عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

(من لا يملك قدرا كبيرا من الغرور، من المستبعد ان يكون روائيا).. موراكامي

هل تريد ان تكتب رواية... هل تبحث عمن يأخذ بيدك ويرشدك الى طريقة ناجعة ومجربة في الكتابة الروائية.. هل تود ان تجلس الى واحد من ابرز كتاب عصرنا في مجال كتابة الرواية، لتستمع اليه يهمس في اذنك مسرا اليك بأسرار كتابته الروائية؟.. وهل تود ان تنعم بلحظات يتمناها الكثيرون مع كاتب شهير يروي لك الحكاية تلو الحكاية والعظة بعد العظة في مجال الكتابة الروائية خاصة.. اذا كنت ترغب في هذا كله واكثر، فان الكاتب الياباني البارز هاروكي موراكامي، صاحب الروايات الشهيرة المترجمة الى أكثر من خمسين لغة، بينها العربية، يوفر لك كل الامكانيات لان تحقق ما تريد واكثر، وذلك في كتابه، الطريف الجديد "مهنتي هي الرواية".

صاحب هذا الكتاب هاروكي موراكامي من مواليد عام ١٩٤٩، وهو من مدينة كيوتو اليابانية. يقول في اكثر من واحدة من صفحات وفقرات كتابه هذا، انه لم يواصل دراسته الجامعية لأنه لم يشعر بالرغبة الجارفة في مواصلتها، ويوجه في كتابه هذا، خاصة الفصل الأخير منه، نقدا لاذعا لأساليب . التعليم في بلاده. اغرم موراكامي بالموسيقى، وافتتح في بدايات حياته العملية برفقة زوجته مقصفا، حرص، كما يقول، على ان يستمع فيه الى الموسيقى التي يحبها طوال الوقت تقريبا، ويضيف انه كان قارئا نهما يقرا اكواما من الروايات، وانه عمل في الترجمة الادبية من الإنجليزية الى لغته اليابانية. اما عن بداياته الاولى في كتابة الرواية فقد تمت خلال متابعته مباراة بيسبول، وحدث ذلك ذات ظهيرة من شهر نيسان عام ١٩٧٨، عندما انتابته حالة من التجلي وشعر بالتالي، ان بإمكانه ان يكتب رواية. بعدها قام بشراء رزمة من الاوراق والاقلام وابتدآ في كتابة روايته الاولى، بعد ذلك فوجئ بمن يخبره ان روايته ستشارك في مسابقة يابانية ادبية شهيرة، وينتابه شعور طاغ انه سيفوز بالجائزة الاولى، ويقول ان الحصول على الجائزة عادة ما يكون نوعا من الاعتراف الادبي والاجتماعي بالكاتب، لا اكثر، ويوحي ان الجائزة عادة ما يحصل عليها الكاتب الروائي، من القراء الذين يقبلون على اقتناء روايته وقراءتها، وفي ردود الفعل التي يغدقها عليه هؤلاء القراء، عبر مكاتبته وملء صندوق بريده بالرسائل، علما انه، كما يقول، يقوم بالرد عليها اولا بأول ولا يوكل هذا، كما يفعل كتاب اخرون، الى اي من المحيطين به والمتعاملين معه.

يطرح موراكامي في كتابه هذا سؤالا، طالما وجهه اليه القراء خلال نشاطاته وفعالياته الادبية، وهو ماذا علي ان افعل كي اكتب رواية، ويقول في الرد على هذا السؤال، بعد إشارة الى تعقيده/ السؤال، وتركيبه، انه توصل بعد تفكير ملي، الى انه يطلب ممن يريد ان يكتب رواية، ان يقرا كل ما تقع عليه يده من روايات، وان يحرص على الكتابة بأسلوب يتصف بالأصالة، بمعنى ان يكون له اسلوبه الخاص في الكتابة الروائية وانتاجها، مشددا على انه يوجد لكل من الكتاب الروائيين طريقته وأسلوبه الخاص والمختلف، الذي يعرفه ويألفه قراؤه عبر قراءتهم رواياته وتمييزهم اياها عن سواها من الانتاجات الروائية.

اما عن تنفيذ الكتابة ذاتها، والبدء فيها، فانه يقول بجلي العبارة، "في رأيي، وهو راي نابع من تجربتي، قد تكون الكتابة اصعب حين لا تجد شيئا يدفعك للكتابة عنه، لكن ما إن يشتغل المحرك وتنطلق السيارة، حتى تصبح الكتابة اسهل، ذلك ان الوجه الاخر لعملة الا تجد شيئا تكتب عنه، هو انك تستطيع الكتابة عن اي شيء. قد تكون مادتك خفيفة لكنك ان اتقنت ربط الاجزاء بعضها ببعض، بحيث ينشأ السحر، فسوف تستطيع ان تكتب ما تشاء من الروايات، وسوف تندهش حين ترى ان اتقان هذه الطريقة يمكن ان يقودك الى انتاج اعمال ذات وزن وعمق، ما دمت تحافظ على قدر حميد من الطموح الكتابي".

بتحدث موراكامي عن تجربته العينية في كتابة الرواية، فيقول انه يكتب يوميا ما يساوي الفين وخمسمائة كلمة، وان ما يدفعه لمواصلة الكتابة اليومية، عبر حوالي الخمس ساعات، هو ذلك الحماس الذي يشعر به اثناء الكتابة، مؤكدا ان شعوره بالحماس لا بد ان ينتقل الى قارئه، ويحرص موراكامي على الاندماج في كتابة روايته، رافضا كل ما يعرض من مغريات تتمثل في الالحاح عليه ان يكتب المقالات المجزية ماديا. اما عندما بشعر بخمول في كتابته الروائية فانه يقوم بممارسة عمله في الترجمة الادبية كنوع من التسخين الكتابي.

يحرص موراكامي، كما يقول في كتابه هذا، على الايقاع الموسيقي للكتابة الروائية، ويقول فيما يتعلق بالقراء، انه لا يوجد كاتب في العالم يرضي كل القراء، وانه/ الكاتب الروائي، مهما كتب وابدع، سيجد من يقول له حبذا لو اختصرت روايتك الى النصف، وما اليها من انتقادات عادة ما يواجه بها الكتاب الروائيون في جميع انحاء العالم. المهم في راي موراكامي هو الاقتناع الذاتي بما يكتبه ويقدمه.. الكاتب الروائي.. الى قرائه المجهولين.

 ***

ناجي ظاهر

.......................

* يقيم موراكامي منذ الثمانينيات في الولايات المتحدة الامريكية، وهو صاحب العديد من الروايات التي يعرفها القراء تمام المعرفة مثل: الغابة النرويجية، و رقص، رقص، رقص، و كافكا على الشاطئ. للمزيد من المعلومات عنه يمكن التوجه الى شبكة البحث الالمترونية العالمية غوغل.

 

مدريد احد المدن الاندلسية التي اسسها المسلمون في حوالي منتصف القرن التاسع بعد دخولهم شبه الجزيرة الايبيرية عام 711 م. ولازالت بعض مناطقها القديمة تتمتع بارثها الحضاري الميمون والذي يشم من خلاله عبق التاريخ الساطع الذي يغمر المدينة بماضيها الاصيل، كالمساجد التي تحولت الى كنائس والاسوار والقصور والاحياء القديمة والعمارة المدجنية. وكذلك المخطوطات العربية التي لازالت مسجات في رفوف المكاتبات وكانها تبحث عن النجدة لمن يرفع عنها غبار الماضي. وتوجد اليوم في مكتبة مدريد الوطنية والاسكريال الاف المخطوطات الاسلامية التي تعتبر نفائس من صنوف الفكر والمعرفة والعلم. ويذكر ان هناك 17 مدينة اسبانية تحتوي على عدد كبير من المكتبات التي تتواجد فيها مخطوطات اسلامية. ناهيك عن ما عثر عليه من مخطوطات قديمة مدفونة بين جدران البيوت القديمة ومكتوبة باللغة الالخميادو (التي تكتب بحروف عربية ولغة قشتالية لاتينية)2708 Andalucía

وقد مرت على هذه المخطوطات الجميلة قرونًا طويلة تستنشق عبق العلم والمعرفة وقد كتبت معظمها بالخطٌّ ألاندلسي المغربي وبالحبر لأندلسي العتيق على ورق الكاغد الذي أوجده أهل شاطبة البلنسية قبل عدة قرون. ونجد اليوم انفسنا امام شغف للهالة الرمزية والعلمية التي تحملها هذه المحطوطات رغم ان العلم اليوم قد تقدم كثيرا عن ذلك العصر ولكن المعارف الفلسفية وعلم اللاهوت والمنطق والبنية الفكرية الانسانية. تبقى هي نفسها تدور في البحث والتفسير لعالم الغيب والكينونة ؟. ويذكر احد العرب الذين زاروا مكتبة مدريد ان صاحبة قسم المخطوطات استغربت من نهمي وكثرة طلباتي، عن المحطوطات. فدنت مني وقد أخرجت بطاقتها القومية واسم عائلتها - السادة - وسألتني: ماذا يعني عندكم بالعربي السادة ؟.. قلت لها السادة هم الأشراف من بيت رسول الله،- ص – وهي رمز لسلالة النبي ومن بني هاشم، كما سالت عن اسم - عليّة – فقلت لها انها كلمة مؤنث من اسم علي، والعلويون هم سلاله ايضا من الأشراف.. ولدت هذه السيدة في مدينة طليطلة، وقالت: ان عائلتها تسمى (بيت النبوة). ولما سمعت هذا الشرح وعرفت اصلها وهويتها فاضت عيناها بالدموع ؟، ثم طلبت مني مصحفًا مترجمًا أرسلته لها بعد عودتي لبرشلونة. ويبدو انها من اصول موريسكية (وهم المسلمون الذين اجبروا على اعتناق المسيحية) واتذكر قصة طريفة وهي ان زعيم الحزب الشيوعي في الاندلس خوليو انكيتا غونثالث 1941 – Julio Anguita كان يمثل سكرتير الحزب الشيوعي في اسبانيا 1988- 1998 وقد عرف عنه- بالخليفة الاحمر- (نسبة الى بني الاحمر الذين حكموا الاندلس في اخر ايامها) وكان قد فاز بالانتخابا في قرطبة 1979- 1986 واصبح محافظا لقرطبة يوم ذاك. هذا الرجل من اصول موريسيكي. وكان يشيد بحضارة العرب ومنجزاتهم العلمية وفضلهم على اسبانيا بل حتى على اوربا. ويذكر انه جمع بعض مشايخ المغاربة في قرطبه وسالهم عن الكتائس التي كانت في الاصل مساجد. وفيما اذا بالامكان ترميمها واعادتها الى مساجد.؟2709 Andalucía

هذه الحكاية وغيرها تشير الى ان التاريخ ممكن ان يعيد نفسه لان الجينات لازالت تسعر وتعيش في داخل جسم الانسان وروحه وحتى لو تقادمت عليها الازمنة فانها تظهر في يوم من الايام.. هذا الموقف الموريسكي يذكرنا ايضا بملك صقلية روجر الثاني 1095 حيث كان العرب يسطرون عليها 827 - فجاء النورمان واخذوها من المسلمين ولكنهم ابقوا على ثقافة المسلمين وتقاليدهم وعاداتهم ولغتهم. عكس ما حدث في الاندلس ويذكر ان الملك كان قد تحول الى الاسلام وابقى ذلك سرا خوفا على مركزه كملك، وكان يجتمع دائما بعلماء المسلمين وسمح لهم باخذ حريتهم في العبادة واللغة واعتمد عليهم في الجيش والامن والدواوين. حتى ان لغة مالطة لحد اليوم مختلطة بين العربي واللاتيني... و يقول الزائر. (خرجت من هدوء المكتبة الوطنية مودعًا تراثنا المسكين إلى شوارع مدريد الصاخبة المكتظة وأنا سارح في تفسير السلجمي ودعابة بن البيطار وروائع قصص بن يحي الضبي حول ديار الأندلس.).. وقال فيها ابن خفاجة ( يا اهل اندلس لله دركم ماء وظل وانهار واشجار.. ما جنة الخلد الا في دياركم ولو تخيرت هذا كنت اختار).

***

د. كاظم شمهود

دراسة في ضوء المذهبين البصري والكوفي

تُعدّ «إذ» من الأدوات المفصلية في النظام النحوي العربي، إذ تتجاوز كونها ظرفاُ زمانياً بسيطاً إلى كونها بؤرة دلالية تتقاطع فيها مفاهيم الزمن، والتعليل، والمفاجأة، والاستحضار التصويري. وقد استوقفت هذه الأداة أئمة النحو، وفي مقدمتهم سيبويه والفراء، فشكّلت ميداناً خصباً للخلاف بين المدرستين البصرية والكوفيّة.

أولًا: «إذ» بوصفها ظرفاً زمانياً للماضي (الأصل الدلالي)

يرى البصريون وعلى رأسهم سيبويه أن «إذ» ظرف زمان مبني على السكون، يُستعمل للدلالة على زمن ماضٍ منقطع، وهو أصلها الذي تُردّ إليه سائر الاستعمالات.

الشاهد القرآني

﴿واذكروا إذ كنتم قليلًا فكثّركم﴾

التحليل

«إذ»: ظرف زمان في محل نصب.

الجملة بعدها في محل مضاف إليه.

تفيد استحضار حالة ماضية مكتملة.

رأي الكوفيين:

يوافق الكوفيون هذا الأصل، غير أنهم كما عند الكسائي يميلون إلى التوسّع في دلالتها، فلا يقصرونها على الزمن الماضي فقط، بل يفتحون باب المجاز والاستعمال.

ثانياً: «إذ» الاستحضارية (القرآنية البلاغية)

تكثر في السياق القرآني بعد فعل «اذكر»، لتؤدي وظيفة إحياء الماضي في الحاضر.

الشاهد

﴿واذكر إذ قال ربك للملائكة﴾

الدلالة

ليست مجرد ظرف زمان، بل أداة تصوير سردي.

تنقل الحدث من كونه ماضياً إلى كونه حاضراً متجدّداً في الوعي.

التحليل البلاغي

يرى بعض المتأخرين أن هذه «إذ» تمثّل تحويل الزمن إلى خطاب، حيث يغدو الماضي مادة للوعي الأخلاقي لا مجرد حدث تاريخي.

ثالثاً: «إذ» الفجائية (الانقطاع الزمني)

تأتي بعد «بينا» أو «بينما»، لتدل على حدث مفاجئ يقطع سياقاً مستمراً.

مثال

بينا نحن نسير إذ انقطع الطريق.

التحليل

تفيد التحوّل المفاجئ.

لا تُؤوَّل بزمن ماضٍ خالص، بل بزمن انفجاري لحظي.

الخلاف

البصريون: يؤوّلونها على الأصل (ظرفية زمنية محذوفة التقدير).

الكوفيون: يقرّون بوظيفتها المستقلة كأداة فجائية.

رابعاً: «إذ» التعليلية (بين الظرفية والسببية)

من أعقد مواضع الخلاف.

مثال

أكرمتُه إذ أحسن إليّ.

رأي البصريين:

يرفضون جعلها حرف تعليل.

يؤوّلونها: في الوقت الذي أحسن إليّ فيه، أي تبقى ظرفاً.

رأي الكوفيين:

يجيزون كونها بمعنى «لأنّ».

يرون أن اللغة تقبل التحوّل الوظيفي.

ويمثّل هذا الخلاف اختلافًا أعمق:

البصريون: نزعة تقعيدية صارمة

الكوفيون: نزعة استعمالية مرنة

خامساً: «إذ» الزائدة (إشكالية الزيادة)

تُوصف أحياناً بأنها زائدة، كما في بعض التراكيب.

الإشكال

هل في العربية «زيادة» بلا معنى؟

رأي البصريين:

يميلون إلى إثبات الزيادة لكن بوظيفة (توكيد _ إيقاع).

رأي الكوفيين:

أقل ميلًا إلى القول بالزيادة.

يفضّلون تفسيرها ضمن السياق.

الموقف الحديث

الزيادة ليست عبثاً، بل اقتصاد تعبيري أو إيقاع لغوي.

سادساً: «إذ» بمعنى «إذا» (الانزياح الزمني)

استعمال نادر، حيث تأتي «إذ» للمستقبل.

مثال

إذ تفعل الخير تُجزَ به.

التحليل

انتقال من الماضي إلى المستقبل.

يمثل كسراً للنسق الزمني التقليدي.

موقف النحاة

البصريون: يعدّونه شاذاً.

الكوفيون: يجيزونه سماعاً.

سابعًا: «إذ» في البنية العميقة للغة

إذا تجاوزنا التقعيد إلى التحليل الفلسفي، نجد أن «إذ»:

تمثّل وعيًا بالزمن المنقضي.

تُحوّل الماضي إلى قيمة دلالية حاضرة.

تكشف عن أن اللغة العربية لا تصف الزمن فقط، بل تُعيد إنتاجه.

خاتمة:

إن «إذ» ليست مجرد ظرف زمان، بل مفصل لغوي وفلسفي تتجلّى فيه عبقرية العربية.

وقد كشف الخلاف بين البصريين والكوفيين عن مسألتين جوهريتين:

هل اللغة نظام مغلق أم كيان حي؟

هل المعنى يُقاس أم يُستنبط من الاستعمال؟

فالبصريون مع سيبويه سعوا إلى بناء نظام صارم،

بينما الكوفيون مع الفراء انفتحوا على دينامية الاستعمال.

وهكذا تبقى «إذ» شاهداً على أن العربية ليست لغة قواعد فحسب، بل لغة وعيٍ بالزمن، وبالتحوّل، وبالإنسان في صيرورته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

"ان قراءة كتاب حاد ثلاث مرات افضل من قراءة ثلاثة كتب"، من اقوال قارئ جاد

اشغل سؤال القراءة وما زال يشغل، الكثير الكثير من المهتمين في بلادنا وفي العالم اجمع، والحقيقة ان هذا السؤال يزيد الحاحا، وسط ذلك الكم الهائل من الكتب التي تصدر كل يوم وساعة، بل كل دقيقة وثانية، فماذا نقرأ من الكتب واي منها نختار، واهم من هذا لماذا وكيف نقرا الكتب.

شاركنا خلال السنوات الماضية، قربا وبعدا، في العديد العديد من اللقاءات الطلابية والشبابية بصورة عامة، وطالما واجهنا مثل هكذا اسئلة، اقلقت وأثارت طارحيها، الامر الذي دفعنا سابقا ويدفعنا الان وربما لاحقا، الى محاولة تقديم اجابة عن الاسئلة المطروحة.

حقا ماذا نقرأ من تلك الكتب التي امتلأت بها المكتبات، والمواقع المعنية التي تحفل بها شبكة البحث الالكترونية العنكبوتية " غوغل". ضمن اجتهاد مخلص وجاد وقائم على تجربة عمر في مرافقة الكتاب ومجالسته، قلنا اجابة عن هذا السؤال، اذا لم تكن قد قرات الكتب الامهات، التي عاشت وبقيت عبر تعاقب السنين والقرون، فعليك ان تقرأها، وهي معروفة مشهورة، وبإمكان اي متعامل جاد مع الكتب، مثل امين المكتبة العامة او الخاصة، توجيهك اليها، سواء كان الكتاب الذي يدور الحديث عنه عربيا او اجنبيا مترجما، وكنا نذكر ضمن هذه الاجابة الكتب الدينية، اضافة الى كتاب الف ليلة وليلة، فهذا الكتاب لحسن الحظ، موجود في طبعات متعددة وتستجيب لكل الاذواق والاعمار، ولنذكر فيما يتعلق بالقراء الكبار انه توجد نسخة اصلية، من الف ليلة وليلة، تعتمد الأصل القديم لها، واضافة الى هذه توجد نسخة مهذبة، اما بالنسبة للقراء الاطفال الصغار، فقد قام الكاتب العربي المصري كامل كيلاني بتيسير العديد من قصص وحكايات الف ليلة وليلة، ليقرها هؤلاء وليستمتعوا بما حفلت به من تسلية وفائدة، وعادة ما كنا نشير الى سفر مرشد وعظيم صدر في العاصمة المصرية القاهرة، قبل العشرات من السنين، وجاء في العديد من المجلدات(يوجد لدينا المجلدات الأربعة الاولى منها). حمل عنوان "تراث الانسانية"، وكتبه مختصون ومثقفون بارزون، يمكن ان يكون دليل القارئ طارح السؤال لاهم الكتب التي صدرت في العالم..

إجابة عن سؤال اخر حول كيفية العثور على كتاب جيد، من بين ذلك الكم الهائل من الكتب الحديثة، كنا وها نحن نردد، ان ذلك يتم عبر واحدة من الوسائل التالية، اما عبر صفحة اعلامية مهنية متخصصة، او عبر خبير متخصص في التعامل مع الكتب، مثل امين المكتبة، العامل في هذه المكتبة الخاصة او تلك العامة، كما سلف، واما عن طريق صديق قارئ مشهود له، او عبر اسم الكاتب المعروف بإبداعه المشهود له، او عبر اسم دار النشر، فهناك الجيد والممتاز من هذه الدور، فيما يتعلق بجودة الكتب التي تصدرها.

بالنسبة للسؤال لماذا نقرأ الكتب، سواء الورقية او الالكترونية، اشرنا طوال الاوقات واللقاءات، الى ما سبق وقاله العشرات والمئات من الكتاب والقراء المعروفين، مثل انني اقرا الكتب، لأنها تضيف الى عمري الزمني القصير مهما طال، اعمارا كثيرة وتغني تجربتي، كما تثري وجودي بما يحتاج إليه ويطلبه من التسلية والفائدة. ونشير في هذا السياق الى ما تكرر وتردد في السابق، وهو انني اقرا الكتب لان عمرا واحدا لا يكفيني. القراءة بهذا تضيف الى عقلنا عقلا والى مزاجنا مزاجا.

في محاولة الاجابة على سؤال كيف اقرا، نجتهد فنجيب، علينا اولا ان نتمرن على إجادة القراءة، ثانيا يمكننا ان نأخذ بالاقتراح القائل بأهمية القراءة التصفحية السريعة قبل الشروع في القراءة المدققة، بعدها يفترض بنا ان نطلع على الفهرست او المحتوى، وان نسجل ما يثيرنا ويخطر في بالنا من اسئلة، ابتداء من عنوان الكتاب وانتهاء بعنوان اي فصل او باب من ابوابه، وان نبادر خلال قراءتنا للكتاب البحث عن أجوبة الاسئلة التي سبق وسجلناها .. طارحين اياها على انفسنا اولا وقبل كل شيء.

***

ناجي ظاهر

 

دلالات التحقيق والاحتمال في ميزان النحاة وفقهاء اللغة

تُعدّ الأدواتُ الصغيرةُ في العربية من أعظم مفاتيح المعنى، إذ قد تختزن في بنيتها اليسيرة تحوّلاتٍ دلاليةً عميقة، تُبدّل وجهَ الخطاب من تقريرٍ إلى ترجيح، ومن توكيدٍ إلى تردّد. ومن أبرز هذه الأدوات حرف "قد" وما يتركّب معه من لام التوكيد في صيغة "لقد"، حيث يتجلّى الفرق بينهما في البنية والدلالة والاستعمال، على نحوٍ شغل أذهان النحاة البصريين والكوفيين، وأغنى مباحث فقه اللغة والبلاغة.

أولاً: "قد" بين التحقيق والتقريب والاحتمال

"قد" حرفٌ مبنيّ لا محلّ له من الإعراب، يدخل على الفعلين الماضي والمضارع، غير أنّ دلالته تختلف باختلاف ما يليه:

مع الفعل الماضي:

تفيد "قد" التحقيقَ والتوكيد، أي إثبات وقوع الفعل وتقريره في ذهن المخاطب، كقول الله تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]

فـ"قد" هنا تُقرّر الفلاح وتُثبّته، كأنّه أمرٌ متحقّق لا مرية فيه.

وقد تفيد أحياناً تقريب الزمن، كقولهم: قد قام زيدٌ، أي قام قريباً.

مع الفعل المضارع:

تنتقل "قد" من دائرة التحقيق إلى دائرة الاحتمال أو التقليل أو التكثير بحسب السياق، فتُشعر بعدم الجزم بوقوع الفعل، أو بتكرّره على نحوٍ غير دائم.

ومن ذلك قوله تعالى:

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨]

فـ"قد" هنا لا تفيد الشكّ في علم الله حاشاه، وإنما تُفيد التقليل أو التدرّج في الإظهار بالنسبة إلى المخاطبين، أو تُقرّب المعنى إلى أفهامهم.

وفي الشعر العربي قول زهير:

قد يُدركُ المتأنّي بعضَ حاجتِه

حيث تفيد "قد" هنا إمكان الإدراك لا حتميته.

ثانياً: "لقد" وتركيب التوكيد المركّب

"لقد" مركّبة من لام التوكيد و"قد"، وهي أبلغ في تقرير المعنى وتثبيته، إذ تجمع بين توكيدين:

اللام: لام الابتداء أو التوكيد، تفيد تقوية الحكم.

قد: للتحقيق مع الماضي.

فإذا قيل:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]

كان في ذلك توكيدٌ مضاعفٌ لوقوع المجيء، وإلزامٌ للسامع بالإقرار به.

الإعراب:

اللام: حرف توكيد مبني لا محل له من الإعراب.

قد: حرف تحقيق مبني لا محل له.

الفعل بعدها: يُعرب حسب موقعه (ماضٍ مبني، أو مضارع مرفوع/منصوب/مجزوم).

ثالثاً: بين البصريين والكوفيين

اختلفت مدارس النحو في تحليل "قد" ووظيفتها:

البصريون:

يرون أنّ "قد" مع الماضي للتحقيق أو التقريب، ومع المضارع للتقليل أو التكثير أو الاحتمال، ويربطون معناها بالسياق ربطاً دقيقاً، ويؤكدون أنّها لا تُفيد الشكّ في ذاتها، بل تُكسِب الفعل ظلالاً دلاليةً مرنة.

الكوفيون:

يميلون إلى التوسّع في دلالتها، فيجيزون حملها على معانٍ أعمّ، ويرون أنّها قد تفيد التحقيق حتى مع المضارع في بعض السياقات البلاغية، إذا دلّ المقام على ذلك.

وقد أشار ابن هشام الأنصاري في مغني اللبيب إلى هذا التباين، مبيّناً أنّ فهم "قد" لا ينفصل عن السياق، وأنّ الاقتصار على معنى واحد يخلّ بثرائها الدلالي.

رابعاً: في فقه اللغة والبلاغة

تُظهر "قد" مرونة العربية في التعبير عن درجات اليقين، فهي ليست أداةً نحويةً جامدة، بل مؤشّرٌ دلاليّ ينقل المتكلّم من الجزم إلى الترجيح، ومن التقرير إلى التلميح. أما "لقد"، فهي أداةُ إلزامٍ بلاغيّ، تُغلق باب الشك وتفتح أفق التوكيد.

ومن لطيف الفرق أنّك إذا قلت:

قد نجح الطالبُ

أفدتَ وقوع النجاح أو قربه،

أما إذا قلت:

لقد نجح الطالبُ

فقد أقمتَ الحجة على نجاحه، كأنك تدفع إنكاراً أو تشكّكاً.

خامساً: خلاصة دلالية

"قد" مع الماضي: تحقيقٌ أو تقريب.

"قد" مع المضارع: احتمال، تقليل، أو تكثير بحسب السياق.

"لقد": توكيد مركّب يُفيد التحقيق القاطع.

وهكذا، يتبيّن أنّ الفرق بين "قد" و"لقد" ليس مجرّد زيادة حرف، بل انتقالٌ من إمكان المعنى إلى يقينه، ومن احتماله إلى إلزامه. إنها دقّة العربية في بناء المعنى، حيث تتحوّل أداةٌ صغيرة إلى مفتاحٍ لفهم طبقات الخطاب، وإدراك درجات اليقين في الكلام.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

ما هو مدى تأثير حياة الشاعر على ما ينتجه ويقدمه من شعر إلى قرائه، هل يؤثر عليه منشؤه وبيئته والى اي مدى..، هل توجد حدود ابداعية يمكث رهنها، ولا يبرحها، باي لغة يكتب الشاعر قصيدته الحديثة، وايهما يكتب الاخر، الشاعر ام القصيدة. الشاعر السوري اللبناني، العربي اولا وقبل كل شيء نزار قباني يطرح في سيرته الذاتية الموسومة بعنوان "قصتي مع الشعر"، هذه الاسئلة وغيرها ضمن محاولة لقطع الطريق على من قد يبادر الى كتابتها، كما هي.. وكما قد يخيل اليه ويتصور، كما يقول.

صمن عودتي الى كتب مؤثرة، سبق وقرأتها في الماضيين القريب والبعيد، عدت هذه الايام لقراءة سيرة هذا الشاعر البارز ذي المكانة الخاصة في شعرنا العربي الحديث، عدت لقراءة سيرته هذه، وانا اتذكر جيدا ما عهدته عنه، وما رد به علي الصديق الكاتب الشاعر الراحل طه محمد علي، اجابة عن سؤال كنت قد وجهته اليه، بعد عودته الى ناصرتنا، في اعقاب نشاطات وفعاليات شعرية احتضنتها العاصمة البريطانية لندن.. في الماضي البعيد، وشارك فيها/ طه، جنبا إلى جنب مع العديد من ابرز الشعراء العرب، اذكر انه قال لي، انه يوجد لكل من الشعراء العرب جمهوره الخاص به، بايتثناء نزار قباني، فان جمهوره هو كل الجماهير العربية.

يكتب نزار قباني (٢١ اذار١٩٢٣- ٣٠ نيسان ١٩٩٨)، قصته مع الشعر بلغة شعرية جزلة، عهدها القارئ العربي جيدا، وطالما لفتت اهتمام الكثيرين ومنهم كاتب هذه السطور، ومما يريد في مطالع قصته هذه، نفيه انه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، او انه مولود في بيئة برجوازية غنية. يقول ان والده توفيق قباني، عمل في صناعة الحلوى، وانه عرف بميوله الوطنية، مشيرا في اكثر من صفحة وفقرة، ان والده كان يقدم كل ما يمكنه دعما لمناهضي الوجود الفرنسي المفروض بالقوة في بلاده سوريا، ويتحدث عن احد ابناء عائلته، ابي خليل القباني، أحد رواد المسرح العربي ومؤسسيه الاوائل في عالمنا العربي المحيط بنا، وعما واجهه من وشايات ومؤامرات، هدفت الى عرقلة مسيرته المسرحية، وثنيه بالتالي، عن مسيرته الفنية الوطنية المظفرة، الأمر الذي دفع به للهجرة الى العاصمة العربية المصرية القاهرة لمواصلة تلك المسيرة، التي ابتداها بترجمته مسرحيات فرنسية وقفت في مقدمتها مسرحية" البخيل"، للكاتب الفرنسي المسرحي الساخر موليير، وتقديمها على الخشبة المسرحية ليشاهدها الناس في تلك الفترة. اما عن البيئة التي نشأ فيها/ قباني، فانه يقول انها كانت بيئة حادبة حانية ومحبة، ويذكر بكثير من الشجن والاسى اخته الكبرى "وصال"، واصفا اياها بانها سهيدة وقائلا انها قتلت نفسها لانها لم تتمكن من الارتباط لحبيبها.

اما عن حياته الشخصية الخاصة، فيقول انه بعد ان تلقى دراسته الجامعية في موضوع الحقوق، التحق، وهو لما يتجاوز العشرين من عمره، بالسلك السياسي الدبلوماسي لبلاده، ليعمل ملحقا في سفارتها في القطر العربي المصري، وليتنقل فيما بعد من دولة الى اخرى، ابتداء من الصين وانتهاء بإسبانيا، ويبقى عاملا في السلك السياسي المذكور سفيرا لبلاده، ليصدر في اواسط الاربعينيات مجموعته الشعرية الاولى "قلت لي السمراء"، وليتبعها بمجموعة اخرى واخرى، الى ان يقرر بعد حوالي الثلاثة عقود، الاستقالة من عمله السياسي، ليتفرغ بالتالي للإنتاج الادبي الشعري، ويقول في تعليق له على كونه شاعرا وعاملا في السلك الدبلوماسي، انه التقى بالكثير الكثير من الشخصيات السياسية وان هؤلاء عادة ما كانوا يبدون تقديرهم له، كونه واحدا من شخوص مملكة الشعر المبجلة، ويقول في موقع آخر فيما يتعلق بالموضوع ذاته، ما مفاده ان الشعر ابقى من السياسة، وانه لولا المتنبي لما ذكر سيف الدولة الحمداني.. والى مدينة حلب وحاكمها آنذاك.

يقول هذا كله عن سيرته ومسيرته الشخصية، اما عن مسيرته الشعرية، فإنه يشير الى ما يواجهه المبدع العربي عامة والشاعر خاصة، من معاناة جراء الازدواجية اللغوية، فهو يعيش ويفكر بالعامية، ويكتب بالفصحى، ويقترح بعد مناقشة مستفيضة لهذه القضية المعقدة، حلا يراه مناسبا، يتمثل بان يمزج في كتابته الابداعية بين العامية والفصحى ويكتب بلغة يطلق عليها اسم اللغة الثالثة، وهو ما يذكر باقتراح تقدم به ومارسه الكاتب العربي المصري توفيق الحكيم.

صمن مسيرته الابداعية الشعرية، يتوقف مطولا عند وسمه بصفة شاعر المراة، متحفظا على هذه الصفة حينا وراضيا بها حينا اخر، وفي التفصيل يقول ان هذه الصفة غير دقيقة، مشيرا الى انه كتب في اواسط الخمسينيات قصيدته النقدية الساخنة "خبز وحشيش وقمر"، وانه تعرض الى نقد شديد، كونه وجه سهام امتعاضه الى الاسترخاء العربي، والاستسلام للأقدار والغيبيات ممثلة بعنوان قصيدته تلك ذاته. اما فيما يتعلق بالمرأة فانه يقول انه كرس الكثير من شعره للانتصار لها موحيا انه انما فعل ذلك ليمنح الطائر العربي حلم ان يحلق بجناحين اثنين، الرجل والمرأة، وليس بجناح واحد.. الرجل فقط..

بعدها يتوقف مطولا أيضا، بعد انفعاله الشديد في اعقاب نكسة عام ٦٧، والاندحار العربي قبالة الرمي الإسرائيلي المباغت، وكتابته قصيدته الشهيرة "هوامش على دفتر النكسة"، وما اثارته من ردود فعل غاضبة في المجتمع الثقافي السياسي المصري، ومطالبة البعض بمنعه من دخول مصر، ومن بث ما كتبه من قصائد واغان، سبق وصدحت بها اصوات مصرية شهيرة منها محمد عبد الوهاب، عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة، الامر الذي دفع به لان يكتب الى الرئيس المصري في حينها جمال عبد الناصر، ويقدم قباني احترامه وتقديره الكبيرين لعبد الناصر الذي امر من ناحيته، بانصافه شاعرا وابقاء وضعه واحترامه في المجتمع المصري كما كان، مرحبا به.. شخصيا وفنيا.

يلفت النظر في قصة نزار قباني هذه مع الشعر، ذلك الفصل الذي يكرسه صاحبها، لكيفية كتابته ما انجزه في مجال قصيدته الشعرية، يقول انه لا يوجد هناك في اللعبة الشعرية قواعد مسلم بها، وانه يوجد لكل شاعر قاعدته الخاصة به، اما فيما يتعلق به، فانه يقر بانه لا يفكر في قصيدته مسبقا، وانه قد يكون لديه ما يود قوله، غير انه لا يعرفه بالضبط، الا بعد ان تكتمل كتابته له، منوها انه لا يكتب القصيدة الا بمدى ما تكتبه هي. ويؤكد فيما يتعلق بهذا كله انه من طبيعة الشاعر ان يكون معارضا، جازما ان كل مبدع حقيقي، انما هو صوت معارض، وانه لا قيمة لكاتب او شاعر يحلس في صفوف الموالين ويصوت مع الاكثرية ويرفع يده موافقا على المشاريع التي وضعها ابو سفيان وهذا سؤال اخر.. اكثر تعقيدا.. قد نعود اليه. وقد لا نعود.

***

ناجي ظاهر

 

جدل البصريين والكوفيين في تخوم الحرفية والاسمية

ليست "رُبَّ" مجرد أداةٍ عابرةٍ في نسيج العربية، بل هي عتبةٌ دقيقةٌ يتقاطع عندها النحو بالدلالة، ويحتدم فيها الخلاف بين مدرستين عظيمتين: البصريين والكوفيين. فهي على قِصَر لفظها تُثقل كاهل الدارس بأسئلةٍ تتجاوز الإعراب إلى فلسفة اللغة ذاتها: أهي حرفٌ خالص الوظيفة، أم اسمٌ متخفٍّ في هيئة أداة؟

ذهب البصريون، وفي طليعتهم أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد، إلى أن "رُبَّ" حرفُ جرٍّ لا محيد عن حرفيته، يُفيد التقليل في أصل وضعه، ويدخل على النكرات فيجرّها لفظاً، نحو: رُبَّ رجلٍ كريمٍ لقيتُ. واستدلّوا على حرفيتها بما استقرّ في منهجهم من معايير تمييز الكلم: فالاسم عندهم ما يقبل علامات الإعراب، ويدخله التعريف بـ"أل"، ويتنوّن؛ والفعل ما يقبل تاء الفاعل أو نون التوكيد، نحو: جلستُ، اذهبنَّ. فأين "رُبَّ" من هذه العلامات؟ لا تقبل تنويناً، ولا تعريفاً، ولا إسناداً؛ فامتنع في نظرهم أن تكون اسماً، وثبتت حرفيتها.

أما الكوفيون، وعلى رأسهم ثعلب، فقد وسّعوا أفق النظر، ورأوا في "رُبَّ" اسماً دالًّا على معنى القِلّة، يُستعمل مبتدأً في بعض التراكيب، نحو: رُبَّ ذكيٍّ لا يفهم. والتقدير عندهم: قليلٌ من الأذكياء لا يفهم. فهي بهذا التأويل اسمٌ مضاف، و"ذكيٍّ" مضافٌ إليه، وما بعده خبرٌ أو جملةٌ خبرية. وقد حملوا "رُبَّ" على "كم" الخبرية، التي تفيد التكثير، فقالوا: كما أن "كم" اسمٌ للعدد، فكذلك "رُبَّ" اسمٌ للقلة.

وهنا يتجلّى موضع التنازع: أهي نظيرة "كم" في الاسمية، أم مخالفةٌ لها في الطبيعة؟

إن "كم" في العربية اسمٌ صريح، يُسأل به عن العدد أو يُخبر به عن كثرته: كم كتاباً قرأتَ؟، كم من رجلٍ لقيتُ. أما "رُبَّ"، فليس لها من سمات الاسم إلا ما أُوِّل، لا ما صُرِّح به. فهي لا تُثنّى ولا تُجمع، ولا تُعرَّف، ولا تُسند، بل تظلّ ملازمةً صدر الكلام، كأنها مفتاحُ افتتاحٍ لا يقبل الإزاحة.

ويؤكد البصريون حجّتهم بقاعدةٍ أصولية: الحرف لا يدخل على الحرف، و"رُبَّ" قد تُسبق بـ"ما" الزائدة في نحو: رُبَّما، كما في قوله تعالى:

﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهو شاهدٌ يفتح باباً دلاليّاً آخر؛ إذ إن "رُبَّ" هنا لا تفيد التقليل على وجهه الصريح، بل تُومئ إلى التكثير أو إلى معنى التهديد والإنذار، كأنها تقول: كثيراً ما سيودّ الكافرون لو كانوا مسلمين. فهل تظلّ "رُبَّ" حبيسة معنى القِلّة؟ أم أن السياق يُحرّرها من قيدها الأول، ويجعلها أداةً مرنةً تتلوّن بحسب المقام؟

ومن الشواهد التي تُعمّق هذا التعدّد الدلالي قول النبي صلى الله عليه وسلم:

«رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في الآخرة».

فـ"رُبَّ" هنا لا تُراد بها القلة الحسابية، بل التنبيه إلى ظاهرةٍ متكرّرةٍ في بُعدها الأخلاقي، وكأن القِلّة قد تُستعمل لتهويل الأمر لا لتقليله.

إن هذا التذبذب بين القِلّة والكثرة، بين الحرفية والاسمية، يكشف أن "رُبَّ" ليست أداةً جامدة، بل كيانٌ لغويٌّ يتأرجح بين حدّين:

حدٍّ نحويٍّ صارم، يقيّدها بوظيفة الجرّ.

وحدٍّ دلاليٍّ رحب، يفتحها على احتمالات التأويل.

ولعلّ أعمق ما في هذا الخلاف أنه لا يدور حول "رُبَّ" وحدها، بل حول ماهية الكلمة في العربية:

أهي بما تقبله من علامات، أم بما تؤدّيه من معانٍ؟

فالبصريون جعلوا الشكل معياراً، والكوفيون وسّعوا الدلالة حتى كادت تُعيد تعريف الشكل.

وخلاصة القول:

إن "رُبَّ" في أفق التحليل الدقيق حرفٌ في بنيتها، اسمٌ في تأويلها، وجسرٌ خفيٌّ بين النحو والبلاغة. فهي تُعلّمنا أن اللغة ليست قوالب جامدة، بل حركةُ معنى تبحث عن صورتها، وأن الخلاف النحوي ليس ترفاً علميّاً، بل هو بحثٌ في سرّ التعبير ذاته: كيف تقول القليل، فتُراد به الكثرة؛ وكيف تبدأ بالحرف، فتفتح به أبواب التأويل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

سنموتُ… وفي النفسِ بقايا «حتّى» لم تُفَسَّرْ، وحدودٌ للقولِ لم تُستكمَلْ.

ليست «حتّى» حرفاً عابراً في العربية، بل هي أداةُ تخومٍ تُحدِّدُ الغاية، وتفتحُ أفقَ الاستمرار، وتُقيمُ صلةً دقيقةً بين ما قبلها وما بعدها. إنّها في جوهرها لغةُ «الحدّ»: حدٌّ زمانيٌّ ينتهي عنده الفعل، أو حدٌّ معنويٌّ يبلغ فيه القولُ ذروتَه، أو حدٌّ دلاليٌّ يتّسعُ حتى يكادُ يبتلعُ ما يليه. ومن هنا كان اختلافُ النحاة في توجيهها، لا اضطراباً في القاعدة، بل ثراءً في قراءة الوظيفة.

أولاً: «حتّى» في نظر النحاة واللغويين

ذهب نحاةُ البصرة إلى تدقيقِ عمل «حتّى» وربطِه بشرط الغاية؛ فهي عندهم لا تعمل الجرَّ إلا إذا دلّت على الانتهاء الحقيقي، ويُحكِمون صلتها بالفعل المضارع إذا نُصِب بعدها بأن تكون للغاية أو التعليل، مع اتصالٍ معنويٍّ بما قبلها.

أمّا نحاةُ الكوفة فكانوا أوسعَ مسلكاً، يُجيزون في «حتّى» من الاستعمال ما لا يضيّقه البصريون، ويُجيزون العطفَ بها في مواضع أرحب، بل ويتسامحون في بعض شروط النصب بعدها، مستندين إلى الشاهد والسماع.

وفي امتداد هذا النظر، تعامل فقهاءُ اللغة مع «حتّى» بوصفها علامةً على بلوغ الحدّ أو استنفاد الطاقة الدلالية؛ فهي عندهم ليست مجرد أداة تركيب، بل مؤشرٌ على اكتمال المسار أو انقلابه، كأنّها «قنطرة» تعبر بها الجملة من طورٍ إلى طور.

ثانياً: حالات «حتّى» الإعرابية

١. «حتّى» حرفُ جرّ:

تجرُّ الاسمَ بعدها، وتفيدُ الغايةَ والانتهاء، ويكون ما بعدها داخلاً غالباً فيما قبلها أو جزءاً منه.

أكلتُ السمكةَ حتى رأسِها.

سرتُ حتى المدينةِ.

فـ«حتى» هنا حدٌّ نهائيٌّ للفعل، تُغلِقُ به الدائرةُ الدلالية.

٢. «حتّى» حرفُ عطف:

تعطفُ ما بعدها على ما قبلها بشرط أن يكون المعطوفُ بعضاً من المعطوف عليه أو غايةً فيه.

مات الناسُ حتى الأنبياءُ.

نجح الطلابُ حتى المقصِّرون.

وهي هنا تفيدُ المبالغةَ في الشمول، كأنّها تُدخلُ «الأبعد» في حيّز «الأقرب»، فتُوسِّعُ المعنى حتى يبلغ أقصاه.

٣. «حتّى» حرفُ ابتداء:

تأتي استئنافيةً، يُبتدأُ بعدها كلامٌ جديد، وغالباً تدخل على الجملة الاسمية أو الفعلية، ويكون لها أثرٌ دلاليٌّ في إبراز المفارقة أو التعجب.

اشتدّ المرضُ، حتى الطبيبُ عاجزٌ.

تفاقم الأمرُ، حتى كادَ الصبرُ ينفدُ.

فهي هنا ليست عاملةً في الإعراب، بل في توجيه النبرة والمعنى.

٤. «حتّى» الناصبة للمضارع (باعتبارها حرف غاية وتعليل)

تنصب الفعل المضارع إذا أفادت الغاية أو التعليل، وكان الفعل مستقبلًا بالنسبة لما قبلها.

سأصبرُ حتى تنجحَ.

أجتهدُ حتى أبلغَ الغايةَ.

وهنا تُصبح «حتّى» جسراً بين الإرادة والنتيجة.

ثالثاً: «حتّى» بين الصرامة النحوية واتساع الدلالة

ليست المسألة في «حتّى» مجرّد تصنيفٍ إعرابيّ، بل هي جدلٌ بين حدٍّ نحويٍّ ومعنى متدفّق. فالبصريون شدّدوا على الضبط، والكوفيون وسّعوا باب السماع، أمّا فقهاء اللغة فرأوا فيها أداةَ «اكتمالٍ» دلاليّ.

إنّ «حتّى» تُجسِّدُ في العربية فلسفةَ الوصول: لا شيء يُفهَمُ إلا بحدِّه، ولا حدَّ إلا بغايةٍ تُبلَغ. ولذلك قيل على سبيل الوجدان اللغوي:

سنموتُ… وفي أنفسِنا شيءٌ من «حتّى»

لأنّ المعنى مهما اكتمل يظلُّ مفتوحاً على غايةٍ أخرى، ولأنّ اللغة مهما بلغت تُبقي في الروحِ سؤالاً لم يُقَلْ بعد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

لم تكن كركوك في ستينيات القرن العشرين مجرد مدينة نفطية تتوسط خريطة العراق، ولا نقطة عبور للقوافل أو محطةً في طريق الصحراء. كانت، بامتياز، مختبراً اجتماعياً حياً، تجربة إنسانية نادرة في منطقة تعرف كيف تصنع الخصومة أسرع مما تصنع الجيرة. كانت فسيفساء تتداخل فيها الهويات دون أن تذوب، وتتجاوزر دون أن تتصادم. لم يكن تعايشها ناتجاً عن وصاية الدولة أو قوانين صارمة، بل عن إرادة يومية عفوية، تكرست في تفاصيل صغيرة كالخبز والقهوة والأزقة الضيقة بين البيوت.

في تلك السنوات، كانت كركوك تحافظ على توازن هش لكنّه حقيقي. كانت البلاد تعيش على إيقاع تحولات سياسية كبرى- من عهد عبد الكريم قاسم إلى انقلاب عبد السلام عارف ثم حزب البعث- إلا أن كركوك ظلّت، ككائن حي، تطور آليتها الخاصة للتبريد الاجتماعي. لم يكن التوازن مفروضاً من فوق، بل منسوجاً من تحت، بخيوط الحرير اليومية: تحية الصباح، استعارة السكر أو السمن من الجارة، وموقف الباص الصغير الذي يأخذ الجميع إلى سوق الأربعاء.

هوية كركوك آنذاك لم تكن سؤالاً فلسفياً معقداً، ولا قضية تتصدر عناوين الصحف. كانت رواية متعددة الأصوات لا تحتاج إلى بطل واحد. العرب، والكرد، والتركمان، والآشوريون والكلدان، والأرمن، والصابئة- كلهم كانوا جزءاً من الجسد الكركوكي، ليس كجماعات تنتظر دورها في الحكم، بل كأعضاء حيوية تتنفس معاً. في الأسواق، كان التاجر البارع ينادي على بضاعته بثلاث لغات أو أربع، ليس تكلفاً في التظاهر بالانفتاح، بل فطرةً تجارية واجتماعية: من يريد الطماطم بلغة، ومن يريدها بأخرى، كلهم زبائن يجمعهم الرغيف.

في المقاهي الشعبية - كمقهى "عزاوي"، أو " حسن عجمي"، أو "القلعة"، أو "المصلى"- كانت النرد والطاولة والدومينو يتداولها الرجال من خلفيات مختلفة، واللهجات تتجاور كفناجين الشاي على صينية واحدة. لم يكن أحد يشعر بالغربة، لأن المدينة بكاملها كانت تشبه باحة بيت كبير: فيها زوايا مختلفة، لكن السقف واحد.

إذا كان البيت يعلّم الانتماء الضيق، فإن المدرسة كانت تصنع الانتماء الواسع. لعبت المدرسة دوراً مركزياً في ترسيخ هذا التماسك، ربما أكثر من أي مؤسسة أخرى. كان الأطفال يجلسون على مقاعد خشبية واحدة، يكتبون بالعربية الفصحى، ويحفظون قصائد السياب والجواهري، لكنهم في الفسحة كانوا يتحدثون بالكردية أو التركمانية أو بالسريانية حسب من يلعب معه. لم يكن هذا تشويهاً للهوية، بل تمدداً طبيعياً للذات.

تعلم أطفال كركوك أن التاريخ الذي يدرّس في الصباح هو تاريخ عراقي، لكن الجدات في البيت يحكين حكايات أخرى. ولم يشعروا بتناقض، لأنهم عاشوا على أن الهويات طبقات فوق بعضها، لا جبهات في مواجهة بعضها. في الاحتفالات المدرسية، كانت الأهازيج والرقصات متعددة، يصفق لها الجميع، بغض النظر عن أصل الطفل الذي يقف على المسرح.

كانت أحياء كركوك - كحي "الأصلاح" و"المعلمين" و"القورية" و"عرفة" و"آلماس" و"رحيم آوه"، و"إمام قاسم"، و"تسعين" و"شاطرلو" و"المصلى" - مختبرات مكشوفة للتعايش. في حيّ واحد، كان الجامع يقف قبالة الكنيسة أو المقام الإيزيدي، وكان المؤذن يرفع الأذان، وتقرع الأجراس في توقيت قريب، في مشهد لم يكن يُرى كتنافر، بل كجزء من "بولي فونيا- أو تعدد اصوات" المدينة اليومية. لم يكن هذا تعدداً يتسامح به الناس، بل كان التعدد هو سياق الحياة الطبيعي الذي لم يعرفوا غيره.

الأعراس كانت استثناءً جميلاً من القاعدة. في العرس الكركوكي، كان الجار الكردي يشارك الجار العربي في تقديم القهوة، والجار التركماني يوزع السكّر، والجار الآشوري والكلداني يوزع المرطبات. وحين كانت الأم تقول "ولدي العريس"، كان الجميع يشعرون بأن العريس ابن الحي كلّه. لا تذكر كركوك القديمة أن عرساً اقتصر على طائفة واحدة. وكذلك المآتم: حين يموت أحدهم، كانت البيوت تفتح أبوابها، وتُقرأ الفاتحة بالعربية أو الصلاة المسيحية، وتُرفع الأيادي بحسب عادات مختلفة، والحزن كان واحداً، لا يحتاج إلى ترجمان.

الاقتصاد - بزعامة النفط - أسهم في خلق فضاء مشترك لا يقل أهمية عن الفضاء الثقافي. كانت شركة النفط (آي بي سي) ومصفاة كركوك وحقول بابا كركر نموذجاً للعمل الجماعي. العمال العرب والأكراد والتركمان والآشوريون والكلدان كانوا يتشاركون الخَبَر والخطر. في باطن الأرض، تحت الأنابيب الساخنة والمضخات التي لا تعرف القومية، كان التضامن الطبقي يصنع جسوراً أقوى من أي خطاب قومي.

الذهب الأسود كان يوحد الجميع، وكأس الشاي في الاستراحة كان قسمة مشتركة. من عمال النقل إلى المهندسين إلى عمال النظافة، كان هناك شعور ضمني: "نحن جميعاً كركوك". وهذا الشعور لم يكن خطابياً، بل عملياً، لأن المصلحة في استمرار العمل والإنتاج كانت أسمى من أي خلاف يمكن تأجيله إلى ما بعد الدوام.

لكن هذا التماسك لم يكن أسطورياً أو خالياً من العيوب. لو نظرنا بصدق، سنكتشف أن التوترات كانت موجودة، كامنة تحت الرماد. كانت هناك لحظات احتكاك، وشتائم طائفية في سوق السمك، وعراك بين صبية من أحياء مختلفة. وكانت السياسات المركزية في بغداد تغذي بين الحين والآخر خطاباً قومياً حاداً، خصوصاً بعد انقلاب عام 1968. لكن ما ميّز كركوك في الستينيات هو قدرة مجتمعها على احتواء التوتر ضمن حدود ضيقة لا تهدد النسيج العام.

لم يكن هناك "عقد مدني" مكتوب، بل "عقد غير مكتوب" يقول: نعم، نحن مختلفون، وقد نتنافس، لكننا في النهاية جيران في الزقاق نفسه. كانت هناك مرجعيات مجتمعية - شيوخ، وجهاء، تجار كبار، رجال دين من طوائف مختلفة - يعملون خلف الكواليس لامتصاص الصدمات. في كركوك، كان الخلاف القبلي أو الإثني يُحلّ في غرفة خلفية في مقهى أو عند بيت أحد المعمّرين، قبل أن يصل إلى أي جهة رسمية.

إن استعادة صورة كركوك في تلك الحقبة ليست عملاً حنينياً، ولا هي تبرئة لذات المدينة مما حدث فيها لاحقاً من صراعات دامية. هي بالأحرى محاولة لفهم كيف يمكن لمدينة متعددة الهويات أن تبني تماسكها

 ليس من خلال شعارات "الأخوة القومية" أو "الوحدة الوطنية"، بل من خلال تفاصيل صغيرة من الأسفل: معاملة حسنة في المخبز، صفعة حانية من مدرّس لم يفرق بين تلميذ وآخر، موقف حافلة لم يترك أحداً في المطر.

أثبتت كركوك في ستينياتها أن الهوية ليست جداراً يفصل، بل جسراً يمكن أن يربط - إذا وُجدت الإرادة الاجتماعية لذلك. وأن التعددية ليست عبئاً، بل مصدر غنى وقوة إذا ما أُحسن إدارتها على مستوى الحي والزقاق والسوق. لقد أدار المجتمع الكركوكي تنوعه بفطرةٍ وكياسة، قبل أن تأتي السياسات المتطرفة لتفكك ما نسجته الأيام.

اليوم، حين تعيش كركوك صراعات هوية، وتتنازعها مشاريع إقليمية ووطنية متضاربة، تبدو ستينياتها أشبه بـ (يوتوبيا مفقودة)، أو ذكرى جماعية لا تُصدّق. لكن الحقيقة أن تلك التجربة ليست مستحيلة التكرار. إنها تذكرة بأن الإنسان في هذا الجزء من العالم قادر، حين لا تُفسده السياسات التقسيمية، على صنع جيرته بنفسه.

كركوك التي وُلدنا فيها وترعرعنا لم تكن جنة مفقودة، بل كانت معلماً عملياً على أن العيش المشترك ليس حلماً، بل ممارسة يومية في استعادة هذا الدرس البسيط: أن نتعلم من كركوك ستيناتها، لا أن نكرر أخطاء عقودها التالية، وربما يكمن مستقبل مدن الهويات - في العراق، وسوريا، ولبنان، أو أي مكان آخر.

***

جورج منصور

 

لاشك أن الشاعر الكبير أبو كوثر أحمد علي السالم يعد من بين ابرز الأصوات الشعرية، التي تتجلى في نصوصها شفافية الوجدان، ورهافة الحس، والقدرة الفائقة على التقاط التفاصيل الإنسانية الصغيرة، وتحويلها إلى صور نابضة بالحياة، بعد توظيفها البليغ في نظمه الإبداعي.

ولعل المتأمل في نظمه يلمس حضورا واضحا لتوهج بالحس المرهف في نظمه، ذلك الحس الذي يجعله أكثر التصاقا بوجدانيات عالم الداخلي، في وأكثر قدرة على الإنصات لنبض الأشياء في العالم من حوله.

وهكذا يلاحظ ان لغة النظم في قصائد أبوكوثر أحمد علي السالم لا تبدو مجرد أداة تعبير، بل تتحول إلى كائن حي يفيض بالعاطفة، ويتوهج بالمشاعر، ويتنفس الشوق، ويعانق الحنين، فهو يكتب من اعماق الشعور الوجداني الصادق، حيث تنصهر عنده الكلمة بالتجربة، وتتوهج الصورة الشعرية بحرارة الإحساس، ودفء العاطفة. ومن هنا تأتي قصائده قريبة من قلب المتلقي، لأنها لا تتكلف الحس، ولا تتصنع المشاعر، بل تصدر عن وجدان منوهج، وتجربة صادقة، ونبض متوقد.

على ان من أبرز تجليات الحس المرهف في شعره، تلك العناية الفائقة بالطبيعة، ومفردات عوالمها، وقدرته المدهشة على منح تلك المفردات، أبعادا وجدانية عميقة، تكشف عن شاعر يرى العالم بعمق الوجدان، ونقاء القلب، قبل عين البصر.

كما يتجلى عنده هذا الحس المرهف في حضوره الإنساني، إذ تبدو قصائده طافحة بقضايا المحبة، والوفاء، والتوجد، وما ينعكس عن ذلك في النفس من انكسارات، وآمال، بما هو شاعر متمكن، يلتقط ارتجافة الروح في لحظة الصمت، ليحولها إلى موسيقى لفظية رقيقة، الأمر الذي يجعل القارئ والمتلقي، يشعرون بأن النص، يعبّر عن حقيقة مشاعرهم.

 وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر المبدع أبو كوثر أحمد علي السالم، يميل إلى لغة سلسة عذبة، تعتمد الإيحاء في الدلالة أكثر من المباشرة، وعلى الصورة أكثر من التقرير، مما يمنح نصوصه على المستوى الفني، بعدا جماليا خاصا، دون ان تعني هذه السلاسة البساطة والسطحية، بما تكتظ به من النضج التام في اختيار المفردة القادرة على الوصول للغرض دون عناء، والتأثير في وجدان المتلقي دون ضجيج.

وهكذا نجد إن تجربة الشاعر الكبير أحمد علي السالم أبو كوثر تمثل نموذجا متوهجا للشاعر المقتدر، الذي يصنع من الرهافة قوة، ومن العاطفة جمالًا، ومن الكلمة نافذة على الروح، بحيث يبقى إبداعه شاهدًا على أن الشعر الحقيقي، هو ذلك الذي يمس شغاف القلب أولا، ليستقر في أعماق الذاكرة امدا طويلا.

***

نايف عبوش

بإمكاني، قارئا مجتهدا ومتابعا، وكاتبا منتجا للرواية، اقتطاف ملاحظة من دفتر مذكراتي الخاص، مفادها ان العديد من كتابنا الروائيين العرب، تأثروا في كتاباتهم الروائية، بما سبق وانتجه كتاب غربيون، الامر الذي جعلني اسجل العديد من الملاحظات، بعد قراءتي هذه الرواية او تلك من رواياتنا العربية، تشير وتنبه الى ما سبق وقرأه صاحبها قبل كتابته روايته تلك، ويمكنني ان اسجل هذه الملاحظة تحت عنوان رواية تذكر برواية. سأقوم فيما يلي بإيجاز، ارجو الا يكون مخلا، بتقديم ملاحظات جذرية حول هذا الموضوع.. المهم والحساس، بعدها سأحاول الاجتهاد في تفكيك هذه الظاهرة، والتغلغل في طواياها المعقد والمركبة.

من نجيب محفوظ الى اميل حبيبي

سبق وسجل الدكتور الباحث الادبي شكري محمد عياد، ملاحظة هامة في موضوع حديثنا هذا، مفادها ان الكاتب نجيب محفوظ، الفائز العربي والوحيد حتى الان بجائزة نوبل للأدب، وصاحب الروايات الشهيرة منها" اللص والكلاب" و "الطريق"، قد تأثر في كتابته روايته "ميرامار"، برواية "البيت والعالم" للكاتب الشاعر الهندي البارز رابندرانات طاغور، وهذا، بالمناسبة واحد من الحاصلين على جائزة نوبل للأدب، وفي التفصيل يقول عياد ان محفوظا قد تأثر في تعدد الاصوات، في الرواية الواحدة بتلك الرواية المذكورة، ويوضح انه لم يكن لمحفوظ ان يكتب تلك الرواية متعددة الاصوات، البولوفونية، لو لم يكن في حينها قد قرا رواية "البيت والعالم"، وفي سياق متصل يمكننا الإشارة الى ما نوه اليه محفوظ ذاته اكثر من مرة، وهو ان فكرة كتابة رواية الاجيال ممثلة بثلاثيته الروائية الرائدة "قصر الشوق" ، "بين القصرين" و"السكرية"، ولدت بعد قراءته رواية " آل بدنبروك"، للكاتب الألماني صاحب نوبل للأدب ايضا، توماس مان، وفي سياق متصل يذكر كاتب هذه السطور ان محفوظا اعرب عن امتعاضه، من كاتب اخر صديق له، عندما قام بكتابة رواية اجيال، بعد ان أخبره هو ذاته، انه ينوي كتابة ذلك الجنس الروائي، واصداره رواية في هذا الجنس بعد اشهر محدودة، من حديث محفوظ اليه والى اخرين. محفوظ أضاف في العديد من الأحاديث، انه منذ تلك الفترة آل على نفسه الا يتحدث عما ينوي كتابته من روايات. الكاتب الذي أشار اليه محفوظ فيما بتعلق بهذا الامر هو عبد الحميد جودة السحار ورواية الاجيال المشار اليها هي "في قافلة الزمان".

اما الكاتب اميل حبيبي، فقد تأثر في كتابته روايته "المتشائل- الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل"، برواية اخرى معروفة عالميا، هي رواية "كنديد"، للكاتب المفكر الفرنسي الساخر فولتير، وقد اعترف حبيبي في ثنايا روايته ذاتها، بانه ما ان فتح الاحتلال ابواب مدينة نابلس بعد حرب ٦٧، حتى سارع الى مكتبة هناك، للحصول على تلك الرواية، ويقول انه بعد ان عثر عليها بترجمة الكاتب المثقف الفلسطيني البارز عادل زعيتر، حتى سر بها كثيرا، موضحا انه قراها باهتمام كبير خلال استقلاله سيارة الاجرة من نابلس الى الناصرة، مدينة اقامته في حينها، والحق ان من يقرأ المتشائل، لا سيما اذا كان مطلعا، جيد الاطلاع على العالم الادبي الروائي، يمكنه بسهولة ان يلمس تأثر حبيبي، من اعلى الراس حتى اخمص القدم، في كتابته روايته المذكورة برواية "كنديد"، فهو يتأثر بالاطار الروائي القائم على النوادر والحكايات المتتالية من ناحية، كما يتأثر برؤيته الأدبية التي تمزج ما بين التفاؤل والتشاؤم، والتي تجلت في نحت كلمة واحدة من كلمتين هي المتشائل.

غسان كنفاني وحنا مينة

اذكر فيما يتعلق بأمر "رواية تذكر برواية"، ما سبق ولفت اليه العديد من الباحثين الادبيين والنقاد، بعد قراءتهم هذه الرواية او تلك للكاتب الفلسطيني الصميم الشهيد غسان كنفاني، وبإمكاني ان امزج بين ما قاله بعضهم وبين ما رددته لنفسي بعد قراءتي لكل من رواياته التي سأذكرها فيما يلي، مشيرا الى الرواية التي سبق وقراها قبل كتابته روايته التي سيرد ذكرها، فرواية" رجال في الشمس" ، تذكر بروايتي "البيت والعالم" و"ميرامار"، الاولى، كما سلف، لطاغور والثانية لنجيب محفوظ، وروايته "ام سعد" ، تذكر برواية "الام"، للكاتب الروسي مكسيم غوركي، بينما تذكر روايته "ما تبقى لكم"، برواية "الصخب والعنف" ، للكاتب الامريكي النوبلي ايضا، وليم فوكنر، وقد ترجمها الى العربية كاتبنا الفلسطيني القدير جبرا ابراهيم جبرا، وفي التفصيل نشير الى ما سبق وأشار اليه اكثر من ناقد عربي، وهو ان كنفاني تأثر في كتابته روايته المذكورة، برواية تيار اللاوعي الذي انتهجه فوكنر في رايته تلك.

اما بالنسبة لحنا مينة، فاذكر ان روايته "الشمس في يوم غائم" ، تذكر برواية "زوربا"، للكاتب اليوناني المهم نيكوس كازنتزاكي، لنتذكر رقصة الخنجر، الكبرياء، البراءة، وحب الحياة الحميم حد الالتصاق بها، وروايته "الياطر" ، تذكر برواية "روبنسون كروزو" ، للكاتب الانجليزي الرائد دانيال ديفو، خاصة فيما يتعلق بما يطلق عليه النقاد رواية الغابة، ورواية "ماسادة دمتريو" ، تذكر برواية "مستر "جكل ومستر هايد" ، للكاتب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون، ويتمثل هذا التذكر بالازدواجية الشخصية للبطل الروائي في هذه الرواية.

يحيى يخلف

بد ان قرأت رواية الكاتب الفلسطيني يحيى يخلف الاولى "نجران تحت الصفر"، صدرت في السبعينيات المتأخرة، تذكرت الكتابة الروائية لدى الكاتب الروائي الروسي مكسيم غوركي، لا سيما في واقعيتها الشعرية الملموسة وفي اسلوبها السردي، اما بعد قراءتي روايته "تلك المراة الوردة" فقد تأكد لدي ان يحيى غارق الى أذنيه في عالم غوركي الواقعي الشاعري ذاته، اما في روايته "راكب الريح" ، فقد برز تأثره ب "الف ليلة وليلة" ، جليا واضحا، لا سيما فيما يتعلق بالسرد الغرائبي الخرافي المتخيل، وبما يتطلبه من أدوات مثل السحر والترحل في دنيا الخيال، والقرينة وما اليها من أدوات ورد استعمالها في" الف ليلة وليلة" ، بالضبط كما ورد في القصة او الحكاية الشعبية تحديدا. بالمناسبة نجيب محفوظ ذاته تأثر في روايتيه "الف ليلة وليلة" و"الحرافيش" ، بألف ليلة وليلة ، لا سيما فيما يتعلق بالأدوات التي تأثر بها يحيى يخلف ذاته.

هل من سبب؟

ضمن محاولة تهدف الى تفكيك هذه الظاهرة، نشير الى انها قد تعزى الى العديد من الأسباب، لعل أبرزها، ان الرواية كفن قائم بذاته، هي في الاساس واحد من الفنون الأوروبية التي حذا الكاتب العربي حذوها وتأثر بها، اما فيما يتعلق بتأثر هذا الكاتب بألف ليلة وليلة، فقد جاء على ما يظهر ضمن محاولة لتأصيل هذه الرواية وللاغتراف من منهلها العذب، ونقصد به الف ليلة وليلة، غير ان هذا يبقى ضمن رواية تذكر في العمق والمعنى، ضمن الدائرة ذاتها ب "رواية تذكر برواية".

بغض النظر عما تمتع به الكتاب المذكورون، مع التفاوت الطبيعي الملموس في قدراتهم الروائية السردية، يمكننا القول ان كتابنا العرب أرادوا، اضافة الى طرقهم باب الرواية المستورد الجديد في أدبنا المعاصر، عندما حاولوا، بإخلاص واقعي وملموس، طرق ابواب الرواية التخيلية، وتقديم اجتهاداتهم الجدية والجادة في خدمة واقعهم، لم يجدوا مساحة للمزيد من التخييل سوى ان يتذكروا ما سبق وتمت لهم قراءته من الإنتاج الأدبي الروائي في ذاكرتهم اولا، وثانيا فيما سبق وانتجه كتاب غربيون اخرون، امتلكوا ناصية ذلك العالم الجميل، عالم التخييل الروائي الجامح والهادف الى خدمة الواقع، وذلك عبر تصويرهم ما يمكن ان يحدث، وليس ما سبق وحدث، وهذه لعمري هي حالة الابداع الادبي في عمقها القصي البعيد، كما افترضها الفيلسوف الاغريقي العريق أرسطو طاليس في كتابه الخالد عن "فن الشعر"، او البويطقا.

***

ناجي ظاهر

نحو قراءة نحوية - دلالية في ضوء مدرستي البصرة والكوفة وفقه اللغة

في دقّة الحرف واتّساع الدلالة: تبدو “لولا” في ظاهرها أداةً يسيرة المبنى، غير أنّها في جوهرها تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ النحو العميق، حيث تتقاطع البنية مع الدلالة، ويتحوّل الحرف إلى محورٍ مولِّدٍ للمعنى. فهي ليست مجرّد أداة شرط، بل بنيةٌ لغوية تختزن جدل الوجود والعدم، والوقوع والامتناع، والإمكان والتحقّق. ومن هنا انشغل بها النحاة واللغويون، لا بوصفها تركيباً صناعياً فحسب، بل باعتبارها مفتاحاً لفهم آليات التفكير العربي في التعبير عن السببية والاحتمال.

أولاً: “لولا” الامتناعية — بين تقرير القاعدة وتوليد المعنى

تُعرَّف “لولا” في أصلها النحوي بأنها حرف امتناع لوجود، وهو تعريف اشتهر عند نحاة البصرة، وعلى رأسهم سيبويه، حيث قرّر أنّها تفيد امتناع الجواب لوجود الشرط، كقولنا:

لولا العقلُ لفسدَ الحكمُ.

في هذا التركيب، يتجلّى النسق الآتي:

“لولا”: أداة ربط سببي ذات طابع شرطي غير جازم.

الاسم بعدها: مبتدأ مرفوع.

الخبر: محذوف وجوباً عند جمهور البصريين، تقديره (موجود أو حاصل).

الجواب: جملة فعلية غالباً، تقترن بلام الجواب توكيداُ للربط السببي.

موقف البصريين:

يذهب نحاة البصرة إلى أنّ حذف الخبر بعد “لولا” واجب، لأنّ وجود الأداة يغني عن ذكره، إذ إنّ المقصود ليس الإخبار عن وجود المبتدأ، بل بناء علاقة امتناعية بين شرطٍ مفترض وجوابٍ ممتنع. وهذا الحذف عندهم من باب الإيجاز الذي يقتضيه السياق، وهو ما ينسجم مع نزعة البصريين إلى التقعيد والاقتصاد في البنية.

موقف الكوفيين:

أمّا الكوفيون، وعلى رأسهم الفراء، فقد مالوا إلى التوسعة، فأجازوا إظهار الخبر، وإن كان نادراً، معتبرين أنّ الحذف ليس لازماً من جهة الصناعة، بل هو الغالب من جهة الاستعمال. وهذا يعكس طبيعة المدرسة الكوفية التي تميل إلى الاحتجاج بالسماع وتوسيع دوائر الجواز.

في فقه اللغة:

يرى فقهاء اللغة، كابن جني، أنّ “لولا” في هذا السياق ليست مجرد أداة شرط، بل هي تعبير عن رؤية سببية معكوسة، حيث يُفترض عدم الشرط ليتبيّن أثر وجوده. فهي تُنشئ منطقاً افتراضياً يبرز قيمة الموجود من خلال استحضار نقيضه.

ثانياً: “لولا” التحضيضية — من الشرط إلى الخطاب

حين تدخل “لولا” على الفعل، ولا سيما المضارع، تنتقل من مجال التقرير إلى مجال الإنشاء، فتغدو أداة تحضيض أو عرض أو توبيخ، بمعنى “هلاّ”، نحو:

لولا تجتهدُ فتبلغُ مرادك

هنا لا شرط ولا جواب، بل خطاب موجَّه يحرّك الفعل في المخاطَب.

التحليل النحوي؛

“لولا”: حرف تحضيض أو عرض.

الفعل بعدها: مضارع مرفوع، وقد يأتي ماضياً في سياق التوبيخ (لولا اجتهدتَ).

الجملة: إنشائية لا محلّ لها من الإعراب.

موقف المدرستين:

البصريون: يميلون إلى الفصل الحادّ بين “لولا” الامتناعية والتحضيضية، ويجعلون لكلٍّ منهما باباُ مستقلًا في التقعيد.

الكوفيون: يرون أنّ الأصل واحد، وأنّ التحضيض تطوّر دلالي ناتج عن السياق، لا عن اختلاف جوهري في الأداة نفسها.

في فقه اللغة:

ينظر اللغويون إلى هذا التحوّل بوصفه انتقالاً من المنطق السببي إلى المنطق التداولي؛ أي من بناء علاقة بين جملتين، إلى توجيه فعلٍ في الواقع. فـ“لولا” هنا لا تصف، بل تحرّض؛ لا تقرّر، بل تستنهض.

ثالثاً: البنية والدلالة — جدل المنطق والبلاغة

تكشف “لولا” عن مستويين متداخلين:

المستوى المنطقي (الامتناعي):

حيث تُبنى علاقة سببية قائمة على افتراض النفي لإثبات الأثر، وهو ما يقارب في الفكر الفلسفي ما يُعرف بـ “الشرط المضاد للواقع”.

المستوى البلاغي (التحضيضي):

حيث تتحوّل الأداة إلى وسيلة خطابية تُعبّر عن الرغبة أو اللوم أو العرض، فتدخل في حقل الإنشاء الطلبي.

وهذا التداخل هو ما يمنح “لولا” طابعها المركّب، إذ تجمع بين الوظيفة النحوية والفاعلية التداولية.

رابعاً: في ضوء نظرية التركيب

ذهب بعض النحاة إلى أنّ “لولا” مركّبة من “لو” و”لا”، غير أنّ هذا التحليل، وإن كان مقبولًا من حيث الاشتقاق، لا يفسّر استقلالها الوظيفي. فقد استقرّت في الاستعمال أداةً قائمة بذاتها، لها نظامها الخاص، وهو ما يؤكّد ما ذهب إليه ابن جني من أنّ الاستعمال يُنشئ القاعدة، لا العكس.

خامساً: ملاحظات دقيقة

حذف الخبر بعد “لولا” الامتناعية واجب عند البصريين، جائز عند الكوفيين.

اقتران الجواب بلام التوكيد ليس لازماُ، لكنه الغالب لشدّة الربط السببي.

لا تعمل “لولا” إعرابياً، لكنها تؤثّر في البنية العميقة للجملة.

السياق هو المحدّد الحاسم في تعيين دلالتها: أهي امتناعية أم تحضيضية.

خاتمة: “لولا” بوصفها حدّا بين الإمكان والوجود

ليست “لولا” حرفاً عابراً في بنية العربية، بل هي حدٌّ فاصل بين ما كان يمكن أن يكون وما كان بالفعل. إنها تُقيم اللغة على تخوم الافتراض، وتمنحها القدرة على التفكير في البديل، وعلى مساءلة الواقع عبر نفيه.

في قولنا:

لولا الأملُ لانطفأ القلبُ

لا نُنشئ علاقة لغوية فحسب، بل نعبّر عن قانونٍ وجوديّ:

أنّ ما يحضر فينا… هو ما يمنع غيابنا.

وهكذا تغدو “لولا”:

حرفًا صغيراً في المبنى، لكنّه في ميزان اللغة… أداةٌ تُعيد تشكيل العالم بين شرطٍ لم يقع، وجوابٍ لم يُرِد أن يكون.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

 

في تعاملها مع التراث والفنون والمخطوطات تواصل الفنانة وصال خماسي بحوثها وابداعاتها

من التراث وضمنه تكمن ابداعات السابقين حيث الابداع والابتكار في أزمنة أخرى تبرز في سياقاتها منجزات شتى تقول بالفن والابداع كمجالين للسيرة والمسيرة بالنسبة لمن يترك البصمة الدالة على علامات من جمال ممكن.. وفي هذه العوالم يبحث المهتمون والفنانون عن شيء من ذواتهم بين الاعجاب والكشف والاكتشاف والاستلهام والنظر بعمق القلب ..و هنا تشتغل الفنانة وصال خماسي من سنوات بشغف ودأب حيث تخوض تجربتها الفنية بين رافدي الابتكار والابداع في الرسم من جهة والبحث الأكاديمي والعلمي من ناحية أخرى وبين هذا وذاك تبرز أعمالها الفنية ومنها مشاركاتها في أنشطة تشكيلية وفنية وثقافية في تونس وخارجها .تجلت أعمالها بين الرسم وفنون الزخرفة والابتكار الفني في التذهيب والمعادن .2673 wesal

رافقها ولعها المبكر بالفن والرسم الى أن بلغت مرحلتها الراهنة في ذات الشغف الفني تحمل بين طيات كتاب حياتها تلك الأحلام اليانعة المجسمة في ما تشكله بين اللون والزخارف والتذهيب والابتكارات المتعددة عموما التي قدمتها في مختلف معارضها التي كانت لها مناسبة للمشاركات والحضور.

و عن أعماله ونهجها الفني تقول الفنانة الباحثة وصال خماسي "...تعاملي مع المعادن وحتى اطلاعي على فن التذهيب بالمخطوطات جعلاني اعشق نوعا ما اللون الذهبي وما يحمله من رمزية لذلك اعتمده تقريبا في اغلب لوحاتي.... وما قدمته في تذهيبي لبعض اللوحات من خط بعض الفنانين الاتراك..".

وصال خماسي فنانة عضو اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين وقد شاركت مؤخرا في معارضه ضمن الدورة الجديدة للشهر الوطني للفنون وصالون الفن الى جانب كونها طالبة بمرحلة الدكتورا بكلية الأداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة قسم التاريخ، وهي بصدد إعداد أطروحة دكتورا تخص فن الزخرفة والخط في العمائر العثمانية بمدينة تونس.و طالبة باحثة بمرحلة الدكتورا بجامعة اسطنبول قسم تاريخ الفن حيث نجحت بنسبة 82 نقطة بمناظرة التأهيل للدكتورا yetrlılık sınavı .و حاصلة على شهادة الماجستير في تاريخ العالم المتوسطي وحضارته إختصاص تراث وعلوم متحفية / بكلية الآداب والفنون والإنسانيات جامعة منوبة (تهم رسالة الماجستير دراسة الزخرفة والمنمنمات في بعض العينات من المخطوطات الأندلسية مع نجاح بملاحظة حسن جدا) والشهادة الوطنية في الفنون والحرف / قسم الفن والتواصل اختصاص تصميم تخطيطي/ بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس (قامت ضمن مشروع التخرج بتصميم حملة اشهارية لفائدة الشركة التونسية للملاحة مع نجاح بملاحظة حسن جدا)..2672 wesal

و لها دورات تدريبية منها المشاركة بورشات الدورة التكوينية في تأليف المقال العلمي دفعة 2025 بمقرالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس، أسفرت مشاركتها بالدورة عن انتاج مقال يهم ″نماذج من العلامات المائية من خلال عينات من المخطوطات برصيد دار الكتب الوطنية دراسة كوديكولوجية، والمقال قيد التحكيم.. مع حضور محاضرة «الوثائق الوقفية وأهميتها في دراسة العمران والمجتمع والإقتصاد ببعض المدن الجزائرية خلال الفترة العثمانية» من تنظيم مخبر العالم العربي الإسلامي الوسيط الذي تنتمي إليه، بكلية العلوم الإنسانية والإجتماعية بتونس.. وحضور ندوة علمية تهم «تجارب إدارة التراث الثقافي وتثمينه في البلدان العربية» من تنظيم الإدارة العامة للتراث بوزارة الشؤون الثقافية..و حضور يوم دراسي يهم «البحث العلمي في الأداب والإنسانيات: منهجياته وأخلاقياته» من تنظيم مدرسة الدكتورا تواصل، ثقافة، تراث بكلية الأداب والفنون والإنسانيات بمنوبة. الى جانب المشاركة في دورة جماليات المخطوط العربي من تنظيم دار المخطوطات ووقف السلطان أحمد بإسطنبول وحضور ندوة بعنوان طرق الاستفاضة من الإتفاقيات الدولية في حفظ وصون التراث من تنظيم مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي والمنظمة العربية للتنمية الإدارية...

2016هذا وتواصل الفنانة وصال خماسي نشاطها الفني حيث تعد لمعرضها الشخصي خلال الفترة القادمة حيث تقدم بانوراما متنوعة لمجمل أعمالها الفنية والمبتكرة ضمن الفن التشكيلي والابتكارات هذا الى جانب مشاركاتها الثقافية والابداعية المتعددة.

***

شمس الدين العوني

لاريب أن النص الإبداعي ليس نتاج صفاء مزاج دائم، ولا ثمرة بهجة مزاج خالصة، بل هو في كثير من الأحيان، نتاج تناقض عميق، يسكن الوجدان، وبتجسد بذلك التوتر الخفي، بين عكرة المزاج، وبهائه في اللحظة، حيث تتوارد الأسئلة في ذهن الكاتب، من رحم ذلك القلق، وتتداعى من غبار تلك الحيرة، لتشكيل المعنى، حيث، يتوهج النص، ليحمل بصمته الخاصة به، بين هذا الحال، وذاك.

وهكذا يلاحظ ان وجدان الكاتب، حين يتعكر، في لحظة الإبداع، تتكاثف داخله مشاعر متداخلة، من ضيق، وحنين، وانكسار، وغضب صامت، وتطلع متفائل، حيث يكون الكاتب في تلك اللحظات، في حالة عدم انسجام مع ذاته، وعوالم محيطه، ليجد نفسه في حالة مواجهة قلقة معها، لكن تلك المواجهة، على قسوتها، ستفتح أمامه أبوابا غير مألوفة للتعبير الابداعي، حيث يصبح النص، عندئذ، وسيلة للتنفيس عن الحال، ومحاولة وجدانية لترميم الداخل المتازم. فعكرة المزاج في اللحظة، لا تعطل انثيالات الإبداع، بل تدفعها إلى حافات أكثر صدقا، واعمق عاطفة، واشد جرأة، لتكون لغة التعبير أكثر اقترابا من حقيقة حس الوجدان.

ولعل النص لا يكتفي بهذا الوجه القاتم من المواجهة، فهناك ثمة لحظات بهاء، تتسلل إليه كومضات ضوء، تخترق عتمة ظلامه، حيث يستعيد الكاتب في هذه اللحظات، توازنه، ويعيد ترتيب فوضاه الداخلية، في قالب جمالي، يتحول فيه الوجع، إلى صورة، والحيرة، إلى استعارة، والانكسار، إلى تطلع متوهج، يسري بين الكلمات.

 وهنا لابد من الإشارة إلى أن البهاء يتجلى في النص، وان الوهج يشع في ثناياه، لا بوصفه نقيضا لعكرة الوجدان، بل بوصفه امتدادا متفاعلا لها، ونتيجة طبيعية، لعملية التحول التي تمر بها تجليات الشعور الوجداني للمبدع، داخل ثنايا النص.

وهكذا نجد إن النص الإبداعي الحقيقي، لا يولد من حالة واحدة صافية، بل إنما يستولد من تداخل الحالات، وتصارعها. فالعكرة تمنحه العمق، والبهاء يمنحه القدرة على الوصول. فنجد إن العمق يغذي الفكرة والبهاء يصقلها، ويجعلها قابلة للانبعاث في وجدان القارئ، حيث يتشكل بينهما التوازن الدقيق، الذي يميز النص الناضج عن غيره.

وتجدر الإشارة إلى أن جاذبية النص الإبداعي تكمن في هذه الثنائية المتفاعلة، لاسيما وأن النص يجسد تقلبات مزاج الكاتب الوجدانية، ويعكس صدقه في حالة ضعفه، وقوته معا، في ابداع نص حي نابض، يحمل شيئا من معاناته، وأحلامه، والتي يتلمسها المتلقي في ثنايا كلمات النص، أثرا لتجليات عكرةٍ وجدانية، مر بها المبدع، أو بهاء تاق إليه، فيشعر المتلقي، عندئذ، بأن النص قد كتب له، أو عبر عن حسه.

وهكذا نجد إن النص الإبداعي، هو طريقة راقية لاحتضان اضطراب وجدان الكاتب، وتحويله إلى عنصر جمال جذاب، يمكن تلمسه بين عكرة المزاج وبهائه، حيث يولد النص الإبداعي، ككائن مزدوج، يجمع بين تداعيات الألم، والضياء، والعكرة والبهاء.

***

نايف عبوش

عندما يكتب عن كتابك في السيرة "غيمري.. كدتُ أصبح إماماً" كاتب ومترجم مرموق مثل الدكتور جودت هوشيار، فإن الأمر يتجاوز حدود القراءة العابرة أو الإشادة التقليدية. فالكتاب لا يكون أمام مراجعة عادية، بل أمام مرآة دقيقة تُعاد فيها صياغة نص الكاتب على يد قارئ محترف، يعرف كيف ينصت لما بين السطور، لا لما كُتب فيها فقط.

هوشيار لا يقرأ ليحكم، بل ليكشف. كأنه ينقّب في طبقات الذاكرة التي حاولتَ أن ترتّبها أو حتى أن تخفي بعض شقوقها. فهو يلتقط التفاصيل الصغيرة التي ظننتها عابرة، ويعيد وضعها في سياق يمنحها معنى أعمق، كأنها كانت تنتظر قارئاً مثله لتُولد من جديد.

في هذه اللحظة، تشعر أن سيرتك لم تعد ملكك وحدك. لقد أصبحت نصاً حيّاً يتنفس في وعي آخر، يتأملها بعين ناقدة، ولكن أيضاً بعين من يعرف ثقل التجربة الإنسانية وتعقيداتها. لا يجامل، لكنه لا يقسو؛ لا يبالغ، لكنه لا يبخس.

أن يكتب عنك كاتب مثله، هو نوع من الاعتراف غير المعلن: أنك كتبت ما يستحق التوقف عنده، وأن تجربتك لم تكن مجرد حكاية شخصية، بل جزء من سردية أوسع، تهم القارئ كما تهمك أنت.

وهكذا، لا تعود القراءة حدثاً عابراً، بل تصبح حواراً صامتاً بين كاتبين: أحدهما كتب الحياة كما عاشها، والآخر أعاد قراءتها كما فهمها.

وإليكم ما كتبه:

متعة السرد في «غيمري – كدتُ أصبح إمامًا"

جودت هوشيار

يُعدّ كتاب «غيمري – كدتُ أصبح إمامًا» للكاتب جورج منصور من السير الذاتية التي تمزج بين الاعتراف الشخصي والسرد الروائي، في تجربة قراءة آسرة تتجاوز حدود التوثيق إلى فضاء الحكي المشوّق. فالكتاب لا يكتفي بسرد وقائع من حياة الكاتب، بل يحوّلها إلى مادة سردية نابضة، تتداخل فيها الذاكرة مع التأمل، والواقع مع البعد الإنساني الأعمق.

ينطلق منصور من تجربة شخصية حساسة، تتمحور حول اقترابه من عالم ديني وثقافي مختلف، في منطقة «غيمري» ذات الدلالات التاريخية والروحية، حيث كاد – كما يشير العنوان – أن يسلك مسارًا مغايرًا تمامًا لحياته. هذا المنعطف يشكّل العمود الفقري للنص، ويمنحه توترًا داخليًا يجعل القارئ مشدودًا منذ الصفحات الأولى، إذ يتابع رحلة التحوّل الفكري والوجداني بشغف متصاعد.

تكمن جاذبية الكتاب في أسلوبه السلس وقدرته على بناء مشاهد حية تنبض بالتفاصيل. فالسرد هنا ليس تقريريًا، بل أقرب إلى رواية تتكشّف تدريجيًا، حيث يُحسن الكاتب توظيف الإيقاع والتشويق، فينتقل بالقارئ بين لحظات التأمل العميق والمواقف الدرامية التي تحمل مفارقات إنسانية لافتة. كما أن الصدق العاطفي في الطرح يعزّز هذا التأثير، ويجعل التجربة قريبة ومؤثرة.

ولا يقلّ البعد الثقافي أهمية عن الجانب الشخصي، إذ يقدّم الكتاب نافذة على عوالم فكرية ودينية قد تبدو بعيدة عن القارئ، لكنه ينجح في تقريبها من خلال لغة واضحة وحكايات مشوقة، مما يضفي على النص طابعًا استكشافيًا يزيد من متعته.

في المحصلة، يبرز «غيمري – كدتُ أصبح إمامًا» كسيرة ذاتية مشوّقة لا تُقرأ بوصفها سردًا لحياة فرد فحسب، بل كتجربة إنسانية غنية بالتحولات والأسئلة، تُبقي القارئ في حالة ترقّب دائم، وتمنحه متعة القراءة بقدر ما تثير فيه التفكير.

***

جورج منصور

 

الموت معبراً إلى المعنى

 تبدو "الرواية الغريبة" في النص الفرعوني للوهلة الأولى أسطورة موت وبعث، لكنها في العمق محاولة أولى لتدجين الفناء وتحويله من حادثة بيولوجية إلى بنية للمعنى. المصري القديم لم يكتب عن الموت بقدر ما كتب ضد الموت، فجعل من الكلمة جداراً يحاصر العدم. الزمن الدائري بديلاً للفناء الغريب في السرد الفرعوني أنه لا يعترف بالنهاية. أوزوريس يُقتل ويُقطع ثم يُجمع ويُبعث. رع يموت كل مساء ويولد كل فجر. هذا الإصرار على التكرار يكشف هاجساً فلسفياً مبكراً: الخوف ليس من الموت بل من اللاعودة. فابتكر الكاهن – الفيلسوف زمناً دائرياً، دورة لا تنكسر، يكون فيها القبر محطة لا مقبرة. وهكذا تحوّل الموت من انقطاع إلى طقس عبور، والجسد من جثة إلى مشروع خلود مؤجل. الكتابة سلاح ضد النسيان الرواية الفرعونية غريبة لأنها مكتوبة على الحجر داخل غرف مغلقة، لا تُقرأ للأحياء بل للموتى. هنا تنقلب وظيفة اللغة: لا تتواصل بل تحصّن. "نصوص الأهرام" و"كتاب الموتى" ليست أدباً بل تعاويذ قانونية يقدّمها الميت لمحكمة أوزوريس. الكلمة تصبح وثيقة هوية كونية. فالفلسفة الضمنية تقول: ما لم يُدوّن يُمحى، وما يُمحى لم يوجد. لذا فالمصري القديم هو أول من جعل الأرشيف شرطاً للوجود. الجسد كمعمار للروح الغريب أيضاً أن النص لا يزدري الجسد بل يقدسه. التحنيط ليس هوساً بالمادة، بل رهان فلسفي على أن الروح تحتاج بيتاً. الثنائية هنا ليست جسد/روح بل جسد/اسم/ظل/قرين. الإنسان شبكة من الكيانات، فإن انهار أحدها انهار الخلود. هذه النظرة المركّبة تسبق بقرون جدل الفلاسفة حول علاقة النفس بالبدن، وتضع الجسد في قلب الميتافيزيقا لا على هامشها. العدالة معياراً للخلود تكمن غرابة الرواية في مشهد "وزن القلب". لا طقوس ولا أنساب تنقذ الميت، بل ريشة ماعت. لأول مرة في التاريخ يُربط مصير ما بعد الموت بالأخلاق لا بالقرابين. الميزان يسبق الجنة. هذا الشرط الأخلاقي يجعل النص الفرعوني نصاً سياسياً مبطناً: الدولة التي تضبط ميزانها على الأرض تضمن خلودها، والحاكم الظالم ميت حتى لو كان في قصره. الخلاصة: فلسفة ضد العبث الرواية الفرعونية غريبة لأنها ترفض عبثية الوجود. الموت موجود لكنه مُروّض بالطقس، والزمن قاسٍ لكنه مُكسور بالدورة، والجسد فانٍ لكنه مُحصّن بالكتان والكلمة. إنها فلسفة عملية للخلاص الفردي والجماعي، صاغها مجتمع زراعي يرى النيل يموت ويحيا كل عام، فقرر أن الإنسان يستحق الدورة نفسها. ما يبدو لنا أسطورة كان لهم دستوراً وجودياً: أن تعيش يعني أن تترك أثراً لا تمحوه الريشة، وأن تموت يعني أن تبدأ مفاوضاتك مع الأبدية بنص مكتوب.

***

محمد البغدادي

جدلُ البصريين والكوفيين في بنية الدلالة العربية

تُعَدُّ "أل" من أدقِّ الأدوات في العربية، لا لكونها علامةً تعريفية فحسب، بل لأنها تُجسِّدُ مفترقَ طرقٍ بين مدرستين نحويتين كبيرتين: مدرسةِ البصرةِ التي تُحكِمُ الصناعةَ بضوابط القياس، ومدرسةِ الكوفةِ التي تُوسِّعُ أفقَ السماع وتُجيزُ ما شهد له الاستعمال. ومن هذا المفترق تتولَّدُ قضايا لغوية دقيقة، تتعلّق بوظيفة "أل" ومعناها، وبعلاقتها بالمشتقات، وبموقع "الآن" في النظام الزمني، وبالوزن الصرفي بوصفه مِعْياراً عند الكوفيين يقابل الإعراب عند البصريين.

أولاً: "أل" بين التعريف والموصولية

يرى البصريون، وعلى رأسهم سيبويه، أنّ "أل" حرفُ تعريفٍ محض، وظيفتُه إدخالُ الاسم في حيّز التعريف، لا غير. فهي عندهم أداةٌ دلالية تُكسِبُ الاسمَ خصوصيةً أو عهداً أو استغراقاً، لكنها لا تنهضُ مقامَ الأسماء الموصولة. ومن ثمّ لا يجيزون تفسير "أل" في نحو: الضاربُ زيدًا بمعنى "الذي ضرب زيدًا"، بل يعدّون "الضارب" اسمَ فاعلٍ مُعرَّفاُ بـ"أل" لا غير، وعلاقته بالفعل علاقة اشتقاق لا صلة موصول.

أما الكوفيون، ومنهم الفراء، فيرون أنّ "أل" قد تتجاوزُ التعريفَ إلى معنى الموصول، فتقوم مقام "الذي". وبذلك يفسّرون قولهم: مررتُ بالضاربِ زيداً على أنّ التقدير: "بالذي ضرب زيداً"، فجعلوا "أل" رابطةً بين المشتقّ وصلته، تُنشئُ بنيةً شبيهةً بالموصول الاسمي.

هذا الخلاف ليس شكلياً، بل يمسُّ جوهرَ النظر إلى اللغة:

فالبصريون يُحافظون على نقاء التقسيم بين الحروف والأسماء.

والكوفيون يوسّعون وظائف الأدوات وفق ما يتيحه الاستعمال.

ثانياً: "أل" الداخلة على المشتق: بين التمييز والتوصيل

يؤكّد المبرد، ممثّل الاتجاه البصري المتأخر، أنّ "أل" في المشتقات ليست إلا علامةَ تعريفٍ وتمييزٍ للاسم، تُخرجه من التنكير إلى التعيين، دون أن تُغيّر بنيته الاشتقاقية. فـ"الضارب" عنده اسمٌ باقٍ على اسميته، و"أل" لا تُنشئ فيه صلةً ولا تحتاج إلى عائد.

بينما يُصرّ الكوفيون على أنّ "أل" في هذا الموضع تُكسِب المشتقّ قوةَ الفعل، وتجعله أقرب إلى الجملة الفعلية المختزلة، حيث تتضمّن معنى الحدث والفاعل والمفعول، وهو ما يفسّر اتساعهم في إعمال اسم الفاعل والمعمولات.

ثالثاً: "أل" في "الآن": بين الزيادة والأصل

تُثير لفظة "الآن" إشكالاً دلالياً وصرفياً.

فالبصريون يميلون إلى اعتبار "أل" فيها زائدةً للتعريف، وأنّ أصل الكلمة "آن" بمعنى الوقت الحاضر، ثم أُدخلت عليها "أل" للتوكيد أو التعريف.

بينما يرى بعض الكوفيين أنّ "أل" فيها جزءٌ من بنيتها الدلالية، حتى كأنها تُثبّت اللحظة في الوجود، فتجعل "الآن" زمناً مُعيَّنًا لا يُتصوَّر انفكاكه عن الحضور.

ومن هنا يتجلّى الفرق بين المدرستين:

البصريون يُفسّرون بالبنية، والكوفيون يُفسّرون بالاستعمال.

رابعاً: الوزنُ عند الكوفيين والإعرابُ عند البصريين

من أعمق الفروق المنهجية أنّ الكوفيين يُعطون للوزن الصرفي منزلةً تقارب منزلة الإعراب عند البصريين. فالوزن عندهم ليس قالباً شكلياً فحسب، بل دليلٌ على المعنى والوظيفة. ومن هنا يتوسّعون في الاحتجاج بالشواهد الشعرية، كما في قول الفرزدق:

ما أنتَ بالحَكَمِ التُرضى حُكومَتُهُ

حيث تُقرأ "الحَكَم" بوصفها على وزنٍ يُكسبها دلالةً مخصوصة، ويُفسَّر دخول "أل" فيها على ضوء هذا الوزن الذي يُحدّد طبيعة الكلمة ووظيفتها.

أما البصريون، فيُقدّمون الإعراب بوصفه الحاكم الأعلى في تحديد المعاني، ويرون أنّ تغيّر الحركات هو الذي يُنتج الفروق الدلالية، لا مجرد الوزن.

خامساً: بين القياس والسماع: فلسفةُ الخلاف

يتجاوز الخلافُ حدودَ "أل" إلى رؤيةٍ أعمق للغة:

فالبصريون يُقيمون نظاماً منطقياً صارماً، يجعل اللغة نسقاً قابلاً للضبط.

والكوفيون يرونها كائناً حياً، يتّسع لما قاله العرب، ولو خرج عن القياس.

ومن هنا نفهم قولهم إنّ "الوزن عند الكوفيين كالإعراب عند البصريين": فكلُّ مدرسةٍ تتّخذ معياراً تُقيم عليه فهمها للغة، وتبني عليه أحكامها.

خاتمة: "أل" بوصفها أفقاً دلالياً

ليست "أل" حرفاً جامداً، بل أفقٌ دلاليٌّ يتّسع بين التعريف والتوصيل، بين الثبات والتحوّل. وفي الجدل بين البصريين والكوفيين تتجلّى عبقرية العربية: لغةٌ تُمسك بالمعنى من جهتين، جهةِ القياس وجهةِ الاستعمال، وتُبقي الباب مفتوحاً أمام التأويل.

وهكذا يغدو البحث في "أل" بحثاً في فلسفة اللغة ذاتها:

هل المعنى يُصاغ بالقواعد، أم يتخلّق في الاستعمال؟

وهل الحرف حدٌّ فاصل، أم جسرٌ بين الدلالات؟

ذلك سؤالٌ لم يُغلق منذ سيبويه حتى اليوم، وسيظلّ مفتوحاً ما بقيت العربية حيّةً تنبض بين نحوٍ يُقنّنها، وشعرٍ يُحرّرها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

كنتُ أكتب كلماتي لك كلما اشتقتُ إليك، كأن بيني وبينك موعدًا لا يهزمه الزمان ولا المكان، وكان البعد الذي حلّ بيننا ثابتًا لا يُخلفه الغياب، وكأن حروفي وحدها كانت الطريقة الوحيدة لأُبقيك قريبًا مني، ولو على أوراقي.

لكن هذه المرة.. مرّت أيام، وأُصيب قلمي بالشلل، فلم يعد يكتب. مرّت أيام أخرى، ولم يكن بيننا حديث، ولم أنتبه حتى أنني تأخرت.

لا أعرف إن كان هذا الصمت الذي أصابني، وأصاب قلمي، صدفة أم بداية شيء مختلف يتشكل في داخلي..

ربما بدأتُ أهدأ قليلًا، وأخفّ من ذلك التعلّق الذي كان يملؤني بك من كل اتجاه.

لم أعد أبحث عنك بين كلماتي،

ولا أفتّش في الوجوه عن ملامحك،

فقد تعلّمت أن بعض الغياب لا يُملأ،

وأن بعض الأشخاص لا يُعوَّضون.. بل يرحلون عن أفكارنا بالتعب، لا بالنسيان.

لم يعد حضورك يشغل أفكاري كما كان، ولم تعد التفاصيل الصغيرة التي كنت أفتّش عنها تستفز اشتياقي لك بنفس القوة.

أظنني بدأتُ أتخطّى.. ليس دفعة واحدة، بل على دفعات، مهلاً مهلاً، كأن قلبي يتعلم أن يتركك دون أن ينهار.

أصبحت أعود إلى نفسي أكثر، ألتفت لحياتي، وأفكر بنفسي أولًا.. وهذا جديد عليّ معك.

ومع ذلك.. لا أستطيع أن أقول إنك غبت تمامًا.

فما زلت تمرّ في بالي أحيانًا، بشكل أخف، كفكرة عابرة لها طعمها، لا تقيم طويلًا في روحي، لكنها تترك أثرها في الصمت.

أسمع همسات تشبه صوتك، أو أقرأ جملة تحمل شيئًا من كلامك، أو أرى صورة تحمل ملامحك، فأبتسم بهدوء.. ثم أستمر.

الغريب، يا صديقي، أنني لم أعد أركض خلف هذا الشعور كما كنت..

صار يزورني ثم يرحل مسرعًا، وأنا لا أتمسك به كثيرًا، وكأنني بدأت أفهم أنني أستحق أن أكون أهدأ من هذا الانتظار المميت.

ربما هذا هو التغيير الذي لم أكن ألاحظه..

أنت ما زلت في الذاكرة، لكنك لم تعد تسيطر على قلبي كما في السابق.

صار لك مكان أصغر، أهدأ، لا يوجعني كثيرًا.. لكنه لم يختفِ تمامًا.

إن قرأت كلماتي هذه يومًا..

فلتعلم أنني كنت صادقة معك دائمًا، وأنني أحببتك بطريقتي،

لكنني بدأت أيضًا أحب نفسي أكثر، وأتعلم أن أعود إليها خطوةً خطوة.

ما زلت أذكرك..

لكنني لم أعد أضيع فيك وفي ملامحك.

أنا لا أنساك..

لكنني لم أعد أملك رفاهية أن أحبك كما كنت..

فقلبي الذي كان يركض إليك، صار الآن بالكاد يقف على قدميه.

ذكرى البياتيلم اعد ابحث عنك بين كلماتي

كنتُ أكتب كلماتي لك كلما اشتقت لك، كأن بيني وبينك موعدًا لايهزمه الزمان والمكان والبعد الذي حل بيننا ثابتًا لا يُخلفه الغياب، وكأن حروفي وحدها كانت الطريقة الوحيدة لأُبقيك قريبًا مني ولو على اوراقي.

لكن هذه المرة.. مرت ايام وقلمي اصابه الشلل لم يعد يكتب، وعدة ايام ونحن لا حديث بيننا، ولم أنتبه حتى أنني تأخرت.

لا أعرف إن كان الصمت الذي أصابني وإصابة قلمي هذا صدفة أم بداية شيءٍ مختلف امتلكني بداخلي..

ربما بدأتُ أهدأ قليلًا، وأخف من ذلك التعلق الذي كان يملأني بك من كل اتجاه.

**

لم أعد أبحث عنك بين الكلماتي،

ولا أفتش في الوجوه عن ملامحك،

فقد تعلّمت أن بعض الغياب.. لا يُملأ،

وأن بعض الأشخاص، لا يعوضون.. بل يرحلون عن افكارنا بالتعب لا بالنسيان..

فلم يعد حضورك يشغل افكاري كما كان، ولم تعد التفاصيل الصغيرة التي كنت أفتش عنها تستفز اشتياقي لك بنفس القوة.

أظنني بدأت أتخطّى.. ليس دفعة واحدة، لكن على دفعات مهلا مهلا، كأن قلبي يتعلم أن يتركك دون أن ينهار.

أصبحت أعود لنفسي أكثر، ألتفت لحياتي، وأفكر بنفسي أنا أولًا.. وهذا جديد عليّ معك.

ومع ذلك.. لا أستطيع أن أقول إنك غبت تماما.

فما زلت تمرّ في بالي أحيانًا، بشكل أخف، كفكرة عابرة لها طعمها لا تقيم طويلًا في روحي لكنها تترك أثرها في الصمت.

أسمع همسات تشبه صوتك ، أو أقرأ جملة تحمل من كلامك أوصورة تحمل ملامحك، فأبتسم بهدوء.. ثم أستمر.

الغريب يا صديقي أنني لم أعد أركض خلف هذا الشعور كما كنت..

صار يزورني ثم يرحل مسرعا، وأنا لا أتمسك به كثيرًا، وكأنني بدأت أفهم أنني أستحق أن أكون أهدأ من هذا الانتظار المميت.

ربما هذا هو التغيير الذي لم أكن ألاحظه..

ولكنك انت ما زلت في الذاكرة، لكنك لم تعد تسيطر على القلبي كما قبل.

صار لك مكانك أصغر، أهدأ، لا يوجعني كثيرا.. لكنه لم يختفِي تماما.

إن قرأت كلماتي هذه يومًا..

فلتعرف أنني كنت صادقة معك دائمًا، وأنني أحببتك بطريقتي،

لكنني أيضا بدأت أحب نفسي أكثر، وأتعلم أن أعود إليها خطوة خطوة.

ما زلت أذكرك..

لكنني لم أعد أضيع فيك وفي ملامحك.

أنا لا أنساك..

لكنني لم أعد أملك رفاهية أن أحبّك كما كنت..

فقلبي الذي كان يركض إليك، صار الآن بالكاد يقف على قدميه..

***

ذكرى البياتي

 

يشهد الأدب المغربي المعاصر حيوية لافتة في مجال الرواية، حيث تتكاثر الإصدارات وتتعدد التجارب والأساليب، وتتشعب الموضوعات بين أسئلة الهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية والهجرة. غير أن هذه الغزارة الإبداعية لا تجد صداها بالقدر نفسه في مجال النقد الروائي، مما يخلق نوعًا من الاختلال بين الإنتاج والتلقي، ويدفع إلى التساؤل حول واقع النقد ووظيفته في هذا السياق الثقافي المتغير.

يبدو واضحًا أن كثيرًا من الروايات المغربية تصدر دون أن تحظى بقراءات نقدية معمقة تواكبها وتفكك بنياتها وتضيء رهاناتها الجمالية والفكرية. وغالبًا ما تُقابل هذه الأعمال بنصوص انطباعية سريعة أو تقديمات احتفالية تفتقر إلى التحليل المنهجي الصارم. كما أن عدد النقاد المتخصصين في الرواية يظل محدودًا، في وقت يتزايد فيه عدد الروائيين والنصوص، وهو ما يوسع الفجوة بين الإبداع والنقد. ويزداد الأمر تعقيدًا حين يتحول الخطاب النقدي الأكاديمي إلى خطاب مغلق لا يجد طريقه إلى القارئ العام، بينما يظل النقد الصحفي سطحيًا وموسميًا.

تتعمق هذه الأزمة أيضًا بسبب إشكالات منهجية، حيث يلاحظ تردد بين التمسك بمناهج تقليدية لم تعد قادرة على استيعاب تحولات السرد المعاصر، وبين استيراد نظريات نقدية غربية دون تكييفها مع خصوصية السياق المغربي. هذا التذبذب يحد من قدرة النقد على إنتاج أدوات تحليلية فعالة، ويجعل الكثير من القراءات تبدو منفصلة عن روح النصوص التي تحاول مقاربتها.

كما لا يمكن إغفال دور الوسائط الثقافية في هذه الأزمة، إذ تراجعت المجلات الأدبية المتخصصة، وقلّ حضور الصفحات الثقافية في الصحافة، واختفت تقريبًا البرامج الإعلامية التي تعنى بالنقد والكتاب. ورغم أن الفضاء الرقمي أتاح إمكانيات جديدة للنشر والتفاعل، فإن أغلب ما يُنشر فيه يظل أقرب إلى التعبير السريع والانطباعي، دون أن يرقى إلى مستوى التحليل النقدي العميق. في هذا السياق، يفقد النقد جزءًا كبيرًا من وظيفته كحلقة وصل بين النص والقارئ.

تنعكس هذه الوضعية أيضًا على طبيعة العلاقة بين الروائي والناقد، حيث تسود أحيانًا مشاعر الحذر أو التوجس، خاصة حين يكون النقد صارمًا. في المقابل، يميل بعض النقاد إلى المجاملة أو الصمت، وهو ما يضعف حيوية النقاش الأدبي ويحد من إمكانيات التطور والتجديد. ويؤدي هذا الوضع إلى نوع من القطيعة غير المعلنة، حيث يكتب الروائي بمعزل عن قراءة نقدية جادة، ويشتغل الناقد في دائرة ضيقة لا يتردد صداها في الفضاء الثقافي العام.

ورغم كل هذه الإكراهات، فإن هذه الوضعية تفتح أفقًا للتفكير في سبل إعادة الاعتبار للنقد الروائي، من خلال تشجيع القراءات التطبيقية المنطلقة من النصوص، والانفتاح الواعي على مقاربات متعددة، وتعزيز حضور النقد في الفضاء الرقمي بشكل أكثر عمقًا واحترافية، إلى جانب بناء علاقات صحية بين النقاد والروائيين قائمة على الحوار والتفاعل.

إن الرواية المغربية، وهي تواصل ترسيخ حضورها، تحتاج إلى مواكبة نقدية تليق بحيويتها، وتساهم في إبراز قيمتها الفنية والفكرية، وتساعد القارئ على الولوج إلى عوالمها المركبة. فالنقد يظل عنصرًا أساسيًا في دينامية الأدب، يرافقه ويغنيه ويوجه مسارات تلقيه، ويمنحه أبعادًا أعمق داخل المشهد الثقافي.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

 

المقدمة: لا يمكن الحديث عن الشعر العربي الحديث دون المرور باسم صلاح عبد الصبور، الشاعر الذي جمع بين الحداثة الفنية والعمق الإنساني، وجعل من قصيدته مرآة للوجدان العربي. لقد امتد تأثيره في مسار الشعر الحر، حيث نقل اللغة الشعرية من قيود التقليد إلى فضاءات أرحب تعبّر عن نبض الإنسان في مواجهة الحياة، وتجسّد آماله وآلامه في كلمات حية تبقى خالدة. في هذا المقال نسلّط الضوء على حياته، شعره، وأهم أعماله الأدبية التي جعلت منه علامة فارقة في الأدب العربي.

نبذة عن حياته

وُلد صلاح عبد الصبور في ٣ مايو ١٩٣١ بمدينة الزقازيق بمصر، ونشأ في أسرة تقدّر العلم والثقافة، ما مكّنه من صقل موهبته الشعرية منذ الصغر. التحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة وتخرج في قسم اللغة العربية عام ١٩٥١، وهو ما أسّس خلفية ثقافية غنية ساعدته على المزج بين التراث العربي والاتجاهات الحديثة.

بدأ مسيرته المهنية كمدرس للغة العربية، ثم انتقل إلى العمل الصحفي والأدبي، فعمل محررًا في مجلات مثل روز اليوسف وصباح الخير، ومحررًا أدبيًا في صحيفة الأهرام. فيما بعد تقلّد مناصب ثقافية مرموقة شملت نائب وزير الثقافة ورئيس الهيئة العامة للكتاب، حتى وافته المنية في ١٤ أغسطس ١٩٨١.

التجديد الشعري والهم الإنساني

يُعد ديوان الناس في بلادي أحد أهم أعماله، إذ يُعدّ نقطة البداية الحقيقية للشعر الحر في مصر، محرّرًا القصيدة من قيود الوزن والقافية التقليدية، وموفّرًا مجالًا واسعًا للتعبير عن صراع الإنسان وهمومه اليومية.

من أبرز ما يميّز شعره دمج الحس الوطني بالبعد الإنساني العميق، وجعل القضايا الفردية جزءًا من التجربة الجماعية، كما تظهر قدرته على تحويل الألم إلى لغة فنية تعبّر عن أمل الإنسان وتجدده. ومن شعره نقرأ

"نموت حتى نولد في الغد…

بلا موعد… بلا عنوان…

نموت حتى نعود أطفالًا

نرى النور في بزوغ الصبح"

تظهر هذه الكلمات الفلسفة الإنسانية في شعر عبد الصبور، حيث الموت ليس نهاية، بل بداية لتجدد الحياة.

"جنوب يا جنوب…

لوعة الوجدان

حكاية كل من عشقك

قبل أن يرى النور…"

هذه الأبيات تجسّد الانتماء للوطن والروح الجماعية التي تحاكي وجدان الشعب المصري، بما يعكس قدرة الشاعر على المزج بين الفردي والجماعي في نص شعري واحد.

"على أرض تشتهي المطر

وعلى قلب يشتهي الأمل…

يبقى الرجل واقفًا

يغني لليل…"

رمزية هذه الكلمات تُظهر الإنسان في مواجهة قسوة الحياة، مع الحفاظ على الأمل والصمود.

المسرح والكتابة النقدية

إلى جانب الشعر، كتب صلاح عبد الصبور نصوصًا مسرحية هامة مثل مأساة الحلاج، ليلى والمجنون، الأميرة تنتظر، وبعد أن يموت الملك، حيث مزج بين الشعر والدراما ليعالج موضوعات إنسانية وفلسفية.

كما أسهم في النقد الأدبي، وكتب مقالات تناولت الفن والشعر واللغة، مؤكدًا على أهمية الشعر كمرآة للواقع والوجدان.

الإنسان في شعره

من أبرز ما يُذكر في نقد شعر عبد الصبور، أنه لعب دورًا مركزيًا في تقديم الشعر كصوت للإنسان العادي الذي يعيش في عالم يتبدّل بلا رحمة، ويقدّم نصوصه عمقًا انسانيًا يناقش الأسئلة الكبرى حول الحياة، والوجود، والحرية، والمعنى.

كان عبد الصبور يرى أنّ الشعر هو التعبير الأصدق عن الذات وعمق الوجدان، وأن على الشاعر أن يقترب من واقع الإنسان نفسه، فيفرّق بين الحزن كحالة نفسية والوجع كدافع لخلق معنى جديد.

الخاتمة

يبقى صلاح عبد الصبور شاعرًا خالدًا في الأدب العربي، لأنه لم يكتفِ بجماليات اللغة، بل جعل من الشعر تجربة حياة، يصوغ من خلالها وجدان الإنسان وهمومه، ويجعل من الألم والأمل لغة مشتركة تعكس وجود الإنسان في عالم متغير. لقد أحدث عبد الصبور نقلة نوعية في الشعر العربي، فكان الصوت الذي جمع بين الحداثة، الإنسانية، والعمق الفلسفي، ليصبح مرجعًا حقيقيًا لكل من يبحث عن الشعر الذي يلامس الروح ويثير الفكر في الوقت ذاته.

***

بقلم: وفاء محمد يونس

اعادني نبأ الرحيل الابدي الاخير للشاعر العربي اللبناني الجنوبي، المتميز الياس لحود، يوم السبت، التاسع عشر من نيسان العام الماضي ٢٠٢٥، إلى أكثر مما لا يقل عن نصف القرن من الزمان، وذكرني باللحظات الأولى التي وصل فيها عدد من مجموعاته الشعرية الحداثية الهادرة، لا سيما عندما اوصلها إلى أيدينا، اقصد الصديق الشاعر سيمون عيلوطي امد الله في عمره وانا كاتب هذه السطور، الشاعر الكاتب الراحل الصديق ادمون شحادة، إبان عمله في إدارة مكتبته الحديثة في الناصرة. وما زلت اتذكر جيدا، وقد زاد في ثراء تلك الفترة الشعرية المحددة، تعرفنا على شاعر مبدع اخر هو محمد علي شمس الدين، الذي يعتبر ايضا، من شعراء الجنوب اللبناني المبدعين، ومعروف أن لحود واحد من أبرزهم.

كان أكثر ما جذبنا وشدنا إلى هذين الشاعرين، اولا وقبل كل شيء، ذلك الدفق الموسيقي الشعري، الذي حمل الينا آنذاك، تلك المقولة التي طالما ترددت على السنة العديد من النقاد والشعراء، ومفادها أن الشعر ما هو إلا دفق موسيقي، يحتضن التجربة الإنسانية الرؤيوية لصاحبها، ويقدمها في حالتها تلك إلى قارئ، تعود على الانجذاب إلى ايقاعات موسيقية، نعتها جبران خليل جبران في مواكبه الجميلة، بصفة سر الوجود، أما الكاتب جان ماري جويو، فقد أكد في كتابه الجميل عن" مسائل الفن المعاصر"، على أهمية تلك الخلفية الرؤيوية الموسيقية في الحالة الإبداعية الشعرية.  أو كينوتها المبهرة الساحرة.

لقد دفعتنا تلك التجربة الشعرية الفريدة، بعد تعرفنا على الشاعرين المذكورين، الشاعر الفقيد خاصة، لأن نبحث عن أشعاره، ولأن نقراها ونطلع عليها، لا سيما في تلك المجلة الأدبية التي أسسها الياس لحود،( اقصد مجلة "كتابات معاصرة")، مكرسا اياها لتشجيع المتحول الحداثوي في عالم الشعر العربي المعاصر، فقرأناها بمزيد من الاهتمام، وكان ما يلفت كاتب هذه السطور في تجربة لحود تحديدا، هو ذلك التصاعد المضطرد بانتظام فيها، فصاحبها لا يكرر نفسه ولا ينشر، الا في القليل النادر، ما سبق وتردد من اسعاره في الماضي، تجلى ذلك في كل قصيدة جديدة له، بالضبط مثلما تجلى في مجموعاتها المتتالية، ابتداء من مجموعته الاولى فصاعدا، حتى الأخيرة. لن اذكر مجموعاتها الشعرية، واكتفي بالقول إنها سبق واصدرت، قبل أكثر من عقد من الزمان، في أربعة مجلدات. ما عدا هذا فيما بتعلق بالإنتاج الغزير لشاعرنا الراحل بإمكاني احالة الاخوة القراء على الشبكة الإلكترونية العنكبوتية "غوغل" ، ففيها عنها ما يزيد عن الغاية ويفيض.

من المعروف المشهور عن الشاعر الياس لحود، أنه نشأ في كنف والد يعمل ميكانيكيا، إلا أنه يقرض الشعر المحكي خاصة، ويهوى العزف الموسيقى. هذه النشأة دفعت صاحبها الطفل لان يقبل على كتابة الشعر وهو لما يزل في العاشرة من عمره، وهو ما دل في أهم ما دل عليه أن "الديك الفصيح من البيضة يصيح" ، كما يقول المثل السائر. لقد صدرت مجموعة الياس لحود الشعرية الاولى عندما كان في العشرين من عمره، أما في السادسة والعشرين فقد حصل على اللقب الجامعي الاول في اللغة العربية وآدابها، وهو ما أهله لأن يعمل في مجالين ثقافيين عامين، أحدهما التربية والتعليم، والآخر التحرير الثقافي الادبي، في العديد من المجلات، خاصة مجلته المذكورة آنفا "كتابات معاصرة".

تقول السيرة الأدبية لإلياس لحود، أنه كتب الشعر في مختلف اجناسه وانواعه، وذلك ابتداء من القصيدة العمودية، العربية الاصيلة، مرورا بالقصيدة المحكية، وقد أصدر في مجالها اربع مجموعات، انتهاء بالقصيدة التفعيلية، (من تفعيلة) ، على طريقة المدرسة العراقية لدى الشاعرين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وسواهما من الشعراء.. وقد كتب قصيدة النثر ايضا. ولعلي اشير هنا إلى أن كتابة شاعرنا لقصيدة التفعيلة، كان أكثر ما جذبنا، في فترة تعرفنا الاول على إبداعه الشعري المتدفق. وقد صرح شاعرنا الراحل، في أكثر من مناسبة وكتابة أيضا، أنه حرص في كل ما كتبه من انواع، أجناس وضروب شعرية، على العمق الإبداعي الذي انبهر به منذ بدايته الأولى مع الابداع الشعري.

كل هذا قربنا أكثر فأكثر من شاعرنا المبدع الراحل، وكان اكثر ما شدنا إليه، هو تلك الهموم التي تجلت في مواقفه وإبداعاته الشعرية، في مقدمتها القضايا العربية وهمومها المتتابعة، وفي صلبها القضية الفلسطينية ومعاناة أهلها الجارحة.

***

ناجي ظاهر

......................

* الياس لحود ولد في بلدة مرج عيون اللبنانية الجنوبية عام ١٩٤٢. تأثر بالاجواء المتوترة حوله وتفاعل معها عاكسا إياها بمقدرة فنية ملموسة، فيما كتبه ونشره من أعمال شعرية استحقت الاهتمام بجدارة. ورحل يوم الأحد ٢٩-٤-٢٠٢٥. مخلفا وراءه إرثا أدبيا شعريا واسعا. وذكرا يستحق البقاء والخلود.

(إيهٍ أيتها الحرية، كم رائعةٌ أنتِ، ومرعبةٌ في الوقت نفسه)... لويس آراغون

في الذاكرة الإنسانية محطاتٌ لا تمحى، تظلّ عالقةً كندبةٍ مفتوحة، تذكّرنا بأن التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو اختبارٌ دائمٌ لإنسانيتنا. وتأتي ذكرى مجزرة حلبچة بوصفها واحدةً من أكثر تلك المحطات إيلاماً، حيث امتزجت المأساة الفردية بالمأساة الجماعية، وارتسمت صورة الإنسان وهو يواجه الموت في أكثر صوره قسوةً وتجريداً.

في تلك اللحظة الفارقة من أواخر ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن الموت مجرد نهاية، بل كان حضوراً كثيفاً يملأ الهواء ذاته. غازاتٌ خانقة، وروائحُ لا تُحتمل، وأجسادٌ تبحث عن ملاذٍ فلا تجد سوى الفراغ. تحوّلت الطبيعة، التي كانت يوماً ملاذاً وملجأ، إلى فضاءٍ معادٍ، يلفظ الحياة بدل أن يحتضنها.

وسط هذا المشهد القاتم، تتجسد حكاية "گلستان" بوصفها صورةً مكثّفة للمعاناة الكردية آنذاك. ليست مجرد امرأة، بل رمزٌ للإنسان حين يُلقى به في قلب الكارثة، عارياً من كل شيء إلا من ذاكرته. اسمها، الذي يعني "الوردة الجبلية"، يبدو مفارقاً لواقعها؛ إذ اقتُلعت هذه الوردة من تربتها، وقُذفت إلى عراءٍ قاسٍ لا يشبه شيئاً من ماضيها.

تستعيد گلستان، في لحظات انكسارها، تفاصيل حياتها التي كانت. حبّها لزوجها شوان، دفء الطبيعة، وبساطة الأيام التي سبقت العاصفة. لكن هذه الذكريات، بدلاً من أن تكون عزاءً، تتحول إلى عبءٍ مضاعف؛ فهي تذكّرها بما فقدته إلى الأبد. هكذا تتجاور في وجدانها صورتان: حياةٌ كانت تنبض، وموتٌ يزحف ببطءٍ لا يُقاوم.

إن تجربة النزوح، كما تكشفها هذه الحكاية، ليست انتقالاً مكانياً فحسب، بل هي اقتلاعٌ جذريّ من الزمن أيضاً. فالمخيم، بأسلاكه الشائكة وقاعاته الصفراء، ليس مجرد فضاءٍ مادي، بل هو حالةٌ نفسية تُعلّق الإنسان بين ماضٍ لا يعود، ومستقبلٍ لا يتشكل. هناك، يصبح الهواء ثقيلاً، والذاكرة أكثر وطأة من الواقع.

وتبلغ المأساة ذروتها حين تفقد گلستان زوجها، لا في ساحة معركةٍ واضحة، بل في صمتٍ خانق داخل كهفٍ مظلم. الموت هنا ليس بطولياً، بل صامتٌ، بطيء، ومجرّد من أي معنى سوى الفقد. ومع ذلك، تستمر الحياة بشكلٍ غامض؛ طفلٌ بين ذراعيها، وجنينٌ في أحشائها، كأن الحياة تصرّ على البقاء حتى في أحلك الظروف.

هذه الثنائية - بين الموت والحياة - هي ما يمنح القصة بعدها الإنساني العميق. فگلستان لا تمثل الضحية فقط، بل تمثل أيضاً القدرة الغامضة على الاستمرار. إنها صورةٌ للأم التي تواجه العدم بإرادةٍ غريزية، حتى حين يجفّ الحليب ويضيق الأفق.

في استحضار هذه الذكرى، لا يكون الهدف مجرد استعادة الألم، بل إعادة طرح الأسئلة الكبرى: كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى أداة فناء؟ وكيف يمكن لذاكرةٍ مثقلةٍ بالموت أن تظلّ قادرةً على إنتاج الحياة؟

إن مأساة حلبچة، بما تحمله من رمزية، ليست حدثاً معزولاً في التاريخ، بل جرحٌ مفتوح في الضمير الإنساني. ومن خلال حكاية گلستان، تتجلى الحقيقة الأشد قسوة: أن الضحايا لا يُختزلون في أرقام، بل هم حيواتٌ كاملة، وأحلامٌ انكسرت، وقصصٌ لم تكتمل.

تبقى گلستان، في النهاية، أكثر من شخصية روائية؛ إنها شاهدٌ حيّ على زمنٍ اختلط فيه الهواء بالموت، وعلى إنسانٍ حاول، رغم كل شيء، أن يتمسك بخيط الحياة. وفي ذلك، ربما تكمن المفارقة الأعمق: أن أكثر اللحظات ظلاماً قد تحمل، في طيّاتها، بذرة الضوء. وإليكم هذه الحكاية التي كتبتها قبل سنوات:

گلستان

عندما توشِكُ الشمسُ على إخفاءِ وجهها خلفَ تلك التلةِ الرابضةِ هناك منذ الأزلْ، تبدأ الأقدام تسير بخطواتٍ ثقيلةٍ تعبةٍ باتجاه القاعات الصخرية الباردة، المرصوفة بإنتظامٍ وسط جدرانٍ مسيّجة باسلاكٍ شائكةٍ مشّددةٍ واضواءٍ كاشفة.

يخنقُ نزلاء معسكر النازحين، هواءٌ ثقيلٌ جاف، تفوحُ منه روائح كريهة تملأ فضاء القاعات الصفراء التي يشعر المرء فيها، وكأنها مناطيدَ معبأةٍ بغازاتٍ خفيفةٍ، يُخشى ان تنطلقَ فجأةً نحو الأعلى. وقد زينتْ جدران هذه القاعات، بلا اعتناء، بصورٍ وشعاراتٍ تثير القرف.

الألم يعتصر قلوب هذه المجاميع البشرية، الغارقة في دوامةِ الفاجعة التي آلمت بها، وهي تحاول جاهدةً استعادة ذكرياتها عن الوطن الأم، حلوة كالشهد حيناً، ومُرّة كالعلقم في اغلب الأحيان.

وكًلستان.. المرأة الجبلية الجميلة تنتظر الزوبعة القادمة، بعد ان قذفتها العاصفة الهوجاء بدخانها الأسود الى مرافئ تجهلها تماماً. تنتظرُ الزوبعة، وهي منزوية  في ركن من اركان القاعة، تحتضن طفلها الرضيع بيار.

تستعيد كًلستان شريط ذكرياتها عن تلك الأيام الجميلة، عندما كانت تنامُ مع شوان في احراشٍ تمورُ بالحب.. واخرى قاسية ومؤلمة حد اللعنة، عندما سارت حاملةً طفلها بيار عبر الطرقاتِ الوعرةِ والوهادِ الصعبة والطرق غير السالكة، وهي تتذكر القرى الخَرِبَة والحيوانات المقتولة والمزارع المحروقة.

 سارت مشياً على الأقدام مع اسرابٍ مؤلفة من الكُرد، رجالا ونساء واطفالا، هرباً من تلك الغيوم السوداء القاتلة التي عصفت بالمنطقة على حين غرة.

بعد ان اصيب زوجها شوان برصاصةٍ في فكهِ الأسفل، اضطرتْ كًلستان على ان تختفي معه في كهفٍ رطبٍ يبتلعُ الأصوات، ويتناثرُ فيه الصمت، ولا ينفذ اليه الضوء، وتتسكع فيه الحشرات جيئة وذهاباً، وتزحفُ فيه السحليات في كل الأتجاهات.

اختفيا مع طفليهما، لئلا تصيبهم تلك السُحُب السوداء والرياح الزاحفة اليهم. رياحٌ تفوحُ منها رائحةً كريهةً تُزكم الأنوف.

حتى كادَ نفاذ الغازات الى الكهف ان يقتلهم جميعاً.

لا تزال كًلستان غارقة بدوامة عالقة في مخيّلتها، ولا تبارح ذهنها.

"لقد اصبحت قطعة الحجرهي الجبهة التي تنوحُ عليها الأحلام- كما يقول لوركا- والأصابعُ قفازٌ من الحديد الأسود اخذتْ تفتح الجمجمة وتبحث عن الزهرة والخاتم".

وفجأة حدثَ ما حدثْ:

فارقها شوان دون رجعة..

كان مسترخياً قبالتها، يحتضر امام عينيها.. يبكي طويلا، ويتنفس بصعوبة بالغة..

حاول شوان ان يبتسم، إلا ان ابتسامته تخثرتْ على شفتيه.. تغيرتْ ملامحه كثيرا، وتوقف قلبه عن الخفقان..

ارادت كَلستان ان تصرخ.. خرج صوتها مبحوحاً، وظنت ان احداً لن يسمعها..

هو لم يبصر الموت: "ان القتيل، اذا شاء، يرقص، لكنه لا يغني".

فارقها شوان تاركاً لها طفلا، وجنيناً في جوفها..

شوان... شوان... ش.. وا... ن.

يصاب صوتها ببحة.. تسعلُ طويلاً، وتختلطُ عليها الأشياء.. تحاولُ ان تصمد وتمسك بزِمام الموقف. لا تريد ان يوقِعها الأعياء، فتسقطْ.

"الموت من امامكم

الموت من ورائكم

الموت بانتظاركم

الموت..."

كانت السماء كساءً لهما، والحشائش البرية زاداً يومياً.

كل صباح تنتظر كًلستان الفجر لترى النور خارج هذا الكهف..

لكن رائحة الحرائق والغازات كانت تملأ فضاء المنطقة.. ودوّي الانفجارات وصخب لا تعرف كنههما يملآن اذنيها..

حاولت ان تجتاز ذلك السياج لتهرب منه الى حيث لا تدري.. اوقفها الحراس، واعادوها الى حيث الركن الذي اعتادت ان تنزوي فيه.

من جديد.. تعود كًلستان الى شريطِ ذكرياتها، لكنّها في هذه المرة منطرحة.. لا تقوى على الحِراك.

يحلُ الظلام ويسدل الليل اوزاره.. وما يزال نحيب كًلستان يملأ القاعة.

لقد جفَّ حليبها، ولا تدري كيف ستُرضع طفلها الذي ينحل ويصغر يوماً بعد آخر.

***

ويتغير الزمن ويدور دورة واخرى، ويكبر بيار، وينمو الجَنين في جوف كًلستان..

"ايها الجسد يا شريان النهار العميق

ايها المطر الناعم.. تعالَ، برداً عنيفا".

***

جورج منصور

التحوّل: في صباح أحد الأيام، قبل بضعة أجيال، استيقظتُ وقررتُ أن أختبر نفسي. قلتُ لنفسي: ستكونين امرأةً ورجلاً، سمكةً وحشرةً وطائراً، جبلاً وحبة رمل.

"كيف تدفن والدك في قصيدة. توسكيتس. "لا حاجة للصفات"، هكذا قالت الكاتبة الرومانية المقيمة في برشلونة في بداية كتابها. شعرٌ خالٍ من الزخرفة، يليق بالواقع ولكنه يتحدى الواقع من خلال الخيال، لأن الخيال - الحلم، الشعر - قادر على خلق عالم أكثر واقعية "لإضفاء معنى على ما لا يُفسَّر".

كورينا شاعرة ومترجمة وروائية، وُلدت في رومانيا، ترانسيلفانيا، وتعيش الآن في إسبانيا، كاتالونيا. حائزة على جائزة توسكيتس لعام 2024 التقيتها هنا في السويد قبل سنوات 2020 في مدينة يونشوبنك في مهرجان الشعر العالمي ودعوتها إلى البيت حيث تحدثنا طويلا عن الأدب وذكرياتنا عن رومانيا. ولدت الشاعرة عام (1973)  في مدينة فجاراش. وتعمل مُدرسةً للغة الإنجليزية في إحدى المدارس الثانوية في كاتالونيا. كان ظهورها الأدبي الأول في مجلة تريبيونا الأدبية عام 1996، ونُشرت أعمالها بانتظام في مجلة إكينوكس الأدبية. في عام 2016، نشرت ديوانها الشعري الأول بالإسبانية بعنوان "ألف موت وموت واحد" Mil y una muerte، عن دار نشر لا غاروا.

قادت ورش عمل شعرية في مدرسة الكتابة الإبداعية "لابوراتوري دي ليتر" في برشلونة وعن دار نشر "إديتورا سكولا أرديليانا" في طبعة ثنائية من الديوان اللغة بعنوان "ميل وونا مويرتيس/ أو مي شي أونا دي مورتي" (2018). تبع ذلك كتاب "Intermitencias/ Intermittente Sabina Editorial" (2018)، و بنسخته الرومانية، من إصدار دار النشر "Editura Şcoala Ardeleană". وفي عام 2019، نُشر ت كتاب "Temprana eternidad/ An early eternity" في كولومبيا، والذي يضم، بالإضافة إلى مختارات من قصائدها المنشورة سابقًا، قصائد أخرى لم تُنشر من قبل. أما أحدث كتبها باللغة الإسبانية فهو "Desde dónde amar/ From Where We Can Love" (Pre-textos، 2021). وفي اللغة الكاتالونية، نشرت ديوان "La mà que tremola/ The Trembling Hand" (Cafè Central، 2020). )

قامت بترجمة مؤلفين رومانيين إلى الكتالونية والإسبانية، مثل مارين سوريسكو (جائزة كافال فيرد رافيل جاومي لترجمة الشعر، 2013، وجائزة مارين سوريسكو، 2014)، ولوسيان بلاجا، وآنا بلانديانا (جائزة جوردي دومينيك لترجمة الشعر، 2015)، وأنجيلا مارينيسكو، ودينو فلاماند، وإيوان إس. بوب، بيك أدريان، جيلو نعوم، نورمان مانيا. قامت بترجمة الشاعرة الأمريكية ماري أوليفر من الإنجليزية إلى الكاتالونية (جائزة Nollegiu ، 2018)، وترجمت L’arquitectura de la llum/ عمارة الضوء للشاعر الكاتالوني أنتوني كلابيس Editura Şcoala Ardeleană، 2021 إلى الرومانية. هي مؤلفة مختارات من الشعر الكاتالوني المعاصر "الساعة غير المؤذية" (كولومبيا، ٢٠٢١). وقد نُشرت أعمالها في العديد من مختارات الشعر والطبعات التذكارية (سيسيليا ميريلس، جوان بروسا، أليخاندرا بيزارنيك). تُرجمت بعض قصائدها إلى التشيكية، والصربية، والإيطالية، والإنجليزية، والسويدية، والفرنسية، والبرتغالية، والعربية، والبنغالية، والتركية، والعبرية.

ترنيمة الفراغ

 أغمض عينيك وابحث عن الوجه في الذاكرة، حيث يختفي الاسم، كما لو كنت تُشيّد عمودًا لا نهائيًا من الفراغ، منحوتًا في الغياب، من هواء ثقيل يُحرّك صمتك. لا تحصر نفسك في المكان الذي كنت فيه يومًا ما، ولا تتظاهر بفهم، أو ربما فهم، أن الموت الأبدي هو ميلاد، وأن الرحيل وجود عابر في الآخرين، حتمًا، بلا رجعة. قبل الفراغ، الفراغ، وبعد

تقول الشاعرة كارينا؛

" انه غالبًا ما تحتل القصائد مكانة ضئيلة في الصحف، بل تكاد تكون غير مرئية. فبين صفحات كثيرة مخصصة للشؤون الجارية والقصص والمقالات، تظهر دواوين الشعر بشكل محدود، وغالبًا ما تُهمّش في زاوية مهمشة." ثم تعاود القول؛ "لذا، يسعدني جدًا كشاعره أن أرى صحيفة "لا فانغوارديا" ‏ La  Vanguardia  تُخصص صفحة كاملة لمختارات شعرية بمناسبة عيد القديس جوردي، من روائع الأدب الكلاسيكي إلى قصائد النذور. ويسعدني أن أكون جزءًا من هذه المختارات إلى جانب شعراء مثل ألفارو فالفيردي، وهوجو موخيكا، وخوان ماركيز، وماريان مور، وريلكه، وسيزار بافيزي، ومارغريت أتوود، وجورج لويس بورخيس، وفيرا جيمفاريت. أي مجموعة من الأصوات التي تتجاوز اللغات والعصور، وتُحدد معنى قراءة الشعر اليوم."

***

د. توفيق رفيق آلتونچي

.............................

للمزيد حول الشاعرة؛

‏#corinaoproaepoet #tusquetspoesía #santjordi #poesiaenespañol

https://www.facebook.com/share/18H7xKU5L2/?mibextid=wwXIfr

Corina Oproae

Corina Oproae. 6 271 gillar · 227 pratar om detta. La casa limón (Tusquets 2024) Mil y una muertes, Intermitencias, La mà que tremola, Desde dónde amar.

مُهْدَاةٌ إِلَى: د. ف.

أخبرنا أبو ذَرّ النَّابلسيّ المُلَقَّبُ بـ "زِفْت الطِّين، الموبوء بعشق فلسطين، والمبغض للعسكر والسَّلَاطين" فِي كتابِهِ المفقودِ "خريرُ نُورِ الشُّرُوقِ وعَبِيرُ نَارِ البُرُوقِ" أنَّ أحَدَ النُّسَّاكِ عَثَرَ عَلَى رُسُومِ مَدِينَةٍ طَافِحَةٍ بالمَوْتِ والضَّبَابِ، فَظَلَّ يَتَلَمَّسُ طَرِيقَهُ وَسطَ آياتِ الخَرَابِ، تَتَرَصَّدُهُ ظلالُ الصَّبَّارِ الظَّمْأَى ويُبَاغِتُهُ صَرِيفُ صُوًى مِن العظامِ البالية، مُتَوَجِّسًا يُصِيخُ إلى أنينِ الرِّيحِ الثَّكْلَى فِي صُدُورِ الطُّلولِ الخالية، حَتَّى وَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى رُقْعَةٍ مِنَ الجِلْدِ المُهْتَرِئ النَّحِيلِ، فَانْحَنَى لِيُوقِظَهَا بِأَنَامِلِهِ الوَاجِفَةِ مِنْ سُبَاتِهَا الطَّوِيلِ.

وبَيْنَمَا هُوَ ينفضُ عَنْهَا غُبَارَ أَقْدَامِ السِّنِين وأَوْضَارِ النِّسْيَانِ المَهِين، لَاحَتْ لَهُ بَيْنَ غُضُونِ وَجْهِ الرُّقْعَةِ نُقُوشٌ لَا تَكَادُ تَبِين: حُرُوفٌ عَجْمَاءُ عَلَى صِرَاطِ العَدَمِ حَائِرَةٌ، لَهَا أَجْسَادٌ عَجْفَاءُ تَقْتَاتُ عَلَيْهَا نُدُوبٌ كأفواهِ الطَّوَاغِيتِ غَائِرَةٌ. أَقْذَتْ عَيْنَيهِ حَبَّاتٌ مِنَ رِّمَالٍ لاذِعَةٍ عَنْ اِفْتِضَاضِ بَكَارَةِ المَرْقٌومِ وَازِعَةٍ؛ فَأَطْبَقَهُمَا لُحَيْظَةً تُعَادِلُ خَفْقَةُ قَلْبِ الفَأرِ المَذْعُورِ، وَحِينَ فَتَحَهُمَا رَأَى نَفْسَهُ وَاقِفًا فِي صَوْمَعَتِهِ والجُدْرَانُ مِنْ حَوْلِهِ كخذروفِ الوَلِيدِ تَدُورُ وَلَهَا هَزِيمٌ كَأَجِيجِ التَّنُّورِ، اِنْقَبَضَتْ أَصَابِعُ يَدِهِ اليُسْرَى تَطْلُبُ مَا تَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ لِتَقِيهِ مَغَبَّةِ السُّقُوطِ، فَبَاغَتَهَا دِفءُ الرَّقِّ المَخْطُوطِ مُبَاغَتَةَ الكَلَالِيبِ لِمَنْ يُجْفَلُ عَلَى شَفِيرِ جُهَنَّمَ.

وَمَا لَبَثَ أَنْ رَجَمَ الجِدَارَ القَصِيَّ بالرَّقِّ العَجِيبِ وقَدْ بَزَغَ ذُهُولُهُ وَنَمَا، كَأنَّهُ ظَنَّهُ ذَيْلَ عقربٍ جسيمٍ يَحُوكُ بِشَوْكَتِهِ كَفَنًا لَافِحًا أو يَدَ مُسْتَبِدٍّ رَجِيمٍ اِفْتَجَأَهُ فِي سَمَادِيرِ كَابُوسٍ مُصَافِحًا.

مَكَثَ النَّاسِكُ فِي صومعته حَبِيسَ فِرَاشِهِ، لا تُفَارِقُهُ الحُمَّى المُطْبِقَةُ هُنَيْهَةً وَجِيزَةً وكَأنَّهَا حَيَّاتُ الجَحِيمِ السِّغَابُ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ تَنْتَهِشُ الظًّلْمَةُ لَحْمَ رُوحِهِ بِمَخَالِبَ تَرْشَحُ رُعْبًا قَدْ أَحْكَمَ شَحْذَهَا الاكتئابُ. ظَلَّ يَهْذِي بِصَوتٍ مَحْمُومٍ، يُبَعْثِرُ نُتَفًا مِمَّا وَقَعَ لَهُ مِنْ خَطْبٍ مَشْئُومٍ: تارةً يَجْهَرُ ثَائِرًا بِصِيَاحٍ يُمَازِجُهُ أَنِينُ لَذَّةٍ مُرِيبٌ وتَارَةً أُخْرَى يُغَمْغِمُ خَائِرًا بِحَشْرَجَةٍ شَوْهَاءَ كَأَنَّ أَنْفَاسَهُ مَشَاقِصُ ولِسَانَهُ وَدَجٌ شَخِيبٌ.

سَرْعَانَ مَا مَاتَ، وسَرْعَانَ مَا اِسْتَحَالَ لُغْزًا عُضَالًا دَامَ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ وبِضْعَةَ شهورٍ، ولَمْ يَبْقَ مِنَ القِصَّةِ إلَّا أصَداءُ هُذَاءٍ سَلَخَتْهُ الأَلْسِنَةُ مَنْ إِهَابِ البَرِيقِ ونُسْخَةٌ قِيَلَ إنَّ أَحَدَ تَلَامِيذِ النَّاسِكِ المَعْتُوهِ قَدْ خَطَّهَا نَقْلًا عَنْ الرَّقِّ المَشْبُوهِ قَبْلَ أَنْ تَخْتَطِفَهُ الغَيْبَةُ إلَى قَعْرِ العَدَمِ السَّحِيقِ.

قَدْ أَثْبَتُ هُنَا مَا فِي النُّسْخَةِ المَظْنُونَةِ مِنْ حُوْشِيِّ السُّطُورِ وقَدْ أَرْدَفْتُهَا بِتَرْجَمَةٍ سَقِيمَةٍ لا إخَالُهَا تَصْلُحُ عَلَى البَرْزَخِ العَاثُورِ نَعْلًا يُمَكِّنُ صَاحِبَهُ مِنَ العُبُورِ إِلَى إدراكِ غَايَتِهَا واستجلاءِ بُهْمَتِهَا والتَّبَرُّؤِ مِنْ مَعَرَّةِ عُجْمَتِهَا.

1. النَصُّ الرَّابِضُ عَلَى النِّصْفِ السُّفْلِيِّ مِنْ ظَهْرِ النُّسْخَةِ المَزْعُومَةِ:

آب‌ها در آتش گریزان آسمان می‌خندند

شن‌ها در سکوت خروشان زندان می‌خزند

سنگ‌ها در قلب سرگردان انسان می‌رقصند

گل‌ها در چشمان ستمگر خدایان می‌پوسند

(التَّرْجَمَةُ السَّقِيمَةُ المُهَلْهَلةُ)

في نَارِ السَّمَاءِ المُرَاوِغَةِ يَضْحَكُ المَاءُ

فِي سُكُونِ السِّجْنِ الهَادِرِ يَزْحَفُ الهَبَاءُ

فِي قَلْبِ الإنْسَانِ السَّادِرِ تَرْقُصُ الأَحْجَارُ

فِي أَعْيُنِ الآلهةِ المُسْتَبِدَّةِ تَذْبُلُ الأَزْهَارُ

2. النَّصُ الرَّابِضُ عَلَى وَجْهِ النُّسْخَةِ المَزْعُومَةِ والنِّصْفِ العُلْوِيِّ مِنْ ظَهْرِهَا:

سایه‌ام همچون برگ‌های پاییزی در دریاچه‌های سرخِ ردپاهای در حال مرگ فرو می‌افتد، در حالی که رویایم زیر شلاق‌های باد دیوانه فریاد می‌زند.

تکه‌هایی از تاریکی خفقان‌آور را دیدم که با ترس زخم‌هایم را لمس کردند تا پروانه‌های مستی شوند که عطرشان، مانند لرزش نوک سینه‌ای گلگون میان لب‌های عاشقی گمشده، می‌خواند.

در رحم گورم، سرودهای مقدس و جاودان کودکانی را می‌شنیدم که بر فراز ویرانه‌های جهانی ناامید و مسموم از خشم و دروغ، بازی می‌کردند.

بچه ها این طرف و آن طرف می پریدند تا طناب را از دور گردنم باز کنند و فراموش نکردند که مار قهوه ای تیره فلج را ببوسند، اما فراموش کردند که مرا ببخشند.

آنها آن را تکه تکه کردند تا برای عروسک‌های پر سر و صدا و بی‌خواب خود تاب درست کنند، قبل از اینکه بتوانم از مرگ برگردم، آنها به خواب رفتند و مرا تنها گذاشتند.

نوک انگشتانم دسته‌ای کبوترند که بر ران‌های الهه‌ام فرود می‌آیند تا قطرات شبنم را از گلبرگ‌های سوسن بی‌نهایت باشکوهش بلیسند.

ناگهان متوجه شدم صدایی ندارم که از کرم‌های توی قبر بپرسم دست‌هایم کجا هستند؟

از همه خدایان دعا کردم که زبانم را به من برگردانند، اما کم‌کم متوجه شدم که خدایان خشمگین، مانند کرم‌های توی قبرم، گوش ندارند.

آیا ممکن است کرم‌های ناشنوا تنها گوش‌های خدایان باشند؟

الهه من، چرا مرا رها کردی؟ حتی صلیب‌ها هم از من خسته شده‌اند و مرا با صلیب خودشان اشتباه می‌گیرند. کی برمی‌گردی؟ رحم کن به این صلیب‌ها که احشای چوبی‌شان از میخ‌های ملال سخت آسیب دیده‌اند.

استخوان‌هایم، همچون شاخه‌های برهنه، امید دارند که زیر لطافت اشک‌های بهاری تو شکوفا شوند. چرا حروف نام من، خارهای سخت و نفرین‌شده‌ای شده‌اند که در گلوی جلاد رحمان فرو رفته‌اند؟

(التَّرْجَمَةُ السَّقِيمَةُ المُهَلْهَلَةُ)

يَتَنَاثَرُ ظِلِّي كَأَوْرَاقِ الخَرِيفِ فِي البُحَيْرَاتِ القَانِيَةِ لِبَصَمَاتِ أَقْدَامِ المُحْتَضَرِينَ، بَيْنَمَا يَصْرُخُ حُلْمِي أَلَمًا تَحْتَ سِيَاطِ الرِّيَاحِ المَسْعُورةِ.

لَقَدْ رَأَيْتُ شَظَايا الظَّلامِ الخَانِقِ تَلْمِسُ جُرُوحِي بِرِعْدَةٍ كَي تَصِيرَ فَرَاشَاتٍ ثَمِلَةً يَفُوحُ مِنْ أَجْنِحَتِهَا عِطْرٌ كَرَجْفَةِ حَلَمَةٍ وَرْدِيَّةٍ بَيْنَ شَفَتَيّ عَاشِقٍ غَائِبٍ، عِطْرٌ يَصْدَحُ بالغِنَاءِ.

فِي رَحِمِ القَبْرِ سَمِعْتُ الأَطْفَالَ يُرَدِدُونَ أَغَانِيهِم الأَبَدِيَّةَ المُقَدَّسَةَ وهُمْ يَلْهُونَ فَوقَ أَنْقَاضِ عَالَمٍ يَائِسٍ مَسْمُومٍ بالسُّخْطِ والكَذِبِ.

تَقَافَزَ الأَطفَالُ هُنَا وهُنَاكَ كَي يَفُكُّوا حَبْلَ المشنقةِ عَنْ عُنُقِي: لمْ يَنْسَوا أَنْ يُقَبِّلُوا الأَفْعَى الكَسِيحةُ ذَاتَ اللَّونِ البُّنِّيّ الغَامِقِ، لَكِنَّهُمْ نَسَوا أَنْ يُسَامِحُونِي.

مَزَّقُوَهَا إِرْبًا إِرْبًا لِيَصْنَعُوا أَرَاجِيحَ للدُّمَى الصَّاخِبَةِ المُؤَرَّقَةِ، وقَبْلَ أَنْ أَعُودَ مِنَ المَوْتِ، غَلَبَهُمُ النُّعَاسَ وتَرَكُونِي وَحِيدًا.

أنَامِلِي سِرْبُ حَمَامٍ يَحُطُّ عَلَى فَخْذَي إلهتي لِيَلْعَقَ قَطَراتِ النَّدَى التي تُرَصِّعُ بَتلاتِ زَنْبَقَتِهَا المُتْرَعَةِ بجَمَالٍ جَلِيلٍ يُعْجِزُ الدَّهْرَ ولَا تُحِيطُ بِهِ الآبَادُ.

لَكِنِّي بَغْتَةً أَدْرَكْتُ أَنِّي لَا صَوْتَ لِي كَي أَسْألَ دِيدَانَ قَبْرِي: أَين يَدَاي؟

صَلَّيتُ إلى جَمِيعِ الآلهةِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُعِيدُوا لِي لِسَانِي، لَكِنِّي شَرَعْتُ أُدْرِكُ أَنَّ الآلهةَ الغَاضِبَةَ كَدِيدَانِ القَبْرِ لَيْسَ لَهَا آذان.

أَيُعْقَلُ أَنْ تَكونَ الدِّيدَانُ الصَّمَّاءُ هِي الآذان الوحيدة للآلهةِ؟

إلهتي، لِمَا تَرَكْتِنِي؟ الصُّلْبَانُ قَدْ مَلَّتْ مِنِّي، حَتَّى صَارَتْ تَرَانِي صَلِيبًا لَهَا. مَتَى تَعُودِين؟ اِرْحَمِي هذه الصُّلْبَانَ التي أَثْخَنَتْ مَسَامِيرُ السَّأَمِ أَحْشَاءَهَا الخَشَبِيَّةَ.

عِظَامِي كَالأَغْصَانِ العَارِيةِ تشتاقُ إلى أَنْ تُزْهِرُ تَحْتَ لَمَساتِ حَنَانِ دُمُوعِكِ الرَّبِيعِيَّةِ، فِلِمَ اِسْتَحَالتْ حُرُوفُ اسمي أَشْوَاكًا قَاسِيَةً لَعِينَةً اِنْغَرَسَتْ فِي حَلْقِ جَلَّادِي الرَّحِيم رَحْمَةً مُطْلَقة؟

***

أنطونيوس نبيل

 

أسماء ليس لنا إلا ألفاظها

أما معانيها فليست تعرف

معروف الرصافي

تأتي هذه الأبيات كمدخل مؤلم لفهم المآسي الإنسانية التي تتجاوز قدرة اللغة على الاحتواء. فالكلمات مهما بلغت فصاحتها، تظل قاصرة أمام تجارب الألم العميقة؛ إذ تتحول المفاهيم الكبرى كـ"النزوح"، "الفقد"، و"النجاة" إلى ألفاظ مجردة لا تعكس الثقل الحقيقي لما يعيشه الإنسان في لحظة الانكسار.

ومن هنا يصبح الفن – لا اللغة – الوسيلة الأصدق لنقل تلك المعاني. لوحة "أوركون" هي واحدة من هذه اللحظات التي تنفلت من قيود التعبير اللغوي لترى وتحس أكثر مما تقال.2655 ahmad

تمثل لوحة "أوركون" للفنان القيرغيزي دانيار جولدوشبيكوف مرثية بصرية لواحدة من أكثر الفصول مأساوية في تاريخ آسيا الوسطى. حيث يعاد استحضار نزوح الشعب القيرغيزي عام ١٩١٦ عبر جبال تيان شان.

في قلب اللوحة تحتضن امرأة طفلها وسط الثلوج، في صورة تختزل الألم الإنساني في اصعب صوره.

الأم هنا ليست عنصر بصري فقط بل رمز للأنسانية باعمق جروحها، والطفل هو براءة تلقى في محرقة القسوة البشرية.

أما الأجساد الساقطة حولها فهي ليست مجرد عناصر درامية، بل علامات صامتة على الثمن الباهظ للبقاء في ظل احلام الامبراطوريات و رجالها و المصفقين لها .

في الخلف تمتد قافلة بشرية لا تنتهي، لتؤكد أن المأساة لم تكن فردية بل جماعية، وأن الألم كان ممتدا بامتداد الأفق.

تهيمن على اللوحة ألوان باردة يغلب عليها الأبيض والرمادي، ما يخلق إحساسا بالجمود والفراغ.

الثلج لا يستخدم كخلفية فحسب بل كعنصر ضاغط يبتلع الأجساد ويكتم الأصوات.

تتوزع الشخصيات بين السكون والحركة: في المقدمة سكون الموت أو الإنهاك؛ وفي الخلف حركة بطيئة لقافلة تسير نحو المجهول.

هذا التباين يخلق توترا بصريا يعكس صراع الحياة والموت.

تفاصيل الملابس الثقيلة والانحناءات الجسدية والوجوه المنكسرة؛ كلها تشير إلى مقاومة الإنسان في وجه بيئة لا ترحم و بشر لا يرحمون.

كما أن التلاشي التدريجي للأشكال في الضباب يمنح اللوحة بعدا زمنيا وكأن المشهد يمتد خارج حدود اللحظة.

وهنا تستدعي هذه الصورة، بكل ما فيها من عزلة وصمت ما عبر عنه دوستويفسكي على لسان أحد أبطاله حين قال:

"لم أطلب يداً تمسح دموع الفزع ولم أوقظ أحدا ليعانقني كي أهدأ... لقد عشت أسوأ اللحظات بمفردي."

 يتحول هذا الاعتراف في سياق لوحة "أوركون" من مونولوج داخلي إلى حالة بصرية.

فالأم الجاثية لا تلتفت باحثة عن معين وملامحها المطمورة بالبرد لا تحمل رجاء المساعدة.

يضاعف الفنان هذا الإحساس بالعزلة عبر تكوين يطوق الشخصية بمساحات شاسعة من البياض فلا يظهر في محيطها القريب سوى السكون أو الأجساد الهامدة.

بهذا تصبح اللوحة تجسيدا لقدر مجابه وحيدا.

 ليس فقط لأن من حولها قد سقطوا بل لأن حجم الكارثة يفوق طاقة الكلمات أو إيماءات المواساة.

وعلى الجانب الآخر من المشهد، حيث تمتد القافلة البشرية كخط متعرج يخترق بياض الثلج يمكننا أن نستعين بكلمات فيكتور هوغو لنقترب من فهم ما يجري:

 "بعض الأفكار صلوات! هناك لحظات تكون فيها النفس جاثية على ركبتيها مهما كان وضع الجسد."

في لوحة "أوركون" نلاحظ فعلا هذا التطابق بين هيئة الجسد وهيئة الروح. فأجساد النازحين المثقلة بالبرد والجوع تمضي إلى الأمام منحنية تحت وطأة الطبيعة لكن وضعية هذا الانحناء تتجاوز كونها مجرد تعب عضلي لتصبح أقرب إلى هيئة المتضرع.

لقد حول جولدوشبيكوف المسيرة الجماعية إلى ما يشبه طقسا صامتا. كل شخص في القافلة البعيدة رغم حركته الظاهرية يبدو في حالة ركوع داخلي.

التلاشي التدريجي للأشكال في ضباب الأفق لا ينفي وجودهم، بل يمنحهم حضورا يتجاوز اللحظة التاريخية المحددة. هنا لا تطلب النفوس الخلاص من عدو مرئي بل تتجه بصمتها نحو كون صامت.

ينتمي دانيار جولدوشبيكوف إلى تيار فني يجمع بين الواقعية التعبيرية واستلهام الذاكرة التاريخية. لا يكتفي بنقل الحدث كما هو، بل يعيد تشكيله من خلال حس إنساني عميق يجعل من اللوحة تجربة شعورية لا مجرد توثيق بصري.

تتسم أعماله بالتركيز على الإنسان في لحظات الانكسار مع استخدام مدروس للضوء واللون لإبراز الحالة النفسية. يمكن القول إن فنه يقف عند تقاطع بين التوثيق والتأمل حيث تتحول اللوحة إلى مساحة للتفكير في التاريخ لا مجرد استعادته. إن "أوركون" ليست فقط عملا فنيا بل حقا اللوحة موقف أخلاقي من الذاكرة ومحاولة لإعطاء صوت لمن صمتوا و فقدوا بين الثلج.

نعود إلى معروف الرصافي الذي بدأنا به:

أسماء ليس لنا إلا ألفاظها

أما معانيها فليست تعرف.

 تقف لوحة "أوركون" شاهدا على صدق هذه الرؤية الشعرية. فمهما أمعنا في وصف النزوح و الفقد تظل هذه الألفاظ قاصرة عن ملامسة جوهر ذلك الرضيع الذي تيبست أطرافه في حضن أمه أو تلك الأنفاس الأخيرة التي اختلطت بذرات الثلج. الفن هنا لا ينقل المعنى فحسب بل يمنحه نبضا ويجعلنا شركاء في الوجع لا مجرد متفرجين على مشهد.

بعد هذه الرحلة في تفاصيل الوجع البصري يبقى السؤال معلقا:

هل نكتفي بترديد الأسماء المجردة للمآسي، أم أن نظرة صادقة إلى لوحة مثل "أوركون" قد تعيد للكلمات ما فقدته من ثقل المعنى؟

***

د احمد عابر

 

في لحظة ما من القراءة، يكتشف القارئ أنه لم يعد يسير فوق أرض صلبة، بل داخل ممرات متشابكة، تتفرع دون إنذار، وتعود لتلتقي أو لتفترق في صمتٍ مريب. هناك يتحول النص إلى متاهة تُعاش. متاهة لا جدران لها سوى اللغة، ولا أبواب سوى التأويل، ولا مخرج مضمون سوى ما يصنعه القارئ بنفسه..

لقد غيّر السرد المعاصر موقع القارئ من متلقٍّ إيجابي إلى كائن تائه، يجرّب ويخمن ويضلّ الطريق. لم يعد النص الروائي يقدّم نفسه باعتباره عالماً مغلقاً متماسكاً، بل كفضاء مفتوح، تتقاطع فيه الأزمنة، وتتناسل فيه الأصوات، وتتشظى فيه الذوات. في هذا السياق، تصبح القراءة تجربة قلق، حيث لا يقود الخيط دائماً إلى الخروج، بل قد يلتف حول عنق المعنى نفسه..

في المتاهة الروائية، يُعاد ترتيب الزمن خارج منطقه المألوف. الماضي لا يأتي بعد الحاضر، بل قد يسبقه أو يتداخل معه، وقد يُروى الحدث الواحد من زوايا متعددة، فتتعدد الحقيقة أو تتبخر. هنا، لا يملك القارئ يقيناً واحداً، بل يعيش داخل احتمالات، كل منها يبدو مقنعاً بقدر ما هو قابل للانهيار. إن الزمن في هذه النصوص ليس خطاً، بل شبكة، وكل عقدة فيها تُفضي إلى تأويل مختلف.

أما الشخصية، فليست أقل تيهاً من القارئ. إنها كائن متشظٍ، فاقد للثبات، تتنازعه هويات متعددة، ويصعب الإمساك بجوهره. قد يكون الراوي نفسه موضع شك، وقد يتحول إلى قناع يخفي أكثر مما يكشف. وهنا، يُدفع القارئ إلى التساؤل: من يتكلم؟ ومن يروي؟ وهل ما يُقال حقيقة أم بناء متخيَّل يتقن لعبة الإيهام؟

تتعقد المتاهة أكثر حين يصبح النص واعياً بذاته، يلتفت إلى كونه نصاً، ويكشف آلياته، ويشكك في سلطته. في هذا المستوى، لا يعود السرد مجرد تمثيل للعالم، بل مساءلة له، ولأدوات تمثيله. ينهار الجدار بين الكاتب والنص والقارئ، وتُفتح لعبة مرايا لا تنتهي. القارئ هنا لا يقرأ فقط، بل يُقرأ أيضاً، إذ يجد نفسه داخل شبكة من الإشارات التي تستدعي خبرته وثقافته وحدوده.

ولعل من أبرز ما يميز هذه المتاهات الروائية أنها لا تمنح لذة سهلة، بل لذة مؤجلة، تتشكل عبر الجهد والتعثر وإعادة القراءة. إنها نصوص تقاوم الاستهلاك السريع، وتطالب قارئها بالصبر واليقظة. قد يشعر القارئ بالضياع، بل بالإحباط أحياناً، لكنه ضياع منتج، لأنه يفتح أفقاً جديداً للفهم، ويحرر القراءة من سكونها.

غير أن هذا التيه ليس غاية في ذاته، بل هو استراتيجية جمالية ومعرفية. فالمتاهة الروائية تعكس تعقيد العالم المعاصر، حيث لم تعد الحقائق بسيطة، ولا الهويات مستقرة، ولا السرديات الكبرى قادرة على احتواء التجربة الإنسانية. إن تيه القارئ هو صدى لتيه الإنسان في واقع متشظٍ، متعدد، ومربك.

وهكذا، حين يتيه القارئ، لا يكون قد فشل في القراءة، بل يكون قد دخلها حقاً. لأن القراءة، في أعمق مستوياتها، ليست بحثاً عن مخرج، بل إقامة داخل المتاهة، والقبول بأن المعنى ليس نقطة وصول، بل رحلة لا تنتهي.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

 

سيرة مبدع من المجر الكبير

في جنوب العراق، حيث تتنفس الأرض عبق التاريخ وتنساب الحكايات على ضفاف الأهوار، تتكوّن ملامح شخصياتٍ جمعت بين العقل والإبداع، بين الدقة العلمية وروح الفن. ومن بين هذه الأسماء يبرز المهندس والخطاط علي محمد علي إبراهيم الجبير، بوصفه نموذجاً لإنسانٍ استطاع أن يخطّ مسيرته بمدادين: مداد الهندسة، ومداد الحرف العربي الأصيل.

وُلد الجبير  في قضاء المجر الكبير، ونشأ في بيئةٍ تفيض ببساطة الجنوب وعمقه الثقافي. اختار طريق العلم، فحصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة، ليبدأ مسيرته المهنية التي توّجها بمنصب رئيس مهندسين أقدم في شركة نفط ميسان، حيث أثبت كفاءةً عاليةً في مجاله، جامعاً بين الخبرة والانضباط والدقة.2653 ali aljobar

لكن روح الجبير لم تكتفِ بلغة الأرقام والمعادلات، بل انجذبت إلى عالمٍ آخر لا يقلّ جمالاً ودقة، هو عالم الخط العربي والزخرفة الإسلامية. هناك، وجد ذاته الحقيقية، فصقل موهبته حتى نال إجازة في الخط العربي من الخطاط الكبير نبيل الشريفي، وهي شهادة لا تُمنح إلا لمن بلغ درجةً متقدمة من الإتقان.

انخرط في الوسط الثقافي والفني، فكان عضواً في جمعية الخط العربي، والمركز الثقافي للخط العربي، إضافة إلى عضويته في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، مما يعكس تعدد اهتماماته وعمق حضوره في المشهدين الفني والأدبي. وقد شارك في العديد من المعارض والمهرجانات، مقدّماً أعمالاً تحمل بصمته الخاصة، حيث تتجلى في لوحاته روح الحرف العربي وجمالياته المتوارثة.

لم يتوقف عطاؤه عند حدود اللوحة، بل امتد إلى البحث والكتابة، فكتب في تاريخ الخط العربي وأنواعه، مساهماً في توثيق هذا الفن العريق ونقله للأجيال. كما خطّ بيده جزء عمّ وجزء تبارك بخط النسخ، في تجربةٍ تجمع بين العبادة والفن، وهو اليوم مستمر في مشروعه الكبير: كتابة القرآن الكريم كاملاً بخط يده، في عملٍ يحتاج إلى صبرٍ طويل وإخلاصٍ نادر.

أما في مجال الأدب، فقد أظهر الجبير وجهاً آخر من إبداعه، فأصدر مجموعتين قصصيتين هما "الجسر" و**"دموع النمل"**، حيث عبّر فيهما عن رؤيته الإنسانية وتجربته الحياتية بأسلوبٍ سرديٍّ مميز. ولا يزال عطاؤه متواصلاً، إذ يعمل على إصدار مجموعة قصصية جديدة بعنوان "خمسة + واحد"، إلى جانب ديوانٍ شعريٍّ قيد الإعداد.

إن سيرة علي محمد علي إبراهيم الجبير ليست مجرد مسارٍ مهني أو فني، بل هي حكاية إنسانٍ آمن بأن الإبداع لا تحدّه حدود التخصص، وأن الحرف يمكن أن يكون بقدر المعادلة دقةً وجمالاً. هو واحد من أولئك الذين ينسجون من شغفهم طريقاً، ويتركون في كل خطوة أثراً… فكان بحقّ جسراً بين العلم والفن، وبين الحاضر وأصالة التراث.

***

خليل الحلي

تناقلت وكالات الانباء ووسائل الإعلام المنتشرة في جميع أنحاء العالم، يوم الأحد الثالث عشر من نيسان العام الماضي ٢٠٢٥، خبر وفاة الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا، الحاصل على جائزة نوبل للأدب عام ٢٠١٠ ،وذلك بعد أن نعته عائلته في اليوم ذاته، وقد تلا نعيه هذا العشرات والمئات من الأخبار التي نقلت نعي رؤساء دول، سياسيين ورجالات ادب، وذلك ضمن إشارة واضحة لأهمية هذا الكاتب الادبية، وتركته التي تمثلت في أكثر من ثلاثين كتابا، وقف في طليعتها انتاجه الروائي، ذلك الإنتاج الذي قدمه خلال عمره المديد، الذي قارب التسعين عاما. ومما تردد بعد رحيل هذا الكاتب الذي يعتبر من أهم كتاب عصرنا، أنه كاتب جاد.. قد تختلف معه في هذا الرأي أو ذاك، إلا أنك لا تمتلك الا ان تحترمه وتحترم ما تركه من إرث ادبي، تغلغل إلى أعماق النفس الإنسانية، ضمن إطار متخيل أسسه صاحبه على معاينات شخصية وتجارب انتصبت في صلبها صورة الكاتب العصري الحداثي، الذي يلامس جل قضايا العصري ببراعة واقتدار.

تعود علاقتي الأدبية بماريو فارغاس يوسا (٢٨ آذار ١٩٣٦- ١٣ نيسان ٢٠٢٥)، إلى نحو العقدين من الزمن وقد لفتني وآثار اهتمامي، بعد قراءة العديد من أعماله الروائية والأدبية عامة، أنه قدم بحياته وإنتاجه صورة للكاتب العصري، ابن هذا الزمان ورفيق قضاياه الحارقة والملحة، مدركا تمام الإدراك للعملية الإبداعية الادبية، وهو ما دل عليه انتاج الادبي الروائي اولا، وإنتاجه الادبي ممثلا في المقالة الأدبية الرصينة ثانيا.

سأحاول فيما يلي تقديم صورة عامة لعلاقتي الأدبية به، ولن التزم بالترتيب الزمني، الكرونولوجي، لهذه العلاقة، وذلك لمقتضيات الكتابة الأدبية ذات الترتيب المنهجي أو المنطقي كما اراها. من هكذا منطلق سأشير اولا إلى كتاباته الأدبية العامة، وسوف أتوقف قليلا عند كتابه "رسائل إلى روائي شاب"، هذا الكتاب الذي تحدث فيه عن أهم ما تتطلبه الكتابة الروائية، سواء من ناحية الايقاع الروائي والشخصيات أو من ناحية أهمية الشكل ممثلا بالحبكة، وهي التتابع المنطقة للأحداث، أو من ناحية التناول العام للقضايا الهامة في المجتمع، لكن بأسلوب يذكر بمقولة الكاتب الأمريكي ارنست همنجواي، صاحب رواية الشيخ والبحر، عن أهمية أن يتعامل الكاتب، اثناء كتابته عمله الروائي على اعتبار أن ثلثيه يقومان تحت الماء، في حين لا يرى القارئ الا الثلث البارز فوق الماء، بالضبط كما يحدث في الحياة اليومية المعيشة خلال تعاملنا نحن بني البشر فيما بيننا. قراءة هذا الكتاب شجعت على قراءة كتب اخرى. في السياق ذاته برز من بينها كتاب، طرح فيه السؤال المثير حول السبب الذي يدفعنا لقراءة الادب والروايات. لن أتوقف أكثر عند هذا الكتاب واقترح على من يريد أن يتعمق في قراءة ما خلفه كاتبنا المبدع من أعمال أدبية انطباعية صرف، أن يبحث عنها ليقرأها، فهي تستحق المتابعة والقراءة، وبإمكاني القول إن من يقرأها يربح الكثير، ويدخل في ابسط الحالات إلى عالم يوسا المستحق، فاهما، واعيا ومدركا، وهذه لعمري هي متطلبات القراءة الأساسية والجادة.

قراءتي هذه لنثريات ماريو فارغاس يوسا، كانت الاولى، بعدها قرأت عددا غير قليل من رواياته منها امتداح الخالة ودفاتر دون ريغوبيرتو. بما أنني اكتب هنا مقالة وداعية لهذا الكاتب واريد لها أن تعرف من لا يعرفه به، فإنني اكتفي فيما يلي بالتوقف السريع عند ثلاث من رواياته، لم اكتف بقراءتها فقط، وانما اقترحت أيضا، على اكثر من صديق اديب أو متأدب قراءتها.

ضمن الترتيب غير الزمني المذكور آنفا، اتحدث فيما يلي عن روايته الكبيرة حفلة التيس، فهذه الرواية تتحدث عن شخصية الحاكم الطاغية، وتتمحور حول شخصية دكتاتور جمهورية الدومينيكان رفائيل تروخيو، الذي تم اغتياله عام ١٩٦١، وتتوزع أحداثها على ثلاثة محاور، كل من أصحابه وشخوصه، يرى ذلك الديكتاتور من زاويته الخاصة به. كما هو معروف فإن موضوع الديكتاتور شغل حيزا خاصة فيما خلفه كتاب أمريكا اللاتينية، ابتداء من رواية السيد الرئيس للكاتب الغواتمالي ميجيل استورياس، انتهاء برواية الأنا الأعلى للكاتب اوجينو روا باستوس، التي تدور حول شخصية الديكتاتور السياسي خوسيه دي فرانتا الذي حكم الارغوي، في المنتصف الاول من القرن التاسع عشر، مرورا برواية خريف البطريرك للكاتب الكولومبي جابريل غارسيا ماركيز، التي تدور حول دكتاتور طاغية عجوز متخيل استقى ماركيز مواصفاته من أكثر من طاغية من طغاة جمهوريات الكاريبي. 

الرواية الثانية التي وددت التوقف عندها هي البطل المتكتم، وهي رواية تتعرض لموضوع، بات هاما وملحا مع ظهور مجموعات المافيا الاجرامية، العنيفة القتالة، هو موضوع الخاوة، واذكر بالمناسبة أنني كنت قد أعدت مؤخرا، قراءة هذه الرواية، وبادرت الى كتابة مقال تعريفي بها، نشر قبل رحيل صاحبها يوسا، بعدد قليل من الايام. هذه الرواية، تدور حول رجل اعمال، اجتهد فتمكن من الانتقال من سائق شاحنة متواضع الحال إلى صاحب شركة نقليات ناجحة. هذه الرواية أيضا تتوزع على ثلاثة محاور، يتنقل مبتدعها يوسا، فيما بينها بمهارة وبراعة لافتين، وينتهي كعادته بالربط فيما بينها بيسر وسلاسة كاتب متمرس، بإمكان من يريد التوسع في القراءة عن هذه الرواية، قراءة ما كتبته عنها في هذه الصفحة قبل فترة وجيزة.

الرواية الثالثة والأخيرة التي أود التوقف عندها، هي رواية الفردوس على الناصية الاخرى.  هذه الرواية تطرح السؤال عن كينونة اليوتوبيا/ العالم المثالي أو الفردوس، اهو في المساواة ام في المجتمع البدائي، وخلال المحاولة الدائبة للإجابة على هذا السؤال، يلتقي القارئ وجها لوجه بالمدعوة فلورا تريستان، التي كرست حياتها لإنصاف المرأة والانتصار لقضيتها في الوجود والمساواة، وفي المقابل يلتقي قارئ الرواية بالفنان التشكيلي بول غوغان صاحب لوحات تاهيتي المعروف لكل محبي الفنون التشكيلية في شتى بقاع العالم، وبحثه الدائب عن الحياة البدائية في جزيرة تاهيتي. في هذه الرواية الفاتنة يتألق يوسا في ابتكار عالمه المتخيل، ويكاد قارئها يلتقي بشخوصها، خاصة غوغان كما تخيله مؤلفها، اقول يكاد يلتقي به شخصيا وان يلمسه بالعين واليد. ولعل يوسا بهذا يحقق افضل ما يطمح إليه الكاتب الروائي، وفق الرؤية الخاصة للكاتب الانجليزي البارز دي. اتش. لورنس. صاحبة الرواية ذائعة الصيت عشيق الليدي تشاترلي.

في المجمل يمكننا القول، أن ماريو فارغاس يوسا، تمكن باقتدار وبراعة نادرين، من خلق عوالم متخيلة قريبة من عالمنا، بكل ما مار فيه من أحداث ووقائع، وذلك برؤية فنية رفيعة المستوى.. رؤية تعتمد الوعي والسرد العميق الراقي، وهو ما أهل رواياته مجتمعة تقريبا، لأن تتحول بيسر وسهولة، إلى افلام سينمائية رائعة يشاهدها الناس في شتى بقاع العالم، بالضبط كما فعل القراء، على اختلاف انتماءاتهم وطبائعهم..

***

ناجي ظاهر

حين يطل علينا الربيع ببهائه الساحر، فإنه لا يأتي مجرد فصل عابر بين شتاء قارس، وصيف لاهب، بل يحضر بوصفه حالة وجدانية متوهجة، تلامس اعماق الروح، قبل أن تلامس معالم الطبيعة، وتوقظ في وجدان الإنسان حسه المرهف، الذي طالما ظل كامنا، تحت وطأة البرد، وعكرة الطقس، قبل حلول فصل الربيع.

وهكذا يظل الربيع بوهجه الساحر، ذلك الفصل الزاهر، الذي يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ومعالم محيطه، ويمنح الأشياء ألقا جديدا، حتى تبدو له، وكأنها قد خلقت من جديد.

ففي فصل الربيع، تتبدل ملامح الأرض، فتكتسي ربوعها بحلة خضراء يانعة، وتتفتح الأزهار بألوانها الزاهية، ناشرة عطرها الزاهي، نسيما هادئا، ينشر عبق الحياة، في كل الأرجاء.

ولاريب إن هذا التحول المدهش في معالم الطبيعة، ليس مجرد مشهد جمالي، وحسب، بل هو ومضة صرخة تدعو إلى التأمل، وإعادة اكتشاف التفاصيل الصغيرة في عوالم محيطنا، والتي غالبا ما تغيب عن اهتماماتنا في خضم زحمة الأيام.

ولعل الحس المرهف، يجد في الربيع، فضاءه الأرحب، حيث تتضاعف قدرة الإنسان على التفاعل، والتلقي، ليصبح أكثر انتباها لزقوفة العصافير، وأكثر تأثرا بحفيف أوراق الشجر، وأكثر انشدادا لعبق الزهور، وارحب تقبلا لضوء الشمس اللطيف، وهو يتسلل عبر اغصان النباتات، حيث لا تعود الطبيعة مجرد فضاء واسع للحياة، بل تتحول إلى شريك حميم في مشاركة تفاعلات التجربة الشعورية.

وفي هكذا أجواء خلابة، تتوهج المشاعر الإنسانية، ويزدهر الحس المرهف، حيث يميل القلب إلى النقاء، وينثال الحس وجدا انفعاليا، مكتضا بمشاعر الحب، ليعيد الإنسان من خلاله، ترتيب وضع ذاته، ويمنح نفسه فرصة إضافية، للبدء من جديد.

وهكذا يوقظ الربيع في النفس، نزعة الإبداع، فيجد الأديب في تفاصيل مرئياته، مادة خصبة للبوح، والابداع، ويستلهم من ألوانه وإيقاعاته، صوراً نابضة بالحياة، حيث الإبداع، بطبيعته، يحتاج بيئة متوهجة، تتسم بالتجدد والانفتاح، وهو ما يتيحه فصل الربيع بسخاء، لاسيما وأن سحر الربيع يكمن في قدرته على إحياء ما قد خمد في الوجدان من حس، ويبعث الأمل في النفوس، حتى في أحلك اللحظات، ليذكرنا بأن التغير ممكن، وأن الجمال قد يولد من رحم الكرب، وأن لكل شتاء نهاية، مهما طال امده.

ويظل الربيع بهذا الوهج المتالق، مرآة للحس المرهف، يعكس أدق الانفعالات وأجملها، ويمنح الإنسان فرصة ذهبية، يصغي من خلالها، إلى هواجس ذاته، ويعيد اكتشاف عوالمه، برؤية جديدة، أكثر صفاء، واوسع دهشة.

***

نايف عبوش

يجمع قراء كتاب" الضوء الازرق" بحق، في مقدمتهم الشاعر محمود درويش في تظهيره الثري للكتاب، على أنه يضم نصا يستعصي على التأطير، ففيه من الرواية ومن السيرة الذاتية، بالضبط كما فيه من التأملات الصوفية، والمشاهد المتناثرة، تناثر الندي على بتلات الورد، كما يقول مؤلف الكتاب ذاته، في احدى صفحاته الجزلة الثرية. ويرى كاتب هذه السطور أنه هذا الكتاب ينتمي إلى الكتابة التجريبية، بمفهومها المسرحي، بمعنى أنها تتوجه إلى القارئ الخاص، ذلك القارئ الذي يغريه التفكر الجاد، ويجذبه سحر البيان العصي المتحدي أو البيان الساحر.

مؤلف هذا الكتاب الخاص والمميز في أدبنا العربي الفلسطيني، هو الكاتب والشاعر الراحل حسين البرغوثي( ١٩٥٤-٢٠٠٢) ،ابن قرية كوبر قضاء رام الله، وقد تلقى دراسته الأكاديمية العليا في هنغاري والولايات المتحدة الامريكية، وعندما عاد إلى ارض الوطن عمل محاضرا للأدب في جامعة بير زيت، تضم تركته الأدبية ١٤ عملا تتوزع على السرد، النقد الادبي ، وله فيه كتاب هام جدا عن "أزمة شعرنا المحلي"، التراث الشعبي والتوثيق. وقد كان كما يشهد كتابه هذا/ الضوء الازرق، وكما سبق وشهد مجايلوه ومعاصره، منهم الشاعر الوطني فوزي البكري.. الذي اعتز طوال الوقت بلقب صعلوك القدس، يشهد هؤلاء على أنه كان شعلة متقدة من الثقافة، المعرفة وثراء الاطلاع.

ضمن معاينة متأملة لعنوان هذا الكتاب، نقول إن الضوء الازرق، وفق تعريفه العلمي ايضا، هو ضوء عالي الطاقة ويشبه الأشعة السينية، القادرة بعينها المتمكنة على معاينة الاشياء ورؤية ما وراءها، من هكذا منطلق يمكن للقارئ المتمعن، ملاحظة أن الضوء الازرق يرافق صفحات الكتاب وأحداثه متتالية التداعي، ابتداء من مفتتحه حتى منتهاه. فالكاتب يصول ويجول برفقة هذا الضوء، ويذهب بداية إلى حكاية زرقاء اليمامة المشهورة في تراثنا العربي، متنقلا من حكاية الطائر الازرق، إلى اخرى وتالية مثل مرحلة الابداع الفني التشكيلي/ المرحلة الزرقاء في حياة الفنان الاسباني الشهير  بابلوبيكاسو، وكأنما هو يحاول أن يوجد آصرة توصل ما بين اشتاته ومتناثراته رابطة ما بينها، ضمن رغبة واضحة في إقناع القارئ بأنه لا يقرأ معميات ومبهمات، يؤكد هذا الفصل الثاني الذي يختلف عن الاول، ففي حين يقوم الفصل الاول على التداعي الحر، فإن الفصلين المتبقيين، الثاني والثالث يقتربان من السرد واضح الرؤى والمعالم، لكن دون التنازل عن السرد المتتالي المختلط نوعا ما بشيء من التداعي المغري والمقرب إلى نفسية المؤلف وثقافته المتعمقة الواسعة، عربيا واجنبيا، كما يتضح من هذا الكتاب ذاته أيضا.

من الصعب جدا تقديم مختصر مفيد لهذا الكتاب الخاص، غير أنه ليس من الصعب التوقف عند شخصيات تكرر ذكرها واراد لها المؤلف أن تشاركه في تقديم أفكاره ورؤاه المخصوصين، فشخصيات مثل " دون"، "سوزان" و "بري"، تلك الشخصيات التي يهدي المؤلف كتابه في صفحة الكتاب الأخيرة اليهم، تبدو بتعقلها وجنونها حينا وباستاذيتها وعقلانيتها حينا اخر، طاغية على الأجواء العامة للكتاب.. ومن الصعب العصي نسيانها. أما على مستوى الاحداث، فهناك في الكتاب مواقف واحداث لا يمكن أن تنسى ايضا، واعتقد انها يمكن أن تشكل مادة دسمة لفيلم روائي من طراز رفيع في حال توفر كاتب سيناريو، دراماتورج،  مؤيد  للقضية الفلسطينية اولا ومتمكن من هواها ثانيا. من المشاهد التعبيرية البارز ة في هذا الكتاب، الذي نفضل أن ننعته بصفة النص الادبي، على طريقة الكاتبة المصرية اعتدال عثمان، فاذا ما كان هذا الكتاب قد استعصى على التجنيس الادبي، فبإمكاننا أن نطلق عليه صفة النص المذكورة بكل يسر وسهولة. اقول من المشاهد البارزة في هذا الكتاب مشهد وداع الكاتب، أو الراوي لوالده وهو مسجى تمهيدا لغيابه الاخير وعدم اقتراب ابنه منه، رهبة وخشية من الموت. الماثل أمامه. فهذه الرهبة تذكر كاتب هذه السطور بما شعر به من رهبة الموت خلال وقوفه قريبا من جثامين الكثيرين من اعزائه الراحلين، من بينهم والداه وشقيقاه، فان هذه الوقفة المرتعبة تشبه وقفة بطل رواية "الجبل السحري"، للكاتب الألماني توماس مان، خلال توديعه الاخير لإنسان عزيز جدا عليه. واذا كان هذا الموقف يضج بالرهبة، فهناك في الكتاب، مشاهد أخرى تحفل بالسخرية السوداء مثل ذلك المشهد الذي يستعرض فيه لقاءه الاول إبان طفولته الأولى في بيروت بالمصعد، فهو يرى بعين الطفل المصعد الذي يقل مستقليه إلى شققهم  متعددة الأدوار، مجرد خزانة، وهو عندما يرى إحدى ساكنات العمارة " ام مروان، تستقل ذلك المصعد، ليعود إلى حيث هو يقف منتظرا، ناقلا فتاة صغيرة يراها حسين الطفل بعينه المحدودة..، يعتقد أن تلك الخزانة/ المصعد، ما هي إلا خزانة سحرية تحول الشيخ إلى طفل والطفل إلى شيخ. هذا التعبير مجازي أردت أن اجسد بواسطته رؤية الكاتب. أن ذلك الطفل، حسين البرئ الذكي، ما يلبث أن يكتشف حقيقية المصعد فيهتدي إلى زر إيقافه وتشغيله، فيمارس الامرين، متنقلا بينهما، وهارعا الى من علقوا، أو علقهم هو ذاته في المصعد لينقذهم، وليجود عليه بعض منهم ببعض من الاكراميات.

المشاهد التي يحفل بها هذا الكتاب العصي على القراءة إلى حد ما.. كثيرة، وليس من المستحب ولا المطلوب أن نتحدث عنها مجتمعة، بيد أنه من المفضل في رأينا أن نشير إلى واحد من المشاهد خفيفة الدم وذات المعنى العميق، ذلك المشهد يتمحور حول ارتباط الكاتب أو الرواي بالفتاة الأمريكية سوزان، تلك الفتاة / المرأة، التي ترفض أن تكون خادمة له كما تهتف به، فيضطر، خلافا لكل ما تربى عليه والفه في قريته البعيدة هناك في الضفة الغربية، إلى أن يقتسم معها طاولة القهوة أو الطعام، كل منهما، هما الاثنين، يقوم بتنظيف نصف الطاولة المستعمل من قبله والقريب منه!!.

تبرز في الكتاب إضافة واغناء له ولما تضمنه من سرد أو سرديات، تلك النقاشات الفلسفية التأملية الدالة على فعالية الضوء الازرق، تلك الفعالية الخارقة في قوتها وتبصرها، بين مؤلف الكتاب أو راويه، وبين ذلك العاقل المجنون المدعو بيري، الذي يفضل التشرد على الاستقرار، ربما بهدف الوصول إلى أعماق الحس الإنساني، ممثلا بحسه الذاتي للحياة. أما الجمل التي يتوقف عندها المؤلف،  مثل جملة جبران خليل جبران القائلة؛" أن الإنسان يقاس  إلا بإنجازاته لا بما بتوق إليه" (ص ٩٥)، أو  مقولة هيراقليطس: "إن كثرة المعلومات لا لا تؤدي إلى الفهم". أو مقولته "أن اللوجوس خزان يتسع"- لكل شيء ( ص ١٠٧)، أقول إن مثل هكذا جمل واقوال، انما تضيف إلى هذا الكتاب الخاص والمميز.. قيمة أخرى   فائضة.

***

ناجي ظاهر

ماري إلياس زيادة (1941-1886)، أو "مي زيادة"، أو الذات القلقة والحائرة بين مسميات عديدة، تبعا للأحوال والظروف. وقبل ذلك: قلب موزع بين بلدان شتى، ينتسب إليها دون أن يستشعر معنى الوطن، وينافح عنه كما يفعل كل كتاب العالم!

تعد مي زيادة في طليعة الأديبات العربيات اللواتي مهرن حضورهن المبكر في الساحة الأدبية، وحررن فعل الكتابة من قبضة القلم الذكوري الذي اختار دوما الكتابة عنهن أو إليهن، دون التفكير في منحهن حق تلطيخ ثيابهن بالحبر وألوان الصباغة!

وهي في الآن ذاته تعبير عن النبوغ المبكر والإصرار على تحقيق الندية في عالم الكتابة، وتصفح نفس المرأة فيما تصف به ذاتها، وليس فيما يرويه عنها الكاتبون كما أوردت في إحدى مقالاتها. ورغم أن عددا من الكتاب انبروا لتوثيق أعمالها، ودراسة إنتاجها الأدبي والفكري بغية تكريمها على نحو لائق، إلا أن التعاطف مع مَي، خاصة بعد محنتها الشهيرة حين اتهمت بالجنون، وتم الحجر عليها ووضعها في مستشفى للأمراض العقلية، أضفى على هذه الكتابات سمة المرافعة، وبيان الإدانة للظروف والأحوال، وثلة الأدباء الذين فتنهم حضورها الآسر وتحررها على غير ما ألفوه في عادات الشر. فغاب التقييم الأدبي والاشتغال النقدي على ما خطته أناملها في مجالات أدبية متنوعة، من قصة، وخاطرة، وشعر، ورسائل وترجمات وغيرها، ليحل محله الثناء على حضورها الآسر ورقتها، وكونها ظاهرة ثقافية بامتياز في ذلك العصر.

إن التجربة الأدبية لمي زيادة تتيح إقامة حوار من نوع خاص مع قلم أبى الانصياع للتمييز الثقافي والاجتماعي، ودافع عن النشاط الإبداعي للمرأة وحقها في تطوير أفقها النظري والجمالي، أمام الهيمنة الإيديولوجية الذكورية.

 ورغم أن لهذه التجربة محطات عديدة أهلت مَي للتموقع خارج "النص"، إلا أن ثلاثا منها هي الأبرز، برأيي المتواضع، في إضفاء الخصوصية على كتابات مَي، حتى داخل ما اصطلح عليه بالأدب النسائي. هذه المحطات هي: مدارس الراهبات، والصالون الأدبي، وعلاقتها المتفردة بجبران خليل جبران!

مدارس الراهبات

 في مدارس الراهبات التي استوعبت طفولة مَي، تولد ذاك التبتل العميق الموسوم بالحزن الطاغي، والقلق المستمر، والتماس السعادة فيما وراء الحجب. وترسخ في كيانها الهش ألم الوحدة والفراق الذي لازمها حتى فارقت الحياة. فما من سطر في خواطر مَي ورسائلها، إلا وتتردد بين ثنايا مفرداته وصوره التعبيرية نغمة الحزن.

لذا ليس من المغالاة القول بأن أجواء الدير وحزم الراهبات، قد حفرا أخاديد عميقة في التكوين النفسي، وخلفا ميولات سوداوية، أفصحت عنها مَي في سنوات مبكرة من تجربتها الأدبية. تقول في (السوانح)1:

" عجوز، أنا أتراني أصل إلى ذلك العمر؟ وكيف يكون المرء عجوزا؟ كيف يشعر عندئذ؟ وكيف يفكر؟ يُخيل إلي أني سأرحل قبل ذلك، وأن الموت سيحملني غضة الشباب فيطير بي إلى حيث تسبح الملائكة، وتنبت الأزهار ناضرة. أشتاق إلى الموت في هذه الأيام، ذلك لأني لا أفهم الحياة التي يقول مرشدنا الروحي إنها مشكلة المشكلات.."

" وانتشر شذا البخور في فضاء المعبد؟ عندئذ جثوت على سريري وطلبت الموت لا جبنا ولا ضعفا، بل شوقا إلى السماء الزرقاء حيث الطهر والنقاوة والجمال والكمال. إلهي، إلهي! متى أصير فاضلة وأحتمل صابرة كتوما؟ كم ذا أغبط معلماتي! فبينهن من تثير إعجابي ولا سيما ن.و. ولا شك أنها جاهدت كثيرا للتغلب على نفسها.."

 ملاذ مَي الوحيد في فضاء الدير، كان المنجزَ الأدبي للحركة الرومانسية التي أولت عناية مميزة للشغف العميق بالطبيعة، وتأثيراتها الروحية على الحياة . فقرأت لألفريد دي موسيه، ولامارتين، وجورج صاند، ومدام دوستايل، وفيكتور هوغو وغيرهم. وساعدها نبوغها المبكر وانفتاحها على الثقافة الأوربية للقيام بخطوة أدبية جريئة، تمثلت في ترجمة (الحب الألماني) للروائي الشهير فريدريخ ماكس مولر، لكن تحت عنوان يجلله غشاء الحزن والكآبة اللذين لم يفارقاها وهو (ابتسامات ودموع).

لنستمع إلى مي وهي تعقب على أديب تساءل: أهي ناقلة ماكس مولر إلى العربية أم هو ناقلها إلى الألمانية؟

" في هذه الكلمة التي تخال تملقا للوهلة الأولى، حقيقة أولية هي كل قوة الكاتب الوجداني، الذي إنما نحكم له بالتفوق لأنه أحسن التعبير، ليس عما يشعر به هو الكاتب، بل عما نشعر به نحن القراء. وكيف لا نحكم له بذلك وهو الغريب الجاهل أسرار قلوبنا، قد اطلع على خفايانا وبسطها لنا وللعالمين. وكتاب (ابتسامات ودموع) من هذا القبيل آية سحر وبراعة، لا يقصر على الوصف، بل هو مهبط الوحي للنفوس الحساسة" (2).

بعد انتقالها إلى مصر ستنخرط مَي في الحراك الأدبي والفكري، وسيتفتح وعيها على بوادر الحركة النسائية، لتنخرط في هموم المرأة الشرقية وشواغلها، مؤجلة حديث الألم والوحدة والهموم إلى حين!

الصالون الأدبي

مرحلة الصالون الأدبي الذي استمر لما يناهز عقدين، هي مرحلة فارقة في حياة مَي، وتجربة حفزت ملكتها، وثوّرت إمكانياتها وطاقاتها الإبداعية، لتخلق حيزها الخاص وسط عمالقة الفكر والأدب، من رواد صالون الثلاثاء الشهير.

لم تكن الفكرة بحد ذاتها مبدعة، لأن للصالون الأدبي جذورا تمتد في التاريخ حتى العصر الجاهلي؛ لكن شخصية مَي المتفردة، واحتفاءها بأنوثة ممزوجة بكبرياء الأدب، إضافة إلى تزامن انتقالها لمصر مع التشكلات الأولى للحركة النسائية؛ كل تلك العوامل أثمرت نجاحا لصالون مَي لم يُقيض لمثله أن يحظى به.

يقول الدكتور محمد خالد غازي: " في أيام الثلاثاء كان يزدحم الصالون، فتُناقش الكتب الجديدة، والقصائد الحديثة، والحملات الصحفية. وكان أنطون الجميل أفوه خطباء الشباب يحلل قضايا الساعة.. وتندمج مَي في شتى الأحاديث، بما توحيه روحها الوثابة من الأفكار المبتكرة.. فتصفق لها وتمدحها تلك الجوقة، ومنها أولئك الذين حملوا لمصر صولجان الأدب. فأبصرت مَي بهؤلاء الرجال الذين كرموها، أملا كبيرا لمستقبل المرأة الشرقية المضمون في حياتها الاجتماعية ومؤازرتها للرجل." (3)

ولم يكن من اليسير أن تجتمع قامات أدبية وفكرية وسياسية، كالعقاد وأحمد لطفي السيد وأحمد شوقي وطه حسين والرافعي، لولا خصائص ذاتية امتازت بها مَي، وفي مقدمتها الحنكة البالغة في التأليف بين أمزجة وتيارات وآراء متباينة، حد الخصومة في مجلس واحد. مما أتاح لصالونها أن يستمر قرابة خمس وعشرين سنة!

كان رجال الصالونات، كما أسماهم إبراهيم المازني، يسرفون في التودد إليها، ومجاملتها على نحو أفضى لنسج قصص حب عديدة. إلا أن مَي زيادة، وبغير قليل من الجهد والمثابرة، تمكنت من تسخير كل هذا الإعجاب لرصف ممرها الخاص إلى المجد الأدبي. ولعل أهم ما أنتجته في هذه الفترة هو الدراسات الأدبية والنقدية، التي همت تشكيلة من رائدات اليقظة النسوية، كعائشة تيمور، وباحثة البادية، ووردة اليازجي وغيرهن. وما يلاحظه المتصفح لهذه الأعمال، هو حرص مي الشديد على توجيه بوادر الحركة النسوية الإصلاحية، لتكون دعوة للتحرر من ظلم المجتمع، دون أن يفضي الأمر إلى انفلات أو تقليد ممجوج للغرب:

" في مصر تشتعل شرارة الحياة، وإلا فماذا يعني وقوفي بينكم أيها السادة، وماذا يعني سكوتكم الجميل المملوء إصغاء تاما وتشجيعا قويا وتفكيرا عميقا؟ أتكلم الآن بحرقة كأني صوت المرأة الصامت منذ أجيال، وتستمعون إلي بإشفاق كأنكم نفس الرجل المشتتة منذ ابتداء الدهور.

النفس الكبيرة المبعثرة تستجمع قواها للإصغاء، والصوت الخافت الذي لم يتعود إلا همس الطاعة وتمتمة التمرد المبهم، يرتفع الآن آتيا من بعيد، من عمق أعماق الدهور السوداء، من أقصى أقاصي الخليقة العجيبة، آتيا من القبور، من البحار، من عناصر الحياة جميعا صارخا: أيها الرجل! لقد أذللتني فكنت ذليلا. حررني لتكون حرا، حررني لتحرر الإنسانية!" (4)

اضطر الموت بعض رواد الصالون للكف عن حضوره. وانفضت عنه البقية في ظل تغيرات اجتماعية عميقة، أفرزت بدائل أخرى كالمقاهي، وضجت الشوارع والجامعات بالفتيات، فلم يعد للمرأة ألق الحضور في المشهد العام. كل هذه العوامل وضعت حدا للمحطة الثانية في تجربة مَي، بعد أن بذلت زهرة شبابها في السعي لإثبات الذات، وتحقيق المكانة الأدبية، لتبدأ فصلا جديدا من سيرة المحن والنكبات، لا يصحبها خلاله سوى قلم أودعته همومها وأناتها.

جبران.. أو الحب العابر للمحيطات!  

لا شك أنها أغرب قصة حب على الإطلاق، أعني تلك العلاقة المتوترة والمتفردة التي جمعت بين مَي زيادة وجبران خليل جبران، واستمرت تسعة عشر عاما، تتقلب بين جمر الرسائل، دون أن يعزم أحدهما الأمر ويطوي المسافات للقاء محبوبه، وإخماد لهيب الشوق! تجربة عجيبة وحّدت بين صوتين أدبيين بالغي الذاتية والشجن، فخلدت رسائل طافحة بالمشاعر الإنسانية العميقة.

ما من دارس لتجربة مَي الأدبية، إلا وتوقف عند علاقتها بجبران خليل جبران توقفا مثيرا، سعى من خلاله إلى تأكيد حب متبادل بين الطرفين أو إنكاره. فمن توقف عند قراءة تحليلية للرسائل المتبادلة بينهما، أكد وجود مشاعر فياضة، وأحاسيس ملتهبة تكشف عنها عبارات صريحة لا تحتمل أي تأويل. ومن توقف عند العلاقات الغرامية لجبران بنساء أخريات، وحضور مَي الزائد عن اللزوم في كتابات بعض رواد صالونها، كالعقاد والرافعي وولي الدين يكَن، ينفي وجود علاقة حب، وأن ما حوته الرسائل لم يكن سوى محاورات ممتعة بين قلمين بالغي الحساسية، والكشف المتقد عما تختلج به كل نفس إنسانية!

 لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو عن دور جبران في توجيه المسار الإبداعي لمَي، وحفز ملكاتها الأدبية لتنطلق أبعد مما كانت تسمح به ظروف المشرق آنذاك!

لما أنهت مَي زيادة قراءة قصة (مرتا البانية) لجبران عام 1912، كتبت إليه خطابا تنتقد فيه القصة، وتحدثه عن نشاطها الأدبي وعن ديوانها ( أزاهير حلم) الذي كتبته بالفرنسية. ولم تكن على ثقة بأن جبران، وهو الأديب المشهور، سيحفل برسالة قلم ناشئ؛ إلا أنها فوجئت بخطاب يشجعها فيه على مراسلته، ويرفقه بنسخة مهداة من روايته الجديدة (الأجنحة المتكسرة).

تلك كانت بداية التقارب بين قلمين وحدتهما الرغبة في الانطلاق، والتحرر من قيود المجتمع وإن اختلفا في الدرجة. فروح جبران متوثبة، وقلمه يحطم كل الأغلال؛ أما روح مَي فتقيم اعتبارا للواجب، وتتمرد لكن دون أن تتخلص من ثوب الراهبة! بيد أن هذه المحاورات الطريفة التي دامت عقدين من الزمن، لم تقف عند حدود البوح والمكاشفة، وسرد تفاصيل المعيش اليومي، بقدر ما انطوت على تقييم متبادل للمنجز الأدبي.

في رسائل جبران إلى مَي، والتي نشرتها الباحثة الأستاذة سلمى الحفار الكزبري تحت عنوان (الشعلة الزرقاء)، تتضح رغبة جبران في حفز مَي على تجاوز نمط الكتابة المألوف في المشرق، لارتياد عوالم تعبيرية ورؤيوية ذات نزعة إنسانية متحررة. وهذه الرغبة ترد صريحة في بعض الرسائل، وتبدو متوارية في الطاقة التصويرية المدهشة التي كشفت عنها ريشته السحرية. نقرأ على سبيل المثال، تقييمه لمقالات مي المنشورة بمجلة المقتطف خلال فترة الحرب العالمية الأولى، والتي فرضت توقف المراسلة بينهما:

 " إن مقالاتك هذه تبين سحر مواهبك، وغزارة اطلاعك، وملاحة ذوقك في الانتقاء والانتخاب والترتيب. وعلاوة على ذلك فهي تبين بصورة جلية اختباراتك النفسية الخاصة، وعندي أن الاختبار أو الاقتناع النفسي فوق كل علم وكل عمل. وهذا ما يجعل مباحثك من أفضل ما جاء من نوعها في اللغة العربية. لكن لي سؤال أستأذنك بطرحه لديك وهو هذا: ألا يجيء يوم يا ترى تنصرف فيه مواهبك السامية من البحث في مآتي الأيام، إلى إظهار أسرار نفسك واختباراتها الخاصة، ومخبآها النبيلة؟

 أ فليس الابتداع أبقى من البحث في المبدعين؟ ألا ترين أن نظم قصيدة أو نثرها أفضل من رسالة في الشعر والشعراء؟ إني كواحد من المعجبين بك أفضل أن أقرأ لك قصيدة في ابتسامة أبي الهول مثلا، من أن أقرأ لك رسالة في تاريخ الفنون المصرية، وكيفية تدرجها من عهد إلى عهد، ومن دولة إلى دولة، لأن بنظمك قصيدة في ابتسامة أبي الهول تهبينني شيئا نفسيا ذاتيا، أما بكتابتك رسالة في تاريخ الفنون المصرية فإنك تدلينني على شيء عمومي عقلي." (5) إنها دعوة صريحة للكتابة الإبداعية التي تكشف عن المزاج الفني لصاحبه، وتوقظ فيه ما أسماه جبران في رسالة لاحقة بالعنصر الشفاف الذي يفارق عالم المعنى:

" أنت-أنت التي تعيشين في عالم المعنى، تعلمين أن العنصر الشفاف فينا يتنحى عن جميع أعمالنا، ويبتعد حتى عن أجمل ميولنا البيانية وأنبل رغائبنا الفنية. فهو وإن جاور الشاعرية فينا لا ينظم ذاته نشيدا غنائيا، ولا يضع خفاياه في الخطوط والألوان.."(6).

وحين قرأ جبران مقالة مَي عن الرسوم المرفقة بروايته (المجنون)، حرص على استفزاز ملكاتها التعبيرية، وحثها على ارتياد عالم التشكيل، بما تملكه من رهافة حس وشعور فني عميق، ينفخ الروح في التصاوير وقطع الرخام.

وهنا ينكشف سر تعلق مَي بجبران، فبخلاف رواد الصالون الذين أغرقوها ثناء ومجاملات لا تخلو أحيانا من زيف، تمكن جبران من الغوص في أعماق نفسها، ووضع يده على مفاتيح حيرتها. فلم يُثن على مواهبها التعبيرية فحسب، بل كان يقاسمها في رسائله التالية عشقه للرسم، وانطباعاته عن المعارض التي ارتادها، واللوحات التي هزت أعماقه وشحذت مخيلته، والفنانين الذين أغنوا بصيرته:

" إن ما جاء في مقالتك التي نشرت في "المحروسة" عن رسوم المجنون، لأكبر دليل على شعور فني عميق وفكرة خاصة دقيقة، وبصيرة نقادة ترى ما لا يراه غير القليل من الناس "(7).

وتضمنت رسالة بتاريخ 17 كانون الثاني 1924 ثلاث بطاقات بريدية، تمثل رسوما بريشة الرسام الفرنسي دي شافان الذي يصفه جبران بأنه أكبر مصوري القرن التاسع عشر، لأنه أبسطهم قلبا، وأبسطهم فكرا، وأبسطهم تعبيرا.

وفي رسالة بتاريخ 6 شباط 1925 يبعث ببطاقة بريدية تمثل القديسة (آن)، مرفقة بانطباعات عن القوة السحرية التي تتسرب إلى روحه كلما وقف أمام لوحات دافنشي.

وفي أخرى بتاريخ 28 آذار 1925 يبدي إعجابه بلوحات مانتينغا الشاذة التي تشبه القصائد الغنائية.

بل ويحرص في إحدى رسائله على تخليد علاقته الفريدة بمَي برسم يمثل يدا تحمل شعلة زرقاء!   

إن أثر جبران في التجربة الأدبية لمَي أبلغ من الحفر بين ثنايا السطور عن تصريح بالحب الجسدي، أو تلويح بالرغبة المكبوتة. فقد وجدت مَي من يستوعب تمردها، ويبدد حيرتها أمام شرق يغالي في فصل المرأة عن النوع الإنساني الذي يحصره في الرجل، كما عبرت في إحدى سوانحها.

كان جبران ابن البلد الذي قاسمها الحنين إلى لبنان، ومسحة الحزن التي تخلفها أجواء الدير وتربية الراهبات، والتوق إلى كل ما هو إنساني خارج الحدود والعوائد والقيود المصطنعة.

وكان جبران أيضا عزاءها الوحيد بعد أن تقدم بها السن، وانصرف عن مجلسها من كانوا لا يكفون عن بث لواعج الشوق والسهاد، وامتداح النبوغ الأنثوي في صحراء الذكورة!

وبرحيل جبران رحلت مَي!

 نعم، بقي الجسد يكابد الغربة والأسى، ومكائد الأهل وجفاء المقربين بضع سنين. لكن الروح حلقت مع جبران إلى ما وراء الأفق الأزرق، حيث لا تتوقف الأناشيد الغنائية، وحيث الأصوات الربانية تتموج في الغلاف الأثيري حتى نهاية الزمن.

***

حميد بن خيبش

.......................

1-وداد سكاكيني: مي زيادة في حياتها وآثارها. دار المعارف. القاهرة 1969.ص29

2- مي زيادة: ابتسامات ودموع. مؤسسة نوفل. بيروت 198. ص 14

3- د. خالد محمد غازي: مي زيادة، سيرة حياتها وأدبها. وكالة الصحافة العربية. مصر 2010. ص 84

4- سيمون عواد: من أدب مي زيادة. دار عواد للطباعة والنشر .1981. ص49

5- سلمى الحفار الكزبري ود. سهيل بشروني: الشعلة الزرقاء. بيروت 1984.ص32

6- الشعلة الزرقاء: ص 53

7- نفس المرجع: ص 45.

مقال مذاع من محطة BBC / القسم العربي عام 1997

يعتبر الروائي العراقي المغترب قصي الشيخ عسكر من الروائيين القلائل، الذين كتبوا روائيا عن شخوص عربية تعيش في الغربة، معالجا تفاعلاتهم النفسية والثقافية في البيئة الغريبة الجديدة أي أنّ هذه الشخوص لا ترتد إلى ماضيها وكأنها تريد أن تسترجعه {وكان من الأوائل الذين فعلوا ذلك، يحيى حقّي، وتوفيق الحكيم، والطيب صالح}.

غير أنّ قصي الشيخ عسكر يخرج لنا هذه المرّة بثلاث روايات، لا تدور حوادثها بأوروبا حسب، ولكنها روايات من الخيال العلمي حسب قول المؤلف{ولابدّ أنّه أدرك أنّها ليست روايات علمية كما هي معروفة في البلدان المتقدمة، لذا قال روايات من الخيال العلمي}.

عناوين الروايات الثلاث: التجربة، النفق، الموتى يزحفون.نتعرف في رواية التجربة، منذ الأسطر الأولى على شخص اسمه"بيترسون"وهو مهندس ميكانيكي يتعامل مع الآلات من السابعة صباحا حتى الثالثة بعد الظهر كأنّ حياته تشكو من جفاف قاتل وصخب في العمل، وصخب في الخارج مصدره الناس والسيارات والقطارات،، وبسبب من هذه الحياة الجافة الخالية من الأحلام أصيب بكآبة شديدة هدّت جسده القويّ عندئذ لجأ إلى طبيب نصحه بالهرب من الحضارة والانعزال عن الآلة تماما، وذلك باللجوء إلى مدينة منعزلة أقامتها مجموعة من العلماء والأطباء، كتجربة أولى لا أثر للحضارة فيه.إنها مدينة عصور وسطى"مصابيحها تنار بالزيت، ووسائل النقل فيها عربات تجرها الخيول.كل شيء فيها مصمم وفق طراز العصور الوسطى {والأغرب من ذلك أنّ الطيران المدني والعسكري منع من التحليق فوق أجوائها}وفي هذه المدينة أيضا مُنِع المذياع والتلفزيون والتدخين، كما مُنِعت البندورة والبطاطا على اعتبار أنّ اكتشافهما حدث بعد عصر النهضة.

في هذه المدينة القروسطيّة يتعرف بيترسون أول ما يتعرف على جارته نادين وتزداد أواصر الصداقة بينهما يوما بعد يوم إلى أن يتزوجا ولكنها تعترف له بالتدخين وهو ممنوع في هذه المدينة، وأكثر من ذلك أنّها كانت تعمل في التهريب أي التعامل مع القرن العشرين، فتطرد من القرون الوسطى.الغريب في هذه القصة أن شخوص الرواية يتحدثون عن المستقبل وكأنّه ماض سحيق مروا به.وهذا هو ابتكار قصي الشيخ عسكر بالضبط وهو ابتكار طريف للغاية .جعل شخوصه يعيشون المستقبل أي القرن العشرين، وحين أرجعهم إلى القرون الوسطى، أصبح المستقبل الذي كانوا يعيشونه ماضيا بعيدا.

أما الرواية الثانية فهي بعنوان "الموتى يزحفون"وفيها يخترع عالم يدعى بدوان هيكلا عظميا عن طريق جهاز خاص يستجيب لأوامر الإنسان فيساعد في الطبخ وتنظيف المنزل، وحتى تنظيف الشوارع .إنه مستعد لكل خدمة غير أنّ وزير الصناعات الحربية وجدها فرصة لاستغلال هذه الهياكل العظمية في حربه مع دولة مجاورة كبيرة كانت قد احتلت مساحات واسعة من بلده الصغير، فكان له ذلك وبالفعل قامت تلك الهياكل بتدمير البلد المجاور، ولكن بعد هذا الانتصار تبين أنّ ثمة فيروسا دخل في الكومبيوتر فغير في سلوك الهياكل العظمية حيث راحت تدمر أبناء البلد الذي أنتجها.

الرواية الثالثة هي رواية "التجربة" حيث أعلن طبيب ألماني عن تجربة جديدة تُجرى على الإنسان مباشرة، وسيُدفع لمن تُجرى عليه التجربة، خمسون ألف دولار، في حالة الوفاة.لم يتقدم إلى هذه التجربة سوى شخص لبناني شاب يدعى عبد الله، كان قد هرب من أتون الحرب الأهلية بلبنان، ونظرا لعوز أمه وأختيه بلبنان وافق على قبول عرض الطبيب .التجربة الجديدة لا تعدو أكثر من زرع خلايا جديدة في المخ، وبات الشاب اللبناني يتكلم عشر لغات بطلاقة تامة. ولكن ماهي إلا أيام واكتشف أن الخلايا الجديدة قضت على خلايا لغته الأم. وهكذا نسي اللغة العربيّة، فوجد نفسه عاجزا عن فهم رسائل أمّه، وعاجزا عن الكتابة إليها باللغة العربيّة التي لا تعرف سواها، فما كان من الطبيب إلا أن نصحه بتعلم اللغة العربية من جديد.

مهما يكن من أمر، فمن الصعوبة قبول هذه الروايات على أنها روايات علمية بالمعنى الدقيق للمصطلح، ولكنها أقرب ماتكون إلى روايات فنتازية توسلت العلم ليس إلا.

ملاحظة مهمة:

الحقيقة في منتصف ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي لم يكن هناك انتشار واسع للكومبيوتر ولم تستخدمه دور النشر بل كانوا يصفون الحروف وكثرا ما يحدث خطأ، فالصديق عبد الرحمن النعيمي رحمه الله صاحب دار الكنوز أبقى في الداخل عبارة (روايات خيال علمي) وحدث في الغلاف خطأ وهو (روايات علميّة) كنت وقتها في كوبنهاغن وزرت دمشق ولبنان بعد سنة من طبع الكتاب وفوجئت أن على الغلاف عبارة (روايات علمية).

الكتاب طبع في بيروت، دار الكنوز عام 1995.

 

ثمّ تعود، فتدخلُ الغرفةَ بخطىً تحملُ أثرَ اليومِ كاملًا، لتضع على الأرضِ خريطةَ ما مرّ بك من لحظات.

يتّكىء الضوءُ على الجدرانِ بهدوءٍ ذهبيّ، وتواصل الساعةُ تدويرَ الزمنِ بإصرارٍ بارد، بينما أنتَ تعيدُ ترتيبَ حضورك داخل المكان.

تقتربُ من مكتبك، فيتقدّمُ القلمُ أمامك ككائنٍ نهمٍ ينتظرُ إشارةَ البدء.

هو يعرف أنك جئتَ محمّلًا بما تبقّى من نفسك، ويتهيّأ لالتقاطه سطرًا سطرًا.

تجلسُ على الكرسي، فينكمشُ العالمُ حولك ليصيرَ مساحةً صغيرةً بينك وبين الورق.

تلامسُ الأصابعُ سطحَ الطاولة، وتستعيدُ حرارةَ النهارِ الذي انسكبَ بين المهامِ والطرقاتِ والوجوه، ثم تهبطُ على القلمِ ببطءٍ محسوب، وتختارُ لحظةَ الولادةِ من جديد.

تبدأُ الكتابةُ بحركة خافتة، ثم تتسعُ شيئًا فشيئًا كنبعٍ يشقُّ صخرَ الصمتِ ويصعدُ إلى الضوء.

تنزلقُ الكلماتُ على الصفحةِ مثل خطواتٍ واثقةٍ تعبرُ جسرًا بين التعبِ واليقين.

لا زالت تنزلقُ بين ما تكدّسَ في الداخلِ وما يبحثُ عن مخرجٍ إلى العلن.

كلُّ حرفٍ يحملُ جزءًا من اليوم، وكلُّ جملةٍ تعيدُ تشكيلَ ملامحِك التي تشظّت في الزحام.

سرعان ما يتحول القلمُ إلى ذاكرةٍ تتحرك، فنبضٍ يُدوّنُ ما عجزَ عنه الصدرُ طوال الساعات.

تتسعُ اللحظةُ أكثر، ويمتزجُ الورقُ بالزمن، ثمّ يستقرُّ المساءُ داخلَ السطور.

يصبح المكتبُ ميناءً صغيرًا ترسو فيه السفنُ التي عادت من رحلاتٍ طويلة محمّلةً بما جرى، وما تراكم، وما تشكّل في صمت.

وفي اللحظة التي يكتملُ فيها السطرُ الأخير يتخذُ الهواءُ شكلهُ الجديد، وتستقرُّ الروحُ على هيئةِ كتابةٍ تمشي في الداخل، لتصيرَ أنتَ النصَّ الذي وُلدَ منك، والقلمُ الذي حملك من البداية حتى النهاية.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

صديقي سالم علي الشيخ و"قدّح المشمش"

مهما امتد بنا العمر لن نجد أصدقاء بنقاوة وبطيبة رفاق الطفولة، زملاء الدراسة الابتدائية، وخاصة إذا استمرت تلك الصداقة إلى أن تبلغ من الكبر عتيا. ومن بين تلك الصداقات الكثيرة والجميلة أتذكر صديقي سالم الشيخ علي من أيام مدرسة سنجار الثانية الأبتدائية.

 بالتأكيد هناك العديدون، فهم كالملائكة يتشابهون في الأخلاق الحميدة، والخصال الرائعة، والطيبة، والكرم، ولكن هذه الليلة هي ليلة العزيز سالم.

وكان الزمان في سبعينيات القرن الماضي حين التلفزيون الأبيض والأسود هو الترفيه الوحيد في مدن بعيدة في خاصرة العالم، مثل مدينة سنجار.

كنا نجتمع أيام الجمع صباحا في جايخانة العم نادرو التي كانت لصق دكان أبي. نشرب حامضا بعشرة فلوس بالتمام والكمال وننتظر افتتاح التلفزيون في العاشرة صباحا، ومن ثم تبدأ فترتنا البهيجة، فترة برامج الأطفال، وبعدها منوعات الأغاني وكانوا يشتلون في قلبها دوما أغنية أو ربما أغنيتين هندية، وتكون غالبا من أغاني الأفلام لأمير السينما الهندية شامي كابور، وللأسطورة راج كابور. وغالبا ما تكون أغنية (كتبنا وما كتبنا) لفيروز حاضرة، وأغنية أخرى لسعدون جابر، وطبعا أكثر من أغنية مصرية، وإن سنح الوقت أغنية خليجية، وهكذا نمت لدينا ذائقة موسيقية شعبية مخلوطة بالشجن الهندي والشرقي العربي مع الغربي والخليجي، فكان واحدنا منذ الصغر يتنفس فنا، وذوقا فنيا.

وكما لا يخفى، التلفزيون كان من الكماليات في ذلك الزمن، لا يقتنيه الجميع. أتذكر في محلة بربروش المعروض كبدها أبدا للشمس السنجارية العامرة، كان بيت صديقي سالم من البيوت القليلة التي تسمع فيها صوت التلفزيون في المساء، حيت يضعونه في الحوش أيام الصيف ويبدأ زحف الجيران، الكبار قبل الصغار.

في بعض الأيام وخاصة أيام الخميس عندما ينتهي دوامنا ونخرج من مدرستنا المقدسة ـ سنجار الثانية ـ كنت أقول لسالم هل ستأتي إلى الجايخانة غدا صباحا، فيقول لي:

"لا سأتفرج على التلفزيون في البيت، نحن أيضا لدينا تلفزيون وسنستمع إلى سعدون جابر وهو يغني (قدّح المشمش). ويهز رأسه وكأنه يقدح بهجة وفخرا.

كذلك في سبعينات القرن الماضي كان حضور الفن المصري طاغيا في التلفزيون العراقي، وكان فلم الجمعة العصر، وبالتحديد الساعة الرابعة عصرا، وهو توقيت بدء الحفلة العصرية في جميع دور سينمات الموصل أيضا. كنا نرقص طربا إن كان الفلم من بطولة فريد شوقي، لأنه بطل الفلم وسيشبع العصابة ضربا.

ربما أغاني سعدون جابر وعبد الحليم حافظ وحدها كانت تغرينا بالحفظ وإعادة دندنتها، فهي التي كانت تمهد لطريق إنتظار المراهقة عند الخروج من الابتدائية. وكانت أغاني عبد الحليم أكثر شهوة فهي عادة ما تكون مع الجميلات: زبيدة ثروت، أو لبنى عبد العزيز، أو نادية لطفي ومريم فخر الدين وصباح.. الخ من جمال مصر ـ أم الدنيا ـ وكنا ننتظر فلم الساعة الرابعة من أيام الجمع لنقارن بين بعض اللقطات في الأغنيات وما يحدث بعدها في الفلم، وكنا نتحسر بعدم عرض أفلام سعدون جابر، هكذا كنا نظن، إن لسعدون جابر أيضا أفلام مثل عبد الحليم حافظ ولكن لا يعرضوها ولا نعلم السبب، وكان الخيال يأخذنا بعيدا.

ذاك زمن لم يعد بالإمكان استعادة شيء منه غير الذكرى فالدنيا تغيرت، ويمكن مشاهدة ما نرغب فيه الآن بضغطة زر، وكذلك الأصدقاء تفرقوا في البلدان، ومن حسن الحظ صديقي سالم موجود أيضا في ألمانيا إلا إنه في مدينة بعيدة نسبيا وكلما اشتقنا للسؤال عن بعضنا نتواصل عن طريق بعض المنصات الاجتماعية.

في أيام الصيف كنا نجتمع المساء قرب المنارة ونجلس على الرصيف بانتظار العم مجيد الجايجي ليخرج لنا بالتلفزيون، ونتفرج من بعيد على فترة برنامج الأطفال، بعد الساعة السادسة مساء، كنا نستأنس كثيرا وإن تفقد أحدنا الصديق سالم شيخ علي، يسارع بقيتنا بالقول:

يابة، عندهم تلفزيون في البيت، ولهذا لم يكن سالم يتسكع معنا كثيرا في الشوارع والبساتين. قدح المشمش يا سالم، وكذلك التين، وأكثر غصن قدح هو غصن الشوق.

***

مراد سليمان علو

 

إلى معلّمتي ناجية العمرّي

قبل أن أقرأ عناقيد الغضب وعن الفئران والرّجال، قبل أن تجرؤ خطاي على وطء نورمان، أوكلاهوما، لأدرّس في جامعة أوكلاهوما سنة 2014، قد بدأت أعيش عناقيدي الخاصّة من الغضب، قبل أن أعرف أن الطّرق قد تتصلّب حتى تغدو قدرا، وأن الغبار قد يصير ميراثا عائليا، وأن طفلا قد يربّى في كنف الرّحيل قبل أن يتعلّم المعنى الكامل للمغادرة. ومع ذلك، لم يكن الغبار كلّ شيء، ولا الغضب الكلمة الأخيرة؛ فقد كان، تحت هذا الرّكام كلّه، ما يلمع خافتا من رحمة، وما يحفظ القلب من الانطفاء التّام. وبالنّسبة إليّ، كان ذلك الضّوء المبكّر يتجلّى، من حيث لا أدري يومها، في طيبة معلّمتي ناجية العمرّي، رحمها الله.

ولدت في قابس، في جنوب تونس، في جغرافيا معلّقة بين الغبار والبحر والذّاكرة والتّهميش. لم يكن الطّريق 66 طريقي، ومع ذلك فأنا أعرفه: ذلك الأسى الإسفلتي الطّويل للمنبوذين، وللعنيدين، وللفقراء، وللذين لا عودة لهم. في قابس، كان ينبغي للبحر أن يفوح بالملح والرّحمة، لكنه كان في كثير من الأحيان يحمل نفس السّم. وكان المجمّع الكيميائي الوحشي قد بدأ عنفه البطيء، يلطّخ الهواء والماء والضّوء ذاته. لم يكن التّلوّث هناك فكرة مجرّدة؛ لقد كان يدخل الرّئتين، ويستقرّ على النّوافذ، ويختلط بالغبار، ويعلّمنا باكرا أن الرّيح نفسها يمكن أن تصادر. وسوف يتساءل ابن خالتي سفيان بن عون، رئيس فرع قابس لاتحاد الكتّاب التونسيين، يوما، في واحدة من قصصه القصيرة الديستوبية الموحشة: من أين يأتي هذا الغبار؟ولم يكن السّؤال أدبيا فحسب. كان الغبار يأتي من الطّرق، نعم، من الجنوب المهمّل، من تشقّقات البيوت والذّاكرة، ولكنه كان يأتي أيضا من الجرح الكيميائي في قابس ذاتها، من البحر المصاب، ومن الأرض المنهكة، ومن دولة كانت قد قرّرت منذ زمن بعيد أن بعض المدن أكثر قابلية للتّضحية من سواها.

نشأت بين امرأتين حملتا من الأعباء أكثر مما كان ينبغي لهما أن تحتملّا. أمّي، وهي مطلّقة، كانت تمشي في الحياة بكرامة مجروحة، كأنها أجبرت على أن تبدأ من جديد قبل أن يسمح لها أصلا أن تتم حياتها الأولى. وجدّتي، وهي أرملة، كانت تجمع ما تبقّى وتصوغ من الصّبر حرفة يومية. وبينهما تربّيت، لا في ظلال الوفرة، بل في يقظة دائمة، وفي حنان حدّته الضّرورة، ولم تخل قسوته أحيانا، ذلك الحنان الملتبس الذي يمتزج فيه الحبّ بالألم، كما في عالم أبناء وعشّاق. لقد تكفّلتا بي قبل أن ألتقي أبي حتى، كأن أول إرثي لم يكن النّسب بل الغياب. قبل الأب جاء فراغ الأب؛ قبل الاسم جاء الانتظار؛ وقبل كل حكاية عن الأصل، جاءت معرفة أن نساء هجرهن اليقين كنّ يبنين المأوى الهش الذي سأعيش فيه. كانت أيديهما وطني الأول. وكان تعبهما أول درس لي في التّاريخ.

لم تكن قابس، إذن، مجرّد مدينة. كانت كفاحا من أجل التّنفّس، وعالما أموميا من القوّة الجريحة، ومكانا بدا فيه البحر والغبار كأنهما يتنازعان حقهما فينا. لقد علّمني الجنوب أن الجمال والأذى يمكن أن يسكنا الشّارع نفسه. كانت أشجار النّخيل، وهواء الملح، وألفة الجيرة القديمة لا تزال قائمة، لكن الإهمال والفقر والمعرفة المرّة بأن أفق المرء قد سعّر بثمن بخس لدى قوى بعيدة، كانت قائمة أيضا. ومن الجنوب كنّا ننظر إلى تونس العاصمة، لا ببراءة، بل بحاجة. كانت العاصمة تبدو لنا لا مدينة فحسب، بل إذنا وحكما ونجاة مضفورة معا.

وهكذا استقللت القطار شمالا. كان ذلك القطار طريقي الأول 66، وإن كان لا يحمل شيئا من أسطورة الطّريق الأميركية. لم يكن مغامرة، بل ضرورة. كان تمريني الحديدي الأول على الاغتراب. ومع كل ميل كان الجنوب يتراجع، من غير أن يتركني. كنت أحمل قابس في لكنتي، وفي صمتي، وفي تلك الطّبقة الخفيّة من الغبار التي لا يزيلها اغتسال. وكان الرّحيل إلى تونس العاصمة تمرينا مبكّرا على انشطار الذّات: أن تطلب مستقبلا في المركز نفسه الذي عاش طويلا على إهمال الأطراف. وكان القطار يشق طريقه عبر الحر والحجر والبلدات المتناثرة، ويمرّ بصفاقس، المدينة التي كنت أعرف أن أبي كان يقيم فيها، من غير أن أعرف عنه أكثر من ذلك. وحتى ذلك المرور الخاطف كان يزيد الغياب كثافة، كأن القطار لا يقرّبني منه بقدر ما يعلّمني، باكرا، كيف يمكن للقرب أن يظل بعيدا. وكنت أشعر، حتى في ذلك الحين، بأن كل وصول يحمل في أحشائه جنين رحيل آخر.

علّمتني تونس كيف يمكن لبلد أن ينفي أبناءه من غير أن يختم لهم جوازا. يمكن للمرء أن يعيش في العاصمة، ومع ذلك يظل ابن الهامش، ويظل الجنوب عالقا بحذائه، وبحروفه الصّوتية، وبخجله وكبريائه. وفي تونس تعلّمت أن الارتقاء الاجتماعي اسم آخر للتّرجمة، وأن التّرجمة اسم آخر للخسارة الجزئية. يترك المرء البيت، ثم الحي، ثم المدينة، ثم الوطن، وكل رحيل يطالب برسوم تجبى من الذّاكرة. ومع ذلك ظل الطفل الذي في داخلي هناك في قابس: مع أمّه المطلّقة، وجدّته الأرملة، وأبيه الذي لم يكن قد حضر بعد، ورئتَيه المملوءتين بالغبار والأسئلة غير المنطوقة.

ثم جاءت نيويورك. قبل ما يقرب من سبعة وعشرين عاما بلغتها، أو لعلها هي التي ابتلعت خطاي منذ اللّحظة الأولى. جئتها لأن حلمي كان، في جوهره، حلم المغادرة: أن أغادر فحسب، أن أخرج من الضّيق إلى ضيق آخر أكثر اتساعا. أما العودة أو عدم العودة، فلم تكن يوما هي السّؤال. لم يكن السّؤال إلا كيف أرحل، وكيف أواصل الرّحيل. لم أصل إلى نيويورك بقدر ما دخلت في آلتها. ابتلعتني في سرعتها، وفي معدن شتائها، وفي شهيتها التي لا تنام. وإذا كانت قابس قد علّمتني معنى الجرح، وكانت تونس قد علّمتني معنى المنفى الدّاخلي، فإن نيويورك أتقنت الدّرس بجعل الحركة قانونا. هناك لا يسألك أحد أين تشكّلت وحدتك؛ إنما يسألونك فقط: هل تستطيع أن تواكب الإيقاع؟ ومع ذلك، تحت هدير المترو والأبراج، كنت أسمع سككا أخرى: القطار من الجنوب إلى العاصمة، والأصوات المنزلية القديمة لامرأتين تبقيان ثلاثة صغار على قيد الحياة، والنّفس المسموم لقابس، وسؤال الغبار، والسّؤال المعلّق عن أب لم أكن قد التقيت به بعد.

ألّا تعود، ليس إعلانا واحدا يقال دفعة واحدة. إنه تراكم بطيء للمسافات. ترحل أولا. ثم تعود على فترات أقل. ثم يبدأ الذين كانوا يجعلون العودة ممكنة في التّلاشي. ثم تتغيّر الشّوارع، وتتبدّل البيوت، ويتكاثر الموتى، وتصبح الذّاكرة أدق من الجغرافيا. وفي النّهاية يدرك المرء أن العودة ليست مستحيلة لأن الطّائرة لا تستطيع الهبوط، بل لأن الذّات التي غادرت، والمكان الذي ترك وراءها، كليهما قد تعرّضا لمراجعة لا رجعة فيها. الطفل الذي كان في قابس لم يعد موجودا إلا بوصفه راسبا في الرّجل، وقابس نفسها، الملوّثة، المهمّلة، المحبوبة، تواصل من بعيد أن تتهم وتحتضن في آن.

ولذلك نعم، عناقيد الغضب. ونعم، الطّريق 66. لا لأن أوكلاهوما هي قابس، ولا لأن كاليفورنيا هي نيويورك، بل لأن فقراء كل الخرائط يعرفون شيئا عن الطّرق التي لا تعد بالخلاص. لكل عصر قوافله من المقتلعين، ومهاجروه الدّاخليون، وأبناؤه القادمون من الهامش صوب مراكز لا تكترث، وأطفاله الذين تربّيهم النّساء فيما يحجب التّاريخ الأب والدّولة والمستقبل. لقد جئت من جنوب تونس إلى العاصمة، ومن العاصمة إلى نيويورك، وأنا أحمل لا الطّموح وحده، بل أيضا ما حملته معي: الهواء الكيميائي، وحزن البيت، وجلَد الأمومة، وحماية الجدّة، والوجع الأول لحياة بدأت ناقصة.

وما تزال قابس تقيم في داخلي: لا بحرها ونخيلها فقط، بل شاطئها المسموم، وغبارها، وكدح نسائها، ووصول الأب المؤجّل، والجرح القديم الكامن في أن تتشكّل على أيدي أولئك اللواتي لم يكن العالم ينتظر منهن سوى الاحتمال. وما يزال سؤال ابن خالتي يلاحقني: من أين يأتي الغبار؟ إنه يأتي من المصانع، ومن التّخلّي، ومن القطارات، ومن الرّحيلات، ومن تكسّر البنى العائلية، ومن احتقار الدّولة الطّويل للجنوب، ومن الذّاكرة نفسها وهي تحتك بالمسافة. يأتي من كل ما ترسّب علينا، ومن كل ما حملناه معنا.

وهكذا يواصل الطّريق امتداده في داخلي، قاسيا ومضيئا. قابس خلفي، وتونس أمامي، ونيويورك أبعد منّي، ولا عودة حقيقية إلى أي مكان. ليس ثمّة إلا هذا الطّريق الدّاخلي الطّويل، طريق الإدراك المتأخّر، وأنا أتيقّن، شيئا فشيئا، أنّني ربحت أشياء كثيرة وأنا أخسر، في الآن نفسه، كل ما كان يصنع ذلك الكائن الذي كنت أريد أن أكونه. ومع ذلك، رغم الغبار، ورغم عناقيد الغضب التي ظلّت تظلّل طفولتي في حيّنا المتواضع بباب بحر في قابس، ما تزال بعض الوجوه تنجو من الخراب، وتبقى كأنها آخر ما يربطني ببراءة بعيدة. ان طفلًا بريئًا، يتراوح عمره بين الخامسة والسادسة، يتعثّر في أسئلته عن أبيه، ويتلعثم وهو يحاول أن يبوح للمعلّمات والمعلّمين بسرّ غيابه، غير أنّ ذلك البوح الصغير قلّما وجد أذنًا تُصغي أو قلبًا يكترث، سوى "آنيستي" ناجية العمري، رحمها الله، التي غمرته بلطفها وحنانها، لأنّ بعض الغياب يفوق احتمال الطفولة نفسها، ولا سيّما حين تجد القلوب الصغيرة نفسها محاطة بأناسٍ قساة. كانت تشتري لي "آنيستي" ناجية  قطع البسكويت من حانوت عمّي التوهامي، وتصغي إلى أسئلتي الصّغيرة في رفق ومحبة، حتى إذا بلغنا محل والدها، عمّ الحسين، كانت  تناولني شطر كسكروت. وما زلت أحن إلى رائحته ومذاقه، كأن في تلك اللّقمة البسيطة ما تبقّى من طفولة كاملة.

وقبل أيام أخبرتني أمّي برحيل "آنيستي" ناجية بعد أن اختطفها السّرطان. غير أن رحيلها لم ينتزع طيبتها منّي، بل بقيت في داخلي أثرا خفيّا ومضيئا. وما أزال أراها، قبل سبع وأربعين سنة، توصلني إلى باب الكنيسة في حومتنا. وما أزال أستعيد تلك التّفاصيل الآن، من مكتبي في جامعة فرجينيا، على بعد آلاف الأميال ومئات آلاف السّاعات، كأن الزّمن لم يمض تماما، وكأن الطفل الذي كنته ما يزال حيّا في داخلي، تحرسه تلك اللّمسة الأولى من الرّحمة. وكأن كل ما عبرته من غبار ومنفى وفقد لم يكن، في سرّه البعيد، إلا طريقا طويلا إلى تلك اللّمسة الأولى. لذلك، كلّما استعدت وجهها، أدركت أن ما أنقذني حقا لم يكن سوى هذا: عناقيد الرّحمة.

***

نزار فاروق هِرْمَاسْ - جامعة فيرجينيا

.....................

* عناقيد الغضب (The Grapes of Wrath) وعن الفئران والرّجال (Of Mice and Men)، لجون شتاينبك (John Steinbeck).

  *أبناء وعشّاق (Sons and Lovers)، لد. هـ. لورنس (D. H. Lawrence).

*سفيان بن عون، من أين يأتي الغبار؟: قصص، تونس، 2001.

قصيدة "شـآم يا ذا السيف" نموذجًا

مقدمة: يُعدّ الشاعر اللبناني سعيد عقل من أبرز الشعراء الذين أثروا في الشعر العربي الحديث، من خلال لغة صادقة حافلة بالمعاني، وصور بلاغية قوية تُجدّد العلاقة بين الكلمة والوجدان. في نصّه “شـآم يا ذا السيف” تتجلّى هذه الصور في تعبير عن مكانة دمشق في التاريخ، وعن المشاعر الحضارية والإنسانية التي تفيض بها كلمات الشاعر.

القصيدة ذات بنية تصويرية متشابكة تحمل في طياتها استعارات ورموزًا وتجسيدات تجعل من اللغة الشعرية وسيلة للحضور الوجداني في النص، لا مجرد لفظ جميل. ومن أساليب الصورة نذكر: يبدأ النص بحضور قوي لرمز دمشق:

"شـآمُ يا ذا السَّـيفُ لم يَغبْ

يا كَلامَ المجدِ في الكُتُبِ"

ومن الصور التي اكتسبت الأسلوب البلاغي قوله شام يا ذا السيف، حيث يربط الشاعر بين دمشق والقوة، ويجعل السيف رمزًا للمجد والحسم. ويحوّل المجد إلى "كلام في الكتب"، أي إلى أثر واضح في صفحات التاريخ.

يستخدم سعيد عقل التضادّ بين قبل وبعد في البيت التالي:

"قبلَكِ التاريخُ في ظُلمَةٍ

بعدَكِ استولى على الشُّهُبِ"

هذا التضادّ البلاغي يضع دمشق في موقع التغيير، تجعل منها نقطة تحوّل بين الظلمة والسطوع، بين السكون والإشعاع.

وفي أماكن أخرى من القصيدة تتجلّى التجسيدات عندما يخبّئ الشاعر في قلبه “ربيعًا” يحمل رمزية الحياة المتجددة:

"لي ربيـعٌ فيـكِ خبَّأتُهُ

مِـلءَ دُنيا قلبـيَ التّعِـبِ"

فـ"الربيع" هنا لا يعني الموسمية فقط، بل التجدّد والأمل والكينونة الجميلة التي يحتفظ بها القلب، رغم التعب والمرارة.

ويستمر المشهد الشعري في توظيف الصورة الحسية عبر عناصر الطبيعة:

"يومَ عَينَاها بِسـاطُ السَّما

والرِّمَاحُ السُّودُ في الهُدُبِ"

في هذا البيت تتحوّل السماء إلى بساط بساطة وألفة، بينما تتحوّل الرماح السوداء في الهُدُب إلى صورة حركة وقوة وتحدٍّ، في مشهد استعاري يجمع بين الرقة والحزم.

البيت الذي يلي ذلك يستخدم التشبيه مع أداة “كـ” عندما يتخيّل الشاعر النجوم كأنها لعِبه:

"أنا في ظِـلِّكَ يا هُدبَـها

أحسُبُ الأنجُـمَ في لُعَبي"

فالنجوم هنا تُشبه لعبة الشاعر، مما يضفي انسيابية في المشاعر، وشعورًا بالانفتاح على الكون والفضاء.

الصور البلاغية في النص ودورها في التعبير

يهتم سعيد عقل في هذا النص بتوظيف الصور البلاغية لتثبيت دمشق كرمز حضاري خالد في الوجدان. ومن الصور التي اكتسبت الأسلوب البلاغي قوله شام يا ذا السيف، أو قوله كلام المجد في الكتب للإيحاء بأن دمشق محفوظة في التاريخ ومجده.

هذه الصور البلاغية تجعل من النص ليس مجرد وصف، بل تجربة وجدانية وشاعرية تتخطّى الكلمات إلى المعنى العميق.

يستخدم الشاعر التضادّ بين عنصرين (الظلام والضوء، قبل وبعد) كأسلوب بلاغي يقوّي فكرة التغيير والتحوّل الذي تمثّله شام في التاريخ والثقافة.

التجسيد يتجلّى في تصوير “الربيع في القلب” ككيان حي قادر على النمو، وليس فقط كفصل من فصول السنة، وجعل السماء بساطًا يجعل الكون حاضرًا في النص بصورة تخاطب الحواس.

كما نجد التشبيه في تصور النجوم كأنها “لعب”، مما يربط بين الإنسان والكون بحميمية، ويُعبّر عن قدرة الشعر على توظيف الخيال في علاقة بين الذات والمكان.

الصورة البلاغية ودورها في العمق الشعري

تكمن قوة القصيدة في توظيف اللغة والصورة البلاغية ليس فقط لوصف المكان، بل لإضفاء طابع حضاري وفلسفي على النص، يجعل القارئ لا يرى المكان فحسب، بل يشعر به، ويحمله في وجدانه.

اللغة هنا ليست مجرد أداة تجميل، بل وسيلة رؤية تربط بين التاريخ والوجدان، وتمكّن الشاعر من نقل حضور دمشق في المشهد الشعري بوصفها مركزًا حضاريًا، وكيانًا نابضًا يعيش في ذاكرة الأمة.

خاتمة

في قصيدة “شـآم يا ذا السيف” يتجلّى براعة سعيد عقل في توظيف الصور البلاغية—كالأسلوب البلاغي في الصور، التضادّ، التجسيد، التشبيه—لتقديم نص يتميّز بقدرة عالية على الجمع بين المعنى والوجدان، بين المكان والرمز، بين التاريخ والخيال الشعري.

تتحوّل الصورة البلاغية في هذا النص إلى بُنية فكرية وجمالية واحدة، تجعل من اللغة مساحة تتجاوز الوصف إلى تجربة معيشة للنص، والمكان، والهوية، فتمنح القارئ فرصة ليقرأ تاريخ شام وروحها، لا فقط كموقع جغرافي، بل كعنوان خالد للمجد في الوجدان العربي.

***

بقلم: وفاء محمد يونس

 

بين تقعيد النحاة وتأويل الدلالة

تنهض العربية، في بنيتها العميقة، على شبكة دقيقة من العلاقات التي لا تُفهم من ظاهر الإعراب وحده، بل من وشائج المعنى التي تتخلّل التراكيب وتعيد توزيع الوظائف بين الألفاظ. ومن أبرز هذه الظواهر التي تكشف عن مرونة النظام النحوي وثرائه: ظاهرة نزع الخافض، وما يتفرع عنها من مفاهيم كـ”المفعول منه” و”المفعول عليه”، حيث ينتقل الاسم من حيّز الجر إلى ساحة النصب، لا بتغيّر موقعه فحسب، بل بتحوّل دلالته ووظيفته.

أولاً: المفعول منه – بين الأصل المحذوف والوظيفة الظاهرة

يُطلق مصطلح “المفعول منه” على الاسم الذي يدلّ على الجهة أو المصدر الذي وقع منه الفعل، ويكون في الأصل مجروراً بحرف جر (غالباً “من”)، ثم يُنزع هذا الخافض فيُنصب الاسم، فيغدو مفعولاً به في الظاهر، مع احتفاظه بجذره الدلالي.

ومن الشواهد القرآنية التي استوقفت النحاة قولُه تعالى:

﴿وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾

والتقدير عند كثير من النحاة: من قومه.

فـ”قومه” في الظاهر مفعول به أول، غير أنّ التحليل العميق يكشف عن أصله: مجرور بمن، أي أنّ الاختيار وقع منهم، لا عليهم.

التحليل الدلالي:

“قومه”: ليسوا محل الفعل (أي لم يقع عليهم الاختيار بوصفهم مفعولاً مباشراً)، بل هم المصدر الذي تمّ الانتقاء منه.

“سبعين رجلًا”: هم المفعول الحقيقي المختار.

وهنا يتجلّى الفرق بين:

المفعول به الحقيقي (المنتقى)

المفعول منه (المنتقى منهم)

ثانياً: نزع الخافض – اقتصاد لغوي أم توسيع دلالي؟

مفهومه:

نزع الخافض هو حذف حرف الجر مع إبقاء عمله معنًى، ونقل الاسم من الجر إلى النصب.

علله:

الاقتصاد اللغوي: حذف ما يُفهم من السياق.

التوسّع في الاستعمال: توسيع دائرة الأفعال لتتعدى بنفسها.

التخفيف الصوتي: إذ يجنح اللسان العربي إلى الإيجاز حيث لا لبس.

ثالثاً: مواقف النحاة

١. البصريون: القياس والتحفّظ

ذهب نحاة البصرة، وعلى رأسهم سيبويه، إلى أنّ نزع الخافض:

سماعي في أصله، لا يُقاس عليه إلا في مواضع محدودة.

يرون أنّ الأصل هو الجر، وأن النصب طارئ بسبب الحذف.

ويُفسّرون الآية على أنّ فيها حذفاً مقدّراً:

“واختار موسى من قومه سبعين رجلاً”

ويؤكدون أنّ:

الاسم المنصوب بعد نزع الخافض ليس مفعولاً به حقيقياً، بل هو منصوب على نزع الخافض.

المعنى هو الحاكم، لا الصورة الإعرابية الظاهرة.

٢. الكوفيون: التوسّع والمرونة

أما الكوفيون، فقد مالوا إلى:

إجازة القياس على نزع الخافض.

اعتبار الفعل قد يتعدّى بنفسه دون حاجة إلى تقدير حرف الجر.

وعليه، فهم:

قد يُجيزون أن يكون “قومه” مفعولاً به حقيقياً دون حاجة لتقدير “من”.

يرون أنّ العربية تسمح بتعدية الفعل بوجهين: بحرف الجر وبدونه.

وهذا يعكس نزعة كوفية نحو:

تحرير الفعل من قيود التعلّق الحرفي، وإفساح المجال لديناميكية التركيب.

رابعاً: فقهاء اللغة – بين المعنى والاستعمال

اهتم فقهاء اللغة، كابن جني وابن فارس، بالجانب الدلالي أكثر من الإعرابي، فرأوا أن:

نزع الخافض ليس مجرد ظاهرة شكلية، بل هو تحوّل في زاوية النظر إلى الحدث.

الفرق بين:

“أخذت من المال”

و”أخذت المال”

ليس فرقًا إعرابياً فحسب، بل:

الأول يشي بالتبعيض

الثاني قد يوهم الشمول

ومن هنا، فإن “المفعول منه” عندهم:

ليس وظيفة نحوية فقط، بل بنية دلالية تشير إلى الأصل والمصدر والانفصال.

خامساً: المفعول عليه – الجهة المقابلة

في مقابل “المفعول منه”، يظهر ما يمكن تسميته بـالمفعول عليه، وهو:

ما يقع عليه الفعل مباشرة.

مثال:

“ضربتُ زيدًا” -  زيد: مفعول عليه (وقع عليه الضرب)

أما:

“أخذتُ المالَ” - المال: مفعول عليه (إن لم يُقدّر “من”)

لكن:

“أخذتُ المالَ من زيد”- المال: مفعول عليه

- زيد: مفعول منه

الفرق الجوهري:

المفهوم

الدلالة

المفعول عليه

ما وقع عليه الفعل مباشرة

المفعول منه

ما كان مصدراً أو منطلقاً للفعل

سادساً: الأبعاد الفلسفية للظاهرة

تكشف هذه الظاهرة عن بُعد عميق في العربية:

اللغة لا تعبّر فقط عن “ماذا حدث”، بل عن “من أين حدث” و”كيف انتقل الفعل”.

هناك حسّ دقيق بالعلاقات:

بين الفاعل

والمفعول

والمصدر الذي انفصل عنه الفعل

إنّ نزع الخافض ليس حذفًاً، بل هو:

إعادة توزيع للمعنى بين البنية الظاهرة والبنية المقدّرة.

خاتمة:

تتجلّى في “المفعول منه” و”نزع الخافض” عبقرية العربية في الجمع بين الإيجاز والعمق، حيث يُحذف اللفظ ويبقى أثره، ويُغيب الحرف وتظلّ دلالته حيّة في نسيج الجملة. وبين صرامة البصريين ومرونة الكوفيين، يظلّ المعنى هو الحكم الأعلى، يوجّه الإعراب ويعيد تأويله.

وهكذا، فإنّ هذه الظاهرة ليست مجرد باب نحوي، بل نافذة على:

فلسفة اللغة، وحركية المعنى، ومرونة التعبير العربي في احتضان الاحتمال دون الوقوع في الالتباس

فالعربية، في جوهرها، لا تقول كل شيء… لكنها تترك كل شيء قابلاً لأن يُفهم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في صباحٍ كُتِب له أنْ يكون مختلفًا تسلّل الضوء على استحياء من بين ستائر الذاكرة. استيقظتُ على ارتجافةٍ مألوفة في القلب عندما انسكبت ترانيم فيروز في الأرجاء تتقدّمها “وا حبيبي” كأنها تُنادي شيئًا قديمًا فيَّ، شيئًا يعرف الطريق إلى بيتنا الذي لم يعد كما كان، لكنه لا يزال حيًّا في داخلي.

هو صباح جمعة يتزامن مع الفصح المجيد في بيت لحم، المدينة التي لا تشبه سواها، والتي كلما ابتعدتُ عن قلبها اقتربت مني أكثر.

ولكم أنْ تتخيّلوا معي كيف لساعة نومٍ قصيرة بعد الفجر أنْ تكون كفيلة لتعيد ترتيب الزمن، فتتشابك خيوطه، ويتحوّل الحاضر إلى بوابةٍ واسعة نحو الطفولة.

كانت أرضُ البئر في الربيع أشبهَ برقعةٍ حيّةٍ من الحلم تمتدّ كسجادةٍ خضراء مفروشةٍ بعنايةٍ إلهية، تتخلّلها شقائق النعمان بلونها القاني، لتتناثر كقطرات دمٍ نبيل على صدر العشب، وتجاورها أزهار الخبيزة، والأقحوان في تناغمٍ بريّ لا يعرف الترتيب لكنه يفيض جمالًا.

تنهضُ رائحة التراب المبتلّ بعد مطرٍ خفيف، وتتصاعد كصلاة تمتزج بعطر الأعشاب البرية التي كنا ندوسها برفق، ونحرّر عبيرها دون قصد.

وفي قلب تلك الأرض تنتصب أشجار اللوزيات كحارساتٍ بيض، أغصانها مكسوّة بزهورٍ ناصعة تميل إلى الوردي الخفيف مثل غيوم هبطت لتستريح بيننا.

إذا هبّت نسمة تناثرت بتلاتها في الهواء، فتبدو كثلجٍ رقيقٍ يتساقط في غير أوانه، ليعلّق الزمن لوهلةٍ قصيرة، ويجعلنا نركض تحتها ضاحكين، فلا زلنا نحاول الإمساك بما لا يُمسك.

وكانت الأرض رغم انفتاحها مزنّرة بسورٍ عتيقٍ من حجارةٍ مهندسةٍ بيد فنان، شاحبة اللون محفورةٍ بآثار الزمن.

لا زالت تلك الحجارة المتراكمة أفقيًّا وعموديًّا تصنع الدهشة، وتحفظ أسرار من مرّوا قبلنا، وتحدّد للعالم حدود هذا الفردوس الصغير، لتذكّرنا دائمًا من أين يبدأ الحنين.

هناك في أرض البئر في رأس فطيس كانت الأرض تعرف أسماءنا جيّدا في ذاكرة معتّقة أنّى لها أنْ تتسرّب من غربال السنين، ولا زالت تدعونا لنخطو عليها بخفّة من لم يثقل قلبه بعد.

كنا نصحو باكرًا أنا وأخوتي وأخواتي دون الحاجة لضبط منبّه الساعة، فالربيع يوقظنا لنلهو معه قليلا قبل أنْ ترهقه أقدام المشاة.

يتنفس الصباح وسرعان ما نخرج مهرولين، ونحن نحمل في عيوننا دهشة اليوم، فنطوف بين الأعشاب والندى، ونلاحق الألوان قبل أنْ تذوب في الشمس.

كنتُ أنا وأختي التي تكبرني بسنتين نختار شقائق النعمان بعناية كأننا ننتقي أسرارًا صغيرة من الأرض، ونضمّها إلى قلبينا خشية أنْ تشي بها رياح الغدر.

لطالما عرفنا بمكر الطفولة أنّ لونها وعدٌ بشيء سيحدث لاحقًا.

أما إخوتي الذكور فكانوا ينشغلون بمهمةٍ لا تقل قداسة وهي مراقبة دجاجاتنا البلدية بترقّبٍ طفوليّ لولادة الإفطار من البيض، فالمعجزة يمكن أنْ تحدث في أي لحظة.

وفي الداخل كانت الفاطمة سيّدة التفاصيل، وصانعة الدهشة التي تُحضّر ذاكرة للإفطار، فتضع شقائق النعمان في إناءٍ يغلي، لينسكب لونها القرمزي في الماء، فتعصر الربيع في مطبخها الخشبي، وترسم لوحة استثنائية من الفرح لعائلتها.

وفي إناءٍ آخر تختلط قشور البصل بحبيبات الشاي، لتنسج ألوانًا أعمق، وأكثر غموضًا، فتحكي قصة الليل في قلب النهار.

وما هي إلا دقائق حتى تصطفّ الصحون مزدانةً ببيضٍ ملوّن لا يشبه أي شيءٍ آخر.

نجتمع حول صحن البئر، ونضحك، ونتباهى بالألوان، ونتقاسم الفرح خبزًا ساخنًا.

يا لها من أيام رغم نقصانها إلّا أنّها كانت الأجمل بلا منافس؛ لأنها كانت ملكًا لنا وحدنا.

أدرك اليوم وأنا أستيقظ على ترانيم تعبر الزمن أنّ بعض الذكريات تعود لتؤلمنا كثيرا، وتحيينا قليلا.

لا ينتهي الصباح إنما يتوارى في القلب مثل ترنيمةٍ لم تُكمل لحنها بعد.

أعترف الآن أنّ أرض البئر كانت زمنًا نقيًا خبّأ نفسه فينا، ولا ينتظر سوى لحظة انكسارٍ أو شوقٍ ليعود.

وأنّ تلك البيوض الملوّنة كانت دروسًا مبكّرة في أنّ للحياة وجوهًا كثيرة، وأنّ البهجة تُصنع أحيانًا من أبسط ما تمنحنا الأرض.

اليوم لا أبحث عن تلك الأيام لأستعيدها، أنا فقط أريد أنْ أفهم كيف نجت في داخلي كلّ هذا الوقت، وكيف لم تبهت ألوانها، ولم تجفّ ضحكاتنا على حوافها. ربما لأنّ الأماكن التي تُحبّنا حقًا لا تغادرنا أبدًا، فهي تتحوّل إلى جزءٍ من نسيجنا نعود إليها كلما ضاقت بنا الطرق.

وإنْ كان للحنين صوت فسيظلّ يشبه تلك الترانيم التي أيقظتني، وإنْ كان للذاكرة شكل فسيظلّ بيضةً ملوّنة نكسرها برفق، فنجد في داخلها طفولةً لم تكبر.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

تدور معارك طاحنة، وتقنيات حديثة في التقاط الصور، وسلاح متطور يهشم من يجابهه، لا أعرف كيف أني أتقنت استخدام كل تلك الأسلحة، أرشق كل من يغيظني بعدد محدود من الطلقات، ليس خوفاً من نقص في الذخيرة، فعددها لا متناهي، بعدها أرمي سلاحي ليجابهني أشد الناس كرهاً لي، القتل بالسلاح لا يُشفي الغليل، اليُد أشد فتكاً في الحُلم، نعم الحُلم.

لم أمسك سلاح سوى ذاك السلاح المائي الذي أغيظ به من يكره الماء، فهو سلاح فعال في الشتاء ومُنعش في الصيف، الحُلم يزودني بتقنيات لا تخطر في بالِ أحد، حتى في بالِ السينما، طيران وركض وشعرّ، وقتال وفانتازيا متقنة، لكن الذاكرة لا تحتفظ إلا بلمحات، نحن في الحلم شعراء أكثر من بودلير، ومقاتلين بواسل، أذكر كازنتزاكي وهو يعتقد مثلي (أن في رؤوسنا سينما صوتية كتلك الأفلام الناطقة).

اللمسة الجمالية في الحلم، هي عالم موازي، وما يصنعه الأديب في خلقِ عوالم موازية، يدل على شيئين لا ثالث لهما: أما أن الواقع الصادم لا يرتقي إلى مستوى الطموحات فنخلق عالماً أقل ساكنية، أو أن العالم جيد لكننا لا نؤكد ذاتنا من خلاله، وفي كلتا الحالتين نحن لا ننتمي إلى هذا العالم. وفي رأي كولن ولسن أن" كل ما يفعله الكاتب في صورة ما تأكيد للذات"، ومتى ما لم يؤكد ذاته التجئ إلى الحلمِ، لأن عملية الكتابة تبلغ من التعقيد حداً يجعلها مقصورة على فئةِ دون أخرى، الحُلم أسهل، فضاء مفتوح ولعب حر، المخيلة تجعلك دائماً بطلاً لا كومبارس.

في كتاب التاريخ المفروض لهنري لورنس يذكر في بدايات الكتاب بأن (التاريخ لم يعد حصراً على المؤرخ فالسينما أصبحت تحمل جزءاً منها) بمعنى أن المؤرخ ليس هو المُنتج الوحيد للسرد التاريخي وأن الحقيقة أصبحت خاضعة للتأويل أكثر، بعد أن أصبحت مرئية لأنها لم تعد لغة علمية بحته بل أنها تمر عبر وسيط جمالي مما يؤكد أن الحقيقة لم تعد تمثل الحدث ذاته بل تأويلاً بصرياً له.

الخطورة تكمن في أن السينما تمنح احساساً بالواقعية على الرغم من اصطناعها، وهو ما سماه جان بودريار بمصطلح فوق الواقع، الذي يبين من خلاله وجود مسافة بين الواقع ورموزه " المصطنع ليس إطلاقاً هو ما يخفي الواقع- بل إن الواقع هو الذي يخفي عدم وجود واقع، المصطنع حقيقي". السينما في بعض كثير وما يخص (التاريخي منها) على وجه الخصوص، تعدم العلاقة الثنائية بين الدال والمدلول، لتبقي الرمز فقط، بمعنى آخر الرمز يطرد الواقع، أذ صار الرمز نفسه هو الواقع.

أعطت الكامرة شكلاً صورياً للأحداث التي كانت تُرى من عدة زوايا فردية مضيفة عليها وسائل الخيال الفردي في تخيل شكل الاحداث التاريخية، فبدلاً من رؤى متعددة استناداً على المكتوب، صار للحقيقة شكلاً واحداً(مصطنعا) تحكمه سردية إيديولوجية تعرض الحقيقة كما تريد، فالحقيقة تُستلهمْ من لغةِ السينما. ويذكر جون سكانلان في كتابه الذاكرة بأن التاريخ يثبت أن الأفكار والخواطر عوملت أغلب الظن معاملة التصورّ، وغالباً ما قورن العقل بوسط للتمثيل البصري، بل إن بيرجسون اقترح أن نوجه انتباهنا إلى العالم كما الكاميرا، فنلتقط صوراً سريعة لواقع في حال تدفق مستمر. هذا ما يجعلنا نقرأ بأن الإدراك والذاكرة يبدآن في التصوير الفوتوغرافي، مما يجعل من السينما وسيطاً بصرياً عن انتقال التاريخ من كونه سرداً تأويلياً إلى كونه بناء تخييلياً قادراً على إنتاج ذاكرة بديلة وأن كانت (مصطنعة) بحسب بودريار.

أنا أرى أن الاحلام أوحت للسينما، فكانت هي المادة الأولى، لكن الأخيرة(السينما) بدأت وسيلة مهمة لنقل الحقائق أو تزيينها.

فعلى حد تعبير فريدريش كتلر(لم تعد الروح فجأة ذاكرة على هيئة ألواح كتابة أو كتب، كما وصفها أفلاطون، بل تطورت فنياً، وتحولت إلى فلم سينمائي) إنني أرى أن السينما حلمُ متقن، عالمُ يبتكر حلولاً تغطي عجزاً عينياً، كالأحلام لكنها أقل حرية وأكثر منطقية، محكومة بالزمن والمسافة والحركة.

وفي محاضرةٍ جيل دولوز بعنوان (ما هو فعل الإبداع؟)، يُعرّج على الحلم، لأجد أن كلّ ما فكرتُ به شخصياً قد قيل حتى قبل ولادتي؛ إذ يرى أن الحلم يخص، قبل كل شيء، من لا يحلمون، لأنه بمجرد أن يحلم الآخر، يظهر خطر ما. إن حلمَ الآخر حلم مفترس، قد يؤدي إلى التهامنا.

فالحلمُ رغبة مرعبةٌ في القوة، وكل منا هو، بشكلٍ أو بآخر، ضحية لأحلام الآخرين، حتى وإن كانت أكثرُ البنات لطفاً؛ لأنها ملتهمة بشعة، لا عن طريق روحها، بل عن طريق حلمها.

احذروا أحلامَ الآخرين، لأنكم إن انسقتم وراءها فسوف تُدمّرون.

***

علي حبيب بيرماني

تركت الجماعة المسلمة الأولى أرض الحجاز بعد أن توطدت دعائم الإسلام، لتبدأ رحلة فتوحات إلى شتى بقاع الأرض، ولتستوعب تأثيرات فنية وثقافية كان لها دور بارز في تشكيل الحضارة الإسلامية.

وعلى ذكر التأثيرات الفنية فإن عددا من الآيات القرآنية التي حوتها صدور المؤمنين، تناولت المظهر الجمالي باعتباره شاهدا على بديع صنع الله في الكون وإتقانه. وكشف النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من أحاديثه قولا وفعلا، عن ذوق راق ينمي الإحساس بالجمال، ويدعو للاستمتاع بالطيبات التي أخرج الله لعباده. ومصنفات الحديث تزخر بأخبار عن حبه للسواك والطيب، وتوجيهاته بشأن اللباس والمسكن. فكان صلى الله عليه وسلم يجمع بين تحرير الإنسان الجاهلي من دنس الشرك وخشونة الهيئة والمظهر، ليكون المسلم عنوانا لطهارة الظاهر والباطن.

فهم المسلمون هذا المعنى فاشتدت عنايتهم بالجمال في كل تفاصيل حياتهم. وتأثروا بفنونه التي عاينوها في البلدان الأخرى، ومنها فن إنشاء البساتين والولع بعالم الزهور والورود. وكان التعبير عنه بأساليب شتى، تجمع بين تقدير الزهور كتجلّ للنعم الإلهية، ومصدر للتسبيح الدائم الذي دلّ عليه قوله تعالى:

 {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم} -الجمعة:1- وبين توظيفها في تعبيرات مبتكرة، تضفي لمسة الإبداع على العطاء الإسلامي.

أقبل الخلفاء والأمراء على إنشاء البساتين الرائعة وتخطيطها، متأثرين بما شاهدوه أو وُصف لهم في حدائق فارس وغيرها. وتجلت عنايتهم في جلب الأزهار النفيسة، وتطوير زراعتها، واستخراج أصناف جديدة حكى عنها بعض الكتاب والمؤرخين، كالورد الذي رآه القاضي أبو علي التنوخي في البصرة، نصفه أحمر قاني الحمرة، ونصفه الآخر أبيض ناصع البياض، وبينهما خط كأنه مقسوم بالقلم. ويسوق المقريزي في كتابه(الخطط) نموذجا لهذا الولع ممثلا في الأمير خمارويه، الذي عدّه بعض المستشرقين أكبر منشئي البساتين. ويصف أحد بساتينه بالقول:

" وحُمل إليه كل صنف من الشجر المطعم العجيب وأنواع الورد، وزرع فيه الزعفران، وغرس فيه من الريحان المزروع على نقوش معمولة وكتابات مكتوبة يتعاهدها البستاني بالمقراض، حتى لا تزيد ورقة على ورقة؛ وزرع فيه النيلوفر الأحمر والأزرق والأصفر والجنوي العجيب؛ وأهدي إليه من خراسان كل أصل عجيب."   

انتقل ولع الحكام بالزهور والبساتين إلى عموم الناس، ليحدث حالة ثقافية وجمالية فريدة. وانضافت أسماء الزهور والورود إلى مفردات التخاطب اليومي التي كانت حتى وقت قريب منحصرة في أصناف الجواهر وأنواع الطيب. فشاع ذكر الورد، والنرجس، والأقحوان، والكافور، والبنفسج، وشقائق النعمان، والبهار، والياسمين، والخيريّ، والنوّار، والشقيق، والنيلوفر، والسوسن وغيرها. وتنبه الشعراء إلى هذا الافتتان فتنافسوا في وصف جمال الزهور، وتصويرها بالكلمات، وأحدثوا من المعاني ما يضاهي لوحات الرسامين في عصر النهضة الأوربية. فهذا الياسمين كأنه كواكب في السماء تبيَض، وشقائق النعمان في الروض أكاليل عقيق على رؤوس زنوج، أما النرجس فأنامل فضة يحملن كاسات الذهب.

وأتاحت أنواع الزهور للخطاطين أن ينفخوا الحياة في الحرف ويحولوه من جماد إلى نبات، كما قال الخطاط كامل البابا، فتحولت الخطوط العربية إلى أيقونات في عالم الزخرفة والنحت، وحمل بعضها اسم الزهرة التي تماهى مع أوراقها كالخط الريحاني.

ولم يسلم الخشب بدوره من هذا التأثير فظهر فن الأرابيسك الذي يعتمد نظام تزيينات قائم على الزهور والنباتات المختلفة، ويكسر بذلك جمود الخشب. فأحدث هذا المزج ثورة في عالم الأثاث والمعمار الخاص بالمساجد وقصور السلاطين، حتى أن بعض حكام الدولة العثمانية كانوا يستقدمون فناني الأرابيسك من مصر ويمنعونهم من العودة إلى بلادهم بعد الانتهاء من عملهم، فشهد التاريخ ما سمي لاحقا ب"الأسر الفني"!

وبما أن لكل تعلق وافتتان آثارهما الجانبية، فإن محبة الزهور، أو الأرباح المتحصلة من بيعها وترويجها، دفعت لاحقا إلى وضع أحاديث باطلة تزكي بعض أنواعها، وتأمر بشمه وتقديره.

ففي فضل النرجس وضعوا حديث:" شموا النرجس ولو في اليوم مرة، ولو في الشهر مرة، ولو في السنة مرة، ولو في الدهر مرة، فإن في القلب حبة من الجنون والجذام و البرص لا يقطعها إلا شم النرجس".

وفي فضل الورد حلقوا عاليا ليجعلوا له نصيبا من حادثة الإسراء والمعراج، فوضعوا حديث:

"الورد الأبيض خلق من عرقي ليلة المعراج، وخلق الورد الأحمر من عرق جبريل عليه السلام، وخلق الورد الأصفر من عرق البراق". وزادوا عليه "من أراد أن يشم رائحتي فليشتم رائحة الورد".

وأما دهن البنفسج ففضله على سائر الأدهان كفضل الإسلام على سائر الأديان، وفي رواية أخرى كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق، بارد في الصيف، حار في الشتاء! وهذه الأحاديث التي ردها ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات) تؤكد أن التعاطي مع عالم الزهور والورود بلغ شأوا عاليا تمرد فيه حتى على الخطوط الحمراء.

وفي عالم التأليف خلّد المسلم قائمة بأنواع الزهور حين اختارها عناوين لكتبه، سواء في ذلك المصنفات الأدبية والتاريخية، وحتى الدينية. فذاعت في الساحة الثقافية أسماء من قبيل: "رياض الصالحين"، و"بستان العارفين"، و"زهر الأكم"، و" أزهار الرياض"، و"ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا"، و" زهرة الآس في بناء فاس", و"الريحان والريعان" وغيرها.    

لكن يظل أبلغ تأثر بعالم الزهور أن يجعل لها المسلم نصيبا داخل أسرته، فيتخذ لمولودته اسما يُوثق صلته بآيات الجمال الرباني، وتتردد في أرجاء بيته: نرجس، وريحانة، ووردة، وسوسن، وزهرة، ونوارة، ونسرين، وياسمين، والعشرات من ألفاظ الدلال وعبارات المودة التي تسكن لها النفوس، وتوثَّق بها الأواصر.

كان للإحساس الجمالي إذن حضوره الآكد في الحياة الإسلامية، ولم تنشأ أبدا خصومة بين تعاليم الدين وطلب الزينة والجمال. ويبقى أشد ما يثير غيظ المتشككين والمتربصين بهذا الدين أن شريعته رسمت حدودا دقيقة بين المباح والإباحي، وهيأت للمسلم مجال حركة واسعة داخل حقل الجمال، لتسمو نفسه بالمعاني بدل أن تنجر إلى حضيض الشهوات.

أبدت المستشرقة الألمانية آنا ماري شيمل دهشتها أمام المئات من الزهور والنباتات التي تزين حيطان الجوامع في تركيا. واستوقفها الحرص العجيب الذي أبداه الصانع المسلم لتحويل تلك الكائنات الفانية إلى لوحات ونقوش خالدة، فعبّرت عن الامتنان الذي يجيش في كل صدر لهذا العطاء بقولها:

"عندما ينظر المؤمن إلى هذه الرسوم بعد الفراغ من صلاته، يتذكر الجنات التي وعدها الله الذين آمنوا. وما أسعد صاحب صنعة تُذكر الإنسان أن للمتقين عند ربهم جنات نعيم".

***   

حميد بن خيبش