أقلام فكرية

أقلام فكرية

1- توطئة تاريخيَّة:  إنّ الأطروحة التي تضادّ الإسلام بالمسيحيَّة، وتقول إنّ المسيحيَّة قد فصلت بين الذروتين الدينيَّة والدنيويَّة في حين أنّ الإسلام خلط بينهما منذ البداية هي أطروحة متسرّعة وسطحيَّة وغير مقبولة لأنّها لا تأخذ بعين الاعتبار الشروط التاريخيَّة لكلا الدينيْن.

فالمسيحيَّة قد نشأت في ظلّ الحكم الروماني لفلسطين وحاكمها كان يمثّل السلطة السياسيَّة والشرعيَّة والقانونيَّة للإمبراطوريَّة الرومانيَّة. وفي مثل هذا السياق وتلك الظروف فإنّ الوسيلة الوحيدة التي يتمكّن بواسطتها رجل الدين من ممارسة سلطة ما هي أن يظلّ في مجاله الروحي والديني، ولا يحشر أنفه في السياسة. فعبارة المسيح “ما لقيصر لقيصر ومالله لله” تهدف إلى استملاك السلطة الروحيَّة التي تنتمي للأنبياء أو للسلطة الكهنوتيَّة اليهوديَّة. فالمسيح إذ فعل ذلك قد حقّق عمليتين حاسمتين بضربة واحدة. فهو لم يهاجم السلطة السياسيَّة الرومانيَّة بشكل مباشر ولكنّه طرح، بشكل ضمنيّ، مسألة شرعيتها لأنّها ليست مرتكزة على السيادة العليا الروحيَّة لهذا الإله الموحي في شخص المسيح، ولكنّ التوتّر والصراع راحا يتعاظمان بين الحاخامات والسلطة الرومانيَّة في آن معا إلى أن أصبحت الكنيسة في فترة لاحقة تطالب بممارسة السيطرة على السلطة السياسيَّة متذرّعة بذروة السيادة الروحيَّة العليا الموروثة عن المسيح. ونتج عن ذلك صراعات متزايدة. إنّ الكنيسة في نسخها المتعدّدة: الكنيسة البيزنطيَّة ثم الكنيسة الكاثوليكيَّة الرومانيَّة وانتهاء باحتجاج “لوثر الكبير” في القرن السادس عشر قد مارست السيطرة على السلطة الرومانيَّة أو الملكيَّة في الوقت التي حافظت فيه على صلاحياتها بصفتها ذروة السيادة العليا الروحيَّة التي تخلع المشروعيَّة على الحكم.

وبذلك، تنتفي مقولة الفصل بين الدينيّ والدنيوي في المسيحيَّة كما يثبت التاريخ، إلا أن هذا الوضع لم يتغيّر إلاّ عندما بدأت البرجوازيَّة التجاريَّة، ثم الرأسماليَّة تقتنص شيئا فشيئا استقلاليَّة الدائرة الاقتصاديَّة وتناضل من أجل اكتساب استقلاليَّة الدائرة القانونيَّة. وكان ذلك يعني تحرير الدولة من أسر الدائرة الدينيَّة التي أصبح طابعها الأيديولوجي غير محتمل وغير مقبول في معارضة الأيديولوجيا المنافسة التي شكلتها البرجوازيَّة. لقد بلغ التوتر أشده بين الإيديولوجيين حين نشبت الثورة الأنكليزيَّة وانتهت بإعدام الملك شارل الأول عام 1649 ثم نشوب الثورة الفرنسيَّة وإعدام الملك لويس السادس عشر عام 1793. ثمّ أدّت إلى الفصل القانوني بين الكنيسة والدولة، ويعتبر المثال الفرنسي الأكثر جذريَّة في كل بلدان أوروبّا(1).

هذا بالنسبة إلى المسيحيَّة، أمّا في الإسلام لقد كانت الحالة السياسيَّة والدينيَّة في الجزيرة العربيَّة تختلف عما كان عليه الحال في فلسطين زمن المسيح. إنّ العصبيات القبليَّة في الجزيرة العربيَّة كانت تولد باستمرار سلطات متقطعة ومتبعثرة ومتنافسة ومرتبطة بالعقائد والتقاليد والآلهة المتنوعة التي تقسم المجتمع وتنهكه. فمحمّد (صلى الله عليه وسلم)، إذن، لم يكن بمواجهة سلطة مركزيَّة قويَّة عندما ظهر كما هو عليه الحال بالنسبة للمسيح إزاء الإمبراطوريَّة الرومانيَّة، وإنّما كان عليه أن يخلق نظاما سياسيا جديدا مرتكزا على رمزانيَّة دينيَّة جديدة. فالعمل التاريخي للنبيّ محمد كأعمال أنبياء التوراة الذين سبقوه وكعمل يسوع المسيح نفسه قد تمثّل في تأسيس نظام سياسي جديد بالنسبة للجزيرة العربيَّة، وذلك على قاعدة رمزانيَّة دينيَّة جديدة بالنسبة إلى العرب آنذاك، هي رمزانيَّة الميثاق أو التحالف و الذي يسمى في اللغات الأوروبية. َ   (l’alliance)  فالنبي يبلور الفضاء السياسي في الوقت الذي يبلور فيه الفضاء الديني، عندما ينقل القبلة من القدس إلى مكة وعندما يفرض يوم الجمعة يوم احتفال جماعي كنوع من المنافسة لرمزانيَّة يومي الأحد والسبت لدى المسيحيين واليهود، وعندما يقيم مسجدًا في المدينة وعندما يعود إلى مكّة ويدمج في الرمزانيَّة الإسلاميَّة الجديدة كل الطقوس والدعائم المادّيَّة لشعيرة الحجّ الوثني السائد سابقا في الجزيرة العربيَّة، وعندما يعدل ويرمّم قواعد الإرث وطرق الزواج السائدة في الوسط القبلي إلخ.

عندما يقوم بكل ذلك فإنه يؤسّس تدريجيا نظاما سيميائيا يبطل النظام السيميائي الذي ساد في “الجاهليَّة” أي في المجتمع العربي السابق ويتفوق على الأنظمة المنافسة من يهوديَّة ومسيحيَّة وصابئة ومانويَّة ويجعل أمر إقامة دولة تطبق النظام السياسي الجديد ممكنا. وسيكون هذا النظام قابلا للاستمرار بفضل قدرة النص القرآني على بلورة رمزانيَّة دينيَّة جديدة في لغة مجازيَّة تتيح توليد الدلالات الملائمة للحالات التاريخيَّة الأكثر تغيرا واختلافا.

إنّ الإخضاع الذي تعرض له العامل الديني من قبل العامل السياسي من خلال تجربة الأمويين لا يجعلنا نسلم بحتميَّة ذلك الخلط المنسوب للإسلام ما بين الروحي والزمني، لأنّه مع مجيء عهد الدولة الإمبراطوريَّة فإن تأسيس الممارسة السياسيَّة على قاعدة الإبداعيَّة الرمزيَّة قد انتهى نهائيا. فمحمّد صلى الله عليه وسلم،  كان يرسخ يوما بعد يوم ولأول مرة نظاما سياسيا محددا، ثم يركّز قواعده بشكل ناجح ومطابق لمجريات عمليَّة الترميز. فكل قرار قضائي سياسي يتّخذ من قبل النبي كان يلقى مباشرة تسويغه الديني الرمزي من خلال العلاقة المعيشة مع الله، الله الذي كان فاعلا حيا من خلال التصرفات الشعائريَّة والحكايات النموذجيَّة المضروبة للعبرة والموعظة أي القصص القرآني الذي كان يقصّ على الوعي الأسطوري الحلقات الكبرى لتاريخ النجاة في الدار الآخرة. لكن مع الأمويين، حصلت عمليَّة معاكسة لتجربة النبوة. فقد أصبحوا يستخدمون الرأسمال الرمزي المتضمن في الخطاب القرآني من أجل تشكيل إسلام أرثوذكسي وفرضه. إنّه نتاج الخيار السياسي التي اتخذته الدولة أو النظام الحاكم والذي راح يصفي معارضيه جسديا بحجّة تبنيهم لتأويل مخالف للخيار السياسي للدولة الحاكمة.

2- الذات الإنسانيَّة والمنزع العلماني:

إنّ التوترات التي تشتد أحيانا بين المنزع الديني والمنزع الدنيوي، وتخفت أحيانا أخرى، ليست إلا صدى للنفس الإنسانيَّة في مختلف اعتمالاتها.

وقد عمل محمّد أركون على تعميق مسألة العلمنة بالبحث عن جذورها في الذات البشريَّة وتشخيص تجلياتها تحت مجهر علم النفس الذي أضاء نقاطا معتمة في الإنسان. وقد نجح أركون في الإفادة من مكتسبات هذا العلم حتى يدافع عن أطروحته وهي تأصيل المنزع العلماني في الفرد. في الواقع نجد في الإنسان حاجات ودوافع متزامنة تتجه عموما في اتجاهين أساسيين مترابطين أولا مرتبة الرغبة L’instance du désir مع كل القوى الملحقة بها(2). هذه القوى الفرديَّة والتاريخيَّة هي أيضا مظلمة وعصيَّة على الوصف. لكن التحليل النفسي وحده يستطيع أن يقبض على جوانب منها ويحللها. هذه الرغبة تتأرجح ما بين الرغبة في الله مع كل القوى التي أثارتها على مر التاريخ وصولا إلى الرغبة البسيطة المتمثلة في الإنجاب أو الغنى أو الهيمنة. إننا نختزل كثيرا هذا البعد البشري، بعد الرغبة إذ نضعه ضمن الدائرة الدينيَّة فحسب كما كان قد فعل باحتكار وحيلة رجال الدين .حين أخضعوا كل الرغائب إلى أحكام فقهيَّة صارمة (المكروه/المندوب/الحرام/الحلال…) وهي نسغ الحياة وتوهجها. إن الرغائب هي المحركات الأوليَّة التي تتجسّد فيها نوازع الفرد وميولاته. وحتى لا يصبح الفرد عبدا لرغباته وأسيرا لها لا بد أن يتعلّم استبدال ميولاته اللاوعيَّة بتحكيم العقل الذي يرشد الإنسان من خلال التجربة إلى أن كل رغبة ينبغي أن تضبط. وأن يستبدل مبدأ اللذة بمبدأ الواقع حتى يحصل التوازن المنشود. ولبلوغ هذا المأرب نصل إلى الاتجاه الثاني وهو إلحاح الفهم والتعقل l’exigence de l’intelligibilité . هذا الإلحاح هو حاجة كامنة في أعمق أعماق الإنسان .هكذا كان الأمر دائما على مر العصور.لكن حدث تاريخيا أن إلحاح الفهم هذا كان قد تعرض للمقاومة وحرف عن دربه الصحيح(3).

فإيديولوجيات التبرير والتسويغ سواء في المجال الإسلامي أو المسيحي والتي كانت ترمي إلى اقتناص السلطة والاستحواذ عليها تشهد على ذلك. لقد حدثت عمليات تحريف في الماضي، تحريف للواقع وتزوير له إلى حد أن الإنسان اضطر للنضال والكفاح من أجل اكتساب حقه في المعرفة والفهم. ضمن هذا الخط النضالي من أجل الفهم والتعقل يندرج تاريخ العلمنة. لكن إلحاح الفهم والتعقل يصطدم بكل تجليات الرغبة وعليه أن يشق طريقه ويؤكد نفسه. في هذه البوتقة ينبغي موضعة ذلك التوتر الداخلي الذي يمتاز به الإنسان أيا كان الوسط الثقافي الذي ينتمي إليه. هذا التوتر يمكن أن يعاش بدرجات ووسائل ثقافيَّة مختلفة. إن الأطروحة التي يدافع عنها أركون هي أن العلمنة يمكن أن يعاش بدرجات ووسائل ثقافيَّة مختلفة و هي بالتالي لا يمكن أن تكون غائبة تماما عن التجربة التاريخيَّة لأيَّة جماعيَّة بشريَّة حتى ولو تجلت أحيانا في صور ضعيفة وغير مؤكدة، لكن يمكن لقوى الرغبة أن تتوصل في لحظة ما من لحظات التاريخ وفي وسط ثقافي معين إلى أن تخنق نهائيا إلحاح الفهم والتعقل عند الإنسان فلا يعود قادرا على التعبير عن نفسه لكن هذه الحالة يمكن أن تتغير. ذلك أنه ليس هناك من اختناق أبدي. كما يمكن في الآن نفسه أن ينقلب إلحاح الفهم والتعقل إلى عقيدة، أي أن تتحول العلمنة إلى إيديولوجيا تضبط الأمور وتحد من حريَّة التفكير كما فعلت الأديان سابقا. إن العلمنة ينبغي أن تتركز فقط في الإلحاح على الحاجة إلى الفهم والنقد داخل توتر عام في الإنسان ولا ينبغي أن تصبح سلطة عليا تحدد لنا ما ينبغي التفكير فيه وما لا ينبغي التفكير فيه.

3- نحو آفاق أرحب:

لقد أدرك العديد من المفكرين، ولا سيما علماء الإناسة، المأزق الذي آل إليه مسار العلمنة المناضلة la laïcité militante التي عرفت أوجها في القرن التاسع عشر والتي تصدّت لغطرسة الكنيسة وهيمنتها والتي نجحت في افتكاك مجالات متعددة من الحياة من براثن اللاهوت مثل مجال السياسة والثقافة والاقتصاد(4)..

وكان ذلك يعد مكاسب ثمينة للإنسان، لأنها استطاعت أن تشرع له حقه في استعمال عقله بكل حريَّة في فهم كل ما يحيط بحياته وتعقله دون وصاية من أحد ولكن بمرور الوقت، انقلبت العلمنة المناضلة إلى عقيدة إيديولوجيَّة تضبط الأمور وتحد من حريَّة التفكير، مما يجعل هذا الصنف من العلمنة المتشنجة في مرمى سهام النقد بالرغم من أن البعض يفهم دوافعها وأسباب تطرّفها ففرنسا، مثلا، عاشت كثيرا من حروب الأديان بين الكاثوليك والبروتستانت، ثم من تعصب الكاثوليك وارتباطهم بالنظام الملكي المستبد. وآن الأوان لممارسة تفكير جديد، ذي نظرة متطورة إزاء العامل الديني ولا بد من تجاوز العلمنة المناضلة إلى علمنة منفتحة .

إن رصد أركون للتطورات والمتغيرات التي تحصل في المجتمعات الأوروبيَّة قد مكّنه من اكتشاف تقارب بدأ يحدث بين الكنيسة والدولة في البلدان الغربيَّة المعلمنة. يرمي هذا التقارب إلى البحث عن صيغة جديدة ومشتركة من أجل علمنة جديدة تتيح إمكانيَّة وجود روحانيَّة جديدة. ويعبر عن هذا في فرنسا باحث في علم اجتماع الأديان هو إميل بولا في كتابه عن العلمنة:

Emile Poulat, Liberté, Laïcité la guerre de deux France et le principe de la modernité, cerf, (paris 1987)

إن هذا التوجيه الجديد يتماشى مع القناعة التي روج لها الأنتربولوجيون والتي مفادها أن الإنسان لا يعيش بالماديات فقط وإنما هو بحاجة إلى إشباع روحي أيضا مما جعل العلمانيَّة المناضلة تتهم اليوم بالسطحيَّة وذلك لأنها همشت الرمز والدلالة والمعنى. فالبحوث الأنتربولوجيَّة الحديثة كشفت عن أهميَّة المعنى في حياة الشعوب، وهو ما أهّل أصحاب تلك البحوث إلى الدعوة إلى ضرورة انفتاح الإنسيَّة العلمانيَّة على الإنسيَّة الدينيَّة، بحثا على أرضيَّة مشتركة تتكفل بإرجاع التوازن المفقود للذات الإنسانيَّة، التي ظلّت لقرون طويلة عرجاء بسبب استبداد أحد قطبي التوازن بمصير البشريَّة، وإقصائه للطرف الآخر.

لتجربة العلمنة في أوروبا رصيدها الذي بتراكمه أصبح يقتضي مراجعة نقديَّة ملحّة. ولكن ماذا عن العرب والمسلمين الذين لم يصوغوا إلى الآن تجربتهم الخاصة مع العلمنة من ناحيَّة، ومع المقدّس من ناحيَّة أخرى؟

لعل تلك مسألة أخرى تحتاج إلى بحث آخر (5)

***

رمضان بن رمضان

......................

الهوامش

1. محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، دار السافي (لندن 1990 –ص 58).

2. أركون، تاريخيَّة الفكر العربي والإسلامي، (بيروت 1986-ن م, ص293-3 ص292)

4. محمد أركون، العلمنة والدين: الإسلام –المسيحيَّة-الغرب، دار الساقي(لندن 1990-4

Voir aussi : Peter Berger, la religion dans la conscience moderne,

(Paris 1971) P174

5-أنظر الى محاولتي كل من

-68

عبد المجيد الشرفي العلمنة في المجتمعات العربيَّة الأسلاميَّة ضمن كتابه لبنات (تونس 1994) ص 53 – فتحي القاسمي، العلمانيَّة وانتشارها غربا و شرقا نشر ضمن سلسلة موافقات(تونس 1994) و لاسيما الفصل الثاني المعنون” بارهاصات العلمنة في المجتمعات العربيَّة و الأسلاميَّة قديما و حديثا صص 171-265).

ضمن تفرّعات التخصصات الدراسية الجامعية في إيطاليا، أطلّ في العشرية الأخيرة من الألفية الميلادية الثانية مسمى "الاستعراب" (arabismo)، بمدلول اقتصر على فئة المعنيّين بدراسة وتدريس العربية وآدابها حصرا، وهو ما لم تخض القواميس الإيطالية في تفصيلاته كثيرا. حتى وإن تحدّر كثير من هؤلاء "المستعرِبين" في تكوينهم من مشارب دراسية متنوعة: دينية، أو اجتماعية، أو مجالات ذات صلة بالمخطوطات والفنون العربية أو غيرها من التفرعات المنضوية تحت الدراسات الشرقية عموما. ولم تشمل فئةُ المستعرِبين الأساتذةَ والباحثين والدارسين من مختلف التخصصات الأخرى، المشتغلين بالثقافة العربية والمجتمعات العربية والتاريخ العربي، مثل علماء الاجتماع، والمؤرخين، وخبراء القانون الإسلامي، وعلماء الآثار، ومتتبّعي سائري الفنون والعلوم وغيرهم.

وعادة ما يعرّف المستعرِبون أنفسهم، كونهم شريحة علمية متجاوزة للاستشراق التقليدي (المورَّط في زعزعة ثقافات، والإسهام في تكبيل شعوب، والتحكم بمصائر مجتمعات)، ويسعون في تمييز أنفسهم -كلّما سنحت الفرصة- باستحضار الوجه السلبي للاستشراق، والزعم أنهم بصدد التجريب والاشتغال على تجاوز سقطاته. وليس رميا بتُهمٍ باطلة، ولكن استرجاعا لوقائع حاصلة، أن الفترة التاريخية التي نشط فيها الاستشراق أملت على كثيرين منهم أن يعملوا مخبرين ومستشارين وموظفين سياسيين في مؤسسات كولونيالية وفاشية وإمبريالية (انظر بشأن تورط المدرسة الأنثروبولوجية مع المستعمر الفرنسي كتابَ الفرنسي جان-لو آمسال، إسلام الأفارِقة.. النزوع للتصوف، منشورات ميلتيمي، ميلان 2018).

والبيّن أن مولد الاستعراب الإيطالي قد أطلّ منذ تسعينيات القرن الفائت، وبما لا يعني انتفاء تدريس ودراسة العربية وآدابها قبل ذلك التاريخ في إيطاليا، ولكن، بدايات التفرع الجديد -أو إن شئنا- التمرد على الآباء والسعي لبناء هوية أكاديمية جديدة. فقد خرج رواد الاستعراب في إيطاليا من عباءة المستشرقين، تعلّموا على أياديهم وخبروا أفكارهم ثم انشقّوا عليهم. وقبل التسعينيات كانت دراسات العربية وآدابها في الجامعة الإيطالية، قليلة العدد ضئيلة الأثر. توزعت بين أربعة أو خمسة مراكز رئيسة: في مدن بولونيا وروما ونابولي وباليرمو، إلى جانب مؤسسات تابعة إلى حاضرة الفاتيكان متواجدة في روما مثل "المعهد البابوي للدراسات العربية الإسلامية" الذي انتقل مقرّه من تونس إلى روما سنة 1964، وكذلك "المعهد البابوي الشرقي" في روما أيضا. ويمثُل المعهدان قطبًا على حدة يتبع حاضرة الفاتيكان والمؤسسات التعليمية البابوية. في حين الاشتغال الأهم للأبحاث والدراسات والكتابة بخصوص الشرق، فقد كان يجري في أحضان مركزين، شبه حكوميين، تأسسا وتطورا منذ عقود سابقة، مع بروز حاجة النظام الفاشي للتشوف نحو إفريقيا والعالم العربي، وهما "المعهد الإيطالي لإفريقيا والشرق" (Isiao) و"معهد الشرق كارلو ألفونسو نللينو" (Ipocan)، ففي هاتين المؤسستين جرى التركيز على دراسة اللهجات العربية، وبداية إعداد القواميس العربية، وكتب النحو، وأنطولوجيات الأدب والشعر العربيين، هذا فضلا عن تقديم المشورة السياسية والمعرفية لمختلف الأنظمة والحكومات المتعاقبة التي شهدتها إيطاليا منذ مطلع القرن الفائت تقريبا. وإن كان المعهد الأول قد توارى منذ ما يزيد عن العقد، فقد ظلّ المعهد الثاني بؤرة علمية نشيطة إلى اليوم بخصوص الثقافة العربية ورصد مساراتها.

سنحاول تلمّس ملامح الاستعراب الإيطالي مع ما أطلقنا عليه جيل التمرد أو الانسلاخ عن الآباء المستشرقين، وهو جيل المستعرِبين الذي أطل برأسه منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود كما ألمحنا. ولعل من أبرز أعلامه الراحلين أنجيلو أريولي، وألبيرتو فِنْتورا، وفريال باريزي، وأغوسطينو شيلاردو، في حين نجد ثلّة أخرى داهمها التقاعد الإداري، لكنها لا تزال حثيثة النشاط، منهم إيزابيلا كاميرا دافليتو، وفرانشيسكا كوراو، ووسيم دهمش، وأنطونينو بلليتاري، وبرتولوميو بيرونه وآخرين، وقد سلّموا المشعل لجيل لاحق من المستعربين وفير العدد مقارنة بالسابقين، نذكر من بينهم أبرز الناشطين في التأليف والترجمة من العربية والتدريس في الجامعة: ماريا أفينو، ومونيكا روكّو، وديانا إِلفيرا، وباولا فيفياني، وألمى سالم، وكلاوديا ماريا تريسو، وآده باربارو، وآريانه دوتونه رامباخ، وفرانشيسكو ليجيو، وسيمونِه سيبيليو، وأرتورو موناكو. غير أنّ جيل الرواد المشار إليه آنفا -الأموات منهم والأحياء- هم في واقع الأمر أنصاف متمرّدين في المنهج والنظر، لم يصلوا إلى حدّ "قتل الآباء" بالمفهوم الفرويدي. كان موقفهم الانفصالي مجرّد عقوق لم يرم بجذور صلبة في تربة جديدة، فقد تجاذبت كثير منهم ميولات كَنَسية، ويمينية محافظة، ناهيك عن نزوع يساري إيديولوجي، جعل مسارهم الاستعرابي مشتّتا.

لكن دور ذلك الجيل يظلّ عظيم الأثر، في العمل على توسيع رقعة انتشار العربية ودراستها في كثير من أرجاء إيطاليا، وإن لم تبتعد بيداغوجيا التدريس ومضامين البرامج كثيرا عمّا سطره السلف السابق من جيل المستشرقين. فقد ظلّ منهج تدريس العربية بالإيطالية أساسا، أي اعتماد الإيطالية في تدريس بنية اللغة العربية ونحوها للطلاب، وبالمثل تدريس منتخبات الأدب العربي باعتماد الشرح والتحليل بالإيطالية. ظل تدريس العربية وآدابها بمثابة تدريس لغة ميتة. ناهيك عما يأتيه أساتذة مع طلاب إيطاليين مبتدئين برميهم في "أتون" المعلّقات، والشعر الجاهلي، ومقامات الحريري، بدعوى الاطلاع على منابع العربية والتدرّب على اللغة النقية، وما يخلّفه ذلك من نفور أو غرق عمودي فيلولوجي في اللغة، قلّة تخرج منه معافاة. وما يصحب ذلك من ترويج أساطير عن صعوبة العربية، وابتكار أساليب واهية في تعليمها وتعلّمها بحفظ قوالب عن ظهر قلب، بدعوى تيسير نطقها على غرار: "يُغرغِر الغِرغِر غرغرة الغرور" و"خيطُ حريرٍ على حائطِ خليلٍ" و "قُمْ يَا مُتَقَمْقِم، قُمْ فتَقَمْقَمْ، قُم قَمْقِم قَمْحاتِكَ"، وغيرها من أساليب الاستشراق البالية في التعليم.

 والإشكال في الدراسات الشرقية في إيطاليا -ولا سيما بشأن اللغات الشرقية- عائد إلى خلل بنيوي، وإلى توارث بيداغوجيا تعلّم وتعليم تنطوي على العديد من النقائص دون العمل بجدية على تجاوزها. فقد خبرتُ كثيرا من المستعرِبين من الجيل الأول عن قرب، وكنت ألمس عجزهم عن إجراء محادثة، أو الإدلاء بمحاورة بالعربية، أو كتابة نص، أو الاطلاع على صحيفة سوى بتأبّط القاموس، مع أن كثيرا منهم كانوا يُلقَّبون بـ "البروفيسور" و"البروفيسورة" في اللغة والآداب العربية. ومُذ كنت طالبا في جامعة القديس توما الأكويني كنت أمدّ يد العون لكثير من المستعربين والمستعربات في شرح النصوص العربية، أو ترجمة ما ينبغي أن يترجم من الإيطالية إلى العربية أو العكس، أو في تدبيج مداخلاتهم، خصوصا تلك التي يشاركون بها في ملتقيات وندوات في البلاد العربية، وإلا تحول ادّعاء تدريس اللغة الفصيحة إلى فضيحة.

من جانب آخر وجراء النقص الفادح لحضور الثقافة العربية في إيطاليا، واقتحام جيل المستعربين الأوائل النشاط البحثي والتدريسي والمشاركة في ندوات وملتقيات في إيطاليا وخارجها -رغم النقائص-، بدأت الأنظار تشرئبّ نحو العربية وأهلها، وقد أذكى ذلك الانجذاب حضور المهاجر "المَارُوكِينو"، أي العربي، الشرعي وغير الشرعي، في الفضاء العمومي وفي سوق الشغل. كما تلاحقت أحداث سياسية واجتماعية هزّت العالمين العربي والإسلامي، ساهمت في إيلاء الدراسات العربية اهتماما. أذكر في السنة التي شهد فيها العالم أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 تضاعف عدد الطلاب في قسم الدراسات العربية لدينا في جامعة "الأورينتالي" في نابولي وكذلك في "معهد إيسياو" في روما، وكأنّ إيطاليا مع ذلك الحدث اكتشفت العالم العربي للتوّ. ولهذا لم تتطور اللغة العربية في إيطاليا مع المستشرقين، ولا مع المبشّرين، على مدى عهود سابقة، ولكن مع طائفة المستعربين، حديثي المنشأ حثيثي النشاط. فبفضل المستعرب بات انتشار العربية وآدابها حاضرا تقريبا في مجمل الجامعات الإيطالية الكبرى من شمالها إلى جنوبها، وقد أحصيتُ ستا وثلاثين نقطة جامعية ومعهدا عاليا تُقدّم فيها دراسة على صلة بالعرب ولغتهم.

والسؤال الذي يعنينا بالأساس بعد حديث المنشأ، ما الذي يميز المستشرِق عن المستعرِب؟ لقد كان المستشرق في ما مضى مسكونا بنَهم الْتهام الشرق على اتساع خارطته وتنوع شعوبه. يمرح ويرتع من الصين إلى اليابان إلى الهند إلى بلاد فارس، إلى عالم عربي مترامي الأطراف، ليجوس خلال ثقافات ولغات وشعوب. بما يستبطنه ذلك من اختزال في الأحكام وازدراء للفروقات، ولذلك غالبا ما خانت المستشرق موسوعيته المختالة. وإن كان كثير من هؤلاء المستشرقين يمرحون في الشرق الرحب على الورق، ويوهمون القارئ الشرقي والغربي بأنهم خبراء ميدانيون، ومتمكنون من لغات شعوب عدة، ويساهم المشارقة أنفسهم في ترويج تلك الأساطير وبثّها بين الناس.

لكن المستعرِب الإيطالي نشأ في أجواء "تصفية إرث المستعمر" (decolonizzazione)، وتراجعِ النفوذ الكنسي، واجتياحِ المنظور النقدي والتفكيكي للدراسات الجامعية، ومناصرة قضايا العالم الثالث، كل تلك العوامل وغيرها أسهمت في خلق المستعرِب المرح. وهو ما أملى اتخاذ مسافة من الرأسمالية، ومن الفاشية، ومن العنصرية، والاقتراب أكثر من قضايا عالم الجنوب لتفهم الأمر كما هو. والأمر لا يعني أن المستعرِب تحرّر كليا من إرث الماضي وبات أكاديميا "عضويا" في خياراته، وطليقا في توجهاته. ولا يعني كذلك أن المستعرب أضحى تكوينه أكثر متانة من المستشرق، ولكن ما حصل من تطور ملحوظ، هو أنّ المستعرب أصبح أقرب إلى المعيش العربي (في وجهه الأدبي منه بالخصوص) واللسان العربي. فقد كان اشتغال المستشرق يغلب عليه الطابع الوظيفي الصارم، في حين مع المستعرب تقلص ذلك الطابع الوظيفي وبدأ الميل نحو المنحى المعرفي نتيجة المراجعات الحاصلة، وجراء موجات ما بعد الاستشراق المتلاطمة التي خلّفها إدوارد سعيد وأتباعه. ومع المستعربين تخلصت الدراسات العربية من فئة المستشرقين الذين يدرسون كل شيء: اللغة والأدب والنحو وعلم الفلك والمخطوطات والسياسة والدين، وبات الانهماك على حقل بعينه، لغوي وأدبي، هو العلامة الأبرز.

فحين وصلتُ إلى إيطاليا في تسعينيات القرن الماضي، عايشت أثناء الدراسة الجامعية وبدايات التدريس أواخر جيل المستشرقين الإيطاليين والمبشِّرين (من أساتذة الجامعات البابوية)، كنت ألمس الحدة والصرامة في التعامل مع الشرق، المدرَج ضمن خانة نحن وهم، والقوالب الجامدة التي يتحركون داخلها، والأحكام القاطعة التي تميز رؤاهم نحو العرب والثقافة العربية. مع جيل المستعرِبين أحسّ التراجع الكبير لتلك الأجواء الصارمة والأحكام الجازمة. ناهيك عن معطى واقعي آخر رافق تطور الاستعراب، أن جلّ عناصر هذا التوجه بِتن من النساء، بعد أن كان العنصر الذكوري هو الغالب على حقل الاستشراق. وسواء في جامعة "الأورينتالي" في نابولي حيث درّستُ، أو في جامعة روما حيث أدرّس في الوقت الحالي، أمزح أحيانا مع طالباتي، وأتساءل أين فرّ أحفاد المستشرقين من جنس الذكور؟ نظرا لغلبة العنصر النسوي في الفصل.

***

عزالدّين عناية

أستاذ من تونس في جامعة روما- إيطاليا

 

ذات مرة، كتب المهندس المعماري الأمريكي فرانك لويد رت :"انا اؤمن بالله، لكني فقط اسميه طبيعة". هذا باختصار، يلخص العقيدة الفلسفية لوحدة الوجود، وهي العقيدة بان الواقع مطابق للالوهية: أي ان الكون مظهر او تجسيد لله.

بالنسبة لأنصار وحدة الوجود، الله ليس شكلا مجسما يتدخل في الشؤون الانسانية، ويعمل خارج قوانين الطبيعة، بل هو ببساطة الكائن الدائم، والسبب الغير مسبَّب لجميع هذه القوانين والذي يكمن في قلب الوجود.

وهكذا لا وجود هناك لإله سوى مركّب المادة والقوى والقوانين المتجسدة في الكون. الوجود ذاته هو إلهي.

هذه الفلسفة في وحدة الوجود نالت شهرة في الثقافة الغربية كثيولوجيا وفلسفة مرتكزة على عمل الفيلسوف سبينوزا في القرن السابع عشر(وبالأخص كتابه الأخلاق).

يقترح سبينوزا اننا نستطيع اكتشاف وتحسس الله ليس من خلال العبادة الخاضعة لعالم متعالي، وانما باستعمال الفلسفة والعلم لإنارة الوحدة العجيبة للعالم الذي نعيش فيه حقا.

الحرية والتنوير ينتميان الى هذا الواقع، وليس الى عالم مختبيء وخيالي غير متاح الاّ للسلطات الدينية. (السلطة الدينية في زمن سبينوزا سارعت الى معاقبة سبينوزا وطرده بعد اقتراحه هذا).

اذا كان سبينوزا يقف بقوة في صف وحدة الوجود، فان بعض الباحثين يرون ان فلسفته في الحقيقة هي أقرب الى الواحدية الوسيطة لكارل كروس  panentheism (1) وهي العقيدة بان الكون هو "في" الله بدلا من ان يكون نفس الله.4210 سينوزا

هل ان وحدة الوجود ميتافيزيقا جميلة ام انها فارغة المحتوى؟

كثيرا ما  يُساء فهم وحدة الوجود، فهي كانت مؤثرة بعمق طوال التاريخ. عندما سُئل آينشتاين من جانب الحاخام هربرت غولدشتاين ما اذا كان يؤمن بالله، أجاب:

"انا لا اؤمن بإله يهتم بمصير البشرية وبأعمالها، بل بإله سبينوزا الذي يكشف عن ذاته في الإنسجام بكل ما موجود في الكون". كان لوحدة الوجود  تأثيرات راديكالية. من المهم ان نتذكر، ان الطبيعة غير منفصلة عنا، نحن أنفسنا طبيعة.

الفيلسوفة المعاصرة هيلين دي كروز كتبت:

"حالما تدرك انك تعبيرعن كل الطبيعة، انت ستدرك بالرغم من انك ستموت، انك ايضا خالد بالمعنى غير التافه". من جهة اخرى، يشكو فيلسوف القرن التاسع عشر آرثر شوبناور من ان "وحدة الوجود هي فقط كناية عن الإلحاد"، لأنك "عندما تسمّي العالم إله فانت لا توضحه، انت فقط تثري لغتنا بمرادف لكلمة "العالم" وهو مرادف سطحي لا لزوم له .

***

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

(1) للتمييز بين وحدة الوجود pantheism و الواحدية الوسيطة panetheism التي صاغها الفيلسوف الألماني  K.C.F.Krause1781 -1832) كمحاولة لايجاد موقف وسط بين التوحيدية الايمانية ووحدة الوجود ، فان هذه الرؤية ترى ان كل الوجود في الله، وان العالم والله معتمدان كل واحد منهما على الأخر في التأثير، حيث هناك ترابط داخلي بين الله والعالم، باعتبار ان العالم في الله والله في العالم. انها تساوي الكون مع الله (كوحدة الوجود) لكنها خلافا لوحدة الوجود  تسمح لله لتكون له هوية منفصلة متميزة عن الكون . في الواحدية الوسيطة، كل ما موجود هو متضمن في الله، لكن الله منفصل وأكبر من كل الأشياء الموجودة. هذه الصيغة من وحدة الوجود ليست انجيلية كونها تنكر الطبيعة المتعالية لله، وتنكر ايضا المعجزات وترى ان الله يتغير. طبقا لها، الروح الكونية توجد في كل مكان، والتي بنفس الوقت "تفوق" كل الاشياء المخلوقة. يرى كارل كروس ان الالوهية والتي يعرفها الضمير بداهة ،ليست شخصية (لأن الشخصية تنطوي على قيود)، وانما هي جوهر شامل لكل شيء، يحتوي الكون ضمن ذاته. 

 

كائناتٌ جمعية، نحن البشر، إذْ يعيش الأشباه منّا في تكتّلات نطلق على الواحدة منها مصطلح (مجتمع) يشترك أفرادُه إلى جانب الرُّقعة الجغرافية في بعض الخصائص كالثقافة والموروث من العادات والتقاليد والعِرق والتاريخ، وفي العصر الحديث حيث المجتمعات المَدَنية تأتي رابطةُ المواطنة وشيجةً عامة ينخرط فيها الناس، ومن ثَمّ نقول: المجتمع البريطاني والمجتمع العُماني، والمجتمع الروسي والمجتمع العراقي، وهكذا دواليك، وليس بِخافٍ أنّ داخل المجتمع العريض فُسيفساء متشابكة من المجتمعات المصغرة تجمعهم المناطقية إلى جانب روابط أخرى أكثر تحديدا، على أنّه ثمّة توسّع في استعمال مصطلح (مجتمع) إذْ لا يمثل الارتباط المكاني فيه عنصرا محوريا، ولكن القاسم المشترك في هاته الاستعمالات هو مجموعة من الناس تربطهم خصائص مشتركة.

هذا النمط من الكينونة الإنسانية حين تتفاعل داخل سياج المجتمع يحتّم علينا - نحن الكائنات العاقلة المَدَنية - التموضع في عدة شخصيات نتمثّلها ونمارس عبرها ما يتساوق ومواقعَنا المجتمعية، بحيث يكون لكل شخصية منها سلوكيات بعينها وتصرفات تمايزها عن غيرها، وتعمل حدًّا فاصلا فيما بينها، وإن كان وصفها بالحدود المتماهية أقرب للدقة! هذا ما نطلق عليه مصطلح (الأدوار الاجتماعية)، فالفرد قد يكون ابنا وأبا وموظفا وجارا وأخا… إلخ تلك الأدوار التي يمثلها بصيغة محددة، فحين يكون ابنا فإنه - بديهيا - يتصرّف على هذا النحو وبما يختلف عن كونه أبا، وحين يكون موظفا فتفاعلُه في مجتمع العمل مختلف عن مجتمع الجوار، وهلمّ جرّا، على أنّ هذا الاختلاف يتصل بمناحٍ متعددة، فهناك القاموس اللفظي، والممارسات المسموحة والأخرى الممنوعة، وما إلى ذلك من العناصر اللازمة لتتأهّل الشخصية لِلَعِب دورٍ معيّن، ومما يجب التفطّن له -  كما أشار إلى ذلك مؤسس علم النفس التحليلي السويسري يونغ في كتابه (الفرد والحَشْد) - أنّ المجتمعات توفر سياقا حيويا لنمط محدد من التفاعل، لكنه متحرك وفقا للمتغيّرات.

ما يحدث هو أنّ المجتمع لديه توقّعاته الخاصة إزاء كل (دور اجتماعي)، فهو يتوقع ممن ينخرط في دور الأب أن يكون بالصفة الفلانية، ومَن تشغل وظيفة إدارية ينبغي أن تصدر عنها في بيئة العمل سلوكيات محددة لا تحيد عنها، وقس على ذلك بقية الأدوار الاجتماعية. إنّ موضوع التباين يتعدّى ذلك، فكل مجتمع لديه (توقّعات اجتماعية) عن كل دور من (الأدوار الاجتماعية) يختلف عن غيره من المجتمعات، فما يُسمح للأب (هنا)، يكون فعله من الأب باعثا للنبذ والاشمئزاز (هناك)، وما يصنعه الجار (هناك) من معروف، قد يكون كفيلا بأن يسقط من عينِ (هُنا)! ولهذا السبب عينِه يساورُنا القلق من انطباعات مجتمع جديد عنا، حين تدفعنا ظروف الحياة للانتقال إليه بسبب لقمة العيش أو النفاذ بالجلد من قضبان المجتمع الذي نشأنا فيه، فترجع فردانيتنا الذاتية القَهقَرى جرّاء وطأة هذا القلق؛ بُغية حقن أنفسنا في نسيج المجتمع الجديد، إذن التفاعل الفردي-المجتمعي حاصل في مختلف الأدوار الاجتماعية من جهة، ومتفاوت من مجتمع إلى آخر من جهة أخرى.

إن القضية المحوريّة هي أنّ هذه التوقعات المجتمعية لها تبعاتها المتغطرسة على سيادة الهُويّة الفردية، فـ (التوقّعات الاجتماعية) تمثّل حدودا صارمة تذوي داخلها هُويّة الأفراد، وتتضاءل سلطتها - أي الهُويّة الذاتية - إلى حد كبير، فأي محاولة فردية للقفز على هذه الحدود فإنه يتم إلغاؤه اجتماعيا بحسب حجم قفزة الفرد وأنياب المجتمع! ولأن الاعتراف الاجتماعي ضرورة بشرية وحتميةٌ يقتضيها الاجتماع الإنساني - كما أسلفنا - فإن الفرد يعيش صراعا داخليا في الموازنة بين هُويته كما يحب أن تكون، وبين هُويّته كما يفرضها المجتمع! الذي يصدر أحكامه على كل دور من أدوار الفرد الاجتماعية، فيحدُث أن يكون أحدهم في نظر المجتمع أبا مثاليا لكنه جار فاشل، لا لشيء سوى أنه لم يتوافق مع محددات الدور الاجتماعي (الجار) التي ارتضتها (التوقّعات المجتمعية) فينخفض معدّله المجتمعي!

ولكن، يحق لنا نفتح في هذا الجدار العتيق كُوّة لينفذ منها سؤال: مِن أين يا تُرى يأتي المجتمع بتوقّعاته حول تلكم (الأدوار) ومن أي دستور يرسمها، وتاليا يفرضها على أفراده؟

يمكننا القول إن التراكم الاجتماعي لمجتمع ما بتفاعله الزمكاني وما يحيط به من ظروف وأحداث يقوم بصياغة محددات الأدوار، وحيث إنه جهد بشري تراكمي، فهو يجري عليه التغيير والنسبية، فإذا كان ذلك كذلك فإن لائحة الممارسات المنوطة بكل دور اجتماعي ما هي إلا نتاج تجربة بشرية يجري عليها ما يجري على أي تجربة من الخطأ والغلوّ، والتغيير إنما يأتي في ضوء الصيرورة للإصلاح والتطوّر، كل مجتمع بحسبه، فما تجاوزه مجتمع ما باعتباره ضربا من هضم مجحف للحقوق الإنسانية بعد أن مارسه دهرا طويلا، هو في منظور مجتمع آخر نقلة نوعية مقارنة بماضيه البائس!

نعود فنقول: إن منطقة الاشتباك المربكة بين (الذاتية والمجتمعية) تجعل القضية معقّدة في رسم الحدود، الأمر الذي يشكّل عقبةً كَؤودًا في سبيل فهم ذواتنا بعيدا عن صخب المجتمع، وفي هذا السياق يصف الفيلسوف وعالم الاجتماع الأمريكي (George Herbert Mead) الذاتَ في كتابه (Mind, Self & Society) بأنها "في جوهرها عملية اجتماعية تتكون من مرحلتين متميزتين: الأنا الذاتية والأنا الاجتماعية.. الأنا الذاتية هي الاستجابة العفوية للفرد تجاه الآخرين، وهي غير خاضعة للإملاءات، في حين إن الأنا الاجتماعية هي مجموعة التصرفات والمعايير التي يتبناها الفرد من منظور المجتمع" وكلام جورج يفتح الباب واسعا في اختراق الدور الاجتماعي - ولا بُدّ - في الهوية الفردية للدرجة التي نمارس (أنَانَا) بنسخة مجتمعية، فتصير الذاتُ مرآةً يعكس عليها المجتمع ملامحه الأنانية.

المفارقة أن الموضوع يتعدى الصراع الفردي-المجتمعي بحيث يكون الأفراد منزوعين من الفردية، فالأدوار الاجتماعية لا تأخذ طابع الفردانية حصرا، بل ثمة ممارسات يقوم بها الأفراد بشكل اجتماعي وليس فرديًا، بمعنى أن الفرد لوحده ما كان ليبدر منه ما بدر لو كان على انفراد، بل يجب للقيام بذلك الفعل أن يكون صادرا ضمن حدود جماعة ما، وفي ذلك يتساوى الجاهل والمطّلع والخامل والنبيه، وفق ما بيّنه عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه (روح الجماعات) بحيث يكون الفرد في الجماعة آلة تعجز إرادتُه عن قيادة نفسها، بحسب تعبير لوبون.

نخلُصُ مما سبق إلى واقع أنّ (الأنا) هي تركيبة ذاتية معقّدة، يقرب من المستحيل تجميدها في شكل واحد حين نتلبّس بالتفاعل في مجتمع ما، ويبدو أننا نكون غريبين إلى حد كبير حين نخلو بأنفسنا ونحن نشاهد(نا) نصول ونجول في أروقة المجتمع بأقنعةٍ شتّى، مجتمع نعيش في فضائه الذي يُسمح لنا بمشاعر موجّهة تعتملُ في صدورنا، وسلوكيات مقنّنة تحدُّ خطواتنا، وتُضَخّ فيها أجندات إعلامية هائلة مسيّسة لصالح أربابها، للدرجة التي يمكن ملاحظة أنه يُراد لـ(ـلفردانية الذاتية) المنتمية لهذا الفضاء أن تكون لَبُؤة تموءُ خضوعًا في عرين (المجتمع) الأسد، ووسط هذا الصراع نجد أنفسنا في مسرح الحياة مضطرين لأنْ نجسّد دورا كما يُراد لنا بمقتضى سيناريو (Script) كتبته أقلام المجتمع الذي لا يتكلم إلا بلسانه، لا وفق القصة التي نحدد خياراتها نحن بمحض إرادتنا!

إنّ توقّعات الآخرين لا تمثّل حدود صورتنا الذاتية، أو هكذا على الأقل يجب أن نفكر، والموازنة بين (التوقّعات الاجتماعية) وبين وعينا الذاتي، تمثّل نقطة انطلاقية مُعتبَرة لِنَنْتشل هُويّتنا الذاتية من أصفاد الضغط المجتمعي، ولِمَ لا يشكّل مَن يكون هاجسهم وهوسهم كهذا مجتمعًا داخل المجتمع؟ ليفرض توقعاته المجتمعية الجديدة، فلا يفُلّ الحديد إلا الحديد!

ومع ذلك خليقٌ بنا أن نعترف في خضمّ التفاعل الفردي-الاجتماعي بما يشير إليه الدكتور علي الوردي في كتابه (الأحلام بين العلم والعقيدة) من أن "التنويم الاجتماعي موجود أينما وجد الإنسان، ولا بد لكل إنسان أن يقع تحت وطأته قليلا أو كثيرا".

***

بقلم محمـــد سيـــف

تظل الدعوة إلى (علم كلام جديد) مركزَ عملية التنوير الديني التي يقودها الشيخ الدكتور عبد الجبار الرفاعي في العراق والعالم العربي الإسلامي منذ أكثر من ثلاثين عاما. وهو علم يتجاوز مصطلح (الكلام) المعروف الذي بدأ به المعتزلة في البصرة مطلعَ القرن الثاني الهجري بعد واقعة اعتزال واصل بن عطاء لأستاذه أبي الحسن البصري بسبب الخلاف الذي وقع بينهما حول تكفير الخوارج لمرتكب الكبائر، وقول الجماعة بأنه مؤمن غير كافر وإن كان فاسقا، ورأي واصل الذي خرج به على الفريقين في أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين منزلتين، كما ورد ذلك في المشهور من الروايات الخاصة بسبب نشأة الاعتزال؛ علم يتجاوز كل ذلك، كما يتجاوز مجملَ مفردات المدونة الفقهية القديمة من أجل تأسيس رؤية عقلية وفقهية جديدة، مركبة، تستجيب لمتطلبات الحداثة العلمية، وتُشبع الظمأ الأنطولوجي المرافق للوضع الإنساني الفردي والجماعي العام. ويتأسس، في خلاصته، على "فهم الدين وتحديد وظيفته المحورية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وبناء علوم الدين ومعارفه في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف المعارف الحديثة."(1)

والفرق بين هذا العلم الجديد وسميِّه القديم الذي صار يمثل، بعد الجهود الهائلة التي بذلها المؤسسون والتابعون الكثر للفرق نظرية المعرفة في الإسلام على مدى قرون عديدة، هو أن مفهوم العقل الذي قال به المعتزلة وخرجوا فيه، بكيفية ما، على مبدأ النقل في الموروث الديني السائد، يختلف عن مفهومه في علم الكلام الجديد. فهذا الكلام الذي يأخذ بمنجزات العلم الحديث ويلتزم بالبراهين العقلية ومعاييرها دون أن يفرّط بالجانب الميتافيزيقي الروحي الخاص بضرورة "الفهم الجديد للوحي"، يبدو أكثرَ انفتاحا وتجاوبا مع حاجات البشر الواقعية المتجددة، وكرامتهم الإنسانية بوصفهم خلفاء الله على هذه الأرض.

فعلم الكلام القديم الذي "ما ينفكّ عن إغراق عقل المسلم بجدالات ومحاججات ذهنية تجريدية لا تستند إلى بديهيات، بل تحيل غالبا إلى فرضيات ومسلمات غير مبرهنة"(2)، لا يُعنى بالقيم الروحية والأخلاقية والعاطفية الهادفة إلى تحقيق سعادة الإنسان وكرامته في هذه الدنيا قدْرَ عنايته بتطبيق شروط المنطق الأرسطي الصوري الذي علق لدى ظهوره مع ما رافقه مما ترجم بصورة صحيحة أو مشوهة، من إرث فلسفي يوناني في مرحلة تالية لمرحلة النشأة الأولى للاعتزال، بأذيال كلام أهل العدل والتوحيد، وصار قانونا، أو ما يشبه القانون الذي يتحدد بموجبه صحيح الكلام من باطله.

هكذا يقوم الشيخ عبد الجبار الرفاعي بما يشبه (نشأة مستأنفة) وعملية تجديد تاريخية مؤسِّسة لعلم الكلام الإسلامي الجديد، قائمة على استشراف وقراءة كلية شاملة للموروث الديني القديم والحديث، لا يكتفي فيها بتجاوز المفاهيم العقائدية التي عالجها واصل بن عطاء والنظام والجاحظ والجبائي وغيرهم من كبار المتكلمين القدماء على صعيد مقالاتهم ومقالات معارضيهم التي يجمعها مصطلح "الحكمة النظرية"، بل هو يجري حوارا مع محاولات المصلحين الدينيين المحدثين الكبار في الشرق والغرب مثل محمد عبده وأمين الخولي وطه عبد الرحمن، وَعَبَد الله درّاز، وفهمي جدعان، ومحمد حسين الطباطبائي، ومحمد باقر الصدر، وشبلي النعماني، وعبد الكريم سروش، ومحمد إقبال، وأبي علي المودودي، ووحيد الدين خان، وولي الله الدهلوي وغيرهم ، من أجل بيان ما فيها من جوانب جِدّة أو ميل وشطط يلحقها بسبب اعتمادها في الجوهر على الأصول السلفية المؤسسة لعلم الكلام القديم، ومناهجه نفسها. وهو علم "لا ينشد الكشف عن القيم الكونية الخالدة في الأديان، ولا يبحث عن جوهرها الروحي والأخلاقي المشترك، لأن المتكلم لن يتمكن من التخلص من التعصّب لمعتقداته عند دراسة الأديان الأخرى، ومحاولة فهم معتقداتها ومقولاتها." (3)4789 علم الكلام الجديد

الدكتور الرفاعي يحقق في مجمل مدونته الكلامية وفقا لذلك عملية فصل ووصل مزدوجة مع الحوزة الدينية النجفية التي تخرّج فيها، وتعلم على بعض علمائها، ومع جمهرة المباحث الكلامية والمفاهيم الفقهية والفلسفية السائدة بشأن الدين في العالم الإسلامي الراهن؛ قطيعة لا تصل إلى حدّ (الاعتزال) والخروج على الجوهري من الأسس الروحية والعملية المشتركة التي يقوم عليها الإيمان بقدسية النص القرآني والوحي الإلهي، ولكنها تضع كلّ ذلك في مستوى آخر يسمح بدمج عناصر مادية وميتافيزيقية ضمن هذه الرؤية الكلامية الموحدة، والعمل على انتظامها في رباط جديد يمكن معه "تديين الدنيوي"، مثلما يسمح بدنيوية الدين، وإخضاعه لشروط الواقع الإنساني القائم، بكل تطوراته واختلاف أحواله.

وعلى الرغم من صعوبة المهمة، وبعد الشقة الظاهر بين أطرافها المادية والميتافيزيقية المتباينة في عالمنا المعاصر، فإنها تبدو سهلة يسيرة لدى من يطلع على ما تنطوي عليه كتبُ الشيخ الرفاعي من شمول وعمق، وما تحويه المباحث النوعية التي دأبت مجلتُه (قضايا إسلامية معاصرة) على معالجتها ونشرها بين الناس بجهد وإصرار فردي خارق منذ أكثر من ربع قرن، وأيضا على مَن يتعرف على شخص الدكتور الرفاعي نفسه ويرى، ولو على بعد، إلى مدى إصراره ومتابعته، ومقدار ما ينعكس على صورته الشخصية من مظاهر إيمان وحب، وامتزاج للنظر العقلي والميتافيزيقي بالسلوك العملي، وما يملأ داخله المضيء من قناعات، لا سبيل إلى الشكّ فيها والخلاص من جاذبيتها الآسرة.

والصدى المتردد في عقول قراء ورجال دين ومفكرين وفلاسفة من شرق العالم الإسلامي وغربه، تفاعلوا مع أفكار الرفاعي ونظريته في علم الكلام الجديد، وعبّروا عن رؤيتهم لها هو الدليل والبرهان على ما تحرزه هذه الأفكار والمواقف الفكرية المركبة من نجاح وفاعلية لا عهد لنا بها من حيث عمق التأثير والتداول الذي تحققه في بابها. (4)

ولعلها المرة الأولى التي نرى فيها منذ قرون فكرا ومفكّرا عراقيا من هذا النوع، يتجاوز بمصنفاته الدينية الحدودَ المحلية والمذهبية الضيقة ليشكل في تجربته الفكرية والروحية الفريدة ما يشبه الظاهرة التي يجري تلقيها ومتابعتها والتفاعل معها على أكثر من مستوى وصعيد. وهي، بهذا، لا تذكرنا فقط بتجربة حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، لدى محاولته (إحياء علوم الدين) بعد شعوره بتهافت الفلاسفة، واتجاهه إلى التأمل العرفاني (المنقذ من الضلال) بعد تركه التدريس في المدرسة النظامية ببغداد، التي اضطرّه ما بدا له من حياته فيها من أحوال انغمس فيها بالعلائق، وأحدقت به من الجوانب، ولاحظ أعماله التي كان مقبلا فيها على علوم غير مهمة ولا نافعة، كان باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت؛(5) أقول إن تجربة الشيخ الرفاعي لا تذكرنا فقط بجوانب من تجارب مفصلية قديمة في تاريخ الفكر الإسلامي مثل هذه، بل أيضًا بتجارب ومواقف في أديان أخرى يرد منها على الذاكرة في الطرف الآخر الغربي رجل دين مسيحي بروتستانتي مثل الراهب الألماني مارتن لوثر الذي أطلق مشروع الإصلاح الديني في عصره (القرن السادس عشر الميلادي) وتحدى به السلطة البابوية والتراتبية الكنسية في أن تكون لها الكلمة الفصل في أمر المكان الذي سوف يوجد فيه الناس عند حياتهم الأخرى بالجنة أو النار، وفقا لصكوك الغفران الممنوحة لهم آنئذٍ من قبل بعض رجال الدين المتنفذين في الكنيسة. ونحن نعرف الآن كيف ألهب هذا الرجل بتعاليمه وحججه التي علّقها على باب الكنيسة في فيتنبورغ الواقعة شرق ألمانيا أوربا المسيحيةَ كلَّها حين تبينتْ معه أن (اللطف الإلهي) ممنوح لجميع المؤمنين المخلصين لرسالة السيد المسيح وكتابه المقدس، ولا يقتصر على جماعة دون أخرى. وقد آمن لوثر أن الوحي الرباني إنما الشأن فيه أن يؤدي إلى قناعة الإنسان الشخصية، والتي تفيض في حال اكتمالها وتمامها على ما حولها لتغمر الآخرين عن طريق (الدعوة)، مثلما تفيض مياه الأنهار العذبة على الأراضي العطشى.

ولقد فاضت كلمات الشيخ الرفاعي، هي الأخرى، على ما حوله ومّن حوله حين رأوا مقدار ما فيها من تسامح وإنسانية ورحمة وروح محبة وصدق، ضدا على ما نشهده في خطابات دينية آخرى شائعة من قسوة ونقمة وروح طائفية، ومن أبعاد تختلط فيها الخرافة والخزعبلات التي يتحول معها الدين من انتماء للفضيلة العملية والسمو الأخلاقي والروحي، إلى مباءة الأرض القاحلة المعبدة بالزركشات الحكائية المختلقة، والأكاذيب اللفظية المخدرة والبعيدة عن المشاعر الدينية السليمة، ومن الفطرة التي فطر اللهُ الناسَ عليها، بكل ما ينطوي عليه معناها ومقتضاها الإنساني والأخلاقي.

النص القرآني المقدس وشروحه

هناك، كما يؤكد الرفاعي، خلطٌ لدى أمثال هؤلاء بين النص القرآني المقدس، وبين الشروح والتفسيرات التي تكونت حوله عبر مراحل تاريخية طويلة وفي سياقات اجتماعية مختلفة. وهو يقول إننا "لا نعثر في المباحث القديمة لعلم الكلام لدى المعتزلة والشيعة على ما يعالج ماهية القيم الأخلاقية، أو ما يتحدث عن تحققها ووظائفها، أو ما يشرح مصادر الإلزام في الفعل والترك الأخلاقيين، وطبيعة العلاقة بين الوحي والأخلاق، كذلك لا نعثر في علم الكلام على مباحث تدرس الفضيلة والسعادة وكيفياتها، ومنابع إلهامها في حياة الإنسان"(6). وهو، فضلا عن ذلك، يعرف كيف أن غياب العقلانية يؤدي إلى "تقديس غير المقدّس"، والاستحواذ بذلك على مشاعر الناس، واستعباد عقولهم.

و"افتقاد الكلام للمضمون الأخلاقي" سبب رئيس من أسباب تهافت علم الكلام القديم وتآكل ما يسميه سعيد الغانمي معماره الفكري، وكراهة الجمهور له ولأصحابه الذين كانوا يتكلمون على صعيد اللغة وصياغة العبارة بما يشبه كلام النحويين الذين كانوا "يتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا"(7) على حد تعبير أحد الأعراب، الذي أخذه العجب وهو يستمع إلى بعض النحويين وهم يتحدثون في مجلس الأخفش عن بعض المسائل النحوية، التي داخلتها، هي الأخرى، آفةُ المنطق الأرسطي الصوري فأفسدت جانبا منها، كما أفسدت جانبا من لغة علم الكلام نفسه ومجمل المدونة الفقهية التي جعلت من قياس الغائب على الشاهد مبدأ عاما تحكّم فيها وعبث ببعض أحكامها بصورته الآلية البعيدة عن روح الواقع الاجتماعي القائم، على الرغم أن "آيات القرآن لم ترد بأسلوب رياضي أو منطقي أو فلسفي، ولم يتحدث القرآن وكأنه كتاب في العلم أوالفلسفة أو الرياضيات"، كما يقول الدكتور الرفاعي. (8)

مع العلم أن هذا المضمون الأخلاقي الذي يؤكد عليه الشيخ عبد الجبار في كل مباحثه وكتبه لا يكفي وحده دون وجود سند أو غطاء روحي مستمد من جوهر الدين ومبادئه الحنيفة الملزمة على صعيد أفعال الإنسان ونواياه، وإلا تحوّل هذا المضمون إلى فلسفة أخلاقية عامة تشبه فلسفة سارتر الوجودية في أبعادها الإنسانية التي تعرف السبيل إلى التفرقة بين الحسن والقبيح في أفعال الإنسان، ولكن الأساسي فيها هو بيان الكيفية التي تعرف فيها الذات محدوديتها، مع ما لها من حرية شكلية لا حدود لها في الاختيار، في عالم تتقدم فيه العقلانية والفكر العلمي والعلوم الطبيعية والمعرفة الموضوعية على حرية الاختيار هذه وتضيّق عليها وعلى صاحبها الخناق.

وهو ما جعل وجودية سارتر تختلف بعضَ الاختلاف عن وجودية سلفه الدانماركي سورين كيركيغارد المتوفي في 1855، الذي يرى في الأخلاق مجالا وجوديا محدودا تم نسخُه عن أصول دينية سابقة، ولكنه ما زال يلعب دورا في الأعراف الاجتماعية السائدة. ومن أجل الوصول إلى موقف من الإيمان الديني الذي قد يستلزم "تعطيلا غائيا للأخلاق"، على الفرد أن يخلق له التزاما شخصيا تتطلبه جماليات السلوك الخاصة بالتواصل وإصدار الأحكام. (9)

والدكتور الرفاعي الذي لا يؤمن بمثل هذا "التعطيل الأخلاقي" لإيمانه بضرورة وجود الأخلاق الدائم في الضمير الإنساني الحيّ بضمانة الوازع الديني، لا يجد، كما قلنا، معالجة كافية ولا منطقية صحيحة عند المتكلمين المؤسسين الذي يتبنون القولَ بالحُسْن والقُبْح الذاتيين للأفعال، ولا عند خصومهم الأشاعرة الذين ينفون القولَ بالحسن والقبح الذاتيين، باعتبار أن الحَسَن هو ما حسّنه الأمرُ الإلهي، والقبحَ هو ما قبّحه النهيُ الإلهي. وهو ما يعني عند الدكتور الرفاعي ألا عدلَ ولا ظلمَ مستقلا عن الشرع، أي لا معنى لحكم العقل بقبح عقاب المطيع وثواب العاصي، ولا معنى للعدل الإلهي. (10)

وذلك يقودنا للحديث عن العلاقة الجوهرية القائمة بين الأخلاق والوحي في مشروع الرفاعي. فمن شأن وجود النواميس الكونية التي نتعرف من خلالها على العدل والأخلاق، وما يتصل بهما من تدخّل الوحي في تقرير حسن الحسن وقبح القبيح، أن يفرغ الأخلاق من مضمونها، كما يقول. مع ما نراه من عدم غياب الفعل أو السلوك الأخلاقي في المجتمعات البشرية مع أنها لم تعرف الأديان التوحيدية، وعرفت مع ذلك حضورا للأفعال والكلمات الأخلاقية، دون وجود الضابط الديني كحافز داخلي ذاتي قادر على تبيين الحدود القائمة بين القبيح والحسن.

وثمة كلام آخر حول هذا الموضوع قد لا تستوعبه هذه الصفحة.

***

الدكتور ضياء خضير

.....................

الهوامش:

1- الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد ط3، 2023 ، ص81

2- نفسه، ص 64

3- نفسه، 108

4- أنظر، بهذا الصدد الكتاب الذي أعده وقدم له أسامة غالي تحت عنوان (عبد الجبار الرفاعي – حياة في أفق المعنى) وشارك في الشهادات والمقالات والأبحاث التي كتبت فيه كتّابٌ وفلاسفة ورجال دين من العراق والسعودية ولبنان ومصر والمغرب وموريتانيا، وأخرجته دائرة الشؤون الثقافية ببغداد عام 2022.

5- الغزالي، حجة الإسلام أبو حامد، المنقذ من الضلال والموصل إلى العزة والجلال، تحقيق جميل صليبا والدكتور كامل عيّاد، ط5 ،  1956  ، توطئة الكتاب.

6- الرفاعي، المرجع السابق، ص 67

7- ورد ذلك في كتاب التوحيدي (الإمتاع والمؤانسة)، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، منشورات مكتبة الحياة، ص139

8- الرفاعي، المرجع السابق، ص130

9- كتب عبد الجبار الرفاعي عن الحب والإيمان عند هذا (الفيلسوف المؤمن) الخارج عن الأنساق الفلسفية بحثا عام 2016، متمثلًا فيه مرآة يرى فيها جانبا من صورته، حيث يمكن للقارئ البصير أن يرى "شيئًا من ملامحه في مدونة التصوف المعرفي".

10- الرفاعي، المرجع السابق، ص67

على مر التاريخ، قدمت النساء مساهمات لا تقدر بثمن في مجال الفلسفة، وتحدين وجهات النظر التقليدية وجلب رؤى جديدة من منظور أنثوي. وعلى الرغم من مواجهة التمييز والحواجز أمام التعليم والمشاركة في الخطاب الفلسفي، فقد استمرت الفيلسوفات في البحث عن المعرفة، ومناقشة المعتقدات القائمة، والدعوة إلى المساواة. ومن خلال فحوصاتهن النقدية للمعايير الاجتماعية والأخلاق والميتافيزيقيا، وسعت الفيلسوفات نطاق الاستقصاء الفلسفي وأثرين فهمنا للتجربة الإنسانية. من هيباتيا الإسكندرية إلى ماري وولستونكرافت، ومن سيمون دي بوفوار إلى بيل هوكس، قدمت الفيلسوفات تأملات عميقة حول السلطة والقمع والحرية وطبيعة الواقع. لم تشكل كتاباتهن المناقشات الفلسفية فحسب، بل ألهمت أيضًا أجيالًا من المفكرين لتحدي الأيديولوجيات السائدة والدفع نحو مجتمع أكثر شمولا وعدالة. من خلال استكشاف تعقيدات الجنس والعرق والطبقة والجنسانية، أثبتت الفيلسوفات أهمية الأصوات المتنوعة في تشكيل فهمنا للعالم ومكاننا فيه. ستستكشف هذه المقالة مساهمات الفيلسوفات من منظور أنثوي، مع تسليط الضوء على رؤاهن الفريدة وتأثير أفكارهن على الفلسفة المعاصرة والفكر الاجتماعي.

كانت الفلسفة، التي غالبا ما تُعتبر واحدة من أقدم التخصصات الأكاديمية، تهيمن عليها الأصوات الذكورية تقليديا عبر التاريخ. يعد الرجال مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو وديكارت شخصيات معروفة في عالم الفلسفة، لكن مساهمات الفيلسوفات غالبا ما تم تجاهلها أو تهميشها. ولكن لا يمكن التقليل من أهمية الفيلسوفات ومنظوراتهن الفريدة في هذا المجال الذي يهيمن عليه الرجال. فالفيلسوفات يجلبن منظورا جديدا ومتميزا لدراسة الفلسفة، ويقدمن رؤى وتحليلات ربما أهملها أو رفضها نظراؤهن من الرجال. وتتحدى آراؤهن طرق التفكير التقليدية وتوفر نهجًا أكثر شمولا وتنوعا للاستقصاء الفلسفي. ومن خلال تضخيم أصوات الفيلسوفات، يمكننا اكتساب فهم أكثر شمولا لتعقيدات التجربة الإنسانية والعالم من حولنا. وعلاوة على ذلك، فإن إدراج الفيلسوفات في الخطاب الأكاديمي أمر ضروري لتعزيز المساواة بين الجنسين وتفكيك الصور النمطية والتحيزات السائدة. ومن خلال الاعتراف بمساهمات الفيلسوفات وتقديرها، يمكننا أن نبدأ في خلق بيئة أكثر شمولا وعدالة داخل مجال الفلسفة. وهذا التحول نحو المزيد من التنوع والتمثيل لا يعزز جودة الاستقصاء الفلسفي فحسب، بل يعزز أيضا مجتمعا أكثر شمولا وعدالة ككل. في هذا القسم، سوف نستكشف حياة وفلسفات بعض الفيلسوفات البارزات، ونسلط الضوء على مساهماتهن المهمة في هذا المجال ونوضح أهمية وجهات نظرهن في توسيع فهمنا للعالم. ومن خلال عملهن، تحدت الفيلسوفات الحكمة التقليدية، وشككن في المعايير المجتمعية، ودافعن عن التغيير الاجتماعي، تاركين إرثا دائما لا يزال يلهم ويمكّن الأفراد من جميع الجنسين.

على مر التاريخ، قدمت النساء مساهمات كبيرة في مجال الفلسفة، حيث قدمن وجهات نظر ورؤى فريدة أثرت هذا المجال. من ماري وولستونكرافت وسيمون دي بوفوار إلى بيل هوكس وجوديث بتلر، تحدت الفيلسوفات الفكر التقليدي ووسعت فهمنا للعالم من خلال وجهة نظرهن الأنثوية. غالبا ما تعتبر ماري وولستونكرافت واحدة من الشخصيات المؤسسة للفلسفة النسوية، حيث دافعت عن حقوق المرأة والمساواة في عملها الرائد "دفاعا عن حقوق المرأة". وأكدت على أهمية التعليم والاستقلالية للنساء، ودافعت عن المساواة الفكرية والاجتماعية مع الرجال. أرسى نقد وولستونكرافت للمجتمع الأبوي ودعوتها إلى العدالة بين الجنسين الأساس للمفكرين والناشطين النسويين في المستقبل. استكشفت سيمون دي بوفوار، الفيلسوفة النسوية المؤثرة الأخرى، مفهوم "الآخر" في عملها "الجنس الثاني". لقد درست الطرق التي تم بها تهميش النساء وقمعهن عبر التاريخ، متحدية المفاهيم التقليدية للجنس والهوية. أكد نهج دي بوفوار الوجودي للنسوية على أهمية وكالة المرأة وتمكينها، مما ألهم أجيالا من النساء للتساؤل عن عدم المساواة بين الجنسين ومقاومتها. ركزت بيل هوكس، الفيلسوفة النسوية المعاصرة، على التقاطعات بين العرق والطبقة والجنس في عملها، مسلطة الضوء على تعقيدات القمع والتحرر للنساء الملونات. في كتابها "النظرية النسوية: من الهامش إلى المركز"، تدافع هوكس عن نسوية أكثر شمولاً وتقاطعًا تعترف بتجارب النساء المتنوعة وتعالجها. كان لتأكيدها على التضامن والنشاط الشعبي تأثير عميق على النظرية والممارسة النسوية. تحدت جوديث بتلر، المعروفة بعملها المؤثر في الأداء الجنساني، الفهم التقليدي للجنس والجنس في كتابها الرائد "مشكلة الجنس". لقد أحدث استكشاف باتلر للطرق التي يتم بها بناء الجنس وأدائه اجتماعيًا ثورة في النظرية النسوية، وفتح إمكانيات جديدة لفهم الهوية والقوة. من خلال استجواب المعايير والتوقعات التي تحكم الجنس، أعادت باتلر تشكيل فهمنا للعلاقة بين الجنس والنوع الاجتماعي والجنسانية. لقد ساهمت هؤلاء الفيلسوفات بشكل فريد في مجال الفلسفة من خلال وجهات نظرهن النسوية وانتقاداتهن للفكر التقليدي. من خلال تحدي السرديات السائدة والدعوة إلى المساواة بين الجنسين، أعادت تشكيل مشهد الفلسفة، ممهدة الطريق لتخصص أكثر شمولا وتنوعا. يخدم عملهن كتذكير بأهمية الأصوات والمنظورات المتنوعة في تشكيل فهمنا للعالم ومكاننا فيه.

على مر التاريخ وفي المجتمع المعاصر، واجهت الفيلسوفات العديد من التحديات والعقبات التي أعاقت قدرتهن على الانخراط الكامل في الخطاب الفلسفي. فمنذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا، تم استبعاد النساء بشكل منهجي من المجموعة الفلسفية، وتم إسكات أصواتهن وتهميش مساهماتهن. وكان هذا الاستبعاد نتيجة للمعايير الأبوية الراسخة والهياكل المجتمعية التي حصرت النساء تاريخيا في المجال الخاص، مما حد من وصولهن إلى التعليم والمساعي الفكرية. ففي اليونان القديمة، على سبيل المثال، مُنعت النساء من المشاركة في الحياة العامة للمدينة، بما في ذلك المناقشات الفلسفية التي جرت في الأغورا. وكان هذا الاستبعاد من الخطاب العام يعني تجاهل أو رفض وجهات نظر النساء ورؤاهن في كثير من الأحيان، مما أدى إلى إدامة فكرة أن النساء أقل قدرة بطبيعتهن على الانخراط في الفكر المجرد والاستقصاء النقدي. وعلى نحو مماثل، كانت النساء في أوروبا في العصور الوسطى مهمشات داخل التقاليد المدرسية، مع قلة الفرص المتاحة لهن للحصول على التعليم الرسمي ووصول محدود إلى النصوص والموارد الفلسفية. وفي المجتمع المعاصر، لا تزال الفيلسوفات يواجهن تحديات وعقبات تنبع من التمييز الجنسي المنهجي والتحيزات الجنسانية. وعلى الرغم من التقدم الكبير في حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، تظل المرأة ممثلة تمثيلا ناقصا في مجال الفلسفة، وخاصة على أعلى مستويات الإنجاز الأكاديمي والتقدير. وكثيرا ما تتعرض الفيلسوفات للتمييز والمضايقة، سواء على الإنترنت أو في الأوساط الأكاديمية، وهو ما قد يكون له تأثير ضار على قدرتهن على المشاركة الكاملة في الخطاب الفلسفي. وعلاوة على ذلك، تواجه الفيلسوفات تحديات فريدة في موازنة عملهن الفلسفي مع مسؤوليات الرعاية وغيرها من التوقعات المجتمعية. وقد تكون متطلبات الأوساط الأكاديمية، التي تعطي الأولوية لساعات طويلة من البحث والنشر، صعبة بشكل خاص بالنسبة للنساء اللاتي هن أيضا مقدمات الرعاية الأساسيات أو اللاتي يواجهن حواجز أخرى أمام المشاركة الكاملة في المهنة. وفي ضوء هذه التحديات والعقبات، من الواضح أن الفيلسوفات اضطررن إلى اجتياز أرض معقدة وعدائية في كثير من الأحيان من أجل متابعة شغفهن الفكري والمساهمة في الحوار الفلسفي. ولكن على الرغم من هذه العقبات، فقد أصرت الفيلسوفات على سعيهن وراء المعرفة والفهم، وتحدي الحكمة التقليدية وتقديم وجهات نظر جديدة بشأن الأسئلة الفلسفية الدائمة. وقد أثرت مساهماتهن مجال الفلسفة ووسعت فهمنا للتجربة الإنسانية، مما أكد على أهمية الشمول والتنوع في الاستقصاء الفلسفي.

***

محمد عبد الكريم يوسف

.................................

مراجع:

- Dzielska, Maria. Hypatia of Alexandria. Harvard University Press, 1996.

- Hult, David F. The Autobiography of Christine de Pizan. University of Chicago Press, 2002.

- Butter, Judith. "Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity." Routledge, 1990.

- Nussbaum, Martha. "The Fragility of Goodness: Luck and Ethics in Greek Tragedy and Philosophy." Cambridge University Press, 1986

 

قد يرى البعض ان الجماليات (دراسة الفن والجمال) والفلسفة شريكان غير سعيدين في علاقة فاشلة، ويبحثان عن مشورة للعلاج. الجماليات تشكو من الفلسفة "انتِ لا تستطيعين منحي أي شيء"، "انتِ لا تشجعين الناس على تقدير الفن والجمال، انتِ لا تجعلين الفنانين أفضل حالا في نشاطهم الابداعي، ليست لديك مساهمات في أي تجربة جمالية مهما كانت." اما الفلسفة فترد "انا أرغب لو خرجتِ انتِ من حياتي" "انتِ لم تستمعي ابدا لصوت العقل"، "انتِ غارقة في الفوضى، لا وجود لحقائق عالمية يمكنك الحديث عنها".

اذاً، كيف نفهم الجمال الفلسفي؟ لماذا نجبر الجماليات والفلسفة ليكونا مجتمعين؟ الشك حول فضائل وحتى إمكانية وجود جماليات فلسفية كان موضوعا لخلافات مستعرة بين المفكرين. ليس من الواضح ان كان يجب اعتبار مشاكل الجماليات موضوعا للفلسفة: العديد من الفلاسفة رأوا ان تلك القضايا المتصلة بالفن والجمال لا يمكن ان تكون موضوعا للعمل الفلسفي. المفكرون العقلانييون انكروا وجود مكان للجماليات في انظمتهم الفكرية، بينما المفكرون الوضعيون و الوضعيون الجدد جادلوا انها لا يمكن ان تكون جزءاً من التحقيق الفلسفي.

ورغم ان فلاسفة اليونان علّقوا حول كل من الجمال والفن، لكنهم لم يعتبروا هذه المشاكل تستحق لتكون حقلا خاصا ضمن الفلسفة. التقسيم الثلاثي للفلسفة الى فلسفة نظرية (ماذا هناك في العالم وكيف نعرف عنه)، والفلسفة التطبيقية (ماذا يجب ان نعمل) والمنطق (كيف يجب ان نفكر) يترك السؤال مفتوحا حول أين مكان الجماليات ان كان لها مكان. الجماليات الفلسفية يمكن تبريرها لو تبيّن هناك معنى في التعامل مع مسائل طبيعة الجمال فلسفيا. اذا كان هذا هو الحال، فما انعكاسات ذلك على الفلسفة من جهة وعلى الجماليات من جهة اخرى؟

في الأزمنة الحديثة، جرت عدة محاولات لتحديد موقع الجماليات. مفكرون مثل شيلنك ونيتشة سعوا بطريقتهم الخاصة لإعادة تأهيل الجماليات لدرجة انهم ادّعوا ان هذا الحقل المتجاهَل هو أعلى أشكال الفلسفة. يرى معظم الفلاسفة، ان التفكير حول الجماليات يبدو أقل أهمية من الابستيمولوجي او الاخلاق. حتى في فلسفة كانط ، يبدو من أول وهلة كما لو ان الجماليات جاءت لاحقا كإضافة جديدة، اتخذت مكانها كموضوع فقط في نقده الثالث من كتبه الثلاثة. مع ذلك، في نظام كانط خُصص للجماليات ولأول مرة مكانا مستقلا كموضوع ضمن الفلسفة.

ان أهمية الجمال للفلسفة، لا يمكن انكارها. اذا اراد الفلاسفة استطلاع ماذا يعني ان تكون انسانا، هم يجب ان يدرسوا هذه القدرة الاسطورية والهامة للكائن البشري في عمل الأحكام الجمالية. لماذا ندّعي، على سبيل المثال، ان غروب الشمس جميل؟ كيف نقرر هذا وماذا يعني؟ أحد أهم الاسئلة التي طرحها الجمال الفلسفي – والذي نوقش كثيرا من قبل المفكرين المعاصرين – هو تعريف "الفن". هذا الحقل منقسم بين اولئك الذين ينكرون إمكانية وجود شروط ضرورية وكافية لشيء ما ليكون عملا فنيا، والمجموعة الأكبر من اولئك الذين حاولوا وضع مثل هذه الشروط. المجموعة الاخيرة تضم نظريات متنوعة جدا مثل فكرة افلاطون عن الفن كتمثيل mimesis و تعريف معهد جورج ديكي للفن كـ "نوع من نتاج ثقافي أنشيء ليُعرض على جمهور عالم الفن".

مجموعة ملفتة من الأفكار حول الفن وسياقه وعلاقته بالفلسفة تأتي من الفيلسوف الامريكي والناقد الفني آرثر دانتو Arthur Danto. ما يجعل الشيء عملا فنيا هو ليس وجوده عبر النظر الى سماته الواضحة. هو يعتقد ان "ما يجعل الاختلاف هو نظرية معينة للفن. انها نظرية تدمجه في عالم الفن وتمنعه من السقوط في الشيء الواقعي ".

لكن ماذا نعمل عندما نُسأل عن الاختلاف بين علبة برلو المعروضة في السوبرماركت وعلبة برلو المعروضة في قاعة فنية؟ جواب دانتو هو اننا نُسأل سؤالا فلسفيا. الفن الان يطالبنا بعمل فلسفة. الكثير من الفن اليوم هو حول حدود اختبار "الفن": "هل يمكن اعتبار هذا الموضوع فنا؟"، "ماهو الفن" دانتو يجادل بان الفن يعمل فلسفة، الفن يسقط في الفلسفة.

هيجل في القرن التاسع عشر أعلن بان الفن سوف لم يعد مهيمنا في المستقبل كوسيط للتعبير عن البشرية. دانتو يتفق على ذلك: الفن لم يبق لديه شيء للعمل. انه استنزف ذاته واصبح مشروعه الوحيد فلسفيا، هو تعريف الفن. وهذا من الافضل جدا ان يُترك للفلاسفة.

الجماليات والفلسفة كانا كلاهما يعيشان في أوقات صعبة، ومن المحتمل ان تستمر النقاشات حول طبيعة العلاقة بينهما، وحول أهميتهما النسبية ومحدداتهما. زواج كهذا قد يستمر لأن الشريكين يحتاج كل منهما للآخر، لكن هل سيكونا سعيدين يوم ما ؟

***

حاتم حميد محسن  

لطالما اعتُبرت الفلسفة مجالا يهيمن عليه الرجال، حيث غالبا ما يتم تهميش أصوات النساء ومساهماتهن أو تجاهلها. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، كان هناك اعتراف متزايد بالدور المهم الذي لعبته النساء في تشكيل مسار الفكر الفلسفي. منذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا، قدمت النساء مساهمات كبيرة في مجال الفلسفة، وتحدت الافتراضات التقليدية وقدمت وجهات نظر جديدة حول الأسئلة الأساسية للوجود والواقع. ستستكشف هذه المقالة "الوجه النسائي للفلسفة"، وتسلط الضوء على الدور الذي غالبًا ما يتم تجاهله والذي لعبته النساء في تشكيل تاريخ وتطور الفكر الفلسفي.

كانت هيباتيا الإسكندرانية، عالمة الرياضيات والفيلسوفة الشهيرة التي عاشت في القرن الرابع الميلادي، واحدة من أوائل الفلاسفة الإناث. كانت هيباتيا شخصية بارزة في الحياة الفكرية في الإسكندرية، حيث قامت بتدريس الرياضيات والفلسفة للطلاب من جميع مناحي الحياة. كان عملها في الهندسة وعلم الفلك يحظى باحترام كبير، وتعتبر واحدة من أوائل الفلاسفة الإناث في تاريخ الغرب. كانت تعاليم هيباتيا تُعَد تهديدا للسلطات المسيحية في ذلك الوقت، وفي النهاية قُتِلَت على يد حشد من المتعصبين الدينيين في عام 415 م. وعلى الرغم من وفاتها المأساوية، فإن إرث هيباتيا لا يزال حيا كمفكرة رائدة في مجال الفلسفة.

في أوروبا في العصور الوسطى، قدمت فيلسوفات مثل هيلديجارد من بينجن وجوليان من نورويتش مساهمات كبيرة في تطوير اللاهوت والتصوف المسيحي. كانت هيلديجارد، الراهبة الألمانية ورئيسة الدير، كاتبة وملحنة غزيرة الإنتاج استكشفت موضوعات اللاهوت والطب والفلسفة الطبيعية. وقد أثرت كتاباتها عن طبيعة الله والروح البشرية على علماء اللاهوت والفلاسفة لقرون. تشتهر جوليان من نورويتش، الراهبة الإنجليزية، بكتابها "رؤى الحب الإلهي"، حيث تستكشف طبيعة الخطيئة والفداء والحب الإلهي. تحدت كل من هيلديجارد وجوليان وجهات النظر اللاهوتية التقليدية وقدما منظورا فريدا للإيمان المسيحي.

خلال فترة التنوير، لعبت نساء مثل إميلي دو شاتليه وماري وولستونكرافت أدوارا مهمة في تطوير الأفكار الفلسفية. إميلي دو شاتليه، عالمة رياضيات وفيلسوفة فرنسية، كانت متعاونة وثيقة مع فولتير وساهمت في نشر الفيزياء النيوتنية في فرنسا. ساعدت ترجمتها وتعليقها على كتاب نيوتن "المبادئ" في تقديم أفكاره لجمهور أوسع وأثرت على تطوير فكر التنوير الفرنسي. ماري وولستونكرافت، كاتبة إنجليزية ونسوية، اشتهرت بعملها الرائد "دفاعا عن حقوق المرأة"، حيث دافعت عن المساواة في الحقوق والتعليم للمرأة. أرست أفكار وولستونكرافت الأساس للحركة النسوية وتحدت وجهات النظر التقليدية حول أدوار المرأة في المجتمع.

في القرن العشرين، ظهرت فيلسوفات مثل سيمون دي بوفوار وهانا أرندت كشخصيات مؤثرة في مجال الوجودية والنظرية السياسية. اشتهرت سيمون دي بوفوار، وهي كاتبة وفيلسوفة فرنسية، بعملها الرائد "الجنس الثاني"، والذي استكشفت فيه البناء الاجتماعي للجنس وقمع المرأة. تحدت فلسفة دي بوفوار الوجودية الأفكار التقليدية للأنوثة وديناميكيات القوة في المجتمع، وأرست الأساس للحركة النسوية في الستينيات والسبعينيات. اشتهرت هانا أرندت، وهي منظّرة سياسية أمريكية من أصل ألماني، بعملها حول الشمولية وطبيعة القوة السياسية. كان لتحليل أرندت لأصول الشمولية وطبيعة المسؤولية الفردية تأثير دائم على الفلسفة السياسية والأخلاق.

في الفلسفة المعاصرة، واصلت الباحثات مثل جوديث بتلر ومارثا نوسباوم دفع حدود الاستقصاء الفلسفي وتحدي الافتراضات التقليدية. اشتهرت جوديث بتلر، وهي فيلسوفة أمريكية ومنظّرة جنسانية، بعملها حول الأداء الجنساني ونظرية المثلية الجنسية. يزعم كتاب باتلر المؤثر "مشكلة النوع الاجتماعي" أن النوع الاجتماعي هو أداء مبني على أساس اجتماعي وليس سمة بيولوجية ثابتة، وهو ما يتحدى الأفكار التقليدية حول الجنس والنوع الاجتماعي. قدمت مارثا نوسباوم، الفيلسوفة والأخلاقية الأمريكية، مساهمات كبيرة في مجالات الأخلاق والفلسفة السياسية. وقد أثر عمل نوسباوم حول نهج القدرات وطبيعة الازدهار البشري على المناقشات حول العدالة الاجتماعية وأخلاقيات الرعاية.

النساء الفيلسوفات:

على مر التاريخ، قدمت النساء مساهمات كبيرة في مجال الفلسفة، على الرغم من مواجهتهن للعديد من العقبات والتحديات. وعلى الرغم من تهميشهن واستبعادهن من مؤسسات التعليم الرسمي لمعظم التاريخ، تمكنت النساء من جعل أصواتهن مسموعة من خلال كتاباتهن وتعاليمهن. نستكشف هنا حياة وأعمال بعض الفيلسوفات الأكثر تأثيرًا على مر التاريخ.

كانت هيباتيا الإسكندرية واحدة من أقدم الفيلسوفات المعروفات، التي عاشت في القرنين الرابع والخامس. كانت هيباتيا عالمة رياضيات وفلك وفيلسوفة مشهورة، وكانت واحدة من النساء القليلات في العالم القديم اللاتي حصلن على تعليم رسمي. كانت تعاليمها وكتاباتها مؤثرة في تطوير الأفلاطونية المحدثة، وهي مدرسة فلسفية شددت على أهمية الروح والإله.

ومن الفيلسوفات البارزات الأخرى في التاريخ ماري وولستونكرافت، وهي كاتبة ونسوية من القرن الثامن عشر والتي غالبًا ما تعتبر واحدة من مؤسسي النسوية الحديثة. كان أشهر عمل لولستونكرافت، "دفاعًا عن حقوق المرأة"، الذي دافع عن المساواة في التعليم وحقوق المرأة، وانتقد المؤسسات الاجتماعية والسياسية التي قمعتها.

في القرن التاسع عشر، كانت هارييت تايلور ميل مفكرة وكاتبة بارزة دافعت عن حقوق المرأة والإصلاح الاجتماعي. تعاونت ميل مع زوجها الفيلسوف جون ستيوارت ميل في العديد من الأعمال، بما في ذلك "إخضاع المرأة"، الذي دعا إلى المساواة بين الرجال والنساء في جميع جوانب الحياة.

في القرن العشرين، برزت سيمون دي بوفوار كواحدة من أكثر الفلاسفة النسويين تأثيرا في عصرها. استكشف عملها الرائد، "الجنس الثاني"، الطرق التي يتم بها قمع النساء وتهميشهن في المجتمع، ودافع عن تحرير وتمكين المرأة من خلال التعليم والنشاط السياسي.

فيلسوفة أخرى بارزة من القرن العشرين هي مارثا نوسباوم، التي تركز أعمالها على الأخلاق والعواطف والفلسفة السياسية. كان عمل نوسباوم مؤثرا في تشكيل المناقشات المعاصرة حول العدالة وحقوق الإنسان ودور العواطف في اتخاذ القرار الأخلاقي.

في السنوات الأخيرة، واصلت الفلاسفة النسويات مثل جوديث بتلر وبيل هوكس تحدي معايير النوع الاجتماعي التقليدية والدعوة إلى العدالة الاجتماعية والمساواة. لقد أحدث عمل بتلر حول الأداء الجنسي ثورة في الطريقة التي نفكر بها في النوع الاجتماعي والهوية، في حين ألقى نهج هوكس التقاطعي للنسوية الضوء على الطرق التي تتقاطع بها العِرق والطبقة والجنس لتشكيل تجاربنا.

على الرغم من مساهمات هؤلاء الفلاسفة والعديد من النساء الفلاسفة الأخريات عبر التاريخ، لا تزال النساء ممثلات تمثيلا ناقصا في مجال الفلسفة. وفقًا لمسح حديث، فإن حوالي 25٪ فقط من أعضاء هيئة التدريس في الفلسفة في الولايات المتحدة من النساء، ولا تنشر سوى نسبة صغيرة من المجلات الفلسفية أعمالا للنساء.

من أجل معالجة هذا الخلل وتعزيز التنوع الأكبر في مجال الفلسفة، من الأهمية بمكان أن نستمر في الاحتفال بعمل الفلاسفة النساء ورفع شأنهن، سواء في الماضي أو الحاضر. من خلال الاعتراف بمساهمات الفيلسوفات، يمكننا تحدي السرديات التقليدية وتوسيع فهمنا للعالم من حولنا.

لقد قدمت الفيلسوفات مساهمات لا تقدر بثمن في مجال الفلسفة على مر التاريخ، على الرغم من مواجهة العديد من العقبات والتحديات. لقد تحدت أعمالهن المعايير التقليدية ووسعت فهمنا للجنس والهوية والعدالة الاجتماعية. ومن الضروري أن نستمر في تعزيز واحتفاء عمل الفيلسوفات، سواء في الماضي أو الحاضر، من أجل خلق مجتمع فكري أكثر شمولا وتنوعا.

عندما تكتب المرأة الفلسفة:

تاريخيا، كانت النساء غالبا ما يُستبعدن من مجال الفلسفة، مع تجاهل مساهماتهن أو رفضها. ومع ذلك، عندما تكتب النساء الفلسفة، فإنهن يجلبن وجهات نظر وأسئلة ورؤى جديدة تثري هذا المجال. سأستكشف أهمية الكاتبات في الفلسفة والتأثير الذي أحدثنه على هذا المجال.

واحدة من أشهر الفيلسوفات هي سيمون دي بوفوار، التي أحدث كتابها "الجنس الثاني" ثورة في النظرية النسوية في القرن العشرين. لقد تحدت استكشافات دي بوفوار للبناء الاجتماعي للجنس والآثار المترتبة على استقلالية المرأة الفلسفات التقليدية التي همشت تجارب النساء. كان لتحليلها لقمع المرأة والطرق التي تديمها بها المؤسسات المجتمعية تأثير دائم على الفلسفة النسوية.

الفيلسوفة المؤثرة الأخرى هي جوديث بتلر، التي أعاد عملها في مجال الأداء الجنسي تشكيل فهمنا للهوية الجنسية. تسلط نظريات بتلر الضوء على الطرق التي لا يتم بها تحديد الجنس بيولوجيًا بل يتم بناؤه اجتماعيا من خلال الأداء المتكرر والمعايير الثقافية. من خلال تحدي المفهوم الثنائي التقليدي للجنس، فتحت بتلر إمكانيات جديدة للتفكير في سيولة وتعقيد هويات الجنس.

بالإضافة إلى بوفوار وباتلر، هناك العديد من الفيلسوفات الأخريات اللاتي قدمن مساهمات كبيرة في هذا المجال. على سبيل المثال، وضع عمل مارثا نوسباوم في الأخلاق والفلسفة السياسية الأساس لفهم دور العواطف في التفكير الأخلاقي. كان تأكيد نوسباوم على أهمية التعاطف والرحمة في اتخاذ القرار الأخلاقي مفيدًا في تشكيل المناقشات المعاصرة داخل الفلسفة.

تحدت الفيلسوفات النسويات مثل بيل هوكس وإيريس ماريون يونج النماذج الفلسفية التقليدية من خلال التركيز على التقاطعية وتجارب المجموعات المهمشة في عملهن. من خلال معالجة الطبيعة المترابطة لأنظمة القمع، وسعت هوكس ويونغ نطاق الاستقصاء الفلسفي ليشمل قضايا العرق والطبقة والجنس والإعاقة.

كما لعبت الفيلسوفات دورا حاسما في تفكيك وانتقاد النظريات الفلسفية السائدة التي استبعدت أو همشت وجهات نظر النساء. على سبيل المثال، كشف عمل لوس إيريجاري في التحليل النفسي واللغة عن الطرق التي تم بها هيكلة الخطاب الفلسفي التقليدي حول الذاتية الذكورية، وإهمال تجارب ووجهات نظر النساء.

و قد قدمت الفيلسوفات مساهمات كبيرة في مجالات مثل الأخلاق البيئية، ونظرية المعرفة، والميتافيزيقيا. على سبيل المثال، تحدت فلسفة فال بلاموود البيئية النسوية التفكير الثنائي الذي يدعم استغلال البيئة ودعت إلى فهم أكثر شمولا وترابطا للطبيعة.

عندما تكتب النساء الفلسفة، فإنهن يجلبن منظورا فريدا وقيما يثري التخصص ويتحدى طرق التفكير التقليدية. ومن خلال التركيز على تجارب وأصوات الفئات المهمشة، نجحت الفيلسوفات في توسيع نطاق البحث الفلسفي وفتح إمكانيات جديدة لفهم تعقيدات الوجود الإنساني. إن مساهمات الفيلسوفات ضرورية لخلق خطاب فلسفي أكثر شمولا وتنوعا يعكس ثراء وتعقيد التجربة الإنسانية.

المنظور النسائي للفلسفة:

لقد هيمنت الأصوات والمنظورات الذكورية على الفلسفة لفترة طويلة، حيث كانت أغلب الشخصيات التاريخية في هذا المجال من الرجال. ومع ذلك، فإن المنظور النسائي للفلسفة يجلب وجهة نظر فريدة وقيمة للمناقشة. غالبا ما تم تهميش النساء واستبعادهن من الخطاب الفلسفي، لكن أصواتهن تقدم رؤى ومساهمات مهمة للمجال.

أحد الجوانب الرئيسية للمنظور النسائي للفلسفة هو التركيز على الأخلاق والرعاية. ارتبطت النساء تقليديًا بأدوار الرعاية والتنشئة، وهذا ينعكس في نهجهن الفلسفي. غالبا ما تعطي النساء الأولوية للعلاقات والتعاطف والرحمة في اعتباراتهن الأخلاقية، مما يؤدي إلى رؤية أكثر شمولية وترابطا للأخلاق.

ثمة جانب مهم آخر للمنظور النسائي للفلسفة هو نقد الفئات والمفاهيم الفلسفية التقليدية. كانت النساء تاريخيا خارج الخطاب السائد في الفلسفة، مما سمح لهن بتقديم منظور جديد للأفكار الراسخة. تتحدى النساء الافتراضات الذكورية التي تدعم العديد من النظريات الفلسفية، وتقدم طرقا بديلة للتفكير في المجتمع والسياسة والمعرفة.

كما تقدم النساء منظورا فريدا لمناقشة القوة والقمع. وباعتبارهن مجموعة مهمشة تاريخيا، تتمتع النساء بفهم عميق للطرق التي تعمل بها القوة في المجتمع. انتقدت الفلاسفة النسويات الهياكل الأبوية وأنظمة القمع، وقدموا طرقا جديدة للتفكير في ديناميكيات القوة والعدالة الاجتماعية.

كما يتحدى المنظور النسائي للفلسفة المفاهيم التقليدية للعقل والعقلانية. غالبا ما ارتبطت النساء بالعاطفة والحدس، والتي يُنظر إليها على أنها أدنى من السمات الذكورية للمنطق والعقل. ومع ذلك، أظهرت الفيلسوفات أن العاطفة والحدس أدوات قيمة لفهم العالم واتخاذ القرارات الأخلاقية.

كما قدمت الفيلسوفات مساهمات كبيرة في مجال الوجودية. الوجودية هي حركة فلسفية تؤكد على الحرية الفردية والمسؤولية، فضلا عن البحث عن المعنى في عالم فوضوي وسخيف في كثير من الأحيان. لقد استكشفت الفيلسوفات الوجوديات مثل سيمون دي بوفوار موضوعات الجنس والهوية والتجسيد، وقدمن منظورا فريدا للقضايا الوجودية.

ومن الجوانب المهمة الأخرى للمنظور النسائي للفلسفة التركيز على التجسيد والخبرة المعاشة. لقد ارتبطت النساء تاريخيا بالجسد ونقاط ضعفه، مما أدى إلى فهم مختلف للذاتية والوكالة. لقد تحدت الفيلسوفات الثنائية الديكارتية التقليدية، التي تفصل العقل عن الجسد، وتدافع عن فهم أكثر شمولية وتجسيدا للذات.

لقد قدمت الفيلسوفات أيضا مساهمات كبيرة في فلسفة العلم. انتقدت الفيلسوفات النسويات الطريقة التي تشكل بها العلم التقليدي من خلال القيم والافتراضات الأبوية، مما أدى إلى وجهات نظر متحيزة ومحدودة حول الطبيعة والواقع. تجلب النساء منظورا مختلفا لمناقشة العلم، مع التأكيد على التنوع والتعقيد والشمول.

كما يتحدى المنظور النسائي للفلسفة المفاهيم التقليدية للموضوعية والحياد. لقد انتقدت الفيلسوفات فكرة أن الفلسفة يمكن أن تكون منفصلة وموضوعية، ودافعن بدلا من ذلك عن نهج أكثر تحديدا وموضوعية. تجلب النساء تجاربهن ومنظوراتهن الفريدة للأسئلة الفلسفية، مما يثري المناقشة بوجهات نظر متنوعة.

كما يقدم المنظور النسائي للفلسفة مساهمة قيمة ومهمة في هذا المجال. تجلب النساء مجموعة فريدة من الأفكار والقيم والخبرات إلى الخطاب الفلسفي، مما يتحدى الافتراضات التقليدية ويفتح إمكانيات جديدة للاستقصاء الفلسفي. ومن خلال التركيز على أصوات النساء ومنظوراتهن، يمكن للفلسفة أن تصبح أكثر شمولا وتنوعا وإبداعا، مما يعزز المشهد الفكري الأكثر ثراءً وديناميكية.

الفيلسوفات الرائدات عبر التاريخ:

كانت النساء في مجال الفلسفة أقل تمثيلا تاريخيا، حيث كانت مساهمات الفلاسفة الإناث غالباً ما يتم تجاهلها أو تهميشها. ومع ذلك، كان هناك عدد من النساء الرائدات اللاتي قدمن مساهمات كبيرة في هذا المجال وساعدن في تشكيل الطريقة التي نفكر بها في الفلسفة اليوم.

ومن بين هؤلاء الرائدات هيباتيا، الفيلسوفة اليونانية التي عاشت في القرن الرابع الميلادي. كانت هيباتيا واحدة من أوائل عالمات الرياضيات والفلاسفة المعروفات، وهي معروفة بتعاليمها في الرياضيات والفلك والفلسفة. وعلى الرغم من مواجهتها للتمييز والاضطهاد كامرأة في مجال يهيمن عليه الذكور، قدمت هيباتيا مساهمات مهمة في دراسة الرياضيات والفلسفة والتي كان لها تأثير دائم على هذا المجال.

ومن بين النساء الرائدات في الفلسفة ماري وولستونكرافت، وهي كاتبة وفيلسوفة إنجليزية تعتبر غالبا واحدة من الشخصيات المؤسسة للنسوية الحديثة. وقد تحدى عمل وولستونكرافت الرائد "دفاعا عن حقوق المرأة" المفاهيم التقليدية حول دونية المرأة ودافع عن المساواة في الحقوق والفرص للمرأة في المجتمع. كانت أفكارها حول تعليم المرأة وحقوقها السياسية رائدة في ذلك الوقت وساعدت في تمهيد الطريق للحركة النسوية.

تعتبر سيمون دي بوفوار شخصية مهمة أخرى في تاريخ المرأة في الفلسفة. اشتهرت دي بوفوار، الفيلسوفة والكاتبة الوجودية الفرنسية، بعملها الرائد "الجنس الثاني"، الذي استكشف الطرق التي يتم بها تهميش النساء وقمعهن في المجتمعات الأبوية. كان لأفكار دي بوفوار حول الجنس والهوية والحرية تأثير عميق على النظرية النسوية ولا تزال قيد الدراسة والمناقشة من قبل الفلاسفة والعلماء اليوم.

في الأوقات الأخيرة، قدم فلاسفة مثل جوديث بتلر ومارثا نوسباوم مساهمات كبيرة في مجال الفلسفة. تشتهر بتلر، الفيلسوفة الأمريكية و صاحبة نظرية النوع الاجتماعي، بعملها حول الهوية الجنسية والأداء، وتحدي المفاهيم التقليدية للجنس والجنسانية. تُعرف نوسباوم، وهي أيضا فيلسوفة أمريكية، بعملها في مجال الأخلاق والفلسفة السياسية ونهج القدرات في التنمية البشرية، والذي يؤكد على أهمية تعزيز ازدهار الإنسان ورفاهته.

وعلى الرغم من إنجازات هؤلاء النساء الرائدات في الفلسفة، لا تزال النساء غير ممثلات بشكل كاف في هذا المجال، سواء في الأوساط الأكاديمية أو في الخطاب الشعبي. وقد أظهرت الدراسات أن النساء أقل احتمالا من الرجال للاعتراف بمساهماتهن في الفلسفة، كما أنهن أكثر عرضة للتمييز والتحيز في الأوساط الأكاديمية. يمكن أن يكون لهذا الخلل بين الجنسين في الفلسفة آثار واقعية، حيث يشكل الطريقة التي نفكر بها ونتفاعل بها مع الأفكار والمنظورات الفلسفية.

تُبذل الجهود لمعالجة هذه التفاوتات وخلق مجال فلسفي أكثر شمولا وتنوعا. تساعد مبادرات مثل مشروع هيباتيا، الذي يهدف إلى تعزيز دور المرأة في الفلسفة، وجمعية المرأة في الفلسفة، التي تقدم الدعم والموارد للفيلسوفات، في زيادة الوعي وتحدي الصور النمطية والتحيزات في هذا المجال. من خلال تسليط الضوء على مساهمات رائدات الفلسفة وتعزيز المساواة بين الجنسين في الأوساط الأكاديمية، يمكننا إنشاء مجتمع فلسفي أكثر شمولا وتنوعا يعكس ثراء وتنوع الفكر والتجربة الإنسانية.

وقد لعبت رائدات الفلسفة دورا حاسما في تشكيل تطوير المجال وتحدي الأفكار والافتراضات التقليدية حول الجنس والهوية والسلطة. من هيباتيا وماري وولستونكرافت إلى سيمون دي بوفوار وجوديث بتلر، قدمت هؤلاء النساء الرائدات مساهمات دائمة في الفلسفة لا تزال تلهم وتؤثر على الفلاسفة والمفكرين اليوم. ومن خلال الاعتراف بإنجازات المرأة في الفلسفة والاحتفال بها، يمكننا المساعدة في إنشاء مجال أكثر شمولا ومساواة يعكس وجهات النظر والتجارب المتنوعة لجميع الناس.

النساء الفيلسوفات في القرن الحادي والعشرين:

في القرن الحادي والعشرين، قدمت الفيلسوفات مساهمات كبيرة في مجال الفلسفة، وتحدين المعايير التقليدية وتوسيع حدود الخطاب الفلسفي. وفي حين كانت النساء في الماضي أقل تمثيلاً في هذا المجال، فإن أصواتهن أصبحت الآن موضع تقدير وتقدير أكثر من أي وقت مضى. في هذا المقال، سوف نستكشف مساهمات الفيلسوفات في القرن الحادي والعشرين والتأثير الذي خلفته على مجال الفلسفة.

تعتبر مارثا نوسباوم واحدة من أكثر الفيلسوفات تأثيرا في القرن الحادي والعشرين، والمعروفة بعملها في الأخلاق والفلسفة السياسية وفلسفة العواطف. كان لعمل نوسباوم تأثير عميق على هذا المجال، حيث تحدت المعتقدات التقليدية ودعت إلى نهج أكثر شمولا وتعاطفا مع الأخلاق. ويعتبر كتابها "هشاشة الخير" عملا رائدا في مجال الأخلاق، حيث تستكشف تعقيدات الطبيعة البشرية وتحديات العيش بحياة فاضلة أخلاقيا.

من الشخصيات البارزة الأخرى في الفلسفة المعاصرة جوديث بتلر، المعروفة بعملها في نظرية النوع الاجتماعي ونظرية المثليين. تحدت كتاب بتلر الرائد "مشكلة النوع الاجتماعي" المفاهيم التقليدية للنوع الاجتماعي والجنسانية، حيث زعمت أن النوع الاجتماعي أداء وعرضة للتغيير باستمرار. كان لعملها تأثير كبير على النظرية النسوية ومهد الطريق لوجهات نظر جديدة ومبتكرة حول الهوية والعدالة الاجتماعية.

سيمون دي بوفوار شخصية بارزة أخرى في فلسفة القرن الحادي والعشرين، والمعروفة بفلسفتها الوجودية ونظريتها النسوية. يعتبر كتابها "الجنس الثاني" نصا أساسيا في الأدب النسوي، حيث يستكشف الطرق التي يتم بها تهميش النساء وقمعهن في المجتمع. لا يزال عمل دي بوفوار يلهم العلماء والناشطين النسويين، ويتحدى المفاهيم التقليدية للنوع الاجتماعي وديناميكيات القوة.

بالإضافة إلى هذه الشخصيات المعروفة، هناك العديد من الفيلسوفات الأخريات اللاتي قدمن مساهمات كبيرة في هذا المجال في القرن الحادي والعشرين. على سبيل المثال، كتبت إليزابيث أندرسون على نطاق واسع عن الفلسفة السياسية والعدالة الاجتماعية، ودعت إلى مجتمع أكثر مساواة وتحدي هياكل السلطة الراسخة. أثار عملها مناقشات مهمة حول الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان.

ساندرا هاردينج هي شخصية مؤثرة أخرى في الفلسفة المعاصرة، والمعروفة بعملها في نظرية المعرفة النسوية وفلسفة العلم. تحدت هاردينج المناهج العلمية التقليدية ودافعت عن نهج أكثر شمولا وتنوعا لإنتاج المعرفة. كان لعملها تأثير كبير على فلسفة العلم، وسلطت الضوء على أهمية النظر في وجهات النظر المتنوعة والأصوات المهمشة في السعي وراء المعرفة.

في السنوات الأخيرة، كان هناك اعتراف متزايد بأهمية التنوع والشمول في مجال الفلسفة، مع دعوة المزيد من الفلاسفة النساء إلى المؤتمرات والنشر في المجلات الكبرى وشغل مناصب أكاديمية مرموقة. وهذا يمثل تحولا كبيرا عن الماضي، عندما كانت النساء غالبا ما يتم استبعادهن من هذه المساحات وتهميش أصواتهن.

ومع ذلك، على الرغم من هذه التطورات، لا تزال الفيلسوفات يواجهن تحديات كبيرة في هذا المجال. لا تزال التحيزات والتمييز بين الجنسين منتشرة على نطاق واسع، حيث تواجه النساء غالبا عقبات في الحصول على وظائف ثابتة، وتأمين التمويل للأبحاث، والحصول على الاعتراف بعملهن. يظل نقص تمثيل النساء في أقسام الفلسفة والمجلات الأكاديمية قضية ملحة يجب معالجتها من أجل خلق مجال أكثر إنصافا وشمولية.

لقد قدمت الفيلسوفات في القرن الحادي والعشرين مساهمات مهمة في مجال الفلسفة، وتحدي المعتقدات التقليدية وتوسيع حدود الخطاب الفلسفي. كان لعملهن تأثير كبير على مجالات مختلفة من الفلسفة، من الأخلاق والنظرية السياسية إلى دراسات النوع وفلسفة العلوم. وبينما تستمر النساء في مواجهة التحديات والعقبات في هذا المجال، فإن أصواتهن أكثر بروزا وتأثيرا من أي وقت مضى، مما يدفع المحادثات المهمة ويشكل مستقبل الفلسفة. من الضروري أن نستمر في دعم الفيلسوفات ورفع مكانتهن، مع الاعتراف بأهمية وجهات النظر والخبرات المتنوعة في السعي وراء المعرفة والفهم.

***

محمد عبد الكريم يوسف

......................

مراجع:

- Dzielska, Maria. Hypatia of Alexandria. Harvard University Press, 1996.

- Hult, David F. The Autobiography of Christine de Pizan. University of Chicago Press, 2002.

- Butter, Judith. "Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity." Routledge, 1990.

- Nussbaum, Martha. "The Fragility of Goodness: Luck and Ethics in Greek Tragedy and Philosophy." Cambridge University Press, 1986.

كان رينيه ديكارت، الذي يُشار إليه غالبا باسم "أبو الفلسفة الحديثة"، فيلسوفا ورياضيا وعالما فرنسيا في القرن السابع عشر. اشتهر ديكارت بأسلوبه في الشك وتصريحه الشهير "أنا أفكر، إذن أنا موجود". في أعماله الفلسفية، تصارع ديكارت مع فكرة الله ودور الوجود الإلهي في بنية الواقع. من خلال فحص كتابات ديكارت عن الله، يمكننا اكتساب نظرة ثاقبة لآرائه المعقدة والدقيقة حول طبيعة الوجود ودور الإلهي في الفهم البشري.

فلسفة ديكارت متجذرة بعمق في فكرة الشك والشكوكية. في عمله الشهير "تأملات في الفلسفة الأولى"، شرع ديكارت في الشك في كل ما تعلمه من أجل بناء أساس من المعرفة القائمة على العقل واليقين. تقود طريقة الشك الجذرية هذه ديكارت إلى التشكيك في وجود الله وموثوقية الإدراك الحسي. يزعم ديكارت أنه إذا شككنا في كل شيء، بما في ذلك وجود الله، فلن يتبقى لنا سوى حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها: وجودنا ككائنات مفكرة.

على الرغم من أسلوبه في الشك، يؤكد ديكارت في النهاية على وجود الله في فلسفته. يزعم ديكارت أن فكرة الإله الكامل واللامتناهي يجب أن تكون قد نشأت من كائن كامل وغير محدود. ويؤكد أنه من المستحيل على كائن محدود وغير كامل، مثل الإنسان، أن يتصور كائنا كاملا وغير محدود دون أن تزرعه في ذهنه قوة أعلى. يقدم ديكارت وجود الله كحقيقة ضرورية وواضحة تعمل كأساس لكل المعرفة والفهم.

يلعب مفهوم ديكارت لله ككائن كامل وغير محدود دورا حاسما في فلسفته الشاملة. يزعم ديكارت أن الله هو الضامن للحقيقة واليقين في العالم. ويفترض أن وجود الله يوفر أساسا موثوقا به للمعرفة والفهم البشري. يعتقد ديكارت أن الله هو مصدر كل الخير والكمال في الكون، وأن وجود الله يضمن الانسجام والنظام في العالم الطبيعي. بالنسبة لديكارت، الله ليس مجرد مفهوم نظري أو فكرة مجردة، بل هو عنصر ضروري ومتكامل من الواقع.

بالإضافة إلى تأكيد وجود الله، يجادل ديكارت أيضا في وجود الروح البشرية. يفترض ديكارت أن العقل والجسد البشريين كيانان متميزان يتفاعلان مع بعضهما البعض من خلال الغدة الصنوبرية. ويؤكد أن العقل، أو الروح، هو مادة غير مادية ومفكرة ومتميزة عن الجسم المادي. يزعم ديكارت أن وجود الروح هو دليل آخر على وجود الله، حيث تشير قدرة الروح على التفكير والتعقل إلى قوة أعلى منحت البشر مثل هذه القدرات الفكرية.

تتشابك فلسفة ديكارت عن الله بشكل عميق مع آرائه حول طبيعة الواقع والفهم البشري. يزعم ديكارت أن معرفتنا بالعالم الخارجي محدودة وقابلة للخطأ، لكن معرفتنا بالله مؤكدة ولا شك فيها. يؤكد ديكارت أن وجود الله هو الأساس الوحيد الأكيد للمعرفة واليقين، لأنه يوفر مصدرا ثابتا وغير متغير للحقيقة في عالم غير مؤكد ومتغير باستمرار. يعكس تأكيد ديكارت على وجود الله كأساس للمعرفة اعتقاده بأهمية الإيمان والعقل في الفهم البشري.

كانت فلسفة ديكارت عن الله موضوعا للكثير من النقاش والتفسير بين العلماء والفلاسفة. يزعم بعض النقاد أن اعتماد ديكارت على وجود الله كأساس للمعرفة أمر إشكالي، لأنه يعتمد على قفزة الإيمان بدلا من الحجج العقلانية. يزعم آخرون أن تأكيد ديكارت على وجود الله كضامن للحقيقة واليقين أمر ضروري لإنشاء نظرة عالمية متماسكة وموحدة. بغض النظر عن المناقشات المحيطة بفلسفته، فإن أفكار ديكارت عن الله لا تزال مؤثرة في تشكيل المناقشات المعاصرة حول العلاقة بين الإيمان والعقل والمعرفة.

وفي الختام، فإن فلسفة رينيه ديكارت عن الله هي عنصر مركزي وجوهري لنظامه الفلسفي الشامل. يشكل تأكيد ديكارت على وجود الله الأساس لمنهجه في الشك والارتياب، فضلا عن أفكاره حول طبيعة الواقع والفهم البشري. يزعم ديكارت أن الله هو مصدر كل الحقيقة واليقين في العالم، وأن وجود الله يوفر أساسا ثابتا وغير متغير للمعرفة.

***

محمد عبد الكريم يوسف

بينما أكّد العديد من الفلاسفة على مر التاريخ على المعاناة كجزء أساسي من ظروف الانسان، نجد الفلسفة الوجودية أعطت للمعاناة تصنيفا واستكشافا فلسفيا تاما. خصوصا، ان الفلاسفة الوجوديين يميّزون بين مجرد "الألم" والمعاناة ذات المظهر الوجودي الكبير. هذا يتضمن، مثلا، مشاعر اليأس والقلق والحساسية تجاه المظاهر المأساوية والسخيفة والقامعة للوجود – بكلمة اخرى، أي شيء يبرز من حقيقة اننا افراد نكافح لأجل المعنى في كون يبدو بلا معنى.

وكما أوضحت ذلك استاذة الفلسفة Jennifer Gosetti في كتابها (حول الوجود وما يكون):

"معظم الناس في مرحلة ما من حياتهم سيشهدون لحظات من المعاناة ذات مظهر وجودي. هذه المعاناة تؤثر على إحساسك بالذات، تجعلك تتسائل مْن أنت حقا وماذا يجب ان تكون عليه، وما هو الغرض من وجودك".

فمثلا، احدى سمات ظروف الانسان هي اننا نتحرك من خلال الزمن في اتجاه واحد. وبالنتيجة، نحن لا نعرف ماذا يحمل لنا المستقبل ولا حتى تأثير ما لدينا من خيارات. ميلان كوديرا Milan Kundera يصف هذه السمة للوجود في روايته لعام 1984 (خفة الوجود التي لا تُحتمل):

"حياة الانسان تحدث فقط مرة واحدة، والسبب الذي يجعلنا لا نستطيع تقرير أي من قراراتنا جيدة وأي منها سيئة هو انه في موقف معين نحن نستطيع فقط عمل قرار واحد، نحن لم نُمنح فرصة حياة ثانية او ثالثة او رابعة نقارن فيها مختلف انواع القرارات".

هذا النقص في المعرفة يسبب القلق – وكل ما نستطيع فعله هو ان نحاول منع مخاوفنا ونحن نتقدم نحو مستقبل مفتوح وغير معروف. وكما يذكر كيركيجارد "الحياة يمكن ان تُفهم فقط رجوعا، لكنها يجب ان تُعاش الى الامام".

هنا نعرض خصائص اخرى لا مفر منها لظروف الانسان التي يعتقد الوجوديون انها تسبب المعاناة والقلق:

1- من منظور الكون، نحن نبدو كائنات صغيرة جدا نعيش حياة قصيرة جدا.(لكي ندرك ضخامة الكون، لننظر هنا: لو نظامنا الشمسي كان بحجم طاولة طعام دائرية، فان الشمس ستكون حبة رمل في المركز، والارض ستكون غير مرئية للعين. في هذا النطاق، أقرب نجمة قريبة لنا ستكون على بعد سبعة أميال. هذا في مجرة تضم 400 بليون نجم، في كون مؤلف من ترليون مجرة).

2- نحن لا نعرف لماذا نحن هنا، ولا ايضا لدينا أي أمل واقعي في معرفة ذلك.

3- نحن لم نختر الأجسام، العوائل، الثقافات، الحضارات، او الكون الذي وُلدنا فيه.

4- لا وجود هناك لكتاب مرشد للكيفية التي يجب ان نعيش بها حياتنا.

5- محدودية الوقت فُرضت على وجودنا: نحن جميعنا سنموت في يوم ما.

هذه الحقائق القاسية تنطبق على كل الناس بما يعني اننا جميعنا عرضة للمعاناة والقلق. ومن المهم اننا جميعا في نفس القارب: كبشر فانين نحن غير قادرين على التنبؤ بالمستقبل، لدينا نفس الاسباب للقلق والاغتراب واليأس.

من خلال انشغالنا بمعاناتنا الوجودية، نحن في الحقيقة ننشغل بنوع من المعاناة يتحسس منها جميع البشر. مع اننا افراد متفردين- عادة من مختلف الخلفيات ونعيش في ظروف مختلفة – لكننا نجد ارضية مشتركة في الشعور بالألم والاغتراب والقلق الوجودي الذي يشكل ظرفنا الانساني المشترك.

 حول هذا نشير الى اقتباس من الشاعر شارلس بوكووسكي Charles Bukowski   :

"نحن جميعنا سنموت، جميعنا في مهرجان ترفيهي (سيرك) يجب ان يجعلنا نحب بعضنا لكنه لن يقوم بذلك. نحن اُرعبنا بالتفاهات، نؤكل باللاّشيء".

اما الكاتب جانس بالون Janes Baldwin يصف في عمله (النار في الزمن القادم): "الحياة هي مأساوية لأن الارض تدور والشمس تشرق وتغرب بلا هوادة ، وفي يوم ما، ولكل واحد منا، ستهبط الشمس للمرة الأخيرة." ربما أصل كل المشكلة، مشكلة الانسان، هي اننا سنضحي بكل جمال حياتنا، سوف نسجن أنفسنا في تابوات، طوطمات، صُلب، تضحيات دموية، أبراج كنائس، مساجد، أعراق، أعلام ورايات، أمم، لكي ننكر حقيقة الموت، الحقيقة الوحيدة التي لدينا. يبدو لي ان المرء يجب ان يبتهج بحقيقة الموت -  يجب ان يقرر، في الحقيقة، تلقّي الموت عبر مواجهته وبحماس لمعضلة الحياة. المرء مسؤول عن الحياة: انها علامة مرشدة صغيرة في ذلك الظلام المخيف الذي نأتي منه واليه سنعود".

***

حاتم حميد محسن

تشكل فلسفة  أرتير شوبنهاور  (1788-1860) الدينية جسدًا وثيقًا، يمكن القول إنه لا ينفصل، مع فلسفته في الفن وفلسفته في الأخلاق. من خلال نشره، بعد أكثر من ثلاثين عامًا من كتابه "العالم كإرادة وتمثيل"، عن الدين (1851)، يقدم شوبنهاور استئنافًا متفرقًا ولكن أمينًا لأطروحات عمله الرئيسي. إن عصر "المنعزل في فرانكفورت" يزيد من حدة خطابه حول آلام العالم المتعددة الأوجه، وهو الكابوس الذي يجب على كل ضمير أن يحاول الاستيقاظ منه - من خلال إنكار نفسه. في عهد البشر، يستعير هذا الجهد للتخلي الجذري الشخصيات الدينية في الغرب والشرق: هل يكتسب هؤلاء مع ذلك مكانًا مشروعًا في الفلسفة؟

من المعلوم أن شوبنهاور هو فيلسوف التشاؤم ومن المعلوم ايضا أن التشاؤم عنده هو ثمرة الوضوح. إذا كان شوبنهاور نفسه لم يحدد فلسفته أبدًا من خلال التشاؤم، فإن الشعور العام المستوحى من نظرية الوجود هو الذي طوره في العالم كإرادة وكتمثيل. ومع ذلك، يعتقد بعض معاصريه أن رغبة شوبنهاور في الاعتراف به وكذلك الاستمتاع بمجده المتأخر يكشفان أنه لم يعيش كمتشائم حقيقي. التشاؤم ينشأ من الوعي بالمعاناة. يفترض شوبنهاور أن المعاناة والموت يجعلان جميع المخلوقات بائسة. ومع ذلك، فإن حالة الإنسان هي الأسوأ. إن اعترافه بوجود المعاناة والموت في كل مكان يزيد من تفاقم محنته، بينما تأخذ الحيوانات الحياة كما هي. لذا، فإن حاجة الإنسان الميتافيزيقية في الأساس - أي حاجته إلى فهم العالم وفهم وجوده - ولهذا السبب فإن مصيره يزداد سوءًا. بالنسبة لشوبنهاور، فإن الحياة البشرية تتكون أساسًا من المعاناة. وعندما لا يعاني الإنسان يشعر بالملل. ومن أجل تجنب الملل يقامر ويشرب وينغمس في الإسراف والمكائد والسفر. ويخلص الفيلسوف إلى القول: “إن الحياة تتأرجح مثل البندول، من اليمين إلى اليسار، من المعاناة إلى الملل؛ وهذان هما العنصران اللذان صنع منهما باختصار” (العالم كإرادة وكتمثيل). تصل المعاناة في بعض الأحيان إلى حد أن العقل البشري ينسى الواقع ليحافظ على نفسه، وهذا يؤدي إلى الجنون، عندما يستبدل العقل الذكريات المؤلمة بالخيال. وأخيرا، فإن بؤس الحالة الإنسانية واضح أيضا من الناحية التاريخية والعالمية. يظهر تدمير بومبي، على سبيل المثال، أن الطبيعة غير مبالية برفاهية البشرية. ولهذا السبب لم يكن شوبنهاور مهتمًا بالسياسة. يرتبط تشاؤم شوبنهاور بالطبيعة البشرية. التشاؤم ينشأ بشكل أكثر دقة من العقل. في الواقع، يعتقد شوبنهاور أن امتلاك العقل هو ميزة مختلطة. إن القدرة على التفكير المفاهيمي والاستطرادي هي بالتأكيد أساس الفرق بين الإنسان والحيوان. ولكنه في الوقت نفسه يعرض الإنسان لعذابات وجنون تحصن الحيوانات ضده. يوضح الفيلسوف: «بالنسبة للحيوان الذي لا يفكر، يمكن أن يبدو العالم والوجود كأشياء تفهم نفسها؛ على العكس من ذلك، بالنسبة للإنسان، هذه مشكلة يتخيلها بوضوح حتى أكثر الناس جهلًا وضيق الأفق في ساعات وضوحهم” (العالم كإرادة وكتمثيل). إن استخدامات العقل على وجه التحديد هي التي تزيد من معاناة الإنسان. وإذا كان العقل مصدر المعرفة واليقين والحقيقة، فهو أيضًا، كما يعترف شوبنهاور، مصدر الشك والارتباك والخطأ. من خلال العقل، يستطيع البشر التواصل بطرق أكثر تعقيدًا وتعقيدًا من الحيوانات، لكن هذه القدرة تجعلهم أيضًا قادرين على الخداع والإخفاء والتضليل، وهو ما لا تستطيع الحيوانات فعله. علاوة على ذلك، فإن اللغة أداة بدائية للغاية بحيث لا يمكنها ترجمة التجربة المباشرة للواقع وكذلك الحدس. وفوق كل شيء، أخيرًا، لا يزال العقل يجعل الإنسان غير سعيد لأنه ينقله خارج الحاضر. يؤكد شوبنهاور أن مصائب الماضي والقلق بشأن المستقبل يسببان معاناة كبيرة، ويتم تبرير التشاؤم في النهاية بغرور الرغبة. ويكمن هذا التبرير في نظرية الإرادة لشوبنهاور. ومن هذا المنظور، فإن المعاناة موجودة في كل مكان لأن العالم عبارة عن إرادة، تُعرَّف بأنها الجوهر الحميم للحياة، والقوة التي تحرك كل الأشياء. الآن، هذه القوة عمياء: فهي لا تسعى إلى تحقيق أي هدف؛ إنها لا تتبع أي خطة. إنها راضية بتأكيد ديمومتها من خلال تحريك جميع الكائنات، بما في ذلك البشر. إذا كان الانزلاق نحو الجنون والعنف والقسوة والهمجية أمرًا لا مفر منه، فذلك ببساطة لأنه يعبر عن ميول لا يمكن تجاوزها للطبيعة البشرية. تشرح الإرادة بشكل خاص منطق الرغبة. بمجرد إشباع رغبته، لا يشبع الإنسان؛ ويتحول ميله إلى شيء آخر، فيظل العقل في توتر الرغبة. يقول شوبنهاور: «الرغبة بطبيعتها هي المعاناة؛ الرضا يولد الشبع بسرعة؛ وكان الهدف وهميا. الحيازة تسلب جاذبيتها؛ تولد الرغبة من جديد بشكل جديد، ومعها الحاجة؛ وإلا فهو اشمئزاز، وفراغ، وضجر، وأعداء أقسى من الحاجة” (العالم كإرادة وتمثيل). ومع ذلك، فإن الحياة ليست محنة كاملة. ومن خلال الكشف الصادق عن القوى التي تحدد الوجود، فإن الخطاب الفلسفي يقلل من معاناة الإنسان. لذلك يعتقد شوبنهاور، على نحو متناقض، أن تشاؤمه يمكن أن يريح قرائه. فاذا كانت الاديان تجلب الرجاء في الخلاص فهل يمكن القول بأن فلسفة شوبهاور الدينية قد تخلصه من التشاؤم؟

تعد جميع الأديان بمكافآت على صفات القلب أو الإرادة، ولكن لا شيء على صفات الذكاء أو الفهم. الدين له وجهان. اذ يرى أرتير شوبنهاور في كتابه عن الدين أن نظام المعتقدات الدينية متناقض، لدرجة أنه من الغباء الاستهزاء بالأديان بقدر تكريس الاحترام المطلق لها. ويحلل المزايا العملية والنظرية للدين من خلال مواجهته بالفلسفة. الدين هو ميتافيزيقيا الناس. يدرك شوبنهاور أولاً أنها وسيلة فعالة لتعزية الفرد. لكن وظيفتها أعمق: فهي تستجيب لحاجة الإنسان الميتافيزيقية، أي حاجته إلى إعطاء معنى لوجوده. إن الدين ضروري للغاية في هذا الصدد لأن تسعة أعشار (على الأقل) من البشرية، محكوم عليهم بالعمل الجسدي المؤلم، ليس لديهم الوسائل الفكرية ولا الوقت ليجدوا لأنفسهم معنى لوجودهم. يقول شوبنهاور: «الدين هو الوسيلة الوحيدة لتعريف وإحساس العقل الخام والفهم المنفرج للجمهور، الغارق في نشاطه المنخفض وفي عمله المادي، بالمعنى العالي للحياة» . وبالتالي، فإن مهمة مؤسسي الدين هي الإشارة إلى المعنى السامي للوجود لجمهور الناس العاديين - ويفعل الفلاسفة الشيء نفسه بالنسبة لأقلية من المبتدئين غير الراضين عن الرسالة الدينية. ولذلك فإن الدين ضروري. لذلك، يجب ألا نسيء إليها، بل يجب أن نكرمها خارجيًا. ويجب علينا أيضًا ألا نجرد رسالتنا من شكلها المجازي والأسطوري، لأن هذا الشكل هو الذي يجعلها في متناول "الإنسانية بشكل عام" واستيعابها. يؤكد شوبنهاور على القضية السياسية: إن اتحاد الرجال يتحقق على الأفكار الميتافيزيقية للرسالة الدينية. شوبنهاور يدين الآثار الضارة للدين. الدين يتعارض مع الفلسفة. وفي حين أنه يدرك أن وحدة الإيمان أمر بالغ الأهمية للنظام الاجتماعي، فإن شوبنهاور يوازن بين هذه الفائدة وحقيقة أن الرسالة الدينية تشكل عقبة رئيسية أمام البحث عن الحقيقة. ومن هذا المنطلق، فإن الدين يعيق الجهد الفلسفي الحقيقي. بل إن هذه إحدى صفاته الضرورية: بالإضافة إلى كونه سهل الفهم، ولتوجيه السلوك الأخلاقي للإنسان العادي، ولقدرته على مواساته، يجب على الدين أن يغلف خطابه بطبقة منيعة ويحميه من خلال البحث الفلسفي سلطة مقبولة عالميا. لذلك يعتقد شوبنهاور أن "المعتقدات الدينية تشوه تمامًا المعرفة الإنسانية" . إن "التدريب الميتافيزيقي" الذي يقوم به الدين يمنعنا من فهم عمل الطبيعة. ومع ذلك، يجب على الدين أن يعارض البحث عن الحقيقة من أجل البقاء: فإذا وافق على مواجهة رسالته بالمعرفة الصحيحة، فسوف ينكسر الإيمان. ولهذا السبب يضطهد الدين الإنسان الذي يتساءل، وحيدًا بين الآلاف، عما إذا كان ما يقال له صحيحًا. تاريخياً، كانت أرقى العقول في القرنين السادس عشر والسابع عشر، على سبيل المثال، مصابة بالشلل في كل مكان بسبب التوحيد. توفر هذه المعارضة معيارًا عمليًا لتحديد الحقيقة. بالنسبة لشوبنهاور، فإن التناقض بين شكل الرسالة الدينية وشكل الرسالة الفلسفية يعني أن “البساطة هي علامة الحقيقة”. الدين يمكن أن يتدهور. إذا كان شوبنهاور يعترف بأن التماسك الاجتماعي يبرر الأكاذيب الدينية، فإنه يستنكر حقيقة أن الزعماء الدينيين يسيئون استخدام الحاجة الميتافيزيقية للشعب. ويزعم الكهنة أنهم يشبعون هذه الحاجة إلى حكم الناس، ويتحالف معهم رؤساء الدول الأذكياء. كتب الفيلسوف: «الأمراء يستخدمون الله كبعبع يرسلون بمساعدته أطفالهم البالغين إلى الفراش عندما تفشل كل الوسائل الأخرى؛ وهذا هو سبب اهتمامهم الكبير بالله”. لكن النفاق أكثر عمومية: فهناك العديد من البالغين الذين لا تشكل قناعاتهم إلا قناعاً للمصالح الشخصية (وتعصب الإنجليز مثال جيد على ذلك). في كثير من الأحيان، أعمال التفاني تستحق أكثر من الأفعال الأخلاقية. حتى أن الرجال يلجأون إلى استخدام الرسالة الدينية لتبرير الأفعال غير الأخلاقية. يسرد شوبنهاور أعمال العنف المرتكبة باسم الدين. ومع ذلك، فهي في الأساس نتيجة للديانات التوحيدية، حيث أن البوذية والشركيات أكثر تسامحًا. المسيحية، على وجه الخصوص، شرّعت العديد من الجرائم. وعلى الرغم من أنه قام بتربية الشعوب الأوروبية روحيًا، إلا أنه كان مسؤولاً عن الحروب الدينية والحروب الصليبية ومحاكم التفتيش وغيرها من الاضطهادات، مثل إبادة السكان الأصليين لأمريكا وإدخال العبيد الأفارقة مكانهم. ينتقد شوبنهاور أيضًا المسيحية لتغاضيها، من خلال الفصل بين الإنسان والحيوان، عن سوء المعاملة التي يلحقها السكان المسيحيون بالحيوانات. من خلال ربط جوهر ميتافيزيقاه بعقيدة تناسخ الأرواح، يتخذ شوبنهاور موقفًا ضد أي عقيدة دينية تتعلق بالبداية المطلقة للعالم وضد وجود إله شخصي. ولذلك فهو ينتقد اليهودية والمسيحية باعتبارهما ديانتين توحيديتين، وهو يربط بشكل قاطع نظريته بدين الهند القديمة التي تدعو، مثلها مثلها، إلى الطرح من دورة الولادات الجديدة. تمثل البوذية، على وجه الخصوص، بالنسبة لشوبنهاور الدليل الأكثر وضوحًا على ميتافيزيقاه في المجال الديني: حيث يواجه دينًا يستطيع فيه كل فرد، مثل بوذا، وضع حد لتأكيد الإرادة في العالم، وبالتالي تحقيق نفيها الخاص – "السكينة". وهذا النص الفلسفي حول الدين، الذي حقق أخيراً نجاحاً نسبياً لمؤلفه، هو أحد الحوارات التأسيسية بين الفكر الغربي والشرقي. فماهي شروط رفع التخاصم التاريخي بين العقائد الدينية اليوم؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..........................

المصدر:

Arthur Schopenhauer, sur la religion 1851, édition Flammarion, Paris, 1999.

حضورُ الإنسانِ الأخلاقي المبادِر بالعطاء المعنوي والمادي قليلٌ في حياتنا. الإنسان كائنٌ من الصعب أن نحبه لو اطلعنا على شيءٍ مما هو غاطسٌ في باطنه.‏ كثيرٌ من الناس قساةٌ قليلٌ من الناس رحماء، كثيرٌ من الناس بخلاء قليلٌ من الناس كرماء، كثيرٌ من الناس جافون قليلٌ من الناس دافئون، الكرماء بكلمات المحبة الصادقة استثناء. الحُبّ مصدر الطاقة الخلاقة للعيش، مَن يعجز عن الحُبّ يعجز عن العيش السعيد، ويعجز عن إنتاج معنى ثمين لحياته. أسعد إنسان هو مَن كانت مهنته صناعة الحُبّ والاستثمار فيه، كما يستثمر رجال الأعمال الناجحون في البورصة. المحبة الصادقة رصيد العلاقات الإنسانية، والسعي المتواصل لاكتشاف المشتركات العاطفية والأخلاقية معه، وغضّ النظر عن الاختلافات الدينية والمذهبية والثقافية وأشباهها، وعدم التدخل في الخصوصيات الشخصية، إلا أن يبادر الآخرُ بإخبارك بشيء من حياته الشخصية، ويطلب التدخل والدعم بشأن خاص به أو علاج مشكلاته.‏

 صارت كلماتُ الحُبّ ‏المتداولة أغلبها مبتذلة لكثرة استعمالها مفرغة من معناها، بل تستعمل هذه الكلمة الجميلة ومرادفاتها أحيانًا قناعًا يخفي خلفه معنى مضادًا. أسوأ استعمال لكلمة الحُبّ حينما تستعمل مصائدًا للمغفلات وللمغفلين. الحُبّ الذي يضمّد جراحَ القلوب هو ما يكون نمطَ وجود يعيش فيه الإنسانُ ويتحقّق. يعيد الحُبّ بناءَ الإنسان مثلما يعيد الإنسانُ بناء الحُبّ، فيستثمر الحُبَّ في حياته وحياة غيره. الاستثمارُ في الحُبّ مهارةٌ حاذقة؛ لا تجيدها إلا القلوبُ الحيّة، بالرغم من أنها ضرورةٌ تفرضها حاجةُ الإنسان للعيشِ بأقل ما يستطيع من الآلام في هذا العالم. معرفةُ كيفيةِ استثمار الحُبّ، وطريقةِ إدارته وتوظيفه وتنميته، والاحتفاظِ فيه بوصفه كنزًا، تتطلب مهارةً مضاعفة، وعقلا حكيمًا، ووعيًا واقعيًا بطرائق العيش والحياة الجيدة.

للأسف الحديث عن المحبة شحيح، بل مَن يتحدث عن المحبة يصفه أكثر الناس بأنه غير واقعي، لأن لا محبةَ صافية في الحياة اليوم، وربما يتهمه البعض بتضليل الناس بأوهام. الاستثمارُ في الحُبّ أصعبُ أشكال الاستثمار في مجتمعنا. ما يدعو في حياتنا للعنفِ وكراهيةِ الآخر أكثرُ وأشدّ مما يدعو للمحبة. ذلك ما يفرض علينا تنمية المحبة وتكريسها. صوتُ المحبة الصادقُ في مثل هذا المجتمع نشاز، إنه كمن ينفخ في رماد، الكلامُ والكتابةُ عن الحُب ليست شائعة، وأحيانًا مستهجَنة. قلّما نعثرُ على معلّمين للحُب في مدارسنا وجامعاتنا، الدينية منها والمدنية. لدينا فائضٌ كبيرٌ من معلّمي إنتاجِ الكلام وتكديسِه، واستنزافِ العقل في مغالطات، وتعطيلِ التفكير في جدلٍ عقيم.

 لا كمية للحُبّ لأنه من الكيفيات المجردة وهي لا تتحدد بكمية. الحُبّ أمر مجرد، وكل ما هو مجرد غير مقيد بزمان أو مكان أو كمية أو حجم أو كيفية مادية، الحُبّ ليس نسخة واحدة تصدق على كلِّ النسخ المتماثلة، الأمر المجرد يتسع باتساع ما يثريه ويكرسه. الحُبّ من أسرار القلب، هذه الأسرار لا تخضع للقوانين الطبيعية. لكل حُبّ كيفية يتجلى فيها تشاكل شخصية المحب وشخصية المحبوب. ثمرات الحُبّ وفاعلياته مختلفة، تختلف وتتنوع بتنوع مَن نحب، ودرجة الحساسية العاطفية للإنسان، وانفعاله بالحُبّ. الحالاتُ الوجودية كالحُبّ والإيمان والسكينة والسعادة والألم والقلق يصعبُ تعريفها، يمكن أن تنكشفَ بوضوح لحظةَ الشعور بها. تذوقُ الحُبّ غير معرفة ‏حقيقته واكتشاف كنهه والعيش فيه. لا يمكن أن نفلسفَ كلَّ شيء نريد أن نتذوقه ونتعرف على ماهيته، تذوق الحُبّ لا يتطلب التفلسف واكتشاف جوهره. ‏حقيقة الحُبّ والإيمان وكلّ شيء آسر من أمثالهما في الحياة سرٌّ. لو حاولت أن تفهم ‏الحُبّ وتفلسفه كما يفعل الفيلسوف يمكنك ذلك، لكنك لن تتذوقه مالم تعشه كطفل، وتتحقّق به كأم، مثلما تعيش الحُبّ وتتحقّق به الأم، والفلاح والعامل والراعي الأميون. الحُبّ يخفي عِلَله، وربما لا يُعلَّل، وإن كنا نكثر الحديث عن آثاره وعطاياه وأحواله وحالاته وشؤونه وشجونه ومواجعه.

‏ أن تفهم الحُبّ وكيفية ولادته وصيرورته شيء، وأن تعيش الحُبّ وتتحقّق به كطور وجودي تسمو وتتكامل فيه شيء آخر. ‏‏ما لا يمكن تفسيره في الحُبّ، نشأة وصيرورة وقوة وضعفًا، أكثر مما يمكن تفسيره. يكمن سحر الحُبّ فيما لا يمكن تفسيره. الحُبّ يمحو الشعور بوطأة الزمن ومرارات الأيام. عطايا الحُبّ في حياة الإنسان باذخة، إذ يتحقّق الإنسان بالحُبّ بطور وجودي أسمى. قوة الحُبّ توقد طاقة الحياة وتفجرها، لا تظهر قوة الحُبّ كطاقة ملهمة في الحياة إلا بكيفية استثماره وتوظيفه بذكاء.

احتكار الحُبّ كاحتكار الخلاص يوم القيامة لدى الأديان. عندما تستبدّ المعتقدات المغلقة وتتسلط على ضمير الإنسان تقعده عن الحُبّ بمعناه الإنساني الرحب. العقائد المغلقة والأيديولوجيات اليسارية والقومية والأصولية تحجب عن معتنقيها رؤية الإنسان بوصفه إنسانًا يشترك معهم في إنسانيته، بل يرونه بوصفه مختلفًا، وكلُّ مختلِف في رأيهم غيرُ جدير بالثقة والتكريم والإحسان والمحبّة. الحُبّ حالة وجودية نسبية، إن تحقّق فيها إنسان بمرتبة عاطفية وروحية وأخلاقية عالية يتسامى إلى طور وجودي في سلَّم تكامُله. يصير مثل هذا الإنسان محبًا ومحبوبًا، مأزق هذا الإنسان أن آباءه وأولاده وزوجته وإخوانه كلهم يطالبونه أن يحبهم أكثر من غيرهم، أو يحبهم لا غير، بعضهم يتهمه بالكذب، وآخر يظل يعتب ويلوم، ولسان الجميع: أنت تدعي أنك تحبني فلماذا تحب فلانًا أكثر مني، وكل مرة يأخذ منه العهود والمواثيق أن يحبه أكثر من أي إنسان، بل يتمادى بعضهم فيطلب منه أن يحبه لا سواه. هؤلاء يتجاهلون أن مراتب الحُبّ تختلف شدة وضعفًا وتتنوع كيفياته.

  إن أحسنَّا استثمار الحُبّ يطيب عيشنا، وإن أسأنا استثماره يتكدر عيشنا. الحُبّ إن ‏استطعنا أن نجعل من شعورنا فيه وعيشنا به بمثابة الرسم، سيرسم لنا أجمل صورة للحياة. ولو توهمنا فجعلنا من شعورنا بالحُبّ وعيشنا فيه أوهامًا، نتطلع فيها لحصاد كلّ شيء، ولو كان يعاند طبيعتنا ويفوق طاقتنا وواقعنا المعيش، ونظل ندين ونشكو ونتذمر ونضجر ونسأم من المحبوب، بلا امتنان ولا تثمين لمن منح حياتنا هذا المعنى الجميل، وأغناها بمعانقة روح محبة سخية تعطينا بصدق ما يرفد حياتنا بالأمل والتفاؤل والبهجة، وقتئذ يصير الحب مقبرة أحلامنا ومأساة حياتنا. بقدر ما يعمل الحُبّ على توحيد قلبي الحبيبين، ينبغي ألا ننسى تنوع وإثنينية الحبيبين، ولا نتجاهل فرادة ذات كل إنسان واستقلال كينونته الوجودية، وألا يغيب عنا أن كل ذات لا تطابق تمامًا إلا ذاتها. القاعدة الوحيدة في الحُبّ هي اللاقاعدة، كل منا يحب على شاكلته.

‏الباطنيّة والغموض وتحوّل كلّ شيء في الحياة إلى سر يبدد المحبة. المحبة بوح ووضوح وانكشاف، وإظهار المشتركات، الأعمق في تجذير المحبة هو تحويل الاختلافات إلى مزايا، يتكامل فيها ما لدى الحبيبين من نقص، والتعبير بلطف ورقة عن هذه المزايا. تلك منابع أساسية لبناء الثقة وترسيخها، وتبعًا لذلك ترسيخ المحبة وتكريس أركان المودة. انهارت علاقات وثيقة بسبب غموض أحد الشخصين وباطنيته. تشكو بعض الزوجات من غموض مواقف وسلوك وحياة الأزواج. أعرف بعض حالات الطلاق حدثت إثر ذلك.

 أخطر أنماط الحُبّ عندما يصير استعبادًا، وأعذب أنماطه عندما يصير محرِّرًا. الحُبّ مرآةُ الذات، كلُّ إنسان يحب على شاكلته، إن كان الحُبّ بمعنى الحرية يكون مُلهِمًا ومحرّرًا، وإن كان الحُبّ بمعنى الامتلاك يكون استعبادًا مميتًا. الحُبّ وإن كان يمحو الصفات المذمومة، أو يخفض فاعليةَ وتأثيرَ بعضها، إلا أنه أحيانًا يمحو الذاتَ تمامًا ويستلبها ويمسخها. إن اشتدّ عشقُ القلب يعطّل العقلَ والإرادة، وحتى الذوق أحيانًا. العقل يمكن أن يتحكم بسلطةِ القلب، إن كان عقلًا نقديًّا، وأسعفته إرادةٌ صلبة شجاعة. العقل شيء، والقلب شيء آخر، والإرادة شيء ثالث. يحدث الصراعُ داخل الإنسان بين ما يعرفه العقل ويرى ضرورة الامتناع عنه، وبين فائض اشتياق قلب يشاكس المعرفة وقرار العقل، وإرادة تخذل العقل. طالما عجز العقلُ عن إكراه القلب، أو قهر الإرادة على الفعل أو الترك، مهما كانت حجج العقل منطقية.

 الإنسان النكدي يحسب الحُبّ ممارسةَ استعبادٍ للمحبوب، واستئثارٍ بكلِّ شيء في حياته، والظفرِ بكلِّ شيء لديه، وانتهاكِ حرياته وحقوقه الخاصة، فيضيّع الحُبّ عندما يترقب منه ما هو خارج حدوده، ويضيع هو في متاهات الحياة بضياع هذا الكنز النفيس، الذي كان مؤنسًا لحياته وملهِمًا لأجمل معانيها، إذ أخفق في صيانته وتكريسه. الحُبّ توأم الحرية، الحُبّ تكرسه الحربة وتمسخه العبودية. الإنسان غير الواقعي يعمل بمعادلةٍ صفرية، إما أن يكون الحُبّ استحواذًا واستملاكًا لكلِّ شيء في حياة المحبوب، أو خسارةً للمحُبوب ولكلّ شيء. هذا الإنسان يعجز عن أن يجعل من الحُبّ محرِّرًا للذات ومبهِجًا للقلب.

 حين يصير الحُبّ مكوِّنًا عميقًا للقلب، لن يموت أبدًا مادام المرءُ حيًّا. الحُبّ لا ينهزم، العقل مهما كان حاذقًا لا يهزم الحُبّ، حتى الإرادة يخذلها الحُبّ أحيانًا، قوة الحُبّ تعطّل العقلَ والإرادةَ وحتى الذوقَ أحيانًا. مَن يحاول قهرَ قوانين الطبيعة كقانون الجاذبية تقهره وتحطمه، ومَن يتنكر لطبيعته الإنسانية ويصرّ على قهرها تقهره وتحطمه في خاتمة المطاف. القوانين البايلوجية كالقوانين الطبيعية، تحدّيها يدفع ضريبتَه الجسدُ ويفتك به. القوانين السيكولوجية وإن كانت لا يتعذر تحدّيها، إذ تستجيب النفسُ لها ابتداء مرغمة، لكنها تعاندها في مرحلةٍ لاحقة وترفضها بعد إنهاكها، وأحيانًا تكون الضريبةُ كبتها وتمزقها.

 من أعنف معاندات الإنسان لطبيعته، وتنكيله العبثي باحتياجاته العاطفية، أن يعاند نفسَه ويقهرها بإرغامها على هجران مَن يحب، إن كان محبوبُه أخلاقيًّا نبيلًا. عندما يعمل الإنسانُ على قهر الحُبّ وتناسيه يتعذَّر عليه انتزاعَه من قلبه، حتى لو غطس بعد مضيّ مدةٍ طويلة من المعاناة المريرة، فإنه يترسّب في اللاوعي جروحًا منقوعةً بسموم قاتلة، تتفجّر بصورةٍ مباغتة على شكل اكتئابٍ مظلم مجهول الأسباب.

 يمكن أن يتنكر الإنسانُ للاحتياجات الأساسية في حياته، ويكبتها بعنفٍ لسنوات، إلا أن هذا التنكرَ يتحول إلى سموم بمرور الأيام تستزفه وتحطمه من الداخل. تستجيب الذاتُ لإكراه الإنسان لها ابتداء، غير أن الإكراهَ المتواصل للذات على ما لا تطيقه يستنزفها ويصيّرها رميمًا. التصوف الطرقي والرهبنة في الأديان غالبًا ما تستنزف الجسد، وتنهك القلب، وتبلّد العقل. أكثرُ تمارين الارتياض تقهر طبيعةَ الانسان، وتفتك بجسده واحتياجاته الغريزية العميقة، ولا تكرس المحبة.

‏***

د. عبد الجبار الرفاعي

 

The influence of Plato's philosophy on Saint Bonaventure

مقدمة: مهمة الفلسفة الأولى هي البحث عن الحقيقة، وبالتالي تمثل نظرية المعرفة جوهر أي فلسفة، وذلك أن الحقيقة التي تبحث عنها الفلسفة يجب أن تستند على مصدر معرفي أي الإجابة عن سؤال كيف نتأكد أن تلك هي الحقيقة؟ أو من أين تكتسب الحقيقة وجودها وكيف؟

فعرفت الفلسفة بأنها السعي الدائم لتحصيل المعرفة الكلية الشاملة التي تستخدم العقل وسيلة لها وتجعل الوصول إلى الحقيقة أسمى غاياتها

عبَّر من خلالها أفلاطون عن أفكاره عن طريق شخصية سقراط، الذي تمثَّله إلى حدِّ بات من الصعب جدًا التمييز بين عقيدة التلميذ وعقيدة أستاذه الذي لم يترك لنا أيَّ شيء مكتوب، بخلاف أفلاطون الذي ينسب إليه نحو أربعين كتابا، بينها سبع وعشرون محاورة موثوقة، في حين يعد الباقي إما مشكوكاً في نسبته إليه وإما منحولاً عليه بالكامل. وتتألق في الحوارات الأولى، المسماة «السقراطية»، عندما مات سقراط ترك تلميذه أفلاطون أثينا، وذهب إلى (ميغازي) حيث أقام عند الفيلسوف "إقليدس" الذي أسس هناك المدرسة الفلسفية الأكاديمية، وبعدها اتجه أفلاطون إلى مصر ثمّ إلى إيطاليا، ومن خلال رحلاته وتعرُّفه على ثقافات الشعوب تعددت الجوانب الفكرية والموضوعات الفلسفية لديه، حيث تناول موضوع المعرفة وكيفية تحصيلها، والطبيعة وما وراء الطبيعة والتي تبحث في ظواهر الوجود والأخلاق وفي واجبات الفرد، والإنسان والقيم.

كانت محاورات أفلاطون تتناول مواضيع فلسفية مختلفة مثل نظرية المعرفة، المنطق، اللغة، الرياضيات. أبدع بها واعتمدها بكل فلسفته، كما أنهُ أوجد ما عُرف بطريقة الحوار، والتي كانت عبارة عن دراما فلسفية حقيقية، عبَّر من خلالها عن أفكاره من خلال شخصية سقراط، فقد كانت هذه الحوارات عبارة عن مناقشات فلسفية بين فردين أو أكثر، وركزت هذه المناقشات على مواضيع مثل العدل والصداقة والفضيلة.

كان دور الفلسفة بالنسبة لأفلاطون هو الارتفاع بالروح إلى المستوى الذي يمكّنها من الانسجام مع عالم المعقولات الخالدة. وهو العالم الذي سبق لها العيش فيه قبل سقوطها على الأرض، ونجد ذلك من خلال محاوراته الدرامية التي كانت الشخصيات تأخذ دوران أساسيان فيه، وهما: العالم المادي وعالم الأشكال، حيث اعتمدت فلسفتهُ في تمثيل هذين العالمين.

فمن هو أفلاطون؟

أفلاطون بالإنجليزيّة: (Plato) هو عالِمٌ، وفيلسوف يوناني، وُلِد في مدينة أثينا على الأرجح في عام 427ق.م، واهتمَّ بمجال التعليم، والعدالة، والطبيعة البشريّة، والفلك، والرياضيّات، وكرّس حياته لدراسة الفلسفة؛ فأخذ علومها من الفيلسوف الشهير سقراط، وتتلمذ على يده فيلسوف شهير آخر وهو أرسطو، كما وضع العديد من الحوارات الفلسفيّة التي ما زالت تُدرَّس حتى هذا اليوم. ويُذكَر أنّه تُوفِّي بين عامَي 347ق.م، و348ق.م، وذلك في المدينة التي وُلِد فيها (أثينا).

عَرف أفلاطون الفلسفة بأنها عالم الأفكار؛ أي أنها الأساس اللاشرطي للظاهرة، فكانت الطريقة الفلسفية له تبدأ من الأفكار والمثل؛ ثم تنتقل بعدها إلى تمثيل الأفكار وتطبيقها على أرض الواقع، وقد أشار أفلاطون في كتابهِ الجمهورية، بأن الفلسفة حقل معرفي خاص بأُناس متخصصين، وعقول عظيمة وفضيلتهم العدالة، فينظر افلاطون الى ان الوجود مماثلة لنظريته في المعرفة بمعنى أنها تصعد من المحسوس إلى المعقول وتخضع الأول للثاني، وقد قص حكاية حاله بإزاء العلم الطبيعي فقال ما خلاصته — بلسان سقراط: لما كنت شابًّا كثيرًا ما قاسيت الأمرَّيْنِ في معالجة المسائل الطبيعية بالمادة وحدها على طريقة القدماء، وسمعت ذات يوم قارئًا يقرأ في كتاب لأنكساغورس «هو العقل الذي رتب الكل وهو علة الأشياء جميعًا» ففرحت لمثل هذه العلة وتناولت الكتاب بشغف، ولكني ألفيت صاحبه لا يضيف للعقل أي شأن في العلل الجزئية لنظام الأشياء. ويتضح من ذلك مدي محاولة مفكري المسيحية للتوفيق بين الدين المسيحي وبعض افكار الفلسفة اليونانية فيري بونافنتورا بان كل فكر فلسفي سواء كانت طبيعي او عقلي أو أخلاقي الأول يتعامل مع سبب الوجود، لذلك يقودنا الى قوة الأب و الثاني يتعامل مع سبب الفهم لذلك يؤدي الى حكمة العالم، و الثالث يتعامل مع نظام الحياة لذلك يؤدي الى الخير في الروح القدس، فيصرح بونافنتورا بأن وجود الله وجود واضح بنفسه، لكن مع ذلك توجد مجموعة من المسائل يجب أن تدرس قبل أن تظهر هذه الحقيقة واضحة كل الوضوح، وأولى تلك المسائل متمثلة بوجود أخطاء ثلاثة تنشأ من عملية تصور فاسدة أو برهنة ناقصة أو نتيجة غير حقيقية، فإذا تصور الإنسان - مثلاً - الله تصوراً فاسداً أدى ذلك إلى عدم إدراكه لحقيقة الله والذين وقعوا في هذا الخطأ أولئك الوثنيون الذين تصوروا الله بوصفه كائناً سامياً ينبئ عن المستقبل، فلما تليتهم عن المستقبل أمنوا بها، ونجد هناك من نظر إلى وجود النقص والشر في هم وجدوا أوثاناًالعالم فاستنتج عدم وجود علة مديرة، وهناك من اقتصر على العالم المعيش فقصر عن إدراك الله، تلك الأخطاء هي التي تجعل فكرتنا عن الله غير واضحة، والبحث في إمكانية معرفة الله نجد بونافنتورا يصرح بوجوب التفرقة بين الإحاطة والإدراك، فالإحاطة بشيء ما معناها أن يكون الإنسان في مستوى الشيء المطلوب معرفته فيدركه تمام الإدراك ويحيط به علماً من جميع نواحيه، أما الإدراك فهو أن تصبح حقيقة الشيء واضحة للنفس حاضرة فيها، فإذا نظرنا إلى حقيقة الله وجدنا إمكانية إدراكها، وعدم إمكانية الإحاطة بها، فالمعرفة قياساً إلى الله ممكنة بوصفها إدراكاً لا إحاطة، والمقصود بالإدراك ليس أن يدرك الإنسان حقيقة الله كاملة، إنما المقصود أن يدرك الإنسان وجود الله فيجب إذن أن نفرق بين إدراك الماهية وادراك الوجود، فالإدراك قد يقصر عن حقيقة ماهية الله، لكنه لا يمكن إلا أن يدرك وجود الله.

أما الأدلة التي طرحها بوتافتورا لإثبات وجود الله فهي النحو الآتي:

دليل الفطرة: يقوم هذا الدليل على وجود فكرة الله بالفطرة في العقل الإنساني، فالإنسان بفطرته لا يمكن إلا أن يدرك وجود هذا الكائن الذي لا يمكن أن منه، لكن كيف يمكن أن تكون فكرة الله قطرية في العقل الإنساني معلكن كيف يمكن أن تكون فكرة الله فطرية في العقل الإنساني مع وجود وثنيين وما يمتلكونه من تصور خاطئ عن الله؟ وللإجابة عن هذا التساؤل نبدأ بالتفرقة بين إدراك وجود الله، وإدراك طبيعته، فوجود الله حقيقة موجودة بالفطرة، أما إدراك طبيعة الله فيأتي عن طريق الاكتساب، ويختلف الناس في إدراك هذه الطبيعة، فالناس جميعاً لديهم فكرة عن الله، لكنهم يختلفون في طبيعة الله من حيث صفاته وماهيته، ويفسر بونافنتورا عبارة يوحنا الدمشقي (٢٦) لا يوجد فان لا يمكن أن يدرك وجود الله بنفسه وبطبيعته، بأن المعرفة فطرية في الإنسان، وعلى الرغم من أن هذه المعرفة ناقصة؛ لكنها تشير إلى وجود الله، وهي فطرية فينا، ولتوضيح هذا الأمر نتوجه صوب الرغبات، فنجد أن لدينا - مثلاً - رغبة في الحكمة، وهذه الرغبة تتعلق باكبر حكمة، فكأن لدينا نزوعاً طبيعياً نحو الحكمة الكبرى، ولا يمكن أن يعشقالإنسان شيئاً من دون أن يكون هذا الشيء موجوداً، فهناك إذن موضوع العشق الإنسان وهو الحكمة العليا، وهذا موجود بالقطرة في الإنسان، كما أن لدينا جميعاً تزوعاً نحو السعادة أو نحو الخير، وهذا النزوع لا يقتصر على الخير كائناً ما كان بل يرتفع إلى الخير الأسمى؛ فلدينا إذن نزوع فطري نحو الخير المطلق، ومعنى ذلك أن لدينا نزعة فطرية نحو الحكمة العليا، ونحو الخير المطلق وغيرها من الصفات

المطلقة، وهذه الأشياء ومثيلاتها أسماء لشيء واحد هو الله، فكأن فكرة الله موجودة في عقولنا بالفطرة، والله معقول حاضر في معقول متمثل بالعقل الإنساني.

دليل العلة الفاعلة: يقوم هذا الدليل على المحسوسات مرتفعاً إلى المعقولات حتى يصل إلى المعقول الأول، ويمكن أن تكون نقطة البده ممثلة أي شيء في العالم الواقعي، ويُعد الوجود كله فناء، والفناء جوهر مكوّن للوجود بمعنى آخر أن الفناء من ماهية الوجود وليس الفناء مقتصر على شيء دون آخر، فنحن تجد أمامنا كائناً فانياً بوصفه حادثاً، ويدل هذا على وجود محدث، ونجده كائناً فانياً بوصفه مركباً؛ وهذا يؤذن بوجود البسيط، لأن التركيب معناه انتفاء البساطة، وتجد كائناً فانياً بوصفه متغيراً؛ وهذا يفترض وجود كائن، ثابت لأنه لا وجود للمتغير إلا بوصفه متعلقاً بشيء ثابت؛ لأن كل حركة لا بد أن ترتكز على ثبات قاليد المتحركة ترتكز على الكوع، وبالجملة فإن الحركة والتغير يقتضيان الثبات ضرورة، وهذه ترير على الشرع وبالجملة من الحرجة والسعير پستیان شبال المشرورة وقت الأشياء جميعها تستلزم وجود كائن يمثل العنة الفاعلة التي تمتاز بالبساطة والثبات وهو الله.

الدليل الوجودي: يستند هذا الدليل إلى أننا إذا فهمنا حدود المبادئ الأولى للوجود فهمنا في الحال وجوبها، أي أن المحمول لازم للموضوع لزوماً قطعياً. حيث إن المحمول يكون متضمناً بالضرورة في الموضوع، فحين نقول "إن الله هذه العبارة من نوع المبادئ الأولى؛ لأن فكرة الموجود الذي لا يمكن تصور موجود أعظم منه تستلزم قطعا وجود هذا الكائن، فالعبارة الله موجود يمكن أن تعد من نوع المبادئ الأولى؛ لأن المحمول فيها متضمن في الموضوع من حيث ن تصور الكائن الذي لا يمكن أن يتصور أعظم منه غير موجود.

ويقوم الدليل الثالث على فكرتين: الأولى ضرورة موضوع المعرفة، وهذه الحالة متحققة قياساً إلى الله وحده، فهو الكائن الذي يمكن أن يقال عنه وحده إنه موضوع ضروري للمعرفة ولا يمكن الاعتراض على هذا بفكرة الجزيرة الكاملة؛ ذلك لأن التعريف في حالة الجزيرة الكاملة متناقض بينما هو غير متناقض فيما يتعلق بالله بل هو منطقي لأن الله سرمدي غير قابل للحدوث ولا للتغير وهو بسيط، بينما الجزيرة على عكس ذلك، فالفارق واضح بين الحالتين، أما الفكرة الثانية فتتمثل بضرورة الانتقال الطبيعي من الماهية إلى الوجود، وهذه الحالة متحققة قياساً إلى الله وحده، وقد اعترض بعض الفلاسفة على هذا الدليل من حيث وجود انتقالة من الماهية إلى الوجود من دون مسوغ غير أن بونافنتورا يصرح بعدم وجود هذه الانتقالة؛ لأن الماهية حاضرة في العقل بوصفها ممثلة للوجود وعلى ذلك لا يوجد انتقال من إله وجوده ضروري إلى إله موجود بالضرورة (٢٧).

***

إعداد الدكتوره: ساره حسين كامل علي

..............................

* القديس بونافنتورا، الرهبنة الفرنسيسكانية، بالإيطالية: San Bonaventura)؛ (1221 - 15 يوليو 1274)، أُطلِق عليه اسم جوفانّي دي فيدينسا (Giovanni di Fidanza) عند ولادته، وهو عالم لاهوت وزعيم مسيحي وفيلسوف إيطالي سكولاستي ينتمي إلى القرون الوسطى. وكان سابع كاهن عام للرهبانية الصغرى، كما كان أسقفًا كاردينالًا لألبانو.

في عام 1257م أصبح بونافنتورا رئيسًا عامًا للأخوة الفرنسيسكانية. كرّس بونافنتورا نفسه لإعادة الوحدة بين المجموعات المتعارضة ضمن الأخوية. وساند الفقر باعتباره غاية فرنسيسكانية لكنه دافع عن امتلاك الكتب والمباني لمواصلة التعليم. وكان يؤمن بأن الرهبان يجب أن يتعلموا ويعلّموا في الجامعات.

وقام البابا سيكتوس الرابع بإعلان قداسته في 14 من إبريل 1482م، وأعلنه البابا سيكتوس الخامس ملفانًا في عام 1588م. وقد عُرِف أيضًا باسم «الملفان السيرافيمي»(باللاتينية: Doctor Seraphicus)‏. وقد تم جمع العديد من الأعمال التي كان يُعتقد أنها له في القرون الوسطى تحت اسم شبه-بونافنتورا (Pseudo-Bonaventura).

كتب بونافنتورا عدة كتب دينية مؤثرة، كما كتب سيرة القديس فرانسيس الأسيسي، مؤسس الأخوة الفرنسيسكانية.

وُلد بونافنتورا بمدينة باجنوريا بالقرب من فيتربو بإيطاليا. وقد تعلّم ودرّس في جامعة باريس خلال منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. وتم تعيين بونافنتورا أسقفًا كارديناليًا لمدينة ألبانو عام 1273م. وأُعلن قديسًا عام 1482م، وعالمًا لاهوتيًا بارزًا عام 1588م.

قائمة المصادر والمراجع:

أولا: المصادر

أ. المصادر المترجمة إلي العربية:

* ديوجينس اللائرتي: حياة مشاهير الفلاسفة)المجلد الثالث) ، ترجمة امام عبد الفتاح امام، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2014، م.

* افلاطون(محاور افلاطون)، ترجمة: د \ زكي نيجيب محمود، المؤسسة المصرية، القاهرة، 2001م

* اوغسطين: الاعترافات، ترجمة الخوري يوحن الحلو، دار المشرق، الطبعة الرابعة، بيروت، لبنان، 1991م

* اوغسطين: تعليم المبتدئيين اصول الدين المسيحي، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، بيروت، لبنان، 2007م

* اوغسطين: خواطر في الحياة الروحية، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، الطبعة السابعة، بيروت، لبنان، 2004م

* ------: محاور الذات، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، الطبعة السابعة، بيروت، لبنان، 2005م

* ------: مدينة الله، المجلد الأول، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، الطبعة السابعة، بيروت، لبنان، 2006م

* -----: مدينة الله، المجلد الثاني، ط 2، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، الطبعة السابعة، بيروت، لبنان، 2007م

ب - المصادر المترجمة للإنجليزية:

* Plato: Apology، English translation in " Great Books of the western world "، university of Chicago، 1988.

* --------: Meno، Eng.trns. by: Jowett، in " Great Books of the western world "، university of Chicago، 1988.

* --------: Phaedrus، in " Great Books of the western world "، Eng.trans.by: B. Jowett، university of Chicago، 1988.

* ---------: Phaedo، English translation in " Great Books of the western world "، university of Chicago، 1988.

* ---------: Protagoras، Eng. trans. by: W.K.C. Guthrie، Penguin Books، New York، U.S.A، 1977.

* ---------: Theaeteus، trans.by: F.M. Cornford، in " Plat، s theory of knowledge "، Routledge α Kegan Paul Ltd.، London، 1973.

* ----------: The Symposium، Trans. with by: R. E.Allen، Volume 11، Yale University Press، New Haven and London، w.d

* Augustine: confessions، trans by، A.C، outler Harry planting a publisher، texas، ND

* --------: on Christian doctrine – in four books، trans by، Emmalon Davis، Christian classics Fthereal library، Grand Rapids، ND

* ----------: on nature and Grace، Trans by Peter Holmes in the anti – pelagian works of saint Augustine، vol، 1، Edinburgh، 1872.

* ----------: on the free choice of the will ، on grace and free choice and other writings Trans by Peter King، combridge university press، New York، 2010.

* ----------: the Anti-pelagian works of saint Augustine ، vol، 1، trans by peter holmes ، Murry and Gibb، London، 1872.

ثانيا: أ-المراجع العربية

1. إتين جلسون: روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط – ترجمة أ.د/ إمام عبد الفتاح إمام– نشر مكتبة مدبولي– ط3 - جامعة الكويت، القاهرة، 1996م

2. أ.د/ شرف الدين عبد الحميد امين (الفلسفة اليونانية في العصر الذهبي) سقراط أفلاطون – ارسطو)جامعة سوهاج – 2012م

3. يوسف كرم (تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط)– مكتبة الأسرة 0 القاهرة – 2017م

4. م.م. زينب والي شويع (أتين جيلسون وتأصيل فكرة الإلوهية في الفلسفة المسيحية الوسيطة)الجامعة المستنصرية / كلية الآداب / قسم الفلسفة

5. ألفرد إدوارد تايلور: أرسطو، ترجمة: عزت قرني، دار الطليعة، بيروت، 1992م.

6. =====: سقراط، ترجمة: محمد بكير خليل، مراجعة: ذكي نجيب محمود، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1962م.

7. إمام عبد الفتاح إمام:الأخلاق..والسياسة (دراسة في فلسفة الحكم)، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002م.

8. أميرة حلمى مطر: الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطباعة والنـشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٩٨م.

9. =======: الفلسفة عند اليونان، الجزء الأول، دار الثقافة للنشر والتوزيـع، القاهرة، ١٩٨٦.

10. إميل برهيبه: الفلسفة الهللينستية والرومانية، ترجمـة: جـورج طرابيـشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، د. ت.

11. =======: تاريخ الفلسفة (الجزء الأول)، الفلسفة اليونانية، الطبعة الثانية، ترجمـة: جـورج طرابيـشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1987م.

12. أنجلو شيكوني: (أفلاطون والفضيلة)، ترجمة منير سبغيني، دار الجيل، بيروت لبنان، 1986م.

ب. المراجع الانجليزية:

1. . Theorder Gomperz ; The Greek Thinkers، Vol 1، trans by; Laurie Magnus، John Murray، Albemarle Street، London. 1964.

2. T. Irwin: Plato's Moral Theory، The Early and Middle Dialogues، Clarendon Press، Oxford، 1985.

3. W. Jeager:The Theology of The Early Greek philosophers، At Clarendon press، Oxford، London، 1948

4. W.K.Guthrie; A history of Greek philosophy، vol 1 (The Earlier Pre- Socratic and the Pythagoreans)، Cambridge University Press، 1962.

5. ======: Socrates، Gambridge University Press، New York 1971.

6. ======:The Greek philosophers، Routledge، London and New York، 1991.

7. W. Windelband:History of Ancient philosophy، trans by H.E. Cushman، Dover.

8. Luscombe، D.E.، ، Medieval Thought (History of Western Philosophy: Volume 2)، Oxford: Oxford University Press، 1997

9. Pasnau، Robert، and Christina van Dyke (eds.)، The Cambridge History of Medieval Philosophy، Cambridge: Cambridge University Press، 2010.

10. Dronke، Peter (ed.): A History of Western Philosophy in the Twelfth Century، Cambridge: Cambridge University Press، 1988

11. Gersh، Stephen، Middle Platonism and Neoplatonism: The Latin Tradition، 2 volumes (Publications in Medieval Studies: Volume 23)، Notre Dame، Ind.: University of Notre Dame Press، 1986.

12. Inglis، John (ed.): Medieval Philosophy and the Classical Tradition: In Islam، Judaism، and Christianity، London-New York: Routledge، 2002.

13. Luscombe، D.E.، Medieval Thought (History of Western Philosophy: Volume 2)، Oxford: Oxford University Press، 1997.

14. Marenbon، John، (Medieval Philosophy: An Historical and Philosophical Introduction) London، Routledge، 2007.

تختلف الحقيقة الدينية عن الحقيقة التاريخية من ناحية جوهرية، ومن المفترض اختلاف منهج المعرفة الدينية عن منهج المعرفة التاريخية، سواء على مستوى الإدراك الذهني لقضايا الدين وقضايا التاريخ، أم على مستوى مناهج البحث والتفكير التخصصي، كذلك يختلف تأثر الفكر البشري أمام كل من المجالين، فالدين يقدم حقائق كلية عن البعد الغيبي وارتباط الإنسان بخالقه وما يترتب على ذلك الارتباط من وظائف وممارسات، فضلا عن الرؤية الكونية التي يطرحها الدين للإنسان.

أما التاريخ فهو مجموعة من المعارف المتراكمة التي وظيفتها توثيق الأحداث من اجل خلق وعي كلي بمجمل ما حدث فضلا عن توفير سنن الأحداث والمتغيرات التي تطرأ على واقع الإنسان على مختلف الصعد.

والتاريخ يمثل وسطا ناقلا للمعارف، ومن ضمنها المعارف الدينية، وهنا تتضح منطقة الالتقاء في الوعي البشري بين ما هو ديني وما هو تاريخي، ويتلقى الذهن البشري معارفه الدينية بوسائط وأدوات تاريخيّة وهي نتيجة طبيعية لتداول المعارف بين الأجيال، لكنها تفصح عن مشكلة منهجية ومعرفية بالدرجة الأولى من خلال اختلاط الديني بالتاريخي، وعملية الفصل تستدعي وعي الفروق بين أدوات المعرفة الدينية والتاريخية، وهنا يتكون أدوات المعرفة التاريخية في خدمة وعي الحقائق الدينية، لذا يمكن عد علوم الحديث في النطاق الديني الإسلامي مجالا هامة لما يؤديه من وظيفة نقل المعرفة الدينية بعد فحصها والتدقيق فيها إلى المتلقي في زمن متأخر عن عصر صدور المعرفة الدينية.

ولم تسلم مناهج البحث الديني في مجال نقل المعرفة الدينية من مشكلة التداخل بين الديني والتاريخي، لأن المنقول يتم تلقيه على نحوين:

إما أن نتلقى المنقول على كونه معرفة أو حقيقة أو فكرة أو نظرية أو مفاهيم بسيطة.. أو نتلقى المنقول على كونه حدثا أو معرفة مركبة من مجموعة أفكار أو أحداث يختزل بعضها بعضاً، أو مفاهيم تشكلت بنحو متراكم أو جاءت في سياق مرحلي وتاريخي..

والأمثلة كثيرة، لكن سنركز على مثال بسيط في المجال الفقهي، وذلك من قبيل ما تجب فيه النفقة على الزوجة من مأكل وملبس فهو يحاكي الخصوصية الزمانية لعصر التشريع، بينما اليوم تغيرت معالم حاجات الفرد والمجتمع إلى ما يتجاوز طبيعة المأكل والملبس في العصور المتقدمة إلى طبيعة الحاجات الضرورية التي تفرضها الحياة المعاصرة اليوم، وهذا مثال بسيط لا يشوبه الخلاف في حين توجد مسائل بالغة التعقيد على النحو الذي ذكرت.

إن الوعي البشري لا يمكنه الفرز ببساطة بين النحوين من المنقول، وطبيعي أن كل مالدينا من معارف وعلوم منقول في الغالب وواصل الينا بالتراكم، والخبرة البحثية كفيلة في أن نميز -على مستوى الدراسات الدينية- بين ما هو ديني وما هو تاريخي، فثمة معارف تم فهمها على أنها حقائق دينية في حين لا تعدو كونها تراكم تاريخي، وذلك يجري كثيرا في حيز الدراسات الفقهية والعقدية، إذ تحولت بعض المفاهيم التاريخية إلى عقائد مما أدى إلى تضخم العقائد، وهي إحدى مشكلات التراث.

إذن نحن أمام تراث يستدعي التمييز بين ما هو ديني مقدس وما هو تاريخي اكتسب صفة المقدس من خلال التراكم وسلطة التداول، وهذه مهمة ليس باليسير الخوض في غمارها، وهي ذات تبعات كبيرة تفرض متغيرات في قيمة المنقول والمقبول.

وعلى مستوى الفقه والتشريع ثمة مساحات من المدركات التي تستدعي المراجعة والتقصي في مدى اعتبارها جزءا من منظومة الأحكام أو خصوصية وتابعة من توابع مرحلة إمكانية، كما في التراكمات التي حصلت من تداخل السياسي مع الديني وما أنتجت عنه من مفارقات في الواقع الفكري الإسلامي.

ومن جملة ذلك ما اختلف عليه من مسألة الإمامة إذ يعدها فريق من المسلمين على أنها مسألة سياسية ذات طابع تاريخي في حين يعدها الشيعة الإمامية أصلا اعتقاديا، وهذه حالة معكوسة لتحول الديني الى تاريخي، من وجهة نظر شيعية طبعا، وهكذا نلحظ التحول في الأحداث لتغدو ثقافات راسخة في المجتمعات، ويعرض استاذنا الدكتور عبد الامير كاظم زاهد لاشكالية التداخل بين التأريخ والدين في فهم القرآن الكريم، اذ يذكر تفصيلا: (في النظر في آيات الكتاب المجيد نجد مجموعة من الآيات التي تشرّع الأحكام لها معطيات زمنية تاريخية قد انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقوال:

أ/ ما يرى أن النص والتفسير والتموضع الزماني والمكاني والممارسة التاريخية كل ذلك دين يتعبد به، ويعد من المقدسات غير القابلة لاعادة النظر او المراجعة بناءً على معطيات التطورات الاجتماعية والمدنية هؤلاء هم أغلب المفسرين والفقهاء.

ب/ ويرى آخرون: إن هذه النصوص تحمل في ثناياها حقائق قانونية جوهرية يمكن أن يطبق الجوهر (كمعايير أساسية) على كل الأزمان والأحوال كل بحسبه تطبيقاً كلياً لا تفصيلياً بما لا يتصادم مع الحركة الطبيعية لتطور الإنسان ولا يحصل الاعتناء بما التصق بالنص من قضايا زمنية.

ج/ من يعتبر النص، والمفهوم الفكري من النص كله تاريخ زمني منحصر في الماضي وعليه يلزم التعامل معه على أنه (تراث تاريخي)، يمكن أن تتم الاستفادة منه كسوابق تطبيقية للنص1.

إن التمييز بين الديني والتاريخي في المعرفة الدينية يتطلب فهمًا عميقًا لطبيعة النصوص الدينية وسياقها التاريخي، ومن بعض النقاط التي تساعد في توضيح هذا التمييز:

أن الديني يتضمن ما يتعلق بالمعتقدات والطقوس والشعائر التي يتبعها المؤمنون، هذه المعرفة تُعتبر مقدسة وثابتة، وتأتي ضمن  المصادر الاساسية، فضلا عن النصوص المقدسة التي تعد مصدرًا رئيساً للمعرفة الدينية، وهناك ما يمكن ادراجه ضمن الديني والمتمثل بالتجربة الروحية، وما يجربه العرفاء من معارف خاصة.

بينما يتحدد التاريخي، بالسياق التاريخي، فالمعرفة التاريخية تتعامل مع فهم السياق الذي فسرت فيه النصوص الدينية، بما في ذلك الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أثرت على تشكيل الفهم، كذلك النقد التاريخي، الذي يستخدمه المؤرخون والمحدثون في سياق تنقية المنقول، وتحقيق المخطوطات، والتحقق من الأحداث التاريخية المذكورة، ومقارنة النصوص مع مصادر تاريخية أخرى، فضلا عن التطور الديني، فالفهم التاريخي يتضمن دراسة كيفية تطور العقائد والشعائر الدينية عبر الزمن، وكيف تأثرت بالأحداث والشخصيات التاريخية، وهذا مما لا يمكن إدراجه ضمن الديني.

وبعض العلماء يحاولون الجمع بين المنهجيات الدينية والتاريخية لتقديم تفسير متكامل وصورة شاملة للمعرفة الدينية، والدراسات الأكاديمية للدين غالبًا ما تتبنى مقاربة متعددة التخصصات، تجمع بين الأساليب الدينية والتاريخية لتحليل النصوص والظواهر الدينية، كما لا يختلف التعليم الديني من حيث استفادته من إدراج المعرفة التاريخية لتقديم صورة أكثر شمولية وواقعية للطلاب عن دينهم وتاريخه.

إن التوازن بين المعرفة الدينية والتاريخية يساعد في تكوين فهم أعمق وشامل للنصوص الدينية، مما يعزز التفاعل بين الإيمان والمنهج العلمي، ويشجع على دراسة الدين بطريقة تحترم كلًا من الجانب الروحي والجانب العلمي.

***

د. أسعد عبد الرزاق الأسدي

........................

1- انظر: صحيفة المثقف/ عبد الأمير كاظم زاهد: التداخل بين الدين والتاريخ

 

يعتقد الكثير من الناس أن حياتهم كلها مخططة وأن أيًا كان ما يفعلونه، فإن نفس الأشياء ستحدث حتمًا، كما لو كان الشخص يجذب أنواعًا معينة من الأحداث أو أن شخصين خلقا بالضرورة على حب بعضهما البعض، أو كره نفسك. لقد أحدثت هذه الفكرة فساداً في السلوك، لأنها تجعل الإنسان يتخلى عن نفسه. ما الفائدة من فرض الأمور إذا كانت لا بد أن تحدث كما هو مكتوب على ألواح القدر؟ وهذا ما أطلق عليه لايبنتز مغالطة الحجة الكسولة. لقد آمن اليونانيون منذ فترة طويلة بفكرة القدر. ومع ذلك، في ذلك الوقت، كان بإمكاننا التشكيك في هذه الفكرة، من خلال تطوير الحجة التالية: إذا أخبرنا شخصًا ما أن مصيبة معينة ستحدث له، فسوف يفعل كل شيء لتجنبها، الأمر الذي سيعدل المستقبل. . لذا فإن المعلومات عما سيحدث لنا ستكون كافية لتجنب ما كان يعتبر قاتلاً. لكن كاتب التراجيديا اليوناني سوفوكليس كتب مأساة تهدف إلى إثبات أن أنصار القدر ما زالوا على حق. هذه المأساة التي تحمل عنوان أوديب الملك، تحكي قصة طفل تنبأت له العرافات بأنه سيقتل أباه ويمارس الحب مع أمه. ولمنع والديه من حدوث ذلك، تركا ابنهما بجانب النهر، ونشأ بعيدًا عن والديه. وهذا الاحتياط هو الذي سيجعل التنبؤ حقيقة، لأن أوديب الملك لم يكن يريد قتل أبيه أو ممارسة الحب مع أمه، ولكن لأنه نشأ بعيداً عن والديه، لم يتمكن من التعرف عليهما عندما وجد نفسه وجهاً لوجه. ليواجه أباه، ثم أمه، ففعل ما تنبأت به النبوءات. لذا فإن المعلومات عما سيحدث لنا، لا تجعلنا نتجنب ما هو متوقع، بل على العكس تغرقنا فيه... ولهذا السبب ظلت فكرة القدر صامدة لعدة قرون. لكن إذا كانت معلومات هذا التوقع لم تمنع القدر من التحقق، بل على العكس عجلت أوديب نحو مصيره، فذلك لأنه لم يكن كاملا. ولو كان الأمر كاملاً لكان أوديب قد عرف أن هذا الشخص هو والده وأن اخرى هي أمه، ولتأكد من أن الأمر لم يحدث بهذه الطريقة. ولذلك لا يوجد قدر في هذا العالم، طالما أن لدينا كل العناصر التي تمكننا من مواجهته. بالإضافة إلى مأساة سوفوكليس، غالبا ما يستخدم أنصار فكرة القدر الحتمية كحجة للتبرير. والحقيقة أن هذه الفكرة الأخيرة، والتي تتوافق مع الاكتشافات العلمية، تخبرنا أنه إذا تلقى شخص ما بلاطة على رأسه، فذلك لأنه قرر أن يسلك طريقًا معينًا في لحظة معينة لأن شخصًا آخر قد حدد له موعدًا أو لأنها اضطر للذهاب إلى العمل. إذا سقط البلاط عند مرور الشخص، فذلك يرجع إلى عملية التآكل البطيئة والعاصفة التي حدثت في اليوم السابق. وهكذا فإن لكل حدث سبباً، ومعرفة الأسباب الكاملة تجعل من الممكن التنبؤ بالمستقبل بدقة ملحوظة من الحاضر، مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هناك مصيراً في العالم. هذا الكائن العليم الذي يعرف تمامًا حالة الكون في الوقت الحاضر والذي يمكنه التنبؤ بالمستقبل، يُسمى "شيطان لابلاس" على اسم عالم كان من مؤيدي الحتمية. لكن هذه النظرية العلمية لا علاقة لها بفكرة القدر، حتى لو بدت لها نفس الطبيعة. تخبرنا الحتمية أن الأسباب نفسها تنتج دائمًا نفس النتائج، في حين أن فكرة القدر، أي القدرية، تخبرنا أنه مهما كان الحدث السابق، فإن التأثير سيكون دائمًا هو نفسه، أي التأثير الذي تنبأ به القدر. ووفقا للنظرية الحتمية، يمكننا تعديل المستقبل، ويكفي تعديل الأسباب لتعديل النتائج. من ناحية أخرى، وفقا للقدرية، مهما فعلنا، فإن نفس التأثير سيتبع دائما، وهو ما يتعارض مع إنجازات العلم الحديث. كيف أنه في عصرنا هذا، بداية القرن الحادي والعشرين، لا يزال هناك أشخاص يؤمنون بفكرة القدر، وأن هؤلاء يتمتعون بهذه الشعبية؟.

يجب أن تعلم أن الأفكار الأكثر شيوعًا غالبًا ما تأتي من الأشخاص الذين نجحوا في الحياة، لأن هؤلاء الأشخاص هم بمثابة نموذج للأشخاص العاديين، وسنكون أكثر عرضة للاستماع إلى الشخص الذي نجح في حياته أكثر من الاستماع إلى الشخص الذي أخطأ، لأننا سنرغب أكثر في أن نشبه الأول، وبالتالي سيكون الأخير أكثر مصداقية في أعيننا وسنصدق ما يقوله لنا بسهولة أكبر. ومع ذلك، فإن الأشخاص الذين نجحوا في الحياة هم أكثر عرضة للإيمان بفكرة القدر، لأنهم سعداء بما حدث لهم، ولكي يثبتوا للآخرين أنهم يستحقون ما حدث لهم، فإنهم يميلون إلى الإخبار لهم أن الأمر حدث بهذه الطريقة لأنه كان يجب أن يكون بهذه الطريقة ولا يمكن أن يكون بأي طريقة أخرى. هؤلاء الأشخاص الذين نجحوا في الحياة سوف يقومون تلقائيًا بقمع أي فكرة قد تقودهم إلى الاعتقاد بأنهم ربما لم ينجحوا في الحياة واتجهوا إلى الاتجاه الآخر. من ناحية أخرى، فإن الأشخاص الذين لم ينجحوا في الحياة سوف يميلون إلى طرح فكرة أن الأمور كان من الممكن أن تحدث بشكل مختلف، وأنهم كانوا ضحايا الظلم وأنه لم يكن من الضروري إلا القليل حتى يتم وضعهم على قاعدة التمثال. ولكن بما أن هؤلاء الأشخاص قد أخطأوا، فإنهم لا يتمتعون بمصداقية كبيرة، مما يعني أننا أقل عرضة للاستماع إليهم، وبالتالي فإن نشر تعليقاتهم أقل سهولة من خلال وسائل الإعلام، وهؤلاء الأشخاص لديهم الكلمة في كثير من الأحيان. ومع ذلك، فإن الأفكار التي يطورونها تبدو أقرب إلى الواقع بالنسبة لهم، لأن هناك العديد من المواقف في الحياة حيث نكون على مفترق طرق وحيث نختار طريقًا بدلاً من الآخر لمجرد نزوة. وبالتالي فإن اختيار مسار معين يكون عشوائياً، وهذا لا يمنع أنه بمجرد اتخاذه يصبح لا رجعة فيه. وها هو، لا رجعة فيه، يتم إطلاق الكلمة. نصل الآن إلى الفكرة الأساسية التي نريد إدخالها في هذه المقاربة، وهي أن سبب فكرة القدر هو حقيقة أن الأحداث لا رجعة فيها. والحقيقة أننا عندما نجد أنفسنا أمام مفترق طرق في حياتنا، فإن اختيار طريق أو آخر يكون عشوائياً، ولكن بعد ذلك لا نستطيع العودة إلى الوراء. بمعنى آخر، ما كان عشوائيًا في الزمن الاول يصبح مطلقًا وغير قابل للتغيير في الزمن الثاني . وهذا يقودنا إلى الاعتقاد بأن الاختيار كان دائما مطلقا وغير قابل للتغيير، سواء في الزمن الاول أو في الزمن الثاني، وهو سبب فكرة القدر. في الواقع، يجد العقل البشري صعوبة في الاعتراف بأن حالة حدث ما يمكن أن تتغير بهذه النسبة في مثل هذا الوقت القصير، بحيث يتحول من حالة عشوائية وعارضة إلى حالة غير قابلة للتغيير وضرورية. وللتخفيف من هذا التناقض، يفضل العقل البشري الاعتقاد بأن الحدث كان دائمًا ضروريًا وثابتًا، ومن الواضح أنه لا يمكن لأحد التحقق من صحة هذا لأنه من المستحيل العودة بالزمن إلى الوراء! من هذا المنطلق يتم توضيح عدم رجعة الزمن من خلال المثال التالي: أنت تعيش في مدينة كبيرة، وبالتالي فإن أماكن وقوف السيارات أمام منزلك مطلوبة بشدة من قبل سائقي السيارات. حسنًا، إذا كنت لا تريد أن تشغل المساحة الموجودة أمام منزلك بسيارة لا تنتمي إلى عائلتك، فأنت بحاجة فقط إلى القيام بشيء بسيط: ركن سيارتك هناك، قبل ازدحام سائقي السيارات في الساعة الثامنة صباحًا . لكن إذا لم تفعل ذلك، ستحتل سيارة أخرى ذلك المكان، وبعد ذلك ستواجه كل المشاكل في العالم لإجبارها على المغادرة. سيتعين عليك الضغط على القفل وتشغيله حتى يختفي، أو سيتعين عليك الصراخ لرفع هذا الوحش الفولاذي الذي يبلغ وزنه 30 ضعف وزنك، وبالطبع ستتم معاقبتك بشدة من قبل المحاكم، لأن هذا سوف يكون بجانب الشخص الذي يشغل المساحة أمام منزلك، وليس هذا مخرجًا للموقف المحرج. بمعنى آخر، كان من السهل جدًا منع هذه السيارة الأجنبية من الوقوف قبل الساعة الثامنة صباحًا، لكنه كان صعبًا للغاية بعد ذلك، والتناقض بين السهولة في البداية والصعوبة بعد ذلك كبير لدرجة لا يمكننا تخيلها. حسنًا، هذه هي عدم رجعة الزمن. علاوة على ذلك، فإن قوة هذه اللارجعة الزمنية هي التي تقودنا إلى الإيمان بفكرة القدر. المثال التالي سيجعلك على علم بذلك. الفصل 1: لديك صديقة تحبها بشدة. في أحد الأيام، ينشأ جدال صغير مما يفسد علاقتكما، وتبتعد الفتاة عنك. الفصل الثاني: تلتقي بصديق آخر، وتقع في حبه، بينما تدرك أن هذا الجدال كان بسبب دافع عقيم. تحاول التصالح مع صديقتك، ولكن بعد فوات الأوان، "وجدت أخرى"، كما يقول المثل. القانون 3: أنت يائس للغاية لدرجة أنك تثق في العديد من الأشخاص، ويفضل الأشخاص الذين نجحوا في حياتهم العاطفية، معتقدين أنهم سيجدون العلاج بسهولة كبيرة. يخبرك هؤلاء الأشخاص أنه لا يوجد ما يدعو للقلق، إذا تركتك فهذا لأنك لم تخلقا لبعضكما البعض وأن الانفصال كان سيحدث في وقت لاحق على أي حال. هذه الفكرة أكثر تحملاً لروحك اليائسة من فكرة أنها ربما كانت ستنجح لو كان رد فعلك مختلفًا في وقت الجدال. لكن لكي تتجنب الشعور بالذنب، تفضل أن تتبنى فكرة أن "الأمر لا بد أن يحدث على أية حال"، وهذا يسمح لك بالتعامل بشكل أفضل مع الوضع الحالي. لكن البشر مخلوقين لدرجة أنهم يفضلون تبني الأفكار التي تضرهم بشكل أقل، بدلاً من الأفكار الأقرب إلى الحقيقة. وفكرة أن كل شيء مكتوب و"أنه لم يكن هناك شيء يمكننا القيام به حيال ذلك" هي أقل إيلاما من فكرة أنه كان من الممكن أن يتحول الوضع بشكل مختلف. ولأن "الجزر مطبوخ" فإننا نميل إلى الاعتقاد بأن الأمر لا يمكن أن يكون غير ذلك. نعتقد أن الوقت قد حان لنختار الأفكار الأكثر صدقًا، حتى لو كانت مؤلمة أكثر. ما نخسره في المتعة، سنكسبه في الوضوح. إذا اعتقدنا أن الأمور لا يمكن أن تحدث بطريقة غير ما حدثت، فذلك بسبب ما يسميه برجسن "الوهم الاسترجاعي". من الممكن جدًا أن الحدث لم يحدث في الوقت الذي حدث فيه، ولكن بمجرد أن ينتمي إلى الماضي، فمن المستحيل تغييره، ويرتدي ملابس الثبات وغير الملموس. ومن ثم فمن السهل أن نقول "لم يكن من الممكن أن يحدث خلاف ذلك"، لأنه يتم دائمًا إعلان ذلك بعد حدوثه. ولكن الا ينبغي أن نغير موقفنا الفلسفي من الزمن لكي تتغير نظرتنا للقدر؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ما هي صفة المجتمع العادل؟ كيف يمكن ان ينظّم الناس انفسهم بأحسن طريقة لضمان ان لا يُعامل أي شخص بشكل غير عادل؟ كيف يجب ان تُوزع السلطة والثروة والحرية؟ هذه من الأسئلة الصعبة والمعقدة، والجواب عليها يختلف حسب التجارب الحياتية للناس ونمط عقائدهم وقيمهم.

في الحقيقة،عندما نناقش ما هو الأحسن للمجتمع، نحن عادة نناقش بدرجة ما ما هو الأفضل لأنفسنا وعوائلنا او،على الأقل، نحن نسترشد بتصوراتنا الخاصة حول ما تعنيه "الخيرية".

هل هناك طريقة اذاً؟، لننظر ما وراء تحيزاتنا الشخصية ومصالحنا وعقائدنا؟ ماذا يمكن ان نعمل لتأسيس وصف او تفسير محايد للعدالة؟

يستخدم جون رولس في نظريته للعدالة اثنين من المفاهيم الاساسية يستطلع فيهما المبادئ التي يجب ان تحكم المجتمع.

1- الموقف الأصلي:

وهو موقف افتراضي يأتي فيه الافراد مجتمعين لتأسيس مبادئ للعدالة تحكم مجتمعهم. في هذه التجربة الفكرية، يُفترض ان يكون الافراد راشدين وأحرار ومتساوين. هم يوضعون خلف قناع من الجهل يمنعهم من معرفة تفاصيل معينة حول أنفسهم، مثل مكانتهم الاجتماعية، الثروة، المواهب، العرق، الدين او الافضليات الشخصية.

في عمله عام 1971 (نظرية العدالة) يستعمل رولس نظريته كنقطة بدء، الموقف الاصلي، يبني منه موقفه بان العدالة المجتمعية  تعني بالضرورة الانصاف .

2- قناع الجهل:

وهو عنصر أساسي في نظرية رولس. قُصد به ضمان ان مبادئ العدالة المتفق عليها في الموقف الأصلي هي منصفة وغير متحيزة. الافراد ومن خلال عدم معرفتهم بخصائصهم الشخصية، يُجبرون للنظر في مبادئ للعدالة تكون مقبولة لدى جميع افراد المجتمع بصرف النظر عن ظروفهم الفردية.

عندما نقوم بتقطيع كيكة الى شرائح، فان أذكى طريقة لضمان الإنصاف هي التأكد من ان لا يكون الشخص الذي يقطع الكيكة هو الشخص الذي يقرر منْ سيحصل على كل قطعة. في نفس هذه الروحية، يعتقد الفيلسوف السياسي في القرن العشرين جون رولس ان افضل طريقة لتعريف المجتمع العادل هي باستخدام ما يسمى "قناع الجهل".

الفكرة التي خلف قناع الجهل هي انه لو ان الافراد لا يعرفون موقعهم الخاص بهم في المجتمع، سيكون من المحتمل جدا ان يختاروا مبادئ تكون منصفة وعادلة لكل فرد، بدلا من تفضيل مبادئ تفيد أنفسهم على حساب الآخرين. يجادل رولس بانه خلف قناع الجهل ، سيختار الافراد مبادئ تضمن الحقوق الأساسية والحريات للجميع، بالاضافة الى الفرص والمنافع للفئات الأقل حظا في المجتمع.

رولس يدعونا ان نتصور القوانين التي سنتفق عليها جميعنا لو لم تكن لدينا فكرة عن منْ نحن وأين ننتهي في المجتمع: نحن ربما وُلدنا لأي عائلة، في أي موقف، وتربّينا على مُثل لعدة انظمة عقائدية. يبدأ رولس من هذا "الموقف الأصلي" للجهل بخصائصنا الشخصية وظروفنا الاجتماعية معتقدا ان معظم الناس سيرون انه من العقلاني والمقبول الاتفاق على مستوى معين من الرفاهية العالمية والتعليم والفرص، وحماية الحقوق الاساسية والحريات. في النهاية، انت قد ينتهي بك الامر كونك أي شخص – غني، او فقير، معافى صحيا او مريض.

لهذا انت من غير المحتمل ان تقترح نموذجا يستلم فيه بعض الناس ثروات كبيرة، وآخرون يولدون في فقر مدقع، ويكونون عرضة للتمييز نتيجة عرقهم او عقيدتهم او نوع جنسهم.

في الحقيقة، ان العمل في ظل قناع الجهل، ستترتب عليه نتيجتين هامتين للعدالة:

1- منح المساواة:

كل شخص تُضمن له حريات اساسية تتضمن حرية التفكير والكلام والتعبير والانتماء والحق في الملكية.

2- معالجة اللامساواة:

اذا كان كل شخص يتلقى مستوى عادل من التعليم، وفرص في تطوير تام لقدراته، والحظ في المنافسة على المواقع الرسمية، والمسؤولية، والتجارة وغيرها، عندئذ فان اللامساواة في الثروة والسلطة تكون مسموح بها طالما هي تفيد فئات المجتمع الاقل حظا. على سبيل المثال، اذا كانت لدى شخص ما موهبة معينة في القيادة، عندئذ هو يمكن ان يتمتع بالمكافئات الاجتماعية والاقتصالدية التي تترافق معها، طالما هذا الترتيب يُبنى بطريقة تعطي أقصى منفعة لمن هم في أسفل السلم الاجتماعي (أي،لا تصبح مؤذية او مستغلة، وانما تحسّن ظروف الجميع، جاعلة كل فرد افضل حالا مما لو كان في أي نظام بديل آخر).

بالطبع، رولس يقترح قناع الجهل كفرضية لتجربة فكرية – شيء يوضع في الذهن عند البحث عن تاسيس مبادئ للعدالة اساسية وحيادية يُحكم بواسطتها المجتمع.

الإنتقادات

1- النقاد المعاصرون لنظرية رولس المثالية يتسائلون عن الفائدة العملية من الافتراضات المثالية مجادلين بانها لا تقول لنا الكثير عن الكيفية التي تعمل بها في عالم غير مثالي. مُثل رولس في الامتثال الصارم هي غير واقعية وتفتقر الى علاجات للظروف الحقيقية الغير مثالية والمتحيزة.

2- انها تعمل فقط اذا كان الافراد رشيدين تماما ولم يتأثروا في قراراتهم بالاختلافات في الذوق او كراهية المخاطرة او عوامل اخرى. واذا حاولنا ازالة تلك العوامل من الافراد الذين هم خلف القناع، سيبرز السؤال حول ما اذا كانت النظرية لاتزال طريقة جيدة للمجتمعات.

3- قناع الجهل يفرض قرارات على مستوى الافراد، هو لا يبيّن لنا الاشخاص الموجودين خلف حجاب الجهل الى أي مجموعة سينتمون في العالم الواقعي. هذا يستبعد القيم الجماعية او قيم الجماعة من عملية صنع القرار.

4- احدى المعارضات لنظرية رولس هي ان قيمنا تعتمد على مواقفنا الحقيقية حيث لا معنى من السؤال ماذا سنختار خلف قناع الجهل. نحن نفتقر خلف القناع للمعلومات التي نحتاجها لنقرر أي نوع من القواعد يمكن الاتفاق عليها للمجتمع.

***

حاتم حميد محسن

تتبوأ اللغة مكانة في تاريخ الفكر الإنساني الفلسفي لا يدانيها فيها إلا الفلسفة،  فهي نسق وظاهرة، تشير إلى الأشياء الخاصة المادية وتجردها في أصوات أو خطوط تغني المتكلم أو القارئ عن إحضارها. وعندما نتأمل في صورها وأشكالها نجد أنها من التنوع بحيث يصعب حصرها في كيفية واحدة : فالكلام لغة، والإيماءات لغة والموسيقى لغة، وهي بهذه الكيفيات تراث يرتبط بكينونة الكائن وحضارة الإنسان. و من هنا ارتبطت اللغة دوماً بطبيعة متميزة وأهمية خاصة « فاللغة تدخل بطريقة جوهرية في الفكر والفعل والعلاقات الاجتماعية». [1]  وفي رحلة البحث عن بيان طبيعتها، والكشف عن أهميتها وَجَب أ ن نتجه للإنسان المغمور بوجود الغير، كيفما اتجه ، حتى في انزوائه الصامت من هنا تنطلق اللغة، تنبثق من وجدانه، فجبل المرء أصلا كمخلوق لاغ، يتكلم ويخاطب، يكتب ويعبر ويرسل المعاني و لا يتحقق هذا إلا بالعقل المحكم والفكر المتميز من هنا كان الارتباط وثيقا بين اللغة والمبدع لها فما هو مفهوم اللغة عند عبد الرحمن بن خلدون؟

وما هي أهم الدلالات الجديدة لتشكيل اللغة؟

وهل استطاع عالم اللسانيات تشومسكي أبدع مفهوماً جديداً للغة؟

اللغة في منظور بن خلدون من المفهمة إلى الدلالة:

إننا نعيش في عالم الكلام ؛ وقد يكتسي الكلام التعبير والبوح والانفعال أو التستر والكتمان وبين هذا وذاك تنزع الذات المفكرة الواعية إلى تخريجه عن طريق كتابات وإبداع نصوص مثيرة مشوقة للقراء، هذه النصوص عبارة عن رسالة مفتوحة للقراءة الواعية والقدرة على إعادة إنتاجها ثم الوعي بالعملية الإنتاجية والحرية في التصرف فيها بغية صياغتها نصوصا جديدة قابلة للقراءة والتفسير.

من هنا كان إعجابي شديدا وأنا أطالع مقدمة العلامة عبد الرحمن بن خلدون وهو يبدع في وضع تعريفًا جامعًا، مانعًا شاملاً لمفهوم اللغة؛ وزاد الإعجاب أكثر عندما أصبحت اللغة عند العلامة بن خلدون معطى يلتقي فيه البيولوجي الطبيعي والموروث الثقافي ، يلتقي فيه الاستعداد الفطري بالمكتسب الاجتماعي حسب ما استنتجته من خلال القراءة الواعية الهادفة لمد جسور التواصل الجمالي وتغيب البعد الأيديولوجي القبحي في التعامل مع النصوص الحوافز والمؤثرات مادامت كتابة النص في الوقت نفسه إبداع للنص وإبداع للغة، وأدركت أن عبد الرحمن فاق الفيلسوف الفرنسي لالاند في تقديم مفهوما للغة يتجلى في: « اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل إنساني. فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان. وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم«.[2]

بناء على هذا الفهم للغة يجمع ابن خلدون بين بعدين، بعد مطلق ويتجلى في كون اللغة تتوقف على قصد وعلى التعبير عنه، وبعد نسبي ينحصر في كون اللغة تظهر عند كل أمة حسب إصلاحها، وها هنا نجد اللغة « ليس الغَرَضُ بِنَظْمِ الكَلِمِ أنْ تَوَالَت ألفاظها في النطق، بل أن تَنَاسَقَتْ دَلاَلَتُها وَتَلاَقَتْ معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل.»[3] و العقل مرتبطاً بالإنسان وما يملكه من إمكانيات إبداعية وما يحيط به من شروط ينجز فيها إبداعاته وتواصله الاجتماعي، وبهذا تكون اللغة مفتاحاً لفهم المبدع في ثقافته وبيئته المنتمي إليها.

تشموسكي متجاوزا البنيوية لتأسيس المدرسة التوليدية التحويلية:

إننا نعيش في عالم اللغة، ملكة رمزية نميزها عن بقية الأنساق الأخرى برمزيتها ومفاهيمها، بناءها وأدواتها، كلماته ودلالاتها؛ في الميزة يؤسس الفيلسوف ملكته الرمزية التي تمتلك دلالات قد تجد القارئ الواعي بهذه الرمزية ، ينفتح على لغة الفيلسوف ويشعر بخطورة اللغة وما تحمله من شمولية؛ شمولية التفكير الحر المرتبط بالتساؤل الذي يؤسس للتجربة الإنسانية.

لست أتردد لحظة إذا قلت أن المدرسة الوصفية البنيوية، سيطرت على الدرس اللساني في الغرب، سواء في أمريكا أو أوروبا، وعلى قدر انتشارها وهيمنتها وجهت لها كثير من الانتقادات بسبب الطابع الوصفي الآلي الذي استمسكت به بل ولم تحيد عنه، ومع ذلك لم تفقد صفة الهيمنة والنفوذ، إلى يومنا هذا، حتى بعد أن ماتت، إذ إن جميع المدارس والنظريات التي جاءت بعدها لم تخرج منها، فهي إما كانت مهتدية بمبادئها، أو جعلتها نقطة تبدأ منها لتبرر اختلافها عنها. ومن أهم المدارس وأوسعها انتشارا بعد البنيوية (المدرسة التوليدية التحويلية) والتي انطلقت أساسا من نقد اللسانيات البنيوية بل تجاوزتها إلى حد بعيد.

ففي سنة ( 1957 ) بدأت الثورة الثانية في الدرس اللغوي حين أصدر نعوم تشومسكي (Noam Chomsky)، كتابه الأول ( المبانى النحوية   ( Syntactic Structures ) ومن ذلك الحين تغير اتجاه اللغة من الوصفية إلى منهج جديد، عرف بالنحو التوليدي-التحويلي، حيث ميز نعوم بين اللسان والكلام  « وجعله تمييزاً بين الكفاءة والأداء، وألغى البعد الاجتماعي من تمييز سوسير، واستبدل مفهوم سوسير غير الدقيق عن اللغة بوصفها نسقاً من العلاقات بنظرية العمليات التوليدية »[4] وهو الكشف عن طبيعة وخواص الحرف الذي تتكون منه الكلمة وتطور الحرف من كلمة إلى أخرى وخواص هذه الحروف واختلافها من لغة إلى لغة « إن ملكة اللغة هي ارتقاء تطوري حديث جداً »[5] ثم وضع تشومسكي مصطلح "البنية العميقة" وهو مصطلح في ميدان النحو يعنى بتحليل الجملة وخواصها المعقدة للصوت والمعنى وعليه هو تحليل للغة في حد ذاتها التي تتكون منها هذه الجمل لذلك يقدم لنا عالم اللسانيات تشومسكي ثلاثة أنواع من العناصر التي تنطوي عليها اللغة هي:

« خواص الصوت والمعنى، التي تدعى السمات Features .

مفردات مركبة من هذه الخواص، تدعى المفردات المعجمية Lexical items

التعابير المعقدة المشكلة من هذه الوحدات "الذرية" atomic »[6]

ومن الخمسينيات إلى الآن ما تزال هذه النظرية الأكثر انتشارا وهيمنة على اللسانيات.

فهل النظرية التوليدية التحويلية بقيت قاب قوسين أو أدنى من التطور أم تجاوزتها نظريات أخرى في حقل اللسانيات اللغوية؟

***

رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر

......................

قائمة المصادر والمراجع:

عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، طبعة أولى، سنة 1961.

عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، دار المعرفة، بيروت، طبعة أولى، سنة 1978.

نعوم تشومسكي: آفاق جديدة في دراسة اللغة والفكر، ترجمة عدنان حسن، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، طبعة أولى، سنة 2009 .

نعوم تشومسكي: اللغة ومشكلات المعرفة، ترجمة حمزة بن قبلان المزيني، دار توبقال، المغرب، طبعة أولى، سنة 1990 .

رامان سلدن: من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، المشرف العام جابر عصفور، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، طبعة أولى، سنة 2006 .

هوامش:

[1]  نعوم تشومسكي: اللغة ومشكلات المعرفة، ص: 13

[2]  عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة ، ص: 779.

[3]  عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، ص: 32 .

[4]  رامان سلدن: من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، ص:111 .

[5]  نعوم تشومسكي: آفاق جديدة في دراسة اللغة والفكر، ص: 30 .

[6]  المصدر سبق ذكره، ص: 47 .

هل العيش الجيد والحياة السعيدة يعتمد جزئيا على الظروف الخارجية؟ ام ان نوعية الحياة تتوقف علينا كليا؟ كل من ارسطو والرواقيين يعتقدون ان الهدف النهائي في الحياة هو السعادة او ما يسمى eudaimonia. كذلك، كلاهما يتفقان على ان تحقيق السعادة لا يتعلق كثيرا بالسعي نحو المتعة وانما بتطوير الشخصية الفاضلة او المتميزة. وبهذا المعنى، يرى كلا الطرفين ان السعادة تُفهم ليس كشعور وانما كنوع من الظروف نحقق بواسطتها امكاناتنا بالتميّز ككائنات رشيدة.

يجادل ارسطو باننا يجب ان نرسخ الفضيلة طبقا "للإعتدال"، اما الرواقيون يرون ان المهم هو غرس وتربية الفضائل الأساسية الأربع (الحكمة، الشجاعة، الاعتدال، العدالة). وبينما كلاهما يدعوان الى رعاية التميز، لكن هناك اختلاف هام بينهما في تصوّر الحياة الجيدة. ارسطو يعترف بمساهمات ما يسمى "الخيرات الخارجية" مثل التربية ووفرة الموارد والصداقة والصحة وغيرها. وكما يوضح في (أخلاق نيقوماخوس):

"يبدو واضحا ان السعادة تحتاج الى إضافة الخيرات الخارجية، لأنه من الصعب ان لم يكن مستحيلا انجاز أعمال جيدة بدون أية موارد. العديد منها يتم انجازه بوسائل مثل مساعدة الاصدقاء او الثروة او النفوذ السياسي. الشيء المهم، ان ارسطو لم يعتقد ان هذه الخيرات تجعلنا سعداء، وانما ما يجعلنا سعداء هو فقط الفعالية والشخصية الفاضلة . انها لا تعني نفس الشيء، لو كنا لا نمتلك اشياء مثل التعليم او الصداقة او الصحة يصبح من الصعب او مستحيل تطوير الامتياز او التعبير عنه . ان نقص "الخيرات الخارجية" حسب ارسطو، يشكل عقبة أساسية في الطريق نحو الامتياز، فتقلل فرصتنا في تحقيق السعادة.

الرواقيون: الأشياء الخارجية ليس لها تأثير على الحياة الجيدة

يرى الرواقيون ان الظروف ليست هامة : قيمة وجودنا ومدى سعادتنا يعتمد فقط على نوعية شخصيتنا. لذا، اذا كان ارسطو يعتقد بضرورة التميز لكنه غير كافي للحياة الجيدة فان الرواقيين يعتقدون ان التميز وحده كافي. هذا يعني انه حتى لو كنت معدما جدا وبلا أصدقاء وتعيش في منطقة حرب، فان السعادة تبقى فيك، فالحياة الجيدة تعتمد فقط على تكوين الشخصية الممتازة والتعبير عنها. عش حياة فاضلة، طبقا لطبيعتك العقلانية، مارس حب القدر وإفهم نوعي التحكّم – بصرف النظر عن أي شيء آخر – حينذاك سوف تعيش حياة جيدة.

العيش طبقا للطبيعة

ربما هناك من يعارض الرواقيين لأنه من الواضح ان الصحة أفضل لنا من المرض، ووجود موارد لدينا أفضل من الفقر المدقع، حيث يشير ارسطو بان الفرد الذي يعاني من حظوظ سيئة سوف لن يكون سعيدا.

الرواقيون يتعاملون مع هذا القلق باستعمال مصطلح "preferred indifferent"(1) او العيش وفقا للطبيعة. نحن نفضل ان نكون أصحّاء بدلا من مرضى، ومتعلمين بدلا من جهلاء – لكن هذه لا تجعل فرقا في قدرتنا على ان نكون اناسا جيدين او نعيش حياة أخلاقية نزيهة. وهكذا الصحة والثروة  ليست اختلافات مفضلة، هما ربما اشياء جيدة وفق مصطلح الرواقيين – نحن "نفضلهما" على أضدادهما – لكنهما في صنف مختلف كليا عن الفضيلة.

شخص ما قد يربح ملايين الدولارات لكنه لا يصبح فجأة شخصا جيدا، او شخص ما يعاني صحيا لا يصبح فجأة مفتقرا للفضيلة. العوامل الخارجية لا تصنع فرقا في ما لدينا من تحكّم بشخصيتنا (لنترك جانبا الحالة المتطرفة لشخص مصاب بمرض مزمن في الدماغ) ،نوعية شخصيتنا هي التي تقرر سعادتنا حسب عقيدة الرواقيين.

وحتى لو مررنا بفترة من التحدي، فهي لا تعطينا رخصة لجعل شخصيتنا تعتمد على نوعية ظروفنا. يشير إبيكتتوس:

"حين نعمل ضمن مجال سيطرتنا نحن نتحرر طبيعيا ونكون مستقلين وأقوياء. وراء ذلك المجال، نحن ضعفاء محدودين ومعتمدين. عندما تعلّق آمالك على أشياء خارج سيطرتك ،وتأخذ لنفسك أشياء تعود للاخرين،انت ستكون عرضة للتعثر، تسقط، تعاني وتلوم كل من الله والناس. ولكن عندما تركّز انتباهك فقط على ما يهمّك حقا ، وتترك للاخرين ما يهمهم، عندئذ ستكون مسؤولا عن حياتك الداخلية. لا أحد سيكون قادرا على إيذائك او عرقلتك. سوف لا تلوم أحدا وليس لك أعداء. اذا كنت ترغب بالسلام والرضا عليك ان تتحرر من ارتباطك بالأشياء الخارجة عن سيطرتك. هذا هو المسار للحرية والسعادة".

الاختلافات الأساسية بين ارسطو والرواقيين:

يعتقد الرواقيون ان السعادة متوفرة للجميع – وانها تكمن كليا ضمن سيطرتنا. عش طبقا لطبيعتك العقلانية، أظهر الامتياز في شخصيتك مهما كانت ظروفك، ستكون السعادة فيك – طالما تشعر انك قمت بأفضل ما يمكن.

الفيلسوف الرواقي إبكتيكوس أوضح ذلك في قوله:

"انا يجب ان أموت. هل يجب ان أموت حزنا؟ انا يجب ان اقيّد بالسلاسل. هل يجب ايضا ان أندب حظي؟ انا يجب ان أذهب الى المنفى. هل هناك منْ يمنعني من الذهاب بابتسامة وبهجة ورضا"؟

ارسطو من جهته، يعتقد من الواضح ان حياتك لو كانت مليئة بالمآسي والصعوبات، فسيكون من الصعب الحصول على السعادة. تطوير الامتياز والتعبير عنه متاح فقط لأولئك اصحاب الصحة والتعليم والصداقة ومستوى من الموارد وحظ جيد وغيره.

يرى ارسطو ان الفرد السعيد يحوز ليس فقط على شخصية ممتازة وانما على حظ ممتاز. الناس قد يرون رؤية ارسطو أكثر واقعية في تصور الحياة الجيدة. او ربما نحن نتفق مع جواب الرواقيين الضمني بان قيمة حياة شخص ما وحدود سعادته لا يجب الحكم عليها طبقا للظروف التي هي خارج سيطرته.

***

حاتم حميد محسن

..................

الهوامش

(1) اللافرق هنا يعني قبول كل ما يأتي به القدر. يقول ماركوس ارليوس: كل شيء خارجي وليس ضمن تحكّم الفرد يجب اعتباره indifferent او لا يحمل فرقا لأن التفكير في هذه الاشياء لا يجلب الاّ التعاسة للافراد ولكل البشرية. هناك خارجيات مفضلة مثل الحياة، الصحة، المتعة، الجمال، القوة، الثروة، السمعة الجيدة، المولد النبيل. اما الخارجيات غير المفضلة تشمل الموت، المرض، الألم، القبح، الضعف، الفقر، السمعة الواطئة، الولادة غير النبيلة.

 

ما نعرفه عن التاريخ الإسلامي بكل حمولته إنما وصل إلينا عبر التدوين الرسمي وبشقّيه غير المتزامن والمتزامن، فالأول ما كان تدوينه بعد الأحداث بفاصل زمني طويل، ويصدق على الفترة النبوية وما بعدها حتى زمن التدوين الرسمي، وأما الشق الثاني فهو التدوين الذي تزامن مع حركة الاجتماع الإسلامي، هذه الحمولة تتخذ أشكالا عدّة: الموروث النصّي والتأويلي، والنصتأويلي!

فالموروث النصّي لدى المسلمين يصدق على ما بين دفتي المصحف، إضافة إلى الروايات المنسوبة للنبي ولجيلين بعده - أكثر الأقوال حتى ٢٤٠هـ أو ٣٠٠ هـ - فالنص الأول محل اتفاق، وما عداه فيه نزاع سواء من حيث مدى ونوع حجيته أو صحة نقله.

والموروث التأويلي لا أعني به صرف المعنى عن ظاهره لقرينة، بل الفهم بمعناه الواسع وتوجيه أنواع النصوص المذكورة أعلاه، ويصدق على جميع مدونات الفقه (المسائل العملية) والكلام (المسائل العقدية) وما دار في فلكها.

والموروث (النصتأويلي) - هذا المصطلح نَحَتُّه من كيسي - وأعني به القناعة التي تم تقديمها في صيغة نصّ ولكنه مفبرك بغرض تأييد رأي على آخر وشرعنته، فالرأي الذي يأتي نصًا من شأنه أن يقطع حجة الخصم! وهذا هو الحال العام للمدونة الروائية.

بعد هذا الترسيم نأتي فنقول: المصحف نصٌّ مفتوح دلاليًا، وقد أثبت النظر أنه يستوعب كل تلك الدلالات من أقصاها إلى أقصاها، وهذا تحدٍ حقيقي؛ لأن الاحتكام إلى النص مفتوح الدلالة هو إحالة على محتمَل، بدليل أن كل الاختلافات بتناقضاتها واتّساع الهوّة بينها، تستند للنص ذاته، حتى عند استحضار ما يُطلق عليه آيات محكمات، فأول تحدٍ يتم مواجهته هو تقديم تعريف جامع مانع لها متفق عليه، ثم وجود مجموعة محددة متفق عليها لتلك الآيات، وهذه المعضلة أثمرت إمكانية تعلُّق كل أصحاب توجّه بمصدرية نصيّة واحدة سواءً أكان قديما أو مُحدثا.

وإزاء هذا الانفتاح الدلالي فإنه لا يمكن وضع حدّ له فضلا عن صرفه إلى معنى محدد مهما بدا واضحا جدا، فانصراف الدلالة في نص ما لمعنى بعينه في نظر البعض لا ينهض سدا يمنع الآخر من استخراج دلالة أخرى أو حتى مضادة، وبعبارة أخرى: الوضوح الدلالي لا يعني بالضرورة انسحابه على الجميع، فالحتمي عند أحدهم قد يكون محتملا عند ثانٍ وملتبسا عند ثالث ومستحيلا عند رابع، وهكذا دواليك. مع التنبيه إلى أنّ الانفتاح الدلالي لا يعني حصرا الإضافة التراكمية التي تسع الجميع بالمعنى الإيجابي، بل يعني فيما يعنيه كذلك الإلغاء والتضاد بين الدلالات بعضها ببعض؛ ومن هنا نشأت أحكام التفسيق والتبديع والتكفير؛ ولهذا فالانفتاح الدلالي للنصّ مُربك.

إن التدوين - بما عليه من تحفّظات على دقته التاريخية؛ للاعتبارات الدينية والسياسية - يقدم لنا ممارسات دينية متباينة من حركة الاجتماع البشري الإسلامي، وفق توجّهات مشرعنة دينيا بِغضّ النظر عن مدى صحتها، ولكنها واقع ممتدّ من اللحظة التي أعلن فيها النبي نبوّته وحتى اللحظة الراهنة، فالصوفية تصدّر مقالتها الدينية من النصّ، وحركات الإسلام السياسي هكذا تفعل، وحتى تنظيم الدولة وحركة طالبان تصنع الصنيع نفسه، ولا نجد خطابا دينيا رسميا ينكر صنيعهم بل تصدر بين الفينة والأخرى خطابات التأييد والمباركة ممن يمثلون الخط المعتدل مقارنة بتلك الحركات، وأيضا المشبّهة والمنزّهة يرجعون لنص واحد، بل حتى القراءات الباطنية للنصّ الديني تجد بُغيتها فيه. إنّ الكل يصدر من إناء واحد، ومشكاة النص تسع مصابيح جميع القوم، ومهما تنازعوا في ادّعاء الحق إلا أنه لا يمكن استبعاد أي منهم من المنظومة الإسلامية، فكل التوجهات المذهبية والتيارات الحركية الإسلامية تمثّل نسخة إسلامية، وتستوعبها المصادر الإسلامية الرئيسة، وبعبارة أدقّ: الإسلام هو كتلة من إسلامات متحركة بمرور الزمن تنبثق من النصّ ذاته. ولكن بوجه عام فإنّ الفهم التقليدي للدين في منطقته المشتركة بين كل تلك التحزبات يُصَدَّر على أنه الأكثر تمثيلا للإسلام.

ما تَقدَّم آنفا ما هو إلا توطئة لسؤال المقال الإشكالي، وهو:

ما هو وضع المقاربات العلاجية المتأخرة من هذا الفهم الديني التقليدي؟

إن مسلم اليوم يواجه أسئلة جذرية مصوّبة تجاه دينه في إطاره العام أو إطاره المذهبي الضيق، أسئلة محرجة إنسانيا وعلميا واجتماعيا ومنطقيا، وإزاء هذه الأسئلة يسلك المسلمون سُبُلا ثلاثا مُجملا:

أولا: الجمهرة الكبيرة تستمرئ تلك الإشكاليات وتبرر موقفها منها، وترى أنّها مجرد أسئلة يبثها مرجفون ومَن في قلوبهم مرض، لا يمكن أن تزعزع تصوّرها الديني، وتنحاز توكيديا لكل ما يعزز إسلامها وترفض ما عداه ولو جاء من المصدر عينه.

ثانيا: تأخذ تلك الأسئلة على محمل الجدّ، وتسير معها، غير أنّها لا تصل لإجابات مُرضية شافية مقنعة، فلا تجد بُدا حينئذ من الخروج عن ربقة المذهب أو الدين بالكلية.

ثالثا: ترى أنّ تلك الأسئلة المحرجة غير متعلقة بأصل الدين بل في أمر آخر، حيث تُعتبر الإشكاليات الواردة متصلة بفهوم تبنّاها المسلمون خلال القرون الماضية بادئ الأمر ثم استقرّ الحال عليها، لكنها فهوم - كما يرون - مغلوطة ولا تعد الممثل الأمثل للإسلام.

وأصحاب هذا الاتجاه الثالث وما قدموه من مقاربات، ينقسمون إلى قسمين رئيسين باعتبار أسلوب المعالجة:

القسم الأول: يقدّم جوابا عريضا لعلاج تلكم الإشكاليات، عنوانه تاريخيّة النص، فتتركّز مقاربته في أنّ تلك الأحكام المتصلة بالنصّ التي هي محل الأسئلة المحرجة صحيحة لكنها مؤقتة بمفردات حركة الاجتماع البشري آنذاك زمانا ومكانا، ومرتهنة بظرفيتها التاريخية، وأن النصّ الوارد فيها ميت الآن، ولا يتبقى إلا مفاهيم القيم العليا ومساحة ثوابت ضيقة للغاية، فيزيحون عن كاهلهم تبعات تلك الأحكام التي تصطدم بالمعرفة الإنسانية الحالية.

القسم الثاني: ينافح عن صلاحية النصّ الذي ينظرون إليه بأنه عابر لكل زمان ومكان، غير أنهم يرون أنّ الإشكال الحقيقي متعلق بدلالته، فينطلقون من النص القرآني، وبعضهم يسحب ذلك على ما وافقه من المدونة الروائية، فيحاولون أن يطرحوا فهمًا يتّسق وآخرَ ما توصّلت إليه المعرفة الإنسانية على مختلف الأصعدة.

إن سؤال المقال الإشكالي مرتبط بهذا القسم الثاني من الاتجاه الثالث من اتجاهات تعاطي مسلم اليوم مع الأسئلة الكبرى المُلِحّة.

أنصار هذا الفريق استيقظ على واقع لا يمكن دفعه، ومُعطى ماثِل لا يمكن ردُّه، وحقيقة لا يتأتّى التملص منها خلال الفهم الديني التقليدي الذي ورثه، فعَمَدَ إلى  النظر في النص بإكراهات متعددة وواسعة، مستثمرين كل الإشارات الخاطفة الداعمة من موروث ديني تراكمي متضخم وتداخلات ثقافية أوسع من أي وقت مضى، ومختلفة بطبيعة الحال عن مسلم الأمس.

هذا النظر خلُص إلى تقديم مقاربات جديدة في فهم الدين، حتى إنّ بعضها غالى لدرجة أن أصبح أقرب ما يكون إلى أديان جديدة، واضطره النظر إلى الوقوع في تأويلات باردة مكتظة بالتعسّف، وبعيدة يشوبها الكثير من التكلّف، ورغم أنّ الواقع الديني لجمهور المسلمين ما زال متشبّثا بما درجت عليه الأجيال التي سبقته، ألا وهو الفهم التقليدي الديني، إلا أن المبدأ الذي تستلهم منه هذه المقاربات انطلاقتها أنّه لا يمكن قصر الفهم على ما تم تلقّيه من فهومات مشوّهة قُدِّمت على أنها الفهوم النهائية، بل يمكن تقديم فهوم جديدة للدين منسجمة مع مختلف جوانب المعرفة الإنسانية، وعليه ترى هذه المقاربات العلاجية أنه لا يمكن اختزال الدين الإسلامي في تجربة محصورة زمكانيا، بحيث تكون الممثل الشرعي الوحيد أو الصحيح له.

غير أنه مع الواقع المعقّد لتفاعل حركة الاجتماع البشري الإسلامي مع الموروث الديني فإنّ المقاربات الجديدة يَرِدُ عليها جملة من الملاحظات الإشكالية، من بينها:

هل تسوّغ هذه المقاربات العلاجية المتأخرة نزع صفة (الإسلام) من النسخ الدينية التي يغصّ بها الموروث الإسلامي، وخصوصا أهل الفترات الزمنية المحيطة بزمن النبوة؟

 إنّ دافع هذه المقاربات الجديدة إنما تولّد نتيجة الصدمة المعرفية والهوة بين المقاربات الموروثة والتطوّر الهائل الذي وصلت إليه حقول المعرفة، وهذا يعني أنه مع استمرار التطور ستتّسع معه الفجوة؛ وتاليا تنشأ مقاربات جديدة أخرى تسد الثغرات الجديدة، إلى ما لانهاية؛ الأمر الذي يدعونا إلى التفكير مليا في أن المقاربات التقليدية الأولى هي المتأهّلة لتمثيل الإسلام، وما عداها فهي محاولات دائمة لتكييفه وفق المعطيات التي تطرأ، والتي لا تنفكّ تكشف عن ثغرات جديدة؛ كونها عملية ترميمية لا تتوقف!

لو أنّ دولة حديثة قامت أسسها على إحدى المقاربات التقليدية بالكليّة، ألا يمكن للآخرين وصمها بأنها دولة إسلامية؟!

ماذا عن معتنقي اليوم للفهم التقليدي الديني؟ أليسوا على نسخة تمثّل الإسلام؟

هذه الأسئلة تدفع بنا إلى اعتبار أن المقاربات التقليدية هي الأكثر تمثيلا للإسلام، وهي - وحدها - من تُلزَم بتقديم الإجابات المتماسكة حول الأسئلة الإشكالية التي تتناول الدين.

أمّا المقاربات العلاجية المتأخرة للنصّ الديني فهي أقرب للصدمة المعرفية منها إلى مجرّد الصيرورة إلى دلالةٍ دونًا عن بقية دلالات النصّ.

***

بقلم محمد سيف

كانت الكوزموبوليتانية الرواقية بأشكالها المختلفة مقنعة إلى حد كبير في جميع أنحاء العالم اليوناني الروماني. ويمكن تفسير هذا النجاح جزئياً من خلال ملاحظة مدى كونية العالم في ذلك الوقت. أدت فتوحات الإسكندر الأكبر وما تلاها من تقسيم إمبراطوريته إلى ممالك لاحقة إلى أن استنزفت المدن المحلية الكثير من سلطتها التقليدية، وعززت زيادة الاتصالات بين المدن. وفي وقت لاحق، أدى صعود الإمبراطورية الرومانية إلى توحيد منطقة البحر الأبيض المتوسط بأكملها تحت قوة سياسية واحدة. لكن من الخطأ أن نقول ما قيل مراراً وتكراراً، إن الكوزموبوليتانية نشأت كرد فعل على سقوط مدينة "البوليس" اليونانية polis أو صعود الإمبراطورية الرومانية. أولاً: كان سقوط المدينة مبالغاً فيه إلى حد كبير. ففي ظل الممالك المتعاقبة، وحتى - ولو بدرجة أقل - في ظل حكم روما، ظل هناك مجال كبير للمشاركة السياسية المهمة محلياً.  ثانياً: وبشكل أكثر حسماً، إن الكونية التي كانت مقنعة للغاية خلال ما يسمى بالعصر الهلنستي وفي ظل الإمبراطورية الرومانية، كانت في الواقع متجذرة في التطورات الفكرية التي سبقت فتوحات الإسكندر. ومع ذلك، ليس هناك شك في أن الإمبراطوريات التي تطورت وازدهرت في ظلها الرواقية جعلت الكثير من الناس أكثر تقبلاً للمثل الكونية، وبالتالي ساهمت بشكل كبير في التأثير الواسع النطاق للكوزموبوليتانية الرواقية.

لم تكن الكوزموبوليتانية الرواقية نفسها أكثر تأثيراً مما كانت عليه في المسيحية المبكرة. اعتبر المسيحيون الأوائل الاعتراف الرواقي اللاحق بالمدينتين مصدرين مستقلين للالتزام وأضافوا لمسة جديدة. بالنسبة للرواقيين، فإن مواطني المدينة ومواطني المدينة الكونية يقومون بنفس العمل: كلاهما يهدف إلى تحسين حياة المواطنين. يستجيب المسيحيون لدعوة مختلفة: “أَدُّوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَإِنَّهُ لَهُمْ مَا لِقَيْصَرَ. وما لله لله» (متى 22: 21). ومن هذا المنظور، قد يكون للمدينة المحلية سلطة إلهية، ولكن العمل الأكثر أهمية لخير الإنسان يتم إزالته من السياسة التقليدية، ويوضع جانباً في مجال حيث يمكن للناس من كل الأمم أن يصبحوا "مواطنين مع القديسين".

هذا التطور له نتيجتان مهمتان وطويلتا الأمد، وقد أعلنهما القديس "أوغسطينوس" Augustine. أولاً: تصبح المدينة الكونية مرة أخرى مجتمعاً لأشخاص معينين فقط. يوضح أوغسطينوس هذه النقطة بشكل أكثر وضوحاً من خلال اقتصار المواطنة في مدينة الله على أولئك الذين يحبون الله. يتم إنزال جميع الآخرين إلى مدينة أرضية أدنى - رغم أنها لا تزال عالمية - بسبب حبهم لذاتهم. هاتان المدينتان في العالم، محكوم عليهما بالتعايش معاً حتى يوم القيامة، وهما تقسمان سكان العالم. ثانياً: يتم فصل عمل السياسة عن مهمة بناء حياة إنسانية طيبة، حياة الصلاح والعدالة. في حين يمكن لأوغسطينوس أن يؤكد على أن هذا يسمح للمواطنين في مدينة الله بإطاعة القوانين المحلية المتعلقة بـ "ضروريات الحفاظ على الحياة"، إلا أنه يجب عليه أيضاً أن يعترف بأن ذلك يخلق صراعاً محتملاً حول قوانين الدين واهتمامات البر والصلاح. العدالة.

ولمئات السنين القادمة، كانت المناقشات في الفلسفة السياسية تحيط بالعلاقة بين السلطة السياسية "الزمنية" و"الكنيسة الأبدية". ولكن التركيز على الجانب العالمي للكنيسة تضاءل، على الرغم من مثالها المتمثل في مجتمع ديني يضم كل البشر. باختصار، أصبح النقاش الآن يعارض العلماني والديني، وليس المحلي والعالمي. من المؤكد أن هذه المناقشة كانت لها في كثير من الأحيان تداعيات عالمية، وهي واضحة بالقدر الكافي في دعوة الفيلسوف الإيطالي "دانتي أليغييري" Dante Alighieri إلى إقامة ملكية عالمية في كتابه "دي مونارشيا" De Monarchia (حوالي عام 1314). إنه أطروحة عن السلطة العلمانية والدينية، وبشكل أكثر تحديداً عن العلاقة بين السلطة العلمانية (ممثلة في الإمبراطور الروماني المقدس) والسلطة الدينية (ممثلة في البابا). لكن قضيته مستمدة من أرسطو والتاريخ الروماني، وليس بشكل صريح من المثل الأعلى للمدينة العالمية أو المواطنة العالمية، ويظل مهتماً للغاية بالفصل بين البابا والإمبراطور الروماني المقدس.

السياق التاريخي للنهضة الفلسفية للكوزموبوليتانية

بدأت الكوزموبوليتانية في الظهور ببطء مرة أخرى مع الدراسة المتجددة للنصوص القديمة، ولكن خلال العصر الإنساني ظلت الكوزموبوليتانية هي الاستثناء. على الرغم من حقيقة أن المصادر العالمية القديمة كانت معروفة جيداً وأن العديد من الإنسانيين أكدوا على الوحدة الأساسية لجميع الأديان، إلا أنهم لم يطوروا هذه الفكرة بمصطلحات عالمية. ومع ذلك، اعتمد عدد قليل من المؤلفين، وأبرزهم عالم اللاهوت المسيحي في القرن الخامس عشر "إيراسموس روتردام" Erasmus Rotterdam بشكل واضح على العالمية القديمة للدفاع عن نموذج السلام العالمي التأكيد على وحدة البشرية على انقسامها إلى دول وشعوب مختلفة، من خلال القول بأن البشر مقدرون بطبيعتهم أن يكونوا اجتماعيين ويعيشون في وئام، دعا إيراسموس إلى التسامح الوطني والديني واعتبر الأشخاص ذوي التفكير المماثل مواطنيه.

قد تبدو نظرية القانون الطبيعي الحديثة المبكرة مرشحاً محتملاً لإنتاج الكوزموبوليتانية الفلسفية. إن ميولها العلمانية والنظرة الفردية الواسعة الانتشار بين المدافعين عنها بأن جميع البشر يشتركون في خصائص أساسية معينة قد تكون كذلك، ويبدو أنها تشير إلى نقطة توحيد للبشرية ككل. ومع ذلك، وفقاً للعديد من منظري الحداثة المبكرة، فإن ما يشترك فيه جميع الأفراد هو سعي أساسي للحفاظ على الذات، وعالمية هذا السعي لا ترقى إلى مستوى رابطة أساسية توحد ـ أو ينبغي أن توحد ـ جميع البشر في مجتمع عالمي.

ومع ذلك، هناك عاملان يدفعان أحياناً نظرية القانون الطبيعي الحديثة في اتجاه عالمي. أولاً: يفترض بعض منظري القانون الطبيعي أن الطبيعة مزروعة في البشر، بالإضافة إلى الميل إلى الحفاظ على الذات، أيضاً شعور بالزمالة، وهو شكل من أشكال التواصل الاجتماعي الذي يوحد كل البشر على مستوى أساسي في نوع من المجتمع العالمي. ومع ذلك، فإن جاذبية مثل هذه الرابطة الإنسانية المشتركة كانت ضعيفة للغاية، ولا تؤدي بأي حال من الأحوال إلى العالمية. في الواقع، تم استخدام فكرة التواصل الاجتماعي الطبيعي في بعض الأحيان بدلاً من ذلك لإضفاء الشرعية على الحرب ضد شعوب في أماكن أخرى من العالم قيل إنهم انتهكوا هذا الرابط المشترك بطريقة "غير طبيعية"، أو الذين قيل بسهولة أنهم وضعوا أنفسهم خارج نطاق رابطة الأخلاق الإنسانية المشتركة من خلال عاداتهم "البربرية".

 ثانيًا: كانت نظرية القانون الطبيعي الحديثة المبكرة مرتبطة في كثير من الأحيان بنظرية العقد الاجتماعي، وعلى الرغم من أن معظم منظري العقد الاجتماعي قد توصلوا إلى وجهات نظرهم في الغالب، إن لم يكن فقط، على مستوى الدولة وليس على مستوى العلاقات الدولية، فإن الفكرة وراء القانون الاجتماعي هي نفسها. نظرية العقد قابلة للتطبيق على هذا المستوى الثاني. لقد استخلص العالم الهولندي "هوغو جروتيوس" Hugo Grotius والفيلسوف الألماني "صموئيل بوفندورف" Samuel Pufendorf وآخرون هذه الآثار وبالتالي وضعوا الأساس للقانون الدولي. تصور غروتيوس “مجتمعاً عظيماً من الدول” مقيداً بـ “قانون الأمم” الذي يسري “بين جميع الدول”

يتكون السياق التاريخي للنهضة الفلسفية للكوزموبوليتانية خلال عصر التنوير من العديد من العوامل: الصعود المتزايد للرأسمالية والتجارة العالمية وانعكاساتها النظرية؛ وواقع الإمبراطوريات الآخذة في التوسع والتي امتد نطاقها إلى جميع أنحاء العالم؛ الرحلات حول العالم وما يسمى بـ "الاكتشافات" الأنثروبولوجية التي تم تسهيلها من خلال ذلك؛ الاهتمام المتجدد بـ "الفلسفة الهلنستية" Hellenistic philosophy وهي فلسفة يونانية قديمة تقابل الفترة الهلنستية في اليونان القديمة، وظهور مفهوم حقوق الإنسان والتركيز الفلسفي على العقل البشري.

 اعتبر العديد من المثقفين في ذلك الوقت أن عضويتهم في "جمهورية الآداب" Republic of letters في القرن السابع عشر العابرة للحدود الوطنية أكثر أهمية من عضويتهم في الدول السياسية المحددة التي وجدوا أنفسهم فيها، خاصة وأن علاقتهم بحكومتهم كانت متوترة في كثير من الأحيان بسبب قضايا الرقابة. وهذا ما أعدهم للتفكير بمصطلحات أخرى غير تلك الخاصة بالدول والشعوب، وتبني منظور عالمي. وتحت تأثير الثورة الأمريكية، وخاصة خلال السنوات الأولى من الثورة الفرنسية، تلقت الكوسموبوليتانية أقوى دافع لها. لقد نشأ إعلان حقوق «الإنسان» عام 1789 من أنماط التفكير العالمية وعززها بدوره.

الانفتاح والحياد

في القرن الثامن عشر، لم يكن مصطلحا «الكوزموبوليتانية» و"المواطنة العالمية" يستخدمان في كثير من الأحيان كتسميات لنظريات فلسفية محددة، بل للإشارة إلى موقف من الانفتاح والحياد. إن الكوزموبوليتاني هو شخص لا يخضع لسلطة دينية أو سياسية معينة، هو شخص غير متحيز لولاءات معينة أو تحيز ثقافي. علاوة على ذلك، تم استخدام المصطلح أحياناً للإشارة إلى الشخص الذي يعيش أسلوب حياة متحضر، أو الذي كان مغرماً بالسفر، أو يعتز بشبكة من الاتصالات الدولية، أو يشعر بأنه في وطنه في كل مكان. وبهذا المعنى، ذكرت الموسوعة أن كلمة "كوزموبوليتان" كانت تستخدم غالباً للإشارة إلى "رجل ليس له مسكن ثابت، أو رجل ليس غريباً في أي مكان". على الرغم من أن المؤلفين الفلسفيين مثل الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي "مونتسكيو" Montesquieu، والكاتب التنويري الفرنسي "فولتير"Voltaire، والناقد الفرنسي "دينيس ديدرو" Denis Diderot، والفيلسوف الاسكتلندي "ديفيد هيوم"David Hume، والكاتب والسياسي الأمريكي "توماس جيفرسون" Thomas Jefferson جميعهم عرّفوا أنفسهم على أنهم عالميون في واحد أو أكثر من هذه المعاني، إلا أن هذه الاستخدامات ليست ذات أهمية فلسفية كبيرة.

ومع ذلك، فقد تم استخدام المصطلح أيضاً بشكل متزايد للإشارة إلى قناعات فلسفية معينة وخاصة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. أعاد بعض المؤلفين إحياء التقليد الساخر. أطلق الفرنسي "فوجيريت دي مونتبرون" Fougeret de Monbron في تقريره عن سيرته الذاتية عام 1753، لو كوزموبوليت، على نفسه اسم عالمي، ويصف كيف يسافر إلى كل مكان دون أن يكون ملتزماً بأي مكان، معلناً أن "جميع البلدان هي نفسها بالنسبة لي" و"[أنا] أغير أماكن إقامتي حسب هواي".

وعلى الرغم من حقيقة أن عدداً قليلاً فقط من المؤلفين التزموا بهذا النوع من الكوسموبوليتانية، إلا أن هذه هي النسخة التي اتخذها منتقدو الكوسموبوليتانية هدفاً لهم. على سبيل المثال، يشكو "جان جاك روسو" Jean-Jacques Rousseau من أن الكوزموبوليتانيين «يتباهون بأنهم يحبون الجميع وأن لهم الحق في ألا يحبوا أحداً. يقول الفيلسوف والمؤرخ الألماني "يوهان جورج شلوسر" Johann Georg Schlosser في قصيدته النقدية "هناك عالمية" Der Kosmopolit: "من الأفضل أن يفتخر المرء بأمته بدلاً من ألا يكون لديه أي أمة"، وذلك على افتراض واضح أن العالمية تعني الاحتمال الأخير.

ومع ذلك، فإن معظم المدافعين عن العالمية في القرن الثامن عشر لم يعترفوا بوجهة نظرهم الخاصة في هذه الأوصاف النقدية. لقد فهموا العالمية ليس كشكل من أشكال الفردية المتطرفة، بل بالاعتماد على التقليد الرواقي، باعتبارها تنطوي على المثل الأخلاقية الإيجابية لمجتمع إنساني عالمي، ولم ينظروا إلى هذا المثل الأعلى باعتباره معادياً لارتباطات أكثر خصوصية. البعض، مثل الكاتب الألماني "كريستوف مارتن فيلاند" Christoph Martin Wieland، ظل قريباً جداً من وجهات النظر الرواقية. وطور آخرون نظرية أخلاقية عالمية كانت جديدة بشكل مميز. وفقا لـ "إيمانويل كانط" Immanuel Kant  جميع الكائنات العقلانية هي أعضاء في مجتمع أخلاقي واحد. وهم يشبهون المواطنين بالمعنى السياسي (الجمهوري) من حيث أنهم يشتركون في خصائص الحرية والمساواة والاستقلال، وأنهم يعيشون في ظل قوانينهم الخاصة. غير أن قوانينهم العامة هي قوانين الأخلاق المرتكزة على العقل. وعلى النقيض من ذلك، دافع الكوزموبوليتانيون الأوائل، مثل الفيلسوف الانجليزي "جيريمي بينثام" Jeremy Bentham، عن عالميتهم من خلال الإشارة إلى "المنفعة المشتركة والمتساوية لكل الأمم". يمكن أن ترتكز الكونية الأخلاقية على العقل البشري، أو في بعض الخصائص الأخرى المشتركة عالمياً بين البشر (وفي بعض الحالات أنواع أخرى من الكائنات) مثل القدرة على تجربة المتعة، أو الألم، أو الحس الأخلاقي، أو الخيال الجمالي.

كان الكوزموبوليتانيون الأخلاقيون يعتبرون كل البشر "إخوة" ــ وهو القياس الذي كانوا يهدفون من خلاله إلى الإشارة إلى المساواة الأساسية في المرتبة بين كل البشر، وهو ما يحول دون العبودية، والاستغلال الاستعماري، والتسلسل الهرمي الإقطاعي، والوصاية بمختلف أنواعها. ولكن، كما يشير مصطلح "الإخوة"، فإن هذا لا يعني أن فكرهم كان دائماً خالياً من التحيز والتناقض. والواقع أن العديد من المؤلفين جمعوا بين عالميتهم الأخلاقية والدفاع عن تفوق الرجال على النساء، أو تفوق "البيض" على "الأجناس" الأخرى. ومن الأمثلة البارزة على ذلك كانط، الذي دافع عن الاستعمار الأوروبي قبل أن يصبح منتقداً له بشدة في منتصف تسعينيات القرن الثامن عشر، والذي لم يتخل أبداً عن وجهة النظر القائلة بأن المرأة أدنى من الرجل في النواحي الأخلاقية ذات الصلة.

في العلاقات الدولية

وقد طور بعض الكوزموبوليتانيين وجهة نظرهم إلى نظرية سياسية حول العلاقات الدولية. لا شك أن أكثر السياسيين العالميين تطرفاً في القرن الثامن عشر كان أناكارسيس كلوتس (جان بابتيست دو فال دي جريس، بارون دي كلوتس، 1755–1794) Jean-Baptiste du Val-de-Grâce وقد كان نبيلاً بروسياً، وشخصية مهمة في الثورة الفرنسية. ربما كان أول من دعا إلى إنشاء برلمان عالمي. كما دعا كلوتس إلى إلغاء جميع الدول القائمة وإنشاء دولة عالمية واحدة يتم بموجبها إدراج جميع الأفراد البشر بشكل مباشر. اعتمدت حججه في المقام الأول على البنية العامة لنظرية العقد الاجتماعي. إذا كان من المصلحة العامة أن يخضع الجميع لسلطة دولة تطبق القوانين التي توفر الأمن، فإن هذه الحجة تنطبق على جميع أنحاء العالم وتبرر إنشاء "جمهورية من الأفراد المتحدين" على مستوى العالم، وليس التعددية. الدول التي تجد نفسها في حالة الطبيعة في مواجهة بعضها البعض. ثانياً: كان يرى أن السيادة يجب أن تكون في يد الشعب، وأن مفهوم السيادة نفسه، لأنه ينطوي على عدم قابلية للتجزئة، يعني أنه لا يمكن أن يكون هناك سوى هيئة ذات سيادة واحدة في العالم، وهي الجنس البشري ككل "الجمهورية العالمية" La république Universelle.

لم يذهب معظم السياسيين العالميين الآخرين إلى حد كلوتس. وكان إيمانويل كانط، أشهر من دعا إلى شكل أضعف كثيراً من النظام القانوني الدولي، أو على وجه التحديد، شكل "عصبة الأمم". في كتابه "نحو السلام الدائم" (1795)، يزعم كانط أن السلام الحقيقي على مستوى العالم لن يكون ممكناً إلا عندما تنظم الدول نفسها داخلياً وفقاً لمبادئ "الجمهورية"، وعندما ينظمون أنفسهم خارجياً في رابطة تطوعية من أجل الحفاظ على السلام، وعندما يحترمون حقوق الإنسان ليس فقط لمواطنيهم، بل للأجانب أيضاً. وهو يرى أن عصبة الدول لا ينبغي أن تتمتع بقوى عسكرية قسرية لأن ذلك من شأنه أن ينتهك السيادة الداخلية للدول.

رداً على ذلك، جادل بعض النقاد بأن موقف كانط كان غير متسق، لأنه من وجهة نظرهم، فإن الطريقة الوحيدة للتغلب بشكل كامل على حالة الطبيعة بين الدول كانت أن تدخل الأخيرة في اتحاد فيدرالي مع قوى قسرية. قام أتباع الفيلسوف الألماني المثالي "يوهان غوتليب فيشته" Johann Gottlieb Fichte الأوائل بتحويل مفهوم السيادة في هذه العملية، من خلال تصوره على أنه متعدد الطبقات، وقد مكنهم هذا من القول بأن الدول يجب أن تنقل جزءًا من سيادتها إلى المستوى الفيدرالي، ولكن فقط ذلك الجزء الذي يتعلق بعلاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى، مع احتفاظها بسيادة الدول فيما يتعلق بشؤونها الداخلية.

من ناحية أخرى، رأى المؤلفون الرومانسيون أن الدولة المثالية لا ينبغي أن تنطوي على الإكراه على الإطلاق، ومن ثم يجب أن يكون المثل العالمي أيضاً هو جمهورية عالمية من الجمهوريات "الأخوية" غير الاستبدادية كما يعتقد الأديب والفيلسوف الألماني "فريدريش شليغل" Friedrich Schlegel. وخاصة أن الاعتراض الأول تكرر منذ ذلك الحين، بل أكثر، فقد شككت التفسيرات الأخيرة في شرعيتها، بحجة أنه يمكن أيضاً قراءة كانط على أنه يدعو إلى الدوري الفضفاض كخطوة أولى على الطريق نحو اتحاد يتمتع بسلطات قسرية. ولأن الانضمام إلى هذا الشكل الأقوى من الاتحاد ينبغي أن يكون قراراً طوعياً من جانب الشعوب المعنية، احتراماً لاستقلالها السياسي، فإن الاتحاد القوي ليس مسألة حق دولي قسري. بناءً على هذا التفسير، فإن دفاع كانط عن الدوري الفضفاض أكثر اتساقاً.

كما قدم كانط مفهوم "القانون العالمي" مما يشير إلى مجال ثالث للقانون العام ــ بالإضافة إلى القانون الدستوري والقانون الدولي ــ حيث تتمتع كل من الدول والأفراد بحقوق، وحيث يتمتع الأفراد بهذه الحقوق باعتبارهم "مواطنين على الأرض". وليس كمواطنين في دول معينة.

اقتصاد عالمي

بالإضافة إلى الأشكال الأخلاقية والسياسية للكوزموبوليتانية، ظهر شكل اقتصادي للنظرية العالمية. لقد تطورت التجارة الأكثر حرية التي دعا إليها مناهضو التجارة في القرن الثامن عشر، وخاصة عالم الاقتصاد الاسكتلندي "آدم سميث" Adam Smith إلى نموذج السوق الحرة العالمية على يد المؤرخ الألماني "ديتريش هيرمان هيجويتش" Dietrich Hermann Hegewicz كان مثاله المثالي هو عالم تُلغى فيه التعريفات الجمركية وغيرها من القيود المفروضة على التجارة الخارجية، عالم حيث يعتني السوق ـ وليس الحكومة ـ باحتياجات الناس، وضد النزعة التجارية. زعم أنه من الأفضل لجميع المعنيين أن تستورد الدولة تلك السلع التي يكون إنتاجها محلياً أكثر تكلفة، وأن إلغاء الحمائية سيفيد الجميع. وإذا كان لدول أخرى أن تستفيد من صادراتها، فسوف تتمكن من الوصول إلى مستوى معيشة أعلى وتصبح شريكاً تجارياً أفضل، لأنها سوف تتمكن بعد ذلك من استيراد المزيد أيضاً. علاوة على ذلك، فمن وجهة نظر هيجويتش، بعد تحرير التجارة في جميع أنحاء العالم، فإن أهمية الحكومات الوطنية سوف تتضاءل بشكل كبير. وقال إنه بما أن الحكومات الوطنية تركز في الغالب على الاقتصاد الوطني والدفاع، فإن دورها المستقبلي سيكون مساعداً على الأكثر. وكلما أصبحت السوق العالمية أكثر حرية، كلما أصبح دور الدول ضئيلا.

***

د. حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمرك

ترجمة: د. زهير الخويلدي

"سواء بالنسبة لتشكيل الطليعة الثورية أو لتجديد الحركة العمالية ككل، فمن الضروري صياغة البرنامج الاشتراكي من جديد، وأن يتم ذلك بطريقة أكثر دقة وتفصيلا من ذي قبل. ونعني بالبرنامج الاشتراكي تدابير تحويل المجتمع التي يتعين على البروليتاريا المنتصرة أن تتخذها لتحقيق هدفها الشيوعي. لا يتم هنا تناول المشاكل المتعلقة بنضال العمال في إطار المجتمع الاستغلالي. نقول: أعدوا صياغة برنامج سلطة البروليتاريا، وصوغوه بطريقة أكثر دقة مما كانت عليه في الماضي. صياغته مرة أخرى، لأن صياغته التقليدية قد تم استبدالها إلى حد كبير بالتطور التاريخي؛ وعلى وجه الخصوص، لا يمكن تمييز هذه الصيغة التقليدية اليوم عن تشويهها الستاليني. صياغتها بدقة أكبر بكثير، لأن الغموض الستاليني استخدم بدقة الطابع العام والمجرد للأفكار البرنامجية للماركسية التقليدية لتمويه الاستغلال البيروقراطي تحت القناع “الاشتراكي”. لقد أظهرنا عدة مرات في هذه المراجعة كيف تمكنت الثورة المضادة الستالينية من استخدام البرنامج التقليدي كمنصة. محوراها: التأميم والتخطيط الاقتصادي، من جهة، وديكتاتورية الحزب كتعبير ملموس عن دكتاتورية البروليتاريا؛ ومن ناحية أخرى، في ظل ظروف التطور التاريخي المحددة، تم الكشف عن الأسس البرنامجية للرأسمالية البيروقراطية. وما لم نرفض هذه الملاحظة التجريبية، أو ننكر الحاجة إلى برنامج اشتراكي للبروليتاريا، فمن المستحيل التمسك بالمواقف البرنامجية التقليدية. وبدون تفصيل برنامجي جديد، لن تتمكن الطليعة أبدا من وضع حدودها فيما يتعلق بالستالينية على أصدق وأعمق أرضية؛ وقد أثبتت تجربة التروتسكية المؤسفة ذلك بجلاء. ولكن من الواضح أيضًا أن هذا الاستخدام للأفكار البرنامجية التقليدية للماركسية من قبل الستالينية، بعيدًا عن أن يعني أنه في الإنجاز الستاليني قد تم الكشف عن الجوهر الحقيقي للماركسية، كما قال البعض إنهم يحزنون أو يفرحون بها، فقد عبر ببساطة عن والحقيقة هي أن هذه الأشكال المجردة - التأميم والدكتاتورية - اتخذت محتوى ملموسًا مختلفًا عن المحتوى المحتمل الذي كانت عليه في الأصل. بالنسبة لماركس، كان التأميم يعني قمع الاستغلال البرجوازي. علاوة على ذلك، فإنه لم يفقد هذا المعنى في أيدي الستالينيين؛ لكنها اكتسبت أيضًا شيئًا آخر - تأسيس الاستغلال البيروقراطي. فهل يعني هذا أن سبب نجاح الستالينية هو الطابع غير الدقيق أو المجرد للبرنامج التقليدي؟ وسيكون من السطحي أن ننظر إلى الأمر بهذه الطريقة. هذا الطابع المجرد وغير الدقيق في حد ذاته لم يعبر إلا عن عدم نضج الحركة العمالية، حتى بين ممثليها الأكثر وعيا، ومن عدم النضج هذا، بالمعنى الأوسع، تنبع البيروقراطية. ومن ناحية أخرى، فإن التجربة البيروقراطية، و"تحقيق" البيروقراطية للأفكار التقليدية، سيسمح للحركة العمالية بالوصول إلى هذا النضج وإعطاء تجسيد جديد لأهدافها البرنامجية. إن صياغة البرنامج الاشتراكي بدقة أكبر مما تم حتى الآن في إطار الماركسية لا تعني بأي حال من الأحوال العودة إلى الاشتراكية الطوباوية. إن نضال الماركسية ضد الاشتراكية الطوباوية نشأ من عاملين: فمن ناحية، لم تكن السمة الأساسية لـ "الطوباوية" هي وصف المجتمع المستقبلي، بل محاولة تأسيس هذا المجتمع في أصغر تفاصيله وفق نموذج منطقي، دون دراسة القوى الاجتماعية الملموسة التي تتجه نحو التنظيم الأعلى للمجتمع. وكان هذا مستحيلاً فعلياً قبل تحليل المجتمع الحديث الذي بدأه ماركس. سمحت استنتاجات هذا التحليل لماركس بوضع أسس البرنامج الاشتراكي؛ استمرار هذا التحليل اليوم بمواد لا حصر لها. لقد تراكم أكثر من قرن من التطور التاريخي، مما يسمح لنا بالتقدم أكثر في مجال البرنامج. ومن ناحية أخرى، كانت الاشتراكية الطوباوية مهتمة فقط بالخطط المثالية لإعادة تنظيم المجتمع في وقت كانت فيه هذه الخطط، سواء كانت جيدة أو سيئة، ذات أهمية ضئيلة للغاية بالنسبة للتطور الفعلي للحركة العمالية الملموسة على أي حال، وكانت غير مهتمة تمامًا الأخير. وفي مواجهة هذا الموقف وبقاياه، كان ماركس على حق عندما أعلن أن خطوة عملية واحدة أفضل من مائة برنامج. لكن معظم النضال الثوري الملموس اليوم هو في الواقع نضال ضد الغموض الستاليني أو الإصلاحي، مما يقدم أشكالا جديدة إلى حد ما من الاستغلال فضلا عن "الاشتراكية". هذه المعركة ممكنة فقط على حساب تطوير جديد للبرنامج. إن القيود الطوعية التي فرضتها الماركسية على نفسها في صياغة البرنامج الاشتراكي كانت ترجع أيضًا إلى الفكرة، التي كانت سارية ضمنيًا آنذاك، والتي بموجبها سيطلق التدمير الثوري للطبقة الرأسمالية ودولتها العنان لبناء الاشتراكية.. ويثبت كل من التحليل النظري والتجربة التاريخية أن هذه الفكرة كانت غامضة، على أقل تقدير. إذا كان صحيحا، كما قال تروتسكي، أن "الاشتراكية، على عكس الرأسمالية، تُبنى بوعي" وبالتالي فإن النشاط الواعي للجماهير هو الشرط الأساسي للتطور الاشتراكي، فيجب علينا أن نستخلص من جميع استنتاجات هذه الفكرة، وفوق كل هذا، فإن هذا التنوير الواعي يفترض توجهًا برمجيًا دقيقًا. علاوة على ذلك، فإن الروح التي تغلغلت في "التجريبية" النسبية لماركس في هذا المجال لا تزال صالحة، بمعنى أنها تشكل تحذيرا شديدا ضد أي جفاف عقائدي قد يميل إلى إخضاع التحليل الحي من العملية التاريخية لأنماط مسبقة، وضد أي محاولة لاستبدال تطور طائفة ما بالعمل الإبداعي للجماهير نفسها. لا يوجد تطور برنامجي صحيح لا يأخذ في الاعتبار التطور الحقيقي، وخاصة تطور وعي البروليتاريا. إن برنامج الثورة الذي صاغته المنظمة الطليعة ما هو إلا تعبير مرتقب عن المهام الناشئة عن الوضع الموضوعي والوعي الطبقي خلال الفترة الثورية، وفي المقابل فإن نشر هذا البرنامج والترويج له هو شرط للمستقبل. تطور هذا الوعي الطبقي.

الشيوعية والمجتمع الانتقالي

وإذا أطلقنا على برنامج الثورة اسم "البرنامج الاشتراكي"، فهذا فقط للإشارة إلى أنه لا يتعلق بالمجتمع الشيوعي نفسه، بل بمرحلة التحول التاريخي الذي يؤدي نحو هذا المجتمع. وبخلاف ذلك، لا يوجد شيء اسمه "المجتمع الاشتراكي" كنوع محدد ومستقر من المجتمع، ويجب مكافحة الارتباك الذي ساد حول هذه الفكرة منذ خمسين عامًا بقوة. لقد ميز ماركس بشكل واحد بين مرحلتين من مجتمع ما بعد الثورة، ما أسماه المرحلة الدنيا والمرحلة العليا للشيوعية. ولهذا التمييز أساس اقتصادي واجتماعي لا جدال فيه: إن "المرحلة الدنيا من الشيوعية" (المرحلة التي نسميها المجتمع الانتقالي) لا تزال تتوافق مع اقتصاد النقص، حيث لم يحقق المجتمع بعد الوفرة المادية والتنمية الكاملة للقدرات البشرية. ; إن هذا القصور، الاقتصادي والإنساني، للمجتمع الانتقالي يترجم سياسيا إلى صيانة – بمحتوى وشكل جديدين تماما مقارنة بالتاريخ السابق – لسلطة “الدولة”، أي من خلال دكتاتورية البروليتاريا. وإذا كان المجتمع الانتقالي، في هذين الجانبين، لا يزال يحمل "وصمات المجتمع الرأسمالي الذي يأتي منه"، فإنه، من ناحية أخرى، يختلف عنه جذريا من حيث أنه يلغي الاستغلال على الفور. إن مغالطات تروتسكي حول مسألة "الاشتراكية" و"الدولة العمالية" جعلتنا ننسى هذه الحقيقة الأساسية: إذا كانت الندرة الاقتصادية تبرر القيود، فإن التوزيع حسب العمل وليس حسب الاحتياجات، من ناحية أخرى، لا يبرر ذلك بأي حال من الأحوال. استمرار الاستغلال وإلا فإن الانتقال من المجتمع الرأسمالي إلى المجتمع الشيوعي سيكون مستحيلا إلى الأبد. سيبدأ بناء الشيوعية دائما من حالة النقص: إذا كان هذا النقص يجعل الاستغلال ضروريا ومبررا، فسيكون ذلك نظاما طبقيا جديدا هو الذي سينتج وليس الشيوعية. لذلك يتم تعريف المجتمع الشيوعي ("المرحلة العليا من الشيوعية") بالوفرة الاقتصادية ("لكل حسب احتياجاته")، والاختفاء الكامل للدولة ("إدارة الأشياء التي تحل محل حكومة الناس") والتطور الكامل للدولة. قدرات الإنسان ("الإنسان الانساني، الإنسان الكامل"). أما المجتمع الانتقالي فهو شكل تاريخي عابر يحدده هدفه وهو بناء الشيوعية. ومع انحسار النقص وتطور القدرات البشرية، تتلاشى الحاجة إلى الإكراه المنظم من جانب الدولة وسيطرة الاقتصاد على البشر. إذا كان المجتمع الشيوعي (المجتمع الإنساني الحقيقي) حسب تعبير ماركس هو مملكة الحرية، فإن مملكة الحرية هذه لا تعني قمع مملكة الضرورة التي هي الاقتصاد، بل تعني اختزالها بشكل تدريجي وخضوعها التام للحاجات. للتنمية البشرية، والتي تعتبر وفرة السلع وتقليص يوم العمل شرطين أساسيين لها. إن اتجاه المجتمع الانتقالي يتحدد من خلال هدفه - بناء الشيوعية - والظروف التي يجب أن يتحقق فيها - الوضع الحالي للمجتمع العالمي. إن بناء الشيوعية يفترض إلغاء الاستغلال، والتطور السريع لقوى الإنتاج، وفي التحليل النهائي تطوير القدرات الإجمالية للإنسان. إن تطور الإنسان هذا هو التعبير الأكثر عمومية عن هدف هذا المجتمع والوسيلة الأساسية لتحقيق هذا الهدف. ويتم التعبير عنه بشكل ملموس من خلال تحرير النشاط الواعي للبروليتاريا. وهذا يحدد كلا من قمع الاستغلال ("إن تحرير العمال سيكون من عمل العمال أنفسهم") وتطوير القوى المنتجة ("من بين جميع القوى المنتجة في المجتمع، الطبقة الثورية هي الأكثر أهمية") و الطابع الجديد جذريا لديكتاتورية البروليتاريا كسلطة دولة ("سلطة الجماهير المسلحة"). إن الاتجاه العميق للرأسمالية العالمية يقودها، من خلال التركيز الكلي لقوى الإنتاج، إلى إلغاء الملكية الخاصة باعتبارها وظيفة اقتصادية أساسية للاستغلال، وجعل إدارة الإنتاج هي الوظيفة التي تميز أفراد المجتمع كمستغلين ومستغلين. ونتيجة لنفس التطور، فإن جهاز إدارة الاقتصاد وبيروقراطية الدولة والمثقفين يميلون إلى الاندماج عضويا، ويصبح الاستغلال مستحيلا دون اتصال مباشر بالإكراه المادي والغموض الأيديولوجي. لذلك، لا يمكن قمع الاستغلال إلا إذا – وفقط إذا – كان قمع الطبقة المستغلة مصحوبًا بقمع الظروف الحديثة لوجود مثل هذه الطبقة؛ هذه الشروط أصبحت أقل فأقل "الملكية الخاصة" و"السوق" وما إلى ذلك. (قمعها تطور الرأسمالية نفسها) واحتكار إدارة الاقتصاد والحياة الاجتماعية بشكل متزايد، الإدارة التي تظل وظيفة مستقلة ومعارضة للإنتاج الصحيح. لا يمكن إلغاء الأساس الحقيقي للاستغلال الحديث إلا بقدر ما يقوم المنتجون أنفسهم بتنظيم إدارة الإنتاج؛ وبعد أن أصبحت الإدارة الاقتصادية غير قابلة للفصل عن السلطة السياسية، فإن إدارة العمال تعني بشكل ملموس دكتاتورية المنظمات البروليتارية الجماهيرية واستيلاء البروليتاريا على الثقافة. إن إلغاء التعارض بين القادة وفناني الأداء في الاقتصاد والحفاظ عليه في السياسة (من خلال دكتاتورية الحزب) هو غموض رجعي من شأنه أن يؤدي بسرعة إلى صراع جديد بين المنتجين والبيروقراطيين السياسيين. وبشكل متماثل، فإن إدارة الاقتصاد من قبل المنتجين هي حاليا الشرط الضروري والكافي لتحقيق المجتمع الشيوعي بسرعة. بهذا المعنى الكامل فقط يعبر مصطلح "ديكتاتورية البروليتاريا" بشكل فعال عن جوهر المجتمع الانتقالي.

اقتصاد الفترة الانتقالية

تطرح مشكلة اقتصاد الفترة الانتقالية نفسها في جانبين رئيسيين: قمع الاستغلال من جهة، والتطور السريع للقوى المنتجة من جهة أخرى. إن الاستغلال يقدم نفسه أولا وقبل كل شيء باعتباره استغلالا في الإنتاج نفسه، باعتباره اغتراب المنتج في العملية الإنتاجية. إنه تحويل الإنسان إلى حبة جوز بسيطة في الآلة، إلى جزء غير شخصي من جهاز الإنتاج، واختزال المنتج إلى مؤدي نشاط لم يعد بإمكانه فهم معناه أو اندماجه في النظام عملية. إن إزالة هذا الجذر الأهم والأعمق للاستغلال يعني الارتقاء بالمنتجين إلى إدارة الإنتاج، وتكليفهم بشكل كامل بتحديد وتيرة العمل ومدته، وعلاقاتهم مع الآلات ومع العمال الآخرين، وأهداف الإنتاج. ووسائل تحقيقها. ومن الواضح أن هذه الإدارة سوف تطرح مشاكل معقدة للغاية فيما يتعلق بالتنسيق بين مختلف قطاعات الإنتاج والأعمال، ولكن ليس هناك شيء غير قابل للحل بشأن هذه المشاكل.

ويتم التعبير عن الاستغلال أيضًا، بطريقة مشتقة، في توزيع الناتج الاجتماعي، أي في عدم المساواة في العلاقة بين الدخل والعمل المقدم. لن يتم القضاء على عدم المساواة بشكل عام في المجتمع الانتقالي؛ لا يمكن القضاء على هذا التفاوت إلا في المجتمع الشيوعي، وهذا ليس في شكل دخل متساوٍ حسابيًا للجميع، ولكن في شكل الإشباع الكامل لاحتياجات الجميع: لكن المجتمع الانتقالي سوف يلغي تخصيص الدخل دون عمل منتج، أو غير متناسب. لكمية ونوعية العمل الإنتاجي المقدم فعليا للمجتمع؛ وبالتالي فإنه سيزيل عدم المساواة في العلاقة بين دخل العمل وكمية العمل. وبدون الرغبة في تقديم "حل" أو حتى تحليل لمشكلة الأجر مقابل العمل الإنتاجي في الاقتصاد الانتقالي، يمكننا مع ذلك أن نلاحظ أن هذا المجتمع سوف يتجه منذ البداية نحو تحقيق أكبر قدر ممكن من المساواة. لأنه على الرغم من أن المساوئ الناجمة عن عدم المساواة في معدلات أجور العمل كبيرة وواضحة (تشويه الطلب الاجتماعي، وإشباع الحاجات الثانوية من قبل البعض حيث لا يستطيع البعض الآخر تلبية الحاجات الأولية، مما يؤدي إلى عواقب نفسية وسياسية)، فإن المزايا كلها مشكوك فيها وثانوي. وبالتالي، فإن مبرر الأجر الأعلى للعمل المؤهل من خلال "تكاليف الإنتاج" الأكبر (تكاليف التدريب والسنوات غير الإنتاجية) لهذا العمل يبدأ من اللحظة التي يتحمل فيها المجتمع نفسه هذه التكاليف. على الأكثر، في هذه الحالة، يمكننا أن نقبل أن «سعر» هذا العمل أكبر (يقابل «قيمته» أو «تكلفة إنتاجه»)، لكن ليس أن الدخل الشخصي لهذا العامل يعكس هذا الفارق. إن فكرة أن الأجور المرتفعة ضرورية لجذب الناس إلى المهن التي تتطلب مهارات أعلى هي ببساطة فكرة سخيفة: فجاذبية هذه الأنشطة تكمن في طبيعة النشاط نفسه، والمشكلة الرئيسية، بمجرد إزالة القمع الاجتماعي، ستتمثل في توفير "العيش". أنشطة أقل شأنا". هناك مشكلتان أخريان أقل بساطة: للحصول على أقصى قدر من الجهد الإنتاجي من الأفراد في فترة النقص، سيكون من الممكن للمجتمع أن يربط أجر العمل بكمية العمل المقدم (مقاسًا بوقت العمل)، وربما حتى حجمه. الشدة (تقاس بعدد الأشياء أو الأفعال المنتجة). لكن أهمية هذه المشكلة تتضاءل عندما يزيل التصنيع والإنتاج الضخم كل استقلال تقني عن العمل الفردي، ويدمجه في النشاط الإنتاجي لكل له إيقاعه الخاص الذي لا يمكن أن تتجاوزه وتيرة الفرد بشكل مفيد (الإنتاج المتسلسل وما إلى ذلك، مقابل للعمل بالقطعة). وفي هذا السياق، فإن الأمر الأساسي هو أن تحدد المجموعة الملموسة من المنتجين معدلها الإجمالي الأمثل، وليس أن يزيد كل منهم من جهده الإنتاجي بطريقة غير متسقة. ومن ثم، فمن الممكن أن تنشأ المشكلة على نطاق مجموعة العمال الذين يشكلون وحدة إنتاجية تقنية. وهناك مشكلة أخرى تتمثل في أنه قد يكون من الضروري الحصول على حركة جغرافية أو مهنية قصيرة المدى للقوى العاملة؛ وإذا لم يكن الإقناع كافيا لاستفزازهم، فقد يصبح من الضروري العمل من خلال التمييز بين معدلات الأجور. لكن أهمية هذه الاختلافات ستكون ضئيلة، كما يثبت مثال المجتمع الرأسمالي بشكل واضح. إن مشكلة التطور السريع للثروة الاجتماعية تطرح نفسها من ناحية كمشكلة تنظيم عقلاني لقوى الإنتاج الموجودة، ومن ناحية أخرى كمشكلة نمو هذه القوى الإنتاجية. يقدم التنظيم العقلاني للقوى المنتجة في حد ذاته عددًا لا حصر له من الجوانب، ولكن أهمها هو إدارة العمال. ولأن المنتجين وحدهم، في كلهم العضوي، لديهم رؤية كاملة ووعي بمشكلة الإنتاج، بما في ذلك جانبها الأكثر أهمية وهو التنفيذ الملموس للأفعال الإنتاجية، فإنهم وحدهم يستطيعون تنظيم العملية الإنتاجية بطريقة عقلانية. على العكس من ذلك، فإن إدارة الطبقات المستغلة هي دائمًا غير عقلانية في جوهرها، لأنها دائمًا ما تكون خارج نطاق النشاط الإنتاجي نفسه، ولا تملك سوى معرفة غير كاملة ومجزأة بالظروف الملموسة التي يحدث فيها ذلك وبآثار الأهداف المختارة. لقد تم طرح مشكلة زيادة قوى الإنتاج حتى الآن، قبل كل شيء، من زاوية التعارض المفترض غير القابل للاختزال القائم بين التراكم (زيادة رأس المال الثابت) وإنتاج وسائل الاستهلاك، وبالتالي تحسين مستوى المعيشة. إن هذه المعارضة التي يصر عليها المبهمون لصالح البيروقراطية هي معارضة زائفة تخفي الشروط الحقيقية للمشكلة. إن التعارض بين ضرورات التراكم وضرورات الاستهلاك يتم حله في التوليف الذي تقدمه فكرة إنتاجية العمل البشري. إن تطور القوى المنتجة، أو بالأحرى النتيجة الإنتاجية لهذا التطور، ينحصر في التحليل النهائي في تطور قوة إنتاج العمل، أي قوة الإنتاجية. وتعتمد هذه الإنتاجية بدورها على تطور الظروف الموضوعية للإنتاج - أي تنمية رأس المال الثابت بشكل أساسي - وعلى تنمية القدرات الإنتاجية للعمل الحي. وترتبط هذه القدرات الإنتاجية ارتباطا مباشرا من ناحية بتطور الفرد المنتج داخل الإنتاج - وبالتالي بإدارة العمال - ومن ناحية أخرى، بزيادة استهلاك العمال ورفاههم، وتنمية ثقافتهم الفنية والشاملة وتقليص ساعات العمل؛ وبشكل أعم، فإن هذا الجانب من الإنتاجية، الذي يمكن أن نسميه الإنتاجية الذاتية، يعتمد على التزام المنتجين الكامل والواعي بالإنتاج. ولذلك فإن هناك علاقة موضوعية بين تراكم رأس المال الثابت وتوسع الاستهلاك (بالمعنى الأوسع) تحدد الحل الأمثل لمشكلة الاختيار بين هذين المسارين لزيادة الإنتاجية الإجمالية. وكما يمكن زيادة الإنتاج بسبب تخفيض ساعات العمل، فإن الزيادة في الرفاهية يمكن أن تكون أكثر إنتاجية - بالمعنى الأكثر مادية للمصطلح - من الزيادة في المعدات. بحكم طبيعتها، لا يمكن للطبقة المستغلة أو شريحة من القادة أن ترى سوى جانب واحد من المشكلة - حيث يصبح تراكم رأس المال الثابت بالنسبة لهم الوسيلة الوحيدة لزيادة الإنتاج. فقط من خلال وضع أنفسنا من وجهة نظر المنتجين يمكننا تحقيق التوليف بين وجهتي النظر. ومرة أخرى، فإن هذا التوليف، في غياب المنتجين أنفسهم، لن يكون له سوى قيمة مجردة، لأن التصاق المنتجين الواعي بالإنتاج هو الشرط الأساسي لأقصى تطور للإنتاجية، وهذا الالتصاق لن يتحقق إلا بقدر ما يعرف المنتجون أن الحل المقدم هو الحل الخاص بهم. طالما استمر النقص في السلع؛ سيضطر المجتمع إلى تقنين الاستهلاك، والطريقة الأكثر عقلانية للقيام بذلك ستكون تحديد سعر لكل منتج؛ وبذلك يكون المستهلك قادراً على أن يقرر بنفسه كيف ينفق دخله الذي يمنحه أقصى قدر من الرضا، وسيكون المجتمع قادراً، على المدى القصير، على مواجهة النقص أو التفاوت الاستثنائي في تطوير الإنتاج من خلال تأجيل إشباع أقل. الاحتياجات الشديدة من خلال التلاعب في أسعار بيع المنتجات المعنية. بمجرد استبعاد عدم المساواة في الدخل، يمكن قياس الكثافة النسبية للطلب على مختلف المنتجات ومدى الحاجة الاجتماعية الحقيقية بشكل مناسب من خلال المبالغ التي يرغب المستهلكون في دفعها مقابل السلعة المعنية وستوفر التغييرات في مخزونات هذه السلعة المبادئ التوجيهية لتطوير أو تباطؤ الإنتاج في الصناعة. إن مشكلة التوازن الاقتصادي العام من حيث القيمة بسيطة في ظل هذه الظروف. ومن الضروري والكافي أن يكون إجمالي الدخل الموزع - أي الأجور أساساً - مساوياً لمجموع قيم السلع الاستهلاكية المتاحة. وهذا يعني أنه بقدر ما يجب أن يكون هناك تراكم، فإن أسعار السلع ستكون أعلى من تكلفة إنتاجها، وإن كانت متناسبة معها. ويجب أن تكون أعلى من تكلفة إنتاجها، لأن قسماً من المنتجين، رغم حصولهم على الأجور، لا ينتجون سلعاً استهلاكية، بل ينتجون وسائل إنتاج غير معروضة للبيع. لكن من المنطقي أن تكون متناسبة مع تكاليف الإنتاج الخاصة بكل منها، لأنه في ظل هذا الشرط فقط، يعكس فعل شراء هذه السلعة، وليس سلعة أخرى، مدى الحاجة الذاتية، وهو ما يعني، بكلمات أخرى، أن المجتمع يؤكد من خلال استهلاكه قراره الأولي بتخصيص ساعات طويلة لإنتاج هذا المنتج.

دكتاتورية البروليتاريا

في مواجهة عودة الأوهام الديمقراطية البرجوازية الصغيرة الناجمة عن الانحطاط الشمولي للثورة الروسية، من الضروري أكثر من أي وقت مضى إعادة تأكيد فكرة دكتاتورية البروليتاريا. إن الحرب الأهلية وتوطيد سلطة العمال بمجرد تأسيسها تعني السحق العنيف للميول السياسية التي تميل إلى الحفاظ على الاستغلال أو استعادته. إن الديمقراطية البروليتارية هي ديمقراطية للبروليتاريين، وهي في نفس الوقت الدكتاتورية اللامحدودة التي تمارسها البروليتاريا ضد الطبقات المعادية لها. ومع ذلك، يجب أن تتحقق هذه المفاهيم الأولية في ضوء تحليل المجتمع الحالي. وطالما كان أساس الهيمنة الطبقية هو الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فإن "شرعية" دكتاتورية البروليتاريا يمكن أن تعطى شكلا دستوريا من خلال حرمان أولئك الذين يعيشون مباشرة من عمل الآخرين من الحقوق السياسية، وإخراجهم عن القانون الجهات التي أصرت على استعادة هذا العقار. إن تراجع الملكية الخاصة في مجتمع اليوم، وبلورة البيروقراطية كطبقة مستغلة، يزيل معظم أهميتها من هذه المعايير الرسمية. إن التيارات الرجعية التي سيتعين على دكتاتورية البروليتاريا أن تحاربها، على الأقل أخطرها، لن تكون التيارات الإصلاحية البرجوازية، بل التيارات البيروقراطية. ولا شك أن هذه التيارات يجب استبعادها من الشرعية السوفييتية على أساس تقييم أهدافها وطبيعتها الاجتماعية التي لم يعد من الممكن أن تستند إلى معايير رسمية ("الملكية"، وما إلى ذلك) ولكن على طابعها الحقيقي كتيارات بيروقراطية. يجب على الحزب الثوري أن يأخذ في الاعتبار هذه المعايير الأساسية، ويقترح ويناضل من أجل استبعاد جميع التيارات التي تعارض، صراحة أو لا، إدارة العمال للإنتاج والممارسة الكاملة للسلطة من قبل المنظمات الجماهيرية، من داخل المنظمات السوفييتية. على العكس من ذلك، يجب منح أوسع الحريات للتيارات العمالية التي تضع نفسها في هذا البرنامج، بغض النظر عن اختلافاتها حول النقاط الأخرى، مهما كانت أهميتها. إن الحكم والقرار النهائي في هذه المسألة، كما هو الحال في جميع المسائل الأخرى، سيكونان للمنظمات السوفييتية والبروليتاريا المسلحة. إن الممارسة الكاملة للسلطة السياسية والاقتصادية من قبل هذه المنظمات ليست سوى جانب واحد من قمع المعارضة بين القادة والمديرين التنفيذيين. وهذا القمع ليس قاتلا، فهو يعتمد على الصراع الحاد الذي سيحدث بين الميول الاشتراكية وميول الانتكاس نحو مجتمع استغلالي؛ وبهذا المعنى، لا يقتصر الأمر على عدم استبعاد انحطاط الكائنات السوفييتية بشكل مسبق فحسب، بل إن شرط التطور الاشتراكي موجود في محتوى النشاط البناء للبروليتاريا، الذي لا يشكل الشكل السوفييتي سوى إحدى لحظاته. ومع ذلك، فإن هذا الشكل يوفر الظروف المثلى التي يمكن أن يتطور في ظلها هذا النشاط، وبهذا المعنى فهو لا ينفصل. والعكس صحيح بالنسبة إلى ديكتاتورية «الحزب الثوري»، التي تقوم على احتكار الوظائف القيادية لفئة أو جماعة، وهي بالتالي، بقدر ما تتوطد، تتناقض تماماً مع تطور النشاط المبدع الجماهير وبالتالي شرط إيجابي وضروري لانحطاط الثورة.

الثقافة في المجتمع الانتقالي

إن بناء الشيوعية يفترض استيلاء البروليتاريا على الثقافة. وهذا التخصيص لا يعني الاستيعاب فحسب؛ الثقافة البرجوازية، ولكن قبل كل شيء خلق العناصر الأولى للثقافة الشيوعية. إن فكرة أن البروليتاريا قادرة على استيعاب الثقافة البرجوازية الموجودة على أقصى تقدير، وهي الفكرة التي دافع عنها تروتسكي بعد الثورة الروسية، هي في حد ذاتها فكرة خاطئة وخطيرة سياسيا. صحيح أن المشكلة التي واجهت البروليتاريا الروسية في أعقاب الثورة كانت قبل كل شيء هي استيعاب الثقافة القائمة - وليس حتى الثقافة البرجوازية، بل الأشكال الأكثر بدائية للثقافة التاريخية (النضال ضد الأمية على سبيل المثال)، وفي استيعابها. لا يوجد في هذه المنطقة قواعد نحوية ولا حسابية بروليتارية؛ لكن هذا المجال ينتمي بالأحرى إلى الشروط "التقنية" والشكلية للثقافة وليس إلى الثقافة نفسها. أما بالنسبة للأخيرة، فلم يحدث أبدا ولن يكون هناك استيعاب خالص وبسيط للثقافة البرجوازية، لأن هذا يعني استعباد البروليتاريا للإيديولوجية البرجوازية. لا يمكن للبروليتاريا أن تستخدم الإبداع الثقافي للماضي إلا في نضالها من أجل بناء شكل جديد للمجتمع بشرط أن يتحول في الوقت نفسه ويندمج في كلية جديدة. إن خلق الماركسية نفسه هو دليل على هذه الحقيقة؛ إن "الأجزاء المكونة" الشهيرة للماركسية كانت نتاجًا للثقافة البرجوازية، لكن تطوير ماركس للنظرية الثورية لم يكن يعني على وجه التحديد الاستيعاب الخالص والبسيط للاقتصاد السياسي الإنجليزي أو الفلسفة الألمانية، بل كان يعني تحويلهما جذريًا. كان هذا التحول ممكنا لأن ماركس وضع نفسه على أرض الثورة الشيوعية. إنه يثبت أن هذا المظهر الجنيني للثقافة الشيوعية المستقبلية للإنسانية كان يقع على مستوى جديد فيما يتعلق بالتراث التاريخي. تصميم . تروتسكي، الذي يرى أنه طالما ظلت البروليتاريا بروليتاريا، يجب عليها أن تستوعب الثقافة البرجوازية، وأنه عندما يمكن خلق ثقافة جديدة، فإنها لن تظل ثقافة بروليتارية لأن البروليتاريا لن تكون موجودة كطبقة، هو على الأكثر دقة المصطلحات. إذا أخذنا ذلك على محمل الجد، فهذا يعني إما أن البروليتاريا يمكنها أن تحارب الرأسمالية عن طريق استيعاب الثقافة البرجوازية دون تشكيل أيديولوجية تناقضها، أو أن الأيديولوجية الثورية ليست سوى سلاح مدمر بدون محتوى إيجابي ولا علاقة له بالثقافة الشيوعية المستقبلية. الفكرة الأولى تدحض نفسها؛ والثاني يعكس الافتقار إلى فهم ما يمكن وما ينبغي أن تكون عليه الأيديولوجية الثورية، بل وحتى مجرد أيديولوجية. إن النضال ضد الأيديولوجيات الرجعية والتوجه الواعي للصراع الطبقي يفترضان تصورًا إيجابيًا بشكل أساسي للمشاكل التي تواجهها الإنسانية، وهذا التصور ليس سوى أحد التعبيرات الأولى عن الثقافة الشيوعية المستقبلية لرابطة. من الواضح أن هذا الموقف لا علاقة له بالسخافات والثرثرة الرجعية للستالينيين حول "البيولوجيا البروليتارية"، و"علم الفلك البروليتاري" والفن البروليتاري في زراعة الملفوف. بالنسبة للستالينيين، فإن هذا التشويه المخزي لفكرة الثقافة الثورية ليس سوى وسيلة أخرى لإنكار الواقع وتشويش الجماهير. إذا كانت البروليتاريا، من خلال الاستيلاء على الثقافة القائمة، تخلق في الوقت نفسه أسس ثقافة جديدة، فإن هذا يعني ضمنا موقفا جديدا للمجتمع البروليتاري تجاه التيارات الإيديولوجية والثقافية. فالثقافة ليست أبدا أيديولوجية أو توجها، بل هي كل عضوي، كوكبة من الأيديولوجيات والتيارات. إن تعدد الاتجاهات التي تشكل الثقافة يعني أن حرية التعبير شرط أساسي لاستملاك البروليتاريا للثقافة بشكل إبداعي. إن التيارات الأيديولوجية الرجعية التي لن تفشل في الظهور في المجتمع الانتقالي يجب مكافحتها، بقدر ما يتم التعبير عنها على الساحة الأيديولوجية، بالأسلحة الأيديولوجية وليس بالوسائل الميكانيكية التي تحد من حرية التعبير . من الصعب في بعض الأحيان العثور على الحد الفاصل بين التيار الرجعي الإيديولوجي والنشاط السياسي الرجعي، لكن سيتعين على دكتاتورية البروليتاريا أن تحدده في كل مرة تحت طائلة الانحطاط أو الإطاحة."

***

كاتب فلسفي

................

نشر في مجلة الاشتراكية أم الهمجية العدد 10 (يوليو 1952).

1. يأخذ الماركسيون على الفلسفة الظاهراتية المثالب التالية:

انها فلسفة لا زمانية خارجة عن التاريخ فهي لا تستطيع فهم العلاقات الانسانية على حقيقتها. بوصفها علاقات ديالكتيكية تنجم عن عصور مختلفة من حيث التقنية والانتاج والعمل.(عن زكريا ابراهيم).

في تعقيب مقتضب جدا نجد ان تاريخ الفلسفة عموما من حيث هو محكوم بتحقيب تاريخي- زماني فهو بالحتم يكون لا زمانيا صرفا كونه تجريد لغوي لا مادي تحكمه تراكم الخبرة التاريخية العابرة لزمانيته. كما ان الديالكتيك بالمفهوم الماركسي ليس هو المسار او المنهج الوحيد الذي يحكم التطور التاريخي المادي وغير المادي. والعلاقات الانسانية عبر العصور لا يوجد اكثر من تنظير ديالكتيكي واحد يطوّعها كوقائع في محاولته تلبيس تلك العلاقات المنهج الجدلي الديالكتيكي. التاريخ في مساره الاعتباطي العشوائي لا ينتظمه منهج تطوري واحد مرسوم سلفا يحتوي وقائع تاريخه. لا ديالكتيكيا جدليا ولا ليبراليا راسماليا. في عبارة سابقة لي قلت ان عشوائية التاريخ التي تلعب بها الصدف غير المتوقعة غير المسيطر عليها انما تجعل من التاريخ مسار تصحيح اخطاء البشر.

- كما تتهم الماركسية وهي محقة كونها محكومة بالفلسفة المادية التاريخية ان ظاهرية هوسرل (الفينامينالوجيا) عاجزة عن كل عنصر اجتماعي وكل عنصر تاريخي الى حد وصل باحد الماركسيين قوله ان الوعي لدى هوسرل ليس وعيا منخرطا في الواقع ولا وعيا متضمنا في التاريخ. وهوسرل حسب ادانة الماركسية له يمجد بافراط شديد مرجعية (الانا). ( عن زكريا ابراهيم).

ايضا في تعقيب مقتضب نجد هوسرل يناقض نفسه ظاهراتيا بالقول ان الواقع حصيلة وعي جمعي قصدي وهو تعبير صائب لا يتناقض مع الادبيات الماركسية. الانا لا تجد ذاتيتها حسب تعبير هيدجر تلميذ هوسرل الا في وجودها – في – عالم. وهي قصدية هادفة تنسجم مع مجتمعية الماركسية و تعارض فينامينالوجيا هوسرل الانفرادية المنعزلة مجتمعيا حول تمجيده الانا في تجريد يستنسخ رؤى ديكارت من حيث الانا جوهر انساني منفرد بمكنته تحقيق وجوده الانطولوجي بالفكر.

2. الانسان كائن ميتافيزيقي

استذكر قبل دخولي في تفاصيل عنونة هذه الفقرة تثبيت مقولة هيدجر الفلسفية الساذجة (الانسان كائن لغوي وليس كائنا عقليا) إذ من البديهيات عدم وجود لغة بعدية بغياب عقل قبلي سابق عليها.

أجد الانسان كائنا ميتافيزيقيا بالفطرة الضرورية لانسنة الانسان وجوده الذاتي المتفرد عن باقي كائنات الطبيعة. ميتافيزيقا الانسان ليس محركها البحث عن معرفة وادراك (الاله) او الخالق او حاجة الوجود الانساني الى ميتافيزيقا التديّن وكلاهما هدفان لا تنكرهما الميتافيزيقا الخوض فيهما فلسفيا.. بل كل تفكير انساني عبر العصور في مختلف القضايا التي تعترضه ويعيشها أما أن يختار التكيّف المغلوب على أمره معها أو الاحتدام التصارعي في فرض ارادته الذاتية عليها..

أنسنة الانسان بميتافيزيقا الروحانيات والتصوفيات الدينية أي في محاولته التسامي فوق الوجود المادي في تعطيل احساسات البدن وفي تعطيل فاعلية العقل المحدودة بالمدركات التي تشكل لديه موضوعات موجوديته الارضية كفرد ضمن مجتمع. بعض جوانب المباحث الميتافيزيقية الخاصة بالاديان واللاهوت تكون خاصيتها تغليب النزعة الدينية ولا ارى ضررا بذلك. سواء اكان الانسان هو مخترع دينه والهه بعلاقته بالطبيعة حسب فلسفة فيورباخ  في محاولة الانسان معرفة وجوده الارضي بدلالة ميتافيزيقا السماء.

او سواء أن يكون الانسان معطى ديني روحاني تكون فيه ميتافيزيقا التفكير اللاهوتي عموده الفقري. اي كما في تعبير الوجودية الانسان وجود طاريء وأجد بناءا عليه يكون التدين في حياته ملازما طارئا ايضا محكوما به الانسان.

ميتافيزيقا التفكير عند الانسان سواء اكان خرافيا اسطوريا وثنيا او تدينا روحانيا عاصر الانسان طويلا فهي أي ميتافيزيقا التفكير الديني عموما بالنتيجة كان ضرورة حياتية قديما جدا وضرورة نفسية يحتاجها الانسان حاضرا.أنا هنا اتجاوز نظرية علماء الفيزياء والفلك ان لا مستقبل للفلسفة امام تقدم فتوحات العلم.

 حين تقودنا الميتافيزيقا الوصول الى الايمان الديني التوحيدي المعاصر فهي عندها  لم تعد ميتافيزيقا إعدام علمية تفكير العقل من جهة ولا إعدام أهمية حياة الانسان الارضية من أجل أهداف غيبية يتأمل حصوله عليها في عالم ما بعد الفناء الارضي.

3. الوعي اللازماني

تعودنا أن نفهم الشعور أو الوعي أن يكون زمانيا بالضرورة الادراكية في وحدة الزمكان غير القابل للتجزئة ولا الانفصال على نفسه. بمعنى أن تدرك المكان من غير ملازمة الزمن الافتراضية فرضية خاطئة تقوم على تعجيز العقل ان يدرك المكان مجردا عن زمانيته.. هذا الفهم الفلسفي الدارج تاريخيا بغض النظرعن مدى صحة البرهنة عليه.

سبق لبرجسون التنويه الى مثل هذه الفرضية التي تذهب الى أن الادراك هو ادراك ثنائية اندماج الزمان والمكان في وحدة كلية غير قابلة للتجزئة هي الزمكان. وقال برجسون بسخرية أن إدراك المكان لا يحتاج الزمن. ومن المهم التنويه الى ان فرويد سبق له ان قال اللاشعور اي اللاوعي لا يحتاج الزمن. وقد عالجت توضيح هذه المقولة في مقالة سابقة لي. ولم يقل فرويد بما ذهب له برجسون لاحقا ان الشعور او الوعي الادراكي اليقظ غير الحلمي لا يحتاج الزمن. كونه فيلسوف وليس عالم نفس.

لما كان من البديهيات التي تؤكد لنا الزمن على الارض وفي الكوني ليس موضوعا مستقلا للعقل ولا نمتلك وسائل معرفتنا لصفاته الخارجية ولا امكانية معرفته ماهويا أي جوهرا لذا يكون من المباح أن ننكر الزمن كجوهر يحتوينا ويحتوي عالمنا الخارجي بموجوداته دونما وعينا الادراكي به. بعبارة صادمة الزمن وجود افتراضي غير موجود. حتى حين نقول هو دلالة ادراكية لمعرفتنا الاشياء وموجودات عالمنا الخارجي يصبح أمرا مشكوكا به.

4.هوسرل ولا زمانية الشعور

بعد إختراع مصطلح الوعي القصدي الذي اصبح شماعة من يريد الطعن بديكارت  اصبح الوعي الفلسفي كما سبق وذكرته بمقالة سابقة لي ثلاثة انواع من التراتيبية التصنيفية الزائفة هي الوعي بمفهومه الفلسفي العام الذي اعتقد به لا يوجد غيره من انواع الوعي مثل الثاني الرائج فلسفيا هو الوعي القصدي ثم ثالثا الوعي الخالص. حينما اقول لا يوجد غير مصطلح الوعي فبه ينتفي ان يكون ملزما له القصدية ولا ان يكون تعاليا صوفيا يسمى الوعي الخالص. الوعي لا وجود له من غير موضوع.

عمد هوسرل الى لعبة ربط القصدية بالشعور واعتبر هذا الربط كافيا لان نقول الشعور وليس اللاشعور هو لازماني. ماذا فعل بهذا اللامنطق الفلسفي هوسرل؟

- قام بتعطيل الادراك العقلي للاشياء كون العقل يحكمه الشعور الادراكي وليس اللاشعور.

-  جعل كلا من الشعور واللاشعور لا زمنيان وهي قضية فلسفية خلافية.

- اذا كان وسبق لفرويد ان ادعى ان الفعاليات التي يقوم بها الشعور هي نسبة واحد بالعشرة بالنسبة لفعالية اللاشعور الذي اعطاه نسبة تسعة بالعشرة في تمشية حياتنا الانسانية سلوكا طبيعيا. لو صح انتساب هذا الافتراض التعسفي لفرويد مقبولا لترتب على ذلك اخطر قضيتين بالحياة هما :

1. ان الواقع الذي نعيشه ويتحكم به اللاشعور بنسبة تسعة من عشرة هو واقع خيالي زائف والواقع او الوجود الحقيقي هو غير وجودنا الارضي هذا. علما ان افلاطون قال بذلك ونيتشة ردده بتاكيد لا رجعة لنا عنه أو التشكيك به. الطريف اعتقد جازما انه لم يعد يؤخذ اليوم بصواب هذه الافتراضية الخاطئة.

2. ان ادراكنا الاشياء في حال مساواتنا بين الشعور واللاشعور بخاصية انهما كلاهما لازمنيان عندها يكون معنا ادراك العقل للمكان لا يحتاج ملازمة زمنية. فرضية صحيحة منطقيا رغم ان تاريخ الفلسفة يذهب عكس ذلك اي تخطأتها. أنه لا إدراك للمكان من غير ملازمة زمانيته له.

5. الوعي القصدي

القصدية لدى هوسرل هي خاصية ان يكون كل شعور شعورا بشيء حسب تعريف هوسرل. ونرى ان الشعور لا يتحقق حدوثا ما لم يكن ملازما موضوعه. الشعور هو ادراك الذات لوجودها بمحايثة ادراكها لمواضيعها في عالمنا الخارجي.

 بهذا يكون تحصيل حاصل تحقق الشعور قصديا هو في تحقق ادراكه لموضوع. تحقق الشعور هو في وعيه لموضوع. لذا تنتفي صفة تحقق الشعور بغياب او عدم ادراك قصدي في التفكير بشيء له معنى وهدف.

وحين نقول ان لازمانية الشعور تكون في حال الزامنا ان يكون قصديا. وبالمعنى الذي مررنا به نعيد التذكير بان قصدية اللاشعور نحو السعي لتحقيق هدف مسبق هو تحصيل حاصل لكل شعور انفرادي منتج في مجتمع.

ويكون الشعور لازمنيا وهذا محال في تحقق الادراك الحقيقي حينما يكون هدفه القصدي ادراك المكان بمعزل عن الزمان . بتعبير آخر تفكيك ادراك وحدة ثنائية الزمكان هو المحال في تحقق الادراك الفلسفي.

قد يبدو غريبا حين نعتبر استحالة ادراك المكان من غير ملازمة زمانية له ما يترتب عليه ان لا يكون الشعور القصدي لازمانيا. الادراك الحقيقي الذي اعتمدته الفلسفة عبر عصور طويلة ولحد يومنا هذا انه يتعذر ادراك المكان موضوعا مستقلا عن زمانيته. علما ان الغرابة اننا نعجز اثبات هذه المقولة من حيث اننا نعجز ادراك الزمان موضوعا مستقلا كما هو حال ادراكنا المكان.

مصطلح الزمكان هو التوليفة التي لا انفكاك يطالها هي لا زمن ادراكي لمكان بغير توليفة تعشيق الزمكان. ليس هناك من حاجة تدعونا الزام الشعور – هنا نستعمل مصطلح الشعور المرتبط علم النفس علما ان المرادف للشعور هو الوعي المرتبط بالعقل وليس بالنفس -  ان يكون زمانيا وهو في طبيعته اللائقية بالمكان هو خاصيته الزمانية.

 الزمان ملازمة غير متموضعة تكوينيا بالمكان. بمعنى في حال اقرارنا بثنائية الزمكان يكون الزمان دلالة ادراك محايد في استدلالنا معرفة الاشياء والموجودات. حينما نتداول تعابير ومصطلحات لمعنى واحد مثل الوعي، الشعور ، الادراك فهي تعابير عن طبيعة وخاصية امتلاك القصدية.

كيف وهل يتسنى لنا اثبات عدم قابلية الشعور ادراك المكان من غير ملازمة زمانية؟ في المتداول فلسفيا الجواب لا . لكن العبرة تكمن في البرهنة على صحة ما ندعيه. سبقت الاشارة الى سخرية برجسون من عدم تحقق ادراكية المكان بمعزل عن الزمان مؤكدا انه لا وجود لزمن يلازم مدركاتنا المكان. وايضا ما يؤخذ على هذا الطرح استحالة البرهنة على صحة هذا الادعاء.

6. الشيء فكرة

من اروع عبارات الفيلسوف الاميركي سيلارز مقولته (الوجود لغة).

المعلومة الفلسفية التي تذهب الى أن الشيء فكرة تؤكد أهمية العقل في تخليقه لمدركاته الحسية، والعقل لا يكون محايدا في إدراكاته الاشياء والمواضيع، بل هو يقوم بتخليق وجودها، محاولا إنتشالها من وجودها الطبيعي الانطولوجي ألمنسي، الى وجود مغاير جديد حيوي يدركه العقل ليس لمجرد إدراكه وليس في كيفية إدراكه ،بل في قصدية العقل من فاعلية هذا الإدراك. اي لماذا يدرك العقل هذا الشيء دون غيره. ومقولة ديكارت "العقل قسمة مشتركة عادلة بين البشر" لا يعني هذا أن العقل واحد مشترك عند كل البشر في تجلياته ومعطياته وتفكيره وإبداعاته، بل المقصود أن عقل الانسان إمتياز نوعي يختلف عن باقي موجودات الطبيعة من جهة، ونوعي أكثر خصوصية أنه مختلف أشد الإختلاف بين شخص وآخر داخل النوع البشري الواحد.

لم يكن ديكارت هو الفيلسوف الوحيد في إختراعه منهج الشك وضرورة إعمال العقل في معرفة الوجود كاملا، وإستثنى العقل من الايمان الديني، ومثله فعل شوبنهاور، هيوم، لوك، وليم جيمس، وجون ديوي، هؤلاء جميعهم ذهبوا الى وجوب فصل الايمان الديني عن مجمل معاملة مواضيع الفلسفة وقضايا الوجود بالمنهج العقلاني، وأن تصدي العقل لمسائل الميتافيزيقا هو ضرب من العبث واللاجدوى أن يقود الى نتيجة. وإنما يكون الايمان التسليم المطلق الذي يكون مصدره القلب. وهذه النظرية الفلسفية تعتمدها الاديان وتشرحها بتفصيل النزعات الصوفية من أن حدود العقل تتوقف نهائيا في قفزة المتصوف من موقع الوجود الانساني الى موقع الوجود المتسامي الروحي في محاولة الاتحاد النوراني.

يذهب جون سيرل الى أن المضمون القصدي الذي هو الموضوع في المعنى البنيوي ليس هو ذاته الموضوع في المعنى القصدي. وهكذا يفرق سيرل بين أن التجربة الادراكية إنما تقوم على موضوع يتخذ صفته ومعناه الوجودي- البنيوي في ممارسة تجربة الادراك عليه، فالموضوع وجود مستقل لا علاقة تربطه وجوديا بإدراكه هو للانسان.الفلسفة  هي تفكير عقلي باللغة لمعرفة حقيقة الانسان بالوجود.

مفهوم هيرقليطس كل شيء في حالة من الصيرورة الدائمية إنما هو ضمنا ألغى أن يكون لأي موجود كيانا انطولوجيا ثابتا. الوجود بمحتوياته الموجودية هي حالات من تغيرات دائمية، والموجودات قد تتبعثر وتتغير وبعضها يتلاشى في مكون مادي يحتويه، لذا نجد بارمنيدس الذي يرى كل موجودات العالم ثباتا يلازمها، ويقر بارمنيدس أن للوجود وجود قائم بذاته يمكن إدراكه بغض النظر عن حركة موجوداته فيه التي هي ثبات.

الخطأ عند الانسان طبيعة فطرية في تكوينه، وليس الخطأ الحرية بإتخاذ القرار، عليه يكون حصولنا على ذات إنسانية يملؤها الخير، تكون في توقعاتنا أن الانسان خّطاء.من العسير علينا تصور الانسان موجودا غير محدود القدرات والارادة، وهذا لا يعني الانسان ليس مسؤولا عن أخطائه، والاخطاء ليست عفوية تتلبس الانسان من المحيط الخارجي.

تأويل النص في متابعة فائض المعنى يدخل النص في فوضى الهوامش التي بلا معنى. الأصل في النص معنى متعدد القراءات لكننا يجب الحفاظ على ما يدّخره من معنى أصيل لا تكتشفه القراءات العددية الكميّة بل تكتشفه القراءات النقدية النوعية.

فوضى أفكار نيتشة الفلسفية التي لا ينتظمها المنهج هي إنتقالات متقافزة في فوضى تغييب المعنى غير الماثل لا في النص ولا في خارجه، لذا يبقى الاجتهاد بقراءة نيتشة هي قراءات يحتويها المزاج المتشظي خارج صرامة منطق العقل الفلسفي المنّظم.ربما لا نخطيء التعبير حين نقول ليس من واجب الفلسفة قول كل شيء في تناسيها أن تقول شيئا واحدا يغني عن قول كل شيء.اختم بالقول ان التفكير المادي يخلق التجريد (التخليقي) في الاشياء اي تغييرها في حين لا يستطيع التجريد اللغوي (خلق) المواضيع او الموجودات المادية المستقلة ادراكيا.

***

علي محمد اليوسف

العديد من الناس أخذوا فكرة غائية الكون من الدين. ما يحدث في هذا الكون، كما تذكر القصة، هو بالتأكيد تعبيرعن رغبة الله. ومع تطور العلم، جرى استبدال فكرة الكون المنظّم من الله بفكرة الكون المنظّم بقوانين الفيزياء اللاواعية. تلك القوانين، كونها غير واعية فهي فارغة من الهدف. قوتها التنظيمية هي ايضا ليست خارجية عن الظواهر المنسجمة معها. وكما عبّرت هيلين بيبي Helen Beebee استاذة الفلسفة في جامعة ليدز، ان القوانين الفيزيائية ليست "قبلية ولا هي تراقب المادة لتتأكد من عدم خروجها عن الخط" (فلسفة وبحث فينومينولوجي 61،2000). الأحداث هي ببساطة نماذج او عادات للعالم الطبيعي المنكشف،غير مسترشدة بغرض كوني.

غير انه بالنسبة لبعض المفكرين إنتعشت امكانية الغرض الكوني من جديد بواسطة العلم الذي بدا كأنه قتلها. هذا الانبعاث يتجذر في الإكتشاف بان قوانين الفيزياء يجب ان تكون مضبوطة بدقة لدرجة غير متخيلة لأنه يجب ان يكون هناك كون يمكنه ان يولّد ويديم الحياة (او حتى التعقيدية الكيميائية التي سبقت الحياة). مدى الدقة في ضبط الكون تتضح بكمية الطاقة المظلمة في الفضاء الفارغ – او ما يسمى الثابت الكوني او "طاقة الفراغ"- يجب ان تكون أكبر من صفر ولكن ليس أكثر من10-122 units   . هذا يُعد ضروريا لضمان ان لا ينهار الكون على ذاته او يتحطم الى أشلاء قبل ان يتكتل على شكل كواكب قابلة للحياة. الفيزيائيون، ومنذ عقود وجدوا ان تغييرا بسيطا  في القوانين الاساسية للطبيعة ستجعل امكانية وجود حياة مستحيلة. حجة الضبط الدقيق هذه fine-tunning ،ترى ان حدوث الحياة في الكون حساس جدا لقيم معينة للفيزياء الاساسية، بحيث ان إجراء تغيير بسيط في أي من هذه القيم سوف يحول دون وجود حياة. الفيزيائي لوك بارنس Luke Barnes وجد ان احتمال ضبط الكون للحياة هو واحد في 10135.

البعض يرى ان هذا يشير الى ان الاشياء في الكون ليست مسألة حظ. الأشياء يجب ان تكون قد تم التحكم فيها. فيليب جوف Philip Goff استاذ الفلسفة في جامعة دورهام البريطانية يجادل لأجل "غرض كوني، وهي الفكرة بان الكون موجّه نحو أهداف محددة، مثل ظهور الحياة " ووجود القيمة. جوف يرفض بقوة الإله المسيحي التقليدي بينما يدعم حجة الضبط الدقيق "fine-tunning argument" . يرى جوف انه  من غير المحتمل لكون مثل كوننا، الذي يحتوي على الحياة والوعي والقيمة ان يأتي الى الوجود بدون ان نفترض ان هناك غرض معين كان قيد العمل. ويضيف ان لا شيء مؤكد، لكن ميزان الدليل يفضل الإيمان بغرض كوني.

 يطور جوف هذا الاقتراح في كتابه (لماذا؟ غرض الكون،2023). طبقا لفكرة "فرضية اختيار القيمة"، هناك على الأقل بعض الأرقام الثابتة في الفيزياء" هي كما هي لأنها تسمح للكون ان يحتوي على أشياء ذات قيمة هامة"(ص20). تلك "الاشياء ذات القيمة الهامة" تتضمن الكائن البشري، وكل ما هو ضروري لتمكينه من البقاء والنمو.

بعض المفكرين المؤمنين، يرون ان هذا يجيزعودة الله بعد اكثر من قرن من النفي  بعد انتشار الثورة العلمية وامتدادها الى الثقافة. ولكن ليس بالنسبة لجوف الذي يذكّرنا بمشكلة الشر. هو يرى ان ما يسميه "حدس الخطيئة الكونية" – فكرة انه من غير الاخلاقي للقادر الكلي خلق كون ككونا مليء بالمعاناة – يستبعد وجود إله، او إله يجمع بين القدرة والخير.

أهداف روحانية شاملة

يستخدم جوف رؤاه في علم النفس الشامل panpsychist لدعم حجته في الدفاع عن غرض كوني. الكون،كما يقول، صُنع من جسيمات أساسية تتمتع كل واحدة منها بوعي بدائي وقوة بدائية بحيث تكون "متحررة من طبيعتها الخاصة كي تستجيب بعقلانية لتجربتها". دافع جوف عن الروحانية الشاملة في خطأ غاليلو: اسس لعلم جديد للوعي. حجته المركزية هي ان الشيء المادي الوحيد الذي نعرفه من الداخل (والذي نستطيع الوصول الى سماته الباطنية) هو دماغنا، وهذا الشيء هو بالطبع واعي. من هنا هو يعتقد من الجائز الاستدلال ان الوعي متجسد عالميا في المادة. الوعي بُني بشكل ما في طبيعة المادة منذ البدء وهو ما يُعرف بـ الـ panpsychism. هناك عدة صعوبات في هذه الحجة. من بينها صعوبة فهم التمدّد من أدمغتنا الى الكون بحجمه الأوسع. هناك ايضا ما يسمى مشكلة "تجميع الشيء" subject-summing problem: كيف ان بلايين من حالات الوعي الجسيمي من المفترض ان ترتبط بجسيمات أساسية تُضاف الى الوعي الكلي للاشياء مثل أنا وأنت؟

هذه القضايا الشائكة لم تمنع جوف من بناء روحانية شاملة واحتضان اطروحته المركزية في لماذا؟. هو يدّعي، انه مع الوعي يأتي الغرض. قوانين الطبيعة لها أهداف بُنيت فيها، وتلك الأهداف يمكن ان تكون عالمية بسبب ان الوعي هو ايضا عالمي: "مادة مضبوطة بدقة وعقلانية منسجمان مع بعضهما مثلما ينسجم المفتاح مع القفل". الفيزيائي الفائز بجائزة نوبل ستيفن وينبيرغ كان ادّعى "كلما فهمنا الكون أكثر، كلما بدا بلا معنى" هنا تنقلب الفكرة رأسا على عقب.

تطبيق فكرة الهدف على كلية الاشياء يتطلب الإختبار. من الواضح ان هناك مشكلة "تجميع الغرض"  purpose-summing مشابهة لـ "مشكلة تجميع الشيء". المنطق الشائع للغرض من الكون هو الكائنات الواعية الفردية، التي حتى لو سمحنا بالروحية الشاملة، فهي لاتزال كيانات مبعثرة صغيرة جدا بدلا من ان تكون بدرجة كافية في كون معظمه فارغ، والذي في حالة الكائن البشري هو اوسع بـ 130000000000000000000 مرة. كذلك، العديد من خصائص الغرض كما تجسدت في المخلوقات البايولوجية (مثلنا)، هي غير منسجمة مع فكرة العالمية. تعبيرات الغرض في حياتي – وفي حياتك – هي محلية وقصيرة الأمد وعادة ما تكون متصارعة. انها تتصل بالحاجات الواقعية والمتخيلة للفرد الذي يقع في  نقطة صغيرة من الواقع . من الصعب رؤية كيف لغرض كوني موحد ان يكون مشتتا ومتناثرا. وما هو اكثر، ان غرضنا الشخصي يأتي ويذهب: لا غرض شخصي يستمر من أول صوت الى آخر نفس عميق. هناك ايضا تصادمات سواء ضمن الاشياء الواعية المدركة لأفضلياتها  الداخلية المتصارعة، وبين الاشياء الواعية التي تضعها محاولاتها للنجاح في تضاد مع بعضها البعض، مثل نجاحي هو فشلك وبالعكس. واذا كنا نفكر ببناء هدف شمولي من مجموع مختلف المعاني التي تشغل حياتنا في مختلف الأزمان، ذلك يجب ان يتم فقط عندما تكون تلك الحيوات تامة وبالتالي على وشك ان تتوقف – حينذاك تُضاف الى الكلية.

الفكرة المريحة بان حياتنا الفردية يمكن الحكم عليها كمساهمة بالصورة الأكبر لتقدم الانسان نحو عالم أفضل تبدو هشة جدا. بالنظر لأخطار تقلبات المناخ التي لا يمكن إبطالها، وتصاعد التهديدات بحرب نووية، فانه يبدو من الصعب ضمان تقدمنا اللامتناهي.

إلتباسات كونية

لو نظرنا وراء حياة الانسان الى الحياة بشكل عام، فان غرض الوعي يظهر بطريقة غريبة كأنه غائب عن الوصف الدقيق للتحول من كائن ذو خلية واحدة الى مختلف الحيوانات الثديية - الدارونية الجديدة.هدف الكائنات الفردية يتصادم مع تلك الكائنات الاخرى اما كمنافسة او مجرد العيش جنبا الى جنب، في سعيها لأغراض غير متصلة . من الصعب رؤية الفريسة والمفترس يشتركان بهدف مشترك. كذلك، التمييز بين الكائنات الحية وبيئاتها يحصر الغرض في الأولى وليس في الأخيرة وهو يتعارض مع فكرة التوزيع العادل للغرض في جميع الكون. في المسار من الذرات الى المعادن، ومن هذه الى اولى خيوط الحياة، نجد آلية العشوائية وآلية اللاوعي هما أكثر وضوحا من الغرض.

باختصار، الرؤية للكون الذي يعبّر عن هدفه في ظهور الحياة والكائنات الرشيدة تبدو ملتبسة.

المسألة هي: ان فكرة الغرض الكوني تزيل فكرة الغرض من الأماكن التي تكون فيها فكرة الغرض واضحة، او في الحقيقة من أي غرض. الأغراض كما تُفهم ترسخت في الحيوات او في جزء من الحيوات. انها توجد بشكل رئيسي بمقدار ما تنال القبول من جانب الاشياء الواعية او جماعات من هذه الاشياء، حتى عندما "تستقر في قعر"(حسب تعبير ماكس شيلر) المؤسسات الاجتماعية، او في المناظر الطبيعية الواسعة للفن التي يخلقها الانسان لمساعدته في حياته. الأغراض لها غايات مقصودة لكنها سيئة التعريف. لا شيء من هذا ينطوي عليه الغرض الكوني مالم يكن هذا الغرض متناسق في وعي إلهي وهو ما يرفضه جوف. هذا يعني ان "الغرض" لا يمكن تخصيصه ليشير الى كلية أشياء بدون خسارة المعنى.

حتى عندما يكون  قبول فكرة كون مضبوط بدقة يحقق غرضا مقرر مسبقا في التحول من الجسيمات الأولية الى قرّاء هذا المقال، فان السؤال حول تنفيذ الغرض المذكور لايمكن تجنبه. جوف يبدو مطلعا على هذا وهو يعتنق العمومية، التي بموجبها يتجسد الغرض من خلال الوكالة " أصل الوكالة يتجسد في المستوى الأساسي للواقع". هذا، فقط يفاقم مشكلة توحيد الأغراض الفردية المتصارعة والمؤقتة والمحلية في نقطة شمولية للكون. وهناك، بالطبع، عدم معقولية نسبة ليس فقط وعي المكونات الاساسية للعالم المادي لذاتها وانما ما يحدث لها لكي تستطيع استخدام اتجاهها في السفر بهدفية. جوف لا يرى هذه مشكلة: هو ينظر حتى الى الجسيمات الاولية باعتبارها مملوئة "بالميول الواعية" طبقا لرائد الموجات ديفد بوهيم الذي اقترحها لفهم عدم تحديدية الكوانتم. وكما لو ان هذه ليست سخرية، يعتنق جوف "النفسية الكونية الغائية" مجادلا انه "اذا كان الكون في اول جزء من الثانية ضابطا لنفسه بدقة لكي يسمح لظهور الحياة بعد بلايين السنين في المستقبل، هذا يعني ان الكون يجب ان يكون واعيا بهذه الإمكانية، لكي يتصرف بطريقة تؤدي اليه".

يعتقد جوف ان الدليل على الغرض الكوني "يمكن ان يعطينا أملا بان المعنى الذي تمتلكه حياتنا ليس وهما". لسوء الحظ، أي فتات من الراحة يعرضها كون مضبوط بدقة لا تبدو مقنعة كليا. بالنهاية، الأكثرية العظمى مما يوجد من كون هو ليس فقط غير مسكون وانما غير صالح للسكن من حيث المبدأ، وبالتالي فارغ من الغرض كما يُفهم عادة. وما هو أكثر ادانة لكون جوف المتفائل، ان التقدم الحديث في الفيزياء(كما عُرض في ورقة هامة لفريد آدم، "درجة الضبط في كوننا وغيره"،تقارير فيزياء،2019) ، أشارت الى ان "الكون وبشكل مدهش مرن في خصائصه الأساسية وانه "ليس المكان الأمثل تماما لظهور الحياة". لذا ربما لم يضعنا الكون في ذهنه ابداً، ونحن لسنا مساهمين بدون قصد في تحقيق غرضه. وحتى لو كنا، سيكون من الصعب ان يكون مصدرا للراحة لو لم نعرف ذلك الغرض.

***

حاتم حميد محسن

..................................

المصادر

1- هل الكون له هدف؟ Philosophy Now, June/July2024

2- لماذا؟ الغرض من الكون،فيليب جوف، صحيفة الغارديان البريطانية 28 ديسمبر 2023. 

 

تمهيد: علاقة الزمن بالاشياء علاقة ادراكية محايدة بالدلالة المعرفية لا يقوم الزمن بها بل بدلالتهما المتواشجة معا "الزمن والاشياء" ندرك العالم والطبيعة والموجودات .

علاقة الزمن بالاشياء ليست علاقة جدلية ديالكتيكية. بل هي علاقة ادراكية معرفية فقط كون الزمن محايد في عملية الادراك. ادراك الشيء موجودا حسيا او خياليا تسبق معرفته والوعي به عقليا. الادراكات الحسية هي نقل انطباعات ادراكات الحواس للاشياء في المرورالوقتي بالذهن وهذه الانطباعات الحسيّة هي مرحلة اولى على طريق المعرفة العقلية والوعي بالمدركات.....الوعي العقلي يسبق التعبير اللغوي عن المدركات. الوعي لافيزيائي مجرد ينتجه العقل المادي كما ينتج تفكير اللغة ولا غرابة بذلك.

الزمن لا يعي ادراك الاشياء بدلالته ولا الاشياء تدرك الزمن ذاتيا الا بدلالة ثالثة اخرى تكون وسيطا بينهما هو حركة جسم ما . حركة الشيء تعني ادراك دلالة الزمن ولذا يطلق سقراط على الزمن انه مقدار حركة جسم او شيء لكن الزمن في ماهيته الجوهرية غير المدركة عقليا ليس حركة.. الوعي يدرك ذاتيته من خلال محايثة موضوعه له والوعي لازمني بالنسبة لادراك موضوعه.

الوعي القصدي والموضوع

حين لا نستطيع تعريف ماهو الوعي الا بدلالة غيره من حلقات سلسلة المنظومة الادراكية العقلية  التي تبدا بالحواس وتنتهي بالدماغ. فكيف يعي الوعي موضوعه ويدركه بالاحاطة به والتعبير عنه؟

مخترع الوعي القصدي بالفلسفة هو الفيلسوف السويسري هيرمان برينتانو 1831 – 1917 وهو عالم نفس ايضا. حاضر بالفلسفة وعارض النقد الكانطي وانصب اهتمامه على علم النفس. كان تاثيره شديدا على تلميذه ادموند هوسرل فيلسوف الظاهريات (الفينامينالوجيا) وبدوره اي هوسرل كان له التاثير الاقوى على فلاسفة الوجودية مارتن هيدجر، بول سارتر، ياسبرز، جبرييل، ميرلوبونتي واخرين جمعتهم الهجمة الشعواء التي شنوها على كوجيتو ديكارت انا افكر اذن انا موجود حتى اصبحت مقولة ديكارت تفلسف  من لا شاغل له بالفلسفة.

ترك برينتانو اهتمامه باللاهوت المسيحي وغادر الكنيسة بافكارها وطقوسها الى غير رجعة. لكنه لم يتخل عن اهتمامه المركزي حول وجود الله  بمحاضراته في جامعتي تورنبورغ وفيّنا.

العبارة التي استوقفتني واسعدتني لبرينتانو لانها تطابق ما انا اؤمن به تلك هي (الوعي لا يصنع موضوعه ،بل موضوعه محايث دائم لوجوده)  ما اروعك يابرينتانو في عبارة لم يتوصل لها الا القليل من نوادر الباحثين بفلسفة الوعي من الفلاسفة الاميركان جون سيرل وريتشارد رورتي وسيلارز إحتواهم مستنقع البحث في الوعي حتى قادتهم حيلة الخلاص من تعقيداته وتداخلاته مع فلسفة العقل وفلسفة اللغة وعلم النفس وعلم وظائف المخ لجوئهم الى الغموض في التناول البحثي حول الوعي.. وتناولت بدوري ذلك المبحث مع الثلاثة الاميركان وغيرهم في اكثر من مقال منشور لي خاصة عن جون سيرل.. حتى قادني ذلك تاليف كتابي (مبحث الوعي في الفلسفة المعاصرة) مع الاخذ بنظر الاعتبار تشارك ريتشارد رورتي مع جون سيرل الا اني تاثرت بطروحات جون سيرل الناضجة حول مبحث الوعي.

الجميل في عبارة برينتانو الفلسفية انه وضع الباحثين في فلسفة الوعي بندول ساعة متأرجحين بين كيفية ادراك الوعي هل هو موضوعا مستقلا للعقل ام هو وسيلة العقل الالمام بمعرفة موضوعه.؟ ام هو اختراع علم النفس السلوكي.؟

ترجم برينتانو ربطه الوعي بعلم النفس بتأثير تخصصه الاكاديمي كي يجعل من الوعي موضوعا علاقته بعلم النفس السلوكي ولا علاقة تربطه بمجمل المنظومة الفكرية العقلية. هذا التوجه الفلسفي جعل برينتانو يحاول تطويع فهم الوعي بضوء مرجعية علم النفس لا غيره بحكم تخصصه الاكاديمي الجامعي كعالم نفس ما جعل اهمية برينتانو الفلسفية تكمن في اختراعه مصطلح (الوعي القصدي). بمعنى الوعي الذي يعي هدفه في الموضوع الملازم له. الترويج الباذخ الذي حظي به برينتانو حول اختراعه مصطلح الوعي القصدي سانده بذلك تلميذه هوسرل ثم تلميذ هوسرل هيدجر لتنتقل العدوى الى فلاسفة الوجودية قاطبة. كان ذلك غمطا تاريخيا مجحفا لانتساب الوعي القصدي لاول مرة لصاحبه الفيلسوف (باور) المنشق عن هيجل مع شتيرنر وماركس وانجلز وفيورباخ وانجلز. ما يلفت الانتباه ان مصطلح الوعي القصدي الذي كان فاعلا شغّالا في الوجودية والماركسية اماتته تماما الفلسفة البنيوية التي انجبتها الحداثة.

كتابات الفلاسفة الاميركان الذين عنوا بفلسفة الوعي جون سيرل ورورتي وسيلارز وغيرهم لم ياخذوا عن برينتانو وجوب تفسير الوعي بعلم النفس السلوكي القائم على مرتكز الارادة الذاتية الفردية في تحصيل المعرفة وفي تاكيد الوجود انطولوجيا. بل اخذوا الوعي في مركزية فلسفة اللغة واللسانيات وفلسفة العقل ومباحث فلسفية اخرى معتبرين فلسفة برينتانو حول الوعي افل نجمها وانتهى تاثيرها مع افول نجم الوجودية بعد اكتساح الفلسفة البنيوية لها وازاحتها..

السلوك النفسي الذي ربطه برينتانو بالوعي لم يكن موفقا اذ السلوك هو ماتمليه حاجة الاشباعات النفسية المادية الخاصة بالعالم الخارجي وبحاجات الجسم الداخلية في تلبية اشباع احاسيس ما ترغبه الغرائز البيولوجية.

السلوك النفسي الذي جعله برينتانو دافع ومرجعية تصنيع انطلاقة الوعي جعله لا يهتم كثيرا بعلاقة ارتباط الوعي بسلسلة حلقات المنظومة الادراكية للعقل. ساعده هذا التوجه ان الوعي هو افصاح لغوي ادراكي تجريدي عن موضوع داخل الجسم او خارجه من دون ذكر اهمية مرجعية العقل في ارتباطه بالوعي. التي استبدلها برينتانو بمرجعية علم النفس السلوكي الذي تحكمه ارادة النفس في السعي لاشباع حاجات وغرائز الجسم القيمية..

لا بد هنا من التنبيه الى ان الوعي يختلف عن الادراك الحسي الذي هو نقل الحواس انطباعاتها عن العالم الخارجي للذهن عبر شبكة الاعصاب المعقدة. ويعتبر الادراك الحسي مرحلة اولى في تشكيل منظومة الادراك العقلية التي تنتهي بالدماغ في انتاجه الوعي القصدي المطلوب تجاه معرفة مدركاته.. الوعي هو رد فعل العقل بناتج مقولاته الواصلة اليه من الحواس على صورة انطباعات ذهنية يتولى جزءا خاصا من الخلايا العصبية في قشرة الدماغ تحليلها واعطاء ردوده الوعوية عنها.. لا الوعي ولا الذهن يمتلكان قابلية التفكير في معرفة ومعالجة الاشياء بدون الاستعانة بمرجعية مقولات العقل.

لا الحواس ولا الوعي ولا العقل يصنع مواضيعه المستقلة وجوديا بل المواضيع المحايثة لسلسلة منظومة العقل الادراكية موجودة باستقلالية في العالم الخارجي وعالم الجسم الداخلي قبل وصول الاحساسات والانطباعات الذهنية عن تلك العوالم للعقل والمخ تحديدا.

الوعي هو نتاج عقلي وليس نتاج نفسي منعزلا عن المنظومة العقلية البيولوجية للادراكات المعرفية. الشيء الاخرهيرمان برينتانو جعل معادلة الوعي- الموضوع ثنائية بالاسم فقط ولا وجود حقيقي في امكانية الفصل بين الوعي وموضوعه مثلما لا يمكننا فصل الفكر عن اللغة كموضوعين غير مستقلين احدهما عن الاخر. الوعي محايثة تموضعية مع الموضوع. لانه نتاج عقلي وليس نتاج حسي ولا نتاج ادراك تجريدي. ثنائية الوعي وموضوعه هي بالتمام تعني ثنائية العقل بموضوعه.

ترجمة هذه النظرية لدى برينتانو تعود الى عبارته التي اشرنا لها بداية المقال ان موضوع الوعي محايث له ولا وعي بلا موضوع وهي مقولة فلسفية صائبة تماما.. لكن الوعي لا يمّوضع موضوعه المحايث له داخله كتكوين مادي في المدركات.  وتبقى مقولة الوعي هو موضوعه صائبة من حيث الوعي لا يعمل في فراغ وجودي كما حاوله ادموند هوسرل..

لكن طالما الوعي هو تجريد العقل عن موضوع يحدده العقل وينفذه الوعي ولا يصنعه الوعي عندها يصبح مساواة الوعي بموضوعه غير وارد. فالوعي تجريد يعبّر عما هو مادي بما يمليه عليه العقل. برينتانو رغم خلفيته كعالم نفس الا انه يعتبر الوعي لا يحتوي على احداث او حالات ذاتية سايكولوجية بل يتضمن ايضا موضوعية غير واهمة وليست من صنعه، لكنها في الوقت ذاته تنتمي اليه لانها تظهر فيه ناتجة عن مصدر الوعي. نقلا عنه نصا وهي عبارة معقدة.

فرضية برينتانو الفلسفية حول موضوعية الوعي (المادية) يعتبرها تصنيع سايكولوجي سلوكي وليس تصنيعا عقليا بيولوجيا غير صحيحة. فالوعي إلمام ادراكي تجريدي لغوي في التعبير عن مدركات مواضيعه المادية والخيالية ليس من اجل ادراكها كما تفعل الحواس بل من اجل معرفتها وتغييرها.. الوعي هو محصلة تفكير العقل النهائية بموضوعه.

كما اشرنا سابقا  الوعي تصنيع عقلي لا نفسي وطالما الوعي نتاج تصنيع عقلي وليس نفسيا كذلك النفس هي تصنيع عقلي ايضا ولا فرق بين مرجعية الاثنين سوى بالسلوك او الارادة المترتبة على علاقة الوعي معالجة موضوعه عقليا وليس نفسيا. النفس لا تصنع وعيها القصدي في تلبية وتحقيق حاجات وغرائز الجسم دون مرجعة العقل.

عن هذه الحيثية يترتب التساؤل كيف يكون للوعي موضوعات وحاجات ورغائب هي غير حاجات الاشباعات الغريزية للجسم والنفس معا؟ الجواب هو بالتفريق هل الوعي في امتلاكه موضوعه يكون مصدر معرفة ام وسيلة معرفية؟ برينتانو يقر بعجز الوعي تجريده عن موضوعه حقيقة غير واهمة تمثّلها قصدية الوعي. صحيح جدا تثبيت حقيقتين لبرينتانو حول الوعي الاولى الوعي هو موضوعه كجوهرين مستقلين متلازمين في تبادل اعطائمها مشتركين معرفة الاشياء والتخارج التغييري لتلك المدركات الشيئية.، والثانية لا يوجد وعي بدون قصدية ملازمة له تقوده نحو هدف ذهني مرسوم سلفا. اي بمعنى الوعي قصديا ليس اعمى عن ارتباطه الوثيق مع خلفية التفكير العقلية..

هنا نتساءل كيف يجمع الوعي بين ان تكون قصديته ناتجة عن موضوعه وبين ان يكون الوعي وسيلة العقل في التعريف بمدركاته؟ الحقيقة يتم ذلك في واحدية مرجعية العقل للوعي. اذا اعتبرنا امكانية النفس بما تحتويه من تعبيرات نفسية مثل الفرح، الالم ، الحزن،  الكآبة، السلوك وغير ذلك ان تخلق وعيها الخاص بها بمعزل عن بيولوجيا وظائف اعضاء الدماغ يصبح معنا الخطأ الشائع ان للذهن تفكير مستقل ينوب عن تفكير العقل ساريا لا اعتراض عليه.. وكذا نفس الحال ينطبق على قضايا خاطئة اخرى عديدة مثل علاقة الذاكرة بالاستذكار التاريخي لوقائعه وحول علاقة ترابطية الخيال والزمن. وعلاقة الزمن بالمكان رومانسيا كم فعل جاستون باشلار في كتابه الزمن والمكان.

مصنع الوعي

اخذ هوسرل عن استاذه برينتانو فكرته عن الوعي القصدي الذي كان رد فعل قوي على عبارة ديكارت الشهيرة انا افكر... تاكيده ان مجرد التفكير يعطي قطعية وجود الانسان الحقيقية كينونة واعية. هوسرل ارسى مقولة الوعي القصدي في اعتباره القصدية هي فعل الوعي المنتج للموضوعية، وبهذا اختلف مع برينتانو الذي اعتبره لم يقدم شيئا عن القصدية سوى السلوك النفسي العملي نحو بلوغ هدف محبب لنفسه. كما اعتبر برينتانو لم يعط معنى الوعي بل ذهب الى ان القصدية القبلية في الدافع السلوكي هي التي تنتج الموضوع.

الحقيقة قبل مناقشة الاهم ان القصدية هي الوعي الذي يلازمه موضوعه لذا يكون تحصيل حاصل ان الوعي بقصديته يتجه نحو تحقيق هدف في موضوعه. قد يذهب البعض ان ملازمة الموضوع للوعي يعني تأبط هذا الاخير لموضوعه تحت ذراعه. لا الموضوع هو المتعيّن المستقل في ماديته وحتى في الخيال يكون متموضعا بتجريد يقوم على تجريد عقلي لغوي هو الوعي. عبارة برينتانو الوعي هو الموضوع لا تعني الانابة البينية المتبادلة بينهما بل تعني استقلالية مادية الموضوع عن تجريدية الوعي المصاحب له.

الان ننتقل الى ان القصدية هي فعل الوعي ليس الادراكي فقط بل المعرفي التغييري ايضا. الوعي ليس التوجه التجريدي الاعمى نحو موضوع متعيّن لادراكه بل الوعي القصدي هو ناتج تفكير تطبيق مقولات العقل التي يقوم بتنفيذها الوعي الذي هو اولا واخيرا تجريد لغوي في الافصاح الالمامي بموضوع مادي او خيالي للتخارج المعرفي معه..

الوعي كما نفهمه فلسفيا

القصدية هي فعل الوعي ناتج التفكير العقلي الذهني الواصل عبر شبكة المنظومة الادراكية للعقل الى الموضوع المراد التداخل المعرفي به بوسيلة الوعي. الوعي ليس مادة حتى حينما ينقل مقولات العقل تجريديا الى مدركاته من الاشياء ومواضيع العالم المحيط بنا. الوعي هو خلاصة الادراك الذي لا قدرة له ان يتحول الى فعل مادي يخلق موضوعا يعالجه تفكيرا تجريديا معرفيا متخارجا معه. الموضوع المادي او الخيالي وجود موجود قبل معالجة الوعي به وقبل ادراكه حسيّا ايضا..

هوسرل كان صائبا في اعتباره الوعي كالزمن مفهموم محايد بعلاقته مع الاشياء لا ندرك ماهيته. الوعي ليس تفسيرا توضيحيا حول موضوع معين، بل هو وعيا حياديته مستمدة من طبيعته التجريدية انه متخارج معرفيا مع مدركاته. الوعي وسيط توصيل مقولات العقل معرفيا عن مدركاته والوعي لا يتموضع تكوينيا بموضوعه بل كل منهما يحتفظ باستقلاليته الموجودية المتلازمة في جمعهما الوعي مع – موضوعه.

هوسرل كان غير موفق فلسفيا ايضا اعتباره الموضوع المحايث وجودا للوعي هو الذي يعطي معنى القصدية. الحقيقة ان الوعي لا ينتج ولا يخلق القصدية وانما يقوم الوعي بتنفيذ قصدية العقل منتجه البايولوجي. والقصدية لا تنتج مواضيعها كونها هي موضوع ماهيته انه يحمل قصديته التي يروم الوعي معرفتها والتخارج معها حول الموضوعات المدركة ليس حسيّا فقط بل وايضا عقليا بالمرتبة الاولى..

القصدية موضوع هي هدف الوعي يفتقد "آلية" منظومة الادراك العقلي المعرفي في علاقتها مع اشياء العالم الخارجي وغرائز اشباع رغائب احاسيس اجهزة الجسم الداخلية.

هوسرل في عبارته (كل العالم الواقعي الموضوعي عبارة عن تمثّلات الوعي به) العبارة صائبة وصحيحة تماما خاصة بعد اقرارنا بحقيقة الوعي بالشيء هو ليس ادراكه بل التداخل التصنيعي التخارجي معه. احكام الوعي القصدي عن عالم الاشياء والمدركات هو توصيف معرفي لها وتفسير توضيحي لمعالجتها وليس تخليقا ماديا لوجودها.

الوعي والمعنى

قصدية الوعي تحمل صفتين هامتين هما الوعي جوهر ذاتي منفرد كوجود مستقل لا علاقة ترابطية تجمع الوعي بموضوعه سوى باستقلاليتهما احدهما عن الاخر وتعالقها القصدي المعرفي المتخارج بينهما. الصفة الثانية بينهما ان الوعي قصدي بالضرورة التعالقية مع موضوعه في تحقق معنى الموضوع المحايث له.

اذن نلاحظ بجلاء واضح تشابه الوعي بالاشياء انه مرادف طبق الاصل للادراك الحسّي لها من حيث آلية التنفيذ فقط وليس من حيث الجوهر الوظيفي. حيث نجد كلا من الادراك الحسي الذي يسبق الوعي يتلاقيان في تحقيق المعنى القصدي في الاشياء والمواضيع. ليس معنى ذلك الادراك غير منفصل عن الوعي الذي يحتوي الادراك بتفرد مختلف عنه. لا الادراك الحسي ولا الوعي قادرين على تخليق موضوعهما الذي هو الوجود المادي المستقل بذاته السابق عليهما.

نعود الى العلاقة التي اشرنا لها الوعي ملازم موضوعه المستقل وجودا عنه لكنه متخارج معه معرفيا. الوعي احاطة معرفية عقلية تخارجية لمدركاته وليس خالقا بيولوجيا مستقلا لها بعيدا عن مقولات العقل عنها الذي هو الاخر يعجز خلق مواضيعه الادراكية بيولوجيا بل يعبر عنها فقط بلغة الوعي التعبيري اللغوي المجرد .

الشيء الاخر انه لا وجود لوعي ادراكي قصدي لا يحمل ملازمة معنى تلك القصدية مسبقا ويسعى تحقيقه سلوكا وتعبيرا لغويا. الوعي جوهر ذاتي والذات المجردة من علاقاتها لا تدرك ولا تعي ما لا معنى له. الوعي كما سبق لنا تكراره فعالية قصدية تحمل معها معناها السلوكي المرتبط بمنظومة العقل الادراكية. اي تفسير لمعنى فارغ لا يحمل قصديته التي يسعى لها يكون بالمحصلة لا وعي غير موجود ولا يقبله منطق العقل.

فرق الوعي عن الادراك

اذا اردنا تفريق الوعي عن الادراك من حيث قابلية امتلاك المعنى، يكون عندها المرجعية الداحضة في عدم وجود وعي لا يمتلك معنى انما تحدد خطله الزائف علاقة الذات بالدماغ وظائفيا بيولوجيا.

لكن اذا نحن اجرينا مقارنة بين الوعي والادراك ايهما اصدق في تعبيره الادراكي؟ نحن هنا نقع في اشكالية ان الوعي ناتج موضوع ادراك العقل. اما الادراك العفوي الطبيعي لموجودات العالم الخارجي فهو انطباع اولي في نقل الحواس للاحساسات الصادرة عن ادراكها لموضوعات وموجودات العالم الخارجي. ويطلق ديفيد هيوم على هذه العملية بنقل الحواس للانطبات الحسية للذهن وهي انطباعات وقتية تاخذ طريقها عبر شبكة الاعصاب وتراتيبية منظومة العقل الادراكية الى الدماغ ولا قيمة حقيقية تحسب لها كما اكد هذا المنحى جورج بيركلي ايضا.

ميزة الاختلاف الادراكي ان الحواس تنقل انطباعاتها الحسية الى الذهن بعشوائية غير منتظمة ليس كما هي في معالجة الدماغ لها. ادراك عشوائية موجودات العالم الخارجي عبر الحواس قد يفقد الاحساسات الانطباعية المنقولة عنها صدقيتها وعدم كونها خاطئة غير صحيحة.

بماذا يختلف الوعي الادراكي لعالم الموجودات عن الادراك الحسي الذي تقوم به الحواس وكليهما مرجعيتهما الذات؟ رغم اننا تحدثنا باسطر سابقة عن هذا الاختلاف نضيف هنا لما سبق استجابة على التساؤل، انه لا يمكن للذات ان لا تعي نفسها وجودا معرفيا مركزيا للجسم وعلاقة الانسان بالطبيعة والعالم الخارجي. ما يرتب على ذلك ان وعي الذات لنفسها يستتبعه بالضرورة انها تعي مواضيعها وعلاقاتها الارتباطية بالعالم الخارجي والخيالي الداخلي. اي نوع من التفكير لا يكون بلا معنى يحتويه عديم الجدوى ولا اهمية له والا كيف يحدد الوجود الانساني كينونته الذاتية بدلالة تفكير لا يحمل معنى ما يفكر به؟.

***

علي محمد اليوسف/الموصل

ما لا نراه.. ولكنه يؤثر فينا

ما هو الشيء الذي يحرك فينا ما لانراه ولكنه يعكر مزاجنا من الداخل، يعكر صفونا ونحن في غفلة من اللحظات التي تتأرجح بين القبول والرفض، لم نحدد بعد ما  هو الرأي الصواب، هل هو الصراع؟ هل هو الرقيب الذي تأسس في دواخلنا منذ طفولتنا ؟ هل هو عامل القيم والدين والاعراف والتقاليد ؟ ربما صح، وربما لا . هل هي ذاتنا التي تبحث عن دال جديد كما يراها "جاك لاكان" لأن الدال هو ما يمثل الذات نحو دال آخر، وتَعلمنا من لاكان الذي يعد الدال له الأسبقية على المدلول، الدال هو المكون الواعي واللاواعي للغة الدال في التحليل النفسي، أنه العنصر المهم في الكلام كما وضحت لنا الرؤية اللاكانية التحليلية.

هل هو محرك النقد في النفس ينبع من هذه المنظومة المعقدة القائمة على اللغة؟ وتؤكد لنا بعض الرؤى العلمية التي يراها " الدكتور ريكان إبراهيم" بأن النقد وسيلة من وسائل دراسة اللغة وتقنين اعماقها وتعرضه في اللسان الناطق والبناء الفني في تكوين الفكرة، أو الخاطرة التي تمر في النفس وتترك الأثر ثم تتحول إلى نقد للنفس، أو نقد بأشكال مختلفة، إذن لابد أن يكون لهذه الوسيلة الحية سيكولوجية محددة، مقننة باختبارها، رغم علمنا بأنها متأسسة من بدايات فجر الإنسان في تكوينه الفردي، والجمعي " أقصد تراكمات عصور الاساطير والسلالات والتراكمات الحضارية في البناء النفسي "  

 سنحاول في تساؤلنا هذا بفكرة إجتهادية لربط النفد من داخل النفس وما يعتمل بها من تداخلات لا حصر لها.. وعلاقتها باللغة بكل أوجهها لا سيما أنه منتج اجتماعي لملكة اللغة وقدرتها، ويتمثل في اللسان الذي ينطق بها، وما يستوقفنا هنا كيف تبلور هذا المخزون في مستودع اللاشعور – اللاوعي وتبلور بشكل آثار تراكمية ويقول "سوسير" بأنه شكلَ مجموعة من الآثار الموضوعة في كل ذهن، وهو حصيلة الصور اللغوية المختزنة عند كل الأفراد، ونقول لا تظهر للعلن إلا عند قلة، أو مجموعة تخصصت في هذا الطراز من الإبداع اللغوي، ويحق لنا أن نقول أيضًا  إنها قدرة يتميز بها البعض عن الآخرين. وتساءلنا هو  تبقى النفس بما أحتوت من عوالم اللاشعور – اللاوعي، ولو بجزء بسيط من هذه القارة المترامية الأطراف الشاسعة،  يظهر لنا منها في هذا المنحى، ويضيف لنا العلامة مصطفى زيور قوله: يطلق سراح اللاشعور إذا ما تدثر بالجمال " مصطفى زيور – في النفس، ص 140" 

ينشأ النقد من داخل النفس، وللنفس لها أولًا، ولا يعلن عن نفسه إلا بعد أن وصل إلى أعلى درجة  من الغليان، فحتى النقد الأدبي كمنحى في علوم اللغة والعربية منها ، أو النقد الفني، أو النقد بمستوياته الشديدة، أو المعتدل، أو الطفيفة، إنما هو يعبر عن ذات تحاول أن تتحرر عن ما يخنقها، أو يضايقها، لا ندري من ترسبات من الأفكار تكونت،  لا سيما إن بنية اللاشعور – اللاوعي التي لا نعرف سوى آثارها اللغوية والتي لا تملك آثارًا غيرها كما يقول "جاك لاكان في وضعية اللاشعور، كتابات 1966" ولعلمنا أن الأفكار تترك بقايا في النفس تتبلور وتتلائم وتظهر، أما  من لحظة إنفعال لحظية قادتها لتعلن الرفض، أو القبول، أو طلب التغيير. " التغيير هنا قسري، وليس في حالة استرخاء".

نحاول أن نستعير نص من التحليل النفسي يقدمه لنا استاذنا العلامة " مصطفى زيور" بقوله: الصراع في التحليل النفسي هو ذلك التعارض اللاشعوري – اللاواعي بين رغبة غريزية تنشد التفريغ وميل يعارض ذلك ويناهضه. لذا فالنقد من الداخل هو بحث في ميدان تحليل النفس بصفة لا مثيل لها في ميادين البحث الأخرى وإن أعطت طابع النقد الأدبي، أو الفني، أو الفكري لقضية علمية، أو فكرية، إنما يبقى أساسه نابع من أعماق النفس، وهذا يذكرنا بسلوك البعض في حياتنا اليومية حينما يلجأ الكثير من  الناس إلى سلوك الغيبة والنميمة وتناول الآخرين في أعراضهم وشرفهم، أو إسقاط مشاعر دفينة في داخله أمتنعت النفس من البوح بها، فصب جام غضبه على الآخرين .

تؤكد لنا أدبيات التحليل النفسي النظرية وتطبيقاته الميدانية بالتأكيد على النفس بإن المحللين النفسيين من حيث إنهم أمناء على اللاشعور – اللاوعي، هم بيروقراطيته، إنهم يدونون ويتحملون تناضد الخطابات المحددة تاريخيًا من زاوية مصدرها، خطابات الأشكال الطفولية القديمة للغة، كما تقول " كاترين كليمان" وتضيف قولها حَولَ " سيجموند فرويد" التصور المحدود للاشعور – اللاوعي إلى بناء كامل يتعلق بالدافع كعلة، وقد عمم "جاك لاكان" هذه اللعبة على اللغة، ومن ثمة على العلاقة التحويلية كلها، وذلك بقدر ما أن الناقد بمعنى أدق كالمحلل النفسي هو في نفس الوقت آخر الذات ومؤرخ لغتها. ويمكننا القول لو سمح لنا به الإجتهاد هذا هو خطاب النقد النفسي من الداخل، أقصد داخل النفس، ومن الخارج، أعني .. التقد الذي يوجهه الناقد الأدبي، أو الفني، أو ما يطلقه الآخر في أي موضع في حياتنا المعاشة، لذا فهو يتمثل وجود اللاشعور – اللاوعي في أن يكون لهذا الأخير مفعول الكلام، وأن يكون بنية لغوية، تمتلك هذه اللغة بلاغة معينة كما يدونها لنا جاك لاكان.  خلاصة القول أن النقد هو محاولة جادة في فهم سلوك معين في تراث ادبي، أو علمي، أو فني على وفق ما تمليه دواخل من يوجه النقد، بدءَا من داخله ثم إلى الخارج ودوافعه بحيث تؤدي دراسة المتروك كأثر إلى دراسة النفس المنشئة للنص، وهي سبيل من سبل قياس الوعي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في الفرد، وهنا يضيف أيضًا " ريكان إبراهيم" تداخل اللغة مع العوامل البيئية، وهي محاكمة لعلاقة النفس باللغة كمجمل، وبالكلمة كمفردة وينتهي بقوله :  والكلمة في اللغة بالمنظور النفسي تمتلك ثلاث محاور في  الاستدلال:   الاستدلال الشكلي والاستدلال الوصفي والاستدلال التحريضي، وما يهمنا هو الاستدلال التحريضي ويقصد به قدرة الكلمة في اللغة على احداث الحث النفسي، فهي تحرض لاشعوريًا على استلهام ما يحيط هذه الكلمة وما يتبعها من ابتناء – بناء لافكار لاحقة.  

*** 

د. أسعد شريف الامارة

(لكي يتوصّلَ المرء إلى الحقيقة، ينبغي عليه مرة واحدة في حياته أن يتخلص نهائيًا من كل الآراء الشائعة التي تربّى عليها وتلقاها من محيطه، ويعيد بناء أفكاره بشكلٍ جذريّ من الأساس)... ديكارت

مقدمة:

يمكن في البداية تعريف عصر التنوير (Age of Enlightenment) بأنه السياق الزمني الذي تخاصبت فيه الجهود الفكرية التنويرية لكبار الفلاسفة والمفكرين أمثال رينيه ديكارت فولتير(René Descartes: 1596-1650) وفولتير - فرانسوا ماري آروويه (François-Marie Arouet:1694-1778) ومونتسكيو- شارل لوى دى هايكوندا (Montesquieu: 1689-1755) ودنيس ديدرو (Denis Diderot: 1713-1784) وكوندورسيه - ماري جان أنطوان نيقولا كاريتات ( Marie Jean Antoine Nicolas de Caritat: 1743-1794) (1743-1794) وديفيد هيوم (David Hume: 1711-1776) وإيمانويل كانط (Immanuel Kant: 1724-1804 ) وإسحاق نيوتن (Sir Isaac Newton: 1642-1727) وبنجامين فرانكلين (Benjamin Franklin: 1706-1790) وجان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau: 1712-1778) و جون لوك (John Locke: 1632-1704) وآدم سمث (1723-1790) وديفيد ريكاردو (David Ricardo: 1772-1823) ,وجوليان جان أوفري دو لا ميتري (Julien Offray de La Mettrie: 1709-1751). وقد شكلت أعمال وأفكار هؤلاء المفكرين من مختلف المشارب العلمية والاجتماعية قوة تنويرية هائلة هدفت إلى تحرير المجتمعات الأوروبية من أوهامها الأسطورية والخروج بها إلى عالم المعرفة والتنور والحرية، كما تمثلت هذه الحركة التنويرية في العمل على إخراج المجتمعات الأوروبية من الظلمات إلى النور ومن السلطات الكهنوتية البابوية إلى أنظمة سياسية ديمقراطية وعلمانية. ويمكن القول أيضا إن عصر التنوير وجد صداه الكبير وتأثيره العظيم في مختلف مظاهر الحياة الفكرية الأوروبية في القرنين السابع والثامن عشر.

والتنوير بالتعريف حالة حضارية ذهنية متوقدة، يدك فيها الإنسان جدران الأوهام، ويدمر عبرها أركان الوصاية على العقل بوصفه الجوهر الإنساني في الإنسان. إنها وفقاً لمنظور "كانط" الوضعية التي يخرج فيها الإنسان من دائرة الخرافات والأوهام، ليحطم كل أشكال العطالة الذهنية والجمود ومقاليد الوصاية على العقل. وفي هذا كله تأكيد لسيادة العقل وسلطانه حيث لا يكون سلطان فوق سلطانه؛ ولذا غالبا ما يقترن مفهوم العقل بمفهوم النور أو التنوير في الحضور والغياب، يقابله هذا الاقتران الكبير والجوهري بين الجهل والظلام. وضمن توجهات هذه المعادلة التنويرية، يكون حضور العقل حضوراً للتنوير وغيابه حضوراً للجهل والظلام. ومن الواضح تاريخياً في هذا السياق، أن حضور العقل والعقلانية كان في أصل كل حضارة وتقدم، حيث كان العقل، وما ينتجه من حكمة وعلم وبرهان، هو أداة الإنسان لفهم الكون والإفادة الرشيدة من الطبيعة؛ بما يحقق الغايات الإنسانية النبيلة. فالعقلانية هي التي منحت الإنسان القدرة على التحرر من غوائل الطبيعة والانتصار على كل أشكال الضعف والقصور لبناء حضارة الإنسانية والإنسان.

انحراف المسار التنويري:

ومع أن التنوير ولد على صورة حركة إنسانية أخلاقية تحررية في جوهره فقد تعثرت خطاه وانحرف مساراته وفسدت مراميه ومآلاته وسقطت تطلعاته الإنسانية والأخلاقية في سياق تطوره التاريخي والحضاري، وانتهى به الأمر به إلى الانقلاب على مسيرته الواعدة بتحرير الإنسان إلى قوة استلابية تحاصر الإنسان وتضعه في مهاوي الاغتراب وزنزانات البؤس والاستلاب. وتحولت الحداثة التنويرية فيما بعد إلى دريئة تتقاذفها السهام من كل حدب وصوب وجانب. وعليه تعرضت الحضارة الغربية بنهضتها وحداثتها وأنوارها إلى النقد العنيف من قبل كبار الفلاسفة والمفكرين منذ مطلع القرن التاسع عشر حتى اليوم، ودأب كبار المفكرين على نقد أبنية الحضارة الغربية والكشف عن التناقضات الكبيرة في مسيرة التنوير الغربي. ومن يطالع مسيرة التفكير الفلسفي سيجد بأن هذه الحضارة قد تعرضت للنقد الشديد من قبل ماركس وفرويد ونيتشة وكانط وروسو وعدد كبير جدا من المفكرين والباحثين، ويتمركز هذا النقد على المسيرة الانحرافية للحضارة الغربية التي أدت إلى صيغ متعدد من الشقاء الإنساني والبؤس الأخلاقي. ويبدو واضحا للعيان أن المشروع الحضاري الغربي قد أنتج الحروب العالمية المدمرة وأدى إلى استعمار الشعوب وانتهى إلى وضع الإنسانية في أقفاص الشقاء الاغترابي.

ومن منطلق هذه الرؤية السوداوية لوضعية التنوير لم يتردد ألبرت شفايتزر (AlbertSchweitzer;1875-1965) الحائز على جائزة نوبل للسلام في الإعلان بأن العالم يسير نحو الهاوية وإننا نعيش في ظل انهيار الحضارة الإنسانية، وعلى خطاه أعلن الفيلسوف والمؤرخ الألماني أوسفالد شبنغلر (Oswald Spengler:1880-1936) في كتابه (انحدار الغرب) أنّ الحضارة الغربية تتساقط وتلفظ أنفاسها الأخيرة وقد حكم عليها بالموت والدمار. وقد سبق للفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه "Nietzsche" (Friedrich Nietzche:1844-1900) أنه أعلن أن الحضارة الغربية سقطت في الهاوية واختلت موازينها الأخلاقية. والحضارة المعاصرة (1). وهذا كله يتساوق مع نظرية سيغموند فرويد الذي يعلن بدوره عن تآكل هذه الحضارة إذ يقول " نحن نعيش في زمان شديد الغرابة، أصبحنا نلاحظ فيه وباستغراب أن التقدم قد عقد تحالفا مع النزعة الهمجية والبربرية".

نقد مدرسة فرانكفورت:

وجاءت مدرسة فرانكفورت النقدية لتعزز هذا المسار في نقد الحضارة الغربية فاتخذت من النقد منهجا لها، وحاولت القيام بممارسة نقدية جذرية للحضارة الغربية؛ قصد إعادة النظر في أسسها ونتائجها على ضوء التحولات السياسية الكبرى التي أفرزتها الحداثة الغربية، وخاصة منذ “عصر الأنوار” (Age of Enlightenment)(2)، الذي يعتبر نقطة تحول جوهرية في مسار هذه الحداثة، وقد كرس رواد هذه المدرسة جهودهم للكشف عن الأوضاع الاغترابية للحضارة الغربية ونقد الأسس التي تقوم عليها كالحرية والعقلانية والتقدم العلمي والتقني (3). وقد برع رواد مدرسة فرانكفورت في تأصيل منهجهم النقدي واعتماده في تناول قضايا المجتمعات الرأسمالية وتفكيك مختلف التكوينات الاجتماعية واستكشاف مختلف التناقضات الكامنة في طبيعة هذه المجتمعات. ومن الأهمية بمكان أن رواد فرانكفورت اعتمدوا النقد بوصفه قوة أساسية في عملية تحقيق التغيير وإنجاز التقدم الحضاري. وقد ساعدهم في تحقيق ذلك تخاصب الاهتمامات والتخصصات العلمية المتنوعة لرواد المدرسة الذي توزعوا في قطاعات مختلف شملت علم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد والأدب وغير ذلك من التخصصات العلمية التي شكلت في مجموعها قوة نقدية هائلة وظفت فعليا في تفككيك بنية المجتمع الرأسمالي ونقده، وقد امتدّ هذا النقد ليشمل الحضارة الغربية برمتها منذ عصر النهضة حنى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

وقد ألح رواد مدرسة فرانكفورت على النظر إلى الحداثة الغربية بوصفها كارثة ضربت بقوة في العمق الإنساني للحضارة، وذلك لأنها خرجت عن مسارها وابتعدت عن غاياتها الإنسانية في تحقيق الكرامة والحرية للإنسان. فالحداثة قامت في جوهرها على العقل وآمنت بالحرية والتقدم ومن ثم انتهت إلى قوة ضد العقل والعقلانية فانتهكت حرية الإنسان وكرامته ووضعته في زنزانات القهر والعبودية، واستطاعت في مسار انحرافها عن مسارها الحضاري أن تحول " الكائن البشري من كيان واع وروح متعالية إلى عضو خاضع وجسم مادي وكيان بلا روح؛ لقد أصبح الإنسان بفعل التقدم الهائل في الأبحاث العلمية والإنتاجات التقنية مجرد رقم ضمن معادلات حسابية هاجسها الربح والنجاح ضدا على الكرامة الإنسانية والأخلاق البشرية"(4).

ويمكن القول في هذا السياق إن “مدرسة فرانكفورت” قامت منذ نشأتها على نقد جذري لمشروع التنوير بوصفه أحد أهم مظاهر الحداثة وأبرز تجلياتها الحضارية ويتضح هذا التوجه النقدي في جهود كل من هوركهايمر وأدوورنو في كتابهما المشهور “جدل التنوير” الذي يتضمن رؤية نقدية صارمة نقدية يتناولان فيها مآلات عصر التنوير في استطالاته الحضارية الاغترابية (5).

ومما لا شك فيه أن النقد العنيف الذي وجهه رواد النظرية النقدية إلى التنوير والعقلانية لم يكن نقدا للتنوير في ذاته أو للعقل في مقامه أو لقيم التنوير في بهائها بل كان نقدا للصيرورة الحضارية التاريخية التي أدت إلى انتكاسة التنوير في ظلِّ تطور المجتمع الرأسمالي والصناعي وفي ظل علاقاته المُكَرَّسَة لاستعباد الإنسان واستلابه. ويسجل التاريخ أن رواد المدرسة لا يقفون موقفا معاديا للتنوير في جوهره بل يقفون ضد مظاهر اللاعقلانية التي انتهى إليها بفعل متغيرات وعوامل فكرية واجتماعية متداخلة. وهم باختصار يوجهون النقد إلى مآلات التنوير، ويرون بأن المشروع التنويري قد أخفق في تحقيق غاياته وتحقيق قيمه الإنسانية التحررية، وأنه قد تحول على الأثر إلى قوة مضادة للإنسان والإنسانية بما صار عليه وبما أنتجه من كوارث التسلط والاستبداد السياسي والاجتماعي. وقد هالهم تماما أن يؤدي التنوير في نهاية المطاف إلى ولادة أكثر الأنظمة السياسية والاجتماعية فتكا واستبدادا بالإنسان والإنسانية. ووقع في أيديهم أن التنوير قد أنتج أخطر الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية التي تتمثل في الحركات النازية والفاشية والستالينية وهو المر الذي انتج أخطر حربين عالميتين (الأولى والثانية) وهما الحربان اللتان دمرت الحجر والبشر والشجر وأوقعت عشرات الملايين من الضحايا البشرية بما فيه الأطفال والنشاء والرجال.

جاء القرن العشرون كما يرى رواد المدرسة ليدمر أحلام التنوير ويكشف عن سقوط الأوهام التي جاء بها عصر النّهضة المحمل بوعود المجتمع الإنساني الخلاق، وقد دشنت وعود الحداثة بأعظم حربين مدمرتين للوجود الإنساني (الحربان العالميتان الأولى والثانية) وكان القرن العشرون محملا بوعود الموت والفناء والإبادات العرقية والسياسية التي تمثلت في الهولوكست ومعسكرات الأوشفيتز في ألمانيا النازية، ومعسكرات الغولاغ في روسيا الستالينية، وقنابل التدمير الذرية في ناكازاكي وهيروشيما، وعلى هذه الصورة المأساوية تحول مشروع التنوير إلى قوة مضادة للتنوير بكل ما ينطوي عليه من قيم تحررية ومبادئ إنسانية(6). وقد أدت هذه الوضعيات الكارثية إلى تداعي كل الأحلام والآمال التي حملها عصر التنوير وإلى نمو هائل للشَّكِّ والارتياب في مشروع الحداثة والتنوير (7).

وجاءت معسكرات الإبادة الجماعية لليهود (معسكرات أوشفيتز لتكون "الحدث الفاصل الذي حطم الافتراضات المتفائلة حول التقدم من أساسها أكثر مما فعل زلزال لشبونة خلال القرن الثامن عشر. ولما كانت صور معسكرات الاعتقال النازية لا تزال ماثلةً في الأذهان، ومع تدمري هووشيما وناكازاكي، وظهور تقارير جديدة عن المعتقلات السوفييتية (الجولاج)، ومع تزايُد انتشار المكارثية في الولايات المتحدة؛ بدا لمدرسة فرانكفورت كأن الحضارة الغربية لم تأت بالتطور الإنساني، وإنما أتت بنزعة بربرية غري مسبوقة. وأدرك أعضاء المدرسة أن شيئًا أكثر من النقد المعتاد للرأسمالية مطلوب من الفكر الراديكالي" (8).

مآلات التنوير:

وليس ألعن من ذلك ما شهده العصر الجديد – القرن العشرون - من وقوع البشرية جمعاء تحت سطوة الهيمنة الاستعمارية للشعوب والأمم. وقد عزا رواد المدرسة النقدية هذه الكوارث إلى فشل مشروع الحداثة والتنوير وهو المشروع الذي أدى في النهاية إلى نتائج معاكسة للمبادئ والقيم الذي طرحها حول تحرير الإنسان والإنسانية من الظلم والقهر والاستعباد والاستبداد. لقد شاهد رواد المدرسة النقدية صور الإبادة العرقية لليهود في المعتقلات النازية وبقيت هذه الصور ماثلة في أذهانهم، " ومع تدمير هيروشيما وناجازاكي، وظهور تقارير جديدة عن المعتقلات السوفييتية (الجولاج)، ومع تزايُد انتشار المكارثية في الولايات المتحدة؛ بدا لمدرسة فرانكفورت كأن الحضارة الغربية لم تأتِ بالتطور الإنساني، وإنما أتتْ بنزعة بربرية غير مسبوقة، وأدرك أعضاء المدرسة أن شيئًا أكثر من النقد المعتاد للرأسمالية مطلوب من الفكر الراديكالي "(9).

ولذا لم يقف رواد المدرسة عند حدود نقد التنوير والحضارة الغربية فحسب بل تجاوزه إلى البحث عن الأسباب التي غيرت وجه التنوير فحولته إلى قوة مضادة للإنسان والإنسانية وقدموا أنظمة فكرية متكاملة من التفسيرات السوسيولوجية والتحليلات الواقعية لعملية التحول الخطير للتنوير إلى حركة ظلامية خطيرة فقد فيه الإنسان كيانه ووجوده وكرامته.

يرى رواد المدرسة النقدية -ولاسيما هوركهايمر وأدورنو- بأن حركة التنوير قامت على مواجهة الأساطير والخرافات والأوهام التي سادت إبان العصور الوسطى، واتجهت إلى فك السحر عن العالم وتحريره من التقاليد الكنسية والأساطير الاستلابية الدينية، ولكن هذه التنوير أوقع نفسه في شباك أساطيره الخاصة المميتة المتمثلة في جبروت الأنظمة وفي مختلف أشكال الاستبداد الفكري والأخلاقي التي ضربت قيم الحضارة الإنسانية بمقتل، فقضت على الشكل الأمثل للعقل والعقلانية في مختلف أصقاع القارة الأوروبية. وعلى هذا النحو أصبح الإنسان الغربي في صراعه مع الوحوش الأسطورية وحشا ثم أوقعته معاركه أجل السيطرة على الطبيعية في عبودية جديدة لا تقل خطرا وإيلاما عن استبداد الأساطير القديمة.

فالمشروع التنويري كما يرى رواد المدرسة مني بالإخفاق وفشل كليا في أداء مهمته التاريخية التي تتمثل في إخراج العقل من الدوائر الأسطورية للأوهام وتحطيم الأوثان التيولوجية وتدمير مظاهر الخرافات والتفكير اللاعقلاني. فها هو العقل الذي رفعه التنوير شعارا يرتد على ذاته ويتحول قوة استلابية تدميرية لإنسانية الإنسان وكرامته، وهو العقل ذاته الذي تغوّل على الطبيعية والإنسان، يتغول على الإنسان نفسه فيبتعه ويحوله موضوعا للهجانة الأخلاقية أي إلى كائن مفرغ من معانيه ودلالته الإنسانية. وعلى هذه الصورة تمّ تحويل الإنسان إلى مادة أولية تستثمر في خدمة المصالح الرأسمالية للطبقات البرجوازية التي تسود وتسيطر وتهيمن على مقدرات الحياة الاقتصادية في المجتمع. وهذا كله يعني أن الأنوار قد تحول إلى قوة همجية تدميرية للإنسانية والإنسان بفعل العقلانية المتوحشة التي انتهجها في السيطرة على الطبيعية والإنسان. وعلى هذا النحو اتجهت أطروحات المدرسة إلى محاولة البرهنة على أن عقلانية المشروع الثقافي الغربي في جوانبه الثلاثة: كنتاج فلسفي نظري علمي، ونظم اجتماعية تاريخية، ونسق قيمي سلوكي، تؤلف جميعها أيديولوجيا شمولية متكاملة ومتماسكة، تهدف إلى تبرير التسلط، وجعله عقيدةً وحيدة تغطي أولويات القمع المتحققة كواقع مستمر يجمع مختلف فعاليات هذا المشروع(10).

أوديسيوس وفشل التنوير:

وإذا كان هدف التنوير العقلي تحرير البشر من الخوف، وجعلهم سادة على الأرض وملوكًا عليها أو مالكين لها ومساعدتهم على بلوغ الرشد " فإن الأرض التي تم تنويرها لا تزال تغمرها ظلال الكارثة — والكارثة في مفهومهما هي سيادة الأسطورة (النازية اللاعقلانية!) — هكذا كانت الأسطورة نفسها نوعًا من التنوير، ولكن التنوير كان يرتدُّ دائمًا إلى الأسطورة ويدمِّر نفسه بنفسه " (11). وهذا يعني أن العقـل ارتد على ذاته وحطـم نفسـه وانتهى إلى أسطورة مضادة للعقل، وهـذا مـا أشار إليه هوركهايمر وأدورنو بقولهما: " استقى التنوير جوهر مادته من الأساطير مع أنه كان يريد القضاء عليها، وحين مارس وظيفة الحكم ظل واقعاً أسير سحرها" (12). وعلى هذا المنهج الأسطوري يوظف رواد المدرسة النقدية الأسطورة الأغريقية أوديسيوس (13) ويوظفون رمزيها في تناولهم النقدي للمظاهر الاستلابية في الحضارة الغربية ثم يستلهمون معانيها الرمزية الدلالية في تفسير سقوط الحضارة الغربية وعدميتها التاريخية.

وأوديسيوس كما باللغة اليونانية (Ὀδυσσεύς) ( بطل ملحمة الأوديسة لهوميروس) (14) وملك إيثاكا الأسطوري الذي ترك بلده كي يشارك في حرب طروادة الشهيرة، وهو وصاحب فكرة الحصان (حصان طروادة) التي هزمت الطرواديين. وتذكر الأسطورة صديق أوديسيوس المحبب قتل في المعركة فأصيب بنوبة غضب شديدة قادته إلى أن يلعن الآلهة فاستشاط بوسيدون إله البحر وعاقبه بالضياع في متاهات البحار وأمواجه لمدة عشر سنوات في رحلة عودته للوطن، وقد لاقى في رحلة العودة هذه أهوالا كثيرة وأحداثا مرعبة ومخيفة.

وقد جاء في الأسطورة أن حوريات البحر (أو عرائس البحر) كنّ ينشدن أغان سحرية للغاية تتميز بجمال الألحان وسحر الأصوات التي تفوق حدود الوصف في مدى قدرتها على الاستلاب السحري لمن يسمعها، إذ لا يمكن لمن يسمع أن يقاوم جمال هذه الأصوات وسحرها الملائكي الأخاذ فيستسلم لهن ويبقى إلى جوارهن عبدا صاغرا إلى الأبد.

ولما مرّ أوديسيوس في رحلته عودته المعذبة إلى الوطن هاله أن يقع في أسر الغانيات وأن يخضع لغوايتهن ولذا ومن أجل أن يحافظ على كيانه ووجوده اتخذ إجراءات صارمة لحماية نفسه وبحارته من قدر الأسر والاستسلام للحوريات فأمرهم أن يضعوا الشمع في آذانهم كي لا ينتهي بهم الأمر إلى سماع شدو الحوريات وكي لا يقعوا في أسر غوايتهن، ثم ومن أجل حماية نفسه أيضا طلب من بحارته أن يقيدوه بقوة إلى "صاري" السفينة وأن يشدّو قيده كلما ازداد الغناء وكلما اشتدت حلاوته كي لا يكون مصيره الاستسلام والسقوط في عبودية الساحرات، وقد تمكن بهذه الطريقة أن يتجاوز سحر الغانيان وأن يمر بسلام، وعلى هذه الصورة تنتهي الأسطورة إلى انتحار الحوريات لأنّهن أخفقن في غواية أوديسيوس الذي سمع غناءهن وعرف أسرارهنّ(15).

شكلت هذه الأسطورة مصدر إلهام فكري لهوركهايمر وأدورنو وانطلقا من معانيها ودلالاتها الحضارية في استكشاف العمق الثقافي للحضارة الغربية، ووظفا هذا النص الأسطوري لاكتشاف العلاقة الجدلية بين التنوير والحضارة المادية. وفي مسار التحليل يجد هوركهايمر وأدورنو شرارة التماثل بين الأسطورة وحركة التنوير الأوروبية. فالتنوير كان محاولة تاريخية لفك السحر عن العالم والإنسان الغربي حاول في سياق حركة التنوير أن يتحرر من القوى السحرية وأن ينتصر على الطبيعية ويخضها لإرادته العليا ولكنه في صراعه مع الوحوش أصبح أكثر وحشية وفي صراعه مع الأسطورة تحول إلى شظايا أساطير. وعلى المنوال نفسه يقاتل أوديسيوس القوى الأسطورية التي تتمثل في " حوريات البحر" وينقذ نفسه من العبودية الاستسلام للساحرات ولكنه في الوقت نفسه يدخل في عبودية من نمط جديد لا يقل خطرا عن عبودية الساحرات إذ يجد نفسه مشدودا إلى صاري السفينة وقد خسر حريته وحرية بحارته فأصبح عبدا بإرادته هو هذه المرة. وهذا يعني أن الإنسان في صراعه مع الطبيعية وفي محاولة فك السحر عن حضارته يقع من جديد في أسر العبودية والسحر والأسطورة بل يتحول فكره وثقافته إلى وهج أساطير جديدة هي أساطير الحضارة الاغترابية المغلقة التي تسجن الإنسان بإرادته في ظلمات السجون.

وتلك هي حكاية التنوير تتطابق مع أسطورة أوديسيوس فالتنوير الغربي في سعيه إلى تحرير الإنسان أوقعه من جديد في سحر الفردانية وتحت سطوة العقل الأداتي الذي يمثل الحبال التي شدت بروميثيوس إلى الصواري وقادت بحارته إلى الصمم. وهذا يعني أن صراع الإنسان الغربي مع الأساطير أغرقته في أساطير جديدة في وهم الحرية بين قضبان العقل الأداتي الذي حول الإنسان إلى عبودية جديدة وهي عبودية العقل الأداتي عبودية القهر التنويري عبودية التشيؤ الذي يعني أن الإنسان التنويري عندما عمل على ممارسة السيطرة على الطبيعية سيطر على ذاته وأفقد نفسه الحرية لقد أصبح شيئا يرتبط بالأوثان والصواري الأسطورية التي عرفناها في سفينة برومثيوس ظهرت الفردانية والذاتية أثناء صراع التنوير مع الأسطورة وبالعودة إلى أوديسيوس نجده يطور نمطاً من العقلانية الأداتية التي يصنعها بنفسه ليدرأ شر تلك القوى الأسطورية التي تحاصره وهي نوع من الحيل الماكرة التي حمت حياته لمرات عديدة أثناء رحلة العودة. وعلى هذا المنوال ذاته سارت الحضارة الغربية التي أبدعت عقلها في السيطرة على الطبيعية والانفلات من سحرها، ولكن السحر انقلب في النهاية على الساحر وأصبح الإنسان عبدا لما صنع عقله وما اخترعت يداه من وسائل السيطرة والهيمنة فالحبال والأوتاد تشدنا إلى الزنزانات الحضارية، وكذلك الشمع يصم أذاننا إذ فقدنا قدرتنا على إدراك ما نحن فيه من قهر وعناء، وتوقفنا عن سماع نداء الطبيعة الجميل وسحر الساحرات مستسلمين لعبودية جديدة أشد قهرا وأكثر إيلاما. نجح أوديسيوس في قهر قوى الطبيعة الخارجية، ولكنه دفع حريته ثمناً لذلك عندما قيَّد نفسه إلى السارية (16). وهكذا يكون الأمر دائما إذ عندما يروض الإنسان الحديث الطبيعة الخارجية ويسيطر عليها يروِّض نفسه ويخسر حريته الذاتية ويقيّد نفسه إلى صواري العبودية وأسر الحضارة المدنية وهنا تكمن حكاية التنوير في حركة نشاطها وسقوطها في دوائر الاستلاب والاغتراب (17).

خاتمة:

وإذا كان هدف التنوير العقلي منذ القِدم هو تحرير البشر من الخوف، وجعلهم سادة على الأرض وملوكًا عليها أو مالكين لها " فإن الأرض التي تم تنويرها لا تزال تغمرها ظلال الكارثة — والكارثة في مفهومهما هي سيادة الأسطورة (النازية اللاعقلانية!)، وهكذا كانت الأسطورة نفسها نوعًا من التنوير، ولكن التنوير كان يرتدُّ دائمًا إلى الأسطورة ويدمِّر نفسه بنفسه" (18). وهذا يعني أن تاريخ التمدن والتنوير ظل حتى اليوم ظل مُتلبِسًا بالأسطورة أو مطويًّا فيها، وكأن التنوير لا يزال في حركة دائمة كحركة الفكرة المستمرة تُفضي به دائمًا إلى الوقوع في أَسر الأسطورة (19). وفي ضوء هذه الرؤية الأسطورية لسقوط الإنسان في مستنقع العبودية يرى مفكرو المدرسة أن الإنسان في سعيه التنويري لم ينتصر على الطبيعية فحسب بل انتصر على الإنسان نفسه فحاصره وشيئه ووضعه في دائرة العفن والاغتراب وهو الأمر الذي أدى تدمير العلاقات الحيوية بين بين أفراد المجتمع بين الإنسان والإنسان.

لقد كان هدف هوركهايمر وأدورنو هو بيان الازدواجية الكامنة في مفهوم التنوير الغربي وتمزُّقِهِ منذ بداياته الأولى، وارتِدَادِه بصُورةٍ مستمِرَّةٍ إلى الأسطورة واللاعقلانية التي حاول باستمرار أن يَنتَزِعَ نفسه منها وتمَثَّلت لهما في البربرية النازية التي كانت هي اللعنة والكارثة؛ ولذلك حاوَلَا معرفة الأسباب «العقلية» التي جعلت البشرية الغربية تسقط في أمثال هذه البربرية «اللاعقلية» طوال تاريخها المُبْتَلَى بالرُّعبِ والقَهرِ والقتلِ والتَّعذيب بدلًا من أن تبدَأَ وضعًا إنسانيًّا حقيقيًّا تَسُودُه السَّعادة والتَّصالح بين البشر وبينهم وبين الطبيعة(20). وباختصار فإن "التنوير الذي أخذ على عاتقه تحرير الإنسان من عبودية العصور الوسطى بتبنيه للقيم العقلانية وللمبادئ التقدمية فشل في مهمته التنويرية وسقط غي مستنقع العدمية التاريخية وذلك لأن العقلانية التحررية التي حملها تحولت إلى عقلانية أداتية متوحشة وانقلبت إلى وحش ضار غير قابل للترويض يدوس ويحطم كل من يعترض طريقه كائنا من كان: الإنسان والأشياء والثقافة والسياسة محولا إياها إلى مجرد أشياء وسلع قابلة للتصنيع والتدوير والانتهاك والاستهلاك(21).

***

علي أسعد وطفة

جامعة الكويت -كلية التربية

............................

مراجع المقالة:

(1) - عماد الدين إبراهيم عبد الرازق، مفهوم الاغتراب لدى فلاسفة مدرسة فرانكفورت، مؤمنون بلا حدود، 21 يناير 2017 . https://bitly.ws/3dqMj

(2) - عصر التنوير أو الأنوار(Age of Enlightenment) مصطلح يشير إلى القرن الثامن عشر في الفلسفة الأوروبية، المصطلح يشير إلى نشوء حركة ثقافية تاريخية دعيت بالتنوير والتي قامت بالدفاع عن العقلانية و مبادئها كوسائل لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة بدلا من الدين، شكلت هذه الحركة أساسا وإطارا للثورة الفرنسية.

(3) - مصطفى عاشور، مدرسة فرانكفورت…النشأة والمرتكزات، إسلام أونلاين، 16-2-2024 . https://bitly.ws/3dnL6

(4) - حسان حمون، مدرسة فرانكفورت وأزمة الحداثة الغربية، مجلة الحقيقة للعلوم الاجتماعية والإنسانية، المجلد 20، العدد 4، السنة 2021. صص 270 – 283. ص 273.

(5) -  محمد رضا العمراني، مدرسة فرانكفورت: التأسيس للنظرية النقدية المعاصرة،  معاني، 3 أغسطس، 2022 . https://bitly.ws/3bjni

(6) - ديفيد هارفي، حالة ما بعد الحداثة، بحث في أصول التغيير الثَّقافي، المنظَّمة العربيَّة للتّرجمة، بيروت 2005، ص 31.

(7) - محمود حيدر، العِلمويّة الكئيبة: تنظير نقديّ لاستخدامات فلسفة العلم في الحداثة الغربيّة، مجلة جامعة المعارف العدد 9، 2023. صص 44-80. ص 53.

(8) - ستيفن إريك برونر، النظرية النقدية: مقدمة قصيرة جدًّا، ترجمة سارة عادل، مراجعة مصطفى محمد فؤاد، مؤسسة هنداوي، 2016. ص 12 .

(9) - ستيفن إريك برونر، النظرية النقدية: مقدمة قصيرة جدٍّا، المرجع السابق،ص 12.

(10) - محمد حافظ دياب، من مقدمته لكتاب توم بوتومور- مدرسة فرانكفورت، ترجمة: سعد هجرس، دار نویا، طرابلس، ليبيا، 2004، ص 20.

(11) - عبد الغفار مكاوي، تجارب فلسفية، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2020 . ص  106 .

(12) - ماكس هورکهایمر وثيودور أدورنو، جـدل التنوير، ترجمة جورج كتورة، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006، ص32.

(13) - الأوديسة باليونانية (ούνταξις)هي ملحمة شعرية وضعها هوميروس في القرن 8 قبل الميلاد. وتتكون من 24 جزئا. تبدأ الملحمة من منتصف القصة، ثم تروي ما حدث بالبداية وتنتهي بوصول البطل إلى الجزيرة. تبدأ قصة الأوديسة بعد نهاية ملحمة الإلياذة. وتروي قصة عودة أوديسيوس ملك إيثاكا الذي من المعروف عنه أنه صاحب فكرة حصان طروادة.

(14) - يسمى أوديسيوس يوليز أو عوليس باللاتينية (Ulysses)

(15) - Max Horkheimer et Theodor W. Adorno, La dialectique de la raison, fragment philosophiques, traduit de l'allemand par Eliane kaufholz, Editions gallimard, p 50.

(16) -Max Horkheimer et Theodor W. Adorno, La Dialectique de la Raison, trad. Éliane Kaufholz, Gallimard, 1974, p. 72.

(17) - خلدون النبواني، الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت من الماركسية إلى ما بعد الحداثة، الأوان، 8ديسمبر 8, 2013. https://bitly.ws/3dqE3

(18) - عبد الغفار مكاوي، تجارب فلسفية، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2020 . ص  106 .

(19) - عبد الغفار مكاوي، تجارب فلسفية، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2020 . ص  106 .

(20) - عبد الغفار مكاوي، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2017. ص 31.

(21) - حسان حمون، مدرسة فرانكفورت وأزمة الحداثة الغربية، مرجع سابق، ص 277.

العقل ليس جوهرا منفصلا عن الجسم، وان الخصائص العقلية تابعة للخصائص الفيزيائية... (ويكيبيديا الموسوع). بمعنى جوهر العقل في الوقت الذي يكون تجريد لغوي في التعبير عن موجودات عالمنا الخارجي فهو اي العقل خاصية فيزيائية في اشباعه احاسيس الجسد الغرائزية.

بالحقيقة هذه العبارة المبتورة تعتبر العقل ليس جوهرا منفصلا عن الجسم، وإن الخصائص العقلية التفكيرية تابعة لخصائصه الوظيفية الفيزيائية (للعقل) كعضو في تكوين أعضاء الجسم الذي يحتويه. هذه العبارة تختصر مجلدا من المناقشات الفلسفية المتناحرة والمتناطحة مع بعضها بلا جدوى. فخاصيتي العقل البايولوجية وخاصيته اللغوية التجريدية هما جوهر واحد لعقل واحد لا يمكننا تجزئته.

إذ دأبت مباحث الفلسفة منذ افلاطون وارسطو وديكارت إعتبار علاقة العقل بالجسم أنه جوهر غير فيزيائي منفصل عن الجسم ماهيته التفكير. لكن ما يجب الوقوف عنده بالعبارة أن الخصائص العقلية التجريدية للعقل جوهر ماهيته التفكير هي علاقة جدلية معرفية تكاملية مع الخصائص الفيزيائية للعقل على إعتباره عضو بايولوجي في جسم الانسان له وظائف فيزيائية خارج وداخل الجسم أخرى تتجاوز خاصية العقل جوهر ماهيته تفكير تجريدي منفصل عن الجسم.

حسب النزعة المثنوية أو الثنائية (علاقة العقل بالجسم) ترى العقل جوهرا مستقلا عن الجسم. في حين خالفهم الرأي بعضا من أصحاب خصائص العقل البيولوجية الوظائفية الذين يرون فيها العقل جوهرا غير منفصل عن الجسم. هم أصحاب النزعة الواحدية أن العقل والجسم ليسا كيانين وجوديين منفصلين إنما هما جوهر واحد في الإفصاح عن مدركات العالم الخارجي والعالم الداخلي للانسان. وتبّنى اسبينوزا هذا الرأي.

طرح افلاطون في وقت مبكر تعريفه العقل من وجهة نظر فلسفية تعتبر إبنة عصرها قبل تقدّم مباحث العلم في دراسة وظائف الأعضاء وفلسفة العقل المعاصرة. قوله العقل لا يمكن شرحه بمصطلحات الجسم الفيزيائية، أي بمعنى أراد افلاطون حصر العقل ضمن مباحث الفلسفة كتجريد منطقي لغوي بعيدا عن علم وظائف الاعضاء بيولوجيا التي تركن فلسفة العقل التجريدية جانبا.

بتعبير ربما يكون أكثر وضوحا أن العقل في الوقت الذي هو جوهر ماهيته ملكة التفكير، فهو بنفس الوقت عضو بايولوجي من أعضاء الجسم يقوم بفاعليات ما لا حصر له تدخل ضمن خاصّية العقل الإدراكية ومسؤوليته المباشرة عن كل شيء يصدر عن الانسان من سلوك ومعرفة بالحياة والوجود خارج وداخل الجسم. بالحقيقة هذا الانقسام بين بنية العقل التجريدية الفكرية الفوقية بتعبير ماركسي، مع البنية الوظائفية البايولوجية التحتانية للعقل كعضو تحتويه الجمجمة في غير حصر جوهر العقل أنه تجريد تفكيري لغوي ، يجعل من رأي أصحاب مذهب الواحدية في علاقة إرتباط العقل بالجسم من جهة وعلاقة عدم إنقسام العقل على نفسه أنه ليس خاصّية لغوية إدراكية تجريدية من جهة ثانية صحيحا ، وأن العقل تكوين بايولوجي له وظائف علائقية بالجسم بما لا يمكن حصره وهو يتجاوز تعريف العقل أنه خاصّية تفكيرية تجريدية غير مادية.

هذا الإنقسام الذاتي الافتراضي للعقل على نفسه يجمع خاصيتي تجريد - بيولوجي  يقوم على جدل من العلاقة التي تشبه علاقة جدل الفكر والمادة ، وجدل الفكر واللغة. هناك خاصّية جدلية للعقل تقوم على جدلية الفكرمع الإدراك العقلي المادي من جهة، وجدل آخر يحكم علاقة العقل بالجسد بايولوجيا في إشباع غرئزه مثل الجنس وحاجته للطعام والنوم والعيش المؤنسن مع مجتمعه وكذلك اشباع حاجات النفس والعاطفة والاخلاق والضمير والوجدان والقيم..

ديكارت والعقل

بمجيء ديكارت في القرن السابع عشر أراد إعطاء العقل ميزة متعالية على مباحث الفلسفة فأوقع نفسه في خطأ لم يكن يتصوره تحت وطأة تطوير فهم افلاطون أن العقل تجريد لغوي لا يخضع لمنظومات العقل البيولوجية الادراكية.. فعمد  إختصار ومصادرة الجدل البايولوجي حول العقل في تأكيده المنحى الفلسفي للعقل جوهر منفصل عن الجسم ماهيته ملكة التفكيرفقط وأهمل عن قصد العقل كتكوين بيولوجي يرتبط بجسم الانسان.كما ينسب لديكارت قوله مؤيدا لما يسمى المثنوية (علاقة العقل بالجسم) " العقل غير محدود في إطاره الفيزيائي، فهو جسم غير مادي" نقلا عن ويكيبيديا الموسوعة.

يبدو لي على الأقل وجود تناقض بالعبارة فما هو فيزيائي يكون بالضرورة الماهوية ماديا وليس غير مادي. وكل فيزيائي هو مادي، والتناقض الآخر حين يعتبر ديكارت العقل قدرة غير محدودة فيزيائيا لأنه غير مادي؟ قدرة العقل غير المحدودة فيزيائيا هي كون العقل يجمع خاصيتي الادراك الحسي التجريدي للاشياء في التعبيرعنها بالفكر واللغة. وهذا لا ينفي خاصيته الثانية هي العقل ماديته العضوية البيولوجية داخل تكوينات الجسم يجعل من جوهر العقل انه فيزيائي وليس تجريدي لغوي فقط..

العقل سواء إعتبرناه عضوا ماديا في جسم الانسان ،أو إعتبرناه تجريدا إدراكيا لا يرتبط بالجسم ففي كلا الحالتين هي حالة إثبات فيزيائية العقل،وحالة تجريديته التفكيرية لا تغيّران من حقيقة جوهر العقل في حال كونه عضوا غير مادي كما يقول ديكارت أو يجمع الصفتين معا(المادية والتجريد) كما نقول نحن، ودليل ذلك العقل يجمع ثنائية التعبير التجريدي عن جميع الحالات الادراكية داخل الجسم وخارجه لا فرق. وبذا تنتفي حاجة تصنيف العقل ماديا فيزيائيا يحتويه الجسم تارة، وجوهر ماهيته التفكير منفصلا عن الجسم تارة أخرى. فالعقل موجود فيزيائي غير منفصل عن الجسم ماهيته التفكير والإستجابة لكل ردود الإفعال الصادرة عن مدركاته الاشياء والموجودات في العالم والطبيعة. ومسؤول عن ردود الافعال الوارد اليه من ضرورة اشباع غرائز الانسان التي يحتاجها الجسد داخليا.

ديكارت في تجريده العقل

ويعزى لديكارت أنه كان أول من أعطى العقل أسبقية ربطه بالوعي والادراك الذاتي. بمعنى ديكارت أراد تجريد العقل من خاصيته البايولوجية تماما التي تقود مسؤوليته الوظيفية خارجيا وداخليا عن الجسم، فأوقع نفسه في كمين لم يكن أمر تجاوزه سهلا هو إنكاره العقل عضو بايولوجي يحتويه الجسم ويقوم بمهام وظيفية يعتمدها العلم تتجاوز الفهم الفلسفي المحدود أن العقل جوهر منفصل عن الجسم ماهيته التفكير المجرد فقط. بمعنى إستنسخ ديكارت مقولة افلاطون السابق ذكرها العقل ليس خاصية بيولوجية عضوية بل هو خاصية تفكيرية تجريدية فقط.. السبب بذلك ان افلاطون كان فيلسوفا وليس عالما يدرس الطبيعة في موجوداتها وفي خصائصا ايضا وعلاقة الانسان بها.

كما وخطأ ديكارت الاكبر هو في إعتباره العقل جوهرا مستقلا عن الجسم والعقل خالد خلود النفس الانسانية، والحقيقة البايولوجية التي تحكم الكائن الحي يتقدمها الانسان، أنه لا يبقى جوهر مستقل خالد لا للعقل ولا للنفس بعد ممات الجسم وفنائه. من الواضح ان ديكارت تجاوز اهمية  الفرق بين النفس والروح؟

ديكارت لم يكن خافيّا عليه تشريح العقل فسلجيا كعضو بايولوجي يمثل أحد أهم أعضاء جسم الانسان في تعامله مع مدركات الحياة، بدليل مقولته الفسلجية الخاطئة التي قال بها ديكارت عن الغدة الصنوبرية الموجودة وسط الدماغ.

حيث إفترض ديكارت حتمية وجود مكان معيّن في الدماغ يجرى فيه تجميع المعلومات قبل إرسالها إلى العقل اللامادي. وكان المرشّح الأفضل لهذا المكان، بالنسبة لديكارت، هو الغدة الصنوبرية، وذلك لأنه رأى أنها الجزء الوحيد من الدماغ الذي يملك بنية واحدة، على عكس بقية الأجزاء التي تنقسم بين النصفين الأيمن والأيسر للدماغ. (نقلا عن الموسوعة).

يلاحظ هنا إصرار ديكارت مغالطة نفسه قوله قوله ما معناه ان منظومة العقل الادراكية هو تجميع المعلومات وإرسالها الى العقل اللامادي ويقصد به العقل غير الفيزيائي غير العضوي بالجسم. وبهذا يريد ديكارت تأكيد فلسفته أن جوهر العقل تجريد تفكيري فقط وهو العقل اللامادي. فين الحقيقة العلمية والفلسفية تقول خاصية العقل انه جوهر فيزيائي بيولوجي قبل خاصيته ان يكون جوهرا تفكيريا.

الحقيقة التي عبرها ديكارت أن العقل جوهر واحد مادي وغير مادي معا، فهو في الحالتين خاصيّة تجريدية إدراكية لغوية بنفس وقت هو خاصّية بيولوجية عضوية غير تجريدية. ولا يمكن الفصل بينهما مطلقا. تماما كما في إستحالة الفصل بين الفكر واللغة. سيرة حياة ديكارت تشير الى أنه كان مولعا وممارسا لعلم وظائف الاعضاء وتشريح جسم الانسان إضافة الى ولعه بالرياضيات ومنجزات العلم وهذا يعطينا حقيقة أن ديكارت لم يكن فيلسوفا يتعامل مع تفكير الفلسفة كتجريد عقلي. بل يتعامل مع العقل كعضو بايولوجي يحتويه جسم الانسان كبقيّة أعضاء الجسم الحّي.

ديكارت كان ملمّا الماما كاملا بأجزاء تكوين الدماغ وعمل الفص المّخي الايمن بإختلافه عن عمل الفص المّخي الايسر بالنسبة لجسم الانسان حيث تكون فعاليات عمل الفص المّخي الايمن مسؤولا عن الجهة اليسرى من الجسم طوليا، وعمل الفص المّخي الايسر مسؤولا عن وظائف النصف الأيمن من الجسم.

مع هذه المفارقة المعرفية العلمية المطلع عليها ديكارت جيدا علميا لكننا نجده أهمل وظيفة عمل الدماغ كعضو بايولوجي من تكوين جسم الانسان على حساب تركيزه على العقل بإعتباره لوغوس (عقل / خطاب) فلسفي تجريدي خالد كان معروفا تماما عند فلاسفة اليونان القدماء. ولم يكونوا عارفين تكوين العقل بايولوجيا كونه إختصاص علمي متقدم ظهر لاحقا بعد قرون من ظهور الفلسفة اليونانية.

ديكارت والعديد من الفلاسفة السابقين عليه لم يكونوا يعطون تمييزا واضحا بين العقل التجريدي الذي ماهيته التفكير وبين العقل البايولوجي المسؤول عن كل إدراكات الانسان وسلوكه بالحياة ومحاولة فهم الطبيعة والوجود..

بعض تناقضات فلسفة العقل

عديدة هي المداخلات التي مركز دورانها العقل، فمثلا أصحاب ثنائية العقل والجسم الفلسفية تؤكد بداهة الفكر هو تجربة الوعي المجرّد عن المادة. وهي مقولة صحيحة إذا أخذنا الوعي هو تجريد لغوي يتبع تجريد العقل. وعمدت الفلسفة الهندوسية واليوغا منذ حوالي650عاما قبل الميلاد تقسيمهم العالم الى عقل وروح ومادة.

بغض النظر عن مدى صّحة أو خطأ التقسيم الفلسفي الهندوسي، نطرح بشكل بسيط إشكالية العقل في علاقته بالنفس والروح، ثمة خطأ تداولي بادبيات الفلسفة إعتبارهم لفظة (النفس) مرادفا تطابقيا في التعبير عن معنى (الروح)، المعضلة الواضحة التي لا يصار الإعتراف بها أن مصطلحي النفس والروح كلاهما مصطلحان تجريديان منفصلان عن بعضهما في إرتباطهما بالعقل وجسم الانسان.

وبضوء مرجعية هذا التعالق نقول أن النفس ليست هي الروح في دلالة ثنائية مختلفة في المعنى وليس في دلالة مرادفة أحادية المعنى، ما نعني به النفس بعلاقتها بالعقل والجسم هي نفسها لفظة الروح في ترابطها بنفس العلاقة مع العقل والجسم. لكن يبقى التفريق بين النفس هي غير الروح قائما فرقا جوهريا لا يمكن إغفاله.

كما إعتبر ديكارت النفس أو والروح جوهرا منفصلا تجريديا مرتبطا بالعقل والجسم، يشملهما خلود العقل كجوهر خالد حسب ديكارت وهو خطأ بني على خطا سابق عليه في إعتبارهما النفس والروح جوهرين منفصلين عن العقل والجسم لا يقل فداحة من خطأ  إعتبارهما جوهرا واحدا خالدا ملازما خلود العقل.

النفس هي مجموعة الخصائص والفعاليات والعواطف والضمير والسلوك المرتبط توضيحه بعلم النفس السلوكي، والنفس تشكيلات عاطفية شعورية ولاشعورية مبعثها الإحساسات في العالم الخارجي. والنفس رغم أنها من ناحية الإدراك المرتبط بالعقل هي تجريد صرف قبل تحوّل مدركاتها الى سلوك وعواطف ومشاعر وعلاقات اجتماعية يجري التحقق منها في السلوك المرتبط بوصاية العقل عليه.

إذن النفس لا تمتلك إستقلالية جوهرية منفصلة عن العقل بل هي فعالية خاصّة يمتلكها الانسان بتعالقها مع توجيهات ووصاية العقل عليها. وجميع إفصاحات النفس التي مررنا على ذكر بعضها لها إرتباط وثيق بالعقل في الجسم الحي غير الميّت.

كما أن ربط النفس باللاشعور يلغي عنها ويجرّدها أن تكون النفس وعيّا إدراكيا يتمّثله السلوك الواعي الشعوري في التعامل مع الحياة ويجردها من خاصية أن النفس وعي قصدي وسيلة تنفيذه السلوك. نعود التذكير بخطأ ديكارت قوله النفس جوهر خالد يلازم جوهر العقل بالخلود كليهما بعد فناء الجسم بعد موته.

أما الروح التي ليس لها علاقة بالنفس، ولا بالعقل غير تعالقها الميتافيزيقي غير المحسوم جدليا لا على مستوى العلم ولا على صعيد الدين ولا على صعيد الفلسفة أيضا، فالروح مصطلح ميتافيزيقي مبهم وغامض على صعيدي الدين والفلسفة وليس بمستطاعتهما تعريف ماهيتها وأين يكون موضعها في الجسم أو على الاقل معرفة مصدرها ومن أي شيء تتشّكل، فالروح تسكن الجسد من غير إدراك عقلي لها لا بالماهية ولا بالصفات سوى الإتفاق على تعبير غائم أن الروح تفارق جسم الانسان بعد وفاة هذا الأخير سريريا. وادبيات الاديان تتعامل مع الروح أنها لا تعني النفس كما يجري الخطأ بالفلسفة.

ننتقل الى إشكالية أخرى ما هي علاقة الذهن بالعقل؟

الرائج فلسفيا الذهن هو مصدر التفكير بمدركات الحواس وهو خطأ دارج متداول فلسفيا، في البدء علينا توضيح هل الذهن خاصّية تفكير أم الذهن خاصّية إدراك داخل منظومة العقل الإدراكية؟. الحقيقة الذهن هو حلقة إدراك في إستلامه الإنطباعات الواصلة اليه عبر الحواس. ولو إعتبرناه مركز تفكير وتفسير لمدركات الانطباعات الخارجية، لأصبح تنحية دور العقل في وصايته على عملية الادراك منذ بدايتها بالحواس وإنتهائها بالمخ هي جميعها فعالية تجريدية يقوم بها عقل مادي عضوي في جسم الانسان.

علاقة الذهن بالعقل التفكيري التجريدي هو حلقة في منظومة العقل الإدراكية وليست عضوا ماديا يمكن التحقق من وجوده. وإعتبار الذهن ينوب عن وظيفة العقل بالتفكير خطأ لا يمكن تجاوزه. التفكير خاصيّة دماغية وليس خاصية ذهنية.

ولو نحن إعتبرنا الذهن هو حلقة عضوية ترتبط تحديدا بخلايا موجودة بقشرة الدماغ عبر شبكة منظومة الجهاز العصبي، لوقفنا أمام تساؤل محرج يلغي هذه الفرضية الخاطئة اذ لو كان الذهن عضوا بايولوجيا يرتبط بعضوية المخ البايولوجية لتوجب علينا تحديد موقع الذهن العضوي أين يكون، بمعزل عن معرفتنا لملايين الخلايا العصبية المسؤولة عن اتاحة خاصية التفكير للذهن ليس بمعزل عن خاصية العقل بالتفكير. تفكير الذهن هو تفكير العقل.

الحقيقة الفلسفية التي لا يمكن تجاوزها أن العقل يحتوي الذهن ضمن منظومة الإدراك لكن لا يستطيع العقل الإستغناء عنها في أن ينوب عنها كما الذهن يعجز الإستئثار بخاصّية التفكير العقلي وينوب عنه. وبذا يكون الذهن حلقة توصيلية في منظومة الادراك العقلي. الذهن كما يصفه بيركلي هو الحلقة الإدراكية التي تستلم الإنطباعات الخارجية عن الحواس ونقلها الى العقل البيولوجي عبر منظومة شبكة الجهاز العصبي بلا تغيير يطرأ على تلك الانطباعات وهو نفس مايراه ديفيد هيوم صحيحا. ونضيف الذهن ليس مصدر تفكير ينوب عن العقل في إصداره مقولاته الفكرية التجريدية بتعبير اللغة، وهذه الخاصيّة العقلية لا يمتلكها الذهن كونه لا يستطيع التعبير عن مدركات الوجود خارجيا وداخليا دونما مرجعية العقل في مقولاته التي حصرها وأجملها كانط بإثنتي عشرة مقولة.

هناك مدرسة فيزيائية عقلية حديثة تعتمد النزعة العلمية تذهب أنه بالنهاية لا يوجد في عمل العقل غير العمليات الفيزيائية التي تقوم على الخاصّية البايولوجية للعقل، معتبرين كل الخصائص العقلية هي خصائص فيزيائية حتى تعبير اللغة التجريدي، سواء نفهم العقل جوهرا تجريديا أم عضوا بايولوجيا في الجسم. وهي براينا فلسفة واقعية حقيقية صائبة.

بناءا عليه نقول أن الإحساسات الخارجية التي يدركها العقل إنما يكون رد الفعل العقلي عليها هو تجريد فكري، بينما تكون الأحاسيس التي تثيرها أجهزة الجسم الداخلية مثل الشعور بحاجة الجنس الغريزية او بالجوع أو العطش أو الالم أو الحزن الخ فيكون رد الفعل العقلي عليها عضويا داخليا سواء في إشباعها كغرائزبيولوجية أو في معالجتها كأعراض مرضية أو أحاسيس بيولوجية مصدرها أجهزة الجسم الداخلية العضوية..

تقاطع العقل والجسم

يذهب بعض العلماء والفلاسفة أن العقل لا يطابق رغبات الجسم ولا يطابق تلبية إحتياجات الجسم على الدوام،معتبرين إنفصال العقل عن الجسم حقيقة بيولوجية قائمة لا يمكن نكرانها. ما يرتّب فصل العقل عن الجسم ضرورة تفك الإشكال القائم بينهما على أصعدة عديدة. من الأمور التي أجدها تفيد هذه الإشكالية من منطلق فلسفي فقط وليس من منطلق علمي ليس من إختصاصي:

- حاجات الجسم التي يحتاج بها ملازمة العقل له في إشباعها تنقسم نوعين :

1. الاول: حاجات المثيرات الناتجة عن عملية الادراك الجدلية مع موجودات العالم الخارجي والطبيعة والحياة.

2. الثاني: حاجات إشباع النوازع الغريزية التي يحتاجها الجسم داخليا عبر إجهزته البيولوجية عن طريق ما تثيره من أحاسيس الجسم الداخلية مثل سد حاجة الجوع، العطش، الالم، الحزن، الفرح، النوم الخ.

- السؤال الذي يثار بضوء ما ذكرناه أعلاه، هل هناك في كلتا الحالتين إشباع إحساسات الإدراكات الخارجية، وإشباع أحاسيس أجهزة الجسم الداخلية، حاجتهما الى مرجعية أخرى ذاتية أو غير ذاتية سوى العقل؟

بالتاكيد الجواب بالنفي، فجميع الإستشعارات الخارجية والداخلية الواصلة للجسم لا يستطيع الجسم تلبيتها دونما تكامل عمل العقل مع حركة الجسم، فلا العقل يستطيع إتخاذ الإجراءات اللازمة من دون حاجته لتنفيذ تلك الايعازات العقلية من قبل أعضاء الجسم في ملازمة العقل. ولا الجسم يستطيع منفردا دون العقل القيام بتنفيذ ردود الأفعال لما يستشعره .

- عليه لا يكون هناك حاجة أهمية مناقشة هل العقل جوهرا منفصلا عن الجسم أم لا ؟ كما ليس ذات أهمية مناقشة إختلاف حاجات الجسم بايولوجيا (فقط) عن تلبية حاجات العقل الادراكية التجريدية. لذا يتأكد ما سبق لنا ذكره أن العقل يمتلك خاصيتين أن يكون عضوا بيولوجيا بالجسم في نفس وقت ملازمة صفته الادراكية أنه مركز التفكير المجرد في التعبير عن الاشياء المادية وغير المادية الخيالية التي لا علاقة لها بالعالم الخارجي بوسيلة الفكر واللغة المجردتين. علما أن العقل في كل إستجاباته الادراكية الخارجية والداخلية إنما هي وعي تعبير ذهني تجريدي تمّثلي وتصّوري لغويا. الادراك بخلاف العقل جوهر لا مادي ماهيته نقل الاحساسات تجريديا عن اشياء وموجودات العالم الخارجي.

- لكن يبقى هناك إستدراك ضرورة التنويه له، هو إحتمال وارد جدا أن العقل يحتاج في إدارته إشباع حاجات تعتبر أساسية بالنسبة له، ثانوية بالنسبة للجسم، فالعقل بما يمتلكه من خاصيّات بيولوجية عضوية، وخواص تجريدية إدراكية وخيالية تكون أولوية مسؤوليته في إشباع حاجات الانسان برمّتها المادية منها، وغير المادية تقوم على عاتق العقل دون الجسم أو معه، مثال ذلك أن العقل في المجال العلمي التخصصي لا يحتاج الجسم تنفيذ ما يرغبه الا في حركات إجرائية بسيطة مثل حركات اليدين والاحساسات الواردة خارجيا، نفس الشيء حين يحتاج العقل المخّيلة والذاكرة والإدراك الذهني الصرف،  لانتاجية ابداعية يرومها في مجالات متعددة مثل الكتابة والتاليف في مختلف الاجناس الادبية والثقافية والفنية والفكروالمعرفة وضروب أخرى عديدة التي يتراجع فيها دور الجسم لإعطاء تقدم وأسبقية العقل القيام بتنفيذها.

***

علي محمد اليوسف / الموصل

 

مع ألوان وزركشات الأحذية يُمكننا قراءةَ الكثير والكثير من الخلفياتِ. الحذاءُ هو المادة الثقافية المتأخرة لعلاقات االقوى بين الناس. ويمكننا تصنيفه (أي الحذاء) داخل البنية التحتية لحركة الإنسان. لأنّه يندرج مع قدرات (الفعل والتأثير) بحكم وجوده عبر الانشطة المختلفة. فلكي نبدأ في الحركة والانطلاق، يجب التأكد من إرتداء الحذاء كأحد متطلبات العمل.

كما أنَّ مظهراً معيناً لأي حذاء إنما ينمُ عن معانٍ خارج سياقه. كأنَّه يحمل بصمات وجودنا الإنساني في لحظةٍ مكثفةٍ من الحركة السائلة. ومن ثمَّ، عندما نريد أنْ نفهم المعنى البعيد للأشياء، ينبغي الانهماك في فهم المعنى القريب جداً. وليس ألصق بأقدامنا- على وتر حسّاس مع اعصابنا- من الأحذية. والوتر الحساس لأجسامنا يتشكل بكل الجلود المحيطة ثقافياً واجتماعياً.

جسم الإنسان مغلَّف بنوعين من الجلود:

1-  " الجلد الطبيعي" الذي يبدو وجوداً حيوياً يشعرنا بأحوال المناخ والأشياء والكائنات والعلاقات مع العالم، مثل البُرودة وارتفاع الحرارة والإحساس بالأسطح والأماكن. وهذا الجلد هو مادتنا البيولوجية التي تشركنا مع الكائنات الحية. ويظهر الجلد الطبيعي كأنه عالمنا الفوى الإحسايس. إنه آن ٍدائماً، بمعنى أننا نشعر به آنياً وفورياً في كل لحظة وهو بمثابة إعلان حضور في العالم.

2- "الجلد الثقافي" وهو رمزية العالم الذي نصطّنع منه وجوداً (معنوياً ومتخيلاً وقيمياً) لدينا نحن البشر. وهو نقش إنساني لما نود أنْ نكون عليه. إن القبائل البدائية التي كانت توشم جلودها بالرسومات والخطوط والألوان والروائح والصور المختلفة هي أبرز الأمثلة على ذلك. وتبدو النقوش حضوراً مضاعفاً لهويات الكائنات الاقوى التي يتطلع إليها الإنسان. وكذلك تحمل جلودنا الثقافية فنوناً من نوع مبدع. لكونها تمد عقولنا بكل ما هو خارج عن القيود، حين يستشعر البشر حرية الوجود وإثارة الأخيلة.

إشكالية الحذاء هي الخلط بين الإثنين كممارسة تُعطي الفرد تجرية الوجود طبيعياً وثقافياً في الوقت نفسه. ومع وجود العلاقة التي تحضر عندها فكرة الإحساس بالطبيعة كما هي، فالإنسان دوماً صانع عتيد لهذا النوع الأخير (الجلد الثقافي)، حتى يتلقى إشارات الأشياء وعلاماتها بشكل مختلفٍ. إنه لا يريد أن يكون كائناً طبيعياً كباقي الكائنات ولا يقبل بالإلقاء على قارعة الوجود وبالتالي يصطنع شيئاً مغايراً. فالتمرد يجعله كائناً يعاند الطبيعة (الجلد الطبيعي) ويرتدي فوقه جلداً ثقافياً ملتوياً مموهاً. والخطورة عندما لا يميز بين الإثنين، وعندما يجد الجانب الثقافي عاجزاً عن خلق عالم مليء بما يريد، عالم دال بالمعاني المطلوبة للحياة.

وتلك كانت أزمة الإرهابيين عندما تعاملوا مع الأفكار كـ"جلد طبيعي" لا يتغير، كأنها أحذية من نوعٍ خاص لا يجب الاقتراب منها ولا ينبغي التنازل عنها. والأدهى أنْ تحولت الأفكار إلى أسلحة يُضرب بها الأعداء والأغيار. ولذلك لا تعد فكرة اللثام لدى التنظيمات الدينية فكرةً بريئةً بالمرة، عندما كان تنظيم الدواعش وبعض الجماعات الدينية يرتدون غطاءً للرأس كما لو كان حذاءً بالأعلى. وذلك حتى يشعرون بترديد الأصوات الخاصة بهم فقط. وحتى لا تكون هناك مبارحةٌ بين ما يتخيلونه وما يمارسونه في الواقع. والأهم أنهم يفعلون ذلك، لكيلا يشعروُن بمن حولهم كوقاية مضافةٍ إلى جلودهم الطبيعية.

أثر واكسسوار

إنَّ احساسنا بالثقافة وردود أفعالها يترك آثاره على أجسامنا بالمثل، فالفرد الذي يعيش تجربةً من القهر والعنف، لن يكون جسده سوى مرآة عاكسة للتفاصيل التي مر بها. وكذا تجارب الحب وتجارب الإيمان وتجارب الحرية، إذ تمثل الثقافة جلداً رمزياً symbolic skin قابلاً للشد والجذب. ونشعر بالمواقف كما لو كانت تأتينا في صورة التجارب الحياتية. الحذاء يندمج في هذا المحيط، فيصبح جزءاً من إحساسنا العام بأنفسنا. إنَّ الإنسان الذي يرتدي حذاءً يصله إحساس عن كل ما يلامسه ويشعر به.

هذا هو ما يجعل الاحساس الاجتماعي وضعاً ممكناً بما يرتديه الشخص. أي نتيجة كون الحذاء مفردة إحساس وانعكاس خارج الأفراد (بالنسبة للآخرين)، ستكون رؤيته في سياق تاريخ ما أمراً مُتاحاً. وتلك هي الوضعية الفلسفية التي تجعل منه موضوعاً للتفكير. كانت أحذية فان جوخ التي رسمها بأنامله الفنية مثالاً على ذلك، لكونها مثقلة بأزمنة وملامح تاريخية ودلالات عميقة باستمرار. وكلّ منا لديه فيما يخصه نوع من  حذاء فان جوخ، يحتفظ به أو يستعمله بهذه الطريقة الفنية أو تلك. إن أحذيتنا محتفظة بالوقائع والمشاوير والرحلات والظواهر والأحداث وتمتص الصدمات الإنسانية التي تجدد نفسها من وقت لآخر.

من صميم تلك الخاصية، يندرج الحذاءُ كأثر وكعلامة تجارية طويلة التسييس في مجتمعاتنا الراهنة. أثر لثقافةٍ حرصت أن يكون الحذاء المعاصر بصمة تاريخية لها. وعلامة مارّة عبر مراحل مختلفة من القيمة والعرض والطلب والتسوق على نطاق واسع. وهذا الاتجاه مرتبط أيما ارتباط باستغلال القوى الكبرى للمجتمعات. ليس الحذاء إلاَّ هذا الاثر الممتد والعلامة التي لا تكف عن الاستعراض. وبطبيعة الحال تريد الدول القوية الهيمنة عبر الصناعات المختلفة. ومن ثمَّ، كان حضور الاكسسوار حضوراً حضارياً لا يخلو من سيطرة. وهو ما يلبي رغبة الأفراد، ولكنه يمثل قوةً ناعمةً لن يفلتوا منها.

لعلَّ ما جرى على كافة (الأشياء ما بعد الحداثية) قد جرى على الحذاء في الاتجاه ذاته. لأنه تشكل بكل ما توافر في عصرنا من قدراتٍ. فلم يعد الحذاء مجرد غطاء للأقدام، ولكنه بات صورة متحولة ومتطورة. وتحمل توقيع الشركات الكبرى في العالم، وليس غريباً أن تبادر العولمة بتوفير هذه المنتجات وملحقاتها،  بل الغريب أن تحظى بشهرة جابت الآفاق. وأن يكون هناك إقبال على شرائها دون تردد. وتبدو الأحذية مفتاحاً لشبكة معقدة من المصالح  التي تضرب أطرافها في السياسة والإقتصاد والرياضة والفنون والحروب.

بالإمكان أنْ تمسي شركات صناعة الأحذية متعددة الأنشطة بين المجالات السابقة. فالأحذية الرياضية تضخُ عوائد أرباحها في تجارة الممنوعات. والعكس تجارة الأسلحة تدعو أصحابها لفتح مجال للأحذية. أيهما أكثر أهمية عندئذ الأسلحة أم الأحذية؟ وأيهما يوفرُ غطاءً خادعاً للآخر؟! وكذلك تجارة الحروب والمرتزقة تتداخل مع تجارة الأحذية. فعقود الشركات والتمويل الضخم للأنشطة العسكرية يجري في عروق وجلود الأحذية بالقوة ذاتها التي يجري بها في السياسة. هذه هي السمة المميزة لمنتجات ما بعد الحداثة، كل سلعة تصب في مصلحة الأخرى وتدعو للتعددية الربحية على أكثر من مستوى. وذلك لكون الشركاء الأقوياء قلائل ويهيمنون على مشهد العالم وأحداثة في أغلب المجالات. ويديرون أوضاعاً عالمية بكافة الأيادي الخفية: اليمن واليسار ويمين اليمين ويسار اليسار.

إنه العمل الدؤوب لعولمة الأحذية وتسييس الموديلات التي تجتذب الرغبات من شتى بقاع العالم. أمريكا في متاجر البيع والشراء داخل دول الشرق والغرب على السواء. وتدل الأحذية عالية الجودة عن أصابعها اقتصاديا وسياسيا. وإذا وقعت جريمة حربية كما تحدث جريمة الإبداية في غزة ومن قبل جريمة الإبادة للشعب العراقي ولشعوب العرب بالموت البطيء، فسيكون دليل الإدانة في مواقع الجرائم هو الأحذية.

الحذاء والهوية

في جميع عصور التاريخ، تتكيف الأحذية مع نمط الحياة القائم. فالحياة البدوية تتميز بالصعوبة والحركة البطيئة على الرمال وبين الصخور والتلال والوديان. ومع وجود الترحال من موطن إلى آخر وسط الصحاري، وهو ما يتطلب نوعاً من الأحذية المناسبة لهذه النمط. والحياة الريفية تتطلب أحذية تواكب الزراعة والري والأرض الممهدة وتغيُر الفصول ونزول الانهار والمصارف المائية. وحياة المدينة تفرض أحذية خفيفة الوقع وسريعة الإرتداء وسهلة الخلع أيضاً. لأن الحياة سريعة الايقاع ومعقدة العلاقات وتهتم بالمظهر والجاذبية والقدرة على ملامسة الصور العامة بين الناس.

يبدو الحذاء موضوعاً للتكيف مع البيئة المحيطة (الجلد الطبيعي). ولكن مع مرور الزمن يصبح لصيقاً بحضور الإنسان زماناً ومكاناً. حتى أنه يُلخص كلَّ السمات التي تجسدها الجماعات البشرية(الجلد الثقافي). إنَّ البيئة هي السر الخفي الذي يتسلل إلى ثقافة البشر طارحة شروطاً يصعب مخالفتها. لأن البيئة إحدى المصادرات(المسلمات) التي تعد طبيعية وثقافية في الآن نفسه. وهو ما يختزل وجود الإنسان في زيٍّ أو في قطعة حذاءٍ أو في أسلوب من أساليب العيش.

انطلاقاً من هذا، أخذ الحذاء يمس قضايا الهوية والانتماء، لأنَّ الهوية تنتمي لفصيل القضايا المزدوجة ثقافياً وطبيعياً. وهي تتقمص الأشياء التي تبدو مموهة عند الدرجة الغامضة لأشياء الإنسان. فالأدوات والأزياء والأشكال ترتبط بالهويات، لكونها تتحدد مع مظاهر البيئات المختلفة، وتأخذ دلالات رمزية بالثقافة. وعند معرفة جوانبها لا ندري: ما إذا كانت ظلالاً لهذه (الطبيعة) أم تلك(الثقافة)؟

لكن بالامكان – مع عدم التحديد- القول بأن متعلقات الإنسان (الأزياء والأحذية والمنازل) تمس شيئاً جوهرياً فينا. والشيء الجوهر يتجاوز التصنيف دوماً، ورغم كونه يدخل دائرة الأدوات إلاَّ أنه يمثل رابطة قوية مع مرجعية معينة. وكما لو كان التعلق بالأشياء يجدد الإنتماء إليها ويعطيها بُعداً آخر من القوة. ومن ثمَّ، كانت الأحذية إحدى المتعلقات واللا متعلقات جنباً إلى جنب. تعكس قيم أصحابها وتبدو تجسيداً للأنشطة وصورة الحياة الخاصة. لأنَّ تلك المتعلقات تأخذ مكان التفضيل وترتبط بالأذواق والحميمية. وهو ما يجعل الرابطة معها ليست رابطةً عاديةً. إنها محط عناية واهتمام من جنس عناية الإنسان بذاته، وماذا يحب؟ وأي شيء يكره؟

لو قلنا لأفراد أية جماعة بشرية: ماذا سترتدون من أحذيةٍ؟، سيكون الاختيار مناسباً لجوهر حياتهم ولما يعطيهم انطباعاً بعمق الانتماء. ولذلك سيكون ثمة اتساق بين ما يرتديه الفرد وما يعتقده ويؤمن به وما يتبناه من رؤى. الحذاء سيرسم لمن يتابع دائرةَ كل ذلك. معتبراً - على نحو ضمني- أنَّ الأدوات فنون، والفنون معرفة وقدرة ووسيلة.

وإذا كانت الهوية استحواذاً وهيمنةً، فالأحذية تظهر كموديلات تحمل هكذا معنى. وبخاصة مع زحف العولمة وإتيانها بأنماط جديدة من الأزياء والأحذية  والأدوات. حيث انتشار الشركات العابرة للقارات والأسواق الممتدة رغم اختلاف الدول. ووجود الانتاج الذي يعبر عن قدرات اصحابه الذين يقفون في الأقاصي محركين كلّ ما يخدم مصالحهم. ليس بعيداً عن المشهد تعلق الأحذية بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. حيث تظهر موديلات الأحذية في صور براقة ولامعة وفي شكل أقرب إلى أجواء الاساطير.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

هناك فرق كبير بين فهمنا للتراث واستلهامه وفق المنظور التاريخي*، حيث استقر التراث في عقولنا وعشعش فيها (بَعُجْرِهِ وَبُجْرِهِ)، وحولها – أي العقول - إلى سجون مليئة بالفتن، والتكفير، والقتل، والكراهية للمختلف، والاستبداد والتخلف، ورفض للجديد، والأهم السماح لسيطرة الخرافات والأساطير إضافة إلى تحكم دين الطقوس بدفه ومزماره، وفقه الحيض والنفاس والنقل لا العقل، ودين السلطات المستبدة ومشايخ السلطان، ودين الفرقة الناجيّة المشبع أيضاً بالصراع والكراهية ممثلاً بمرجعياته الطائفيّة والمذهبيّة والعقيديّة وغير ذلك، وهنا في هذا التاريخ الذي احتل عقولنا لمئات السنين، يتجسد تاريخ تخلفنا وضياعنا وغربتنا الروحيّة والاجتماعيّة، وتاريخ ضعفنا واستعمارنا من قبل الغير، رغم وجود الكثير من الجوانب المنيرة التي تم إقصاءها أو السكوت عنها.

وبين فهمنا للتاريخ واستلهامه وفق الرؤية التاريخانيّة،* عندما نعمل على إدخال عقولنا ذاتها في كل هذا التراث وتحليله وإعادة تركيبه بعد فرز وإقصاء كل ما يعيق حركة العقل وتقدمه ومكانته في حياة الإنسان، وبالتالي العمل على تخليص هذا التراث من كل تلك السجون الموبوءة والمفخخة بالسوء الذي ذكرناها أعلاه، أي تخليصه من كل ما يساهم في تفتيت المجتمع وإضعافه وتخلفه، وليؤسس فيه كل ما هو عقلاني وتنويري.. وكل ما يؤمن بالإنسان ودوره وإرادته في تحقيق مصيره.. وأن يبحت ويجذر أيضاً الإيمان بكل ما هو قابل للتجديد والتطور والتبدل .. وعن كل ما يؤمن بالآخر ورأيه.. أي أن يبحث فيه عن الإنسان ذاته كقيمة كبرى في هذه الحياة.

إن مشكلتنا نحن العرب مع التراث لإسلاميّ بشكل عام، والنص المقدس منه (قرآن والحديث) بشكل خاص، ابتدأت بعد وفاة الرسول عمليّاً، وذلك من خلال الصراع على الخلافة بين المهاجرين والأنصار، وتوظيف حديث (نسبوه) للرسول يقول: (الخلافة في قريش)، ثم راحت المشاكل تتفاقم عبر تاريخ الخلافة من خلال تفسير النص وتأويله فيما بعد، أو وضع الأحاديث على لسان الرسول، وخاصة في الاتجاه السياسي وما يخدم السلطان أو معارضيه، حيث فُتح المجال واسعاً في تأويل النص القرآني وتفسيره، وفي وضع مئات آلاف الأحاديث كما تذكر مصادر الحديث وعلومه. هذا في الوقت الذي راح فيه تأويل النص المقدس وتفسيره من قبل أئمة الفقه وعلم الكلام، ينالهما التقديس أيضاً من قبل المتلقين من عامة الناس. أي إن شأن ما نال التفسير والتأويل من قبل مشايخ الدين في القرون الهجريّة الثلاث الأولى من التقديس شأن ما نال النص القرآني ذاته والحديث من تقديس. حيث لم يعد ما تم تأويله وتفسيره يقبل إعادة التفسير أو التأويل ولا يقبل التبديل أو التعديل أو حتى المراجعة إلى اليوم.

لا شك أن الرسول كان يدرك أن القرآن حمال أوجه وهو القائل: (القرآن ذلول حمّال أوجه فخذوه على وجهه الحسن)، كونه يدرك دلالة الآية السابعة من آل عمران التي تقول: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). فالآية واضحة في دلالاتها المعرفيّة من جهة، وبالحوامل الاجتماعيّة لها ممن في قلوبهم زيغ، الذين سيوظفون هذا النص لمصالحهم ومصالح أسيادهم من جهة ثانية. لذلك على أساس هذه المواقف المعرفيّة والسلوكيّة، جاءت تلك الصراعات الفكريّة والسياسيّة التي كلفت الدولة والمجتمع منذ السقيفة حتى اليوم الكثير من الدماء، والتي لعبت على وترها السياسة، تحت مظلة تفسير النص الدينيّ وتأويله خدمة لأجندات كثيرة، أدت إلى انقسام المجتمع العربيّ الإسلاميّ إلى ثلاث وسبعين فرقة كل فرقة تقول هي الفرقة الناجية.

إن من يتابع المسيرة الفكريّة للخطاب الإسلامي من السقيفة إلى اليوم، يجد تلك التناقضات والخلافات على مستوى علم الكلام والفقه، فعلى مستوى علم الكلام، كان هناك المعتزلة وخطابهم العقلانيّ الذي يجل العقل وحريّة الإرادة في تقرير الإنسان لمصيره، وقد اتكأ عليه العقلانيون التنويريون الذين يهمهم الدين بروحه العقلانيّة ومصالح الناس، وهناك المناوئون للسلطة الحاكمة المستبدة وهم الذين روجوا بأن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وأن السلطات الحاكمة يجب أن تحاسب على أخطائها، لكونها – أي الأخطاء – هم من فعلها. وكان هناك الفكر الجبريّ أيضاً ممثل فكريّاً بالأشاعرة والماتريديّة، وفقهيّاً ممثلاً بالتيار الحنبليّ الذين اتكأت عليهم السلطة الحاكمة بعد فرمان المتوكل عام 232هـ الذي أمر باتباع النقل وترك العقل، واعتبار الحديث الضعيف أهم من الرأي كما يقول "ابن حنبل"، وراحت السلطات الحاكمة ومشايخها عبر هذا التيار الجبري يسوقون للرعيّة بأن سلطة القوى الحاكمة مقدرة من قبل الله، وما على الرعيّة إلا الطاعة والرضوخ لإرادة الله، وكل من يخرج على السلطات الظالمة سيخرج بالضرورة على ما قدره الله له، حتى ولو كان الحاكم فاسقا وفاسدا. وعلى هذا الصراع الفكريّ المستند أصلاً على النص المقدس المفسر والمؤول من قبل التيار القدري والتيار الجبري كما أشرنا أعلاه، توقف عليه أيضاً الموقف الفقهيّ ذاته، وظهور المدارس الفقهيّة كالشافعيّة والمالكيّة والحنبليّة والحنفيّة وبقية المذاهب الأخرى كالظاهريّة وغيرها من المذاهب التي لم يعد الاعتماد عليها فقهيّاً قائماً، والتي وصلت إلى أحد عشر مذاهباً، علماً أن المذهب الحنفيّ من المذاهب الأربعة المتبقية الذي أخذ بالرأي، إلا أن بقية المذاهب الأخرى المغرقة بالجبر قد حاربت أصحاب هذا المذهب ذاته، في الوقت الذي قامت السلطات الحاكمة ذاتها في سجن وتعذيب وإهانة كرامة كل من رفض التعاون مع هذه السلطات المستبدة والافتاء لمصالحها كما جرى لابن مالك وابن حنبل والشافعي ذاته، وكذلك ابن الحنفيّة كونهم رفضوا الافتاء بما يخدم مصالح السلطان، رغم أن المذهب الحنفي غالباً ما تعتمد عليه السلطات الحاكمة لتمرير مشاريع تصب في خدمة سير الدولة ومصالحها، متجاهلة مواقف المذاهب الجبريّة الداعمة لها، كما جرى في مصر في نهاية القرن التاسع عشر عندما أرادت الدولة استخدام الحنفيات في مياه الشرب والوضوء، حيث وقف الحنابلة والشافعيّة ضد المشروع فلجأت السلطة إلى أصحاب المذهب الحنفيّ لتمريره، ومن يومها سميت (الحنفيّة) نسبة إلى المذهب الحنفيّ.

إذن إن الصراع الفكريّ جاء من خلال تفسير وتأويل طبيعة النص المقدس ذاته، كونه حمّال أوجه من جهة، ومن موقف الذين في قلوبهم زيغ الذين فسروا هذا النص وأولوه لمصالحهم ومصالح القوى الحاكمة التي يعملون في خدمتها من جهة ثانية. أما الضحيّة فهم الرعيّة، الذين لا حول لهم ولا قوة... الرعيّة التي كان ولم يزل وعيها مغيباً عن حقيقة هذا النص المقدس، وعن أهداف من قام بتفسيره وتأويله لهم من الذين في قلوبهم زيغ من مشايخ السلطان وتجار الدين. وبالتالي كانت الرعيّة في القرون الوسطي، والجماهير في تاريخنا المعاصر، ليسوا أكثر من حطب وقود لأيديولوجيا مفوّته حضاريّا، ولقوى اجتماعيّة تتجر بالدين، لازالت تشتغل على هذه الأيديولوجيا حتى اليوم خدمة لمصالح أنانيّة ضيقة. وإن كل ما جرى ويجري اليوم من حروب أهليّة وصراعات طائفيّة ومذهبيّة، وراءها قوى اجتماعيّة وسياسيّة لها مصالحها التي تريد تمريرها عبر الخطاب الدينيّ نفسه، مستغلة تلك التناقضات العميقة فيه التي أشرنا إليها أعلاه.

أما بالنسبة لمسألة الخلاص من المأزق الذي نحن فيه اليوم، أي الخلاص من أعشاش التخلف والفوات الحضاريّ والكراهية والحقد والصراعات الطائفيّة والمذهبيّة، فأعتقد أن الخلاص من كل أفخاخه لن يأتيّ بالنوايا الحسنة، ولا بالأمنيات أو الدعاء لله كي يخلصنا مما نحن فيه من مآسٍ، راحت تزداد علينا يوماً بعد يوم، بالرغم من تكاثر عدد المساجد في عالمنا العربيّ والصرف عليها مليارات الدولارات لتزيينها بالموزايك والصدف والأرابيسك وحتى بالذهب. ولن يأتي الخلاص أيضا من قبل القوى الحاكمة التي وظفت الدين لمصالحها الأنانيّة الضيقة، وتاجرت بالعلمانيّة والديمقراطيّة ودولة القانون. إن الخلاص بحاجة لقوى اجتماعيّة مؤمنة بوطنها ومصالحه، وبالتالي مصالح الجماهير المعذبة والمسحوقة والمغربة والمستلبة والمشيئة والمقموعة والخائفة والجائعة والمشردة.. إن الخلاص بحاجة أيضاً لثورة عقلانيَّة تنويريّة تؤمن بالإنسان ودوره في تقرير مصيره.

ربما يسأل الكثير اليوم من هي هذه القوى الاجتماعيّة المؤهلة لحمل المشروع النهضويّ التنويريّ في عالمنا العربي؟.. أقول: هي القوى التي ستظهر من أقبية الظلام والجهل والمعاناة والفقر والجوع والحرمان والغربة والتشيىء والاستلاب والمحاصرة في حركتها وفكرها.. وإن كل الظروف القاسية التي تعيشها شعوب دولنا الشموليّة في مضمونها وشكلانيّة علمانيتها وديمقراطيتها ستخلق بالضرورة القوى الاجتماعيّة القادرة على تحقيق الخلاص، وهذا الخلاص يتحقق لو وعت هذا القوى نفسها واستخدمت عقلانيتها استخداماً صحيحاً في العمل من أجل تحقيق مصالح الشعوب. وهذا هو الفرق في تحقيق الخلاص بين فكرة الإمام المنتظر لتحقيق لدى الشيعة، والأعور الدجال عند السنة، أو المسيح المخلص لدى المسيحيّة وحتى اليهوديّة. وبين اعتبار إن المخلص هنا هم هذه القوى المسحوقة من الشعب التي فقدت كل شيء إلا كرامتها وقدرتها على التغيير.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

.......................

الهوامش:

* الفرق بين التاريخ والتاريخانيّة:

- التاريخية: هو الاقرار بأن الإنسان والأشياء والفكر بعمومه والكون لها تاريخها وحركتها وتطورها وتبدلها، بغض النظر عن سلبها وإيجابها.

- والتاريخانيّة: هي الاعتقاد بجوهر التاريخيّة مع تجاهل الجوانب المثالي فيها وخاصة (الدين) أي رصد المواقف الثابتة العيانيّة والعقلانيّة. أو بتعبير آخر: اعتبار أن مفردات التاريخ هي منجزات للإنسان، لأن الإنسان هو الفاعل الأول والأخير في التاريخ، فهو الذي ينتج الثقافة والمؤسسة، وكل ما يشكل الحياة. وبالتالي فإن التاريخانيّة هي الوعي بالتحول والتغيير وفهم الوجود من معطى التغيير، باعتبار أن الإنسان هو الكائن التاريخي الوحيد.

 

بين القيم الكونية والتعبير الايديولوجي عن مصالح طبقية ضيقة

تمهيد: على الرغم من التمزقات والتحولات التي طبعت مسار فكر كارل ماركس، إلا أن رفض حقوق الإنسان ظل أحد نقاطه الثابتة حتى النهاية. لقد كانت أيضًا واحدة من تراثها الكارثي: جنبًا إلى جنب مع الدعوة إلى دكتاتورية البروليتاريا الانتقالية، والتي ترجمتها آنذاك المنشورة اللينينية في المفردات، التي لم يستخدمها ماركس مطلقًا، عن التعارض بين الحريات الشكلية والحريات الحقيقية، كانت بمثابة حل بديل وذريعة لأنظمة الإستبداد الدائم والشمولية الجذرية، التي تدعي وحدتها الأيديولوجية أنها تحقق وحدة الشعب التي لا تشوبها شائبة من خلال القضاء على كل ما يمكن أن يهدد نقائه. لماذا كان كارل ماركس، صاحب المشروع الذي سعى إلى أن يكون إنسانياً وتحررياً، مرتاباً إلى هذا الحد من زعم نظرية حقوق الإنسان الغربية المرافعة على المبادئ الكونية؟ وكيف أماط اللثام عن الاقنعة الرأسمالية للمصالح الكولونيالية؟

الترجمة

"أعلنت الثورة الفرنسية نهاية الامتيازات، ومساواة الجميع أمام القانون، ووجود حقوق طبيعية يجب على الدولة احترامها بشكل مطلق. وفي الوقت نفسه تظهر فكرة حرية الضمير التي ستؤدي تدريجياً إلى فصل الدولة عن الدين. وبهذا المنطق، فإن "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" لعام 1789 هو نص علماني بحت، يؤسس للحقوق الطبيعية، ويستبعد أي إشارة إلى الحق الإلهي الذي قام عليه النظام القديم. كأساس للسياسة، الطبيعة البشرية هنا تحل محل إرادة الله.   ولكن إذا تم استبعاد الدين من هذا النص، فهل الروح الدينية أيضا؟ ماركس لا يعتقد ذلك. بالنسبة له، فإن المفهوم الليبرالي (بالمعنى الاقتصادي والسياسي للمصطلح الليبرالية) لحقوق الإنسان يعيد إنتاج النموذج المسيحي، في شكل غير ديني ظاهريًا، بالوهم والاغتراب.   في الواقع، تقوم الديمقراطية الليبرالية على ثنائية الإنسان/المواطن، المجتمع المدني/الجماعة السياسية، تمامًا كما يقوم الدين المسيحي على ثنائية المدينة الأرضية/المدينة السماوية ("أعطوا لقيصر ما لقيصر" ولله ما لله." كمواطن، يشارك الإنسان في شؤون الدولة، ويفكر في المجتمع، وفي مصالح الجميع... وهنا تسود المساواة في الحقوق. ولكن كرجل عادي، وعضو في "المجتمع المدني" (عالم العمل، والأسرة، والشؤون الخاصة... وقبل كل شيء المنافسة الاقتصادية) فإن الجميع يتبعون مصالحهم دون القلق بشأن الآخرين. وهنا تسود حالات عدم المساواة بحكم الأمر الواقع (الثروة، والملكية، وعدم تكافؤ الفرص في مجال التعليم، والتوظيف، وما إلى ذلك). وهذان العالمان منفصلان تمامًا، على عكس العصر الإقطاعي، على سبيل المثال، حيث لم يكن الدور السياسي والحياة الخاصة قابلين للفصل. لم يتم تمييز الملكية الشخصية للسيد عن سلطته السياسية على عبده).  "تقمع الدولة [الناشئة عن الثورة الفرنسية] بطريقتها الخاصة الفروق الناجمة عن المولد، والرتبة الاجتماعية، والتعليم، والمهنة من خلال إصدار مرسوم بأن المولد، والرتبة الاجتماعية، والتعليم، والمهنة هي اختلافات غير سياسية، عندما لا تأخذ هذه الفروق مع الأخذ في الاعتبار، فإنه يعلن أن كل فرد من أفراد الشعب يتقاسم، على قدم المساواة، السيادة الشعبية لكن الدولة مع ذلك تترك الملكية الخاصة والتعليم والمهنة يتصرفون بطريقتهم الخاصة  وتجعل طبيعتهم الخاصة وبعيدًا عن القضاء على هذه الاختلافات الحقيقية، فهي لا توجد إلا بفضلها: فهي تدرك أنها دولة سياسية ولا تسود عالميتها في مواجهة هذه العناصر.[1] إن الدولة السياسية المكتملة هي في الأساس الحياة العامة للإنسان [2] في مقابل حياته المادية. كل شروط هذه الحياة الأنانية لا تزال موجودة، خارج نطاق الدولة، في المجتمع المدني،[3] ولكن كخصائص للمجتمع المدني. وحيثما حققت الدولة السياسية تطورها الحقيقي، يعيش الإنسان، ليس فقط في الفكر والوعي، بل في الواقع، في الحياة، حياة مزدوجة، حياة سماوية وأرضية [4]:

1) الحياة في المجتمع السياسي حيث يكون يؤكد نفسه ككائن مجتمعي

و2) الحياة في المجتمع المدني، حيث يتصرف كرجل خاص، ويعتبر الآخرين وسيلة، وينخفض نفسه إلى مرتبة الوسيط ويصبح لعبة للقوى الأجنبية [5].

كما تتصرف الدولة السياسية تجاه المجتمع المدني بطريقة روحانية مثل السماء تجاه الأرض. المتدينون، أعضاء الدولة السياسية هم كذلك بسبب الازدواجية التي تفصل بين الحياة الفردية والحياة العامة، حياة المجتمع المدني والحياة السياسية؛ إنهم متدينون لأن الإنسان يتصرف تجاه حياة الدولة، الغريبة عن فرديته الحقيقية، كما لو كانت حياته الحقيقية؛ إنهم متدينون لأن الدين هنا هو روح المجتمع المدني، وعلامة الهاوية التي تفصل الإنسان عن الإنسان. الوهم، الحلم، مسلمة المسيحية: سيادة الإنسان، ولكن الإنسان ككائن غريب، ككائن مختلف عن الإنسان الحقيقي، كل هذا في الديمقراطية، الواقع الحساس، الحضور، المبدأ الدنيوي. [6]  وحقوق الإنسان في حد ذاتها تختلف عن حقوق المواطن. ومن هو هذا الانسان المتميز عن المواطن؟ لا أحد غير عضو المجتمع المدني. لماذا يُسمى عضو المجتمع المدني "الانسان"، الانسان باختصار؛ لماذا تسمى حقوقه حقوق الإنسان؟ كيف نفسر هذه الحقيقة؟ بالعلاقة بين الدولة السياسية والمجتمع المدني، بطبيعة التحرر السياسي. قبل كل شيء، نلاحظ أن ما نسميه "حقوق الإنسان"، حقوق الإنسان المتميزة عن حقوق المواطن، ليست سوى حقوق عضو المجتمع المدني، أي الإنسان الأناني.، الانسان المنفصل عن الإنسان وعن المجتمع. [7] دعونا نترك الدستور الأكثر راديكالية يتكلم، دستور 1793: إعلان حقوق الإنسان والمواطن. فن. 2. "هذه الحقوق، وما إلى ذلك (الحقوق الطبيعية وغير القابلة للتقادم) هي المساواة والحرية والأمن والملكية." مما تتكون الحرية؟

فقرة. 6 “الحرية هي القدرة التي يملكها الإنسان لفعل أي شيء لا يضر بحقوق الآخرين”، أو حسب إعلان حقوق الإنسان لعام 1791: “الحرية هي القدرة على فعل أي شيء لا يضر الآخرين”. ". وبالتالي فإن الحرية هي الحق في فعل أي شيء لا يضر الآخرين. ويحدد القانون الحدود التي يمكن لكل شخص أن يتحرك فيها دون الإضرار بالآخرين، كما تحدد حدود الحقلين بعمود السياج. إنه يدور حول حرية الإنسان، كوحدة معزولة [8] ومنغلقة على نفسها. لماذا، بحسب باور، اليهودي غير قادر على الحصول على حقوق الإنسان؟ "طالما ظل يهوديًا، فإن الطبيعة الضيقة الأفق التي تجعله يهوديًا سوف تتغلب على الطبيعة البشرية التي يجب أن توحده مع غيره من البشر، وتفصله عن غير اليهود." إلا أن حق الإنسان في الحرية لا يقوم على اتحاد الإنسان بالإنسان، بل على العكس من ذلك، على انفصال الإنسان عن الإنسان. إنه حق هذا الانفصال، حق الفرد المحدود المنغلق على نفسه. [9] إن التطبيق العملي لحق الإنسان في الحرية هو حق الإنسان في الملكية الخاصة. مما يتكون حق الإنسان في الملكية الخاصة؟

المادة 16 (دستور 1793) "حق الملكية هو ما يملكه كل مواطن، ليتمتع ويتصرف في ممتلكاته ودخله وثمرة عمله وصناعته كما يشاء." وبالتالي فإن حق الإنسان في الملكية الخاصة هو حق التمتع بثروته والتصرف فيها كما يشاء، دون الاهتمام بالآخرين، بشكل مستقل عن المجتمع، وهو حق المصلحة الشخصية. وتشكل هذه الحرية الفردية، بالإضافة إلى تنفيذها، أساس المجتمع المدني. إنها تتيح لكل إنسان أن يجد في الآخرين ليس تحقيق حريته، بل حدودها. ومن ثم، فإن أيًا من حقوق الإنسان المزعومة لا يمتد إلى ما هو أبعد من الإنسان الأناني، إلى ما هو أبعد من الإنسان كعضو في المجتمع المدني، أي الفرد المنغلق على نفسه، في مصلحته الخاصة ونزواته الخاصة، الفرد المنفصل عن المجتمع. وبعيدًا عن اعتبار الإنسان، في هذه الحقوق، كائنًا عامًا، فإن الحياة العامة نفسها، أي المجتمع، تظهر كإطار خارجي للأفراد، وعائق أمام استقلالهم الأصلي. [10] الرابط الوحيد الذي يجمعهم هو الضرورة الطبيعية، والحاجة الخاصة والمصلحة، والحفاظ على ممتلكاتهم وشخصيتهم الأنانية. إنه أمر غامض بالفعل أن شعبًا، بالكاد بدأ في تحرير نفسه، وإسقاط جميع الحواجز التي تفصل بين مختلف أفراد الشعب، وتأسيس مجتمع سياسي، وأن هذا الشعب يعلن رسميًا حقوق الإنسان الأناني المنفصل عن نفسه. الجار والمجتمع (إعلان 1791)، بل ويجدد هذا الإعلان في وقت يتطلب فيه التفاني الأكثر بطولية، وهو الوحيد القادر على إنقاذ الأمة، في وقت حيث التضحية بجميع مصالح المجتمع المدني يتم وضعه على جدول الأعمال، وحيث يجب معاقبة الأنانية كجريمة (إعلان حقوق الإنسان، وما إلى ذلك، لعام 1793). تصبح هذه الحقيقة أكثر غموضًا عندما نرى أن المحررين السياسيين يختزلون المواطنة، المجتمع السياسي، إلى وسيلة بسيطة للحفاظ على ما يسمى بحقوق الإنسان، وبالتالي يتم إعلان المواطن خادمًا للإنسان الأناني، ذلك المجال الذي يتصرف فيه الإنسان كإنسان أناني. يتم تخفيض كائن المجتمع إلى مرتبة أدنى من المجال الذي يتصرف فيه ككائن مجزأ، وفي النهاية ليس الإنسان كمواطن، بل الإنسان كبرجوازي هو الذي يُنظر إليه على أنه الإنسان الحقيقي، على أنه الإنسان الحقيقي والأصيل. فالإنسان الحقيقي لا يمكن التعرف عليه إلا من خلال جانب الفرد الأناني، والرجل الحقيقي لا يتم التعرف عليه إلا من خلال جانب المواطن المجرد.   فقط عندما يستعيد الإنسان الفردي الحقيقي المواطن المجرد في داخله ويصبح، كإنسان فردي، كائنًا عامًا في حياته التجريبية، في عمله الفردي، في علاقاته الفردية، عندما يكون الإنسان قد أدرك وينظم قواه الخاصة كقوى اجتماعية، وبالتالي لن ينتزع منه بعد الآن السلطة الاجتماعية تحت مظهر السلطة السياسية؛ عندها فقط سيتم تحقيق تحرر الإنسان." كارل ماركس: المسألة اليهودية (1843).

تعقيب

مع ذلك، فإن المجتمع عديم الطبقية وعديم الجنسية الذي دعا إليه ماركس يجب أن يكون “رابطة حيث التنمية الحرة لكل فرد هي شرط التنمية الحرة للجميع” (بيان الحزب الشيوعي، 1848) وحيث “الأفراد المرتبطون على أساس جماعي إن الاستيلاء على وسائل الإنتاج والسيطرة عليها” (مخطوطات غروندريس، 1857) لم تعد أسرى المصير الطبقي. وإدراكًا منه لإساءة استخدام الحرية الفردية، فقد نسي الحريات العامة الأساسية. بكل بساطة: يهدف انتقاد ماركس بشكل أساسي إلى حقيقة مفادها أن حقوق الإنسان تتضمن في جوهرها عدم ملموسية حقوق الملكية. وحتى في دستور عام 1793، فإن "التطبيق العملي لحق الإنسان في الحرية هو حق الإنسان في الملكية الخاصة". باختصارشديد، خصوصية هذه الماركسية النقدية تتعلق بالإصرار على القطبين الحاسمين: التفكيك المفاهيمي للاقتصاد السياسي الذي جعله ماركس ممكنا، ومنظور التحرر الذي يفترض وجود علاقة مع الحقيقة التاريخية.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...........................

الاحالات والهوامش

[1] الدولة الليبرالية لا تريد التصرف في الحياة الخاصة، والاقتصاد، ومشاكل التعليم، وحقوق العمل، والصحة... بحجة أن كل هذا يتعلق بالخيارات الفردية، في حين أن المواطن لا يجب أن يهتم إلا بالأمور العامة، مشاكل عالمية.

[2] كائنات عامة، حيث يكون الإنسان إنسانًا حقًا: عندما يهتم بمصير النوع البشري، أي بمصير جميع البشر، وليس بمصالحه الخاصة فقط. وفقا لفويرباخ، فإن الإنسان يميز نفسه حقا عن الحيوانات عندما لا يصبح واعيا بذاته، بل بالإنسانية (الجنس البشري، الواقع العام للإنسان) عبر الأماكن والأزمنة.

[3] المجتمع المدني (تُترجم أحيانًا أيضًا إلى: المجتمع البرجوازي) هذا هو مجال الحياة الخاصة، "للبرجوازيين"، بالمعنى القروسطي للمصطلح، على عكس الحياة السياسية والمجتمعية للمواطن. في الليبرالية، يستهدف العالم الاقتصادي بشكل أساسي: الإنتاج الحر، والتجارة الحرة، والمبادرة الفردية والمنافسة.

[4] هذا هو التشابه العميق بين الديمقراطية الليبرالية والمسيحية. يعيش المسيحي حياة مزدوجة: 1) كانسان حقيقي، فهو عبد أو سيد أو برجوازي، يجب ألا يثور ضد عدم المساواة بل يجب أن يحترم النظام القائم (المدينة الأرضية) لأن كل السلطة، مهما كانت، تأتي. من الله (القديس بولس)؛ 2) كمسيحي، مهما كانت رتبته، فهو يساوي سائر البشر: لكن هذه الكرامة وهذه المساواة لا تنطبق إلا على الله، أي بعد الموت (المدينة السماوية). وبالمثل، في الديمقراطية الليبرالية، يتعارض العالم السياسي (مساواة البشر كمواطنين) والعالم المدني (عدم المساواة بين الناس "البرجوازيين" في ثرواتهم، ووضعهم، وتدريبهم، وفرصهم، وما إلى ذلك).

[5] هذه القوى الأجنبية هي القوانين الاقتصادية، وقوانين السوق. نحن نستخدم الآخرين كوسيلة، باستخدام قدراتهم في مجال الأجور لتحقيق الربح. يعتبر المرء نفسه أداة طوعية أو غير طوعية لقوانين السوق. تختفي "حرب الجميع ضد الجميع" من المجال السياسي، وذلك بفضل إنشاء القانون (القوانين والمؤسسات...) ولكنها تهدف إلى ترسيخ نفسها بشكل أفضل في المجال الخاص: المنافسة الاقتصادية.، سباق من أجل الربح...

[6] الحياة الحقيقية بالنسبة للمسيحي هي حياة العدل والمحبة، ولكن ربما تكون هذه الحياة مجرد وهم، لأنها لن تقوم إلا بعد الموت، في السماء، ويبدو أنها تتعارض مع الحياة الحقيقية، على الأرض مصنوعة من الظلم والمعاناة. وبالمثل، في الليبرالية، تظل الحياة الحقيقية (المساواة بين المواطنين المتحدين) فكرة مجردة، في حين تظهر الحياة الحقيقية (المجتمع المدني) الظلم وعدم المساواة والأنانية. سيكون الدور الإيجابي للمسيحية هو إعطاء كل إنسان كرامة متساوية؛ الجانب السلبي هو أن هذه الكرامة الشاملة لا تكون فعالة إلا "في السماء"؛ وعلى الأرض يستمر الظلم. وبالمثل، فإن الدور الإيجابي لليبرالية السياسية هو جعل كل إنسان مواطنًا مشاركًا على قدم المساواة في القوانين وفي الحياة الجماعية؛ الجانب السلبي هو أن المواطن يخفي الفرد الحقيقي الذي يجب عليه في حياته الخاصة أن يقبل عدم المساواة المادية و"كل إنسان لنفسه". ألن يكون هناك غموض في المسيحية: جعل الناس يؤمنون بالعدالة السماوية من أجل قبول المظالم الأرضية؟ وبنفس الطريقة، ألن يكون هناك غموض حول الديمقراطية الليبرالية: استخدام المساواة السياسية لتبرير عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية، وما إلى ذلك؟

[7] هنا يبدأ التحليل النقدي لإعلان حقوق الإنسان والمواطن. بالنسبة لماركس، فإن هذا النص لا يعبر عن قيم عالمية، على عكس ما أعلن في الديباجة، بل يعبر عن قيم عصر يؤدي فيه التعارض بين المواطن (المساواة المجردة) والإنسان (التفاوتات الحقيقية) إلى اغتراب المواطن الفقير من الغني . لم تعد "" مجرد مجتمع مدني، بالمعنى المحايد للمصطلح، ولكنها أصبحت "مجتمعًا برجوازيًا" بالمعنى الجدلي للمصطلح.

[8] عند لايبنتز، الأحاديات: مواد بسيطة وغير قابلة للتجزئة، أنواع من الذرات التي تتكون منها الطبيعة، كل واحدة منها معزولة عن غيرها.

[9] النقد الرئيسي الذي وجهه ماركس لإعلان 1789 هو أن حرية الإنسان محددة ضد الآخرين، وليس معهم وهو تعريف سلبي (الحد، الدفاع) وليس إيجابيا (الإنجاز، التضامن).

[10] لم تعد الحياة السياسية الجماعية تعتبر تلك التي تحقق جوهر الإنسان (في أرسطو، على سبيل المثال، يُعرّف الإنسان بأنه "حيوان سياسي"، أي كائن لا يتحقق بالكامل إلا داخل المجتمع). المدينة في الليبرالية هي حرية السوق، المجال السياسي ليس أكثر من شر لا بد منه، ويجب الحد منه قدر الإمكان. لم يعد الإنسان الخاص هو الذي في خدمة المواطن، بل المواطن هو الذي يصبح خادم الانسان الخاص.

بقلم: جيمس ماكليفيني

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

تقول النسبية اللغوية أن نظرتك للعالم تتحدد من خلال اللغة التي تتحدثها. هل هذا صحيح؟ التاريخ يلقى ضوءا.

كل من تعلم لغة ثانية سيكون قد توصل إلى اكتشاف مثير (ولكنه مقلق إلى حد ما): لا يوجد أبدًا تطابق في المعنى بين الكلمات والعبارات فى لغة ما ولغة أخرى. حتى التعبيرات العادية للغاية (المبتذلة)  لها معنى مختلف قليلاً؛ حيث تنبع من شبكة من المواقف والأفكار الفريدة لكل لغة. إن التحول من لغة إلى أخرى قد يبدو وكأنه خطوة إلى عالم آخر. يبدو أن كل لغة تجبرنا على التحدث بطريقة معينة ورؤية الأشياء من منظور معين. لكن هل هذا مجرد وهم؟ هل تجسد كل لغة حقًا وجهة نظر مختلفة للعالم، أو حتى تملي أنماطًا معينة من التفكير على متحدثيها؟

في السياق الأكاديمي الحديث، عادةً ما يتم تناول مثل هذه الأسئلة تحت عناوين "النسبية اللغوية" أو "فرضية سابير وورف". تركز الأبحاث المعاصرة على التقاط هذه الأسئلة، ومحاولة صياغتها بعبارات صارمة يمكن اختبارها تجريبيا. لكن الفهم الحالي للصلات بين اللغة والعقل والنظرة للعالم له تاريخ طويل، ويمتد إلى عصور فكرية عديدة، ولكل منها اهتماماته الخاصة. يمر عبر هذا التاريخ شكوك متكررة حول النسبية اللغوية، لا تنجم عن الصعوبات في تعريفها فحسب، بل أيضًا عن التناقض العميق الجذور حول افتراضات وتبعات المذاهب النسبية.

هناك الكثير على المحك عند النظر في إمكانية النسبية اللغوية، فهي تؤثر بشكل مباشر على فهمنا لطبيعة اللغة البشرية. هناك افتراض طويل الأمد في الفلسفة الغربية، والذي تمت صياغته بشكل كلاسيكي في أعمال أرسطو، وهو أن الكلمات هي مجرد تسميات نطبقها على الأفكار الموجودة من أجل إيصال تلك الأفكار إلى الآخرين. لكن النسبية اللغوية تجعل اللغة قوة فاعلة في تشكيل أفكارنا. علاوة على ذلك، إذا سمحنا بالتنوع الأساسي بين اللغات ووجهات نظرها العالمية المعقدة، فإننا نواجه أسئلة صعبة حول تكوين إنسانيتنا المشتركة.هل يمكن أن تكون هناك فجوات لا يمكن سدها في الفكر والإدراك بين مجموعات من الأشخاص الذين يتحدثون لغات مختلفة؟

تمتد جذور أفكارنا الحالية حول النسبية اللغوية على الأقل إلى عصر التنوير، من أواخر القرن السابع عشر إلى القرن الثامن عشر. غالبًا ما تمت صياغة مناقشات التنوير من حيث "عبقرية" اللغة، وهو تعبير تمت صياغته لأول مرة بالفرنسية باسم le génie de la langue. وقد استُخدم المصطلح في مجموعة واسعة من المعاني، لدرجة أنه لم يكن من الواضح في كثير من الأحيان ما هو المقصود بالضبط. لاحظ أحد المعلقين المعاصرين: "كثيرًا ما نتساءل ما هي عبقرية اللغة، ومن الصعب أن نقول ذلك." ما يمكننا قوله هو أن عبقرية اللغة فُهمت على أنها تمثل شخصيتها المميزة، "je ne ne". sais quoi الذي يشكل المصطلح في كل لغة. غالبًا ما كان يُنظر إلى هذا التفرد على أنه تعبير عن الروح القومية لمتحدثي اللغة.

ظهرت صياغة كلاسيكية ــ ومؤثرة للغاية ــ في عام 1772 مع رسالة حول أصل اللغة، بقلم الفيلسوف والشاعر الألماني يوهان جوتفريد فون هيردر (1744-1803). وعلى النقيض من معاصريه الذين رأوا الأصول النهائية للغة البشرية في صرخات الحيوانات، أصر هيردر على أن هناك اختلافًا في النوع بين التواصل البشري والحيواني. تعتمد اللغة البشرية، وفقًا لهيردر، على القدرة البشرية غير القابلة للاختزال على "التأمل" (Besonnenheit)، وقدرتنا على التعرف على أفكارنا والتفكير فيها. عند اختراع كلماتنا، فإننا نفكر في خصائص الأشياء التي نسميها ونختار أبرزها. لقد ركزت الشعوب المختلفة على خصائص مختلفة، وكانت النتيجة أن كل لغة، بأشكالها المميزة، تجسد رؤية مختلفة قليلاً للعالم. مع انتقال اللغات من جيل إلى جيل، تتراكم الاختلافات بينها، مما يجعل اللغات ووجهات النظر العالمية التي تحتويها أكثر تميزًا. من أجل فهم المنظور الفريد لكل لغة، يجب علينا تتبع أشكال الكلمات حتى أصولها الاشتقاقية.

تم التقاط الخيط الهيرديري في أوائل القرن التاسع عشر ونُسج بخبرة كبيرة في وصف أوسع للغة والأدب من قبل فيلهلم فون همبولت (1767-1835). أيد همبولت عنصرا من عناصر الحتمية اللغوية - أي أن اللغة لا تعكس وجهة نظر عالمية معينة فحسب، بل تشارك بنشاط في تشكيلها: "اللغة"، كما كتب، "هي العضو المشكل للفكر. ومع ذلك، فإن العلاقة التي تصورها لم تكن أحادية الجانب بل جدلية. بين اللغة والفكر، هناك حلقة لا نهاية لها من ردود الفعل: أفكارنا تشكل كلماتنا، وكلماتنا تشكل أفكارنا. ولم يقتصر تفسيره على الكلمات الفردية، بل الأهم من ذلك هو القواعد النحوية المعروضة في لغات العالم. لكن حتى دراسة القواعد لم تكن سوى تمهيد للمهمة الحقيقية، وفقًا لهومبولت. إن القواعد والمفردات لا تمثل سوى "الهيكل العظمي الميت" للغة. لكي نتمكن من التقاط شخصيتها، ورؤية "بنيتها الحية"، يجب علينا أن نقدر أدبها، واستخدام اللغة من قبل المتحدثين والبلغاء من كبار كتابها.

يعتقد ستاينثال أن الشكل الداخلي للغة هو النافذة المثالية للوصول إلى الروح القومية

على الرغم من نصائح هومبولت للبحث عن حياة اللغة في الأدب، إلا أن خلفائه في القرن التاسع عشر ركزوا على ابتكار تصنيفات للغات تدور حول سماتها النحوية. غالبًا ما يوصف الهدف بأنه تحديد "الشكل الداخلي" لكل لغة. كان "الشكل الداخلي" مصطلحًا استخدمه همبولت (ولو بشكل عابر) للإشارة إلى البنية الأساسية وتنظيم اللغة، على عكس "شكلها الخارجي"، والخصائص الملموسة ظاهريًا لكلماتها وقواعدها ونظامها الصوتي. يحمل الشكل الداخلي لهومبولت اهتمامات عبقرية اللغة في عصر التنوير، في حين يتكون الشكل الخارجي من التفاصيل المتحذلقة لانحرافات الأسماء، وتصريفات الأفعال، والبدائل الصوتية المنتظمة، وما إلى ذلك.

تبنى العديد من العلماء الذين عملوا في أعقاب هومبولت "شكله الداخلي" وطوروه في اتجاهات مختلفة، على الرغم من أن النسخة الأبرز من هذا المفهوم كانت تلك التي وضعها هيمان شتاينثال (1823-1899). كان الشكل الداخلي بمثابة حجر الزاوية في تصنيف شتاينثال للغات، والذي يكمن بدوره في قلب كتابه Völkerpsychologie، أو "علم نفس الشعوب" أو "علم النفس العرقي". كان الهدف الشامل لـ Völkerpsychologie هو وصف العقلية المشتركة المفترضة لكل أمة. كان الشكل الداخلي للغة، كما يعتقد شتاينثال، هو النافذة المثالية للوصول إلى الروح القومية

لكن خلال القرن التاسع عشر، أصبح الحديث عن العقول الوطنية وطبيعة اللغات خارج المألوف في الدراسة الأكاديمية للغة. في هذه الفترة، أصبح النحو التاريخي المقارن المجال الرئيسي لعلم اللغة. وهو النهج الذي يقارن بعناية الكلمات والأشكال النحوية في اللغات المختلفة لتسجيل تغيراتها التاريخية وتحديد علاقات الأنساب المفترضة بينها. يخبرنا علم اللغة التاريخي المقارن، على سبيل المثال، أن اللغات الفرنسية والإيطالية والإسبانية تنحدر جميعها من اللاتينية؛ وأن اللغات الهندية-الأردية والبنغالية والبنجابية يمكن أن تعود أصولهم إلى اللغة السنسكريتية؛ وأن كل هذه اللغات، إلى جانب العديد من اللغات الأخرى التي يتم التحدث بها تقليديًا من أوروبا الغربية إلى شمال الهند، هي جزء من العائلة الهندية الأوروبية الواسعة.

لقد ضاع السلف الافتراضي لهذه العائلة العظيمة، البدائية الهندية الأوروبية، مع مرور الوقت، ولكن يمكن إعادة بناء عناصر مفرداتها وقواعدها ونظامها الصوتي من سمات أحفادها. والأهم من ذلك، في الأساس، هذه كلها جوانب "الشكل الخارجي" للغات، وقد فضل اللغويون الذين بحثوا في هذه الأشكال الخارجية وصف التحولات التاريخية التي درسوها من حيث "قوانين الصوت". قوانين الصوت هي بيانات بسيطة عن حقيقة أن الصوت المشهود في بيئة صوتية معينة في اللغة الأم يتغير إلى أصوات أخرى في أحفاده. تتجنب مثل هذه التفسيرات الاستناد إلى أي مبادئ تفسيرية مخفية وضمنية. يعتقد معظم النحويين التاريخيين المقارنين أنه لكي يُعتبر علم اللغة علمًا جادًا، يجب أن يقتصر على البيانات الدقيقةة والقابلة للملاحظة بشكل موضوعي. إن اكتشاف الحياة الداخلية للغات، والتقاط شخصياتها وارتباطاتها بالفكر والثقافة، كان يعتبر، في أحسن الأحوال، مهام مستقبلية لعلم اللغة الراسخ. وفي أسوأ الأحوال، لم تكن تعتبر أكثر من مجرد تكهنات ميتافيزيقية عبثية.

فيما كان بمثابة الرمق الأخير لتقليد همبولت في اللغويات الأكاديمية في القرن التاسع عشر، اقترح عالم اللغة الصينية واللغوي العام جورج فون دير غابيلنتس (1840-93) مجالًا فرعيًا جديدًا لـ "التصنيف"، والذي من شأنه أن يدرس السمات النحوية للغات بشكل شامل. من أجل اكتشاف "السمات النموذجية، والاتجاهات السائدة" التي تحدد البنية اللغوية. من شأن هذا المسعى أن يوفر أساسًا تجريبيًا لـ "المهمة العليا" لعلم اللغة ويشرح مثل هذه الاتجاهات البنيوية كمظاهر للروح القومية. لم تلق دعوة غابلينتز للمجال الجديد آذانًا صاغية في هذا العصر الذي يهيمن عليه النحو التاريخي المقارن. لم يكن الأمر كذلك حتى بداية القرن العشرين حيث عادت التصنيفات إلى الظهور باعتبارها الشغل الشاغل في علم اللغة.

وفي الوقت نفسه، وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تمتعت مسائل العقل واللغة بأنثروبولوجيا متأثرة بأسلوب همبولت. شرع فرانز بواس (1858-1942)، "أبو" الأنثروبولوجيا الأمريكية، في تجميع الخلاصة النهائية للغات الأصلية في أمريكا الشمالية في كتابه متعدد المجلدات "دليل اللغات الهندية الأمريكية"، والذي ظهر المجلد الأول منه في 1911. كان الهدف من الأوصاف النحوية الواردة في دليل بواس هو "الاعتماد كليًا على الشكل الداخلي لكل لغة". ثم أوضح بواس،"بعبارة أخرى، لقد تم التعامل مع القواعد كما لو أن هنديًا ذكيًا يطور أشكال أفكاره الخاصة من خلال تحليل خطابه."

لكن بواس كان يعاني من تناقض بشأن العواقب المترتبة على العلاقة بين العقل واللغة. كان خطاب القرن التاسع عشر حول الاختلافات بين الأمم يرتكز في كثير من الأحيان على تسلسل هرمي مفترض للإنسانية. كان هناك اعتقاد واسع النطاق بأن الشعوب الموجودة في العالم اليوم قد وصلت إلى مراحل مختلفة من التطور في مجتمعاتها وثقافاتها - وأن ذلك يعزى إلى الاختلافات في قدراتها المعرفية. في أعلى التسلسل الهرمي كان الرجل الأوروبي في القرن التاسع عشر، الذي أظهر قواه العقلية في كل الاتجاهات، بينما في الجزء السفلي كانت الشعوب الأصلية المختلفة في العالم، والتي عادة ما تعتبر عالقة في الطفولة الأبدية للإنسانية أو على الأقل انحطت عن حالة "الحضارة" السابقة.

لم تكن المواقف متجانسة: كان هناك العديد من المخططات المختلفة للتطور الاجتماعي والثقافي والمعرفي البشري في هذه الفترة، مع الاعتراف بالعديد من الفروق الدقيقة. ولكن حتى شخصيات مثل هومبولت، وشتاينثال، وجابلينتز، الذين أبتهجوا بالتنوع البشري وأشادوا بتفرد كل لغة، كانوا أكثر انحيازًا لبعض اللغات من غيرها. يرى شتاينثال أن اللغات الأمريكية ليس لها في الواقع شكل داخلي. إن التراكيب المعقدة التي لا يمكن إنكارها والتي تشهد عليها قواعدها هي مجرد تكثيفات لمادة مفاهيمية ملموسة دون أي بنية رسمية أساسية. في ذلك الوقت، كانت المواقف بين كبار علماء الأنثروبولوجيا واللغويين في الولايات المتحدة أكثر تطرفًا.

واصل علماء الأنثروبولوجيا النظر في العلاقات الممكنة بين اللغة والعقل

رفض بواس مثل هذه الخطط المتحيزة. وفي الواقع، فقد اتفق مع معارضيه على وجود بعض القصور المفترض في لغات السكان الأصليين، لكنه رفض النظر إليها كمؤشر للنمو العقلي. واعترف بواس بأن العديد من اللغات الأمريكية تفتقر إلى مصطلحات مجردة وأعداد كبيرة إلى ما لا نهاية، لكن هذا ليس لأن المتحدثين بها غير قادرين على استيعاب مثل هذه المفاهيم؛ الأمر ببساطة هو أنهم لم يحتاجوا أبدًا إلى التحدث بمصطلحات مجردة أو العد لأعداد كبرى، وبالتالي لم تتح لهم أبدًا الفرصة لإنتاج مثل هذه الأشكال بلغاتهم. وإذا نشأت هذه الحاجة، فسوف تتكيف لغاتهم على الفور لاستيعاب ذلك .

كانت آراء بواس مستوحاة إلى حد كبير من تعاليم معلمه السابق في برلين، عالم الإثنوغرافيا أدولف باستيان (1826-1905). دافع باستيان عن مبدأ "الوحدة النفسية للإنسانية"، وهي فكرة مفادها أن جميع البشر، بغض النظر عن أسلافهم أو حالتهم الثقافية الحالية، لديهم في جوهرهم نفس القدرات والقدرات العقلية. إن "الأفكار العرقية" التي تبدو مختلفة لشعوب العالم المختلفة ليست أكثر من مجرد نزعات مختلفة لنفس "الأفكار الأولية" المشتركة بين البشرية جمعاء. العقل البشري هو في الأساس نفسه في كل مكان.

ولذلك نرى في القرن التاسع عشر منحنى واضحًا في تطور المواقف الأكاديمية تجاه النسبية اللغوية. في بداية القرن، كانت النسبية اللغوية تحتل مكانة محترمة في دراسة اللغة، مدعومة بكتابات شخصيات مثل هيردر وهمبولت. ولكن مع مرور القرن، أصبحت اللغويات الأكاديمية تهيمن عليها بشكل متزايد مدرسة النحويين التاريخيين المقارنين، الذين كان منهجهم تقنيًا وتجريبيًا للغاية. في هذا الوسط الفكري، ابتعد اللغويون تدريجيًا عن الأسئلة التي تبدو غامضة حول الأدوات المفاهيمية الأساسية للغات.على النقيض من ذلك، استمر علماء الأنثروبولوجيا طوال القرن التاسع عشر في النظر في العلاقات المحتملة بين اللغة والعقل، لكن المصطلحات الهرمية التي تم تأطير مناقشاتهم بها في كثير من الأحيان تعرضت للنقد في نهاية القرن، في حركة قادها بواس.

تعد "فرضية سابير وورف" الأخيرة، من نواحٍ عديدة، استمرارًا للمناقشات التي دارت في القرن التاسع عشر. كان إدوارد سابير (1884-1939) وتلميذه بنجامين لي وورف (1897-1941) ورثة التقليد الهمبولدي. كان سابير غارقًا في دراسة اللغة الألمانية: وكانت أطروحة الماجستير الخاصة به تدور حول رسالة هيردر حول أصل اللغة. وكان أيضًا واحدًا من أكثر تلاميذ بواس موهبة وإخلاصًا،واحتفظ بمنصب معلمه. كتب سابير في عام 1921: "إن اللغة وعمليات التفكير لدينا متشابكة بشكل لا ينفصم، وهما نفس الشيء إلى حد ما".ولكنه، مثل بواس، أصر على أنه لا توجد «اختلافات عنصرية كبيرة» في الفكر عبر الجنس البشري، ولا توجد روابط مباشرة بين الثقافة واللغة. ولذلك فمن المستحيل استنتاج المراحل التطورية المزعومة من بنية اللغة: "عندما يتعلق الأمر بالشكل اللغوي، فإن أفلاطون يصنف مع راعي الخنازير المقدوني، وكونفوشيوس مع متوحش آسام الذي يصطاد الرؤوس."

وعلى الرغم من الرغبة في تحرير بحثه من تحيزات العلوم السابقة، ظل سابير مساهما في مشروع تحليل "العمليات" و"المفاهيم" النحوية المعتمدة في لغات العالم من أجل تحديد "النوع أو الخطة أو البنية" من "العبقرية" من كل لغة. لكن هذا المسعى تم تلطيفه من خلال الإيمان بالاستقلالية الجزئية على الأقل للشكل اللغوي. وفقًا لسابير، تمتلك كل لغة «نظامًا صوتيًا داخليًا» و«شعورًا محددًا بالنمط على مستوى التكوين النحوي»، وكلاهما «يعملان على هذا النحو، بقطع النظر عن الحاجة إلى التعبير عن مفاهيم معينة أو إعطاء شكل خارجي لمجموعات معينة من المفاهيم»ويبدو أن اللغة لم تكن عالقة في تلك الأخاديد الفكرية.

إن التعامل مع الشكل اللغوي باعتباره مستقلاً بطريقة ما لم يكن بعيدا عن تصور النحويين التاريخيين المقارنين فى فرضية القوانين الصوتية في القرن التاسع عشر. في القرن العشرين، اتخذ العديد من اللغويين خطوة واضحة لاستبعاد بنية اللغة باعتبارها مجالًا خاصًا بهم، وهو موضوع يمكنهم فحصه بشكل مستقل عن أي أسئلة أوسع تتعلق بالإدراك أو الإنتاج المادي واستقبال الكلام. في هذه السنوات، قدم اللغوي فرديناند دي سوسور (1857-1913) من جنيف تمييزًا بين la langue (اللغة) وla parole (الكلام)، وهو التمييز الذي أصبح أساسيًا في الكثير من الدراسات اللغوية اللاحقة. La langue هو النظام المجرد القائم بذاته لكل لغة، في حين أن la parole هو استخدام la langue لإنشاء كلام فعلي. يرى سوسير أن اللغويين يجب أن يصفوا خصائص كل لغة دون القلق بشأن كيفية ظهورها في عقول وأفواه المتحدثين.هذه هي مشاكل العلوم المجاورة لعلم النفس وعلم وظائف الأعضاء والفيزياء. يمكن فهم اعتراف سابير بالاستقلالية الشكلية للغات كجزء من هذا الاتجاه، على الرغم من أنه في الوقت نفسه لم يكن يرغب بوضوح في التخلي تمامًا عن تراثه الهامبولدتي، مع اهتماماته النفسية والأنثروبولوجية.

كانت هناك رغبة في كسر سحر اللغة، والثورة ضد طغيانها

ولكن ماذا عن الحتمية اللغوية لما يسمى بفرضية سابير وورف؟ على الرغم من أنه لم يقم سابير ولا وورف بصياغة اقتراح دقيق وقابل للاختبار يفترض تأثير اللغة على الفكر، إلا أنهما بالتأكيد تصورا مثل هذه التأثيرات. في عام 1929، كتب سابير:

والحقيقة هي أن "العالم الحقيقي" مبني إلى حد كبير دون وعي على العادات اللغوية للمجموعة... إن العوالم التي تعيش فيها مجتمعات مختلفة هي عوالم متميزة، وليست مجرد نفس العالم بمسميات مختلفة مرتبطة به... نحن نرى ونسمع ونختبر إلى حد كبير كما نفعل لأن العادات اللغوية لمجتمعنا تهيئ خيارات معينة للتفسير.

استجاب خطاب سابير وورف للذعر الأخلاقي الحديث حول استخدام اللغة وإساءة استخدامها. في أوائل القرن العشرين، تم تحريف الخطاب العام من خلال أشكال جديدة من الدعاية، التي نشرتها التقنيات الجديدة مثل الراديو والسينما، وكلها رافقت وسهلت الاضطرابات الكارثية الحرب العالمية الأولى والاستقطاب السياسي الذي أدى إلى صعود الحكومات الشمولية في جميع أنحاء أوروبا. كانت هناك رغبة في كسر سحر اللغة، والتمرد على طغيانها الداعم للاعقلانية والبربرية، وجعلها خادمة للفكر المستنير. وقد وجد هذا الشعور تعبيرًا عنه، من بين أمور أخرى، في التحول اللغوي الذي اتخذته الفلسفة التحليلية الناشئة في هذه الفترة. وعلى الجانب الشعبي، ظهر عدد لا يحصى من الكتب المدرسية حول المعنى، مثل كتاب سي كيه أوجدن وآي إيه ريتشاردز «معنى المعنى» (1923)، وكتاب ألفريد كورزيبسكي «العلم والعقل» (1933)، وكتاب ستيوارت تشيز «طغيان الكلمات» (1938). . هذا هو عالم لغة أورويل الجديدة، حيث اللغة هي سيدة العقل.

روج سابير وورف بشغف للمساهمة التي يمكن أن يقدمها مجال علم اللغة الخاص بهما في حل هذه المشكلات. ومن خلال الكشف عن تنوع الحقائق التي خلقتها اللغات، يمكن لعلم اللغة أن يساعد في كشف كيف تضللنا اللغة. في عام 1924، كتب سابير:

ربما تكون أفضل طريقة لتجاوز عمليات تفكيرنا والتخلص من أي مصادفات أو ليست ذات صلة بالموضوع بسبب زخارفها اللغوية هي الانغماس في دراسة التعبيرات الغريبة.على أية حال، لا أعرف طريقة أفضل لقتل "الكيانات" الزائفة.

بحلول منتصف القرن العشرين، تراجع الخطاب النقدي للغة، وعاد علم اللغة الأكاديمي إلى حد كبير إلى العلم المحايد المعروف منذ نهاية القرن الماضي. عند النظر في العديد من الحالات المزعومة للروابط بين بنية اللغة والثقافة عبر مجموعة متنوعة من اللغات، أعلن عالم اللغويات الأمريكي جوزيف جرينبيرج (1915-2001) في منتصف القرن ما يلي: «لا نجد أي أنماط دلالية أساسية مثل تلك التي قد تكون مطلوبة للنظام الدلالي للغة لتعكس رؤية عالمية شاملة ذات طبيعة ميتافيزيقية.

مستلهمًا أعمال بواس وسابير، حمل جرينبيرج شعلة تصنيف اللغة التي رفعها جابيلينتز في أواخر القرن التاسع عشر. كان استمرار جرينبيرج في مشروع همبولت القديم المتمثل في التحقيق في التنوع البنيوي للغات العالم، مع رفض أي صلة بين البنية والإدراك أو الثقافة، أمرًا حاسمًا في التطور اللاحق للنظرية التصنيفية. إن ما كان بالنسبة لجابلينتز "المهمة الأسمى" لأبحاث اللغة أصبح الآن رسميًا محظورًا في الزاوية الأخيرة من علم اللغة المعني بالتقاط ومقارنة الطابع النحوي للغات.

على أية حال، كان الاهتمام بالتنوع في أدنى مستوياته في منتصف القرن العشرين. في سعيه وراء "النحو العالمي"، سعى نعوم تشومسكي (1928-) إلى إعادة تأسيس نوع من الوحدة النفسية للبشرية. إن الاختلافات بين اللغات الفردية، في نظر تشومسكي، هي مجرد أشباح، اختلافات سطحية على نفس النظام الأساسي الذي تنتجه ملكة اللغة الفطرية التي يتقاسمها جميع البشر.لا ينبغي أن تكون مهمة اللغويين هي تصنيف هذه الاختلافات بدقة، ولكن تحليلها واكتشاف المبادئ العالمية التي تحكم جميع اللغات . وعلى خطى تشومسكي، حافظت الآراء السائدة في معظم دوائر البحث الأكاديمي على هذا الفصل الدقيق بين اللغة والفكر حتى نهاية القرن العشرين.

لكن النسبية اللغوية لن تعاني من النفي. لقد أعاد اللغويون وعلماء النفس، الذين لم يتمكنوا من تجاهل هذه الأسئلة، النسبية مرة أخرى إلى الاتجاه الأكاديمي السائد وحققوا نتائج مرضية.على سبيل المثال لا الحصر، في العمل المستمر والمتطور، أظهر الباحثون أن بعض اللغات قد تسمح لمتحدثيها بإطلاق العنان للحواس التي هي ملكية مشتركة لجميع البشر ولكنها تظل غير مستخدمة من قبل معظم الناس.في اللغة الإنجليزية والعديد من اللغات الأخرى، عادة ما يتم وصف الموقع المكاني بمصطلحات أنانية. لو حطت ذبابة على ساقي، لقلت: "لقد هبطت ذبابة على الجانب الأيمن من ساقي". اليمين هو مفهوم مكاني أناني يوجه الأشياء في العالم وفقًا لمحور يسار يمين وهمي يسقط من جسدي.

نحن جميعا بوصلات بطريقة ما. المتحدثون باللغة الإنجليزية في الغالب لا يدركون ذلك بوعي

ومع ذلك، ليست هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها تصور الفضاء. في لغة جوريندجي التي يتم التحدث بها في شمال أستراليا - كما هو الحال في العديد من لغات العالم الأخرى - يتم وصف الأماكن عادةً باستخدام الاتجاهات الأساسية للشمال والجنوب والشرق والغرب. على افتراض أنني أجلس بحيث تكون ساقي اليمنى موجهة نحو الغرب، فإن الجملة المعادلة في جوريندجي ستكون: Karlarnimpalnginyi nyawama wurturrjima, walngin ngayinyja wurturrjila.' حرفيا: 'هذا هو الجزء العلوي الغربي الخارجي من ساقي. لقد هبطت الذبابة هنا على ساقي». إذا استدرت ونظرت في الاتجاه المعاكس، فإن الذبابة ستظل – بعبارات أنانية – على الجانب الأيمن من ساقي، لكن أحد المتحدثين بالجوريندجي قد يشير إلى أن الذبابة الآن - بعبارات جوهرية - موجودة الآن في الجزء الشرقي من ساقي. في حين أن محوري الأيسر والأيمن قد يتبعني بطاعة تامة، فإن الأرض ستظل ثابتة دائمًا.

الاتجاهات الأساسية ليست معروفة في اللغة الإنجليزية، ولكنها تستخدم عادةً فقط عند التحدث على نطاق جغرافي. على النقيض من ذلك، في لغة جوريندجي، حتى أجزاء من جسم المتحدث تقع في نظام إحداثي عالمي. سيكون معظم المتحدثين باللغة الإنجليزية في حيرة من أمرهم حتى في تحديد الاتجاهات الأساسية دون مساعدة البوصلة. كيف يفعل المتحدثون بالجوريندجي ذلك؟ يبدو أنها تعتمد على عدد من الإشارات البيئية، أهمها مسار الشمس عبر السماء. لكن الفسيولوجيا العصبية البشرية حساسة أيضًا للمجال المغناطيسي للأرض: فالدماغ البشري يستجيب بطرق قابلة للقياس للمجالات المغناطيسية المحيطة. نحن جميعا، إلى حد ما، البوصلات. معظم المتحدثين باللغة الإنجليزية لا يدركون ذلك، على الرغم من أن نشاط الدماغ لديهم يتغير عندما يتم التلاعب بالمجالات المغناطيسية المحيطة في ظل ظروف تجريبية. أظهرت التجارب الأخيرة التي أجرتها عالمة اللغويات الأسترالية فيليسيتي ماكينز ومعاونوها أن بعض المتحدثين بالغوريندجي يمكنهم الإبلاغ بشكل موثوق عن التحولات في المجالات المغناطيسية المحيطة.

يبدو أن عادة المتحدثين بالغوريندجي في استخدام الاتجاهات الأساسية قد وسعت قدراتهم على الإدراك. لى الأقل قد يتمكن بعض المتحدثين بالغوريندجي من الشعور بالمجال المغناطيسي للأرض بشكل واع. ولكن هل يعيش المتحدثون باللغة الإنجليزية والمتحدثون بالجوريندجي في "عوالم مختلفة"، كما يقول سابير؟إن وجود حساسية أكبر تجاه بعض سمات البيئة لا يزال يبدو أقل من وجهات النظر العالمية الشاملة التي لا يمكن الدفاع عنها في التقليد الهمبولتي.

ربما يكون هذا هو المصدر الرئيسي للشكوك المستمرة بشأن النسبية اللغوية في العديد من الأوساط الأكاديمية. نبدأ بشعور لا يوصف/je ne sais quoi ، وهو أن لغتنا تشكل عالمنا. ولكن لتقييم حقيقة هذا الادعاء، يريد العالم فرضية - بيان صارم وقابل للاختبار تجريبيًا حول كيفية تشكيل اللغة لعالمنا على وجه التحديد. إن التأملات شبه الصوفية في حياتي باللغة ليست من المجلات العلمية الحديثة. ولكن أي فرضية مصاغة بشكل صحيح سوف تكون بالضرورة اختزالية وانكماشية: فابتكار اختبارات تجريبية للاختلافات المفترضة في وجهات نظرنا للعالم يعني حتماً تحويل مشاعرنا الأكثر حميمية إلى أشياء بعيدة وغريبة يمكننا مراقبتها وتحليلها من الخارج. يمكن القول إن مثل هذه الاختبارات لا يمكنها أبدًا التقاط مجمل وبدائية الشعور الأصلي.

هل يعني هذا أن المعرفة العلمية في القرون السابقة ليس لها مكان في عالم اليوم، أم أن العلم الحديث ببساطة لا يستطيع فهم الأعماق الفلسفية التي استكشفتها الأعمال السابقة؟ النتاجات البحثىة الماضية والحالية تكمل بعضها البعض. إن كتابات العلماء الأوائل - مهما بدت تأملية بالنسبة لنا اليوم ومهما كانت الافتراضات الإشكالية التي استندوا إليها - لا يمكن إنكارها، فإنها تجسد شيئًا من تجربتنا الإنسانية ويمكن أن تفيد تحقيقات الباحثين اليوم. وفي المقابل، توفر فرضيات وتجارب اللغويين وعلماء النفس المعاصرين منظورًا آخر - شكلته النظرة العلمية للعالم في عصرنا - حول هذه الأسئلة الدائمة حول الروابط بين العقل واللغة.في كل هذه الحالات، لا يمكننا حتى أن نفهم الأسئلة دون فهم شيء من السياقات الفكرية المحددة التي نشأت فيها.

***

........................

المؤلف: جيمس ماكليفيني/ James McElvenny: عالم لغوي ومؤرخ فكري بجامعة زيغن بألمانيا. أحدث كتبه هي "اللغة والمعنى في عصر الحداثة" (2018) و"تاريخ اللغويات الحديثة" (سيصدر قريبا، 2024). وهو يقدم بودكاست عن تاريخ وفلسفة علوم اللغة.

https://aeon.co/essays/does-language-mirror-the-mind-an-intellectual-history

هوامش:

* فريدريك فلهيلم فون همبولت (بالألمانية: Wilhelm von Humboldt) ولد في 22 يونيو 1767 وتوفي في 8 أبريل 1835. هو موظف حكومي، دبلوماسي، فيلسوف، مؤسس جامعة هامبولت ببرلين، صديق غوته وشيلر، يذكر غالبا على أنه لغوي، كانت له إضافات هامة في حقل فلسفة اللغة ومسألة التعليم من ناحية نظرية وعملية. لقد كان هامبولت هو واضع أساسيات نظام التعليم في بروسيا، النظام الذي أخذته أمريكا واليابان أسوة في نظاميهما التعليميين. كان أخاه ألكسندر فون هومبولت عالم طبيعة.

ثلاث عبارات هي مقولات الكاردينال دي سوكا ارغب التعليق الحواري عليها:

دي سوكا كاردينال لاهوتي وفيلسوف القرون الوسطى مقولته الاولى (الوعي هو نوع من التحرر من الواقع) والثانية هي (الزمن بعد سببي للزمكان) والثالثة (الزمن يسبق الوعي الحقيقي).

الوعي حين يعبّر عنه دي سوكا تحررا من الواقع بمعنى ثنائية جمع الوعي بالواقع لم تعد قائمة كون الوعي يستنفد طاقته الوظيفية بالتعريف بالواقع واعطاء وسائل فهمه بلغة التجريد التعبيري عنه في مرجعيته للعقل. اما الزمان بعد سببي للزمكان فهي بديهة منطقية قائمة كمعطى  كون الزمان هو ثنائية ملزمة له في وحدته الثنائية مع المكان. الزمن لا يخلق المكان فهو ليس فراغا استيعابيا مجردا عن ملازمته المكان كواقع وسيرورة علاقات ثابتة او متحركة. الزمان دلالة ملازمة معرفة الاشياء لكننا نفتقد ادراكنا ماهو الزمن كموضوع وليس كمفهوم ميتافيزيقي غير مدرك؟ الزمن ماهية ميتافيزيقية تفتقد خاصيتي الادراك وخاصية المحدودية .

بالنسبة للمقولة الاولى فالوعي ليس نتاج الواقع بل ناتج تفكير عقلي وإلا تساوى الوعي مع انطباعات الحواس الناقلة لاحساساتها الى شبكة منظومة العقل الادراكية عبر الشبكة العصبية. الوعي ناتج عقلي تجريدي يمثل فعل الادراك الحسي حول الواقع. والواقع الذي لا يدركه العقل لا يدركه الوعي ايضا فما يكون موضوعا للعقل يكون موضوعا للوعي..أي هنا العقل يعي ذاته.

أي بمعنى آخر الواقع ليس موضوعا يعيه الوعي باستقلالية ادراكية يحاول الافلات منها الا باشتراط ايعاز من العقل والوصاية العقلية عليه.. الوعي ليس موضوعا للعقل لكنه وسيلة العقل في ادراكه كل شيء كمواضيع. الوعي هو النسخة الكاربونية للعقل في معرفته الواقع وليس ادراكه الواقع فقط. فالادراك الشيئي هو خاصية الحواس الانطباعية قبل خاصية الاحاسيس العقلية.

توجد علاقة معرفية تكاملية بين الواقع والوعي، فالوعي تجريد لغوي عقلي لا ينتجه الواقع بل يحتويه معرفيا بصيغة التكامل المعرفي والتخارج بينهما ليس بصيغة جدل التضاد الديالكتيكي. الوعي هو الوسيط العقلي الذي ينقل الفهم المعرفي للعقل في تعبيره التجريدي الحيادي بوسيلة اللغة عن موضوعات الواقع لا كما هي في وجودها المادي الثابت بل في وجودها التغييري المطلوب.. الوعي صيرورة تشكيل الواقع برؤى عقلية تجديدية مغايرة. الوعي ليس ادراكات حسية انطباعية عن الاشياء وموجودات العالم بل احاطة استيعابية لمواضيع كان أعطى العقل مقولاته بشأنها كيف هي وكيف تكون؟.

مقولة دي سوكا الزمن يسبق الوعي فرضية نظرية فلسفية صحيحة. تجمع تجريدين غير متجانسين لا في الماهية ولا بالصفات كما هما غير موضوعين مدركين عقليا في كليهما. فكما لا يمكن للزمن ان يكون موضوعا مستقلا للعقل كذلك هو الوعي وسيلة العقل وليس موضوعا له.

الزمن في علاقته البينية بين الواقع والعقل هو دلالة معرفية حيادية غير مدركة عقليا كما والزمن لا يدرك ذاته ولا يدرك العلاقة الترابطية الدلالية بالمكان. اما الوعي فهو توسيط ناتج تفكير العقل ولا يكون موضوعا مستقلا للعقل لانه هو نسخة عقل مكررة. عديدة المفردات التي تشكل حلقات منظومة العقل الادراكية مجتمعة ولا ينفرد احدها ان يكون موضوعا مستقلا للعقل الوعي احدى تلك الحلقات. كذلك الذهن ، شبكة الاعصاب العنكبوتية، الضمير، الهواء، الزمن، الحواس، النفس، الاحاسيس داخل الجسم الخ.

الزمن يستبق الوعي من حيث الوعي مصنوع عقليا والزمن معطى ازلي ميتافيزيقي. الوعي في ادراكاته العقلية للاشياء والموضوعات يحكمه الزمكان الشيئي لكنه لا يستغني عن الزمن كدليل ادراكي لمعرفة الاشياء.في اللاشعور من خلال مثال حالة النائم الحالم يجد الزمن يتقافز ملازما تداعيات المكان التي لا يضبط انتقالاتها الحلمية زمنا غير عشوائي فيعيش حالة اللاشعور الذي يفتقد ترابط التداعيات المكانية اللاشعورية.

الوجود مكانا هو وجود زمكاني في ثنائية وثيقة العرى هي انك لا تستطيع ادراك الشيء مكانا الا بملازمة غير مدركة عقليا لزمانها. حين تناول فرويد علاقة الوعي او الشعور بالزمن لخصّها بعبارته القصيرة اللاوعي اي اللاشعور بمصطلح علم النفس لا يحتاج الزمن.

على اعتبار الوعي اللاشعوري الحلمي هو تداعيات عقلية غير منتظمة زمكانيا في حالة من الصيرورة المواكبة لصيروة الواقع الخيالي الحلمي الغائب عن الوعي خارج سيطرة العقل. وهذا الوعي اللاشعوري لا يخضع لسطوة العقل من جهة ولا لسطوة الزمن من جنبة اخرى وهو ما يتمثل بأحلام الشخص النائم على انها تداعيات لاشعورية تفتقد العلاقات الترابطية كما في حالة الشعور عند الشخص اليقظ غير الحالم.

لقد سبق لافلاطون ان ذهب الى اننا بدلالة انتظام المكان في قوانينه الطبيعية الحاكمة له تنتظم عشوائية الزمان الملازمة له. يلاحظ ان افلاطون هو السبب الاول فلسفيا في جعل كل من ارسطو ونيوتن يؤمنان بنظرية افلاطون الزمان مطلق لا نهائي ازلي عشوائي وهو معطى لخالق مجهول بعد اعطائه لنا الطبيعة المنتظمة بقوانين حاكمة لا قدرة على الانسان اكثر من اكتشافها وليس اختراعها او التلاعب بها وتغييرها.. واعتبر وجود الطبيعة سابق على وجود الزمن. ولا حتى متلازمين بالخلق الآني الواحد. ويبقى ماجاء به افلاطون نظرية فلسفية لم يؤكدها العلم تجريبيا. بعد قرنين من الزمن جاءت نسبية انشتاين العامة 1915 ونسفت مطلق الزمن الى النسبية. لكن المهم لم تستطع النسبية كغيرها من سابقاتها اثبات ان تكون تلك النسبية موضوعا محدودا ادراكيا مستقلا للعقل.

الغريب بالامر هو أن افلاطون إعتبر الزمن وجودا عشوائيا وبدلالة انتظام المكان – يقصد الطبيعة بقوانينها الثابتة – يتخلص الزمان من عشوائيته وينتظم ذاتيا كما هو الحال في نظام الطبيعة. الحقيقة الفيزيائية العلمية برهنت على ان الزمن تداعيات لانهائية عشوائية على شكل حزم متماوجة بالكون تحت شروط واحكام فيزيائية كونية معينة. والزمن ليس مطلقا على خلاف ماذهب له افلاطون وتوارثه عنه ارسطو ومن بعده نيوتن حتى جاءت نسبية انشتاين ونسفت نظرية مطلق الزمان. لقد استطاع انشتاين تجريد نيوتن من مطلق الزمان لكنه عجز عن تجريد عبقرية نيوتن من قانون الجاذبية المعجزة الارضية المنسوبة له التي قلبت كوسمولوجيا الفضاء.

نعود لاستطراد ينسب لفرويد حول الموضوع فهو يرى المكان وجودا محدودا بابعاد مادية ثلاثة متعارف عليها الطول والعرض والارتفاع قبل اضافة انشتاين البعد الرابع للمادة هو الزمن. وهذه اشكالية يؤكدها منطق نسبية انشتاين الفيزيائية الكونية. لكن بمنطوقنا التصوري عن ثبات فيزيائية ابعاد المادة ارضيا  تحمل نقاشا ومداخلة. المادة كمتعيّن ارضي ثابت بابعاد ثلاثة على الارض هو غير الفهم الكوسمولوجي لها. فمثلا نحن الان نؤمن بالنظرية التي تقول الزمكان كمفهوم هو ثنائية لا انفكاك لها تجمع بين المكان والزمان. ونحن ندرك الزمكان الارضي كوحدة لا تتجزا. لكن المادة التي يمكننا التعامل معها كموجود ومتعيّن ارضي نستطيع التعامل معها كاجزاء يمكن انفصالها مثل حاجتنا الطول فقط او العرض فقط او الارتفاع فقط.

الملاحظة الاولى ان قوانين الكون الفيزيائية لا تحكم قوانين الارض بشأن ابعاد المادة كاجزاء تكوينية منفصلة الواحدة عن الاخرى لها.. من البديهيات القول المادة بابعادها كي تصبح كينونة مادية مستقلة ليس في الفضاء فقط وانما على الارض ايضا.

الملاحظة الثانية ان ابعاد الجسم المادي على الارض هي مدركات عقلية يمكن تجزئتها حين يراد التعامل مع بعد مادي واحد من تكوينها. على خلاف النظرية الكونية التي هي ايضا لا تدرك الزمن الكوني موضوعا بل تدركه ملازمة احتواء للمادة وموجودات الكون كما نحن نتعامل به على الارض.

الملاحظة الثالثة كل مدرك مادي بابعاد ثلاثية متفق عليها يترتب عليه متعينا محدودا على خلاف نسبية انشتاين الفيزيائية التي اضافت لابعاد الجسم او المادة بعدا رابعا هو الزمن لكنها ايضا تتعامل معه كونيا فيزيائيا كدلالة وليس تموضعا رابعا في تكوين المادة الموجودة على الارض بثلاث ابعاد فقط.. هنا علينا التفريق بين وجوب حضور الزمن كي ندرك المادة وبين التعامل مع ابعاد المادة متجزئة منفردة التي هي ايضا تحتاج الحضور الزمني لاتمام ادراكها.

الملاحظة الرابعة قياس مقدار الزمن الكوني ياتي ضمن اشتراطات معادلات فيزيائية علمية تكون سرعة الضوء متسيدة تلك الاشتراطات. اما مقياس مقدار الزمن على الارض فهو يكون محكوما بسرعة الصوت وليس سرعة الضوء لقطع مسافة بسرعة معينة هي لا شيء بالنسبة لقياس السنوات الضوئية كونيا.

لقد سبق لافلاطون كما اشرنا له سابقا انه قال الطبيعة اقدم وجودا من الزمان، وان الطبيعة منتظمة بقوانين ثابتة والزمن سديم عشوائي كوني وبدلالة انتظام قوانين الطبيعة نستطيع تطويع عشوائية الزمان الى انتظام مشابه للطبيعة. وهي عملية ميتافيزيقية لا يدركها العقل كما ولا يوجد ما يؤكدها علميا تجريبيا. وهذا التفسير الافلاطوني بالقياس الى معطيات زمنه الماضي في فلسفة اليونان القديمة يبدو مقبولا اذا حاولنا تفسير هذه النظرية تفسيرا ميكانيكيا يرى الزمان حركة دائبة لا تدركها عقولنا، ويرى المكان ثباتا ماديا ندركه بابعاده المادية الثلاث.

لعل الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون الحائز على جائزة نوبل بالادب هو الذي غرّد خارج السرب في مقولته اننا ندرك المكان بوظيفة الادراك العقلي البيولوجي مجردا عن ملازمة الزمن للمكان في ثنائية لا انفصام بينها ومن السذاجة تصديق ان ادراك المكان يشترط ملازمة زمن له. (تقريبا نقلت فحوى ما جاء به برجسون)

ماذا فعل برجسون بمقولته الاستفزازية هذه لعلماء الفيزياء والفلاسفة واشياعهم؟

اولا : الغى حقيقة وجود الزمكان. على صعيدين هما جعله الزمكان ليس مادة يدركها العقل، ولا هو فراغ استيعابي احتوائي خارج ادراك العقل. (يوجد نقاش فلسفي – فيزيائي حاد بين مؤيد ورافض لهذه الفرضية).

ثانيا: اثار برجسون ربما عن غير قصد فلسفي ناضج منه فرضية ان يكون الزمن (وهم) لا وجود حقيقي له يمكن اثباته.( برز حديثا في الفلسفة الاميريكية ما يدعّم صحة هذه الفرضية). لي مقال منشور كتبته مؤيدا فرضية الزمان وجود غير موجود. مستفيدا من مقالة الباحث الفلسفي حميد محسن الذي عرض على صفحات المثقف  كتابا بالانكليزية غير مترجم للعربية لثلاثة فلاسفة اميركان ذهبوا منحى الزمن وهم افتراضي غير موجود. المقال نشره موقع المثقف مع مقالتي بعدها ايضا.

لنرى ما قاله اسبينوزا في منحى اكثر غرابة قوله في مبحثه الاثير لديه مذهب وحدة الوجود قوله اننا بدلالة ازلية الجوهر الخالق غير المخلوق – يقصد اسبينوزا بالجوهر الازلي هو الله – ندرك جواهر الاشياء بالطبيعة والوجود وظواهر العالم من حولنا. واضاف انه بدلالة الجوهر ندرك الوجود وماهية الشيء سابقة لوجوده،. وبذا اصاب اسبينوزا كلا من الماركسية والوجودية بمقتل قولهما الوجود يسبق الماهية او الجوهر.

اول ملاحظة تؤخذ على ما ذهب له اسبينوزا ان الجوهر الالهي الازلي المطلق الذي لا يتقدمه خالق. والجوهر بمعناه الفلسفي المادي المتعين وجوده خلف الصفات الشيئية افتراضا كلاهما جوهران لا يدركهما العقل وينطبق عليهما مبحث الميتافيزيقا. واسبينوزا لم يتعامل مع الوعي بعلاقته بالمكان الخارج عن وحدة الوجود.وحدة الوجود لدى اسبينوزا هي وحدة الطبيعة المتجانسة مع الجوهر الالهي. ولم يفهم اسبينوزا المكان على انه موجودات العالم الخارجي الذي يحتوينا ونحتويه.

ثاني ملاحظة لم يوضح لنا اسبينوزا فلسفيا فك الاشتباك التعشيقي في ثنائية الزمكان. بين زمان هو جوهر مستقل لا يشترط ادراكه، وبين المكان المتعيّن ماديا الذي لا يمكننا تجريده عن الدلالة الزمنية التعريفية له. احدث الفرضيات الفلسفية التي يؤيدها العلم اننا لا يمكننا ادراك مكان من دون ملازمته الزمانية له وهي مقولة متداولة عمرها قرونا طويلة..

صحيح اسبينوزا لم يقع بخطأ يمكن للعقل البشري اعتباره الزمن موضوعا ادراكيا مستقلا يمكن معرفته الماهوية. لكنه سقط بما هو افدح ضررا مما سبق ذكره قوله (بدلالة الجوهر الازلي ندرك الوجود ، والماهية تتقدم الوجود) مع اقراره ان الجوهر النسبي الموزع خلف صفات الموجودات بالطبيعة، والجوهر الالهي الازلي الخالق لكل جوهر، كلاهما خارج ادراك العقل لهما لا كجوهرين منفردين ولا متلازمين لأن منهج اسبينوزا بهذا الاستنتاج الصحيح كان هو الميتافيزيقا الصوفية.

ختاما لو عدنا الى ما قبل اثبات انشتاين في نظريته النسبية العامة 1915 التي قال بها ان الزمن بخلاف نيوتن ليس مطلقا بل نسبيا. لوجدنا انفسنا امام حقيقة ان مطلق الزمان ونسبيته قد يجدهما علماء الفضاء اكبر انجاز كوني، لكنه لا يمثل تلك الضرورة الحياتية على الارض بان مقدار نسبية الزمن الارضي المقاسة المعتمدة هي من العملاتية التي ترجيء الفتوحات الفلكية العلمية خلفها.

***

علي محمد اليوسف

الشيء المشترك لدى كل من قرأ أعمال هيرقليطس، هو ان هناك فقط مقاطع او عبارات. لسوء الحظ، لم يبق الا القليل من كتاباته التي يصعب تجميعها لوصف حياة وافكار هذا الفيلسوف المثير. هذا يجعل دراسته سهلة من جهة وصعبة من جهة اخرى: انت تستطيع قراءة كل المقاطع المتبقية في ساعة واحدة، لكنك ستبقى في حيرة طوال حياتك. ربما لا نستطيع فهم فلسفة هيرقليطس بالتفاصيل، لكننا نأمل هنا  تعريف القارئ بالموضوعات التي وصلت الينا وماذا قال عنها الفلاسفة المعاصرون وماذا يمكن ان نتعلم منها اليوم.

حياته

معظم ما نعرفه عن حياة هيرقليطس يأتي من كاتب سيرة الفلاسفة دايوجين لايرتيوس Diogenes Laertius (يجب عدم الخلط بينه وبين دايوجين الساخر) الذي كتب حوالي 225م، بعد هيرقليطس بـ  أكثر من سبعمائة سنة. دايوجين كان معروفا باعتماده على المصادر السابقة دون تفكير نقدي، بدءا من القصائد الهزلية الى السير الذاتية السابقة "حسبما يرى البعض".

ولد هيرقليطس في ولاية أفسس Ephesus اليونانية على الساحل الذي هو الان في تركيا الحديثة، وترعرع حوالي سنة 500 ق.م، أي حوالي 30 سنة قبل ولادة سقراط. الحكايات التي وصلت الينا عن حياته تتميز دائما بالغرابة: الصورة التي تُركت لنا عنه كمتكبر وغريب الاطوار يكره الحكمة الشائعة والسلطات في زمانه الى درجة الانعزال الذاتي. وبالرغم من ولادته في أفسس، هو بدا ناقدا حادا للمدينة. بعد نفي صديقه هيرمودوروس منها، ادّعى ان مواطني أفسس كانوا يستحقون الموت لأجل الرجل، وكانوا يجب ان يتركوا المدينة له.

حكاية اخرى تدور حول مناسبة طُلب اليه فيها عمل قوانين للمدينة. ونظرا لإحتقاره لدستورهم، هو بدلا من ذلك غادر الى معبد أرتميس، حيث لعب لعبة النرد مع الاطفال وعندما سُئل عن هذا السلوك، اجاب بانه من الافضل ان يلعب مع الاطفال بدلا من اللعب بالسياسة مع حكام المدينة. معبد ارتميس عُرف لاحقا كأحد عجائب الدنيا السبعة في العالم القديم، وهو ايضا المكان الذي أودع فيه عمله الوحيد (حول الطبيعة). الكتاب كُتب بألغاز لكي لا يكون مفهوما من جانب غير متعلم او الغير ذكي. وفي الايام الاخيرة من حياته غادر افسس لفترة في الجبال يعتاش على النباتات. وبعد اصابته بالاستسقاء، المرض الشديد، عاد للبحث عن علاج طبي. وبعبارة يلفها الغموض هو سأل الأطباء ان كانوا يستطيعون "تحويل العاصفة المطرية الى جفاف". هم لم يفهموا ما يقصده في كلامه؟ لذا حاول علاج نفسه – عبر دفن جسده بسماد حيواني لكي يدفئ جسده، حيث توفي هناك .

الأضداد

معظم معاصري هيرقليطس نظروا الى مساهماته كشيء رائع ولكن نوعا ما هي غير مفهومة  ويصعب على القرّاء قرائتها. لذا فان منْ لا يفهمه يشترك مع عدد كبير من الناس.

احدى الموضوعات تظهر مرة بعد اخرى في ما وصل الينا من أعماله هي "وحدة الأضداد". الشكل الشائع في بعض مقاطع كتابات هيرقليطس ينطوي على مفهومين متضادين ويدّعي انهما ذات الشيء. فمثلا: "البحر هو في الغالب ماء نقي وملوث في أحيان اخرى: بالنسبة للاسماك هو ماء ملائم للشرب ولإستمرارية الحياة، ولكن بالنسبة للانسان لا يمكن شربه وقد يسبب الموت "(جميع الاقتباسات اُخذت من الفلسفة اليونانية القديمة، جواناثن بارنيس،2001). وعليه طبقا لمختلف وجهات النظر، البحر هو نقي وملوث في آن واحد. ونفس الشيء: "المسار الى الأعلى او الى الأسفل هو ذاته"، ومن المقاطع الأكثر تجريدا، "التراكيب – كليات وليست كليات، متزامنة مختلفة، متناغمة متعارضة، من كل شيء واحد وكل الاشياء من واحد". تجدر ملاحظة ان ليس كل الفلاسفة قرأوا هذه المقاطع بنفس الطريقة. وان الطريقة التي تكون بها هذه الأضداد ذات الشيء هي ايضا موضوع للنقاش. بالنسبة للبحر والمسار، تبدو الفكرة متشابهة: من مختلف المنظورات، نفس الشيء يمكن ان تكون له مختلف الصفات. السائر في أسفل الجبل، يكون لديه المسار على الجبل هو صعود. بالنسبة للسائر عند القمة، يكون المسار نزولا. ماء البحر لذيذ للسمك ولكن ليس لنا. ولكن ماذا يعني بـ "من كل الاشياء واحد ومن واحد كل الاشياء"؟ هذا يمكن رؤيته كوحدة: الكون ككل، هو شيء واحد. لكن نفس الكون الواحد هو أشياء متعددة مختلفة، في جميع أجزاء مكوناته (كواكب، ثقوب سوداء، قهوة، انت). هرقليطس ربما يقول ان خصائص الشيء تعتمد على الكيفية التي ينظر بها المرء له، تكون واحدة ومتعددة، او يمكن شربه ولا يمكن . هذا النوع من الأقوال هو الذي جعل كل من افلاطون وارسطو يعتبران فلسفة هيرقليطس متناقضة ذاتيا.

التدفق

فكرة اخرى لهيرقليطس نوقشت كثيرا هي مبدأ التدفق (التدفق يعني التغيير)، لكن "مبدأ التغيير" يبدو أقل تميزاً، لذا نستعمل التدفق بدلا من ذلك. هيرقليطس ذكر "كل شيء يتحرك".

في الحقيقة، معظم آراء الناس حول هيرقليطس تأتي من الاقتباس المتعلق بالنهر. "انت لا تستطيع النزول في نفس النهر مرتين". هذه كانت لهيرقليطس او على الأقل ربما كانت له لأن مصدرا آخر يقتبس قوله "اولئك الذين ينزلون في نفس الأنهار، تتدفق فيها مختلف المياه" وهو ما يراه البعض له مضمون مختلف جدا عن العبارة الاولى.

مهما اختلفت الصيغة التي كتب بها هيرقليطس، ماذا كان يعني بها؟ تقريبا كل واحد، بمن فيهم افلاطون يفترض انها استعارة. الفكرة هي انه متى ما نزلت مرة اخرى في نفس النهر، سيكون الماء الان مختلفا، لذا فانت حقا لا تنزل في نفس النهر، ولذا فهو كما في أي شيء آخر: الناس يتغيرون، ويتقدمون في العمر، العالم يتحول، كل شيء يتميز بالتغيير المستمر. ايضا من المهم ملاحظة التشابه مع مفهوم البوذية في anicca التي عبّر عنها بوذا في نفس الفترة والتي يمكن تلخيصها "لا شيء يدوم". لكن هل هذا المبدأ ينطبق على كل شيء، في كل الأزمان، وفي كل المجالات؟ عندما أسرق البنك، سأقول، "لكنك لا تستطيع اتهامي، انا كنت شخصا مختلفا في ذلك الوقت"،لكن من غير المحتمل ان انجو من السجن.

بعض الفلاسفة مثل دانيال غراهام، يجادل لتأييد عقيدة "تدفق محدود". على المستوى الأساسي نعم، كل الاشياء تتغير، لكن من خلال التغيير المستمر ستبرز الاشياء الواقعية والدائمة. لهذا فان غراهام يثق بالنسخة الثانية من مقطع النهر: "في نفس الانهار، مختلف المياه تتدفق" – النهر يبقى ذاته، رغم وجود مياه مختلفة في أي زمنين. في الحقيقة، النهر يحتاج مختلف المياه ليبقى نفس النهر: اذا بقي الماء راكدا، سوف لن يكون نهرا، وانما بحيرة. وهكذا تغير الأشياء مثل الناس والاشياء وغيرها يمكن ان يوجد حتى على المستوى الأساسي، مكوناته دائما تتغير. في غضون عشر سنوات، تقريبا كل خلية في أجسامنا تُستبدل، لكننا لانزال نحن. بالطبع، بالنسبة لاولئك الذين يفضلون قراءة صارمة للنسخة الاولى من مقطع النهر(من المستحيل النزول في نفس النهر مرتين)، لا وجود هناك لشيء مثل "نفس النهر". لا وجود هناك لشخص يستمر عبر الزمن ايضا. في الحقيقة، لا وجود للدوام. في النهاية، الرؤية التي تتخذها تعتمد على أي صيغة من مقطع النهر تراها أكثر مقبولية.

ماذا يمكن ان نتعلم من هذا الفيلسوف الغامض والمتناقض؟ ربما هناك القليل. الحياة اليوم هي كما كانت أيام هيرقليطس مليئة بالتناقضات. نحن هنا عبارة عن حزمة من الخلايا المتغيرة والسوائل المتدفقة، نكبر ونتغير، لكن دائما بدرجة ما نبقى نفس الشخص. مشاعرنا تتغير ايضا: السياسي او القانوني قد يبدو صائبا اخلاقيا لنا في يوم ما، وشرير ومؤسف في يوم آخر. الشريك يبدو لنا بلا عيوب في يوم ما، ومحزن في يوم آخر. بالنسبة لهيرقليطس ربما كلاهما.

هيرقليطس يريدنا ان نتحرك وراء الأبيض والأسود - الصدق المجرد والزيف المجرد – لنحتضن التغيير والطبيعة المتناقضة للتجربة الانسانية. لأن هيرقليطس يقول " من الحكمة ان نتفق بان كل الأشياء هي واحد".

***

حاتم حميد محسن

تعد فكرة وجود الجمال فكرة كونية، لا يمكن اختصارها بإرهاصات الإنسان النسبية، فالجمال كفكرة يعلو فوق الاشياء ويسمو بها، فكل شيء من دون ان نضفي عليه فكرة الجمال يكون باهت، وحتى الوجود دونه يعد غير موجود، فكل شيء في هذا الكون وخارجة يتحلى بالجمال وينمو من خلاله. وهذا ما اشار إليه الفيلسوف الألماني اويغن فنك في كتابة (اللعب بوصفه رمزا كونيا) الذي سوف يصدر قريباً عن دار الفرقد، من ترجمة الدكتور قاسم جبر عبرة أستاذ اللغة الألمانية في كلية الآداب - جامعة واسط. علما إنه ترجم لفنك كتاب (الميتافيزيقا والموت) وهو يعمل الأن على تعريف القارئ العربي بفلسفة اويغن فنك من خلال نقل مؤلفاته الكاملة إلى العربية.

فيرى فنك في كتاب اللعب بوصفه رمزا كونيا "إن نار السماء المشعة، التي تضيء يومنا وتجعل نباتات الأرض تنمو وتعطيها الكيفية والنوعية والازدهار، هي الصورة المرئية وسليل الفكرة الأسمى، أي فكرة الخير. بما أن المرئي بشكل عام مرتبط بالمجال اللامرئي للفكر، كذلك يرتبط الجمال بالواقع. جمال الجميل في حد ذاته إحالة الى ما وراء نفسه. أو بعبارة أخرى: في الجمال، يلمع المرئي الدنيوي بالفعل كما يتأثر بضوء الفكرة اللاحسي. لذلك فإن تَزَايُدٌ الجمال بالنسبة لأفلاطون، له أهمية قصوى. فالجمال بطبيعته متدرج ويشير من مستوى إلى آخر، ويميل إلى ما وراء نفسه. فالجميل هو عندما يكون الجسد حسن التكوين، والروح أجمل، والفكرة أجمل، والأجمل الوجود الحقيقي للفكرة، الذي لا يمكن الوصول اليه إلا من خلال الفكر. تتحول المقارنة بين كل ما هو جميل الى طريقٍ نحو الفلسفة. إذ يتم تفسير قوة الجمال كدليل يقود الى الحقيقة. إن الجمال يُعد قائداً للأرواح ".

يعادل فنك بين الجمال وفكرة الخير، إذ يستعير بالشمس كتشبيه بما يفعله الجمال حين توفره، فهو كأشعة الشمس التي تنير الكون وتقدم فائدتها للكائنات. ويبدو ان هذه الفكرة استخلصها من سقراط حين قال الشيء يكون جميلاً حينما يحقق غايته ويكون خير ويقدم فائدة روحية قبل المادية. فهو لم يحدد الجمال بالجميل، لأن الجميل من الضروري ان يكون حسن، اما فكرة الجمال فلا يمكن اختزالها بالحسن، فنور الشمس الذي يشعرنا بالراحة النفسية أصله نار، فهو ليس بعيداً عن القبيح الذي نبتسم في وجودة، أو الشر الذي يكون في وجوده خير، لذا قد تكون استعارة فنك للشمس لتحقيق هذا الغرض، وهو ان الجمال كفكرة أرقى من الجميل كمادة، ويتداخل الخير مع الشر وان أصل فكرة الجمال هو الله بقوله : أنَّ الجمال سليل الفكرة الأسمى، وهذا الذي اتفقت عليه جميع الحضارات القديمة وحتى الفلاسفة بأن فكرة الجمال الأسمى والمطلق والمثالي، لا يوجد الا بعالم المثال مع افلاطون، فكل شيء في هذا الكون هو جمال غير كامل ومتغير ونسبي، فجعلوا للجمال آلهة أو رمزا كونيا تتصف بسمات الجمال الكاملة، مثل أفروديت في اليونان، عشتار في بلاد الرافدين وعند العرب، وانانا عند السومريون،و فينوس عند الرومان، وايزيس عند الفراعنة.

ويرى فنك ان المرئي مرتبط باللامرئي، وان الجمال مرتبط بالواقع، وان جمال الجميل في الواقع إحالة لما وراء نفسه، وبما أنَّ النفس مرتبطة بالجسد، فهو يلوح إلى العلاقة الجمالية التي تربط بين المادي والروحي، أو النفسي والجسدي، الذاتي والموضوعي، وان  جمال الشيء الجميل يشير إلى شيء أعمق من مجرد مظهره الخارجي، بل يشير إلى جمال أو معاني أعمق في الحياة أو الطبيعة أو الفن.

و يلمع المرئي الدنيوي بالفعل كما يتأثر بضوء الفكرة اللاحسي. فهو يريد ان يقول : ان نظراتنا إلى الجمال الذي يصادفنا في حياتنا اليومية تعتمد على الفكرة التي نحملها في اذهاننا عن الجميل، وهذه ترجع الى الثقافة والمعرفة و الحالة النفسية. فهذا الذي جعل كروتشه يرى ان بعض الأشياء يمكن ان تكون جميلة لكنها محزنة، أو قبيحة وتكون مضحكة.

ويروي الفيلسوف الامريكي جون دوي قصة عرفها من أحد المشتغلين بالعلاج النفسي وهي قصة رجل كان يشتكي من أن أصوات أجراس الكنيسة متنافرة النغمات، في حين أن هذا الصوت كان في الحقيقة موسيقىّ النغمات، وقد اثبت الفحص أن خطيبة هذا الرجل كانت قد خدعته في الحب وأعرضت عنه لكي تتزوج رجلاً من رجال الدين. يهدف ديوي من رواية هذه القصة إلى توضيح حدوث ما اسماه بالإسقاط الناتج عن حالته النفسية وموقفه الشخصي من رجل الدين على سماعه للأجراس، وهذه علة وهي خبرة سابقة. ما جعلت نغمات الأجراس التي يفترض أن تكون جميلة جعلتها تبدو بالنسبة للرجل مشوهة و مزعجة. وهو بذلك يقول إذ يتم تفسير قوة الجمال كدليل يقود الى الحقيقة. إن الجمال يُعد قائداً للأرواح.

***

كاظم لفتة جبر

شيءٌ من المُفارقة أنَّ بعض (الأحداث الجسام) تليقُ بالنعال لا العكس، فالأخيرة عناصر أساسية لوجودنا لا مجرد أشياء هامشيةٍ. يقع النعل في المركز مما عساه أن يجري عبر الزمان والمكان. ومع حياتنا المشتركة بين البشر، يُوجد في الواقع صورة ونمط لحذاءٍ ما. إنه الدليل الذي يقودنا إلى الإنسان باختلاف هوياته. لكن أمراً كهذا يدفعنا إلى التعرُف فلسفياً على النعل، على الحذاء بصورةٍ مختلفة. السؤال المنطقي عندئذ: أهو وسيط بين جسمنا وجسم الأرض؟ هل يعد النعل تكملة لوجودنا؟ هل يأخذ معانيه من استعمالات خاصة بنا؟ هل يمثل النعل أثراً آخر فيما هو جمعي عام؟

لن تجدى الإجابات الخاطفة على تلك الأسئلة. لكونها استفهامات تمس وجودنا الإنساني في الصميم. وكذلك لن تكون ثمة إجابات مُريحة للوهلة الأولى. فالحذاء كموضوع لا يتم تخليصة من أنياب متغيرات كثيرة ... مثل الاقتصاد والسياسة والأخلاق والمعرفة والتقاليد وصور الناس عن بعضهم البعض. كما أنه يفرض علينا (قراءة فلسفيةً مغايرةً) ليست أقل. وهو ما يطرح فكرة طريفة أن الحذاء يضع وجودنا إزاء تاريخه الطويل. ويفتح مجالاً لقول الأشياء التي نتعامل معها بالأقدام بصورة واعيةٍ. لأنَّ تعاملاً بالأقدام يستدعى مفردةَ الحذاء ضمناً أو صراحة. فليس ممكناً المشي أو الركل أو الاحتكاك أو التعثر دون غطاء الأرجل. إن فهم عالم الإنسان يقتضي فهم الأشياء الدقيقة التي تنتمي إليه. ولا يوجد لدينا نحن البشر ما هو تافه على الإطلاق. التافه أكثر أهمية أحياناً من سواه!!

انفصال واتصال

من غير ارتداء الأحذية، سيشعر الإنسان بالعُري. احتكاك لحم الكائن الحي مع الأرض مباشرة. أي غرس أقدامنا عاريةً بالتراب، بالطين، بالحصى، بالرمال. وذلك التتابع بين مستويات الأرض توصله جلودُنا للعقول من خلال باطن الأقدام. فالاقدام ليست بعيدةً عن كيان الإنسان، لأنَّها حاملة للقوام والحركة وتمثل أداة التوازن للهامة. ويصعب أنْ تنفصل الأقدام عن جهازنا البيولوجي العام، لكونها جزءاً من جسمنا، وتجسد  كافة السمات التي تميز الإنسان.

تعبر كلمات النعال عن البدائل لشيءٍ ما في وجودنا: فالحذاء هو الخُف، هو المركوب، هو السوقاء، هو البُلغة، هو المُوق، هو القبقاب، هو الجزمة، هو المداس، هو الهنكارة، هو الصندل، هو البُوت، هو الشبشب، هو السباط، هو السندرة، هو الصندل، هو الكندرة، هو الصرماية لدى المشارقة، هو الريحية، هو الشربيل الفاسي المشغول بخيوط الحرير المذهبة للنساء لدى المغاربة. والكلمة الفارسية (سرموزة) كلمة تحدد دلالة الحذاء في الجماعات الناطقة بالفارسية. ويبدو أنه قد أخذت منها لفظة شرموطة لتكرار وطء الحذاء، وكانت الكلمة بمثابة (وصمة اجتماعية ) لنوع من أفعال النساء. وتلك الكلمات معبرة عن الاستعارات التي تأخذها النعال ثقافياً. فالمعاني تتبادل المواقع بين وصفٍ وآخر لتقدم لنا ما يعجز التعبير عنه لأسباب خاصةٍ.

الحذاء - على سبيل المعنى- كلمة آتية من حذو الشيء للشيء، أي رداء يجعل أقدام الإنسان حذو الأشياء أو أنها ستسير بحذو الأرض دون تعثر. وكأن الإنسان سيكون لصيقاً بعالمه وأنه كائن من ضمن الكائنات المتواجدة معه. والمركوب إشارة إلى ما يلبس كأنَّه يقل الإنسان إلى حيث يريد. وينطبق المركوب على الأشياء الكبيرة كالسيارات والطائرات والحيوانات التي تقل البشر. فهي تقلُنا ركوباً داخلها وقد استطاع الشخص التنقل والترحال.

البُلغة هي ما تبلغ الإنسان نقطةً معينةً تجاه ما يذهب إليه. وهي مرتبطة بالابلاغ من.. إلى. فبلغ الشخص مكاناً معيناً، يعني أنّه قد ذهب إليه قصداً. والواقي الذي يغطي أقدامه يُسمى بُلغةً. ومازالت البُلغة ذات شكلٍّ خاص في بعض الأرياف المصرية. فهي حذاء بسيط وغير معقد ويشعر الشخص معه بالإرتياح، عندما يلبسه وعندما يسير بهدوء وسكينة. والبلغة سهلة الخلع واللبس مباشرة. وقد  يشعر الإنسان بالأرض شعوراً هيناً حينما يضعها في قدميه. كما أنها في الثقافة رمز للضرب وأداة للتأديب والتقليل من شأن الآخرين عند استخدامها.

ورغم تنوع المفردات الدالة على الحذاء إلاَّ أن المعنى واحد: غطاء يختص بوقاية الأقدام. الحذاء بعض من وجودنا الحائل دون التلامس بما هو صلب أو هش. الحُفاة هم من لا يرون هناك وسيطاً بينهم والأرض. لدرجة أنَّ المُباشرة المادية بين جسمين لون من الإلتصاق بالأصل، بالعمق. جسم الأرض وجسم الإنسان، وليس هناك إحساس يعادل شعور الإنسان بالتراب. وكأن أقدام الإنسان ترسمُ آثاراً باقية في عقله بصورة فورية. لأن الأقدام مركز التوازن البيولوجي وتشكل علاقة حيوية مع المكان الذي نتواجد فيه.

عن طريق الحذاء، أراد الإنسان القول إنّ هناك (اتصالاً وانفصالاً) بينه والعالم في الوقت نفسه. أي علاقة منطقية قائمة على بناء الثقافة. لأنَّ الأحذبة صناعة ثقافية بالدرجة الأولى. لو أردنا أنْ نلخص تاريخ الحذاء، فلابد من اختصاره في تاريخ الثقافة. تراث الانفصال الإنساني عن عناصر العالم. الشكل والوظيفة والماهية والتغيرات والترقيع والاصلاح .. جميعها تخضع لأساليب الثقافة. ومنذ بدأ الإنسان انفصالاً عن جسم الطبيعية، استطاع أن يصنع شيئاً رمزياً آخر. وهذا هو سبب أنَّ الأحذية تكتسب أهميتها الحياتية والقيمية في كافة المجتمعات. الأقدام مواد متاحة ضمن خريطة الجسم الإنساني. فهي مصممة بيولوجياً كأنها واقفة أو ملتصقة بالأرض. لكن البشر أرادوا تاريخياً انتزاع انفسهم من الإلتصاق بالأشياء. حيث سادت فكرة أن الابتعاد عن مادة الطبيعة قدرة بشرية على الاستقلال وبناء هويةٍ خاصة بنا.

ما الذي يعنيه الإنفصال الذي تسببه النعال؟ يعنى أنَّ هناك وعياً بحركة الإنسان أيا كانت. الوعي يقول إن الأرض أرض والإنسان إنسان، وإنه ليوجد مسافة يترقب فيها البشر قدرتهم على الاختلاف. في المسافة الجلدية (الحذاء) بين الأقدام والتراب، تكمن تصورات التوازن والتعالي والأسبقية وصناعة الأدوات. وربما هذا الذي جعل المجتمعات تتفنن في تشكيل الأحذية بأشكال وأنماط غريبة وعجائبية. وكانت محطَّ عناية البشر بتباين الأماكن والأزمنة.

تكملةٌ وعُري

يكمل الحذاء جسم الإنسان. على الرغم من أنَّ الأصل في الإنسان شعوره بالإكتفاء والاستقلال. عدم وجود الحذاء يسبب نقصاً بطريقة أو أخرى. وليس ذلك أمراً جوهرياً في ذاته، لأنَّ الجوهر هو سير الإنسان حُراً من أية تكملة. وكانت بدايات البشر كونهم (حفاةً عراةً) إلاَّ من بعض ما يغطي عوراتهم. إنَّ الحفاء كان تعبيراً عن الاكتمال بالطبيعة أو أنَّ الانسان البدائي كان يجد اتصالاً مع مواد وأشياء العالم مباشرةً. أي التلامس الحسي الذي يجعل الإنسان كائنا حيّاً على الأصالة. ويدمج وجوده الآدمي مع الكائنات الأخرى دون مباعدةٍ. فالانطلاق هو الخلفية التي تعطي الإنسان وجوده، والحذاء في عصور غابرة كان عائقاً عن ذلك. وبلاريب فقد مر البشر بأزمنة طويلة حتى يعتادوا على لبس الأحذية.

وبخاصة أن الأساس لدينا نحن البشر هذا الإندماج، حتى ولو جاء متأخراً. فنحن على الشواطئ وعلى الصخور ووسط الغابات وفي عمق الحقول، نريد من حين لآخر خلع نعالنا كي نحس بوجود الأرض، وهو الإساس الأم الذي يستغرقنا طوال الحياة في ممارسات كثيرة. ولم يملك الفرد إلاَّ التشوف إليه. يا لهذا الاحساس المتفرد لنا نحن البشر وسط الطبيعة!! فهو ليس لمساً عادياً ولا مجاورةً ولا تسانداً خارجياً بين كائن حي اسمه الانسان والطبيعة الأم، لكنه الشعور الماهوي داخل حضنها الكبير بأنك كما أنت. إحساس يلتقي داخل أعماقنا وأعماق الحياة بالتوازي. هو احساس الحياة بنفسها من خلالنا. وهو التزامن الحي الحميم، على الرغم من كونّه يعود بنا إلى عصر ما قبل الحذاء.

الحذاء تنبيه دائم بهذه الطفرة التي حدثت للأقدام. هل يؤدي ذلك إلى إخفاء الجانب اللمسي للأقدام؟ بالطبع لا..  فالأقدام لا تقل أهمية عن الرأس مهما لاقت من دونية، كما أنها ترنو إلى التجوال عارية. وما التنوع المذهل في موديلات الأحذية إلاَّ اخفاء لهذا الحنين البيولوجي القابع في جوانج البشر. لأن الثقافة– مع امتدادها التاريخي- تمثل استجابة لحنين الإنسان وبدائل له بالوقت نفسه. وكلما كانت مشاعر الحنين غائرةً، كانت البدائل وافرة التجدد والتعقيد. فلو شعر الإنسان بأي حنين، ستقفز الثقافة لإحتوائه صانعة له ما يشغله طوال الوقت. من ثمَّ استطاع البشر بهذا المنطق بناء وجودهم الاجتماعي.

ومن يفهم لعبة المجتمعات البشرية إزاء بناء حياتها الخاصة، سيكتشف قدرتنا على الموازاة السحيقة بين الحذاء والمجتمع. الاثنان ممكنان في التاريخ من حيث أنهما من جنس المهارة الثقافية للبشرية. فالمجتمع يغطي الأفراد بكمٍ من الأغطية الإجتماعية والوجودية، ولا يترك لهم فرصة للتعري إزاء غوائل الآخرين أو غوائل الطبيعة. والحذاء يغطي الأقدام بشكل رمزي ويحُول دون العُري الذي يُدمي الأقدام. وبخاصة مع انهماك الأفراد في الأعمال الشاقة والرحلات الطويلة والذهاب والإياب بين الأماكن.

فلم يعد إنساننا المعاصر كائناً يذهبُ إلى الغابة لجلب الثمار وتسلق الأشجار وقنص الحيوانات للطعام. لكنه- من جانبٍ آخر- لم يكف عن الذهاب داخل أخيلة الآخرين، سواء أكان بواسطة عمل بارز أم إنجاز لافت. فجاءت الأحذية الراهنة بمثابة الغلالة التي تُغطي الأقدام، وكذلك تعطيه إشارة مرور وسط الغابات الثقافية والرمزية المتشابكة.

تلعب الثقافة الإنسانية لعبتها الإستعارية في تغذية المجتمع والحذاء برغباتٍ يتعلق بها الإنسان كتعلق الغريق بقشةٍ للنجاة. فيقال إن الحذاء هو المفتاح لشخصية الإنسان، بحكم كونه محطّاً للذوق الجمالي واتساق الشكل والألوان وطريقة المشي والحركة. تماماً مثلما يُقال إن المجتمع مُتقدم ويعطي مساحة لحرية الأفراد. الاستعارات واحدة ويتسلق الأفراد عليها بلوغاً إلى اهدافهم. ففي المناسباب المهمة- اجتماعياً بالأساس- يحرص الأفرادُ على ارتداء أفخم الأحذية واعطائها مساحة من الظهور الجذّاب.

***

د. سامي عبد العال - أستاذ فلسفة

ترى الفيزياء الحديثة ان الزمن ليس أكثر من وهم. النظرية النسبية لآينشتاين، مثلا، ترى ان الكون كتلة رباعية الأبعاد ثابتة تحتوي على كل من الزمان والمكان معاً و لا يوجد فيها "الآن" كشيء خاص. المستقبل بالنسبة للمراقب هو ماضي لمراقب آخر. ذلك يعني ان الزمن لا يسير من الماضي الى المستقبل كما نشعر به نحن.

هذا يتصادم مع الكيفية التي يُفهم بها الزمن في فروع اخرى للفيزياء مثل ميكانيكا الكوانتم. لذا، هل ان الزمن وهم ام لا؟ احدى الطرق لمعرفة ذلك هي في محاولة اثبات ان الزمن غير واقعي وذلك باستعمال المنطق وحده.

في عام 1908 نشر الفيلسوف البريطاني ماك تاغارت J.M.E.McTaggart ورقة جادل فيها باننا قادرين على معرفة عدم واقعية الزمن فقط باستعمال التفكير المنطقي وحده.

 لنتصور ان شخص ما أعطاك صندوق من البطاقات، كل بطاقة تمثل حدثا. احدى البطاقات تصف سنة 2024، اخرى تصف وفاة الملكة فكتوريا، وثالثة تصف الكسوف الشمسي في عام 2026. البطاقات جرى مزجها مع بعضها. انت طُلب اليك ان تقوم بترتيب البطاقات بطريقة تمثّل الزمن. كيف ستقوم بهذا؟

أول طريقة هي استخدام ما يسميه تاغارت بـ "سلسلة B". فيها تلتقط بطاقة واحدة وتضعها على الارض. بعد ذلك تأخذ بطاقة اخرى من الصندوق وتقارنها مع تلك التي سلفا على الارض. اذا كانت أقدم، تضعها الى يسارها، واذا كانت لاحقة لها، تضعها الى اليمين.

فمثلا، موت الملكة فكتوريا يذهب الى يسار الكسوف الشمسي لعام 2026. اما سنة 2024 تذهب الى يسار الكسوف الشمسي لعام 2026، لكن الى يمين وفاة الملكة فكتوريا. انت تستمر تكرر هذا حتى تنتهي بخط من البطاقات، كل اثنين منها يُربطان باستخدام علاقة المتقدم – المتأخر.

عندما تقف وتنظر في الترتيبات المكتملة، ستدرك هناك شيء مفقود. خط البطاقات هو ثابت. حالما وُضعت البطاقات في مكان، لا تغيير يحصل في ترتيبها. لكن كما يصر تاغارت، انت لا تستطيع امتلاك زمن بدون تغيير. الزمن بالنهاية قياس للتغيير، حتى وفق الفيزياء. عادة يوصف الزمن كزيادة في اضطراب – انتروبيا نظام مغلق. لو اخذنا فنجانا من القهوة الساخنة، عندما تبرد، يظهر الاضطراب. وانت تستطيع القول تقريبا كم من الوقت بقي فنجان القهوة ثابتا من خلال حرارته. أي وسيلة لقياس الزمن، مثل الساعة، تعتمد على التغيير.

لنتذكّر، ان مهمتك الأصلية كانت ان ترتّب البطاقات بطريقة تمثّل الزمن. لكنك انتهى بك الأمر بشيء لا يتغير. سيكون من الغرابة القول ان الزمن لا يتغير. لذا فان سلسلة B لا يمكنها تفسير الزمن.

هناك خيار آخر. انت تستطيع البدء مرة اخرى وتحاول ترتيب البطاقات باستعمال ما يسميه تاغارت "سلسلة A". هنا انت تخلق ثلاث مجموعات: تلك التي على اليسار تصف أحداثا حدثت في الماضي، مثل موت الملكة فكتوريا. في الوسط تتجسد تلك التي تحدث في الحاضر، مثل سنة 2024. وفي اليمين، تلك التي سوف تحدث في المستقبل، مثل كسوف عام 2026.

خلافا لـ سلسلة B ، هذا الترتيب هو غير ثابت. مع تدفق الزمن،عليك تحريك البطاقات من مجموعة اليمين (المستقبل) الى مجموعة الوسط (الحاضر)، وتلك البطاقات من مجموعة الوسط (الحاضر) الى مجموعة اليسار (الماضي)، وحيث تبقى الى الأبد. لذا هناك تغيير واضح يحدث هنا. هل هذا يعني ان سلسلة A تصف الزمن؟

طبقا لتاغارت، سلسلة A هي دائرية. يدك تنقل البطاقات من المجموعة على الجهة اليسرى الى مجموعة الوسط ومن ثم الى المجموعة على جهة اليمين وهي العملية التي تحدث سلفا في الزمن.

انت تحتاج ان تكون في الزمن، ان تكون قادرا على عمل هذا الترتيب. لكن الزمن هو بالضبط ما تريد  فهمه. بكلمة اخرى، انت سلفا تحتاج  زمن لكي تصف زمن. وهذا دائري، والدائرية خلاف المنطق.

لكي نلخّص. ترتيب سلسلة B لا يستطيع وصف الزمن لأن لا شيء يتغير فيه. والتغيير مطلوب للزمن. لذا فان سلسلة B لا تعمل. سلسلة A تتغير فعلا لكن لسوء الحظ انها دائرية. لذا فهي لا تعمل ايضا. بما ان كلاهما لا يعملان يستنتج تاغارت ان الزمن لا يمكن ان يكون واقعيا.

بعد مائة عام

بعد مائة سنة، لازال الفلاسفة يبحثون عن حل. البعض يُطلق عليهم "منظّرو A" يحاولون تعريف سلسلة A بطريقة غير دائرية. آخرون، ويُطلق عليهم "منظّروا B"، يوافقون على ان سلسلة B تصف الواقع ويقولون بان تاغارت كان مخطئا في طلب التغيير في السلسلة. كل ما في الامر بالنسبة للزمن هو مجرد سلسلة من الأحداث

هناك ايضا "منظّرو C" الذين يذهبون أبعد ويقولون ان خط البطاقات ليس فيه أي اتجاه من الأقدم الى اللاحق. سنة 2024 تذهب بين موت الملكة فكتوريا وكسوف عام 2026. لكن الحقيقة هي اننا اعتدنا التفكير بموت الملكة فكتوريا يأتي قبل كسوف عام 2026 بدلا من العكس، هو ربما فقط مسألة عادة. انه يشبه ترقيم الألواح على سياج الحديقة: تستطيع البدء من أي نهاية تريد. السياج ذاته ليس فيه اتجاه.

ربما هناك طرق اخرى مختلفة للتفكير حول الزمن. وبصرف النظر عن منْ هو الصائب منها، المهم هو ان تاغارت كان قادرا لجعل الترتيب يسير بدون أي استخدام للعلم، وانما فقط عبر التفكير المنطقي وحده.

***

حاتم حميد محسن

..........................

* للمراجعة:

The conversation, April 15,2024

 

الفلسفة في سياقها العام، هي قسم من الثقافة الروحيّة للبشريّة، وشكل للوعي الاجتماعيّ الذي تكمن وظيفته المميزة في وضع نظرة متكاملة إلى حد بعيد عن العالم وجودا وسيرورة وصيرورة، وعن الفهم المعلل نظريّاً ومنهجيّاً لأكثر القوانين عموميّة في الطبيعة والمجتمع والتفكير البشريّ. وتقوم أصول الفلسفة في الممارسة الاجتماعيّة الواقعيّة، وهي تعكس على نحو متميز قضايا وتناقضات الممارسة الاجتماعيّة، وقضايا عمليّة معرفة الواقع وتحويله، وتؤثر بالإضافة إلى ذلك على تطور المجتمع والتاريخ وعلى تطور الإنسان وعمليّة معرفته.

إذا كان هذا هو الفهم العقلاني النقدي للفلسفة، إلا أن هذه الفلسفة في سياق فهمها وممارستها معاً من قبل حواملها الاجتماعيّة، كثيراً ما انحرفت عن مسارها المعرفيّ الصحيح، وذلك عنما تخلى حاملها الاجتماعيّ عن توظيفها في خدمة الإنسان ورقيّه، وجعل منها أداةً معرفيّةً لخدمة مصالح أنانيّة ضيقة لهذه الطبقة المستغلة أو تلك، أو لهذا الحاكم المستبد أو ذاك. أو أنه – أي الحامل الاجتماعيّ - جعل منها فلسفة لاهوتيّة أو ميتافيزيقيّة أو مثاليّة ذاتيّة أو مثاليّة موضوعيّة، أو لا أدريّة، ذات تعاليم مطلقة فوق الأحزاب والطبقات والمجتمع والدولة والواقع برمته، الأمر الذي جعل من جوهرها مجموعة من الرؤى المشبعة بالخيال والحدْسيّة والأسطورة والغيبيات والعواطف أو الوجدانيات وغيرها من وسائل أو طرق التفكير التي لا تربط الفكر بالواقع، أي تتجاهل أن هذا الفكر نتاج الواقع ولم يُفرخ مجرداً. علماً أن يعض هذا الحامل الاجتماعي (المثالي في تفكيره) يحاول ربط الفلسفة أو الفكر بشكل عام بالواقع، إلا أن طريقة أو أسلوب هذا الربط هو ليس أكثر من محاولة لمنح هذا الفكر القيمة المطلقة أو القدسيّة التي تفرض على الواقع الذي تحاول أن تربطه بها أن يرتقي إليها، وهنا لا يختلف ارتباط الفلسفة المثاليّة بالواقع عن ارتباط الدين بالواقع، ومن هذا الموقف المنهجي يأتي ارتباط الفلسفة بالدين من حيث الجوهر والممارسة.

إذن إن تاريخ الفلسفة عند الفلاسفة المثاليين عموماً هو ليس أكثر من ذيل لتاريخ اللاهوت، أو هو حصيلة الابداع الذاتيّ المستقل لمفكرين منفردين يعملون بوعي أو بدونه على فصل أو عزل مسيرة الفكر الفلسفيّ عن التطور الواقعيّ لتاريخ المجتمع والعلم معاً.

إن تاريخ الفلسفة الواقعيّة في الحقيقة هو علم فلسفيّ وتاريخيّ في الوقت نفسه. فالفلسفة الواقعيّة توفر لنا التالي:

1- دراسة فهم مسيرة وصيرورة الفكر الإنسانيّ.

2- واستيعاب التجربة التاريخيّة العظيمة المتعلقة بسيرورة معرفة الإنسان لعالمه.

3-  كما يطلعنا تاريخ الفلسفة أيضاً على كيفيّة ظهور أشكال الفكر النظريّ ومقولاته.

4- وعلى طرائق المعرفة العلميّة الجدليّة في التفكير.

5- مثلما يطلعنا تاريخ الفلسفة على الجذور المعرفيّة للمثاليّة والميتافيزيقيّة واللاهوتيّة، وأسباب الضلالات النظريّة أو الفكريّة لمفكريّ الماضي، ولتحذرنا من الأخذ بها أو اتباعها في المستقبل.

6- مثلما تحذرنا الفلسفة الواقعيّة النقديّة وتاريخها من الذاتيّة والجمود العقائديّ في النظريّة والممارسة على السواء.

7- هذا إضافة لكونها تزرع الثقة بالنفس والأمل بقوة العقل الإنسانيّ وقدرته على معرفة العالم وقوانينه.

8- كما تساعد على إغناء الذاكرة الإنسانيّة بالمعارف الفلسفيّة التي أبدعها العقل الإنسانيّ خلال مسيرته الطويلة، وعلى استيعاب أحسن تقاليد هذا الفكر.

9- وتعلمنا الفلسفة العقلانيّة النقديّة وتاريخها أن نستشف من وراء الفكر المدرسيّ (السكولائيّ) مصالح القوى المستبدة والمسيطرة في المجتمع، وتكشف كل تلك المذاهب الفكريّة العفنة التي تستخدمها هذه القوى المستبدة وأدواتها من مفكرين وفلاسفة ومشايخ السلطان، وبذلك يزودنا تاريخ الفلسفة العقلانيّة بالسلاح للنضال ضد المثاليّة والأيديولوجيا الرجعيّة والجموديّة عموماً.

***

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سوريّة

 

يتهم الماركسيون فيلسوف الظاهراتية ادموند هوسرل 1859- 1938 جيكوسلوفاكي المولد. درس الفلسفة على يد استاذه الفيلسوف السويسري فرانز برينتانو مخترع مصطلح الوعي القصدي بالفلسفة والذي اخذه عنه هوسرل وتم توظيف المصطلح بمعّية كل من سارتر وهيدجر وميرلوبونتي وفلاسفة الوجودية الذين استهواهم مصطلح الوعي القصدي في ادانتهم لكل من ديكارت وكانط. يعرّف هوسرل الوعي القصدي (انه خاصية كل شعور ان يكون شعورا بشيء). ولا اعتقد انه من غير البديهيات ان لا يكون لكل شعور موضوعا يدركه.

الحقيقة التي اشرت لها في مقال سابق لي ان مصطلح الوعي القصدي ومصطلح الوعي الخالص كلاهما مصطلحان فلسفيان كاذبان ومزيفان سواء في ألاحتكام للمعرفة المجردة أوفي ألاحتكام للعلم التجريبي الطبيعي.. وذكرت سابقا واشير له هنا اذا كان ديكارت قال في الكوجيتو ان مجرد تفكير العقل كاف لاثبات الوجود الانطولوجي للانسان. والمأخذ الذي ادين به ديكارت من كل من هب ودب انه لم يذكر موضوع تفكير العقل بماذا؟ (انا افكر اذن انا موجود).

 سبق لي وقلت أن ديكارت لم يكن مخطئا ولا ساذجا فلسفيا كون الحمولة النوعية لتفكير العقل هو ملازمة موضوع تفكيره له بمعنى ينعدم تفكير العقل حين لا يجد موضوعا يفكر به له معنى ودلالة معرفية.. ولا يمكن لتفكير عقلي ينبني عليه تحقق الوجود الذاتي للانسان ادراكيا بمعزل عن التفكير بما له معنى يدركه العقل وهو موضوع الوعي. حين تقول انا افكر وتسكت .فهذا يكون تحصيل حاصل انك تفكر بشيء اي بموضوع يهمك انت وحدك ولا يهم غيرك في ادراكه ومعرفته. الوعي بصورة عامة للمصطلح هو ان يكون إنفراديا يلازمه هدفه القصدي.

هنا كما سأوضحه لاحقا من الخطأ التفكير انه يوجد ثلاثة انواع من الوعي – يرجى مراجعة مقالتي السابقة حول هذا التمييز الذي ساوضحه هنا ايضا -  الوعي كمصطلح فلسفي عام, والوعي القصدي الذي يلازمه هدفه,وثالثا الوعي الخالص بمعنى الوعي المتسامي صوفيا فوق محدودية الادراك العقلي الواقعي. رأيي المثبت لا يوجد بالفلسفة سوى الوعي العام.

ديكارت كما هو معلوم عرّف العقل الفلسفي بمعنى خطاب التفكير او ما يسمى اللوغوس. وليس العقل البايولوجي الذي هو ما تحتويه الجمجمة من الدماغ والمخ والنخاع الشوكي وشبكة الاعصاب. العقل الفلسفي التجريدي الذي قصده ديكارت انه  جوهرخالد خلود النفس في تعبيره اللغوي عن المدركات والموضوعات والاشياء.  العقل جوهر خالد ماهيته التفكير المعرفي.

الشيء الذي يجب أن يكون ماثلا امامنا بأن مجرد التفكير هو معرفة الذات الانفرادية بتحقق وجودها الانطولوجي. أي ليس مهما ولا من المعقول أن تسال أحدا بماذا تفكر كي اتاكد من وجودك الانطولوجي؟. تاكيد تحقق الذات وجودا هو وعي ادراكي منفرد وليس خاصية عمومية أن يعرف المجموع بماذا  يفكر به الاخركي نحكم على وجوده الانطولوجي السليم ونقر أنه يمتلك عقلا ادراكيا شغّالا.

كما ذهبت سابقا الى أن الوعي الخالص مصطلح فلسفي بلا رصيد. كونه افتراض مرحلة بلوغ الانسان الوعي الخالص هو أن يبلغ الانسان بتفكيره التجريدي المتعالي تجاوزه مرحلة محدودية الادراك العقلي في قصدية الوصول لهدفه المادي الى بلوغ تخوم آفاق نوع من التسامي الصوفي العاجز واؤكد هنا العاجز عن بلوغ مرحلة فهم الاشياء بما لا يستطيع كائن انساني غير هذا الكائن المنفرد بوعيه الخالص بلوغه في حال نجاحه امتلاك وعيا خالصا. أن تمتلك وعيا خالصا معناه لديك القدرة على فهم كل ما لايستطيع العقل المحدود ادراكه. الوعي الخالص هو ذلك الوعي الافتراضي الوهمي في معرفته الماهيات بمعنى الجواهر وامكانيته النفاذ الى مباحث الميتافيزيقا وتحويلها الى موضوعات يدركها العقل الذاتي الطبيعي المحدود. الوعي الخالص هو التفكير الصوفي المتحرر من الكينونة الموجودية للانسان.

لا يوجد وعي خالص يمتلك خصوصية الوصول الى ماهيات الاشياء (الثابتة) المقصود بها هنا جواهر الاشياء في ذاتها بمعزل عن ادراكنا الصفات الخارجية لها. اما مصطلح الماهيّات على انها قيم يحددها السلوك النفسي والانفعال العاطفي كما تفهمه الظاهراتية فهي ليست ثابتة يمكن للوعي الخالص الاحاطة بها كونها سيرورة من العلاقات المتغيرة باستمرار.

ما ذهبت له في مقالتي السابقة واؤكد عليه الآن هو أن خاصية عقل الانسان المفكر يمتلك وعيا قصديا بالضرورة البيولوجية في تكوينه العقلي يلازمه في حمولته حضور موضوع تفكيره في تواصل تكاملي معرفي لا انفصال بينهما. ولا انفكاك  بين الوعي والموضوع. والوعي الخالص اعتقد استهجنه كانط في القرن الثامن عشر قبل انبثاق المصطلح بدايات القرن العشرين. يعتبر اليوم حسب معلوماتي ان اشهر فيلسوف بالعالم تناول مبحث الوعي هو جون سيرل الامريكي. (يراجع كتابنا مبحث الوعي في الفلسفة المعاصرة).

بماذا وكيف تدين الماركسية هوسرل؟

يتهم الماركسيون بوجهات نظر متفاوتة مختلفة الفلسفة الظاهراتية (الفينامينالوجيا) لدى هوسرل بمجموعة من المآخذ التي مصدرها الاساس اختلاف المنهج المادي الماركسي عن المنهج المثالي عموما. ما يهمنا (ان بعض الماركسيين اعتبر الظاهراتية نزعة ميكانيكية تهبط بالوعي الى مستوى الانعكاس الآلي الصرف وتمردها على كل حركة وضعية تحيل الانسان الى مجرد موضوع خالص)1.

هذا خلط متبادل بين بعض الماركسيين وفينامينولوجيا هوسرل واشياعه. بدءا كي يكون نقدنا واضحا يجب التفريق بين الادراك الذي هو خاصية الحواس في نقلها انطباعاتها الحسية الاولية عبر الجهاز العصبي للدماغ. اما الوعي فهو خاصية تعبير العقل عن مدركاته للاشياء بما يؤثر بها في التغيير وفي الصيرورة.

يجب علينا أن لا نفهم أن العقل يعي موضوعاته ومباحثه ليؤكد لنا معرفتنا كيف يعي العقل الاشياء أو لماذا يعيها وهو الأهم معرفيا. وعي الاشياء ليست عملية ادراكية محايدة بل هي وسيلة العقل في التاثير بمدركاته المادية وموضوعاته غير المادية.

الوعي ليس نزعة ميكانيكية كما ورد بالعبارة ينطبق على ادراكها ما ينطبق على ادراكات الحواس الانطباعية على وفق آلية ادراك كل حاسة بخصوصية لا تعمل ولا تاخذ بها بقية الحواس. الخلط يأتي من الحقيقة البايولوجية بأن ادراكات الحواس وادراكات الوعي هما حلقتي ادراك في منظومة العقل الادراكية الاجمالية التي تبدأ بالحواس وتنتهي بالدماغ. وهي مقولة صائبة تماما والشك بها هو الشك بذات قائلها ومتبنيها. هذه حقيقة بايولوجية ليس من السهل الطعن المجدي بها.

الوعي هو فاعلية العقل الادراكية للاشياء والموضوعات. لذا لا يكون الوعي انعكاسا (بدئيا) ولا انعكاسا (بعديا) مصدره ادراك الواقع من عدمه. كما ان الوعي لا تتشابه خاصية الادراك عنده وهي عقلية كما هي خاصية الادراك الحسية التي مصدرها الحواس. آلية الادراك الحسي وآلية ادراك العقل ليست آليات ميكانيكية يمكننا الاخذ بها تناوبيا بين الحواس والعقل..

تذكر المصادر الفلسفية ان الماركسية هاجمت الظاهراتية كونها فلسفة تنظيرية مثالية غارقة في التجريد الفلسفي وحسب لا اهمية لها . علما أن في محاولة هوسرل خلط الاوراق رفع شعار تبنيه ما يقول به المنطق العلمي العقلي. لكن يبدو أن الماركسيين لم تنطل عليهم اللعبة فقالوا عن هوسرل وظاهريته يتقدمهم روجيه غارودي قبل خروجه من الحزب الشيوعي الفرنسي واعلن اسلامه مايلي:

1. فلسفة هوسرل في في الظاهراتية يغلب عليها الطابع النظري الفلسفي. معتبرا هوسرل الفيلسوف هو ذاك المنعزل الفردي الذي يجد بنفسه الناطق الرسمي باسم الانسانية. والفلسفة جهد فردي منتزع من الحياة الاجتماعية2.

اعتقد تثبيت هذه العبارات بما يطلق عليه ادانة فلسفة ظاهراتية هوسرل ساذجة ولا تستحق الوقوف عندها. من حيث ان الفلسفة عموما هي تجريد تنظيري غير خاضع لاحكام التجربة والتطبيق باستثناء فلسفتين غادرتا منطق التجريد الفلسفي لتتحولان الى ايديولجيتين تطبيقيتين سياسيتين على ارض الواقع متصارعتين. هما ايديلوجيا الماركسية في تطبيقها النظام الاشتراكي والمادية التاريخية والشيوعية ممثلة بزعماء تجربة الاتحاد السوفييتي المنحل وعديد من التجارب التي لا تزال تعمل بالمنهج الشيوعي الماركسي مثل الصين وكوبا وفيتنام. والفلسفة الثانية المضادة لها التي غادرت تجريد الفلسفة التنظيرية التجريدية لتصبح ايديولوجيا سياسية تبشر بمباديء الراسمالية هي ايديلوجيا وليست فلسفة تنظير هي البراجماتية الاميريكية او الذرائعية النفعية او الواقعية التطبيقية التي ترى ليس مهما ان تمتلك فكرة تبدو لك أو لبعض الناس صحيحة بل الاهم فلترة هذه الفكرة بالتجربة الواقعية العملانية في نجاحها عبور إمتحان التطبيق النافع بالحياة. البراجماتية كما هو معلوم جاءت على لسان فلاسفتها ريتشارد بيرس, وليم جيمس , وجون ديوي. اما عن بقية الالفاظ الفيلسوف منعزل, ويجد نفسه الناطق الرسمي باسم الانسانية فلا قيمة التعقيب عليها فلسفيا فهي ليست افكارا وانما هي توصيفات.

2. من الواضح الذي لا يحتاج اثباتا ان مثالية هوسرل المدانة ماركسيا تتجلى واضحة في عبارة هوسرل قوله لها اكثر من مرة ( الفلسفة هي الحركة التاريخية التي يتجلى عبرها العقل الكلي الكامن بالفطرة الانسانية)3.

ليس هناك معنى قول هوسرل في تجريد فلسفي بائس غير ان يصف الفلسفة انها الحركة التاريخية التي يتجلى عبرها العقل الكلي الكامن بالفطرة الانسانية. الفلسفة في تاريخ تجلياتها في حضارات الشرق القديمة وعند الاغريق والرومان لم تكن الفلسفة هي حركة يتجلى فيها العقل بصناعة او قيادة تطور التاريخ. كما والادهى اية كلية عقلية كامنة يمتلكها الانسان بالفطرة الانسانية.؟ الفطرة العقلية سواء اكانت معرفية او علمية او تاريخية في حال افتراض تحققها الخاطيء ليس لها ادنى دور بصناعة حركة التاريخ التطورية. الفطرة الانسانية تسبق حضور التاريخ الذي هو وقائع حدثت وتحدث في ملازمة حضورية ترافق تقدم الانسان بالحياة عبر مراحل تاريخية طويلة نوعية. لكنها أي الفطرة عاجزة أن تصنع تاريخ الانسان.الارادة الانسانية عامل اساس من عوامل عديدة تلعب دورا في تطور حركة التاريخ الى امام. ثم كيف يكتسب او يتوارث الانسان فطرة عقلية تسبق التاريخ الانساني بل وتخلقه ايضا؟ هذا هراء.

هناك مناهج درست وتدرس حركة التاريخ على انها وقائع في زمن محدد وجغرافيا محددة وشعوب واقوام وامم محددة. فمثلا المنهج المادي الماركسي في دراسة تطور التاريخ البشري, منهج شبنجلر في التحدي والاستجابة في ظهور الحضارات وتطور حركة التاريخ , المنهج البراجماتي الراسمالي الذرائعي, المنهج الديمقراطي الليبرالي. المنهج التطوري العشوائي في حضور الصدف. طبعا لا يحكم التاريخ في تطوره ليس نهاية صراع الايديلوجيات ولا نهاية التاريخ ولا الحتمية الضرورية الملزمة ولا حتى التطورين الجدلي المادي او الليبرالي.

بمختصر العبارة ارى التاريخ وقلت ذلك بكتاباتي وفي مؤلفين لي هو مسار وقائعي عشوائي غير منتظم فوضوي تلعب في صناعته الصدف المصنعة والصدف الطبيعية لاحداث واقعية تلازم الانسان يقومّها ويضع انحرافاتها على سكة المسار الصحيح الى امام هو (الارادة الانسانية) فقط. وتبقى اهمية الظروف الموضوعية المصاحبة المساعدة والمصاحبة لحركة التاريخ ما يقرر تجييرها الايجابي التاثيري بمسار التاريخ هو ايضا الارادة الانسانية. من غير تدخل الارادة الانسانية بتعديل مسارات التاريخ المنحرفة تبقى حركة التطور التاريخي هي المنهج الذي دعا له شيبلنجلر (التحدي والاستجابة) في نشوء الحضارات وشيخوختها بمعنى الفعل ورد الفعل. المسار التاريخي حسب تصوري هو مسار تصحيح اخطاء البشر عبر العصور ابرزها ان عظمة الامم كانت تقاس بمقدار امكانياتها القتالية وشن الحروب وبناء الامبراطوريات الواسعة في حين اصبح في الحضارة الانسانية اليوم من أن افدح الاخطاء غير الحضارية وغير الانسانية هو شن الحروب. اود القول في اي معجم فلسفي نعثر على مصطلح هوسرل محرك التاريخ (العقل الكامن بالفطرة الانسانية) كلام هراء لا قيمة ولا معنى له اذ من الحماقة تسليمنا وجود عقل كامن بالفطرة الانسانية يكون محايثا جوهريا في تطور حركة التاريخ الى امام. لايوجد بالمورّثات الجينية فطرة هي عقل كامن يحرك مسار التاريخ وحتى غير التاريخ.

هوسرل واتهام الماركسية له

لا اجد مسوغا اتهام الماركسية لفلسفة هوسرل في الظاهريات ان فلسفته تنظيرية غارقة في تجريد مثالي  غير صالح للتطبيق؟ ومن يقول خاصية الفلسفة الاساس انها ليست منظومة منطقية من القول الذي يفتقد التطبيق والتنفيذ؟ هذا بيرترانراسل وبول ريكور وعشرات بل واكثر من الفلاسفة يرون أن الفلسفة نشاط انساني لا يشابه الاجناس الادبية ولا يلتزم بوسائل تغيير الحياة. اليوم حين نقول فلسفة التاريخ او فلسفة علم الاجتماع او فلسفة الاقتصاد او فلسفة علم النفس وغير ذلك فليس معنى هذا ان الفلسفة لم تفقد خاصيتها التجريدية لتصبح ايديولوجيا تخدم وتفسر التاريخ او الاقتصاد او علم الاجتماع وعلم النفس وغيرها من مباحث. ضربت سابقا بهذه المقالة مثالين عما اقول في تحول الفلسفة الماركسية الى ايديولوجيا اقتصاد سياسي. وتحول الفلسفة البراجماتية الامريكية الى ايديولوجيا تخدم النمط الراسمالي الليبرالي النفعي الاستهلاكي بالحياة. اليوم يروّج اوربيا كي تكون الفلسفة المعاصرة لها مستقبل لا تحتضر به عليها أن تتبنى مباحثها وطروحاتها قضايا تهم حياة الانسان المعيشة.

الفلسفة محكومة بطابع لغة التجريد الصوري التمثّلي للاشياء في اختراع العقل لها هي منطق قولي متماسك تنظيريا لكنه لا يمتلك خاصية التطبيق. هذا ينطبق على تعبيرات الاجناس الادبية فهي سرديات وإن بدت واقعية فهي غير قابلة للتطبيق لانها تتعامل بلغة التجريد. كيف لنا ان نجري تطبيقا عملانيا للشعر مثلا او القصة القصيرة او الرواية او الفنون التشكيلية.

خاتمة

ظاهريات هوسرل (الفينامينالوجيا) هي منذ البداية انكرت اهتمامها بالواقع المادي وحياة الانسان. الفلسفة الماركسية في اتهامها الظاهراتية بانها نوع من التنظير غير القابل للتطبيق كانت محقة تماما لكنها وقعت في فخ التحامل غير الموضوعي اذ جميع مباحث الفلسفة هي تجريد لغوي غير قابل للتطبيق والتنفيذ عبر كل عصور تاريخ الفلسفة.

تشير مصادر فلسفية ان كتاب هوسرل (البحوث المنطقية) رفع شعار البحث في الماهيات وهذا المبحث بشقيه اذا كان المقصود بالماهية هو الجوهر وهو ما لم تقصده الظاهراتية. او كانت الماهية التي تريدها الظاهراتية هي القيم التي يتوصلها المنهج السلوكي النفسي التي تكون مباحث ليست موضوعات ادراكية. فكلا المبحثين لا جدوى منهما لانهما يقعان ضمن ميتافيزيقا الافكار البحثية المجردة عن الواقع تماما.

ليس هناك ماهيات قابلة ان تكون موضوعات لادراك انفعالي عاطفي بعيدا عن تفعيل دور العقل . وثانيا لايوجد منهج يفسر الطبيعة وموجودات عالمنا الخارجي المحيط بنا يقوم على منهج علم النفس العاطفي الانفعالي السلوكي.

***

علي محمد اليوسف

...............................

الهوامش:

 1. دكتور زكريا ابراهيم / دراسات في الفلسفة المعاصرة ص348

2. نفسه اعلاه ص 342

3. نفسه اعلاه ص 350

 

كان التقدم العلمي في الأربعمائة سنة الأخيرة مدهشا وساحقا. منْ كان يعتقد اننا سنكون قادرين على تعقّب تاريخ الكون الى أصله قبل 14 بليون سنة؟ زاد العلم من مدى ونوعية حياة الناس، وبدت التكنلوجيا الحالية الشائعة في العالم الحديث كأنها تشبه السحر لدى أسلافنا.

لكل هذه الأسباب، جرى الاحتفال بالعلم وتمجيده، لكن الموقف الصحي المؤيد للعلم لا يعني ذات الشيء كـ ـ "العلموية" scientism، وهي الرؤية بان الطريقة العلمية هي الطريقة الوحيدة لتأسيس الحقيقة. وكما تكشف مشكلة الوعي، هناك حدود لما يمكن ان نتعلّمه من خلال العلم وحده.

ان الشكل الأبرز للعلموية منذ بداية القرن العشرين كان حركة الوضعية المنطقية. الوضعيون المنطقيون تبنّوا "مبدأ التحقق"، الذي بموجبه تكون أي جملة لا يمكن اختبار صحتها من خلال الملاحظة والتجربة هي اما تافهة منطقيا او مجرد رطانة بلا معنى. بهذا السلاح، كان الوضعيون المنطقيون يأملون استبعاد جميع الأسئلة الميتافيزيقية باعتبارها ليست فقط زائفة وانما بلا معنى.

هذه الأيام، تواجه الوضعية المنطقية رفضا عالميا من جانب الفلاسفة. ذلك لأن الوضعية المنطقية منهزمة ذاتيا، بسبب ان مبدأ التحقق ذاته لا يمكن اختباره علميا، وبهذا، فان المبدأ يصح فقط اذا كان بلا معنى. في الحقيقة، هذه المشكلة تلاحق كل أشكال العلموية غير المؤهلة. لا وجود هناك لتجربة علمية نثبت بها ان العلموية صحيحة، وبالتالي اذا كانت العلموية صحيحة، فان صحتها لا يمكن إثباتها.

وبالرغم من جميع هذه المشاكل العميقة، فان معظم الناس في المجتمع يفترضون ان العلموية صحيحة. أغلب الناس في المملكة المتحدة غير واعين كليا بان "الميتافيزيقا" يستمر حضورها تقريبا في كل قسم من اقسام الفلسفة في البلاد. بالميتافيزيقا، لا يقصد الفلاسفة كل شيء شبحي او فوق الطبيعة، هو فقط مصطلح تقني للتحقيق الفلسفي في طبيعة الواقع مقابل التحقيق العلمي .

الحقيقة بدون علم

كيف يمكن ايجاد معرفة حول الواقع بدون عمل العلوم؟ السمة المميزة للنظريات الفلسفية هي انها "متكافئة تجريبيا"، بما يعني انك لا تستطيع الاختيار من  بينها من خلال التجربة . لو أخذنا مثالا عن فلسفة الوعي التي هي موضوع بحث الدكتور فيليب جوف Philip Goff استاذ الفلسفة المشارك في جامعة دورهام البريطانية،ان بعض الفلاسفة يعتقدون ان الوعي ينشأ من العمليات المادية في الدماغ – هذا هو الموقف "الفيزيائي". آخرون يعتقدون العكس: الوعي شيء رئيسي، والمادي ينشأ من الوعي. نسخة من هذه الرؤية هي رؤية "علم النفس الشامل" panpsychist بان الوعي يسير نزولا على طول الطريق الى اللبنات الاساسية للواقع. المفردة مشتقة من كلمتين يونانيتين pan وتعني الكل وكلمة psyche وتعني روح او نفس.

لايزال آخرون يعتقدون ان كل من الوعي والعالم المادي أساسيان لكنها مختلفان راديكاليا – هذه هي رؤية "الثنائيون". من الواضح نحن لا نستطيع التمييز بين هاتين الرؤيتين بواسطة التجربة لأنه بالنسبة لأي بيانات علمية، كل واحدة من هذه الرؤى سوف تفسر تلك البيانات بعباراتها الخاصة .

فمثلا، افرض نحن نكتشف علميا ان شكل معين من نشاط الدماغ مرتبط بالتجربة الواعية للكائن الحي. الفيزيائي سوف يفسر هذا كشكل من الترتيب او الفعل العضوي الذي يحوّل العمليات المادية غير الواعية – مثل الإشارات الكهربائية بين خلايا الدماغ – الى تجربة واعية، اما علم الروحية الشاملة سوف يفسرها كشكل من الترتيب العضوي الذي يوحّد جزيئات الوعي الفردية بنظام وعي أكبر. وهكذا نحن نجد تفسيرين فلسفيين مختلفين لنفس البيانات العلمية.

اذا لم نستطع معرفة أي رؤية هي الصحيحة بالتجربة، كيف يمكننا الإختيار بينها؟ في الحقيقة،عملية الإختيار ليست مختلفة جدا عما نجده في العلوم. العلماء، بالاضافة الى لجوئهم لبيانات تجريبية، هم ايضا يلجأون للمزايا النظرية للنظرية، على سبيل المثال كم هي بسيطة وأنيقة وموحدة.

 الفلاسفة ايضا يلجأون الى المزايا النظرية في تبرير موقفهم المفضل. فمثلا،اعتبارات البساطة تُحسب ضد النظرية الثنائية للوعي، والتي هي أقل بساطة من منافسيها كونها تعرض نوعين من المادة الاساسية – المادة الفيزيائية والوعي – بينما النظرية الفيزيائية physicalism (كل شيء فيزيائي) و الروحية الشاملة panpsychism (الذهن خاصية اساسية للواقع) متساويان في البساطة في عرضهما فقط نوع واحد من المادة الاساسية (اما مادة فيزيائية او وعي).

ومن الممكن ايضا ان تكون بعض النظريات غير متماسكة، ولكن بطرق خفية تتطلب تحليلا دقيقا للكشف عنها. فمثلا، هناك من يرى ان الرؤى الفيزيائية للوعي هي غير متماسكة (رغم ان هذا – كما في الكثير من الفلسفة –  مثير للإشكالية).

هذا لا يضمن ان هذه الطرق سوف تفرز بوضوح منْ هو الفائز. ربما في قضايا فلسفية معينة، هناك العديد من النظريات المنافسة المنسجمة والبسيطة بنفس المقدار، وفي هذه الحالة يجب ان نكون محايدين او لا ندري حول أي منهما هو الصحيح. هذا في ذاته سيكون استنتاجا فلسفيا هاما فيما يتعلق بحدود المعرفة البشرية. الفلسفة يمكن ان تكون محبطة لأن هناك الكثير من عدم الاتفاق. مع ذلك، هذا ايضا ينطبق في عدة مجالات للعلم، مثل تاريخ الاقتصاد. وهناك أسئلة عليها إجماع متواضع، على سبيل المثال، حول موضوع الرغبة الحرة.

الميل لمزج الفلسفة بحركة متنامية مضادة للعلم يُضعف الجبهة المتحدة ضد المعارضة المؤذية للعلم التي نجدها  في إنكار تقلبات المناخ ورفض حملات التلقيح ضد الأوبئة.

وسواء أحببناها ام لا، لا نستطيع تجنّب الفلسفة. عندما نتجنّبها، كل ما يحدث هو اننا ننتهي بفلسفة سيئة. السطر الأول من كتاب ستيفن هاوكنك ولينارد ميلدنوس (التصميم العظيم) أعلن بصراحة:ان "الفلسفة ميتة". الكتاب استمر في الإنغماس بنقاشات فلسفية مبسطة عن الرغبة الحرة والموضوعية. يقول فيليب جوف " لو اني كتبت كتابا يطرح تصريحا مثيرا للجدل حول الفيزياء التطبيقية، سيكون امرا سخيفا، لكوني لم أكن تدربت على المهارات الملائمة، ولم أقرأ الادب والبحوث ذات الصلة، ولم تكن آرائي في هذا المجال خاضعة لتدقيق وتمحيص الأقران". ومع ذلك هناك العديد من العلماء الذين يفتقرون للتدريب الفلسفي ينشرون كتبا سيئة جدا حول موضوعات فلسفية دون ان يؤثر ذلك على مصداقيتهم،وهو امر مؤذي وخطير.

نعتقد ان المجتمع سيكون عميق الثراء حين يصبح أكثر اطّلاعا بالفلسفة. يبقى الأمل قويا في الانتقال من هذه الفترة "العلمية" للتاريخ، وفهم الدور الحيوي الذي يلعبه كل من العلم والفلسفة في المشروع النبيل لمعرفة طبيعة الواقع.

***

حاتم حميد محسن

مقدمة: عبارة "الفلسفة المعاصرة" هي جزء من المصطلحات التقنية التي تشير إلى فترة محددة في تاريخ الفلسفة الغربية وهي فلسفة القرنين العشرين والحادي والعشرين. ومع ذلك، غالبًا ما يتم الخلط بين هذه العبارة مع الفلسفة الحديثة التي تشير إلى فترة سابقة في الفلسفة الغربية، وفلسفة ما بعد الحداثة التي تشير إلى انتقادات الفلاسفة القارية للفلسفة الحديثة، ومع استخدام غير تقني للعبارة التي تشير إلى أي عمل فلسفي أخير. فكيف ادى الالتحاق بزيادة الاحتراف في التفلسف الى الانضباط وصعود الفلسفة التحليلية والقارية؟.

على هذا النحو تميل الفلسفة المعاصرة إلى التركيز ليس على العمل المشترك بل على اعمال الافراد. لعل الفكرة المركزية في الفلسفة المعاصرة للفعل هي فكرة القصدية. يقال عادة أن ما يميز الفعل عن مجرد حركة جسدية هو النية والقصد. لقد طرح عالم الاجتماع ماكس فيبر نقطة مماثلة عندما وصف الفعل بأنه سلوك ذو معنى. وبالمثل، يبدو أن الأفعال المشتركة تفترض النوايا والمقاصد، وهي في هذه الحالة نوايا ومقاصد مشتركة. وهكذا لا يمكن للناس أن يتحدثوا إلا إذا كانت هناك قصدية مشتركة للتحدث. يتصرف أطراف المحادثة في ضوء قصدية مشتركة للتحدث، وذلك لتنفيذ تلك القصدية. إن قسماً كبيراً من العمل الفلسفي المتنامي المتعلق بالعمل المشترك يهتم بطبيعة القصدية المشتركة، أو بعبارات أقل رسمية، ما الذي نعنيه نحن بالاستعمالات الفلسفية في عصرنا؟ وهل يجب على الفلاسفة أن يظلوا هواة أم يجب أن يصيروا محترفين؟ وماهي معايير الانتقال الفلسفي من دائرة الهواية الى مصاف الاحتراف والمهنية؟

المهنية والاختصاص والاحتراف

لقد ولّى فعليًا يوم الفيلسوف كمفكر منعزل، والهاوي الموهوب صاحب الرسالة المميزة وترك مكانه للفيلسوف المختص وصاحب الحرفة والذي يمارس الفلسفة كمهنة مثل بقية المهن والاختصاصات الأخرى. عملية الاحتراف هي العملية الاجتماعية التي تحدد من خلالها أي تجارة أو مهنة قواعد سلوك المجموعة، والمؤهلات المقبولة لعضوية المهنة، وهيئة أو جمعية مهنية للإشراف على سلوك أعضاء المهنة، ودرجة معينة من ترسيم المؤهلين من هواة غير مؤهلين يؤدي التحول إلى مهنة إلى العديد من التغييرات الطفيفة في مجال البحث، ولكن أحد العناصر التي يمكن التعرف عليها بسهولة في الاحتراف هو عدم صلة "الكتاب" المتزايد بالمجال: "ستبدأ بيانات البحث في التغيير بطرق التي أصبحت منتجاتها النهائية الحديثة واضحة للجميع ومثبطة للكثيرين، لن يتم بعد الآن تجسيد أبحاث العضو في كتب موجهة إلى أي شخص قد يكون مهتمًا بموضوع المجال كمقالات مختصرة موجهة فقط إلى الزملاء المحترفين، الأشخاص الذين يمكن افتراض معرفتهم بالنموذج المشترك والذين يثبت أنهم الوحيدون القادرون على قراءة الأوراق الموجهة إليهم. لقد مرت الفلسفة بهذه العملية في نهاية القرن التاسع عشر، وهي إحدى السمات المميزة الرئيسية لعصر الفلسفة المعاصرة في الفلسفة الغربية. وكانت ألمانيا أول دولة احترفت الفلسفة. في نهاية عام 1817، كان هيجل أول فيلسوف يتم تعيينه أستاذًا من قبل الدولة، وتحديدًا من قبل وزير التعليم البروسي، نتيجة للإصلاح النابليوني في بروسيا. وفي الولايات المتحدة، نشأ الاحتراف نتيجة للإصلاحات التي أدخلت على نظام التعليم العالي الأميركي الذي يعتمد إلى حد كبير على النموذج الألماني. يصف جيمس كامبل إضفاء الطابع المهني على الفلسفة في أمريكا على النحو التالي: إن قائمة التغييرات المحددة خلال إضفاء الطابع المهني على الفلسفة في أواخر القرن التاسع عشر مختصرة إلى حد ما، ولكن التحول الناتج عنها يكاد يكون شاملاً. لم يعد بإمكان أستاذ الفلسفة أن يعمل كمدافع عن الإيمان أو مشرح للحقيقة. كان على الفيلسوف الجديد أن يكون قائدًا للاستفسارات ومعلنًا للنتائج. لقد أصبح هذا التحول واضحًا عندما حلت شهادات الدكتوراه في الفلسفة (غالبًا ما تكون معتمدة من ألمانيا) محل خريجي اللاهوت والوزراء في فصول الفلسفة. الفترة ما بين الوقت الذي لم يكن فيه أحد تقريبًا حاصلاً على درجة الدكتوراه. عندما فعل الجميع تقريبًا ذلك كان قصيرًا جدًا. علاوة على ذلك، كانت الدكتوراه أكثر من مجرد ترخيص للتدريس: لقد كانت شهادة بأن مدرس الفلسفة المحتمل كان مدربًا جيدًا، وإن كان على نطاق ضيق، وجاهزًا للقيام بعمل مستقل في مجال الفلسفة الأكاديمية المتخصص والمقيد الآن. ان عمل هؤلاء الفلاسفة الجدد في أقسام مستقلة للفلسفة لقد حققوا مكاسب حقيقية في أبحاثهم، وخلقوا مجموعة من العمل الفلسفي الذي يظل محوريًا في دراستنا حتى الآن. وضع هؤلاء الفلاسفة الجدد أيضًا معاييرهم الخاصة للنجاح، ونشروا في هيئات الفلسفة المعترف بها التي تم تأسيسها في ذلك الوقت: أحادي (1890)، المجلة الدولية للأخلاق (1890)، المجلة الفلسفية (1892)، ومجلة الفلسفة وعلم النفس والأساليب العلمية (1904). وبطبيعة الحال، كان هؤلاء الفلاسفة يجمعون معًا في مجتمعات جمعية علم النفس الأمريكية (1892)، والجمعية الفلسفية الغربية (1900)، والجمعية الفلسفية الأمريكية (1900) لتعزيز مواقفهم الأكاديمية والنهوض بعملهم الفلسفي. كان الاحتراف في إنجلترا مرتبطًا بالمثل بالتطورات في التعليم العالي. في عمله، يناقش دينيس لايتون هذه التغييرات في الفلسفة البريطانية ومطالبة جرين بلقب أول فيلسوف أكاديمي محترف في بريطانيا: هنري سيدجويك، في لفتة كريمة، حدد جرين كأول فيلسوف أكاديمي محترف في بريطانيا. من المؤكد أن رأي سيدجويك يمكن التشكيك فيه: ويليام هاميلتون، وفيرير، وسيدجويك نفسه هم من بين المتنافسين على هذا الشرف. ومع ذلك، لا يمكن أن يكون هناك شك في أنه في الفترة ما بين وفاة ميل (1873) ونشر كتاب مور المبادئ الأخلاقية (1903)، شهدت مهنة الفلسفة البريطانية تحولًا، وكان جرين مسؤولًا جزئيًا عن هذا التحول. كان بنثام، وميلز، وكارليل، وكولريدج، وسبنسر، بالإضافة إلى العديد من المفكرين الفلسفيين الجادين الآخرين في القرن التاسع عشرأناسًا من الأدباء والإداريين والسياسيين النشطين ورجال الدين الذين يعيشون، ولكن ليس الأكاديميين. لقد ساعد جرين في فصل الدراسة الفلسفية عن دراسة النصوص الأدبية والتاريخية؛ ومن خلال إنشاء منهج الفلسفة في أكسفورد، أسس أيضًا الأساس المنطقي لمعلمي الفلسفة المدربين. عندما بدأ جرين مسيرته الأكاديمية، تم نشر الكثير من الكتابات الجادة حول الموضوع الفلسفي في مجلات الرأي المخصصة لمجموعة واسعة من الموضوعات (نادرًا ما تكون فلسفة "خالصة"). ساعد في إضفاء الطابع المهني على الكتابة الفلسفية من خلال تشجيع الدوريات المتخصصة، مثل "الأكاديمية" و"العقل"، والتي كانت بمثابة أماكن لنتائج البحث العلمي. النتيجة النهائية لإضفاء الطابع المهني على الفلسفة تعني أن العمل الذي يتم في هذا المجال يتم الآن بشكل حصري تقريبًا من قبل أساتذة الجامعات الحاصلين على درجة الدكتوراه في هذا المجال وينشرون في مجلات عالية التقنية وخاضعة لمراجعة النظراء. في حين أنه لا يزال شائعًا بين عامة السكان أن يكون لدى الشخص مجموعة من الآراء الدينية أو السياسية أو الفلسفية التي يعتبرها "فلسفته"، إلا أن هذه الآراء نادرًا ما تكون مستنيرة أو مرتبطة بالعمل الذي يتم إنجازه في الفلسفة المهنية اليوم. علاوة على ذلك، وعلى عكس العديد من العلوم التي أصبحت صناعة صحية للكتب والمجلات والبرامج التلفزيونية التي تهدف إلى تعميم العلوم وإيصال النتائج التقنية للمجال العلمي إلى عامة الناس، فإن أعمال الفلاسفة المحترفين موجهة إلى الجمهور خارج المهنة تظل نادرة. كتاب الفيلسوف مايكل ساندل "العدالة: ما هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله؟" وكتاب " على هراء " لهاري فرانكفورت هي أمثلة على الأعمال التي تتميز بالتمييز غير المألوف المتمثل في أنها كتبها فلاسفة محترفون ولكنها موجهة إلى جمهور أوسع من غير الفلاسفة وتحظى بشعبية كبيرة في نهاية المطاف. أصبح كلا العملين من أكثر الكتب مبيعًا في نيويورك تايمز. فماهي مميزات المهنة الفلسفية؟

الفلسفة المهنية اليوم

بعد وقت قصير من تشكيلها، اندمجت الجمعية الفلسفية الغربية وأجزاء من جمعية علم النفس الأمريكية مع الجمعية الفلسفية الأمريكية لإنشاء ما هو اليوم المنظمة المهنية الرئيسية للفلاسفة في الولايات المتحدة: الجمعية الفلسفية الأمريكية. تتكون الجمعية من ثلاثة أقسام: المحيط الهادئ، والوسطى، والشرقية. ينظم كل قسم مؤتمرا سنويا كبيرا. وأكبرها هو اجتماع القسم الشرقي، والذي يجذب عادة حوالي 2000 فيلسوف ويعقد في مدينة مختلفة على الساحل الشرقي في شهر ديسمبر من كل عام. يعد اجتماع القسم الشرقي أيضًا أكبر حدث توظيف في الولايات المتحدة الأمريكية لوظائف الفلسفة، حيث ترسل العديد من الجامعات فرقًا لمقابلة المرشحين للمناصب الأكاديمية. ومن بين مهامها العديدة الأخرى، تتولى الجمعية مسؤولية إدارة العديد من أعلى درجات التكريم في هذه المهنة. على سبيل المثال، تعتبر رئاسة أحد أقسام الجمعية الفلسفية الأمريكية شرفًا مهنيًا، كما أن جائزة الجمعية الفلسفية الأمريكية للكتاب هي واحدة من أقدم الجوائز في الفلسفة. أكبر منظمة أكاديمية مكرسة لتعزيز دراسة الفلسفة القارية على وجه التحديد هي جمعية الفينومينولوجيا والفلسفة الوجودية. فيما يتعلق بالمجلات المهنية اليوم، طلب منهم استطلاع عام 2018 للفلاسفة المحترفين تصنيف المجلات الفلسفية "العامة" الأعلى جودة باللغة الإنجليزية، مما أسفر عن أفضل 20 مجلة: فيما يتعلق بالفلسفة القارية على وجه التحديد، طلب منهم استطلاع عام 2012 لأغلب الفلاسفة المحترفين تصنيف المجلات الفلسفية ذات "التقليد القاري" الأعلى جودة باللغة الإنجليزية.

 إدراج أفضل نتائج للاستطلاع:

 ينشر مركز توثيق الفلسفة "دليل الفلاسفة الأمريكيين" الشهير، وهو العمل المرجعي القياسي للمعلومات حول النشاط الفلسفي في الولايات المتحدة وكندا. يتم نشر الدليل كل عامين، بالتناوب مع المجلد المصاحب له، "الدليل الدولي للفلسفة والفلاسفة" (المصدر الوحيد المحرر للمعلومات الشاملة عن النشاط الفلسفي في أفريقيا وآسيا وأستراليا وأوروبا وأمريكا اللاتينية). منذ بداية القرن الحادي والعشرين، شهد الفلاسفة أيضًا الاستخدام المتزايد للمدونات كوسيلة للتبادل المهني. تتضمن بعض المعالم البارزة في هذا التطور قائمة غير رسمية لمدونات الفلسفة التي بدأها الفيلسوف ديفيد تشالمرز والتي أصبحت منذ ذلك الحين مصدرًا مستخدمًا على نطاق واسع من قبل المهنة، وإنشاء شراكة بين مدونة الأخلاقيات والمجلة البارزة الأخلاقيات لنشر مقالات مميزة. للمناقشة عبر الإنترنت حول المدونة، ودور المدونات مثل "كيف تبدو المرأة في الفلسفة؟" في لفت الانتباه إلى تجربة المرأة في المهنة.

الانقسام القاري التحليلي

بداية الانقسام

بدأت الفلسفة القارية المعاصرة بعمل فرانز برينتانو، وإدموند هوسرل، وأدولف رايناخ، ومارتن هيدجر مع تطوير المنهج الفلسفي للفينومينولوجيا. كان هذا التطور متزامنًا تقريبًا مع عمل جوتلوب فريجه وبرتراند راسل الذي افتتحا طريقة فلسفية جديدة تعتمد على تحليل اللغة عبر المنطق الحديث (ومن هنا جاء مصطلح “الفلسفة التحليلية”). تهيمن الفلسفة التحليلية على المملكة المتحدة وكندا وأستراليا والعالم الناطق باللغة الإنجليزية. تسود الفلسفة القارية في أوروبا، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرازيل وأجزاء من الولايات المتحدة. يرى بعض الفلاسفة، مثل ريتشارد رورتي وسيمون جليندينينج، أن هذا الانقسام "القاري التحليلي" معادٍ للمنهج ككل. ويدعي آخرون، مثل جون سيرل، أن الفلسفة القارية، وخاصة الفلسفة القارية ما بعد البنيوية، يجب شطبها، على أساس أنها ظلامية وغامضة. كما تشترك الفلسفة التحليلية والقارية في تقليد فلسفي غربي مشترك حتى إيمانويل كانط. بعد ذلك، يختلف الفلاسفة التحليليون والقاريون حول أهمية وتأثير الفلاسفة اللاحقين على تقاليد كل منهم. على سبيل المثال، تطورت المدرسة المثالية الألمانية من أعمال كانط في ثمانينيات وتسعينيات القرن الثامن عشر وبلغت ذروتها مع جورج فيلهلم فريدريش هيجل، الذي يحظى بتقدير العديد من الفلاسفة القاريين. على العكس من ذلك، يُنظر إلى هيجل على أنه شخصية ثانوية نسبيًا بالنسبة لعمل الفلاسفة التحليليين.

الفلسفة القارية

من المفترض أن يبدأ تاريخ الفلسفة القارية في أوائل القرن العشرين لأن جذورها المؤسساتية تنحدر مباشرة من جذور الفينومينولوجيا. ونتيجة لذلك، غالبًا ما يُنسب الفضل إلى إدموند هوسرل باعتباره الشخصية المؤسسة في الفلسفة القارية. على الرغم من أنه نظرًا لأن الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية لهما وجهات نظر مختلفة تمامًا عن الفلسفة بعد كانط، فغالبًا ما تُفهم الفلسفة القارية أيضًا بمعنى موسع لتشمل أي فلاسفة أو حركات ما بعد كانط مهمة للفلسفة القارية ولكن ليس الفلسفة التحليلية. يشير مصطلح "الفلسفة القارية"، مثل "الفلسفة التحليلية"، إلى مجموعة واسعة من وجهات النظر والمناهج الفلسفية التي لا يمكن استيعابها بسهولة في التعريف. لقد تم اقتراح أن المصطلح قد يكون أكثر تحقيرًا منه وصفيًا، ويعمل كتسمية لأنواع الفلسفة الغربية المرفوضة أو غير المرغوب فيها من قبل الفلاسفة التحليليين.

في الواقع، غالبًا ما يوصف منتقدوها الفلسفة القارية بأنها فلسفة تفتقر إلى دقة الفلسفة التحليلية. ومع ذلك، فقد تم النظر إلى بعض السمات الوصفية، وليس مجرد السمات التحقيرية، على أنها تميز الفلسفة القارية بشكل نموذجي: نحن الذين نصنف أنفسنا كفلاسفة "تحليليين" نميل إلى الوقوع في افتراض أن ولاءنا يمنحنا الفضيلة المنهجية تلقائيًا. وفقًا للصور النمطية الفظة، يستخدم الفلاسفة التحليليون الحجج بينما لا يستخدمها الفلاسفة “القاريون”. لكن ضمن التقليد التحليلي، يستخدم العديد من الفلاسفة الحجج فقط إلى الحد الذي يستخدمه معظم الفلاسفة "القاريين" ؟ كيف يمكننا أن نفعل ما هو أفضل؟ يمكننا أن نبدأ بداية مفيدة من خلال تصحيح الأمور البسيطة. حتى أن الكثير من الفلسفة التحليلية تتحرك بسرعة كبيرة جدًا في عجلة من أمرها للوصول إلى الأجزاء المثيرة. لا يتم إعطاء التفاصيل الاهتمام الذي تستحقه: يتم ذكر الادعاءات الحاسمة بشكل غامض، ويتم التعامل مع الصياغات المختلفة المهمة كما لو كانت متكافئة، ويتم وصف الأمثلة بشكل ناقص، ويتم الإشارة إلى الحجج بدلاً من تقديمها بشكل صحيح، ويتم ترك شكلها دون تفسير، وما إلى ذلك . لم يتم ممارسة الفلسفة أبدًا لفترة طويلة وفقًا لمعايير عالية مثل تلك المتوفرة الآن بالفعل، فقط إذا كانت المهنة ستأخذها على محمل الجد. ان "الصور النمطية الخام" التي يشير إليها ويليامسون هي كما يلي: أن الفلاسفة التحليليين ينتجون تحليلات دقيقة ومدروسة للألغاز الفلسفية الصغيرة التافهة، في حين أن الفلاسفة القاريين ينتجون نتائج عميقة وجوهرية ولكن فقط من خلال استخلاصها من أنساق فلسفية واسعة هي نفسها تفتقر إلى الحجج الداعمة أو الوضوح في تعبيرها. يبدو أن ويليامسون نفسه ينأى بنفسه هنا عن هذه الصور النمطية، لكنه يتهم الفلاسفة التحليليين في كثير من الأحيان بملاءمة الصورة النمطية النقدية للفلاسفة القاريين من خلال التحرك "بسرعة كبيرة" للوصول إلى نتائج جوهرية عبر حجج ضعيفة. في الواقع، غالبًا ما يوصف منتقدوها الفلسفة القارية بأنها فلسفة تفتقر إلى دقة الفلسفة التحليلية. ومع ذلك، فقد تم النظر إلى بعض السمات الوصفية، وليس مجرد السمات التحقيرية، على أنها تميز الفلسفة القارية بشكل نموذجي:

أولاً، يرفض الفلاسفة القاريون عمومًا المذهب العلمي، وهو الرأي القائل بأن العلوم الطبيعية هي الطريقة الأفضل أو الأكثر دقة لفهم جميع الظواهر.

ثانياً، عادة ما تعتبر الفلسفة القارية أن الخبرة تتحدد جزئياً على الأقل بعوامل مثل السياق، أو المكان والزمان، أو اللغة، أو الثقافة، أو التاريخ. وهكذا تميل الفلسفة القارية نحو التاريخية، حيث تميل الفلسفة التحليلية إلى التعامل مع الفلسفة من حيث المشاكل المنفصلة، التي يمكن تحليلها بصرف النظر عن أصولها التاريخية.

ثالثاً، يميل الفلاسفة القاريون إلى الاهتمام بقوة بوحدة النظرية والممارسة، ويميلون إلى رؤية استفساراتهم الفلسفية على أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتحول الشخصي أو الأخلاقي أو السياسي.

رابعاً، تركز الفلسفة القارية على الفلسفة ما وراء الفلسفة (أي دراسة طبيعة الفلسفة وأهدافها وأساليبها). ويمكن العثور على هذا التركيز أيضًا في الفلسفة التحليلية، ولكن بنتائج مختلفة تمامًا.

منهج آخر لتقريب تعريف الفلسفة القارية هو من خلال سرد بعض الحركات الفلسفية التي كانت مركزية في الفلسفة القارية: المثالية الألمانية، والفينومينولوجيا، والوجودية (وسوابقها، مثل فكر كيركجارد ونيتشه)، والتأويلية أو الهرمينوطيقا، والفلسفة القارية، البنيوية، وما بعد البنيوية، والحركة النسوية الفلسفية، والنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت وبعض الفروع الأخرى للماركسية الغربية ومراجعاتها التجديدية.

الفلسفة التحليلية

عادةً ما يرجع تاريخ البرنامج التحليلي في الفلسفة إلى أعمال الفلاسفة الإنجليز برتراند راسل ومور في أوائل القرن العشرين، بناءً على أعمال الفيلسوف وعالم الرياضيات الألماني جوتلوب فريجه. لقد ابتعدوا عن الأشكال الهيجلية التي كانت سائدة آنذاك (معترضين بشكل خاص على مثاليتها وغموضها المزعوم) وبدأوا في تطوير نوع جديد من التحليل المفاهيمي بناءً على التطورات الأخيرة في المنطق. المثال الأبرز على هذه الطريقة الجديدة في التحليل المفاهيمي هو بحث راسل عام 1905 بعنوان "حول الدلالة"، وهو البحث الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه نموذج للبرنامج التحليلي في الفلسفة. على الرغم من أن الفلاسفة المعاصرين الذين يعرفون أنفسهم على أنهم "تحليليون" لديهم اهتمامات وافتراضات وأساليب متباينة على نطاق واسع، وكثيرًا ما رفضوا المقدمات الأساسية التي حددت الحركة التحليلية بين عامي 1900 و1960، فإن الفلسفة التحليلية، في حالتها المعاصرة، عادة ما يتم تعريفها على أنها محددة من خلال أسلوب خاص يتميز بالدقة والشمول حول موضوع ضيق، ومقاومة "المناقشات غير الدقيقة أو المتعجرفة حول مواضيع واسعة". وقد دعا بعض الفلاسفة التحليليين في نهاية القرن العشرين، مثل ريتشارد رورتي، إلى إصلاح شامل للتقليد الفلسفي التحليلي. على وجه الخصوص، جادل رورتي بأن الفلاسفة التحليليين يجب أن يتعلموا دروسًا مهمة من عمل الفلاسفة القاريين. يؤكد بعض المؤلفين، مثل بول  ليفينغستون وشون غالاغر، أن هناك رؤى قيمة مشتركة بين كلا التقليدين بينما دعا آخرون، مثل تيموثي ويليامسون، إلى التزام أكثر صرامة بالمُثُل المنهجية للفلسفة التحليلية: نحن الذين نصنف أنفسنا كفلاسفة "تحليليين" نميل إلى الوقوع في افتراض أن ولاءنا يمنحنا الفضيلة المنهجية تلقائيًا. وفقًا للصور النمطية الفظة، يستخدم الفلاسفة التحليليون الحجج بينما لا يستخدمها الفلاسفة “القاريون”. لكن ضمن التقليد التحليلي، يستخدم العديد من الفلاسفة الحجج فقط إلى الحد الذي يستخدمه معظم الفلاسفة "القاريين" فكيف يمكننا أن نفعل ما هو أفضل؟ يمكننا أن نبدأ بداية مفيدة من خلال تصحيح الأمور البسيطة. حتى أن الكثير من الفلسفة التحليلية تتحرك بسرعة كبيرة جدًا في عجلة من أمرها للوصول إلى الأجزاء المثيرة. لا يتم إعطاء التفاصيل الاهتمام الذي تستحقه: يتم ذكر الادعاءات الحاسمة بشكل غامض، ويتم التعامل مع الصياغات المختلفة المهمة كما لو كانت متكافئة، ويتم وصف الأمثلة بشكل ناقص، ويتم الإشارة إلى الحجج بدلاً من تقديمها بشكل صحيح، ويتم ترك شكلها دون تفسير، وما إلى ذلك. لم يتم ممارسة الفلسفة أبدًا لفترة طويلة وفقًا لمعايير عالية مثل تلك المتوفرة الآن بالفعل، فقط إذا كانت المهنة ستأخذها على محمل الجد. "الصور النمطية الخام" التي يشير إليها ويليامسون هي كما يلي: أن الفلاسفة التحليليين ينتجون تحليلات دقيقة ومدروسة للألغاز الفلسفية الصغيرة التافهة، في حين أن الفلاسفة القاريين ينتجون نتائج عميقة وجوهرية ولكن فقط من خلال استخلاصها من أنساق فلسفية واسعة هي نفسها تفتقر إلى الحجج الداعمة أو الوضوح في تعبيرها. يبدو أن ويليامسون نفسه ينأى بنفسه هنا عن هذه الصور النمطية، لكنه يتهم الفلاسفة التحليليين في كثير من الأحيان بملاءمة الصورة النمطية النقدية للفلاسفة القاريين من خلال التحرك "بسرعة كبيرة" للوصول إلى نتائج جوهرية عبر حجج ضعيفة.

خاتمة

يمكن للفلاسفة ان يمارسوا العديد من الأدوار خارج المهنة الأكاديمية وربما تكون آين راند المثال الأبرز للعمل الفكري المتزامن مع الفلسفة المعاصرة ولكن مساهماتها لم تتم ضمن النظام الفلسفي المهني: "على الرغم من كل شعبية آين راند، إلا أن عددًا قليلاً فقط من الفلاسفة المحترفين أخذوا عملها على محمل الجد. باعتبارها ونتيجة لذلك، فإن معظم الأعمال الفلسفية الجادة حول راند ظهرت في مجلات غير أكاديمية وغير خاضعة لمراجعة النظراء، أو في الكتب، وتعكس المراجع هذه الحقيقة. كان يعمل أيضًا من خارج المهنة فلاسفة مثل جيرد آخينباخ (الفلسفة الصرفة والعملية. ثلاث محاضرات في الممارسة الفلسفية، 1983) وميشيل فيبر (انظر كتابه إثبات الفلسفة، 2008) الذين اقترحوا منذ الثمانينيات العديد من أشكال الاستشارة الفلسفية التي تدعي إعادة الحوارات السقراطية إلى الحياة في إطار شبه علاجي نفسي. فكيف يمكن توظيف الفلسفة في تحرير الشعوب من الاستعمار وتحقيق المساواة بين الأمم والعدالة بين الناس؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في المثقف اليوم