أقلام فكرية

أقلام فكرية

مقاربة سياسية ايتيقية

في إطار المقاربة السياسية الأخلاقية، تُمثل فلسفة بول ريكور حالة فريدة من التوازن الديالكتيكي بين قطبين يبدوان متناقضين في ظاهر الأمر، لكنهما متداخلان في جوهر الوجود الإنساني: واقعية الحرب التي تُقرّ بقسوة الصراع الإنساني والسلطة والعنف كعناصر بنيوية في التاريخ السياسي، وغائية السلم التي تُوجّه الإرادة الجماعية نحو هدف أخلاقي نهائي يتمثل في العدالة والمصالحة والتعايش السلمي. هذه الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري في السياسة، بل هي عملية تأويلية حية تجعل من السياسة مجالاً أخلاقياً يتجاوز الثنائيات الساذجة بين الواقعية السياسية الخالصة (كما عند مكيافيلي أو هوبز) والمثالية الطوباوية (كما عند كانط في سلام دائم)، لتصبح بدلاً من ذلك مساراً يمر عبر الاعتراف بالشر الفعلي نحو إعادة تشكيل الواقع على أساس الرغبة في الخير المشترك.

إن ريكور، بوصفه فيلسوفاً تأويلياً، يرى في السياسة ليس مجرد إدارة للقوة بل فنّاً في بناء المؤسسات العادلة التي تُحوّل الصراع إلى حوار، والحرب إلى ذاكرة تُفضي إلى سلام مستدام.

تبدأ واقعية الحرب في فلسفة ريكور من الاعتراف العميق بطبيعة الإنسان المتناقضة، حيث يُقرّ بأن العنف والصراع ليسا حادثاً عرضياً بل جزءاً من الرمزية الشريرة التي تشكل الوعي البشري. في تحليله للإرادة والفعل، يُبرز ريكور كيف أن الإنسان قادر على الفعل لكنه في الوقت نفسه عرضة للضعف والشر، فالحرب ليست مجرد مواجهة بين دول بل تجلياً للصراع الداخلي بين الرغبة والقيود، بين السلطة والعنف المقدس. هنا يستلهم ريكور من التقليد الفينومينولوجي والهرمنيوطيقي فكرة أن التاريخ السياسي مليء بـ"الرموز الشريرة" التي تُعبّر عن الإنسان في حالة السقوط: الغزو، الاستعمار، الإبادة، والديكتاتوريات التي تحول السلطة إلى هيمنة مطلقة. واقعية الحرب عنده ليست تشاؤماً بل تشخيصاً دقيقاً للأيديولوجيا كتشويه للخيال السياسي، حيث تُستخدم السلطة لتبرير العنف تحت ستار الدفاع أو التحرير.

في هذا السياق، ينتقد ريكور السياسة الواقعية التقليدية لأنها تُحوّل الصراع إلى قدر محتوم، لكنه في الوقت نفسه يرفض إنكارها، إذ يرى أن تجاهل واقع الصراع يؤدي إلى طوباوية ساذجة تُفشل في مواجهة الشر. فالحرب، في منظوره، هي التعبير الأقصى عن "الصراع من أجل الاعتراف" الذي يشكل جوهر العلاقات الإنسانية، صراع يبدأ بالفرد ويمتد إلى الجماعات والأمم، ويجعل السياسة ميداناً للقوة لا يمكن تجاوزه إلا بالاعتراف به أولاً.

غير أن هذه الواقعية لا تُغلق الأفق بل تفتحه نحو غائية السلم، ذلك البعد الغائي الذي يُشكّل قلب الأخلاق الريكورية السياسية. فالسلم عند ريكور ليس حالة سلبية من غياب الحرب، بل هدفاً أخلاقياً غائياً يتجه نحوه الفعل الإنساني من خلال "الرغبة في العيش مع الآخرين في مؤسسات عادلة". هنا يلتقي ريكور بالتقليد الأرسطي في فكرة "الحياة الجيدة" مع الكانطي في الواجب الأخلاقي، لكنه يتجاوزهما نحو ديناميكية تأويلية: السلم هو عملية إعادة تشكيل للسردية الجماعية، حيث تتحول ذاكرة الحرب من أداة انتقام إلى أساس للمصالحة. في كتاباته عن العدالة والغفران، يُبرز ريكور أن الغفران السياسي ليس نسياناً بل "ذاكرة سعيدة" تُعيد بناء الهوية الجماعية بعد الصراع، فهو يتطلب الاعتراف المتبادل بالضحية والجاني دون إلغاء أي منهما. الغائية هنا تتجلى في مفهوم "الاعتراف المتبادل" الذي يحول الصراع من حالة حرب إلى حالة سلام، حيث تصبح المؤسسات السياسية ليست أدوات قمع بل فضاءات للعدالة التوزيعية والاعترافية.

 هكذا تُصبح السياسة عند ريكور غائية بامتياز، إذ تتوجه نحو "السلم الدائم" ليس كوهم مثالي بل كمهمة أخلاقية مستمرة تتطلب الحكمة العملية التي تُوازن بين الواقع والمثال.

الجسر بين هذين القطبين في فلسفة ريكور هو الهرمنيوطيقا السياسية الأخلاقية، تلك الدائرة التأويلية التي تمر عبر ثلاث مراحل: الوصف (الواقعية)، التفسير (النقد)، وإعادة التطبيق (الغائية). في المرحلة الأولى، يُقرّ ريكور بواقع الحرب من خلال "الهرمنيوطيقا المشبوهة" التي تكشف الأيديولوجيا والسلطة المخفية وراء الخطاب السياسي. أما في المرحلة الثانية، فيأتي النقد الذي يُفكك بنى الصراع دون الوقوع في اليأس، ليفتح المجال في المرحلة الثالثة لإعادة تشكيل الواقع نحو السلم. هذا التوازن يتجلى بوضوح في نظريته عن "الأخلاق الصغيرة" التي تجمع بين هدف الحياة الجيدة (غائي)، والقاعدة الأخلاقية (واجبي)، والحكمة في السياقات الخاصة (عملي). في السياسة، يعني ذلك أن الديمقراطية ليست نظاماً مثالياً بل ممارسة هشة تتطلب الاعتراف بالصراعات الداخلية والخارجية، ثم توجيهها نحو مؤسسات تضمن العدالة. هكذا يرفض ريكور الواقعية السياسية النقية التي تُبرر الحرب إلى الأبد، كما يرفض الغائية الطوباوية التي تتجاهل الشر، ليقدم بدلاً منهما سياسة أخلاقية واقعية تُقرّ بأن السلم هو مهمة لا تنتهي، تتطلب الذاكرة والغفران والخيال السياسي الذي يُعيد صياغة المستقبل.

في تطبيقاتها السياسية المعاصرة، تُقدم فلسفة ريكور أداة قوية لفهم الصراعات الدولية والداخلية: من حروب الشرق الأوسط إلى النزاعات العرقية، حيث يصبح الغفران السياسي ليس رفاهية أخلاقية بل شرطاً للاستقرار. فالاعتراف بالضحايا، وإعادة بناء الذاكرة الجماعية، وإقامة مؤسسات عادلة، كلها خطوات تحول واقع الحرب إلى غائية سلام. هنا يبرز دور "الخيال السياسي" عند ريكور كقوة إبداعية تُتيح للمجتمعات تخيّل سلاماً يتجاوز الثأر، دون أن ينكر الجراح. إنها فلسفة تُذكّرنا بأن السياسة ليست مجرد إدارة للقوة بل فنّاً في تحويل الشر إلى خير مشترك، والحرب إلى درس يُفضي إلى سلام أعمق.

هكذا تكتمل دائرة فلسفة بول ريكور في السياسة الأخلاقية: واقعية الحرب تمنحنا الصدق مع الواقع، وغائية السلم تمنحنا الأمل في المستقبل، والهرمنيوطيقا تجمع بينهما في عملية تأويلية مستمرة. إنها ليست حلاً سحرياً للصراعات الإنسانية، بل دعوة للعمل الدؤوب الذي يجعل من السياسة مجالاً للإنسانية الكاملة، حيث يصبح السلم ليس نهاية التاريخ بل غايته الأخلاقية التي نتوجه نحوها بوعي كامل بقسوة البدايات. في عالم يتردد بين الحروب والسلام الهش، يقدم بول ريكور طريقاً ثالثاً: طريق الاعتراف والمصالحة الذي يحوّل السياسة من ساحة معركة إلى فضاء للعدالة الحية، ويجعل من كل صراع فرصة لإعادة بناء الإنسان مع الآخر في سلام يستحقه. هذا هو جوهر المقاربة السياسية الأخلاقية عند ريكور: واقعية لا تُيأس، وغائية لا تُطوب، بل ديالكتيك حي يُعيد للسياسة كرامتها الإنسانية.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

إن الحديث عن ابن رشد بوصفه ناقدا للمتكلمين لا ينفصل عن السياق الفكري الذي تشكّل فيه مشروعه الفلسفي. فقد كان القرن السادس الهجري زمنا تتقاطع فيه التيارات الكلامية مع الفلسفة المشائية، وتتنازع فيه مناهج البرهنة والتأويل، في بيئة ثقافية شهدت توترا بين العقل والنقل، وبين البرهان والجدل. وفي هذا السياق جاءت مؤلفاته وعلى رأسها تهافت التهافت، لا بوصفها مجرد ردّ على نص بعينه، بل كمحاولة لإعادة تأسيس العلاقة بين الفلسفة والدين، بين البرهان والشرع، على نحو يضمن انسجام النظام المعرفي ويمنع الاضطراب المنهجي.

إن بنية الجدل في "تهافت التهافت" تكشف عن قدرة ابن رشد على تفكيك الخطاب الكلامي الذي ساد في عصره، لا من باب نقضه المطلق، بل من جهة بيان حدوده المنهجية. فقد كان المتكلمون – وعلى رأسهم الأشاعرة – يعتمدون على الجدل الكلامي الذي يقوم على قياس الغائب على الشاهد، وعلى استعمال الحجج الجدلية التي لا تبلغ مرتبة البرهان اليقيني. وهنا يبرز نقد ابن رشد؛ إذ يرى أن هذا المنهج على أهميته في إقناع العامة، لا يمكن أن يكون أساسا لبناء معرفة فلسفية يقينية. فالجدل عنده وسيلة خطابية لا أداة برهانية، بينما البرهان هو السبيل إلى الحقيقة.

ولذلك نجد ابن رشد يميّز بين مراتب الخطاب: البرهاني، الجدلي والخطابي. فالفلسفة تتوسل البرهان، والمتكلمون يتوسلون الجدل، والعامة يكتفون بالخطاب. هذا التمييز المنهجي ليس مجرد تصنيف معرفي، بل هو تأسيس لنظرية في التواصل الفكري، تجعل لكل مستوى من الخطاب وظيفته ومجاله. ومن هنا نفهم لماذا كان نقده للمتكلمين منصبا على خلطهم بين مراتب الخطاب، إذ كانوا – في نظره – يستخدمون الحجج الجدلية في مواضع تتطلب البرهان، مما يؤدي إلى اضطراب النتائج.

وإذا تأملنا بنية الجدل في "تهافت التهافت"، وجدنا أنها تقوم على استراتيجية مزدوجة: تفكيك حجج الغزالي في "تهافت الفلاسفة"، وإعادة بناء الموقف الفلسفي على أسس برهانية. فابن رشد لا يكتفي بالاعتراض على المتكلمين، بل يسعى إلى بيان أن كثيرا من الاعتراضات التي وجهوها إلى الفلاسفة ناتجة عن سوء فهم لمقولات الفلسفة. فهو يرفض القراءة الجدلية للفلسفة التي تتعامل معها بوصفها خطابا منافسا للدين، ويقترح قراءة برهانية ترى الفلسفة أداة لفهم النظام الكوني الذي خلقه الله.

ومن هنا يتجلى عمق مشروعه، إنه لا يسعى إلى إلغاء الكلام ولا إلى استبدال الفلسفة بالدين، بل إلى ترتيب العلاقة بينهما على نحو يضمن لكل منهما مجاله. فالدين عنده مصدر للحقائق الإيمانية التي تهدي الإنسان، والفلسفة أداة لفهم تلك الحقائق على مستوى البرهان. أما الكلام فهو خطاب جدلي يخدم أغراضا تعليمية وإقناعية، لكنه لا يصلح أساسا لبناء معرفة يقينية.

هذا التصور يضع ابن رشد في موقع فريد داخل التاريخ الفلسفي الإسلامي؛ إذ لا يمكن اختزاله في كونه فيلسوفا مشائيا مقلّدا لأرسطو، ولا في كونه مجرد ناقد للمتكلمين. بل هو مفكر يسعى إلى التوفيق بين العقل والوحي، وبين البرهان والشرع على نحو يحفظ لكل منهما استقلاله ووظيفته. وهنا نفهم لماذا كان تأثيره ممتدا إلى الفلسفة اللاتينية في العصور الوسطى حيث تلقى فلاسفة الغرب شروحاته لأرسطو بوصفها مفتاحا لفهم الفلسفة المشائية.

إن نقد المتكلمين عند ابن رشد لا ينطوي على عداء للفكر الكلامي، بل على رغبة في ضبط حدوده المنهجية. فهو يعترف بأهمية الكلام في الدفاع عن العقائد، لكنه يرفض تحويله إلى معيار للحقيقة الفلسفية. وهذا الموقف يعكس رؤية متوازنة؛ إذ لا يلغي الكلام ولا يرفعه إلى مرتبة البرهان. بل يجعله جزءا من النظام المعرفي له وظيفته المحددة.

ولذلك فإن دراسة بنية الجدل في "تهافت التهافت" تكشف عن مشروع فكري يتجاوز حدود النقد الجزئي إلى تأسيس رؤية معرفية شاملة. فابن رشد لا يناقش مسائل كلامية محددة فحسب، بل يطرح سؤالا أعمق: كيف يمكن للعقل أن يفهم الدين دون أن يقع في تناقض معه؟ وكيف يمكن للشرع أن يوجه الفلسفة دون أن يقيدها؟ هذه الأسئلة تشكل جوهر مشروعه وتمنحه راهنية تتجاوز سياقه التاريخي.

أما في يخص نقده للمتكلمين فهو جزء من مشروع أكبر: مشروع إعادة تعريف العلاقة بين العقل والنقل. فهو يرى أن النصوص الدينية تحمل معاني متعددة، بعضها ظاهر للعامة وبعضها باطن لأهل البرهان. وهنا تأتي نظرية التأويل عنده التي تسمح بفهم النصوص على نحو ينسجم مع البرهان العقلي. فالتأويل ليس تحريفا للنص، بل هو كشف عن معانيه العميقة التي لا يدركها الجميع.

وهذا الموقف يضع ابن رشد في مواجهة مع المتكلمين الذين كانوا يميلون إلى قراءة حرفية للنصوص في بعض المواضع، أو إلى تأويلات جدلية لا تقوم على البرهان. فهو يرى أن التأويل يجب أن يكون منضبطا بقواعد اللغة والبرهان، وأن لا يُستخدم لتبرير أحكام مسبقة. وهنا نفهم لماذا كان نقده للمتكلمين منصبا على منهجهم لا على مقاصدهم.

إن بنية الجدل في "تهافت التهافت" تعكس قدرة ابن رشد على استخدام أدوات المتكلمين أنفسهم في نقدهم. فهو يحاورهم بلغتهم ويبيّن مواطن الضعف في حججهم، دون أن يسقط في الجدل العقيم. وهذا ما يجعل كتابه نموذجا للحوار الفلسفي الذي يقوم على الاحترام الفكري لا على التهجم. فهو يختلف مع المتكلمين، لكنه لا ينكر قيمتهم في الدفاع عن العقائد.

إن مشروع ابن رشد يمثل محاولة لتجاوز الانقسامات الفكرية التي سادت عصره. فهو لا يختار بين الفلسفة والكلام، بل يسعى إلى بناء جسر بينهما. وهذا الجسر يقوم على التمييز بين مستويات المعرفة: البرهاني، الجدلي والخطابي. فلكل مستوى وظيفته ولا يجوز الخلط بينها.

إن هذا التمييز المنهجي له آثار بعيدة على الفكر الإسلامي. فهو يسمح بفهم الدين على نحو يراعي اختلاف مستويات الناس: فالعامة يكتفون بالخطاب، والخاصة يتوسلون البرهان، والمتوسطون يستفيدون من الجدل. وهذا التصور يجعل الدين نظاما معرفيا مرنا، قادرا على مخاطبة الجميع دون أن يفقد عمقه.

إن نقد المتكلمين في "تهافت التهافت" ليس مجرد جدل تاريخي، بل هو جزء من مشروع فلسفي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين العقل والدين. فهو يرفض الجمود الفكري ويدعو إلى استخدام العقل في فهم النصوص، دون أن يؤدي ذلك إلى معارضة الدين. وهذا التوازن هو ما يجعل فكر ابن رشد حاضرا في النقاشات المعاصرة حول العلاقة بين العلم والدين وبين الفلسفة والإيمان.

فإذا كان المتكلمون قد سعوا إلى الدفاع عن العقائد بالجدل، فإن ابن رشد يسعى إلى الدفاع عنها بالبرهان. وإذا كان الكلام يهدف إلى إقناع العامة، فإن الفلسفة تهدف إلى فهم الحقيقة. وبين هذين المستويين تتحدد وظيفة كل خطاب. وهذه الرؤية المتوازنة هي ما يمنح فكر ابن رشد قيمته الدائمة ويجعله أحد أعلام الفلسفة في التاريخ الإنساني.

إن التهافت في اصطلاحه لا يعني مجرد التناقض العرضي، بل هو خلل بنيوي في طريقة بناء الحجة. فالمتكلمون – في نظره – يخلطون بين الضروري والنظري، وبين ما يدركه العقل بذاته وما يحتاج إلى برهان. وهذا الخلط يؤدي إلى نتائج متضاربة؛ إذ يطالبون الفلاسفة باليقين في مسائل هي في طبيعتها قابلة للتعدد التأويلي. وتأتي هنا أهمية التمييز بين درجات اليقين: فهناك يقين البرهان الذي لا يحتمل الشك، ويقين الظن الراجح الذي يكفي في بعض القضايا العملية، ويقين الإيمان الذي يقوم على التسليم. هذا التصنيف لا يلغي أحد المستويات، بل يضعها في سياقها المناسب.

ولذلك يوجّه ابن رشد نقده إلى استعمال المتكلمين للقياس الجدلي في مواضع تتطلب البرهان. فالجدل – وإن كان مفيدا في الإقناع – لا يرقى إلى مرتبة الدليل اليقيني. وقد عبّر عن هذا المعنى حين قال إن الجدل يشبه الخطابة من جهة اعتماده على المقبولات، بينما البرهان يقوم على المبادئ الأولى للعقل. وهذا الفارق المنهجي هو ما يغفل عنه المتكلمون حين يحاولون إثبات قضايا غيبية بأدوات جدلية.

غير أن هذا النقد لا يعني رفض الكلام جملة. فابن رشد يعترف بدوره في الدفاع عن العقائد وتوضيحها للعامة. لكنه يرفض تحويله إلى معيار للحقيقة الفلسفية. فالحقيقة – في نظره – تُدرك بالبرهان، بينما الكلام وظيفة تعليمية. وهنا نفهم لماذا كان يدعو إلى احترام التعدد المنهجي: فالفلسفة تخاطب الخاصة، والكلام يخاطب المتوسطين، والدين يخاطب الجميع. هذا التعدد لا يؤدي إلى الفوضى، بل إلى نظام معرفي متكامل.

وفي سياق تحليل الجدل، يبرز مفهوم التأويل بوصفه أداة لفهم النصوص الدينية على نحو ينسجم مع البرهان. فالتأويل عند ابن رشد ليس تحريفا للمعنى، بل كشف عن دلالاته العميقة. فإذا كان ظاهر النص قد يوهم بالتعارض مع العقل، فإن الواجب هو البحث عن معناه الباطن الذي يرفع هذا التعارض. وهذا الموقف يختلف عن القراءة الحرفية التي تكتفي بالمعنى الظاهر، كما يختلف عن التأويل المتعسف الذي يحمّل النص ما لا يحتمل.

وهنا تتجلى حكمة التمييز بين العامة والخاصة. فالعامة يكتفون بالمعنى الظاهر الذي يهديهم إلى العمل الصالح، بينما الخاصة يبحثون عن المعاني العميقة التي يتيحها التأويل المنضبط. هذا التصور يحفظ للنص الديني هيبته ويمنع تحويله إلى مادة للجدل العقيم. فالدين – في جوهره – دعوة إلى العمل والأخلاق، لا إلى النزاع الفكري.

ولا يخلو نقد ابن رشد من إشكالات. فقد اتهمه بعض معاصريه بالتقليل من شأن الكلام، وبالمبالغة في الثقة بالفلسفة. إذ كيف يمكن للعقل البشري أن يحيط بالحقيقة المطلقة؟ أليس هناك مجال للغيب لا يدركه البرهان؟ هذه الأسئلة تعكس توترا دائما بين حدود العقل وامتداد الإيمان. فالعقل قادر على فهم النظام الكوني، لكنه لا يحيط بكل أسراره. وهنا تأتي ضرورة التواضع المعرفي.

لكن هذا التواضع لا يعني الاستسلام للجهل. فالفلسفة – في نظر ابن رشد – أداة لفهم العالم، وليست نقيضا للدين. فهي تبحث في الأسباب والعلل، بينما الدين يوجه الإنسان نحو الغايات. وهذا التمييز يسمح بتكامل المعرفتين: فالعلم يفسر الظواهر والدين يحدد القيم. وإذا حدث تعارض ظاهري فإن التأويل هو السبيل إلى رفعه.

إن تحليل بنية الجدل في "تهافت التهافت" يكشف عن رؤية عميقة للعلاقة بين العقل والنقل. فهي ليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل. فالنقل يقدم الهداية والعقل يضيء الطريق لفهمها. وهذا التصور يختلف عن المواقف التي تضعهما في مواجهة. فالعقل بلا هداية قد يضل، والهداية بلا عقل قد تتحول إلى جمود. والأهمية تكمن في الجمع بينهما.

وفي السياق التاريخي، كان مشروع ابن رشد استجابة لتحديات عصره. فقد شهد القرن السادس الهجري صراعات فكرية بين الفلاسفة والمتكلمين، وبين مختلف المدارس الكلامية. وكان الهدف من "تهافت التهافت" إعادة ترتيب هذا المشهد على أسس منهجية. فهو لا يسعى إلى الانتصار لفريق على آخر، بل إلى بناء حوار عقلاني. وهذا ما يجعل كتابه نموذجا للفلسفة النقدية.

ومع ذلك لم يلق مشروعه القبول الكامل في عصره. فقد تعرض للنقد والتهميش، بل نُفي في بعض الفترات. لكن أفكاره لم تمت؛ إذ انتقلت إلى أوروبا حيث أثرت في الفلسفة المدرسية. فقد قرأ فلاسفة العصور الوسطى شروحاته لأرسطو واستفادوا من منهجه. وهذا يدل على أن الأفكار العميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان.

وفي العصر الحديث، عاد الاهتمام بابن رشد بوصفه رمزا للعقلانية. فقد رأى فيه بعض المفكرين نموذجا للحوار بين الحضارات. إذ كان يجمع بين الفلسفة اليونانية والتراث الإسلامي، ويبحث عن نقاط التوافق. وهذا ما تحتاجه الإنسانية اليوم، حوار يقوم على الاحترام المتبادل، لا على الإقصاء.

لكن استحضار فكره لا يعني استنساخه. فالعالم المعاصر يختلف عن عصره. ومع ذلك أمكننا الاستفادة من منهجه: التمييز بين مستويات الخطاب واحترام التعدد والسعي إلى البرهان. فهذه المبادئ تصلح أساسا للنقاشات المعاصرة، سواء في الفلسفة أو في السياسة أو في الأخلاق.

إن "تهافت التهافت" ليس مجرد رد على كتاب بعينه، بل هو مشروع فكري يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين العقل والدين. فهو يرفض الاختزال ويدعو إلى رؤية مركبة. فالحقيقة متعددة الأبعاد: هناك بعد عقلي وبعد إيماني وبعد عملي. وكل بعد يكمّل الآخر.

إن نقد المتكلمين عند ابن رشد يهدف إلى تصحيح المنهج، لا إلى إلغاء المضمون. فهو يقر بأهمية الكلام في الدفاع عن العقائد، لكنه يطالب بضبط أدواته. وهذا المطلب ما زال صالحا اليوم؛ إذ تحتاج النقاشات الفكرية إلى منهجية واضحة. فالجدل بلا ضوابط يؤدي إلى الفوضى، بينما البرهان يفتح الطريق إلى الفهم.

إن فكر ابن رشد يمثل دعوة إلى العقلانية المتوازنة. فهي لا تنفي الدين ولا تعادي الفلسفة بل تسعى إلى الجمع بينهما. وهذا الجمع ليس سهلاً لكنه ممكن. فالتاريخ يشهد على قدرة الإنسان على التوفيق بين القيم المختلفة. وإذا تحقق ذلك فإن المعرفة تصبح أداة لبناء الإنسان، لا وسيلة للصراع.

وبذلك يظل تحليل بنية الجدل في "تهافت التهافت" مفتوحا على قراءات متعددة. فهو نص غني بالأفكار، قابل للتأويل. وكل قراءة تضيف إليه بعدا جديدا. وهذا ما يجعل الفلسفة حية: أنها حوار مستمر، لا إجابة نهائية. فالحقيقة تُطلب ولا تُملك. ومن يسعى إليها يجب أن يتحلى بالتواضع الفكري وبالاستعداد للتعلم.

إن إرث ابن رشد يذكّرنا بأن العقل والدين يمكن أن يتعايشا. فالعقل يفهم العالم والدين يمنحه المعنى. وإذا تكامل الدوران تحقق التوازن. وهذا هو جوهر الحكمة: البحث عن الاعتدال والابتعاد عن التطرف. فالحياة الفكرية تحتاج إلى جسور لا إلى جدران. ومن خلال تلك الجسور يمكن للإنسان أن يقترب من الحقيقة ولو لم يبلغها كاملة.

***

د. حمزة مولخنيف

ماهي الدروس التي يمكن تعلّمها من نيتشه (1844-1900) حول الحب؟ تأملات حول ميوله ومشاعره الجنسية، هل هو أصيب حقا بمرض جنسي؟ وماذا عن الست لوزالومي Lousalome، هل هو أحبها، وهل هي كانت مبالغة في مشاعره تجاهها؟ تختلف الأجوبة لهذه الأسئلة. ما نجده في رسائل نيتشه هو انه كان له عبر حياته عدد من الصداقات مع نساء متعلمات وموسيقيات، وانه فكّر حول الحب والزواج. عزلته وما صاحبها من شعور بالوحدة، كانت صعبة في سنوات ترحاله التي كان مجبرا فيها للبحث عن مناخ ملائم له بسبب سوء حالته الصحية. وحتى اثناء تلك الأوقات بين المعاناة الجسدية وفترات الكتابة المكثفة، كان يسعى لصحبة النساء المتعلمات. كذلك، تربّى نيتشه في عائلة نسوية، لجأ الى النساء طلبا للصداقة، وشهد مغازلة صديقاته. نيتشه أيضا لم يفشل في التعبير في كتاباته عن اهتماماته الفلسفية حول الخصائص الغريبة الاطوار للحب.

هو يستعمل أسلوبه الاستفزازي - الذي يسعى فيه لجعل قرّاءه يشعرون بعدم الارتياح حول قيمهم وافتراضاتهم - في أقواله aphorisms عن الحب في كتابه العلم المرح 1882. كانت دراسة نيتشة المتعمقة في الحب هي احدى المسارات لمشروعه الطويل في هذا الكتاب لخلق عِلم "مرح" و "ممتع"، فيه "تصبح الحياة ذاتها مشكلة" ويجب استجوابها وفحصها بعمق اكثر مما جرى في السابق. احدى اهم استراتيجيات نيتشة الفكرية هي التحقق من الحدود بين المعارضات التقليدية(1) من خلال تحطيم افتراضاتنا حول الصفات الأساسية للاشياء التي تُعتبر مضادة. في هذا الشأن، الحب ليس استثناءً. عبر توجيه انتباهنا لصفات مبتذلة وأنانية للحب الجنسي او الشهواني تجاه الجنس الاخر، يسعى نيتشه لتجريد الحب من مكانته المتميزة وإظهار ان ما نتصوره كمضاد له، كالأنانية والجشع هو في عدة حالات يرتبط بشكل وثيق بتجربة الحب. وهكذا نحن يمكننا تمييز هدف نيتشه في إضفاء الطابع الإنساني على الحياة من خلال تأكيد استفزازي للتنافر الكامن في الحب الشهواني. بعمل كهذا، يعزل نيتشه الحب عن إرثه الآخر الافلاطوني – مسيحي دنيوي وبهذا يزعم بادّعاءاته الأخلاقية المتعلقة بسمو كل من قيمة الأرض على العالم الروحي غير المادي، وحقيقة الجسد على المقدس.

لكي نرى كيف يحقق نيتشه هذه الأهداف، دعونا نعود الى عدد من الاختيارات من النص.

الحب غريزة حيوانية

 يقّوض نيتشه أي مثالية خادعة للذات حول الحب من خلال الكشف عن محفزاته الأقل جاذبية. في القسم 14 من العلم المرح، بعنوان "الأشياء التي يسميها الناس حبا"، يتحدى نيتشه التصورات الرومانسية عن الحب الشهواني بادّعاء ان الحب "ربما الأكثر تعبيرا عن الانانية الساذجة". هو يفترض ان الحب أقرب الى الجشع وشهوة الامتلاك. الحب قوة غريزية متصلة بدوافعنا البايولوجية والثقافية، وبهذا، لايمكن اعتباره خيرا أخلاقيا (العلم المرح،363). كذلك، التنشئة الاجتماعية لهذه الدوافع تؤدي الى التحيز والى معاناة سايكولوجية، خاصة للنساء (71). مع ذلك، هو لم يبذل جهدا واضحا لإقناع قرّاءه ان الحب، في تجسيداته المعبّرة عن خدمة الذات، يجب ان يتغير، ولم يقترح أيضا وجوب تصحيح الأوهام الشائعة في الحب. بدلا من ذلك، هو يلاحظ ان ميول الانسان القوية نحو الوهم في الحب الشهواني هي ضرورية لنجاح ذلك الحب، وهو يمتدح الابداع في الحب الفني (2) والادوار التي يتبناها الناس. الرجال والنساء يلعبون هذه الأدوار بشكل مختلف، ونيتشه يبذل وقتا لا يُستهان به في التأكيد على المسافة الدراماتيكية (3) التي يتخذها الجنسين تجاه بعضهما في الطرق التي يعيشون بها. محاولات نيتشه لكشف المزيد من المحفزات الانانية التي تدعم الحب الشهواني تتضح في القول (14). هنا يدّعي نيتشه انها الرغبة في التملك والفهم لتغيير "شيء جديد الى انفسنا" هو وراء تجربة الحب والطمع. يكتب نيتشه "الجشع والحب: أي مشاعر مختلفة تثيرها هاتين الكلمتين، مع ذلك، ربما نفس الغريزة التي لها اسمين – جرى استهجانها في السابق من قبل أولئك الذين امتلكوها، وهدأت فيهم الغريزة بدرجة معينة، والذين هم خائفين على "ملكيتهم"، وفي المرة الأخرى يُنظر اليها من وجهة نظر أولئك الغير مقتنعين لكنهم لايزالون يتوقون، ولهذا السبب يمجّدون الغريزة كـ "خير". بكلمة أخرى، تجربة كل من الجشع والحب هما نفس الدافع او الغريزة لكن اعتمادا على مستوى القناعة التي حققها المرء، هذا الدافع سيسمى "جشع" او "حب": الناس المقتنعون الذين يشعرون ان ملكيتهم (حبهم على سبيل المثال) مهددة من جانب آخرين سيسمون غريزة الاخرين للإكتساب بالجشع ، بينما أولئك الذين لايزالون يبحثون عن شيء ما جديد يرغبون به سوف يفرضون تقييما إيجابيا على تلك الغريزة ويسمونها "حب". لذا الحب الشهواني هو في الحقيقة دافع نحو ملكية "جرى تمجيدها وتقديسها" (14) من جانب أولئك الذين يبحثون عن اكتساب شيء ما يثري أنفسهم.

هنا، فكرة الحب كإيثار، والمضاد للجشع، وُضعت في محل شك. نحن نستطيع تمييز المشاعر المختبئة لخطة نيتشه الكبيرة لزعزعة المكانة المفترضة للمضادات الأخلاقية الثنائية.

التحيز الجنسي

ان الطرق التي تعبّر بها الغرائز عن ذاتها بشكل مختلف لدى الجنسين نوقشت بجرأة من جانب نيتشه في القول (363)، تحت عنوان "كيف يمتلك كل جنس تحيزاته الخاصة حول الحب". في هذا القسم، يزعم نيتشه ان الرجال والنساء لا يمتلكون "حق متساوي في الحب" لأن فهمهم للحب يختلف. هم لا يمتلكون توقعات متطابقة بشأن الجنس الآخر وبشأن تجارب الحب التي يشاركونها مع الآخرين.

يميز نيتشه بوضوح بين المذكر والمؤنث عبر فكرة الإخلاص والوفاء – بينما النساء تريد الاستسلام كليا للحب للتعامل معه كإيمان، "يؤخذ ويُقبل كملكية"(363)، يدّعي نيتشه ان حب الرجل يتوقف على توق تملّكي لإكتساب الكثير من المحب، ويؤكد ان الرجال الذين يميلون نحو إخلاص تام هم "ليسو رجالا". هو يفترض ان "الرجل الذي يحب مثل المرأة يصبح عبدا، بينما المرأة التي تحب مثل المرأة تصبح امرأة اكثر اكتمالا"(363). يدّعي نيتشه ان الوفاء يمكن ان يصبح صفة لحب الرجل بمرور الزمن، نتيجة لـ، الإمتنان او ذوق خاص، لكن ذلك ليس صفة ذكورية ضرورية.

يبدو من هذه البيانات ان نيتشه يعتقد ان الاختلافات البايولوجية بين الجنسين ترتبط بأدوار الجنسين المتعارضة في علاقة الحب. هذا الاستنتاج يبدو محيرا في ضوء الأهداف الواسعة للعلم المرح المذكورة في المقدمة، لتقويض الفروق المفترضة بين الثنائيات التقليدية. ربما السؤال الذي يُطرح هنا، هل يمكن لنيتشه ان يتناول مشكلة النوع الاجتماعي/ الجندر بالمسافة النقدية التي يدعو لها باعتبارها عنصرا أساسيا في مشروعه بعمل العلم المرح، ام انه استثناءً بالنسبة له؟ نحن نحتاج فقط لمحة على بقية القول 363 لنجد دليلا على هذا الاهتمام. هنا يكتب نيتشه، "المرأة تعطي نفسها، الرجل يكتسب المزيد – انا لا أرى كيف يتجاوز المرء هذه المعارضة الطبيعية بوسائل العقود الاجتماعية لتكون عادلة ومرغوبة دون ان يذكّر نفسه بمدى رعب وقساوة وغموض ولا أخلاقية هذه الكراهية . الحب، بمفهومه العظيم والتام هو الطبيعة، وكونه طبيعة، فهو في الأبدية شيء "غير أخلاقي".

بذل نيتشه جهدا واضحا في هذا القول، كما في القول 14، ليقنع القارئ ان الحب الشهوي، كتعبير عن غريزة طبيعية او دافع،ليس من "الجيد" ان يُحترم، وانما هو حاجة تنال تقييما مفرطا من خلال ثقافة رومانسية. الحب في أبسط صوره هو أساس، انه الدافع الإبداعي في ثقافة تعطيه معنى الروعة والجمال (57: انظر أيضا 370 و 372 لرؤية نيتشه حول الرومانسية والمثالية). يبدو ان نيتشه يفكر في نفس السياق حول الجنسين: الفروق بين الرجل والمرأة هي نتاج لقوى غريزية تجعل الجنسين يحبون بشكل مختلف، وبهذا، نحن لا نستطيع توقّع المعاملة بالمثل على أساس المساواة في العلاقات الشهوانية. مع ذلك، هذا لا يلقي ضوءا على علاج نيتشه الغريب لـ "المعارضة الطبيعية" بين الرجال والنساء في سياق التحدي الاوسع الذي يمثله العمل للثنائيات التقليدية . قد نحصل على بعض الرؤى عن هذا بالالتفات الى الجزء الثاني من العلم المرح، الذي يفحص فيه نيتشه العلاقات بين الجنسين بتفصيل أكبر.

الجسد والروح

الأقوال 14 و 363 في الكتاب الثاني تحدد ما قد يبدو اختزالية بايولوجية عبر التأكيد على تأثير الثقافة والبراعة الفنية على الحب. في اول قسم في الكتاب الثاني، يكتب نيتشه "الى الواقعيين"، يتحداهم للنظر في موضوعية حبهم لـ "الواقع". هو يسأل، "وما هو "الواقع" للفنان في الحب؟ انت مازلت مثقلا بتلك التقديرات للاشياء التي لها أصولها في عواطف وحب القرون السابقة"(57). نيتشه يقول ان ما نحب له تاريخ، يحدد كل من مفهومنا للحب والاشياء او الناس التي نحبها. في القول التالي هو يوضح كيف ان اللغة تشكل مفاهيمنا، ومن ثم يتقدم بعدد من الأقسام التي تناقش الحب بين الرجل والمرأة. ليس من باب الصدفة ان يأتي نقاش نيتشه حول الحب بعد نقاشه حول تأثير اللغة والتاريخ والثقافة على تصوراتنا للواقع: انه لإظهار ان الأدوار التي يلعبها جنس الرجل والمرأة في الحب تتحدد بتلك القوى أيضا.

في القول 59، "نحن الفنانون"، يتحدث نيتشه نقديا حول الصفات التملكية والاستبدادية للحب الذكوري الى جانب ميوله الخيالية، مؤكدا ان الوظائف الطبيعية لجسم المرأة تثير الاشمئزاز للرجل لأنها تمنعه من الوصول الكامل لها كملكية خاصة له، هي أيضا تنتهك الكمال المفاهيمي للحب. هو يكتب، "الانسان تحت الجلد" بالنسبة لكل المحبين هو رعب لا يمكن تصوره وتجديف ضد الله والحب". احدى النتائج غير الصحية لهذا هي ان الجسد عُطّل لمصلحة المقدس. نيتشه يعرض هنا تشابها بين الحب الشهواني وعبادة الله، مقترحاً ان الحب الرومانسي هو خيالي كوجود الله اللامحدود. المرء يجب ان يتجاهل فسيلوجيا الانسان والمشاهدة التجريبية لكي يبقى مؤمنا بهما: أفكار كل من "الله" و "المرأة" تسمح للدافع الإبداعي لفرض نفسه بقوة بحيث يستبعد الرجل أي معلومات منافسة تزعزع مثاليته. المفارقة في هذا المأزق هو ان عدد كبير من الرجال غير واعين تماما بتأثير القوة التي تمتلكها ارتباطاتهم العاطفية على تكوين قيمهم وتأثيرها أيضا على تفاعلاتهم مع العالم. وهكذا، الرجال طبقا لنيتشه وهميون. النساء من جهة أخرى هن ممثلات: مهاراتهن الكبرى في الحب تتجسد في المظهر والبراعة الفنية ولعب أدوار الجندر "الصحيحة".

ان مكانة المرأة كممثل عولجت من جانب نيتشه في الكتاب الخامس "حول مشكلة الممثل"، حيث هو يتحدانا "لنفكر في التاريخ الكلي للنساء: هل هن لا يجب ان يكن ممثلات أولاً وقبل كل شيء؟" (361). يقول نيتشه ان الحب له بعد هزلي في هذا الشأن لأنه يستلزم نوعا من المسرح يعتمد على مسافة المرأة. في القول (60)، هو يعلن "التأثير السحري والأكثر قوة للنساء هو في اللغة الفلسفية، التصرف في مسافة، لكن هذا تطلّب أولا وقبل كل شيء مسافة". هذه النقطة اعيد التأكيد عليها في القول 67، سميت "محاكاة الذات"، حيث يعلن نيتشه بانه عندما يصبح من السهل جدا الوصول الى المرأة او تكون "واقعية" للرجال، فان الرجال يفقدون الاهتمام بها. لكي يكن ناجحات في الحب، هو ينصح النساء "لمحاكاة نقص الحب" وتفعيل الأدوار التي يجدها الرجل جذابة. نيتشه يجد الحب كوميديا لأنه لا ينطوي على أي محاولة لمعرفة عميقة في الآخر، وانما في التأكيد على فنتازيا الرجل التي تؤدي المرأة فيها أدوارها الجنسية المتأسسة اجتماعيا.

تعليم نيتشه الجنسي

مقابل تصريحات نيتشه الجريئة في القول 363 حول "المعارضة الطبيعية" بين الجنسين، نجد الاقوال 68-71 من العلم المرح تمنح إحساسا بالخوف من المعضلة التي تجد فيها المرأة ذاتها منكشفة في علاقات الحب كنتيجة للتعليم والثقافة. فمثلا، في القول 68، يقول نيتشه ان كل من الرجال والنساء "يحتاجون لتعليم أفضل" بشأن طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، "لأن الرجل هو الذي يخلق لنفسه صورة المرأة، والمرأة تكوّن نفسها طبقا لهذه الصورة"(68). وبالرغم من ان نيتشه واثق من ان بعض النساء قد تنقلب وتحطم هذه الصورة (انظر 69)، هو يستمر بتقديم التعاطف لحقيقة ان النساء في عدة مجالات عرضة لأدوار معينة في الحب، ومطلوب منهن تمثيل سلوك غير مألوف لكي تنال حب الرجل (انظر 60،70،74).

في القول 71، "حول عفة الانثى"، يعلق نيتشه على نقص التعليم الجنسي خاصة لدى الطبقة العليا للنساء، والتأثير السايكولوجي السلبي لهذا عليهن. هؤلاء النساء جرى اعتبارهن عارا وجاهلات في كل المسائل الأخلاقية كجزء من شرفهن لتأمين ازواجهن. لكن حالما يتزوجن سيواجهن توقعات حياة جنسية دون استعداد، والرجل الذي يحترمنه ويحبنه كثيرا يسألهن الآن بالضبط ما تعلّمنه سابقا كشيء مبتذل وغير مقبول. يتعاطف نيتشه مع هذا الموقف المتناقض للنساء عندما يكتب، "للإمساك بالحب والعار المتناقضين ولكي يُجبرن في نفس الوقت على ممارسة الفرح والاستسلام والواجب والشفقة والرعب، وهو ما يتسبب في عقدة نفسية. بكلمة أخرى، أدوار الجندر التي هي جزء من صيغة التودد والحب، في عدة مواقف لها تأثيرات سايكولوجية سلبية على النساء.

من المدهش ان كتابات نيتشه حول الحب لم تكن مؤثرة على العديد من التأملات النسوية حول الجنس والجندر. وبالرغم من انه لا يطلق ادّعاءات أخلاقية حول كيف يجب ان يحب المرء، فان نقاشه للتأثير الشهواني الصعب والعلاقات الرومانسية على النساء بالإضافة لتعليقاته على المفارقات التي يواجهها كلا الجنسين في الحب، يُجبر قرّاءه من كلا الجنسين لفحص الأدوار التي يلعبونها في الحب. من الصعب عند قراءة نيتشه ان لا يتحقق المرء من أداءه الخاص في العلاقات الرومانسية.

 في العلم المرح خصيصا، تعبّر تأملات نيتشه عن صوت استفزازي ودود يستكشف بواسطته أوهام القارئ حول الحب. وسواء يجعلك تضحك ام تعبس او كلاهما، أسئلة نيتشه للحب تقدم اكثر من مجرد هذيان رجل متذمر كاره للنساء.

***

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) يشير نيتشه "للمعارضات التقليدية" traditional oppositions كأصناف ثنائية، مزدوجة و "اما/او" – مثل صحيح/زائف، خير/شر، روح/جسد – التي استعملتها تاريخيا الفلسفة الغربية والاخلاق لتقسيم الواقع. هو يرى ان هذه التصنيفات زائفة، هرمية، وتصاميم منكرة للحياة عادة تُسمى (ايمان في القيم المضادة) التي تخفي حقيقة ان هذه "المتضادات" هي في الحقيقة مرتبطة ومتجذرة في أصل أرضي شائع و سخيف.

(2) فنية الحب هي ممارسة قصدية خلاّقة في تربية علاقة من خلال التعاطف والفهم والجهد الفعال بدلا من الشعور السلبي. انها تعامل الحب كمهارة تشبه الرسم او الموسيقى – تتطلب ممارسة، صبر وتجربة فريدة لخلق التناغم والجمال والارتباط العميق.

(3) المسافة الدراماتيكية dramatic distance هي منظور جمالي ارستقراطي مطلوب لتقييم الحياة، يخلق قيما جديدة ويساهم في التغلب على الذات. انها مسافة نفسية تفصل الافراد المتميزين عن القطيع.

الوقوف عند العتبة كتجربة فلسفية يمثل لحظة جوهرية في الوعي الإنساني، حيث يتوقف الفرد على حافة الانتقال بين ما هو مألوف وما هو غير معلوم، بين الداخل والخارج، بين الوجود الحالي والإمكانية المستقبلية. هذه التجربة ليست مجرد موقف جسدي أو مكاني، بل هي حالة أنطولوجية تكشف عن طبيعة الكينونة الإنسانية في عمقها، حيث يصبح الوقوف عند العتبة استعارة للتوتر الداخلي الذي يعيشه الإنسان في مواجهة الزمن، الهوية، والآخر. في مقاربة أنطولوجية، يُفهم هذا الوقوف كلحظة تتجاوز الظاهري لتغوص في جوهر الوجود، حيث يصبح الفرد مدركًا للفراغ الذي يفصل بين العوالم، ويواجه القلق الذي ينبع من عدم اليقين، مما يجعله يتساءل عن معنى الكينونة ذاتها. إن العتبة هنا ليست بابًا ماديًا فحسب، بل هي حدود وجودية تفصل بين الثبات والتغيير، بين الذات المغلقة والعالم المفتوح، وبالتالي تكشف عن الطبيعة الديالكتيكية للوجود الإنساني الذي يعيش دائمًا في حالة من التوتر الإبداعي.  فما دلالة العتبة من الناحية الفلسفية؟ وكيف يمكن التعامل معها كتجربة فلسفية مثمرة على الصعيد الأنطولوجي؟

في جوهرها الأنطولوجي، يمثل الوقوف عند العتبة تجربة الانتظار الذي يتجاوز الزمن الخطي ليصبح زمنًا وجوديًا، حيث يتوقف الإنسان عن الحركة الآلية ويتأمل في إمكانياته الكامنة. هذا الانتظار ليس سلبيًا، بل هو فعل فلسفي يفتح أبواب الوعي على اللامتناهي، فالإنسان الواقف عند العتبة يدرك أن وجوده ليس ثابتًا بل هو عملية مستمرة من التشكل والتفكك. أنطولوجيًا، يعكس هذا الوقوف الثنائية الأساسية في الكينونة: الوجود كحضور وكغياب في الوقت نفسه، حيث تكون العتبة رمزًا للحدود التي تفصل بين الذات والآخر، لكنها في الوقت ذاته توحي بإمكانية الاندماج. إن الإنسان هنا يواجه الفراغ، ذلك الفراغ الذي ليس عدمًا مطلقًا بل هو فضاء إمكاني يسمح بولادة المعاني الجديدة. في هذه اللحظة، يصبح الجسد نفسه عتبة، فهو يحمل الذاكرة الماضية ويتوقع المستقبل، مما يجعل التجربة تجسيدًا للزمن ككينونة، حيث يتدفق الزمن ليس كتسلسل أحداث بل كتجربة داخلية تكشف عن هشاشة الوجود. هكذا، يتحول الوقوف عند العتبة إلى فعل تأملي يعيد صياغة الهوية، فالإنسان لا يعرف نفسه إلا من خلال مواجهة هذه الحدود، التي تذكره بأنه ليس كيانًا مغلقًا بل هو دائم التجاوز.

من منظور أنطولوجي أعمق، يمكن تفسير الوقوف عند العتبة كتجربة القلق الوجودي، ذلك القلق الذي ينبع من الوعي بالحرية المطلقة والمسؤولية التي ترافقها. عندما يقف الإنسان عند العتبة، يواجه خيارًا: الدخول إلى المجهول أو البقاء في المألوف، وهذا الخيار يكشف عن طبيعة الكينونة كحرية، لكنه في الوقت ذاته يولد القلق لأن الحرية تعني عدم الضمانات. أنطولوجيًا، هذا القلق ليس مرضيًا بل هو شرط أساسي للوجود الأصيل، حيث يدفع الإنسان إلى الخروج من الروتين اليومي والانخراط في عملية الاكتشاف الذاتي. العتبة هنا تصبح رمزًا للانفتاح على الآخر، سواء كان هذا الآخر شخصًا آخر أو عالمًا خارجيًا أو حتى جوانب مجهولة في الذات نفسها. في هذه التجربة، يتجاوز الوجود الإنساني البعد الفردي ليصبح اجتماعيًا وثقافيًا، فالعتبة تفصل بين الخصوصي والعام، بين المنزل كرمز للأمان والشارع كرمز للخطر والفرصة. هكذا، يصبح الوقوف عندها فعلًا فلسفيًا يعيد تعريف العلاقة بالعالم، حيث يدرك الإنسان أن كينونته ليست معزولة بل هي مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالآخرين والمحيط، مما يفتح أبوابًا لفهم الوجود كشبكة من العلاقات المتشابكة.

في سياق أنطولوجي، يمكن أن نرى الوقوف عند العتبة كتجربة التحول، حيث يصبح الإنسان مدركًا للطبيعة الديناميكية للوجود، الذي ليس ثابتًا بل هو عملية مستمرة من التغيير. هذا التحول ليس خارجيًا فحسب، بل هو داخلي يمس جوهر الكينونة، فالعتبة تمثل نقطة التحول حيث يموت الذات القديمة وتولد الذات الجديدة. أنطولوجيًا، هذا يعكس فكرة الوجود كصيرورة، حيث يتجاوز الإنسان حالته الحالية نحو إمكانيات أعلى، لكنه في الوقت ذاته يواجه خطر السقوط في العدم إذا تردد طويلًا. الوقوف عند العتبة، إذن، هو تجربة التوازن الدقيق بين الثبات والحركة، بين اليقين والشك، مما يجعله لحظة فلسفية تكشف عن التناقضات الجوهرية في الكينونة الإنسانية. هنا، يصبح الجسد أداة للوعي، فالإحساس بالعتبة تحت القدمين يذكر الإنسان بماديته، بينما النظر إلى ما وراءها يفتح أبواب الروحاني والميتافيزيقي. هذه الثنائية تجعل التجربة غنية، حيث يتجاوز الوجود البعد المادي ليصبح تجربة روحية، تذكر الإنسان بأنه ليس مجرد كائن بيولوجي بل هو كائن يسعى إلى المعنى في عالم يبدو عشوائيًا.

علاوة على ذلك، يمكن مقاربة الوقوف عند العتبة أنطولوجيًا كتجربة الغربة، ذلك الشعور بالانفصال عن العالم الذي يولد الوعي بالذات ككيان منفصل. عندما يقف الإنسان عند العتبة، يشعر بالغربة عن المكان الذي يتركه وعن المكان الذي ينتظره، مما يجعله يتساءل عن انتمائه الحقيقي. هذه الغربة ليست سلبية بل هي محرك للفكر الفلسفي، حيث تدفع الإنسان إلى إعادة بناء هويته في مواجهة الفراغ. أنطولوجيًا، تعكس هذه التجربة فكرة الوجود كغربة أساسية، حيث يعيش الإنسان دائمًا في حالة من اللاانتماء، مما يجعله يبحث عن الجذور في عالم متغير. العتبة هنا تصبح رمزًا للحدود الثقافية والاجتماعية، حيث يواجه الإنسان الآخر كمرآة لنفسه، ويتعلم أن كينونته تتشكل من خلال هذه المواجهات. في هذه اللحظة، يصبح الوقوف فعلًا مقاومًا، يرفض الاندماج السريع في العالم ليسمح بتأمل عميق في طبيعة الوجود، مما يؤدي إلى ولادة فهم جديد للذات والعالم.

الوقوف عند العتبة، كتجربة فلسفية أنطولوجية، يجد في فلسفة مارتن هيدغر مرجعًا عميقًا يثري المقاربة ويوسعها، لكنه في الوقت ذاته يبرز تباينات جوهرية تجعل هذه التجربة تتجاوز حدود التفكير الهيدغري أو تكمله بطريقة مختلفة. عند هيدغر، لا يظهر مفهوم العتبة كمصطلح مركزي مباشر في "الكينونة والزمان"، لكنه يحضر بقوة في أعماله اللاحقة، خاصة في تأملاته حول اللغة والشعر والمكان، حيث يصف العتبة كعنصر يحمل الباب ككل، ويحافظ على الوسط الذي يتخلل فيه الخارج والداخل بعضهما بعضًا. هذا الوصف يجعل العتبة ليست مجرد حد مادي، بل هي مكان الاختراق المتبادل، فضاء يجمع ويفصل في آن، وهو ما يتردد صداه مع فكرة "الفرق الأنطولوجي" التي تميز بين الكينونة والموجودات. فالوقوف عند العتبة يمكن أن يُقرأ هيدغريًا كلحظة تكشف فيها الكينونة عن نفسها من خلال الفرق، حيث يصبح الإنسان مدركًا للـ "بين" ، ذلك الفضاء الذي لا ينتمي إلى داخل أو خارج، بل يمثل الـ "انفتاح" أو الـ "تصفية" التي تسمح للموجودات بالظهور. في "الوجود والزمان"، يركز هيدغر على الدازاين ككائن يُلقى في العالم ، ويعيش في حالة من السبق إلى الإمكانيات ، مما يجعل الوجود دائمًا "متجاوزًا". الوقوف عند العتبة يتطابق جزئيًا مع هذه الديناميكية، إذ يمثل لحظة الـ "توقف" التي تكشف عن الـ "قلق" الذي ينتزع الدازاين من سقوطه في المألوف ويواجهه بإمكانية عدمه الخاص، أي الموت كإمكانية الأقصى. هنا، العتبة تصبح استعارة للحدود الوجودية التي تفصل بين اليومي والأصيل، حيث يقف الإنسان على عتبة التحول من الوجود غير الأصيل إلى الوجود الأصيل، مواجهًا الفراغ الذي يسبق كل قرار. لكن هيدغر لا يتوقف عند هذا الحد الوجودي الفردي؛ ففي أعماله اللاحقة، يتحول التأمل إلى الكينونة ذاتها كحدث ، حيث تُمنح الكينونة للموجودات من خلال الانسحاب والكشف المتبادلين. العتبة، في هذا السياق، تُصبح رمزًا للـ "حد" الذي ليس انقطاعًا بل مشاركة ، كما في قراءاته لشعر تراكل، حيث يصبح الحد فضاءً يجمع الغريب والأليف، الألم واللطف، الذكر والأنثى، في حركة من الـ "جمع" والـ "نشر".

مقارنة بهذه الرؤية الهيدغرية، تبرز تجربة الوقوف عند العتبة في المقاربة السابقة كتجربة أكثر تركيزًا على الجانب الجسدي والحسي والانتظاري، حيث يظل الإنسان واقفًا في حالة من التوتر الديالكتيكي بين الثبات والحركة، اليقين والشك، الذات والآخر. عند هيدغر، يميل التفكير نحو تجاوز هذا التوتر نحو "التفكير في الكينونة" ، حيث يصبح الوقوف ليس مجرد حالة قلق فردية بل مشاركة في حدث الكينونة نفسه، أي الحدث الذي يجمع الدازاين بالكينونة في علاقة متبادلة الملكية. بينما في التجربة المقترحة، يبقى الوقوف أقرب إلى القلق الوجودي الكيركغاردي أو السارتيري، حيث يظل الخيار والحرية محورًا، والعتبة مكانًا للقرار الشخصي الذي يولد معنى جديدًا، أما عند هيدغر فالعتبة تتجاوز الذات نحو "الحدث" الذي يسبق الذات ويؤسسها.

من ناحية أخرى، يتقارب المنظوران في فكرة أن العتبة ليست نهاية بل بداية للكشف: ففي هيدغر، تكشف العتبة عن "الفرق" الذي يسمح للوجود بالظهور، وفي المقاربة الأنطولوجية للوقوف، تكشف عن الفراغ الإمكاني الذي يولد المعاني. لكن الاختلاف يكمن في التوجه: هيدغر يسعى إلى "التجاوز" للميتافيزيقا التقليدية نحو تفكير ما بعد-ميتافيزيقي يترك الذات تُمنح للكينونة، بينما التجربة المقترحة تحتفظ ببعد أكثر إنسانية وتجسدية، حيث يبقى الجسد والإحساس بالعتبة تحت القدمين نقطة انطلاق للتأمل في هشاشة الوجود. هكذا، يمكن القول إن الوقوف عند العتبة يمثل نوعًا من "الدازاين في حالة الانتظار"، لكنه يرفض الاندماج الكامل في الحدث ، محتفظًا بمساحة للقلق والغربة والتحول الشخصي الذي لا يذوب تمامًا في حركة الكينونة الكبرى.

 في الختام، يظهر الوقوف عند العتبة كتجربة فلسفية أنطولوجية أنها ليست مجرد لحظة عابرة بل هي جوهر الكينونة الإنسانية، حيث يتجلى الوجود في توتره الدائم بين الثبات والتغيير، بين الذات والآخر، بين اليقين والشك. هذه التجربة تدعو الإنسان إلى الغوص في أعماق نفسه، ليدرك أن الحياة ليست سلسلة من الأحداث بل هي عملية مستمرة من التجاوز والتحول، مما يجعلها مصدر إلهام للفكر الفلسفي الذي يسعى إلى فهم سر الوجود في عالم مليء بالعتبات غير المرئية. في النهاية، تثري مقارنة الوقوف عند العتبة بفكر هيدغر التجربة بإضافة بعد كوني وتاريخي للوجود، حيث تصبح العتبة ليست مجرد لحظة فردية بل مشاركة في مصير الكينونة في عصرنا، عصر التقنية والنسيان. لكنها في الوقت ذاته تذكرنا بأن التجربة الإنسانية تبقى متجذرة في الجسد والانتظار والخيار، مما يجعلها أقرب إلى الوجود اليومي الملموس من التأمل الهيدغري الذي يميل نحو الشعري والميتافيزيقي المتعالي. هكذا تظل العتبة فضاءً مفتوحًا للتفكير المستمر، يجمع بين الفرق الهيدغري والتوتر الوجودي الإنساني في حركة لا تنتهي. فهل يمكن مقارنة تجربة العتبة بمسألة الحدود في البحوث المعرفية والوجودية والقيمية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يطرح سؤال العلاقة بين الخطاب الفلسفي والخطاب الشرعي في فكر ابن رشد أحد أكثر الأسئلة تركيبا في تاريخ الفكر الإسلامي، ليس فقط لأنه يتصل بإشكال قديم حول حدود العقل والنقل، بل لأنه يلامس البنية العميقة للثقافة الإسلامية في طورها الكلاسيكي، حين كانت العلوم الشرعية والعلوم العقلية تتجاور داخل أفق معرفي واحد، دون أن يعني ذلك غياب التوتر أو انعدام الصراع. إن ابن رشد الذي عاش في سياق أندلسي اتسم بحدة الجدل بين الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة، لم يتناول هذه العلاقة بوصفها مسألة نظرية معزولة، بل بوصفها قضية حضارية تمس شرعية الفلسفة داخل المجال الإسلامي، وتمس كذلك فهم الشريعة ذاتها من حيث هي خطاب موجه إلى الإنسان بما هو كائن عاقل ومكلف.

لقد درجت بعض القراءات الحديثة على تصوير ابن رشد إما مدافعا عن الفلسفة ضد الدين، أو مؤسسا لمشروع عقلاني يفصل بين المجالين فصلاً حادا. غير أن العودة الدقيقة إلى نصوصه، وخاصة كتابه الشهير فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تكشف أن الأمر أعمق من مجرد دفاع إيديولوجي، وأن السؤال الذي يحكم مشروعه هو: كيف يمكن أن تكون الحقيقة واحدة وأن تتعدد طرق الوصول إليها؟ وكيف يمكن أن يتمايز الخطابان من حيث المنهج والوظيفة دون أن يؤدي ذلك إلى ازدواجية في الحقيقة أو إلى تناقض في المرجعية؟

ينطلق ابن رشد من مسلمة كبرى يمكن اعتبارها حجر الزاوية في مشروعه، وهي أن الشريعة حق وأن النظر العقلي حق وأن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له. هذه العبارة التي تكاد تختزل رؤيته ليست مجرد شعار توفيقي بل تعبير عن تصور معرفي عميق للوجود وللعقل وللوحي. فالحق عنده ليس ملكا لطريق دون آخر، بل هو مقصد مشترك تتعدد مسالكه بحسب استعدادات الناس وطرائق البرهنة. وهنا يتبدى البعد الأرسطي في فكره، إذ يستحضر التمييز بين البرهان والخطابة والجدل كما بلوره أرسطو في تحليله لأصناف القول، ويعيد توظيفه داخل أفق إسلامي.

إن الخطاب الفلسفي عند ابن رشد يقوم على البرهان، والبرهان عنده هو القياس المؤلف من مقدمات يقينية تفضي إلى نتائج يقينية. وهو بهذا المعنى خطاب موجه إلى الخاصة، أي إلى من استكملوا آلة النظر وأتقنوا شروط الاستدلال. أما الخطاب الشرعي من حيث هو نص وحي، فإنه يتضمن مستويات متعددة من الدلالة، ويخاطب عموم الناس بطرق متنوعة: بالبرهان أحيانا وبالجدل أحيانا وبالخطابة والتمثيل أحيانا أخرى. ومن ثم فإن التمايز بين الخطابين ليس تمايزا في موضوع الحقيقة، بل في طرائق عرضها وفي مقاصدها العملية.

لقد كان السياق الذي كتب فيه ابن رشد مشحونا بأصداء نقد الفلاسفة، كما يتجلى ذلك في كتاب تهافت الفلاسفة لـأبي حامد الغزالي حيث اتُّهم الفلاسفة بمخالفة صريح الشرع في مسائل تتعلق بالقدم والعلم الإلهي والمعاد. وقد رد ابن رشد على هذا النقد في تهافت التهافت لا بروح سجالية فحسب، بل بمنهج يهدف إلى إعادة ترتيب العلاقة بين النظر العقلي والنص الديني. فهو يرى أن الخطأ لا يكمن في استعمال العقل بل في سوء استعماله، وأن الإشكال لا يعود إلى ذات الفلسفة، بل إلى خلط بين مراتب القول وإلى تحميل البرهان ما ليس من شأنه.

في سياقنا هذا، يميز ابن رشد بين ظاهر النص وباطنه أو بين دلالته المباشرة ودلالته المؤولة. وهو يقرر أن النصوص التي يظهر تعارضها مع البرهان اليقيني يجب تأويلها تأويلاً يليق بقواعد اللسان العربي وبمقاصد الشريعة. غير أن هذا التأويل ليس حقا مشاعا لكل أحد، بل هو وظيفة خاصة بأهل البرهان، لأن إخراج النصوص عن ظواهرها أمام العامة قد يؤدي إلى اضطراب الاعتقاد وإلى فتنة لا تحمد عقباها. وهنا تتجلى رؤيته الاجتماعية للمعرفة، إذ لا ينظر إلى الحقيقة في بعدها المجرد فحسب، بل في آثارها التربوية والسياسية.

إن هذا التمييز بين مراتب الناس في تلقي الخطاب يذكرنا بما قرره الفارابي في حديثه عن المدينة الفاضلة، حيث جعل الفيلسوف في مرتبة القائد الذي يدرك الحقائق البرهانية ويصوغها في صور تمثيلية تناسب الجمهور. غير أن ابن رشد بخلاف النزعة النبوية الفلسفية عند الفارابي لا يذيب الشريعة في الفلسفة، بل يؤكد استقلال مصدرها الإلهي مع الحفاظ على وحدة الحقيقة. فالشريعة عنده ليست مجرد تمثيل فلسفي للحقائق، بل وحي إلهي مقصود به هداية البشر جميعا، وإن اقتضى ذلك تنوع الأساليب.

إن القول بتمايز الخطابين عند ابن رشد لا يعني إذن انقساما معرفيا، بل توزيعا وظيفيا داخل نسق واحد. فالخطاب الفلسفي غايته تحصيل اليقين النظري في الموجودات من حيث هي موجودات، والوقوف على عللها وأسبابها القصوى في أفق ما يسميه أرسطو "العلم الإلهي" أو "الميتافيزيقا". أما الخطاب الشرعي فغايته الأساسية هداية الإنسان إلى الخير والعمل الصالح وتنظيم حياته الفردية والجماعية وفق مقاصد العدل والرحمة. وإذا كان الفيلسوف يسعى إلى معرفة الحق لذاته، فإن الشريعة تسعى إلى تحقيق الحق في الواقع العملي.

غير أن هذا التمايز لا يمنع التكامل بل يقتضيه. لأن الإنسان عند ابن رشد ليس عقلا مجردا، ولا إرادة منفصلة عن المعرفة، بل كائن يجمع بين النظر والعمل. ومن ثم فإن المعرفة البرهانية وإن كانت شريفة في ذاتها، لا تغني عن التزكية الأخلاقية التي تؤسس لها الشريعة. كما أن العمل الشرعي إن خلا من بصيرة عقلية قد يتحول إلى تقليد أعمى. وهنا يتقاطع فكر ابن رشد مع ما قرره ابن سينا حين رأى أن كمال الإنسان يتحقق باجتماع الحكمة النظرية والحكمة العملية، وإن اختلف المساران في تفاصيلهما.

لقد كان همّ ابن رشد الأساسي هو الدفاع عن مشروعية الفلسفة داخل المجال الإسلامي، ولكن دفاعه لم يكن منطلقا من نزعة تمرد على الشريعة، بل من فهم عميق لها. فهو يرى أن النظر في الموجودات مأمور به شرعا لأن النصوص تحث على التفكر والاعتبار. وإذا كان الشرع يدعو إلى النظر، فإن استعمال أدوات البرهان ليس خروجا عليه، بل امتثال لأمره. ومن ثم فإن تحريم الفلسفة بإطلاق هو في نظره، تحريم لما أوجبه الشرع من التفكر في خلق السماوات والأرض.

إن موقفه هذا يندرج ضمن تصور أوسع للمعرفة، يرى أن الوحي لا يلغي العقل بل يفترضه، وأن العقل لا يستغني عن الوحي في كل شيء، بل يحتاج إليه في ما يتجاوز طاقته الطبيعية. فالخطاب الفلسفي يشتغل في مجال الممكن عقلاً، بينما الخطاب الشرعي يتناول كذلك ما يتعلق بالمعاد والغيبيات التي لا سبيل إلى إدراكها استقلالاً. غير أن هذا التمايز في المجال لا يفضي إلى تناقض، لأن الغيب ذاته لا يناقض العقل وإن كان يتجاوزه.

إن الإشكال الذي أثارته بعض المسائل الميتافيزيقية، كمسألة قدم العالم أو علم الله بالجزئيات، لا ينبغي أن يحجب البنية العامة لمشروع ابن رشد الذي يسعى إلى تأكيد انسجام النظام الكوني والعقلي مع النظام الشرعي. فالكون عنده قائم على نظام وسببية، والشرع لا يعارض هذا النظام بل يؤكده من حيث هو تعبير عن حكمة إلهية. وإذا كان قد خالف بعض المتكلمين في فهمهم لبعض النصوص، فإن خلافه كان منهجيا أكثر منه عقديا، إذ كان يرى أن حمل النصوص على ظواهرها الحسية في قضايا دقيقة قد يفضي إلى تشبيه أو تجسيم لا يليق بجلال الإله.

هنا تتبدى جرأة ابن رشد لا في معارضة الشريعة، بل في معارضة بعض القراءات الحرفية لها. وهو بذلك يفتح أفقا تأويليا يجعل النص قابلاً لأن يُقرأ في ضوء البرهان، دون أن يُختزل في البرهان. فالبرهان معيار في مجاله والنص معيار في مجاله، والعقل لا يحكم على الوحي بالإبطال، بل يسعى إلى فهمه على وجه يليق بكرامة الإنسان العاقل.

لقد كان تأثير هذا التصور عميقا لا في المجال الإسلامي فحسب، بل في الفكر اللاتيني الوسيط، حيث استقبلت أعمال ابن رشد بوصفها تجسيدا للتوافق بين الفلسفة والدين، وإن أسيء فهمها أحيانا. غير أن ما يعنينا هنا هو البنية الداخلية لفكره، حيث يتجاور الفقيه والقاضي مع الشارح الأكبر لأرسطو، دون أن يشعر صاحبه بانفصام. وهذا التجاور ليس عرضيا، بل هو تعبير عن قناعة راسخة بأن الحقيقة واحدة، وأن اختلاف الطرق إليها لا يبرر التنازع.

إن السؤال الذي يظل مفتوحا في قراءة مشروعه هو: هل نجح فعلاً في إقامة تكامل معرفي حقيقي أم أن تمييزه بين الخاصة والعامة يكرس نوعا من الازدواجية؟ هذا السؤال يقتضي فحصا دقيقا لمفهوم الحقيقة عنده، ولموقفه من التأويل، ولمدى اتساقه في تطبيق مبادئه على مختلف القضايا. غير أن ما يمكن تقريره في هذا المقام هو أن ابن رشد لم يكن يسعى إلى إلغاء أحد الخطابين لصالح الآخر، بل إلى إعادة تحديد وظائفهما داخل أفق توحيدي.

فالخطاب الفلسفي بما هو سعي إلى البرهان، يمثل ذروة الطاقة العقلية للإنسان ويكشف عن انسجام العالم ونظامه. والخطاب الشرعي بما هو وحي إلهي يمنح هذا السعي غايته القصوى، ويؤطره بقيم أخلاقية وتشريعية تحفظ توازن المجتمع. وإذا كان التوتر قد نشأ تاريخيا بين أنصار كل منهما، فإن ذلك لا يعود إلى طبيعة الخطابين في ذاتيهما، بل إلى سوء فهم العلاقة بينهما.

إن ابن رشد يقدم نموذجا فريدا في تاريخ الفكر الإسلامي، نموذجا يسعى إلى تجاوز ثنائية الصراع بين العقل والنقل، من خلال تصور يقوم على التمايز الوظيفي والتكامل المعرفي. وهو تصور لا يزال راهنا، لأنه يطرح سؤالاً دائما حول كيفية إدارة التعدد داخل وحدة الحقيقة، وحول إمكان إقامة حوار خصب بين أنماط مختلفة من القول، دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة. وبهذا يعد مشروعه ليس مجرد صفحة من تاريخ الفلسفة، بل مساهمة حية في التفكير في شروط إمكان المعرفة ذاتها.

إذا كان التمايز الوظيفي بين الخطابين الفلسفي والشرعي عند ابن رشد يمثل مدخلاً لفهم مشروعه، فإن التكامل المعرفي الذي يتصوره لا يقوم على مجرد الجمع الاعتباطي بين معطيات العقل والنص، بل على تأسيس علاقة جدلية تتغيا حفظ وحدة الحقيقة مع تعدد طرق إدراكها. فالحقيقة عنده ليست ملكا لخطاب دون آخر، ولا حكرا على طبقة معرفية بعينها، بل هي أفق مشترك تتقاطع فيه البرهانية مع الإيمانية وإن اختلفت أدوات كل منهما. وهنا يمكن فهم إصراره على أن الشريعة لا تعارض الفلسفة وأن الفلسفة لا تنقض الشريعة لأن كلاهما يسعى إلى الخير، الشريعة تسعى إلى الخير العملي الذي يحقق انتظام المجتمع وتزكية الفرد، والفلسفة تسعى إلى الخير النظري الذي يحقق معرفة الموجودات على حقيقتها.

غير أن هذا التصور لم يخل من إشكالات، سواء على مستوى التنظير أو التطبيق. فالتأويل الذي دعا إليه ابن رشد بوصفه وسيلة لرفع التعارض الظاهري بين النص والبرهان، حيث يثير سؤالاً حول حدوده ومن يملك صلاحية ممارسته. فهو يقرر أن التأويل لا يجوز للعامة لأنهم ليسوا مؤهلين لفهم الدلالات العميقة للنصوص، وأنه وظيفة خاصة بالراسخين في العلم. لكن من هم هؤلاء الراسخون؟ وكيف يمكن تحديد معيار الرسوخ؟ وهل يؤدي حصر التأويل في فئة محدودة إلى نوع من النخبوية المعرفية التي تفصل بين مستويات الخطاب على نحو قد يكرس ازدواجية اجتماعية وثقافية؟.

هذه الأسئلة لم تكن غائبة عن النقاشات التي أثارها فكر ابن رشد في سياق الحضارة الإسلامية. فقد رأى بعض الفقهاء والمتكلمين أن فتح باب التأويل على مصراعيه قد يؤدي إلى نسف الثوابت العقدية، لأن كل نص يمكن حينئذ أن يُحمل على معنى غير ظاهره. بينما رأى ابن رشد أن إغلاق باب التأويل يؤدي إلى جمود فكري وإلى قراءات حرفية قد تسيء إلى مقاصد الشريعة. ومن ثم فإن القضية ليست في أصل التأويل بل في ضبطه بقواعد تمنع الانحراف.

إن هذا الجدل يكشف عن طبيعة العلاقة بين النص والمعنى، وهي علاقة معقدة لا يمكن اختزالها في ثنائية ظاهر/باطن. فالنص في ذاته لا ينطق، بل يحتاج إلى قارئ يفعّل دلالاته. والقارئ بدوره لا يأتي إلى النص خالي الذهن، بل محملاً بخلفيات ثقافية ولغوية تؤثر في فهمه. إن التأويل ليس خيانة للنص، بل محاولة لفهمه في سياقه وفي ضوء مقاصده. غير أن هذه المحاولة تظل خاضعة لقيود منهجية وأخلاقية، حتى لا تتحول إلى إسقاطات تعسفية.

لقد كان ابن رشد واعيا بهذه الإشكالية، ولذلك شدد على ضرورة التمييز بين التأويل الذي يستند إلى دليل برهاني، والتأويل الذي يقوم على الظن أو الهوى. فالأول مقبول بل مطلوب إذا تعارض ظاهر النص مع البرهان اليقيني، لأن الحق لا يضاد الحق. أما الثاني فهو مرفوض لأنه يخرج النص عن مقصده ويجعل المعنى تابعا لرغبات المفسر.  حيث يكون التأويل عنده أداة معرفية وليست أداة أيديولوجية.

إن التكامل الذي يتصوره بين الخطابين لا يعني إذن مساواة مطلقة بينهما، بل توزيعا للأدوار. فالفلسفة تشتغل على مستوى التفسير العقلي للعالم، والشريعة تشتغل على مستوى التنظيم الأخلاقي والاجتماعي. وإذا كان العقل قادرا على إدراك بعض القيم الأخلاقية استقلالاً، فإن الوحي يضفي عليها بعدا إلزاميا ويؤسس لها مرجعية عليا. ومن ثم فإن العلاقة بينهما علاقة دعم متبادل، لا علاقة تناقض.

هذا التصور يجد ما يسانده في تاريخ الفكر الإنساني عموما، حيث لم تكن الفلسفة في معظم الحضارات بديلا عن الدين، بل شريكا في البحث عن المعنى. فالفلاسفة اليونان أنفسهم رغم نزعتهم العقلية لم ينكروا وجود الآلهة، بل حاولوا تفسير العالم في ضوء مبادئ عقلية. وكذلك فعل فلاسفة الإسلام حين سعوا إلى فهم النظام الكوني بوصفه تجليا لحكمة إلهية. إن ابن رشد ينتمي إلى هذا التقليد الذي يرى أن العقل والدين لا يتعارضان إذا فُهم كل منهما في مجاله.

غير أن السياق التاريخي الذي عاش فيه كان مختلفا، إذ شهد صراعات فكرية وسياسية جعلت مسألة الفلسفة قضية حساسة. فقد اتُّهم الفلاسفة بالزندقة أحيانا، وبالابتعاد عن روح الشريعة أحيانا أخرى. وفي المقابل اتهم بعض الفقهاء بالجمود ورفض كل جديد. هذا المناخ دفع ابن رشد إلى الدفاع عن مشروعية النظر العقلي، لكنه لم يفعل ذلك من موقع الخصومة، بل من موقع البحث عن توازن. فهو لم يطالب بإلغاء الفقه أو الاستغناء عن النص، بل دعا إلى فهمهما على نحو لا يحول دون تقدم المعرفة.

إن أهمية مشروعه اليوم لا تكمن في تفاصيل الجدل الذي خاضه، بل في المبادئ التي أرساها، مبدأ وحدة الحقيقة ومبدأ تعدد طرق الوصول إليها ومبدأ احترام التخصص المعرفي ومبدأ التأويل المنضبط. هذه المبادئ يمكن أن تسهم في بناء حوار بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية وبين الفكر الديني والفكر الفلسفي، دون أن يؤدي ذلك إلى ذوبان أحدهما في الآخر.

فالعلوم الطبيعية على سبيل المثال، تقدم معرفة دقيقة بالقوانين التي تحكم الظواهر، لكنها لا تجيب عن الأسئلة القيمية والمعنوية. والعلوم الإنسانية تدرس الإنسان وثقافاته، لكنها تحتاج إلى أدوات تحليلية متنوعة. والدين يقدم رؤية شاملة للمعنى والغاية، لكنه لا يغني عن البحث العلمي. ومن ثم فإن التكامل بين هذه المجالات هو ما يثري المعرفة الإنسانية.

إن هذا المنظور يذكرنا بما قاله ابن رشد في سياق دفاعه عن الفلسفة، إن الشرع دعا إلى النظر في الموجودات، وإن النظر يؤدي إلى معرفة الصانع، وإن معرفة الصانع أسمى المعارف. فإذا كان الشرع نفسه يحث على استعمال العقل، فإن معارضة العقل باسم الشرع لا تكون من الشرع في شيء. لكن هذا لا يعني أن العقل وحده كافٍ في كل المجالات، لأن الإنسان كائن مركب يحتاج إلى مصادر متعددة للمعرفة.

يمكن قراءة مشروع ابن رشد بوصفه محاولة لبناء جسر بين عالمين: عالم البرهان وعالم الإيمان. وهو جسر لا يلغي الفوارق، بل يسمح بالتواصل. فالبرهان يطمئن العقل إلى انتظام العالم، والإيمان يطمئن القلب إلى معنى الوجود. وإذا كان بعض الناس يميلون إلى أحد الجانبين، فإن الحكمة تقتضي عدم إقصاء الجانب الآخر.

إن السؤال حول التمايز والتكامل بين الخطابين لا يزال راهنا. ففي عالم تتسارع فيه التحولات العلمية والثقافية، تبرز الحاجة إلى فكر قادر على استيعاب التعدد دون الوقوع في النسبية المطلقة. ومشروع ابن رشد قدم ويقدم نموذجا يمكن الاستفادة منه لا بوصفه وصفة جاهزة، بل بوصفه مصدر إلهام للتفكير في العلاقة بين العقل والوحي، بين النظر والعمل وبين الفرد والمجتمع.

إن الحقيقة كما يراها هذا المشروع، ليست نقطة ثابتة يمتلكها طرف دون آخر، بل مسار بحث مستمر. والعقل ليس خصما للدين، بل أداة لفهمه. والدين ليس عائقا أمام المعرفة، بل إطارا يوجهها نحو الخير. وإذا استطعنا أن نقرأ هذا التراث في ضوء تحديات عصرنا، فقد نساهم في بناء ثقافة حوارية تقدر الاختلاف وتبحث عن المشترك.

و يغدو الحديث عن التمايز والتكامل ليس مجرد جدل نظري، بل سؤالا حضاريا: كيف نبني مجتمعا يحترم العلم والدين معا؟ كيف نوفق بين حرية التفكير ومسؤولية الأخلاق؟ كيف نجعل المعرفة وسيلة لتحسين حياة الإنسان لا أداة للهيمنة؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل فكر ابن رشد حيا، لأنها تتجاوز سياقه التاريخي لتلامس هموم الإنسان في كل زمان.

***

د. حمزة مولخنيف

تأصيل فلسفي واستجابة جمالية للتشظي المعاصر

في ضرورة الانزياح (انفجار الوعي)

إن التاريخ الجمالي ليس تراكماً خطياً هادئاً، بل هو سلسلة من الانفجارات الواعية في رحم السكون. إذا كانت "ما فوق الواقعية" (السريالية) قد ولدت في مطلع القرن العشرين من رماد الحروب الكونية الكبرى، بوصفها تمرداً على "عقلانية" زائفة أدت إلى الفناء، فإن "الميتاسريالية" تنبثق اليوم من قلب "التيه الرقمي" والضياع الوجودي المعاصر.

نحن هنا لا نكتفي بالهروب نحو غابات اللاشعور المظلمة، بل نسعى لترميم هذا اللاشعور وصياغته في "وعي نصي فائق". الميتاسريالية هي الجسر الذي نعبر به من التوهان إلى المسار، ومن الشتات إلى البنية الرصينة. إنها الفعل الذي يحول "العدم" إلى "كائن"، والصرخة المكتومة إلى إيقاع كوني يتردد صداه في أزقة الروح المهدمة.

 نقد الجذر (من التلقائية إلى وعي النص)

في عام 1924، نادى الرواد بـ "التلقائية النفسية الصرفة" كأداة وحيدة للتعبير، ظناً منهم أن كسر قيود المنطق وحده يكفي لتحرير الإنسان. لكن الميتاسريالية ترى في هذه التلقائية فخاً جديداً؛ فاللاشعور وحده قد يكون متاهة من العماء وفوضى من الصور العبثية التي لا تفضي إلى جوهر.

لذا، تأتي الميتاسريالية لتضيف بعد "ما وراء النص"؛ أي الوعي التام بالعملية الإبداعية أثناء حدوثها. إننا ننتقل من "الفعل الآلي" الذي يمليه الحلم، إلى "الفعل المنعكس" الذي يراقبه المبدع. النص الميتاسريالي لا يكتفي بعرض الرؤى المنامية، بل يمارس نقداً داخلياً لآلية الرؤيا ذاتها. الكلمات هنا تعي عجزها "الكينوني" أمام هول الوجود، وقوتها "العلاماتية" في إعادة خلقه. نحن لا نكتب الحلم، بل نكتب "عن" الحلم داخل الحلم، كمن يرى انعكاس مرآة في مرآة إلى مالا نهاية، مما يخلق نسيجاً محكماً من الدلالات التي تتجاوز القشور لتصل إلى لب "ما وراء النص"، حيث يعلق النص على ذاته ويكشف عورات آلياته.

عذابات الكليّة والهم الكينوني

عندما نتحدث في الميتاسريالية عن "عذابات كل شيء"، فإننا لا نمارس تزويقاً لفظياً، بل نمارس "تأويلاً وجودياً" للوجع. الإنسان في منظورنا هو "كائن متألم بالضرورة"، محكوم بقلق الاختيار وعبثية الأقدار.

المعاناة الكونية:

يمتد العذاب ليشمل "كل شيء"، الحجر في نصنا "يلوب" من فرط الصمت، والغيوم تتثاءب فوق مآذن الكوفة لتسكب دموعاً ثقيلة من ملح وبارود. النخيل في البصرة يعاني من "اغتيال" ليله، حيث تسلب منه السكينة ليحل محلها ضجيج الفواجع. هذا ليس مجرد مجاز، بل هو رؤية "عرفانية" ترى الترابط الوثيق بين المصير البشري وحركة المادة الجامدة.

الرد على التوهان:

 الميتاسريالية هي الصرخة المدوية في وجه "العدمية". إنها تحول المعاناة الفردية الضيقة إلى معاناة كونية شاملة. الأديب الميتاسريالي لا يكتب مذكراته، بل يكتب "تاريخ الألم الإنساني" في عصره، محولاً الأنين إلى مادة دسمة للمساءلة الوجودية، تماماً كما تتشكل اللؤلؤة من وجع المحارة.

علامات الرؤيا وتفتت الذاكرة العراقية

الذاكرة في هذا الزمان ليست مخزناً هادئاً للصور، بل هي "مرآة مهشمة" بفعل الحروب المتلاحقة والتقنيات الباردة. الميتاسريالية تعيد جمع هذه الشظايا، لا لتعيد تشكيل الصورة القديمة الزائفة، بل لتخلق "فسيفساء" جديدة تتسم بـ "الواقع المتسامي".

تحطيم الزمن الخطي:

 في النص الميتاسريالي، يسقط الزمن المرتب الذي تفرضه الساعات. الماضي يتقاطع مع المستقبل في لحظة "الآن" المشتعلة. هنا، نرى "كلكامش" يبحث عن عشبة الخلود في أزقة "شارع الرشيد"، ونرى "السياب" يغسل جراحه بماء الفرات الذي استحال مراً.

منطق الرؤيا كأداة معرفية:

 الحلم هو المختبر السيادي الذي تندمج فيه الذكريات المكبوتة بالمخاوف اللاشعورية. عندما تذوب الساعات في نصنا، أو يتحول الرجل إلى نخلة محترقة، فإننا نمارس "زلازل" لكيان المتلقي، وندفعه نحو "القلق المعرفي". هذا القلق هو الوسيلة الوحيدة لدفعه نحو طرح أسئلة الوجود الكبرى: ما الحب؟ ما الموت؟ وكيف ننجو من هذا العدم؟

فيزيولوجيا العشق والتصوف الميتاسريالي

العشق في هذا المانيفستو هو القوة "الكيماوية" التي تبطل "وضوء الكره". إنه ليس عاطفة عابرة، بل هو "نسك" وطواف في محراب الجمال الوجودي.

 امتزاج الحسي بالقدسي:

يتقاطع العشق هنا مع التصوف؛ حيث تصبح "رموش الفقير" في سوق مريدي قبلة للصلاة، ويصبح "الدعاء بلا شعر للحب والأمل" صرخة تائهة في فيافي الله.

ثنائية النور والاحتراق:

 العشق هو الضوء الذي يمنع الكون من الانطفاء، لكنه ضوء يحرق المتلقي. بدون هذا العشق، "تنجفي الذلة على خدود الملح" وتفقد الكائنات بوصلتها المعنوية. الميتاسريالي يكتب بمداد من "كحلة عراقية" عتقت في جروح الأمهات، ليخلق نصاً يطهر الروح كما يطهر التيمم بالتراب جسد المصلي.

هندسة البناء الإيقاعي

النص الميتاسريالي هو "معمار موسيقي جامد" يحمي الروح من التفتت في مهب الريح. نحن نعتمد تقنية "المطابقة الإيقاعية والمعنوية"؛ حيث نزاوج بين الكلمات الرقيقة (ندى، تغريد، شبعاد) والكلمات العنيفة (تابوت، شظية، نصل، بارود).

هذا التضاد يجسد الصراع الأزلي بين إرادة الحياة وغلواء الموت. الموسيقى في نصنا ليست زينة، بل هي الإيقاع "المستحيل" الذي يحاول استعادة "الفردوس المفقود" من بين أنياب الواقع المرير. إننا نبني مدناً من الكلمات لنواجه بها خراب المدن من الحجر.

الميتاسريالية في الفضاء العراقي (ميتاسريالية الوجع)

العراق، بجغرافيته المثقلة بالأساطير والحروب، يمثل البيئة المثالية للميتاسريالية. العراقي يعيش السريالية كواقع يومي؛ حيث تتجاور القباب الذهبية مع أعمدة الدخان، وتختلط رائحة الهيل برائحة الموت. من هنا تنبثق "الميتاسريالية العراقية" كفعل مقاومة جمالي.

أنسنة الوجع:

 حين نقول إن النخيل يعاني من "اغتيال ليله"، فإننا ننطق بلسان الأرض التي ضاقت بدموع أبنائها.

قداسة الهامش:

 تحويل "ثياب " و"رموش الفقراء" إلى نصوص مقدسة هو الرد النهائي على تغييب الإنسان. في العراق، الميتاسريالية ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة للتمسك بالبقاء. إنها "خبز الروح" الذي نقتسمه في مواجهة الجوع الوجودي.

نواميس الصنعة

إليك أيها السالك في محراب الميتاسريالية، هذه العهود التي لا تقبل التأويل:

اغتل العفوية بالوعي:

 لا تترك قلمك لقمة سائغة للاشعور، بل كن "سيداً" على رؤاك. اجعل الكلمة تعرف لماذا قيلت، ولماذا استقرت في صدر الورق كالنصل.

قدّس التضاد:

 لا تكتب نصاً رمادياً. ازرع "الياسمين" في فوهة "البندقية"، واجعل القارئ ينزف وهو يشم عطر الورد في نصك. التضاد هو محرك الوجود، وبدونه يموت النص.

أحْيِ الجماد:

 لا تصف دجلة، بل اجعله يئن من ثقل الحكايات. لا تصف الحرب، بل اجعل الرصاصة تشعر بالندم وهي تخترق صدور العشاق. الميتاسريالي يمنح "الروح" لكل ما هو "شيء".

اكتب بـ "كحلة الجرح":

 اجعل نصك "تطهيراً" طاهراً. إذا لم تبطل كلماتك "وضوء الكره" في عالم يغرق في البشاعة، فأنت لم تدخل ملكوت الميتاسريالية بعد.

كن "متسقاً" في فوضاك:

 النص الميتاسريالي صرخة، لكنها "صرخة منظمة". هندس عذاباتك لتكون موسيقى جنائزية مهيبة، فالفوضى بلا إيقاع هي عدم محض، والميتاسريالية هي انتصار "الكينونة" على "الفناء" بسحر الجمال.

إن الميتاسريالية هي محاولتنا الأخيرة لترميم سقف العالم بكلمات من ضوء ودم، هي إيماننا بأن النص هو الوطن البديل حين تضيق بنا الأوطان، وهو الوعي الفائق الذي يحول رماد الحاضر إلى منارات للمستقبل.

***

غالب المسعودي

نحو إعادة بناء العقل المنهجي في أصول الفقه

ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن العلاقة بين التشريع والوجود ليست علاقة انفصال بين عالم اعتبار وعالم تكوين، بل هي علاقة امتداد متداخل في الواقع وفي الادراك، فمن الممكن أن نفهم الحكم الشرعي على أنه صياغة اعتبارية لقانون تكويني، ويُمكن تعريف وظيفة العقل الأصولي بأنها قراءة مزدوجة للنص والواقع معاً، لأن الإشكال لا يكمن في مناهج الاستنباط ذاتها، بل في الأفق المعرفي الذي اختزلت فيه، وذلك عندما تم التعامل مع النص على أنه المصدر الوحيد للمعرفة التشريعية، والواقع مجرد مجال للتطبيق، لكننا بصدد اعتبار الواقع مجالا مشاركا في عملية الكشف عن الموقف الشرعي، ومن هنا لابد من التمييز بادئا أن الواقع التكويني مقابل الواقع التشريعي، يعبر عن وسائل كشف تندرج برتية دون رتبة المصادر الأصيلة (النص/الوحي).

أولاً: إشكالية الانفصال بين التكوين والاعتبار

تشكل علم الأصول تاريخياً في سياق الانضباط داخل النص وضبط الاستنباط، فكان تركيزه منصباً على أدوات الدلالة، وأنماط الظهور، وقواعد الإطلاق والتقييد، وحجية الأمارات والأصول العملية..، وقد أفضى هذا التركيز إلى ترسيخ مركزية النص باعتباره أحد أبرز محاور البحث الأصولي، بينما بقي (الواقع التكويني) في مساحة خارج نطاق التفكير الأصولي، ولا يدرس إلا من حيث انطباق الحكم عليه، لا من حيث بنيته الوجودية وقوانينه التكوينية التي يفترض كونها مؤثرة في عالم التشريع.

إن تحليل العلاقة بين الحكم والموضوع ظل في الغالب تحليلاً منطقياً أو لغوياً، لم يقترب من التحليل الوجودي الواقعي، فالوجوب مثلا يُفهم في صيغته ودلالته، او تم التركيز على ماهيته، أما وجوده خارجا فلم يحظ باهتمام واسع، بحيث نشأ على المستوى الإبستمولوجي، نوع من الفصل الضمني بين عالم الخلق وعالم الأمر، وكأن التشريع إنشاء اعتباري مستقل، أكثر من كونه امتدادا لقانون تكويني سابق عليه، وهذا الأخير يعبر عن علل البقاء ضمن قانون التكوين، أو عن قانون انتظام في حياة الفرد والمجتمع.

غير أن هذا التصور يواجه إشكالا منهجيا، يتمثل في أن وحدة المصدر تقتضي وحدة القانون، فإذا كان الخالق واحدا، فإن قوانين التكوين لا يمكن أن تكون معزولة عن قوانين التشريع، بل يفترض أن يكون التشريع كاشفا عنها بلسان الإلزام، وهي كاشفة عن التشريع بلسان البيان، ومن هنا، فإن العقل الأصولي يمكن أن ينتقل من مستوى انتاج الحكم الشرعي من مصادره الى مستوى اكتشاف الحكم الشرعي في موارده، وهوما يمكن الاشارة اليه بنحو أولي، لأنه يحتاج الى تأصيل وتأسيس، بحيث يمكن أن نتصور أن مصادر التشريع من الناحية المعرفية الادراكية كانت قد تمثلت بالوحي أو النص من دون شك، ومن ناحية الواقع والتكوين يكون الحكم معبرا عن اقتضاء ينبع من طبيعة الوجود، بمعنى أن الحكم الواقعي ليس الذي نتصوره خطابا أنشأه الشرع فحسب، بل قانون كامن في عالم التكوين، والشارع يحيل إليه أو ينشأه فالنتيجة واحدة، والعقل الاجتهادي يتعقله لأجل الكشف عن مواقف التشريع.   

ثانياً: نحو إعادة تعريف وظيفة العقل الأصولي

إن المطلوب ليس إلغاء المنهج الاستنباطي المقرر في علم الأصول، بل إعادة انتاجه، فالعقل الأصولي لا ينبغي أن يقتصر على تفكيك النصوص، بل أن ينفتح على قراءة (الموضوعات/ الواقع/الوجود) باعتبارها بنية تكوينية حاملة لملاكات الأحكام، لان الواقع لا يمكن ان ننظر اليه على انه ظرف خارجي غير مؤثر، بل يمكن النظر اليه على كونه شبكة من العلامات الإدراكية التي تكشف عن قوانين الوجود، وهذه القوانين تمثل الخلفية والارضية التي ينبثق منها الحكم الشرعي.

فوجوب حفظ النفس، - كحكم- على سبيل المثال، يُفهم على مستوى الاعتبار الشرعي في مرحلة الانشاء، كأنه مراد للشارع فقط، في حين يمكن أن يفهم على مستوى كونه ناتجا عن قانون بقاء النوع، والعقل هنا ليس أحد مصادر تشريع وجوب حفظ النفس، بل كاشف عن وجود هذا الحكم ضمن قانون التكوين، ومثل ذلك وجوب الصلاة، الذي يثبت بالنص، لكن إدراك ضرورته لا ينفصل عن بنية تكوينية في الإنسان تجعله محتاجا إلى إعادة تنظيم وعيه وزمنه وعلاقته بالمطلق، إنّ النص يكشف الحكم، أما التكوين فيكشف علته الوجودية ولو على نحو الاجمال الذي لا يستقل بإثبات الحكم، وإنما يعد مكملا نوعيا وموضوعيا لعملية الاستنباط بأدواتها المعروفة.

وبذلك، يتحول العقل الأصولي من عقل استنباطي صرف إلى عقل مزدوج الوظيفة، يزاوج بين الكشف النصي والكشف الوجودي، وهو انتقال من (فقه الدلالة) إلى (فقه الوجود)، دون أن يعني ذلك تجاوز الضوابط المنهجية، بل تعميقها.

ان ما يبعث على التفاؤل في العقل الأصولي عند الامامية، هو نضوج فكرة البناء العقلائي في كشفه العلمي، والسيرة العقلائية في كشفها العملي، والذي يفتح المجال واسعا أمام التفكير عبر ما يطلق عليه بالمعرفة الارتكازية الوجدانية التي تشتغل في مساحة التكوين والتشريع على حد سواء، مع اختلاف في المستويات ونطاق التأثير.

ثالثاً: التقعيد التكويني للأحكام

يقوم مفهوم (التقعيد التكويني) على تصور مفاده: أن الحكم الشرعي صياغة اعتبارية لقانون تكويني سابق، فالتشريع تنظيم للواقع في ضوء بنيته الداخلية، والملاكات، وفي هذا التصور، توجد خصائص كامنة في الموضوع، يحاول أن يكشفها العقل من خلال قراءة قوانين الحياة والاجتماع.

إنّ الضرورة، والحاجة، والاختلال، والتوازن، مفاهيم لا تنتمي إلى عالم الاعتبار وحده، بل تشير إلى بنية وجودية موضوعية، فإذا كشف العقل عن أن سلوكاً ما يهدد انتظام الحياة، أو يُخل بقانون بقاء النوع، فإنّ التحريم التشريعي يكون تعبيرا عن حماية ذلك القانون، وإذا كشف عما ما يحقق كمالا وجوديا للإنسان، فإن الوجوب أو الندب يأتي باعتباره تقعيدا لهذا الكمال.

وعليه، فإنّ التقعيد التكويني لا يتجاوز قيمة دلالة النص، بل يعمق فهمها، فالنص خطاب هداية يكشف عن قوانين الواقع والتشريع معا، والتشريع، في جوهره، لا يتقاطع مع التكوين، بل امتداد له في مستوى التكليف.

والعقل الارتكازي الفطري الذي يتحرك ضمن الحيز العقلائي، والذي يمثل المحرك شبه الأساس في ترسيخ وعي عالم التكوين، هو ما يمكن التعويل عليه من خلال توظيفه ابستمولوجيا، بنحو أعمق من السائد، وهو بحد ظني ما له صلة وثيقة بثنائية المعروف والمنكر المطروحة قرآنيا، والتي تكشف عن إمكانية استثمار فاعل لمقولة المعروف في ضوء كونه مدركا ارتكازيا راسخا في الفطرة النوعية للمجتمع البشري، ويكاد يقترب من تحليل مدركات العقل العملي التي تنتهي على أحد المباني إلى الآراء المحمودة التي تنكشف للإنسان بالوجدان أكثر مما تنكشف له بالبرهان، وهذا ما يستدعي بحثا مستقلا..

إن اتساع مفهوم المعروف، من خلال مقاربة لغوية وقرآنية وأصولية، تؤسس إلى أن معنى المعروف لا يقتصر على الواجبات والمحرمات، بل يشمل القيم الفطرية والمعايير العقلائية التي تستقر في وجدان البشر، مع إبراز العلاقة الوثيقة بين المعروف وبناء العقلاء، والقضايا المشهورة، والعقل العملي، والتي تلتقي في بناء منظومة معرفية تشتغل على مجال التشريع والتكوين معا. 

خلاصة

إنّ إعادة بناء العقل الأصولي على أساس التقعيد التكويني تمثل انتقالا من النظر إلى الحكم باعتباره إنشاء اعتباريا، إلى النظر إليه على كونه كشفا مقننا لقانون وجودي، وهذا التحول يمكن أن يفتح أفقا جديدا في الدراسات الأصولية، ويجعلها أكثر التصاقا بالواقع، وأكثر قدرة على فهم الضرورات الاجتماعية والإنسانية، من دون التفريط بأصالة النص ومنهجيته.

إن التحدي المعرفي اليوم يكمن في زيادة أدوات الاستنباط من جهة، وفي توسيع أفق الرؤية من جهة أخرى، بحيث يصبح العقل الأصولي قادرا على قراءة النص والوجود معا، في ضوء وحدة الخالق والمشرع، وفي هذا المسار، يستعيد التشريع فاعليته بدرجة أكبر كنظام حياة.

***

د. أسعد عبد الرزاق الاسدي

بين هندسة الشكل وأسر الجوهر

تُفهم الحرية في الخطاب الغربي المعاصر باعتبارها القيمة العليا التي انتصرت بها الحداثة على عصور الوصاية الفكرية، واستعادت بها الذاتُ سيادتها على واقعها، لكن هذا التقديم الاحتفائي يغفل سؤالا مركزيا: هل الحرية هناك حقيقة متحررة من الإطار، أم إطار صُمِّم ليقوض الإنسان ويعيد تشكيله وفق نموذج خاص؟

ولدت الحرية نتيجة تحولات فلسفية عميقة في الرؤية إلى الإنسان والعالم، بدأت مع القطع المعرفي الذي أحدثه التفكير الديكارتي، وتكرست مع العقلانية النقدية الكانطية، ثم وجدت اكتمالها السياسي في الليبرالية الحديثة، ووفق هذا تحّل الإنسان إلى محور للكون، وأضحت الإرادة الفردية هي المرجع الأخير للقيمة والمعنى، ومن هنا تشكلت الحرية باعتبارها تحررا من كل سلطة، أكثر من كونها حقيقة تمس جوهر الانسان.

إنها مصممة ضمن هندسة فكرية، تُفهم ضمن ثنائية الفرد والدولة، وضمن التصور الذي يجعل الإنسان كائنا مكتفيا بذاته، يملك حق تعريف الخير والشر انطلاقا من رغبته الخاصة، وفي الوقت نفسه، تم تأطيرها بشبكة كثيفة من القوانين، والأنظمة، والمعايير الثقافية، التي تضبط حركتها وتحدد أفقها، وهنا يبرز التناقض الأول، فهي حرية تُعرف بالتحرر من الوصاية، لكنها لا يتم منحها إلا داخل وصاية قانونية وثقافية شاملة.

لتصبح الحرية صيغة إجرائية، إذ يتم فهمها على أنها حق الاختيار، لا قيمة الاختيار، بحيث يتم تكريس مفهوم الحق أكثر من مفهوم القيمة، فالمعيار ليس صدق الفعل أو اتصاله بالقيم، بل كونه صادرا عن إرادة فردية غير مكرهة، وبالنتيجة تم ترسيخ مبدأ حرية الاختيار بعيدا عن فحص قيمة الاختيار أو معناه.

والمفارقة الأخرى تكمن في أن هذا الخطاب الذي أعلن تحرير الإنسان من السلطة المطلقة، أوجد سلطة بديلة أكثر إحكاما، فالسوق الذي يصنع الرغبات ويعيد توجيهها، والإعلام الذي يحدد أولويات الإدراك، والخوارزميات التي تُصنف الأفراد وتعيد ترتيب اختياراتهم، والثقافة السائدة التي ترسم حدود المقبول والمرفوض، كل ذلك أعاد تشكيل وعي الإنسان، وظن أن ما اختاره كان خاضعا لإرادته، بينما هو نتيجة نطاق محدود من الخيارات المتاحة ضمن الهندسة الخاصة المعدة بنحو منظم.

وهذا ما يجعل الحرية الغربية تناقض ذاتها، فهي تدعي الكونية، لكنها تقوم على رؤية خاصة تجعل الفردانية المطلقة معيارا أعلى لما ينبغي أن يكون عليه النموذج الإنساني، كما تدعي تحييد الأفكار، لكنها تكرس منظومة قيم وأفكار محددة، مثل أولوية الإرادة الفردية على كل رابطة، ونسبية الحقيقة، وتفكيك المعايير المتجاوزة لحدود الإدارك، فهي ترفض الإكراه الديني، لكنها تمارس إكراها ثقافيا ناعما، وغير مباشر، يقصي من لا يتماهى مع نموذجها بشكل غير قابل للملاحظة اليسيرة.

إن أخطر ما في هذا النموذج أنه يسجن الإنسان في وهم عن ذاته، فحين يتم تعريف الإنسان على انه كائن يختار وفق رغبته في المقام الأول، تصبح الحرية هي إطلاق الرغبة، لا تهذيبها، ويغدو التحرر هو كسر القيود الخارجية، لا تحرير الإرادة من عيوب الذات الإنسانية، وتتنامى أزمة المعنى الوجودي في حياة الإنسان المعاصر.

وفي مقابل ذلك تتردد الرؤية الدينية، في ترسيخ الحرية بين انوذج التحرر من العبوديات الزائفة، وبين الذوبان في المقدس، والتفريط بالاستحقاقات الطبيعية للبشر، وربما كانت الحرية الغربية ردة فعل على أزمة الإنسان في مختلف نماذج الخطاب الديني المتشدد..

وسؤال الحرية في الغرب بات باهتا أو فارغا، فهل الحرية هي أن أفعل ما أشاء، أم أن أتحرر مما يشوه إرادتي ويستعبد وعيي؟ هل التحرر من الوحي تحررٌ حقًا، أم انتقال من مرجعيتة المتجاوزة إلى مرجعيات مادية أكثر تضييقا، وإن كانت أقل ظهورا؟

إن إعادة التفكير في مفهوم الحرية ضرورة حضارية، لا لمجرد النقد، بل لاستعادة التوازن بين الحق والغاية، فالحرية التي تفقد اتصالها بالمعنى، تتحول إلى قيد جديد، أما الحرية التي تنبثق من رؤية إنسانية متكاملة، فإنها تفتح أمام الإنسان أفقا يتجاوز حدود الرغبة إلى سعة الكمال.

إن هذه الورقة النقدية لا تستهدف الاتجاهات الفلسفية، بقدر ما تستهدف ما نتج عنها من نماذج أضحت مورد تساؤل وجدل، حول ما إذا كانت الصيغة الغربية للحرية هي الصيغة المثلى، أو الأوفق من بين مختلف التيارات أو الاتجاهات الفكرية دينية كانت أم بشرية..

***

د. أسعد عبد الرزاق الأسدي

 

قراءة في ضوء النقاشات المعاصرة حول الحتمية

تندرج مسألة الطبيعة والسببية في صميم البناء الفلسفي الوسيط، حيث يتقاطع النظر الميتافيزيقي بالبحث الطبيعي، وتتداخل مباحث الوجود بمسائل الفعل والعلية والضرورة. وإذا كان الفكر الحديث قد جعل من إشكالية الحتمية محورا لنقاشات عميقة امتدت من الفيزياء الكلاسيكية إلى فلسفة العقل والعلوم المعاصرة، فإن العودة إلى التراث الفلسفي الإسلامي وبخاصة إلى فلسفة ابن رشد، تكشف عن أفق نظري مغاير، تتحدد فيه العلاقة بين الطبيعة والسببية ضمن تصور كوني يتأسس على انتظام الموجودات واطراد السنن وتلازم العلل بالمعلولات، دون أن يسقط في جبرية صماء أو ينفي فاعلية العقل والاختيار الإنساني.

لقد وعى ابن رشد مبكرا أن سؤال السببية ليس مجرد بحث في انتظام الظواهر الطبيعية، بل هو في جوهره سؤال في إمكان المعرفة ذاتها. فإثبات العلاقة الضرورية بين العلة والمعلول هو شرط إمكان البرهان، كما أن نفيها يفضي إلى انهيار الثقة في العقل والشرع معا. ولعل هذا ما يفسر شدته في نقد النزعة الكلامية الأشعرية كما تجلت عند أبي حامد الغزالي خصوصا في موقفها من العلية، حيث اعتبر أن إنكار الضرورة العلية يفضي إلى "إبطال العلوم وإبطال النظر"، على حد تعبيره في "تهافت التهافت". غير أن دفاعه عن السببية لم يكن مجرد انتصار للفلسفة اليونانية كما يمثلها أرسطو، بل كان سعيا لإعادة تأسيس مفهوم الطبيعة ذاته على قاعدة عقلية تضمن اتساق العالم وشرعية النظر فيه.

تقوم الطبيعة عند ابن رشد على تصور غائي-صوري مستمد من الفيزياء الأرسطية، حيث تتحدد الموجودات الطبيعية بعللها الأربع: المادية والصورية والفاعلية والغائية. غير أن ابن رشد لا يكتفي بإعادة عرض هذا البناء، بل يعيد تأويله في ضوء رؤيته الخاصة للعالم بوصفه نظاما معقولا. الطبيعة ليست مجرد مادة متحركة، بل هي مبدأ حركة وسكون في الشيء من حيث هو كذلك، أي إنها بنية داخلية تؤسس انتظام الكائنات. ومن ثم فإن القول بالطبيعة هو قول بالاطراد، والاطراد هو أساس السببية.

إن السببية في نظر ابن رشد ليست عادة جارية، ولا مجرد اقتران ذهني بين ظاهرتين، بل هي رابطة حقيقية ضرورية، تجعل من المعلول صادرا عن علته على وجه مخصوص. وهو هنا يعارض بوضوح التصور الذي يرى أن ما نسميه سببا ليس إلا شرطا عاديا لوقوع الحادثة، وأن الله يمكن أن يخلق الاحتراق دون النار، أو الشبع دون الأكل، أو العلم دون التعلم. لقد رأى أن هذا التصور يفضي إلى نقض معنى الحكمة الإلهية ذاتها، لأن الحكمة تقتضي ترتيبا ونظاما، لا فوضى مطلقة.

وهو في هذا المنحى يقرر أن إنكار العلل "قول سوفسطائي"، لأن العلم لا يقوم إلا على معرفة الأسباب. حيث يلتقي هنا مع ما قرره أرسطو في "التحليلات الثانية" من أن "العلم هو معرفة الشيء بعِلَّته". لكن ابن رشد يضيف بعدا لاهوتيا، إذ يعتبر أن إثبات العلل هو في حقيقته إثبات لصنعة الله، لأن انتظام الطبيعة يدل على حكمة الصانع. فالسببية ليست منافسة للإرادة الإلهية، بل هي مظهر من مظاهرها.

إن قراءة هذا التصور في ضوء النقاشات المعاصرة حول الحتمية تفتح أفقا تأويليا خصبا. فقد ارتبطت الحتمية في الفكر الحديث، خاصة منذ بيير سيمون لابلاس، بفكرة أن العالم نسق ميكانيكي مغلق، يمكن لعقل مطلق أن يتنبأ فيه بكل الحوادث إذا عرف شروطها الأولية. هذا النموذج الذي يستبطن تصورا رياضيا صارما للطبيعة، جعل من السببية علاقة كمية قابلة للصياغة في قوانين تفاضلية. غير أن التطورات اللاحقة، سواء في ميكانيكا الكم أو في نظريات الفوضى، زعزعت هذا اليقين، وطرحت أسئلة جديدة حول معنى الضرورة وحدود التنبؤ وإمكان الحرية.

ففي هذا السياق، يبدو تصور ابن رشد أقرب إلى حتمية عقلانية غائية، لا إلى حتمية ميكانيكية صماء. فهو لا يتحدث عن قوانين رياضية مغلقة، بل عن انتظام طبيعي يستند إلى ماهيات الأشياء وغاياتها. الطبيعة عنده ليست آلة، بل كيان ذو بنية داخلية تقتضي أفعالها اقتضاءً. وهذا الاقتضاء ليس إكراها خارجيا، بل ضرورة نابعة من ماهية الشيء ذاته. النار تحرق لا لأنها مجبرة على ذلك من خارجها، بل لأن الإحراق مقتضى صورتها.

وهنا نتبين أن السببية عند ابن رشد ليست علاقة خارجية بين أحداث، بل علاقة داخلية بين ماهيات. وهذا يقترب من بعض الوجوه، مما سيعيد صياغته لاحقا باروخ سبينوزا حين اعتبر أن الأشياء تنتج عن طبيعتها بالضرورة نفسها التي تنتج بها خصائص المثلث عن تعريفه. غير أن الفرق الجوهري يكمن في أن ابن رشد لا يذيب الطبيعة في جوهر واحد، بل يحافظ على تدرج الموجودات وتنوع صورها، ضمن نظام كوني تحكمه العناية الإلهية.

إن مفهوم الضرورة عند ابن رشد لا يعني انتفاء الإمكان، بل يعني أن الممكن إذا تحققت علته التامة وجب وجوده. فهو يميز بين الإمكان الذاتي والإمكان بالقياس إلى العلة. الشيء من حيث ذاته ممكن، لكنه من حيث ارتباطه بعلته يصير واجبا بغيره. وهذا التمييز يتيح فهما دقيقا للعلاقة بين الحرية والضرورة، إذ لا ينفي أن يكون الفعل الإنساني صادرا عن اختيار، لكنه يرى أن هذا الاختيار نفسه له أسبابه في النفس والعقل.

لقد اعتبر أن النفس الإنسانية بما هي عاقلة تدرك العلل وتفعل على وفق ما تدركه من خير. وهنا يستعيد التراث الأرسطي في ربط الإرادة بالعقل، بحيث يكون الفعل الإرادي نتيجة تصور غاية معينة. غير أن هذا لا يعني جبرا مطلقا، بل يعني أن الفعل مشروط بمعرفة الفاعل وبميوله. وإذا كان الفعل الإنساني يدخل في سلسلة العلل، فإنه لا يفقد بذلك طابعه الاختياري لأن الاختيار نفسه جزء من البنية الطبيعية للنفس.

تتضح أهمية هذا التصور على نحوٍ أعمق عند مقارنته بموقف أبي حامد الغزالي الذي أنكر الضرورة في الاقتران بين السبب والمسبَّب، وذهب إلى أن الاحتراق لا يقع بالنار، بل يخلقه الله عند ملامستها للقطن. كان مقصده من ذلك تنزيه القدرة الإلهية المطلقة عن مقتضيات الضرورة العقلية وعن كل ما قد يُتوهم أنه يحدّ من إطلاقها أو يُخضعها لرباط السببية الطبيعية من تقييد أو إلزام. غير أن ابن رشد رأى في هذا الموقف مساسا بفكرة الحكمة الإلهية؛ إذ إن الفعل الإلهي في تصوره جارٍ على وفق نظام محكم، لا على سبيل المصادفة أو العبث.

فالقول بالعلية لا ينتقص من القدرة، بل يكشف عن انتظامها واتساقها. وإذا جاز أن تُخرق العادة فإن خرقها لا ينسف القاعدة، بل يظل استثناءً يُفهم في ضوء نظام كلي ثابت، يؤكده ولا ينقضه. إن مفهوم العادة الذي شاع في الفكر الكلامي والذي سيجد صداه لاحقا عند ديفيد هيوم في حديثه عن اقتران الانطباعات، يقوم على نفي الضرورة الموضوعية. لكن ابن رشد يرفض هذا المنحى لأنه يجعل من العلم مجرد تعميم استقرائي بلا أساس أنطولوجي. فالعادة لا تكفي لتفسير انتظام العالم ما لم تكن مستندة إلى طبيعة ثابتة.

وإذا كان هيوم قد انتهى إلى أن الضرورة ليست معطى في الأشياء، بل في الذهن الذي اعتاد على التتابع، فإن ابن رشد يؤكد أن الضرورة قائمة في الأشياء ذاتها لأن ماهياتها تقتضي أفعالها. ومن هنا فإن السببية ليست مجرد عادة نفسية، بل حقيقة أنطولوجية.هذا الموقف يقترب من الواقعية السببية التي ستدافع عنها تيارات معاصرة في فلسفة العلم، رافضة اختزال القوانين إلى انتظامات ظاهرية.

إن قراءة ابن رشد في ضوء النقاشات المعاصرة حول الحتمية تكشف أيضا عن بعد إبستمولوجي عميق. فالحتمية في صيغتها القوية تفترض أن كل حدث محدد بالكامل بشروط سابقة. لكن السؤال الذي طرحه الفكر المعاصر هو، هل هذه الحتمية وصف للواقع أم مجرد نموذج تفسيري؟ ابن رشد لا يصوغ المسألة بهذا الاصطلاح، لكنه يؤكد أن العلم يقوم على معرفة الأسباب، وأن هذه الأسباب إذا تمت استلزمت معلولاتها. غير أنه يقر في الوقت ذاته بوجود مجالات لا تبلغ فيها المعرفة البشرية حد الإحاطة التامة.

إنه يميز بين العلم الإلهي المحيط والعلم الإنساني الجزئي. ومن ثم فإن القول بالضرورة لا يعني إمكان التنبؤ المطلق، لأن حدود العقل البشري تحول دون ذلك. وهنا يلتقي مع بعض الاتجاهات المعاصرة التي تفرق بين الحتمية الأنطولوجية وإمكان التنبؤ الإبستمولوجي. فقد يكون العالم منظما على نحو ضروري، دون أن يكون قابلا للإحاطة الكاملة من قبل عقل محدود.

ويظهر أن دفاع ابن رشد عن السببية لم يكن مجرد خيار نظري، بل كان أيضا موقفا حضاريا. فهو يرى أن الأمم التي تعتني بالعلوم إنما تقوم حضارتها على الثقة في انتظام الطبيعة. فإذا شاع القول بانعدام العلل ضعف النظر وخمدت همم البحث. وهذا البعد الحضاري يضفي على موقفه أهمية خاصة في سياقنا المعاصر، حيث يتجدد السؤال عن العلاقة بين العقل والدين وعن إمكان التوفيق بين الإيمان بنظام العالم والاعتراف بحدود العلم.

إن استحضار فلسفة ابن رشد في هذا السياق لا يعني إسقاط مفاهيم حديثة عليها، بل يعني استنطاقها في ضوء إشكالات راهنة. فالحتمية المعاصرة لم تعد مسألة فيزيائية فحسب، بل صارت تمس قضايا الأخلاق والحرية والمسؤولية. وإذا كان ابن رشد قد أرسى تصورا للسببية يقوم على الضرورة الطبيعية دون أن ينفي الاختيار الإنساني، فإن في ذلك إمكانا لإعادة التفكير في ثنائية الجبر والحرية خارج الأطر التقليدية.

فالطبيعة عنده ليست قيدا خارجيا، بل هي بنية معقولة تتيح الفعل، والسببية ليست سلاسل مغلقة، بل علاقات تدرجية تفسر الظواهر دون أن تلغي الفاعلية. ومن ثم فإن الحتمية في أفقه ليست نفيا للحرية بل شرطا لفهمها، لأن الحرية ذاتها لا يمكن تصورها إلا في عالم منظم، حيث تكون الأفعال قابلة للتفسير لا للعبث.

إن فلسفة ابن رشد تقدم نموذجا لحتمية عقلانية مفتوحة تتأسس على انتظام الطبيعة وتستند إلى حكمة إلهية وتفسح المجال في الوقت ذاته لفعل إنساني واعٍ. وهي بذلك تتيح إمكان حوار خصب مع النقاشات المعاصرة حول السببية، سواء في فلسفة العلم أو في فلسفة العقل أو في الأخلاق. ولعل استيفاء هذا الطرح على وجهه الأكمل يقتضي مزيدا من التعمق في تحليل مفهوم الضرورة في تصوره، والوقوف على تمييزه بين مراتب العلل وأنماط تأثيرها، فضلا عن استجلاء تصوره للعناية الإلهية وصلتها بنظام العالم وانتظامه. فهذه القضايا مترابطة في بنائه النظري ولا ينكشف معناها التام إلا بردّ بعضها إلى بعض، والنظر إليها ضمن أفقه الفلسفي الكلي.

وإذا كان النظر في العلاقة بين الطبيعة والسببية يقود إلى مساءلة مفهوم الضرورة، فإن هذا المسار لا يكتمل دون استحضار البعد الميتافيزيقي الذي يشكل خلفية التصور الرشدي للعالم. فالعالم عنده ليس مجرد مجموع من الظواهر المتفرقة، بل هو نظام متسق تحكمه مبادئ عقلية تضمن وحدة المعرفة. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين مستويات السببية: السببية الطبيعية التي تدركها العلوم، والسببية الميتافيزيقية التي تتعلق بأصل الوجود. هذا التمييز يتيح فهما أكثر دقة لمسألة الحتمية، إذ لا تختزل الضرورة في قوانين الطبيعة وحدها، بل تمتد إلى نظام الوجود ذاته.

لقد كان ابن رشد واعيا بأن القول بالعلل الطبيعية لا يناقض الإيمان بالعناية الإلهية بل يفسرها. فالعناية ليست تدخلاً اعتباطيا في مسار العالم، بل هي تجل للحكمة الإلهية التي تقتضي انتظام الأشياء. ومن ثم فإن السببية الطبيعية هي الوسيلة التي تتحقق بها هذه العناية. هذا التصور يختلف عن النزعة التي ترى أن كل حادثة يجب أن تفسر بإرادة مباشرة تتجاوز النظام الطبيعي. فلو كان العالم يقوم على تدخلات متقطعة لا رابط بينها، لما أمكن الحديث عن علم أو معرفة.

إن هذا الموقف يفتح بابا للحوار مع النقاشات المعاصرة حول العلاقة بين العلم والدين. فالعلم الحديث يقوم على افتراض أن الظواهر الطبيعية قابلة للتفسير عبر قوانين عامة. وهذه القوانين لا تلغي الإيمان بل تحدد مجالها. فالإيمان يتناول المعنى والغاية، بينما يتناول العلم الآليات. إن فلسفة ابن رشد تقدم نموذجا للتوفيق بين العقل والنقل، لا بمعنى إخضاع أحدهما للآخر، بل بإدراك أن لكل منهما مجاله.

ويكتسب مفهوم التأويل عند ابن رشد أهمية خاصة. فهو يرى أن النصوص الدينية إذا تعارض ظاهرها مع البرهان العقلي، وجب تأويلها بما يرفع التعارض. غير أن هذا التأويل لا يكون تعسفيا، بل يستند إلى قواعد اللغة والسياق. ومن ثم فإن العقل لا يناقض الوحي بل يضيء معانيه. وهذا الموقف يختلف عن النزعة التي تجعل من النص سلطة مغلقة لا تقبل الفهم إلا على وجه واحد.

إن التأويل الرشدي ليس دعوة إلى تجاوز النص، بل إلى فهمه في ضوء مقاصده. فاللغة الدينية تستخدم رموزا وصورا للتعبير عن حقائق تتجاوز الحس. وإذا كان ظاهر النص قد يوحي بمعنى، فإن باطنه قد يدل على معنى أعمق. ومن هنا فإن الجمع بين الظاهر والباطن يحقق الفهم المتوازن. هذا المنهج لا ينفي قداسة النص بل يحترمها، لأنه يسعى إلى إدراك مراد المتكلم.

عند النظر في النقاشات المعاصرة حول الحتمية، يتبين أن الإشكال لا يقتصر على الفيزياء بل يمتد إلى فلسفة العقل. فإذا كان العالم محكوما بقوانين ضرورية، فهل يعني ذلك أن الأفعال الإنسانية محددة سلفا؟ وهل يبقى مجال للحرية والمسؤولية؟ هذه الأسئلة تتجدد في سياق التطورات العلمية التي تكشف عن تعقيد الظواهر، وتحد من إمكان التنبؤ المطلق.

إن فلسفة ابن رشد تتيح مقاربة مختلفة لهذه الإشكالية. فهو لا ينكر أن الأفعال الإنسانية لها أسباب، لكنه يميز بين السبب الذي يفرض الفعل قسرا والسبب الذي يدفع إليه عن علم. فالفعل الإرادي يقوم على تصور غاية، وهذه الغاية هي التي تحدد الاختيار. ومن ثم فإن الحرية لا تعني غياب الأسباب، بل تعني القدرة على الاختيار في ضوء المعرفة. وهذا التصور يختلف عن الحتمية التي تنفي الاختيار، كما يختلف عن العشوائية التي تنفي النظام.

إن الحرية عنده هي فعل العقل. فالعقل يدرك الخير والإرادة تتجه إليه. وإذا كان الإنسان قد يخطئ في تقدير الخير، فإن هذا الخطأ لا ينفي قدرته على التمييز، ومن هنا تأتي المسؤولية. فالإنسان محاسب على أفعاله لأنه كائن عاقل. وهذا المبدأ يشكل أساسا للأخلاق والقانون.

إن ربط الحرية بالعقل يفتح أفقا للتفكير في الأخلاق بوصفها نظاما قائما على المعرفة. فالخير ليس مجرد ما تميل إليه النفس، بل ما يحقق كمالها. والكمال يتحقق بالفضيلة، أي بالقدرة على الاعتدال. هذا التصور يقترب من الأخلاق الأرسطية التي ترى أن الفضيلة وسط بين طرفين. غير أن ابن رشد يضيف بعدا دينيا، إذ يعتبر أن الفضيلة تقرب الإنسان من الغاية العليا.

وفي ضوء هذا الفهم، يغدو من الممكن إعادة النظر في مفهوم الحتمية الأخلاقية. فإذا كانت الأفعال محكومة بقوانين نفسية واجتماعية، فإن ذلك لا يعني انتفاء المسؤولية. لأن الإنسان قادر على التأمل في أفعاله وتعديلها. وهذه القدرة هي التي تجعل من الأخلاق ممكنة. ومن هنا فإن الحتمية لا تتعارض مع الأخلاق، بل تحدد شروطها.

إن العودة إلى فلسفة ابن رشد لا تعني استعادة الماضي على نحو حرفي، بل تعني الاستفادة من رؤيته في معالجة مشكلات الحاضر. فالنقاشات المعاصرة حول السببية والحتمية تكشف عن حاجة إلى تصور يوازن بين النظام والحرية. وإذا كان العلم يصف العالم عبر قوانين، فإن الإنسان لا يختزل في تلك القوانين. فهو كائن معنوي يسعى إلى المعنى. وهذا البعد لا يمكن إلغاؤه.

تتيح فلسفة ابن رشد فهما للعالم يقوم على الوحدة. فالعالم ليس مجزأً إلى طبيعة منفصلة عن العقل، بل هو نظام يدركه العقل. وهذه الوحدة هي أساس المعرفة. فإذا كان العالم معقولا، فإن العقل قادر على فهمه. وهنا تأتي الثقة في العلم. لكن هذه الثقة لا تعني الغرور، لأن العقل محدود. فهو يدرك ما يظهر له، لكنه لا يحيط بكل شيء.

إن إدراك حدود العقل لا يفضي إلى الشك المطلق، بل إلى التواضع المعرفي. فالعلم يتقدم عبر تصحيح الأخطاء. وهذا التقدم يدل على أن المعرفة عملية مستمرة. ومن ثم فإن الحقيقة ليست ملكا لأحد، بل هي غاية يسعى إليها الجميع. هذا الموقف يفتح باب الحوار بين الثقافات والفلسفات.

إن فلسفة ابن رشد تقدم نموذجا للتفكير في العلاقة بين الطبيعة والسببية بعيدا عن الثنائيات الصارمة. فهي تعترف بانتظام العالم لكنها لا تنفي الحرية. وتعترف بالعلل لكنها لا تجعلها قيدا. وتعترف بالعقل لكنها لا تنفي الوحي. هذا التوازن هو ما يمنحها راهنية.

إن النقاشات المعاصرة حول الحتمية تكشف عن حاجة إلى إعادة النظر في مفاهيمنا. فالعلم الحديث أظهر تعقيد الظواهر وأبرز حدود التنبؤ. وهذا لا يعني انهيار المعرفة بل يعني تطويرها. ويُفضي هذا النظر إلىاستلهام رؤية ابن رشد التي تجعل من السببية شرطا للفهم لا قيدا على الحرية.

لقد حاولت في هذه الأسطر المتواضعة أن أسلط الضوء على مفهوم الطبيعة والسببية في فلسفة ابن رشد، وأن أقرأه في ضوء النقاشات المعاصرة حول الحتمية. وأن أتبين أن تصور ابن رشد يقوم على الاعتراف بالضرورة الطبيعية دون أن ينفي الاختيار الإنساني. فالسببية عنده علاقة عقلية تفسر انتظام العالم، لكنها لا تلغي الفاعلية.

إن هذا التصور يختلف عن الحتمية الميكانيكية التي تجعل من العالم آلة مغلقة، كما يختلف عن العشوائية التي تنفي النظام. فهو يقدم رؤية وسطا تقوم على أن العالم منظم، لكن الإنسان قادر على الفعل. وهذه الرؤية تتيح فهما أعمق للحرية والمسؤولية.

وفي ضوء التطورات العلمية والفلسفية، يبدو أن النقاش حول الحتمية لن ينتهي. فكل اكتشاف جديد يفتح أسئلة جديدة. لكن هذا لا يعني اليأس بل يعني الاستمرار في البحث. فالفلسفة ليست إجابات نهائية، بل هي حوار دائم. وهذا الحوار هو ما يثري المعرفة.

إن العودة إلى التراث الفلسفي الإسلامي وعلى رأسه فلسفة ابن رشد، لا تعني الانغلاق بل تعني الانفتاح. فهي تذكرنا بأن الفكر الإنساني متصل، وأن كل حضارة تسهم في بناء المعرفة. ومن ثم فإن الحوار بين الماضي والحاضر ضروري.

إن الطبيعة والسببية ليستا مجرد موضوعين فلسفيين، بل هما مفتاح لفهم العالم. فإذا فهمنا الطبيعة فهمنا قوانينها. وإذا فهمنا السببية فهمنا العلاقات. وإذا فهمنا ذلك اقتربنا من الحقيقة. وهذه الغاية هي ما يسعى إليه الفكر.

***

د. حمزة مولخنيف

عندما يتحدث مارتن هايدغر عن نمط وجود جديد فهو لا يقصد تغيرًا في الطبيعة البيولوجية للإنسان، وإنما يشير إلى تحول عميق في الكيفية التي ينكشف فيها الوجود للإنسان، ويفهم عبرها ذاته والأشياء والزمان والمعنى. كل عصر تاريخي ينكشف فيه الوجود للإنسان بكيفية معيّنة، التقنية الحديثة ليست حيادية، بل طريقة مخصوصة يظهر بها العالم للإنسان. الوجود عند هايدغر ليس معطى ثابتًا، وإنما أفق انكشاف تاريخي، وكل عصر يفرض كيفيته الخاصة في هذا الانكشاف، وحين يتغير الأفق يتغير نمط الوجود نفسه. ماهية الوجود الخوارزمي ليست خوارزمية، يقول هايدغر: "ماهية التقنية ليست مطلقًا شيئًا تقنيًا"1 ، بمعنى أن التقنية الحديثة لا تُفهم على حقيقتها إذا اختُزلت في الأدوات والآلات والأجهزة والمعادلات الرياضية، لأنها قبل ذلك نمط تاريخي لانكشاف الوجود. التقنية ليست مجرد وسائل وأدوات بيد الإنسان، إنما هي أفق شامل تظهر فيه الأشياء والعالم والإنسان نفسه من زاوية واحدة، هي زاوية الوظيفة والسيطرة والمعادلات الحسابية. هذا النمط من الانكشاف يسميه هايدغر الجهاز (Ge-stell)، وهذا الجهاز ليس آلة ولا منظومة تقنية بعينها، بل الإطار الكلي الذي تظهر فيه الموجودات ويضعها تحت الطلب. في هذا الجهاز يظهر كل ما هو كائن، بما في ذلك الإنسان، بوصفه مخزونًا قابلاً للحساب والتنظيم والاستغلال. "الجهاز" هو الاسم الذي يطلقه هايدغر على ماهية التقنية الحديثة بوصفها نمطًا تاريخيًا لانكشاف الوجود، بنحو يفرض طريقة واحدة لرؤية العالم، ويقصي أنماط الكشف الأخرى التي تتيح التأمل، والإنصات للكينونة. بهذا المعنى لا تكون ماهية التقنية تقنية بل أنطولوجية، لأنها تحدد كيف يظهر العالم لنا، وكيف نفهم أنفسنا داخله. في هذا "الجهاز" يُستدعى كل ما هو موجود بوصفه مخزونًا جاهزًا للاستغلال والتنظيم بأقصى كفاءة، وتُعامل الطبيعة كمورد، فالأرض تصبح منجمًا للفحم، النهر يصبح مصدرًا للطاقة الكهرومائية، وحتى الإنسان نفسه يُختزل إلى موارد بشرية يمكن استعمالها كشيء من الأشياء. هذا التحويل يُفقد الأشياء أصالتها ويجعلها مجرد مخزون. الخطر ليس في التقنية نفسها، بل في هيمنة هذا النمط من الكشف الذي يحجب طرقًا أخرى لفهم الوجود، مثل الفن والتأمل. 

خطر التقنية لا يقوم في أدواتها، وإنما في سلطانها على أفق المعنى، حيث يتحوّل الوجود إلى شيء معد للاستعمال. لم تعد التقنية مجرد وسيلة في يد الإنسان، إنما صارت إطارًا يطبع رؤيته للعالم، فتغدو الطبيعة مخزونًا للطاقة والمعادن، ويغدو الإنسان ذاته رقمًا أو وظيفة أو شيئًا كالأشياء. في هذا الأفق يتبدل نمط الوجود: السرعة تحلّ محل التمهل، الحساب يحجب التأمل، والجاهزية الدائمة تزيح الحضور العميق. يتسلل هذا النمط إلى وعي الإنسان من غير قرار واعٍ، فيفقد العالم أصالته، وتنغلق منافذ الانفتاح على إمكانات أخرى للفهم. وحده الوعي النقدي القادر على فتح علاقة أكثر حرية مع التقنية، وإبقاء سؤال الوجود حيًا في قلب التجربة الإنسانية.

أفق انكشاف الوجود يتبدّل ضمن ما يسميه هايدغر "الوجود-في-العالم"، حيث الإنسان ليس ذاتًا تقف خارج العالم، بل كائن منغمس في شبكة من المعاني والاهتمامات. العالم لا يظهر كمجرد أشياء مادية، بل كحضور مشبع بالدلالات، والإنسان لا يُفهم إلا من خلال صلته بهذا الحضور. التقنية الحديثة تفرض نمطًا من الكشف يحوّل الكائنات إلى موارد جاهزة للاستعمال، ويختزل الإنسان إلى وظيفة أو رقم، فتغدو السرعة بديلًا عن التمهل، والحساب بديلًا عن التأمل، والجاهزية الدائمة بديلًا عن الحضور العميق.

 انكشاف الوجود لا يحدث خارج الزمان ولا يستقل عنه، فالزمان هو الأفق الذي تظهر فيه الكينونة أصلًا. الأشياء لا تُعطى دفعة واحدة، بل تتكشف ضمن عالم زماني يربط الإنسان بالماضي الذي يحمله، بالحاضر الذي ينخرط فيه، وبالمستقبل الذي يستبق إليه. الزمان عند هايدغر ليس تسلسلًا ميكانيكيًا للحظات، بل البنية التي يتحدد فيها وجود الإنسان نفسه. بهذا يصبح "الوجود-في-العالم" وصفًا أنطولوجيًا يكشف أن الإنسان لا يوجد كذات منفصلة تواجه العالم، بل ككائن منغمس في شبكة من المعاني والدلالات، حيث يتشكل وجوده دائمًا ضمن أفق زماني يفتح إمكان الفهم ويُبقي سؤال الكينونة حيًا. تخيّل شجرة في ساحة بيتك تراها ظلًا يخفف وطأة الحر، أو علامة حياة في أرض قاسية، أو ذاكرة صامتة لطفولة بعيدة، هذا الانكشاف لا يحدث خارج الزمان، بل يتشكل في سياق تاريخك معها، وفي لحظتك الراهنة، وفي أفق ما يمكن أن تصير إليه. أنت لا ترى الشجرة كما هي في ذاتها، وإنما كما تنكشف لك في زمانك، فيما تبقى وجوه أخرى من وجودها مستترة، حاضرة بالقوة لا بالفعل. هذا الاستتار ليس نقصًا في الشيء، وإنما تعبير عن كون الوجود زمانيًا، لا يكتمل في لحظة واحدة، ولا يمنح معناه دفعة واحدة. عند هايدغر يكون الفهم ممكنًا لأن الإنسان كائن زماني، يعيش المعنى في حركة لا في ثبات، ويختبر الوجود بوصفه مسارًا لا معطى جاهزًا. لو كان الوجود مكشوفًا بالكامل خارج الزمان لانغلق المعنى، ولتحول العالم إلى حضور جامد بلا أفق، ولتعطلت إمكانات السؤال والتأويل والتجربة. عدم الاكتمال هنا هو ثمرة الصلة العميقة بين الوجود والزمان. ما ينكشف اليوم قد يتبدل غدًا، وما يُفهم الآن قد يتعمق أو يتغير مع اتساع التجربة. هكذا يصبح العالم عالمًا حيًا، ويغدو الإنسان كائنًا يسكن الوجود عبر الزمان، لا يملكه ولا يستنفده، وإنما ينخرط فيه انخراطًا متجددًا، حيث الغموض ليس حجابًا يحجب الحقيقة، وإنما أثر زمانيتها، وشرط بقائها مفتوحة على المعنى.

اليوم يتخذ هذا التحول وتيرة أكثر كثافة وعجلة عبر الخوارزميات، إذ لا تكتفي الخوارزميات بتنظيم المعلومات، وإنما تشارك في تشكيل نمط خاص للوجود، وتوجيه الرغبات والاحتياجات، وترتيب الأولويات، وصناعة المعنى اليومي، فيتشكل الوجود الإنساني خوارزميًا من خلال ما ينكشف وما يُحجَب، وما يُقترح وما يُستبعد، وما يُسرّع وما يُهمَل. هكذا يغدو الإنسان حاضرًا في تدفقات رقمية متضخمة كشلال جارف، بينما يتآكل حضور الذات الداخلي، وتضيق المسافة بين الإحساس والفعل، فتضعف القدرة على السؤال والتأمل وبناء علاقة حيّة بالوجود.

 هذا المنعطف الأنطولوجي ليس تحولًا تدريجيًا، بل هي قطيعة أنطولوجية حادة، أي انكسار في البنية الأساسية لحضور الوجود ووجوه انكشافه لنا، حيث لم يعد الإنسان هو المركز الوحيد للقرار والإنتاج، بل دخلت الخوارزميات كفاعل أنطولوجي جديد يشارك في صياغة العالم وتشكيل نمط وجود الإنسان وتعريفه لنفسه، والكيفية التي ينكشف له فيها وجوده في العالم. ما يتغير ليس ما يعرفه الإنسان فقط، وإنما كيفية ظهوره في العالم، إذ يتحول من كائن يسكن الوجود ببطء وتأمل إلى كائن يُدار وجوده عبر أنظمة خوارزمية، وتتشكل خبرته من خلال سرعة الاستجابة لا عمق الحضور. هذا التحول يضعنا أمام قطيعة غير مسبوقة في التاريخ البشري، لأن الوجود نفسه بات تعاد صياغته خوارزميًا، فينزاح مركز الثقل من التجربة الوجودية البشرية إلى الرقمنة، ومن المعنى المتولد من الذات إلى المعنى المقترح من الخارج.

من هنا يكون اقتراحنا لمصطلح "قطيعة أنطولوجية" توصيفًا واقعيًا لما نعيشه في فضاء نمط الوجود الخوارزمي، بنحو يصبح الوجود الخوارزمي طبيعة بديلة للإنسان، بما هو نمط وجود يتشكل عبر الخوارزميات، ويقطع مع أنماط سابقة كان الإنسان فيها مرجع حضوره ومعناه، قطيعة لا تُقاس بخسارة مهارات أو وظائف، وإنما بتغير تعريف الإنسان لذاته، والعالم الذي يسكنه، ومعنى أن يكون موجودًا فيه. نمط الوجود البديل لا يغيّر ما يفعله الإنسان فقط، وإنما يعيد صياغة إحساسه بذاته وبالعالم، ولا يجدُ إجابةً لمعنى كونه موجودًا، فيتحول السكن في الوجود إلى معطيات رقمية، ويتحول المعنى إلى ناتج معادلات حسابية، ويصبح الخطر الحقيقي هو انغلاق أفق انكشاف الوجود في بُعد واحد، بُعد يحجب إمكانات أخرى للحضور الإنساني، مثل: الشعر، والإنصات، والمعنى، والتجربة الروحية، وهي الإمكانات التي نجد فيها منافذ لإنقاذ الإنسان من الذوبان في أفق تقني شامل، يحتجب في هذا الأفق الوجود، ويتحول فيه معنى الذات إلى معطى رقمي.

الوجود الخوارزمي البديل للإنسان لا يقتصر فعله على تنظيم المعرفة أو تسريع الوصول إلى المعلومات، وإنما يتغلغل تأثيره في بنية الوعي، ويعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمان، والعمل، والإنتاج، والدولة، والسياسة، والسلطة، واللغة، والثقافة، والقيم، والدين، وذاته. التسريع الفائق الذي تقوم به الخوارزميات لا يستهدف تحسين الكفاءة فحسب، وإنما يميل في عمقه إلى إنتاج نمط وجود بديل يقوم على العجلة الدائمة، والحضور المبتور، واستبدال التجربة الحيّة بمحاكاة رقمية، فيغدو الإنسان متلقيًا قبل أن يكون فاعلًا، ومُوجَّهًا قبل أن يختار، بعد أن تستلب الخوارزميات قدرته على الاختيار وتعطل قراره بالرفض.

ما يحدث اليوم يتبدّى كقطيعة أنطولوجية قبل أن يكون تحولًا إبستمولوجيًا. القطيعة الإبستمولوجية تظل محصورة في تبدّل أدوات المعرفة ومصادرها وكيفياتها وقيمتها، أما القطيعة الأنطولوجية فتتغلغل إلى عمق الكينونة والزمان معًا، حيث لا يقتصر التحوّل على طرائق الفهم، بل يمسّ أفق الانكشاف ذاته. في هذا الأفق تتبدّل بنية الزمان: الماضي يتحوّل إلى معطى جاهز، الحاضر ينضغط في لحظة حسابية سريعة، والمستقبل يتحوّل إلى توقع مبرمج. بهذا الانقلاب يفقد العالم أصالته، ويتغيّر نمط حضور الإنسان داخله، ويعاد تشكيل معنى الوجود والزمان في جذرهما الأصيل.

 القطيعة الأنطولوجية تعني تبدّلًا في أفق انكشاف الوجود، حيث لا يعود الإنسان يشعر بوجوده كما كان، ولا يدرك العالم ومن يشاركه العيش بالطريقة نفسها. في هذا التحوّل تتغيّر علاقته بالزمان والمكان والعمل والمعنى، وتتراجع مركزيته بوصفه فاعلًا حرًا قادرًا على الاختيار والتأمل. نمط حضوره ينزاح من تجربة قائمة على الإنصات إلى حضور يُعاد تشكيله من خارج الذات، حيث تتقدّم الاستجابة الفورية على الوعي المتأني. هكذا لا تقتصر القطيعة على المعرفة وأدواتها، بل تمسّ كيفية الكينونة نفسها، وتعيد رسم معنى الوجود المشترك في عالم يتبدّل أفقه الوجودي على نحو غير مسبوق.

 الذكاء الاصطناعي، حين يتدخل في تشكيل الاحتياجات والرغبات، وتوجيه الانتباه، وصناعة المعنى، لا يغير ما نعرفه فقط، وإنما يغير كيف نكون، إذ يزحزح الإنسان عن مركزه الوجودي، ويتسلط على توجيه الخيارات التي يتخلق فيها الوعي والمسؤولية وحرية الإرادة. في هذا الواقع يتعمق اغتراب الإنسان الوجودي، لأن الوجود التقني يستنزف وعي الإنسان وروحه وقلبه ويصيره هشيمًا، فيغدو الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، متصلًا بالشبكات ومنفصلًا عن ذاته، محاطًا بمعانٍ جاهزة ومحرومًا من اختبار المعنى بوصفه تجربة ذاتية حيّة. هذه القطيعة لا تشبه تحولات سابقة في التاريخ البشري، لأنها لا تمس أدوات العيش وحدها، وإنما تعيد هندسة العلاقة بين الإنسان ووجوده، بين الإنسان ومعنى حياته، بين الإنسان وذاته. إذا استمر التطور الفائق للذكاء الاصطناعي دون ضابط إنساني يوجهه إلى حماية حقوق الإنسان وكرامته وحرياته، فإن الخطر لا يتمثل في هيمنة الآلة بحد ذاتها، وإنما في انزلاق الإنسان إلى نمط وجود خوارزمي في وعيه ورؤيته للعالم ومشاعره وإحساسه بالعالم وسلوكه، حيث يتآكل حضور ذات الإنسان بوصفه إنسانًا، ويتحول الوجود إلى تدفق بلا معنى، واغتراب مرير.

 لا يتوقف الذكاء الاصطناعي كل يوم عن سرعته الفائقة وتقدمه المدهش، إذ كشف وزير الخزانة الأمريكي بتاريخ 20.2.2026 عن أن: "الذكاء الاصطناعي تقدم خلال الشهرين الماضيين بمقدار يساوي ما حققه من تقدم خلال السنتين الأخيرتين". تحدث مات شومر الخبير بالذكاء الاصطناعي في مقالته المعنونة:  "Something Big Is Happening"2 "تحوّل كبير يحدث"، تحدث عن أن العالم يقف على أعتاب تحوّل نوعي عميق في مسار الذكاء الاصطناعي، تحوّل لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تطور تقني تدريجي أو تحسين في الأداء، بل بوصفه انتقالًا يمسّ طبيعة المعرفة والعمل والإبداع الإنساني ذاته.ـ "الشيء الكبير" الذي يحدث، بحسب الكاتب، يتمثل في اقتراب نماذج الذكاء الاصطناعي من أنماط فهم تشبه الفهم البشري، حيث لم تعد تكتفي بتنفيذ الأوامر أو معالجة البيانات، بل باتت قادرة على توليد أفكار جديدة، وربط مجالات معرفية متباعدة، واقتراح حلول لم تُبرمج عليها بصورة مباشرة، الأمر الذي يجعلها شريكًا معرفيًا لا مجرد أداة محايدة. المقال صدر في 11 فبراير 2026 لكنه انتشر بسرعة فائقة على وسائل التواصل، إذ حصد عشرات الملايين من المشاهدات في أيامه الأولى. وبحسب تقارير تلي اليوم الأول، ترد إشارات إلى أن المنشور تجاوز 80 مليون مشاهدة على X وحدها بحلول صباح يوم لاحق، مما يعكس انتشاره الكبير في أوساط الجمهور الرقمي المتفاعل مع موضوعات الذكاء الاصطناعي.

 يقول مات شومر: "على الرغم من أني أعمل في الذكاء الاصطناعي، لكن ليس لدي تقريبًا أي تأثير على ما سيحدث، وكذلك الغالبية العظمى من العاملين في هذا المجال. المستقبل يتشكَّل على يد عدد صغير بشكل مذهل من الأشخاص: بضع مئات من الباحثين في عدد قليل من الشركات: OpenAI، Anthropic، Google DeepMind، وغيرها. عملية تدريب واحدة، تُدار من قبل فريق صغير على مدى بضعة أشهر، يمكن أن تنتج نظام ذكاء اصطناعي يغيّر المسار الكامل للتكنولوجيا. معظمنا ممن يعملون في الذكاء الاصطناعي يبنون فوق أسس لم نضعها نحن. نحن نشاهد هذا يتكشف مثلك تمامًا، الفرق أننا قريبون بما يكفي لنشعر بالاهتزاز أولًا". ويضيف مات شومر: الأمر يحدث بالفعل الآن ويجب أن تفهموه. السبب في أن كثيرًا من العاملين في مجال التقنية يطلقون التحذيرات لأننا نحن أول من واجه هذا التحوّل؛ لسنا نتنبأ بما سيأتي، بل نصف ما حدث بالفعل في وظائفنا ونحذّركم أن الدور سيأتيكم. لسنوات كان الذكاء الاصطناعي يتطور تدريجيًا مع قفزات متباعدة يمكن استيعابها، لكن في عام 2025 ظهرت تقنيات جديدة جعلت وتيرة التقدم أسرع بكثير.كل نموذج جديد لم يكن أفضل فقط من سابقه بل أفضل بفارق أكبر، والفاصل الزمني بين الإصدارات أصبح أقصر. في الخامس من فبراير أطلقت مختبرات كبرى نموذجين جديدين في اليوم نفسه: GPT‑5.3 Codex من OpenAI و Opus 4.6 من Anthropic. يضيف الكاتب عندها أدركت أنني لم أعد ضروريًا للعمل التقني نفسه؛ أصف ما أريد بلغة بسيطة فيُنجز الذكاء الاصطناعي العمل كاملًا بجودة تفوق ما كنت سأفعله بنفسي. اليوم يمكنني أن أطلب منه بناء تطبيق كامل: يكتب عشرات آلاف الأسطر البرمجية، يفتح التطبيق، يختبره بنفسه، ويعدل ما لا يعجبه حتى يصل إلى مستوى يرضيه، ثم يخبرني: "التطبيق جاهز للتجربة"، وعندما أجربه يكون غالبًا مثاليًا. النموذج الجديد الذي صدر مؤخرًا، GPT‑5.3 Codex، كان الأكثر تأثيرًا عليّ يقول شومر، لأنه لم يكتفِ بتنفيذ التعليمات بل اتخذ قرارات ذكية بدت وكأنها تحمل حكمًا وذوقًا، وهو ما كان يُقال إن الذكاء الاصطناعي لن يمتلكه أبدًا. هذه النماذج ليست مجرد تحسينات تدريجية، بل هي نقلة نوعية مختلفة تمامًا. الأهمية هنا أن مختبرات الذكاء الاصطناعي اتخذت قرارًا استراتيجيًا بالتركيز أولًا على جعله بارعًا في كتابة الأكواد، لأن ذلك يمكّنه من تطوير نفسه بسرعة أكبر، وبناء نسخ أذكى باستمرار. لم يتغير عملي لأنهم استهدفوا المهندسين، بل لأن البرمجة كانت نقطة البداية التي تفتح الباب لكل شيء آخر. والآن، بعد أن نجحوا في ذلك، يتجهون إلى جميع المجالات الأخرى.

 وينبه شومر إلى أن ما يعيشه العاملون في التقنية اليوم، بانتقال الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى منجز للعمل بجودة تفوق البشر، هو ما سيعيشه الجميع قريبًا: في القانون، والمال، والطب، والمحاسبة، والاستشارات، والكتابة، والتصميم، والتحليل، وخدمة العملاء. ليس بعد عشر سنوات، بل خلال سنة إلى خمس سنوات، وربما أقل. النماذج الحالية مختلفة جذريًا عمّا كان متاحًا قبل عامين، والفجوة بين إدراك الناس والواقع أصبحت خطيرة لأنها تمنع الاستعداد. كثيرون ما زالوا يحكمون على الذكاء الاصطناعي من خلال النسخ المجانية المتأخرة، بينما مَن يستخدم النسخ المتقدمة يوميًا في عمله يدرك تمامًا ما هو قادم. حتى في مجالات مثل القانون، هناك شركاء كبار في مكاتب عالمية يستخدمون الذكاء الاصطناعي يوميًا ويعتبرونه بمثابة فريق من المساعدين الجاهزين فورًا، ويلاحظون أنه يزداد قدرة كل بضعة أشهر. هؤلاء لا يستخفون بالأمر، بل يستعدون له بجدية، لأنهم يرون أن الذكاء الاصطناعي يسير بسرعة نحو أداء معظم أعمالهم. إن التجربة التي بدأت في عالم التقنية تتحول الآن إلى واقع شامل، حيث سيجد كل قطاع نفسه أمام ذكاء اصطناعي قادر على إنجاز العمل بكفاءة أعلى، وبوتيرة أسرع مما اعتدنا عليه، وهذا التحوّل ليس بعيدًا بل يطرق الأبواب بالفعل.

من هنا ينتقد شومر التصورات السائدة التي تشبّه الذكاء الاصطناعي بالآلة الحاسبة أو بمحركات البحث، مؤكدًا أن هذا التشبيه فقد صلاحيته، لأن ما نواجهه اليوم هو كيان يؤثر في طريقة تفكير الإنسان نفسه، ويعيد صياغة الأسئلة قبل الأجوبة. في هذا السياق يوضح أن الخطر الحقيقي لا يكمن في فقدان وظائف محددة، بل في التحول الجذري الذي يطال معنى المهارة وقيمة الذكاء التقليدي، إذ باتت مهام كانت تتطلب سنوات طويلة من التدريب تُنجز في وقت قصير، أو تُدعّم بأنظمة تتفوق أحيانًا على الإنسان، ما يفرض سؤالًا وجوديًا حول ما الذي سيبقى للإنسان في عالم تتغير فيه معايير الكفاءة والإبداع. كما يشير الكاتب إلى فجوة مقلقة بين سرعة ما يحدث فعليًا في المختبرات والشركات الكبرى، وبطء وعي المجتمع والإعلام وصناع القرار بهذه التحولات، وهي فجوة قد تولد ارتباكًا واضطرابًا واسعين إذا استمر تجاهلها.

ويعارض شومر الخطاب الذي يؤجل القلق إلى المستقبل، مؤكدًا أن التحول ليس أمرًا قادمًا، بل واقع بدأ يتجسد بالفعل في مجالات الكتابة والبرمجة والتعليم والتفكير، وأننا نعيش بداياته الآن لا لاحقًا. وعلى الرغم من خطورة الأسئلة التي يثيرها هذا التحول، لا يتبنى المقال دعوة تثير الهلع أو تتنبأ بالكارثة، بل نبرة دهشة وتأمل أمام حدث تاريخي يعيد تشكيل وجود الإنسان في العالم، إنه حدث يتجاوز تصنيفات الخير والشر الجاهزة. في خلاصة مقاله، يلمّح شومر إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد امتداد ليد الإنسان، بل صار امتدادًا لعقله، وهو مرآة تعيد تعريف معنى الإنسانية نفسها ورؤيتها لذاتها والعالم، وهو ما يضع البشر أمام أسئلة غير تقنية تتعلق بالمعنى، والقيم، والهوية، وبكيفية التعايش مع معرفة لا تنبع من تجربة إنسانية وجودية حيّة، بل من محاكاة فائقة الاتساع والتشعب والتعقيد.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

...........................

1- هايدغر، مارتن، التقنية-الحقيقة-الوجود، ترجمة: محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي، ط1، 1995م. الدار البيضاء-بيروت، ص 43.

  2-https://shumer.dev/something-big-is-happening?utm_source=chatgpt.com.

"في ليلة الانفجار المروع انقشعت سحابة الدخان عن مشهد مأساوي. لم يكن صاحب المكتبة يصرخ من الم جسدي، بل كان يقف وسط الخراب يصرخ: لماذا الشر؟!. لم يكن يبكي دكانه المحترق، بل كان ينعى الكتب التي تطايرت اجزائها في الهواء. في تلك اللحظة ادركنا أن موت الكتاب لا يقل فداحة عن موت الجسد".

اذا كان موت الجسد نهاية طبيعية للانسان، فهل يمكن اعتبار موت الكتاب - بوصفه رمزا لموت المعرفة والوعي وخطرا اشد اثرا على المجتمع؟ وهل يشكل غياب المعرفة شرطا اساسيا لانتشار الشر، ام أن الشر ظاهرة مستقلة مرتبطة بطبيعة الانسان والسلطة والنفوذ والمال؟  الموت الجسدي هو التوقف النهائي غير القابل للرجوع للوظائف الحيوية للانسان، وهو انقطاع الوجود المادي للشخص في العالم الطبيعي. اما موت الكتاب، يتمثل في حرق النصوص او اتلافها ام منع تداولها؛ وبمعنى ادق، هو تعطيل انتاج المعرفة، وتهميش الفكر، وقمع حرية التعبير، بما يؤدي الى انطفاء الوعي النقدي داخل المجتمع.

الكتاب ليس مجرد اوراق مكتوبة بل هو فكرة حية وروح تعيش وتجربة متراكمة تنقل وحكمة تنير وتحمي البشر من الوقوع في الظلام. وعندما نترك القراءة، ونهمش الفكر، ونحارب العلم لا تموت اوراق الكتاب فحسب، بل يضعف الضمير وتنطفئ المعاني وتتلاشى القييم. فالشر لا ينمو في نور المعرفة، بل في الفراغ وغياب الفكر الحر. ومن هنا، فان موت الكتاب لا يقل فداحة عن موت الجسد لانه يمهد الطريق لانتشار الظلال، ويجعل الفرد اقل قدرة على التمييز بين الصواب والخطا والحق والباطل.

 الشر مفهوم معقدا في الفلسفة، طرح منذ الاف السنين في كثير من النصوص الدينية والفكرية. وهو كل فعل يلحق ضرر غير مبرر بالفرد او بالقيم الاخلاقية. فاذا كان الخير موجودا فلماذا يوجد الشر؟ ومن بعض ابرز التفسيرات المطروحة أن الله منح حرية الاختيار، وبدون هذه الحرية لا يكون للخير معنى حقيقي. غير أن الحرية ليست مطلقة، اذ تتيح لنا امكانية اختيار الشر. وببساطة، لو كان الفرد مجبرا على الطيبة، فهل طيبته حقيقية؟ ويرى الغزالي أن الاختيار قدرة منحها الله للانسان، وأن الشر الاخلاقي يأتي من سوء استخدام هذه الحرية. كما يرى اوغسطينوس أن "الشر ليس قوة مستقلة، بل هو غياب الخير". فكما ينتشر الظلام بغياب الضوء، ويزداد البرد عندما تقل الحرارة، وهكذا ينشأ الشر من فراغ لا من كيان مستقل قائم بذاته.

وتتعدد انواع الشر بحسب طبيعتة؛ فهناك الشر الطبيعي الناتج عن الظواهر الطبيعية دون تدخل الانسان مثل الكوراث الطبيعية كالزلازل والامراض وهذا النوع يطرح تساؤلات فلسفية ودينية حول الحكمة من وجوده او لماذا سمح الله به؟ هناك شر اخلاقي ناتج من افعال البشر كالظلم والفساد، وهو مرتبط بحرية الانسان. اما الشر البنيوي، فينشأ عن انظمة سياسية واقتصادية تنتج ظلم منهجي مثل الانظمة القمعية والاستغلال الاقتصادي واحتكار المعرفة الحقيقية.   

يرى بعض من الفلاسفة أن المعاناة ربما تخلق وعيا اعمق، بدليل، فلا تعاطف بلا الم، ولا شجاعة بلا خطر، ولا تقدير بلا فقدان. ومع ذلك، تبقى صورة الشر الشديد لا مبرر حقيقي لها -  كالحروب والابادة الجماعية وهتك حقوق الطفولة عصية على التبرير. وغالبا ما يتجذر الشر حين يصبح نظام جماعي مدعوم بجهل ممنهج وتضييق على الثقافة والمعرفة. وهذا بدوره يؤدي لموت الضمير الجماعي نتيجة موت الكتاب او قمع المعرفة يبدأ الشر بالانتشار والتمدد. والتاريخ يشهد على أن حرق الكتب وقمع المفكرين كانا مقدمة لانحدارات اخلاقية كبرى.

يذهب جان بول سارتر الى أن العالم لا ياتي بمعنى جاهز، بل نحن من نصنع معناه وقيمته؛ ويظهر والشر عندما نهرب من مسؤؤليتنا في مواجهته. وهنا يصبح الشر نتيجة اختيار جماعي لا "لغزا كونيا غامضا". أن اسباب انتشار الشر هو الجهل والخوف وغياب التفكير النقدي وضعف الحوار المعرفي، فعندما يموت الجسد ينتهي الانسان وعندما يموت الكتاب بالمعنى وهو ما يمنع تحول الفرد الى مجرد قوة غريزية تنهي الوعي المعرفي لمنع الشر.

في الفلسفة الاسلامية لا يعتبر الشر قوة مستقلة تنافس الخير، بل كجزء من النظام الكوني الواسع. يرى ابن سينا والفارابي أن الوجود على هذه الارض في اصله خير، وأن الشر ليس قائما بذاته، بل هو غياب للكمال. والحكمة التي لا يستطيع أن يدركها الانسان لماذا وجد الشر، بمعنى أن الشر ليس عبثا، بل يدخل ضمن اختبار الفرد في الحياة.

اما في الفكر الغربي، فقد يرى توماس هوبز أن الانسان ميال بطبعه الى الانانية والصراع، ما يستدعي وجود دولة قوية تمنع الفوضى. بينما اعتبر جان جاك روسو أن الفرد طيب بطبعه، وأن المجتمع الفاسد هو من يصنع الشر. اما حنة أرنت اوضحت في دراستها للنازية أن الشر لا ينتج عن شيطان، بل عن افراد عاديين يطيعون الاوامر دون تفكير، فيما عرف بمفهوم "تفاهة الشر". 

اما علاقة الشر بالسلطة والمال؟ فتكمن في أن السلطة كما يرى ميشيل فوكو – ليست مجرد نظام سياسي، بل شبكة تحكم وتنتج المعرفة وتحدد ما هو صحيح وما هو خاطئ. وعندما تقوم السلطة باحتكار الحقيقة والمعرفة، قد يتحول ذلك الى شر ممنهج. والمال بحد ذاته ليس شرا، لكنه يصبح وسيلة للشر عندما يقدم على القيم او يستخدم لاستغلال الاخرين، وبهذا يتحول المال الى معيار وحيد للنجاح. ويرى كارل ماركس أن النظام الراسمالي قد ينتج ظلم هيكلي او بنيوي بسبب سيطرة راس المال.

اذن لماذا الشر في عالمنا؟ أن اسباب الشر تكمن في اربعة ابواب تبدأ من الحرية مرورا بغياب الخير ووسيلة للسلطة والنفوذ لتنتهي بحكم انظمة بشرية فاسدة وغير عادلة. أن موت الجسد نهاية فردية، اما موت الكتاب فهو بداية لانهيار جماعي. فالموت الجسدي حدث طبيعي، لكن الموت الفكري كارثة حضارية اشد الما واطول اثرا. أن انقراض الكتاب لا يؤدي الى الشر مباشرة، لكنه يهيئ البيئة المناسبة لنموه. فالمعرفة ليست مجرد معلومات، بل قدرة على التساؤل والمسائلة والمحاسبة.

قد يظهر الشر الطبيعي بعيدًا عن إرادة الأفراد، ولكن كيفية التفاعل معه تعكس مدى وعيه. المجتمع الواعي يمكن أن يخطئ، لكنه يمتلك وسائل لتصحيح اخطائه. بينما المجتمع الذي يتم فيه تهميش الكتب، يفقد القدرة على تمييز عيوبه. وفي غياب المعرفة، يصبح الأفراد أكثر عرضة للخضوع وأقل استعدادًا لمواجهة الظلم.

إن اخطر اشكال الشر ليست تلك التي يقوم بها "شخص شرير"، بل تلك التي تصدر عن أشخاص عاديون ضمن انظمة تقييد الفكر والمعرفة. وهنا يلتقي هذا المفهوم مع تحليل حنة أرنت حول "تفاهة الشر"، عندما يكون قلة التفكير وسيلة لنشر الجريمة من الناحية الأخلاقية. في تصوري، انقراض الكتاب لا يعني ببساطة سحق الثقافة والمعرفة، بل يشير إلى تحويل المعرفة إلى سلعة تستخدم كأداة بيد السلطة. وعندما تُختصر المعرفة في فائدة مالية، أو تُستخدم في أيديولوجية معينة، فإنها تفقد قيمتها النقدية، وتصبح من مصدر للتحرر إلى وسيلة للسيطرة والهيمنة الفكرية والسياسية.

غير أنني لا أعتقد أن موت المعرفة هو السبب الوحيد للشر؛ فالشر يمكن أن ينشأ من الجشع، أو من حب السلطة والنفوذ، أو من تدهور الضمير الشخصي. ومع ذلك، فإن نقص المعرفة يزيد من صعوبة التصدي له.

لذا أرى أن موت الشخص ينهي وجوده، بينما موت الكتاب تضعف الحماية الأخلاقية للمجتمع. وفي غياب هذه الحماية، يصبح الشر — سواء كان أخلاقيًا أو هيكليًا — أكثر قدرة على الانتشار، لأنه لا يُقابل بعقول ناقدة، بل بعقول خائفة أو صامتة.

يتضح أن فقدان الجسد يمثل إنهاءً بيولوجيًا له نتائج محدودة، بينما فقدان الكتاب يرمز إلى تحطم عميق في الهيكل المعرفي والأخلاقي للمجتمع. فعندما ينتهي وجود الجسد، فإن الفرد يتلاشى، لكن عند انطفاء المعرفة، فإن المجتمع كله يفقد اتجاهه الفكري وقدرته على التمييز والنقد والمحاسبة. والشر، سواء كان موجودًا في الطبيعة أو الأخلاق أو البنية، لا ينتظر حتى ضعفه الجسدي، بل يتسلل عندما يضعف الوعي، وعندما تُهمش الأصوات الحرة، وعندما تصبح المعرفة أداة تستخدمها السلطة.

إن الشر لا يتطور في وجود الوعي السليم، بل ينشأ في غياب الفكر، ولا يستمر إلا عندما يختفي التساؤل. لذلك، فإن أخطر أنواع الموت ليس الذي يتوقف فيه القلب عن العَمل، بل هو الذي يسكت المعرفة.

فإن الدفاع عن الكتاب ليس حنينا للماضي أو للثقافة بمعناها المحدود، بل تأميناً لشرط حيوي من شروط الوعي الأخلاقي. وإذا كان الفناء الجسدي حتمية طبيعية، فإن فناء الكتاب قراراً تاريخياً يتحمله الإنسان عندما يتخلى عن مسؤوليته في حفظ المعرفة. فالمجتمع الذي يفقد مؤلفاته وكتبه لا يفقد اوراقا فحسب، بل يفقد قدرته على مواجهة الشر وعلى حماية انسانيته.

***

علاء جواد كاظم

أكثر تساؤل يرد في نظرية التبرير الأخلاقية هو السؤال: ما الذي يجعل بعض الأحكام الأخلاق، معيارية؟ واذا تساءلنا مع أمبرتو إيكو مع سؤاله "فهل نحن امام شعور قوي قادر على تبرير أخلاق محددة وثابتة ومبنية كالتي يؤمن بها المؤمنون بالوحي وخلود الروح وفي الثواب والعقاب؟"

نقول في إجابة هذا السؤال هو أن الفعل الذي ينشأ عن قيمية صادقة وعقلانية ومنطقية سوف يكسب كل المعايير التي تم السؤال عنها، ويحقق الهدف الأساس وهو الخير، فالقيمة الجوهرية في أي فعل يبرهن عن تلك المعايير يعد مكتمل المعايير وفقا لقواعد العقل.

فلا يمكننا إثبات الأحكام الأساسية المتعلقة بالقيمة الجوهرية بالمعنى الدقيق للكلمة، لكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع تبريرها أو الادعاء بشكل معقول بتبريرها، وأن كانت تحمل مصداق الفعل وقبوله؛ لأن معايير الاستحسان مختلفة بين بني البشر.

 ولكن كيف يمكننا توحيد القواعد الأخلاقية بقدر معين؟ من خلال تبني معيار التقييم، ومن دون أي قيد أو وصف، مثل معيار الأخلاقي، ثم محاولة معرفة الحكم الذي نتوصل إليه عند القيام بهذا التقييم، مع الأخذ بنظر الاعتبار الأمر المطروح كليًا وبناءً على طبيعته الجوهرية، وليس على نتائجه أو شروطه، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن يكون معيار التقييم صارماً ومستندا الى تلك القواعد التي وصفنا بها مفاهيم المعيارية الثلاثة، وإن يتمتع المقيم برؤية واضحة، ومحايدة، وموضوعية.

فإذا تقيد أي شخص بهذه المعايير فأنه ينتهي إلى أحكام أقرب للصواب إن لم تكن كذلك، حتى لو لم يستطع إثبات أحكامه، وبذلك، يدعي المرء أن كل من يفعل الشيء نفسه سيوافقه الرأي بالنتيجة ؛ ويكون حكمه مُبررًا بالفعل إذا كان هذا الادعاء صحيحًا، وهو أمر، لا يمكن للمرء التأكد منه أبدًا إذا لم يوافقه الآخرون الذين يدّعون أيضًا الهدوء والاتزان، ويجب على المرء إعادة النظر لمعرفة ما إذا كان كلا الجانبين يتخذان بالفعل وجهة النظر التقييمية، مع مراعاة السمات الجوهرية فقط، وفهم بعضهما بعض بوضوح، ولا يمكن للمرء فعل أكثر من ذلك، وإذا استمر الخلاف، فقد يظل بإمكان المرء الادعاء بأنه على صواب، لكن يجب أن يكون المرء منفتح الذهن ومتسامحًا.

ومتبنيا للمنظور الأخلاقي على الدوام، لا منظور حب الذات، أو المنظور الجمالي، ولا المنظور الأكثر عمومية، أو المنظر المتضمن في أحكام القيمة الجوهرية الذي يجب أن نكون أيضًا أحرارًا، محايدين، مستعدين للتعميم، واضحين مفاهيميًا، ومطلعين على جميع الحقائق ذات الصلة المحتملة فيه، وإن كانت تتخلل ذلك المنظور نزعة نفعية تصب في مصلحة القيمة الاخلاقية.

حينها يكون لنا الحق في الحكم على أن فعلًا معينًا أو نوعًا معينًا من الأفعال صحيح، أو خاطئ، أو واجب، وفي الادعاء بأن حكمنا صحيح موضوعيًا، على الأقل طالما لا يخالفه أحد ممن يفعلون الشيء نفسه، يكون حكمنا أو مبدأنا مبررًا حقًا إذا صمد تحت التدقيق المستمر على هذا النوع من المنظور الأخلاقي من جانب الجميع. لنفترض أننا صادفنا شخصًا يدعي أنه يفعل هذا ولكنه يتوصل إلى استنتاج مختلف، إذن علينا أن نبذل قصارى جهدنا، من خلال إعادة النظر والنقاش، لنرى ما إذا كان أحدنا يُقصّر في استيفاء الشروط بطريقة ما إذا لم نجد أي تقصير من أيٍّ منا، ومع ذلك نختلف، فقد ندّعي، بل أعتقد أنه لا بدّ لكلٍّ منا، أنه على صواب؛ لأن الشروط لا تُستوفى تمامًا من قِبَلنا معًا، وقد يتبين أن أحدنا مُخطئ في نهاية المطاف. إذا كان ما قيل عن النسبية صحيحًا، فلا يُمكننا أن نكون على صواب معًا. لكن يجب أن نكون منفتحين ومتسامحين إذا أردنا الاستمرار في العيش ضمن إطار النظم الاخلاقية العامة، وعدم اللجوء إلى القوة أو غيرها من الوسائل غير الاخلاقية، وهذا يتطابق مع القاعدة الأخلاقية التي يقدمها سبينوزا : " عندما نحب شيئا مماثلا لنا، فنحن نبذل قصارى جهدنا كي نجعله يحبنا بدوره ".

إذا كان هذا المنطق مقبولاً، فيمكننا القول إن الحكم الأخلاقي الأساسي، أو المبدأ، أو القانون، يكون مبرراً أو صحيحاً إذا كان متفقاً عليه، أو سيُتفق عليه، من قِبل كل من يتخذ وجهة النظر الأخلاقية، ويتسم بالوضوح والمنطق، ويعرف كل ما له صلة بنفسه وبالآخرين، وهنا تكون عندها القاعدة الأخلاقية متسامية ومتعالية.

إن حقيقة الأحكام الأخلاقية تدعي وجود إجماع بين الآخرين، فلا تعني أن الفرد يخضع بالضرورة لحكم الأغلبية في مجتمعه. فهو لا يدعي وجود إجماع فعلي، بل يدعي أنه في النهاية هناك تقييم لصالح القيم الحقيقية، وهو أمر لا يحدث أبداً، أو يحدث فقط بالفرضيات المثالية والأفكار الطوباوية – وربما سيوافق على موقفه أولئك الذين يراجعون الحقائق ذات الصلة بحرية ووضوح من وجهة النظر الأخلاقية المفترضة، وعلى حد تعبير أريك فروم " الناس... يختلفون في أنواع المثل التي يعتقدون بها ".

بعبارة أخرى، هو يدعي وجود إجماع مثالي يتجاوز غالبية الافراد والمجتمعات الفعلية، وقد يكون مجتمعه، وقانونه، ومؤسساته على خطأ، وهنا تبرز استقلالية الفاعل الأخلاقي، وعليه أن يتخذ وجهة النظر الأخلاقية، وأن يسعى في نهاية المطاف إلى التوصل إلى إجماع مع الآخرين الذين يفعلون ذلك، لكن عليه أن يحكم بنفسه، ووفقا لقانون الأخلاق وقواعدها المنطقية.

***

د. رائد عبيس

تُعد إشكالية الوعي المحور الأساس الذي تتركز حوله أعقد السجالات في تاريخ الفكر الإنساني، حيث تتشابك فيها التفسيرات الحيوية مع التأملات الميتافيزيقية والتحليلات الاجتماعية. إن محاولة فهم الوعي ضمن إطار يدمج المادية التاريخية بالجدل الهيجلي والطروحات الوجودية، تفرض إعادة تعريف "الروح" والوعي كصيرورات متغيرة لا كجواهر ساكنة. يحلل هذا المقال مفهوم الوعي مثبتاً طبيعته "المتسامية" (المفارقة) و"المتناهية" (غير الخالدة)، عبر تشريح أبعاده المعرفية في ضوء الفلسفات الكبرى

 نقد الذات العاقلة والتحول نحو الوعي المنخرط

ينطلق التحليل المعاصر للوعي من رفض تصور ديكارت الكلاسيكي الذي حصر الوعي في فكر مجرد ومنعزل عن الواقع. إن مبدأ "أنا أفكر إذن أنا موجود" يفترض وعياً خالصاً لا يتطلب تموضعاً في العالم، وهو ما واجه نقداً لاذعاً من الوجودية والمادية اللتين اعتبرتا هذا الوعي "وهماً" غير فاعل. فالوعي ليس حالة ذهنية ساكنة، بل هو "فعل وجودي" يُكتسب عبر الانخراط المستمر في الواقع، حيث يسبق الوجود الفعلي نقاء الوعي ويمنحه حقيقته الواقعية (سارتر، 1943).

 الوعي كصيرورة وانخراط في العالم

تكمن ماهية الوعي في ديناميكية العلاقة بالوجود؛ فالوعي المجرد كـ "شيء في ذاته" مستحيل إدراكه كقوة فاعلة. لذا، يُنظر للوعي في الحاضرية الشاملة كنشاط مبدع يمنح المعنى للموجودات التي كانت، قبل التفاعل البشري، صماء بلا قيمة. هذا الانخراط يحول الوعي من نظرية إلى قوة تحقق المعنى الكوني، متجاوزاً الانغلاق نحو فضاء يسمح بتحقيق الذات عبر العلاقة مع الآخر.

الجدل الهيجلي: صعود الوعي نحو الاعتراف

يمثل الجدل الهيجلي حجر الزاوية في فهم تطور الوعي من الإدراك الحسي إلى الوعي بالذات الذي ينال حريته عبر الصراع والتاريخ. في جدلية "السيد والعبد"، يطرح هيجل أن الوعي بالذات لا يتحقق بمعزل عن الآخر، بل هو نتاج ثقافي يتطلب اعترافاً متبادلاً (هيجل، 1807).

جدلية الاعتراف وتشكيل الوعي بالذات

حين يلتقي وعيان مستقلان، ينشأ صراع حياة أو موت؛ إذ يرى كل منهما في الآخر تهديداً لمركزيته. تكمن المفارقة الهيجلية في أن العبد هو من يحقق الوعي الحقيقي عبر "العمل"؛ فالعمل يحول الطبيعة لتجسد إرادة العبد، مما يمنحه وعياً بقدراته، بينما يظل السيد معتمداً على العبد، فاقداً لاستقلاله. هذا يثبت أن الوعي حركة تطورية، والروح هي "المسار التاريخي" للوعي في سعيه نحو المطلق، وهو مسار مرتبط بالزمن لا جوهراً خالداً فوقه.

المادية التاريخية: الوعي كنتاج للوجود الاجتماعي

أحدث ماركس وإنجلز ثورة بقلب الجدل الهيجلي، مؤكدين أولية المادة وأن الوعي نتاج متطور لها. في المادية التاريخية، لا يصنع الوعي التاريخ مستقلًا، بل هو ظاهرة تابعة للوجود الاجتماعي. القاعدة الاقتصادية هي التي تشكل البناء الفوقي المتضمن للأفكار والقوانين (ماركس، 1859).

الوعي كظاهرة بزوغية متناهية

من منظور مادي، يعد الوعي نتاجاً لأعضاء مادية (الدماغ). الروح هنا هي "أرقى نتاج للمادة"، ولا توجد بمعزل عن العمليات الحيوية. هذا الارتباط ينفي خلود الوعي؛ إذ يتغير بتغير أنماط الإنتاج وينتهي بانتهاء ركيزته المادية. ومع ذلك، فهو "متسامٍ" بقدرته على التنبؤ وتجاوز المعطى المباشر نحو مشاريع ثورية تغير العالم (إنجلز، 1878).

الطروحات الوجودية: الوعي بوصفه عدماً وتسامياً

قدم سارتر برهاناً على أن الوعي "متسامٍ" لأنه "عدم". يفرق سارتر بين "الوجود في ذاته" (الأشياء الصماء) و"الوجود لذاته" (الوعي). الوعي ليس شيئاً، بل هو الفجوة التي تسمح بالحرية. وصفه بـ "العدم" يعني افتقاره لمحتوى ثابت؛ فهو دائماً "هروب" نحو المستقبل. الوعي يمتلك قدرة "النفي"، أي قول "لا" للواقع، وهذا مصدر الحرية (سارتر، 1943).

تناهي الوعي في مواجهة الموت والزمنية

رغم قدرة الوعي على التسامي، يظل "متناهياً". يرى هايدغر أن الوجود الإنساني هو "كينونة نحو الموت"؛ فالموت هو الإمكانية الجوهرية التي تحدد زمنية الوعي. الوعي الأصيل يواجه فناءه ويتحمل مسؤولية وجوده المحدود (هايدغر، 1927). بالنسبة لسارتر، الموت يحول الوعي من "مشروع" إلى "شيء"، مما يثبت أن الوعي ينتهي بانتهاء الفاعلية الحيوية. الروح هنا هي "طاقة التجاوز" التي تجعل الإنسان أكثر من مجرد مادة، دون أن تحرره من قدر التناهي.

الأبعاد المعرفية والعلوم العصبية: بناء المعنى

تسهم العلوم العصبية في كشف آليات تحويل الإشارات الحيوية إلى تجربة ذاتية. تشير نظرية "المعالجة التنبؤية" إلى أن الدماغ "آلة تنبؤ" تعيد بناء العالم. الوعي يظهر كخاصية "بزوغية" لنظم معقدة، حيث يخلق الدماغ "فضاء عمل عالمي" يوحد المعلومات ويجعلها متاحة للذات (ديهاين، 2014).

برهان المتسامي المتناهي

بناءً على ما تقدم، الوعي "متسامٍ" بفعل القصدية وقدرته على النفي وتصور ما ليس موجوداً، وهو "غير خالد" لارتهانه بالوجود التاريخي والركيزة المادية (الدماغ) وأفق الموت. الروح، ليست كياناً أزلياً، بل هي "قدرة التجاوز" التي تحول الوجود من حالة "الشيء" إلى حالة "المعنى"، محققة أسمى تجليات الحرية في إطار التناهي البشري.

***

غالب المسعودي

......................

المراجع

هيجل، ج. و. ف. (1807): ظاهراتية الروح. (لفهم جدلية السيد والعبد).

ماركس، كارل (1859): إسهام في نقد الاقتصاد السياسي. (حول تحديد الوجود الاجتماعي للوعي).

سارتر، جان بول (1943): الوجود والعدم. (لبحث الوعي كعدم وحرية).

هايدغر، مارتن (1927): الوجود والزمان. (لتحليل التناهي والكينونة نحو الموت).

ديهاين، ستانيسلاس (2014): الوعي والدماغ. (لربط الفلسفة بالعلوم العصبية الحديثة).

حدودها الإبستمولوجية وإمكاناتها المعاصرة

يشكّل التأويل في التراث الإسلامي أحد المفاتيح المركزية لفهم العلاقة المعقّدة بين النص والعقل، بين الوحي والفلسفة وبين الدلالة الظاهرة والمعنى الباطن. وإذا كان سؤال التأويل قد اتخذ صيغاً متعددة منذ مباحث المتكلمين حول المحكم والمتشابه، إلى تنظيرات الأصوليين في دلالات الألفاظ، فإن لحظة ابن رشد تمثل ذروة تركيبية فريدة، حيث تبلورت نظرية في التأويل ذات طابع إبستمولوجي صريح، لا تُفهم إلا في سياق مشروعه العام الذي سعى إلى إعادة وصل ما انقطع بين الشريعة والحكمة، وإلى ترميم الشرخ الذي أحدثه سوء الفهم المتبادل بين أهل النظر وأهل النقل.

لم يكن التأويل عند ابن رشد مجرد أداة لغوية لتجاوز ظاهر النص، بل كان ضرورة معرفية يفرضها اختلاف مدارك الناس ومراتبهم في الفهم. فهو ينطلق من مسلمة أن الشرع حق وأن الحكمة حق، وأن «الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». هذه العبارة التي ترد في كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، ليست مجرد تقرير توفيقي، بل هي إعلان عن مبدأ معرفي يقوم على وحدة الحقيقة وتعدد طرق الوصول إليها. فإذا كانت الشريعة تخاطب الجمهور بلغة التمثيل والتشبيه، فإن البرهان الفلسفي يخاطب الخاصة بلغة البرهان والقياس. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التأويل حين يبدو التعارض بين ظاهر النص ومقتضى البرهان اليقيني.

لقد تشكّل وعي ابن رشد التأويلي في سياق جدل حاد مع تيارات فكرية متباينة؛ فهو من جهة وارث للفلسفة المشائية كما صاغها أرسطو، ومن جهة أخرى منخرط في نقاش نقدي مع المتكلمين، وخصوصاً مع أبو حامد الغزالي الذي رأى في الفلسفة خطراً على العقيدة كما تجلّى ذلك في كتابه تهافت الفلاسفة. وكان رد ابن رشد في تهافت التهافت مناسبة لإعادة تحديد طبيعة النظر البرهاني وحدود التأويل المشروع. فهو يميز بين البرهان والجدل والخطابة، ويؤكد أن النصوص التي ظاهرها التشبيه يجب حملها على التأويل إذا قام البرهان القطعي على خلاف ظاهرها، لكن بشرط أن يكون المؤوِّل من أهل البرهان، وأن لا يُشاع التأويل بين الجمهور حتى لا يفضي إلى اضطراب عقائدهم.

تتأسس نظرية التأويل الرشدية على تمييز دقيق بين مراتب الدلالة. فالنص الشرعي عنده يتضمن مستويات من المعنى، بعضها قريب يدركه الجمهور وبعضها عميق لا يدركه إلا الراسخون في العلم. وهو في هذا يستند إلى الآية الكريمة: «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم»، غير أنه يقرؤها قراءة تجعل الرسوخ في العلم شرطاً لإدراك التأويل، لا مجرد مقام روحي. هذا الرسوخ ليس ذوقاً صوفياً، بل ملكة برهانية تقوم على التمرّس بالقياس المنطقي كما قرره أرسطو في الأورغانون. إن التأويل الرشدي ليس انزياحاً حراً للمعنى، بل هو انتقال مضبوط من الدلالة الحسية أو المتخيلة إلى الدلالة المعقولة، وفق قانون الضرورة البرهانية.

إن الحد الإبستمولوجي الأول لنظرية التأويل عند ابن رشد يتمثل في اشتراط البرهان القطعي. فحيث لا يوجد برهان يقيني، لا يجوز العدول عن الظاهر. وهذا الشرط يضع قيداً صارماً على النزعة التأويلية ويمنعها من الانفلات إلى تخمينات ذهنية أو أهواء مذهبية. وهو بهذا يختلف عن بعض مسالك المتكلمين الذين وسّعوا دائرة التأويل استناداً إلى مقدمات ظنية. فابن رشد يصرّ على أن «كل من أول شيئاً من الشرع بغير برهان فقد افترى على الشرع». هذه العبارة تكشف عن وعي بخطورة التأويل حين يتحول إلى أداة لفرض تصورات مسبقة على النص.

غير أن هذا الشرط نفسه يكشف عن إشكال إبستمولوجي عميق: ما معيار القطع في البرهان؟ هل هو البرهان الأرسطي كما تلقاه ابن رشد في صيغته المشائية، أم أن مفهوم البرهان نفسه تاريخي ومتغير؟ هنا تتبدى حدود المشروع الرشدي، إذ يفترض ثباتاً في نموذج العقل البرهاني، ويجعل منه مرجعاً أعلى للحقيقة. وإذا كان هذا الافتراض مفهوماً في سياق القرن السادس الهجري، حيث كانت الفلسفة الأرسطية تمثل ذروة العقلانية، فإن تحولات المعرفة الحديثة تفرض إعادة نظر في مفهوم البرهان ذاته. ومع ذلك فإن القيمة الدائمة في مشروعه لا تكمن في نموذج البرهان بعينه، بل في المبدأ الذي يقرّ بأولوية العقل المنهجي في فهم النص.

لقد أدرك ابن رشد أن النص الديني بوصفه خطاباً موجهاً إلى عموم الناس، لا يمكن أن يُصاغ بلغة البرهان الخالص. فهو يستعمل المجاز والتمثيل والقصص، لأن هذه الأدوات أقرب إلى مدارك الجمهور. غير أن هذا الاستعمال لا ينفي إمكان ترجمة هذه الصور إلى معانٍ عقلية مجردة. إن التأويل عنده هو عملية ترجمة من الخيال إلى العقل، من الصورة إلى المفهوم. وهو في هذا يلتقي مع ما سيقوله لاحقاً سبينوزا في رسالته اللاهوتية السياسية عن ضرورة قراءة النص في ضوء مقاصده، وإن اختلفا في المنطلقات والنتائج.

إن نظرية التأويل الرشدية تقوم على تصور هرمي للمعرفة والمجتمع. فهناك الجمهور الذين يكتفون بالظاهر، وهناك أهل الجدل الذين يتوسلون بالقياس الظني، وهناك أهل البرهان الذين يدركون المعاني اليقينية. هذا التقسيم ليس اجتماعياً فحسب، بل إبستمولوجي أيضاً، إذ يعكس اختلافاً في أدوات الإدراك. غير أن هذا التصور يطرح سؤالاً معاصراً حول علاقة المعرفة بالسلطة: من يحدد من هو «أهل البرهان»؟ وكيف يُمنع الاحتكار المعرفي من التحول إلى وصاية فكرية؟ إن ابن رشد كان يتحرك في إطار مجتمع تقليدي هرمي، أما في السياق الحديث حيث انتشرت المعرفة وتعددت مناهجها، فإن هذا التقسيم يحتاج إلى إعادة تفكير.

إن إمكانات نظرية التأويل الرشدية في الحاضر تتجلى في قدرتها على تقديم نموذج للتفاعل الخلاق بين النص والعقل. ففي زمن تتصاعد فيه القراءات الحرفية للنصوص، وتُختزل الحقيقة في ظاهر العبارة، يستعيد مشروع ابن رشد راهنيته بوصفه دفاعاً عن شرعية التأويل المنضبط. لقد كان واعياً بأن الجمود على الظاهر قد يؤدي إلى تناقض مع معطيات العقل، وأن إنكار البرهان بدعوى حماية النص إنما يفضي إلى تشويه الاثنين معاً. إن تأكيده على أن الشرع يدعو إلى النظر العقلي، مستشهداً بقوله تعالى: «أفلا يتدبرون»، يجعل من التأويل امتداداً لروح النص لا خروجاً عليه.

إن الحد الإبستمولوجي الثاني يتمثل في ارتباط التأويل عند ابن رشد بوحدة الحقيقة. فهو لا يقبل بازدواجية الحقيقة على النحو الذي نُسب إلى بعض اللاتينيين من أتباعه، بل يرى أن الحقيقة واحدة، وإن اختلفت طرق التعبير عنها. هذا المبدأ يجنّبه الوقوع في نسبية معرفية، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام تحدي التوفيق بين تعدد التأويلات وتوحد الحقيقة. فإذا كانت الحقيقة واحدة فكيف نفسر اختلاف الفلاسفة أنفسهم؟ وهل يمكن أن يكون البرهان القطعي متعدد النتائج؟ هذه الأسئلة تكشف أن وحدة الحقيقة عنده هي افتراض ميتافيزيقي ضروري لضمان الانسجام بين العقل والوحي، لكنها لا تلغي تعقيد الواقع التأويلي.

ولعل من أبرز ما يميز التأويل الرشدي طابعه العقلاني النقدي. فهو لا يكتفي بالدفاع عن الفلسفة، بل يمارس نقداً للخطاب الكلامي الذي يعتمد على الجدل. لقد رأى أن المتكلمين رغم نيتهم الدفاع عن العقيدة، أدخلوا عليها من الشبهات ما لم يكن فيها، لأنهم خاطبوا الجمهور بلغة الجدل التي تثير الشكوك. وهو بهذا يقترب من موقف ابن تيمية في نقد علم الكلام، وإن اختلفا جذرياً في تقييم الفلسفة. هذا التداخل بين النقدين يكشف أن سؤال التأويل لم يكن صراعاً بسيطاً بين عقل ونقل، بل شبكة معقدة من المواقف المتداخلة.

إن استعادة نظرية التأويل الرشدية اليوم لا تعني تبنيها حرفياً، بل تعني تفعيل روحها المنهجية. فالسياق المعاصر يفرض تحديات جديدة، تعددية ثقافية، تطور العلوم الإنسانية، نقد اللغة وتفكيك السلطة. ضمن هذا المنحى يمكن قراءة ابن رشد بوصفه رائداً لفكرة «تاريخية الفهم» وإن لم يصغها بهذا اللفظ. فهو يقرّ بأن النص يخاطب الناس بحسب عاداتهم وألسنتهم، وأن الصور الواردة فيه مرتبطة بمدارك المخاطبين. وهذا الوعي بالسياق يفتح الباب أمام قراءة تأويلية تستحضر شروط النزول دون أن تقيد النص بزمنه.

غير أن ثمة توتراً في مشروعه بين النزعة البرهانية الصارمة وبين الطبيعة الرمزية للنص الديني. فالنص لا يُختزل في قضايا منطقية، بل يحمل أبعاداً جمالية وروحية وأخلاقية. وإذا كان التأويل الرشدي يركز على البعد المعرفي، فإنه لا يفرد حيزاً كبيراً للبعد الوجودي للتجربة الدينية. هنا يمكن أن يُستكمل مشروعه بحوار مع تقاليد أخرى، سواء في التصوف الإسلامي أو في الفلسفة التأويلية الحديثة. غير أن هذا الاستكمال لا يلغي أصالة مقاربته بل يكشف عن غناها وإمكان تطورها.

إن نظرية التأويل الرشدية في حدودها وإمكاناتها، تظل شاهداً على لحظة تاريخية بلغ فيها العقل الإسلامي درجة عالية من الوعي بذاته وبأدواته. لقد سعى ابن رشد إلى تأسيس علاقة متوازنة بين النص والعقل، لا تقوم على إلغاء أحدهما لصالح الآخر، بل على اعتراف متبادل بشرعية كل منهما في مجاله. وإذا كان التاريخ قد شهد أفول المدرسة الرشدية في العالم الإسلامي، فإن أثرها في الفلسفة اللاتينية كان عميقاً، وأسهم في تشكل النزعة العقلانية الأوروبية. غير أن قيمتها بالنسبة لنا اليوم لا تُقاس بما أحدثته في الغرب فحسب، بل بما يمكن أن تلهمه من تجديد في قراءة النصوص الدينية ضمن أفق عقلاني نقدي.

إن التأويل الرشدي ليس مجرد فصل في تاريخ الأفكار، بل إمكان مفتوح لمساءلة علاقتنا المعاصرة بالنص والحقيقة والعقل وحدوده الإبستمولوجية، بدل أن تكون عائقاً يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء نظرية تأويلية تستلهم صرامته المنهجية وتستجيب في الوقت نفسه لتعقيدات الحاضر.

إن التأويل عند ابن رشد ليس إجراءً عرضياً يُستدعى عند الضرورة فحسب، بل هو وظيفة داخل النسق المعرفي الذي شيده، وظيفة تتوسط بين النص بما هو خطاب موجَّه، والعقل بما هو أداة تمييز وترتيب وبرهنة. إن التأويل في هذا المنظور ليس ترفاً فكرياً، بل هو مقتضى التقاء مستويين من القول، مستوى بياني تمثيلي، ومستوى برهاني تجريدي. ولولا هذا التعدد في مستويات الخطاب لما كانت ثمة حاجة إلى التأويل أصلاً.

إن الأساس المنطقي للتأويل الرشدي يستمد شرعيته من التمييز الأرسطي بين أنماط القياس، كما بلوره أرسطو في تحليله للبرهان والجدل والخطابة. فابن رشد يقرأ النص الشرعي في ضوء هذا التقسيم، ويرى أن الخطاب الديني يتوسل بالخطابة لإقناع الجمهور، وبالجدل لإقناع أهل النظر المتوسط وبالبرهان لإقناع الخاصة. غير أن البرهان بما هو قياس مؤلف من مقدمات يقينية تفضي إلى نتيجة يقينية، يظل المعيار الأعلى للفهم. ومن هنا فإن أي تعارض ظاهري بين نص وبين نتيجة برهانية يقينية يستدعي تأويلاً يرفع هذا التعارض. التأويل هنا ليس خرقاً للنص، بل إنقاذ له من سوء الفهم.

إن هذه الرؤية تفترض مسبقاً أن الحقيقة في ذاتها لا تتعدد. فالحقيقة واحدة والاختلاف إنما هو في طرائق عرضها. وقد رفض ابن رشد بشدة ما نُسب إلى بعض اللاتينيين من القول بازدواجية الحقيقة، أي بإمكان أن يكون الشيء حقاً في الفلسفة باطلاً في الشريعة أو العكس. إن هذا الرفض ينبع من إيمانه العميق بوحدة المصدر النهائي للمعرفة. وإذا كان العقل عنده موهبة إلهية، فإن استعماله البرهاني لا يمكن أن يناقض مقصود الشرع، لأن الشرع نفسه يدعو إلى النظر والاعتبار. إن قوله إن “الشرع أوجب النظر بالعقل في الموجودات” ليس مجرد استدلال نصي، بل هو تأسيس لمبدأ إبستمولوجي قوامه أن التفلسف ليس خروجاً عن الدين، بل امتثال لندائه.

غير أن هذا التأسيس لا يخلو من توتر داخلي. فالبرهان الذي يشترطه ابن رشد لشرعية التأويل ليس مفهوماً مجرداً، بل هو محدد تاريخياً ضمن النسق الأرسطي. إن مفهوم اليقين عنده يرتبط بالبنية الصورية للقياس وبفكرة العلل الأربع وبالتصور الكوني الذي كان سائداً في زمانه. وهنا تبرز حدود المشروع، فإذا تغيرت صورة العالم وتبدلت معايير اليقين فهل يبقى شرط البرهان على حاله؟ أم ينبغي إعادة تعريفه؟ إن هذا السؤال لا ينقض المشروع لكنه يكشف عن تاريخيته. ومن ثم فإن إمكانات التأويل الرشدي المعاصرة تتوقف على إعادة قراءة مفهوم البرهان ذاته لا على استعادته حرفياً.

إن البنية المنطقية للتأويل عند ابن رشد تقوم على انتقال من الظاهر إلى المؤول عبر قاعدة عقلية كلية. فإذا ورد في النص ما يوهم التشبيه وكان البرهان يقتضي تنزيه الذات الإلهية عن مشابهة المخلوقات، وجب حمل اللفظ على معنى مجازي. غير أن هذا الانتقال لا يتم اعتباطاً بل عبر قواعد اللغة وأصول الفقه. فالتأويل عنده ليس إلغاءً للدلالة الوضعية بل هو استعمال لأحد وجوهها الممكنة التي يجيزها اللسان العربي. وفق هذا التصوريظل التأويل محكوماً بحدود اللغة ولا يتحول إلى إسقاط حر للمعاني.

إن هذا الوعي اللغوي يضع ابن رشد في تقاطع بين الفلسفة وأصول الفقه. فهو وإن كان فيلسوفاً مشائياً، يظل فقيهاً مالكياً مدركاً لقواعد الاستنباط. غير أن ما يميزه هو أنه لا يجعل أصول الفقه بديلاً عن المنطق، بل يرى في المنطق آلة للفهم الصحيح. إن العلاقة بين المنطق والأصول عنده علاقة تكامل لا تنازع. وهذا ما يضفي على تأويله صرامة مزدوجة، صرامة لغوية وصورية في آن.

غير أن هذه الصرامة نفسها تثير سؤالاً حول أفق المعنى. فالتأويل الرشدي يظل موجهاً أساساً نحو رفع التعارض المعرفي بين ظاهر النص ونتائج البرهان. لكنه لا يتوسع كثيراً في تحليل البعد الوجودي أو الرمزي للنص. إن النص الديني لا يقتصر على الإخبار عن حقائق كونية، بل يتضمن توجيهاً أخلاقياً وتربية روحية. وإذا كان ابن رشد يعترف بهذه الأبعاد، فإنه لا يجعلها محوراً لتحليله التأويلي. وهنا يمكن أن نقارن، على سبيل الإضاءة لا المفاضلة، بين مقاربته ومقاربات لاحقة في الفلسفة التأويلية الحديثة كما عند هانس جورج غادامير، الذي رأى أن الفهم هو اندماج آفاق بين النص والقارئ، وأن المعنى لا يُستخرج من النص استخراجاً، بل يتشكل في أفق الحوار التاريخي.

إن المقارنة بين ابن رشد وغادامير تكشف عن اختلاف عميق في تصور الفهم. فابن رشد يفترض إمكانية الوصول إلى معنى يقيني إذا توفرت شروط البرهان، بينما يرى غادامير أن الفهم محكوم بتاريخية الوعي، وأنه لا يوجد تأويل نهائي مغلق. ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بينهما هو رفض الحرفية الجامدة، والإقرار بأن النص يتجاوز ظاهره المباشر. وإذا كان ابن رشد يشترط البرهان، فإن غادامير يشترط الانفتاح على تقليد حي. كلاهما يرفض القراءة الساذجة التي تختزل النص في حروفه.

إن استحضار هذه المقارنة لا يراد به إخضاع ابن رشد لمعايير حديثة، بل إبراز إمكان حواره مع قضايا معاصرة. ففي زمن تتعدد فيه القراءات وتتنازع فيه المرجعيات، يمكن لنظرية التأويل الرشدية أن تسهم في ضبط العلاقة بين الحرية التأويلية والانضباط المنهجي. فهي ترفض إطلاق العنان للتأويل بلا ضابط، لكنها في الوقت نفسه ترفض الجمود على الظاهر. هذا التوازن هو ما يمنحها قيمة راهنة.

إن من أبرز إمكانات التأويل الرشدي في السياق المعاصر قدرته على مواجهة النزعات الأصولية التي ترفض كل قراءة عقلانية للنص. لقد كان ابن رشد واعياً بخطر شيوع التأويل بين غير أهله، لكنه لم يتراجع عن الدفاع عن شرعيته. إنه يميز بين كتمان بعض التأويلات حمايةً للجمهور، وبين إنكار مبدأ التأويل نفسه. هذا التمييز الدقيق يمكن أن يُقرأ اليوم في ضوء النقاش حول التربية الدينية وضرورة التمييز بين الخطاب العام والخطاب التخصصي. غير أن السياق الحديث، حيث انتشرت وسائل المعرفة وتوسعت دوائر التعليم، يفرض إعادة نظر في فكرة حصر التأويل في نخبة محدودة.

إن التحدي المعاصر لا يكمن فقط في الدفاع عن التأويل، بل في إعادة تعريف معاييره. فإذا كان البرهان الأرسطي لم يعد النموذج الوحيد للعقلانية، فإن العلوم الحديثة والعلوم الإنسانية قد وسعت مفهوم المنهج. وهنا يمكن استلهام روح ابن رشد لا حرفيته، أي الإصرار على أن أي تأويل ينبغي أن يكون مؤسساً على منهج صارم، وأن لا يتحول إلى إسقاط أيديولوجي. إن صرامته المنهجية يمكن أن تلهم قراءة نقدية للنصوص الدينية تتفاعل مع معطيات العلم الحديث دون أن تفقد احترامها للتراث.

إن من الحدود الإبستمولوجية لنظرية التأويل الرشدية أيضاً افتراضها انسجاماً تاماً بين العقل والنص إذا فهم كلاهما على وجهه الصحيح. غير أن التجربة التاريخية تكشف أن التوتر بين التأويلات لا يزول بمجرد الاحتكام إلى البرهان، لأن تحديد ما هو برهاني ذاته قد يكون محل نزاع. وهنا يبرز البعد التداولي للفهم، فالتأويل ليس فعلاً فردياً محضاً، بل هو جزء من حوار اجتماعي وثقافي. وإذا لم يتطرق ابن رشد صراحة إلى هذا البعد، فإن مشروعه يفتح الباب أمامه لأنه يقرّ بتعدد مستويات الفهم.

إن إمكانات نظرية التأويل الرشدية المعاصرة تتجلى كذلك في قدرتها على بناء جسر بين التراث الإسلامي والفلسفة العالمية. لقد كان ابن رشد نفسه جسراً بين العالم الإسلامي والغرب اللاتيني، وقد أسهمت شروحه لأرسطو في تشكيل العقل المدرسي في أوروبا. إن استحضار مشروعه اليوم يمكن أن يسهم في حوار حضاري يقوم على الاعتراف المتبادل بالعقلانية المشتركة. فالتأويل في جوهره هو اعتراف بأن النص يحتاج إلى فهم، وأن الفهم يحتاج إلى عقل، وأن العقل يحتاج إلى منهج.

غير أن استلهام ابن رشد لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد غير نقدي. فمشروعه رغم عظمته كان ابن سياقه، وتحكمت فيه شروط سياسية وثقافية معينة. لقد تعرض للنفي والإقصاء في أواخر حياته، وهو ما يكشف عن هشاشة العلاقة بين الفلسفة والسلطة. إن هذا البعد السياسي للتأويل لا يمكن تجاهله. فالتأويل ليس مجرد مسألة معرفية، بل قد يكون رهين توازنات اجتماعية. وإذا أردنا تفعيل إمكاناته المعاصرة، فعلينا أن نعي أن الدفاع عن العقلانية يتطلب فضاءً من الحرية.

إن هذا الامتداد في التفكير لا يهدف إلى تلخيص ما سبق فحسب، بل إلى إعادة طرح السؤال المركزي في أفق أوسع، ما الذي يمكن أن يعنيه التأويل الرشدي اليوم؟ إن الجواب لا يكمن في استنساخ صيغ قديمة، بل في استيعاب روحه النقدية. لقد كان ابن رشد شجاعاً في الدفاع عن حق العقل في الفهم، وفي الوقت نفسه متواضعاً أمام النص معترفاً بسموه وثرائه. هذا الجمع بين الجرأة والاحترام هو ما نفتقده أحياناً في سجالاتنا المعاصرة، حيث يتقابل تطرفان، تطرف يقدس الظاهر ويرفض كل تأويل، وتطرف يجعل النص مادة طيّعة لإسقاطات لا ضابط لها.

إن نظرية التأويل الرشدية تذكّرنا بأن الفهم مسؤولية وأن التأويل أمانة. فهي تضع شروطاً صارمة لمن يتصدى له، لكنها لا تغلق بابه. وهي تؤكد أن العقل ليس خصماً للوحي، بل شريكاً في إدراك معناه. وإذا كان مفهوم البرهان قد تغير، فإن الحاجة إلى منهج لم تتغير. وإذا كانت السياقات قد تبدلت، فإن سؤال العلاقة بين النص والعقل ما يزال مطروحاً بإلحاح.

إن استعادة ابن رشد اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل هي انفتاح على إمكان مستقبل تتصالح فيه العقلانية مع الإيمان والتقليد مع النقد والخصوصية مع الكونية. إن التأويل كما فهمه ليس مجرد تقنية تفسيرية بل هو موقف من العالم، موقف يعترف بتعدد مستويات الحقيقة ويبحث عن انسجامها دون إنكار اختلاف طرق التعبير عنها. وفي هذا الموقف تكمن إمكانات متجددة لفلسفة عربية إسلامية معاصرة، تستلهم تراثها دون أن تنغلق فيه وتتحاور مع العصر دون أن تذوب فيه.

إن حدود التأويل الرشدي ليست جدراناً مغلقة، بل هي معالم طريق. إنها تحدد ما ينبغي الحذر منه، التسرع، الهوى، الظن الذي لا يقوم على دليل. وفي الوقت نفسه تشير إلى ما ينبغي السعي إليه، برهان منضبط، فهم عميق وحوار مستمر بين النص والعقل. وإذا كان التاريخ قد شهد أفول مدرسته في زمنه، فإن الأفكار الكبرى لا تموت، بل تعود بأشكال جديدة كلما احتاجت الإنسانية إلى صوت العقل. وفي عالم يموج بالتأويلات المتنازعة، قد يكون في استحضار ابن رشد دعوة إلى إعادة بناء ثقافة الفهم على أساس من الصرامة والحرية معاً، حتى يظل التأويل جسراً لا متراساً، وطريقاً إلى الحقيقة لا ذريعة للفرقة.

***

د. حمزة مولخنيف

 

مقاربة حضارية

في الحضارة الإسلامية، التي امتدت من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر الميلادي وما بعده، برزت الفلسفة العربية كجسر حضاري بين التراث اليوناني القديم والعصر الحديث، محملة بطابع إسلامي يجمع بين العقل والوحي. هذه الفلسفة لم تكن مجرد استيراد أفكار، بل إعادة صياغة حضارية تعكس تفاعل الثقافات في بغداد ودمشق وقرطبة، حيث اختلطت اللغة العربية بالحكمة اليونانية والإيمان الإسلامي. في هذا السياق، يبرز التنافس والتكامل بين تيارين فلسفيين رئيسيين: المشاية، التي تمثل المنهج العقلاني التحليلي المستمد من أرسطو، والإشراقية، التي تعتمد على الإشراق الروحي والحدس الإلهي. من منظور حضاري، يمكن القول إن هذين التيارين لم يكونا مجرد مدارس فكرية، بل عمادا حضاريا ساهما في بناء مجتمع إسلامي يجمع بين العلم والروحانية، مما أثر على العلوم الطبيعية، الفنون، والأخلاق الاجتماعية. هذه المقاربة الحضارية تكشف كيف أن الفلسفة العربية الإسلامية لم تكن نخبوية، بل جزءاً من نسيج حضاري أوسع، يربط بين الشرق والغرب، ويوفق بين المنطق والإلهام، مما جعل الحضارة الإسلامية مصدر إشعاع عالمي. بدءاً من المشاية، التي سميت كذلك نسبة إلى "المشاء" أرسطو الذي كان يدرس طلابه أثناء المشي، تمثل هذه المدرسة الجانب العقلاني المنهجي في الفلسفة العربية الإسلامية. نشأت المشاية في سياق الترجمات العباسية، حيث نقل الفلاسفة العرب مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد أعمال أفلاطون وأرسطو إلى العربية، لكنهم لم يكتفوا بالترجمة، بل طوروها لتتناسب مع الإطار الإسلامي. حضارياً، ساهمت المشاية في بناء نظام تعليمي متكامل، حيث أصبحت المنطق الأرسطي أداة أساسية في المدارس الإسلامية، مما أدى إلى تطور العلوم مثل الطب والرياضيات. على سبيل المثال، اعتمد ابن سينا في "القانون في الطب" على المنهج المشائي التحليلي، الذي يقسم الظواهر إلى أسباب ونتائج، مما جعل الطب الإسلامي نموذجاً حضارياً ينتقل إلى أوروبا عبر ترجمات قرطبة. من الناحية المنهجية، تركز المشاية على العقل كأداة للمعرفة، حيث يرى الفارابي أن الفلسفة هي "الفن الأعلى" الذي يوفق بين الشريعة والحكمة، مما يعكس دورها الحضاري في دمج الدين مع العلم. هذا النهج العقلاني ساعد في مواجهة التحديات الحضارية مثل الغزوات المغولية، إذ قدم إطاراً منطقياً لفهم الكون ككل مترابط، حيث يصبح الإنسان جزءاً من نظام كوني يعتمد على القوانين الطبيعية. ومع ذلك، لم تكن المشاية خالية من التحديات، إذ واجهت انتقادات من المتكلمين مثل الغزالي في "تهافت الفلاسفة"، الذي رأى في اعتمادها المفرط على العقل تهديداً للوحي، مما يبرز التوتر الحضاري بين العقلانية والروحانية في المجتمع الإسلامي. في مقابل ذلك، برزت الإشراقية كتيار فلسفي يعتمد على الإشراق الإلهي، أي الإلهام الروحي الذي يتجاوز الحدود العقلية. مؤسسها الرئيسي شهاب الدين السهروردي، الذي عاش في القرن الثاني عشر، جمع في فلسفته بين التراث اليوناني والفارسي القديم والإسلامي، مما جعلها تعبيراً حضارياً عن التعدد الثقافي في العالم الإسلامي. الإشراقية ليست مجرد فلسفة، بل حكمة إلهية تعتمد على "الذوق" أو الحدس الروحي، حيث يرى السهروردي أن النور الإلهي هو أساس الوجود، مستمداً من مفهوم النور في القرآن. حضارياً، ساهمت هذه المدرسة في تعزيز الجانب الروحي والفني في الحضارة الإسلامية، إذ أثرت على التصوف والفنون مثل الرسم والشعر، حيث أصبح النور رمزاً للجمال الإلهي في المساجد والمخطوطات. على سبيل المثال، في "حكمة الإشراق"، يصف السهروردي العالم كتدرج من الأنوار، بدءاً من النور الأعلى (الله) إلى الأنوار الأرضية، مما يوفر إطاراً حضارياً لفهم التنوع الثقافي كانعكاس للوحدة الإلهية. هذا النهج الإشراقي ساعد في مواجهة التحديات الحضارية مثل التصادم مع الثقافات الأخرى، إذ يرى في الإلهام طريقاً للوصول إلى الحقيقة دون الحاجة إلى البراهين العقلية المعقدة، مما جعله أكثر جاذبية للعامة والصوفيين. ومع ذلك، لم تكن الإشراقية معزولة عن العقل، بل تكملها، إذ يؤكد السهروردي على أهمية المنطق كمقدمة للإشراق، مما يعكس قدرتها على التوفيق بين العلم والروح في سياق حضاري يجمع بين المشرق والمغرب الإسلامي.

عند مقارنة المشاية والإشراقية من منظور حضاري، يبرز التباين الأساسي في المنهج: المشاية تعتمد على البرهان العقلي التحليلي، الذي يرى الكون كآلية منطقية، بينما الإشراقية تركز على الإلهام الروحي، الذي يرى الكون كنور إلهي متدفق. هذا التباين لم يكن سلبياً، بل ساهم في غنى الحضارة الإسلامية، إذ أدى إلى تكامل حضاري يجمع بين العلوم الطبيعية (التي ازدهرت تحت المشاية) والفنون الروحية (التي غذتها الإشراقية). على سبيل المثال، في عصر النهضة الإسلامية، ساعدت المشاية في تطوير الرياضيات والفلك، كما في أعمال ابن الهيثم، بينما أثرت الإشراقية على التصوف كما عند ابن عربي، الذي طور أفكار سهروردي ليصبح الوجود وحدة نورانية. حضارياً، يعكس هذا التكامل قدرة الحضارة الإسلامية على التوفيق بين الشرق والغرب، إذ استمدت المشاية من أرسطو لتطور العلوم، بينما اعتمدت الإشراقية على التراث الفارسي والإسلامي لتعزيز الروحانية، مما جعل بغداد مركزاً حضارياً يجذب العلماء من كل الأقاليم. كما أن هذا التنافس أدى إلى تحولات حضارية، مثل انتقال الفلسفة إلى أوروبا عبر ابن رشد، الذي دافع عن المشاية ضد الغزالي، مما أثر على توما الأكويني، بينما انتقلت الإشراقية إلى الفلسفة الشرقية الحديثة كما عند ملا صدرا، الذي جمع بين التيارين في فلسفة متعالية. هذا التداخل يبرز دور الفلسفة العربية في بناء حضارة عالمية، حيث أصبحت جسر انتقال المعرفة من اليونان إلى أوروبا، مع إضافة طابع إسلامي يجمع بين العقل والقلب.

في سياق الفلسفة العربية الإسلامية، يبرز ابن سينا (980-1037 م) كواحد من أبرز رموز المشاية، التي تمثل النهج العقلاني التحليلي المستمد من فلسفة أرسطو، مع إعادة صياغة إسلامية تعكس تفاعل الحضارة الإسلامية مع التراث اليوناني. ابن سينا، المعروف أيضاً باسم أفيسينا في الغرب، لم يكن مجرد شارح لأرسطو، بل مطوراً للمشائية، حيث جمع بين المنطق التحليلي والميتافيزيقا الإسلامية، مما جعله جسر حضاري بين الشرق والغرب. دوره في هذه المدرسة لم يقتصر على الجانب النظري، بل امتد إلى التأثير العملي في العلوم والأخلاق، حيث أصبحت أعماله مرجعاً أساسياً في الجامعات الإسلامية والأوروبية لقرون. من خلال مقاربة فلسفية وتاريخية، يمكننا استكشاف كيف شكل ابن سينا المشاية كمنهج شامل يوفق بين العقل والوحي، مما ساهم في ازدهار الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي، وأثر على تطور الفكر البشري بشكل عام. بدءاً من الخلفية التاريخية، نشأت المشاية في العالم الإسلامي كنتيجة للحركة الترجمية العباسية في بغداد، حيث نقل الفلاسفة مثل الكندي والفارابي أعمال أرسطو إلى العربية، محاولين دمجها مع الإسلام. المشاية، في جوهرها، تعتمد على المنطق الأرسطي كأداة للبرهان، حيث يقسم العالم إلى أجناس وأنواع، ويدرس الأسباب الأربعة (المادي، الصوري، الفاعل، الغائي) لفهم الوجود. في هذا السياق، جاء ابن سينا كوريث للفارابي، لكنه تجاوزه بتوسيع المشاية لتشمل مجالات أوسع، مستفيداً من تجاربه كطبيب ووزير في البلاط الإسلامي. نشأ ابن سينا في بخارى، وتعلم الفلسفة ذاتياً، مما مكنه من قراءة أرسطو بعمق، وصياغة رؤية شخصية تجمع بين التراث اليوناني والفارسي والإسلامي. دوره التاريخي يظهر في قدرته على مواجهة التحديات الفكرية، مثل انتقادات المتكلمين الأشاعرة الذين رفضوا العقل المجرد، إذ أكد ابن سينا أن الفلسفة ليست معارضة للدين، بل مكملة له، كما في قوله إن "الحقيقة واحدة، سواء جاءت من الشريعة أو الفلسفة". في تفصيل دوره الفلسفي، يبرز ابن سينا كمطور رئيسي للمنهج المشائي من خلال أعماله الرئيسية مثل "الشفاء" و"الإشارات والتنبيهات" و"النجاة". في "الشفاء"، الذي هو موسوعة فلسفية شاملة، يعيد ابن سينا صياغة فلسفة أرسطو بشكل منهجي، مقسماً إياها إلى المنطق، الطبيعيات، الرياضيات، والإلهيات. هنا، يطور مفهوم "الوجود الواجب"، الذي يميز بين الوجود الواجب بالذات (الله) والوجود الممكن (المخلوقات)، مما يجعل المشاية أكثر توافقاً مع التوحيد الإسلامي. هذا التطور لم يكن مجرد إضافة، بل تحول جوهري، إذ يرى ابن سينا أن العقل يمكن أن يصل إلى معرفة الله من خلال البرهان، مستخدماً المنطق الأرسطي ليثبت أن الكون ليس أزلياً بالفعل، بل مخلوقاً من عدم، مع الحفاظ على حركة الكون كسلسلة من الأسباب المتسلسلة تنتهي إلى السبب الأول. في المنطق، يوسع ابن سينا التصنيف الأرسطي بإضافة "القياس الشرطي"، الذي يتعامل مع الافتراضات، مما يجعل المشاية أداة أكثر مرونة للعلوم التجريبية. أما في الفيزياء، فيطور نظرية الحركة الأرسطية بإدخال مفهوم "المايل الطبيعي"، الذي يفسر سقوط الأجسام كميل داخلي، ممهداً لأفكار نيوتن لاحقاً. هذا الدور المنهجي يعكس كيف جعل ابن سينا المشاية فلسفة عملية، لا مجرد تأمل، إذ طبقها في الطب كما في "القانون"، حيث يقسم الأمراض إلى أسباب وأعراض بطريقة تحليلية، مما ساهم في تقدم الطب الإسلامي كعلم مشائي. بالإضافة إلى ذلك، يمتد دور ابن سينا في المشاية إلى البعد الأخلاقي والسياسي، حيث يرى في "الشفاء" أن السعادة هي تحقيق الكمال العقلي، مستمداً من أرسطو لكنه يضيف بعداً إسلامياً بجعل التقوى جزءاً من الفضيلة. في كتابه "السياسة"، يصف المدينة الفاضلة كمجتمع يحكمه العقل، مشابهاً لفكرة الفارابي، لكنه يؤكد على دور النبوة كإشراق عقلي، مما يوفق بين المشاية والإسلام. هذا التوفيق كان حاسماً في مواجهة النقد، إذ رد ابن سينا على الغزالي لاحقاً من خلال تلاميذه، مؤكداً أن العقل لا يتعارض مع الوحي، بل يفسره. حضارياً، أدى دور ابن سينا إلى انتشار المشاية في الأندلس، حيث أثر على ابن رشد، الذي دافع عنها في "تهافت التهافت"، مما جعل الفلسفة الإسلامية مصدراً للنهضة الأوروبية في العصور الوسطى. كما أن أعماله ترجمت إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر، مما أثر على توما الأكويني وديكارت، حيث أصبح ابن سينا رمزاً للعقلانية في الغرب.

مع ذلك، لم يكن دور ابن سينا خالياً من التناقضات الداخلية، إذ أدخل عناصر إشراقية في أعماله المتأخرة مثل "الإشارات والتنبيهات"، حيث يتحدث عن "العلم اللدني" كحدس روحي يتجاوز البرهان، مما يجعله جسراً بين المشاية والإشراقية. هذا الدمج يعكس عمق دوره كمفكر شامل، إذ لم يلتزم بالمشائية بشكل دوغماتي، بل طورها لتتناسب مع السياق الإسلامي، مما ساعد في بقاء الفلسفة حية رغم الهجمات الدينية. في النهاية، يمثل ابن سينا قمة المشاية في الفلسفة الإسلامية، حيث جعلها منهجاً يجمع بين التحليل والتأمل، مساهماً في بناء حضارة تعتمد على العقل كأداة لفهم الكون والإنسان.

في سياق تطور الفكر الإسلامي، يمثل التيار الإشراقي، الذي أسسه شهاب الدين يحيى السهروردي (ت. 587 هـ/1191 م)، نقطة تحول حاسمة في علاقة الفلسفة بالتصوف. الإشراقية ليست مجرد فلسفة نظرية، بل هي حكمة تجمع بين البرهان العقلي والكشف الروحي، حيث يصبح النور الإلهي محور الوجود والمعرفة. هذا التيار أثر بعمق على التصوف الإسلامي، محولاً إياه من تجربة روحية عفوية إلى نظام فلسفي متكامل يعتمد على الإشراق كطريق للوصول إلى الحقيقة. من منظور حضاري، ساهم هذا التأثير في تعزيز الجانب الغنوصي (العرفاني) داخل التصوف، مما جعل التصوف أكثر شمولاً وتأثيراً في الفكر الإسلامي اللاحق، خاصة في المشرق الإسلامي، حيث اندمجت أفكار السهروردي مع مدارس التصوف الكبرى مثل مدرسة ابن عربي، مساهمة في تشكيل ما يُعرف بالحكمة المتعالية.

بدءاً من أساس الإشراقية، يرى السهروردي أن النور هو أصل الوجود، وأن المعرفة الحقيقية لا تتحقق بالبرهان العقلي وحده، بل بالإشراق الإلهي الذي يفيض على النفس المتجردة. في كتابه الرئيسي "حكمة الإشراق"، يقسم المعرفة إلى نوعين: العلم الحضوري (الذي يتحقق بالتجربة المباشرة) والعلم الحصولي (الذي يعتمد على البراهين). هذا التمييز يعكس تأثيراً صوفياً واضحاً، إذ يؤكد أن الطريق إلى الحقيقة يمر عبر التجرد والتطهير الروحي، مما يجعل الإشراق امتداداً للتجربة الصوفية الكلاسيكية مثل الكشف والمشاهدة. السهروردي نفسه كان يمارس الزهد الشديد والرياضات الروحية، ويصف نفسه كـ"حكيم متأله"، أي فيلسوف يجمع بين الحكمة العقلية والتأله الصوفي. هذا الاندماج جعل الإشراقية جسراً بين الفلسفة المشائية (التي ينتقدها في بعض جوانبها) والتصوف، حيث يصبح الإشراق برهان التجربة الصوفية في أعلى درجاتها، إذ يظهر الأنوار الإلهية في قلب العارف بعد تجرده من الشهوات والماديات.

التأثير الأبرز للإشراقية على التصوف يظهر في تطوير مفهوم النور كرمز أساسي للوجود والمعرفة. قبل السهروردي، كان التصوف يعتمد على مفاهيم مثل الفناء والبقاء والمحبة الإلهية، لكن الإشراقية أدخلت نظاماً أنطولوجياً يرى الكون تدرجاً من الأنوار العلوية إلى الأنوار الأرضية، مع الله كنور الأنوار. هذا النموذج أثر على الصوفية اللاحقين، حيث أصبح النور رمزاً للكشف والفيض الإلهي. على سبيل المثال، في التصوف بعد السهروردي، نجد تكرار فكرة "الأنوار الإلهية" التي تفيض على النفس، وهي فكرة تتجاوز الوصف الشعري إلى بناء فلسفي يفسر التجربة الصوفية. كما أن السهروردي ربط بين الإشراق والحكمة القديمة (الفارسية، اليونانية، والمصرية)، معتبراً أن الحكماء مثل أفلاطون وزرادشت وهرمس شاركوا في هذه الحكمة، وورثها الصوفية مثل ذو النون المصري وبيازيد البسطامي والحلاج. هذا الربط أعطى التصوف شرعية فلسفية تاريخية، محولاً إياه من تجربة فردية إلى تقليد حكمي متصل بالأصول القديمة، مما ساعد في مواجهة الانتقادات الفقهية التي كانت تتهم التصوف بالبدعة.أما التأثير على ابن عربي (ت. 638 هـ/1240 م)، الذي عاصر السهروردي تقريباً، فيظهر في تكامل مدرستيهما رغم الاختلافات. ابن عربي طور مفهوم وحدة الوجود، الذي يرى الوجود واحداً يتجلى في مراتب متعددة، وهو يشبه تدرج الأنوار عند السهروردي. بعض الباحثين يرون أن ابن عربي امتداد للإشراقية في المغرب الإسلامي، إذ يجمع بين الكشف والعقل، ويستخدم رموز النور في وصف التجليات الإلهية. على الرغم من أن ابن عربي لم يذكر السهروردي صراحة، إلا أن أفكار الإشراق تسربت إلى أعماله من خلال التأثير الثقافي في العصر، خاصة في مفهوم الخيال الإبداعي والتجليات النورانية. هذا التكامل بلغ ذروته في الحكمة المتعالية عند ملا صدرا (ت. 1050 هـ/1640 م)، الذي جمع بين الإشراقية والتصوف الأكبري والمشائية، معتبراً الإشراق طريقاً لتحقيق الوجود المتعالي. من الناحية الحضارية، أدى تأثير الإشراقية إلى تعزيز التصوف كحكمة عملية، لا مجرد زهد فردي، بل نظام يشمل العقل والقلب معاً. هذا ساعد في انتشار التصوف في المدارس الفلسفية الشرقية، وأثر على الشعر والفنون الإسلامية، حيث أصبح النور رمزاً للجمال الإلهي في الشعر الصوفي والعمارة. كما أن الإشراقية قدمت دفاعاً فلسفياً عن التصوف ضد النقاد، مؤكدة أن الكشف ليس وهماً، بل معرفة حضورية تتجاوز الحدود العقلية. هذا التأثير استمر حتى العصور الحديثة، حيث يُستلهم في الفكر الروحي المعاصر لربط التصوف بالبيئة والتوازن الكوني، معتبراً النور مصدراً للانسجام بين الإنسان والكون.

في الختام، تكشف المقاربة الحضارية للفلسفة العربية الإسلامية بين المشائية والإشراقية عن حضارة ديناميكية تجمع بين التناقضات لتبني كلاً متكاملاً. المشائية قدمت الأساس العقلي لبناء العلوم والمجتمعات المنظمة، بينما الإشراقية غذت الروح والفنون، مما جعل الحضارة الإسلامية نموذجاً للتعدد والتوازن. هذا التكامل لم يكن مصادفة، بل نتيجة لتفاعل حضاري مستمر، يعكس قدرة الإسلام على استيعاب التراثات المتنوعة ليخلق حضارة تشع بالمعرفة والجمال، مما يظل مصدر إلهام للعصور اللاحقة في سعيها للوفاق بين العلم والروح. لذلك يظهر تفصيل دور ابن سينا في المشائية كيف أصبح هذا الفيلسوف ركيزة أساسية في تطور الفكر الإنساني، حيث لم يقتصر على شرح أرسطو، بل أعاد بناء المشائية كفلسفة إسلامية شاملة، تؤثر على العلوم والأخلاق والسياسة. هذا الدور لم يكن فردياً، بل جزءاً من حركة حضارية أوسع، جعلت العالم الإسلامي مركزاً للمعرفة، وأثرت على العصور اللاحقة، مؤكدة أن الفلسفة الحقيقية هي تلك التي تتجاوز الحدود الثقافية لتصبح إرثاً مشتركاً للبشرية. هكذا يمثل تأثير الإشراقية على التصوف تحولاً نوعياً جعل التصوف أكثر عمقاً فلسفياً وشمولاً روحياً. من خلال مفهوم النور والإشراق، أصبح التصوف ليس تجربة عاطفية فحسب، بل طريق معرفي يجمع بين البرهان والذوق، مما أثرى الحضارة الإسلامية بتيار عرفاني يربط بين العقل والقلب، ويظل مصدر إلهام لمن يسعى إلى الحقيقة في عصر يغلب فيه التقسيم بين العلم والروح. هذا التأثير يؤكد أن الإشراقية لم تكن مجرد مدرسة فلسفية، بل حركة روحية أعادت صياغة التصوف كحكمة شاملة للوجود البشري.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

حاليا، يُعد العمل المرهق من بين الطرق القليلة المحايدة سياسيا لبيان الفضيلة. نحن لا نعمل فقط لنعيش، بل نعمل لنثبت اننا نستحق ذلك. هذه القيم لم تُكتب في النجوم او في جيناتنا، او في منطق التاريخ. اذاً لماذا يستمر الوزن الأخلاقي لهذه القيم؟ لماذا يُعامل العمل بغرابة كما لو كان الأقرب الى التقوى؟ أحد الأجوبة الحادة جاءت من عالِم الاجتماع الألماني ماكس ويبر. كتابه (الاخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية،1905) اصبح كلاسيكيا مع اننا نحتاج لنكون حذرين حول ما تعنيه هنا مفردة كلاسيك . كما في الانجيل او كتاب ستيفن هاوكنك (تاريخ مختصر للزمن)، نال كتاب الاخلاق البروتستانتية اقبالا واسعا، واستُدعي بانتظام، ونادرا ما قرئ.

جادل ويبر ان نوعا معينا من البروتستانتية لم يغير فقط ما اعتقد به الناس، انه غيّر شخصيتهم. البروتستانت القلقين حول أملهم في الخلاص، بحثوا عن علامات اللطف الإلهي في النجاحات الدنيوية. ذلك القلق، اعتقد ويبر انه ساعد في خلق و تعزيز العمل المنضبط وتوجيه الفرد الحديث الذي تعتمد عليه الرأسمالية. الكتاب لم يكن رثاءً ولا احتفالا، حتى عندما نجد في نهاية الكتاب جوا من اليأس يتسلل الى النص. كانت واحدة من بين أفكار ويبر الأساسية، وليست فقط في هذا الكتاب، هي ان الحداثة فقدت الإحساس بالمعنى الروحي للعصور السابقة، وتركت خلفها مجرد قشرة – الإكراه القاسي للعمل.

الروح ذهبت طبقا لويبر حتى لو استمرت الاخلاق وحتى لو خاطر العالم الحديث ليصبح على مأ اسماه ويبر "القفص الحديدي".

ما هو جدال ويبر الحقيقي؟

ظل ويبر يدور حول نفس السؤال المخادع: لماذا ضربت الرأسمالية الحديثة جذورها في الغرب بدلا من أي مكان آخر؟ هناك طرق مختلفة للإجابة على مثل هذه الأسئلة. في هذه الأيام، مفكرون مثل المؤرخ جاريد دايموند ربما يحاول توضيح هذه الأشياء طبقا للجغرافية او موقع الموارد. الماركسيون يوضحون نفس الشيء طبقا للصراع الطبقي والتحول في وسائل الإنتاج. ويبر لم ينكر الدور الذي لعبته تلك العوامل لكنه كان مهتما بدور الثقافة، خاصة تلك العادات الأخلاقية والسايكولوجية التي نمت من حركة الإصلاح الديني. هو جادل انها لم تتلائم فقط مع الرأسمالية في معنى مجرد، بل ساعدت بالضبط في تشكيل نوع الشخص الذي اعتمدت عليه الرأسمالية. أولاً، من المفيد فهم ما قصده ويبر بروح الرأسمالية. لكن مفيد أيضا نعرف ما لا يقصده. هو لم يشر الى ظهور الأسواق او السعي للربح لأن تلك موجودة منذ قرون. ما كان جديدا، حسب ويبر، كان الموقف الأخلاقي: ان العمل الشاق، العيش البسيط ،وتراكم الثروة لم تكن فقط مهارة عملية للنجاح وانما بطبيعتها أشكال فاضلة للسلوك. الربح، بالنسبة للبعض، كان اكثر من مجرد محصلة شخصية مرغوبة، انه كان واجبا.

تعقّب ويبر هذه الروح"Geist" الى فرع معين من البروتستانتية، نشأت في عمل الثيولوجي جون كالفن (1509-1564). اعتقد الكالفينيون في القدرية . هذه هي فكرة ان الله قرر سلفا منْ الذي يُنقذ ومن لا يُنقذ، قبل وقت طويل من إمكانية الفعل البشري في تعديل هذه المحصلة. بعض المؤرخين وكالفن ذاته اعتقد ان الهدف من العقيدة هو لتأكيد عجز الانسان. عمليا، انها ولّدت قلقا عميقا. لأنه اذا لم يتحقق الخلاص هنا على الأرض، كيف يمكن لأي شخص ان يتأكد من مصيره؟ النتيجة كانت نوعا من السلوك التعويضي. المؤمنون بدأوا البحث عن علامات اللطف الإلهي. النجاح في "مهنة"Beruf  ، وهي كلمة تعني كل من "وظيفة بأجر" و "مهنة" تنطوي على إحساس عميق بالهدف أصبح مثالا لتلك العلامة. العمل الشاق، وتجنب الرفاهية، إعادة استثمار الأرباح، هذه لم تكن فقط عادات سليمة. انها دليل على ان المرء كان من بين الذين وقع عليهم الاختيار.

أطلق ويبر على هذا اسم "زهد باطني": الطاقة الدينية تم توجيهها ليس الى الاديرة او العزلة وانما الى الحياة العادية. انت لا تنسحب من العالم لتجد الله. انت أظهرت قيمتك من خلال انضباط دنيوي. بمرور الزمن، هذه السلوكيات انفصلت عن أصولها الدينية. انت لا تحتاج للايمان بالقدر لتشعر بالدافع للعمل اللامتناهي، او لتثبت قيمتك من خلال النجاح. فكرة "الوظيفة" استمرت لكنها أصبحت جوفاء. بالنهاية، بدت أقرب الى الالتزام منه الى العمل بعاطفة ، لذا فان فكرة ويبر لم تكن ان البروتستانت اخترعوا الرأسمالية. كانت تلك الأفكار البروتستانتية هي التي ساعدت في تشكيل نوع معين من الشخصية – منضبطة، قلقة،موجّهة جيدا- اندمجت بشكل تام مع النظام الاقتصادي الجديد.

هو أيضا اعتقد ان العالم كان مجردا من التسامي. لكن كما يرى الثيولوجي وليم كافانو ان الحياة الحديثة ليست خالية من المعنى بل هي احتفظت بالمعنى والدهشة في ظل الاشكال الجديدة. الرأسمالية لم تمحو العبادة، انها أعادت توجيهها. طقوسنا الآن تستلزم استخدام بطاقات الدفع الالكتروني السريع، الخوارزميات والطقوس اليومية لتفاني السوق. ان الوزن الأخلاقي الذي رآه ويبر في الوظيفة البروتستانتية لم يختف،انه وُلد مرة أخرى: الان هو يستجيب لهرمون الدوبامين وولاء المستهلك. نحن لم نعد نبرر أعمالنا في ضوء مجد الله،لكننا لانزال نعمل كما لو ان شيئا ابديا يعتمد عليها.

الشيء المثير

في البدء، تبدو الاخلاق البروتستانتية يُقرأ كقصة أصلية للرأسمالية. ومع الاستمرار في القراءة، يبدأ يعطي شعورا أشبه بقصة شبحية. بالتأكيد ويبر لم يكن محتفلا بما وصف. بدلا من ذلك، هو كان يحاول توثيق اللحظة التي  تكلّس فيها المشروع الروحي او الثيولوجي الى شيء اكثر ميكانيكية، قهري ولامفر منه. في هذا النص، تتحول المهنة ذات العاطفة والمعنى الى مجرد وظيفة وواجب مقدس. انها بمرور الزمن تصبح من غير الممكن تمييزها عن الضرورة الاقتصادية الأساسية. أشهر السطور في الكتاب تأتي في النهاية عندما يصرح ويبر ان الرأسمالية الحديثة تترك لنا غلافا صلبا كالفولاذ، وهو ما تُرجم من جانب تالكوت بارسون بالقفص الحديدي(iron cage).(1)

فكرة ويبر كانت ان الطاقة الأخلاقية التي قادت في يوم ما الاخلاق البروتستانتية قد استُنزفت. ما بقي هو مجرد أنماط سلوكية أصبحت ردود أفعال فطرية. الناس لايزالون يعملون بقلق شديد، يلاحقون النجاح كما لو كان معنى نهائيا. الفرق هو انهم الان غير متأكدين لماذا. الفيلسوف الأسترالي مايكل سيموندز جادل بان هذا منطق مأساوي، حيث رعب الاقدار يقود المؤمنين الى أخلاق قهرية للعمل، تنتج عالما يصبح فيه المعنى ذاته صعب الفهم. النتيجة هي ليس فقط ما يسميه السوسيولوجيون "خيبة أمل" وانما فراغ عميق. انه عالم لم تعد فيه المعاناة تدعو اوتوماتيكيا للتعاطف حيث يبدو الحب يشبه عدم الكفاءة.

العمل اصبح الطمأنينة الموثوقة الوحيدة لنا. يكتب ويبر ان "مضيعة الوقت"هي أول وأخطر الخطايا". في هذا العالم، الترفيه مذنب حتى يثبت برائته. هذه احدى اهم أفكار ويبر المقلقة: نظام صُمم لإثبات قيمة روحية ينتهي ببناء عالم  يبدو منطقه ينكر وجود أية قيمة. في ملاحقة هذا النوع الخاص للمعنى، نحن بنينا هياكلا تُضعف قدرتنا للايمان بأي شيء ذو معنى. الرأسمالية الحديثة هي نتيجة للبروتستانتية وأيضا خيانة لها.

لماذا لايزال مهماً؟

من الواضح، لايحتاج المرء ان يعرف حول الكالفينية ليسكن العالم الذي وصفه ويبر. ومع ذلك، ان كان هناك شيء، فهو ان الأنماط التي تعقّبها ويبر تعمقت فقط. صحيح ان هذا ينطبق على الكثير من الطرق التي تعمل بها الثقافة بشكل عام – البصمات الدينية لاتزال هناك مع اننا نادرا ما نلاحظها. نحتاج لحظة واحدة  لإدراك ان كلمة "علماني" هي ذاتها مشتقة من اللاهوت المسيحي. في النهاية، اقترح ويبر ان الرأسمالية لم تقتل الدين، انها فقط حنّطته. انها حافظت على قشرة الاخلاق وجردت الدين من التسامي. خذ مثلا التركيز على التحسين الذاتي المستمر self-optimisation. لغة "الوظيفة ذات معنى" vocation هي في كل مكان، لكن تم تسطيحها الى نوع من أسلوب الحياة. العمل ليس فقط عمل، انه يُفترض ان يكون عاطفة، غرض، هوية. انت ليس فقط موظف، انت "تعمل ما تحب". هذه الفكرة مغرية، لكنها بسرعة تتحول الى فخ، لأنه اذا كان للعمل معنى، عندئذ سيبدو الفشل او الاستنزاف عيوبا أخلاقية. هذا المنطق – إضفاء الطابع الأخلاقي، تشخيص الراحة كمرض – يبدو بروتستانتيا بعمق، حتى لو لم يضعه احد بتلك الطريقة. انت تسمع ذلك في التدريب المهني وفي اصلاح التعليم وفي نقاشات الصحة الوقائية. كل شخص يُشجع للتصرف  كشركة مصغرة: تبني سلعتك، تستثمر في "رأس المال البشري"، تعتصر المردود من كل ساعة عمل.

لكن القلق قد تغير. بالنسبة للبروتسانتيين الأوائل، كان العمل طريقة لتطمين نفسك انك نلت الخلاص . بالنسبة للعديد منهم اليوم، العمل طريقة لإثبات انك لا يمكن نبذك والتخلص منك. الرعب لم يذهب، لكن المخاطر تغيرت. انها ليست الجنة او النار، انها شيء أصغر، أقل الحاحا: الملائمة. والأخلاق تستمر بالعمل لنا. نحن نشعر بجاذبية ان نكون مفيدين، منتجين، نبقى مشغولين حتى عندما تكون المكافأة غير مؤكدة او تختفي كليا. انت تستطيع ان تراها في الناس الذين يعملون ساعات طويلة في أعمال محفوفة بالمخاطر، او يشعرون بالذنب عندما يأخذون إجازة، او يصارعون لتوضيح ما "يعملون" ان لم يكن منتجا بوضوح. ذلك تقريبا كان تحذير ويبر. هو لم يقل فقط  قصة حول الدين والاقتصاد. هو كان يتعقب كيف صاغت الأفكار العادات، وكيف جرى مأسسة العادات واستمرت تعمل طويلا بعد اختفاء الأفكار ذاتها.

الإيداع في القفص

لذا حتى عندما تبدو الاخلاق البروتستانتية كتابا قديما حول الثيولوجي والرأسمالية المبكرة، انه لايزال يؤثر على الحياة الحديثة بقوة مدهشة. انه يوضح لماذا حفلات المبيت في ارضيات مصنع ايلون ماسك تثير الاعجاب بدلا من الشفقة، لماذا يُعامل "الإرهاق" كطقوس احتفالات المولد. وانه يذكّرنا ان أنظمة لا تحتاج عقيدة لتستمر بالعمل. في الأساس، انها تحتاج فقط الامتثال.

 فكرة ويبر لم تقتصر فقط في ذلك، في وقت ما، شكّل الدين الاقتصاد. كان ذلك النوع المعين من الثيولوجي، والقلق الديني الذي أثاره خصيصا، قد ولّد نظاما تجاوز لاهوته وتحول الى شيء آخر تماما. الطاقة الدينية التي قادت يوما ما العمل المنتج والتي سعت لتمجيد الله قد جُردت من التسامي، حين عمل الناس في السابق ليلمحوا علامات الخلاص. نحن الان نعمل لنثبت مازلنا مهمين. العالم خاب أمله لكن الطلبات التي سبقت خيبة الامل لازالت باقية.

هنا مفارقة واضحة. الاخلاق التي قُصد بها كشف لطف الله انتهت وفق ويبر بالقضاء على فكرة ان العالم ذو معنى. العالم حتى لو لم يعد يتكلم، لايزال يعمل. لغة ويبر في النهاية ليست توجيهية او ثورية وانما مأساوية الى حد ما. هو لم يقدم علاجا ولا دعوة لحمل السلاح. هو يسأل فقط ان نرى كيف وصلنا الى ما نحن فيه الان – كيف ساعد دين معين وتقاليد في بناء ماكنة تعمل الان بجهدنا بدون عقيدتنا. في وصفه الكيفية التي برزت بها الرأسمالية، ويبر أيضا يحقق في الطريقة التي اصبحنا بها مستعدين وراغبين لنعيش في داخلها. رغم ان لهجته مأساوية، يبقى شيئا واحدا واضحا: العالم الذي يصفه لم يتقرر بواسطة النجوم او "طبيعة الانسان". ورغم انه عادة يعارض الإصلاحيين مثل ماركس، لكن الماركسيين يمكنهم الاستفادة منه أيضا، لأن ويبر كان يرغب ان يسأل كيف جئنا لنرى قفصا ليس فقط كشيء مرخص به وانما كشيء نضع استثمارنا فيه.

***

حاتم حميد محسن

.................................

الهوامش

(1) في القفص الحديدي، يصف ويبر كيف ان العقلانية الحديثة والبيروقراطية والضغط الاقتصادي حشر الافراد في نظام يركز على الفاعلية والنجاح المادي وقواعد صارمة لاشخصية تخنق الحرية الإنسانية والمعاني الروحية.  

 

نحو قراءة في وحدة المنهج المعرفي

يعدّ الفهم الدقيق للعقلانية والمنهجية عند فلاسفة الإسلام، وخصوصا عند الفيلسوف والفقيه في آن واحد، خطوة محورية لفهم المشروع الفكري العربي الإسلامي الذي تمازج فيه الفكر الفلسفي بالفقه والتشريع. ومن بين هؤلاء، يبرز فكر ابن رشد (520-595 هـ / 1126-1198 م) باعتباره نموذجا فريدا في مقاربة العقل والنقل والقياس الفقهي والفلسفي، عبر ما يمكن أن نسميه وحدة المنهج المعرفي. هذه الوحدة لا تعني اختلاط الفلسفة بالفقه، أو مساواتهما في الأهداف، بل تعني انسجام الأدوات العقلية والاستدلالية، واستثمار العقل في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية من أجل الوصول إلى الحقيقة، سواء كانت حقيقة شرعية أو حقيقة فلسفية.

إن مسألة القياس عند ابن رشد ليست مجرد مسألة تقنية فقهية، بل هي مدخل لفهم طبيعة الفكر العقلاني عنده، وموقع العقل في سياق التشريع والفلسفة. فالقياس الفقهي عنده لا يقتصر على الاستدلال بالمقدّمات الفقهية للوصول إلى أحكام جديدة، وإنما هو في العمق تعبير عن عقلانية منهجية توازي العقلانية الفلسفية التي ينطلق منها في تفسير الكون والوجود. وهذا ما يجعل دراسة القياس عند ابن رشد ليست دراسة فصلية، بل قراءة في وحدة المنهج المعرفي، حيث تتلاقى أدوات العقل في الفقه والفلسفة، وتتقاطع المبادئ العقلية في استكشاف الشرع والوجود معا.

لقد كانت العقلانية عند ابن رشد وفق ما يشير إليه أرسطو في مقدماته المنطقية، أداة أساسية لاستكشاف الحقيقة، وهو ما جعله يولي للقياس أهمية مركزية في الفقه والعقل. ففي "فصل المقال" و"تهافت التهافت"، نجد أن ابن رشد يوضح أن القياس الشرعي يقوم على قواعد عقلية منطقية، لا تتناقض مع ما يبرزه العقل الفلسفي من استنتاجات، بل يكمله في مستوى المبدأ والمنهج. ويؤكد ابن رشد أن العقل وحيّانه لا ينفصل عن التشريع الإلهي، وأن كل استدلال منطقي في الفقه يجب أن يكون مستندا إلى قاعدة عقلية صحيحة، تماما كما في الفلسفة. يقول ابن رشد: «إذا كان العقل يرى وجوبا لما لا يصل إليه النقل، فالنقل لا يناقضه، بل يكمّله».

إن مفهوم القياس عنده يحمل دلالتين متلازمتين: الأولى في الفقه، حيث يُستعمل القياس للوصول إلى الأحكام التفصيلية المستحدثة، والثانية في الفلسفة، حيث يُستعمل القياس للوصول إلى المبادئ العامة والفكرية، وهما في جوهرهما يعتمدان على قواعد المنطق، وعلى قدرة العقل على الربط بين المقدّمات والاستنتاج. وهنا يصبح القياس عند ابن رشد جسرا بين العقل الشرعي والعقل الفلسفي، وبين النقل والعقل، وبين المبدأ والتطبيق بما يضمن وحدة المنهج.

تُظهر الدراسات المعاصرة أن ابن رشد كان واعيا للفارق بين القياس الفقهي والقياس الفلسفي، لكنه كان يرى أن هذا الفارق شكلي أكثر منه جوهري. فالقياس الفقهي يعتمد على نصوص شرعية محددة كمقدّمات، بينما القياس الفلسفي يعتمد على مبادئ عقلية مجردة. غير أن الآلية العقلية التي يستخدمها العقل البشري في الاستدلال واحدة، وهذا ما يجعل المنهجية واحدة. في هذا الصدد يقول توماس هوبز عن المنطق والاستدلال: «الاستدلال هو أحد الأدوات العقلية التي لا تختلف في موضوعها، بل في طبيعة المدخلات التي تُعطى لها» . ويمكننا تطبيق هذه الرؤية على ابن رشد، حيث إن المدخلات هي النصوص الشرعية في الفقه، والمبادئ العقلية الكونية في الفلسفة، أما الآلية فهي قياس منطقي واحد.

على مستوى الفقه، يعد القياس أداة لاستنباط الأحكام في الأمور المستجدة التي لم يرد فيها نص صريح. وهنا يتضح اهتمام ابن رشد بتأسيس قاعدة عقلية صارمة للقياس، بحيث لا يصبح مجرد اجتهاد عاطفي أو رأي شخصي. يلتزم القياس الفقهي عنده بمراحل محددة: المقدمات العامة، المقدمات الخاصة، الاستدلال، والاستنتاج النهائي للحكم الشرعي. هذه المراحل تشبه إلى حد كبير منهج القياس الفلسفي، الذي يبدأ من المبادئ العامة للوصول إلى النتائج الخاصة في فهم العالم. حيث يشير ابن رشد في هذا السياق: «ليس القياس في الفقه إلا تطبيق العقل على النص، كما أن القياس في الفلسفة تطبيق العقل على المبدأ».

أما على مستوى الفلسفة، فالقياس الفلسفي عند ابن رشد ليس مجرد أداة تحليلية، بل وسيلة للوصول إلى الحقيقة المطلقة. فهو يتأثر بالمنهج الأرسطي، حيث يكون القياس منطقيا بين مقدّمات صحيحة للوصول إلى استنتاج صحيح. وعند مقارنة القياس الفقهي بالقياس الفلسفي، نجد أن الفارق الحقيقي هو في طبيعة المقدمات: نصية في الفقه، ومبدئية عقلية في الفلسفة، أما العقلية التي تحرك عملية القياس فهي واحدة. هذا ما يجعل ابن رشد يرى في العقل أداة واحدة للتفكير في كل من عالم الشرع وعالم الوجود، بما يحقق وحدة المعرفة والمنهج.

لقد كان ابن رشد على وعي بالجدل الذي دار بين الفقهاء والفلاسفة حول العلاقة بين العقل والنقل. في كتابه "تهافت التهافت"، حيث رد على الغزالي الذي أكد على تفوق النقل على العقل في مسائل الأصول والفقه، وبين أن النقل والعقل ليسا في صراع، بل هما مساران متوازيان يلتقيان في خدمة الحقيقة. هذا التأكيد على الانسجام بين العقل والنقل يعكس إيمانه بوحدة المنهجية، حيث تُستعمل قواعد العقل في تفسير النصوص، وتُستعمل المبادئ العقلية في فهم العالم. يشير ابن رشد إلى أن ابن رشد: «الشرع لا يخالف العقل، بل يوجهه ويقوده إلى الحق».

تظهر أهمية هذا التوجه بشكل أكبر عند النظر إلى القياس الفلسفي باعتباره مدخلا لإعادة تفسير الفقه. فالقياس الفلسفي يسمح للعقل بالتحليل والتفكيك، وهو ما ينعكس لاحقا في القياس الفقهي عبر تمكين الفقهاء من فهم النصوص وفقا لمبادئ عقلية عامة. ويمكننا هنا أن نستحضر رأي الفيلسوف جون لوك الذي يرى أن العقل أداة لفهم النظام الكوني، وهو ما يوازي رؤية ابن رشد في أن العقل أداة لفهم الشرع والنظام الكوني في آن واحد.

إن إبراز وحدة المنهج عند ابن رشد يسمح لنا بفهم مشروعه الفكري ككل. فبينما قد يبدو القياس الفقهي والأحكام الشرعية محددة ومقيدة، والقياس الفلسفي حرا ومتسعا، نجد أن ابن رشد يضعهما في إطار عقلاني واحد، يقوم على مبدأ أساسي هو الاتساق المنطقي، والتمسك بالمبادئ العقلية العامة، وعدم التناقض بين نصوص الشرع والعقل. مما يجعل فهمه للقياس أداة معرفية موحدة، تستثمر في مختلف المجالات وتؤسس لعقلانية متكاملة.

إن ابن رشد يتجاوز حدود التقليد الفقهي، كما يتجاوز حدود الفلسفة النظرية، ليؤسس لمنهجية عقلية واحدة، يقوم فيها القياس بأدوار مختلفة بحسب المجال، لكنه يظل قائما على نفس المبادئ العقلية. وهذا يقترب من ما أسماه الفيلسوف الألماني كانط بـ "القوانين العقلية الفطرية"، حيث أن العقل يعمل وفق قواعد أساسية ثابتة مهما اختلفت طبيعة الظواهر أو النصوص.

كما أن الاهتمام بوحدة المنهج يسمح لنا بفهم مشروع ابن رشد كإعادة بناء للمعرفة، يقوم على الربط بين أجزاء المعرفة المشتتة، سواء كانت نصوصية أو عقلية أو فقهية أو فلسفية. إن قياس ابن رشد هو قياس معرفي شامل، لا يقتصر على الفقه وحده أو الفلسفة وحدها، بل يشمل جميع أوجه التفكير العقلاني.

لقد أشار ابن رشد إلى أن القياس الفلسفي والفقيه ليسا في تناقض معا، بل يكمل أحدهما الآخر. فالقياس الفقهي يعتمد على العقل في تفسير النصوص، والقياس الفلسفي يعتمد على العقل في تفسير العالم، وكلاهما يسعى إلى الحقيقة، إما الحقيقة الشرعية أو الحقيقة العقلية. وهنا يظهر مشروعه كمنهج معرفي واحد قائم على العقل، لا يفرق بين شؤون الدين والدنيا في مستوى الأسلوب والمنهج.

كما أن قراءة هذا التوجه عند ابن رشد تقودنا إلى إدراك أنه كان يرى في العقل أداة موحدة للمعرفة، تتجاوز الانقسام التقليدي بين العلوم الشرعية والعلوم العقلية. فالقياس الفقهي هو تطبيق للمنطق على النصوص، والقياس الفلسفي هو تطبيق للمنطق على المبادئ، وبالتالي فالمعيار العقلي واحد: الاتساق، الصحة المنطقية، وعدم التناقض. وهنا نفهم أن ابن رشد هو أول من أسس لفكرة "وحدة المنهج" في الفكر الإسلامي عبر دمج العقل والنقل والفلسفة والفقه، في منظومة معرفية واحدة.

وتجدر الإشارة إلى أن قياس ابن رشد لم يكن مجرد عملية تقنية تجريدية، بل هو ممارسة معرفية متكاملة تربط بين النظر والتطبيق، بين العقل والنقل وبين المبادئ العامة والتطبيقات الجزئية وبين المعرفة الدينية والعلمية. ويصف الفيلسوف ابن سينا هذا النوع من العقلانية بأنه «عقلية قادرة على استنتاج المبادئ من المقدمات والتطبيق على الوقائع، دون أن تفقد صلتها بالحقيقة». ويمكننا تطبيق هذه الرؤية على منهج ابن رشد، حيث يصبح القياس جسراً معرفياً بين الفقه والفلسفة، وبين النص والمبدأ وبين النظر والتطبيق.

على مستوى الفقه، يوضح ابن رشد في كتابه "الكليات" أن القياس الفقهي ليس مجرد إعادة إنتاج للأحكام السابقة، بل هو أداة استنباطية متطورة. فهو يبدأ من قاعدة شرعية عامة، مثل قاعدة "الأصل في الأشياء الإباحة" أو "المضرّة تُزال"، ويطبقها على حالة جديدة لم يرد فيها نص مباشر، فينتج حكما شرعيا متسقا مع النصوص العامة. وما يميز منهج ابن رشد هنا هو استخدامه للمنطق الصوري، وتحديده للمقدمات الخاصة والعامة، وتأكيده على ضرورة انسجام الاستنتاج مع المبادئ العقلية العامة. يقول ابن رشد: «إن القياس الصحيح في الفقه لا يكون إلا إذا وافق العقل ووافق الشرع، وإذا خالف أحدهما كان غير صالح».

أما على مستوى الفلسفة، فالقياس الفلسفي عند ابن رشد يعتمد على المنطق الأرسطي، ويستهدف المبادئ الكونية. فالعقل يبدأ بالمبادئ العامة مثل وحدة الله، أو الضرورة العقلية للوجود، ثم يربطها بالحقائق الجزئية للوصول إلى استنتاجات فلسفية دقيقة. هنا تتضح وحدة المنهج: الآلية العقلية واحدة، سواء في الفقه أو الفلسفة، والاختلاف في طبيعة المقدمات، لا في طريقة الاستدلال. هذا ما يذكرنا برؤية الفيلسوف توما الأكويني، الذي رأى أن العقل الإنساني يستخدم نفس القواعد الاستدلالية لفهم الطبيعة والشرع على حد سواء، وأن أي اختلاف في المجال لا يعني اختلافا في المنهج.

ويجب التوقف عند أحد المفاهيم الجوهرية التي يبرزها ابن رشد، وهو مفهوم "المبدأ والمنهج". فالمبدأ عنده يمثل الحقيقة العليا أو القاعدة العامة، سواء أكانت شرعية أم عقلية، بينما المنهج هو الآلية التي يستخدمها العقل للوصول إلى النتائج الجزئية. ويصبح القياس الفقهي والفلسفي وجهين لمبدأ واحد، هما انعكاسان مختلفان لتطبيق العقل على الحقيقة. ويشير ابن رشد إلى أن «المبدأ واحد والعقلية واحدة، وما يختلف هو التطبيق بحسب مجال البحث».

إن هذه الرؤية تسمح لنا بفهم العلاقة بين القياس الفقهي والقياس الفلسفي كحالة من "التعدد في الوحدة". فعلى الرغم من اختلاف الظاهر بين النصوص الشرعية والمبادئ العقلية المجردة، فإن العقل الذي يستدل عليها واحد، ومنه يتولد انسجام معرفي. وهنا يمكننا الاستعانة برؤية الفيلسوف هيجل عن وحدة المنهج في البحث، حيث أن العقل ينطلق من الكلي إلى الجزئي ويعود إلى الكلي، وفي كل مستوى يعمل وفق نفس المبادئ المنطقية.

علاوة على ذلك، يشير ابن رشد إلى أن القياس الفقهي لا يكتفي بتطبيق القواعد النصية، بل يتطلب فهم الغرض من الشريعة، وهو ما يعرف عنده بـ "المقاصد الشرعية". ففهم هذه المقاصد يتطلب استخدام العقل الفلسفي في تحليل النصوص، وبالتالي يقترب القياس الفقهي من القياس الفلسفي. يقول ابن رشد: «من لا يعرف مقاصد الشرع، لا يصل إلى حكم صائب، ولو اتبع القياس حرفيا». وهنا تتضح وحدة المنهج: العقل يستعمل ذاته في كل المجالات، ويستثمر المنطق في فهم النصوص وتحليل المبادئ، سواء في الفقه أو الفلسفة.

كما أن وحدة المنهج عند ابن رشد تتيح له معالجة الإشكاليات التي طرحها الفقهاء والفلاسفة على حد سواء. فالفلاسفة مثل الغزالي انتقدوا استخدام العقل في مسائل الشرع، معتبرين أن النقل أولى من العقل، بينما الفقهاء أحيانا كانوا يعتبرون القياس مجرد أداة تقنية. إلا أن ابن رشد يرى أن العقل والنقل متكاملان، وأن القياس الفقهي والفلسفي يستندان إلى نفس المبادئ العقلية. ويؤكد على أن «العقلاء إذا اجتمعوا على القياس الصحيح، لم يختلفوا في الحكم، وإن اختلفت الكلمات أو الأساليب».

تتجلّى هذه الوحدة المنهجية بوضوح عند النظر في توظيف القياس عند ابن رشد. ففي المجال الفقهي، يُستثمر القياس لردّ النوازل إلى أصولها، وذلك بإلحاق الوقائع المستحدثة بالمبادئ الكلية والأحكام المنصوصة، عبر تحقيق العلة الجامعة بينها. أمّا في المجال الفلسفي، فينهض القياس بوظيفة تفسيرية وبرهانية، إذ يربط بين الظواهر وأسبابها، وبين الضرورة والوجود، وبين العلة ومعلولها، ضمن نسق استدلالي محكم. ومن ثمّ، لا يظهر القياس عند ابن رشد مجرد تقنية صورية، بل يتبدّى فعلاً عقليا تكامليا، ينسج العلاقات بين مستويات متعددة من المعرفة، مع المحافظة على صرامة البناء المنطقي ودقته.

كما أن ابن رشد لا يقتصر على القياس التقليدي في الفقه، بل يتناول القياس الفلسفي كأداة لتفسير النصوص نفسها، من خلال ما يُعرف عنده بـ "تفسير النص بحسب العقل". فهو يرى أن النصوص الشرعية تحتوي على معانٍ عقلية دقيقة، يمكن إدراكها عن طريق القياس الفلسفي، بما يوضح هدف الشريعة ومقاصدها. وهنا يظهر التناغم بين الفقه والفلسفة، العقل الفلسفي لا يناقض النص بل يكشف أبعاده العميقة، والقياس الفقهي يصبح أداة عملية لتحقيق هذه الأبعاد.

من جهة أخرى، يشير ابن رشد إلى أن القياس الفلسفي يمكن أن يكون أداة نقدية للقياس الفقهي، بما يساعد على كشف التناقضات أو الأخطاء في استنتاج الأحكام. وهكذا يتحقق توازن معرفي، القياس الفلسفي يدعم القياس الفقهي، والقياس الفقهي يطبق العقل على النصوص، بينما العقل الفلسفي يطبق نفس المبادئ على الكون والفكر. ويمكن هنا الاستشهاد برأي الفيلسوف الفارابي الذي يرى أن "العقل أداة واحدة، وظيفتها تحقيق الحقيقة، سواء في السياسة أو الدين أو العلوم الطبيعية".

وفي سياقنا هذا، يصبح مفهوم "وحدة المنهج المعرفي" عند ابن رشد أكثر وضوحا. فالمسألة ليست مجرد توافق شكلي بين القياس الفقهي والفلسفي، بل انسجام جوهري على مستوى المنطق وأداة العقل واستثمار المبادئ العامة للوصول إلى النتائج الجزئية. إن هذا الانسجام يجعل منهج ابن رشد نموذجا فريدا في الفكر الإسلامي، حيث يتحد العقل والنقل والفكر الفلسفي والفقه، في نظام معرفي متكامل، قادر على معالجة مختلف المسائل الإنسانية والكونية.

ولتعميق فهم هذا المنهج، يمكن استعراض بعض الأمثلة التطبيقية من كتب ابن رشد. ففي كتاب "فصل المقال"، يوضح كيف يمكن للقياس الفلسفي أن يفسر الحكم الشرعي في ضوء المبادئ العامة للضرورة والضرر والمصلحة، مؤكداً أن العقل والفلسفة ليسا في صراع مع الشريعة، بل يعملان في إطارها. وفي كتاب "الكليات"، يبرز كيفية تطبيق القياس الفقهي على المعاملات الجديدة، مثل البيع والشراء أو العقود المالية، مع الالتزام بالمنطق العقلي والمبدأ العام للشرع. هذه الأمثلة توضح أن القياس عند ابن رشد ليس مجرد أداة نظرية، بل منهج عملي متكامل، يمكن استخدامه في شؤون الحياة اليومية والفكرية على حد سواء.

كما أمكننا أن نقول إن أهمية هذا المنهج تتجلى في قدرة ابن رشد على معالجة التعارضات بين العقل والنقل، بين القديم والمستحدث، بين النصوص والمبادئ. فالقياس يصبح وسيلة لتحقيق التوازن بين مختلف مستويات المعرفة، وضمان الاتساق الداخلي للنظام المعرفي. وهنا يمكن الاستشهاد بقول الفيلسوف راسل عن المنهجية العقلية، حيث يرى أن "العقلانية لا تعني مجرد التمسك بالقواعد، بل تعني القدرة على توظيفها في معالجة القضايا المختلفة بما يحقق الاتساق الداخلي".

وعلاقة بما سبق، أمكننا أن نخلص في مقالنا هذا إلى أن مشروع ابن رشد الفكري يمثل قمة العقلانية في الفكر الإسلامي، حيث تتكامل الفلسفة مع الفقه، ويصبح القياس أداة معرفية واحدة، تُستثمر في فهم الشرع والوجود على حد سواء. هذه الوحدة المنهجية تجعل من قياس ابن رشد نموذجا فريدا، يمكن دراسته كمثال حي على الانسجام بين العقل والدين، بين النظرية والتطبيق وبين الفقه والفلسفة.

إن دراسة القياس الفقهي والقياس الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن رؤية معرفية فريدة، تتجاوز الانقسام التقليدي بين العلوم الدينية والعقلية. فابن رشد لم يرَ القياس مجرد أداة استنتاجية في الفقه، أو أداة تحليلية في الفلسفة، بل جعله منهجا معرفيا شاملا، يقوم على وحدة العقل واتساق المبادئ وتوافق الاستنتاجات مع المقدمات العامة والخاصة. ومن ثمّ يغدو القياس عنده جسرا معرفيا بين الفقه والفلسفة، بين النص والمبدأ، بين النظرية والتطبيق وبين العقل والنقل.

ويعكس هذا المنهج عقلية متفتحة ومرنة، قادرة على التفاعل مع المستجدات، سواء في الحياة العملية أو في الفكر النظري، دون التفريط بالمنطق أو المبادئ العامة. إن وحدة المنهج عند ابن رشد تؤكد على أن العقل أداة واحدة لتحقيق الحقيقة، وأن الاختلاف في الموضوعات لا يعني اختلافا في المنهجية. فالمبدأ واحد والمنهج واحد والاستدلال واحد، سواء تعلق الأمر بالحكم الشرعي أو الفهم الفلسفي للوجود، أو تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية.

كما أن مشروع ابن رشد يقدم نموذجا فريدا في التفاعل بين التراث الفقهي والفلسفي، ويبرز كيف يمكن للقياس أن يكون أداة عقلية موحدة، قادرة على الجمع بين مختلف مجالات المعرفة. ويظهر جليا أن العقل عنده ليس مجرد أداة نظرية، بل قوة عملية للاستدلال والتحليل والتفسير والابتكار، بما يحقق التوازن بين القديم والمستحدث، بين النص والمبدأ، وبين الفقه والفلسفة.

إن قراءة ابن رشد بهذا المنظور تفتح آفاقا واسعة لفهم الفكر الإسلامي العقلاني، وتبرز إمكانية الجمع بين الدين والعقل، بين الشريعة والفلسفة وبين الاستدلال والنقل، في وحدة معرفية متكاملة. فالقياس عنده ليس مجرد أداة، بل منهج متكامل، يضمن اتساق المعرفة ومرونتها وقدرتها على التعامل مع التعقيدات المعرفية والواقعية. ومن ثمّ يتحدّد قياس ابن رشد ليس بوصفه مجرد تطبيق فقهي أو فلسفي، بل نموذجا معرفيا شاملا، يمكن أن يكون مرجعا لفهم العلاقة بين العقل والدين والفكر التطبيقي والفكر النظري، في سياق حضاري ومعرفي متقدم.

إن قراءة القياس الفقهي والقياس الفلسفي عند ابن رشد بوحدة المنهج المعرفي تكشف عن مشروع معرفي متكامل، حيث تتضافر الفلسفة مع الفقه والعقل مع النقل والمبدأ مع التطبيق، ليؤسس لمنهجية عقلانية متكاملة، قادرة على معالجة مختلف المسائل الإنسانية والفكرية، وتحقيق انسجام معرفي شامل يظل نموذجا خالدا في الفكر الإسلامي والعالمي.

***

د. حمزة مولخنيف

قد لا يتفق الخطاب الأخلاقي مع السلوك الفردي أو الجماعي، لوجود حالة من المفارقة الأخلاقية التي لا تقبل بقبوله في الأوساط الاجتماعية، أو النفور من الشخص الذي يصدر نفسه صاحب خطاب أخلاقي، بالنتيجة يكون متنافي مع سلوكه، ويصعب من قبوله أو نفاذه في قناعات الآخرين. وعلى ذلك يقول سبينوزا: " لا يعدوا السلوك وفق الفضيلة تماما إلا أن يكون سلوك المرء وعيشه وحفظ لكيانه وفقاً لما يمليه العقل، وعلى أساس مبدأ السعي إلى ما فيه مصلحته الخاصة "، وهذا يعني أنه يتلقى التوجيه الأخلاقي وفقا لما يحقق تلك المصلحة العقلانية.

فالحقيقة الأخلاقية لا تدرك عبر الأطروحة التوجيهية، بل بما سبق قوله هو ما تترجمه أفعال المُوجهين والمُوجهين. نعتقد أننا ندرك أن الأطروحة "التوجيهية" تخطئ، في جوهرها في الغالب في محاولتها بالإجابة عن سؤال قد يبدوا صعباً أي سؤال لا بد من أن تكون أي إجابة عليه خاطئة. فالخطاب الإلزامي، كما يمكننا القول بشكل معقول، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسلوك بطريقة ما؛ وهنا يمكننا أن نتساءل: بأي طريقة تحديدًا؟ الآن هذا سؤال، كما هو الحال، له إجابة جيدة جدًا؛ هذا سؤال، كما هو الحال، له إجابة جيدة جدًا؛ لأنه بحكم طبيعة الأوامر، فمن الصحيح عمومًا القول بأن من يصدر أمرًا، ويستخدم تعبيرًا أمرًا، يطلب من شخص ما أن يفعل شيئًا، وقد يتوافق سلوك هذا الشخص أو يخالف ما قيل في الخطاب الأخلاقي وإن كانت النتيجة العواقبية مخالفة لما يحقق رغبة الفرد وسعادته.

 وهذا ما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسلوك: بأي بطريقة تحديدًا لكننا هنا أمام سؤال بلا إجابة؛ لأنه في حين أن التعبيرات الأمرية تُشكل فئة نحوية معينة تُستخدم عناصرها تقريبًا بشكل قياسي لغرض واحد في نوع واحد من المواقف، فإن "الأخلاقي" يتسم بتعبيرات بتنوع نحوي هائل، وقد تظهر في أنواع مختلفة جدًا من المواقف، ويمكن استخدامها في القيام بالعديد من الأشياء المختلفة تمامًا. وبالتالي، فمن المعقول أن نفترض أن علاقة الأوامر بالسلوك يمكن وصفها، على الأقل بشكل عام، بطريقة واحدة، فإنه من غير المعقول تمامًا أن نفترض أن نفعل الشيء نفسه بالنسبة للخطاب الأخلاقي" بدوافع من التوجيه الذاتي، أو التوجيه الاجتماعي، أو التربوي وفقا للواجبات العقلية التي تفترض ما هو مقبول في ذاتها.

في بعض الأحيان يكون الخطاب الأخلاقي توجيهيًا: وسيكون المتحدث، بشكل عام يخبر شخصًا آخر بما يجب عليه فعله، أو يرشده، أو ينصحه، أو يوجهه، ولكن في أوقات أخرى ليس كذلك.

فالكلمات التي يتعامل معها فلاسفة الأخلاق على وجه الخصوص... تلعب أدوارًا مختلفة كثيرة وتستعمل هذه الأفعال للتعبير عن الأذواق والتفضيلات، وللتعبير عن القرارات، والاختيارات، وللنقد، والتقييم، والتصنيف، ولتقديم النصح، والتوبيخ، وللتحذير، والإقناع، والتثبيط، وللمدح، والتشجيع، والتوبيخ، ولنشر القواعد ولفت الانتباه إليها؛ ولا شك لأغراض أخرى أيضًا.

فمن المحتمل أن يكون صحيحًا أنه في جميع هذه الحالات، سيكون سلوك الشخص مرتبطًا بطريقة أو بأخرى بما يقوله المتحدث، متوافقًا أو غير متوافق معه - أحيانًا سلوكه هو، وأحيانًا سلوك الشخص الذي يخاطبه، وأحيانًا سلوك أشخاص محددين آخرين، أو سلوك الناس عمومًا. لكن العلاقات الفعلية، من الواضح تمامًا، ستكون متنوعة للغاية، ولا يمكن تلخيصها في صيغة واحدة مهما كانت، فأن الطرق المختلفة التي قد تكون بها الأفعال، كما قلنا، "متوافقة أو غير متوافقة" مع الأقوال، بخلاف كونها أو عدم كونها ما تنص عليه الأقوال. يمكننا الآن أن نرى أنه سيكون من الخطأ الفادح طرح السؤال عن أي من هذه الطرق يُجسّد، أو حتى أقربها إلى التجسيد، في الخطاب الأخلاقي؛ لأن الحقيقة هي أنها جميعًا كذلك؛ وكذلك العديد من الطرق الأخرى.

قراراتي الشخصية، ونصائحي للآخرين، والتعبير عن تطلعاتي أو مُثُلي العليا، والتعبير عن استيائي، أو نقدي، أو مدحي، والإشارة إلى احتياجاتي الخاصة، أو إلى احتياجات، أو أهداف، أو مصالح الآخرين - كل هذه الأمور شائعة في "الخطاب الأخلاقي"، تمامًا كما هي شائعة أيضًا، بالطبع، في الخطاب غير الأخلاقي. في كل حالة، لا شك أن هناك بعضًا من العلاقة بالسلوك، ولكن ليس بالضرورة نفس نوع العلاقة في كل حالة. وهكذا نجد في النهاية أن نسختينا من المذهب التوجيهي تخطئان، ليس بنفس الطريقة تمامًا، ولكن بطرق متشابهة جدًا. في شكله العبثي، يسعى هذا المذهب إلى دمج أداء فعل كلامي واحد فقط، وهو التوجيه، في "الخطاب الأخلاقي"، وحتى في معاني الكلمات الأخلاقية، كما لو أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يفعله المتحدث الأخلاقي، مهما كان ما يقوله وفي أي موقف. أما النسخة الأخرى، فهي ليست مضللة بشكل صارخ كهذه؛ لأنها لا تفسر مصطلح "توجيهي" بشكل ضيق لدرجة أن توحي بأن من يستخدم تعبيرًا توجيهيًا يجب أن يكون دائمًا، حرفيًا ودقيقًا، يوجه؛ إنما الإيحاء فقط هو أن ما يقال يرتبط دائمًا ارتباطًا وثيقًا بما يُفعل. لكن عند هذه النقطة، يتسلل خطأ مشابه تمامًا، وهو افتراض أن هذه العلاقة يجب تفسيرها دائمًا بنفس الطريقة وتفسيرها، علاوة على ذلك، على نموذج الوصفة الفعلية. لكن القول بأن الخطاب الأخلاقي بشكل عام مرتبط بالسلوك بطريقة واحدة ليس أكثر صحة من القول بأن من ينخرط في الخطاب الأخلاقي يفعل دائمًا شيئًا واحدًا.

قد ينخرط المشرّع والقاضي والمحامي وعضو هيئة المحلفين جميعًا في "خطاب قانوني". لكن من ناحية أخرى، لن يقوموا جميعًا، بالطبع، بنفس الشيء؛ ولا، من الواضح، لن تكون الأشياء التي يقولونها بشكل فردي مرتبطة بأي طريقة واحدة، مع أن جميعها على الأرجح مرتبطة بطريقة ما بالسلوك البشري إن "نظرية وصفية محتملة للخطاب القانوني" - والتي قد تتمثل، ربما، في اعتبار لغة التشريع هي اللغة التي يُسعى من خلالها إلى تفسير كل حديث قانوني - ستشترك في معظم مزايا وعيوب نظيرتها في الأخلاق. ولن تُلقي أي ضوء عمليًا على القانون. لا أقصد، بالطبع، أن أقول إنه لا يوجد أي أساس من الصحة في "المنهج التوجيهي" كنظرية أخلاقية؛ ولكني أقول إن فيه من الزيف ما هو أقل من الحقيقة.

 يكمن جزء من الحقيقة في الادعاء العام بأن "الخطاب الأخلاقي" ليس مجرد معلومة نظرية بحتة، بل له تأثير على السلوك، وقد يكون الفعل متعارضًا أو متوافقًا مع القول. ولكن طالما أن النظرية لا تكتفي بذكر هذه البديهية التي لا جدال فيها، بل تدّعي تقديم تفسير لها، فإنها تبدو لي... خطأ تمامًا - ليس فقط لأنه يقترح خطأً أن "التوصيف" هو الرابط بين الأقوال الأخلاقية والأفعال، بل والأخطر من ذلك، أنه يتضمن ضمنيًا الفكرة الخاطئة تمامًا بوجود طريقة واحدة يمكن من خلالها وصف هذا الربط بشكل مفيد.

إن مسألة كيفية تأثير "الخطاب الأخلاقي" على السلوك تحتاج إلى دراسة منفصلة للعديد من الأنواع المختلفة تمامًا من التعبير الأخلاقي، وللعديد من المواقف أو السياقات المختلفة تمامًا التي قد تحدث فيها التعبيرات الأخلاقية والتي قد تتناقض مع بعضها بين ما هو شر وخير أو بين طيب وخبيث على حد تعبير نيتشه.

***

د. رائد عبيس

في ميدان الفكر البشري، حيث تتقاطع خيوط الوجود مع نسيج الإمكانات، يبرز السؤال عن أهمية الفلسفة كاستعلام أبدي يعكس قلق الإنسان تجاه معنى سعيه المعرفي: هل هي مجرد بناء نظري يرتفع في أبراج العقل المجردة، أم أنها قوة عملية تشكل الحياة اليومية وتوجه مسار الأفعال؟ هذا السؤال ليس جديداً؛ إنه يتردد في كل عصر كصدى للتوتر بين التأمل والعمل، بين السؤال عن "ما هو؟" والإجابة على "كيف نعيش؟"، لكنه في عصرنا الحالي، الذي يشهد اندفاع التكنولوجيا نحو حدود الذكاء الاصطناعي والأزمات البيئية المتسارعة، يصبح أكثر إلحاحاً، إذ يطالبنا بإعادة تقييم الفلسفة ليس كترف فكري بل كأداة ضرورية للبقاء الحضاري. في هذه الدراسة، نستعرض هذا الاستعلام بشكل متدفق، مستكشفين الأهمية النظرية للفلسفة كأساس للمعرفة والتأمل، ثم أهميتها العملية كدليل للسلوك والتغيير، لنصل إلى فهم متكامل يؤكد أن الفلسفة ليست ثنائية مقسمة بل وحدة عضوية تجمع بين النظري والعملي في رحلة الإنسان نحو الكمال، مما يجعلها ليست مجرد أهمية بل جوهر الوجود البشري نفسه. فماهي الاهمية النظرية للفلسفة؟ وكيف تشكل قيمة عملية؟ وهل يمكن تأسيس علاقة تلازمية بين النظري والعملي في الفلسفة؟

تبدأ أهمية الفلسفة النظرية من كونها النواة التي ينبثق منها كل معرفة، حيث تتحول من مجرد تساؤلات مجردة إلى بنية أساسية تشكل الرؤية الكونية للإنسان. في جوهرها، تكمن الفلسفة في القدرة على التشكيك في المسلمات، فهي لا تقبل الظاهر كحقيقة نهائية بل تغوص في أعماق "الكينونة" لتكشف عن طبيعة الواقع، سواء كان ذلك من خلال استكشاف الأنطولوجيا التي تسأل عن ماهية الوجود، أو الإبستمولوجيا التي تتحقق من مصادر المعرفة وحدودها. هذه الأهمية النظرية ليست نخبوية؛ إنها التربة الخصبة التي تغذي كل العلوم، فبدون الفلسفة لما كانت الفيزياء قد انبثقت من تأملات في السببية، ولا الرياضيات قد بنت أسسها على مبدأ التناقض. في هذا السياق، يصبح التأمل الفلسفي عملية إبداعية تبني أنظمة فكرية مترابطة، كما في الفلسفة الديالكتيكية التي ترى التناقضات ليست عقبات بل محركات للتقدم المعرفي، مما يمنح الإنسان أداة لفهم الكون ليس كفوضى عشوائية بل كنظام مترابط يحمل معنى جوهرياً.

 تعميق هذه الأهمية يكشف أنها تتجاوز النظري إلى التحرري، إذ تحرر العقل من أغلال الخرافات والتعصب، فهي تزرع في الروح بذور الشك المنهجي الذي ينبت يقيناً أعمق، وتفتح أبواب الميتافيزيقا لتستكشف ما وراء المادي، مما يجعل الفلسفة ليست مجرد نظرية بل مرآة تعكس الإنسان لنفسه في أبعاد أوسع، حيث يصبح التفكير الفلسفي ليس رفاهية بل ضرورة للحفاظ على الوعي في وجه الزيف الذي يفرضه العالم الحديث.

ومع ذلك، لا تكتمل صورة الفلسفة بدون أهميتها العملية، التي تحول التأمل النظري إلى دليل حي للسلوك والتغيير، حيث تتحول من أبراج العقل إلى طريق الأفعال اليومية. في جوهرها العملي، تكمن الفلسفة في قدرة الأخلاقيات على توجيه الاختيارات الإنسانية، فهي لا تقتصر على السؤال عن "ما هو الخير؟" بل تقدم إطاراً للعيش وفق مبادئ مثل العدالة والحرية، مما يجعلها أداة لمواجهة الظلم الاجتماعي أو اللامساواة الاقتصادية. على سبيل المثال، في الفلسفة السياسية، تتحول الأفكار النظرية عن الدولة إلى برامج عملية لبناء مجتمعات أكثر عدلاً، كما في فكرة الديمقراطية التي ليست مجرد مفهوم بل نظام يشكل الحياة اليومية من خلال القوانين والحقوق. هذه الأهمية العملية تتعمق في مجال التربية، حيث تصبح الفلسفة أداة لتكوين الشخصية، فهي تعلم الإنسان كيف يواجه التناقضات الداخلية، وكيف يبني علاقات مبنية على التعاطف لا على المنفعة، مما يجعلها ليست نظرية مجردة بل ممارسة حية تشكل السلوك في مواجهة التحديات مثل الأزمات النفسية أو الصراعات الثقافية. في عصرنا، حيث يغرق الإنسان في بحر المعلومات السريعة، تبرز الأهمية العملية للفلسفة كمرشد يساعد في التمييز بين الحقيقي والزائف، وفي بناء استراتيجيات للاستدامة البيئية من خلال فلسفة "الأرض ككائن حي"، مما يحول التأمل إلى عمل يغير الواقع، ويجعل الفلسفة ليست ترفاً بل سلاحاً للنهوض أمام الفوضى.

لكن السحر الحقيقي للفلسفة يكمن في تداخل أهميتها النظرية والعملية، حيث لا تكونان ثنائية منفصلة بل وحدة مترابطة تشكل رحلة الإنسان المتكاملة نحو التحقق الذاتي. في هذا التداخل، يصبح النظري عملاً، والعملي تأملاً، فالفلسفة النظرية توفر الأساس الذي يجعل العملياً مستداماً، كما في الفلسفة الوجودية التي تبدأ بسؤال نظري عن "معنى الحياة" لتنتهي باختيار عملي يخلق هذا المعنى من خلال الأفعال الحرة.

هذا التوازن يتعمق في القدرة الفلسفية على الجسر بين العقل والقلب، حيث يصبح التأمل النظري في الجمال أساساً للإبداع الفني العملي، ويصبح الاستكشاف الأخلاقي النظري دليلاً للقرارات اليومية في العلاقات الإنسانية. في سياق المستقبل، يمكن أن يؤدي هذا التداخل إلى فلسفة "الهجينة" التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي والتأمل البشري، حيث يصبح النظري أداة لفهم الآلة، والعملي طريقة لتوجيهها نحو الخير المشترك، مما يجعل الفلسفة ليست خياراً بين الاثنين بل جوهر الاثنين معاً. هذا التداخل يعكس طبيعة الإنسان ككائن يفكر ويعمل في آن واحد، فالفلسفة تمنحه القدرة على الارتقاء من خلال النظري الذي يوسع الأفق، والعملي الذي يحقق الإمكان، مما يحولها إلى قوة تحولية تجعل الحياة ليست مجرد وجود بل وجوداً ذا معنى.

في أعماق الرؤية الفلسفية، حيث تتقاطع خيوط الوعي مع نسيج الفعل، يبرز التداخل بين النظري والعملي ليس كصدفة أو تناقض، بل كجوهر حيوي يعيد تشكيل الفلسفة ككيان متكامل ينبض بحياة الإنسان نفسه. تعميق هذا التداخل يعني الغوص في ديناميكية التبادل المستمر بين التأمل الذي يوسع الأفق والعمل الذي يحقق الإمكان، حيث يصبح النظري ليس مجرد هيكل مجرد بل بذرة تنبت في تربة الواقع لتثمر أفعالاً ذات معنى، والعملي ليس تطبيقاً سطحياً بل تأملاً حياً يعود ليثري النظرية بتجارب الزمن.

 هذا التداخل ليس ثنائية مقسمة بل وحدة عضوية تشبه تدفق النهر الذي يغذي مصبه من منبعه، ويجدد منبعه من جريان مصبه، مما يجعل الفلسفة ليست سؤالاً عن "أيهما أهم؟" بل إجابة حية على "كيف يتكاملان ليصنعا الإنسان؟" في عصرنا الذي يشهد اندفاع التكنولوجيا نحو حدود الوعي الآلي والأزمات الاجتماعية المتسارعة، يصبح تعميق هذا التداخل ضرورة استشرافية، إذ يوفر الفلسفة أداة لتحويل التحديات إلى فرص للارتقاء، حيث يصبح النظري أساساً للعمل المستدام، والعملي مصدراً للنظرية المتجددة. هذه الدراسة تستعرض هذا التداخل بشكل متدفق، مستكشفة أبعاده في المعرفة والأخلاق والاجتماع، لتكشف عن كيفية تحول الفلسفة إلى قوة تحولية تجمع بين العقل والقلب في رحلة الإنسان نحو الكمال.

يبدأ تعميق التداخل من المستوى المعرفي، حيث يتحول النظري إلى عملي من خلال عملية التحقق التجريبي التي تعيد صياغة النظرية نفسها. في جوهرها، يقوم النظري على بناء أنظمة فكرية مترابطة، كالاستقراء الذي يستخلص مبادئ عامة من الجزئيات، لكن هذا البناء لا يكتمل إلا عندما يواجه الواقع العملي، حيث يصبح الاختبار التجريبي ليس مجرد تطبيقاً بل مصدراً لتعديل النظرية، مما يخلق حلقة مفرغة من التقدم المعرفي. على سبيل المثال، في الفلسفة الإبستمولوجية، يبدأ التأمل النظري بسؤال عن "مصادر المعرفة"، لكنه يتعمق عندما يتداخل مع العملي في مجال العلوم، حيث يصبح المنهج التجريبي امتداداً للشك الديكارتي، يتحقق من صحة الأفكار من خلال التكرار والفشل، ويعيد إثراء النظرية ببيانات جديدة تكشف عن حدود الإدراك البشري. هذا التداخل يتعمق أكثر في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يصبح النظري في "فلسفة الوعي" أساساً لتصميم خوارزميات عملية، لكن النتائج العملية – مثل خطأ التعلم الآلي – تعيد السؤال النظري عن "هل الآلة تفكر أم تحاكي؟"، مما يولد نظريات هجينة تجمع بين المنطق الرياضي والتجربة الإنسانية. هكذا، يصبح التداخل ليس تبادلاً سطحياً بل جدلية حية، حيث يغذي النظري العملي بالأسئلة المفتوحة، والعملي يثري النظري بالحقائق الملموسة، مما يجعل المعرفة ليست تراكماً جامداً بل نهراً متدفقاً يتجدد باستمرار، ويمنح الإنسان قدرة على التنبؤ والتكيف في عالم متغير.

يتوسع تعميق التداخل إلى المستوى الأخلاقي، حيث يصبح النظري في الأخلاق ليس مجرد تأملاً مجرداً بل دليلاً عملياً للقرارات اليومية، ويصبح العملي مصدراً لإعادة صياغة المبادئ الأخلاقية. في هذا البعد، يبدأ النظري ببناء أنظمة قيمية، كالفضيلة الأرسطية التي تسأل عن "الخير الأعلى"، لكنه يتحقق فقط من خلال التطبيق العملي في الحياة، حيث يصبح الاختيار الأخلاقي في مواجهة الظلم امتداداً للتأمل، يختبر صحة المبدأ ويعدله بناءً على النتائج. على سبيل المثال، في فلسفة العدالة، يقدم النظري إطاراً لفهم "الإنصاف" كتوازن بين الحقوق، لكنه يتعمق عندما يتداخل مع العملي في السياسات الاجتماعية، حيث تكشف التجارب مثل الثورات أو الإصلاحات عن حدود النظرية، مما يؤدي إلى تطوير مبادئ هجينة تجمع بين العدالة النظرية والرحمة العملية. هذا التداخل يتعمق في التحديات المعاصرة، مثل الأخلاقيات البيئية، حيث يصبح السؤال النظري عن "حقوق الأجيال المقبلة" أساساً للعملي في سياسات الاستدامة، لكن النتائج العملية – مثل فشل اتفاقيات المناخ – تعيد النظرية لتطوير مفهوم "الأخلاق الإيكولوجية" الذي يربط بين الإنسان والكون ككل مترابط. وهكذا، يتحول التداخل إلى عملية أخلاقية حية، حيث يمنح النظري العملي اتجاهاً أخلاقياً يتجاوز المنفعة، والعملي يثري النظري بتجارب التعاطف والفشل، مما يجعل الأخلاق ليست قواعد جامدة بل ممارسة متجددة تشكل الإنسان ككائن أخلاقي في عالم غير مثالي.

أما في المستوى الاجتماعي، فيبلغ تعميق التداخل ذروته كقوة تحولية تبني المجتمعات من خلال الجسر بين التأمل الجماعي والعمل المنظم. هنا، يصبح النظري في الفلسفة السياسية أساساً للعملي في بناء الهياكل الاجتماعية، حيث يقدم التأمل عن "الدولة الفاضلة" إطاراً للديمقراطية العملية، لكنه يتعدل بناءً على التجارب الاجتماعية مثل الثورات أو الانتخابات، مما يولد نماذج هجينة تجمع بين الحرية النظرية والمسؤولية العملية. على سبيل المثال، في فلسفة الاجتماع، يبدأ النظري بسؤال عن "طبيعة الجماعة"، لكنه يتعمق عندما يتداخل مع العملي في حركات الإصلاح، حيث تكشف التجارب الاجتماعية عن حدود النظرية، مما يؤدي إلى تطوير "الفلسفة الاجتماعية التفاعلية" التي ترى المجتمع كشبكة من التفاعلات الديناميكية. هذا التداخل يتعمق في العولمة المعاصرة، حيث يصبح السؤال النظري عن "الهوية في عالم مترابط" أساساً للعملي في بناء التحالفات الدولية، لكن النتائج العملية – مثل النزاعات الثقافية – تعيد النظرية لتطوير مبادئ "التواصل الأخلاقي" التي تحول الصراع إلى حوار. وهكذا، يصبح التداخل قوة اجتماعية حية، حيث يغذي النظري العملي بالرؤى الشاملة، والعملي يثري النظري بتجارب التنوع والتغيير، مما يجعل المجتمع ليست تركيبة عشوائية بل بناءً فلسفياً يعكس الإنسانية في أفضل صورها.

في عمق هذا التداخل، يبرز تعميقه كتحول وجودي يجعل الفلسفة ليست مجرد أداة بل طريقة حياة، حيث يصبح النظري والعملي وجهين لعملة التحقق الذاتي. في هذا السياق، يتجاوز التداخل الحدود التخصصية ليصبح عملية شمولية، تجمع بين العقل والجسد، والفرد والجماعة، مما يولد فلسفة "الهجينة" التي ترى الإنسان ككائن يفكر بعمله ويعمل بتفكيره. هذا التعميق يدعو إلى ممارسة فلسفية يومية، حيث يصبح كل اختيار فرصة للتأمل، وكل تأمل دافعاً للعمل، مما يحول الحياة إلى رحلة متكاملة نحو الانسجام الداخلي والخارجي.

في نهاية المطاف، يعمق التداخل بين النظري والعملي فهم الفلسفة كقوة حية تجمع بين الأبعاد المعرفية والأخلاقية والاجتماعية في وحدة مترابطة، مما يجعلها ليست سؤالاً بل إجابة على سر الإنسانية. هذا التعميق ليس نهاية بل بداية لممارسة فلسفية جديدة، تدعو كل فرد إلى أن يكون مفكراً عملياً وعاملاً مفكراً، ليبني عالماً يعكس جمال التكامل بين الفكر والفعل، مؤكدة أن في هذا التداخل يكمن سر الارتقاء الأبدي. كما إن أهمية الفلسفة ليست محصورة في النظري أو العملي بل تتجاوزهما إلى وحدة شاملة تجعلها ضرورة إنسانية أبدية، حيث يصبح السؤال عن "نظري أم عملي؟" مجرد مدخل لفهم أعمق لدورها كمرشد في رحلة الإنسان نحو التوازن والكمال. في عالم يتسارع نحو المجهول، تظل الفلسفة الشعلة التي تضيء الطريق، تذكرنا بأن التأمل ليس هروباً بل أساساً للعمل، والعمل ليس غاية بل امتداداً للتأمل، مما يؤكد أن أهميتها ليست سؤالاً بل إجابة حية على سر الوجود نفسه. بهذا، تصبح الفلسفة ليست مجرد علم بل فن الحياة، تدعو كل إنسان إلى المشاركة في نسجها ليبني عالماً أكثر وعياً وعدلاً. لكن كيف تضيف الفلسفة البعد الذوقي الى النظري والعملي في رحلته نحو بناء العمارة الوجودية الانسانية الكونية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يمثل الوعي البشري أحد أكثر الألغاز استعصاءً في تاريخ العلم والبحث المعرفي، فهو تلك الظاهرة الفريدة التي تمنح الكائن البشري القدرة على إدراك ذاته وعالمه المحيط، محولاً النبضات الكهربائية الصامتة والتفاعلات الكيميائية الدقيقة في أنسجة الدماغ إلى خبرة ذاتية حية تفيض بالمشاعر والألوان والأفكار. إن البحث في ماهية الوعي يتطلب تجاوز الوصف السطحي لليقظة والانتباه للغوص في أعماق التفاعلات الوظيفية والعصبية المعقدة، ومناقشة الفرضيات الجدلية التي ترى أن الوعي قد لا يكون مجرد إفراز مادي للدماغ، بل قد يمتد إلى مجالات طاقية أو عمليات كمومية مجهرية تحكمها قوانين فيزياء الجسيمات. الهدف هو تقديم رؤية حول مقر الوعي، وآليات عمله، ومدى ارتباطه بفيزياء الكم، مستنداً إلى أحدث ما توصلت إليه المختبرات العالمية.

المفهوم الجوهري للوعي وتصنيفاته العلمية

يُعرف الوعي من منظور العلوم العصبية الحديثة بأنه القدرة الفائقة على دمج المعلومات الحسية المتدفقة مع مخزون الذاكرة وصبغة العواطف، لخلق وحدة إدراكية متكاملة نطلق عليها "الخبرة الذاتية". هذا الإدراك ليس حالة جامدة أو بسيطة، بل هو طيف ممتد من العمليات التي تتدرج في التعقيد. تاريخياً، ساد الاعتقاد بأن الوعي سمة بشرية حصرية مرتبطة باللغة والتفكير المجرد، إلا أن القفزات العلمية في علم الأعصاب المقارن أثبتت وجود استمرارية تطورية تربط البشر بأنواع أخرى عبر ركائز عصبية مشتركة، مما يعني أن الوعي ليس قفزة فجائية في التاريخ الطبيعي، بل هو ارتقاء في نظم معالجة المعلومات.

مستويات الوعي والارتقاء الإدراكي

تميز الأبحاث الفيزيولوجية العصبية بين نوعين أساسيين من الوعي لضمان دقة التحليل البحثي:

الوعي الأولي أو الظاهري: وهو الخبرة اللحظية المباشرة بالأحاسيس والمشاعر، كالقدرة على الشعور بالضوء أو الألم أو الجوع. هذا النوع موجود لدى البشر والعديد من الثدييات والطيور، ويرتكز على دوائر عصبية عميقة مشتركة تطورياً مثل النوى المهادية والأنظمة العاطفية القابعة تحت القشرة المخية.

الوعي من المرتبة الثانية أو الوعي العالي: ويتضمن بناء نموذج مستمر للذات عبر الزمن، والقدرة على استحضار الماضي وتخيل سيناريوهات المستقبل. هذا الوعي "السيرة-ذاتي" يرتبط في الغالب بالإنسان، وبدرجة أقل ببعض الكائنات ذات القشور المخية المعقدة كالرئيسيات العليا والدلافين، وهو الذي يسمح بنشوء الثقافة والحضارة والتأمل الفلسفي.

التموضع التشريحي للوعي

ظل السؤال عن موقع الوعي في الدماغ البشري محط نزاع علمي مرير لعقود. كانت النظرية السائدة، المعروفة بنظرية "حيز العمل العصبي العالمي"، تقترح أن الوعي ينشأ عندما تمر المعلومات بعملية "اشتعال" عصبي في الشبكات الجبهية-الجدارية، مما يجعل تلك المعلومات متاحة لبقية أجزاء الدماغ. وفقاً لهذه الرؤية، كانت الفصوص الجبهية تُعتبر المحرك الأساسي والوحيد للوعي نظراً لدورها القيادي في الوظائف المعرفية العليا.

إلا أن دراسة عالمية كبرى حديثة، استخدمت قياسات فائقة الدقة للنشاط الكهربائي والمغناطيسي، توصلت إلى نتائج قلبت هذا المفهوم رأساً على عقب. أظهرت الأدلة أن العلامات العصبية الجوهرية للوعي تتركز بشكل قاطع في "المناطق الحسية الخلفية" من القشرة المخية، وهي المناطق المسؤولة عن معالجة الرؤية والسمع واللمس. بينما تبين أن الفصوص الجبهية، رغم أهميتها القصوى للذكاء والمنطق واتخاذ القرار، قد لا تشارك بشكل مباشر في خلق الإدراك الحسي الواعي، بل تعمل كمنسق للمخرجات التي ينتجها الجزء الخلفي من الدماغ.

البنى الدماغية الحرجة والمحورية

بالإضافة إلى المناطق القشرية، حدد العلماء بنى تحت قشرية تعمل كمفاتيح سيادية للوعي:

المهاد والبوابة المهادية: يُعد المهاد "المحطة المركزية" لكل المدخلات الحسية. تلعب النواة الشبكية المهادية دوراً محورياً في تنظيم تدفق المعلومات والمزامنة الترددية بين المهاد والقشرة، وهي عملية ضرورية للانتباه الانتقائي. أي إصابة طفيفة في هذه النواة قد تؤدي إلى انهيار كامل في الوعي والدخول في غيبوبة.

العائق (الجدار): وهو منطقة رفيعة جداً من المادة الرمادية تقع في عمق الدماغ. بفضل تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد، اكتشف العلماء عصبونات في العائق تلتف حول محيط الدماغ بالكامل مثل "إكليل عصبي"، مما دفع بالباحثين لاعتباره "مقعد الوعي" أو المايسترو الذي يربط المعلومات المشتتة في فصوص الدماغ المختلفة لتكوين تجربة، واعية، واحدة، وموحدة.

جذع الدماغ: يمثل المولد الكهربائي لليقظة؛ فهو الذي يضخ الطاقة الحيوية والتنبيه اللازم للقشرة لكي تصبح قادرة على معالجة الوعي. بدون هذا "المحرك"، تظل القشرة في حالة سكون تام.

صراع المادة والطاقة

يثير السؤال عن حدود الوعي المكانية نقاشاً حاداً بين التوجهات المادية التقليدية والنظريات الحديثة التي تقترح وجود أبعاد غير مادية أو طاقية للوعي.

الرؤية المادية واللاوعي

ترى الرؤية العلمية الكلاسيكية أن الوعي هو نتاج حصري وميكانيكي للنشاط العصبي. وفقاً لهذا المنظور، فإن الخلايا والنبضات هي التي تولد الإدراك، والوعي ينتهي تماماً بتوقف الوظائف الحيوية. وفي هذا السياق، يبرز دور "اللاوعي" الذي يدير حوالي 95% من حياتنا اليومية، حيث يعمل العقل الباطن باستمرار لتسجيل الأحداث وحل المشكلات المعقدة وإدارة العادات والغرائز دون الحاجة لتدخل الوعي المباشر، مما يطرح تساؤلاً: إذا كان الدماغ قادراً على فعل كل شيء تقريباً بلا وعي، فما هي الوظيفة التطورية للوعي نفسه؟

الوعي كمجال كهرومغناطيسي

في المقابل، تقدم نظرية "مجال المعلومات الكهرومغناطيسية الواعية" طرحاً ثورياً يقترح أن الوعي لا يقع في المادة الدماغية الكثيفة (الخلايا) ذاتها، بل في الطاقة الناتجة عن النبضات الكهربائية المشتركة. الوعي هنا هو "تجربة المجال" التي تتصل بالدماغ لتوجيه الإرادة الحرة. هذا المنظور يطرح ازدواجية حديثة قائمة على التمييز بين "المادة والطاقة" بدلاً من التقابل القديم بين المادة والروح"."

الدماغ كمرشح وليس كمنتج

تذهب بعض النظريات الطبية المعتمدة على دراسات الحالات الحرجة إلى أن الدماغ قد يعمل بمثابة "مستقبل" للوعي وليس منتجاً له، تماماً كما يستقبل جهاز المذياع موجات البث من الخارج دون أن يكون هو مصدر الموسيقى. تستند هذه الفرضية إلى تجارب الاقتراب من الموت، حيث سجل مرضى إدراكاً واعياً وتفاصيل دقيقة عما حدث لهم أثناء توقف وظائف الدماغ والقلب تماماً، مما يوحي بأن الوعي قد يكون كياناً مستقلاً يعمل "خارج نطاق المادة" في ظروف قصوى.

العمليات الكمومية في إنتاج الوعي

من أكثر النظريات جرأة وإثارة للجدل هي تلك التي تربط الوعي بفيزياء الكم. تقترح هذه النظرية أن الوعي ليس نتاجاً لاتصالات المشابك العصبية الكيميائية التقليدية فحسب، بل هو ظاهرة ميكانيكية كمومية تنشأ من داخل البنى المجهرية للعصبونات.

النيببات الدقيقة وميكانيكا الكم

توجد داخل كل خلية عصبية هياكل أنبوبية مجهرية تسمى "النيببات الدقيقة"، وهي جزء من الهيكل الخلوي الذي يحافظ على شكل الخلية وينقل المواد داخلها. حسب هذه الرؤية، تعمل هذه الأنابيب كأجهزة حاسوب كمومية فائقة:

الوحدات الكمومية الحيوية: تعمل بروتينات معينة داخل هذه الأنابيب كأطراف لمعالجة المعلومات، حيث يمكن للبروتين الواحد أن يتواجد في حالة "تراكب كمومي" (أي في أكثر من وضعية في وقت واحد)، مما يضاعف القدرة الحسابية للدماغ بشكل هائل.

التشابك الكمومي الشامل: تسمح هذه الآلية بربط أجزاء واسعة من الدماغ بشكل فوري وتزامني، مما يفسر "وحدة الوعي"؛ أي كيف نرى ونسمع ونشعر في آن واحد ككتلة إدراكية واحدة لا تتجزأ.

انهيار دالة الموجة واللحظة الواعية: يحدث الوعي، وفقاً لهذه النظرية، عند انهيار هذه الحالة الكمومية نتيجة عتبة مرتبطة بالجاذبية الكمومية. هذا الانهيار المتكرر (بمعدل عشرات المرات في الثانية) هو الذي يولد "نبضات الوعي" التي نختبرها كتدفق مستمر للزمن.

رغم الانتقادات التقليدية التي تدعي أن الدماغ بيئة حارة ورطبة لا تسمح باستقرار العمليات الكمومية، إلا أن تجارب رائدة نُشرت في نهاية عام 2024 أثبتت أن البنى المجهرية في أدمغة الكائنات الحية تُجري عمليات لا تخضع للفيزياء التقليدية، بل تظهر سلوكيات كمومية واضحة، مما يعزز فرضية أن الوعي هو تجلٍ لقوانين الكون العميقة.

التفرد البشري

رغم وجود الوعي الأولي لدى العديد من الكائنات، إلا أن الوعي البشري يمتاز بخصائص نيرو فيسيولوجية فريدة تمنحه عمقاً استثنائياً. هذا التفرد ليس مجرد زيادة في عدد الخلايا، بل هو نتيجة لتعقيد نوعي في البنية المجهرية والاتصالية.

العصبونات الهرمية المتطورة

تعتبر العصبونات الهرمية في القشرة المخية هي الوحدات الأساسية للتكامل المعلوماتي. أظهرت المقارنات المجهرية أن العصبونات البشرية تمتلك تفرعات شجيرية (أذرع استقبال) أطول وأكثر تعقيداً بثلاثة أضعاف من تلك الموجودة في أقرب الكائنات إلينا كالشمبانزي. هذا التعقيد يسمح لكل خلية بشرية واحدة بدمج كميات هائلة من المدخلات، مما يرفع من قيمة "المعلومات المتكاملة" التي هي حجر الزاوية في الوعي الرفيع.

خلايا فون إيكونومو والذكاء الاجتماعي

يمتلك البشر كثافة عالية جداً من هذه الخلايا المغزلية التي تتركز في مناطق الوعي العاطفي والاجتماعي. تعمل هذه الخلايا كـ "طرق سريعة" لنقل المعلومات عبر الدماغ بسرعة مذهلة، وهي التي تمنح الإنسان القدرة على الحدس السريع والتعاطف الاجتماعي المعقد وفهم نيات الآخرين. إن تنكس هذه الخلايا في بعض الأمراض العصبية يؤدي إلى فقدان جوهر الشخصية والقدرة على التواصل الإنساني.

شبكة الوضع الافتراضي وتأخر النضج

تمتاز القشرة الجبهية في البشر باتصالات فائقة تشكل جزءاً رئيساً من "شبكة الوضع الافتراضي" التي تنشط أثناء التأمل الذاتي وأحلام اليقظة. هذه الشبكة هي المسرح الداخلي الذي يبني فيه الإنسان قصته الشخصية وهويته. كما يلعب "تأخر النضج القشري" دوراً حاسماً؛ فبينما يكتمل نمو أدمغة الكائنات الأخرى بسرعة، يستمر الدماغ البشري في حالة ليونة ونمو حتى سن الخامسة وما بعدها، مما يسمح للغة والتربية والبيئة الثقافية بالمساهمة في "برمجة" الوعي وتطويره بشكل فريد.

الوعي والمشكلة الصعبة

رغم كل الاكتشافات حول المناطق الدماغية والعمليات الكمومية، لا تزال هناك "فجوة تفسيرية" هائلة يطلق عليها الفلاسفة والعلماء "المشكلة الصعبة للوعي". فالعلم اليوم قادر على وصف النشاط العصبي وتصويره، وفهم كيفية انتقال الإشارات من العين إلى الدماغ، لكنه لم يستطع بعد تفسير كيف تتحول تلك الأنشطة المادية إلى "إحساس ذاتي داخلي". لماذا نختبر الألم كشعور ذاتي مزعج وليس مجرد رقم أو نبضة كهربائية في نظام آلي؟ ولماذا لا تمتلك أجهزة الحاسوب الفائقة، رغم قدرتها المعالجة الهائلة، أي تجربة ذاتية أو شعور بالوجود؟

تشير بعض الأبحاث المعاصرة إلى أن الوعي قد يكون "توقعاً منضبطاً" يقوم به الدماغ للتنبؤ بالواقع، حيث يحسب الجسم أفضل احتمال بناءً على الحواس وتجارب الماضي. ووفقاً لنظرية "المعلومات المتكاملة"، فإن الوعي يتناسب طردياً مع قدرة النظام على دمج المعلومات بطريقة لا يمكن تقسيمها إلى أجزاء مستقلة، مما يعني أن الوعي قد يكون خاصية جوهرية للكون تظهر بوضوح في الأنظمة ذات التعقيد الشبكي الفائق كدماغ الإنسان.

الاستنتاجات والتطلعات المستقبلية

إن الوعي البشري هو حصيلة تآزر معقد ومذهل يمتد من المستوى الذري الكمومي إلى مستوى الشبكات العصبية الكبرى. وبناءً على التحليل الشامل للمعطيات، يمكن استخلاص النتائج التالية:

الموقع الديناميكي: الوعي ليس محصوراً في مركز واحد ثابت، بل هو عملية "اشتعال" وتكامل تحدث في المناطق القشرية الخلفية بالتنسيق مع المهاد والعائق، ثم تتم معالجتها منطقياً في الفصوص الجبهية.

الآلية الكمومية: تزداد الأدلة التي تشير إلى أن الوعي يستفيد من ظواهر فيزيائية متطورة (كالتراكب والتشابك) تحدث داخل النيببات الدقيقة، مما يمنح الدماغ قدرات معالجة تتجاوز حدود الفيزياء الكلاسيكية والذكاء الاصطناعي الحالي.

التمايز البشري: يمتاز الإنسان بتعقيد خلوي فريد وليونة نمائية سمحت لنشوء وعي "المرتبة الثانية" الذي مكنه من التساؤل عن أصل وجوده.

يتحرك العلم اليوم نحو عصر جديد من "الفيزياء الحيوية الكمومية" التي قد تقدم في النهاية الحل للغز الوجود الأكبر: كيف تدرك المادة نفسها في هذا الكون الواسع؟ إن فهم الوعي ليس مجرد بحث أكاديمي، بل هو ضرورة حتمية لتطوير علاجات للأمراض النفسية والعصبية، ولرسم حدود العلاقة المستقبلية بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي، ولإدراك مكانتنا الحقيقية في نسيج الواقع.

***

غالب المسعودي

..........................

References

Penrose, R. (1989). The Emperor's New Mind: Concerning Computers, Minds, and the Laws of Physics. (“The emperor's new mind: concerning computers, minds, and the laws of ...”) Oxford University Press.

Hameroff, S., & Penrose, R. (2014). "Consciousness in the universe: A review of the ‘Orch OR’ theory". (“Consciousness in the universe: a review of the 'Orch OR' theory.”) Physics of Life Reviews, 11(1), 39-78.

Tononi, G. (2012). "Integrated information theory of consciousness: an updated account". Archives Italiennes de Biologie, 150(2/3), 56-90.

Dehaene, S. (2014). "Consciousness and the Brain: Deciphering How the Brain Codes Our Thoughts." (“(PDF) Consciousness and the brain: deciphering how the brain codes our ...”) (“Consciousness and the brain: Deciphering how the brain codes our thoughts.”) Penguin Books.

Koch, C. (2019). The Feeling of Life Itself: Why Consciousness Is Widespread but Can't. (“The Feeling of Life Itself: Why Consciousness Is Widespread ... - Amazon”) (“The Feeling of Life Itself: Why Consciousness Is Widespread ... - Amazon”) MIT Press.

Crick, F. C., & Koch, C. (2005). "What is the function of the claustrum?". Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences, 360(1458), 1271-1279. (“What is the function of the claustrum?”)

McFadden, J. (2020). "Integrating information in the brain's EM field: the cemi field theory of consciousness". (“(PDF) Integrating information in the brain’s EM field: the cemi field ...”) Neuroscience of Consciousness, 2020(1).

يمكننا القول إن الخطاب التوجيهي في السياق الاجتماعي هو ذلك النوع من الخطاب الذي يُجاب فيه على الأسئلة العملية، كما يمكننا القول إن الخطاب الاجتماعي والأخلاقي هو ذلك النوع من الخطاب الذي يُجيب عن طلبات المعلومات بطريقة أخلاقية تناسب السائل والمجيب، إذا سألتني سؤالًا استفساريًا "أين تسكن؟"، فإن إجابتي: أسكن في النجف مثلا: هي مثال على الخطاب المعلوماتي؛ وإذا سألتني سؤالًا عمليًا "ماذا ينبغي عليّ أن أفعل؟ " فإن إجابتي ستكون مثالًا على الخطاب التوجيهي، أي الإدلاء على ما يريد فعله بطريقة خطابية أخلاقية توحي بالقبول، والتعاون، والاستجابة الطيبة.

وهذا أبسط أشكال الخطاب التوجيهي الأخلاقي، وهو أيضًا، بمعنى ما، الشكل الأساسي للأخلاق، فإنّ أبسط مثال على توجيه شخص ما هو إصدار الأمر التوجيهي البسيط، مثل: كلمة أذهب، وهو أمر قد يُؤدي أو لا يُؤدي إلى ذهاب المُخاطَب إليه - ولكنه على أي حال يُوجه إليه هذا الأمر.

ذهب كثير من فلاسفة الأخلاق إلى إنّ الأحكام الأخلاقية هي مجرد أوامر مُقنّعة نحويًا؛ لأنّ الأحكام الأخلاقية، لها سمات أساسية قد تفتقر إليها الأوامر التوجيهية البسيطة. لكن الأحكام الأخلاقية، تشترك مع الأوامر في السمة الحاسمة وهي أنّها توجيهية، وهذا يعني في الواقع، من وجهة نظرنا أنّ الحكم الأخلاقي - أو على الأقل الحكم الأخلاقي الحقيقي، النموذجي غير المنحرف عن السياق التوجيهي العام.

كما أنه إذا كانت القضية تستلزم قضية أخرى، فلا يمكنني بشكل متسق أن أؤكد، أو أقبل، أو أنكر، أو أرفض أي طلب أخلاقي يستوجب التوجيه. وهذا شبيه برأي أصحاب الوضعية المنطقية في الأخلاق الذي يعدون الأخلاق مجرد توصيات ورغبات وعبارات تعجب.

لا يمكنني بشكل متسق أن أؤكد، أو أقبل الحكم الأخلاقي، في أمر ما، مثل، "يجب عليك رد المال" أو إنكاره، أو أرفض رده، فأن إنكار أو رفض أمراً ما، هو ببساطة، يَعَّدُ أمراً بعدم العمل به.

 وبالتالي، فإن أطروحة الأحكام الأخلاقية التوجيهية تعني أن من يقبل الحكم الأخلاقي بأنه يجب عليه أن يفعل، أو يكون ملزم منطقيًا بفعل أو لا وعلى العكس، فإن من لا يفعل عملاً ممنوع منطقيًا من قبول أو تأكيد الحكم بأنه ينبغي عليه الفعل، وإن أي حكم أخلاقي ينبغي عليك فعله أن يكون بالمعنى الذي يدفعك بالضرورة إلى فعل ما، بل بمعنى أن قبولك لحكمي يُلزمك بفعل ما أو أن عدم فعلك،  يُشير إلى رفضك لحكمي فبقولي إنه ينبغي عليك فعل أمر ما، فإنني أُخبرك ضمنيًا بفعله؛ وإذا لم تفعل، فأنت لم تقبل ما قلته ولا توجيه مني، وهذا ما يخالف الأبعاد الأخلاقية في التواصل بين الذوات .

إذن، يُفترض أن الأحكام الأخلاقية تُشبه الأوامر في كونها توجيهية، وهي كذلك بالفعل، نظرًا لعلاقة منطقية وثيقة بالأوامر. لكن لها، ميزة أخرى بالغة الأهمية تُميزها عن العديد من الأوامر على الأقل. قد أطلب منك أن تغادر في هذه المناسبة بالذات نزوة عابرة من دون أن أكون ملزمًا منطقيًا بقول أو فعل أي شيء محدد في أي مناسبة أخرى؛ فأمر "غادر" الصادر إليك " الآن " لا يلزمني باتخاذ موقف معين في مكان آخر أو في أي وقت آخر، وإذا رغبتُ، في مناسبة أخرى، ربما مناسبة مشابهة تمامًا، في ألا تغادر، فقد أصدر الأمر "لا تذهب" من دون أي تناقض منطقي. لكن الأمر ليس كذلك مع الأحكام الأخلاقية. فالحكم الأخلاقي الذي أصدره في موقف معين يجب أن يستند إلى سمات معينة لهذا الموقف، وأن يُبنى عليها؛ وبالتالي، يجب أن أكون، من باب الاتساق، مستعدًا لإصدار الحكم الأخلاقي نفسه في أي موقف أخلاقي توجيهي يشترك في هذه السمات، ولا يختلف عنها في أي جانب آخر ذي صلة.

إذا التزمتُ بهذا الحكم في قضية ما، فلا يمكنني، من دون مخالفة المنطق، أن اصدار حكم مختلف في قضية أخرى، إلا إذا استطعتُ إثبات أن تلك القضية الأخرى مختلفة في جانب ذي صلة، أو إذا حكمتُ بشكل مختلف في قضية أخرى، فلا أستطيع إثبات اختلافها، فأنا ملزم بتصحيح حكمي الأصلي أو سحبه، فالأحكام الأخلاقية، في الواقع، لا يمكن أن تكون، كما قد تكون الأوامر التوجيهية، فريدة تمامًا وبشكل كامل، فعند الحكم على هذه الحالة، فإننا نحكم ضمنيًا على أي حالة من هذا النوع، ولا يمكننا بالتالي أن نحكم بشكل مختلف على حالات أخرى من نفس النوع، فلدينا إذن هناك أطروحة مفادها أن الأحكام الأخلاقية هي نوع من الأحكام التوجيهية، وأنها تتميز عن الأحكام الأخرى من هذه الفئة بكونها قابلة للتعميم.

***

د. رائد عبيس

النزعة التوجيهية في فلسفة الأخلاق المعاصرة وهي القدرة على إيصال الخطاب الأخلاقي إلى الجمهور الموجه إليه بطريقة تنسجم مع مبادئهم، وأخلاقهم، وتهذيب ما فطروا عليه، والتطلع بهم إلى مثل الأخلاق السامية.

من التوجيه، فهناك الأبعاد السلبية من سياسة التوجيه، وجمهور التوجيه، والهدف من التوجيه الأخلاقي السلبي الذي يقصده الموجه. وبما أن وسائل التوجيه المعاصرة أصبحت متعددة وكبيرة بعد تطور وسائل التواصل الاجتماعي والرقمي فقد تضاعفت عواملها الإيجابية والسلبية بشكل كبير مع ترجيح الكفة الى السلبية.

فإذا كان هذا التعريف يخص البعد الإيجابي

فإذا كان لديه هدف أخلاقي سلبي، أو هدف تجاري، أو سياسي، أو ديني، فالمهم عندهم يتحقق التوظيف المغرض لهذا الخطاب، وتحقيق مخالفة للعقل، والمنطق، والقواعد الأخلاقية الثابتة في العقل البشري.

فإذا افترضنا حدسيا بأن الخطاب الأخلاقي هو خطاب إعلامي في جوهره، وأن الحكم الأخلاقي عادةً ما يُصرِّح، أو يُلمِّح بطريقة أو بأخرى، إلى الحقيقة الأخلاقية المتمثلة في امتلاك صفة أخلاقية ما من قِبَل شخص ما.

فيكون المبدأ الأساسي للعاطفية أن هذا الافتراض الضمني خاطئ - أي أنه حتى لو كان الحَكم الأخلاقي يُعلم أو يذكر حقيقة ما أو يوجه بطريقة ما، فإن هذا ليس جوهر القضية الأخلاقية المقصودة .

أن تقديم التوجيهات الأخلاقية الإيجابية وحتى لو افترضنا أنها مجرد معلومات وليس جوهر في الخطاب التوجيهي الأخلاقي، فإنها في أحسن الأحوال تمهيدا لهذه الأخلاق الإيجابية، وأن جوهر الخطاب الأخلاقي يكمن في استخدامه للتأثير على مشاعر الناس ومواقفهم وبالتالي سلوكهم.

فعندما أطلب منك أمر توجيهي بما ينبغي عليك فعله، فأنا في الواقع لا أذكر حقيقة ما فحسب؛ لكنني لستُ بالضرورة أن أسعى لحملك على فعل شيء ما؛ بل أنا، في جوهر الأمر، أخبرك بما يجب عليك فعله، لقد طرحتَ، السؤال ماذا عليك أن تفعل؟ وقد أجبتُ على هذا السؤال في الواقع، بأني لا أسعى لحملك، أو تحريكك، أو حثّك على فعل ما إن ما أقوله لك هو شيء آخر تمامًا.

قد يترك الخطابي الأخلاقي على سلوكك أثرًا، بل من المرجح جدًا أن يكون الأثر المقصود، للإجابة التي أقدمها لك، ولإصداري ذلك البيان الأخلاقي؛ ولكن لا يزال من الضروري التمييز بين إخباري لك بما يجب فعله وأي آثار أو نتائج، فعلية أو مقصودة، لإخباري لك بذلك - ما أفعله بقولي "يجب عليك سداد المال"، وما قد آمل تحقيقه من خلال قوله ستكون إحدى المزايا العظيمة لهذا التعديل والواضحة بما فيه الكفاية؛ إذ يبدو أنها تمكننا على الفور من تجنب الاستنتاج بأن الخطاب الأخلاقي غير عقلاني في جوهره وإن مشكلة حث شخص ما على فعل شيء ما، أو التأثير على مشاعره لتحقيق تلك الغاية، هي ببساطة مشكلة استخدام وسائل فعالة لتحقيق تلك الغاية؛ حتى لو قررتُ في بعض الحالات أنّ التحدث إلى شخص ما - كبديل، مثلاً، لتخويفه أو إعطائه المخدرات - سيؤثر فيه بشكلٍ أكثر فعالية، فقد لا يهمّ إن كان يفهم ما أقوله أم لا، أو إن كان ما أقوله منطقياً أم لا، فالحكمة لكي تكون فعّالة عاطفياً، لا يشترط بالضرورة أن تكون مفهومة، أو حتى معقولة؛ وستكون صحيحة بشرطٍ وحيد أن تُؤتي ثمارها، لكن فيما يتعلق بالإرشاد، من الواضح أنه يمكن طرح أسئلة توجيهية أخرى تماماً، لإنجاز فعلي أخلاقي يُفترض صحته على وفق قواعد ذاتية،  أو قواعد عمل، أو قواعد اجتهادية، يُقصد منها الإلزام فقط من دون قناعة الآخرين.

ومن الضروري هنا أن تفهم ما أقوله لك؛ يمكنك أن تسألني عن أسبابي، وأن تُفكّر فيما إذا كانت الأسباب التي أُقدّمها لك جيدة أم سيئة؛ قد تكون إجابتي على سؤالك هي الإجابة الصحيحة حتى لو لم تقبلها، أو خاطئة حتى لو قبلتها من دون تردد إنّ طلب الإجابات على الأسئلة العملية وتقديمها هو عمل جوهريّ خاص بالكائنات العاقلة، وعملٌ يمكن تقييمه على أسسٍ عقلانية وهذا هو المفترض .

قد نلاحظ ببساطة فكرة أصحاب المذهب العاطفي بأن من يَسأل "ماذا ينبغي عليّ أن أفعل؟ إنما يَطلبهُ للتأثير؛ لأن الخطاب الأخلاقي ليس في المقام الأول، وإن كان في بعض الأحيان عملاً إعلاميًا؛ أو أن يكون كذلك عرضًا عاطفياً في بعض الأحيان، وإن كان قد يخدم في نتائجه، التأثير على الناس، أو حثهم على فعل أشياء، أو الامتناع عن فعلها؛ بل هو بالأحرى توجيهي قد ينسجم مع الخطاب العام، أو قد يكون معاكس له، وهنا يحتاج الموجه إلى اعتماد نهج سيكولوجي في تحليل هذه العلاقة بين الموجه المُخاطِب والموجهين المُخاطَبين، فضلاً عن حاجتنا فيه إلى نموذج إرشادي يحمل معه مزيدا من القيم .

***

د. رائد عبيس

بين الصرامة الأرسطية وإعادة التأسيس الإسلامي للمعقولية

يشكّل البرهان أحد أكثر المفاهيم كثافة في تاريخ الفكر، لأنه يتجاوز كونه تقنية منطقية إلى كونه تعبيرا عن تصور شامل للعقل وللحقيقة. فحين يُطرح سؤال البرهان يُطرح معه سؤال اليقين، وسؤال العلاقة بين الفكر والوجود، وسؤال المشروعية المعرفية للقول الإنساني. بذلك يغدو البرهان مرآةً لطبيعة الثقافة التي تحتضنه، إن كانت ترى العالم انتظاما قابلاً للفهم، أم ترى المعرفة ضربا من الاحتمال أو العادة أو التسليم.

داخل أفق الحضارة الإسلامية، اتخذ مفهوم البرهان دلالة مخصوصة، إذ ارتبط بجدل عميق حول حدود العقل ووظيفته إزاء النص، وحول إمكان قيام علم يقيني في قضايا الطبيعة والإلهيات. ولم يكن الأمر خلافا في النتائج فحسب، بل كان اختلافا في تحديد معيار الحقيقة ذاته: هل يقوم على الضرورة العقلية أم على القبول الجدلي أم على سلطة النقل؟ من هنا صار البرهان عنوانا لصراع صامت حول من يمتلك حق تعريف اليقين.

في هذا المفترق التاريخي يتبلور مشروع ابن رشد بوصفه محاولة لإعادة تثبيت معيار العقل داخل بنية الثقافة الإسلامية، مستندا إلى الإرث المنطقي الذي صاغه أرسطو، غير أنه لا يورده على سبيل التكرار، بل يعيد إدراجه ضمن أفق ديني يرى في انتظام العالم أثرا للحكمة الإلهية. فالبرهان عنده ليس أداة خارجية تُفرض على النص، ولا خصما ينازع الوحي سلطته، بل هو نمط من النظر ينسجم مع مقصد الشريعة في تحصيل العلم بالحق.

ويعد مفهوم البرهان مفتاحا لقراءة المشروع الرشدي بأسره لأن فيه تتقاطع رؤيته للوجود، وتصوره للعلم وموقفه من التأويل ونظرته إلى مراتب الخطاب. إنه مفهوم تتكثف فيه رهانات فلسفية وكلامية وحضارية، ويتحول إلى معيار لإعادة ترتيب العلاقة بين العقل والإيمان وبين الضرورة والاعتقاد وبين الفلسفة والفقه. ومن ثم فإن مقاربة البرهان في فكر ابن رشد هي مقاربة لبنية معقولية كاملة، سعت إلى أن تمنح العقل مكانته من غير أن تفصله عن جذوره الروحية.

حين نلج فضاء التفكير الرشدي نجد أنفسنا أمام مشروع فلسفي يتجاوز حدود الشرح والتلخيص إلى مقام التأسيس وإعادة البناء. فابن رشد ليس شارحا لأرسطو فحسب، كما درج التقليد اللاتيني الوسيط على تصويره، بل هو مفكر انخرط في إعادة صياغة شروط المعقولية داخل أفق الثقافة الإسلامية، متوسلا بمفهوم البرهان باعتباره معيارا للحقيقة ومقياسا للفصل بين مراتب القول ودرجات الإقناع. لقد تشكل مفهوم البرهان عند ابن رشد في سياق جدلي مركب، يتقاطع فيه الإرث الأرسطي كما بلوره أرسطو مع مقتضيات الخطاب الشرعي كما استقر في علم الكلام وأصول الفقه. ومن هذا التقاطع تولد تصور مخصوص للبرهان، لا يكتفي باستعادة الصرامة المنطقية، بل يسعى إلى إدماجها في بنية الثقافة الإسلامية إدماجا يُعيد ترتيب العلاقة بين العقل والنقل، وبين الفلسفة والشريعة.

إن البرهان في معناه الأرسطي هو قياس مؤلف من مقدمات يقينية، أولى وأسبق وأعرف بالطبع، تُفضي بالضرورة إلى نتيجة يقينية. وقد صاغ أرسطو هذا المفهوم في كتاب “البرهان” من “الأورغانون”، حيث جعل من البرهان ذروة الصناعة المنطقية، مميزا إياه عن الجدل والخطابة والسفسطة. وقد استوعب ابن رشد هذا التحديد بدقة، لكنه لم يقف عند حدود التلقي، بل أعاد إدراجه في سياق إشكالي جديد، هو سياق التوتر بين الفلسفة والمتكلمين، وبين التأويل العقلي للنصوص الشرعية والنزعة الحرفية أو الجدلية التي سادت في بعض التيارات الكلامية.

لقد كان ابن رشد واعيا بأن مسألة البرهان ليست مسألة تقنية منطقية فحسب، بل هي مسألة ثقافية حضارية، تتعلق بتحديد من له حق الكلام في قضايا الوجود والإلهيات والطبيعيات، وبأي منهج يُتكلم. ومن هنا جاء حرصه على التمييز الصارم بين أصناف الأقيسة، وعلى بيان أن لكل صنف من الناس نصيبه من طرق الإقناع بحسب استعداده. ففي كتاب “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال” يقرر أن الناس في تلقيهم للحق ثلاث طبقات: أهل البرهان وأهل الجدل وأهل الخطابة. هذا التقسيم ليس توصيفا اجتماعيا بريئا، بل هو إعلان عن هرمية معرفية تجعل البرهان في القمة بوصفه الطريق الذي لا يحتمل إلا اليقين.

غير أن البرهان عند ابن رشد لا يُختزل في صرامته الصورية، بل يتأسس على رؤية أنطولوجية تعتبر الوجود نظاما معقولا، يمكن للعقل أن يدركه من خلال النظر في الموجودات. فالمعقولية ليست إسقاطا ذهنيا على العالم، بل هي بنية في صميم الوجود نفسه. وهذا ما يفسر دفاعه المستميت عن الفلسفة الطبيعية والميتافيزيقا، في مواجهة من اعتبروا البحث فيهما بدعة أو انحرافا. إن العالم عند ابن رشد ليس مسرحا للفوضى، بل هو انتظام علّي يمكن للعقل أن يكشفه، والبرهان هو الأداة التي تمكّن من هذا الكشف.

ولعل المواجهة الشهيرة بين ابن رشد وأبي حامد الغزالي تكشف عن عمق الرهان الذي كان على المحك. فالغزالي في “تهافت الفلاسفة”، لم يرفض المنطق من حيث هو منطق، بل اعترض على دعوى الفلاسفة أنهم بلغوا اليقين في مسائل الإلهيات، معتبرا أن كثيرا من أقوالهم لا يتجاوز حدود الظن. وقد ميز الغزالي بين البرهان في الرياضيات، حيث تسود الضرورة، وبين قضايا الميتافيزيقا التي تظل في نظره محل نزاع. غير أن ابن رشد في “تهافت التهافت”، لم يكتف بالدفاع عن الفلاسفة، بل سعى إلى إعادة تحديد معنى البرهان ذاته، مبينا أن كثيرا مما اعتبره الغزالي برهانيا عند المتكلمين لا يرقى إلى درجة البرهان بالمعنى الدقيق، بل هو من قبيل الجدل.

إن الصرامة الأرسطية التي يتمسك بها ابن رشد تظهر بوضوح في نقده للأقيسة الكلامية، حيث يرى أن المتكلمين يعتمدون مقدمات مشهورة أو مقبولة عند جمهورهم، لكنها لا ترقى إلى اليقين الضروري. فالبرهان عنده يشترط أن تكون المقدمات أولى، إما بديهية أو مستنبطة من مبادئ بديهية على نحو لا يدخله الشك. ومن هنا كان اعتراضه على الاستدلال بحدوث الأجسام على حدوث العالم، إذا لم يكن هذا الحدوث قد ثبت ببرهان يقيني. فالعقل في نظره لا يكتفي بإمكان الشيء أو رجحانه، بل يطلب الضرورة.

غير أن ابن رشد وهو يستعيد هذه الصرامة، لا ينقلها نقلا حرفيا، بل يكيفها مع مقتضيات الثقافة الإسلامية. فهو لا يرى في البرهان خصما للشريعة، بل يعتبره أداة لفهمها على الوجه الأكمل. ويذهب إلى أن النصوص الشرعية نفسها تحض على النظر العقلي، مستشهدا بآيات تدعو إلى التفكر في خلق السماوات والأرض. فالشرع في نظره لا يناقض البرهان، بل يدعو إليه، غير أن هذا الدعاء موجه إلى من كان من أهله. وهنا تتجلى إعادة التأسيس الإسلامي للمعقولية، إذ يصبح البرهان جزءا من النظام المعرفي الإسلامي، لا عنصرا دخيلا عليه.

إن إعادة التأسيس هذه تقوم على مبدأ التأويل الذي يحتل مكانة مركزية في فكر ابن رشد. فإذا تعارض ظاهر النص مع مقتضى البرهان اليقيني وجب تأويل النص بما يوافق البرهان، لأن الحقيقة لا يمكن أن تتناقض مع نفسها. فالحقيقة واحدة، وإن اختلفت طرق التعبير عنها. وهذا المبدأ الذي يعكس ثقة عميقة في وحدة العقل والشرع، يحرر البرهان من أن يكون مجرد أداة نظرية، ويجعله معيارا لتحديد الفهم الصحيح للنصوص. غير أن التأويل ليس مفتوحا لكل أحد، بل هو شأن أهل البرهان، حتى لا ينقلب إلى عبث تأويلي يزعزع استقرار العقائد عند الجمهور.

ومن خلال هذا التصور يتضح أن ابن رشد لا يكتفي بإعادة إنتاج البرهان الأرسطي، بل يدمجه في نسق معرفي ثلاثي البنية: برهان للفلاسفة وجدل للمتكلمين وخطابة للجمهور. هذا النسق يعكس وعيا عميقا بتعدد مستويات الخطاب داخل المجتمع الإسلامي، ويمنح كل مستوى مشروعيته، من غير أن يسوي بينها. فالبرهان يظل المعيار الأعلى لأنه وحده الكفيل بإنتاج العلم اليقيني.

ويبدو أن هذا الإعلاء من شأن البرهان يرتبط عند ابن رشد بنقد ضمني للنزعة اللاعقلانية التي يمكن أن تتولد عن الإفراط في التعويل على النص بمعزل عن النظر. فالعقل في نظره هبة إلهية، ولا يمكن أن يكون استعماله على الوجه الأكمل خروجا عن الدين. بل إن تعطيله هو الذي يشكل خطرا على الدين، لأنه يفتح الباب أمام التأويلات الاعتباطية وأمام الخلط بين الظن واليقين. ومن هنا كانت معركته في جوهرها، معركة من أجل إعادة الاعتبار للعقل البرهاني داخل الثقافة الإسلامية.

إن مفهوم البرهان عند ابن رشد ينهض إذن على ثلاث دعائم مترابطة: صرامة منطقية مستمدة من أرسطو، ورؤية أنطولوجية تعتبر الوجود معقولا، ومشروع ثقافي يهدف إلى إدماج العقل البرهاني في صميم الخطاب الشرعي. وهذه الدعائم تجعل من البرهان أكثر من مجرد أداة استدلال، بل تجعله مبدأً ناظما للمعرفة ومعيارا للحقيقة وأفقا لإعادة ترتيب العلاقة بين الفلسفة والدين.

وفي هذا الأفق يمكن فهم إصراره على أن الفلسفة واجبة شرعا على من كان من أهلها، لأن النظر البرهاني في الموجودات يقود إلى معرفة الصانع. فليس ثمة تعارض بين أن يكون البرهان صناعة عقلية دقيقة، وأن يكون في الوقت ذاته سبيلا إلى تعميق الإيمان. وهنا تتجلى خصوصية المشروع الرشدي فهو لا يفصل بين المعقول والمقدس، بل يرى أن القداسة الحقّة لا تناقض المعقولية، بل تتأسس عليها.

إن هذا التصور بما ينطوي عليه من ثقة في قدرة العقل على إدراك نظام الوجود، وبما يستبطنه من تمييز بين مراتب الخطاب، يشكل لحظة مفصلية في تاريخ الفكر الإسلامي. فقد أعاد ابن رشد تعريف شروط القول الفلسفي داخل حضارة كانت تشهد توترا بين التيارات العقلانية والنصية، وقدم نموذجا للبرهان بوصفه أداة للتحقيق المعرفي، لا مجرد زخرف جدلي.

إن مفهوم البرهان عند ابن رشد ليس مجرد امتداد للصرامة الأرسطية، بل هو إعادة صياغة لهذه الصرامة في سياق إسلامي، بحيث يصبح البرهان عنصرا تأسيسيا في بناء معقولية جديدة تستند إلى وحدة الحقيقة، وتقر بتعدد طرق التعبير عنها، وتضع العقل في مكانه اللائق داخل نظام الشريعة. وفي هذا المسار يتجلى ابن رشد لا بوصفه تابعا لأرسطو، بل بوصفه مفكرا يؤسس داخل أفقه الحضاري، لمصالحة عميقة بين العقل والشرع، على قاعدة البرهان.

إن البرهان عند ابن رشد لا ينفصل عن نظرية العلم كما تلقاها من أرسطو، لكنه يعيد تأويلها ضمن سياق مغاير. فالعلم البرهاني بحسب التصور الأرسطي هو معرفة بالشيء من حيث علته، أي إدراك الضرورة التي بها يكون الشيء على ما هو عليه. غير أن ابن رشد يضيف إلى هذا التحديد بعدا حاسما يتمثل في ربط العلية بالنظام الكوني الذي هو أثر الحكمة الإلهية. فالعلل ليست مجرد انتظامات طبيعية صماء، بل هي مظاهر لحكمة الخالق. وهنا يبرز الفرق بين قراءة طبيعية خالصة للعلية، وقراءة ترى في انتظام العالم برهانا على انتظام العقل الإلهي. إن البرهان هنا يصير طريقا إلى معرفة الله عبر معرفة العالم، لا بمعنى الاستدلال الكلامي القائم على الحدوث والإمكان، بل بمعنى إدراك الضرورة التي تحكم الموجودات.

ومن هنا نفهم نقده الحاد لنزعة نفي السببية التي دافع عنها بعض المتكلمين، وفي مقدمتهم أبو حامد الغزالي. فالغزالي في معرض دفاعه عن القدرة الإلهية المطلقة، ذهب إلى أن الاقتران بين الأسباب والمسببات ليس ضروريا، بل هو مجرد عادة أجراها الله. غير أن ابن رشد رأى في هذا التصور تهديدا لبنية البرهان ذاتها؛ إذ كيف يمكن تأسيس علم يقيني إذا كانت الروابط العلية غير ضرورية؟ إن نفي الضرورة يفضي في نظره إلى نفي إمكان العلم البرهاني. ولذلك اعتبر أن القول بالعادات لا ينسجم مع ظاهر الشرع ولا مع مقتضى العقل، لأن النصوص نفسها تشير إلى سنن ثابتة في الكون. إن الدفاع عن العلية هو في العمق دفاع عن إمكان البرهان، ودفاع عن معقولية العالم.

غير أن ابن رشد لا يختزل البرهان في بعده الطبيعي، بل يمده إلى مجال الإلهيات. وهنا تظهر جرأته الفلسفية؛ إذ يذهب إلى أن مسائل الإلهيات يمكن أن تُبحث برهانيا، شريطة الالتزام بشروط البرهان الصارمة. فهو يميز بين ما هو برهاني حقا، وما هو جدلي أو خطابي، حتى داخل الخطاب الفلسفي ذاته. وليس كل ما قاله الفلاسفة في الإلهيات برهانيا عنده. هذه الروح النقدية تكشف أن انتماءه إلى التقليد الأرسطي لم يكن انتماءً تبعيا، بل كان انتماءً تمحيصيا.

وفي سياق حديثه عن النفس والعقل، يطرح ابن رشد تصورا معقدا للعقل الفعال والعقل المنفعل، مستعيدا إشكاليات أرسطو ومفسريه. إن العقل الفعال في تأويله ليس مجرد مبدأ معرفي، بل هو شرط إمكان المعقولية ذاتها. ومن خلال هذا التصور يسعى إلى تفسير كيف يمكن للإنسان أن يبلغ العلم الكلي الضروري. فالمعقولات ليست نتاجا فرديا صرفا، بل هي اتصال بنظام كلي. هذا البعد الكوني للمعقولية يعزز فكرة أن البرهان ليس نشاطا ذاتيا معزولا، بل هو انخراط في نظام عقلي أوسع.

ولا يمكن فهم مشروع البرهان عند ابن رشد بمعزل عن رهانه السياسي الضمني. فإعلاء شأن البرهان يترتب عليه إعادة توزيع السلطة الرمزية داخل المجتمع. إذ يصبح الفيلسوف بوصفه صاحب النظر البرهاني، مؤهلا للبت في قضايا الحقيقة النظرية، بينما يحتفظ الفقيه أو المتكلم بمجاله الخاص. هذا لا يعني إقصاء أحد، بل يعني تنظيم العلاقة بين التخصصات. إن التداخل غير المنضبط بين الجدل والبرهان في نظره، يؤدي إلى اضطراب المعايير، وإلى انتشار الشبهات بين العامة. ومن هنا كان حرصه على أن يظل الخطاب البرهاني محصورا في أهله، وأن يُصان الجمهور من تأويلات قد لا يحتملها.

إن هذه الرؤية الهرمية للخطاب قد تُفهم اليوم بوصفها نزعة نُخبوية، لكنها في سياقها التاريخي كانت محاولة لحماية المعقولية من الانهيار تحت ضغط السجالات الكلامية. فقد شهد القرن السادس الهجري توترا حادا بين الفلاسفة والفقهاء والمتكلمين، وكان خطر التكفير حاضرا بقوة. في هذا المناخ، لم يكن الدفاع عن البرهان مسألة نظرية خالصة، بل كان أيضا دفاعا عن مشروعية التفلسف داخل الحضارة الإسلامية.

وإذا انتقلنا إلى البعد المنهجي، وجدنا أن ابن رشد يؤكد على ضرورة البدء من المحسوسات والانتقال منها إلى الكليات، في انسجام مع المنهج الأرسطي. غير أنه يضيف أن النظر في الموجودات هو ضرب من العبادة العقلية، لأن فيه امتثالا لأمر الشرع بالتفكر. وهنا يبلغ مشروعه ذروته: إذ يصبح البرهان بما هو نظر في العلل، ممارسة تجمع بين العقل والدين. ليست الفلسفة خصما للشريعة، بل هي تحقق لمقاصدها العليا في معرفة الحق.

إن إعادة التأسيس الإسلامي للمعقولية عند ابن رشد تتجلى كذلك في طريقته في قراءة النصوص. فهو يميز بين الظاهر والباطن، وبين ما يجب حمله على ظاهره وما يجب تأويله. غير أن معيار التأويل ليس الهوى ولا الرغبة في التوفيق الاعتباطي بل هو البرهان اليقيني. فإذا قام البرهان على أمر ما وكان ظاهر النص مخالفا له، وجب صرف النص إلى معنى يوافق البرهان، لأن الحق لا يضاد الحق. هذا المبدأ يعكس ثقة عميقة في انسجام النظامين: نظام العقل ونظام الوحي.

ومن اللافت أن هذا التصور سيجد صدى واسعا في الفلسفة اللاتينية الوسيطة، حيث تلقى مفكرون مثل توما الأكويني شروح ابن رشد لأرسطو، وإن اختلفوا معه في بعض النتائج. لقد أصبح “الشارح” مرجعا في فهم أرسطو، وأسهمت قراءته في تشكيل النقاشات حول العلاقة بين العقل والإيمان في أوروبا. وهذا الامتداد يكشف أن مفهوم البرهان عنده لم يكن حبيس سياقه المحلي، بل كان جزءا من تاريخ عالمي للمعقولية.

غير أن المفارقة تكمن في أن المشروع الرشدي لم يحظ في السياق الإسلامي اللاحق بالامتداد نفسه الذي عرفه في الغرب اللاتيني. فقد تراجع الحضور الفلسفي لصالح أنماط أخرى من التفكير، وبقي البرهان في صورته الرشدية لحظة مكثفة لم يكتب لها أن تتحول إلى تقليد مؤسسي دائم. ومع ذلك فإن قيمته لا تقاس بمدى استمراره المؤسسي، بل بعمق الأسئلة التي طرحها، وبالنموذج الذي قدمه لإمكان التعايش بين الصرامة العقلية والانتماء الديني.

إن مفهوم البرهان عند ابن رشد يضعنا أمام تصور للحقيقة بوصفها واحدة في ذاتها، متعددة في طرق الوصول إليها. هذا التصور يرفض النسبية المطلقة كما يرفض الانغلاق الحرفي. فالحقيقة ليست رهينة أذواق أو سياقات، لكنها في الوقت ذاته تتجلى للناس بحسب استعداداتهم. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين مراتب الخطاب، لا بوصفه تمييزا قيميا بين الناس، بل بوصفه اعترافا بتنوع القدرات.

إن البرهان عند ابن رشد هو حجر الزاوية في مشروعه الفلسفي. فهو الأداة التي بها يدافع عن الفلسفة، والمعيار الذي به ينتقد المتكلمين، والجسر الذي به يصل بين العقل والشرع. وإذا كانت الصرامة الأرسطية قد منحته الإطار المنهجي، فإن انتماءه الإسلامي منحه الأفق القيمي والروحي الذي أعاد فيه إدماج البرهان في نسيج الثقافة الإسلامية.

إن التأمل في مفهوم البرهان عند ابن رشد يكشف عن مشروع يتجاوز حدود الجدل التاريخي بين الفلاسفة والمتكلمين، ليطرح سؤالا دائما عن شروط المعقولية في أي ثقافة. فالبرهان في جوهره ليس مجرد تقنية منطقية، بل هو التزام أخلاقي تجاه الحقيقة، وحرص على أن يكون القول مؤسسا على ما يقتضيه العقل من ضرورة. ومن هنا يمكن النظر إلى المشروع الرشدي بوصفه دفاعا عن كرامة العقل، وعن حقه في أن يكون شريكا في فهم النصوص وفي تنظيم الحياة الفكرية.

لقد أدرك ابن رشد أن الحضارة التي تفقد ثقتها في البرهان تفقد قدرتها على إنتاج العلم، وتصبح عرضة للتنازع الخطابي الذي لا يحتكم إلى معيار. ولذلك كان دفاعه عن العلية وعن إمكان العلم البرهاني دفاعا عن استقرار النظام المعرفي برمته. وإذا كانت معركته قد اتخذت شكل رد على الغزالي، فإن رهانها كان أوسع من شخص أو كتاب؛ كان رهانا على مستقبل العقل في الإسلام.

إن إعادة التأسيس الإسلامي للمعقولية التي أنجزها ابن رشد لم تكن دعوة إلى استنساخ أرسطو، بل كانت محاولة لإدماج الصرامة المنطقية في سياق ديني من غير أن يُضحى بأي من الطرفين. فالعقل عنده لا يستغني عن الوحي، والوحي لا يناقض العقل. والبرهان هو المساحة التي يلتقيان فيها، لأن كليهما صادر عن الحق.

وفي زمن تتجدد فيه الأسئلة حول العلاقة بين الدين والعقل، وحول مكانة البرهان في الخطاب العمومي، يظل النموذج الرشدي مصدر إلهام. فهو يذكرنا بأن المعقولية ليست ترفا فكريا، بل شرطا لسلامة التفكير، وأن الصرامة لا تناقض الإيمان، بل قد تكون تعبيرا عن عمقه. وإذا كان التاريخ قد عرف تحولات جعلت صوت البرهان يخفت في بعض المراحل، فإن إمكان استعادته يظل قائما ما دام السؤال عن الحقيقة حيا.

هكذا يتبدى مفهوم البرهان عند ابن رشد لحظة مضيئة في تاريخ الفكر، لحظة تلاقت فيها الصرامة الأرسطية مع الروح الإسلامية في تركيب فريد، أسس لمعقولية قادرة على أن تستوعب الاختلاف، وأن تحتكم إلى معيار، وأن تفتح أفقا للحوار بين العقول. وفي هذا الأفق يظل ابن رشد شاهدا على أن الفلسفة حين تتجذر في ثقافتها، لا تكون غريبة عنها، بل تكون أحد أعمق تعبيراتها عن ذاتها العاقلة.

***

د. حمزة مولخنيف

حين نتناول في حاضرنا المعيش مسألة ما سُمّي بالصراع بين المتكلمين والفلاسفة، نجد أننا لابد أن نمرّ عبر غرابيل التحقيق التاريخي، لا عبر تمثلات الوعي الجمعي التي تراكمت عبر القرون حتى صارت أقرب إلى مسلمات لا تُناقش. ذلك لأن الصورة السائدة في أذهان بعض الدارسين تقدّم مشهدًا ثنائيًا حادًا بين فلاسفة مجترئون على النص، ومتفقهون حراسٌ للعقيدة يتصدّون لما يعتبرونه إخلالًا بأصول الإيمان. غير أن هذه الصورة، تقودنا إلى زيغٍ منهجي إذا سلّمنا بها دون تفكيك وتحليل.

 وقد استُحضرت عبارة أبو حامد الغزالي في مقدمة تهافت الفلاسفة عند وصفه لهم بأنهم نبذوا وظائف الإسلام وراء ظهورهم بوصفها دليلًا على قطيعة تامة بين نسقين متنافرين. غير أن من يقرأ المشروع الغزالي قراءةً كاملة عبر غرابيل التحليل يجد أنه في مقاصد الفلاسفة عرض المذهب الفلسفي عرضًا دقيقًا منضبطًا، حتى قيل إن من لم يطالع هذا الكتاب ظن صاحبه فيلسوفًا لا ناقدًا للفلسفة. وإذا ما حاولنا أن نقرأ المنقذ من الضلال وجدنا الغزالي يصرّح بأنه خاض في علوم القوم (حتى اطلعت على منتهى علومهم)، وأنه لم ير في رياضياتهم وطبيعياتهم ما يخالف الشرع. فهل كان الأمر صراع استئصال، أم تقويمًا من داخل النسق؟.

ولذلك فإن حكم الغزالي بتكفيرهم انحصر كما هو معلوم في ثلاث مسائل محددة (قدم العالم، وإنكار علم الله بالجزئيات، وإنكار المعاد الجسماني). فكيف تحوّل خلافٌ في ثلاث قضايا ميتافيزيقية إلى سردية صراع شامل بين الكلام والفلسفة؟، حيث يعد ذلك اجتزاء للحظة جدلية من سياقها وتحويلها إلى معيار لتاريخٍ بأكمله، وهو مسلك المجتزئين الذين يتعمدون تثبيت صورة حدّية تخدم أغراضًهم لاحقة.

وإذا ما انتقلنا إلى الطرف الآخر، وجدنا ابن رشد في تهافت التهافت يقرر أن (الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها)، وأن (الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له). أليست هذه العبارة وحدها كافية لتقويض الصورة النمطية التي تُقدّم الفيلسوف بوصفه مناقضًا لبنية الإيمان؟. حيث يجعل ابن رشد النظر العقلي واجبًا شرعيًا، ويؤكد أن البرهان القطعي إذا قام وجب تأويل الظاهر، لأن النسق عنده لا يحتمل تعارضًا حقيقيًا بين العقل الصريح والنقل الصحيح.

وهذا يؤكد أن الخلاف لم يكن في أصل الاحتكام إلى العقل، بل في ترتيب مراتبه وحدود تأويل النص. فالغزالي يرى أن البرهان الفلسفي في مسألة قدم العالم ظني لا يقاوم القطع السمعي، ومن ثم لا يجوز تأويل النص القطعي لأجل دليل ظني. بينما ابن رشد يرى أن البرهان إذا بلغ رتبة القطع وجب تأويل النصوص التي يظهر تعارضها معه. وهذا اختلاف في النهج، لا حرب على العقل ولا تمرد على الوحي، كما تُصوِّره ثنائية الصدام السائدة.

وإذا ما حاولنا أن نفكك مسألة (قدم العالم) بوصفها النموذج الأكثر استدعاءً في سردية الصراع، وجدنا أن الغزالي حين قال (إن قولهم إن العالم قديم كفر صريح)، لم يكن يرفض العلية أو البرهان العقلي من حيث هو، بل كان يعترض على صياغة ميتافيزيقية تنفي الحدوث الزماني الذي يفهمه من ظاهر النص. وفي موضع آخر يقول (الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببًا وما يعتقد مسببًا ليس ضروريًا)، وهو بذلك لا يلغي العقل، بل ينقل مفهوم الضرورة من الحتمية الفلسفية إلى الإمكان المتعلق بالمشيئة الإلهية.

أما ابن رشد، فإنه يميز بين القِدم الزماني والقِدم الذاتي، ويرى أن العالم معلول لله على نحو دائم، وأن القول بقدم العالم لا يناقض كونه مخلوقًا لله من حيث العلية. فهل نحن أمام مجدفين ينكرون الخلق؟، أم أمام متأولين يعيدون تفسير معنى الخلق؟، ولذلك فإن تجاهل هذا الفرق الدقيق يقودنا إلى زيغ في الفهم، ويغذي خطاب المشككين كما يغذي خطاب المتأسلمين المتشددين.

نجد كذلك أن المتكلمين أنفسهم خاصة في طورهم المتأخر تشربوا أدوات الفلاسفة. كـفخر الدين الرازي في المحصل والمطالب العالية حيث استعمل مفاهيم (الإمكان والوجوب والجوهر والعرض) بمنهج قريب من ابن سينا، بل وصف بعض كلامه في الإمكان بأنه متين. فهل يمكن بعد ذلك أن نتحدث عن قطيعة؟. أم أننا أمام تداخل نسقي يبدوا - لمن يقرأ بإنصاف - أقرب إلى حوار داخلي منه إلى مواجهة استئصالية؟.

بل إننا نجد عند ابن تيمية في (درء تعارض العقل والنقل) نقدًا مزدوجًا للفلاسفة والمتكلمين معًا، لأنه رأى أن الفريقين بالغوا في التجريد، وهو يقرر أن (صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول). هنا تتشكل نسقية ثالثة لا تلغي العقل ولا تجعله حاكمًا مطلقًا، بل تسعى إلى إعادة ضبط العلاقة بين البرهان والنص. أليس في هذا ما يدل على أن الخلافات كانت داخل الفضاء نفسه، لا خارجه؟. ولذلك فما جرى تضخيمه لاحقًا لم يكن في أصله مواجهة بين إيمان وكفر، ولا بين عقل ونقل، بل خلافًا في حدود التأويل وترتيب الأدلة.

غير أن التحولات المؤسسية والسياسية أعادت تشكيل هذا الجدل في صورة صراع، خاصة حين احتاجت بعض النسقيات إلى تثبيت شرعيتها التعليمية، فصوّرت الجدل بوصفه انتصارًا نهائيًا لنسقٍ على آخر. ومع مرور الزمن، ترسخت هذه الرواية في الوعي الجمعي، وتلقفتها شبيبة الحركات الفكرية في حاضرنا المعيش، كلٌ وفق موقعه من النسق السائد.

ناهِيك عن أن القراءة النهضوية الحديثة جعلت من ابن رشد رمزًا للعقلانية المجهضة، ومن الغزالي سببًا في (إغلاق باب الفلسفة)، وهي قراءة يغلب عليها الطابع الأيديولوجي، لأنها تتجاهل استمرار الفلسفة بعد الغزالي، كما تتجاهل تشرب الكلام المتأخر لمناهج الفلاسفة. وهكذا أُعيد تشكيل التاريخ وفق حاجات اللحظة، وهو ما يقودنا إلى زيغ في الفهم يغفل تعقيد المشهد، ويستبدل التاريخ الحيّ بسردية مؤدلجة.

وإذا ما حاولنا أن ننظر إلى التجربة الإسلامية في ضوء المقارنة الحضارية، نجد أن التوتر بين النسق العقدي والفلسفة لم يكن خاصًا بها، بل كان حاضرًا في حضارات أخرى، ولم يُقرأ دائمًا بوصفه حربًا بين أضداد، بل بوصفه توترًا خلّاقًا داخل النسق ذاته. وحري بنا أن نقرأ تاريخنا بعين متزنة، لا بعين المشككين الذين يرون في كل اختلاف دليلاً على الانغلاق، ولا بعين المجدفين الذين يتعمدون إثارة القطيعة.

وذلك لأن التاريخ الفكري لا يسير على خط مستقيم من صراع إلى انتصار، بل يتحرك في نهوج متعددة، تتداخل فيها المصالح المؤسسية والسياسية مع الجدل العلمي. والنسق الكلامي لم يكن خصم العقل، بل محاولة لإدماجه ضمن نسقية عقدية تحفظ مرجعية النص. والفلسفة لم تكن خروجًا عن الإيمان بالضرورة، بل سعيًا إلى تأويل المعقول في أفقه.

وصفوة القول فإن ما سُمّي بالصراع بين المتكلمين والفلاسفة كان جدلًا معرفيًا تأويليًا داخل فضاء حضاري مشترك، جرى تضخيمه لاحقًا بدوافع نسقية ومؤسسية. نعم، اشتدّ الخطاب أحيانًا، وظهرت عبارات تتهم بالمروق والتجاوز، غير أن البنية العميقة تكشف عن تداخل لا عن قطيعة، وعن توترٍ خلّاق لا عن انشطار وجودي.

ولذلك فإن إعادة الاعتبار لهذا التعقيد ليس ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة منهجية، لأن قراءة الماضي عبر غرابيل التحقيق تحررنا من أسر ثنائيات موروثة، وتمنعنا من إعادة إنتاج سرديات تخدم المشككين حينًا أو المتأسلمين المتشددين حينًا آخر. وما لم نفعل ذلك، سنظل أسرى صورٍ صنعتها ظروف غير ظروفنا، فنقع - من حيث لا نشعر - في زيغ القراءة ونحن نظن أننا نحسن الفهم.

***

بقلم:  د. بدر الفيومي

 

تعد إشكالية التوتر القائم بين الدوافع الغريزية الفطرية وبين القدرة على التجاوز الثقافي واحدة من أعمق القضايا التي واجهت علم الإنسان الفلسفي والعلوم الحيوية المعاصرة على حد سواء. إن التساؤل عما إذا كانت "النزعات الحيوانية" لا تزال تهيمن على مسارات السلوك البشري في القرن الحادي والعشرين يتطلب تفكيكاً دقيقاً لمفهوم "الطبيعة البشرية" ومراجعة شاملة لآليات التطور التي شكلت جهازنا العصبي المركزي. إن المقاربة التكاملية المعاصرة لم تعد تنظر إلى الإنسان كونه مجرد وعاء فارغ تشكله الثقافة، ولا كإنسان آلي تحركه البرامج الوراثية بشكل حتمي، بل كمحصلة نهائية لتفاعل ديناميكي معقد بين المسارات الوراثية والبيئية؛ حيث تمنحنا معداتنا الإحيائية إمكانية فهم أسباب رغباتنا، بينما تعيد التنشئة الاجتماعية صياغة تلك الرغبات وتوجيهها ضمن أطر حضارية.

الجذور التطورية والأساس الوراثي للسلوك

ينطلق التفسير الحيوي الحديث من حقيقة أن الإنسان هو نتاج عملية تطورية امتدت لملايين السنين، خضعت خلالها السمات الجسدية والنفسية لآليات الانتخاب الطبيعي والجنسي. فالتطور ليس مجرد تغير في الشكل الخارجي، بل هو تكيف نفسي ووظيفي يهدف لضمان البقاء والاستمرار. من هذا المنطلق، يمكن اعتبار "المورثات" هي وحدات الوراثة الأساسية التي تحمل المعلومات اللازمة لبناء الكائن وتوجيه سلوكياته لضمان استمرار نسخته الوراثية في الأجيال القادمة. تؤكد نظريات التطور السلوكي أن العديد من الأنماط التي نراها اليوم، مثل التعاون والإيثار وحتى النزعات العدوانية، لها جذور وراثية كانت توفر ميزات تكيفية لأسلافنا في بيئاتهم القديمة. فالإيثار، على سبيل المثال، يُفسر في ضوء "اللياقة الشاملة" حيث يميل الفرد لمساعدة أقاربه لضمان بقاء الصفات الوراثية المشتركة، وهو سلوك ذو جذور حيوية عميقة ينتقل وراثياً وليس مجرد نتاج للتعلم الاجتماعي الصرف.

التشريح العصبي: صراع الغريزة والعقل

يمكن قراءة الصراع بين الموروث الغريزي والسيادة البشرية من خلال بنية الدماغ البشري، التي تعكس تاريخنا التطوري بشكل مادي. فالدماغ ليس كتلة واحدة، بل هو نظام يتكون من وحدات متباينة في العمر التطوري وفي الوظيفة السلوكية:

أولاً: الجهاز الحوفي، وهو حارس الإرث الحيواني، والمسؤول عن الانفعالات الأولية مثل الخوف والغضب واللذة. يعمل هذا الجزء بسرعة فائقة كآلية دفاعية تضمن الاستجابة الفورية للأخطار.

 ثانياً: الفص الجبهي الأمامي، وهو قمة الاستثناء البشري، حيث يسكن المنطق والتخطيط والقدرة على كبح الجماح. تؤكد الأبحاث العصبية أن عملية اتخاذ القرار هي نتاج تفاعل مستمر وأحياناً صراعي بين هذين النظامين. فالجهاز الحوفي قد يدفع الفرد نحو الاستهلاك المفرط أو الغضب الغريزي، بينما يقوم الفص الجبهي بممارسة "الرقابة" وتوجيه هذه الاندفاعات نحو أهداف مقبولة اجتماعياً. هذا "التنسيق الوظيفي" هو ما يسمح للإنسان بأن يكون كائناً حيوياً وحضارياً في آن واحد، حيث يزودنا النظام الحوفي بالدافع العاطفي، بينما يزودنا النظام القشري بالتوجيه والمنطق.

أثر الجغرافيا في صياغة الموروث والسيادة

لا يمكن فصل هذا الصراع عن المسرح الجغرافي الذي تم عليه. فالجغرافيا هي التي حددت "الضغوط الانتخابية" التي شكلت موروثنا. لقد لعب المناخ والتضاريس دوراً حاسماً في توزيع الصفات الوراثية؛ فالشعوب التي استوطنت المناطق الباردة طورت ميكانيكيات حيوية تختلف عن شعوب المناطق المدارية. إن الجغرافيا وضعت القوالب الأولى للثقافات؛ فالشعوب في البيئات المفتوحة طورت ثقافات تميل للانفتاح والتبادل، مما تطلب تهذيب غريزة "الخوف من الغريب"، بينما فرضت البيئات المعزولة أنماطاً من التضامن الداخلي الشديد. السيادة الثقافية تبرز هنا في قدرة الإنسان على "تطويع" الجغرافيا؛ فبينما يستسلم الحيوان لظروف بيئته، استطاع الإنسان عبر الوعي والابتكار أن يستوطن القفار والجليد، محولاً التحدي الجغرافي إلى محرك للرقي الحضاري.

 اللدونة السلوكية ونظرية التعلم الاجتماعي

تمثل نظرية التعلم الاجتماعي رداً قوياً على دعاة الحتمية الحيوية، حيث تركز على قدرة الإنسان الفائقة على التعلم من خلال الملاحظة والنمذجة. ويبرز هنا مفهوم "الحتمية التبادلية"، الذي يرى أن السلوك البشري هو نتاج تفاعل مثلثي بين العوامل الشخصية (بما فيها الحيوية)، والبيئة، والسلوك نفسه. وعلى عكس الكائنات التي تعتمد بشكل كلي على الاستجابات المبرمجة وراثياً، يمتلك الإنسان القدرة على "الوكالة"؛ أي التأثير في الظروف التي تشكله. من خلال التفكير الرمزي واستباق النتائج، يستطيع الإنسان أن يتجاوز المحفزات الفورية التي تحرك الغرائز، وأن يتصرف بناءً على قيم ومبادئ طويلة الأمد. أثبتت التجارب العلمية أن العدوانية البشرية ليست مجرد "انفجار وراثي"، بل هي سلوك يتم تعلمه ونمذجته اجتماعياً، مما يعني أن الإنسان يمتلك "لدونة" هائلة تسمح له بتجاوز الميول الوراثية.

تحديات العصر الرقمي: اختطاف الغرائز

يواجه الإنسان المعاصر تحدياً فريداً يتمثل في كيفية استغلال التقنية الحديثة لغرائزه القديمة، وهو ما يسمى "اختطاف المورثات". تطور نظام المكافأة في الدماغ لتحفيز سلوكيات ضرورية للبقاء. اليوم، تستخدم المنصات الرقمية خوارزميات مصممة بدقة لاستهداف هذا النظام الغريزي. فكل إشعار يحفز دفقة كيميائية تخلق حلقات إدمانية تتجاوز رقابة العقل. هذا الاستغلال يوضح أن النزعات القديمة لا تزال موجودة كمفاتيح يمكن للتقنية الضغط عليها، مما يؤدي إلى ضغوط نفسية وتغييرات في بنية الدماغ نفسه لدى المستخدمين المفرطين.

 البيولوجيا والسلطة: من العنصرية إلى المسؤولية

تاريخياً، استُخدمت فكرة "التحكم الوراثي" لتبرير التمييز. فالحتمية الحيوية كانت الأساس لحركات "تحسين النسل" والعنصرية التي ادعت وجود فئات بشرية أدنى وراثياً. إلا أن العلم المعاصر يؤكد أن الاختلافات البشرية "طيفية" وليست فئات منغلقة، مما يبطل فكرة وجود مورثات طبقية ثابتة. وفي سياق المسؤولية القانونية، يبرز التساؤل: إذا كان السلوك مرتبطاً بطفرات وراثية، فهل يظل الفرد مسؤولاً؟ يميز القانون المعاصر بين السببية الحيوية والوكالة العقلانية؛ فالإنسان يظل مسؤولاً لأنه يملك القدرة على التمييز بفضل نضج الفص الجبهي والتربية الثقافية. السببية لا تعني الحتمية، والوعي هو الدرع الذي يحمي الفرد من الانقياد الكلي لبيولوجيته.

كائن بيني وسيمفونية الوجود

إن الإنسان هو "كائن بيني"؛ فهو حيوي في جذوره، ولكنه ثقافي في غاياته. المورثات لا تزال توفر البنية التحتية للعواطف والرغبات، وهي "المستشار" الذي يهمس بالدوافع القديمة في مواقف الخطر. ومع ذلك، فإن السيادة البشرية تكمن في القدرة على "تنقيح" هذه الدوافع. نحن لا نأكل لمجرد إشباع الغريزة، بل حولنا الأكل إلى فن وعمل اجتماعي، ولا نتزاوج لمجرد تكرار الصفات، بل حولنا الرغبة إلى حب ومسؤولية أخلاقية. إن السلوك البشري المعاصر هو سيمفونية معقدة تعزفها المورثات والبيئة والجغرافيا والوعي الفردي معاً. التحدي الأكبر ليس في "تحكم" المورثات، بل في الحفاظ على "سيادتنا الثقافية" في مواجهة تقنيات تسعى لتجاوز وعينا العقلاني. إن فهمنا العميق لمكانتنا هو الضمان الوحيد لعدم العودة إلى حالة "الحيوانية" التي تجاوزناها بشق الأنفس عبر رحلة التطور الحضاري والروحي.

***

غالب المسعودي

......................

المراجع

الوردي، علي. (1954). مهزلة العقل البشري. بغداد: مطبعة المعارف. (لتحليل الصراع بين الطبيعة البشرية والقيود الاجتماعية)

دايموند، جاريد. (2007). أسلحة، جراثيم وفولاذ: قدر الشعوب البشرية. ترجمة: نبيل سليم. أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث. (لفهم أثر الجغرافيا في التطور)

داوكينز، ريتشارد. (2009). الجين الأناني. ترجمة: هالة تعمري. بيروت: دار الساقي. (لتعميق فهم المورثات كوحدات وراثة)

باندورا، ألبرت. (1986). الأسس الاجتماعية للفكر والعمل. (المرجع الأساسي لنظرية التعلم الاجتماعي والوكالة البشرية)

مورين، إدغار. (2002). الإنسان والنشوء. ترجمة: حكيم بن حمودة. الدار البيضاء: دار توبقال. (يتناول تعقيد الهوية البشرية بين البيولوجيا والثقافة)

من المركزية الغربية إلى التعددية الفلسفية

يحتل مفهوم الكونية موقعا مركزيا في الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر، بوصفه أحد المفاتيح الكبرى لفهم العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين العقل والتاريخ، وبين القيم والسياقات الحضارية. غير أن هذا المفهوم على ما ينطوي عليه من وعد إنساني شامل، لم يتبلور في فراغ نظري محايد، بل تشكّل داخل شروط تاريخية مخصوصة، تداخل فيها المعرفي بالسياسي، والفلسفي بالإمبراطوري، فغدا الكوني في كثير من صيغه، تعبيرا عن تمركز حضاري أكثر مما هو أفق مشترك للإنسانية. وهكذا ارتبطت الكونية الحديثة بسردية التقدم الأوروبي، وبنزعة تعميم تجربة ثقافية بعينها، حتى أصبحت معيارا تُقاس به باقي التجارب، ويُعاد ترتيب العالم وفق منطق المركز والهامش.

لقد أفضى هذا التمفصل بين الكوني والقوة إلى إنتاج خطاب فلسفي يدّعي الشمول، بينما يستبطن آليات إقصاء صامتة، ويُخفي خلف تجريده الميتافيزيقي تاريخا من الهيمنة الرمزية. وقد كشفت التحليلات النقدية المعاصرة لدى ميشيل فوكو، عن ارتباط أنظمة الحقيقة ببنيات السلطة، فيما أبرز جاك دريدا الطابع الميتافيزيقي لكل مركز يدّعي الاكتمال، وأظهر إدوارد سعيد كيف تشكّل تمثيل الآخر داخل خطاب يدّعي الموضوعية والكونية، بينما يعيد إنتاج علاقات السيطرة. وتدل هذه المقاربات مجتمعة على أن الكوني ليس حقيقة فوق تاريخية، بل بناء ثقافي قابل للمساءلة ومشروط بسياقات إنتاجه.

غير أن نقد الكونية الغربية على أهميته، لا يستنفد الرهان الفلسفي الراهن. فالمطلوب اليوم لا يقتصر على تفكيك المركزية الأوروبية، بل يتجه نحو استكشاف إمكان تأسيس كونية أخرى، كونية تعددية، حوارية، مفتوحة على اختلاف التجارب الإنسانية، وقائمة على الاعتراف المتبادل بدل التماثل القسري. كونية تُصاغ عبر الترجمة الثقافية، وتتغذى من تفاعل العقلانيات، وتستوعب التعدد اللغوي والرمزي، دون الوقوع في نسبوية مفرغة من المعايير أو في شمولية جديدة مقنّعة.

يسعى هذا المقال إلى إعادة التفكير في مفهوم الكونية من خلال تتبع تحوّلاته الفلسفية، وكشف ارتباطاته التاريخية بالمركزية الغربية، ثم الانفتاح على بدائل نظرية تستلهم الفكر النقدي المعاصر، والحكم غير الغربية، وإسهامات الفلسفات العربية والإسلامية الحديثة. وهو بذلك محاولة لإعادة وصل الكوني بالمحلي، والفلسفي بالسياسي، والمعرفي بالأخلاقي، انطلاقا من قناعة مفادها أن الكونية ليست نقطة بداية جاهزة، بل أفق يُبنى، وأن الحقيقة لا تُفرض، بل تتشكل داخل فضاء الحوار، وأن الإنسان لا يكتمل إلا في علاقة حية مع الآخر.

لم يكن مفهوم الكونية منذ تبلوره في الفكر الحديث، مجرد فكرة تجريدية محايدة، بل كان دوما مشدودا إلى تاريخ القوة ومشبوعا بسرديات التفوق، ومحمولا على أكتاف مشروع حضاري بعينه. فالكوني كما تشكّل في الوعي الأوروبي الحديث لم ينبثق من فراغ معرفي خالص، بل وُلد في أحضان التوسع الإمبراطوري، ونما في سياق تشكّل الدولة القومية، وتغذّى من مركزية العقل الأداتي، حتى صار في كثير من تجلياته ـ اسما آخر للهيمنة الرمزية، وقناعا فلسفيا للسيطرة الثقافية.

لقد اقترنت الكونية في صيغتها الغربية الكلاسيكية، بادّعاء امتلاك الحقيقة الإنسانية العامة، وبالزعم أن النموذج الأوروبي في العقلانية والسياسة والأخلاق هو التعبير الأرقى عن ماهية الإنسان. ومن هنا لم تعد الكونية أفقا مفتوحا للاختلاف، بل تحوّلت إلى معيار تقويمي تُقاس به باقي الثقافات، وتُرتّب وفقه الحضارات في سلم التقدم والتأخر.

يكفي أن نستحضر تصورات إيمانويل كانط عن التاريخ الكوني بوصفه مسارا عقلانيا يتجه نحو اكتمال الحرية، أو فلسفة غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل التي جعلت من أوروبا ذروة الروح المطلق، بينما وُضعت إفريقيا خارج التاريخ، وآسيا في طفولته، لنفهم كيف تماهى الكوني مع الجغرافي، وكيف تمركز العقل في نقطة واحدة من العالم. يقول هيغل بوضوح فاضح: «التاريخ العالمي يتحرك من الشرق إلى الغرب، فأوروبا هي النهاية المطلقة للتاريخ»، وهي عبارة تختزل بعمق ذلك الوعي التراتبي الذي حكم المخيال الفلسفي الغربي قرونا طويلة.

غير أن هذا الادّعاء الكوني لم يكن مجرد تنظير ميتافيزيقي، بل وجد ترجمته العملية في مشاريع الاستعمار، حيث صار «تمدين الشعوب» مبررا أخلاقيا للغزو، وصارت «رسالة الرجل الأبيض» خطابا يضفي الشرعية على اقتلاع المجتمعات من سياقاتها الرمزية، وإعادة تشكيلها وفق نموذج مستورد. لقد تحوّلت الكونية إلى أداة تطبيع للعنف، وإلى لغة ناعمة تبرر الإخضاع باسم الإنسانية ذاتها.

في سياق كهذا، ينبّه ميشيل فوكو إلى أن المعرفة لا تنفصل عن السلطة، وأن الخطابات الكبرى ليست بريئة، بل تُنتج داخل شبكات القوة. فالكوني حين يُقدَّم باعتباره حقيقة فوق تاريخية، إنما يخفي شروط إنتاجه، ويطمس علاقته بالبنيات السياسية والاقتصادية التي دعمته. وهنا لا تكون مساءلة الكونية مجرد تمرين نظري فقط، بل فعل تفكيك لأنظمة الهيمنة الرمزية.

وقد مضى جاك دريدا أبعد من ذلك حين كشف الطابع الميتافيزيقي لكل خطاب يدّعي الاكتمال، معتبرا أن كل مركز يتأسس على إقصاء، وأن كل كونية تقوم على إسكات أصوات هامشية. فالكوني في نظره ليس معطى جاهزا، بل بناء لغوي قابل دائما للتشقق، لأن المعنى نفسه مؤجل ومفتوح على الاختلاف.

من جهة أخرى، بيّن إدوارد سعيد في عمله النقدي كيف أن الغرب اخترع «الشرق» بوصفه موضوعا معرفيا، لا بوصفه ذاتا متكلمة. فالاستشراق لم يكن مجرد دراسة ثقافية، بل جهازا تمثيليا أعاد تشكيل الشرق وفق حاجات المركز، وصاغ عنه صورة نمطية تبرر إخضاعه. وهكذا غدت الكونية خطابا أحادي الاتجاه: الغرب يتكلم باسم الجميع، والآخر يُختزل في صورة مصنوعة عنه.

غير أن الأزمة لا تكمن فقط في إسقاط الكونية على الآخر، بل في طبيعة العقل الذي أنتجها. فالعقل الحديث كما صاغته الفلسفة الأوروبية قام على مبدأ التماثل والتوحيد، وعلى البحث عن قوانين عامة صلبة، متناسية أن التجربة الإنسانية متعددة، وأن الوجود لا يُختزل في نموذج واحد. يشير مارتن هايدغر إلى أن الميتافيزيقا الغربية نسيت سؤال الوجود حين اختزلته في التمثّل والسيطرة، وهو ما جعل الإنسان الحديث سيدا على الموجودات بدل أن يكون ساكنا شعريا في العالم. ومن داخل هذا الأفق النقدي، بدأ يتشكل وعي فلسفي جديد يعتبر أن الكونية، إذا أُريد لها أن تكون أفقا أخلاقيا حقيقيا، لا بد أن تُعاد صياغتها من داخل التعدد لا من فوقه، ومن خلال الاعتراف بالاختلاف لا عبر محوه. فليس الكوني هو ما يُفرض باعتباره معيارا عاما، بل ما ينبثق من حوار الثقافات، ومن تفاعل التجارب التاريخية المختلفة.

لقد عبّر بول ريكور عن هذا المعنى حين تحدث عن «الكونية المترجمة»، أي تلك التي لا تتحقق إلا عبر وساطة اللغات والثقافات، حيث لا يوجد معنى كوني إلا بقدر ما يُعاد تأويله داخل أفق محلي. فالكوني ليس نقطة بداية، بل نتيجة مسار تفاعلي طويل، تُسهم فيه كل الحضارات بصيغ متفاوتة.

ويذهب يورغن هابرماس إلى أن العقل التواصلي يوفر بديلا عن العقل الأداتي، لأن الشرعية لا تُستمد من القوة أو من ادّعاء الامتلاك المسبق للحقيقة، بل من النقاش الحر ومن إمكان الوصول إلى توافق عقلاني بين ذوات متساوية. غير أن هذا التصور نفسه لا يخلو من مركزية أوروبية مستترة، ما لم يُفتح على أشكال أخرى من العقلانية غير الغربية.

من هنا تبرز ضرورة الانتقال من كونية معيارية مغلقة إلى تعددية فلسفية مفتوحة، تعترف بتكافؤ المسارات الحضارية، وبأن كل ثقافة تمتلك مواردها الخاصة في التفكير في الإنسان والعالم والمعنى. فالحكمة ليست حكرا على جغرافيا معينة، ولا الحقيقة وقفا على تقليد فلسفي بعينه.

لقد عبّر أستاذنا محمد عابد الجابري عن هذا الوعي حين دعا إلى تفكيك العقل الموروث دون استنساخ العقل الغربي، مؤكدا أن النهضة لا تكون بالذوبان في الآخر، بل بإعادة بناء الذات من داخل تراثها النقدي. بينما شدّد طه عبد الرحمن على ضرورة تأسيس كونية أخلاقية تنطلق من القيم الروحية، لا من البراغماتية التقنية، معتبرا أن الحداثة الغربية فصلت بين العقل والأخلاق، فدفعت الإنسانية نحو أزمة معنى شاملة.

وفي أفق موازٍ، يرى عبد الله العروي أن الكونية لا تُنال بالانتقاء الانتقائي، بل بالانخراط التاريخي الواعي في مفاهيم الحداثة، مع إدراك شروطها وسياقاتها. وهو موقف يعكس توتر الفكر العربي المعاصر بين مطلب الأصالة وضغط المعاصرة.

إن إعادة التفكير في الكونية اليوم لم تعد ترفا نظريا، بل ضرورة وجودية في عالم يتفكك تحت وطأة الصراعات الهوياتية، ويتآكل بفعل الرأسمالية المعولمة، ويكاد يفقد بوصلته الأخلاقية. فالكونية التي لا تعترف بجراح الاستعمار، ولا تُصغي لأصوات الجنوب، ولا تحتضن التعدد اللغوي والرمزي، ليست سوى إعادة إنتاج للمركزية بصيغ جديدة.

يقول ألبير كامو: «الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يرفض أن يكون ما هو عليه»، وهي عبارة تختزل مأساة الكوني الحديث: سعي دائم إلى تجاوز الذات دون مصالحة معها، وإلى تعميم نموذج واحد دون الإصغاء لتنوع التجارب.

هكذا يتبدّى أن الكونية إذا لم تُعاد صياغتها من داخل التعدد، ستظل مجرد خطاب سلطوي مغلّف بلغة إنسانية. أما الكونية الممكنة فهي تلك التي تُبنى ببطء عبر الاعتراف المتبادل، وترجمة القيم وتقاطع الحكم وإشراك الهامش في صناعة المعنى.

ذلك هو أفق التعددية الفلسفية، ألا يكون العالم نسخة واحدة، بل فسيفساء غنية، وألا تكون الحقيقة صوتا منفردا، بل جوقة إنسانية متعددة النبرات.

إذا كان نقد الكونية الغربية قد كشف تواطؤها التاريخي مع منطق الهيمنة، فإن الرهان الفلسفي المعاصر لا يقف عند حدود التفكيك، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة شروط إمكان كونية بديلة، كونية لا تنبني على الامتلاك ولا على الإقصاء، بل على الاعتراف المتبادل وعلى تعدد سبل العقل، وعلى الحوار بين الذاكرات الحضارية. فالكوني لم يعد يُتصور باعتباره نقطة انطلاق ميتافيزيقية، بل أفقا إنسانيا يُبنى عبر التفاعل، ويتشكل داخل صيرورة تفاوضية طويلة، تتداخل فيها التجارب، وتتصارع فيها التأويلات.

لقد أبانت تحولات الفكر النقدي خلال العقود الأخيرة أن أزمة الكونية ليست في مضمونها القيمي المجرد، بل في بنيتها الإقصائية، وفي نزعتها إلى تحويل الجزئي الأوروبي إلى معيار كلي. وهنا كان لا بد من الانتقال من منطق التعميم القسري إلى منطق الترجمة الثقافية، ومن تصور أحادي للعقل إلى الاعتراف بتعدد العقلانيات. فكما يقول رايمون بانّيكار: «لا توجد كونية دون حوار بين الثقافات، ولا حوار دون قبول متبادل بالاختلاف».

إن الفلسفة ما بعد الكولونيالية قد أسهمت بعمق في إعادة فتح هذا الملف، حين أبرزت أن الحداثة الأوروبية لم تكن تجربة داخلية خالصة، بل تشكّلت عبر الاحتكاك العنيف مع الآخر، وأن ما يسمى “الكوني” هو في كثير من الأحيان حصيلة تاريخ غير متكافئ. لقد بيّن فرانتز فانون أن الاستعمار لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل المخيال، ويزرع في المستعمَر شعورا بالنقص الوجودي، ويقنعه بأن خلاصه يمر عبر تقليد المستعمِر. لذلك فإن تحرير الذات يقتضي أولا تفكيك هذه البنية النفسية العميقة التي تجعل الكونية مرادفا للتشبه بالمركز.

وفي الاتجاه نفسه، يرى هومي بهابها أن الهوية ليست جوهرا ثابتا، بل فضاء هجين يتشكل في مناطق التماس، وأن الثقافات لا توجد في عزلة نقية، بل في حالات تداخل دائم. ومن هنا تصبح الكونية ممكنة فقط بوصفها إنتاجا مشتركا، لا باعتبارها تصديرا أحاديا للقيم.

أما غياتري سبيفاك فقد طرحت سؤالا حادا: «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» وهو سؤال يعرّي وهم الكونية التمثيلية، حيث يتكلم المركز باسم الهامش، ويصوغ عنه خطابا لا يتيح له الظهور بذاته. فالكونية، حين لا تتيح للآخر أن يتكلم بلغته، تصبح مجرد إعادة إنتاج للصمت.

هذا التحول النقدي دفع كثيرا من المفكرين إلى إعادة تعريف العلاقة بين المحلي والكوني. فلم يعد المحلي نقيضا للكوني، بل شرطا له. إذ لا معنى لأي قيمة إنسانية ما لم تتجسد في سياق ثقافي ملموس. يقول تشارلز تايلور إن الاعتراف بالخصوصيات الثقافية ليس تهديدا للكونية، بل هو الطريق الوحيد إليها، لأن الهوية لا تُبنى في الفراغ، بل داخل أفق جماعي من المعاني.

ومن داخل هذا الأفق، تبرز الحاجة إلى تجاوز الثنائية الساذجة بين النسبية المطلقة والكونية الصلبة، نحو تصور دينامي للكوني بوصفه شبكة علاقات، لا منظومة مغلقة. فالتعددية الفلسفية لا تعني تفكيك كل معيار، ولا السقوط في نسبوية عديمة الأفق، بل تعني الإقرار بأن المعنى يتولد من التفاعل، وأن الحقيقة تُبنى عبر تعدد وجهات النظر.

إن الفكر الآسيوي على سبيل المثال، يقدم موارد مفهومية غنية في هذا الباب. ففي الحكمة الكونفوشية، كما عند كونفوشيوس، لا تُفهم الأخلاق بوصفها قوانين مجردة، بل علاقات حيّة داخل شبكة اجتماعية، حيث يتحدد الإنسان من خلال مسؤوليته تجاه الآخر. أما في البوذية كما تتجلى في تعاليم سيدهارتا غوتاما، فإن الذات ليست جوهرا مستقلا، بل كيانا علائقيا، يتشكل عبر الاعتماد المتبادل، وهو تصور يقوّض جذريا النزعة الفردانية التي قامت عليها الكونية الليبرالية الحديثة.

وفي الفلسفة الهندية، خصوصا في تقليد الأوبانيشاد، نجد تصورا للكوني قائما على وحدة الوجود، حيث يتداخل الفردي والكلي في حركة روحية عميقة. وهو ما يجعل الكونية هنا تجربة داخلية قبل أن تكون مشروعا سياسيا أو قانونيا.

أما في التراث الإسلامي، فإن مفهوم “العالمين” القرآني يفتح أفقا كونيا تعدديا، لا يختزل الوجود في نموذج واحد، بل يعترف بتعدد العوالم واللغات والشعوب. جاء في القرءان الكريم في سورة الحجرات: «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا»، وهي آية تؤسس لكونية قائمة على التعارف لا على الاستيعاب القسري. وقد عبّر ابن عربي عن هذا المعنى بقوله الشهير: «قلبي قابل لكل صورة»، معلنا انفتاح الذات العارفة على كل أشكال التجلي.

وفي السياق نفسه، يرى أبو حامد الغزالي أن الحقيقة لا تُنال بالعقل المجرد وحده، بل بتكامل العقل والذوق، وأن المعرفة التي لا تُثمر تواضعا أخلاقيا ليست سوى حجاب جديد. وهو تصور يعيد وصل الفكر بالفعل، ويجعل الكونية مشروطة بتحققها في السلوك.

غير أن التحدي الأكبر أمام أي مشروع كوني تعددي يظل سياسيا بامتياز. فالعالم المعاصر رغم خطابه المعولم، يعيش لا تكافؤا صارخا في توزيع السلطة والمعرفة والثروة. والرأسمالية المتأخرة كما حللها ديفيد هارفي، لا تنتج فقط تفاوتا اقتصاديا، بل تعيد تشكيل الفضاء الثقافي نفسه، وتفرض نموذجا استهلاكيا موحدا يُفرغ الخصوصيات من محتواها.

في هذا السياق، تغدو الكونية الليبرالية القائمة على حقوق مجردة للفرد، عاجزة عن معالجة الجراح التاريخية للشعوب، وعن الاعتراف بالذاكرة الاستعمارية، وعن إنصاف الجماعات المهمشة. لذلك يدعو أشيل مبيمبي إلى التفكير في “سياسات الحياة”، بدل الاكتفاء بخطاب الحقوق، أي إلى إعادة مركزية الكرامة الإنسانية في عالم تحكمه تقنيات الموت والإقصاء.

إن التعددية الفلسفية لا تعني فقط تنويع المرجعيات النظرية، بل تستلزم أيضا إعادة هيكلة المجال المعرفي العالمي، بحيث لا تبقى الجامعات ومراكز البحث أسيرة سردية واحدة، ولا تُختزل الفلسفة في تاريخها الأوروبي الحديث. فكما يقول بوآفينتورا دي سوزا سانتوس، نحن في حاجة إلى “إيكولوجيا المعارف”، تعترف بتكافؤ أشكال المعرفة المختلفة، وتفتح المجال أمام حوار بين العلم الحديث والحكم التقليدية، وبين الفلسفة الأكاديمية والتجارب الشعبية.

وفي هذا الإطار، يصبح للمثقف دور مزدوج: تفكيك المركزيات القائمة، والمساهمة في بناء جسور جديدة بين الثقافات. فالمثقف ليس مجرد ناقل للأفكار، بل وسيط حضاري، مطالب بأن يصغي بقدر ما يتكلم، وأن يترجم بقدر ما ينتج.

لقد كتب أنطونيو غرامشي أن كل إنسان فيلسوف بطريقته، لأن لكل فرد رؤية ضمنية للعالم. وهذه العبارة تذكّرنا بأن الكونية لا تُصنع فقط في الأبراج الأكاديمية، بل تتشكل أيضا في الحياة اليومية في مقاومات الشعوب، وفي سرديات الذاكرة، وفي أشكال التضامن الصامت.

وهكذا يتضح أن الكونية المنشودة ليست صيغة نهائية، بل مشروع مفتوح، يتطلب تواضعا معرفيا، وشجاعة أخلاقية، واستعدادا دائما لمراجعة الذات. إنها كونية بلا مركز ثابت وبلا وصاية فكرية، وبلا ادّعاء امتلاك الحقيقة. كونية تُبنى من الأسفل، من الهامش، من تعدد الأصوات، ومن الاعتراف بأن الإنسان أكبر من أي تعريف أحادي.

يقول بول فاليري: «الحضارات فانية»، وهي عبارة تختزن درسا عميقا: لا نموذج يدوم، ولا مركز يبقى. وما يبقى هو القدرة على التعلم من الآخر، وعلى تحويل الاختلاف إلى مصدر غنى، لا إلى ذريعة صراع.

إن إعادة التفكير في الكونية ليست مجرد مراجعة لمفهوم فلسفي، بل هي إعادة تأسيس لعلاقتنا بالعالم وبالآخر وبالذات. إنها دعوة إلى الانتقال من منطق السيادة إلى منطق المشاركة، ومن وهم التفوق إلى أخلاق التواضع، ومن كونية مفروضة إلى كونية متفاوض عليها.

فالكوني الحق ليس ما يُملى من فوق، بل ما يُنسج بين البشر خيطا خيطا، في صبر التاريخ وفي هشاشة المعنى، وفي أمل الإنسانية المشتركة.

***

د. حمزة مولخنيف

تحوّل السلطة المعرفية في العصر الخوارزمي

بعد الانتقال من الورق إلى الشاشة بفضل التحول الرقمي، ومن المنبر التقليدي إلى المنصة الرقمية، أصبحنا نعيش تحوّل في البنية العميقة لتنظيم المجال العام، والسؤال تحول من : (من يتكلم؟)، إلى: (من يُرى؟)، ومن الذي يقرر ما الذي يُرى؟

لقد عاش العالم الحديث، منذ الطباعة إلى التلفزيون، ضمن ما يمكن تسميته بـ مجتمع الخطاب، إذ كانت السلطة المعرفية تتمحور حول الكلمة، (الكاتب، العالم، الخطيب، المفكر، المؤسسة الإعلامية)، وكان الصراع ظاهرا، يدور بين أطروحات متقابلة، تواجه فيها الحجة بالحجة، ويقاس الانتشار بمدى الإقناع أو النفاذ إلى الجمهور عبر منابر محددة.

ولكن هذا البناء بدأ يتصدع مع صعود المنصات الرقمية، فلم يعد توزيع الأفكار يتم بواسطة محرر أو هيئة تحرير، بل عبر نماذج تنبؤية وخوارزميات ترشيح.. وفي منصات مثل YouTube وFacebook وTikTok، انتقل السؤال المركزي من: (ما الفكرة الأقوى؟)، إلى: (ما الفكرة الأكثر احتمالًا للظهور أمام هذا المستخدم تحديدًا؟).

هنا ننتقل إلى ما يمكن تسميته بـ (مجتمع الترشيح).

وبعبارة أدق (من سلطة المحتوى إلى سلطة الاحتمال).

في مجتمع الخطاب، كانت السلطة أيديولوجية أو معرفية، تتجلى في من يمتلك الحجة أو المنبر، أما في مجتمع الترشيح، فالسلطة حسابية، لأن الخوارزمية لا تناقش الفكرة، ولا تفحص صدقها، بل تحسب احتمالية التفاعل معها، هي لا تسأل: هل هذه الفكرة صحيحة؟ بل: هل ستبقي المستخدم مدة أطول؟ هل ستثير استجابة أسرع؟

بهذا المعنى، انتقلت السلطة من مستوى المحتوى إلى مستوى التوزيع، ولم يعد الإقصاء يتم عبر المنع الصريح، بل عبر تقليل الظهور.. الفكرة قد تكون موجودة، لكنها لا تُعرض.. وهي صورة من صور التهميش الصامت، أخطر من المنع المعلن، لأنه لا يُدرَك بوصفه إقصاء.

إذن إننا أمام انتقال من (صراع بين أفكار) إلى (صراع بين خوارزميات)، إذ الفكرة لا تنتشر لأنها أقوى برهانيًا، بل لأنها أكثر قابلية للانتشار حسابيا حسب عمل الخوارزمية.

تفكك المجال العام:

كان المجال العام في مجتمع الخطاب — رغم اختلافاته — مجالًا مشتركًا نسبيًا، الصحيفة ذاتها يقرأها آلاف، والقناة ذاتها يشاهدها ملايين، أما اليوم، فكل مستخدم يعيش في نسخة مخصصة من العالم، فالخوارزمية تصمم له بيئة معرفية تناسب تاريخه السلوكي.

والنتيجة تتلخص بما يمكن وصفه بـ (تفكك الإدراك الجمعي)، إذ لم يعد الناس يختلفون فقط في آرائهم، بل في المعطيات التي يتلقونها أصلًا، فينشأ وهم الإجماع داخل كل فقاعة معرفية، ويتعزز الاستقطاب، لأن المحتوى الانفعالي أكثر قدرة على توليد التفاعل الذي تكافئه الخوارزمية، فيتحول المجال العام من ساحة تداول إلى سوق انتباه.

معيار الانتباه بدل معيار الحقيقة:

في مجتمع الخطاب، كانت القيمة العليا هي الإقناع، حتى وإن لم يتحقق دائمًا، أما في مجتمع الترشيح، فالمعيار هو جذب الانتباه، فالانتباه سلعة، والخوارزمية تعمل على تعظيمه.

هذا التحول يعيد انتاج بنية الخطاب نفسه، إذ تميل البيانات إلى الاختزال، والمبالغة، والإثارة، لأنها أكثر قدرة على التفاعل السريع، فلا تتغير آلية التوزيع فقط، بل يتغير شكل الفكرة ذاتها، فالخطاب يصبح خاضعا لمنطق تحكم الخوارزمية، لا العكس.

تحوّل مفهوم السلطة

في هذا السياق، لم تعد السلطة المعرفية حكرا على منتج المعنى، بل صارت موزعة بين منتج المحتوى ومهندس الخوارزمية، ومن يمتلك آلية الترشيح يمتلك قدرة هائلة على تشكيل المجال الإدراكي، حتى من دون أن ينتج خطابا مباشرا.

فنحن اليوم أمام انتقال من سلطة الكلمة إلى سلطة المعادلة، ومن مركزية (من يتكلم) إلى مركزية (من يقرر ما يُرى)، وهذه السلطة لا تمارس نفسها عبر الإقناع، بل عبر إعادة ترتيب مجال الإمكان.

وليس الخطر هنا في وجود الخوارزميات ذاتها، بل في لا مرئيتها، فحين لا يُدرك المستخدم أن ما يراه هو نتيجة ترشيح، يظنه تمثيلًا طبيعيا للواقع.

هل انتهى مجتمع الخطاب؟

ليس تمامًا، فالخطاب ما زال قائمًا، لكن داخل بيئة ترشيحية، (المفكر، أو الباحث، أو المؤسسة العلمية)، لم يعد كافيا في أن ينتج معرفة رصينة، بل عليه أن يفهم منطق المنصة التي ستوزعها، أي أن الصراع لم يعد على المعنى فقط، بل على شروط ظهوره.

من هنا يتضح أن التحول ليس تقنيًا فحسب، بل حضاري، إنه يمس مفهوم الحرية، والمسؤولية، والحقيقة ذاتها، ففي مجتمع الترشيح، لا يُقمع الرأي المخالف بالمنع، بل يُضعف احتماله في الظهور، ولا يفرض اتجاه بعينه، بل يُعاد ترتيب البيئة بحيث يصبح اتجاه ما أكثر حضورا من غيره.

إن الانتقال من مجتمع الخطاب إلى مجتمع الترشيح يمثل أحد أعمق تحولات السلطة المعرفية في العصر الحديث، فبعد أن كان الصراع يدور فقط حول ما يُقال، أصبح يدور حول ما يُرى، وبعد أن كانت الهيمنة تتجلى في السيطرة على المنابر، أصبحت في السيطرة على الخوارزميات التي تحدد مسارات الوصول إلى تلك المنابر.

وهذا التحول يفرض علينا إعادة التفكير في مفهوم المجال العام، وفي شروط الحرية الفكرية، وفي مسؤولية المنصات الرقمية بوصفها فاعلا بنيويا في تشكيل الوعي الجمعي، فالوعي في العصر الخوارزمي يتشكل عبر ما يُتاح لنا أن نراه.

السلطة الخوارزمية، في تحوّل مركز القوة المعرفية من الكلمة إلى الكود

السلطة الخوارزمية لا تحتاج أن تتكلم، وتخطب، وتصدر بيانا، لكن يمكنها أن تقرر من يتكلم، ومن يُسمَع، ومن يُدفَع إلى الهامش.

 الخوارزمية في أصلها صيغة حسابية لتنظيم البيانات واتخاذ قرارات آلية، لكن الأمر يتجاوز الوظيفة التقنية البحتة عندما تتحول هذه الصيغ إلى أدوات تنظيم المجال العام.

في منصات مثل YouTube وFacebook وTikTok، تقوم الخوارزميات بـ: ترتيب المحتوى، تحديد أولوية الظهور، اقتراح العلاقات، توجيه التفاعل..

بهذا المعنى، تتجكم الخوارزمية في مسارات تداوله، وهنا يكمن جوهر السلطة، فالسلطة الخوارزمية سلطة توزيع، تعمل على تحديد احتمالات ظهوره.

 وفي النماذج التقليدية للسلطة، كان المنع ظاهرًا: حجب كتاب، إغلاق صحيفة، منع خطاب، أما في السلطة الخوارزمية، فلا حاجة إلى المنع بل يكفي تقليل الظهور.

فالرأي قد يكون موجودًا، لكنه لا يُعرَض، والفكرة قد تكون متاحة، لكنها لا تصل.

والإقصاء هنا لايحتاج الى الحذف، بل إعادة ترتيب المشهد بحيث يصبح رأي ما أقل احتمالا في الوصول إلى المستخدم، فهي سلطة تعمل عبر الاحتمال لا عبر الحظر.

وهذا النوع من السلطة أكثر تعقيدًا، لأنه لا يثير مقاومة مباشرة، إذ يصعب إدراكه.

والسلطة الخوارزمية لا تسأل عن صدق الفكرة أو قيمتها المعرفية، بل عن قابليتها للتفاعل، معيارها هو الانتباه، والانتباه سلعة في الاقتصاد الرقمي، وهذا التحول يعيد تشكيل طبيعة الخطاب ذاته، إذ تميل البيانات إلى: الاختزال، الإثارة، الاستقطاب، الانفعال، لأنها أكثر قدرة على جذب التفاعل.

وهنا تنتقل القوة من المحتوى العميق إلى المحتوى الجاذب، وتنتقل الهيمنة من من يملك البرهان الأقوى، إلى من يملك القدرة على جذب الانتباه في بيئة مشبعة.

 ففي الفضاء التقليدي، كان المجال العام مشتركًا نسبيًا، أما في الفضاء الخوارزمي، فكل مستخدم يعيش في بيئة معرفية مخصصة، فالخوارزمية تبني لكل فرد نسخته من العالم، استنادًا إلى:

سلوكه السابق، شبكة علاقاته، أنماط تفاعله..

والنتيجة هي تفكك المجال العام إلى مجالات موازية، تتعايش دون أن تتقاطع بالضرورة، ينشأ وهم الإجماع داخل كل فقاعة معرفية، ويتصاعد الاستقطاب، لأن الخوارزمية تكافئ المحتوى الأعلى إثارة.

والسلطة هنا تعيد هندسة البيئة بحيث يصبح رأي ما أكثر حضورا من غيره.

تحوّل مفهوم الحرية

في ظاهر الأمر، يبدو المستخدم حرًا؛ فهو يختار ما يشاهده، لكن اختياره يتم داخل نطاق مُسبق التشكيل، فالخوارزمية تحدد له ساحة الإمكان، وهو يختار ضمنها، وهذا لا يعني غياب الإرادة، بل إعادة تنظيم مجالها.

فالحرية لم تُلغَ تماما، لكنها أصبحت مشروطة ببنية ترشيحية غير مرئية، ومن هنا، فإن الوعي ببنية السلطة الخوارزمية يصبح شرطًا لممارسة حرية واعية، لا تلقائية.

وإذا كان العصر الحديث قد أسس لسلطة النص والخطاب، فإن العصر الرقمي يؤسس لسلطة الكود، الكود لا يناقش، ولا يجادل، لكنه يقرر، والتحول العميق يكمن في انتقال مركز القوة من المنتج إلى الموزع، ومن الحجة إلى المعادلة، ومن المنبر إلى المنصة.

وهذا يفرض إعادة التفكير في مفاهيم: المجال العام، المسؤولية الأخلاقية، حرية التعبير، العدالة المعلوماتية..

فالسلطة الخوارزمية ليست محايدة لأنها انعكاس لأهداف اقتصادية، ونماذج عمل، ومعايير تصميم.

والسلطة الخوارزمية ليست طارئة، بل هي البنية التنظيمية للعصر الرقمي، إذ لا تمارس سيطرتها عبر القمع، بل عبر الترشيح، ولا تُقصي بالحذف، بل بتقليل احتمال الظهور للمستخدمين، ولا تفرض الحقيقة، بل تعيد ترتيب المشهد بحيث تبدو بعض الحقائق أكثر حضورا من غيرها.

وفي هذا التحول تتغير طبيعة الصراع المعرفي، وتعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والتقنية، بين الحرية والبنية، بين المعنى وآليات ظهوره.

***

د. أسعد عبد الرزاق الاسدي

تأملات في حدود العقل أمام التعقيد المعاصر

في كل زمن يقف الإنسان أمام مأزق أساسي، إدراك ما يمكن معرفته وما يبقى خارج متناول العقل. هذا المأزق ليس صدفة بل هو انعكاس حتمي لهيكلة العقل البشري وطبيعة الواقع الذي يعيش فيه. منذ فجر الفلسفة ظل التساؤل عن حدود المعرفة يشكل نقطة مركزية، إذ لم يكن الفكر البشري يسعى فقط إلى تجميع الحقائق، بل إلى تقييم حدود فهمه ووعيه بجهله. هنا يظهر مفهوم اللايقين المعرفي ليس كظرف عارض، بل كجوهر للخبرة الفكرية والوجودية؛ إذ كل محاولة للفهم تضع العقل أمام غموض لا يمكن تجاوزه، وفي قلب هذا الغموض تتكشف حدود اليقين، وأحيانا هشاشته، أمام تعقيدات الحياة الطبيعية والاجتماعية والسياسية.

ففي زمن التعقيد المعاصر، تتضاعف هذه الأزمة المعرفية، إذ لم يعد العالم قابلا للاختزال في مفاهيم بسيطة أو أنظمة ثابتة، بل أصبح شبكة متشابكة من الظواهر المتغيرة، حيث تتداخل العلوم والتكنولوجيا والسياسة والثقافة والاقتصاد بطريقة تجعل أي تصور شامل مستحيلا. اللايقين هنا ليس مجرد نتيجة نقص المعلومات، بل هو خاصية متأصلة في طبيعة الواقع نفسه؛ واقع لا يخضع دائما للتوقعات ولا يمتثل لقواعد اليقين الكلاسيكية. ومن هذا المنطلق، يصبح التفكير الفلسفي ضرورة لا غنى عنها، ليس لإعطاء إجابات جاهزة، بل لفهم آليات التفكير نفسها، ولتطوير أدوات عقلية قادرة على التعامل مع الغموض والاحتمالات المتعددة.

لقد لاحظ بعض الفلاسفة الكبار، من سقراط الذي أعلَن أن إدراك الجهل هو بداية الحكمة إلى ديكارت الذي اعتمد الشك المنهجي كوسيلة للتحقق من حدود العقل، أن معرفة حدود العقل ليست قيدا، بل شرط أساسي لأي محاولة صادقة للفهم. وفي العصر الحديث، مع انتشار المعلومات وتزايد التعقيد، يواجه العقل تحديا مزدوجا: البحث عن معرفة دقيقة مع الإدراك الدائم بأن كل تفسير نسبي ومحدود. هذا التوتر بين الرغبة في اليقين وإدراك محدودية المعرفة يشكل قلب اللايقين المعرفي ويجعله موضوعا مركزيا للفلسفة المعاصرة.

إن دراسة هذا المفهوم تتجاوز الإشكالات النظرية، لتصل إلى مجالات الحياة اليومية والعلمية والأخلاقية. فهي تساعدنا على إدراك أن القرارات العلمية والاجتماعية لا يمكن أن تُبنى على افتراضات مطلقة، وأن الحكمة في العالم المعقد تكمن في القدرة على التعامل مع الاحتمالات والغياب والتغير المستمر. ومن هذا المنظور، يصبح اللايقين المعرفي ليس تهديدا للفكر، بل فرصة لإعادة التفكير في أدواتنا العقلية ومرونتنا الأخلاقية واستراتيجياتنا في مواجهة التعقيد المعاصر. في قلب كل سؤال فلسفي يكمن سؤال آخر، أشد عمقا وأكثر صعوبة. إن الفلسفة منذ نشأتها الأولى عند أفلاطون وأرسطو، لم تكن مجرد سعي نحو المعرفة بل كانت رحلة متواصلة في الفضاء الغامض للوعي البشري وحدوده. وفي زمن التعقيد المعاصر، حيث تتشابك العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتكنولوجية، يجد العقل نفسه أمام تحدٍ مزدوج: تحد معرفي قائم على حدود قدراته، وتحد وجودي قائم على مواجهة اللايقين المستشري في كل مناحي الحياة. اللايقين المعرفي بهذا المعنى ليس مجرد عائق عابر، بل هو الجوهر الذي يفرض على الفلسفة إعادة التفكير في أدواتها ومناهجها ونظرتها إلى الحقيقة نفسها.

لقد اعتبر سقراط أن "الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش"، مؤكدا على أهمية التساؤل المستمر كوسيلة لاستجلاء الحقيقة. ومع ذلك كان سقراط نفسه يدرك محدودية العقل البشري، ففضله لم يكمن في امتلاكه لكل الإجابات، بل في إدراكه العميق لجهله. في هذا الوعي بالجهل يكمن جوهر اللايقين المعرفي؛ إذ لا يمكن للعقل أن يرفع كل الغموض عن الكون والوجود. وعندما ننتقل إلى العصور الحديثة، نجد ديكارت وهو يضع أساسا للمعرفة المطلقة عبر منهج الشك المنهجي، مؤكدا أن العقل لا يحقق اليقين إلا بعد المرور بعملية فرز دقيقة بين ما هو واضح وما هو مضلل. هذا الشك لا يقتصر على تشكيك فردي، بل يمتد ليصبح أداة نقدية، تفتح أمام الفلاسفة أبوابا لفهم أعمق للعقل وحدوده، ولإدراك أن كل معرفة تأتي مشحونة بالافتراضات والتقريبات والمحدوديات الذاتية.

وفي السياق المعاصر، يواجه العقل مشكلات أكثر تعقيدا. لا يتعلق الأمر بمجرد البحث عن الحقيقة المطلقة في العالم الطبيعي، بل بكيفية استيعاب العالم كشبكة متشابكة من العوامل الديناميكية المتغيرة. فالعقل الإنساني بقدر ما هو قادر على التحليل والتصنيف والتفسير، يظل عاجزا أمام الكلية المعقدة للظواهر. هيدجر أشار إلى أن الإنسان "موجود في العالم"، لكنه في الوقت نفسه "غير مكتمل الوعي بعالمه"، وهو ما يطرح مسألة حدود الإدراك، ليس فقط كمشكلة معرفية، بل كمأزق وجودي يتحدى كل محاولة لتحديد معنى واضح للوجود.

عندما نتحدث عن اللايقين المعرفي في واقعنا المعاصر، لا يمكننا تجاهل تأثير الثورة التكنولوجية والرقمية على تصوراتنا للمعرفة. المعرفة لم تعد حكراً على التأمل العقلي الفردي، بل أصبحت نتاج شبكة متشابكة من البيانات والإشارات والمعلومات. ومع ذلك، فإن الكم الهائل من المعلومات لا يعادل اليقين، بل يزيد من التوتر بين معرفة جزئية ومعرفة كلية، ويكشف هشاشة الفهم البشري أمام التعقيد الشديد للأنظمة الطبيعية والاجتماعية. كما لاحظ نيكلاس لومان، عالم الاجتماع الألماني، أن "العالم الحديث معقد لدرجة أن محاولات النظام والمعرفة تصبح بحد ذاتها مصدرا للارتباك واللايقين". إن اللايقين هنا ليس فقط نتيجة نقص المعلومات، بل نتيجة طبيعة الواقع نفسه الذي يتجاوز قدرة العقل على التنبؤ والتحليل الكامل.

من منظور فلسفي آخر، يمكن ربط هذا الواقع المعقد بمسألة نسبية المعرفة. فكر هيوم على سبيل المثال، في حدود التجربة البشرية، وأشار إلى أن كل معرفة تأتي عبر الحواس، وأن العقل لا يملك القدرة على الوصول إلى "الضروري" بشكل مطلق. في هذا الصدد، يصبح اللايقين المعرفي ليس حالة مؤقتة، بل شرطا جوهريا للوجود البشري، وهو ما يحيلنا إلى ضرورة التواضع المعرفي. تواضع العقل أمام التعقيد لا يعني التوقف عن التفكير، بل إدراك أن الفهم الكامل قد يكون خارج إمكانياتنا، وأن كل نظرية أو تصور هو تقريب، وليس حقيقة مطلقة.

ويتضح هذا اللايقين أيضا في مسألة التنبؤ بالمستقبل، سواء على المستوى العلمي أو الاجتماعي. النظريات الاقتصادية على سبيل المثال، تواجه صعوبة هائلة في توقع الأزمات المالية بشكل دقيق، على الرغم من توفر البيانات الضخمة ونماذج المحاكاة المتقدمة. نفس الأمر ينطبق على العلوم الطبيعية، حيث تواجه التغيرات المناخية والنظم البيئية قدرا هائلا من عدم اليقين بسبب التعقيد الداخلي والتفاعل المستمر بين العوامل المختلفة. إن العقل مهما بلغ من قوة التحليل، يجد نفسه أمام حدود جوهرية لا يمكن تجاوزها إلا بقبول اللايقين كأساس للتفكير.

لكن اللايقين المعرفي ليس دعوة للاستسلام، بل هو فرصة للتفكير النقدي والإبداعي. الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أشار إلى أن المعرفة ليست ثابتة، بل هي شبكة من العلاقات تتغير وفقا للزمن والمكان والسلطة. وعندما يعترف العقل بهذه الطبيعة المتغيرة، يصبح أكثر قدرة على التكيف مع التعقيد، وأكثر استعدادا لتطوير أدوات معرفية تتعامل مع عدم اليقين بمرونة ووعي. اللايقين هنا ليس عدو العقل، بل صديق يستحثه على تجاوز التبسيطات، والابتعاد عن الاستنتاجات المطمئنة الزائفة، والانخراط في حوار مستمر مع الواقع المتغير.

كما يمكن النظر إلى اللايقين من زاوية فلسفة العلوم. كارل بوبر مثلا، في نقده للمنهج الاستقرائي، أكد أن كل نظرية علمية تبقى قابلة للدحض، وأن اليقين النهائي غير ممكن. هذا الطرح يعيد العقل إلى موقعه الطبيعي كمتأمل ومراقب ومجرب، لا كحامل للحقائق المطلقة. فلسفة بوبر تفرض علينا أن نرى المعرفة كمسعى مستمر، لا كهدف مكتمل، وأن نفهم أن اللايقين المعرفي ليس ثغرة في الفكر، بل جزء من بنية المعرفة نفسها.

ويتجلى اللايقين أيضا في المشكلات الأخلاقية والاجتماعية. كيف يمكن للإنسان أن يتصرف في عالم يتغير بوتيرة سريعة، مع توفر معلومات متناقضة ومصالح متضاربة وقيم متغيرة؟ هانز جورج غادامير في فلسفة التفسير، أشار إلى أن فهم الإنسان للعالم مشروط بالسياق التاريخي والثقافي، وأن كل حكم أخلاقي أو معرفي يأتي ضمن إطار محدود. إن اللايقين هنا ليس مجرد نقص في المعرفة، بل شرط جوهري لكل محاولة للقرار والفعل.

في مواجهة هذا التعقيد، تقدم الفلسفة أدوات نقدية أساسية، لكنها تدعو أيضا إلى إعادة النظر في مفهوم اليقين نفسه. فالعقل، بدلاً من البحث عن معرفة مطلقة، يمكن أن يتجه نحو فهم النسبية والاحتمالات والمرونة في التفسير. مثل هذا الفهم يعيد الفلسفة إلى جوهرها النقدي، ويجعلها أكثر قدرة على التعامل مع الواقع المعاصر، حيث تتقاطع المعرفة بالتحليل والتجربة والسياق الاجتماعي والتكنولوجيا، والقدرة على التنبؤ المحدودة.

وفي هذا الإطار، يصبح اللايقين المعرفي ليس مجرد ظاهرة سلبية، بل مصدرا للإبداع والتجديد. فالفيزياء الحديثة على سبيل المثال، ابتداءً من ميكانيكا الكم إلى نظرية النسبية، تواجه حدود المعرفة الكلاسيكية، وتظهر أن الواقع نفسه يحتوي على مستويات من عدم اليقين والاحتمالات. عقل الإنسان عندما يواجه هذا الواقع، ليس مجرد مراقب سلبي، بل كمشارك في صياغة تصورات جديدة، قادرة على التعايش مع الغموض وتجاوز التوقعات البسيطة، والاندماج مع تعقيد الطبيعة.

إن الفلسفة المعاصرة لم تعد تبحث عن اليقين، بل عن الحكمة في التعامل مع اللايقين. فالحكمة ليست معرفة كل شيء، بل إدراك حدود المعرفة، والقدرة على اتخاذ قرارات متوازنة في عالم معقد، والوعي بأن الحقيقة غالبا ما تكون متعددة الأبعاد ومفتوحة على التأويل. الغزالي، في كتابه "تهافت الفلاسفة"، أشار إلى أن العقل البشري محدود، وأن التواضع أمام حدود الإدراك هو السبيل إلى الفهم الحقيقي. هذه النظرة ما زالت صالحة اليوم، إذ يواجه العقل المعاصر شبكة معقدة من المعلومات والعلاقات والتفاعلات، ويحتاج إلى تواضع معرفي وفلسفي لمواجهة ذلك.

اللايقين المعرفي إذن، ليس عائقا أمام التفكير الفلسفي، بل محفزا له. هو الذي يجعل الفلاسفة يتساءلون عن طبيعة الحقيقة، عن حدود العقل، عن العلاقة بين المعرفة والواقع، وعن دور الإنسان في الكون. إنه ما يميز الفلسفة عن العلوم الصرفة، إذ الفلسفة بوعيها بالحدود، تخلق مساحة للتأمل النقدي وللتساؤل العميق، وللاختلاف البناء.

إن تأمل اللايقين المعرفي يعيدنا إلى السؤال الأساسي: ما معنى المعرفة إذا لم تكن مطلقة؟ وهل يمكن للعقل أن يتجاوز حدود ذاته؟ هذه الأسئلة التي واجهت أفلاطون وسقراط وهيوم وديكارت، تتجدد اليوم في سياق التعقيد المعاصر، حيث تتشابك التكنولوجيا مع الاقتصاد، والسياسة مع البيئة، والعلوم الطبيعية مع الأخلاقيات. وعندما يدرك العقل هذه الحدود يصبح أكثر حرية، وأكثر قدرة على التعامل مع الواقع بواقعية، وأكثر استعدادا لقبول الغموض كجزء لا يتجزأ من تجربة الوجود.

إن اللايقين المعرفي هو المرآة التي تعكس حدود العقل البشري، ولكنه أيضا الجسر الذي يربط بين المعرفة والفهم، بين التجربة والتأمل، وبين الفرد والمجتمع. الفلسفة عبر تاريخها الطويل، علمتنا أن البحث عن اليقين هو في جوهره بحث عن التوازن بين ما نعرفه وما لا نعرفه، بين الثابت والمتغير، وبين القابل للتحليل وغير القابل للإدراك الكامل. وهذا الإدراك العميق للحدود، هو ما يمنح الفلسفة قوتها المستمرة، وقدرتها على مواجهة التعقيد المعاصر، دون أن تفقد جذورها النقدية، أو قدرتها على الإبداع والتأمل العميق.

إذا كان اللايقين المعرفي يمثل حالة طبيعية وضرورية لإدراك حدود العقل البشري، فإن أثره يتجاوز مجرد مستوى التفكير الفردي، ليصل إلى صميم النشاطات العلمية والاجتماعية والسياسية. فالعقل في مواجهة التعقيد المعاصر، لا يواجه نقصا في المعلومات فحسب، بل يجد نفسه أمام شبكة من الظواهر المتشابكة والمتغيرة، حيث لا يمكن لأي منهج أن يضمن اليقين المطلق أو التنبؤ الكامل. وهنا تكمن المفارقة: المعرفة تتزايد يوميا، بينما يقيننا في تفسيرها يظل هشا، مما يفرض على الفلسفة إعادة النظر في مفاهيمها التقليدية عن الحقيقة واليقين والمعرفة.

على مستوى العلوم الطبيعية، يكشف اللايقين المعرفي عن حدود المنهج التجريبي نفسه. ففي الفيزياء الحديثة، أظهر مبدأ عدم اليقين الذي صاغه هايزنبرغ أن المعرفة عن موقع وسرعة الجسيمات لا يمكن أن تكون مطلقة في آن واحد، وأن طبيعة الواقع على المستوى الكمي لا تسمح للعقل البشري بتحقيق اليقين الكامل. هذه الحقيقة رغم طبيعتها العلمية، تحمل أبعادا فلسفية عميقة، إذ تؤكد أن الوجود نفسه قد يكون قائما على احتمالات غير محددة مسبقا، وأن العقل مهما بلغ من الدقة، يظل متأثرا بقيود هذه الطبيعة الاحتمالية.

إن هذا المبدأ ليس مجرد مسألة تقنية فيزيائية، بل يطرح أسئلة معرفية شاملة حول حدود الإدراك البشري، هل يمكن للعلم أن يصل إلى الحقيقة النهائية عن العالم؟ أم أن كل نظرية تبقى تقريبية ومرتبطة بالوسائل والأساليب المستخدمة؟ كما أشار الفيلسوف وعالم الفيزياء كارل بوبر، فإن كل نظرية علمية قابلة للدحض، وأنه لا يمكن لأي نموذج أن يزعم اليقين المطلق، ما يعني أن الفلسفة لا تزال مطلوبة لتفسير حدود هذه المعرفة ومآلاتها.

على مستوى العلوم الاجتماعية، يصبح اللايقين المعرفي أكثر وضوحا وإلحاحا، إذ تتشابك العوامل الاقتصادية، السياسية، الثقافية والبيئية، لتشكل أنظمة معقدة يصعب على العقل التنبؤ بها أو ضبطها بشكل كامل. نذكر هنا المحاولات الاقتصادية للتنبؤ بالأزمات المالية، أو التنبؤ بالاتجاهات الاجتماعية والسياسية الكبرى، والتي غالبا ما تصطدم بالتحولات المفاجئة وغير المتوقعة. وقد أشار عالم الاجتماع الألماني نيكلاس لومان إلى أن "النظام الاجتماعي الحديث معقد بدرجة تجعل من كل محاولة للنظام والمراقبة مصدرا للارتباك واللايقين". هذه الرؤية تكشف أن اللايقين ليس مجرد نقص معرفي، بل نتيجة طبيعية لتعقيد العالم نفسه، الذي لا يمكن اختزاله إلى معادلات أو نماذج بسيطة.

يتجلى اللايقين أيضا في البنى الأخلاقية. ففي عالم متغير، تصبح الموازين التقليدية للخير والشر والحكم على الفعل صعبة التطبيق. ففي الفلسفة الأخلاقية، يجد العقل نفسه أمام مفارقة اللايقين: كيف يمكن إصدار أحكام أخلاقية في غياب معرفة شاملة بالعواقب أو بمآلات الفعل؟ هانز جورج غادامير في فلسفة التفسير، أشار إلى أن فهم الإنسان للعالم مشروط بالسياق التاريخي والثقافي، وأن الحكم الأخلاقي يأتي ضمن إطار محدود لا يمكن أن يكون مطلقا. هذه الحالة تجبرنا على إدراك أن اللايقين جزء من تجربة الفعل الإنساني، وأن الحكمة ليست في معرفة كل النتائج، بل في القدرة على التعامل مع احتمالاتها المتعددة بوعي ونزاهة.

اللايقين المعرفي إذن، ليس حالة سلبية فحسب، بل هو عامل إبداعي وتحفيزي للفكر. الفلسفة المعاصرة تدرك أن البحث عن اليقين المطلق في عالم معقد ليس الهدف، بل الهدف هو تطوير أدوات ذهنية ونقدية قادرة على التعامل مع الغموض. هنا يظهر دور المرونة الفكرية، التي تجعل العقل مستعدا لتغيير التصورات والتخلي عن الثوابت الزائفة، والتفاعل مع المتغيرات دون فقدان الاتجاه أو الهوية الفلسفية. بهذا المعنى، يصبح اللايقين محركا للإبداع، ومصدرا لتطوير نظريات ومناهج جديدة تتناسب مع طبيعة العالم المعقدة.

الفلاسفة المعاصرون مثل ميشيل فوكو يوضحون أن المعرفة ليست مجرد اكتشاف للحقائق، بل هي شبكة من العلاقات تتغير بحسب الزمان والمكان وسلطة الفكر. وبقبول العقل لهذا الواقع، يصبح اللايقين شرطا ضروريا للتفكير النقدي. إنه يفرض على الإنسان أن يكون مرنا، متواضعا ومستعدا دائما لإعادة التقييم، بدل التمسك بمبادئ جامدة قد تصبح عائقا أمام الفهم الحقيقي.

هذا الواقع يفرض أيضا إعادة النظر في مفهوم الحقيقة نفسها. فاللايقين المعرفي يشير إلى أن الحقيقة ليست مطلقة ولا مستقلة عن سياقاتها، بل هي غالبا متعددة الأبعاد، نسبية، ومفتوحة على التأويل. الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أشار إلى أن العقل البشري لا يملك الوصول إلى "الأشياء في ذاتها" مباشرة، بل يفهمها من خلال أطره المفهومية والزمانية والمكانية. هذه الرؤية تجعل اللايقين جزءا لا يتجزأ من فهم الحقيقة: كل معرفة هي تقريب، وكل تفسير محدود بالقدرات العقلية والوسائل المتاحة.

ويمكن النظر إلى اللايقين المعرفي في سياق التحولات التكنولوجية والثقافية الحديثة. الثورة الرقمية جعلت المعلومات متاحة بكثرة، ولكن هذا الوفرة المعلوماتية لا تعني بالضرورة يقينا معرفيا. فالكم الهائل من البيانات يتطلب تحليلا نقديا عميقا، وإلا أصبح مصدرا للارتباك وعدم الفهم. ويشير هذا إلى أن اللايقين المعرفي في العصر الرقمي ليس نتيجة نقص المعرفة، بل نتيجة طبيعة الواقع المعقدة والتشابك بين المعرفة والمعلومات والسياقات.

علاوة على ذلك، يعيد اللايقين المعرفي الإنسان إلى مسألة المسؤولية الفردية والاجتماعية. فالعقل الذي يدرك حدوده ويدرك احتمالات الفعل والعواقب يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متوازنة ومسؤولة. اللايقين هنا ليس ذريعة للجمود أو الانفعال العشوائي، بل هو إطار للتأمل العميق، ووسيلة لفهم أن الفعل الإنساني في عالم معقد يجب أن يكون مدروسا، نقديا، ومفتوحا على التكيف مع المتغيرات.

ويمكن استدعاء الفلسفة الإسلامية خاصة رؤية الغزالي، الذي أكد على محدودية العقل البشري وضرورة التواضع المعرفي أمام الغيب والكون. الغزالي يشير إلى أن العقل وسيلة لفهم الجزئيات وليس مطلق المعرفة، وأن الاعتراف بالحدود هو الطريق إلى الحكمة. هذه الفكرة تلتقي مع مقاربات فلسفة العصر الحديث، حيث يصبح الوعي باللايقين شرطا للمرونة والإبداع والفهم العميق.

اللايقين المعرفي عند هذا المستوى، يخلق أيضا ديناميكية معرفية واجتماعية. فهو يفرض على المؤسسات العلمية والسياسية والاجتماعية إعادة التفكير في طرق اتخاذ القرار، وإعادة تقييم النماذج التقليدية للتخطيط والاستنتاج. وعندما يتبنى العقل الجمعي هذه المرونة، يصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات المعقدة والمتغيرة، ويصبح التعامل مع عدم اليقين جزءا من ثقافة التفكير والتخطيط، وليس مجرد اضطراب أو ضعف معرفي.

الفلسفة في ضوء هذا اللايقين، تصبح أكثر من مجرد تأمل نظري، فهي أداة لفهم العالم وممارسة العقل بشكل فعال. اللايقين يوجهنا نحو نقد اليقين الزائف، وإدراك أن المعرفة عملية مستمرة ومتغيرة، وأن كل محاولة لتبسيط الواقع إلى مفاهيم جامدة ستفشل حتما. وبالتالي، تصبح الفلسفة وسيلة لفهم العلاقات المعقدة، وللتعامل مع الغموض بشكل واعٍ ومسؤول، ولتطوير ثقافة تفكير مستدامة قادرة على مواجهة تحديات العصر المعاصر.

وفي الجانب الأخلاقي، يعيد اللايقين صياغة معنى المسؤولية الإنسانية. فالوعي بالحدود المعرفية يعني أن كل فعل إنساني يجب أن يُدرس ضمن نطاق الاحتمالات، وأن التوقعات المطلقة قد تكون مضللة. هذا الوعي يفتح المجال لتبني مبدأ التواضع الأخلاقي، الذي يحث على التعامل مع الآخرين والمجتمع بمرونة واحترام للتعقيدات والاختلافات، ويحول اللايقين إلى أداة لتعميق الحوار والتفاهم، بدل أن يكون سببا للصراع أو الجمود الفكري.

ويبدو واضحا أن اللايقين المعرفي ليس مجرد مشكلة فلسفية نظرية، بل هو واقع يومي وشرط أساسي للتفكير النقدي والتعامل المسؤول مع العالم. إنه الذي يجعل العقل البشري يعيش في حالة تأمل مستمرة، ويدفعه لإعادة تقييم مفاهيمه ومراجعة استنتاجاته، والانفتاح على احتمالات جديدة. ومن هنا، يغدو اللايقين عدم عائق أمام المعرفة، بل محفزا لتطوير وعي نقدي وأدوات تحليلية، ومقاربات فلسفية قادرة على التعامل مع تعقيد الحياة الحديثة.

إن الفلسفة عبر تاريخها الطويل، علمتنا أن العقل البشري ليس آلة للمعرفة المطلقة، بل هو أداة للتفكير النقدي، للتأمل العميق، وللاختبار المستمر للحدود. اللايقين المعرفي بهذا المعنى، ليس ثغرة أو عيبا في الفكر، بل شرطا أساسيا لفهم الذات والكون. فهو يوضح أن المعرفة ليست هدفا نهائيا، بل عملية مستمرة من البحث، التجربة، النقد والتأمل.

في واقعنا المعاصر، حيث تتشابك العوامل العلمية والاجتماعية والتكنولوجية والسياسية، يصبح اللايقين المعرفي أكثر وضوحا وأكثر إلحاحا. العقل البشري يواجه عالما متغيرا بشكل مستمر، مليئا بالاحتمالات المتعددة والتفاعلات المعقدة، مما يجعل اليقين المطلق مستحيلا. لكن هذا الواقع لا يجب أن يُنظر إليه على أنه مأزق، بل على أنه فرصة للتفكير النقدي، ولإعادة بناء أدوات المعرفة، ولتطوير مرونة عقلية وأخلاقية تمكن الإنسان من مواجهة الغموض والتحديات المعاصرة.

عندما يدرك العقل حدوده، يصبح قادرا على التفاعل مع العالم بوعي ومرونة، ويستطيع تبني مقاربات جديدة للحقيقة والمعرفة والأخلاق والفعل الاجتماعي. إن اللايقين في جوهره، يحرر الفكر من التبسيط الزائف ويدفع الفلسفة نحو نقد اليقين الزائف، وإعادة تأمل الواقع والتفكير الإبداعي المستمر.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار اللايقين المعرفي حجر الزاوية الذي تربط من خلاله الفلسفة بين المعرفة والعقل والتجربة الإنسانية. فهو يعلمنا التواضع أمام حدود العقل، ويحفزنا على البحث المستمر عن الفهم، ويمنحنا القدرة على مواجهة التعقيد المعاصر بوعي ومرونة ومسؤولية. إن مواجهة اللايقين لا تعني التخلي عن البحث عن الحقيقة، بل تبني أسلوب حياة معرفي وأخلاقي يتكيف مع التعقيد ويحتضن الغموض ويصنع من اللايقين مصدر قوة وإبداع.

ويبقى اللايقين المعرفي ليس فقط اختبارا للعقل بل تجربة وجودية شاملة، تجعل الإنسان أكثر قدرة على التفاعل مع عالمه، وأكثر حكمة في ممارسته للفكر والمعرفة، وأكثر إدراكا لعلاقته بالكون والحياة والآخرين. وفي سياقنا هذا، تصبح الفلسفة المعاصرة دعوة مستمرة للتأمل وإدراك حدود العقل، واستخدام اللايقين كمرشد ومرآة ووسيلة للتجديد الفكري والأخلاقي والمعرفي.

***

د. حمزة مولخنيف

في زمن تتقاطع فيه اللغة مع الخوارزمية وتتداخل فيه السيرة الذاتية مع منطق المنصّات، لم تعد الهوية معطى أنطولوجيا مستقرا، بل غدت بناءً سرديا هشا، يتشكّل داخل فضاءات رقمية تحكمها الرؤية أكثر مما يحكمها المعنى. فالذات المعاصرة لا تحيا قصتها في صمت داخلي، بل تُطالَب بأن تعرض نفسها باستمرار، وأن تحوّل تجربتها إلى محتوى، وذاكرتها إلى منشورات، ووجودها إلى حضور قابل للقياس.

من هنا ينهض سؤال الذات السردية بوصفه أحد أعقد أسئلة الفكر الراهن: هل تقودنا المنصّات إلى تفكك الهوية تحت وطأة التشتّت والتسارع، أم تفتح أفقا جديدا لإعادة تركيبها ضمن صيغ أكثر مرونة وتعدّدا؟ إن هذا السؤال لا يخص التقنية وحدها، بل يمسّ صميم علاقتنا بالزمن وباللغة وبالآخر وبأنفسنا.

يسعى هذا المقال إلى مساءلة تحوّلات الذات السردية في العصر الرقمي، من خلال تفكيك آليات الحكي المنصّاتي، وتحليل اقتصاد الانتباه، واستحضار الرهانات الفلسفية والأخلاقية لهذا التحوّل، قصد استكشاف إمكانات المعنى في عالم يتسارع فيه السرد، ويتقلّص فيه العمق.

ولم يعد سؤال الذات في الزمن الرقمي سؤالا أنطولوجيا خالصا كما كان في الفلسفة الكلاسيكية، ولا سيكولوجيا محضا كما في الحداثة، بل أضحى سؤالا تداوليا-سرديا، يتشكّل داخل فضاءات رقمية هجينة، حيث تختلط اللغة بالصورة والتمثيل بالعرض والحضور بالغياب. فالذات المعاصرة لا تُدرَك اليوم بوصفها جوهرا ثابتا أو مركزا وعيانيا مغلقا، بل باعتبارها بناءً سرديا متحوّلا، يتغذّى من تفاعلات المنصّات الرقمية، ويُعاد تشكيله باستمرار عبر أنظمة الخوارزميات وآليات الاعتراف واقتصاد الانتباه.

لقد كان بول ريكور من أوائل الفلاسفة الذين بلوروا مفهوم “الهوية السردية”، حيث ذهب إلى أن الذات لا تسبق قصتها، بل تتشكّل في أفقها، وأن الإنسان لا يوجد وجودا كاملاً إلا بقدر ما يحكي نفسه. فالهوية وفق هذا السياق، ليست معطى قبليا جاهزا، وإنما هي بناء تأويلي مركّب، يتوسط بين الثبات والتحوّل، بين ما سماه ريكور بالهوية المتماثلة (idem) التي تحيل على الاستمرارية الشكلية والتشابه، والهوية الذاتية (ipse) التي تعبّر عن القدرة على الالتزام والوفاء بالوعد عبر الزمن. غير أن هذا التصور المتكوّن في سياق سردي أدبي وتاريخي، يواجه اليوم منعطفا حاسما؛ إذ لم يعد السرد فعلا فرديا حرا، بل غدا ممارسة منصّاتية مؤطَّرة ببروتوكولات تقنية ومحكومة بخوارزميات خفية، ومنخرطة في منطق عرض دائم للذات، حيث تتحول الهوية من مشروع تأويلي إلى صورة متداولة، ومن تجربة وجودية إلى أداء رقمي مستمر.

إن المنصّات الرقمية لا تكتفي بإتاحة التعبير عن الذات، بل تعيد تعريف شروط إمكان هذا التعبير. فهي لا تستقبل السرد بوصفه تجربة داخلية، بل تحوّله إلى محتوى، وتُخضعه لمنطق القابلية للمشاركة والقياس والتداول. وهكذا تنتقل الذات من كونها موضوعا للتأمل إلى كونها مشروعا للعرض، ومن تجربة معيشة إلى ملف شخصي، ومن تاريخ داخلي إلى سلسلة منشورات قابلة للأرشفة والتقييم.

وهنا لا يعود السؤال: من أنا؟ بل يصبح: كيف أُرى؟ وكيف أُقرأ؟ وكيف تُستقبل حكايتي داخل اقتصاد الرؤية؟ وهنا يلتقي ريكور مع فوكو وغوفمان وحنة أرندت في نقطة مركزية: الذات لا تتكوّن في العزلة، بل في فضاء الظهور. غير أن فضاء الظهور اليوم لم يعد سياسيا بالمعنى الأرندي، ولا تفاعليا مباشرا كما عند غوفمان، بل أصبح فضاءً خوارزميا، تُعاد فيه صياغة العلاقات بين القول والتلقي وبين الحضور والتمثيل.

لقد نبّه ميشيل فوكو إلى أن الذات الحديثة ليست نتيجة وعي حر، بل ثمرة أنظمة خطابية وسلطوية تنتج “أشكال الذوات”. أما في العصر الرقمي فإن هذه السلطة لم تعد متمركزة في المؤسسات، بل موزّعة داخل الشبكات، متخفية في واجهات التطبيقات، وفي منطق الإعجاب، وفي سياسات المنصّات. نحن أمام ما يمكن تسميته بـ”السلطة الناعمة السردية”، حيث يُطلب من الفرد أن يحكي نفسه باستمرار، لا باعتباره فعل تحرّر، بل كشرط للاندماج الرقمي.

تتشكّل الذات السردية هنا داخل توتر عميق بين الرغبة في الاعتراف والخوف من الاختفاء. فالمنصّات تُكافئ الظهور وتعاقب الصمت. وهي بذلك تُنتج ذاتا قلقة، متعلّقة بالتفاعل مرتبطة بقيم رقمية (الإعجابات، المشاركات، المشاهدات)، حيث تُعيد تعريف معنى القيمة الذاتية. وكما يقول تشارلز تايلور، فإن الهوية الحديثة تقوم على “أفق الاعتراف”، غير أن هذا الأفق أصبح اليوم تقنيا، سريع التقلّب، هشا، تحكمه خوارزميات لا ترى الإنسان بل سلوكه. ومن هنا ينبثق السؤال الجوهري: هل تؤدي هذه الدينامية إلى تفكك الهوية أم إلى إعادة تركيبها؟.

إن أطروحة التفكك تجد سندها في أعمال زيغمونت باومان حول “الحداثة السائلة”، حيث تصبح الذات كيانا غير مستقر، متعدّد الوجوه، سريع التحوّل، بلا مركز ثابت. فالهوية الرقمية تسمح بتعدد الأقنعة، وبالانتقال السريع بين أدوار متباينة، مما يخلق ما يسميه شيري توركل “ذواتا موزّعة”. الفرد الواحد يمكن أن يكون مهنيا في لينكدإن، ساخرا في تويتر، عاطفيا في إنستغرام، وجوديا في فيسبوك. هذه التشظية لا تُنتج ثراءً بالضرورة، بل قد تفضي إلى تآكل الإحساس بالتماسك الداخلي.

غير أن القراءة المضادة ترى في هذا الوضع إمكانا لإعادة تركيب الهوية، لا بوصفها جوهرا واحدا، بل كنسيج من سرديات جزئية قابلة للتفاوض. فكما يذهب جيل دولوز، الذات ليست وحدة بل صيرورة، وليست مركزا بل عقدة علاقات. والمنصّات رغم طابعها الأداتي، تتيح إمكانات جديدة لتجريب الذات، وإعادة كتابة السيرة، وتجاوز الحدود التقليدية للجندر والثقافة والانتماء.

لكن هذا التفاؤل يصطدم بحقيقة أساسية: أن السرد الرقمي ليس حرا. إنه مُفلتر، مُرتّب، مُقيَّم. الخوارزمية تقترح ما يجب أن يُرى، وتُقصي ما لا يتوافق مع منطق الانتشار. وهكذا تُعاد صياغة الذوات وفق نماذج قابلة للتسويق. ما يُنتج في النهاية ليس ذاتا متفردة، بل أنماطا متكررة من الأداء السردي.

هنا يستعيد كلام أدورنو راهنيته: “الفردانية التي تنتجها الصناعة الثقافية هي فردانية زائفة”. فالمنصّات تُوهم بالاختلاف، لكنها تعمل على توحيد أشكال التعبير. حتى الاحتجاج نفسه يصبح قالبا جاهزا، وحتى الحميمية تُحوَّل إلى محتوى.

إن الذات السردية الرقمية تعيش داخل مفارقة مزدوجة: فهي مطالبة بأن تكون أصيلة، وفي الوقت نفسه قابلة للانتشار؛ أن تكون خاصة ولكن مرئية؛ أن تكون عميقة ولكن سريعة الاستهلاك. وهذه المفارقة تُنتج ما يمكن تسميته بـ”الإنهاك السردي”، حيث يتحوّل الفرد إلى مدير دائم لصورته، ومحرر مستمر لسيرته دون توقف.

ويزداد الأمر تعقيدا حين ندرك أن اللغة نفسها تغيّرت. فالسرد لم يعد نصيا فقط، بل أصبح هجينا: صورة، مقطع، رمز تعبيري، موسيقى خلفية. وهذا التحوّل يعيد تشكيل علاقة الذات بالمعنى. فالعمق يُستبدل بالكثافة البصرية، والتأمل يُزاحمه الإيقاع، والاستمرار تُقطعه اللحظة.

لقد كتب فالتر بنيامين عن “فقدان الهالة” في عصر الاستنساخ التقني، أما اليوم فنحن أمام فقدان الاستمرارية السردية. الذات تُجزّأ إلى لحظات، إلى قصص قصيرة، إلى منشورات عابرة. الزمن لم يعد تاريخا، بل تدفّقا.

ومع ذلك لا يمكن اختزال المشهد في تشاؤم صرف. فداخل هذه البنية المنصّاتية تظهر أيضا أشكال جديدة من التضامن السردي ومن بناء الجماعات الرمزية، ومن إعادة الاعتبار لتجارب مهمّشة. الذات الرقمية ليست فقط منتَجا خوارزميا، بل أيضا فاعلا يعيد توظيف الأدوات.

غير أن الرهان الحقيقي يظل فلسفيا: كيف يمكن للذات أن تستعيد قدرتها على السرد العميق داخل فضاء يُكافئ السطح؟ كيف يمكن للهوية أن تحافظ على وعدها الأخلاقي وسط اقتصاد الانتباه؟ كيف يمكن للإنسان أن يروي نفسه دون أن يتحوّل إلى سلعة؟.

هذه الأسئلة لا تُجاب تقنيا، بل أنطولوجيا وأخلاقيا. إنها تعيدنا إلى كانط حين ربط الكرامة بالغاية في ذاتها، وإلى هيدغر حين حذّر من سيطرة التقنية بوصفها نمطا للكشف، وإلى ريكور حين رأى في السرد أفقا للمصالحة بين الزمن والذات.

فالذات السردية في عصر المنصّات تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تنحلّ في تدفّق الصور، أو أن تعيد اختراع معنى الحكاية بوصفها فعل مقاومة رمزية.

إذا كانت الذات السردية كما بلورها بول ريكور، تقوم على جدلية الزمن والحكي، وعلى إمكان المصالحة بين التشتّت التجريبي ووحدة المعنى، فإن المنصّات الرقمية تُدخل عنصرا ثالثا بالغ الخطورة في هذه المعادلة: اقتصاد الانتباه. فالسرد لم يعد مجرّد وسيلة لفهم الذات، بل أصبح أداة لجذب النظر واستبقاء المتابع وتوليد التفاعل. وهنا ينتقل الحكي من أفق التأويل إلى منطق التداول، ومن تجربة المعنى إلى هندسة التأثير.

اقتصاد الانتباه كما حلّله هربرت سيمون منذ السبعينيات، يقوم على مبدأ بسيط: في عالم فائض المعلومات، يصير الانتباه هو المورد النادر. غير أن المنصّات لم تكتفِ بإدارة هذا المورد، بل قامت بتسليعه. فالذات السردية تُقاس اليوم بمؤشرات رقمية، تُحوَّل إلى بيانات وتُدرج في نماذج تنبؤية. ولم يعد المهم ما يُقال، بل ما مدى قابليته للانتشار، ولا كيف يُعاش المعنى بل كيف يُستهلك.

تتحوّل الحكاية إلى أداء، والاعتراف إلى استراتيجية والحميمية إلى محتوى. إن ما كان يُعدّ في الفلسفة الحديثة مجالا للباطن والسريرة، أضحى اليوم مادة للعرض العمومي. وهنا يستعيد تحليل غي ديبور لـ«مجتمع الفرجة» راهنيته، إذ تصبح الحياة نفسها تمثيلا دائما، وتتحوّل الذات إلى صورة عن ذاتها.

غير أن ما يميّز عصر المنصّات عن مجتمع الفرجة الكلاسيكي هو أن الفرد لم يعد متلقيا سلبيا للصورة، بل منتجا نشطا لها. إنه يشارك في إعادة تشكيل ذاته وفق متطلبات السوق الرمزي. وهذا ما يجعل السيطرة أكثر تعقيدا: فالذات تستبطن منطق المنصّة، وتعيد إنتاجه طواعية.

تعمل الخوارزميات هنا بوصفها فاعلا تأويليا جديدا. فهي لا تكتفي بترتيب المحتوى، بل تعيد توجيه السرديات، وتُفضّل أنماطا معيّنة من التعبير وتقصي أخرى. إنها تقرّر بصمت ما يستحق الظهور. وبذلك تُمارس نوعا من “الهرمينوطيقا التقنية”، حيث يُعاد تفسير العالم وفق معايير التفاعل لا المعنى.

هذا الوضع يطرح إشكالا فلسفيا عميقا: من يملك سلطة التأويل اليوم؟ هل ما تزال الذات قادرة على امتلاك قصتها أم أن قصتها تُعاد كتابتها من الخارج؟.

لقد نبّه هيدغر إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيا بل أنطولوجيا، لأنها تعيد تشكيل علاقتنا بالكشف والحقيقة. وفي المنصّات الرقمية لا تُكشف الذات كما هي، بل كما يمكن استثمارها. الحقيقة تُختزل في الأداء والوجود يُقاس بالحضور الرقمي. ومن هنا تنشأ ذات “مُدارة”، تُصاغ وفق منطق الرؤية المستمرة.

لكن هذه الإدارة لا تلغي تماما إمكان المقاومة. فالذات رغم خضوعها لشروط المنصّة، ما تزال تحتفظ بهوامش للانزلاق، للتأويل المضاد، لإعادة توظيف الأدوات. تظهر هنا أشكال من السرد البديل ومن الكتابة الهامشية، ومن بناء جماعات رمزية تتجاوز منطق السوق. غير أن هذه الإمكانات تظل هشة، لأنها تعمل داخل بنية لا تتحكم في قواعدها.

من زاوية أخلاقية، تطرح الذات السردية الرقمية سؤال المسؤولية. ففي عالم تتسارع فيه الحكايات، وتُختزل التجارب في لقطات، كيف يمكن الحفاظ على عمق الالتزام؟ كيف يمكن للإنسان أن يظل وفيا لوعده السردي كما يقول ريكور، وسط إغراءات التبديل المستمر للصور والهويات؟.

هنا يتقاطع التحليل الفلسفي مع النقد الثقافي. فالمنصّات تُنتج نمطا من الذات الاستهلاكية التي تعيش في الحاضر الدائم، بلا ذاكرة عميقة ولا أفق مستقبلي واضح. الزمن يُسطَّح، والتاريخ يُجزّأ، والهوية تُعاد صياغتها وفق منطق اللحظة. وهذا ما يجعل السرد يفقد قدرته على بناء المعنى الممتد.

وقد عبّر هارتموت روزا عن هذا الوضع بمفهوم «التسارع الاجتماعي»، حيث تتكاثف الخبرات دون أن تتحوّل إلى حكمة، وتتراكم الوقائع دون أن تُهضَم. فتصاب الذات بنوع من الصمم الوجودي، إذ لم تعد قادرة على الإنصات إلى نفسها. غير أنّ أخطر ما في الأمر ليس التشظّي في ذاته، بل تطبيعه؛ إذ تقدّم المنصّات التشتّت بوصفه حرية، وتعرض التعدّد على أنه تحرّر من الثبات. غير أنّ ما يُخفى هو أنّ هذا التعدّد غالبًا ما يكون موجَّهًا، وأن الحرية محكومة بإطارات جاهزة. وهكذا تغدو الذات أسيرة مفارقة قاسية: تُخيَّر بين أشكال محدودة من التعبير، ثم يُقال لها إنها اختارت.

إن الذات السردية الرقمية تعيش شكلا جديدا من الاغتراب، لا يتمثل في الانفصال عن العمل كما عند ماركس، بل في الانفصال عن العمق السردي. الإنسان يُغترب عن قصته، لأن قصته تُعاد صياغتها وفق متطلبات المنصّة.

ومع ذلك لا ينبغي السقوط في حنين ميتافيزيقي إلى ذات نقية لم توجد يوما. فالهوية كانت دائما بناءً اجتماعيا وسرديا. الجديد اليوم هو سرعة التحولات وهيمنة الوسائط وتحول التقنية إلى وسيط كوني للحكي.

من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الذات السردية، لا بوصفه معطى إنسانيا ثابتا، بل كحقل صراع بين قوى متعددة: التقنية، السوق، الثقافة، الأخلاق. الذات ليست ضحية محضة، ولا فاعلا مطلقا، بل كيانا تفاوضيا، يتشكّل داخل شبكة من العلاقات.

إن إعادة تركيب الهوية لا تعني العودة إلى وحدة صلبة، بل بناء تماسك تأويلي قادر على استيعاب التعدد دون الذوبان فيه. وهذا يتطلب استعادة بُعد البطء والتأمل والمسافة النقدية. فالذات لا تُبنى بالاستجابة الفورية، بل بالقدرة على تعليق الفعل وعلى مساءلة الصور وعلى كتابة الحكاية خارج إيقاع الخوارزمية.

هنا يمكن استحضار كانط مرة أخرى، حين ربط الحرية بالقدرة على التشريع الذاتي. فالذات السردية الحرة هي التي تضع قواعد حكيها، لا التي تكتفي بتكييف قصتها مع متطلبات الرؤية.

كما يمكن استلهام ليفيناس، الذي يرى أن الذات تتأسس أخلاقيا عبر علاقتها بالآخر، لا عبر تمركزها حول نفسها. والمنصّات رغم طابعها الفرداني، تتيح إمكانات للقاء، شرط ألا يُختزل الآخر إلى متابع أو رقم.

إن سؤال الذات السردية في عصر المنصّات ليس سؤالا تقنيا ولا سيكولوجيا فحسب، بل هو في عمقه سؤال أنطولوجي وأخلاقي. فنحن أمام تحوّل جذري في شروط تكوّن الهوية، حيث لم يعد الإنسان يحكي نفسه داخل زمن متصل، بل داخل فضاء متشظٍّ، تُدار فيه الحكايات عبر خوارزميات، وتُقاس فيه القيم بمعايير الرؤية.

لقد حاولنا قدر الإمكان والممكن أن نبيّن أن الذات الرقمية لا تتفكك بالضرورة ولا تُعاد تركيبها تلقائيا، بل تخضع لصيرورة مزدوجة: تفكك على مستوى العمق، وإعادة تركيب على مستوى العرض. إنها ذات تتكاثر صورها، بينما يتهدّد تماسك معناها.

فالمنصّات لا تُلغي الذات، لكنها تعيد تشكيلها وفق منطق الأداء، وتدفعها نحو نماذج جاهزة من السرد. الهوية تصبح مشروعا دائم التحديث، والحكاية تتحوّل إلى تدفّق، والوجود يُختزل في الحضور الرقمي. وتظل إمكانات المقاومة قائمة لا بوصفها خروجا من المنصّة، بل بوصفها إعادة تفاوض مع شروطها.

إن الرهان الحقيقي ليس في استعادة ذات ميتافيزيقية مفقودة، بل في بناء ذات تأويلية واعية، قادرة على إدراك آليات التشكيل، وعلى ممارسة مسافة نقدية من صورها. الذات السردية في العصر الرقمي تحتاج إلى فلسفة جديدة للبطء، وإلى أخلاقيات جديدة للحكي، وإلى وعي بأن السرد ليس مجرد تواصل بل فعل وجودي. فأن نحكي أنفسنا يعني أن نتحمل مسؤولية قصتنا وأن نمنح الزمن حقه، وأن نقاوم اختزال المعنى في التفاعل. وحدها الذات التي تستعيد قدرتها على الصمت وعلى التأمل وعلى الإنصات الداخلي، تستطيع أن تحوّل المنصّات من فضاءات استهلاك إلى فضاءات معنى.

وبذلك، لا يكون السؤال: هل تفككت الهوية أم أُعيد تركيبها؟ بل: أي نوع من التركيب نريد؟ هل نرضى بذات قابلة للتسويق، أم نسعى إلى ذات قادرة على الوفاء لوعدها السردي؟.

وتبقى الذات السردية مشروعا مفتوحا، يتأرجح بين الإغواء التقني والنداء الأخلاقي، بين تسارع الصور وبطء المعنى. وما لم يستعد الإنسان حقه في الحكاية العميقة، سيظل يروي نفسه بلغة لا تخصّه.

***

د. حمزة مولخنيف

ليس من المنطق في شيء أن

تتباهى بالحرية وأنت مكبل بقيود المنطق.

ميخائيل نعيمة

***

يقول الفيلسوف الدنماركي، سورين كيرغارد، في روايته مراجعة: (يغرس الواحد اصبعه في التربة فيعرف الأرض التي ينتمي إليها، من الرائحة التي يشمها، وأغرس أنا اصبعي في الوجود، فينم عبيره عن اللاشيء.. فأين أنا، ومن أنا؟ كيف جئت هنا، وما هذا الشيء المسمى العالم وكيف وصلت إليه؟ لماذا لم أسأل ولماذا لم أؤهل لأتطبع بطرقه وعاداته، بل قذفت إلى جوعه وكأنما اشتريت من خاطف ملعون أو من تاجر أرواح؟ كيف أصبحت مهتماً به؟ هل هو أمر طوعي، أم أنا مرغم على تمثيل دور فيه؟ إذا كان الأمر كذلك فأين هو المخرج... فبودي أن أراه!)، ومن نافلة القول أن نقول أن هذه الأسئلة التي أوجزها كيرغارد أفضل وأدق إيجاز، هي فحوى وسبب الأسباب الذي وجدت الفلسفة من أجله.

ولننظر في هذه الأسئلة من الزاوية الأكثر مساساً في حياة الإنسان الفرد. فكل فرد منا، ومنذ ما بعد قيام الدولة، بشكلها الحديث، لم يعد يملك نفسه ويشعر أنه مُستغل ومضحوك عليه، بل ويُجبر على عيش حياة هي ضد رغباته وطموحاته. أما الفرد في عصر ما بعد قيام الثورة الصناعية وتعقيدها لنظام الدولة أكثر وأكثر (وخاصة في زاوية إحكام الدولة لقبضتها الأمنية على حرية الإنسان ومصادرتها لأغلب مساحات الطبيعة من حوله) فلم يعد له سوى أن يعيش (مراقباً من قبل عيون الدولة، حكوماتها... وأمنياً بالدرجة الأولى) في مدن كبيرة ومعقدة، لم يساهم في إنتاجها أو تأسيسها إلا قليلاً (مجبراً في أغلب الأحيان) بحسب فرصة العمل التي تتوفر له، مستغلاً وممثلاً عليه، ومن دون أن تكون له رغبة حقيقية في تمثيل دوره فيها أو (لم يكن هو الممثل، بحسب كولن ولسن)، أي إنه مجبر على أخذ دور في الفراغ الذي رسم له أو من حوله. وهذا بالتأكيد عكس ما كان يحدث في العصور السابقة، عصور ما قبل الدولة والأنظمة والقوانين، العصور التي كان يملك الإنسان الفرد فيها لحصته من الطبيعة، بلا فرض، بلا قهر، بلا قائمة ضوابط وممنوعات.. عصور الحياة تحت رعاية الإله وفرق الملائكة الطيبين، قبل أن (تُعلم) الأديان ورجالها، أولئك الملائكة غير المرئيين، نظام الرقابة وإحصاء أنفاس البشر، وتجند الكثير منهم (أولئك الذين كان الشاعر ريلكه يصرخ بينهم "من سيسمعني إذا صرخت بين فرقة من الملائكة") في أجهزة مخابرات سرية، صامتة ولا ترى، لتحصي على البشرية أنفاسها وتهويماتها، لتقدمها للإله وتتحول إلى سيئات يجب أن تُعاقب عليها وتدفع ثمنها.

شُوهت الحياة بتشويه نظامها الطبيعي، وهذا ما حولها إلى خصم خبيث ولئيم للإنسان يتزيا بأثواب النظام والقانون. في حين أن المبدأ الفطري كان، وبتعبير رابلس (افعل ما يحلو لك)... وظل الحال هكذا، ولعدد مهول من السنين، ولحين ظهور فكرة الآلهة، التي حولت الإنسان إلى كلب تابع لسيده إلى يوم ظهور نيوتن، الذي، ودون قصد منه، أعاد طرح فكرة عودة الإنسان (ملكاً على نفسه وعلى الأرض) بتحجيم دور الآلهة أو ضرورة التخلص من فكرتها... فقام العلم، ومعه عادت أولى خطوات عودة سيطرة الإنسان على نفسه، وإلى يوم نشوء الدولة الحديثة، التي، وحرصاً على بسط سيطرتها على الإنسان، أعادت إحياء العمل بفكرة الكلب التابع لسيده، ولكن هذه المرة بين الإنسان والدولة باسم القوانين والنظام العام، وطبعاً لم تقم هذه القوانين والنظام العام إلا على حساب استقلال الإنسان الفرد وحريته. وهذا يعني، بطريقة غير مباشرة، أن ثمة تعارضاً ما بين فردية الإنسان وحريته ونظام الدولة أو النظام العام، كما تسميه الدولة، فمن أين جاء هذا التعارض وما هي أسبابه أو من أين بدأ؟

وجد الإنسان، وبغض النظر عن طريقة وجوده (سواء كان بإرادة كونية عليا مجهولة، أو كنتيجة لحركة أو متطلبات فرضتها الطبيعة أو طبيعة أشياء أو نواميس الحياة الفطرية) ليعيش على هذه الأرض دون غاية ظاهرة ومؤكدة (لو كانت تلك الغاية ظاهرة ومؤكدة ومقطوع بأمرها لما كانت الفلسفة ولإنتفت الحاجة إليها من الأساس)، ولكن بحق كامل في استخدام موجودات هذا المكان (الأرض) لإدامة حياته واستمرار بقائه والتمتع بها، والنماذج القليلة المتبقية مما يسمى بالقبائل البدائية (في غابات قارة أفريقيا وحوض نهر الأمازون) دليل ناصع على ما نقول. والطريف أن بعض أنظمة الدول التي تقع مستوطنات تلك القبائل ضمن حدود سيطرتها، توفر لها نوعاً من الحماية (تعتبرها محميات طبيعية) وتمنع باقي الناس من الاقتراب منها، سواء احتراماً لخصوصيتها أو لكونها نماذج للحياة البدائية المتوحشة التي تذكر الإنسان بماضيه البدائي المتخلف (بحسب النموذج الحضاري الذي نعيش في كنفه الآن طبعاً).

طبعاً هذه الأحكام والتقييمات وفق فهمنا نحن ووفق ما بين أيدينا من وسائل وإمكانيات حضارتنا القائمة، أما هم فلهم فهمهم الخاص للأمر بالتأكيد. ولكن بالتأكيد هم يمثلون نموذج الحياة الأولى التي عاشها أجدادنا لحد سنوات ما قبل الثورة الصناعية، بل ولقرن وأكثر، مما تلاها، في البقاع البعيدة عن الأماكن التي بدأت وتطورت فيها الثورة الصناعية. السؤال المهم والخطر، الذي يتهرب الكثير منا من مواجهته هو: من قال أن هذه القبائل (التي نراها بدائية ومتخلفة، استناداً لمقاييس حضارتنا ومنجزها التكنلوجي) ليست أكثر سعادة منا؟ على الأقل هي تتمتع بكامل حريتها الفطرية والطبيعية. من منا يتمتع ولو بجزء بسيط من حريته الطبيعية، داخل نظام دولنا؟

الحقيقة هي أن الحضارة الحديثة ونظام الدولة لم يقدما لنا أكثر من الدفع للانغماس في حالة الوجود غير الأصيل (الحياة الاجتماعية)، كما سماه هيدغر، أي اللهاث خلف الحصول على المال من أجل اقتناء الحاجات الاستهلاكية. ثم ماذا يحصل في النهاية؟ يتساءل أغلبنا وهو في الأيام الأخيرة من حياته، كما تساءل الشاعر اليوت (أين تلك الحياة التي ضيعناها في العيش؟) أهذا الذي وجدنا من أجله؟ أكان وجودنا من أجل الطعام والشراب وشراء أكبر كذا وأحدث كيت وقضاء الوقت في الثرثرة التافهة؟ أين الوجود الأصيل وكيف كان يجب أن يكون وما هي أهدافه؟ ما هي الصورة التي كان يجب أن يكون عليها وجودنا الأصيل؟ أن نكون نحن بذوات أصيلة تمتلك كامل إرادتها وحريتها وتقرر لنفسها كل ما تراه، لا أن تقرر لها أنظمة الدولة ما يراه القائمون عليها (السياسيون)، تحت طائلة وحيف ما يسمى العقد الاجتماعي وشروط العيش في ظل مجموع اجتماعي، هو ليس سوى عملية انغماس في توافه المعيش اليومي واللهاث المسعور خلف الحصول على المزيد من المكاسب المادية التي يتركها الجميع، في النهاية، ويمضون إلى القبور.

ماذا يعني هذا في النهاية؟ يعني أن هناك وجوداً أصيلاً ذهب ضحية خدعة ابتكرتها الدولة وهي الحياة ضمن شروط المجموع الاجتماعي (الحياة الاجتماعية) التي من بين أول شروطها التنازل عن الحرية والعيش دون إرادة أو بإرادة وهمية. والغريب، وبسبب الخوف الغبي واللامبرر، من الدولة ومن المجهول، يتنازل غالبية البشر عن حريتهم وإرادتهم مقابل الحياة ضمن المجموع الاجتماعي، متناسين أنهم بهذا يتنازلون عن ذواتهم وأكبر حقوقهم في كون أن كل ذات منهم وكل كيان موجود منهم، إنما هو صاحب الحقوق الأولى والكبيرة في كل ما حوله وأن ليس من حق أحد، مهما كان أسمه أو مسماه الاجتماعي أو الاعتباري، أن يساومه أو يبتز حقه هذا، لأن الأصل في النظام الطبيعي، وكما عبر عنه الدوس هكسلي (إن الذي رآه آدم في صبيحة اليوم الأول من خلقه، هو المعجزة، ثم تدريجياً... الوجود العاري). وهذا الوجود العاري كان ملكاً لآدم ولم يكن ملكاً لا للدولة ولا لأي سلطة اجتماعية أخرى. وهذا يعني أن كان له الحق – آدم - أن يتصرف بهذا الوجود كما يرى أو كما تقتضي شؤونه ووجوده وحياته، كأن يبني بيتاً لسكنه ويزرع حقلاً لخضاره، أو يستغل النهر القريب منه لصيد السمك و...، وبالتأكيد فإنه قد أورث هذا الحق لذريته أو من خلفه، من دون وجود دولة أو أي شكل من أشكال السلطة لتقنن عليه أو تمنع عنه مثل هذه الحقوق.

حدث هذا يوم كان الإنسان يملك نفسه ويتمتع بكامل حريته… أي قبل ظهور (منطق) الدولة وقوانينها… أي يوم كانت الطبيعة والوجود ملكاً لله!

***

دكتور سامي البدري

 

"إن الزمن كالجدول الجاري أبداً،

الذي يحمل أبناءه سعيداً...

وهم يتلاشون كما يتلاشى

الحلم عند مطلع الفجر."

هربرت جورج ويلز

***

لنفترض أن مجموعة منا تجلس وتنظر عبر شبابيك بيوتهم التي تطل على عينة من العالم (وسط أي مدينة من مدن العالم الكبيرة مثلاً)، ماذا سنرى؟ سنرى الجميع يسير بعجالة في كل اتجاه وكأنه ملاحق من قبل شبح يراه وحده.

مثل هذا المنظر المعتاد يبدو لغالبية البشر على إنه الوضع الطبيعي، لأنه يدلل على أن كل فرد يسعى لشؤونه ولتحقيق فرصاً طيبة لحياته. قلنا هذا رأي الأغلبية من البشر، أما القلة المتبقية فلها رأي آخر، وهو الرأي الذي طرحه (هنري باربوس)، في روايته المعنونة (الجحيم)، حيث يقبع بطله في غرفة أحد فنادق باريس ويرقب العالم من ثقب في جدار الغرفة... ولا يرى غير الفوضى والاضطراب... وما يبعث على اليأس من مصير العالم أو الحياة.

ولو واصل أي منا جلوسه أمام شباك غرفته المطل على العالم فأنه بالتأكيد سيلاحظ أن الغالبية من أولئك المندفعين في كل الاتجاهات، سيتساقطون، مخذولين أو يائسين أو ميتين، بين وقت وآخر، وإن تباعدت هذه الأوقات أو طال انتظارها بالنسبة للبعض.

ماذا يعني هذا بتبسيط شديد؟

يعني أن الحياة (نظامها الطبيعي أو الذي انطلقت منه) مازالت تسير بذات الطريقة ولذات الهدف، منذ لحظة انطلاقها الأولى (قبل ملايين السنين، كما يفترض العلماء) وإلى لحظتنا الحالية التي نعيشها. وهذا يعني أن ما استجد من تغييرات على نظام الحياة تعلق بطرق الحياة اليومية لا بقوانينها وأهدافها الأساسية التي تمنحها (هويتها).

وإذا ما عدنا لنسأل أي شخص من الغالبية (ممن واصلوا الجلوس خلف زجاج شبابيك بيوتهم، بعد بلوغهم السبعين أو الثمانين من أعمارهم)، أو بطل رواية (هنري باربوس) آنفة الذكر، كمثال للقلة المتبقية من البشرية (التي استثنيناها) لنسألهما عن الرأي فيما راقبوه فسيقولون: لا شيء غير الفوضى والتفاهة والتدافع الغبي على فرصة الحياة المثالية أو، فرصة الحياة التي لا يمكن فقدها، ولم تأت أو لم يحصلوا عليها.

وإذا ما عدنا إلى بطل رواية هنري باربوس، الجحيم، وهو تعمد أن يبقيه دون اسم (الأرجح أنه تركه دون اسم ليرمز لأي فرد من القلة التي افترضنا بقائها خارج المجموع أو تشذ عن رؤيته) وحدقنا من ذات الثقب الذي كان يرقب العالم الخارجي عبره، فإن أغلبنا سيردد ما يجول في خاطره (ولم أستطع المقاومة، فتبعت دوافعي بصورة عرضية "شخصياً كنت سأقول بصورة مرضية" تبعت امرأة كانت ترقبني من زاويتها، ثم سرنا جنباً إلى جنب، وقلنا بعض الكلمات، فأخذتني إلى بيتها، ومر المشهد المعروف، مر وكأنه سقوط عنيف مفاجئ)، وهذا السقوط لا يحدث إلا لأمثاله من القلة، أما بالنسبة للغالبية فهو يسجل كنصر شخصي، من دون تحديد الجهة الخاسرة أمام ذلك النصر.

ثم يُكمل صورة المشهد، بعد خروجه من بيت المرأة (ورأيت نفسي على الرصيف ثانية، لا أشعر بالطمأنينة التي كنت أمني نفسي بها، إنما أحس باضطراب مربك. كنت وكأنني لا أرى الأشياء على حقيقتها.. كنت أرى أكثر وأعمق من اللازم).

باختصار شديد، هذا الرجل هو نموذج الإنسان الذي وجدت الفلسفة من أجله أو هو من اخترعها، ببساطة لأن الحياة، بصيغتها المعاشة، لا تمنحه إحساساً بالامتلاء، أو لا تقدم له ما يقنعه أن ما بين يديه هو كل شيء، بل بالعكس، كل شيء في حياته اليومية يحرضه على أنه يجب أن يكون هناك ما هو أكبر، شيء حقيقي وغير قابل للفقد ويمنحه الإحساس بامتلاء حقيقي وأبدي.

ما هو هذا الشيء وأين يكون أو يكمن؟

بطل (هنري باربوس هذا) إنسان بمنتهى التواضع، لا يدعي العبقرية ولا يرى في نفسه استثناءً، بل هو يقدم نفسه على إنه الإنسان في أبسط صوره، ولكن الإنسان المطوّح به، المغدور، المغبون والمسلوب الحق بلا مبرر، ولهذا فإنه يستحق تعويضاً من جهة ما (لا أملك شيئاً، وربما لا أستحق شيئاً "وفق قانون الحياة العام"، ولكن، وبالرغم من ذلك، أشعر بالحاجة أن أعوض).

عن ماذا يعوّض؟ عن الوجود القسري في حياة بلهاء لا تعرف ماذا تفعل بنفسها ولا لأي هدف تسير، مسيرتها البلهاء، التي نجلس في النهاية خلف زجاج شبابيكنا لنراقب بلاهتها باشمئزاز وتحسر على زمننا الذي أنفقناه على العيش فيها.

ولكن بم كان علينا أن ننفق زمننا الوجودي إن لم يكن في ممارسة الحياة التي بين أيدينا؟ في البحث عن حياة تحترمنا ولا تفرط بنا وترانا كباراً، كما ترى فطرتنا فينا، ولا تتخلى عنا وتحولنا إلى جيف نتنة، بقرصة حشرة أو إتلاف فايروس حقير لأجسادنا أو أن يسقط علينا حجر أو تدهسنا عربة أو يمزقنا تفجير قنبلة.... أو.... أو… .

الإنسان، بالنسبة لقانون الحياة أو دورة الوجود، رخيص جداً وما أسهل أن تتخليا عنه أو تطوحا به، كأي بعوضة تُكافح وتُقتل من أجل ألا تسبب أو تنقل المزيد من المرض، وهنا يحق له أن يقف – لأنه يتميز بالإدراك العقلي – ويتساءل: لماذا وجدت إذن ما دام الوجود يعاملني بكل هذا الرخص ويتجاوزني ويسحقني كأي حشرة ناقلة للمرض؟

المشكلة، ووفق قانون فطرة الحياة أو بدايتها أو ميكانيزم دورانها، إن الإنسان مليء بحس أصيل في إنه يستحق تعويضاً كبيراً عن وجوده المتعسف في هذه الحياة، فمن أين جاء هذا الحس وإشباعاً لأي نقص ومن هي الجهة التي ستدفع له هذا التعويض وبأي طريقة؟

يقول الروائي والفيلسوف الفرنسي ألبير كامي: (الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يرفض أن يكون من هو) وبالتأكيد فإن رفضه هذا ليس عملية عناد، أثمرتها حالة نزاعه مع الإله ليكون مساوياً أو نداً له فقط (كما تقول بعض القصص والأساطير)، بسبب طيشه وغروره، بل هي ثمرة مقارنته لفعل دورة الحياة ومفاعيلها فيه، بما ينتهي إليه في نهاية الأمر: موت أصم، أبله، غبي، وغير مبرر. وهذا معناه، في النهاية، أن الإنسان يدرك، عقلاً وحساً (الحساسية الفردية، كما سماها ميشيل هنري)، أنه أكبر ويستحق ما هو أكبر وأجل من نهاية الموت القذرة (لأن فعل الموت يحوله إلى مجرد جيفة قذرة تستوجب الطمر في عمق من الأرض وتحت طبقات ثقيلة من التراب، كي لا يشم الأحياء نتانة ما كان يمثل وجوده وحياته قبل الموت: كيانه الوجودي). وهذا وحده يوضح أن الفهم القائم للوجود ودورة الإنسان فيه، زوايا أخرى ودورة وفهماً أكبر من هذا التبسيط (وهو تبسيط ديني في أغلب جوانبه) الساذج، لأنه تبسيط هدفه التتفيه والحط من قدرة الإنسان (عقلاً وإدراكاً)، من أجل دفعه للخضوع لرؤى الأديان والتسليم لطروحاتها، ليس فقط على صعيد بناء القناعات، بل والتماس الخلاص، لما بعد الموت، عن طريقها وببركات سدنة معابدها.

ومن زاوية أخرى، لم تحاكم، رغم أن أغلب الأديان تبشر أو تعد بها، وهي، إذا ما كان الموت أبدياً وسيستمر في فعله حتى قتل آخر إنسان، فإن هذا يعني أن الشر هو من سينتصر في نهاية المطاف، وهو يتمتع بإرادة – الشر - كونية أو مطلقة، وعليه يكون الخير ليس أكثر من أمنية أو رغبة إنسانية، ولهذا يسود ويتحكم الشر في الإنسان (بعد أن أفرغ من ذاته وحولته أوجه ومؤسسات التنظيم إلى مجرد عبد أو ترس خدمي) وكل مفاصل ما أسس من مؤسسات، وأولها طبعاً مؤسسة الدولة التي صادرت حريته وصارت تتحكم بأدق شؤونه، بما فيها شؤونه الشخصية والذاتية. وهذا يعني، في المحصلة، أن الإنسان قد تحول إلى عبد تابع للنظام الاجتماعي. مقابل ماذا؟ أن يرضى عنه أسياد النظام الاجتماعي: رئيس الدولة وسياسيو الأحزاب والوزراء ونواب البرلمان ورؤساء المعابد ومدير الضرائب ومدير المؤسسة التي تسجل الزيجات و.... كم عدد هؤلاء نسبة إلى عدد النظام الاجتماعي المسمى دولة؟ مليون مقابل عشرة أو عشرين أو أربعين أو خمسين مليون مواطن؟ والطريف أن هذا المليون (افتراضاً طبعاً) هو من يفرض ما يشاء على البقية، تحت مسمى قوانين، كما فعل الرئيس الفرنسي أمانؤيل ماكرون وحكومته وبرلمانه (كم عددهم نسبة إلى عدد الشعب الفرنسي؟؟؟) في مطلع عام 2023، عندما أصرت هذه المجموعة السياسية الصغيرة (التي تمثل الدولة وقوانينها) أن تفرض على عموم الشعب الفرنسي، قانون التقاعد الجديد، رغم معارضة ورفض الشعب له. بل إن هذه المجموعة، وتحت حماية ما شرعت من قوانين لنفسها وحمايتها كمؤسسة عليا، تجرأت على مواجهة تظاهرات الشعب الرافضة للقانون، بالغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه والهراوات والاعتقالات. أين الحرية وأين الديمقراطية إذن؟ هل تفهم حكومة وبرلمان ماكرون أكثر من مجموع الشعب الفرنسي؟ هل يعرف ماكرون وحكومته مصلحة الشعب أكثر مما يعرفها الشعب ذاته؟ أين الخلل إذن؟

هذا الخلل هو ما وقامت الفلسفة من أجل بحثه ودراسة أسبابه وإيجاد الإجابات لأسئلته. ففي النهاية، فإن أسئلة الإنسان الوجودية تنبع وتقوم من سؤاله عن حريته، بالدرجة الأولى، وأغلب أشكال النظام والقوانين، وبغض النظر عن نوايا ومقاصد الجهات (المؤسسات) التي أصدرتها، إنما كانت حصيلتها الحد من حرية الإنسان في النهاية… ببساطة شديدة (سيعتبرها رجال المؤسسات مُخلة) الإنسان ولد ليبني بيته ويزرع أرضه ويصطاد سمكته وطيره وفق قوانين الطبيعة وليس وفق قوانين المؤسسات!

***

د. سامي البدري

 

(ماذا كان عليه ذلك الشيء الذي قمت به طيلة حياتي؟)... جيل دولوز

ما هي مهمة الفلسفة؟ يبدو سؤالاً بمنتهى السذاجة، بعد عمر الفلسفة الذي يناهز الآن ألفين وخمسمئة عام تقريباً. ولكن حقاً ما هي مهمة الفلسفة؟ عبر قراءة تاريخ الفلسفة نخلص إلى أن كل فيلسوف (تقريباً) كان قد وضع مهمة تخص رؤيته لها. وبداية من معرفة المبادئ الأولى إلى رؤية (جيل دولوز) التي حصر بموجبها مهمة الفلسفة بكونها صناعة المفاهيم (إن الفلسفة بتدقيق كبير هي الحقل المعرفي القائم على إبداع المفاهيم)، ولكن ماذا عما بعد إبداع أو صناعة المفاهيم؟ ألسنا بحاجة لأداة لاستخدام المفاهيم من أجل تحويلها إلى إجابات عن الأسئلة المعلقة التي قامت الفلسفة من أجل الإجابة عليها؟ ألم تنشأ الفلسفة من أجل تحقيق غاية وهي الإجابة على مجموعة من الأسئلة؟ وإذا ما تجاوزنا البحوث التجريدية (وهي أكثر ما يصادفنا في غرفة الفلسفة) حول معمار أو كيان الفلسفة الخارجي، ألن نخلص إلى كون الفلسفة أداة معرفية مهمتها الإجابة على مجموع الأسئلة (التي حيرت الإنسان وما تزال) حول منشئه والغاية من وجوده والنهاية التي يؤل إليها؟

في تقديري، ولأن الأسئلة التي قامت الفلسفة من أجل الإجابة عليها، مازالت معلقة ودون إجابات حقيقية، انصرف أغلب الفلاسفة (المحدثين) إلى الاشتغال حول الفلسفة (جسدها أو معمارها الخارجي) لا فيها، على أمل أن تقودهم هذه الاشتغالات (في يوم ما!) وبطريقة ما (مازال يجهلها أو يعجز أغلبهم عن تحديدها) إلى الإجابات التي ينتظرها الجميع، ولعلي لا أغالي إذا ما قلت، على أحر من الجمر.

وإذا ما تجاوزنا مرحلة التأسيس (التفسيرات الأساسية) اليونانية، سنجد كماً هائلاً من الكيانات والأجساد الفلسفية التي ملأت غرفة الفلسفة بكم هائل من المفاهيم (الساحرة واللاصفة)، ولكن من دون أن تقدم أي إجابات على الأسئلة التي قامت من أجلها الفلسفة، بل إن أغلب تلك المفاهيم قد تحول إلى ما يشبه أدوات اللهو التي حولت اهتمام الفلاسفة إلى العناية بها وإلى توليدها وتفخيمها، حتى بدت كأنها عملية تهرب من مواجهة الأسئلة الوجودية التي صارت أكثر إلحاحاً بحكم تعقد الحياة المادية والمعيشية. في حين ما كان ومازال، ينتظره أغلب البشر هو إخراجهم من نفق الأسئلة المظلم إلى حقول ومراحات الإجابات الفسيحة والمفعمة بالضوء والأنوار.

لنعد إلى أحد أهم الدوافع التي أوجزها (جيل دولوز) بقوله (ماذا كان عليه ذلك الشيء الذي قمت به طيلة حياتي؟). حقاً ماذا كان؟ درت بين عبوديتيّ العمل والشيء اليومي، فبماذا خرجت منهما، مادام الموت سينفيني إلى حفرة عميقة خارج المدينة التي يعيش فيها الذين بقوا أحياء؟ وهذا يقودنا إلى الدافع الثاني، وهو أحد الفرضيات التي تمد قدمها في كل موضع (جدل فلسفي)، ولسانها في وجوه الفلاسفة وفي كل حين، وهو سؤال: ما هو الشيء الذي يستحق أن يقوم بفعله الإنسان؟ هل هو أن يكون جزءاً صغيراً من آلة فعل الخير النهائي، كما قال هيجل، أي عبداً للعمل الغبي ولقوانين الدولة التي تقود المجموع الاجتماعي في بقعة من الأرض، والتي تسمي نفسها دولة؟

الجواب يأتينا من الروائي الروسي، فيودور ديستويفسكي، بقوله (الإنسان يجب أن يكون إنساناً، لا جزءاً من أجزاء الآلة). وطبعاً أول شروط إنسانية الإنسان هي حريته المطلقة في أن يكون ما يشاء ويفعل ما يريد، على مساحة من عراء الطبيعة، يخصه وحده (كمأوى) ويمارس فيه ما يراه من نشاط ابداعي، بحس رؤيته الشخصية وغير الموجهة من أي مجموع ومهما كانت تسميته.

وطبعاً هذا يوصلنا إلى وجه آخر من وجوه هذه القضية، ذات الوجوه التي تعددت وتفرعت بعدد وجوه نشاط الدولة ومؤسساتها، ألا وهو قضية محدودية الوعي عند القسم الأعظم من البشر، بقيمة الحرية وحقهم الذي لا يجب أن يمس فيها. وللأسف فإن هذا القسم الأعظم من البشر هو المتصالح مع قبول الحياة والعالم كما هما، أو كما سُوقت له هذه الفكرة على إنها (عالم الله) الذي يجب أن يحترم، بل ويقدس وإلى الأبد، وهذه الفكرة هي التي أنشأت القطيع الذي قامت عليه فكرة الدولة، فيما بعد.

وبتقادم سلطة الدولة وتوالد أوجه سطوتها على هذا القطيع، تحت مسمى القوانين والأمن العام ومصلحة وأمن المجتمعات وحمايتها من الأفكار الهدامة و… و...، تم تحريم وتجريم نشاط العقل النقدي والتفكير الحر وخنق (الإرادة الحرة التي لا تربكها حيرات العقل) بحسب توصيف نيتشه، أي حصر العقل وتفكيره تحت سقف حظيرة الدولة، كي يكون الرادع المنطقي، الذي لا يرقى الشك إلى نتائجه وقرارته، للإرادة الحرة التي ولد بها الإنسان. وتكبيل هذه الإرادة هو ما قاد الدولة والتجمعات الاجتماعية لمصادرة حرية الإنسان وتحويله عن فطرته إلى صيغة الحيوان الاجتماعي، الذي لا يحق له سماع صوته وحفيف تهويمات إرادته، خارج حدود معلفه.

فمنذ ظهور مؤسسة الدولة ومفاهيم الأخلاق العامة ومحدداتها، لم يعد الإنسان ملكاً لنفسه، بل لم يعد له الحق في رفض ما تقبله الدولة والمجموع الاجتماعي لنفسيهما. فلم يعد من حق الإنسان الفرد أن يجاهر بكراهية المجتمع أو كراهية الدولة أو رفض أي قرار من قراراتهما. وأيضاً لم يعد للفرد المجاهرة برفض أو الكفر بدين الدولة والمجموع الاجتماعي. بل، وهذا هو الأدهى، كل من يجرؤ على تقديم أي اعتراض لهاتين الجهتين، لا ينظر إليه إلا على أنه بقرة مسعورة (في فترة التزاوج)، ترفع ذيلها وتدور على غير هدى لتنطح أي باب وأي جدار يصادفها، بكل غباء ورعونة. وطبعاً، ووفق حكمة وصلاحيات الدولة، يكون القرار بزج هذه البقرة تحت ثور أكثر سعاراً، لتهدأ... وإلا فمصيرها الذبح.

وهذا هو أول وأخطر أمراض ما يدرج تحت يافطة النظام وبكافة أشكاله وأوجه تمظهره وفاعليته، لأنه يمثل الحرب على (نظام) الفطرة التي يولد عليها الجميع ويجب أن يمارسوا الحياة وفق سننها. فوفقاً لسنن الفطرة، من حق الإنسان، بل ويجب عليه، أن يعيش ويتصرف وفق دوافعه الفطرية لا وفق أساليب وطرق (قوانين ومحددات) تفرض عليه من خارج حاجاته وقناعاته الذاتية الفطرية. وهذا ما أكده المسيح، كما يروي الإنجيل، (وهو يشرح ولادة الفضيلة من الحرية) بقوله (أخبركم بأنه لا يمكن أن توجد فضيلة إذا لم نعص هذه الوصايا العشر)، وكما يعلق الشاعر، وليم بليك على هذا، فهو يفسره بالقول (لقد كان المسيح يمثل الفضيلة ذاتها، ولهذا فهو عمل وحث على العمل وفق دوافعه، لا على ضوء القواعد والوصايا).

الغريب أننا لا نجد قبولاً لهذا القول أو الحكمة اليوم، حتى بين أتباع المسيح ذاته، وخاصة بين أتباعه الأوربيين، صناع نظام الدولة والحضارة الحديثتين، ببساطة لأن مثل هذه الحكمة تأتي على الضد من نزعة السيطرة التي تحكم زعماء دول هذه القارة، رغم أنهم يعرفون أن هذا يأتي على الضد من حرية الإنسان في التعبير عن ذاته، وهو أول مظاهر حريته الفردية. والجدير بالذكر هنا هو أن حرمان الإنسان من التعبير عن حيويته الطبيعية وحريته في الاختيار وتجسيد هذا الاختيار وإشباع الحاجة للتعبير عن الذات واستقلاليتها من خلاله، هو أحد أول وأهم الأسباب التي تدفعه باتجاه الجريمة للتعبير عنهما. وهذا ما عبر عنه كولن ولسن بقوله (إذا لم يستطع الإنسان أن يعبر عن ذاته، راحت حيويته تبحث عن مخرج لنفسها في الجريمة أو العنف)، وهذا ما يدلل على صحة مقولة، جان بول سارتر (الإنسان محكوم بالحرية).

ولعل الشاعر (وليم بليك) كان الأكثر جرأة والأطول باعاً في التعبير والحث على قضية التمسك بحرية الإنسان والتعبير عنها (التعبير الذاتي أو التعبير عن الذات)، في مواجهة سلطة الدولة وما تفرض من قوانين وبروتوكولات، تحت يافطة النظام العام والأخلاق والسلم الاجتماعي و... بقوله، الذي لا أظن قصده حرفياً بقدر ما قصد منه الحث على التمسك بالحرية وحق التعبير عن الذات (اقتل طفلاً في مهده، فذلك أفضل من كبت رغبة غير محققة)!

***

د. سامي البدري

 

التحدي الجوهري لإثبات المعنى

التحول الأنطولوجي: تشهد البنية الوجودية للإنسان المعاصر تحولاً جذرياً يمسُّ ماهية الانتماء وآليات الوعي؛ حيث تبرز "فضاءات القطيع" كظاهرة سوسيولوجية وفلسفية مهيمنة تتغذى على سلطة الشكلانية التقنية والمعرفية. إن الهدف الجوهري لهذا البحث هو تفكيك الآليات التي تحول الفرد من كائن ذي جوهر ومعنى إلى مجرد وحدة رقمية أو اجتماعية تائهة في حالة من "الجمود النمطي". تستعرض هذه الدراسة الجذور الفلسفية لأخلاق القطيع عند نيتشه، ومفهوم الوجود الزائف عند مارتن هايدغر، وصولاً إلى تشريح أزمة المعنى في الفكر العربي المعاصر ومشاريع نقد العقل الإسلامي التي حاولت تقويض هذا الانسداد المعرفي.

التأصيل الأنطولوجي لفضاءات القطيع

تبدأ المقاربة الفلسفية الرصينة لفهم "القطيع" من خلال التمييز الجوهري بين الذاتية الفردية الأصيلة وبين المسار القسري الذي يكرسه العقل الجمعي على الصعد الاجتماعية والسياسية والدينية.

الرؤية النيتشوية وأخلاق الوسطية: إن أبرز ما يميز القطيع، وفق المنظور النيتشوي، هو ميله الفطري والقهري نحو "الوسطية" أو "القدرات المتوسطة". فالقطيع، بطبيعته البنيوية، لا يستطيع تحمل العظمة أو الاستثناء؛ بل يسعى دوماً لتبسيط الأشياء وجعلها مستوية ومألوفة لضمان عدم الضرر وتحقيق الأمان الجمعي. هذا التبسيط يمثل نوعاً من "السياسة الانتقائية" التي تهدف إلى الإبقاء على نموذج بشري واحد: النموذج الذي يتخلى عن تفرده لصالح الاندماج الكامل في الجماعة، وهو ما أسماه نيتشه "تدجين الإنسان".

هايدغر والوجود الزائف في المقابل، يقدم مارتن هايدغر مقاربة وجودية لنسبية الوجود والاغتراب، تراوح بين "الوجود الحقيقي" للفرد بصفاته وجوهره الروحي، وبين "الوجود الزائف" الذي تتلاشى فيه السمات الجوهرية تحت وطأة الهوية الجماعية المجهولة (الهم/الناس). إن الوجود الزائف مع الآخرين هو ما يفرض على الفرد نوعاً من التجانس القهري، متعللاً بمبدأ المساواة لطمس الاختلاف والتميز لصالح السطحية والثرثرة مما يفقد الإنسان قدرته على مواجهة قدره بوعي أصيل.

التحليل السيميولوجي لوعي القطيع: يكشف التحليل السيميولوجي لهذه الظواهر عن تغيرات بنيوية في الوعي الاجتماعي؛ فثقافة القطيع ليست مجرد سلوك جماعي عفوي، بل هي نتاج عملية معقدة لـ "صناعة الذات" داخل قالب أيديولوجي يحول الوهم الفكري إلى واقع ممارس. هذا الوهم يخلق فجوة أيديولوجية في الانتماء، حيث تصبح الممارسة اليومية هي المفهوم البديل عن الأيديولوجيا الواعية، مما يعزز حالة الجمود داخل نمطية "المجتمع القطيعي".

سلطة الشكلانية وتهميش المضمون

تعد الشكلانية إحدى أخطر السلطات المعرفية التي واجهت الفكر الفلسفي والنقدي في العصر الحديث، حيث أدت إلى إزاحة الجوهر لصالح الإطار.

النشأة والتحول: ظهرت الشكلانية الروسية في بداياتها كاستجابة لهيمنة المقاربات النفسية والسوسيولوجية على النقد الأدبي، محاولةً دراسة الأدب كبنية جمالية مستقلة أو "نسق بنيوي" يتضمن عناصر تتفاعل فيما بينها.

علمانية الأدب: ومع ذلك، انحرفت هذه النزعة العلمية الموضوعية لتتحول إلى أداة لـ "شكلنة الأدب"، حيث أصبح المعيار هو "شكل المضمون" لا المضمون ذاته. ومن ثم، تم استبعاد التصورات الأخلاقية والفلسفية والثقافية لصالح مفهوم "الأدبية"، مما أدى إلى قطيعة بين النص ومرجعياته الوجودية.

 الانقلاب بين الوسيلة والرسالة

في المجتمعات المعاصرة، لم تعد الشكلانية تقتصر على النقد الأدبي، بل امتدت لتصبح سلطة مهيمنة على الوعي الاجتماعي عبر ما يسمى "الحتمية التكنولوجية".

الشبكة كمرآة للأنا: استناداً إلى نظرية مارشال ماكلوهان "الوسيلة هي الرسالة"، أصبح التركيز ينصب على المنصة والأداة الساحرة بدلاً من القيمة الفكرية للمحتوى. هذا الانقلاب جعل الشبكة العنكبوتية امتداداً للأنا، حيث أصبحت القاعدة الوجودية الجديدة: "أنا على الشبكة، إذن أنا موجود". إن الحضور الرقمي صار هو "الشكل" الذي يمنح الفرد شرعية الوجود، بغض النظر عن مضمون هذا الحضور.

الخوارزميات وصناعة التبعية: أفرزت الثورة الرقمية فضاءات جديدة للسيطرة تتجاوز الأطر الجغرافية التقليدية. الفضاء السيبراني لا تحكمه حدود مادية، بل يقوم على تدفق البيانات وتلاعب الخوارزميات بالنقاش العام. في هذا الفضاء، تبرز ظاهرة "الترند" كمرآة لتحولات عميقة في الثقافة، حيث تتحول القضايا الوجودية المعقدة إلى شعارات مختزلة تفتقر إلى السياق والمعنى الجوهري.

 آلية العدوى الاجتماعية والتحكم الرقمي: تقوم الخوارزميات بإبراز المحتوى بناءً على حجم التفاعل، مما يمنحها سلطة في توجيه الانتباه الجمعي. هذا المنطق يؤدي إلى "تآكل العمق" في النقاشات العامة، حيث يمثل الترند تشويهاً للفضاء العام من خلال غياب الحجج الرصينة. إن الأفراد داخل القطيع الرقمي يتحركون ككتلة واحدة تتبع الاتجاه السائد، فيما يُعرف بـ "العدوى الاجتماعية"، حيث ينتقل السلوك الرقمي (إعادة النشر، التعليق) آلياً لمجرد أنه شائع.

أزمة المعنى والعقل القطيعي في السياق العربي

تعيش المجتمعات العربية أزمة معنى حادة ناتجة عن التداخل المشوه بين الانتماءات القومية والدينية والطائفية، مما يجعل الفرد ممزقاً بين هويات متضاربة لا تجتمع على مشروع نهضوي واحد.

 العقل الوثوقي واليقينيات الموروثة: يوصف العقل العربي غالباً بأنه "عقل وثوقي"؛ أي عقل مستسلم للإجابات المسبقة واليقينيات الموروثة. إن سيادة "روح القطيع" في الواقع العربي تسلب الفرد استقلاليته، حيث يظل مغموراً بتراث ثقافي متجمد يحول بينه وبين إدراك ذاته كفاعل تاريخي.

نقد العقل "الأرثوذكسي" عند أركون: يميز محمد أركون بين العقل المنفتح والعقل "الأرثوذكسي" أو "المغلق" الذي يرفض التساؤل ويقدس النصوص والتفسيرات البشرية القديمة بشكل يقطع سبل التفاعل النقدي. يرى أركون أن العقل الإسلامي عانى من حالة جمود منذ القرون الوسطى، حيث تم تحجيم التفكير الفلسفي لصالح تفسيرات فقهية قطعية خلقت جداراً من التقديس حولها، مما أنتج "فضاءً قطيعياً" يرفض الاجتهاد والتجديد.

 استراتيجيات إثبات المعنى الأصيل

في مواجهة سلطة الشكلانية والقطيع، تقدم الفلسفة الوجودية والتفكيكية مسارات لاستعادة "الأصالة".

1. التفكيك كصيرورة للقبض على المعنى: يرى جاك دريدا أن التفكيك ليس هدماً، بل هو كشف للتشوهات الكامنة في النصوص والوجود. التفكيكية تسعى إلى "تعدد قرائي" ناتج عن التأويل، وتتجه نحو التعدد اللانهائي للمعنى بدلاً من القبض على تعريف مسور. إنها تهدف إلى "تحديث الفكر" من خلال زعزعة كل يقين زائف. ومع ذلك، يجب الحذر من تحول التفكيك في الفكر العربي إلى أداة إيديولوجية جديدة تكرر انغلاق ما تفتك به.

2. الالتزام الوجودي: تركز الوجودية على مفهوم "الالتزام" عند سارتر و"الأصالة" عند هايدغر كوسيلة للتحرر. الالتزام يعني أن الفرد هو صانع معناه الخاص عبر ممارسته العملية في العالم؛ هو مشروع مستمر لا ينتهي إلا بالموت. إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تطوير ثقافة نقدية قادرة على التعامل مع "اللحظة الجماعية" بوعي، بما يحفظ حرية الفرد ويصون التماسك الاجتماعي.

نحو أفق جديد للمعنى

تتجلى الأزمة الكبرى في الانفصام بين الشكل والمضمون؛ حيث قد تكون المجتمعات هي الأكثر تديناً من حيث "الشكلانية الدينية"، ولكنها الأقل تمثلاً للقيم الأخلاقية والعلمية. إن بناء "الإنسان المواطن الحر" بدلاً من "الفرد التابع الخائف" هو المخرج الوحيد من أزمة المعنى.

في نهاية المطاف، يبقى المعنى هو "المضمون الجوهري" الذي لا يمكن للشكلانية، مهما بلغت سلطتها الرقمية أو الاجتماعية، أن تعوضه. إن إثبات المعنى هو فعل مقاومة مستمر ضد الذوبان في القطيع، وسعي دائم نحو "الأصالة" التي تجعل من حياة الفرد عملاً فنياً فريداً لا يتكرر. إن المجتمع القوي هو ذلك الذي يمنح أفراده القدرة على التوقف، التساؤل، والبحث عن الحقيقة خلف أقنعة الشكل الزائف.

***

غالب المسعودي

......................

المراجع

المسعودي، غالب. (2024). قراءة سيميولوجية في تمزق البنية الذاتية داخل المجتمعات.: asjp.cerist.dz.

مؤسسة هنداوي. نماذج من فلاسفة ما بعد الحداثة (رولان بارت – ميشال فوكو – جيل دولوز).: hindawi.org.

رايس، كمال. من الشكلانية إلى البنيوية؛ مسافة المفهوم والرؤية. مجلة كلية الآداب واللغات، جامعة العربي التبسي، الجزائر.

جريدة الرياض. عقول تائهة وسط الجموع الرقمية. (تحليل ثقافي).

Scribd. تطور المفاهيم الفلسفية من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. مسترجع من: scribd.com.

 

الشَّكُّ المَنهجي هو وسيلة مُؤقَّتة لفحصِ مَصادرِ المَعرفةِ ومَبادئها، واستبعادِ كُلِّ مَا لا يَقُوم على أساسٍ يَقيني، تَمهيدًا لإقامةِ مَعرفةٍ صحيحة ثابتة.

في هذا المجال، يَلتقي الإمام أبو حامد الغَزَالي (450 ه _505 ه/ 1058 م _1111م) والفَيلسوف رينيه ديكارت ( 1596 م _ 1650 م ) على اختلافِ السِّياقِ الحَضاري، والمَرجعيةِ الدِّينية، واللغةِ الفَلْسفية. كِلاهما جَعَلَ مِنَ الشَّكِّ طريقًا لا غاية، وَمِنَ الهَدْمِ المُؤقَّت سبيلًا إلى بناءِ الحقيقة، غَيْر أنَّ التشابه لا يلغي التمايزَ، ولا الاتفاق في المَنهج يَعني وَحدةَ النتائجِ أو المُنطلقات. والمُقارنةُ بين الشَّكِّ المَنهجي عِند الغَزَالي وديكارت تفتح نافذةً واسعة على فهمِ طَبيعةِ العقل، وحُدودِ المَعرفة، وعَلاقةِ الإنسانِ بالحقيقة.

نشأ شَكُّ الغَزَالي في سِياق أزمنة رُوحيَّة ومَعرفية عميقة، فَقَدْ وَجَدَ نَفْسَه مُحاطًا بتعدُّد الفِرَقِ والمَذاهب: المُتكلمون، والفلاسفة، والباطنية، والصُّوفية. وكُلُّ فريقٍ يَدَّعي امتلاكَ الحقيقة. هذا التنازعُ دَفَعَه إلى مُساءلةِ أدواتِ المَعرفةِ ذَاتِها. هَل الحِس صادق؟، وهَل العَقْل يَقيني؟، وَهَلْ يُمكِن الوُثوق بِما وَرِثَه الإنسانُ مِنْ تقاليد ؟. لَم يَكُن شَكُّ الغَزَالي ترفًا ذِهنيًّا، بلْ صَرْخة باحثٍ عَن يقينٍ يَطمئن إلَيْه القلبُ قَبْلَ العقل.

أمَّا ديكارت، فَقَدْ جاءَ شَكُّه في سِياق أزمة مَعرفية أوروبية عميقة معَ بِداية العصرِ الحديث، حيث اهْتَزَّتْ سُلطةُ أرِسْطُو، وتزعزعت الثقةُ بالمعرفةِ المدرسية، وبرزت الحاجةُ إلى تأسيسِ العِلْمِ على قواعد جديدة لا تَقْبَل الشَّكَّ، وأعلنَ البَدْءَ مِنَ الصفر، وَرَفَضَ كُلَّ مَا يُمكِن الشَّك فيه.

يَشترك الغَزَالي ودِيكارت في نقدِ المعرفة الحِسِّية، فالغَزَالي يَرى أنَّ الحواس تَخدع، فالظِّلُّ يَبدو ساكنًا وهو مُتحرِّك، والكَوكبُ يَبدو صغيرًا وهو أعظم مِنَ الأرض. وَمِنْ هُنا يُقَرِّر أنَّ الحِسَّ لا يَصْلُح أساسًا لليقينِ المُطْلَق، غَيْر أنَّه لا يقف عِند هذا الحد، بَلْ يَتَّجه إلى العقلِ ذَاتِه مُتسائلًا: إذا كُنْتُ قد شككتُ في الحِسِّ بِحُكم العقل، فما الذي يَمْنع أنْ يَكُون وراء العقل حاكمٌ آخَر يُكذِّبه كما كَذَّبَ العقلُ الحِسَّ؟.

دِيكارت بِدَوْرِه يَجعل مِنْ خِداعِ الحواس نُقْطَةَ انطلاق لِشَكِّه المَنهجي، ثُمَّ يُوسِّع دائرةَ الشَّكِّ لِيَشمل العقلَ نَفْسَه، وهُنا يَبْلُغ الشَّكُّ عِند دِيكارت أقصاه، إذْ لا يَترك حَجَرًا على حجر في بِناء المَعروفةِ المَوْروثة.

على الرَّغْمِ مِنْ جَذريةِ الشَّكِّ، فإنَّ الغاية عِند الغَزَالي ودِيكارت لَيْسَت الهدمَ الدائم، بَل الوُصول إلى يقين لا يَتَزَعْزَع، غَيْر أنَّ طريقَ الخُروجِ مِنَ الشَّكِّ يَختلف اختلافًا جَوهريًّا.

يَصِلُ الغَزَالي إلى قناعة بأنَّ اليقين لا يُنال بالعقلِ المُجرَّد وَحْدَه، بَلْ بِنُورٍ يَقْذفه اللَّهُ في القلب. وهذا لا يَعني إلغاءَ العقل، بَلْ وَضْعه في حُدوده الطبيعية، والاعتراف بأنَّ أسمى الحقائقِ تحتاجُ إلى تَطهيرٍ باطني، وتَجْرِبَةٍ رُوحيَّة. وَمِنْ هُنا كانت الصُّوفية عِند الغَزَالي ذِرْوَةَ طريقِ اليقين، لا باعتبارها نقيضًا للعقل، بَلْ مُكمِّلة له.

أمَّا دِيكارت، فيجد نُقْطَةَ اليقينِ الأُولَى في العِبارة: "أنا أُفكِّر، إذًا أنا مَوجود". وحتى لَوْ شككتُ في كُلِّ شَيْء، لا أستطيعُ الشَّكَّ في أنَّني أشُكُّ، ولا في أنَّني أُفكِّر. وهَكذا يَبْني دِيكارت نَسَقَه المَعرفي، مُستندًا إلى بُنيةِ الأفكار، وإلى إثباتِ وُجود اللَّه بِوَصْفِه الضامن لصدقِ المعرفة، وعدمِ وُقوعِ العقل في الخِداع الدائم.

يُعبِّر الشَّكُّ المَنهجي عِند الغَزَالي عَنْ رُؤية تكاملية للعقلِ والواقعِ، فالعقلُ أداةٌ ضرورية، لكنَّه لَيْسَ مَصْدَرَ الحقيقةِ النهائية. واليقينُ الأسمى لا يَتحقق إلا بالهِدايةِ الإلهيَّة، لذلك يَنتهي الغَزَالي إلى مَوقف نَقْدي مِنَ الفلاسفة الذين غَلَّبُوا العقلَ في مسائل تتجاوز حُدودَه، كما في الإلهيَّات.

وديكارت يُمثِّل لحظةً مِفْصَلية في تاريخ الفلسفة الغَرْبية، حيث أصبحَ العقلُ هُوَ نُقْطَةَ الارتكاز الأساسيَّة. صحيحٌ أنَّ دِيكارت لَمْ يُقْصِ الإيمانَ باللَّهِ، بَلْ جَعَلَه عُنْصُرًا مَركزيًّا في نَسَقِه، غَيْر أنَّ العلاقة بين العقلِ والإيمانِ عِنده تَمُرُّ عَبْرَ البُرهانِ العقليِّ لا التَّجْرِبة الرُّوحيَّة.

يَلتقي الغَزَالي ودِيكارت في اعتبارِ الشَّكِّ مَنهجًا لا غاية، ونقدِ المَعرفةِ الحِسِّيةِ، ورفضِ التَّسليمِ للمَوْرُوث، والبحثِ عَنْ يقين أوَّلي تُبْنَى عَلَيْه المَعرفة.

ويَفْترقان في مَصدرِ اليقين النهائي، فَهُوَ نُورٌ إلهيٌّ وتَجْرِبة رُوحيَّة عِند الغَزَالي، مُقَابِل بَداهة عَقْلية عِند دِيكارت. وفي طبيعةِ المَشروع، فهو رُوحي إصلاحي عِند الغَزَالي، وعِلْمي فَلْسفي تأسيسي عِند دِيكارت. وفي المَوقفِ مِنَ العقل، فَهُوَ عقلٌ مَحدود يَحتاج إلى تجاوُز عِند الغَزَالي، وعَقْل مُؤسِّس للمعرفة عِند دِيكارت.

إنَّ الشَّكَّ المَنهجي عِند الغَزَالي ودِيكارت لَيْسَ مُجرَّد تَمْرين ذِهْني، بَلْ هُوَ فِعْل فِكْري في مُواجهةِ الزَّيْفِ واليقينِ السهل. كِلاهما يَرى أنَّ الحقيقة لا تُورَث، بَلْ تُنال بالكِفاحِ العقلي، والصِّدْقِ الداخلي، إلا أنَّ الغَزَالي يَعْتبر أنَّ العقل _ مَهْمَا بَلَغَ _ يَظَلُّ مُحتاجًا إلى نُورٍ أعلى، بَيْنما يُصِرُّ دِيكارت على أنَّ في العقلِ ذَاتِه بَذْرَةَ الخَلاصِ المَعرفي.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

الحقيقة منذ نشأة الفلسفة، لم تكن مجرد انعكاس للواقع أو مطابقة بين الفكر والموضوع، بل هي فضاء للعلاقة المعقدة بين الإنسان والعالم، حيث يتقاطع الوجود بالمعنى، والإدراك بالتجربة، والوعي بالموضوعية. لقد تناولها الفلاسفة الكلاسيكيون، من أفلاطون وأرسطو إلى ديكارت وكانط، باعتبارها محورا لإشكالية المعرفة وحدودها، بين ما هو مستقل عن وعينا وما هو مشروط بالخطاب والتأويل. ومع التحولات المعرفية المعاصرة، وخصوصا في العصر الرقمي، اتخذت الحقيقة أبعادا جديدة، إذ لم تعد المعرفة نتاجا للفكر الفردي فحسب، بل أصبحت محكومة بالوسائط التقنية والخوارزميات وتدفقات البيانات، بحيث يُعاد إنتاج الواقع نفسه باستمرار. ويتكشف التوتر الفلسفي بين الواقعية الجديدة التي تؤكد استقلالية الواقع وموضوعيته، والبنائية الرقمية التي ترى في التقنية والوسائط الرقمية عاملا نشطا في إنتاج الحقيقة. دراسة هذا التوتر تصبح بذلك مسألة مركزية لفهم أفق المعرفة والإدراك البشري في العصر المعاصر.

لم تكن الحقيقة في أي طور من أطوار الفكر الإنساني معطى بسيطا ولا مفهوما مستقرا، بل ظلت على الدوام موضع شدٍّ وجذب بين ما هو قائم في الخارج وما يُنشئه العقل في الداخل، بين الواقعة كما هي، والصورة كما تُدرك، وبين الوجود كما يُعطى، والمعنى كما يُصاغ. منذ أفلاطون حين جعل الحقيقة مقيمة في عالم المثل، مرورا بأرسطو الذي أنزلها إلى مطابقة الفكر للشيء، وصولا إلى ديكارت الذي ربطها باليقين، وكانط الذي أعاد تشكيلها في أفق الشروط القبلية للمعرفة، ظل سؤال الحقيقة يتخذ أشكالا متعددة، لكنه لم يفقد قط مركزيته في البناء الفلسفي للإنسان والعالم.

وقد عبّر هايدغر عن هذا التوتر الجوهري حين أعاد تعريف الحقيقة بوصفها انكشافا لا مجرد تطابق، معتبرا أن الحقيقة حدث وجودي قبل أن تكون حكما منطقيا. أما نيتشه فقد ذهب أبعد حين وصف الحقائق بأنها “أوهام نسينا أنها كذلك”، مشيرا إلى الطابع الإنشائي للمعرفة، وإلى أن ما نسميه حقيقة ليس سوى ترسيب تاريخي للسلطة واللغة والعادة. وفي السياق ذاته، رأى فوكو أن الحقيقة ليست خارج أنظمة الخطاب، بل تُنتج داخل شبكات السلطة والمعرفة، حيث تصبح كل حقيقة مشروطة بسياقها المؤسساتي والتاريخي.

غير أن التحولات الرقمية الراهنة قد دفعت هذا السؤال إلى تخوم جديدة، إذ لم يعد النزاع يدور فقط بين الواقعية والذاتية أو بين الموضوعية والبنائية، بل انتقل إلى مستوى أعمق، حيث أصبحت الحقيقة نفسها عرضة لإعادة التشكيل عبر الوسائط والخوارزميات والمنصات والذكاء الاصطناعي. لقد دخلنا طورا لم تعد فيه الحقيقة تُكتشف فحسب، بل تُصنّع وتُضخّم وتُجزّأ وتُعاد برمجتها.

وهنا برز ما يُسمى بالواقعية الجديدة، بوصفها محاولة فلسفية لاستعادة مرجعية العالم الخارجي بعد عقود من هيمنة النسبية والتفكيك والبنائية الراديكالية. فقد دعا مفكرون معاصرون إلى ضرورة الاعتراف باستقلال الواقع عن تمثلاتنا، معتبرين أن الإفراط في تأويل الحقيقة بوصفها بناءً لغويا أو اجتماعيا قد أفضى إلى نوع من العدمية المعرفية. يؤكد أصحاب هذا الاتجاه أن الأشياء توجد بمعزل عن وعينا بها، وأن للوقائع مقاومة عنيدة لكل محاولات الاختزال الخطابي.

ويذهب موريس فيراري إلى أن الواقعية الجديدة ليست ارتدادا ساذجا إلى الموضوعية الكلاسيكية، بل هي نقد مزدوج: نقد للنزعة المثالية التي تذيب الواقع في الوعي، ونقد للبنائية المتطرفة التي تحوّل الحقيقة إلى مجرد اتفاق اجتماعي. فالعالم بحسب هذا التصور ليس نصا مفتوحا بلا ضفاف، بل له بنية ومقاومة وكثافة أنطولوجية لا يمكن تجاهلها.

غير أن هذا المسعى الواقعي يصطدم مباشرة بالبنية الرقمية للعالم المعاصر، حيث لم يعد الواقع يُعاش مباشرة، بل يُوسّط عبر الشاشات، ويُعاد إنتاجه بواسطة البيانات، وتُعاد صياغته عبر الخوارزميات. هنا تبرز البنائية الرقمية بوصفها أفقا جديدا لإنتاج الحقيقة، حيث تصبح الوقائع رهينة نماذج حسابية، وتتحول التجربة الإنسانية إلى تدفقات معلوماتية، ويغدو الإدراك نفسه مبرمجا ضمن أنظمة ذكية تتعلم من سلوك المستخدمين وتعيد توجيهه.

لقد تنبّه بودريار مبكرا إلى هذا التحول حين تحدث عن “فرط الواقع”، حيث تختفي الحدود بين الحقيقي والمصطنع، ويحلّ المحاكي محل المرجع، وتصبح الصور أكثر حضورا من الأشياء. وفي العالم الرقمي لا تُقدَّم الحقيقة بوصفها ما هو كائن، بل بوصفها ما هو قابل للمشاركة وما يحظى بالانتشار، وما ينسجم مع منطق المنصة. وهنا يتحقق ما سماه بول فيريليو “تسارع الواقع”، حيث تفقد الأحداث عمقها الزمني، وتتحول إلى ومضات آنية بلا سياق.

إن البنائية الرقمية لا تكتفي بإعادة تمثيل الواقع، بل تعيد تشكيل شروط إمكان ظهوره. فالمعرفة لم تعد تُنتج في المختبرات الأكاديمية وحدها، بل داخل شبكات التواصل ومحركات البحث وأنظمة التوصية حيث تُفلتر المعلومات وتُرتب الأولويات وتُصاغ الاهتمامات وفق منطق تجاري وتقني خفي. وبذلك تنتقل الحقيقة من كونها نتيجة بحث عقلاني إلى كونها مخرَجا خوارزميا.

وقد أشار هابرماس إلى خطورة هذا التحول، محذرا من تآكل الفضاء التداولي العقلاني، حيث تُستبدل الحجة بالانتشار، والنقاش بالإعجاب، والمعنى بالإحصاء. أما حنة أرندت فقد ربطت بين انهيار الحقيقة الواقعية وصعود أنماط جديدة من التلاعب الجماهيري، معتبرة أن فقدان المعايير المشتركة للواقع يفتح الباب أمام أشكال مستحدثة من الاستبداد الرمزي.

في هذا الأفق الملتبس، تبدو الواقعية الجديدة كنداء أخلاقي بقدر ما هي موقف معرفي، إذ تسعى إلى إعادة الاعتبار لفكرة أن هناك عالما لا يخضع بالكامل لأهوائنا، وأن الحقيقة ليست ملكا للخوارزميات ولا رهينة للرغبات الجماعية. لكنها في المقابل، تصطدم بقوة البنائية الرقمية التي تُعيد تعريف الوجود نفسه بوصفه قابلا للترميز، والمعنى بوصفه قابلا للحوسبة والتجربة بوصفها بيانات.

إن التوتر بين هذين الأفقين لا يمكن حسمه بسهولة، لأنه يعكس انقساما أعمق في تصور الإنسان لذاته ولمكانه في العالم. فالواقعية الجديدة تراهن على استعادة الثقة في الواقع، بينما تراهن البنائية الرقمية على إعادة هندسة الواقع ذاته. وبين الرهانين يتشكل وعي معاصر ممزق بين الحنين إلى الحقيقة الصلبة والانخراط في سيولة المعنى.

وقد عبّر غادامير عن هذا الإشكال حين أكد أن الفهم ليس امتلاكا للحقيقة بل مشاركة فيها، وأن الحقيقة تنكشف داخل أفق تاريخي متحرك. غير أن الرقمنة تدفع هذا الأفق إلى أقصى درجات السيولة، حيث يصبح كل فهم مؤقتا، وكل معنى قابلا للتعديل، وكل يقين عرضة للتحديث.

إننا بإزاء لحظة فلسفية حرجة، تتطلب إعادة التفكير في مفهوم الحقيقة لا بوصفه قضية نظرية فحسب، بل بوصفه رهانا وجوديا وأخلاقيا. فالحقيقة اليوم ليست مجرد مطابقة بين الفكر والواقع، ولا مجرد بناء لغوي، بل هي مجال صراع بين أنماط مختلفة من العقلانية، بين الإنسان والخوارزمية وبين التجربة الحية والنموذج الحسابي.

غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في هذا السياق لا يتعلق فقط بتعارض الواقعية الجديدة مع البنائية الرقمية، بل بطبيعة التحول الذي أصاب مفهوم الحقيقة ذاته. فالحقيقة لم تعد تُفهم باعتبارها أفقا مشتركا تُبنى داخله المعارف، بل غدت موضوعا للتجزئة والتخصيص، بحيث أصبح لكل جماعة، بل لكل فرد، “حقيقته” الخاصة، المصاغة وفق تفضيلاته وخوارزميات تغذيته المعلوماتية. هنا يتحقق ما وصفه ليبوفيتسكي بعصر الفراغ القيمي، حيث تنحل المرجعيات الكبرى، ويُستبدل بها منطق اللذة الفورية والتلقي السريع.

لقد كان كانط يرى أن العقل لا يتلقى العالم كما هو، بل يصوغه عبر مقولاته القبلية، ومع ذلك ظل يؤمن بإمكان معرفة موضوعية ضمن حدود التجربة الممكنة. أما اليوم فإن هذه الحدود نفسها قد أُعيد رسمها بواسطة البنية الرقمية، حيث لم يعد العقل الفردي هو الوسيط الوحيد بين الإنسان والعالم، بل دخلت الخوارزميات طرفا ثالثا يشارك في تشكيل الإدراك وتوجيه الانتباه وصناعة الأولويات. وبذلك تنتقل الحقيقة من مجال الحكم النقدي إلى مجال الترتيب التقني.

ويذهب برونو لاتور إلى أن الحداثة قد أخفقت في الفصل بين الطبيعة والمجتمع وبين الواقع والخطاب، وأن ما نعيشه اليوم هو انكشاف لهذه الهجنة الأصلية. غير أن الرقمنة تضيف بعدا جديدا لهذا الالتباس، إذ لا تكتفي بإظهار الترابط بين الإنسان والتقنية، بل تجعل التقنية ذاتها فاعلا معرفيا، ينتج المعنى ويعيد توزيعه. وفي هذا السياق، تصبح الحقيقة نتيجة شبكة معقدة من الفاعلين البشريين وغير البشريين.

أما الواقعية الجديدة في مقابل ذلك، فتسعى إلى إعادة تثبيت فكرة أن للوقائع استقلالا نسبيا عن أنظمة التمثيل، وأن الزلازل تقع سواء صدّقناها أم لا، وأن الأوبئة تنتشر بمعزل عن تأويلاتنا، وأن العالم ليس محض سردية. لكن هذه الأطروحة تصطدم بواقع أن معظم ما نعرفه عن العالم اليوم يمر عبر وسائط رقمية، وأن التجربة المباشرة باتت استثناءً لا قاعدة.

وقد أشار تشارلز تايلور إلى أن الذات الحديثة تعيش داخل أطر تخيلية تشكل علاقتها بالواقع، وأن هذه الأطر لم تعد دينية أو ميتافيزيقية كما في السابق، بل إعلامية وتقنية. وهنا يتبدى عمق الأزمة: فالحقيقة لم تعد تُختبر في العالم، بل على الشاشة، ولم تعد تُقاس بالبرهان بل بعدد المشاهدات، ولم تعد تُستمد من الواقع، بل من تدفق البيانات.

ويحذر بيونغ تشول هان من أن الشفافية الرقمية، بدل أن تعزز الحقيقة تؤدي إلى تسطيحها، لأن كل ما يُعرض بلا حجب يفقد عمقه الرمزي، ويصبح مجرد معلومة قابلة للاستهلاك. فالحقيقة في نظره تحتاج إلى مسافة، إلى صمت، إلى تأمل، بينما الثقافة الرقمية تفرض حضورا دائما وضجيجا متواصلا.

إن البنائية الرقمية لا تنتج فقط معرفة جديدة، بل تعيد تشكيل الإنسان ذاته، إذ يتحول الفرد إلى ملف بيانات، وتُختزل هويته في أنماط سلوكية، ويُعاد تعريف حريته بوصفها اختيارا بين خيارات مسبقة البرمجة. وهنا تتحقق نبوءة هربرت ماركوز عن الإنسان ذي البعد الواحد، الذي يُدمج في النظام عبر الإشباع التقني، ويُحرم من القدرة النقدية.

وفي مقابل ذلك، تحاول الواقعية الجديدة أن تستعيد إمكانية النقد عبر إعادة الاعتبار للواقع بوصفه معيارا، لكن هذا المسعى يظل محدودا ما لم يُرفق بتحليل عميق للبنية الرقمية التي أعادت تشكيل شروط الإدراك. فليس كافيا أن نقول إن العالم موجود خارج وعينا، بل ينبغي أن نسأل: كيف يُقدَّم لنا هذا العالم؟ ومن يختار ما نراه؟ ومن يحدد ما يستحق الانتباه؟.

وقد شدد بول ريكور على أن الحقيقة لا تنفصل عن التأويل، وأن كل فهم هو إعادة كتابة للواقع داخل أفق لغوي وتاريخي. غير أن التأويل في العصر الرقمي لم يعد نشاطا هرمنيوطيقيا واعيا، بل صار عملية آلية تجري في الخلفية، حيث تقوم الأنظمة الذكية بتأويل بياناتنا نيابة عنا، وتستبق اختياراتنا، وتعيد توجيه مساراتنا.

إننا أمام انتقال خطير من العقل التأملي إلى العقل الحسابي، ومن الحقيقة بوصفها ثمرة حوار إلى الحقيقة بوصفها ناتج معالجة. وقد لاحظ إدغار موران أن التعقيد الإنساني لا يمكن اختزاله في نماذج رياضية، وأن أي محاولة لتبسيط العالم عبر الخوارزميات تنتهي بإفقاره معنويا.

وهنا يغدو الصراع بين الواقعية الجديدة والبنائية الرقمية صراعا على معنى الإنسان ذاته: هل هو كائن منفتح على حقيقة تتجاوزه، أم مجرد عقدة داخل شبكة بيانات؟ هل الحقيقة أفق يُطلب أم منتج يُسوّق؟ هل المعرفة تجربة وجودية أم خدمة رقمية؟.

لقد كتب أفلاطون في أسطورة الكهف عن أسرى يرون ظلال الأشياء ويحسبونها الحقيقة، غير أن كهف اليوم لم يعد حجريا بل رقميا تضيئه الشاشات بدل النار، وتتحكم في ظلاله خوارزميات غير مرئية. ومع ذلك يبقى السؤال الأفلاطوني حيا: كيف نخرج إلى النور؟.

إن الخروج لا يكون بالحنين إلى موضوعية مفقودة، ولا بالاستسلام لبنائية مطلقة، بل بإعادة تأسيس علاقة نقدية بالحقيقة، تعترف بواقعية العالم وبوساطة اللغة وبسلطة التقنية في آن واحد. علاقة تستلهم من كانط شجاعة التفكير، ومن هايدغر الإصغاء للوجود، ومن فوكو اليقظة تجاه السلطة، ومن غادامير الانفتاح على الحوار.

وبذلك يغدو مفهوم الحقيقة مجالا للتوتر الخلاق بين ما هو معطى وما هو مُنشأ، بين الواقع والبناء  وبين الإنسان والآلة. توتر لا ينبغي حسمه لصالح طرف واحد، بل ينبغي الإقامة فيه بوصفه شرطا لإمكان الفكر في زمن الرقمنة.

ذلك أن الحقيقة في عمقها الفلسفي ليست مجرد قضية إبستيمولوجية، بل هي مسألة وجودية تتعلق بكيفية تموضع الإنسان في العالم. وقد عبّر كارل ياسبرز عن هذا البعد حين رأى أن الحقيقة لا تُمتلك، بل تُعاش داخل وضعيات حدّية تكشف هشاشة الكائن البشري، وتضعه أمام مسؤوليته الوجودية. غير أن الرقمنة تعمل على تحييد هذه الوضعيات، عبر تحويل التجربة إلى بيانات، والمعاناة إلى محتوى، والحدث إلى خبر عابر.

وهنا، يغدو الإنسان كائنا مُدارا، لا كائنا سائلا فقط، كما وصفه باومان، بل كائنا مُراقَبا عبر بنى غير مرئية، حيث تُختزل الذات في أنماط استهلاك، وتُعاد صياغة الرغبات وفق منطق السوق. وهنا يتقاطع تحليل فوكو للسلطة الحيوية مع واقع الخوارزميات، إذ لم تعد السلطة تمارس عبر القمع المباشر، بل عبر التوجيه الناعم وإدارة الاحتمالات وصناعة القناعات.

إن البنائية الرقمية لا تفرض رؤيتها للحقيقة بالقوة بل بالإغواء، عبر ما يسميه ديبور مجتمع الفرجة، حيث تتحول الحياة إلى عرض دائم، وتصبح الصورة بديلا عن الواقع، ويغدو الظهور أهم من الوجود. وفي هذا العالم لا تُقاس الحقيقة بمدى صدقها، بل بمدى قابليتها للانتشار، ولا تُختبر عبر البرهان بل عبر التفاعل.

ومن هنا تنشأ مفارقة عميقة، فبينما تزعم الرقمنة توسيع آفاق المعرفة، فإنها في الواقع تضيق أفق التفكير النقدي، لأن التدفق المستمر للمعلومات يمنع الترسّب، ويحول دون التأمل، ويُبقي الوعي في حالة استثارة دائمة. وقد لاحظ نيتشه أن كثرة المعارف قد تؤدي إلى ضمور الحكمة، وهو ما يتجلى اليوم في فائض البيانات وفقر المعنى.

أما الواقعية الجديدة فهي تحاول مقاومة هذا الانزلاق عبر إعادة تثبيت مفهوم المرجع، غير أنها تظل مهددة بالتحول إلى موقف دفاعي إذا لم تُدمج في مشروع نقدي شامل للتقنية. فالواقع لا يعود إلينا تلقائيا بمجرد الاعتراف بوجوده، بل يحتاج إلى وسائط معرفية جديدة قادرة على تحرير التجربة من أسر النمذجة الرقمية.

وقد أشار ميرلوبونتي إلى أن الجسد هو موقع الحقيقة الأول، وأن الإدراك متجذر في الخبرة الحسية المباشرة، لكن العالم الرقمي يفكك هذه العلاقة عبر إحلال التفاعل الافتراضي محل الحضور الفيزيائي، وبذلك يُفرغ الحقيقة من بعدها التجسيدي، ويحوّلها إلى مجرد تمثيل.

إن أخطر ما في البنائية الرقمية ليس إنكار الواقع، بل إعادة تعريفه على نحو وظيفي، بحيث يصبح ما لا يمكن ترميزه غير موجود. وهنا يتحقق ما سماه هوسرل أزمة العلوم الأوروبية، أي اختزال العالم المعيش في صيغ رياضية، وفقدان المعنى لصالح الدقة التقنية.

في المقابل تفتح الواقعية الجديدة أفقا لإعادة الاعتبار للعالم المعيش، لكنها تحتاج إلى أن تتجاوز النزعة الوصفية، لتؤسس أخلاقا للحقيقة، تُعيد للإنسان مسؤوليته المعرفية. فالحقيقة ليست فقط ما هو كائن، بل ما ينبغي أن يُصان، لأنها شرط إمكان العدالة، وركيزة كل تعاقد اجتماعي.

وقد شدد راولز على أن أي مجتمع عادل يفترض حدا أدنى من الاتفاق حول الوقائع، لكن هذا الاتفاق يتآكل في زمن الأخبار الزائفة والتلاعب الرقمي. وهنا تصبح الحقيقة سلعة سياسية، تُستخدم لتوجيه الرأي العام وإعادة هندسة الوعي الجمعي.

وفي الفكر العربي المعاصر، بدأت تتشكل محاولات خجولة لمساءلة هذا التحول، حيث يُنظر إلى الرقمنة بوصفها امتدادا لهيمنة معرفية جديدة، تعيد إنتاج التبعية الثقافية عبر أدوات تقنية. ويُطرح السؤال حول إمكانية تأسيس عقل نقدي عربي قادر على استيعاب التقنية دون الذوبان فيها، وعلى الدفاع عن الحقيقة دون الوقوع في دوغمائية.

إن استعادة الحقيقة لا تعني العودة إلى يقينيات ماضوية، بل بناء موقف تأويلي نقدي، يجمع بين الاعتراف بواقعية العالم والوعي بوساطة اللغة واليقظة تجاه سلطة التقنية. موقف يرفض اختزال الإنسان في بيانات والمعرفة في خوارزميات والمعنى في تفاعل.

إن إمكان التفكير في الحقيقة اليوم يمر حتما عبر تفكيك الثنائية الساذجة بين الواقعية والبنائية، لأن كلتا المقاربتين، إذا أُخذت على نحو أحادي، تنتهي إلى مأزق. الواقعية الجديدة حين تنغلق على فكرة الاستقلال الصلب للواقع، تخاطر بتجاهل الأبعاد الرمزية والتاريخية التي تشكل تجربتنا للعالم. والبنائية الرقمية حين تُطلق العنان لمنطق الإنشاء التقني، تُفرغ الحقيقة من بعدها المعياري، وتحوّلها إلى وظيفة ضمن نظام تداولي لا يعترف إلا بما هو قابل للقياس.

والحق أن الحقيقة لا تُختزل في كونها مرآة للواقع ولا في كونها بناءً اعتباطيا، بل هي علاقة معقّدة بين الذات والعالم تتوسطها اللغة، وتتشكل داخل التاريخ وتتأثر بالبنى التقنية. وقد عبّر غاستون باشلار عن هذا البعد العلاقي حين رأى أن الحقيقة العلمية نفسها ثمرة قطيعات إبستيمولوجية متتالية، وأن المعرفة تتقدم عبر تصحيح أخطائها. غير أن الرقمنة تُضعف هذا المسار التصحيحي، لأنها تسرّع التداول على حساب التمحيص، وتُراكم الآراء بدل أن تُعمّق الفهم.

إن ما نعيشه اليوم هو انتقال من الحقيقة بوصفها أفقا للتفكير إلى الحقيقة بوصفها مادة للاستهلاك. فالمعلومة تُستبدل بالحكمة والرأي بالمعرفة والظهور بالفهم. وهذا التحول لا يقتصر على المجال الإعلامي بل يمتد إلى الجامعة والسياسة والثقافة، حيث يُقاس النجاح بعدد المتابعين، لا بقوة الحجة وبمدى الانتشار لا بعمق التحليل.

وقد لاحظ بيير بورديو أن الرأسمال الرمزي يتحدد داخل حقول اجتماعية تحكمها علاقات القوة، لكن العالم الرقمي يعيد تشكيل هذه الحقول على نطاق كوني، حيث تُمنح الشرعية لمن يتقن لعبة الخوارزميات، لا لمن يمتلك رؤية نقدية. وهنا تتبدى أزمة المثقف الذي يجد نفسه مزاحا من فضاء التأثير، أو مُجبرا على التكيف مع منطق السوق الرقمي.

إن استعادة الحقيقة تقتضي إعادة بناء الذات النقدية، القادرة على مقاومة التلاعب المعلوماتي، وعلى ممارسة الشك المنهجي، وعلى إعادة وصل المعرفة بالتجربة. وقد شدد ديكارت على أن الحقيقة تبدأ من الشك، غير أن الشك اليوم يُستثمر لإنتاج الارتباك لا اليقين، ولتفكيك الثقة العامة لا لبناء معرفة راسخة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى أخلاق للحقيقة، تتجاوز المقاربات التقنية، وتعيد الاعتبار للقيم المعرفية مثل الصدق والدقة والمسؤولية. فالحقيقة ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي التزام وجودي. وقد رأى ليفيناس أن العلاقة بالآخر هي أساس كل معنى، وأن الحقيقة تنكشف في الاستجابة الأخلاقية قبل أن تتجلى في الحكم النظري. غير أن العالم الرقمي يضعف هذه العلاقة، عبر تحويل الآخر إلى صورة، والتفاعل إلى نقرة.

إن الواقعية الجديدة إذا أُعيد تأويلها في ضوء هذا الأفق الأخلاقي، يمكن أن تشكل ركيزة لمقاومة تسليع الحقيقة، شرط أن تنفتح على البعد الإنساني للمعرفة، وألا تختزل الواقع في معطى فيزيائي. والبنائية الرقمية إذا أُخضعت لنقد جذري، يمكن أن تتحول من أداة هيمنة إلى مجال إمكان، يسمح بإعادة توزيع المعرفة، شريطة تحريرها من منطق الربح والمراقبة.

وهنا يصبح سؤال الحقيقة سؤالا سياسيا بامتياز، لأنه يتعلق بمن يملك القدرة على تعريف الواقع. وقد نبّه كارل شميت إلى أن السيادة تظهر في لحظة الاستثناء، لكن السيادة الرقمية تظهر في التحكم في تدفق المعلومات. ومن يملك هذا التحكم يملك تشكيل الوعي الجمعي.

أما في السياق العربي فإن التحدي مضاعف، لأننا نواجه الرقمنة من موقع هش دون سيادة تقنية ودون مشروع معرفي مستقل. ولذلك فإن التفكير في الحقيقة يقتضي أيضا التفكير في الاستقلال المعرفي، وفي بناء مؤسسات بحثية قادرة على إنتاج المعرفة لا استهلاكها فقط.

إن الحقيقة ليست معطى جاهزا بل مهمة مستمرة. مهمة تتطلب شجاعة التفكير وعمق التأمل ومسؤولية الكلمة. وهي لا تُختزل في مطابقة أو بناء، بل تتجسد في السعي الدائم إلى فهم العالم دون الخضوع له، وإلى استخدام التقنية دون الارتهان إليها.

يتضح من خلال ما سبق وذكرنا، أن مفهوم الحقيقة يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، حيث تتنازعها نزعتان متعارضتان في الظاهر، متداخلتان في العمق، نزعة تسعى إلى استعادة صلابة الواقع عبر الواقعية الجديدة، ونزعة تعمل على إعادة تشكيل الواقع عبر البنائية الرقمية. وبين هذين القطبين يتشكل وعي معاصر مأزوم، يتأرجح بين الحنين إلى يقين مفقود والانخراط في سيولة لا ضفاف لها.

لقد أظهرت الواقعية الجديدة أهمية إعادة الاعتبار لاستقلال العالم عن تمثلاتنا، مؤكدة أن الحقيقة لا يمكن اختزالها في الخطاب أو الاتفاق الاجتماعي. غير أن هذا الموقف يظل قاصرا إذا لم يأخذ بعين الاعتبار التحولات التقنية التي أعادت تشكيل شروط الإدراك والمعرفة. فالعالم لا يُعطى لنا اليوم مباشرة، بل يُفلتر ويُرتب ويُعاد إنتاجه عبر أنظمة رقمية تشارك في صنع الحقيقة ذاتها.

في المقابل كشفت البنائية الرقمية عن الطابع الإنشائي للمعرفة المعاصرة، لكنها دفعت هذا الاكتشاف إلى حدوده القصوى، حيث أصبحت الحقيقة قابلة للتلاعب، والمعنى رهين الخوارزميات، والذات مختزلة في بيانات. وهنا يتبدى خطر اختفاء البعد المعياري للحقيقة، وتحولها إلى وظيفة ضمن اقتصاد الانتباه.

إن تجاوز هذا المأزق يقتضي بناء تصور تركيبي للحقيقة، يعترف بواقعية العالم وبوساطة اللغة وبسلطة التقنية في آن واحد. تصور يجعل من الحقيقة علاقة دينامية بين الإنسان وواقعه، لا انعكاسا آليا ولا بناءً اعتباطيا. علاقة تقوم على النقد والحوار والمسؤولية الأخلاقية.

كما يقتضي هذا التجاوز إعادة تأسيس الذات العارفة، بوصفها فاعلا نقديا، لا مجرد مستهلك للمعلومات، وإحياء الفضاء التداولي العقلاني، حيث تُختبر الآراء بالحجج لا بالإعجابات، وتُبنى المعرفة بالتراكم لا بالتكرار.

وفي السياق العربي، تزداد هذه المهمة إلحاحا، لأن استعادة الحقيقة تتقاطع مع معركة أوسع من أجل السيادة المعرفية والتحرر من التبعية الرقمية، وبناء مشروع ثقافي قادر على استيعاب التقنية دون فقدان المعنى.

إن الحقيقة في عصر الواقعية الجديدة والبنائية الرقمية ليست نهاية الطريق بل بدايته. إنها أفق مفتوح للتفكير ودعوة دائمة إلى اليقظة، ومسؤولية مشتركة في زمن تتكاثر فيه الصور وتقل فيه البصائر. وهي قبل كل شيء، فعل مقاومة ضد الاختزال وضد النسيان وضد تحويل الإنسان إلى رقم في معادلة كبرى لا روح لها.

***

د. حمزة مولخنيف

 

بقلم: فارديناند ألكييه

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

***

" أودّ أن أحدثكم، هذا المساء عن موضوع عام جدّا: ما معنى فهم فيلسوف؟ يتطلب كل نوع من أنواع عمل الفكر فهما مخصوصا. ومن الواضح مثلا، أنّنا لا نفهم قصيدا شعريا مثلما نفهم لحنا لآلة مفردة، وأنّنا لا نفهم هذا اللحن مثلما نفهم لوحة، أو قاعدة رياضية. أقترح عليكم إذن تقديم بعض التأملات حول السمات الخاصّة لفهم الفلاسفة. علينا أن نلاحظ أولا أنّ عملا فلسفيا هو عمل للّغة، وللغة التعبيرية. قد يبدو هذا بَدَهًّيا، لكنه ليس كذلك تماما. لنفكّر مثلا، في أنّ قصيدة شعرية ليس لها من هدف سوى نقل حقيقة موجودة قبلها. يمكننا فعلا القبول بأن اللغة الشعرية تخلق، إن جاز القول، في روح القارئ، الحالة التي يستلهمها. وعلى العكس، لا أحد يضعه موضع شكّ، إذا ما كتبنا عملا فلسفيا، فذاك لأنّنا نريد التعبير وأن ننقل للقارئ حقيقة معينة، سابقة للعمل ذاته. من الضروريّ إذن، أمام العمل الفلسفي، تجاوز هذا العمل نحو هذه الحقيقة. لأجل ذلك يُطرح مشكلنا بالسؤال: أيّ نوع من الحقيقة يمكننا العثور عليه، أو أيّ نوع من الحقيقة يجب البحث عنه في أثر فلسفي، أو انطلاقا من أثر فلسفيّ؟

أعتقد أنّ هذا السؤال ليس عديم الأهمية. وإذا لم نتوصّل غالبا إلى فهم بعض الأعمال، فذاك لأنّنا لا نتساءل عن أيّ حقيقة تزعم هذه الأعمال نقلها أو إثارتها. يبدو أنّ الشعر، من هذا الجانب، موضوع سوء فهم مستمرّ. فالناس حينما يقفون أمام قصيدة لا يفهمونها، ولا يعرفون غالبا ما معنى قصيدة، وما تعني اللغة الخاصّة للقصيدة ويبحثون في اللغة الشعرية عن شيء آخر غير ما تحويه. ليس من اللازم أن يوجد سوء فهم مماثل في الفلسفة: يستوجب إذن معرفة أيّ نوع من الحقيقة يزعم أثر فلسفي التعبير عنه. بيد أنه، حينما، نكون قد تحدثنا مع شخص ما، وسمعناه، أجبناه: " مثلما فهمتني جيدا"، يمكننا أن نعني بهذا عدّة أشياء، التعبير عن عدّة أفكار مختلفة. يوجد مثلا،" فهمتني جيّدا" لرجل العلم، للرياضي. فذاك يعني بالتأكيد:" لقد فهمتَ ما أردتُ قوله". يتعلّق الفهم هنا بالحقيقة المعبّر عنها. أن نقول:" قد فهمتني" هو أن نقول:" لقد فهمت منطق الاستنتاج، وأدركت دقّة القانون". يوجد أيضا " لقد فهمت " التي للمرأة، وغير المفهومة إلى حدّ الآن. لستُ بحاجة أن أقول لك بأنه ليس نفس الشيء. بما أنّ، ما يجب فهمه هنا، ليس حقيقة لاشخصية بل الكائن ذاته هو الذي على المحكّ، أناه الخاص، بسيكولوجيته. وما يجب بالتالي أن نتساءل عنه أولا، في أيّ من هذين المعنيين (وسنرى أنه لا في هذا ولا في ذاك)، يجب فهم فيلسوف، هل كما نفهم رياضيا أو كما يريد كائن بشري التعبير عن حالة وجدانية شخصية. لقد قلت لكم، بالطبع لا في هذا المعنى ولا في الآخر. أوّلا، ليس في المعنى الذي نفهمه فيه رياضيا. من اليقين حتى نفهم فيلسوفا فلابدّ أولا من فهم ما يقصد بقوله، ولا أريد أن أنكر ذلك، لكن ليس لحقيقة فلسفية بالتأكيد، الطابع اللاشخصي لحقيقة رياضية. ولكي نقتنع بذلك، أعتقد أنه يكفي أن نفكّر فيما يكون لنا جميعا في الفكر حينما نقول بأنّنا نفهم أوقليدس، مثلا. فحينما أفهم قضية هندسية اوقليدية، فليس لي الانطباع بأني أفهم اوقليدس، فهو إمّا بواسطة ذكرى وفية، حتى أحيل إلى من اكتشف أو صاغ الحقائق التي أفهمها، وإمّا، منذ أن نقول بأننا نعرف أنه توجد هندسات أخرى غير هندسة أوقليدس، هندسة ريمان مثلا، حتى أقول أني أتموقع ضمن نسق مرجعيات معيّن وضمن مصادرات تكوّن بالتحديد هندسة أوقليدس. لكننا يمكن أن نشير بوضوح إلى هذا النسق بحرف، ونقول هندسة " أ "، أو هندسة "ب" أو " س"؛ فذاك يعني نفس الشيء. إنّ فهم العلوم، وحقائق العلم ليست فهم العلماء الذين اكتشفوها، ولأجل ذلك، فإنّ تاريخ العلوم ليس ضروريا للعلم؛ يمكننا فعلا أن نشتغل بالعلم دون الاشتغال بتاريخ العلوم، و، إذا اشتغلنا بتاريخ العلوم، فنحن نقوم بالتأكيد بشيء آخر غير العلم. بل نحن نتناول في الواقع، تخصّصا فلسفيا، بما أنّنا نبحث كيف أن فكر رجل العلم قد ارتقى إلى هذه الحقيقة أو تلك. وعلى العكس، فلكي نفهم فلسفة ديكارت أو فلسفة كانط، يجب بالضرورة فهم ديكارت وفهم كانط. أعتقد أن هذا المثال يبيّن أننا بفهم أوقليدس وبفهمنا ديكارت لا نستدعي نفس الجنس من الفهم. هل يعني هذا القول بأنه لابدّ من الرجوع إلى المعنى الثاني لكلمة فهم، والإقرار بأنه يجب فهم ديكارت كفرد، وبوصفه إنسانا عاش في مرحلة ما، وكان له هذه الخصوصية البسيكولوجية أو تلك؟ أعتقد أنّ دراسةَ مثل هذه ليست بالتأكيد عقيمة بل هي من وجوه كثيرة ذات أهمية قصوى، وسأستشهد بمثال أو اثنين على هذه الأهمية. لكن ليست هذه الدراسة هي ما يجعلنا نفهم فيلسوفا، وما سيسمح لنا بفهم ديكارت بوصفه فيلسوفا. أعتقد يقينا، أنه من الصعب الفصل بين التجربة الفلسفية لديكارت، ولكانط أو لسبينوزا وبين تجربتهم الوجدانية، وبين تجربتهم الشاملة. لا يتردّد سبينوزا كما تعرفون، في بداية كتابه" في إصلاح الذهن" في أن يقول لنا في أنه لم يصبح فيلسوفا إلاّ لأنه وجد نفسه في أزمة أخلاقية؛ ويفسّر لنا أصل فلسفته بواسطة صعوبات عاشها. ولا يتردّد ديكارت بالمرة في أن يرسم لنا حكاية فكره؛ وأنه إذ يروي لنا هذه الحكاية، فإنه بالتأكيد يقدّر أنها قد تسلط ضوءا على فلسفته بالذات. ولكن لا يزال فهم فلسفة ما يتجاوز بسيكولوجيا مؤلفها. ويبدو لي أنه ممّا لا يقبل الشكّ أنّ الخوف من الخداع، وأن يخدع من إنسان آخر، هو أساسي عند ديكارت. ولكن ماذا يمكننا أن نفسر بهذا؟ يفسّر هذا الخوف، في التأمل الأوّل، بأن ديكارت يحدّثنا عن الحواس بوصفها خادعا وجدانيا. ومن الغريب جدا أنه يحدثنا عن الحواسّ بوصفها ملكات غير يقينية، وهو ما سيكون عاديا، بل ككائنات قد تؤدي به إلى الخطأ. لأجل هذا، فيما بعد، في نهاية التأمل الأوّل، يمكن للشيطان الماكر أن يتقبّل، إن جاز لي القول، خاصية الخداع التي للحواس بوصفه شخصا حقيقيّا. تفسّر أيضا الطبيعة الخاصة للخداع التي يخشاها أن ديكارت التجأ إلى الحقيقة الإلهية: فلم يتخلص تماما من شكّه إلاّ بوضع علاقة بينذاتية لوعيه بوعي الإله، الذي يكلّمه بلغة لن تكون كاذبة. لكن بعد كل هذا الذي قيل، وهذا السمات التي فُسٍّرت بسيكولوجيا (إذ يمكننا، إن شئنا، البحث عن مبررات طبيعة هذه المباحث، واكتشافها في طفولة ديكارت، في خوفه من أن يكون قد خُدع، في إحباط الخ.)، يظلّ أننا، في تسليط الضوء على مثل هذه السببية، لم نفسّر في الواقع، فلسفة ديكارت، أي حقيقة " التأمل الأول". إذ يتعلق الأمر دوما بمعرفة ما إذا كان التأمل الأول صالحا، أي معرفة ما إذا كانت مبررات الشك التي يقدمها هي مبررات حسنة أو سيئة. ويتعلق الأمر، بإتباع هذه المبررات، أن يقنعنا ديكارت وليست المعرفة بسيكولوجيا بديكارت التي يمكن أن تساعدنا على التقدّم في هذا الاتجاه. سأضرب مثلا آخر أيضا من ديكارت. يقول ديكارت في التأمل الثاني، بأنه، وهو يُطلّ من النافذة ويرى المارّة، قد يخطأ، إذ ماذا يرى، غير معاطف وقبّعات يمكن أن تغطّي بشرا مزيّفين وأشباحا تحرّكها آلات تحكّم ؟ ولا أعتقد أنه غير قابل للإنكار، فيما يخصّني(لكن يمكن أن نتفق مع هذا الرأي)، أنه إذا ما أردنا فهم اختيار هذا المثال، وإذا ما أردنا فهم طبيعة هذا المبحث، يجب أن يتدخّل اضطرابٌ ما في إدراك ديكارت للواقع، اضطراب نرى له تمظهرات أخرى لديه، وبالخصوص حينما كتب ديكارت عام 1631، أنه يتجوّل في المدينة كما لو كان يتجوّل في الغابة، وان المحادثات التي يسمعها تبدو له كما لو كانت صخب ينابيع المياه أو الريح في الأشجار. توجد فعلا صعوبة في إدراك الآخر كآخر، صعوبة أراها أساسية لدى ديكارت؛ وأعتقد أنه حينما يتساءل إذا ما كانت المعاطف التي يراها تغطي بشرا مزيفين يتحركون بأجهزة تحكّم، فإن بسيكولوجيا ديكارت في خطر. لكن لستُ في حاجة إلى أن أقول لكم إنّه حينما أشرنا إلى هذا، فنحن لم نتقدّم قيد أنملة في فهم قوة الحجة لدى ديكارت ! فما يريد أن يبيّنه ديكارت هو أنّ كل إدراكٍ حُكْمٌ؛ ويبيّنه بطريقة رائعة، بما أنه يقرّ، لا، كما زعمنا، ما يمكن العثور عليه، داخل الإدراك بالذات، حكما قد يحصل لوعينا الخاص، بل إني إذن أحكمُ بما يمكنني أن أرتكب من أخطاء في رؤية أناس، إذ لا يمكن أن يوجد خطأ إلا في الحكم. وبالإمكان، وهو كل ما يقرّه ديكارت، أن هذه المعاطف وهذه القبعات تغطّي خيالاتٍ لبشر تحركها أجهزة تحكم. وقد يقال إنه لا يوجد، من أجل ذلك، إمكانية من ألف، وربما أقلّ أيضا، وأنه توجد إمكانية ضئيلة حتى نقوم بالتجوّل مع أناس آليين (إذ هذا ما نفكّر فيه) في الطريق وحيث يقيم ديكارت، بعدما ألبسناهم معاطف وقبعات. ولكن في النهاية ليس هذا من المستحيل منطقيّا؛ وهذا وحده ما يؤكّد أنه " برؤيتنا" أناس، يمكنني رؤية شيء ليس من قبيل الإنسان، وهذا يعني إذن أن الإدراك هو الحكم. وفي الحقيقة، فإنّ التفسير بأسباب بسيكولوجية (بل وكلّ تفسير بسيكولوجي هو تفسير بالأسباب) يحوّل الحقيقة الفلسفية إلى مجرد واقعة محدّدة من وقائع أخرى، وينكر إذن الحقيقة الفلسفية بما هي كذلك، وبالتالي لا يفهمها. نفسّر بسيكولوجيا خطأ ما، وليس فكرة؛ نفسّر بسيكولوجيا بأنّ إنسانا قد أصبح فيلسوفا أو عالم أحياء، لكن لا نفسّر أنه قد وُجد، في الفلسفة أو البيولوجيا، فعلا هذا الاكتشاف أو ذاك وأنه قد بلغ الحقيقة. ترون إذن بأنّ، فهم فيلسوف ليس، فهم الحقيقة اللاشخصية بمثل الحقيقة الرياضية التي يقولها، ولا فهم خصوصيته المجردة البسيكولوجية. فماذا يعني فهم فيلسوف، وهل يوجد فهم آخر غير هذين الضربين من الفهم ؟2367 bahmi

تلك هي النقطة التي وصلنا إليها الآن. تقودنا الصعوبات السابقة إلى التفكير بأنّ الحقيقة الفلسفية ستكون لها منزلة خاصّة جدّا. فلن يكون لها، لا حياديةَ حقيقةٍ علميةٍ ولا الطابع الشخصي الذي للطبعٍ. ولكي ندقق هذا، ونتأمله بوضوح أكثر، فلنلتفت الآن نحو الفلاسفة ذواتهم، ونتساءل كيف أرادوا أن يُفهموا، أو كيف اشتكوا من عدم فهمهم. بيد أنّه يبدو لي التعارض بين مبحثين، يستجيبان لمفهومين من التعارض المشار إليه، مبحثان يمكننا استنباطهما من دراسة سقراط كما ديكارت أو كانط، باركلي أو أي فيلسوف آخر: من جهة مبحث عزلة الفيلسوف، ومبحث الطابع الكوني للحقيقة التي يفصح عنها من جهة أخرى. توجد كونيةُ عزلةٍ، ويبدو لي أنها للفيلسوف وفي هذا تكمن كل مأساته. ليست الحقيقة لا شخصية بل هي كونية. إنّ ما يشكّل صعوبة في كلامنا بالتحديد، هو فهم ماذا تعني كونية شخصية، شيء لا يدركه أغلب البشر، إذ اعتادوا إمّا على العلم، حيث تكون الكونية تحديدا لاشخصية، أو حقائق بسيكولوجية هي شخصية، لكنها شخصية لكونها خاصّة. بيد أن ما يجب علينا اكتشافه، هو كونية ذاتية. توجد كما قلت، عزلة الفيلسوف. فإذا ما وَضع الفيلسوف موضع السؤال العالَمَ، ردّه عليه العالمُ فعلا. كلّ منّا يعرف أنّ ديكارت، وكانط وباركلي اشتكوا باستمرار من عدم فهمهم. يكفي قراءة مراسلات ديكارت أو ردوده على الاعتراضات عليه، بعد " تأملاته"، ويكفي التذكير بردود فعل كانط بعد النسخة الأولى من " نقد العقل المحض" حتى نقتنع بذلك. لكن، لنفهم جيدا ماذا تعني مأساة الفيلسوف. من دون شكّ، فالإحساس بعدم فهمه لا يخصّ الفيلسوف وحده، فالشعراء يشعرون أكثر بعدم فهمهم؛ توجد عزلة الشعراء. بيد أنها تبدو جدّ مختلفة عن عزلة الفلاسفة. فليست مأساة الفيلسوف اكتشاف الذات لحالة أنفس نادرة لا يشعر بها آخرون. بل إنّ مأساة الفيلسوف هي مأساة إنسان يعرف أنه حامل لحقائق كونية، ويكتشف أنه لا يستطيع مشاركة هذه الحقائق مع آخرين، بالرغم من إقراره ببداهتها. عام 1630، أي اللحظة التي أتمّ فيها ديكارت وضع نظريته المشهورة في إبداع الحقائق الأبدية، كتب ديكارت إلى الأب مارسان جملة تبدو لي مميّزة تماما في هذا الصدد. يصرّح ديكارت، من جهة، بأنه قد عثر على وسيلة للبرهنة على الحقائق الميتافيزيقية بطريقة أكثر بداهة من الحقائق الرياضية، وسرعان ما يضيف " لكن لا أعرف ما إذا كنت استطيع إقناع الآخرين". يبدو لي أنه، لو فكّرنا في هذا الإقرار المزدوج، فسنجد فيه كلّ معطيات المشكل: بداهة أسمى من كل بداهة أخرى، بما أن ديكارت ذهب إلى حدّ القول بأنها أسمى من البداهة الرياضية، بداهة كونية من جهة الحقّ، بداهة يتساءل بشأنها هل تكون مجهولة من الجميع. بيد أنّ عدم الفهم هذا للفيلسوف من وسَطه يُعبّر عنه في مسار التاريخ بألف طريقة وطريقة، وتبدو لي دهشة الفيلسوف من عدم فهمه هي المنبع بالذات لكلّ الفلسفة الغربية، في معنى أنّ الفلسفة الغربية قد تكون ناشئة من دهشة أفلاطون أمام واقعة الحكم على سقراط بالإعدام، ومن أنه لم يُفهم. لماذا حُكم على هذا الرجل الذي لم يكن له أعداء، ولا يُلحق أحدا بأذى، ولا يُبدي أيّ دغمائية، ويساعد الناس على التعرف على ذواتهم، ويكتفي فحسب بإلحاق العلم الفيزيائي حتى بالفكر الذي صنع العلم الفيزيائي، لماذا حَكَمت عليه المدينة بالإعدام؟ نشعر فعلا حينما نقرأ لأفلاطون، أنّ هناك فضيحة حقيقيّة بالنسبة إليه: موت سقراط. لكنني لا أقول بشأن هذه الفضيحة أنه لم يوجد دوما نفس العنف إلاّ في حالة سقراط، بل يوجد دوما، من حيث أنّ الفيلسوف يندهش ويظلّ مطابقا لفكرة كون الحقائق التي يرى أنه ينفيها هي الحقائق التي تبدو له من الواجب أن تُفرض على كل معرفة نزيهة. مثلا، هذه الحقيقة: الفكر الذي يصنع العلم أرقى من العلم الذي يصنعه، وليس للعلم من معنى إلاّ بالنسبة لصانعه. هذه حقيقة لا نرى كيف يمكننا الشك فيها، لو فهمناها جيّدا. ومع ذلك نراها في الواقع مجهولة باستمرار بل ننفيها بعنف. إذن، توجد عزلة الفيلسوف، وهي عزلة الكونية. ليست عزلة العلم عزلة كونية، إنها كونية محظوظة، حتى عندما تكون غير مفهومة من الجميع، تحظى بالانتشار بين الناس، وتجعلهم يعترفون بها. هنا، على العكس، لنا نمط من الحقيقة وحيد، في ذات الوقت الذي هو كوني، وبموجب هذا تحديدا، كما سنرى بشكل أفضل فيما بعد، تكون هذه الحقيقة مرتبطة بشخص معيّن، وغير قابلة للانفصال عنه. أعتقد أيضا أنّ هذه العزلة للفيلسوف هي بالخصوص خطيرة، في عصرنا وها هو لماذا. وهو أنه، بينما كانت هذه العزلة بسيطة صارت الآن مضاعفة؛ فلم تعد عزلة فحسب أمام التاريخ، بل هي أيضا عزلة أمام فكرة التاريخ. إنّ المجتمع والتاريخ يبدوان دوما بالنسبة إلى الفيلسوف الكلاسيكي، كوقائع عرضية. إلاّ انه، في الواقع، يقابل الفيلسوف دوما الحقّ، والتحوّل بالأبدي. إلى هذا الحدّ كلّ شيء واضح، الفيلسوف مهزوم بحكم الواقع والزمن، لكن ليس له ما يشكو منه، بما انه اختار الواقع ضدّ الزمن، وبهذا هو فيلسوف. يدمّر التاريخ إذن الفيلسوف دون أن يلغيه. ألحّ على ذلك، رغم انّه يبدو بديهيّ. ذلك أنه،مع الأسف، حاليا ليس بديهيا. من الواضح أنه، مثلا، لم يعتبر أفلاطون أبدا بأنّ إدانة سقراط قد ألغت سقراط. ولأجل هذا، وبالرغم من التساؤل باندهاش عن مبرر الحكم على سقراط بالإعدام، لم يذهب إلى حدّ التساؤل عما إذا كان سقراط على باطل، بحكم كونه قد أُدِين. ولأجل هذا وصف أفلاطون " المدينة الفاضلة"، مضيفا انه لا يعرف ما إذا كان بالإمكان وجود مثل هذه المدينة، لكنه يعرف حقا بأن الحكيم لن يقبل حكم مدينة أخرى غير هذه. هنا، كلّ شيء واضح، وانه، إذا ما وجد تراجيدي، فإنه تراجيدي واضح. يوجد، من جهة، أولئك، الذين يريدون فهم الفلاسفة ويكرهون التاريخ أو يعتبرونه بمثابة وقائع متتالية، ويوجد أولئك الذين يريدون فهم التاريخ وسير العالم، ويكرهون الفيلسوف. وهؤلاء أكثر عددا، لكن لهم إلى حدّ هيجل، على الأقل الفضل في عدم الرغبة في أن يكونوا فلاسفة أكثر من الفيلسوف نفسه. نحن نعرف أننا لم نعد في هذه الحالة. فليس تاريخ الوقائع فحسب هو ما يمنع اليوم من فهم الفيلسوف، بل أيضا فكرة التاريخ بوصفه حقّا أو قيمة. إنّ أسباب هذا التحوّل عديدة، وليس لي من السذاجة حتى أفكّر بأن هيجل هو وحده المسئول عن ذلك. أعتقد أنه من بين الأسباب الرئيسية لهذه الوضعية، هو أنه، يجب، في بِنْيِة الدول الحديثة، أن يشارك الشعب في الشؤون السياسية: أصبحت الدعاية إذن ضرورة. ففي حكم لويس الرابع عشر يمكن لباسكال أن يكتب بأنه يجب أن نحيي الملك لأنه يقود أناسا يحملون حِرابا. كل شيء إذن قويّ وواضح؛ فإذا لم نحيّي رمينا بالرمح. يفصل باسكال بهذا بين نظامين، نظام قويّ في الواقع، ونظام ما هو محترم من جهة الحقّ. راهنا، لا يبدو هذا الفصل ممكنا. فهو لا يبدو ممكنا لأنّ الديمقراطية (التي لا أزعم أنني أحكم هنا مؤكّدا على جوانبها الحسنة والسيئة) تجبر السلطة على توسّل الانخراط الجامع. وبالتالي، على تلوين الأفكار، بقيم ومصائر ملموسة. ومهما يكن من أمر، فإنّ أغلب الفلاسفة أو المثقفين الحديثين يريدون في الآن نفسه فهم التاريخ والفلسفة. فهم لا يريدون الاختيار بينهما. ومن هنا، بما أنه محتّم، فهم يضحّون بالفلسفة من أجل التاريخ، إذ لا أرى أبدا إمكان فهم الاثنين معا، أو على الأقلّ في ذات اللحظة. وإذا ما شئنا فهم الفلسفة والتاريخ في نفس الوقت، فسيؤدّي بنا ذلك إلى فهم الفلسفة بواسطة التاريخ، أي وضع الفلسفة في التاريخ، وهو ما يعني عدم فهمها. نجد هنا، بالفعل درجة من الدقّة أكبر، ضربا من الفهم غير القابل للفهم، شبيها بذاك الذي أشرنا إليه منذ قليل، في تفسير الفلاسفة بواسطة الأسباب البسيكولوجية. أود الحديث عن الفهم الهيجلي. ولا أريد هنا إطلاقا الحكم على فلسفة هيجل في كليتها، ولا أعتبر هذه الفلسفة وخاصة تبعاتها، إلا من حيث أنها تزعم فهم فلاسفة الماضي بطريقة جديدة. بيد أنه، ليست فلسفة هيجل، بهذا الإجراء، التاريخ الذي يسجن الفيلسوف، بل فكرة التاريخ محيطةٌ، إن جاز التعبير، بفكرة الفلسفة. فهيجل على قناعة بأنّ كل فكر معبّر عنه فعليّا هو لحظة من التاريخ. ويتساءل كانط كيف يكون العلم ممكنا. ويتساءل هيجل كيف توصّل كانط إلى طرح هذا السؤال. وكيف ارتقى إلى مستوى الوعي الترنسندنتالي؟ يتساءل هيجل كيف توصّل كانط إلى الوعي الإشرافي أو الترنسندنتالي. تُمثّل الأخلاق، كما يقول هيجل، لحظة أخلاقية، تصبح مجرد لحظة تاريخية. ولن ننتهي من تعداد نتائج هذه الفكرة، سواء في فلسفة هيجل، أو في فلسفة ماركس. من هنا يبدأ تاريخ كل الجهود لفهم الفلاسفة بربطهم بزمانهم، ببيئتهم الاجتماعية، وبالطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها أو يعبرون عنها، وبالاقتصاد الخ. إنّ ما أريد إقراره ببساطة، هو أنّه، في كل هذه الحالات، لا نفهم الفيلسوف، وذلك من حيث أننا نرفض الاستماع لندائه. هذا النداء كما قلت سابقا هو نداء إنسان يشعر أنه وحيدا لكنه يشعر بأنّ عزلته هي عزلةَ حقيقةٍ كونية. فيدعو إذن، باسم هذه الحقيقة الكونية، شبيهَهُ. وهذا الشبيه بالتحديد هو ما يجب أن نبذل جهدا حتى نَكُونَهُ، إذا ما أردنا فهم الفيلسوف. بيد أن التفسير الهيجلي الذي قد عرفته أو أيضا التفسير الماركسي للفلسفة، هو بالتحديد التفسير الذي يقطع هذه العلاقة بالأشباه، ذلك الذي يجعلها مستحيلة، والذي يلغي، بهذا بالذات، ما هو في رأيي ماهية الفلسفة ذاتها، أي الحوار. لقد عبّر أفلاطون بوصفه أب الفلسفة الغربية، بواسطة المحاورات. وكتب مالبرانش محاورات وباركلي كذلك. غير أنّ المحاورة، هي دوما دعوة للآخر بوصفه شبيها. تفترض المحاورة دوما ذاتين واعيتين لهما أرضية مشتركة. لننظر في باركلي، حتى نختار هنا محاورات أكثر معاصرة من محاورات أفلاطون. يفترض " فيلونوس" Philonous دائما أنّ إيلاصHylas الذي يحاوره، وبرغم اختلاف منطلقاتهما، له وعي شبيه بوعيه؛ وان المعيار الأسمى، ليس برهانا قوليا، وليس خطابا، وليس تأليفا جدليا، بل هو موافقة الوعي الآخرَ. يقول فيلونوس لألياص:" تعتقد أنه توجد مادّة. ربما كنتَ على حقّ. ولكن ماذا تفهم من ذلك؟" وفي كلّ مرّة يقول فيها ألياص:" أعني بذلك هذا أو ذاك "، يجيبه فيلونوس:" ألا ترى أنّ ما تسميّه مادّة هي فكرة لعقلك؟". يوجد في كل هذه الحالات تساوي العقول، تماثل الذوات ويمكننا أن نتوجّه إذن نحو هذه الجمهورية للعقول، التي يتطلع إليها كلّ فيلسوف بما أن فضيحة كلّ فيلسوف وما يحركه ويزعجه ويألمه ويحبطه هي عزلة عقله الخاص، أي كون هذه الحقائق التي يشعر أنها كونية ليست مفهومة من آخرين سواه. بيد أنه تحديدا مع هيجل، وأكثر أيضا مع أولئك اتبعوه، لا يوجد شبيه. لاوجود لشبيه لسببين. أولا، إذا كان كلّ فيلسوف هو لحظة من التاريخ، والفلسفة هي نتاج بيئة معينة، فها أنّ الفلاسفة بعدُ متفرقين عن بعضهم بعض. كلٌّ يعبّر عن زمانه وليس وعيَه نقطة مرجعيه أخيرة لما يريد قوله. لكن ها هو شيء أخطرَ، انفصال الفيلسوف عمّن يريد فهمه، عمن يزعم فهمه، إذ الفيلسوف هو الذي يفهم الفيلسوف الآخر، أي أن الفيلسوف الهيجلي والفيلسوف الماركسي، يؤكّد ذاته تحديدا بوصفه أرفع من الفيلسوف المفهوم؛ فالفيلسوف المفهوم هو لحظة من التاريخ، أو نتاج اجتماعي معين، بينما الفيلسوف الذي يَفهم، فهو وعي التاريخ، هو من يعرف ما يعني التاريخ. ومن ثمّ، فإنّ كل الأسئلة المطروحة من الفيلسوف الذي نفهمه أسئلة فقدت قيمتها، بقدر الأجوبة التي اعتقد وجوب إنجازه لها. هل يجهد باركلي نفسه حقا في معرفة ماهية المادّة وهل يجد نفسه مكرها على الاعتراف أنه لا يقدر على الوصول إلى تكوين فكرة عن شيء لن يكون فكرة للعقل، فنجيبه بأنّ السؤال المطروح ليس عن معرفة هل توجد مادّة، وان السؤال الوحيد الذي يطرح نفسه هو معرفة لماذا يطرح على نفسه سؤالا مماثلا. بيد أنه، قد يزعم أنه يطرح هذا السؤال لأنّ وعيه يترجم هذه اللحظة أو تلك من التاريخ. وبعبارة أخرى، يبدو أكثر فطنة في هذا المنهج، التساؤل لماذا يطرح الناس أسئلة بدل أجوبة على ما يسمّى أسئلة، لأجل هذا، أعتقد أنّ تلاميذ هيجل هم غالبا فلاسفة الكراهية، فلاسفة يكرهون أمثالهم. ذلك أنه لابدّ من الإجابة على كلّ الأسئلة، ولا يجب ترك الفيلسوف في وضعية غير مقبولة عرفناها جميعا عندما كنا أطفالا، عندما كنا نجيب على الأسئلة بهزّ الكتفين، ونقول لأنفسنا بأنّ الكبار لا يطرحون على أنفسهم أسئلة غبيّة جدّا. وبالفعل، فللفيلسوف شيء من الطفولة. يطرح أسئلة يمكن اعتبارها فعلا كأسئلة غبية أو بوصفها، على أيّ حال، عديمة الجدوى. والفيلسوف يعرف جيّدا بأننا إن لم نجب على أسئلته، فليس ذاك لأن الناس الجدّيين لهم ما يشغلهم، ولهم شيء آخر يفعلونه غير التساؤل عما هو الكائن، أو إذا كانت المادة موجودة في ذاتها؛ ولهم ما ينشغلون به من الفيزياء والسياسة وألف شيء آخر من هذا القبيل. يعرف الفيلسوف جيّدا بأنه، إذا لم نجب على أسئلته، فذاك لأننا لا نعرف أيضا الجواب عليها. يظلّ سؤاله إذن، وهو غير مفهوم، مطروحا وغير قابل للحلّ. ألخّص ما قلت. لقد بينت بأنّ فهم الفيلسوف ليس من نوع فهم الرياضي أو العلمي، وأنه ليس من نوع بسيكولوجي، وأنه ليس من نوع تاريخيّ، وانه يجب أن يلحق بضرب من الكونية، بضرب من الشخصية؛ وانه يجب أن يكون فهما ذي كونية شخصية، أو كونيةَ شخصيةٍ كونية كما تشاءون. لكن ألا ننتهي، هذه المرّة، إلى دراسة نسق كلّ فيلسوف، أي بجعل تاريخ الفلسفة، تاريخ أنساق ؟

هنا نجد فعلا تاريخ الفلسفة، بالمعنى المعروف والأكثر كلاسيكية لهذه الكلمة. من البَدَهِي أنّ هذه الدراسة لها مطلق المشروعية، وأنتم تسيئون فهمي كثيرا بالاعتقاد بأنّ أودّ اتهامها أو إقصاءها. إنها نقطة الانطلاق الضرورية. إنه لا جدال فيه بأن كلّ جزء فلسفي ليس له من معنى إلاّ بالنسبة إلى المجموع المنطقي الذي ينتمي إليه، وانه بالتالي، لا يمكن له أن يفهم إلاّ في مستوى النسق الذي يشترك معه. لا أحد يستطيع أن ينكر أنه من الضروري فهم نسق كانط حتى نفهم كانط، وفهم نسق سبينوزا لفهم سبينوزا. ومع ذلك، فنخن نخطأ في الاعتقاد، كما يغرينا ذلك غالبا، بأنّ إنشاء النسق كان هدف الفيلسوف. إنه بالأحرى رأي كثير الانتشار بقدر يبدو فيه بديهيا . يبدو لنا بأنّ هدف ديكارت كان كتابة " نسق ديكارت، وتأسيس الديكارتية، وأنّ هدف كانط هو إنشاء ما نسميّه الكانطية. بيد أنّ هذا الخطأ يجعلني أفكّر في تاريخ فرسان مشهورين، نفترض أنه يقولوا:" نحن الآخرين، فرسان القرون الوسطى..." لا يعرف فرسان القرون الوسطى أنهم كانوا فرسان القرون الوسطى. وفي هذا المعنى فديكارت ليس ديكارتيا. وبالفعل، لا يريد ديكارت تأسيس نسق هو نسق ديكارت؛ بل يريد العثور على الحقيقة، وهو شيء مختلف تماما، وهو يريد هذه الحقيقة بكل إخلاص. وكذلك يصنع كانط وباركلي. ستقولون لي بالتأكيد، أنه من حيث أنّ الفيلسوف قد بدأ في إنشاء نسقه، فهو يدافع عن هذا النسق، ويثبّته. هذا حقيقيّ، وهو يظهر ببساطة أننا لن نكون تماما فلاسفة، وأنّ الفلاسفة ليسوا بمنأى عن الكبرياء وفي ضرب من سوء النية في دفاعهم عن أفكارهم الخاصّة، التي يسندونها لأنّها أفكارهم. ويمكن أن تقولوا لي أيضا بأنه يوجد بعض الفلاسفة القاصرين الذين لم يفهموا ما هي الفلسفة، وأنهم يقدّرون بأّنه يجب عليهم، مهما كان الثمن، بناء نسق جديد. غير انّه لا أهمية كبيرة لكلّ ذلك. فالمهم، هو أنه، إذا كنا نتّبع فكر ديكارت أو كانط، فعلينا أن ندرك بأيّ حماس هم يبحثون عن الحقيقيّ انطلاقا من بعض المشكلات المطروحة، ويبحثون باستمرار ويعمّقون. وهم لا يعرفون إذن إلى أين سيقودهم هذا البحث. نحن سرعان ما نتبيّن على أيّ حال، أنه على مستوى دراسة الأنساق لوحدها لا نستطيع الإفلات من الخطأ الذي كان أصل كل المناهج القاصرة التي حاولنا مقاومتها. و، بالفعل، فإنّ أصل كلّ هذه المناهج، المنهج النفسي والمنهج الرياضي والمنهج التاريخي هو أن يجعل من الحقيقة الفلسفية موضوعا. بيد أنّ النسق هو أيضا على نحو ما، موضوع، وموضوع يتنزّل في عصر وفي بيئة معطاة. إنّ النسق هو ما يتبقّى لنا من فيلسوف. وأعتقد من جهتي بأنّ الكاتب، بإنشاء نسقه، وبالرغم من انه يزعم الخضوع لقوانين محض منطقية، لقوانين بالتالي لازمانية، يجازف أكثر بالتعبير رغما عنه عن عصره وأخطاء هذا الزمان، وبالتالي بالخضوع أو الوقوع تحت سيطرة تفسيرٍ على نمط هيجلي. ذلك أن النسق، هو دائما تأويل لبدهية باسم ما ليس كذلك. آمل أنّنا سنفهم ذلك أكثر في لحظة ما. توجد أنساق عديدة. وتختلف الأنساق فيما بنيها أيّ كانت البنية اللازمانية والمنطقية للنسق. فهي لا تمثّل إذن البداهة الكونية بأنّ المفكّر يبحث. فنسق لابنيتز ليس نسق سبينوزا، ونسق مالبزانش ليس نسق كانط. إنّ تاريخ الفلسفة بوصفه تاريخ أنساق يقدّم إذن نفس الخطر الذي يقدّمه التاريخ كما يتصوّره هيجل، إضافة إلى كونه يعدّه. ينفي هذا التاريخ إمكان أن يكون للفلاسفة أشباها حقيقيين. إنها تسجن كل فيلسوف في خصوصيته؛ وتجبره على التنازل عن مطلبه الأساسي. بيد أنه، إذا لم يكن هناك شكّ بأنّ كل فيلسوف له خصوصية معيّنة، فيما تعبّر عنه كل فلسفة، خلافا لما يفعله العلم، فإنّ ردّ فعل وعي شمولي في الوسط الذي يوجد فيه، أفلا تكون هذه الخصوصية أيضا خصوصية غير منغلقة، بل منفتحة. وإذ ما اقتصرنا إذن على النسق، فسيجب، إمّا الوصول إلى منطقانية logicisme مجرّدة، أو إلى ريبية جمالية، إلى إستيتيقية تقود إلى ريبية. وستبدو كل فلسفة مثل رؤية للعالم. في حين أنّ رؤى العالم مختلفة. يجب إذن النظر إليها بإعجاب لجمالها، أي تناولها بوصفها ضروبا من القصائد، لا النظر إليها من جهة الحقيقة. فكونها متعدّدة بالذات يبيّن أنها خاطئة، ولأجل ذلك، ففي كلّ مرّة أدرك فيها المفكر بأن الأنساق متعدّدة، فَهِمَ أو ظن أنه فهم بأنّ هذه الأنساق كانت خاطئة. يسخر فولتير من أنساق القرن الذي سبقه، ويقدّر كانط نفسه بأنّ تعدّد الأنساق يدين الميتافيزيقا ويقدّر أن الميتافيزيقا ليست مستحيلة بينما العلم ممكن (لو علمتم فهذا من أهم نقاط الانطلاق لنقده العقل المحض)، ولا يريد أي دليل آخر غير كون العلم يجعل جميع عقول العالَم متفقة، بينما الميتافيزيقا مجعولة من عدة انساق ومتناقضة. حقيقة أراد هيجل انطلاقا من هذه الفكرة، إنقاذ الميتافيزيقا. والمصيبة انه في محاولته إنقاذ الميتافيزيقا أنقذ ميتافيزيقاه هو، بما أنه أنقذ تلك التي تزعم أنها فكر كلّ فكر آخر، باعتباره بمثابة لحظات تطوّر كوني اكتشف هيجل وِحدته. أعتقد إذن أنه لا يجب أن نتمسّك بالأنساق. بالتأكيد لكل مناهج الفهم التي استعرضناها، حقيقة معيّنة، ومما لا جدال فيه أنه يجب، كما الشأن في الرياضيات، فهم ما يريد الفيلسوف قوله؛ ولا يمكن، باللجوء إلى علم النفس إنكار ضرورة محاولة النظر في كيفية إيجاد الفكر الفردي والعيني للفيلسوف هذه الحقيقة أو تلك، أو، إن جاز القول، قد طُبع ببصمته هذا المبحث أو ذلك. وبالمثل، يوجد فهم تاريخي للفيلسوف، إذ أنه من البديهي أن الفيلسوف ليس فكرا خالصا، ومن الواضح أن فيه عناصر هي بالفعل، خاضعة للتاريخ، مرتبطة بالطبقة الاجتماعية، الخ. إنّ الفيلسوف إنسان. ومّما لا جدال فيه أيضا أنه يجب فهم النسق. لكنني أعتقد أنه بالذات في اللحظة التي نفهم فيها النسق، يجب أيضا فهم أن النسق، وبخلاف بنيته المنطقية بالضرورة، المعطاة والمتناسقة، هو أيضا من نوع الموضوع، ومن نوع علمي، وأن النسق، إن جاز القول، هو ما به، استسلم الفيلسوف، وقد فارق، كما سأحاول بيان في القسم الأخير من هذه الحديث، هذا العالم، قد استسلم للحنين إلى عالم آخر، لحنين عالم، وأنه، بعدما أظهر لنا أنّ هذا العالم ليس الكائن، يقدّم لنا عالما آخر، خياليا هو ذاك، لكن ليس له سمة الموضوع، أو عالم موضوعات. أعتقد إذن أنه، إذا ما أردنا حقّا فهم الفيلسوف، وإذا ما أردنا فهم هذه الصلة الحميميّة حقا بين حقيقة كونية وذاتيةِ شخصيّة، فعلينا البحث عن هذا الفهم، لا في مستوى النسق، بل في التمشيّ، أو التمشّيات التي تولّد منها النسق. أي أنه يجب الاستعاضة عن كونية موضوع بكونية تمشّ، هذا التمشّي الذي ليس هو موضوعيا، ولا بسيكولوجيا، بل راسخ في حركة معيّنة للذات نحو الكائن: ذلك هو التمشي الفلسفي تحديدا، في معنى مميّز لكلمة فلسفي بما هو كل ما ليس ميتافيزيقي: علم وشعر، الخ. كنت دائما مندهشا للغاية من أنّنا نجد، لدى نفس الفيلسوف، وتحت موضوعات مختلفة في ظاهرها، والتي لم يتصوّر الكاتب ذاته ربطها منطقيا، نجد تمشيا متماثلا تماما. سأضرب مثلا غالبا ما سُقته؛ لكني لا أعرف أفضل منه. إنه مثال الأطروحة المعروفة لخلق الحقائق الأبدية لديكارت. تعرفون أن هذه الأطروحة التي صيغت لأول مرة عام، 1630 يقرّ فيها ديكارت بأن الإله قد وضع الحقائق الأبدية بمطلق الحرية، أي أن الحقائق التي تبدو لنا منطقية، رياضية وعلمية، ليست بالمرّة حقائق ضرورية على صعيد أنطولوجي تحديدا. كان بإمكان الإله أن يصنعها بخلاف ما هي عليه. لقد تجاوز ديكارت بمثل هذا التمشّي، بما لا جدال فيه كل موضوع، وحتى العلم الذي بناه، نحو الكائن الذي يعتقد أنه الأصل في هذا العلم وهذا العالم. بيد انه، لو اعتبرنا الشكّ، الذي استأنفه ديكارت سنة 1641، واعتبرنا " الأنا أفكّر"، وكثيرا من المباحث الأخرى أيضا، أفليس التمشي الثابت الذي تأسست عليه هذه المباحث، هو التجاوز الأبدي لما هو نهائي نحو ما هو لانهائي، ويتضمن سبب وجود النهائي، وسبب وجوده بالمعنى القويّ، وبمعنى فعل ؟ أريد أن أقول بهذا من أنّ الإله ليس المبرر المنطقي للعالم، لكنه من يصنع العالم، ومن هنا نرى بالنتيجة أن ّ العالم مثله ليس كائنا كاملا. إنّ الشكّ الذي يتجاوز الحقائق الرياضية، والفيزيائية يستعيد هذا الحدْس. فـ"الأنا أفكّر" ذاته، هو كما يقول ديكارت، فكرة الإله، بما أنه في التأمّل الثالث، كتب ديكارت بأنه ليس من الضروري أن يجعل الإله، وقد وضع علامته في هذا الأثر، هذه العلامة مختلفة عن هذا الأثر ذاته.على نحو يكون فيه " الأنا أفكّر" أيضا تجاوزا للنهائي نحو اللانهائيّ، وهو ما لأجله يظهر أوّلا كشكّ، وما يبدو بعد ذلك ككوجيتو. إنّ هذه المباحث، التي لم يصل ديكارت بينها (إذ لا يتكلّم ديكارت بالتحديد، لا في " التأملات"، ولا في القسم الأول من "مبادئ الفلسفة "، عن صنع الحقائق الأبدية؛ ولا يمكننا القول انه يربط نسقيّا (في نسق) بين هذا المبحث والمباحث الأخرى)، ومع ذلك أعتقد أن لهذه المباحث أساس وحيد، إنها تعبّر بعضها البعض عن تمشّ متشابه، عن تمشّ متماثل، تمشيّا أجده علاوة على ذلك هو الأصل في كثير من المباحث لديكارت، مبحث العالم معتبرا بوصفه حكاية، ومبحث الطبيعة معتبرة بوصفها ميكانيكا لها مبرر وجودها خارج ذاتها، ومبحث الحيوانات الآلية، والخلق المستمرّ، الخ. وإذا ما أخذنا الآن كانط بعين الاعتبار، أمكننا أنّ نكتشف جيدا وجود ماهيات مماثلة. على سبيل المثال، منذ محاولته إدماج مفهوم المقادير السالبة في الفلسفة، كان كانط مندهشا من أن الشرّ والألم والمعاناة وفي كلمة المحسوس، وخلافا لما يعتقده ليبنتز أو وولف، لا يمكنها أن تُختزل في مفهوم. توجد هنا تجربة عميقة جدّا، حيويّة بالتحديد، تكشف عن أن المحسوس لا يردّ إلى مفهوم. بيد أننا نجدّ هذه التجربة في " نقد العقل المحض"،حيث سنرى الذات البشرية تنقسم إلى تقبل حسّي، وفهم عفوي يفرض قوانينه من خارجٍ على المحسوس. سنجدها في نقد العقل العملي، في فكرة أن القانون الأخلاقي هو قانون "شيء في ذاته" يُفرض على الذات الحاسّة. سنجده في نقد ملكة الحكم، عندما يبيّن لنا كانط، بالتحديد، أن الحكم الغائي هو حكم تأمّلي، وليس محدِّدا، أي حكما يتّجه، انطلاقا من المُعْطى، نحو مفهوم لا يمكن بلوغه ولا يمكن أن نستنتج منه المحسوس ذاته. وأستطيع مضاعفة الأمثلة. ولكن أعتقد أنه ليس من الضروريّ. نحن نرى كفاية، انه لدى الفيلسوف ذاته، يوجد تجانس في التمشيّ، حتى حيثما لا يوجد نسق منطقي، أي صلةٌ منطقية بين المباحث. لكن يجب أن نذهب أبعد من هذا، وهنا ربّما أمكن لنا لإنقاذ الفيلسوف من هذه العزلة التي وصفناها. وسيسمح لنا هذا السلوك الثابت فعلا، توحيد لا المباحث لنفس الفيلسوف فحسب، بل مباحث أنساق هي في ظاهرها متعارضة. لا شيء قد تمنحونني إياه أكثر اختلافا، لمارلوبرانش أكثر من باسكال، ولهيوم أكثر من كانط. ومع ذلك فالدهشة أمام ما نسمّيه القانون الفيزيائيّ، أي أمام كوننا نكتشف باستمرار في الطبيعة علاقات ثابتة ولا ضرورية، علاقات لا تحكميّة كونية لكن ليس لها سببا مفهوما، موجودا في كلّ شيء. إنّ الحلم العقلاني القديم: السبب أو إن شئنا، المبرّر، قد ضاع حقّا (يفكّر كانط باستمرار في مثال نيوتن الذي أسّس علما قوانينُه هي عبارة عن وقائع معمّمة). ومن دون شكّ سنلتقي بهذا المبحث في أشكال مختلفة جدّا وفي أنساق متعارضة تماما، بما أنّ مالبرانش تحديدا يعلّق على هذه الحقيقة بنظريته عن الأسباب العرضية ومفكرا في الإله سببا وحيدا، ويعلق هيوم على هذه الحقيقة بالدعوة إلى ذات حاسّة، تنزاح من السبب إلى النتيجة بحكم العادة، ويعلّق كانط على هذه الحقيقة بالمقولات. لا شيء مختلف، ومع ذلك فالاعتراف بهذه الاعتباطية للضرورة ذاتها أو الانطباع، هي جوهريةٌ على وجه الإطلاق، أكثر من الموضوع غير الكافي انطولوجيا، ويجد نفسه في هذه السياقات المتنوّعة؛ سواء في فلسفة مالبرانش، الذي يستخلص منها فرصة للسموّ إلى الإله، ويبّن لنا بأنّ هذه الطبيعة، التي نحيا فيها، هي طبيعة دون اتساق، وانّ الإله هو وحده السّبب في كلّ ما يحدث فيها وانّ الطبيعة لدى هيوم التي هي على العكس طبيعوية naturaliste والذي يزعم أنّ سبب وجود العلاقات لا يكمن في الموضوع بل في الذات، وفي ذات تمنح لنفسها الحدْس ذاته. أقدم مثالا آخر أعتذر أيضا عن الرجوع إليه، لكنه من الوضوح بمكان بحيث يستلزم الرجوع إليه، هو أمثولة الكهف لأفلاطون. يلتفت الفيلسوف، أي يتخلّص من الضلال حتى يلتفت إلى الوراء؛ توجد هنا حركة حقيقيّة للالتفات توصف بشكل فيزيائيّ. غير أنّ الشكّ لدى ديكارت، يلفت أيضا الفكر، وينثني به إلى الخلف، ويقول ديكارت، إنه يفصله عن العالم الحسّي وعالم الموضوعات، عن عالًم العلم، ليصرفه صوب "الأنا أفكّر" وصوْبَ الإله. وينعطف الفكر لدى كانط، بما أنه، وبعد البحث عن أساس العلم في الموضوع، يبحث عنه في الذات. وهوسرل أيضا، حتى نأخذ مثالا لفيلسوف حديث، " ينعطف " بالسلوك التلقائي الذي يقصد العالم. يبدو لي بأنّ كل هذه الانعطافات لا تختلف فيما بينها إلاّ حيث تختلف النقاط التي تعطفها.

إذن هؤلاء فلاسفة مختلفون تماما بعضهم عن بعض، إذا ما نظرنا إليهم من جهة أنساقهم، أي من جهة الطريقة التي أوّلوا بها ضربا من البداهة الأساسية. غير أن الطريقة، التي قادتهم إلى هذه البداهة والتي، إذا ما استبدلنا مباحثهم بالمحتوى الحقيقيّ لهذه المباحث، فسيبدو في نقائه، ويجعلهم جميعا في اتفاق. لا أيد أن أقول فعلا، وأعتقد بأنه لا أحد هنا لا يقدر أن يصفني بمثل هذه التبسيطية، بانّ أفلاطون هو ديكارت ولا أنّ ديكارت هو كانط، وكانط هو هوسرل. من البديهي فعلا أنّ كل واحد قد وجد نفسه في صعوبات شخصية، وانه قد وجد نفسه في عوالم مختلفة، وأنّ عالم أفلاطون ليس عالم ديكارت، وأن عالم ديكارت ليس عالم هوسرل. ومن البديهي جدا أن كلٌ منهم كان عليه أن ينثني، حتى لا نقتصر على هذا الانثناء، بطريقة تخصّه هو. لكن يبدو لي واضحا، أيضا، أنّ كل هذه الانثناءات تنطلق من الموضوع، هذا الشرط هو الأفكار بالنسبة إلى أفلاطون، و" الأنا أفكّر" والإله بالنسبة إلى ديكارت، والمقولات بالنسبة إلى كانط. وهذا يفسّر أيضا أمرا لا نعطيه في نظري، حيّزا كافيا: هو إننا نلاحظ باستمرار انه في تاريخ الأفكار، توجد انقلابات فردية، انقلابات غريبة. هكذا لم تكن ريبية هيوم الملحدة سوى امتدادا لمقولة النفس للمنهج الذي أراد باركلي تطبيقه على المادّة، لهدف دفاعي أساسا. لقد أراد باركلي دحض الماديّة، وبالتالي بيان أن الماديون يقرّون باطلا بأولوية المادّة.لأجل ذلك هل توجد طريقة أفضل من بيان أنه لا توجد مادّة البتة؟ سيجد الماديون أنفسهم إذن في حرج. بيّن باركلي إذن انه لم توجد المادّة؛ غير أن الحجج التي برهن بها مماثلة لما طبقه هيوم، مستعيدا المنهج، على النفس، وطبقه على الإله وأصبح بالتالي ملحدا وفق درس باركلي القسّيس.حسنا، إذا كان هذا ممكنا، فذلك لأنّ تمشي باركلي هو متميّز حقا عن نسق باركلي، وهو ما سأبيّنه باعتبار آخر. مَن مِّنا، - وربما قد وُجد، واعتذر منهم في هذه الحالة - من يعتقد حقّا اليوم في نسق باركلي؟ لكن قد نحتفظ بتمشي بلاركلي بوصفه ذا صلوحية وراهنية. لا أريد سوى دليلا. افترضوا أنّ هيلاص Hylasقد عرف اكتشافات العلم الحديث، وانه عرف الذرّة. نرى بوضوح أنّ الحوار بين هيلاص وفيلونس كان سيتضمّن بعض الصفحات زيادة، وانّه سيكون بإمكاننا كتابة هذه الصفحات بيسر. نرى بوضوح أنّ هيلاص، وبعد أن قال بأنّ المادّة قد تكون هذا أو ذاك، يضيف:" ربما كانت المادة الذرّة، الإلكترون والبروتون والنيترون." ونسمع فيلونوس يجيبه:" ولكن ما هو البروتون سوى الفكرة التي لدينا عنه؟". إنّ هذا التمشّي النقدي هو إذن مستقل تماما عن النسق، بما انه سمح لهيوم بالوصول تحديدا إلى نقيض ما كان يريده باركلي، وبما أنه سمح لنا، نحن، بالقيام بنقد لمفهوم المادّة على نحو ما عرفه علم قد عرفه باركلي. هنا يجب أن نذكّر بأننا لا نُولَد فلاسفة، بل نصير كذلك، وأننا نصير فلاسفة بتفاعل ضدّ كلّ معرفة ليست فلسفية. ذلك أنّ الفلسفة لم تكن أبدا معرفة من درجة أولى، إنها معرفة المعرفة، كما قيل؛ وليس لنا رغبة في معرفة ما هي المعرفة إلاّ بوجودنا بعد في وسط معرفة من درجة أولى، لا تبدو كافية تماما. وما يُحيّر فهم مثل هذه المعرفة هو أنّ هذه المعرفة من درجة أولى، بالنسبة إلى أفلاطون، هو الرأي. يقابل أفلاطون إذن الرأي بالعلم. لكن تمشّيه لم يكن مع ذلك، مجرّد طريقة انتقائيّة، كما يمكن أن نتصّوره. والدليل هو أن العلم، وحالما نشأ بوصفه علما، وأنه بالتالي هدّم الرأي، لم تقتل الفلسفة نفسها من أجل ذلك: بل على العكس، اتخذت بالنسبة إلى العلم، سلوكا مماثلا تماما للسلوك الذي اتخذه أفلاطون بالنسبة إلى الرأي. لقد أرادت الفلسفة أن تحدّد للعلم موضعا وتجعل العلم مكانها، وبمثل سقراط الذي يقضّي وقته مع الناس في الاستدلال على أنه لا يعرف ما يعتقد معرفته، وبمثل كانط مثلا، الذي يقرّ بأنّ العلماء لا يعرفون ما يعتقدون معرفته، وأنهم يعرفون العلم ويعرفون العلاقات بين الظواهر، لكنهم لا يعرفون الكائن الذي قد يخلطونه دائما بالموضوع. لأجل ذلك، أعتقد أنه من الضروريّ، لفهم فيلسوف، وهذا ما أودّ أن أنهي به هذه الملاحظات، والتساؤل أوّلا كيف أصبح الفيلسوف فيلسوفا؟ نادرا ما نطرح هذا السؤال، ونفضّل تناول الفيلسوف على صعيد النسق. يبدو لي من المفيد إذن أن نعود أيضا على مفهوم التمشيّ أو المنهج. نقف على المستوى لأنه لنا دوما خشية من الوقوع على نحو ما في ضرب من القصّة الفلسفية أو البسيكولوجية. أعتقد أنّي بيّنت بما فيه الكفاية أنه لن ننزلق أبدا في نزعة بسيكولوجية باستخدام المنهج الذي أنصح به. وأعتقد أيضا أنه، إذا ما أردنا تجنّب فلسفة التاريخ، فيجب أن نكون أيضا مؤرخين أكثر من فلاسفة التاريخ؛ يجب أن نشتغل بالتاريخ الفردي لكلّ فيلسوف. لقد قلنا هذا منذ قليل، فديكارت لم يخش كتابة تاريخ فكره. ولا يجب أن نكون أكثر خجلا منه. بيد أن ديكارت يتعارض، كما تعرفون، مع الفلاسفة الجوهرانيين؛ أي مع فلسفات ميّتة، مع فلاسفة دون كائن، بما أنّ الفلسفة هي البحث عن الكائن: من جهة، فلسفة سواريز الذي دُرّس لديكارت من معلّميه والذي لم يكن سوى طوماوية ماهوية. غير أنّ ديكارت بدأ بإدانة السواريزية le suarezisme بالعلم. لكن عام 1630، وضع ديكارت، لحظة اكتشافه نظرية خلق الحقائق الأبدية، في ضوء النهائي المبدع الذي أسسها. وفي النهاية، وضعها، لحظة كتابة التأملات، أو بعدُ مقالة الطريقة، في ضوء " الأنا" الذي يفكّر. وبالمثل فإنّ كانط انطلق من فلسفة وُولف الذي تغذّى هو الآخر من سيوراز. اعتقد أنه سيكون هناك الكثير مما نقوله عن الدور الذي لعبه سيوراز على هذا النحو في الفلسفة. ننطلق دائما من سيوراز لبيان أنه ليس هكذا يجب أن نتفلسف. يعترض كانط على ُوولف بانشغال معين على الكائن، انشغالا حادّا لديه، وعلى أساسه يُنشأ فلسفته الخاصةّ. أعتقد أنه يجب، إذا ما أردنا بلوغ، كما أصرّ على فعله منذ بداية هذا الحديث، حقيقة تكون في الآن نفسه كونية وشخصية، اعتبار تمشي أو نهج الفيلسوف. يمكننا بلوغ الحقيقة المنشودة بقدر ما نستطيع إتباع تاريخ كلّ فيلسوف بطريقة دقيقة. هذه الدراسة ليس لها أي قاسم مشترك مع الطريقة الهيجيلية في تصوّر التاريخ، إذ بعد أن يملك تاريخا، وبعدَ أن يقوم بعَوْدٍ معين في الزمان، يسمو الفيلسوف بتاريخه إلى الماهية. انا على اتفاق مع الرأي الذي يقرّ بأنّ كل فلسفة حقيقية هي تاريخ سَموْنَا به إلى الماهية: لأجل ذلك هي (أي الفلسفة الحقيقية) شخصيةٌ وكونيةٌ في الآن نفسه. أما فيما يخصّ ديكارت، فاستدلالي سيكون سهلا جدّا. يكفي النظر في فقرة من مقالة الطريقة عام 1637، ففي "المقالة" ليس للكوجيتو أيّ منزلة حقيقية فهو في كل مكان وفي أيّ مكان. هو في القسم الرابع من "المقالة" حيث يقول لنا ديكارت:" أنا أفكّر، إذن أنا موجود". يزعم ديكارت إذن أن الكوجيتو هو أساس كل فلسفته، بالرغم من أنه صرّح بعدُ، في الأقسام السابقة من المقالة، بنظريته في الأخلاق والمنطق.

يوجد مع ذلك كوجيتو يسند في الواقع كليةً مقالة الطريقة. لكنه الكوجيتو التاريخي، الكوجيتو الذي يصنع وحدة كل تمشيات أو طرائق ديكارت، بالرغم من كونه، إن أمكن القول، لاواع بذاته، كوجيتو يصنع وحدة كل أقسام المقالة. إنه هذا " الأنا" الذي يقول في الجزء الأوّل:" أنا خرجت من المعهد، واستقبلني مُعلمِّيَ، والذي يقول: هذه أخلاقي وميتافيزيقاي، الخ. لكن يصبح هذا الكوجيتو في "التأمّلات" واع بذاته كلية؛ لأجل ذلك يصبح " الأنا أفكّر" للتأملات هو منبع التوازن لكل ما بَقِيَ. هذا " الأنا أفكّر" يضع في المنظور كلّ الحقائق التي أراد ديكارت إنشاءها، من جهة عالم الموضوعات، الذي يعتبره بوصفه أدنى منه، يمكن له معرفته، والفعل فيه، ومن جهة أخرى، الإله الذي يخضع له، والذي يجعله موجودا. أعتقد أن استدلالا مماثلا يمكن أن نقيمه بالنسبة إلى فلاسفة آخرين، وانه قد يكون دوما من اليسير بيان أن التفلسف، هو أن نسمو بتاريخه الخاص إلى الماهية، على كون " تاريخه الخاص" تعني بالطبع هنا تاريخ فكره، لا تاريخ أهواءه، أو مختلف مغامراته. على هذا النهج إذن يمكننا العثور على ماهية هذا التمشي الذهني أو الطريقة التي نعتقد أنها الفلسفة. قال لنا ديكارت إنه، حتى نفهم تأمله الأوّل، لابدّ لنا من أشهر وأسابيع. ولكن يكون الأمر بديهيا في هذه الحالة لو اختزل التأمّل الأوّل في الحقائق العقلية التي يتضمنها، بما انّه لفهم هذه الحقائق، يكفي نصف ساعة. لكن لابدّ من حياة حتى أصير فيلسوفا، حتى أصير شبيها بالفيلسوف الذي حاولنا وصف دعواه. ذلك أنه حتى نصير شبيهه، يجب أن نكتشف بأنفسنا أنّ كلّ المشكلات ليست مشكلات موضوعية، لكن الإنسان، بتصوره ذاته أولا مشدودا إلى عالم الموضوعات، يصير فيلسوفا، بالعود إلى الشروط الموضوعية ذاتها. نجد هذا النهج لدى أفلاطون كما لدى كانط، أو سبينوزا أو مالبرانش. بالتأكيد أن منهج هؤلاء الفلاسفة يختلف لكن الحركة التي يقومون بها في اتجاه هدفهم متشابهة، ذلك أن الفلاسفة، وهذا هو خاصة ما أردت وضعه، لا يذهبون بالتحديد نحو أيّ عالم. فالآخر الذي يتّجهون إليه ليس عالما. وأعتقد أن كل الأخطاء التي عرضناها تتلخّص فيما يلي: ننتظر دائما أنه بعد التخلص من عالم، سيقدّم لنا الفلاسفة عالما آخر. نحن في هذا ضحيّة فخامة الموضوع وخطأ النسق. إنّ الفلاسفة، بإظهارهم أن العالم لا يتضمّن شروطه الخاصّة، يتّجهون نحو كائن ليس بعالَم. يقول مالبرانش ذلك في "محادثات"، جملة بدت لي دائما أفضل تعريف يمكن أن نقدّمه للفلسفة. يصرّح مالبرانش انه لن يقودنا إلى أرض غريبة بل سيعلمنا أّن نكون غرباء في بلدنا. لاشيء أفضل من هذا يجعلنا ندرك لماذا هو من الصعب فهم الفلاسفة. هو أننّا لا نريد أن نكون غرباء ولا شيء يجعلنا كذلك أكثر من الفلسفة، بما أنها تجعلنا تحديدا نمرّ من -عالم إلى شيء آخر ليس بعالم. لا يهتمّ الناس سوى بكونيةٍ موضوعية، سوى بكونية لاشخصية تسمح بالفعل في الموضوع. ولا يهتمون إلاّ بالكوسمولوجيا. فمن العادي تماما أن يغويهم النسق أيِ، بما يشبه أكثر لدى الفلاسفة أو ما يشبه نسق العالم، مثل العلم. والمصيبة أنه بعد أن يقع الإغواء بالنسق، سرعان ما سخروا منه. فيقابلون الأنساق بعضها ببعض، مثلما فعل فولتير، ويقابلون الميتافيزيقا بوصفها نسقا بالعلم، وهو أعظم الأخطاء، باعتبار أنّ الميتفيزيقا ليست نسقا يمكن أن يوضع على صعيد العلوم ومعارضتها، لكن ما تكشفه لنا هو أنّ الكائن لا يمكن أن يُضَمَّن في أيّ نسق كان. وحتى نستخلص، سأقول إنّ ما يمنعنا من فهم الفلاسفة، هو الجهل من موقعنا بما تعنيه غالبا الفلسفة. لكن أود أن أضيف، أنه لفهم الفلسفة، يجب فهم الفلاسفة. فالفلسفة ليست العلم، وليست نسقا، أو مجموع أنساق بل هي تمشّ أو نهجا، وليس للتمشي من معنى إلاّ لأنّ إنسانا ينفّذه. وهذا لا يعني أنّ هذا التمشي هو تمشّ فردي، ليس له من معنى ولا قيمة إلاّ بالنسبة إلى فرد يحتلّ موقعا في الفضاء والزمان. إنّ التمشي الفلسفي ليس تمش يمكن فهمه بمبررات بسيكولوجية، وليس تمشّ يمكن فهمه بالتاريخ، أو انطلاقا من حالة اجتماعية معينة. إنّ التمشي الفلسفي هو تمشي الفكر ذاته، ولأجل ذلك هو دائما للإعادة مجدّدا: إذ للفكر دوما أن ينقذ نفسه. لا يوجد في الفلسفة تقدم تاريخي ّحقيقيّ، من تقدّم إلى الأمام، كما يوجد في العلوم. ولا يمكننا القول بوجود حقائق جديدة في الفلسفة يجب بلوغها. لكن إذا ما أردنا أن نكون فلاسفة، يجب على كل منّا، بتمشّ مماثل للذي انتهجه الفلاسفة، أن يصير شبيها للفلاسفة. لا يمكننا فهم فيلسوف دون أن أصير أنا بذاتي فيلسوفا، ودون أن نصنع عبر التاريخ وبالرغم عنه، الشبيه للفلاسفة، ودون العثور على هذه الأبدية التي للفلسفة. "

***

..........................

* فارديناند ألكيه " ما معنى فهم فيلسوف؟ّ": درس افتتاحي في الخمسينات نشره مركز التوثيق الجامعي 1956، وأعيد نشره من "المائدة المستديرة" باريس 2005.

مقاربة فلسفية نقدية

لم يعد الرأي العام في صورته المعاصرة ثمرة تفاعل اجتماعي طبيعي داخل فضاء مشترك من النقاش العقلاني، كما تصوّره فلاسفة التنوير أو كما نظّره يورغن هابرماس في تحليله الكلاسيكي للمجال العمومي البرجوازي، بل صار بنية هجينة تتقاطع فيها التقنية بالسياسة، والاقتصاد بالرمز، والخوارزمية بالوجدان الجمعي. إن ما نسمّيه اليوم “الفضاء العمومي الافتراضي” ليس مجرد امتداد رقمي للمجال العمومي التقليدي، بل هو تحوّل أنطولوجي في شروط تشكّل المعنى، وفي آليات إنتاج القناعة، وفي طرائق تداول الحقيقة.

كان المجال العمومي في أصله الحديث، وعدا عقلانيا بتحرير الرأي من سلطة البلاط والكنيسة، وفتح النقاش أمام المواطنين بوصفهم ذواا عاقلة قادرة على البرهنة والمساءلة. وقد لخّص كانط هذا الأفق بقوله الشهير: “استعمل عقلك بشجاعة”. غير أن هذا النداء التنويري، الذي جعل من التواصل العقلاني أساسا للشرعية السياسية، يفترض بنية اجتماعية معيّنة: فضاءً مشتركا، زمنا بطيئا نسبيا للتداول، وفاعلين يتقاسمون حدا أدنى من المعايير المعرفية والأخلاقية.

لكن الانتقال إلى الفضاء الرقمي لم يكن انتقالا محايدا في الوسيط، بل كان انقلابا في منطق التداول ذاته. فالتقنية كما نبّه مارتن هايدغر ليست مجرد أداة، بل نمط في الانكشاف، طريقة مخصوصة في ظهور الموجودات. وما تكشفه الشبكات الرقمية ليس العالم بوصفه مجالا للمعنى، بل بوصفه موردا للانتباه، ومخزونا للبيانات، ومسرحا للتفاعل اللحظي. هنا يتحوّل الرأي من ثمرة تفكير إلى استجابة انفعالية، ومن موقف مؤسس على الحجاج إلى أثر جانبي لسيل متواصل من الصور والعناوين المختزلة.

إن الفضاء العمومي الافتراضي يُعاد تشكيله وفق منطق السرعة والتجزئة والتخصيص الخوارزمي. لم يعد الجميع يرون الشيء نفسه في الوقت نفسه، بل يعيش كل فرد داخل “فقاعة ترشيح” كما يسميها إيلي بارايزر، حيث تُصفّى المعلومات مسبقا وفق تفضيلاته السابقة، فينشأ وعي دائري مغلق على ذاته، يعيد إنتاج قناعاته بدل مساءلتها. وهنا يفقد الرأي العام طابعه التداولي، ليصير مجموع آراء متجاورة لا تتلاقى، وصدىً لميول فردية مُدارة تقنيا.

لقد تنبّه هابرماس نفسه إلى هذا التحوّل حين أشار إلى “تفتت المجال العمومي” في ظل الرأسمالية الإعلامية، غير أن ما نعيشه اليوم يتجاوز مجرد التفتت إلى إعادة هندسة كاملة لشروط التواصل. فالشركات الرقمية الكبرى لا تكتفي باستضافة النقاش، بل تصمّم بنيته العميقة: ما يظهر، ما يُخفى، ما ينتشر، وما يُدفن في قاع الخلاصات الزمنية. الرأي العام هنا لا يتشكّل فقط عبر النقاش، بل عبر المعمار الخفي للمنصات، حيث تُقاس القيمة بعدد النقرات، وتُكافأ الإثارة على حساب التأمل.

وفي سياقنا هذا، يغدو ما حذّر منه غي ديبور في “مجتمع الفرجة” أكثر راهنية من أي وقت مضى: “كل ما كان يُعاش مباشرة صار يُمثَّل”. فالواقع السياسي والاجتماعي يُعاد تقديمه في هيئة مقاطع قصيرة، وصور مُفبركة أحيانا، وشعارات قابلة للمشاركة السريعة. لا يعود المواطن مشاركا في الشأن العام، بل مستهلكا لعرض متواصل من الوقائع المؤدلجة، حيث تختلط الحقيقة بالتمثيل، والخبر بالرأي، والمعرفة بالإحساس اللحظي.

الرأي العام هنا لا يتأسس على العقل العمومي، بل على اقتصاد الانتباه. وقد نبّه برنارد ستيغلر إلى خطورة هذا التحوّل حين اعتبر أن الصناعات الرقمية تستثمر في الغرائز والاندفاعات الأولية، محدثة ما سماه “تفقيرا رمزيا” يقوّض قدرة الأفراد على التفكير الطويل النفس. إن الخوارزمية لا تسأل عن الحقيقة، بل عن التفاعل؛ لا تهتم بالمعنى، بل بالمدة التي يقضيها المستخدم أمام الشاشة. وهكذا يُعاد تشكيل المجال العمومي وفق معيار الربحية، لا وفق مقتضيات المصلحة العامة.

ومن هنا تتبدّى مفارقة عميقة، الفضاء الافتراضي يُقدَّم بوصفه أفقا للديمقراطية المباشرة، لكنه في العمق ينتج أشكالا جديدة من الهيمنة الناعمة. فالحرية الظاهرة في التعبير تخفي تبعية خفية للبنى التقنية التي تضبط إيقاع الظهور والاختفاء. وكما يقول ميشيل فوكو، السلطة الأنجع هي تلك التي لا تُرى، لأنها تُمارَس من داخل الذوات نفسها. المستخدم يعتقد أنه يختار، بينما اختياراته مُهيّأة مسبقا عبر تصميم الواجهة ومسارات التصفّح.

بل إن الرأي العام الافتراضي لا يُصاغ فقط عبر المحتوى، بل عبر البنية الزمنية للتلقي. فالتدفّق المستمر للمعلومات يخلق حالة من التشبّع الإدراكي، تجعل التفكير النقدي مرهقا، وتفضّل الحكم السريع على التأمل البطيء. هنا نستحضر تشخيص حنة آرندت لسطحية الشر، حيث لا ينبع الخطر من نوايا شيطانية، بل من العجز عن التفكير. إن الفضاء الرقمي بما يفرضه من إيقاع محموم، يُنتج نمطا من الوعي الكسول، المستعد لتبنّي السرديات الجاهزة.

ولا يمكن فهم هذا التحوّل دون استحضار البعد الاقتصادي للمنصات. فالرأي العام صار مادة خام في سوق البيانات. كل تفاعل يُحوَّل إلى معلومة، وكل انفعال إلى قيمة قابلة للبيع. وكما تقول شوشانا زوبوف، نحن أمام “رأسمالية المراقبة”، حيث يُستثمر السلوك البشري ذاته باعتباره مصدرا للربح. الرأي هنا لا يُقاس بعمقه أو وجاهته، بل بإمكان استثماره إعلانيا أو سياسيا.

وهكذا ينتقل الرأي العام من كونه تعبيرا عن الإرادة الجمعية إلى كونه نتاجا لعمليات حسابية دقيقة. تُصاغ الميول وتُضخّم المخاوف، وتُوجَّه النقاشات عبر حملات منظمة، غالبا دون وعي المشاركين أنفسهم. لم نعد أمام مواطنين يتجادلون، بل أمام مستخدمين يُحفَّزون، وتيارات عاطفية تُدار عن بعد.

هذا التحوّل يضعنا أمام سؤال فلسفي مركزي، هل ما يزال ممكنا الحديث عن رأي عام بالمعنى الكلاسيكي؟ أم أننا بصدد نمط جديد من “الإجماع الاصطناعي” تُنتجه الخوارزميات؟ إن الرأي كما فهمه أفلاطون، كان دوما عرضة للتلاعب إذا انفصل عن المعرفة. لكن ما نعيشه اليوم هو تضخيم غير مسبوق لهذا الانفصال، حيث تُستبدل الحقيقة بالانتشار والحجة بعدد المشاركات.

ومع ذلك لا ينبغي السقوط في تشاؤم تقني مطلق. فالفضاء الافتراضي يحمل أيضا إمكانات تحررية، كسر احتكار الإعلام التقليدي، إتاحة التعبير للأصوات المهمّشة، خلق شبكات تضامن عابرة للحدود. غير أن هذه الإمكانات تظل مشروطة بوعي نقدي جماعي، وبإعادة مساءلة البنية الأخلاقية والسياسية للتقنية نفسها.

إن السؤال لم يعد كيف نستعمل المنصات، بل كيف تُعيد المنصات تشكيلنا. فكما يقول مارشال ماكلوهان: “الوسيط هو الرسالة”. والوسيط الرقمي لا ينقل الرأي فحسب، بل يعيد تكوين الذات التي تُنتجه. نحن أمام تشكّل أنثروبولوجي جديد، حيث تُختزل التجربة الإنسانية في تفاعلات قابلة للقياس، ويُعاد تعريف المشاركة السياسية بوصفها ضغط زر أو مشاركة منشور.

من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة فلسفية نقدية لا تكتفي بوصف الظاهرة، بل تفكك أسسها المعرفية والأخلاقية. مقاربة تستعيد سؤال الحقيقة في زمن ما بعد الحقيقة، وسؤال الحرية في زمن التتبع الرقمي، وسؤال العقل العمومي في زمن الانفعال الجماعي. فالرأي العام ليس مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هو مرآة لعمق مشروعنا الحضاري.

إن ما يُعاد تشكيله اليوم ليس فقط المجال العمومي، بل معنى المواطنة ذاته. المواطن الرقمي يُدعى إلى التفاعل لا إلى التفكّر، إلى التعبير لا إلى الحِجاج، إلى الاصطفاف لا إلى الحوار. وهنا تكمن المعضلة، كيف نؤسس لرأي عام نقدي داخل فضاء صُمّم أساسًا لتعظيم الاستهلاك الرمزي؟.

هذا السؤال يظل مفتوحا، ويستدعي إعادة التفكير في التربية الإعلامية وفي أخلاقيات التقنية وفي دور الفلسفة بوصفها ممارسة للتيقظ. فكما قال سقراط، الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش. وكذلك الرأي غير المفكَّر فيه لا يستحق أن يُسمّى رأيا عاما.

فالخوارزمية ليست معادلة رياضية بريئة، بل عقل اصطناعي مصغّر يشتغل وفق منطق ترجيحي احتمالي، يقوم على جمع البيانات، تصنيفها، ثم توقّع السلوك المستقبلي. إنها بهذا المعنى، تمارس نوعا من “الاستباق الإدراكي”، حيث يُعاد تشكيل الحاضر بناءً على تنبؤات المستقبل. وهذا ما يجعلها في العمق، جهازا تأويليا يسبق الوعي، ويؤطر التجربة قبل أن تتشكّل في الذات.

لقد نبّه جيل دولوز، في نصه الشهير حول “مجتمعات التحكم”، إلى أن السلطة الحديثة لم تعد تشتغل عبر مؤسسات مغلقة كما في مجتمعات الانضباط التي وصفها فوكو، بل عبر تدفقات مفتوحة من المعلومات، حيث يُضبط السلوك بشكل مستمر ودقيق. والخوارزمية هي التجسيد الأوضح لهذا الانتقال: سلطة بلا مركز، توجيه بلا أمر مباشر، تطبيع بلا عنف ظاهر.

يتحوّل الرأي العام إلى متغيّر داخل منظومة حسابية. فبدل أن يكون حصيلة نقاش اجتماعي، يصبح ناتجا لعمليات تحسين مستمرة تهدف إلى تعظيم التفاعل. وما يُكافَأ ليس الصدق ولا العمق، بل القدرة على إثارة الانتباه. وهنا يحدث انقلاب قيمي خطير: تُستبدل الحقيقة بالانتشار، والحُجّة بالضجيج، والمعنى بالأثر اللحظي.

إن ما يُسمّى اليوم “ما بعد الحقيقة” ليس مجرد أزمة أخلاقية، بل هو نتيجة بنيوية لطريقة اشتغال الفضاء الرقمي. فحين تُقاس قيمة الخطاب بعدد المشاركات، وحين تُقدَّم الأخبار وفق قابلية الاستهلاك لا وفق معيار الصدقية، يصبح الكذب منافسا قويا للحقيقة، بل قد يتفوّق عليها إذا كان أكثر إثارة. وكما قال نيتشه: “ليست الوقائع ما يحرّك البشر، بل تأويلاتها”.

غير أن الجديد اليوم هو أن هذه التأويلات لم تعد تتشكل أساسا داخل المجال الثقافي، بل داخل مختبرات البيانات. فالرأي العام يُدار عبر هندسة المشاعر الجماعية: تضخيم الخوف، استثارة الغضب، تغذية الإحساس بالتهديد. وقد أظهرت تجارب عديدة كيف يمكن لتعديلات طفيفة في خوارزميات العرض أن تغيّر المزاج السياسي لملايين المستخدمين.

وهنا تبرز مفارقة عميقة: نحن نعيش في زمن فائض المعلومات، لكننا نعاني من فقر في المعنى. فالتدفّق المستمر للأخبار لا ينتج معرفة، بل إرهاقا إدراكيا. وكما يقول باومان، نحن في حداثة سائلة، حيث كل شيء سريع الزوال، بما في ذلك القناعات. الرأي العام يصبح هشا، متقلبا، قابلا للتوجيه السريع.

هذا الوضع يضع الديمقراطية نفسها موضع مساءلة. فالديمقراطية في جوهرها، تفترض مواطنا قادرا على الحكم، على التمييز، على اتخاذ موقف مستنير. لكن كيف يمكن لهذا المواطن أن يتشكّل داخل فضاء يُغرقه في الإثارة ويحرمه من المسافة النقدية؟ كيف يمكن للعقل العمومي أن يقوم بوظيفته التداولية في بيئة تُكافئ الانفعال وتُعاقب البطء؟.

لقد حذّر ألكسيس دو توكفيل منذ القرن التاسع عشر من خطر “استبداد الأغلبية”، لكن ما نواجهه اليوم هو شكل أدق: استبداد الخوارزمية، حيث لا تحكم أغلبية واعية، بل أنماط سلوكية مُستخرجة من البيانات. إنها ديمقراطية مُفرغة من مضمونها التداولي، تتحوّل فيها المشاركة السياسية إلى نشاط رقمي سريع، أقرب إلى الاستهلاك منه إلى المواطنة.

بل إن مفهوم “الإرادة العامة” نفسه كما صاغه روسو، يصبح إشكاليا في هذا السياق. فكيف نتحدث عن إرادة عامة حين يُجزّأ الجمهور إلى جماعات دقيقة الاستهداف، وحين يُخاطَب كل فرد بخطاب مختلف؟ إن ما يتشكّل ليس رأيا عاما موحّدا، بل فسيفساء من الانطباعات الخاصة، تُدار مركزيا دون أن تلتقي أفقياً.

ومن هنا نفهم لماذا تصبح الشعبوية الرقمية ممكنة إلى هذا الحد. فالشعبوية لا تحتاج إلى برنامج متماسك، بل إلى سردية بسيطة، قابلة للتكرار، تُشبع الحاجة إلى اليقين في عالم مضطرب. والمنصات الرقمية بطبيعتها التبسيطية، توفّر البيئة المثالية لهذا النمط من الخطاب. وكما يقول أومبرتو إيكو، الفاشية تبدأ حين يُختزل الفكر في شعارات.

لكن النقد الفلسفي لا يكتمل دون مساءلة الذات أيضا. فالفضاء الافتراضي لا يُفرض علينا من الخارج فقط، بل يجد قابلية داخلية فينا: رغبتنا في الاعتراف، حاجتنا إلى الانتماء، ميلنا إلى التأكيد بدل الشك. وهنا يلتقي التحليل التقني بالتحليل الأنثروبولوجي. فالخوارزمية تستثمر في هشاشتنا الوجودية.

لقد كتب سبينوزا أن البشر يعتقدون أنهم أحرار لأنهم واعون بأفعالهم، لكنهم يجهلون أسبابها. وهذا القول يبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى. فنحن نضغط، نشارك، نعلّق، ونظن أننا نمارس حريتنا، بينما تتحرّك خلف الشاشة شبكة معقّدة من المحفزات الخفية.

غير أن الفلسفة بوصفها ممارسة نقدية، تستطيع أن تفتح مسافة داخل هذا الاندماج الكلي. فالمطلوب ليس الانسحاب من الفضاء الرقمي، بل إعادة تملّكه وعيا. المطلوب هو بناء مواطنة رقمية نقدية، قادرة على قراءة ما وراء الواجهة، وعلى مساءلة ما يُقدَّم بوصفه بديهيا.

وهنا تبرز أهمية التربية الفلسفية والإعلامية، لا باعتبارها مهارات تقنية، بل بوصفها تمرينا على الشك، على التفكيك، على مقاومة الاختزال. فكما قال أدورنو، مهمة الفكر هي مقاومة ما يبدو طبيعيا. والرأي العام، إذا أُريد له أن يستعيد بعده التحرري، يحتاج إلى ذوات قادرة على الوقوف ضد التيار.

إن الفضاء العمومي الافتراضي ليس قدرا محتوما، بل هو بنية تاريخية قابلة للمساءلة وإعادة التشكيل. غير أن ذلك يقتضي تحوّلا عميقا في علاقتنا بالتقنية، من الاستهلاك السلبي إلى المشاركة النقدية، ومن الانبهار إلى التفكّر.

لسنا أمام أزمة إعلام فحسب، بل أمام أزمة معنى. فالرأي العام في صورته الرقمية، يكشف هشاشة مشروع الحداثة السياسية حين يُفصل العقل عن الأخلاق، والتقنية عن الحكمة. إن ما يُختبر اليوم هو قدرتنا على صون المجال المشترك من التحوّل إلى سوق للانتباه، وعلى حماية الحقيقة من الذوبان في الضجيج.

ربما كان علينا أن نستعيد سؤال سقراط في قلب الشبكة: ماذا يعني أن نفكّر معا؟ وربما كان علينا أن نعيد قراءة كانط لا بوصفه فيلسوف التنوير فقط، بل بوصفه منظّرا لمسؤولية الحكم. فالرأي ليس مجرد تعبير ذاتي، بل التزام تجاه العالم.

إن إعادة تشكيل الرأي العام لا يجب أن تُترك للخوارزميات وحدها. إنها مهمة ثقافية، تربوية، فلسفية. مهمة تستدعي بناء فضاء رقمي يُكافئ العمق لا الإثارة، الحوار لا الاستقطاب، المعنى لا الأثر اللحظي.

ويبقى السؤال مفتوحا: هل سننجح في تحويل الشبكة إلى مجال عمومي حقيقي، أم سنكتفي بدور المتفرجين داخل مسرح رقمي ضخم؟ إن الجواب لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في نوع الإنسان الذي نريد أن نكونه داخلها.

فكما قال هابرماس: العقلانية التواصلية ليست معطى جاهزا، بل مشروعا دائم البناء. وكذلك الرأي العام ليس واقعا مكتملا، بل أفقا أخلاقيا ومعرفيا، لا يتحقق إلا بقدر ما نُصرّ على التفكير، على الحوار، وعلى مقاومة كل ما يحوّل الإنسان إلى رقم داخل معادلة.

***

د حمزة مولخنيف

شهد الفكر الفلسفي والسياسي المعاصر تحوّلًا جذريًا في فهم طبيعة السلطة وآليات ممارستها، إذ لم تعد السلطة تُختزل في مظاهر القمع المباشر أو في سلطة السيادة التي تتجلى في الحق في القتل أو العقاب، بل غدت أكثر تعقيدًا وتشابكًا، متسللة إلى أدق تفاصيل الحياة الإنسانية. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم السياسة الحيوية  Biopolitique كما صاغه ميشيل فوكو بوصفه أحد المفاهيم المركزية التي أعادت التفكير في العلاقة بين السلطة والحياة، وبين السياسة والجسد، وبين الدولة والفرد.

وتنطلق السياسة الحيوية من تصور جديد للبيولوجيا لا باعتبارها علمًا محايدًا يدرس الكائن الحي، بل باعتبارها مجالًا سياسيًا بامتياز، تُمارَس من خلاله جملة من الإجراءات والتقنيات التنظيمية التي تستهدف حياة السكان في كليتها. فالحياة، وفق هذا المنظور، لم تعد شأنًا خاصًا أو معطًى طبيعيًا فحسب، بل أصبحت موضوعًا للحساب والتدبير والتدخل، ومجالًا للاستثمار السياسي والاقتصادي. وقد عزّز فوكو هذا الطرح من خلال نحته لمفهوم البيوسياسة بوصفه شكلًا حديثًا من أشكال السلطة، يهدف ظاهريًا إلى تحسين الحياة وحمايتها، لكنه في العمق يسعى إلى إدارتها والتحكم في مساراتها.

كما تتجلى السياسة الحيوية في سياسات الدولة الصحية، وفي آليات محاربة الأمراض والأوبئة، وفي الإحصاءات المتعلقة بمعدلات الولادة والوفيات، وفي تنظيم الأمن، وضبط الفضاءات، ومراقبة الأجساد، بل وفي استثمار الجسد الإنساني داخل مخابر البيولوجيا والطب والتكنولوجيا الحيوية، بدعوى تحسينه، وتطوير قدراته، وإزالة العوائق التي تعيق أداءه الوظيفي. وبهذا المعنى، تتحول الحياة ذاتها إلى مشروع سياسي مستمر، يخضع لمنطق التنظيم والتطبيع.

غير أن هذا التوجه، وإن بدا في ظاهره تعبيرًا عن تقدم إنساني واستكمالًا لمشروع فلسفة الحداثة القائم على فكرة التقدم وتحقيق السعادة والرفاه، يطرح في العمق إشكالات أخلاقية وسياسية عميقة. فحين تصبح الحياة موضوعًا للسلطة، وحين يُختزل الجسد الإنساني إلى قوة إنتاجية أو رأسمال حيوي، فإن السؤال لا يعود متعلقًا فقط بحماية الحياة، بل أيضًا بحدود التدخل فيها، وبمن يملك حق تقرير ما يُعدّ حياة سوية أو نافعة أو قابلة للاستثمار.

من هنا يبرز التساؤل حول مستقبل البيواتيقا Bioéthique التي تنادي بحماية الإنسان وكرامته، في ظل هيمنة المنطق الليبرالي والرأسمالي الذي لا يتوقف عن تحقيق الكسب الوفير عبر استثمار الجسد الإنساني، والنظر إليه باعتباره مكسبًا طبيعيًا ورهانًا سياسيًا واقتصاديًا في آن واحد. فهل نحن أمام سلطة تحمي الحياة، أم أمام نمط جديد من الحكم يُخضعها للمراقبة والتطبيع الدائمين؟

وعليه، يسعى هذا البحث إلى مساءلة مفهوم السياسة الحيوية عند ميشيل فوكو، من خلال تحليل آليات اشتغالها، وكشف رهاناتها الفلسفية والسياسية، وبيان التوتر القائم بين خطاب حماية الحياة وممارسات إخضاعها. كما يهدف إلى الإجابة عن الإشكال المركزي التالي: هل تمثل السياسة الحيوية فلسفة لحكم الحياة وتدبيرها عقلانيًا، أم أنها شكل جديد من أشكال الرقابة الشاملة التي تُمارَس باسم الحياة ذاتها؟

"السلطة هي عبارة عن علاقات قوى لا حصر لها " هكذا يعبر ميشيل فوكو عن مفهوم السلطة، الذي لا يشبه المفاهيم الأخرى ذات الطابع القانوني والتقليدي لاغير، انطلاقًا من تصوره لهذا المفهوم "السلطة" بوصفها شبكة من العلاقات المنتشرة في الجسد الاجتماعي، سعى ميشيل فوكو إلى تتبّع آثارها العميقة على الإنسان، مبرزًا كيف تحوّلت من ممارسة قمعية مباشرة إلى تقنيات دقيقة لضبط الأجساد والحياة. ففي كتابه المراقبة والمعاقبة يكشف فوكو عن الانتقال من التعذيب الجسدي العلني، الذي كان يُمارَس باسم سلطة السيادة، إلى أشكال أكثر لطفًا ونجاعة عبر مؤسسة السجن، حيث لا تقوم السلطة على العقاب بقدر ما تقوم على التهيئة والمراقبة والتطبيع، بما يؤدي إلى انضباط السلوكات ذاتيًا. وفي هذا السياق، تم خلال العصر الكلاسيكي اكتشاف الجسد بوصفه موضوعًا وهدفًا للسلطة، جسدًا يُدرَّب ويُطوَّع وتُنمّى قواه ليصبح نافعًا ومطيعًا، سواء داخل المؤسسات العقابية أو ضمن أجهزة الدولة. ومع تطور العلوم والتقنيات، انتقل هذا الاستثمار من مستوى الجسد المنضبط إلى مستوى الحياة البيولوجية ذاتها، ليغدو الاهتمام بالسكان، بالصحة، والولادة، والمرض، والموت، هاجسًا سياسيًا مركزيًا. ويرى فوكو أن هذا التحول له جذور تاريخية عميقة، إذ لم تنفصل الحياة البيولوجية عن المجال السياسي منذ القدم، بفعل الأوبئة والمجاعات والكوارث التي فرضت تدخل السلطة في تنظيم الحياة. غير أن الحداثة كرّست منعطفًا حاسمًا، حيث لم تعد السلطة تتعامل مع رعايا قانونيين يكون الموت أقصى حدود تأثيرها عليهم، بل مع كائنات حية أصبح تأثيرها موجّهًا نحو الحياة نفسها، من خلال إدارة الأجساد والتنظيم الحسابي للسكان. وتكشف العلاقة التاريخية بين السياسة الحيوية والرأسمالية أن هذا التحول يستهدف تحقيق أكبر قدر من المنافع من الجسد والسكان بأقل كلفة سياسية، بحيث أصبحت السياسات الحديثة انشغالات حيوية تهدف إلى الاستثمار الاقتصادي في العنصر الحيوي بوصفه رهانًا استراتيجيًا للحكم.

اذن، تفهم السياسة الحيوية، بوصفها مجموعة من الظواهر والآليات التي تكتسب أهمية بالغة، من حيث إنها تمثل جملة من الميكانيزمات التي غدت من خلالها السمات البيولوجية الأساسية للنوع الإنساني موضوعًا لاستراتيجية سياسية شاملة، أي لاستراتيجية عامة للسلطة. وتعكس هذه السياسة الكيفية التي أخذت بها المجتمعات الغربية الحديثة، منذ القرن الثامن عشر، الحقيقة البيولوجية القائلة بأن الكائنات البشرية ليست مجرد ذوات قانونية أو أفرادًا أخلاقيين، بل هي قبل كل شيء كائنات حية تنتمي إلى نوع إنساني، يمكن تنظيمه، وضبطه، وإدارته وفق منطق علمي وإحصائي يخدم رهانات الحكم.

وتُعرَّف السياسة الحيوية أيضا، بحسب فوكو، بأنها اهتمام السلطة بالإنسان بوصفه كائنًا حيًا، أي ما يشير إلى حدوث نوع من دولنة البيولوجي، أو على الأقل بروز اتجاه عام نحو إدخال الحياة البيولوجية في مجال تدخل الدولة 1. فالدولة الحديثة لم تعد تكتفي بتنظيم الأفراد من منظور قانوني أو سياسي فحسب، بل اتجهت إلى الاهتمام بالبيولوجيا الحياتية والمخبرية، من خلال انخراطها المباشر في حياة الإنسان بوصفه جزءًا من نوع إنساني يعيش في جماعات، يتكاثر، وينمو، ويمرض، ويفنى. وبهذا المعنى، أصبحت الدولة فاعلًا مركزيًا في مراقبة هذه التفاصيل الحيوية الدقيقة، وضبطها عبر آليات إحصائية، وصحية، وأمنية، تجعل من الحياة ذاتها مجالًا للمعرفة والتدخل والتنظيم.

يرى ميشيل فوكو أن العمليات المرتبطة بالسياسة الحيوية تتجه أساسًا إلى النوع البشري بوصفه واقعًا بيولوجيًا جماعيًا، وذلك من خلال جملة من الإجراءات التي تمسّ ظواهر أساسية مثل الولادة، والوفاة، والخصوبة، والإنجاب، وهي ظواهر لم تعد تُفهم بمعزل عن الإشكالات الاقتصادية والسياسية التي تتقاطع معها2.  فالدول الحديثة تهتم بهذه العمليات عبر تقنيات دقيقة تستند إلى علوم مثل الإحصاء، والديمغرافيا، والبيولوجيا، بهدف ضبط توزيع السكان، وتنظيم معدلات المواليد والوفيات، وتحقيق معرفة شاملة بالسكان باعتبارهم موردًا استراتيجيًا. ومن خلال هذه المعرفة، تصبح الدولة قادرة على اتخاذ تدابير سياسية مناسبة، سواء في اتجاه تشجيع النمو السكاني حين يُنظر إليه بوصفه عامل قوة، أو في اتجاه الحدّ من الانفجار الديمغرافي حين يُعدّ تهديدًا للتوازن الاقتصادي والاجتماعي، كما هو الحال في بعض السياسات السكانية التي انتهجتها دول مثل الصين. وهكذا تتحول الحياة البيولوجية للسكان إلى مجال للتدخل السياسي المنظم، ضمن منطق تدبير الحياة وحكمها.

اذن يضعنا فوكو أمام مفارقة أساسية: فالسياسة الحيوية تقدم نفسها بوصفها فلسفة لحكم الحياة، تهدف إلى تحسين شروط الوجود الإنساني، والرفع من مستوى الصحة والأمن، لكنها في الوقت ذاته تؤسس لحياة خاضعة للرقابة الدائمة، حيث تُقاس الأجساد، وتُصنَّف، وتُقوَّم وفق معايير النفع، والإنتاج، والنجاعة. فالحياة التي تُدار هي حياة مراقَبة، والحياة التي تُحمى هي في الآن نفسه حياة مُخضَعة لمنطق السلطة والمعرفة.

ولا يقف تحليل فوكو عند حدود الوصف، بل يحمل في طياته بعدًا نقديًا عميقًا، خاصة حين نربط السياسة الحيوية بتطور الرأسمالية الحديثة. فالعلاقة التاريخية بين السياسة الحيوية والرأسمالية تكشف أن الاستثمار في الحياة والجسد لم يكن بريئًا، بل ارتبط بالحاجة إلى تعظيم الإنتاج، وضمان استمرارية القوى العاملة، وتحقيق أكبر قدر من المنافع بأقل كلفة سياسية ممكنة. وهنا يتحول الجسد الإنساني إلى رأسمال حيوي، وتغدو الحياة ذاتها رهانًا اقتصاديًا وسياسيًا في آن واحد.

أمام هذا الواقع، تطرح السياسة الحيوية أسئلة أخلاقية وسياسية ملحّة، تتعلق بحدود تدخل الدولة في الحياة، وبمستقبل الحرية الفردية، وبإمكانات مقاومة هذا النمط من الحكم. فهل يمكن الحديث عن حماية للحياة دون إخضاعها؟ وهل يمكن للإنسان أن يحتفظ بكرامته في ظل تحويله إلى موضوع للقياس والتدبير؟ إن هذه التساؤلات تفتح المجال أمام التفكير في البيوأخلاقيات بأنواعها بوصفها محاولة لمواجهة النزعة الاختزالية التي تختزل الإنسان في بعده البيولوجي والوظيفي.

وعليه، فالسياسة الحيوية عند ميشيل فوكو هي في آن واحد حياة تحت الرقابة وفلسفة لحكم الحياة؛ إنها نمط من الحكم يبرّر تدخله باسم حماية الحياة وتحسينها، لكنه في الوقت نفسه يوسّع من دائرة السيطرة ليشمل أدق تفاصيل الوجود الإنساني. ومن هنا تكمن أهمية الفكر الفوكوي، لا في تقديم حلول جاهزة، بل في إيقاظ الوعي النقدي، ودفعنا إلى مساءلة أنماط السلطة التي تُمارَس علينا باسم الحياة ذاتها.

***

د. إيمان عامر

.........................

1-Michel foucault, il faut défendre la société, éditions- CD-Rom, France, 2012, page 233

  2-Idid, page 236

مقدمة: التفلسف، في ماهيته، ليس مجرد مجموعة من الأفكار المجردة أو النقاشات الفارغة، بل هو رحلة فكرية ديناميكية تتنقل بين مصادر الإلهام القديمة والمطالب الراهنة، محملة بطابع إبداعي يعيد تشكيل الواقع نفسه. هذه الرحلة تبدأ من أعماق التاريخ الفكري، حيث تكون المصادر كالينابيع التي تغذي النهر، فهي تشمل التراث الفلسفي الذي يمتد من حضارات الشرق والغرب، مرورًا بالأسئلة الأساسية التي طرحها الفلاسفة الأوائل عن الوجود والمعرفة والأخلاق. لكن هذه المصادر ليست جامدة؛ إنها تتفاعل مع المطالب الحديثة، تلك الطلبات التي تنبع من السياقات الاجتماعية والعلمية والثقافية المعاصرة، مما يجعل التفلسف عملية حية ومتجددة. في هذه المقاربة الإبداعية، يصبح الفيلسوف ليس مجرد ناقل للأفكار القديمة، بل مبدعًا يربط بين الماضي والحاضر، مستخدمًا الخيال والتحليل ليخلق روابط جديدة تفتح أبوابًا لفهم أعمق للعالم. فماهي مميزات التفلسف كرحلة فكرية؟ وكيف ينطلق من المصادر ويرنو الى تحقيق المطالب؟

كونية رحلة التفلسف

إذا نظرنا إلى طبيعة هذه الرحلة، نجد أنها تبدأ بالغوص في المصادر، التي تمثل الأساس الذي يبنى عليه الفكر. هذه المصادر ليست محصورة في الكتب أو النصوص الفلسفية التقليدية، بل تشمل كل ما يحيط بالإنسان من تجارب وملاحظات، فالطبيعة نفسها مصدر، والتاريخ مصدر، والعلوم مصدر، وحتى اليوميات الشخصية تكون مصدرًا للتأمل. في هذا السياق، يصبح التفلسف استكشافًا للأصول، حيث يسعى الفكر إلى فهم كيف شكلت هذه المصادر الوعي البشري، وكيف يمكن إعادة تفسيرها لتتناسب مع التحديات الجديدة. على سبيل المثال، عندما يواجه الفيلسوف قضية مثل الحرية في عصر الرقمنة، فإنه يعود إلى مصادر مثل أفكار جان جاك روسو حول العقد الاجتماعي، لكنه لا يتوقف عندها؛ بل يربطها بالمطالب الراهنة، مثل حماية الخصوصية في عالم الذكاء الاصطناعي، مما يولد مقاربة إبداعية تجمع بين القديم والحديث في نسيج واحد متماسك. هذه الرحلة الفكرية تتسم بطابعها الديناميكي، إذ إنها ليست خطية بل حلزونية، تعود إلى المصادر لتستلهم منها، ثم تتقدم نحو المطالب لتلبيها، وفي كل دورة تكتسب عمقًا إبداعيًا جديدًا. المطالب هنا ليست مجرد احتياجات عملية، بل هي أسئلة وجودية تنبع من الواقع المتغير، مثل كيفية التعامل مع الأزمات البيئية أو التبعات الأخلاقية للتقدم التكنولوجي. في هذا الإطار، يصبح التفلسف أداة للإبداع، حيث يستخدم الفيلسوف المنطق والخيال معًا ليخلق نماذج فكرية جديدة. فالإبداع هنا ليس اختراعًا من العدم، بل هو إعادة تركيب للمصادر في سياق المطالب، مما يجعل الفلسفة ليست علمًا جامدًا بل فنًا حيًا يتطور مع الزمن. وهكذا، في كل خطوة من هذه الرحلة، يجد الفكر نفسه أمام تحديات تتطلب الابتكار، مثل كيفية دمج المفاهيم الشرقية في الوعي الغربي، أو العكس، ليولد حوارًا ثقافيًا يثري الإنسانية ككل.مع تعمقنا في هذه المقاربة، نلاحظ أن الرحلة الفكرية تتجاوز الحدود الشخصية لتصبح جماعية، إذ إن المصادر ليست ملكًا لفرد واحد بل تراث مشترك، والمطالب تنبع من احتياجات المجتمع. هنا يبرز الطابع الإبداعي في قدرته على تحويل التناقضات إلى فرص، فالفلسفة لا تخشى الصراع بين المصادر القديمة والمطالب الحديثة، بل تستغله لتوليد أفكار جديدة. على سبيل الافتراض، عندما تتعارض المصادر الأرسطية حول الطبيعة مع المطالب البيئية المعاصرة، يمكن للفيلسوف أن يبتكر مقاربة تدمج التلوس (الهدف) الأرسطي مع مفاهيم الاستدامة، مما يخلق فلسفة بيئية إبداعية تعيد تعريف علاقة الإنسان بالكون. هذا الإبداع ليس عشوائيًا؛ إنه مبني على منهجية دقيقة تجمع بين التحليل النقدي والتخيل الإبداعي، حيث يصبح الفكر أداة للتحرر من القيود، مما يجعل الرحلة لا تنتهي بل تستمر في دوائر متوسعة. في سياق هذه الرحلة، يبرز دور اللغة كوسيط إبداعي، إذ إن المصادر غالبًا ما تكون محملة بلغات ومصطلحات قديمة، بينما المطالب تتطلب لغة حديثة ومباشرة. هنا يأتي الإبداع في إعادة صياغة المفاهيم، مما يجعل التفلسف عملية ترجمة فكرية مستمرة. فالفيلسوف يصبح مترجمًا بين العصور، يأخذ من مصادر مثل أفكار كونفوشيوس حول الانسجام الاجتماعي ويطبقها على مطالب العدالة الاجتماعية في عصرنا، مستخدمًا الإبداع ليجعلها ذات صلة. هذا التنقل بين المصادر والمطالب يولد شعورًا بالدهشة الفلسفية، تلك الدهشة التي وصفها الفلاسفة الأوائل كبداية للحكمة، إذ إنها تفتح العقل على إمكانيات جديدة، مما يجعل الرحلة ليست مجرد بحث عن إجابات بل استكشاف لأسئلة أعمق. مع استمرار هذه الرحلة، نجد أنها تتجاوز الحدود المعرفية لتصل إلى البعد الأخلاقي والوجودي، حيث تصبح المصادر أدوات لفهم الذات، والمطالب تحديات لتحقيقها. الإبداع هنا يكمن في القدرة على تحويل النظرية إلى ممارسة، فالتفلسف ليس تأملًا سلبيًا بل عملية نشطة تغير الواقع. على سبيل المثال، في مواجهة المطالب الوجودية مثل البحث عن المعنى في عالم ما بعد الحداثة، يعود الفيلسوف إلى مصادر نيتشه حول إرادة القوة، لكنه يبدع في تطبيقها على السياقات النفسية المعاصرة، مما يولد فلسفة حياة إبداعية تساعد الإنسان على التعامل مع الفراغ. هذا الطابع الإبداعي يجعل الرحلة مفتوحة على المستقبل، إذ إنها لا تنتهي بإجابة نهائية بل تستمر في توليد أسئلة جديدة، مما يعزز من دور الفلسفة كمحرك للتقدم البشري.

خصوصية الإبداع الفلسفي

في سياق الإبداع الفلسفي، يبرز هذا العنصر كقلب نابض يحول التفلسف من مجرد تأمل نظري إلى عملية توليدية تُعيد تشكيل الواقع والفكر معًا. الإبداع هنا ليس مجرد إضافة جمالية أو زخرفة عرضية، بل هو جوهر الرحلة الفكرية نفسها، حيث يجمع بين القدرة على الابتكار والحاجة إلى الربط بين المصادر التاريخية والمطالب المعاصرة. إذا كان التفلسف رحلة، فإن الإبداع هو الوقود الذي يدفعها إلى الأمام، مستلهمًا من التراث ليخلق أفقًا جديدًا، ومستجيبًا للتحديات الراهنة ليولد حلولًا غير متوقعة. هذا الإبداع ليس عفويًا أو عشوائيًا؛ إنه مبني على منهجية دقيقة تجمع بين المنطق التحليلي والخيال الخصب، مما يجعله أداة للتحرر الفكري والثقافي. في هذا التوسع، سنستعرض كيف يتجلى الإبداع الفلسفي في أبعاده المتعددة، من القدرة على إعادة التفسير إلى دورها في مواجهة التناقضات، مرورًا بتأثيرها على الذات والمجتمع، لنكتشف كيف تحول الفلسفة إلى فن حيوي يعيد رسم خرائط الوجود.أولاً، يتجلى الإبداع الفلسفي في قدرته على إعادة تفسير المصادر، حيث لا تكون هذه المصادر مجرد نصوص جامدة بل مواد خام تنتظر التشكيل الإبداعي. الفيلسوف المبدع لا يقرأ المصادر كما هي، بل يعيد صياغتها في سياق جديد، مستخدمًا الخيال ليربط بين عناصر تبدو متباعدة. على سبيل المثال، عندما يعود إلى مصادر أفلاطون حول العالم المثالي، لا يتوقف عند الوصف التقليدي، بل يبدع في تطبيقها على العالم الافتراضي الرقمي، محولاً الأفكار المجردة إلى أدوات لفهم الواقع الافتراضي وتأثيره على الهوية الإنسانية. هذا الإبداع يعتمد على عملية "الهرمينوطيقا الإبداعية"، حيث يصبح التفسير ليس مجرد كشف للمعاني الخفية بل إنشاء معانٍ جديدة تتناسب مع المطالب الراهنة، مثل الحاجة إلى فلسفة تكنولوجية تواجه مخاطر الذكاء الاصطناعي. بهذا، يصبح الإبداع جسرًا بين العصور، يمنح المصادر حياة جديدة ويجعلها ذات صلة، مما يعزز من دور الفلسفة كعلم حي يتطور مع الزمن بدلاً من أن يكون متحفًا للأفكار القديمة.ثانيًا، يبرز الإبداع الفلسفي في مواجهته للتناقضات، حيث يحول الصراعات الفكرية إلى فرص للابتكار. الرحلة الفكرية مليئة بالتناقضات، سواء بين المصادر المتنافسة أو بينها وبين المطالب المتغيرة، وهنا يأتي الإبداع كمحلل يجمع المتضادات في وحدة جديدة. فالفيلسوف لا يرفض التناقض بل يستغله، مستخدمًا الديالكتيك الإبداعي ليولد تركيبًا يتجاوز الطرفين. في هذا السياق، يمكن أن نرى كيف يدمج الإبداع بين المصادر الوجودية، مثل أفكار سارتر حول الحرية المطلقة، والمطالب الأخلاقية المعاصرة في عصر الجماعية، ليخلق فلسفة تؤكد على الحرية الجماعية كشكل من أشكال الإبداع الاجتماعي. هذا النهج يجعل الإبداع أداة للحلول الغير تقليدية، حيث يتجاوز الفكر الحدود المنطقية الصارمة ليستكشف إمكانيات جديدة، مثل دمج المفاهيم الشرقية في الوعي الغربي ليولد فلسفة عابرة للثقافات تتعامل مع قضايا العولمة. إن هذا التحول من التناقض إلى الإبداع ليس مجرد عملية فكرية بل هو تجربة وجودية تعيد بناء الذات، مما يجعل الفلسفة ليست مجرد نقاش بل تحولًا جذريًا.ثالثًا، يمتد الإبداع الفلسفي إلى البعد الشخصي والاجتماعي، حيث يصبح أداة لتحقيق الذات وإعادة تشكيل المجتمع. على المستوى الشخصي، يشجع الإبداع على الرحلة الداخلية، حيث يستخدم الفيلسوف المصادر كمرآة للنفس، ويبدع في تفسيرها ليواجه مطالب الوجود اليومي. هذا الإبداع يولد "الفلسفة الذاتية"، حيث يصبح التأمل عملية إبداعية تؤدي إلى نمو شخصي، كما في تطبيق أفكار نيتشه حول الإنسان الأعلى على الحياة اليومية ليخلق نموذجًا للحياة الإبداعية التي تتجاوز الروتين. أما على المستوى الاجتماعي، فإن الإبداع يحول الفلسفة إلى قوة تغييرية، حيث يربط بين المصادر الاجتماعية، مثل أفكار ماركس حول الاغتراب، والمطالب العدالية المعاصرة، ليبدع نماذج سياسية جديدة تروج للعدالة البيئية أو الرقمية. هنا يصبح الإبداع جماعيًا، يشجع على الحوار والتعاون، مما يجعل الرحلة الفكرية ليست فردية بل مشتركة، تثري المجتمع بأفكار تؤدي إلى تقدم حقيقي.مع تعمقنا في هذا التوسع، نلاحظ أن الإبداع الفلسفي يتجاوز الحدود التقليدية ليصبح متعدد التخصصات، حيث يدمج بين الفلسفة والعلوم والفنون في نسيج إبداعي متكامل. فالفيلسوف المبدع لا يقتصر على النصوص الفلسفية، بل يستلهم من العلوم الطبيعية ليبدع في فلسفة الكون، أو من الفنون ليطور فلسفة الجمال. هذا الدمج يولد مقاربات جديدة، مثل فلسفة العلوم الإبداعية التي تربط بين مصادر نيوتن حول القوانين الطبيعية والمطالب الكوانتية المعاصرة، لتخلق فهمًا إبداعيًا للواقع غير الخطي. كذلك، في مواجهة الأزمات العالمية، يصبح الإبداع أداة للابتكار الأخلاقي، حيث يعيد صياغة المصادر الأخلاقية لتلبية مطالب مثل الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، مما يجعل الفلسفة شريكًا في بناء المستقبل.

خاتمة

 في المجمل ، يمثل الإبداع الفلسفي قمة الرحلة الفكرية، حيث يحول التفلسف من مجرد بحث عن الحقيقة إلى عملية خلق لها. هذا الإبداع ليس نهاية الرحلة بل بدايتها الدائمة، إذ إنه يولد أسئلة جديدة ويفتح أبوابًا غير متوقعة، مما يعزز من دور الفلسفة كقوة حيوية في عالم متغير. من خلال هذا التوسع، ندرك أن الإبداع ليس رفاهية بل ضرورة، يجعل الإنسان مبدعًا في وجوده، مستلهمًا من الماضي ليصنع مستقبلًا أفضل، في رحلة لا تنتهي من الاكتشاف والتحول. في النهاية، يمكن القول إن التفلسف كرحلة فكرية بين المصادر والمطالب هو جوهر الإبداع البشري، إذ إنه يجمع بين الوراثة الفكرية والابتكار الشخصي في نسيج متكامل يثري الروح والعقل. هذه الرحلة ليست سهلة؛ إنها تتطلب شجاعة لمواجهة التناقضات وصبرًا للتنقل بين العصور، لكنها في النهاية تؤدي إلى نمو فكري يعيد تشكيل الإنسان والعالم. من خلال هذه المقاربة الإبداعية، يصبح التفلسف ليس مجرد هواية بل ضرورة وجودية، تذكرنا بأن الفكر الحقيقي هو الذي يربط الماضي بالمستقبل في رحلة لا تنتهي.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في مساءلة المسؤولية الأخلاقية داخل الأنظمة الذكية

يشهد العالم المعاصر انقلابا هادئا في أنماط التفكير والفعل، حيث لم تعد التقنية مجرد أداة في يد الإنسان، بل غدت أفقا كليا يعاد داخله تشكيل الوعي وإعادة توزيع السلطة وصياغة معايير القيمة والمعنى. ففي ظل التسارع الرقمي، تتراجع الحدود التقليدية بين الطبيعي والاصطناعي، وبين القرار الإنساني والحساب الآلي، لتنشأ منطقة رمادية تستعصي على التصنيف الأخلاقي المألوف. ويغدو السؤال الفلسفي اليوم ملحا لا بوصفه ترفا نظريا، بل باعتباره ضرورة حضارية تمس جوهر المسؤولية وحدود الحرية ومصير الذات في زمن الأتمتة الشاملة.

لم يعد القرار في زمن الخوارزميات، فعلاً إنسانيا صرفا، بل أضحى مركبا هجينا تتداخل فيه الإرادة البشرية مع الحساب الآلي، وتتقاطع فيه المقاصد الأخلاقية مع منطق النمذجة الرياضية، بما يجعل سؤال المسؤولية سؤالا مفتوحا على تعددية الفاعلين وتشتت المرجعيات. لقد انتقلنا بتعبير هابرماس من عقل تواصلي يتأسس على الفهم المتبادل، إلى عقل أداتي يتغذّى من الكفاءة والسرعة والتنبؤ، حيث تُختزل الخبرة البشرية في بيانات، وتُختصر الحكمة العملية في خوارزميات تعلّم آلي، ويُعاد تشكيل العالم الاجتماعي وفق منطق الاحتمال لا وفق معيار المعنى.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور تقني، بل تحوّل أنطولوجي في بنية الفعل ذاته. فالقرار المؤتمت لا يشتغل بوصفه أداة في يد الإنسان فحسب، بل بوصفه وسيطا يعيد تعريف العلاقة بين الفاعل والفعل، بين القصد والنتيجة، وبين المسؤولية والسببية. وقد أصاب هانس يوناس حين نبّه منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى أن التقنية الحديثة تفرض أخلاقا جديدة، لأن قدرتها على التأثير تتجاوز أفق التجربة المباشرة، وتستدعي مسؤولية استباقية تجاه المستقبل، وهو ما عبّر عنه بمبدأ المسؤولية القائم على الخوف المشروع من العواقب غير القابلة للعكس.

فالأنظمة الذكية القائمة على التعلم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية، لا تشتغل وفق تعليمات صريحة فحسب، بل تطوّر أنماطا من الاستدلال الإحصائي تجعل قراراتها عصيّة على التفسير. وهنا يظهر ما يسميه الفلاسفة المعاصرون “صندوق السواد الخوارزمي”، حيث تغيب الشفافية، ويضمحل إمكان الإسناد الأخلاقي. فإذا كان كانط قد أسّس الأخلاق على الاستقلال الذاتي للعقل العملي، وعلى قدرة الذات على مساءلة أفعالها وفق مبدأ الكونية، فإن القرار المؤتمت يقوّض هذا الأساس من جذوره، لأن الفاعل لم يعد واحدا، بل شبكة موزعة من المصممين والمبرمجين ومزوّدي البيانات والمستخدمين والأنظمة ذاتها.

لقد بيّن لوك في تحليله للهوية الشخصية أن المسؤولية الأخلاقية تفترض الوعي بالفعل واستمرارية الذات عبر الزمن. غير أن الخوارزمية لا تملك وعيا، ولا ذاكرة أخلاقية، ولا إحساسا بالذنب أو الندم. إنها تشتغل داخل فضاء احتمالي محض، حيث تُختزل القيم إلى أوزان رقمية، وتتحول العدالة إلى دالة تحسين. ومن هنا فإن إسناد المسؤولية إلى النظام الذكي ذاته يبدو ضربا من التخييل الميتافيزيقي، بينما تحميلها للإنسان وحده يغفل البنية التقنية المعقدة التي تشارك في إنتاج القرار.

إننا إزاء ما يمكن تسميته بتفكك مركز الفعل. فالفعل لم يعد صادرا عن ذات متماسكة، بل عن منظومة موزعة. وهذا ما يجعل مقولة أرسطو عن الفعل الإرادي، القائم على العلم والاختيار عاجزة عن استيعاب هذا النمط الجديد من السببية. فالخوارزمية لا تختار بل تُرجّح. ولا تقصد، بل تحسب. ولا تفهم السياق، بل تستخلص أنماطا من كتل بيانات ضخمة غالبا ما تعكس تحيزات المجتمع ذاته.

وقد أظهرت دراسات عديدة أن أنظمة التوظيف المؤتمتة وخوارزميات التنبؤ بالجريمة وأدوات تقييم الجدارة الائتمانية، تعيد إنتاج أشكال خفية من الإقصاء الطبقي والعنصري، لأن البيانات التي تُدرَّب عليها مشبعة بتاريخ طويل من اللامساواة. وهنا يتجلى ما سماه فوكو “الميكروفيزياء الجديدة للسلطة”، حيث لا تعود السيطرة ممارسة فوقية واضحة، بل تتسلل عبر آليات تقنية دقيقة، تتخفى في هيئة موضوعية رياضية.

إن القرار المؤتمت لا يحكم فقط على الأفراد، بل يعيد تشكيل المجال الاجتماعي برمته. فحين تُفوّض الدولة أو السوق عمليات التقييم والتصنيف للخوارزميات، فإنها تنقل السيادة من المجال السياسي إلى المجال التقني، ومن النقاش العمومي إلى المعادلة البرمجية. وقد حذّرت حنة أرندت من هذا الانزلاق حين ربطت الشر الحديث بتفاهته، أي بتحوله إلى إجراءات بيروقراطية تُنفذ دون تفكير أخلاقي. واليوم يتخذ هذا الشر هيئة رقمية، حيث تُرتكب مظالم جسيمة باسم الكفاءة والحياد الحسابي.

وليس من قبيل المصادفة أن يصف برونو لاتور الفاعلية الحديثة بأنها موزعة بين البشر والأشياء، بين الذوات والوسائط. فالخوارزمية ليست مجرد أداة محايدة، بل فاعل مشارك في إنتاج الواقع. إنها بتعبير دونا هاراواي، كيان هجين يقع في المنطقة الرمادية بين الطبيعي والاصطناعي وبين الثقافة والتقنية. ومن هنا فإن أخلاقيات القرار المؤتمت لا يمكن أن تُبنى على نموذج أخلاقي كلاسيكي يفترض ذاتا عاقلة مستقلة، بل تحتاج إلى تصور علائقي للمسؤولية، يعترف بتشابك العوامل البشرية والتقنية.

لقد حاول بعض المنظّرين مثل لوسيان فلوريدي صياغة ما يسميه “أخلاق المعلومات”، حيث تصبح القيمة الأخلاقية مرتبطة بسلامة البيئة المعلوماتية ككل، لا فقط بنيات النية الفردية. وفي السياق ذاته، يدعو مارك كوكيلبرغ إلى أخلاق سياقية، ترى المسؤولية بوصفها شبكة علاقات لا نقطة إسناد واحدة. غير أن هذه المقاربات رغم أهميتها، تصطدم بإكراهات السوق النيوليبرالية التي تدفع نحو تعظيم الربح على حساب العدالة، ونحو تسريع الأتمتة دون بناء أطر مساءلة موازية.

إن ما يحدث اليوم هو انتقال من حكم القانون إلى حكم الخوارزمية، ومن الشرعية الديمقراطية إلى الفعالية التقنية. فبدل أن يُسأل: هل هذا القرار عادل؟ يُسأل: هل هذا النموذج دقيق؟ وبدل أن يُحتكم إلى النقاش العمومي، يُحتكم إلى مؤشرات الأداء. وهذا ما يجعل الإنسان بتعبير هيدغر مهددا بالتحول إلى “مورد قابل للاستهلاك”، داخل نسق تقني كلي يختزل الكينونة في قابلية الحساب.

ولئن كان ديكارت قد أسّس الحداثة على يقين الذات المفكرة، فإن عصر الذكاء الاصطناعي يؤسس ذاته على يقين البيانات. غير أن البيانات لا تقول الحقيقة، بل تعكس أنماطا تاريخية، وتُضخّم انحيازات كامنة. ومن هنا فإن الوثوق الأعمى بالقرار المؤتمت هو شكل جديد من السذاجة المعرفية، يُلبس الهيمنة لباس الموضوعية.

إن السؤال الجوهري ليس هل تستطيع الآلة أن تفكر كما تساءل تورنغ، بل هل نستطيع نحن أن نحافظ على إنسانيتنا داخل منظومات تفكّر نيابة عنا. فالمسؤولية الأخلاقية ليست مجرد إسناد قانوني، بل ممارسة وجودية تتطلب وعيا بالعواقب، وقدرة على النقد واستعدادا لتحمل الخطأ. وهذه كلها خصائص لا يمكن برمجتها.

إننا نعيش لحظة مفصلية تستدعي إعادة تأسيس الأخلاق على قاعدة جديدة، تأخذ بعين الاعتبار الطابع الشبكي للفعل، والطابع البنيوي للظلم، والطابع التنبؤي للتقنية. ولعل ما نحتاجه اليوم هو ما يسميه بول ريكور “أخلاق الاعتراف”، حيث يُعاد الاعتبار لهشاشة الإنسان، ولضرورة إبقاء القرار في أفق المعنى لا في منطق الحساب وحده.

إن تحميل المسؤولية لمصمم الخوارزمية وحده يغفل السياق المؤسسي الذي يفرض عليه معايير الأداء والربحية، كما أن إسنادها لمزود البيانات يتجاهل منطق السوق الذي يحكم تداول المعطيات، بينما تحميلها للمستخدم النهائي يختزل منظومة معقدة في حلقة ضعيفة. أما مساءلة النظام الذكي ذاته، فهي تظل مجازا لغويا، لأن الآلة لا تتمتع بالشخصية القانونية ولا بالأهلية الأخلاقية. وهكذا نجد أنفسنا أمام ما يسميه بعض المنظرين “فراغ المسؤولية”، حيث تتبدد المحاسبة داخل شبكة من الفاعلين غير المتكافئين.

لقد نبّه غونتر أندرس إلى هذا الوضع حين تحدث عن “فجوة البروميثيوس”، أي الهوة بين قدرتنا التقنية على الفعل، وقدرتنا الأخلاقية على استيعاب نتائجه. فالإنسان ينتج آثارا تفوق مخيلته، ويتسبب في أضرار لا يستطيع تمثلها، وهو ما يجعل المسؤولية تتآكل أمام ضخامة النظام. وفي السياق ذاته، يرى أولريش بيك أن الحداثة المتأخرة دخلت طور “مجتمع المخاطر”، حيث تصبح الأخطار مصنّعة، عابرة للحدود، وغير قابلة للإسناد البسيط.

إن الأنظمة الذكية بما تمتلكه من قدرة على التنبؤ والتصنيف والتأثير السلوكي، تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى هذا المشهد. فهي لا تكتفي بوصف الواقع، بل تشارك في صنعه. خوارزميات التوصية تعيد تشكيل الذوق العام، وأنظمة التقييم تؤثر في فرص الحياة، وأدوات التنبؤ ترسم خرائط الجريمة قبل وقوعها. وهنا يتحقق ما حذر منه بيير بورديو حين تحدث عن العنف الرمزي، أي ذلك الشكل الخفي من الهيمنة الذي يُمارس باسم الموضوعية.

لقد حاولت بعض التشريعات الحديثة إدخال مفاهيم مثل “الحق في التفسير” و”الشفافية الخوارزمية”، غير أن هذه المبادرات تصطدم بواقع تقني يجعل التفسير ذاته إشكاليا. فالنماذج العميقة لا تعمل وفق قواعد قابلة للترجمة السهلة إلى لغة بشرية، بل وفق طبقات من الترجيحات الاحتمالية. وحتى حين يُقدَّم تفسير، فإنه غالبا ما يكون تبسيطا لاحقا لا يعكس فعليا آلية القرار. وهنا يظهر التوتر بين مطلب الشفافية ومتطلبات الأداء، بين قابلية الفهم وفعالية التنبؤ.

إن هذا الوضع يعيد إلى الواجهة سؤال الحقيقة في العصر الرقمي. فالحقيقة لم تعد تُستخرج من الوقائع، بل تُستنتج من الأنماط. وهذا ما يجعل المعرفة رهينة للبيانات، والبيانات رهينة للسلطة الاقتصادية. وقد أصاب ليوتار حين وصف وضع ما بعد الحداثة بانهيار السرديات الكبرى وصعود معيار النجاعة. غير أن ما نعيشه اليوم يتجاوز ذلك إلى هيمنة خوارزمية تُعيد تنظيم المعرفة وفق منطق السوق.

إن ادعاء حياد الذكاء الاصطناعي هو أحد أكبر الأوهام المعاصرة. فالخوارزميات تُصمَّم داخل سياقات ثقافية محددة، وتُدرَّب على بيانات مشبعة بتحيزات تاريخية، وتُنشر داخل أنظمة سياسية غير متكافئة. وقد بيّنت كاثي أونيل في نقدها لما تسميه “أسلحة الدمار الرياضي”، كيف تتحول النماذج التنبؤية إلى أدوات لإدامة الفقر والإقصاء، لأنها تعمل في اتجاه واحد: تُراقب الضعفاء، وتُحصّن الأقوياء.

إننا إزاء ما يمكن تسميته بأخلاق اللا تماثل. فالآثار السلبية للقرار المؤتمت تقع غالبا على الفئات الهشة، بينما تجني النخب التقنية والمالية أرباح الأتمتة. وهذا ما يجعل الحديث عن مسؤولية مجردة حديثا مضللا، ما لم يُربط بتحليل علاقات القوة. فكما علّمنا فوكو، لا توجد معرفة بريئة ولا تقنية خارج السلطة.

من هنا تبرز الحاجة إلى تصور جديد للمسؤولية، لا يقوم على الفردانية القانونية، بل على تعددية المستويات. مسؤولية المصمم الذي يختار المعمارية الخوارزمية، ومسؤولية المؤسسة التي تحدد أهداف النموذج، ومسؤولية الدولة التي تسمح بنشره دون ضوابط كافية، ومسؤولية المجتمع الذي يقبل بمنطق الأتمتة دون مساءلة. إنها مسؤولية موزعة، لكنها غير متساوية، وتتطلب آليات محاسبة تتجاوز النموذج القضائي التقليدي نحو أشكال من الرقابة الديمقراطية.

لقد دعا يورغن هابرماس إلى إعادة الاعتبار للفضاء العمومي بوصفه مجالا للنقاش العقلاني. وفي سياق الذكاء الاصطناعي يصبح هذا النداء أكثر إلحاحا. فالقرارات الخوارزمية التي تمس التعليم والصحة والعمل والأمن لا يمكن أن تُترك للخبراء وحدهم. إنها قضايا وجودية تتطلب مشاركة مجتمعية واسعة. غير أن هذا يفترض مستوى من الثقافة الرقمية لا يزال غائبا، كما يفترض شفافية مؤسساتية تصطدم بمصالح الشركات العملاقة.

إن ما نحتاجه ليس فقط أخلاقيات للذكاء الاصطناعي، بل سياسة للذكاء الاصطناعي. سياسة تعيد توزيع السلطة المعرفية، وتفرض معايير للمساءلة، وتربط الابتكار بالعدالة. ولعل تجربة “الأخلاقيات المدمجة في التصميم” تمثل خطوة في هذا الاتجاه، لكنها تظل محدودة ما لم تُدعَم بإرادة سياسية.

على المستوى الفلسفي، يفرض القرار المؤتمت إعادة التفكير في مفهوم الفاعلية ذاته. فالفاعلية لم تعد خاصية ذاتية، بل خاصية شبكية. وهذا يستدعي الانتقال من أخلاق النية إلى أخلاق الأثر، ومن فلسفة الذات إلى فلسفة العلاقة. وقد يكون إيمانويل ليفيناس معينا هنا، حين جعل المسؤولية سابقة على الحرية، وربط الأخلاق بنداء الآخر. فالوجه الإنساني الذي قد يُمحى خلف واجهة رقمية يجب أن يعود إلى مركز التفكير.

كما أن بول ريكور في حديثه عن الذات بوصفها “قادرة ومسؤولة”، يفتح أفقا لفهم المسؤولية لا كتحميل للذنب فقط، بل كقدرة على الوعد، وعلى إصلاح الخطأ. وهذا البعد الغائب تماما في الأنظمة الذكية. فالخوارزمية لا تعتذر، ولا تتعلم أخلاقيا من فشلها، بل تعيد الضبط وفق معايير أداء.

إن الخطر الأكبر لا يكمن في أن تحل الآلة محل الإنسان، بل في أن يتكيف الإنسان مع منطق الآلة. أن يقبل بتقليص ذاته إلى مجموعة مؤشرات، وأن يسلّم قراراته لمنظومات لا تفهم المعنى. وهنا يتحقق ما سماه أدورنو “العقل الأداتي”، حيث تتحول الغاية إلى وسيلة، والإنسان إلى مورد.

إن الدفاع عن أخلاقيات القرار المؤتمت هو في العمق دفاع عن إنسانية الإنسان. عن حقه في الخطأ وفي التردد وفي التفكير البطيء. عن حقه في ألا يُختزل إلى ملف بيانات. وهذا يقتضي مقاومة النزعة الاختزالية التي ترى في الذكاء الاصطناعي قدرا لا يُرد، بدل أن تراه اختيارا سياسيا قابلا للنقد.

إن القرار المؤتمت ليس مجرد تطور تقني، بل مرآة تكشف هشاشة مشروع الحداثة ذاته. فهو يعرّي أوهام السيطرة  ويكشف حدود العقل الحسابي، ويفرض علينا إعادة تأسيس الأخلاق على قاعدة جديدة، تعترف بتشابك البشر والآلات، لكنها ترفض التخلي عن مركزية القيمة الإنسانية. إن المسؤولية في عصر الأنظمة الذكية لا يمكن أن تكون فردية فقط ولا تقنية فقط، بل يجب أن تكون كونية الطابع وعلائقية البنية واستباقية الأفق.

ولعل السؤال الأخير الذي ينبغي أن يظل مفتوحا ليس: كيف نجعل الآلة أخلاقية؟ بل: كيف نحول دون أن نصبح نحن لا أخلاقيين باسم الآلة.

***

د. حمزة مولخنيف

 

في المثقف اليوم