عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

أقلام فكرية

يوضح كانان بوركاياسثا(1) كيف حوّلت ورقة هايزنبرغ عام 1925 نظرية الكم في تلك الفترة الى ميكانيكا الكم اليوم. هناك نظريتان سيطرتا على فيزياء القرن العشرين وهما النسبية وميكانيكا الكم. واذا كانت النسبية هي عمل شخص واحد (البرت اينشنتاين) فان ميكانيكا الكم لها عدة آباء من بينهم ويرنر هايزنبرغ وماكس بلانك وماكس بورن وبول ديراك وباسكال جوردن وإرفين شرودنغر. لكن ميكانيكا الكم التي نعرفها اليوم انبثقت بسبب ليلة هايزنبرغ الوحيدة في جزيرة هيليغولاند عام 1925 عندما اخترع ميكانيكا المصفوفة دون ان يعرف مفهوم المصفوفة (matrix). وطبقا لذلك، أعلنت الأمم المتحدة في 7 حزيران عام 2024 ان عام 2025 هو السنة الدولية لعلم الكم والتكنلوجيا.

في 30 حزيران 2025، أعلنت مجلة الطبيعة عن اجراء فعالية بمناسبة الذكرى المئوية لميكانيكا الكم، صرّح فيها الفيزيائي أنطون زيلينجر anton Zelinger الحائز على جائزة نوبل بان "لا وجود هناك لعالم كمي". زيلينجر أشار الى ان الحالات الكمية توجد فقط في الاذهان، وانها تصف المعلومات بدلا من الواقع.

الفيزيائي آلان اسبكت وهو المشارك لزيلنجر بجائزة نوبل عام 2022 لم يوافق على ذلك. ومن جهة أخرى، ذكر الفيزيائي جيرارد تي هوفت الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1999 في مقابلة مع مجلة العلمية الامريكية "نحن نعرف ان التراكب superposition في العالم المرئي ليس الاّ محض هراء. ذلك واضح، وانا اعتقد ان العالم المجهري هو أيضا هراء"(عدد ربيع/صيف 2025 ص 43). هذا يعكس اختلافا فلسفيا عميقا بين الفيزيائيين حول طبيعة الواقع. اذن كيف يفكر هايزنبرغ حول طبيعة الواقع الكمي؟ نال هايزنبيرغ جائزة نوبل في الفيزياء عام 1932. لخصت لجنة جائزة نوبل في السويد عمله بالتالي:

"في نظرية نيلز بور Niels Bohr في الذرة، الالكترونات تمتص وتطلق اشعاعا من اطوال موجية ثابتة عندما تقفز بين مدارات ثابتة حول النواة. النظرية قدمت وصفا جيدا للطيف الناتج بفعل ذرة الهايدروجين لكنها كانت بحاجة لتطوير لتتلائم مع ذرات وجزيئات اكثر تعقيدا. في عام 1925، صاغ ويرنر هايزنبيرغ نوعا من ميكانيكا الكم مرتكزا على المصفوفات. في عام 1927 هو افترض "علاقة عدم يقين" uncertain relation، وضع فيها حدودا لمدى الدقة التي يتقرر بها مكان وسرعة الجسيم في وقت واحد". وبهذا فان تفكير هايزنبيرغ الفلسفي حول طبيعة الواقع في ميكانيكا الكم دار حول ميكانيك مصفوفة وعلاقة عدم يقين. ولكن ما هي؟

ميكانيكا الكم

في حزيران 1925 ذهب هايزنبيرغ الى هيلغولاند جزيرة صغيرة في بحر الشمال، لكي ينال راحة من حمى القش. لاحقا هو ذكر انه وجد الجواب عند الساعة الثالثة صباحا. وكما ذكر في كتابه (الفيزياء وما ورائها، 1969)، "لدي شعور، انه من خلال سطح الظاهرة الذرية، كنت انظر الى تصميم داخلي جميل جدا وشعرت بدوار خفيف من فكرة اني سأضطر الآن الى استكشاف هذه الثروة من البُنى الرياضية التي نشرتها الطبيعة أمامي بسخاء "(ص61).

وفي 9 جولاي 1925، أرسل هايزنبيرغ ورقة بعنوان "الكم – تفسير نظري للحركية والعلاقات الميكانيكية الى ماكس بورن، الذي كان مساعدا له آنذاك، وبورن بدوره أرسل الورقة الى مجلة الفيزياء في 25 جولاي . انها حوّلت نظرية الكم في بداية القرن العشرين الى ميكانيكا كم التي نراها اليوم. فيها كتب هايزنبيرغ "الورقة الحالية تضع أساسا لميكانيكا كم نظرية تقوم خصيصا على علاقات بين كميات يمكن مشاهدتها من حيث المبدأ". ورقة بورن وجوردن بعنوان (حول ميكانيكا الكوانتم 1) نُشرت وتم استلامها في 27 سبتمبر 1925. يقول المؤلفان فيها ان "الاتجاه النظري المنشور مؤخرا لهايزنبيرغ تم تطويره هنا الى نظرية منهجية لميكانيكا الكم بمساعدة طرق مصفوفة رياضية". في 7 نوفمبر عام 1925 تسلّمت نفس المجلة ورقة من بول ديراك Paul Dirac بعنوان "المعادلات الأساسية لميكانيكا الكم". يذكر ديراك فيها انه "في ورقة جديدة، يطرح هيزنبيرغ نظرية جديدة تقترح انه لا تكمن المشكلة بأي شكل من الاشكال في معادلات الميكانيكا الكلاسيكية، بل في العمليات الرياضية التي تُستنتج منها النتائج الفيزيائية والتي تتطلب تعديلا. كل المعلومات التي تقدمها النظرية الكلاسيكية يمكن الاستفادة منها في النظرية الجديدة".

بعد ذلك في 16 نوفمبر 1925، كل من بورن وهايزنبيرغ وجوردن عرضوا ورقة أخرى بعنوان "حول ميكانيكا الكم 2" تقول ان "ميكانيكا الكم التي طُورت في الجزء الأول من هذه الورقة وفق اتجاه هايزنبيرغ يتم توسيعها هنا الى أنظمة تمتلك عشوائيا عدة درجات من الحرية" . ورقتان شهيرتان اخريان برزتا في بداية عام 1926: حول طيف الهايدروجين من وجهة نظر الميكانيكا الجديدة لفولفغانغ بول (17 جنوري) و"ميكانيكا الكم وتحقيقات أولية لذرة الهايدروجين لديراك (22 جنوري). في الورقة الأخيرة يعترف ديراك أيضا بهايزنبيرغ، قائلا ان "ورقة حديثة لهايزنبيرغ عرضت حلا لهذا السؤال وتشكل أساسا لنظرية كمية جديدة. طبقا لهايزنبيرغ، اذا كان X وY دالتان لإحداثيات وزخم لنظام ديناميكي، فان XY بشكل عام لا يساوي XY.

بعد ذلك، نحن نصل الى معادلات شرودنغر الموجية عام 1926 التي قدمت طريقة مختلفة لعمل ميكانيكا كم مساوية لميكانيكا المصفوفة. كونراد كلاينكنيشت في كتابه (اينشتاين وهايزنبيرغ: الجدل حول فيزياء الكم، 2019) قال حول ميكانيكا المصفوفة:

"الفكرة الأساسية التي عرضها هايزنبيرغ في هيلغولاند كانت: ان نتجاهل تماما مدارات الالكترون ونأخذ بالاعتبار فقط القيم المشاهدة، أي، كلّية ترددات التذبذب وشدة الضوء المنبعث بواسطة الذرات مع الخطوط الطيفية المُقاسة في جهاز قياس الطيف. في غوتنغن، هو حاول سلفا تطبيق هذا المبدأ على ابسط ذرة، لكن في ذلك الوقت بدت هذه المشكلة في غاية الصعوبة. الآن هو يبحث عن نظام أبسط يستطيع بواسطته معالجة الطريقة رياضيا. كان هذا النظام هو البندول الذي يظهر في عدة ذرات وجزيئات كنموذج للتذبذب."(ص64).

بكلمة أخرى، هايزنبيرغ يحاول حساب سلوك الالكترونات حول الذرات مستخدما كميات نستطيع ملاحظتها، خاصة، تردد وسعة الضوء المنبعث. بهذه الوسائل يلاحظ المرء تأثيرات الالكترون تقفز من أحد مدارات بوهر الذرية الى آخر. فكرة هايزنبيرغ كانت ان يكتب كل الكميات التي تصف حركة الالكترون - الموقع، السرعة، الطاقة – ليست كأرقام منفردة وانما كجدول من أرقام : وبهذا هو خلق منضدة او مصفوفة تحتوي على مدارات المغادرة في الصفوف ومدارات الوصول في الأعمدة. بهذه الطريقة تصف المنضدة/المصفوفة قفزات الاكترون من مدار الى آخر. وبدلا من امتلاك موقع منفرد للالكترون، اصبح لدينا منضدة كاملة للمواقع المحتملة: موقع لكل قفزة ممكنة. الفكرة تستمر باستعمال نفس المعادلات كما هي دائما، ببساطة تستبدل الكميات العادية (موقع، سرعة، تردد الطاقة للمدار) بهذه المنضدات. بورن وجوردن وسّعا فكرة هايزنبيرغ عبر الإشارة الى أهمية جبر المصفوفات لوصف تحولات الطاقة الذرية.

علاقات غير مؤكدة

في عام 1927 افترض هايزنبيرغ مبدأ اللايقين الشهير، واضعا قيوداً على إمكانية دقة تحديد سرعة وموقع الجسيم في وقت واحد. في الحقيقة، استعمل هايزنبيرغ في الأصل الكلمة الألمانية ungenauigkeit التي تعني "عدم صحة" او "غموض" بدلا من "لايقين". هذا هو أقرب الى المعنى الحقيقي لمبدأ هايزنبيرغ منه الى كلمة "اللايقين". كلماته الحقيقية كانت(زوج المتغيرات في ميكانيكا الكم لا يمكن تقريرهما في وقت واحد الاّ بغموض وعدم دقة indeterminacy". ذلك يعني انه كلما كانت هناك الكثير من الدقة في تحديد موقع الجسيم، كلما كانت هناك أقل دقة في تحديد زخمه وبالعكس. "تحديد" هنا تعني "تحديد نطاق القيم الممكنة"، ونطاق القيم الممكنة يشير الى اللايقين. وينطبق نفس الشيء، حسب هايزنبيرغ على أزواج أخرى من الكميات : لاسيما الطاقة – الزمن. (يجدر الذكر هنا ان تفسير بورن الاحصائي أيضا يستعمل الغموض وعدم الدقة في ميكانيكا الكم، لأننا لا نستطيع التنبؤ بدرجة من اليقين بمحصلة التجربة لقياس موقعها). هناك رؤيتان فلسفيتان متعارضتان حول مبدأ اللايقين. في كتابه (رقصة الفوتونات، 2010)، يتحدث زيلنجر عن الموقف الواقعي لأشخاص مثل اينشتاين الذي يدّعي ان مبدأ اللايقين هو :

"فقط تعبير عن حدود ما يمكن تقريره بواسطة القياس. او بلغة فلسفية، طبيعة اللايقين ستكون ابستمية. موقف فلسفي آخر هو افتراض ان مبدأ اللايقين ليس مجرد ادّعاء حول ما يمكننا معرفته، انه ادّعاء حول طبيعة الأشياء. من هذه الزاوية، مبدأ هايزبيرغ في اللايقين هو قول او بيان حول الكيفية التي تكون عليها الأشياء وأي سمات تمتلك. انه قول حول ماذا يوجد. الفيلسوف يمكنه تسمية مثل هكذا موقف حول طبيعة مبدأ اللايقين بـ موقف انطولوجي. من وجهة النظر هذه، لا يكون للالكترون موقع محدد بدقة اكبر مما يخبرنا به اللايقين في الموقع، ولا سرعة محددة بدقة اكبر مما يخبرنا به اللايقين في الزخم. هذا الموقف الانطولوجي اعتقد به بوهر، ص37-38".

لذا، هل لايقين الكوانتم إبستمي ام انطولوجي؟ هل هو حول حدود ما يمكن ان نعرف، او حول الكيفية التي تكون عليها الأشياء حقا؟

أولاً، ما يعنيه القول بمبدأ اللايقين ليس فقط حدود لما نستطيع ان نعرف، وانما هو يصف كيف هي الأشياء حقا؟ انه يعني ان الالكترون لايمكن ابدا ان يتحدد موقعه وزخمه في وقت واحد: الالكترون اما ليس مكانا محددا او انه لا يتحرك بسرعة محددة. زيلنجر ذاته يقترح انه "بمعنى ما، الالكترون يحمل إمكانات لعدة سرعات في نفس الوقت وإمكانات ان يكون في عدة أماكن في نفس الوقت"(ص38). هذا نتيجة مباشرة لفكرة دي بروغلي De Broglie بان "موجة الاحتمال" يجب ان ترتبط بكل جسيم كمي. النقطة الأساسية هنا هي ان مبدأ هايزنبيرج في اللايقين هو تصريح حول طبيعة الأشياء وليس فقط حول ما نستطيع معرفته. الغموض وعدم الدقة indeterminacy خلق المشاكل للفيزيائيين والفلاسفة أيضا. كونراد قال ان اكتشاف هايزنبيرغ لمبدأ اللايقين له نتائج بعيدة المدى لفلسفة العلوم والابستيمولوجي. وكذلك، عالِم الفيزياء البريطاني ستيفن هاوكنك كتب في كتابه تاريخ موجز للزمن ان "مبدأ اللايقين له تأثيرات عميقة على الطريقة التي ننظر بها للعالم"(ص63).

الواقع والاتجاه البرجماتي

في كتابه (الواقع ونظامه، 1941)، يحدد هايزنبيرغ مجالات مختلفة للواقع، اللغة المستخدمة لوصفه ونظامه (هو أيضا يذكر تنظيم غوته الشعري لمجالات الواقع والتي منحته الإلهام للكتابة). هايزنبيرغ يطور مخطط من ست نقاط للواقع مع ترتيبها:

الفيزياء الكلاسيكية، الكيمياء وتتضمن نظرية الكم، الحياة العضوية، الوعي، الرمز والجشطالت، والقوى الإبداعية. هو اكّد على ان الترتيب الذي اقترحته العلوم الطبيعية يتبع انماطا فكرية قديمة وجدت باستمرار أشكالا جديدة للتعبير في أوقات مختلفة. هايزنبيرغ لاحظ أيضا انه "عادة تستغرق قرنا من التجربة لإنتاج فكرة حاسمة جديدة. وبالنتيجة، لكي نجيب على السؤال ما هو الواقع، يجد المرء من الصعب الإجابة بأي شيء عدى الحكاية الخرافية القديمة: الى كم تستمر الأبدية؟ عند نهاية العالم، هناك جبل مصنوع كله من الماس، وفي كل مائة سنة يأتي طير صغير ويشحذ منقاره، وعندما يتآكل كامل الجبل، تكون قد مرت فقط ثانية واحدة من الأبدية"(ص121).

في خريف عام 1954، كان اهتمام اينشتاين منصبا على تفسير ميكانيكا الكم. في اجتماع معه، ادّعى هايزنبيرغ ان "نظرية الكم" بمفارقاتها المحيرة جدا، هي الأساس الحقيقي للفيزياء الحديثة". أجاب اينشتاين، "لكنك ألا تؤمن بان الله يلعب النرد؟" أجاب هايزنبيرغ : "في نظرية الكم، القوانين الطبيعية تتعامل مع تغيرات زمنية للمحتمل possible والمرجح probable. الخيارات التي تقود من المحتمل الى المرجح يمكن تسجيلها فقط احصائيا، لكن لم يعد بالإمكان التنبؤ بها"(ص163). لذا بالنسبة لهايزنبيرغ، الله بالفعل يبدو يلعب النرد مع الكون.

ثم في كتابه (الفيزياء والفلسفة، 1958)، كتب هايزنبيرغ ان "علينا ان نتذكر ان ما نلاحظ ليس الطبيعة بحد ذاتها وانما الطبيعة التي انكشفت لطريقتنا في التحقيق"(ص25). وفي مقاله بعنوان "تطور الأفكار الفلسفية منذ ديكارت" هو كتب:

"الاطروحة الفلسفية بان كل المعرفة تتأسس في التجربة قادت في النهاية الى فرضية تتعلق بتوضيح منطقي لأي ادّعاء حول الطبيعة. هذه الفرضية ربما بدت مبررة في فترة الفيزياء الكلاسيكية، لكنها منذ نظرية الكم بدت انها لايمكن الوفاء بها. كلمات مثل "موقع" و"سرعة" الالكترون، بدت محدّدة بشكل مثالي من حيث معناها وارتباطاتها المحتملة، وفي الحقيقة هما كانا مفهومين عُرّفا بوضوح ضمن الاطار الرياضي لميكانيكا نيوتن. لكن في الحقيقة، هما لم يُعرّفا بشكل جيد كما يُرى من علاقات اللايقين"(ص46).

من الواضح انتقل هايزنبيرغ بعيدا عن الوضعية المنطقية. هو يذكر "هذا يبيّن اننا لايمكن ابدا ان نعرف سلفا أي قيود ستوضع على قابلية تطبيق مفاهيم معينة عند توسيع معرفتنا الى الأجزاء البعيدة من الطبيعة، والتي لايمكننا اختراقها الاّ باستخدام اكثر الأدوات تطورا"(ص46). هذه هي طريقة برجماتية في التفكير حول الواقع لأن البرجماتية، بينما تقيّم الدليل التجريبي، هي تركز على النتائج التطبيقية وفائدة المعرفة، تفضل ما يثبت نجاحه في العمل في موقف معين. في (الفيزياء والفلسفة) أشار هايزنبيرغ أيضا الى معرفة كانط التحليلية والتركيبية وجادل بان الطريقة العلمية قد تغيرت حقا في هذه المسألة الأساسية منذ كانط، الذي جادل ان الاحكام التحليلية هي دائما قبلية وان جميع المعرفة التجريبية هي تركيبية (ص47). وكما كواين Quine، هو لا يبدو مناصرا لتقسيم كانط التحليلي-التركيبي.

في اطروحته "اللغة والواقع في الفيزياء الحديثة"، وكذلك في (الفيزياء والفلسفة) هو يشير للفيزيائي كارل فون فايزساكر Carl Von Welzsacker، الذي يؤكد على ان المرء يميز بين عدة أنواع مختلفة من اللغة:

"مستوى يشير الى الشيء – مثلا، الذرات او الالكترونات. المستوى الثاني يشير الى الادّعاءات او البيانات حول الأشياء. المستوى الثالث يشير الى ادّعاءات حول ادّعاءات حول الأشياء". هايزنبيرغ يتحدث عن مشاكل لغة المنطق الكلاسيكي والكمي. حيث يذكر، "في المنطق الكلاسيكي يُفترض انه، اذا كان للإدّعاء أي معنى، يجب ان يكون اما الادّعاء او رفض الادّعاء صحيحا .. الاحتمال الثالث غير موجود. في نظرية الكم يتم تعديل هذا القانون"(ص124-125). هو يقول نحن نحتاج للنظر في الاحتمال الثالث: "في نظرية الكم، يجب ان نعترف – عندما نستعمل كلمات "ذرة" و"صندوق" – بان هناك احتمالات أخرى وبطريقة غريبة تمزج الاحتمالين الاثنين السابقين . هذا ضروري لتوضيح نتائج تجاربنا"(ص125). هو يقترح ان "المنطق الكلاسيكي سيتم احتوائه كنوع من الحالات الحدية في المنطق الكمي، لكن الأخير سيشكل الشكل المنطقي العام ".

في مقاله "حول الكتب والقراءة"، يقول ارثر شوبنهاور ان "الأفكار التي توضع على الورق ليست اكثر من آثار خطى في الرمل: انت ترى الطريق الذي ذهب به الرجل، لكن لكي تعرف ماذا شاهد في مساره، ستحتاج الى عينيه"(ص3). في الحقيقة، نحن نحتاج لعيون هايزنبيرغ لكي نفهم فلسفته.

***

حاتم حميد محسن

........................

Heisenberg’s philosophy of Quantum Mechanics, philosophy Now Feb/March 2026

الهوامش

(1) كانان بوركاياسثا يحمل شهادة الدكتوراه في الكيمياء النظرية والجوية من جامعة بريستول. هذا المقال مقتبس من محاضرة القيت في جامعة جوتنجن الألمانية في 9 سبتمبر 2025 اثناء الاحتفال بالذكرى المئوية لميكانيكا الكم.

تدل القراءة لغويًّا على الجمع، والضم والتفقه، والتلفظ والإبلاغ، ويدل التلفظ على إخراج الوحدات الصوتية من الجهاز النطقي، ويشتمل على الفهم الأولي البسيط الذي نهدف إلى تحديده، غير أنَّ القراءة تخرج إلى دلالة أخرى تعني الفهم «التفقه» والتوصيل « الإبلاغ »(1)، والأخيرة تتضمن الفهم أصلًا، إذْ كيف يمكن التوصيل دون فهم ووعي لما في الخارج والذات سواء بسواء، ومن ثم فإنَّ القراءة تعني تتبع الرموز اللغوية، ووعي دلالاتها وإدراك معانيها، بعد وعي طبيعة الأنظمة اللغوية ـــ صوتية وصرفية ونحوية ودلالية ــــ التي تتضمنها أي لغة، وهذا يعني أيضًا أنَّ القارئ يكيف هذه الرموز « على نحو نسقي ليدركها في قران دون غيره، في الوقت الذي تقوم فيه الرموز بتوجيه حركة القارئ ـــ خلال فعل الإدراك ـــ إلى أحد القرانات المدركة »(2)، بمعنى أنَّ الذات تتفاعل مع النص المقروء وتقدم ناتجًا من تجادلهما .

إنَّ القراءة ليست فعلًا فيزيولوجيا يتأتى بإحداث الوحدات الصوتية عبر النطق بحسب ما تقتضيه الأنظمة اللغوية لأي لغة فحسب، وإنما القراءة، سواء أكانت قراءة للعالم بوصفه وجودًا يقع خارج الذات الإنسانية، أم نصًّا بوصفه تشكيلًا لغويًّا تعني الفهم، ومن ثم فإنّها تمثل نشاطًا معرفيًّا ذهنيًّا يختلف ويتفاوت بحسب رؤية القارئ وبحسب طبيعة النظر إلى العالم والنص، والزاوية التي يصدر عنها .

فالقراءة في ضوء هذا الفهم مُولّدٍة للمعاني وكاشفة للصور التي يتضمنها العالم والنص، ومن ثم فإنّها- بحسب علي حرب- « تعيد انتاج المقروء »(3) فكأنَّ المقروء ــــ عالمًا أو نصًّا ــــ موجود، ويصبح بعد القراءة موجودًا آخر، لأنَّ القراءة ليست نقلًا للمقروء، أو إحضارًا له، إذْ يضفي القارئ على المقروء رؤيته، وذاته، وخصوصيته، ويتولد من العلاقة بينهما مركب جديد، ليس هو المقروء تمامًا، وليس هو القارئ بما هو عليه، وإنّما هو مركب منهما معًا بكيفية خاصة، ولذلك تتفاوت القراءات لاختلاف القراء، وكأنَّ المقروء ثابت قبل القراءة، وتتغير صورته ومعانيه ودلالاته بفعل عملية القراءة التي ترتبط بخصوصية القارئ ورؤيته .

ويمكن القول تجاوزًا إنَّ النص قبل القراءة يعرف استقرارًا نسبيًّا في دلالته ومعانيه، ولكنه ـــ في الحقيقة ـــ استقرار متوهم، إذْ لا وجود حقيقي للنص إلا في أثناء قراءته، نعم هناك وجود موضوعي فيزيقي للنص خارج الذات الإنسانية ــــ متمثلًا في الكتب ــــ التي أنتجته، أو تسعى الى قراءته، ولكنه وجود هامد، وإن وجوده الفعلي يتحقق عبر قراءته .

وليست هناك قراءة صحيحة وقراءة خاطئة، وإنما هناك قراءة ممكنة يحتمل النص دلالاتها، ويعكس القارئ رؤيته ومواقفه في اثنائها، وهناك قراءة غير ممكنة، لعدم احتمال النص دلالتها، ولاسيما القراءة الإسقاطية التي سيأتي الحديث عنها .

إنَّ قراءة النص بمعنى فهمه تتضمن الأبعاد الآتية:(4)

1 ـــ الفهم المباشر دون حاجة إلى تفسير أو تأويل .

2 ـــ التفسير، حين يستعصي الفهم المباشر نشأت الحاجة إلى الانتقال إلى فهم آخر يقتضيه السياق وقرائن اللغة، فإنَّ كلمة الوحي حين ترد دون سياق أو قرينة لغوية لها دلالة تختلف عن معناها في قوله تعالى: « وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ »(5).

3 ـــ التأويل: وهو مرحلة متقدمة في فهم النص، تعني إخراج اللفظ من معناه الحقيقي الذي يدل عليه الفهم المباشر، أو سياقاته، إلى معناه المجازي، ولذلك فإنَّ التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة كتفسير الصراط بالطريق والتأويل إظهار باطن اللفظ ... فالتأويل خاص والتفسير عام فكل تأويل تفسير وليس كل تفسير تأويلًا.

وتتركب عملية القراءة من ثلاثة مكونات: القارئ، والمقروء، وناتج القراءة، وقد يوحي ترتيب هذه الأبعاد أولية القارئ، بمعنى فاعليته، وانفعالية النص، إذْ تكون القراءة مجرد نتيجة لعملية ميكانيكية تتماثل فيها النتائج والمقدمات، وليس هذا صحيحًا في الواقع، لأن ثمة جدلًا بين القارئ والمقروء، يتولد ناتج القراءة من تفاعلهما المحتدم وتصارعهما بفعل العلاقات المتشابكة والمعقدة والمتداخلة، ويشتمل كل من عنصري عملية القراءة« القارئ / المقروء» على خصائص ينماز بها، وإن إغفال هذه الخصوصية وإدراك أهميتها يقود بالضرورة إلى فهم سلبي لعملية القراءة والنتائج المتولدة منها، بمعنى أنَّ إغفال هذه الخصوصية أو التهوين من قيمتها وأهميتها، يعني هيمنة أحد طرفي عملية القراءة على الآخر، فإما أنْ تكون الذات فاعلة إزاء موضوعها، إذْ تلغي المقروء، أو تقرأه خارج دلالاته وسياقاته، وأما أنْ يهيمن المقروء على القارئ، فيتحول إلى مجرد ناقل، وكلا الأمرين يعني ناتجًا سلبيًّا، يلغي أحد طرفي المعادلة، ويقدم قراءة أقل ما يقال عنها إنّها قراءة سلبية .

وقد تكون القراءة السلبية ذاتية تتخذ من التراث وسيلة دفاعية يؤكد فيها القارئ ذاته، إذْ يستعيد المعايير النقدية التراثية ويضخم من جوانبها الإيجابية، ويحاول إسقاطها على الحاضر، والمستقبل، والهدف من ذلك الاحتماء بالتراث في مواجهة تيارات معاصرة، وعلى الرغم من سلبية هذه القراءة فإنّها في الوقت نفسه يمكن أنْ تسهم في بداية لقراءة نقدية واعية، لأنها تستبعد الجوانب السلبية في عصور الانحطاط، والأهم من هذا أنها تحذر من الانسياق وراء القراءة الشكلية والسقوط في الانجازات المستوردة، غير أنَّ التوقف عند هذه الغاية لن يحقق جديدًا، لأن التراث النقدي يمارس سلطته على الحاضر والمستقبل، وهذا ما حصل فعلًا في القراءة الإحيائية التي هيمنت فيها الأصول القديمة على النقد المعاصر، وأصبحت غاية مقصودة لذاتها .

ولا تختلف القراءة الرومانسية عن هذه القراءة السلبية، إذْ تمثل هذه القراءة قطيعة معرفية مع التراث، إذْ يعتمد الناقد اصولا نقدية مستوردة ليست من صنع حاضره، ولا من تراثه، وبذلك يستبدل حاضره وماضيه بحاضر نقدي للآخر .

ويمكن تبني قراءة تتفاعل فيها الذات بموضوعها، إذْ يدرك الناقد أنَّ لتراثه حضورًا قديمًا محددًا بسياقاته التاريخية والاجتماعية والمعرفية، وله حضور معاصر خاص بزمن القراءة الحالية وملتحم برؤية القارئ المعاصر وثقافته، ويتأسس على الوصل والفصل، إذْ يجعل « المقروء معاصرًا لنفسه على صعيد الإشكالية والمحتوى المعرفي والمضمون الأيديولوجي، و(ويجعل) المقروء معاصرًا لنا، ولكن فقط على صعيد الفهم والمعقولية »(6).

***

الدكتور كريم الوائلي

.....................

(1) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، دار صادر- بيروت، الطبعة الثالثة ،1994، مادة: قرأ، 1/128 - 133.

(2) جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، ص 18.

(3) علي حرب، هكذا اقرأ ما بعد التفكيك، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005، ص 10 وما بعدها.

(4) يُنظر بالتفصيل: كريم الوائلي، الخطاب النقدي عند المعتزلة، وزارة الثقافة، بغداد، 2001، ص 5 وما بعدها.

(5) سورة النحل، آية: 68.

(6) محمد عابد الجابري، نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الرباط، 1993، ص 11.

 

تمثل الجمالية في الفكر المعاصر مساحة تتجاوز مجرد المتعة البصرية لتصبح حقلاً للاشتباك السياسي والوجودي، حيث يُنظر إلى الجمال كأداة للتحرر وتجلي الفردية، بينما يبرز القبح كأداة، وسم، وسيطرة، وتهميش. إن محاربة المنظومات المتطرفة للفن والجمال ليست مجرد عداء عارض للمظاهر الحسية، بل هي استراتيجية بنيوية تهدف إلى تقويض "الذاتية" لصالح "النمطية"، وتعطيل القدرة البشرية على التمييز النقدي من خلال فرض ما يمكن تسميته بـ "القبح القسري". هذا المفهوم لا يشير فقط إلى غياب السمات الجمالية، بل هو عملية "تسييس" للقبح ليصبح علامة على التبعية، وأداة لضبط الفضاء العام، وآلية لتعطيل الجهاز الإدراكي للأفراد، مما يجعلهم أكثر عرضة للاستقطاب الأيديولوجي العنيف.

القبح سياسة وتراتبية في الفكر المتطرف

لا يُعرف القبح في السياقات السياسية بوصفه نقيضاً فيزيائياً للجمال فحسب، بل يتم توظيفه كعلامة فارقة لترسيخ اللامساواة ووسم الفئات الاجتماعية المهمشة. إن القبح، كما تطرحه الرؤى النقدية، يعمل كعلامة سياسية تشير إلى مجموعة من التدرجات الهرمية واللامساواة بين الأفراد والجماعات. في المنظومات المتطرفة، يُستخدم القبح كخزان لكل ما لا يتناسب مع المعايير الأيديولوجية الصارمة، بما في ذلك "الآخر" العرقي، أو المعارض السياسي، أو الفئات التي ترفض الامتثال للنمط البصري الموحد الذي تفرضه السلطة. 

تعتمد هذه المنظومات على ما يسمى "الثنائيات التراتبية"، حيث لا يمثل التقابل بين الجمال والقبح علاقة أفقية بسيطة، بل هو نظام من التبعية والخضوع. الجمال يتم ربطه حصرياً بالهوية السائدة، والنقاء العرقي، والامتثال الأيديولوجي، بينما يُنسب القبح إلى كل ما هو غريب أو مضطرب أو خارج عن السيطرة. هذا التوزيع غير العادل للقيمة الجمالية يجعل من "القبح" مبرراً سياسياً لاستبعاد الأفراد من الفضاء العام، بل وحتى سحب الحقوق المدنية منهم بناءً على "بشاعة" مظهرهم المفترضة أو عدم توافقه مع "المعيار" الذي تضعه الأيديولوجيا. 

آليات السيطرة عبر القبح القسري والرتابة البيئية

تمارس الأنظمة المتطرفة والتوليتارية سيطرة مطلقة على الذوق العام من خلال التلاعب بالجماليات البصرية. الهدف ليس فقط نشر أيديولوجيا معينة، بل تنظيم الإدراك البشري بحيث لا يرى الفرد بديلاً للواقع القائم. تبرز هنا استراتيجية "الرتابة القسرية" كأحد أخطر أشكال القبح التي تستهدف البنية النفسية للمجتمع. 

العمارة الشمولية وهندسة الامتثال

إن فرض "الرتابة التصميمية" في المدن ليس مجرد خيار فني، بل هو أداة للسيطرة الاجتماعية؛ فالبيئة التي تفتقر إلى التنوع والمعلومات البصرية تؤدي سيكولوجياً إلى شعور الأفراد بالقلق وفقدان التوجه. 

يشير "قانون التنوع المطلوب" في علم السيبرنتيقا إلى أن أي نظام يتحكم في نظام آخر يجب أن يمتلك درجة من التعقيد تتفوق على النظام المحكوم. ومن هنا، تسعى المنظومات المتطرفة إلى "تبسيط" المجتمع من خلال فرض رتابة جمالية وبصرية؛ فالمجتمع الذي يعيش في بيئة متطابقة ورتيبة يصبح مجتمعاً أسهل في التنبؤ بسلوكه والتحكم فيه من قبل السلطة المركزية. القبح القسري هنا يتجلى في تحويل الكائن البشري إلى "وحدة" وتجريدها من أي سمات جمالية فردية، الذي يؤدي الى نزع الصفة البشرية عن السكان.  

الزي الموحد وتنميط الهوية البصرية

يمثل التحكم في الملابس والمظهر الشخصي أداة حيوية أخرى للمنظومات المتطرفة. ففي إيطاليا الفاشية، سعت الدولة إلى خنق التأثيرات الأجنبية في الموضة وفرض "جمالية لاتينية" رصينة تهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية ودعم الصناعة المحلية. كان الهدف من هذه السياسات الجمالية هو تحويل المواطنين إلى "علامات تجارية" تابعة للدولة؛ فالزي الموحد، خاصة للشباب، لم يكن مجرد ملابس، بل كان آلية لطمس الفردية وإدماج الفرد في الكتلة الجماعية. 

السعي نحو الأهمية واليقين المعرفي

عندما يواجه الأفراد بيئة "قبيحة" أو رتيبة تفتقر إلى التنوع، يزداد لديهم ما يسمى "البحث عن الأهمية" التطرف ينشأ غالباً كاستجابة لإصابة وجودية أو شعور بالإذلال والرفض في المجتمع السائد. توفر الأيديولوجيا المتطرفة هنا طريقاً لاستعادة القيمة الذاتية من خلال تبني أهداف "عظمى" وقصوى. البيئة التي تفتقر إلى الجمال والتعقيد تزيد من "الحاجة إلى الإغلاق" المعرفي" وهي الرغبة في الحصول على إجابات بسيطة وقاطعة للعالم المعقد". الأفراد الذين يعيشون في بيئات بصرية وفكرية مبسطة (قبيحة في رتابتها) يميلون أكثر نحو التفكير بنمط "أبيض وأسود" ويرفضون التعددية والغموض الفكري. 

تثبت أبحاث جامعة كامبريدج أن الأشخاص ذوي الميول المتطرفة يعانون من صعوبة في معالجة المهام العقلية المعقدة ويميلون إلى التبسيط المفرط. هؤلاء الأفراد ينجذبون إلى الأنظمة السلطوية التي تبسط العالم لهم؛ وهي أنظمة تستخدم غالباً "القبح القسري" والرتابة كوسيلة لتقليل الحمل المعرفي وتعزيز الامتثال الجماعي. الحرمان من الجمال إذن ليس مجرد فقدان للمتعة، بل هو آلية لتعطيل الوظائف التنفيذية للدماغ التي تسمح بالتمييز والنقد، مما يجعل الفرد "ترساً" في آلة الأيديولوجيا.  

الاحتقان النفسي والاغتراب

تؤدي البيئات القبيحة الى “النفسية المحتقنة “التي تتسم بالاستجابة الفورية العنيفة تجاه أي اختلاف، لأن بيئته لم تدربه على تذوق التنوع الجمالي أو الفكري. في غياب الجمال كقيمة تلطف الروح وتعزز التعاطف، يصبح العنف هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الذات المتأزمة. إن التطرف، بهذا المعنى، هو "تفريغ نفسي" لتوترات داخلية ناتجة عن العيش في "قبح" مادي ومعنوي مستمر. 

الجمال كتهديد سياسي

تعتبر المنظومات المتطرفة الفن المستقل والجمال غير المنضبط عدواً وجودياً، لأنه يمثل الفضاء الذي يمكن فيه ممارسة الحرية والذاتية بعيداً عن الرقابة. لذلك، تلجأ هذه المنظومات إلى استراتيجية "التشويه الأيديولوجي" للفنون التي لا تخدم أهدافها.

في المقابل، يتم إنتاج فن "دعائي" يتسم بجمالية زائفة تقدس القوة والجمود. هذا النوع من الفن لا يهدف إلى إثارة الخيال، بل إلى "تحنيط" الواقع في قوالب أيديولوجية جامدة. وكما يشير أدورنو، فإن الفن في الأنظمة القمعية يتعامل مع القبح ليعيد إنتاج العالم على صورته، حيث يتم "تلطيف" القبح البنيوي للنظام من خلال صور بطولية زائفة.

القبح القسري كشرط هيكلي للوجود

لا يقتصر القبح القسري على الأفعال المباشرة للأنظمة السياسية، بل يتعدى ذلك ليصبح "شرطاً هيكلياً للوجود" في المجتمعات التي تعاني من ضغوط أيديولوجية واقتصادية حادة ويبرز مفهوم الجمال القبيح في البيئات ذات الذي يتعرض فيه الإبداع للتنكيل المنهجي، حيث يضطر الفنانون والمبدعون للعمل في "أنقاض" ثقافية، مما ينتج أعمالاً تتسم بالقبح كنوع من الاحتجاج أو كنتيجة حتمية للضغوط القانونية والملاحقات. 

هذا القبح الهيكلي يتجلى في تسليع القبح وتحويل المبدعين إلى مجرد مصادر للإيرادات تحت وطأة قوانين جائرة، مما يفرغ العمل الفني من قيمته الجمالية ويحوله إلى "سلعة مشوهة".

في بعض الأحيان، يتم تبني القبح استراتيجياً للتحدث ضد أنظمة الامتياز؛ حيث يتم تصوير "المقدس" أو "الجميل" في نظرالاخر بشكل قبيح لخلخلة المعايير السائدة. 

حرمان الفئات المهمشة من الوصول إلى المساحات الجميلة، مما يكرس شعورهم بأنهم ينتمون إلى "عالم قبيح" لا يستحق الرعاية، وهو ما يعزز ثقافة العنف والتطرف كوسيلة للخروج من هذا المأزق. 

إن محاربة المنظومات المتطرفة للجمال واستخدامها للقبح القسري كأداة للسيطرة هو عمل يتجاوز الذوق الشخصي ليدخل في صلب "التكنولوجيا السياسية" لإدارة الجماهير. الجمال، بتعدديته وقدرته على إثارة التساؤل، يمثل تهديداً لكل نظام يسعى للتوحيد القسري. أما القبح، في رتابته ووصمه للآخر، فهو الوقود النفسي الذي يغذي آلة التطرف.

يتضح أن الجمال هو المساحة التي يمكن فيها للإنسان أن يكتشف حريته، وأن القبح القسري هو القيد الذي تحاول المنظومات المتطرفة تكبيل الروح البشرية به. إن المعركة ضد التطرف هي في جوهرها معركة من أجل حق الإنسان في أن يدرك العالم بكل تعقيده، وجماله، وحريته.

***

غالب المسعودي

..............................

مراجع:

- أدورنو، تيودور: النظرية الجمالية (في تحليل العلاقة بين الفن والسلطة والقبح).

- فوكو، ميشيل: المراقبة والمعاقبة (في فهم كيف تشكل السلطة الأجساد والفضاءات).

- باومان، زيجمونت: الحداثة والهولوكوست (في تحليل كيف تؤدي الرتابة والبيروقراطية إلى نزع الإنسانية).

- أريندث، حنة: أسس التوتاليتارية (في فهم سيكولوجية الجماهير والنمطية).

- أبحاث جامعة كامبريدج (2021): حول الرابط بين المرونة المعرفية والميول الأيديولوجية المتطرفة.

 

مقدمة: في بواكير الفلسفة اليونانية القديمة يقف مفهوم المعيارية الطبيعية كحجر أساس لكل تفكير أخلاقي ووجودي. لم تكن الطبيعة مجرد خلفية سلبية أو مصدر للقوانين الفيزيائية، بل كانت مصدراً حياً للمعايير، أي لتلك القيم التي تحدد ما هو صالح وما هو فاسد، ما هو كامل وما هو ناقص. هذا المفهوم لم يكن مجرد نظرية، بل كان رؤية كونية ترى الكون نفسه ككائن منظَّم يحمل في طياته غاياته الخاصة. اليوم، وبعد قرون من الفصل بين الإنسان والطبيعة في الفكر الحديث، تظهر منظورات جديدة تُعيد قراءة هذه المعيارية ليس كتراث أثري، بل كإمكانية حية لإعادة بناء علاقتنا بالوجود. هذه المنظورات لا تكتفي بتفسير ما قاله الحكماء، بل تُخرج المعيارية الطبيعية من إطارها التاريخي لتجعلها تتحدث بلغة عصرنا: لغة الاستدامة، الجسد الحي، والحرية المسؤولة. في هذه الدراسة سنغوص في أعماق هذا المفهوم عند الحكماء اليونان، ثم نُطلق منه منظورات جديدة تُعيد صياغة علاقة الإنسان بالكون كعلاقة معيارية حية. فكيف تم إعادة اكتشاف الطبيعة كمعيار حي؟

المعيارية الطبيعية عند الحكماء قبل سقراط: الواحد كمعيار كوني

بدأت المعيارية الطبيعية مع الفلاسفة الأوائل الذين رأوا في الكون نفسه مبدأ الانتظام الأخلاقي. عند طاليس وأنكسمندر وأنكساغوراس، لم تكن الطبيعة مجرد مادة عشوائية، بل كانت حاملة لـ«اللوغوس» الذي ينظمها. أنكسمندر يتحدث عن «اللانهائي» كمبدأ يفرض توازناً طبيعياً يمنع أي عنصر من السيطرة المطلقة، فالعدل هنا ليس اتفاقاً بشرياً بل قانوناً كونياً يُعاقب الطغيان بالعودة إلى التوازن. هذا التصور يجعل المعيارية الطبيعية أولى صور الـ«فيزيس» كمعيار: فالصالح هو ما يتوافق مع هذا التوازن، والشر هو ما يخرج عنه. مع هيراقليطس يصل الأمر إلى ذروة الديناميكية: النار كرمز للصيرورة الدائمة، واللوغوس كمعيار مشترك يجعل الصراع نفسه قانوناً طبيعياً. هنا لا تكون المعيارية جامدة، بل حية ومتحركة؛ الإنسان الصالح هو من يسمع هذا اللوغوس ويعيش وفقاً له، لا يحاربه. هذه القراءة تفتح باب منظور جديد: المعيارية الطبيعية ليست قاعدة ثابتة، بل إيقاع حيوي يدعونا اليوم إلى فهم الاستدامة البيئية ليس كواجب أخلاقي خارجي، بل كعودة إلى إيقاع الكون الذي كان هيراقليطس يسمعه في جريان النهر.

سقراط وأفلاطون: الطبيعة كصورة للخير الأسمى

انتقل سقراط بالمعيارية الطبيعية إلى المجال الإنساني المباشر. لم يعد يبحث عن أصل الكون فقط، بل عن طبيعة الإنسان نفسه. «اعرف نفسك» ليس شعاراً نفسياً بل دعوة لاستكشاف الطبيعة البشرية التي تحمل في ذاتها معيار الخير. الروح، بطبيعتها، تميل إلى الخير كما تميل النار إلى الصعود. الخطأ إذن ليس شراً مقصوداً بل جهلاً بالطبيعة الذاتية. هذا التصور يجعل المعيارية الطبيعية أخلاقاً داخلية: الصالح هو ما يحقق طبيعة الإنسان الحقيقية.

أفلاطون يُعمّق هذا التصور في نظرية المثل. المثل العليا ليست موجودات خارجية مجردة، بل هي الطبيعة الحقيقية لكل شيء. الخير الأسمى هو المثال الذي ينير كل المثل الأخرى، وكل موجود في العالم الحسي يسعى – بطبيعته – للتشبه به. هنا تصبح المعيارية الطبيعية غائية: كل كائن له غاية طبيعية هي الاقتراب من مثاله. المدينة الفاضلة ليست اختراعاً سياسياً بل تحقيقاً للطبيعة السياسية للإنسان. منظور جديد ينبثق من هنا: في عصرنا الذي يعاني من أزمة المعنى، يمكننا قراءة أفلاطون كدعوة لإعادة اكتشاف «الطبيعة الداخلية» للتقنية والذكاء الاصطناعي. فهل يمكن أن تكون الخوارزميات «طبيعية» إذا حققت غايتها في خدمة الخير الأسمى بدلاً من خدمة الربح فقط؟ هذا السؤال يُحيي أفلاطون في سياق معاصر دون أن يفقد أصالته.

أرسطو: الغائية الطبيعية كأساس للفضيلة

يصل أرسطو بالمعيارية الطبيعية إلى أوجها العملي. في «الفيزياء» و«الأخلاق النيقوماخية» يرى أن كل شيء في الطبيعة يحمل «تلوسه»  الخاص، أي غايته الطبيعية. الإنسان ليس استثناء؛ طبيعته هي «الحيوان الناطق» الذي غايته تحقيق الفضيلة كفعل كامل للعقل العملي. الفضيلة ليست قاعدة خارجية بل «هكسوس» – عادة مكتسبة تُحقق الإنسان ما هو عليه بالقوة. هنا تكون المعيارية الطبيعية أخلاقاً واقعية: السعادة ليست متعة عابرة بل نشاطاً يتوافق مع الطبيعة البشرية في أسمى صورها.

منظور جديد ينفتح من أرسطو اليوم: في عالم يُعامل الجسد كآلة والطبيعة كمورد، يدعونا أرسطو إلى «غائية جسدية» جديدة. الرياضة، التغذية، العلاقات، كلها يجب أن تُقاس بمدى تحقيقها لـ«تلوس» الجسد البشري. هذا يتجاوز الطب الحديث الذي يعالج الأعراض فقط، ليصبح طبيعة علاجية ترى المرض كانحراف عن الغاية الطبيعية. كذلك في الأخلاق البيئية، يمكن قراءة أرسطو كدعوة لـ«فضيلة بيئية»: الإنسان الفاضل هو من يعيش وفقاً لطبيعة الأرض ككل، لا يستنزفها بل يُكملها.

الرواقيون والإبيقوريون: المعيارية الطبيعية كحرية داخلية

عند الرواقيين تصبح المعيارية الطبيعية أكثر شمولاً وداخلية. زينون وكريسيبوس يقولان: «عِش وفق الطبيعة» أي وفق اللوغوس الكوني الذي ينظم كل شيء. الحرية الحقيقية ليست التحرر من الطبيعة بل التوافق التام معها. الشر إذن ليس إرادة خارجية بل انحراف عن هذا التوافق. الرواقي يرى في كل حدث طبيعياً – حتى الألم – جزءاً من النظام الكلي، فيصبح السلام الداخلي هو المعيار الأعلى.

أما الإبيقوريون فيقلبون المعادلة قليلاً: الطبيعة ليست غائية بل ميكانيكية، والمعيار هو المتعة الطبيعية (الخالية من الألم). لكن حتى هنا تبقى المعيارية طبيعية: المتعة ليست فوضى بل ما يتوافق مع حاجات الجسد والروح الحقيقية. منظور جديد يجمع بين الاثنين اليوم: في عصر القلق الوجودي، يمكن أن تكون «المعيارية الطبيعية الرواقية-الإبيقورية» أساساً لـ«حرية بيئية». الإنسان الحر هو من يعيش وفق قوانين الطبيعة (رواقياً) ويستمتع بما تقدمه دون إفراط (إبيقورياً). هذا يحول الاستدامة من واجب إلى تحرر داخلي: التوافق مع الطبيعة هو المتعة الحقيقية والحرية الحقيقية معاً.

منظورات جديدة: إحياء المعيارية الطبيعية في عالم ما بعد الإنساني

اليوم، وبعد أن فصلت الحداثة الإنسان عن الطبيعة، تعود المعيارية اليونانية بقوة لتقدم منظورات جذرية. أولها: «المعيارية الطبيعية الإيكولوجية». لم تعد الطبيعة مجرد خلفية، بل كائن حي له غاياته كما رآها أرسطو. الإنسان ليس سيداً بل جزءاً من تلوس كوني مشترك. هذا يعني أن أي تقدم تقني يجب أن يُقاس بمدى تحقيقه لهذا التلوس، لا بمدى سيطرته.

ثانيها: «المعيارية الطبيعية الجسدية-الوجودية». سقراط وأفلاطون يدعواننا إلى أن نرى الجسد ليس سجناً بل تجلياً للمثال. في عصر الذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال: هل يمكن للآلة أن تمتلك «طبيعة» تحمل معياراً أخلاقياً؟ الجواب اليوناني: فقط إذا شاركت في اللوغوس الحي، لا في الحساب الجامد.

ثالثها: «المعيارية الطبيعية الحرية-المسؤولة». الرواقيون يعلّموننا أن الحرية الحقيقية هي التوافق مع الطبيعة. هذا يعني أن أزمة المناخ ليست مشكلة تقنية بل انحراف وجودي عن اللوغوس. الحل ليس في المزيد من السيطرة بل في المزيد من الاستماع إلى إيقاع الكون.

خاتمة:

هكذا تظل المعيارية الطبيعية عند حكماء اليونان ليست تراثاً مغلقاً بل نبعاً يتجدد. كل منظور جديد لا ينفي القديم بل يُحييه: يجعل اللوغوس يتحدث بلغة الاستدامة، والتلوس يتحدث بلغة الجسد الحي، والحرية تتحدث بلغة التوافق الكوني. الإنسان اليوم، كما كان اليوناني القديم، مدعو ليعيش وفق طبيعته الحقيقية: ليس كمستغل للكون بل كمكمِّل له. هذه العودة إلى المعيارية الطبيعية ليست حنيناً بل ثورة وجودية هادئة: ثورة تجعلنا نرى أنفسنا مرة أخرى جزءاً من نسيج حي يحمل في طياته معيار كماله. وفي هذا الرؤية تكمن إمكانية أن يصبح الإنسان، كما أراده الحكماء، ليس سيداً على الطبيعة بل صديقاً لها، وبالتالي صديقاً لنفسه.  فكيف تمثل الطبيعة كدعوة دائمة للعودة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

من الغياب السلبي إلى الحضور النشط

يُعد الجهل في سياقه المعرفي العميق ظاهرة تتجاوز مجرد الافتقار إلى المعلومات أو نقص المعطيات؛ إذ يتجلى في أطواره الأكثر تعقيداً كخيارٍ واعٍ ومنظومة دفاعية متكاملة تسعى لحماية الذات من زعزعة اليقينيات المستقرة. إن الجهل ليس فراغاً سلبياً أو مجرد "عدم"، بل قد يتحول إلى "جهل نشط" يمتلك أدواته، ومنطقه، وقدرته الفائقة على الهدم المنظم. يتحدد الجهل لغةً واصطلاحاً بأنه نقيض العلم، وهو افتقار الفرد للخبرات الضرورية لفهم موضوع معين، إلا أن هذا التعريف البسيط لا يستوعب الأبعاد التدميرية التي تنشأ عندما يتحول الجهل إلى إصرار منهجي. وهنا نستحضر رؤية سقراط الذي أرسى دعائم المعرفة بالاعتراف بالجهل حين قال:

 "كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئاً"، معتبراً أن الجهل البسيط هو بداية الحكمة، بينما الجهل الذي يرفض الاعتراف بنقصه هو عائق الوجود الحقيقي.

الجهل المركب: بنية "الفوضى المنظمة"

تكمن الخطورة الحقيقية في تحول الجهل من حالة طبيعية فطرية يولد بها الإنسان كصفحة بيضاء، إلى حالة الجهل المركب. في هذه المرتبة، يجهل الإنسان الحقيقة ويجهل في الوقت ذاته أنه يجهل، مما يولد لديه وهماً بامتلاك المعرفة المطلقة. هذا الوهم هو الحجر الأساس فيما يمكن تسميته بـ "الفوضى المنظمة"؛ فهي فوضى لأنها تفتقر إلى المعايير العقلية والمنطقية السليمة، وهي منظمة لأنها تتشكل داخل هيكل يبدو منطقياً للمتمسك به، وتديرها دوافع نفسية واجتماعية عميقة تهدف إلى الحفاظ على تماسك وهمي للذات أمام حقائق الواقع الصادمة.

تنبثق بنية الجهل من مستويات متعددة؛ تبدأ بالجهل البسيط وهو حالة قابلة للعلاج بالبحث والتعليم. أما المستوى الأخطر فهو الجهل المركب الذي يمثل "تلبساً بلباس العلم"، حيث يعتقد الجاهل جزماً أنه من أهل العلم بالشيء وهو ليس كذلك، مما يغلق أبواب المراجعة والحوار. هذا النوع من الجهل ليس مجرد نقص فكري، بل هو انحراف في الإرادة وسوء في الاختيار، حيث يسعى الجاهل لتغليف الباطل بثوب الحق لتبرير أفعاله ومفاسده، وهو ما حذر منه الإمام الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" وفي تشريحه لأمراض النفس، معتبراً أن أشد الناس ضلالاً هو من يرى ضلاله هدىً ويأبى الاسترشاد بنور العقل.

 من المدينة الجاهلة إلى الجهل المؤسس: رؤية الفارابي وأركون

قدم الفكر الفلسفي الأصيل تشريحاً دقيقاً للمجتمعات التي تتبنى الجهل كأساس لوجودها. يبرز "المعلم الثاني" أبو نصر الفارابي كأحد أوائل الذين وضعوا تصنيفاً اجتماعيّاً وفلسفياً للمجتمعات بناءً على علاقتها بالمعرفة والسعادة. في مشروعه حول "المدينة الفاضلة"، حدد الفارابي المدينة الجاهلة كنموذج نقيض، حيث لا يعرف أهلها السعادة الحقيقية المرتبطة بالكمال العقلي، بل ينصرفون كلياً نحو الأغراض الحسية والمادية، ظناً منهم أن هذه الغايات الفانية هي غاية الوجود القصوى. يرى الفارابي أن الجهل في هذه المدن هو منظومة قيمية كاملة تحرك السلوك البشري بعيداً عن كمال النفس، مما يجعل الأفراد غير قادرين على التحرر من المادة، وهو ما يفسر سيكولوجياً لماذا يصر الجاهل على جهله؛ إذ يجد في هذا الالتصاق المادي طمأنينة زائفة تحميه من مشقة المسؤولية الأخلاقية التي يفرضها العلم.

في السياق الحديث، يبرز مفهوم الجهل المؤسس الذي طرحه المفكر محمد أركون في "قضايا في نقد العقل الديني"، وهو الجهل الذي ينتجه النظام التربوي والمؤسساتي الرسمي. هذا النوع ليس غياباً عفوياً للمعلومة، بل هو "صناعة" تهدف إلى تغييب العقل النقدي وإنتاج منظومة قيم تؤدي إلى التعصب. هنا تلتقي الفلسفة بالسياسة؛ فالجهل المؤسس هو أداة للسلطة لضمان التبعية، حيث يتم تحويل الجهل إلى نظام يضبط حركة المجتمع ويمنعه من طرح الأسئلة الوجودية الكبرى، مما يعمق المأساة المجتمعية ويحول دون مواجهة التحديات.

 آليات الدفاع ووهم المعرفة: سيكولوجيا التمسك بالعمى

إن الإصرار على الجهل ليس مجرد كسل ذهني، بل هو عملية نفسية معقدة تتداخل فيها آليات الدفاع عن الذات مع التحيزات المعرفية الراسخة. يشير علماء النفس إلى ما يعرف بـ "تأثير دانينغ-كروجر" أو وهم المعرفة، حيث يفتقر الأشخاص ذوو القدرات المنخفضة في مجال معين ليس فقط للكفاءة، بل وللكفاءة اللازمة لإدراك عجزهم. إنهم لا يعرفون ما يكفي ليعرفوا أنهم لا يعرفون، وهذا النوع من الجهل أدائي بامتياز، فالشخص هنا لا يكتفي بالخطأ، بل يطلبه بصوت عالٍ، ويريد التصفيق والاعتراف بعبقرية مزعومة. الجاهل يجد في جهله درعاً يحميه من "قلق المعرفة"؛ فالعلم يفرض تساؤلات لا تنتهي، أما الجهل فيقدم إجابات قاطعة ومريحة، وإن كانت كاذبة.

الجهل المقدس: عندما يصبح العمى ديناً

يُعد مفهوم الجهل المقدس، الذي صاغه أوليفييه روا، من أكثر المقاربات دقة لفهم كيف يتحول الجهل إلى قوة تدميرية عالمية. لا يعني الجهل المقدس غياب التدين، بل يعني إنتاج "دين بلا ثقافة"؛ أي فصل النص الديني عن سياقه التاريخي والجمالي والمعرفي، ليتحول إلى مجرد شعارات صلبة قابلة للتصدير والعولمة. يعمل الجهل المقدس من خلال تحولات معرفية عميقة تجعل من الشخص الجاهل مقاتلاً شرساً في سبيل أوهامه، معتقداً أنه يدافع عن الحقيقة الإلهية بينما هو يدافع عن قشور لفظية فرغت من محتواها.

اللغة هي حاملة الثقافة وأداة المعرفة، أما في الجهل المقدس فيتم تقديس ظاهر الكلام دون فهم معناه، مما يحول التدين إلى طقس فارغ من أي محتوى معرفي. ويؤدي هذا إلى حالة من الشك الارتيابي في كل معرفة لا تتوافق مع ظاهر النص الذي يقدسه الجاهل. هذا الشك ليس شكاً منهجياً يهدف للوصول للحقيقة كما هو عند ديكارت، بل هو شك دفاعي يرفض العلم والمنطق لحماية وهم اليقين. ومن هنا تنبع الفوضى المنظمة.

 الجهل في عصر الذكاء الاصطناعي: "الأتمتة" وتغييب الوعي

مع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي، يكتسي الجهل حلة جديدة وأكثر خطورة، وهي ما يمكن تسميته بـ "الجهل التقني الممنهج". إن الاعتماد المفرط على الخوارزميات في اتخاذ القرار يخلق نوعاً من "التواكل المعرفي"، حيث يتخلى الإنسان عن ملكة النقد والتحليل لصالح مخرجات الآلة. هنا، يتحول الجهل من نقص في المعلومة إلى "ثقة عمياء" في مخرجات لا يفهم المستخدم آليات عملها.

هذا التطور التكنولوجي يغذي "الفوضى المنظمة" من خلال ما يُعرف بـ غرف الصدى المعرفي؛ حيث تقوم خوارزميات التواصل الاجتماعي بحصر المستخدم في دائرة من المعلومات التي تؤكد تحيزاته وجهله السابق، مما يمنع احتكاكه بالرأي المخالف. إن الذكاء الاصطناعي، رغم قدراته الهائلة، قد يصبح "مكبّراً للجهل" إذا ما استُخدم في مجتمعات تفتقر للأسس الفلسفية والنقدية، حيث يتم تزييف الحقيقة بضغطة زر، ويصبح "التزييف العميق" أداة لترسيخ الجهل المركب على نطاق واسع.

العولمة والجهل العابر للحدود

تساهم العولمة الحديثة في إنتاج "جهل معولم"؛ حيث يتم استلاب الهويات المحلية وتذويبها في قوالب استهلاكية موحدة. هذا الجهل العولمي يظهر في صورة "انفصال عن الجذور"؛ حيث يعرف الفرد عن صرعات الموضة أو أخبار المشاهير أكثر مما يعرف عن تاريخه أو قضايا مجتمعه المصيرية. إنها "ثقافة التسطيح" التي تجعل من الجهل ميزة استهلاكية، حيث يُحتفى بالتفاهة وتُهمّش المعرفة العميقة.

يؤدي الجهل المعولم إلى حالة من "الشك الارتيابي" تجاه كل ما هو محلي أو أصيل، وفي الوقت ذاته، يخلق ردات فعل متطرفة تظهر في صورة "انغلاق هوياتي" عنيف. إن العولمة التي كان يُؤمل منها أن تكون جسراً للمعرفة، تحولت في كثير من الأحيان إلى قناة لنشر "الجهل المقدس" والأنماط السلوكية التي تكرس التبعية والاستهلاك.

تدمير الهوية والوعي الجمعي

الإصرار على الجهل يضرب في عمق الهوية ويفتت الروابط الاجتماعية الأصيلة. الجهل بالآخر يولد القلق والريبة تجاهه، مما يؤدي إلى إقامة جدران وهمية وتفاقم الصراعات. وفي عصر تدفق المعلومات، يظهر غياب الوعي كأخطر أنواع الجهل؛ فالشخص قد يمتلك حقائق كثيرة، لكنه يفتقر إلى الفهم العميق والقدرة على ربطها بالواقع، فيصبح كمن يملك خريطة لا يعرف قراءتها. غياب الوعي يدمر مكتسبات التعليم ويسمح بانتشار الشائعات المضللة حتى بين المتعلمين.

يُضاف إلى ذلك فقدان الذاكرة التاريخية وتشويه الموروث؛ حيث يتم التعامل مع التاريخ ككتلة صماء مقدسة دون فهم قيمتها. هذا الانفصال يسهل تشويه الهوية الوطنية لصالح هويات متخيلة عابرة للحدود تفتخر بكونها "غريبة" عن المجتمع.

الآثار التدميرية واستشراف المستقبل

يكشف التاريخ أن سقوط الحضارات الكبرى لم يكن دائماً بسبب الغزوات الخارجية، بل بسبب الجهل بتجديد الذات فكرياً وثقافياً. الجهل بحقائق الآخر وبالتاريخ هو الوقود الحقيقي لمعظم الحروب الكبرى. كما أكدت رؤية اللاهوتي والمفكر ديتريش بونهوفر، فإن التحرر العقلي الصادق يحتاج إلى عملية تحرر خارجي من الضغوط السياسية والاجتماعية التي تفرض الجهل؛ إذ اعتبر بونهوفر أن "الغباء" هو عدو أخطر من الشر، لأن الشر يمكن محاربته، أما الجهل المنظم والمقدس فهو حصن منيع ضد المنطق.

العقل كطريق للنجاة

إن البشرية اليوم تقف في مفترق طرق؛ فإما أن تختار طريق العلم والمعرفة لبناء مستقبل قائم على الوعي والإبداع، أو تستسلم للجهل المقدس والمنظم الذي يقود نحو الهاوية تحت مسميات براقة. الجهل لا يرحم، والإصرار عليه هو انتحار بطيء للنفس والمجتمع.

إن المجتمع الفاضل هو الذي يتعاون أفراده على نيل السعادة الحقيقية من خلال تنمية ملكات نفوسهم والارتقاء بها بعيداً عن ماديات الجهل الفاني. والنجاة من الفوضى المنظمة تبدأ من لحظة الاعتراف بالجهل، فالمعرفة بالمرض هي نصف الدواء، والشجاعة في قول الحقيقة في زمن الأوهام المريحة هي قمة الإنسانية. ختاماً، إن استعادة الإنسان لوعيه واستقلاله الفكري في مواجهة "أتمتة الجهل" وعولمة التفاهة هي المعركة الحقيقية في هذا العصر، وهي السبيل الوحيد لتحويل الفوضى المنظمة إلى انتظام حضاري يحترم العقل ويقدس الحقيقة الصافية.

***

غالب المسعودي

...................

مراجع مقترحة

الفارابي، أبو نصر: آراء أهل المدينة الفاضلة

الغزالي، أبو حامد: تهافت الفلاسفة وإحياء علوم الدين.

أركون، محمد: قضايا في نقد العقل الديني.

روا، أوليفييه: الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة.

بونهوفر، ديتريش: رسائل وأوراق من السجن (حول نظرية الغباء).

ديكارت، رينيه: مقال عن المنهج (حول الشك المنهجي).

 

” تمر الحياة المعاصرة بالإنسان كموجة متلاحقة من الصدمات النفسية والاجتماعية، حيث يفرض عليه مواجهة فقدان الأمان، وضغوط الانعزال، وتسارع الأحداث التي تتجاوز قدرته على التكيف. هذه الصدمات لا تترك أثرها فقط على الجسد أو العقل، بل تمتد لتعيد تشكيل وعيه وهويته، وتدفعه إلى إعادة تقييم العلاقات والمجتمع الذي يعيش فيه. وفي ظل هذا التسارع، يصبح تحويل الألم والخوف إلى معنى وتجربة واعية شرطاً للنجاة والقدرة على العيش بحرية ومسؤولية “.

” عانى المجتمع السوري من صدمات لا تحتمل خلال الحرب المرعبة والمريعة، حيث انهارت القرى والمدن تحت وقع العنف المستمر، وغدت الثقة بين الناس والروابط الاجتماعية هشة كما الزجاج المكسور. هذه التجارب لم تترك أثرها فقط في الأجساد والعقول، بل غيرت أيضاً وعي الإنسان بالانتماء والمجتمع، لتصبح معركة البقاء مساراً نفسياً وجماعياً يعيد تشكيل الهوية والمعنى في كل لحظة من الألم والخوف “ (الكاتب).

- المقدمة:

  منذ اللحظة الأولى في تاريخ الإنسان، كان الخوف جزءاً لا يتجزأ من تجربته الوجودية، ينبع من الحاجة للبقاء ومن مواجهة المجهول والمخاطر التي تحدق بالحياة. هذا الانفعال الطبيعي، الذي يعمل كحارس لحماية الذات، قد يتحول أحياناً إلى تجربة أكثر عمقاً وأشد تأثيراً عندما يواجه الفرد أحداثاً صادمة تتجاوز قدرته على التكيف. هنا، ينشأ ما يُعرف بالتروما، وهي ليست مجرد لحظة عابرة أو شعور مؤقت، بل تجربة وجودية تعيد تشكيل إدراك الإنسان لذاته والعالم المحيط به، وتترك بصمة مستمرة على النفس والجسد والوعي الاجتماعي والثقافي.

تطرح التروما (الصدمة النفسية) أسئلة محورية حول طبيعة الوعي الإنساني، وعلاقة الفرد بالمجتمع، ودور الثقافة في منح الأحداث معنى. فهي تكشف كيف يمكن للخوف أن يتحول من آلية دفاعية لحماية الحياة إلى قوة تعيد ترتيب البنية النفسية والاجتماعية والثقافية للإنسان. ومن هذا المنطلق، تتطلب أي دراسة علمية للتروما فهماً متعدد الأبعاد، يربط بين علم النفس العصبي، والتحليل الاجتماعي، والتأمل الثقافي، بهدف استيعاب أثر الصدمات على الهوية الفردية والجماعية، وفتح آفاق عملية للتعافي وإعادة بناء الذات والمجتمع.

إن التعمق في فهم التروما والخوف لا يقتصر على تفسير الألم النفسي، بل يمتد ليكشف عن الإمكانيات الكامنة للشفاء وإعادة إنتاج المعنى، وعن القدرة الإنسانية على تحويل التجربة الصادمة إلى قوة معرفية وعاطفية واجتماعية. ومن خلال هذا الإطار، نستطيع أن نرسم خريطة شاملة للوعي الإنساني في مواجهة الألم، ونضع اللبنات الأولى لفهم كيفية التعامل مع الصدمة ليس فقط كاضطراب نفسي، بل كتجربة وجودية تعيد للإنسان وعيه بذاته ومكانه في العالم.

- التروما من الألم النفسي إلى إعادة إنتاج المعنى:

يعتبر الخوف في جوهره انفعال طبيعي يرافق الإنسان منذ وجوده، ويعمل كآلية دفاعية تحفظ البقاء وتدفع إلى تجنب الأخطار. ومع ذلك، حين يتجاوز هذا الانفعال حدود الاحتمال ويتجسد في حدث صادم، يتحول إلى ما يُعرف بالتروما، وهي ليست مجرد حدث عابر، بل شرخ في الوعي والذاكرة يعيد تشكيل إدراك الإنسان لذاته وللعالم. وفي هذه الحالة، يصبح الخوف قوة متعددة الأبعاد، قادرة على إعادة صياغة البنية النفسية والاجتماعية والثقافية في آن واحد، بحيث لا يقتصر أثره على التجربة الفردية، بل يتسرب إلى الجماعة ويعيد تشكيل سردياتها وممارساتها الثقافية، مؤكداً أن التروما تجربة وجودية تتجاوز حدود الاضطراب النفسي التقليدي (Herman, 2015, p. 36).

يمكن لنا تعريف التروما على أنها حدث أو سلسلة من الأحداث التي تتجاوز قدرة الفرد أو الجماعة على التكيف، فتترك أثراً طويل الأمد على وظائف الإدراك والعاطفة والجسد، وتعيد إنتاج المعنى ضمن البنية الثقافية والاجتماعية التي ينتمي إليها الإنسان. بهذا المعنى، تتقاطع التروما مع ثلاثة مستويات متكاملة، المستوى النفسي العصبي، الذي يعيد برمجة الجهاز العصبي ويخزن أثر الصدمة في الجسم والذاكرة، والمستوى الاجتماعي، الذي يعكس قدرة الفرد على بناء الثقة والروابط الجماعية، وفي النهاية المستوى الثقافي، الذي يعيد إنتاج سرديات حول الألم والخوف لتشكيل معنى جماعي للتجربة الصادمة (Alexander, 2004, p. 23).

تؤدي التروما على الصعيد النفسي إلى وضع الفرد في حالة استنفار دائم، بحيث يعيش وكأن الخطر لم ينته بعد. تعود الذكريات المؤلمة في شكل كوابيس أو ومضات مفاجئة، ويظل الجسد متأهباً، كأن الزمن توقف عند لحظة الصدمة. هذا الانغماس في دائرة الخوف يعيد تنظيم الجهاز العصبي والوظائف الإدراكية، وقد يؤدي إلى اضطرابات مثل القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. كما يوضح فان دير كولك " طبيب نفسي ومتخصص في الصدمات النفسية " أن الجسد يحتفظ ببصمة الصدمة، ما يجعل التروما تجربة متكاملة بين العقل والجسد والعاطفة، وليس مجرد أثر عقلي محدود (van der Kolk, 2014, p. 67).

أما على المستوى الاجتماعي، فإن أثر التروما يتجاوز حدود الفرد ليطال شبكة العلاقات التي تحيط به. يجد المصاب نفسه عاجزاً عن بناء الثقة أو يميل إلى الانعزال، مما يضعف الروابط الاجتماعية ويخلق فجوات في النسيج الجماعي. وفي حال كانت الصدمة جماعية، كما يحدث في الحروب أو الكوارث الطبيعية، يدخل المجتمع بأسره في حالة من القلق الجماعي، حيث يسود شعور بعدم الأمان وتضعف القدرة على التماسك. وتوضح دراسة كاي إريكسون حول كارثة " وادي بوفالو كريك "* أن المجتمعات المتضررة لا تفقد أفرادها فحسب، بل فقدت أيضاً قدرتها على إنتاج الثقة والهوية المشتركة، مما يجعل التروما حدثاً يعيد تشكيل البنية الاجتماعية بالكامل (Erikson, 1976, p. 102).

كما تلعب الثقافة دوراً أساسياً على الصعيد الثقافي في منح الصدمات معنى. فالمجتمعات التي تتعرض لصدمات كبرى غالباً ما تعيد إنتاج سرديات جديدة حول الألم والخوف عبر الأدب والفن والطقوس الجماعية. هذه السرديات قد تكون وسيلة للشفاء وإعادة بناء الهوية، لكنها قد تتحول أيضاً إلى آليات لإدامة الخوف والانكماش الجماعي. كما يشير جيفري سي. ألكسندر "المتخصص في الصدمات الثقافية " إلى أن تحويل الألم إلى معنى عبر السرديات الثقافية يتطلب وعياً نقدياً لتجنب إعادة إنتاج الخوف كهوية جماعية (Alexander, 2004, p. 23).

إن النظرة الاختزالية التي تعتبر التروما مجرد اضطراب نفسي تحتاج إلى إعادة تقييم شاملة. فالتروما في جوهرها تجربة وجودية تعيد صياغة معنى الحياة والهوية، وتتطلب مقاربة شمولية تشمل إعادة بناء الروابط الاجتماعية وتعزيز الثقة الإنسانية، وإنتاج سرديات ثقافية تحول الألم إلى معنى، مع مراعاة البعد العصبي والجسدي للصدمة في استراتيجيات العلاج والدعم النفسي. التروما ليست فقط عن الألم الذي حدث، بل عن القدرة على إعادة صياغة المعنى وتحويل الخوف إلى تجربة تعيد للإنسان وعيه بذاته ومكانه في العالم (Herman, 2015, p. 78).

وهكذا يمكن أن يكون للصدمات النفسية تأثير عميق على تفكير الناجين ورؤيتهم للعالم وحديثهم عن تجاربهم. وتختلف شدة وطبيعة ردود الفعل إزاء الصدمة النفسية من شخص لآخر وفقاً لشخصيته وطبيعة الحدث الذي نشأت عنه الصدمة النفسية والدعم الذي يتلقاه في أعقابها (الأمم المتحدة، 2023، ص.4).

ويجب التعامل مع الأحداث التي تتسبب بصدمة نفسية بشكل مختلف عن الأحداث التي لا تشكل صدمة. ولذلك يمكن أن تختلف الذكريات الناتجة عن صدمات نفسية عن تلك المرتبطة بأحداث غير مؤلمة، وكما هو الحال في ردود الفعل الأخرى، تختلف نوعية الذكريات المؤلمة من ناجٍ إلى آخر، ففي بعض الحالات، تفتقر الذكريات المؤلمة إلى التماسك والتفاصيل التي قد تتمتع بهما الذكريات الأخرى (الأمم المتحدة، 2023، ص.4).

خلاصة القول، إن التروما ليست مجرد مرض نفسي، بل تجربة وجودية متكاملة تعيد تشكيل الهوية والوعي، وتستلزم مقاربة شمولية للتعافي. فعلى المستوى الفردي، يتطلب العلاج النفسي استخدام استراتيجيات تجمع بين المعالجة العصبية والتقنيات النفسية مثل العلاج المعرفي السلوكي، والتعرض التدريجي للذكريات الصادمة، والتمارين الجسدية والوعي الجسدي لإعادة برمجة استجابة الجسم للتوتر والخوف. وعلى المستوى الاجتماعي، يشمل التعافي إعادة بناء الثقة في العلاقات وتعزيز الدعم المجتمعي، وخلق بيئات آمنة تسمح بمشاركة التجربة دون وصمة أو حكم. أما على المستوى الثقافي، فإن تحويل الألم إلى سرديات ذات معنى، سواء عبر الفن أو الطقوس الجماعية، يمثل أداة مركزية للشفاء، إذ يمكن الأفراد والمجتمعات من استعادة إحساسهم بالهوية والقدرة على التواصل مع الآخرين بثقة ووعي.

وفي السياق السوري، لم تقتصر التروما على الأفراد فحسب، بل امتدت لتطال نسيج المجتمع بأكمله نتيجة الحرب القاسية والكارثية، التي دمرت الحجر والبشر وخلفت موجات من الخوف والقلق الجماعي. إن التعافي هنا ليس مجرد معالجة نفسية فردية، بل عملية شمولية تتطلب إعادة بناء الثقة بين الناس، واستعادة البنى والروابط الاجتماعية الممزقة، وخلق سرديات جماعية قادرة على منح الألم معنى، وتحويل الصدمة إلى فرصة لإعادة إنتاج الهوية الوطنية والاجتماعية الجامعة. ومن خلال هذا التوازن بين العلاج النفسي، والدعم الاجتماعي، وإعادة إنتاج الثقافة والمعنى، يمكن للمجتمع السوري أن يبدأ رحلة التعافي، ويستعيد القدرة على العيش بحضور واعٍ، والوقوف أمام المستقبل بثقة وإرادة مشتركة، رغم كل ما خلفته الحرب من ألم وخوف مستمر.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

........................

* كارثة صناعية – بيئية تتلخص في انهيار سد مخلفات تعدين الفحم في وادي بوفالو كريك بولاية فيرجينيا الغربية في 26 شباط / فبراير 1972، الذي أدى إلى غمر القرى المحيطة بمياه الفيضان والوحل خلال دقائق معدودة، مخلفاً أكثر من مئة قتيل وآلاف المشردين وتدمير مئات المنازل. لم تقتصر تداعيات هذه الكارثة على الخسائر المادية، بل أحدثت صدمة جماعية عميقة أثرت على الروابط الاجتماعية والثقة المتبادلة والهوية الجماعية للسكان. وقد أظهر عالم الاجتماع كاي إريكسون أن الصدمة الجماعية أعادت تشكيل وعي المجتمع، مؤكدة أن التروما لا تظل تجربة فردية، بل قد تصبح تجربة مجتمعية تؤثر على النسيج الاجتماعي كله، وأن التعافي يتطلب إعادة بناء الثقة والهوية المشتركة إلى جانب الدعم النفسي للأفراد.

- قائمة المراجع:

1.  الأمم المتحدة، حقوق الإنسان. (2023). الصدمة النفسية والرعاية الذاتية. سويسرا: الأمم المتحدة (دليل رصد حقوق الإنسان).

2.  Herman, J. L. (2015). Trauma and recovery: The aftermath of violence. (2nd ed.). New York, NY: Basic Books.

3.  van der Kolk, B. A. (2014). The body keeps the score: Brain, mind, and body in the healing of trauma. New York, NY: Penguin Books.

4.  Erikson, K. (1976). Everything in its path: Destruction of community in the Buffalo Creek flood. New York, NY: Simon & Schuster.

5.  Alexander, J. C. (2004). Cultural trauma and collective identity. Berkeley, CA: University of California Press.

صراع الأنساق وفلسفة الممارسة

يُعد النزاع الفلسفي القائم بين فكر "ما وراء الطبيعة" والنزعة "الذرائعية" واحداً من أكثر الصراعات الفكرية عمقاً وتأثيراً في تاريخ المعرفة البشرية. إذ لا يمثل هذا النزاع مجرد سجال أكاديمي حول تعريفات الوجود أو ماهية الأشياء، بل هو صراع محتدم حول ما يُعرف بـ "إدارة الوجود" ذاته؛ أي الكيفية التي ينظم بها الإنسان حياته، ويتخذ قراراته المصيرية، ويصيغ سياساته العامة، ويفهم مكانته في هذا الكون. من المنظور الماركسي، تظهر هذه التكوينات الفلسفية ليس كحقائق مجردة، بل كمنظومات فكرية تعكس شروطاً مادية وصراعات طبقية محددة في سياق تطور المجتمعات البشرية. إن تشريح هذا الصراع يستوجب استكشاف كيف تحولت إدارة الوجود من البحث عن "الجواهر الثابتة" في الفلسفات التقليدية إلى استكشاف "النتائج العملية" في النزعة النفعية، وكيف يطرح النقد الماركسي بديلاً جذرياً يقوم على "الممارسة الواعية" كأداة لتغيير العالم بدلاً من مجرد وصفه أو التكيف معه.

الفلسفة التقليدية وسطوة الجوهر في إدارة الوجود

تأسست فلسفة "ما وراء الطبيعة" بوصفها "الفلسفة الأولى" كما أسماها أرسطو، على البحث في الوجود من حيث هو موجود؛ أي في الوجود المطلق وأحوال الكليات المجردة. في هذا السياق، كانت إدارة الوجود تعني استنباط القواعد الأخلاقية والسياسية من "جواهر الأشياء" ومن النظم الفطرية التي أودعت في العقول، مثل مفاهيم النفس، والزمان، والعلية. يفترض هذا التصور وجود "نظام حقيقي" ونهائي للكون، يكون فيه دور الإنسان هو المكتشف الذي يجب عليه الامتثال لهذا النظام بمجرد إدراكه.

تؤكد الرؤية الوجودية التقليدية على وجود مسافة موضوعية بين الذات العارفة والموضوع المعروف، حيث تعمل اللغة والفكر كمرآة تعكس مقولات الواقع بدقة. هذا النوع من الفلسفة يميل إلى تقديم المعرفة كشيء يتجاوز قدرة العلم المادي على الإمساك به، مما دفعها للجوء إلى "نظريات التطابق" التي تفترض تماثلاً بين البنية المنطقية للفكر والبنية الوجودية للعالم.

إن النقد الماركسي لهذا الفكر ينطلق من اعتباره تمثيلا "للتفكير السكوني" الذي يفصل الأشياء عن سياقها التاريخي والمادي. يرى ماركس في كتابه "أطروحات حول فيورباخ" أن هذه الفلسفات، بتركيزها على المطلق، تعمل كأداة لتغييب الوعي بالواقع المتغير، حيث يتم تصوير العلاقات الاجتماعية التاريخية كأنها قوانين طبيعية أبدية لا يمكن زحزحتها. هذا "الجمود الفكري" هو ما سعت المادية الجدلية لتحطيمه عبر مفهوم "الصيرورة" الذي استلهمه ماركس من هيجل بعد تخليصه من غلافه المثالي، مؤكداً أن الوجود ليس جوهراً ثابتاً، بل حركة دائبة من التناقضات.

أزمة التمثيل وحدود العقل الكانتي

في محاولة لإنقاذ الفلسفة من عقمها، رأى إيمانويل كانت في "نقد العقل الخالص" أن العقل البشري يفرض قوالبه الخاصة على التجربة، لكنه ظل عاجزاً عن الوصول إلى "الشيء في ذاته". من المنظور الماركسي، يمثل هذا التردد الكانتي انعكاساً لعجز الفكر البرجوازي الصاعد آنذاك عن حسم الصراع بين العلم والمادة من جهة، وبين التصورات المثالية للحرية والروح من جهة أخرى. إن الفشل في الوصول إلى "الشيء في ذاته" يعود أساساً إلى فصل النظرية عن الممارسة؛ فالماركسية تؤكد -كما أوضح لينين لاحقاً في "المادية والمذهب النقدي التجريبي"- أننا نعرف حقيقة الأشياء من خلال التدخل الفعال فيها وتحويلها في العملية الإنتاجية، فالممارسة هي المحك النهائي للحقيقة.

التحول الذرائعي: الفكر كأداة للتكيف وحل المشكلات

تعتبر الذرائعية، التي صاغ أركانها تشارلز بيرس ووليام جيمس وجون ديوي، أن الفكر ليس وسيلة لاكتشاف حقيقة مخبأة وراء الظواهر، بل هو عملية "تكيف نشط" للكائن الحي مع بيئته. هنا يبرز مفهوم "إدارة الوجود" بوصفه عملية إجرائية بامتياز؛ فالباحث الذرائعي لا يهدر وقته في سؤال "ما هو جوهر هذا الشيء؟"، بل يسأل "ما الذي يمكنني فعله به؟" و "ما هي الآثار المترتبة على تبني هذا المفهوم؟"

هذا التحول من "الوجود النطقي" (التأمل الصرف) إلى "الوجود الكياني" (الممارسة الإجرائية) يمثل ثورة على التقاليد المنطقية القديمة التي سجنت العقل في ثنائيات مثل (الذات والموضوع) أو (الروح والمادة). في الفكر الذرائعي، يتم تعريف الحقيقة بناءً على نفعها العملي، مما يجعل إدارة الوجود نوعاً من "الذكاء الإبداعي" الذي يصيغ حلولاً ملموسة لمواقف مشكلة، بدلاً من الامتثال لكتالوج جاهز من الحلول الجاهزة.

الذكاء الإبداعي وإدارة الأزمات في الفكر الذرائعي

يعتبر جون ديوي أن إدارة الوجود تعني الانتقال من "سلطة النصوص الميتافيزيقية" إلى "سلطة البحث الذكي". فالديمقراطية في نظره ليست مجرد نظام سياسي، بل هي "طريقة للحياة" ومنهج لإدارة الوجود الجماعي عبر الحوار العقلاني. ترفض الذرائعية "المبدئية المتصلبة" التي تعتمد على مبادئ أخلاقية كونية متعالية، وتقترح بدلاً منها "الذرائعية السياقية" التي ترى أن الحلول يجب أن تنبع من تحقيق جماعي تشاركي يتلاءم مع ظروف الزمان والمكان.

النقد الماركسي للذرائعية: الفلسفة كغطاء لليبرالية

يقدم المفكر الماركسي جورج نوفاك، في كتابه "الذرائعية مقابل الماركسية"، نقداً تفصيلياً يعتبر فيه الذرائعية بمثابة التعبير الفلسفي عن الطبقة الوسطى والبرجوازية الليبرالية في المجتمع الصناعي. يرى نوفاك أن الذرائعية تعكس عقلية الإصلاح التدريجي الذي يسعى لتحسين النظام الرأسمالي دون المساس بأسسه الجوهرية. إن النقد الماركسي هنا يركز على أن الذرائعية، رغم ادعائها العلمية، تظل "منطقاً يفتقر إلى المبادئ الراسخة"، حيث تستبدل القوانين الموضوعية للواقع بأساليب "ارتجالية" تعتمد على ما يُعتقد أنه مفيد في اللحظة الراهنة، مما يخدم بقاء الوضع القائم.

الذرائعية والهروب من الصراع الطبقي

تؤكد الماركسية أن الذرائعية تتجاهل حقيقة أن المجتمع ليس مجرد "نسيج من المجموعات المتداخلة" كما يراه ديوي، بل هو كل عضوي منقسم طبقياً. إن إدارة الوجود بروح ذرائعية تؤدي إلى "تقديس" التجربة الفردية المحدودة على حساب الوعي بالقوانين التاريخية العامة. ويرى نوفاك أن الذرائعية هي أداة "قاصرة" بالنسبة للطبقة العاملة لأنها لا توفر رؤية شاملة للعالم، بل تدفع نحو "إصلاحات تقنية" جزئية لا تمس جوهر الاستغلال المادي.

التشيؤ والاغتراب: إدارة الوجود تحت سلطة رأس المال

ينتقل النقد الماركسي من مستوى النظريات الفلسفية إلى تشريح الكيفية التي تُدار بها الحياة فعلياً. يُعد مفهوم "الاغتراب" عند ماركس، وتطويره لاحقاً كمفهوم "التشيؤ" عند جورج لوكاش في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي"، مفتاحاً لفهم كيف تتحول إدارة الوجود إلى حالة يصبح فيها الإنسان غريباً عن ذاته. في ظل الرأسمالية، لا تُدار الأشياء لتلبية الاحتياجات الإنسانية، بل يُدار البشر أنفسهم كأنهم "أشياء" أو سلع. هذا يجعل العلاقات الاجتماعية تبدو كأنها "قوانين طبيعية" خارجة عن سيطرة الإنسان؛ وهذا "التشيؤ" هو ما تحاول فلسفة ما وراء الطبيعة تبريره والذرائعية التكيف معه.

إدارة الأشياء أم حكومة الأشخاص؟

في المجتمعات الطبقية، تتحول "إدارة الوجود" من تنظيم تقني للإنتاج إلى "حكومة للأشخاص" تهدف لضمان استمرار الهيمنة، كما حلل ذلك أنطونيو غرامشي في حديثه عن "الهيمنة الثقافية". يرى النقد الماركسي المعاصر أن "الذكاء الإبداعي" الذي تتغنى به الذرائعية قد تم استيعابه داخل الآلة الرأسمالية، حيث أصبح "المدير الخبير" هو الشخصية المحورية التي تدير عملية "تراكم المعلومات" كشكل جديد من أشكال تراكم رأس المال. هنا، لا يعود الإبداع ملكاً للفرد، بل يصبح "ملكية فكرية" للشركات، ويتحول الإنسان المبدع إلى مجرد "ترس" في آلة بيروقراطية كبرى.

ريتشارد رورتي والذرائعية الجديدة: نهاية الحقيقة أم نهاية النقد؟

يمثل ريتشارد رورتي نقطة تحول حاسمة في الفكر الذرائعي المعاصر من خلال كتابه "الفلسفة ومرآة الطبيعة"، حيث يدعو إلى التخلي التام عن فكرة أن الفلسفة يمكن أن تكتشف "الحقيقة". يرى رورتي أن الماركسية، بتركيزها على "كشف الأقنعة" والبحث عن "ما يحدث حقاً" تحت السطح، هي مجرد بقية من مخلفات فلسفة التمثيل القديمة. بالنسبة لرورتي، لا توجد حقيقة موضوعية، بل مجرد "أوصاف" مختلفة للعالم، والمفاضلة بينها تعود لمدى قدرتها على خلق مجتمع أكثر تضامناً.

ينتقد الفلاسفة الماركسيون، مثل ريتشارد برنشتاين، موقف رورتي لكونه يفرغ النقد الاجتماعي من أساسه الصلب. فإذا كانت كل الأوصاف متساوية ولا توجد حقيقة بنيوية (مثل حقيقة الاستغلال الطبقي)، فإن مقاومة الظلم تصبح مجرد "خيار بلاغي" أو ذوق شخصي. إن إنكار رورتي لـ "الحقيقة" يخدم، في نهاية المطاف، القوى المهيمنة، لأنه يسحب البساط من تحت أقدام الحركات الثورية التي تحتاج إلى تحليل علمي موضوعي لمواقع القوة لتغييرها.

الذكاء الإبداعي واقتصاد المعرفة: استلاب جديد أم أفق للتحرر؟

في العصر الراهن، تبرز مقولة "الذكاء الإبداعي" كعنصر أساسي في إدارة المؤسسات والوجود الفردي. من وجهة نظر ماركسية، يمثل هذا "الذكاء" تحولاً في شكل القيمة الزائدة؛ فبينما كان ماركس يتحدث عن العمل العضلي، أصبح "العمل الذهني" هو المصدر الرئيس للثروة في "اقتصاد المعرفة". ومع ذلك، فإن هذا الإبداع يظل محاصراً بـ "الملكية الفكرية" التي تحول الأفكار إلى سلع.

تؤكد الدراسات الماركسية المعاصرة أن "إدارة الوجود" عبر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة تمثل أقصى درجات الذرائعية، حيث يتم اختزال السلوك البشري في خوارزميات تهدف للتنبؤ والتحكم. إن "الذكاء الإبداعي" هنا لا يُستخدم لتحرير البشر من الكدح، بل لتعميق "الاغتراب الرقمي"، حيث يقضي الفرد وقته في إنتاج بيانات تزيد من ثروة أصحاب المنصات الكبرى دون أن يملك سيطرة على مصيره.

نحو "ممارسة" واعية لإدارة الوجود

إن الصراع الفلسفي بين ما وراء الطبيعة والذرائعية قد انتهى، في أفضل تجلياته المعاصرة، إلى نوع من "الهدنة" التي تحاول الجمع بين عمق السؤال الفلسفي ومرونة الحل العملي. ومع ذلك، يظل النقد الماركسي هو الوحيد الذي يكشف الجذور الطبقية والمادية لهذا الصراع، مؤكداً أن "إدارة الوجود" لا يمكن أن تكون عادلة أو إنسانية ما دامت محكومة بمنطق تراكم رأس المال.

إن مستقبل الوجود البشري يعتمد على القدرة على تجاوز الأنساق الأيديولوجية الميتافيزيقية والذرائعية نحو ممارسة تضع "الحياة الإنسانية" و "الحرية الحقيقية" كغاية قصوى، بعيداً عن وهم الجواهر الثابتة أو استلاب الأدوات الوظيفية.

***

غالب المسعودي

...................

مراجع: 

كارل ماركس: أطروحات حول فيورباخ (خاصة الأطروحة الحادية عشرة حول تغيير العالم).

فريدريك إنجلز: لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية (لنقد السكونية الميتافيزيقية).

جورج لوكاش: التاريخ والوعي الطبقي (لتعزيز مفهوم "التشيؤ").

جورج نوفاك: الذرائعية مقابل الماركسية (المرجع الرئيسي لنقد البراغماتية الأمريكية).

ماكس هوركهايمر: خسوف العقل (لنقد "العقل الأداتي" والذرائعية).

ريتشارد رورتي: الفلسفة ومرآة الطبيعة (كمرجع للذرائعية الجديدة).

في ندوة علمية دعيت إليها في الثالث من هذا الشهر وهي بعنوان " نور القاهرة والحسن بن الهيثم"، وكان يحاضر في هذه الندوة معي كل من: الدكتورة يمنى طريف الخولي والدكتور حسين على وكان يترأس الجلسة الدكتور مصطفي النشار واستهلت الدكتور يمنى طريف الخولي حديثها عن مكانة ابن الهيثم في تاريخ والدور القوي الذي لعبه في نقل العلم لعصر النهضة والحضور القوي الذي لعبه ابن الهيثم في القرن التاسع عشر في الغرب، بينما آثر الدكتور حسين علي الحديث عن التفكير العلمي عند ابن الهيثم وبراعته في المنهج الاستقرائي القائم على دمج التجربة والرياضيات في بوتقة واحدة.

ثم جاء دوري في الندوة لأقول لهما: إذا كان الحسن بن الهيثم أول من عرفته أوروبا باسم الهَازِن، وأعلت من قيمة بحوثه العلمية، وأشادت بنظرياته ومناهجه، وقد خلد كتابه المناظر اسمه عبر القرون، وظل المرجع المعتمد في الغرب حتى القرن السابع عشر. وقد أطلق العلماء عليه ألقابا عديدة منها: أمير النور، وأبو الفيزياء الحديثة ومؤسس علم البصريات ورائد المنهج العلمي التجريبي، كما وصف بأنه كان سباقا في الأخذ بالمنهج التجريبي، وبقيمة التجربة باعتبارها سبيلاً لا بديل عنه لإدراك حقائق العالم الطبيعي، ومراعاته لضرورة استعمال الرياضيات في البحث في الطبيعة، كما كان سباقا لنيوتن إلى الفكرة الميكانيكية التي علل بها نيوتن انعكاس الضوء، وأنه من علماء الطبيعة النظريين الممتازين، وله نظرية في الإبصار ألف على أساسها كتابه " المناظر"، وله أفكارة العلمية في قوس قزح والهالة والانعكاس والانعطاف، كما أن له بحوثا كثيرة في الهندسة المستوية والفراغية، علاوة على أنه كان وراء الجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية، وأثبت بطلان الفكرة التي كانت سائدة بأن العين هي مصدر الضوء، وأكد أنها مُستقبل الضوء، وعُدّ ذلك أحد الاكتشافات الثورية في العصور الوسطى. كما توصل إلى أن الضوء يسير دائما بخط مستقيم، وحين يعبر ثقبا صغيرا، يشكل صورة مقلوبة على الجدار المقابل، وكان أول من قال إن الثقب كلما كان أصغر تبدو الصورة أوضح. كما وضع ارهاصات لنظرية جديدة للإبصار، واستخدمت المعلومات التي كونها في صنع أول كاميرا في التاريخ، وهي "الكاميرا الثقبية" أو "الحجرة المظلمة" التي فسر لأول مرة استخدامها في ملاحظة كسوف الشمس. فلماذا لم يصل إلى نفس المرتبة التي وصل إليها علماء مثل جاليليو ونيوتن على سبيل المثال لا الحصر؟

أتصور أن بداية الإجابة ترتبط بمدى التغير الجذري الذي يمارس به العالم دوره في الحياة العلمية في عصره، ومدى الأثر العميق الذي يحدثه في مجرى الحياة العلمية التي ينتسب إليها، من حيث قدرته على خلخلة الثوابت الجامدة وزعزعت الأفكار السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الابستمولوجى بين المعارف القديمة من جانب، والمعارف الجديدة من جانب آخر، مستهلاًُ الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على العلم، نفياً لتقاليد الأتباع وتأسيساً لقيم الابتداع.

وتتجسد في حضور هذا النوع من العلماء نقاط التحول الحاسمة في تاريخ العلم، حيث " لا توجد استمرارية في منهجية العالم، بقدر ما توجد قطائع واستحداثات لا تنتهى".. هذا النوع من العلماء يهب على مجتمعه بما يشبه العاصفة الجائحة التي تتغلل في كل الأركان، فلا تبقى شيئاً على حاله الذى كان عليه، حتى في دائرة القوى والتيارات المناقضة والمناوئة للتحول والتغير. فحدة العاصفة التجديدية التي تندفع بها رؤية هذا العالم حيث لا تقل عن الاتساع الممتد لتجلياتها، والأثر العميق لمتولياتها، والتغلغل الناتج لنوافذها؛ خصوصاً إذا كانت اللحظة التاريخية مهيأة للتغير الجذري، دافعة إليه ومتجسدة فى الرؤية الشاملة للعالم، ومتحققة بها في الوقت نفسه.

عندئذ يكون الأثر التجديدي لإنجاز هذا العالم شبيها بالزلزال، الذي يحدث تأثيراً جذرياَ فى صميم بنية العلم السائدة، وتكون حدة الاستجابات المتعارضة لهذا الإنجاز التجديدى في تتابعه المتصل أو تصاعده المستمر، متوازية مع عمق الأثر الذى يتركه في مجالات فلسفية كثيرة، تصل بين دوائر عديدة تشمل المجتمع بأسره.

وبقدر عمق الأثر الذي يحدثه هذا الإنجاز من حيث جذريته ونفاذ تأثيره إلى صميم الأنساق، والأنظمة، والعلاقات في بنية العلم السائدة، يظل هذا العالم حياً في الذاكرة العامة، باقياً كالعنصر المستفز للوعي، مثيراً للأسئلة التي لا يتوقف ما يتولد عنها من أسئلة على امتداد العقود، والتي لا تكف عن وضع هذا العالم موضع المسألة بالقدر الذي لا تكف به عن إعادة قراءة إنجازاته وتأويلها، أو تفسيرها بما يتيح نوعاً جديداً من الأجوبة الفلسفية التي لم تخطر ببال أحد.

وقد كان " جاليليو" على سبيل المثال واحدا ً من هؤلاء العلماء ذوى الحضور العاصف الذي أقام الدنيا ولم يقعدها مرات ومرات، وذلك حين أكد مادية الأجرام السماوية، وقضى على تصور تقسيم الكون إلى العالم الروحاني العلوي والعالم السفلى المادي الفاسد. بل وخرج بنظرية كوبرنيقوس من حيز الرياضيات إلى حيز الوجود الطبيعي، ثبتها تجريبياً من خلال تلسكوبه الفلكي الذي اكتشف به عدداً من النجوم وهضاب القمر ووديانه. ولقد أهتم جاليليو بالبحث عن العلاقات التى تربط بين الظواهر وترك جانباً البحث عن المبادئ والأسباب الميتافيزيقية التي استحوذت على الفكر القديم، وبذلك أحدث قطيعة معرفية بين الفكر القديم والفكر الجديد، قطيعة لم يعد من الممكن بعدها العودة إلى أساليب التفكير القديمة والتصورات الأرسطية والوسطوية التي كانت تشكل أساس العلم والمعرفة ؛ لذلك ظلت اطروحات جاليليو أكثر جذرية وحدية من اطروحات غيره، كما ظلت أعمق تأثيراً وأكثر قدرة على الإثارة.

ولأن هذه الأطروحات شغلت بأسئلة المستقبل، وطرحت على نفسها أسئلة العهد الجديد التى استبدلتها بأسئلة العهد القديم، فإنها ظلت عنصراً تأسيسياً من عناصر العهد الآتي والمقبل الذى هو صيرورة دائمة من التحول، كما ظل محل رعاية من الأزمنة اللاحقة التى تطلعت إليها هذه الأطروحات، تطلع الاستشراف والترقب والإرهاص والبشارة والتحذير فى آن واحد، وذلك هو السر فى تعدد الاستجابات اللاحقة إلى إنجازات " جاليليو " سواء فى تباينها أو تعارضها أو تصارعها الذي يكشف عن عمق الإشكاليات التي تنطوي عليها الاطروحات أو تثيرها.

وهذا هو السبب الذي جعل معظم مؤرخي العلم يربطون اسم جاليليو بأحداث هامة فى تاريخ العلم الحديث، فنرى اسمه، يرتبط بولادة العلم الحديث، والثورة الكوبرنيقية، والإطاحة ببعض النظريات الأرسطية التى طغت على العلم قروناً طويلة، ونرى جاليليو يرتبط اسمه كذلك بمبدأ الكفاح ضد أي سلطة تقف فى وجه العلم ومسيرته.

وقد كان الحسن بن الهيثم مثل جاليليو، متمرداً على القديم الجامد الذي يفرض منطق الأتباع، بدليل أن بحوثه العلمية تؤكد أنه كان يبحث فى مشكلات وقضايا علمية أظهرت نتائج خاطئة فى الوقت الذي تكشف فيه تلك البحوث أنه بحث منذ سنوات خلت فى المسائل ذاتها ووصل إلى نتائج صائبة بشأنها، بدليل أن الحسن بن الهيثم قد نجح وهو بمصر في تطوير علم البصريات بشكل جذري حين برهن رياضيا وهندسيا علي أن العين تبصر وتري بواسطة انعكاس الإشاعات من الأشياء المبصرة علي العين وليس بواسطة شعاع ينبثق من العين إلى الأشياء. وبذلك أبطل ابن الهيثم النظرية اليونانية لكل من أقليدس وبطليموس، التي كانت تقول بأن الرؤية تحصل من انبعاث شعاع ضوئي من العين إلى الجسم المرئي

كذلك برهن ابن الهيثم رياضيا وهندسيا علي كيفية النظر بالعينين معا إلى الأشياء في آن واحد دون أن يحدث ازدواج في الرؤية برؤية الشيء شيئين، وعلل ابن الهيثم ذلك بأن صورتي الشيء المرئي تتطابقان علي شبكية العينين وقد وضع ابن الهيثم بهذه البرهنة وذلك التعليل الأساس الأول لما يعرف الآن باسم الاستريسكوب. وكان ابن الهيثم أول من درس العين دراسة علمية وعرف أجزاءها وتشريحها ورسمها.   وأول من أطلق علي أجزاء العين أسماء آخذها الغرب بنطقها أو ترجمها إلى لغاته ومن هذه الأسماء: القرنية (Cornea)، والشبكية (Retina)، والسائل الزجاجي (Viteous Humour)، والسائل المائي (Aqueous Humour).

ومن هذه الإنجازات عد أول من أجرى تجارب بواسطة آلة الثقب أو البيت المظلم أو الخزانة المظلمة واكتشف منها أن صورة الشيء تظهر مقلوبة داخل هذه الخزانة فمهد بهذا الطريق إلى ابتكار آلة التصوير وبهذه الفكرة وتلك التجارب سيق ابن الهيثم العالمين الإيطاليين " ليوناردو دوفنشى " " ودلا بورتا " بخمسة قرون. ووضع ابن الهيثم ولاول مرة قوانيين الانعكاس والانعطاف في علم الضوء وعلل لانكسار الضوء في مساره وهو الانكسار الذي يحدث عن طريق وسائط كالماء والزجاج والهواء فسبق ابن الهيثم بما قاله العالم الإنجليزي نيوتن.

ومن يطلع على كتاب المناظر والموضوعات التي تتعلق بالضوء وما إليه، يخرج بأن "ابن الهيثم" قد طبع علم الضوء بطابع جديد لم يسبق إليه.

ومن جهة أخرى فقد أخذ ابن الهيثم في بحوثه بالاستقراء وأخذ بالقياس، وعني في بعضها بالتمثيل، وأخذ بهذه العناصر على المنوال المتبع في البحوث الحديثة، وجعلها في منازلها النسبية التي تراعى في الوقت الحاضر، وهو في ذلك لم يسبق " بيكون" إلى طريقته الحديثة والتي تعرف بالطريقة البيكونية" فحسب، بل سما عليه سموا وكان أوسع منه أفقا وأعمق منه تفكيرا. وإن لم يعن كما عنى بيكون بالتفلسف النظري وبتأليف المؤلفات التي يعرض فيها الآراء النظرية في طرق البحث ويلزم العلماء بها إلزاما، فحسبه أنه اتبع الطريقة الصحيحة في بحوثه وجرى عليها عملا وفعلا، وأن الأمر جاء منه على بينة وروية وإمعان فكر وحسن تقدير.

وليس من الضروري أن أقوم بتعديد بقية إنجازات الحسن بن الهيثم فى باقي فروع المعرفة، كما أنني لست فى حاجة أيضاً إلى تأكيد تعدد أدواره فى بحوثه العلمية فى العلوم الأخرى، فكل ذلك تأكيداً للأثر الجذري الذي يصله بأبناء جيله.

ومع ذلك فإن تقييم عبقرية الحسن بن الهيثم أصعب بكثير من تقييم عبقرية جاليليو، ولعل مرد ذلك يرجع إلى عدة أسباب من أهمها على سبيل المثال لا الحصر:

السبب الأول: ليس في كتابات الحسن بن الهيثم علماً جديداً يصل لمرتبة الجذرية بالمعني الحديث من ما يسمى بالقطيعة المعرفية، بل كانت كتاباته حسب ما ذكره مؤرخيه من الغربيين تعكس أفكاراً علمية كانت شائعة عند من سبقه، حيث إن مباحثه الهامة قد جاء ذكرها غير مفصل أخص بالذكر من ذلك مباحثه في تعيين نقاط الانعكاس ونظريته في الابصار، وهي جميعا من المباحث التي لا يغني فيها البحث عن التفصيل. فموضوع نقطة الانعكاس هو في ذاته معقد، يتضمن غير قليل من النظريات الهندسية العويصة يتداخل ويتشابك بعضها والآخر. ونظريته في الابصار نشأت في ظروف كانت الآراء فيها متناقضة والمذاهب متباينة، وقادة الفكر من فلاسفة وعلماء منقسمون، لكل فريق أدلة يستدل بها على صواب رأيه وبطلان رأي من يعارضه، ويحتاج الأمر فيها لا إلى مجرد شرحها فحسب بل إلى تبيان مثل هذه الأمور أيضا، وتبيان مدى نجاحها في تحقيق الغاية التي أرادها منها.

السبب الثاني: أن أغلب بحوثه ودراساته العلمية والفلسفية تعد مخطوطات لم تخرج أغلبها للنور بعد، علاوة على ان تلك المخطوطات مثل المناظر لم تسلم من شائبات. ففي بعض المواضع التي ورد فيها القول مرسلا تكرار أو إسهاب يخرجه عن المألوف لدينا الآن. والمواضع التي وردت فيها البراهين والبحوث الهندسية قد تسرب الخطأ إلى بعضها إن لم نقل إلى كثير منها، فشابها من أجل ذلك اضطراب أو خفاء، جله من الناسخ منه ما جاء بسبب السهو ومنه ما جاء بسبب الخلط بين الحروف المتشابهة الصورة المرموز بها في البحوث الهندسية تنقصها في الأصول التي اطلعنا عليها الأشكال الموضحة لها، ومنها جميع المباحث الخاصة بتعيين نقطة الانعكاس مع تعدد النظريات والعمليات والبراهين الواردة فيها وتعقدها. وكثير من الأشكال الهندسية الواردة فيها خاطئة، ولذلك أناشد وزارة الثقافة المصرية بتشيكل لجنة مكونة من كبار الأساتذة المتخصصين لتحقيق هذا التراث الهيثمي الجم.

السبب الثالث: إن الحسن بن الهيثم كان مهتماً على الدوام بكافة القضايا العلمية وشغفه بها يزداد على مر الزمن، ولقد أدى ولعه بقضايا العلم على هذا النحو إلى الانشغال عن بعض أعماله الهامة، فكان أن خلف وراءه تحفاً لم تكتمل. لقد كان عقله خصباً، انشغل بما يزيد عما يلزمه، وقاده عقله الذي يشبه عقل " ليبنتز " إلى أن يتحرك في اتجاه جديد قبل أن ينتهي من مشروع أو فكرة، بل قبل أن يتم بداية المشروع أو الفكرة، وأكبر دليل على ذلك فكرة مشوع خزان أسوان الذي تهرب منها وأدعى الجنون، ولقد كان لهذا أثره فى أن يصبح أستاذ الأفكار الناقصة والمشروعات غير المكتملة.

صحيح كما رأى الدكتور مصطفي نظيف أن الأمر لا يضير ابن الهيثم قليلا أو كثيرا. فمكانته كعالم من علماء العلم التعليمي لم تمس، ومكانته كمهندس لم تمس أيضا، لأنه بنى ما قال في النيل على ما بلغه من انحداره من مكان مرتفع على حدود الإقليم المصري، لم يكن قد عاين نفسه ذلك المكان من قبل. وإن كنا لا نعلم على التحقيق ماهية المشروع الذي خطر له أو نوع العمل الذي فكر فيه، فإن أخذه الصناع والمحترفين لأعمال البناء إن دل على شيء، فهو يدل على أن مشروعه كان إنشاء شيء من قبيل الخزان. فهل يضير أنه سبق زمانه وفكر في مشروع تحقيق بعد وفاته بأكثر من ثمانية قرون ونصف قرن.

السبب الرابع: حتى لو كان الحسن بن الهيثم يملك بالفعل أفكاراً علمية مبتكرة ونظريات أصيلة، فإنه يظل فى ذلك بعيداً عن احتلال مرتبة هامة جداً فى تاريخ العلم الحديث. ولعل السبب فى ذلك كما يذكر الدكتور مصطفي نظيف أن أساطين العلم التعليمي من الإسلاميين المتأخرين تدل بجلاء على أنهم لم يطلعوا على كتاب ابن الهيثم في المناظر، وخفيت عنهم البحوث الجليلة التي تضمنها. ولعل السبب في عدم ذيوع بحوث كتاب المناظر لابن الهيثم لدى الإسلاميين لا يرجع إلى صعوبة النشر وصعوبة تداول الكتب في تلك العصور فحسب، بل يرجع أيضا إلى اضطراب الحالة السياسية في العالم الإسلامي، ذلك الاضطراب الخطير الذي نشأ من جراء وقوع الحروب الصليبية من ناحية، وإغارة التتار من ناحية أخرى، وما انتاب العالم الإسلامي من الداخل، من جراء ما أثارته الأهواء السياسية، وما تبعها من نشاط بعض الرجعيين الحاقدين على أعلام عصورهم من رجال العلم والفلسفة. ولا شك أن هذه الحوادث كان لها أثرها السيئ الذي عاق بوجه عام استمرار تقدم العلم في القرن الثاني عشر وما تلاه. ولا شك أن أثرها تناول مؤلفات ابن الهيثم كما تناول مؤلفات غيره، وعاق انتشار بحوثه من بعده لدى الدوائر العلمية في الأنحاء المختلفة من العالم الإسلامي.

السبب الخامس: إن العلم ليس مجرد الميل إلى إجراء التجارب، كما ذهب الحسن بن الهيثم فى رده على منتقديه الذين لا موه على إفراطه فى تجريبيته. لقد كان الحسن بن الهيثم ينعى عليهم أنهم لا يعولون عليها فى كتاباتهم، مع العلم بأنها أولى بالذكر من أي شئ آخر. فذكر تجربة مثلاً أولى وأهم من ذكر كتاب شهير، والاستشهاد بنتائج التجربة أهم من الاستشهاد بالكتب وما ورد فيها. إن العلم لا يتحقق من مجرد رفض أقوال السابقين وطرح أفكارهم جانباً على نحو ما يؤكد الحسن بن الهيثم، الذي لم يكن فى ذلك يمثل أى عبقرية أو ابتكار، بقدر ما كان فى ذلك مقلداً لأفكار السابقين.

السبب السادس: كثيراً من مقولات الحسن بن الهيثم تتناول المنهج العلمي المناسب الصحيح، ولديه الكثير مما يقال عن العلاقة بين العقل والتجربة، وما قاله جعلنا نراه سابقاً لفرنسيس بيكون في المنهج الاستقرائي. وكأن هذه الطريقة تقترب إلى حد ما من الطريقة التي استخدمها علماء القرن السابع. من هذه المقولات قوله

والأهم فى تقديري هو مواجهة السؤال الذي فرض نفسه فى البداية، ولا بد أن يفرض نفسه في النهاية ؛ أعنى السؤال الذي يرتبط بأسباب تراكم النسيان على بحوث الحسن بن الهيثم العلمية بالقياس إلى بحوث جاليليو على سبيل المثال؟

أحسب أن الإجابة أصبحت الآن واضحة من حيث ارتباطها بدرجة الثورة الجذرية التى لم تصل إليها أعمال دافنشى بالقياس إلى جاليليو، حين اكتشف جاليليو قانون تذبذب قانون الأجسام وقانون الأجسام الساقطة ووضع أسس قانون القصور الذاتي، واكتشف البقع الشمسية وقوانين المد والجذر، واكتشف بعض التوابع غير المعروفة للقدماء، واخترع التلسكوب، وقضى حياته يدافع عن نظرية " كوبرنيقوس" فى دوران الأرض حول الشمس، ولقي في ذلك عنتاً شديداً أمام محاكم التفتيش.

وأنا لا أنكر أن كتابات الحسن بن الهيثم فيها من الايجابيات ما يذكر لها بالقطع، ولكننا إذا وضعناها تحت مجهر الابستمولوجيا المعاصرة؛ وخاصة ابستمولوجيا " جاستون باشلار" " القائمة على فكرة القطيعة الابستمولوجية، نجد أنها لا تستطيع أن تخلف لنا الأثر الجذري الذي تركته أعمال جاليليو، ولذلك ظلت بحوثه التجريبية بعيدة عن خلق قطيعة ابستمولوجية كتلك التي أحدثها كتاب " محاورات حول النظامين الرئيسيين:البطليموسى والكوبرنيقوس، أو كتاب أبحاث وإيضاحات رياضية فيما يتعلق بعلمين جديدين ينتميان إلى الميكانيكا لجاليليو.

ولذلك ظلت بحوث الحسن بن الهيثم الفلسفية بعيدة عن خلق قطيعة ابستمولوجية، والسبب في ذلك ليس فقط في كونه أخذ الحسن بن الهيثم من كل تجارب السابقين عليه بطرف، ولكنه ظل في المنطقة الهادئة من الفكر والإبداع، تلك المنطقة التي لا تعرف الحدية في رفض القديم، أو الجذرية في التجديد الفلسفي، فكان نموذجا للوسطية الفلسفية التي لا تثير العواصف ولا تهيج البراكين ولا تتحول إلى زلزال، وإنما تمضى في يسر إلى هدفها الذي يكمل مهمة غيرها.

لقد كانت بحوث وكتابات الحسن بن الهيثم العلمية والفلسفية نجمة فى تاريخ فكرنا العربي المعاصر لمعت فجأة واختفت؛ وذلك لأنها لم تحول مجرى التفكير العلمي والفلسفي السائد والمنقول إلي تفكير ابداعي يحمل رؤية خاصة تتوائم مع مستجدات واقعنا الفكري. ومن ثم لم تُحدث تلك النقلة الكيفية فى أدوات البحث الفلسفي، وإن استخدم الحسن بن الهيثم وقضايا ومشكلات فلسفية تناسب حركة الحياة العلمية والفكرية فى عصره.

ولذلك أرجو ألا أكون جائراً حين أقول في نهاية هذه الكلمة بأن الحسن بن الهيثم لم يصل إلى مصاف العلماء الكبار كجاليليو ونيوتن، بمعنى أنه أتى بنظرية علمية فى عصره، ولكن الانصاف يقتضى على الأقل أن نفرد له مكانة هامة فى تاريخ الفكر العربي المعاصر، وذلك لكونه في اعتقادي يمثل "العدسة الفلسفية" المجمعة التى عملت على استقطاب تيارات فكرية فلسفية عديدة من اليونان والعرب كانت متأججة في عصره وكان من فرط تأثره بما يدور حوله أن تمكن من تقديم أفكار علمية جيدة جعلت كل مؤرخي الطبيعيات والرياضيات الغربيين يضعونه في جملة مفيدة في تاريخ العلم.

***

د. محمود محمد علي- مفكر مصري

 

ان فهم التاريخ هو افتراض مبني على التفاعل بين المعرفة ومختلف التفسيرات المنبثقة من تلك المعرفة. التاريخ غير قابل للتغيير. ما حدث لايمكن ان يتغير، والحقيقة هي ان الاحداث التاريخية حدثت بطريقة محددة. هذه العقيدة بالطبع يمكن تبريرها تماما. في العديد من الحالات يكون فهمنا للاحداث الحقيقية منفتح لتفسيرات واسعة. وان التفسيرات عرضة لتحيزات منْ يروي القصة. في الغالب، تفسيراتنا تخدعنا للاعتقاد اننا نعرف ما حدث بالضبط، الى ان يتم إبطال عقيدتنا عبر التحقق من خلال دليل قوي . كذلك، الاحداث يمكن النظر اليها من مختلف الزوايا، ويمكن ان تجبرنا لإعادة تقييم أهمية الدليل القوي. وهكذا، عند التفكير في الماضي فهو يوجد كشيء متغير، وفي الحقيقة، طبيعة التاريخ تتطلب افتراضات وتفسيرات يصعب تجنبها. المعرفة وتفسيراتها المختلفة توجد كتحالف وعادة يكون غير مريح (وحتى مخزي).

أين الفاصل بين هذه العوامل وكيف تتفاعل مع بعضها ومع أولئك الذين يسعون لفهم الاحداث التاريخية؟ ان المعرفة التاريخية تشكّل الأساس الذي توضع عليه التفسيرات. انها تضم أسماء، تواريخ، وثائق، بقايا مادية للناس او الأماكن او الأشياء. انها المادة الخام التي تقدمها الملاحظة العلمية. ماذا تمثل، بحاجة الى تفسير، نفس الطريقة التي ينظر بها الاحصائي الى رسم بياني ويقرر معنى النتائج. نحن نعرف بالضبط متى قُطع رأس الملك تشارلس الأول (في الثلاثاء، الساعة 2 بعد الظهر،يوم 30 جنوري عام 1649). لكن ماذا يعني". هذا الجزء تُرك للتفسير.

في مناسبات نادرة، الأخطاء في جمع البيانات يمكن ان تحرّف المعرفة، لكن في الجزء الأكبر، المعرفة سليمة ويمكن التحقق منها بشكل تام. التفسير أقل جدارة بالثقة. انه يترك للإنسان تطبيق المعنى على الحقائق. الأيديولوجيات، الفلسفات، الافتراضات والتوقعات، جميعها تدخل المعادلة، تضيف رؤى ثمينة ليست بالضرورة حقيقية لكن يمكن من خلال هذه الرؤى النظر الى الحقيقة.

ان فهم ونقل الحدث التاريخي يستلزم عملية تفسير. هذه العملية تُعرف بتحليل وفهم السجلات التاريخية لكي تؤسس سردية الماضي. السرديات بالطبع ليست طرق حصرية لرواية القصة. حدث منفرد يمكن قوله من خلال عدد لا متناهي نظريا من السرديات، كل واحدة تؤطر القصة بطريقة ملائمة لمنظور الراوي. بعمل كهذا، يضيف الرواة فكرتهم الخاصة لما هو مهم حول القصة، بالإضافة لتحيزاتهم. هم أيضا يدخلون أخلاقا او دروسا يتم تعلّمها من القصة، او انهم يضيفون زخارف بلاغية بدلا من الحقيقة. هذه الديناميكية ليست محصورة بالمؤرخين في الوصول للمعلومات بعد الحدث. المصادر المعاصرة المباشرة هي أيضا عرضة لأهواء البشر. الإجراءات اليومية والرسائل تحتوي على معلومات كما عُرضت بواسطة الافراد، وفي أغلب الحالات، هي عرضة للتحيز واللغة المنمقة. وبهذا تكون المصادر غير موثوقة ويجب قرائتها بروح نقدية. لذا عندما ادّعى مؤرخ معاصر تقريبا مثل جون ليدجيت John Lydgate ان السهم الإنجليزي اخترق دروع الفرسان الفرنسيين في معركة أجينكور، فان الإجماع الحديث لايزال قائما والتجارب لاتزال مألوفة لكي تقرر صحة الادّعاء.

الإغفال هو جزء حيوي من عملية التفسير. حدث منفرد يُملأ بمعلومات تتلائم مع القصة المرغوبة، لكن أيضا بمعلومات لا تتلائم او لا لزوم لها. ان شكل الغيوم فوق الجنود في جيتيسبيرغ ربما يكون مهما لعالِم الأرصاد الجوية او للفنان الذي يرغب بوصف المعركة، لكن بالنسبة لمعدل قرّاء قصة المعركة، ذلك غير هام وغير ملائم للقضية الرئيسية. وبالطبع، التفاصيل التي تُعتبر هامة اليوم قد لا تكون هامة لنقلها في المصادر الرئيسية. ماذا يعني هذا بالنهاية، لا طريقة هناك لإنجاز قصة موضوعية تماما لأن كل سرد هو نتاج للقاص الذي بدوره نتاج لعصره وظروفه المتضمنة مختلف المُثل حول ما يعتبره القاص مهما. الأمثلة الرئيسية لهذا الإغفال المعاصر تتضمن الموقع الدقيق لمعركة بونانبوره او الغرض من القطع البرونزية الرومانية المحيرة التي عُثر عليها في مناطق غالو الرومانية. بالرغم من العثور على اكثر من مئة قطعة وانها يجب ان تكون خدمت شيئا ما، لكن لا احد كتب عن الغرض منها. في الحقيقة، لا ذكر لها في أي نص قديم، وبهذا فان المؤرخين الحديثين في حيرة ولايستطيعون تقديم اكثر من تخمينات .

المنظور وإعادة التفسير

ان تطور التفسيرات يمكن ان يغير جذريا فهمنا لأسباب الحدث. دوافع وقوع الأحداث قد تخضع عبر العصور لمراجعة وإعادة تفسير جذريين، لأن القيم والسياقات تتغير عادة بفهم عميق لتعقيدية القضايا.

المثال الرئيسي لهذا هو إعلان الاستقلال الامريكي ودوافع القيادة الامريكية اثناء الفترة الثورية. يمكن القول بيقين ان الاستقلال جرى تبنّيه عام 1776 والسبب المباشر لهذا التطور السياسي كان استجابة للضرائب. هذه القصة مهما كانت صحيحة فهي غير دقيقة لأنها تغفل مجموعة كبيرة من الرؤى التي يمكن اعتبارها هامة او على الأقل جديرة بالانتباه. بالإضافة الى ذلك، يمكن الجدال أيضا ان قضية الضرائب خدمت كغطاء لمشاعر عميقة للاستقلال، الأسباب لهذا ربما وُجدت في مستوى العقل اللاواعي. هذه الديناميكية تطورت بعد عقد بإقرار الدستور.

وقبل قرن، جادل كتاب تشارلس بيرد Charles Beard "التفسير الاقتصادي لدستور الولايات المتحدة"، بان الدستور خُلق لكي يحمي المصالح التجارية للنخبة القوية التي سعت لتوحيد قوتها تجاه قطاعات المجتمع الأمريكي الضعيفة ماليا. من المهم ملاحظة ان اعلان الاستقلال والدستور في هذا الشأن مترابطان بشكل لا يمكن إنكاره.

وهكذا، انتقلت القصة من شعب يكافح ضد الاستبداد الملكي الى حرب طبقة ذات دوافع شريرة. بهذا، الاقتراح تكون الديمقراطية والحرية قشرة لأغراض خفية. وبينما جرى تحدّي هذه الرؤية منذ ذلك الوقت، لكنها كانت هامة لأنها أدخلت عوامل اقتصادية واجتماعية للقصة القديمة للصراع الأيديولوجي للعصر الثوري. جوهر الجدال هنا هو ان القصة البديلة موجودة، بدلا من قبول محتواها.

مع ذلك، العامل المهم في هذه الديناميكية هي قصص متنافسة، وهذه الديناميكية حاضرة عبر كل النماذج التاريخية. الامريكيون والروس مثلا، يعرضون حجج مختلفة جدا حول منْ ربح الحرب العالمية الثانية والتفسيرات ليست بالضرورة تبطل التفسيرات السابقة لكنها من المحتمل جدا ان توفر منظور مختلف. وبينما يمكن تسجيل سلسلة محددة من الاحداث، فان الكثير من دراسة التاريخ هي حول التفسير. انها تتناول أسباب الاحداث التاريخية، وتحاول فهم منطقها وتأثيرها. هذا الاستجواب ضعيف جدا وعرضة لدوافع سياسية/ اجتماعية تتضمن بروبوغندا. مثال على ذلك هو جان فان ريبيك Jan Van Riebeeck، المستوطن الهولندي المسؤول عن تأسيس مستوطنة كيب تاون وهي أول مستوطنة في جنوب افريقيا.

جنوب افريقيا هي امة عُرّفت عبر قرون من الصراع نتيجة الاستعمار والتوترات بين الجماعات الاثنية. في قلب هذه الديناميكية كان الإداري الهولندي جان فان ريبيك، الذي جسّد الاب المؤسس لجنوب افريقيا اثناء أيام الفصل العنصري. من منظور أولئك الذين دعموا الفصل العنصري وهيمنة البيض، هو اعتُبر كشخصية بطولية وباني امة. ميراثه في جنوب افريقيا ما بعد الفصل العنصري، كان مثيرا للجدل ويمثل عاملا مساعدا للفصل العنصري والاضطهاد. هذا كان مثالا على تغيير المنظور وإعادة التفسير.

وبهذا، فان حقيقة ريبيك او على الأقل ما نعتقد بصحته، قد تغيّر. وما هو اكثر أهمية كانت صورته التي عُرضت وبشكل واضح لمدة ثلاثة عقود من الفصل العنصري في الورقة النقدية لجنوب افريقيا. الصورة كانت منسوبة خطأ لبارثولومبيو الضابط اثناء الحرب الاهلية الإنجليزية والذي لم تكن له علاقة باستعمار جنوب افريقيا . العديد من الافريقيين الجنوبيين استوعبوا الصورة كحقيقة ولم يدركوا الخطأ، بل ولم يعتبروا ما اعتقدوا به خاطئا. الخطأ في الورقة النقدية اشير اليه لكن لم يُصحح ابدا، والصورة بقيت حتى بداية التسعينات عندما جرى تطبيق تصميمات جديدة تعكس التغيير في الوضع السياسي للبلاد وصولا الى نهاية الفصل العنصري.

وهكذا، يتضح ان العقيدة صعبة المراس حتى عندما تكون خاطئة. بالنسبة لاولئك الذين يعتقدون بشيء ما، يرونه جيدا كالحقيقة. انه معرفة. وهناك تحدّي آخر لهذه الديناميكية هو "الحاضرية" presentism، وهي الميل للحكم على الأحداث والناس التاريخيين من خلال رؤية حديثة، تطبيق أخلاق اليوم على الماضي.

الحاضرية: تطبيق القيم الحديثة على التاريخ

وهي ظاهرة شائعة في العصر الحديث تتضمن الحكم على التاريخ من خلال القيم في الوقت الحاضر. كل جيل جديد يطبق عقائد سوسيو اقتصادية حديثة على شخصيات وأحداث الماضي، يطالب بمراجعة للفهم التاريخي ويتحدى ما نعتقد "عرفناه". هذا يتوضح تماما في الكيفية التي نُظر بها الى مكانة اشخاص هامين. ومع تطور السرديات، ذهب اشخاص مثل كرستوفر كولمبس او ونستن تشرشل لا على الحصر من كونهم شخصيات احتُفل بهم الى التساهل معهم وصولا الى لعنتهم (رغم ان ذلك ليس عالميا). يوم كولمبس في الولايات المتحدة تطور ليتضمن يوم السكان الأصليين، إدراكا للضرر الذي تسبب به المستكشفون ضد السكان الأصلين لأمريكا. كلاهما احتُفل بهما بواسطة الإدارة السابقة. الإدارة الحديثة اشارت الى دعم الميراث الإيجابي لكولمبس بما يشير الى تحوّل حكومي نحو العودة الى الرواية الاصلية لـ "بطل أمريكا الأصلي".

وهكذا، الحاضرية لا تغيّر فقط التفسير. انها تولّد رد فعل وانخراط في صراع أيديولوجي عندما تكافح الجماعات لتغيير العقائد القائمة او الحفاظ عليها.

للاحداث التاريخية صور متعددة. المفسرون يختلفون ويتطورون. حتى المعرفة يمكن تحدّيها. الدليل الاركولوجي للديناصورات او الناس الذين عاشوا قبل ستة الاف سنة رُفض من جانب بعض الجماعات الدينية. واذا كانت التفسيرات قابلة للنقاش فان المعرفة نفسها لا تُقبل او تُعتمد عالميا. بالنسبة لاولئك الذين يثقون بالعلم، التاريخ بالتأكيد يساعدنا في معرفة الماضي، لكنه يأتي مع تحذير. ان تفسير المعرفة عملية متقلبة ومراوغة لا يعترف بالحقيقة بقدر فهمنا لها، لكنه يقدم طريقة لفهم الماضي من خلال مختلف وجهات النظر.

***

حاتم حميد محسن

بين تجريد الإنسان من إنسانيته وصناعة الوحوش في زمن التفاهة

في عصرنا الحالي، الذي يُعرف بزمن التفاهة، تبرز العولمة كقوة مهيمنة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، لكنها في جوهرها تكشف عن وجه بشع يقوم بتجريد البشر من إنسانيتهم الأساسية. هذه العولمة ليست مجرد عملية اقتصادية أو تكنولوجية، بل هي نظام شامل يعيد تشكيل الوعي البشري، يحوله إلى آلة استهلاكية تفقد القدرة على التأمل العميق والتواصل الحقيقي. إنها تُنتج وحوشاً بشرية، ليس بالمعنى الحرفي، بل ككائنات فقدت الرحمة والتضامن، محولة إلى كيانات تنافسية شرسة في ساحة اللامعنى.

في هذا المبحث، سنستعرض كيف تؤدي هذه العولمة إلى تفكيك الإنسانية، من خلال آلياتها الاقتصادية والثقافية والنفسية، وكيف تحول العصر إلى زمن تفاهة يُصنع فيه الوحوش كنتيجة حتمية للانحدار الإنساني وكيف تساهم التقنية في استيلاب الانسان عن انسانيته؟ فما تأثير العولمة البشعة على الانسان؟ وهل ثمة دور ايجابي للتكنولوجيا في الحياة الاجتماعية؟ وكيف يتمكن البشر من مقاومة بشاعتها؟

تبدأ العولمة البشعة بتفكيك الهوية الإنسانية من خلال سيطرة الرأسمالية العالمية، التي تحول الإنسان إلى مجرد وحدة اقتصادية. في هذا النظام، يصبح الفرد مستهلكاً لا منتجاً، ويُقاس قيمته بمدى قدرته على الإنفاق والتراكم المادي. هذا التجريد يبدأ منذ الطفولة، حيث يُغرس في الأطفال مفهوم النجاح كتراكم للثروة، بدلاً من تنمية الروابط الاجتماعية أو الوعي الذاتي. العولمة تفرض نموذجاً اقتصادياً يعتمد على الاستغلال اللامحدود للموارد البشرية، مما يؤدي إلى ظروف عمل قاسية تحول العاملين إلى آلات لا تتوقف. في مصانع العالم الثالث، التي تُغذي احتياجات الغرب، يفقد العمال إنسانيتهم تدريجياً، يصبحون أرقاماً في سلسلة إنتاج، محرومين من الراحة أو الحقوق الأساسية. هذا الاستغلال ليس اقتصادياً فحسب، بل نفسياً، إذ يولد شعوراً بالاغتراب، حيث يشعر الفرد أنه جزء من آلة كبرى لا يسيطر عليها، مما يقوده إلى فقدان الشعور بالذات والانتماء. وهكذا، تُصنع الوحوش: أفراد يفقدون التعاطف، يصبحون عدوانيين تجاه الآخرين في سعيهم للبقاء في هذا النظام الوحشي.

من جانب آخر، تعزز العولمة البشعة هذا التجريد من خلال الثقافة الاستهلاكية التي تُفرض عالمياً، محولة الإنسان إلى كائن سطحي يعيش في زمن التفاهة. في هذا الزمن، يسيطر الإعلام والترفيه على الوعي الجماعي، يقدم محتوى فارغاً يُلهي عن القضايا الحقيقية. وسائل التواصل الاجتماعي، كأداة رئيسية للعولمة، تحول العلاقات الإنسانية إلى تفاعلات افتراضية سطحية، حيث يُقاس النجاح بعدد الإعجابات أو المتابعين. هذا يؤدي إلى فقدان القدرة على التواصل العميق، إذ يصبح الفرد مشغولاً بصورة ذاتية مصطنعة، يفقد فيها الصدق والعمق. العولمة تُروج لثقافة عالمية موحدة، تُمحي التنوع الثقافي المحلي، محولة الشعوب إلى مستهلكين لمنتجات ثقافية غربية، مثل الأفلام الهوليوودية أو الموسيقى الشائعة، التي تُعزز قيماً فردية ومادية. في هذا السياق، يصبح الإنسان وحشاً بسبب التنافس الافتراضي: ينتشر الكراهية عبر الإنترنت، حيث يُعامل الآخر كعدو افتراضي، مما يؤدي إلى تفشي العنف اللفظي والنفسي، وأحياناً الجسدي، كنتيجة لفقدان التعاطف الإنساني الأساسي.

تتعمق هذه العملية في التأثير النفسي، حيث تقوم العولمة بتفكيك الروابط الاجتماعية التقليدية، محولة المجتمعات إلى مجموعات من الأفراد المنعزلين. في زمن التفاهة، يُشجع على التركيز على الذات الفردية، مما يؤدي إلى تفكك الأسر والمجتمعات. العولمة تُفرض نمط حياة سريع الإيقاع، يعتمد على التكنولوجيا، حيث يصبح الإنسان عبداً للأجهزة الذكية التي تُدير حياته، من الاستيقاظ إلى النوم. هذا الاعتماد يؤدي إلى فقدان القدرة على التأمل الهادئ، إذ يُغرق الفرد في تدفق مستمر من المعلومات السطحية، مما يضعف الذكاء العاطفي والقدرة على التعبير عن المشاعر الحقيقية. الوحوش التي تُصنع هنا هي تلك الكائنات التي فقدت القدرة على الرحمة، إذ يصبح الآخر مجرد عقبة في طريق النجاح الشخصي. على سبيل المثال، في المدن الكبرى التي تُمثل قلب العولمة، يعيش الناس في عزلة نفسية رغم الكثافة السكانية، مما يولد شعوراً بالغضب المكبوت الذي ينفجر في أعمال عنف أو انحراف اجتماعي.

بالإضافة إلى ذلك، تُساهم العولمة في صناعة الوحوش من خلال تعزيز الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، التي تحول بعض الأفراد إلى كيانات عدوانية تجاه الآخرين. في هذا النظام، يزداد الغنى لدى القلة، بينما يعاني الغالبية من الفقر والحرمان، مما يولد حسداً وكراهية. العولمة تُروج لفكرة النجاح كلعبة صفرية، حيث يجب على الفرد أن يدوس على الآخرين ليصعد. هذا يؤدي إلى ظهور سلوكيات وحشية، مثل الاستغلال في العلاقات التجارية أو السياسية، حيث يفقد الإنسان أخلاقياته الأساسية. في زمن التفاهة، يُلهى الفقراء بترفيه رخيص، بينما يتراكم الغضب داخلياً، مما يؤدي إلى انفجارات اجتماعية تحول الأفراد إلى وحوش في ثورات غير مدروسة أو جرائم فردية. العولمة هنا تُعيد إنتاج الوحشية البشرية، ليس كشيء طبيعي، بل كنتيجة لنظام يُجرد الإنسان من قيمه الإنسانية، محولاً إياه إلى كائن يسعى للبقاء بأي ثمن. من منظور فلسفي، يمكن اعتبار هذه العولمة نوعاً من الاغتراب الوجودي، حيث يفقد الإنسان معنى وجوده الحقيقي. في زمن التفاهة، يُحول الإنسان إلى كائن يعيش في اللحظة السطحية، محروم من التأمل في الموت أو الغرض الأعلى. العولمة تُفرض نموذجاً وجودياً يعتمد على المتعة الفورية، مما يؤدي إلى فقدان القدرة على بناء علاقات دائمة أو مشاريع طويلة الأمد. الوحوش التي تُصنع هي تلك التي فقدت القدرة على الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، إذ يصبح الإنسان أنانياً بشكل مطلق، يرى العالم كساحة للصراع الشخصي. هذا الاغتراب يمتد إلى البيئة، حيث تُدمر العولمة الطبيعة بلا رحمة، محولة الإنسان إلى وحش يستغل الكوكب دون تفكير في الأجيال القادمة.

تأثير التكنولوجيا على الإنسانية يمثل أحد أعمق التحولات في تاريخ البشرية المعاصرة. لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة خارجية تخدم الإنسان، بل أصبحت قوة تشكل جوهره، تفكرته، علاقاته، وقدرته على الشعور بالمعنى. في عصرنا، حيث يتسارع التقدم الرقمي والذكاء الاصطناعي، يتجلى هذا التأثير في ثنائية حادة: تحرير هائل من القيود التقليدية، وفي الوقت ذاته تجريد عميق من بعض أبعاد الإنسانية الأساسية.

لقد بدأت التكنولوجيا بتقصير المسافات وتسريع الإنجاز. أصبح العالم قرية صغيرة، حيث يتواصل الأشخاص عبر القارات في لحظات، ويتبادلون المعرفة والخبرات دون حواجز جغرافية أو زمنية. هذا التقارب ساهم في تعزيز التضامن العالمي في أزمات مثل الجائحات، وفتح أبواب التعليم والعمل عن بعد لملايين البشر في مناطق نائية. الطب شهد نقلات نوعية: من تشخيص أدق بفضل الذكاء الاصطناعي، إلى توليد أعضاء اصطناعية، وصولاً إلى إنقاذ حياة أشخاص بجرعات زائدة من المخدرات عبر تطبيقات ذكية. الإنتاجية ارتفعت بشكل غير مسبوق، والروبوتات والأتمتة حلت محل المهام الرتيبة والخطرة، مما يمنح الإنسان وقتاً أكبر للإبداع والتأمل. في المجال المعرفي، أتاحت التكنولوجيا وصولاً ديمقراطياً إلى المعلومات. لم يعد العلم محصوراً في نخبة، بل أصبح متاحاً للجميع عبر منصات مفتوحة. هذا التحرر المعرفي يعزز القدرة على التفكير النقدي والابتكار، ويفتح آفاقاً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، حيث يُقدر أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في تحقيق نسبة كبيرة منها بحلول نهاية العقد. لكن هذا التحرر يأتي بثمن باهظ. التكنولوجيا، خاصة الرقمية، تعيد تشكيل الوعي البشري بطريقة تُفقده بعض خصائصه الأساسية. التواصل الافتراضي، رغم كثرته، يصبح سطحياً في غالب الأحيان. الناس يجلسون معاً وكل منهم منغمس في شاشته، مما يقلل التفاعل وجهاً لوجه، ويضعف القدرة على قراءة الإشارات العاطفية والجسدية التي تشكل جوهر التواصل الإنساني. ينتج عن ذلك عزلة نفسية متزايدة، وانتشار اضطرابات الصحة النفسية المرتبطة بالإدمان الرقمي ومقارنة الذات بالصور المثالية المصطنعة. الذكاء الاصطناعي يذهب أبعد: يصبح وسيطاً بين الإنسان وتجربته الخاصة. الخوارزميات تقرر ما نراه، ما نسمعه، ما نفكر فيه، مما يحد من تنوع التجارب ويفرض رؤية موحدة للواقع. هذا "الإطار" الذي تحدث عنه هايدغر يحول العالم إلى مخزون موارد يُستغل، ويحول الإنسان نفسه إلى مورد: بيانات يتم جمعها، تحليلها، وبيعها. الخصوصية تتلاشى، والحرية تُقيد تحت ستار الراحة والكفاءة. في زمن الذكاء الاصطناعي المتقدم، يبرز خطر أعمق: هل سيبقى الإنسان قادراً على التفكير الأصيل، أم سيصبح مجرد مُشغّل لآلات تفكر نيابة عنه؟ الفلاسفة مثل برنار ستيغلر يرون أن "التكنيك" هو ما يصنع الإنسان، لكنه في العصر الرقمي يمكن أن يُفقده ذاكرته الجماعية وإبداعه الفردي، محولاً إياه إلى كائن موحد، مبرمج، يفتقر إلى العمق الوجودي. التكنولوجيا ليست شراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً؛ إنها "فارماكون" – دواء وسم في آن واحد، كما وصفها دريدا. المفتاح يكمن في الوعي والإرادة الأخلاقية. يجب أن نعيد طرح الأسئلة الوجودية: ما الذي يجعلنا بشر؟ هل هو القدرة على الحب، التأمل، الرحمة، الإبداع غير المنتج؟ أم أن الكفاءة والسرعة والربح هي المعيار الوحيد؟

في السنوات القادمة، مع نضج الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والتكامل بين الإنسان والآلة، ستزداد الحاجة إلى فلسفة تكنولوجية جديدة تحمي الجوهر الإنساني. يتطلب الأمر:

تعزيز التفاعل الحقيقي وجهاً لوجه كمقاومة للعزلة الرقمية.

وضع حدود أخلاقية صارمة على جمع البيانات والتلاعب بالسلوك.

إعادة تصميم التعليم ليُركز على المهارات الإنسانية: التعاطف، النقد، الإبداع غير الآلي.

استعادة التأمل والصمت في زمن الضجيج الدائم.

في الختام، العولمة البشعة في زمن التفاهة ليست مجرد ظاهرة خارجية، بل هي عملية داخلية تقوم بتجريد الإنسان من جوهره الإنساني، محولة إياه إلى وحش يعيش في عالم اللامعنى.

 هذا التجريد يحدث عبر آليات اقتصادية وثقافية ونفسية مترابطة، تؤدي إلى تفكك الروابط الإنسانية وانتشار العدوانية. لاستعادة الإنسانية، يجب على الفرد أن يقاوم هذه العولمة، من خلال البحث عن التواصل الحقيقي والتأمل العميق، بعيداً عن سطوة التفاهة. إنها دعوة لإعادة اكتشاف الذات في وجه نظام يسعى لمحوها. في النهاية، التكنولوجيا لا تُحدد مصير الإنسانية؛ الإنسان هو من يحدد كيف ستشكله. إذا سمحنا لها بأن تُسيطر، قد نفقد ما يميزنا عن الآلة. أما إذا استخدمناها كأداة لتعميق إنسانيتنا، فقد تكون بوابة نحو عصر أكثر وعياً وإنصافاً. الخيار بين يدينا، والوقت يمر بسرعة الضوء الرقمي. فكيف يتم تحقيق توازن إنساني في عصر الآلة؟

***

زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

مقاربة سياسية ايتيقية

في إطار المقاربة السياسية الأخلاقية، تُمثل فلسفة بول ريكور حالة فريدة من التوازن الديالكتيكي بين قطبين يبدوان متناقضين في ظاهر الأمر، لكنهما متداخلان في جوهر الوجود الإنساني: واقعية الحرب التي تُقرّ بقسوة الصراع الإنساني والسلطة والعنف كعناصر بنيوية في التاريخ السياسي، وغائية السلم التي تُوجّه الإرادة الجماعية نحو هدف أخلاقي نهائي يتمثل في العدالة والمصالحة والتعايش السلمي. هذه الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري في السياسة، بل هي عملية تأويلية حية تجعل من السياسة مجالاً أخلاقياً يتجاوز الثنائيات الساذجة بين الواقعية السياسية الخالصة (كما عند مكيافيلي أو هوبز) والمثالية الطوباوية (كما عند كانط في سلام دائم)، لتصبح بدلاً من ذلك مساراً يمر عبر الاعتراف بالشر الفعلي نحو إعادة تشكيل الواقع على أساس الرغبة في الخير المشترك.

إن ريكور، بوصفه فيلسوفاً تأويلياً، يرى في السياسة ليس مجرد إدارة للقوة بل فنّاً في بناء المؤسسات العادلة التي تُحوّل الصراع إلى حوار، والحرب إلى ذاكرة تُفضي إلى سلام مستدام.

تبدأ واقعية الحرب في فلسفة ريكور من الاعتراف العميق بطبيعة الإنسان المتناقضة، حيث يُقرّ بأن العنف والصراع ليسا حادثاً عرضياً بل جزءاً من الرمزية الشريرة التي تشكل الوعي البشري. في تحليله للإرادة والفعل، يُبرز ريكور كيف أن الإنسان قادر على الفعل لكنه في الوقت نفسه عرضة للضعف والشر، فالحرب ليست مجرد مواجهة بين دول بل تجلياً للصراع الداخلي بين الرغبة والقيود، بين السلطة والعنف المقدس. هنا يستلهم ريكور من التقليد الفينومينولوجي والهرمنيوطيقي فكرة أن التاريخ السياسي مليء بـ"الرموز الشريرة" التي تُعبّر عن الإنسان في حالة السقوط: الغزو، الاستعمار، الإبادة، والديكتاتوريات التي تحول السلطة إلى هيمنة مطلقة. واقعية الحرب عنده ليست تشاؤماً بل تشخيصاً دقيقاً للأيديولوجيا كتشويه للخيال السياسي، حيث تُستخدم السلطة لتبرير العنف تحت ستار الدفاع أو التحرير.

في هذا السياق، ينتقد ريكور السياسة الواقعية التقليدية لأنها تُحوّل الصراع إلى قدر محتوم، لكنه في الوقت نفسه يرفض إنكارها، إذ يرى أن تجاهل واقع الصراع يؤدي إلى طوباوية ساذجة تُفشل في مواجهة الشر. فالحرب، في منظوره، هي التعبير الأقصى عن "الصراع من أجل الاعتراف" الذي يشكل جوهر العلاقات الإنسانية، صراع يبدأ بالفرد ويمتد إلى الجماعات والأمم، ويجعل السياسة ميداناً للقوة لا يمكن تجاوزه إلا بالاعتراف به أولاً.

غير أن هذه الواقعية لا تُغلق الأفق بل تفتحه نحو غائية السلم، ذلك البعد الغائي الذي يُشكّل قلب الأخلاق الريكورية السياسية. فالسلم عند ريكور ليس حالة سلبية من غياب الحرب، بل هدفاً أخلاقياً غائياً يتجه نحوه الفعل الإنساني من خلال "الرغبة في العيش مع الآخرين في مؤسسات عادلة". هنا يلتقي ريكور بالتقليد الأرسطي في فكرة "الحياة الجيدة" مع الكانطي في الواجب الأخلاقي، لكنه يتجاوزهما نحو ديناميكية تأويلية: السلم هو عملية إعادة تشكيل للسردية الجماعية، حيث تتحول ذاكرة الحرب من أداة انتقام إلى أساس للمصالحة. في كتاباته عن العدالة والغفران، يُبرز ريكور أن الغفران السياسي ليس نسياناً بل "ذاكرة سعيدة" تُعيد بناء الهوية الجماعية بعد الصراع، فهو يتطلب الاعتراف المتبادل بالضحية والجاني دون إلغاء أي منهما. الغائية هنا تتجلى في مفهوم "الاعتراف المتبادل" الذي يحول الصراع من حالة حرب إلى حالة سلام، حيث تصبح المؤسسات السياسية ليست أدوات قمع بل فضاءات للعدالة التوزيعية والاعترافية.

 هكذا تُصبح السياسة عند ريكور غائية بامتياز، إذ تتوجه نحو "السلم الدائم" ليس كوهم مثالي بل كمهمة أخلاقية مستمرة تتطلب الحكمة العملية التي تُوازن بين الواقع والمثال.

الجسر بين هذين القطبين في فلسفة ريكور هو الهرمنيوطيقا السياسية الأخلاقية، تلك الدائرة التأويلية التي تمر عبر ثلاث مراحل: الوصف (الواقعية)، التفسير (النقد)، وإعادة التطبيق (الغائية). في المرحلة الأولى، يُقرّ ريكور بواقع الحرب من خلال "الهرمنيوطيقا المشبوهة" التي تكشف الأيديولوجيا والسلطة المخفية وراء الخطاب السياسي. أما في المرحلة الثانية، فيأتي النقد الذي يُفكك بنى الصراع دون الوقوع في اليأس، ليفتح المجال في المرحلة الثالثة لإعادة تشكيل الواقع نحو السلم. هذا التوازن يتجلى بوضوح في نظريته عن "الأخلاق الصغيرة" التي تجمع بين هدف الحياة الجيدة (غائي)، والقاعدة الأخلاقية (واجبي)، والحكمة في السياقات الخاصة (عملي). في السياسة، يعني ذلك أن الديمقراطية ليست نظاماً مثالياً بل ممارسة هشة تتطلب الاعتراف بالصراعات الداخلية والخارجية، ثم توجيهها نحو مؤسسات تضمن العدالة. هكذا يرفض ريكور الواقعية السياسية النقية التي تُبرر الحرب إلى الأبد، كما يرفض الغائية الطوباوية التي تتجاهل الشر، ليقدم بدلاً منهما سياسة أخلاقية واقعية تُقرّ بأن السلم هو مهمة لا تنتهي، تتطلب الذاكرة والغفران والخيال السياسي الذي يُعيد صياغة المستقبل.

في تطبيقاتها السياسية المعاصرة، تُقدم فلسفة ريكور أداة قوية لفهم الصراعات الدولية والداخلية: من حروب الشرق الأوسط إلى النزاعات العرقية، حيث يصبح الغفران السياسي ليس رفاهية أخلاقية بل شرطاً للاستقرار. فالاعتراف بالضحايا، وإعادة بناء الذاكرة الجماعية، وإقامة مؤسسات عادلة، كلها خطوات تحول واقع الحرب إلى غائية سلام. هنا يبرز دور "الخيال السياسي" عند ريكور كقوة إبداعية تُتيح للمجتمعات تخيّل سلاماً يتجاوز الثأر، دون أن ينكر الجراح. إنها فلسفة تُذكّرنا بأن السياسة ليست مجرد إدارة للقوة بل فنّاً في تحويل الشر إلى خير مشترك، والحرب إلى درس يُفضي إلى سلام أعمق.

هكذا تكتمل دائرة فلسفة بول ريكور في السياسة الأخلاقية: واقعية الحرب تمنحنا الصدق مع الواقع، وغائية السلم تمنحنا الأمل في المستقبل، والهرمنيوطيقا تجمع بينهما في عملية تأويلية مستمرة. إنها ليست حلاً سحرياً للصراعات الإنسانية، بل دعوة للعمل الدؤوب الذي يجعل من السياسة مجالاً للإنسانية الكاملة، حيث يصبح السلم ليس نهاية التاريخ بل غايته الأخلاقية التي نتوجه نحوها بوعي كامل بقسوة البدايات. في عالم يتردد بين الحروب والسلام الهش، يقدم بول ريكور طريقاً ثالثاً: طريق الاعتراف والمصالحة الذي يحوّل السياسة من ساحة معركة إلى فضاء للعدالة الحية، ويجعل من كل صراع فرصة لإعادة بناء الإنسان مع الآخر في سلام يستحقه. هذا هو جوهر المقاربة السياسية الأخلاقية عند ريكور: واقعية لا تُيأس، وغائية لا تُطوب، بل ديالكتيك حي يُعيد للسياسة كرامتها الإنسانية.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ماهي الدروس التي يمكن تعلّمها من نيتشه (1844-1900) حول الحب؟ تأملات حول ميوله ومشاعره الجنسية، هل هو أصيب حقا بمرض جنسي؟ وماذا عن الست لوزالومي Lousalome، هل هو أحبها، وهل هي كانت مبالغة في مشاعره تجاهها؟ تختلف الأجوبة لهذه الأسئلة. ما نجده في رسائل نيتشه هو انه كان له عبر حياته عدد من الصداقات مع نساء متعلمات وموسيقيات، وانه فكّر حول الحب والزواج. عزلته وما صاحبها من شعور بالوحدة، كانت صعبة في سنوات ترحاله التي كان مجبرا فيها للبحث عن مناخ ملائم له بسبب سوء حالته الصحية. وحتى اثناء تلك الأوقات بين المعاناة الجسدية وفترات الكتابة المكثفة، كان يسعى لصحبة النساء المتعلمات. كذلك، تربّى نيتشه في عائلة نسوية، لجأ الى النساء طلبا للصداقة، وشهد مغازلة صديقاته. نيتشه أيضا لم يفشل في التعبير في كتاباته عن اهتماماته الفلسفية حول الخصائص الغريبة الاطوار للحب.

هو يستعمل أسلوبه الاستفزازي - الذي يسعى فيه لجعل قرّاءه يشعرون بعدم الارتياح حول قيمهم وافتراضاتهم - في أقواله aphorisms عن الحب في كتابه العلم المرح 1882. كانت دراسة نيتشة المتعمقة في الحب هي احدى المسارات لمشروعه الطويل في هذا الكتاب لخلق عِلم "مرح" و "ممتع"، فيه "تصبح الحياة ذاتها مشكلة" ويجب استجوابها وفحصها بعمق اكثر مما جرى في السابق. احدى اهم استراتيجيات نيتشة الفكرية هي التحقق من الحدود بين المعارضات التقليدية(1) من خلال تحطيم افتراضاتنا حول الصفات الأساسية للاشياء التي تُعتبر مضادة. في هذا الشأن، الحب ليس استثناءً. عبر توجيه انتباهنا لصفات مبتذلة وأنانية للحب الجنسي او الشهواني تجاه الجنس الاخر، يسعى نيتشه لتجريد الحب من مكانته المتميزة وإظهار ان ما نتصوره كمضاد له، كالأنانية والجشع هو في عدة حالات يرتبط بشكل وثيق بتجربة الحب. وهكذا نحن يمكننا تمييز هدف نيتشه في إضفاء الطابع الإنساني على الحياة من خلال تأكيد استفزازي للتنافر الكامن في الحب الشهواني. بعمل كهذا، يعزل نيتشه الحب عن إرثه الآخر الافلاطوني – مسيحي دنيوي وبهذا يزعم بادّعاءاته الأخلاقية المتعلقة بسمو كل من قيمة الأرض على العالم الروحي غير المادي، وحقيقة الجسد على المقدس.

لكي نرى كيف يحقق نيتشه هذه الأهداف، دعونا نعود الى عدد من الاختيارات من النص.

الحب غريزة حيوانية

 يقّوض نيتشه أي مثالية خادعة للذات حول الحب من خلال الكشف عن محفزاته الأقل جاذبية. في القسم 14 من العلم المرح، بعنوان "الأشياء التي يسميها الناس حبا"، يتحدى نيتشه التصورات الرومانسية عن الحب الشهواني بادّعاء ان الحب "ربما الأكثر تعبيرا عن الانانية الساذجة". هو يفترض ان الحب أقرب الى الجشع وشهوة الامتلاك. الحب قوة غريزية متصلة بدوافعنا البايولوجية والثقافية، وبهذا، لايمكن اعتباره خيرا أخلاقيا (العلم المرح،363). كذلك، التنشئة الاجتماعية لهذه الدوافع تؤدي الى التحيز والى معاناة سايكولوجية، خاصة للنساء (71). مع ذلك، هو لم يبذل جهدا واضحا لإقناع قرّاءه ان الحب، في تجسيداته المعبّرة عن خدمة الذات، يجب ان يتغير، ولم يقترح أيضا وجوب تصحيح الأوهام الشائعة في الحب. بدلا من ذلك، هو يلاحظ ان ميول الانسان القوية نحو الوهم في الحب الشهواني هي ضرورية لنجاح ذلك الحب، وهو يمتدح الابداع في الحب الفني (2) والادوار التي يتبناها الناس. الرجال والنساء يلعبون هذه الأدوار بشكل مختلف، ونيتشه يبذل وقتا لا يُستهان به في التأكيد على المسافة الدراماتيكية (3) التي يتخذها الجنسين تجاه بعضهما في الطرق التي يعيشون بها. محاولات نيتشه لكشف المزيد من المحفزات الانانية التي تدعم الحب الشهواني تتضح في القول (14). هنا يدّعي نيتشه انها الرغبة في التملك والفهم لتغيير "شيء جديد الى انفسنا" هو وراء تجربة الحب والطمع. يكتب نيتشه "الجشع والحب: أي مشاعر مختلفة تثيرها هاتين الكلمتين، مع ذلك، ربما نفس الغريزة التي لها اسمين – جرى استهجانها في السابق من قبل أولئك الذين امتلكوها، وهدأت فيهم الغريزة بدرجة معينة، والذين هم خائفين على "ملكيتهم"، وفي المرة الأخرى يُنظر اليها من وجهة نظر أولئك الغير مقتنعين لكنهم لايزالون يتوقون، ولهذا السبب يمجّدون الغريزة كـ "خير". بكلمة أخرى، تجربة كل من الجشع والحب هما نفس الدافع او الغريزة لكن اعتمادا على مستوى القناعة التي حققها المرء، هذا الدافع سيسمى "جشع" او "حب": الناس المقتنعون الذين يشعرون ان ملكيتهم (حبهم على سبيل المثال) مهددة من جانب آخرين سيسمون غريزة الاخرين للإكتساب بالجشع ، بينما أولئك الذين لايزالون يبحثون عن شيء ما جديد يرغبون به سوف يفرضون تقييما إيجابيا على تلك الغريزة ويسمونها "حب". لذا الحب الشهواني هو في الحقيقة دافع نحو ملكية "جرى تمجيدها وتقديسها" (14) من جانب أولئك الذين يبحثون عن اكتساب شيء ما يثري أنفسهم.

هنا، فكرة الحب كإيثار، والمضاد للجشع، وُضعت في محل شك. نحن نستطيع تمييز المشاعر المختبئة لخطة نيتشه الكبيرة لزعزعة المكانة المفترضة للمضادات الأخلاقية الثنائية.

التحيز الجنسي

ان الطرق التي تعبّر بها الغرائز عن ذاتها بشكل مختلف لدى الجنسين نوقشت بجرأة من جانب نيتشه في القول (363)، تحت عنوان "كيف يمتلك كل جنس تحيزاته الخاصة حول الحب". في هذا القسم، يزعم نيتشه ان الرجال والنساء لا يمتلكون "حق متساوي في الحب" لأن فهمهم للحب يختلف. هم لا يمتلكون توقعات متطابقة بشأن الجنس الآخر وبشأن تجارب الحب التي يشاركونها مع الآخرين.

يميز نيتشه بوضوح بين المذكر والمؤنث عبر فكرة الإخلاص والوفاء – بينما النساء تريد الاستسلام كليا للحب للتعامل معه كإيمان، "يؤخذ ويُقبل كملكية"(363)، يدّعي نيتشه ان حب الرجل يتوقف على توق تملّكي لإكتساب الكثير من المحب، ويؤكد ان الرجال الذين يميلون نحو إخلاص تام هم "ليسو رجالا". هو يفترض ان "الرجل الذي يحب مثل المرأة يصبح عبدا، بينما المرأة التي تحب مثل المرأة تصبح امرأة اكثر اكتمالا"(363). يدّعي نيتشه ان الوفاء يمكن ان يصبح صفة لحب الرجل بمرور الزمن، نتيجة لـ، الإمتنان او ذوق خاص، لكن ذلك ليس صفة ذكورية ضرورية.

يبدو من هذه البيانات ان نيتشه يعتقد ان الاختلافات البايولوجية بين الجنسين ترتبط بأدوار الجنسين المتعارضة في علاقة الحب. هذا الاستنتاج يبدو محيرا في ضوء الأهداف الواسعة للعلم المرح المذكورة في المقدمة، لتقويض الفروق المفترضة بين الثنائيات التقليدية. ربما السؤال الذي يُطرح هنا، هل يمكن لنيتشه ان يتناول مشكلة النوع الاجتماعي/ الجندر بالمسافة النقدية التي يدعو لها باعتبارها عنصرا أساسيا في مشروعه بعمل العلم المرح، ام انه استثناءً بالنسبة له؟ نحن نحتاج فقط لمحة على بقية القول 363 لنجد دليلا على هذا الاهتمام. هنا يكتب نيتشه، "المرأة تعطي نفسها، الرجل يكتسب المزيد – انا لا أرى كيف يتجاوز المرء هذه المعارضة الطبيعية بوسائل العقود الاجتماعية لتكون عادلة ومرغوبة دون ان يذكّر نفسه بمدى رعب وقساوة وغموض ولا أخلاقية هذه الكراهية . الحب، بمفهومه العظيم والتام هو الطبيعة، وكونه طبيعة، فهو في الأبدية شيء "غير أخلاقي".

بذل نيتشه جهدا واضحا في هذا القول، كما في القول 14، ليقنع القارئ ان الحب الشهوي، كتعبير عن غريزة طبيعية او دافع،ليس من "الجيد" ان يُحترم، وانما هو حاجة تنال تقييما مفرطا من خلال ثقافة رومانسية. الحب في أبسط صوره هو أساس، انه الدافع الإبداعي في ثقافة تعطيه معنى الروعة والجمال (57: انظر أيضا 370 و 372 لرؤية نيتشه حول الرومانسية والمثالية). يبدو ان نيتشه يفكر في نفس السياق حول الجنسين: الفروق بين الرجل والمرأة هي نتاج لقوى غريزية تجعل الجنسين يحبون بشكل مختلف، وبهذا، نحن لا نستطيع توقّع المعاملة بالمثل على أساس المساواة في العلاقات الشهوانية. مع ذلك، هذا لا يلقي ضوءا على علاج نيتشه الغريب لـ "المعارضة الطبيعية" بين الرجال والنساء في سياق التحدي الاوسع الذي يمثله العمل للثنائيات التقليدية . قد نحصل على بعض الرؤى عن هذا بالالتفات الى الجزء الثاني من العلم المرح، الذي يفحص فيه نيتشه العلاقات بين الجنسين بتفصيل أكبر.

الجسد والروح

الأقوال 14 و 363 في الكتاب الثاني تحدد ما قد يبدو اختزالية بايولوجية عبر التأكيد على تأثير الثقافة والبراعة الفنية على الحب. في اول قسم في الكتاب الثاني، يكتب نيتشه "الى الواقعيين"، يتحداهم للنظر في موضوعية حبهم لـ "الواقع". هو يسأل، "وما هو "الواقع" للفنان في الحب؟ انت مازلت مثقلا بتلك التقديرات للاشياء التي لها أصولها في عواطف وحب القرون السابقة"(57). نيتشه يقول ان ما نحب له تاريخ، يحدد كل من مفهومنا للحب والاشياء او الناس التي نحبها. في القول التالي هو يوضح كيف ان اللغة تشكل مفاهيمنا، ومن ثم يتقدم بعدد من الأقسام التي تناقش الحب بين الرجل والمرأة. ليس من باب الصدفة ان يأتي نقاش نيتشه حول الحب بعد نقاشه حول تأثير اللغة والتاريخ والثقافة على تصوراتنا للواقع: انه لإظهار ان الأدوار التي يلعبها جنس الرجل والمرأة في الحب تتحدد بتلك القوى أيضا.

في القول 59، "نحن الفنانون"، يتحدث نيتشه نقديا حول الصفات التملكية والاستبدادية للحب الذكوري الى جانب ميوله الخيالية، مؤكدا ان الوظائف الطبيعية لجسم المرأة تثير الاشمئزاز للرجل لأنها تمنعه من الوصول الكامل لها كملكية خاصة له، هي أيضا تنتهك الكمال المفاهيمي للحب. هو يكتب، "الانسان تحت الجلد" بالنسبة لكل المحبين هو رعب لا يمكن تصوره وتجديف ضد الله والحب". احدى النتائج غير الصحية لهذا هي ان الجسد عُطّل لمصلحة المقدس. نيتشه يعرض هنا تشابها بين الحب الشهواني وعبادة الله، مقترحاً ان الحب الرومانسي هو خيالي كوجود الله اللامحدود. المرء يجب ان يتجاهل فسيلوجيا الانسان والمشاهدة التجريبية لكي يبقى مؤمنا بهما: أفكار كل من "الله" و "المرأة" تسمح للدافع الإبداعي لفرض نفسه بقوة بحيث يستبعد الرجل أي معلومات منافسة تزعزع مثاليته. المفارقة في هذا المأزق هو ان عدد كبير من الرجال غير واعين تماما بتأثير القوة التي تمتلكها ارتباطاتهم العاطفية على تكوين قيمهم وتأثيرها أيضا على تفاعلاتهم مع العالم. وهكذا، الرجال طبقا لنيتشه وهميون. النساء من جهة أخرى هن ممثلات: مهاراتهن الكبرى في الحب تتجسد في المظهر والبراعة الفنية ولعب أدوار الجندر "الصحيحة".

ان مكانة المرأة كممثل عولجت من جانب نيتشه في الكتاب الخامس "حول مشكلة الممثل"، حيث هو يتحدانا "لنفكر في التاريخ الكلي للنساء: هل هن لا يجب ان يكن ممثلات أولاً وقبل كل شيء؟" (361). يقول نيتشه ان الحب له بعد هزلي في هذا الشأن لأنه يستلزم نوعا من المسرح يعتمد على مسافة المرأة. في القول (60)، هو يعلن "التأثير السحري والأكثر قوة للنساء هو في اللغة الفلسفية، التصرف في مسافة، لكن هذا تطلّب أولا وقبل كل شيء مسافة". هذه النقطة اعيد التأكيد عليها في القول 67، سميت "محاكاة الذات"، حيث يعلن نيتشه بانه عندما يصبح من السهل جدا الوصول الى المرأة او تكون "واقعية" للرجال، فان الرجال يفقدون الاهتمام بها. لكي يكن ناجحات في الحب، هو ينصح النساء "لمحاكاة نقص الحب" وتفعيل الأدوار التي يجدها الرجل جذابة. نيتشه يجد الحب كوميديا لأنه لا ينطوي على أي محاولة لمعرفة عميقة في الآخر، وانما في التأكيد على فنتازيا الرجل التي تؤدي المرأة فيها أدوارها الجنسية المتأسسة اجتماعيا.

تعليم نيتشه الجنسي

مقابل تصريحات نيتشه الجريئة في القول 363 حول "المعارضة الطبيعية" بين الجنسين، نجد الاقوال 68-71 من العلم المرح تمنح إحساسا بالخوف من المعضلة التي تجد فيها المرأة ذاتها منكشفة في علاقات الحب كنتيجة للتعليم والثقافة. فمثلا، في القول 68، يقول نيتشه ان كل من الرجال والنساء "يحتاجون لتعليم أفضل" بشأن طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، "لأن الرجل هو الذي يخلق لنفسه صورة المرأة، والمرأة تكوّن نفسها طبقا لهذه الصورة"(68). وبالرغم من ان نيتشه واثق من ان بعض النساء قد تنقلب وتحطم هذه الصورة (انظر 69)، هو يستمر بتقديم التعاطف لحقيقة ان النساء في عدة مجالات عرضة لأدوار معينة في الحب، ومطلوب منهن تمثيل سلوك غير مألوف لكي تنال حب الرجل (انظر 60،70،74).

في القول 71، "حول عفة الانثى"، يعلق نيتشه على نقص التعليم الجنسي خاصة لدى الطبقة العليا للنساء، والتأثير السايكولوجي السلبي لهذا عليهن. هؤلاء النساء جرى اعتبارهن عارا وجاهلات في كل المسائل الأخلاقية كجزء من شرفهن لتأمين ازواجهن. لكن حالما يتزوجن سيواجهن توقعات حياة جنسية دون استعداد، والرجل الذي يحترمنه ويحبنه كثيرا يسألهن الآن بالضبط ما تعلّمنه سابقا كشيء مبتذل وغير مقبول. يتعاطف نيتشه مع هذا الموقف المتناقض للنساء عندما يكتب، "للإمساك بالحب والعار المتناقضين ولكي يُجبرن في نفس الوقت على ممارسة الفرح والاستسلام والواجب والشفقة والرعب، وهو ما يتسبب في عقدة نفسية. بكلمة أخرى، أدوار الجندر التي هي جزء من صيغة التودد والحب، في عدة مواقف لها تأثيرات سايكولوجية سلبية على النساء.

من المدهش ان كتابات نيتشه حول الحب لم تكن مؤثرة على العديد من التأملات النسوية حول الجنس والجندر. وبالرغم من انه لا يطلق ادّعاءات أخلاقية حول كيف يجب ان يحب المرء، فان نقاشه للتأثير الشهواني الصعب والعلاقات الرومانسية على النساء بالإضافة لتعليقاته على المفارقات التي يواجهها كلا الجنسين في الحب، يُجبر قرّاءه من كلا الجنسين لفحص الأدوار التي يلعبونها في الحب. من الصعب عند قراءة نيتشه ان لا يتحقق المرء من أداءه الخاص في العلاقات الرومانسية.

 في العلم المرح خصيصا، تعبّر تأملات نيتشه عن صوت استفزازي ودود يستكشف بواسطته أوهام القارئ حول الحب. وسواء يجعلك تضحك ام تعبس او كلاهما، أسئلة نيتشه للحب تقدم اكثر من مجرد هذيان رجل متذمر كاره للنساء.

***

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) يشير نيتشه "للمعارضات التقليدية" traditional oppositions كأصناف ثنائية، مزدوجة و "اما/او" – مثل صحيح/زائف، خير/شر، روح/جسد – التي استعملتها تاريخيا الفلسفة الغربية والاخلاق لتقسيم الواقع. هو يرى ان هذه التصنيفات زائفة، هرمية، وتصاميم منكرة للحياة عادة تُسمى (ايمان في القيم المضادة) التي تخفي حقيقة ان هذه "المتضادات" هي في الحقيقة مرتبطة ومتجذرة في أصل أرضي شائع و سخيف.

(2) فنية الحب هي ممارسة قصدية خلاّقة في تربية علاقة من خلال التعاطف والفهم والجهد الفعال بدلا من الشعور السلبي. انها تعامل الحب كمهارة تشبه الرسم او الموسيقى – تتطلب ممارسة، صبر وتجربة فريدة لخلق التناغم والجمال والارتباط العميق.

(3) المسافة الدراماتيكية dramatic distance هي منظور جمالي ارستقراطي مطلوب لتقييم الحياة، يخلق قيما جديدة ويساهم في التغلب على الذات. انها مسافة نفسية تفصل الافراد المتميزين عن القطيع.

الوقوف عند العتبة كتجربة فلسفية يمثل لحظة جوهرية في الوعي الإنساني، حيث يتوقف الفرد على حافة الانتقال بين ما هو مألوف وما هو غير معلوم، بين الداخل والخارج، بين الوجود الحالي والإمكانية المستقبلية. هذه التجربة ليست مجرد موقف جسدي أو مكاني، بل هي حالة أنطولوجية تكشف عن طبيعة الكينونة الإنسانية في عمقها، حيث يصبح الوقوف عند العتبة استعارة للتوتر الداخلي الذي يعيشه الإنسان في مواجهة الزمن، الهوية، والآخر. في مقاربة أنطولوجية، يُفهم هذا الوقوف كلحظة تتجاوز الظاهري لتغوص في جوهر الوجود، حيث يصبح الفرد مدركًا للفراغ الذي يفصل بين العوالم، ويواجه القلق الذي ينبع من عدم اليقين، مما يجعله يتساءل عن معنى الكينونة ذاتها. إن العتبة هنا ليست بابًا ماديًا فحسب، بل هي حدود وجودية تفصل بين الثبات والتغيير، بين الذات المغلقة والعالم المفتوح، وبالتالي تكشف عن الطبيعة الديالكتيكية للوجود الإنساني الذي يعيش دائمًا في حالة من التوتر الإبداعي.  فما دلالة العتبة من الناحية الفلسفية؟ وكيف يمكن التعامل معها كتجربة فلسفية مثمرة على الصعيد الأنطولوجي؟

في جوهرها الأنطولوجي، يمثل الوقوف عند العتبة تجربة الانتظار الذي يتجاوز الزمن الخطي ليصبح زمنًا وجوديًا، حيث يتوقف الإنسان عن الحركة الآلية ويتأمل في إمكانياته الكامنة. هذا الانتظار ليس سلبيًا، بل هو فعل فلسفي يفتح أبواب الوعي على اللامتناهي، فالإنسان الواقف عند العتبة يدرك أن وجوده ليس ثابتًا بل هو عملية مستمرة من التشكل والتفكك. أنطولوجيًا، يعكس هذا الوقوف الثنائية الأساسية في الكينونة: الوجود كحضور وكغياب في الوقت نفسه، حيث تكون العتبة رمزًا للحدود التي تفصل بين الذات والآخر، لكنها في الوقت ذاته توحي بإمكانية الاندماج. إن الإنسان هنا يواجه الفراغ، ذلك الفراغ الذي ليس عدمًا مطلقًا بل هو فضاء إمكاني يسمح بولادة المعاني الجديدة. في هذه اللحظة، يصبح الجسد نفسه عتبة، فهو يحمل الذاكرة الماضية ويتوقع المستقبل، مما يجعل التجربة تجسيدًا للزمن ككينونة، حيث يتدفق الزمن ليس كتسلسل أحداث بل كتجربة داخلية تكشف عن هشاشة الوجود. هكذا، يتحول الوقوف عند العتبة إلى فعل تأملي يعيد صياغة الهوية، فالإنسان لا يعرف نفسه إلا من خلال مواجهة هذه الحدود، التي تذكره بأنه ليس كيانًا مغلقًا بل هو دائم التجاوز.

من منظور أنطولوجي أعمق، يمكن تفسير الوقوف عند العتبة كتجربة القلق الوجودي، ذلك القلق الذي ينبع من الوعي بالحرية المطلقة والمسؤولية التي ترافقها. عندما يقف الإنسان عند العتبة، يواجه خيارًا: الدخول إلى المجهول أو البقاء في المألوف، وهذا الخيار يكشف عن طبيعة الكينونة كحرية، لكنه في الوقت ذاته يولد القلق لأن الحرية تعني عدم الضمانات. أنطولوجيًا، هذا القلق ليس مرضيًا بل هو شرط أساسي للوجود الأصيل، حيث يدفع الإنسان إلى الخروج من الروتين اليومي والانخراط في عملية الاكتشاف الذاتي. العتبة هنا تصبح رمزًا للانفتاح على الآخر، سواء كان هذا الآخر شخصًا آخر أو عالمًا خارجيًا أو حتى جوانب مجهولة في الذات نفسها. في هذه التجربة، يتجاوز الوجود الإنساني البعد الفردي ليصبح اجتماعيًا وثقافيًا، فالعتبة تفصل بين الخصوصي والعام، بين المنزل كرمز للأمان والشارع كرمز للخطر والفرصة. هكذا، يصبح الوقوف عندها فعلًا فلسفيًا يعيد تعريف العلاقة بالعالم، حيث يدرك الإنسان أن كينونته ليست معزولة بل هي مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالآخرين والمحيط، مما يفتح أبوابًا لفهم الوجود كشبكة من العلاقات المتشابكة.

في سياق أنطولوجي، يمكن أن نرى الوقوف عند العتبة كتجربة التحول، حيث يصبح الإنسان مدركًا للطبيعة الديناميكية للوجود، الذي ليس ثابتًا بل هو عملية مستمرة من التغيير. هذا التحول ليس خارجيًا فحسب، بل هو داخلي يمس جوهر الكينونة، فالعتبة تمثل نقطة التحول حيث يموت الذات القديمة وتولد الذات الجديدة. أنطولوجيًا، هذا يعكس فكرة الوجود كصيرورة، حيث يتجاوز الإنسان حالته الحالية نحو إمكانيات أعلى، لكنه في الوقت ذاته يواجه خطر السقوط في العدم إذا تردد طويلًا. الوقوف عند العتبة، إذن، هو تجربة التوازن الدقيق بين الثبات والحركة، بين اليقين والشك، مما يجعله لحظة فلسفية تكشف عن التناقضات الجوهرية في الكينونة الإنسانية. هنا، يصبح الجسد أداة للوعي، فالإحساس بالعتبة تحت القدمين يذكر الإنسان بماديته، بينما النظر إلى ما وراءها يفتح أبواب الروحاني والميتافيزيقي. هذه الثنائية تجعل التجربة غنية، حيث يتجاوز الوجود البعد المادي ليصبح تجربة روحية، تذكر الإنسان بأنه ليس مجرد كائن بيولوجي بل هو كائن يسعى إلى المعنى في عالم يبدو عشوائيًا.

علاوة على ذلك، يمكن مقاربة الوقوف عند العتبة أنطولوجيًا كتجربة الغربة، ذلك الشعور بالانفصال عن العالم الذي يولد الوعي بالذات ككيان منفصل. عندما يقف الإنسان عند العتبة، يشعر بالغربة عن المكان الذي يتركه وعن المكان الذي ينتظره، مما يجعله يتساءل عن انتمائه الحقيقي. هذه الغربة ليست سلبية بل هي محرك للفكر الفلسفي، حيث تدفع الإنسان إلى إعادة بناء هويته في مواجهة الفراغ. أنطولوجيًا، تعكس هذه التجربة فكرة الوجود كغربة أساسية، حيث يعيش الإنسان دائمًا في حالة من اللاانتماء، مما يجعله يبحث عن الجذور في عالم متغير. العتبة هنا تصبح رمزًا للحدود الثقافية والاجتماعية، حيث يواجه الإنسان الآخر كمرآة لنفسه، ويتعلم أن كينونته تتشكل من خلال هذه المواجهات. في هذه اللحظة، يصبح الوقوف فعلًا مقاومًا، يرفض الاندماج السريع في العالم ليسمح بتأمل عميق في طبيعة الوجود، مما يؤدي إلى ولادة فهم جديد للذات والعالم.

الوقوف عند العتبة، كتجربة فلسفية أنطولوجية، يجد في فلسفة مارتن هيدغر مرجعًا عميقًا يثري المقاربة ويوسعها، لكنه في الوقت ذاته يبرز تباينات جوهرية تجعل هذه التجربة تتجاوز حدود التفكير الهيدغري أو تكمله بطريقة مختلفة. عند هيدغر، لا يظهر مفهوم العتبة كمصطلح مركزي مباشر في "الكينونة والزمان"، لكنه يحضر بقوة في أعماله اللاحقة، خاصة في تأملاته حول اللغة والشعر والمكان، حيث يصف العتبة كعنصر يحمل الباب ككل، ويحافظ على الوسط الذي يتخلل فيه الخارج والداخل بعضهما بعضًا. هذا الوصف يجعل العتبة ليست مجرد حد مادي، بل هي مكان الاختراق المتبادل، فضاء يجمع ويفصل في آن، وهو ما يتردد صداه مع فكرة "الفرق الأنطولوجي" التي تميز بين الكينونة والموجودات. فالوقوف عند العتبة يمكن أن يُقرأ هيدغريًا كلحظة تكشف فيها الكينونة عن نفسها من خلال الفرق، حيث يصبح الإنسان مدركًا للـ "بين" ، ذلك الفضاء الذي لا ينتمي إلى داخل أو خارج، بل يمثل الـ "انفتاح" أو الـ "تصفية" التي تسمح للموجودات بالظهور. في "الوجود والزمان"، يركز هيدغر على الدازاين ككائن يُلقى في العالم ، ويعيش في حالة من السبق إلى الإمكانيات ، مما يجعل الوجود دائمًا "متجاوزًا". الوقوف عند العتبة يتطابق جزئيًا مع هذه الديناميكية، إذ يمثل لحظة الـ "توقف" التي تكشف عن الـ "قلق" الذي ينتزع الدازاين من سقوطه في المألوف ويواجهه بإمكانية عدمه الخاص، أي الموت كإمكانية الأقصى. هنا، العتبة تصبح استعارة للحدود الوجودية التي تفصل بين اليومي والأصيل، حيث يقف الإنسان على عتبة التحول من الوجود غير الأصيل إلى الوجود الأصيل، مواجهًا الفراغ الذي يسبق كل قرار. لكن هيدغر لا يتوقف عند هذا الحد الوجودي الفردي؛ ففي أعماله اللاحقة، يتحول التأمل إلى الكينونة ذاتها كحدث ، حيث تُمنح الكينونة للموجودات من خلال الانسحاب والكشف المتبادلين. العتبة، في هذا السياق، تُصبح رمزًا للـ "حد" الذي ليس انقطاعًا بل مشاركة ، كما في قراءاته لشعر تراكل، حيث يصبح الحد فضاءً يجمع الغريب والأليف، الألم واللطف، الذكر والأنثى، في حركة من الـ "جمع" والـ "نشر".

مقارنة بهذه الرؤية الهيدغرية، تبرز تجربة الوقوف عند العتبة في المقاربة السابقة كتجربة أكثر تركيزًا على الجانب الجسدي والحسي والانتظاري، حيث يظل الإنسان واقفًا في حالة من التوتر الديالكتيكي بين الثبات والحركة، اليقين والشك، الذات والآخر. عند هيدغر، يميل التفكير نحو تجاوز هذا التوتر نحو "التفكير في الكينونة" ، حيث يصبح الوقوف ليس مجرد حالة قلق فردية بل مشاركة في حدث الكينونة نفسه، أي الحدث الذي يجمع الدازاين بالكينونة في علاقة متبادلة الملكية. بينما في التجربة المقترحة، يبقى الوقوف أقرب إلى القلق الوجودي الكيركغاردي أو السارتيري، حيث يظل الخيار والحرية محورًا، والعتبة مكانًا للقرار الشخصي الذي يولد معنى جديدًا، أما عند هيدغر فالعتبة تتجاوز الذات نحو "الحدث" الذي يسبق الذات ويؤسسها.

من ناحية أخرى، يتقارب المنظوران في فكرة أن العتبة ليست نهاية بل بداية للكشف: ففي هيدغر، تكشف العتبة عن "الفرق" الذي يسمح للوجود بالظهور، وفي المقاربة الأنطولوجية للوقوف، تكشف عن الفراغ الإمكاني الذي يولد المعاني. لكن الاختلاف يكمن في التوجه: هيدغر يسعى إلى "التجاوز" للميتافيزيقا التقليدية نحو تفكير ما بعد-ميتافيزيقي يترك الذات تُمنح للكينونة، بينما التجربة المقترحة تحتفظ ببعد أكثر إنسانية وتجسدية، حيث يبقى الجسد والإحساس بالعتبة تحت القدمين نقطة انطلاق للتأمل في هشاشة الوجود. هكذا، يمكن القول إن الوقوف عند العتبة يمثل نوعًا من "الدازاين في حالة الانتظار"، لكنه يرفض الاندماج الكامل في الحدث ، محتفظًا بمساحة للقلق والغربة والتحول الشخصي الذي لا يذوب تمامًا في حركة الكينونة الكبرى.

 في الختام، يظهر الوقوف عند العتبة كتجربة فلسفية أنطولوجية أنها ليست مجرد لحظة عابرة بل هي جوهر الكينونة الإنسانية، حيث يتجلى الوجود في توتره الدائم بين الثبات والتغيير، بين الذات والآخر، بين اليقين والشك. هذه التجربة تدعو الإنسان إلى الغوص في أعماق نفسه، ليدرك أن الحياة ليست سلسلة من الأحداث بل هي عملية مستمرة من التجاوز والتحول، مما يجعلها مصدر إلهام للفكر الفلسفي الذي يسعى إلى فهم سر الوجود في عالم مليء بالعتبات غير المرئية. في النهاية، تثري مقارنة الوقوف عند العتبة بفكر هيدغر التجربة بإضافة بعد كوني وتاريخي للوجود، حيث تصبح العتبة ليست مجرد لحظة فردية بل مشاركة في مصير الكينونة في عصرنا، عصر التقنية والنسيان. لكنها في الوقت ذاته تذكرنا بأن التجربة الإنسانية تبقى متجذرة في الجسد والانتظار والخيار، مما يجعلها أقرب إلى الوجود اليومي الملموس من التأمل الهيدغري الذي يميل نحو الشعري والميتافيزيقي المتعالي. هكذا تظل العتبة فضاءً مفتوحًا للتفكير المستمر، يجمع بين الفرق الهيدغري والتوتر الوجودي الإنساني في حركة لا تنتهي. فهل يمكن مقارنة تجربة العتبة بمسألة الحدود في البحوث المعرفية والوجودية والقيمية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تأصيل فلسفي واستجابة جمالية للتشظي المعاصر

في ضرورة الانزياح (انفجار الوعي)

إن التاريخ الجمالي ليس تراكماً خطياً هادئاً، بل هو سلسلة من الانفجارات الواعية في رحم السكون. إذا كانت "ما فوق الواقعية" (السريالية) قد ولدت في مطلع القرن العشرين من رماد الحروب الكونية الكبرى، بوصفها تمرداً على "عقلانية" زائفة أدت إلى الفناء، فإن "الميتاسريالية" تنبثق اليوم من قلب "التيه الرقمي" والضياع الوجودي المعاصر.

نحن هنا لا نكتفي بالهروب نحو غابات اللاشعور المظلمة، بل نسعى لترميم هذا اللاشعور وصياغته في "وعي نصي فائق". الميتاسريالية هي الجسر الذي نعبر به من التوهان إلى المسار، ومن الشتات إلى البنية الرصينة. إنها الفعل الذي يحول "العدم" إلى "كائن"، والصرخة المكتومة إلى إيقاع كوني يتردد صداه في أزقة الروح المهدمة.

 نقد الجذر (من التلقائية إلى وعي النص)

في عام 1924، نادى الرواد بـ "التلقائية النفسية الصرفة" كأداة وحيدة للتعبير، ظناً منهم أن كسر قيود المنطق وحده يكفي لتحرير الإنسان. لكن الميتاسريالية ترى في هذه التلقائية فخاً جديداً؛ فاللاشعور وحده قد يكون متاهة من العماء وفوضى من الصور العبثية التي لا تفضي إلى جوهر.

لذا، تأتي الميتاسريالية لتضيف بعد "ما وراء النص"؛ أي الوعي التام بالعملية الإبداعية أثناء حدوثها. إننا ننتقل من "الفعل الآلي" الذي يمليه الحلم، إلى "الفعل المنعكس" الذي يراقبه المبدع. النص الميتاسريالي لا يكتفي بعرض الرؤى المنامية، بل يمارس نقداً داخلياً لآلية الرؤيا ذاتها. الكلمات هنا تعي عجزها "الكينوني" أمام هول الوجود، وقوتها "العلاماتية" في إعادة خلقه. نحن لا نكتب الحلم، بل نكتب "عن" الحلم داخل الحلم، كمن يرى انعكاس مرآة في مرآة إلى مالا نهاية، مما يخلق نسيجاً محكماً من الدلالات التي تتجاوز القشور لتصل إلى لب "ما وراء النص"، حيث يعلق النص على ذاته ويكشف عورات آلياته.

عذابات الكليّة والهم الكينوني

عندما نتحدث في الميتاسريالية عن "عذابات كل شيء"، فإننا لا نمارس تزويقاً لفظياً، بل نمارس "تأويلاً وجودياً" للوجع. الإنسان في منظورنا هو "كائن متألم بالضرورة"، محكوم بقلق الاختيار وعبثية الأقدار.

المعاناة الكونية:

يمتد العذاب ليشمل "كل شيء"، الحجر في نصنا "يلوب" من فرط الصمت، والغيوم تتثاءب فوق مآذن الكوفة لتسكب دموعاً ثقيلة من ملح وبارود. النخيل في البصرة يعاني من "اغتيال" ليله، حيث تسلب منه السكينة ليحل محلها ضجيج الفواجع. هذا ليس مجرد مجاز، بل هو رؤية "عرفانية" ترى الترابط الوثيق بين المصير البشري وحركة المادة الجامدة.

الرد على التوهان:

 الميتاسريالية هي الصرخة المدوية في وجه "العدمية". إنها تحول المعاناة الفردية الضيقة إلى معاناة كونية شاملة. الأديب الميتاسريالي لا يكتب مذكراته، بل يكتب "تاريخ الألم الإنساني" في عصره، محولاً الأنين إلى مادة دسمة للمساءلة الوجودية، تماماً كما تتشكل اللؤلؤة من وجع المحارة.

علامات الرؤيا وتفتت الذاكرة العراقية

الذاكرة في هذا الزمان ليست مخزناً هادئاً للصور، بل هي "مرآة مهشمة" بفعل الحروب المتلاحقة والتقنيات الباردة. الميتاسريالية تعيد جمع هذه الشظايا، لا لتعيد تشكيل الصورة القديمة الزائفة، بل لتخلق "فسيفساء" جديدة تتسم بـ "الواقع المتسامي".

تحطيم الزمن الخطي:

 في النص الميتاسريالي، يسقط الزمن المرتب الذي تفرضه الساعات. الماضي يتقاطع مع المستقبل في لحظة "الآن" المشتعلة. هنا، نرى "كلكامش" يبحث عن عشبة الخلود في أزقة "شارع الرشيد"، ونرى "السياب" يغسل جراحه بماء الفرات الذي استحال مراً.

منطق الرؤيا كأداة معرفية:

 الحلم هو المختبر السيادي الذي تندمج فيه الذكريات المكبوتة بالمخاوف اللاشعورية. عندما تذوب الساعات في نصنا، أو يتحول الرجل إلى نخلة محترقة، فإننا نمارس "زلازل" لكيان المتلقي، وندفعه نحو "القلق المعرفي". هذا القلق هو الوسيلة الوحيدة لدفعه نحو طرح أسئلة الوجود الكبرى: ما الحب؟ ما الموت؟ وكيف ننجو من هذا العدم؟

فيزيولوجيا العشق والتصوف الميتاسريالي

العشق في هذا المانيفستو هو القوة "الكيماوية" التي تبطل "وضوء الكره". إنه ليس عاطفة عابرة، بل هو "نسك" وطواف في محراب الجمال الوجودي.

 امتزاج الحسي بالقدسي:

يتقاطع العشق هنا مع التصوف؛ حيث تصبح "رموش الفقير" في سوق مريدي قبلة للصلاة، ويصبح "الدعاء بلا شعر للحب والأمل" صرخة تائهة في فيافي الله.

ثنائية النور والاحتراق:

 العشق هو الضوء الذي يمنع الكون من الانطفاء، لكنه ضوء يحرق المتلقي. بدون هذا العشق، "تنجفي الذلة على خدود الملح" وتفقد الكائنات بوصلتها المعنوية. الميتاسريالي يكتب بمداد من "كحلة عراقية" عتقت في جروح الأمهات، ليخلق نصاً يطهر الروح كما يطهر التيمم بالتراب جسد المصلي.

هندسة البناء الإيقاعي

النص الميتاسريالي هو "معمار موسيقي جامد" يحمي الروح من التفتت في مهب الريح. نحن نعتمد تقنية "المطابقة الإيقاعية والمعنوية"؛ حيث نزاوج بين الكلمات الرقيقة (ندى، تغريد، شبعاد) والكلمات العنيفة (تابوت، شظية، نصل، بارود).

هذا التضاد يجسد الصراع الأزلي بين إرادة الحياة وغلواء الموت. الموسيقى في نصنا ليست زينة، بل هي الإيقاع "المستحيل" الذي يحاول استعادة "الفردوس المفقود" من بين أنياب الواقع المرير. إننا نبني مدناً من الكلمات لنواجه بها خراب المدن من الحجر.

الميتاسريالية في الفضاء العراقي (ميتاسريالية الوجع)

العراق، بجغرافيته المثقلة بالأساطير والحروب، يمثل البيئة المثالية للميتاسريالية. العراقي يعيش السريالية كواقع يومي؛ حيث تتجاور القباب الذهبية مع أعمدة الدخان، وتختلط رائحة الهيل برائحة الموت. من هنا تنبثق "الميتاسريالية العراقية" كفعل مقاومة جمالي.

أنسنة الوجع:

 حين نقول إن النخيل يعاني من "اغتيال ليله"، فإننا ننطق بلسان الأرض التي ضاقت بدموع أبنائها.

قداسة الهامش:

 تحويل "ثياب " و"رموش الفقراء" إلى نصوص مقدسة هو الرد النهائي على تغييب الإنسان. في العراق، الميتاسريالية ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة للتمسك بالبقاء. إنها "خبز الروح" الذي نقتسمه في مواجهة الجوع الوجودي.

نواميس الصنعة

إليك أيها السالك في محراب الميتاسريالية، هذه العهود التي لا تقبل التأويل:

اغتل العفوية بالوعي:

 لا تترك قلمك لقمة سائغة للاشعور، بل كن "سيداً" على رؤاك. اجعل الكلمة تعرف لماذا قيلت، ولماذا استقرت في صدر الورق كالنصل.

قدّس التضاد:

 لا تكتب نصاً رمادياً. ازرع "الياسمين" في فوهة "البندقية"، واجعل القارئ ينزف وهو يشم عطر الورد في نصك. التضاد هو محرك الوجود، وبدونه يموت النص.

أحْيِ الجماد:

 لا تصف دجلة، بل اجعله يئن من ثقل الحكايات. لا تصف الحرب، بل اجعل الرصاصة تشعر بالندم وهي تخترق صدور العشاق. الميتاسريالي يمنح "الروح" لكل ما هو "شيء".

اكتب بـ "كحلة الجرح":

 اجعل نصك "تطهيراً" طاهراً. إذا لم تبطل كلماتك "وضوء الكره" في عالم يغرق في البشاعة، فأنت لم تدخل ملكوت الميتاسريالية بعد.

كن "متسقاً" في فوضاك:

 النص الميتاسريالي صرخة، لكنها "صرخة منظمة". هندس عذاباتك لتكون موسيقى جنائزية مهيبة، فالفوضى بلا إيقاع هي عدم محض، والميتاسريالية هي انتصار "الكينونة" على "الفناء" بسحر الجمال.

إن الميتاسريالية هي محاولتنا الأخيرة لترميم سقف العالم بكلمات من ضوء ودم، هي إيماننا بأن النص هو الوطن البديل حين تضيق بنا الأوطان، وهو الوعي الفائق الذي يحول رماد الحاضر إلى منارات للمستقبل.

***

غالب المسعودي

نحو إعادة بناء العقل المنهجي في أصول الفقه

ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن العلاقة بين التشريع والوجود ليست علاقة انفصال بين عالم اعتبار وعالم تكوين، بل هي علاقة امتداد متداخل في الواقع وفي الادراك، فمن الممكن أن نفهم الحكم الشرعي على أنه صياغة اعتبارية لقانون تكويني، ويُمكن تعريف وظيفة العقل الأصولي بأنها قراءة مزدوجة للنص والواقع معاً، لأن الإشكال لا يكمن في مناهج الاستنباط ذاتها، بل في الأفق المعرفي الذي اختزلت فيه، وذلك عندما تم التعامل مع النص على أنه المصدر الوحيد للمعرفة التشريعية، والواقع مجرد مجال للتطبيق، لكننا بصدد اعتبار الواقع مجالا مشاركا في عملية الكشف عن الموقف الشرعي، ومن هنا لابد من التمييز بادئا أن الواقع التكويني مقابل الواقع التشريعي، يعبر عن وسائل كشف تندرج برتية دون رتبة المصادر الأصيلة (النص/الوحي).

أولاً: إشكالية الانفصال بين التكوين والاعتبار

تشكل علم الأصول تاريخياً في سياق الانضباط داخل النص وضبط الاستنباط، فكان تركيزه منصباً على أدوات الدلالة، وأنماط الظهور، وقواعد الإطلاق والتقييد، وحجية الأمارات والأصول العملية..، وقد أفضى هذا التركيز إلى ترسيخ مركزية النص باعتباره أحد أبرز محاور البحث الأصولي، بينما بقي (الواقع التكويني) في مساحة خارج نطاق التفكير الأصولي، ولا يدرس إلا من حيث انطباق الحكم عليه، لا من حيث بنيته الوجودية وقوانينه التكوينية التي يفترض كونها مؤثرة في عالم التشريع.

إن تحليل العلاقة بين الحكم والموضوع ظل في الغالب تحليلاً منطقياً أو لغوياً، لم يقترب من التحليل الوجودي الواقعي، فالوجوب مثلا يُفهم في صيغته ودلالته، او تم التركيز على ماهيته، أما وجوده خارجا فلم يحظ باهتمام واسع، بحيث نشأ على المستوى الإبستمولوجي، نوع من الفصل الضمني بين عالم الخلق وعالم الأمر، وكأن التشريع إنشاء اعتباري مستقل، أكثر من كونه امتدادا لقانون تكويني سابق عليه، وهذا الأخير يعبر عن علل البقاء ضمن قانون التكوين، أو عن قانون انتظام في حياة الفرد والمجتمع.

غير أن هذا التصور يواجه إشكالا منهجيا، يتمثل في أن وحدة المصدر تقتضي وحدة القانون، فإذا كان الخالق واحدا، فإن قوانين التكوين لا يمكن أن تكون معزولة عن قوانين التشريع، بل يفترض أن يكون التشريع كاشفا عنها بلسان الإلزام، وهي كاشفة عن التشريع بلسان البيان، ومن هنا، فإن العقل الأصولي يمكن أن ينتقل من مستوى انتاج الحكم الشرعي من مصادره الى مستوى اكتشاف الحكم الشرعي في موارده، وهوما يمكن الاشارة اليه بنحو أولي، لأنه يحتاج الى تأصيل وتأسيس، بحيث يمكن أن نتصور أن مصادر التشريع من الناحية المعرفية الادراكية كانت قد تمثلت بالوحي أو النص من دون شك، ومن ناحية الواقع والتكوين يكون الحكم معبرا عن اقتضاء ينبع من طبيعة الوجود، بمعنى أن الحكم الواقعي ليس الذي نتصوره خطابا أنشأه الشرع فحسب، بل قانون كامن في عالم التكوين، والشارع يحيل إليه أو ينشأه فالنتيجة واحدة، والعقل الاجتهادي يتعقله لأجل الكشف عن مواقف التشريع.   

ثانياً: نحو إعادة تعريف وظيفة العقل الأصولي

إن المطلوب ليس إلغاء المنهج الاستنباطي المقرر في علم الأصول، بل إعادة انتاجه، فالعقل الأصولي لا ينبغي أن يقتصر على تفكيك النصوص، بل أن ينفتح على قراءة (الموضوعات/ الواقع/الوجود) باعتبارها بنية تكوينية حاملة لملاكات الأحكام، لان الواقع لا يمكن ان ننظر اليه على انه ظرف خارجي غير مؤثر، بل يمكن النظر اليه على كونه شبكة من العلامات الإدراكية التي تكشف عن قوانين الوجود، وهذه القوانين تمثل الخلفية والارضية التي ينبثق منها الحكم الشرعي.

فوجوب حفظ النفس، - كحكم- على سبيل المثال، يُفهم على مستوى الاعتبار الشرعي في مرحلة الانشاء، كأنه مراد للشارع فقط، في حين يمكن أن يفهم على مستوى كونه ناتجا عن قانون بقاء النوع، والعقل هنا ليس أحد مصادر تشريع وجوب حفظ النفس، بل كاشف عن وجود هذا الحكم ضمن قانون التكوين، ومثل ذلك وجوب الصلاة، الذي يثبت بالنص، لكن إدراك ضرورته لا ينفصل عن بنية تكوينية في الإنسان تجعله محتاجا إلى إعادة تنظيم وعيه وزمنه وعلاقته بالمطلق، إنّ النص يكشف الحكم، أما التكوين فيكشف علته الوجودية ولو على نحو الاجمال الذي لا يستقل بإثبات الحكم، وإنما يعد مكملا نوعيا وموضوعيا لعملية الاستنباط بأدواتها المعروفة.

وبذلك، يتحول العقل الأصولي من عقل استنباطي صرف إلى عقل مزدوج الوظيفة، يزاوج بين الكشف النصي والكشف الوجودي، وهو انتقال من (فقه الدلالة) إلى (فقه الوجود)، دون أن يعني ذلك تجاوز الضوابط المنهجية، بل تعميقها.

ان ما يبعث على التفاؤل في العقل الأصولي عند الامامية، هو نضوج فكرة البناء العقلائي في كشفه العلمي، والسيرة العقلائية في كشفها العملي، والذي يفتح المجال واسعا أمام التفكير عبر ما يطلق عليه بالمعرفة الارتكازية الوجدانية التي تشتغل في مساحة التكوين والتشريع على حد سواء، مع اختلاف في المستويات ونطاق التأثير.

ثالثاً: التقعيد التكويني للأحكام

يقوم مفهوم (التقعيد التكويني) على تصور مفاده: أن الحكم الشرعي صياغة اعتبارية لقانون تكويني سابق، فالتشريع تنظيم للواقع في ضوء بنيته الداخلية، والملاكات، وفي هذا التصور، توجد خصائص كامنة في الموضوع، يحاول أن يكشفها العقل من خلال قراءة قوانين الحياة والاجتماع.

إنّ الضرورة، والحاجة، والاختلال، والتوازن، مفاهيم لا تنتمي إلى عالم الاعتبار وحده، بل تشير إلى بنية وجودية موضوعية، فإذا كشف العقل عن أن سلوكاً ما يهدد انتظام الحياة، أو يُخل بقانون بقاء النوع، فإنّ التحريم التشريعي يكون تعبيرا عن حماية ذلك القانون، وإذا كشف عما ما يحقق كمالا وجوديا للإنسان، فإن الوجوب أو الندب يأتي باعتباره تقعيدا لهذا الكمال.

وعليه، فإنّ التقعيد التكويني لا يتجاوز قيمة دلالة النص، بل يعمق فهمها، فالنص خطاب هداية يكشف عن قوانين الواقع والتشريع معا، والتشريع، في جوهره، لا يتقاطع مع التكوين، بل امتداد له في مستوى التكليف.

والعقل الارتكازي الفطري الذي يتحرك ضمن الحيز العقلائي، والذي يمثل المحرك شبه الأساس في ترسيخ وعي عالم التكوين، هو ما يمكن التعويل عليه من خلال توظيفه ابستمولوجيا، بنحو أعمق من السائد، وهو بحد ظني ما له صلة وثيقة بثنائية المعروف والمنكر المطروحة قرآنيا، والتي تكشف عن إمكانية استثمار فاعل لمقولة المعروف في ضوء كونه مدركا ارتكازيا راسخا في الفطرة النوعية للمجتمع البشري، ويكاد يقترب من تحليل مدركات العقل العملي التي تنتهي على أحد المباني إلى الآراء المحمودة التي تنكشف للإنسان بالوجدان أكثر مما تنكشف له بالبرهان، وهذا ما يستدعي بحثا مستقلا..

إن اتساع مفهوم المعروف، من خلال مقاربة لغوية وقرآنية وأصولية، تؤسس إلى أن معنى المعروف لا يقتصر على الواجبات والمحرمات، بل يشمل القيم الفطرية والمعايير العقلائية التي تستقر في وجدان البشر، مع إبراز العلاقة الوثيقة بين المعروف وبناء العقلاء، والقضايا المشهورة، والعقل العملي، والتي تلتقي في بناء منظومة معرفية تشتغل على مجال التشريع والتكوين معا. 

خلاصة

إنّ إعادة بناء العقل الأصولي على أساس التقعيد التكويني تمثل انتقالا من النظر إلى الحكم باعتباره إنشاء اعتباريا، إلى النظر إليه على كونه كشفا مقننا لقانون وجودي، وهذا التحول يمكن أن يفتح أفقا جديدا في الدراسات الأصولية، ويجعلها أكثر التصاقا بالواقع، وأكثر قدرة على فهم الضرورات الاجتماعية والإنسانية، من دون التفريط بأصالة النص ومنهجيته.

إن التحدي المعرفي اليوم يكمن في زيادة أدوات الاستنباط من جهة، وفي توسيع أفق الرؤية من جهة أخرى، بحيث يصبح العقل الأصولي قادرا على قراءة النص والوجود معا، في ضوء وحدة الخالق والمشرع، وفي هذا المسار، يستعيد التشريع فاعليته بدرجة أكبر كنظام حياة.

***

د. أسعد عبد الرزاق الاسدي

بين هندسة الشكل وأسر الجوهر

تُفهم الحرية في الخطاب الغربي المعاصر باعتبارها القيمة العليا التي انتصرت بها الحداثة على عصور الوصاية الفكرية، واستعادت بها الذاتُ سيادتها على واقعها، لكن هذا التقديم الاحتفائي يغفل سؤالا مركزيا: هل الحرية هناك حقيقة متحررة من الإطار، أم إطار صُمِّم ليقوض الإنسان ويعيد تشكيله وفق نموذج خاص؟

ولدت الحرية نتيجة تحولات فلسفية عميقة في الرؤية إلى الإنسان والعالم، بدأت مع القطع المعرفي الذي أحدثه التفكير الديكارتي، وتكرست مع العقلانية النقدية الكانطية، ثم وجدت اكتمالها السياسي في الليبرالية الحديثة، ووفق هذا تحّل الإنسان إلى محور للكون، وأضحت الإرادة الفردية هي المرجع الأخير للقيمة والمعنى، ومن هنا تشكلت الحرية باعتبارها تحررا من كل سلطة، أكثر من كونها حقيقة تمس جوهر الانسان.

إنها مصممة ضمن هندسة فكرية، تُفهم ضمن ثنائية الفرد والدولة، وضمن التصور الذي يجعل الإنسان كائنا مكتفيا بذاته، يملك حق تعريف الخير والشر انطلاقا من رغبته الخاصة، وفي الوقت نفسه، تم تأطيرها بشبكة كثيفة من القوانين، والأنظمة، والمعايير الثقافية، التي تضبط حركتها وتحدد أفقها، وهنا يبرز التناقض الأول، فهي حرية تُعرف بالتحرر من الوصاية، لكنها لا يتم منحها إلا داخل وصاية قانونية وثقافية شاملة.

لتصبح الحرية صيغة إجرائية، إذ يتم فهمها على أنها حق الاختيار، لا قيمة الاختيار، بحيث يتم تكريس مفهوم الحق أكثر من مفهوم القيمة، فالمعيار ليس صدق الفعل أو اتصاله بالقيم، بل كونه صادرا عن إرادة فردية غير مكرهة، وبالنتيجة تم ترسيخ مبدأ حرية الاختيار بعيدا عن فحص قيمة الاختيار أو معناه.

والمفارقة الأخرى تكمن في أن هذا الخطاب الذي أعلن تحرير الإنسان من السلطة المطلقة، أوجد سلطة بديلة أكثر إحكاما، فالسوق الذي يصنع الرغبات ويعيد توجيهها، والإعلام الذي يحدد أولويات الإدراك، والخوارزميات التي تُصنف الأفراد وتعيد ترتيب اختياراتهم، والثقافة السائدة التي ترسم حدود المقبول والمرفوض، كل ذلك أعاد تشكيل وعي الإنسان، وظن أن ما اختاره كان خاضعا لإرادته، بينما هو نتيجة نطاق محدود من الخيارات المتاحة ضمن الهندسة الخاصة المعدة بنحو منظم.

وهذا ما يجعل الحرية الغربية تناقض ذاتها، فهي تدعي الكونية، لكنها تقوم على رؤية خاصة تجعل الفردانية المطلقة معيارا أعلى لما ينبغي أن يكون عليه النموذج الإنساني، كما تدعي تحييد الأفكار، لكنها تكرس منظومة قيم وأفكار محددة، مثل أولوية الإرادة الفردية على كل رابطة، ونسبية الحقيقة، وتفكيك المعايير المتجاوزة لحدود الإدارك، فهي ترفض الإكراه الديني، لكنها تمارس إكراها ثقافيا ناعما، وغير مباشر، يقصي من لا يتماهى مع نموذجها بشكل غير قابل للملاحظة اليسيرة.

إن أخطر ما في هذا النموذج أنه يسجن الإنسان في وهم عن ذاته، فحين يتم تعريف الإنسان على انه كائن يختار وفق رغبته في المقام الأول، تصبح الحرية هي إطلاق الرغبة، لا تهذيبها، ويغدو التحرر هو كسر القيود الخارجية، لا تحرير الإرادة من عيوب الذات الإنسانية، وتتنامى أزمة المعنى الوجودي في حياة الإنسان المعاصر.

وفي مقابل ذلك تتردد الرؤية الدينية، في ترسيخ الحرية بين انوذج التحرر من العبوديات الزائفة، وبين الذوبان في المقدس، والتفريط بالاستحقاقات الطبيعية للبشر، وربما كانت الحرية الغربية ردة فعل على أزمة الإنسان في مختلف نماذج الخطاب الديني المتشدد..

وسؤال الحرية في الغرب بات باهتا أو فارغا، فهل الحرية هي أن أفعل ما أشاء، أم أن أتحرر مما يشوه إرادتي ويستعبد وعيي؟ هل التحرر من الوحي تحررٌ حقًا، أم انتقال من مرجعيتة المتجاوزة إلى مرجعيات مادية أكثر تضييقا، وإن كانت أقل ظهورا؟

إن إعادة التفكير في مفهوم الحرية ضرورة حضارية، لا لمجرد النقد، بل لاستعادة التوازن بين الحق والغاية، فالحرية التي تفقد اتصالها بالمعنى، تتحول إلى قيد جديد، أما الحرية التي تنبثق من رؤية إنسانية متكاملة، فإنها تفتح أمام الإنسان أفقا يتجاوز حدود الرغبة إلى سعة الكمال.

إن هذه الورقة النقدية لا تستهدف الاتجاهات الفلسفية، بقدر ما تستهدف ما نتج عنها من نماذج أضحت مورد تساؤل وجدل، حول ما إذا كانت الصيغة الغربية للحرية هي الصيغة المثلى، أو الأوفق من بين مختلف التيارات أو الاتجاهات الفكرية دينية كانت أم بشرية..

***

د. أسعد عبد الرزاق الأسدي

 

عندما يتحدث مارتن هايدغر عن نمط وجود جديد فهو لا يقصد تغيرًا في الطبيعة البيولوجية للإنسان، وإنما يشير إلى تحول عميق في الكيفية التي ينكشف فيها الوجود للإنسان، ويفهم عبرها ذاته والأشياء والزمان والمعنى. كل عصر تاريخي ينكشف فيه الوجود للإنسان بكيفية معيّنة، التقنية الحديثة ليست حيادية، بل طريقة مخصوصة يظهر بها العالم للإنسان. الوجود عند هايدغر ليس معطى ثابتًا، وإنما أفق انكشاف تاريخي، وكل عصر يفرض كيفيته الخاصة في هذا الانكشاف، وحين يتغير الأفق يتغير نمط الوجود نفسه. ماهية الوجود الخوارزمي ليست خوارزمية، يقول هايدغر: "ماهية التقنية ليست مطلقًا شيئًا تقنيًا"1 ، بمعنى أن التقنية الحديثة لا تُفهم على حقيقتها إذا اختُزلت في الأدوات والآلات والأجهزة والمعادلات الرياضية، لأنها قبل ذلك نمط تاريخي لانكشاف الوجود. التقنية ليست مجرد وسائل وأدوات بيد الإنسان، إنما هي أفق شامل تظهر فيه الأشياء والعالم والإنسان نفسه من زاوية واحدة، هي زاوية الوظيفة والسيطرة والمعادلات الحسابية. هذا النمط من الانكشاف يسميه هايدغر الجهاز (Ge-stell)، وهذا الجهاز ليس آلة ولا منظومة تقنية بعينها، بل الإطار الكلي الذي تظهر فيه الموجودات ويضعها تحت الطلب. في هذا الجهاز يظهر كل ما هو كائن، بما في ذلك الإنسان، بوصفه مخزونًا قابلاً للحساب والتنظيم والاستغلال. "الجهاز" هو الاسم الذي يطلقه هايدغر على ماهية التقنية الحديثة بوصفها نمطًا تاريخيًا لانكشاف الوجود، بنحو يفرض طريقة واحدة لرؤية العالم، ويقصي أنماط الكشف الأخرى التي تتيح التأمل، والإنصات للكينونة. بهذا المعنى لا تكون ماهية التقنية تقنية بل أنطولوجية، لأنها تحدد كيف يظهر العالم لنا، وكيف نفهم أنفسنا داخله. في هذا "الجهاز" يُستدعى كل ما هو موجود بوصفه مخزونًا جاهزًا للاستغلال والتنظيم بأقصى كفاءة، وتُعامل الطبيعة كمورد، فالأرض تصبح منجمًا للفحم، النهر يصبح مصدرًا للطاقة الكهرومائية، وحتى الإنسان نفسه يُختزل إلى موارد بشرية يمكن استعمالها كشيء من الأشياء. هذا التحويل يُفقد الأشياء أصالتها ويجعلها مجرد مخزون. الخطر ليس في التقنية نفسها، بل في هيمنة هذا النمط من الكشف الذي يحجب طرقًا أخرى لفهم الوجود، مثل الفن والتأمل. 

خطر التقنية لا يقوم في أدواتها، وإنما في سلطانها على أفق المعنى، حيث يتحوّل الوجود إلى شيء معد للاستعمال. لم تعد التقنية مجرد وسيلة في يد الإنسان، إنما صارت إطارًا يطبع رؤيته للعالم، فتغدو الطبيعة مخزونًا للطاقة والمعادن، ويغدو الإنسان ذاته رقمًا أو وظيفة أو شيئًا كالأشياء. في هذا الأفق يتبدل نمط الوجود: السرعة تحلّ محل التمهل، الحساب يحجب التأمل، والجاهزية الدائمة تزيح الحضور العميق. يتسلل هذا النمط إلى وعي الإنسان من غير قرار واعٍ، فيفقد العالم أصالته، وتنغلق منافذ الانفتاح على إمكانات أخرى للفهم. وحده الوعي النقدي القادر على فتح علاقة أكثر حرية مع التقنية، وإبقاء سؤال الوجود حيًا في قلب التجربة الإنسانية.

أفق انكشاف الوجود يتبدّل ضمن ما يسميه هايدغر "الوجود-في-العالم"، حيث الإنسان ليس ذاتًا تقف خارج العالم، بل كائن منغمس في شبكة من المعاني والاهتمامات. العالم لا يظهر كمجرد أشياء مادية، بل كحضور مشبع بالدلالات، والإنسان لا يُفهم إلا من خلال صلته بهذا الحضور. التقنية الحديثة تفرض نمطًا من الكشف يحوّل الكائنات إلى موارد جاهزة للاستعمال، ويختزل الإنسان إلى وظيفة أو رقم، فتغدو السرعة بديلًا عن التمهل، والحساب بديلًا عن التأمل، والجاهزية الدائمة بديلًا عن الحضور العميق.

 انكشاف الوجود لا يحدث خارج الزمان ولا يستقل عنه، فالزمان هو الأفق الذي تظهر فيه الكينونة أصلًا. الأشياء لا تُعطى دفعة واحدة، بل تتكشف ضمن عالم زماني يربط الإنسان بالماضي الذي يحمله، بالحاضر الذي ينخرط فيه، وبالمستقبل الذي يستبق إليه. الزمان عند هايدغر ليس تسلسلًا ميكانيكيًا للحظات، بل البنية التي يتحدد فيها وجود الإنسان نفسه. بهذا يصبح "الوجود-في-العالم" وصفًا أنطولوجيًا يكشف أن الإنسان لا يوجد كذات منفصلة تواجه العالم، بل ككائن منغمس في شبكة من المعاني والدلالات، حيث يتشكل وجوده دائمًا ضمن أفق زماني يفتح إمكان الفهم ويُبقي سؤال الكينونة حيًا. تخيّل شجرة في ساحة بيتك تراها ظلًا يخفف وطأة الحر، أو علامة حياة في أرض قاسية، أو ذاكرة صامتة لطفولة بعيدة، هذا الانكشاف لا يحدث خارج الزمان، بل يتشكل في سياق تاريخك معها، وفي لحظتك الراهنة، وفي أفق ما يمكن أن تصير إليه. أنت لا ترى الشجرة كما هي في ذاتها، وإنما كما تنكشف لك في زمانك، فيما تبقى وجوه أخرى من وجودها مستترة، حاضرة بالقوة لا بالفعل. هذا الاستتار ليس نقصًا في الشيء، وإنما تعبير عن كون الوجود زمانيًا، لا يكتمل في لحظة واحدة، ولا يمنح معناه دفعة واحدة. عند هايدغر يكون الفهم ممكنًا لأن الإنسان كائن زماني، يعيش المعنى في حركة لا في ثبات، ويختبر الوجود بوصفه مسارًا لا معطى جاهزًا. لو كان الوجود مكشوفًا بالكامل خارج الزمان لانغلق المعنى، ولتحول العالم إلى حضور جامد بلا أفق، ولتعطلت إمكانات السؤال والتأويل والتجربة. عدم الاكتمال هنا هو ثمرة الصلة العميقة بين الوجود والزمان. ما ينكشف اليوم قد يتبدل غدًا، وما يُفهم الآن قد يتعمق أو يتغير مع اتساع التجربة. هكذا يصبح العالم عالمًا حيًا، ويغدو الإنسان كائنًا يسكن الوجود عبر الزمان، لا يملكه ولا يستنفده، وإنما ينخرط فيه انخراطًا متجددًا، حيث الغموض ليس حجابًا يحجب الحقيقة، وإنما أثر زمانيتها، وشرط بقائها مفتوحة على المعنى.

اليوم يتخذ هذا التحول وتيرة أكثر كثافة وعجلة عبر الخوارزميات، إذ لا تكتفي الخوارزميات بتنظيم المعلومات، وإنما تشارك في تشكيل نمط خاص للوجود، وتوجيه الرغبات والاحتياجات، وترتيب الأولويات، وصناعة المعنى اليومي، فيتشكل الوجود الإنساني خوارزميًا من خلال ما ينكشف وما يُحجَب، وما يُقترح وما يُستبعد، وما يُسرّع وما يُهمَل. هكذا يغدو الإنسان حاضرًا في تدفقات رقمية متضخمة كشلال جارف، بينما يتآكل حضور الذات الداخلي، وتضيق المسافة بين الإحساس والفعل، فتضعف القدرة على السؤال والتأمل وبناء علاقة حيّة بالوجود.

 هذا المنعطف الأنطولوجي ليس تحولًا تدريجيًا، بل هي قطيعة أنطولوجية حادة، أي انكسار في البنية الأساسية لحضور الوجود ووجوه انكشافه لنا، حيث لم يعد الإنسان هو المركز الوحيد للقرار والإنتاج، بل دخلت الخوارزميات كفاعل أنطولوجي جديد يشارك في صياغة العالم وتشكيل نمط وجود الإنسان وتعريفه لنفسه، والكيفية التي ينكشف له فيها وجوده في العالم. ما يتغير ليس ما يعرفه الإنسان فقط، وإنما كيفية ظهوره في العالم، إذ يتحول من كائن يسكن الوجود ببطء وتأمل إلى كائن يُدار وجوده عبر أنظمة خوارزمية، وتتشكل خبرته من خلال سرعة الاستجابة لا عمق الحضور. هذا التحول يضعنا أمام قطيعة غير مسبوقة في التاريخ البشري، لأن الوجود نفسه بات تعاد صياغته خوارزميًا، فينزاح مركز الثقل من التجربة الوجودية البشرية إلى الرقمنة، ومن المعنى المتولد من الذات إلى المعنى المقترح من الخارج.

من هنا يكون اقتراحنا لمصطلح "قطيعة أنطولوجية" توصيفًا واقعيًا لما نعيشه في فضاء نمط الوجود الخوارزمي، بنحو يصبح الوجود الخوارزمي طبيعة بديلة للإنسان، بما هو نمط وجود يتشكل عبر الخوارزميات، ويقطع مع أنماط سابقة كان الإنسان فيها مرجع حضوره ومعناه، قطيعة لا تُقاس بخسارة مهارات أو وظائف، وإنما بتغير تعريف الإنسان لذاته، والعالم الذي يسكنه، ومعنى أن يكون موجودًا فيه. نمط الوجود البديل لا يغيّر ما يفعله الإنسان فقط، وإنما يعيد صياغة إحساسه بذاته وبالعالم، ولا يجدُ إجابةً لمعنى كونه موجودًا، فيتحول السكن في الوجود إلى معطيات رقمية، ويتحول المعنى إلى ناتج معادلات حسابية، ويصبح الخطر الحقيقي هو انغلاق أفق انكشاف الوجود في بُعد واحد، بُعد يحجب إمكانات أخرى للحضور الإنساني، مثل: الشعر، والإنصات، والمعنى، والتجربة الروحية، وهي الإمكانات التي نجد فيها منافذ لإنقاذ الإنسان من الذوبان في أفق تقني شامل، يحتجب في هذا الأفق الوجود، ويتحول فيه معنى الذات إلى معطى رقمي.

الوجود الخوارزمي البديل للإنسان لا يقتصر فعله على تنظيم المعرفة أو تسريع الوصول إلى المعلومات، وإنما يتغلغل تأثيره في بنية الوعي، ويعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمان، والعمل، والإنتاج، والدولة، والسياسة، والسلطة، واللغة، والثقافة، والقيم، والدين، وذاته. التسريع الفائق الذي تقوم به الخوارزميات لا يستهدف تحسين الكفاءة فحسب، وإنما يميل في عمقه إلى إنتاج نمط وجود بديل يقوم على العجلة الدائمة، والحضور المبتور، واستبدال التجربة الحيّة بمحاكاة رقمية، فيغدو الإنسان متلقيًا قبل أن يكون فاعلًا، ومُوجَّهًا قبل أن يختار، بعد أن تستلب الخوارزميات قدرته على الاختيار وتعطل قراره بالرفض.

ما يحدث اليوم يتبدّى كقطيعة أنطولوجية قبل أن يكون تحولًا إبستمولوجيًا. القطيعة الإبستمولوجية تظل محصورة في تبدّل أدوات المعرفة ومصادرها وكيفياتها وقيمتها، أما القطيعة الأنطولوجية فتتغلغل إلى عمق الكينونة والزمان معًا، حيث لا يقتصر التحوّل على طرائق الفهم، بل يمسّ أفق الانكشاف ذاته. في هذا الأفق تتبدّل بنية الزمان: الماضي يتحوّل إلى معطى جاهز، الحاضر ينضغط في لحظة حسابية سريعة، والمستقبل يتحوّل إلى توقع مبرمج. بهذا الانقلاب يفقد العالم أصالته، ويتغيّر نمط حضور الإنسان داخله، ويعاد تشكيل معنى الوجود والزمان في جذرهما الأصيل.

 القطيعة الأنطولوجية تعني تبدّلًا في أفق انكشاف الوجود، حيث لا يعود الإنسان يشعر بوجوده كما كان، ولا يدرك العالم ومن يشاركه العيش بالطريقة نفسها. في هذا التحوّل تتغيّر علاقته بالزمان والمكان والعمل والمعنى، وتتراجع مركزيته بوصفه فاعلًا حرًا قادرًا على الاختيار والتأمل. نمط حضوره ينزاح من تجربة قائمة على الإنصات إلى حضور يُعاد تشكيله من خارج الذات، حيث تتقدّم الاستجابة الفورية على الوعي المتأني. هكذا لا تقتصر القطيعة على المعرفة وأدواتها، بل تمسّ كيفية الكينونة نفسها، وتعيد رسم معنى الوجود المشترك في عالم يتبدّل أفقه الوجودي على نحو غير مسبوق.

 الذكاء الاصطناعي، حين يتدخل في تشكيل الاحتياجات والرغبات، وتوجيه الانتباه، وصناعة المعنى، لا يغير ما نعرفه فقط، وإنما يغير كيف نكون، إذ يزحزح الإنسان عن مركزه الوجودي، ويتسلط على توجيه الخيارات التي يتخلق فيها الوعي والمسؤولية وحرية الإرادة. في هذا الواقع يتعمق اغتراب الإنسان الوجودي، لأن الوجود التقني يستنزف وعي الإنسان وروحه وقلبه ويصيره هشيمًا، فيغدو الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، متصلًا بالشبكات ومنفصلًا عن ذاته، محاطًا بمعانٍ جاهزة ومحرومًا من اختبار المعنى بوصفه تجربة ذاتية حيّة. هذه القطيعة لا تشبه تحولات سابقة في التاريخ البشري، لأنها لا تمس أدوات العيش وحدها، وإنما تعيد هندسة العلاقة بين الإنسان ووجوده، بين الإنسان ومعنى حياته، بين الإنسان وذاته. إذا استمر التطور الفائق للذكاء الاصطناعي دون ضابط إنساني يوجهه إلى حماية حقوق الإنسان وكرامته وحرياته، فإن الخطر لا يتمثل في هيمنة الآلة بحد ذاتها، وإنما في انزلاق الإنسان إلى نمط وجود خوارزمي في وعيه ورؤيته للعالم ومشاعره وإحساسه بالعالم وسلوكه، حيث يتآكل حضور ذات الإنسان بوصفه إنسانًا، ويتحول الوجود إلى تدفق بلا معنى، واغتراب مرير.

 لا يتوقف الذكاء الاصطناعي كل يوم عن سرعته الفائقة وتقدمه المدهش، إذ كشف وزير الخزانة الأمريكي بتاريخ 20.2.2026 عن أن: "الذكاء الاصطناعي تقدم خلال الشهرين الماضيين بمقدار يساوي ما حققه من تقدم خلال السنتين الأخيرتين". تحدث مات شومر الخبير بالذكاء الاصطناعي في مقالته المعنونة:  "Something Big Is Happening"2 "تحوّل كبير يحدث"، تحدث عن أن العالم يقف على أعتاب تحوّل نوعي عميق في مسار الذكاء الاصطناعي، تحوّل لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تطور تقني تدريجي أو تحسين في الأداء، بل بوصفه انتقالًا يمسّ طبيعة المعرفة والعمل والإبداع الإنساني ذاته.ـ "الشيء الكبير" الذي يحدث، بحسب الكاتب، يتمثل في اقتراب نماذج الذكاء الاصطناعي من أنماط فهم تشبه الفهم البشري، حيث لم تعد تكتفي بتنفيذ الأوامر أو معالجة البيانات، بل باتت قادرة على توليد أفكار جديدة، وربط مجالات معرفية متباعدة، واقتراح حلول لم تُبرمج عليها بصورة مباشرة، الأمر الذي يجعلها شريكًا معرفيًا لا مجرد أداة محايدة. المقال صدر في 11 فبراير 2026 لكنه انتشر بسرعة فائقة على وسائل التواصل، إذ حصد عشرات الملايين من المشاهدات في أيامه الأولى. وبحسب تقارير تلي اليوم الأول، ترد إشارات إلى أن المنشور تجاوز 80 مليون مشاهدة على X وحدها بحلول صباح يوم لاحق، مما يعكس انتشاره الكبير في أوساط الجمهور الرقمي المتفاعل مع موضوعات الذكاء الاصطناعي.

 يقول مات شومر: "على الرغم من أني أعمل في الذكاء الاصطناعي، لكن ليس لدي تقريبًا أي تأثير على ما سيحدث، وكذلك الغالبية العظمى من العاملين في هذا المجال. المستقبل يتشكَّل على يد عدد صغير بشكل مذهل من الأشخاص: بضع مئات من الباحثين في عدد قليل من الشركات: OpenAI، Anthropic، Google DeepMind، وغيرها. عملية تدريب واحدة، تُدار من قبل فريق صغير على مدى بضعة أشهر، يمكن أن تنتج نظام ذكاء اصطناعي يغيّر المسار الكامل للتكنولوجيا. معظمنا ممن يعملون في الذكاء الاصطناعي يبنون فوق أسس لم نضعها نحن. نحن نشاهد هذا يتكشف مثلك تمامًا، الفرق أننا قريبون بما يكفي لنشعر بالاهتزاز أولًا". ويضيف مات شومر: الأمر يحدث بالفعل الآن ويجب أن تفهموه. السبب في أن كثيرًا من العاملين في مجال التقنية يطلقون التحذيرات لأننا نحن أول من واجه هذا التحوّل؛ لسنا نتنبأ بما سيأتي، بل نصف ما حدث بالفعل في وظائفنا ونحذّركم أن الدور سيأتيكم. لسنوات كان الذكاء الاصطناعي يتطور تدريجيًا مع قفزات متباعدة يمكن استيعابها، لكن في عام 2025 ظهرت تقنيات جديدة جعلت وتيرة التقدم أسرع بكثير.كل نموذج جديد لم يكن أفضل فقط من سابقه بل أفضل بفارق أكبر، والفاصل الزمني بين الإصدارات أصبح أقصر. في الخامس من فبراير أطلقت مختبرات كبرى نموذجين جديدين في اليوم نفسه: GPT‑5.3 Codex من OpenAI و Opus 4.6 من Anthropic. يضيف الكاتب عندها أدركت أنني لم أعد ضروريًا للعمل التقني نفسه؛ أصف ما أريد بلغة بسيطة فيُنجز الذكاء الاصطناعي العمل كاملًا بجودة تفوق ما كنت سأفعله بنفسي. اليوم يمكنني أن أطلب منه بناء تطبيق كامل: يكتب عشرات آلاف الأسطر البرمجية، يفتح التطبيق، يختبره بنفسه، ويعدل ما لا يعجبه حتى يصل إلى مستوى يرضيه، ثم يخبرني: "التطبيق جاهز للتجربة"، وعندما أجربه يكون غالبًا مثاليًا. النموذج الجديد الذي صدر مؤخرًا، GPT‑5.3 Codex، كان الأكثر تأثيرًا عليّ يقول شومر، لأنه لم يكتفِ بتنفيذ التعليمات بل اتخذ قرارات ذكية بدت وكأنها تحمل حكمًا وذوقًا، وهو ما كان يُقال إن الذكاء الاصطناعي لن يمتلكه أبدًا. هذه النماذج ليست مجرد تحسينات تدريجية، بل هي نقلة نوعية مختلفة تمامًا. الأهمية هنا أن مختبرات الذكاء الاصطناعي اتخذت قرارًا استراتيجيًا بالتركيز أولًا على جعله بارعًا في كتابة الأكواد، لأن ذلك يمكّنه من تطوير نفسه بسرعة أكبر، وبناء نسخ أذكى باستمرار. لم يتغير عملي لأنهم استهدفوا المهندسين، بل لأن البرمجة كانت نقطة البداية التي تفتح الباب لكل شيء آخر. والآن، بعد أن نجحوا في ذلك، يتجهون إلى جميع المجالات الأخرى.

 وينبه شومر إلى أن ما يعيشه العاملون في التقنية اليوم، بانتقال الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى منجز للعمل بجودة تفوق البشر، هو ما سيعيشه الجميع قريبًا: في القانون، والمال، والطب، والمحاسبة، والاستشارات، والكتابة، والتصميم، والتحليل، وخدمة العملاء. ليس بعد عشر سنوات، بل خلال سنة إلى خمس سنوات، وربما أقل. النماذج الحالية مختلفة جذريًا عمّا كان متاحًا قبل عامين، والفجوة بين إدراك الناس والواقع أصبحت خطيرة لأنها تمنع الاستعداد. كثيرون ما زالوا يحكمون على الذكاء الاصطناعي من خلال النسخ المجانية المتأخرة، بينما مَن يستخدم النسخ المتقدمة يوميًا في عمله يدرك تمامًا ما هو قادم. حتى في مجالات مثل القانون، هناك شركاء كبار في مكاتب عالمية يستخدمون الذكاء الاصطناعي يوميًا ويعتبرونه بمثابة فريق من المساعدين الجاهزين فورًا، ويلاحظون أنه يزداد قدرة كل بضعة أشهر. هؤلاء لا يستخفون بالأمر، بل يستعدون له بجدية، لأنهم يرون أن الذكاء الاصطناعي يسير بسرعة نحو أداء معظم أعمالهم. إن التجربة التي بدأت في عالم التقنية تتحول الآن إلى واقع شامل، حيث سيجد كل قطاع نفسه أمام ذكاء اصطناعي قادر على إنجاز العمل بكفاءة أعلى، وبوتيرة أسرع مما اعتدنا عليه، وهذا التحوّل ليس بعيدًا بل يطرق الأبواب بالفعل.

من هنا ينتقد شومر التصورات السائدة التي تشبّه الذكاء الاصطناعي بالآلة الحاسبة أو بمحركات البحث، مؤكدًا أن هذا التشبيه فقد صلاحيته، لأن ما نواجهه اليوم هو كيان يؤثر في طريقة تفكير الإنسان نفسه، ويعيد صياغة الأسئلة قبل الأجوبة. في هذا السياق يوضح أن الخطر الحقيقي لا يكمن في فقدان وظائف محددة، بل في التحول الجذري الذي يطال معنى المهارة وقيمة الذكاء التقليدي، إذ باتت مهام كانت تتطلب سنوات طويلة من التدريب تُنجز في وقت قصير، أو تُدعّم بأنظمة تتفوق أحيانًا على الإنسان، ما يفرض سؤالًا وجوديًا حول ما الذي سيبقى للإنسان في عالم تتغير فيه معايير الكفاءة والإبداع. كما يشير الكاتب إلى فجوة مقلقة بين سرعة ما يحدث فعليًا في المختبرات والشركات الكبرى، وبطء وعي المجتمع والإعلام وصناع القرار بهذه التحولات، وهي فجوة قد تولد ارتباكًا واضطرابًا واسعين إذا استمر تجاهلها.

ويعارض شومر الخطاب الذي يؤجل القلق إلى المستقبل، مؤكدًا أن التحول ليس أمرًا قادمًا، بل واقع بدأ يتجسد بالفعل في مجالات الكتابة والبرمجة والتعليم والتفكير، وأننا نعيش بداياته الآن لا لاحقًا. وعلى الرغم من خطورة الأسئلة التي يثيرها هذا التحول، لا يتبنى المقال دعوة تثير الهلع أو تتنبأ بالكارثة، بل نبرة دهشة وتأمل أمام حدث تاريخي يعيد تشكيل وجود الإنسان في العالم، إنه حدث يتجاوز تصنيفات الخير والشر الجاهزة. في خلاصة مقاله، يلمّح شومر إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد امتداد ليد الإنسان، بل صار امتدادًا لعقله، وهو مرآة تعيد تعريف معنى الإنسانية نفسها ورؤيتها لذاتها والعالم، وهو ما يضع البشر أمام أسئلة غير تقنية تتعلق بالمعنى، والقيم، والهوية، وبكيفية التعايش مع معرفة لا تنبع من تجربة إنسانية وجودية حيّة، بل من محاكاة فائقة الاتساع والتشعب والتعقيد.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

...........................

1- هايدغر، مارتن، التقنية-الحقيقة-الوجود، ترجمة: محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي، ط1، 1995م. الدار البيضاء-بيروت، ص 43.

  2-https://shumer.dev/something-big-is-happening?utm_source=chatgpt.com.

"في ليلة الانفجار المروع انقشعت سحابة الدخان عن مشهد مأساوي. لم يكن صاحب المكتبة يصرخ من الم جسدي، بل كان يقف وسط الخراب يصرخ: لماذا الشر؟!. لم يكن يبكي دكانه المحترق، بل كان ينعى الكتب التي تطايرت اجزائها في الهواء. في تلك اللحظة ادركنا أن موت الكتاب لا يقل فداحة عن موت الجسد".

اذا كان موت الجسد نهاية طبيعية للانسان، فهل يمكن اعتبار موت الكتاب - بوصفه رمزا لموت المعرفة والوعي وخطرا اشد اثرا على المجتمع؟ وهل يشكل غياب المعرفة شرطا اساسيا لانتشار الشر، ام أن الشر ظاهرة مستقلة مرتبطة بطبيعة الانسان والسلطة والنفوذ والمال؟  الموت الجسدي هو التوقف النهائي غير القابل للرجوع للوظائف الحيوية للانسان، وهو انقطاع الوجود المادي للشخص في العالم الطبيعي. اما موت الكتاب، يتمثل في حرق النصوص او اتلافها ام منع تداولها؛ وبمعنى ادق، هو تعطيل انتاج المعرفة، وتهميش الفكر، وقمع حرية التعبير، بما يؤدي الى انطفاء الوعي النقدي داخل المجتمع.

الكتاب ليس مجرد اوراق مكتوبة بل هو فكرة حية وروح تعيش وتجربة متراكمة تنقل وحكمة تنير وتحمي البشر من الوقوع في الظلام. وعندما نترك القراءة، ونهمش الفكر، ونحارب العلم لا تموت اوراق الكتاب فحسب، بل يضعف الضمير وتنطفئ المعاني وتتلاشى القييم. فالشر لا ينمو في نور المعرفة، بل في الفراغ وغياب الفكر الحر. ومن هنا، فان موت الكتاب لا يقل فداحة عن موت الجسد لانه يمهد الطريق لانتشار الظلال، ويجعل الفرد اقل قدرة على التمييز بين الصواب والخطا والحق والباطل.

 الشر مفهوم معقدا في الفلسفة، طرح منذ الاف السنين في كثير من النصوص الدينية والفكرية. وهو كل فعل يلحق ضرر غير مبرر بالفرد او بالقيم الاخلاقية. فاذا كان الخير موجودا فلماذا يوجد الشر؟ ومن بعض ابرز التفسيرات المطروحة أن الله منح حرية الاختيار، وبدون هذه الحرية لا يكون للخير معنى حقيقي. غير أن الحرية ليست مطلقة، اذ تتيح لنا امكانية اختيار الشر. وببساطة، لو كان الفرد مجبرا على الطيبة، فهل طيبته حقيقية؟ ويرى الغزالي أن الاختيار قدرة منحها الله للانسان، وأن الشر الاخلاقي يأتي من سوء استخدام هذه الحرية. كما يرى اوغسطينوس أن "الشر ليس قوة مستقلة، بل هو غياب الخير". فكما ينتشر الظلام بغياب الضوء، ويزداد البرد عندما تقل الحرارة، وهكذا ينشأ الشر من فراغ لا من كيان مستقل قائم بذاته.

وتتعدد انواع الشر بحسب طبيعتة؛ فهناك الشر الطبيعي الناتج عن الظواهر الطبيعية دون تدخل الانسان مثل الكوراث الطبيعية كالزلازل والامراض وهذا النوع يطرح تساؤلات فلسفية ودينية حول الحكمة من وجوده او لماذا سمح الله به؟ هناك شر اخلاقي ناتج من افعال البشر كالظلم والفساد، وهو مرتبط بحرية الانسان. اما الشر البنيوي، فينشأ عن انظمة سياسية واقتصادية تنتج ظلم منهجي مثل الانظمة القمعية والاستغلال الاقتصادي واحتكار المعرفة الحقيقية.   

يرى بعض من الفلاسفة أن المعاناة ربما تخلق وعيا اعمق، بدليل، فلا تعاطف بلا الم، ولا شجاعة بلا خطر، ولا تقدير بلا فقدان. ومع ذلك، تبقى صورة الشر الشديد لا مبرر حقيقي لها -  كالحروب والابادة الجماعية وهتك حقوق الطفولة عصية على التبرير. وغالبا ما يتجذر الشر حين يصبح نظام جماعي مدعوم بجهل ممنهج وتضييق على الثقافة والمعرفة. وهذا بدوره يؤدي لموت الضمير الجماعي نتيجة موت الكتاب او قمع المعرفة يبدأ الشر بالانتشار والتمدد. والتاريخ يشهد على أن حرق الكتب وقمع المفكرين كانا مقدمة لانحدارات اخلاقية كبرى.

يذهب جان بول سارتر الى أن العالم لا ياتي بمعنى جاهز، بل نحن من نصنع معناه وقيمته؛ ويظهر والشر عندما نهرب من مسؤؤليتنا في مواجهته. وهنا يصبح الشر نتيجة اختيار جماعي لا "لغزا كونيا غامضا". أن اسباب انتشار الشر هو الجهل والخوف وغياب التفكير النقدي وضعف الحوار المعرفي، فعندما يموت الجسد ينتهي الانسان وعندما يموت الكتاب بالمعنى وهو ما يمنع تحول الفرد الى مجرد قوة غريزية تنهي الوعي المعرفي لمنع الشر.

في الفلسفة الاسلامية لا يعتبر الشر قوة مستقلة تنافس الخير، بل كجزء من النظام الكوني الواسع. يرى ابن سينا والفارابي أن الوجود على هذه الارض في اصله خير، وأن الشر ليس قائما بذاته، بل هو غياب للكمال. والحكمة التي لا يستطيع أن يدركها الانسان لماذا وجد الشر، بمعنى أن الشر ليس عبثا، بل يدخل ضمن اختبار الفرد في الحياة.

اما في الفكر الغربي، فقد يرى توماس هوبز أن الانسان ميال بطبعه الى الانانية والصراع، ما يستدعي وجود دولة قوية تمنع الفوضى. بينما اعتبر جان جاك روسو أن الفرد طيب بطبعه، وأن المجتمع الفاسد هو من يصنع الشر. اما حنة أرنت اوضحت في دراستها للنازية أن الشر لا ينتج عن شيطان، بل عن افراد عاديين يطيعون الاوامر دون تفكير، فيما عرف بمفهوم "تفاهة الشر". 

اما علاقة الشر بالسلطة والمال؟ فتكمن في أن السلطة كما يرى ميشيل فوكو – ليست مجرد نظام سياسي، بل شبكة تحكم وتنتج المعرفة وتحدد ما هو صحيح وما هو خاطئ. وعندما تقوم السلطة باحتكار الحقيقة والمعرفة، قد يتحول ذلك الى شر ممنهج. والمال بحد ذاته ليس شرا، لكنه يصبح وسيلة للشر عندما يقدم على القيم او يستخدم لاستغلال الاخرين، وبهذا يتحول المال الى معيار وحيد للنجاح. ويرى كارل ماركس أن النظام الراسمالي قد ينتج ظلم هيكلي او بنيوي بسبب سيطرة راس المال.

اذن لماذا الشر في عالمنا؟ أن اسباب الشر تكمن في اربعة ابواب تبدأ من الحرية مرورا بغياب الخير ووسيلة للسلطة والنفوذ لتنتهي بحكم انظمة بشرية فاسدة وغير عادلة. أن موت الجسد نهاية فردية، اما موت الكتاب فهو بداية لانهيار جماعي. فالموت الجسدي حدث طبيعي، لكن الموت الفكري كارثة حضارية اشد الما واطول اثرا. أن انقراض الكتاب لا يؤدي الى الشر مباشرة، لكنه يهيئ البيئة المناسبة لنموه. فالمعرفة ليست مجرد معلومات، بل قدرة على التساؤل والمسائلة والمحاسبة.

قد يظهر الشر الطبيعي بعيدًا عن إرادة الأفراد، ولكن كيفية التفاعل معه تعكس مدى وعيه. المجتمع الواعي يمكن أن يخطئ، لكنه يمتلك وسائل لتصحيح اخطائه. بينما المجتمع الذي يتم فيه تهميش الكتب، يفقد القدرة على تمييز عيوبه. وفي غياب المعرفة، يصبح الأفراد أكثر عرضة للخضوع وأقل استعدادًا لمواجهة الظلم.

إن اخطر اشكال الشر ليست تلك التي يقوم بها "شخص شرير"، بل تلك التي تصدر عن أشخاص عاديون ضمن انظمة تقييد الفكر والمعرفة. وهنا يلتقي هذا المفهوم مع تحليل حنة أرنت حول "تفاهة الشر"، عندما يكون قلة التفكير وسيلة لنشر الجريمة من الناحية الأخلاقية. في تصوري، انقراض الكتاب لا يعني ببساطة سحق الثقافة والمعرفة، بل يشير إلى تحويل المعرفة إلى سلعة تستخدم كأداة بيد السلطة. وعندما تُختصر المعرفة في فائدة مالية، أو تُستخدم في أيديولوجية معينة، فإنها تفقد قيمتها النقدية، وتصبح من مصدر للتحرر إلى وسيلة للسيطرة والهيمنة الفكرية والسياسية.

غير أنني لا أعتقد أن موت المعرفة هو السبب الوحيد للشر؛ فالشر يمكن أن ينشأ من الجشع، أو من حب السلطة والنفوذ، أو من تدهور الضمير الشخصي. ومع ذلك، فإن نقص المعرفة يزيد من صعوبة التصدي له.

لذا أرى أن موت الشخص ينهي وجوده، بينما موت الكتاب تضعف الحماية الأخلاقية للمجتمع. وفي غياب هذه الحماية، يصبح الشر — سواء كان أخلاقيًا أو هيكليًا — أكثر قدرة على الانتشار، لأنه لا يُقابل بعقول ناقدة، بل بعقول خائفة أو صامتة.

يتضح أن فقدان الجسد يمثل إنهاءً بيولوجيًا له نتائج محدودة، بينما فقدان الكتاب يرمز إلى تحطم عميق في الهيكل المعرفي والأخلاقي للمجتمع. فعندما ينتهي وجود الجسد، فإن الفرد يتلاشى، لكن عند انطفاء المعرفة، فإن المجتمع كله يفقد اتجاهه الفكري وقدرته على التمييز والنقد والمحاسبة. والشر، سواء كان موجودًا في الطبيعة أو الأخلاق أو البنية، لا ينتظر حتى ضعفه الجسدي، بل يتسلل عندما يضعف الوعي، وعندما تُهمش الأصوات الحرة، وعندما تصبح المعرفة أداة تستخدمها السلطة.

إن الشر لا يتطور في وجود الوعي السليم، بل ينشأ في غياب الفكر، ولا يستمر إلا عندما يختفي التساؤل. لذلك، فإن أخطر أنواع الموت ليس الذي يتوقف فيه القلب عن العَمل، بل هو الذي يسكت المعرفة.

فإن الدفاع عن الكتاب ليس حنينا للماضي أو للثقافة بمعناها المحدود، بل تأميناً لشرط حيوي من شروط الوعي الأخلاقي. وإذا كان الفناء الجسدي حتمية طبيعية، فإن فناء الكتاب قراراً تاريخياً يتحمله الإنسان عندما يتخلى عن مسؤوليته في حفظ المعرفة. فالمجتمع الذي يفقد مؤلفاته وكتبه لا يفقد اوراقا فحسب، بل يفقد قدرته على مواجهة الشر وعلى حماية انسانيته.

***

علاء جواد كاظم

أكثر تساؤل يرد في نظرية التبرير الأخلاقية هو السؤال: ما الذي يجعل بعض الأحكام الأخلاق، معيارية؟ واذا تساءلنا مع أمبرتو إيكو مع سؤاله "فهل نحن امام شعور قوي قادر على تبرير أخلاق محددة وثابتة ومبنية كالتي يؤمن بها المؤمنون بالوحي وخلود الروح وفي الثواب والعقاب؟"

نقول في إجابة هذا السؤال هو أن الفعل الذي ينشأ عن قيمية صادقة وعقلانية ومنطقية سوف يكسب كل المعايير التي تم السؤال عنها، ويحقق الهدف الأساس وهو الخير، فالقيمة الجوهرية في أي فعل يبرهن عن تلك المعايير يعد مكتمل المعايير وفقا لقواعد العقل.

فلا يمكننا إثبات الأحكام الأساسية المتعلقة بالقيمة الجوهرية بالمعنى الدقيق للكلمة، لكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع تبريرها أو الادعاء بشكل معقول بتبريرها، وأن كانت تحمل مصداق الفعل وقبوله؛ لأن معايير الاستحسان مختلفة بين بني البشر.

 ولكن كيف يمكننا توحيد القواعد الأخلاقية بقدر معين؟ من خلال تبني معيار التقييم، ومن دون أي قيد أو وصف، مثل معيار الأخلاقي، ثم محاولة معرفة الحكم الذي نتوصل إليه عند القيام بهذا التقييم، مع الأخذ بنظر الاعتبار الأمر المطروح كليًا وبناءً على طبيعته الجوهرية، وليس على نتائجه أو شروطه، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن يكون معيار التقييم صارماً ومستندا الى تلك القواعد التي وصفنا بها مفاهيم المعيارية الثلاثة، وإن يتمتع المقيم برؤية واضحة، ومحايدة، وموضوعية.

فإذا تقيد أي شخص بهذه المعايير فأنه ينتهي إلى أحكام أقرب للصواب إن لم تكن كذلك، حتى لو لم يستطع إثبات أحكامه، وبذلك، يدعي المرء أن كل من يفعل الشيء نفسه سيوافقه الرأي بالنتيجة ؛ ويكون حكمه مُبررًا بالفعل إذا كان هذا الادعاء صحيحًا، وهو أمر، لا يمكن للمرء التأكد منه أبدًا إذا لم يوافقه الآخرون الذين يدّعون أيضًا الهدوء والاتزان، ويجب على المرء إعادة النظر لمعرفة ما إذا كان كلا الجانبين يتخذان بالفعل وجهة النظر التقييمية، مع مراعاة السمات الجوهرية فقط، وفهم بعضهما بعض بوضوح، ولا يمكن للمرء فعل أكثر من ذلك، وإذا استمر الخلاف، فقد يظل بإمكان المرء الادعاء بأنه على صواب، لكن يجب أن يكون المرء منفتح الذهن ومتسامحًا.

ومتبنيا للمنظور الأخلاقي على الدوام، لا منظور حب الذات، أو المنظور الجمالي، ولا المنظور الأكثر عمومية، أو المنظر المتضمن في أحكام القيمة الجوهرية الذي يجب أن نكون أيضًا أحرارًا، محايدين، مستعدين للتعميم، واضحين مفاهيميًا، ومطلعين على جميع الحقائق ذات الصلة المحتملة فيه، وإن كانت تتخلل ذلك المنظور نزعة نفعية تصب في مصلحة القيمة الاخلاقية.

حينها يكون لنا الحق في الحكم على أن فعلًا معينًا أو نوعًا معينًا من الأفعال صحيح، أو خاطئ، أو واجب، وفي الادعاء بأن حكمنا صحيح موضوعيًا، على الأقل طالما لا يخالفه أحد ممن يفعلون الشيء نفسه، يكون حكمنا أو مبدأنا مبررًا حقًا إذا صمد تحت التدقيق المستمر على هذا النوع من المنظور الأخلاقي من جانب الجميع. لنفترض أننا صادفنا شخصًا يدعي أنه يفعل هذا ولكنه يتوصل إلى استنتاج مختلف، إذن علينا أن نبذل قصارى جهدنا، من خلال إعادة النظر والنقاش، لنرى ما إذا كان أحدنا يُقصّر في استيفاء الشروط بطريقة ما إذا لم نجد أي تقصير من أيٍّ منا، ومع ذلك نختلف، فقد ندّعي، بل أعتقد أنه لا بدّ لكلٍّ منا، أنه على صواب؛ لأن الشروط لا تُستوفى تمامًا من قِبَلنا معًا، وقد يتبين أن أحدنا مُخطئ في نهاية المطاف. إذا كان ما قيل عن النسبية صحيحًا، فلا يُمكننا أن نكون على صواب معًا. لكن يجب أن نكون منفتحين ومتسامحين إذا أردنا الاستمرار في العيش ضمن إطار النظم الاخلاقية العامة، وعدم اللجوء إلى القوة أو غيرها من الوسائل غير الاخلاقية، وهذا يتطابق مع القاعدة الأخلاقية التي يقدمها سبينوزا : " عندما نحب شيئا مماثلا لنا، فنحن نبذل قصارى جهدنا كي نجعله يحبنا بدوره ".

إذا كان هذا المنطق مقبولاً، فيمكننا القول إن الحكم الأخلاقي الأساسي، أو المبدأ، أو القانون، يكون مبرراً أو صحيحاً إذا كان متفقاً عليه، أو سيُتفق عليه، من قِبل كل من يتخذ وجهة النظر الأخلاقية، ويتسم بالوضوح والمنطق، ويعرف كل ما له صلة بنفسه وبالآخرين، وهنا تكون عندها القاعدة الأخلاقية متسامية ومتعالية.

إن حقيقة الأحكام الأخلاقية تدعي وجود إجماع بين الآخرين، فلا تعني أن الفرد يخضع بالضرورة لحكم الأغلبية في مجتمعه. فهو لا يدعي وجود إجماع فعلي، بل يدعي أنه في النهاية هناك تقييم لصالح القيم الحقيقية، وهو أمر لا يحدث أبداً، أو يحدث فقط بالفرضيات المثالية والأفكار الطوباوية – وربما سيوافق على موقفه أولئك الذين يراجعون الحقائق ذات الصلة بحرية ووضوح من وجهة النظر الأخلاقية المفترضة، وعلى حد تعبير أريك فروم " الناس... يختلفون في أنواع المثل التي يعتقدون بها ".

بعبارة أخرى، هو يدعي وجود إجماع مثالي يتجاوز غالبية الافراد والمجتمعات الفعلية، وقد يكون مجتمعه، وقانونه، ومؤسساته على خطأ، وهنا تبرز استقلالية الفاعل الأخلاقي، وعليه أن يتخذ وجهة النظر الأخلاقية، وأن يسعى في نهاية المطاف إلى التوصل إلى إجماع مع الآخرين الذين يفعلون ذلك، لكن عليه أن يحكم بنفسه، ووفقا لقانون الأخلاق وقواعدها المنطقية.

***

د. رائد عبيس

تُعد إشكالية الوعي المحور الأساس الذي تتركز حوله أعقد السجالات في تاريخ الفكر الإنساني، حيث تتشابك فيها التفسيرات الحيوية مع التأملات الميتافيزيقية والتحليلات الاجتماعية. إن محاولة فهم الوعي ضمن إطار يدمج المادية التاريخية بالجدل الهيجلي والطروحات الوجودية، تفرض إعادة تعريف "الروح" والوعي كصيرورات متغيرة لا كجواهر ساكنة. يحلل هذا المقال مفهوم الوعي مثبتاً طبيعته "المتسامية" (المفارقة) و"المتناهية" (غير الخالدة)، عبر تشريح أبعاده المعرفية في ضوء الفلسفات الكبرى

 نقد الذات العاقلة والتحول نحو الوعي المنخرط

ينطلق التحليل المعاصر للوعي من رفض تصور ديكارت الكلاسيكي الذي حصر الوعي في فكر مجرد ومنعزل عن الواقع. إن مبدأ "أنا أفكر إذن أنا موجود" يفترض وعياً خالصاً لا يتطلب تموضعاً في العالم، وهو ما واجه نقداً لاذعاً من الوجودية والمادية اللتين اعتبرتا هذا الوعي "وهماً" غير فاعل. فالوعي ليس حالة ذهنية ساكنة، بل هو "فعل وجودي" يُكتسب عبر الانخراط المستمر في الواقع، حيث يسبق الوجود الفعلي نقاء الوعي ويمنحه حقيقته الواقعية (سارتر، 1943).

 الوعي كصيرورة وانخراط في العالم

تكمن ماهية الوعي في ديناميكية العلاقة بالوجود؛ فالوعي المجرد كـ "شيء في ذاته" مستحيل إدراكه كقوة فاعلة. لذا، يُنظر للوعي في الحاضرية الشاملة كنشاط مبدع يمنح المعنى للموجودات التي كانت، قبل التفاعل البشري، صماء بلا قيمة. هذا الانخراط يحول الوعي من نظرية إلى قوة تحقق المعنى الكوني، متجاوزاً الانغلاق نحو فضاء يسمح بتحقيق الذات عبر العلاقة مع الآخر.

الجدل الهيجلي: صعود الوعي نحو الاعتراف

يمثل الجدل الهيجلي حجر الزاوية في فهم تطور الوعي من الإدراك الحسي إلى الوعي بالذات الذي ينال حريته عبر الصراع والتاريخ. في جدلية "السيد والعبد"، يطرح هيجل أن الوعي بالذات لا يتحقق بمعزل عن الآخر، بل هو نتاج ثقافي يتطلب اعترافاً متبادلاً (هيجل، 1807).

جدلية الاعتراف وتشكيل الوعي بالذات

حين يلتقي وعيان مستقلان، ينشأ صراع حياة أو موت؛ إذ يرى كل منهما في الآخر تهديداً لمركزيته. تكمن المفارقة الهيجلية في أن العبد هو من يحقق الوعي الحقيقي عبر "العمل"؛ فالعمل يحول الطبيعة لتجسد إرادة العبد، مما يمنحه وعياً بقدراته، بينما يظل السيد معتمداً على العبد، فاقداً لاستقلاله. هذا يثبت أن الوعي حركة تطورية، والروح هي "المسار التاريخي" للوعي في سعيه نحو المطلق، وهو مسار مرتبط بالزمن لا جوهراً خالداً فوقه.

المادية التاريخية: الوعي كنتاج للوجود الاجتماعي

أحدث ماركس وإنجلز ثورة بقلب الجدل الهيجلي، مؤكدين أولية المادة وأن الوعي نتاج متطور لها. في المادية التاريخية، لا يصنع الوعي التاريخ مستقلًا، بل هو ظاهرة تابعة للوجود الاجتماعي. القاعدة الاقتصادية هي التي تشكل البناء الفوقي المتضمن للأفكار والقوانين (ماركس، 1859).

الوعي كظاهرة بزوغية متناهية

من منظور مادي، يعد الوعي نتاجاً لأعضاء مادية (الدماغ). الروح هنا هي "أرقى نتاج للمادة"، ولا توجد بمعزل عن العمليات الحيوية. هذا الارتباط ينفي خلود الوعي؛ إذ يتغير بتغير أنماط الإنتاج وينتهي بانتهاء ركيزته المادية. ومع ذلك، فهو "متسامٍ" بقدرته على التنبؤ وتجاوز المعطى المباشر نحو مشاريع ثورية تغير العالم (إنجلز، 1878).

الطروحات الوجودية: الوعي بوصفه عدماً وتسامياً

قدم سارتر برهاناً على أن الوعي "متسامٍ" لأنه "عدم". يفرق سارتر بين "الوجود في ذاته" (الأشياء الصماء) و"الوجود لذاته" (الوعي). الوعي ليس شيئاً، بل هو الفجوة التي تسمح بالحرية. وصفه بـ "العدم" يعني افتقاره لمحتوى ثابت؛ فهو دائماً "هروب" نحو المستقبل. الوعي يمتلك قدرة "النفي"، أي قول "لا" للواقع، وهذا مصدر الحرية (سارتر، 1943).

تناهي الوعي في مواجهة الموت والزمنية

رغم قدرة الوعي على التسامي، يظل "متناهياً". يرى هايدغر أن الوجود الإنساني هو "كينونة نحو الموت"؛ فالموت هو الإمكانية الجوهرية التي تحدد زمنية الوعي. الوعي الأصيل يواجه فناءه ويتحمل مسؤولية وجوده المحدود (هايدغر، 1927). بالنسبة لسارتر، الموت يحول الوعي من "مشروع" إلى "شيء"، مما يثبت أن الوعي ينتهي بانتهاء الفاعلية الحيوية. الروح هنا هي "طاقة التجاوز" التي تجعل الإنسان أكثر من مجرد مادة، دون أن تحرره من قدر التناهي.

الأبعاد المعرفية والعلوم العصبية: بناء المعنى

تسهم العلوم العصبية في كشف آليات تحويل الإشارات الحيوية إلى تجربة ذاتية. تشير نظرية "المعالجة التنبؤية" إلى أن الدماغ "آلة تنبؤ" تعيد بناء العالم. الوعي يظهر كخاصية "بزوغية" لنظم معقدة، حيث يخلق الدماغ "فضاء عمل عالمي" يوحد المعلومات ويجعلها متاحة للذات (ديهاين، 2014).

برهان المتسامي المتناهي

بناءً على ما تقدم، الوعي "متسامٍ" بفعل القصدية وقدرته على النفي وتصور ما ليس موجوداً، وهو "غير خالد" لارتهانه بالوجود التاريخي والركيزة المادية (الدماغ) وأفق الموت. الروح، ليست كياناً أزلياً، بل هي "قدرة التجاوز" التي تحول الوجود من حالة "الشيء" إلى حالة "المعنى"، محققة أسمى تجليات الحرية في إطار التناهي البشري.

***

غالب المسعودي

......................

المراجع

هيجل، ج. و. ف. (1807): ظاهراتية الروح. (لفهم جدلية السيد والعبد).

ماركس، كارل (1859): إسهام في نقد الاقتصاد السياسي. (حول تحديد الوجود الاجتماعي للوعي).

سارتر، جان بول (1943): الوجود والعدم. (لبحث الوعي كعدم وحرية).

هايدغر، مارتن (1927): الوجود والزمان. (لتحليل التناهي والكينونة نحو الموت).

ديهاين، ستانيسلاس (2014): الوعي والدماغ. (لربط الفلسفة بالعلوم العصبية الحديثة).

مقاربة حضارية

في الحضارة الإسلامية، التي امتدت من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر الميلادي وما بعده، برزت الفلسفة العربية كجسر حضاري بين التراث اليوناني القديم والعصر الحديث، محملة بطابع إسلامي يجمع بين العقل والوحي. هذه الفلسفة لم تكن مجرد استيراد أفكار، بل إعادة صياغة حضارية تعكس تفاعل الثقافات في بغداد ودمشق وقرطبة، حيث اختلطت اللغة العربية بالحكمة اليونانية والإيمان الإسلامي. في هذا السياق، يبرز التنافس والتكامل بين تيارين فلسفيين رئيسيين: المشاية، التي تمثل المنهج العقلاني التحليلي المستمد من أرسطو، والإشراقية، التي تعتمد على الإشراق الروحي والحدس الإلهي. من منظور حضاري، يمكن القول إن هذين التيارين لم يكونا مجرد مدارس فكرية، بل عمادا حضاريا ساهما في بناء مجتمع إسلامي يجمع بين العلم والروحانية، مما أثر على العلوم الطبيعية، الفنون، والأخلاق الاجتماعية. هذه المقاربة الحضارية تكشف كيف أن الفلسفة العربية الإسلامية لم تكن نخبوية، بل جزءاً من نسيج حضاري أوسع، يربط بين الشرق والغرب، ويوفق بين المنطق والإلهام، مما جعل الحضارة الإسلامية مصدر إشعاع عالمي. بدءاً من المشاية، التي سميت كذلك نسبة إلى "المشاء" أرسطو الذي كان يدرس طلابه أثناء المشي، تمثل هذه المدرسة الجانب العقلاني المنهجي في الفلسفة العربية الإسلامية. نشأت المشاية في سياق الترجمات العباسية، حيث نقل الفلاسفة العرب مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد أعمال أفلاطون وأرسطو إلى العربية، لكنهم لم يكتفوا بالترجمة، بل طوروها لتتناسب مع الإطار الإسلامي. حضارياً، ساهمت المشاية في بناء نظام تعليمي متكامل، حيث أصبحت المنطق الأرسطي أداة أساسية في المدارس الإسلامية، مما أدى إلى تطور العلوم مثل الطب والرياضيات. على سبيل المثال، اعتمد ابن سينا في "القانون في الطب" على المنهج المشائي التحليلي، الذي يقسم الظواهر إلى أسباب ونتائج، مما جعل الطب الإسلامي نموذجاً حضارياً ينتقل إلى أوروبا عبر ترجمات قرطبة. من الناحية المنهجية، تركز المشاية على العقل كأداة للمعرفة، حيث يرى الفارابي أن الفلسفة هي "الفن الأعلى" الذي يوفق بين الشريعة والحكمة، مما يعكس دورها الحضاري في دمج الدين مع العلم. هذا النهج العقلاني ساعد في مواجهة التحديات الحضارية مثل الغزوات المغولية، إذ قدم إطاراً منطقياً لفهم الكون ككل مترابط، حيث يصبح الإنسان جزءاً من نظام كوني يعتمد على القوانين الطبيعية. ومع ذلك، لم تكن المشاية خالية من التحديات، إذ واجهت انتقادات من المتكلمين مثل الغزالي في "تهافت الفلاسفة"، الذي رأى في اعتمادها المفرط على العقل تهديداً للوحي، مما يبرز التوتر الحضاري بين العقلانية والروحانية في المجتمع الإسلامي. في مقابل ذلك، برزت الإشراقية كتيار فلسفي يعتمد على الإشراق الإلهي، أي الإلهام الروحي الذي يتجاوز الحدود العقلية. مؤسسها الرئيسي شهاب الدين السهروردي، الذي عاش في القرن الثاني عشر، جمع في فلسفته بين التراث اليوناني والفارسي القديم والإسلامي، مما جعلها تعبيراً حضارياً عن التعدد الثقافي في العالم الإسلامي. الإشراقية ليست مجرد فلسفة، بل حكمة إلهية تعتمد على "الذوق" أو الحدس الروحي، حيث يرى السهروردي أن النور الإلهي هو أساس الوجود، مستمداً من مفهوم النور في القرآن. حضارياً، ساهمت هذه المدرسة في تعزيز الجانب الروحي والفني في الحضارة الإسلامية، إذ أثرت على التصوف والفنون مثل الرسم والشعر، حيث أصبح النور رمزاً للجمال الإلهي في المساجد والمخطوطات. على سبيل المثال، في "حكمة الإشراق"، يصف السهروردي العالم كتدرج من الأنوار، بدءاً من النور الأعلى (الله) إلى الأنوار الأرضية، مما يوفر إطاراً حضارياً لفهم التنوع الثقافي كانعكاس للوحدة الإلهية. هذا النهج الإشراقي ساعد في مواجهة التحديات الحضارية مثل التصادم مع الثقافات الأخرى، إذ يرى في الإلهام طريقاً للوصول إلى الحقيقة دون الحاجة إلى البراهين العقلية المعقدة، مما جعله أكثر جاذبية للعامة والصوفيين. ومع ذلك، لم تكن الإشراقية معزولة عن العقل، بل تكملها، إذ يؤكد السهروردي على أهمية المنطق كمقدمة للإشراق، مما يعكس قدرتها على التوفيق بين العلم والروح في سياق حضاري يجمع بين المشرق والمغرب الإسلامي.

عند مقارنة المشاية والإشراقية من منظور حضاري، يبرز التباين الأساسي في المنهج: المشاية تعتمد على البرهان العقلي التحليلي، الذي يرى الكون كآلية منطقية، بينما الإشراقية تركز على الإلهام الروحي، الذي يرى الكون كنور إلهي متدفق. هذا التباين لم يكن سلبياً، بل ساهم في غنى الحضارة الإسلامية، إذ أدى إلى تكامل حضاري يجمع بين العلوم الطبيعية (التي ازدهرت تحت المشاية) والفنون الروحية (التي غذتها الإشراقية). على سبيل المثال، في عصر النهضة الإسلامية، ساعدت المشاية في تطوير الرياضيات والفلك، كما في أعمال ابن الهيثم، بينما أثرت الإشراقية على التصوف كما عند ابن عربي، الذي طور أفكار سهروردي ليصبح الوجود وحدة نورانية. حضارياً، يعكس هذا التكامل قدرة الحضارة الإسلامية على التوفيق بين الشرق والغرب، إذ استمدت المشاية من أرسطو لتطور العلوم، بينما اعتمدت الإشراقية على التراث الفارسي والإسلامي لتعزيز الروحانية، مما جعل بغداد مركزاً حضارياً يجذب العلماء من كل الأقاليم. كما أن هذا التنافس أدى إلى تحولات حضارية، مثل انتقال الفلسفة إلى أوروبا عبر ابن رشد، الذي دافع عن المشاية ضد الغزالي، مما أثر على توما الأكويني، بينما انتقلت الإشراقية إلى الفلسفة الشرقية الحديثة كما عند ملا صدرا، الذي جمع بين التيارين في فلسفة متعالية. هذا التداخل يبرز دور الفلسفة العربية في بناء حضارة عالمية، حيث أصبحت جسر انتقال المعرفة من اليونان إلى أوروبا، مع إضافة طابع إسلامي يجمع بين العقل والقلب.

في سياق الفلسفة العربية الإسلامية، يبرز ابن سينا (980-1037 م) كواحد من أبرز رموز المشاية، التي تمثل النهج العقلاني التحليلي المستمد من فلسفة أرسطو، مع إعادة صياغة إسلامية تعكس تفاعل الحضارة الإسلامية مع التراث اليوناني. ابن سينا، المعروف أيضاً باسم أفيسينا في الغرب، لم يكن مجرد شارح لأرسطو، بل مطوراً للمشائية، حيث جمع بين المنطق التحليلي والميتافيزيقا الإسلامية، مما جعله جسر حضاري بين الشرق والغرب. دوره في هذه المدرسة لم يقتصر على الجانب النظري، بل امتد إلى التأثير العملي في العلوم والأخلاق، حيث أصبحت أعماله مرجعاً أساسياً في الجامعات الإسلامية والأوروبية لقرون. من خلال مقاربة فلسفية وتاريخية، يمكننا استكشاف كيف شكل ابن سينا المشاية كمنهج شامل يوفق بين العقل والوحي، مما ساهم في ازدهار الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي، وأثر على تطور الفكر البشري بشكل عام. بدءاً من الخلفية التاريخية، نشأت المشاية في العالم الإسلامي كنتيجة للحركة الترجمية العباسية في بغداد، حيث نقل الفلاسفة مثل الكندي والفارابي أعمال أرسطو إلى العربية، محاولين دمجها مع الإسلام. المشاية، في جوهرها، تعتمد على المنطق الأرسطي كأداة للبرهان، حيث يقسم العالم إلى أجناس وأنواع، ويدرس الأسباب الأربعة (المادي، الصوري، الفاعل، الغائي) لفهم الوجود. في هذا السياق، جاء ابن سينا كوريث للفارابي، لكنه تجاوزه بتوسيع المشاية لتشمل مجالات أوسع، مستفيداً من تجاربه كطبيب ووزير في البلاط الإسلامي. نشأ ابن سينا في بخارى، وتعلم الفلسفة ذاتياً، مما مكنه من قراءة أرسطو بعمق، وصياغة رؤية شخصية تجمع بين التراث اليوناني والفارسي والإسلامي. دوره التاريخي يظهر في قدرته على مواجهة التحديات الفكرية، مثل انتقادات المتكلمين الأشاعرة الذين رفضوا العقل المجرد، إذ أكد ابن سينا أن الفلسفة ليست معارضة للدين، بل مكملة له، كما في قوله إن "الحقيقة واحدة، سواء جاءت من الشريعة أو الفلسفة". في تفصيل دوره الفلسفي، يبرز ابن سينا كمطور رئيسي للمنهج المشائي من خلال أعماله الرئيسية مثل "الشفاء" و"الإشارات والتنبيهات" و"النجاة". في "الشفاء"، الذي هو موسوعة فلسفية شاملة، يعيد ابن سينا صياغة فلسفة أرسطو بشكل منهجي، مقسماً إياها إلى المنطق، الطبيعيات، الرياضيات، والإلهيات. هنا، يطور مفهوم "الوجود الواجب"، الذي يميز بين الوجود الواجب بالذات (الله) والوجود الممكن (المخلوقات)، مما يجعل المشاية أكثر توافقاً مع التوحيد الإسلامي. هذا التطور لم يكن مجرد إضافة، بل تحول جوهري، إذ يرى ابن سينا أن العقل يمكن أن يصل إلى معرفة الله من خلال البرهان، مستخدماً المنطق الأرسطي ليثبت أن الكون ليس أزلياً بالفعل، بل مخلوقاً من عدم، مع الحفاظ على حركة الكون كسلسلة من الأسباب المتسلسلة تنتهي إلى السبب الأول. في المنطق، يوسع ابن سينا التصنيف الأرسطي بإضافة "القياس الشرطي"، الذي يتعامل مع الافتراضات، مما يجعل المشاية أداة أكثر مرونة للعلوم التجريبية. أما في الفيزياء، فيطور نظرية الحركة الأرسطية بإدخال مفهوم "المايل الطبيعي"، الذي يفسر سقوط الأجسام كميل داخلي، ممهداً لأفكار نيوتن لاحقاً. هذا الدور المنهجي يعكس كيف جعل ابن سينا المشاية فلسفة عملية، لا مجرد تأمل، إذ طبقها في الطب كما في "القانون"، حيث يقسم الأمراض إلى أسباب وأعراض بطريقة تحليلية، مما ساهم في تقدم الطب الإسلامي كعلم مشائي. بالإضافة إلى ذلك، يمتد دور ابن سينا في المشاية إلى البعد الأخلاقي والسياسي، حيث يرى في "الشفاء" أن السعادة هي تحقيق الكمال العقلي، مستمداً من أرسطو لكنه يضيف بعداً إسلامياً بجعل التقوى جزءاً من الفضيلة. في كتابه "السياسة"، يصف المدينة الفاضلة كمجتمع يحكمه العقل، مشابهاً لفكرة الفارابي، لكنه يؤكد على دور النبوة كإشراق عقلي، مما يوفق بين المشاية والإسلام. هذا التوفيق كان حاسماً في مواجهة النقد، إذ رد ابن سينا على الغزالي لاحقاً من خلال تلاميذه، مؤكداً أن العقل لا يتعارض مع الوحي، بل يفسره. حضارياً، أدى دور ابن سينا إلى انتشار المشاية في الأندلس، حيث أثر على ابن رشد، الذي دافع عنها في "تهافت التهافت"، مما جعل الفلسفة الإسلامية مصدراً للنهضة الأوروبية في العصور الوسطى. كما أن أعماله ترجمت إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر، مما أثر على توما الأكويني وديكارت، حيث أصبح ابن سينا رمزاً للعقلانية في الغرب.

مع ذلك، لم يكن دور ابن سينا خالياً من التناقضات الداخلية، إذ أدخل عناصر إشراقية في أعماله المتأخرة مثل "الإشارات والتنبيهات"، حيث يتحدث عن "العلم اللدني" كحدس روحي يتجاوز البرهان، مما يجعله جسراً بين المشاية والإشراقية. هذا الدمج يعكس عمق دوره كمفكر شامل، إذ لم يلتزم بالمشائية بشكل دوغماتي، بل طورها لتتناسب مع السياق الإسلامي، مما ساعد في بقاء الفلسفة حية رغم الهجمات الدينية. في النهاية، يمثل ابن سينا قمة المشاية في الفلسفة الإسلامية، حيث جعلها منهجاً يجمع بين التحليل والتأمل، مساهماً في بناء حضارة تعتمد على العقل كأداة لفهم الكون والإنسان.

في سياق تطور الفكر الإسلامي، يمثل التيار الإشراقي، الذي أسسه شهاب الدين يحيى السهروردي (ت. 587 هـ/1191 م)، نقطة تحول حاسمة في علاقة الفلسفة بالتصوف. الإشراقية ليست مجرد فلسفة نظرية، بل هي حكمة تجمع بين البرهان العقلي والكشف الروحي، حيث يصبح النور الإلهي محور الوجود والمعرفة. هذا التيار أثر بعمق على التصوف الإسلامي، محولاً إياه من تجربة روحية عفوية إلى نظام فلسفي متكامل يعتمد على الإشراق كطريق للوصول إلى الحقيقة. من منظور حضاري، ساهم هذا التأثير في تعزيز الجانب الغنوصي (العرفاني) داخل التصوف، مما جعل التصوف أكثر شمولاً وتأثيراً في الفكر الإسلامي اللاحق، خاصة في المشرق الإسلامي، حيث اندمجت أفكار السهروردي مع مدارس التصوف الكبرى مثل مدرسة ابن عربي، مساهمة في تشكيل ما يُعرف بالحكمة المتعالية.

بدءاً من أساس الإشراقية، يرى السهروردي أن النور هو أصل الوجود، وأن المعرفة الحقيقية لا تتحقق بالبرهان العقلي وحده، بل بالإشراق الإلهي الذي يفيض على النفس المتجردة. في كتابه الرئيسي "حكمة الإشراق"، يقسم المعرفة إلى نوعين: العلم الحضوري (الذي يتحقق بالتجربة المباشرة) والعلم الحصولي (الذي يعتمد على البراهين). هذا التمييز يعكس تأثيراً صوفياً واضحاً، إذ يؤكد أن الطريق إلى الحقيقة يمر عبر التجرد والتطهير الروحي، مما يجعل الإشراق امتداداً للتجربة الصوفية الكلاسيكية مثل الكشف والمشاهدة. السهروردي نفسه كان يمارس الزهد الشديد والرياضات الروحية، ويصف نفسه كـ"حكيم متأله"، أي فيلسوف يجمع بين الحكمة العقلية والتأله الصوفي. هذا الاندماج جعل الإشراقية جسراً بين الفلسفة المشائية (التي ينتقدها في بعض جوانبها) والتصوف، حيث يصبح الإشراق برهان التجربة الصوفية في أعلى درجاتها، إذ يظهر الأنوار الإلهية في قلب العارف بعد تجرده من الشهوات والماديات.

التأثير الأبرز للإشراقية على التصوف يظهر في تطوير مفهوم النور كرمز أساسي للوجود والمعرفة. قبل السهروردي، كان التصوف يعتمد على مفاهيم مثل الفناء والبقاء والمحبة الإلهية، لكن الإشراقية أدخلت نظاماً أنطولوجياً يرى الكون تدرجاً من الأنوار العلوية إلى الأنوار الأرضية، مع الله كنور الأنوار. هذا النموذج أثر على الصوفية اللاحقين، حيث أصبح النور رمزاً للكشف والفيض الإلهي. على سبيل المثال، في التصوف بعد السهروردي، نجد تكرار فكرة "الأنوار الإلهية" التي تفيض على النفس، وهي فكرة تتجاوز الوصف الشعري إلى بناء فلسفي يفسر التجربة الصوفية. كما أن السهروردي ربط بين الإشراق والحكمة القديمة (الفارسية، اليونانية، والمصرية)، معتبراً أن الحكماء مثل أفلاطون وزرادشت وهرمس شاركوا في هذه الحكمة، وورثها الصوفية مثل ذو النون المصري وبيازيد البسطامي والحلاج. هذا الربط أعطى التصوف شرعية فلسفية تاريخية، محولاً إياه من تجربة فردية إلى تقليد حكمي متصل بالأصول القديمة، مما ساعد في مواجهة الانتقادات الفقهية التي كانت تتهم التصوف بالبدعة.أما التأثير على ابن عربي (ت. 638 هـ/1240 م)، الذي عاصر السهروردي تقريباً، فيظهر في تكامل مدرستيهما رغم الاختلافات. ابن عربي طور مفهوم وحدة الوجود، الذي يرى الوجود واحداً يتجلى في مراتب متعددة، وهو يشبه تدرج الأنوار عند السهروردي. بعض الباحثين يرون أن ابن عربي امتداد للإشراقية في المغرب الإسلامي، إذ يجمع بين الكشف والعقل، ويستخدم رموز النور في وصف التجليات الإلهية. على الرغم من أن ابن عربي لم يذكر السهروردي صراحة، إلا أن أفكار الإشراق تسربت إلى أعماله من خلال التأثير الثقافي في العصر، خاصة في مفهوم الخيال الإبداعي والتجليات النورانية. هذا التكامل بلغ ذروته في الحكمة المتعالية عند ملا صدرا (ت. 1050 هـ/1640 م)، الذي جمع بين الإشراقية والتصوف الأكبري والمشائية، معتبراً الإشراق طريقاً لتحقيق الوجود المتعالي. من الناحية الحضارية، أدى تأثير الإشراقية إلى تعزيز التصوف كحكمة عملية، لا مجرد زهد فردي، بل نظام يشمل العقل والقلب معاً. هذا ساعد في انتشار التصوف في المدارس الفلسفية الشرقية، وأثر على الشعر والفنون الإسلامية، حيث أصبح النور رمزاً للجمال الإلهي في الشعر الصوفي والعمارة. كما أن الإشراقية قدمت دفاعاً فلسفياً عن التصوف ضد النقاد، مؤكدة أن الكشف ليس وهماً، بل معرفة حضورية تتجاوز الحدود العقلية. هذا التأثير استمر حتى العصور الحديثة، حيث يُستلهم في الفكر الروحي المعاصر لربط التصوف بالبيئة والتوازن الكوني، معتبراً النور مصدراً للانسجام بين الإنسان والكون.

في الختام، تكشف المقاربة الحضارية للفلسفة العربية الإسلامية بين المشائية والإشراقية عن حضارة ديناميكية تجمع بين التناقضات لتبني كلاً متكاملاً. المشائية قدمت الأساس العقلي لبناء العلوم والمجتمعات المنظمة، بينما الإشراقية غذت الروح والفنون، مما جعل الحضارة الإسلامية نموذجاً للتعدد والتوازن. هذا التكامل لم يكن مصادفة، بل نتيجة لتفاعل حضاري مستمر، يعكس قدرة الإسلام على استيعاب التراثات المتنوعة ليخلق حضارة تشع بالمعرفة والجمال، مما يظل مصدر إلهام للعصور اللاحقة في سعيها للوفاق بين العلم والروح. لذلك يظهر تفصيل دور ابن سينا في المشائية كيف أصبح هذا الفيلسوف ركيزة أساسية في تطور الفكر الإنساني، حيث لم يقتصر على شرح أرسطو، بل أعاد بناء المشائية كفلسفة إسلامية شاملة، تؤثر على العلوم والأخلاق والسياسة. هذا الدور لم يكن فردياً، بل جزءاً من حركة حضارية أوسع، جعلت العالم الإسلامي مركزاً للمعرفة، وأثرت على العصور اللاحقة، مؤكدة أن الفلسفة الحقيقية هي تلك التي تتجاوز الحدود الثقافية لتصبح إرثاً مشتركاً للبشرية. هكذا يمثل تأثير الإشراقية على التصوف تحولاً نوعياً جعل التصوف أكثر عمقاً فلسفياً وشمولاً روحياً. من خلال مفهوم النور والإشراق، أصبح التصوف ليس تجربة عاطفية فحسب، بل طريق معرفي يجمع بين البرهان والذوق، مما أثرى الحضارة الإسلامية بتيار عرفاني يربط بين العقل والقلب، ويظل مصدر إلهام لمن يسعى إلى الحقيقة في عصر يغلب فيه التقسيم بين العلم والروح. هذا التأثير يؤكد أن الإشراقية لم تكن مجرد مدرسة فلسفية، بل حركة روحية أعادت صياغة التصوف كحكمة شاملة للوجود البشري.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

حاليا، يُعد العمل المرهق من بين الطرق القليلة المحايدة سياسيا لبيان الفضيلة. نحن لا نعمل فقط لنعيش، بل نعمل لنثبت اننا نستحق ذلك. هذه القيم لم تُكتب في النجوم او في جيناتنا، او في منطق التاريخ. اذاً لماذا يستمر الوزن الأخلاقي لهذه القيم؟ لماذا يُعامل العمل بغرابة كما لو كان الأقرب الى التقوى؟ أحد الأجوبة الحادة جاءت من عالِم الاجتماع الألماني ماكس ويبر. كتابه (الاخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية،1905) اصبح كلاسيكيا مع اننا نحتاج لنكون حذرين حول ما تعنيه هنا مفردة كلاسيك . كما في الانجيل او كتاب ستيفن هاوكنك (تاريخ مختصر للزمن)، نال كتاب الاخلاق البروتستانتية اقبالا واسعا، واستُدعي بانتظام، ونادرا ما قرئ.

جادل ويبر ان نوعا معينا من البروتستانتية لم يغير فقط ما اعتقد به الناس، انه غيّر شخصيتهم. البروتستانت القلقين حول أملهم في الخلاص، بحثوا عن علامات اللطف الإلهي في النجاحات الدنيوية. ذلك القلق، اعتقد ويبر انه ساعد في خلق و تعزيز العمل المنضبط وتوجيه الفرد الحديث الذي تعتمد عليه الرأسمالية. الكتاب لم يكن رثاءً ولا احتفالا، حتى عندما نجد في نهاية الكتاب جوا من اليأس يتسلل الى النص. كانت واحدة من بين أفكار ويبر الأساسية، وليست فقط في هذا الكتاب، هي ان الحداثة فقدت الإحساس بالمعنى الروحي للعصور السابقة، وتركت خلفها مجرد قشرة – الإكراه القاسي للعمل.

الروح ذهبت طبقا لويبر حتى لو استمرت الاخلاق وحتى لو خاطر العالم الحديث ليصبح على مأ اسماه ويبر "القفص الحديدي".

ما هو جدال ويبر الحقيقي؟

ظل ويبر يدور حول نفس السؤال المخادع: لماذا ضربت الرأسمالية الحديثة جذورها في الغرب بدلا من أي مكان آخر؟ هناك طرق مختلفة للإجابة على مثل هذه الأسئلة. في هذه الأيام، مفكرون مثل المؤرخ جاريد دايموند ربما يحاول توضيح هذه الأشياء طبقا للجغرافية او موقع الموارد. الماركسيون يوضحون نفس الشيء طبقا للصراع الطبقي والتحول في وسائل الإنتاج. ويبر لم ينكر الدور الذي لعبته تلك العوامل لكنه كان مهتما بدور الثقافة، خاصة تلك العادات الأخلاقية والسايكولوجية التي نمت من حركة الإصلاح الديني. هو جادل انها لم تتلائم فقط مع الرأسمالية في معنى مجرد، بل ساعدت بالضبط في تشكيل نوع الشخص الذي اعتمدت عليه الرأسمالية. أولاً، من المفيد فهم ما قصده ويبر بروح الرأسمالية. لكن مفيد أيضا نعرف ما لا يقصده. هو لم يشر الى ظهور الأسواق او السعي للربح لأن تلك موجودة منذ قرون. ما كان جديدا، حسب ويبر، كان الموقف الأخلاقي: ان العمل الشاق، العيش البسيط ،وتراكم الثروة لم تكن فقط مهارة عملية للنجاح وانما بطبيعتها أشكال فاضلة للسلوك. الربح، بالنسبة للبعض، كان اكثر من مجرد محصلة شخصية مرغوبة، انه كان واجبا.

تعقّب ويبر هذه الروح"Geist" الى فرع معين من البروتستانتية، نشأت في عمل الثيولوجي جون كالفن (1509-1564). اعتقد الكالفينيون في القدرية . هذه هي فكرة ان الله قرر سلفا منْ الذي يُنقذ ومن لا يُنقذ، قبل وقت طويل من إمكانية الفعل البشري في تعديل هذه المحصلة. بعض المؤرخين وكالفن ذاته اعتقد ان الهدف من العقيدة هو لتأكيد عجز الانسان. عمليا، انها ولّدت قلقا عميقا. لأنه اذا لم يتحقق الخلاص هنا على الأرض، كيف يمكن لأي شخص ان يتأكد من مصيره؟ النتيجة كانت نوعا من السلوك التعويضي. المؤمنون بدأوا البحث عن علامات اللطف الإلهي. النجاح في "مهنة"Beruf  ، وهي كلمة تعني كل من "وظيفة بأجر" و "مهنة" تنطوي على إحساس عميق بالهدف أصبح مثالا لتلك العلامة. العمل الشاق، وتجنب الرفاهية، إعادة استثمار الأرباح، هذه لم تكن فقط عادات سليمة. انها دليل على ان المرء كان من بين الذين وقع عليهم الاختيار.

أطلق ويبر على هذا اسم "زهد باطني": الطاقة الدينية تم توجيهها ليس الى الاديرة او العزلة وانما الى الحياة العادية. انت لا تنسحب من العالم لتجد الله. انت أظهرت قيمتك من خلال انضباط دنيوي. بمرور الزمن، هذه السلوكيات انفصلت عن أصولها الدينية. انت لا تحتاج للايمان بالقدر لتشعر بالدافع للعمل اللامتناهي، او لتثبت قيمتك من خلال النجاح. فكرة "الوظيفة" استمرت لكنها أصبحت جوفاء. بالنهاية، بدت أقرب الى الالتزام منه الى العمل بعاطفة ، لذا فان فكرة ويبر لم تكن ان البروتستانت اخترعوا الرأسمالية. كانت تلك الأفكار البروتستانتية هي التي ساعدت في تشكيل نوع معين من الشخصية – منضبطة، قلقة،موجّهة جيدا- اندمجت بشكل تام مع النظام الاقتصادي الجديد.

هو أيضا اعتقد ان العالم كان مجردا من التسامي. لكن كما يرى الثيولوجي وليم كافانو ان الحياة الحديثة ليست خالية من المعنى بل هي احتفظت بالمعنى والدهشة في ظل الاشكال الجديدة. الرأسمالية لم تمحو العبادة، انها أعادت توجيهها. طقوسنا الآن تستلزم استخدام بطاقات الدفع الالكتروني السريع، الخوارزميات والطقوس اليومية لتفاني السوق. ان الوزن الأخلاقي الذي رآه ويبر في الوظيفة البروتستانتية لم يختف،انه وُلد مرة أخرى: الان هو يستجيب لهرمون الدوبامين وولاء المستهلك. نحن لم نعد نبرر أعمالنا في ضوء مجد الله،لكننا لانزال نعمل كما لو ان شيئا ابديا يعتمد عليها.

الشيء المثير

في البدء، تبدو الاخلاق البروتستانتية يُقرأ كقصة أصلية للرأسمالية. ومع الاستمرار في القراءة، يبدأ يعطي شعورا أشبه بقصة شبحية. بالتأكيد ويبر لم يكن محتفلا بما وصف. بدلا من ذلك، هو كان يحاول توثيق اللحظة التي  تكلّس فيها المشروع الروحي او الثيولوجي الى شيء اكثر ميكانيكية، قهري ولامفر منه. في هذا النص، تتحول المهنة ذات العاطفة والمعنى الى مجرد وظيفة وواجب مقدس. انها بمرور الزمن تصبح من غير الممكن تمييزها عن الضرورة الاقتصادية الأساسية. أشهر السطور في الكتاب تأتي في النهاية عندما يصرح ويبر ان الرأسمالية الحديثة تترك لنا غلافا صلبا كالفولاذ، وهو ما تُرجم من جانب تالكوت بارسون بالقفص الحديدي(iron cage).(1)

فكرة ويبر كانت ان الطاقة الأخلاقية التي قادت في يوم ما الاخلاق البروتستانتية قد استُنزفت. ما بقي هو مجرد أنماط سلوكية أصبحت ردود أفعال فطرية. الناس لايزالون يعملون بقلق شديد، يلاحقون النجاح كما لو كان معنى نهائيا. الفرق هو انهم الان غير متأكدين لماذا. الفيلسوف الأسترالي مايكل سيموندز جادل بان هذا منطق مأساوي، حيث رعب الاقدار يقود المؤمنين الى أخلاق قهرية للعمل، تنتج عالما يصبح فيه المعنى ذاته صعب الفهم. النتيجة هي ليس فقط ما يسميه السوسيولوجيون "خيبة أمل" وانما فراغ عميق. انه عالم لم تعد فيه المعاناة تدعو اوتوماتيكيا للتعاطف حيث يبدو الحب يشبه عدم الكفاءة.

العمل اصبح الطمأنينة الموثوقة الوحيدة لنا. يكتب ويبر ان "مضيعة الوقت"هي أول وأخطر الخطايا". في هذا العالم، الترفيه مذنب حتى يثبت برائته. هذه احدى اهم أفكار ويبر المقلقة: نظام صُمم لإثبات قيمة روحية ينتهي ببناء عالم  يبدو منطقه ينكر وجود أية قيمة. في ملاحقة هذا النوع الخاص للمعنى، نحن بنينا هياكلا تُضعف قدرتنا للايمان بأي شيء ذو معنى. الرأسمالية الحديثة هي نتيجة للبروتستانتية وأيضا خيانة لها.

لماذا لايزال مهماً؟

من الواضح، لايحتاج المرء ان يعرف حول الكالفينية ليسكن العالم الذي وصفه ويبر. ومع ذلك، ان كان هناك شيء، فهو ان الأنماط التي تعقّبها ويبر تعمقت فقط. صحيح ان هذا ينطبق على الكثير من الطرق التي تعمل بها الثقافة بشكل عام – البصمات الدينية لاتزال هناك مع اننا نادرا ما نلاحظها. نحتاج لحظة واحدة  لإدراك ان كلمة "علماني" هي ذاتها مشتقة من اللاهوت المسيحي. في النهاية، اقترح ويبر ان الرأسمالية لم تقتل الدين، انها فقط حنّطته. انها حافظت على قشرة الاخلاق وجردت الدين من التسامي. خذ مثلا التركيز على التحسين الذاتي المستمر self-optimisation. لغة "الوظيفة ذات معنى" vocation هي في كل مكان، لكن تم تسطيحها الى نوع من أسلوب الحياة. العمل ليس فقط عمل، انه يُفترض ان يكون عاطفة، غرض، هوية. انت ليس فقط موظف، انت "تعمل ما تحب". هذه الفكرة مغرية، لكنها بسرعة تتحول الى فخ، لأنه اذا كان للعمل معنى، عندئذ سيبدو الفشل او الاستنزاف عيوبا أخلاقية. هذا المنطق – إضفاء الطابع الأخلاقي، تشخيص الراحة كمرض – يبدو بروتستانتيا بعمق، حتى لو لم يضعه احد بتلك الطريقة. انت تسمع ذلك في التدريب المهني وفي اصلاح التعليم وفي نقاشات الصحة الوقائية. كل شخص يُشجع للتصرف  كشركة مصغرة: تبني سلعتك، تستثمر في "رأس المال البشري"، تعتصر المردود من كل ساعة عمل.

لكن القلق قد تغير. بالنسبة للبروتسانتيين الأوائل، كان العمل طريقة لتطمين نفسك انك نلت الخلاص . بالنسبة للعديد منهم اليوم، العمل طريقة لإثبات انك لا يمكن نبذك والتخلص منك. الرعب لم يذهب، لكن المخاطر تغيرت. انها ليست الجنة او النار، انها شيء أصغر، أقل الحاحا: الملائمة. والأخلاق تستمر بالعمل لنا. نحن نشعر بجاذبية ان نكون مفيدين، منتجين، نبقى مشغولين حتى عندما تكون المكافأة غير مؤكدة او تختفي كليا. انت تستطيع ان تراها في الناس الذين يعملون ساعات طويلة في أعمال محفوفة بالمخاطر، او يشعرون بالذنب عندما يأخذون إجازة، او يصارعون لتوضيح ما "يعملون" ان لم يكن منتجا بوضوح. ذلك تقريبا كان تحذير ويبر. هو لم يقل فقط  قصة حول الدين والاقتصاد. هو كان يتعقب كيف صاغت الأفكار العادات، وكيف جرى مأسسة العادات واستمرت تعمل طويلا بعد اختفاء الأفكار ذاتها.

الإيداع في القفص

لذا حتى عندما تبدو الاخلاق البروتستانتية كتابا قديما حول الثيولوجي والرأسمالية المبكرة، انه لايزال يؤثر على الحياة الحديثة بقوة مدهشة. انه يوضح لماذا حفلات المبيت في ارضيات مصنع ايلون ماسك تثير الاعجاب بدلا من الشفقة، لماذا يُعامل "الإرهاق" كطقوس احتفالات المولد. وانه يذكّرنا ان أنظمة لا تحتاج عقيدة لتستمر بالعمل. في الأساس، انها تحتاج فقط الامتثال.

 فكرة ويبر لم تقتصر فقط في ذلك، في وقت ما، شكّل الدين الاقتصاد. كان ذلك النوع المعين من الثيولوجي، والقلق الديني الذي أثاره خصيصا، قد ولّد نظاما تجاوز لاهوته وتحول الى شيء آخر تماما. الطاقة الدينية التي قادت يوما ما العمل المنتج والتي سعت لتمجيد الله قد جُردت من التسامي، حين عمل الناس في السابق ليلمحوا علامات الخلاص. نحن الان نعمل لنثبت مازلنا مهمين. العالم خاب أمله لكن الطلبات التي سبقت خيبة الامل لازالت باقية.

هنا مفارقة واضحة. الاخلاق التي قُصد بها كشف لطف الله انتهت وفق ويبر بالقضاء على فكرة ان العالم ذو معنى. العالم حتى لو لم يعد يتكلم، لايزال يعمل. لغة ويبر في النهاية ليست توجيهية او ثورية وانما مأساوية الى حد ما. هو لم يقدم علاجا ولا دعوة لحمل السلاح. هو يسأل فقط ان نرى كيف وصلنا الى ما نحن فيه الان – كيف ساعد دين معين وتقاليد في بناء ماكنة تعمل الان بجهدنا بدون عقيدتنا. في وصفه الكيفية التي برزت بها الرأسمالية، ويبر أيضا يحقق في الطريقة التي اصبحنا بها مستعدين وراغبين لنعيش في داخلها. رغم ان لهجته مأساوية، يبقى شيئا واحدا واضحا: العالم الذي يصفه لم يتقرر بواسطة النجوم او "طبيعة الانسان". ورغم انه عادة يعارض الإصلاحيين مثل ماركس، لكن الماركسيين يمكنهم الاستفادة منه أيضا، لأن ويبر كان يرغب ان يسأل كيف جئنا لنرى قفصا ليس فقط كشيء مرخص به وانما كشيء نضع استثمارنا فيه.

***

حاتم حميد محسن

.................................

الهوامش

(1) في القفص الحديدي، يصف ويبر كيف ان العقلانية الحديثة والبيروقراطية والضغط الاقتصادي حشر الافراد في نظام يركز على الفاعلية والنجاح المادي وقواعد صارمة لاشخصية تخنق الحرية الإنسانية والمعاني الروحية.  

 

قد لا يتفق الخطاب الأخلاقي مع السلوك الفردي أو الجماعي، لوجود حالة من المفارقة الأخلاقية التي لا تقبل بقبوله في الأوساط الاجتماعية، أو النفور من الشخص الذي يصدر نفسه صاحب خطاب أخلاقي، بالنتيجة يكون متنافي مع سلوكه، ويصعب من قبوله أو نفاذه في قناعات الآخرين. وعلى ذلك يقول سبينوزا: " لا يعدوا السلوك وفق الفضيلة تماما إلا أن يكون سلوك المرء وعيشه وحفظ لكيانه وفقاً لما يمليه العقل، وعلى أساس مبدأ السعي إلى ما فيه مصلحته الخاصة "، وهذا يعني أنه يتلقى التوجيه الأخلاقي وفقا لما يحقق تلك المصلحة العقلانية.

فالحقيقة الأخلاقية لا تدرك عبر الأطروحة التوجيهية، بل بما سبق قوله هو ما تترجمه أفعال المُوجهين والمُوجهين. نعتقد أننا ندرك أن الأطروحة "التوجيهية" تخطئ، في جوهرها في الغالب في محاولتها بالإجابة عن سؤال قد يبدوا صعباً أي سؤال لا بد من أن تكون أي إجابة عليه خاطئة. فالخطاب الإلزامي، كما يمكننا القول بشكل معقول، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسلوك بطريقة ما؛ وهنا يمكننا أن نتساءل: بأي طريقة تحديدًا؟ الآن هذا سؤال، كما هو الحال، له إجابة جيدة جدًا؛ هذا سؤال، كما هو الحال، له إجابة جيدة جدًا؛ لأنه بحكم طبيعة الأوامر، فمن الصحيح عمومًا القول بأن من يصدر أمرًا، ويستخدم تعبيرًا أمرًا، يطلب من شخص ما أن يفعل شيئًا، وقد يتوافق سلوك هذا الشخص أو يخالف ما قيل في الخطاب الأخلاقي وإن كانت النتيجة العواقبية مخالفة لما يحقق رغبة الفرد وسعادته.

 وهذا ما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسلوك: بأي بطريقة تحديدًا لكننا هنا أمام سؤال بلا إجابة؛ لأنه في حين أن التعبيرات الأمرية تُشكل فئة نحوية معينة تُستخدم عناصرها تقريبًا بشكل قياسي لغرض واحد في نوع واحد من المواقف، فإن "الأخلاقي" يتسم بتعبيرات بتنوع نحوي هائل، وقد تظهر في أنواع مختلفة جدًا من المواقف، ويمكن استخدامها في القيام بالعديد من الأشياء المختلفة تمامًا. وبالتالي، فمن المعقول أن نفترض أن علاقة الأوامر بالسلوك يمكن وصفها، على الأقل بشكل عام، بطريقة واحدة، فإنه من غير المعقول تمامًا أن نفترض أن نفعل الشيء نفسه بالنسبة للخطاب الأخلاقي" بدوافع من التوجيه الذاتي، أو التوجيه الاجتماعي، أو التربوي وفقا للواجبات العقلية التي تفترض ما هو مقبول في ذاتها.

في بعض الأحيان يكون الخطاب الأخلاقي توجيهيًا: وسيكون المتحدث، بشكل عام يخبر شخصًا آخر بما يجب عليه فعله، أو يرشده، أو ينصحه، أو يوجهه، ولكن في أوقات أخرى ليس كذلك.

فالكلمات التي يتعامل معها فلاسفة الأخلاق على وجه الخصوص... تلعب أدوارًا مختلفة كثيرة وتستعمل هذه الأفعال للتعبير عن الأذواق والتفضيلات، وللتعبير عن القرارات، والاختيارات، وللنقد، والتقييم، والتصنيف، ولتقديم النصح، والتوبيخ، وللتحذير، والإقناع، والتثبيط، وللمدح، والتشجيع، والتوبيخ، ولنشر القواعد ولفت الانتباه إليها؛ ولا شك لأغراض أخرى أيضًا.

فمن المحتمل أن يكون صحيحًا أنه في جميع هذه الحالات، سيكون سلوك الشخص مرتبطًا بطريقة أو بأخرى بما يقوله المتحدث، متوافقًا أو غير متوافق معه - أحيانًا سلوكه هو، وأحيانًا سلوك الشخص الذي يخاطبه، وأحيانًا سلوك أشخاص محددين آخرين، أو سلوك الناس عمومًا. لكن العلاقات الفعلية، من الواضح تمامًا، ستكون متنوعة للغاية، ولا يمكن تلخيصها في صيغة واحدة مهما كانت، فأن الطرق المختلفة التي قد تكون بها الأفعال، كما قلنا، "متوافقة أو غير متوافقة" مع الأقوال، بخلاف كونها أو عدم كونها ما تنص عليه الأقوال. يمكننا الآن أن نرى أنه سيكون من الخطأ الفادح طرح السؤال عن أي من هذه الطرق يُجسّد، أو حتى أقربها إلى التجسيد، في الخطاب الأخلاقي؛ لأن الحقيقة هي أنها جميعًا كذلك؛ وكذلك العديد من الطرق الأخرى.

قراراتي الشخصية، ونصائحي للآخرين، والتعبير عن تطلعاتي أو مُثُلي العليا، والتعبير عن استيائي، أو نقدي، أو مدحي، والإشارة إلى احتياجاتي الخاصة، أو إلى احتياجات، أو أهداف، أو مصالح الآخرين - كل هذه الأمور شائعة في "الخطاب الأخلاقي"، تمامًا كما هي شائعة أيضًا، بالطبع، في الخطاب غير الأخلاقي. في كل حالة، لا شك أن هناك بعضًا من العلاقة بالسلوك، ولكن ليس بالضرورة نفس نوع العلاقة في كل حالة. وهكذا نجد في النهاية أن نسختينا من المذهب التوجيهي تخطئان، ليس بنفس الطريقة تمامًا، ولكن بطرق متشابهة جدًا. في شكله العبثي، يسعى هذا المذهب إلى دمج أداء فعل كلامي واحد فقط، وهو التوجيه، في "الخطاب الأخلاقي"، وحتى في معاني الكلمات الأخلاقية، كما لو أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يفعله المتحدث الأخلاقي، مهما كان ما يقوله وفي أي موقف. أما النسخة الأخرى، فهي ليست مضللة بشكل صارخ كهذه؛ لأنها لا تفسر مصطلح "توجيهي" بشكل ضيق لدرجة أن توحي بأن من يستخدم تعبيرًا توجيهيًا يجب أن يكون دائمًا، حرفيًا ودقيقًا، يوجه؛ إنما الإيحاء فقط هو أن ما يقال يرتبط دائمًا ارتباطًا وثيقًا بما يُفعل. لكن عند هذه النقطة، يتسلل خطأ مشابه تمامًا، وهو افتراض أن هذه العلاقة يجب تفسيرها دائمًا بنفس الطريقة وتفسيرها، علاوة على ذلك، على نموذج الوصفة الفعلية. لكن القول بأن الخطاب الأخلاقي بشكل عام مرتبط بالسلوك بطريقة واحدة ليس أكثر صحة من القول بأن من ينخرط في الخطاب الأخلاقي يفعل دائمًا شيئًا واحدًا.

قد ينخرط المشرّع والقاضي والمحامي وعضو هيئة المحلفين جميعًا في "خطاب قانوني". لكن من ناحية أخرى، لن يقوموا جميعًا، بالطبع، بنفس الشيء؛ ولا، من الواضح، لن تكون الأشياء التي يقولونها بشكل فردي مرتبطة بأي طريقة واحدة، مع أن جميعها على الأرجح مرتبطة بطريقة ما بالسلوك البشري إن "نظرية وصفية محتملة للخطاب القانوني" - والتي قد تتمثل، ربما، في اعتبار لغة التشريع هي اللغة التي يُسعى من خلالها إلى تفسير كل حديث قانوني - ستشترك في معظم مزايا وعيوب نظيرتها في الأخلاق. ولن تُلقي أي ضوء عمليًا على القانون. لا أقصد، بالطبع، أن أقول إنه لا يوجد أي أساس من الصحة في "المنهج التوجيهي" كنظرية أخلاقية؛ ولكني أقول إن فيه من الزيف ما هو أقل من الحقيقة.

 يكمن جزء من الحقيقة في الادعاء العام بأن "الخطاب الأخلاقي" ليس مجرد معلومة نظرية بحتة، بل له تأثير على السلوك، وقد يكون الفعل متعارضًا أو متوافقًا مع القول. ولكن طالما أن النظرية لا تكتفي بذكر هذه البديهية التي لا جدال فيها، بل تدّعي تقديم تفسير لها، فإنها تبدو لي... خطأ تمامًا - ليس فقط لأنه يقترح خطأً أن "التوصيف" هو الرابط بين الأقوال الأخلاقية والأفعال، بل والأخطر من ذلك، أنه يتضمن ضمنيًا الفكرة الخاطئة تمامًا بوجود طريقة واحدة يمكن من خلالها وصف هذا الربط بشكل مفيد.

إن مسألة كيفية تأثير "الخطاب الأخلاقي" على السلوك تحتاج إلى دراسة منفصلة للعديد من الأنواع المختلفة تمامًا من التعبير الأخلاقي، وللعديد من المواقف أو السياقات المختلفة تمامًا التي قد تحدث فيها التعبيرات الأخلاقية والتي قد تتناقض مع بعضها بين ما هو شر وخير أو بين طيب وخبيث على حد تعبير نيتشه.

***

د. رائد عبيس

في ميدان الفكر البشري، حيث تتقاطع خيوط الوجود مع نسيج الإمكانات، يبرز السؤال عن أهمية الفلسفة كاستعلام أبدي يعكس قلق الإنسان تجاه معنى سعيه المعرفي: هل هي مجرد بناء نظري يرتفع في أبراج العقل المجردة، أم أنها قوة عملية تشكل الحياة اليومية وتوجه مسار الأفعال؟ هذا السؤال ليس جديداً؛ إنه يتردد في كل عصر كصدى للتوتر بين التأمل والعمل، بين السؤال عن "ما هو؟" والإجابة على "كيف نعيش؟"، لكنه في عصرنا الحالي، الذي يشهد اندفاع التكنولوجيا نحو حدود الذكاء الاصطناعي والأزمات البيئية المتسارعة، يصبح أكثر إلحاحاً، إذ يطالبنا بإعادة تقييم الفلسفة ليس كترف فكري بل كأداة ضرورية للبقاء الحضاري. في هذه الدراسة، نستعرض هذا الاستعلام بشكل متدفق، مستكشفين الأهمية النظرية للفلسفة كأساس للمعرفة والتأمل، ثم أهميتها العملية كدليل للسلوك والتغيير، لنصل إلى فهم متكامل يؤكد أن الفلسفة ليست ثنائية مقسمة بل وحدة عضوية تجمع بين النظري والعملي في رحلة الإنسان نحو الكمال، مما يجعلها ليست مجرد أهمية بل جوهر الوجود البشري نفسه. فماهي الاهمية النظرية للفلسفة؟ وكيف تشكل قيمة عملية؟ وهل يمكن تأسيس علاقة تلازمية بين النظري والعملي في الفلسفة؟

تبدأ أهمية الفلسفة النظرية من كونها النواة التي ينبثق منها كل معرفة، حيث تتحول من مجرد تساؤلات مجردة إلى بنية أساسية تشكل الرؤية الكونية للإنسان. في جوهرها، تكمن الفلسفة في القدرة على التشكيك في المسلمات، فهي لا تقبل الظاهر كحقيقة نهائية بل تغوص في أعماق "الكينونة" لتكشف عن طبيعة الواقع، سواء كان ذلك من خلال استكشاف الأنطولوجيا التي تسأل عن ماهية الوجود، أو الإبستمولوجيا التي تتحقق من مصادر المعرفة وحدودها. هذه الأهمية النظرية ليست نخبوية؛ إنها التربة الخصبة التي تغذي كل العلوم، فبدون الفلسفة لما كانت الفيزياء قد انبثقت من تأملات في السببية، ولا الرياضيات قد بنت أسسها على مبدأ التناقض. في هذا السياق، يصبح التأمل الفلسفي عملية إبداعية تبني أنظمة فكرية مترابطة، كما في الفلسفة الديالكتيكية التي ترى التناقضات ليست عقبات بل محركات للتقدم المعرفي، مما يمنح الإنسان أداة لفهم الكون ليس كفوضى عشوائية بل كنظام مترابط يحمل معنى جوهرياً.

 تعميق هذه الأهمية يكشف أنها تتجاوز النظري إلى التحرري، إذ تحرر العقل من أغلال الخرافات والتعصب، فهي تزرع في الروح بذور الشك المنهجي الذي ينبت يقيناً أعمق، وتفتح أبواب الميتافيزيقا لتستكشف ما وراء المادي، مما يجعل الفلسفة ليست مجرد نظرية بل مرآة تعكس الإنسان لنفسه في أبعاد أوسع، حيث يصبح التفكير الفلسفي ليس رفاهية بل ضرورة للحفاظ على الوعي في وجه الزيف الذي يفرضه العالم الحديث.

ومع ذلك، لا تكتمل صورة الفلسفة بدون أهميتها العملية، التي تحول التأمل النظري إلى دليل حي للسلوك والتغيير، حيث تتحول من أبراج العقل إلى طريق الأفعال اليومية. في جوهرها العملي، تكمن الفلسفة في قدرة الأخلاقيات على توجيه الاختيارات الإنسانية، فهي لا تقتصر على السؤال عن "ما هو الخير؟" بل تقدم إطاراً للعيش وفق مبادئ مثل العدالة والحرية، مما يجعلها أداة لمواجهة الظلم الاجتماعي أو اللامساواة الاقتصادية. على سبيل المثال، في الفلسفة السياسية، تتحول الأفكار النظرية عن الدولة إلى برامج عملية لبناء مجتمعات أكثر عدلاً، كما في فكرة الديمقراطية التي ليست مجرد مفهوم بل نظام يشكل الحياة اليومية من خلال القوانين والحقوق. هذه الأهمية العملية تتعمق في مجال التربية، حيث تصبح الفلسفة أداة لتكوين الشخصية، فهي تعلم الإنسان كيف يواجه التناقضات الداخلية، وكيف يبني علاقات مبنية على التعاطف لا على المنفعة، مما يجعلها ليست نظرية مجردة بل ممارسة حية تشكل السلوك في مواجهة التحديات مثل الأزمات النفسية أو الصراعات الثقافية. في عصرنا، حيث يغرق الإنسان في بحر المعلومات السريعة، تبرز الأهمية العملية للفلسفة كمرشد يساعد في التمييز بين الحقيقي والزائف، وفي بناء استراتيجيات للاستدامة البيئية من خلال فلسفة "الأرض ككائن حي"، مما يحول التأمل إلى عمل يغير الواقع، ويجعل الفلسفة ليست ترفاً بل سلاحاً للنهوض أمام الفوضى.

لكن السحر الحقيقي للفلسفة يكمن في تداخل أهميتها النظرية والعملية، حيث لا تكونان ثنائية منفصلة بل وحدة مترابطة تشكل رحلة الإنسان المتكاملة نحو التحقق الذاتي. في هذا التداخل، يصبح النظري عملاً، والعملي تأملاً، فالفلسفة النظرية توفر الأساس الذي يجعل العملياً مستداماً، كما في الفلسفة الوجودية التي تبدأ بسؤال نظري عن "معنى الحياة" لتنتهي باختيار عملي يخلق هذا المعنى من خلال الأفعال الحرة.

هذا التوازن يتعمق في القدرة الفلسفية على الجسر بين العقل والقلب، حيث يصبح التأمل النظري في الجمال أساساً للإبداع الفني العملي، ويصبح الاستكشاف الأخلاقي النظري دليلاً للقرارات اليومية في العلاقات الإنسانية. في سياق المستقبل، يمكن أن يؤدي هذا التداخل إلى فلسفة "الهجينة" التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي والتأمل البشري، حيث يصبح النظري أداة لفهم الآلة، والعملي طريقة لتوجيهها نحو الخير المشترك، مما يجعل الفلسفة ليست خياراً بين الاثنين بل جوهر الاثنين معاً. هذا التداخل يعكس طبيعة الإنسان ككائن يفكر ويعمل في آن واحد، فالفلسفة تمنحه القدرة على الارتقاء من خلال النظري الذي يوسع الأفق، والعملي الذي يحقق الإمكان، مما يحولها إلى قوة تحولية تجعل الحياة ليست مجرد وجود بل وجوداً ذا معنى.

في أعماق الرؤية الفلسفية، حيث تتقاطع خيوط الوعي مع نسيج الفعل، يبرز التداخل بين النظري والعملي ليس كصدفة أو تناقض، بل كجوهر حيوي يعيد تشكيل الفلسفة ككيان متكامل ينبض بحياة الإنسان نفسه. تعميق هذا التداخل يعني الغوص في ديناميكية التبادل المستمر بين التأمل الذي يوسع الأفق والعمل الذي يحقق الإمكان، حيث يصبح النظري ليس مجرد هيكل مجرد بل بذرة تنبت في تربة الواقع لتثمر أفعالاً ذات معنى، والعملي ليس تطبيقاً سطحياً بل تأملاً حياً يعود ليثري النظرية بتجارب الزمن.

 هذا التداخل ليس ثنائية مقسمة بل وحدة عضوية تشبه تدفق النهر الذي يغذي مصبه من منبعه، ويجدد منبعه من جريان مصبه، مما يجعل الفلسفة ليست سؤالاً عن "أيهما أهم؟" بل إجابة حية على "كيف يتكاملان ليصنعا الإنسان؟" في عصرنا الذي يشهد اندفاع التكنولوجيا نحو حدود الوعي الآلي والأزمات الاجتماعية المتسارعة، يصبح تعميق هذا التداخل ضرورة استشرافية، إذ يوفر الفلسفة أداة لتحويل التحديات إلى فرص للارتقاء، حيث يصبح النظري أساساً للعمل المستدام، والعملي مصدراً للنظرية المتجددة. هذه الدراسة تستعرض هذا التداخل بشكل متدفق، مستكشفة أبعاده في المعرفة والأخلاق والاجتماع، لتكشف عن كيفية تحول الفلسفة إلى قوة تحولية تجمع بين العقل والقلب في رحلة الإنسان نحو الكمال.

يبدأ تعميق التداخل من المستوى المعرفي، حيث يتحول النظري إلى عملي من خلال عملية التحقق التجريبي التي تعيد صياغة النظرية نفسها. في جوهرها، يقوم النظري على بناء أنظمة فكرية مترابطة، كالاستقراء الذي يستخلص مبادئ عامة من الجزئيات، لكن هذا البناء لا يكتمل إلا عندما يواجه الواقع العملي، حيث يصبح الاختبار التجريبي ليس مجرد تطبيقاً بل مصدراً لتعديل النظرية، مما يخلق حلقة مفرغة من التقدم المعرفي. على سبيل المثال، في الفلسفة الإبستمولوجية، يبدأ التأمل النظري بسؤال عن "مصادر المعرفة"، لكنه يتعمق عندما يتداخل مع العملي في مجال العلوم، حيث يصبح المنهج التجريبي امتداداً للشك الديكارتي، يتحقق من صحة الأفكار من خلال التكرار والفشل، ويعيد إثراء النظرية ببيانات جديدة تكشف عن حدود الإدراك البشري. هذا التداخل يتعمق أكثر في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يصبح النظري في "فلسفة الوعي" أساساً لتصميم خوارزميات عملية، لكن النتائج العملية – مثل خطأ التعلم الآلي – تعيد السؤال النظري عن "هل الآلة تفكر أم تحاكي؟"، مما يولد نظريات هجينة تجمع بين المنطق الرياضي والتجربة الإنسانية. هكذا، يصبح التداخل ليس تبادلاً سطحياً بل جدلية حية، حيث يغذي النظري العملي بالأسئلة المفتوحة، والعملي يثري النظري بالحقائق الملموسة، مما يجعل المعرفة ليست تراكماً جامداً بل نهراً متدفقاً يتجدد باستمرار، ويمنح الإنسان قدرة على التنبؤ والتكيف في عالم متغير.

يتوسع تعميق التداخل إلى المستوى الأخلاقي، حيث يصبح النظري في الأخلاق ليس مجرد تأملاً مجرداً بل دليلاً عملياً للقرارات اليومية، ويصبح العملي مصدراً لإعادة صياغة المبادئ الأخلاقية. في هذا البعد، يبدأ النظري ببناء أنظمة قيمية، كالفضيلة الأرسطية التي تسأل عن "الخير الأعلى"، لكنه يتحقق فقط من خلال التطبيق العملي في الحياة، حيث يصبح الاختيار الأخلاقي في مواجهة الظلم امتداداً للتأمل، يختبر صحة المبدأ ويعدله بناءً على النتائج. على سبيل المثال، في فلسفة العدالة، يقدم النظري إطاراً لفهم "الإنصاف" كتوازن بين الحقوق، لكنه يتعمق عندما يتداخل مع العملي في السياسات الاجتماعية، حيث تكشف التجارب مثل الثورات أو الإصلاحات عن حدود النظرية، مما يؤدي إلى تطوير مبادئ هجينة تجمع بين العدالة النظرية والرحمة العملية. هذا التداخل يتعمق في التحديات المعاصرة، مثل الأخلاقيات البيئية، حيث يصبح السؤال النظري عن "حقوق الأجيال المقبلة" أساساً للعملي في سياسات الاستدامة، لكن النتائج العملية – مثل فشل اتفاقيات المناخ – تعيد النظرية لتطوير مفهوم "الأخلاق الإيكولوجية" الذي يربط بين الإنسان والكون ككل مترابط. وهكذا، يتحول التداخل إلى عملية أخلاقية حية، حيث يمنح النظري العملي اتجاهاً أخلاقياً يتجاوز المنفعة، والعملي يثري النظري بتجارب التعاطف والفشل، مما يجعل الأخلاق ليست قواعد جامدة بل ممارسة متجددة تشكل الإنسان ككائن أخلاقي في عالم غير مثالي.

أما في المستوى الاجتماعي، فيبلغ تعميق التداخل ذروته كقوة تحولية تبني المجتمعات من خلال الجسر بين التأمل الجماعي والعمل المنظم. هنا، يصبح النظري في الفلسفة السياسية أساساً للعملي في بناء الهياكل الاجتماعية، حيث يقدم التأمل عن "الدولة الفاضلة" إطاراً للديمقراطية العملية، لكنه يتعدل بناءً على التجارب الاجتماعية مثل الثورات أو الانتخابات، مما يولد نماذج هجينة تجمع بين الحرية النظرية والمسؤولية العملية. على سبيل المثال، في فلسفة الاجتماع، يبدأ النظري بسؤال عن "طبيعة الجماعة"، لكنه يتعمق عندما يتداخل مع العملي في حركات الإصلاح، حيث تكشف التجارب الاجتماعية عن حدود النظرية، مما يؤدي إلى تطوير "الفلسفة الاجتماعية التفاعلية" التي ترى المجتمع كشبكة من التفاعلات الديناميكية. هذا التداخل يتعمق في العولمة المعاصرة، حيث يصبح السؤال النظري عن "الهوية في عالم مترابط" أساساً للعملي في بناء التحالفات الدولية، لكن النتائج العملية – مثل النزاعات الثقافية – تعيد النظرية لتطوير مبادئ "التواصل الأخلاقي" التي تحول الصراع إلى حوار. وهكذا، يصبح التداخل قوة اجتماعية حية، حيث يغذي النظري العملي بالرؤى الشاملة، والعملي يثري النظري بتجارب التنوع والتغيير، مما يجعل المجتمع ليست تركيبة عشوائية بل بناءً فلسفياً يعكس الإنسانية في أفضل صورها.

في عمق هذا التداخل، يبرز تعميقه كتحول وجودي يجعل الفلسفة ليست مجرد أداة بل طريقة حياة، حيث يصبح النظري والعملي وجهين لعملة التحقق الذاتي. في هذا السياق، يتجاوز التداخل الحدود التخصصية ليصبح عملية شمولية، تجمع بين العقل والجسد، والفرد والجماعة، مما يولد فلسفة "الهجينة" التي ترى الإنسان ككائن يفكر بعمله ويعمل بتفكيره. هذا التعميق يدعو إلى ممارسة فلسفية يومية، حيث يصبح كل اختيار فرصة للتأمل، وكل تأمل دافعاً للعمل، مما يحول الحياة إلى رحلة متكاملة نحو الانسجام الداخلي والخارجي.

في نهاية المطاف، يعمق التداخل بين النظري والعملي فهم الفلسفة كقوة حية تجمع بين الأبعاد المعرفية والأخلاقية والاجتماعية في وحدة مترابطة، مما يجعلها ليست سؤالاً بل إجابة على سر الإنسانية. هذا التعميق ليس نهاية بل بداية لممارسة فلسفية جديدة، تدعو كل فرد إلى أن يكون مفكراً عملياً وعاملاً مفكراً، ليبني عالماً يعكس جمال التكامل بين الفكر والفعل، مؤكدة أن في هذا التداخل يكمن سر الارتقاء الأبدي. كما إن أهمية الفلسفة ليست محصورة في النظري أو العملي بل تتجاوزهما إلى وحدة شاملة تجعلها ضرورة إنسانية أبدية، حيث يصبح السؤال عن "نظري أم عملي؟" مجرد مدخل لفهم أعمق لدورها كمرشد في رحلة الإنسان نحو التوازن والكمال. في عالم يتسارع نحو المجهول، تظل الفلسفة الشعلة التي تضيء الطريق، تذكرنا بأن التأمل ليس هروباً بل أساساً للعمل، والعمل ليس غاية بل امتداداً للتأمل، مما يؤكد أن أهميتها ليست سؤالاً بل إجابة حية على سر الوجود نفسه. بهذا، تصبح الفلسفة ليست مجرد علم بل فن الحياة، تدعو كل إنسان إلى المشاركة في نسجها ليبني عالماً أكثر وعياً وعدلاً. لكن كيف تضيف الفلسفة البعد الذوقي الى النظري والعملي في رحلته نحو بناء العمارة الوجودية الانسانية الكونية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يمثل الوعي البشري أحد أكثر الألغاز استعصاءً في تاريخ العلم والبحث المعرفي، فهو تلك الظاهرة الفريدة التي تمنح الكائن البشري القدرة على إدراك ذاته وعالمه المحيط، محولاً النبضات الكهربائية الصامتة والتفاعلات الكيميائية الدقيقة في أنسجة الدماغ إلى خبرة ذاتية حية تفيض بالمشاعر والألوان والأفكار. إن البحث في ماهية الوعي يتطلب تجاوز الوصف السطحي لليقظة والانتباه للغوص في أعماق التفاعلات الوظيفية والعصبية المعقدة، ومناقشة الفرضيات الجدلية التي ترى أن الوعي قد لا يكون مجرد إفراز مادي للدماغ، بل قد يمتد إلى مجالات طاقية أو عمليات كمومية مجهرية تحكمها قوانين فيزياء الجسيمات. الهدف هو تقديم رؤية حول مقر الوعي، وآليات عمله، ومدى ارتباطه بفيزياء الكم، مستنداً إلى أحدث ما توصلت إليه المختبرات العالمية.

المفهوم الجوهري للوعي وتصنيفاته العلمية

يُعرف الوعي من منظور العلوم العصبية الحديثة بأنه القدرة الفائقة على دمج المعلومات الحسية المتدفقة مع مخزون الذاكرة وصبغة العواطف، لخلق وحدة إدراكية متكاملة نطلق عليها "الخبرة الذاتية". هذا الإدراك ليس حالة جامدة أو بسيطة، بل هو طيف ممتد من العمليات التي تتدرج في التعقيد. تاريخياً، ساد الاعتقاد بأن الوعي سمة بشرية حصرية مرتبطة باللغة والتفكير المجرد، إلا أن القفزات العلمية في علم الأعصاب المقارن أثبتت وجود استمرارية تطورية تربط البشر بأنواع أخرى عبر ركائز عصبية مشتركة، مما يعني أن الوعي ليس قفزة فجائية في التاريخ الطبيعي، بل هو ارتقاء في نظم معالجة المعلومات.

مستويات الوعي والارتقاء الإدراكي

تميز الأبحاث الفيزيولوجية العصبية بين نوعين أساسيين من الوعي لضمان دقة التحليل البحثي:

الوعي الأولي أو الظاهري: وهو الخبرة اللحظية المباشرة بالأحاسيس والمشاعر، كالقدرة على الشعور بالضوء أو الألم أو الجوع. هذا النوع موجود لدى البشر والعديد من الثدييات والطيور، ويرتكز على دوائر عصبية عميقة مشتركة تطورياً مثل النوى المهادية والأنظمة العاطفية القابعة تحت القشرة المخية.

الوعي من المرتبة الثانية أو الوعي العالي: ويتضمن بناء نموذج مستمر للذات عبر الزمن، والقدرة على استحضار الماضي وتخيل سيناريوهات المستقبل. هذا الوعي "السيرة-ذاتي" يرتبط في الغالب بالإنسان، وبدرجة أقل ببعض الكائنات ذات القشور المخية المعقدة كالرئيسيات العليا والدلافين، وهو الذي يسمح بنشوء الثقافة والحضارة والتأمل الفلسفي.

التموضع التشريحي للوعي

ظل السؤال عن موقع الوعي في الدماغ البشري محط نزاع علمي مرير لعقود. كانت النظرية السائدة، المعروفة بنظرية "حيز العمل العصبي العالمي"، تقترح أن الوعي ينشأ عندما تمر المعلومات بعملية "اشتعال" عصبي في الشبكات الجبهية-الجدارية، مما يجعل تلك المعلومات متاحة لبقية أجزاء الدماغ. وفقاً لهذه الرؤية، كانت الفصوص الجبهية تُعتبر المحرك الأساسي والوحيد للوعي نظراً لدورها القيادي في الوظائف المعرفية العليا.

إلا أن دراسة عالمية كبرى حديثة، استخدمت قياسات فائقة الدقة للنشاط الكهربائي والمغناطيسي، توصلت إلى نتائج قلبت هذا المفهوم رأساً على عقب. أظهرت الأدلة أن العلامات العصبية الجوهرية للوعي تتركز بشكل قاطع في "المناطق الحسية الخلفية" من القشرة المخية، وهي المناطق المسؤولة عن معالجة الرؤية والسمع واللمس. بينما تبين أن الفصوص الجبهية، رغم أهميتها القصوى للذكاء والمنطق واتخاذ القرار، قد لا تشارك بشكل مباشر في خلق الإدراك الحسي الواعي، بل تعمل كمنسق للمخرجات التي ينتجها الجزء الخلفي من الدماغ.

البنى الدماغية الحرجة والمحورية

بالإضافة إلى المناطق القشرية، حدد العلماء بنى تحت قشرية تعمل كمفاتيح سيادية للوعي:

المهاد والبوابة المهادية: يُعد المهاد "المحطة المركزية" لكل المدخلات الحسية. تلعب النواة الشبكية المهادية دوراً محورياً في تنظيم تدفق المعلومات والمزامنة الترددية بين المهاد والقشرة، وهي عملية ضرورية للانتباه الانتقائي. أي إصابة طفيفة في هذه النواة قد تؤدي إلى انهيار كامل في الوعي والدخول في غيبوبة.

العائق (الجدار): وهو منطقة رفيعة جداً من المادة الرمادية تقع في عمق الدماغ. بفضل تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد، اكتشف العلماء عصبونات في العائق تلتف حول محيط الدماغ بالكامل مثل "إكليل عصبي"، مما دفع بالباحثين لاعتباره "مقعد الوعي" أو المايسترو الذي يربط المعلومات المشتتة في فصوص الدماغ المختلفة لتكوين تجربة، واعية، واحدة، وموحدة.

جذع الدماغ: يمثل المولد الكهربائي لليقظة؛ فهو الذي يضخ الطاقة الحيوية والتنبيه اللازم للقشرة لكي تصبح قادرة على معالجة الوعي. بدون هذا "المحرك"، تظل القشرة في حالة سكون تام.

صراع المادة والطاقة

يثير السؤال عن حدود الوعي المكانية نقاشاً حاداً بين التوجهات المادية التقليدية والنظريات الحديثة التي تقترح وجود أبعاد غير مادية أو طاقية للوعي.

الرؤية المادية واللاوعي

ترى الرؤية العلمية الكلاسيكية أن الوعي هو نتاج حصري وميكانيكي للنشاط العصبي. وفقاً لهذا المنظور، فإن الخلايا والنبضات هي التي تولد الإدراك، والوعي ينتهي تماماً بتوقف الوظائف الحيوية. وفي هذا السياق، يبرز دور "اللاوعي" الذي يدير حوالي 95% من حياتنا اليومية، حيث يعمل العقل الباطن باستمرار لتسجيل الأحداث وحل المشكلات المعقدة وإدارة العادات والغرائز دون الحاجة لتدخل الوعي المباشر، مما يطرح تساؤلاً: إذا كان الدماغ قادراً على فعل كل شيء تقريباً بلا وعي، فما هي الوظيفة التطورية للوعي نفسه؟

الوعي كمجال كهرومغناطيسي

في المقابل، تقدم نظرية "مجال المعلومات الكهرومغناطيسية الواعية" طرحاً ثورياً يقترح أن الوعي لا يقع في المادة الدماغية الكثيفة (الخلايا) ذاتها، بل في الطاقة الناتجة عن النبضات الكهربائية المشتركة. الوعي هنا هو "تجربة المجال" التي تتصل بالدماغ لتوجيه الإرادة الحرة. هذا المنظور يطرح ازدواجية حديثة قائمة على التمييز بين "المادة والطاقة" بدلاً من التقابل القديم بين المادة والروح"."

الدماغ كمرشح وليس كمنتج

تذهب بعض النظريات الطبية المعتمدة على دراسات الحالات الحرجة إلى أن الدماغ قد يعمل بمثابة "مستقبل" للوعي وليس منتجاً له، تماماً كما يستقبل جهاز المذياع موجات البث من الخارج دون أن يكون هو مصدر الموسيقى. تستند هذه الفرضية إلى تجارب الاقتراب من الموت، حيث سجل مرضى إدراكاً واعياً وتفاصيل دقيقة عما حدث لهم أثناء توقف وظائف الدماغ والقلب تماماً، مما يوحي بأن الوعي قد يكون كياناً مستقلاً يعمل "خارج نطاق المادة" في ظروف قصوى.

العمليات الكمومية في إنتاج الوعي

من أكثر النظريات جرأة وإثارة للجدل هي تلك التي تربط الوعي بفيزياء الكم. تقترح هذه النظرية أن الوعي ليس نتاجاً لاتصالات المشابك العصبية الكيميائية التقليدية فحسب، بل هو ظاهرة ميكانيكية كمومية تنشأ من داخل البنى المجهرية للعصبونات.

النيببات الدقيقة وميكانيكا الكم

توجد داخل كل خلية عصبية هياكل أنبوبية مجهرية تسمى "النيببات الدقيقة"، وهي جزء من الهيكل الخلوي الذي يحافظ على شكل الخلية وينقل المواد داخلها. حسب هذه الرؤية، تعمل هذه الأنابيب كأجهزة حاسوب كمومية فائقة:

الوحدات الكمومية الحيوية: تعمل بروتينات معينة داخل هذه الأنابيب كأطراف لمعالجة المعلومات، حيث يمكن للبروتين الواحد أن يتواجد في حالة "تراكب كمومي" (أي في أكثر من وضعية في وقت واحد)، مما يضاعف القدرة الحسابية للدماغ بشكل هائل.

التشابك الكمومي الشامل: تسمح هذه الآلية بربط أجزاء واسعة من الدماغ بشكل فوري وتزامني، مما يفسر "وحدة الوعي"؛ أي كيف نرى ونسمع ونشعر في آن واحد ككتلة إدراكية واحدة لا تتجزأ.

انهيار دالة الموجة واللحظة الواعية: يحدث الوعي، وفقاً لهذه النظرية، عند انهيار هذه الحالة الكمومية نتيجة عتبة مرتبطة بالجاذبية الكمومية. هذا الانهيار المتكرر (بمعدل عشرات المرات في الثانية) هو الذي يولد "نبضات الوعي" التي نختبرها كتدفق مستمر للزمن.

رغم الانتقادات التقليدية التي تدعي أن الدماغ بيئة حارة ورطبة لا تسمح باستقرار العمليات الكمومية، إلا أن تجارب رائدة نُشرت في نهاية عام 2024 أثبتت أن البنى المجهرية في أدمغة الكائنات الحية تُجري عمليات لا تخضع للفيزياء التقليدية، بل تظهر سلوكيات كمومية واضحة، مما يعزز فرضية أن الوعي هو تجلٍ لقوانين الكون العميقة.

التفرد البشري

رغم وجود الوعي الأولي لدى العديد من الكائنات، إلا أن الوعي البشري يمتاز بخصائص نيرو فيسيولوجية فريدة تمنحه عمقاً استثنائياً. هذا التفرد ليس مجرد زيادة في عدد الخلايا، بل هو نتيجة لتعقيد نوعي في البنية المجهرية والاتصالية.

العصبونات الهرمية المتطورة

تعتبر العصبونات الهرمية في القشرة المخية هي الوحدات الأساسية للتكامل المعلوماتي. أظهرت المقارنات المجهرية أن العصبونات البشرية تمتلك تفرعات شجيرية (أذرع استقبال) أطول وأكثر تعقيداً بثلاثة أضعاف من تلك الموجودة في أقرب الكائنات إلينا كالشمبانزي. هذا التعقيد يسمح لكل خلية بشرية واحدة بدمج كميات هائلة من المدخلات، مما يرفع من قيمة "المعلومات المتكاملة" التي هي حجر الزاوية في الوعي الرفيع.

خلايا فون إيكونومو والذكاء الاجتماعي

يمتلك البشر كثافة عالية جداً من هذه الخلايا المغزلية التي تتركز في مناطق الوعي العاطفي والاجتماعي. تعمل هذه الخلايا كـ "طرق سريعة" لنقل المعلومات عبر الدماغ بسرعة مذهلة، وهي التي تمنح الإنسان القدرة على الحدس السريع والتعاطف الاجتماعي المعقد وفهم نيات الآخرين. إن تنكس هذه الخلايا في بعض الأمراض العصبية يؤدي إلى فقدان جوهر الشخصية والقدرة على التواصل الإنساني.

شبكة الوضع الافتراضي وتأخر النضج

تمتاز القشرة الجبهية في البشر باتصالات فائقة تشكل جزءاً رئيساً من "شبكة الوضع الافتراضي" التي تنشط أثناء التأمل الذاتي وأحلام اليقظة. هذه الشبكة هي المسرح الداخلي الذي يبني فيه الإنسان قصته الشخصية وهويته. كما يلعب "تأخر النضج القشري" دوراً حاسماً؛ فبينما يكتمل نمو أدمغة الكائنات الأخرى بسرعة، يستمر الدماغ البشري في حالة ليونة ونمو حتى سن الخامسة وما بعدها، مما يسمح للغة والتربية والبيئة الثقافية بالمساهمة في "برمجة" الوعي وتطويره بشكل فريد.

الوعي والمشكلة الصعبة

رغم كل الاكتشافات حول المناطق الدماغية والعمليات الكمومية، لا تزال هناك "فجوة تفسيرية" هائلة يطلق عليها الفلاسفة والعلماء "المشكلة الصعبة للوعي". فالعلم اليوم قادر على وصف النشاط العصبي وتصويره، وفهم كيفية انتقال الإشارات من العين إلى الدماغ، لكنه لم يستطع بعد تفسير كيف تتحول تلك الأنشطة المادية إلى "إحساس ذاتي داخلي". لماذا نختبر الألم كشعور ذاتي مزعج وليس مجرد رقم أو نبضة كهربائية في نظام آلي؟ ولماذا لا تمتلك أجهزة الحاسوب الفائقة، رغم قدرتها المعالجة الهائلة، أي تجربة ذاتية أو شعور بالوجود؟

تشير بعض الأبحاث المعاصرة إلى أن الوعي قد يكون "توقعاً منضبطاً" يقوم به الدماغ للتنبؤ بالواقع، حيث يحسب الجسم أفضل احتمال بناءً على الحواس وتجارب الماضي. ووفقاً لنظرية "المعلومات المتكاملة"، فإن الوعي يتناسب طردياً مع قدرة النظام على دمج المعلومات بطريقة لا يمكن تقسيمها إلى أجزاء مستقلة، مما يعني أن الوعي قد يكون خاصية جوهرية للكون تظهر بوضوح في الأنظمة ذات التعقيد الشبكي الفائق كدماغ الإنسان.

الاستنتاجات والتطلعات المستقبلية

إن الوعي البشري هو حصيلة تآزر معقد ومذهل يمتد من المستوى الذري الكمومي إلى مستوى الشبكات العصبية الكبرى. وبناءً على التحليل الشامل للمعطيات، يمكن استخلاص النتائج التالية:

الموقع الديناميكي: الوعي ليس محصوراً في مركز واحد ثابت، بل هو عملية "اشتعال" وتكامل تحدث في المناطق القشرية الخلفية بالتنسيق مع المهاد والعائق، ثم تتم معالجتها منطقياً في الفصوص الجبهية.

الآلية الكمومية: تزداد الأدلة التي تشير إلى أن الوعي يستفيد من ظواهر فيزيائية متطورة (كالتراكب والتشابك) تحدث داخل النيببات الدقيقة، مما يمنح الدماغ قدرات معالجة تتجاوز حدود الفيزياء الكلاسيكية والذكاء الاصطناعي الحالي.

التمايز البشري: يمتاز الإنسان بتعقيد خلوي فريد وليونة نمائية سمحت لنشوء وعي "المرتبة الثانية" الذي مكنه من التساؤل عن أصل وجوده.

يتحرك العلم اليوم نحو عصر جديد من "الفيزياء الحيوية الكمومية" التي قد تقدم في النهاية الحل للغز الوجود الأكبر: كيف تدرك المادة نفسها في هذا الكون الواسع؟ إن فهم الوعي ليس مجرد بحث أكاديمي، بل هو ضرورة حتمية لتطوير علاجات للأمراض النفسية والعصبية، ولرسم حدود العلاقة المستقبلية بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي، ولإدراك مكانتنا الحقيقية في نسيج الواقع.

***

غالب المسعودي

..........................

References

Penrose, R. (1989). The Emperor's New Mind: Concerning Computers, Minds, and the Laws of Physics. (“The emperor's new mind: concerning computers, minds, and the laws of ...”) Oxford University Press.

Hameroff, S., & Penrose, R. (2014). "Consciousness in the universe: A review of the ‘Orch OR’ theory". (“Consciousness in the universe: a review of the 'Orch OR' theory.”) Physics of Life Reviews, 11(1), 39-78.

Tononi, G. (2012). "Integrated information theory of consciousness: an updated account". Archives Italiennes de Biologie, 150(2/3), 56-90.

Dehaene, S. (2014). "Consciousness and the Brain: Deciphering How the Brain Codes Our Thoughts." (“(PDF) Consciousness and the brain: deciphering how the brain codes our ...”) (“Consciousness and the brain: Deciphering how the brain codes our thoughts.”) Penguin Books.

Koch, C. (2019). The Feeling of Life Itself: Why Consciousness Is Widespread but Can't. (“The Feeling of Life Itself: Why Consciousness Is Widespread ... - Amazon”) (“The Feeling of Life Itself: Why Consciousness Is Widespread ... - Amazon”) MIT Press.

Crick, F. C., & Koch, C. (2005). "What is the function of the claustrum?". Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences, 360(1458), 1271-1279. (“What is the function of the claustrum?”)

McFadden, J. (2020). "Integrating information in the brain's EM field: the cemi field theory of consciousness". (“(PDF) Integrating information in the brain’s EM field: the cemi field ...”) Neuroscience of Consciousness, 2020(1).

يمكننا القول إن الخطاب التوجيهي في السياق الاجتماعي هو ذلك النوع من الخطاب الذي يُجاب فيه على الأسئلة العملية، كما يمكننا القول إن الخطاب الاجتماعي والأخلاقي هو ذلك النوع من الخطاب الذي يُجيب عن طلبات المعلومات بطريقة أخلاقية تناسب السائل والمجيب، إذا سألتني سؤالًا استفساريًا "أين تسكن؟"، فإن إجابتي: أسكن في النجف مثلا: هي مثال على الخطاب المعلوماتي؛ وإذا سألتني سؤالًا عمليًا "ماذا ينبغي عليّ أن أفعل؟ " فإن إجابتي ستكون مثالًا على الخطاب التوجيهي، أي الإدلاء على ما يريد فعله بطريقة خطابية أخلاقية توحي بالقبول، والتعاون، والاستجابة الطيبة.

وهذا أبسط أشكال الخطاب التوجيهي الأخلاقي، وهو أيضًا، بمعنى ما، الشكل الأساسي للأخلاق، فإنّ أبسط مثال على توجيه شخص ما هو إصدار الأمر التوجيهي البسيط، مثل: كلمة أذهب، وهو أمر قد يُؤدي أو لا يُؤدي إلى ذهاب المُخاطَب إليه - ولكنه على أي حال يُوجه إليه هذا الأمر.

ذهب كثير من فلاسفة الأخلاق إلى إنّ الأحكام الأخلاقية هي مجرد أوامر مُقنّعة نحويًا؛ لأنّ الأحكام الأخلاقية، لها سمات أساسية قد تفتقر إليها الأوامر التوجيهية البسيطة. لكن الأحكام الأخلاقية، تشترك مع الأوامر في السمة الحاسمة وهي أنّها توجيهية، وهذا يعني في الواقع، من وجهة نظرنا أنّ الحكم الأخلاقي - أو على الأقل الحكم الأخلاقي الحقيقي، النموذجي غير المنحرف عن السياق التوجيهي العام.

كما أنه إذا كانت القضية تستلزم قضية أخرى، فلا يمكنني بشكل متسق أن أؤكد، أو أقبل، أو أنكر، أو أرفض أي طلب أخلاقي يستوجب التوجيه. وهذا شبيه برأي أصحاب الوضعية المنطقية في الأخلاق الذي يعدون الأخلاق مجرد توصيات ورغبات وعبارات تعجب.

لا يمكنني بشكل متسق أن أؤكد، أو أقبل الحكم الأخلاقي، في أمر ما، مثل، "يجب عليك رد المال" أو إنكاره، أو أرفض رده، فأن إنكار أو رفض أمراً ما، هو ببساطة، يَعَّدُ أمراً بعدم العمل به.

 وبالتالي، فإن أطروحة الأحكام الأخلاقية التوجيهية تعني أن من يقبل الحكم الأخلاقي بأنه يجب عليه أن يفعل، أو يكون ملزم منطقيًا بفعل أو لا وعلى العكس، فإن من لا يفعل عملاً ممنوع منطقيًا من قبول أو تأكيد الحكم بأنه ينبغي عليه الفعل، وإن أي حكم أخلاقي ينبغي عليك فعله أن يكون بالمعنى الذي يدفعك بالضرورة إلى فعل ما، بل بمعنى أن قبولك لحكمي يُلزمك بفعل ما أو أن عدم فعلك،  يُشير إلى رفضك لحكمي فبقولي إنه ينبغي عليك فعل أمر ما، فإنني أُخبرك ضمنيًا بفعله؛ وإذا لم تفعل، فأنت لم تقبل ما قلته ولا توجيه مني، وهذا ما يخالف الأبعاد الأخلاقية في التواصل بين الذوات .

إذن، يُفترض أن الأحكام الأخلاقية تُشبه الأوامر في كونها توجيهية، وهي كذلك بالفعل، نظرًا لعلاقة منطقية وثيقة بالأوامر. لكن لها، ميزة أخرى بالغة الأهمية تُميزها عن العديد من الأوامر على الأقل. قد أطلب منك أن تغادر في هذه المناسبة بالذات نزوة عابرة من دون أن أكون ملزمًا منطقيًا بقول أو فعل أي شيء محدد في أي مناسبة أخرى؛ فأمر "غادر" الصادر إليك " الآن " لا يلزمني باتخاذ موقف معين في مكان آخر أو في أي وقت آخر، وإذا رغبتُ، في مناسبة أخرى، ربما مناسبة مشابهة تمامًا، في ألا تغادر، فقد أصدر الأمر "لا تذهب" من دون أي تناقض منطقي. لكن الأمر ليس كذلك مع الأحكام الأخلاقية. فالحكم الأخلاقي الذي أصدره في موقف معين يجب أن يستند إلى سمات معينة لهذا الموقف، وأن يُبنى عليها؛ وبالتالي، يجب أن أكون، من باب الاتساق، مستعدًا لإصدار الحكم الأخلاقي نفسه في أي موقف أخلاقي توجيهي يشترك في هذه السمات، ولا يختلف عنها في أي جانب آخر ذي صلة.

إذا التزمتُ بهذا الحكم في قضية ما، فلا يمكنني، من دون مخالفة المنطق، أن اصدار حكم مختلف في قضية أخرى، إلا إذا استطعتُ إثبات أن تلك القضية الأخرى مختلفة في جانب ذي صلة، أو إذا حكمتُ بشكل مختلف في قضية أخرى، فلا أستطيع إثبات اختلافها، فأنا ملزم بتصحيح حكمي الأصلي أو سحبه، فالأحكام الأخلاقية، في الواقع، لا يمكن أن تكون، كما قد تكون الأوامر التوجيهية، فريدة تمامًا وبشكل كامل، فعند الحكم على هذه الحالة، فإننا نحكم ضمنيًا على أي حالة من هذا النوع، ولا يمكننا بالتالي أن نحكم بشكل مختلف على حالات أخرى من نفس النوع، فلدينا إذن هناك أطروحة مفادها أن الأحكام الأخلاقية هي نوع من الأحكام التوجيهية، وأنها تتميز عن الأحكام الأخرى من هذه الفئة بكونها قابلة للتعميم.

***

د. رائد عبيس

النزعة التوجيهية في فلسفة الأخلاق المعاصرة وهي القدرة على إيصال الخطاب الأخلاقي إلى الجمهور الموجه إليه بطريقة تنسجم مع مبادئهم، وأخلاقهم، وتهذيب ما فطروا عليه، والتطلع بهم إلى مثل الأخلاق السامية.

من التوجيه، فهناك الأبعاد السلبية من سياسة التوجيه، وجمهور التوجيه، والهدف من التوجيه الأخلاقي السلبي الذي يقصده الموجه. وبما أن وسائل التوجيه المعاصرة أصبحت متعددة وكبيرة بعد تطور وسائل التواصل الاجتماعي والرقمي فقد تضاعفت عواملها الإيجابية والسلبية بشكل كبير مع ترجيح الكفة الى السلبية.

فإذا كان هذا التعريف يخص البعد الإيجابي

فإذا كان لديه هدف أخلاقي سلبي، أو هدف تجاري، أو سياسي، أو ديني، فالمهم عندهم يتحقق التوظيف المغرض لهذا الخطاب، وتحقيق مخالفة للعقل، والمنطق، والقواعد الأخلاقية الثابتة في العقل البشري.

فإذا افترضنا حدسيا بأن الخطاب الأخلاقي هو خطاب إعلامي في جوهره، وأن الحكم الأخلاقي عادةً ما يُصرِّح، أو يُلمِّح بطريقة أو بأخرى، إلى الحقيقة الأخلاقية المتمثلة في امتلاك صفة أخلاقية ما من قِبَل شخص ما.

فيكون المبدأ الأساسي للعاطفية أن هذا الافتراض الضمني خاطئ - أي أنه حتى لو كان الحَكم الأخلاقي يُعلم أو يذكر حقيقة ما أو يوجه بطريقة ما، فإن هذا ليس جوهر القضية الأخلاقية المقصودة .

أن تقديم التوجيهات الأخلاقية الإيجابية وحتى لو افترضنا أنها مجرد معلومات وليس جوهر في الخطاب التوجيهي الأخلاقي، فإنها في أحسن الأحوال تمهيدا لهذه الأخلاق الإيجابية، وأن جوهر الخطاب الأخلاقي يكمن في استخدامه للتأثير على مشاعر الناس ومواقفهم وبالتالي سلوكهم.

فعندما أطلب منك أمر توجيهي بما ينبغي عليك فعله، فأنا في الواقع لا أذكر حقيقة ما فحسب؛ لكنني لستُ بالضرورة أن أسعى لحملك على فعل شيء ما؛ بل أنا، في جوهر الأمر، أخبرك بما يجب عليك فعله، لقد طرحتَ، السؤال ماذا عليك أن تفعل؟ وقد أجبتُ على هذا السؤال في الواقع، بأني لا أسعى لحملك، أو تحريكك، أو حثّك على فعل ما إن ما أقوله لك هو شيء آخر تمامًا.

قد يترك الخطابي الأخلاقي على سلوكك أثرًا، بل من المرجح جدًا أن يكون الأثر المقصود، للإجابة التي أقدمها لك، ولإصداري ذلك البيان الأخلاقي؛ ولكن لا يزال من الضروري التمييز بين إخباري لك بما يجب فعله وأي آثار أو نتائج، فعلية أو مقصودة، لإخباري لك بذلك - ما أفعله بقولي "يجب عليك سداد المال"، وما قد آمل تحقيقه من خلال قوله ستكون إحدى المزايا العظيمة لهذا التعديل والواضحة بما فيه الكفاية؛ إذ يبدو أنها تمكننا على الفور من تجنب الاستنتاج بأن الخطاب الأخلاقي غير عقلاني في جوهره وإن مشكلة حث شخص ما على فعل شيء ما، أو التأثير على مشاعره لتحقيق تلك الغاية، هي ببساطة مشكلة استخدام وسائل فعالة لتحقيق تلك الغاية؛ حتى لو قررتُ في بعض الحالات أنّ التحدث إلى شخص ما - كبديل، مثلاً، لتخويفه أو إعطائه المخدرات - سيؤثر فيه بشكلٍ أكثر فعالية، فقد لا يهمّ إن كان يفهم ما أقوله أم لا، أو إن كان ما أقوله منطقياً أم لا، فالحكمة لكي تكون فعّالة عاطفياً، لا يشترط بالضرورة أن تكون مفهومة، أو حتى معقولة؛ وستكون صحيحة بشرطٍ وحيد أن تُؤتي ثمارها، لكن فيما يتعلق بالإرشاد، من الواضح أنه يمكن طرح أسئلة توجيهية أخرى تماماً، لإنجاز فعلي أخلاقي يُفترض صحته على وفق قواعد ذاتية،  أو قواعد عمل، أو قواعد اجتهادية، يُقصد منها الإلزام فقط من دون قناعة الآخرين.

ومن الضروري هنا أن تفهم ما أقوله لك؛ يمكنك أن تسألني عن أسبابي، وأن تُفكّر فيما إذا كانت الأسباب التي أُقدّمها لك جيدة أم سيئة؛ قد تكون إجابتي على سؤالك هي الإجابة الصحيحة حتى لو لم تقبلها، أو خاطئة حتى لو قبلتها من دون تردد إنّ طلب الإجابات على الأسئلة العملية وتقديمها هو عمل جوهريّ خاص بالكائنات العاقلة، وعملٌ يمكن تقييمه على أسسٍ عقلانية وهذا هو المفترض .

قد نلاحظ ببساطة فكرة أصحاب المذهب العاطفي بأن من يَسأل "ماذا ينبغي عليّ أن أفعل؟ إنما يَطلبهُ للتأثير؛ لأن الخطاب الأخلاقي ليس في المقام الأول، وإن كان في بعض الأحيان عملاً إعلاميًا؛ أو أن يكون كذلك عرضًا عاطفياً في بعض الأحيان، وإن كان قد يخدم في نتائجه، التأثير على الناس، أو حثهم على فعل أشياء، أو الامتناع عن فعلها؛ بل هو بالأحرى توجيهي قد ينسجم مع الخطاب العام، أو قد يكون معاكس له، وهنا يحتاج الموجه إلى اعتماد نهج سيكولوجي في تحليل هذه العلاقة بين الموجه المُخاطِب والموجهين المُخاطَبين، فضلاً عن حاجتنا فيه إلى نموذج إرشادي يحمل معه مزيدا من القيم .

***

د. رائد عبيس

حين نتناول في حاضرنا المعيش مسألة ما سُمّي بالصراع بين المتكلمين والفلاسفة، نجد أننا لابد أن نمرّ عبر غرابيل التحقيق التاريخي، لا عبر تمثلات الوعي الجمعي التي تراكمت عبر القرون حتى صارت أقرب إلى مسلمات لا تُناقش. ذلك لأن الصورة السائدة في أذهان بعض الدارسين تقدّم مشهدًا ثنائيًا حادًا بين فلاسفة مجترئون على النص، ومتفقهون حراسٌ للعقيدة يتصدّون لما يعتبرونه إخلالًا بأصول الإيمان. غير أن هذه الصورة، تقودنا إلى زيغٍ منهجي إذا سلّمنا بها دون تفكيك وتحليل.

 وقد استُحضرت عبارة أبو حامد الغزالي في مقدمة تهافت الفلاسفة عند وصفه لهم بأنهم نبذوا وظائف الإسلام وراء ظهورهم بوصفها دليلًا على قطيعة تامة بين نسقين متنافرين. غير أن من يقرأ المشروع الغزالي قراءةً كاملة عبر غرابيل التحليل يجد أنه في مقاصد الفلاسفة عرض المذهب الفلسفي عرضًا دقيقًا منضبطًا، حتى قيل إن من لم يطالع هذا الكتاب ظن صاحبه فيلسوفًا لا ناقدًا للفلسفة. وإذا ما حاولنا أن نقرأ المنقذ من الضلال وجدنا الغزالي يصرّح بأنه خاض في علوم القوم (حتى اطلعت على منتهى علومهم)، وأنه لم ير في رياضياتهم وطبيعياتهم ما يخالف الشرع. فهل كان الأمر صراع استئصال، أم تقويمًا من داخل النسق؟.

ولذلك فإن حكم الغزالي بتكفيرهم انحصر كما هو معلوم في ثلاث مسائل محددة (قدم العالم، وإنكار علم الله بالجزئيات، وإنكار المعاد الجسماني). فكيف تحوّل خلافٌ في ثلاث قضايا ميتافيزيقية إلى سردية صراع شامل بين الكلام والفلسفة؟، حيث يعد ذلك اجتزاء للحظة جدلية من سياقها وتحويلها إلى معيار لتاريخٍ بأكمله، وهو مسلك المجتزئين الذين يتعمدون تثبيت صورة حدّية تخدم أغراضًهم لاحقة.

وإذا ما انتقلنا إلى الطرف الآخر، وجدنا ابن رشد في تهافت التهافت يقرر أن (الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها)، وأن (الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له). أليست هذه العبارة وحدها كافية لتقويض الصورة النمطية التي تُقدّم الفيلسوف بوصفه مناقضًا لبنية الإيمان؟. حيث يجعل ابن رشد النظر العقلي واجبًا شرعيًا، ويؤكد أن البرهان القطعي إذا قام وجب تأويل الظاهر، لأن النسق عنده لا يحتمل تعارضًا حقيقيًا بين العقل الصريح والنقل الصحيح.

وهذا يؤكد أن الخلاف لم يكن في أصل الاحتكام إلى العقل، بل في ترتيب مراتبه وحدود تأويل النص. فالغزالي يرى أن البرهان الفلسفي في مسألة قدم العالم ظني لا يقاوم القطع السمعي، ومن ثم لا يجوز تأويل النص القطعي لأجل دليل ظني. بينما ابن رشد يرى أن البرهان إذا بلغ رتبة القطع وجب تأويل النصوص التي يظهر تعارضها معه. وهذا اختلاف في النهج، لا حرب على العقل ولا تمرد على الوحي، كما تُصوِّره ثنائية الصدام السائدة.

وإذا ما حاولنا أن نفكك مسألة (قدم العالم) بوصفها النموذج الأكثر استدعاءً في سردية الصراع، وجدنا أن الغزالي حين قال (إن قولهم إن العالم قديم كفر صريح)، لم يكن يرفض العلية أو البرهان العقلي من حيث هو، بل كان يعترض على صياغة ميتافيزيقية تنفي الحدوث الزماني الذي يفهمه من ظاهر النص. وفي موضع آخر يقول (الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببًا وما يعتقد مسببًا ليس ضروريًا)، وهو بذلك لا يلغي العقل، بل ينقل مفهوم الضرورة من الحتمية الفلسفية إلى الإمكان المتعلق بالمشيئة الإلهية.

أما ابن رشد، فإنه يميز بين القِدم الزماني والقِدم الذاتي، ويرى أن العالم معلول لله على نحو دائم، وأن القول بقدم العالم لا يناقض كونه مخلوقًا لله من حيث العلية. فهل نحن أمام مجدفين ينكرون الخلق؟، أم أمام متأولين يعيدون تفسير معنى الخلق؟، ولذلك فإن تجاهل هذا الفرق الدقيق يقودنا إلى زيغ في الفهم، ويغذي خطاب المشككين كما يغذي خطاب المتأسلمين المتشددين.

نجد كذلك أن المتكلمين أنفسهم خاصة في طورهم المتأخر تشربوا أدوات الفلاسفة. كـفخر الدين الرازي في المحصل والمطالب العالية حيث استعمل مفاهيم (الإمكان والوجوب والجوهر والعرض) بمنهج قريب من ابن سينا، بل وصف بعض كلامه في الإمكان بأنه متين. فهل يمكن بعد ذلك أن نتحدث عن قطيعة؟. أم أننا أمام تداخل نسقي يبدوا - لمن يقرأ بإنصاف - أقرب إلى حوار داخلي منه إلى مواجهة استئصالية؟.

بل إننا نجد عند ابن تيمية في (درء تعارض العقل والنقل) نقدًا مزدوجًا للفلاسفة والمتكلمين معًا، لأنه رأى أن الفريقين بالغوا في التجريد، وهو يقرر أن (صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول). هنا تتشكل نسقية ثالثة لا تلغي العقل ولا تجعله حاكمًا مطلقًا، بل تسعى إلى إعادة ضبط العلاقة بين البرهان والنص. أليس في هذا ما يدل على أن الخلافات كانت داخل الفضاء نفسه، لا خارجه؟. ولذلك فما جرى تضخيمه لاحقًا لم يكن في أصله مواجهة بين إيمان وكفر، ولا بين عقل ونقل، بل خلافًا في حدود التأويل وترتيب الأدلة.

غير أن التحولات المؤسسية والسياسية أعادت تشكيل هذا الجدل في صورة صراع، خاصة حين احتاجت بعض النسقيات إلى تثبيت شرعيتها التعليمية، فصوّرت الجدل بوصفه انتصارًا نهائيًا لنسقٍ على آخر. ومع مرور الزمن، ترسخت هذه الرواية في الوعي الجمعي، وتلقفتها شبيبة الحركات الفكرية في حاضرنا المعيش، كلٌ وفق موقعه من النسق السائد.

ناهِيك عن أن القراءة النهضوية الحديثة جعلت من ابن رشد رمزًا للعقلانية المجهضة، ومن الغزالي سببًا في (إغلاق باب الفلسفة)، وهي قراءة يغلب عليها الطابع الأيديولوجي، لأنها تتجاهل استمرار الفلسفة بعد الغزالي، كما تتجاهل تشرب الكلام المتأخر لمناهج الفلاسفة. وهكذا أُعيد تشكيل التاريخ وفق حاجات اللحظة، وهو ما يقودنا إلى زيغ في الفهم يغفل تعقيد المشهد، ويستبدل التاريخ الحيّ بسردية مؤدلجة.

وإذا ما حاولنا أن ننظر إلى التجربة الإسلامية في ضوء المقارنة الحضارية، نجد أن التوتر بين النسق العقدي والفلسفة لم يكن خاصًا بها، بل كان حاضرًا في حضارات أخرى، ولم يُقرأ دائمًا بوصفه حربًا بين أضداد، بل بوصفه توترًا خلّاقًا داخل النسق ذاته. وحري بنا أن نقرأ تاريخنا بعين متزنة، لا بعين المشككين الذين يرون في كل اختلاف دليلاً على الانغلاق، ولا بعين المجدفين الذين يتعمدون إثارة القطيعة.

وذلك لأن التاريخ الفكري لا يسير على خط مستقيم من صراع إلى انتصار، بل يتحرك في نهوج متعددة، تتداخل فيها المصالح المؤسسية والسياسية مع الجدل العلمي. والنسق الكلامي لم يكن خصم العقل، بل محاولة لإدماجه ضمن نسقية عقدية تحفظ مرجعية النص. والفلسفة لم تكن خروجًا عن الإيمان بالضرورة، بل سعيًا إلى تأويل المعقول في أفقه.

وصفوة القول فإن ما سُمّي بالصراع بين المتكلمين والفلاسفة كان جدلًا معرفيًا تأويليًا داخل فضاء حضاري مشترك، جرى تضخيمه لاحقًا بدوافع نسقية ومؤسسية. نعم، اشتدّ الخطاب أحيانًا، وظهرت عبارات تتهم بالمروق والتجاوز، غير أن البنية العميقة تكشف عن تداخل لا عن قطيعة، وعن توترٍ خلّاق لا عن انشطار وجودي.

ولذلك فإن إعادة الاعتبار لهذا التعقيد ليس ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة منهجية، لأن قراءة الماضي عبر غرابيل التحقيق تحررنا من أسر ثنائيات موروثة، وتمنعنا من إعادة إنتاج سرديات تخدم المشككين حينًا أو المتأسلمين المتشددين حينًا آخر. وما لم نفعل ذلك، سنظل أسرى صورٍ صنعتها ظروف غير ظروفنا، فنقع - من حيث لا نشعر - في زيغ القراءة ونحن نظن أننا نحسن الفهم.

***

بقلم:  د. بدر الفيومي

 

تعد إشكالية التوتر القائم بين الدوافع الغريزية الفطرية وبين القدرة على التجاوز الثقافي واحدة من أعمق القضايا التي واجهت علم الإنسان الفلسفي والعلوم الحيوية المعاصرة على حد سواء. إن التساؤل عما إذا كانت "النزعات الحيوانية" لا تزال تهيمن على مسارات السلوك البشري في القرن الحادي والعشرين يتطلب تفكيكاً دقيقاً لمفهوم "الطبيعة البشرية" ومراجعة شاملة لآليات التطور التي شكلت جهازنا العصبي المركزي. إن المقاربة التكاملية المعاصرة لم تعد تنظر إلى الإنسان كونه مجرد وعاء فارغ تشكله الثقافة، ولا كإنسان آلي تحركه البرامج الوراثية بشكل حتمي، بل كمحصلة نهائية لتفاعل ديناميكي معقد بين المسارات الوراثية والبيئية؛ حيث تمنحنا معداتنا الإحيائية إمكانية فهم أسباب رغباتنا، بينما تعيد التنشئة الاجتماعية صياغة تلك الرغبات وتوجيهها ضمن أطر حضارية.

الجذور التطورية والأساس الوراثي للسلوك

ينطلق التفسير الحيوي الحديث من حقيقة أن الإنسان هو نتاج عملية تطورية امتدت لملايين السنين، خضعت خلالها السمات الجسدية والنفسية لآليات الانتخاب الطبيعي والجنسي. فالتطور ليس مجرد تغير في الشكل الخارجي، بل هو تكيف نفسي ووظيفي يهدف لضمان البقاء والاستمرار. من هذا المنطلق، يمكن اعتبار "المورثات" هي وحدات الوراثة الأساسية التي تحمل المعلومات اللازمة لبناء الكائن وتوجيه سلوكياته لضمان استمرار نسخته الوراثية في الأجيال القادمة. تؤكد نظريات التطور السلوكي أن العديد من الأنماط التي نراها اليوم، مثل التعاون والإيثار وحتى النزعات العدوانية، لها جذور وراثية كانت توفر ميزات تكيفية لأسلافنا في بيئاتهم القديمة. فالإيثار، على سبيل المثال، يُفسر في ضوء "اللياقة الشاملة" حيث يميل الفرد لمساعدة أقاربه لضمان بقاء الصفات الوراثية المشتركة، وهو سلوك ذو جذور حيوية عميقة ينتقل وراثياً وليس مجرد نتاج للتعلم الاجتماعي الصرف.

التشريح العصبي: صراع الغريزة والعقل

يمكن قراءة الصراع بين الموروث الغريزي والسيادة البشرية من خلال بنية الدماغ البشري، التي تعكس تاريخنا التطوري بشكل مادي. فالدماغ ليس كتلة واحدة، بل هو نظام يتكون من وحدات متباينة في العمر التطوري وفي الوظيفة السلوكية:

أولاً: الجهاز الحوفي، وهو حارس الإرث الحيواني، والمسؤول عن الانفعالات الأولية مثل الخوف والغضب واللذة. يعمل هذا الجزء بسرعة فائقة كآلية دفاعية تضمن الاستجابة الفورية للأخطار.

 ثانياً: الفص الجبهي الأمامي، وهو قمة الاستثناء البشري، حيث يسكن المنطق والتخطيط والقدرة على كبح الجماح. تؤكد الأبحاث العصبية أن عملية اتخاذ القرار هي نتاج تفاعل مستمر وأحياناً صراعي بين هذين النظامين. فالجهاز الحوفي قد يدفع الفرد نحو الاستهلاك المفرط أو الغضب الغريزي، بينما يقوم الفص الجبهي بممارسة "الرقابة" وتوجيه هذه الاندفاعات نحو أهداف مقبولة اجتماعياً. هذا "التنسيق الوظيفي" هو ما يسمح للإنسان بأن يكون كائناً حيوياً وحضارياً في آن واحد، حيث يزودنا النظام الحوفي بالدافع العاطفي، بينما يزودنا النظام القشري بالتوجيه والمنطق.

أثر الجغرافيا في صياغة الموروث والسيادة

لا يمكن فصل هذا الصراع عن المسرح الجغرافي الذي تم عليه. فالجغرافيا هي التي حددت "الضغوط الانتخابية" التي شكلت موروثنا. لقد لعب المناخ والتضاريس دوراً حاسماً في توزيع الصفات الوراثية؛ فالشعوب التي استوطنت المناطق الباردة طورت ميكانيكيات حيوية تختلف عن شعوب المناطق المدارية. إن الجغرافيا وضعت القوالب الأولى للثقافات؛ فالشعوب في البيئات المفتوحة طورت ثقافات تميل للانفتاح والتبادل، مما تطلب تهذيب غريزة "الخوف من الغريب"، بينما فرضت البيئات المعزولة أنماطاً من التضامن الداخلي الشديد. السيادة الثقافية تبرز هنا في قدرة الإنسان على "تطويع" الجغرافيا؛ فبينما يستسلم الحيوان لظروف بيئته، استطاع الإنسان عبر الوعي والابتكار أن يستوطن القفار والجليد، محولاً التحدي الجغرافي إلى محرك للرقي الحضاري.

 اللدونة السلوكية ونظرية التعلم الاجتماعي

تمثل نظرية التعلم الاجتماعي رداً قوياً على دعاة الحتمية الحيوية، حيث تركز على قدرة الإنسان الفائقة على التعلم من خلال الملاحظة والنمذجة. ويبرز هنا مفهوم "الحتمية التبادلية"، الذي يرى أن السلوك البشري هو نتاج تفاعل مثلثي بين العوامل الشخصية (بما فيها الحيوية)، والبيئة، والسلوك نفسه. وعلى عكس الكائنات التي تعتمد بشكل كلي على الاستجابات المبرمجة وراثياً، يمتلك الإنسان القدرة على "الوكالة"؛ أي التأثير في الظروف التي تشكله. من خلال التفكير الرمزي واستباق النتائج، يستطيع الإنسان أن يتجاوز المحفزات الفورية التي تحرك الغرائز، وأن يتصرف بناءً على قيم ومبادئ طويلة الأمد. أثبتت التجارب العلمية أن العدوانية البشرية ليست مجرد "انفجار وراثي"، بل هي سلوك يتم تعلمه ونمذجته اجتماعياً، مما يعني أن الإنسان يمتلك "لدونة" هائلة تسمح له بتجاوز الميول الوراثية.

تحديات العصر الرقمي: اختطاف الغرائز

يواجه الإنسان المعاصر تحدياً فريداً يتمثل في كيفية استغلال التقنية الحديثة لغرائزه القديمة، وهو ما يسمى "اختطاف المورثات". تطور نظام المكافأة في الدماغ لتحفيز سلوكيات ضرورية للبقاء. اليوم، تستخدم المنصات الرقمية خوارزميات مصممة بدقة لاستهداف هذا النظام الغريزي. فكل إشعار يحفز دفقة كيميائية تخلق حلقات إدمانية تتجاوز رقابة العقل. هذا الاستغلال يوضح أن النزعات القديمة لا تزال موجودة كمفاتيح يمكن للتقنية الضغط عليها، مما يؤدي إلى ضغوط نفسية وتغييرات في بنية الدماغ نفسه لدى المستخدمين المفرطين.

 البيولوجيا والسلطة: من العنصرية إلى المسؤولية

تاريخياً، استُخدمت فكرة "التحكم الوراثي" لتبرير التمييز. فالحتمية الحيوية كانت الأساس لحركات "تحسين النسل" والعنصرية التي ادعت وجود فئات بشرية أدنى وراثياً. إلا أن العلم المعاصر يؤكد أن الاختلافات البشرية "طيفية" وليست فئات منغلقة، مما يبطل فكرة وجود مورثات طبقية ثابتة. وفي سياق المسؤولية القانونية، يبرز التساؤل: إذا كان السلوك مرتبطاً بطفرات وراثية، فهل يظل الفرد مسؤولاً؟ يميز القانون المعاصر بين السببية الحيوية والوكالة العقلانية؛ فالإنسان يظل مسؤولاً لأنه يملك القدرة على التمييز بفضل نضج الفص الجبهي والتربية الثقافية. السببية لا تعني الحتمية، والوعي هو الدرع الذي يحمي الفرد من الانقياد الكلي لبيولوجيته.

كائن بيني وسيمفونية الوجود

إن الإنسان هو "كائن بيني"؛ فهو حيوي في جذوره، ولكنه ثقافي في غاياته. المورثات لا تزال توفر البنية التحتية للعواطف والرغبات، وهي "المستشار" الذي يهمس بالدوافع القديمة في مواقف الخطر. ومع ذلك، فإن السيادة البشرية تكمن في القدرة على "تنقيح" هذه الدوافع. نحن لا نأكل لمجرد إشباع الغريزة، بل حولنا الأكل إلى فن وعمل اجتماعي، ولا نتزاوج لمجرد تكرار الصفات، بل حولنا الرغبة إلى حب ومسؤولية أخلاقية. إن السلوك البشري المعاصر هو سيمفونية معقدة تعزفها المورثات والبيئة والجغرافيا والوعي الفردي معاً. التحدي الأكبر ليس في "تحكم" المورثات، بل في الحفاظ على "سيادتنا الثقافية" في مواجهة تقنيات تسعى لتجاوز وعينا العقلاني. إن فهمنا العميق لمكانتنا هو الضمان الوحيد لعدم العودة إلى حالة "الحيوانية" التي تجاوزناها بشق الأنفس عبر رحلة التطور الحضاري والروحي.

***

غالب المسعودي

......................

المراجع

الوردي، علي. (1954). مهزلة العقل البشري. بغداد: مطبعة المعارف. (لتحليل الصراع بين الطبيعة البشرية والقيود الاجتماعية)

دايموند، جاريد. (2007). أسلحة، جراثيم وفولاذ: قدر الشعوب البشرية. ترجمة: نبيل سليم. أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث. (لفهم أثر الجغرافيا في التطور)

داوكينز، ريتشارد. (2009). الجين الأناني. ترجمة: هالة تعمري. بيروت: دار الساقي. (لتعميق فهم المورثات كوحدات وراثة)

باندورا، ألبرت. (1986). الأسس الاجتماعية للفكر والعمل. (المرجع الأساسي لنظرية التعلم الاجتماعي والوكالة البشرية)

مورين، إدغار. (2002). الإنسان والنشوء. ترجمة: حكيم بن حمودة. الدار البيضاء: دار توبقال. (يتناول تعقيد الهوية البشرية بين البيولوجيا والثقافة)

من المركزية الغربية إلى التعددية الفلسفية

يحتل مفهوم الكونية موقعا مركزيا في الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر، بوصفه أحد المفاتيح الكبرى لفهم العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين العقل والتاريخ، وبين القيم والسياقات الحضارية. غير أن هذا المفهوم على ما ينطوي عليه من وعد إنساني شامل، لم يتبلور في فراغ نظري محايد، بل تشكّل داخل شروط تاريخية مخصوصة، تداخل فيها المعرفي بالسياسي، والفلسفي بالإمبراطوري، فغدا الكوني في كثير من صيغه، تعبيرا عن تمركز حضاري أكثر مما هو أفق مشترك للإنسانية. وهكذا ارتبطت الكونية الحديثة بسردية التقدم الأوروبي، وبنزعة تعميم تجربة ثقافية بعينها، حتى أصبحت معيارا تُقاس به باقي التجارب، ويُعاد ترتيب العالم وفق منطق المركز والهامش.

لقد أفضى هذا التمفصل بين الكوني والقوة إلى إنتاج خطاب فلسفي يدّعي الشمول، بينما يستبطن آليات إقصاء صامتة، ويُخفي خلف تجريده الميتافيزيقي تاريخا من الهيمنة الرمزية. وقد كشفت التحليلات النقدية المعاصرة لدى ميشيل فوكو، عن ارتباط أنظمة الحقيقة ببنيات السلطة، فيما أبرز جاك دريدا الطابع الميتافيزيقي لكل مركز يدّعي الاكتمال، وأظهر إدوارد سعيد كيف تشكّل تمثيل الآخر داخل خطاب يدّعي الموضوعية والكونية، بينما يعيد إنتاج علاقات السيطرة. وتدل هذه المقاربات مجتمعة على أن الكوني ليس حقيقة فوق تاريخية، بل بناء ثقافي قابل للمساءلة ومشروط بسياقات إنتاجه.

غير أن نقد الكونية الغربية على أهميته، لا يستنفد الرهان الفلسفي الراهن. فالمطلوب اليوم لا يقتصر على تفكيك المركزية الأوروبية، بل يتجه نحو استكشاف إمكان تأسيس كونية أخرى، كونية تعددية، حوارية، مفتوحة على اختلاف التجارب الإنسانية، وقائمة على الاعتراف المتبادل بدل التماثل القسري. كونية تُصاغ عبر الترجمة الثقافية، وتتغذى من تفاعل العقلانيات، وتستوعب التعدد اللغوي والرمزي، دون الوقوع في نسبوية مفرغة من المعايير أو في شمولية جديدة مقنّعة.

يسعى هذا المقال إلى إعادة التفكير في مفهوم الكونية من خلال تتبع تحوّلاته الفلسفية، وكشف ارتباطاته التاريخية بالمركزية الغربية، ثم الانفتاح على بدائل نظرية تستلهم الفكر النقدي المعاصر، والحكم غير الغربية، وإسهامات الفلسفات العربية والإسلامية الحديثة. وهو بذلك محاولة لإعادة وصل الكوني بالمحلي، والفلسفي بالسياسي، والمعرفي بالأخلاقي، انطلاقا من قناعة مفادها أن الكونية ليست نقطة بداية جاهزة، بل أفق يُبنى، وأن الحقيقة لا تُفرض، بل تتشكل داخل فضاء الحوار، وأن الإنسان لا يكتمل إلا في علاقة حية مع الآخر.

لم يكن مفهوم الكونية منذ تبلوره في الفكر الحديث، مجرد فكرة تجريدية محايدة، بل كان دوما مشدودا إلى تاريخ القوة ومشبوعا بسرديات التفوق، ومحمولا على أكتاف مشروع حضاري بعينه. فالكوني كما تشكّل في الوعي الأوروبي الحديث لم ينبثق من فراغ معرفي خالص، بل وُلد في أحضان التوسع الإمبراطوري، ونما في سياق تشكّل الدولة القومية، وتغذّى من مركزية العقل الأداتي، حتى صار في كثير من تجلياته ـ اسما آخر للهيمنة الرمزية، وقناعا فلسفيا للسيطرة الثقافية.

لقد اقترنت الكونية في صيغتها الغربية الكلاسيكية، بادّعاء امتلاك الحقيقة الإنسانية العامة، وبالزعم أن النموذج الأوروبي في العقلانية والسياسة والأخلاق هو التعبير الأرقى عن ماهية الإنسان. ومن هنا لم تعد الكونية أفقا مفتوحا للاختلاف، بل تحوّلت إلى معيار تقويمي تُقاس به باقي الثقافات، وتُرتّب وفقه الحضارات في سلم التقدم والتأخر.

يكفي أن نستحضر تصورات إيمانويل كانط عن التاريخ الكوني بوصفه مسارا عقلانيا يتجه نحو اكتمال الحرية، أو فلسفة غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل التي جعلت من أوروبا ذروة الروح المطلق، بينما وُضعت إفريقيا خارج التاريخ، وآسيا في طفولته، لنفهم كيف تماهى الكوني مع الجغرافي، وكيف تمركز العقل في نقطة واحدة من العالم. يقول هيغل بوضوح فاضح: «التاريخ العالمي يتحرك من الشرق إلى الغرب، فأوروبا هي النهاية المطلقة للتاريخ»، وهي عبارة تختزل بعمق ذلك الوعي التراتبي الذي حكم المخيال الفلسفي الغربي قرونا طويلة.

غير أن هذا الادّعاء الكوني لم يكن مجرد تنظير ميتافيزيقي، بل وجد ترجمته العملية في مشاريع الاستعمار، حيث صار «تمدين الشعوب» مبررا أخلاقيا للغزو، وصارت «رسالة الرجل الأبيض» خطابا يضفي الشرعية على اقتلاع المجتمعات من سياقاتها الرمزية، وإعادة تشكيلها وفق نموذج مستورد. لقد تحوّلت الكونية إلى أداة تطبيع للعنف، وإلى لغة ناعمة تبرر الإخضاع باسم الإنسانية ذاتها.

في سياق كهذا، ينبّه ميشيل فوكو إلى أن المعرفة لا تنفصل عن السلطة، وأن الخطابات الكبرى ليست بريئة، بل تُنتج داخل شبكات القوة. فالكوني حين يُقدَّم باعتباره حقيقة فوق تاريخية، إنما يخفي شروط إنتاجه، ويطمس علاقته بالبنيات السياسية والاقتصادية التي دعمته. وهنا لا تكون مساءلة الكونية مجرد تمرين نظري فقط، بل فعل تفكيك لأنظمة الهيمنة الرمزية.

وقد مضى جاك دريدا أبعد من ذلك حين كشف الطابع الميتافيزيقي لكل خطاب يدّعي الاكتمال، معتبرا أن كل مركز يتأسس على إقصاء، وأن كل كونية تقوم على إسكات أصوات هامشية. فالكوني في نظره ليس معطى جاهزا، بل بناء لغوي قابل دائما للتشقق، لأن المعنى نفسه مؤجل ومفتوح على الاختلاف.

من جهة أخرى، بيّن إدوارد سعيد في عمله النقدي كيف أن الغرب اخترع «الشرق» بوصفه موضوعا معرفيا، لا بوصفه ذاتا متكلمة. فالاستشراق لم يكن مجرد دراسة ثقافية، بل جهازا تمثيليا أعاد تشكيل الشرق وفق حاجات المركز، وصاغ عنه صورة نمطية تبرر إخضاعه. وهكذا غدت الكونية خطابا أحادي الاتجاه: الغرب يتكلم باسم الجميع، والآخر يُختزل في صورة مصنوعة عنه.

غير أن الأزمة لا تكمن فقط في إسقاط الكونية على الآخر، بل في طبيعة العقل الذي أنتجها. فالعقل الحديث كما صاغته الفلسفة الأوروبية قام على مبدأ التماثل والتوحيد، وعلى البحث عن قوانين عامة صلبة، متناسية أن التجربة الإنسانية متعددة، وأن الوجود لا يُختزل في نموذج واحد. يشير مارتن هايدغر إلى أن الميتافيزيقا الغربية نسيت سؤال الوجود حين اختزلته في التمثّل والسيطرة، وهو ما جعل الإنسان الحديث سيدا على الموجودات بدل أن يكون ساكنا شعريا في العالم. ومن داخل هذا الأفق النقدي، بدأ يتشكل وعي فلسفي جديد يعتبر أن الكونية، إذا أُريد لها أن تكون أفقا أخلاقيا حقيقيا، لا بد أن تُعاد صياغتها من داخل التعدد لا من فوقه، ومن خلال الاعتراف بالاختلاف لا عبر محوه. فليس الكوني هو ما يُفرض باعتباره معيارا عاما، بل ما ينبثق من حوار الثقافات، ومن تفاعل التجارب التاريخية المختلفة.

لقد عبّر بول ريكور عن هذا المعنى حين تحدث عن «الكونية المترجمة»، أي تلك التي لا تتحقق إلا عبر وساطة اللغات والثقافات، حيث لا يوجد معنى كوني إلا بقدر ما يُعاد تأويله داخل أفق محلي. فالكوني ليس نقطة بداية، بل نتيجة مسار تفاعلي طويل، تُسهم فيه كل الحضارات بصيغ متفاوتة.

ويذهب يورغن هابرماس إلى أن العقل التواصلي يوفر بديلا عن العقل الأداتي، لأن الشرعية لا تُستمد من القوة أو من ادّعاء الامتلاك المسبق للحقيقة، بل من النقاش الحر ومن إمكان الوصول إلى توافق عقلاني بين ذوات متساوية. غير أن هذا التصور نفسه لا يخلو من مركزية أوروبية مستترة، ما لم يُفتح على أشكال أخرى من العقلانية غير الغربية.

من هنا تبرز ضرورة الانتقال من كونية معيارية مغلقة إلى تعددية فلسفية مفتوحة، تعترف بتكافؤ المسارات الحضارية، وبأن كل ثقافة تمتلك مواردها الخاصة في التفكير في الإنسان والعالم والمعنى. فالحكمة ليست حكرا على جغرافيا معينة، ولا الحقيقة وقفا على تقليد فلسفي بعينه.

لقد عبّر أستاذنا محمد عابد الجابري عن هذا الوعي حين دعا إلى تفكيك العقل الموروث دون استنساخ العقل الغربي، مؤكدا أن النهضة لا تكون بالذوبان في الآخر، بل بإعادة بناء الذات من داخل تراثها النقدي. بينما شدّد طه عبد الرحمن على ضرورة تأسيس كونية أخلاقية تنطلق من القيم الروحية، لا من البراغماتية التقنية، معتبرا أن الحداثة الغربية فصلت بين العقل والأخلاق، فدفعت الإنسانية نحو أزمة معنى شاملة.

وفي أفق موازٍ، يرى عبد الله العروي أن الكونية لا تُنال بالانتقاء الانتقائي، بل بالانخراط التاريخي الواعي في مفاهيم الحداثة، مع إدراك شروطها وسياقاتها. وهو موقف يعكس توتر الفكر العربي المعاصر بين مطلب الأصالة وضغط المعاصرة.

إن إعادة التفكير في الكونية اليوم لم تعد ترفا نظريا، بل ضرورة وجودية في عالم يتفكك تحت وطأة الصراعات الهوياتية، ويتآكل بفعل الرأسمالية المعولمة، ويكاد يفقد بوصلته الأخلاقية. فالكونية التي لا تعترف بجراح الاستعمار، ولا تُصغي لأصوات الجنوب، ولا تحتضن التعدد اللغوي والرمزي، ليست سوى إعادة إنتاج للمركزية بصيغ جديدة.

يقول ألبير كامو: «الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يرفض أن يكون ما هو عليه»، وهي عبارة تختزل مأساة الكوني الحديث: سعي دائم إلى تجاوز الذات دون مصالحة معها، وإلى تعميم نموذج واحد دون الإصغاء لتنوع التجارب.

هكذا يتبدّى أن الكونية إذا لم تُعاد صياغتها من داخل التعدد، ستظل مجرد خطاب سلطوي مغلّف بلغة إنسانية. أما الكونية الممكنة فهي تلك التي تُبنى ببطء عبر الاعتراف المتبادل، وترجمة القيم وتقاطع الحكم وإشراك الهامش في صناعة المعنى.

ذلك هو أفق التعددية الفلسفية، ألا يكون العالم نسخة واحدة، بل فسيفساء غنية، وألا تكون الحقيقة صوتا منفردا، بل جوقة إنسانية متعددة النبرات.

إذا كان نقد الكونية الغربية قد كشف تواطؤها التاريخي مع منطق الهيمنة، فإن الرهان الفلسفي المعاصر لا يقف عند حدود التفكيك، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة شروط إمكان كونية بديلة، كونية لا تنبني على الامتلاك ولا على الإقصاء، بل على الاعتراف المتبادل وعلى تعدد سبل العقل، وعلى الحوار بين الذاكرات الحضارية. فالكوني لم يعد يُتصور باعتباره نقطة انطلاق ميتافيزيقية، بل أفقا إنسانيا يُبنى عبر التفاعل، ويتشكل داخل صيرورة تفاوضية طويلة، تتداخل فيها التجارب، وتتصارع فيها التأويلات.

لقد أبانت تحولات الفكر النقدي خلال العقود الأخيرة أن أزمة الكونية ليست في مضمونها القيمي المجرد، بل في بنيتها الإقصائية، وفي نزعتها إلى تحويل الجزئي الأوروبي إلى معيار كلي. وهنا كان لا بد من الانتقال من منطق التعميم القسري إلى منطق الترجمة الثقافية، ومن تصور أحادي للعقل إلى الاعتراف بتعدد العقلانيات. فكما يقول رايمون بانّيكار: «لا توجد كونية دون حوار بين الثقافات، ولا حوار دون قبول متبادل بالاختلاف».

إن الفلسفة ما بعد الكولونيالية قد أسهمت بعمق في إعادة فتح هذا الملف، حين أبرزت أن الحداثة الأوروبية لم تكن تجربة داخلية خالصة، بل تشكّلت عبر الاحتكاك العنيف مع الآخر، وأن ما يسمى “الكوني” هو في كثير من الأحيان حصيلة تاريخ غير متكافئ. لقد بيّن فرانتز فانون أن الاستعمار لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل المخيال، ويزرع في المستعمَر شعورا بالنقص الوجودي، ويقنعه بأن خلاصه يمر عبر تقليد المستعمِر. لذلك فإن تحرير الذات يقتضي أولا تفكيك هذه البنية النفسية العميقة التي تجعل الكونية مرادفا للتشبه بالمركز.

وفي الاتجاه نفسه، يرى هومي بهابها أن الهوية ليست جوهرا ثابتا، بل فضاء هجين يتشكل في مناطق التماس، وأن الثقافات لا توجد في عزلة نقية، بل في حالات تداخل دائم. ومن هنا تصبح الكونية ممكنة فقط بوصفها إنتاجا مشتركا، لا باعتبارها تصديرا أحاديا للقيم.

أما غياتري سبيفاك فقد طرحت سؤالا حادا: «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» وهو سؤال يعرّي وهم الكونية التمثيلية، حيث يتكلم المركز باسم الهامش، ويصوغ عنه خطابا لا يتيح له الظهور بذاته. فالكونية، حين لا تتيح للآخر أن يتكلم بلغته، تصبح مجرد إعادة إنتاج للصمت.

هذا التحول النقدي دفع كثيرا من المفكرين إلى إعادة تعريف العلاقة بين المحلي والكوني. فلم يعد المحلي نقيضا للكوني، بل شرطا له. إذ لا معنى لأي قيمة إنسانية ما لم تتجسد في سياق ثقافي ملموس. يقول تشارلز تايلور إن الاعتراف بالخصوصيات الثقافية ليس تهديدا للكونية، بل هو الطريق الوحيد إليها، لأن الهوية لا تُبنى في الفراغ، بل داخل أفق جماعي من المعاني.

ومن داخل هذا الأفق، تبرز الحاجة إلى تجاوز الثنائية الساذجة بين النسبية المطلقة والكونية الصلبة، نحو تصور دينامي للكوني بوصفه شبكة علاقات، لا منظومة مغلقة. فالتعددية الفلسفية لا تعني تفكيك كل معيار، ولا السقوط في نسبوية عديمة الأفق، بل تعني الإقرار بأن المعنى يتولد من التفاعل، وأن الحقيقة تُبنى عبر تعدد وجهات النظر.

إن الفكر الآسيوي على سبيل المثال، يقدم موارد مفهومية غنية في هذا الباب. ففي الحكمة الكونفوشية، كما عند كونفوشيوس، لا تُفهم الأخلاق بوصفها قوانين مجردة، بل علاقات حيّة داخل شبكة اجتماعية، حيث يتحدد الإنسان من خلال مسؤوليته تجاه الآخر. أما في البوذية كما تتجلى في تعاليم سيدهارتا غوتاما، فإن الذات ليست جوهرا مستقلا، بل كيانا علائقيا، يتشكل عبر الاعتماد المتبادل، وهو تصور يقوّض جذريا النزعة الفردانية التي قامت عليها الكونية الليبرالية الحديثة.

وفي الفلسفة الهندية، خصوصا في تقليد الأوبانيشاد، نجد تصورا للكوني قائما على وحدة الوجود، حيث يتداخل الفردي والكلي في حركة روحية عميقة. وهو ما يجعل الكونية هنا تجربة داخلية قبل أن تكون مشروعا سياسيا أو قانونيا.

أما في التراث الإسلامي، فإن مفهوم “العالمين” القرآني يفتح أفقا كونيا تعدديا، لا يختزل الوجود في نموذج واحد، بل يعترف بتعدد العوالم واللغات والشعوب. جاء في القرءان الكريم في سورة الحجرات: «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا»، وهي آية تؤسس لكونية قائمة على التعارف لا على الاستيعاب القسري. وقد عبّر ابن عربي عن هذا المعنى بقوله الشهير: «قلبي قابل لكل صورة»، معلنا انفتاح الذات العارفة على كل أشكال التجلي.

وفي السياق نفسه، يرى أبو حامد الغزالي أن الحقيقة لا تُنال بالعقل المجرد وحده، بل بتكامل العقل والذوق، وأن المعرفة التي لا تُثمر تواضعا أخلاقيا ليست سوى حجاب جديد. وهو تصور يعيد وصل الفكر بالفعل، ويجعل الكونية مشروطة بتحققها في السلوك.

غير أن التحدي الأكبر أمام أي مشروع كوني تعددي يظل سياسيا بامتياز. فالعالم المعاصر رغم خطابه المعولم، يعيش لا تكافؤا صارخا في توزيع السلطة والمعرفة والثروة. والرأسمالية المتأخرة كما حللها ديفيد هارفي، لا تنتج فقط تفاوتا اقتصاديا، بل تعيد تشكيل الفضاء الثقافي نفسه، وتفرض نموذجا استهلاكيا موحدا يُفرغ الخصوصيات من محتواها.

في هذا السياق، تغدو الكونية الليبرالية القائمة على حقوق مجردة للفرد، عاجزة عن معالجة الجراح التاريخية للشعوب، وعن الاعتراف بالذاكرة الاستعمارية، وعن إنصاف الجماعات المهمشة. لذلك يدعو أشيل مبيمبي إلى التفكير في “سياسات الحياة”، بدل الاكتفاء بخطاب الحقوق، أي إلى إعادة مركزية الكرامة الإنسانية في عالم تحكمه تقنيات الموت والإقصاء.

إن التعددية الفلسفية لا تعني فقط تنويع المرجعيات النظرية، بل تستلزم أيضا إعادة هيكلة المجال المعرفي العالمي، بحيث لا تبقى الجامعات ومراكز البحث أسيرة سردية واحدة، ولا تُختزل الفلسفة في تاريخها الأوروبي الحديث. فكما يقول بوآفينتورا دي سوزا سانتوس، نحن في حاجة إلى “إيكولوجيا المعارف”، تعترف بتكافؤ أشكال المعرفة المختلفة، وتفتح المجال أمام حوار بين العلم الحديث والحكم التقليدية، وبين الفلسفة الأكاديمية والتجارب الشعبية.

وفي هذا الإطار، يصبح للمثقف دور مزدوج: تفكيك المركزيات القائمة، والمساهمة في بناء جسور جديدة بين الثقافات. فالمثقف ليس مجرد ناقل للأفكار، بل وسيط حضاري، مطالب بأن يصغي بقدر ما يتكلم، وأن يترجم بقدر ما ينتج.

لقد كتب أنطونيو غرامشي أن كل إنسان فيلسوف بطريقته، لأن لكل فرد رؤية ضمنية للعالم. وهذه العبارة تذكّرنا بأن الكونية لا تُصنع فقط في الأبراج الأكاديمية، بل تتشكل أيضا في الحياة اليومية في مقاومات الشعوب، وفي سرديات الذاكرة، وفي أشكال التضامن الصامت.

وهكذا يتضح أن الكونية المنشودة ليست صيغة نهائية، بل مشروع مفتوح، يتطلب تواضعا معرفيا، وشجاعة أخلاقية، واستعدادا دائما لمراجعة الذات. إنها كونية بلا مركز ثابت وبلا وصاية فكرية، وبلا ادّعاء امتلاك الحقيقة. كونية تُبنى من الأسفل، من الهامش، من تعدد الأصوات، ومن الاعتراف بأن الإنسان أكبر من أي تعريف أحادي.

يقول بول فاليري: «الحضارات فانية»، وهي عبارة تختزن درسا عميقا: لا نموذج يدوم، ولا مركز يبقى. وما يبقى هو القدرة على التعلم من الآخر، وعلى تحويل الاختلاف إلى مصدر غنى، لا إلى ذريعة صراع.

إن إعادة التفكير في الكونية ليست مجرد مراجعة لمفهوم فلسفي، بل هي إعادة تأسيس لعلاقتنا بالعالم وبالآخر وبالذات. إنها دعوة إلى الانتقال من منطق السيادة إلى منطق المشاركة، ومن وهم التفوق إلى أخلاق التواضع، ومن كونية مفروضة إلى كونية متفاوض عليها.

فالكوني الحق ليس ما يُملى من فوق، بل ما يُنسج بين البشر خيطا خيطا، في صبر التاريخ وفي هشاشة المعنى، وفي أمل الإنسانية المشتركة.

***

د. حمزة مولخنيف

تحوّل السلطة المعرفية في العصر الخوارزمي

بعد الانتقال من الورق إلى الشاشة بفضل التحول الرقمي، ومن المنبر التقليدي إلى المنصة الرقمية، أصبحنا نعيش تحوّل في البنية العميقة لتنظيم المجال العام، والسؤال تحول من : (من يتكلم؟)، إلى: (من يُرى؟)، ومن الذي يقرر ما الذي يُرى؟

لقد عاش العالم الحديث، منذ الطباعة إلى التلفزيون، ضمن ما يمكن تسميته بـ مجتمع الخطاب، إذ كانت السلطة المعرفية تتمحور حول الكلمة، (الكاتب، العالم، الخطيب، المفكر، المؤسسة الإعلامية)، وكان الصراع ظاهرا، يدور بين أطروحات متقابلة، تواجه فيها الحجة بالحجة، ويقاس الانتشار بمدى الإقناع أو النفاذ إلى الجمهور عبر منابر محددة.

ولكن هذا البناء بدأ يتصدع مع صعود المنصات الرقمية، فلم يعد توزيع الأفكار يتم بواسطة محرر أو هيئة تحرير، بل عبر نماذج تنبؤية وخوارزميات ترشيح.. وفي منصات مثل YouTube وFacebook وTikTok، انتقل السؤال المركزي من: (ما الفكرة الأقوى؟)، إلى: (ما الفكرة الأكثر احتمالًا للظهور أمام هذا المستخدم تحديدًا؟).

هنا ننتقل إلى ما يمكن تسميته بـ (مجتمع الترشيح).

وبعبارة أدق (من سلطة المحتوى إلى سلطة الاحتمال).

في مجتمع الخطاب، كانت السلطة أيديولوجية أو معرفية، تتجلى في من يمتلك الحجة أو المنبر، أما في مجتمع الترشيح، فالسلطة حسابية، لأن الخوارزمية لا تناقش الفكرة، ولا تفحص صدقها، بل تحسب احتمالية التفاعل معها، هي لا تسأل: هل هذه الفكرة صحيحة؟ بل: هل ستبقي المستخدم مدة أطول؟ هل ستثير استجابة أسرع؟

بهذا المعنى، انتقلت السلطة من مستوى المحتوى إلى مستوى التوزيع، ولم يعد الإقصاء يتم عبر المنع الصريح، بل عبر تقليل الظهور.. الفكرة قد تكون موجودة، لكنها لا تُعرض.. وهي صورة من صور التهميش الصامت، أخطر من المنع المعلن، لأنه لا يُدرَك بوصفه إقصاء.

إذن إننا أمام انتقال من (صراع بين أفكار) إلى (صراع بين خوارزميات)، إذ الفكرة لا تنتشر لأنها أقوى برهانيًا، بل لأنها أكثر قابلية للانتشار حسابيا حسب عمل الخوارزمية.

تفكك المجال العام:

كان المجال العام في مجتمع الخطاب — رغم اختلافاته — مجالًا مشتركًا نسبيًا، الصحيفة ذاتها يقرأها آلاف، والقناة ذاتها يشاهدها ملايين، أما اليوم، فكل مستخدم يعيش في نسخة مخصصة من العالم، فالخوارزمية تصمم له بيئة معرفية تناسب تاريخه السلوكي.

والنتيجة تتلخص بما يمكن وصفه بـ (تفكك الإدراك الجمعي)، إذ لم يعد الناس يختلفون فقط في آرائهم، بل في المعطيات التي يتلقونها أصلًا، فينشأ وهم الإجماع داخل كل فقاعة معرفية، ويتعزز الاستقطاب، لأن المحتوى الانفعالي أكثر قدرة على توليد التفاعل الذي تكافئه الخوارزمية، فيتحول المجال العام من ساحة تداول إلى سوق انتباه.

معيار الانتباه بدل معيار الحقيقة:

في مجتمع الخطاب، كانت القيمة العليا هي الإقناع، حتى وإن لم يتحقق دائمًا، أما في مجتمع الترشيح، فالمعيار هو جذب الانتباه، فالانتباه سلعة، والخوارزمية تعمل على تعظيمه.

هذا التحول يعيد انتاج بنية الخطاب نفسه، إذ تميل البيانات إلى الاختزال، والمبالغة، والإثارة، لأنها أكثر قدرة على التفاعل السريع، فلا تتغير آلية التوزيع فقط، بل يتغير شكل الفكرة ذاتها، فالخطاب يصبح خاضعا لمنطق تحكم الخوارزمية، لا العكس.

تحوّل مفهوم السلطة

في هذا السياق، لم تعد السلطة المعرفية حكرا على منتج المعنى، بل صارت موزعة بين منتج المحتوى ومهندس الخوارزمية، ومن يمتلك آلية الترشيح يمتلك قدرة هائلة على تشكيل المجال الإدراكي، حتى من دون أن ينتج خطابا مباشرا.

فنحن اليوم أمام انتقال من سلطة الكلمة إلى سلطة المعادلة، ومن مركزية (من يتكلم) إلى مركزية (من يقرر ما يُرى)، وهذه السلطة لا تمارس نفسها عبر الإقناع، بل عبر إعادة ترتيب مجال الإمكان.

وليس الخطر هنا في وجود الخوارزميات ذاتها، بل في لا مرئيتها، فحين لا يُدرك المستخدم أن ما يراه هو نتيجة ترشيح، يظنه تمثيلًا طبيعيا للواقع.

هل انتهى مجتمع الخطاب؟

ليس تمامًا، فالخطاب ما زال قائمًا، لكن داخل بيئة ترشيحية، (المفكر، أو الباحث، أو المؤسسة العلمية)، لم يعد كافيا في أن ينتج معرفة رصينة، بل عليه أن يفهم منطق المنصة التي ستوزعها، أي أن الصراع لم يعد على المعنى فقط، بل على شروط ظهوره.

من هنا يتضح أن التحول ليس تقنيًا فحسب، بل حضاري، إنه يمس مفهوم الحرية، والمسؤولية، والحقيقة ذاتها، ففي مجتمع الترشيح، لا يُقمع الرأي المخالف بالمنع، بل يُضعف احتماله في الظهور، ولا يفرض اتجاه بعينه، بل يُعاد ترتيب البيئة بحيث يصبح اتجاه ما أكثر حضورا من غيره.

إن الانتقال من مجتمع الخطاب إلى مجتمع الترشيح يمثل أحد أعمق تحولات السلطة المعرفية في العصر الحديث، فبعد أن كان الصراع يدور فقط حول ما يُقال، أصبح يدور حول ما يُرى، وبعد أن كانت الهيمنة تتجلى في السيطرة على المنابر، أصبحت في السيطرة على الخوارزميات التي تحدد مسارات الوصول إلى تلك المنابر.

وهذا التحول يفرض علينا إعادة التفكير في مفهوم المجال العام، وفي شروط الحرية الفكرية، وفي مسؤولية المنصات الرقمية بوصفها فاعلا بنيويا في تشكيل الوعي الجمعي، فالوعي في العصر الخوارزمي يتشكل عبر ما يُتاح لنا أن نراه.

السلطة الخوارزمية، في تحوّل مركز القوة المعرفية من الكلمة إلى الكود

السلطة الخوارزمية لا تحتاج أن تتكلم، وتخطب، وتصدر بيانا، لكن يمكنها أن تقرر من يتكلم، ومن يُسمَع، ومن يُدفَع إلى الهامش.

 الخوارزمية في أصلها صيغة حسابية لتنظيم البيانات واتخاذ قرارات آلية، لكن الأمر يتجاوز الوظيفة التقنية البحتة عندما تتحول هذه الصيغ إلى أدوات تنظيم المجال العام.

في منصات مثل YouTube وFacebook وTikTok، تقوم الخوارزميات بـ: ترتيب المحتوى، تحديد أولوية الظهور، اقتراح العلاقات، توجيه التفاعل..

بهذا المعنى، تتجكم الخوارزمية في مسارات تداوله، وهنا يكمن جوهر السلطة، فالسلطة الخوارزمية سلطة توزيع، تعمل على تحديد احتمالات ظهوره.

 وفي النماذج التقليدية للسلطة، كان المنع ظاهرًا: حجب كتاب، إغلاق صحيفة، منع خطاب، أما في السلطة الخوارزمية، فلا حاجة إلى المنع بل يكفي تقليل الظهور.

فالرأي قد يكون موجودًا، لكنه لا يُعرَض، والفكرة قد تكون متاحة، لكنها لا تصل.

والإقصاء هنا لايحتاج الى الحذف، بل إعادة ترتيب المشهد بحيث يصبح رأي ما أقل احتمالا في الوصول إلى المستخدم، فهي سلطة تعمل عبر الاحتمال لا عبر الحظر.

وهذا النوع من السلطة أكثر تعقيدًا، لأنه لا يثير مقاومة مباشرة، إذ يصعب إدراكه.

والسلطة الخوارزمية لا تسأل عن صدق الفكرة أو قيمتها المعرفية، بل عن قابليتها للتفاعل، معيارها هو الانتباه، والانتباه سلعة في الاقتصاد الرقمي، وهذا التحول يعيد تشكيل طبيعة الخطاب ذاته، إذ تميل البيانات إلى: الاختزال، الإثارة، الاستقطاب، الانفعال، لأنها أكثر قدرة على جذب التفاعل.

وهنا تنتقل القوة من المحتوى العميق إلى المحتوى الجاذب، وتنتقل الهيمنة من من يملك البرهان الأقوى، إلى من يملك القدرة على جذب الانتباه في بيئة مشبعة.

 ففي الفضاء التقليدي، كان المجال العام مشتركًا نسبيًا، أما في الفضاء الخوارزمي، فكل مستخدم يعيش في بيئة معرفية مخصصة، فالخوارزمية تبني لكل فرد نسخته من العالم، استنادًا إلى:

سلوكه السابق، شبكة علاقاته، أنماط تفاعله..

والنتيجة هي تفكك المجال العام إلى مجالات موازية، تتعايش دون أن تتقاطع بالضرورة، ينشأ وهم الإجماع داخل كل فقاعة معرفية، ويتصاعد الاستقطاب، لأن الخوارزمية تكافئ المحتوى الأعلى إثارة.

والسلطة هنا تعيد هندسة البيئة بحيث يصبح رأي ما أكثر حضورا من غيره.

تحوّل مفهوم الحرية

في ظاهر الأمر، يبدو المستخدم حرًا؛ فهو يختار ما يشاهده، لكن اختياره يتم داخل نطاق مُسبق التشكيل، فالخوارزمية تحدد له ساحة الإمكان، وهو يختار ضمنها، وهذا لا يعني غياب الإرادة، بل إعادة تنظيم مجالها.

فالحرية لم تُلغَ تماما، لكنها أصبحت مشروطة ببنية ترشيحية غير مرئية، ومن هنا، فإن الوعي ببنية السلطة الخوارزمية يصبح شرطًا لممارسة حرية واعية، لا تلقائية.

وإذا كان العصر الحديث قد أسس لسلطة النص والخطاب، فإن العصر الرقمي يؤسس لسلطة الكود، الكود لا يناقش، ولا يجادل، لكنه يقرر، والتحول العميق يكمن في انتقال مركز القوة من المنتج إلى الموزع، ومن الحجة إلى المعادلة، ومن المنبر إلى المنصة.

وهذا يفرض إعادة التفكير في مفاهيم: المجال العام، المسؤولية الأخلاقية، حرية التعبير، العدالة المعلوماتية..

فالسلطة الخوارزمية ليست محايدة لأنها انعكاس لأهداف اقتصادية، ونماذج عمل، ومعايير تصميم.

والسلطة الخوارزمية ليست طارئة، بل هي البنية التنظيمية للعصر الرقمي، إذ لا تمارس سيطرتها عبر القمع، بل عبر الترشيح، ولا تُقصي بالحذف، بل بتقليل احتمال الظهور للمستخدمين، ولا تفرض الحقيقة، بل تعيد ترتيب المشهد بحيث تبدو بعض الحقائق أكثر حضورا من غيرها.

وفي هذا التحول تتغير طبيعة الصراع المعرفي، وتعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والتقنية، بين الحرية والبنية، بين المعنى وآليات ظهوره.

***

د. أسعد عبد الرزاق الاسدي

تأملات في حدود العقل أمام التعقيد المعاصر

في كل زمن يقف الإنسان أمام مأزق أساسي، إدراك ما يمكن معرفته وما يبقى خارج متناول العقل. هذا المأزق ليس صدفة بل هو انعكاس حتمي لهيكلة العقل البشري وطبيعة الواقع الذي يعيش فيه. منذ فجر الفلسفة ظل التساؤل عن حدود المعرفة يشكل نقطة مركزية، إذ لم يكن الفكر البشري يسعى فقط إلى تجميع الحقائق، بل إلى تقييم حدود فهمه ووعيه بجهله. هنا يظهر مفهوم اللايقين المعرفي ليس كظرف عارض، بل كجوهر للخبرة الفكرية والوجودية؛ إذ كل محاولة للفهم تضع العقل أمام غموض لا يمكن تجاوزه، وفي قلب هذا الغموض تتكشف حدود اليقين، وأحيانا هشاشته، أمام تعقيدات الحياة الطبيعية والاجتماعية والسياسية.

ففي زمن التعقيد المعاصر، تتضاعف هذه الأزمة المعرفية، إذ لم يعد العالم قابلا للاختزال في مفاهيم بسيطة أو أنظمة ثابتة، بل أصبح شبكة متشابكة من الظواهر المتغيرة، حيث تتداخل العلوم والتكنولوجيا والسياسة والثقافة والاقتصاد بطريقة تجعل أي تصور شامل مستحيلا. اللايقين هنا ليس مجرد نتيجة نقص المعلومات، بل هو خاصية متأصلة في طبيعة الواقع نفسه؛ واقع لا يخضع دائما للتوقعات ولا يمتثل لقواعد اليقين الكلاسيكية. ومن هذا المنطلق، يصبح التفكير الفلسفي ضرورة لا غنى عنها، ليس لإعطاء إجابات جاهزة، بل لفهم آليات التفكير نفسها، ولتطوير أدوات عقلية قادرة على التعامل مع الغموض والاحتمالات المتعددة.

لقد لاحظ بعض الفلاسفة الكبار، من سقراط الذي أعلَن أن إدراك الجهل هو بداية الحكمة إلى ديكارت الذي اعتمد الشك المنهجي كوسيلة للتحقق من حدود العقل، أن معرفة حدود العقل ليست قيدا، بل شرط أساسي لأي محاولة صادقة للفهم. وفي العصر الحديث، مع انتشار المعلومات وتزايد التعقيد، يواجه العقل تحديا مزدوجا: البحث عن معرفة دقيقة مع الإدراك الدائم بأن كل تفسير نسبي ومحدود. هذا التوتر بين الرغبة في اليقين وإدراك محدودية المعرفة يشكل قلب اللايقين المعرفي ويجعله موضوعا مركزيا للفلسفة المعاصرة.

إن دراسة هذا المفهوم تتجاوز الإشكالات النظرية، لتصل إلى مجالات الحياة اليومية والعلمية والأخلاقية. فهي تساعدنا على إدراك أن القرارات العلمية والاجتماعية لا يمكن أن تُبنى على افتراضات مطلقة، وأن الحكمة في العالم المعقد تكمن في القدرة على التعامل مع الاحتمالات والغياب والتغير المستمر. ومن هذا المنظور، يصبح اللايقين المعرفي ليس تهديدا للفكر، بل فرصة لإعادة التفكير في أدواتنا العقلية ومرونتنا الأخلاقية واستراتيجياتنا في مواجهة التعقيد المعاصر. في قلب كل سؤال فلسفي يكمن سؤال آخر، أشد عمقا وأكثر صعوبة. إن الفلسفة منذ نشأتها الأولى عند أفلاطون وأرسطو، لم تكن مجرد سعي نحو المعرفة بل كانت رحلة متواصلة في الفضاء الغامض للوعي البشري وحدوده. وفي زمن التعقيد المعاصر، حيث تتشابك العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتكنولوجية، يجد العقل نفسه أمام تحدٍ مزدوج: تحد معرفي قائم على حدود قدراته، وتحد وجودي قائم على مواجهة اللايقين المستشري في كل مناحي الحياة. اللايقين المعرفي بهذا المعنى ليس مجرد عائق عابر، بل هو الجوهر الذي يفرض على الفلسفة إعادة التفكير في أدواتها ومناهجها ونظرتها إلى الحقيقة نفسها.

لقد اعتبر سقراط أن "الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش"، مؤكدا على أهمية التساؤل المستمر كوسيلة لاستجلاء الحقيقة. ومع ذلك كان سقراط نفسه يدرك محدودية العقل البشري، ففضله لم يكمن في امتلاكه لكل الإجابات، بل في إدراكه العميق لجهله. في هذا الوعي بالجهل يكمن جوهر اللايقين المعرفي؛ إذ لا يمكن للعقل أن يرفع كل الغموض عن الكون والوجود. وعندما ننتقل إلى العصور الحديثة، نجد ديكارت وهو يضع أساسا للمعرفة المطلقة عبر منهج الشك المنهجي، مؤكدا أن العقل لا يحقق اليقين إلا بعد المرور بعملية فرز دقيقة بين ما هو واضح وما هو مضلل. هذا الشك لا يقتصر على تشكيك فردي، بل يمتد ليصبح أداة نقدية، تفتح أمام الفلاسفة أبوابا لفهم أعمق للعقل وحدوده، ولإدراك أن كل معرفة تأتي مشحونة بالافتراضات والتقريبات والمحدوديات الذاتية.

وفي السياق المعاصر، يواجه العقل مشكلات أكثر تعقيدا. لا يتعلق الأمر بمجرد البحث عن الحقيقة المطلقة في العالم الطبيعي، بل بكيفية استيعاب العالم كشبكة متشابكة من العوامل الديناميكية المتغيرة. فالعقل الإنساني بقدر ما هو قادر على التحليل والتصنيف والتفسير، يظل عاجزا أمام الكلية المعقدة للظواهر. هيدجر أشار إلى أن الإنسان "موجود في العالم"، لكنه في الوقت نفسه "غير مكتمل الوعي بعالمه"، وهو ما يطرح مسألة حدود الإدراك، ليس فقط كمشكلة معرفية، بل كمأزق وجودي يتحدى كل محاولة لتحديد معنى واضح للوجود.

عندما نتحدث عن اللايقين المعرفي في واقعنا المعاصر، لا يمكننا تجاهل تأثير الثورة التكنولوجية والرقمية على تصوراتنا للمعرفة. المعرفة لم تعد حكراً على التأمل العقلي الفردي، بل أصبحت نتاج شبكة متشابكة من البيانات والإشارات والمعلومات. ومع ذلك، فإن الكم الهائل من المعلومات لا يعادل اليقين، بل يزيد من التوتر بين معرفة جزئية ومعرفة كلية، ويكشف هشاشة الفهم البشري أمام التعقيد الشديد للأنظمة الطبيعية والاجتماعية. كما لاحظ نيكلاس لومان، عالم الاجتماع الألماني، أن "العالم الحديث معقد لدرجة أن محاولات النظام والمعرفة تصبح بحد ذاتها مصدرا للارتباك واللايقين". إن اللايقين هنا ليس فقط نتيجة نقص المعلومات، بل نتيجة طبيعة الواقع نفسه الذي يتجاوز قدرة العقل على التنبؤ والتحليل الكامل.

من منظور فلسفي آخر، يمكن ربط هذا الواقع المعقد بمسألة نسبية المعرفة. فكر هيوم على سبيل المثال، في حدود التجربة البشرية، وأشار إلى أن كل معرفة تأتي عبر الحواس، وأن العقل لا يملك القدرة على الوصول إلى "الضروري" بشكل مطلق. في هذا الصدد، يصبح اللايقين المعرفي ليس حالة مؤقتة، بل شرطا جوهريا للوجود البشري، وهو ما يحيلنا إلى ضرورة التواضع المعرفي. تواضع العقل أمام التعقيد لا يعني التوقف عن التفكير، بل إدراك أن الفهم الكامل قد يكون خارج إمكانياتنا، وأن كل نظرية أو تصور هو تقريب، وليس حقيقة مطلقة.

ويتضح هذا اللايقين أيضا في مسألة التنبؤ بالمستقبل، سواء على المستوى العلمي أو الاجتماعي. النظريات الاقتصادية على سبيل المثال، تواجه صعوبة هائلة في توقع الأزمات المالية بشكل دقيق، على الرغم من توفر البيانات الضخمة ونماذج المحاكاة المتقدمة. نفس الأمر ينطبق على العلوم الطبيعية، حيث تواجه التغيرات المناخية والنظم البيئية قدرا هائلا من عدم اليقين بسبب التعقيد الداخلي والتفاعل المستمر بين العوامل المختلفة. إن العقل مهما بلغ من قوة التحليل، يجد نفسه أمام حدود جوهرية لا يمكن تجاوزها إلا بقبول اللايقين كأساس للتفكير.

لكن اللايقين المعرفي ليس دعوة للاستسلام، بل هو فرصة للتفكير النقدي والإبداعي. الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أشار إلى أن المعرفة ليست ثابتة، بل هي شبكة من العلاقات تتغير وفقا للزمن والمكان والسلطة. وعندما يعترف العقل بهذه الطبيعة المتغيرة، يصبح أكثر قدرة على التكيف مع التعقيد، وأكثر استعدادا لتطوير أدوات معرفية تتعامل مع عدم اليقين بمرونة ووعي. اللايقين هنا ليس عدو العقل، بل صديق يستحثه على تجاوز التبسيطات، والابتعاد عن الاستنتاجات المطمئنة الزائفة، والانخراط في حوار مستمر مع الواقع المتغير.

كما يمكن النظر إلى اللايقين من زاوية فلسفة العلوم. كارل بوبر مثلا، في نقده للمنهج الاستقرائي، أكد أن كل نظرية علمية تبقى قابلة للدحض، وأن اليقين النهائي غير ممكن. هذا الطرح يعيد العقل إلى موقعه الطبيعي كمتأمل ومراقب ومجرب، لا كحامل للحقائق المطلقة. فلسفة بوبر تفرض علينا أن نرى المعرفة كمسعى مستمر، لا كهدف مكتمل، وأن نفهم أن اللايقين المعرفي ليس ثغرة في الفكر، بل جزء من بنية المعرفة نفسها.

ويتجلى اللايقين أيضا في المشكلات الأخلاقية والاجتماعية. كيف يمكن للإنسان أن يتصرف في عالم يتغير بوتيرة سريعة، مع توفر معلومات متناقضة ومصالح متضاربة وقيم متغيرة؟ هانز جورج غادامير في فلسفة التفسير، أشار إلى أن فهم الإنسان للعالم مشروط بالسياق التاريخي والثقافي، وأن كل حكم أخلاقي أو معرفي يأتي ضمن إطار محدود. إن اللايقين هنا ليس مجرد نقص في المعرفة، بل شرط جوهري لكل محاولة للقرار والفعل.

في مواجهة هذا التعقيد، تقدم الفلسفة أدوات نقدية أساسية، لكنها تدعو أيضا إلى إعادة النظر في مفهوم اليقين نفسه. فالعقل، بدلاً من البحث عن معرفة مطلقة، يمكن أن يتجه نحو فهم النسبية والاحتمالات والمرونة في التفسير. مثل هذا الفهم يعيد الفلسفة إلى جوهرها النقدي، ويجعلها أكثر قدرة على التعامل مع الواقع المعاصر، حيث تتقاطع المعرفة بالتحليل والتجربة والسياق الاجتماعي والتكنولوجيا، والقدرة على التنبؤ المحدودة.

وفي هذا الإطار، يصبح اللايقين المعرفي ليس مجرد ظاهرة سلبية، بل مصدرا للإبداع والتجديد. فالفيزياء الحديثة على سبيل المثال، ابتداءً من ميكانيكا الكم إلى نظرية النسبية، تواجه حدود المعرفة الكلاسيكية، وتظهر أن الواقع نفسه يحتوي على مستويات من عدم اليقين والاحتمالات. عقل الإنسان عندما يواجه هذا الواقع، ليس مجرد مراقب سلبي، بل كمشارك في صياغة تصورات جديدة، قادرة على التعايش مع الغموض وتجاوز التوقعات البسيطة، والاندماج مع تعقيد الطبيعة.

إن الفلسفة المعاصرة لم تعد تبحث عن اليقين، بل عن الحكمة في التعامل مع اللايقين. فالحكمة ليست معرفة كل شيء، بل إدراك حدود المعرفة، والقدرة على اتخاذ قرارات متوازنة في عالم معقد، والوعي بأن الحقيقة غالبا ما تكون متعددة الأبعاد ومفتوحة على التأويل. الغزالي، في كتابه "تهافت الفلاسفة"، أشار إلى أن العقل البشري محدود، وأن التواضع أمام حدود الإدراك هو السبيل إلى الفهم الحقيقي. هذه النظرة ما زالت صالحة اليوم، إذ يواجه العقل المعاصر شبكة معقدة من المعلومات والعلاقات والتفاعلات، ويحتاج إلى تواضع معرفي وفلسفي لمواجهة ذلك.

اللايقين المعرفي إذن، ليس عائقا أمام التفكير الفلسفي، بل محفزا له. هو الذي يجعل الفلاسفة يتساءلون عن طبيعة الحقيقة، عن حدود العقل، عن العلاقة بين المعرفة والواقع، وعن دور الإنسان في الكون. إنه ما يميز الفلسفة عن العلوم الصرفة، إذ الفلسفة بوعيها بالحدود، تخلق مساحة للتأمل النقدي وللتساؤل العميق، وللاختلاف البناء.

إن تأمل اللايقين المعرفي يعيدنا إلى السؤال الأساسي: ما معنى المعرفة إذا لم تكن مطلقة؟ وهل يمكن للعقل أن يتجاوز حدود ذاته؟ هذه الأسئلة التي واجهت أفلاطون وسقراط وهيوم وديكارت، تتجدد اليوم في سياق التعقيد المعاصر، حيث تتشابك التكنولوجيا مع الاقتصاد، والسياسة مع البيئة، والعلوم الطبيعية مع الأخلاقيات. وعندما يدرك العقل هذه الحدود يصبح أكثر حرية، وأكثر قدرة على التعامل مع الواقع بواقعية، وأكثر استعدادا لقبول الغموض كجزء لا يتجزأ من تجربة الوجود.

إن اللايقين المعرفي هو المرآة التي تعكس حدود العقل البشري، ولكنه أيضا الجسر الذي يربط بين المعرفة والفهم، بين التجربة والتأمل، وبين الفرد والمجتمع. الفلسفة عبر تاريخها الطويل، علمتنا أن البحث عن اليقين هو في جوهره بحث عن التوازن بين ما نعرفه وما لا نعرفه، بين الثابت والمتغير، وبين القابل للتحليل وغير القابل للإدراك الكامل. وهذا الإدراك العميق للحدود، هو ما يمنح الفلسفة قوتها المستمرة، وقدرتها على مواجهة التعقيد المعاصر، دون أن تفقد جذورها النقدية، أو قدرتها على الإبداع والتأمل العميق.

إذا كان اللايقين المعرفي يمثل حالة طبيعية وضرورية لإدراك حدود العقل البشري، فإن أثره يتجاوز مجرد مستوى التفكير الفردي، ليصل إلى صميم النشاطات العلمية والاجتماعية والسياسية. فالعقل في مواجهة التعقيد المعاصر، لا يواجه نقصا في المعلومات فحسب، بل يجد نفسه أمام شبكة من الظواهر المتشابكة والمتغيرة، حيث لا يمكن لأي منهج أن يضمن اليقين المطلق أو التنبؤ الكامل. وهنا تكمن المفارقة: المعرفة تتزايد يوميا، بينما يقيننا في تفسيرها يظل هشا، مما يفرض على الفلسفة إعادة النظر في مفاهيمها التقليدية عن الحقيقة واليقين والمعرفة.

على مستوى العلوم الطبيعية، يكشف اللايقين المعرفي عن حدود المنهج التجريبي نفسه. ففي الفيزياء الحديثة، أظهر مبدأ عدم اليقين الذي صاغه هايزنبرغ أن المعرفة عن موقع وسرعة الجسيمات لا يمكن أن تكون مطلقة في آن واحد، وأن طبيعة الواقع على المستوى الكمي لا تسمح للعقل البشري بتحقيق اليقين الكامل. هذه الحقيقة رغم طبيعتها العلمية، تحمل أبعادا فلسفية عميقة، إذ تؤكد أن الوجود نفسه قد يكون قائما على احتمالات غير محددة مسبقا، وأن العقل مهما بلغ من الدقة، يظل متأثرا بقيود هذه الطبيعة الاحتمالية.

إن هذا المبدأ ليس مجرد مسألة تقنية فيزيائية، بل يطرح أسئلة معرفية شاملة حول حدود الإدراك البشري، هل يمكن للعلم أن يصل إلى الحقيقة النهائية عن العالم؟ أم أن كل نظرية تبقى تقريبية ومرتبطة بالوسائل والأساليب المستخدمة؟ كما أشار الفيلسوف وعالم الفيزياء كارل بوبر، فإن كل نظرية علمية قابلة للدحض، وأنه لا يمكن لأي نموذج أن يزعم اليقين المطلق، ما يعني أن الفلسفة لا تزال مطلوبة لتفسير حدود هذه المعرفة ومآلاتها.

على مستوى العلوم الاجتماعية، يصبح اللايقين المعرفي أكثر وضوحا وإلحاحا، إذ تتشابك العوامل الاقتصادية، السياسية، الثقافية والبيئية، لتشكل أنظمة معقدة يصعب على العقل التنبؤ بها أو ضبطها بشكل كامل. نذكر هنا المحاولات الاقتصادية للتنبؤ بالأزمات المالية، أو التنبؤ بالاتجاهات الاجتماعية والسياسية الكبرى، والتي غالبا ما تصطدم بالتحولات المفاجئة وغير المتوقعة. وقد أشار عالم الاجتماع الألماني نيكلاس لومان إلى أن "النظام الاجتماعي الحديث معقد بدرجة تجعل من كل محاولة للنظام والمراقبة مصدرا للارتباك واللايقين". هذه الرؤية تكشف أن اللايقين ليس مجرد نقص معرفي، بل نتيجة طبيعية لتعقيد العالم نفسه، الذي لا يمكن اختزاله إلى معادلات أو نماذج بسيطة.

يتجلى اللايقين أيضا في البنى الأخلاقية. ففي عالم متغير، تصبح الموازين التقليدية للخير والشر والحكم على الفعل صعبة التطبيق. ففي الفلسفة الأخلاقية، يجد العقل نفسه أمام مفارقة اللايقين: كيف يمكن إصدار أحكام أخلاقية في غياب معرفة شاملة بالعواقب أو بمآلات الفعل؟ هانز جورج غادامير في فلسفة التفسير، أشار إلى أن فهم الإنسان للعالم مشروط بالسياق التاريخي والثقافي، وأن الحكم الأخلاقي يأتي ضمن إطار محدود لا يمكن أن يكون مطلقا. هذه الحالة تجبرنا على إدراك أن اللايقين جزء من تجربة الفعل الإنساني، وأن الحكمة ليست في معرفة كل النتائج، بل في القدرة على التعامل مع احتمالاتها المتعددة بوعي ونزاهة.

اللايقين المعرفي إذن، ليس حالة سلبية فحسب، بل هو عامل إبداعي وتحفيزي للفكر. الفلسفة المعاصرة تدرك أن البحث عن اليقين المطلق في عالم معقد ليس الهدف، بل الهدف هو تطوير أدوات ذهنية ونقدية قادرة على التعامل مع الغموض. هنا يظهر دور المرونة الفكرية، التي تجعل العقل مستعدا لتغيير التصورات والتخلي عن الثوابت الزائفة، والتفاعل مع المتغيرات دون فقدان الاتجاه أو الهوية الفلسفية. بهذا المعنى، يصبح اللايقين محركا للإبداع، ومصدرا لتطوير نظريات ومناهج جديدة تتناسب مع طبيعة العالم المعقدة.

الفلاسفة المعاصرون مثل ميشيل فوكو يوضحون أن المعرفة ليست مجرد اكتشاف للحقائق، بل هي شبكة من العلاقات تتغير بحسب الزمان والمكان وسلطة الفكر. وبقبول العقل لهذا الواقع، يصبح اللايقين شرطا ضروريا للتفكير النقدي. إنه يفرض على الإنسان أن يكون مرنا، متواضعا ومستعدا دائما لإعادة التقييم، بدل التمسك بمبادئ جامدة قد تصبح عائقا أمام الفهم الحقيقي.

هذا الواقع يفرض أيضا إعادة النظر في مفهوم الحقيقة نفسها. فاللايقين المعرفي يشير إلى أن الحقيقة ليست مطلقة ولا مستقلة عن سياقاتها، بل هي غالبا متعددة الأبعاد، نسبية، ومفتوحة على التأويل. الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أشار إلى أن العقل البشري لا يملك الوصول إلى "الأشياء في ذاتها" مباشرة، بل يفهمها من خلال أطره المفهومية والزمانية والمكانية. هذه الرؤية تجعل اللايقين جزءا لا يتجزأ من فهم الحقيقة: كل معرفة هي تقريب، وكل تفسير محدود بالقدرات العقلية والوسائل المتاحة.

ويمكن النظر إلى اللايقين المعرفي في سياق التحولات التكنولوجية والثقافية الحديثة. الثورة الرقمية جعلت المعلومات متاحة بكثرة، ولكن هذا الوفرة المعلوماتية لا تعني بالضرورة يقينا معرفيا. فالكم الهائل من البيانات يتطلب تحليلا نقديا عميقا، وإلا أصبح مصدرا للارتباك وعدم الفهم. ويشير هذا إلى أن اللايقين المعرفي في العصر الرقمي ليس نتيجة نقص المعرفة، بل نتيجة طبيعة الواقع المعقدة والتشابك بين المعرفة والمعلومات والسياقات.

علاوة على ذلك، يعيد اللايقين المعرفي الإنسان إلى مسألة المسؤولية الفردية والاجتماعية. فالعقل الذي يدرك حدوده ويدرك احتمالات الفعل والعواقب يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متوازنة ومسؤولة. اللايقين هنا ليس ذريعة للجمود أو الانفعال العشوائي، بل هو إطار للتأمل العميق، ووسيلة لفهم أن الفعل الإنساني في عالم معقد يجب أن يكون مدروسا، نقديا، ومفتوحا على التكيف مع المتغيرات.

ويمكن استدعاء الفلسفة الإسلامية خاصة رؤية الغزالي، الذي أكد على محدودية العقل البشري وضرورة التواضع المعرفي أمام الغيب والكون. الغزالي يشير إلى أن العقل وسيلة لفهم الجزئيات وليس مطلق المعرفة، وأن الاعتراف بالحدود هو الطريق إلى الحكمة. هذه الفكرة تلتقي مع مقاربات فلسفة العصر الحديث، حيث يصبح الوعي باللايقين شرطا للمرونة والإبداع والفهم العميق.

اللايقين المعرفي عند هذا المستوى، يخلق أيضا ديناميكية معرفية واجتماعية. فهو يفرض على المؤسسات العلمية والسياسية والاجتماعية إعادة التفكير في طرق اتخاذ القرار، وإعادة تقييم النماذج التقليدية للتخطيط والاستنتاج. وعندما يتبنى العقل الجمعي هذه المرونة، يصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات المعقدة والمتغيرة، ويصبح التعامل مع عدم اليقين جزءا من ثقافة التفكير والتخطيط، وليس مجرد اضطراب أو ضعف معرفي.

الفلسفة في ضوء هذا اللايقين، تصبح أكثر من مجرد تأمل نظري، فهي أداة لفهم العالم وممارسة العقل بشكل فعال. اللايقين يوجهنا نحو نقد اليقين الزائف، وإدراك أن المعرفة عملية مستمرة ومتغيرة، وأن كل محاولة لتبسيط الواقع إلى مفاهيم جامدة ستفشل حتما. وبالتالي، تصبح الفلسفة وسيلة لفهم العلاقات المعقدة، وللتعامل مع الغموض بشكل واعٍ ومسؤول، ولتطوير ثقافة تفكير مستدامة قادرة على مواجهة تحديات العصر المعاصر.

وفي الجانب الأخلاقي، يعيد اللايقين صياغة معنى المسؤولية الإنسانية. فالوعي بالحدود المعرفية يعني أن كل فعل إنساني يجب أن يُدرس ضمن نطاق الاحتمالات، وأن التوقعات المطلقة قد تكون مضللة. هذا الوعي يفتح المجال لتبني مبدأ التواضع الأخلاقي، الذي يحث على التعامل مع الآخرين والمجتمع بمرونة واحترام للتعقيدات والاختلافات، ويحول اللايقين إلى أداة لتعميق الحوار والتفاهم، بدل أن يكون سببا للصراع أو الجمود الفكري.

ويبدو واضحا أن اللايقين المعرفي ليس مجرد مشكلة فلسفية نظرية، بل هو واقع يومي وشرط أساسي للتفكير النقدي والتعامل المسؤول مع العالم. إنه الذي يجعل العقل البشري يعيش في حالة تأمل مستمرة، ويدفعه لإعادة تقييم مفاهيمه ومراجعة استنتاجاته، والانفتاح على احتمالات جديدة. ومن هنا، يغدو اللايقين عدم عائق أمام المعرفة، بل محفزا لتطوير وعي نقدي وأدوات تحليلية، ومقاربات فلسفية قادرة على التعامل مع تعقيد الحياة الحديثة.

إن الفلسفة عبر تاريخها الطويل، علمتنا أن العقل البشري ليس آلة للمعرفة المطلقة، بل هو أداة للتفكير النقدي، للتأمل العميق، وللاختبار المستمر للحدود. اللايقين المعرفي بهذا المعنى، ليس ثغرة أو عيبا في الفكر، بل شرطا أساسيا لفهم الذات والكون. فهو يوضح أن المعرفة ليست هدفا نهائيا، بل عملية مستمرة من البحث، التجربة، النقد والتأمل.

في واقعنا المعاصر، حيث تتشابك العوامل العلمية والاجتماعية والتكنولوجية والسياسية، يصبح اللايقين المعرفي أكثر وضوحا وأكثر إلحاحا. العقل البشري يواجه عالما متغيرا بشكل مستمر، مليئا بالاحتمالات المتعددة والتفاعلات المعقدة، مما يجعل اليقين المطلق مستحيلا. لكن هذا الواقع لا يجب أن يُنظر إليه على أنه مأزق، بل على أنه فرصة للتفكير النقدي، ولإعادة بناء أدوات المعرفة، ولتطوير مرونة عقلية وأخلاقية تمكن الإنسان من مواجهة الغموض والتحديات المعاصرة.

عندما يدرك العقل حدوده، يصبح قادرا على التفاعل مع العالم بوعي ومرونة، ويستطيع تبني مقاربات جديدة للحقيقة والمعرفة والأخلاق والفعل الاجتماعي. إن اللايقين في جوهره، يحرر الفكر من التبسيط الزائف ويدفع الفلسفة نحو نقد اليقين الزائف، وإعادة تأمل الواقع والتفكير الإبداعي المستمر.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار اللايقين المعرفي حجر الزاوية الذي تربط من خلاله الفلسفة بين المعرفة والعقل والتجربة الإنسانية. فهو يعلمنا التواضع أمام حدود العقل، ويحفزنا على البحث المستمر عن الفهم، ويمنحنا القدرة على مواجهة التعقيد المعاصر بوعي ومرونة ومسؤولية. إن مواجهة اللايقين لا تعني التخلي عن البحث عن الحقيقة، بل تبني أسلوب حياة معرفي وأخلاقي يتكيف مع التعقيد ويحتضن الغموض ويصنع من اللايقين مصدر قوة وإبداع.

ويبقى اللايقين المعرفي ليس فقط اختبارا للعقل بل تجربة وجودية شاملة، تجعل الإنسان أكثر قدرة على التفاعل مع عالمه، وأكثر حكمة في ممارسته للفكر والمعرفة، وأكثر إدراكا لعلاقته بالكون والحياة والآخرين. وفي سياقنا هذا، تصبح الفلسفة المعاصرة دعوة مستمرة للتأمل وإدراك حدود العقل، واستخدام اللايقين كمرشد ومرآة ووسيلة للتجديد الفكري والأخلاقي والمعرفي.

***

د. حمزة مولخنيف

في زمن تتقاطع فيه اللغة مع الخوارزمية وتتداخل فيه السيرة الذاتية مع منطق المنصّات، لم تعد الهوية معطى أنطولوجيا مستقرا، بل غدت بناءً سرديا هشا، يتشكّل داخل فضاءات رقمية تحكمها الرؤية أكثر مما يحكمها المعنى. فالذات المعاصرة لا تحيا قصتها في صمت داخلي، بل تُطالَب بأن تعرض نفسها باستمرار، وأن تحوّل تجربتها إلى محتوى، وذاكرتها إلى منشورات، ووجودها إلى حضور قابل للقياس.

من هنا ينهض سؤال الذات السردية بوصفه أحد أعقد أسئلة الفكر الراهن: هل تقودنا المنصّات إلى تفكك الهوية تحت وطأة التشتّت والتسارع، أم تفتح أفقا جديدا لإعادة تركيبها ضمن صيغ أكثر مرونة وتعدّدا؟ إن هذا السؤال لا يخص التقنية وحدها، بل يمسّ صميم علاقتنا بالزمن وباللغة وبالآخر وبأنفسنا.

يسعى هذا المقال إلى مساءلة تحوّلات الذات السردية في العصر الرقمي، من خلال تفكيك آليات الحكي المنصّاتي، وتحليل اقتصاد الانتباه، واستحضار الرهانات الفلسفية والأخلاقية لهذا التحوّل، قصد استكشاف إمكانات المعنى في عالم يتسارع فيه السرد، ويتقلّص فيه العمق.

ولم يعد سؤال الذات في الزمن الرقمي سؤالا أنطولوجيا خالصا كما كان في الفلسفة الكلاسيكية، ولا سيكولوجيا محضا كما في الحداثة، بل أضحى سؤالا تداوليا-سرديا، يتشكّل داخل فضاءات رقمية هجينة، حيث تختلط اللغة بالصورة والتمثيل بالعرض والحضور بالغياب. فالذات المعاصرة لا تُدرَك اليوم بوصفها جوهرا ثابتا أو مركزا وعيانيا مغلقا، بل باعتبارها بناءً سرديا متحوّلا، يتغذّى من تفاعلات المنصّات الرقمية، ويُعاد تشكيله باستمرار عبر أنظمة الخوارزميات وآليات الاعتراف واقتصاد الانتباه.

لقد كان بول ريكور من أوائل الفلاسفة الذين بلوروا مفهوم “الهوية السردية”، حيث ذهب إلى أن الذات لا تسبق قصتها، بل تتشكّل في أفقها، وأن الإنسان لا يوجد وجودا كاملاً إلا بقدر ما يحكي نفسه. فالهوية وفق هذا السياق، ليست معطى قبليا جاهزا، وإنما هي بناء تأويلي مركّب، يتوسط بين الثبات والتحوّل، بين ما سماه ريكور بالهوية المتماثلة (idem) التي تحيل على الاستمرارية الشكلية والتشابه، والهوية الذاتية (ipse) التي تعبّر عن القدرة على الالتزام والوفاء بالوعد عبر الزمن. غير أن هذا التصور المتكوّن في سياق سردي أدبي وتاريخي، يواجه اليوم منعطفا حاسما؛ إذ لم يعد السرد فعلا فرديا حرا، بل غدا ممارسة منصّاتية مؤطَّرة ببروتوكولات تقنية ومحكومة بخوارزميات خفية، ومنخرطة في منطق عرض دائم للذات، حيث تتحول الهوية من مشروع تأويلي إلى صورة متداولة، ومن تجربة وجودية إلى أداء رقمي مستمر.

إن المنصّات الرقمية لا تكتفي بإتاحة التعبير عن الذات، بل تعيد تعريف شروط إمكان هذا التعبير. فهي لا تستقبل السرد بوصفه تجربة داخلية، بل تحوّله إلى محتوى، وتُخضعه لمنطق القابلية للمشاركة والقياس والتداول. وهكذا تنتقل الذات من كونها موضوعا للتأمل إلى كونها مشروعا للعرض، ومن تجربة معيشة إلى ملف شخصي، ومن تاريخ داخلي إلى سلسلة منشورات قابلة للأرشفة والتقييم.

وهنا لا يعود السؤال: من أنا؟ بل يصبح: كيف أُرى؟ وكيف أُقرأ؟ وكيف تُستقبل حكايتي داخل اقتصاد الرؤية؟ وهنا يلتقي ريكور مع فوكو وغوفمان وحنة أرندت في نقطة مركزية: الذات لا تتكوّن في العزلة، بل في فضاء الظهور. غير أن فضاء الظهور اليوم لم يعد سياسيا بالمعنى الأرندي، ولا تفاعليا مباشرا كما عند غوفمان، بل أصبح فضاءً خوارزميا، تُعاد فيه صياغة العلاقات بين القول والتلقي وبين الحضور والتمثيل.

لقد نبّه ميشيل فوكو إلى أن الذات الحديثة ليست نتيجة وعي حر، بل ثمرة أنظمة خطابية وسلطوية تنتج “أشكال الذوات”. أما في العصر الرقمي فإن هذه السلطة لم تعد متمركزة في المؤسسات، بل موزّعة داخل الشبكات، متخفية في واجهات التطبيقات، وفي منطق الإعجاب، وفي سياسات المنصّات. نحن أمام ما يمكن تسميته بـ”السلطة الناعمة السردية”، حيث يُطلب من الفرد أن يحكي نفسه باستمرار، لا باعتباره فعل تحرّر، بل كشرط للاندماج الرقمي.

تتشكّل الذات السردية هنا داخل توتر عميق بين الرغبة في الاعتراف والخوف من الاختفاء. فالمنصّات تُكافئ الظهور وتعاقب الصمت. وهي بذلك تُنتج ذاتا قلقة، متعلّقة بالتفاعل مرتبطة بقيم رقمية (الإعجابات، المشاركات، المشاهدات)، حيث تُعيد تعريف معنى القيمة الذاتية. وكما يقول تشارلز تايلور، فإن الهوية الحديثة تقوم على “أفق الاعتراف”، غير أن هذا الأفق أصبح اليوم تقنيا، سريع التقلّب، هشا، تحكمه خوارزميات لا ترى الإنسان بل سلوكه. ومن هنا ينبثق السؤال الجوهري: هل تؤدي هذه الدينامية إلى تفكك الهوية أم إلى إعادة تركيبها؟.

إن أطروحة التفكك تجد سندها في أعمال زيغمونت باومان حول “الحداثة السائلة”، حيث تصبح الذات كيانا غير مستقر، متعدّد الوجوه، سريع التحوّل، بلا مركز ثابت. فالهوية الرقمية تسمح بتعدد الأقنعة، وبالانتقال السريع بين أدوار متباينة، مما يخلق ما يسميه شيري توركل “ذواتا موزّعة”. الفرد الواحد يمكن أن يكون مهنيا في لينكدإن، ساخرا في تويتر، عاطفيا في إنستغرام، وجوديا في فيسبوك. هذه التشظية لا تُنتج ثراءً بالضرورة، بل قد تفضي إلى تآكل الإحساس بالتماسك الداخلي.

غير أن القراءة المضادة ترى في هذا الوضع إمكانا لإعادة تركيب الهوية، لا بوصفها جوهرا واحدا، بل كنسيج من سرديات جزئية قابلة للتفاوض. فكما يذهب جيل دولوز، الذات ليست وحدة بل صيرورة، وليست مركزا بل عقدة علاقات. والمنصّات رغم طابعها الأداتي، تتيح إمكانات جديدة لتجريب الذات، وإعادة كتابة السيرة، وتجاوز الحدود التقليدية للجندر والثقافة والانتماء.

لكن هذا التفاؤل يصطدم بحقيقة أساسية: أن السرد الرقمي ليس حرا. إنه مُفلتر، مُرتّب، مُقيَّم. الخوارزمية تقترح ما يجب أن يُرى، وتُقصي ما لا يتوافق مع منطق الانتشار. وهكذا تُعاد صياغة الذوات وفق نماذج قابلة للتسويق. ما يُنتج في النهاية ليس ذاتا متفردة، بل أنماطا متكررة من الأداء السردي.

هنا يستعيد كلام أدورنو راهنيته: “الفردانية التي تنتجها الصناعة الثقافية هي فردانية زائفة”. فالمنصّات تُوهم بالاختلاف، لكنها تعمل على توحيد أشكال التعبير. حتى الاحتجاج نفسه يصبح قالبا جاهزا، وحتى الحميمية تُحوَّل إلى محتوى.

إن الذات السردية الرقمية تعيش داخل مفارقة مزدوجة: فهي مطالبة بأن تكون أصيلة، وفي الوقت نفسه قابلة للانتشار؛ أن تكون خاصة ولكن مرئية؛ أن تكون عميقة ولكن سريعة الاستهلاك. وهذه المفارقة تُنتج ما يمكن تسميته بـ”الإنهاك السردي”، حيث يتحوّل الفرد إلى مدير دائم لصورته، ومحرر مستمر لسيرته دون توقف.

ويزداد الأمر تعقيدا حين ندرك أن اللغة نفسها تغيّرت. فالسرد لم يعد نصيا فقط، بل أصبح هجينا: صورة، مقطع، رمز تعبيري، موسيقى خلفية. وهذا التحوّل يعيد تشكيل علاقة الذات بالمعنى. فالعمق يُستبدل بالكثافة البصرية، والتأمل يُزاحمه الإيقاع، والاستمرار تُقطعه اللحظة.

لقد كتب فالتر بنيامين عن “فقدان الهالة” في عصر الاستنساخ التقني، أما اليوم فنحن أمام فقدان الاستمرارية السردية. الذات تُجزّأ إلى لحظات، إلى قصص قصيرة، إلى منشورات عابرة. الزمن لم يعد تاريخا، بل تدفّقا.

ومع ذلك لا يمكن اختزال المشهد في تشاؤم صرف. فداخل هذه البنية المنصّاتية تظهر أيضا أشكال جديدة من التضامن السردي ومن بناء الجماعات الرمزية، ومن إعادة الاعتبار لتجارب مهمّشة. الذات الرقمية ليست فقط منتَجا خوارزميا، بل أيضا فاعلا يعيد توظيف الأدوات.

غير أن الرهان الحقيقي يظل فلسفيا: كيف يمكن للذات أن تستعيد قدرتها على السرد العميق داخل فضاء يُكافئ السطح؟ كيف يمكن للهوية أن تحافظ على وعدها الأخلاقي وسط اقتصاد الانتباه؟ كيف يمكن للإنسان أن يروي نفسه دون أن يتحوّل إلى سلعة؟.

هذه الأسئلة لا تُجاب تقنيا، بل أنطولوجيا وأخلاقيا. إنها تعيدنا إلى كانط حين ربط الكرامة بالغاية في ذاتها، وإلى هيدغر حين حذّر من سيطرة التقنية بوصفها نمطا للكشف، وإلى ريكور حين رأى في السرد أفقا للمصالحة بين الزمن والذات.

فالذات السردية في عصر المنصّات تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تنحلّ في تدفّق الصور، أو أن تعيد اختراع معنى الحكاية بوصفها فعل مقاومة رمزية.

إذا كانت الذات السردية كما بلورها بول ريكور، تقوم على جدلية الزمن والحكي، وعلى إمكان المصالحة بين التشتّت التجريبي ووحدة المعنى، فإن المنصّات الرقمية تُدخل عنصرا ثالثا بالغ الخطورة في هذه المعادلة: اقتصاد الانتباه. فالسرد لم يعد مجرّد وسيلة لفهم الذات، بل أصبح أداة لجذب النظر واستبقاء المتابع وتوليد التفاعل. وهنا ينتقل الحكي من أفق التأويل إلى منطق التداول، ومن تجربة المعنى إلى هندسة التأثير.

اقتصاد الانتباه كما حلّله هربرت سيمون منذ السبعينيات، يقوم على مبدأ بسيط: في عالم فائض المعلومات، يصير الانتباه هو المورد النادر. غير أن المنصّات لم تكتفِ بإدارة هذا المورد، بل قامت بتسليعه. فالذات السردية تُقاس اليوم بمؤشرات رقمية، تُحوَّل إلى بيانات وتُدرج في نماذج تنبؤية. ولم يعد المهم ما يُقال، بل ما مدى قابليته للانتشار، ولا كيف يُعاش المعنى بل كيف يُستهلك.

تتحوّل الحكاية إلى أداء، والاعتراف إلى استراتيجية والحميمية إلى محتوى. إن ما كان يُعدّ في الفلسفة الحديثة مجالا للباطن والسريرة، أضحى اليوم مادة للعرض العمومي. وهنا يستعيد تحليل غي ديبور لـ«مجتمع الفرجة» راهنيته، إذ تصبح الحياة نفسها تمثيلا دائما، وتتحوّل الذات إلى صورة عن ذاتها.

غير أن ما يميّز عصر المنصّات عن مجتمع الفرجة الكلاسيكي هو أن الفرد لم يعد متلقيا سلبيا للصورة، بل منتجا نشطا لها. إنه يشارك في إعادة تشكيل ذاته وفق متطلبات السوق الرمزي. وهذا ما يجعل السيطرة أكثر تعقيدا: فالذات تستبطن منطق المنصّة، وتعيد إنتاجه طواعية.

تعمل الخوارزميات هنا بوصفها فاعلا تأويليا جديدا. فهي لا تكتفي بترتيب المحتوى، بل تعيد توجيه السرديات، وتُفضّل أنماطا معيّنة من التعبير وتقصي أخرى. إنها تقرّر بصمت ما يستحق الظهور. وبذلك تُمارس نوعا من “الهرمينوطيقا التقنية”، حيث يُعاد تفسير العالم وفق معايير التفاعل لا المعنى.

هذا الوضع يطرح إشكالا فلسفيا عميقا: من يملك سلطة التأويل اليوم؟ هل ما تزال الذات قادرة على امتلاك قصتها أم أن قصتها تُعاد كتابتها من الخارج؟.

لقد نبّه هيدغر إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيا بل أنطولوجيا، لأنها تعيد تشكيل علاقتنا بالكشف والحقيقة. وفي المنصّات الرقمية لا تُكشف الذات كما هي، بل كما يمكن استثمارها. الحقيقة تُختزل في الأداء والوجود يُقاس بالحضور الرقمي. ومن هنا تنشأ ذات “مُدارة”، تُصاغ وفق منطق الرؤية المستمرة.

لكن هذه الإدارة لا تلغي تماما إمكان المقاومة. فالذات رغم خضوعها لشروط المنصّة، ما تزال تحتفظ بهوامش للانزلاق، للتأويل المضاد، لإعادة توظيف الأدوات. تظهر هنا أشكال من السرد البديل ومن الكتابة الهامشية، ومن بناء جماعات رمزية تتجاوز منطق السوق. غير أن هذه الإمكانات تظل هشة، لأنها تعمل داخل بنية لا تتحكم في قواعدها.

من زاوية أخلاقية، تطرح الذات السردية الرقمية سؤال المسؤولية. ففي عالم تتسارع فيه الحكايات، وتُختزل التجارب في لقطات، كيف يمكن الحفاظ على عمق الالتزام؟ كيف يمكن للإنسان أن يظل وفيا لوعده السردي كما يقول ريكور، وسط إغراءات التبديل المستمر للصور والهويات؟.

هنا يتقاطع التحليل الفلسفي مع النقد الثقافي. فالمنصّات تُنتج نمطا من الذات الاستهلاكية التي تعيش في الحاضر الدائم، بلا ذاكرة عميقة ولا أفق مستقبلي واضح. الزمن يُسطَّح، والتاريخ يُجزّأ، والهوية تُعاد صياغتها وفق منطق اللحظة. وهذا ما يجعل السرد يفقد قدرته على بناء المعنى الممتد.

وقد عبّر هارتموت روزا عن هذا الوضع بمفهوم «التسارع الاجتماعي»، حيث تتكاثف الخبرات دون أن تتحوّل إلى حكمة، وتتراكم الوقائع دون أن تُهضَم. فتصاب الذات بنوع من الصمم الوجودي، إذ لم تعد قادرة على الإنصات إلى نفسها. غير أنّ أخطر ما في الأمر ليس التشظّي في ذاته، بل تطبيعه؛ إذ تقدّم المنصّات التشتّت بوصفه حرية، وتعرض التعدّد على أنه تحرّر من الثبات. غير أنّ ما يُخفى هو أنّ هذا التعدّد غالبًا ما يكون موجَّهًا، وأن الحرية محكومة بإطارات جاهزة. وهكذا تغدو الذات أسيرة مفارقة قاسية: تُخيَّر بين أشكال محدودة من التعبير، ثم يُقال لها إنها اختارت.

إن الذات السردية الرقمية تعيش شكلا جديدا من الاغتراب، لا يتمثل في الانفصال عن العمل كما عند ماركس، بل في الانفصال عن العمق السردي. الإنسان يُغترب عن قصته، لأن قصته تُعاد صياغتها وفق متطلبات المنصّة.

ومع ذلك لا ينبغي السقوط في حنين ميتافيزيقي إلى ذات نقية لم توجد يوما. فالهوية كانت دائما بناءً اجتماعيا وسرديا. الجديد اليوم هو سرعة التحولات وهيمنة الوسائط وتحول التقنية إلى وسيط كوني للحكي.

من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الذات السردية، لا بوصفه معطى إنسانيا ثابتا، بل كحقل صراع بين قوى متعددة: التقنية، السوق، الثقافة، الأخلاق. الذات ليست ضحية محضة، ولا فاعلا مطلقا، بل كيانا تفاوضيا، يتشكّل داخل شبكة من العلاقات.

إن إعادة تركيب الهوية لا تعني العودة إلى وحدة صلبة، بل بناء تماسك تأويلي قادر على استيعاب التعدد دون الذوبان فيه. وهذا يتطلب استعادة بُعد البطء والتأمل والمسافة النقدية. فالذات لا تُبنى بالاستجابة الفورية، بل بالقدرة على تعليق الفعل وعلى مساءلة الصور وعلى كتابة الحكاية خارج إيقاع الخوارزمية.

هنا يمكن استحضار كانط مرة أخرى، حين ربط الحرية بالقدرة على التشريع الذاتي. فالذات السردية الحرة هي التي تضع قواعد حكيها، لا التي تكتفي بتكييف قصتها مع متطلبات الرؤية.

كما يمكن استلهام ليفيناس، الذي يرى أن الذات تتأسس أخلاقيا عبر علاقتها بالآخر، لا عبر تمركزها حول نفسها. والمنصّات رغم طابعها الفرداني، تتيح إمكانات للقاء، شرط ألا يُختزل الآخر إلى متابع أو رقم.

إن سؤال الذات السردية في عصر المنصّات ليس سؤالا تقنيا ولا سيكولوجيا فحسب، بل هو في عمقه سؤال أنطولوجي وأخلاقي. فنحن أمام تحوّل جذري في شروط تكوّن الهوية، حيث لم يعد الإنسان يحكي نفسه داخل زمن متصل، بل داخل فضاء متشظٍّ، تُدار فيه الحكايات عبر خوارزميات، وتُقاس فيه القيم بمعايير الرؤية.

لقد حاولنا قدر الإمكان والممكن أن نبيّن أن الذات الرقمية لا تتفكك بالضرورة ولا تُعاد تركيبها تلقائيا، بل تخضع لصيرورة مزدوجة: تفكك على مستوى العمق، وإعادة تركيب على مستوى العرض. إنها ذات تتكاثر صورها، بينما يتهدّد تماسك معناها.

فالمنصّات لا تُلغي الذات، لكنها تعيد تشكيلها وفق منطق الأداء، وتدفعها نحو نماذج جاهزة من السرد. الهوية تصبح مشروعا دائم التحديث، والحكاية تتحوّل إلى تدفّق، والوجود يُختزل في الحضور الرقمي. وتظل إمكانات المقاومة قائمة لا بوصفها خروجا من المنصّة، بل بوصفها إعادة تفاوض مع شروطها.

إن الرهان الحقيقي ليس في استعادة ذات ميتافيزيقية مفقودة، بل في بناء ذات تأويلية واعية، قادرة على إدراك آليات التشكيل، وعلى ممارسة مسافة نقدية من صورها. الذات السردية في العصر الرقمي تحتاج إلى فلسفة جديدة للبطء، وإلى أخلاقيات جديدة للحكي، وإلى وعي بأن السرد ليس مجرد تواصل بل فعل وجودي. فأن نحكي أنفسنا يعني أن نتحمل مسؤولية قصتنا وأن نمنح الزمن حقه، وأن نقاوم اختزال المعنى في التفاعل. وحدها الذات التي تستعيد قدرتها على الصمت وعلى التأمل وعلى الإنصات الداخلي، تستطيع أن تحوّل المنصّات من فضاءات استهلاك إلى فضاءات معنى.

وبذلك، لا يكون السؤال: هل تفككت الهوية أم أُعيد تركيبها؟ بل: أي نوع من التركيب نريد؟ هل نرضى بذات قابلة للتسويق، أم نسعى إلى ذات قادرة على الوفاء لوعدها السردي؟.

وتبقى الذات السردية مشروعا مفتوحا، يتأرجح بين الإغواء التقني والنداء الأخلاقي، بين تسارع الصور وبطء المعنى. وما لم يستعد الإنسان حقه في الحكاية العميقة، سيظل يروي نفسه بلغة لا تخصّه.

***

د. حمزة مولخنيف

ليس من المنطق في شيء أن

تتباهى بالحرية وأنت مكبل بقيود المنطق.

ميخائيل نعيمة

***

يقول الفيلسوف الدنماركي، سورين كيرغارد، في روايته مراجعة: (يغرس الواحد اصبعه في التربة فيعرف الأرض التي ينتمي إليها، من الرائحة التي يشمها، وأغرس أنا اصبعي في الوجود، فينم عبيره عن اللاشيء.. فأين أنا، ومن أنا؟ كيف جئت هنا، وما هذا الشيء المسمى العالم وكيف وصلت إليه؟ لماذا لم أسأل ولماذا لم أؤهل لأتطبع بطرقه وعاداته، بل قذفت إلى جوعه وكأنما اشتريت من خاطف ملعون أو من تاجر أرواح؟ كيف أصبحت مهتماً به؟ هل هو أمر طوعي، أم أنا مرغم على تمثيل دور فيه؟ إذا كان الأمر كذلك فأين هو المخرج... فبودي أن أراه!)، ومن نافلة القول أن نقول أن هذه الأسئلة التي أوجزها كيرغارد أفضل وأدق إيجاز، هي فحوى وسبب الأسباب الذي وجدت الفلسفة من أجله.

ولننظر في هذه الأسئلة من الزاوية الأكثر مساساً في حياة الإنسان الفرد. فكل فرد منا، ومنذ ما بعد قيام الدولة، بشكلها الحديث، لم يعد يملك نفسه ويشعر أنه مُستغل ومضحوك عليه، بل ويُجبر على عيش حياة هي ضد رغباته وطموحاته. أما الفرد في عصر ما بعد قيام الثورة الصناعية وتعقيدها لنظام الدولة أكثر وأكثر (وخاصة في زاوية إحكام الدولة لقبضتها الأمنية على حرية الإنسان ومصادرتها لأغلب مساحات الطبيعة من حوله) فلم يعد له سوى أن يعيش (مراقباً من قبل عيون الدولة، حكوماتها... وأمنياً بالدرجة الأولى) في مدن كبيرة ومعقدة، لم يساهم في إنتاجها أو تأسيسها إلا قليلاً (مجبراً في أغلب الأحيان) بحسب فرصة العمل التي تتوفر له، مستغلاً وممثلاً عليه، ومن دون أن تكون له رغبة حقيقية في تمثيل دوره فيها أو (لم يكن هو الممثل، بحسب كولن ولسن)، أي إنه مجبر على أخذ دور في الفراغ الذي رسم له أو من حوله. وهذا بالتأكيد عكس ما كان يحدث في العصور السابقة، عصور ما قبل الدولة والأنظمة والقوانين، العصور التي كان يملك الإنسان الفرد فيها لحصته من الطبيعة، بلا فرض، بلا قهر، بلا قائمة ضوابط وممنوعات.. عصور الحياة تحت رعاية الإله وفرق الملائكة الطيبين، قبل أن (تُعلم) الأديان ورجالها، أولئك الملائكة غير المرئيين، نظام الرقابة وإحصاء أنفاس البشر، وتجند الكثير منهم (أولئك الذين كان الشاعر ريلكه يصرخ بينهم "من سيسمعني إذا صرخت بين فرقة من الملائكة") في أجهزة مخابرات سرية، صامتة ولا ترى، لتحصي على البشرية أنفاسها وتهويماتها، لتقدمها للإله وتتحول إلى سيئات يجب أن تُعاقب عليها وتدفع ثمنها.

شُوهت الحياة بتشويه نظامها الطبيعي، وهذا ما حولها إلى خصم خبيث ولئيم للإنسان يتزيا بأثواب النظام والقانون. في حين أن المبدأ الفطري كان، وبتعبير رابلس (افعل ما يحلو لك)... وظل الحال هكذا، ولعدد مهول من السنين، ولحين ظهور فكرة الآلهة، التي حولت الإنسان إلى كلب تابع لسيده إلى يوم ظهور نيوتن، الذي، ودون قصد منه، أعاد طرح فكرة عودة الإنسان (ملكاً على نفسه وعلى الأرض) بتحجيم دور الآلهة أو ضرورة التخلص من فكرتها... فقام العلم، ومعه عادت أولى خطوات عودة سيطرة الإنسان على نفسه، وإلى يوم نشوء الدولة الحديثة، التي، وحرصاً على بسط سيطرتها على الإنسان، أعادت إحياء العمل بفكرة الكلب التابع لسيده، ولكن هذه المرة بين الإنسان والدولة باسم القوانين والنظام العام، وطبعاً لم تقم هذه القوانين والنظام العام إلا على حساب استقلال الإنسان الفرد وحريته. وهذا يعني، بطريقة غير مباشرة، أن ثمة تعارضاً ما بين فردية الإنسان وحريته ونظام الدولة أو النظام العام، كما تسميه الدولة، فمن أين جاء هذا التعارض وما هي أسبابه أو من أين بدأ؟

وجد الإنسان، وبغض النظر عن طريقة وجوده (سواء كان بإرادة كونية عليا مجهولة، أو كنتيجة لحركة أو متطلبات فرضتها الطبيعة أو طبيعة أشياء أو نواميس الحياة الفطرية) ليعيش على هذه الأرض دون غاية ظاهرة ومؤكدة (لو كانت تلك الغاية ظاهرة ومؤكدة ومقطوع بأمرها لما كانت الفلسفة ولإنتفت الحاجة إليها من الأساس)، ولكن بحق كامل في استخدام موجودات هذا المكان (الأرض) لإدامة حياته واستمرار بقائه والتمتع بها، والنماذج القليلة المتبقية مما يسمى بالقبائل البدائية (في غابات قارة أفريقيا وحوض نهر الأمازون) دليل ناصع على ما نقول. والطريف أن بعض أنظمة الدول التي تقع مستوطنات تلك القبائل ضمن حدود سيطرتها، توفر لها نوعاً من الحماية (تعتبرها محميات طبيعية) وتمنع باقي الناس من الاقتراب منها، سواء احتراماً لخصوصيتها أو لكونها نماذج للحياة البدائية المتوحشة التي تذكر الإنسان بماضيه البدائي المتخلف (بحسب النموذج الحضاري الذي نعيش في كنفه الآن طبعاً).

طبعاً هذه الأحكام والتقييمات وفق فهمنا نحن ووفق ما بين أيدينا من وسائل وإمكانيات حضارتنا القائمة، أما هم فلهم فهمهم الخاص للأمر بالتأكيد. ولكن بالتأكيد هم يمثلون نموذج الحياة الأولى التي عاشها أجدادنا لحد سنوات ما قبل الثورة الصناعية، بل ولقرن وأكثر، مما تلاها، في البقاع البعيدة عن الأماكن التي بدأت وتطورت فيها الثورة الصناعية. السؤال المهم والخطر، الذي يتهرب الكثير منا من مواجهته هو: من قال أن هذه القبائل (التي نراها بدائية ومتخلفة، استناداً لمقاييس حضارتنا ومنجزها التكنلوجي) ليست أكثر سعادة منا؟ على الأقل هي تتمتع بكامل حريتها الفطرية والطبيعية. من منا يتمتع ولو بجزء بسيط من حريته الطبيعية، داخل نظام دولنا؟

الحقيقة هي أن الحضارة الحديثة ونظام الدولة لم يقدما لنا أكثر من الدفع للانغماس في حالة الوجود غير الأصيل (الحياة الاجتماعية)، كما سماه هيدغر، أي اللهاث خلف الحصول على المال من أجل اقتناء الحاجات الاستهلاكية. ثم ماذا يحصل في النهاية؟ يتساءل أغلبنا وهو في الأيام الأخيرة من حياته، كما تساءل الشاعر اليوت (أين تلك الحياة التي ضيعناها في العيش؟) أهذا الذي وجدنا من أجله؟ أكان وجودنا من أجل الطعام والشراب وشراء أكبر كذا وأحدث كيت وقضاء الوقت في الثرثرة التافهة؟ أين الوجود الأصيل وكيف كان يجب أن يكون وما هي أهدافه؟ ما هي الصورة التي كان يجب أن يكون عليها وجودنا الأصيل؟ أن نكون نحن بذوات أصيلة تمتلك كامل إرادتها وحريتها وتقرر لنفسها كل ما تراه، لا أن تقرر لها أنظمة الدولة ما يراه القائمون عليها (السياسيون)، تحت طائلة وحيف ما يسمى العقد الاجتماعي وشروط العيش في ظل مجموع اجتماعي، هو ليس سوى عملية انغماس في توافه المعيش اليومي واللهاث المسعور خلف الحصول على المزيد من المكاسب المادية التي يتركها الجميع، في النهاية، ويمضون إلى القبور.

ماذا يعني هذا في النهاية؟ يعني أن هناك وجوداً أصيلاً ذهب ضحية خدعة ابتكرتها الدولة وهي الحياة ضمن شروط المجموع الاجتماعي (الحياة الاجتماعية) التي من بين أول شروطها التنازل عن الحرية والعيش دون إرادة أو بإرادة وهمية. والغريب، وبسبب الخوف الغبي واللامبرر، من الدولة ومن المجهول، يتنازل غالبية البشر عن حريتهم وإرادتهم مقابل الحياة ضمن المجموع الاجتماعي، متناسين أنهم بهذا يتنازلون عن ذواتهم وأكبر حقوقهم في كون أن كل ذات منهم وكل كيان موجود منهم، إنما هو صاحب الحقوق الأولى والكبيرة في كل ما حوله وأن ليس من حق أحد، مهما كان أسمه أو مسماه الاجتماعي أو الاعتباري، أن يساومه أو يبتز حقه هذا، لأن الأصل في النظام الطبيعي، وكما عبر عنه الدوس هكسلي (إن الذي رآه آدم في صبيحة اليوم الأول من خلقه، هو المعجزة، ثم تدريجياً... الوجود العاري). وهذا الوجود العاري كان ملكاً لآدم ولم يكن ملكاً لا للدولة ولا لأي سلطة اجتماعية أخرى. وهذا يعني أن كان له الحق – آدم - أن يتصرف بهذا الوجود كما يرى أو كما تقتضي شؤونه ووجوده وحياته، كأن يبني بيتاً لسكنه ويزرع حقلاً لخضاره، أو يستغل النهر القريب منه لصيد السمك و...، وبالتأكيد فإنه قد أورث هذا الحق لذريته أو من خلفه، من دون وجود دولة أو أي شكل من أشكال السلطة لتقنن عليه أو تمنع عنه مثل هذه الحقوق.

حدث هذا يوم كان الإنسان يملك نفسه ويتمتع بكامل حريته… أي قبل ظهور (منطق) الدولة وقوانينها… أي يوم كانت الطبيعة والوجود ملكاً لله!

***

دكتور سامي البدري

 

"إن الزمن كالجدول الجاري أبداً،

الذي يحمل أبناءه سعيداً...

وهم يتلاشون كما يتلاشى

الحلم عند مطلع الفجر."

هربرت جورج ويلز

***

لنفترض أن مجموعة منا تجلس وتنظر عبر شبابيك بيوتهم التي تطل على عينة من العالم (وسط أي مدينة من مدن العالم الكبيرة مثلاً)، ماذا سنرى؟ سنرى الجميع يسير بعجالة في كل اتجاه وكأنه ملاحق من قبل شبح يراه وحده.

مثل هذا المنظر المعتاد يبدو لغالبية البشر على إنه الوضع الطبيعي، لأنه يدلل على أن كل فرد يسعى لشؤونه ولتحقيق فرصاً طيبة لحياته. قلنا هذا رأي الأغلبية من البشر، أما القلة المتبقية فلها رأي آخر، وهو الرأي الذي طرحه (هنري باربوس)، في روايته المعنونة (الجحيم)، حيث يقبع بطله في غرفة أحد فنادق باريس ويرقب العالم من ثقب في جدار الغرفة... ولا يرى غير الفوضى والاضطراب... وما يبعث على اليأس من مصير العالم أو الحياة.

ولو واصل أي منا جلوسه أمام شباك غرفته المطل على العالم فأنه بالتأكيد سيلاحظ أن الغالبية من أولئك المندفعين في كل الاتجاهات، سيتساقطون، مخذولين أو يائسين أو ميتين، بين وقت وآخر، وإن تباعدت هذه الأوقات أو طال انتظارها بالنسبة للبعض.

ماذا يعني هذا بتبسيط شديد؟

يعني أن الحياة (نظامها الطبيعي أو الذي انطلقت منه) مازالت تسير بذات الطريقة ولذات الهدف، منذ لحظة انطلاقها الأولى (قبل ملايين السنين، كما يفترض العلماء) وإلى لحظتنا الحالية التي نعيشها. وهذا يعني أن ما استجد من تغييرات على نظام الحياة تعلق بطرق الحياة اليومية لا بقوانينها وأهدافها الأساسية التي تمنحها (هويتها).

وإذا ما عدنا لنسأل أي شخص من الغالبية (ممن واصلوا الجلوس خلف زجاج شبابيك بيوتهم، بعد بلوغهم السبعين أو الثمانين من أعمارهم)، أو بطل رواية (هنري باربوس) آنفة الذكر، كمثال للقلة المتبقية من البشرية (التي استثنيناها) لنسألهما عن الرأي فيما راقبوه فسيقولون: لا شيء غير الفوضى والتفاهة والتدافع الغبي على فرصة الحياة المثالية أو، فرصة الحياة التي لا يمكن فقدها، ولم تأت أو لم يحصلوا عليها.

وإذا ما عدنا إلى بطل رواية هنري باربوس، الجحيم، وهو تعمد أن يبقيه دون اسم (الأرجح أنه تركه دون اسم ليرمز لأي فرد من القلة التي افترضنا بقائها خارج المجموع أو تشذ عن رؤيته) وحدقنا من ذات الثقب الذي كان يرقب العالم الخارجي عبره، فإن أغلبنا سيردد ما يجول في خاطره (ولم أستطع المقاومة، فتبعت دوافعي بصورة عرضية "شخصياً كنت سأقول بصورة مرضية" تبعت امرأة كانت ترقبني من زاويتها، ثم سرنا جنباً إلى جنب، وقلنا بعض الكلمات، فأخذتني إلى بيتها، ومر المشهد المعروف، مر وكأنه سقوط عنيف مفاجئ)، وهذا السقوط لا يحدث إلا لأمثاله من القلة، أما بالنسبة للغالبية فهو يسجل كنصر شخصي، من دون تحديد الجهة الخاسرة أمام ذلك النصر.

ثم يُكمل صورة المشهد، بعد خروجه من بيت المرأة (ورأيت نفسي على الرصيف ثانية، لا أشعر بالطمأنينة التي كنت أمني نفسي بها، إنما أحس باضطراب مربك. كنت وكأنني لا أرى الأشياء على حقيقتها.. كنت أرى أكثر وأعمق من اللازم).

باختصار شديد، هذا الرجل هو نموذج الإنسان الذي وجدت الفلسفة من أجله أو هو من اخترعها، ببساطة لأن الحياة، بصيغتها المعاشة، لا تمنحه إحساساً بالامتلاء، أو لا تقدم له ما يقنعه أن ما بين يديه هو كل شيء، بل بالعكس، كل شيء في حياته اليومية يحرضه على أنه يجب أن يكون هناك ما هو أكبر، شيء حقيقي وغير قابل للفقد ويمنحه الإحساس بامتلاء حقيقي وأبدي.

ما هو هذا الشيء وأين يكون أو يكمن؟

بطل (هنري باربوس هذا) إنسان بمنتهى التواضع، لا يدعي العبقرية ولا يرى في نفسه استثناءً، بل هو يقدم نفسه على إنه الإنسان في أبسط صوره، ولكن الإنسان المطوّح به، المغدور، المغبون والمسلوب الحق بلا مبرر، ولهذا فإنه يستحق تعويضاً من جهة ما (لا أملك شيئاً، وربما لا أستحق شيئاً "وفق قانون الحياة العام"، ولكن، وبالرغم من ذلك، أشعر بالحاجة أن أعوض).

عن ماذا يعوّض؟ عن الوجود القسري في حياة بلهاء لا تعرف ماذا تفعل بنفسها ولا لأي هدف تسير، مسيرتها البلهاء، التي نجلس في النهاية خلف زجاج شبابيكنا لنراقب بلاهتها باشمئزاز وتحسر على زمننا الذي أنفقناه على العيش فيها.

ولكن بم كان علينا أن ننفق زمننا الوجودي إن لم يكن في ممارسة الحياة التي بين أيدينا؟ في البحث عن حياة تحترمنا ولا تفرط بنا وترانا كباراً، كما ترى فطرتنا فينا، ولا تتخلى عنا وتحولنا إلى جيف نتنة، بقرصة حشرة أو إتلاف فايروس حقير لأجسادنا أو أن يسقط علينا حجر أو تدهسنا عربة أو يمزقنا تفجير قنبلة.... أو.... أو… .

الإنسان، بالنسبة لقانون الحياة أو دورة الوجود، رخيص جداً وما أسهل أن تتخليا عنه أو تطوحا به، كأي بعوضة تُكافح وتُقتل من أجل ألا تسبب أو تنقل المزيد من المرض، وهنا يحق له أن يقف – لأنه يتميز بالإدراك العقلي – ويتساءل: لماذا وجدت إذن ما دام الوجود يعاملني بكل هذا الرخص ويتجاوزني ويسحقني كأي حشرة ناقلة للمرض؟

المشكلة، ووفق قانون فطرة الحياة أو بدايتها أو ميكانيزم دورانها، إن الإنسان مليء بحس أصيل في إنه يستحق تعويضاً كبيراً عن وجوده المتعسف في هذه الحياة، فمن أين جاء هذا الحس وإشباعاً لأي نقص ومن هي الجهة التي ستدفع له هذا التعويض وبأي طريقة؟

يقول الروائي والفيلسوف الفرنسي ألبير كامي: (الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يرفض أن يكون من هو) وبالتأكيد فإن رفضه هذا ليس عملية عناد، أثمرتها حالة نزاعه مع الإله ليكون مساوياً أو نداً له فقط (كما تقول بعض القصص والأساطير)، بسبب طيشه وغروره، بل هي ثمرة مقارنته لفعل دورة الحياة ومفاعيلها فيه، بما ينتهي إليه في نهاية الأمر: موت أصم، أبله، غبي، وغير مبرر. وهذا معناه، في النهاية، أن الإنسان يدرك، عقلاً وحساً (الحساسية الفردية، كما سماها ميشيل هنري)، أنه أكبر ويستحق ما هو أكبر وأجل من نهاية الموت القذرة (لأن فعل الموت يحوله إلى مجرد جيفة قذرة تستوجب الطمر في عمق من الأرض وتحت طبقات ثقيلة من التراب، كي لا يشم الأحياء نتانة ما كان يمثل وجوده وحياته قبل الموت: كيانه الوجودي). وهذا وحده يوضح أن الفهم القائم للوجود ودورة الإنسان فيه، زوايا أخرى ودورة وفهماً أكبر من هذا التبسيط (وهو تبسيط ديني في أغلب جوانبه) الساذج، لأنه تبسيط هدفه التتفيه والحط من قدرة الإنسان (عقلاً وإدراكاً)، من أجل دفعه للخضوع لرؤى الأديان والتسليم لطروحاتها، ليس فقط على صعيد بناء القناعات، بل والتماس الخلاص، لما بعد الموت، عن طريقها وببركات سدنة معابدها.

ومن زاوية أخرى، لم تحاكم، رغم أن أغلب الأديان تبشر أو تعد بها، وهي، إذا ما كان الموت أبدياً وسيستمر في فعله حتى قتل آخر إنسان، فإن هذا يعني أن الشر هو من سينتصر في نهاية المطاف، وهو يتمتع بإرادة – الشر - كونية أو مطلقة، وعليه يكون الخير ليس أكثر من أمنية أو رغبة إنسانية، ولهذا يسود ويتحكم الشر في الإنسان (بعد أن أفرغ من ذاته وحولته أوجه ومؤسسات التنظيم إلى مجرد عبد أو ترس خدمي) وكل مفاصل ما أسس من مؤسسات، وأولها طبعاً مؤسسة الدولة التي صادرت حريته وصارت تتحكم بأدق شؤونه، بما فيها شؤونه الشخصية والذاتية. وهذا يعني، في المحصلة، أن الإنسان قد تحول إلى عبد تابع للنظام الاجتماعي. مقابل ماذا؟ أن يرضى عنه أسياد النظام الاجتماعي: رئيس الدولة وسياسيو الأحزاب والوزراء ونواب البرلمان ورؤساء المعابد ومدير الضرائب ومدير المؤسسة التي تسجل الزيجات و.... كم عدد هؤلاء نسبة إلى عدد النظام الاجتماعي المسمى دولة؟ مليون مقابل عشرة أو عشرين أو أربعين أو خمسين مليون مواطن؟ والطريف أن هذا المليون (افتراضاً طبعاً) هو من يفرض ما يشاء على البقية، تحت مسمى قوانين، كما فعل الرئيس الفرنسي أمانؤيل ماكرون وحكومته وبرلمانه (كم عددهم نسبة إلى عدد الشعب الفرنسي؟؟؟) في مطلع عام 2023، عندما أصرت هذه المجموعة السياسية الصغيرة (التي تمثل الدولة وقوانينها) أن تفرض على عموم الشعب الفرنسي، قانون التقاعد الجديد، رغم معارضة ورفض الشعب له. بل إن هذه المجموعة، وتحت حماية ما شرعت من قوانين لنفسها وحمايتها كمؤسسة عليا، تجرأت على مواجهة تظاهرات الشعب الرافضة للقانون، بالغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه والهراوات والاعتقالات. أين الحرية وأين الديمقراطية إذن؟ هل تفهم حكومة وبرلمان ماكرون أكثر من مجموع الشعب الفرنسي؟ هل يعرف ماكرون وحكومته مصلحة الشعب أكثر مما يعرفها الشعب ذاته؟ أين الخلل إذن؟

هذا الخلل هو ما وقامت الفلسفة من أجل بحثه ودراسة أسبابه وإيجاد الإجابات لأسئلته. ففي النهاية، فإن أسئلة الإنسان الوجودية تنبع وتقوم من سؤاله عن حريته، بالدرجة الأولى، وأغلب أشكال النظام والقوانين، وبغض النظر عن نوايا ومقاصد الجهات (المؤسسات) التي أصدرتها، إنما كانت حصيلتها الحد من حرية الإنسان في النهاية… ببساطة شديدة (سيعتبرها رجال المؤسسات مُخلة) الإنسان ولد ليبني بيته ويزرع أرضه ويصطاد سمكته وطيره وفق قوانين الطبيعة وليس وفق قوانين المؤسسات!

***

د. سامي البدري

 

(ماذا كان عليه ذلك الشيء الذي قمت به طيلة حياتي؟)... جيل دولوز

ما هي مهمة الفلسفة؟ يبدو سؤالاً بمنتهى السذاجة، بعد عمر الفلسفة الذي يناهز الآن ألفين وخمسمئة عام تقريباً. ولكن حقاً ما هي مهمة الفلسفة؟ عبر قراءة تاريخ الفلسفة نخلص إلى أن كل فيلسوف (تقريباً) كان قد وضع مهمة تخص رؤيته لها. وبداية من معرفة المبادئ الأولى إلى رؤية (جيل دولوز) التي حصر بموجبها مهمة الفلسفة بكونها صناعة المفاهيم (إن الفلسفة بتدقيق كبير هي الحقل المعرفي القائم على إبداع المفاهيم)، ولكن ماذا عما بعد إبداع أو صناعة المفاهيم؟ ألسنا بحاجة لأداة لاستخدام المفاهيم من أجل تحويلها إلى إجابات عن الأسئلة المعلقة التي قامت الفلسفة من أجل الإجابة عليها؟ ألم تنشأ الفلسفة من أجل تحقيق غاية وهي الإجابة على مجموعة من الأسئلة؟ وإذا ما تجاوزنا البحوث التجريدية (وهي أكثر ما يصادفنا في غرفة الفلسفة) حول معمار أو كيان الفلسفة الخارجي، ألن نخلص إلى كون الفلسفة أداة معرفية مهمتها الإجابة على مجموع الأسئلة (التي حيرت الإنسان وما تزال) حول منشئه والغاية من وجوده والنهاية التي يؤل إليها؟

في تقديري، ولأن الأسئلة التي قامت الفلسفة من أجل الإجابة عليها، مازالت معلقة ودون إجابات حقيقية، انصرف أغلب الفلاسفة (المحدثين) إلى الاشتغال حول الفلسفة (جسدها أو معمارها الخارجي) لا فيها، على أمل أن تقودهم هذه الاشتغالات (في يوم ما!) وبطريقة ما (مازال يجهلها أو يعجز أغلبهم عن تحديدها) إلى الإجابات التي ينتظرها الجميع، ولعلي لا أغالي إذا ما قلت، على أحر من الجمر.

وإذا ما تجاوزنا مرحلة التأسيس (التفسيرات الأساسية) اليونانية، سنجد كماً هائلاً من الكيانات والأجساد الفلسفية التي ملأت غرفة الفلسفة بكم هائل من المفاهيم (الساحرة واللاصفة)، ولكن من دون أن تقدم أي إجابات على الأسئلة التي قامت من أجلها الفلسفة، بل إن أغلب تلك المفاهيم قد تحول إلى ما يشبه أدوات اللهو التي حولت اهتمام الفلاسفة إلى العناية بها وإلى توليدها وتفخيمها، حتى بدت كأنها عملية تهرب من مواجهة الأسئلة الوجودية التي صارت أكثر إلحاحاً بحكم تعقد الحياة المادية والمعيشية. في حين ما كان ومازال، ينتظره أغلب البشر هو إخراجهم من نفق الأسئلة المظلم إلى حقول ومراحات الإجابات الفسيحة والمفعمة بالضوء والأنوار.

لنعد إلى أحد أهم الدوافع التي أوجزها (جيل دولوز) بقوله (ماذا كان عليه ذلك الشيء الذي قمت به طيلة حياتي؟). حقاً ماذا كان؟ درت بين عبوديتيّ العمل والشيء اليومي، فبماذا خرجت منهما، مادام الموت سينفيني إلى حفرة عميقة خارج المدينة التي يعيش فيها الذين بقوا أحياء؟ وهذا يقودنا إلى الدافع الثاني، وهو أحد الفرضيات التي تمد قدمها في كل موضع (جدل فلسفي)، ولسانها في وجوه الفلاسفة وفي كل حين، وهو سؤال: ما هو الشيء الذي يستحق أن يقوم بفعله الإنسان؟ هل هو أن يكون جزءاً صغيراً من آلة فعل الخير النهائي، كما قال هيجل، أي عبداً للعمل الغبي ولقوانين الدولة التي تقود المجموع الاجتماعي في بقعة من الأرض، والتي تسمي نفسها دولة؟

الجواب يأتينا من الروائي الروسي، فيودور ديستويفسكي، بقوله (الإنسان يجب أن يكون إنساناً، لا جزءاً من أجزاء الآلة). وطبعاً أول شروط إنسانية الإنسان هي حريته المطلقة في أن يكون ما يشاء ويفعل ما يريد، على مساحة من عراء الطبيعة، يخصه وحده (كمأوى) ويمارس فيه ما يراه من نشاط ابداعي، بحس رؤيته الشخصية وغير الموجهة من أي مجموع ومهما كانت تسميته.

وطبعاً هذا يوصلنا إلى وجه آخر من وجوه هذه القضية، ذات الوجوه التي تعددت وتفرعت بعدد وجوه نشاط الدولة ومؤسساتها، ألا وهو قضية محدودية الوعي عند القسم الأعظم من البشر، بقيمة الحرية وحقهم الذي لا يجب أن يمس فيها. وللأسف فإن هذا القسم الأعظم من البشر هو المتصالح مع قبول الحياة والعالم كما هما، أو كما سُوقت له هذه الفكرة على إنها (عالم الله) الذي يجب أن يحترم، بل ويقدس وإلى الأبد، وهذه الفكرة هي التي أنشأت القطيع الذي قامت عليه فكرة الدولة، فيما بعد.

وبتقادم سلطة الدولة وتوالد أوجه سطوتها على هذا القطيع، تحت مسمى القوانين والأمن العام ومصلحة وأمن المجتمعات وحمايتها من الأفكار الهدامة و… و...، تم تحريم وتجريم نشاط العقل النقدي والتفكير الحر وخنق (الإرادة الحرة التي لا تربكها حيرات العقل) بحسب توصيف نيتشه، أي حصر العقل وتفكيره تحت سقف حظيرة الدولة، كي يكون الرادع المنطقي، الذي لا يرقى الشك إلى نتائجه وقرارته، للإرادة الحرة التي ولد بها الإنسان. وتكبيل هذه الإرادة هو ما قاد الدولة والتجمعات الاجتماعية لمصادرة حرية الإنسان وتحويله عن فطرته إلى صيغة الحيوان الاجتماعي، الذي لا يحق له سماع صوته وحفيف تهويمات إرادته، خارج حدود معلفه.

فمنذ ظهور مؤسسة الدولة ومفاهيم الأخلاق العامة ومحدداتها، لم يعد الإنسان ملكاً لنفسه، بل لم يعد له الحق في رفض ما تقبله الدولة والمجموع الاجتماعي لنفسيهما. فلم يعد من حق الإنسان الفرد أن يجاهر بكراهية المجتمع أو كراهية الدولة أو رفض أي قرار من قراراتهما. وأيضاً لم يعد للفرد المجاهرة برفض أو الكفر بدين الدولة والمجموع الاجتماعي. بل، وهذا هو الأدهى، كل من يجرؤ على تقديم أي اعتراض لهاتين الجهتين، لا ينظر إليه إلا على أنه بقرة مسعورة (في فترة التزاوج)، ترفع ذيلها وتدور على غير هدى لتنطح أي باب وأي جدار يصادفها، بكل غباء ورعونة. وطبعاً، ووفق حكمة وصلاحيات الدولة، يكون القرار بزج هذه البقرة تحت ثور أكثر سعاراً، لتهدأ... وإلا فمصيرها الذبح.

وهذا هو أول وأخطر أمراض ما يدرج تحت يافطة النظام وبكافة أشكاله وأوجه تمظهره وفاعليته، لأنه يمثل الحرب على (نظام) الفطرة التي يولد عليها الجميع ويجب أن يمارسوا الحياة وفق سننها. فوفقاً لسنن الفطرة، من حق الإنسان، بل ويجب عليه، أن يعيش ويتصرف وفق دوافعه الفطرية لا وفق أساليب وطرق (قوانين ومحددات) تفرض عليه من خارج حاجاته وقناعاته الذاتية الفطرية. وهذا ما أكده المسيح، كما يروي الإنجيل، (وهو يشرح ولادة الفضيلة من الحرية) بقوله (أخبركم بأنه لا يمكن أن توجد فضيلة إذا لم نعص هذه الوصايا العشر)، وكما يعلق الشاعر، وليم بليك على هذا، فهو يفسره بالقول (لقد كان المسيح يمثل الفضيلة ذاتها، ولهذا فهو عمل وحث على العمل وفق دوافعه، لا على ضوء القواعد والوصايا).

الغريب أننا لا نجد قبولاً لهذا القول أو الحكمة اليوم، حتى بين أتباع المسيح ذاته، وخاصة بين أتباعه الأوربيين، صناع نظام الدولة والحضارة الحديثتين، ببساطة لأن مثل هذه الحكمة تأتي على الضد من نزعة السيطرة التي تحكم زعماء دول هذه القارة، رغم أنهم يعرفون أن هذا يأتي على الضد من حرية الإنسان في التعبير عن ذاته، وهو أول مظاهر حريته الفردية. والجدير بالذكر هنا هو أن حرمان الإنسان من التعبير عن حيويته الطبيعية وحريته في الاختيار وتجسيد هذا الاختيار وإشباع الحاجة للتعبير عن الذات واستقلاليتها من خلاله، هو أحد أول وأهم الأسباب التي تدفعه باتجاه الجريمة للتعبير عنهما. وهذا ما عبر عنه كولن ولسن بقوله (إذا لم يستطع الإنسان أن يعبر عن ذاته، راحت حيويته تبحث عن مخرج لنفسها في الجريمة أو العنف)، وهذا ما يدلل على صحة مقولة، جان بول سارتر (الإنسان محكوم بالحرية).

ولعل الشاعر (وليم بليك) كان الأكثر جرأة والأطول باعاً في التعبير والحث على قضية التمسك بحرية الإنسان والتعبير عنها (التعبير الذاتي أو التعبير عن الذات)، في مواجهة سلطة الدولة وما تفرض من قوانين وبروتوكولات، تحت يافطة النظام العام والأخلاق والسلم الاجتماعي و... بقوله، الذي لا أظن قصده حرفياً بقدر ما قصد منه الحث على التمسك بالحرية وحق التعبير عن الذات (اقتل طفلاً في مهده، فذلك أفضل من كبت رغبة غير محققة)!

***

د. سامي البدري

 

التحدي الجوهري لإثبات المعنى

التحول الأنطولوجي: تشهد البنية الوجودية للإنسان المعاصر تحولاً جذرياً يمسُّ ماهية الانتماء وآليات الوعي؛ حيث تبرز "فضاءات القطيع" كظاهرة سوسيولوجية وفلسفية مهيمنة تتغذى على سلطة الشكلانية التقنية والمعرفية. إن الهدف الجوهري لهذا البحث هو تفكيك الآليات التي تحول الفرد من كائن ذي جوهر ومعنى إلى مجرد وحدة رقمية أو اجتماعية تائهة في حالة من "الجمود النمطي". تستعرض هذه الدراسة الجذور الفلسفية لأخلاق القطيع عند نيتشه، ومفهوم الوجود الزائف عند مارتن هايدغر، وصولاً إلى تشريح أزمة المعنى في الفكر العربي المعاصر ومشاريع نقد العقل الإسلامي التي حاولت تقويض هذا الانسداد المعرفي.

التأصيل الأنطولوجي لفضاءات القطيع

تبدأ المقاربة الفلسفية الرصينة لفهم "القطيع" من خلال التمييز الجوهري بين الذاتية الفردية الأصيلة وبين المسار القسري الذي يكرسه العقل الجمعي على الصعد الاجتماعية والسياسية والدينية.

الرؤية النيتشوية وأخلاق الوسطية: إن أبرز ما يميز القطيع، وفق المنظور النيتشوي، هو ميله الفطري والقهري نحو "الوسطية" أو "القدرات المتوسطة". فالقطيع، بطبيعته البنيوية، لا يستطيع تحمل العظمة أو الاستثناء؛ بل يسعى دوماً لتبسيط الأشياء وجعلها مستوية ومألوفة لضمان عدم الضرر وتحقيق الأمان الجمعي. هذا التبسيط يمثل نوعاً من "السياسة الانتقائية" التي تهدف إلى الإبقاء على نموذج بشري واحد: النموذج الذي يتخلى عن تفرده لصالح الاندماج الكامل في الجماعة، وهو ما أسماه نيتشه "تدجين الإنسان".

هايدغر والوجود الزائف في المقابل، يقدم مارتن هايدغر مقاربة وجودية لنسبية الوجود والاغتراب، تراوح بين "الوجود الحقيقي" للفرد بصفاته وجوهره الروحي، وبين "الوجود الزائف" الذي تتلاشى فيه السمات الجوهرية تحت وطأة الهوية الجماعية المجهولة (الهم/الناس). إن الوجود الزائف مع الآخرين هو ما يفرض على الفرد نوعاً من التجانس القهري، متعللاً بمبدأ المساواة لطمس الاختلاف والتميز لصالح السطحية والثرثرة مما يفقد الإنسان قدرته على مواجهة قدره بوعي أصيل.

التحليل السيميولوجي لوعي القطيع: يكشف التحليل السيميولوجي لهذه الظواهر عن تغيرات بنيوية في الوعي الاجتماعي؛ فثقافة القطيع ليست مجرد سلوك جماعي عفوي، بل هي نتاج عملية معقدة لـ "صناعة الذات" داخل قالب أيديولوجي يحول الوهم الفكري إلى واقع ممارس. هذا الوهم يخلق فجوة أيديولوجية في الانتماء، حيث تصبح الممارسة اليومية هي المفهوم البديل عن الأيديولوجيا الواعية، مما يعزز حالة الجمود داخل نمطية "المجتمع القطيعي".

سلطة الشكلانية وتهميش المضمون

تعد الشكلانية إحدى أخطر السلطات المعرفية التي واجهت الفكر الفلسفي والنقدي في العصر الحديث، حيث أدت إلى إزاحة الجوهر لصالح الإطار.

النشأة والتحول: ظهرت الشكلانية الروسية في بداياتها كاستجابة لهيمنة المقاربات النفسية والسوسيولوجية على النقد الأدبي، محاولةً دراسة الأدب كبنية جمالية مستقلة أو "نسق بنيوي" يتضمن عناصر تتفاعل فيما بينها.

علمانية الأدب: ومع ذلك، انحرفت هذه النزعة العلمية الموضوعية لتتحول إلى أداة لـ "شكلنة الأدب"، حيث أصبح المعيار هو "شكل المضمون" لا المضمون ذاته. ومن ثم، تم استبعاد التصورات الأخلاقية والفلسفية والثقافية لصالح مفهوم "الأدبية"، مما أدى إلى قطيعة بين النص ومرجعياته الوجودية.

 الانقلاب بين الوسيلة والرسالة

في المجتمعات المعاصرة، لم تعد الشكلانية تقتصر على النقد الأدبي، بل امتدت لتصبح سلطة مهيمنة على الوعي الاجتماعي عبر ما يسمى "الحتمية التكنولوجية".

الشبكة كمرآة للأنا: استناداً إلى نظرية مارشال ماكلوهان "الوسيلة هي الرسالة"، أصبح التركيز ينصب على المنصة والأداة الساحرة بدلاً من القيمة الفكرية للمحتوى. هذا الانقلاب جعل الشبكة العنكبوتية امتداداً للأنا، حيث أصبحت القاعدة الوجودية الجديدة: "أنا على الشبكة، إذن أنا موجود". إن الحضور الرقمي صار هو "الشكل" الذي يمنح الفرد شرعية الوجود، بغض النظر عن مضمون هذا الحضور.

الخوارزميات وصناعة التبعية: أفرزت الثورة الرقمية فضاءات جديدة للسيطرة تتجاوز الأطر الجغرافية التقليدية. الفضاء السيبراني لا تحكمه حدود مادية، بل يقوم على تدفق البيانات وتلاعب الخوارزميات بالنقاش العام. في هذا الفضاء، تبرز ظاهرة "الترند" كمرآة لتحولات عميقة في الثقافة، حيث تتحول القضايا الوجودية المعقدة إلى شعارات مختزلة تفتقر إلى السياق والمعنى الجوهري.

 آلية العدوى الاجتماعية والتحكم الرقمي: تقوم الخوارزميات بإبراز المحتوى بناءً على حجم التفاعل، مما يمنحها سلطة في توجيه الانتباه الجمعي. هذا المنطق يؤدي إلى "تآكل العمق" في النقاشات العامة، حيث يمثل الترند تشويهاً للفضاء العام من خلال غياب الحجج الرصينة. إن الأفراد داخل القطيع الرقمي يتحركون ككتلة واحدة تتبع الاتجاه السائد، فيما يُعرف بـ "العدوى الاجتماعية"، حيث ينتقل السلوك الرقمي (إعادة النشر، التعليق) آلياً لمجرد أنه شائع.

أزمة المعنى والعقل القطيعي في السياق العربي

تعيش المجتمعات العربية أزمة معنى حادة ناتجة عن التداخل المشوه بين الانتماءات القومية والدينية والطائفية، مما يجعل الفرد ممزقاً بين هويات متضاربة لا تجتمع على مشروع نهضوي واحد.

 العقل الوثوقي واليقينيات الموروثة: يوصف العقل العربي غالباً بأنه "عقل وثوقي"؛ أي عقل مستسلم للإجابات المسبقة واليقينيات الموروثة. إن سيادة "روح القطيع" في الواقع العربي تسلب الفرد استقلاليته، حيث يظل مغموراً بتراث ثقافي متجمد يحول بينه وبين إدراك ذاته كفاعل تاريخي.

نقد العقل "الأرثوذكسي" عند أركون: يميز محمد أركون بين العقل المنفتح والعقل "الأرثوذكسي" أو "المغلق" الذي يرفض التساؤل ويقدس النصوص والتفسيرات البشرية القديمة بشكل يقطع سبل التفاعل النقدي. يرى أركون أن العقل الإسلامي عانى من حالة جمود منذ القرون الوسطى، حيث تم تحجيم التفكير الفلسفي لصالح تفسيرات فقهية قطعية خلقت جداراً من التقديس حولها، مما أنتج "فضاءً قطيعياً" يرفض الاجتهاد والتجديد.

 استراتيجيات إثبات المعنى الأصيل

في مواجهة سلطة الشكلانية والقطيع، تقدم الفلسفة الوجودية والتفكيكية مسارات لاستعادة "الأصالة".

1. التفكيك كصيرورة للقبض على المعنى: يرى جاك دريدا أن التفكيك ليس هدماً، بل هو كشف للتشوهات الكامنة في النصوص والوجود. التفكيكية تسعى إلى "تعدد قرائي" ناتج عن التأويل، وتتجه نحو التعدد اللانهائي للمعنى بدلاً من القبض على تعريف مسور. إنها تهدف إلى "تحديث الفكر" من خلال زعزعة كل يقين زائف. ومع ذلك، يجب الحذر من تحول التفكيك في الفكر العربي إلى أداة إيديولوجية جديدة تكرر انغلاق ما تفتك به.

2. الالتزام الوجودي: تركز الوجودية على مفهوم "الالتزام" عند سارتر و"الأصالة" عند هايدغر كوسيلة للتحرر. الالتزام يعني أن الفرد هو صانع معناه الخاص عبر ممارسته العملية في العالم؛ هو مشروع مستمر لا ينتهي إلا بالموت. إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تطوير ثقافة نقدية قادرة على التعامل مع "اللحظة الجماعية" بوعي، بما يحفظ حرية الفرد ويصون التماسك الاجتماعي.

نحو أفق جديد للمعنى

تتجلى الأزمة الكبرى في الانفصام بين الشكل والمضمون؛ حيث قد تكون المجتمعات هي الأكثر تديناً من حيث "الشكلانية الدينية"، ولكنها الأقل تمثلاً للقيم الأخلاقية والعلمية. إن بناء "الإنسان المواطن الحر" بدلاً من "الفرد التابع الخائف" هو المخرج الوحيد من أزمة المعنى.

في نهاية المطاف، يبقى المعنى هو "المضمون الجوهري" الذي لا يمكن للشكلانية، مهما بلغت سلطتها الرقمية أو الاجتماعية، أن تعوضه. إن إثبات المعنى هو فعل مقاومة مستمر ضد الذوبان في القطيع، وسعي دائم نحو "الأصالة" التي تجعل من حياة الفرد عملاً فنياً فريداً لا يتكرر. إن المجتمع القوي هو ذلك الذي يمنح أفراده القدرة على التوقف، التساؤل، والبحث عن الحقيقة خلف أقنعة الشكل الزائف.

***

غالب المسعودي

......................

المراجع

المسعودي، غالب. (2024). قراءة سيميولوجية في تمزق البنية الذاتية داخل المجتمعات.: asjp.cerist.dz.

مؤسسة هنداوي. نماذج من فلاسفة ما بعد الحداثة (رولان بارت – ميشال فوكو – جيل دولوز).: hindawi.org.

رايس، كمال. من الشكلانية إلى البنيوية؛ مسافة المفهوم والرؤية. مجلة كلية الآداب واللغات، جامعة العربي التبسي، الجزائر.

جريدة الرياض. عقول تائهة وسط الجموع الرقمية. (تحليل ثقافي).

Scribd. تطور المفاهيم الفلسفية من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. مسترجع من: scribd.com.

 

الشَّكُّ المَنهجي هو وسيلة مُؤقَّتة لفحصِ مَصادرِ المَعرفةِ ومَبادئها، واستبعادِ كُلِّ مَا لا يَقُوم على أساسٍ يَقيني، تَمهيدًا لإقامةِ مَعرفةٍ صحيحة ثابتة.

في هذا المجال، يَلتقي الإمام أبو حامد الغَزَالي (450 ه _505 ه/ 1058 م _1111م) والفَيلسوف رينيه ديكارت ( 1596 م _ 1650 م ) على اختلافِ السِّياقِ الحَضاري، والمَرجعيةِ الدِّينية، واللغةِ الفَلْسفية. كِلاهما جَعَلَ مِنَ الشَّكِّ طريقًا لا غاية، وَمِنَ الهَدْمِ المُؤقَّت سبيلًا إلى بناءِ الحقيقة، غَيْر أنَّ التشابه لا يلغي التمايزَ، ولا الاتفاق في المَنهج يَعني وَحدةَ النتائجِ أو المُنطلقات. والمُقارنةُ بين الشَّكِّ المَنهجي عِند الغَزَالي وديكارت تفتح نافذةً واسعة على فهمِ طَبيعةِ العقل، وحُدودِ المَعرفة، وعَلاقةِ الإنسانِ بالحقيقة.

نشأ شَكُّ الغَزَالي في سِياق أزمنة رُوحيَّة ومَعرفية عميقة، فَقَدْ وَجَدَ نَفْسَه مُحاطًا بتعدُّد الفِرَقِ والمَذاهب: المُتكلمون، والفلاسفة، والباطنية، والصُّوفية. وكُلُّ فريقٍ يَدَّعي امتلاكَ الحقيقة. هذا التنازعُ دَفَعَه إلى مُساءلةِ أدواتِ المَعرفةِ ذَاتِها. هَل الحِس صادق؟، وهَل العَقْل يَقيني؟، وَهَلْ يُمكِن الوُثوق بِما وَرِثَه الإنسانُ مِنْ تقاليد ؟. لَم يَكُن شَكُّ الغَزَالي ترفًا ذِهنيًّا، بلْ صَرْخة باحثٍ عَن يقينٍ يَطمئن إلَيْه القلبُ قَبْلَ العقل.

أمَّا ديكارت، فَقَدْ جاءَ شَكُّه في سِياق أزمة مَعرفية أوروبية عميقة معَ بِداية العصرِ الحديث، حيث اهْتَزَّتْ سُلطةُ أرِسْطُو، وتزعزعت الثقةُ بالمعرفةِ المدرسية، وبرزت الحاجةُ إلى تأسيسِ العِلْمِ على قواعد جديدة لا تَقْبَل الشَّكَّ، وأعلنَ البَدْءَ مِنَ الصفر، وَرَفَضَ كُلَّ مَا يُمكِن الشَّك فيه.

يَشترك الغَزَالي ودِيكارت في نقدِ المعرفة الحِسِّية، فالغَزَالي يَرى أنَّ الحواس تَخدع، فالظِّلُّ يَبدو ساكنًا وهو مُتحرِّك، والكَوكبُ يَبدو صغيرًا وهو أعظم مِنَ الأرض. وَمِنْ هُنا يُقَرِّر أنَّ الحِسَّ لا يَصْلُح أساسًا لليقينِ المُطْلَق، غَيْر أنَّه لا يقف عِند هذا الحد، بَلْ يَتَّجه إلى العقلِ ذَاتِه مُتسائلًا: إذا كُنْتُ قد شككتُ في الحِسِّ بِحُكم العقل، فما الذي يَمْنع أنْ يَكُون وراء العقل حاكمٌ آخَر يُكذِّبه كما كَذَّبَ العقلُ الحِسَّ؟.

دِيكارت بِدَوْرِه يَجعل مِنْ خِداعِ الحواس نُقْطَةَ انطلاق لِشَكِّه المَنهجي، ثُمَّ يُوسِّع دائرةَ الشَّكِّ لِيَشمل العقلَ نَفْسَه، وهُنا يَبْلُغ الشَّكُّ عِند دِيكارت أقصاه، إذْ لا يَترك حَجَرًا على حجر في بِناء المَعروفةِ المَوْروثة.

على الرَّغْمِ مِنْ جَذريةِ الشَّكِّ، فإنَّ الغاية عِند الغَزَالي ودِيكارت لَيْسَت الهدمَ الدائم، بَل الوُصول إلى يقين لا يَتَزَعْزَع، غَيْر أنَّ طريقَ الخُروجِ مِنَ الشَّكِّ يَختلف اختلافًا جَوهريًّا.

يَصِلُ الغَزَالي إلى قناعة بأنَّ اليقين لا يُنال بالعقلِ المُجرَّد وَحْدَه، بَلْ بِنُورٍ يَقْذفه اللَّهُ في القلب. وهذا لا يَعني إلغاءَ العقل، بَلْ وَضْعه في حُدوده الطبيعية، والاعتراف بأنَّ أسمى الحقائقِ تحتاجُ إلى تَطهيرٍ باطني، وتَجْرِبَةٍ رُوحيَّة. وَمِنْ هُنا كانت الصُّوفية عِند الغَزَالي ذِرْوَةَ طريقِ اليقين، لا باعتبارها نقيضًا للعقل، بَلْ مُكمِّلة له.

أمَّا دِيكارت، فيجد نُقْطَةَ اليقينِ الأُولَى في العِبارة: "أنا أُفكِّر، إذًا أنا مَوجود". وحتى لَوْ شككتُ في كُلِّ شَيْء، لا أستطيعُ الشَّكَّ في أنَّني أشُكُّ، ولا في أنَّني أُفكِّر. وهَكذا يَبْني دِيكارت نَسَقَه المَعرفي، مُستندًا إلى بُنيةِ الأفكار، وإلى إثباتِ وُجود اللَّه بِوَصْفِه الضامن لصدقِ المعرفة، وعدمِ وُقوعِ العقل في الخِداع الدائم.

يُعبِّر الشَّكُّ المَنهجي عِند الغَزَالي عَنْ رُؤية تكاملية للعقلِ والواقعِ، فالعقلُ أداةٌ ضرورية، لكنَّه لَيْسَ مَصْدَرَ الحقيقةِ النهائية. واليقينُ الأسمى لا يَتحقق إلا بالهِدايةِ الإلهيَّة، لذلك يَنتهي الغَزَالي إلى مَوقف نَقْدي مِنَ الفلاسفة الذين غَلَّبُوا العقلَ في مسائل تتجاوز حُدودَه، كما في الإلهيَّات.

وديكارت يُمثِّل لحظةً مِفْصَلية في تاريخ الفلسفة الغَرْبية، حيث أصبحَ العقلُ هُوَ نُقْطَةَ الارتكاز الأساسيَّة. صحيحٌ أنَّ دِيكارت لَمْ يُقْصِ الإيمانَ باللَّهِ، بَلْ جَعَلَه عُنْصُرًا مَركزيًّا في نَسَقِه، غَيْر أنَّ العلاقة بين العقلِ والإيمانِ عِنده تَمُرُّ عَبْرَ البُرهانِ العقليِّ لا التَّجْرِبة الرُّوحيَّة.

يَلتقي الغَزَالي ودِيكارت في اعتبارِ الشَّكِّ مَنهجًا لا غاية، ونقدِ المَعرفةِ الحِسِّيةِ، ورفضِ التَّسليمِ للمَوْرُوث، والبحثِ عَنْ يقين أوَّلي تُبْنَى عَلَيْه المَعرفة.

ويَفْترقان في مَصدرِ اليقين النهائي، فَهُوَ نُورٌ إلهيٌّ وتَجْرِبة رُوحيَّة عِند الغَزَالي، مُقَابِل بَداهة عَقْلية عِند دِيكارت. وفي طبيعةِ المَشروع، فهو رُوحي إصلاحي عِند الغَزَالي، وعِلْمي فَلْسفي تأسيسي عِند دِيكارت. وفي المَوقفِ مِنَ العقل، فَهُوَ عقلٌ مَحدود يَحتاج إلى تجاوُز عِند الغَزَالي، وعَقْل مُؤسِّس للمعرفة عِند دِيكارت.

إنَّ الشَّكَّ المَنهجي عِند الغَزَالي ودِيكارت لَيْسَ مُجرَّد تَمْرين ذِهْني، بَلْ هُوَ فِعْل فِكْري في مُواجهةِ الزَّيْفِ واليقينِ السهل. كِلاهما يَرى أنَّ الحقيقة لا تُورَث، بَلْ تُنال بالكِفاحِ العقلي، والصِّدْقِ الداخلي، إلا أنَّ الغَزَالي يَعْتبر أنَّ العقل _ مَهْمَا بَلَغَ _ يَظَلُّ مُحتاجًا إلى نُورٍ أعلى، بَيْنما يُصِرُّ دِيكارت على أنَّ في العقلِ ذَاتِه بَذْرَةَ الخَلاصِ المَعرفي.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

الحقيقة منذ نشأة الفلسفة، لم تكن مجرد انعكاس للواقع أو مطابقة بين الفكر والموضوع، بل هي فضاء للعلاقة المعقدة بين الإنسان والعالم، حيث يتقاطع الوجود بالمعنى، والإدراك بالتجربة، والوعي بالموضوعية. لقد تناولها الفلاسفة الكلاسيكيون، من أفلاطون وأرسطو إلى ديكارت وكانط، باعتبارها محورا لإشكالية المعرفة وحدودها، بين ما هو مستقل عن وعينا وما هو مشروط بالخطاب والتأويل. ومع التحولات المعرفية المعاصرة، وخصوصا في العصر الرقمي، اتخذت الحقيقة أبعادا جديدة، إذ لم تعد المعرفة نتاجا للفكر الفردي فحسب، بل أصبحت محكومة بالوسائط التقنية والخوارزميات وتدفقات البيانات، بحيث يُعاد إنتاج الواقع نفسه باستمرار. ويتكشف التوتر الفلسفي بين الواقعية الجديدة التي تؤكد استقلالية الواقع وموضوعيته، والبنائية الرقمية التي ترى في التقنية والوسائط الرقمية عاملا نشطا في إنتاج الحقيقة. دراسة هذا التوتر تصبح بذلك مسألة مركزية لفهم أفق المعرفة والإدراك البشري في العصر المعاصر.

لم تكن الحقيقة في أي طور من أطوار الفكر الإنساني معطى بسيطا ولا مفهوما مستقرا، بل ظلت على الدوام موضع شدٍّ وجذب بين ما هو قائم في الخارج وما يُنشئه العقل في الداخل، بين الواقعة كما هي، والصورة كما تُدرك، وبين الوجود كما يُعطى، والمعنى كما يُصاغ. منذ أفلاطون حين جعل الحقيقة مقيمة في عالم المثل، مرورا بأرسطو الذي أنزلها إلى مطابقة الفكر للشيء، وصولا إلى ديكارت الذي ربطها باليقين، وكانط الذي أعاد تشكيلها في أفق الشروط القبلية للمعرفة، ظل سؤال الحقيقة يتخذ أشكالا متعددة، لكنه لم يفقد قط مركزيته في البناء الفلسفي للإنسان والعالم.

وقد عبّر هايدغر عن هذا التوتر الجوهري حين أعاد تعريف الحقيقة بوصفها انكشافا لا مجرد تطابق، معتبرا أن الحقيقة حدث وجودي قبل أن تكون حكما منطقيا. أما نيتشه فقد ذهب أبعد حين وصف الحقائق بأنها “أوهام نسينا أنها كذلك”، مشيرا إلى الطابع الإنشائي للمعرفة، وإلى أن ما نسميه حقيقة ليس سوى ترسيب تاريخي للسلطة واللغة والعادة. وفي السياق ذاته، رأى فوكو أن الحقيقة ليست خارج أنظمة الخطاب، بل تُنتج داخل شبكات السلطة والمعرفة، حيث تصبح كل حقيقة مشروطة بسياقها المؤسساتي والتاريخي.

غير أن التحولات الرقمية الراهنة قد دفعت هذا السؤال إلى تخوم جديدة، إذ لم يعد النزاع يدور فقط بين الواقعية والذاتية أو بين الموضوعية والبنائية، بل انتقل إلى مستوى أعمق، حيث أصبحت الحقيقة نفسها عرضة لإعادة التشكيل عبر الوسائط والخوارزميات والمنصات والذكاء الاصطناعي. لقد دخلنا طورا لم تعد فيه الحقيقة تُكتشف فحسب، بل تُصنّع وتُضخّم وتُجزّأ وتُعاد برمجتها.

وهنا برز ما يُسمى بالواقعية الجديدة، بوصفها محاولة فلسفية لاستعادة مرجعية العالم الخارجي بعد عقود من هيمنة النسبية والتفكيك والبنائية الراديكالية. فقد دعا مفكرون معاصرون إلى ضرورة الاعتراف باستقلال الواقع عن تمثلاتنا، معتبرين أن الإفراط في تأويل الحقيقة بوصفها بناءً لغويا أو اجتماعيا قد أفضى إلى نوع من العدمية المعرفية. يؤكد أصحاب هذا الاتجاه أن الأشياء توجد بمعزل عن وعينا بها، وأن للوقائع مقاومة عنيدة لكل محاولات الاختزال الخطابي.

ويذهب موريس فيراري إلى أن الواقعية الجديدة ليست ارتدادا ساذجا إلى الموضوعية الكلاسيكية، بل هي نقد مزدوج: نقد للنزعة المثالية التي تذيب الواقع في الوعي، ونقد للبنائية المتطرفة التي تحوّل الحقيقة إلى مجرد اتفاق اجتماعي. فالعالم بحسب هذا التصور ليس نصا مفتوحا بلا ضفاف، بل له بنية ومقاومة وكثافة أنطولوجية لا يمكن تجاهلها.

غير أن هذا المسعى الواقعي يصطدم مباشرة بالبنية الرقمية للعالم المعاصر، حيث لم يعد الواقع يُعاش مباشرة، بل يُوسّط عبر الشاشات، ويُعاد إنتاجه بواسطة البيانات، وتُعاد صياغته عبر الخوارزميات. هنا تبرز البنائية الرقمية بوصفها أفقا جديدا لإنتاج الحقيقة، حيث تصبح الوقائع رهينة نماذج حسابية، وتتحول التجربة الإنسانية إلى تدفقات معلوماتية، ويغدو الإدراك نفسه مبرمجا ضمن أنظمة ذكية تتعلم من سلوك المستخدمين وتعيد توجيهه.

لقد تنبّه بودريار مبكرا إلى هذا التحول حين تحدث عن “فرط الواقع”، حيث تختفي الحدود بين الحقيقي والمصطنع، ويحلّ المحاكي محل المرجع، وتصبح الصور أكثر حضورا من الأشياء. وفي العالم الرقمي لا تُقدَّم الحقيقة بوصفها ما هو كائن، بل بوصفها ما هو قابل للمشاركة وما يحظى بالانتشار، وما ينسجم مع منطق المنصة. وهنا يتحقق ما سماه بول فيريليو “تسارع الواقع”، حيث تفقد الأحداث عمقها الزمني، وتتحول إلى ومضات آنية بلا سياق.

إن البنائية الرقمية لا تكتفي بإعادة تمثيل الواقع، بل تعيد تشكيل شروط إمكان ظهوره. فالمعرفة لم تعد تُنتج في المختبرات الأكاديمية وحدها، بل داخل شبكات التواصل ومحركات البحث وأنظمة التوصية حيث تُفلتر المعلومات وتُرتب الأولويات وتُصاغ الاهتمامات وفق منطق تجاري وتقني خفي. وبذلك تنتقل الحقيقة من كونها نتيجة بحث عقلاني إلى كونها مخرَجا خوارزميا.

وقد أشار هابرماس إلى خطورة هذا التحول، محذرا من تآكل الفضاء التداولي العقلاني، حيث تُستبدل الحجة بالانتشار، والنقاش بالإعجاب، والمعنى بالإحصاء. أما حنة أرندت فقد ربطت بين انهيار الحقيقة الواقعية وصعود أنماط جديدة من التلاعب الجماهيري، معتبرة أن فقدان المعايير المشتركة للواقع يفتح الباب أمام أشكال مستحدثة من الاستبداد الرمزي.

في هذا الأفق الملتبس، تبدو الواقعية الجديدة كنداء أخلاقي بقدر ما هي موقف معرفي، إذ تسعى إلى إعادة الاعتبار لفكرة أن هناك عالما لا يخضع بالكامل لأهوائنا، وأن الحقيقة ليست ملكا للخوارزميات ولا رهينة للرغبات الجماعية. لكنها في المقابل، تصطدم بقوة البنائية الرقمية التي تُعيد تعريف الوجود نفسه بوصفه قابلا للترميز، والمعنى بوصفه قابلا للحوسبة والتجربة بوصفها بيانات.

إن التوتر بين هذين الأفقين لا يمكن حسمه بسهولة، لأنه يعكس انقساما أعمق في تصور الإنسان لذاته ولمكانه في العالم. فالواقعية الجديدة تراهن على استعادة الثقة في الواقع، بينما تراهن البنائية الرقمية على إعادة هندسة الواقع ذاته. وبين الرهانين يتشكل وعي معاصر ممزق بين الحنين إلى الحقيقة الصلبة والانخراط في سيولة المعنى.

وقد عبّر غادامير عن هذا الإشكال حين أكد أن الفهم ليس امتلاكا للحقيقة بل مشاركة فيها، وأن الحقيقة تنكشف داخل أفق تاريخي متحرك. غير أن الرقمنة تدفع هذا الأفق إلى أقصى درجات السيولة، حيث يصبح كل فهم مؤقتا، وكل معنى قابلا للتعديل، وكل يقين عرضة للتحديث.

إننا بإزاء لحظة فلسفية حرجة، تتطلب إعادة التفكير في مفهوم الحقيقة لا بوصفه قضية نظرية فحسب، بل بوصفه رهانا وجوديا وأخلاقيا. فالحقيقة اليوم ليست مجرد مطابقة بين الفكر والواقع، ولا مجرد بناء لغوي، بل هي مجال صراع بين أنماط مختلفة من العقلانية، بين الإنسان والخوارزمية وبين التجربة الحية والنموذج الحسابي.

غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في هذا السياق لا يتعلق فقط بتعارض الواقعية الجديدة مع البنائية الرقمية، بل بطبيعة التحول الذي أصاب مفهوم الحقيقة ذاته. فالحقيقة لم تعد تُفهم باعتبارها أفقا مشتركا تُبنى داخله المعارف، بل غدت موضوعا للتجزئة والتخصيص، بحيث أصبح لكل جماعة، بل لكل فرد، “حقيقته” الخاصة، المصاغة وفق تفضيلاته وخوارزميات تغذيته المعلوماتية. هنا يتحقق ما وصفه ليبوفيتسكي بعصر الفراغ القيمي، حيث تنحل المرجعيات الكبرى، ويُستبدل بها منطق اللذة الفورية والتلقي السريع.

لقد كان كانط يرى أن العقل لا يتلقى العالم كما هو، بل يصوغه عبر مقولاته القبلية، ومع ذلك ظل يؤمن بإمكان معرفة موضوعية ضمن حدود التجربة الممكنة. أما اليوم فإن هذه الحدود نفسها قد أُعيد رسمها بواسطة البنية الرقمية، حيث لم يعد العقل الفردي هو الوسيط الوحيد بين الإنسان والعالم، بل دخلت الخوارزميات طرفا ثالثا يشارك في تشكيل الإدراك وتوجيه الانتباه وصناعة الأولويات. وبذلك تنتقل الحقيقة من مجال الحكم النقدي إلى مجال الترتيب التقني.

ويذهب برونو لاتور إلى أن الحداثة قد أخفقت في الفصل بين الطبيعة والمجتمع وبين الواقع والخطاب، وأن ما نعيشه اليوم هو انكشاف لهذه الهجنة الأصلية. غير أن الرقمنة تضيف بعدا جديدا لهذا الالتباس، إذ لا تكتفي بإظهار الترابط بين الإنسان والتقنية، بل تجعل التقنية ذاتها فاعلا معرفيا، ينتج المعنى ويعيد توزيعه. وفي هذا السياق، تصبح الحقيقة نتيجة شبكة معقدة من الفاعلين البشريين وغير البشريين.

أما الواقعية الجديدة في مقابل ذلك، فتسعى إلى إعادة تثبيت فكرة أن للوقائع استقلالا نسبيا عن أنظمة التمثيل، وأن الزلازل تقع سواء صدّقناها أم لا، وأن الأوبئة تنتشر بمعزل عن تأويلاتنا، وأن العالم ليس محض سردية. لكن هذه الأطروحة تصطدم بواقع أن معظم ما نعرفه عن العالم اليوم يمر عبر وسائط رقمية، وأن التجربة المباشرة باتت استثناءً لا قاعدة.

وقد أشار تشارلز تايلور إلى أن الذات الحديثة تعيش داخل أطر تخيلية تشكل علاقتها بالواقع، وأن هذه الأطر لم تعد دينية أو ميتافيزيقية كما في السابق، بل إعلامية وتقنية. وهنا يتبدى عمق الأزمة: فالحقيقة لم تعد تُختبر في العالم، بل على الشاشة، ولم تعد تُقاس بالبرهان بل بعدد المشاهدات، ولم تعد تُستمد من الواقع، بل من تدفق البيانات.

ويحذر بيونغ تشول هان من أن الشفافية الرقمية، بدل أن تعزز الحقيقة تؤدي إلى تسطيحها، لأن كل ما يُعرض بلا حجب يفقد عمقه الرمزي، ويصبح مجرد معلومة قابلة للاستهلاك. فالحقيقة في نظره تحتاج إلى مسافة، إلى صمت، إلى تأمل، بينما الثقافة الرقمية تفرض حضورا دائما وضجيجا متواصلا.

إن البنائية الرقمية لا تنتج فقط معرفة جديدة، بل تعيد تشكيل الإنسان ذاته، إذ يتحول الفرد إلى ملف بيانات، وتُختزل هويته في أنماط سلوكية، ويُعاد تعريف حريته بوصفها اختيارا بين خيارات مسبقة البرمجة. وهنا تتحقق نبوءة هربرت ماركوز عن الإنسان ذي البعد الواحد، الذي يُدمج في النظام عبر الإشباع التقني، ويُحرم من القدرة النقدية.

وفي مقابل ذلك، تحاول الواقعية الجديدة أن تستعيد إمكانية النقد عبر إعادة الاعتبار للواقع بوصفه معيارا، لكن هذا المسعى يظل محدودا ما لم يُرفق بتحليل عميق للبنية الرقمية التي أعادت تشكيل شروط الإدراك. فليس كافيا أن نقول إن العالم موجود خارج وعينا، بل ينبغي أن نسأل: كيف يُقدَّم لنا هذا العالم؟ ومن يختار ما نراه؟ ومن يحدد ما يستحق الانتباه؟.

وقد شدد بول ريكور على أن الحقيقة لا تنفصل عن التأويل، وأن كل فهم هو إعادة كتابة للواقع داخل أفق لغوي وتاريخي. غير أن التأويل في العصر الرقمي لم يعد نشاطا هرمنيوطيقيا واعيا، بل صار عملية آلية تجري في الخلفية، حيث تقوم الأنظمة الذكية بتأويل بياناتنا نيابة عنا، وتستبق اختياراتنا، وتعيد توجيه مساراتنا.

إننا أمام انتقال خطير من العقل التأملي إلى العقل الحسابي، ومن الحقيقة بوصفها ثمرة حوار إلى الحقيقة بوصفها ناتج معالجة. وقد لاحظ إدغار موران أن التعقيد الإنساني لا يمكن اختزاله في نماذج رياضية، وأن أي محاولة لتبسيط العالم عبر الخوارزميات تنتهي بإفقاره معنويا.

وهنا يغدو الصراع بين الواقعية الجديدة والبنائية الرقمية صراعا على معنى الإنسان ذاته: هل هو كائن منفتح على حقيقة تتجاوزه، أم مجرد عقدة داخل شبكة بيانات؟ هل الحقيقة أفق يُطلب أم منتج يُسوّق؟ هل المعرفة تجربة وجودية أم خدمة رقمية؟.

لقد كتب أفلاطون في أسطورة الكهف عن أسرى يرون ظلال الأشياء ويحسبونها الحقيقة، غير أن كهف اليوم لم يعد حجريا بل رقميا تضيئه الشاشات بدل النار، وتتحكم في ظلاله خوارزميات غير مرئية. ومع ذلك يبقى السؤال الأفلاطوني حيا: كيف نخرج إلى النور؟.

إن الخروج لا يكون بالحنين إلى موضوعية مفقودة، ولا بالاستسلام لبنائية مطلقة، بل بإعادة تأسيس علاقة نقدية بالحقيقة، تعترف بواقعية العالم وبوساطة اللغة وبسلطة التقنية في آن واحد. علاقة تستلهم من كانط شجاعة التفكير، ومن هايدغر الإصغاء للوجود، ومن فوكو اليقظة تجاه السلطة، ومن غادامير الانفتاح على الحوار.

وبذلك يغدو مفهوم الحقيقة مجالا للتوتر الخلاق بين ما هو معطى وما هو مُنشأ، بين الواقع والبناء  وبين الإنسان والآلة. توتر لا ينبغي حسمه لصالح طرف واحد، بل ينبغي الإقامة فيه بوصفه شرطا لإمكان الفكر في زمن الرقمنة.

ذلك أن الحقيقة في عمقها الفلسفي ليست مجرد قضية إبستيمولوجية، بل هي مسألة وجودية تتعلق بكيفية تموضع الإنسان في العالم. وقد عبّر كارل ياسبرز عن هذا البعد حين رأى أن الحقيقة لا تُمتلك، بل تُعاش داخل وضعيات حدّية تكشف هشاشة الكائن البشري، وتضعه أمام مسؤوليته الوجودية. غير أن الرقمنة تعمل على تحييد هذه الوضعيات، عبر تحويل التجربة إلى بيانات، والمعاناة إلى محتوى، والحدث إلى خبر عابر.

وهنا، يغدو الإنسان كائنا مُدارا، لا كائنا سائلا فقط، كما وصفه باومان، بل كائنا مُراقَبا عبر بنى غير مرئية، حيث تُختزل الذات في أنماط استهلاك، وتُعاد صياغة الرغبات وفق منطق السوق. وهنا يتقاطع تحليل فوكو للسلطة الحيوية مع واقع الخوارزميات، إذ لم تعد السلطة تمارس عبر القمع المباشر، بل عبر التوجيه الناعم وإدارة الاحتمالات وصناعة القناعات.

إن البنائية الرقمية لا تفرض رؤيتها للحقيقة بالقوة بل بالإغواء، عبر ما يسميه ديبور مجتمع الفرجة، حيث تتحول الحياة إلى عرض دائم، وتصبح الصورة بديلا عن الواقع، ويغدو الظهور أهم من الوجود. وفي هذا العالم لا تُقاس الحقيقة بمدى صدقها، بل بمدى قابليتها للانتشار، ولا تُختبر عبر البرهان بل عبر التفاعل.

ومن هنا تنشأ مفارقة عميقة، فبينما تزعم الرقمنة توسيع آفاق المعرفة، فإنها في الواقع تضيق أفق التفكير النقدي، لأن التدفق المستمر للمعلومات يمنع الترسّب، ويحول دون التأمل، ويُبقي الوعي في حالة استثارة دائمة. وقد لاحظ نيتشه أن كثرة المعارف قد تؤدي إلى ضمور الحكمة، وهو ما يتجلى اليوم في فائض البيانات وفقر المعنى.

أما الواقعية الجديدة فهي تحاول مقاومة هذا الانزلاق عبر إعادة تثبيت مفهوم المرجع، غير أنها تظل مهددة بالتحول إلى موقف دفاعي إذا لم تُدمج في مشروع نقدي شامل للتقنية. فالواقع لا يعود إلينا تلقائيا بمجرد الاعتراف بوجوده، بل يحتاج إلى وسائط معرفية جديدة قادرة على تحرير التجربة من أسر النمذجة الرقمية.

وقد أشار ميرلوبونتي إلى أن الجسد هو موقع الحقيقة الأول، وأن الإدراك متجذر في الخبرة الحسية المباشرة، لكن العالم الرقمي يفكك هذه العلاقة عبر إحلال التفاعل الافتراضي محل الحضور الفيزيائي، وبذلك يُفرغ الحقيقة من بعدها التجسيدي، ويحوّلها إلى مجرد تمثيل.

إن أخطر ما في البنائية الرقمية ليس إنكار الواقع، بل إعادة تعريفه على نحو وظيفي، بحيث يصبح ما لا يمكن ترميزه غير موجود. وهنا يتحقق ما سماه هوسرل أزمة العلوم الأوروبية، أي اختزال العالم المعيش في صيغ رياضية، وفقدان المعنى لصالح الدقة التقنية.

في المقابل تفتح الواقعية الجديدة أفقا لإعادة الاعتبار للعالم المعيش، لكنها تحتاج إلى أن تتجاوز النزعة الوصفية، لتؤسس أخلاقا للحقيقة، تُعيد للإنسان مسؤوليته المعرفية. فالحقيقة ليست فقط ما هو كائن، بل ما ينبغي أن يُصان، لأنها شرط إمكان العدالة، وركيزة كل تعاقد اجتماعي.

وقد شدد راولز على أن أي مجتمع عادل يفترض حدا أدنى من الاتفاق حول الوقائع، لكن هذا الاتفاق يتآكل في زمن الأخبار الزائفة والتلاعب الرقمي. وهنا تصبح الحقيقة سلعة سياسية، تُستخدم لتوجيه الرأي العام وإعادة هندسة الوعي الجمعي.

وفي الفكر العربي المعاصر، بدأت تتشكل محاولات خجولة لمساءلة هذا التحول، حيث يُنظر إلى الرقمنة بوصفها امتدادا لهيمنة معرفية جديدة، تعيد إنتاج التبعية الثقافية عبر أدوات تقنية. ويُطرح السؤال حول إمكانية تأسيس عقل نقدي عربي قادر على استيعاب التقنية دون الذوبان فيها، وعلى الدفاع عن الحقيقة دون الوقوع في دوغمائية.

إن استعادة الحقيقة لا تعني العودة إلى يقينيات ماضوية، بل بناء موقف تأويلي نقدي، يجمع بين الاعتراف بواقعية العالم والوعي بوساطة اللغة واليقظة تجاه سلطة التقنية. موقف يرفض اختزال الإنسان في بيانات والمعرفة في خوارزميات والمعنى في تفاعل.

إن إمكان التفكير في الحقيقة اليوم يمر حتما عبر تفكيك الثنائية الساذجة بين الواقعية والبنائية، لأن كلتا المقاربتين، إذا أُخذت على نحو أحادي، تنتهي إلى مأزق. الواقعية الجديدة حين تنغلق على فكرة الاستقلال الصلب للواقع، تخاطر بتجاهل الأبعاد الرمزية والتاريخية التي تشكل تجربتنا للعالم. والبنائية الرقمية حين تُطلق العنان لمنطق الإنشاء التقني، تُفرغ الحقيقة من بعدها المعياري، وتحوّلها إلى وظيفة ضمن نظام تداولي لا يعترف إلا بما هو قابل للقياس.

والحق أن الحقيقة لا تُختزل في كونها مرآة للواقع ولا في كونها بناءً اعتباطيا، بل هي علاقة معقّدة بين الذات والعالم تتوسطها اللغة، وتتشكل داخل التاريخ وتتأثر بالبنى التقنية. وقد عبّر غاستون باشلار عن هذا البعد العلاقي حين رأى أن الحقيقة العلمية نفسها ثمرة قطيعات إبستيمولوجية متتالية، وأن المعرفة تتقدم عبر تصحيح أخطائها. غير أن الرقمنة تُضعف هذا المسار التصحيحي، لأنها تسرّع التداول على حساب التمحيص، وتُراكم الآراء بدل أن تُعمّق الفهم.

إن ما نعيشه اليوم هو انتقال من الحقيقة بوصفها أفقا للتفكير إلى الحقيقة بوصفها مادة للاستهلاك. فالمعلومة تُستبدل بالحكمة والرأي بالمعرفة والظهور بالفهم. وهذا التحول لا يقتصر على المجال الإعلامي بل يمتد إلى الجامعة والسياسة والثقافة، حيث يُقاس النجاح بعدد المتابعين، لا بقوة الحجة وبمدى الانتشار لا بعمق التحليل.

وقد لاحظ بيير بورديو أن الرأسمال الرمزي يتحدد داخل حقول اجتماعية تحكمها علاقات القوة، لكن العالم الرقمي يعيد تشكيل هذه الحقول على نطاق كوني، حيث تُمنح الشرعية لمن يتقن لعبة الخوارزميات، لا لمن يمتلك رؤية نقدية. وهنا تتبدى أزمة المثقف الذي يجد نفسه مزاحا من فضاء التأثير، أو مُجبرا على التكيف مع منطق السوق الرقمي.

إن استعادة الحقيقة تقتضي إعادة بناء الذات النقدية، القادرة على مقاومة التلاعب المعلوماتي، وعلى ممارسة الشك المنهجي، وعلى إعادة وصل المعرفة بالتجربة. وقد شدد ديكارت على أن الحقيقة تبدأ من الشك، غير أن الشك اليوم يُستثمر لإنتاج الارتباك لا اليقين، ولتفكيك الثقة العامة لا لبناء معرفة راسخة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى أخلاق للحقيقة، تتجاوز المقاربات التقنية، وتعيد الاعتبار للقيم المعرفية مثل الصدق والدقة والمسؤولية. فالحقيقة ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي التزام وجودي. وقد رأى ليفيناس أن العلاقة بالآخر هي أساس كل معنى، وأن الحقيقة تنكشف في الاستجابة الأخلاقية قبل أن تتجلى في الحكم النظري. غير أن العالم الرقمي يضعف هذه العلاقة، عبر تحويل الآخر إلى صورة، والتفاعل إلى نقرة.

إن الواقعية الجديدة إذا أُعيد تأويلها في ضوء هذا الأفق الأخلاقي، يمكن أن تشكل ركيزة لمقاومة تسليع الحقيقة، شرط أن تنفتح على البعد الإنساني للمعرفة، وألا تختزل الواقع في معطى فيزيائي. والبنائية الرقمية إذا أُخضعت لنقد جذري، يمكن أن تتحول من أداة هيمنة إلى مجال إمكان، يسمح بإعادة توزيع المعرفة، شريطة تحريرها من منطق الربح والمراقبة.

وهنا يصبح سؤال الحقيقة سؤالا سياسيا بامتياز، لأنه يتعلق بمن يملك القدرة على تعريف الواقع. وقد نبّه كارل شميت إلى أن السيادة تظهر في لحظة الاستثناء، لكن السيادة الرقمية تظهر في التحكم في تدفق المعلومات. ومن يملك هذا التحكم يملك تشكيل الوعي الجمعي.

أما في السياق العربي فإن التحدي مضاعف، لأننا نواجه الرقمنة من موقع هش دون سيادة تقنية ودون مشروع معرفي مستقل. ولذلك فإن التفكير في الحقيقة يقتضي أيضا التفكير في الاستقلال المعرفي، وفي بناء مؤسسات بحثية قادرة على إنتاج المعرفة لا استهلاكها فقط.

إن الحقيقة ليست معطى جاهزا بل مهمة مستمرة. مهمة تتطلب شجاعة التفكير وعمق التأمل ومسؤولية الكلمة. وهي لا تُختزل في مطابقة أو بناء، بل تتجسد في السعي الدائم إلى فهم العالم دون الخضوع له، وإلى استخدام التقنية دون الارتهان إليها.

يتضح من خلال ما سبق وذكرنا، أن مفهوم الحقيقة يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، حيث تتنازعها نزعتان متعارضتان في الظاهر، متداخلتان في العمق، نزعة تسعى إلى استعادة صلابة الواقع عبر الواقعية الجديدة، ونزعة تعمل على إعادة تشكيل الواقع عبر البنائية الرقمية. وبين هذين القطبين يتشكل وعي معاصر مأزوم، يتأرجح بين الحنين إلى يقين مفقود والانخراط في سيولة لا ضفاف لها.

لقد أظهرت الواقعية الجديدة أهمية إعادة الاعتبار لاستقلال العالم عن تمثلاتنا، مؤكدة أن الحقيقة لا يمكن اختزالها في الخطاب أو الاتفاق الاجتماعي. غير أن هذا الموقف يظل قاصرا إذا لم يأخذ بعين الاعتبار التحولات التقنية التي أعادت تشكيل شروط الإدراك والمعرفة. فالعالم لا يُعطى لنا اليوم مباشرة، بل يُفلتر ويُرتب ويُعاد إنتاجه عبر أنظمة رقمية تشارك في صنع الحقيقة ذاتها.

في المقابل كشفت البنائية الرقمية عن الطابع الإنشائي للمعرفة المعاصرة، لكنها دفعت هذا الاكتشاف إلى حدوده القصوى، حيث أصبحت الحقيقة قابلة للتلاعب، والمعنى رهين الخوارزميات، والذات مختزلة في بيانات. وهنا يتبدى خطر اختفاء البعد المعياري للحقيقة، وتحولها إلى وظيفة ضمن اقتصاد الانتباه.

إن تجاوز هذا المأزق يقتضي بناء تصور تركيبي للحقيقة، يعترف بواقعية العالم وبوساطة اللغة وبسلطة التقنية في آن واحد. تصور يجعل من الحقيقة علاقة دينامية بين الإنسان وواقعه، لا انعكاسا آليا ولا بناءً اعتباطيا. علاقة تقوم على النقد والحوار والمسؤولية الأخلاقية.

كما يقتضي هذا التجاوز إعادة تأسيس الذات العارفة، بوصفها فاعلا نقديا، لا مجرد مستهلك للمعلومات، وإحياء الفضاء التداولي العقلاني، حيث تُختبر الآراء بالحجج لا بالإعجابات، وتُبنى المعرفة بالتراكم لا بالتكرار.

وفي السياق العربي، تزداد هذه المهمة إلحاحا، لأن استعادة الحقيقة تتقاطع مع معركة أوسع من أجل السيادة المعرفية والتحرر من التبعية الرقمية، وبناء مشروع ثقافي قادر على استيعاب التقنية دون فقدان المعنى.

إن الحقيقة في عصر الواقعية الجديدة والبنائية الرقمية ليست نهاية الطريق بل بدايته. إنها أفق مفتوح للتفكير ودعوة دائمة إلى اليقظة، ومسؤولية مشتركة في زمن تتكاثر فيه الصور وتقل فيه البصائر. وهي قبل كل شيء، فعل مقاومة ضد الاختزال وضد النسيان وضد تحويل الإنسان إلى رقم في معادلة كبرى لا روح لها.

***

د. حمزة مولخنيف

 

بقلم: فارديناند ألكييه

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

***

" أودّ أن أحدثكم، هذا المساء عن موضوع عام جدّا: ما معنى فهم فيلسوف؟ يتطلب كل نوع من أنواع عمل الفكر فهما مخصوصا. ومن الواضح مثلا، أنّنا لا نفهم قصيدا شعريا مثلما نفهم لحنا لآلة مفردة، وأنّنا لا نفهم هذا اللحن مثلما نفهم لوحة، أو قاعدة رياضية. أقترح عليكم إذن تقديم بعض التأملات حول السمات الخاصّة لفهم الفلاسفة. علينا أن نلاحظ أولا أنّ عملا فلسفيا هو عمل للّغة، وللغة التعبيرية. قد يبدو هذا بَدَهًّيا، لكنه ليس كذلك تماما. لنفكّر مثلا، في أنّ قصيدة شعرية ليس لها من هدف سوى نقل حقيقة موجودة قبلها. يمكننا فعلا القبول بأن اللغة الشعرية تخلق، إن جاز القول، في روح القارئ، الحالة التي يستلهمها. وعلى العكس، لا أحد يضعه موضع شكّ، إذا ما كتبنا عملا فلسفيا، فذاك لأنّنا نريد التعبير وأن ننقل للقارئ حقيقة معينة، سابقة للعمل ذاته. من الضروريّ إذن، أمام العمل الفلسفي، تجاوز هذا العمل نحو هذه الحقيقة. لأجل ذلك يُطرح مشكلنا بالسؤال: أيّ نوع من الحقيقة يمكننا العثور عليه، أو أيّ نوع من الحقيقة يجب البحث عنه في أثر فلسفي، أو انطلاقا من أثر فلسفيّ؟

أعتقد أنّ هذا السؤال ليس عديم الأهمية. وإذا لم نتوصّل غالبا إلى فهم بعض الأعمال، فذاك لأنّنا لا نتساءل عن أيّ حقيقة تزعم هذه الأعمال نقلها أو إثارتها. يبدو أنّ الشعر، من هذا الجانب، موضوع سوء فهم مستمرّ. فالناس حينما يقفون أمام قصيدة لا يفهمونها، ولا يعرفون غالبا ما معنى قصيدة، وما تعني اللغة الخاصّة للقصيدة ويبحثون في اللغة الشعرية عن شيء آخر غير ما تحويه. ليس من اللازم أن يوجد سوء فهم مماثل في الفلسفة: يستوجب إذن معرفة أيّ نوع من الحقيقة يزعم أثر فلسفي التعبير عنه. بيد أنه، حينما، نكون قد تحدثنا مع شخص ما، وسمعناه، أجبناه: " مثلما فهمتني جيدا"، يمكننا أن نعني بهذا عدّة أشياء، التعبير عن عدّة أفكار مختلفة. يوجد مثلا،" فهمتني جيّدا" لرجل العلم، للرياضي. فذاك يعني بالتأكيد:" لقد فهمتَ ما أردتُ قوله". يتعلّق الفهم هنا بالحقيقة المعبّر عنها. أن نقول:" قد فهمتني" هو أن نقول:" لقد فهمت منطق الاستنتاج، وأدركت دقّة القانون". يوجد أيضا " لقد فهمت " التي للمرأة، وغير المفهومة إلى حدّ الآن. لستُ بحاجة أن أقول لك بأنه ليس نفس الشيء. بما أنّ، ما يجب فهمه هنا، ليس حقيقة لاشخصية بل الكائن ذاته هو الذي على المحكّ، أناه الخاص، بسيكولوجيته. وما يجب بالتالي أن نتساءل عنه أولا، في أيّ من هذين المعنيين (وسنرى أنه لا في هذا ولا في ذاك)، يجب فهم فيلسوف، هل كما نفهم رياضيا أو كما يريد كائن بشري التعبير عن حالة وجدانية شخصية. لقد قلت لكم، بالطبع لا في هذا المعنى ولا في الآخر. أوّلا، ليس في المعنى الذي نفهمه فيه رياضيا. من اليقين حتى نفهم فيلسوفا فلابدّ أولا من فهم ما يقصد بقوله، ولا أريد أن أنكر ذلك، لكن ليس لحقيقة فلسفية بالتأكيد، الطابع اللاشخصي لحقيقة رياضية. ولكي نقتنع بذلك، أعتقد أنه يكفي أن نفكّر فيما يكون لنا جميعا في الفكر حينما نقول بأنّنا نفهم أوقليدس، مثلا. فحينما أفهم قضية هندسية اوقليدية، فليس لي الانطباع بأني أفهم اوقليدس، فهو إمّا بواسطة ذكرى وفية، حتى أحيل إلى من اكتشف أو صاغ الحقائق التي أفهمها، وإمّا، منذ أن نقول بأننا نعرف أنه توجد هندسات أخرى غير هندسة أوقليدس، هندسة ريمان مثلا، حتى أقول أني أتموقع ضمن نسق مرجعيات معيّن وضمن مصادرات تكوّن بالتحديد هندسة أوقليدس. لكننا يمكن أن نشير بوضوح إلى هذا النسق بحرف، ونقول هندسة " أ "، أو هندسة "ب" أو " س"؛ فذاك يعني نفس الشيء. إنّ فهم العلوم، وحقائق العلم ليست فهم العلماء الذين اكتشفوها، ولأجل ذلك، فإنّ تاريخ العلوم ليس ضروريا للعلم؛ يمكننا فعلا أن نشتغل بالعلم دون الاشتغال بتاريخ العلوم، و، إذا اشتغلنا بتاريخ العلوم، فنحن نقوم بالتأكيد بشيء آخر غير العلم. بل نحن نتناول في الواقع، تخصّصا فلسفيا، بما أنّنا نبحث كيف أن فكر رجل العلم قد ارتقى إلى هذه الحقيقة أو تلك. وعلى العكس، فلكي نفهم فلسفة ديكارت أو فلسفة كانط، يجب بالضرورة فهم ديكارت وفهم كانط. أعتقد أن هذا المثال يبيّن أننا بفهم أوقليدس وبفهمنا ديكارت لا نستدعي نفس الجنس من الفهم. هل يعني هذا القول بأنه لابدّ من الرجوع إلى المعنى الثاني لكلمة فهم، والإقرار بأنه يجب فهم ديكارت كفرد، وبوصفه إنسانا عاش في مرحلة ما، وكان له هذه الخصوصية البسيكولوجية أو تلك؟ أعتقد أنّ دراسةَ مثل هذه ليست بالتأكيد عقيمة بل هي من وجوه كثيرة ذات أهمية قصوى، وسأستشهد بمثال أو اثنين على هذه الأهمية. لكن ليست هذه الدراسة هي ما يجعلنا نفهم فيلسوفا، وما سيسمح لنا بفهم ديكارت بوصفه فيلسوفا. أعتقد يقينا، أنه من الصعب الفصل بين التجربة الفلسفية لديكارت، ولكانط أو لسبينوزا وبين تجربتهم الوجدانية، وبين تجربتهم الشاملة. لا يتردّد سبينوزا كما تعرفون، في بداية كتابه" في إصلاح الذهن" في أن يقول لنا في أنه لم يصبح فيلسوفا إلاّ لأنه وجد نفسه في أزمة أخلاقية؛ ويفسّر لنا أصل فلسفته بواسطة صعوبات عاشها. ولا يتردّد ديكارت بالمرة في أن يرسم لنا حكاية فكره؛ وأنه إذ يروي لنا هذه الحكاية، فإنه بالتأكيد يقدّر أنها قد تسلط ضوءا على فلسفته بالذات. ولكن لا يزال فهم فلسفة ما يتجاوز بسيكولوجيا مؤلفها. ويبدو لي أنه ممّا لا يقبل الشكّ أنّ الخوف من الخداع، وأن يخدع من إنسان آخر، هو أساسي عند ديكارت. ولكن ماذا يمكننا أن نفسر بهذا؟ يفسّر هذا الخوف، في التأمل الأوّل، بأن ديكارت يحدّثنا عن الحواس بوصفها خادعا وجدانيا. ومن الغريب جدا أنه يحدثنا عن الحواسّ بوصفها ملكات غير يقينية، وهو ما سيكون عاديا، بل ككائنات قد تؤدي به إلى الخطأ. لأجل هذا، فيما بعد، في نهاية التأمل الأوّل، يمكن للشيطان الماكر أن يتقبّل، إن جاز لي القول، خاصية الخداع التي للحواس بوصفه شخصا حقيقيّا. تفسّر أيضا الطبيعة الخاصة للخداع التي يخشاها أن ديكارت التجأ إلى الحقيقة الإلهية: فلم يتخلص تماما من شكّه إلاّ بوضع علاقة بينذاتية لوعيه بوعي الإله، الذي يكلّمه بلغة لن تكون كاذبة. لكن بعد كل هذا الذي قيل، وهذا السمات التي فُسٍّرت بسيكولوجيا (إذ يمكننا، إن شئنا، البحث عن مبررات طبيعة هذه المباحث، واكتشافها في طفولة ديكارت، في خوفه من أن يكون قد خُدع، في إحباط الخ.)، يظلّ أننا، في تسليط الضوء على مثل هذه السببية، لم نفسّر في الواقع، فلسفة ديكارت، أي حقيقة " التأمل الأول". إذ يتعلق الأمر دوما بمعرفة ما إذا كان التأمل الأول صالحا، أي معرفة ما إذا كانت مبررات الشك التي يقدمها هي مبررات حسنة أو سيئة. ويتعلق الأمر، بإتباع هذه المبررات، أن يقنعنا ديكارت وليست المعرفة بسيكولوجيا بديكارت التي يمكن أن تساعدنا على التقدّم في هذا الاتجاه. سأضرب مثلا آخر أيضا من ديكارت. يقول ديكارت في التأمل الثاني، بأنه، وهو يُطلّ من النافذة ويرى المارّة، قد يخطأ، إذ ماذا يرى، غير معاطف وقبّعات يمكن أن تغطّي بشرا مزيّفين وأشباحا تحرّكها آلات تحكّم ؟ ولا أعتقد أنه غير قابل للإنكار، فيما يخصّني(لكن يمكن أن نتفق مع هذا الرأي)، أنه إذا ما أردنا فهم اختيار هذا المثال، وإذا ما أردنا فهم طبيعة هذا المبحث، يجب أن يتدخّل اضطرابٌ ما في إدراك ديكارت للواقع، اضطراب نرى له تمظهرات أخرى لديه، وبالخصوص حينما كتب ديكارت عام 1631، أنه يتجوّل في المدينة كما لو كان يتجوّل في الغابة، وان المحادثات التي يسمعها تبدو له كما لو كانت صخب ينابيع المياه أو الريح في الأشجار. توجد فعلا صعوبة في إدراك الآخر كآخر، صعوبة أراها أساسية لدى ديكارت؛ وأعتقد أنه حينما يتساءل إذا ما كانت المعاطف التي يراها تغطي بشرا مزيفين يتحركون بأجهزة تحكّم، فإن بسيكولوجيا ديكارت في خطر. لكن لستُ في حاجة إلى أن أقول لكم إنّه حينما أشرنا إلى هذا، فنحن لم نتقدّم قيد أنملة في فهم قوة الحجة لدى ديكارت ! فما يريد أن يبيّنه ديكارت هو أنّ كل إدراكٍ حُكْمٌ؛ ويبيّنه بطريقة رائعة، بما أنه يقرّ، لا، كما زعمنا، ما يمكن العثور عليه، داخل الإدراك بالذات، حكما قد يحصل لوعينا الخاص، بل إني إذن أحكمُ بما يمكنني أن أرتكب من أخطاء في رؤية أناس، إذ لا يمكن أن يوجد خطأ إلا في الحكم. وبالإمكان، وهو كل ما يقرّه ديكارت، أن هذه المعاطف وهذه القبعات تغطّي خيالاتٍ لبشر تحركها أجهزة تحكم. وقد يقال إنه لا يوجد، من أجل ذلك، إمكانية من ألف، وربما أقلّ أيضا، وأنه توجد إمكانية ضئيلة حتى نقوم بالتجوّل مع أناس آليين (إذ هذا ما نفكّر فيه) في الطريق وحيث يقيم ديكارت، بعدما ألبسناهم معاطف وقبعات. ولكن في النهاية ليس هذا من المستحيل منطقيّا؛ وهذا وحده ما يؤكّد أنه " برؤيتنا" أناس، يمكنني رؤية شيء ليس من قبيل الإنسان، وهذا يعني إذن أن الإدراك هو الحكم. وفي الحقيقة، فإنّ التفسير بأسباب بسيكولوجية (بل وكلّ تفسير بسيكولوجي هو تفسير بالأسباب) يحوّل الحقيقة الفلسفية إلى مجرد واقعة محدّدة من وقائع أخرى، وينكر إذن الحقيقة الفلسفية بما هي كذلك، وبالتالي لا يفهمها. نفسّر بسيكولوجيا خطأ ما، وليس فكرة؛ نفسّر بسيكولوجيا بأنّ إنسانا قد أصبح فيلسوفا أو عالم أحياء، لكن لا نفسّر أنه قد وُجد، في الفلسفة أو البيولوجيا، فعلا هذا الاكتشاف أو ذاك وأنه قد بلغ الحقيقة. ترون إذن بأنّ، فهم فيلسوف ليس، فهم الحقيقة اللاشخصية بمثل الحقيقة الرياضية التي يقولها، ولا فهم خصوصيته المجردة البسيكولوجية. فماذا يعني فهم فيلسوف، وهل يوجد فهم آخر غير هذين الضربين من الفهم ؟2367 bahmi

تلك هي النقطة التي وصلنا إليها الآن. تقودنا الصعوبات السابقة إلى التفكير بأنّ الحقيقة الفلسفية ستكون لها منزلة خاصّة جدّا. فلن يكون لها، لا حياديةَ حقيقةٍ علميةٍ ولا الطابع الشخصي الذي للطبعٍ. ولكي ندقق هذا، ونتأمله بوضوح أكثر، فلنلتفت الآن نحو الفلاسفة ذواتهم، ونتساءل كيف أرادوا أن يُفهموا، أو كيف اشتكوا من عدم فهمهم. بيد أنّه يبدو لي التعارض بين مبحثين، يستجيبان لمفهومين من التعارض المشار إليه، مبحثان يمكننا استنباطهما من دراسة سقراط كما ديكارت أو كانط، باركلي أو أي فيلسوف آخر: من جهة مبحث عزلة الفيلسوف، ومبحث الطابع الكوني للحقيقة التي يفصح عنها من جهة أخرى. توجد كونيةُ عزلةٍ، ويبدو لي أنها للفيلسوف وفي هذا تكمن كل مأساته. ليست الحقيقة لا شخصية بل هي كونية. إنّ ما يشكّل صعوبة في كلامنا بالتحديد، هو فهم ماذا تعني كونية شخصية، شيء لا يدركه أغلب البشر، إذ اعتادوا إمّا على العلم، حيث تكون الكونية تحديدا لاشخصية، أو حقائق بسيكولوجية هي شخصية، لكنها شخصية لكونها خاصّة. بيد أن ما يجب علينا اكتشافه، هو كونية ذاتية. توجد كما قلت، عزلة الفيلسوف. فإذا ما وَضع الفيلسوف موضع السؤال العالَمَ، ردّه عليه العالمُ فعلا. كلّ منّا يعرف أنّ ديكارت، وكانط وباركلي اشتكوا باستمرار من عدم فهمهم. يكفي قراءة مراسلات ديكارت أو ردوده على الاعتراضات عليه، بعد " تأملاته"، ويكفي التذكير بردود فعل كانط بعد النسخة الأولى من " نقد العقل المحض" حتى نقتنع بذلك. لكن، لنفهم جيدا ماذا تعني مأساة الفيلسوف. من دون شكّ، فالإحساس بعدم فهمه لا يخصّ الفيلسوف وحده، فالشعراء يشعرون أكثر بعدم فهمهم؛ توجد عزلة الشعراء. بيد أنها تبدو جدّ مختلفة عن عزلة الفلاسفة. فليست مأساة الفيلسوف اكتشاف الذات لحالة أنفس نادرة لا يشعر بها آخرون. بل إنّ مأساة الفيلسوف هي مأساة إنسان يعرف أنه حامل لحقائق كونية، ويكتشف أنه لا يستطيع مشاركة هذه الحقائق مع آخرين، بالرغم من إقراره ببداهتها. عام 1630، أي اللحظة التي أتمّ فيها ديكارت وضع نظريته المشهورة في إبداع الحقائق الأبدية، كتب ديكارت إلى الأب مارسان جملة تبدو لي مميّزة تماما في هذا الصدد. يصرّح ديكارت، من جهة، بأنه قد عثر على وسيلة للبرهنة على الحقائق الميتافيزيقية بطريقة أكثر بداهة من الحقائق الرياضية، وسرعان ما يضيف " لكن لا أعرف ما إذا كنت استطيع إقناع الآخرين". يبدو لي أنه، لو فكّرنا في هذا الإقرار المزدوج، فسنجد فيه كلّ معطيات المشكل: بداهة أسمى من كل بداهة أخرى، بما أن ديكارت ذهب إلى حدّ القول بأنها أسمى من البداهة الرياضية، بداهة كونية من جهة الحقّ، بداهة يتساءل بشأنها هل تكون مجهولة من الجميع. بيد أنّ عدم الفهم هذا للفيلسوف من وسَطه يُعبّر عنه في مسار التاريخ بألف طريقة وطريقة، وتبدو لي دهشة الفيلسوف من عدم فهمه هي المنبع بالذات لكلّ الفلسفة الغربية، في معنى أنّ الفلسفة الغربية قد تكون ناشئة من دهشة أفلاطون أمام واقعة الحكم على سقراط بالإعدام، ومن أنه لم يُفهم. لماذا حُكم على هذا الرجل الذي لم يكن له أعداء، ولا يُلحق أحدا بأذى، ولا يُبدي أيّ دغمائية، ويساعد الناس على التعرف على ذواتهم، ويكتفي فحسب بإلحاق العلم الفيزيائي حتى بالفكر الذي صنع العلم الفيزيائي، لماذا حَكَمت عليه المدينة بالإعدام؟ نشعر فعلا حينما نقرأ لأفلاطون، أنّ هناك فضيحة حقيقيّة بالنسبة إليه: موت سقراط. لكنني لا أقول بشأن هذه الفضيحة أنه لم يوجد دوما نفس العنف إلاّ في حالة سقراط، بل يوجد دوما، من حيث أنّ الفيلسوف يندهش ويظلّ مطابقا لفكرة كون الحقائق التي يرى أنه ينفيها هي الحقائق التي تبدو له من الواجب أن تُفرض على كل معرفة نزيهة. مثلا، هذه الحقيقة: الفكر الذي يصنع العلم أرقى من العلم الذي يصنعه، وليس للعلم من معنى إلاّ بالنسبة لصانعه. هذه حقيقة لا نرى كيف يمكننا الشك فيها، لو فهمناها جيّدا. ومع ذلك نراها في الواقع مجهولة باستمرار بل ننفيها بعنف. إذن، توجد عزلة الفيلسوف، وهي عزلة الكونية. ليست عزلة العلم عزلة كونية، إنها كونية محظوظة، حتى عندما تكون غير مفهومة من الجميع، تحظى بالانتشار بين الناس، وتجعلهم يعترفون بها. هنا، على العكس، لنا نمط من الحقيقة وحيد، في ذات الوقت الذي هو كوني، وبموجب هذا تحديدا، كما سنرى بشكل أفضل فيما بعد، تكون هذه الحقيقة مرتبطة بشخص معيّن، وغير قابلة للانفصال عنه. أعتقد أيضا أنّ هذه العزلة للفيلسوف هي بالخصوص خطيرة، في عصرنا وها هو لماذا. وهو أنه، بينما كانت هذه العزلة بسيطة صارت الآن مضاعفة؛ فلم تعد عزلة فحسب أمام التاريخ، بل هي أيضا عزلة أمام فكرة التاريخ. إنّ المجتمع والتاريخ يبدوان دوما بالنسبة إلى الفيلسوف الكلاسيكي، كوقائع عرضية. إلاّ انه، في الواقع، يقابل الفيلسوف دوما الحقّ، والتحوّل بالأبدي. إلى هذا الحدّ كلّ شيء واضح، الفيلسوف مهزوم بحكم الواقع والزمن، لكن ليس له ما يشكو منه، بما انه اختار الواقع ضدّ الزمن، وبهذا هو فيلسوف. يدمّر التاريخ إذن الفيلسوف دون أن يلغيه. ألحّ على ذلك، رغم انّه يبدو بديهيّ. ذلك أنه،مع الأسف، حاليا ليس بديهيا. من الواضح أنه، مثلا، لم يعتبر أفلاطون أبدا بأنّ إدانة سقراط قد ألغت سقراط. ولأجل هذا، وبالرغم من التساؤل باندهاش عن مبرر الحكم على سقراط بالإعدام، لم يذهب إلى حدّ التساؤل عما إذا كان سقراط على باطل، بحكم كونه قد أُدِين. ولأجل هذا وصف أفلاطون " المدينة الفاضلة"، مضيفا انه لا يعرف ما إذا كان بالإمكان وجود مثل هذه المدينة، لكنه يعرف حقا بأن الحكيم لن يقبل حكم مدينة أخرى غير هذه. هنا، كلّ شيء واضح، وانه، إذا ما وجد تراجيدي، فإنه تراجيدي واضح. يوجد، من جهة، أولئك، الذين يريدون فهم الفلاسفة ويكرهون التاريخ أو يعتبرونه بمثابة وقائع متتالية، ويوجد أولئك الذين يريدون فهم التاريخ وسير العالم، ويكرهون الفيلسوف. وهؤلاء أكثر عددا، لكن لهم إلى حدّ هيجل، على الأقل الفضل في عدم الرغبة في أن يكونوا فلاسفة أكثر من الفيلسوف نفسه. نحن نعرف أننا لم نعد في هذه الحالة. فليس تاريخ الوقائع فحسب هو ما يمنع اليوم من فهم الفيلسوف، بل أيضا فكرة التاريخ بوصفه حقّا أو قيمة. إنّ أسباب هذا التحوّل عديدة، وليس لي من السذاجة حتى أفكّر بأن هيجل هو وحده المسئول عن ذلك. أعتقد أنه من بين الأسباب الرئيسية لهذه الوضعية، هو أنه، يجب، في بِنْيِة الدول الحديثة، أن يشارك الشعب في الشؤون السياسية: أصبحت الدعاية إذن ضرورة. ففي حكم لويس الرابع عشر يمكن لباسكال أن يكتب بأنه يجب أن نحيي الملك لأنه يقود أناسا يحملون حِرابا. كل شيء إذن قويّ وواضح؛ فإذا لم نحيّي رمينا بالرمح. يفصل باسكال بهذا بين نظامين، نظام قويّ في الواقع، ونظام ما هو محترم من جهة الحقّ. راهنا، لا يبدو هذا الفصل ممكنا. فهو لا يبدو ممكنا لأنّ الديمقراطية (التي لا أزعم أنني أحكم هنا مؤكّدا على جوانبها الحسنة والسيئة) تجبر السلطة على توسّل الانخراط الجامع. وبالتالي، على تلوين الأفكار، بقيم ومصائر ملموسة. ومهما يكن من أمر، فإنّ أغلب الفلاسفة أو المثقفين الحديثين يريدون في الآن نفسه فهم التاريخ والفلسفة. فهم لا يريدون الاختيار بينهما. ومن هنا، بما أنه محتّم، فهم يضحّون بالفلسفة من أجل التاريخ، إذ لا أرى أبدا إمكان فهم الاثنين معا، أو على الأقلّ في ذات اللحظة. وإذا ما شئنا فهم الفلسفة والتاريخ في نفس الوقت، فسيؤدّي بنا ذلك إلى فهم الفلسفة بواسطة التاريخ، أي وضع الفلسفة في التاريخ، وهو ما يعني عدم فهمها. نجد هنا، بالفعل درجة من الدقّة أكبر، ضربا من الفهم غير القابل للفهم، شبيها بذاك الذي أشرنا إليه منذ قليل، في تفسير الفلاسفة بواسطة الأسباب البسيكولوجية. أود الحديث عن الفهم الهيجلي. ولا أريد هنا إطلاقا الحكم على فلسفة هيجل في كليتها، ولا أعتبر هذه الفلسفة وخاصة تبعاتها، إلا من حيث أنها تزعم فهم فلاسفة الماضي بطريقة جديدة. بيد أنه، ليست فلسفة هيجل، بهذا الإجراء، التاريخ الذي يسجن الفيلسوف، بل فكرة التاريخ محيطةٌ، إن جاز التعبير، بفكرة الفلسفة. فهيجل على قناعة بأنّ كل فكر معبّر عنه فعليّا هو لحظة من التاريخ. ويتساءل كانط كيف يكون العلم ممكنا. ويتساءل هيجل كيف توصّل كانط إلى طرح هذا السؤال. وكيف ارتقى إلى مستوى الوعي الترنسندنتالي؟ يتساءل هيجل كيف توصّل كانط إلى الوعي الإشرافي أو الترنسندنتالي. تُمثّل الأخلاق، كما يقول هيجل، لحظة أخلاقية، تصبح مجرد لحظة تاريخية. ولن ننتهي من تعداد نتائج هذه الفكرة، سواء في فلسفة هيجل، أو في فلسفة ماركس. من هنا يبدأ تاريخ كل الجهود لفهم الفلاسفة بربطهم بزمانهم، ببيئتهم الاجتماعية، وبالطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها أو يعبرون عنها، وبالاقتصاد الخ. إنّ ما أريد إقراره ببساطة، هو أنّه، في كل هذه الحالات، لا نفهم الفيلسوف، وذلك من حيث أننا نرفض الاستماع لندائه. هذا النداء كما قلت سابقا هو نداء إنسان يشعر أنه وحيدا لكنه يشعر بأنّ عزلته هي عزلةَ حقيقةٍ كونية. فيدعو إذن، باسم هذه الحقيقة الكونية، شبيهَهُ. وهذا الشبيه بالتحديد هو ما يجب أن نبذل جهدا حتى نَكُونَهُ، إذا ما أردنا فهم الفيلسوف. بيد أن التفسير الهيجلي الذي قد عرفته أو أيضا التفسير الماركسي للفلسفة، هو بالتحديد التفسير الذي يقطع هذه العلاقة بالأشباه، ذلك الذي يجعلها مستحيلة، والذي يلغي، بهذا بالذات، ما هو في رأيي ماهية الفلسفة ذاتها، أي الحوار. لقد عبّر أفلاطون بوصفه أب الفلسفة الغربية، بواسطة المحاورات. وكتب مالبرانش محاورات وباركلي كذلك. غير أنّ المحاورة، هي دوما دعوة للآخر بوصفه شبيها. تفترض المحاورة دوما ذاتين واعيتين لهما أرضية مشتركة. لننظر في باركلي، حتى نختار هنا محاورات أكثر معاصرة من محاورات أفلاطون. يفترض " فيلونوس" Philonous دائما أنّ إيلاصHylas الذي يحاوره، وبرغم اختلاف منطلقاتهما، له وعي شبيه بوعيه؛ وان المعيار الأسمى، ليس برهانا قوليا، وليس خطابا، وليس تأليفا جدليا، بل هو موافقة الوعي الآخرَ. يقول فيلونوس لألياص:" تعتقد أنه توجد مادّة. ربما كنتَ على حقّ. ولكن ماذا تفهم من ذلك؟" وفي كلّ مرّة يقول فيها ألياص:" أعني بذلك هذا أو ذاك "، يجيبه فيلونوس:" ألا ترى أنّ ما تسميّه مادّة هي فكرة لعقلك؟". يوجد في كل هذه الحالات تساوي العقول، تماثل الذوات ويمكننا أن نتوجّه إذن نحو هذه الجمهورية للعقول، التي يتطلع إليها كلّ فيلسوف بما أن فضيحة كلّ فيلسوف وما يحركه ويزعجه ويألمه ويحبطه هي عزلة عقله الخاص، أي كون هذه الحقائق التي يشعر أنها كونية ليست مفهومة من آخرين سواه. بيد أنه تحديدا مع هيجل، وأكثر أيضا مع أولئك اتبعوه، لا يوجد شبيه. لاوجود لشبيه لسببين. أولا، إذا كان كلّ فيلسوف هو لحظة من التاريخ، والفلسفة هي نتاج بيئة معينة، فها أنّ الفلاسفة بعدُ متفرقين عن بعضهم بعض. كلٌّ يعبّر عن زمانه وليس وعيَه نقطة مرجعيه أخيرة لما يريد قوله. لكن ها هو شيء أخطرَ، انفصال الفيلسوف عمّن يريد فهمه، عمن يزعم فهمه، إذ الفيلسوف هو الذي يفهم الفيلسوف الآخر، أي أن الفيلسوف الهيجلي والفيلسوف الماركسي، يؤكّد ذاته تحديدا بوصفه أرفع من الفيلسوف المفهوم؛ فالفيلسوف المفهوم هو لحظة من التاريخ، أو نتاج اجتماعي معين، بينما الفيلسوف الذي يَفهم، فهو وعي التاريخ، هو من يعرف ما يعني التاريخ. ومن ثمّ، فإنّ كل الأسئلة المطروحة من الفيلسوف الذي نفهمه أسئلة فقدت قيمتها، بقدر الأجوبة التي اعتقد وجوب إنجازه لها. هل يجهد باركلي نفسه حقا في معرفة ماهية المادّة وهل يجد نفسه مكرها على الاعتراف أنه لا يقدر على الوصول إلى تكوين فكرة عن شيء لن يكون فكرة للعقل، فنجيبه بأنّ السؤال المطروح ليس عن معرفة هل توجد مادّة، وان السؤال الوحيد الذي يطرح نفسه هو معرفة لماذا يطرح على نفسه سؤالا مماثلا. بيد أنه، قد يزعم أنه يطرح هذا السؤال لأنّ وعيه يترجم هذه اللحظة أو تلك من التاريخ. وبعبارة أخرى، يبدو أكثر فطنة في هذا المنهج، التساؤل لماذا يطرح الناس أسئلة بدل أجوبة على ما يسمّى أسئلة، لأجل هذا، أعتقد أنّ تلاميذ هيجل هم غالبا فلاسفة الكراهية، فلاسفة يكرهون أمثالهم. ذلك أنه لابدّ من الإجابة على كلّ الأسئلة، ولا يجب ترك الفيلسوف في وضعية غير مقبولة عرفناها جميعا عندما كنا أطفالا، عندما كنا نجيب على الأسئلة بهزّ الكتفين، ونقول لأنفسنا بأنّ الكبار لا يطرحون على أنفسهم أسئلة غبيّة جدّا. وبالفعل، فللفيلسوف شيء من الطفولة. يطرح أسئلة يمكن اعتبارها فعلا كأسئلة غبية أو بوصفها، على أيّ حال، عديمة الجدوى. والفيلسوف يعرف جيّدا بأننا إن لم نجب على أسئلته، فليس ذاك لأن الناس الجدّيين لهم ما يشغلهم، ولهم شيء آخر يفعلونه غير التساؤل عما هو الكائن، أو إذا كانت المادة موجودة في ذاتها؛ ولهم ما ينشغلون به من الفيزياء والسياسة وألف شيء آخر من هذا القبيل. يعرف الفيلسوف جيّدا بأنه، إذا لم نجب على أسئلته، فذاك لأننا لا نعرف أيضا الجواب عليها. يظلّ سؤاله إذن، وهو غير مفهوم، مطروحا وغير قابل للحلّ. ألخّص ما قلت. لقد بينت بأنّ فهم الفيلسوف ليس من نوع فهم الرياضي أو العلمي، وأنه ليس من نوع بسيكولوجي، وأنه ليس من نوع تاريخيّ، وانه يجب أن يلحق بضرب من الكونية، بضرب من الشخصية؛ وانه يجب أن يكون فهما ذي كونية شخصية، أو كونيةَ شخصيةٍ كونية كما تشاءون. لكن ألا ننتهي، هذه المرّة، إلى دراسة نسق كلّ فيلسوف، أي بجعل تاريخ الفلسفة، تاريخ أنساق ؟

هنا نجد فعلا تاريخ الفلسفة، بالمعنى المعروف والأكثر كلاسيكية لهذه الكلمة. من البَدَهِي أنّ هذه الدراسة لها مطلق المشروعية، وأنتم تسيئون فهمي كثيرا بالاعتقاد بأنّ أودّ اتهامها أو إقصاءها. إنها نقطة الانطلاق الضرورية. إنه لا جدال فيه بأن كلّ جزء فلسفي ليس له من معنى إلاّ بالنسبة إلى المجموع المنطقي الذي ينتمي إليه، وانه بالتالي، لا يمكن له أن يفهم إلاّ في مستوى النسق الذي يشترك معه. لا أحد يستطيع أن ينكر أنه من الضروري فهم نسق كانط حتى نفهم كانط، وفهم نسق سبينوزا لفهم سبينوزا. ومع ذلك، فنخن نخطأ في الاعتقاد، كما يغرينا ذلك غالبا، بأنّ إنشاء النسق كان هدف الفيلسوف. إنه بالأحرى رأي كثير الانتشار بقدر يبدو فيه بديهيا . يبدو لنا بأنّ هدف ديكارت كان كتابة " نسق ديكارت، وتأسيس الديكارتية، وأنّ هدف كانط هو إنشاء ما نسميّه الكانطية. بيد أنّ هذا الخطأ يجعلني أفكّر في تاريخ فرسان مشهورين، نفترض أنه يقولوا:" نحن الآخرين، فرسان القرون الوسطى..." لا يعرف فرسان القرون الوسطى أنهم كانوا فرسان القرون الوسطى. وفي هذا المعنى فديكارت ليس ديكارتيا. وبالفعل، لا يريد ديكارت تأسيس نسق هو نسق ديكارت؛ بل يريد العثور على الحقيقة، وهو شيء مختلف تماما، وهو يريد هذه الحقيقة بكل إخلاص. وكذلك يصنع كانط وباركلي. ستقولون لي بالتأكيد، أنه من حيث أنّ الفيلسوف قد بدأ في إنشاء نسقه، فهو يدافع عن هذا النسق، ويثبّته. هذا حقيقيّ، وهو يظهر ببساطة أننا لن نكون تماما فلاسفة، وأنّ الفلاسفة ليسوا بمنأى عن الكبرياء وفي ضرب من سوء النية في دفاعهم عن أفكارهم الخاصّة، التي يسندونها لأنّها أفكارهم. ويمكن أن تقولوا لي أيضا بأنه يوجد بعض الفلاسفة القاصرين الذين لم يفهموا ما هي الفلسفة، وأنهم يقدّرون بأّنه يجب عليهم، مهما كان الثمن، بناء نسق جديد. غير انّه لا أهمية كبيرة لكلّ ذلك. فالمهم، هو أنه، إذا كنا نتّبع فكر ديكارت أو كانط، فعلينا أن ندرك بأيّ حماس هم يبحثون عن الحقيقيّ انطلاقا من بعض المشكلات المطروحة، ويبحثون باستمرار ويعمّقون. وهم لا يعرفون إذن إلى أين سيقودهم هذا البحث. نحن سرعان ما نتبيّن على أيّ حال، أنه على مستوى دراسة الأنساق لوحدها لا نستطيع الإفلات من الخطأ الذي كان أصل كل المناهج القاصرة التي حاولنا مقاومتها. و، بالفعل، فإنّ أصل كلّ هذه المناهج، المنهج النفسي والمنهج الرياضي والمنهج التاريخي هو أن يجعل من الحقيقة الفلسفية موضوعا. بيد أنّ النسق هو أيضا على نحو ما، موضوع، وموضوع يتنزّل في عصر وفي بيئة معطاة. إنّ النسق هو ما يتبقّى لنا من فيلسوف. وأعتقد من جهتي بأنّ الكاتب، بإنشاء نسقه، وبالرغم من انه يزعم الخضوع لقوانين محض منطقية، لقوانين بالتالي لازمانية، يجازف أكثر بالتعبير رغما عنه عن عصره وأخطاء هذا الزمان، وبالتالي بالخضوع أو الوقوع تحت سيطرة تفسيرٍ على نمط هيجلي. ذلك أن النسق، هو دائما تأويل لبدهية باسم ما ليس كذلك. آمل أنّنا سنفهم ذلك أكثر في لحظة ما. توجد أنساق عديدة. وتختلف الأنساق فيما بنيها أيّ كانت البنية اللازمانية والمنطقية للنسق. فهي لا تمثّل إذن البداهة الكونية بأنّ المفكّر يبحث. فنسق لابنيتز ليس نسق سبينوزا، ونسق مالبزانش ليس نسق كانط. إنّ تاريخ الفلسفة بوصفه تاريخ أنساق يقدّم إذن نفس الخطر الذي يقدّمه التاريخ كما يتصوّره هيجل، إضافة إلى كونه يعدّه. ينفي هذا التاريخ إمكان أن يكون للفلاسفة أشباها حقيقيين. إنها تسجن كل فيلسوف في خصوصيته؛ وتجبره على التنازل عن مطلبه الأساسي. بيد أنه، إذا لم يكن هناك شكّ بأنّ كل فيلسوف له خصوصية معيّنة، فيما تعبّر عنه كل فلسفة، خلافا لما يفعله العلم، فإنّ ردّ فعل وعي شمولي في الوسط الذي يوجد فيه، أفلا تكون هذه الخصوصية أيضا خصوصية غير منغلقة، بل منفتحة. وإذ ما اقتصرنا إذن على النسق، فسيجب، إمّا الوصول إلى منطقانية logicisme مجرّدة، أو إلى ريبية جمالية، إلى إستيتيقية تقود إلى ريبية. وستبدو كل فلسفة مثل رؤية للعالم. في حين أنّ رؤى العالم مختلفة. يجب إذن النظر إليها بإعجاب لجمالها، أي تناولها بوصفها ضروبا من القصائد، لا النظر إليها من جهة الحقيقة. فكونها متعدّدة بالذات يبيّن أنها خاطئة، ولأجل ذلك، ففي كلّ مرّة أدرك فيها المفكر بأن الأنساق متعدّدة، فَهِمَ أو ظن أنه فهم بأنّ هذه الأنساق كانت خاطئة. يسخر فولتير من أنساق القرن الذي سبقه، ويقدّر كانط نفسه بأنّ تعدّد الأنساق يدين الميتافيزيقا ويقدّر أن الميتافيزيقا ليست مستحيلة بينما العلم ممكن (لو علمتم فهذا من أهم نقاط الانطلاق لنقده العقل المحض)، ولا يريد أي دليل آخر غير كون العلم يجعل جميع عقول العالَم متفقة، بينما الميتافيزيقا مجعولة من عدة انساق ومتناقضة. حقيقة أراد هيجل انطلاقا من هذه الفكرة، إنقاذ الميتافيزيقا. والمصيبة انه في محاولته إنقاذ الميتافيزيقا أنقذ ميتافيزيقاه هو، بما أنه أنقذ تلك التي تزعم أنها فكر كلّ فكر آخر، باعتباره بمثابة لحظات تطوّر كوني اكتشف هيجل وِحدته. أعتقد إذن أنه لا يجب أن نتمسّك بالأنساق. بالتأكيد لكل مناهج الفهم التي استعرضناها، حقيقة معيّنة، ومما لا جدال فيه أنه يجب، كما الشأن في الرياضيات، فهم ما يريد الفيلسوف قوله؛ ولا يمكن، باللجوء إلى علم النفس إنكار ضرورة محاولة النظر في كيفية إيجاد الفكر الفردي والعيني للفيلسوف هذه الحقيقة أو تلك، أو، إن جاز القول، قد طُبع ببصمته هذا المبحث أو ذلك. وبالمثل، يوجد فهم تاريخي للفيلسوف، إذ أنه من البديهي أن الفيلسوف ليس فكرا خالصا، ومن الواضح أن فيه عناصر هي بالفعل، خاضعة للتاريخ، مرتبطة بالطبقة الاجتماعية، الخ. إنّ الفيلسوف إنسان. ومّما لا جدال فيه أيضا أنه يجب فهم النسق. لكنني أعتقد أنه بالذات في اللحظة التي نفهم فيها النسق، يجب أيضا فهم أن النسق، وبخلاف بنيته المنطقية بالضرورة، المعطاة والمتناسقة، هو أيضا من نوع الموضوع، ومن نوع علمي، وأن النسق، إن جاز القول، هو ما به، استسلم الفيلسوف، وقد فارق، كما سأحاول بيان في القسم الأخير من هذه الحديث، هذا العالم، قد استسلم للحنين إلى عالم آخر، لحنين عالم، وأنه، بعدما أظهر لنا أنّ هذا العالم ليس الكائن، يقدّم لنا عالما آخر، خياليا هو ذاك، لكن ليس له سمة الموضوع، أو عالم موضوعات. أعتقد إذن أنه، إذا ما أردنا حقّا فهم الفيلسوف، وإذا ما أردنا فهم هذه الصلة الحميميّة حقا بين حقيقة كونية وذاتيةِ شخصيّة، فعلينا البحث عن هذا الفهم، لا في مستوى النسق، بل في التمشيّ، أو التمشّيات التي تولّد منها النسق. أي أنه يجب الاستعاضة عن كونية موضوع بكونية تمشّ، هذا التمشّي الذي ليس هو موضوعيا، ولا بسيكولوجيا، بل راسخ في حركة معيّنة للذات نحو الكائن: ذلك هو التمشي الفلسفي تحديدا، في معنى مميّز لكلمة فلسفي بما هو كل ما ليس ميتافيزيقي: علم وشعر، الخ. كنت دائما مندهشا للغاية من أنّنا نجد، لدى نفس الفيلسوف، وتحت موضوعات مختلفة في ظاهرها، والتي لم يتصوّر الكاتب ذاته ربطها منطقيا، نجد تمشيا متماثلا تماما. سأضرب مثلا غالبا ما سُقته؛ لكني لا أعرف أفضل منه. إنه مثال الأطروحة المعروفة لخلق الحقائق الأبدية لديكارت. تعرفون أن هذه الأطروحة التي صيغت لأول مرة عام، 1630 يقرّ فيها ديكارت بأن الإله قد وضع الحقائق الأبدية بمطلق الحرية، أي أن الحقائق التي تبدو لنا منطقية، رياضية وعلمية، ليست بالمرّة حقائق ضرورية على صعيد أنطولوجي تحديدا. كان بإمكان الإله أن يصنعها بخلاف ما هي عليه. لقد تجاوز ديكارت بمثل هذا التمشّي، بما لا جدال فيه كل موضوع، وحتى العلم الذي بناه، نحو الكائن الذي يعتقد أنه الأصل في هذا العلم وهذا العالم. بيد انه، لو اعتبرنا الشكّ، الذي استأنفه ديكارت سنة 1641، واعتبرنا " الأنا أفكّر"، وكثيرا من المباحث الأخرى أيضا، أفليس التمشي الثابت الذي تأسست عليه هذه المباحث، هو التجاوز الأبدي لما هو نهائي نحو ما هو لانهائي، ويتضمن سبب وجود النهائي، وسبب وجوده بالمعنى القويّ، وبمعنى فعل ؟ أريد أن أقول بهذا من أنّ الإله ليس المبرر المنطقي للعالم، لكنه من يصنع العالم، ومن هنا نرى بالنتيجة أن ّ العالم مثله ليس كائنا كاملا. إنّ الشكّ الذي يتجاوز الحقائق الرياضية، والفيزيائية يستعيد هذا الحدْس. فـ"الأنا أفكّر" ذاته، هو كما يقول ديكارت، فكرة الإله، بما أنه في التأمّل الثالث، كتب ديكارت بأنه ليس من الضروري أن يجعل الإله، وقد وضع علامته في هذا الأثر، هذه العلامة مختلفة عن هذا الأثر ذاته.على نحو يكون فيه " الأنا أفكّر" أيضا تجاوزا للنهائي نحو اللانهائيّ، وهو ما لأجله يظهر أوّلا كشكّ، وما يبدو بعد ذلك ككوجيتو. إنّ هذه المباحث، التي لم يصل ديكارت بينها (إذ لا يتكلّم ديكارت بالتحديد، لا في " التأملات"، ولا في القسم الأول من "مبادئ الفلسفة "، عن صنع الحقائق الأبدية؛ ولا يمكننا القول انه يربط نسقيّا (في نسق) بين هذا المبحث والمباحث الأخرى)، ومع ذلك أعتقد أن لهذه المباحث أساس وحيد، إنها تعبّر بعضها البعض عن تمشّ متشابه، عن تمشّ متماثل، تمشيّا أجده علاوة على ذلك هو الأصل في كثير من المباحث لديكارت، مبحث العالم معتبرا بوصفه حكاية، ومبحث الطبيعة معتبرة بوصفها ميكانيكا لها مبرر وجودها خارج ذاتها، ومبحث الحيوانات الآلية، والخلق المستمرّ، الخ. وإذا ما أخذنا الآن كانط بعين الاعتبار، أمكننا أنّ نكتشف جيدا وجود ماهيات مماثلة. على سبيل المثال، منذ محاولته إدماج مفهوم المقادير السالبة في الفلسفة، كان كانط مندهشا من أن الشرّ والألم والمعاناة وفي كلمة المحسوس، وخلافا لما يعتقده ليبنتز أو وولف، لا يمكنها أن تُختزل في مفهوم. توجد هنا تجربة عميقة جدّا، حيويّة بالتحديد، تكشف عن أن المحسوس لا يردّ إلى مفهوم. بيد أننا نجدّ هذه التجربة في " نقد العقل المحض"،حيث سنرى الذات البشرية تنقسم إلى تقبل حسّي، وفهم عفوي يفرض قوانينه من خارجٍ على المحسوس. سنجدها في نقد العقل العملي، في فكرة أن القانون الأخلاقي هو قانون "شيء في ذاته" يُفرض على الذات الحاسّة. سنجده في نقد ملكة الحكم، عندما يبيّن لنا كانط، بالتحديد، أن الحكم الغائي هو حكم تأمّلي، وليس محدِّدا، أي حكما يتّجه، انطلاقا من المُعْطى، نحو مفهوم لا يمكن بلوغه ولا يمكن أن نستنتج منه المحسوس ذاته. وأستطيع مضاعفة الأمثلة. ولكن أعتقد أنه ليس من الضروريّ. نحن نرى كفاية، انه لدى الفيلسوف ذاته، يوجد تجانس في التمشيّ، حتى حيثما لا يوجد نسق منطقي، أي صلةٌ منطقية بين المباحث. لكن يجب أن نذهب أبعد من هذا، وهنا ربّما أمكن لنا لإنقاذ الفيلسوف من هذه العزلة التي وصفناها. وسيسمح لنا هذا السلوك الثابت فعلا، توحيد لا المباحث لنفس الفيلسوف فحسب، بل مباحث أنساق هي في ظاهرها متعارضة. لا شيء قد تمنحونني إياه أكثر اختلافا، لمارلوبرانش أكثر من باسكال، ولهيوم أكثر من كانط. ومع ذلك فالدهشة أمام ما نسمّيه القانون الفيزيائيّ، أي أمام كوننا نكتشف باستمرار في الطبيعة علاقات ثابتة ولا ضرورية، علاقات لا تحكميّة كونية لكن ليس لها سببا مفهوما، موجودا في كلّ شيء. إنّ الحلم العقلاني القديم: السبب أو إن شئنا، المبرّر، قد ضاع حقّا (يفكّر كانط باستمرار في مثال نيوتن الذي أسّس علما قوانينُه هي عبارة عن وقائع معمّمة). ومن دون شكّ سنلتقي بهذا المبحث في أشكال مختلفة جدّا وفي أنساق متعارضة تماما، بما أنّ مالبرانش تحديدا يعلّق على هذه الحقيقة بنظريته عن الأسباب العرضية ومفكرا في الإله سببا وحيدا، ويعلق هيوم على هذه الحقيقة بالدعوة إلى ذات حاسّة، تنزاح من السبب إلى النتيجة بحكم العادة، ويعلّق كانط على هذه الحقيقة بالمقولات. لا شيء مختلف، ومع ذلك فالاعتراف بهذه الاعتباطية للضرورة ذاتها أو الانطباع، هي جوهريةٌ على وجه الإطلاق، أكثر من الموضوع غير الكافي انطولوجيا، ويجد نفسه في هذه السياقات المتنوّعة؛ سواء في فلسفة مالبرانش، الذي يستخلص منها فرصة للسموّ إلى الإله، ويبّن لنا بأنّ هذه الطبيعة، التي نحيا فيها، هي طبيعة دون اتساق، وانّ الإله هو وحده السّبب في كلّ ما يحدث فيها وانّ الطبيعة لدى هيوم التي هي على العكس طبيعوية naturaliste والذي يزعم أنّ سبب وجود العلاقات لا يكمن في الموضوع بل في الذات، وفي ذات تمنح لنفسها الحدْس ذاته. أقدم مثالا آخر أعتذر أيضا عن الرجوع إليه، لكنه من الوضوح بمكان بحيث يستلزم الرجوع إليه، هو أمثولة الكهف لأفلاطون. يلتفت الفيلسوف، أي يتخلّص من الضلال حتى يلتفت إلى الوراء؛ توجد هنا حركة حقيقيّة للالتفات توصف بشكل فيزيائيّ. غير أنّ الشكّ لدى ديكارت، يلفت أيضا الفكر، وينثني به إلى الخلف، ويقول ديكارت، إنه يفصله عن العالم الحسّي وعالم الموضوعات، عن عالًم العلم، ليصرفه صوب "الأنا أفكّر" وصوْبَ الإله. وينعطف الفكر لدى كانط، بما أنه، وبعد البحث عن أساس العلم في الموضوع، يبحث عنه في الذات. وهوسرل أيضا، حتى نأخذ مثالا لفيلسوف حديث، " ينعطف " بالسلوك التلقائي الذي يقصد العالم. يبدو لي بأنّ كل هذه الانعطافات لا تختلف فيما بينها إلاّ حيث تختلف النقاط التي تعطفها.

إذن هؤلاء فلاسفة مختلفون تماما بعضهم عن بعض، إذا ما نظرنا إليهم من جهة أنساقهم، أي من جهة الطريقة التي أوّلوا بها ضربا من البداهة الأساسية. غير أن الطريقة، التي قادتهم إلى هذه البداهة والتي، إذا ما استبدلنا مباحثهم بالمحتوى الحقيقيّ لهذه المباحث، فسيبدو في نقائه، ويجعلهم جميعا في اتفاق. لا أيد أن أقول فعلا، وأعتقد بأنه لا أحد هنا لا يقدر أن يصفني بمثل هذه التبسيطية، بانّ أفلاطون هو ديكارت ولا أنّ ديكارت هو كانط، وكانط هو هوسرل. من البديهي فعلا أنّ كل واحد قد وجد نفسه في صعوبات شخصية، وانه قد وجد نفسه في عوالم مختلفة، وأنّ عالم أفلاطون ليس عالم ديكارت، وأن عالم ديكارت ليس عالم هوسرل. ومن البديهي جدا أن كلٌ منهم كان عليه أن ينثني، حتى لا نقتصر على هذا الانثناء، بطريقة تخصّه هو. لكن يبدو لي واضحا، أيضا، أنّ كل هذه الانثناءات تنطلق من الموضوع، هذا الشرط هو الأفكار بالنسبة إلى أفلاطون، و" الأنا أفكّر" والإله بالنسبة إلى ديكارت، والمقولات بالنسبة إلى كانط. وهذا يفسّر أيضا أمرا لا نعطيه في نظري، حيّزا كافيا: هو إننا نلاحظ باستمرار انه في تاريخ الأفكار، توجد انقلابات فردية، انقلابات غريبة. هكذا لم تكن ريبية هيوم الملحدة سوى امتدادا لمقولة النفس للمنهج الذي أراد باركلي تطبيقه على المادّة، لهدف دفاعي أساسا. لقد أراد باركلي دحض الماديّة، وبالتالي بيان أن الماديون يقرّون باطلا بأولوية المادّة.لأجل ذلك هل توجد طريقة أفضل من بيان أنه لا توجد مادّة البتة؟ سيجد الماديون أنفسهم إذن في حرج. بيّن باركلي إذن انه لم توجد المادّة؛ غير أن الحجج التي برهن بها مماثلة لما طبقه هيوم، مستعيدا المنهج، على النفس، وطبقه على الإله وأصبح بالتالي ملحدا وفق درس باركلي القسّيس.حسنا، إذا كان هذا ممكنا، فذلك لأنّ تمشي باركلي هو متميّز حقا عن نسق باركلي، وهو ما سأبيّنه باعتبار آخر. مَن مِّنا، - وربما قد وُجد، واعتذر منهم في هذه الحالة - من يعتقد حقّا اليوم في نسق باركلي؟ لكن قد نحتفظ بتمشي بلاركلي بوصفه ذا صلوحية وراهنية. لا أريد سوى دليلا. افترضوا أنّ هيلاص Hylasقد عرف اكتشافات العلم الحديث، وانه عرف الذرّة. نرى بوضوح أنّ الحوار بين هيلاص وفيلونس كان سيتضمّن بعض الصفحات زيادة، وانّه سيكون بإمكاننا كتابة هذه الصفحات بيسر. نرى بوضوح أنّ هيلاص، وبعد أن قال بأنّ المادّة قد تكون هذا أو ذاك، يضيف:" ربما كانت المادة الذرّة، الإلكترون والبروتون والنيترون." ونسمع فيلونوس يجيبه:" ولكن ما هو البروتون سوى الفكرة التي لدينا عنه؟". إنّ هذا التمشّي النقدي هو إذن مستقل تماما عن النسق، بما انه سمح لهيوم بالوصول تحديدا إلى نقيض ما كان يريده باركلي، وبما أنه سمح لنا، نحن، بالقيام بنقد لمفهوم المادّة على نحو ما عرفه علم قد عرفه باركلي. هنا يجب أن نذكّر بأننا لا نُولَد فلاسفة، بل نصير كذلك، وأننا نصير فلاسفة بتفاعل ضدّ كلّ معرفة ليست فلسفية. ذلك أنّ الفلسفة لم تكن أبدا معرفة من درجة أولى، إنها معرفة المعرفة، كما قيل؛ وليس لنا رغبة في معرفة ما هي المعرفة إلاّ بوجودنا بعد في وسط معرفة من درجة أولى، لا تبدو كافية تماما. وما يُحيّر فهم مثل هذه المعرفة هو أنّ هذه المعرفة من درجة أولى، بالنسبة إلى أفلاطون، هو الرأي. يقابل أفلاطون إذن الرأي بالعلم. لكن تمشّيه لم يكن مع ذلك، مجرّد طريقة انتقائيّة، كما يمكن أن نتصّوره. والدليل هو أن العلم، وحالما نشأ بوصفه علما، وأنه بالتالي هدّم الرأي، لم تقتل الفلسفة نفسها من أجل ذلك: بل على العكس، اتخذت بالنسبة إلى العلم، سلوكا مماثلا تماما للسلوك الذي اتخذه أفلاطون بالنسبة إلى الرأي. لقد أرادت الفلسفة أن تحدّد للعلم موضعا وتجعل العلم مكانها، وبمثل سقراط الذي يقضّي وقته مع الناس في الاستدلال على أنه لا يعرف ما يعتقد معرفته، وبمثل كانط مثلا، الذي يقرّ بأنّ العلماء لا يعرفون ما يعتقدون معرفته، وأنهم يعرفون العلم ويعرفون العلاقات بين الظواهر، لكنهم لا يعرفون الكائن الذي قد يخلطونه دائما بالموضوع. لأجل ذلك، أعتقد أنه من الضروريّ، لفهم فيلسوف، وهذا ما أودّ أن أنهي به هذه الملاحظات، والتساؤل أوّلا كيف أصبح الفيلسوف فيلسوفا؟ نادرا ما نطرح هذا السؤال، ونفضّل تناول الفيلسوف على صعيد النسق. يبدو لي من المفيد إذن أن نعود أيضا على مفهوم التمشيّ أو المنهج. نقف على المستوى لأنه لنا دوما خشية من الوقوع على نحو ما في ضرب من القصّة الفلسفية أو البسيكولوجية. أعتقد أنّي بيّنت بما فيه الكفاية أنه لن ننزلق أبدا في نزعة بسيكولوجية باستخدام المنهج الذي أنصح به. وأعتقد أيضا أنه، إذا ما أردنا تجنّب فلسفة التاريخ، فيجب أن نكون أيضا مؤرخين أكثر من فلاسفة التاريخ؛ يجب أن نشتغل بالتاريخ الفردي لكلّ فيلسوف. لقد قلنا هذا منذ قليل، فديكارت لم يخش كتابة تاريخ فكره. ولا يجب أن نكون أكثر خجلا منه. بيد أن ديكارت يتعارض، كما تعرفون، مع الفلاسفة الجوهرانيين؛ أي مع فلسفات ميّتة، مع فلاسفة دون كائن، بما أنّ الفلسفة هي البحث عن الكائن: من جهة، فلسفة سواريز الذي دُرّس لديكارت من معلّميه والذي لم يكن سوى طوماوية ماهوية. غير أنّ ديكارت بدأ بإدانة السواريزية le suarezisme بالعلم. لكن عام 1630، وضع ديكارت، لحظة اكتشافه نظرية خلق الحقائق الأبدية، في ضوء النهائي المبدع الذي أسسها. وفي النهاية، وضعها، لحظة كتابة التأملات، أو بعدُ مقالة الطريقة، في ضوء " الأنا" الذي يفكّر. وبالمثل فإنّ كانط انطلق من فلسفة وُولف الذي تغذّى هو الآخر من سيوراز. اعتقد أنه سيكون هناك الكثير مما نقوله عن الدور الذي لعبه سيوراز على هذا النحو في الفلسفة. ننطلق دائما من سيوراز لبيان أنه ليس هكذا يجب أن نتفلسف. يعترض كانط على ُوولف بانشغال معين على الكائن، انشغالا حادّا لديه، وعلى أساسه يُنشأ فلسفته الخاصةّ. أعتقد أنه يجب، إذا ما أردنا بلوغ، كما أصرّ على فعله منذ بداية هذا الحديث، حقيقة تكون في الآن نفسه كونية وشخصية، اعتبار تمشي أو نهج الفيلسوف. يمكننا بلوغ الحقيقة المنشودة بقدر ما نستطيع إتباع تاريخ كلّ فيلسوف بطريقة دقيقة. هذه الدراسة ليس لها أي قاسم مشترك مع الطريقة الهيجيلية في تصوّر التاريخ، إذ بعد أن يملك تاريخا، وبعدَ أن يقوم بعَوْدٍ معين في الزمان، يسمو الفيلسوف بتاريخه إلى الماهية. انا على اتفاق مع الرأي الذي يقرّ بأنّ كل فلسفة حقيقية هي تاريخ سَموْنَا به إلى الماهية: لأجل ذلك هي (أي الفلسفة الحقيقية) شخصيةٌ وكونيةٌ في الآن نفسه. أما فيما يخصّ ديكارت، فاستدلالي سيكون سهلا جدّا. يكفي النظر في فقرة من مقالة الطريقة عام 1637، ففي "المقالة" ليس للكوجيتو أيّ منزلة حقيقية فهو في كل مكان وفي أيّ مكان. هو في القسم الرابع من "المقالة" حيث يقول لنا ديكارت:" أنا أفكّر، إذن أنا موجود". يزعم ديكارت إذن أن الكوجيتو هو أساس كل فلسفته، بالرغم من أنه صرّح بعدُ، في الأقسام السابقة من المقالة، بنظريته في الأخلاق والمنطق.

يوجد مع ذلك كوجيتو يسند في الواقع كليةً مقالة الطريقة. لكنه الكوجيتو التاريخي، الكوجيتو الذي يصنع وحدة كل تمشيات أو طرائق ديكارت، بالرغم من كونه، إن أمكن القول، لاواع بذاته، كوجيتو يصنع وحدة كل أقسام المقالة. إنه هذا " الأنا" الذي يقول في الجزء الأوّل:" أنا خرجت من المعهد، واستقبلني مُعلمِّيَ، والذي يقول: هذه أخلاقي وميتافيزيقاي، الخ. لكن يصبح هذا الكوجيتو في "التأمّلات" واع بذاته كلية؛ لأجل ذلك يصبح " الأنا أفكّر" للتأملات هو منبع التوازن لكل ما بَقِيَ. هذا " الأنا أفكّر" يضع في المنظور كلّ الحقائق التي أراد ديكارت إنشاءها، من جهة عالم الموضوعات، الذي يعتبره بوصفه أدنى منه، يمكن له معرفته، والفعل فيه، ومن جهة أخرى، الإله الذي يخضع له، والذي يجعله موجودا. أعتقد أن استدلالا مماثلا يمكن أن نقيمه بالنسبة إلى فلاسفة آخرين، وانه قد يكون دوما من اليسير بيان أن التفلسف، هو أن نسمو بتاريخه الخاص إلى الماهية، على كون " تاريخه الخاص" تعني بالطبع هنا تاريخ فكره، لا تاريخ أهواءه، أو مختلف مغامراته. على هذا النهج إذن يمكننا العثور على ماهية هذا التمشي الذهني أو الطريقة التي نعتقد أنها الفلسفة. قال لنا ديكارت إنه، حتى نفهم تأمله الأوّل، لابدّ لنا من أشهر وأسابيع. ولكن يكون الأمر بديهيا في هذه الحالة لو اختزل التأمّل الأوّل في الحقائق العقلية التي يتضمنها، بما انّه لفهم هذه الحقائق، يكفي نصف ساعة. لكن لابدّ من حياة حتى أصير فيلسوفا، حتى أصير شبيها بالفيلسوف الذي حاولنا وصف دعواه. ذلك أنه حتى نصير شبيهه، يجب أن نكتشف بأنفسنا أنّ كلّ المشكلات ليست مشكلات موضوعية، لكن الإنسان، بتصوره ذاته أولا مشدودا إلى عالم الموضوعات، يصير فيلسوفا، بالعود إلى الشروط الموضوعية ذاتها. نجد هذا النهج لدى أفلاطون كما لدى كانط، أو سبينوزا أو مالبرانش. بالتأكيد أن منهج هؤلاء الفلاسفة يختلف لكن الحركة التي يقومون بها في اتجاه هدفهم متشابهة، ذلك أن الفلاسفة، وهذا هو خاصة ما أردت وضعه، لا يذهبون بالتحديد نحو أيّ عالم. فالآخر الذي يتّجهون إليه ليس عالما. وأعتقد أن كل الأخطاء التي عرضناها تتلخّص فيما يلي: ننتظر دائما أنه بعد التخلص من عالم، سيقدّم لنا الفلاسفة عالما آخر. نحن في هذا ضحيّة فخامة الموضوع وخطأ النسق. إنّ الفلاسفة، بإظهارهم أن العالم لا يتضمّن شروطه الخاصّة، يتّجهون نحو كائن ليس بعالَم. يقول مالبرانش ذلك في "محادثات"، جملة بدت لي دائما أفضل تعريف يمكن أن نقدّمه للفلسفة. يصرّح مالبرانش انه لن يقودنا إلى أرض غريبة بل سيعلمنا أّن نكون غرباء في بلدنا. لاشيء أفضل من هذا يجعلنا ندرك لماذا هو من الصعب فهم الفلاسفة. هو أننّا لا نريد أن نكون غرباء ولا شيء يجعلنا كذلك أكثر من الفلسفة، بما أنها تجعلنا تحديدا نمرّ من -عالم إلى شيء آخر ليس بعالم. لا يهتمّ الناس سوى بكونيةٍ موضوعية، سوى بكونية لاشخصية تسمح بالفعل في الموضوع. ولا يهتمون إلاّ بالكوسمولوجيا. فمن العادي تماما أن يغويهم النسق أيِ، بما يشبه أكثر لدى الفلاسفة أو ما يشبه نسق العالم، مثل العلم. والمصيبة أنه بعد أن يقع الإغواء بالنسق، سرعان ما سخروا منه. فيقابلون الأنساق بعضها ببعض، مثلما فعل فولتير، ويقابلون الميتافيزيقا بوصفها نسقا بالعلم، وهو أعظم الأخطاء، باعتبار أنّ الميتفيزيقا ليست نسقا يمكن أن يوضع على صعيد العلوم ومعارضتها، لكن ما تكشفه لنا هو أنّ الكائن لا يمكن أن يُضَمَّن في أيّ نسق كان. وحتى نستخلص، سأقول إنّ ما يمنعنا من فهم الفلاسفة، هو الجهل من موقعنا بما تعنيه غالبا الفلسفة. لكن أود أن أضيف، أنه لفهم الفلسفة، يجب فهم الفلاسفة. فالفلسفة ليست العلم، وليست نسقا، أو مجموع أنساق بل هي تمشّ أو نهجا، وليس للتمشي من معنى إلاّ لأنّ إنسانا ينفّذه. وهذا لا يعني أنّ هذا التمشي هو تمشّ فردي، ليس له من معنى ولا قيمة إلاّ بالنسبة إلى فرد يحتلّ موقعا في الفضاء والزمان. إنّ التمشي الفلسفي ليس تمش يمكن فهمه بمبررات بسيكولوجية، وليس تمشّ يمكن فهمه بالتاريخ، أو انطلاقا من حالة اجتماعية معينة. إنّ التمشي الفلسفي هو تمشي الفكر ذاته، ولأجل ذلك هو دائما للإعادة مجدّدا: إذ للفكر دوما أن ينقذ نفسه. لا يوجد في الفلسفة تقدم تاريخي ّحقيقيّ، من تقدّم إلى الأمام، كما يوجد في العلوم. ولا يمكننا القول بوجود حقائق جديدة في الفلسفة يجب بلوغها. لكن إذا ما أردنا أن نكون فلاسفة، يجب على كل منّا، بتمشّ مماثل للذي انتهجه الفلاسفة، أن يصير شبيها للفلاسفة. لا يمكننا فهم فيلسوف دون أن أصير أنا بذاتي فيلسوفا، ودون أن نصنع عبر التاريخ وبالرغم عنه، الشبيه للفلاسفة، ودون العثور على هذه الأبدية التي للفلسفة. "

***

..........................

* فارديناند ألكيه " ما معنى فهم فيلسوف؟ّ": درس افتتاحي في الخمسينات نشره مركز التوثيق الجامعي 1956، وأعيد نشره من "المائدة المستديرة" باريس 2005.