أقلام فكرية

أقلام فكرية

بقلم: كارل ميتشام

ترجمة: د. ابراهيم طلبه سلكها / 2025م

***

The Importance of Philosophy to Engineering

Carl Mitcham

الملخص (بالإسبانية)

لم تُولِ الفلسفة اهتمامًا كافيًا بالهندسة. ومع ذلك، لا ينبغي للهندسة أن تتخذ من هذا الإهمال ذريعة لتجاهل الفلسفة. الحُجّة المطروحة هنا هي أنّ الفلسفة مهمّة للهندسة لثلاثة أسباب على الأقل: أوّلًا، الفلسفة ضرورية لكي يتمكّن المهندسون من فهم والدفاع عن أنفسهم ضد الانتقادات الفلسفية. والواقع أنّ هناك تقليدًا في فلسفة الهندسة تمّ تجاهله حتى من قِبل المهندسين أنفسهم. ثانيًا، الفلسفة، وخاصة الأخلاق، ضرورية لمساعدة المهندسين على التعامل مع المشكلات الأخلاقية المهنية. ودراسة متطلّبات الأخلاق في مناهج كليات الهندسة في الولايات المتحدة تدعم هذا الطرح. ثالثًا، نظرًا للطابع الفلسفي الجوهري للهندسة، يمكن للفلسفة أن تؤدّي بفعالية وظيفة أداة لتحقيق فهم أعمق للهندسة ذاتها.

الملخص (بالإنجليزية)

لم تُعطِ الفلسفةُ الهندسةَ الاهتمام الكافي. ومع ذلك، لا ينبغي للمهندسين أن يستخدموا هذا عذرًا لتجاهل الفلسفة. الحُجّة هنا هي أنّ الفلسفة مهمّة للهندسة لثلاثة أسباب على الأقل: أوّلًا، الفلسفة ضرورية لكي يفهم المهندسون الانتقادات الفلسفية ويدافعوا عن أنفسهم منها. والواقع أنّ هناك تقليدًا في فلسفة الهندسة تمّ إغفاله إلى حدٍّ كبير، حتى من قِبل المهندسين أنفسهم. ثانيًا، الفلسفة، وخاصة الأخلاق، ضرورية لمساعدة المهندسين في مواجهة المشكلات الأخلاقية المهنية. وتدعم دراسة حالة لمتطلبات الأخلاق في مناهج التعليم الهندسي في الولايات المتحدة هذا الرأي. ثالثًا، وبسبب الطابع الفلسفي الجوهري للهندسة، يمكن للفلسفة أن تعمل في الواقع كوسيلة لتحقيق فهم أعمق للهندسة ذاتها.

المقدمة

تتمثّل أطروحة هذه الورقة في أنّه، على عكس ما يُفترض عادة، تُعَدّ الفلسفة ذات أهمية محورية للهندسة. فعندما يقوم المهندسون وطلاب الهندسة — فضلًا عن أولئك الذين يستفيدون من الخدمات الهندسية — برفض التحليل والتأمل الفلسفي باعتبارهما أمرًا هامشيًا بالنسبة لممارسة الهندسة، فإنهم يخطئون على الأقل في بُعدين: تاريخي ومهني.

كما يمكن القول أيضًا إنّ للهندسة أهميّة بالنسبة للفلسفة — وإنّ الفلاسفة قد بذلوا جهودًا غير كافية لفهم الواقع التقني وتقديره، وهو الواقع الذي يفترضون كثيرًا نقده. ولو أنّ الفلاسفة رتّبوا بيتهم الداخلي فيما يخص علاقتهم بالهندسة، لكانت الفلسفة بلا شكّ أكثر أهمية للهندسة مما هي عليه اليوم .

ومع ذلك، وحتى مع الاعتراف بأنّ الفلسفة لم تولِ الهندسة الاهتمام الكافي، فإنّ الفلسفة تظلّ ذات دلالة بالغة الأهمية، بل ومتزايدة، بالنسبة للهندسة. وسيرتكز البرهان الداعم لهذه الأطروحة، على نحو ملائم، إلى الخبرة الهندسية نفسها. وسيمضي البحث عبر مراجعة تاريخية لمحاولات المهندسين ممارسة الفلسفة، جزئيًا كوسيلة للدفاع عن الذات ضد النقد الفلسفي. ثم، في دراسة حالة محورية، سيُعرض تلخيص وتأمّل في الجهود المبذولة داخل مجتمع المهندسين المحترفين في الولايات المتحدة لإدخال الفلسفة في مناهج التعليم الهندسي. أمّا الأقسام اللاحقة من الورقة فستسعى، بجهد أكثر تأمّلًا، إلى استشراف عمق العلاقة بين الهندسة والفلسفة في عالم يزداد تشكُّلًا بواسطة الهندسة. وسأقترح أخيرًا أنّ المهندسين هم الفلاسفة غير المُعترَف بهم للعالم ما بعد الحداثة.

1- الدفاع الذاتي والفلسفة

لنبدأ إذن بمسألة الدفاع عن النفس. وكتمهيد لهذه المسألة، تأمّل عرضًا تخطيطيًا – على طريقة الهندسة – للمشكلة. فالمشكلة تكمن في أن الهندسة والفلسفة يُنظر إليهما، في العادة، على أنهما مجالان منفصلان لا يلتقيان، وذلك على النحو الآتي:1881 IBRAHIM

(شكل يوضح الفصل التام بين المجالين)

في أذهان معظم الناس، لا يبدو أنّ للهندسة والفلسفة صلة وثيقة. فكأنّهما جزيرتان هائلتان تفصل بينهما مساحات واسعة من الماء (انظر: Snow, 1959، لعرض كلاسيكي لهذه الرؤية).

في الواقع، ومن منظور بعض أفراد مجتمع المهندسين — ناهيك عن بعض أفراد مجتمع الفلاسفة — تبدو الحالة أسوأ. إذ جرت العادة على تقسيم الهندسة إلى فروع متعدّدة: الهندسة المدنية، والميكانيكية، والكهربائية، والكيميائية، والنووية، وهندسة الحاسوب، إلخ. وبالمثل، تنقسم الفلسفة إلى فروع مختلفة: المنطق، ونظرية المعرفة، والميتافيزيقا، والأخلاق، والجماليات، والفلسفة السياسية، إلخ. وقد بدا أنّ بعض ممثلي هذه المجالات الفلسفية، لا سيما الأخلاق والجماليات، قد نصبوا مدافعهم على أطراف جزيرتهم الفلسفية لإطلاق النار على مناطق مختارة من عالم الهندسة.

على الأقل منذ ستينيات القرن العشرين، اتهم أعضاء من المجتمع الفلسفي — أو المتحالفون معهم — المهندسين ببناء أسلحة نووية يمكنها تدمير الحضارة كما نعرفها، وتصميم أنظمة مواصلات تشوّه الثقافة الحضرية، وابتكار تقنيات اتصالات يمكن أن تعزّز السلطات المركزية أو السلطوية لدى الحكومات أو الشركات الخاصة، وخلق حواسيب تجرّد الحياة الإنسانية من طابعها الشخصي. وبوجه عام، يقول النقّاد، إنّ المهندسين لوّثوا العالم الطبيعي بالمواد السامة وغازات الاحتباس الحراري، بينما أغرقوا العالم الإنساني بهياكل قبيحة ومنتجات استهلاكية عديمة الفائدة (انظر: Ellul, 1954؛ Mumford, 1967–70).

حتى الفيلسوف مارتن هيدجر، أحد أبرز فلاسفة القرن العشرين، ذهب إلى حدّ القول إنّ جميع هذه الإخفاقات الأخلاقية والجمالية متجذّرة في موقف هندسي أساسي من العالم، يُحوِّل الطبيعة إلى موارد ضمن إطار هيمنة ما يسميه بـ "الجشتِل" Gestell أو التطويق أو "الإطار التقني"[هيدجر، 1954].. وربما كان هيدجر أكثر دقّة في هذه النقطة مما يُدركه البعض. لكن وفقًا لتفسير شائع، يمكن اعتبار هيدجر أنّ "علوم الاصطناع" لدى هربرت سايمون (سايمون ، 1969) (Simon, 1969)، على سبيل المثال، تروّج لأنطولوجيا مقيدة تختزل العالم إلى صيغ رياضية، وإبستمولوجيا واقع افتراضي. كما ربط بعض النقّاد النسويين الهندسة بالهيمنة الأبوية، وبموت الطبيعة، وبفقدان رعاية العالم (ميرشاند "1980") [Merchant, 1980].

تشكل هذه الاتهامات، في جوهرها، هجومًا رجعيًا كبيرًا على التعريف الذاتي للهندسة، وهو التعريف الذي يعود إلى صياغة توماس تردجولد في القرن الثامن عشر، وأعيد تكراره في مراجع أساسية مثل الموسوعة البريطانية وموسوعة ماكغرو- هيل للعلوم والتقنية. ووفقًا للتعريف الكلاسيكي – الذي لا يزال التعريف القياسي الذي يتبناه المهندسون لمهنتهم – فإن الهندسة هي: «تطبيق المبادئ العلمية لتحقيق التحويل الأمثل للموارد الطبيعية إلى هياكل، وآلات، ومنتجات، وأنظمة، وعمليات، بما يعود بالنفع على الإنسانية»(1). أما خلاصة الهجمات الفلسفية، فهي استبدال هذا الفهم التقليدي للذات بآخر قد يُصاغ على النحو التالي: «الهندسة هي الفن العلمي الذي تدمر به فئة معينة من البشر الطبيعة وتلوث العالم بطرق عديمة الفائدة أو ضارة بالحياة الإنسانية»(2).

وبقدر ما أصبح المهندسون واعين بمثل هذه الهجمات — وسعيًا لفهمها والدفاع ضدها — تصبح الفلسفة أمرًا حيويًا لهم. وبالتالي، انخرط بعض المهندسين في دراسة الفلسفة بغية الردّ وبناء حصون ضد هذا الهجوم الفلسفي. وقد نشأت بالفعل مدرسة كاملة من "الفلاسفة المهندسين" تصدّت لهذا التحدّي، غير أنّ هذه المدرسة لم يُعترف بها بصورة كاملة حتى داخل معاهد وكليات الهندسة، ناهيك عن كليات الآداب التي يُدرّس فيها معظم الفلسفة. وسأكتفي هنا بذكر بعض الممثلين البارزين لهذه المدرسة أو التقليد(3):

أول هؤلاء هو إرنست كاب (1808–1896)، المعاصر لكارل ماركس. فعلى الرغم من تلقيه تعليمًا فلسفيًا في الأصل، هاجر كاب من ألمانيا إلى وسط تكساس، حيث أصبح من الرواد، وطوّر رؤية للتقنية باعتبارها امتدادًا معقدًا أو إسقاطًا لقدرات الإنسان وأنشطته. وفي صياغة لاحقة لهذا التصور الأنثروبولوجي الفلسفي للتقنية، كان كاب هو من صاغ مصطلح "فلسفة التقنية" أو **"فلسفة الهندسة"**(4) [كاب، 1877].

ثم أذكر بيتر إنجيلماير (1855–حوالي 1941)، أحد مؤسسي الهندسة المهنية الروسية. فقد جادل إنجيلماير، قبل مئة عام، تحت شعار "فلسفة التقنية"، بضرورة أن تتجاوز التربية الهندسية حدود التعليم التقني البحت. فإذا كان للمهندسين أن يشغلوا مكانتهم المستحقة في شؤون العالم – كما يرى – فلا بد أن يُثقَّفوا ليس فقط في مجالاتهم التقنية، بل أيضًا في معرفة التأثير الاجتماعي للتقنية وأثرها.(5)

وثالث هؤلاء هو فريدريش دساور، الذي يُعد بحق مساهمًا محوريًا في هذا التقليد الفلسفي الهندسي للتقنية. فقد كان مخترع العلاج بالأشعة السينية ذات الاختراق العميق، ومعارضًا سياسيًا للنازية، ومهنيًا تقنيًا في حوار مع فلاسفة كبار مثل كارل ياسبرز، وخوسيه أورتيجا إي جاسيت، وهيدجر، وغيرهم. وقد قدم دساور تفسيرًا للاختراع الهندسي باعتباره خبرة تتجاوز حدود الظواهر الحسية الكانطية، وتصل إلى الأشياء في ذاتها (انظر: دساور، 1959، وهو نسخة معاد كتابتها بالكامل وموسعة جدًا من عمله عام 1927).

وبمعزل عن تفسير دساور، وباعتباره مثالًا أخيرًا على تقليد فلسفة الهندسة، قدّم المهندس المدني النيويوركي صمويل فلورمان تفسيرًا مشابهًا حول "اللذات الوجودية للهندسة"، ردّ فيه على كثير من النقاد الفلسفيين المعاصرين، ودافع عن الهندسة بوصفها نشاطًا إنسانيًا أساسيًا في حد ذاته [فلورمان، 1976]. فالهندسة ليست مجرد وسيلة لتحقيق غايات بشرية أخرى، بل هي نشاط ذو معنى وجودي في ذاته، يحمل قيمة جوهرية أو أصيلة إلى جانب قيمته الأداتية أو الخارجية. (انظر أيضًا: فلورمان، "1981"، " 1978"، "1996 ").

إذن، في المقام الأول، تُعَدّ الفلسفة مهمّة للهندسة لأنّ هناك من ينتقدها فلسفيًا. ومن باب الدفاع عن الذات، على الأقل، ينبغي للمهندسين أن يعرفوا شيئًا عن الفلسفة كي يتمكّنوا من مواجهة نقّادهم. بل إنّ بعض المهندسين قد نهضوا بالفعل لمواجهة هذا التحدّي.

2- المصلحة الذاتية والفلسفة

تُعَدّ الفلسفة مهمّة أيضًا، في مقام ثانٍ، لأنّ المهندسين يواجهون في الواقع مشكلات داخلية أو مهنية يعترفون بأنّها لا يمكن حلّها بطرق هندسية محضة. وأشير هنا بصورة أساسية إلى القضايا الأخلاقية المهنية.

هناك أوقات في عالم الهندسة يطرح فيها المهندسون على أنفسهم أسئلة حول ما ينبغي عليهم فعله، أو كيف ينبغي أن يفعلوه، وهي أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالخبرة التقنية وحدها. فعلى الرغم من أن كلايف دايم يستبعد منهجيًا الجوانب الجمالية – وبالتالي الأخلاق – من تحليله للتصميم، بغية إبقاء مناقشته "محدودة وقابلة للإدارة" [دايم، 1994، ص 15]، إلا أنه يعترف أيضًا بأن الأخلاق تؤدي في كثير من الأحيان دورًا جادًا في التصميم الهندسي(6). إن قضايا السلامة، والمخاطر، وحماية البيئة، ليست سوى أبرز الأمثلة على المتغيرات التي تتطلب حكمًا أخلاقيًا لتقييم أثرها المناسب على قرارات التصميم. ومن ثم، فإن الفلسفة (وخاصة الأخلاق) تمثل حاجة عملية داخلية للهندسة، وهو ما تعترف به بالفعل الجماعة المهنية للهندسة.

ولكي نُوضّح النقطة المطروحة هنا بشكل أوسع قليلًا، دعونا نقارن بين الأدوار التي تؤديها العلوم والآداب في تعليم الهندسة. ولهذا الغرض، سأعرض دراسة حالة تجريبية عن متطلّبات اعتماد برامج التعليم الهندسي في الولايات المتحدة. والهدف من هذا العرض أن أتيح للمهندسين، عبر مجتمعهم المهني، أن يتحدثوا بأنفسهم عن كيف يرون الفلسفة في صالحهم، مع تقديم بعض الشروح المكمِّلة.

الهيئة التي تعتمد برامج التعليم الهندسي في الولايات المتحدة هي مجلس الاعتماد للهندسة والتقنية (Accreditation Board for Engineering and Technology – ABET)، والمعروفة أكثر بالاختصار (ABET). (وقد نشأت ABET عن مجلس تطوير المهندسين المحترفين ECPD، الذي تأسس سنة 1932).

ووفقًا لمعايير الاعتماد الحالية (7) لدى ABET ، تتطلب برامج الهندسة حدًا أدنى من:

1- عام واحد في دراسة الرياضيات والعلوم الأساسية.

2- نصف عام في دراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية.

3- عام ونصف في دراسة موضوعات هندسية.

من المهم التأكيد على أن هذه متطلبات محتوى دنيا، وأن الدرجة الجامعية القياسية في الهندسة بالولايات المتحدة تتطلب دراسة مدتها أربع إلى خمس سنوات.

ولا تشمل هذه المتطلبات الدنيا ما يُعرف بـ "مقررات المهارات"، التي تركز على تنمية الكفاءة في التواصل الكتابي والشفهي، وهي مقررات مطلوبة أيضًا. وإذا ما أُدرجت مقررات مهارات التواصل اللغوي مع مقررات العلوم الإنسانية والاجتماعية – كما هو الحال في التعريفات التقليدية للفنون الحرة – فإن ABET، في الواقع، تفرض على طلاب الهندسة إتمام عام كامل من دراسات الإنسانيات (studia humanitatis).

فلننظر الآن في المبررات التي تقدمها ABET للمكونات الأساسية الثلاثة للتعليم الهندسي. وبالطبع، فإن معيار "الموضوعات الهندسية" لا يحتاج إلى تبرير، إذ إن موضوع البحث هو التعليم الهندسي نفسه. ومع ذلك، من المفيد الإشارة إلى أن "الموضوعات الهندسية" تشمل – صراحة – كلًا من العلوم الهندسية (المتميزة عن العلوم الأساسية) والتصميم الهندسي (المتميز عن غيره من أنواع التصميم) (IV.C.3.d.[3][a]).

أما العلوم الهندسية، فهي "متجذرة في الرياضيات والعلوم الأساسية، لكنها تدفع المعرفة قُدمًا نحو التطبيق الإبداعي" (IV.C.3.d.[3][b]). وهذا التجذر هو ما يبرر اشتراط دراسة مقررات في الرياضيات والعلوم الأساسية. وكما جاء في نص معايير ABET: "إن الهدف من دراسة العلوم الأساسية هو اكتساب معرفة أساسية بالطبيعة وظواهرها، بما في ذلك التعبير الكمي عنها" (IV.C.3.d.[1][b]).

وأما "التصميم الهندسي"، فهو يُعرّف بكونه عملية ابتكار نظام أو مكوّن أو عملية لتلبية حاجات مطلوبة. إنّه عملية اتخاذ قرار (غالبًا تكرارية)، تُطبّق فيها الرياضيات والعلوم الأساسية والعلوم الهندسية لتحويل الموارد بصورة مثلى لتلبية هدف محدّد. ومن الواضح أنّ مثل هذا الفهم للتصميم الهندسي يقدم تبريرًا إضافيًا لمقررات الرياضيات والعلوم الأساسية.

لكن ماذا عن نصف العام المخصّص للعلوم الإنسانية والاجتماعية — أو عام كامل إذا أُدرجت دراسات التواصل الكتابي والشفوي؟ ما مبرّر إدخال هذه المواد كمكوّن رئيسي في متطلبات المنهج الهندسي؟

قبل أن نذكر جواب ABET على هذا السؤال، لاحظ أنّ تعريف ABET للتصميم الهندسي يسقط بهدوء جانبًا جوهريًا من التعريف التقليدي للهندسة. فكما ذُكر سابقًا، فإنّ تعريف تردغولد، والتعريف الأكثر تداولًا حتى وقت قريب، يقول إنّ الهندسة هي: "تطبيق المبادئ العلمية للتحويل الأمثل للموارد الطبيعية إلى هياكل وآلات ومنتجات وأنظمة وعمليات لفائدة الإنسانية".أما ABET فقد استبدلت غاية "الفائدة الإنسانية" و"المنفعة" بعبارات مثل "تلبية بعض الحاجات المطلوبة" أو "تحقيق هدف محدّد". وهكذا أُزيل البُعد المعياري للتعريف التقليدي لصالح عملية محايدة قيميًا أو مرتبطة بالسياق.

لذلك، عند النقطة التي يُبرَّر فيها إدخال العلوم الإنسانية والاجتماعية، تقول معايير ABET: إنّ دراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية لا تخدم فقط أهداف التعليم الواسع، بل تخدم أيضًا أهداف المهنة الهندسية. ومن أجل جعل المهندسين على وعي كامل بمسؤولياتهم الاجتماعية وتمكينهم من النظر في العوامل ذات الصلة في عملية اتخاذ القرار، يتوجّب على المؤسسات أن تفرض مقررات في العلوم الإنسانية والاجتماعية كجزء أساسي من البرنامج الهندسي. وهذه الفلسفة لا يمكن التأكيد عليها بما يكفي.

بمعنى آخر: عندما خُفِّض هدف التصميم الهندسي من "أن يكون نافعًا ومفيدًا للإنسان" إلى كونه عملية مرتبطة بالسياق، صارت العلوم الإنسانية والاجتماعية وسيلة لفهم هذه السياقات وتقييمها. وإلا فإنّ المهندسين سيكونون مجرّد "مرتزقة" — يستطيعون أن يخدموا المهنة على النحو نفسه سواء بتصميم معسكرات اعتقال أو مصانع خضراء (غير ملوِّثة).

إذن، في حين أنّ الرياضيات والعلوم الأساسية تؤسّس للعلوم الهندسية، فإنّ الآداب (الإنسانيات) تؤسّس — بطريقة مختلفة ولكن مرتبطة — للتصميم الهندسي. أفلا يكون من الجريء أن نفترض أنّ التصميم الهندسي، كما يُنظر إليه، هو بمثابة تطبيق إبداعي لأنماط من التفكير ومثل عليا قادمة من العلوم الإنسانية والاجتماعية؟

لننظر سريعًا إلى تجربتين هندسيتين يمكن تفسيرهما على أنّهما تدعمان، من زوايا مختلفة، الفرضية السابقة: الأولى خيالية ولكنها حقيقية في معناها: حالة فاوست في الجزء الثاني من المسرحية لجوته. فـفاوست، وقد هجر أولًا دراساته الإنسانية ثم السحر البدائي، صار في النهاية مهندسًا مدنيًا يبني السدود ويجفّف المستنقعات — لكنه عن غير قصد يتسبّب في مقتل أبرياء. (انظر تعليق المهندس شيلنجر، 1984، حول وضع فاوست).الثانية تاريخية، ولكن أُعيد بناؤها بخيال: حالة المهندس الروسي بيتر بالشنسكي. أُعدم على يد ستالين لأنّه رفض أن يفصل بين المعرفة التقنية والمثل الإنسانية. لكن شبح المهندس المعدوم عاد منتصرًا في حقبة الغلاسنوست التي رافقت انهيار الاتحاد السوفيتي (انظر: Graham, 1993).هذا المعنى يُعاد التأكيد عليه في نهاية بيان معايير ABET: فبعد التأكيد على أنّ الكفاءة في التواصل "أمر جوهري لخريج الهندسة"، يضيف البيان: "إنّ فهم الاعتبارات الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسلامة في الممارسة الهندسية أمر جوهري لنجاح المسيرة المهنية الهندسية".

إنّ ABET تعمل حاليًا على مراجعة معاييرها وتبسيطها. ووفقًا لمجموعة معاييرها الجديدة التي سُمّيت "معايير الهندسة 2000" (Engineering Criteria 2000)، سيُقيَّم اعتماد البرامج الهندسية بناءً على أحد عشر مخرجًا تعليميًا (outcomes)، وهي: ابتداءً من عام 2000، لكي تُعتمَد البرامج الهندسية من ABET، يجب أن تُثبت أنّ خريجيها يمتلكون:

أ- قدرة على تطبيق معارف الرياضيات والعلوم والهندسة.

ب- قدرة على تصميم وتنفيذ التجارب، وكذلك تحليل البيانات وتفسيرها.

ت- قدرة على تصميم نظام أو مكوّن أو عملية لتلبية حاجات مطلوبة.

ث- قدرة على العمل في فرق متعددة التخصصات.

ج- قدرة على تحديد وصياغة وحلّ المشكلات الهندسية.

ح- فهمًا للمسؤولية المهنية والأخلاقية.

خ- قدرة على التواصل بفعالية.

د- تعليمًا واسعًا يتيح فهم أثر الحلول الهندسية في السياق العالمي والاجتماعي.

ذ- إدراكًا لحاجة التعلّم المستمر، وقدرة على الانخراط فيه.

ر- معرفة بالقضايا المعاصرة.

ز- قدرة على استخدام التقنيات والمهارات والأدوات الهندسية الحديثة اللازمة لممارسة الهندسة.

ومن بين هذه المخرجات الأحد عشر، يمكن تصنيف أربعة على الأقل — أي أكثر من ثلثها — على أنّها مرتبطة مباشرة بالآداب والعلوم الإنسانية. وهكذا، مرة أخرى، في برنامج مدته أربع إلى خمس سنوات، يمكن توقّع أن يتجاوز محتوى المقررات الموجّهة نحو studia humanitatis (الدراسات الإنسانية) عامًا دراسيًا كاملًا.ووفقًا للمعايير ذاتها، يجب أن تلتزم هذه المقررات بالتعريفات المتداولة عمومًا للعلوم الإنسانية والاجتماعية: فالإنسانيات هي فروع المعرفة التي تهتم بالإنسان وثقافته، بينما العلوم الاجتماعية هي دراسة علاقات الأفراد داخل المجتمع ومعه. ومن الأمثلة التقليدية على هذه المواد: الفلسفة، والأديان، والتاريخ، والأدب، والفنون الجميلة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والعلوم السياسية، والأنثروبولوجيا، والاقتصاد، واللغات الأجنبية. ومن الأمثلة غير التقليدية: "التقنية والشؤون الإنسانية"، و"تاريخ التقنية"، و"الأخلاقيات المهنية والمسؤولية الاجتماعية".

3- استطراد: ثلاثة أسئلة

إنّ هذا العرض يثير بسهولة ثلاثة أسئلة — أسئلة تستلزم استطرادًا موجزًا. وهذه الأسئلة هي:

1- ماذا يعني استدعاء "التعريفات المقبولة عمومًا" للعلوم الإنسانية والاجتماعية؟ وهل العلوم الإنسانية والاجتماعية، بما في ذلك الفلسفة، بناءات تاريخية أو اجتماعية؟

2- ما الفلسفة تحديدًا؟ وما علاقتها بالآداب (العلوم الإنسانية)؟ وهل يمكن أن تكون الفلسفة — وقد ذُكرت أولًا — أكثر أهمية أو ذات دلالة مغايرة عن غيرها من العلوم الإنسانية والاجتماعية؟

3- في ضوء التعريف المتداول للفلسفة بوصفها تتضمّن الأخلاق — ومع التصريحات الواردة هنا وفيما سبق عن أهمية الأخلاق المهنية لنجاح "المسيرة الهندسية" — فما الذي يمكن للفلسفة والأخلاق أن تقدّماه بصورة ملموسة للهندسة؟

هذه أسئلة جادة، ولا يمكن أن تُجاب بسرعة أو نهائيًا في هذه الورقة. إنها من نوع الأسئلة المفتوحة المصمَّمة لاستفزاز تأمّل ممتد أكثر من تقديم حلول مباشرة. ومع ذلك، من المناسب هنا البدء باستكشاف بعض الحدود الممكنة لهذه الأجوبة.

فيما يخص السؤال الأول: فإنّ الإشارة إلى "التعريفات المقبولة عمومًا" للعلوم الإنسانية والاجتماعية لافتة بحدّ ذاتها؛ فهي تدلّ على وعي بأنّ هذه التعريفات مُنشأة تاريخيًا واجتماعيًا وثقافيًا(8). وهذه البناءات نفسها محلّ نزاع حادّ — بطرق متعدّدة ومختلفة.

وفي الولايات المتحدة يُعرف هذا الصراع متعدد الطبقات باسم "حروب الثقافة" (culture wars). أحد جبهات هذه الحروب دارت بين أنصار مدرسة "الرجال البيض الأموات" (من هوميروس فصاعدًا) الذين يرون الثقافة في التراث الكلاسيكي، وأنصار المدرسة "الصحيحة سياسيًا" الذين يؤكدون أنّنا ضحايا تمييز. وهذه تسميات تبادلية ساخرة أطلقها كل طرف على الآخر. ومن هذه الزاوية، فإنّ عبارة معايير ABET التي تُعرّف الإنسانيات بأنّها "معنية بالإنسان وثقافته" يمكن أن تُعَدّ في آنٍ معًا حذرة — وغير حذرة إطلاقًا.

ومع تجاوز هذا الخلل البيّن، يمكن ملاحظة أنّ المهندسين قد فتحوا جبهة خاصة بهم في هذه "الحروب الثقافية". كما روى جون ستودنماير في كتابه "رواة قصة التقنية " ، فقد تأسست جمعية تاريخ التقنية في أواخر الخمسينيات جزئيًا على يد مهندسين وجدوا أنفسهم مُستبعَدين من التاريخ الغربي بقدر ما استُبعدت النساء أو الأقليات العرقية (ستودنماير "1985" خاصة الفصل الأول ص ص 1- 8). وقد جادل مؤرّخو الهندسة بأنّ التاريخ هو تاريخ التقنية بقدر ما هو تاريخ السياسة. فالعلوم الإنسانية والاجتماعية عكست المصالح المحدودة والتحيّزات الإيديولوجية لغير المهندسين — لا سيما أولئك الذين يستخدمون معرفة السلطة في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية لضبط أنفسهم وغيرهم (في إشارة واضحة إلى فوكو، 1980). وبذلك، كان للمهندسين مصلحة في "فتح الصناديق السوداء" في التاريخ، ليلاحظوا أنّ المشكلات السياسية وحلولها كثيرًا ما تعتمد على مدخلات هندسية، من أجل تضمين المهندسين لا بوصفهم ضحايا آخرين، بل باعتبارهم غزاة غير معترَف بهم.(9)

إذن، فالعلوم الإنسانية والاجتماعية — بما في ذلك الفلسفة — بناءات تاريخية واجتماعية. ومن المهم أيضًا أن نلاحظ أنّ الهندسة بدورها — وإن لم يكن ذلك جليًا دائمًا — بناء تاريخي واجتماعي أيضًا. فكلاهما، الهندسة والفلسفة، لهما أصول تاريخية خاصة، ولم يُفهما أو يُمارسا دائمًا كما هما اليوم.لقد ظهرت الفلسفة كنهج معترف به للحياة الإنسانية في اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد. ووفقًا لرواية أرسطو، نشأت الفلسفة حين استبدل البشر الحديث عن الإله أو الآلهة بالحديث عن الطبيعة (phusis) [الميتافيزيقا، XII، 6؛ 1071b27]. أما اليوم، فقلّة من الفلاسفة يتحدثون عن الطبيعة، بل هم أقرب إلى الحديث عن الظواهر أو اللغة.

أما الهندسة، فقد ظهرت كنشاط إنساني معترف به في لحظة محدّدة من التاريخ — هي القرنان السابع عشر والثامن عشر. فأوائل المهندسين كانوا من العسكريين الذين صمّموا وبنوا وأداروا وصانوا التحصينات وآلات الحرب كالمقاليع والمدافع. وكان مصطلح "الهندسة المدنية" يُشير في الأصل إلى محاولة نقل هذا النشاط والمعرفة من السياق العسكري إلى المدني. وجاء تعريف تردجولد للهندسة — كما ذُكر سابقًا — كجزء من هذا الجهد التاريخي والاجتماعي لنقل المفهوم.

وبالفعل، فإنّ كلًّا من الهندسة والفلسفة يُظهر خصائص مختلفة عبر الجغرافيا كما عبر التاريخ — حتى عند المقارنة بين مجتمعات قريبة مثل أوروبا والولايات المتحدة.

إذن، يمكن القبول بأنّ الهندسة والفلسفة كلاهما بناءان تاريخيان واجتماعيان. وهذا الاعتراف قد يوحي بإعطاء الأولوية للتاريخ والعلوم الاجتماعية في منظومة الآداب.

غير أنّ التاريخ والمجتمع لا يدوران حول التغيّر فقط؛ بل حول الاستمرارية أيضًا. فالبناء التاريخي والاجتماعي ليس من العدم (ex nihilo)، بل هو بالأحرى إعادة بناء. وجهودنا لتسمية ما يخضع لإعادة البناء هذه — أي ما يتجاوز التاريخ إلى حد ما — هي نفسها عرضة للتنقيح. ومع ذلك، في أي لحظة زمنية علينا منطقيًا (ولو مؤقتًا) أن نقبل بناءاتنا الاجتماعية- التاريخية لنشير بها إلى هذه السمات المتجاوزة للتاريخ، أو متعددة الأبعاد التاريخية- الاجتماعية.

وبالنسبة للسؤال الثاني، نسأل: ما هذه السمات المشتركة متعددة الأبعاد التي تُظهرها الفلسفة؟ ما الذي يجعلنا منذ القرن الخامس قبل الميلاد إلى اليوم نتحدث عن وجودها واستمرارها؟ ماذا نعني اليوم بالفلسفة؟

اليوم، تتضمن العناصر المشتركة في الفلسفة مزيجًا من الآتي:

أ- التحليل المفاهيمي: يساعدنا على توضيح وتصحيح الاستخدامات العملية والنظرية للمصطلحات، ويشمل المنطق.

ب- الفحص التأملي للممارسة والفكر: بغية تعميق الفهم أو النقد أو التوسيع، ويشمل مجالات الفلسفة الأساسية: الأخلاق، ونظرية المعرفة، والميتافيزيقا.

ج- التفكير في جوانب الخبرة العامة: بما يتجاوز نطاق أي تخصّص واحد، وقد يكون هنا التركيز جوهريًا أكثر منه منهجيًا.

د- ممارسة أسلوب حياة وفكر مميّز: يُعتبر خيرًا في ذاته، وله معرفة خاصة بالواقع. وقد يُعمَّم هذا إلى ممارسات فرد أو جماعة، كما نقول "فلسفة شخص ما" أو "فلسفة مؤسسة".

كل هذه المظاهر تجعل الفلسفة معنيّة بقضايا غير تجريبية أساسًا، وإن لم تخلُ من مرجعيات واقعية. كما أنّ كل مجال من مجالاتها الأساسية يجمع بين البُعد الوصفي والمعياري، وإن كان البُعد المعياري هو الأصعب في المتابعة دون التخلي عن أبعاده المفاهيمية والنقدية.

تاريخيًا، أدّت الفلسفة أيضًا وظيفة الحاضنة التي خرجت منها العلوم والإنسانيات: فقد ولدت العلوم الطبيعية من "الفلسفة الطبيعية"، وخرجت العلوم الاجتماعية من الفلسفة الاجتماعية، مثلما نجد عند كونت وماركس ودوركايم وفيبر. وبالمثل، انبثقت من التحليل الفلسفي مجالات مثل الاقتصاد، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، ودراسات الأديان.ومن ثمّ، يبدو أن للفلسفة مكانة مميزة بين بقية العلوم الإنسانية والاجتماعية — فهي الأولى بين أندادها. وهو ما يبرر افتراض أنّ الفلسفة، أكثر من غيرها، قد تكون ذات أهمية خاصة للهندسة.

بالعودة إلى السؤال الثالث في هذا الاستطراد، يمكننا أن نتأمل مجددًا: ما الذي تقدّمه الفلسفة، وخاصة في صورة الأخلاق، للهندسة المهنية؟

4- الهندسة والأخلاق

ليس من الصحيح القول إنّ الفلسفة قد احتضنت الهندسة أو رعَتها بالطريقة نفسها التي فعلت بها مع العلوم الطبيعية أو العلوم الاجتماعية أو العلوم الإنسانية. بل إنّ للهندسة نزعة قوية إلى تمييز نفسها عن الفلسفة، لا باعتبارها مجالًا منبثقًا عنها، بل باعتبارها مجالًا مغايرًا لها على نحوٍ حاسم.

كما يلاحظ لويس بوتشياريلي في دراساته الإثنوجرافية عن المهندسين، فإنه حين يشتغل الطلاب على مسائل هندسية، يُنظر عادةً إلى أنّه “لا ينبغي لهم أن يغرقوا في انحرافات ‘فلسفية’ عديمة الجدوى” [بوتشياريلي، 1994، ص 105- 106]. وكما يشير في أكثر من موضع، فإنّ الفلسفة تحمل دلالات سلبية قوية في الوسط الهندسي. ومع ذلك، ففي ختام دراسته، يوضّح بوتشياريلي – المهندس – بعد أن جادل بأنّ التصميم الهندسي عملية اجتماعية، أنّ هذا يعني وجود بدائل. وحين توجد بدائل، كما يقول، فهناك ما هو أفضل وما هو أسوأ. وفي مثل هذا الوضع، يصبح “السؤال المهم والمثير حقًا هو: ماذا نعني بتصميمٍ أفضل؟” [بوتشياريلي، 1994، ص 197]. غير أنّ هذا السؤال في جوهره سؤال فلسفي بامتياز.

لا يمكن معالجة مثل هذه القضية معالجة كافية إلا عبر التحليل المفهومي، والتأمل العقلي، وأنماط التفكير العامة. وبالضبط بسبب كثرة التجليات الخاصة لهذا النوع من التساؤل — أي التساؤل: “ماذا نعني بتصميم أفضل؟” — أقام المهندسون جسورًا، وإن لم يدركوا هم أو الفلاسفة دائمًا أنها كذلك، بين الهندسة والفلسفة، ولا سيما نحو ذلك الفرع من الفلسفة المتمثل في الأخلاق. وباختصار، يمكن تمثيل هذا التحول من صورتين دائريتين متباعدتين إلى وضعٍ أشبه بما يلي:1882 IBRAHIM

الشكل (ب)

التداخل بين الهندسة والفلسفة عبر سؤال: "ما هو التصميم الأفضل؟".

في محاولة للبدء في معالجة المعضلات التصميمية والتشغيلية التي خضعت للتدقيق في قضايا محددة مثل: خزان وقود سيارة فورد بينتو الذي كان عرضة للانفجار عند الاصطدام الخلفي [بيرش وفيلدر، 1994]، وفشل نظام التحكم الآلي في قطارات النقل السريع لمنطقة خليج سان فرانسيسكو (BART) [أندرسون، بيريكوتشي، شيندل وتراختمن، 1980]، وأعطال باب شحن طائرة DC- 10 وحوامل محركها [كيرد وماي، 1984؛ فيلدر وديرش، 1992]، ومفاصل الوقود الصلب في معززات المكوك الفضائي تشالنجر [بوا جولي، 1991؛ فوغان، 1996] — وهي أربعة أمثلة أمريكية معروفة تمثل مجالات الهندسة الميكانيكية والحاسوبية والطيرانية والإنشائية — قام مهندسون بارزون مثل ستيفن أونغر [أونغر، 1994]، ورولاند شينزينغر [مارتن وشينزينغر، 1996]، وتشارلز هاريس ومايكل رابنز [هاريس، بريتشارد ورابنز، 1995]، وآرن فيسيليند وأليستير غَن [فيسيليند وغَن، 1998]، وغيرهم بـ:

(أ) إجراء تحليلات مفهومية لما هو صواب أو خطأ، وما هو خير أو شر في الممارسة الهندسية؛

(ب) السعي إلى تعميق انعكاسي لفهمهم للأبعاد الأخلاقية في التجربة الهندسية؛

(ج) متابعة أبحاث تعاونية متعددة التخصصات تتناول مواثيق أخلاقيات المهنة، والإجراءات التأديبية، والاستراتيجيات التعليمية الأخلاقية، وغيرها.

ومع ذلك، فإنّه إلى جانب جهود هؤلاء المهندسين المتخصصين في الأخلاقيات لتحليل مواثيق السلوك المهني، وتعميق الأبعاد الأخلاقية للممارسة الهندسية انعكاسيًا، وإعادة بناء المنظمات المهنية بما يضمن دعمًا أفضل لاستقلالية الممارسة الهندسية، والانخراط في جهود تربوية متعددة التخصصات، يمكن تمييز نزعة أخلاقية أساسية كامنة في صميم التحليل الهندسي للتصميم. ولعدم وجود عبارة أفضل، يمكنني أن أسمّيها الالتزام بضرورة البقاء على اتصال(10). إنّ الفشل في البقاء على اتصال بحدود الوضع الإنساني، هو على سبيل المثال أحد الأوجه الممكنة لتعريف مشكلة فاوست بوصفه مهندسًا. أمّا الإصرار على البقاء على اتصال بما هو معروف واقعيًا وعمليًا عن العالم، فقد كلّف كثيرًا من المهندسين، مثل بالتشينسكي، وظائفهم إن لم يكن حياتهم نفسها.

ان أحد الدوافع الكامنة وراء نمذجة كليف دايم الحاسوبية لتمثيل التصميم، هو تعزيز التواصل بين مهندسي التصميم وفِرق التنفيذ، وذلك لتجنّب الكوارث التي قد تنجم عن سوء الفهم، كما حدث في انهيار الممشى العلوي بفندق هايـات ريجنسي في مدينة كانساس، حيث فشل المُصنِّع في إدراك الأهمية الحاسمة لمواصفة تصميمية جوهرية [مارشال وآخرون، 1982؛ وانظر تحليل دايم، 1998]. غير أنّ خطأ مقاول فندق هايـات ريجنسي كان بدوره نتيجة لفشلٍ في التصميم الهندسي، إذ لم يُدرك المهندسون المشكلة الإنشائية الملازمة لتلك المواصفة التصميمية الحرجة محل النزاع.

لم تكن قضبان التعليق الطويلة بما يكفي لنقل حمولة ممشى الطابق الثاني عبر ممشى الطابق الرابع مباشرةً إلى الجمالونات السقفية في الأعلى متوافرة. ولأنّ المقاول لم يفهم ديناميكية انتقال الأحمال، استبدل قضيبين قصيرين بها، مما جعل ممشى الطابق الثاني معلّقًا فعليًا بممشى الطابق الرابع. لقد أبرزت هذه الحادثة الحاجة الماسّة إلى تحسين التواصل — أي تعزيز الصلة — بين نية التصميم وتجسيده في التنفيذ؛ وهذه الحاجة تمثل ضرورة أخلاقية بقدر ما هي تقنية.

قد يكون من الصحيح، كما يجادل المهندس هنري بيتروسكي، أنّ فشل التصميم أمر ملازم للممارسة الهندسية بما تنطوي عليه من قابلية للخطأ، وأنه يمثل جزءًا من منحنى التعلّم الذي يشكّل بدوره جوهر التقدّم التقني [بيتروسكي، 1985]. غير أنّ التحليل المفهومي والتأمل النقدي يكشفان أنّ الإخفاقات ليست جميعها متساوية. بل إنّ التحليل الفلسفي والتفكير التأملي يشكّلان جزءًا من العملية نفسها التي يتعلّم من خلالها المهندسون من إخفاقات التصميم. وهنا يُعدّ عمل كلَيف دايم حول "لغات التمثيل في التصميم" مثالًا بارزًا على ذلك.

من الجوهري في هذا السياق التأكيد على أنّه لا ينبغي النظر إلى التخصصات باعتبارها حواجز في وجه المتطفلين، بل باعتبارها مجالات انتقائية تشجّع على أشكال متباينة من النمو. فنحن جميعًا — إلى حد ما — مهندسون، ما دمنا نصمّم ونبني وندير العوالم الصغرى في حياتنا اليومية. بل إنّ أمرًا بسيطًا مثل تعبئة صندوق هو مشكلة تصميمية مصغّرة يومية. وبالمثل، نحن جميعًا — إلى حد ما — طلاب فلسفة، بقدر ما ننخرط في التحليل المفهومي والتأمل والتعميم بشأن جوانب حياتنا وأعمالنا.

وبما أنّ الأمر كذلك — أي بما أنّنا أشخاص مُعزَّزون على نحوٍ انتقائي — يصبح من الممكن، بل ومن المنطقي، أن نتوجّه إلى أفراد آخرين أو جماعات مهنية أخرى ممن يتمتعون بأشكال مميزة من التعزيز لطلب المساعدة. وبما أنّ المهندسين يمارسون الفلسفة بالفعل إلى حد ما، فإنّ من الطبيعي أن يمدّوا الجسور إلى الفلاسفة (الذين يمارسون بدورهم الهندسة بدرجة ما) وأن يطلبوا عونهم. وهذا ما فعله بالفعل مهندسون مثل أونغر، وشينزينغر، ورابنز، وقد استجاب لهم فلاسفة مثل توم روجرز، ومايك مارتن، ومايكل بريتشارد(11). وفي كل حالة من هذه الحالات، نحن أمام أكثر من مجرد بناء جسر بين الهندسة والأخلاق؛ فما نراه الآن هو اندماج جزئي أو تداخل فعلي بين عالمي الهندسة والفلسفة، وهو ما يمكن تمثيله على النحو التالي:1883 IBRAHIM

5- المعرفة الذاتية والفلسفة:

ما بعد الأخلاقيات التطبيقية

لقد تكونت الهندسة في الماضي تاريخيًا واجتماعيًا بطريقة أبعدتها عن الفلسفة. كما أنّ الفلسفة في الماضي ربما سعت بدورها إلى إبقاء الهندسة على مسافة. غير أنّ الزمن والعالم قد تغيّرا. وتغيّرت الهندسة بدورها. بل يمكنني أن أجرؤ على القول إنّها أصبحت أكثر فلسفية بكثير. فهي اليوم ليست مثقلة بالقضايا الفلسفية فحسب، بل تمثل أيضًا أسلوب حياة يحمل دلالة فلسفية عميقة. أما الفلسفة، فمن جهتها، فقد باتت أكثر انفتاحًا على الفكر والممارسة الهندسية — وإن لم يكن ذلك بالقدر أو بالسرعة التي يرى البعض أنها مناسبة.

لماذا تُعَدّ الفلسفة مهمة للهندسة؟ لقد جادلتُ بأنّ السبب الأول هو الدفاع عن الذات في مواجهة النقاد الفلاسفة. والسبب الثاني هو المصلحة الذاتية، إذ تساعد الفلسفة على معالجة قضايا السياق الاجتماعي والأخلاق داخل الممارسة الهندسية. غير أنّ هناك سببًا ثالثًا يجعل الفلسفة مهمة للهندسة: وهو أنّ الهندسة بصدد بلورة فلسفة جديدة للحياة. وفي هذه الحالة لا يقتصر الأمر على بناء جسور، بل نشهد ما يشبه حركة الصفائح التكتونية؛ حيث لا تلتقي القارات فحسب، بل تبدأ أيضًا في التداخل والتأثير الجيولوجي المتبادل.

وكما أنّ حركة الصفائح التكتونية بطيئة إلى حدٍ لا يُدرَك بسهولة، وبالتالي يصعب تقديرها، فإنّ هذا التفاعل الثالث بين الهندسة والفلسفة يتسم بالبطء نفسه. وهو تفاعل يقوم في جوهره على المعرفة الذاتية، بل ويتطلب تعميق هذه المعرفة لدى جميع الأطراف المنخرطين فيه.

ما الذي يمكن أن يقدّمه التحليل المفهومي والبصيرة التأملية والتفكير البين- تخصصي للهندسة؟ إنّ مجرد طرح السؤال بهذه الصياغة يكاد يكون جوابًا بحد ذاته. أليست الهندسة هي الأخرى مميّزة بطابع التحليل المفهومي، والرؤية التأملية، والتفكير العابر للتخصصات؟

كلما ازددنا انخراطًا في بناء العالم، ازداد إدراكنا للعالم بوصفه عالمًا مُنشأ. ومع انتقال البشر من عالم طبيعي إلى عالم مشكَّل بالصناعة اليدوية ثم إلى عالم هندسي، فلا شك أنّه ليس من قبيل المصادفة أن تُطرَح التساؤلات حول الطبائع والماهيات، وأن تحلّ العملية محل الجوهر، وأن يُعاد تأطير المعرفة أكثر فأكثر ضمن الاقتصاد والسياسة بقدر ما تُصاغ في إطار المنهجيات المعرفية. كما لم يعد غريبًا أن تتصدّر القضايا الأخلاقية النقاشات العامة والتقنية على حد سواء، عبر طيف واسع من الأنشطة الإنسانية، بدءًا من الطب وصولًا إلى الحوسبة.

إنّ الخطابات الفلسفية التطبيقية مثل أخلاقيات الطب وأخلاقيات البيئة وأخلاقيات الحاسوب وأخلاقيات الهندسة لا تمثل في الحقيقة سوى قمة جبل جليدي يتشقق في بحر من التأملات الميتافيزيقية (من الكوسمولوجيات العلمية إلى الوجوديات الجديدة القائمة على إسقاطات المخاطر، والشبكات الإلكترونية، والواقع الافتراضي)، والانفجارات المعرفية (مثل الإحساس والإدراك المتجاوز للإنسان أو البعيد المدى، وجمع البيانات وتحليلها آليًا، والمقالات البحثية التي تتحوّل إلى إعلانات وحملات ترويجية للجولة التالية من المنح)، وكذلك التكوينات الجمالية (عروض الوسائط المرئية والتحليلات الاحتمالية، والاتصالات عبر النصوص الفائقة، والمشروعات الهندسية من الماكرو إلى المايكرو، والمواقع التفاعلية على شبكة الإنترنت).

قد يكون عالمنا مخترقًا بالتكنولوجيا في كل تفاصيله، غير أنّ هذه التكنولوجيا نفسها متشابكة بدورها مع حوار فلسفي عميق. بل إنّ هذه التحوّلات ذاتها في عالم المعيشة هي ما جعلته الفلسفة ما بعد الحداثية موضوعها الرئيس، في الوقت الذي يبتكر فيه المهندسون تلك التحوّلات عينها التي يتحدث عنها الفلاسفة. غير أنّ المهندسين ظلّوا صامتين. وبسبب هذا الصمت تحديدًا، فقد همّشوا — على نحوٍ مفارق — قدراتهم، إذ فشلوا في إدراك ذواتهم وممارساتهم بوصفها جزءًا مركزيًا من البنية الفوقية الثقافية التي يُنشئونها، والتي تعود فتُنشئهم بدورها.

لنأخذ مثالًا على ذلك: مركز أبحاث زيروكس بالو ألتو (PARC). فهذا المركز البحثي الهندسي يُعَدّ، ربما أكثر حتى من مختبرات بِل، واحدًا من أعظم مراكز الابتكار في التاريخ. ففي أواخر ستينيات وأوائل سبعينيات القرن العشرين، ابتكر المركز جميع العناصر الكبرى تقريبًا التي شكّلت لاحقًا ثورة الحاسوب الشخصي: الواجهة الرسومية، والفأرة، وغيرها. غير أنّ راعيه المؤسسي أخفق في استثمار تلك الابتكارات التقنية الريادية [سميث وألكسندر، 1988]. لقد استُلهم إبداع زيروكس PARC جزئيًا من تفاعلاته الفلسفية وحساسيته تجاه التطورات الثقافية. غير أنّه، في تفسير معقول، عجز عن تسويق تلك الابتكارات بسبب استجابته السلبية تجاه المؤثرات الفلسفية والثقافية ذاتها.

إنّ مارك وايزر، كبير التقنيين الحالي في مركز أبحاث زيروكس PARC، المتأثر في رؤيته بالانعكاسات الفلسفية العميقة لكلٍّ من هيربرت سايمون، ومايكل بولاني، وهانس جورج جادامر، ومارتن هايدغر، يتجاوز حدود الحواسيب المركزية والشخصية ليطرح ما أسماه بـ الموجة الثالثة من “الحوسبة الشاملة” (Ubiquitous Computing أو Ubicomp)(12). ومن خلال هذا المفهوم، يعمل وايزر مع غيره من مهندسي زيروكس PARC على جعل الحواسيب تندمج في خلفية حياتنا اليومية، لتتلاشى في بيئتنا المحيطة(براند "1987"). ومع ذلك، فإن مراكز الابتكار الهندسي الجذري المماثلة، مثل معمل الوسائط في معهد MIT، تُظهر ميلًا قويًا إلى امتصاص التأثيرات الفلسفية لما بعد الحداثة فحسب، حتى وهي تُجسِّدها وتعيشها في ممارساتها.

إنّ عملية التصميم الهندسي تجسّد وتُظهر بالضبط ذلك النمط من العمليات الطارئة، واللامتمركزة، والمتخطّية للحدود، والمنتجة لأنماط جديدة من التنظيم، وهي العمليات التي تقوم ما بعد الحداثة بتحليلها واستكشافها والاحتفاء بها. فالمهندسون يعيشون ما بعد الحداثة، لكنهم لا ينطقون بها.

إنّ المهندسين هم الفلاسفة غير المُعترَف بهم للعالم ما بعد الحداثي. فما يميّز القاعدة المادية لما بعد الحداثة هو أنّها مادية مُهندَسة. إنّ الطابع المرح في عمارة ما بعد الحداثة لدى روبرت فنتوري ليس سوى لعبٍ هندسي بارع(فينتيورينى "1977") . أما فرانسوا ليوتار، فإنّ “الوضع ما بعد الحداثي” لديه، القائم على المرجعية الذاتية، إنما يحاكي الممارسات والإجراءات التكرارية ذات المرجعية الذاتية التي يقوم عليها التصميم الهندسي (ليوتار"1979"). وأما الكائن الهجين – الكايوتي/السيبورغ – العابر للحدود عند دونا هاراواي، فلن يكون له وجود أصلًا لولا التكنولوجيا الطبية الحيوية(هاراواي "1991").

لقد اعتمد الإنسان، على مدى آلاف السنين، في صنعه واستعماله، على ما هو مُعطى في الطبيعة. وفي ظل هذه الظروف، ظلّ الاصطناع محدودًا على نحوٍ لا يمكن تجاوزه، سواء من حيث الكم أو من حيث الجوهر. وكان هذا النقص في الكم ينعكس في خصوصية ما يُصنع يدويًا وذهنيًا، حيث لا يتجاوز الجمال الظاهر لتلك المصنوعات سطحها الخارجي. وقد كتب أرسطو قائلًا: “لو نبت السرير، لما خرج سرير، بل شجرة بلوط” [الطبيعة، الكتاب الثاني، الفصل الأول؛ 193b10].

إنّ الاستخراج الهندسي من الطبيعة لكلٍّ من المواد الخفية والطاقات، إلى جانب تصميم الآلات العاقلة، قد أتاح انتشارًا كميًا واسعًا للصناعة المصطنعة وتوحيد معاييرها المنسّقة. وقد بدا أنّ هذا التوحيد حرم العالم من جمال الصنعة اليدوية بوصفه ثمناً ضروريًا للرخاء. غير أنّ التوحيد الذي أقامه المهندسون، ليس فقط بآلاتهم وعملياتهم الصناعية، بل أيضًا من وراء الكواليس عبر التفاوض حول الرموز التقنية، قد أنبأ مع ذلك بوجود مادي مصنوع يشكّل أساس بيئة جديدة من الصناعة المصطنعة.

ومع امتداد العمليات الهندسية إلى المستويات الدقيقة، والنانوية، والجينية، والجزيئية، والذرية، بل وما دون الذرية، فإن منتجاتنا الجديدة، حين تنبثق، لا تُبعث من موادها القديمة الخالية من الشكل، بل في بنيات جديدة مشكّلة بعناية.

لم يعش أحد بعمق في هذا العالم الصناعي الحي كما فعل المهندسون. فهم لا يزالون في بداية مساعيهم لمشاركة حياتهم التصميمية مع العالم الأوسع عبر التحليل المفهومي والتأمل النقدي. وهذا التحليل والتأمل يمكن أن ينتفع منه العالم الفلسفي بلا شك، ويمكنهم هم أيضًا أن يساهموا فيه، إذا ما بذلوا الجهد لدخول هذا المجال.

لماذا تُعَدّ الفلسفة مهمة للهندسة؟ في جوهر الأمر وأعمقه، لأنّ الهندسة هي الفلسفة ذاتها — ومن خلال الفلسفة تصبح الهندسة أكثر تحقيقًا لذاتها.

أيها المهندسون في العالم، تفلسفوا! فلن تخسروا شيئًا سوى صمتكم.(13)

***

قسم الفلسفة

برنامج العلم، التكنولوجيا، المجتمع

جامعة ولاية بنسلفانيا

University Park ، بنسلفانيا 16802،

الولايات المتحدة الأمريكية

البريد الإلكتروني: [email protected]

.....................

الملاحظات

1- الموسوعة البريطانية الجديدة (1995)، المعجم الصغير، المجلد 4، ص 496.الموسوعة ماكجرو- هيل للعلوم والتقنية (1997)، المجلد 6، ص 435، "كنوز الحداثة" يوسّع هذا التعريف عند وصفه للهندسة بأنها: «بأبسط صورة، هي فن توجيه المصادر العظمى للقوة في الطبيعة من أجل خدمة الإنسان وراحته. وفي صورتها الحديثة تشمل: الإنسان، والمال، والمواد، والآلات، والطاقة». أما الصياغة الأصلية لتوماس تردغولد فكانت: «الهندسة هي فن توجيه المصادر العظمى للقوة في الطبيعة من أجل استخدام الإنسان وراحته» (من مسودة ميثاق المؤسسة البريطانية للمهندسين المدنيين، 1828).

2- «إن ما نسمّيه قدرة الإنسان على الطبيعة يتضح أنه ليس سوى قدرة يمارسها بعض البشر على بشر آخرين مستخدمين الطبيعة كأداة» [لويس (1947)، ص 35].

3- للاطلاع على سرديات موسّعة حول الفلسفات الهندسية للتقنية المشار إليها أدناه، والأفكار ذات الصلة، انظر: ميتشام (1994)، ص ص 19- 38. كما يمكن العثور على بعض هذه المادة أيضًا في: ميتشام (1989)، الجزء الأول.

4- إنّ كلمة Technik بالألمانية يمكن ترجمتها إلى كلٍّ من: التقنية والهندسة.

5- أفضل دراسة عن إنغلمانير هي: غوراخوف (1997).

6- في محادثة شخصية بمدينة دلفت – هولندا، بتاريخ 17 أبريل 1998، أقرّ دايم بأهمية الأخلاق.

7- جميع الاقتباسات من مواد ABET مأخوذة من وثائق متاحة على الإنترنت عبر الرابط: http: //www.abet.org. وجميع الاقتباسات من المواد ذات الصلة مذكورة في النص مع الإشارة إلى أرقام الأقسام والفقرات.

8- لأغراض البحث الحالي أستخدم مصطلحي التاريخي والاجتماعي كمؤهّلين أساسيين، مع الاعتراف بأنّه في سياقات أخرى سيكون من الضروري وضع تمييزات أكثر دقة.

9- على الرغم من أنّ مفهوم فتح “الصندوق الأسود” صار مرتبطًا ببرامج علماء الاجتماع في مجال التقنية (وخصوصًا الموجّهة تاريخيًا) مثل برونو لاتور وويبه بيكر، فإنّ الاقتراح الأصلي جاء من مؤرّخ الهندسة إدوين لايتون [لايتون (1977)، ص 198]. وقد طوّره لاحقًا الاقتصادي ناثان روزنبرغ [روزنبرغ (1982)] قبل أن يُطرح باعتباره برنامجًا لدراسات التقنية [بيكر، هيوز، وبنش (1987)].

10- شرح آخر مختلف ولكنه مرتبط بهذا الواجب الأخلاقي الهندسي، انظر: ميتشام (1994أ).

11- شارك الفيلسوف سي. توماس روجرز مع أونغر في أعمال بحثية حول أخلاقيات الهندسة، وأُشير إليه في أونغر (1994)، ص 115. كما ألّف الفيلسوف مايك دبليو. مارتن بالاشتراك مع المهندس رولاند شينزنغر كتاب أخلاقيات في الهندسة [مارتن وشينزنغر (1996)]. وعمل الفيلسوف مايكل إس. بريتشارد على نطاق واسع مع المهندسين تشارلز هاريس ومايكل رابنز، وهو تعاون انعكس ليس فقط في كتابهم أخلاقيات الهندسة: مفاهيم وحالات [هاريس، بريتشارد، ورابنز (1995)]، بل أيضًا في مجموعة من أكثر من ثلاثين حالة دراسية متاحة عبر الرابط: http: //ethics.tamu.edu

12- وايزر (1991)، ص ص 94- 95، 98- 102، و103. مزيد من المعلومات متاح على الرابط:

http: //sandbox.xerox.com/hypertext/weiser/UbiHome.html

. انظر أيضًا الانفتاح الفلسفي الواضح لدى المهندسين تيري وينوغراد وفرناندو فلوريس [وينوغراد وفلوريس (1987)].

13- طُوِّر هذا الطرح لأول مرة كمحاضرة عامة في جامعة دلفت التقنية – هولندا، بتاريخ 16 أبريل 1998، بالتزامن مع ورشة عمل دولية بعنوان «التحوّل التجريبي في فلسفة التقنية». ومن المخطط أن يُنشر إصدار موسّع منه عبر جامعة دلفت التقنية. كما من المقرر أن يُنشر مجلّد وقائع الورشة، بتحرير خاص من بيتر كروس وأنطوني مييرز، في عدد لاحق من مجلة أبحاث في فلسفة التقنية.

المراجع

- ويبيكر، توماس هيوز، وتريفور بنش (محررون) (1987): البناء الاجتماعي للأنظمة التكنولوجية: اتجاهات جديدة في سوسيولوجيا وتاريخ التقنية. كامبريدج، ماساتشوستس: مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

- ل. ل. بوتشياريلي (1994): تصميم المهندسين. كامبريدج، ماساتشوستس: مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

- مايكل ديفيس (1998): التفكير كمهندس: دراسات في أخلاقيات مهنة. نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد.

- بيتر تورستون دوربين (محرر) (1991): وجهات نظر نقدية حول العلم والهندسة غير الأكاديمية. بيتلهيم، بنسلفانيا: مطبعة جامعة لِهاي.

- بيتر تورستون دوربين (محرر) (1992): المسؤولية الاجتماعية للمهندس: التزامات المهندس. نيويورك: جارلاند للنشر.

- غيرهارد إنغلمانير (1989): فلسفة التقنية: الأسس، المشكلات، والآفاق. ميونخ: بك.

- أندرو فينبرغ (1991): النظرية النقدية للتقنية. نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد.

- أندرو فينبرغ (1995): حداثة بديلة: التحول التقني في الفلسفة والنظرية الاجتماعية. بيركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا.

- ر. ج. فري، وك. و. موريس (محرران) (1991): القيمة، الرفاهية، والأخلاق. كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج.

- فيكتور غوراخوف (1997): التفكير التكنولوجي والتفكير الهندسي. موسكو: معهد الفلسفة، الأكاديمية الروسية للعلوم.

- تشارلز هاريس، مايكل بريتشارد، ومايكل رابنز (1995): أخلاقيات الهندسة: مفاهيم وحالات. بلمونت، كاليفورنيا: وادزورث.

- برونو لاتور (1987): العلم في العمل: كيف نتابع العلماء والمهندسين عبر المجتمع. كامبريدج، ماساتشوستس: مطبعة جامعة هارفارد.

- إدوين لايتون (1977): شروط التطور التكنولوجي. في: إسبايغل- روزينغ ودي سولا برايس (محرران)، العلم، التقنية، والمجتمع: منظور متعدد التخصصات. لندن: سِيج.

- كليف ستايبل لويس (1947): إلغاء الإنسان. لندن: مطبعة جامعة أكسفورد.

- مايك و. مارتن، ورولاند شينزنغر (1996): الأخلاقيات في الهندسة. نيويورك: ماكغرو- هيل.

- كارل ميتشام (1989): ما هي فلسفة التقنية؟ في: بيتر دوربين (محرر)، الفلسفة والتقنية: تفسيرات واسعة وضيقة. دوردريخت: كلور، ص ص 167–197.

- كارل ميتشام (1994): التفكير عبر التقنية: الطريق بين الهندسة والفلسفة. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو.

- كارل ميتشام (1994أ): أخلاقيات الهندسة. في: لورانس بيكر (محرر)، موسوعة الأخلاق. نيويورك: جارلاند.

- ناثان روزنبرغ (1982): داخل الصندوق الأسود: التقنية والاقتصاد. كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج.

- د. ك. سميث، وروبرت ألكسندر (1988): إضاعة المستقبل: كيف اخترعت زيروكس أول حاسوب شخصي ثم تجاهلته. نيويورك: ويليام مورو.

- ستيفن أونغر (1994): التحكم في التقنية: الأخلاقيات والمهندس المسؤول. نيويورك: وايلي.

- والتر فينسنتي (1990): ما يعرفه المهندسون وكيف يعرفونه: دراسات تحليلية من تاريخ الطيران. بالتيمور: مطبعة جامعة جونز هوبكنز.

- مارك وايزر (1991): الحاسوب للقرن الحادي والعشرين. ساينتيفك أمريكان (سبتمبر)، ص ص 94–104.

- تيري وينوغراد، وفرناندو فلوريس (1987): فهم الحواسيب والإدراك: أساس جديد للتصميم. نوروود، نيوجيرسي: إيبلكس.

هناك عدد هائل من النظريات التي تفسر سقوط الدول الامبراطورية لكن واحدة من أهم تلك النظريات والاكثر انتشارا هي النظرية الماركسية. كتب ماركس عن تناقضات الرأسمالية الناتجة عن عدم قدرة المنتجين في المجتمع على شراء منتجاتهم وما يتبع ذلك حتماً من دورات للكساد والانحدار الاقتصادي. هذه التناقضات تنطبق على جميع المجتمعات التاريخية عندما تستحوذ الطبقة الحاكمة او النخبة على حصة من الموارد المتوفرة أكثر مما ينبغي. عندما تأخذ النخبة القسم الاكبر من الموارد، فان عامة الناس يصبحون غير قادرين على استهلاك منتجات الصناعة. هذه النظرية تصف وبشكل ملائم – وان بشكل تدريجي أحيانا – الكيفية التي سقطت بها الامبراطوريات السابقة في الفوضى، وتحطمت ليس بقوى خارجية وانما بفعل ممارساتها الإستغلالية. هذا قاد الى مصاعب داخلية وكساد وتمرّد ومن ثم الى غزو خارجي محتمل.

العنصر الأساسي لتكوين وبقاء وانحدار كل المجتمعات التاريخية هو استعمالها للدخل الفائض والموارد. بدون ان تتمكن النخبة من استخلاص فائض المنتج للاحتياجات الفورية – على شكل طعام وأسلحة وسلع الترفيه، وبضائع اخرى وخدمات يتم انتاجها بواسطة الفلاحين والحرفيين والتجار والخدم –، فسوف لن يكون المجتمع قادرا على تقديم الحماية والقانون والنظام والادارة والدفاع والاستشارات الروحية والخدمات الشخصية والانتاج الثقافي والاصول الاخرى الضرورية لوجوده.

ثلاث طرق رئيسية

هناك ثلاث طرق رئيسية يتم بها استخلاص فائض الدخل والموارد.

1- السياسية /العسكرية و 2- التجارية الاقتصادية و 3- الثقافية الاجتماعية. وهكذا، هناك ثلاثة انواع مختلفة من النخب. في الشكل السياسي العسكري، هناك المحاربون والفاتحون والمافيا المحلية. في النوع التجاري هناك التجار والصناعيين والرأسماليين. اما في ظل النموذج السوشيوثقافي يأتي الكاريزميون والقساوسة والبيروقراط والمحامون.

نجاح أي من هذه الانواع في السيطرة على أي مجتمع وتأسيس الحق في الاستخراج يعتمد على التاريخ الخاص بالمجتمع وما يمكن ان تقدمه النخبة بالمقابل. هذا سيكون حماية داخلية ودفاع خارجي وحصة في زيادة الثروة والدخل او ديني او شخصي او خدمات ادارية.

بالنهاية، جميع النخب تواجه إغراء تحويل الاستخراج الى استغلال. حالما يتأسس نظام للاستخراج، تتحفز النخبة لتأخذ الكثير وهي تعتقد ان السلطة اللامحدودة والثروة والراحة هي حق لها. تركيز الثروة يبدأ بالظهور متجاوزا الحاجات الحقيقية للنخبة واكثر مما يستطيع المجتمع تقديمه. هذا التركيز ربما يكون على شكل قصور ملكية او بيوت ارستقراطية مليئة بالخدم او نقل خاص وحراس شخصيين. سننظر هنا في أعلى مستوى للاستغلال مارسته عدد من الامبراطوريات الكبرى. الاستغلال هو في الحقيقة عامل مساهم في سقوطها النهائي.

سقوط الامبراطورية الرومانية الغربية الأخيرة

مع بدايات حكم نيرون (54-68م)، ثبت من الدليل بان الحاجة الى الايرادات قادت الى تخفيض قيمة العملة. النقود كانت مطلوبة لتغطية التكاليف المتزايدة للدفاع وتضخم البيروقراطية. لكن بدلا من زيادة الضرائب، قام نيرون والاباطرة الذين أعقبوه بتخفيض قيمة العملة عبر تقليل كمية المعدن الثمين في محتوى العملة. هذا في الحقيقة كان شكلا من الضرائب: ضريبة على الأرصدة النقدية.

طوال تاريخ معظم الامبراطوريات، كانت الوحدات الاساسية للعملة الرومانية هي العملة الذهبية والدينار الفضي والنحاس والعملة البرونزية. العملة الذهبية لم تكن في تداول واسع. وهكذا كان تخفيض العملة محدودا جدا. نيرون قلل من محتوى الفضة في الدينار الى 90% وخفض قليلا من حجم العملة الذهبية. اما ترجان Trajan (98-117م) فقد خفّض محتوى الفضة الى 85% لكنه كان قادرا على الحفاظ على النسبة بسبب التدفق الواسع للذهب.

استمر تخفيض العملة تحت حكم ماركوس ايرليوس (161-180م)، الذي قلل محتوى الفضة في الدينار الى 75%، ثم خُفض اكثر في عهد سيبتيموس سيفيروس الى 50%. وفي اواسط القرن الثالث الميلادي، بلغ محتوى الفضة في الدينار فقط 5%.

هذا التخفيض المستمر في قيمة العملة لم يحسّن موقف الامبراطورية النقدي. بدلا من ذلك، الناس اكتنزوا العملات ذات المحتوى العالي من الفضة ودفعوا ضرائبهم بتلك العملة ذات المحتوى القليل .في الحقيقة، عوائد الحكومات وبالتالي العائدات الواقعية للامبراطورية انخفضت فعلا. في البدء كانت الحكومة قادرة على توفير أموال اضافية من بيع ممتلكات الدولة ولكن لاحقا، قام المزيد من الاباطرة الفاسدين مثل دوميتيان (81-96م) باختراع تهماً لمصادرة اصول الأثرياء. هم ايضا اختلقوا الأعذار للمطالبة بالجزية من المقاطعات والاثرياء. رغم ان الضرائب على الرومانيين العاديين لم ترتفع، لكن المواطنة جرى توسيعها لجلب مزيد من الناس لصافي الضريبة. الضرائب على الاغنياء ارتفعت بشكل حاد وخاصة ضرائب التركات والتحرير (تحرير العبيد). معظم الاباطرة استمروا بسياسة تخفيض العملة وزيادة الضرائب الثقيلة على الاغنياء خصيصا. ومع المصادرة البطيئة للثروة الخاصة بالامبراطورية او فرض الضرائب عليها، ادى ذلك الى تباطؤ النمو الاقتصادي الى حد التوقف. حالما لم يعد الاغنياء قادرين على دفع فواتير الدولة، فان العبء وقع على الطبقات الدنيا لدرجة ان متوسط الناس عانوا ايضا من تدهور الظروف الاقتصادية.

في هذه الفترة، في القرن الثالث الميلادي، انهار الاقتصاد النقدي بالكامل، لكن الطلبات العسكرية للدولة بقيت مرتفعة. كانت حدود روما تحت ضغط مستمر من القبائل الالمانية في الشمال ومن الفرس في الشرق.

ومع انهيار الاقتصاد النقدي، توقف ايضا نظام الضرائب العادي عن العمل. هذا أجبر الدولة على الاستيلاء المباشر على أية موارد تحتاجها اينما كانت. الطعام والماشية، مثلا، نُقلت مباشرة من المزارعين. منتجون آخرون كانوا ايضا مسؤولين عن توفير كل ما يحتاجه الجيش. هذه الزيادة في الضرائب واستغلال الشعب الروماني جعل الناس غير مبالين ببقاء الدولة، والدفاع تُرك للمرتزقة الالمان الذين بالنهاية اطاحوا بالحكومة واغتصبوا سلطة الامبراطور.

الامبريالية الأثنية واستغلال الحلف الديلي Delian League

تأسس اتحاد ديلي ويُعرف ايضا بالامبراطورية الاثنية بعد حرب الفرس عام 478 ق.م كـحلف عسكري بين المدن اليونانية (يضم حوالي 150 الى 330 مدينة). الحلف كان بقيادة اثينا التي دافعت عن كل الاعضاء غير القادرين على حماية انفسهم بما تمتلكه من اسطول بحري قوي وكبير. اعضاء حلف ديلي كانوا ملزمين تحت القسم للولاء للحلف وساهموا نقديا لكنهم في بعض الحالات تبرعوا بالسفن او اشياء اخرى. كان الامر كذلك بالنسبة للعديد من الاعضاء الديمقراطيين في التحالف الذين حصلوا على حريتهم من الحكم الاوليغارتي او الاستبدادي في اثينا.

كان تاثير المدن كبيرا جدا لدرجة انه في عام 454 ق.م قام بيركلس بنقل خزانة حلف ديلي من جزيرة ديلوس الى بارثينون في أعلى الاكروبوليس في اثينا بزعم حمايتها من الفرس. مع ذلك، وحسب المؤرخ بلوتارخ ان العديد من منافسي بيركليس رأوا عملية النقل الى اثينا كإغتصاب للموارد النقدية لتمويل مشاريع خاصة. اثينا ايضا غيرت سياستها حول التبرع في السفن والرجال والأسلحة من أعضاء الحلف وبدلا من ذلك قبلت بالنقود فقط.

ومع التدفق الواسع للنقد المقدم الى اثينا عبر استغلال 150 الى 330 عضوا في التحالف، تكون المدينة في الحقيقة استعملت النقود لتعزيز قوة اسطولها ووضع المتبقي من النقود للعمل في فنون المدينة وبنائها المعماري. ولكي تحافظ على موقفها، بدأت اثينا استعمال قوتها العسكرية الهائلة لتعزيز العضوية في التحالف. مدن مثل ميتيليني ومليوس اللتان رغبتا بمغادرة الحلف تعرضتا للعقوبة بقوة. الاستغلال المفرط للطبقات الدنيا – المدن الأقل ثراءً – سوف يقود للتمرد. وذلك ما حدث بالفعل. اول عضو في الحلف حاول الانفصال كان جزيرة ناكسوس سنة 471 ق.م. وبعد هزيمتها اُجبرت ناكسوس على هدم أسوارها فخسرت اسطولها وصوتها في الحلف.

تمرد آخر جرى تنظيمه من قبل ثاسوس الذي اعتبر تأسيس اثينا لمستعمرة امفيبوليس على نهر ستروما تهديدا لمصالحها في مناجم جبل بانجايون. وبهذا، انشقت ثاسوس العضو في الحلف وانضمت الى الفرس. ولاحقا طلبت المدينة مساعدة من سبارطا لكن لم تنل ذلك لأن سبارطة كانت ضد تمرد الهيلوت (اعداد كبيرة من العبيد او العمال الزراعين يعملون في اسبارطة) وهو أكبر تمرد آنذاك.

بعد اكثر من سنتين من الحصار اُجبرت ثاسوس على الاستسلام لقائد اثيني (اريستيدس) واعيد بها مجددا الى الحلف. أسوار ثاسوس المحصنة هُدمت وفُرض عليها دفع جزية سنوية وغرامات. علاوة على ذلك، تمت مصادرة اراضيها واسطولها البحري والمناجم التي فيها من جانب اثينا. حصار ثاسوس يمثل تحولا لحلف ديلي من تحالف الى ما اسماه ثوسيديديس بالهيمنة.

الخزانة الجديدة في اثينا استُعملت لعدة أغراض، ليست كلها مرتبطة بالدفاع عن أعضاء الحلف. جرى استمال الجزية المدفوعة (من الاعضاء) الى الخزانة في بناء البارثينون في الاكروبوليس واستُبدل المعبد القديم الى جانب العديد من النفقات الباهظة الاخرى الغير مرتبطة بالدفاع.

امبراطورية المغول

بنى المغول واحدة من أعظم الامبراطوريات آنذاك واستمر تأثيرها في التاريخ والثقافة الهندية. كان للسلالة تأثيرا استمر اكثر من قرنين من الحكم الفعال لأجزاء واسعة جدا من الهند بسبب مهارتهم في الحكم وتنظيمهم الاداري. أباطرة المغول عززوا الفن والتعليم وبالذات فن العمارة الشهير بتناغمه وجماله. لكن وحسب الرؤية الماركسية، كانت قصور ومساجد هؤلاء الاباطرة رموزا اسلامية للقمع الذي مارسه المسلمون ضد السكان الهندوس الى جانب الاستغلال المفرط للفلاحين من جانب الأغنياء والذي أخمد الرغبة لمساعدة النظام، وهو ما قاد بالنهاية الى انهيار السلالة.

أباطرة المغول في البدء عُرفوا بالمساواة بين الناس الذين يحتلونهم حيث يتم استيعابهم في الحكومة والجيش، لكن في العقود الاخيرة مالت الامبراطورية نحو الاوتوقراطية واللاتسامح. جرى التعامل مع الهندوس والجماعات الاخرى بدونية واستُبعدوا من محاكم المغول وتعرضوا الى ضرائب ثقيلة.

عدم التسامح الديني قاد الى الاضطهاد الذي اتخذ شكل تحطيم معابد ومدارس الهنود والسيخ. هذه الافعال خلقت استياءً واسعا ضد المغول، مزق مملكتهم وأضعف حكمهم كثيرا. واثناء حكم اورنجزيب Aurangzeb (1658-1707)، بدأ اقتصاد امبراطورية المغول بالانحدار. الضرائب الثقيلة المفروضة ادت الى تحطيم كامل للسكان الزراعيين، وفي نفس الوقت، كان هناك اضمحلالا مستمرا لكنه متدرج في نوعية حكومة المغول. الاباطرة اللاحقون أبدوا رغبة قليلة في حكم او في استثمار نقودهم في الزراعة والتكنلوجيا او في الجيش. بعض الاباطرة كبحوا الازدهار الاقتصادي خائفين من ان الاغنياء ربما يستجمعون جيوشهم الخاصة. في النهاية ثار القادة المحليون وأعلنوا استقلالهم عن الحكومة المركزية. هذا بدوره عجّل من تدهور الامبراطورية ومن ثم السقوط.

سقوط الامبراطورية العثمانية

بعد سلسلة من الصراعات الفئوية اثناء القرنين 1500 و 1600 على السلطة بين الصدر الاعظم وسلطنة الحريم من جهة، والأغوات وضباط الانكشارية من جهة اخرى، بدا الامر كأنه لا فرق في ذلك بصرف النظر عن منْ يسيطر على أجهزة الحكومة . كان هناك شلل متزايد في الادارة في كل انحاء الامبراطورية، وتسارع للفوضى وسوء الحكم، وانقسام في المجتمع الى فئات واتساع الكراهية بين الجاليات.

وسط هذه الاضطرابات، اصبح من الحتمي ان لا تستطيع الحكومة العثمانية مواجهة المشاكل المتسارعة التي ضربت الامبراطورية. التحديات الاقتصادية بدأت تنمو في اواخر القرن السادس عشر عندما قطعت هولندا وبريطانيا خطوط التجارة الدولية القديمة عبر الشرق الاوسط. وبالتالي، تلاشت ثروة مقاطعات المنطقة. الاقتصاد العثماني اهتز بالتضخم الناتج عن تدفق المعادن الثمينة الى اوربا من امريكا، وبسبب تنامي اللاتوازن في التجارة بين الشرق والغرب . وعندما فقدت الخزينة عائداتها بدأت بتلبية التزاماتها – كما فعلت الامبراطورية الرومانية – عبر تخفيض قيمة العملة وزيادة حادة في الضرائب واللجوء الى مصادرة الاملاك. كل هذا فاقم الموقف. الناس المعتمدون على الرواتب وجدوا انفسهم يتقاضون اجورا قليلة، مما ادى الى المزيد من السرقة والافراط في الضرائب والفساد. مالكوا الاراضي العثمانية ومزارع الضرائب بدأوا يستعملونها كمصدر للايرادات تُستغل بأسرع ما يمكن بدلا من ان تكون ممتلكات طويلة الأجل تعطي مردودا في المستقبل.

النفوذ السياسي والفساد سمح لاولئك المالكين بتحويل تلك الملكيات الى ملكية خاصة اما كممتلكات او أوقاف دينية دون أي التزامات اخرى للدولة. التضخم أنهك الصناعات التقليدية والتجارة. النقابات التي كانت تعمل تحت تنظيم صارم للاسعار اصبحت غير قادرة على توفير سلع جيدة بأسعار تستطيع منافسة السلع الاوربية الرخيصة التي دخلت الامبراطورية بدون قيود بسبب مختلف اتفاقيات الاستسلام.

وبالتالي، سقطت الصناعات التقليدية للامبراطورية العثمانية في هبوط سريع. الرعايا المسيحيون والدبلوماسيون الاجانب والتجار الذين تمت حمايتهم بموجب اتفاقيات الاستسلام، دفعوا مسلمو السلطنة واليهود خارج الصناعة والتجارة نحو الفقر واليأس.

امثلة اخرى على الاستغلال وتراكم الثروة التي قادت الى الانحدار

حتى على مستوى المنحوتات والنصب التذكارية، كان للاستغلال عواقبه. آلهة الحجر الغامض في جزيرة الفصح (ايستر) تمثل استخراجا للعمالة من السكان العبيد والذي قاد، اعتمادا على الدليل الاثري، الى الثورة والاطاحة بالنخب الحاكمة. المعابد الفارسية والمصرية كانت تغري الاسكندر الاكبر في مقدونيا، ولاحقا الرومان والمماليك والعرب والاتراك. الشعب الخاضع لم يكن متحفزا جدا للدفاع عن هذه المعابد والآثار.

ان بناء كنيسة القديس بطرس في روما وما رافقها من أعمال فنية والتي تم تمويلها من بيع صكوك الغفران بالاضافة لإسلوب الحياة الباذخ للبابوية، كانت سببا مباشرا للاصلاح الديني.

***

حاتم حميد محسن

............................

How Empires fall: The Marxist Perspective, GreekReporter, Aug 22, 2055

مقدمة البحث: لايزال المفكرون في العالم العالم الإسلامي مختلفين في: هل ولدت لحظة التنوير في عالمنا مطلع القرن العشرين او انها لم تولد بعد؟ وعلى رأي من يرى انها ولدت فلماذا لم تتعاظم معطياتها؟ ولماذا أفل التنوير في العالم الإسلامي مطلع القرن العشرين؟ ولماذا خسر العالم الإسلامي جولته لتحقيق الحداثة؟ ويتساءل المفكرون: هل العلمانية شرط كوني للحداثة؟ وانها منطق حصري للتقدم عابر للازمنة والبيئات او انها صيرورة خاصة باوربا، واذا كانت العلمانية شرطا لحداثة اوربا، فلماذا تعمم كانها نهاية التاريخ او خاتمة الجهد الإنساني وتقدم على انها المدار المعياري للفكر والثقافة والممارسة السياسية والمجتمعية

ثمة مقاربة أخرى تتساءل هل إعادة فهم النص الإسلامي على مسلك الإيجابية والنزعة الإنسانية وفلسفة العدل والانفتاح يمكن ان يكون طريقاً لتنوير العقل الإسلامي ومقدمة للحداثة على معايير الايمان العقلاني(1)؟

ويتأمل المفكرون بالتجربة التاريخية للممارسة السياسية للخلافة الإسلامية (الاموية، والعباسية، والعثمانية) تأملاً يفضي الى انها تجربة عجزت ان تمارس الشورى الحقيقية، وعجزت تماما عن تحويل الشورى الى ديمقراطية منتزعة من تراث المسلمين الفكري، لكن دعونا نتساءل هل تجربة المفكرين المسلمين الإيجابية حققت قدراً من تنظيرالمدنية من دون علمانية في الفكر والثقافة ونظام الحكم ديمقراطي

ويتساءلون عن الآثار والمعطيات لتجربة العلمانيين التي عرفها العالم الإسلامي خلال القرن العشرين الذي حكمت دويلاتنا بنظم (علمانية) هل كانت تجارب ناجحة؟ وهل حاولنا اكتشاف سبب فشل مشروع النهضة والتنمية عند علمانيي اوطاننا، وهل بحثنا عن سبب طغيان سلطة القمع عند العلمانيين؟ وما انتجته تلك التجربة السياسية من ظهور للتيار الاصولي المتطرف والراديكاليات الدينية وجماعات العنف واكتسبت قدرتها على كسب من اهملت تجربة العلمانيين تحصينهم بالمعرفة الحقيقية والتفكير العلمي والثقافة الدينية المعتدلة فوقعوا في فخاخ السلفيات الارهابية

ان عالمنا المعاصر يقف إزاء مشروعات فكرية ثلاثة:

مشروع الدولة الدينية او شبه الدينية الذي لم يحقق نجاحا لانه كان على غرار انموذج الخلافة الاستبدادية التي أعلنت نهايتها في مطلع القرن الماضي بانتهاء الخلافة العثمانية عام 1924.

المشروع العلماني المتطرف الذي ينازع الموروث الحضاري الإيجابي ويتقاطع معه، والذي فشل هو الاخر خلال القرن الماضي. أي من عصر الانتداب الأوربي الى عصر الانقلابات وسيطرة العسكر الى عصر الربيع العربي

المشروع المدني – الإسلامي الذي يقيم الثوابت المشرقة للتراث، وينفتح على المنجزات الإنسانية في سعيه لإقامة دولة الانسان بكل ما تتميز به من رؤى تنويرية، ونزعة مستفيدة من التجارب العالمية، وتبنيها لمفهوم دولة الرفاهية ولكن على مرجعية إسلامية وهذا المشروع يجمع حسنات الانموذجين السابقين ويستبعد اخفاقاتها لكنه لم يطبق بعد. فقد بدأ مشروعا فكريا وسياسيا وحورب من الاستعمار الغربي والقوى الدينية المحافظة معا ولكنه بقي كتلة فكر مضيي ء ينتظر ارتقاء المجتمع في مدارج وعيه ليتفهم ضرورة هذا المشروع

عن هذه الأسئلة والتأملات يتحرك هذا البحث

عناصر مشروع الإسلام المدني: بايجاز شديد ان عناصر المشروع ومرتكزاته أربعة (العقلانية في الفكر والنظم، والمنهج النقدي في البحث والتحليل، ونزعة المقارنة، و مبدأ نسبية المعرفة الإنسانية) ويطبق هذا النهج على الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالدين والاعتقاد وهنا رؤيتان:

الأولى: ترى ان التزاحم والتعارض الحاصل بين الدين والعلم او بين الاعتقاد والتحديث تخضع لقواعد منطقية واحدة شرط ان يكون لها القدرة على التحليل والاستنباط، لضبط التشابه في ميزات تلك الظواهر مع بعضها باستثناء ما يظهر في جزء منها من متغيرات هامشية لا تمس جوهر القانون المفسر للظاهرة. ويمكن ان تدرس في ضوء التقدم المنهجي للعلوم الإنسانية وادواته الاركيولوجية والتاريخية وسوسيولوجيا الفكر الاجتماعي

الثانية: ان لكل تجربة دينية في مجتمع ما منطق خاص يخضع لطبيعة الوضع التاريخي والاقتصادي لذلك المجتمع يمكن تسميته ب (الصيرورة الحضارية) فالتجربة المسيحية تختلف تماماً عن التجربة الإسلامية. وهكذا بقية تجارب الأديان فتكون لكل تجربة موازينها الخاصة ونسيجها المغلق او المفتوح لضم المتغيرات في الفكر الانساني

وقد رجح أصحاب الاتجاه الاول القواعد العامة للتفكير الفلسفي في قراءة الظواهر، فالأديان عندهم: انقلاب تغييري شامل على الوضع الذي يسبق ظهورها) تبدأ بنص ثم يتداخل معه الجهد العقلي للمؤمنين به فيتحول الاتباع اما الى عقلانيين او نصيين ويكون لكل من المسلكين قواعد منظمة للسلوك ونزعات فكرية صانعة للموقف، وتتفرع عن المدرسة العقلانية اتجاهات يصل بعضها الى ما يقف الملتزمون بالتراث الإسلامي فيه على حافات العلمانية، اما المدرسة النصوصية فيظهر فيها تطرف يصل الى مقاربة وثيقة الصلة بالمنهج السلفي في تعامله مع (النصوص المفسرة للنص التأسيسي) وهذا يؤسس الصدام بين الدين وكل نظريات التحديث في ازمنة الإسلام المتعاقبة وهذا الذي حصل في التطورات الحضارية مع مجتمع الديانات اليهودية والمسيحية والجماعات التي انتمت الى الأديان الشرقية بل وحتى المعتقدات الوضعية كالماركسية، وطبقاً لبدايات هذا البحث فان افضل من يمثل الاتجاه الأول د.عبد الوهاب المسيري فهو يرى ان العلمانية نتاج لتحولات عالمية (لكل الشعوب) وانها قرّبت العالم بعضه مع بعض من ناحية التاريخ والمسارات العامة في الاجتماع السياسي، وانها صورة العالم المستقبلية من خلال تحولات اجتماعية حتمية، وأقصى الخلاف ان اوربا قد سبقت العالم في نشأتها وانها ستحصل في غير اوربا بحسب المنطق التاريخي، ولو بصور أخرى

كما يرى ان مسيرة التاريخ عبارة عن سلسلة متراكمة ليست بالضرورة متكاملة مكونة من عمليات اجتماعية ومعرفية بسياق متماثل فقد تتشابه تماماً وقد تتفاوت جزئياً فهي كغيرها من مميزات أي مركب تاريخي، فيه من الهوامش والمتغيرات غير الجوهرية لكن يبقى منطقها واحد من حيث الجوهر(2)والمبادئ العامة والمنطق الاساس.

اما الاتجاه الثاني: فيرى ان لكل امة ظرفاً تاريخياً خاصا بها وهو (المرّكب من ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) ولهذا الظرف أثره في أي فكر بشري سواء كان مستندا الى الفكر الديني ام الفكر البشري المطلق، وان لذلك الفكر أثر على الواقع الاجتماعي وهذا الذي يسمونه (التموضع الجدلي) أي انعكاس آثار الوضع الحضاري والتطور الاجتماعي على المنتج الفكري او التحولات الفكرية، وتاثيرالتحولات الفكرية على خلق ظروف اجتماعية، وعليه فإنَّ العلمانية في اوروبا نتاج اوروبي خالص لا يمكن قسره وفرضه على بلدان غير اوربية او بلدان مرت بتجارب أخرى، لاسيما التجربة التاريخية في الشرق الأوسط لاختلاف الصيرورة التاريخية لاوروبا عنها في الشرق الإسلامي لأن العلمانية فكر ناتج عن الصراع بين المسلك الكنيسي من جهة (3) وبين النزعة العقلانية المتولدة في جامعات اوربا واللافت ان المسلك المعرفي الايماني الكنسي فكر المسيحية، لا يتشابه مع علاقة الإسلام بالعلم والعقلانية، وعلى هذا فأن هذا الاتجاه يقلل من فرص تقبل العلمانية الاوربية في منطقة الشرق الأوسط ويراها محاولات تنويرية غربية قد تفضي الى مفاصلة بين الحاضر والتراث وتخشى ان تؤدى الى نزعة علمانية متطرفة تقف من القيم الموروثة موقفا مضادا نتيجة تأثرها ببعض المدارس التجديدية الغربية في اوربا.

ولذلك فاستراتيجيات الإصلاح السياسي والاقتصادي التي هي غايات السياسات العامة ومتطلب استراتيجي لأمريكا واوربا في رؤيتها لشرق أوسط جديد تواجه صعوبات جمّة لإنها تريد نقل التجربة الاوربية للعالم الاسلامي   (4)نقلا لا يراعي الصيرورة الفكرية للمجتمعات الشرق أوسطية وتبعا لرفض مجتمعاتنا للمفهوم الغربي للعلمانية فان نظريات الحداثة في العالم الإسلامي تواجه مشكلة ايديولوجية(5) مرتبطة بالتراث والاعتقاد، وتواجه تطبيقاتها رؤى مشوّهة مثل مهمات منظمات المجتمع المدني، والتشكيل الديمقراطي المستنسخ للسلطة في بلدان الشرق الأوسط ويواجه صعوبات التصادم بين العقل السياسي الموروث وموجبات الحداثة، لان اصل هذه المفردات الأربعة (العلمانية، الديمقراطية، الحداثة، المجتمع المدني) مفاهيم غربية لها تطوراتها كونها من نتاج اوروبي أولاً . ولان العقل التراثي يربط بين نتاج التجربة الغربية وبين الكفر الاعتقادي وبينها وبين العدوان الاستعماري، ولان التجربة الغربية في ممارستها الانتدابية بعد الحرب الأولى على العالم الإسلامي قد مارست التصادم بدل التعاون وتعطيل التنمية والاستلاب والمواجهة العسكرية وعلى خلفية التضاد الحضاري المرتبط بالدين فان الوعي التاريخي ينفر تماما من التجربة الاوربية، إضافة الى ان المستقر في الذهنية العربية والمسلمة من ان الغرب مصدر العدوان على الشعوب الاسلامية

ومن جهة السلوك المتعصب نجد ان من أبرز دوافع اليمين الاوربي (فرنسا: إنموذجا)، واليمين الأمريكي الإنجيلي في ممارسة الحرب على العالم الإسلامي هو الدافع الحضاري المتضاد فيكون الامر استحالة بناء علاقة سلمية مع الغرب، والمحصلة انه لا الغرب يساعد الناس في الشرق الأوسط من خلال سياسات الشراكة الدولية المتكافئة على اجراء التفكيك بين التقدم المنهجي والمعرفي والحصائل الإيجابية للتجربة الغربية وبين السياسات الاستعمارية، ولا العالم العربي يستطيع ان يكتشف مشروعه النهضوي حتى لا يحتاج الإنجاز الغربي (التقني والمعرفي والمنهجي) ولا يفصل بين التضاد الديني والنزعة الاستعمارية قديمها وجديدها في تصوره عن الغرب.

وهناك اتجاه ثالث يحاول الخروج من قهريات هذين الاتجاهين الى مركب ثالث: وهو ان الظواهر الاجتماعية (الدينية /الاقتصادية /الاجتماعية) لها قوانينها المركزية ككل حركة في هذا الكون للاعتقاد بان الكون بأجزائه وحركته يخضع لقوانين السببية، وكثيرا ما تتشابه الأسباب وتتكرر المسببات، وبتشابه الأسباب تتشابه النتائج وبتكررها تتكرر النتائج – فهناك إذن حزمة ثابتة من قوانين الفعل التي تحدد مخرجاته وتعمل في صلب او في مركز الحركة الاجتماعية التاريخية، وهذا هو القدر المقبول في تنظيرات هيجل وكارل ماركس(6)، وهذه الأسباب ربما تتحد بالنوع وتتفاوت في الرتبة فتتفاوت النتائج تبعا لها، وقد تختلف حتى في النوع وهو نادر لان الأفعال والاستجابات بإزاء التحديات تدخل في اطار النمطية الفطرية للإنسان، فالاختلاف يقع في نوع عوامل التحدي ورتبتها، اما تفاوت الردود والاستجابات فستكون تبعا لها، واظن ان ذلك التصور ناتج عن قوانين فيزياء الحركة الاجتماعية أي وجود قوانين ثابتة وهامش متغيرات الى جانب ذلك فان هذين الاتجاهين حصريان في اعتمادهما على حزمة محددة من عوامل التفسير، بينما الحركة الاجتماعية متسعة لأكثر من حزمة من عوامل التفسير، لذلك فان الذي هو اقرب للقناعة في تفسير الظواهر هو الإقرار بوجود(قوانين سببية مركزية ثابتة)، وان التموضع في تلك الظواهر يعتمد على نوع الاسباب ودرجتها الى جانب هوامش فاعلة لكنها متغيرة فالعلاقة بين الوحي والعقل والعقلانية مثلاً يحكمها قانون من الصعب اكتشاف نقطة التوازن فيه، فاذا كانت مهمة الوحي والانبياء والشرائع العمل على تأهيل الانسان لكي يؤدي مهامه الاستخلافية في الأرض كما نصت عليه آيات القرآن فالأديان اذن عبارة عن نظريات في الأطر العامة والكليات المؤسسة (فما وجد فيها من التفاصيل في النصوص فهو نافذ وما كان من المبادئ العامة والكلية فان بوصلة التفكير العقلي وما حصل من استنتاج عقلي قاطع ايضا فهو حكم قطعي لا مجال بعد ذلك لرده، لان النص من عند الله الذي هو في عقيدة الاسلام سيد العقلاء والمحيط المطلق بمكنونات الأشياء ويستحيل ان يتضاد مع العقل).

لقد ظهرت هذه الجدلية في زمن مبكّر من أزمان حضارتنا حين طرح المفكرون المسلمون نظرية التحسين والتقبيح العقليين التي استند فقه المصالح وفقه المقاصد عليها كما تأسس عليها أصل الاستحسان وسد الذرائع وفتحها، والاحكام المؤسسة على البراءة العقلية والاحتياط العقلي وأبحاث الملازمات العقلية المستقلة(7) ثم حصل التطور الذي اعقب ذلك عند ابن رشد في ان الحكمة والشريعة مرجعيتان لا يتصور تضادهما فكلاهما مصدر لاكتشاف الحقيقة الكونية وان اختلف المنطلق والمسار(8)، واني اظن انه لو لم يقف الابداع الفكري للمسلمين بعد ابن رشد ولو تراكمت منطلقاته على فصل الخطاب لاستطاع العقل العربي ان يكتشف مشروعه النهضوي الجامع بين اشتراطات الوحي وضرورات العصر، و بين مساحة العقل في التأسيس النظري والعملي للرؤية المتوازنة لتطور المجتمع الإسلامي المنسجم مع تجارب التقدم الإنساني بعامة.

على ذلك فانه: لا يصح- بناءً على هذا التصور نقل تجربة اوربا للشرق الأوسط والعالم الاسلامي لاختلاف عوامل الصيرورة او لتفاوت درجة تلك العوامل حتى مع افتراض التناظر بينها، كما لا يصح الاغفال القسري والمتعمد لتجارب الشعوب لوجود حزمة من القوانين الثابتة لأي حركة في أي مجتمع بوصفها قوانين جوهرية تخص صلب عملية التحولات الاجتماعية في أي مجتمع من المجتمعات لاعتبار حزمة القوانين الفاعلة وان كانت متغيره، وكمثال على ذلك ا لجهد العلمي المبذول لتحقيق التقدم الإنساني في مجالات الحياة في الوسط المسيحي في اوروبا، والجهد المبذول في الوسط الإسلامي الذي دار حول العلاقة الجدلية بين النص الديني والعقلانية، والنزعة النقدية، او بين قداسة النص فلقد تعددت المواقف بإزاء هذه الجدلية الإشكالية المتقادمة تاريخياً مع التذكير بان الفكر الاسلامي قد تحسس هذه الإشكالية تحسسا مبكرا وبذل لأجلها جهودا تنظيرية عميقه ومتواصلة، ومن ذلك ما عرف من اراء على مستوى العلاقة بين النص ومعطياته والاجتهاد ومعطياته والدائرة المتاحة لكل منهما(9) ولقد تبلور عن تلك التنظيرات اتجاهات منهجية متعددة

الاتجاه الأول: ظهور اتجاه مبكر يتبنى نظرية معرفية مستلة من منطوق النص فقط، ويوجب على المؤمنين به الاعتراف بقراءة واحدة لذلك النص رغم أنه نص متعدد الدلالات، ويميل هذا الاتجاه الى ان مالم ينص على واقعة من الوقائع نص فالحكم فيه اما المنع اوالتوقف حتى يرد الدليل على الجواز، والنماذج المبكرة لهذا الاتجاه هم عبد الله بن عمر ومفكرو الخوارج عقديا، والحنابلة رواية والظاهرية فقها، وامتدادات هذه الاتجاهات التي استمرت حتى يومنا هذا وان حصل فيها قدر من التعديلات على مسارها وتطورها الفكري.

الاتجاه الثاني: هو اتجاه يتعامل مع النصوص على انها في الغالب قواعد كليه وأطر قيمية موجهة، وتتساوى فيها مجموعة من الدلالات المتعددة في النص الواحد من جهة مشروعية الاستنباط فالاختيار في العمل بها يتم بين الراجح والأرجح والصحيح والاصح بحيث يفسح المجال لإجتهاد يستند الى تعدد الدلالات حتى يستوعب المستجدات والتطورات الزمانية ويتسع لتعدد الآراء والمواقف.ويلجا فيما سكت عنه النص الى العقل والمقاصد اللذين لهما الامكان على ادراك المصالح والمفاسد من خلال متعلقات الأحكام وان كان ذلك في نطاق الاحكام الظاهرية وهو اتجاه يطلق عليه بالفرق العدلية (الاجتهاد والعقلانية).

الاتجاه الثالث: يعتقد ان النص جاء مرتبا لأوضاع تاريخية في القرن السابع الميلادي وقد طور النص الديني العقل البشري للاجيال حتى إذا تمكن عقل الانسان من الرشد الحضاري خوله النص نفسه باعتماد النظم الاجتماعية التي تؤدى الى سعادة الانسان، فانجازات الفكر الإسلامي تراث فكري وهذا الذي نعيشه هو انعكاس لعصور انتاجه (10).

ويمثل امتداد الاتجاه الأول ما يطلق عليه بالسلفية العقدية وفروعها، ومنها السلفية القتالية، ويمثل الاتجاه الثاني التنويريون الإسلاميون على مختلف قراءاتهم المتفاوتة في الدرجة وليس في النوع، ويمثل الاتجاه الثالث حاليا الاغتراب الفكري والقوى العلمانية التي تضم الى جانب هذه الرؤية تأثرها بالتجربة الغربية العلمانية بعد القرن الثامن عشر الميلادي

الجذور الفلسفية للعلاقة بين النص الديني والعقلانية:

ان جذور هذه الإشكالية في العلاقة بين الوحي والفكر الفلسفي الإنساني قديمة ومبكرة وكانت على اتجاهات أربعة:

الأول: اتجاه الفيلسوف الكندي المبكر زمنيا، والذي يرى ان الفكر الفلسفي خادم للشريعة، ووظيفته ان يقوم بصناعة البرهان لتصديق مقولات الشريعة، وبهذا يكون الفكر الفلسفي أقرب الى علم الكلام وان كان الكندي يرى ان منطلقات هذا الفكر تبدأ حرة مستقلة لكنها تهدف الى نقل الحقائق الشرعية من نمط الدليل الخطابي الى الدليل البرهاني (11).

الثاني: إتجاه الفارابي الذي يرى ان مقولات الوحي هي (المثالات الفلسفية وان الشريعة هي التطبيق الاجتماعي لتلك المقولات فيقول (ان ما في الملة هي مثالات لِما في الفلسفة سوى ان الادلة العملية خطابيات وجدليات لكنها تعبر عن الحقائق المثبتة بالبرهان)(12).

الثالث: اتجاه ابن سينا والذي يرى ضرورة دمج الفلسفة في ثنايا الشرع ودمج الشريعة في النظر الفلسفي وقد (استند محمد عابد الجابري على رأي ابن سينا فعده المؤسس للالتجاه العرفاني الذي تسبب في ضمور النزعة البرهانية في العقل العربي، وعد رسائل اخوان الصفا تراكمات علمية على أسس ابن سينا (13)

الرابع: اتجاه ابن رشد: ويرى ان الحقائق الكونية المادية والإنسانية والفكرية حقائق ثابتة وازلية وان لاكتشافها فرعان: فرع الوحي (الشريعة) وفرع الحكمة (الفلسفة) وهذان الطريقان وان اختلفا في المنطلق والمسار لكن مع صحة الاستدلال فيهما سواء أكان الشرعي ام العقلي وسلامة المنطق فانهما سينتهيان الى موقف واحد، وإكتشاف واحد للحقائق، ولأنهما – معاً - يؤديان الى اليقين، وحيث هما كذلك فلا يتصور بينهما حصول التناقض او التضاد، وعليه فالنظر البرهاني لا يخالف الحق ولا يؤدى الى مخالفة الشرع فالحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له. (14)

ونكرر هنا: ان لو كان مشروع النهضة قد تأسس على الرشدية فقد كان من الراجح ان يصل الى صياغة موقف متوازن بين الشرع والحداثة والعقلانية، ويؤيد ذلك مايراه اكثر من باحث من ان الرشدية كانت عاملا فكريا مهما في الموجة التنويرية الاوربية، لكن بزوغ الرشدية عندنا كانت على اعتاب بدء زمن التردي في منتجات الحضارة الإسلامية فتاريخ وفاة ابن رشد (595 هـ - 1198 م) هو الزمن المقارب لذروة افساد حضارة القرن الرابع الهجري ذلك الافساد الذي أدى الى سقوط بغداد 656 هـ - 1258 م والذي سبقه تحريم الشهرزوري ت (643 هـ)للفلسفة والمنطق وغلق الاجتهاد، ولأنه لم تظهر بعد الرشدية نظرية نهضوية تجمع بين مفاهيم التحديث والعقلانية ومسالك الاستنباط التنويري من النص اذ القرون الخمسة التالية على سقوط بغداد كانت قرون الحواشي والشروح والمطولات على المتون الإبداعية التي انتجتها القرون السابقة، ثم جاء زمن اختصار الحواشي والشروح التي سميت بـ (المختصرات) والاراجيز الشعرية التي جمدت المعرفة في قوالب التلقين (15)وقد اسلم هذا الوضع الفكري العالم الإسلامي بعد خمسة قرون الى عصر المواجهة مع الغرب في أواخر القرن التاسع عشر فواجه الغرب وهو مثقل بالمعرفة (المنتجة قبل عدة قرون) حتى بانت الفاصلة التاريخية بين الفكر العلمي المنتج في مطلع القرن العشرين الميلادي وبين الواقع الفعلي لمشكلات الواقع في بلدان المسلمين فلم تعد المعرفة الاستنباطية تعبّر عن الواقع القائم في اشكالياته وعلاجاته فسميت هذه الفاصلة بالفجوة المعرفية بين الواقع ونظم المعرفة الاسلامية ومكوناتها، في وقت جاء الغرب متدرعا بالنواتج المعرفية الجديدة والمنهج المطّور والتقنية المتقدمة ودخل في مواجهة مع مجتمع تخلفت معارفه عن واقعه الفعلي فكانت خسارة العالم الإسلامي لمعركته مع الغرب حالة منطقية، لاسيما اذا عرفنا ان الدراسات الاستشراقية كانت قد وفرت للغرب خارطة تفصيلية عن الثغرات الكبيرة الفاصلة بين العقل الإسلامي والواقع الفعلي، ومع تخلف التراث الموروث عن الواقع الفعلي آنذاك فقد جاءت اوربا برؤيتها التبشيرية عن العلمانية بوصفها المنقذ من التخلف في عالم المسلمين كما نجحت في انقاذ اوربا من التخلف الكنسي فانتشرت فكرة العلمانية في العالم الإسلامي كطريق من طرق تفكيك ازمة التخلف.

فما هي العلمانية وما مراحلها وما الخلاف في توجهاتها؟ وهل تصلح مشروعا نهضويا في العالم الاسلامي؟

لعل مفهوم العلمانية من المصطلحات او المفاهيم التي أصابها لبس فكري كبير وتغايرات في التوصيف العلمي وذلك اما من جّراء تموضع الظاهرة كما تقدم او من تداعيات الترجمة فهناك من يرى انها ترجمة لكلمة (secularism) أي النمط العلمي في إدارة الحياة بعيدا عن التوجهات الماورائية الغيبية سواء اكتسبت قداسة دينية ام لم تكتسب، ويرى آخرون إنَّها نسبة الى العالم المادي بما يقابل الروحي والكهنونية والاكليركية أي أَنْ تدار المجتمعات في ضوء قوانين الطبيعة وقوانين الاجتماع الإنساني(16) أي ان ترجمة العلمانية (هي الدنيوية) أي إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل ومراعاة المصلحة واللادينية في الحكم. وعلى الترجمة الاولى: يعلق الشيخ محمد مهدي شمس الدين بالقول (ليس هناك انسان عاقل يمانع في تسيير حياته بما وفره العلم ولأجله لامعنى لتسمية دولة بانها علمانية لأنها تستخدم منجزات العلم فحتى دولة الفاتيكان على هذا التوصيف دولة علمانية، ثم يستنتج ان حقيقة المصطلح يعني ان مرجعية السلطة السياسة والتشريعية خارج الفكر الديني مطلقا) (17) .

وفي مدى العلمانية هناك قراءات منها مالا يتعامل مع الابعاد المعرفية الكلية الشمولية أي لم تتحول عنده العلمانية الى فلسفة كونية، انما تبقى رؤية إجرائية سياسية يتوقف فيها اسناد السلطتين التشريعية والسياسية للبلدان على الإرادة الحرة للناخبين، وهذه الوجهة لا تنكر وجود مطلقات او كليات أخلاقية او غيبية او لكنها لا توظفها ولا تستمد منها الشرعية ولا تجعلها مرجعية لها (18)

وقراءة ترى ان نشأة العلمانية وماهيتها انها رؤية كونية مادية شمولية تتعارض تماماً مع الدين وتحاول التشكيك بكل القيم السماوية المطلقة وانهاء اثارها على المجتمع، وهناك تصورات لهذه الرؤية منها ما ينكر انها متتالية تاريخية تتحقق في كل المجتمعات، انما ظهرت في اوربا بشكل حصري فلانها في اوربا كانت المصداق الاسبق فقد حفز تعسف سلطة الكنيسة وتطرفها بتكفير العلم والحداثة فجاءت حلاً لازمة الصدام بين سلطة الكنيسة والسلطة الزمنية التي تبنت العلم والعقلانية الواقعية، وقد ابتنت عليها الثورة الفرنسية والامريكية والثورة الصناعية وكانت مقدمة لموجة الحداثة – وما بعد الحداثة وصولاً الى العولمة والموجة الرقمية فهي لا ترى ذاتها قانوناً مجتمعياً وحتمية تاريخية تحصل عند اتباع الأديان كافه بعد اصطدام العقل بتفسير النص. مقابل من يرى انها قانون كوني وحتمي لابد ان تمربه كل المجتمعات

وبحسب الإنجاز الأوربي فقد قدمت العلمانية نفسها بأنها الرؤية الارقى وأنها المحقق لحلقات التقدم التقني، وانها نهاية التاريخ لكن الذي نعتقدْه ان عدة عوامل أنجزت التقدم ربما تكون العلمانية هي من بينها، او من أفضل عوامله ولكنها قدمت الى الفكر الاسلامي بدرجة من الشمولية والتعميم الفلسفي على انها علة التقدم، ولم تقدم على انها الغطاء الأيديولوجي الموظف لنمط السيطرة الغربية على العالم فكرياً وسياسياً وعلمياً كقراءة لتأسيسات (جون هوليوك 1817-1906) الذي يرى ان العلمانية هي (الايمان بإمكانية اصلاح حال الانسان من خلال الطرق المادية دون التصدي للأيمان بالله سواء بالقبول او الرفض) (19) وهذا التوصيف يفترض الحياد. لكن الذي حصل فعلاً انها لم تمارس الحيادية التي وصفها هوليوك من جهة، وظهر انحيازها للمعايير القيمية الدنيوية من جهة اخرى لتأكيد قضية عزل الدين تماماً عن الاسهام في ادارة الحياة وفي صياغة الانسان والمجتمع.بل ان انحيازها الى اعتماد معيارية القيم المادية جعلها تقدم نفسها جزءاً من رؤية كونية شمولية، تتوسل بعقلانية متطرفة غير مرنة وآداتية إقصائية ترفض المرجعيات الاخرى، وتعبر هي عن نزعة أصولية راديكالية تبدو في كثير من الأحيان اكثر تأزماً من الراديكاليات الدينية فالعلمانية بهذا المسلك لا تتجسد في النشأة السياسية كبوابة للتقدم فقط لكنها تتداخل في المجالات الانسانية الأخرى كأنها الضد النوعي للفكر الديني وتنمو فيها راديكالية اقصائية عنيفة كما تنمو في داخل التيارات الدينية السلفية. وبهذا لا تقدم العلمانية كونها رؤية وليدة للغرب وناتجة عن ظروفه التاريخية وهي بالنسبة للعالم الاسلامي فكر مستورد مفروض على المجتمع الاسلامي لاسيما على النخب الحاكمة المتحالفة مع الغرب منذ تأسيس الدولة العلمانية بعد معاهده سايكس – بيكو، انما قدمت نفسها بوصفها رؤية فلسفية لبناء الدولة وإدارة المجتمع على أسس علمية لكنها عندما طبقت في العالم العربي نتج عنها فشل المشروع التنموي على مدى قرن، واقترنت معها ممارستها القمعية ضد حقوق الانسان فصارت مثالاً لارهاب الدولة وفشلها في تحقيق الحداثة الحقيقية، فتساوت مع الاصوليات الدينية من حيث المحصلة حتى فقدت الممارسة العربية الاسلامية للعلمانية مصداقيتها التاريخية، بل ساهمت في زيادة المآساة في مجتمع طحنه الغرب المبشر بالانموذج المادي والمتطلع الى نهب ثرواته. ولعل مراجعة تاريخية سريعة لبعض التجارب العلمانية في العالم الاسلامي يكشف عن فقدانه المصداقية التاريخية لها وسنرى ذلك بعد قليل في استنطاق تجاربها.

لقد صيغت العلمانية على انها نتاج تحولات عالمية قربت العالم مع بعضه من ناحية التاريخ والمسارات العامة في الاجتماع والتقدم فهي رؤية للعالم كله وان نشأت من تحولات (سبقت في اوربا) اما التحولات التي حصلت في غير اوربا والتي ستحصل فلا صلة لها بالصيرورة العلمانية الاوربية انما لها صلة بالمنطق الذي يحكم العلاقة بين الدين والعقلانية كما يرى أصحاب هذه النظرية.لكن الذي يجب ان نتامل فيه ان مسيرة التاريخ وان كانت سلسلة متراكبة لكنها ليست بالضرورة متكاملة من العمليات الاجتماعية والمعرفية، وغيرها من ميزات المرّكب التاريخي وعلينا ان ندرك، ان التزام المسلمين بالحقوق والحريات المدنية يعد التزاما منهم باحترام الفكر الانساني فلم نجد فيه على مدى قرون تصادماً بينها وبين حقائق الشريعة،وليس التجربة السياسية الاسلامية لانها وقعت في إشكالات كثيرة ولم تفرض الشريعة حجراً على العقلانية كطريق لاكتشاف المعرفة وصنع السياسات، كما انه لاشرعية لسلطة لم تتشكل بموجب الارادة الحرة في النظرية الإسلامية (القرآن والصحيح من السنة الشريفة) لذلك يعتقد. حسن حنفي ان جوهر الحقائق في العلمانية متحقق في الرؤية التنويرية الاسلامية فاعتماد المسلمين على العلم والعقلانية يمكن ان يتم في ظل القيم الدينية الانسانية الرفيعة ومبدأ المساواة حاصل إذا قرأنا الاسلام من منظور انساني وان مبدأ الاجتهاد عند المفكرين المسلمين لا معنى له إذا لم يتبنً الروح النقدية الموضوعية لكل الفكر سواء كان تراثياً او وافداً ولكن على منظور المنهجيات الإنسانية المبرهنة.

فالعلمانية -اذن في الواقع الاسلامي-ليست مشكله فكريه وليست تحدياً جوهرياً على مستوى الدين ولا على مستوى السياسة ولا على مستوى المجتمع.لان في الاسلام مزجاً باحكام بين الديني والدنيوي، وبين العلم والعقيدة، وليس فيه ازدواج في السلطة الدينية والدنيوية فالسياسيون مجتهدون في صياغة السياسيات التي تطبق في ظل القيم الإنسانية وتجري طبقاً لها تطبيقات المعرفة العلمية الان والتكنوقراط المسلمون ليسوا ضد الدين، كما ان علماء الدين ايضاً ليسوا ضد الحقيقة العلمية، فاذا عرف التكنوقراط ان لهم منهجا استدلاليا يؤخذ منهم ويرد عليهم تعاملوا معه برحابة صدر، كما ان الفقه وأحكام العقيدة ليست مجموعه أسرار وطلاسم اذ هي عرضة للحوار والنقد وعندئذ فانهم سيشاركون باكتشاف الحل للمشكلات الاجتماعية.واذا كانت العلمانية تقدم نفسها بوصفها فلسفة للتقدم فان تجارب عالميه متقدمة كانت قد احترمت التراث الديني وتقدمت تقنيا، فاليابان مثلا ودول جنوب شرق اسيا وكذلك الصين والهند كلها تجارب علمانية ناجحة على اختلاف منهجها لكنها تشترك في احترام التجربة الدينية فكان التقدم حصيلة فعل الانسان ووعيه الديني والتاريخي والسعي لإقامه مجتمع المعرفة دون اقصاء الدين.

إنَّ قراءة علمية للإسلام، وقراءة متوازنة لتجربة العلمانية في الغرب يمكن أنْ تقدم مشتركا فكريا، وحلاً للخصومة التاريخية بين الإسلاميين والعلمانيين، ويمكن أنْ تصنع التقدم والعقلانية والديمقراطية وكرامة الانسان والتعايش السلمي وتؤسِّس لشرعية الاختلاف واحترام الأخر على اسس الموضوعية وليس على ثقافة الاتهام، وقراءة كهذه يمكن ان تحقق الاهداف التي يتم اعتماد العلمانية لتحقيقها دون استلاب للهويه الحضارية ودون إحداث القطيعة مع التراث الديني المشرق ودون حصول ازدواج وتضارب بين الحاضر والماضي.

واجابة على سؤال الاتجاهات العلمانية حول كون التراث الفكري الإسلامي هل يصلح اساساً للمشروع الإسلامي للنهضة؟ والجواب ان الافكار في التراث على ثلاثة انواع افكار حيه مستمرة في الاسهام الفاعل بمشروع النهضة وافكار ميته أنتهى دورها، وافكار قاتله، والرؤية النقدية كافيه للفرز بين هذه الأنماط من الافكار واحياء الأفكار العظيمة التي بها تحققت اهداف المشروع النهضوي، فان دعم القراءة التنويرية للإسلام والتخلص من الاستتباع الحضاري لاوربا هو المنقذ للخروج من مأزق الارتباط بالغرب، فعلى الاسلاميين ان يراجعوا عصور استخدام العنف الصادر (من السلطة او من المجموعات المتشددة) في ثقافة تجربتهم كما ان على العلمانيين مراجعة استخدامهم العنف في العصر الحديث تحت مظلة العلمانية لتطبيق فلسفة اللاعنف ولابد من مراجعة فشل المشروعات التنموية في العالم الإسلامي ومراجعة الأسباب التي دفعت بالدعاة الإسلاميين لكي يتحولوا من دعاة سلميين ومتسامحين الى عصابات قتل وتدمير ومجموعات متشددة لا تملك مشروعاً للانسان. وإذ كنا نعتقد أنَّ العلمانية شرط للحداثة في اوربا، فانها ليست شرطاً للحداثة في العالم الإسلامي ونرى أنَّ التنوير الاسلامي شرط للحداثة في العالم الاسلامي، وإنها شرط للديمقراطية في اوربا في حين ان التنوير يعني الفهم الإيجابي القويم للنص الديني فيكون شرطاً لتجربة متقدمة في الشورى في بلدان العالم الإسلامي وعلمية. واعتقد ان الموجه الفكرية التنويرية في عالمنا لها من الامكان ان تجدد ذاتها بتجديد التراث الفكري برمته وان على القوى العلمانية ان تقبل اسلمة الحداثة على اسس برهانية وصارت معرفة متداولة . ودخل على التصوف مد تصحيحي قدمت فيه تعاليم نظرية لدعم الممارسات وكان جلال الدين دواني قد احيا فلسفة نصير الدين الخواجة وعلق على فلسفة السهروردي فصارت الثقافة العقلية مركبة من (المشائية نهج ابن عربي وتنويرية السهروردي)

وظهر صدر الدين الشيرازي صاحب الاسفار والحركة الجوهرية، وفلسف حيدر املي تعاليم اهل البيت ووصفها بلائمه الكمال النهائي لقد وفر الملا صدرا ثيولوجيا اماميه مندمجة مع الاطار الفلسفي، ثم نجد عملاقا اخر هو الشيخ البهائي العاملي (ت 1622م) الذي كان الى جانب كونه فقيها كان عالما بالفلسفة والتصوف ومتادبا بالشعر العرفاني ثم مهندسا معماريا لكن هذه الحداثة قوبلت كاي تجديد علمي وفكري بمعارضة، فظهر الحر العاملي (1111هـ) في كتابة (الفوائد الدينية في الرد على الحكماء والصوفية) لقد كان ذلك الإنجاز المعرفي المهم قاعدة فكرية للانطلاق نحو افق ارحب للمعارف والعلوم والفكر الإسلامي المنطلق مع التأمل والبرهان معا

***

الأستاذ المتمرس

د.عبد الأمير كاظم زاهد

.................................

توثيقات البحث

سامي زبيده: الشريعة والسلطة في العالم الإسلامي 135

عبد الوهاب المسيري: إشكالية التحيز رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد 1/271

محمد مهدي شمس الدين: العلمانية 27

برنارد لويس: صدام الإسلام والحداثة ص 126

عادل ضاهر: اللامعقول في الحركات الإسلامية 73

كارل ماركس: رأس المال ترجمة فالح عبد الجبار ظ 17 ص 115

حمد الكبيسي: أصول الاستنباط ص 77، ظ كذلك: السيد محمد تقي الحكيم: الأصول العامة للفقه المقارن ص 361

ابن رشد الحفيد: فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال تحقيق محمد عماره 37

محمد احمد شريف: فكرة القانون الطبيعي عند المسلمين ص 61

محمد عابد الجابري: نقد العقل العربي (البنية والتكوين) جـ 1 ص 259

حسام الدين الالوسي: فلسفة الكندي ص 351

الفارابي: المدينة الفاضلة، ظ محسن مهدي: الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية 239

محمد عابد الجابري: نقد العقل العربي (البينة والتكوين) جـ 1 ص 259

ابن رشد: فصل المقال، مصدر سابق ص 38

د.عبد الأمير زاهد: ازمة المشروع الحضاري، الصيروره واشكالية المنهج، بحث في اعمال المؤتمر الفلسفي العربي الثاني (بيت الحكمة) آذار / 2001 ص 120

المسيري: إشكالية التحيز 1/272

محمد مهدي شمس الدين: العلمانية ص 28

المسيري: إشكالية التحيز 1/273

 

ماهية الفلسفة: الفلسفة هي أساسًا عملية معرفية تبدأ بالتساؤل عن الوجود، الحقيقة، القيم، والمعنى.  يحدث هذا عندما يكون الهدف من المعرفة هو اليقين المطلق لا التساؤل المستمر. إن رؤية الفلسفة على أنها "حب يقيّد" قد تأتي من الشعور بأنها تفرض قيودًا على طريقة تفكيرنا، أو أنها تحصرنا في إطار من التساؤلات اللانهائية دون الوصول إلى إجابات نهائية. يشعر البعض بأن التفكير الفلسفي يمنعهم من العيش ببساطة، ويجعلهم يحللون كل شيء، مما يؤدي إلى الشعور بالثقل بدلًا من الحرية أما أنها "طموح يلتهم القلب" فيمكن أن يكون نابعًا من أن السعي الفلسفي لمعرفة الحقيقة والوصول إلى المعاني العميقة قد يصبح شغفًا لا يشبعه شيء، تاركًا إياه في حالة من البحث المستمر. الغرورً هو الجانب الذي يجعل الفلسفة وسيلة للشعور بالتفوق الفكري والمعرفة هنا تُستخدم كقوة اجتماعية أو أداة للتلاعب، وليست وسيلة للتأمل يعمي الفرد عن حقيقة أنه مهما بلغ من معرفة، هناك دائمًا ما يمكن تعلمه. الغرور يمنع الفرد من الاستماع إلى وجهات نظر الآخرين أو الاعتراف بنقاط الضعف الفكرية، مما يعوق التطور المعرفي.

الفلسفة بحث لا نهائي

هذا الوصف يعكس الجانب الذي فيه تصبح الفلسفة طموحًا لا ينتهي أبدًا، بحثًا مضنيًا عن المعنى، لدرجة أنه يستهلك الفرد نفسيًا وعاطفيًا. قد يقضي الفيلسوف حياته في محاولة حل ألغاز الوجود، دون أن يصل إلى إجابات نهائية، مما يؤدي إلى الإحباط أو الشعور بالعبثية، هذا المأزق يحدث عندما لا يوجد توازن بين التساؤل الفلسفي والحياة الواقعية. المعرفة تصبح غاية في حد ذاتها، وليست وسيلة لتحسين فهم الفرد لحياته أو علاقته بالعالم. الفرد يطمح للوصول إلى كل المعارف، وهذا الطموح يلتهمه، لأنه لا يدرك أن المعرفة الحقيقية تكون في قبول حدودها، وفي الاستمتاع بجمال التساؤل بحد ذاته دون الحاجة إلى الوصول لليقين المطلق، يمكن القول إن الفلسفة بحد ذاتها ليست سلبية، بل إن طبيعة العلاقة المعرفية التي يختارها الفرد معها هي التي تحدد تأثيرها. عندما تكون هذه العلاقة متوازنة، تصبح الفلسفة مصدرًا للنضج الفكري والتحرر. أما عندما يختل التوازن، تتحول المعرفة إلى قيود، أو غرور، أو عبء لا يطاق، الفلسفة ليست فرضًا إلزاميًا على الإنسان، بل هي مسار معرفي يختاره الفرد بإرادته الحرة. لا يولد أي إنسان وهو فيلسوف بالضرورة، بل يختار التفكير الفلسفي عندما يبدأ في طرح أسئلة جوهرية عن الوجود، المعنى، الحقيقة، والغاية. هذه الأسئلة تنشأ من تجارب الحياة، أو من الفضول، أو من الرغبة في فهم العالم بشكل أعمق، هذا الطابع الطوعي يمنح الفلسفة قيمتها الحقيقية، لأنها نابعة من دافع داخلي للبحث عن الحكمة لا من ضغط خارجي. بمجرد أن يبدأ الإنسان في هذه العلاقة الطوعية، تتحول الفلسفة إلى تجربة تُغني حياته بشكل عميق. إنها ليست مجرد دراسة نظرية، بل هي ممارسة عملية تُثري الفكر والروح، الفلسفة تُنمي مهارات التفكير النقدي، والتحليل المنطقي، والقدرة على صياغة الحجج. تجعل العقل أكثر مرونة وقدرة على فهم القضايا المعقدة من زوايا متعددة، الفلسفة تساعد الإنسان على فهم ذاته ودوافعه، وتُعينه على تحديد قيمه الشخصية وتشكيل رؤيته للحياة مما يؤدي إلى حياة أكثر وعيًا وانسجامًا، الفلسفة هي دعوة مفتوحة لكل إنسان يختار الاستجابة لها. لا تُجبر أحدًا، ولكنها لمن يقبل دعوتها تقدم ثروة لا تُقدر بثمن من المعرفة والوعي. العلاقة بين الإنسان والفلسفة هي مثل علاقة الفنان بفنه، تبدأ باختيار شخصي (طوعية)، لكنها تتحول بمرور الوقت إلى مصدر إلهام وإثراء لا غنى عنه للحياة. الفلسفة ليست تخصصًا منفصلاً عن الحياة، بل هي أداة للتفكير تكمن في صلب كل العلوم والتخصصات الأخرى كل علم يعتمد على أسس فلسفية. على سبيل المثال، يرتكز المنهج العلمي على فلسفة المعرفة (الابستمولوجيا)، وتعتمد أخلاقيات الطب على الفلسفة الأخلاقية. بدون الفلسفة، ستكون هذه العلوم مجرد تطبيقات بلا عمق أو توجيه أخلاقي، الفلسفة تعلمك كيفية التفكير النقدي، والتحليل المنطقي، وكيفية صياغة حجة متماسكة. هذه المهارات ليست مضيعة للوقت، بل هي ضرورية في أي مجال، سواء كان علميًا، مهنيًا، أو حتى في الحياة الشخصية، الفلسفة هي الوسيلة التي نستخدمها لفهم قيمنا، معتقداتنا، وموقعنا في العالم. تساعدنا على الإجابة على الأسئلة الكبرى التي لا تجيب عليها العلوم الطبيعية، مثل "ما معنى الحياة؟" أو "ما هو العدل؟، المنطقي من منظور سطحي أن تعتبر الفلسفة مضيعة للوقت إذا كان الهدف هو الحصول على نتائج فورية وملموسة، لكن من منظور أعمق، فإن تجاهل الفلسفة هو تجاهل للأداة التي تمكننا من فهم أنفسنا والعالم، وتجاهل للأسس التي تُبنى عليها كل أنواع المعرفة الأخرى.

المثقف وتجاهل الفلسفة

قد يكون الموقف الذي يتجاهل الفلسفة عجزًا من جانب، وانصرافًا نفعيًا من جانب آخر، عندما يرفض المثقف قراءة الفلسفة بحجة أنها "مضيعة للوقت"، فهذا يعكس في الغالب انصرافًا نفعيًا. هذا النوع من التفكير يرى أن المعرفة يجب أن تكون لها فائدة مباشرة وملموسة. في عالم يقدّر الإنتاجية والنتائج الفورية، يرى المثقف أن الفلسفة، التي تُركز على التساؤلات المجردة بدلاً من الحلول العملية، لا تتناسب مع متطلبات الحياة المهنية أو الإبداعية التي يُفترض أنها تتطلب السرعة والكفاءة، يمكن أن يكون هذا الموقف علامة على عجز أو قصور في الفهم. هذا العجز لا يتعلق بالذكاء، بل يتعلق بالرغبة في مواجهة الأسئلة الصعبة. الفلسفة تُجبر العقل على مواجهة عدم اليقين، وتفكيك الأفكار الراسخة، ومواجهة التناقضات. قد يكون هذا مرهقًا لبعض المثقفين، الذين قد يفضلون البقاء في منطقة الراحة الفكرية التي توفرها تخصصاتهم. الفلسفة تهز قناعات المثقف حول موضوع ما، الأسئلة حول الوجود، والمعنى، والحرية تبدو شاقة أو عديمة الجدوى لمن لم يتعود على التفكير فيها، بالتالي فإن تجاهل الفلسفة ليس مجرد موقف نفعي بحت، بل يكون أيضًا تجنبًا واع أو غير واع للمواجهة مع الأسئلة التي قد تُهدد قناعات المثقف، أو تُجبره على إعادة بناء إطاره الفكري من الأساس. هذا التجنب هو نوع من العجز الفكري عن الخروج من دائرة المعرفة المتخصصة إلى رحاب المعرفة الفلسفية الأوسع.

المثقف وخلق المعنى

هل استطاع المثقف خلق معنى لحياته بما يكتب ام ان المعنى أعمق، هذا سؤال عميق يمس جوهر العلاقة بين الإبداع والحياة. إن قدرة المثقف على خلق معنى لحياته من خلال كتاباته هي قضية معقدة، والمعنى غالبًا ما يكون أعمق بكثير مما يمكن أن توفره الكلمات وحدها، يُمكن أن تكون الكتابة عملية لاكتشاف الذات والعالم، حيث يُحاول المثقف من خلالها ترتيب أفكاره وتجاربه ومشاعره. في هذا السياق، تصبح الكتابة وسيلة لخلق معنى من الفوضى، سواء كانت فوضى داخلية أو خارجية. إن صياغة الأفكار في قالب فني أو فكري يُعطيها شكلاً ومنطقًا، وهذا بحد ذاته يُمكن أن يكون مصدرًا للمعنى.

المعنى الأعمق ومحدودية الكلمات

على الرغم من ذلك، يُمكن القول إن المعنى الحقيقي للحياة يتجاوز ما يُمكن أن يُقال أو يُكتب. المعنى ليس مجرد مفهوم فكري، بل هو تجربة معيشة. هو يتجسد في العلاقات الإنسانية، في الحب، في التضحية، في التحديات التي نواجها.

في لحظات السكون التي نجد فيها سلامًا داخليًا الكتابة تُساهم في فهم المعنى، لكنها لا تخلقه بالكامل. هي وسيلة لتأطير التجربة، ولكنها لا تُعوض التجربة نفسها، المعنى الحقيقي غالبًا ما يكون في الفعل، في كيفية عيش الإنسان لقيمه. إذا كان المثقف يُنادي بالعدالة في كتاباته، فالمعنى الحقيقي لا يكمن في الكلمات، بل في كيفية تطبيقه لهذه القيم في حياته اليومية، يمكن أن تكون الكتابة أداة قوية للمثقف في سعيه نحو المعنى، ولكنها ليست المعنى كله. فالمعنى الحقيقي هو تفاعل معقد بين ما يُكتب وما يُعاش. في خضم هذا الشغف، والطموح لفهم الأسئلة الوجودية الكبيرة يمكن أن يقود إلى البحث عن المعرفة، مما يجعله عرضة للإرهاق العاطفي. السعي وراء فهم عميق يُشعرهم بالقلق من عدم وجود إجابات مرضية، لان الفلسفة ليست فقط وسيلة لفهم العالم، بل هي أيضًا أداة قوية للتطوير الشخصي والتغلب على الغرور. من خلال التأمل والتفاعل والتفكير النقدي، يمكن للإنسان أن تتوضح له الرؤيا ليصبح أكثر تواضعًا.

***

غالب المسعودي

 

مع سقوط امبراطورية العقل الكبرى، غادر شيء حاسم من حياتنا بطرق ليست واضحة تماما. هذا السقوط في اللامعنى – العدمية – بأن كل القيم بلا أساس والحقيقة ذاتها بلا هدف او معنى هو في أفضل الأحوال اختراع شخصي وليس اكتشافا ابدا. العدمية لم تهبط  فجأة. بل، انها تسللت جنبا الى جنب مع الانتصارات التي صُممت لتأمين حياتنا: إعلان التنوير عن العقلانية في الحداثة المبكرة بوجه الصدمة التاريخية. كان ذلك بمثابة التأكيد على ان العقل البشري العالمي يمكن ان يكون مرساة لمعرفة و حياة مشتركة . لسوء الحظ، هذا النوع من العقل الذي يوعد بأساس جديد من اليقين كان في النهاية يرتد على ذاته. اكتشافات هذا العصر الجديد لم تستطع تحمّل النقد، كل قيمة عُرضت كشيء طارئ، كل حقيقة جرى اختزالها كنتاج للتاريخ او لعلم النفس او اللغة. نحن جرى تلقيننا لنفهم مذهب العدمية.

فرويد استبدل نظام وعي الذهن بقبو مسكون بالرغبات. كان ذلك عادلا وضروريا ومطلوبا جدا. نيتشه أعلن عن موت الإله وبالتالي اختفاء المرساة الأخيرة والمرجعية المتعالية. هو كان يصف ما حدث عندما فقد الدين قوته. الوجوديون مثل سارتر وكامو حاولوا مواساتنا بحرّية بطولية: اذا كان العالم فارغا من الهدف، نحن سوف نخترعه لأنفسنا. انت وانا والعالم مدعوون لخلق معنى فردي خاص بنا. مع ذلك، حرية خلق المعنى يمكن بسهولة ان تصبح لعنة. المرضى سواء كانوا يستعملون كلمة عدمية ام لا دائما ما يأتون للعلاج وهم مثقلون بالشعور بالفراغ والقلق وعدم القدرة على التعبير عنها بشكل واضح. جميعنا نجد طرقا للابتعاد عن هذا الفراغ. البعض يسعى لمعالجة المشكلة سطحيا عبر اللجوء لبرامج الواقع والإنشغال والاستهلاك والعروض الاجتماعية واللحاق اللامتناهي بالمكانة. البعض يسعون لإلتقاط   المعاني البسيطة والشعور العابر. يمكننا القول ان الثقافة أصبحت مستنزفة. المحللون السايكولوجيون يرون ان مهمتهم هي التعامل مع الفراغ كمشكلة فردية. حالات الاكتئاب، الحزن الدائم الذي يصفه فرويد بخسارة اعتبار الذات، انهيار روحي يشعر فيه العالم ذاته باستنزاف اللون والوزن. نحن نمارس هذا النوع من اليأس في عالمنا الداخلي، لكنه أكثر من ذلك. انه تاريخي – تعبير لزماننا.

من الصعب في وقتنا الحالي الإقتناع بان المعنى لازال صالحا ان كان موجودا في الأصل. الحياة العامة مسرحا لحقائق بديلة. الالتزام العشوائي يستبدل النقاش العقلاني. نحن فقدنا البوصلة. فقدنا الايمان بان البوصلة كانت موجودة.

تاريخيا، هذه الأعراض كانت مألوفة بشكل مرعب. وكما كتبت حنة أرندت وغيرها ان خسارة المعنى المشترك سمح لكامل المجتمعات لتصبح عرضة لإغراءات التعصب. بعد الحرب العالمية الاولى، ومع انهيار المعنى والأخلاق، جفّت تربة اوربا الروحية واصبحت مستعدة لقبول الاساطير الشمولية للاستبداد. النازية والفاشية برزتا من الحاجة لملأ الفراغ. عندما تزول أية مرساة لدى الناس، ولم تبق حاجة للانتماء سيقفزون الى روابط أسوأ من السلاسل التي تخلصوا منها. المحلل السايكولوجي في أحسن الاحوال لا يتظاهر بإعادة اليقينيات المتعالية. هو يعترف بانه في عالم تُبنى فيه القيم ولا تُكتشف، يجب على الافراد ان يصارعوا مع رغباتهم وينسجون قصصهم الخاصة. المعالجون النفسيون وخدمات المساعدة الذاتية تجد طريقها لهم، والمستهلكون نهمون.

ما هو المسار الذي يمكن اتخاذه عبر هذه التضاريس؟ اذا كان الجواب فقط في العثور او اختراع قصة "تعمل لنا"، هل سنشفى حقا ام اننا فقط نعيد ترتيب المقاعد على سطح السفينة في وجودنا العملاق؟ في النهاية، نحن تُركنا في عالم يدور دون مركز، المعنى التشاركي هو وهم والحوار العقلاني أكثر وهما. خارطتنا الجماعية التي كانت في يوم ما ذات معالم مشتركة قد اختفت. كل واحد منا يبحث الان عن اتجاه في ظل سماوات متحركة وغير مؤكدة. مع ذلك، يجب ان لا ننسى ان التاريخ يبيّن ان روح الانسان لها أعماق لا تُستنزف بسهولة. مرة بعد اخرى، أمام اليأس والاضطراب، نحن نكتشف في دواخلنا مرونة غامضة. ظلام العدمية واقعي ولكن قدرتنا على تحمّله وتحويله واقعية ايضا.

***

حاتم حميد محسن

"لعل الفضيلة الأسمى في قرننا هي مواجهة اللاإنسانية دون أن نفقد الإيمان بالناس"

يُعدتبر ريمون آرون (1905-1983) أحد أغمض المفكرين الفرنسيين في القرن العشرين، حيث امتاز بمساهماته الفكرية العميقة في علم الاجتماع، الفلسفة السياسية، والعلاقات الدولية. تميّزت أعمال آرون بمحاولته فهم الديناميات الاجتماعية والسياسية للمجتمعات الصناعية الحديثة، مع التركيز على الصراعات بين الأنظمة السياسية كمحرك أساسي للتاريخ، بدلاً من الصراع الطبقي الذي ركّزت عليه الفلسفة الماركسية. كما تناول آرون في كتاباته قضايا الوعي التاريخي، محاولاً تفكيك أوهام التقدم التي سادت في عصره، وانتقد بشدة الأيديولوجيات الشمولية، مثل النازية والستالينية، التي رأى أنها أغرقت العالم في حروب مدمرة. في الوقت ذاته، أثار آرون تساؤلات حول إمكانية تحقيق السلام الدائم بين الدول، معتبراً أن التنافس السياسي والأيديولوجي يجعل هذا الهدف شبه مستحيل. يهدف هذا المقال إلى استكشاف أفكار آرون حول مراحل الفكر الاجتماعي، أبعاد الوعي التاريخي، وموقفه من الحروب واستحالة السلام، مع الاستناد إلى أهم أعماله وتسليط الضوء على إسهاماته الفكرية.

مراحل الفكر الاجتماعي عند ريمون آرون

"لا يمكن قبول أي عقيدة أخلاقية أو دينية، على الأقل في محتواها الفكري، إذا لم تصمد أمام نقد العلم."

ركّز ريمون آرون في كتابه مراحل الفكر السوسيولوجي على تتبع تطور الفكر الاجتماعي منذ مونتسكيو إلى ماكس فيبر، مروراً بكارل ماركس وأليكسيس دو توكفيل. يرى آرون أن علم الاجتماع يسعى إلى فهم الواقع الاجتماعي بشكل شامل، دون عزل أي جانب من جوانبه، سواء كان اقتصادياً، سياسياً، أو دينياً. في هذا السياق، يؤكد آرون أن حركة المجتمعات لا تقتصر على الصراع الطبقي، كما زعم كارل ماركس، بل إن الصراع بين الأنظمة السياسية يشكل قوة دافعة أكثر تأثيراً. في كتابه ثمانية عشر درساً في المجتمع الصناعي، تناول آرون الجوانب الاقتصادية للمجتمعات الصناعية، بينما ركّز في صراع الطبقات على الجوانب الاجتماعية، وفي الديمقراطية والتسلط على الجوانب السياسية. هذه الثلاثية تعكس منهجية آرون في دراسة المجتمع ككل متكامل، حيث لا يمكن فهم أي ظاهرة اجتماعية دون مراعاة التفاعلات بين مختلف الأبعاد. كما تأثر آرون بماكس فيبر، خاصة في مفهوم "الأنماط المثالية"، الذي استخدمه لتحليل التاريخ والمجتمع بعيداً عن التفسيرات الوضعية الصلبة. آرون، في مقاربته للفكر الاجتماعي، دعا إلى "نزع الأيديولوجية" عن العلم، معتبراً أن الأيديولوجيات، مثل الماركسية، قد شوهت فهم الواقع الاجتماعي من خلال فرض تفسيرات مسبقة. هذا الموقف جعله ينتقد المثقفين الذين تبنوا الماركسية كـ"أفيون" يعميهم عن رؤية الحقائق، كما جاء في كتابه الشهير أفيون المثقفين عام 1955.

أبعاد الوعي التاريخي

"البشر يصنعون التاريخ ولكنهم لا يعرفون التاريخ الذي يصنعونه."

تناول آرون الوعي التاريخي من منظور نقدي، حيث رفض فكرة التقدم الخطي التي سادت في الفكر الأوروبي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. في كتابه الخلاص من أوهام التقدم ، يرى آرون أن الاعتقاد بتقدم مستمر وتلقائي للإنسانية هو وهم، خاصة في ضوء الكوارث التي شهدها القرن العشرين، مثل النازية والستالينية. يؤكد آرون أن هذه الأنظمة الشمولية أثبتت أن زعيماً ديماغوجياً يمكنه تجنيد الملايين بالأكاذيب والشعارات الشوفينية، مما يؤدي إلى حروب مدمرة. في سياق الوعي التاريخي، يرى آرون أن التاريخ ليس مجرد تحولات، بل يتضمن "الاحتفاظ" بالماضي وتراكم المعارف والخبرات. في نصّه حول مفهوم التاريخ والتقدم، يشير آرون إلى أن التقدم يتحقق عندما يستجيب جيل لأعمال الجيل السابق، مع إضافة عناصر جديدة، مما يسمح بتراكم إيجابي للمعارف والإنجازات. ومع ذلك، يحذّر آرون من الاعتقاد بأن التقدم العلمي أو التكنولوجي يعني بالضرورة تقدماً أخلاقياً أو سياسياً، حيث أن الإنسانية لا تزال عرضة للانتكاسات بسبب الصراعات الأيديولوجية والسياسية.

قذارة الحروب واستحالة السلام

"إن الاختيار في السياسة ليس بين الخير والشر، بل بين الأفضل والأسوأ."

كان آرون من أشد المنتقدين للحروب والأنظمة الشمولية التي أدت إلى تدمير العالم في القرن العشرين. في كتابه التفكير في الحرب ، يحلل آرون الطبيعة المدمرة للحروب، مركزاً على كيفية استغلال الأيديولوجيات المتطرفة، مثل النازية والستالينية، للشعارات العنيفة لتبرير الصراعات. كما عارض آرون فكرة أن الحروب يمكن أن تؤدي إلى حلول نهائية للصراعات، مشيراً إلى أنها غالباً ما تولّد المزيد من العنف والكراهية. فيما يتعلق بالسلام، كان آرون متشككاً في إمكانية تحقيق سلام دائم بين الدول، نظراً للتنافس المستمر بين الأنظمة السياسية والأيديولوجيات. في كتابه الخلاص من أوهام التقدم، يرى أن الصراعات الأيديولوجية، مثل تلك الدائرة بين الرأسمالية والاشتراكية، تجعل السلام هدفاً بعيد المنال. ومع ذلك، دعا آرون إلى تعزيز المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، كآلية لتقليل التوترات وتسوية النزاعات، على الرغم من محدودية فعاليتها. موقف آرون من استقلال الجزائر، حيث دعم النزعة السلمية وانتقد الاستعمار الفرنسي، يعكس إيمانه بأن العنف الاستعماري لا يمكن أن يؤدي إلى حلول مستدامة. نشعر بأننا عبيد لكل يتجاوزنا، محكوم علينا بتحقيق جزء فقط مما يمكننا أن نكون عليه، محكوم علينا بممارسة وجودنا بالكامل في مهنة محدودة لا أمل لها في العظمة سوى قبول هذا القيد. إن القوة في النظام القائم بين الدول تعتمد على الإرادة بقدر ما تعتمد على الموارد؛ وأوروبا الغربية، إذا نظرنا إليها كوحدة واحدة، تمتلك الموارد، وليس الإرادة.

خاتمة

"إن المساواة العقائدية تسعى عبثًا إلى تقييد الطبيعة، البيولوجية والاجتماعية، ولا تحقق المساواة بل الاستبداد."

يمثل ريمون آرون نموذجاً للمفكر الملتزم الذي يجمع بين التحليل العلمي والنقد الفلسفي. من خلال أعماله حول مراحل الفكر الاجتماعي، قدم آرون رؤية شاملة لفهم المجتمعات الصناعية، مركزاً على الصراعات السياسية كمحرك أساسي للتاريخ. كما أسهم في تفكيك أوهام التقدم من خلال تحليله للوعي التاريخي، محذراً من المخاطر الأيديولوجية التي تهدد الإنسانية. أما فيما يتعلق بالحروب، فقد كشف آرون عن "قذارتها"، مؤكداً أن التنافس الأيديولوجي والسياسي يجعل السلام بين الدول هدفاً صعب التحقيق. ومع ذلك، فإن دعوته إلى تعزيز الحوار والمؤسسات الدولية تعكس أمله في تقليل الصراعات، حتى لو لم يكن السلام المطلق ممكناً. إن إرث آرون يكمن في قدرته على مواجهة الأفكار الخاطئة، كما وصفها كلود-ليفي ستراوس بـ"النظافة الثقافية"، حيث استطاع أن يفهم خصومه الفكريين قبل الرد عليهم، مما جعله صوتاً عقلانياً في زمن طغت عليه الأيديولوجيات المتطرفة. لكن لماذا ظل ريمون آرون صورة مخفية في المشهد السيوسيولوجي على الرغم من الاسهامات الكبيرة التي قدمها وانتقادات الهامة التي قام بها؟

***

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

....................

المصادر والمراجع:

آرون، ريمون. أفيون المثقفين. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الساقي، 2006.

آرون، ريمون. مراحل الفكر السوسيولوجي. ترجمة فكتور باسل. بيروت: منشورات عويدات، 1980.

آرون، ريمون. الخلاص من أوهام التقدم. باريس: كالمان-ليفي، 1969.

آرون، ريمون. ثمانية عشر درساً في المجتمع الصناعي. ترجمة فكتور باسل. بيروت: منشورات عويدات، 1980.

آرون، ريمون. صراع الطبقات. بيروت: دار الكتاب العربي، 1970.

آرون، ريمون. الديمقراطية والتسلط. باريس:غاليمار، 1965.

آرون، ريمون. تفكير الحرب. باريس: غاليمار، 1975.

بلاتمان، كريستوفر. لماذا نحارب: جذور الحرب وطرق السلام. مركز المستقبل، 2022.

يُعتبر سقراط وكونفوشيوس على التوالي مؤسسان للفلسفة الغربية والفلسفة الشرقية، تعاليمهما تحمل العديد من أوجه التشابه. وبالرغم من ان كلا الفيلسوفين عاش ثمانين عاما وفصلت بينهما مسافة 4300 ميلا، لكن فلسفتهما فيها الكثير من التشابه، أزالتا الحدود الثقافية والإختلافات المتصورة سلفا بين الشرق والغرب. شخصيتهما كانت مذهلة لدرجة انهما اكتسبا لقب "حكيم" sage حتى أثناء حياتهما.

وُلد سقراط في عائلة اثنية من الطبقة الوسطى عام 470 ق.م. أفكاره نُشرت لاحقا من خلال كتابات تلميذه افلاطون، والتي من خلالها اكتسب لقب مؤسس الفلسفة الغربية. كذلك بالنسبة لكونفوشيوس وُلد في عائلة في مقاطعة لو Lu عام 551 ق.م. العائلة لم تكن غنية ولا فقيرة ولكن عندما مات والده اُجبر كونفوشيوس على العمل. وكما في سقراط، بقيت تعاليم كونفوشيوس وفلسفته مؤثرة في كل الصين وشرق اسيا حتى اليوم. كلا الرجلين عاشا في زمن الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي أفرزت تحديا للقيم التقليدية والسلوكية. اثناء حياته في ظل الحرب البيلوبونيسية (431-404 ق.م)،سعى سقراط الى تمكين اليونانيين للتفكير في أنفسهم. وبسبب هذا عرّض نفسه الى عقوبة الموت بتهمة المعصية وإفساد الشباب.

وذات الشيء بالنسبة لكونفوشيوس الذي عاش اثناء فترة الاضطرابات في الايام الاخيرة لسلالة تشو وحاول دون جدوى إقناع اللوردات الاقطاعيين المتحاربين لإحتضان تعاليمه.

كلا المفكرين تلقّى تعليما وكانا مطّلعين على الادب والموسيقى الخاص بثقافتيهما. القليل عُرف عن حياتهما المبكرة، لكن حينما كانا في متوسط العمر، كلاهما كان لديه جماعة من الطلاب المعجبين بحكمتهما حيث اتّبعوا تعاليمهما.

ماهو مؤكد حول الرجلين ان كلاهما وقع له حدثا رئيسيا رسم هدفهما في الحياة. العرّاف في معبد الآلهة (دلفي) أخبر صديق سقراط شيريفون ان "لا أحد أكثر حكمة من سقراط". مع ذلك،ادّعى سقراط "كل ما يعرف هو ان لا يعرف شيئا".

اما بالنسبة لكونفوشيوس، فقد امتلك تجربة هامة مشابهة في عمر الخمسين عاما عندما ادّعى انه عرف رغبة السماء. في كلتا الحالتين، كان شعورا بالرسالة وبمصيرهما الإلهي المحدد.

أهمية الفضيلة لدى سقراط وكونفوشيوس

بالنسبة لهما كان التعلّم والحكمة يجسدان اندماج الفضائل الاخرى ومجالات الدراسة في كُل متماسك. الحكمة اكتُسبت من خلال التعلّم والتحقيق او ما تم الاعتراف به بديهيا. كونفوشيوس اعتبر القلب الطيب صفة فطرية لكل فرد، لكن من النادر بلوغها في صورتها المثلى . هو اعتقد ان الخير هو علاقات المحبة الصحيحة بين الناس وهو مصدر الفضيلة وكل القيم. سقراط اعتقد ان عيش حياة فاضلة كان ضروريا لتحقيق السعادة والانجاز. هو ايضا اعتقد ان الحب هو الطاقة التي تحرّكنا نحو الخير الذي هو الحقيقة الالهية ومركز العالم الروحي. علاقات الانسان الصحيحة هي الصداقة، والخير هو مصدر المُثل التي يجب ان تكون القوة المرشدة في أفعال الناس.كلاهما عاش وعلّم طلابه في روح من الصداقة، مركزين طاقاتهما باستمرار على الإيجابي في كل موقف. هما عملا اولاً علي تطوير نفسيهما ومن ثم جعلا هدفهما مساعدة الآخرين في انجاز حياة افضل.

كلاهما أكد على أهمية التعليم، الذي هدفه الرئيسي يجب ان يكون الفضيلة والتحسين الذاتي. هناك تشابه ملحوظ في تعليم الفيلسوفين في هذه القضية. سقراط، كما كونفوشيوس اعتقد ان نزعة الانسان كانت حب الجمال أكثر من الفضيلة. مع ذلك، هما علّما طلابهما انه عندما يصبح الانسان اكثر فضيلة فان حياته ستتحسن. وبالتالي، تعليمهما كان وسيلة لحياة أفضل. قيل ان الفضيلة الرئيسية التي يمكن تطويرها من خلال التعلّم هي الحكمة. من المهم قبل كل شيء ان يمتلك المرء معرفة ذاتية. انه تضمّن وعيا بما يعرف المرء وما لايعرف. هذا الاعتراف يمكّن المرء من استعمال المعرفة بشكل صحيح وتجنب الأخطاء نتيجة الجهل. الفيلسوفان شجعا الناس للتركيز على انفسهم لكي يتمكنوا من التحول للداخل واختبار شخصيتهم والمفاهيم والاهداف والمواقف بين الاشياء الاخرى.

الفلسفة والممارسة

عرض كونفوشيوس نفسه كـ "ناقل لم يخترع شيئا" وادّعى ان كل ما يعرف، انه تعلّم من الدراسة، وهكذا يؤكد أهميتها. بالنسبة لطلابه، هو اولاً أرشدهم في دراسة واستيعاب الكلاسيكيات القديمة لكي يستطيعون ايجاد ارتباط بين المشاكل الاخلاقية للماضي والحاضر من خلال التفكير العميق والدراسة. في الصين، جرى اتّباع الكونفوشيوسية كدين من جانب البعض، بينما العديد جادل بان التعاليم الكونفوشيوسية تقيّم الأخلاق العلمانية. مؤيدو الكونفوشيوسية الدينية يجادلون انه بالرغم من الطبيعة العلمانية لتعاليمه، الا انها تستند الى رؤية دينية كاساس لها من حيث الجوهر.

القيم الاخلاقية كانت هامة جدا لكليهما. عندما كان سقراط في المحاكمة، في دفاعه قال "طالما اتنفس وقادر،سوف لن امتنع عن ممارسة الفلسفة". هو رفض التخلي عن السعي للحكمة، وهذا قاد في النهاية الى موته. كونفوشيوس كان ايضا ملتزما بقناعاته الاخلاقية ووقف بثبات لما اعتقد به. طبقا لـ "المختارات"، المؤلفان روجر امس و هنري روزمونت أعلنا انه "كان مهتما في كيفية بناء الحياة للمرء، ليس في اكتشاف "الحقيقة" كما في سقراط، بل كان مهتما في الصورة الاكبر للحياة وكان ملتزما بالبحث عن الحكمة بهذا الشأن.

تشابه آخر بين الاثنين هو ان كلاهما لم يميّز بين الناس على اساس المكانة او الثروة. هما كانا مستعدين لتعليم أي شخص قادر وراغب في التعليم. سعت فلسفتهما التعليمية من حيث اهداف التعليم والمنهج والتربية الى تمكين وإضفاء الطابع الانساني للحكم عبر تنمية الحكمة والقادة الفضلاء. في التقاليد اليونانية، الشخص المتعلم جيدا يُعرف بـ النبيل او الشخص الجيد. وفي الصين يسمى jun zi وتعني ابن الامير او السيد.

الميراث

بالاضافة الى تأثيرها المستمر على الفكر الغربي طوال القرون، برز في السنوات الاخيرة اهتماما متزايدا في الافكار التعليمية لسقراط. طريقة سقراط في التعليم وتُعرف بالحوار السقراطي او الطريقة السقراطية، دائما ما جرى تبنّيها في المدارس لتعزيز التفكير النقدي لدى الطلاب. الحوار بين المعلم والطلاب، الذي يتحفز عبر الطرح المستمر للاسئلة ، يستكشف المعتقدات الاساسية التي تشكل رؤى الطالب وافكاره. في هذه الاثناء، انتعشت الكونفوشوسية في الصين واكتسبت حضورا عالميا. هذه النهضة بدأت في الحلقات الأكاديمية وانتشرت تدريجيا لكل من القادة والجمهور العام . منذ عام 2004 أسست الحكومة الصينية أكثر من 300 معهد كونفيوشي في جميع أنحاء العالم.

***

حاتم حميد محسن

مقاربة تداولية

"الفلسفة هي أكثر من مجرد تخصص أكاديمي؛ فهي طريقة لرؤية العالم والتفاعل معه".

نسعى من خلال هذا العنوان إلى تعميق فهمنا للتمييز المفهومي والسياقي بين السؤال الفلسفي والإبداع الفني من خلال مقاربة تداولية، مع التركيز على كيفية تشكل المعاني والوظائف في سياقات تواصلية مختلفة. يمثل السؤال الفلسفي أداة أساسية للتفكير النقدي، بينما يُشكل الإبداع الفني تعبيرًا جماليًا وعاطفيًا. على الرغم من التقاطعات بينهما في استكشاف القضايا الإنسانية، إلا أن الفروقات في الأهداف، المنهجيات، والسياقات تظل جوهرية. في هذا التوسع، سيتم تقديم أمثلة إضافية وتحليل أعمق لأعمال فنية وأسئلة فلسفية محددة، مع التركيز على وظائفها التداولية وتأثيرها في سياقاتها. فلماذا اعتبر البعض "الفلسفة تقدم إجابات غير مفهومة لأسئلة غير قابلة للحل"؟ هل يمكن للفن تعويضها؟ وماهي الفروقات من جهة المفهوم والسياق بين السؤال والابداع في الفلسفة والفن من وجهة نظر تداولية؟ وألا توجد تقاطعات عديدة بينهما؟ وماهي تبعات هذه التقاطعات على الصعيد الأكسيولوجي والتأويلي؟

المقاربة التداولية

"قبل أن تبدأ في الفعل، عليك أن تفكر وتتروى وتتداول في الأمر مع غيرك..."

المقاربة التداولية، المستندة إلى أعمال جون أوستن وجون سيرل، تركز على الأفعال الكلامية وكيفية تحقيق اللغة والتعبير لوظائف محددة في سياقات اجتماعية وثقافية. يُمكن تحليل السؤال الفلسفي كفعل استفساري يهدف إلى استكشاف الحقيقة أو تحليل المفاهيم، بينما يُعد الإبداع الفني فعلًا تعبيريًا يسعى إلى إثارة العواطف أو تقديم رؤى جمالية. يتم تحديد المعنى في كلا المجالين بناءً على النوايا، توقعات الجمهور، والسياقات المؤسساتية.

التمييز المفهومي

"السؤال ليس: هل يستطيع الناس التفكير؟ أو هل يستطيعون التكلم؟ بل: هل يستطيعون المعاناة؟"

السؤال الفلسفي

"يكون السؤال فلسفيًا عندما يطرح مشكلة تتعلق بعلاقتنا بأنفسنا، أو بالآخرين، أو بالدولة، أو بالطبيعة، أو بالقيم."

السؤال الفلسفي هو أداة تحليلية تُستخدم لاستكشاف قضايا جوهرية مثل الوجود، المعرفة، والأخلاق. يتميز بما يلي:

الطبيعة الاستفسارية: يهدف إلى فحص المفاهيم أو تحدي الافتراضات. على سبيل المثال، سؤال ديكارت "كيف يمكنني أن أتأكد من وجودي؟" يفتح نقاشًا حول اليقين والذات.

المنهج المنطقي: يعتمد على الحجج العقلية والتحليل النقدي.

الهدف المعرفي: يسعى إلى إنتاج فهم أعمق، حتى لو لم يُقدم إجابات نهائية.

الإبداع الفني:

"لو كان العالم واضحًا، لما كان الفن موجودًا."

الإبداع الفني هو تعبير إبداعي يتجسد في أشكال مثل الشعر، الرسم، أو الموسيقى، ويتميز بما يلي: الطبيعة التعبيرية: يعبر عن رؤى شخصية أو ثقافية. على سبيل المثال، لوحة "غيرنيكا" لبيكاسو تعبر عن فظائع الحرب الأهلية الإسبانية.

الطابع الجمالي: يهدف إلى إثارة تجربة حسية أو عاطفية.

الهدف التجريبي: يركز على تحفيز التأمل أو التأويل بدلاً من تقديم حقائق.

الفروقات المفهومية

"الأسئلة، أكثر من الإجابات، هي ما يُظهر سعة العقل. الأسئلة لا تُزعجنا أبدًا، لكن أحيانًا تكون الإجابات كذلك."

الهدف: السؤال الفلسفي يهدف إلى المعرفة، بينما الإبداع الفني يسعى إلى التجربة.

المنهج: السؤال الفلسفي منطقي وتحليلي، بينما الإبداع الفني خيالي وحسي.

النتيجة: السؤال الفلسفي ينتج مفاهيم أو نظريات، بينما الإبداع الفني ينتج أعمالًا مفتوحة للتأويل.

التمييز السياقي: تحليل تداولي مع أمثلة

"السؤال الفلسفي هو تساؤلٌ حول علاقتنا بالعالم، والآخرين، وأنفسنا. وهو يتطرق إلى جوانب أساسية، كالمعرفة (الصواب والخطأ) ، الأخلاق (الخير والشر) أو الجمال (الجمال والبشاعة)"

سياق السؤال الفلسفي

" الحكيم لا يعطي الإجابات الصحيحة، بل يسأل الأسئلة الحارقة "

مثال 1: سؤال نيتشه "هل نعيش زمن الانسان الأخير؟"

السياق: طُرح هذا السؤال في كتاب "هكذا تكلم زرادشت" (1883-1885) في سياق نقدي للقيم الدينية والأخلاقية في أوروبا القرن التاسع عشر. يعكس السؤال أزمة المعنى في عصر التنوير.

الجمهور المستهدف: القراء الفلاسفة والمثقفون المهتمون بقضايا الأخلاق والدين.

الوظيفة التداولية: فعل كلامي استفساري يتحدى الافتراضات الدينية التقليدية، داعيًا إلى إعادة تقييم القيم. يتوقع نيتشه من جمهوره التفكير النقدي والمشاركة في نقاش فلسفي.

القواعد التداولية: يخضع السؤال لتوقعات المنطق والحجة، حيث يُطالب الجمهور بتقديم ردود مدعومة بالتحليل.

مثال 2: سؤال مارتن هيدجر "ما هو الوجود؟"

السياق: طُرح في كتاب "الوجود والزمان" (1927) في سياق أنطولوجي يهدف إلى فهم طبيعة الوجود البشري.

الجمهور المستهدف: الفلاسفة والطلاب المهتمون بالوجودية والأنطولوجيا.

الوظيفة التداولية: يهدف إلى تحفيز التفكير في طبيعة الوجود نفسه، مع التركيز على التجربة الإنسانية. يُعتبر فعلًا كلاميًا استفساريًا يفتح المجال لتأملات عميقة.

القواعد التداولية: يتطلب من الجمهور الانخراط في تحليل مفاهيمي دقيق، مع الالتزام بالتماسك الفلسفي.

سياق الإبداع الفني

"يهدف الفن إلى طبع المشاعر فينا بدلاً من التعبير عنها."

مثال 1: لوحة "غيرنيكا" لبابلو بيكاسو (1937)

السياق: رُسمت اللوحة كرد فعل على قصف مدينة غيرنيكا خلال الحرب الأهلية الإسبانية، في سياق سياسي وثقافي مشحون. عُرضت في معرض باريس الدولي عام 1937.

الجمهور المستهدف: الجمهور العام، بما في ذلك السياسيون، عشاق الفن، والناشطون المناهضون للحرب.

الوظيفة التداولية: فعل كلامي تعبيري يهدف إلى إثارة مشاعر الرعب والتعاطف، مع انتقاد العنف والفاشية. تستخدم اللوحة رموزًا مثل الحصان المعذب والأم الثكلى لنقل رسالة إنسانية.

القواعد التداولية: لا تخضع اللوحة لقواعد منطقية صارمة، بل تتيح للجمهور تأويلات متعددة بناءً على تجاربهم الشخصية والثقافية.

مثال 2: رواية "الغريب" لألبير كامو (1942)

السياق: كتبت في سياق الحرب العالمية الثانية، تعكس الرواية الفلسفة العبثية التي تستكشف عدم وجود معنى جوهري للحياة.

الجمهور المستهدف: القراء الأدبيون والمهتمون بالفلسفة الوجودية.

الوظيفة التداولية: فعل تعبيري يقدم تجربة سردية تثير التأمل في العبثية والحرية. شخصية ميرسو، التي تتصرف بلامبالاة تجاه المعايير الاجتماعية، تدعو الجمهور إلى التفكير في القيم التقليدية.

القواعد التداولية: تتيح الرواية حرية التأويل، حيث يمكن للقراء استخلاص معانٍ مختلفة بناءً على سياقاتهم الشخصية.

مقارنة السياقات

"لإنشاء عمل فني فريد وأصلي، عليك أن تكون عبقريًا. "

الإطار التواصلي: السؤال الفلسفي يعمل في إطار نقدي يتطلب الوضوح والمنطق، بينما الإبداع الفني يعمل في إطار تعبيري يحتضن الغموض والتعددية.

توقعات الجمهور: يتوقع جمهور السؤال الفلسفي حججًا منطقية، بينما يتوقع جمهور الإبداع الفني تجربة عاطفية أو تأملية.

السياق المؤسسي: السؤال الفلسفي يرتبط بالأكاديميات والنقاشات الفكرية، بينما الإبداع الفني يرتبط بالمعارض، المسارح، أو الأدب.

التقاطع بين السؤال الفلسفي والإبداع الفني

"الفلسفة مفيدة للبشرية بقدر فائدة الفن. لولا الفلسفة لعشنا حياةً عبثية. التفكير في الغد هو ممارسةٌ للفلسفة والفن."

تقاطع في الأعمال الفنية ذات البعد الفلسفي

بعض الأعمال الفنية تتجاوز التعبير الجمالي لتطرح أسئلة فلسفية صريحة، مما يجعلها جسراً بين المجالين:

مثال: مسرحية "في انتظار جودو" لصموئيل بيكيت (1953)

السؤال الفلسفي الضمني: "ما معنى الانتظار في حياة بلا معنى؟" تعكس المسرحية فلسفة العبث، حيث ينتظر الشخصيات (فلاديمير وإستراجون) شخصية "جودو" التي لا تأتي أبدًا.

السياق التداولي: المسرحية فعل تعبيري يقدم تجربة جمالية، لكنه يحمل سؤالًا فلسفيًا يدعو الجمهور إلى التفكير في الوجود والزمن. على عكس السؤال الفلسفي الصريح، يتم طرح السؤال بشكل ضمني من خلال الحوارات والرموز.

التأثير: يحفز الجمهور على التأمل دون تقديم إجابات، مما يجمع بين الوظيفة التعبيرية للفن والوظيفة الاستفسارية للفلسفة.

مثال: لوحة "الصرخة" لإدفارد مونش (1893)

السؤال الفلسفي الضمني: "ما طبيعة القلق الوجودي؟" تعبر اللوحة عن حالة نفسية من القلق والاغتراب في العالم الحديث.

السياق التداولي: كفعل تعبيري، تستخدم اللوحة الألوان والتشكيلات لنقل تجربة عاطفية، لكنها تثير أسئلة فلسفية حول الوجود والمعاناة.

التأثير: تدعو الجمهور إلى التأمل في حالتهم الوجودية، مما يجعلها أقرب إلى الفلسفة في وظيفتها الاستفسارية.

تقاطع في الأسئلة الفلسفية ذات البعد الفني

"الفن هو ثمرة إبداع الناس الأحرار."

بعض الأسئلة الفلسفية تُطرح بأسلوب يحاكي الإبداع الفني، مما يعزز جاذبيتها الجمالية:

مثال: أسئلة زرادشت عند نيتشه

في كتاب "هكذا تكلم زرادشت"، يستخدم نيتشه لغة شعرية ورمزية لطرح أسئلة فلسفية مثل "كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز نفسه؟". هذا الأسلوب يجمع بين التحليل الفلسفي والتعبير الفني.

السياق التداولي: الأسئلة تُطرح بأسلوب أدبي يجذب القراء عاطفيًا، مما يجعلها أقرب إلى الإبداع الفني في قدرتها على إثارة التجربة الجمالية.

التأثير: تجمع بين الوظيفة الاستفسارية (تحفيز التفكير النقدي) والوظيفة التعبيرية (إثارة العواطف).

تحليل تداولي

المقاصد التداولية: في السؤال الفلسفي، يكون مقصد المُرسل (الفيلسوف) هي تحفيز النقاش المعرفي، كما في سؤال هيدغر "ما هو الوجود؟" الذي يهدف إلى إعادة تعريف الأنطولوجيا. في المقابل، تكون نية الفنان في الإبداع الفني إثارة تجربة ذاتية، كما في "غيرنيكا" التي تهدف إلى نقل معاناة الحرب.

توقعات الجمهور: يتوقع جمهور السؤال الفلسفي إجابات أو نقاشات منطقية، بينما يتوقع جمهور الفن تجربة مفتوحة التأويل. على سبيل المثال، يمكن لـ"الغريب" أن تُفسر كانعكاس للعبثية أو كقصة عن الحرية الفردية.

السياقات المؤسسية: السؤال الفلسفي يرتبط بالجامعات والمؤتمرات الأكاديمية، بينما يرتبط الفن بالمتاحف، المسارح، أو النشر الأدبي. هذه السياقات تشكل كيفية استقبال الفعل التواصلي.

خاتمة

"أجمل شيء في الإبداع الفني هو بالتحديد هذا الجزء الفلسفي، وأجرأ شيء في السؤال الفلسفي قدرته الجمالية على اثارة الدهشة"

من خلال المقاربة التداولية، يتضح أن السؤال الفلسفي والإبداع الفني يختلفان في طبيعتهما ووظائفهما التواصلية، لكنهما يتقاطعان في استكشاف القضايا الإنسانية العميقة. السؤال الفلسفي، كما في أمثلة نيتشه وهيدغر، يعمل كفعل استفساري يهدف إلى الوضوح المعرفي، بينما الإبداع الفني، كما في "غيرنيكا" و"الغريب"، يعمل كفعل تعبيري يثير التجربة الجمالية والعاطفية. الأمثلة المقدمة، مثل "في انتظار جودو" و"الصرخة"، تُظهر كيف يمكن للفن أن يحمل أسئلة فلسفية ضمنية، بينما تُبرز أسئلة نيتشه الشعرية كيف يمكن للفلسفة أن تتبنى أسلوبًا فنيًا. هذا التحليل التداولي يعزز فهمنا للعلاقة المعقدة بين الفلسفة والفن كأشكال تواصلية تتشكل حسب السياقات والمقاصد. لكن أليس الابداع الفني فرصة لإثارة الأسئلة الفلسفية الشائكة؟ وألا تمثل الأسئلة الفلسفية ابداعات فنية تقبل العديد من التأويلات اللامتناهية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..........................

المصادر والمراجع:

Austin, J. L. (1962). How to Do Things with Words. Oxford University Press.

Searle, J. R. (1969). Speech Acts: An Essay in the Philosophy of Language. Cambridge University Press.

Nietzsche, F. (1883-1885). Thus Spoke Zarathustra. Penguin Classics.

Heidegger, M. (1927). Being and Time. Blackwell Publishing.

Camus, A. (1942). The Stranger. Vintage Books.

Beckett, S. (1953). Waiting for Godot. Grove Press.

Eco, U. (1989). The Open Work. Harvard University Press.

كان ديوجينس*، الفيلسوف اليوناني القديم، معروفًا بحمله مصباحًا في وضح النهار. عندما يسأل عن السبب، كان يجيب: أبحث عن إنسان صادق...! هذا الفعل الرمزي يشير الى أن ديوجينس كان يعتقد أن الفضيلة والصدق نادران في العالم، وكان يبحث عن شخص يجسد القيم الإنسانية الحقيقية، كان يبحث عن الفضيلة والصدق في مجتمعه، وهو بحث لا يزال مستمرًا إلى اليوم. على الرغم من أننا الان لا نحتاج إلى مصباح في وضح النهار، إلا أننا نبحث عن الفضيلة في حياتنا المعاصرة.

الفضيلة في الفلسفة هي صفة أخلاقية إيجابية أو استعداد دائم لفعل الخير. هي ليست مجرد فعل عشوائي، بل هي عادة راسخة في شخصية الفرد، اعتقد أرسطو أن الفضيلة هي الوسط الذهبي بين رذيلتين، إحداهما هي الإفراط والأخرى هي النقص. على سبيل المثال، الشجاعة هي فضيلة بين التسرع (إفراط) والجبن (نقص)، كذلك رأى أفلاطون أن هناك أربع فضائل رئيسية هي: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة. واعتبر أن العدالة هي الفضيلة الأسمى لأنها تضمن توازن جميع الفضائل الأخرى.

الفضيلة اليوم

في عالمنا المعاصر، حيث تتفشى تجارة الحروب والصراعات، تتجلى الفضيلة في الأفعال التي تعزز السلام، والتعاطف، والعدالة، مثل تقديم المساعدة الإنسانية، والدفاع عن حقوق الإنسان، والعمل على بناء مجتمعات أكثر عدلاً، لكن يظل البحث عن الفضيلة تحديًا مستمرًا، خاصة في ظل المصالح المادية التي تُغذي الصراعات، رغم ذلك ان الفضيلة تظل الضوء الذي يمكن أن يهدينا نحو عالم أفضل وأكثر سلامًا، لقد تطور مفهوم الفضيلة بشكل كبير عبر التاريخ الفلسفي. بشكل عام، يمكن وضع مفهوم عام للفضيلة بأنها صفة شخصية قوية ومستقرة تُعتبر جيدة من الناحية الأخلاقية، وتجعل صاحبها شخصًا أفضل. تعتبر الفلسفة اليونانية المصدر الأساسي لمفهوم الفضيلة، حيث ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بفكرة الازدهار وهي حالة من السعادة والعيش الجيد، على الرغم من أن الفلاسفة الحديثين ركزوا على مفاهيم مثل الواجب الأخلاقي (كانط) أو النتائج (المذهب النفعي)، إلا أن الفضيلة عادت لتكتسب أهمية كبيرة فيما يُعرف بـ أخلاقيات الفضيلة في هذا السياق، لم تعد الفضيلة مجرد سمة أخلاقية، بل هي طريقة للتفكير والشعور والتصرف. إن الشخص الفاضل لا يقوم بالفعل الصحيح فقط، بل يفعل ذلك لأنه يمتلك الصفات الشخصية التي تدفعه إليه، مثل التعاطف، والعدالة، والصدق. يمكن القول إن الفضيلة هي صفة شخصية تجعلنا كبشر أفضل، وهي لا تكمن فقط في الفعل الذي نقوم به، بل في الشخصية التي نصبح عليها.

الفضيلة الاستعمارية

يُقصد بـ "الفضيلة الاستعمارية" ادعاء القوى المستعمرة بأنها تحمل قيمًا حضارية وأخلاقية متفوقة، مثل "نشر العدالة" أو "الحضارة" أو "التقدم" بين الشعوب المستعمرة. هذه القيم استخدمت لتبرير الاستعمار والسيطرة على الأراضي والموارد، لذا نحن بحاجة إلى تعريف الفضيلة في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى. في عالم تحركه التكنولوجيا والمعلومات، تزداد أهمية القيم الأخلاقية، وتصبح الفضيلة ضرورية للتغلب على التحديات المعاصرة في عالم مترابط، تواجهنا قضايا أخلاقية معقدة لم تكن موجودة من قبل، مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والخصوصية الرقمية، والتجارة العادلة. يتطلب التعامل مع هذه القضايا فهمًا عميقًا للفضائل الأساسية مثل العدالة والمسؤولية تواجه مجتمعاتنا الانقسام والصراع. يمكن للفضائل أن تساعد في بناء جسور بين الثقافات، وتعزز الحوار، وتقلل من الكراهية. في مجتمع استهلاكي، يشعر الكثير من الناس بفقدان المعنى. يمكن أن يكون البحث عن الفضيلة طريقًا لإيجاد هدف أعمق، بعيدًا عن السعي المادي. في عالم يدعي فيه الجميع الفضيلة، من الظالم إلى المظلوم، يصبح من الصعب تحديد من يمثلها حقًا. لكن الفلسفة يمكن أن تساعدنا في فهم هذه المعضلة. الفضيلة لا تنحاز إلى طرف معين، بل هي تجسد مبادئ وقيمًا أخلاقية لهذا لا يمكن أن تكون الفضيلة مجرد ادعاء لفظي. إنها تُختبر بالأفعال والنتائج. عندما يدعي الظالم أنه فاضل، يمكننا أن نرى أفعاله التي تسبب الألم والضرر للآخرين. هذه الأفعال تتعارض تمامًا مع فضائل مثل العدالة والتعاطف في المقابل، غالبًا ما يُظهر المظلوم فضائل حقيقية من خلال صراعه. فالمقاومة من أجل الحرية والعدالة تتطلب شجاعة وصبرًا وإصرارًا، وهي كلها فضائل أصيلة.

هل كان ديوجينس محقا

يُمكن القول إن ديوجينس لم يكن مخطئًا في رؤيته للتناقضات الإنسانية. فالفيلسوف يرى ما هو أبعد من الظاهر، ويبحث عن الحقائق الخفية وراء السلوكيات اليومية، كان ديوجينس يرى التناقضات التالية:

ادعاء الفضيلة مقابل السلوك، اذ كان يرى أن الناس يدّعون الفضيلة والحكمة، لكن سلوكياتهم الحقيقية كانت غالبًا ما تكون أنانية وتنافسية. كذلك التناقض بين المظهر والجوهر، كان يرى أن المجتمع يولي اهتمامًا كبيرًا للمظهر الخارجي والثروة والمكانة الاجتماعية، بينما يتجاهل الجوهر الحقيقي للإنسان. إن حمل ديوجينوس للمصباح في وضح النهار كان تعبيرًا رمزيًا عن بحثه عن إنسان فاضل حقًا، لا يكتفي بادعاء الفضيلة، بل يجسدها في أفعاله وسلوكياته.

الفيلسوف والتناقضات الإنسانية

الفيلسوف، على عكس الشخص العادي، لا يرى التناقضات كأخطاء فردية، بل يراها كجزء من الطبيعة الإنسانية. يسعى الفيلسوف إلى فهم الأسباب الجذرية لهذه التناقضات، الرغبة في القبول الاجتماعي، التي تدفع الناس للتصرف بشكل يختلف عن قناعاتهم الحقيقية، والصراع بين العقل والغرائز، الإنسان غالبًا ما يكون في صراع بين ما يعرف أنه صحيح وما يرغب به غرائزيا، لهذا لم يكن ديوجينس يبحث عن شخص مثالي، بل كان يبحث عن شخص صادق مع نفسه وواعٍ بهذه التناقضات. يمكن أن يكون هذا الوعي هو أول خطوة نحو تحقيق الفضيلة، تُعتبر نظرة ديوجينس، الباحث عن الإنسان الصادق في عالم مليء بالتناقضات، قابلة للتكرار في الشرق الأوسط المعاصر، خاصةً مع انتشار ما يُعرف بـ "عولمة التفاهة". هذه الظاهرة تشير إلى سيادة السطحية، والبحث عن الشهرة السريعة، وتهميش القيم العميقة والأفكار الجادة. التاريخ يظهر أن الفترات التي تسبق التغييرات الكبرى غالبًا ما تكون فترات من التناقضات الاجتماعية والبحث عن الذات.

ديوجينس المعاصر

يمكن أن تتكرر ظاهرة "ديوجينوس المعاصر" في الشرق الأوسط التحولات الاجتماعية، تواجه العديد من مجتمعات في الشرق الأوسط ،هي تحولات سريعة ، مما يؤدي إلى صراع بين القيم التقليدية والمعاصرة إن الوصول غير المسبوق إلى المحتوى الرقمي أدى إلى انتشار ثقافة استهلاكية وسطحية، مما يغذي ظاهرة "عولمة التفاهة، كذلك يلعب الواقع السياسي والاقتصادي دورا مهما في تعجيل هذه التغيرات، .اذ غالبًا ما يجد الناس الذين يعيشون في ظل ظروف سياسية واقتصادية صعبة أنفسهم يهربون إلى عالم من الترفيه السطحي، مما يزيد من التناقض بين الواقع وقيم الفضيلة في هذه البيئة، قد يظهر "ديوجينوس المعاصر" ليس بالضرورة مع مصباح، بل في شكل فلاسفة، أو مفكرين، أو حتى فنانين يسعون إلى استعادة القيم الحقيقية، والتعبير عن المعاناة، وإثارة الأسئلة الجادة حول الهوية والوجود ،إن تكرار نظرة ديوجينوس ليس مجرد إعادة للتاريخ، بل هو مؤشر على أن البحث عن الحكمة والفضيلة هو حاجة إنسانية دائمة، خاصة في الأوقات التي يسيطر فيها السطحي على الجوهري.

***

غالب المسعودي

..........................

* ديوجانس الكلبي (نحو 421 - 323 ق م) فيلسوف يوناني. يُعتبر من أبرز ممثلي المدرسة الكلبيّة الأوائل. (“ديوجينس الكلبي.. الفيلسوف الذي عاش في برميل”) ولد في سينوب بتركيا، ودرس في أثينا على أنتيستنيس. قال صاحب الملل والنحل: «كان حكيما فاضلا متقشفا لا يقتني شيئا ولا يأوي إلى منزل. عاصر الاسكندر المقدوني.

لم يؤسس فيثاغوروس فقط مدرسة فلسفية متجذرة في الرياضيات والتصوف وانما انخرطت ايضا في السياسة في جنوب ايطاليا من خلال ترسيخ النظام المدني المتناغم والمنضبط المرتكز على تعاليمه. وحتى عندما يتم تذكّر أتباع فيثاغوروس في تأثيرهم العميق في مجال الرياضيات والتصوف وعلم الكون، فان ذلك التأثير امتد الى ما وراء الفكر المجرد الى الميدان السياسي، وبالذات في ماجان غراسيا (جنوب ايطاليا) في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد. في المدن اليونانية القديمة مثل كروتون و ميتابونتوم و تارينتم حاولت الجماعات الفيثوغورية ترجمة مُثلهم السياسية الى واقع سياسي له تأثيراته المستمرة.

الفلسفة والسياسة

يُعتقد ان فيثاغوروس هاجر من ساموس الى كروتون في سنة 530 قبل الميلاد. هو أسس مدرسة فلسفية ودينية سعت الى دمج طريقة في الحياة مرتكزة على الفضيلة والتناغم وممارسة الحكمة. الطريقة الفيثاغورية في الحياة أكدت على الزهد والنباتية والايمان بتناسخ الارواح وتقديس عميق للأعداد والنظام. عاش أعضاء الجماعة في جماعات متماسكة مارست التعاون المتبادل والسرية والانضباط.

الفيثاغوريون لم يتأملوا فقط بأفكار مجردة بل اعتقدوا ان مبادئهم الفلسفية يمكنها ويجب ان تحدد شكل المجتمع. هم سعوا الى جلب طريقتهم في الحياة الى المواطنين، معززين رؤية للنظام المدني عكست التناغم الذي تصوروه في الكون. هم أكدوا على الحوكمة الاخلاقية والاعتدال والعدالة. هم في اغلب الاحيان اكتسبوا قوة سياسية عبر إبداء النصيحة للحكام المحليين او الإمساك المباشر بالسلطة. هذا الانصهار الفلسفي السياسي كان بارزا جدا في كروتون حيث يتغلغل النفوذ الفيثوغوري في حكومة المدينة. وبينما هم منخرطون في السياسة، أسس الفيثاغوريون ما يصفه الباحثون بارستقراطية الحكمة في جنوب ايطاليا. انه حكم بواسطة اولئك الذين أظهروا تميّزا فكريا وأخلاقيا.

ردود الفعل على الحكم الفيثاغوري

ان انهيار النظام الفيثاغوري لم يكن فقط نتيجة للحظ السيء. انه كان نتيجة لطموحاتهم الجريئة. اساسا، مع السرية والاخوة الفلسفية انتقل الفيثاغوريون تدريجيا الى السياسة. هم حاولوا اعادة صياغة الحياة اليومية والاطار الاخلاقي للمدن التي أثّروا بها. هم اعتقدوا ان المجتمع ذاته يمكن تنقيته من خلال ضبط صارم وحياة جماعية وخضوع لشعور من التناغم الأعلى. مع ذلك، هذه المُثل التي فُرضت من الأعلى بدلا من ان يتم احتضانها طبيعيا، اثارت الإستياء بين قطاع واسع من السكان. العديد من المواطنين العاديين يرون ان طريقة فيثاغوروس في الحياة بدت نخبوية وقاسية وغريبة على تقاليدهم.

تدخّلات الفيثوغوريين السياسية خاصة ضد السيبارتيين،زادت من عزلتهم. حيث سقطت مدينة سيباريس الجميلة والقوية في انحطاط، والفيثاغوريون ساعدوا في تحطيمها عبر منافستها كروتون. ومع انهم اعتبروا هذا كنصر أخلاقي، لكن المحصلة العنيفة أدت الى تأجيج الغضب الشعبي.

الناس القلقون من الجماعة التي سعت للسيطرة على حكوماتهم وعاداتهم الشخصية، بالنهاية ثاروا ضدها. حيث تعرض للهجوم منزل الاجتماع الفيثوغوري، وقُتل عدد من أعضاء الجماعة ونُفي البعض الاخر، وبالنهاية تحطمت الحركة. ان محاولة فرض قسري لمُثل الحياة كلّف الفيثاغوريين نفوذهم، تاركين فقط بقايا متناثرة من تقاليدهم القوية السابقة. وفي النهاية، انفجر هذا الإستياء الى ثورة عنيفة. في كروتون ومدن اخرى، هاجمت الخلايا المضادة للفيثوغورية أماكن اجتماعاتهم فقتلت او طردت أعضاء من الجماعة. المصادر القديمة مثل الفيلسوف يامبليكوس والكتّاب المتأخرين كتبوا بان موجة الاضطرابات عبر ماجان جراسيا في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد فككت الكثير من الجهاز السياسي الفيثاغوري.

شهادة بلوتارح: مأساة ميتابونتيون

بينما وجد الفيثاغوريون الراحة في جلب أفكارهم الفلسفية للحياة المدنية، لكن لم يكن جميع المواطنين بذلك الحماس. وبمرور الزمن، ازداد الاستياء بين شرائح السكان الذين رأوا الحكم الفيثاغوري نخبويا وسريا. تفرّد نظامهم المترافق مع انعزالهم ولّد الشكوك والكراهية. طبقا لبلوتارح في عمله (حول الصوت الداخلي لسقراط) حدثت احدى اكثر الحلقات الماساوية في تاريخ الفيثاغوريين في ميتابونتن. عندما انفجرت الحرب الاهلية وانتشرت الخلايا المناهضة للفيثوغوريين بتحريض من أتباع رجل اسمه سيلون، اجتمعت جماعة من الفيثوغوريين في منزل الاجتماعات. قام خصومهم باطلاق النار على البناية فقتلوا جميع منْ في الداخل. نجا فقط اثنان من الشباب الفيثاغوريين : فيلولاوس و ليسس الذين هربا بفضل قوتهما وسرعة حركتهما.

فيلولاوس بالنهاية وجد ملاذا بين اللوكانيون. هو لاحقا عاد ليساعد ويعيد تنظيم بقايا الاخوان الفيثاغوريون. من جهة اخرى، بقي ليسيس لسنوات في سرية تامة. لاحقا، التقاه الفيلسوف جورجياس كما يذكر في رسائله.

الإرث والانحدار

رغم هذه النكسات، استمرت الافكار الفيثاغورية في التأثير على الفكر اليوناني القديم خاصة من خلال التقاليد الفيثاغورية الجديدة والافلاطوية الجديدة. وبينما تضاءل انشغالهم السياسي المباشر، بقي نموذجهم في الحياة الموجهة فلسفيا مؤثرا بين الفلاسفة اللاحقين مثل افلاطون.

ان محاولة الفيثاغوريون دمج الفلسفة في السياسة تمثل واحدة من أقدم التجارب المعروفة في بناء حياة مصممة فلسفيا كأساس للحوكمة العامة. ومع انهم واجهوا مقاومة وقمع في النهاية، لكن إرثهم هو شهادة على قوة وخطورة محاولة ربط المدينة بالكون.

***

حاتم حميد محسن

 

سننظر في التأثير العميق لدارون على فلسفة نيتشه الديناميكية؟ كان العالِم تشارلس دارون قد أيقظ الفيلسوف نيتشه من سباته الدوغمائي عبر إدراك انه، طوال التاريخ العضوي، لا وجود لأي كائن غير قابل للتغيير (بما في ذلك نحن). التغيير الشامل حل محل الثبات الأبدي. المفكر الألماني نيتشه ذهب الى ما وراء دارون وعرض تفسيرا للطبيعة الديناميكية أخذ بالإعتبار كل من الآثار الفلسفية والانعكاسات اللاهوتية المترتبة على تناول حقيقة التطور البايولوجي على محمل الجد.

نيتشه لم يكن غافلا عن الزمن الجيولوجي او السجل الإحفوري. هو قبل بالتداعيات الأكثر إثارة للجدل في نظرية دارون: وهي ان البشرية تطورت من أسلاف بعيدة في الماضي شبيهة بالقرود، بطريقة طبيعية تماما، من خلال عملية الحظ والضرورة (تغيرات عشوائية عرضية واختيار طبيعي حتمي يظهر في الافراد ضمن بيئة متغيرة).

حتى القدرات الذهنية للكائن البشري، بما فيها الحب والتفكير تم اكتسابها اثناء مسيرة الصعود التطوري من أشكال بدائية مبكرة. يرى نيتشه، ان التطور هو التوضيح الصحيح للتاريخ العضوي لكنه يؤدي الى صورة كارثية للواقع طالما انه (كما نراه) له حقائق بعيدة المدى في كل من علم الكون العلمي والانثرابولوجيا الفلسفية: الله لم يعد ضروريا في المسؤولية عن وجود هذا الكون او ظهور انواع من حيوانات ما قبل التاريخ. في الحقيقة، هذا الفيلسوف اعتقد ان التطور الداروني قاد الى انهيار في كل القيم التقليدية لأن كل من المعنى الموضوعي والغرض الروحي قد اختفيا من الواقع (وبالنتيجة، لا وجود لأخلاق مؤكدة وثابتة).

أدرك نيتشه ان الأنظمة الفلسفية السابقة منذ افلاطون وارسطو وحتى كانط وهيجل كانت غير كافية للتعامل مع أزمة التطور. وبالتالي، اصبح مطلوبا الآن فلسفة جديدة كلية للعالم. نيتشه قدم تفسيرا للواقع رضي بإنسيابية الطبيعة والأنواع والافكار والعقائد والقيم.

كذلك، هو اعتقد بانه من الهراء الإعتقاد بحقيقة إمكانية تعليم التطور كما لو كان دينا (طالما ان عملية التطور لا تحتوي على أي شيء ثابت او أبدي او روحي). يمكن للمرء ان يتصور خطابات نيتشه النقدية العنيفة ضد الاصولية الانجيلية وما سمي بـ الخلق العلمي scientific creationism الذان هددا العلم والعقل خلال القرن العشرين. نيتشه الملحد كان سيكره ايضا ستيفن جي جولد لتأييده غير المبرر للوجود الثنائي لكل من العالم الطبيعي للعالِم والعالم المتسامي للثيولوجي. بدلا من ذلك، كأحادي، هو سيعجب بريتشارد دكنز ودانيال دينيت لإطارهما المادي الصارم الذي لا يعطي أية مصداقية لما فوق الطبيعة.

نيتشه افترض ان محصلة الثورة الدارونية ربما فقط تقدم تفسيرا لنجاح الأشكال الضعيفة (المتدنية والمتواضعة) للحياة كما في الأعداد الكبيرة للفيروسات المنتشرة في كل مكان والبكتريا والحشرات والاسماك. الفيلسوف جادل بان صراع الانواع الأعمى لدارون لأجل وجود الاكثرية بحاجة الى ان يُستبدل باكتشافه هو للصراع الفردي للقلة لأجل الخلق الذاتي والتميّز.

نظر نيتشه للآلية التوضيحية للإختيار الطبيعي باعتبارها تفسر فقط كمية الانواع ضمن التاريخ العضوي، لكن (بالنسبة له) انها قوة حيوية تزيد نوعية أشكال الحياة طوال التطور البايولوجي التقدمي. هو اعتقد بان الطبيعة بالضرورة ارادة القوة. تطور الحياة ليس مجرد صراع سبنسري/داروني للوجود وانما هو والأكثر اهمية، الكفاح المستمر نحو المزيد من التعقيدية والتنوع والتعددية والخلق. باختصار، للتذكير بالتفسيرات التي عرضها لامارك و هنري برجسون، حيوية نيتشه استبدلت لياقة التكيّف الداروني بقوة خلاقة. الفيلسوف آمن بان تطور الكائنات الحية له جذوره في الوحل البدائي، لكن انواعنا الحية تقف عاليا فخورة على هرم الحياة. كذلك هو رأى النزعة الطبيعية للحيوان الانساني ليتطور نحو رداءة شائعة. لكن ومن خلال ارادة القوة، الافراد المتفوقون لديهم الإمكانية للسيطرة على حياتهم (يتغلبون على العدمية والتشاؤمية) وعلى الفكر لتحقيق النشاط الابداعي.

وكما في توماس هكسلي، وارنست هيكل ودارون ذاته، أكّد نيتشه على الاستمرارية التاريخية بين الكائنات البشرية والحيوانات الاخرى (خاصة الشمبانزي). مع ذلك، نيتشه زعم فعلا ان بعض الافراد سوف يرتقون فوق الوحوش، بما في ذلك نوعنا، لكن هذا سيحدث فقط في المستقبل البعيد.

اذا كانت أنواعنا انحدرت من قرود احفورية اذن لماذا لا يتبعها شكل أعلى للحياة كما حصل للقرد عندما جرى تجاوزه من جانب الحيوان الانساني اليوم؟ طبقا لنيتشه، انواعنا البايولوجية هي معنى وغرض الارض حتى الان لأنها السهم الموجّه من قرد الماضي الى انسان المستقبل المتفوق، هذا الكائن الممجد والذي لا يمكن تصوره سيكون متقدم فكريا الى ما وراء الحيوان الانساني الحالي لأن أنواعنا البايولوجية تقدمت الى ما وراء الديدان المتواضعة.

يرى نيتشه ان التطوري الجمالي كالنحات، الرجل الأعلى القادم يشبه صورة مثالية نائمة في صخرة خام. في نحت هذا الكائن المتفوق، نيتشه كان يسترشد بظلاله، رغم انه بقي لا يختلف من حيث التدمير الناتج من ابداعيته الشديدة:

"شظايا تتطاير من الحجر، ما هذا بالنسبة لي؟".

خلافا للقس الصامت، بيار تيلار دي شاردان عالم جيولوجيا الحفريات والصوفي اليسوعي، نيتشه لم يتكهن بالغاية النهائية للتطور البشري. بدلا من ذلك، تأسست ميتافيزيقاه في العود الأبدي لنفس هذا الكون، أي، سلسلة لا متناهية من دورات كونية متشابهة. وبذلك لا وجود لتطور تقدمي من كون الى كون آخر.

وبالتالي، عملية نيتشه الكونية تمثل الوجود كصيرورة، يتحدد تطوره التيليلوجي الى انسان أعلى وبشكل صارم ضمن كل دورة. نيتشه لم يتأمل في الحياة او الذكاء او تطور خارجي في مكان آخر في هذا الكون. الفيلسوف لم يتخيل انقراضا جماعيا، تكنلوجيا النانو، الهندسة الوراثية، الذكاء الصناعي وسفر الانسان الى كواكب اخرى.

من الواضح، ان التقدم المستمر في العلوم والتكنلوجيا سوف يقدم إمكانات مذهلة للحياة الجديدة والكائنات الفائقة في العصور القادمة. نيتشه أخذ على محمل الجد الزمن والتغيير والتطور. هو كان مدركا جدا بأن هذا الكون لا يختلف كليا عن وجود الانسان. مع ذلك، تقدم فلسفته تحديا متفائلا لأولئك الذين يرغبون بالسير خلف بروق رؤيته ورعوده البطولية.

***

حاتم حميد محسن

العقل المسيطر* والعقل المحض هما نقيضان يصفان طريقتين مختلفتين تمامًا للتفكير في الوجود والعالم. يمثل العقل المسيطر نمطًا من التفكير القائم على الهيمنة، بينما يمثل العقل المحض نمطًا من التفكير القائم على التقبل، العقل المسيطر يرى العالم من خلال منظور الأنا، هذا النمط من التفكير يسعى دائمًا إلى السيطرة والتحكم، يميل العقل المسيطر إلى تصنيف الأشياء والأشخاص إلى ثنائيات مثل "أنا والآخر"، "الخير والشر"، هذا التفكير الثنائي يعزز من الشعور بالانفصال ويزيد من حدة الصراعات الداخلية، الهدف الأساسي لهذا العقل هو فرض إرادته على العالم. هذا يمكن أن يتجلى في الطموح الى السلطة، السيطرة على الموارد، أو حتى محاولة تغيير آراء الآخرين لتتوافق مع معتقداته، ينشأ العقل المسيطر من الخوف من المجهول وفقدان السيطرة. هذا الخوف يدفعه إلى محاولة التحكم في كل شيء، مما يؤدي غالبًا إلى التوتر والقلق المستمر يعتمد هذا العقل بشكل كبير على الهوية الشخصية أو الجماعية. فهو يتمسك بالأسماء، الألقاب، الانتماءات ويجد قيمته في هذه التعريفات.

العقل المحض: هو عقل متجاوز للانا، هذا النمط من العقل لا يسعى للسيطرة، بل يهدف إلى فهم وتقبل الواقع كما هو دون محاولة تغييره ،يرى العقل المحض أن كل الأشياء مترابطة ومتصلة ببعضها، لا توجد حدود واضحة بين "أنا" و"الآخر"، بل هناك شعور بالوحدة الشاملة بدلاً من السيطرة، يمارس العقل المحض التقبل والتعاطف، يتقبل الأشياء والأشخاص كما هم، دون أحكام مسبقة أو محاولات للتغيير، هذا التقبل يؤدي إلى شعور عميق بالسلام الداخلي، ينبع هذا العقل من الثقة في تدفق الحياة، لا يشعر بالحاجة إلى التحكم في كل شيء، مما يحرره من القلق والخوف، لا يتمسك العقل المحض بالهويات المحدودة. فهو يدرك أن الهويات (الجنسية، العرقية، الدينية) هي مجرد مفاهيم، وأن جوهر الوجود أعمق من هذه التعريفات.

العلاقة بين الأنا والعقل المسيطر

تتكون الأنا أو الهوية الشخصية من مجموعة من الأفكار والمعتقدات والتجارب التي تربطنا بأنفسنا، هذه الأفكار يمكن أن تكون حول من نحن، ما هو دورنا، ما هي معتقداتنا، وما هي مكانتنا في العالم ،تبدأ الأنا في التكون منذ الصغر من خلال التفاعل مع البيئة الموضوعية، نحن نجمع معلومات حول أنفسنا من خلال آراء الآخرين، إنجازاتنا، انتماءاتنا الاجتماعية (مثل العرق أو الجنس أو الطبقة)، وقيمنا الشخصية، كل هذه العناصر تشكل هيكلاً عقلياً نسميه الأنا .الأنا ليست كياناً ثابتاً، بل هي بناء هش يحتاج إلى الدفاع عنه باستمرار، شعورنا بالهوية والوجود يعتمد على استمرار هذا البناء، عندما يتعرض جزء من هذا الهيكل للخطر، فإن الأنا تشعر بالتهديد، على سبيل المثال، إذا كانت هويتي مبنية على أنني شخص ذكي، فإن أي انتقاد يمس ذكائي يُعتبر تهديداً وجودياً لهويتي، مواجهة هذا التهديد هو حافز تطور العقل المسيطر، وظيفته الأساسية هي التحكم في البيئة الخارجية والداخلية لضمان أن تبقى الأنا آمنة ومستقرة، يسعى العقل المسيطر إلى التحكم في الأحداث والأشخاص لكي تتوافق مع توقعات الأنا. على سبيل المثال، إذا كانت الأنا تعتقد أنها دائماً على حق، فإنها ستحاول السيطرة على النقاشات لفرض رأيها ورفض أي رأي آخر، مما يضمن ألا تتعرض هذه الانا للتهديد ،يتجلى ذلك بصورة واضحة في محاولة قمع المشاعر أو الأفكار التي تتعارض مع صورة الأنا، مثلاً إذا كانت الأنا مبنية على "القوة"، فإن الشخص يحاول قمع مشاعر الضعف أو الخوف، مما يؤدي إلى صراع داخلي، لذلك يمكن القول إن العقل المسيطر هو الأداة الدفاعية للانا، كلما كان التمسك بالأنوية قوياً، زادت الحاجة إلى السيطرة على كل ما يحيط بنا لضمان بقاء هذه الهوية. هذه العلاقة منطقية لأنها تشرح كيف أن خوف الأنا من الزوال أو التفكك يدفع العقل إلى محاولات مستميتة للتحكم في الواقع، مما يخلق حالة من الصراع الدائم والقلق.

العقل المسيطر والسلطة المركزية

العقل المسيطر يؤدي بشكل مباشر إلى نشوء السلطة المركزية، يمكن تفسير هذه العلاقة من خلال فهم المبادئ الأساسية للعقل المسيطر وكيفية تطبيقها على المستوى الجماعي، مثلما يسعى العقل المسيطر الفردي إلى حماية هويته الشخصية (الأنا)، فإن العقل المسيطر الجماعي (لمجموعة إثنية) يسعى إلى حماية الهوية المشتركة، هذه الهوية الجماعية مبنية على معتقدات وقيم مشتركة، وتصورات تاريخية، وإحساس بالانتماء. هذه السيطرة لا تقتصر على الحدود الجغرافية، بل تمتد لتشمل التحكم في الموارد، القوانين، وحتى السرديات التاريخية والثقافية، هذه الحاجة هي التي تدفع نحو إنشاء هياكل قوية قادرة على فرض هذه السيطرة ،كي تتحقق السيطرة الجماعية لا بد من وجود كيان أو مؤسسة تمثل إرادة العقل المسيطر الجماعي، هنا يأتي دور السلطة المركزية (مثل الدولة أو الحكومة) هذه السلطة تصبح هي الأداة التي توحد وتفرض إرادة المجموعة، وتضع القوانين والأنظمة لضمان التماسك الداخلي والدفاع عن الهوية الجماعية ضد التهديدات الخارجية ،العلاقة بين المفهومين ليست من جانب واحد، بل هي تبادلية، العقل المسيطر يخلق السلطة المركزية، ثم تقوم هذه السلطة بدورها بتغذية وتعزيز العقل المسيطر ،السلطة المركزية تستخدم آلياتها ،التعليم، الإعلام، والقوانين، لتعزيز السرديات التي تدعم الهوية الجماعية وتبرر وجودها وسيطرتها ،هذا التعزيز يرسخه العقل المسيطر لدى الأفراد، مما يجعلهم أكثر تمسكاً بالهوية الجماعية، وأكثر قبولاً لمبدأ السيطرة المركزية ،لذا يمكن النظر إلى السلطة المركزية على أنها التعبير المادي أو المؤسسي عن العقل المسيطر لمجموعة اثنية. كلما كان هذا العقل أكثر تمسكاً بالهوية وأكثر خوفاً من "الآخر"، كلما كانت السلطة المركزية التي ينشئها أكثر قوة وشمولية في سيطرتها.

الإيديولوجيا ونقد العقل المسيطر

الإيديولوجيا تركز بشكل خاص على الأنظمة الفكرية التي تُستخدم لتبرير السياسات أو الممارسات الاجتماعية، مثل الإيديولوجيات السياسية أو الاقتصادية، اما نقد العقل المسيطر يتناول أوسع من ذلك، حيث ينظر إلى العقلية العامة التي تؤثر على طريقة تفكير الأفراد والمجتمعات بشكل عام، نقد الإيديولوجيا يسعى إلى فضح التلاعب الفكري ويهدف إلى تحرير الأفراد من قيود الأفكار المهيمنة، اما نقد العقل المسيطر يهدف إلى تفكيك الأنماط الفكرية السائدة بشكل أعمق، مما يمكّن الأفراد من التفكير بشكل مستقل واستكشاف بدائل جديدة، يمكن القول إن نقد الإيديولوجيا هو جزء من نقد العقل المسيطر، حيث يتناول كيفية تأثير الأفكار السائدة على المجتمع، ولكنه يركز على جوانب محددة من تلك الأفكار.

الأيديولوجيا والسرديات التاريخية

هناك علاقة وثيقة بين نقد الإيديولوجيا ونقد خطاب السرد التاريخي، حيث يتداخلان في عدة جوانب، نقد الإيديولوجيا يسعى إلى فضح كيف تعكس الروايات التاريخية مصالح معينة وتبرر هيمنة فئات معينة، نقد خطاب السرد التاريخي يركز على كيفية تشكيل السرد التاريخي للحقائق والأحداث من منظور معين، وكيف يمكن أن يكون محملاً بأيديولوجيات معينة، كلا النقدين يتناولان العلاقة بين السلطة والمعرفة، حيث يُظهران كيف يُستخدم التاريخ كأداة للسيطرة الإيديولوجية، كما ان السرد التاريخي يؤثر على الهوية الفردية والجماعية وبالتالي يشكل الانوية الفردية والجماعية وفهم تطور السلطة المركزية في التاريخ العام. نقد الإيديولوجيا يساعد في كشف كيف يمكن أن تكون هذه السرديات مُعزِّزة للتمييز أو الهيمنة، ويهدف إلى تفكيك الأفكار السائدة حول التاريخ وإظهار تحيزاتها، نقد خطاب السرد التاريخي يستخدم أدوات تحليلية لفهم كيفية تشكيل الروايات التاريخية للمعاني والأحداث، وكيف تعكس أو تعزز الإيديولوجيات، مما يمكن الأفراد من رؤية تاريخهم بشكل شامل ومنصف، من خلال تحليل ونقد العقل المسيطر، يمكن اكتشاف كيفية تشكل الأفكار والمعتقدات المجتمعية وكيفية استمرارها في تاريخ الهيمنة السلطوية.

***

غالب المسعودي

..........................

* العقل المحض هو مفهوم فلسفي محدد يشير إلى قدرة العقل على التفكير بشكل مستقل عن التجربة، بينما "العقل المسيطر" هو مفهوم أوسع يمكن فهمه في سياقات مختلفة تتعلق بالهيمنة والتأثير.

ليس العقلُ مَلكةً ولن يكون، بل خطأ اعتباره (حاسةً خفيةً) تشرفُ على الحواس الأخرى. فذلك يعني أنَّ دوره فارغ الدلالة لا محالة، وأنَّه ليس مناطَ الفهم والفعل في حياة الإنسان. يسُوق تراث اللغة العربية "تعريفاً ثقافياً" عجيباً للعقل، من حيث كونه (رابطاً للأفكار) لا أَكثر ولا أقل. رَبطَ الرجلُ الناقةَ.. أي أوثقها ساكنةً دون الحركة مخافة الشُرود. وجذرُ العقل في العربية آتٍ من العِقَال دالاً على"عِقَال البعير". أي ثنائية (العَقْل والعِقَال) تجاه قدرات البشر طالما ثمة إمكانية للهيمنة. ذلك من باب قيادة الكائنات البشرية سائرةً بحسب التقاليد الغالبة. يعقل الإنسانُ الأحوال ... يتدّبرها وفقاً لمرجعيةٍ ما، يقلّبُها ربطاً بكافة الأبعادَ والجوانبَ.

ولكن السؤال: ألَاَ يُجدد التبادل الدلالي بين(البعير) و(الإنسان) إشكاليةَ الفكر والسلطة لدينا؟! ما وجه الطرافة في اعتبار العقل عِقَالاً في المجال العام؟ ما معنى أنْ يخرج العقل من الرأس؟!

عقال بعير

عِقال البعير حبلٌّ مصنوعٌ لغرضٍ يومي: هو استعمال قدرتنا على ترويض الحيوانات الشاردة. وعندما يقوم العقلُّ بمهمةٍ كهذه للجانب الحيواني من الإنسان، فهناك إسقاط لترويض غرائزه وحواسه بالطريقة ذاتها. وهذا دور أخلاقي مُسيَّس في غير موضعه. فكل ترويض لطبائع الحيوان داخلنا لا يخلُو من سياسةٍ ما أيا كانت الأنظمة الاجتماعية الواقفة بالخلف. أشارت الثقافة العربية: أنّ العقل يحُول دون انحراف الإنسان ويُهذّب رغباته. أي يشكل العقل لوناً من سياسة الكائنات البشرية إزاء قدراتها الجسدية والنفسية. إلى تلك الدرجة، جاء الإنسان كالدّابة الموثوقةِ، بينما جاء (عقدُ العِقَال) إزاء الآخرين بوصفه دوراً منتظراً للعقل. فهو (رابط عام) يتعيّن له تحديد مشروعية الفكر وماهية الأشياء والعلاقات بين الناس.

عمليّاً تقول الفكرة السابقة: ليكُن العقلُّ رابطاً لوجودنا، حتى يضع الإنسان عقله في رأسه لا مكان آخر. أي يضع مصدر المشاكل والدهشة والانتباه في تلافيف رأسه منعاً للازعاج. والرأس هي الحاملة للوعي، رمز الشموخ والخُيلاء، وكذلك علامة مُعلنة كمحلٍّ للإدانه. خلال التراث العربي الاسلامي، عندما كان يتم الاقتصاص من شخصٍ قاتل، يجري جز رقبته بالسيف. علامة تنال منه مثلما قتل هو انساناً غيره. ثمَّ إنَّ هناك استعمالاً متعدداً لكلمة الرأس، فيقال: رأسُ الأمر.. أي لبهُ وجوهره. رأسُ الحكمة.. أي منبع التدبُر والقرار القويم. ورأس التفكير.. أي مركز توجه الإنسان ومحرك أفعاله. المثل الشعبي يُردد:" اللي عقله في راسه يعرف خلاصه". حينما تفكر تجاه الاحداث حولك، ستُدرك حينها كيف تكسر الدائرة؟ دائرة ترسم مجالات الفعل ورد الفعل بلا طائل. حيث تكون مقيداً بما يُملى عليك لتُردد الأفكار جيئةً وذهاباً، ثم لا تتطلع إلى أكثر من ذلك!!

مَنْ قيّدَ العقل؟

كلُّ هذا دون إثارة الأسئلة المزعجة: من وضَع العقل ثقافياً في الرأس؟ مَنْ صنع الحدثَ محل الخلاص أصلاً؟ مَنْ رسمَ الدائرة للإنسان ابتداءً؟ ولماذا علينا الالتزام بها حتى نكون عقلاء؟ ولماذا يحمل الخلاص إدانة سلفاً لصاحب العقل؟ كأنّه ينبغي لمَنْ يعقل من الناس: أنْ يقع متهماً قبل أنْ يفعل أي شيء. وينبغي له السقوط في دائرة ليس صانعاً لها، وعليه البحث عن خلاصٍ كان في انتظاره بشكلٍّ ما. ولكن ما نوع الإدانة التي نقع نحن البشر تحتها ثقافياً؟ وأيُّ اتهامٍ هذا الذي ينطلق فجأةً دون جُرم واضحٍ؟! هل استعمال العقل جريمة في سياقٍ ثقافيٍّ معين؟ هل حرية العقل تعني الوعي بقيوده أولاً؟! وفي هذه الحالات: ما نوع العقوبة المفترضة تجاه العقل؟ هل ستتم العقوبة من جنس العمل أم أنها ستجري دون أنْ نشعر؟ لماذا تهجس اللغة العربية بهكذا جريمة وعقاب بينما يغيب الإنسان عنها؟

بكلمات واضحةٍ: تريد بعض جوانب الثقافة العربية إمساك العقل عن الحركة. ويأتي- في الأخير- كي يسير وفقاً لقواعد منضبطةٍ اجتماعياً دون سواها. بالطبع لن يستطيع العقلُ التخلص مما يُوضع له طالما هناك وجود رمزي للحقائق. من تلك الزاوية، ظهرت فكرة السلطة داخل جوانب الثقافة العربية التي ترسّخ كيانها فوق أي عقل. جاءت السلطة مع كل تعريف للعقل بحكم وجودها في منبت اللغة التي نعرّف بها الأشياء والعالم. ولكن فيما يبدو حدثت هناك حيلةٌ ثقافيةٌ لطيفة. فبدلاً من القول: إنّ العقل في مرتبةٍ أدنى وهذا أمر غير مستقيم، اسندت الثقافة العربية وظيفة الرباط (التربيط/ التشبيك/ التثبيت) إلى العقل نفسه. أي تمَّ حصر وظيفة العقل في تلك العملية كأساس مرهون به. قالت عليك أنْ تقوم بتقييد نفسك، حتى لا يظهر أنك ضعيف (بيدي لا بيد عمرو)!!

بدا الأمر كأنه تنازل ظاهري من السلطة بالخارج لتكون حاضرة داخل العقل. هي آلية كل سلطة حين تريد الاختباء ثقافياً في التفاصيل، وأنْ تقول لك أن َّالاشياء تجرى على علتها لا علةً أخرى. أي تمّ استدراج معنى العقل ليعمل الأخير مندُوباً عن السلطة كما تبُوح اللغة العربية، سواء أكانت سلطة الاعتقاد أم سلطة المجتمع أم سلطة السياسة...الآلية واحدة والأثر الواقع على الإنسان مماثل.

هذا تسليم مسبق مؤدّاه أنَّ قواعد عمل العقل لدينا لن يصنعها (العقل) لنفسه، ولا يمثل مرجعاً ولا معياراً للحكم عليها. والأخطر أنَّه لن يتمكن من تغييرها شاءَ أم أبى. إليس العقل مجرد رباط عام وفقاً للنسق المُشار إليه؟! وعليه أنْ يربط التصورات على هيئة أفكار أو عقائد ليس إلاّ. إنّ ربط الأفكار يعني صناعةَ عقدةً صلدة حولها. لقد تبلورت حقيقة معتقداتنا نحن البشر خلال بقعتنا من العالم في هذا الاتجاه. أفكار بلغت درجة اليقين نتيجة العقدة المغلّظة عليها. ولذلك سُميّت المعتقدات بهذا الاسم، نتيجة وجود أشياء معقود عليها بواسطة المشاعر والتصورات والأحاسيس والأخيلة. كلُّ ذلك يعبر عن قدرة العقل العاكسة إزاء ما لدينا من قناعاتٍ سابقةٍ. وكأنَّ العقل يؤدي دور (الحفظ والتوثيق والترديد) عبر الثقافة الطاغية. وهذا أحد وجوه الأزمة التي أصابت مسارات العقلانية في تاريخ ثقافتنا العربية الاسلامية.

العقل والسلطة

في هذا الاطار، جرى الافصاحُ عن أسرار التعريف السابق إزاء العقل كالتالي:

1- يأتي العقل مُتأخراً عن محتوى الفكر والمعرفة والحقائق. وهذا نتيجة غلبة العادات الثقافية التي تقف كسلطة عميقة إزاء الفكر.

2- أثرُ العقل بمثابة الختم البرّاق الذي يُمرر الأشياء. فقط يترك بصمته من الخارج. وكأنَّ رقابته على كل وضع موجود ثقافياً لا محل لها من الاعراب. والمغزى يقول على العقل أنْ يدرك الأشياء ويميز بينها، ولكنه يعجز تماماً عن التغيير والتطوير.

3- هناك سلطة ما فوق قدرة العقل على تحديد الأشياء وخارج التأثير فيها. والمقصود أن العقل كلما بدا خارج الدائرة، عليه العودة إليها ثانيةً. وأنَّ السلطة تأتيه مباشرةً عن كثبٍ. فأهم ما تمّ هو استحضار السلطة لذاتها مع حركة العقل. ولذلك فإن الخوف والرقيب يسكنان عقول الأفراد بهذا المعنى.

4- طالما ربط العقل الأفكار بصورة سلبيةٍ، فلا يتساءل إزاءها ولا يكتشف جوانبها. ثمة خط مفهوم ضمناً أن العقل يتقبل دون أن يصدر شيئاً، لا يتساءل ولا يقفز على الطوق.

5- سيظل دورُ العقل مهمشاً، لأنه يحضر شاهداً بالإنابة ليس أبعد. ومن ثمَّ لا يتم النظر إلى العقل بوصفه مستقلاً ولكنه تحت الوصاية. فالناس يُوضعون تحت الوصاية بهذا المنطق. الابن تحت وصاية الاب، العامل تحت وصاية مرؤوسيه، الزوجة تحت وصاية زوجها، المجتمع تحت وصاية نظامه المهيمن.

6- الغريب أن العقل سيتحمل مسئوليةَ أشياءٍ لم يفعلها. مسئولية عامة دون مسئول من جنسها، إذ تبدو المسئولة الفكرية فارغةً من مضمونها.

7- يتم القصاص من العقل بفعل فاعل مجهول الهوية. لأنّ العقل يحضر ليربط الأشياء المُقدمة له فقط. وبالتالي فإنّ اعتباره مجرد وسيلة شأن يقلل منه ويعتبره محط عقوبة نافذة. وهذا ما جرى مع أغلب المبدعين العرب قديماً وحديثاً.

8- إن هناك تاريخاً للتأخُر الفكري وأن هناك تراثاً وراء وظيفة العقل الثانوية في بعض جوانب الثقافة العربية. الغاية من التاريخ هو اقناع العقل بكونه موضوعاً في مكانه الصحيح، وأن هناك ميراثاً غير قابل للتفاض حول الأمر، فليكن استعماله كما كان طوال الوقت.

9- العقل بوصفه قيداً وراء قيدٍ هو أمر يصعب الوعي بأنه كذلك. لأن البديل في تلك الحالة هو اللاعقل، أي الجنون. وإنه مثلما تتم صناعة العقل، كذلك يتم تصنيع الجنون ثقافياً باعتباره خروجاً عن السلطة.

10- اخطر شيء أن يُنتزع العقل من نظامه العام، والنظر إليه معلقاً على سترة نظام آخر ومنفذاً لترتيبات سلطوية مغايرة لآلياته.

كسر الدماغ

إذا تأملنا الأمر السابق، سنجد هناك بارقة أمل مختلفة إلى حدٍ ما. لأنّ (الإنسان العاقل/ المتعقل) هو من يحمل مفارقة رفض هذا الرباط غير المقدس. العاقل هو مَنْ يشب على الطوق محطماً الحدود التي تعوق الحياة الحُرة. العقل يتمرد تجاه الدوائر المحرمة. إن تاريخ العقل يكشف قدرته المدهشة على كسر الحواجز لا الاستكانة لها وإلّا لما ثار البشر وتطورت المجتمعات!! وإذا كان (عقال البعير) مرتهناً ببعض الرواسب الثقافية، فالعقل يبني ذاته في فضاء الحياة، ينضُو عن نفسه العوالق البيئية. هناك مفكرون في التراث العربي أمثال: عمرو بن بحر الجاحظ، أبي حيان التوحيدي، أبي منصور الحلاج، ابن عربي، ابن رشد قد دفعوا العقل للتحليق بعيداً. التحليق في آفاق من التجارب المعرفية والروحية التي تساءل سلطة الفكر.

الجانب الآخر للمسألة هو الحث على استحضار العقل إزاء كل شيءٍ بالخارج. لأنّه ليس متصوراً تفريغ رأس الإنسان من عقله مجاناً. طبيعي أنَّ رأساً بلا عقل لهي رأس بلا كرامة، رأس بلا حقيقةٍ، رأس بلا معنى، رأس بلا إنسانيةٍ. ولكن الفكرة الطريفة أنَّ الانسان عليه أنْ يتحسس عقله مثلما يتحسس مسدسه عند المخاطر. في هذا الحال، يستطيع التصرف ويتجاوز العقبات بحنكة فائقة. فالإنظمة الاجتماعية عبارة عن تراكم من المعضلات صغرت أم كبرت، يسير الأفراد خلالها كأنّهم يتوغلون في حقول ألغام. ومن ثمّ، فإن اهمال التساؤل والفهم أمور لا تُحمد عقباها.

وَرَدَ في بعض الشعر النبطي:

..." مالي على عقل المخاليق سلطان

كلّ في راسه عقل يعرف خلاصه

درع المبادئ يفرق إنسان وإنسان

واللي نزع درعه تجيه رصاصه.."

لم يعد العقلُّ اكسسواراً كما يُقال عن عقل المرأة المُعطل عن الانتاج في البيئات الشرقية. العقل فعالية حُرة قادرة على النقد والتجديد بكافة المجالات. إنه سبب النجاحات الوظيفية والعملية والسياسية إلى أخر الفضاءات. والثقافة العربية خضعت لظروف تاريخية عطلت العقل عن اطلاق طاقاته الكامنة.

لا يعني ذلك أنَّ وضعاً يُقلل من شأن العقل قرارٌ نافذ الحكم. لعلّ الثقافة العربية، حين رفضت وظيفة معينةً للعقل مثل النقد وتفكيك العادات والتقاليد ومساءلة الموروثات ونقض السلطة، لم تستطع تحجيم قدراته على التحرر. العقل بأشكاله هو طوق النجاه الذي تنتظره مجتمعاتنا العربية. ليس العقل جراباً مثل (جراب الحاوي)، لكنه ضربٌ من القدرات القابلة للصقل والتدريب والتطور لإنجاز الاعمال. إنه إبداع منفتح لم يكن مُتاحاً من أول وهلةٍ، إبداع يمارس دوره الفعال دون توقف. وستكون هناك مفاجأة للعقل الحيوي بهذا المعنى، لأنه يوجد بالزخم نفسه في أي مجال سواه. كما أنه يستثمر الفُرص لقطع أشواط من الحركة والممارسة. إنَّ احياء دور العقل نقدياً هو البُعد المنتظر لرسم خريطة المستقبل لمجتمعات أرهقها الماضي حد الانهاك.

من الأهمية معرفة أنَّ عقلاً خارج الرأس دعوة للتفكير الحر، دعوة للتحليق بعيداً عن الأُطر الصارمة. ورغم كونّها حالة بدهية: أن نُدرك وجود العقل في المنطقة العليا من جسمنا، لكنها حالة معقدة إزاء ثقافة مجتمعاتنا الشرقية. لأن الأخيرة تريد أنْ يسير الناس وأرجلهم بالأعلى بينما تنغرس الرؤوس بالأرض. أحياناً تعدُّ البديهيات أكثر صعوبةً من الأشياء العادية حين تحتاج مجهوداً لاثباتها. والخلاص يمكن تأويله بخلاف ما سبق من ضعف مسئولية الفكر. الخلاص قدرتنا على بناء التاريخ باستعمال العقل. الحضارة عقل، التكنولوجبيا عقل، المدنية عقل، الديمقراطية عقل، الذوات عقول متحركة، المجتمع عقل. الخلاص هو تأويل تراث العقل لصالح الإنسانية وارتياد أبعادها الرحبة.

هل العقل يمكن أنْ يقع خارج ذاته؟ بالقطع: إنَّ عقلاً خارج الرأس يعني أنه يتحرك في المجال العام. إن تاريخ الاستبداد يتبلور في مقولة واحدة: ضّع عقلك في رأسك واصمت. ولكن العقل خارج الرأس يدل على النقد. العقل خارج الرأس يعني التطور المعرفي. العقل خارج الرأس يعني العقلانية التي تزن الأمور وتقيم السياسات. العقل خارج الرأس يعني نظاماً بين الذوات القادرة على العيش المشترك والاعتراف بالتعددية والاختلاف والتنوع. العقل خارج الرأس يدل على بناء وعي متطور وطرح الأسئلة دون خوف.

حين تكون عقولنا خارج الرأس، ستُخصب الرؤى لا مجرد رابط سلبي يستحضر القمع والتسلط. بينما تردد الثقافات المغلقة عليكم حفظ عقولكم داخل الرؤوس. فلا نحتاج في مجتمعاتنا العربية إلى حشو العقول في الأدمغة، فهي موجودة بالفعل، ولكننا نحتاج إلى إلقاء العقول في أرجاء وتفاصيل الشأن العام. وإذا كانت السلطة هي الدماغ الكبير الذي يحوي كافة التفاصيل، فلا مجال غير كسر هذا "الدماغ البيو سياسي الكبير"brain biopolitical Big. دماغ يتوسّع باستمرار في أي وقتٍ، ولا يرى بديلاً عن مناطحة من يقف في مرمى توجُهاته. دماغ عبارة عن خليط من السياسة والدين والفن والرؤى الشعبية ليتكتل أمام كل الرؤوس المغايرة.

لقد تكونت مجتمعات داخل هذا " الدماغ الضخم " الذي تصفُر فيه رياح الخواء والقهر والتسلط. في المقابل لم تكن هناك أية قيمة لعقول الأفراد، حتى ولو كانت عقولاً عبقرية ومبدعةً. المهم أنْ يعيش" الدماغ الضخم" على حساب كل الأدمغة الأخرى، وأنْ يقتات على حياة الجماهير المغلوب على أمرها. وذلك كان سبباً كافياً لخنق العقل الثائر داخل رأس الفرد، وعلى كل إنسان أنْ يشترى خلاصه الشخصي بأي ثمن. وإذا كان أغلب تاريخ الثقافة العربية يدورُ حول العقل داخل الرأس (الحِكّم / الخطابة / الأشعار/ السيّر/ المناقب/ القصص / الروايات)، فنظراً لأن الإحساس بالواقع ضعيف بفعل فاعل.

آن الآوانُ ليخرج العقل خارج الرأس. ليس خياراً ولا رفاهية بل ضرورة. فالإنسان قد يجد رأسه مسروقةً أو مستباحةً تحت عناوين شتى. وتلك هي تجارة الأنظمة المعتادة على سرقة الأعضاء الثقافية. تماماً مثل تجارة الأعضاء البشرية، أكبر عملية سطو حدثت في تاريخ المجتمعات هو سطو الأنظمة على أدمغة مواطنيها. فجأة سيكتشف الناس: أنّهم يحملون رؤوساً ليست لهم رغم كونها واقفة على الأكتاف. وهناك من لا يكتشف طوال حياته أنَّ عقله خارج السيطرة، وأنَّه يتحرك بمثيرات وشروط ليس متحكماً فيها. أقوى علاقة انتماء هو انتماء الرأس لحاملها، انتماء الأنا إلى الإنسان قبل أن يقول للأخر أنت.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

في العلوم الطبيعية، يمكن استخدام التجربة المختبرية لعزل المتغيرات، ومختلف الجسيمات وحركاتها. ونفس الشيء، استخدام النماذج الاقتصادية القياسية econometric model هي محاولة لإنتاج مختبر اقتصادي يتم فيه إجراء تجارب تحت السيطرة. فكرة استخدام مختبر كهذا هي مغرية جدا للاقتصاديين والسياسيين. حالما يتم بناء النموذج والقبول به كنسخة جيدة للاقتصاد، فان السياسيين يمكنهم تقييم مخرجات مختلف السياسات عبر هذا النموذج.

يُقال انه عبر استخدام النماذج القياسية الاقتصادية، يمكن للنخب عمل قرارات "علمية" قائمة على البحث ومرتكزة على الخبرة الاقتصادية. هذه النماذج، كما يقال، تعزز فاعلية سياسات الحكومة وتقود الى اقتصاد أفضل وأكثر ازدهارا. يُقترح ايضا ان النماذج القياسية يمكن ان تخدم كمرشد في تقييم صلاحية مختلف الافكار الاقتصادية. الهدف الآخر للنموذج القياسي هو إعطاء اشارة بشأن مستقبل حالة الاقتصاد. من خلال وسائل الطرق الرياضية والاحصائية، يؤسس مهندس النموذج علاقات بين مختلف المتغيرات الاقتصادية. فمثلا، الإنفاق الاستهلاكي الشخصي يتم ربطه بالدخل الشخصي المُتاح(الصافي) وأسعار الفائدة، بينما الإنفاق الرأسمالي يتم توضيحه عبر المخزون السابق لرأس المال وأسعار الفائدة والفعالية الاقتصادية. المعادلات او مجموعة هذه العلاقات المقيّمة تشكّل نموذجا قياسيا.

لكي نحكم على موثوقية النموذج، يُقارن ببيانات واقعية وبقوته التنبؤية. الاختبار النهائي للنموذج هو استجابته لتغيير متغير السياسة، مثل زيادة في الضرائب او زيادة في الانفاق الحكومي. عبر تقييم نوعي، يقرر مهندس النموذج ما اذا كانت الاستجابة معقولة ام لا. حالما يتم بناء النموذج بشكل ناجح، سيكون جاهزا للاستعمال. طبقا لهذا النموذج القياسي، نكوّن رؤية بشأن العالم الواقعي مرتكزة على مدى نجاح مختلف اجزاء المعلومات في الارتباط ببعضها البعض.

يجب ملاحظة ان تأسيس ارتباط بين انفاق المستهلك ومختلف اجزاء المعلومات الاخرى لا يوضح في الحقيقة طبيعة انفاق المستهلك، انه فقط يصف الاشياء. المراقب لايقول أي شيء حول طبيعة الاشياء عبر ملاحظة هذا الترابط في البيانات التاريخية. هذا النوع من المعلومات لايخبرنا كثيرا عن الاسباب الكامنة والتأثيرات. فمثلا، حقيقة ان ارتباطا قويا تأسس بين انفاق المستهلك والدخل المتاح لايعني ان انفاق المستهلك نتج بسبب الدخل المتاح. من الممكن جدا ان شخصا قد يجد ارتباطا قويا ببعض المتغيرات الاخرى. هل هذا يعني ان المتغير الآخر هو سبب انفاق المستهلك؟

لكي نفهم البيانات، يجب ان نفترض مسبقا نظرية تقف على قدميها ولا تبرز من البيانات. جوهر مثل هذه النظرية هو انها يجب ان تنبثق من مسلمات منسجمة وغير عشوائية ولا تقبل التفنيد و توضح ارتباطات سببية في الواقع التجريبي. نظرية اقتصادية تقوم على اساس ان الكائن البشري يتصرف بوعي وبهدفية، تتوافق مع هذا المطلب. هذه المسلمة لايمكن تفنيدها بدون تناقض آدائي.

لودفيج فون ميزس Ludwig Von Mises (1) هو صاحب هذا الاتجاه و اطلق عليه paraxeology البراكسولوجي (2). طبقا لإدراكه بان الكائن البشري يتصرف بوعي وبهدفية، كان ميزس قادرا على اشتقاق الهيكل الكامل للاقتصاد. وبالنتيجة، استنتج انه ، على عكس العلوم الطبيعية، حيث الاسباب الحقيقية غير معروفة لنا، في الاقتصاد، المعرفة بان الكائن البشري يتصرف بوعي وبهدفية يسمح لنا بتمحيص ماهية الاسباب الحقيقية. الاسباب تنبعث من البشر انفسهم.

هل الطريقة الرياضية صالحة في الاقتصاد؟

عبر تطبيق الرياضيات، الاقتصادات السائدة تحاول اتّباع خطى العلوم الطبيعية. في العلوم الطبيعية، استخدام الرياضيات يمكّن العلماء من صياغة الطبيعة الاساسية للاشياء. عن طريق الصيغة الرياضية، استجابة الشيء لمحفز معين في ظرف معين يتم التقاطها لاحقا ضمن هذه الظروف المعطاة، وان نفس الاستجابة يتم الحصول عليها مرة بعد اخرى.

نفس الاتجاه غير صالح في الاقتصاد. الاقتصاد يُفترض ان يتعامل مع فعل، اختيار كائن بشري وليس شيئا. طبقا لميزس التجربة التي يجب ان تتعامل فيها علوم الفعل البشري هي دائما تجربة لظاهرة معقدة. لا تجربة مختبرية يمكن ادائها بشأن الفعل البشري. الخاصية الرئيسية او طبيعة الكائن البشري هي انه كائن عقلاني. هو يستعمل عقله لتقييم واختيار وسائل لإنجاز الاهداف. مع ذلك، العقل غير مستعد لإتباع نوع من الإجراء الاوتوماتيكي وانما كل فرد يوظف عقله طبقا لظروفه الخاصة. هذا يجعل من المستحيل التقاط طبيعة الانسان عبر وسائل الصيغ الرياضية كما يحصل في العلوم الطبيعية.

السعي لتحليل كمي يعني امكانية تعيين أرقام يمكن ان تكون عرضة لكل عمليات الحساب. لإنجاز هذا، من الضروري تعريف وحدة ثابتة موضوعية. هذه الوحدة الموضوعية لا توجد في عالم التقييمات البشرية. حول هذا كتب مايزس: "لا وجود هناك في حقل الاقتصاد لعلاقات ثابتة، وبالنتيجة لا قياس ممكن". لا وجود هناك لمستوى ثابت لقياس الأذهان، القيم، وافكار الناس. الناس وكلاء يتصرفون، يختارون في ظروف تاريخية فريدة لا تتكرر. الافراد لديهم حرية اختيار تغيير عقولهم والسعي لأفعال تتناقض مع ما لوحظ في الماضي، خلافا للاجرام السماوية المُلاحظة في الفيزياء. التحليلات في الاقتصاد يمكن ان تكون فقط نوعية بسبب الطبيعة الفريدة للكائن البشري.

ان استعمال الرياضيات في الاقتصاد يثير مشكلة اخرى خطيرة. استخدام الدالات الرياضية يتضمن ان الافعال البشرية تتحرك بعوامل مختلفة. فمثلا، على عكس الطريقة الرياضية في التفكير، انفاق المستهلك على السلع لم "ينتج" عن الدخل. كل فرد في سياقه الخاص يقرر كم من الدخل سوف يستعمل للاستهلاك وكم للادخار. بينما صحيح ان الافراد يستجيبون للتغيير في دخولهم، لكن الاستجابة ليست اوتوماتيكية، ولايمكن التقاطها بصيغة رياضية. الزيادة في دخل الفرد لاتتضمن اوتوماتيكيا ان انفاقه الاستهلاكي سيتبع. كل فرد يقيّم الزيادة في الدخل مقابل الاهداف التي يريد تحقيقها. وهكذا، هو ربما يقرر بانه من المفيد كثيرا له زيادة التوفير بدلا من زيادة استهلاكه.

نظرا الى ان الكائن البشري محكوم بحرية الاختيار وظروفه المتفرده، فان مختلف تحليلات السياسة عبر وسائل النماذج، تُعرف "ماذا لو" او تحليلات المضاعف (3)، يُحتمل ان تخلق نتائج عرضة للتساؤل. في النهاية، افتراض ان التغيير في سياسة الحكومة سوف يترك هيكل المعادلات سليما يعني ان الافراد في الاقتصاد ليسوا أحياءً وانما هم في الحقيقة مجمدين.

مشكلة اخرى كبيرة في معظم نماذج الاقتصاد القياسي هي انها مصممة على طول خطوط التفكير الاقتصادي الكنزي. المتغير الرئيسي في هذه النماذج هو الناتج المحلي الاجمالي GDP، والذي يتم توضيحه ضمن اطار نموذج بواسطة التفاعلات بين مختلف البيانات التراكمية التي تُعرف كتراكمات. التفاعل بين مختلف التراكمات في اطار النموذج يعطي انطباعا بان الاقتصاد هو حول الناتج المحلي الاجمالي او حول ميزان المدفوعات، لكن ليس حول الكائن البشري او حياة الانسان. من الواضح، ان هذا يعمل بالضد من حقيقة ان كل شيء في عالم الانسان يُنتج بواسطة سلوك الانسان الهادف.

مختلف الإضافات التي اُدخلت على النموذج مثل نموذج ARMA (وهو نموذج احصائي يُستخدم في تحليلات السلسلة الزمنية للتنبؤ بقيم المستقبل) تعاني من نفس المشاكل المنهجية. يكتب مازس:

"الطريقة الرياضية يجب ان تُرفض ليس فقط بسبب عقمها. انها طريقة شريرة بالكامل، تبدأ من افتراضات زائفة وتقود الى استنتاجات مغلوطة. قياساتها ليست فقط عقيمة بل انها تحرف العقل عن دراسة المشاكل الواقعية وتشوّه العلاقات بين مختلف الظواهر.

استنتاج

الإعتماد على نماذج الاقتصاد القياسي كأساس لتكوين رؤية حول حالة الاقتصاد يولّد محصلات مشكوك فيها. انه نموذج خاطيء كليا لدراسة الاقتصاد الذي يرتكز على فعل الانسان واختياره وتقييمه الذاتي. النماذج الاقتصادية القياسية لا يمكن ان تنتج الكثير من المعلومات حول الأسباب. ما مطلوب لتمحيص الأسباب هو نظرية متطورة ومنسجمة منطقيا لا يتم اشتقاقها من البيانات. النظرية التي تلبّي هذا المطلب هي تلك التي طورها لودفيج فون ميزس .

***

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

(1) لودفيج فون ميزس (1881-1973) فيلسوف واقتصادي نمساوي/امريكي، كان من أبرز مفكري المدرسة الاقتصادية النمساوية. عُرف بعمله الباراكسولوجي وبنقده للاشتراكية ودعوته لحرية السوق والليبرالية الكلاسيكية.

(2) مصطلح باراكسولوجي يشير الى دراسة الفعل الانساني ويركز على أسباب وهدف الافعال بدلا من ملاحظتها فقط. هو اتجاه فلسفي يرى سلوك الانسان مندفع بعمل قرارات هادفة ومقصودة بدلا من مجرد كونه ردود أفعال. المصطلح صاغه لودفيج ميزس لتحليل السلوك الاقتصادي.

(3) مفهوم تأثير المضاعف multiplier effect هام جدا في الاقتصاد ويُستخدم لقياس نسبة التغيير في الدخل عندما يتم تغيير الانفاق. عندما تقوم شركة بانفاق مائة مليون دولار لتوسيع مصانعها، وبعد سنة من الانتاج في التسهيلات الجديدة يبلغ دخل الشركة مئتي مليون دولار هذا يعني ان تأثير المتعدد = 2 اي ان كل دولار اضافي مستثمر خلق دولارين اضافيين من الدخل. الزيادة في الدخل القومي (مائة مليون) سوف تخلق زيادة في دخل الفرد الصافي والذي بدوره يخلق زيادة محفزة في الانفاق الاستهلاكي. العمال الذين يحصلون على دخل جديد من بناء المصانع سوف ينفقون جزءا منه في شراء سلع استهلاكية وهذا يعني زيادة المخرجات وزيادة العمالة لمواجهة الطلب المتزايد، مما يعني دخول جديدة تظهر للعمال والشركات وسينفقون منها مرة اخرى وهكذا.

 

النهضة الحضارية هي صنو النهضة الثقافية، والكلام ليس من باب التحفيز المجاني الذي نسوقه؛ بل هو مما تثبته وقائع سوسيولوجيا الثقافة ومقرّرات تاريخ الحضارات. فممّا هو متعذّر، تحقيق نهضة في غياب رؤية ثقافية لا تولي الشأن المعرفي والعلمي والفني الدور والحضور اللازمين. وقد تعثّرت العديد من الإصلاحات الاجتماعية والمطامح النهضوية، وفشلت جملة من الثورات والانتفاضات، لافتقارها إلى منظور ثقافي معمّق. ففي غياب الثقافة يتحرّك فعل التغيير الاجتماعي أو نشدان الإصلاح، في إطار من العتمة، أي بدون خارطة طريق تسوسه، أو لنقل بدون روح تُحفّز إرادة الناس وتشحذ العزائم.

وفي ظلّ طلب الخروج من الركود المجتمعي والجمود الحضاري، قد لا يعير القائمون على عمليات النهوض الثقافةَ المكانة اللازمة والدورَ المقدَّر، ظنًّا أنها عنصر تكميلي وليست عنصرا حاسما في العملية النهضوية. مع أنّ الثقافة تنتمي إلى عناصر الرساميل الرمزية والمعنوية التي تملكها الشعوب على غرار الثروات المادية والطبيعية. وهي تنطوي على شحنة من التحفيز والتحريض المعنويين مما لا تملكه عناصر القوة المادية، مثل الاستثمار في الإنتاج والتصنيع والخدمات والتجارة، التي باتت تعدّ العماد الأبرز لأيّ نهوض حضاري بالمعنى المادي.

ذلك أنّ مطلب التعويل على الثقافة هو عنصرٌ لا غنى عنه في بناء الوعي، المتلخّص في بلورة التناغم الجمعي القادر على إدراك حضور الذات في عالم يطفح بالمتغيّرات. صحيح تتنوّع عناصر المنتوج الثقافي، وبالمثل تتعدّد المؤسّسات العاملة في المجال، ولكن المقصد المنشود يظلّ في السير صوب إعداد الكائن الواعي وتحقيق المواطن المسؤول، الذي يمثّل المبتغى الأسمى من وراء العملية الثقافية. ولذلك ما لم تنبن سياسة ثقافية هادفة من وراء العملية الثقافية، فإنّ الفعل الثقافي يظلّ خارج الاستثمار المراد. وعلى مستوى فردي، وبالمثل على مستوى جماعي، يلوح امتلاك ناصية الثقافة عنصرا حاسما في الخروج من حالة العدم إلى حالة الوجود، ومن طور سلبي إلى طور إيجابي.

إذ بمراجعة التجارب النهضوية الناجحة في كثير من المجتمعات، يتبين أنّ التعويل الحازم على الفعل الثقافي في إنجاح العملية النهضوية، هو عنصر فعّال في اختزال الزمن وطيّ المسافات الحضارية. وكلّما غاب العنصر الثقافي أو استهين بدوره، إلا واضطربت الرؤية وارتبك المسير. فالفعل الثقافي هو فعل الاستنارة المرافِق لمسعى التغيير الناجع. والاستثمار في المردود الثقافي على نطاق مجتمعي، يعني العمل على خلق حالة من التحفّز الجمعي نحو الرقيّ، الذي يغدو التطلع إلى النهوض الحضاري بموجبه هاجسا مشتركا بين فئات شعبية واسعة.

قد يستهين البعض بالدّور الثقافي، أو تجري إزاحته إلى مواضع ثانوية، ولكن التقييم الصادق للعملية النهضوية برمتها يأتي من إطار المنظور الثقافي، وإن لزم التقويم العملي للمسارات أيضا، إن بدت عقبات أو انحرافات أو منزلقات. فللثقافي قدرة في إدراك المحاسن والمساوئ وتقييم النتائج والآثار. ومنذ أن أرست المجتمعات الحديثة تقليد التمدرس الإجباري، وفصَّلت في ضوابطه وشروطه ومضامينه، تبيّن ما للتكوين التعليمي والثقافي من أثر حاسم، في عملية تنشئة الأفراد وبناء المجتمعات. لكن ينبغي أن نشير إلى شيء مهمّ، أن العنصر التعليمي والعنصر الثقافي هما مكوّنان متقارِبان، ولكن ليسا مترادفين فلكل مجاله ودوره ورسالته.

ولسائل أن يسأل ما الذي تخلّفه الأبعاد الثقافية في الفرد علاوة على رقيّ الإحساس، وغور النباهة، ورسوخ الحسّ المدني؟ ثمة عنصر آخر في غاية الأهمية ألا وهو القدرة العالية على الفرز النقدي والتمييز الذهني، أي أن يغدو الواعي ثقافيا محصَّنا من سيل الخطابات الغوغائية التي تلوح متربّصة بمن يملكون هشاشة ثقافية، ممّن تراهم عرضة لترديد الأقاويل واستهلاك الأراجيف، وما أكثرهم في عالم افتراضي يعجّ بشتى الغوغائيين. ومن ثَمّ فإنّ المزيّة المقدَّرة التي يخلّفها الوعي الثقافي تتلخّص في الاقتدار على التمييز بين الغثّ والسمين في مجالات عدّة، وفرز المصلحة من المفسدة. وبفضل اكتساب تلك المقدرة يخرج المرء من مستوى الأمّية في فهم الأشياء إلى مستوى الأهلية في ترجيح الأشياء. ومن مستوى التعامل الساذج إلى مستوى التعامل المدرك لغور المقاصد وأبعادها وآثارها. ولما يخلّفه الوعي الثقافي من تحرّر ذهني ورقيّ معرفي واستقلال نظر، فهو بالمؤكد حصيلة صيرورة ثقافية واعية ومستدامة وليس نتاج بناء مستعجل.

فالوعي الثقافي هو تلك الحصانة الذهنية التي يكتسبها المرء والتي تقيه مساوئ الاغتراب، أي أن يسلك وفق مقتضيات عقلية بديهية، ولا ينساق بموجب الاتباع أو التقليد أو مجاراة الحشد. وهو ذلك الرصيدُ الذهني الذي يمنح الفردَ قدرةً على تثمين المغايَرة والاختلاف ومراعاة التنوع، فضلا عمّا يخلّفه من أثر في حُسن التواصل مع الآخرين، والإحساس بالانتماء إلى كلّ جمعي وتحمّل المسؤولية ضمن مكوّناته. "فليست الثقافة امتلاك مخزن معبّأ بالمعلومات، ولكنّها تلك القدرة التي يمتلكها العقل لفهم الحياة والمكان الذي نموضع أنفسنا فيه، وعلاقاتنا التي ننسجها مع الآخرين. ومن ثَمّ يحوز الثقافة من يملك الوعي بذاته وبالآخرين، ومن يحسّ أنّ علاقة تربطه بالكائنات الأخرى كافة"، ذلك بالفعل ما يقرّه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في قولته الآنفة الواردة في "دفاتر السجن".

يعيد الرهان الثقافي طرح سؤال الإنتاج الثقافي، ففي ظلّ الأوضاع التي تميّز الثقافة العالمية بات لزاما الحديث عن حظوظ الثقافة العربية في هذا المعترك الحاشد، بكلّ تجرّد ومسؤولية. فهل هي قادرة على طرح منجز مقدَّر كونيا بعيدا عن الادّعاءات الإبداعية؟ أيّ إنتاج عمل، يتخطى المنجز السردي الذي بات مستحوذا على المخيال الإبداعي العربي، ويشمل الدراسة والبحث وكتب الأطفال واليافعين والخطاب المعرفي بأنواعه، أي تقديم منجز جدير بأن يحظى بالتقدير والعرفان. والواقع أنّ ثمة حقولا ومجالات، وهي كثيرة، لا يستطيع القارئ العربي أن يراجع فيها مؤلَّفا بالعربية سوى ما هو مترجم، لضعف مبناها وترهّل محتواها وخواء طروحاتها. فكيف لثقافة بهذا العوز أن تعرض ذاتها على الساحة العالمية وأن ينصت إليها في الخارج؟ وكيف لثقافة لا تصغي للعالم ولا تتحاور مع الخارج، أقصد عبر الترجمة والنقل والمثاقفة، وتودّ الحضور على المنصات العالمية؟ ولولا منجزات بعض المؤسسات التي تشكّلت في العقود الأخيرة في البلاد العربية، لتحولت خارطة واسعة لحضارة عريقة إلى بيداء قاحلة.

لكنّ الرهان على الثقافة هو رهان مركّب، فهو كما يولي الإنتاج الداخلي الرعاية اللازمة، مبدعا وإبداعا، فهو يولي الإنتاج العالمي المتابَعة الحريصة والجلب الدؤوب عبر الترجمة. ولعل ما زاد من تعكّر أوضاع الثقافة العربية تحول فئات جامعية واسعة إلى شرائح وظيفية تؤدّي مهام إدارية وليست شرائح إنتاجية إبداعية للمعارف، مع أن الآمال معقودة عليها. فهناك مهمتان باتتا متروكتين للمبادرة الخاصة ألا وهما البحث والترجمة، بعد أن تقلّص دور مؤسسات الدولة المعهود. ولكن ولحسن الحظ حافظت ثلّة من الدول على حضور مؤسسات الدولة في هذين القطاعين ولم تفرّط في مهامها. ترفدها جوائز للتحفيز على المستوى الوطني والعربي والعالمي، في البحث والإبداع والإنجاز والترجمة في ما يخص الثقافة العربية. وبالمثل ثمة مثابرة في الترجمة من اللغات العالمية، تتابع منجز الإبداع والفكر العالميين، وكذلك حرص على بثّ الوعي الثقافي، عبر سلاسل المنشورات والمجلات مشرقا ومغربا، وهي منجزات تحسب في رصيد هذه الدول.

***

د. عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا

مدخل: ما الذي يكسب الفعل الأخلاقي قيمته؟

هنا فروض متعددة:

1- الانسجام مع المبدأ الأخلاقي وتجسيده الكامل، وهنا الفعل الأخلاقي يستمد قيمته العليا من مدى تطابقه مع المبدأ الأخلاقي المجرّد، بحيث يكون تجسيدًا حيًّا وكاملاً لذلك المبدأ، وهذا قريب من الاتجاه الكانطي في الأخلاق، إذ تُقاس القيمة الأخلاقية بالفعل من خلال التزامه بالواجب والمبدأ الكلي، لا بنتائجه.

2- تحقيق أكبر قدر من النفع للآخرين، وهنا الفعل الأخلاقي يكتسب قيمته القصوى عندما يحقق منفعة واسعة أو عميقة للآخرين، ويؤدي إلى نتائج ملموسة في تحسين حياتهم، وهذا قريب من الاتجاه النفعي الذي يرى أن معيار القيمة الأخلاقية هو حجم المنفعة أو السعادة الناتجة.

3- تجاوز صراع النفس والانتصار على الرغبات، وهنا الفعل الأخلاقي يبلغ ذروة قيمته عندما يكون ثمرة انتصار الإنسان على ميول أو رغبات تخالف المبدأ، خصوصًا إذا كان الصراع الداخلي شديدًا، وهذا قريب من الاتجاه الديني أو العرفاني الذي يربط الأخلاق بصفاء النفس والمجاهدة الروحية، إذ القيمة مرتبطة بعمق التجربة الداخلية.

4- الاعتراف الاجتماعي وتعزيز الثقة والقيم المشتركة، وهنا الفعل الأخلاقي يكتسب قدرًا عاليًا من قيمته عندما يلقى اعترافًا وتقديرًا من المجتمع أو الجماعة التي ينتمي إليها الفاعل، وهذا قريب من الاتجاه الاجتماعي في الأخلاق الذي يرى أن المعايير الأخلاقية تتشكل من خلال التوافق الجمعي، وأن القيمة تنشأ من الدور الذي يلعبه الفعل الجمعي العقلائي في تشكيل المنظومة الأخلاقية.

ولا أريد هنا أن أشرع في التحليل لهذه المداخل الأربعة، أو أن أرجح أحدا منها، لكن الذي يهم أن نفهم هذه المداخل، ونجعلها في مساحة الاعتبار، ومنطلقات تتشكل من خلالها تصوراتنا حول الفعل الأخلاقي، ليتم بعد ذلك الشروع في تصور الأخلاق الممكنة، التي تبحث في حيز متأخر، عن حيز المداخل الاربعة سالفة الذكر.

ما الأخلاق الممكنة؟

وعند الحديث عن (الأخلاق)، فإن الدلالة قد تنصرف إلى معانٍ متعدّدة: (القيم ومبادئها)، و(ما يندرج تحت تلك القيم من معايير)، ثم (الأفعال والتطبيقات العملية التي تجسّدها)، وفي هذا السياق، فإن ما نعنيه بالأخلاق الممكنة هو الأخلاق بوصفها أفعالاً تعبّر عن قيمها العليا ومبادئها المؤسِّسة، ويبدو أننا نستخدم مصطلح (الممكن) هنا في مقابل (الممتنع) و(المثالي) معًا، في نحوٍ من التوسّع أو التجوّز المعرفي.

الأخلاق الممكنة قد تُفهم، في إطار تصوري واسع، بوصفها نقيضًا للأخلاق المستحيلة أو الممتنعة، أو بوصفها بديلاً عن الأخلاق المثالية التي تتجاوز القدرة الواقعية للفرد والمجتمع، وبعيدًا عن التحديدات الفلسفية الصارمة، فإننا نتناول هنا مفهوم الأخلاق الممكنة ضمن أفق معرفي–ثقافي عام، لا في مستوى التخصص الفلسفي الدقيق.

وتنشأ الإشكالية عند طرح سؤال حول مدى إمكان تمثّل القيم الأخلاقية في الأفعال تمثّلاً تامًّا يُجلّي المبدأ والقيمة معًا:

هل يمكن للفعل الأخلاقي أن يُطابق المبدأ الأخلاقي أو القيمة العليا بصورة ثابتة ومطلقة؟

أم أن ثمة تباينًا في مستوى اتصاف الفعل بالمبدأ والقيمة تبعًا لظروف الفعل وفاعله؟

المشكلة الأخرى تكمن في أن الفكر الأخلاقي، عبر تاريخه، انشغل أساسًا بتحديد أسباب ودوافع اتصاف الفعل بصفة أخلاقية أو نفيها عنه، وتباينت المدارس الأخلاقية في بيان مناشئ تلك الصفة وشروطها ومقوماتها، وهذا التباين يُلقي بظلاله على وعي الفرد بسقف القيم والمبادئ التي يسعى إلى تمثلها في أفعاله، ويجعل الاستجابة الأخلاقية محكومة بمدى اتساع أو تضييق ذلك السقف، كما أن المجتمعات، في الغالب، تتأثر بهذه المحددات النظرية فتنعكس على سلوكها الجمعي ومعاييرها العملية.

(الأخلاق الممكنة) تعبير أقصد به للإشارة إلى النطاق الواقعي والمتحقق من المبادئ الأخلاقية التي يمكن للإنسان أو المجتمع الالتزام بها في ظل ظروفه وإمكاناته الفعلية، مقابل (الأخلاق في سقفها الأعلى) التي تمثل سقف القيم المطلوب، حتى لو كان تطبيقها كاملاً غير ممكن في الواقع.

وهنا يمكن تقرير أن تطبيق الأخلاق ليست منفصلا عن الظروف الاجتماعية، والقدرات البشرية، والموارد المتاحة، بل يُبنى على ما يمكن إنجازه فعلاً، مع الاحتفاظ بمثُل أعلى كمرجع وقدوة.

ويمكن افتراض بعض العناصر التي تحدد مستوى (إمكان الأخلاق) أو (الأخلاق الممكنة)، من خلال:

1. الواقعية الأخلاقية: الأخذ بعين الاعتبار حدود الإنسان الفردية والجماعية.

2. التدرج: الانتقال من الممكن إلى الممكن الأعلى بدل القفز مباشرة إلى المثال الكامل.

3. التوازن بين المبدأ والمصلحة: من خلال محاولة الجمع بين القيم العليا ومقتضيات الحياة الواقعية.

4. البعد الإنساني: من خلال جعل الخطاب الأخلاقي قابلا للتطبيق وليست مجرد تنظير.

جدلية العلاقة بين مرونة الفقه والاخلاق الممكنة

حاجة الفقه إلى الأخلاق، حاجة تفرضها طبيعة الفقه الذي يمس الحياة، والواقع العملي للإنسان، والفقه من دون الأخلاق، سوف يكون فقها جامدا جافا، لذلك، تمثل المنظومة الأخلاقية أحد أهم منطلقات وروافد التفكير الفقهي، فإذا كنا نتحدث بعيدا، عن مصادر التشريع، وأصول الفقه، فإن الأخلاق تمثل أرضية في (لا وعي) الفقيه، تبث في تفكيره عمق القيم الأخلاقية العليا التي نادى بها التشريع، وتجعلها أحد موجهّات تفكيره، ومن جهة أخرى تستفيد منظومة الأخلاق، من الفقه، من خلال أدوات الإجتهاد، ومرونة التفكير، وتيسر الوسائل التي تنظم أفعال الإنسان من خلال قواعد محددة وواضحة الملامح.

إذن في الخطاب الديني تتداخل المنظومات الفكرية، العقدية والاخلاقية والفقهية، ويمكن للفقه الاسلامي من خلال أدواته الاجتهادية أن يؤثر ويتفاعل جدليا مع الخطاب الأخلاقي، فتأثير التفكير الفقهي في فكرة (الأخلاق الممكنة) ممكن جدا، لأن الفقه بطبيعته يشتغل على الممكن والمقدور لا على المثال المجرد، فهو يربط التكليف بحدود الاستطاعة، ويراعي الظروف الواقعية للإنسان والمجتمع، ويمكن تصور ذلك من خلال الفروض الآتية:

1. تحديد سقف الواجب الأخلاقي بقدرة المكلف، والفقه أيضا لا يفرض تكليفًا فوق الطاقة، وهذا يجلعنا نتصور أن الفعل الأخلاقي يتحقق في إطار الإمكان الواقعي، فللو كان الوفاء بوعد أو التزام مالي يؤدي إلى ضرر بالغ أو عجز، يجيز الفقه تخفيف الحكم أو إسقاطه، وهذا يسوّغ فهم تطبيق الأخلاق ضمن الممكن.

2. مبدأ التدرج والتيسير، على فرض اقراره فقهيا، فكثير من الفقهاء يقرون التدرج في الأحكام؛ وهو مبدأ يجعل الأخلاق قابلة للتطبيق في سياق اجتماعي زمني متغير، فتشريع تحريم الخمر في الإسلام تم على مراحل، وهو ما يسوّغ أن الأخلاق الممكنة تتضمن عنصر التدرج في استيعاب الفعل الاجتماعي للقيمة الأخلاقية.

3. فقه الأولويات، الفقه يوجّه المكلف لاختيار الأهم عند تعارض المصالح أو القيم، ويحدد أولويات كثيرة في ميدان فقه النظم والتدبير، وهذا النمط من التفكير يتيح إنتاج أخلاق عملية مرنة وليست مثالية جامدة، فلو تعارض الصدق في موقف ما مع إنقاذ حياة إنسان بريء، يقدم الفقه حفظ النفس على التصريح بالحقيقة، وهذا يترجم (الممكن الأخلاقي) في الواقع.

4. الضرورات تبيح المحظورات، والقاعدة الفقهية في أدنى مستويات مشروعيتها والعمل بها، تقارب ضرورة تعديل الخطاب الأخلاقي وفق الضرورة، فتتحول الأخلاق من نموذج صارم إلى نموذج مرن يتكيف مع الظروف الاستثنائية.

يمثل الإنسان في كلا المنظومتين الفقهية والأخلاقية، محورا رئيسا وهاما، تدور حوله النظريات والفرضيات بما يحقق نفعه وصلاحه، وبالنظر إلى محدودية قدرة الإنسان وفعله وطاقته، فإن كلا المنظومتين تراعيان حدود قدرة الإنسان على تحقيق مقاصد القيم الأخلاقية والقيم الدينية على حد سواء.

إن التمايز بين الحكم الفقهي والحكم الأخلاقي يكشف عن طبقات متعددة في تقييم الأفعال الإنسانية؛ فينطلق الفقه من معايير الضبط الشرعي لتحديد دائرة المباح والممنوع، ونجد أن بعض الأفعال وإن كانت جائزة فقهيًا، تظل أدنى من المستوى الأخلاقي الأمثل الذي تسعى القيم الإنسانية والدينية إلى تحقيقه، ومن هنا يمكن تصور مساحة (الأخلاق الممكنة)، بوصفها حيزًا سلوكيًا وسطًا؛ لا يخرق أحكام الشرع، ولا يبلغ المثل الأخلاقية العليا في الوقت نفسه، مما يتيح للمجتمع التعامل الواقعي مع تعقيدات الحياة دون الانفصال عن مرجعيته القيمية.

 إن الأهمية اليوم لهذا الموضوع تكمن في ضرورة أن يعي الخطاب الديني هذا الجانب من الأخلاق الذي يتسم بمحاكاة واقعية لمحدودية الفعل البشري على تطبيق الأخلاق بنحو تام وكامل، وهذا ما يستدعي أيضا، أن نبدي بعض التقارب بين الأخلاق وآليات تطبيقها، من جهة، والفقه الإسلامي وأدواته المرنة، التي تستجيب لنسبية قدرة الإنسان على أداء التكاليف، فضلا عن مرونة الاستجابة لظروف الزمان والمكان.

***

د. أسعد عبد الرزاق الاسدي 

 

عند جيل جولوز وغراماتولوجيا جاك دريدا، مقاربة فلسفية معاصرة

(يجب أن يكون هناك فوضى بداخلك حتى تتمكن من جلب نجم راقص إلى العالم)... فريدريك نيتشه

تشكل أعمال ميشيل فوكو، جيل دولوز، وجاك دريدا أعمدة أساسية في الفلسفة المعاصرة، خصوصًا في سياق ما يُعرف بالفكر ما بعد الحداثي وما بعد البنيوية. على الرغم من اختلاف مناهجهم، فإن هؤلاء الفلاسفة يتقاطعون في نقدهم للميتافيزيقيا التقليدية وتفكيكهم للمفاهيم التقليدية حول المعرفة، الهوية، واللغة. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم مقارنة تحليلية بين أركيولوجيا المعرفة عند فوكو، فكر الاختلاف عند دولوز، وغراماتولوجيا دريدا، مع التركيز على مقاربة فلسفية معاصرة تبرز نقاط التقاطع والاختلاف بين هذه المناهج. تتمحور المشكلة البحثية حول السؤال التالي: كيف تتشابه وتختلف هذه المناهج في تفكيكها للمفاهيم التقليدية للمعرفة واللغة، وما هي دلالاتها في سياق الفلسفة المعاصرة؟ تستند الدراسة إلى منهج تحليلي مقارن يعتمد على قراءة نقدية لنصوص الفلاسفة الثلاثة، مع الإشارة إلى سياقاتهم التاريخية والفكرية. تسعى الدراسة الى تحقيق الأهداف التالية:

تحليل المفاهيم الأساسية لكل منهج (أركيولوجيا المعرفة، الاختلاف، الغراماتولوجيا).

مقارنة هذه المناهج من حيث نظرتها إلى المعرفة، اللغة، والسلطة.

استكشاف أثر هذه المناهج على الفلسفة المعاصرة وما بعد الكولونيالية.

1. أركيولوجيا المعرفة عند ميشيل فوكو

"لا ممارسة للسلطة دون اقتصادٍ مُعينٍ لخطابات الحقيقة، يعمل في هذه السلطة، ومن خلالها "ميشيل فوكو.

أركيولوجيا المعرفة، كما طُورّت في أعمال فوكو مثل أركيولوجيا المعرفة (1969) ونظام الأشياء (1966)، هي منهج لتحليل الخطابات التاريخية التي تشكل المعرفة في فترات زمنية محددة. يرى فوكو أن المعرفة لا تتطور بشكل خطي أو تقدمي، بل تتشكل ضمن "إبستيمات" (Epistémès)، أي أطر معرفية تحدد ما يمكن قوله أو التفكير فيه في سياق زمني معين[1]. يركز فوكو على العلاقة بين المعرفة والسلطة، حيث يعتبر الخطابات أدوات للسيطرة الاجتماعية، كما يظهر في تحليله للمؤسسات مثل المستشفيات والسجون في تاريخ الجنون والمراقبة والعقاب

2. فكر الاختلاف عند جيل دولوز

"الغرض من الكتابة هو جلب الحياة إلى حالة من القوة غير الشخصية."  جيل دولوز

يقدم دولوز، في أعماله مثل الاختلاف والتكرار (1968)، مفهومًا للاختلاف يتحدى الميتافيزيقيا التقليدية القائمة على الهوية والتشابه. يرى دولوز أن الفلسفة التقليدية، من أفلاطون إلى هيجل، قامت على تقديس الهوية وإخضاع الاختلاف لها. في المقابل، يقترح دولوز فلسفة تعطي الأولوية للاختلاف الخالص، الذي لا يُختزل إلى هوية أو تشابه. يرتبط هذا المفهوم بفكرة "الصيرورة"، حيث يرى أن الواقع ديناميكي ومتعدد، ويتشكل عبر علاقات قوى متباينة. يتقاطع هذا المنظور مع نقد السلطة، لكنه يركز على إمكانيات الإبداع والمقاومة[2].

3. غراماتولوجيا جاك دريدا

"الفرق هو ما يجعل الحضور ممكنًا، ولكن من خلال افتراقنا وتفارقنا دائمًا."

والميتافيزيقيا الغربية التي تعطي الأولوية للكلام على الكتابة. يقترح دريدا مفهوم "الفرق" (Différance)، الذي يجمع بين الاختلاف والتأجيل، مشيرًا إلى أن المعنى في النصوص ليس ثابتًا بل يتولد من خلال سلسلة من التأجيلات والعلاقات التفاضلية. الغراماتولوجيا هي دراسة الكتابة كممارسة لا مركزية تكشف عن عدم استقرار المعاني وتحدي السلطة اللغوية التقليدية[3].

التحليل المقارن

1. المعرفة والخطاب

فوكو: يرى المعرفة كمنتج تاريخي مشروط بالإبستيمات والخطابات. يركز على كيفية تشكل المعرفة عبر العلاقات السلطوية، كما في تحليله للطب الحديث أو النظام القضائي. المعرفة عند فوكو ليست محايدة بل أداة للسيطرة.

دولوز: يهتم أقل بالمعرفة كخطاب وأكثر بالواقع كصيرورة. يرى أن المعرفة التقليدية تعتمد على الهوية، ويقترح بدلاً من ذلك فلسفة تعطي الأولوية للاختلاف والتعددية، مما يسمح بإبداع معرفي جديد.

دريدا: يركز على اللغة كمصدر للمعرفة، مشيرًا إلى أن المعاني غير ثابتة بسبب الاختلافية. يتحدى فكرة المعرفة كشيء نهائي، معتبرًا أن النصوص مفتوحة لتفسيرات لا نهائية.

نقاط التقاطع: الثلاثة ينتقدون المعرفة التقليدية كأداة للهيمنة. فوكو يركز على الخطابات التاريخية، دولوز على الصيرورة والاختلاف، ودريدا على عدم استقرار النصوص.

نقاط الاختلاف: فوكو يركز على التاريخ والسلطة، دولوز على الأنطولوجيا والإبداع، ودريدا على اللغة والتفكيك

2. اللغة والتمثيل

فوكو: يرى اللغة كجزء من الخطابات التي تشكل الواقع الاجتماعي. في نظام الأشياء، يحلل كيف تتحكم اللغة في تصنيف العالم ضمن إبستيمات محددة.

دولوز: لا يركز على اللغة كثيرًا، بل على المفاهيم الفلسفية التي تتجاوز التمثيل اللغوي. يرى أن الفلسفة يجب أن تخلق مفاهيم جديدة بدلاً من تحليل اللغة.

دريدا: يجعل اللغة محور تحليله، مشيرًا إلى أن الكتابة تسبق الكلام وأن المعاني غير مستقرة. يتحدى فكرة التمثيل الثابت للواقع.

نقاط التقاطع: الثلاثة يرفضون فكرة اللغة كتمثيل محايد للواقع. فوكو ودريدا يركزان على اللغة كأداة للسلطة، بينما يسعى دولوز إلى تجاوز اللغة نحو الصيرورة.

نقاط الاختلاف: دريدا يركز على التفكيك داخل النصوص، بينما يهتم فوكو بالخطابات التاريخية، ودولوز بالمفاهيم الأنطولوجية

3. السلطة والمقاومة

فوكو: يرى السلطة كمنتشرة في كل مكان، تعمل عبر الخطابات والمؤسسات. لكنه يؤكد أن حيثما توجد سلطة توجد مقاومة، كما في تحليله للحركات الاجتماعية.

دولوز: يركز على القوى المتباينة التي تشكل الواقع. يقترح مقاومة السلطة عبر إبداع مفاهيم جديدة وأنماط حياة تتحدى الهيمنة.

دريدا: يرى السلطة في المركزية اللوغوسية التي تتحكم في اللغة. مقاومته تأتي عبر التفكيك، الذي يكشف عن عدم استقرار النصوص المهيمنة.

نقاط التقاطع: الثلاثة يرون السلطة كقوة تشكل المعرفة واللغة، ويقترحون أشكالًا من المقاومة (خطابية عند فوكو، إبداعية عند دولوز، تفكيكية عند دريدا).

نقاط الاختلاف: فوكو يركز على السلطة المؤسساتية، دولوز على القوى الأنطولوجية، ودريدا على السلطة اللغوية.

دراسات حالة تطبيقية

1. تحليل الخطاب الطبي

فوكو: في تاريخ الجنون، يحلل كيف شكلت الخطابات الطبية مفهوم "الجنون" كوسيلة للسيطرة الاجتماعية.

دولوز: قد يرى الخطاب الطبي كمجال للاختلاف، حيث يمكن إبداع مفاهيم جديدة لفهم الصحة النفسية بعيدًا عن الهيمنة.

دريدا: يفكك النصوص الطبية ليكشف عن عدم استقرار مصطلحات مثل "الجنون"، مشيرًا إلى أنها نتاج علاقات تفاضلية.

2. العولمة الثقافية

فوكو: يحلل العولمة كخطاب يشكل الهويات عبر مؤسسات مثل وسائل الإعلام.

دولوز: يرى العولمة كمجال للصيرورة، حيث يمكن للهويات المحلية أن تقاوم عبر إبداع أشكال جديدة.

دريدا: يفكك خطاب العولمة ليكشف عن تناقضاته، مثل التوتر بين العالمي والمحلي.

دلالات في الفلسفة المعاصرة

ما بعد الكولونيالية: تتقاطع هذه المناهج في نقدها للهيمنة الغربية. فوكو يكشف عن الخطابات الاستعمارية، دولوز يقترح إبداع هويات مقاومة، ودريدا يفكك النصوص الاستعمارية.

ما بعد الحداثة: تساهم المناهج الثلاثة في رفض السرديات الكبرى، سواء كانت ميتافيزيقية (دولوز، دريدا) أو تاريخية (فوكو).

التأثير على العلوم الإنسانية: أثرت هذه المناهج على دراسات الأدب، الاجتماع، والتاريخ، حيث أصبح التفكيك والتحليل الخطابي أدوات أساسية.

خاتمة

""الحرية هي أن تعرف كيف ترقص مع أغلالك." فريدريك نيتشه

تكشف المقارنة بين أركيولوجيا المعرفة عند فوكو، فكر الاختلاف عند دولوز، والغراماتولوجيا عند دريدا عن تقاطعات واختلافات جوهرية. يشترك الثلاثة في نقدهم للميتافيزيقيا التقليدية وتركيزهم على السلطة، لكنهم يتباينون في مناهجهم: فوكو التاريخي، دولوز الأنطولوجي، ودريدا اللغوي. هذه المناهج، رغم اختلافها، تقدم أدوات قوية لفهم الواقع المعاصر، خصوصًا في سياق مقاومة الهيمنة وإعادة صياغة المعرفة. تظل دلالاتها حية في الفلسفة المعاصرة، حيث توفر إطارًا لتفكيك الهياكل السلطوية واستكشاف إمكانيات جديدة للمعرفة والوجود. فماذا بقي من الفلسفة الفرنسية في مستوى قدرتها على صناعة الكونية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.............................

الاحالات والهوامش:

[1] Foucault, Michel. The Archaeology of Knowledge. Translated by A.M. Sheridan Smith. New York: Pantheon Books, 1972, 191.

[2] Deleuze, Gilles. Difference and Repetition. Translated by Paul Patton. New York: Columbia University Press, 1994, 36.

[3] Derrida, Jacques. Of Grammatology. Translated by Gayatri Chakravorty Spivak. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1997, 158.

المصادر والمراجع:

Deleuze, Gilles. Difference and Repetition. Translated by Paul Patton. New York: Columbia University Press, 1994.

Derrida, Jacques. Of Grammatology. Translated by Gayatri Chakravorty Spivak. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1997.

Foucault, Michel. The Archaeology of Knowledge. Translated by A.M. Sheridan Smith. New York: Pantheon Books, 1972.

Foucault, Michel. The Order of Things: An Archaeology of the Human Sciences. New York: Vintage Books, 1970.

Deleuze, Gilles, and Félix Guattari. A Thousand Plateaus: Capitalism and Schizophrenia. Translated by Brian Massumi. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987.

Derrida, Jacques. Writing and Difference. Translated by Alan Bass. Chicago: University of Chicago Press, 1978.

يُعدّ مصطلح الحداثة من أكثر المفاهيم إثارة للجدل والتأويل في الفكر العربي المعاصر، لما ينطوي عليه من أبعاد معرفية وثقافية وحضارية متشابكة، فهو ليس مجرد توصيف لمرحلة زمنية أو شكل من أشكال الإبداع الأدبي والفني، بل هو بنية فكرية شاملة ترتبط بجملة من التحولات في أنماط التفكير، ومناهج المعرفة، ومفاهيم الإنسان والمجتمع. وعلى النقيض منها تقف اللاحداثة، بوصفها موقفًا مقاومًا للتغيير أو محافظًا على تراث سابق، لكنها في كثير من الأحيان لا تُمثّل موقفًا سكونيًّا فحسب، بل تحمل رؤيتها الخاصة للعالم، وقيمها النابعة من سياقات مختلفة عن سياقات الحداثة الغربية التي وُلدت في بيئات اجتماعية واقتصادية وسياسية مخصوصة[1].

وإذا كان الفكر الغربي قد أنتج حداثته عبر تراكمٍ تاريخي وصراعٍ طويل مع أنماط السلطة والمعرفة التقليدية، فإن الفكر العربي غالبًا ما تلقى الحداثة بوصفها نموذجًا جاهزًا وافدًا، تراوحت مواقفه منه بين الرفض المطلق والتبني غير النقدي، وبين محاولات تلفيقية للمزاوجة بين "الحداثة" و"التراث". من هنا، تبرز إشكالية الحداثة واللاحداثة في الفكر العربي لا بوصفها مجرد جدل فكري، بل بوصفها مرآة لصراعات أعمق تتصل بالهوية، والسلطة، والمعرفة، والموقع الحضاري في عالم تسوده ثقافة الغالب وتُهمّش فيه الثقافات الأخرى.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري فحص طبيعة الحداثة العربية وموقع اللاحداثة، من خلال تأمل السياقات التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها هذه المفاهيم، وتفكيك الخطابات التي بُنيت حولها، سواء في بعدها السياسي أو الفني أو المعرفي. [2]

تثير الحداثة معضلات ماهيتها وتاريخيتها على السواء، فهي ليست مصطلحًا خاصًّا بالنقد والأدب، ولكنها تشير إلى صيغ عديدة دالة على الحضارة والتقدم، فهي ابتداء تدل على التغاير مع الأنماط السابقة، وتتمرد على خصائصها وسماتها ،وبتعبير آخر إنَّ الحداثة كما يرى " جون بودريان " ليست " مفهومًا سوسيولوجيًّا أو مفهومًا سياسيًّا، أو مفهومًا تاريخيًّا يحصر المعنى، وإنما هي صيغة مميزة للحضارة تعارض صيغة التقليد، أي أنها تعارض جميع الثقافات الأخرى السابقة أو التقليدية"[3]، وإذا كانت الحداثة اليوم تدل في أول ما تدل عليه هو ارتباطها بالحضارة الغربية أو انحدارها عنها، وبما تشتمل عليه من خصائص وسمات هي نتاج سياقات تاريخية واجتماعية معينة، فإن الحديث عن حداثة عربية هي قرين صورة مطابقة لحداثة غربية للتواصل لكائن بين الحداثتين، والحق أنه ليس تواصلًا بمعنى فاعلية الأخذ والعطاء ،وإنما بمعنى آخر فاعلية طرف ــ الغرب ـــ وتلقي أو بتعبير أدق سلبية طرف آخر ـــ الحداثة العربية.

إنَّ الحداثة المعاصرة مادية وذهنية نشأت في سياقات تاريخية واجتماعية غربية، ثم انتقلت إلى مجتمعات أخرى بطرائق مختلفة، ومنها الوطن العربي، وكانت دهشة الانبهار إزاء مظاهر الحداثة المادية كبيرة، وتجاور ذلك مع إيمان آخر بحداثة الآخر الذهنية، وتشبث بعض الحداثيين بشمولية الحداثة " ماديا وذهنيا " وطفق يبشر بمفاهيمها وتصوراتها، ويدافع عن إبداعاتها وإنجازاتها، دون أن يشعر بالفوارق الكبيرة بين طبيعة السياقات الاجتماعية والتاريخية المختلفة للحداثة في موطنها وفي واقعنا وتاريخنا، ويعارض هؤلاء نمطا آخر يأخذ من المظاهر المادية للحداثة، لسبب وغيره، ولا يرى في ذلك من تعارض إطلاقًا مع مقولاته السلفية التراثية، ولكنه يرفض مقولات الحداثة وتصوراتها ومفاهيمها، ويلتقي الدارس بنمط تلفيقي يحاول المجاورة بين ما يطلق عليه الأصالة والمعاصرة، أو التراث والحداثة، ومن ثم يجاور بين المتعارضات والمتناقضات، تمامًا كما يفعل بعض الدارسين حين ينظر إلى التراث بوصفه كتلة مصمتة، فيأخذ من العقلي والنقلي على السواء.

إنَّ الحداثة في التراث لم تنشأ معلقة في فراغ، وإنما كانت جزءاً من تطور حاصل في الواقع، فهي تتأسس" على الصراع بين النظام القائم على السلفية والرغبة العاملة للتغيير في هذا النظام "[4]. ويحدد "أدونيس" للحداثة تيارين سياسي/ فكري، وفني، ويتمثل الأول: في الحركات المناهضة للسلطة ـــ الخوارج وثورة الزنج والقرامطة ـــ وبالتصورات الاعتزالية والعقلانية الإلحادية والتصوف، وتهدف هذه جميعًا إلى " الوحدة بين الحاكم والمحكوم في نظام يساوي بين الناس اقتصاديًّا وسياسيًّا، ولا يفرق بين الواحد والآخر على أساس من جنس ولون[5]، أمَّا التيار الفني: فلقد أبطل القديم وتحول فيه الإبداع على خاصية إنسانية؛ بحيث أصبح الإنسان " يمارس هو نفسه عملية خلق العالم"[6].

ومن الجدير بالملاحظة أنَّ هذين التيارين لهما وجود حقيقي في الواقع الاجتماعي؛ إذ يمثل ملامح حقيقية لمعارضة قوية في زمن سلطة قمعية، لها ثقافتها المضادة المعززة بقوة السيف، ولا يخفى وجود الخوارج والشيعة والقرامطة وغيرهم، أي أنَّ هناك شرائح اجتماعية واسعة في المجتمع العربي تؤدي دورها الفاعل في الحياة وفي الخروج على السلطة وثقافتها، وقد استخدمت القوة: ثورة أو عصيانًا، أو الرفض السلبي، بمعنى أنَّ الفكر الحداثي له قاعدة اجتماعية شعبية واسعة تؤمن به وتدافع عنه لحد استخدام القوة والعنف.

وحين نتأمل الحداثة العربية المعاصرة فإنَّ هناك تساؤلات ملحة تفرض نفسها: هل الحداثة المعاصرة حركة تطورت تطورًا طبيعيًّا في سياقات تاريخية واجتماعية معينة؟ أم انها حركة صفوة من المثقفين؟ أي هل تعبر الحداثة عن واقع اجتماعي فعلاً، وإنْ لم تعبر فهل هي تؤثر فيه؟ وإذا كانت الحداثة في التراث تعبر عن طموحات تيارات اجتماعية كبيرة، فإن الحداثة المعاصرة لا تتجاوز الآلاف، ويرتبط قسم كبير من أنصارها ودعاتها بأكثر الأنظمة القمعية، يخدمون تطلعاتها السياسية ويدافعون عن رموز أشخاصها، ومما يؤيد أنَّ الحداثة حداثة مثقفين مقولة محمد عابد الجابري " هناك في واقعنا المريض قطاع كبير من الذين يملكون السلطة العلمية أو الفكرية على الجماهير، أو سمها سلطة الجاه أو المشيخة إذا شئت، ومن ثم فهناك قطاعات واسعة من الجماهير العربية تابعة لهؤلاء، وليس نحن المثقفين أو الإنتلجنسيا بالمفهوم الغربي فلا سلطان لنا عليهم، وينبغي علينا نحن المثقفين أنْ نعترف بأننا فئة قليلة جدًا، وغير مؤثرة التأثير الكافي في واقعنا الثقافي، إنَّ الكتاب الذي يصدر بيننا ويؤلفه واحد منا نتداوله فيما بيننا نحن فقط، ولا يوزع منه إلا حوالي ستة آلاف نسخة فقط، فما القيمة التي تمثلها ستة آلاف نسخة في شعب يزيد على مائة وخمسين مليونًا "[7]

ومما يؤكد ذلك أنَّ "أدونيس" هو الآخر يؤكد قضية بالغة الأهمية في وجود حداثة في الشعر، ولا وجود لحداثة في العلم وتغيير المجتمع، أنَّ الحداثة العربية المعاصرة حداثة تكاد تكون غريبة تمامًا، وهي جزء مما نتلقاه ونتداوله، إنَّ أدونيس وهو من أبرز الشخصيات الحداثية شعًرًا وفكرًا يؤكد أنَّ الغرب اليوم يقيم بعمق أعماقنا في جميع ما نتداوله اليوم فكريًّا وحياتيًّا، يجيئنا من هذا الغرب، أما فيما يتصل بالناحية الحياتية فليس عندنا ما تحسم به حياتنا إلا ما نأخذه من الغرب، وكما أننا نعيش بوسائل ابتكرها الغرب، فإننا نفكر بلغة الغرب نظريات ومفهومات، ومناهج تفكيري، ومذاهب أدبية وغيرها من المذاهب التي ابتكرها أيضًا الغرب، وكذلك الرأسمالية، الاشتراكية، الديمقراطية، الجمهورية، الليبرالية، الحرية، الماركسية، الشيوعية، القومية، ـــ والمنطق، الديالكتيك، العقلانية – الواقعية، الرومانطيقية، الرمزية، السريالية... إلخ. هذا من دون أن ندخل في ميدان العلوم، وخصوصا في العلوم البحتة[8].

وقبل الشروع في التعرض للحداثة أود الإشارة إلى تمييز دقيق بين التجديد والحداثة، أشارت إليه خالدة سعيد، إذ ترى انَّ " الحداثة أكثر من التجديد، وإذا كان التجديد مظهرًا من مظاهر الحداثة؛ لأنَّ التجديد هو إنتاج المختلف المتغير الذي لا يخضع للمعايير السابقة، أولا يخضع لها تماما، بل يسهم في توليد معايير جديدة، الجديد نجده في عصور مختلفة، لكنه لا يشير إلى الحداثة دائمًا، ولا يكون الجديد حديثًا بالمعنى الذي استقر للحداثة؛ إلا إذا كان يطرح القضايا الأساسية للحداثة، ويتمحور حول المفصل الصراع الفكري للحداثة[9].

ومن أجل فهم أفضل لطبيعة الحداثة العربية تحدد خالدة سعيد أمورًا منها ما يتصل بارتباط الحداثة، بالانزياح المتسارع في المعارف وأنماط الإنتاج والعلاقات على نحو يستتبع صراعًا مع المعتقدات.. ومع القيم التي تفرزها أنماط الإنتاج والعلاقات السائدة[10]، وبقدر ما يشير هذا الى العلاقة الحميمة بين الحداثة والتغيير والتطور، يشير على هذا التغيير بأنماط إنتاجها وعلاقاتها؛ بحيث يؤكد العلاقة الجدلية بين المعرفة والبنية التحتية في ضوء تجلياتها الماركسية المعروفة، ومن ثم تحدد الناقدة الحداثة بوصفها ثورة فكرية، وليست مجرد مسألة تتصل بالوزن والقافية، أو بقصيدة النثر، أو نظام السرد، أو البطل[11]... لتؤكد أخيرا أنَّ الحداثة وضعية فكرية لا تنفصل عن ظهور الأفكار والنزوعات التاريخية التطويرية، وتقدم المناهج التحليلية التجريبية، وهي تتبلور في اتجاه تعريف جديد للإنسان عبر تحديد جديد لعلاقته بالكون، إنها إعادة نظر شاملة في منظومة المعلومات والنظام المعرفي، أو ما يكون صورة العالم في وعي الإنسان، ومن ثم يمكن أن يقال أنها إعادة نظر في المراجع والأدوات والقيم والمعايير[12].

إنَّ الحداثة لا توجد فجأة، بل هي نتيجة تراكم معرفي، تنطلق من مرحلة لأخرى؛ إذ ترى خالدة سعيد أنَّ الحداثة بوصفها حركة فكرية شاملة انطلقت مع الرواد، مثل جبران خليل جبران وطه حسين، فقد مثّل فكر الرواد الأوائل قطيعة مع المرجعية الدينية والتراثية، كمعيار ومصدر وحيد للحقيقة، واقام مرجعين بديلين: العقل والواقع التاريخي، وكلاهما إنساني، ومن ثم تطوري، فالحقيقة عند رائد كجبران وطه حسين لا تلتمس بالنقل، بل تلتمس بالتأمل والاستبصار عند جبران، وبالبحث المنهجي العقلاني عند طه حسين.[13]

ومن المفارقات التي ينبغي تأكيدها أنَّ محمد مصطفى بدوي يؤكد أمرين رأيت ضرورة التوقف عندهما، أولهما: أنه " ليس هناك اجماع مطلق على تحديد قاطع للحداثة، ومع ذلك هناك شبه إجماع على ما يمكن وصفه بالفن الحديث"[14] وثانيهما: أنَّ الكلام عن الحداثة في الأدب الأوربي إنما هو لاحق أو مصاحب لهذه الظاهرة، وليس سابقًا لها على الإطلاق، كما هي الحال لدى كتّابنا وشعرائنا[15].

إنَّ ما فعله نقادنا هو نقل الدلالات والمفاهيم التي تحدد مصطلح الحداثة، على الرغم من عدم تحددها لدى الغربيين، ومن ثم عمدوا إلى تحديد معايير الحداثة، ومحاولة السير في ركابها، وهذا يعني أنَّ هناك تفاوتا بين من يصف ويحلل ويحدد طبيعة الحداثة، كما فعل الأوربيون. وبين من يحدد المعايير ثم يدعو أو يبدع نصًّا حداثيا، لا ريب أنَّ هناك فرقاً.

إن الحداثة في الغرب ـــ كما يحدد "براديبري" و"مكفارلين" ـــ كانت تعبيرًا عن انهيار العقل والحضارة الغربية، ولما أصاب المدينة أثناء الحرب العالمية الأولى، وهي فن الرأسمالية والتصنيع المتزايد في السرعة وفن اللامعقول وأدب التكنولوجيا، ويتساءل "محمد مصطفى بدوي" بقوله: "فأين نحن العرب من هذه الأشياء؟ متى كانت الواقعية والعقلانية والتصنيع الشامل والتكنولوجيا الحديثة هي السمات الغالبة في مجتمعاتنا في يوم من الأيام"[16].

ترى هل بدأت الحداثة في الأربعينيات وتطورت في الخمسينيات، وما تلاها، سواء لدى رواد الشعر الحر في العراق، أم حركة شعر في لبنان، وإن كانت هذه هي الحداثة تاريخيًّا، فلا ريب أنَّ هناك فجوة بين الواقع العربي والحداثة العربية، بمعنى أنَّ الحداثة ليست تعبيرًا عن واقع معاش، فهي سابقة للواقع ومتقدمة عليه عند من يحسنون الظن، أو إنها صورة للحداثة الغربية ونسخ لها عند من يسيئون الظن، ويعم التصور الأخير ما يذهب إليه محمد عابد الجابري في أثناء تعرضه للخطاب العربي الحديث، من أنَّ المفاهيم الموظفة فيه مستقاة كلها إمّا من الماضي العربي الإسلامي، وإما من الحاضر الأوربي؛ إذ تدل تلك المفاهيم في كلتا الحالتين على واقع هو ليس الواقع العربي الراهن، بل هو واقع معتم غير محدد، ومستنسخ، إما من صورة الماضي وإما من صورة الغرب ـــ المستقبل، المأمول[17].

إذن هناك طريقان للتحدث عن الحداثة، أولهما: معياري يحدد للحداثة طبيعتها ووظيفتها وملامحها، من منظور نظري بحت، ويستقى مكوناتها من التراث نادرًا، ومن الآخر غالبًا، بمعنى أن أصحاب النظرية المعيارية لا يأخذون المصطلح " الحداثة " من الآخر، بأن يتبنون دلالاته، على الرغم من أننا لم ننتج المصطلح ولم نحدد ماهيته، وكأن الحداثة هنا مفهوم مطلق تصدق معياريته على كل حداثة عربية أو غيرها، آنية أو قديمة أو آتية، وهي على كل حال ترجع إلى مركزية أوربية، أي مركزية مفهوم الحداثة وهو مفهوم نتاج واقع اجتماعي وفكري وسياسي وإيديولوجي محدد، ومن الجدير بالذكر إنَّ مفهوم الحداثة عند الآخر ليس وليد تصورات معيارية مسبقة، كما نفعل نحن، وإنما هو وليد عملية جدلية بين الواقع والحداثة، ومن ثم فإن مفهوم الحداثة يتجدد على الرغم من تعددية دلالاته في ضوء استقراء منتجات مادية وذهنية على السواء.

وثانيهما: وصفي، وهو أقل ظهورًا، أي أنه يحدد للحداثة مفهومًا في ضوء استقراء النصوص الحداثية، ومحاولة الكشف عن خصائصها وسماتها، غير أنَّ معضلًا يعترض هذه المحاولة يكمن في تحديد النصوص الحداثية، وكأن التحديد الوصفي لا بدَّ له من أسس معيارية، وإذا كانت المشكلة محسومة لدى أصحاب التيار الأول؛ لأنهم يستقون المفاهيم والتصورات بوصفها موجودات ثابتة أو متغيرة من حضارة أخرى، فإن أصحاب التيار الثاني يعانون من مشكلتين، أولاهما: لها طابع معياري يسهم في تحديد طبيعة النصوص الأدبية الحداثية، ومن ثم وصفها والكشف عن خصائصها، فهم يقومون بعملية مزدوجة تتردد بين المعيارية والوصفية.

وكلا التيارين يصدر في تحديده لمفهوم الحداثة في ضوء موقفه من اللاحداثة وبمقدار تحدد الأخيرة ـــ اللاحداثة ــــ يمكن فهم الحداثة والولوج إلى عوالمهما المختلفة وإن دراستهما غير مستقلة عن سياقات عديدة تراثية من ناحية، واجتماعية وتاريخية من ناحية أخري، إنَّ تأكيدي على التراث له ما يبرره؛ لأننا نعيش تراثنا بكيفيات متعددة تتفاوت في طبيعتها ووظيفتها، أي من التلقي السلبي للتراث إلى رفضه المطلق، أو نظرة تلفيقية بين النظرتين السلبية والرافضة، إنَّ وعي التراث يسهم في تحديد الجانب الأكبر من هويتنا المعاصرة، ويحدد أيضا موقفنا من الآخر.

ويبدو أنَّ مصطلحي الحداثة واللاحداثة يختلطان بمصطلحات ومفاهيم أخرى؛ إذ يعلي دارس من اللاحداثة ويعدها أصالة، ولا بد من التشبث بها، لأنَّ وجودنا الحضاري الآني مقترن بها، وأن هويتنا الثقافية لا وجود لها إلا بها، في حين تبدو اللاحداثة عند آخرين أمرًا مرفوضًا وممجوجًا على صعد مختلفة، أيديولوجية وفكرية واجتماعية وإبداعية، إنَّ اللاحداثة عند النمط الأول تتميز بثباتها واستقرارها وديمومتها وإطلاقها في كل زمان ومكان، بينما هي لدى النمط الآخر متخلفة ورجعية، إنها تعبر عن واقع اجتماعي مندثر، وإن إعادتها إلى الحياة أو محاولة فرضها كمن يحاول إيقاظ ميت، وحين يخفق في ذلك يحاول حمل هيكله العظمي معبّرًا عن حضوره أو تجدده.

***

د. كريم الوائلي

......................

[1]  يُنظر: كتابنا: تناقضات الحداثة العربية، دار قناديل، بغداد، 2024، ص 95، وما بعدها.

[2]  نشر اصل هذا البحث في مجلة الفصول الأربعة الليبية، العدد 93، 200 م.

[3] محمد برادة، اعتبارات نظرية لتحديد مفهوم الحداثة، مجلة فصول العدد 3، 1984 ،ص 12.

[4] أدونيس، صدمة الحداثة، ص ،10.

[5] نفسه.

[6] أدونيس، صدمة الحداثة، ص 10.

[7] محمد عابد الجابري، ندوة مجلة فصول العدد 3 ،1984، ص 213.

[8] ادونيس، صدمة الحداثة، ص 258.

[9] خالدة سعيد، الملامح الفكرية للحداثة، مجلة فضول العدد 3، 1984 ص 25.

[10] نفسه.

[11] نفسه.

[12] خالدة سعيد، الملامح الفكرية للحداثة، ص 26.

[13] نفسه، ص 27.

[14] محمد مصطفى بدوي، مشكلة الحداثة والتغيير الحضاري في الأدب العربي الحديث، مجلة فصول العدد  3، 1984 ص، 104.

[15]محمد مصطفى بدوي، مشكلة الحداثة والتغيير الحضاري في الأدب العربي الحديث، ص 104.

[16] نفسه، ص 105.

[17] محمد عابد الجابري، أزمة الإبداع في الفكر العربي المعاصر، مجلة فصول العدد 3 ،1984م، ص 109.

 

"قد تكون النزعة الإنسانية مخبأة لنزعة انسانية أخرى".

يعتبر دومينيك ليكور فيلسوفًا فرنسيًا بارزًا في مجال فلسفة العلوم، اشتهر بتحليلاته النقدية لتطور الفكر العلمي وعلاقته بالمجتمع. تأثر ليكور بشدة بفلسفة غاستون باشلار، خاصة مفهوم "المادية العقلانية"، لكنه طوّر مقاربة خاصة تمزج بين تحليل الخطاب العلمي والسياقات الاجتماعية والسياسية. تتناول هذه الدراسة أفكار ليكور في سياق المادية الباشلارية، مع التركيز على إسهاماته في فلسفة العلوم والمجتمع، من خلال مقاربة معرفية نقدية تستعرض نقاط التقاطع والاختلاف مع باشلار، وتفحص دوره في نقد الايديولوجيات العلمية، فماهي الخلفية الفلسفية التي ينطلق منها دومينيك ليكور في بناء المعرفة العلمية؟

1. المادية الباشلارية كإطار نظري

مفهوم المادية العقلانية عند باشلار:

قدم غاستون باشلار (1884-1962) مفهوم "المادية العقلانية" كإطار يجمع بين العقلانية العلمية والتجريبية. رأى أن العلم يتقدم عبر "قطائع معرفية" تفصل المعرفة العلمية عن المعرفة العامية أو الخيالية. لقد أكد باشلار على أهمية التاريخية في العلم، حيث يتطور المفهوم العلمي عبر التغلب على "العوائق المعرفية" الناتجة عن الأفكار المسبقة أو التصورات غير العلمية. كما دعا في كتابه التكوين العقلي للعلم (1938) إلى تحليل نفسية العلماء ودور الخيال في دفع الإبداع العلمي.

تأثير باشلار على ليكور:

تبنى ليكور فكرة القطيعة المعرفية، لكنه وسّعها لتشمل السياقات الاجتماعية والسياسية. في كتابه الليسينكوية (1976)، حلل كيف يمكن للايديولوجيا أن تعيق التقدم العلمي، مستلهمًا منهج باشلار النقدي.

على عكس باشلار الذي ركز على البعد المعرفي، اهتم ليكور بتأثير العوامل الخارجية (مثل السلطة السياسية) على تطور العلم.

2. دومينيك ليكور وفلسفة العلوم

إسهامات ليكور:

في كتابه من أجل نقد الايبستمولوجيا ( 1974)، نقد ليكور النزعات الوضعية في فلسفة العلوم، التي ترى العلم كتطور خطي ومحايد. رأى أن العلم ليس معزولًا عن السياقات الاجتماعية والتاريخية.

قدم ليكور تحليلًا لتاريخ العلم يركز على "المشكلات" بدلًا من النظريات المعزولة، معتبرًا أن العلم يتطور عبر إعادة صياغة الأسئلة في سياقات جديدة. في كتاب الليسينكوية، فحص حالة تروفيم ليسينكو، العالم السوفييتي الذي فرض نظريات بيولوجية مدفوعة بالايديولوجيا الستالينية، كمثال على كيفية تشويه العلم بتأثير السلطة السياسية.

المنهج النقدي:

استخدم ليكور منهجًا ماركسيًا معدلًا، مستلهمًا من لوي ألتوسير، لتحليل العلاقة بين العلم والايديولوجيا. رأى أن العلم ليس مجرد إنتاج معرفي، بل هو ممارسة اجتماعية تخضع لتأثيرات السلطة والطبقية.

نقد التصورات المثالية للعلم، مثل تلك التي قدمها كارل بوبر، معتبرًا أنها تتجاهل السياقات المادية والاجتماعية التي تشكل المعرفة العلمية.

3. العلوم والمجتمع عند ليكور

العلاقة بين العلم والايديولوجيا:

رأى ليكور أن العلم، رغم طابعه العقلاني، يمكن أن يُستخدم كأداة ايديولوجية. في حالة ليسينكو، أظهر كيف فرضت الايديولوجيا السياسية نظريات بيولوجية غير علمية، مما أدى إلى كارثة زراعية في الاتحاد السوفييتي.

دعا إلى فصل الممارسة العلمية عن التأثيرات الايديولوجية، مع الإقرار بأن العلم لا يمكن أن يكون محايدًا تمامًا بسبب ارتباطه بالمجتمع.

دور العلم في المجتمع:

في كتابه الطبقة العاملة والمعرفة (1979)، ربط ليكور بين تطور العلم والصراعات الاجتماعية، معتبرًا أن العلم يمكن أن يخدم مصالح طبقية معينة إذا لم يخضع لنقد دائم.

دعا إلى "ايبستمولوجيا نقدية" تراقب العلاقة بين العلم، السلطة، والمجتمع، مع الحفاظ على استقلالية الممارسة العلمية.

4. مقاربة معرفية نقدية: ليكور مقابل باشلار

نقاط التقاطع: كلاهما أكد على القطيعة المعرفية كآلية للتقدم العلمي. باشلار ركز على القطيعة بين المعرفة العلمية والخيالية، بينما وسّع ليكور المفهوم ليشمل القطيعة مع الايديولوجيا.

كلاهما دافع عن العقلانية العلمية، لكن مع الاعتراف بدور الخيال (باشلار) أو السياق الاجتماعي (ليكور) في تشكيل المعرفة.

نقاط الاختلاف: التركيز المعرفي مقابل الاجتماعي: ركز باشلار على البنية الداخلية للمعرفة العلمية (مثل العوائق المعرفية)، بينما اهتم ليكور بالعوامل الخارجية (السياسة، الايديولوجيا، السلطة).

المنهج التاريخي: باشلار حلل تاريخ العلم كتطور داخلي للمفاهيم، بينما رأى ليكور أن التاريخ العلمي متشابك مع التاريخ الاجتماعي والسياسي.

العلاقة بالماركسية: تبنى ليكور منظورًا ماركسيًا معدلًا (تأثرًا بألتوسير)، بينما كان باشلار أقل اهتمامًا بالتحليل الاجتماعي-السياسي.

نقد ليكور لباشلار: رأى ليكور أن نهج باشلار، رغم أهميته، يفتقر إلى تحليل العوامل الاجتماعية التي تشكل العلم. على سبيل المثال، لم يتناول باشلار كيف يمكن للسلطة السياسية أن تعرقل التقدم العلمي، كما في حالة ليسينكو.

5. تحليل نقدي: إسهامات ليكور وحدوده

االإسهامات: أسهم ليكور في إعادة تعريف فلسفة العلوم كمجال يتجاوز التحليل المنطقي إلى فحص السياقات الاجتماعية والسياسية.

قدم مفهوم "الايبستمولوجيا النقدية"، الذي يدعو إلى مراقبة العلم كممارسة اجتماعية دون التقليل من طابعه العقلاني.

نقده للايديولوجيا في العلم (مثل الليسينكوية) قدم درسًا تاريخيًا حول مخاطر تدخل السياسة في الممارسة العلمية.

الحدود: تركيزه المفرط على الايديولوجيا قد أدى إلى إغفال بعض الجوانب الداخلية لتطور العلم، مثل ديناميكيات المفاهيم العلمية التي أكد عليها باشلار.

تأثره بالماركسية جعل بعض تحليلاته منحازة إلى تفسيرات طبقية، مما قد يقلل من شمولية مقاربته.

لم يقدم ليكور نموذجًا منهجيًا واضحًا لتطبيق "الايبستمولوجيا النقدية" في دراسة العلوم المعاصرة، مما جعل أفكاره نظرية أكثر منها عملية.

خاتمة

يمثل دومينيك ليكور امتدادًا نقديًا لفلسفة غاستون باشلار، حيث وسّع مفهوم المادية العقلانية ليشمل البعد الاجتماعي والسياسي للعلم. من خلال تحليله لعلاقة العلم بالايديولوجيا والمجتمع، قدم ليكور إطارًا لفهم العلم كممارسة تاريخية واجتماعية، وليس مجرد نشاط عقلي محايد. ومع ذلك، فإن تركيزه على الايديولوجيا قد قلل من أهمية الجوانب الداخلية لتطور العلم. مقاربته النقدية تظل ذات قيمة في تحليل العلوم الحديثة، خاصة في سياقات تتداخل فيها السلطة والمعرفة. تطبيق منهجه على العلوم العربية الإسلامية يمكن أن يكشف عن ديناميكيات مماثلة بين العلم والمجتمع في تلك الحقبة، مؤكدًا على أهمية السياق الحضاري في تشكيل المعرفة. فكيف يمكن الاستفادة من مقاربة ليكور المعرفية النقدية من اجل اعادة قراءة التراث العلمي عند العرب والمسلمين؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...................

المراجعدومينيك ليكور، من أجل نقد الايبستمولوجيا (1974).

دومينيك ليكور، الليسينكوية (1976).

غاستون باشلار، التكوين العقلي للعلم (1938).

لوي ألتوسير، من أجل ماركس (1965).

ماري تيليز، فلسفة العلوم في القرن العشرين (ترجمة عربية، 2000).

أن عدم الكمال الفلسفي* يشير إلى استحالة تحقيق الكمال في الوجود البشري.  المعنى الفلسفي العميق لفكرة (عدم الكمال) التي تتجاوز مجرد العيوب الظاهرة يشير إلى فكرة أن أنظمة الفكر البشريّ (الفلسفة، الأخلاق، المنطق، المعرفة) لا يمكن أن تصل إلى الكمال أو الاكتمال المطلق. الانسان غير قادر على الإحاطة بجميع الحقائق أو إدراك الحقيقة الكاملة لأي موضوع (ميتافيزيقي، أخلاقي، علمي) كل نظام فكريّ يحمل داخله تناقضات أو فجوات لا يمكن سدّها، المعرفة البشرية قائمة على السياق الثقافي والتاريخي والخبرات الذاتية، وبالتالي فهي غير مطلقة كما قال نيتشه لا وجود لحقائق، بل تأويلات فقط. قانون عدم الكمال يعتمد على عدة مبادئ فلسفية تساعد على فهم وتقبل عدم الكمال في الحياة والفشل هو جزء طبيعي من الحياة علينا أن نتقبل أن الأخطاء والتجارب السلبية تعد فرصًا للتعلم والنمو، العقلانية مهمة، لكن أيضا يجب أن نسمح للعواطف بالتعبير عن نفسها بجانب التفكير المنطقي، كل شخص يسير في طريق مختلف والتركيز هو على التقدم الشخصي كون الحياة مليئة بالتغيرات. الطبيعية الموضوعية لن تسير دائمًا كما نريد، وأن التكيف مع التغييرات جزء من النمو، تطبيق هذه المبادئ يمكن أن يساعد في تقبل عدم الكمال، مما يؤدي إلى حياة أكثر توازنًا وسعادة.

التراث السردي في الشرق الأوسط عدم الكمال الفلسفي

في التراث السردي الشرق الأوسط، يمكن أن نجد عدة أسباب لعدم وجود مكان واضح عدم الكمال الفلسفي، الكثير من القصص والأساطير تتسم بالتأكيد على الكمال كقيمة مثالية. الأبطال غالبًا ما يُصوّرون على أنهم مثاليون، مما يُعزز فكرة الكمال كهدف يجب السعي إليه، رغم ان في العديد من الديانات، تعتبر الكمال صفة إلهية. وبالتالي، يُنظر إلى البشر ككائنات غير كاملة، لكن فكرة السعي نحو الكمال هو واجب ديني، القصص تميل إلى التركيز على الأحداث البطولية والتجارب الفريدة، مما يغفل الجوانب الإنسانية العادية، مثل الفشل أو الضعف، المجتمعات التقليدية غالبًا ما تضع توقعات عالية على الأفراد، مما يؤدي إلى ضغط اجتماعي لتحقيق الكمال في الأداء والسلوك، الرموز والأساطير في التراث الشرق اوسطي غالبًا ما تتسم بالتمجيد والكمال، مما يجعل من الصعب قبول عدم الكمال كجزء من التجربة الإنسانية .بعض الفلاسفة في التراث الشرقي يرون أن السعي نحو الكمال هو جزء من تحقيق الذات، مما يجعل من الصعب قبول عدم الكمال كفكرة ،هذه العوامل تجعل من الصعب قبول مفهوم عدم الكمال في التراث السردي الشرقي ، حيث يتم تفضيل الكمال كمثل اعلى وقيمة مرجعية.  التركيز على الكمال في السرديات يؤثر بشكل كبير على عدة جوانب منها تقديم شخصيات مثالية يخلق توقعات غير صحيحة لدى الجمهور، مما يجعلهم يشعرون بالضغط لتحقيق مستوى مشابه من الكمال في حياتهم، التركيز على الكمال يمكن أن يؤدي إلى تجاهل الجوانب الإنسانية والعيوب التي تجعل الشخصيات أكثر واقعية وعمقًا. السرد الذي يركز على الكمال يقلل من تنوع الشخصيات والقصص، حيث يتم تفضيل النماذج المثالية على التجارب الإنسانية المتنوعة ،كما يعزز فكرة ان السرد القائم الفشل غير مقبول، مما يؤدي إلى الشعور بالقلق وعدم الأمان لدى الأفراد الشخصيات التي لا تتعرض الى الصراعات ، مما يجعل القصة أقل تأثيرًا ،التركيز على الكمال يمكن أن يؤدي إلى عقلانية مفرطة، حيث يُعتقد أن النجاح يتطلب تخطيطًا دقيقًا وتحليلًا صارمًا، مما يغفل أهمية العواطف والحدس، ان تحقيق توازن بين تقديم النماذج المثالية والاعتراف بالعيوب الإنسانية يجعل القصص أكثر واقعية وتأثيرًا.

وجهات نظر ثقافية

تتباين وجهات النظر الثقافية حول عدم الكمال بشكل كبير، وتظهر في عدة مجالات في الفلسفة الشرقية. منها التي تركز على قبول الطبيعة غير الكاملة للأشياء ،اما في الفلسفة الغربية تركز أكثر على السعي للكمال، مع وجود بعض التوجهات التي تعترف بضرورة الفشل كجزء من التجربة الإنسانية الفنون اليابانية مثل (الكينتسوجي) تعود أصول الكينتسوجي إلى القرن الخامس عشر في اليابان، وقد تطورت لتصبح رمزًا ثقافيًا يعبر عن تقدير الجمال في ما هو غير كامل، تعزز الجمال في الأشياء المكسورة، وتعتبر العيوب علامات على التاريخ والقيمة، ولكن هناك أيضًا توجهات حديثة تعترف بجماليات العيوب مثل البوذية، التي  تشجع على قبول الحياة كما هي، بما في ذلك عيوبها رغم انها تركز على الخلاص والكمال، مما يمكن أن يجعل قبول العيوب أمرًا أكثر تعقيدًا، التركيز على النجاح الشخصي، يمكن أن يؤدي إلى ضغط كبير لتحقيق الكمال، بعض المجتمعات التقليدية تعزز من قيمة العيوب كجزء من الهوية الثقافية، مما يعكس تجارب الحياة اليومية، لكنها تكون أكثر قلقًا حول الصورة العامة والنجاح، مما يجعل قبول العيوب أكثر صعوبة. تظهر وجهات النظر الثقافية حول عدم الكمال تنوعًا كبيرًا، مما يعكس كيفية تأثير القيم والمعتقدات الاجتماعية والدينية على فهم الإنسان لنفسه ولتجاربه. فهم هذه الاختلافات يمكن أن يسهم في تعزيز التعاطف والقبول عبر الثقافات. تتشابك الفلسفات لتشكل نظرة شاملة حول عدم الكمال في الثقافات التي تجمع بين التأثيرات الشرقية والغربية. تسهم هذه الفلسفات في تعزيز تقبل العيوب وفهمها كجزء من التجربة الإنسانية.

قانون عدم الكمال والتشتت الايديولوجي

قانون عدم الكمال والتشتت الأيديولوجي يشير إلى فكرة أن المجتمعات التي تتسم بالتنوع الطائفي أو الإيديولوجي غالبًا ما تواجه تحديات في تحقيق الوحدة والانسجام.  عدم الكمال يشير إلى أن أي نظام أو مجتمع لا يمكن أن يكون مثاليًا أو كاملًا بسبب الاختلافات والتنوعات الموجودة فيه، التشتت الأيديولوجي يعني وجود مجموعة من الأفكار والمعتقدات المختلفة التي تؤدي إلى صراعات أو تباينات بين الفئات المختلفة داخل المجتمع، يمكن أن يؤدي هذا التشتت إلى عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، حيث تتباين المصالح والأهداف بين الجماعات المختلفة، التنوع القبلي له تأثير كبير على قانون عدم الكمال والتشتت الطائفي.  يؤدي التنوع القبائلي إلى تعزيز الهوية الفردية والجماعية، مما يساهم في تعزيز الفروقات بين الجماعات وقد تنشأ صراعات بين القبائل المختلفة، خاصة إذا كانت هناك موارد محدودة أو تباينات في المصالح مع وجود ولاءات متعددة (للقبيلة، للطائفة، للوطن)، ويصبح من الصعب تحقيق توافق في الآراء، مما يزيد من حالة عدم الكمال والتشتت في التنوع الثقافي الناتج عن القبائل المختلفة الذي يؤدي إلى سوء الفهم أو التوترات إذا لم يتم احترام هذه الفروقات.

الدوافع وراء التشتت الايديولوجي

قانون عدم الكمال يشير إلى أن الدوافع وراء التشتت الأيديولوجي والطائفي منها البحث عن السلطة، وبشكل خاص سلطة القبيلة. في المجتمعات المتنوعة، يمكن أن تكون هناك تنافسات بين القبائل على الموارد والسلطة، مما يؤدي إلى عدم الاستقرار والصراعات هذا التنافس يزيد من حالة عدم الكمال، حيث تعمل كل قبيلة على تعزيز مصالحها الخاصة، مما يؤثر سلبًا على الوحدة والتماسك الاجتماعي. لذلك، تتداخل الدوافع القبلية مع قانون عدم الكمال، حيث تسهم في تعزيز الانقسامات والتباينات الأيديولوجية.

التشتت الأيديولوجي في الشرق الاوسط

الشرق الأوسط يتسم بتنوع هائل في الهويات الثقافية والدينية والعرقية، مما يؤدي إلى تناقضات وصراعات أيديولوجية، تختلف الأنظمة السياسية في المنطقة بين الملكيات، الجمهوريات، والأنظمة العسكرية، مما يساهم في عدم الاستقرار، تلعب القوى الكبرى دورًا في تعزيز الفوضى من خلال التدخلات العسكرية أو السياسية، مما يزيد من تعقيد الأوضاع ،تعتمد العديد من دول الشرق الأوسط على النفط كدخل رئيسي، مما يؤدي إلى ضعف تنمية القطاعات الأخرى ويخلق فجوات اجتماعية ،الصراعات الإقليمية والدولية، تؤدي إلى عدم الاستقرار وتشتت الجهود التنموية ،في غياب الحوار الفعّال بين مختلف الفصائل السياسية والدينية تتعمق الفجوة هذه العناصر مجتمعة تساهم في خلق حالة من التشتت الأيديولوجي وعدم الكمال في مختلف جوانب الحياة في الشرق الأوسط.

***

غالب المسعودي – باحث عراقي

.........................

* إنَّ الربط بين مفهوم فلسفي عميق مثل "عدم الكمال" والأزمات الجيوسياسية المعقدة التي يعاني منها الشرق الأوسط، يفتح بابًا لتشخيص يتجاوز التحليلات السياسية والاقتصادية المعتادة، ليغوص في البنى الفكرية والنفسية التي تشكل الواقع.

* نقد العقل المحض" لكانط (أساس لفهم حدود المعرفة)

* هكذا تكلّم زرادشت" لنيتشه (نقد لفكرة الحقائق المطلقة)

بتاريخ 24 فبراير 2025 نشرت مجلة ايون Aeon وهي مجلة رقمية تهتم بقضايا الفكر والفلسفة والثقافة، بحثا هاما للبروفيسور اندرو مارش(1) حول حق الدولة في الوجود، سنتطرق بالتفصيل لهذا المقال.

ان الحاجة للاعتراف بحق الدولة في الوجود يتردد صداها في صفحات الرأي وفي غرف لجان الكونغرس الامريكية. هذه الطلبات برزت باستمرار في سياق اسرائيل وتأطير حربها مع الفلسطينيين والقوى الاقليمية الاخرى. القوة البلاغية للسؤال واضحة. اذا كانت اسرائيل تواجه تحديا لـ "حقها في الوجود" عندئذ فان انتقاد الاعمال العسكرية لإسرائيل يجب ان يبقى صامتا ومقيدا. هذا التأطير يتضمن ايضا فرضية ان الدول الموجودة لديها حق مفترض في الوجود، او ان انكار حق الدولة (س) او (ص) بالوجود هو منبوذ أخلاقيا لأنه لا يتضمن حلا قانونيا للدولة وانما تدمير للشعب الذي يعيش فيها. هذا التأطير قد يبدو وكأنه محض خطاب سياسي لا يهدف الى اثارة استجابة او نقاش جاد. انه قُصد به ان يسبق أي نقاش عام حقيقي حول اسرائيل/فلسطين الماضية والحالية. مع ذلك، الحاجة للاعتراف بحق الدولة في الوجود يثير سؤالا فلسفيا واقعيا لكنه مُتجاهلا: ماذا نعني بالضبط عندما نقول حق الدولة في الوجود؟

يجب ملاحظة ان القول "الدولة (س) لها الحق في الوجود" لا يشبه القول "ان مواطني الدولة (س) لهم الحقوق التالية" – حق الحياة، حقوق مدنية وانسانية، ازدهار ثقافي. الإدّعاء يؤكد على ان حيازة الحق تقع في الدولة ذاتها، علاوة على ذلك، انه لا يؤكد على حق السلطة المشتقة (الضرائب وفرض القوانين والسيطرة على الحدود) وانما على الحق السابق في الوجود ذاته. هل هذا ادّعاء متماسك يمكن التمسك به لمصلحة أي دولة؟

الدول تأتي الى الوجود وتخرج منه في كل الاوقات. هذه قائمة ليست كاملة للدول التي وُجدت منذ الحرب العالمية الثانية ولم تعد موجودة: تشيكوسلوفاكيا، يوغسلافيا، الاتحاد السوفيتي، اليمن الجنوبي، فيتنام الجنوبية، غرب وشرق المانيا، الجمهورية العربية المتحدة. كلما عدنا اكثر الى الوراء، سنجد الكثير من الدول المنحلّة: الرايخ الثالث، الامبراطورية العثمانية، بروسيا، الامبراطورية النمساوية المجرية، الامبراطورية الروسية، الكومنولث البولندي الليتواني، الامبراطورية الرومانية المجيدة وهكذا. دول اخرى لاتزال موجودة تحت نفس الاسم لكنها تقلصت ولم تعد تحكم نفس الاقليم (كما في باكستان والسودان).

وهكذا اذا كانت عبارة "الدولة (س) لها الحق في الوجود" تعني "اذا الدولة (س) كانت قد وُجدت ولم تعد موجودة، فهناك ظلم وقع تجاه الدولة (س)، ومن ثم فان ذلك يعني ان هناك ظلم او لاعدالة وقع على تلك الدول المعنية، لأنها لم تعد موجودة. يرى الكاتب ان هناك اليوم القليل يؤمن بان حل تشيكوسلوفاكيا، والاتحاد السوفيتي، ويوغسلافيا او الجمهورية العربية المتحدة تضمّن انتهاكا لحق تلك الدول ذاتها في الوجود. الفكرة بان الدول هي كيانات او اشخاص لهم حقوق في الوجود منفصلة عن حقوق الاشخاص الذين يعيشون ضمن تلك الدول تبدو فكرة لا يمكن تبريرها او الدفاع عنها. الدول عادة تأتي وتخرج من الوجود دون أي ظلم يحدث للناس أصحاب الشأن. يتبع ذلك ان حق الدولة (س) في الوجود ليس بالضرورة بغيض أخلاقيا.

ان المطالبة بالاعتراف بحق الدولة في الوجود هو ليس نفس المطالبة "كل الاشخاص لهم الحق في العيش تحت حكم الدولة". المطالبة هي ان دولة معينة، ذات هوية محددة، لها الحق في الوجود. متى توجد مثل هذه الدولة؟ وكيف نستطيع التمييز بين الادّعائين: (س) "اشخاص لهم الحق ليعيشوا في ظل الدولة" و(ص) "دولة معينة ذات هوية محددة لها حق الوجود"؟

الدولة هي جهاز اداري سيادي يحكم أراضي معينة، يسيطر على الدخول والخروج من الاقليم، ويحوز على سلطة عليا ضمن ذلك الاقليم. ولكن ما المقصود بالدولة التي لها هوية محددة بحيث يمكن ان يُحكم نفس الشعب والاقليم من جانب دول مختلفة في اوقات مختلفة؟ الدول لها علامات لهوية متميزة، مثل أسماء وأعلام. لكن الدول هي ايضا تُعرّف من خلال مؤسساتها – ليس فقط المسائل التقنية للتنظيم وتقسيم السلطات وانما الطريقة التي تمثّل بها الدول سكان معينين وتعبّر عن هويات معينة، قيم وأهداف وتوزيع عضوية وحقوق وتمثيل.

من السخف الادّعاء ان ملكية بوربون الفرنسية وجمهورية فرنسا كانتا نفس الدولة

تتوقف الدول عن الوجود من خلال تغييرات هامة كافية في أي من هذه المظاهر الاساسية لهويتها المحددة: الأراضي والسكان الذين تحكمهم، وايضا نظامهم المؤسساتي الاساسي او نوع النظام. المثال الذي نطرحه واضح جدا. أجهزة دولة سيادية معينة ذات أسماء محددة ومؤسسات لم تعد تحكم اراضي معينة، وان اسماء تلك الدول السابقة اُزيحت من الخارطة. في بعض الحالات، كامل الجهاز الاداري السابق جرى تفكيكه واستبداله.

هذا يصعب رؤيته في حالات تغيير النظام عندما لم تتغير جوهريا الارض المحكومة من جانب الدولة. لكن يمكن القول انه، في عدة حالات من الثورات العميقة بما يكفي، من غير المعقول القول ان نفس الدولة تحكم الاقليم والسكان قبل وبعد التحول. انظر في معظم الحالات الواضحة: انجلترا عام 1649، فرنسا عام 1789، الصين عام 1911 ومرة اخرى في عام 1949، روسيا عام 1917 وايران عام 1979. في كل هذه الثورات، بقيت الارض والشعب بدرجة أقل او أكثر هم ذاتهم، بالاضافة الى الاسم الشائع للبلد، على الاقل في زمن الثورة ذاته. لكن تغيير النظام في هذه الحالات النموذجية كان معظمه كليا في مستوى الايديولوجية، الشرعية، الادارة وتنظيم السلطة. يبدو من السخف الاعلان ان ملكية بوربون وجمهورية فرنسا كانتا نفس الدولة. بالتأكيد، لو كان الملكيون طالبوا الاصلاحيين او الثوريين بين 1789-92 الاعتراف بحق الدولة في الوجود، فان ما يقصدونه ليس دولة فوق اراضي فرنسا وانما الملكية بالذات.

الان لننظر في حالتين اخريين: زيمبابوي حوالي 1980 وجنوب افريقيا بين 1993-97. من عام 1965-79، وُجدت روديسيا (مع عدم اعتراف دولي) في نفس الاراضي وبنفس السكان كما زمبابوي منذ 1980. ومع نهاية الكولنيالية وظهور نظام ما بعد الكولنيالية، كانت هناك استمرارية في الاقليم والسكان. لكن هناك تغييرا في الاسم بالاضافة الى مؤسساتها الاساسية والاساس الاخلاقي. ونظرا لعمق هذا التحول، لذا يمكن اعتباره اكبر ادّعاء معقول بان روديسيا لم تعد كدولة، وان روديسيا وزمبابوي ليستا نفس الدولة.

اسم جديد يجعل من السهل رؤية التحول لكن تغيير الاسم هو عرض وليس عامل مقرر حقيقي. بين 1916-93، وُجدت جمهورية جنوب افريقيا (تحت مؤسستين متميزتين) كدولة ذات مواطنين واقليم محدد. بالطبع، هذه كانت عقود من الفصل العنصري. في عام 1993، كجزء من التحول من الفصل العنصري، تبنّت جمهورية جنوب افريقيا دستورا انتقاليا غيّر جوهريا الاساس العرقي للنظام السياسي، متبنيا دستور دائم في عام 1996 على اساس مساواة عرقية.

هل الدولة التي وُجدت في جنوب افريقيا بين 1961-93 لم تعد موجودة مع تبنّي دستور جديد ومساواة عرقية؟ من جهة، كانت هناك استمرارية في الاقليم والسكان والاسم بين 1961-93 وبين 1993 حتى الحاضر. كيان سمي، جمهورية جنوب افريقيا لم يتوقف عن الوجود ابدا. هناك بالتأكيد بعض الاستمرارية في الجهاز الاداري والنظام الاجتماعي. مع ذلك، نعتقد من الخطأ القول ان الدول التي وُجدت بين 1961-93 وبين 1993- حتى الان هي نفس الدولة. بالتأكيد، اذا كان نظام الفصل العنصري عرض اطلاق سراح نيلسون ماندلا من السجن بشرط ان يعترف هو والمؤتمر الوطني الافريقي ANC"بحق جنوب افريقيا بالوجود"، فان المقصود ليس دولة على اقليم جنوب افريقيا وانما النظام القائم.

بكلمة اخرى، هوية دولة معينة تتشكل الى مدى كبير بواسطة نظامها. الدولة تغير وجودها من خلال تغيير عميق وكافي في جوهرها (نظامها). مختلف موجات التحولات الديمقراطية من الفاشية او الانظمة الشيوعية وفق هذه الرؤية انهت الدول السابقة وخلقت دولا جديدة. حتى عندما سميت دول مثل رومانيا، بلغاريا، هنغاريا، او البرتغال هي استمرت بالوجود، وان الدولة المحددة التي تحكم تلك الاقاليم والناس قد تغيرت. اذا كان ما تقدم من امثلة معقولا، فان الدعوة الى عدم وجود دولة ما غالبا ما تكون دعوة الى تغيير النظام وليس الى الإضرار بمجموعة سكانية محددة. في الحقيقة، في الغالب تكون دعوة لتحرير اولئك السكان.

وهكذا فان الدول يمكن ان تختفي في عملية إعادة بناء بدون عمل ضار او إيذاء. دعونا نسمي هذا "تدمير غير ضار لدولة". لكن من الواضح ليس كل تحوّل، تحطيم، حل او اعادة تركيب للدولة هو بلا أذى. ربما، مع الاخذ بالاعتبار كل شيء، استمرار وجود دولة معينة هو أفضل حالة اخلاقية. اذا كان الامر هكذا، هل نستطيع تحديد الظروف التي يصبح بها للدولة الحق في الوجود؟ لكي نجيب على هذا السؤال، علينا اولاً توضيح ماذا نعني بـ "الحق".

احدى النظريات السائدة حول معنى الحق هي، نظرية مصلحة الحقوق the interest theory of rights، جرى عرضها بالتفصيل من جانب الفيلسوف راز Raz. يعرض راز التعريف التالي للحق: "(س) لها حق" فقط عندما يمكنها امتلاك حقوق، وبثبات الاشياء الاخرى، مظهر رفاهية (س) (مصلحتها) هي سبب كافي لإعتبار بعض الاشخاص الاخرين تحت الواجب". هذا يعطينا العناصر المفاهيمية لحديث الحقوق: للتحدث عن الحق، نحن نحتاج لتوضيح: (1) اي طرف نحن على ارتباط به، (2) اي مصلحة لذلك الطرف هي هامة ولماذا هي هامة جدا وذات وزن كبير، (3) اي اطراف اخرى هي في موقع التأثيرعلى تلك المصلحة ايجابا او سلبا، و(4) اي انواع الواجبات التي تخضع لها الاطراف الاخرى. لكن هذه كلها تخلق اسئلة ومشاكل بدلا من التأسيس ببساطة لماهية الحقوق.

ان فكرة امتلاك الدولة لحق الوجود يثير مأزقين اثنين: اولا، هل الدولة شيء يمكن ان تمتلك حقوقا وهل مصلحة الدولة او رفاهيتها هي العامل الملائم أخلاقيا في وجودها؟ ثانيا، والاكثر اهمية، اي الاطراف الاخرى تحديدا يُعتقد انها تحت الواجب للاعتراف بوجودها وماذا يتطلب ذلك الواجب منهم؟

يرى أي شخص عدى الفوضويين، بانه يمكن للدول بوضوح امتلاك حقوق مشتقة من مصالح مواطنيها. اذا كان بامكان الدول امتلاك حقوق مشتقة (فرض الامن، الضرائب، فرض القوانين، الدخول في معاهدات)، فمن المعقول ان تلك الدول بامكانها امتلاك حقوق في الوجود مشتقة من مصالح مواطنيها في هذا الجهاز الاداري الموجود.

من هو المُلزم للاعتراف بحق الوجود لدولة معينة، وفي أي ظروف؟

انظر في الحجة التالية. افراد لهم الحق بخدمات مثل الأمن، الاستقرار الاقتصادي، حكم القانون، حقوق سياسية وانسانية. هذه الحقوق يمكن ضمانها فقط من خلال وكالة سيادية لها سلطة تأمين تلك الخدمات. لذلك، الاشخاص لهم حق العيش في ظل دولة وبالتالي الدولة لها الحق في وجود مشتق من مصالح الاشخاص الخاضعين لها.

انظر في حجة اخرى. أشخاص لهم الحق في العيش في ظل دولة وبالتالي الدولة لها حق في الوجود مشتق من مصالح الاشخاص الخاضعين لها. وكلاء آخرون يتعاملون بشكل غير عادل في حق الاشخاص الذين يعيشون في ظل الدولة عبر محاولة تحطيم الوكالة السيادية التي تضمن لهم خدمات أخلاقية هامة. ولذلك، فان الواجب الاخلاقي للوكلاء الاخرين هو ان لا يحطموا هذه الدولة.

يمكن اعتبار هاتين الحجتين معقولتين تماما. لكن، ما لم تثبته هذه الحجج بعد هو أي الوكلاء الاخرين تقع عليهم واجبات الاعتراف بحق الدولة المبرر على هذه الاسس في الوجود؟ على منْ يقع الالتزام وفي أي ظروف، للاعتراف بحق دولة معينة في الوجود؟

هناك اثنان من الوكلاء من الواضح هما تحت هذا الواجب. اولاً هو الدولة ذاتها، خاصة حكامها او مسؤوليها. اذا كانت الدولة شرعية فقط عندما تضمن الحقوق والخدمات المذكورة اعلاه للشعب الذي تحت حكمها، عندئذ يقع حكام ومسؤولو الدولة تحت التزام عدم انتهاك الحقوق والخدمات لذلك الشعب. ثانيا، هناك دول وقوى اخرى ملزمة بعدم تقويض او الإضرار بالمصالح الاساسية للشعب الذي تحكمه الدولة.

البساطة المخادعة لسؤال حق الدولة في الوجود تتجسد في حقيقة ان الدول باستمرار مهددة من دول اخرى بسبب مصالح تلك الدول. لو تركنا جانبا، على سبيل المثال، اسئلة عميقة حول العلاقات الاوكرانية مع كل مواطنيها، يبدو واضحا ان اوكرانيا لها الحق في الوجود تجاه روسيا، حتى لو كان كيانا مجردا يسمى "دولة اوكرانيا" ليس صاحب الحق النهائي على شعب واراضي حُكمت من جانب تلك الدولة حتى 2014 (عندما جرى ضم جزيرة القرم)، من باب اولى ان الدولة الروسية ليست صاحبة الحق على شعب واراضي اوكرانيا.

مع ذلك، دول اخرى لم تكن فقط وكلاء آخرين تطالبهم الدول بحق الوجود. هي تطالب بهذه الحقوق ضد الاشخاص والسكان. في بعض هذه الحالات، من غير الواضح ان هؤلاء الوكلاء (الاشخاص الاخرون) يفتقدون للمصالح او المواقف للبحث عن حل او تحول راديكالي للدولة، او انهم تحت واجب اخلاقي لإعتراف بحق تلك الدولة في الوجود.

الحجتان أعلاه توضحان المصالح التي يمكن ان تبرر وجود دولة وهما تفترضان دون جدال وجود سكان على اقليم معين لديهم مجموعة مشتركة من المصالح وادارة مشتركة للرغبة في الوكالة السيادية. كلتا الحجتين تجاهلت ثلاثة عناصر هامة.

اولا هما تؤسسان حق للسكان في الدولة، ولكن ليس لدولة معينة ذات ثقافة معينة وهوية اثنية محددة.

ثانيا هما لا تعالجان الكيفية التي يعيش بها سكان معينين في اقاليم محددة في المقام الاول.

اخيرا هما لا تعالجان كيف اصبحت اقاليم محددة منفصلة قانونا عن الاقاليم الاخرى.

يتكون السكان باستمرار كنتيجة لعنف عميق ومتطرف احيانا، ونتيجة لتغيرات ديموغرافية ضمن الاقليم. الدول تتكون تقريبا بواسطة فصل اقليمي عشوائي وعنيف بدون موافقة ديمقراطية من كل السكان الذين ربما لديهم مصالح مشروعة في هذا القرار. المنظرون السياسيون عادة يشيرون الى هذا بـ "مشكلة حدود" او "مشكلة المواطنين demos problem".

الديموقراطيون يريدون ان تُشتق شرعية النظام الدستوري من موافقة الناس الحقيقية او الضمنية او الافتراضية ليُحكموا بطريقة معينة. لكن ترسيم الناس ذاتهم ليس شيئا يمكن ان يتقرر ديمقراطيا.

الامثلة هنا لا تعد ولا تحصى. كيف ان "الناس الديمقراطيون" في الدول الاستعمارية الاستيطانية في امريكا واستراليا لم يبرزوا الاّ من خلال مختلف اشكال العنف وسرقة الاراضي والتطهير العرقي والطرد والاستبعاد او الحجز؟ كيف ان الاكثريات الاثنية في الدول التي أعقبت امبراطوريات متعددة الاعراق لم تتأسس الاّ من خلال تطهير اثني مستمر، استبدال للسكان او استيعاب قسري؟ حتى في السياقات التي لم يكن فيها العنف شديدا او التطهير العرقي سببا مباشرا او نتيجة لتكوين الدولة، كان رسم الحدود وتقسيم الاراضي او تحديدها ينطوي دائما على قرارات تعسفية بالتضمين او الاستبعاد والتي لا يمكن ان تكون ديمقراطية على الاطلاق.

ربما يجيب احد بانه اذا لم تتأسس اي دولة تقريبا في لحظات من الموافقة الكاملة غير العنيفة من قبل سكان لا يتضمنون اي اقصاءات عميقة او ضم قسري على ارض واضحة لا تتنازع عليها اي جماعة اخرى(لنسمي هذا معيار ايسلندا)، فان اي دولة تقريبا لا تكون شرعية تماما وبالتالي لا توجد دولة غير شرعية بشكل متميز. لكن ذلك سيكون غير معقول ورافض للحقوق المتأصلة للافراد في العدالة. انه اكثر معقولية القول بان كل الدول هي مشاريع دائمة لتأسيس شرعية تتجه بها نحو شيء ما مثل العدالة وقبول صالح وملائم.

قانون التقادم في العدالة التاريخية من غير المحتمل ان يكون غامضا وغير محدد

اذا كانت كل الدول تقريبا تشكلت من خلال لاعدالة تاريخية، فان حق الدولة في الوجود هو نسبي قياسا بمطالبات العدالة ضدها. لا وجود لجواب واحد لكيف يجب اصلاح اللاعدالة التاريخية. احيانا التقسيم، الانفصال او تكوين حدود جديدة هو الجواب المعقول ديمقراطيا والاقل ضررا. احيانا، الاستعادة او نقل السيادة على الارض ومواردها. احيانا، حق الناس النازحين للعودة لأماكنهم الاصلية. او، في ارساء الديمقراطية او تغيير النظام ضمن دولة معينة. بعض هذه الاجوبة ستتطلب انهاء الدول الموجودة او إعادة تشكيلها، والبعض سوف يتطلب اصلاحات قائمة على العدالة ضمن الحدود الاقليمية والدستورية للدولة القائمة.

يجب ملاحظة ان هناك اسئلة فلسفية معقدة مطروحة لايمكن حلها كليا هنا. احد هذه الاسئلة خصيصا: مشكلة الغموض المنتشرة في كل مكان. الغموض عادة يشير الى مشكلة تحديد شيء ما كما في شيء (ليس كومة من الرمل) يتحول الى شيء آخر (كومة من الرمل) عندما لا يحدد تغيير منفرد (اضافة حبة منفردة) بوضوح هذا التحول. الغموض يلف مشكلتين ضمن النقاش الحالي.

اولا، نحن ربما نقول ان بعض اللاعدالات التاريخية هي حية وبارزة لكن البعض منها بعيد جدا في الماضي بحيث أي محاولة لعكسها يستدعي فقط لاعدالة جديدة اكبر. لكن التقادم في العدالة التاريخية يبدو غامض وغير محدد. ميراث عبودية شمال امريكا هي بالتأكيد لاتزال بارزة، لكن ماذا عن فتح القسطنطينية او طرد المسلمين واليهود من الاندلس؟

ثانيا، هناك ايضا غموض معين في تحديد متى التغيير الداخلي في نظام الدولة يشكل نهاية محددة لدولة وظهور اخرى. بعض التغيرات الدستورية عميقة جدا تكفي للقيام بهذا، لكن ليس دائما، وربما غير ممكن القول بالضبط أي التغيرات تؤدي الى هذا التحول الانطولوجي من دولة الى اخرى. لكن هذا لن يؤثر على الادّعاء بان الدول لم تتمتع ابدا بحقوق كاملة ودائمة في الوجود في شكلها الحالي بحيث يخلق واجبات القبول او الاعتراف لدى جميع الشعوب المتأثرة بها.

طالما معظم الدول تأسست بشكل من العنف، الاستبعاد، الطرد او اللاعدالة، فمن الاخلاقي عدم تماسك القول ان الافراد او السكان هم بالتالي خاضعين لواجب الاعتراف في شرعية حدث تاريخي. في الحد الادنى، المدافعون عن الدولة سيتعين عليهم اثبات حدوث تعويض لتلك اللاعدالة التاريخية او ان الحفاظ على الوضع الراهن هو من غير المحتمل ان ينتج فضائعا او لاعدالة اخرى.

القوة البلاغية لطلب الاعتراف بحق الدولة في الوجود هو ان هذه الدول تتوقف عن الوجود فقط عندما يتحطم الجزء الاكبر من سكانها او كلهم. لكن هذا زائف. الدول يمكن ان تتوقف عن الوجود عبر اندماجها بدولة اخرى، او تقسيمها الى دول اصغر، او بتغيير هائل وهام في النظام بحيث يحوّل جوهر الدولة. كل هذه العمليات يمكن ان تحدث بدرجة اكبر او اقل من العنف.

ذلك لا يعني عدم حدوث ظلم اذا توقفت الدولة عن الوجود بدون خسارة هامة في حياة السكان. الدولة يمكن التغلب عليها بسرعة من دول اجنبية بخسارة قليلة نسبيا في الحياة ولكن مع ضرر كبير في الحقوق الانسانية والسياسية والمدنية للشعب المنتصر. الانظمة التي تفتقر الى الشرعية يمكن الاطاحة بها عبر الثورات التي تستمر لاحقا في ايذاء وظلم الشعب الذي تحكمه بحجم اكبر من النظام السابق اللاشرعي. الناس يمكن ان يتعرضوا للظلم والايذاء بخسارة دولتهم ذاتها وبأذى مصالح الاخرين.

لكن الناس يمكن ان يتعرضوا للاذى بدون ظلم. يمكن ان يصيبهم الاذى والظلم مع تبرير تلك الاضرار والاخطاء، كل الاشياء تؤخذ بنظر الاعتبار. مالكو العبيد والنخب الاخرى في الكونفدرالية اصيبوا بالاذى بواسطة اعادة البناء لكنهم لم يُظلموا. الالمان الذين طُردوا من تشيكوسلفاكيا بعد الحرب العالمية الثانية تعرضوا للاذى والظلم لكن هذا ظلم جرى تبريره، بالنظر لميراث الاحتلال النازي.

ليس كل حالات تحطيم الدولة هي غير مؤذية وغير ظالمة او تحسين أخلاقي

المسألة الاساسية هي الاستمرار في التأكيد على حقيقة ان تغيرات عميقة كافية في نظام الدولة الحاكم والايديولوجية يمكن ان يشكل نهاية دولة وبداية دولة اخرى. في حالة الدول التي تحكم شعب ذو اهمية بدون منحه حقوق سياسية ومدنية متساوية، او شعب يتمتع باكثرية ديموغرافية بسبب التطهير العرقي او التقسيم، فان تصحيح تلك اللاعدالة التاريخية قد يؤدي الى خلق دول جديدة. مع ذلك، هذا لا ينبغي ان يتضمن أي فضائع ضد السكان المحليين. مرة اخرى، الحالة النموذجية في جنوب افريقيا شهدت تغييراً عميقا في النظام بدون فضائع واسعة. لهذا من الصحيح أخلاقيا إنكار امكانية ان يكون للدولة حق الوجود دون تحطيم الشعب الذي يعيش ضمن تلك الدولة.

بالطبع، ليس كل حالات تحطيم الدولة هي بلا أذى وبلا ظلم او تحسين أخلاقي. تحطيم الدولة يمكن ان يقود الى العديد من الفظائع الكبيرة او كوارث انسانية اخرى. في الوقت الحالي، العالم يستيقظ على انهيار نظام الاسد في سوريا، بينما اسئلة كبيرة عديدة تبقى حول ما ينتظر هذا البلد المعذب وذو المعاناة الطويلة من حكامه الجدد.

ان تصحيح الأخطاء التاريخية او اللاعدالة السياسية يجب موازنتها مع كلفتها الانسانية والمسؤولية عن خلق المستقبل. هذه كما يرى البعض أفضل طريقة في الحديث عن حق الدولة في الوجود. بمعنى "ان المخاطر الانسانية المترتبة على تصحيح الظلم التاريخي واستعادة حقوق منْ انتُزعت منهم اراضيهم بشكل غير شرعي هي كبيرة جدا. العدالة لايمكن تحقيقها الاّ بتكلفة انسانية عالية، ربما لكلا النوعين من السكان".

***

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

(1) Andrew F March بروفيسور العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس في الولايات المتحدة. هو مؤلف الاسلام والمواطنة الليبرالية (2009)، خلافة الانسان (2019) وحول الديمقراطية المسلمة (2023) بالاشتراك مع رشيد الغنوشي.

 

(الخيال يُقلد، والروح النقدية تُبدع).. أوسكار وايلد

يُمثل الفكر النقدي ركيزة أساسية في الفلسفة، حيث يركز على تحليل الأفكار، المعتقدات، والحجج بشكل منهجي وعقلاني للوصول إلى استنتاجات مدروسة. يتجاوز الفكر النقدي مجرد التفكير التحليلي، إذ يهدف إلى تقييم الحجج، كشف التحيزات، وتعزيز التساؤل المستمر عن الحقيقة والمعرفة. في الحقبة المعاصرة، مع تزايد التضليل الإعلامي، تعقيدات التكنولوجيا، والتحديات الأخلاقية والاجتماعية، أصبح الفكر النقدي أداة حيوية في طموحات الفلسفة لتشكيل وعي جماعي عادل ومستنير. يهدف هذا المبحث إلى استكشاف الفكر النقدي كمنهج فلسفي طامح، من خلال مناقشة أسسه النظرية، تطوره التاريخي، ودوره في مواجهة التحديات المعاصرة، مع التركيز على كيفية إسهامه في تعزيز الفهم والمسؤولية الفكرية.

الأسس الفلسفية للفكر النقدي

يستند الفكر النقدي إلى مبادئ العقلانية، المنطق، والتساؤل المنهجي. أحد المفاهيم الأساسية هو "التحليل المنطقي"، الذي يركز على تقييم الحجج بناءً على قوتها المنطقية وصحة مقدماتها. قدم أرسطو (384-322 ق.م) أسس المنطق الصوري من خلال كتابه الأورجانون، الذي وضع قواعد الاستدلال السليم. في العصر الحديث، طوّر فلاسفة مثل جون ديوي (1859-1952) مفهوم "التفكير التأملي"، الذي يركز على التساؤل المستمر وحل المشكلات بناءً على التحليل والتجربة.

مفهوم آخر مهم هو "النقد الذاتي"، الذي يدعو إلى التشكيك في المعتقدات الشخصية والافتراضات. يرى عمانويل كانط (1724-1804) أن الفكر النقدي يتطلب "الجرأة على المعرفة"، أي استخدام العقل بشكل مستقل لتحدي الأفكار المسبقة. كذلك، يركز الفكر النقدي على كشف التحيزات المعرفية، مثل التحيز التأكيدي، الذي يدفع الأفراد إلى قبول المعلومات التي تتماشى مع معتقداتهم السابقة فقط.

التطور التاريخي للفكر النقدي

تجذر الفكر النقدي في التقاليد الفلسفية القديمة. في اليونان القديمة، استخدم سقراط (470-399 ق.م) منهج التساؤل النقدي، حيث كان يحث المتحاورين على فحص معتقداتهم من خلال أسئلة متسلسلة تهدف إلى كشف التناقضات. في العصور الوسطى، ركز فلاسفة مثل توما الأكويني (1225-1274) على التوفيق بين العقل والإيمان، مما أسهم في تطوير التفكير النقدي في سياقات دينية. مع عصر التنوير، أصبح الفكر النقدي أداة مركزية لتحدي السلطات التقليدية. قدم كانط في كتابه نقد العقل الخالص إطارًا لفحص حدود المعرفة البشرية، مؤكدًا على أهمية التفكير النقدي في بناء المعرفة. في القرن العشرين، طورت مدرسة فرانكفورت، بقيادة ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، النظرية النقدية التي ركزت على نقد الأيديولوجيا والسلطة، مما وسّع نطاق الفكر النقدي ليشمل الهياكل الاجتماعية. في العقود الأخيرة، أسهمت التطورات في التعليم وعلم النفس في تعميق الفكر النقدي. فلاسفة مثل ريتشار بول وجون ديوي ركزوا على تطبيق الفكر النقدي في التعليم، مشيرين إلى أهميته في تعزيز التفكير المستقل والديمقراطية.

الفكر النقدي والتحديات المعاصرة

في الحقبة المعاصرة، يواجه الفكر النقدي تحديات ناتجة عن التضليل الإعلامي، التكنولوجيا الرقمية، والتعقيدات الاجتماعية. أحد التحديات الرئيسية هو التضليل الإعلامي في الفضاء الرقمي. مع انتشار الأخبار المزيفة على منصات التواصل الاجتماعي، يصبح الفكر النقدي أداة ضرورية لتقييم مصداقية المعلومات. يقترح فلاسفة مثل لوسيانو فلوريدي استخدام أخلاقيات المعلومات لتعزيز التفكير النقدي في الفضاء الرقمي. في سياق الذكاء الاصطناعي، يواجه الفكر النقدي تحديات تتعلق بتقييم القرارات التي تتخذها الآلات. على سبيل المثال، كيف يمكن للأفراد تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي إذا كانت تعتمد على خوارزميات غير شفافة؟ يرى فلاسفة مثل نيك بوستروم أن الفكر النقدي ضروري لفهم المخاطر الوجودية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي المتقدم. في السياق الاجتماعي، يساهم الفكر النقدي في مواجهة التحيزات الاجتماعية والثقافية. على سبيل المثال، تستخدم النظرية النقدية للعرق أدوات الفكر النقدي لتحليل التمييز العرقي والهياكل الاجتماعية، كما في أعمال كيمبرلي كرينشو حول التقاطعية.

الفكر النقدي وطموحات الفكر الفلسفي

يسهم الفكر النقدي في تحقيق طموحات الفلسفة من خلال تقديم أدوات لتحليل الأفكار وتعزيز المسؤولية الفكرية. بتفاعله مع الإبستمولوجيا (في تقييم المعرفة)، الإيتيقا (في تحليل القرارات الأخلاقية)، والفكر الاجتماعي النقدي (في نقد البنى الاجتماعية)، يقدم هذا الفكر إطارًا مرنًا لمعالجة التحديات المعاصرة. على سبيل المثال، يساعد في تطوير أخلاقيات المعلومات من خلال تقييم مصداقية البيانات، وفي التعليم من خلال تعزيز التفكير المستقل. علاوة على ذلك، يتحدى الفكر النقدي الفلسفة لتكون أكثر ارتباطًا بالواقع المعيش، سواء من خلال مواجهة التضليل الإعلامي أو تعزيز الحوار الديمقراطي. إنه دعوة للتفكير في الفلسفة كممارسة حية تهدف إلى تمكين الأفراد من اتخاذ قرارات مستنيرة في عالم معقد.

خاتمة

يظل الفكر النقدي ركيزة أساسية في الفلسفة المعاصرة، حيث يقدم أدوات لتحليل الأفكار ومواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية. من سقراط إلى كانط وهوركهايمر، تطور هذا الفكر ليواجه تحديات العصر، من التضليل الإعلامي إلى الذكاء الاصطناعي والعدالة الاجتماعية. من خلال هذا المبحث، نرى أن الفكر النقدي ليس مجرد أداة تحليلية، بل هو منهج إبداعي يسهم في طموحات الفلسفة، موجهًا إياها نحو بناء وعي جماعي مستنير وعادل. فكيف يمكن ممارسة التفكير النقدي في الفلسفة بطريقة مفيدة للإنسانية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

ما من شكّ أنّ قضية "التراث والمعاصَرة" أو "التراث والحداثة"، أو ما يرد بمسمّيات رديفة أو شبيهة، هي من القضايا الدورية، المطروحة في الفكر العربي. والتطرّق إليها بالحديث قد يغري بموالاة هذا الطرف أو ذاك، والأمر كذلك مدعاة إلى حنين مفرط أو إلى توتّر مزعج. ولذلك لا نتعاطى غالبا مع هذه الثنائية باعتدال ورويّة، ولا نتمالك أنفسنا جراء حاضر ضاغط وآتٍ داهم. ومن ثَمّ تُعَدّ تلك الثنائية -التراث والمعاصرة- من أكثر الثنائيات إحراجًا بين العرب، محافظين وحداثيين، على مدى القرن الفائت وإلى الحاضر الحالي، دون حسم واضح بشأنها.

ولو شئنا تعريفا جامعا مانعا لتلك البؤرة الإشكالية لتعدّدت بنا السّبل، مع أن التراث يظلّ "من المعلوم من المعارف والصنائع والمنجزات". ومع ذلك فالإشكال ليس في التعريفات، لأنها قد تتحول إلى نقيض ما نصبو إليه، وليس في رسم الحدود لهذا التراث، وليس في تعداد مجالاته وبيان حقوله، بل في المنهج السويّ الذي نعي به هذا التراث، ونقصد به تحديدا "التراث والوعي التاريخي". حتى لا نتحول بِدورِنا إلى كائنات تراثية، غير واعية بما تستهلك وغير مدركة لما تريد.

ذلك أنّ الوعي التاريخي بالتراث هو عملية جدلية مركّبة، تتروّى في الماضي، وتتملّى في الراهن، وتتشوّف نحو المستقبل. وأن اختلال التوازن بين هذه العناصر الثلاثة، أو تغليب عنصر على غيره، من شأنه أن يُدخل ارتباكا على عملية الانتفاع بهذا الموروث. فالوعي التاريخي المفترض أن يرافق التراث، هو تلك العملية الذهنية التي تستلهم الماضي، وتتفهّم الحاضر، وتقود السير نحو المستقبل. وهو تلك القدرة على الوعي بالأصول التي يتجذّر فيها واقعنا من أجل خلقِ فعل حضاري، لتضعنا العملية برمّتها أمام تعامل سويّ. وبالتالي فإنّ التراث هو ذاكرة الكيان الجمعي الواعي بحضوره في التاريخ، وأنّ هذا الرصيد كلّما انفصل عن الجماعة وغدا منجزا مستقلا بذاته، أو بات استهلاكا عرضيا يخضع للمناسبات والمواعيد، كلّما غرق في عملية التشييء والمتْحَفَة، وهو أخطر ما يتهدّد التراث.

فلا غرو أنّ قضية التراث والوعي التاريخي تضعنا مباشرة أمام سؤال المنهج. والإشكال لدينا أننا كلّما تمعنّا ماضينا إلا وأُصبنا بالدهشة وغفلنا عن حاضرنا، ولربما تملّكنا ذلك الإحساس المرير أن "مستقبلنا قد بات وراءنا في ماضينا" لما يعوزنا من تعامل رصين ونظر سديد. فنحن مقدِّسون للماضي بإطناب أو مدنِّسون له بإجحاف. والتراث على ثرائه، مثقَل بالمعقول واللامعقول على حد سواء، وقلّة من تستطيع فرز السلبي عن الإيجابي منه، إذ نحن لا نتعلّم منهج التعامل مع التراث وإنما تقليد إجلال التراث أو ازدراء التراث.

ومن صائب القول أن نجلّ تراثنا، وأن نعليَ من شأنه، وأن نفاخر به، ولكن ليس من الصواب أن يتحوّل المرء إلى كائن فاقد لقدراته العقلية والذهنية أمام التراث. ويذكرني تعامل كثيرين مع التراث بتعامل المأسور النفسي مع الماضي، فهو يستحضر مآسيه فيغضب ويستدعي مسرّاته فيطرب، دون وعي باللحظة التي هو فيها، فالزمن متجمّد لديه ومفتقد لأبعاده.

ففي الجوهر يعبّر التراث عن خبرة ومعرفة وثقافة، تراكمت عبر أجيال وعلى مدى عهود لدى جماعات بشرية، جمعت بينها عوامل تاريخية وربطتها أواصر اجتماعية، وشملتها أطر سياسية وحضارية جامعة. وهو خلاصة مراحل وتجارب مغرقة في القدم، وليس منجَزا أو تواضُعا على نواميس أو أعراف أو قواعد صيغت على عجل. ولو تروّينا في الأمر نلحظ أنّ التراث بأشكاله وأنواعه هو مادة محايدة، لا يتحرّك من ذاته وإنما يحرّكه الناس، ولا ينطق من ذاته وإنما ينطق به الناس، ولذلك، الإشكال المطروح أمامنا وهو كيف نتعاطى مع هذه المادة؟ وكيف نعي استثمارها مجدّدا؟ وضمن أي شرط تاريخي، هل وفق المأسور نفسيا، أم المقهور حضاريا، أم الواعي بها تاريخيا؟

وأولى شروط التعامل الصائب مع التراث وهو أن نعي أنّنا نحن وتراثنا لسنا مركز العالم، فقد تزعزعت المركزيات واهتزّت، منذ اكتشاف قانون النسبية. وأقوى الحضارات وأعتاها، في الراهن، مدرِكة كيف تتعامل مع هذه المعادلة، لأنها تعرف كيف تتعامل مع ماضيها ومع ماضي العالم برويّة، ومن ثَمّ كيف ترتّب حاضرها وتؤمّن مستقبلها. ترى الحضارة الغربية السائدة اليوم -في أبعادها المعرفية والعلمية- لم تَسُدْ لأنها أهملت الحضارات الأخرى أو حقّرت من شأنها، وإنما لأنها أدركت ما فيها من نفع وما فيها من إسهام. وأقسام الدراسات الشرقية والجنوبية، واللغات الميتة والحية، هي الأوفر حضورا في جامعاتها ومراكز أبحاثها.

والملاحظ أنّ بلِيّتين أصيب بهما التراث لدينا، التسييس المفرط والتقديس المجحف. والإشكال الذي أَلمّ بالعرب أثناء تعامل مفكّريهم وكتّابهم وباحثيهم مع التراث وهو الأدلجة والتوظيف. وما تعدّدُ مناهج التعامل مع التراث: اليسارية، واليمينية، والليبرالية، والماركسية، والعلمانية، والإسلاموية، والسلفية، واليسارية الإسلامية، واليمينية الإسلامية، سوى دليل على حمّى التسييس، وقلّ منها من اعتمد المناهج العلمية والرؤى العقلية الصرفة في قراءة التراث. بإيجاز بات التراث ساحة تصفية حسابات محمومة لتيارات سياسية، نقلت صراعاتها من الساحة السياسية إلى الساحة التراثية.

وكذلك من شروط التعامل الصائب مع التراث، وبحسب مختلف تفرّعاته، وهو الإلمام المعرفي والتاريخي والبنيوي بذلك القسم من التراث الذي يشتغل عليه الباحث والدارس. وهو العنصر الذي لم يُراعَ مع كثير من المشتغلين بالتراث من أكاديميين وهواة ومتطفّلين، وهو ما أوقعنا في فوضى التعامل مع التراث وفي الأحكام المغرضة والتعميم. فكيف لمن ليست له دراية بالفلسفة، أن يتطرّق إلى التراث الفلسفي ويفصّل القول فيه؟ وكيف لمن ليست له دراية بالملل والنحل والفرق والأديان أن يتحدث عن تراث الأديان؟ وقسْ على ذلك مختلف المعارف والتفرعات التي يطفح بها تراثنا. انظر إلى الأعلام والشخصيات المعرفية في تراثنا: ابن هشام، الطبري، الغزالي، ابن رشد، ابن حزم، ابن تيمية، ابن منظور، ابن بطوطة وغيرهم كثير، كيف حولناهم إلى تابوهات، حتى تشكلت لدينا حقول معرفية مسيّجة بالرهبة.

وبالإضافة إلى ذلك، نتعامل مع ما أنجزه الغربيون بشأن تحقيق التراث وقراءته وإحيائه بحساسية مفرطة، وأحيانا بأحكام مغرضة. فتارة نهوّن من أعمال هؤلاء وأخرى نجلّ أعمالهم، والصواب أن نقيّم، ونراجع، ونتثبّت، وأن نصحّح الأمور إن لزم الأمر. سمعت مرة جامعيا عربيا يصدح بالقول بانتهاء الاستشراق مع أنه لا يقرأ بألسنة الغرب، ولم يتابع ما أنجزه مفكروه وباحثوه بخصوص حضارتنا حتى في ما تُرجم منه، وإن كان نزرًا قليلا مما بلغنا عن الغرب. كنت أستحي من هذه المكابَرة التي لا تليق بالباحث الجامعي.

فحين يهرع المرء إلى التراث كلّما داهمته مشكلة معرفية، ويعلّق آماله على الفوز بمبتغاه فيه، فهو إنسان واهم، لأن التراث ليس خزّان حلول، بل هو مخبر تجارب، ينبغي قراءتها بعين فاحصة وإلا فقَدَ الإنسان حسّه بالزمن وارتباطه بالواقع. فما معنى أن يتحوّل المرء إلى كائن تراثي ويغفل عن متطلبات واقعه؟ وما معنى أن يعطّل مداركه ويستنجد بماضيه؟ ينبغي أن نسأل دائما: إلى أي مدى يوفّق الاستنجاد بالماضي في رفع تحديات الحاضر وتأمين حاجات المستقبل؟ ومن ثَمّ يهدف الوعي التاريخي بالتراث إلى عقلنة الوعي بالتراث والخروج به من حالات التعامل السقيم.

***

د. عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا

 

تأملات فلسفية في إشكالية استغلال النفوذ

منذ ظهور الفلسفة السياسية في الفكر الإنساني، شكّلت مسألة السلطة وشرعيتها وأخلاقياتها حجر الزاوية في تنظير العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والفرد والدولة، والإنسان والمؤسسة. وبينما تُعدّ السلطة ضرورية لتنظيم الحياة الجماعية، فإنها سرعان ما تتحول إلى أداة للإكراه والهيمنة عندما تتحرر من قيودها العقلانية والأخلاقية. إنها، في جوهرها تجربة مزدوجة: فهي تحمل في طياتها وعدًا بالنظام، لكنها تُخفي خطر الاستبداد.

وقد تبادر في أذهاننا عدة تساؤلات فلسفية وهي: ما الذي يُسبب انحراف السلطة عن مسارها الطبيعي؟ لماذا يميل البشر، بمجرد توليهم السلطة، إلى استغلالها؟ كيف فسّر الفلاسفة هذه المعضلة؟ ما الآليات التي اقترحوها للسيطرة على السلطة ومنع انحرافها؟

اقترح أفلاطون، في "الجمهورية"، نموذج "الملك الفيلسوف"، مُجادلًا بأن من يمتلك الحكمة وحدهم مؤهلون لتولي السلطة. ومع ذلك، لم يُغفل أفلاطون إدراك خطورة السلطة عندما تُمنح لمن لا يستحقها. كان يعتقد أن الانحراف السياسي يبدأ عندما تترسخ "ديمقراطية منحطّة"، أي عندما تثور الجماهير بلا حكمة وتسلم السلطة لطغاة متخفّين في زيّ الشعبويين. يقول: "الديمقراطية تُولّد الاستبداد كما تلد الأم أبناءها" (الجمهورية، الكتاب الثامن).

يعتقد أن الجهل والشهوة هما أساس كل انحراف استبدادي. فالسلطة ليست قيمة بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق العدالة. فإذا أصبحت غاية، سقطت في هاوية الاستغلال.

واصل أرسطو هذا النهج الفكري، ولكن بتصنيف واقعي ودقيق لأنظمة الحكم، بين ما هو شرعي (الملكية، الأرستقراطية، الجمهورية) وما هو فاسد (الطغيان، الأوليغارشية، الغوغائية). يقول: "الحاكم العادل لا يحكم لمصلحته الخاصة، بل لمصلحة المدينة" (السياسة، الكتاب الثالث). وهكذا، فإن السلطة التي تتحول إلى سلطة فردية بلا فضيلة تُصبح استغلالًا منظمًا للشعب، أي تركيزًا للمصلحة وتحويلًا للعامة إلى أدوات.

في لحظة انهيار أخلاقي سياسي، يُقدم لنا نيكولو مكيافيلي رؤية صادمة للواقعية السياسية. في كتابه "الأمير"، لم يعد السؤال: كيف نحكم بعدل؟ بل: كيف نحكم بنجاح؟ بالنسبة له، السلطة ليست أداة أخلاقية، بل غريزة للبقاء والاكتساب. وقد فسّر ذلك بقوله: "من الأفضل أن نخاف الحاكم من أن نحبه، إذا لم يستطع الجمع بينهما". مهّد هذا القول التأسيسي لمنطق "الغاية تبرر الوسيلة" الطريق لفكرة أن استغلال النفوذ، طالما أنه يضمن استقرار الحكومة، ليس أمرًا مستهجنًا بطبيعته. وقد أصبح هذا النمط من التفكير السياسي مرجعًا غير معلن للعديد من الأنظمة الاستبدادية الحديثة.

من ناحية أخرى، قدّم توماس هوبز رؤيةً متشائمة للطبيعة البشرية، حيث تُحرّك الغريزة والتملك والصراع البشر. برر هذا وجود السلطة المطلقة، مُخوّلاً الدولة ("الليفياثان") السيطرة على الفوضى، حتى لو لزم الأمر بالقوة. لكنه يقول: "إذا مُنحت السلطة دون نقاش، فإنها تتحول من حماية إلى عبودية" (ليفياثان).

مع ذلك، يختلف جون لوك عنه اختلافًا جوهريًا، إذ يعتقد أن السلطة تنبع من إرادة الشعب، وتُمنح بشرط استخدامها لخدمة الحياة والحرية والملكية. وإذا استُغلت ضد هذه الأهداف، يحق للمواطنين عزل الحاكم. "ليس المحكومون من يخرق العقد، بل الطاغية" (مقالان في الحكومة المدنية).

هنا نجد جان جاك روسو أكثر تطرفًا في نقده للسلطة المنحرفة. فوفقًا له، لا تقبل السيادة التمثيل. فكل من يحكم باسم الشعب دون مشاركته المباشرة يُزيّف الإرادة العامة. وهكذا، فإن إساءة استخدام النفوذ لا تكمن في الأفعال فحسب، بل في بنية السلطة ذاتها التي تجرد المواطن من الشرعية.

وهكذا نرى حل مونتسكيو الهيكلي للمشكلة: فصل السلطات. فعندما تتركز السلطة في يد واحدة، فإنها تُغري بالاستغلال. أما عندما تُقسم، فإن أحد أجزاء الدولة يراقب الآخر. يقول: "لكي لا تُساء استخدام السلطة، فإن السلطة مُلزمة بسلطة أخرى" (روح القوانين، الكتاب الحادي عشر). وبذلك، يُوفر الإطار المؤسسي لتجنب الاستغلال، وليس مجرد دعوة أخلاقية.

أما ميشيل فوكو، فنراه يرفض النظرة إلى السلطة على أنها شيء يُمتلك أو يُغتصب. فهو بالنسبة له "شبكة خفية" موزعة داخل المجتمع، في المؤسسات والتعليم واللغة وحتى الطب. لذلك، يعتقد أن استغلال النفوذ لا يحدث فقط من الأعلى إلى الأسفل، بل أيضًا من خلال تطبيع السلوك وتشكيل الأجساد والعقول وفقًا لنماذج التحكم. يقول: "نحمل السلطة في أجسادنا، كما يحمل السجين سجنه في داخله" (الانضباط والعقاب). ووفقًا لرأيه، لا تُمارس السلطة بالقمع فحسب، بل أيضًا من خلال المعرفة والمراقبة والتصنيف.

وقد حذّر غوستاف لوبون من قابلية الجماهير النفسية للاستغلال من قِبل القادة المتلاعبين، حيث تذوب الإرادة الفردية في اللاوعي الجماعي. تُمهّد هذه الفكرة الطريق لفهم كيفية صعود الطغاة من خلال أدوات التأثير العاطفي. "الجماهير لا تفكر، بل تشعر" (سيكولوجية الجماهير)

أما حنة أرندت، فقد حللّت تجربة السلطة الشمولية، حيث يتحول الاستغلال إلى بنية شاملة تقمع حرية الفكر. وجادلت بأن الشر، في ظل الأنظمة الاستبدادية، لا يأتي من الساديين، بل من الناس "العاديين" الذين أفرغهم النظام من إنسانيتهم. وجادلت قائلةً: "الشر ليس دائمًا شيطانيًا؛ أحيانًا يكون مجرد ابتذال بيروقراطي" (ابتذال الشر).

 في الختام، نجد أن إساءة استخدام السلطة، من منظور فلسفي، لا تنشأ فقط من خلل في الفرد، بل أيضًا من خلل في البنية والثقافة، ومن نقص الوعي والمساءلة. وقد حاول الفلاسفة، كلٌّ من منظوره الخاص، الحد من السلطة إما من خلال الأخلاق (أفلاطون، أرسطو)، أو العقد الاجتماعي (لوك، روسو)، أو المؤسسات (مونتسكيو)، أو من خلال كشف خطابها الخفي (فوكو). تكشف كل هذه التأملات أن السلطة ليست مجرد أداة، بل هي تجربة وجودية وأخلاقية تتطلب سيطرة ذاتية ومؤسسية وجماعية مستمرة. إذا لم تُروَّض هذه الطاقة، فإنها تبتلع كل شيء، حتى الفرد نفسه.

***

الدكتور إبراهيم أحمد شعير الجميلي/ كركوك - العراق

في كتابه (دماغ البوذي المتنور: البوذية الطبيعية) يستطلع المؤلف أوين فلاناغان Owen Flanagan(1) ما اذا كان بالإمكان التوفيق بين التقاليد الروحية الكبرى و رؤية عالمية علمية شاملة. في رفضها لما فوق الطبيعة، يعرض الكاتب نسخة للبوذية تبقى هامة أخلاقيا وثرية وجوديا في حفاظها على التوافق الكامل مع العلم والفلسفة المعاصرين. في ما يأتي من مقتطفات، يفحص الكاتب كيف تختلف البوذية بشكل حاد عن التقاليد الايمانية عبر إنكارها وجود إله خالق وروح خالدة. اعتماداً على مفاهيم ميتافيزيقية مثل نشأة معتمدة و anatman (لا روح) هو يجادل بان هذه المعتقدات ليست فقط أوجدت معنى داخلي ضمن البوذية بل اصبح لها صدى يتردد في الفهم العلمي الحديث للوعي والكون.

نشأت البوذية عام 500 ق.م عندما أعلن سيدهارتا او بوذا خطابه الافتتاحي في احدى الحدائق العامة قرب ضواحي بنارس في الهند (حاليا تسمى فاراناس). اعتمادا على الكيفية التي يفهم بها المرء vedic او التقليد الروحي الهندي في ذلك الوقت، كانت البوذية اما قطيعة كاملة مع تلك التقاليد او تطوير لها (2). البوذية ترفض نظاما طبقيا على اسس أخلاقية.

الشيء الأكثر اثارة للاهتمام لاولئك الذين يعتقدون ان الدين يتطلب الايمان بالالوهية، هو ان البوذية ترفض كل من فكرة الاله الخالق والروح الثابتة غير القابلة للتدمير،على اسس منطقية وتجريبية.

البوذية التقليدية مليئة بالأشباح والارواح والشياطين والالهة وعوالم للجنة والجحيم واعادة ميلاد طبقا لقوانين الكارما التي تحكم الكون. وحتى لو كان العلمانيون المعاصرون في الغرب يرون البوذية منسجمة مع فلسفة التنوير، فان العديد من البوذيين الاسيويين خاصة التيبيت، لايرون ذلك.

البوذية ترفض التصور الهندي المقدس القديم السائد للبراهمان كمحرك اساسي،وهي ترفض ايضا فكرة ان كل فرد ينطوي في داخله على روح غير متغيرة. وفي ما عدى هذا، جرى الاحتفاظ بالعديد من الافكار الهندية المألوفة وتطويرها في البوذية – رغم ان ذلك تم فقط مؤخرا وفي أماكن معينة. هذا الميراث يتضمن الأهمية العميقة للتمييز بين المظهر والواقع، فكرة مكافأة السلوك الفاضل (كارما)، وفكرة المعاناة (دوكها) تحدّد مأزق الانسان (سامسارا) وان التحرير ممكن (نيرفانا) من خلال التنوير (panna) والفضيلة بالاضافة الى أفكار التناسخ او إعادة المولد.

نركز الان على اثنتين من العقائد الميتافيزيقية التي ترفضها البوذية: الله الخالق وفكرة الروح. اولاً، البوذية تفهم بعمق المشاكل المألوفة في حجة التصميم الكونية المتعلقة بوجود الله. هذه الحجج تطرح سؤالا عن أصل الخالق او المصمم. لكي نقول كان هناك محركا اساسيا دائما او خالق ذاتي ومستمر ذاتيا ذلك يعني القبول بتراجع لا نهائي للسبب infinite regress. اذا كان الله دائما هناك ويجب ان يكون هناك، عندئذ فان الله نفسه يتراجع الى ما لانهاية.

عندما يستمع الدالاي لاما لقصة الانفجار العظيم بغ بانغ قبل 14 مليار سنة، هو يقول حسنا"لكنه بالطبع ليس بغ بانغ الاول". هذا الجواب ليس رفضا لنظرية الانفجار العظيم. يرى الدايلاما ان نظرية الانفجار العظيم ذاتها غير كافية لأنها ليست سببا عميقا كافيا. بعض العلماء ذاتهم الان يتساءلون عما اذا كانت هناك قصة أفضل لا تتطلب انفجارا أصليا منفردا بل هو اقل من أصل هذا الكون بحيث يتضمن ثقبا مفتوحا من كون مواز آخر، مع هذه الأكوان الاخرى او أسلافها – ربما رفاق في اكوان متعددة شاسعة ولا متناهية – كونها بلا بداية.

الكونيون أحيانا يقولون لا يستطيع المرء ان يسأل ماذا كان هناك قبل حدوث الانفجار العظيم او كيف وصل الانفجار الى هناك. هم يقصدون ان "الزمن" كما تفهم الفيزياء يبدأ (او يصبح مفهوما مفيدا) مع البغ بانغ. لكن المعنى الكامن خلف هذا السؤال يظل قائما.

وهكذا فان علماء كون آخرون سيعترفون بشرعية السؤال ويقولون انهم ليس لديهم أدنى فكرة حول كيفية الاجابة عليه. البوذية تشعر بالارتياح من التراجع اللامتناهي في الأسباب الطبيعية. في الحقيقة، الفكرة تنسجم جيدا مع الفكرة الميتافيزيقية للنشأة المعتمدة، والتي بموجبها كل ما يحدث يعتمد على حدوث أشياء اخرى(4).

ان رفض عقيدة atman، الفكرة بان الناس حائزون على روح ثابتة لا تتحطم، تأتي من خطين من التفكير:

1-هناك فكرة النشأة المعتمدة التي ذكرناها توا. كل شيء تدفّق وكل تغيير يتوضح بتغيير سابق. المبدأ كوني ولهذا ينطبق على الذهن.

2- جلب التجربة او الظاهرة: سيرى المرء ان ما يسمى "الذات" او الروح يشبه العديد من الاشياء الطبيعية الاخرى، تشترك بعلاقة معينة من الاستمرارية والترابط – وعيي أشبه بالتيار منه الى جبل ايفرست (والذي هو ايضا جزء من التدفق، لكنه مرئي بدرجة اقل). الكلام التقليدي يسمح لنا بإعادة تحديد هوية كل شخص بواسطة اسمه كما لو انه بالضبط ذاته بمرور الزمن. لكن الهوية ليست من قبيل اما كل شيء او لا شيء. الشخصية هي نوع من التطور. جبال الهملايا بطيئة جدا في التطور (أحد الاجوبة على سؤال المدة التي يستغرقها الوصول الى التنوير النهائي هي المدة التي يستغرقها تآكل سلسلة جبال اكبر من جبال الهملايا بـ 84000 مرة اذا تم لمسها مرة واحدة يوميا بقطعة قماش ناعمة).

الناس أسرع تطورا من جبال الهملايا العادية بينما ذبابة الفاكهة تتطور بسرعة أكبر. كل نوع من الاشياء يتطور في الكون، الذي هو الأم الأبدية لكل نضج، له فترة زمنية يمكن خلالها القول انه ما هو عليه – سلسلة جبال، شخص، ذبابة – وبعد ذلك يتوقف عن امتلاك ما يكفي من الكمال ليُقال انه نفس الشيء. وفي نقطة التحول هذه، نحن نقول عن الشيء، الحدث، او العملية ذهبت، او ماتت.

هذه هي عقيدة اناتما، او اللاروح. لا شيء دائم، حتى الاشياء التي تبدو هكذا هي ليست كذلك. اذا جرى فهم الرؤية بشكل صحيح فهي ليست عدمية. في الحقيقة، في الغرب هناك رؤية مشابهة جدا جرى الايمان بها على نطاق واسع بدءا من لوك وحتى الوقت الحاضر. وانها تنسجم جدا مع العقل العلمي المعاصر. كذلك،عقيدة اناتمان تناسب الافكار البوذية بان الافراد يمكنهم في الحقيقة تحويل أنفسهم، ويصبحون متنورين، وهكذا. اذا كانت طبيعة المرء،كما هي،ثابتة لا تتغير، من الصعب رؤية كيف يكون التحول الذاتي ممكنا.

***

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) اوين فلاناغان Owen Flanagan استاذ فخري في الفلسفة وعلم الأعصاب في جامعة ديوك.  مؤلف عدة كتب من بينها كتاب دماغ البوذي المتنور (The Boddhisattva’s Brain) نُشرعام 2011 والذي اقتُبست منه هذه المقالة.

(2) أقدم حكمة او فلسفة هندوسية vedas يعود تاريخها الى عام 1500 ق.م ولا تتضمن الاوبانيشاد او البهاجافاد جيتا. الاوبانشاد تعود تاريخيا الى القرن السادس قبل الميلاد. اما البهاجافاد جيتا فقد جاءت ضمن ملحمة ماهابهارتا التي كُتبت من القرن الرابع قبل الميلاد الى القرن الرابع الميلادي لكن البهاجافاد جيتا يُعتقد انها نص متأخر ربما تم تأليفه بالكامل في العصر الحديث. وعلى أية حال، القسم الاخير هو نصوص رئيسية لما يُعرف بالهندوسية. الهندوس لايسمون دينهم بالهندوسية (رغم انهم ربما يسمون انفسهم هندوس كنوع من الصفة الاثنية). الاسم نشأ من رغبة المستوطنين البريطانيين لتسمية الهنود بممارسات روحية او دينية. لذا فان البوذية لم تأت من الهندوسية لأنه مهما كان اسم الهندوسية فهي جاءت بعد البوذية. ومما جعل الامور اسوأ، ان الكلمة الانجليزية (هندو) هي بالتأكيد ترتكز على سوء تلفظ يرتبط بأهمية نهر السند (اندوس). ولكي يصفوا ممارساتهم الروحية، الهندوس احيانا يستعملون الكلمة دارشانا والتي تُترجم الى "فلسفة". عادة هم يشيرون لطريقتهم بسنتانا دراهما، الطريقة الأبدية للحقيقة. لا وجود لبابا هندوسي. انها ليست ايمان عقائدي بمذهب ارثودكسي معين. لا وجود ايضا لبابا بوذي. البوذية هي ايضا ليست ايمان عقائدي بمذهب ارثودكسي منفرد. قيل ان كل تقليد روحي فيه بعض الالتزامات التي تشكل الشروط الدنيا لتكون عضوا او داعيا، وهكذا. المنهج التقليدي للتبت (cutting through appearances) يقول، "ان تعريف المناصر للمبادئ البوذية هو: شخص يزعم ان الأختام(المبادئ) الاربعة تشهد بان العقيدة بوذية. الاختام الاربعة هي:1- كل الظواهر المركبة هي غير دائمية 2- كل الاشياء الملوثة بائسة 3- كل الظواهر هي بلا روح 4- النيرفانا هي السلام.

(3) براهمان هو اسم المصدر النهائي المستمر ذاتيا لكل الخلق. لكنه ليس شخصا. كذلك، العديد من الهندوس يتصورون معبدهم المعقد للالهة، حتى أعلى الالهة مثل براهما (خالق الارض وليس كل شيء)،فيشنو vishnu (حامي المحبة) و شيفاShiva (حامي شرس) كمظاهر لإله واحد فقط وهو براهما.  تلميحات سبينوزا.

(4) الدايلاما (2005،92-93) يكتب: "حتى مع كل هذه النظريات العلمية المعقدة عن أصل الكون، انا تُركت مع اسئلة مصيرية: ماذا وُجد قبل البغ بانغ؟ من أين جاء البغ بانغ؟ ما سببه؟ لماذا تطور كوكبنا لدعم الحياة؟ ماهي العلاقة بين الكون والكائنات التي تطورت فيه؟

العلماء قد يتجاهلون هذه الاسئلة باعتبارها بلامعنى او هم ربما يعترفون بأهميتها لكن ينكرون انها تعود لميدان التحقيق العلمي. مع ذلك، كلا الاتجاهين سوف يكون لهما عواقب على الاعتراف بحدود محددة لمعرفتنا العلمية بأصل الكون. في البوذية نُظر الى الكون باعتباره لامتناهيا وبلابداية،والمؤلف يعرب عن سعادته بالمغامرة في التأمل بما وراء البغ بانغ والحالات المحتملة قبل ذلك.

 

(الدرس الفلسفي وأثره في التنمية المستدامة)

في زمنٍ يعجّ بالاختلالات البيئية والتفاوتات الاجتماعية والأزمات الاقتصادية المتتالية، لا تُقدّم التنمية المستدامة نفسها كمشروعٍ تقني أو اقتصادي فحسب، بل كتحدٍّ وجودي وأخلاقي لاستمرارية الحياة البشرية في ظلّ ظروفٍ إنسانية. في هذا السياق، يُصبح السؤال الفلسفي أكثر إلحاحًا: ما موقع الدراسة الفلسفية ضمن هذا المشروع العالمي؟ وهل يمتلك التفكير التأملي، الذي لطالما اتُهم بالانفصال عن الواقع، القدرة الفعلية على إرساء أسس التنمية المستدامة؟ الفلسفة، في أصولها اليونانية، ليست مجرد حبٍّ للحكمة، بل هي بالأحرى تموضعٌ جذريٌّ أمام العالم: فهي تتأمل الوجود، وتتساءل عن المعنى، وتستجوب الجوهر. وبهذا المعنى، تضع الإنسان في قلب مشروعها الوجودي، ككائنٍ مسؤولٍ ليس عن نفسه فحسب، بل عن الوجود كلّه.

 من هنا، تنشأ علاقة عضوية بين الدراسة الفلسفية ومفهوم التنمية المستدامة، الذي لا يقتصر على الحفاظ على الموارد الطبيعية، بل يجسد أيضًا رؤية أخلاقية ومعرفية وسياسية للإنسانية والعالم. في مناقشته لـ"الفعل والتأمل"، يُجادل هانز جوناس بأن المسؤولية الأخلاقية تجاه المستقبل ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية. يقول: "إن قدراتنا التقنية المتزايدة باستمرار تُحمّلنا مسؤولية غير مسبوقة تجاه الأجيال القادمة" (جوناس، مبدأ المسؤولية، 1979).

وهنا، يتضح أن التنمية المستدامة غير ممكنة دون أساس فلسفي يُعيد إرساء العلاقة بين الإنسان والطبيعة على أساس المسؤولية، لا الهيمنة، والاعتراف، لا الاستغلال.

ومن ناحية أخرى، يُبيّن مارتن هايدغر، في كتابه "سؤال التكنولوجيا"، أن جوهر الأزمة البيئية يكمن في نمط الوجود الذي فرضه العصر التكنولوجي، حيث تُعتبر الطبيعة موردًا قابلًا للاستهلاك، بدلًا من كونها وجودًا أصيلًا في كيان العالم. ويقول: "إن جوهر التكنولوجيا ليس تقنيًا" (هايدغر، السؤال حول التكنولوجيا، 1954)،

 بمعنى آخر، لا تكمن المشكلة في الأدوات، بل في تمثلات الوجود التي تُؤطر علاقتنا بها. وهذا يكشف عن ضرورة الدراسة الفلسفية كتفكيك للمسلمات التي تُشكل علاقتنا بالعالم، ووضعها في قلب مشروع التنمية المستدامة.

 من جانبه يعتقد جون راولز أن العدالة بين الأجيال ليست مجرد اعتبار سياسي، بل هي مبدأ أخلاقي يُرسي عقدًا اجتماعيًا يتجاوز الواقع المباشر. في كتابه "نظرية العدالة"، لذلك يدعو إلى "العدالة البيئية"، التي تجعل من واجبنا تأمين الظروف اللازمة لحياة كريمة للأجيال القادمة (راولز، 1971).

وهنا تلتقي الفلسفة السياسية بالفلسفة البيئية في إرساء أسس المسؤولية عبر الزمنية، وهي ركيزة من ركائز التنمية المستدامة.، فهي لا تُشخص الدراسة الفلسفية للأزمات فحسب؛ إنما أنها تُزود الناس بوعي نقدي يُمكّنهم من تجاوز الحلول التقنية الاختزالية نحو رؤية شاملة تشمل الأبعاد الوجودية (علاقة البشرية بالطبيعة)، والأبعاد الأخلاقية (العدالة بين الأجيال)، والأبعاد المعرفية (نقد الأداتية)، وحتى الأبعاد الجمالية (الانبهار المتجدد بالعالم).

 من هذا المنظور، تُصبح الفلسفة أداةً للتنوير، ليس بمعناها العقلاني التبشيري، بل هي ممارسة تُحرر البشرية من "عيوبها البيئية" واستسلامها الأخلاقي. وإنها تُعيد للبشرية القدرة على مساءلة أساليب حياتها، ومراجعة أهدافها، وإعادة توجيه مسارها التاريخي.

فهي كما قصد ميشيل فوكو، "روح المقاومة ضد جميع أشكال الهيمنة". فالتنمية المستدامة، كما تُفهم في الدراسات الفلسفية، ليست مجرد برنامج أو خطة أو جدول مؤشرات؛ بل هي تحول جذري في نظرتنا لأنفسنا وللعالم. لا يمكن تحقيق ذلك دون إعادة تأهيل الفلسفة، لا كمادة تعليمية معزولة، بل باعتبارها ممارسة حياتية تُرسخ المواطنة العالمية المسؤولة، متجاوزةً منطق الاستهلاك إلى منطق الرعاية والتواصل الاجتماعي،

وهذا ما دعا إليه إدغار موران في مشروعه "الفكر المُركّب". إن مستقبل العالم، بكل هشاشته، ليس في أيدي الخبراء والفنيين فحسب؛ بل يعتمد أيضًا على قدرتنا على تنمية فكر فلسفي يربط المعرفة بالفعل، والذات والآخرين، والحاضر بالمستقبل. فكما يتطلب التقدم التكنولوجي مختبرات، فإن الاستدامة تتطلب التفكير. وكما تحتاج الأرض إلى دعاة حماية البيئة، فإنها تحتاج أيضًا إلى فلاسفة.

***

الدكتور: ابراهيم احمد شعير الجميلي/ كركوك_ العراق

فعل مقاومة والتزام وجودي ومقاربة كفاحية

مقدمة: تُعتبر الكتابة الفلسفية في سياق الثقافة السياسية فعلًا معقدًا يتجاوز مجرد التعبير عن الأفكار إلى فضاء يجمع بين المقاومة، الالتزام الوجودي، والكفاح من أجل المعنى. في عالم مشبع بالصراعات السياسية والاجتماعية، تصبح الكتابة الفلسفية أداة لتحدي الهيمنة، تفكيك الأنساق السلطوية، وإعادة صياغة الوجود الإنساني في مواجهة الاغتراب والقمع. هذه الدراسة تستكشف الكتابة الفلسفية كفعل مقاومة وكفاحي، مع التركيز على بعديها الوجودي والسياسي، وذلك من خلال مقاربة تحليلية تستند إلى أعمال فلاسفة مثل مارتن هيدجر، جان بول سارتر، ميشيل فوكو، وإدوارد سعيد. ستنقسم الدراسة إلى ثلاثة أقسام رئيسية: أولاً، الكتابة الفلسفية كفعل مقاومة ضد الهيمنة السياسية والثقافية؛ ثانيًا، الالتزام الوجودي كجوهر للكتابة الفلسفية؛ ثالثًا، المقاربة الكفاحية كاستراتيجية لإعادة تعريف الذات والمجتمع. سنختم الدراسة بتقييم أهمية الكتابة الفلسفية في مواجهة التحديات السياسية المعاصرة.

القسم الأول: الكتابة الفلسفية كفعل مقاومة ضد الهيمنة السياسية والثقافية

المقاومة الفلسفية في سياق الثقافة السياسية

الكتابة الفلسفية، بطبيعتها، هي فعل تأملي يسعى إلى فهم الحقيقة، لكنها في السياق السياسي تصبح أداة مقاومة ضد الأنساق المهيمنة التي تسعى لفرض رواية واحدة على الواقع. يرى ميشيل فوكو أن السلطة ليست مجرد قوة سياسية أو اقتصادية، بل هي أيضًا خطاب يشكل المعرفة ويحدد ما يُعتبر "حقيقيًا" أو "مقبولًا"[1]. في هذا السياق، تتحول الكتابة الفلسفية إلى فعل مقاومة عندما تتحدى هذه الخطابات المهيمنة، سواء كانت أيديولوجيات قومية، استعمارية، أو رأسمالية. على سبيل المثال، قدم إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق (1978) نقدًا فلسفيًا للخطاب الاستعماري الغربي، مُظهرًا كيف شكّل الاستشراق صورة نمطية عن "الشرق" لخدمة المصالح الاستعمارية[2]. من خلال كتابته الفلسفية، لم يكن سعيد يقاوم فقط التمثيلات المغلوطة، بل كان يسعى إلى استعادة الذاتية الثقافية للشعوب المستعمَرة. هذا النوع من الكتابة يُظهر أن الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري، بل هي فعل سياسي يتحدى بنى السلطة.

الكتابة الفلسفية وتفكيك السلطة

تستمد الكتابة الفلسفية قوتها المقاومة من قدرتها على تفكيك الأنساق السلطوية. يرى فوكو أن المعرفة والسلطة متشابكتان، وأن الفيلسوف، من خلال الكتابة، يمكنه أن يكون "مثقفًا نوعيًا" يتحدى السلطة في سياقاتها المحلية[3]. على سبيل المثال، كتابات سارتر خلال الحرب العالمية الثانية، مثل الوجود والعدم (1943)، لم تكن مجرد تأملات وجودية، بل كانت أيضًا تعبيرًا عن المقاومة ضد الاحتلال النازي، حيث دعا إلى حرية الفرد في مواجهة القمع السياسي[4].

القسم الثاني: الالتزام الوجودي كجوهر للكتابة الفلسفية

الوجودية والالتزام

في الفلسفة الوجودية، خاصة عند جان بول سارتر، يُعتبر الالتزام (engagement) جوهر الوجود الإنساني. يرى سارتر أن الإنسان "محكوم عليه بالحرية"، وأن الكتابة الفلسفية هي تعبير عن هذه الحرية والمسؤولية تجاه العالم[5]. في مقالته ما الأدب؟ (1947)، يدافع سارتر عن فكرة أن الكاتب يجب أن يكون ملتزمًا سياسيًا واجتماعيًا، حيث تُصبح الكتابة وسيلة لتحقيق الحرية ليس فقط للكاتب، بل للقارئ أيضًا[6].في هذا السياق، تُعدّ الكتابة الفلسفية فعلًا وجوديًا لأنها تنبع من اختيار الفيلسوف مواجهة العالم بعقل نقدي وإرادة للتغيير. هذا الالتزام يتجاوز الحدود الأكاديمية ليصبح فعلًا سياسيًا وثقافيًا يسعى إلى تحرير الإنسان من الاغتراب.

هيدجر والكتابة كتفكير في الوجود

من منظور مارتن هيدجر، الكتابة الفلسفية ليست مجرد تعبير عن أفكار، بل هي تفكير في الوجود نفسه (Sein). في كتابه رسالة في الإنسانية (1947)، يؤكد هيدجر أن الفلسفة هي سؤال عن معنى الوجود، وأن الكتابة الفلسفية هي محاولة لاستعادة هذا السؤال في مواجهة العصر الحديث الذي يهيمن عليه التفكير التقني[7]. في سياق الثقافة السياسية، يمكن قراءة كتابات هيدجر كمقاومة ضد النزعة التقنية التي تُحوّل الإنسان إلى مجرد مورد ضمن نظام الإنتاج الرأسمالي.

القسم الثالث: المقاربة الكفاحية في الكتابة الفلسفية

الكفاح من أجل المعنى

الكتابة الفلسفية، كفعل كفاحي، تتجلى في محاولتها إعادة تعريف المعنى في سياقات القمع والتهميش. على سبيل المثال، قدمت الفيلسوفة حنة آرنت في كتابها الوضع الإنساني (1958) تحليلًا فلسفيًا لمفهوم العمل والعملية السياسية، معتبرة أن الكتابة الفلسفية هي وسيلة لاستعادة الفضاء العام كمكان للحرية والتفاعل الإنساني[8]. هذه المقاربة الكفاحية تتضح أيضًا في كتابات المفكرين المناهضين للاستعمار، مثل فرانز فانون، الذي استخدم الكتابة الفلسفية في معذبو الأرض (1961) للدفاع عن الكفاح المسلح ضد الاستعمار كوسيلة لاستعادة الكرامة الإنسانية[9].

الكتابة كاستراتيجية لإعادة تعريف الذات والمجتمع

في الثقافة السياسية، تُصبح الكتابة الفلسفية أداة لإعادة تعريف الذات الفردية والجماعية. على سبيل المثال، كتابات المفكرة الفلسطينية ليلى خالد لم تكن مجرد سرد لتجاربها الشخصية، بل كانت محاولة لصياغة هوية مقاومة في مواجهة الاحتلال[10]. هذه الكتابة الكفاحية تعمل على بناء وعي جماعي يتحدى الروايات المهيمنة ويؤكد على الذاتية كأساس للمقاومة.

خاتمة

الكتابة الفلسفية في الثقافة السياسية ليست مجرد نشاط أكاديمي، بل هي فعل مقاومة والتزام وجودي يسعى إلى تحرير الإنسان من القيود السياسية والثقافية. من خلال تحدي الخطابات المهيمنة، تأسيس التزام وجودي، وتبني مقاربة كفاحية، تُصبح الكتابة الفلسفية أداة لإعادة صياغة الواقع واستعادة الكرامة الإنسانية. في عالم يشهد تصاعد الاستبداد واللاّمساواة، تظل الكتابة الفلسفية سلاحًا فكريًا يحمل إمكانيات التغيير والتحرر. فكيف تتحول الثقافة الفلسفية الى سلاح سياسي ثوري ومحرك تغيير اجتماعي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...................

الاحالات والهوامش:

[1] Foucault, M. (1980). Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings, 1972-1977. Edited by Colin Gordon. Pantheon Books, p. 109.

[2] Said, E. W. (1978). Orientalism. Pantheon Books, p. 12.

[3] Foucault, M. (1984). The Foucault Reader. Edited by Paul Rabinow. Pantheon Books, p. 68.

[4] Sartre, J.-P. (1943). Being and Nothingness. Translated by Hazel E. Barnes. Washington Square Press, 1992.

[5] Sartre, J.-P. (1946). Existentialism is a Humanism. Translated by Carol Macomber. Yale University Press, 2007.

[6] Sartre, J.-P. (1947). What is Literature?. Translated by Bernard Frechtman. Methuen, 1967.

[7] Heidegger, M. (1947). Letter on Humanism. In Basic Writings, edited by David Farrell Krell. HarperCollins, 1993.

[8] Arendt, H. (1958). The Human Condition. University of Chicago Press, p. 198.

[9] Fanon, F. (1961). The Wretched of the Earth. Translated by Constance Farrington. Grove Press, 1963.

[10] Khaled, L. (1973). My People Shall Live: The Autobiography of a Revolutionary. Hodder & Stoughton.

مفتتح إجباري: بعض الرجال المحسوبين على ديننا الحنيف يقولون ويسردون من قصص لا أصل لها في تراثنا الحضاري ونزعوا إلى العنف وإلى التكفير وإلى إهدار الدم، واستباحة العرض للمخالف فكيف سيدعون يوماً إلى ثقافة التسامح والمواطنة والتعايش؟.

يزيد الشاعر والمفكر العربي أدونيس مشهدنا الثقافي غموضا حينما ينأى بسطوره بعيدا عن المتاح في راهننا المعرفي مشيرا إلى أن إدراك الحقيقة لا يتم استنادًا إلى العقل أو إلى النقل، لأن الحقيقة ليست في ظاهر النص وهو يشير في ذلك إلى كنه عمل العقل وأعماله في النص من حيث تفسيره وتأويل مضامينه، وإنما يتم عن طريق تأويل النص بإرجاعه إلى أصله والكشف عن معناه الحقيقي.

والتأويل بهذه الصورة هو طرحُ الظاهر جانبا كونه صورة من صور الباطن فحسب، أما الباطن لا نهاية له، بمعنى ـ حسب توصيف أدونيس للفرق بين الحقيقة والشريعة ـ أنه لا يمكن أن تحده صورة واحدة، بل لا يمكن أن تحده الصور. وهذه الإشكالية التي لم يفطنها فقهاء العصر الحديث بل على وجه الاختصاص أمراء الجماعات والتيارات الدينية المعاصرة الذين لم يروا في العقل أية فائدة واكتفوا بالنقل المباشر من السلف في تفسيرهم وفهمهم للنصوص الدينية التي جاءت لتبيين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

والإشكالية بين العقل والنقل وما بينهما من حقيقة عرفانية يمتلكها أهل التصوف فقط، تتضح في محاولة فهم الاتصال والانفصال بين الزمني والمكاني، هذا الفهم الذي بدا عصيا على أمراء التيارات الدينية الراديكالية التي لم تفرق بين حكم فقهي أو نص ديني لرجل ينتمي لعصر بائد وعصرنا الراهن، وهو مجمل ما قامت عليه الدراسة المعرفية الموسوعية  للمفكر السوري أدونيس في كتابه "الثابت والمتحول بحث في الإبداع والاتباع عند العرب" بأجزائه الأربعة.  

ولعل المؤسسات التعليمية العربية القائمة نجحت بامتهار متمايز في تكريس الاتصال بالتراث العربي الثقافي في صورته السطحية البسيطة، في الوقت نفسه التي داومت فشلها المستدام في تحقيق اتصال بالحداثة المعرفية، وكأنها بذلك أعلت ثقافة الولاية المعرفية كبديل وحيد عن الجنوح لتأسيس العقلية العربية، هذا كله أشار إليه محمد أركون وأدونيس وعابد الجابري وفؤاد زكريا، وظل نصر أبو زيد يشحذ طاقاته لمواجهة الولاية المعرفية لاسيما في دراسته المتميزة عن الإمام الشافعي صاحب المذهب الفقهي.

وتتمثل إشكالية النقل والعقل وما بينهما من ذوق وحدس لا يمتلك زمامهما إلا المتصوفة بالقطعية التاريخية ـ في قضية الاجتهاد، الذي يعني كما وصفه ابن رشد بأنه بذل الجهد في استخراج الأحكام من شواهدها الدالة عليها بالنظر المؤدي إليها. والسلفيون يرفضون فكرة الاجتهاد مقتصرين على نصوص السلف الأوائل، في حين أن قصور الفهم والبحث لدى معظم أنصار ومريدي التيارات الراديكالية لم يلتفتوا بالقدر المناسب إلى ما وضحه الفاروق الرشيد عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه) حينما أجاز وأباح وأقر بالاجتهاد والتجديد في رسالته الأشهر إلى أبي موسى الأشعري حينما سطر فيها قوله بشرط المجتهد: "أن يلتمس نور القرآن وهدي السنة".

وثمة خلاف ظاهر وواضح في التجربة الحداثوية للثقافة العربية بين أهل النقل الحرفي وأهل العقل دون الذوق يدور حول جدلية السنة النبوية، لاسيما فيما يتعلق بالتجديد والاجتهاد؛ هذه الجدلية ظلت ولا تزال محل هوس لدى الكثيرين من المعاصرين بل والأوائل أيضا من دعاة التنوير حيث اعتماد الأخذ بالحديث عند التجديد الفقهي شريطة أن يكون موافقا للكتاب، رغم أن هذا الشأن مردود عليه كون السنة النبوية مصدرا أصيلا ومقياسا واضحا لصحة العقل والاجتهاد.

ولا أكاد أجزم أن معظم مشكلاتنا العربية الراهنة بدءا من ثورات الربيع العربي التي أطاحت بأنظمة وحكومات وهي في الأصل ثورات لا تجمعها أسباب واحدة ولا غايات واحدة بل ولا فكر في تنظيم إحداثياتها، وظاهرة الإرهاب وظهور التيارات المتطرفة الراديكالية مرورا بمشكلات نوعية مثل سد النهضة وحكومات العراق الممزق وفتنة سوريا العصية على الحل والتفسير انتهاء بتحليل انفجار لبنان الأخير، مجملها المركزية المهيمنة على ثقافتنا العربية التي لا تخلو من مهاجم رجعي أو معاصر يبغي الاستشراف بغير خطة، وأن حرص الأغلبية على البقاء دفعها إلى اعتماد النهج السابق وإن كان لا يتصل بالعصر الراهن على حساب مغامرات فكرية لا يعلم نتائجها.

في حين أن أولئك المنادين بالحداثة والتعامل مع الحدث الحالي والحدث الماضي بمفاهيم تبدو غربية مستهجنة تم تصديرها للواقع العربي تحت رعاية صهيونية في بطئ وخبث، حتى صار هؤلاء يتكلمون بلغة الغرب في قضايا عربية أكثر من اهتمامهم بالتفكير اللغوي الذي استحال في مكانة تهديد وتقويض لأركانها الثابتة.

هذا التناوب بين الزمني والمكاني يعيدنا اضطرارا إلى قصة العالم جاليليو الذي يعد من أبرز مؤسسي العلم في العصر الحديث، ولقد نظر إلى الديناميكا نظرة جديدة، فقد افترض أن السكون ليس حالة مميزة للأجسام، بل إن الحركة طبيعية شأنها شأن السكون تماماً، وهي حركة في خط مستقيم.

وقد طور جاليليو نظرته هذه في مجال الفلك، فنادى بمركزية الشمس، وكانت كشوفه تلك قد قلبت كل الأفكار الراسخة القديمة منذ أرسطو، بل لقد عكر منظاره الذي اخترعه صفو سبات القدماء الغارقين في الظنون والأفكار الواهية. وقبل أن تفكر أيها القارئ في مصير جاليليو، لابد وأن تستقرئ نتيجة أفكاره دون تحليل أو استنتاج، فلقد صدم جاليليو رجال الدين في عصره، وأدين بالفعل في جلسة مغلقة، غير أن جاليليو لم يرضخ أو يستسلم، فسيق مرة أخرى للمحاكمة العلنية، فتراجع خوفاً على حياته، ووعد بأن يتخلى عن كل أفكاره المتعلقة بحركة الأرض حول الشمس، وفعل حقاً ما أمر به من رجال الدين، لكنه هو في قفص الاتهام تمتم لنفسه قائلاً: "ومع ذلك فإنها تتحرك" . القصة انتهت.

إن ما فعله العالم جاليليو في فكر عصره نسعى أن نحققه نحن، نفكر، ونستدل، ونبحث، ونجرب، ونتهم، ثم نتراجع عما فكرنا فيه، الأدهش هو أننا حينما نشرع في التفكير نجد عشرات المتربصين بنا وبأفكارنا التي نقسم بالله أنها ليست علمانية، وأن ديننا الإسلامي حض على التفكير، وأن القرآن الكريم الذي ندعي بأننا نفهمه فهماً كاملاً، حث على استعمال العقل والمنطق والتحليل، ففي القرآن الكريم آيات تحض على النظر والتحليل والاستقراء والاستنباط مثل قوله تعالى: ]إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب[، أي العقول التامة الزكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وفي آية أخرى ]ويتفكرون في خلق السماوات والأرض[، وكثير من الآيات القرآنية التي تحض الإنسان على التفكير وإعمال العقل.

وما أكثر الخطب المنبرية والمقالات والكتب التي تتحدث عن وجوب التفكير وأنه فريضة إسلامية كما ذكر عباس محمود العقاد في أحد عناوين كتبه الماتعة الرائعة وهو يواجه صلابة وتعنت الأفكار الرائجة في عصره والتي استدامت حتى عصورنا الراهنة ، ولكن عند أول اختبار لأصحابها يسقطون في فخ الزيغ والهوس وبطلان الحجة. وإذا سألت بعض رجال الدين عن دوره كرجل تنويري لسوف يحدثك عن فعالية التفكير والاستنباط، وعن عظمة التسامح كمحور للتنوير، وأن التسامح ينبغي أن يمتد بلا تمييز. وفي أول محك لتطبيق أفكاره سيلعن التنوير والتنويريين، وسيربط التنوير بالعلمانية، بل وربما بالمسيحية، وبالفلاسفة الملاحدة، ولهم أقول إن التنوير حركة لم تكن مرتبطة بأي مدرسة فلسفية معينة بل إن التنوير يعني العودة إلى تقدير النشاط العقلي المستقل، وبصورة أبسط  نشر النور حيث كان الظلام يسود من قبل.

إن ما فعله جاليليو منذ قرون مضت وجعلنا مضطرين لسرد قصته لأمر واضح وجلي للأفهام، إنه حاول أن يبرهن على دوران وحركة الأرض، وواجه بسبب آرائه تلك تهمة الزندقة والخروج على التعاليم الدينية، وهو ما يريد أن يفعله اليوم بعض الرجال المحسوبين على ديننا الحنيف إذا فكرنا قليلاً  فيما يقولون ويسردون من قصص لا أصل لها في تراثنا الحضاري نزعوا إلى العنف وإلى التكفير وإلى إهدار الدم، واستباحة العرض للمخالف، ولعل هذا في رأيي هو الذي أوجد فقهاً تعسفياً مغالياً، فكيف سيدعون يوماً إلى ثقافة التسمح والمواطنة والتعايش؟

ولست ممن يحاربون الماضي برمته، بل إننا لم نفطن حاضرنا إلا باستيعاب ما تركه لنا السابقون في مجالات التوحيد، والفقه، والحديث، والتاريخ الإسلامي، لكنني أصبحت أمقت مصطلح إعادة قراءة الماضي، وتحليل الموروث الثقافي، بل إنني أحلم بالانطلاق إلى واقعنا الحالي وما يحمله من تحديات ومعوقات تثقل كاهلنا، ولقد عجبت من قول أحد رجال الدين المعاصرين حينما قال إن ثقافتنا الإسلامية لهي جديرة بأن تصارع ثقافة الآخرين، وأن تصرعها وتخلصها من شوائب المدنية الزائفة وأن تحولها إلى دماء صالحة.

ولربما هذا الارتداد المطلق لنصوص السلف الأوائل هو أيضا المتسبب في الكارثة المعرفية لقصور العلماء العرب الموجودين في تفسير واضح ومحدد وأكثر علمية لجائحة كورونا، لكن هم فقط يتحدثون بمنطق الأوائل الراديكالي وفق تصورات وطروحات ثابتة لا تقبل التجديد والتمايز وقد لا تتوافق مع أنماط العقل، فنجدهم يتحدثون عن عملية تحور الفيروس وبداية استنساخه في صور جديدة شتى، ورغم أن مجمل المنتسبين لكليات العلوم بالضرورة يقتبسون شعارات الحداثة والتطور وإعمال العقل في أقصى طاقاته إلا أنهم في المواجهة الأولى الحقيقية لاكتشاف مدى كفاءتهم العلمية في التصدي ولو ثقافيا لكوفيد ـ 19 وليس بالصفة العلمية التطبيقية التي ظلوا يتفاخرون بامتلاك أدواتها لسنوات مضت، وجدناهم يقرون حقائق علمية أشبه بالطرح السلفي للنصوص الدينية بغير تجديد أو اجتهاد.

ولعلي لا أجد مللا في استطراد الحديث عن قصور العلماء العرب لاسيما وأننا بالفعل بانتظار معجزات علمية تأتينا من الغرب، وتكفي إطلالة سريعة لبعض المواقع العلمية الرصينة مثل موقع مجلة Nature لنكتشف حجم وفداحة الجهالة العلمية عند ما يطلق عليهم العلماء الأكاديميين العرب وهذه الغفلة الراديكالية عن التجديد أو الابتكار وبالقطعية هؤلاء لا يمكن أن نطالبهم بالمزيد في مواجهة الجائحة التي تتطور وسط تطور علمي متزامن في الغرب، لأنهم بحاجة ماسة إلى تطوير أدواتهم المعرفية بصورة أقوى وأكبر من تطوير أدواتهم العلمية وإمكاناتهم المعملية، المشكلة بحق في افتقار هؤلاء إلى امتلاك أدوات معرفية مثل الراديكاليين الذين توقفوا في التفكير عند حدود زمانية لا يمكن تخطيها.

***

د. بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية جامعة المنيا – مصر

 

هل هناك وجود للحقيقة الموضوعية؟ واذا كنا بشرا مقيّدين باديولوجيا، هل بمقدرونا معرفة أي شيء حول الحقيقة؟ الفلاسفة ناقشوا هذه الأسئلة منذ الاف السنين لكن الرؤية المهيمنة كانت عموما ان عالم الحقيقة الموضوعية – حقيقة كونية منفردة – هي موجودة فعلا.

ما اذا كنا نستطيع الوصول لهذا العالم تلك قضية اخرى، ولكن وفق هذا الرأي المنطقي الى حد ما، فان الحقيقة الموضوعية موجودة بشكل مستقل عن أي تفكير انساني يتعلق بها. فمن جهة، هناك حقيقة، مهما كانت الحالة في الواقع، ومن جهة اخرى، هناك نحن، نحاول فهم ونشكّل معرفة حولها.

في كتابه (العقل،الحقيقة والتاريخ)، الفيلسوف هيلاري بوتنام Hilary Putnam يقدم تعبيرا جيدا لهذا الموقف:

"وفق هذا المنظور، العالم يتألف من مجموع ثابت من الاشياء المستقلة عن العقل. هناك بالضبط وصف حقيقي وتام "للطريقة التي عليها العالم". الحقيقة تستلزم نوعا من علاقة مطابقة بين كلمات الفكر – اشارات واشياء خارجية ومجموعات من الاشياء".

وبينما يسود هذا النوع من "الواقعية الميتافيزيقية" في الفلسفة والعلوم والأعراف، لكن في القرن التاسع عشر جاء فردريك نيتشة لإفساد الحفلة. "لا وجود هناك للحقائق"، أعلن نيتشه في قول شهير هناك "فقط تفسيرات".

وفي مكان آخر لاحظ نيتشه ان "الحقائق هي أوهام نسينا انها أوهام"، وان "الحقائق هي نوع من الخطأ بدونه لايمكن ان يعيش نوع معين من الكائنات".

اذن، ماذا يقول نيتشه هنا؟ هل هو ينكر وجود الحقيقة الموضوعية – واقع حقيقي؟ هل هو يعني ان الحقيقة نسبية؟ هل هو يوافق مع الفيلسوف اليوناني بروتوغاروس القائل "الانسان هو مقياس كل شيء"؟ هذا في الحقيقة ما تطرحه العديد من تفسيرات ما بعد الحداثة لنيتشه.

اقتباسات مثل تلك التي أعلاه، والتي اُزيلت من السياق الفكري الأوسع لنيتشه ربطت اسم نيتشه بفكرة عدم وجود حقيقة موضوعية: وان "جيد" و "رديء"، "صحيح" و "زائف"  كلها نسبية تعتمد على عوامل خارجية مثل الثقافة وعلم الاحياء النفسي والبيئة.

لهذا تحفز ما بعد الحداثويون باسم نيتشه لدعم حججهم: ذلك ان اللجوء الى "الموضوعية" هو دائما معيب، وان كل المعرفة والعالم ذاته هي مجرد بناء مفاهيمي لا ضمان او دقة له او ملائمة خارج تجربة الانسان الضيقة، وان العقل والمنطق ذاتهما صالحان فقط ضمن التقاليد الفكرية التي يُستعملان ضمنها. يرد النقاد، ان هذه النسبية الخارجية خطيرة لأنها تتجاهل كل مصادر المعرفة. اذا كانت الحقيقة غير موجودة، كيف نستطيع الحكم على رؤية مقابل رؤية اخرى، اذا لم يكن هناك معيار موضوعي حول الصح والخطأ لماذا نثق برأي طبيب مختص دون آخر لا يعرف شيئا حول البايولوجي او الكيمياء او الطب؟ لماذا نضع ايماننا في "الخبراء"اذا كان ما يتعلمه هؤلاء الخبراء ويتدربون عليه ليس له نصيب من الحقيقة؟

كيف يستطيع نيتشه الإجابة على هذه الاسئلة؟ حسنا، بينما هناك سبب جيد لتأثير أعماله على رؤى ما بعد الحداثويون والنسبيون كتلك التي أشرنا اليها أعلاه، لكن العلماء بشكل عام يتفقون على ان نيتشه لديه الكثير من القول حول الحقيقة بدلا من إنكارها كليا. في الحقيقة، ان أفكار نيتشه الصريحة والواضحة حول الحقيقة تبدو صريحة جدا لدى هكذا مفكر حاد. على مر السنين، فسر العلماء نيتشه باعتباره يقدم تفسيرا أكثر دقة وتنوعا للحقيقة قياسا بما تشير اليه أقواله المأثورة. هذا التفسير يُعرف بمنظورية نيتشه Nietzsche’s perspectivism، وبينما لايزال هناك الكثير من الخلاف حول ما ينطوي عليه المنظور حقا، لكن هناك أرضية مشتركة يمكننا من خلالها تحديد المشهد ...

منظوراتنا لا مفر منها

في عمله عام 1886 (ما وراء الخير والشر) يلاحظ نيتشه كيف فشل الفلاسفة تاريخيا في ان يأخذوا بالاعتبار محفزاتهم ومنظوراتهم عندما يعبّرون عن رؤاهم حول العالم. هؤلاء المفكرون يدّعون بمعرفة "موضوعية" أو تكهنات غير متحيزة لكنهم في الحقيقة يجلبون أمتعتهم الخاصة لنظرياتهم المقترحة. نيتشه يصرّح ان "كل فلسفة عظيمة حتى الان" – مثلا، فلسفة افلاطون وكانط – كانت بمثابة "الإعتراف الشخصي لمؤلفيها وهي نوع من مذكرات لا ارادية وغير واعية".

وفي مقطع آخر عام 1887 في (جينولوجيا الاخلاق) يكتب نيتشه: "دعونا نحمي أنفسنا بشكل أفضل من الان فصاعدا ... ضد أخطار التلفيقات المفاهيمية القديمة التي طرحت "موضوعا خالصا للمعرفة ، بلا ألم وبلا زمن ويفتقر للارادة ": دعونا نحرس أنفسنا من مخالب هذه المفاهيم المتناقضة كـ "عقل محض"، "روحية مطلقة"، "معرفة بذاتها"".

المعرفة، لايمكن أبدا ان تكون "خالصة"، حسب نيتشه، لأنه لا وجود لمخلوق قادر على الهروب من منظوره: لا وجود لكائن ابداً يمكنه الوقوف خارج اهتماماته وقدراته المعرفية.

وكما يبيّن نيتشه في مقال مبكر. (حول الصدق والكذب في معنى لا أخلاقي)، "الحشرة او الطير يتصور عالما مختلفا كليا عن العالم الذي يتصوره الانسان، والسؤال حول أي من هذه المنظورات للعالم هو الاكثر صحة هو بلا معنى تماما، لأن هذا يجب تحديده بمعيار التصور الصحيح والذي هو معيار غير متوفر".

مع ذلك، مع ان نيتشه يعتقد ان فلاسفة الماضي فشلوا في محاولاتهم للهروب من منظوراتهم، لكنه لا يرى عملهم بلا فائدة. في مقطع رئيسي عام 1887 في جينولوجيا الاخلاق، هو يكشف كيف ان "الموضوعية"ربما تتحقق في النهاية: " لا ينبغي لنا كعلماء خصيصا ان نكون جاحدين تجاه هذه الانعكاسات الحاسمة للمنظورات والتقييمات المألوفة التي ثارت بها الروح ضد نفسها لفترة طويلة ... بهذه الطريقة ...لكي نرى بشكل مختلف ، ليس بالامر السهل الانضباط وإعداد العقل لموضوعيته المستقبلية"- الاخيرة فُهمت ليس كـ"تكهنات غير متحيزة"(والتي هي سخافة وليست مفاهيم) وانما كقدرة على امتلاك المرء للتأييد والمعارضة في ارادته، وتحويلها داخل وخارج، لكي يعرف المرء كيف يجعل الفرق بين المنظورات والتفسيرات الفعالة مفيدا للمعرفة".

هذا المقطع الشهير يسلط الضوء على رفض نيتشه الواضح للمعرفة الموضوعية كما يجري تصوّرها كـ"نظرة من لا مكان" – أي، كشكل للموضوعية يتجاوز كل المظاهر الذاتية ليكشف كيف هي الاشياء حقا.

وكما يوضح لانير اندرسون R.Lanier Anderson ، يقترح نيتشه ان "المعرفة من دون وجهة نظر هي فكرة غير متماسكة كما هي الرؤية من دون زاوية نظر".

فمثلا، عندما تنظر الى بناية، انت تنظر لها من زاوية معينة. في الحقيقة، انت لا تستطيع ان ترى البناية أبدا مالم تنظر لها من منظور معين (تصوّر الان: أي رؤية لديك مثلا عن برج ايفل، تحدث من زاوية معينة، لا"وجود لرؤية عامة او محايدة او نظرة الله".وهكذا فان منظورك يجعل نظرتك للبناية ممكنة. ونفس الشيء مع الحقيقة، نيتشه يقترح اننا لا نستطيع تأمل الحقيقة بدون القيام بهذا من منظور معين. المفكرون القدماء الذين يدّعون انهم أسسوا حقيقة "موضوعية" هم ببساطة يتبنّون ما يبدو صحيحا من وجهة نظرهم.

هذا لايجعل بالضرورة ان وجهة النظر هذه خاطئة، وفي الحقيقة نيتشه يقترح انه عبر الجمع بين او الفهم الدقيق لمختلف المنظورات نحن نستطيع تحقيق تقدم في المعرفة (كلما زادت الزوايا التي ننظر منها الى برج ايفل، مثلا، كلما كانت معرفتنا بشكله اكثر اكتمالا). بكلمة اخرى، المعرفة المنظورية هي حتمية – كلنا نمتلك مختلف الاهتمامات ووجهات النظر، وتجاربنا في العالم هي في الحقيقة اصبحت ممكنة بواسطة هذه القدرات المعرفية والاهتمامات – لكن عبر الاعتراف بهذا واللعب بوجهات النظر ضد بعضها البعض، نستطيع تحقيق تقدم. ويستمر نيتشه في نفس المقطع:

"هناك فقط رؤية منظورية، فقط "معرفة" منظورية، وكلما سمحنا للمؤثرات بالحديث عن امر ما، كلما زادت العيون، مختلف العيون، نحن نعرف كيف نتعامل مع نفس الموضوع وبالتالي فان مفهومنا لهذا الموضوع سيكون اكثر اكتمالا وموضوعية".

الآن، بينما يمكن تفسير هذا المقطع كمجرد اقتراح بانه كلما زادت التفسيرات كلما كان أفضل، من المهم ملاحظة ان هذا لا يعني ان مختلف التفسيرات بالضرورة تحمل نفس الوزن. بعض التفسيرات ربما خاطئة. فمثلا، اذا كانت لديك عدة خرائط لمنطقة معينة – البعض منها يحتوي على معلومات جغرافية، اخرى ديموغرافية، غيرها ايكولوجية – عندئذ الجمع بين هذه الخرائط سوف يوفر معلومات اكثر "كمالا" حول المنطقة. لكن هذا لا يعني بالضرورة ان كل خارطة هي دقيقة.

وكما يعلق الفيلسوف بريان ليتر Brian Leiter في كتابه (نيتشه حول الاخلاق): "المنظورية تُفسر هكذا، التأكيد على ان المعرفة هي دائما قيد الاهتمام (وبالتالي جزئية) وان مختلف الاهتمامات سوف تزيد من اتساع المعرفة، لكنها لا تعني ان المعرفة تفتقر للموضوعية او ان لا وجود هناك لحقيقة حول القضايا المعروفة".

ربما نتسائل اذن بأي معيار نستطيع الحكم على منظور معين باعتباره أفضل من غيره. العلماء يختلفون حول كيفية التأمل مع هذا التوتر في فكر نيتشه، لكن أحد الاتجاهات هو الأخذ بنصيحة نيتشه: وهي مهما كان الذي يجلب "الكثير من العيون، ومختلف العيون" فيما يتصل بمسألة معينة سيمتلك صورة اكثر "اكتمالا" عنها. بكلمة اخرى، شخص ما مطلع على محدودياته المنظورية، وهو قادر على النظر للشيء من مختلف وجهات النظر، سيكون لديه منظور اكثر غنى من شخص آخر ينظر فقط للاشياء بطريقة واحدة.

طريقة اخرى لنزع فتيل التوتر في فكر نيتشه هي ببساطة إنكار وجود مشكلة كبيرة. المعايير موجودة ضمن مختلف الحقول – علم جيد مقابل علم سيء، فن جيد مقابل فن سيء – لذا نسبيا من غير المثير للجدل التفكير في ذلك، حتى بدون توجيه نيتشه الصريح نحن قادرون على فصل المنظورات الواعية عن تلك الجاهلة.

هل تتقرر المعرفة بعلم النفس الحيوي psychobiology؟

نقطة خلاف اخرى بين العلماء هي المدى الذي يقترح فيه نيتشه ان وصولنا للحقيقة يتشكل ليس فقط بقدراتنا الادراكية الفردية واهتماماتنا وانما بمحفزاتنا الحيوية النفسية، بما يسميه نيتشه "دوافعنا".

في كتابها (نيتشه حول الحقيقة والفلسفة) مثلا، تقترح الفيلسوفة ماديمرا كلارك Maudemarie Clark ان منظورية نيتشه هي في الاساس تعليق على الابيستيمولوجي، طبيعة المعرفة – ترى كلارك ان منظورية نيتشه ترقى الى ادّعاء بان الكون ليس له سمة "موضوعية" خالصة. لا وجود لرؤية عامة للكون يمكن اتخاذها، لأن المخلوقات من الصقور حتى الانسان كلها لديها اهتمامات وقدرات ادراكية مختلفة. الطبيعة المنظورية الذاتية للمعرفة لايمكن ان تحرمنا من أي شيء نريده بشكل معقول.

هناك حقائق بين الناس، ربما حتى حقائق مشتركة مع كل الكائنات في الكون، لكن مثل هذه الحقائق ليست محايدة او غير متحيزة ابدا او موضوعية خالصة، لأنها تعتمد سياقيا على مختلف الادراكات المنسجمة. فمثلا، من وجهة نظر العلم انها الحقيقة الاحسن و الاكثر موضوعية بان الارض تدور حول الشمس. لكن العلم يبحث في العالم الذي يمكن للبشر فهمه.  العالم الذي يمكن للبشر فهمه لا يتطلب بالضرورة معرفة كل التفاصيل او المظاهر.

افرض هناك كائنات لا تتعامل مع الكون بثلاثة أبعاد – ربما هم يرونه ببعدين او تسعة أبعاد. افرض هناك كائنات لا تمارس الزمن بشكل خطي كما نفعل نحن. مثل هذه الكائنات يُحتمل لديها علم مختلف كليا عنا. ربما بالنسبة لهم لا معنى للقول ان الارض تدور حول الشمس. ان المنظورية يمكن تفسيرها على هذا النحو وهو ان كل الحقيقة الموضوعية لدينا يجب ان تكون مؤهلة من المنظور الانساني حتى لو بدت متشددة بشكل غير ضروري. نحن نتعامل مع الكون بطريقة معينة، لذا حقائقنا هي صحيحة فقط في تلك الطريقة من ممارسة الكون.

2+2=4 هي صحيحة لكائنات لديهم فكرة عن العدد والاضافة،وهي غير ملائمة لأي شيء ليس كذلك. وكما يكتب كلارك:

"المنظورية ترقى الى الادّعاء باننا لا نستطيع ولا نحتاج لتبرير عقيدتنا عبر اختزالها الى مجموعة من عقائد لايمكن مسائلتها والتي يجب على  جميع الكائنات البشرية ان تتقاسمها.  هذا يعني ان كل التبريرات سياقية تعتمد على عقائد اخرى لايمكن الطعن فيها في الوقت الراهن لكنها ذاتها قادرة فقط على تبريرات سياقية مشابهة".

وفق هذه الرؤية، نيتشه يرفض امكانية الميتافيزيقا بمعنى، هناك نظرية اساسية غير متحيزة ومستقلة عن المنظور الانساني.

كن جيمس Ken Gemes في مقاله عام 2013 (منظورات الحياة) والذي ظهر في دليل اكسفورد لنيتشه، يجادل ان نيتشه غير مهتم في عمل تعليق على الحقيقة او الابستيمولوجي ابدا. منظوريته ربما لها انعكاسات على الحقيقة او الابستيمولوجي لكنها يجب النظر اليها اساسا كادّعاء علم نفس حيوي. في الحقيقة، جيمس يربط المنظورية بعقيدة نيتشه في ارادة القوة،حيث كل "دافع" او "حافز" فينا له منظوره للعالم، ويسعى للتعبير عن ذلك التفسير على حساب حوافز اخرى. وهكذا يرى جيمس ان المنظورية نتيجة طبيعية لعقيدة نيتشه في الارادة الحرة.

وفق هذه الرؤية الاخيرة وفي تباين صارخ مع قراءة كلارك – نيتشه لا يرفض امكانية الميتافيزيقا في منظوريته وانما هو في الحقيقة يقدم واحدة خاصة به: ان العالم هو عدة منظورات، تتنافس لأجل الهيمنة.

أين يتركنا منظور نيتشه؟

ان عدم الاتفاق والالتباس الذي يحيط برؤية نيتشه حول الحقيقة تأكّد بحقيقة ان نيتشه ذاته يبدو يغيّر آرائه طوال اعماله. في هذه المقالة المبكرة (حول الحقيقة والكذب بمعنى غير أخلاقي)، إنكار نيتشه للحقيقة يظهر بوضوح، وهذه المقالة هي المسؤولة عن اثارة المزيد من التفسيرات المابعد حداثوية لرؤى نيتشه.

لكن، في أعماله اللاحقة، وبالذات بدءاً من (في جنيالوجيا الاخلاق) فصاعدا، نيتشه كان متحمسا كثيرا حول امكانية الحقيقة، وكذلك العلم كونه الطريقة الاكثر فعالية للحصول عليها. بالطبع، في هذه الاعمال هو يستمر بنقد العلم من حيث قدرته على تزويدنا بقيمة تعليمية حول الطريقة التي نقترب بها من الحياة – وان متابعة العلم على حساب كل ماهو آخر هو ضار سايكولوجيا – لكنه لم يعد لديه مشكلة كبيرة معه كقاطرة لإعطاء معرفة ثمينة وموثوقة حول طبيعة الوجود (حتى عندما تكون معرفة المزيد عن طبيعة الوجود لاتفيدنا تماما للتوافق معه).

هناك سبب آخر للشك في التفسير المابعد حداثوي الشائع لنيتشه،في انه يرفض الحقيقة الموضوعية. في الحقيقة، اذا كان نيتشه يرفض إمكانية الحقيقة، هذا يعني افتراضا ان جداله يقع ضمن صنف "غير صحيح".

هذا ليس فقط يثير مشكلة الاحالة الذاتية (مبدأ لا وجود لشيء كحقيقة موضوعية" كاستثناء لقاعدته الخاصة به؟)، وانما ايضا يلقي شكا في كل فلسفة نيتشه. لماذا يهتم نيتشه بوصف تجربتنا في العالم باعتبارها تفاعلا بين الأبولونية والديونيسيوسية في مولد التراجيديا، اذا كان لا يعتقد ان هذه الملاحظة حقا تتوافق مع الطريقة التي تسير بها الامور؟

لماذا هو يهتم في صياغة أفكار وإطلاعنا بها مثل فكرة العود الابدي او السوبرمان لو كان لايرى حقيقة عامة فيها؟

مختلف المستويات من الحقيقة

ربما احدى الطرق لحل هذا التوتر الظاهر في فكر نيتشه هو تأسيس درجات مختلفة لكلمة صحيح "true". كلمة صحيح بحرف كبير "True" تشير الى حقيقة ميتافيزيقية عميقة محايدة، بينما صحيح بحرف صغير true”" تشير الى حقيقة عامة مشتركة بين وجهات نظر متوافقة لكنها لا تدّعي اي هدف يتجاوز هذا).

لا وجود هناك لعالم عائم حر محايد للحقيقة الموضوعية، نيتشه يرى هناك فقط العالم الذي نتعامل معه ذاتيا – ونحن نستطيع ممارسة وزيادة معرفتنا به فقط بسبب منظوراتنا، وقدراتنا الادراكية واهتماماتنا. عالم بدون منظور هو تماما مثل الشيء بلا موضوع - غير منطقي. التأمل غير المتحيز في الحقيقة الميتافيزيقية،كما يرى نيتشه، هو استحالة سخيفة، وان النقاشات المؤثرة في ما هو صحيح بالنسبة لنا،وفق المعايير المعمول بها بين مختلف المنظورات المنسجمة، هي كل ما يمكننا ان نسعى اليه او نأمل فيه بشكل واقعي.

لذا، ربما نقول، نيتشه لا يعتبر فلسفته او معرفته العلمية صحيحة بالمعنى الميتافيزيقي (لأن مثل هذه الحقيقة مستحيلة)، وانما صحيحة بمعنى انها افضل نظرية حاليا لدينا من بين منظوراتنا الانسانية المحدودة.

وبصرف النظر عن مكاننا في هذه القراءات المختلفة، منظورية نيتشه غالبا ما يتم الاشادة بها كواحدة من أهم مساهماته الفلسفية الثمينة كونها فتحت النقاش حول المدى الذي تؤثر فيه العوامل الخارجية على "نقاء" المعرفة. انها تضيف دقة وتعقيدا وعمقا سايكولوجيا كان مفقودا عندما يتعلق الامر بتحليل نظريات المعرفة: نحن لا نستطيع الهروب من منظوراتنا، وبالتالي فان الوعي بما يشكل ويحد من وجهات النظر تلك هو هام لتقدم المعرفة.

بكلمة اخرى، ادّعاءات الفلاسفة والمفكرين القدماء لا تحتاج فقط تحليل من وجهة نظر الحقيقة، وانما يمكن تشخيصها ايضا على انها أعراض لأنماط معينة من الوجود، ويمكن ارجاعها الى التكوينات المعقدة لعلم النفس، والدافع والتأثير من وجهة النظر التي تجعلها منطقية. يلخص R.Lanier Anderson:

"منظورية نيتشه ترتبط ببرنامجه "الجينولوجي" في نقد النظريات الفلسفية عبر كشف الحاجات السايكولوجية التي تلبّيها، تساعد المنظورية في تحفيز البرنامج وتزويده بإرشاد ميثدولوجي".

***

حاتم حميد محسن

....................

Philosophy Break, January 2025

  

إذا كان نيتشه قد عدَّ الغالق الحقيقي لبوابة الحداثة، فإن فوكو الفاتح الحقيقي لبوابة ما بعد الحداثة

كشف التطور التكنلوجي في مجال العلم، بؤس المناهج الفلسفية والأنساق المعرفية التي كانت متاحة عند فلاسفة العصر الحديث، وهذه المفارقة قد أوجدها فلاسفة ما بعد الحداثة، حيث أدركوا أن المناهج الفلسفية لم تعد تواكب ديناميكية العلوم وصيرورة الفكر العلمي، فضلاً عن النتائج اليقينية والقطعية التي ينتهي إليها العلم. والجانب الرئيسي والحاسم في مجال تبديل المنهج يكمن في عملية الانتقال من العلوم الميتافيزيقية إلى العلوم الفيزيقية. ومن أجل ذلك سعى فلاسفة ما بعد الحداثة إلى إعادة صياغة للمناهج المستعملة في مجال الفلسفة، فمنذ النقد النيتشوي لمسلمات العقل والدين والأخلاق، وهي المرحلة التأسيسية لفتح المجال لتيار ما بعد الحداثة، مروراً بفينومينولوجيا هوسرل، وحتى البنيوية وغيرها، بدأ المنهج يأخذ مجالاً آخراً عما سبق، ونتيجة لهذه الحاجة الماسة في المنهج، خرج صاحبنا فوكو بأهم افرازات الفكر الغربي في المنهج، وهو المنهج الأركيولوجي.

​وهو من الناحية اللغوية يتكون المصطلح من شقين، (arche)، وهي مفردة يونانية تعني القديم، و(logy)، وتعني علم، ليصبح معناه اللغوي (علم الآثار)، وهو فرع علمي يعنى بدراسة آثار الحضارات القديمة، أو هي علم النقوش والآثار المندثرة، ظهر المصطلح لأول مرة في كتابات فوكو في (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي)، وكتاب (مولد العيادة)، الذي ظهر بطبعته الأولى تحت عنوان (اركيولوجيا النظرة الطبية)، وكذلك جاء كتاب (الكلمات والأشياء) كان في طبعته الأولى بعنوان (اركيولوجيا العلوم الإنسانية). ومما تجدر الإشارة إلى عدم وجود أي علاقة بين الاركيولوجيا بوصفها علم يبحث في الآثار، وبين استخدام فوكو وتوظيفه لهذا المصطلح، ففوكو لا يبحث في الآثار في مجال المعرفة ليعيد بناء ماضي المعرفة الإنسانية، وإنما يبحث في جملة القواعد بعدّها شروطاً لإمكان ظهور المعارف في فترة تاريخية معينة. ​

​وعن طريق الأركيولوجيا بحث فوكو في تاريخ الفلسفة، ففي إحدى محاولاته الحفرية، يؤكد فوكو على إن عصرنا كله، سواء من خلال المنطق أو من خلال الأبستمولوجيا، وسواء من خلال ماركس أو من خلال نيتشه، عصر يحاول أن يفلت من هيغل، وما حاولت أن أقوله من قبل بصدد الخطاب ليس وفيّاً للوغوس الهيغلي. ولكن أن يفلت المرء فعلاً من هيغل، فهذا أمر يتطلب تقديراً مضبوطاً لما يكلفه الانفصال عن هيغل، وهذا يقتضي أن نعرف ما الذي ما يزال هيغلياً، ضمن ما يمكننا من التفكير ضد هيغل، وأن نقيس القدر الذي يحتمل فيه أن يكون سعينا إلى مناهضة خدعة ينصبها في وجهنا وهو ينتظرنا في نهاية المطاف هناك هادئاً. وليس فوكو فقط من اتخذ هذا الموقف ضد الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل، فأول من أسس لهذه الثورة هو الفيلسوف الدنماركي سورن كيركيغارد، وبعده جاء صاحب المطرقة، أقصد الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، ليحطم المرحلة الحديثة لتاريخ الفلسفة، وبدون شك أن هذه المرحلة تشكلت وبإسهامٍ كبير مع هيغل، وحتى برتراند رسل، لديه موقف جدُّ متطرف من فلسفة هيغل، حيث يسمي منهجه الذي بنى عليه فلسفته، أي الدياكتيك بــ جرثومة هيغل.

وتمثل الأريكيولوجيا محوراً هاماً في تاريخ الفكر الفلسفي المعاصر، فقد كانت الانطلاقة من الفتوحات البنيوية في مجال الأنثروبولوجيا والتحليل النفسي واللسانيات، إلا ان فوكو لم يبق رهين المنهج البنيوي، بل قام بتجاوز البنيوية وحتى انتقادها والتنكر لها، ليقدم مشروعاً أسماه بالمشروع الحفري النقدي. وهنا تثار مشكلة التصنيف لفوكو، فمن جهة هناك العديد من الدراسات تنسب فوكو صفة البنيوية، وينفي فوكو من جهة أخرى إلحاق هذه الصفة به. فيقول فوكو: لا أرى من يمكن أن يكون مضاداً للبنيوية أكثر مني، لكن ما هو مهم ألا نفعل بالحدث ما فعلناه بالبنية، إذ لا ينبغي أن نضع كل شيء في مستوى واحد هو مستوى الحدث، بل ينبغي أن نعتبر أن هناك سلماً من أنماط الأحداث المختلفة التي ليست لها نفس الأهمية، ولا نفس الامتداد الزمني ولا نفس القدرة على إحداث تأثيرات.

​وقد حاول فوكو من خلال اركيولوجيته أن يؤسس مشروعاً فلسفياً متكاملاً، ليست غايته البحث عن الحقيقة وتتبعها، بل إن الغاية الأساسية من الأركيولوجيا تتمحور في تقويض فكرة الحقيقة في مختلف مجالاتها، خصوصاً وإن التغيرات التي شهدها العالم في القرن الماضي، كانت ضرورة ملحة لتغيير النهج الفكري في مستوياته المختلفة. وبالتالي، كانت اركيولوجيا فوكو منهج يهدف إلى الكشف عن القواعد التي تسهم في تشكيل الخطاب في حقبة تاريخية معينة وأشكال ظهوره وانبجاسه والكيفية التي يمارس بها دون الاهتمام بمضمون الخطاب، وإنما بما يشكله، فهو يسعى لرسم حركة التعاقب وانماطه وصيغه المختلفة التي يتخذها، والمستويات المختلفة للتحولات إنها تبحث عن القطائع والانشقاقات والتصدعات وتقوض منطلقات التاريخ بحلته التقليدية، فهي منهج يكرس للاختلاف، وممارسة تكشف وتميط اللثام عن أنماط تكون الخطابات وتعاقبها وتشابكها.

​وتوجه الحفر الأركيولوجي نحو مجموع الممارسات الخطابية وغير الخطابية، معتمداً على تفكيك الشفرة اللغوية التي توارت خلف الخطابات بتعدد مستوياتها؛ بمعنى أن اللغة كانت ذات أهمية بالغة في النقد الفوكوي للحضارة الغربية.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

اعتقد وجود عشرات التساؤلات تلوح في مخيلة أذهان قرائنا وجميعها يدور حول غرابة عتبة الخطاب (عنوان المقال) دلالته ومعناه وحيثياته وبنيته والقضايا ذات الصلة التي يثيرها في سماء ثقافتنا الملبدة بالغيوم والدخان والضباب المتوهم من فرط غياب صفاء المصارحة المعرفية، ووضوح المعاني، وصدق الصور، والأصوات والمشاعر التي تنقلها الحواس للأذهان لتقوم بدورها النقدي لغربلة الوافد من المدركات والأوهام للوصول إلى المعقولات والقناعات المنطقية حيث درجات الحقائق ودركات الأوهام الخادعة والمعارف الزائفة فتفصل بين اليقين والإفك؛ الأمر الذي لا سبيل إليه سوى ما نطلق عليه فلسفة الكذب.

أجل نتسائل هل يمكننا الجمع بين محبة الحكمة وكراهة الكذب في سياق واحد؟ وما ذلك الذي يربط بين أيقونة الفضائل العقلية وأحط الرذائل النفسية وأقبح النقائص الأخلاقية أو واحدة من المفاسد التربوية؟ وماذا نجني من تلك الرابطة في ذلك النسق العقلي؟ وهل تحدث الحكماء عن الكذب بوصفه جنوحاً أو سلوكاً أو وسوسة شيطانية وإحدى النقائض الكامنة في النفس البشرية (الفجور والتقوى، الشر والكذب، الحب والكراهية، التسامح والتجبر)؟ وماذا قدم الحكماء من أراء أخلاقية وآليات معرفية ونهوجًا منطقية لمكافحة ذلك الكذب في ميدانيّ القيم والمعرفة؟ وما تلك الطرائق والآليات لمكافحة تلك الوساوس وفضح ألاعيب صناع الأوهام والأكاذيب.

لذا سوف أحاول في السطور التالية الإجابة عن هاتيك التساؤلات حتى يزال اللبس وتنكشف مواطن الغموض.

***

فيبدو أن معظم المثقفين غير متخصصين في المعارف الفلسفية قد خفي عليهم أن للفلسفة مباحث رئيسة (الوجود، المعرفة، القيم) ومباحث أخرى فرعية تنطلق من العلوم والموضوعات التي تطرح على مائدة النظر العقلي وهي متباينة ومتعددة ومتجددة ومتطورة وفق الثقافة السائدة وحركة التاريخ وجميعها يحتكم إلى منهجيات تتواءم مع طبيعة بنية الأفكار المطروحة من جهة وتستعين بآليات توافق ثقافة العصر الذي تطرح فيه تلك الأمور الفلسفية وهي من ناحية أخرى تنقسم تلك المعارف الفلسفية إلى جانبين (نظري وتطبيقي) الأول يختص بالمعارف التجريدية التي تحتكم إلى المعقولات والمنطق أو للتجربة العلمية الحسية

 أما الجانب الثاني فمجاله التطبيق والممارسة ويكتسب قيمه من التجربة العملية الأداتية والوظيفية وتحتكم إلى كفاءتها وقدرتها على القيام بوظيفتها بالوجه المناسب للواقع أيضًا أي أن المعيار هو التطبيق العملي . وقد اختلف الباحثون في بنية الفلسفة حول معنى العقل وميادينه ومجالاته ومن ثم تباينت تصنيفاتهم للعلوم النظرية والتجريدية والتجريبية والوجدانية والروحية وعلى سبيل المثال أدرجت فلسفة اللغة ضمن العلوم اللسانية التطبيقية وانقسم علم الأخلاق إلى قيم عامة وأخلاقيات تطبيقية وآداب مهنية وميزت بعض التصنيفات فلسفة الدين عن فلسفة اللاهوت وجعلت ضربين للمنطق نسقي عقلاني وعلمي تجريبي كما نزعت بعض الفلسفات المعاصرة إلى نقد هذه التصنيفات ونقض تلك المناهج والأسس والضوابط الحاكمة للتفكير في هذا أو ذاك وتمردت على بنية المحتوى المعرفي للتفكير فشرعت في الحديث عن (المابعديات) مثل ما بعد المنطق، ما بعد العلم ، ما بعد الدين. كما استشرفت نهايات لمبحث الوجود مثل نهاية التاريخ ونهاية الحضارة ونهاية الإنسان. واستحدثت فلسفات نوعية مثل فلسفة النقد، وفلسفة القراءة، والفلسفة النسوية، وفلسفة المستقبل، وفلسفة الروح.

أما الموضوع الذي نحن بصدده (فلسفة الكذب) فهو ينتمي إلى الفلسفة الأخلاقية التطبيقية في جانبه القيمي وينضوي تحت فلسفة المنطق والعلوم المعاصرة في جانبه المعرفي. شأنه في ذلك شأن فلسفة اللعب وفلسفة الحب وفلسفة البيئة وفلسفة الجنس وفلسفة الحرب وفلسفة الفن وفلسفة الضحك فجميعها تطبيقية تتشكل بنياتها تبعًا لطابعها العملي وموضوعاتها الأداتية.

***

وعليه أن فلسفة الكذب معنية بأمرين أولهما نظري يتمثل في تحليل بنية الكذب وعلة وجوده وتحديد شكله وأثره في المجتمع وأغراضه ومراميه وكيفية صناعته.  أما الجانب التطبيقي فيتعين في آليات كشفه والتحكم في آثاره وإيجاد أيسر السبل لمقاومته وأقوى النهوج للتصدي إليه وإحباط مؤامراته عن طريق معالجة منافذ ظهوره ومقومات انتشاره.

لذا نجد معظم فلاسفة التربية والأخلاق قدماء ومحدثين يرغّبون النشأ في فضيلة الصدق ويرهبونهم ويحذرونهم من تبيعات الكذب وذهبوا في الوقت نفسه لتتبع مراحل نمو هذا الداء فاجتهدوا في نزع الخوف من الأذهان والخجل والجبن من المشاعر وأعلوا من شأن فضيلة الشجاعة والحياء والمصارحة في برامجهم التربوية واتخذوا من عملية إحلال الفضائل عوضًا عن مكامن الرذائل والنقائص التي تسللت للعادات باعتبار هذا النهج أولى خطوات معالجة الكذب وقد كشفوا أيضًا أن الثقافة السائدة في المجتمع تعد من العلل الرئيسة لظهور الإفك والغدر والخيانة والنكوث بالوعود ونقد العهود وجميعها شكل من أشكال الكذب وعلل ذلك ترد في المقام الأول إلى ضعف الوازع القيمي المستمد في أغلب تلك الثقافات من الفكر الديني وغيبة القدوة والمصلحين أضف إلى ذلك تفشي الفساد وانتشار المحرضين عليه وغيبة العدالة والإنصاف في الأمور الاجتماعية والسياسية وجحد الناس للقوانين والضوابط واستخفافهم بها حتى أضحى الرأي العام يأن من العوز والفقر والشعور بالإحباط والعجر عن بلوغ المقاصد والمطامح والآمال فانقسمت المجتمعات إلى طبقات واتجاهات وملل ومذاهب وطوائف وأحزاب الأمر الذي ولد الخلط بين العديد من المفاهيم مثل (التسامح والطيبة والجبن والحياء والعفة والتحرر والإباحية والعري). وراق لفريق آخر من المتفلسفة البحث عن علة الكذب في الطبائع البشرية؛ فالشخص المصاب بالأنانية أو بالنرجسية أو المغالي في حكمه على قدراته والمتطلع إلى ما لا يتفق مع مؤهلاته فجميع تلك الشخصيات تلجأ للكذب رفضًا لواقعها وتمردًا على ظروفها وهناك بعض الشخصيات التي تؤثر التملق والمداهنة والنفاق على بذل الجهد والكد والاجتهاد لتصل إلى ما تطمح إليه وذلك بالمداراة والغش والبوح بنقيض الحقيقة. وهناك فريق ثالث من العلماء والفلاسفة والمفكرين قد عني جد عنايته بتحليل كتابات الأغيار الطاعنة في الثقافة العربية الإسلامية بداية من جحد عراقة تراثها القديم وطبيعة دور هذه الأمة العريقة في الحضارة الإنسانية والمشككة في قداسة عقيدتها الإسلامية والمسيحية وعقلانية مصنفات المفكرين في الحضارة الإسلامية سواء في ميادين العلم، الفلسفة، الفن؛ أو في المباحث الفقهية والكلامية والصوفية.

ولعل أشهر هذه المحاولات النقدية التي عمدت إلى فضح أكاذيب غلاة المستشرقين هي ترجمة دائرة المعارف الإسلامية إلى العربية والتعقيب على موادها المعرفية وذلك في مطلع العقد الثالث من القرن العشرين ناهيك عن المحاولات النقدية الفردية لصد هذه الهجمة الغادرة التي اضطلع بها أوائل رواد النهضة العربية الإسلامية في الربع الأول من القرن التاسع عشر؛ وذلك للكشف عن زيف ادعاءات كُتابها وفضح دوافعهم العدائية وعصبتيهم الشيفونية وذلك للحط من شأن ثقافتنا التليدة.

كما عكف طريق رابع على تحليل الشائعات والادعاءات والاخبار والاعلانات وغير ذلك من آليات التواصل الجماهيري وذلك لكشف المغالطات المنطقية في تلك الدعاوى والأهداف الحقيقية من وراء ذيوع الخبر وانتشاره كما استخدمها المحققون لاستجلاء الحقائق من فرط الخداع الذي اتخذته الحروب المعاصرة سلاحًا لها إذ طمست الحقائق وروجت لوجود الأوهام وحجبت النتائج العلمية الحديثة عن الشعوب المتطلعة للتقدم والتطور وبررت ذلك بأن الخداع والمراوغة من آليات الحروب وفاتهم أن هذا الصراع جزئي وليس دائم أو كلي فالأصل في التعايش الإنساني هو السلم والتعاون وليس الإضلال والتضليل والخداع والخيانة والتآمر والكيد.

 ومثل كل تلك الأمور تنضوي بالقطع تحت قناع الكذب.

أما الجانب التنويري والتوجيهي فيمثل الشق الإيجابي من وظائف الفلسفة حيال هذه الآفة التي كفرت بالصدق وشوهت الحق وشوشت على المعارف وشككت في الثوابت فغلت العقول وأضلتها؛ الأمر الذي دفع الفلاسفة قديمًا وحديثًا إلى إحياء هذا الجانب النقدي للفلسفة علمًا بأن أقدم الدراسات التي حملت عنوان (فلسفة الكذب) في مصر والعالم العربي ترجع إلى العقد الرابع من القرن العشرين وبالتحديد على يد محمد مهدي علام (1992-1900) عام 1932 بعنوان (فلسفة الكذب) أما أحدثها فهي للدكتورة سهام محمد عام 2024 م بعنوان (صناعة الكذب)؛ الأمر الذي يكشف عن أصالة هذا المبحث في الدراسات العربية ومن ثم فأنني أناشد شبيبة الباحثين الاضطلاع بهذه المهمة أي عقد دراسات تطبيقية عن فلسفة الكذب وذلك لنتمكن من صد الهجمة الشرسة التي وجهت أسلحتها لاقتلاع وجودنا بداية من التشكيك في أصالة ثوابتنا وصدق رموزنا وقادتنا وأهل الرأي فينا ومرورًا بالعمل على الحط من عزائمنا في شتى الميادين وانتهاءً بإفساد حياتنا الاجتماعية والأخلاقية والتربوية والتعليمية والسياسية وتضليل القائمين عليها. وليعلم المعنيون بالدراسات الفلسفية أن الخطب جلل ويحتاج إلى جهود بحثية وتطبيقية لدفع الضرر عن أمتنا.

وللحديث بقية عن جوانب فلسفة الكذب التطبيقية.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

 

من التمايز المصطلحي إلى التكامل المعرفي

مقدمة: يُمثل الإدراك البشري (Perception) أحد الموضوعات الأساسية في الفلسفة، حيث يتناول العملية التي يترجم بها العقل البشري المعطيات الحسية إلى معرفة. يتمحور النقاش الفلسفي حول الإدراك حول سؤال أساسي: هل الإدراك عملية موضوعية تعكس الواقع كما هو، أم أنه ذاتي يتشكل وفقًا لتجارب الفرد وتصوراته؟ هذا المقال يهدف إلى استعراض التمايز المصطلحي بين الذاتية والموضوعية في سياق الإدراك، ثم استكشاف إمكانية التكامل المعرفي بينهما، مع الاستناد إلى التراث الفلسفي وآراء فلاسفة مثل ديكارت، كانط، وهوسرل، إلى جانب الإسهامات الحديثة في فلسفة العقل وعلم الإدراك.

التمايز المصطلحي: الذاتية والموضوعية

يُعرف الإدراك في الفلسفة بأنه العملية التي يتم من خلالها تفسير البيانات الحسية لفهم العالم الخارجي. يتمحور التمايز بين الذاتية والموضوعية حول مصدر المعرفة وطبيعتها:

  الذاتية (Subjectivité): تشير إلى الإدراك كتجربة فردية تتأثر بالعوامل الشخصية مثل الخلفية الثقافية، العواطف، التجارب السابقة، والتحيزات المعرفية. في هذا السياق، يُنظر إلى الإدراك كعملية داخلية تعكس حالة الذات أكثر من الواقع الخارجي. على سبيل المثال، يرى الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت في كتابه التأملات في الفلسفة الأولى (1641) أن المعرفة الحسية قد تكون خادعة، وأن اليقين الحقيقي يكمن في الذات الواعية ("أنا أفكر، إذًا أنا موجود").

الموضوعية (Objectivité): تفترض أن الإدراك يمكن أن يعكس الواقع كما هو، مستقلًا عن الذات الفردية. هذا الموقف تجسد في الفلسفة الواقعية، التي تؤكد أن هناك عالمًا خارجيًا موجودًا بغض النظر عن إدراكنا له. على سبيل المثال، يرى جون لوك في مقال في الفهم البشري (1689) أن الأفكار تنقسم إلى صفات أولية (موضوعية مثل الحجم والشكل) وصفات ثانوية (ذاتية مثل اللون والطعم).

التمايز بين الذاتية والموضوعية يطرح إشكالية فلسفية عميقة:

هل يمكن للإدراك أن يكون موضوعيًا بالكامل، أم أن الذاتية جزء لا يتجزأ منه؟ هذا السؤال قاد إلى انقسامات فلسفية بين التيارات المثالية (Idéalisme)، التي ترى أن الواقع يعتمد على الذهن (كما عند بيركلي)، والتيارات الواقعية (Réalisme)، التي تؤكد وجود عالم مستقل.

الإدراك عند الفلاسفة: من ديكارت إلى كانط

 رينيه ديكارت (1596-1650): أسس ديكارت للشك المنهجي، معتبرًا أن الحواس قد تكون خادعة، كما في مثال الشمع الذي يتغير شكله عند الذوبان، لكنه يظل شمعًا في جوهره. اقترح ديكارت أن العقل هو مصدر المعرفة الحقيقية، مما يعزز الطابع الذاتي للإدراك.

إيمانويل كانط (1724-1804): قدم كانط في كتابه نقد العقل الخالص (1781) رؤية ثورية تربط بين الذاتية والموضوعية. يرى كانط أن الإدراك يتشكل من خلال هياكل معرفية مسبقة في العقل (مثل الزمان والمكان)، والتي تُنظم المعطيات الحسية. وفقًا لكانط، لا ندرك "الشيء في ذاته" (Noumène)، بل الظاهرة (Phénomène) كما يتشكل في وعينا. هذا النهج يُظهر تفاعلًا بين الذاتية (هياكل العقل) والموضوعية (المعطيات الخارجية).

إدموند هوسرل (1859-1938): في الفينومينولوجيا، دعا هوسرل إلى "تعليق الحكم" (Epoché) لدراسة الإدراك كما يظهر للوعي، متجاوزًا الافتراضات حول الواقع الخارجي. يرى هوسرل أن الإدراك عملية ذاتية في جوهرها، لكنها تتيح فهمًا مشتركًا للواقع عبر التجربة الواعية.

التكامل المعرفي: جسر بين الذاتية والموضوعية

في الفلسفة الحديثة وعلم الإدراك، ظهرت محاولات لتجاوز الثنائية بين الذاتية والموضوعية من خلال التكامل المعرفي. يمكن تلخيص هذا النهج في النقاط التالية:

  الفينومينولوجيا والتجربة المشتركة: يقترح هوسرل ومن تبعه (مثل موريس ميرلو-بونتي) أن الإدراك، رغم ذاتيته، يعتمد على تجربة مشتركة بين البشر. على سبيل المثال، إدراك اللون الأحمر قد يختلف في تفاصيله بين الأفراد، لكنه يتيح التواصل بفضل السياقات الثقافية واللغوية المشتركة.

علم الإدراك (Science cognitive ): تُظهر الدراسات الحديثة أن الإدراك يتأثر بتفاعل معقد بين العمليات العصبية والمعطيات الخارجية. على سبيل المثال، نظرية "الإدراك التوقعي" تقترح أن العقل يبني نماذج تنبؤية بناءً على المعطيات الحسية والتجارب السابقة، مما يجمع بين الذاتية (النماذج الداخلية) والموضوعية (المدخلات الحسية).

التشابكية: هذا النهج، الذي طوره فرانسيسكو فاريلا وآخرون، يرى أن الإدراك ليس مجرد استقبال للمعطيات، بل عملية ديناميكية تنشأ من التفاعل بين الكائن الحي وبيئته. هذا التفاعل يتيح التكامل بين الذاتية (تجربة الفرد) والموضوعية (البيئة الخارجية).

التحديات والنقاشات المعاصرة

رغم محاولات التكامل، لا تزال هناك تحديات:

  الوهم الإدراكي: تُظهر الظواهر مثل الأوهام البصرية أن الإدراك قد يكون خادعًا، مما يعزز الطابع الذاتي. على سبيل المثال، تجربة "فستان الألوان" (2015) أثارت نقاشًا عالميًا حول اختلاف إدراك الألوان بين الأفراد.

التحيزات المعرفية: تؤثر التحيزات مثل تأثير التأكيد على الإدراك، مما يجعل الموضوعية الكاملة أمرًا صعب المنال.

الذكاء الاصطناعي: مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت فلسفة الإدراك تواجه أسئلة جديدة: هل يمكن للآلات أن تدرك بطريقة موضوعية، أم أن إدراكها يعتمد على برمجة ذاتية؟

خاتمة

فلسفة الإدراك البشري تكشف عن توتر دائم بين الذاتية والموضوعية، لكنها تُظهر أيضًا إمكانية التكامل المعرفي. من ديكارت الذي ركز على الذات الواعية، إلى كانط الذي جمع بين هياكل العقل والواقع الخارجي، إلى الإسهامات الحديثة في الفينومينولوجيا وعلم الإدراك، يتضح أن الإدراك عملية مركبة تجمع بين التجربة الفردية والبيئة الخارجية. التكامل المعرفي، كما يظهر في التشابكية ونظريات الإدراك التوقعي، يقدم أملًا في فهم أعمق لهذه العملية. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، مما يجعل الإدراك موضوعًا حيويًا للنقاش الفلسفي والعلمي في القرن الحادي والعشرين. فكيف جعلت فلسفة الذهن من الادراك تجربة أساسية للكائن الحي؟.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يتحوّل النص الأدبي، حين يُثقل بكوابيس المستقبل، إلى ما يشبه نداءً داخلياً يتجاوز حدود اللعب الجمالي، ويتلمّس في الخيال وسيلة لمواجهة شعور دفين بالخسارة، وقلقٍ يتنامى إزاء ما هو آت، فالدافع إلى الكتابة في هذا السياق لا يبع من الرغبة في إنتاج عالم متخيل مستقل، بل من رغبة ملحّة في مساءلة الواقع وكشف اختلالاته، لا بوصفه ما هو كائن فحسب، بل ما يمكن أن يكون، إذا ما استمرّ مسار العالم في منحدره الراهن.

لذلك يغدو الأدب الديستوبي (The Dystopian Literature) شكلًا من أشكال المقاومة السردية، حيث تتقاطع المخيلة مع النقد الاجتماعي لتنتج رؤية مغايرة للواقع، وكما يوضح إم كيث بوكر(M. Keith Booker)،  في كتابه (الدافع الديستوبي في الأدب الحديث: القصة كنقد اجتماعي)، أن (تناول المجتمعات المتخيلة في أبرز روايات الديستوبيا لا ينفصل، في جوهره، عن قضايا ومجتمعات واقعية بعينها، إذ تبقى هذه الأعمال وثيقة الصلة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بوقائع "العالم الحقيقي") وعليه، فإن تخييل المستقبل في هذا الأدب لا يُعدّ انفصالاً عن الحاضر، بل هو تكثيف لأزماته، وإعادة قولبته في صورة كابوسية تُظهر بشاعة ما يُنظر إليه عادة كمألوف أو حتمي.

يستند الأدب الديستوبي إلى تقنية أساسية هي (نزع الألفة؛ فمن خلال تركيزه النقدي على بيئات متباعدة زمانياً أو مكانياً، يتيح إمكانية النظر إلى ممارسات اجتماعية وسياسية إشكالية، من زوايا جديدة، والتي قد تبدو، في سياقاتها المألوفة، طبيعية أو حتمية أو غير قابلة للمساءلة)، وبهذا، لا يعود "الخيال" انفصالاً عن الواقع، بل يصبح الأداة التي يمكن من خلالها تفكيك هذا الواقع، وفضح ما يختبئ فيه من آليات إخضاع وتسليم.

هذا التوتر بين الحلم واليقظة، بين الكمال المرغوب والكارثة الممكنة، هو ما يجعل من الديستوبيا شكلًا مضاداً لليوتوبيا من حيث البنية، لكنه غير مفصل عنها من حيث الوظيفة. فكما يشير بوكر، فإن المفارقة الكبرى في أدب الديستوبيا تكمن في أنه (قد يُشكّل تصحيحاً ضرورياً) للميل اليوتيوبي، بما هو تنبيه دائم إلى ما يمكن أن يحدث حين تُفرض الرؤى المثالية كوقائع نهائية مغلقة، فتتحول إلى أدوات قمع واستبداد، وهذا ما يدفع العديد من المفكرين إلى التحذير لا من استحالة اليوتوبيا، بل من قابليتها للتحقق، إذ يرى إليوت أن (اليوتوبيا كلمة سيئة اليوم، ليس لأننا يائسون من إمكانية تحقيقها، بل لأننا نخشاها. لقد أصبحت اليوتوبيا نفسها (وفقاً لمعنى خاص للمصطلح) هي العدو).

بهذا المعنى، لا تتعامل الديستوبيا مع المستقبل بوصفه زمناً مفترضاً، بل بوصفه صورة مضخّمة لما يحدث في الحاضر، وقد بلغ مداه الأقصى، إنها تُعرّي حاضراً ملوثاً تحت الأقنعة، وتُظهر كيف يمكن لأحلام العدالة والمساواة والقيم الإنسانية السامية أن تنقلب، إذا أُديرت من داخل منظومات مغلقة، إلى أدوات لتكريس الطاعة وتدمير الفرد، وسقوط القييم، وهذا ما تؤكده أبرز الأعمال الديستوبية، واللافت أن كثيراً من هذه النصوص تنبّهنا إلى أن أخطر أشكال الاستبداد ليست تلك التي تُمارس بالقوة الصريحة، بل التي تُمارس من خلال الإقناع، أو حتى عبر الاستبطان الطوعي، لذلك يكتسب مفهوم "الرضا الشعبي" بعداً مقلقاً، إذ كما يقول بوكر(إذا كان لأدب الديستوبيا أن يُعلّمنا شيئاً، فهو أن التواطؤ الشعبي مع الأوضاع القائمة، أو الشعور بالرضا الجماعي، يُعدّ من أكثر الطرق المضمونة نحو الاستبداد)، فالخطر الأكبر لا يكمن في القمع الظاهر، بل في تواطؤ الجماعة مع منطق السيطرة، حين يصبح الاستعباد ذاته مقنّعاً على هيئة أمن أو رخاء أو انسجام.

ولأن هذا النوع الأدبي مشغول، في عمقه، بنقد النظام الرمزي الذي يؤسس للسلطة، فإن اللغة نفسها تتحوّل إلى ساحة صراع، فهي إما أن تُستخدم كأداة للهيمنة وإعادة إنتاج التبعية أو تُغدو وسيلة مقاومة واستعادة للذات. وهنا يُفهم لماذا تصبح الكتابة، في هذا السياق، أكثر من مجرد فعل فني،إنها فعل سياسي بامتياز، يُعيد ترتيب العلاقة بين الذات والعالم، ويستعيد للإنسان صوته في وجه آلة التماثل والرقابة.

وفي هذا الإطار، يلتقي الأدب الديستوبي مع الفكر النقدي المعاصر، الذي أظهر، منذ نيتشه وفرويد، أن النظام لا يُقوَّض فقط من خلال المواجهة المباشرة، بل من خلال التشويش على منطقه الداخلي، وكشف تناقضاته، وفضح لغته، ولذلك لا يمكن فصل هذا الأدب عن الأسلة التي طرحها مفكرون كأدورنو، وفوكو، وهابرماس، الذين رأوا أن أي طموح يوتيوبي، إذا لم يُراجع باستمرار، فإنه مُعرّض لأن يتحوّل إلى شكل من أشكال الهيمنة، وفي المقابل، فإن الفكر الديستوبي، بما يطرحه من تحذيرات، يظل ضرورياً من أجل (الحفاظ على أي إمكانية قائمة لحلم بمستقبل أفضل).

هكذا، لا تُعدّ الديستوبيا مجرد تصوّر أدبي سوداوي، بل استجابة ثقافية نقدية لانسداد الأفق، إنها لا تهدف إلى بثّ اليأس، بل إلى استعادة القدرة على التفكير في البدائل، لا عبر الحلم الساذج، بل عبر المواجهة المباشرة مع ما هو كائن، فالسؤال الذي تطرحه الديستوبيا ليس ما المجتمع المثالي؟ بل ما الذي يجعل المجتمع الراهن مُرعباً إلى هذا الحد؟ وكيف يمكن منع هذا الرعب من التحوّل إلى قاعدة؟ ومن هنا، فإنها تفتح باباً لا للهرب، بل للمساءلة، وللتفكير في ما يتطلبه الأمل من يقظة دائمة ووعي نقدي لا ينام.

***

أمجد نجم الزيدي

الزمن جزء من كينونة الإنسان ومن صميمه، فنحن لا نتحرّك في الزمن، بل نصنع ذاكرتنا منه، ونشتقّ منه معنى لما كنّا وما نريد أن نكون، نعم إنه الزمن، لطالما شعرت أنه ليس ما نراه في عقارب الساعة أو حركة تعاقب الليل والنهار، بل ما نعيشه في عمقنا عندما ننتظر شيئًا بشغف، أو حين نفقد شيئًا فنشعر أن الوقت كان هشًّا، متفلّتًا.

حينما نبحث في أعمال كل من ديان بونومانو وألبرت تساو وويليام فرايدمان من بين آخرين، كيف أن الدماغ يُشفّر الزمن، وكيف أن خلايا دقيقة تترتب بداخلنا لتسجّل اللحظات وتضع لها علامة...إلخ، أو حين نقرأ أن الزمن الحقيقي لا يُقاس بالساعات، بل يُعاش داخليًا كتيار شعوري متدفّق لا يمكن تقسيمه أو تثبيته رياضيًّا كما صاغه هنري برجسون، وأن الإنسان لا "يوجد" إلا من خلال الزمن، لأن الماضي يُشكّل ذاكرته، والمستقبل يُحرّك مقاصده، والحاضر هو لحظة اختيار تؤسّس فعل الوجود، مما يجعله يحمل بداخله توترًا دائمًا بين ما كان وما سيكون، مما يمنحه القدرة على التفكير، الإبداع، والتأويل، كما أوضح مارتن هايدغر... يخطر ببالي سؤال مزعج: لماذا رغم كل هذا الإدراك الداخلي، نستهين بالزمن في حياتنا؟

أنا لا أتحدّث هنا كعالمة أعصاب أو كفيلسوفة، بل كإنسانة تمرّ بي الأيام وكأنني أطاردها وهي تفرّ، أنا أعلم أن الزمن مكوّن منّا كما هو مكوّن لنا، لكنه يتسرّب من بين أفعالنا، من بين تأجيلاتنا، من بين ساعات نضيعها في عبارات "فيما بعد أو لاحقا..". إننا نعرف الزمن علميًا، لكن لا نعامله كما نعرفه.

إن كل لحظة تمرّ هي فرصة لا تتكرّر لبناء معنى، لكننا نختار في معظم الوقت أن نعيش في الماضي أو الهروب إلى مستقبل مجهول، وفي المقابل تذوب في روتيننا اليومي "الآن" تلك اللحظة التي يدعونا هايدغر إليها لنفهمها كمساحة للاختيار، فلا نسمع صوتها فتنفلت منا أو بالأحرى نحن من نغفل عنها.

هذه الملزمة ليست بحثًا، بل تذكيرٌ لنفسي قبل أن أدرك كل لحظة كنبض في الوعي، أنا أعرف الزمن جيدًا، أعرف كيف يمرّ، وكيف يُخلّد، وكيف يُنسى، قرأت عنه كثيرا، كيف ترصده أدمغتنا، وحاولت أن أكتشف كيف تُشفّره الخلايا لتكوّن ذاكرتنا، لكنني وسط كل هذا الإدراك أمارسه كما لو أنه لا يعنيني، أحيانا أهدره وكأنه ليس مني ولا أُصنَع منه، أمارسه وكأنه خارج الذات، فقط يُقاس، يُؤجَّل، يُهدر، لماذا؟

هذه المفارقة ليست معرفية فحسب… بل وجودية. إنها تلك الفجوة بين من يعرف قيمة الشيء، ثم لا يستثمره، وكأن المعرفة ليست كافية لصون ما نعرفه.

نحن نعلم أن اللحظة فريدة، ومع ذلك نطردها من انتباهنا بحركة أصبع على شاشة، أو بتأجيلٍ متكرّر لأشياء نُحبّها. وكأن الزمن ملكنا حينًا، وعبءٌ علينا في كثير من الأحيان.

ربما حين نُدرك أن الزمن ليس في الساعة بل في الذات… وأن اللحظة التي نحسن الإنصات لها تغدو أوسع من عمرٍ يُعاش بالتشتّت، نستطيع تقليص الهوة بين المعرفة التي تُقيم الزمن في جوف الذات، والسلوك الذي يُبدّده في ضجيج اليوم، حيث ينشأ سؤال: لماذا هذا العبث؟

الزمن ليس ما نقيسه بل ما نحسّه، هذه الفكرة ظلّت تراودني كلما وجدتُ نفسي في لحظة انتظار طويلة أو في لحظة فرح قصيرة تُمرّ كطيف. إدراكي للزمن لا يرتبط بعدد الدقائق بل بمدى غِنى اللحظة وسكونها أو توترها.

يخبرنا علم الأعصاب أن الدماغ يُعيد ترتيب الأحداث لا وفق ساعات العالم الخارجي بل وفق شعوره بها، فهناك خلايا تُشفّر لحظة بلحظة، ترتّب لنا الذكريات كما لو كانت فصولًا في كتاب نكتبه دون أن نعي ذلك. وهذا يجعلني أتساءل: إن كان جسدي يعرف الزمن بهذه الدقة، فلماذا لا أعرفه أنا؟ ولماذا أحيانًا يبدو لي الوقت بلا طعم ولا شكل؟

أشعر أن الزمن يتكثّف حين أكون منصتة، ويتفكك حين أكون مشوشة، وكل لحظة أعيها بصدق تصبح أعمق من عشرات الساعات التي أمضيتها في فعلٍ لا أذكر منه شيئًا، وأنني أُدرك الزمن أكثر مما أعيشه، كأن في داخلي صوتًا يعرف تمامًا أن اللحظة ثمينة، لكنني أُطفئه كلما انشغلت بما لا يستحق. فنحن لا نهدر الوقت عن جهل بل عن غفلةٍ مقصودة، تلك التي نمارسها حين نؤجل حلمًا، أو نغلق نافذةً كان يمكن أن تُطلّ بنا على شيء أجمل.

أعلم جيدًا، كما يعلم منكم كثير، أن الزمن لا يعود، وربما المستقبل لن يأتي، لكننا نستسهل التكرار، نُعيد اليوم كما لو أنه نسخة من أمس، ونسمح للساعات أن تتدفّق دون مقاومة، ما الذي يجعلنا نمارس هذا الانفلات رغم أننا نحمل في داخلنا قدرة عجيبة على التنظيم والتأمل؟

ربما لأننا اعتدنا على أن اللحظة صارت صندوقًا نملأه بالمهام، لا فسحةً نفهم فيها أنفسنا، فصرنا نركض خلف الزمن في الخارج، ونترك زمننا الداخلي فارغًا، وكأننا نستكثر على أنفسنا حق الإنصات لنبضها، فكيف نعيد علاقتنا بالزمن؟

أظن أن الأمر لا يحتاج إلى نظريات معقّدة، بل إلى لحظة صدق... تلك اللحظة التي نقف فيها وقول: "نحن هنا، الآن"، أن نُقرّ بأن الزمن ليس خارجنا، بل هو نحن حين ننتبه، حين نختار، حين نقرر..،

 حين أتأمل علاقتنا بالزمن، أشعر وكأننا نعيش على هامشه لا فيه، نتعامل معه كعامل خارجي يُلزمنا بالمواعيد والمهام، ليس كجزء حميم من تكويننا الداخلي يُنبتُ فينا الإدراك، وما يُشكّلُ ذاكرتنا وهويتنا.

لكي نعيد علاقتنا به، لا يكفي أن نُنظّم وقتنا، لكن يجب أن نُغيّر كيفية التفكير في الوقت، لذلك أُحاول بين فينة والأخرى أن أصنع لنفسي طقسًا صغيرًا، لربما يعيد لي هذه العلاقة: كوب قهوة في صمت، دفتر أكتب فيه أفكاري، لحظة تأمل لا تُقاس بالهدف بل بالحضور، حيث أُراقب الكون وهو يتحرّك من حولي لأشعر أنني فيه، فأُفكّر في مسألة أننا لا نحتاج لفهم الزمن بل نحتاج لأن نُعيد إليه مكانته كرفيق يُشكّل الحياة لحظة بلحظة، فبين الإدراك والانفلات نعيش ونُدرك تفاصيلًا لا نُحسن صيانتها، ونفقد لحظاتٍ كنّا نستطيع أن نُقيم فيها ذكرى أو فكرة أو بصمة صدق.

الزمن ليس عدوّنا ولا لغزًا، إنه مرآة تختبر مدى حضورنا في أنفسنا، وكلما حاولنا الإمساك به أدركنا أنه لا يُحسَن القبض عليه باليد، بل يُعاش بالوعي والإدراك، وربما حين نكفّ عن اللهاث خلف الوقت، ونبدأ الإنصات له، سنكتشف أن الزمن لا يتفلّت بل نحن من كُنّا نغيّبُه.

***

بقلم الطالبة الباحثة: غزلان زينون

"الدين أفيون الشعوب".. هي واحدة من أشهر مقولات كارل ماركس وأكثرها إثارة للجدل وسوء الفهم. لفهمها بعمق يجب وضعها في سياقها الفلسفي والنظر إلى الظروف التاريخية والفكرية التي قيلت فيها.

السياق الكامل للمقولة:

وردت هذه المقولة في مقدمة كتاب ماركس "مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيجل" الذي كتبه عام 1843 ونُشر عام 1844 والنص الكامل الذي وردت فيه المقولة هو:

(إن الشقاء الديني هو من جهة تعبير عن الشقاء الواقعي وهو من جهة أخرى احتجاج على هذا الشقاء. الدين هو زفرة المخلوق المضطهد، هو قلب عالم لا قلب له، وروح أوضاع لا روح فيها إنه أفيون الشعوب).

رؤية هيجل ونقدها:

كان هيجل يرى أن التاريخ هو تطور للروح المطلق-الله- وإن الدولة هي أعلى تجليات هذا الروح على الأرض.

أما ماركس فقد قلب هذه المعادلة مؤكداً أن الواقع المادي والظروف الاقتصادية والاجتماعية هي التي تشكل الوعي البشري والمؤسسات الاجتماعية بما في ذلك الدولة.

يُعتبر عمل ماركس "مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيجل" بمثابة أول عمل رئيسي لماركس يوضح فيه انفصاله عن هيجل. في هذا العمل يقوم ماركس بتحليل دقيق ومفصل لأفكار هيجل حول الدولة والقانون مقدماً رؤية مغايرة تماماً تركز على الواقع المادي والصراعات الطبقية منطلقا من نفس منهج الجدل الهيجلي لكن هذه المرة بشكل عكسي حيث أقام الجدل على قدميه بعد أن كان يمشي على رأسه.

الأفكار الأساسية في النقد الماركسي لهيجل:

تعتمد مساهمة ماركس في نقد فلسفة الحق عند هيجل على عدة مفاهيم أساسية يمكن تفصيلها على النحو التالي:

1.الجدلية والتجريد:

ينتقد ماركس هيجل لكونه يبدأ العديد من حججه الجدلية معتمدا على التجريد.

ومنهج هيجل هكذا (المقولة تثير نقيض يتصارعان فيؤدي الصراع إلى تركيب جديد يتحول بدوره إلى مقولة تثير نقيض وهكذا من مقولة الوجود إلى الفكرة المطلقة). مما يؤدي إلى انفصال الفلسفة عن الواقع المادي الملموس فهيجل يقلب العلاقة بين الفكر والواقع حيث يجعل الفكر أو الوعي هو الذي يحدد الواقع بينما يرى ماركس أن الواقع المادي (الظروف الاقتصادية والاجتماعية) هو الذي يحدد الفكر والوعي. فبدلاً من تحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية كما هي في الواقع يقوم هيجل ببناء نظام فلسفي مجرد ومعقد لا يعكس الواقع الفعلي بل يبرره ويضفي عليه طابعاً عقلانياً وضرورياً.

هذا التجريد في نظر ماركس يؤدي إلى إخفاء التناقضات والصراعات الحقيقية الموجودة في المجتمع ويقدم صورة مثالية للدولة لا تتوافق مع واقعها. فهيجل يبدأ من الفكرة المجردة للدولة ثم يحاول إيجاد تجسيد لها في الواقع بينما يجب أن يكون العكس هو الصحيح.

أي البدء من الواقع المادي الملموس ثم تحليل كيف تتشكل الأفكار والمؤسسات من هذا الواقع.

2. الاغتراب:

يتأثر ماركس في تحليله لمفهوم الاغتراب بأعمال لودفيج فيورباخ الذي يرى أن الدين هو شكل من أشكال الاغتراب حيث يقوم الإنسان بإسقاط صفاته الإنسانية على كائن إلهي.

فالإنسان فعليا يركع أمام ماهيته الناقصة لكنه يغطي هذا النقص بتصور ماهية كاملة مطلقة على كائن متخيل يراه قمة الرحمة وقمة الشفقة وكامل القدرة وتام العلم ثم يعتقد أن هذا الكائن يهتم لأمره ويحيطه بعنايته.

ويوسع ماركس هذا المفهوم ليشمل الاغتراب الاقتصادي والسياسي ففلسفة هيجل لا تعالج الاغتراب الحقيقي الذي يعيشه الإنسان في المجتمع الرأسمالي بل تبرره أو تتجاهله فالدولة الهيجلية بدلاً من أن تكون حلاً للاغتراب هي في حد ذاتها شكل من أشكاله. فالفرد في المجتمع الرأسمالي مغترب عن عمله عن نتاج عمله عن طبيعته الإنسانية وعن الآخرين.

والدولة كما يرى ماركس تساهم في إدامة هذا الاغتراب من خلال حماية مصالح الطبقة الحاكمة التي تستغل العمال وتعزلهم عن نتاج عملهم فيصير الاغتراب ليس مجرد حالة نفسية أو روحية بل هو ظاهرة مادية واجتماعية ناتجة عن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية القائمة على الملكية الخاصة وتقسيم العمل.

3. العلاقة بين المجتمع المدني والدولة:

يركز ماركس بشكل كبير على تحليل العلاقة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي (الدولة). يرى هيجل أن الدولة هي الكلية الأخلاقية التي تتجاوز وتحل التناقضات الموجودة في المجتمع المدني وأنها هي المحرك الأساسي والمحقق للحرية. أما ماركس فيرى أن هيجل يقلب العلاقة بينهما لأن الدولة في نظر ماركس هي نتاج للصراعات الطبقية في المجتمع المدني وأنها تخدم مصالح الطبقة الحاكمة. فالدولة ليست تجسيداً للعقل المطلق كما يرى هيجل بل هي أداة للقمع الطبقي. إنها ليست حلاً للتناقضات بل هي تعبير عنها. فالمجتمع المدني (الذي يشمل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية) هو الأساس الحقيقي الذي تنشأ منه الدولة والدولة ليست سوى انعكاس للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية السائدة.

فالدولة بهذا المعنى هي بنية فوقية تعكس البنية التحتية الاقتصادية للمجتمع.

صار واضحا أن هيجل يضفي طابعاً مثالياً على الدولة ويجعلها كياناً مستقلاً عن المجتمع بينما هي في الواقع مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالظروف المادية للمجتمع.

4. الدين:

يقدم ماركس في مقدمة عمله نقداً للدين ويرى أن نقد الدين هو شرط مسبق لكل نقد. فالدين، بالنسبة لماركس، هو "أفيون الشعوب"، وهو تعبير عن المعاناة الحقيقية وفي الوقت نفسه واحتجاج على هذه المعاناة. ففلسفة هيجل بتبريرها الدولة كتحقيق للعقل المطلق تساهم في إدامة الأوهام الدينية والسياسية. وهنا يتحول الدين إلى وهم يوفر عزاءً زائفاً للناس في عالم مليء بالظلم والمعاناة ويمنعهم من إدراك واقعهم الحقيقي وبالتالي السعي لتغييره.

الدين في الفهم الدقيق هو نتاج لظروف اجتماعية معينة وهو يعكس الاغتراب الذي يعيشه الإنسان في هذه الظروف و نقد توظيف الدين لتزييف وعي الجماهير هو الخطوة الأولى نحو تحرير الإنسان من الأوهام وبالتالي تمكينه من تغيير واقعه المادي.

5. الدولة كتحقيق للعقل المطلق:

ينتقد ماركس بشدة فكرة هيجل بأن الدولة هي تحقيق للعقل المطلق على الأرض. فهذه الفكرة سخيفة بقدر ما هي خاطئة فهي تبرر الوضع الراهن وتحافظ عليه وتضفي عليه طابعاً مقدساً مما يمنع أي تغيير ثوري.

فالدولة الهيجلية في نظر ماركس هي دولة مثالية لا وجود لها في الواقع وهي مجرد أداة للحفاظ على النظام القائم ومصالح الطبقة المستَغِلة الحاكمة.

نعم فهيجل بهذا الفهم يضفي طابعاً ميتافيزيقياً على الدولة ويجعلها كياناً مستقلاً عن الأفراد والمجتمع بينما هي في الواقع نتاج للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية ببن حاكم مُستَغِل ومحكوم مُستَغَل.

حقيقة الدولة النهائية في جوهرها هي أداة في يد الطبقة الحاكمة للحفاظ على سيطرتها وقمع الطبقات الأخرى.

أخيراً أقول: هيجل باعتبار فهمه المثالي للدولة يخلط بين الدولة المثالية كتحقيق للمطلق وبين الدولة الواقعية وأسسها الاجتماعية والاقتصادية وعلى ضوء فهمه المقلوب يقدم تبريراً فلسفياً للدولة البرجوازية القائمة ويدافع عنها مكرساً بذلك الاستبداد السياسي ومقرا بالتفاوت الاقتصادي وصولا إلى الظلم الاجتماعي.

شكل هذا النقد الماركسي الأساس العميق للمادية التاريخية التي ترى أن التطور التاريخي مدفوع بالصراعات الطبقية والتغيرات في الأنماط الاقتصادية. كما أثر نقد ماركس على فهم العلاقة بين الدولة والمجتمع حيث أصبح يُنظر إلى الدولة على أنها ليست كياناً محايداً أو تجسيداً للعقل المطلق بل هي أداة في يد الطبقة المهيمنة. وقد ألهم هذا النقد العديد من الحركات الثورية التي سعت إلى تغيير الأنظمة السياسية والاقتصادية القائمة.

تُعد مساهمة كارل ماركس في نقد فلسفة الحق عند هيجل نقطة تحول حاسمة في تاريخ الفكر الفلسفي. فقد قدم ماركس نقداً جذرياً للمثالية الهيجلية مؤكداً على أهمية الواقع المادي والصراعات الطبقية في تشكيل الوعي والمؤسسات الاجتماعية. من خلال تحليله لمفاهيم الجدلية والاغتراب والعلاقة بين المجتمع المدني والدولة والدين. وكشف ماركس عن التناقضات الكامنة في فلسفة هيجل وقدم رؤية بديلة للدولة والمجتمع. على الرغم من أن نقد ماركس كان موجهاً بشكل خاص إلى هيجل إلا أن تأثيره امتد ليشمل مجالات أوسع في الفلسفة والاقتصاد والسياسة وما زال يشكل مرجعاً أساسياً في دراسة الفكر النقدي.

ألقينا الضوء على مساهمة ماركس في نقد فلسفة الحق عند هيجل باختصار والآن نعود إلى مقصود ماركس من مقولتة "الدين أفيون الشعوب".

قلنا هي واحدة من أشهر اقتباساته وأكثرها إثارة للجدل.

والنص الكامل الذي وردت فيه المقولة هو: "إن الشقاء الديني هو من جهة تعبير عن الشقاء الواقعي، وهو من جهة أخرى احتجاج على هذا الشقاء. الدين هو زفرة المخلوق المضطهد، هو قلب عالم لا قلب له، وروح أوضاع لا روح فيها. إنه أفيون الشعوب".

تحليل المعنى:

عندما وصف ماركس الدين بأنه "أفيون" لم يكن يقصد بالضرورة إدانة الدين في حد ذاته بل كان يحلل وظيفته الاجتماعية في ظل الظروف القاسية التي عاشتها الطبقة العاملة (البروليتاريا) في القرن التاسع عشر عصر ماركس كان الأفيون يُستخدم كدواء ومسكن لتخفيف الآلام الجسدية فاستخدم ماركس هذا التشبيه ليقول إن الدين يقوم بوظيفة مماثلة على المستوى النفسي والاجتماعي. فهو يقدم العزاء والراحة للناس في مواجهة بؤسهم ومعاناتهم في عالم رأسمالي قاس. فالدين عبر وعده بمكافأة في الحياة الآخرة يمنح الطبقات العاملة أملاً كاذباً ويصرف انتباههم عن ضرورة تغيير ظروفهم الواقعية البائسة. بدلاً من الثورة على الظلم والاستغلال في الدنيا يجعلهم الدين يركزون على الخلاص في الآخرة. فالطبقات الحاكمة تستخدم الدين كأداة أيديولوجية للحفاظ على سيطرتها فهي ترى الدين أكثر من مجرد معتقد شخصي هو في نظرها بنية سلطوية تعمل على تنظيم وتوجيه سلوك الأفراد والجماعات.

من منظور فلسفي لا يمكن التعامل مع مقولة ماركس كشتيمة أيديولوجية للدين بل كنقطة بداية لتحليل آليات الهيمنة الرمزية التي يمارسها الخطاب الديني على الوعي الفردي والجمعي.

يجب أن نفرق في العلاقة بين الدين كأداة خطابية وبين المؤسسات الدينية التي تنتجه وتتكفل به حفظا وأدامة.

الدين كخطاب مصدره المقدس يشجع على قيم مثل الصبر وتحمل المصير والقبول بالقدر خيره وشره. وهذا الخطاب يخلق نسقا ذهنيا مضمرا من الخضوع يمنع العمال من التمرد على مُستَغلِيهم ويجعل الظلم الاجتماعي يبدو وكأنه جزء من نظام إلهي طبيعي. هنا يبدأ عمل المؤسسات الدينية وهو تكريس هذا الخضوع لخلق الوعي المُزيف بالواقع فالدين الكهنوتي غالباً ما كان يُستخدم لضبط الجماعات عبر تشكيل ضمير جمعي موحد قائم على الطاعة والتسليم والقبول لا على النقد والتساؤل.

في الوقت نفسه لم يغفل ماركس الجانب الإيجابي للدين كشكل من أشكال الاحتجاج. فالدين بالنسبة للمضطهدين هو "تنهيدة" و"احتجاج" ضد معاناتهم الحقيقية وهو محاولة لإيجاد "قلب في عالم لا قلب له" حسب تعبيره الدقيق.

إذن لم يكن نقد ماركس موجهاً للدين كمعتقد روحي فردي- أي علاقة بين الإنسان وخالقه- بقدر ما كان موجهاً لدور "المؤسسة الدينية" كجزء من البنية الفوقية للمجتمع التي تخدم مصالح الطبقة السائدة. كان يعتقد أنه في مجتمع عادل خالٍ من الطبقات والاستغلال لن يحتاج الناس إلى "وهم" يخلقه رجال الدين لتزييف وعي الناس لأنهم سيحققون سعادتهم الحقيقية على الأرض إذا فهموا حقيقة أستغلالهم.

فالقصد الدقيق لعبارة ماركس أن المؤسسة الدينية ورجال الدين بتحالفهم مع الطبقة الحاكمة المتسلطة تجعل الدين يعمل كمخدر يخفف من آلام الواقع المزري للطبقة العاملة عبر تزييف الوعي بخلق قناعة في أذهان الناس بأن هذا قدر من الله ومن يصبر عليه فله جنة الخلد خالدا فيها أبدا. وهكذا يُمنع الناس من مواجهة الأسباب الحقيقية لمعاناتهم وبؤسهم حتى لا يثوروا عليه.

نعم الدين أفيون الشعوب لكنه ليس الألم.

***

سليم جواد الفهد

حسب ريتشارد رورتي.. مقاربة برغماتية جديدة

مقدمة: يُعتبر ريتشارد رورتي (1931-2007) أحد أبرز الفلاسفة البرغماتيين في القرن العشرين، وقد أثار جدلاً واسعًا بسبب مقاربته الجريئة لإعادة تعريف منزلة الفلسفة في عالم الثقافة المعاصر. من خلال كتاباته، مثل الفلسفة ومرآة الطبيعة ( 1979) والطوارئ والتضامن والعرضية (1989)، يقترح رورتي إعادة صياغة الفلسفة كأداة ثقافية تخدم الحوار الاجتماعي والسياسي بدلاً من البحث عن "حقائق مطلقة" أو تقديم أسس ميتافيزيقية للمعرفة. تتناول هذه الدراسة منزلة الفلسفة في عالم الثقافة اليوم من منظور رورتي البرغماتي، مع التركيز على مقاربته الجديدة التي تؤكد على دور الفلسفة كممارسة سردية وتفسيرية، تهدف إلى تعزيز التضامن الإنساني وإعادة تشكيل الخيال الثقافي. يعتمد المقال على تحليل أكاديمي معمق، مع الإشارة إلى المراجع والتعليقات النقدية، لاستكشاف كيفية تطبيق هذه المقاربة في سياق العالم المعاصر.

البرغماتية الجديدة عند رورتي: إعادة تعريف الفلسفة

نقد الفلسفة التقليدية

يبدأ رورتي نقده للفلسفة التقليدية بالهجوم على فكرة الفلسفة كنسق معرفي يسعى لتقديم تمثيلات دقيقة للواقع، كما تجسد ذلك في الفكر الديكارتي والكانطي. في الفلسفة ومرآة الطبيعة، يجادل رورتي بأن الفلسفة التقليدية، التي ترى نفسها "مرآة" تعكس الحقيقة الموضوعية، قد فشلت في تحقيق أهدافها بسبب اعتمادها على افتراضات ميتافيزيقية غير قابلة للإثبات[1]. يرى رورتي أن الفلسفة يجب أن تتخلى عن طموحها لتكون "حارسة العقل" أو مصدرًا للحقائق المطلقة، وأن تتحول إلى ممارسة ثقافية تهدف إلى تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل

البرغماتية كبديل

تستلهم البرغماتية الجديدة عند رورتي من أعمال فلاسفة مثل ويليام جيمس وجون ديوي، ولكنها تذهب إلى أبعد من ذلك بتبني منظور "ما بعد ميتافيزيقي". يقترح رورتي أن الفلسفة يجب أن تكون "تأويلية" بدلاً من "ابستيمولوجية"، أي أنها يجب أن تركز على إعادة صياغة السرديات الثقافية والاجتماعية بدلاً من البحث عن أسس معرفية ثابتة[2]. في هذا السياق، تصبح الفلسفة أداة لتوسيع "المفردات" الثقافية، مما يسمح للمجتمعات بإعادة تصور ذاتها وخلق معانٍ جديدة تتناسب مع تحديات العصر.

منزلة الفلسفة في عالم الثقافة اليوم

الفلسفة كحوار ثقافي

في عالم الثقافة المعاصر، يرى رورتي أن الفلسفة يجب أن تلعب دورًا في تعزيز الحوار بين الثقافات المختلفة، لا سيما في ظل العولمة وتعددية الهويات. يجادل رورتي بأن الفلسفة يمكن أن تساهم في بناء "التضامن" الإنساني من خلال إنتاج سرديات مشتركة تعزز التفاهم المتبادل، بدلاً من فرض أطر ميتافيزيقية صلبة. على سبيل المثال، في الطوارئ والتضامن والعرضية، يقترح رورتي مفهوم "الليبرالية الريبية"، حيث يدرك الفرد عَرَضية معتقداته ومع ذلك يلتزم بقيم مثل الحرية والعدالة كوسيلة لتعزيز التضامن الاجتماعي[3]. في عالم اليوم، حيث تتصاعد التوترات الثقافية والسياسية، يمكن لهذه المقاربة أن تساعد في بناء جسور بين الثقافات المتنوعة، مثل الغربية والإسلامية أو الشرقية، من خلال الحوار بدلاً من المواجهة

الفلسفة والخيال الثقافي

يرى رورتي أن الفلسفة يجب أن تكون أداة لتوسيع الخيال الثقافي، أي القدرة على تخيل طرق جديدة للعيش والتفكير. في هذا السياق، يقترح أن الفلاسفة يجب أن يكونوا "رواة قصص" يساعدون في إعادة صياغة السرديات الثقافية التي تشكل هوية المجتمعات. على سبيل المثال، يشير رورتي إلى الأدب والفن كمصادر للإلهام الفلسفي، حيث يمكن لروايات مثل تلك التي كتبها جورج أورويل أو مارسيل بروست أن تساهم في تعزيز التعاطف والتضامن أكثر من النظريات الفلسفية التقليدية[4]. في عالم الثقافة اليوم، حيث تتزايد تأثيرات وسائل الإعلام الرقمية، يمكن للفلسفة أن تلعب دورًا في نقد هذه السرديات وإعادة تشكيلها لتعكس قيم التنوع والعدالة.

الفلسفة والسياسة

يؤكد رورتي على أهمية الفلسفة في المجال السياسي، ليس كمصدر للحقائق المطلقة، بل كأداة لتعزيز الديمقراطية الليبرالية. في كتابه تحقيق بلدنا ( 1998)، يدعو رورتي إلى إحياء الخيال السياسي التقدمي من خلال الفلسفة، مؤكدًا أن الفلاسفة يمكنهم المساهمة في إعادة صياغة الأمل الاجتماعي والسياسي من خلال سرديات تلهم التغيير الاجتماعي[5]. في سياق عالم اليوم، حيث تواجه الديمقراطيات تحديات مثل الشعبوية وتراجع الثقة في المؤسسات، يمكن للفلسفة أن تساعد في إعادة بناء الثقة من خلال الحوار والتفكير النقدي.

تحديات المقاربة البرغماتية الجديدة

نقد الرفض الميتافيزيقي

واجهت مقاربة رورتي انتقادات من فلاسفة مثل هيلاري بوتنام ويورغن هابرماس، اللذين رأيا أن رفضه الكامل للميتافيزيقا قد يؤدي إلى نسبية فكرية تهدد بتقويض أسس النقاش العقلاني[6]. يجادل النقاد بأن الفلسفة لا يمكن أن تتخلى تمامًا عن دورها في تقديم معايير معرفية، لأن ذلك قد يؤدي إلى فقدان القدرة على الحكم على السرديات المتنافسة. على سبيل المثال، يرى بوتنام أن البرغماتية الجديدة قد تكون عرضة لخطر التحول إلى شكل من أشكال النسبية الثقافية، حيث تصبح جميع السرديات متساوية القيمة[7].

محدودية التضامن

كما أن مفهوم التضامن عند رورتي واجه انتقادات لكونه يعتمد بشكل كبير على القيم الليبرالية الغربية، مما قد يحد من قدرته على التواصل مع ثقافات أخرى ذات قيم مختلفة. على سبيل المثال، أشار بعض النقاد إلى أن مقاربة رورتي قد لا تكون كافية لمعالجة التوترات الثقافية في سياقات غير غربية، مثل الصراعات الدينية أو القومية في الشرق الأوسط[8]. ومع ذلك، يمكن الدفاع عن رورتي بالقول إن مقاربته لا تهدف إلى فرض قيم موحدة، بل إلى تشجيع الحوار المفتوح بين الثقافات.

التحديات في العصر الرقمي

في عالم الثقافة اليوم، حيث تسيطر وسائل الإعلام الرقمية على تشكيل الخطاب العام، تواجه مقاربة رورتي تحديات جديدة. فالانتشار السريع للمعلومات المغلوطة والاستقطاب السياسي يعقدان مهمة الفلسفة في تعزيز التضامن. ومع ذلك، يمكن أن تكون مقاربة رورتي مفيدة في هذا السياق، حيث تدعو إلى نقد السرديات المهيمنة وإعادة صياغتها بطريقة تعزز التفاهم المتبادل بدلاً من الصراع.

تطبيقات المقاربة البرغماتية في عالم الثقافة المعاصر

الفلسفة والتعددية الثقافية

في عالم متزايد التعددية، يمكن لمقاربة رورتي أن تساهم في تعزيز الحوار بين الثقافات المختلفة. على سبيل المثال، يمكن للفلسفة أن تلعب دورًا في نقد السرديات القومية أو الدينية المتطرفة، وتشجيع سرديات بديلة تعزز التعايش. في سياق التوترات بين الغرب والعالم الإسلامي، يمكن للفلسفة أن تساعد في إعادة صياغة الحوار حول القيم المشتركة، مثل العدالة والحرية، كما اقترح رورتي في كتاباته حول التضامن[9].

الفلسفة والتكنولوجيا

في عصر التكنولوجيا الرقمية، يمكن للفلسفة، وفقًا لمقاربة رورتي، أن تساهم في نقد تأثير التكنولوجيا على الثقافة والمجتمع. على سبيل المثال، يمكن للفلاسفة تحليل كيف تشكل وسائل التواصل الاجتماعي السرديات الثقافية، واقتراح طرق لاستخدام هذه المنصات لتعزيز التضامن بدلاً من الاستقطاب. يرى رورتي أن الفلسفة يمكن أن تساعد في إعادة صياغة الخيال الثقافي لمواجهة تحديات مثل الذكاء الاصطناعي وتأثيره على العمل والخصوصية[10].

الفلسفة والتعليم

يمكن لمقاربة رورتي أن تؤثر على التعليم من خلال تشجيع مناهج تركز على التفكير النقدي والحوار بدلاً من حفظ الحقائق. في عالم الثقافة اليوم، حيث يواجه التعليم تحديات مثل التجارة والتكنولوجيا، يمكن للفلسفة أن تساعد في تطوير مناهج تعليمية تعزز الخيال الثقافي والتضامن، كما دعا رورتي في تحقيق بلدنا[11].

خاتمة

من خلال مقاربته البرغماتية الجديدة، يقدم ريتشارد رورتي رؤية متجددة لمنزلة الفلسفة في عالم الثقافة اليوم. بدلاً من السعي إلى حقائق مطلقة، يرى رورتي أن الفلسفة يجب أن تكون أداة سردية وتأويلية، تساهم في تعزيز التضامن الإنساني وإعادة تشكيل الخيال الثقافي. في عالم يتسم بالتعددية والاستقطاب، تقدم هذه المقاربة إطارًا لفهم دور الفلسفة في مواجهة التحديات المعاصرة، سواء في الحوار بين الثقافات، نقد التكنولوجيا، أو إصلاح التعليم. ومع ذلك، تواجه هذه المقاربة تحديات تتعلق بالنسبية والمحدودية الثقافية، مما يتطلب تكييفها لتكون أكثر شمولية في سياق عالمي. يظل إرث رورتي دعوة لإعادة التفكير في الفلسفة كممارسة ثقافية حية، قادرة على إلهام التغيير الاجتماعي والسياسي في عالم متغير.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...................................

الاحالات والهوامش:

[1] Rorty, Richard. Philosophy and the Mirror of Nature. Princeton University Press, 1979, pp. 3-12.

[2] Rorty, Richard. Consequences of Pragmatism. University of Minnesota Press, 1982, pp. 139-160.

[3] Rorty, Richard. Contingency, Irony, and Solidarity. Cambridge University Press, 1989, pp. 73-95.

[4] Ibid., pp. 44-69.

[5] Rorty, Richard. Achieving Our Country: Leftist Thought in Twentieth-Century America. Harvard University Press, 1998, pp. 89-104.

[6] Putnam, Hilary. Realism with a Human Face. Harvard University Press, 1990, pp. 19-40.

[7] Ibid., pp. 41-60.

[8] Safranski, Rüdiger. How Much Globalization Can We Bear?. Polity Press, 2005, pp. 56-78.

[9] Rorty, Richard. Contingency, Irony, and Solidarity. Cambridge University Press, 1989, pp. 189-198.

[10] Rorty, Richard. Philosophy as Cultural Politics. Cambridge University Press, 2007, pp. 45-67.

[11] Rorty, Richard. Achieving Our Country. Harvard University Press, 1998, pp. 120-135.

يختلف مفهوم النشوة فلسفيا حسب السياق الثقافي والفكري، تشير النشوة أحيانًا الى حالة من الوعي المرتفع أو التجربة المتجسدة، حيث يشعر الانسان بالتحرر من القيود اليومية، يمكن أن تكون نتيجة للتأمل، الفن، أو التجارب الروحية .في الفلسفة اليونانية تعتبر النشوة تجربة قريبة من الكمال أو الجمال المثالي، حيث يُشعر الفرد بالارتباط بالعالم المثالي، الرواقيون يرون النشوة كحالة من الهدوء الداخلي، حيث يحقق الفرد توازنًا بين العقل والعاطفة، مما يؤدي إلى شعور بالسعادة والسلام الداخلي، فلاسفة اخرون يعتبرون النشوة تجربة مرتبطة بالفضيلة، حيث تأتي من الالتزام بالمبادئ الأخلاقية، في الفلسفات الحديثة، تُعتبر النشوة جزءًا من التجربة الإنسانية المعقدة، حيث تناولوا العلاقة بين النشوة واللذة، والمعنى، والغرض، لذا النشوة تحمل معانٍ متعددة، ترتبط بتجارب شخصية، روحية، وفلسفية كما تعكس هذه المفاهيم التفاعلات المعقدة بين العقل، العاطفة، والتجربة الإنسانية.

الفلسفة الوجودية ومفهوم النشوة

الفلسفة الوجودية تقدم تفسيرًا فريدًا لمفهوم النشوة، حيث تركز على التجربة الفردية والمعنى الشخصي. تعتبر النشوة تجربة شخصية تعكس حالة من الوعي الذاتي للوجود. يرتبط الشعور بالنشوة بتحقيق الذات والتواصل مع العالم، تعزز الفلسفة الوجودية فكرة أن النشوة تأتي من قبول الفرد لحرية اختياراته. هذا الوعي بالحرية يمكن أن يؤدي إلى شعور عميق بالفرح أو النشوة، فلاسفة وجوديون مثل جان بول سارتر وألبير كامو يرون أن مواجهة العبث وعدم المعنى يمكن أن تخلق لحظات من النشوة، حيث يجد الأفراد معنى في حياتهم رغم الفوضى، يركز الوجوديون على أهمية التجارب الحقيقية، مثل الحب، الفن، أو الطبيعة، كوسائل لتحقيق النشوة. هذه التجارب تعزز الارتباط بالعالم وتمنح الحياة معنى، النشوة تُعتبر حالة من الوعي الكامل باللحظة الحالية، حيث يتجاوز الشخص القلق حول المستقبل أو الندم على الماضي، في الفلسفة الوجودية، تُفهم النشوة كحالة تتعلق بالحرية، التجربة الفردية، والبحث عن المعنى في عالم معقد. هي لحظة من الارتباط العميق بالوجود، تتجاوز القيود التقليدية وتحتفل بالحياة.

القلق الوجودي والوصول إلى النشوة

القلق الوجودي يلعب دورًا مهمًا في مفهوم النشوة في الفلسفة الوجودية. القلق الوجودي ينشأ من الوعي بالحرية والمسؤولية. هذا الوعي يمكن أن يؤدي إلى شعور بالضياع، ولكنه أيضًا يفتح الأبواب أمام تجارب جديدة ونشوة حقيقية، من خلال مواجهة العبث، يمكن للأفراد أن يجدوا معنى شخصيًا، مما يؤدي إلى لحظات من النشوة، القلق الوجودي يمكن أن يعمل كدافع للتحول والنمو عندما يشعر الأنسان بالقلق حيال وجوده، يسعى الى استكشاف تجارب جديدة، مما يؤدي إلى النشوة، من خلال التعامل مع القلق يمكن للإنسان أن يكتشف جمال اللحظات الحقيقية في الحياة. هذه التجارب، مثل الحب والفن تؤدي إلى شعور عميق بالنشوة وتدفع الأنسان الى تحرير نفسه من القيود الاجتماعية أو النفسية. هذا التحرر يمكن أن يؤدي إلى شعور قوي بالنشوة، حيث يشعر الانسان بأنه يعيش حياته بشكل كامل لذا يُعتبر القلق الوجودي جزءًا أساسيًا من التجربة الإنسانية، ويمكن أن يكون دافعًا للوصول إلى النشوة من خلال مواجهة العبث، استكشاف الذات، وإيجاد المعنى.

مفهوم النشوة في الفلسفة اليونانية

الفلسفة اليونانية (أفلاطون وأرسطو)

النشوة كمعرفة عند أفلاطون، تُعتبر النشوة تجربة مرتبطة بالتواصل مع المثل العليا، حيث يشعر الانسان بالارتباط بالعالم المثالي. بينما أرسطو يراها جزءًا من تحقيق الفضيلة والسعادة من خلال العيش وفقًا للفضائل، تركز هذه الفلسفات على العقل والمعرفة كوسائل للوصول إلى النشوة، الرواقيون يرون النشوة كحالة من الهدوء الداخلي والسكينة، تأتي من التحكم بالعواطف والتوازن بين العقل والعاطفة. أبيقور يعتبر النشوة تجربة مرتبطة باللذة، حيث يمكن تحقيقها من خلال تجنب الألم والبحث عن المتعة الفكرية.

النشوة بديلا عن مفهوم اللذة والسعادة

يمكن لمفهوم النشوة أن يكون بديلاً عن مفهوم اللذة والسعادة، وكل منها يحمل دلالات مختلفة. النشوة تُعتبر تجربة عميقة تتضمن الوعي الذاتي والارتباط بالعالم، وغالبًا ما تأتي من تجارب ذات معنى، مثل الفن، الحب، أو التأمل، اللذة تركز عادةً على المتعة الحسية أو العاطفية، وقد تكون سطحية أو قصيرة الأمد، في الفلسفة الوجودية، يمكن أن تأتي من مواجهة القلق والعبث، مما يؤدي إلى إحساس بالتحرر والمعنى، عادة ما تُعتبر حالة دائمة أو هدفًا يسعى الأنسان لتحقيقه، وقد تكون مرتبطة بتحقيق رغبات أو متطلبات معينة بذلك يمكن أن تكون لحظات مستدامة ولكن مكثفة، تعكس تجربة إنسانية ثرية، اللذة والسعادة غالبًا ما تُعتبر حالات ذات طابع أكثر استمرارية ظاهريا، ولكنها تكون أيضًا عرضة للتقلبات، النشوة ترتبط بالبحث عن المعنى والحرية، مما يجعلها تجربة شخصية فريدة، اللذة والسعادة تُعتبر أكثر ارتباطًا بالتجارب المادية أو الاجتماعية، و تكون أقل ارتباطًا بالمسؤولية الذاتية بينما يمكن لمفهوم النشوة أن يكون بديلاً عن اللذة والسعادة، حيث يقدم تجربة أكثر عمقًا ومعنى، تتجاوز المتع السطحية. النشوة تعكس الارتباط الذاتي بالعالم وتجربة الوجود، مما يجعلها تجربة متميزة في السياق الفلسفي.

النشوة والسعادة من منظور علم النفس

النشوة والسعادة هما مفهومين نفسيين لهما دلالات مختلفة. النشوة تُعتبر حالة من الارتفاع العاطفي المكثف، وغالبًا ما تحدث نتيجة تجارب استثنائية أو عميقة، مثل الإبداع، الحب، أو التأمل السعادة تُعرف عادةً بأنها حالة مستمرة من الرضا والراحة النفسية، وهي نتيجة لتوازن العوامل النفسية والاجتماعية، النشوة تنشأ غالبًا من تجارب فريدة أو محفزات قوية، مثل الفنون، الطبيعة، أو اللحظات الروحية، السعادة يمكن أن تأتي من عوامل متعددة، مثل الإنجازات، أو السلام الداخلي، النشوة يمكن أن تؤدي إلى استجابة جسدية قوية، مما يؤدي إلى شعور بالتحرر والفرح، السعادة ترتبط عادةً بتوازن كيمياء الدماغ، النشوة تُعتبر تجربة ذات مغزى وعميق، يسعى الأفراد لتحقيقها، ترتبط النشوة بتجارب عاطفية مكثفة، ترتبط بحالة مستمرة من الرضا.

النشوة واللذة والسعادة في الفكر المتطرف

يشعر الأفراد في الجماعات المتطرفة بنشوة نتيجة الانتماء إلى فكرة أو عقيدة يعتقدون أنها تمثل الحق المطلق. هذا الانتماء يعطيهم شعورًا بالتميز والخصوصية، البعض يجدون لذة في ممارسة القوة والسيطرة على الآخرين، الفكر المتطرف يمكن أن يوفر للناس إحساسًا بالقوة من خلال التهديد أو العنف ويشعر الأفراد في هذه الأيديولوجيات بسعادة مؤقتة نتيجة تحقيق أهدافهم، لكن هذه السعادة غالبًا ما تكون سطحية وغير مستدامة، لأنها ترتبط بالعنف والعداء. توفر الجماعات المتطرفة هوية قوية، مما يجعل الأفراد يشعرون بالسعادة نتيجة الانتماء إلى مجتمع يشاركهم نفس القيم والأفكار، بعض الأفراد يعتقدون أن أفعالهم المتطرفة هي وسيلة لتحقيق العدالة أو التغيير الاجتماعي، مما يمنحهم شعورًا بالرضا عن النفس، يمكن أن ترسم هذه الجوانب صورة معقدة حول كيف يمكن للفكر المتطرف أن يثير مشاعر النشوة واللذة والسعادة، رغم الأضرار والآثار السلبية التي تنجم عنه، لكنها يمكن أن تؤدي مشاعر النشوة واللذة والسعادة المرتبطة بالفكر المتطرف إلى إدمان هذا الفكر، يؤدي الانغماس في الفكر المتطرف إلى عزل الأفراد عن المجتمع، مما يجعلهم يعتمدون بشكل أكبر على الجماعة المتطرفة لتلبية احتياجاتهم العاطفية والاجتماعية، عندما يشعر الأفراد بالسعادة أو النشوة نتيجة أفعالهم المتطرفة، يصبح هذا السلوك معززًا إيجابيًا، مما يدفعهم للمزيد من الانخراط في تلك الأفكار وذلك بتشكيل نمط من الاعتماد العاطفي والسلوكي، مما يجعل من الصعب على الأفراد الخروج منه.

***

غالب المسعودي – باحث عراقي

 

هل المعاناة شيء يعيقنا ام انها تساعد على المضي قدما؟ شوبنهاور يبحث عن حل للمأزق، بينما نيتشه يصر باننا نستطيع استخدامها بطريقة فعالة. هل الحياة تثقلنا، ام انها مغامرة يجب القبول بها؟ نيتشه وشوبنهاور يختلفان بعمق حول معنى الوجود وطبيعة المعاناة الانسانية. شوبنهاور، المتشائم أصلا، اعتقد ان الحياة وبشكل حتمي جلبت لنا الألم والعذاب وان أحسن طريقة للتعامل معها هو ان نتجنب الارتباط بهذا العالم وبؤسه. نيتشه اقتنع بنصف الكأس المملوء. هو اعتقد ان المعاناة ضرورية لتحفيز الذات على التطور: "ما لا يقتلك يجعلك أقوى". لنستطلع الان أفكار كلا الفيلسوفين.

تشاؤمية شوبنهاور: الحياة كمعاناة

لو تتخيّل الوجود كدائرة لامتناهية من الرغبات. انت دائما تسعى نحو شيء ما، لكن بمجرد حصولك عليه ستحل رغبة اخرى محل الاولى. هذه رؤية شوبنهاور حول العالم. جوهر فلسفته هي الرغبة: دافع أعمى غير عقلاني يحفز كل الاشياء الحية. نحن نعتقد اننا نتصرف لأسباب جيدة، لكن في الحقيقة نحن فقط نطيع أوامر هذه القوة الخارجة عن السيطرة، التي لا يمكن إشباعها ابدا، وبهذا نحن دائما نريد الكثير.

بالنسبة لشوبنهاور، المعاناة تعرّف واقع الانسان. صحيح، نحن نستطيع احيانا ان نكون سعداء – لكن هذا الشعور سوف لن يستمر، في أفضل الاحوال، سيكون انقطاعا مؤقتا في نوع معين من الألم بانتظار وصول ألم جديد.

لننظر في الجوع: انت تتناول طعام وتشعر بالرضا، لكن بعد وقت قصير ستعود الآلام. الان تخيّل هذا النموذج يحدث في جميع رغبات الانسان نحو (الحب، النجاح، الأمن): الحياة تصبح تمرينا في الشعور بالاحباط. كيف يمكننا الخروج من هذا المأزق؟ شوبنهاور اقترح ثلاثة مسارات:

1- الزهد – التخلي عن الرغبات (كما يفعل الرهبان).

2- الفن والموسيقى – الانغماس لحد الضياع في شيء جميل ينسى فيه المرء ذاته ولو مؤقتا.

3- التعاطف compassion – ادراك ان كل فرد مبتلى بالرغبات ومن الافضل المساعدة ليعم الخير ويصبح الجميع في أفضل حال.

في البوذية، هناك النيرفانا وهي بلوغ حالة تزول فيها الرغبة. هذه تشبه الحالة عند الرواقيين عندما ذكر ماركوس ارليوس ان المرء يجب ان لا يكون مختلفا في أي شيء عدى الفضيلة.

لكن على خلاف اولئك الفلاسفة في العصور القديمة، شوبنهاور لا يقدم رسالة مبهجة حول الطريقة التي نكون بها سعداء، يقدم فقط افكار حول كيفية الفهم الأفضل للمعاناة والغاية منها.

تأكيد نيتشه: الحياة كإرادة للقوة

اعتقد شوبنهاور ان المعاناة يجب تجنبها مهما كانت الكلفة طالما هي توقعنا في الفخ. نيتشه رفض ذلك: هو اعتقد ان الألم احيانا يكون مفيدا بل وضروريا.

الرياضي يشعر بعدم ارتياح شديد اثناء اللعب لكنه يستمر لأنه يريد الفوز، الفنان يشعر بحزن كبير لكنه يستعمله لخلق شيء جميل. بالنسبة لنيتشه، ايضا، المعاناة شيء ثمين: لأنه من خلال العمل في تجارب شاقة، يصبح المرء شخصا أفضل.

نيتشة لا يعتقد ان الناس يجب ان يرفضوا الحياة ويفضلوا التعاسة على نيل هدف معين (موقف الزهد). لكنه ايضا لم يكن مهتما في التظاهر ان كل شيء على ما يرام. هو اعتقد ان الفن العظيم يمكنه ان يبيّن وحشية الواقع، ولايزال يجعل الحياة تستحق العيش.

هو اعتقد ان شوبنهاور كان سلبيا جدا. الحياة ليست ان تكون منفصلا وانما في البقاء مشاركا، تقبل الصراع ولديك رأي في التعامل مع الاشياء. نيتشه طرح سؤالا: هل تريد ان تتجنب المعاناة، ام تريد ان تكون جيدا في التعامل معها؟ رؤيته الخاصة قوية وواضحة: الناس الذين يعيشون حياة مقنعة لا يترددون في مواجهة التحديات. هم يأخذونها على محمل الجد.

الأخلاق ومشكلة التعاطف

عندما نأتي الى الاخلاق، يقول شوبنهاور ان هناك فقط شيئا واحدا جيدا: العاطفة (هو اسماها Mitleid). اذا انت تريد ان تعيش حياة جيدة، هو اعتقد، يجب ان تكون رقيقا عندما يعاني الاخرون من ألم.

لأنه اذا كان كل الناس يهتمون بانفسهم، عندئذ لا احد يساعد الاخر، وسينتهي بنا الامر نعيش في تعاسة اكبر. لكن التصرف بدافع الاهتمام بالاخرين يمكن ان يربطنا معهم، وان تقاسم المعاناة هو أقل سوءا من الذهاب معها وحيدا. هذه الطريقة في النظر الى الاشياء لها بعض الارتباطات مع الاخلاق البوذية . نيتشه ربط هذا النقد بالمسيحية، زاعما ان الاخلاق المسيحية صُممت لتمجيد الضعف: انها "اخلاق العبيد".

هو ما كان يرغب ان يرى الناس يشعرون بالاسف تجاه بعضهم – الشعور الذي ربطه بالايمان برحمة الله. هو اراد الافراد ان يتخلوا عن فكرة الشفقة وبدلا من ذلك يحفزوا انفسهم والاخرين "ليصبحوا هم كما في ذاتهم".

اليوم، نرى نفس الشكل لكن بتعبيرات أكثر أهمية: هل يجب على الناس جعل الاشياء افضل لاولئك الذين في الأسفل (رؤية شوبنهاور حول الرفاهية) ام تشجيع الناجين على التفوق؟ (انه يبقى سؤالا مفتوحا في السياسة، والمساعدة الذاتية، وحقول اخرى).

الفن ودور الجماليات

نظر شوبنهاور للفن باعتباره اكبر من مجرد وسيلة للتعبير عن الجمال. هو يراه ايضا طريقة للهروب. بما ان التجربة ذاتها مليئة بالألم، كما اوضح، فان المرء يستطيع فقط العثور على الراحة عبر تحرير نفسه مؤقتا من الاضطراب الدائم للرغبة الكونية. متى مانستمع للموسيقى، ندرس اللوحة، او نقرأ القصيدة، نحن نلمح شيئا أعمق: الحقيقة التي تكمن وراء رغباتنا واحباطاتنا اليومية.

هو اُعجب خصيصا ببيتهوفن لخلقه أعمالا ذات قوة مذهلة تحمل الذهن الانساني خارج الاهتمامات اليومية – ولو لفترة قصيرة. نيتشه كانت له رؤية مختلفة. الفن، كما يرى، يجب ان لا يكون حول الهروب من صعوبات الحياة. بدلا من ذلك، يجب التعامل مع الصعوبات وجه لوجه واعطائها معنى. في النهاية الفن العظيم حقا لا يحمينا من قسوة العالم، بل يمكّننا من مواجهة ما هو مروّع بطريقة نستطيع ان نتماشى معه.

هو كان من محبي التراجيديا اليونانية، التي لم تُنكر فيها المعاناة وانما جرى استطلاعها كمظهر اساسي للحياة. التراجيديا لا تبيّن لنا طريقا للخروج، انها تبيّن لنا كيف نواجه الحياة بشجاعة. كان ريتشارد واغنر Richard Wagner هو عازف نيتشه المفضل، خاصة في الاوبرا المبكرة، حيث القوة، الصراع، والبطولة التي جرى التعبير عنها عبر الموسيقى. أعمال واغنر، طبقا لنيتشه، هي توضيحات غير مشوهة لإرادة القوة: انها تحتفل بالحياة بكل شغفها.

لذا، هل يجب ان يقدم الفن ملاذا من المعاناة (كما يعتقد شوبنهاور) – ام انه يساعدنا لتحويل المعاناة الى شيء ما نحتفل به (كما يرى نيتشه)؟ جدالهما لازال يؤثر في ما اذا كنا نعتقد اليوم ان الموسيقى والادب والابداع يجب ان تريحنا ام تتحدانا.

السؤال النهائي: احتضان الحياة ام الهروب منها؟

في جوهر النقاش حول نيتشه مقابل شوبنهاور يبقى سؤالا واحدا شموليا: هل يجب ان نؤكد ونقبل الحياة، ام يجب ان نتغلب عليها ونتركها خلفنا؟ شوبنهاور يرى ان الكائن المتنور يجب ان ينسحب من العالم. طالما ان العالم مليء بالمعاناة فان أفضل شيء يمكن عمله هو فك الارتباط بالرغبة، وعدم الكفاح، وعدم المنافسة. الرهبان الزاهدون والصوفيون الذين تخلوا عن الملذات الدنيوية كانوا المثال الرائع له . بالنسبة له، الوجود ليس شيئا يجب التغلب عليه، انه اكثر من شيء يمكن فك التشابك معه. نيتشه عارض تماما اتجاهه السلبي. بدلا من تجاهل الوجود، حسب قوله، الشخص الأقوى يحتضن محنه وانتصاراته. الكفاح هو الذي يحصّن، والألم ليس لعنة وانما مصدر للنمو. ولكي يختبر هذا، اخترع نيتشه فكرة العود الابدي: اذا كانت كل حياتك يجب ان تُعاش مرة بعد مرة، وبالضبط  في نفس الشكل، والى الابد هل ستكون مسرورا بذلك؟ اذا كان الجواب كلاّ، عندئذ فان شيئا ما يحتاج تغيير – نحن يجب علينا اعادة تشكيل حياتنا بحيث نحبها الى الابد.

هذا التباين بين الفيلسوفين يعرّف رؤيتيهما:

1- زهد شوبنهاور = التخلي عن الرغبة، السلام، وعدم المشاركة

2- بطولة نيتشه  = الكفاح، السيطرة، والتجاوز

اذن، ما هي طريقة الاختيار؟ التخلي ام الاحتضان. هذا هو أعظم مأزق تركاه لنا.

الإرث والتأثير: اي رؤية هي الفائزة؟

شوبنهاور ونيتشه كلاهما تركا تأثيرا دائما على الفلسفة، لكن العالم الاوسع تأثر بميراثهما بطرق مختلفة. فرويد كان قد تأثر بعمق بشوبنهاور. هو طور علم النفس انطلاقا من فكرة ان الكائن البشري مندفع برغبات لاواعية، مشابهة للرغبة العمياء لشوبنهاور. واغنر وجد فكرة شوبنهاور في ان الموسيقى يمكن ان تسمح للناس بإلقاء لمحات وراء المعاناة فكرة ساحرة – ألهمت أعظم أعمال الاوبرا. تولستوي والمفكرون الغربيون الذين تأثروا بالبوذية ايضا احتضنوا تشاؤمية شوبنهاور: الايمان باننا نعيش في أسوأ عالم ممكن . البعض يرى ان الانفصال عن الرغبات كطريق للحكمة. في الفن، يمكن النظر الى تأثيره في الاعمال البسيطة minimalist works التي تركز على الجمال ولا تهتم كثيرا في العالم التي حولها.

تشاؤميته الفلسفية التي يتردد صداها اليوم، قادت العديد للبحث عن سلام داخلي (عادة من خلال التأمل)، الابتعاد عن الاستهلاكية، او احتضان العزلة.

لكن نيتشه كان له تأثيرا أكبر على العالم الذي نعيش به اليوم. افكاره حول التغلب على الذات، كونك فرد، وخلق قيم جديدة كان لها التأثير الكبير على الوجودية (سارتر وكامو) وما بعد الحداثة (فوكو ودولوز) – حتى اشخاص مثل خبراء المساعدة الذاتية او مدراء القيادة مدينون له.

 ربما هما صائبان كلاهما. هذه الايام، هل لانزال نؤمن ان المعاناة شيء يمكن التخلص منه بكل ثمن، ام انها اصبحت مجرد تحدّ آخر قد يكون مفيدا لنا؟

بالنهاية، انت فقط منْ يقرر كيف تعيش مع الحقائق غير المريحة التي نواجهها اليوم. هل تريد ان تكون مثل شوبنهاور وتحاول العثور على الهدوء (بينما تتجنب معظم الاشياء)؟ ام تتبنّى رؤية نيتشه: تحتضن الحياة بكل ما فيها من فوضى وتحاول خلق شيء هاما؟

***

حاتم حميد محسن

.......................

The collector: July21, 2025

حين تستيقظ الذات على تكرارها

ليست العادة مجرد تكرار ميكانيكي لأفعال يومية، بل هي خيط دقيق ينسج الكينونة داخل الزمن ويمنح الحياة شكلًا يمكن احتمالُه. العادات التي نظنّها بسيطة، كشرب القهوة أو الكتابة أو المشي، تختزن في عمقها دلالة وجودية، لأنها محاولات دؤوبة لترميم الذات أو تأجيل تفككها. من هنا تصبح العادة شكلًا من أشكال المقاومة الصامتة للعدم، واستراتيجية للتموضع في العالم، يلتقي فيها الفلسفي بالأنثروبولوجي، والوجودي بالاجتماعي.

العادة.. حضور متجسد للزمن في الجسد

يرى مارتن هايدغر أن الكينونة لا تُفهم إلا من خلال “الوجود في العالم”، حيث يتحقق الزمن كخبرة معاشة، كما أشار في كتابه الوجود والزمان. في هذا السياق تغدو العادة طقسًا زمنيًا يكرّس الجسد كذاكرة تتكرر، وكأن الإنسان يعيد كل صباح بناء وجوده من خلال ما اعتاده. فشرب القهوة مثلًا ليس ترفًا، بل عودة إلى الذات، إلى تموضعها داخل إيقاع مألوف تعيد به تعريف كينونتها. ولهذا قال هايدغر إن “الوجود الإنساني هو وجود منفتح على الزمن، والطقوس اليومية ليست إلا تجليًا لهذا الانفتاح”

سوسيولوجيا التفاصيل الصغيرة.. العادة كحامل للمعنى

كما يرى ميشيل دي سيرتو، فإن الممارسات اليومية تشكل نوعًا من “التكتيك” الذي يمارسه الأفراد داخل النسق الاجتماعي من أجل خلق حيز من الحرية. فالعادات ليست مجرد طاعة بل مقاومة صامتة، تُمارَس داخل حدود المألوف لتوليد ذاتية مبدعة. حين نكتب أو نعدّ الشاي بطريقة خاصة، نحن لا نكرر فقط، بل نستعيد السيطرة على تفاصيل الحياة. ولذلك ذكر دي سيرتو في اختراع الحياة اليومية أن “العادة اليومية هي شكل من أشكال التعبير عن الذات داخل فضاء اجتماعي تُرسم حدوده خارجيًا”

الكتابة عادة.. حين تُصبح الحروف بيتًا للوجود

الكتابة بالنسبة لمن يمارسها ليست مجرد تقنية بل فعل وجودي، طقس متجدد تنبع فيه الذات من ذاتها. حين تجلس الذات أمام الورقة كل صباح، فهي تعيد سرد كينونتها بلغة جديدة، تواجه بها العدم، وتضمد بها هشاشتها. وقد رأى رولان بارت في الكتابة “حالة من التطهير”، كما ذكر في كتابه متعة النص، مؤكدًا أن اللغة لا تُستخدم فقط للتعبير، بل للمقاومة لذلك قال: “الكتابة ليست مجرد أداة، بل طقس من طقوس العبور نحو الذات”

العادة بين الانغلاق والخلق.. مفارقة الطقس اليومي

غير أن العادة، كما أشار إليها نيتشه، تحمل في ذاتها تناقضًا بنيويًا: فهي من جهة تعيد ترتيب الفوضى، لكنها من جهة أخرى قد تُغلق الأفق على الذات. فالاعتياد اليومي قد يُغرق الإنسان في تكرار يفقده ذاته، كما كتب في هذا هو الإنسان. لكنه أيضًا يرى أن تجاوز هذا التكرار لا يتم إلا من داخله، كما لو أن الإنسان يحتاج إلى العادة كي يخلق من داخلها فعلًا حرًّا. ولهذا حذر قائلًا: “احذروا العادة، فهي قد تُصبح سجنًا إن لم تحولوها إلى رقص”

حين تُصبح العادة تجسيدًا للحرية

تقدّم العادة نفسها كوسيلة لترسيخ وجود الإنسان في العالم، فهي لا تعارض الحرية بل تُنظّمها. في عالم متسارع ومفكك، تسمح الطقوس الصغيرة بتأسيس بنية نفسية ـ اجتماعية تحفظ الذات من التفكك. إنّ العادة ليست فعلًا هامشيًا بل شرط للكينونة اليومية، حيث تتجلى الحياة بأبسط صورها وأكثرها عمقًا. فالطقوس التي نظنها تكرارًا، كالمشي أو تحضير القهوة أو الكتابة، ما هي إلا إعلانٌ متجدد للوجود. إنها تقول للكون: نحن هنا، نعيد كل صباح ترميم ذواتنا بفعل نحفظه ونحبّه، ونقاوم به العدم.

***

د. آمال بوحرب 

(القوة الناعمة تضمن إجبارا وإلزاما غير مباشرين على التغيير، قد تعجز القوة الصلبة على القيام به. والقوة الناعمة ليست دعاية سياسية، ولكنها سجال عقلي يهدف إلى التأثير على الرأي العام وتحديثه. فخطورة الإعلام تكمن في القدرة على التأثير وبلورة الفكر، الذي يتحكم في تصرفاتنا ويعدل أفكارنا ويجعلنا نقتبس أحيانا مالا يلائمنا ولا يتوافق مع عاداتنا وتقاليدنا، استجابة لطبيعة المرحلة)... ميشيل فوكو

يخوض تأويل الظاهرة العصبية الاضطرابية، أو ما يسمى لدى علماء العلاج السلوكي والمعرفي ب(الميسوفونيا)  لدى الشعوب المسحوقة بتصادمات الحروب وانفعالاتها الداخلية، في حيز زمني، يقصر أو يطول، حسب الآفات والتوابع والإفرازات المستتبعة لها، (يخوض) نقاشا محموما حول التقائيته بالمآلات الحربية وجنون البشرية، أو ما يسميها كلاوزفيتز تحديدا ب"غوغائية الحرب"، وما ينتج عنها من ارتدادات تتعلق أساسا بالأخلاقيات والعدالة التناسبية، وتحرير السلطة من وازع الانتقام والحقد وتشويه الحقيقة.

وتثير (الميسوفونيا) كمعيار نفسي اجتماعي وثقافي، في ارتباطه بالواجهة المقيدة للحروب، انشغالات ثاوية في صلب تعاطي الإعلام مع الأزمات المكرسة للفوارق الاجتماعية، واستهدافاته لنظم المعرفة والأخلاق وقيم الإخلاص للهوية والانتماء.

إن الحروب الجديدة الآن، وكل النزاعات المسلحة التي تشكل بؤرا حامية على طول وعرض الكرة الأرضية، هي بالأساس حروب اقتصادية وتجارية وتكنولوجية، خارج الأنظمة البشرية والقانون الدولي والقضاء. تقوم على فلسفة الهجوم وإعلام "القطيعة الثقافية" والاجتماعية والنفسية المشبعة بامتدادات السياسة، حيث يغيب منطق الأخيرة ويستوعب اقتيادا مغايرا لنشر الأخبار الزائفة،"The Fake News" ، باعتبارها سلاحا فتاكا منذورا لتحطيم الوعي الإنساني واستقرار وأمن المجتمعات.

يكرس هذا المنحى، بروز دراسات تخصصية في "ميسوفونيا الحرب الإعلامية" الجديدة، تقودها أجهزة اختراقية دقيقة، وجيوش إلكترونية جرارة، يكون منتهى أعمالها، هو تأبيد الاستراتيجيات المحاصرة للأمن والسلم الاجتماعيين، مع استمرار توتير الخلفيات الأساسية لوقوع الأزمات وانتشارها على نحو يقطع مع التفكير الجماعي واليقظة المجتمعية، والتركيز المستقبلي.

وتتحوز "الميسوفونيا" تلك، على أنماط إبدالية مخالفة للسياقات المرصودة، تستأثر على مواقع ودراسات ترصد أسئلة الإعلام، ليس فقط في الذهنيات التي تخوض رهاناتها من داخل الثكنات الحربية، فهذه تعمل على إنشاء وحدات استراتيجية لدراسة شروط إنتاج المعلومات قبل وأثناء وبعد النصر، لا سيما وأن استخدام الرقابة الشاملة في مجتمعاتنا الديمقراطية أصبح غير مقبول وأكثر تكلفة على المستوى السياسي من نفعه العسكري ولكن، أيضا من خارج السياق الحربي، في إدارة وسائل الإعلام للنزاعات، بتحديد عناصر الاستمرارية وعوامل التغيير، ومراعاة بُعدي العلاقة التي تجمع حاليًا بين الحروب ووسائل الإعلام، أي الجيش والصحفيين.

ويرى علماء الاجتماع، أن استخدام القوة يعني شنّ حرب على وسائل الإعلام، لا يمنع من شنّ الحرب من خلالها، أو من خلال الدعاية المباشرة، أو من خلال التحكم في التمثلات التي تنقلها. في أوقات الحرب، حيث يصبح مفهوم الصحافة الحرة، الذي يُكلّف الصحفيين المستقلين بمهمة البحث عن المعلومات أو الصور التي قد تكون مخفية، أمرًا لا يُطاق بالنسبة للسلطات المدنية والعسكرية.

ومجال حظر معلومات عن الحرب، هو بالأساس انسياق خلف أيديولوجية معينة، وإخلال بمنظومة نشر "المعلومات" دون فرض رقابة صارمة على المحتوى. وفي ذلك تصريح مباشر بإبعاد الصحفيين على الأرض عن العمليات، وبالتالي استخدام مبرم للصحافة في لنقلها خطابات الدعاية، بعد إخضاع رموزها وعلاماتها للرقابة وتعرض الصحفيين للترهيب. ولا يزال هذا هو الحال اليوم في العديد من الوضعيات، وليس آخرها الحرب الإبادية على غزة، حيث تمارس وسائل الإعلام التابعة أو المدجنة، وبخليفات سياسية وتجارية ولا أخلاقية، أعمالا مخلة بالأخلاقيات ومشوهة للمعلومات والمعطيات على الأرض. ومن خلالها يتم التغطية على الجرائم الحربية المرفوضة أمميا والمعاكسة لأدنى حقوق الضحايا والأبرياء المدنيين والجوعى والمعطوبين والمقبورين تحت الأنقاض ؟.

إن الحرب الإعلامية، أو "ميسوفونيا" الدعاية، كما يحلو للباحث الفرنسي أرنو مرسييه (أستاذ الاتصالات بجامعة باريس بانتيون)، أن يسميها، هي جزء من العمل الاتصالي المرتبط بنظم الإعلام واقعًا من وقائع الحرب، مندمجة بالعقائد العسكرية كأهداف قائمة بذاتها. ينتج عنها تفكيك لقيم الإعلام النبيلة، كما تحددها الأكاديما أو الثقافة التي توظفها في الأدوات الفكرية المشروعة والإنسانية. وهي على هذا المنوال، تشكل بحضورها الإكراهي الجديد حالة ناشزة في أفق التعتيم والتحول الذي أضحى حقل المعلومات يشهده، تحت نظر تسارع تسلط التكنولوجيات العالية، وتغول جغرافية الذكاء الاصطناعي، وتنامي مخاطره على الأسرة والمدرسة والثقافة المجتمعية.

من أجمل ما قرأت في هذا المجال كتاب متفرد للفيلسوف والمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي "السيطرة على الإعلام"، يستحضر فيه الوجه الآخر للإعلام المتواري خلف واقع يعري الصورة الحقيقية والمتوحشة للإعلام الأمريكي، في انتفاء لوصل الصور التي يزينها للناظرين، ولكنها تعكس الفارق والجوهر الحقيقان بالمعرفة والكشف، وكيف أن الدعاية أو البروبجندا هي السلطة المستحوذة على الشارع أو الرأي العام.

يستعرض تشومسكي في كتابه أيضا، في واحدة من أبلغ الاستعارات السوسيولوجية، قصة الإعلامي القادم من المريخ، والذي أراد به أن يوجد فاعلا محايدا يتخذه حكما على تناقضات الولايات المتحدة الأمريكية في حربها على ما تزعمه " إرهابا"، بيد أنها تغظ الطرف عن جرائم ومذابح ضد الإنسانية كانت طرفا رئيسيا فيها، لتظهر نواياها المبيتة تحت غطاءِ هذا المبرر "السخيف" لشن حربها المُخطّطِ لها مسبقا مثلما فعلت مع ألمانيا والشيوعية. ومعها الآليات الدعائية التي تجمل لها أفعالها وتوطن بإزاء ذلك، لا محدودية المؤامرة، وانفضاح السياسات الأمبريالية تجاه أنظمة تم تبييؤها وشحنها لتكون وعاء للسيطرة والقوة فقط ؟.

***

د. مصـطَـــفَى غَـــلْمَــان

 

في المثقف اليوم