوعة لا تزال ترتجف لا لانها واثقة بل لانها ترفض ان تكون ساكنة. هذا هو الصبر الجنيدي لا تزييف للالم ولا ادعاء للطمأنينة بل احتمال المرارة دون انكارها.

غير ان هذه القراءة لا ينبغي ان تنقي المعاناة اكثر مما تحتمل. الفعل بلا ضمان ليس بطولة رومانسية دائما.

هنا تكمن انسانية المشهد ليس كل من لوح نجا وليس كل من صبر احتمل حتى النهاية. اللوحة لا تعد بالخلاص لكنها تشهد على لحظة التزام اخيرة بالفعل حتى حين يصبح الفعل نفسه عبئا.

وهكذا نعود الى النفري لا بوصفه خاتمة بل بوصفه اطارا كاملا للتجربة. اولئك الواقفون على الطوف هم صورة بصرية لقوله «قف بين يدي وحدك». وحدك بلا علم ينقذك وبلا عمل يعصمك وبلا رؤية تطمئنك.

***

د. احمد عابر

 

بين الآلية الصماء في الأداء وغياب العاطفة الجياشة

بات الذكاء الإصطناعي اليوم، قادرا على أداء مهام معقدة، تتطلب ذكاء بشريا لادائها، ولكنه مع ذلك، ظل يفتقر في ادائه، رغم سرعته، ودقته، إلى العاطفة الجياشة، والحس المرهف، الذي تتسم بهما الأعمال المناظرة، التي يقوم بادائها الإنسان.

فمن المعلوم أن الذكاء الإصطناعي يعتمد في ادائه الٱلي، على التغذية بالخوارزميات، والبيانات، في انظمته الحاسوبية، مما يجعله يفتقر في أداء مهامه، الى الشعور بالعواطف، والحس المرهف، كما هو الحال عند الإنسان.

ومع أن هذا الغياب للعاطفة، يمكن أن يكون ميزة للذكاء الإصطناعي، في بعض المجالات، مثل اتخاذ القرارات الصعبة، التي تتطلب التعامل مع البيانات الكبيرة، او القرارات الحدية، التي تتطلب موضوعية عالية، إلا أنها مع ذلك، تظل نقصا معيبا، في المجالات التي تتطلب فهما عاطفيا، وحسا وجدانيا، ومشاعر جياشة، مثل العلاقات الإنسانية، أو الإبداع الأدبي، والنتاج الفني.

وهكذا يكون الذكاء الإصطناعي بافتقاره الى خاصية الحس، والعاطفة، ٱلية صماء، حيث أنه يعمل وفق قواعد وبرامجيات محددة، تفتقر إلى خاصية التفكير الإبداعي، والحس الوجداني، مما يجعل نتاجاته الفنية والادبية، صماء، وٱلية مهما بدت جذابة.

وإذا ما كان ينتظر من الذكاء الإصطناعي أن يكون قادرًا على التعلم، والتكيف مع التغييرات، لتحقيق التوازن، بين غياب العاطفة الجياشة، والٱلية الصماء في الأداء، حيث ربما يمكن أن يتحقق ذلك، من خلال تطوير خوارزميات أكثر تعقيدًا، وتكاملًا، مع العلوم الإنسانية، في قادم الايام، إلا إنه ربما يظل عاجزا عن امتلاك الحس، ويظل يفتقر في نتاجاته العامة، الى العاطفة الجياشة.

***

نايف عبوش

يعتمد الرسام الأرجنتيني كلاوديو تناگلي في إنتاجه الإبداعي الفني على المواد المعادة استعمالها والتي تتوفر في الطبيعة من أقمشة وحتى قصاصات منً ورق الصحف القدية والصور القديمة في ايجاد مواضيع يربط بين الطبيعة واللون ويمزجها في ألوان بديعة كأنه يكتب الشعر.

التقيت به صدفة حيث كنت وصديقي رافاييل في زيارة إلى أرياف مدينة ملقا وهي منطقةً جبلية وعرة تفصل بين مدينة ملقا وغرناطة على الطرف الاخر من سلسلة جبال سيرانادا الشاهقة لكنها غابة خضراء بما طاب ولد من فواكه وأعناب وحمضيات واللوز الأندلسي الطيب المذاق.

وصنا هذه القرية لنحتسي القهوة في الكافيتريا الوحيدة المفتوحة في هذا اليوم الشبه الربيعي البديع وتحت شمسها الساطعة . ونحن نتجول في مركز القرية راعني وجود العديد من الأعمال الفنية من لوحات وتماثيل ونصب. ونحن في نزهتنا تلك فاذا برجل ذو شعر مجعد ابيض يتقدم الينا وكل وجهه رسم عليها ابتسامة واسعة ويتحدث الينا سائلا اهتمامنا بالتقاط الصور لتلك التماثيل.2426 clodis

ثم اصطحبنا إلى معرضه الشخصي في رحلةً خيالية والذي يقام في قاعة جميلة والظاهر ان البناية مركز ثقافي للشباب المسماة قاعة عرض مركز الفنون والتنمية في مدينة ألماشار الجبلية . تجول معنا في قاعة المعرض حيث لوحاته الجميلة التي تدخل البهجة والسرور إلى ارواح مشاهديها. هذه الرحلة الخيالية عبر ألوان وتفاصيلها الدقيقة نراه مع مجموعة من الأعمال الفنية كبيرة الحجم وأشياء عملية، كالأثاث، مصنوعة بجمالية فنية من مواد معاد تدويرها. تحدثنا طويلا مع اني لا افهم بالكامل الإسبانية لكني تمكنت فهم كلامه من سياق الحديث الذي دار حول القرية ونشاطها الثقافي وكونها قرية اشتهرت بتجفيف العنب (الزبيب) .

 تدوير المواد ظاهرة بدأت مع تكدس الكثير من القمامةً بعد السبعينات حيث بات كل منتج ذو غلاف بلاستيكي مما أدى إلى تلوث البيئة المحيط والأنهار والبحيرات وصولا إلى البحار. بدأ بذلك حركة شعبية في اوربا متمثلة بأصدقاء البيئة وكانت ألمانيا سباقة حتى لتأسيس حزب سياسي سمي بحزب الخضر. التلوث البيئي أدى إلى التفكير في إنتاج بضائع ومنتجات صديقة للبيئة ويمكن تدويرها بسهولة اي ترجع الى البيئة كما كانت دون اي تاثير كيماوي او سموم. هذه الحركة الشعبية نراه كذلك في الفنون وهنا ياتي دور الرسام الأرجنتيني كلاوديو في استخدام تلك المواد كمادة أولية لمواضيعي في لوحاته الجميلة.

وُلد الرسام في روساريو، الأرجنتين، عام ١٩٦٦، ويقيم في في مدينة ملقا، الأندلس منذ عام ١٩٨٧. تلقى تدريبه الفني في ورش عمل العديد من الرسامين، ويحمل شهادة في الهندسة الصناعية. وهو حاليًا عضو في الفريق الفني لشركة "سيبتيمو بيكسل" للإنتاج السمعي البصري، حيث يُطوّر أعماله الإبداعية.

تقرء في مقدمة تعريفه للمعرض ما يلي؛ "من بين الاتجاهات والتقنيات والتخصصات المختلفة التي تشكل النطاق الواسع للفن المعاصر، نجد أحد أهم مظاهره، ربما لأننا لا نشير فقط إلى الجودة الجمالية، ولكن إلى إعادة صياغة المعنى النفعي للأشياء والمواد التي يحولها كلاوديو تيناجليا إلى وسائل تعبيره. في بحثه الدائم عن الجمال، يركز الفنان نظره على الأشياء والأدوات اليومية التي يعيد تدويرها وتحويلها، وبالتالي يبني لغة فنية منفصلة عن الواقع"

ان إنسان المجتمعات المعاصرة يحتاج إلى الوقوف والتأمل علىً مجمل الحوادث البيئية في زحمة انشغاله بأمور الحياتية من العمل والسعي من اجل لقمة العيش والإرهاق المستمر والإجهاد في العمل.

تلك اللحظات التأملية يقدمها لنا الرسام كلاوديو وكانّه يدعونا ان ننسى كل ما حولنا كي نتأمل ما يحصل في بيئة المحيط. لكن استخدامه لألوان الطبيعة يعطي انطباعاً بأننا نتجول حالمين في غابة ساحرة من الألوان.

***

توفيق رفيق آلتونچي - الأندلس

....................

* للمزيد حول الرسام راجع صفحته على الانستغرام ؛

@CLAUDIOTENAGLIA66

حين تدنو خطى الشّتاء، وتخلع السّماء وقارها الأزرق؛ لتكتسي برداء من الغيم المكتنز بالوعود، يولد في قلبي شعورٌ عتيق، يشبه حنين المسافر لبوصلته الضّائعة، فالشّتاء هو طقسٌ روحيّ، وحالة من الاسترجاع الوجدانيّ، تعيد ترتيب شتات النّفس أمام صرير الرّيح وجبروت المطر.

تأمّلوا معي ذلك المشهد؛ حيث يتواطأ العالم الخارجيّ في ثورةٍ عارمة من الصّقيع، وتئنّ الرّياح خلف النّوافذ، وتلوذ أنت بملاذك الآمن.

هناك.. في تلك الزّاوية الدّافئة، حيث ينسج الضّوء الخافت خيوطا من السّكينة، تشعر بأنّك في قلب الوجود وحصنه المنيع. هي لحظة التباين الوجوديّ الفاتنة؛ فكلّما ازداد الخارج قسوة، زاد في الدّاخل منسوب الطّمأنينة، وكأنّ البرد مرآةٌ نصقل بها معنى الأمان.

إنّ لصوت المطر حين يقرع زجاج النّوافذ إيقاعا فريدا؛ فهو الضّجيج الورديّ الّذي يغسل ضوضاء الأفكار، ويهدّئ من روع العقل القلق، هو لغة كونيّة تخاطب فينا غريزة الاستقرار، وتعيدنا إلى الرّحم الأوّل حيث الدّفء المطلق والسّكينة الّتي لا يقطعها صخب.

بالنّسبة لي، في هطول المطر نوع من العزلة الاختياريّة المقدّسة؛ فهو العذر الّذي تمنحنا إيّاه الطّبيعة لنكفّ عن الرّكض خلف ترهات الحياة، لنجلس وجها لوجه أمام ذواتنا، محاطين بدثارٍ من الصّوف وفنجان من الألفة.

هذا العشق هو احتفاءٌ بمفهوم اللّحظة الصّغيرة، إذ يُستخرَج الجمال من سكون المنزل وعطر الشّتاء المعتّق.

إنّك حين تعشق الدّفء المنزليّ وسط عواصف الخارج، تمارس طقسا من طقوس الاستشفاء، حيث يصبح البيت وطنا صغيرا، وتصبح الحرارة المنبعثة من زواياه صلاةً صامتة في محراب الهدوء.

يا له من ترفٍ باذخ، أن تكون في قلب العاصفة وتكتفي بعذوبة صوتها، هو انتصار صامت للإنسان على الطّبيعة، والحوار الأجمل بين قلب يبحث عن السّلم، وفصل يضجّ بالصّخب، فالشّتاء هو الموسم الّذي تنبت فيه الأرواح في الدّاخل، حين تجفّ الأشجار في الخارج، ليبقى المنزل هو القصيدة الّتي لا تنتهي قوافيها.

في هذه اللّحظات الّتي يهطل فيها المطر بغزارة، تصبح الكتابة عندي فعلا شبيها بالصّلاة؛ فمع كلّ قطرة تقرع زجاجي، تولد فكرة كانت غافية في أعماقي. هذا الدّفء المحفوف بزمهرير الخارج يصهر الجليد عن لسان قلمي، فأجد حروفي تنساب بسلاسة، وكأنّ الرّيح في عصفها تكنس غبار التّشتّت عن عقلي، تاركةً لي صفاءً ذهنيّا خالصا. وفي عقر سكينتي، تتحوّل الورقة البيضاء إلى ميدانٍ لترميم ذاتي، وتغدو الأبجديّة وسيلتي الأرقى لتجسيد ذلك الإحساس الّذي أشعر به، فأكتب ما تفيض به روحي من صدق الشّعور والرّؤية.

هذه المتعة الّتي تنتابني وأنا أخطّ كلماتي في كنف هذا الطّقس الجميل تفوق الوصف؛ فهي مزيج من شعور المنتصر الّذي استأنس بالوحدة، والمبدع الّذي وجد في صخب العاصفة إيقاعا لقصيدته.

الكتابة في حضرة الشّتاء هي خلقٌ من نوع آخر ، حيث تتنفّس الأفكار تحت الغطاء الصّوفيّ، وتنمو الصّور البيانيّة كما تنمو الأزهار في الرّبيع؛ فأتوحّد مع قلمي لأخلّد هذه الدّهشة الحسيّة، جاعلةً من المطر ملهما أبديّا لي، وقدرةً خاصّة لاستحضار الجمال من قسوة الشّتاء، فأستبدل صوت الرّيح بترانيم القلم.

بذات الرّوح الّتي تستشعر الأمان خلف الجدران وتسكب الحروف حرارةً في ليل البرد، نرسل الأماني عاليا؛ لعلّها تلامس أطراف تلك الخيام الباردة، حاملة معها أصدق الرّجاء بالسّكينة والسّلام.

ليت هذا المطر الّذي يطرق الوجود يتحوّل إلى غيثٍ يغسل الأوجاع، ويمرّ سلاما رقيقا على الأجساد المتعبة، ليبعث فيها دفئا معنويّا لا تملكه المدافئ، ويمنح الأرواح أمانا عصيّا لا تهزّه الرّيح مهما عصفت.

هي دعوةٌ لأن يشرق النّور في تلك الزّوايا المنسية، ولأن تظلّ خيوط الأمل دثارا لا يبلّله الصّقيع، وسياجا يحمي الأحلام من قسوة الشّتاء.

***

صباح بشير

 

(لمحات جمالية في بنية النص الشعري)

في كتابه الجديد (لمحات جمالية في بنية النص الشعري) بطبعته الأولى لعام ٢٠٢٦، الصادر عن دار سومر للطباعة والنشر، في الشرقاط، محافظة صلاح الدين، العراق، يعتمد الاستاذ الدكتور ابراهيم دراسة نقدية تطبيقية، لقصائد مختارة، لعدد من الشعراء المعاصرين، في ١٥٧ صفحة، بمقدمة، وتمهيد، وقائمة بالمصادر العربية، والاجنبية.

ويأتي الكتاب دراسة متخصصة متأنية، لتلك النماذج من القصائد المختارة، لعدد من الشعراء المعاصرين، تتناول الشعرية في تلك القصائد، والألسنية، والصور البلاغية، التي ارتكزت عليها تلك القصائد، في بناء نصوصها، كما يقول المؤلف في مقدمة الكتاب.

لقد ابدع الكاتب حقاً، عندما تناول النصوص بالنقد العلمي، والغوص المهني، في مفردات بنية القصائد موضوعة بحث الكتاب، وما تضمنته من صور، ورموز، ودلالات بلاغية .

وفي هذا الإصدار الابداعي، غاص الكاتب بمهنيته الأكاديمية المتمكنة، في عمق محتويات تلك القصائد، نظما، وتوظيفا للمفردة، وبشكل يشد القاريء للإعجاب بمنهجية تناوله المقتدرة، والتفاعل مع هذه الاسلوبية الرصينة، في النقد الأدبي للنصوص الشعرية.

ولعل الكتاب بمنهجيته المهنية الجميلة، يلفت الإنتباه إلى أهمية النقد الادبي في توكيد اصالة النصوص الشعرية، وبلاغة مضامينها، للحفاظ على هوية الشعر، واللغة، من المسخ، والتشويه، بتداعيات العصرنة الصاخبة بجوانبها السلبية، والتاسيس لعملية ترادف جادة، بين رعيل الشعراء الأوائل، والاجيال المعاصرة، تقوم على التواصل الأدبي، والإستلهام الواعي، في النظم الابداعي، والقريض الرصين، وليس مجرد النسخ، الذي يقتل روح الإبداع، او المسخ، الذي يشوه جماليات النصوص.

ولاريب أن تأليف هذا الكتاب، بهذه المنهجية العلمية٫ سياخذ مكانه في الساحة الادبية، والثقافية، بجدارة، ليكون مرجعا للباحثين، والدارسين، والنقاد، وليسد فراغا لمثل هذا النوع من الدراسات الجادة.

***

نايف عبوش

قراءة في لوحة «العذراء المباركة» لدانتي غابرييل روسيتي

يخطئ من يظن أن الشوق حالة طارئة يولدها الغياب، أو أن الحب ينتهي حين يضع الموت حدا للعلاقة بين العاشقين. فالشوق، في أعمق تجلياته، لا ينشأ من الفقد بل من المعرفة، ولا يظهر إلا بعد أن يكون الوصل قد تحقق على مستوى يتجاوز الحس والزمن. من هنا يمكن قراءة لوحة دانتي غابرييل روسيتي «العذراء المباركة» ليس بوصفها مشهدا رومانسيا حزينا، بل بوصفها تأملا بصريا في مفارقة قديمة: كيف يمكن للنعيم أن يتجاور مع الألم، بل أن يتغذى عليه.

أنجز روسيتي لوحته في أواخر القرن التاسع عشر، في سياق فني كان يبحث عن الروح وسط عالم آخذ في التصنيع والتشييء. لكن اللوحة، على الرغم من انتمائها التاريخي الواضح، تفتح سؤالًا يتجاوز زمنها: هل الخلاص حالة خالية من التوتر، أم أنه وعي حاد به؟2423 ahmad

تنقسم اللوحة ظاهريا إلى عالمين: علوي وسفلي، سماوي وأرضي. غير أن هذه القسمة تخادع النظر. فالعذراء المباركة، المتكئة على شرفة من ذهب في السماء، لا تبدو غارقة في نعيم مكتمل. نظرتها ليست نظرة من وصل واستراح، بل نظرة شاهد يرى أكثر مما يحتمل. إنها لا تقف بين عالمين، بل في ذروة وحدة موجعة: وحدة تعرف فيها أن الحب لم يفقد، لكنه لم يستكمل بعد في صورته النهائية.

هنا يصبح الشوق ليس دليلا على النقص، بل أثرا للزيادة. وهو المعنى الذي عبر عنه محيي الدين بن عربي حين قلب العلاقة المألوفة بين العذاب والنعيم، قائلًا إن ما نسميه عذابا إنما هو قشر يخفي في داخله لبا من العذوبة. فالألم في التجربة الروحية ليس نقيض الرحمة، بل حارسها. القشر لا يلغى، لأنه صائن لما تحته. بهذا المعنى، فإن شوق العذراء في اللوحة ليس اعتراضا على النعيم، بل دليل عليه. إنها لا تتألم لأنها محرومة من الحب، بل لأنها واعية لاستمراره خارج مقاييس الزمن الأرضي.

أما الوجوه الملائكية الثلاثة التي تتوسط اللوحة، فليست عناصر عزاء بالمعنى البسيط، بل مرايا لثلاثة مستويات من الإدراك: إدراك النعيم، إدراك الفقد، وإدراك السؤال المفتوح الذي لا يغلق. إنها تمثيل بصري لحالة الوعي المنقسم على نفسه، حيث تتداخل الخبرة الإنسانية بين الخير والشر، الرغبة والخوف، الوصل والفراق. وهي الحالة نفسها التي يرى فيها أبو حامد الغزالي شرطا للتطهير.

فالغزالي لا يفهم الشر والخير كخيارين منفصلين، بل كعجين واحد لا يفصل إلا بالنار. إما نار الندم أو نار الهلاك. والندم هنا ليس شعورًا أخلاقيًا عابرا، بل احتراق معرفي: لحظة يرى فيها الإنسان ذاته دون أقنعة. في ضوء هذا الفهم، يمكن قراءة المسافة بين السماء والأرض في لوحة روسيتي كنار صامتة، نار لا تحرق الجسد بل تصفي المعنى.

العاشق الأرضي الممدد في أسفل اللوحة ليس ضحية الفقد، بل متدرب على الوعي. استلقاؤه على الأرض ليس سقوطا، بل تواضع وجودي، طور من التهيئة يتحول فيه الألم من صدمة إلى طريق. فالألم الذي لا يقود إلى تحول هو عذاب، أما الألم الذي يعيد توجيه القلب فهو رحمة متخفية.

بهذا كله، لا تعود «العذراء المباركة» لوحة عن الحب المستحيل، بل عن الحب الذي لم يكتمل شكله الزمني بعد. العذاب الذي نراه ليس علامة لعنة، بل دليل حياة. وهو ما يجعل اللوحة، على الرغم من عمرها، شديدة المعاصرة في زمن يسعى إلى تخدير الألم بدلا من فهمه.

تذكرنا هذه اللوحة، كما تذكرنا نصوص ابن عربي والغزالي، بأن بعض أنواع النار ليست عقابا، بل تطهيرا. وأن الشوق حين يبلغ ذروته لا يناقض النعيم، بل يكشف عمقه. فالعذراء المباركة ليست مباركة لأنها بلا ألم، بل لأنها لم تحاول النجاة منه.

***

د. احمد عابر

تأمل في الخوف بوصفه يقظة اخلاقية

(هكذا، فان الخوف من الخطر اكثر ارهاقا بعشرة الاف مرة من الخطر نفسه عندما يبدو للعيان؛ ونجد ان عبء القلق اكبر، بكثير، من الشر الذي نقلق بشأنه)... دانيال ديفو، روبنسون كروزو

ليس الخطر هو ما ينهك الانسان اولا، بل توقعه. فالشر، حين يتجسد امام العين، يصير محدودا، قابلا للمواجهة، واما الخوف حين يسكن الداخل فانه يتسع ويتضاعف ويتحول الى عبء ثقيل يسبق الحدث وربما لا يحتاج اليه اصلا. وليس هذا الخوف حالة استثنائية مرتبطة بالمواقف القصوى فحسب، بل هو اكثر اشكال المعاناة الانسانية شيوعا في الحياة اليومية، حيث ننهك انفسنا بما قد يحدث اكثر مما ننهك بما يحدث فعلا. بهذا التمييز الدقيق بين الخطر الموضوعي والخوف الذاتي، يمكننا ان نقترب من لوحة "المهد" لبيرت موريسو، ليس بوصفها مشهدا عاطفيا عن الامومة، بل بوصفها تاملا بصريا عميقا في القلق الانساني، وفي الكيفية التي يمكن للخوف فيها، حين ينبع من الحب، ان يتحول من عبء نفسي الى يقظة اخلاقية.2413 ahmad

تنتمي اللوحة الى المدرسة الانطباعية، غير انها تمثل جانبها الاكثر صمتا وتاملا، بعيدا عن انشغالها المعتاد بالضوء والمناظر المفتوحة. فبيرت موريسو، احدى ابرز رائدات هذه المدرسة، لم تنظر الى المشاهد الداخلية، ولا الى عالم المرأة والامومة، بوصفها موضوعات وجدانية عابرة، بل بوصفها حالات وجودية مكتملة، مشحونة باسئلة دقيقة عن الحضور والهشاشة والمسؤولية. في اللوحة نرى امرأة شابة تجلس الى جانب مهد طفل نائم، يفصل بينهما ستار شفاف من قماش رقيق. الضوء لا يسطع في الغرفة، بل ينساب بهدوء، كانه يتجنب ايقاظ الطفل او زعزعة هذا التوازن الدقيق بين السكينة والترقب. لا خطر ظاهرا في المشهد: الطفل نائم في سلام، المكان هادئ، وكل شيء يوحي بالامان. ومع ذلك، فان مركز الثقل في اللوحة ليس الطفل، بل نظرة الام. وجهها لا يحمل خوفا صريحا ولا انفعالا ظاهرا، بل انتباها مشدودا، يقظة ساكنة، كانها تصغي الى صمت الغرفة، او تترقب ما قد يختبئ خلف هذا الستار الشفاف. يدها تستند بهدوء على حافة المهد، قريبة من الستار لكنها لا تمسكه بقلق. الجسد كله يحضر، لكنه يحضر بيقظة لا تسترخي، وكان الام في حالة استعداد صامت لا يظهر منه سوى هذه النظرة التي تجمع بين الحضور والانتظار.

هنا يتجلى ما يصفه عبد الجبار الرفاعي حين يقول ان الوجه هو "نافذة الدخول الاولى الى الانسان"، ومفتاح اكتشاف شيء من اللامرئي فيه. وجه الام في اللوحة لا يصرح بما في الداخل، لكنه يحمله بصمت. انه وجه لا يكشف السر، بل يدل عليه. ومن خلال هذه النظرة نقرأ اكثر مما نرى: نقرأ القلق والترقب والمسؤولية، ونقرأ خوفا لم يتحول بعد الى رعب. فالوجه، في هذا المعنى، ليس مرآة تعكس الانفعال فحسب، بل بوابة اخلاقية ندخل منها الى عالم غير معلن، عالم الحذر الذي لا يزال في طور التكوين. هنا يتجلى عنوان هذا التامل: الخوف الذي لا يعلن. وجه الام لا يصرخ، لكنه لا يسكت ايضا؛ انه يحمل الخوف كما تحمل الغيمة المطر، دون ان تمطره بعد.

وحين ننتقل من مستوى الرؤية الى مستوى المعنى، يتبين ان هذا الخوف لا يشبه الخوف الذي يشل او يدمر، بل يقترب مما يصفه ابو حامد الغزالي حين يجعل الخوف شرطا للحذر، لا نقيضا للطمأنينة. فالخوف، في تصوره، بذرة في القلب، وثمرتها اليقظة في الجوارح. وهذا ما نراه هنا: الام لا تهرب، لا تصرخ، لا تظهر هلعا. جسدها لا يسترخي تماما، جلستها غير منحلّة، يدها قريبة من المهد، وكان الجسد نفسه يشارك في هذا الانتباه الصامت. الخطر غير موجود، لكن مجرد امكانية الخطر كافية لتوليد هذا النوع من الحضور الاخلاقي. هنا يتحول الخوف الى طاقة رعاية، الى استعداد يسبق الضرر ويدفعه، لا الى عبء نفسي يثقل الروح. انه الخوف الذي يجعل الانسان يقظا لا مذعورا، حاضرا لا منهزما.

اما الستار الشفاف الذي يفصل الام عن الطفل، فليس تفصيلا جماليا عابرا، بل هو جوهر اللوحة ودلالتها الاعمق. انه حجاب لا يخفي تماما ولا يكشف تماما، حجاب يقيم المسافة الضرورية بين الرؤية والاطمئنان. وهنا يلتقي المعنى الصوفي بالتصوير الانطباعي على نحو لافت. فابن عربي يميز بين الخوف من العذاب والخوف من الحجاب، والخوف في هذه اللوحة ليس خوفا من اذى منظور، بل مما قد لا يرى: من الانقطاع، من الغياب، من ان يتسلل شيء عبر هذا الحجاب الرقيق. الام لا تخاف مما تراه، بل مما قد لا تراه. انها تخاف من الغياب، من ان ينام الطفل ولا يستيقظ، من ان تفيق هي على فراغ. هذا الخوف ليس له اسم، وليس له خطر محدد يواجهه. انه الخوف من الحجاب: الخوف من ان ينقطع الاتصال، لا ان ينقطع الامان. وهذا ارقى اشكال الخوف، لانه خوف يولد من الحب لا من التهديد. انها تخاف لانها تحب، ولان الفقد ممكن، ولان الحياة، مهما بدت امنة، لا تعطى بلا هشاشة. في هذا الخوف من الحجاب، لا تخاف الام على الطفل فقط، بل تخاف عليه من العالم، ومن الغياب، ومن الزمن نفسه، وكانها تدرك، دون تنظير، ان الحجاب ليس قماشا فحسب، بل شرط الوجود الانساني كله.

وحين نعود في النهاية الى قول دانيال ديفو، يتضح ان اللوحة لا تناقضه، بل تجسده بهدوء بالغ. فالخوف هنا بالفعل اكبر من الخطر، لا لانه وهمي او مرضي، بل لانه انساني. الخطر قد لا ياتي ابدا، لكن القلق موجود لان الحب موجود. في المهد لا نرى كارثة، لكننا نرى الاستعداد لها. لا نرى الخوف وحشا مفترسا، بل يقظة اخلاقية، ووقوفا صامتا عند عتبة الحياة. هكذا لا تصور اللوحة الخوف ضعفا، بل تعيد تعريفه: الخوف الحقيقي، الخوف الذي لا يعلن، ليس رعبا من خطر قادم، بل هو الوجه الاخر للحب، ويقظة الروح على هشاشة من تحب. انه، باختصار، الشاهد الاصدق على اننا احياء.

***

د. احمد عابر

 

بين الرقابة العائلية والرقابة الحكومية

يُعَدُّ مسلسل "لام شمسية" من الأعمال الدرامية الرمضانية التي أثارت الجدل بسبب معالجته لقضية التحرش الجنسي بالقاصرين. ورغم محاولته تسليط الضوء على هذه الظاهرة بأسلوب درامي، فإنه أخفق في تحقيق التوازن بين الواقعية الفنية والالتزام بالحقائق القانونية، مما أضعف مصداقيته وجعله يبدو كاريكاتيريًا في بعض الأحيان.تدخلت الرقابة المصرية وقامت بتعديل الحلقات الأخيرة التي تناولت موضوع زنا المحارم، حيث تم حذف مشهد تحرش الأب بابنته، بالإضافة إلى حذف مشهد التحرش الذي قام به "وسام"، كما تم تعديل مشهد تحرش آخر ظهر في لقطة فلاش باك لشخصية "نيللي".

إشكالية الواقعية القانونية في الحكم على المتحرش

يتمحور المسلسل حول شخصية "وسام الألفي"، التي يجسدها الممثل محمد شاهين، والمتهم بالتحرش بالطفل "يوسف"، الذي يؤدي دوره علي البيلي. ووفقًا لسياق المسلسل، تم الحكم على وسام بالسجن المؤبد بناءً على شهادات الطفل ووالده "طارق" (أحمد السعدني)، إضافة إلى حكم المحكمة الذي نص على أن المتحرش قام بلمس الأعضاء التناسلية للطفل وإغوائه بلمس أعضائه هو الآخر.

إلا أن هذا الحكم لا يتوافق مع القانون المصري، حيث إن القانون يميز بين التحرش الجنسي وهتك العرض والاغتصاب، ولكل جريمة منها عقوبة مختلفة. فوفقًا للمادة 306 مكرر (ب) من قانون العقوبات، فإن التحرش الجنسي بطفل يُعاقب عليه بالسجن لمدة لا تقل عن سبع سنوات إذا لم يتضمن استعمال القوة أو التهديد. أما هتك العرض، كما ورد في المادة 268، فيُعاقب عليه بالسجن المشدد من 7 إلى 15 سنة، ويصل إلى السجن المؤبد إذا كان الطفل أقل من 12 عامًا. في المقابل، فإن الاغتصاب، وهو الجريمة التي تستوجب السجن المؤبد أو الإعدام، يتطلب إثبات المواقعة الجنسية الكاملة.

لذا، فإن الحكم الذي صدر ضد "وسام" في المسلسل غير منطقي، حيث تم وصف الجريمة على أنها تحرش وليس هتك عرض أو اغتصاب، ومع ذلك تم إصدار حكم بالسجن المؤبد، وهو ما يخالف القواعد القانونية المصرية.

هل خضعت الكاتبة مريم نعوم للرقابة المجتمعية؟

السؤال الأبرز هنا: لماذا تجنبت كاتبة المسلسل، مريم نعوم، الإشارة إلى المواقعة الجنسية رغم أنها العقوبة التي تبرر الحكم بالسجن المؤبد؟ هل كان ذلك خوفًا من الرقابة الحكومية أم من الرقابة المجتمعية؟

يبدو أن المسلسل حاول الموازنة بين تقديم قضية حساسة وتجنب الصدام مع المجتمع، لذا اكتفى بالإشارة إلى التحرش دون الخوض في تفاصيل أشد صدمة للجمهور. ولكن هذا التحفظ جعل الحبكة تفقد مصداقيتها القانونية، مما أدى إلى شعور المشاهدين بأن المسلسل يفتقد للواقعية.ومن المشكلات الأخرى التي وقع فيها المسلسل هي نمذجة الشخصيات، حيث تم تقديم شخصية المتحرش "وسام الألفي" بطريقة نمطية جعلته يظهر كشرير خالص دون أي تعقيد نفسي أو بعد إنساني، وهو ما أضعف تأثير العمل. كذلك، فإن نهاية المسلسل كانت متوقعة إلى حد كبير، حيث حصل المتحرش على العقوبة القصوى رغم عدم ملاءمة الأدلة للحكم، مما جعل الأحداث تبدو غير منطقية.

التأثير النفسي على الممثل الطفل علي البيلي

إحدى النقاط الجدلية الأخرى هي التأثير النفسي على الطفل الممثل علي البيلي، الذي أدى دور الضحية. فتقديم طفل في مشاهد مرتبطة بالتحرش قد يعرّضه لآثار نفسية سلبية لاحقًا، حتى وإن تم توفير دعم نفسي أثناء التصوير.

في علم النفس، هناك مفهوم يُعرف باسم "تأثير الفاكهة المحرمة" (Forbidden Fruit Effect)، والذي يشير إلى أن الأطفال يميلون إلى تجربة الأمور التي يتم تسليط الضوء عليها كشيء ممنوع أو خطير. فإذا تم توعية الطفل بمفهوم التحرش قبل أن يكون مؤهلًا لفهمه بشكل كافٍ، قد يؤدي ذلك إلى إثارة فضوله بطريقة غير مرغوبة، مما قد يدفعه إلى تجربة ما سمع عنه.

وبالتالي، فإن تقديم طفل في مثل هذه الأدوار قد يكون له تأثير سلبي عليه، سواء من خلال التجربة المباشرة أو من خلال فهمه المشوه للمواقف الاجتماعية.

رغم أن "لام شمسية" حاول تقديم قضية شديدة الأهمية، إلا أنه فشل في تحقيق التوازن بين الواقعية القانونية والمعالجة الدرامية، مما أضعف تأثيره وجعله عرضة للانتقادات. فقد أخطأ في تقديم الحقائق القانونية، ونمذج الشخصيات بشكل سطحي، ولم يأخذ في الاعتبار التأثير النفسي على الطفل الممثل. وكان من الأفضل أن يعالج المسلسل القضية بجرأة أكبر، أو أن يلتزم بالحقائق القانونية بدقة، لضمان تقديم عمل درامي أكثر تأثيرًا ومصداقية.

***

ياسين غالب

 

ما هو وضع القصة القصيرة اليوم.. هذه القصة التي ادخلت لكثيرين من كتابها إلى ديوان الخلود الادبي الإنساني في العديد من اللغات، وسجلت لهم بالتالي انجازات معروفة لدى القراء المتابعين في شتى بقاع العالم، هؤلاء القراء الذين يعرفون تمام المعرفة هذه القصة وإعلامها المجلين امثال الأمريكي ادجار الان بو والفرنسي جي دي موباسان وقبل هذين وبعدهما الروسي المبرز انطون تشيخوف. أما في أدبنا العربي فإن هذا القارئ يعرف العديد من أصحاب الأسماء التي سطرت أعظم القصص وافضل الإبداعات القصصية لدى كتاب أذكر منهم المصري يحيى حقي صاحب البوسطجي وقنديل ام هاشم. السوري زكريا تامر صاحب صهيل الجواد الابيض. وقبل هذا وذاك المصري المبرز يوسف ادريس صاحب المجموعة القصصية المميزة بيت من لحم.

حقا ما هو وضع هذا النوع الأدبي الذي استولى على اهتمام القراء والنقاد على حد سواء، فخصص له الناقد الانجليزي فرانك اوكونور واحدا من الفضل المؤلفات وأقصد به كتابه المميز الصوت المنفرد. كما خصص له العديد من النقاد والدارسين في العديد من اللغات، الوفير من الدراسات والابحاث، اكتفي لوفرتها بذكر بعض منها مثل كتاب في القصة العربية المصرية للناقد البارز شكري محمد عياد وقبله الكتاب المرجع عن فن القصة القصيرة للدكتور رشاد رشيد، ولا بأس من أن نشير إلى الكتاب الجميل عن فن القصة للفلسطيني/ السوري محمد يوسف نجم. فهو كتاب جيد جدا، وتم تدريسه في العديد من الجامعات.... باستحقاق وجدارة.

بالعودة إلى السؤال المطروح انفا، نقول ضمن محاولة محبة للإجابة عليه، أنه لا شك في أن هذا الفن الجميل، عانى منذ فترة وما زال يعاني، الأمر الذي دفع أكثر من ناقد ومتخصص لنعي القصة القصيرة متسائلا هل ماتت هذه القصة؟ بل انه وجد هناك من نعى موت القصة وفق الطريقة الكتابية التشيخوفية، نسبة إلى الروسي انطون تشيخوف الآنف ذكره. إن ما دفع هؤلاء المنذرين بوفاة القصة القصيرة بهذا الشكل أو ذاك، أسسوا كما تبدى من كتاباتهم وكما قال الواقع ذاته، رأيهم هذا على عدة أسباب نحاول فيما يلي الإشارة إلى أبرزها وسوف نتبعها برأينا في هذه الإشكالية الأدبية التي الحت وما زالت، على الكثيرين لا سيما من أمثالي أنا المفتون بالقصة القصيرة وفي كتابتها أيضا.

- يمكننا الإشارة بكثير من الثقة, أن انصراف جل الكتاب ممن يعرفون وممن لا يعرفون، الى تيار كتابة الرواية، هو واحد من أبرز الأسباب لوضع القصة القصيرة ضمن خانة التساؤلات عن موتها، أو اضمحلال وضعها على الاقل، وربما الادق، ساهم تعزيز هذا السبب واشتداد الحاحه في انصرف العديد من كتاب القصة القصيرة عن كتابتها والتحاقهم بركب كاتبيها، وكأنما القصة القصيرة هي الصفوف الدنيا في مدرسة الكتابة  والرواية هي الصفوف العليا، كما عبر أحد النقاد المهتمين بالأمر، وقد تعزز هذا السبب أكثر عندما انضم العديد من الشعراء إلى كتاب الرواية متنازلين بطيب خاطر عن مواصلة دروب الكتابة الشعرية الرائعة.

- سبب آخر ساهم في التأثير على موقع القصة القصيرة في ديوان النثر العربي تحديدا، هو ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، هذه الوسائل التي فتحت المجال واسعا أمام من يعرف ومن لا يعرف على حد سواء، لأن يكتبوا القصة القصيرة جدا، إضافة إلى القصة الومضة وما إلى هذه الأنواع القصصية المتسمة بالقصر. لقد اثر هذا كله على راهن القصة القصيرة، فبتنا نستمع إلى اراء كان من المفترض أن تكون جادة تزعم أنها باتت تنصرف عن قراءة ألمادة أو القصة القصيرة بالأحرى لطولها!!. وقد أثار حفيظتي أن هناك من انجرف في تيار كتابة القصة الومضة، معتقدا أن اجتزاءه مقطعا من قصة قصيرة سبق وقام بنشرها، يمكن اعتباره قصة قصيرة جدا او ومضة، سمها ما شئت، لكن لا تظلم القصة القصيرة أكثر د، ولا تضف إلى عاذليها المزيد.

- هناك سبب اخر تسبب في وضع القصة القصيرة في خانة التساؤلات والكتابات المنذرة، وحتى الناعية، هو تلك الفوضى العامة الطامة التي لحقت بكتابة القصة القصير، وقد تمثلت هذه الفوضى في انضمام العشرات من الكتاب، بين قوسين، إلى ركب كتاب القصة القصيرة، خاصة في فترات ازدهارها، السابقة لهيمنة الرواية وتحلب الأرياق، بحق وبدون حق على كتاباتها والانضمام إلى كتابها باية حال ودون الالتفات إلى أهمية التمكن من الصنعة وقبلها توفر الموهبة التي لا يمكن لأي من الكتاب تقديم ما يمكث ويبقى في الأرض دونها. هكذا ظهر كتاب غير متمكنين من كتابة القصة القصيرة، كتبوا ونشروا الوفير من الحكايات، ومعروف أنه يوجد هناك فارق كبير بين القصة القصيرة والحكاية، ففي حين يفترض أن تمتلك القصة الناجحة حبكة جيدة، وتعني الحبكة في أبسط مفاهيمها التطور المنطقي والعمودي للأحداث القصصية، فإن الحكاية تتنازل بشكل عام عن الحبكة، فتتحول بالتالي إلى سردية قصصية بفتح القاف، وهذه تعني القصة المحددة بقيمة معينة أو مثال اخلاقي، لا علاقة له بجماليات/ استطيقيات فن القصة القصيرة، وقد تسبب هذا كله بوضع القصة القصيرة، في خانة التساؤلات كما سلف القول.

الان نود الشروع في الاجابة عن السؤال المحوري الذي تبرعنا بإثارته حول وضعية القصة القصيرة وزعم الكثير من الأصوات أنها ماتت أو تلفظ حاليا ومنذ فترة أنفاسها الأخيرة، وما إلى هذه من الاسئلة المطروحة، فنقول إجابة عن سؤال القصة القصيرة والرواية، أن كلا من هذين النوعين الادبيين تعايشا معا وجنبا إلى جنب، عبر المئات الماضيات من السنين وأنه بإمكانهما مواصلة هذا التعايش. أما فيما يتعلق بكينونة القصة القصيرة وموقعها من الرواية، فيمكننا القول إن القصة  القصيرة الناجحة تحديدا، لا تقل أهمية عن الرواية الناجحة ايضا، يؤكد هذا قلة القصص القصيرة الجيدة والمستحقة في العديد من اللغات وفي لغتنا العربية تحديدا، فإذا ما كان يكتب حسب تقديرات معروفة، في فترة سابقة في عالمنا العربي خلال الشهر الواحد عدد يتجاوز المئات من القصص القصيرة، فبإمكاننا طرح السؤال عن ذلك العدد القليل جدا مما يبقى من هذا الكم الهائل من الكتابات القصصية القصيرة، ولعلنا لا نبتعد كثيرا اذا ما تساءلنا كم من القصصية التي تنال اعجاب القراء لهذا الكاتب المعروف، حتى من بين اعلام هذه القصة، فإننا سنفاجأ بعددها القليل. فيما يتعلق بما ذكرناه عن الفوضى التي حصلت في كتابة القصة القصيرة وانضمام الارقام المريعة من الكتاب إلى قوائم كتابها منتهجين كتابة الحكايات ومدعين انها قصص قصيرة، وهو ما دفع الكثيرين للانصراف عن قراءة القصة القصيرة، بالضبط كما حدث مع القراء عندما فرضت عليهم نماذج سيئة وغير جديرة مما أطلق عليه قصيدة النثر، نقول إن انصراف الكثير من القراء عن القصة القصيرة للسبب المذكور، لا يعني أن القصة القصيرة في أزمة اولا، وأن مثل هكذا اسباب للتساؤلات عن مصير القصة القصيرة، كانت وسوف تبقى مطروحة، ما دامت هناك فوضى في كتابة هذه القصة، وهذا كله لا يعني بالحتم أن القصة القصيرة تعاني في وضعيتها الراهنة من ازمة، الأمر الذي يدفعنا إلى القول إن القصة القصيرة بخير، ويكفي أن نشير إلى أن الكاتبة الكندية أليس مونرو، حصلت قبل أعوام على جائزة نوبل الادبية، لقاء عطائها المشهود له في مجال كتابة القصة القصيرة.

***

ناجي ظاهر

One Battle After Another

في فيلمه الجديد One Battle After Another، يقدّم المخرج بول توماس أندرسون أول تعاون له مع ليوناردو دي كابريو، في عمل يتجاوز حدود الحبكة التقليدية ليغوص في أسئلة وجودية حول الثورة، الهوية، والسلطة. لا يكتفي الفيلم بسرد قصة مطاردات وهروب، بل يتحوّل إلى مجاز طويل ومعقّد عن التاريخ الذي يعيد نفسه، والبطولة التي تذوب في خيبات الواقع.يجسّد دي كابريو شخصية بوب فيرغسون، المحارب السابق الذي يعيش على هامش مدينة نسيته أو اختارت أن تتناسى نضاله. فقد زوجته، وتحوّل من رمزٍ ثوري إلى رجلٍ مكسور، يطارده خصمه القديم لوكجاج (شون بن)، الذي لا يمثل فردًا بل منظومة قمعية خرجت من رحم الثورة نفسها.في حوارٍ عميق مع شخصية سينسي (بنيسيو ديل تورو)، يقول بوب بمرارة:

"أنا لم أهرب من الثورة... الثورة هي التي جاءت ورائي."

يكبر الصراع النفسي داخل بوب بين فكرة تبرير العنف الذي كان ضروريًا في الماضي، وبين الندم الذي ينهشه في الحاضر. يتأرجح بين غريزة البقاء وخيبة المحارب الذي لم يبقَ من معركته إلا الأطلال. خيار صعب، تصبح فيه ابنته ذات الستة عشر عامًا عنصرًا حاسمًا في معادلته الداخلية. في المقابل، بينما يتحول بوب فيرغسون إلى بطلٍ فقد إيمانه، تظهر بيرفيديا (تيانا تايلور) كصوتٍ من جيلٍ جديد لا يقدّس المثاليات، بل يتبنّى ثوريةً براغماتية بلا أوهام. تتهكم من فكرة الأمومة قائلة:"لستُ هنا لأصنع حليبًا للطفل."

تمثّل بيرفيديا تحوّل الخطاب الثوري من المثالية إلى الضرورة. وحين تقتل أحد المتعاونين، تقول: "هذا ليس النقاء.. هذا الضرورة."

تتكرّر رمزية فكرة "الثورة التي تأكل أبناءها" حين يتم تصفية العناصر السرية من الداخل، في مشهدٍ يعكس كيف تتحوّل الثورة إلى أداة قمعٍ حين تفقد بوصلتها الأخلاقية. شخصية لوكجاج تُبنى وتُعاد عبر الفلاش باك، والمرايا، والأحلام. ليس مجرد خصم، بل تجسيد للتاريخ حين يُترك دون محاسبة. هو العدو الذي يردد خطبًا من كتابات بوب نفسه، وكأن أيديولوجيا الرجل ارتدت عليه، ليصبح آلة التاريخ التي لا تموت.

يستخدم الفيلم التكرار كأداة سردية ومجاز سياسي: مشهد القطار يعيد تسلسلًا من الماضي، وسلاح قديم يعود للواجهة، في إشارة إلى أن الماضي لا يموت... بل يعيد نفسه ما لم يُفكّك جذريًا. في مقارنة ميتاسردية جريئة، يطرح الفيلم سؤالًا:

هل بوب هو النسخة الجادة من "الدود" مثله جيف بريدجزفي فلم  The Big Lebowski؟ إنتاج: 1998.

الدود يرفض الانخراط السياسي ويفلت من العبث بسخرية، بينما بوب انخرط حتى النهاية وخسر كل شيء، بما في ذلك إيمانه بقضيته. شخصية “الدود” و بوب تمثّيل عملي للرفض الهادئ للعالم المنهك والانزواء، وسخريه من فكرة البطولة نفسها ودعوة مفتوحة لتقدّيس اللامبالاة والعدمية بمعناها الحياتي لاالفلسفي. لكن ماذا لو أن كليهما وُضع في الثورة خطأً؟

هل تتشكّل الهوية الثورية بالصدفة، أو بتشابه الأسماء كما في Lebowski؟

يتماهى الجواب في السرد السينمائي الممتد بلا خيوط مادية  تمسك من "الدود" إلى بوب: مفارقة الهوية الثورية. فـThe Big Lebowski يسخر من البطولة المصطنعة، بينما One Battle After Another يعيد للأخطاء التافهة معناها المأساوي، ويحوّل الهويات المربكة إلى أقدار دامية.

قد يكون بوب ببساطة "الدود" بعد عقدين من الجراح. وقد تكون الثورة كلها محاولة عبثية لإضفاء معنى على فوضى لا معنى لها.

هنا تكمن عبثية الصراع: حين يولد العدو من داخلك.  ينتهي الفيلم نهاية مفتوحة، بلا خلاص.

تختفي بيرفيديا، أو تتحوّل روحها الثورية إلى نسخةٍ أصغر منها — ابنة بوب — مع خيطٍ من التعقّل والمغامرة المحسوبة هذه المرة.

يُهزم لوكجاج ويتشوّه من الخارج قبل أن تُشوَى جثته بعد تخديره، في بعدٍ رمزي للتطهير بالنار، خاصة أنه تلاعب بالجينات وأنجب من امرأةٍ سوداء. لكن لا بناء جديدًا في الأفق، فقط بوب على الشاطئ، ينظر إلى المستقبل عبر الموبايل الذي يستخدمه لأول مرة.

لا يوجد نصر هنا. فقط إدراك الذات والفوز بها ... وخوف من تكرار المأساة.

الحذر، بمعناه الجديد القديم، والقلق على ابنته المتمرّدة.

***

بقلم: ياسين غالب

 

في المثقف اليوم