عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

بين فن المغالطات وعلم استعمال العقل بشكل سديد، مقاربة برهانية

تمهيد: يشكل التفكير المنطقي أحد أبرز التجليات العقلية في تاريخ الفكر الإنساني، إذ يترجم سعي الإنسان إلى ضبط عملياته الذهنية وتوجيهها نحو الحقيقة أو نحو الإقناع أو نحو البناء المعرفي السليم. وليس هذا التفكير مجرد أداة تقنية محايدة، بل هو مسار تاريخي متشعب يتأرجح بين قطبين متكاملين ومتقابلين في آن واحد: قطب فن المغالطات من جهة، وقطب علم استعمال العقل بشكل سديد من جهة أخرى. ففن المغالطات يعنى بكشف الخداع الفكري وتصنيف أشكال الزيف في الاستدلال، بينما يعنى علم استعمال العقل بشكل سديد ببناء القواعد التي تضمن سلامة الانتقال من المقدمات إلى النتائج. والمقاربة البرهانية التي نعتمدها هنا لا تكتفي بسرد الأحداث التاريخية، بل تسعى إلى إبراز الكيفية التي يتأسس بها كل قطب على براهين عقلية، وكيف يتكامل القطبان في حركة واحدة تؤسس للتفكير المنطقي بوصفه علماً وفناً في آن. كيف يحمي المنطق من الوقوع في المغالطات؟ وهل هو علم استعمال العقل بشكل سديد؟

الأسس المفهومية للتمييز بين فن المغالطات وعلم استعمال العقل

ينطلق التفكير المنطقي من إدراك أساسي مفاده أن العقل قادر على الانتقال من معلوم إلى مجهول، لكن هذا الانتقال ليس مضموناً دائماً. فالعقل قد ينزلق إلى مسارات مضللة، وقد ينجح في بناء استدلالات محكمة. ومن هنا يظهر التمييز الجوهري: فن المغالطات هو الفن الذي يرصد الانزلاقات ويسميها ويصنفها ويكشف آلياتها، أما علم استعمال العقل بشكل سديد فهو العلم الذي يضع القواعد الإيجابية التي تحول دون تلك الانزلاقات وتضمن سلامة البرهان.

فن المغالطات ليس مجرد قائمة سلبية من الأخطاء، بل هو معرفة إيجابية بطبيعة الخطأ نفسه. إنه يبرهن على أن العقل، حين يترك دون ضوابط، ينتج أشكالاً متكررة من الزيف: الخلط بين العرضي والذاتي، أو الانتقال غير المشروع من الجزء إلى الكل، أو الاعتماد على السلطة بدل الحجة، أو إثارة العواطف بدل تقديم الدليل. هذه المعرفة بالمغالطة تفتح الباب أمام العلم الإيجابي، لأن معرفة المرض شرط لعلاج الصحة. أما علم استعمال العقل بشكل سديد فيبرهن على إمكان بناء استدلالات ضرورية أو احتمالية محكمة، سواء عبر القياس أو عبر الاستقراء المنضبط أو عبر البناء الفرضي الاستنباطي. البرهان هنا ليس مجرد نتيجة، بل هو مسار يضمن الارتباط الضروري أو الكافي بين المقدمات والنتائج.

هذا التمييز المفهومي ليس تمييزاً انفصالياً مطلقاً. ففن المغالطات يفترض علماً مسبقاً بما ينبغي أن يكون عليه الاستدلال السليم، وعلم الاستعمال السديد يتقوى بكشف المغالطات التي تهدده. والتاريخ يشهد على أن كل تقدم في أحد القطبين يغذي القطب الآخر.

المرحلة التأسيسية في الفكر القديم: من السفسطة إلى البناء البرهاني

في البدايات الإغريقية يظهر التوتر بين القطبين بوضوح. فقد نشأت السفسطة بوصفها فناً بلاغياً يهدف إلى الإقناع بأي وسيلة، بما في ذلك الوسائل المضللة. وكان السفسطائي يتقن تحويل الضعيف إلى قوي وال قوي إلى ضعيف عبر تلاعب باللغة والمفاهيم. هذا الفن كشف مبكراً عن إمكان استعمال العقل في خدمة غير الحقيقة. وردّاً على ذلك برز التفكير الذي يسعى إلى تمييز الاستدلال الزائف من الاستدلال الصحيح.

الخطوة الحاسمة كانت في وضع قواعد صورية تضمن سلامة الانتقال. فقد تأسس علم القياس بوصفه نموذجاً للبرهان الضروري: إذا كانت المقدمات صادقة وكانت الصورة سليمة، وجب أن تكون النتيجة صادقة. هذا البناء البرهاني لم يكن مجرد تقنية، بل كان دليلاً على أن العقل قادر على إنتاج معرفة يقينية حين يلتزم بضوابطه. وفي الوقت نفسه ظهر فن مستقل يعنى بتصنيف المغالطات وكشفها، سواء كانت لغوية أو مادية أو صورية. فالمغالطة الصورية تكشف خللاً في بنية القياس نفسه، والمغالطة المادية تكشف خللاً في مضمون المقدمات، والمغالطة اللغوية تكشف التباساً في الألفاظ. بهذا اكتمل القطب السلبي إلى جانب القطب الإيجابي.

البرهان هنا مزدوج: برهان على إمكان الخطأ المنهجي المتكرر، وبرهان على إمكان الصحة المنهجية الضرورية. والتاريخ يظهر أن هذا التأسيس لم يكن نظرياً صرفاً، بل جاء استجابة لحاجة عملية في الجدل والحوار والبحث عن الحقيقة.

المرحلة الوسيطة: التوسع والتدقيق في الحضارة الإسلامية واللاتينية

انتقل التفكير المنطقي إلى المجال الإسلامي حيث شهد توسعاً وتدقيقاً كبيرين. فقد أُعيد بناء العلم البرهاني على أسس أرسطية مع إضافات جوهرية في التمييز بين أصناف الاستدلال ومراتب اليقين. وأصبح القياس البرهاني أعلى مراتب الاستدلال، يليه الجدلي ثم الخطابي ثم الشعري ثم المغالطي. هذا الترتيب نفسه برهان على تراتبية عقلية: البرهان يهدف إلى اليقين، والمغالطة تهدد هذا اليقين. وفن المغالطات تطور ليصبح علماً مستقلاً يفصل بين أنواع الخداع ويحلل آلياته بدقة، سواء في المغالطات اللفظية أو المعنوية أو في المغالطات التي تعتمد على استغلال المشاعر أو السلطة. في المجال اللاتيني المدرسي استمر هذا المسار مع تركيز شديد على التحليل الصوري والدقة في التعريفات والتقسيمات. وأصبح كشف المغالطات جزءاً أساسياً من التدريب الجدلي في الجامعات، بينما ظل علم البرهان الإطار الأعلى الذي يضمن صحة المعرفة العلمية واللاهوتية. البرهان التاريخي هنا واضح: كلما ازداد تعقيد المعرفة واتساع مجالاتها، ازدادت الحاجة إلى أدوات أدق لتمييز السليم من الزائف. فن المغالطات لم يعد مجرد رد فعل دفاعي، بل أصبح أداة نقدية داخلية تطور العلم نفسه.

المرحلة الحديثة: نقد العقل وإعادة تأسيس البرهان

مع بداية العصر الحديث تحول التركيز من البناء الصوري التقليدي إلى نقد أدوات العقل ذاتها. فقد ظهرت دعوات إلى منهج جديد يضمن استعمال العقل بشكل سديد عبر الشك المنهجي أو عبر البناء الرياضي أو عبر الملاحظة والتجربة المنضبطة. هذا التحول لم يلغِ فن المغالطات، بل أعاد صياغته. فالمغالطات لم تعد تقتصر على أخطاء القياس التقليدي، بل امتدت إلى أخطاء المنهج التجريبي وأخطاء التعميم الاستقرائي وأخطاء الخلط بين عوالم مختلفة من الخطاب. في الوقت نفسه تطور علم استعمال العقل بشكل سديد ليصبح أكثر صورية ودقة مع ظهور المنطق الرياضي والرمزي. أصبح البرهان قابلاً للصياغة في أنساق صورية محكمة، وأصبح التحقق من سلامة الاستدلال عملية شبه آلية في بعض المستويات. لكن هذا التقدم الصوري كشف في الوقت ذاته عن حدود جديدة: حدود الأنساق الصورية، وإمكان وجود قضايا غير قابلة للحسم داخلها، وضرورة التمييز بين الصحة الصورية والصدق المادي. فن المغالطات تطور ليتعامل مع هذه الحدود الجديدة، فظهرت مغالطات تتعلق بسوء استعمال النماذج الصورية أو بالخلط بين المستويات اللغوية أو بإسقاط النتائج الصورية على الواقع دون مسوغ.

البرهان التاريخي في هذه المرحلة مزدوج أيضاً: برهان على أن تقدم العلم البرهاني يولد أشكالاً جديدة من المغالطات، وبرهان على أن كشف هذه المغالطات يدفع إلى تطوير أدوات برهانية أكثر دقة ووعياً بحدودها.

المرحلة المعاصرة: التعقيد والتعدد والانفتاح على مجالات جديدة

في الحقبة المعاصرة اتسع التفكير المنطقي ليشمل مجالات غير تقليدية: المنطق غير الصوري، ومنطق الحجاج، والمنطق الضبابي، والمنطق الحاسوبي، ونظريات القرار العقلي. فن المغالطات أصبح أكثر ثراءً مع ظهور دراسات معمقة في المغالطات الإدراكية والتحيزات المعرفية والمغالطات الإعلامية والسياسية. لم يعد الأمر مقتصراً على أخطاء صورية أو لغوية تقليدية، بل امتد إلى آليات نفسية واجتماعية تؤثر في استعمال العقل. أما علم استعمال العقل بشكل سديد فقد تفرع إلى مسارات متعددة: المسار الصوري الدقيق، والمسار التداولي الذي يراعي السياق والمقاصد، والمسار الاحتمالي الذي يتعامل مع درجات اليقين، والمسار الحجاجي الذي يبحث عن القوة الإقناعية المشروعة. المقاربة البرهانية تكشف هنا عن تكامل جديد: فن المغالطات يوفر أدوات النقد التي تحمي هذه المسارات من الانحراف، وعلم الاستعمال السديد يوفر الإطار الإيجابي الذي يجعل النقد مثمراً لا هداماً.

التكامل البرهاني بين القطبين عبر التاريخ

يظهر من المسار التاريخي أن فن المغالطات وعلم استعمال العقل بشكل سديد ليسا نقيضين، بل هما وجهان لحركة عقلية واحدة. فكل تقدم في بناء القواعد البرهانية يكشف عن إمكانات جديدة للخطأ، وكل تقدم في كشف المغالطات يدفع إلى صياغة قواعد أمتن. البرهان على هذا التكامل يأتي من طبيعة العقل نفسه: العقل قادر على الخطأ لأنه حر ومتحرك، وقادر على التصحيح لأنه قادر على الرجوع على ذاته. هذا التكامل يبرهن أيضاً على أن التفكير المنطقي ليس علماً مكتملاً مرة واحدة وإلى الأبد، بل هو مسار تاريخي مفتوح. كل عصر يعيد صياغة القطبين وفق حاجاته المعرفية والاجتماعية. في العصور التي ساد فيها الجدل الشفهي برز فن المغالطات البلاغية، وفي العصور التي ساد فيها البناء العلمي البرهاني برز التدقيق الصوري، وفي عصر المعلومات والاتصال الجماهيري برزت مغالطات التحيز والإعلام والدعاية إلى جانب أدوات برهانية جديدة للتعامل مع البيانات الضخمة والاستدلال الاحتمالي.

خاتمة

يتبين من هذه المقاربة البرهانية أن تاريخ التفكير المنطقي هو تاريخ التوتر الخلاق بين فن المغالطات وعلم استعمال العقل بشكل سديد. لم يكن أحدهما سابقاً على الآخر بصورة مطلقة، ولا كان أحدهما بديلاً عن الآخر. بل نشأ كل منهما في حضن الحاجة العقلية نفسها: الحاجة إلى تمييز الزائف من الصحيح، وإلى بناء معرفة موثوقة. والبرهان التاريخي يظهر أن هذا التوتر لم ينتهِ عند مرحلة معينة، بل استمر وتجدد مع كل تحول معرفي كبير. وبذلك يصبح التفكير المنطقي ليس مجرد تراث تقني يُحفظ أو يُدرس، بل هو ممارسة حية تتطلب في كل عصر إعادة اكتشاف لفن كشف المغالطات وإعادة تأسيس لعلم الاستعمال السديد. والمقاربة البرهانية تؤكد أن هذه الممارسة ممكنة وضرورية في آن، لأنها تستند إلى قدرة العقل ذاتها على الرجوع على نفسه وتصحيح مساره. تكشف المقاربة البرهانية عن أبعاد تتجاوز التقنية المنطقية. فهي تبرهن أولاً على أن العقل الإنساني تاريخي بطبيعته: قواعده وأخطاؤه تتشكل وتتطور. وتبرهن ثانياً على أن السعي إلى الحقيقة ليس مساراً خطياً صاعداً فقط، بل يتضمن حركة دائمة بين البناء والنقد. وتبرهن ثالثاً على أن استعمال العقل بشكل سديد ليس ضمانة أخلاقية تلقائية، بل يحتاج إلى يقظة مستمرة أمام إمكان الانزلاق إلى المغالطة، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة. كما تبرهن على أن الفصل الحاد بين الفن والعلم في هذا المجال غير ممكن. ففن المغالطات يرتقي إلى مرتبة العلم حين يصبح تصنيفه وتحليله منهجيين، وعلم استعمال العقل يرتقي إلى مرتبة الفن حين يصبح تطبيقه مرناً ومراعياً للسياقات المتنوعة. التاريخ يشهد على هذا التداخل المستمر. ومن هنا يستمد تاريخ التفكير المنطقي قيمته الدائمة: فهو ليس سرداً لما مضى، بل دليل مستمر على إمكان أن يكون استعمال العقل أكثر سديداً كلما ازداد وعياً بإمكاناته وبحدوده وبأشكاله المتجددة من الزيف والصواب. فكيف يحرص المنطق المعاصر على تحليل مغالطات القرن الواحد والعشرين؟ وهل يساعد علم النفس المعرفي على التوقي من الوقثوع في التحيزات؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يقدم سبينوزا لنا فلسفة ليست اكثر او اقل من فلسفة القوة، الحرية والمرح. ديلوز كان من أوائل المفكرين المعاصرين الذين استفادوا من التأثيرات السياسية لفلسفة سبينوزا. تبنّى ديلوز أخلاق سبينوزا الجوهرية بدلا من الاخلاق المتعالية، وهي تحكم الأفعال من خلال تأثيرها على قدرة المرء في الفعل. كان لسبينوزا تأثيرا هاما على الفيلسوف الفرنسي ديلوز. عبر قرائته لسبينوزا، صاغ ديلوز نظرية جديدة للاخلاق ترفض كل من العواطف الحزينة التي تفرض ذاتها من خلال الاخلاق وفلسفة المتعالي التي تدعمها. اخلاق سبينوزا قدمت دليلا للارشاد الذاتي الذي يرفض العقوبة. هذا لأن ديلوز رأى الأفكار تنشأ من طريقة هندسية اعتُمدت في الاخلاق كنظام محايد من الملاحظة والاوصاف للكيفية التي تتحرك بها الاجسام وتتصرف تجاه بعضها البعض.

يعتقد ديلوز ان أهم الإنجازات الاستثنائية لفلسفة سبينوزا هي في تجاوزها (في شكل نقد الاخلاق) الشفرات الأخلاقية للفلسفة التقليدية وفي استبدالها بأخلاقيات او علم الاخلاق ethics لا توجد فيها سلطة أعلى من الحياة (الله، نظام العقل، القانون الإلهي، واجب عالمي). في هذا المعنى، أفعال الانسان تُحكم حصريا من خلال ممارسة الحضور الداخلي. سلوك الانسان يتم تقييمه طبقا لأخلاق تطبيقية تركز على الفهم بدلا من العقوبة.

سبينوزا ينكر التعالي ابستميا وبرجماتيا أيضا، مجادلا ان الطبيعة، في ذاتها، اكثر من كافية لإرشاد الفعل الإنساني – نحن لا نحتاج لتصنيف الأفعال البشرية طبقا لأصناف أخلاقية مجردة. بالنسبة لسبينوزا، الاخلاق يجب ان تكون مستندة الى انطولوجيا السلطة والمقدرة، وان السؤال ليس ما اذا كان الفعل بذاته خيرا ام شرا. السؤال الوحيد هو ما اذا كان يزيد ام يُضعف الحياة، ما اذا كان يوسع نطاق سلطة المرء ويضيف الى سعادته. شيء ما هو سيء اذا كان يُضعف، ويقيد ويحد من قدرات المرء. هذا التمييز بين الاخلاق morality والأخلاقيات ethics سيكون جوهريا لفلسفة ديلوز: الاخلاق هي الحكم من الأعلى، الاخلاقيات هي الحكم من الداخل. الاخلاق تؤسس قوانين عامة صحيحة موضوعيا بصرف النظر عن السياق، بينما الاخلاقيات تدرس تأثير علاقات معينة.

وهكذا، يرث ديلوز استنتاجا محرِّرا من فلسفة سبينوزا: الاخلاقيات هي تجريبية. الناس، كأجسام وعقول مرنة هم دائما يسعون الى تطوير أشكال للوجود ملائمة لازدهار الانسان – أي انها تحقق اقصى قدر من الفرح.

الجسم كموقع للمعرفة

اقتباس آخر شهير اتخذه ديلوز من سبينوزا هو "نحن لا نعرف ماذا يستطيع الجسم ان يعمل". هذا هو التحدي الأكثر قوة لتاريخ الفكر الغربي حيث قاد الفلاسفة من افلاطون الى ديكارت الوعي الى الجوهر الحقيقي لماهية الانسان. الجسم اعتُبر ثانويا، غير موثوق به، فاسدا كمصدر للمعرفة. سبينوزا قلب البناء الهرمي رأسا على عقب.

يرى ديلوز ان سبينوزا جاء ليذيب الفرق. الذهن والجسم صفتان متوازيتان لنفس الجوهر، لا يهيمن أي منهما على الاخر. الذهن الواعي لم تعد له سيادة على حياة الانسان. هو اصبح جزئيا كالجسم . لذلك، فان الجسم يشكل حقلا للقدرات والعلاقات الأساسية، حيث يشعر الانسان بالعواطف، الحاجات، والتحولات بدون معرفة الظروف التي تنتجها. تماما مثل الجسم حين يعبر عن القوى التي تتجاوز النية الواعية، الفكر يجب ان يُفهم في بعده اللاواعي الأساسي. يستمر ديلوز بالجدال ان هذا الفهم، سيتكشف ببطء باتجاه فكرة راديكالية جديدة للوجود الإنساني تستند على العاطفة والشدة والتحول.

هذا الخط من التفكير سيكون هاما للجزء الأكبر من أعمال ديلوز اللاحقة، حيث السؤال ليس ما هو الشيء بالضرورة، وانما ماذا يمكن ان يعمل، ما هي العلاقات التي يمكن ان تدخل فيه، وما هي القوى التي يمكن الحفاظ عليها. لذلك، فان الجسم ليس الشيء السلبي للوعي وانما شبكة نشطة من القوى مرتبطة بالبيئة التي تواجهها. طبقا لذلك، يفترض سبينوزا ان الاخلاقيات هي اخلاق القدرات والتجريب بدلا من الطاعة والامتناع.

الأوهام الثلاثة للوعي

يؤمن سبينوزا ان الذهن البشري لا يمتلك معرفة مباشرة بالحقيقة، وانما هو يدرك فقط آثار الأشياء، بينما يتجاهل أسبابها الحقيقية. الناس واعون برغباتهم وعواطفهم، لكن نادرا ما يكونون واعين بالعلاقات التي ينشأوون من خلالها. يلاحظ ديلوز ان هناك ثلاثة أوهام معينة للوعي:

1- وهم السبب النهائي. الطبيعة يجب ان تكون مخصصة للاستخدام ، او، كما يُعبّر عادة، لأجل الانسان، لأن عالم الطبيعة يُفسر كنظام يستجيب لغايات الانسان.

2- وهم الإرادة الحرة، او فكرة اننا نمتلك، ونعرف، رغباتنا التي تجعلنا نعتقد نحن أناس نختار بحرية.

3- يرى الناس ان مثل هذه المغالطات تُسقط على الله باعتباره حاكما أخلاقيا عظيما يجعل العالم يعمل من خلال النية الواعية والعقوبة. بالنسبة لديلوز، هذه ليست أخطاء فكرية بسيطة، وانما وسائل للهيمنة. عندما يعتقد الناس انهم مذنبون امام سلطة متعالية، هم يخضعون بسهولة للخوف والطاعة والعار.

لهذا فان الاخلاق معتمدة على سوء فهم السببية وليس حول الكيفية التي تؤثر بها الاجسام او التي تعمل بها العلاقات الاجتماعية. الاخلاق تعاقب الافراد طبقا لاصناف مجردة للاثم والمسؤولية. بالنسبة لسبينوزا، الحرية هي معرفة الأسباب التي تقررنا، بالإضافة الى التأثيرات الناتجة بفعل تلك الأسباب. كلما اصبحنا اكثر وعيا بالعلاقات التي تشكل عواطفنا وافكارنا، كلما اصبحنا نستطيع الفعل اكثر. هذا نال اعجاب ديلوز كثيرا، لأنه استبدل الاخلاق بالمعرفة والفهم. او كما يرى ديكارت: بافكار واضحة ومتميزة.

متعة القوة وحزن الاستبداد

ان الفرق بين المرح joy والحزن يوفر انطولوجيا أساسية لاخلاقيات سبينوزا. يجادل سبينوزا ان العواطف ليست مجرد مشاعر خاصة وانما مؤشرات لتغيرات في قدرة الشخص على التصرف. المرح يحدث عندما تزيد اللقاءات من قدرتنا وتسمح لنا لنصبح اكثر نشاطا. الحزن هو نتيجة لفقدان القدرة على الفعل حينما تتضاءل قدراتنا، وعندما تتحلل العلاقات التي تشكل هويتنا. ينظر ديلوز في الاثار السياسية للنظام الميتافيزيقي لسبينوزا. الأنظمة التقليدية للاخلاق تعتمد على انتاج العواطف الحزينة للحفاظ على السلطة. حيث ان الذنب، الخوف، العار، الاستياء، وكراهية الذات هي عواطف جوهرية. العواطف التي تضعف الافراد، هي عواطف تجعلهم مطيعين ويمكن حكمهم. ديلوز يعود باستمرار الى شخصيات المستبد، الكاهن، والعبد. كل الشخصيات الثلاثة مترابطة مع بعضها من خلال العواطف الحزينة. المستبدون يحتاجون الى سكان خائفين، القساوسة يحتاجون ضمائر مذنبة، والافراد المستاؤون يبحثون عن المعنى من خلال ادانة الحياة بدلا من تأكيدها. ديلوز يرى سبينوزا كفيلسوف التأكيد. بدلا من غرس المعاناة باسم الفضيلة، يجب على الشخص الأخلاقي ان يبحث عن لقاءات مبهجة توسع قدراته. ضمن العلاقات المبهجة تدخل الاجسام والاذهان في مركب يقوّي احدهما الاخر. المرح ينقل الافراد أقرب الى النشاط، الابتكار، والحرية. بالمقابل، الحزن يحبس الناس في حالة من السلبية.

المرح عاطفة عميقة ومعقدة، ليس خاليا من الجدية ويختلف عن التفاؤل. انه زيادة في السلطة، تكثيف للوجود. ديلوز أعجب بسبينوزا كفن عملي للحياة بدلا من مؤسسة عقابية. وبذلك، فان الهدف من النظام الأخلاقي يصبح تعلّم كيف تنظّم اللقاءات، العلاقات، وأشكال الحياة التي تعظّم الفعالية المبهجة الى اقصى حد بينما تقلل القوى التي تضعف إمكانية الانسان على الفعل.

علم سلوك العلاقات والقدرات Ethology of relations

يدعو ديلوز الى ايثولوجيا سبينوزية كبديل للاخلاق التقليدية. هذه الايثولوجيا ستركز على الواقع الموضوعي والعاطفي للاجساد اثناء الحركة: القدرات، التجارب، مختلف الإمكانات للتحول الذاتي.

العلاقات المختلفة للتركيب والتحلل التي يمكن ان يدخلا فيها، التحول من الاخلاق الى الايثولوجي، كدراسة للقدرات الجسدية، سوف تغير راديكاليا معنى الاخلاقيات.

الاخلاق التقليدية تحكم الفعل طبقا لإمتثاله لقاعدة عالمية. أخلاقيات سبينوزا تطرح سؤالا يتعلق بقدرة الكائن على الوجود. ماالذي يعزز السلطة ويؤدي الى انخفاض القوة؟ كل فرد هو جسم، شيء ممتد، وذهن، للتفكير. كل جسم له نظام من العلاقات تشكل هويته. كل جسم قادر على التأثير والتأثر. الاخلاقيات او الايثولوجي تصبح علم دراسة هذه العلاقات المتعددة ووصفها. انطولوجيا سبينوزا ليست اقل ثورية من اخلاقياته. الاجسام والاذهان تُفسر كعملية ديناميكية.

هما يدخلان باستمرار في علاقات جديدة، لقاءات، يباشران تحولات، ويطوران او يفقدان قدرات. سبينوزا يقدم مشروعا مضادا للعالمي يتوافق بشكل مذهل مع ما بعد الحداثة. شيء ما يكون مصدر قوة في سياق ما وقد يكون مدمرا في سياق آخر. لهذا فان فكر الأخلاقيات يجب ان يبقى متيقضا تجاه التفرد، الظروف، السياق، والاختلاف.

ديلوز استعمل مفهوم القوة والقدرة في عدة مواقف أخرى في عمله. فكره النقدي يستقصي الأنظمة الاجتماعية التي تنظم الرغبة وتوجّه المشاعر وتشكل إمكانات الوجود والتحول.

***

حاتم حميد محسن

.....................

The collector, July 29,2026

بين ديكارت وسبينوزا وبين لايبنتز وكانط، مقاربة ترمينولوجية

مقدمة: شكل مفهوم الفلسفة في الأزمنة الحديثة أحد أكثر المفاهيم تعرضاً لإعادة البناء الجذري في تاريخ الفكر الغربي. لم يعد الأمر مقتصراً على تعريف تقليدي موروث من التراث اليوناني والوسيط يرى في الفلسفة «محبة الحكمة» أو «العلم بالعلل الأولى»، بل أصبح المفهوم نفسه موضوعاً لتأمل منهجي وترمينولوجي دقيق يهدف إلى تحديد طبيعة النشاط الفلسفي وحدوده ومهمته.  في هذه الدراسة نتبع الاشتغال الترمينولوجي على مفهوم الفلسفة عبر محطتين مركزيتين: الأولى تربط ديكارت بسبينوزا، والثانية تربط لايبنتز بكانط. نركز على كيفية إعادة صياغة المصطلحات الأساسية التي تحدد ماهية الفلسفة: العقل، المنهج، الجوهر، المعرفة، النقد، النسق، والحدود. لا نسعى إلى سرد تاريخي للمذاهب، بل إلى تحليل كيفية اشتغال كل فيلسوف على اللغة المفاهيمية التي تجعل من «الفلسفة» نشاطاً ممكناً ومشروعاً ومتميزاً عن غيره من أشكال المعرفة. كيف اختلف تعريف الفلسفة بين ديكارت وسبينوزا وبين لايبنتز وكانط؟

 القسم الأول من الشك المنهجي إلى النسق الهندسي: ديكارت وسبينوزا

 يبدأ التحول الحديث في مفهوم الفلسفة مع ديكارت بعملية ترمينولوجية حاسمة: تحويل الفلسفة من «علم» موروث إلى «مشروع تأسيس». يستخدم ديكارت مصطلح «الفلسفة» بمعنيين متداخلين: أولاً بوصفها النسق الكلي للمعارف، وثانياً بوصفها المنهج الذي يؤسس هذا النسق. العبارة الشهيرة «أنا أفكر إذن أنا موجود» ليست مجرد قضية ميتافيزيقية، بل هي فعل ترمينولوجي يعيد تعريف نقطة الانطلاق. «الشك» لم يعد موقفاً أخلاقياً أو معرفياً سلبياً كما كان عند الشكاك القدماء، بل أصبح «منهجاً» يمتلك قواعد واضحة وصارمة.  المصطلح المحوري عند ديكارت هو «الفكرة الواضحة والمتميزة». بهذا المصطلح يُعاد تعريف معيار الحقيقة داخل الفلسفة ذاتها. لم تعد الفلسفة تعتمد على سلطة النص أو التقليد أو التجربة الحسية الخام، بل على ما يمكن للعقل أن يراه بوضوح داخلي لا يقبل الشك. هنا يظهر تحول في دلالة «العقل» نفسه: العقل لم يعد مجرد ملكة للبرهنة، بل أصبح مصدراً أولياً للمعايير. الفلسفة عند ديكارت هي إذن «علم المبادئ الأولى» التي تستمد يقينها من طبيعة العقل نفسه لا من موضوع خارجي.  مع سبينوزا يحدث تحول ترمينولوجي أكثر جذرية. يستعير سبينوزا من ديكارت فكرة المنهج الصارم، لكنه يحولها إلى «المنهج الهندسي». مصطلح «الإيتيقا» الذي اختاره عنواناً لكتابه الرئيسي ليس مجرد عنوان لبحث أخلاقي، بل هو إعادة تعريف لما ينبغي أن تكون عليه الفلسفة بأكملها. الفلسفة عند سبينوزا ليست تمهيداً للعلوم الأخرى، ولا هي تأسيس معرفي فحسب، بل هي علم الجوهر الواحد اللامتناهي الذي هو الله أو الطبيعة.  المصطلحات الأساسية عند سبينوزا — الجوهر، الصفة، الحال، العلة الذاتية، الضرورة — تعمل على إلغاء الثنائيات الديكارتية. حيث كان ديكارت يفصل بين الجوهر المفكر والجوهر الممتد، يجعل سبينوزا من هذا الفصل مجرد تمييز في الصفات داخل جوهر واحد. بهذا يصبح مفهوم «الفلسفة» مرادفاً لفهم النظام الضروري للواقع من منظور الأبدية. الفلسفة لم تعد بحثاً عن يقين الذات المفكرة، بل هي صعود معرفي نحو رؤية الأشياء «تحت مظهر الأبدية».  الفرق الترمينولوجي الأساسي بين الاثنين يكمن في دلالة «المنهج». عند ديكارت المنهج هو أداة للاكتشاف والتأسيس، أي أنه يسبق بناء النسق. عند سبينوزا المنهج الهندسي هو شكل العرض نفسه، وهو يعكس بنية الواقع. الفلسفة عند سبينوزا لا «تؤسس» الحقيقة، بل «تعرضها» كما هي في ضرورتها. هذا التحول ينقل مفهوم الفلسفة من أفق الذاتية المؤسسة إلى أفق الأنطولوجيا الضرورية. 

القسم الثاني: من التناغم المسبق إلى النقد الترنسندنتالي: لايبنتز وكانط

مع لايبنتز يدخل مفهوم الفلسفة مرحلة جديدة من التعقيد الترمينولوجي. يستخدم لايبنتز مصطلحات مثل «الموناد»، «التناغم المسبق التأسيس»، «أفضل العوالم الممكنة»، و«مبدأ العلة الكافية» لإعادة صياغة العلاقة بين العقل والواقع. الفلسفة عنده هي علم المبادئ القصوى التي تفسر لماذا يوجد شيء ما بدلاً من لا شيء، ولماذا يوجد هذا الشيء على هذا النحو وليس على نحو آخر.  المصطلح الأكثر دلالة هو «الموناد». بهذا المصطلح يعيد لايبنتز تعريف الوحدة الأساسية للواقع بوصفها وحدة إدراكية ونزوعية في آن معاً. الفلسفة لم تعد مجرد تحليل للجوهر الممتد أو المفكر، بل أصبحت علماً للتعدد اللامتناهي من الوحدات البسيطة التي يعكس كل منها الكون بأكمله من منظوره الخاص. «التناغم المسبق التأسيس» ليس مجرد حل لمشكلة التفاعل بين النفوس والأجسام، بل هو مبدأ ميتافيزيقي يحدد طبيعة النظام الكوني بوصفه نظاماً عقلانياً محكماً.  بهذا المعنى تصبح الفلسفة عند لايبنتز «ثيوديسا» بمعنى واسع: تبريراً عقلانياً لوجود العالم على ما هو عليه. المصطلحات اللايبنتزية تعمل على توسيع نطاق العقلانية إلى أقصى حد ممكن، بحيث لا يبقى هناك مجال للصدفة أو للشر الجذري غير القابل للتفسير. الفلسفة هي إذن علم الإمكانيات والضرورات، علم العوالم الممكنة والمبادئ التي تختار أفضلها.  يأتي كانط ليحدث القطيعة الترمينولوجية الأكثر حسماً في تاريخ الفلسفة الحديثة. يعيد كانط تعريف الفلسفة ذاتها من خلال مصطلح «النقد». الفلسفة النقدية ليست بناءً لنسق ميتافيزيقي جديد، بل هي فحص لشروط إمكان المعرفة والأخلاق والجمال. المصطلحات الأساسية — الترنسندنتالي، القبلي، الظاهرات، الشيء في ذاته، مقولات الفهم، أفكار العقل — تشكل جهازاً مفاهيمياً جديداً بالكامل.  «الترنسندنتالي» عند كانط لا يعني ما يتجاوز التجربة بالمعنى الميتافيزيقي التقليدي، بل يعني ما يتعلق بشروط إمكان التجربة نفسها. بهذا التحول الدلالي يصبح موضوع الفلسفة ليس الأشياء كما هي في ذاتها، بل الطريقة التي يظهر بها الشيء للذات العارفة. الفلسفة لم تعد علماً بالواقع المطلق، بل علماً بحدود العقل البشري وبنيته.  يظهر الفرق الترمينولوجي مع لايبنتز بوضوح في مفهوم «الميتافيزيقا». عند لايبنتز الميتافيزيقا علم ممكن ومشروع يتعامل مع الجواهر البسيطة والمبادئ القصوى. عند كانط الميتافيزيقا التقليدية تقع في «الوهم الترنسندنتالي» لأنها تتجاوز حدود التجربة الممكنة. الفلسفة النقدية هي إذن فلسفة الحدود: تحدد ما يمكن للعقل أن يعرفه وما لا يمكنه أن يعرفه.

 القسم الثالث مصطلح «النقد» عند كانط

 يشكل مصطلح «النقد» (Kritik) عند إيمانويل كانط أحد أكثر المفاهيم مركزية وجذرية في تاريخ الفلسفة الحديثة. لا يدل هذا المصطلح على مجرد موقف سلبي من الآراء السابقة أو على تفنيد مذهبي، بل يشير إلى عملية فحص منهجي وشامل لشروط إمكان المعرفة والأخلاق والحكم الجمالي والغائي. بهذا المعنى، يتحول «النقد» من أداة عارضة إلى جوهر المشروع الفلسفي الكانطي برمته، ويصبح الاسم الذي يطلقه كانط على فلسفته الخاصة: الفلسفة النقدية.

 الدلالة الأصلية والتحول الترمينولوجي

 في الاستعمال اللغوي العادي وفي التراث الفلسفي السابق، كان «النقد» يحمل دلالات متعددة: فحص قيمة العملة، تمييز الجيد من الرديء، أو الاعتراض على رأي ما. أما عند كانط، فيخضع المصطلح لإعادة صياغة جذرية. يصبح النقد عملية «ترنسندنتالية»، أي فحصاً لا يتعلق بالموضوعات نفسها بقدر ما يتعلق بطريقة معرفتنا لهذه الموضوعات وشروط إمكانها القبلية.  النقد عند كانط ليس نقداً لشيء خارج العقل، بل هو نقد للعقل نفسه بواسطة العقل. إنه فعل انعكاسي يضع الملكة العاقلة موضع المساءلة. بهذا يبتعد كانط عن معنيين شائعين: المعنى الدوغمائي الذي يبني ميتافيزيقا دون فحص مسبق لحدود العقل، والمعنى الريبي الذي يشكك في كل معرفة دون أن يحدد بدقة ما يمكن وما لا يمكن معرفته.

 النقد الكانطي يسلك طريقاً ثالثاً: طريق التحديد الذاتي للحدود.  النقد بوصفه علماً لحدود العقل

 في «نقد العقل المحض» يظهر المعنى الأساسي للمصطلح بوضوح. النقد هنا هو «علم حدود العقل المحض». العقل المحض هو العقل من حيث هو مستقل عن التجربة الحسية، أي من حيث قدرته على إنتاج مبادئ قبلية. لكن هذه القدرة ليست مطلقة. لذلك يتعين على النقد أن يجيب عن أسئلة جوهرية: ماذا يمكنني أن أعرف؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ بماذا أستطيع أن آمل؟  الإجابة على السؤال الأول تقتضي تمييزاً حاسماً بين الظاهر (الظاهرة) والشيء في ذاته. النقد يكشف أن معرفتنا النظرية تقتصر على الظواهر، أي على ما يظهر لنا وفقاً لصورتي الحدس الحسي (الزمان والمكان) ومقولات الفهم. أما الشيء في ذاته فيبقى خارج نطاق المعرفة النظرية. بهذا لا يدمر النقد الميتافيزيقا، بل يعيد تحديد مجالها المشروع: المجال العملي والأخلاقي.

 الطبيعة الترنسندنتالية للنقد

المصطلح «ترنسندنتالي» مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمصطلح النقد. النقد الترنسندنتالي لا يبحث في الموضوعات، بل في نمط معرفتنا للموضوعات من حيث هي ممكنة قبلياً. إنه يسأل: كيف تكون الأحكام التركيبية القبلية ممكنة؟ وكيف يمكن للتجربة نفسها أن تكون منتظمة وقابلة للعلم؟  بهذا يصبح النقد مشروعاً مزدوجاً: إيجابياً وسلبياً في آن معاً. الجانب الإيجابي يتمثل في تأسيس المشروعية الموضوعية للعلوم الرياضية والطبيعية على أسس قبلية. الجانب السلبي يتمثل في منع العقل من تجاوز حدود التجربة الممكنة، أي من الوقوع في الأوهام الترنسندنتالية التي أنتجت الميتافيزيقا التقليدية (براهين وجود الله، خلود النفس، بداية العالم...).

 النقد في المجالات الثلاثة

 يمتد مفهوم النقد عند كانط إلى المجالات الثلاثة الكبرى لفلسفته:

  في المجال النظري («نقد العقل المحض»)، يكون النقد فحصاً لشروط إمكان المعرفة الموضوعية وحدودها.

 في المجال العملي («نقد العقل العملي»)، يتحول النقد إلى فحص لملكة العقل من حيث هي مشرِّعة للأخلاق. هنا لا يحدّ النقد من العقل بل يؤكد استقلاله العملي وقدرته على إعطاء القانون الأخلاقي لنفسه (الأمر القطعي).

  في المجال الجمالي والغائي («نقد ملكة الحكم»)، يصبح النقد فحصاً لكيفية حكمنا على الجميل والجليل، وعلى الغائية في الطبيعة، دون أن تتحول هذه الأحكام إلى معرفة نظرية أو إلى أخلاق.  في كل هذه المجالات يبقى النقد هو العملية نفسها: وضع الملكة المعنية أمام محكمة العقل لتحديد مشروعيتها وشروطها وحدودها.

 النقد بوصفه موقفاً فلسفياً عاماً

 يتجاوز مصطلح النقد عند كانط كونه عنواناً لكتب ثلاثة ليصبح موقفاً فلسفياً شاملاً. الفلسفة النقدية هي فلسفة الحدود بامتياز. هي رفض للدوغمائية التي تدعي معرفة مطلقة دون فحص، ورفض للريبية التي تنكر كل معرفة يقينية. وهي في الوقت نفسه تأسيس لحرية العقل في المجال العملي، حيث يصبح الإنسان مشرِّعاً لنفسه.  بهذا المعنى، فإن النقد ليس نهاية للفلسفة بل بدايتها الحقيقية. هو الشرط الذي يجعل أي فلسفة لاحقة ممكنة على أسس آمنة. فبعد أن يحدد النقد ما يمكن للعقل أن يعرفه وما لا يمكنه، وبعد أن يؤسس لاستقلال الإرادة الأخلاقية، يفتح المجال لبناء نسق فلسفي متكامل دون السقوط في الأوهام القديمة.

 يمكن تلخيص دلالة مصطلح «النقد» عند كانط في العناصر التالية: هو فحص ذاتي للعقل بواسطة العقل.

هو تحديد ترنسندنتالي لشروط الإمكان القبلية.

هو رسم لحدود المعرفة النظرية وتوسيع لمجال الحرية العملية.

هو موقف فلسفي يرفض الدوغمائية والريبية معاً.

هو المنهج الذي يجعل من الفلسفة علماً صارماً قادراً على تبرير ذاته.  بهذا الاشتغال الترمينولوجي العميق، يحول كانط كلمة كانت تعني في السابق مجرد فحص أو اعتراض إلى مفهوم مركزي يعيد تعريف ماهية الفلسفة ذاتها في الأزمنة الحديثة. لم تعد الفلسفة بناءً لنسق أنطولوجي أو ميتافيزيقي مباشر، بل أصبحت أولاً وقبل كل شيء نقداً.

خاتمة

إذا نظرنا إلى المحطتين الحديثتين معاً، نلاحظ مساراً عاماً في تحول مفهوم الفلسفة. يبدأ المسار مع ديكارت بتحويل الفلسفة إلى مشروع تأسيس منهجي يرتكز على الذات المفكرة. ينتقل مع سبينوزا إلى فلسفة النسق الضروري الذي يمتص الذاتية داخل الجوهر الواحد. يعود لايبنتز ليوسع العقلانية إلى علم المونادات والتناغم الكوني، ثم يأتي كانط ليضع العقل نفسه موضع المساءلة النقدية.

على المستوى الترمينولوجي، يمكن رصد ثلاث حركات أساسية:

 أولاً، حركة تحويل المصطلحات من الدلالة الأنطولوجية إلى الدلالة المنهجية ثم إلى الدلالة النقدية. «الجوهر» عند ديكارت وسبينوزا مصطلح أنطولوجي أساسي، يتحول عند لايبنتز إلى «الموناد» الذي يجمع بين الأنطولوجيا والإبستمولوجيا، ثم يتراجع عند كانط ليصبح «الشيء في ذاته» الذي لا يمكن معرفته.

 ثانياً، حركة إعادة تحديد دور «العقل». عند ديكارت العقل مصدر اليقين. عند سبينوزا العقل جزء من النظام الضروري. عند لايبنتز العقل مبدأ التناغم الكوني. عند كانط العقل ملكة محدودة تحتاج إلى نقد ذاتي.

ثالثاً، حركة تحويل هدف الفلسفة. عند ديكارت الهدف هو اليقين والتأسيس. عند سبينوزا الهدف هو الفهم والحرية العقلية. عند لايبنتز الهدف هو التبرير العقلاني للنظام القائم. عند كانط الهدف هو تحديد الشروط والحدود.  هذه الحركات ليست مجرد تطور تاريخي، بل هي اشتغالات ترمينولوجية متعاقبة تعيد صياغة ما يعنيه أن نمارس الفلسفة. كل فيلسوف لا يكتفي بتغيير المضامين، بل يغير اللغة المفاهيمية التي تجعل هذه المضامين ممكنة.

هكذا يكشف الاشتغال الترمينولوجي على مفهوم الفلسفة بين ديكارت وسبينوزا من جهة، وبين لايبنتز وكانط من جهة أخرى، عن مسار معقد من التحولات العميقة. لم تعد الفلسفة في الأزمنة الحديثة مجرد بحث عن الحكمة أو عن العلل الأولى بالمعنى التقليدي، بل أصبحت نشاطاً يعيد باستمرار تعريف أدواته ومهمته وحدوده.  من الشك المنهجي إلى النسق الهندسي، ومن التناغم المسبق إلى النقد الترنسندنتالي، تتغير دلالة المصطلحات الأساسية وتتغير معها ماهية النشاط الفلسفي نفسه. هذا التحول الترمينولوجي هو ما يميز الحداثة الفلسفية في جوهرها: الفلسفة لم تعد علماً من العلوم، بل أصبحت العلم الذي يحدد شروط إمكان العلوم الأخرى وحدود العقل البشري.  بهذا المعنى، فإن دراسة مفهوم الفلسفة في هذه الفترة ليست دراسة لمذهب من المذاهب، بل هي دراسة للطريقة التي يعيد بها الفكر الحديث صياغة لغته الخاصة ليتمكن من قول ما يمكن قوله عن ذاته وعن العالم. فماهي دلالة فلسفة توماس هوبز المادية الحديثة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تطرح السيرورات التاريخية والسياسية في دول ما بعد الاستعمار، وتحديداً تلك التي تعرضت لصدمات جيوسياسية واقتصادية مركبة، إشكالية بنيوية معقدة تعبر عن نفسها في ما يمكن تسميته بـ "المعادلة الخطيرة". تتلخص هذه المعادلة في ديناميكية تفكك البنى الإنتاجية والطبقات الوسطى تحت وطأة الحصار الاقتصادي الخانق، ليصعد إلى السطح فئة طفيلية يمكن توصيفها بـ " التحالف الريعي-العنفي" بوصفه فئة طفيلية ؛ وهم أمراء الحرب، ومهربو اقتصاد الظل، وسماسرة الريع، والوكلاء المحليون الذين يقتاتون على الأزمات ويعيدون إنتاج التخلف. في المقابل، يتحول الشعب، الذي كان يمتلك مقومات المواطنة والإنتاج، إلى مجرد "مستهلك" مسلوب الإرادة، يعتمد في بقائه البيولوجي على ما تجود به شبكات الزبائنية أو الإعانات الحكومية. وتكتمل الكارثة التاريخية عندما تنهار الدولة الوطنية ليتم تسليم السلطة، عبر "توصية استعمارية" أو هندسة سياسية من قبل سلطة الاحتلال، إلى ذات الفئة من " التحالف الريعي-العنفي " مما يكرس نموذجاً مشوهاً للدولة. 

الاقتصاد السياسي للحصار والإبادة السوسيولوجية

لا يمكن استيعاب آليات صعود فئة " التحالف الريعي-العنفي" بوصفه فئة طفيلية، دون غوص تحليلي عميق في الأثر التدميري للحصار الاقتصادي الشامل.

أدى هذا الانهيار المروع إلى تحول دراماتيكي في الهيكل الطبقي والاقتصادي. فقد تعرضت الطبقة الوسطى، التي كانت تشكل العمود الفقري للإدارة والتعليم والصحة والمشاريع، لعملية سحق تدريجي وتام. وأصبح الراتب الشهري للموظف الحكومي يعادل دولارين أمريكيين فقط، مما دفع الكثيرين لبيع ممتلكاتهم الشخصية، بدءاً من السيارات والأجهزة المنزلية وصولاً إلى الأثاث والكتب، من أجل البقاء. ونتيجة لذلك، اضطر المعلمون،، للعمل كسائقي سيارات أجرة لتأمين قوت يومهم، مما أدى إلى انهيار المنظومة القيمية والمعرفية. 

تفكك الطبقة الوسطى وولادة البرجوازية الرثة

في دراسته الموسوعية والمعمقة للطبقات الاجتماعية، أوضح عالم الاجتماع حنا بطاطو كيف تشكلت الطبقات تاريخياً بناءً على توازنات دقيقة بين الريف والمدينة، وبين ملاك الأراضي والبرجوازية الناشئة والطبقة العاملة. ومع دخول البلد في أتون الحصار الاقتصادي، حدث انقلاب سوسيولوجي واقتصادي عميق؛ حيث بدأ توزيع الدخل يميل بشكل حاد لصالح الأسر الريفية وشبكات التهريب على حساب الطبقة الوسطى الحضرية. يشير التحليل إلى أن الطبقة الوسطى، التي كانت تشكل نحو 60% من المجتمع، تعرضت لانشطار هيكلي؛ حيث انحدرت أغلبيتها الساحقة لتلتحم مع الطبقة الفقيرة، لتشكلا معاً ما يقارب 75% من السكان المسحوقين.

في ظل هذا الفراغ الاقتصادي والتراجع الحاد لدور الدولة، برز " التحالف الريعي-العنفي ". وهم فئة استفادت من اقتصاد الندرة الذي خلقه الحصار والمقاطعة الدولية. تشكلت هذه الفئة من شبكات التهريب العابرة للحدود، وأثرياء الحرب، والمقربين من مراكز صنع القرار، وتجار السوق السوداء الذين سيطروا على استيراد السلع الحيوية والمضاربة بالعملة. هؤلاء هم من أطلق عليهم الطبيب النفسي والمفكر المناهض للاستعمار فرانز فانون في كتابه المرجعي "معذبو الأرض" مصطلح "البرجوازية الوطنية المتخلفة" أو البرجوازية الرثة. وبحسب فانون، فإن هذه الطبقة لا تمتلك أي قدرة على الإنتاج أو الصناعة أو الابتكار، بل تتركز كل طاقتها في أنشطة الوساطة والسمسرة، وتعتمد في قوتها على دهاء الأعمال بدلاً من الاستثمار الحقيقي لبناء اقتصاد متين.

إن الحصار الاقتصادي الخانق أجبر الدولة على التراجع عن تقديم الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية بالشكل الطبيعي، واكتفت بتقديم شبكة أمان بدائية تتمثل في "البطاقة التموينية"، التي منعت المجاعة الجماعية لكنها كانت تحتوي على سعرات حرارية منخفضة ومحتوى بروتيني ضئيل. هذا الإجراء بالذات هو ما حول المواطن من فاعل إنتاجي إلى "مستهلك" بيولوجي بحت، يبحث فقط عن الحد الأدنى من شروط البقاء على قيد الحياة. لقد تحول الشعب بأسره إلى زبائن مرتهنين لدى الدولة من جهة، وشبكات السوق السوداء من جهة أخرى، مما أدى إلى خلق علاقة تبعية مطلقة ألغت مفهوم المواطنة الفاعلة وكرست مفهوم "الرعية" التي تنتظر الإعاشة.

يقدم الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين إطاراً نظرياً شديد الأهمية لتفسير هذه الحالة، وهي حالة الاستثناء، هذه الحالة على السياسة الحيوية اذ حولت العقوبات الدولية الشاملة، حيث تم تعليق مفاعيل القانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان باسم ضرورة لتحقيق الأمن الدولي المزعوم ونزع أسلحة الدمار الشامل.

في حالة الاستثناء هذه، يتحول الإنسان المقهور إلى ما يسميه أغامبين وهو كائن بيولوجي مجرد تماماً من حقوقه السياسية والقانونية،حيث يمكن استباحته وتعريضه للموت البطيء دون أن يُعتبر ذلك جريمة جنائية يعاقب عليها القانون أو يكترث لها النظام العالمي. تشير التقارير الإحصائية إلى أن معدل وفيات الأمهات والأطفال دون سن الخامسة قد تضاعف، مع تقديرات بوفاة ما بين طفل كوفيات زائدة بسبب سوء التغذية والأمراض المرتبطة بنقص الأدوية وانهيار البنية التحتية لمعالجة المياه والصرف الصحي.

إن هذا الإخضاع الجسدي للسكان والتحكم بمصادر حياتهم اليومية هو تجلٍ واضح للسياسة الحيوية للقمعية؛ حيث مارست القوى الدولية إبادة جماعية بينما استغل النظام الحاكم في الداخل هذه المعاناة لإحكام قبضته الأمنية والزبائنية على المجتمع وتوزيع المكاسب على فئة ضيقة. وبهذا، اكتمل تشكيل الشق الأول من المعادلة الخطيرة. 

هندسة الاحتلال ونشوء "دولة اللاعقاب" ودولة الظل

تعاد صياغة المعادلة الخطيرة وتدخل مرحلتها الأكثر تدميراً وعبثية عندما يقع البلد تحت نير الاحتلال الأجنبي المباشر، لم يكن الغزو بقيادة الولايات المتحدة دول التحالف مجرد عملية عسكرية لتغيير نظام سياسي دكتاتوري، بل كانت هندسة قسرية لإعادة صياغة الدولة والمجتمع وفق توصيات استعمارية واضحة، مبنية على افتراضات ليبرالية متغطرسة ومفاهيم استشراقية.

بقيادة بول بريمر قامت سلطة الاحتلال بخلق فراغ، هذا الفراغ لم يُترك طويلاً، بل سارعت شبكات المحسوبية والأحزاب العائدة من المنفى لملئه، مما أدى إلى تأسيس نظام جديد هش ومضطرب.

يصف الخبراء والباحثون، أمثال توبي دودج وتشالز تريب،هذا النظام انتج دولة اللاعقاب نتيجة خرافات تأسيسية؛ الأولى هي أسطورة التحرير وإدخال الديمقراطية الليبرالية، والثانية هي النظرة الإثنو-طائفية للمجتمع العراقي، والتي أسفرت عن إرساء نظام المحاصصة الطائفية غير الرسمي ولكنه المطبق بصرامة بالغة.

هذا النظام لم يكن سوى آلية مؤسسية لتوزيع الغنائم والريع الاقتصادي بين فصائل النخبة السياسية المعينة حديثاً، والتي كانت في غالبيتها العظمى تتكون من " التحالف الريعي العنفي "؛ أي الشخصيات الانتهازية التي تعتمد في شرعيتها على ولاءات دون-وطنية (طائفية، عرقية، عشائرية) أو ارتباطات استخباراتية خارجية، وليس على مشاريع وطنية ديمقراطية أو قواعد إنتاجية صلبة. لقد سمح نظام المحاصصة للنخبة السياسية بتجريد أصول الدولة الى اصول واستغلال مؤسساتها لتحقيق مكاسب شخصية وتمويل الأحزاب التي يمثلونها، مما رسخ سياسة الإفلات التام من العقاب. 

الكومبرادور الرث وتكريس التبعية ضمن الدولة الريعية

لفهم طبيعة هذه النخبة الحاكمة التي تولت السلطة بعد الاحتلال، يقدم المفكر الاقتصادي الماركسي سمير أمين إطاراً تحليلياً ثاقباً عبر مفهومه للبرجوازية "الكومبرادورية"، في القاموس السياسي الاقتصادي لسمير أمين (الكومبرادور)، هم الوكلاء المحليون للمصالح الاستعمارية والرأسمالية العالمية وظيفتهم الأساسية هي ضمان استمرار "التبادل اللامتكافئ والتبعية العضوية لبلدانهم ضمن النظام العالمي الرأسمالي". عندما يتولى هؤلاء السلطة بتوصية استعمارية بعد الاحتلال، فإنهم لا يسعون، بحكم تكوينهم ووظيفتهم الطبقية، لبناء دولة انتاجية تحقق التنمية المتمركزة حول الذات بل يعملون بجد على تعزيز اقتصاد الاستهلاك وإجهاض أي محاولة لفك الارتباط. فيما بعد 2003، تحولت الدولة إلى أكبر مستورد للسلع الاستهلاكية في المنطقة، وتم التدمير الممنهج لما تبقى من القطاعين الصناعي والزراعي. وأصبح الاقتصاد يعتمد بشكل مرعب على الريع؛ حيث يمثل قطاع النفط حوالي 99% من عائدات التصدير، ويوفر أكثر من 90% من إيرادات الحكومة، بينما يساهم بحوالي 58% إلى 65% من الناتج المحلي الإجمالي.

أدى هذا الهيكل الاقتصادي المشوه إلى إنتاج طبقة وسطى جديدة، ولكنها "مصطنعة" وزبائنية؛ طبقة من الموظفين الحكوميين الذين ارتفع عددهم من 850 ألف موظف في عام 2004 إلى ما بين 7 و 9 ملايين موظف في السنوات اللاحقة، يعتمدون كلياً على الرواتب التي تدفعها الدولة الريعية من عائدات النفط المتقلبة. هؤلاء ليسوا طبقة وسطى مستقلة وفاعلة،بل هم مجرد أرقام في آلة زبائنية عملاقة مجرد وكلاء خدمات بالولاء السياسي لأمراء الطوائف والكتل السياسية.

هنا يعود الشعب مرة أخرى ليكون مجرد "مستهلك"؛ مستهلك للسلع الأجنبية المستوردة، ومستهلك للريع الذي توزعه السلطة الكومبرادورية عبر شبكات المحسوبية للحفاظ على ولائه ومنع تمرده. وفي دولة ريعية تعتمد على جباية الضرائب من مواطنيها، تنتفي الحاجة إلى تعزيز المشاركة الديمقراطية الحقيقية أو بناء مؤسسات مساءلة فاعلة، مما يجعل الديمقراطية مجرد واجهة إجرائية لشرعنة حكم الأوليغارشية. 

الكماشة الإمبريالية-الكومبرادورية

يفرز هذا السياق المزدوج ما يمكن وصفه بدقة بـ دولة الاضطهاد المزدوج يتجسد هذا الاضطهاد في مسارين متوازيين يتغذيان على بعضهما البعض، ويطبقان على أنفاس المجتمع كالكماشة:

الاضطهاد الخارجي الاستعماري متمثلاً في السياسات الإمبريالية التي بدأت بالحصار الشامل وانتهت بالاحتلال العسكري المباشر والاندماج القسري في النظام الرأسمالي العالمي كطرف خاسر، وظيفته فقط تصدير الطاقة واستيراد المنتجات الاستهلاكية. وهذا يمثل سيطرة خارجية صارمة تحرم الأمة من استقلالها الاقتصادي وقرارها السياسي، وتخضعها لعقوبات وشروط مؤسسات التمويل الدولية.

الاضطهاد الداخلي النيوباتريمونيالي

متمثلاً في النخبة السياسية التي وظفت "توصيات الاحتلال" والمحاصصة لتنصيب نفسها كمحتكر حصري للسلطة والثروة. تعتمد هذه النخبة على أشكال مركبة من القمع الخشن والترهيب، السيطرة على الفضاء العام، وقمع زبائني ناعم للابتزاز الوظيفي، والحرمان من الخدمات. هذا الاضطهاد يفرغ المواطنة من محتواها، ويجبر المواطن على التخلي عن إرادته السياسية الحرة مقابل الحصول على وظيفة حكومية مفرغة من أي معنى إنتاجي حقيقي.

هذه هي ذروة الازدواجية المؤسسية التي تجعل المواطن مضطهداً، من قبل سطوة التدخلات الخارجية ومن قبل ممثلي الطوائف والفصائل المحليين الذين يزعمون حمايته في حين أنهم هم من يسلبونه كرامته ومستقبل أجياله. 

تفكيك العقدة وضرورة "فك الارتباط" للتحرر

إن الاستنتاج الأهم من هذه القراءة الفلسفية هو أن استمرار سيطرة تحالف " التحالف الريعي-العنفي " وإبقاء الشعب في خانة "المستهلك" المستلب لا يمكن كسره من داخل المنظومة ذاتها عبر آليات الإصلاح الليبرالي التقليدية. فالمنظومة تمتلك قدرة هائلة على استيعاب وإجهاض أي حركة احتجاجية نقابية أو مدنية.

يؤكد التحليل الاقتصادي السياسي الماركسي، كما صاغه سمير أمين، أن المخرج التاريخي والوجودي الوحيد لدول الأطراف يتمثل في استراتيجية فك الارتباط،يوجب التوضيح بعناية أن فك الارتباط هنا لا يعني العزلة التامة، بل يعني جذرياً رفض الخضوع "اللاعقلاني" القاهر للنظام الرأسمالي العالمي، والذي يفرض على الدول البقاء كمجرد دول ريعية مصدرة للنفط الخام وسوق استهلاكية للمركز.

يتطلب فك الارتباط عملية سياسية ثورية لبناء "قانون قيمة وطني" يعطي الأولوية المطلقة لـ "التنمية المتمركزة حول الذات". يشمل ذلك تحقيق السيادة الغذائية، إحياء الصناعة الوطنية، وتوفير فرص عمل إنتاجية حقيقية بعيداً عن وهم التوظيف الزبائني الحكومي الذي يستنزف ميزانية الأجيال القادمة. وهذا المشروع لا يمكن أن يتحقق إلا باستبدال طبقة "الكومبرادور" التابعة، و نهوض قوى اجتماعية تقدمية تؤمن بمركزية الإنتاج المادي والفكري، وترفض الرضوخ لشروط الإمبريالية والتوزيع المحاصصي. ان القراءة الفلسفية للتحول في هذا السياق المشوه لا يمكن أن يكون مجرد تنظير استشراقي لليبرالية الديمقراطية أو تكراراً أعمى لنظريات التحديث بل يجب أن يتأسس على "فلسفة الممارسة" الجريئة تكشف كيف يتم توظيف الديمقراطية الإجرائية كغطاء كاشف ومؤسساتي لاقتصاد النهب وغسيل الأموال. لا فكاك من هذه المعادلة الخطيرة إلا عبر تفكيك دولة الطوائف والريع من جذورها، والعمل الجذري على "فك الارتباط" الاستراتيجي مع أنساق التبعية الاقتصادية والسياسية، وصولاً إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد. عقد يعيد للشعب دوره كمنتج أصيل وحر لوجوده المادي والتاريخي، ويرفض بقاءه مجرد "مستهلك" مستلب في بورصة الوكلاء وباعة الأوهام والقديم.

***

غالب المسعودي 

 

(مُقاربة فلسفيّة جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة)

كيف تتولد المعرفة من المعرفة؟

تحدّثنا في الحلقة السابقة عن نظريّة المعرفة بين التراكم والتوليد، وقدمناها في هذا الإطار كقراءة أبستمولوجية مقارنة في ضوء انتقال العقل من التراكم، وهو التصور التقليدي إلى التصور التوليدي؛ بمعنى أن المعرفة السابقة لا تبقى مجرد مادة محفوظة أو مُضافة إلى رصيد سابق، وإنما تدخل في علاقة جديدة ينتج عنها فائض معرفي، أي ينتج عنها قيمة مُضافة تتمثل في معرفة لم تكن موجودة في المعارف الداخلة في عميلة التوليد بصورتها السابقة. ولهذا كان حديثنا منصباً منذ البداية على توظيف منهجيّة "القراءة على القراءة"؛ إذ القراءة الثانية ليست تكراراً للقراءة الأولى، وإنما هي فعل على المعرفة السابقة يثمر ولادة معرفة أخرى.

ولكننا هنا ننقل مركز الثقل إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: كيف تتولد المعرفة من المعرفة؟ وهذا التحول ليس مجرد تعديل في موضوع البحث، بل هو إعادة تعريف لطبيعة الفعل المعرفي ذاته؛ فالمعرفة لم تعد مادة تُجمع، وإنما أصبحت قوة منتجة تمتلك القدرة على تجاوز نفسها باستمرار. من حيث إنّ القيمة الفلسفية للتوليد المعرفي الناتج عن فاعلية القراءة على القراءة لا تكمن في تفضيله "التوليد" على "التراكم" وكفى، وإنما في أنه يُعلن بصورة ضمنية القطيعة مع نموذج معرفي تقليدي ظل مهيمناً قروناً طويلة، وهو النموذج الذي يقيس ثراء العقل بمقدار ما يحتويه من معلومات.

لم تعد المعلومات وحدها كافية لعملية التوليد، وإنما معيار القيمة يتحول إلى قدرة العقل على إنتاج معنى جديد من خلال تنوع القراءات التي يستطيع التفاعل معها، وليس إعادة تنظيم ما يمتلكه من معارف فقط، لا بل وإعادة تخليق لهذه المعارف أيضاً.

غير أننا قبل الوصول إلى هذه النقطة، يهمنا أن نبدأ أولاً بالإجابة عن الأسئلة التي شكلت اعتراضات سبقت، ذكرناها في الحلقة السابقة إزاء الطرح المتقدّم، وقد أجملناها في تساؤلات ثلاثة، وكنا قد أرجئنا الحديث عنها الى هذه الحلقة.

وهذه التساؤلات الثلاثة هي في الحقيقة ليست على درجة واحدة من القوة، بل إن بينها تفاوتاً فلسفياً مهماً. وأظن أن الرد الجيد عليها لا ينبغي أن يكون دفاعًا انفعاليّاً عن طرحنا لنظرية المعرفة التوليديّة، وإنما الرد ينبغي أن يستثمر الاعتراضات نفسها في إظهار البنية الفلسفية والمعرفية الكامنة فيه.

ولنبدأ بملاحظة أوليّة منهجيّة: قولنا في السابق إنّ هذه الاعتراضات "مردود عليها". صحيح من حيث المبدأ، لكن قوة الرد لن تأتي من مجرد القول إن لها أجوبة، وإنما من بيان أن الاعتراضات تكشف انتقال الفكرة من مجرد فكرة عن القراءة إلى محاولة تأسيس نظرية في كيفية إنتاج المعرفة. وهذا، في تقديري، هو الموضع الذي ينبغي أن يبدأ منه الرد.

أولًا: اعتراض غياب التعريف الدقيق للتوليد:

هذا الاعتراض؛ وإنْ كان مردوداً عليه كما تقدّم، غير أنه يبدو لأول وهلة أقوى الاعتراضات، لكنه في الحقيقة يحتاج إلى شيء من التحليل. ذلك أن المفهوم الجديد لا يُعرَّف دائمًا تعريفًا حدّياً قبل أن تتضح بنيته من خلال السياق الذي وُلد فيه؛ فمفهوم "التوليد" هنا لا يُراد به شيئاً من المناهج العلميّة المعروفة، والخاصّة بنظرية المعرفة في التصور التقليدي: لا يُراد به مجرد الإبداع، ولا الاستنباط، ولا الاستقراء، ولا الاكتشاف، ولا التأويل، ولا شيء من تلك المناهج مجتمعة أو متفرقة؛ لأن كل واحد من هذه المفاهيم يصف صورة مخصوصة من صور الفعل المعرفي، بينما التوليد يصف شيئًا آخر: يصف انتقال العقل من معرفة قائمة إلى معرفة لم تكن قائمة فيها على نحو مباشر، وإنْ كانت تلك المعرفة الجديدة قد نشأت منها أو بواسطة إعادة النظر فيها وتكرار الاشتغال عليها. فأنا لا أستنبط وأتوقف، ولا أستقرأ وأتوقف، ولا أستكشف وأتوقف، ولا أؤول وأتوقف، ولكني أزيد على ذلك كله بالتوليد الذي يعطيني ما لم يكن موجوداً عندي من ذي قبل، في السابق. وها هنا تظهر أهميّة التمييز بين مصدر المعرفة وكيفية حدوث المعرفة؛ فقد تكون المادة التي يتولد منها الجديد معرفةً سابقة، لكن الجديد لا يكون موجودًا فيها بوصفه معلومة مخزونة تنتظر استخراجها.

إنّما يكون موجودًا فيها بوصفه إمكانًا معرفيّاً لا يتحقق إلا بفعل عقلي جديد: بالفاعليّة العقليّة. ولذلك؛ فالتوليد ليس مجرد إخراج المكنون من المخزون؛ لأن هذا التعبير يُوحي بأن المعرفة الجديدة كانت موجودة بالفعل داخل المعرفة القديمة، وإنّما هو تحويل لعلاقات متشابكة من المعارف السابقة بحيث ينشأ منها معنى أو حكم أو تصور أو نسق لم يكن متحققًا في السابق قبل هذا التحويل. وتلك هى فلسفة التوليد التي تختلف فيما نرى عن التراكم؛ إذ التراكم يضيف معرفة إلى معرفة. أمّا التوليد؛ فيغيّر العلاقة بين المعارف بحيث تنتج العلاقة معرفةً جديدة، وربما يغير الحقل المعرفي نفسه.

خذ مثلاً على ذلك: كان "هيجل" يجعل حركة المفهوم والتناقض الداخلي جزءً من حركة الوعي والتاريخ، ثم جاء "ماركس" فلم يكتف برفض هيجل بل قلب العلاقة بين الفكر المثالي والواقع الاجتماعي والاقتصادي. لكن القراءة التوليدية لا تقول هنا: هيجل مثالي وماركس مادي. بل تسأل: ماذا يحدث للجدل الهيجليّ إذا نُقل من حركة المفهوم إلى حركة العلاقات المادية والاجتماعية؟ إذ ذاك يظهر شئ جديد، فنحن لا نأخذ "الجدل" من هيجل ونضعه عند "ماركس" فحسب، وإنما نغير الحقل المعرفي الذي يعمل فيه الجدل. ويمكن من ثم أن يولد مفهوم النقد بوصفه كشفاً للتناقضات الداخلية في الواقع الاجتماعي لا مجرد وصف له، وهذا هو المقصود بتغيير الحقل المعرفي، وبنقل المفهوم من سياقه الأول إلى سياق جديد. 

على ذلك؛ يمكن أن نصل إلى تعريف أكثر إحكاماً لمفهوم التوليد المعرفي من حيث إنه فعل عقلي يعيد تنظيم معارف سابقة، وتغيير حقول معرفية، من خلال التأمل الفاعل في علاقاتها وإمكاناتها، بحيث ينشأ عنها معنى أو حكم أو تصور أو نسق معرفي جديد لا يساوي أيّاً من عناصرها السابقة منفرداً. وبهذا التعريف يصبح الفرق واضحاً نسبياً بين التوليد، والاستنباط، والاستقراء، والتأويل، والإبداع: المناهج التي تقدّم ذكرها؛ فالاستنباط يتحرك داخل لزوم منطقي بين مقدمات ونتيجة؛ والاستقراء ينتقل من جزئيات إلى تعميم؛ والتأويل يكشف معنى أو يعيد بناءه داخل بنية دلاليّة؛ والاكتشاف يكشف ما كان موجوداً في الواقع أو في بنية الموضوع؛ والإبداع أوسع من مجرد المعرفة، لأنه قد يكون فنياً أو لغوياً أو تخييلياً أو ما شئت أن تضيف. أما التوليد المعرفي فهو وصف للكيفية التي يستطيع بها العقل أن يجعل المعرفة السابقة مولِّدة لمعرفة لاحقة بواسطة فاعليّة القراءة على القراءة. وهنا تحديدًا تصبح عبارة " توليد المعرفة عن المعرفة" أكثر عمقاً من مجرد التراكم؛ لأن المعرفة الأولى تتحول من موضوع للامتلاك إلى مادة للفعل العقلي.

ثانياً: اعتراض يتعلق بالتأمل الفاعل:

إذا كان الاعتراض الأول كان يدور حول أن مفهوم "التوليد" يحتاج إلى بناء اصطلاحي صارم يحدد شروطه وآلياته. فهل كل استنتاج يعد توليداً؟ وهل كل تركيب بين فكرتين إنتاج لمعرفة جديدة؟ وما الحد الفاصل بين التوليد والإبداع والتأويل؟ وقد أجبنا في السابق على هذا كله، فإن هذا الاعتراض الثاني، في رأيي، أهم فلسفيّاً من الاعتراض الأول؛ لأنه يضع يده على المحرك الداخلي لنظرية المعرفة التوليدية؛ فإذا قلنا إنّ المعرفة الجديدة تولد من المعرفة السابقة بواسطة "التأمل الفاعل"، فإنّ السؤال المشروع هو: ما الذي يفعله العقل تحديداً؟ وأظن أن الخطأ سيكون في محاولة حصر هذا التأمل في وظيفة واحدة: أهو منطق؟ أم حدس؟ أم تأويل؟ أم تركيب جدلي؟

لأن التوليد المعرفي، كما يبدو من بنيته ودلالاته، ليس آلية واحدة، وإنما فعل مركب يمكن أن تستعمل فيه هذه الآليات بحسب طبيعة المعرفة المُنتجة؛ فقد يكون منطقياً في موضع، وتأويلياً في موضع آخر، وتركيبياً في موضع ثالث، وقد يتدخل الحدس في لحظة انكشاف العلاقة التي لم تكن ظاهرة من قبل. لكن هناك شيئاً مشتركاً بينها جميعاً: أن العقل لا يكتفي باستقبال المعرفة، بل يعيد تشغيلها وتجديد العمل عليها.

ونلاحظ أن مصطلح "التأمل الفاعل" الذي يُساق الاعتراض عليه هنا، يمكن أن يصبح واحداً من أقوى مفاهيم نظريّة المعرفة التوليديّة إذا أعيد بناؤه فلسفيّاً؛ فالتأمل ليس مجرد نظر عقلي هادئ في المعلومات، و"الفاعل" ليست صفة زائدة؛ بل المقصود أن العقل ينتقل من سؤال: ماذا أعرف؟ إلى سؤال آخر أكثر إنتاجاً: ماذا يمكن أن أفعل بما أعرف؟ فالتأمل مشروط بالفاعلية هنا، وكذلك المعرفة التي ستقوم عليه في مستقبل الأيام هي كذلك معرفة مشروطة بالفاعليّة العقليّة، إذ تحدث نتيجة لفاعلية العقل مع ما ينشأ من علاقات بين المعارف، وهذه النقلة هي التي تفصل بين القارئ التراكمي والقارئ التوليدي. مع العلم أننا لا نجعل التراكم في مقابل التوليد مقابلة حديّة، ولكن العلاقة بينهما علاقة شرط وغاية؛ فالتراكم هو المادة الخام، والتوليد هو الصورة الجديدة التي يعيد العقل تشكيلها. ولا يمكن للفعل التوليدي أن يعمل في الفراغ، كما لا يستطيع النحات أن يصنع تمثالاً بلا حجر.

عمل القارئ التراكمي كما تقدم هو: أن يضيف النص إلى النص، والمعلومة إلى المعلومة، والمفهوم إلى المفهوم. أمّا عمل القارئ التوليدي؛ فيدخل إلى المعرفة السابقة بوصفها مجالاً لإمكانات لم تُستثمر بعد. إنه لا يسأل فقط: ماذا قال هذا المفكر أو ذاك؟ بل يسأل: ماذا يمكن أن ينتج من وضع هذا القول في مواجهة قول آخر؟ وما الذي يظهر إذا نقلنا المفهوم من سياقه الأول إلى سياق جديد؟ وما العلاقة التي يمكن اكتشافها بين معرفتين لم تُقرأ من قبل إحداهما من خلال الأخرى؟ وهنا يصبح "التأمل الفاعل" ليس مجرد تأمل، وإنما إعادة تشغيل معرفي من أجل الحصول على معرفة جديدة، وليس ثمّة وقوف!

ثالثًا: الاعتراض المتعلق بالشاهد التاريخي:

هذا الاعتراض الثالث اعتراض وجيه، وسوف نذكره عرضاً دون التوغل فيه، لكن يجب الحذر من صياغته على أنه "برهان" بالمعنى الصارم؛ فحين نقول إن نيوتن أو أينشتاين أو الشافعي أو ابن خلدون يمثلون أمثلة على التوليد المعرفي، فإننا لا نبرهن بذلك وحده على أن نظريّة التوليد صحيحة؛ لأن المثال التاريخي لا يؤسس المبدأ الفلسفي تأسيساً استنباطيّاً. ولكنه يؤدي وظيفة أخرى بالغة الأهمية وهي أن يُظهر أن المفهوم ليس مجرد بناء ذهني منفصل عن تاريخ المعرفة.

والأقوى من ذلك؛ أن اختيار المثال يجب ألا يكون اعتباطياً؛ فمثلًا، إذا أخذنا نيوتن، فلا ينبغي أن نقول ببساطة إنه قرأ معارف سابقة ثم "أبدع" نظرية الجاذبية. الأهم هو أن ننظر إلى الكيفية التي أمكن بها أن تُعاد صياغة مسائل الحركة والأرض والسماء والعلاقة بين القوة والحركة داخل نسق واحد. ها هنا لا تكمن العبقرية في كمية المعلومات وحدها، وإنما في إنتاج علاقة جديدة بين معارف كانت موزعة في سياقات مختلفة، وهو معنى التوليد المعرفي حقيقة.

والأمر نفسه أوضح في نموذج ابن خلدون؛ فقوة فلسفته لا تتمثل في أنه كان أول من عرف التاريخ أو العمران أو السياسة أو الاجتماع، وإنما في أنه أعاد ترتيب هذه المعارف داخل مفهوم مركزي هو العمران، ثم جعل الظواهر التاريخية قابلة للفهم من خلال علاقات وقوانين تتجاوز مجرد سرد الوقائع. لكن المثال الأكثر ملاءمة لنظريّة المعرفة التوليديّة، في ظني، قد يكون الشافعي إذا كان المراد بيان التوليد داخل المعرفة الإسلامية؛ لأن المسألة هنا تصبح أكثر قُرباً من فكرتنا: معارف قرآنية وحديثية ولغوية وفقهيّة كانت موجودة، لكن إعادة النظر في العلاقات بينها وفي شروط الاستدلال منها أنتجت بناءً أصولياً جديداً.

وهنا تظهر المسألة في صورتها العميقة؛ إذ المعرفة الجديدة لا يشترط أن تأتي من مادة جديدة وكفى؛ بل قد تأتي من طريقة جديدة في رؤية المادة القديمة. وإذا كانت هذه بحق هي الجملة التي ينبغي أن تكون في قلب المعرفة التوليدية؛ فإن ثغرة فلسفية حقيقية قد تظهر؛ إذ الثغرة ليست أن النظريّة لم تقدّم أمثلة كافية، ولا أنها لم تعرف "التوليد" بعد تعريفًاً قاموسيّاّ نهائياً. الثغرة تكمن في السؤال التالي: كيف نعرف أن ما يسميه الباحث "معرفة مولَّدة" هو بالفعل معرفة جديدة، وليس مجرد إعادة صياغة لمعرفة سابقة؟ هذه هي العقدة. فإذا قرأ شخص كتابين، ثم جمع بين فكرتين منهما، وقال: لقد أنتجتُ معرفة ثالثة، فمتى يكون هذا توليدًا حقيقيًا ومتى يكون مجرد تركيب أو تلخيص أو إعادة صياغة؟

هنالك نكون بحاجة إلى معيار للجدّة المعرفيّة. ولا يكفي أن تكون النتيجة جديدة بالنسبة إلى القارئ؛ لأن كل شخص يستطيع أن يكتشف علاقة لم ينتبه إليها من قبل. المطلوب أن تكون هناك زيادة معرفيّة يمكن الدفاع عنها مثل: مفهوم جديد، علاقة تفسيرية جديدة، مبدأ جديد، إمكان استدلالي جديد، أو قدرة تفسيرية لم تكن متاحة قبل إعادة التركيب. ثم إن القراءة التوليدية لا تستخرج من النص ما كان فيه فقط وإنما تستنطق ما يمكن أن يصبح فيه عندما يدخل في علاقة معرفية جديدة. فابن رشد مثلاً لم يكن يقول هذا ما قاله أرسطو بل جعل أرسطو يظهر بصورة أخرى هي صورة ابن رشد نفسه، ولذلك سمى الشارح الأكبر، لأن القارئ التوليدي ليس فيلسوفاً يقرأ فيلسوف آخر ويؤثر فيه وإنما فيلسوف يجعل نصاً قديماً يجيب عن سؤال لم يكن مطروحاً في زمنه.

وقد تولد المعرفة من قراءة غير مباشرة فلو أننا قرأنا نيتشه وهو يتحدث عن الرغبات والقوي والدوافع التي تقف خلف الوعي الأخلاقي والعقلاني، وقرأنا فرويد وهو يتحدث من مجال التحليل النفسي، لو قرأنا نيتشه من خلال فرويد أو فرويد من خلال نيتشه لظهر لنا هذا التساؤل: هل الوعي الذي يظن أنه يملك نفسه هو في الحقيقة سطح لبينة عميقة من الدوافع والرغبات؟ لكن هذه المسألة ليست فكرة نيتشه ولا فكرة فرويد. إنها تظهر بشدة عندما تضع معرفتين من حقلين مختلفين في علاقة تفسيرية جديدة.  

وبذلك يصبح التحدي الحقيقي أمام "أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة" ليس أن تقول: المعرفة تولِّد معرفة؛ فهذه عبارة يمكن أن تبدو صحيحة بالبداهة حدسياً. وإنما أن تجيب عن السؤال الأصعب: بأي معنى تكون المعرفة الثانية جديدة حقًاً، وكيف يمكن التحقق من أن الانتقال من المعرفة الأولى إلى الثانية كان توليداً ولم يكن تراكماً ولا مجرد إعادة ترتيب؟

إذا أستطاعنا أن نجيب عن هذا السؤال، فإنّ إجابتنا تنتقل بالفعل من استعارة فلسفيّة جميلة إلى نظرية معرفيّة لها جهاز مفهومي قابل للفحص والإعادة والتدوير.

وأظن أن هذا هو المدخل الأقوى لهذه الحلقة التي اقترحنا لها عنوان "كيف تتولد المعرفة عن المعرفة؟"؛ لأن هذه الحلقة لا ينبغي أن تبدأ بتعريف لفظ "التوليد" فحسب، بل ينبغي أن تكشف الآليّة التي تجعل المعرفة السابقة مادةً لإنتاج معرفة لاحقة، ثم تضع معياراً يميز التوليد الحقيقي من مجرد الجمع والتركيب وإعادة الصياغة.

تحديدًا يمكن هنا أن تصبح "القراءة على القراءة" أكثر من منهج للقراءة فقط؛ يمكن أن تتحول إلى نظرية في فائض المعرفة: كما أن رأس المال لا يتحدد بما يملكه من قيمة ساكنة، وإنما بقدرته على أن يدخل في حركة تنتج قيمة زائدة، كذلك المعرفة لا تُقاس فقط بمقدار ما راكمه العقل، وإنما بقدرته على إدخال ما راكمه في حركة فكريّة تنتج فائضاً معرفيّاً. وهذه هي النقلة الفلسفية الحقيقية لنظرية المعرفة التوليديّة: من اقتصاد امتلاك المعرفة إلى دينامية إنتاج المعرفة من المعرفة. إن أهم ما يميز هذا الطرح أنه لا يناقش القراءة بوصفها استقبالاً للنصوص، وإنما يعيد تعريفها بوصفها إنتاجاً للنصوص الكامنة داخل النصوص. فالقارئ الحقيقي، وفق هذا التصور، ليس من يضيف كتاباً إلى مكتبته، وإنما من يجعل كل كتاب يلد كتاباً آخر في عقله.

معيار صدق المعرفة المولدة:

وهنا تبلغ نظريّة المعرفة التوليدية ذروة أصالتها؛ إذ تنتقل بالمعرفة من كونها "مخزوناً" إلى كونها "رأس مال معرفياً" لا يحقق قيمته إلا إذا استثمر نفسه في إنتاج معرفة جديدة. وبهذا المعنى يصبح العقل أشبه بكائن حي؛ كلما نما ازداد قدرة على توليد الحياة الفكرية، لا مجرد الاحتفاظ بآثارها.

معيار صدق المعرفة المولدة يتأتى من قوة الذات العارفة وأصالتها على التحقيق، لأن المعرفة حينئذ لا تكتفي بإنتاج أفكاراً جديدة فقط، بل تعيد تشكيل الذات العارفة نفسها. ومن خلال نموها بالتفاعل الداخلي بين المعارف. وسوف ننتقل في القادم من المعرفة التوليدية إلى العرفان. هل يصح التوليد المعرفي في مجال العرفان؟

(وللحديث بقيّة)

***

د. مجدي إبراهيم – أستاذ فلسفة

 

الضرورة الوجودية للايمان

يعمل الايمان كدرع معرفي يحمي الذهن من صعوبة التنبؤ في عالمنا. هناك حاجة الى معنى روحي يربطنا بالوجود ذاته، ويمنعنا من الاستسلام لليأس. البشر هم كائنات حية صانعة للمعنى، مُبرمجون عاطفيا لبناء نظام من لا نظام كوني.

التوازي البيولوجي

مثلما جسم الانسان غير قادر فسيلوجيا على الاستمرار في فراغ فيزيائي لا يتوفر فيه الاوكسجين والتغذية البيولوجية الأساسية، كذلك النفس البشرية وبنفس المقدار غير قادرة على العمل ضمن فراغ وجودي مجرد من الهدف والمعنى. الحياة المادية تعتمد على استهلاك مستمر للعناصر الغذائية للوقاية من الفشل العضوي، بالضبط وبنفس الطريقة، قدراتنا المعرفية والعاطفية تتطلب اطارا سرديا شاملا للحفاظ على التوازن الداخلي.

عندما تغيب هذه الركائز النفسية الضرورية، او عندما تكون غير مكتملة التكوين، او محطمة فجأة بسبب صدمات الحياة، فان العقل سيعاني من انهيار مدمر. عدم الاستقرار الداخلي هذا يتجسد ليس فقط كشك عابر، وانما كحالة تتسم بارتباك معرفي حاد ومقلق ومُنهك وشعور طاغ بالفراغ. وبالنتيجة، فان متابعة هدف تأسيسي او خالق ديني هو أبعد بكثير من ترف فكري او تفضيل عابر، انه آلية حيوية للحفاظ  السايكولوجي الذاتي. يعتمد الكائن البشري على مبدأ منظّم لفهم المعاناة، والأخلاق، والوعي، معطيا الأولوية لهذه الحاجة الى درجة انه سوف يتمسك باطار تفسيري حتى لو كان يتعارض بشكل مباشر مع المنطق الموضوعي والتجريبي.

في الجوهر، نحن كائنات صانعة للمعنى، مبرمجة بيولوجيا وعاطفيا لخلق النظام من الفوضى الكونية. حين نجرد الذهن البشري من هذا البناء الموحد يعني تعريضه لحالة لا تُطاق من الفوضى الداخلية، وهو ما يُظهر ان الحاجة الى قوة عليا او هدف كوني هي ضرورة وجودية لا غنى عنها.

الدفاع المعرفي: كيف يحمي العقل النظام الإلهي

ما يجعل هذا الدافع النفسي استثنائيا جدا هو مناعته المذهلة تجاه الحقائق الباردة للعالم المادي. الناس وبشكل روتيني يبنون ويحافظون ويدافعون بقسوة عن الأنظمة الايديولوجية والثيولوجية المعقدة في غياب كلي للتوثيق والدليل التجريبي. نحن نتمسك باصرار بالوعود الواردة في الكتب المقدسة وبالتدخلات الإلهية وبالادّعاءات الخارقة للطبيعة حتى عندما لا تقدم الحقائق الملموسة من حولنا أي برهان. التجربة البشرية تتعرض على أساس يومي  لسلسلة من المآسي المروعة وأمراض الأطفال وكوارث طبيعية مدمرة بالإضافة لأحداث بشرية قاسية منتشرة على نطاق واسع لدرجة تتحدى بشكل صارخ وجود كائن محب كلي القدرة.

مع ذلك، يُظهر الذهن البشري مقاومة دفاعية شرسة للاستنتاج المنطقي القائل بان الخالق قد يكون غير مبال او عاجز بنيويا. لكي يواجه الفرد ويقبل عالما محكوما بعشوائية كلية – او ما هو أسوأ من ذلك – العجز الإلهي المطلق – ذلك يعني التخلي عن الدرع المعرفي الأساسي الذي يُبقي الرعب الوجودي بعيدا . بدلا من التخلي عن الصورة المطمئنة للمهندس المعماري الخيّر، يبذل العقل جهودا جبارة معتمدا على تبريرات معقدة، وتجزئة الأمور الى أجزاء منفصلة وإعادة صياغة الادراك وذلك لحماية ايمانه بالنظام الإلهي من الحقائق القاسية المتعلقة بالمعاناة البشرية. فمثلا، نحن نرى هذا النمط بالذات من التبرير الانتقائي يتكرر بشكل روتيني في الثقافة الشعبية، كما في الرياضيين المحترفين. عندما تحقق شخصيات معينة انتصارا ذو أهمية بالغة، هم يسارعون لتوجيه الشكر الى السماء شاكرين الله علنا على منحهم هذه النعمة وبذلك، يتجاهلون بشكل عفوي المعنى الضمني الواضح بان الإله ذاته هو الذي اختار ان يلحق الهزيمة والإحباط للفريق المنافس. ان العيب الصارخ في هذا المنطق يُحجب تماما بلحظة واحدة من الامتنان الذي يخدم المصالح الشخصية، مما يوضح مدى سهولة تغلّب السرد المتمركز حول الذات على التفكير النقدي الأساسي.

هذا الميل نحو التشكيك عادة يبدأ مبكرا في الحياة. يذكر الكاتب جون تسيليمباريس John Tsilimparis المعالج النفسي والأستاذ المساعد في جامعة بييرداين عندما كان طفلا يتذكر بوضوح حين كان يشاهد فيلم جوان دارك Joan of Arc لعام 1948، بطولة انغريد بيرغمان. القصة تدور حول مهمة جوان الإلهية ليقود الجيش الفرنسي في معركة عنيفة ضد الانجليز اثناء حرب المائة عام . حتى في عمر الشباب، مفهوم الولاية الإلهية التي توجّه البشر الى ذبح إخوانهم البشر – كل واحد منهم خُلق وبشكل صريح بواسطة نفس الاله – يتم الشعور به وبعمق كونه مفهوم غير صحيح. لماذا خالق محب عظيم القدرة يتخذ مواقف متحيزة في صراعات بشرية محلية؟ المنطق الرياضي والأخلاقي يفشل في الدفاع.

يقول جون عندما أثار هذه الشكوك امام ابيه، حاول الاب توضيح القصة من منظور ديني. مع ذلك، هو بقي غير مقتنع ان قوة عظمى تفضل امة على أخرى، وهو ما تركه غير قادر على تبرير الفرضية. ويضيف الكاتب رجوعا الى الماضي، هو امتلك دائما عقلية تحليلية لا تعرف الكلل، ربما تكون أحيانا على حسابه. في نظر ابيه، ان طريقته في تحليل آليات القصة بدلا من فهم شغفها الروحي يكون قد أغفل جوهرها تماما.

الأهمية النفسية مقابل الحقيقة التجريبية

ان تقييم الايمان فقط من خلال التحقق من صحة الحقائق او الشك العلمي يفشل في استيعاب الديناميكية النفسية الحاسمة التي تلعب دورا هاما في هذا الصدد. من منظور سريري ووجودي، ما اذا كان الاله موجود حقا في حقيقة موضوعية هو أقل أهمية بكثير من الوظيفة الحيوية التي لاغنى عنها التي يؤديها هذا المفهوم داخل النفس البشرية. الايمان يعمل كإدراك ضروري ودرع عاطفي يحمي العقل من عدم القدرة على التنبؤ الصارخ والمخيف الذي يتسم به كوننا.

عندما يُواجه الافراد بخسارة مدمرة، صدمة شخصية، او معاناة واسعة، فان العقل الخالص والتحليل الموضوعي سيكشفان عن نواقصهما المتأصلة. الحقائق يمكن بسهولة ان توضح الميكانيكا المادية خلف المأساة، مع ذلك هي غير قادرة تماما على تلبية الحاجة الملحة والمؤلمة التي تشعر بها الروح لفهم معناها الأعمق. التماسك لا يقدم سوى تشخيص موضوعي ولا يوفر أي هدف حقيقي يدفع الى المثابرة. الايمان يدخل الى هذا الفراغ مقدما نموذجا سرديا متعاليا يحوّل الألم الخام الذي يفتقر الى المعنى الى شيء ذي مغزى، او مفيد، او يتم تعويضه في نهاية المطاف في اطار تصميم أكبر. ولأسباب واضحة، هذه النزعة الادراكية المزدوجة تنتج اما محصلات بنّاءة او تدميرية اعتمادا على كيفية تطبيقها. الانكار الصارم نادرا ما يخدم هدفا جميلا.

آلية التكيف الخاصة بالقدرة على التحمل

في التحليل النهائي، حاجة الانسان لنظام الهي تنتصر دائما وبانتظام على العقلانية الخالصة. الحاجة الملحّة للشعور بان حياتنا الفردية والصراعات الجمعية تتشابك لتشكل جزءا من تصميم اكبر تمثل واحدة من أقوى التكيفات السايكولوجية والتطورية التي تشكلت يوما ما ضمن جنسنا البشري. انه دافع داخلي قوي لدرجة انه ربما يكون أقوى حتى من الحب – لأنه بينما الحب يربطنا بأشخاص معينين، فان الحاجة الى المعنى الكوني تربطنا بالوجود ذاته، فتمنع الذات من الاستسلام لليأس.

الايمان اكثر من مجرد شعور سلبي، او أثر ثقافي او وهم مريح، انه يعمل كآلية نشطة لا غنى عنها لإستمرار الانسان. انه يولّد المرونة الداخلية الضرورية للبقاء وسط عواصف الحياة المدمرة، مانحا الكائن البشري القوة النفسية لجمع شتات حياته، وإعادة بناء هدف له من المأساة، والاستمرار بالحركة قدما نحو عالم غير مؤكد.

***

حاتم حميد محسن

.........................

Psychology today, Aug 5,2026

الهوامش

1- هاريس، S. (2004). نهاية الايمان: الدين، الرعب، ومستقبل العقل. W.w. Norton & company.

2- هيتشنز، C. (2001). رسائل من شاب متمرد. باسك بوكس.

3- دوكنز، R.(2006). وهم الإله. دار هوتون ميفلين هاركورت للنشر.

4- هاوكنك، S. (1988). تاريخ موجز للزمن: من الانفجار العظيم الى الثقوب السوداء. دار بانتام للنشر.

في تاريخ الإنسانية الرحب، لم يكن الفيلسوف قريناً لشيء مثل اقترانه بالمعنى. أي القدرة القصوى على اكتشاف دلالات الأشياء، وقراءة المعاني في الحياة. إن المعنى هو أصل الفلسفة لا إمكانية التأمل والتجريد. فالإنسان كائن يعيش داخل المعني ليس إلاّ. ومهما تعقدت انماط العيش، ستظهر الأشياء تبعاً لما تعنيه بالنسبة لنا. نحن نحب في إطار المعنى، ونحزن ارتباطاً بالمعنى، ونموت عبر المعنى. هنالك لا موت صائر إلى العدم دون سرديةٍ ما. ومن ثمَّ نحرص أنْ يكون صائراً إلى معنى أيا كان. ثمة "مسيرة ميتافيزيقية " نحتفظ بذاكرتها الحية داخل اعماقنا طوال الوقت. وفجأة على إثْرها تمثل الأشياء المادية مستوى مختلفاً من الوجود. لأننا ندرك المعاني في المواقف والاحداث كما ندرك الكائنات. ونحن نمارسها مع الأفعال التلقائية التي يتم انجازُها.

أجل الإنسان يحيا ويموت ضمن سرديات زاخرة بالمعاني. ويتطلع إلى ذلك وارثاً بعضَ جوانبها وناسجاً الجوانب الأخرى من مشاعره الحية. ولعلَّ مَنْ يعشْ في " ناطحات السحاب"، قد يأخذه "مشهدُ سربٍ من النمل" تتعثر خطاه بين التراب. ومخافة أنْ تدهسه أقدام الإنسان، يهرول متحسساً الأرض باحثاً له عن مخرج. والعالم في خلفيات الأديان والعقائد عالم ملئ بالدلالات والرموز والروحانيات. كما أننا نعيش ردحاً من الزمن مُقتفين آثار الأحداث والظواهر، لا لشيء إلاَّ لكونها تركت فينا معنى لا ينقطع. والزمن بهكذا عيش مشبعٌ بهذا "العائد الادخاري" طوال العمر. وتدريجياً تفقد الوقائع بريقها الوجودي وتستمر الظلال في لحمة الحياة من مرحلة إلى أخرى.

تجارب معنى

لم تأتِ الفلسفة إلينا كنوعٍ من صداقة الحكمة فقط، بل جاءت ملازمةً لدلالات القيم والحقيقة ومعرفة قوانين الأفعال والأشياء. ولذلك كانت الفلسفة تدريباً متواصلاً على العيش في زخم المعاني. الفيلسوف كائن حسّاس لاقط لتحولات المعاني واختلافاتها. كل الفلاسفة يشتركون في هذه السمة: المعنى مرجعية لا يمكن الحياد عنها دون أن تفقد شيئاً عظيماً. وكان السعي نحوه يجمع فلاسفة الطبيعة والحياة واللغة والتقنية والتاريخ والقيم والحضارة والثقافة جنباً إلى جنبٍ. في مجمل هذه الفضاءات، ثمة ما يبحث عنه الفلاسفة ألا وهو: ماذا تعني الأشياء لنا في أقصى وجودها احتمالاً؟!

المعنى في العربية أتٍ من المعاناه، شدة الاحتمال، صعوبة القصد، مكابدة الغايات. فلكي تفهم ما يدور حولك من عوالم، فأنت ستعاني تحولاتها الجذرية قريبةً كانت أم بعيدةً. بل وإلى الدرجة القصوى من وجودك، ستقف على حافة الحياة. وبمقدار ما يحتمل الانسان وجوداً، يستطيع أنْ يفهم دلالاته الخاصة. وفي العادة نحن لا نعرف المعاني على وجه الدقة، فهي ليست مجال معرفة ولا ميدان مشاهدة، بل هي مجال تجربة وحياة وتقلب ومخاص وفناء وبقاء وأحوال. عشْ قوة المعني أيا كان، عندئذ يمكنك أن تقول قولاً عميقاً، وباستطاعتك أن تفهم ما مغزى أن تحيا على الأصالة. المعاني ليست خارج التجارب المتداخلة معها إنسانياً، فهي عمق التجربة ذاتها. لأنَّ هناك انكشافاً متواصلاً لما تعني لك من أفعال وأحداث.

تراث الفلسفة هو تاريخ في تجارب المعنى التي عايشها الناس. لم يُرد الفيلسوف تنظير اً صرفاً بمعناه الفردي، ولكنه كان يتكلم بلسان حال الحياة. وهذا هو ما أعاد تفكيره إلى اصالة التجربة الحية من وقت إلى آخر. وهي التفاصيل التي تجعل حياتنا أثيراً مشتركاً مع كافة الكائنات. غير أ نَّ الإنسان متميز بتصفية "شوائب التجارب"، لتغدو أفقاً حُراً في اتجاه ذاته. وربما لا تشعر الكائنات الحية الأخرى بتنوع التجارب، لأنها منهمكة في حياة رتيبة تحكمها الغرائز والظروف الطبيعية، في حين نجد الإنسان واعياً بتباين وتعدد حيواته بقدر تعدد التجارب. لو أنَّ ثمة تعريفاً مقتضباً للانسان، لكان هو الكائن المتعدد الحيوات خلال حياته الواحدة.

السبب الرئيس أن احتمال العيش في الحياة هو نتيجة لثراء معناها الكامن فينا. لأن المعنى في الحياة ليس اعتباطاً، ولكنه يُنوّع جوانبها، يجعلها أكثر كثافةً وحضوراً. أنت يا صاح لا تعيش مرة واحدةً، ولو كان عمرك يوماً، بل مرات ومرات حتى الرمق الأخير. مشكلتك أنك تنظر من بعيد دون احتمال المعاني. سر الأسرار الذي يجعل المكان ليس هو المكان، والزمان ليس هو الزمان، والناس ليسوا هم الناس كما نعرفهم، هو سر المعاني لا أكثر ولا أقل. تتبدل الأشياء، وتجيء الاحداث وتذهب، غير أنها تترك أثراً غائراً فيما تشعر به. والمعنى الراسب - كما يقول جورج جادمر - أكثر قوة من الزائل في تشكيل عوالم البشر. كل معنى مختزل (أصيل) في الحياة يحتفظ بانسانية إنسان ما.

لم تكن الفلسفةُ موجهةً فقط إلى الطبيعة كما عُرفت في البدايات، إنما في احياء الفكر والإرادة والقوة داخل البشر. ولأن الإنسان يحتاج أُنساً مع الإشياء عوضاً عن الوحشة والغربة، كانت المشاعر وألفة المعاني بديلاً . فالمعاني تكون لصيقة الصلة بالانسان، حتى أنه لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه. إنه يبثها في عباراته ونظراته وابتساماته وأفعاله ونمط ملابسه وطرق عيشه. الانسان فلسفياً مشروع معنى وليس مشروع وجود كما أطلق عليه فلاسفة الوجودية. المعنى هو الماهية وهو الوجود معاً، وتظل ماهيته سائرة مع المعاني وتحولاتها الحرة.

تجارب المعنى تتجلى في الشعور بالسعادة، الفرح، الحب، الألم، الهشاشة، الضعف، القوة، الشغف، المرض، التواضع، الكآبة، التفاهة. وانطلاقاً من تجارب فردية كهذه ذهبنا إلى احتمال قوة العيش. فقد ظهرت أصالة الحياة فينا لا كظاهرة، بل كامتداد إنساني عاصف. كل فلسفات الحب والقوة والحياة والسلطة والطبيعة نشأت عن هذه الجذور.

أنْ تحيا بالمعنى

ربما الانسان العادي يعيش مع المعنى، يرى المعنى مباشراً في سلوك أو سلعة أو علاقة أو موقف. ولكنه لم يحيا بالمعنى كحال وطريق للفيلسوف. الأخير لدية المهارة أن يلتقط المعنى وينحت جوانبه إنسانياً ويضيء نتائجه الحرة إلى اقصاها. شرط التفلسف أن تعيش حراً في أفق المعنى. فالفلسفة ضرب من صياغة الحياة بإزميل المعاني في الهواء الطلق. لا فلسفة ترتب أفكارها في جنح الظلام ولا في كهوف معزولة، الفلسفة الأصيلة ابنة الحياة في وضح النهار. وهي كذلك لكونها تخاطب انسانية الإنسان دون قيود. الفلسفة تعلم البشر: كيف يعيشون بالمعنى. وهذا مستوى أخر بخلاف إدراك المعاني، فقد تعي أنت أو غيرك وجود الأخيرة، ولكن ممارستها وابداعها حالاً وممارسةً شيء آخر.

تاريخياً كانت الحكمة هي الكلمة الأقرب إلى ذلك. ليست الحكمة وجه من وجوه المعرفة، بل هي أنواع متباينة بقدر تباين المعاني التي يتغياها البشر. ويتوقف على هذا ما يحتاج الإنسان الحكيم إلى معرفته وفهمه في الحياة لا المواقف المحدودة. لأن الحياة ليست حزمةً من الأشياء تقبل مرة واحدة وإلى الأبد، فهي تفاصيل من الأحداث والوقائع. تأخذ أوزانها الدالة مادامت تقترب أو تبتعد عن معناها.

المعنى في الفلسفة ليس خيطاً مجرداً، ولكنه يتشكل بقائمة متنوعة من: الأهداف والقيم والمعالم الأكثر أهمية في الحياة بجانب الهدف النهائي، إن وجد. كما ترتبط المعاني بالوسائل التي نصل بها إلى هذه الأهداف دون تبعات باهظةٍ، وترتبط بمعرفة أنواع المخاطر التي تهدد إمكانية وصولنا إلى هذه الأهداف؛ وكيفية التعرف على المخاطر وبأية وسائل يتم تلاشيها أو التقليل منها.

والمعنى يدعو الفيلسوف لدراسة الكائنات الإنسانية في كل المواقف. كيف تبدو الأنماط المختلفة من البشر بصدد الأفعال والدوافع؟ وما إذا كانت تمثل تهديدات أم فرصاً لحياة أفضل؟ وشأن المعنى أن يكون بعيد المدى فصلاً فيما هو غير ممكن أو ممكن تحقيقه (أو تجنبه). وكيفية تحديد الأشياء والأفكار المناسبة أو غير المناسبة ومتى يتم ذلك. ومن جهة أخرى ارتباطاً بالمعاني تتم معرفة: متى يمكن تحقيق أهداف معينة بصورة كافيةٍ؛ وأية قيود يصعب تجنبها وبأية صيغة يمكن قبولها، وكيفية إيقاظ الذات وعلاقاتها بالآخرين أو بالمجتمع، ومعرفة أية قيم حقيقية وغير ظاهرة للأشياء المختلفة، ومتى ينبغي اتخاذ وجهة نظر بعيدة المدى أم اتخاذ أخرى قريبة. ومعرفة تنوع وصرامة الحقائق، والمؤسسات، والطبيعة البشرية؛ وفهم الحوافز الحقيقية للإنسان؛ وكيفية التأقلم والتعامل مع المآسي والمعضلات الكبرى في الحياة، والتعامل مع الأشياء الشريرة والأشياء الطيبة الأساسية ً.

ترويض المعنى

ليس المعنى صورياً، بل هو معنى حياة. حين يفقد الكائن البشري معناه الحي، لن يكون أكثر من كائن آخر. والمعنى لا يتحدد هكذا بناء على افتراض سهل المنال. لأنه في غالب الأحوال ليس شفافاً، ولا مواتياً بحسب قيم الخير والحق والجمال. المعنى ممكن أن يكون قاتلاً مثله مثل السكين، وقد يكون مدبباً كرأس حربة نافذة. وكل أفعال الشر لها معنى بصورة أو أخرى.

الارهابيون الذي يرون نهاية العالم تبدأ بحزام ناسف، يقطعون بكون المعنى سردية أخروية. ويبحثون فيما يعدونه من خطط وتدابير قاتلة عن معانٍ. وربما الكلمات والعلامات والاشارات قد حان قطافها، حين تتطابق مع ما يستهدفون. فتبدو الأشياء تتحرك بدلالات ميتافيزيقية مقيدة بالموت. وليس الموت عارياً، بل مغلفاً بالجهاد والاستشهاد. لأنه إما النصر وهو معروف في أفق الحياة، وإما الشهادة وهو معنى قابل لابقاء الشخص بصورة أخرى.

الفلسفة لا يعنيها معتقدات البشر، ولكنه تراهن على ألا تتحول إلى فخاخ موت. تفتح دروباً لمعان جديدة، ولكن ليست على جثث الآخرين. المعاني قد تُحيي وقد تَقتل في الوقت عينه، والمهم فلسفياً أن تروض نوازع الشر داخل عقلية الكائن الذي يدرك. الفلسفة فن ترويض الشرور، حتى تكون المعاني أكثر احتمالاً. الترويض هو العقلانية التي تحرر الكائن من قيوده واكراهاته النوعية. فالتفلسف يعطينا مساحةً من الفهم والتساؤل والنقد، وتلك الممارسات ليس آليات، بل مسارات يخوضها الإنسان بحثاً عن ذاته.

ليست الشرور خضوعاً لقهر، بل املاء من دوافع سوداوية للنيل من الآخرين. التبصُر الفلسفي يجعل الإنسان عارفاً بطبيعة الشر ودوافعه وانحراف أهدافه. إنه لون من الترويض المتأمل والنقدي للغرائز وكيفية ممارستها. لأن التأمل ليس مرتبطاً – كما هو شائع – بالتحليق دون أرض، ولكنه تصفية متأنية لرصيد الشرور. القضية أن يحصر الناس الفلسفات في شقها المجرد، متناسين كون التأمل خارجاً من كائنات من لحم ودم. وليس القدرات العقلية واقفة بالطيران فوق الواقع انعزالا، لأن هذا لا يحدث على وجه الحقيقة.

الحقيقة أن التأمل معجون بالغرائز حتى الثمالة. فالحب غريزة تسامت وانفصلت عن الواقع، الموت فكرة وواقعة، حتى أصبحت مقولة حياتية، الأمل حدث يحتاج إلى مناسبة وشروط. ذلك عن طريق المعنى، لا معنى هناك بلا مضمون ولا دلالة. وربما طرائق التعبير عن التأملات هي التي تجعلها محلقةً دون سبب. كما أنَّ أكراهات الثقافة تعزل التأمل، حتى لا يلتصق بالواقع. لأنها تريد مبررات للثنائيات التي تتبناها بين (الواقع والخيال). وكذلك كل التأملات عبارة عن استعارات فقدت أصولها لسبب أو لآخر مع الاستعمال. وبات من المتعين ايجاد فكرة عامة لها كي يتم تداولها.

قد يُقال إن الحكمة أقرب إلى ذلك من التفلسف، هنا يجب توضيح كون الفلسفة تطرح أسئلة وتصوغ مفاهيم . وليس شرطاً أن تقوم على النُصح كما هي الحكمة. لأنَّ الأخيرة في أغلب جوانبها تستند إلى اخلاقيات الأفعال بينما تشتغل الفلسفة على العقل وتطوير قدراته الحرة. أي أن الفلسفة تتجاوز الحكمة من جهة الفهم وبناء المفاهيم والأداء الذي يجعلها نافذة. كما أن فنون العيش لا تنتظر حكمة آتية من تجارب حياتية، بل تحتاج إلى آلية مستمرة، تتطلب" أداء معنى" لا خطف أقوال وسلوكيات.

صحيح يؤكد الفرنسي رينيه ديكارت على بعض الواقع كعنصر ٍ مهم اتساقاً مع مكونات الحكمة، ولكنها ليست حكمة عشوائية، بل مستندة إلى المعرفة والتجربة. وقد لجأ ديكارت إلى المقارنة بين التصرف الحكيم والاعمال الإلهية، فالأخيرة أعمال قائمة على المعرفة والعلم. وبالتوازي قد يقال إن الرجال يتفاوتون في الحكمة وفقًا لمدى تفاوتهم في معرفة أهم الحقائق. ومن بين هذه الحقائق المهمة، كما يقال، حقائق حول العيش على نحو جيد، بالإضافة إلى المعرفة المطلوبة في مجالات التواصل والعيش بين الناس. وهذا المجال تطرحه الفلسفة كفضاء من أداءات المعنى في الحياة.

اختصاراً تمارس الفلسفةُ دورها لتحُل دون انحراف المعاني عن مسارات الإنسانية. ربما يكسب الفردُ موقفاً، وقد يربح مالاً، ولكنه سيخسر العالم، لأنه فقد بوصلة المعنى. انحراف المعنى ليس انحرافاً محدوداً، بل انحرافاً في رؤى الكون والوجود. الارهابي لا يقتل فرداً وإلاّ لو كان الشأن كذلك، لكان" رأسه الأصم" قابلاً للنقاش من حيث المبدأ، ولكنه حين يقتل، إنما يفترض قتل أي انسان آخر. لأنه بالفعل انجز عمومية المعنى المدمر سلفاً. ولذلك لا يُفرق الارهاب بين إنسان وآخر، بين دين وسواه، لقد أغلق ذهنيته على اسقاط جميع معاني الحياة. ومن ثمَّ فإنَّ أخطر مهام الفلسفة هي: أن تروض المعاني الشرسة داخل الإنسان، أي تُضيء الجانب المظلم من كينونتنا كمأوى أخير للأشباح والخرافات.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

بين شكلانية الأداء وأزمة الجوهر

إن الإجابة على سؤال مهم وملغز: هل لدينا مجتمع علمي في الشرق الأوسط؟ تستوجب تفكيك معنى ومفهوم "المجتمع العلمي" ذاته. فالمجتمع العلمي لا يقتصر على مجرد وجود أبنية جامعية وباحثين ومختبرات، بل يتجاوز ذلك ليعني منظومة متكاملة تحكمها معايير أخلاقية ومعرفية صارمة، وتنتج معرفة أصيلة قادرة على حل مشكلات المجتمع وتوجيه سياساته التنموية والاقتصادية.

المؤشرات الكمية مقابل الفجوة النوعية

تشير البيانات والإحصاءات الصادرة عن تقارير العلوم لليونسكو والبنك الدولي إلى أن الإنفاق الإجمالي على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول العربية لا يزال يقبع دون عتبة 1%، باستثناءات قليلة جداً مثل الإمارات العربية المتحدة التي بلغت 1.30%، في حين تراوحت النسب في دول كالمغرب وتونس ومصر حول 0.7%، وهو ما يعكس غياب الإرادة السياسية والمؤسسية لاعتبار البحث العلمي رافعة تنموية حقيقية.

رغم التوسع الكبير في قطاع التعليم العالي والزيادة الكمية الملحوظة في أعداد البحوث المنشورة، ولا سيما في قواعد البيانات العالمية مثل "سكوبس وويب أوف ساينس أن هذا النمو يخفي خلفه خللاً بنيوياً عميقاً. لقد تحولت المؤسسات الأكاديمية العربية إلى ما يشبه "مصانع للشهادات"، حيث هيمنت المؤشرات الكمية على حساب النوعية، وتم تغليب الشكليات الإجرائية على الأثر العلمي الحقيقي.

أظهرت تحليلات ببليومترية مكثفة امتدت لعقدين من الزمن لإنتاجية البحث العلمي في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية، أن هذه المنطقة، ورغم زيادة إنتاجها البحثي، لا تزال تعاني من انخفاض حاد في نسبة الأبحاث المنشورة في المجلات ذات التأثير العالي مقارنة بأمريكا الشمالية والاتحاد الأوروبي.

شكلانية الأحكام والترقيات الأكاديمية

تتجلى "شكلانية الأحكام" بأوضح وأخطر صورها في أنظمة تقييم الأداء الأكاديمي والترقيات العلمية في العالم العربي. فالنظام المعتمد يكرس معياراً أحادياً متمثلاً في العدد الكمي للأبحاث المنشورة، متجاهلاً أبعاداً جوهرية كالأصالة، والتأثير العلمي والقيمة التطبيقية لحل مشكلات الواقع. هذه السياسة لم تنتج سوى تضخم بحثي أجوف، أفضى إلى تكريس "الرداءة" على حساب الإبداع.

لقد أدى هذا الضغط المؤسسي المستمرإلى وقوع شريحة واسعة من الباحثين العرب ضحية لـ"المجلات المفترسة"  ودور النشر الربحية الوهمية التي تستغل حاجة الباحثين للترقية وتخلو من أي نظام حقيقي لمراجعة الأقران المستقلة وقد وصلت شكلانية الأحكام والفساد الأكاديمي إلى مستويات غير مسبوقة من الممارسات القسرية حيث وثقت تقارير دولية فضائح أكاديمية أدت إلى قيام قواعد البيانات العالمية الكبرى مثل "سكوبس" و"ويب أوف ساينس" بحذف وإسقاط مجلات علمية بارزة في المنطقة .ولقد كشفت التحقيقات عن تورط هيئات التحرير في إجبار الباحثين والطلاب على إدراج اقتباسات لبحوث سابقة من نفس المجلة كشرط إلزامي لقبول نشر أبحاثهم أو حتى للسماح لهم بالتخرج، وذلك في تلاعب مفضوح يهدف إلى الرفع الوهمي لـ "معامل التأثير" الخاص بتلك المجلات.

إلى جانب ذلك، تعاني البحوث الاجتماعية والإنسانية في دول اخرى من معوقات تنظيمية ومنهجية قاسية؛ تتمثل في غياب المعايير الموضوعية في التحكيم، وضعف الإلمام بالبرامج الإحصائية الحديثة وغياب الحداثة في معالجة المشكلات الاجتماعية، مما يحيل السوسيولوجيا العربية إلى مجرد استنساخ باهت لأطروحات كلاسيكية غير قادرة على تفكيك الواقع.

مأزق الحداثة المعطوبة

في ظل الأزمات الطاحنة التي تعصف بالشرق الأوسط من حروب وانهيارات اقتصادية وتفكك اجتماعي، يُطرح التساؤل الجوهري حول مدى القوة الفاعلة لـ "العقلنة" كأداة لإنقاذ الدولة وإدارة المجتمع. يشير مفهوم العقلنة، كما صاغه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر إلى السيرورة التاريخية التي تحل فيها الحسابات العقلانية الدقيقة، وسيادة القانون، والتنظيم البيروقراطي المنضبط، محل التقاليد والعواطف والقيم الروحية والروابط الأولية في إدارة شؤون الحياة الإنسانية.

الدول العربية واستعصاء العقلنة

لم تتشكل الدولة العربية الحديثة كنتيجة لتطور تاريخي طبيعي، أو صراع طبقي ناضج أو كعملية عقلنة متراكمة داخلياً كما حدث في الغرب. بل كانت في الغالب وليدة تدخلات كولونيالية خارجية، فجاءت تشكيلاتها مشوهة وغير مكتملة. ولذلك، فشلت هذه الدولة في تبني "العقلنة" كمنهج حقيقي ومؤسسي لإدارة الموارد والمجتمعات.

بدلاً من ذلك، أنتجت هذه الدولة بيروقراطية قهرية وسلطوية، استخدمت "العقل الأداتي" ليس كأداة للتحرر وإرساء العقلانية الموضوعية، بل كآلة لضبط الواقع، واحتكار السلطة، وتبرير البنى القمعية القائمة. هذه الدولة، كما يصفها عبد الله العروي وجورج طرابيشي، هي دولة سطو وانفصام تام بين السلطة والمجتمع الإنتاجي؛ إنها جهاز قمعي يفتقر للشرعية العقلانية، مما يجعل إنجازاتها لا تُنشئ إجماعاً ولا ولاءً إلا بالقهر أو بشراء الذمم.

ازدواجية الشخصية والنفاق الاجتماعي

في هذا السياق المتأزم، قدم المفكر والسوسيولوجي العراقي الرائد الدكتور علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" و"وعاظ السلاطين" تشريحاً استثنائياً لبنية العقل والمجتمع في المنطقة، كاشفاً عن صراع تاريخي عميق بين التكوين البدوي والتكوين الحضري. هذا الصراع الحضاري والنفسي أنتج ما أسماه الوردي بـ "ازدواجية الشخصية" فالفرد العراقي والعربي عموماً يتأرجح باستمرار بين قيم قبلية وعشائرية محافظة، ومبادئ مدنية حديثة شكلية.

لقد أفرزت هذه الازدواجية الناشئة عن التحديث القسري والسطحي، هيمنة شبه كاملة لـ "النفاق الاجتماعي" و"التدين الشكلي". فالمجتمع يفرض قيوداً وضغوطاً تجبر الفرد على إظهار خطاب أخلاقي وديني وعقلاني شديد المثالية، بينما يمارس في حياته الخفية والعملية سلوكيات نفعية ومصلحية تخالف هذا الخطاب تماماً. يلخص الوردي هذه المأساة بمقولته الشهيرة: "الناس يعبدون الله في العلن، ويعبدون مصالحهم في الخفاء".

تفسر هذه الرؤية الوردية بوضوح متناهٍ فشل محاولات العقلنة؛ إذ أن الأحكام في مجتمعاتنا هي أحكام شكلانية بامتياز. حيث ترتفع مظاهر التدين والشعائر والطقوس الدينية بالتوازي تماماً مع ارتفاع معدلات الفساد الإداري والسياسي والانحلال المؤسسي، مما يؤكد أن القيم تُستخدم كأداة تبريرية الأمر الذي يعطل أي مسعى لترسيخ عقلانية حضارية ومؤسساتية فاعلة.

سيولة الزمكان وإدارة الفجوات المعرفية والفلسفية

يتعقد المشهد الحضاري في الشرق الأوسط أكثر بدخوله وهو المحمل بأثقال القرون الوسطى في دوامة ما يسميه عالم الاجتماع والفيلسوف البولندي البريطاني زيجمونت بومان  بـ "الحداثة السائلة".

يجادل بومان بأن العالم قد تحول من حالة الثبات واليقين الحداثة الصلبة التي سعت للتنظيم والسيطرة على الطبيعة وإزالة الغموض إلى حالة من السيولة المفرطة. في ظل الحداثة السائلة، تنهار الهياكل الاجتماعية، والقيمية، والمؤسسية التقليدية؛ وتتبدل المعاني بوتيرة متسارعة؛ وتصبح العلاقات الإنسانية، والمعرفة، والهويات، وحتى الواجبات، مؤقتة وعابرة. يعيش الإنسان في هذه الحقبة حالة من "اللايقين الدائم" وانعدام الأمن، حيث يُلقى به في سباق استهلاكي محموم وراء كل جديد، متخلياً عن الروابط الإنسانية التي يسهل فكها.

صناعة اقتصاد الدموع

في مجتمعات الشرق الأوسط، تتخذ سيولة الزمكان طابعاً تراجيدياً كارثياً. فالأزمات المتلاحقة والمدمرة تجعل من الحاضر حالة طوارئ دائمة، وتلغي تماماً القدرة على الاستشراف أو التخطيط للمستقبل. في ظل هذه السيولة، تتسع الفجوات الفلسفية والمعرفية؛ إذ تنزلق المعاني وتفقد الكلمات دلالاتها في بحر من "الضجيج الرقمي".

لم يعد الاقتصاد مقتصراً على إنتاج السلع المادية الصلبة، بل تحول، كما يصفه بعض المفكرين المعاصرين استلهاماً لبومان، إلى "اقتصاد للدموع" واقتصاد للمعنى؛ حيث تتدفق القيم، وتتحول المادة إلى رمز، والعمل إلى مجرد تجربة عابرة. في هذا الفضاء السائل، يبرز مفهوم "الغريب" الذي نظّر له بومان؛ ذلك الآخر الذي يعجز المجتمع المأزوم عن تصنيفه، فيصبح مصدر إغراء استهلاكي من جهة، ومصدر رعب وتهديد وجودي من جهة أخرى، مما يغذي العنف المتطرف والأصوليات الإقصائية التي تحاول فرض "صلابة" وهمية بالقوة والدم.

تغول العبودية الطوعية وموت الإنسان المستلب

تتقاطع سيولة الزمكان، مع شكلانية الأحكام، وانهيار العقلنة، لتمهد الطريق أمام أخطر أمراض العقل العربي المعاصر وأشدها فتكاً بالإرادة:

"العبودية الطوعية"

هذا المفهوم، الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي الشاب إتيان دو لا بويسي في القرن السادس عشر، للإشارة إلى خضوع الشعوب للطغاة طواعية وتواطؤها في استعباد ذاتها بسبب اعتياد القهر وضعف الوعي، يتخذ اليوم أبعاداً جديدة، مركبة، ومروعة.

إن البشرية اليوم تقع ضحية لثلاث أصوليات مستبدة تمارس عنفاً وحشياً وتصنع "آلهة جديدة":

أصولية السوق التي تسلع القيم.

أصولية التقنية التي تحول الآلة إلى قائد.

وأصولية الدين المسيّس التي تكرس الانغلاق.

في ظل هذا الاستلاب العميق، نستحضر مقولة عالم النفس إريك فروم: "لقد مات الإنسان في القرن العشرين، لتحيا الأشياء ويحيا منتوجه"، ليعبر عن ذروة الاغتراب حيث تضيع الذات الإنسانية تماماً. ويتوافق هذا مع رؤية الفيلسوف هربرت ماركوز في نقده للمجتمع الصناعي والاستهلاكي الإنسان ذو البعد الواحد، حيث يوجه القمع الاستلابي الناعم حتى ساعات فراغ الناس، ليحيلهم إلى عبيد طوعيين للمردودية والربح والتنافس، مما يفرغ أي فكر نقدي من محتواه الثوري.

بلادة ردود الفعل التطورية

إن الحصيلة النهائية والمأساوية لانهيار المنظومة الأكاديمية وغياب المجتمع العلمي، هوعجز مسار العقلنة، والضياع في سيولة الزمكان، والخضوع للعبودية الطوعية، التي تتلخص في الوصول بالمجتمعات الشرق أوسطية إلى حالة من "بلادة ردود الفعل التطورية".

في علم الاجتماع، وعلم النفس التطوري، تُعرّف قدرة الكيانات الحية والمجتمعات على الاستجابة للتحديات والأزمات الوجودية وتطوير آليات بقاء وتكيف جديدة ومبتكرة، بأنها العلامة الفارقة لحيوية المجتمع وقدرته على النضج. أما في واقع المنطقة العربية، فإن ردود الفعل تجاه الأزمات الماحقة كانهيار الدول، الحروب الأهلية، التردي الاقتصادي المدقع، والتغير المناخي تتسم بالجمود المطلق، والنكوص المستمر، والعجز التام عن إحداث طفرات ثورية معرفية أو تطورية منهجية.

تتعزز هذه البلادة التطورية بما تطرق إليه جورج طرابيشي من مفهوم "العصاب الجماعي". فعندما تتعرض الأمة لصدمة تاريخية كبرى (كصدمة الحداثة أو الهزائم العسكرية المتوالية)، فإن الرد التطوري السليم يقتضي المراجعة النقدية القاسية للذات. بيد أن العقل العربي، المحاصر والمأزوم، فشل في هذه المراجعة؛ فاستخدم حيل دفاعية نفسية نكوصية، مثل إنكار الواقع المؤلم، والارتداد الطفولي نحو حلم الماضي الأسطوري ومحاولة استنساخ حلول سلفية منتهية الصلاحية لمشاكل حديثة بالغة التعقيد.

هذا النكوص هو التجسيد الأقصى لـ "البلادة التطورية"؛ حيث تستسلم قوى التطور والإبداع لقوى النكوص والتكوّص فالتنشئة الاجتماعية والبيئة الأسرية القائمة على القمع والتعليم التلقيني تولد تقييمات خاطئة للواقع ومشاعر إحباط وعقد عصابية متجذرة، تجعل الفرد يائساً، ومتبلداً، وفاقداً لأي استجابة ديناميكية لبيئته المحيطة.

بناءً على هذا التشريح السوسيولوجي والفلسفي، يمكن القول بيقين راسخ إن أزمة الشرق الأوسط ليست محض أزمة سياسية عابرة أو تعثراً اقتصادياً مرحلياً، بل هي أزمة وجودية متجذرة في البنية العميقة للعقل، وفي آليات إنتاج وتقييم المعرفة. إن "المجتمع العلمي" في المنطقة يعيش حالة من الاغتراب والتفكك؛ مجتمع تحكمه شكلانية مؤسسية مقيتة تلهث وراء الكم والترقيات الوظيفية الزائفة، متخلية عن جوهر النزاهة والمعايير الميرتونية الصارمة للعلم. هذا الخواء المعرفي جرد الأكاديميا العربية من قدرتها على قيادة قاطرة "العقلنة" المنشودة.

وتتوج هذه المأساة التاريخية بـ "بلادة تطورية" مرعبة، تمنع المجتمعات من استيعاب الصدمات وتوليد استجابات حضارية فاعلة، فتسوقها حتماً نحو النكوص العصابي، والتشرذم الطائفي، والنزيف المستمر لخيرة عقولها وأبنائها نحو المنافي.

إن كسر هذه الدائرة العدمية المفرغة لا يتحقق بالشعارات أو الإصلاحات الترقيعية، بل يتطلب استعادة الروح الراديكالية لـ "الفكر النقدي"، وتفكيك بنية "العقل المعصوب". هذا الفكر يجب أن ينطلق كضرورة وجودية لنسف البداهات والمسلمات، وتعرية سلطة المألوف، وتحرير الإنسان من قيود الأيديولوجيات الطاغية والعبودية المختارة. ويبدأ هذا المسار الشائك بإصلاح جراحي وعميق لمنظومة التعليم والبحث العلمي؛ إصلاح يعيد الاعتبار للجوهر على حساب الشكل، ويؤسس لبيئة تحتضن التنازع الفكري البناء، ليتحول العلم من مجرد أداة للاستعراض والاستهلاك الوظيفي إلى سلاح حقيقي وازن للتحرر، وبناء الذات، واسترداد الفاعلية في حركة التاريخ الإنساني.

***

غالب المسعودي

إذا كانت المحبة قد جمعت شتات القلب، ووحدت وجهته، وأورثته أنس القرب، فإن الإنسان لا يستطيع أن يواصل ارتقاءه في مدارج الكمال والجمال بالمحبة وحدها، إذ لابد للقلب الذي أحب أن يستنير، وللروح التي ذاقت القرب أن تتسع بصيرتها، وللإنسان الذي وجد وجهته أن يعرف حقيقة ما اتجه إليه. ومن هنا تتولد المعرفة بوصفها ثمرة ناضجة للمحبة، ومدرجا جديدا في رحلة الوجود الإنساني، تنتقل فيه الذات من مجرد التعلق بالحقيقة إلى السعي في إدراكها، ومن حرارة الوجدان إلى نور البصيرة.

فالمعرفة ليست مجرد زيادة في المعلومات، ولا اتساعا في الذاكرة، ولا تراكم للمفاهيم في الذهن، وإنما هي تحول يحدث في طريقة الإنسان في رؤية نفسه والعالم والحقيقة. وقد يمتلك الإنسان كثيرا من المعلومات، ثم يبقى فقيرا في المعرفة؛ لأن المعرفة الحقيقية لا تقاس بمقدار ما نختزن من قضايا، وإنما بمقدار ما تغيره الحقيقة في وعينا وسلوكنا ووجودنا. فالعلم الذي لا ينفذ إلى أعماق الإنسان قد يوسع دائرة معلوماته، لكنه لا يوسع بالضرورة دائرة وعيه.

ومن هنا كانت المعرفة في أعمق معانيها فعلا من أفعال الوجود الإنساني؛ لأن الإنسان لا يكتفي بأن يكون موجودا، بل يسأل عن معنى وجوده، ولا يكتفي بأن يرى الأشياء، بل يبحث عما وراء ظواهرها، ولا يقنع بأن يعيش داخل العالم، بل يريد أن يفهم موقعه فيه، والغاية التي من أجلها وجد. وهذا السؤال هو الذي يميز الإنسان عن مجرد الوجود الطبيعي؛ إذ إن الإنسان كائن لا يعيش الواقع فحسب، وإنما يعيش أيضا في أفق السؤال عن الواقع ومعناه ومصيره.

ولذلك فإن المعرفة تمثل انتقالا من الوجود الذي يمر بالإنسان إلى الوجود الذي يعيه الإنسان. فالعمر يمنحه الزمن، والتجربة تمنحه الخبرة، والألم يوقظ فيه السؤال، والصبر يهذب إرادته، والتوكل يحرره من وهم السيطرة، والرضا يمنحه السكينة، والمحبة توحد وجهته، ثم تأتي المعرفة لتمنحه القدرة على النظر في كل ذلك بعين أكثر وعيا وبصيرة. وهكذا لا تظهر المعرفة في مشروعنا بوصفها عنصرا منفصلا عن المراحل السابقة، وإنما باعتبارها ثمرة طبيعية لتراكم الوعي الإنساني عبر هذه المدارج.

وإذا كانت المحبة قد علمت الإنسان أن قيمة الشيء لا تقاس بمجرد امتلاكه، وإنما بما يمثله من معنى في قلبه، فإن المعرفة تعلمه أن ما يحبه يحتاج إلى بصيرة تهديه في طريق التعلق به. فالمحبة بغير بصيرة قد تتحول إلى تعلق أعمى، والمعرفة بغير محبة قد تتحول إلى جفاف ذهني، أما حين يلتقي القلب والعقل، فإن المعرفة تتحول إلى نور، والمحبة تتحول إلى وعي، ويصبح الإنسان قادرا على أن يرى ما يحب رؤية أعمق، وأن يحب ما عرفه حبا أكثر نضجا واتزانا.

وهنا تتضح العلاقة العميقة بين المعرفة والمحبة؛ فالمحبة تفتح للإنسان باب المعرفة لأنها تدفعه إلى طلب محبوبه وفهمه والاقتراب من معناه، والمعرفة بدورها تعيد تشكيل المحبة، فكلما اتسعت بصيرة الإنسان بما يحب، تحررت محبته من الوهم، وصارت أكثر صفاء وتجردا. ولهذا لا ينبغي أن نفهم العلاقة بينهما باعتبارها علاقة سببية بسيطة تبدأ بالمحبة وتنتهي بالمعرفة، وإنما باعتبارها حركة ارتقاء متبادلة، تتغذى فيها المحبة من المعرفة، وتستنير المعرفة بالمحبة.

ومن هنا تصبح المعرفة أحد أهم مدارج الكمال والجمال في الوجود الإنساني. فهي من جهة كمال، لأنها ترتقي بالإنسان من الجهل إلى الوعي، ومن الغفلة إلى الانتباه، ومن اضطراب الرؤية إلى وضوحها، وتجعله أكثر قدرة على فهم ذاته وتوجيه إرادته واختيار غايته. وهي من جهة أخرى جمال، لأنها تكشف للإنسان ما وراء الظاهر من المعاني، وتمنحه القدرة على رؤية التناسق في الوجود، والجمال في الخلق، والحكمة في التجربة، حتى يصبح العالم بالنسبة إليه أكثر من مجرد أشياء متجاورة، بل شبكة من الدلالات التي تستحق التأمل.

لكن المعرفة لا تبلغ قيمتها الحقيقية إلا إذا تحولت من معرفة للشيء إلى معرفة تغير علاقة الإنسان بالشيء. فقد يعرف الإنسان معنى الصبر، ولا يكون صابرا، ويعرف معنى التوكل، ولا يطمئن، ويعرف معنى الرضا، ولا يسكن، ويتحدث عن المحبة دون أن يحب. ولذلك فإن المعرفة التي نريدها هنا ليست معرفة وصفية تقف عند حدود التعريف، وإنما معرفة وجودية تتجاوز السؤال: ماذا أعرف؟ إلى سؤال أعمق: ماذا صنعت المعرفة بي؟

فالمعرفة التي لا تغير صاحبها قد تكون حيازة ذهنية، أما المعرفة التي تعيد ترتيب دواخله فهي وعي. ومن هنا يمكن أن نقول إن الإنسان لا يرتقي بكثرة ما يعرف فقط، وإنما بقدر ما يتحول ما يعرفه إلى بصيرة، وما تدركه بصيرته إلى موقف، وما يتحول إلى موقف إلى سلوك، وما يستقر في السلوك إلى معنى يعيشه.

وهذا يفسر لماذا لم تكن المعرفة في التراث الإسلامي مجرد نشاط عقلي منعزل عن تزكية النفس. فالعقل في التصور الإسلامي ليس خصما للقلب، والقلب ليس بديلا عن العقل، وإنما كلاهما من أدوات الإنسان في طلب الحقيقة، متى تحررا من الهوى والغفلة. ولذلك كان العلم الذي يثمر خشية، والمعرفة التي تورث تواضعا، والفهم الذي يقود إلى العمل، أرفع من معرفة تكدس المعلومات ولا تغير صاحبها.

ومن هنا أيضا يمكن فهم المعرفة في التجربة الروحية باعتبارها انتقالا من معرفة الأشياء إلى معرفة المعنى، ومن النظر في العالم إلى النظر في الدلالة التي يكشفها العالم. فالإنسان قد ينظر إلى الكون بعين الحس، فيرى ظواهره، وقد ينظر إليه بعين العقل، فيدرك نظامه، ثم ينظر إليه بعين البصيرة، فيتجاوز النظام إلى الحكمة، ويتجاوز الحكمة إلى الدلالة على خالقها.

ولا يعني ذلك إلغاء المعرفة الحسية أو العقلية، بل يعني أن المعرفة الإنسانية تتسع كلما اتسعت أدوات الإنسان في النظر. فالحواس تمنحه مادة الإدراك، والعقل ينظمها ويفسرها، والبصيرة تمنحها أفقا من المعنى. وإذا اختزل الإنسان المعرفة في مستوى واحد منها، ضاق أفقه عن الإحاطة بحقيقة وجوده.

ولهذا فإن المعرفة في أرقى صورها ليست انفصالا عن العالم، وإنما هي عودة إليه بوعي جديد. فالإنسان العارف لا يهرب من الحياة، ولا يحتقر العالم، ولا يتخلى عن العقل، وإنما يرى الأشياء في مواضعها، ويمنح كل شيء قدره، ولا يجعل الوسيلة غاية، ولا الظاهر نهاية، ولا الجزئي بديلا عن الكلي.

وهنا تبرز قيمة المعرفة في إعادة بناء علاقة الإنسان بنفسه أيضا؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يعرف العالم دون أن يواجه سؤال ذاته. وكلما تعمقت معرفته بنفسه، أدرك حدود قدرته، واكتشف دوافعه الخفية، وتبين له مقدار ما يختلط في داخله من رغبات ومخاوف وأوهام. ومن هنا تصبح معرفة النفس مدخلا ضروريا إلى تحريرها، لأن الإنسان لا يستطيع أن يتجاوز ما لا يراه، ولا أن يصلح ما لا يعرفه.

ولهذا كانت المعرفة في جوهرها كشفا قبل أن تكون امتلاكا؛ كشفا للإنسان عن ذاته، وكشفا للعالم عن دلالاته، وكشفا للحقيقة عن أفقها. وكلما انكشف للإنسان شيء من الحقيقة، اكتشف في الوقت نفسه محدودية ما كان يظنه معرفة مكتملة. ومن هنا تنشأ إحدى أجمل خصائص المعرفة الحقيقية: أنها لا تورث الغرور، وإنما تورث التواضع؛ لأن العارف كلما اتسعت رؤيته، اتسع معها إدراكه لما يجهله.

وهكذا تهيئ المعرفة الإنسان لمرتبة أعمق من الوعي؛ مرتبة لا يعود فيها السؤال عن الحقيقة منفصلا عن السؤال عن الغاية، ولا يصبح إدراك النظام في الوجود منفصلا عن البحث عمن أقام هذا النظام، ولا يبقى النظر في الجمال مجرد تذوق، بل يتحول إلى سؤال عن مصدر الجمال، ولا يبقى إدراك الكمال مجرد إعجاب، بل يتحول إلى توق إلى الكمال المطلق.

ومن هنا يبدأ المعنى الأعمق للمعرفة في الظهور؛ فكلما ارتقى الإنسان في مدارجها، لم يعد غرضه أن يعرف أشياء أكثر، وإنما أن يرى الحقيقة رؤية أعمق، وأن يدرك موقع نفسه منها، وأن تتوحد لديه المعرفة والغاية، فيتحول السؤال من: ماذا أعرف؟ إلى: إلى أين تقودني هذه المعرفة؟

وهنا تحديدا تتهيأ المعرفة للانتقال من كونها ثمرة للمحبة إلى كونها طريقا يكشف للإنسان حقيقة المحبوب، ويمنحه من البصيرة ما يجعله أكثر استعدادا لإدراك وحدة المعنى وراء تعدد الموجودات.

وللحديث بقية في الجزء الثاني من المقال إن شاء الله..........

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

اهداء إلى الدكتور عبد الجبار الرفاعي مع التقدير

هي اللغة في كل ما تحتوي من كلمات، إنفعالية كانت أم مرنة، أم موجهه بخطاب نحو آخر، هي تحمل ما يدور في اعماق النفس، تحمل رغبة نحو الآخر، أيًا كان نوع هذه الرغبة، لذلك حينما رأى التحليل النفسي بأن الإنسان يُعرف بلغة رغبته هو فعلا على حق، فاللغة نعني بها ما يعتمل في داخل النفس، وبلغة علم النفس تفاعلات انفعاليه ومعالجات تنتج الكلمة.

نتكلم هنا عن النزعة النفسية للغة المتمثلة باللفظ، وما يعبر عنه الفرد من كلمات منطوقة بلفظ، وهل هي فعلا تعبر عن الملفوظ، أو بالعكس يمكن أن يكون الملفوظ شيئًا، بينما التلفظ قد يكشف شيئًا آخر؟ لا توجد كلمة لكل شيء كما يقول جاك لاكان المحلل النفسي الفرنسي. ويضيف لنا " فريدناند دي سوسير " قوله بأن كل شيء في الحقيقة سيكولوجي في اللسان، وإن عمقنا فكرة "سوسير" وجعلنا من التكوين الفرضي للفكرة التي تنتج الكلمة بلغة تناسب مع ما يقال، وليس اللسان وحده، لأنه مجرد ناقل لما نفكر فيه، وفي بعض الأحيان يغدر بنا هذا اللسان حينما تظهر الهفوة أو زلة اللسان معلنة ومكشرة عن أنواع مختلفة من المخبوء.

نتسائل ماذا تحمل ذواتنا من تراكم في اللاوعي – اللاشعور بحيث أضحت الكلمة تصاغ قبل نطقها ونقلها إلى اللسان بما يكون ملفوظ منها؟ ونستطيع أن نقول هناك اشياء كثيرة تتداخل في اللفظ " الذي يمثل الذات بالنسبة إلى لفظ آخر كما يؤكده لاكان دائمًا" منها التخييل لدى الشخص، ومنها الجانب الرمزي وما حمل من أطنان من صور ما تعلمه وأكتسبه، والأصح ما أدركه كما يريد إدراكه

 بالتخييل، ولكنه في الحقيقة ليس كما نُطقَ من والدينا " الام والأب " أو من يقوم مقامهما في تربيتنا، ونريد أن نعرف ماذا يقول اللفظ في سلسلة الكلام بما يتجاوز المعنى الواعي للملفوظ، فضلا عن حياة العلامات في الحياة الاجتماعية لدى كل فرد وما تدونه، وبمختلف المجتمعات وتنوعها وطقوسها وتقاليدها، وهي جزء كبير منها التقاليد المكتسبة التي تتدحرج في عالم اللاشعور لتبني على ما خزن من عالم الطفولة ليعيد تشكيل الكلمات المنطوقة في الوقت الحاضر.

 فالإنسان ربما ينطق شيئًا وهو واعٍ بما يقوله، لكن الذات اللاواعية – اللاشعورية ربما تظهر في بنية القول نفسها كما يراه لاكان.

 إذن اللغة تصاغ من معامل اللاوعي – اللاشعور بلغة خاصة، واصبح للاشعور لغة مصاغة بشكل مقبول في انفعالات الملفوظ بشقيه السوي والمتقارب للسواء ليتناسب مع ما يقال، وإن جَانبَ – أبتعد عن الحقيقة في بعدها الرمزي في القول أو في النية؟

نستعير من " بول ريكور " فكرة إن كل ما يمكن أن يُقال عن الكلمات يَنْتج عن تطابقها مع الأفكار، الحديث عن الأفكار وعن الكلمات، هو الحديث مرتين عن الأفكار: ففي المرة الأولى يدور الحديث عن الأفكار في ذاتها، وفي المرة الثانية عن الأفكار باعتبارها مُمَثَّلة بالكلمات. ويضيف " ريكور " ان المعنى هو في علاقته بالكلمة، ما تجعلنا هذه الكلمة نَفهمه أو نُفكر فيه أو نحس به من خلال دلالته، ودلالته هي ما تعنيه، أي ذلك الذي تُمثل دليله.

ولو تناولنا العلاقة بين اللفظ والملفوظ عند "جاك لاكان" لوجدنا أن اللفظ ليس مجرد كلمة تحمل معنى سطحي، أو ثابت، بل أن اللفظ هو عنصر لغوي يعمل داخل شبكة من الألفاظ، ورأي " لاكان" بأن اللفظ يمثل الذات بالنسبة إلى لفظ آخر، وهي في الحقيقة أن الذات لا تكون موجودة ومكتملة قبل اللغة.

بل تتحدد داخل سلسلة الألفاظ التي تتكلم من خلالها. أما الملفوظ فهو ما يقال فعليًا كما هو وما نسمعه، وهي الجملة أو الكلمة أو العبارة التي ننطق بها عندما نتكلم. يمكننا القول وكما دونه لاكان بأن اللفظ عنصر داخل النظام الرمزي، أما الملفوظ وهو ما يتشكل من هذه العناصر في قول محدد، والتلفظ فعل القول وموقع الذات وهي تتكلم وتقول. " نص منقول".

مما تقدم حاولنا ربط العلاقة بين الكلمة واللفظ والملفوظ ولكن لم ننسى انفعالات كل منهم، فالانفعال كما هو معروف إحساس قوي، ويصاحب الإنفعال التغيرات الجسمية التي تقع من خلال الجهاز العصبي، فالكلمة تمر بحالة إنفعال حين نطقها، أو لفظها عبر اللسان، حيث تأخذ صورة صوتيه معينة محددة بالاسلوب التي قيلت به وهي تعبر عن ما يدور بداخل قائلها، وهل فعلًا هذه الكلمة التي قيلت ما الذي يمكن أن نكشفه في قول المتحدث؟ هل هو يقصده؟ ويدلنا التحليل النفسي الذي يتعمق بالنفس من خلال اللغة والكلمة من المعنى المقصود إلى عمل الدال / اللفظ داخل خطاب الذات. وقول التحليل النفسي عند لاكان الذات ليست هي نفسها المتكلم. لا ندري ما شدة تأثير الإنفعالات السابقة الخبيئة في اللاوعي – اللاشعور والتي عادت بلغة تتسم بالانفعال الواضح في الكلمة وقولها. وتدلنا معرفتنا بالانفعالية بأنها خاصة أساسية وطبيعية لكل موجود إنساني، إنها تتيح له أن يستجيب إلى سائر المنبهات الخارجية والداخلية، ويمكن أن نسمي جميع هذه المنبهات بالظروف كما يرى " داكو" ذلك، ولكن لنا القول أيضًا أن دواخلنا تستدعي ما فيها من انفعالات مخزونة في عالم اللاشعور – اللاوعي في كلمة تشكل لغة خطاب يمثل أي من البشر كأسلوب يختص به، أو نص يريد فهمه كما بنى تكوينه النفسي منذ سنواته الاولى في مرحلة الطفولة. 

***

د. اسعد الامارة 

مقاربة مابعد كولونيالية جذرية

مقدمة: تُعتبر استراتيجية مقاومة التفاهة أحد المحاور المركزية في الفكر الفلسفي والسياسي المعاصر، خاصة في السياقات التي تتقاطع فيها السلطة مع الهيمنة والاستعمار. في الغرب، تطورت مفاهيم المقاومة ضمن أطر فلسفية متنوعة، بدءاً من التمرد الوجودي مروراً بنقد السلطة وانتهاءً بتفكيك البنى المعرفية. أما في السياق العربي، فقد ارتبطت استراتيجيات المقاومة ارتباطاً وثيقاً بتجربة الاستعمار والاستعمار الجديد، فصاغها مفكرون عرب في مواجهة الإرث الكولونيالي والتبعية الثقافية والسياسية والاقتصادية.  تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة استراتيجية المقاومة مقارنة بين فلاسفة الغرب ومفكري العرب من منظور مابعد كولونيالي جذري. هذا المنظور لا يكتفي بوصف الهيمنة أو اقتراح هجينة ثقافية، بل يسعى إلى كشف آليات السيطرة المعرفية والوجودية، ويدفع نحو قطيعة إبستيمولوجية جذرية مع المركز الغربي، وإعادة تأسيس الذات المقاومة انطلاقاً من موقعها التاريخي والوجودي الخاص. المقاومة هنا ليست مجرد رد فعل، بل استراتيجية واعية لإعادة إنتاج المعنى والسلطة والمعرفة من خارج الإطارات التي فرضها النظام الكولونيالي.  تتجلى أهمية هذه المقاربة في كونها تتجاوز الثنائيات السطحية (غرب/شرق، مركز/هامش) لتفحص كيف تتشكل استراتيجيات المقاومة في سياقات مختلفة، وكيف يمكن للفكر العربي أن يستفيد من الأدوات الغربية دون الوقوع في التبعية، وكيف يمكن في الوقت نفسه أن يطور أدواته الخاصة التي تنبثق من تجربة الاستعمار المباشر والذاكرة الجماعية والمقاومة المستمرة.

في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة

في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، تبلورت استراتيجيات المقاومة عبر مسارات متعددة. عند نيتشه، تظهر المقاومة في صورة إرادة القوة ورفض الأخلاق العبيدية التي تنتجها السلطة، حيث يصبح التجاوز والخلق الذاتي شكلاً من أشكال التمرد على القيم المفروضة. أما في الوجودية، خاصة عند سارتر وكامو، فتتجسد المقاومة في الحرية المطلقة والتمرد ضد العبث والاضطهاد؛ فالوجود يسبق الماهية، والاختيار الحر يصبح فعلاً مقاوماً في مواجهة الحتميات الاجتماعية والسياسية.  مع ميشيل فوكو، تتحول المقاومة إلى مفهوم أكثر تعقيداً يرتبط بتشابك السلطة والمعرفة. السلطة ليست مجرد قمع خارجي، بل شبكة منتجة تتخلل الجسد والخطاب والمؤسسات. المقاومة، وفقاً لهذا التصور، ليست خارج السلطة بل ملازمة لها؛ حيث توجد نقاط مقاومة متعددة ومتناثرة، تتشكل في المواقع اليومية والممارسات الخطابية والجسدية. هذه الرؤية فتحت أفقاً لفهم المقاومة كاستراتيجية ميكروفيزيائية، لكنها بقيت في كثير من الأحيان أسيرة السياق الغربي الذي ينتج السلطة ذاتها.  في النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت، تظهر المقاومة في نقد العقل الأداتي والثقافة الجماهيرية، حيث يُنظر إلى التحرر على أنه تجاوز للهيمنة الثقافية التي تعيد إنتاج النظام الرأسمالي. أما عند غرامشي، فتتجلى استراتيجية المقاومة في الحرب المواقعية وبناء الهيمنة المضادة من خلال المثقف العضوي والمجتمع المدني. هذه المفاهيم الغربية، رغم عمقها، غالباً ما تنطلق من تجربة داخلية للمجتمعات الصناعية والديمقراطية الليبرالية، وتتعامل مع الاستعمار بوصفه ظاهرة تاريخية هامشية أو مرحلة من مراحل التوسع الرأسمالي، دون أن تضع تجربة المستعمَر في المركز.

المفكرون العرب

في المقابل، يطور المفكرون العرب استراتيجيات مقاومة تنبثق مباشرة من تجربة الاستعمار والاستعمار الجديد. إدوارد سعيد، رغم تكوينه الغربي، أعاد توجيه أدوات النقد الأدبي والفلسفي نحو كشف آليات الاستشراق بوصفها خطاباً يُنتج الآخر ويبرر السيطرة. المقاومة عنده ثقافية ومعرفية في المقام الأول؛ فهي تعني استعادة الحق في تمثيل الذات، وكتابة التاريخ المضاد، وتفكيك الصور النمطية التي حوّلت الشرق إلى موضوع سلبي. غير أن سعيد يظل يعمل في كثير من الأحيان داخل إطار الحوار مع الغرب، مما يحد من جذرية القطيعة. يذهب مفكرون عرب آخرون أبعد من ذلك في اتجاه أكثر جذرية. لدى بعض التيارات الفكرية العربية المعاصرة، تُفهم المقاومة بوصفها عملية تحرر إبستيمولوجي شاملة، تتضمن نقد العقل الغربي من جذوره، وإعادة الاعتبار إلى الموروث الثقافي والديني واللغوي بوصفه مصدراً للمعنى وليس مجرد تراثاً فولكلورياً. هنا تصبح اللغة العربية ذاتها موقعاً للمقاومة، حيث يُعاد بناء المفاهيم الفلسفية والسياسية بعيداً عن الترجمة التبعية. كما تظهر استراتيجيات المقاومة في الدعوة إلى استقلال معرفي يرفض مركزية النموذج الغربي في التنمية والديمقراطية والحداثة، ويقترح نماذج تنبع من الخصوصية التاريخية والاجتماعية.من منظور ما بعد كولونيالي جذري، تتضح الفروقات الجوهرية. الفلسفة الغربية غالباً ما تصور المقاومة كفعل داخلي في مواجهة السلطة الحديثة، أو كتجاوز فردي أو جماعي داخل نظام يُفترض أنه قابل للإصلاح. أما في السياق العربي، فإن المقاومة تواجه بنية كولونيالية مستمرة تتجلى في السيطرة على الموارد والحدود والتمثيلات والرموز. لذا تكتسب الاستراتيجية طابعاً وجودياً أكثر حدة؛ فالمقاومة ليست فقط نقداً للسلطة، بل استعادة للوجود ذاته الذي حاول الاستعمار محوه أو تشويهه.  المقاربة الجذرية ترفض الاكتفاء بالهجنة أو التفاوض مع المركز، وتدعو إلى قطيعة معرفية تُعيد تعريف مفاهيم مثل الحرية والعدالة والتقدم انطلاقاً من تجربة الهامش. في هذا الإطار، تصبح المقاومة استراتيجية متعددة الأبعاد: معرفية (تفكيك الخطابات المهيمنة)، ثقافية (إحياء الذاكرة والرموز المحلية)، سياسية (رفض التبعية وإعادة بناء السيادة)، ووجودية (تأكيد الذات في مواجهة الاغتراب). هذا لا يعني رفض كل ما هو غربي بشكل مطلق، بل يعني التعامل معه كأحد الموارد الممكنة بعد أن يُنزع عنه طابع الكونية المزعومة، ويُخضع لنقد جذري يكشف حدوده التاريخية.

تظهر التوترات بوضوح عند مقارنة مفهومي السلطة والمقاومة. في الفكر الغربي المعاصر، غالباً ما تُرى السلطة كمنتشرة وغير مركزية، مما يجعل المقاومة أيضاً مبعثرة. أما في التجربة العربية، فإن السلطة الكولونيالية وما بعدها تبدو أكثر تركيزاً ووضوحاً في آلياتها الاقتصادية والعسكرية والثقافية، مما يستدعي استراتيجيات مقاومة أكثر تنظيماً وجماعية، تربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي والمعرفي. كما أن البعد الروحي والديني، الذي غالباً ما يُهمش في الفلسفات الغربية العلمانية، يلعب دوراً مركزياً في كثير من تصورات المقاومة العربية، سواء كمورد رمزي أو كإطار أخلاقي للتمرد.إن المقاربة المابعد كولونيالية الجذرية تكشف أيضاً عن حدود الاستعارة. فاستيراد مفاهيم فوكو أو غرامشي أو دريدا دون توطين نقدي قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التبعية تحت غطاء المقاومة. لذا يتطلب الأمر عملية ترجمة نقدية مزدوجة: ترجمة الأدوات الغربية إلى السياق العربي مع كشف تحيزاتها، وترجمة التجربة العربية إلى لغة نظرية قادرة على مخاطبة العالم دون التنازل عن خصوصيتها. المقاومة الحقيقية هنا هي مقاومة ضد الاستعمار المعرفي ذاته، وضد تحويل المفكر العربي إلى مجرد مستهلك أو مقلد للنظرية الغربية.

خاتمة

تكشف المقارنة بين استراتيجيات المقاومة عند فلاسفة الغرب ومفكري العرب عن اختلاف جوهري في المنطلقات والغايات. ففي حين تنبثق المقاومة الغربية في كثير من الأحيان من نقد داخلي للحداثة والسلطة الحديثة، تنبع المقاومة العربية من مواجهة مباشرة مع بنية كولونيالية لا تزال آثارها حاضرة. المقاربة المابعد كولونيالية الجذرية تتجاوز مجرد الوصف المقارن لتدعو إلى تأسيس نظرية مقاومة تنطلق من موقع المستعمَر، وتعيد صياغة مفاهيم السلطة والمعرفة والحرية بعيداً عن المركزية الغربية. هذه الاستراتيجية الجذرية ليست دعوة إلى انغلاق ثقافي، بل إلى استقلال معرفي يمكّن الفكر العربي من المساهمة في الحوار العالمي من موقع الندية لا التبعية. إنها تتطلب وعياً نقدياً مزدوجاً: نقداً للغرب ولآليات هيمنته، ونقداً ذاتياً للبنى الداخلية التي قد تعيد إنتاج أشكال من الهيمنة. في نهاية المطاف، تظل المقاومة عملية مستمرة وغير مكتملة، تتجدد مع كل محاولة لإعادة إنتاج السيطرة، وتكتسب معناها الحقيقي عندما تتحول من رد فعل إلى مشروع لبناء عالم أكثر عدلاً وإنسانية، ينبثق من تجارب الهامش لا من إملاءات المركز. فكيف نجعل من قضية فك الارتباط مع التأخر نقطة مركزية في جدول أعمال السياسات الرسمية للدول العربية والاسلامية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

الفينومينولوجيا العربية

ليست الفينومينولوجيا مجرد مذهب فلسفي بين مذاهب القرن العشرين، ولا تقنية وصفية تُضاف إلى مناهج التفكير، بل هي انقلاب في طريقة النظر إلى الإنسان والعالم؛ إذ نقلت السؤال الفلسفي من البحث عن الأشياء كما يُفترض أن تكون في ذاتها، إلى الإصغاء لما يحدث حين تظهر الأشياء للوعي، وحين يتحول العالم من مجرد وجود خارجي إلى عالمٍ مُعاش، محمّل بالدلالة والقيمة والذاكرة والانفعال. إنها، في أعمق دلالاتها، محاولة لاستعادة التجربة الإنسانية قبل أن تُثقلها المفاهيم الجاهزة، والأنساق المغلقة، والأحكام المسبقة.

ومن هنا تأتي دعوة إدموند هوسرل الشهيرة إلى «العودة إلى الأشياء ذاتها»؛ وهي ليست عودة ساذجة إلى الواقع الخارجي، وإنما عودة إلى الظاهرة كما تُعطى في الخبرة. فالمهم ليس الشيء مجرداً عن كل علاقة، بل الشيء كما يُدرك، وكما يتشكل معناه في الشعور. بذلك أعادت الفينومينولوجيا الاعتبار إلى الوعي بوصفه فعلاً لا وعاءً؛ فهو لا يستقبل العالم استقبالاً سلبياً، وإنما يتجه إليه ويمنحه إمكان الظهور والمعنى.

الوعي ليس جزيرة:

يقوم أحد المفاتيح الكبرى للفينومينولوجيا على مفهوم القصدية. فالوعي، في التصور الهوسرلي، وعيٌ بشيء؛ لا يوجد وعياً خالصاً منعزلاً عن موضوعه. أن أحب يعني أن أحب شيئاً، وأن أتذكر يعني أن أتذكر شيئاً، وأن أخاف يعني أن أخاف من شيء. وهكذا تنحل الثنائية التقليدية بين الذات والموضوع في علاقة حية يتكون فيها المعنى من تفاعل الطرفين.

وهنا تكمن إحدى الثورات التي أحدثها هوسرل: فقد لم يعد الوعي مرآةً صامتة للعالم، بل أصبح أفقاً تتشكل داخله كيفية حضور العالم. ومن أجل الوصول إلى البنية العميقة للتجربة اقترح الإبوخيه أو تعليق الحكم، بحيث نضع مؤقتاً بين قوسين اعتقاداتنا المسبقة حول العالم، لا لإنكار العالم، وإنما لكي نرى كيف يُعطى لنا.

من هوسرل إلى هايدغر: من الوعي إلى الوجود:

إذا كان هوسرل قد جعل الوعي نقطة انطلاق الفينومينولوجيا، فإن مارتن هايدغر دفعها نحو سؤال أكثر جذرية: ما معنى أن يكون الإنسان موجوداً؟

لم يعد الظهور عند هايدغر مجرد كيفية حضور موضوع أمام وعي، بل أصبح طريقاً إلى كشف الوجود ذاته. فالإنسان ليس ذاتاً تقف خارج العالم لتراقبه، وإنما كائن منخرط في العالم، يعيش فيه، ويعمل، ويحب، ويخاف، ويموت. ولذلك ارتبط مفهوم «الوجود-في-العالم» بتجاوز الثنائية الصلبة بين الذات والموضوع.

وهنا يصبح الموت، مثلاً، ليس حادثة تقع في نهاية الحياة فحسب، بل إمكانية تكشف للإنسان حقيقة وجوده المحدود. فالإنسان لا يفهم ذاته تماماً إلا حين يواجه هشاشته وفناءه وقلقه ومسؤوليته عن اختياراته.

ميرلو-بونتي: الجسد الذي يفكر قبل الفكر:

أما موريس ميرلو-بونتي فقد أحدث تحولاً بالغ الأهمية حين أعاد للجسد مكانته في بناء الإدراك. فالجسد ليس شيئاً نملكه كما نملك الأشياء، بل هو طريقتنا الأولى في أن نكون في العالم.

نحن لا نرى العالم بأعيننا فقط؛ إننا نلمسه ونقترب منه ونبتعد عنه ونحسّ بثقله وحرارته ومسافته. ولذلك يصبح الجسد وسيطاً للمعنى، لا مجرد مادة بيولوجية. ومن هذه الزاوية، فإن تجربة الإنسان لا تبدأ من عقل منفصل عن الجسد، بل من كائن جسدي يعيش العالم قبل أن يحوله إلى مفاهيم.

سارتر: الوعي والحرية والآخر:

وفي الفينومينولوجيا الوجودية عند جان بول سارتر، يتحول الوعي إلى حركة مستمرة من التجاوز. فالإنسان ليس ماهية مكتملة تحددها مسبقاً، وإنما مشروع يتشكل من خلال اختياراته. ولهذا ارتبط الوعي بالحرية والمسؤولية.

غير أن الحرية لا تعيش في فراغ؛ فالآخر حاضر دائماً بوصفه نظرةً وحكماً واحتمالاً. ومن هنا جاءت تجربة النظر عند سارتر بوصفها تجربة تكشف للإنسان ذاته من خلال حضور الآخر. فالإنسان لا يعيش في عالم الأشياء فقط، بل في عالم من الذوات التي تنظر إليه وتؤوله وتمنحه أو تسلبه بعض إمكانات تعريف ذاته.

الفينومينولوجيا العربية: من استيراد المنهج إلى إعادة مساءلته:

لم يبقَ الأفق الفينومينولوجي حبيس الفلسفة الغربية؛ فقد دخل إلى الفكر العربي الحديث عبر ترجمات ودراسات ومشروعات فلسفية حاولت أن تجعل منه أداة لفهم أزمة الإنسان العربي وعلاقته بالتراث والحداثة والهوية.

وقد كان زكي نجيب محمود شديد الحساسية تجاه ضرورة التمييز بين الفلسفة التي تتحول إلى ترف اصطلاحي والفلسفة التي تنزل إلى مشكلات الإنسان الواقعية. ومن زاوية مختلفة، أسهم عبد الرحمن بدوي في التعريف بالفلسفة الوجودية والفينومينولوجية، ونقل جانباً مهماً من مفاهيمها إلى العربية، كما جعل من سؤال الوجود والحرية والذات مركزاً لعدد من أعماله.

أما حسن حنفي فقد سعى إلى إعادة توظيف الظاهراتية ضمن مشروعه الفلسفي الأوسع، ولا سيما في قراءته للتراث والوعي والواقع، محاولاً ألا تبقى الظاهراتية مجرد وافد فلسفي غربي، بل أن تتحول إلى أداة في تحليل الواقع العربي. بينما اتخذ محمد عابد الجابري مساراً معرفياً ونقدياً مختلفاً، مركزاً على بنية العقل العربي وآليات إنتاج المعرفة، وهو ما يفتح، بصورة غير مباشرة، سؤالاً قريباً من السؤال الفينومينولوجي: كيف يتشكل الوعي بالمعنى داخل منظومة ثقافية محددة؟

ومن جهة أخرى، منح عبد الله العروي سؤال الوعي التاريخي والحداثة مكانة مركزية، فيما اشتغل طه عبد الرحمن على العلاقة بين الفعل والمعنى والأخلاق، مؤكداً أن الفكر لا يستنفد الإنسان إذا انفصل عن تجربته الأخلاقية والوجودية. وهذه المسارات، على اختلافها، تؤكد أن استقبال الفينومينولوجيا عربياً لم يكن مجرد نقل لمصطلحاتها، وإنما كان محاولة لإعادة صياغة سؤال الذات والوعي والمعنى في سياق ثقافي مغاير.

الفينومينولوجيا والأدب: حين يصبح النص تجربةً معاشة:

ولعل الأدب من أكثر المجالات قابليةً للحوار مع الفينومينولوجيا؛ لأن الأدب لا يكتفي بوصف الأشياء، بل يعيد بناء كيفية حضورها في الشعور. فالمدينة في الرواية ليست شوارع وأبنية، وإنما ذاكرة ومخاوف وحنين؛ والنافذة ليست مجرد إطار زجاجي، وإنما انتظار؛ والمطر ليس ماءً ساقطاً من السماء، وإنما قد يكون حزناً أو خلاصاً أو استعادة لطفولة بعيدة.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تتقاطع الفينومينولوجيا مع الشعر والسرد: كلاهما يحاول القبض على اللحظة التي يتكون فيها المعنى قبل أن يتحول إلى تعريف نهائي. إن الشاعر لا يقول لنا فقط «ماذا رأى»، وإنما يجعلنا نرى كيف رأى.

وهذا ما يجعل الفينومينولوجيا ذات صلة عميقة بالنقد الأدبي؛ فهي تنقل السؤال من: «ماذا يعني النص؟» إلى سؤال أسبق: كيف يتشكل المعنى في تجربة القراءة؟ وكيف يحضر العالم داخل اللغة؟

بين الظاهرة والجوهر:

غير أن الفينومينولوجيا لا ينبغي أن تُفهم بوصفها بحثاً عن جوهر ثابت مختبئ خلف الظواهر، كما لو أن العالم يخفي حقيقة نهائية لا تنتظر إلا الكشف. فالجوهر عند هوسرل يتصل بالبنية التي تجعل التجربة ما هي عليه؛ أي بما يمكن استخلاصه عبر النظر المتأني في كيفية ظهورها.

وهنا تكمن قيمة المنهج: إنه يعلمنا أن نتأنى قبل الحكم، وأن نصغي قبل التفسير، وأن نعيد النظر في ما اعتدنا اعتباره بديهياً. إنها فلسفة مقاومة للتسرع المعرفي؛ لأن كثيراً من أخطائنا لا تأتي من نقص المعلومات، وإنما من سرعة تحويل التجربة إلى حكم.

أن نرى العالم للمرة الأولى:

الفينومينولوجيا، في جوهرها، ليست دعوة إلى الهروب من العالم، بل إلى العودة إليه بوعي أكثر يقظة. إنها تعلمنا أن العالم الذي نظنه مألوفاً قد يصبح غريباً حين نكف عن النظر إليه بعين العادة؛ وأن الإنسان نفسه يحتاج أحياناً إلى أن يخلع عن ذاته التعريفات التي تراكمت فوقها، لكي يكتشف ما الذي يعنيه أن يكون إنساناً.

لقد أعادت الفينومينولوجيا إلى الفلسفة سؤالاً بالغ البساطة والعسر معاً: كيف يظهر العالم لنا؟ ومن هذا السؤال الصغير انفتحت أسئلة كبرى حول الوعي والجسد واللغة والزمان والآخر والحرية والموت.

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه منها أن الحقيقة لا تبدأ دائماً من امتلاك جواب، بل من تحرير السؤال من أوهام الإجابة الجاهزة. فالفلسفة، حين تستعيد قدرتها على الدهشة، لا تعود مجرد بناء نظري فوق العالم، وإنما تصبح تمريناً على رؤية العالم من جديد؛ كأننا نراه للمرة الأولى، وكأن الوعي، في كل لحظة، يولد من جديد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

الجذور المعرفية والسياسية لأزمة العقل

تطرح دراسة الإيتولوجيا، بوصفها دراسة لأصول ومسببات وديناميكيات المعرفة الإنسانية، تساؤلات جوهرية حول الآليات التي ينحرف بها العقل عن مساره النقدي ليقع فريسة للوعي الزائف والأوهام. إن دراسة "عِلل العقل الفلسفية" لا تعني البحث في الاختلالات العصبية أو البيولوجية، بل تتمثل في فحص التشوهات البنيوية التي تعتري آليات الإدراك والتفكير نتيجة لتعقيدات البِنَى الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والانفعالية. وفي غياب العقل النقدي الفاعل، تتخلق "آليات سردية" كبرى تعمل على إنتاج وإعادة إنتاج "الخرافة" كأداة للهيمنة. هذه الخرافة، في تجلياتها الحديثة، تتجاوز الأساطير القديمة لتتخذ أنساق فكرية وعقائد مؤسسية وحقائق تكنولوجية تُفرض على الوعي الجمعي. 

لقد شهد التاريخ الفكري والسياسي البشري ما يمكن تسميته بـ"انتفاضة العقل التحرري"، وهي محاولات حثيثة متكررة قادها فلاسفة، ومنظرون نقديون، وحركات اجتماعية بهدف تفكيك هذه السرديات وتحرير الوعي الإنساني من الاستلاب والاغتراب. ومع ذلك، فإن التحليل العميق للواقع المعاصر يكشف عن مفارقة قاسية؛ إذ لم تؤدِ هذه الانتفاضات إلى تقويض الهيمنة الرأسمالية، بل دفعت هذه الهيمنة إلى تطوير آلياتها، متكيفة بمرونة مذهلة عبر ابتكار أدوات استغلال ناعمة تعيد صياغة السلوك البشري من الداخل. إنَّ التقاطعات بين طبائع المعرفة والعِلل الاجتماعية للعقل، تستهدف تحليل الآليات السردية التي تُنتِج التصديق بالخرافة، وتتبع مسار العقل التحرّري وهو يواجه أشدَّ صور الهيمنة الرأسمالية المعاصرة تجسّدًا في السياسة النفسية والرأسمالية الرقابية. 

طبائع المعرفة ومنابع عِلل العقل، التأسيس السبينوزي:

تضرب دراسة ايتالوجيا المعرفة بجذورها العميقة في الفلسفة السبينوزية، التي أسست لرؤية ثورية تتجاوز الثنائيات الديكارتية الجامدة بين العقل والجسد. يقدم باروخ سبينوزا، في عمله الأبرز "الأخلاق"، فهمًا للمعرفة ينبثق من مبدأ "المحايثة"، حيث الطبيعة (أو الجوهر) هي الأساس الشامل الذي تتولد منه كافة الموجودات. وفي هذا السياق، تتحول دراسة المعرفة إلى دراسة لـ "طبائع الأشياء"، تدرس كيفيات الوجود، وأشكال تحقق الموجودات بوصفها قوة وحركة وعلاقات تأثير وتأثر، بعيدًا عن الماهيات والمفاهيم القبلية المجردة. يرى سبينوزا أن الإنسان يمتلك "جهدًا" للاستمرار في وجوده، وهذا الجهد يحدد انفعالاته، التي أدّت دورًا مركزيًا في تشكيل بنيته الإدراكية.

تنشأ الخرافة، وفقًا لهذا التأسيس السبينوزي، من قصور معرفي أصيل في مستوى المعرفة الأول، الذي يُطلق عليه سبينوزا "المعرفة التخيلية". في هذا المستوى، يدرك الإنسان الأشياء بتأثيرها على جسده دون أن يفهم الأسباب الحقيقية التي أدت إليها. هذا الجهل بالأسباب يولد ما يسميه سبينوزا "وهم الغائية" أو "المركزية البشرية". فالإنسان، لأنه يعي رغباته ويتصرف في تحقيق غايات معينة، يفترض وهمًا أن الطبيعة كُلََّها تعمل وفقًا لغايات مصممة خصيصًا من أجله، وأن هناك قِوَى عليا تدير الكون لخدمته أو معاقبته.

يتغذى هذا الوهم المعرفي على انفعالات الخوف والرجاء. فحين يواجه البشر تقلبات الطبيعة والحياة، ويتأرجحون بين الخوف من الكوارث والرجاء في النجاة، يلجؤون إلى اختلاق سرديات خرافية وتهويمات تمنحهم شعورًا زائفًا بالسيطرة والأمان. هكذا، تصبح الخرافة بمنزلة عِلّة عقلية مَرَضية ناتجة عن العجز الإنساني وعن الارتقاء إلى المعرفة العقلية والمعرفة الحدسية التي تدرك الضرورة الطبيعية وقوانينها الحتمية، التي تقود وحدها إلى الحرية الحقيقية أو "الغبطة". 

كسوف العقل

في القرن العشرين، ومع تصاعد الهيمنة التكنولوجية والأنظمة الشمولية، اتخذت دراسة عِلل العقل بعدًا اجتماعيًا وتاريخيًا نقديًا على يد فلاسفة مدرسة فرانكفورت. في كتابه الرائد "كسوف العقل"، يقدم ماكس هوركهايمر تحليلًا تاريخيًا لكيفية تدهور العقل البشري وتحوله إلى أداة لإنتاج الخرافة المعاصرة. يميز هوركهايمر بين نمطين من العقل:

"العقل الموضوعي" و"العقل الذاتي/الأداتي"

كان العقل الموضوعي، كما تبلور في الفلسفات الكلاسيكية منذ أفلاطون، قوة كونية كامنة في الواقع ذاته، قادرة على إدراك الغايات الكُلِّيَّة، وتحديد الصواب والخطأ، وفهم الانسجام بين الإنسان والمجتمع والطبيعة. في المقابل، فإن الحداثة الرأسمالية والاتجاهات الوضعية والبراغماتية أدت إلى صعود "العقل الذاتي"، الذي تم إفراغه من أي محتوى معياري أو أخلاقي، وتحول إلى مجرد آلة حسابية وتنسيقية تهدف إلى تحقيق أقصى قدر من الكفاءة والمصلحة الذاتية دون مساءلة الغايات بحد ذاتها.

يؤكد هوركهايمر أن "كسوف العقل" حدث عندما تم إخضاع العقل بالكامل لعملية الإنتاج الاجتماعي والرأسمالي، حيث أصبح العقل "أداتياً" لا يهتم بسوى كيفية السيطرة على الطبيعة وعلى البشر. هذا التجريد وإفراغ العقل من المعنى الموضوعي جعل المجتمعات عرضة للاستلاب الأيديولوجي، وسهل على الأنظمة الفاشية والرأسمالية المتوحشة تحويل الجماهير إلى مجرد أدوات، حيث يولد العقل الأداتي خرافة جديدة تتمثل في تقديس التكنولوجيا والسوق الكفء كحقائق مطلقة.

 عِلل العقل الاجتماعي وأمراض التشيؤ

امتدادًا لهذا التراث النقدي، يطرح الفيلسوف أكسيل هونيث مفهوم "عِلل العقل الاجتماعي". ينطلق هونيث من إرث هيجل ليرى أن العقل الإنساني وتطوره لا يحدث في عزلة، بل هو نتاج "مسار تعليمي" يتشكل عبر صراعات "الاعتراف المتبادل". عندما تعيق المؤسسات الرأسمالية المتأخرة تحقيق هذا الاعتراف، وتخلق هوات عميقة من اللامساواة والهيمنة، يظهر التدهور البنيوي في صورة ممارسات اجتماعية ونفسية مشوهة.

يُعيد هونيث صياغة مفهوم "التشيؤ" الذي طرحه جورج لوكاتش، مُجرداً إياه من حتميته الاقتصادية الصارمة المرتبطة بالسوق الرأسمالي فحسب، ليعرفه كعِلّة تتمثل في "نسيان الاعتراف". التشيؤ هنا هو فقدان للمشاركة الوجدانية والانفعالية العميقة مع العالم ومع الآخرين، حيث يتحول البشر والطبيعة في نظر الفرد إلى مجرد أرقام أو أشياء قابلة للاستغلال والتلاعب. هذا التشيؤ البنيوي يخلق بيئة خصبة لنمو "رذائل معرفية" مثل الغطرسة الفكرية، والانغلاق، والوثوقية العمياء، وانعدام الحساسية المعرفية. هذه الرذائل ليست مجرد عيوب فردية، بل هي أعراض لمرض اجتماعي يمنع الفرد من اكتساب معرفة حقيقية، وتجعله قابلاً لتصديق الخرافات ونظريات المؤامرة التي تعفيه من مسؤولية التفكير النقدي المعقد.

تفكيك الآلية السردية للتصديق بالخرافة وتغييب العقل النقدي

إن الخرافة لا تنتشر في الفراغ؛ بل يتم إنتاجها وتأطيرها ضمن "آليات سردية" متماسكة توفر تفسيرات جاهزة ومريحة للواقع المعقد. وفي غياب العقل النقدي، تعمل هذه السرديات كأدوات للهيمنة، تعيد صياغة وعي الأفراد والمجتمعات بما يخدم هياكل السلطة. 

السردية اللاهوتية-السياسية وصناعة الطاعة

لقد كان سبينوزا رائداً في كشف كيفية تحويل الخرافة النابعة من الخوف إلى آلية سردية سياسية. في "رسالة في اللاهوت والسياسة"، يفضح سبينوزا توظيف المؤسسات اللاهوتية والنظم الملكية للخرافة بهدف السيطرة المطلقة. يدرك الحكام أن الجماهير الخائفة مستعدة لتصديق أي أمر يمنحها الطمأنينة. وبالتالي، فإن "السر الأعظم للحكم الملكي" يكمن في إبقاء الناس في حالة من الخداع الدائم، وتغليف الخوف الذي يسيطر عليهم بغطاء ديني زائف، بحيث يقاتل البشر ببسالة من أجل عبوديتهم واستعبادهم وهم يظنون أنهم يقاتلون من أجل خلاصهم ونجاتهم. إن حرية التفلسف التي دعا إليها سبينوزا لم تكن مجرد حرية سلبية متمثلة في عدم التدخل الخارجي، بل حرية إيجابية تتمثل في قدرة الفرد على إعمال العقل لتفكيك هذه السرديات الكهنوتية والسياسية التي تصنع الطاعة العمياء.

 تفكيك الوعي الزائف والأنساق في الفكر العربي

لا يمكن فهم استدامة الخرافة في السياقات غير الغربية دون التطرق إلى التحليل النقدي الذي قدمه المفكر المغربي عبد الله العروي في مؤلفاته، ولا سيما "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" و"مفهوم الإيديولوجيا". يرى العروي أن العقل العربي يعاني من أزمة "وعي زائف" متجذرة تعود إلى ما يسميه بـ"التأخر التاريخي" مقارنة بالغرب.

يصنف العروي المثقفين العرب تاريخياً إلى ثلاثة نماذج تعتمد جميعها آليات سردية تغيب العقل النقدي التاريخاني:

"الشيخ" الذي يعتمد على التاريخ المقدس محاولاً العودة إلى عصر ذهبي متخيل وتأطير الواقع عبر نصوص أسطورية.

و"الليبرالي" الذي يتبنى سردية خارجية دون فهم صيرورتها التاريخية، و"التقني" الذي يختزل الحضارة في أدواتها المادية ويتجاهل السياق الثقافي والفلسفي لإنتاجها.

هذه التصنيفات تعمل بمثابة "قناع" يخفي المصالح، و"أفق ذهني" يحبس المثقف في دوامة من التساؤلات الزائفة. وفي ظل غياب القطيعة المعرفية والتبني الصارم لمنهج "التاريخانية"، يستمر العقل العربي في إعادة تدوير الخرافات التراثية أو الانبهار الأعمى بالآخر، عاجزاً عن بلورة سردية تحررية عضوية تواجه الواقع بموضوعية. 

مساعي الانعتاق ومقاومة الاستلاب

كرد فعل حتمي على تشوهات العقل والعقائد الخرافية، تشكلت تيارات معرفية وسياسية أسست لما يُعرف بـ"انتفاضة العقل التحرري"، وهي مشاريع سعت بكل قوة لاستعادة قدرة الإنسان على الوعي الذاتي وتحطيم هياكل القهر. 

هابرماس وتأصيل المصلحة التحررية

شكلت إسهامات يورغن هابرماس امتداداً نقدياً ومراجعة عميقة لتشاؤم الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت. في كتابه المحوري "المعرفة والمصلحة البشرية"، يؤكد هابرماس أن المعرفة ليست مجرد مسعى محايد، بل هي موجهة بمصالح بشرية عميقة الجذور. يميز هابرماس بين ثلاثة أنواع من المصالح المعرفية:

"المصلحة التقنية" التي توجه العلوم الطبيعية للسيطرة على البيئة، و"المصلحة العملية" التي توجه العلوم التأويلية للفهم البين-ذاتي، وأخيراً "المصلحة التحررية" التي توجه النظرية النقدية والتحليل النفسي.

إن المصلحة التحررية هي قوة الإرادة العقلانية التي تدفع الإنسان نحو التأمل الذاتي لتحرير نفسه من التعصب الفكري، والقيود السلطوية، وأشكال "التواصل المشوه" الذي تفرضه السلطة والتقاليد. من خلال تطوير "نظرية الفعل التواصلي"، أسس هابرماس لانتفاضة عقلية لا ترفض الحداثة بأكملها، بل تسعى لتحرير "العقلانية التواصلية" من طغيان "العقلانية الأداتية" التي اختزلت الحياة في الكفاءة الفنية والبيروقراطية.

 استمرار الهيمنة الرأسمالية

ورغم هذه المساعي التحررية، لم تقف السلطة مكتوفة الأيدي؛ بل أظهرت قدرة داروينية مذهلة على التكيف، والتحول، واستيعاب النقد. لقد غيرت الرأسمالية من طبيعتها السردية والتنظيمية، منتقلة من قمع الأجساد المباشر إلى استهداف العقل نفسه بأساليب لا شعورية بالغة التعقيد والتطور، مدشنة ما يمكن اعتباره "خرافة تكنولوجية" معاصرة.

الرأسمالية كديانة وآكلة للحوم البشر

وضع الفيلسوف فالتر بنيامين في شذرته "الرأسمالية كدين" البذرة لفهم هذا الاستمرار. أكد بنيامين أن الرأسمالية ليست مجرد هيكل اقتصادي، بل هي عقيدة دينية خالصة، تقيم طقوساً لا تتوقف ولا تمنح أتباعها أي خلاص أو كفارة، بل تراكم لديهم الإحساس بـ"الدين/الذنب" إلى الأبد. وتتضح وحشية هذه العقيدة اليوم فيما تصفه المفكرة نانسي فريزر بـ"الرأسمالية الآكلة للحوم البشر"، والتي لم تعد تكتفي باستغلال فائض القيمة من العمالة، بل باتت تتغذى بضراوة على استنزاف مجالات الاستنساخ الاجتماعي والبيئة الطبيعية، والمصادرة العرقية المستمرة. هذه المنظومة تخلق "أزمات معرفية" ممنهجة تمنع الأفراد من رؤية الترابط بين أشكال القهر المتعددة.ترتكز هذه السلطة على الإرث السلوكي لعلماء النفس الراديكاليين مثل بي. إف. سكينر، الذي رأى ضرورة هندسة البيئة للقضاء على وهم "الإنسان الداخلي المستقل" لصالح كائن مبرمج يتفاعل بآلية مع المحفزات. كذلك تعمل الرأسمالية الرقابية بآلية خفية تستخدم فيها المكافآت والعقوبات اللاشعورية والتنبيهات المبرمجة لتوجيه المستهلكين والمواطنين وتطويعهم. في هذه البيئة، يتم مصادرة الاستقلالية الفردية والوكالة الإنسانية التي هي عماد الديمقراطية والعقل التحرري. والخرافة العظمى هنا هي وهم الإجماع والخدمة المجانية المخصصة التي تقدمها شركات التقنية، بينما الحقيقة أنها تجرد الأفراد من حقهم في تقرير المستقبل. 

السياسة النفسية، سلطة البيانات وموت السرد

يصل تحليل استدامة الهيمنة إلى ذروته مع الفيلسوف بيونغ-تشول هان، منتقلاً من مجتمع الانضباط المعتمد على المنع والقسر، إلى عصر "السياسة النفسية". في ظل نظام الرأسمالية الفردية الحديثة، لا تستخدم السلطة أساليب القمع المباشرة، بل تعتمد على استغلال "الحرية" ذاتها كأداة. يتم تحفيز الأفراد للإفصاح عن كل شيء، ومشاركة حياتهم، وتحقيق ذاتهم باضطراد، مما يؤدي إلى استغلال ذاتي طوعي يتميز بكفاءة أعلى بكثير من الاستغلال الخارجي. إن النتيجة مَرَضية بامتياز:

استبدال القمع بالاكتئاب وإنتاج "مجتمع الإرهاق" ذي الأفراد المنهكين الذين يحملون أنفسهم مسؤولية فشلهم.

أما على المستوى المعرفي، فيحذر هان في كتابه "طغيان المعلومات" من أن العصر الرقمي قضى على مفهوم "السردية" العميقة و"الحقيقة" المستقرة. لقد تم استبدال الفكر السردي بسيل عارم من البيانات المنفصلة والمعلومات الخوارزمية الفيروسية التي تثير العاطفة والانفعال السريع وتتبخر فوراً. تنهار الساحة العامة الديمقراطية لتقوم مقامها فقاعات استقطاب وتلاعب نفسي خوارزمي تعتمد على الشحن العاطفي والمحفزات الآنية. هنا، تتحول الخوارزميات إلى ما يشبه "كهنة المعابد الجدد" الذين يتلقون اعترافاتنا وبياناتنا طوعاً، ليعيدوا إنتاج خرافة اللاهوت القديمة ولكن في قالب رقمي حديث.

تكشف القراءة المعمقة لتقاطعات طبائع المعرفة وعِلل العقل الفلسفية أن معركة العقل الإنساني ضد الخرافة ليست مجرد إشكالية إدراكية بحتة قابلة للحل عبر توفير المزيد من الحقائق أو التعليم التقليدي. إنها معركة سياسية واجتماعية بامتياز، محاكة بخيوط السلطة، والانفعال، وتاريخ طويل من الهيمنة. من وهم الغائية السبينوزي، مروراً بالعقل الأداتي لمدرسة فرانكفورت وتشيؤ الاعتراف عند هونيث، تتكشف أمامنا آليات توليد الأوهام التي تعرقل الوعي النقدي.

لقد شكّلت جهود فلاسفة الحفريات التاريخية للأخلاق والمثقفين العضويين، جنباً إلى جنب مع حركات التوعية النقدية والتحرر الكولونيالي التي جسدها هابرماس وفريري وفانون، محطات مشرفة ومفصلية في تاريخ "انتفاضة العقل التحرري". بل إن الدعوات المعاصرة لاستعادة "الشيوعية الحمضية" والقدرة على تخيل بديل تؤكد أن جذوة الرغبة في التحرر لم تنطفئ. إلا أن الرأسمالية المتأخرة، مسلحةً بالرأسمالية الرقابية، والخوارزميات التنبؤية، وسياسات استغلال الحرية الفردية نجحت في إعادة إنتاج آليات استلاب لا تعتمد على القهر الجسدي المباشر بقدر ما تعتمد على تفريغ الوعي، وقتل المعنى، وهندسة السلوك البشري من الداخل.

***

غالب المسعودي

"إذا ما تشكّل الذهن على نمط من أنماط الاعتقاد الدجمائي بات من الصعب تغييره"

ثمة علاقة عميقة بين طريقة تفكير الإنسان وطريقة تربيته، وبين صورة العقل الذي نصنعه في المدرسة وصورة المجتمع الذي نعيش فيه؛ فالمجتمعات لا تعيد إنتاج نفسها بالاقتصاد والسياسة والمؤسسات وحدها، وإنما تعيد بالتربية والتعليم والأسرة والإعلام وسائر المؤسسات الاجتماعية والثقافية التي لا تنقل المعارف والقيم فحسب، بل تسهم في تشكيل أنماط الإدراك والحكم والسلوك التي ينظر الإنسان من خلالها إلى نفسه وإلى العالم وتلك هي الوظيفة الرئيسية للتربية والتعليم بحسب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو؛ فالتعليم قد يتحول، إذا خضع للتنميط والتلقين والروتين، من وسيلة لتغيير المجتمع إلى أداة لإعادة إنتاجه، إذ لا يتعلم الطفل المعلومات وحدها، وإنما يتعلم معها كيف يرى العالم، وما الذي ينبغي أن يصدقه أو يرفضه، وما الذي يعده صحيحاً أو خاطئاً، وما الذي ينبغي أن يخشاه أو يحبه. وهذا هو ما يطلق عليه مصطلح «الهابيتوس» (Habitus)، أي مجموعة الاستعدادات المكتسبة التي تتشكل لدى الفرد بفعل موقعه الاجتماعي وتاريخه وبيئته الثقافية، فتؤثر في طريقة إدراكه للأشياء وتقويمه لها وممارسته اليومية. وهنا تكمن قوة التربية الاجتماعية وخطورتها في الوقت نفسه؛ فهي لا تقول للفرد دائماً ماذا يفعل، وإنما تجعله يكتسب بصورة تدريجية ما ينبغي أن يراه طبيعياً وبديهياً ومقبولاً، حتى يصبح ما هو تاريخي ومكتسب وكأنه فطري وثابت.

ويرى عالم النفس السويسري جان بياجيه، أن الطفل في مراحل معينة من نموه يواجه صعوبة في النظر إلى الأشياء من منظور الآخرين، لأنه لم يكتسب بعد القدرة الكافية على التمييز بين منظوره الخاص والمنظورات الأخرى؛ فالطفل لا يكون أنانياً بالضرورة بالمعنى الأخلاقي للكلمة، وإنما يكون إدراكه في هذه المرحلة متمركزاً حول ذاته، فيميل إلى رؤية العالم من موقعه الخاص، ويجد صعوبة في تصور أن الآخر يمكن أن يرى الأشياء بطريقة مختلفة. ومن هنا فإن النضج العقلي لا يعني مجرد زيادة كمية المعلومات التي يمتلكها المرء، وإنما ذلك القدرة على الخروج من مركزية الذات والانفتاح على تعدد المنظورات، والاقرار بأن ذاتي الفردية أو الجماعية ليست مركزا للكون! وأن العالم لا يدور حولنا، وأن الآخرين ليسوا نسخاً منا، وأن الحقيقة أكثر اتساعاً من زاوية نظر واحدة، وأن اختلاف الناس في البيئة والمجتمع واللغة والثقافة والتاريخ والمصالح لا يعني بالضرورة أن أحدهم يمتلك الحقيقة المطلقة والآخر لا يمتلك منها شيئاً. وقد نبه جان بياجيه إلى مخاطر (تمركز العقل في ذاته) بوصفه سببا للانغلاق الفردي والجماعي؛ إذ قد يكبر جسد الإنسان ويزداد عمره وشهاداته ومعلوماته، بينما يظل عقله أسير بنية معرفية مغلقة لا يستطيع معها رؤية العالم إلا من خلال ذاته أو الجماعة التي ينتمي إليها. وقد يكون الإنسان أستاذاً أو طبيباً أو مهندساً أو سياسياً أو او فقيها، ومع ذلك يظل عاجزاً عن قبول أن للآخر حقاً في الاختلاف، أو أن ما يعتقده هو نفسه قد يكون قابلاً للنقد والمراجعة.

المشكلة ليست في أن الإنسان يمتلك معرفة أو عقيدة أو هوية، وإنما في أن تتحول المعرفة إلى يقين مغلق، والعقيدة إلى حقيقة نهائية، والهوية إلى حصن يمنع دخول الآخر. فالمعرفة الحقيقية كلما اتسعت جعلت الإنسان أكثر تواضعاً، لأنها تكشف له حجم ما يجهله، بينما المعرفة المغلقة تمنحه وهماً خطيراً بأنه امتلك الحقيقة كاملة. وكلما قلت معارف الرجل كلما زاد الحديث ولعاً بذلك الشيء القليل الذي يعرفه! وهكذا سُمي سقراط حكيم أثينا لأنه الوحيد الذي فهم الرمز الذي نطقت بِه عرافة دلفي التي نطقت باسم سقراط بوصفه أحكم أهل اليونان، إذ قال يومها: (لعلها اختارتني لأنني الوحيد الذي اعرف بانني لا اعرف شيئاً) بهذه الحكمة الخالدة عرّف سقراط فضيلة الفلسفة التي تعلمنا جهلنا! وهذا هو فحوى حكاية الحكيم الياباني مع تلميذه الجديد إذ جاء فيها:

ذهب احد المريدين إلى شيخ بوذي من معلمي يوغا الزّن في طوكيو فاستقبله الشيخ بابريق الشاي فأخذ يسكب إلى الكوب الذي وضعه أمام الضيف بدون توقف حتى فاض الشاي على الطاولة، فصرخ المريد ما هذا أيها المعلم توقف الكأس ممتلئ، فابتسم الشيخ قائلا: هذا هو الدرس الأول يا فتى، الكأس الممتلئ لا يتسع لشيء اخر غير ما فيه وكذلك هو العقل الذي لا يشعر بالجهل وبالحاجة إلى المعرفة لا سبيل إلى تعليمه! وفِي هذا السياق يمكن فهم عبارة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت صاحب الكوجيتو (أنا أفكر إذا أنا موجود) الذي أعقبها بالقول: إن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، لكنهم يختلفون بطريقة استخدامه، إذ تجدهم يطلبون المزيد من كل شيء ما عدا ذلك الشيء الذي ينقصهم دائما أي العقل؛ إذ تجدهم يعتقدون بأنهم مكتفين منه حتى الذين لا يمتلكون منه النزر اليسير أي المجانين! يعتقدون بأنهم اعقل العقلاء! والعقل النقدي ليس العقل الذي يعرف كل شيء، وإنما الذي يعرف حدود معرفته وجهله ، ويقبل احتمال الخطأ، ويستطيع أن يعيد النظر في أفكاره عندما تتغير المعطيات.

وهنا تتجلى وظيفة التربية والتعليم؛ لأن السؤال الحقيقي يصبح: هل تساعد المدرسة الإنسان على الخروج من مركزية ذاته، أم تعيد إنتاجها في صورة أخرى؟ وهل تعلمه أن العالم متعدد ومفتوح، أم تلقنه أن هناك إجابة واحدة ونهائية لكل سؤال؟ إن التعليم التقليدي القائم على النقل والتلقين والحفظ والاستظهار يقوم على مفارقة عميقة؛ فهو يريد أن يعلم عقل الإنسان، لكنه يطلب منه في الوقت نفسه ألا يثق بعقله وألا يسأل وألا يشك وألا يعيد التفكير فيما تلقاه. إنه يعلم الطالب ماذا يقول، لكنه لا يعلمه لماذا يقول؛ ويعلمه الإجابة، لكنه لا يعلمه السؤال؛ ويطالبه بحفظ المعرفة، لكنه لا يمنحه دائماً القدرة على نقدها أو اختبارها أو إعادة تفسيرها. وهذا ما انتقده باولو فريري في مفهومه عن «التعليم البنكي»، حيث يتحول المتعلم إلى وعاء للمعلومات، ويصبح المعلم الطرف الإيجابي الذي يودع المعرفة، بينما يظل الطالب الطرف السلبي الذي تقتصر وظيفته على الحفظ والاسترجاع. وهنا تكمن خطورة هذا النمط من التعليم، لأنه لا ينتج أفراداً متعلمين بالضرورة، وإنما قد ينتج أفراداً منمّطين، يعتقد كل واحد منهم أن ما تعلمه هو الحقيقة الوحيدة، وأن ما عداه جهل وضلال. وكلما زاد انتشار هذا النوع من التعليم زاد عدد الأشخاص الذين يحاولون استنساخ النسخة الأصلية، مع أن الخبرة التاريخية تعلمنا أن التاريخ يستحيل أن يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، لأن لكل حدث شروطه الزمنية والمكانية والاجتماعية والثقافية الخاصة. ولذلك فإن محاولة استنساخ الماضي بحذافيره ليست سوى مهزلة عابثة؛ فالمطلوب من التعليم ليس إعادة إنتاج الماضي، وإنما تمكين الإنسان من فهم الحاضر وصناعة المستقبل.

إن عقل الطفل، التلميذ، الطالب ليس وعاءً فارغاً يمكن ملؤه بما نشاء من المعلومات، بل هو كائن حي يتفاعل مع المعرفة ويعيد بناءها داخل خبرته الخاصة. وهنا تكتسب أفكار بياجيه حول النمو المعرفي أهمية تربوية بالغة؛ فالعقل لا ينمو بمجرد إضافة معلومات جديدة إلى مخزونه، وإنما ينمو عندما يتفاعل مع البيئة ويواجه المشكلات والتناقضات ويعيد تنظيم بنيته المعرفية. ولذلك فإن التعليم الحقيقي لا ينبغي أن يحمي الطالب من كل خطأ أو شك أو اختلاف، لأن العقل لا ينمو في الراحة الفكرية الدائمة، وإنما ينمو عندما يواجه السؤال والمشكلة والتجربة والاختلاف. فالطفل نفسه يقدم لنا الدرس الأكثر وضوحاً؛ إذ يبدأ حياته كثير السؤال: ما هذا؟ لماذا؟ كيف؟ من أين جاء؟ وماذا يعني؟ ثم يعود إلى السؤال نفسه: لماذا؟ ولعل هذه الدهشة الفطرية هي أول منابع التفكير الفلسفي. وقد ذهب الفيلسوف الأمريكي غاريث ماثيوز إلى أن الأطفال قادرون منذ سن مبكرة على طرح أسئلة فلسفية مهمة حول الوجود والقيم والمعرفة واللغة، وهو ما يجعل مهمة التربية الحقيقية ليست قتل السؤال الذي يولد مع الطفل، وإنما الحفاظ عليه وتنميته وتوجيهه. فالمشكلة ليست أن الطفل كثير السؤال، وإنما أن المدرسة قد تجعله أقل سؤالاً؛ يبدأ الطفل حياته مدهوشاً من العالم، ثم يتعلم تدريجياً أن هناك أسئلة لا ينبغي طرحها، وأفكاراً لا ينبغي مناقشتها، وأجوبة لا يجوز الشك فيها، وهكذا تتحول التربية من صناعة العقل إلى إغلاق العقل.

فالتربية الحقيقية لا تعلم الطفل ماذا يفكر فقط، وإنما تعلمه كيف يفكر، وهذه مسألة جوهرية في عالم سريع التغير. فنحن نعيش اليوم في عصر تتغير فيه العلوم والتقنيات والمعارف بسرعة غير مسبوقة، وأصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والميديا الجديدة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والعمل والزمان والمكان. فكيف يمكن أن نعلم أبناءنا اليوم معارف قد تصبح قديمة قبل أن يغادروا مقاعد المدرسة أو الجامعة؟ وكيف نعدهم لمهن لم تظهر بعد، ولمشكلات لم نعرفها بعد؟ إن الإجابة لا تكمن في زيادة كمية المعلومات، وإنما في بناء القدرة على التعلم المستمر؛ لأن المعرفة المتجددة تحتاج إلى عقل متجدد، والعقل المتجدد هو العقل الذي لا يخاف من مراجعة نفسه. ولذلك ينبغي أن ننتقل من تعليم المعرفة إلى تعليم إنتاج المعرفة، ومن تلقين الإجابات إلى صناعة الأسئلة، ومن نموذج الطاعة إلى نموذج المشاركة، ومن الحفظ إلى الفهم، ومن الخوف من الخطأ إلى التعلم من الخطأ.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يتحول ما تعلمه إلى قفص يسكنه، بدلاً من أن يكون سلماً يصعد به. فالتربية التي لا توسع المدارك، ولا تنمي الفهم، ولا تزيد القدرة على التفكير والنقد والإبداع وحل المشكلات، تتحول في النهاية إلى ممارسة لإعادة إنتاج الجهل والتجهيل، حتى وإن امتلأت خزائنها بالشهادات والمعلومات. والمعرفة ليست اعتقاداً مغلقاً، وإنما انفتاح دائم للعقل على كل جديد، وانشغال متقد للفهم والذكاء في محاربة الجهل ونقد الأخطاء وتصحيح المسارات والمناهج. وكلما اتسعت المعرفة اتسعت معها مساحة السؤال والتواضع والبحث، وكلما أغلق العقل نفسه داخل يقين نهائي بدأ يفقد قدرته على النمو.

صحيح إن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يولد ناقصاً، إذ إن وجوده يسبق ماهيته، فهو وجود لذاته ومن أجل ذاته وليس وجودا في ذاته وفي متناول اليد مثله مثل وجود الأشياء. وهذا هو مبعث حضور مشكلة الهوية الطاغي في عالم الإنسان، حيث توجد الحرية والعقل واللغة والحاجات والمصالح والرغبات والأحلام والأوهام والتنافس والصراع. إلخ إذ إن نقص الهوية في الكائن البشري ليس عيباً، بل هو جوهر إنسانية الإنسان، وهو ما يمنحه القدرة على أن يتجاوز ذاته، وأن يعيد تشكيلها باستمرار. فالإنسان مشروع مفتوح، لا يتحقق إلا عبر اللغة، والثقافة، والتربية، والتعليم. وإذا كان الحيوان محكوماً بغرائزه، فإن الإنسان محكوم بإمكاناته، وهذه الإمكانات لا تتحقق إلا بالفعل التربوي. ومن هنا، تصبح التربية ضرورة وجودية، لا مجرد وظيفة اجتماعية، لأنها الأداة التي ينتقل بها الإنسان من كينونة ناقصة إلى كينونة متحققة.

الطفل الإنساني يبدأ بالدهشة، ثم يسأل، ثم يفكر، ثم يحاور، ثم يفهم، ثم ينقد، ثم يبدع، ثم يعيد بناء ذاته والعالم. ولهذا يمكن اختزال فلسفة التربية في معادلة بسيطة: يبدأ العقل بالدهشة، ثم السؤال، ثم التفكير، وينتهي إلى الفهم. أما العقل الذي يخاف من الدهشة، ويخشى السؤال، ويرفض الاختلاف، فإنه لا يتعلم العالم، بل يعيد إنتاج القفص الذي وضعه فيه الماضي. وهنا تحديداً تكون التربية إما طريقاً إلى الحرية والانفتاح والنضج، أو وسيلة لإعادة إنتاج الانغلاق.

وفي الختام يمكن الاشارة الى الفرق بين نمطين مناهج التربية التعليم: يرتكز منهج النقل والتلقين في التعليم التقليدي على مفارقة منطقية، فهو من جهة يدعو إلى تعليم عقول التلاميذ معارف سابقة جاهزة ومكتملة التكوين ومن جهة أخرى يدعوهم إلى التخلي عن عقولهم وعدم الثقة بها، فضلا عن كونه يقوم على فرضية خاطئة في النظر إلى عقول المستهدفين بالتعليم بوصفها أوعية ثابتة وجامدة يمكننا حشوها بما نشاء من معارف وأفكار جاهزة عبر النقل والتلقين دون الخشية من سوء الفهم والتاؤيل أو دون أن يخامرنا الشك بسلبيتها المطلقة في التلقي والحفظ والتخزين والاستعادة تماما كما نقوم بنقل الأموال وايداعها في البنوك الإسلامية كأمانة ثابتة نستعيدها وقت الحاجة بدون ربح أو فائدة! هذا النمط من التعليم المسمى بالتعليم البنكي، يكون فيه المعلم الشيخ أو الناقل هو الطرف الإيجابي الفاعل بينما يكون المستهدف بالتعليم (التلميذ)هو الطرف المتلقي السلبي إذ تقتصر وظيفة هذا الأخير على حفظ ما نُقل اليه واسترجاعه استرجاعا حرفيا دون بذل أي جهد فكري نقدي للفهم والتدبّر والتأويل والتفسير! وكلما زاد انتشار هذا النمط من التعليم التقليد كلما زاد عدد الأشخاص المنمطين تنميطاً صارماً في محاولة عابثة لاستنساخ النسخة الأصلية التي اثبتت الخبرة التاريخية والتجربة الاجتماعية استحالة نقلها وحفظها وتلقينها واسترجاعها بحذافيرها وذلك من طبيعة التاريخ الذي يستحيل إعادته مرتين! لان احداثه نوعية وفريدة في معطياتها التاريخية الزمنية والمكانية وسياقاتها الاجتماعية والثقافية، وكل محاولة لاستنساخ التاريخ هي مهزلة عابثة ! وهكذا يمكن القول أن التعليم الذي لا يوسّع من مدارك المستهدفين وينمي معارفهم وفهمهم بموضوعات ومشكلات واقعهم وعالمهم ويزودهم بالقدرة والذكاء الفعّال لمواجهتها وحلها،لا قيمة له ولا فائدة، فضلا عن كونه ممارسة لتكريس الجهل والتجهيل المزدوج ! وتكمن خطورة هذا النمط من التعليم التقليدي في قدرته على تشكيل وتنميط عقول المستهدفين تنميطاً صارماً وجعلها تعتقد انها وحدها من يمتلك العلم والمعرفة الصحيحة وما خلاها هو الجهل والظلام. وكلما تم تشكيل الاذهان على نمط من أنماط الاعتقاد الايديولوجي كلما بات من الصعب تغييرها!

***

قاسم المحبشي

 

لقد أيقظت المجتمع العربي صدمة اللقاء بالحضارة الغربية إبان الاحتلال الغربي للوطن العربي، وكان رد الفعل الأولي مواجهة عسكرية خسرها الثوار، لأنهم واجهوا جيوشاً معدة، وأجهزة متطورة، ومن ثم دفعت المواجهة الحضارية إلى تأمل الذات والآخر، والحاضر والماضي، والواقع والواقع الآخر، فكانت المواقف متفاوتة ومتباينة على النحو الآتي:

1- الانسلاخ تماما من التراث العربي والإسلامي والارتماء بأحضان الحضارة الغربية، اذ يرى انصار هذا الاتجاه ان تقدم الشرق لا يمكن ان يتحقق الا بالتبعية للآخر الغربي، فكريا وسياسيا واقتصاديا .

2 - الانكفاء نحو الذات، والعودة للتراث بوصفه المنقذ، وكما تمكن التراث من حل معضلاته ومشكلاته في سياقاته التاريخية والاجتماعية السابقة، يمكنه، أيضا، ان يحل معضلاته المعاصرة .

3 - المجاورة بين إنجازات التراث العربي والحضارة الغربية بحيث نجدل منهما ضفيرة واحدة، تحاول التوفيق بين الماضي العربي والحاضر الغربي .

وقد استخدم المفكرون العرب مناهج متعددة تتأسس في ضوئها قراءات التراث، فلقد وظف الطيب تيزيني وحسين مروة المنهج الماركسي من اجل الانتقال من التراث الى الثورة عند تيزيني ومن الضرورة الى الحرية عند حسين مروة، كما سعى محمد عابد الجابري الى قراءة ذات طبيعة تنويرية للكشف عن تكوين العقل العربي .

أما زكي نجيب محمود فلقد تطور موقفه مع تطور الحركة القومية ليقدم منهجا توفيقيا في قراءته للتراث، وتحديد أليات مستقبل التقدم . وكان متعصبا ـــ في اول حياته ـــ لتصور يرى فيه أنَّ الفكر الغربي " هو الفكر الإنساني الذي ليس لفكر سواه " وانه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا اذا بترنا التراث بترا، وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علما وحضارة ووجهة نظر الى الانسان والعالم "وكان يتمنى ان يأكل كما يأكل الغربيون ويلعب كما يلعبون ويكتب من اليسار الى اليمين كما يكتبون، ظنا منه ان الحضارة وحدة لا تتجزأ " فإما ان نقبلها من أصحابها ـــ واصحابها اليوم هم أبناء اوروبا وامريكا بلا نزاع ـــ واما ان نرفضها "، ويعزو موقفه هذا الى المامه بالثقافة الغربية وجهله بالتراث العربي الذي وصفه بانه " كاد ان يكون تاما "، بحيث تبدو أسماء الاعلام العربية والمذاهب في التراث " لا تجيئه الا أصداء مفككة متناثرة كالأشباح الغامضة يلمحها، وهي طافية على أسطر الكاتبين ".

ويكتشف زكي نجيب محمود وكأنه في "صحوة قلقة " او " عرج في بنائه الثقافي " وهو في انضج سنيه " بان مشكلة المشكلات في حياتنا الثقافية الراهنة، هي ليست كم اخذنا من ثقافات الغرب، وكم ينبغي ان نزيد ... وانما المشكلة كيف نواءم بين ذلك الفكر الوافد الذي بغيره يفلت منا عصرنا او نفلت منه، وبين تراثنا الذي بغيره تفلت منه عروبتنا او نفلت منها "، وينبغي ان يكون الحل المواءمة والمجاورة بين فكرين، اطلق عليهما المنقول أي الفكر الغربي، والاصيل أي التراث العربي، ويكشف أنَّ هذه "الصحوة القلقة " قد تأتت بعد استيقاظه بعد ان فات الآوان، او اوشك على ذلك فيما يقول، والاستيقاظ لم يأت بعد نوم وانما من غفلة او جهل او فهم خاطئ، ولذا أراد ان يسد هذا الفراغ الكبير بازدراد تراث آبائه، بحيث " يعب صحائف التراث عبا سريعا " ويطرح سؤالا " كيف السبيل الى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا بحيث يندمج فيها المنقول والاصيل في نظرة واحدة ".

ويبدو ان زكي نجيب محمود يعيش مفارقة الصدمة القلقة او العرج في بنائه الثقافي، والاقتصار في المعرفة على منبع الآخر وحده، وسعيه الى المواءمة بين الفكر الغربي والتراث العربي، ويشعر انه قد استيقظ بعد غفلة طويلة فشرع في قراءة التراث على عجالة، ومن ثم يهدف الى دمج الفكرين الغربي (المنقول) والعربي (الأصيل) .

2

ان الانسان العربي يعيش انشطارا حقيقيا في شخصيته وانماط تفكيره، ذلك انه يزاوج بشكل منفصل بين أقواله وأفعاله، فقد يكون مزهوا بانجازاته العلمية في العلوم الفيزياء والكيمياء ولكنه يعتقد عن ايمان وتصديق بالخرافات والخوارق والكرامات، الامر الذي دفع زكي نجيب محمود الى القول إنَّ الانسان العربي "يعيش على مستويين لا صلة بينهما فالقول ناحية والتطبيق ناحية " .

واذا كان سؤال النهضة الذي بدأه مفكرو القرن التاسع عشر وحاولوا فيه الإجابة عن كيفية النهوض بالأمة، فإن زكي نجيب محمود لم يقدم إجابة تامة، لأنه ـــ فيما يقول ــ ليتعذر علينا اليوم ان نقول عن الفكر العربي انه قد اصبح ذا طابع يميزه "، ويرفض المجاورة بين الثقافتين الغربية والعربية، بحيث نشير بأصابعنا الى رفوف نقول هذا شكسبير قائم الى جوار ابي العلاء المعري، لان مجرد المجاورة لا يعني حلا لمشكل معضل، كما انه يرفض الفصل بين الثقافتين فصلا حادا، لان هناك تناقضا او ما يشبه التناقض بين الثقافتين لأنه اذا كان عربيا صميما اقتضى ذلك ان يغوص في تراث الاقدمين حتى لا يدع رأيا مجالا لجديد، ... واذا كان معاصرا صميما كان محتما عليه ان يغرق حتى اذنيه في هذا العصر بعلومه وآدابه وفنونه وطرائق عيشه، ويرى ان الحل ان تكون هناك تركيبة عضوية يتمزح فيها تراثنا مع عناصر العصر الراهن الذي نعيش فيه، لنكون بهذه التركيبة عربا ومعاصرين في آن " غير ان سؤالا محيرا يطرحه زكي نجيب محمود، كيف نفعل ذلك ؟ ما الذي نأخذه؟ وما الذي نتركه من القيم التي انبثت في خلفه الاقدمون ؟ ثم ما الذي نأخذه وما الذي نتركه من هذه الثقافة الجديدة ؟" وكيف ننسج الخيوط التي استللناها من قماشة التراث مع الخيوط التي انتقيناها من قماشة الثقافة الاوربية والأمريكية ؟، كيف ننسج هذه الخيوط مع تلك في رقعة واحدة، لحمتها من هنا وسداها من هناك، فاذا هي نسيج عربي معاصر؟

3

ويؤكد زكي نجيب محمود انه ( كثيرا) ما شكك في جدوى السؤال المطروح في الخروج من الازمة الخانقة التي يعاني منها لايجاد حل ... ولأنه يعاني من صحوة قلقة، و (كثيرا) ما يشكك في جدوى طرح الأسئلة ولكنه (فجأة) يجد الحل بقوله " وفجأة وجدت المفتاح الذي اهتدي به " ولم يكن هذا المفتاح عربيتا او تراثيا، ولكنه في مصدر غربي لدى هربرت ريد في عبارته " انني على علم بان هناك شيئا اسمه (التراث) ولكن قيمته عندي في كونه مجموعة من وسائل تقنية يمكن ان نأخذها عن السلف لنستخدمها اليوم ونحن آمنون بالنسبة الى ما استحدثناه "

ومن الغريب ان يصرح زكي نجيب محمود بانه وجد في هذه العبارة مفتاحا للموقف كله، اذن مرجعية الحل ليست عربية، وانما غربية، وفي نص لاحد المفكرين الغربيين ومن الغريب ان تكون عبارة هربرت ريد " مفتاحا للموقف كله "

ان هذا المفتاح الغربي ــ مقولة هربرت ريد ــ تنظر الى التراث الغربي، فتأخذ ما يصلح لواقعهم الغربي المعاصر، وقد يكون هذا صحيحا، غير ان هذه المقولة لا يمكن ان تكون معيارا نطبقه على تراثنا العربي، اذ يبدو ان زكي نجيب محمود ما يزال يستخدم الأدوات الغربية، ولا يطبقها على الفكر الغربي، وإنما يحاول تطبيقها على الفكر العربي، بمعنى ان زكي نجيب محمود يجعل من هربرت ريد يفكر نيابة عن، وان كان بشكل مختلف .

ولذلك نجده يطبقها حرفيا حيث يقول " نأخذ من تراث الاقدمين ما نستطيع تطبيقه اليوم تطبيقا عمليا فيضاف الى الطرائق الجديدة المستحدثة فكل طريقة للعمل اصطنعها القدامى وجاءت طريقة جديدة انجح منها، كان لا بد من اطراح الطريقة القديمة ووشعها على رف الماضي الذي لا يعنى به الا المؤرخون "

ونخلص من هذا الى نتيجة مفادها ان البحث عن " طرائق السلوك التي يمكن نقلها عن الاسلاف العرب بحيث لا تتعارض مع طرائق السلوك التي استلزمها العلم المعاصر والمشكلات المعاصرة " ولم يقتصر زكي نجيب محمود على ذلك بل انه قسم المعرفة على أساس منهجي يستقيه من فيلسوفين غربيين، وهما :ديكارت الذي " أراد ان يكون السير العلمي بادئا من فكرة داخلية نثق في صوابها، ثم نمضي خارجين الى العالم الطبيعي وما وراءه، واما ثانيهما فهو بيكون الذي رأى ان يكون طريق السير في الاتجاه المضاد، بادئا من الطبيعة الخارجية وما نشاهده في ظواهرها، ثم نمضي داخلين الى فكرة عقلية نقيمها ونكون على يقين من صوابها .

***

الدكتور كريم الوائلي

"هناك صور عامة مشفرة بتراثات وأحلام يصعُب اخفاؤها.."

"تنطوي بعض الصور على واقع يتجاوز أصلها إلى درجة بعيدةٍ.."

هل الصورة أكثر حضوراً من الأصل؟! هل الشخص الأصل هو صاحب الصورة التي تتجاوزه؟!

حقاً بعض الصور العامة أكثر تأثيراً من الأصل. ذلك لكونها تدخل "حزاماً موروثاً" من الأحلام السياسية وعلاقات القوى وآثار المجتمعات. وتظهر اللقطات كخريطة سياسية لا مساحة فوتوجرافية حُرة. الصورة ضخمة حين تمتلئ بميتافيزيقا الحضور التي جمعت عصوراً وأفكاراً وممارسات تاريخية. كل ذلك قد ينضغط عبر الاطار وزوايا الرؤية والمعاني الصامتة للخلفيات كرقائق غارقة في الزمن.

المدهش أنَّ طرفي الصورة قد لا يعيّان حجم ذلك. الطرف القريب الذي إلتقط الصورة بوصفه راعياً لها. وصاحب الصورة نفسه الذي هو الأصل. المسافة بينهما لا تُحسب بفارق الأدوار والمواقع، بل بفارق التراث والتاريخ. فنحن لا ندخل مباشرةً في علاقات تفاوض مع التراث، ولكنه خلال اللحظة التي يبقى التراث فيها خارج كل علاقاتنا بالواقع، يسترد وجوده المفقود بمجرد أن نؤكد وجودنا في محيطه الأساسي، وتظل آثارة داخل عقولنا وخطواتنا الثقافية فوق الأرض. وأن الصورة العامة تُطلق بهذا الزخم الحاضر مستندةُ إلى ماضٍ لم يتلاش بعد.

جسدت صور اللاعب المصري"مو صلاح Mo.Salah " الذي أُعلن احترافه بنادي ترابزون سبور التركي هذا الجانب. مئات الصور التقطت منذ الاعلان عن التفاوض معه وإلى حين وصوله لتركيا وحتى الاحتفال بالتوقيع لنادي ترابزون. ومازالت الصور تتناثر في شوارع المدينة ومطاعمها فضلاً عن الاعلانات الداعمة لها. بدت الصور اسطورية، تعملقت في الفضاء الكوني حتى تجاوزت الأصل. تخطت المستطيل الأخضر إلى الاعلان على صفقات أخرى، هبت أشباح اللقطات تجاه كل مواقع التواصل الاجتماعي وسكنت النوافذ والشوارع في الشرق العربي. ودخلت جميع بيوت قرى وضواحي ترابزون ومدن تركيا الأخرى دون حدود، بل وتعلقت أمام عيون الأتراك وغيرهم من المتابعين في شتى بقاع العالم.

لا مبرر في هذا لكون مو صلاح قدم مسيرة احترافية بارزة في أندية أوروبا وحصد ألقاباً وجوائز. فهذا متاح لكل لاعبي النخبة بكرة القدم. وهناك لا عبون يفوقون انجازات صلاح وأكثر مهارةً وثقافةً رياضية منه في ميدان الدائرة المستديرة. وطبعاً ذلك لا ينفي موهبة هذا اللاعب المصري الاستثنائية وحياة الاحتراف التي عاشها واستثمار قدراته في الملاعب وخارجها.

السؤال: ما دلالة ذلك المشهد الذي لم تُفكْ شفراتُه؟ ذهب البعض إلى أن الصور تعرض قدرات مو صلاح الكروية وذكاء الرعاة للاحتفال. ورأى أخرون فيها كما من البهجة الجماهيرية بتواجد لاعب مشهور في الدوري التركي المنزوي عالمياً إلى حد ما. وهناك من نظر إلى مو صلاح على أنه مثال عالمي أمام الأطفال والشباب التركي. ومن الضروري تداول صور اللاعب المصري في كل المحافل.

إطار الصورة

ليست كل صورة ناقلةً فقط لأصل ما معروف. عاجلاً أم آجلاً، ستخرج من إطارها إلى أشياء أخرى. المفاجأة أن " مو صلاح " ليس هو أصل الصور التي راجت له. هو ليس أكثر من رمز رياضي تمَّ توظيفه لدلالة أكبر. وفي العادة الرمز مناسبة قد يُقال في حضوره كل ما لم يُقل في غيابه منذ سنوات وقرون. بالفعل لم يرسم صلاح إطار الصور ولا عناصرها ولا الوجوه التي ظهرت فيها. لأن الاطار سياسي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. سياسات الصورة هي ما حددت: لماذا أخذت صور مو صلاح هذه الأشكال المبالغ فيها؟

الرئيس طيب اردوغان قالها في أول أنباء احترف مو صلاح: أنه علينا اتمام صفقة احترافه بالدوري التركي. ولجأ إليه يعض المسؤولين تدخلاً لحسم الموضوع عند تعثرها. المقصد في البداية هو انهاء انتقاله لنادي بشكتاش. وقد تداولت المواقع الاعلامية خبر تدخل اردوغان شخصياً من أجل هذا الغرض. ولم تكن تلك وسيلة من نادي بشكتاش تخصيصاً بقدر ما كانت مهمة انتقال صلاح لتركيا هي الأهم ولو كان لنادي ترابزون كما حدث.

نظام الرئيس أردوغان لديه خريطة سياسية واسعة الخطوط لبقاع الجغرافيا المتخيلة التي تتحاول تركيا استثمارها. أردوغان هو الدماغ السياسي الجامع بين أشباح تركيا الاسلامية وبقايا العلمانية والنزعة القومية للاتراك والتطلعات شبه الأوربية. بخاصة أنَّ تركيا لا هي دولة أوروبية، فلم يتم ضمها إلى الاتحاد الأوروبي، ولا هي دولة واضحة القوام في مناطق النفوذ والصراعات. منذ أن تولى الرئاسة، جاء أردوغان لكي يدير هذا التراث الجيو سياسي الغائر في التاريخ. تلتقي لديه مآثر الدولة العثمانية بحفرياتها في خريطة العالم العربي وجنوب شرق أسيا وشمال أفريقيا وجنوب غرب أوروبا. وهذا أمر معروف ولم يغب عن مفاهيم السياسة الدولية وعلاقات الدول تاريخياً.

ألوان صور " مو صلاح " لم يرسمها هو ، ولم يكن هو الوحيد الموجود داخلها. كما أن الكاميرا اندمجت مع حالة تركيا التاريخية إزاء الدول العربية والصراعات بين القوى بأشكالها الاسلامية والمسيحية في المنطقة. جميع ذلك استند إلى النزعة القومية التركية التي مازالت حيةً في ثوب اسلاموي قشيب. رأس النظام التركي يتحرك وسط هذا التراث، إذ لم يخفِ أنامله في أحداث الربيع العربي والمواقف ضد اسرائيل وبعض الأحداث بغزة وتوظيف الجاليات التركية في اوروبا. تركيا من الدول التي لم تكف بحثاً عن أصولها الاستعمارية القديمة.

في تونس وليبيا ومصر وسوريا لم تتوقف الدولة العثمانية الراهنة عن التدخل بحثاً عن نفوذ قديم. في تونس دلفت عن طريق الأزياء الاسلاموية وأيدت الجماعة الدينية الأكبر (الاخوان المسلمين). وكانت تركيا لاعباً ماهراً لاعادة النفوذ تحت عناوين شتى. مرة اعادة الاعمار والبناء واعانة المجتمع التونسي على تخطي الظروف السياسية الحرجة. ومرة لاعادة تأهيل حالة الديمقراطية وزيادة رقعة تطويرها في المدن وبصدد الفئات المهمشة. وبخاصة أنَّ الثقافة في شمال أفريقا لم تفقد تراث الاتراك من الأسماء والمساجد وبعض العادات السياسية والاجتماعية.

في ليبيا تحركت أنامل تركيا داخل مناطق النزاع عقب الاطاحة بنظام القذافي، من المتابعة على الأرض إلى الشركات العملاقة التي أخذت مساحة لإعادة الاعمار بالتحالف مع النفوذ القطري. ولم يفتها معرفة التركيب القبائلي للمجتمع الليبي وتدعيم بعض الأصول البشرية التركية المتواجده بالعاصمة والمدن الساحلية.

وتجاه مصر، كانت تركيا تتحين انتقال السلطة إلى الاخوان، انتقال الدولة المصرية حكماً وسيادة وعمقاً وموروثاً. لأنَّ مصر بالنسبة لتركيا الأن هي مصر بالنسبة لمحمد على الذي جاءها واحتل معظم العالم العربي وناطح الدولة العثمانية وضرب في كبد أوروبا. أي لو هيمنت تركيا على مصر بواسطة اخوانها وبعض الأذرع الاقليمية، فقد تستعيد تراب الخلافة الاسلامية ولم يتبق إلاَّ بعض الدول الأخرى.

ترك الاتراك سوريا إلى أنْ تحين لحظتها، لأنها واقعة في الخاصرة من دولتهم، حيث لم تأخذ كثيراً سوى رعاية بعض الجماعات الاسلامية. إلى أن تحين الضرورة، وقد أطلقت يدها لتُسقط النظام السوري وتستولي على السلطة. ولم تتوقف عند هذا، بل تدخلت من قبل في المحافظات المتاخمة للجنوب التركي. تدخلت اقتصادياً وتعليمياً، حيث تم انشاء مدارس تركية وغدت اللغة التركية هي المتداولة. وتعلم صبيان وبنات سوريا باللغة التي لم تبرأ من مفردات التعظيم والتقديس للباب العالي.

الصور لا تُفك شفراتها إلا عبر دهاليز الاقتصاد السياسي، كانت تركيا تتمتع برصيد اقتصادي مرموق قبل الربيع العربي وبعده. الملابس التركية والبضائع والأدوات المنزلية أخذت مكانة كبيرة. وهذا يدر ربحاً في إطار النفوذ والمنافسة في المنطقة العربية. وفي هذا أحدث النظام التركي سيولة ناعمة بفضل الدراما والأفلام وأرصدة التراث العثماني القديم.

الصورة/ التراث

تشف صور "موصلاح" تراثاً سياسياً ثقافياً بعيد الجذور . وكأنه سيظهر مهارته الاحترافية بــ" بكرة التراث" أكثر مما سيلعب بــ"كرة القدم". بدت الملاعب الخضراء هي ساحات الثقافة والمعتقدات. كل التفاصيل الفوجرافية تنطق بهكذا دلالة في الاحتفالات والتجمعات البشرية، وبخاصة الوجوه التي تقف بجوار اللاعب والأزياء والشوارب والعيون التي تحمل قسمات عيون الاتراك القدماء. هيمنت الدولة العثمانية على العالم العربي في القرن السادس عشر الميلادي. وتحديداً عقب انتصار السلطان سليم الأول على المماليك في معركتي مرج دابق (1516) والريدانية (1517).

امتدت السيطرة العثمانية على المجتمعات العربية وشملت مصر وكل مناطق بلاد الشام ودولة العراق وأجزاء واسعة من شبه الجزيرة العربية ودول شمال إفريقيا، واستمرت هذه الهمنة قرابة أربعة قرون كاملة. طبعت الثقافة العربية بالطابع الاسلامي التركي المحافظ والذي يخلط بين التراث القومي للحكم والمعالم الدينية السلفية. لم تتجنب أبعاد الحياة العربية أياً من التأثيرات المباشرة في العادات والتقاليد وصولاً إلى العبارات وطرق الرؤية والنظر وكيفية التعامل تجاه المرأة والرجل وأدوات الطهي والرتب الحربية والتعامل مع رموز الدين والخطابة والوعظ والفتاوى.

أربعة قرون عثمانية تركت بصماتها الثقافية على أجواء العالم العربي ومازالت. وفي الإدارة ونمط الحكم وتقديس الحكام والهشاشة الحضارية والتقاليد الخاصة بالحياة اليومية. حتى أن بعض القرى الشعبية في تركيا تجسدت معالمها كأنها نسخ متقدمة من القرى والشعبيات في الدول العربية. الملابس والأزياء وأساليب الحركة بين الناس. حتى أن علامات تقديس الأسرة ورب البيت وربة البيت واحدة وربما متطابقة. وكذلك تجري الاحتفالات بالمناسبات والاعياد كصور لأصل مشترك.

ومع بعض التميز في تواجد العثمانيين على أرض العرب، وبخاصة أن العرب كانوا يعانون من حالة الفوضى وبقايا الاستعمار، إلاَّ أن التواجد السياسي العثماني لم يكن خالصاً للعرب. فبحكم استغلال هذه المجتمعات تم استنزاف ثرواتها والهيمنة السياسية على أنظمتها الحاكمة، كان هناك تكريس لحكم غير متطور لا أقول كلمة أخرى لزيادة السيطرة. وجرى التعامل مع مقدرات العالم العربي بطريقة الرصيد الاضافي للدولة العلية. وأنه كان زيادة عن الحاجة، ولكن لابد من تواجده تحت قبضتها.

الصورة / الحلم

بعض الاحلام إن لم تتحقق فإنها تُستعاد ولو عبر صورة متأخرة. صور موصلاح كانت مساحة غامضة لاستعادة حلم تغلغل الدولة العثمانية عبر مواهب وقدرات الشرق. وبالرغم من كون الاحتراف في كرة القدم أخذ طابعاً عالمياً، إلاّ أنه لم ينسلخ عن استثمار قدرات الشباب (من خارج الدول) لصالح قدرات وطنية. وهذا ما ينسحب على تركيا بقدر ما ينسحب على سياسات الدول الأخرى.

ولكن في هذا الاتجاه، استعادت الدولة العثمانية الراهنة صنيع الدولة العثمانية الفائتة، استعادت الحلم في جمع المهارات والكوادر من كافة المجالات. عندما استدعت الحرفيين وارباب المهن وأساتذة المعارف المختلفة وأرسلتها إلى الاستانة. يذكر تلك الواقعة الصورة المؤرخ المصري محمد بن إياس الحنفي، في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" الجزء الخامس، تحقيق محمد مصطفى، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه، الجمهورية العربية المتحدة 1961، ص ص 187- 188.

ينوه ابن إياس في كتابه المذكور أنه بعد دخول العثمانيين مصر عام 1517، أمر السلطان سليم الأول بجمع أمهر الحرفيين والصناع، والمهندسين وأرباب المهن وأصحاب الخبرات الحياتية والثقافية من القاهرة وإرسالهم إلى العاصمة "الأستانة" (إسطنبول)، وهو ما عُرف تاريخياً بـ "ترحيل أرباب الحرف". إذ جمع طائفة كبيرة من أهل القاهرة وأعيانها من كل الأصناف الموجوده. فهناك من هؤلاء: قضاة ونواب قضاة، ومباشرين رسميين، وأطباء ومهندسين، وتجاراً مصريين وتجاراً مغاربة من أهل المغرب. وكذلك طائفة من أعيان اليهود، وأعيان المسيحيين. إضافة إلى جمع طائفة من الصناع والبنائين والعمال المهرة والنجارين واصحاب الحرف المنزلية، والحدادين والنحاسين. وذلك من أجل تدعيم الدولة العثمانية لـ "مدرسة الحرفيين" التي أراد بناءها سليم الأول في العاصمة العثمانية (الأستانة). وقد أشار ابن إياس إلى أن عدد من تم ارسالهم قُدر بألف وثمانمائة رجلاً.

في اشكال الاستعمار الأخرى سواء الفرنسي أو الانجليزي، كان أبناء الدول المستعمرة تذهب إلى عواصمه لنقل الحضارة وتعلم المهن وصقل المهارات. كما حدث مع البعثات المصرية التي ذهبت للدراسة في فرنسا دراسة نتاج الحضارة ونقل الخبرات. بينما في حالة الدولة العثمانية كان الأمر معكوساً.

هناك صورة لـ "مو صلاح " في احد الاعلانات الناقلة لتناول الطعام داخل أحد البيوت التركية في مدينة ترابزون تظهر عودة الفرع (الابن المصري) كما يطلق السيدات في الاعلان على صلاح إلى المرجعية العثمانية. سمات ومعالم السيدات من جهة الملابس وربطة الرأس وطريقة التواصل مع بعضهن البعض متماثلة تماماً مع ما تركه العثمانيون في مصر منذ القرن السادس عشر. إن السيدات في الأرياف المصرية يرتدين الإيشارب (القرطة) ويربطونه بالطريقة ذاتها وينادين على بعضهن من خلال النوافذ كما بدا في الاعلان. واختيار لقب الابن لتطلقه سيدة الاعلان على " مو صلاح" لقب دال. ليس لقباً مجانياً من تلقائية الاعلان، ولكنه معبر عن الانتماء إلى أرضية ثقافية واحدة.

ليس من المبالغةِ أن الاحتفال باحتراف "موصلاح " تجاوز الصور ليلتقي مع ماض ثقافي لا يخلو من صراع القوى الكبرى في المنطقة العربية. وبدت مظاهر البهجة في الشارع والمقاهي والميادين مفتوحة أمام من جاءوا من مناخ عثماني موروث. فلا تؤدي الصورة دور التجسد والتحقق لأصل محدد، بل دونت فوتوجرافياً بعض المعالم الثقافية المتأخرة عن أوانها. لأن أشكال التواجد الاستعماري (الثقافي) لا يخرج من جسد المجتمعات مرةً واحدةً، ولكن هناك نوازع هيمنة خفيةً مازالت سارية تحت جلد الناس. يتنفسها المناخ العام من وقت لآخر كما تتنفس الأرض عوامل الضغط والتوترات بين الطبقات. وقد تتسلل نوازع الهيمنة عبر صورة أو سواها تبدو خاصةً، ولكنها شديدة العمومية في فهم الأحداث والمظاهر.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

نقصد بطاقة النفس هي الشحنات الانفعالية التي توظف توظيفًا بين الخسارة في استهلاكها حيث لم يتح لها التفريغ المناسب، والربح في تحقيق نجاحات الإنسان في حياته اليومية مما تعمق لديه التوازن النفسي.

حينما نراجع سلسلة طفولتنا ونحن على يقين بأنها الماضي الأبدي، نتيقن بأننا لا يمكن أن ننفصل عن ماضينا، فهذا الماضي هو يومنا، هو حاضرنا، ويقول البعض.. أريد أنسى الماضي، ونقول الماضي حاضر دائمًا في كل أفعالنا ويوميات حياتنا، ماذا تركت طفولتنا في خبايا اللاوعي – اللاشعور؟ هل أنهكتنا التخييلات حتى بددت الطاقة المتاحة للعمل في أنفسنا؟

طاقة النفس تستمد كما يراها سيجموند فرويد مؤسس التحليل النفسي من مجموعة الاقتصاد النفسي الذي يهتم بالناحية الكمية للقوى الموجوده في الصراع، مثال ذلك كما يقول " دانييل لاجاش" أن الفرد يمكن أن ينطوي منذ الميلاد على قدر متفاوت من الميل العدواني، أو الشهوي. وتتعدل الطاقة الغريزية في بعض الفترات الحرجة " كالبلوغ وسن اليأس"، وتكون القوة النسبية للحوافز،  والحوافز المضادة حاسمة في تطور الصراع، ويمكن أن تنتقل هذه الطاقة – فإذا كان الغضب كمثال، نشاهد أن العدوان الموقوف بإزاء فرد آخر أقل مدعاة إلى الخوف، إلا أن إمكانيات القياس الكمي محدودة.  لذا فإن الطاقة التي تحملها النفس تجد لها منفذ حتمًا، هذا المنفذ هل هو مقبول إجتماعيًا، أو غير مقبول؟ 

 فالمنفذ لتصريف هذه الطاقة غير المقبول اجتماعيًا يتمثل في السلوك العدواني، إذن العدوان طاقة "، أو الانفعالية المكبوتة بسبب الخجل والانطواء على الذات، وهي بالتأكيد طاقة نفسية  إنفعالية غير سوية ونجدها في استجابات البعض للظرف بشدة عالية، أو المبالغة في رد الفعل الذي لا يستحق حد المبالغة، وهذه الاستجابات يعرفها المشتغلون في علم النفس بشكل عام وتظهر في علامات جسدية مميزة مثل التعرق الشديد، احمرا أو اصفرار في الوجه، أو تشنجات في الوجه، وكذلك ترجرج شديد في الاجفان مع حركة غير مسيطر عليها، فضلا عن نظرة غير مستقرة مع حركات تشنجيه غير مستقرة. وهذا ما نشاهده بشكل صريح..  ولكن تكون طاقة العدوان كامنة وغير مرئية حينما تتلبس بمجموعة من التمويهات، المنافق إنمذجًا، فطاقة النفس تشكل كل سلوكنا وحياتنا اليومية في تعاملنا. ويرى " بيير داكو " العدوانية غير السوية هدامه، تركز على الخوف شأنها شأن عدوانية الحيوان الذي ضاق عليه الخناق.

نجد طاقة النفس هائجة عند الطفل يبحث عن تأمين حياته من خلال اللذة التي يحصل عليها بالإشباع من حليب الأم، أو اشباع رغباته الأخرى مثل مداعبة الأم والعطف والحنان بدون حساب أو حدود، لأنه لم يتم تطبيعه بعد على قيم المجتمع السائدة، فكل ما يصدر عن الطفل إنما هو بلا تهذيب ولا بشكل مقبول إجتماعيًا مثل اللعب ببرازه، أو تحطيم الاشياء وغيرها، فهو يبحث عن اللذة، وقول العلامة مصطفى زيور في المراحل الأولى من النمو النفسي يؤدي الخلط بين الذات والآخر لدى الطفل إلى عجزه عن التمييز بما يخص ذاته،

وما يخص الآخرين. هذا السلوك إن لم يجد توظيفًا تربويًا ناجحًا في السنوات الستة من حياة الإنسان، سيتحول إلى العدوانية المتمدنة في الرشد. إذا بقى هذا الطفل بلا تربية صحيحة تتوافق مع قيم الاسرة والمجتمع من خلال عملية التنشئة الاجتماعية بعد ذلك سنقول عنه طفل غير متوازن.. أو إنسان إنفعالي يثير عند الاسوياء الكثير من التساؤلات.

أزمة طاقة النفس لا يمكن وصفها بسطور بسيطة لأنها تشكل سلوكه وتعامله وأسلوب حياته اليومية، وكلما عظمت هذه الطاقة بجانبها السلبي في النفس سوف يكون الموت شعارها ولو على مستوى اللاشعور – اللاوعي.

 إنها طاقة لم تجد من يوظفها توظيفًا مقبول اجتماعيًا لأنها تكون خارج الأخلاق.. الجنسية المثلية إنموذجًا، وممارسة البغاء عند النساء، لم ولن تشبع أبدًا.  

نقول أن نشأتها منذ الطفولة وبالأخص تكون سمة العدوانية هي السائدة وبصورة صريحة منذ ولادة طفل آخر، فهو يكره أخاه علنًا وجهارًا، وتتدخل الأم والأب في تأكيد صورة مغايرة لما يحمله في لاشعوره، وإن نجح الأبوين فهو يتستر بهذا السلوك العدواني، وربما تتغير الصورة وتنقل تلك الطاقة إلى المبالغة في اللطف نحو أخيه.

طاقة النفس في البلوغ ربما تكون مموهة عندما تحمل السلوك العدواني، والسلوك المضاد للمجتمع – أعني السيكوباثي – عند بعض الشخصيات المنحرفة، أو الشخصية المنحرفة نرجسيًا، أو الشخصية المثلية جنسيًا عند الرجال والنساء.

  تؤكد لنا الدراسات النفسية المعمقة بأن تلك الطاقة النفسية التي لم تأخذ مكانها السوي تستنزف كل ما تحمل من جهد ولكنها تجد اللذة والمتعة في تحقيق عدوانها نحو الآخرين، أو نحو الذات عند المثليين، أو ظاهرة البغي عند النساء بالاستمتاع المرغم عليه، ويرى الدكتور احمد فايق أن الغريزة الجنسية لدى الإنسان أكثر تأثرًا بالجانب النفسي عن غيرها من الغرائز.. كلها تحركها طاقة النفس التي لم تجد مسارها، لكن تجد الاشباعات المبتسرة الناقصة، إذن لا ينتهي هذا الإشباع، ولا ينتهي هذا الصراع. ويمكننا القول بأنها الخسائر من طاقة النفس وليس المكاسب الظاهره، أو المستترة في النفس. 

أما الارباح في طاقة النفس وتوظيفها توظيفًا ناجحًا من الممكن أن تصون الطاقة النفسية توازن النفس والبناء النفسي للإنسان وتضفي على نفسه الراحة. هذه الطاقة التي سايرنا استمرارها منذ الطفولة حتى المراهقة ثم البلوغ والرشد، ثم النضج العقلي، ثم العطاء في الاداء الظاهري والمستور، لأن طاقة النفس بها تراكمات حتمًا، والحياة النفسية تحمل خبايا ودهاليز مظلمة، ليست نقية، ولا عملية ميكانيكية تراتبية، إنها عملية صراع مستمر غير منتهي، بالأحرى  صراع قبل وفاق، وصراع بعد وفاق، ويعلم الجميع بأن أي ظاهرة نفسية تحتاج إلى طاقة نفسية موجودة أساسًا في دواخلنا، غير ملموسة ماديًا، لكنها موجودة فعليًا، هذه الظاهرة النفسية يصاحبها الحاح بدني كما هو الإلحاح الفكري العقلي مع إمكانيات معنوية ومادية لابد من إشباعها.

ويمكننا القول أن أشق ما في اختزال الظاهرة النفسية هو الانتباه إلى أهمية التخييل في النشاط العقلي الذي يستهدف إكمال بلوغ الهدف للطاقة الموظفة من النفس، ويمكن لتحقيق الطموح للظاهرة النفسية انشغالا لا شعوريًا – لا واعيًا بالرغبة لتحقيق هدف النفس، ومن أمثلة نجاح طاقة النفس هو تحقيق النجاحات في الحياة اليومية المعاشة مثل توظيفها للنجاح في الحصول على شهادة علمية بحق، أو النجاح في مهنة، أو الحياة اليومية بأقل ما يمكن من الصراعات، ونتفق مع العبارة التالية بأن الظاهرة النفسية للاشباع الناجح هو تحول كمي في قدر التوتر الناجم من الإلحاح البدني أي الغريزي، أي الطاقة النفسية التي تم توظيفها بنجاح مقبول، في المهنة، أو الشهادة العلمية، أو الزواج الناجح، أو علاقات الفرد مع أفراد المجتمع لغرض الإنجاز، وهذا يوصلنا في نهاية الأمر إلى مفهوم اقتصادي للحياة النفسية يسمح بصلة معينة بالمعنى الاقتصادي للظاهرة الاجتماعية المقبولة من خلال توظيفها وتحقيق افضل لطاقة النفس  عند الإنسان.  

***

د. اسعد الامارة

مقاربة لسانية

ظلت مباحث علم النفس لفترة طويلة من الزمن تتمحور حول الفرد والذات فاهتمت بدراسة سلوك الفرد في أطواره العمرية المختلفة فتعقبت مراحل نموه في سيكولوجية الطفولة والمراهقة وبناء الشخصية وسيكولوجية الشيخوخة ودراسة السلوك الإنساني ودوافعه المختلفة، وبعد حين انبثق نظر جديد على يد العالم الفرنسي (غوستاف لوبون) يهتم بالبصمة النفسية التي تشكل سيكولوجية المجتمع ومشتركه الشعوري النفسي والآراء والمعتقدات والأوهام ومخيلته بما يشكل وحدة ذهنية اجتماعية واحدة، ودراسة العوامل التي تكون كل ذلك إذ يجري التفريق في الدراسات السيكولوجية والاجتماعية بين نظرين مختلفين اثنين، يهتم أحدهما بتأثير المجتمع في نمو الفرد وتشكيل قيمه وأثر محيطه في بناء شخصيته المستقلة، ونظر ثان يرتكز على السلوك الجمعي للأفراد وكيف ينصهر الفرد بتأثير الجماعة فينخرط مع قيمها فتغيب ملامحه الفردية فينقاد ضمن سيكولوجية الجماعة وعاطفتها التي يغيب فيها التفكر والتروي والحس النقدي، فالمرء في أفقه الفردي يمتلك سمة الاختلاف والمغايرة والقدرة على التأمل والمراجعة ونقد الأفكار ولكن في انخراطه العاطفي مع الجمهور يأتلف مع قيم الجماعة بمطابقة وجدانية يسهل استثارتها وتعبئتها من قبل رموز اجتماعية فاعلة تستخدمه في التحشيد والتعبئة والتوجيه إذا ما أحسنت تلك الرموز من زعماء وقادة مخاطبة الجماهير واستثارة عاطفتها وإذكاء مخيلتها في استراتيجية براغماتية قائمة على التضليل والتمويه والتوجيه نحو مسارات مؤدلجة، وكأن الجمهور قد وقع أسيراً تحت سطوة تنويم مغناطيسي يستدعي المناطق المعتمة المستكنة في دهاليز النفس والقابعة في اللاشعور الجمعي مستثيرةً فيه الملامح البدائية من الطفولة الإنسانية في بعث الخرافات وإيقاظ الأساطير المؤسسة للمخيلة الجمعية للجماهير واستدعاء غرائز الخوف والتطرف في الاعتقاد وتخطئة الآخر المختلف وتأثيمه، فيسهل قياده وتوجيهه لاعتناق رأي والدفاع عنه بعنف وكأنه قد نوم مغناطيسياً. ويصدق هذا على جمهور كرة القدم وجماهير الأحزاب في الانتخابات والجماهير التي يتم تعبئتها وزجها للقتال والحرب في قضايا غير قضاياها وفي حروب عبثية غير مشروعة. هذا التفريق قد تبلور في كتاب (سيكولوجية الجماهير) للعالم الفرنسي (غوستاف لوبون)، فهو يشبه الفرق بين قيم الفرد وتصوراته منعزلاً وتصوراته بانخراطه مع الجمهور بالعناصر التي تمتلك حال انفرادها خصائص كيميائية مختلفة تماماً عن ائتلافها ضمن مركبات جديدة في تفاعلها الكيميائي. ويضرب مثالاً على ذلك ــ وقد يبدو صادماً ــ أن الطبيب في سلوكه الفردي وما يقدم من مشورة مهنية علاجية يمثل وعياً متقدماً ولكنه قد ينخرط مع سلوك الجماهير وطقوسها البدائية وعاداتها الفلكلورية فيستوي بذلك مع القصاب الذي يكون نصيبه متواضعاً من المعرفة والعلم. ومن بين أبرز القضايا التي تناولها (لوبون) في كتابه خطابات الزعماء المحركين للجماهير وكيفية توظيفهم للألفاظ في استماله عواطف الجمهور والسيطرة عليهم وتضليلهم. فالجماهير المخدوعة التي كانت وقوداً لنيران الحرب وأتون المعارك الدينية والقومية في أوربا في حروب وفتوحات (نابليون)، والجماهير التي كانت تقاتل من أجل تحرير قبر المسيح من (براثن الشرقيين الهمج) ـ في نعت الدعاية المضللة ــ في معارك الصليب لم يكن ليثنيها ألف برهان عقلي وألف دليل منطقي ليقنعها بزيف تلك الدعاوى وبطلانها إزاء خطاب حماسي واحد من زعيم يبجلونه يلهب وجدانهم ويثير فيهم مشاعر الكراهية والاحساس بالظلم العقائدي ويستعديهم تجاه الآخر، خطاب يلقى ببلاغة ساحرة تصطنع الهيبة والخشوع ويرتدي قناع الإيمان بقضايا الجمهور العامة، فانطلت على الجمهور الاطماع التوسعية الاستعمارية وبسط النفوذ القومي باسم الدين والعقيدة والوطن. فكم من دماء بريئة أريقت ظلماً باسم المقدس ! وكم من رموز وقادة تلاعبوا بعواطف الجماهير واحترفوا التمثيل والدجل معتمدين التكرار والتأكيد في القول والتلاعب اللفظي لما يمتلكوه من لباقة ومؤهلات في الخطابة وما يتمتعون به من هالة وهيبة في نفوس البسطاء وصلت حد التقديس والعبادة، فـ (لوبون) يفصل الأسباب النفسية من مخاوف وأحقاد وأهواء لدى الجمهور التي تدفعهم لتقديس الزعماء إلى حد العبادة وإطاعتهم طاعة عمياء وكأنهم أنبياء وقديسون جدد. بل إن هالتهم وهيبتهم في نفوس البسطاء في أحيان تغنيهم عن الحديث ومحاولة الإقناع، فحضورهم وحده وسط الجماهير هو (إيثوس) في مفهوم (أرسطو) يستغني عن الخطابة في الإقناع، حتى في غيابهم تمثل أيقوناتهم وصورهم حضوراً مهيباً ومبجلاً ومقدساً في نفوس البسطاء لأسباب سيكولوجية كثيرة فصلها (لوبون).

لقد وصل الأمر في الاهتمام بكتابه أن تلقي الكتاب تجاوز النظر الأكاديمي في أبحاث علم النفس الاجتماعي ليشمل اهتمام الزعماء والقادة السياسيين المنشغلين بالسيطرة على الجماهير وتضليلها، فتفكيك الخطابات العنصرية النازية لـ (هتلر) وتحليل لغة جسده ومراجعة سيرته الذاتية (كفاحي) التي كتبها بقلمه يؤكد أنه أفاد من كتاب (لابون) في تشكيل خطاباته التي ترتكز على تغذية الجماهير بمشاعر الكراهية والتفوق العنصري، وهو ما يصدق أيضاً في إفادة زعيم الفاشست الإيطالي (موسوليني) منه في خطاباته التوليتارية (الشمولية) مما ألحق نفوراً وعزوفاً عن تلقي الكتاب واستقباله من قبل بعض الأوساط الثقافية وأكسبه صيتاً سيئاً، بيد أن كثيراً من التيارات النقدية المعاصرة ولا سيما مدرسة (فرانكفورت) وفي طليعتها الناقد (أدورنو) أعادوا الاعتبار لهذا الكتاب. فالكتاب في دائرة النقد الحديث يمثل واحدة من حلقات تطور فكرة استقبال وتلقي النصوص لدى الجمهور. وإذا كانت فكرة الاستقبال تمثل في الخطاب النقدي منطلقاً في قراءة الكتاب فهل يمكن أن تتبلور منطلقات لسانية مغايرة في قراءة هذا الكتاب في نظر يقترب من الفكرة المركزية للكتاب المتمثلة في بناء الخطاب وكيفية التأثير في الجماهير؟.

لقد ولدت اللسانيات بنشر محاضرات (دي سوسير) بنسختها البنيوية عام 1916 ولكنها شهدت تحولات كبيرة وخضعت نظرياتها للتطور وأفرزت اتجاهات عديدة شملت اللسانيات الوظيفية والتوليدية ولسانيات تحليل الخطاب، فثمة بون واسع بين اللحظة الزمنية الثقافية لعصر (غوستاف لوبون) في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وبين اللسانيات في مشهدها المتطور الراهن، لكن ما يشكله كتاب (لوبون) من أهمية وريادة في دراسة سيكولوجية الجمهور يجعله كتاباً تأسيسياً يحتم مراجعته ومقاربته مع نظريات حديثة للبرهنة على منزلته العلمية ولاختبار فاعليته الواقعية في تحليل الخطاب من خلال الموازنة والتعرف على تطور الأفكار التي كانت يهجس بها والتي خضعت بتطور البحث العلمي لمنوالات نظرية وأبعاد إجرائية مختلفة تؤكد فاعلية أفكاره وثبات كثير من نتائجها في فحص سيكولوجية الجمهور. ليس هذا فحسب بل المقاربة والتنقيب عن الروافد اللغوية ومرجعيات (لوبون) اللغوية غير المصرح بها يلتقي مع النظر الحفري في تحليل الخطاب لمعرفة تطور الأفكار والوقوف عند جذورها النظرية.

غالباً ما يكون تفاعل الجماهير وانجذاب مخيلتها للصورة ـ في نظر لوبون ـ أكثر منها للكلمة، لذلك فإن من يخاطب الجمهور من الزعماء الأذكياء يحرص كثيراً على توظيف الألفاظ في دلالتها ومعانيها الحسية غير التجريدية ليضمن انشدادهم، وهذا ما يعضده التحليل اللساني المستند على نظريات تحليل الخطاب، فالألفاظ التجريدية تستدعي حقلاً دلالياً إشكالياً يخضع المشكلة للتحليل والمناقشة والجدل نقيض المفردات الحسية في الخطابات التي لا تنفذ إلى عمق المشكلة وتعمد إلى تسطيح الأفكار، وهوما تؤكده أيضاً اللسانيات الإدراكية في دراستها للمعجم الذهني ومعالجة الدماغ للتراكيب، فالمعالجة العصبية اللغوية تكون أسرع في الجمل القصيرة ذات المفردات الحسية اليومية المألوفة في محيط المخاطب. وثمة كلمات يصعب تحديد معانيها بنحو دقيق، ويكون لها أكبر الأثر في تحشيد الجماهير واللعب بعواطفها بسبب اختلاف الرؤى والمرجعيات في الاصطلاح الجمعي على ما تحيل عليه من مدلولات سياسية أو اجتماعية، فهي لا تمثل وفاقاً في معظم الأحيان نحو مفردات : (الديمقراطية والاشتراكية، والمساواة، والحرية)،وهذا ما تصطلح عليه لسانيات التلفظ بـ (الإحالة المشتركة)، فكأنَّ هذه المفردات وصفة سحرية لمعالجة مشاكل كثيرة وعامة وتلامس أهواء الجماهير من دون أن تقترب من معالجة المشكلة بنحو دقيق، فغموض كثير من المفردات وهلاميتها ودلالاتها الفضفاضة يمنحها قوة وفاعلية في التأثير في الجمهور. وتبرز مشكلة ثانية هجست بها اللسانيات الاجتماعية ترتبط بالتنوعات اللغوية داخل المجتمع الواحد، فالمجتمع متنوع ومختلف بهمومه وتطلعاته ومشاكله وقضاياه، فليس من المناسب توظيف الألفاظ نفسها في مخاطبة أي جمهور، فالمجتمع وإن كان يتحدث اللغة نفسها ولكن بتنوعاته الطبقية والبيئية تتنوع أساليبه وألفاظه، فمن غير المناسب تعميم الخطاب دون مراعاة خصوصية البيئة المحلية أو التشكيل المهني أو الطبقي للجمهور المعنيين بالخطاب، ولكن خطاب التضليل المتلاعب بالأهواء ـ والتأكيد للوبون ـ يستعمل الألفاظ الأكثر اختلافاً، فهو يؤكد أن اللغة متطورة بحقبها الطويلة وبمراحلها الزمنية القصيرة نتيجة حركة المجتمع وتغيره مما ينعكس على اختلاف الألفاظ وتطورها بين بيئة وأخرى أو بين عصر راهن وآخر متقدم، فالحرص على توظيف مفردات معينة من المفردات التاريخية الموروثة دون الانتباه إلى دلالتها المتغيرة هو نوع من التلاعب ؛ يؤكد هذا (لوبون) في وقت متقدم على ظهور اللسانيات الجغرافية، فالأخيرة هي الثمرة العملية التطبيقية للسانيات الوصفية وعلم اللهجات والدراسات اللغوية التاريخية والمقارنة التي يمثل وضع الأطلس اللغوي هاجسها الرئيس، فالأطلس يتكفل بتتبع التوزيع اللغوي الجغرافي لاستعمال الكلمة وتغيراتها الدلالية والصوتية وتطور معانيها بين إقليم وآخر، فرصد تطور اللغات حاجة لسانية ملحة تستدعي وضع أطلس جديد غير الأطلس اللغوي المتقدم، والموارنة بين الأطلسين تمثل وسيلة مهمة لقياس التطور اللغوي وقياس تحول التفكير وتطور ثقافة المجتمع، فاللغة تشكل أهم محددات الفكر.

وفي نظر (لوبون) يمثل الشعور العاطفي المصاحب للأداء الصوتي الذي يحرص على تمثيل الخشوع نقول يمثل سطوة كبيرة في التأثير بالجمهور وتنحسر عنده قوة البرهان والجدل العقلي المستند إلى الحقيقة الموضوعية ويتفوق عليها بكثير بسبب انفعال الجماهير لسحر الأصوات وجرسها الموسيقي النغمي، فقد نبه على عادة الزعماء في تمثيل الهيبة والخشوع في نطق ألفاظ محددة تدغدغ العصبية الاجتماعية وعقيدة الجمهور، وهذا ما توصلت إليه اللسانيات الأنثروبولوجية الوصفية الأمريكية في دراستها للغة الجسد، فهناك لسانيات شكلية تهتم بدراسة ألفاظ اللغة وتراكيبها وهناك (لسانيات مصاحبة) لها، فهذه الأخيرة تنظر في السلوك غير اللفظي المصاحب للسلوك اللغوي في لحظة إنشاء الخطاب وتفاعل الأفراد ضمن سياق الحال، ففي أحيان كثيرة يلعب السياق غير اللفظي المتضمن لدلالة التنغيم والنبر والمتضمن للغة الجسد دوراً حاسماً في قلب دلالة الألفاظ ومحمولات الخطاب اللغوية مثلما يحصل في ألفاظ السخرية إذ لا يمكن حملها على دلالتها الحرفية، فالمقام يمثل قرينة صارفة نحو معان ضمنية غير مباشرة، وهذا ما يسمى بـ (الاستراتيجية التلميحية) في تكوين الخطاب التي تقابل (الاستراتيجية التصريحية).

وتتفاوت المفردات في شحنتها الدلالية ومعانيها وظلالها النفسية والإيحائية، فثمة مفردات هي من الشيوع والألفة حد الابتذال في المخيلة الجمعية، فهي في نظر (لوبون) بمنزلة الأصوات والصراخ الفارغ من الدلالة إلا أن استعمالها في مخاطبة الجماهير يعفي قائلها من مسؤولية التفكير والتوضيح والتفصيل لمحمولات خطابه الإبلاغية. وهذا النظر عند (لوبون) يقترب من مفهوم (لسان الخشب)، ففي لسانيات تحليل الخطاب تسمى الخطب السياسية التي لا تتضمن محتوى إبلاغياً مؤثراً في الجمهور بـ (لسان الخشب) فهي تمثل أسلوباً رسمياً جامداً، فواحدة من شروط الخطاب هو أن يتضمن الإعلامية والإخبار عن وقائع مجهولة للمتلقين أو يتضمن تفسيراً ووجهة نظر منشئ الخطاب عن وقائع تستدعي تفسيراً أو أن يتضمن الخطاب جزءاً من الأفعال الإنجازية القولية التي تنعت بـ (الوعديات) أو (الالتزاميات) المستقبلية التي تتعهد للجمهور بإنجازات مستقبلية إزاء تحديات ومشاكل ما تقتضي حلولاً ومعالجات، ومحللو الخطاب في التمييز بين (الرواية الرسمية) للحكومة والروايات غير الرسمية للحوادث يلجؤون إلى قياس حضور الذاتية في الخطاب من خلال وسائل إحصائية كمية للواسمات اللفظية التي تعبر عن وجهات النظر وقياس الدرجة الإعلامية أيضاً، وفي غياب كل ذلك يفقد الخطاب الحكومي حجاجيته في التأثير والإقناع، ويلجأ إلى الاقتصار على العموميات وتكرارها في حديثه مما يفقده ثقة الجمهور بقدرة الحكومات على المعالجة، واكتفاؤها بالشجب والإدانة والتعبير عن أسفها، أو يلجأ إلى إبقاء الحديث دائراً فيما لا يجهله الجمهور ولكن يضمنه صوراً استعارية وبلاغية توحي بالقوة والإحاطة والحزم. فثمة ورش لغوية خلف الكواليس تعكف على صناعة الخطاب وتنخرط في لعبة السياسة البراغماتية من خلال دراسة البدائل اللغوية الممكنة عن التعبير عن الفكرة الواحدة وانتقاء خيار تعبيري يظهر الأحزاب أو الحكومات بمظهر القوة والحرص على الجماهير مما يعد شكلاً من أشكال إساءة استعمال السلطة. وفي (لسان الخشب) يسهل وبدرجة كبيرة قياس رأي الجمهور وعدم تفاعلهم ضمن مفهوم (بلاغة الجمهور)، ففي مناهج تحليل الخطاب يُنظر إلى(بلاغة الجمهور) من خلال مفهوم (الاستجابة)، وهي غير (استجابة القارئ) الجمالية في نظريات القراءة الأدبية عند (ياوس) و(إيزر) التي تقوم على تلقي النص ضمن (أفق التوقع) وقبليات الفهم والتأويل، فـ (استجابة الجمهور) من منظور تحليل الخطاب تنظر في الموقف الذي يتخذه جمهور المتلقين من الحمولات الايديولوجية لخطابات السلطة إذعاناً وقبولاً أو رفضاً وممانعة، وقد تكون الاستجابة فعلاً معارضاً لا فعلاً قولياً، وقد تكون الاستجابة استجابة سلبية صامتة.

ويؤكد (لوبون) أن الجماهير قد تشعر بانقباض ونفور من معاني بعض المفردات بسبب صورتها التي تثيرها في نفوسهم أثر التحولات السياسية والانقلابات التي أفقدتها دلالاتها وصورتها القيمية التي يحملوها عنها، فهو ينصح رجال الدولة بانتقاء مفردات جديدة مع الحفاظ على المعاني المقصودة التي كانت تعبر عنها تلك الألفاظ، وهذا ما انتهى إليه التحليل اللساني في مباحث علم الدلالة وتفريقه بين معاني الألفاظ المركزية التي تعين مسميات الأشياء وبين المعاني الهامشية الحافة بتلك المعاني التي تضيف بعداً عاطفياً إيجابياً أو سلبياً نتيجة تجارب حياتية أو ما تخلفه ثقافة المجتمع من انطباعات عن مدلولاها التصوري، فالمعاني الهامشية ليس معان محايدة بل هي تتضمن أحكاماً قيمية محملة بالذاتية والانطباعات القبلية الأمر الذي ينبغي تجنبها مراعاة للتلقي في إنشاء الخطاب والاستعاضة عنها ببدائل تعبيرية غيرها تكافي المدلول المركزي غير الهامشي.

ويركز(لوبون) على الزمن بوصفه العامل الأساس لتغير اللغة ولكنه يؤكد تغيرها بتغير العرق البشري إلى جنب تشخيصه بكونها متغيرة بتغير الزمن وبتنوع الطبقات الاجتماعية، ويضرب مثالاً على ذلك بأنه يجد في فترة واحدة ولدى شعوب متحضرة تتضمن أعراقاً مختلفة يجد أن استعمالهم للكلمات المتماثلة في اللفظ يدل غالباً على أفكار مختلفة تماماً بينهم. وللتدليل على ذلك يلجأ إلى الفطرة والانطباع المؤسس على الرحلات ومعايشة المجتمعات، فهو يؤكد أن التصور اللاتيني (الفرانكفوني) للمفردات يختلف عن الروح الأنكلوسكسونية، فكلمة (ديمقراطية) عند اللاتين تدل على انمحاء الإرادة وغياب حس المبادرة الفردية والتبعية للدولة وغياب الروح الفردية. فالدولة تضطلع بمسؤولية القيادة والمركزية في سياسة الأمور، لذلك فالمفردة توظف ــ في الفترة المعاصرة للوبون ــ عند جميع الأحزاب الراديكالية والاشتراكية والدستورية الملكية ؛ بينما المفردة نفسها لدى الانكلوسكسون وتحديداً في أمريكا تعني تنمية الإرادة الحرة للفرد، فالدولة ترعى قطاعات الأمن والدبلوماسية الخارجية فحسب. والجدير بالذكر أن هذه المفردة في عصرنا الراهن قد طرأ عليها تحول كبير يختلف عن استعمالها عند الشعوب الذي تحدث عنهم (لوبون)، ولكن تأكيده بأن الخطاب ينبغي أن يراعي تصورات الجمهور وبرهنته على اختلاف اللغة باختلاف العرق هو أمر برهنت عليه النظريات اللسانية الأمريكية الوصفية في نزعتها الأنثروبولوجية من خلال التحليل التقابلي والمسح المعجمي الوصفي التي تمخضت عنه نظرية (ادوارد سابير) و(بنيامين لي وورف)، فلكل لغة نظام تمثيلي يختلف عن اللغة الثانية في تصوره للأشياء والكون، فالشخصان اللذان يتحدثان بلغتين مختلفتين لن يفكرا بطريقة واحدة، فهناك محددات لغوية تحتم على الناطق بلغة ما أن يفكر بأطر وقوالب ذهنية تختلف عن الأطر والقوالب الذهنية للغة المختلفة عن لغته، فاللغة ليست وسيطاً حيادياً بين الأفكار والتصورات وبين ما تعبر عنه من موضوعات خارجية ووقائع، فهي تعيد تشكيل انطباعاتنا حول الشيء وتبني تمثلات تناسب خصوصية اللسان والثقافة، وهذا ما تؤكده أيضاً اللسانيات الإدراكية في نظرية الاستعارة التصورية لـ (جورج لايكوف) و(مارك جونسون)، فاللغة ليست نظاماً تشفيراً رمزياً يوازي موضوعاً خارجياً يحيل إليه بل هي نظام تفكير وعقل استدلالي يتمايز بين ثقافة وأخرى.

إنّ الكثير من تصورات (لوبون) المتعلقة بجدلية اللغة وسيكولوجية الجمهور التي تقدم الحديث عنها في وفاقها مع التفكير اللساني يمكن عزوها إلى جذور واحدة استقت منها اللسانيات وامتاح منها (لوبون) أيضاً، فمن المؤكد أنه أفاد من معطيات البحث اللغوي الفيلولوجي، فهذا الحقل العلمي معني بدرجة كبيرة في النظر في الأبعاد التأثيلية للألفاظ وأصولها الاشتقاقية وتغير معانيها ويهتم بجوانب تأويلية تتعلق بفهم نصوص قديمة كالملاحم الشعرية والأساطير التي يصعب فهمها بسبب تطور اللغة وتغير دلالة الألفاظ والتراكيب، وإن كان النظر اللغوي في البحث الفيلولوجي ليس غاية وهدفاً لذاته كما هو حال اللسانيات، فالفيلولوجيا تنظر للغة بوصفها وسيلة للنفاذ إلى ثقافة الشعوب القديمة وفولكلورها من خلال تحليل ما غمض من نصوصها التأسيسية كالملاحم وهو ما ينسجم مع تخصص (لوبون) المعنى بدارسة حضارة الشعوب، وصحيح أن البحث اللساني يختط لنفسه طريقاً منهجياً ومنوالاً نظرياً غير المنوال الفيلولوجي بيد أن البعد التأثيلي وتغير دلالة المفردات في النظر الفيلولوجي أسهم إلى حد كبير في قضايا النظر اللغوي التاريخي والمقارن والتمييز بين النظر السايكروني التزامني والبعد التعاقبي التاريخي للغة الذي لا يشف عن جوهر النظام. وفي مجال تغير اللغة وتأثرها بالعرق الاجتماعي عند (لوبون) وموازنته باللسانيات النسبية الوصفية تتأكد فرضية وحدة الروافد المعرفية، فثمة نظرية سائدة في القرن الثامن عشر عند الفلاسفة ودارسي الحضارة الإنسانية مثل الفيلسوف الألماني (همبولت) و(هيردر) تتخلص بأن اللغة تتأثر بالعقل الجمعي الناطق بها وهناك تأثير متبادل بين اللغة والفكر، فقد تأثر (لوبون) بهذه النظرية وتأثرت بها اللسانيات الوصفية الأمريكية عند (إدورد سابير) و(بنيامين لي وورف)، غير أن اللسانيات الوصفية غادرت تبني الفكرة على المستوى النظري إلى البرهنة عليها من خلال تحليل لغات كثيرة تختلف في تمثلاتها للزمن واللون. ليس هذا فحسب بل لا نستبعد تأثره بالموروث اليوناني ومنجزه في فلسفة اللغة من خلال تنظيرات (أرسطو) في كتابه فن الشعر وفي مصنفه الخطابة، فـ (أرسطو) في تقسيمه لأنواع الاقناع ميز بين (اللوغوس) المتمحور على البرهان العقلي والحجة المنطقية، و(الباثوس) وهو الإقناع الذي يوظف عواطف الجمهور واستثارة حس الخوف أو الشفقة أو الحزن، و(الإيثوس) أي الاقناع الذي يستند إلى هالة الخطيب وهيبته الشخصية وثقة الجمهور به أقول إن (أرسطو) في تقسيمه الثلاثي أولى النوعين الأخيرين (الباثوس، والإيثوس) أهمية كبيرة في استمالة الجمهور، و(لوبون) استبعد العنصر الأول تماماً من سيكولوجية الجمهور ليركز على الأخيرين. وعلى الرغم من تطور نظريات تحليل الخطاب ومقاربتها لبلاغة الجمهور ضمن طروحات (شاييم بيرلمان) في البلاغة الجديدة ونظريات الحجاج التداولية إلا أن جذوراً تراثية يونانية فلسفية مثلت روافد معرفية قد خضعت للصيرورة الجدلية فتمخضت عنها تلك الأفكار المتطورة في حقل تحليل الخطاب، فوحدة الروافد التراثية اليونانية يفسر بنحو يبعث على الاطمئنان التقارب الكبير بين طروحات (لوبون) ومسائل الفكر اللساني في بناء الخطاب وتلقيه والتأثير المتبادل بين اللغة والمجتمع.

***

كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

كيف يسحقُ العقلُ المستطيلُ بقايا العقلِ المسطحِ في الشرق الأوسط؟

يشهد الفضاء الجغرافي-السياسي والثقافي في الشرق الأوسط أزمة بنيوية مستعصية، لا تقتصر تجلياتها على التصدعات السياسية أو الإخفاقات الاقتصادية، بل تمتد لتضرب بجذورها في البنية المعرفية العميقة للعقل العربي. إن مقاربة هذه الأزمة تتطلب تجاوز التحليلات السطحية التي تقف عند حدود الظواهر، والانتقال إلى الحفر التنقيبي في طبقات الوعي واللاوعي الجمعي، حيث تتشكل العِلاقة المعقدة والمترابطة بين بنيتين استعاريتين:

"العقل المسطح" الذي يظهر حالة الجماهير المستلبة، و"العقل المستطيل" الذي يجسد صرامة السلطة وهندستها القمعية. هذه العِلاقة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تطوري معرفي مترابط، ما انفك مشتغلًا منذ قرون، متغذيًا على رافعتين أساسيتين: "الجهل المقدس" الذي يضفي طابعًا إلهيًا على التخلف، و"الأسطورة" التي تعطل ملكات العقل النقدي لمصلحة الانقياد الأعمى.

لقد ظل الفكر الفلسفي والاجتماعي العربي مشتبكًا مع هذه المعضلة، محاولًا تفكيك آليات اشتغال العقل والسلطة. ومن خلال استنطاق أدبيات رواد الفكر النقدي، أمثال محمد عابد الجابري، ومحمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، وعلي حرب، وهشام جعيط، وتقاطعها مع الأطروحات الفلسفية الغربية لميشيل فوكو، وإرنست كاسيرر، وأوليفييه روا، وروبرت بروكتور، تتكشف ديناميكية التخادم البنيوي بين المُسْتَبِد والمُسْتَبَد به.

هذه الدراسة الفلسفية التفكيكية تقدم تشريح شامل لهذه الديناميكية، مبينة كيف تماسس "العقل المستطيل" ليحكم قبضته على "العقل المسطح"، وكيف تم توظيف الأسطورة وصناعة الجهل لإنتاج "وعي زائف" يضمن استدامة منظومة الهيمنة. عبر نقد تاريخي ومعرفي، يتتبع الأنساب المعرفية والسياسية للسلطة في الشرق الأوسط، وصولًا إلى أزمة المثقف المعاصر، وتحديات العصر الرقمي وما يفرزه من "الغباء الاصطناعي "الذي يعيد إنتاج التسطيح المعرفي في قوالب حداثية.

ظاهريات العقلين: التسطيح الجماهيري والاستطالة السلطوية

لتفكيك بنية الهيمنة في الشرق الأوسط، يجب أولًا تحديد الخصائص المعرفية والوجودية للفاعلين الرئيسين في هذه الجدلية:

"العقل الجماهيري (المسطح) والعقل المؤسساتي (المستطيل)"

سيكولوجيا الاستلاب وأحادية الرؤية

يتحدد "العقل المسطح" بوصفه بنية معرفية أفقية، تفتقر إلى العمق التحليلي، وتُعاني من شلل في القدرة على إدراك التناقضات وممارسة الشك المنهجي. يتميز هذا العقل برفضه المرضي لمشروعات التحديث والتغيير، إذ ينظر إلى أي اختراق لثوابته على أنه تهديد مباشر لهويته ووجوده، مما يولد رفضًا مجانيًا ومسبقًا لأي نقاش عقلاني. إن العقل المسطح، وفقًا للتحليل الاجتماعي الذي أرساه علي الوردي في دراسته لشخصية الفرد العراقي والعربي، هو نتاج صراع تاريخي طويل بين قيم البداوة وقيم الحضارة، مما أفرز شخصية مزدوجة تتغنى بالمثل العليا نظريًا، وتمارس الانتهازية والتبعية عمليًا.

في السياق الفلسفي، يعود هذا التسطيح إلى هيمنة ما أسماه أدونيس بـ "الثابت" على حساب "المتحول". فالعقل المسطح يعيد إنتاج النصوص والأفكار القديمة بشكل آلي، حيث يتم تعطيل كلّ ما هو عقلاني لمصلحة التلقين والتقليد، فتتحول الثقافة إلى مجرد اجترار للبديهيات، ويفقد الفرد قدرته على الإبداع والابتكار. إن هذا العقل يختزل الإنسان إلى كائن منضبط خاضع، يُقصي القيم الإنسانية الحرة من مجاله التداولي، ويستعيض عنها بمنظومة من الشعائر المفرغة من أي مضمون روحي أو فلسفي.

هندسة الضبط

على النقيض من هشاشة العقل المسطح، ينتصب "العقل المستطيل" ككيان هندسي، صُلْب، وعمودي. إنه يمثل السلطة بكل تجلياتها:

السياسية، الدينية، والأمنية

لا يشتغل العقل المستطيل بمنطق تحري الحقيقة، بل بآليات إدارة القوة والسيطرة. يستمد هذا العقل فاعليته من آليات "السياسة الحيوية" والسلطة الانضباطية التي شرحها ميشيل فوكو، حيث لا تقتصر السلطة على القمع الجسدي المباشر، بل تتغلغل في أدق تفاصيل الحياة اليومية لتنظيم الجسد والعقل والسلوك معاً.

يتخذ العقل المستطيل من القانون والمؤسسات أدوات لترويض المجتمع. ففي إطار النظرية القانونية النقدية، لا يُنظر إلى القانون بوصفه تجسيداً للعدالة المحايدة، بل كخطاب سلطوي وأداة للسيطرة الاجتماعية والاقتصادية، تُسهم في تكريس الهيمنة الطبقية وإعادة إنتاج العلاقات وفقاً لموازين القوى. هنا يظهر نموذج "برج المراقبة الشاملة" الفوكوي، حيث تتيح المراقبة المستمرة تحويل الطاعة إلى ممارسة داخلية مستبطنة، فيصبح المواطن حارساً على نفسه لصالح السلطة المستطيلة.

التخادم البنيوي

إن العلاقة بين العقلين ليست علاقة صدام دائم، بل هي في جوهرها علاقة تخادم متبادل. فالعقل المستطيل لا يمكنه البقاء دون وجود قاعدة جماهيرية مسطحة تتقبل سردياتها الانقيادية. وفي الوقت ذاته، يجد العقل المسطح في استبداد العقل المستطيل ملاذاً آمناً يعفيه من مسؤولية الحرية وعناء التفكير. وكما يرى فوكو في تحليله لأنساب السلطة، فإن السلطة الحديثة تقوم على منطق الصراع المستمر المُمأسس، حيث يتم إنتاج خطاب معرفي يبرر هذا الإخضاع.

أركيولوجيا الجهل وتأسيس الوهم

لضمان استمرارية الخضوع، كان لزاماً على العقل المستطيل أن يبتكر آليات متطورة لتعطيل الفاعلية النقدية للعقل المسطح. هنا، لا يكون الجهل مجرد نقص في المعرفة، بل يصبح "مشروعاً" استراتيجياً يُدار بعناية، متخذاً مستويات متداخلة:

المؤسَس، والمقدس، والمبرمَج...!

الجهل المؤسَّس

صاغ المفكر محمد أركون مصطلح "الجهل المؤسَّس" ليصف ذلك النوع من الجهل الذي لا ينشأ عفوياً، بل يُنتج ويُعاد إنتاجه منهجياً من خلال النظام التربوي والمؤسساتي الرسمي. يبدأ هذا الجهل من الأسرة ويمتد إلى المدارس والجامعات التي تعتمد التلقين منهجاً، وتقصي التحليل النقدي للنصوص والتاريخ. إن هذا النمط التعليمي يهدف إلى إنتاج أفراد يتمتعون بقدرات فنية ومهنية ربما، لكنهم يعانون من أمية فلسفية ونقدية واضحة. يرى أركون أن الجهل المؤسس هو الأداة الفعالة التي تلجأ إليها السلطة لضمان التبعية المطلقة، حيث يُمنع المجتمع من طرح الأسئلة الوجودية، وتُستبعد المعرفة العقلانية لصالح ثقافة الاتباع. هذا الانعدام التأسيسي للمعرفة يحول دون تمكن الفاعلين الاجتماعيين من إخضاع التراث أو الواقع للتحليل أو التفكيك، وبذلك يتم وأد العقل البرهاني لحساب العقل العرفاني والنقلي، مما يعمق أزمة الوعي العربي.

الجهل المقدس

ينتقل الجهل من مستواه المؤسسي ليبلغ ذروة فاعليته عندما يرتدي مسوح القداسة. قدم أوليفييه روا تشريحاً دقيقاً لظاهرة انفصال الأديان عن الثقافات التي احتضنتها، وتحولها إلى أيديولوجيات صلبة عابرة للقوميات. الجهل المقدس يعني إنتاج "دين محض"، مُفرغ من سياقه التاريخي، والجمالي، والمعرفي، ليتحول إلى منظومة حتمية مغلقة. تتجلى خطورة الجهل المقدس في كونه يحرّم السؤال بدعوى أن التفكير يُفضي إلى التشكيك، مما يؤدي إلى تبني الفرد لمقولات دينية مسطحة يرددها كاليقينيات المطلقة. وقد أحدث هذا الجهل خراباً هائلاً في جسد المجتمعات؛ إذ تُلصق سلسلة من الاجتهادات البشرية القاصرة بالنص الإلهي لتصبح بقوة الوحي، وتُستخدم لتكفير المخالفين، وإهدار الدماء، وإعاقة أي مشروع تنويري.

الجهل المبرمَج وهندسة التفاهة

لا يكتفي "العقل المستطيل" بالتجهيل المؤسسي والمقدس، بل يتجاوزهما في العصر الحديث نحو "الجهل المبرمَج". هذا النمط لا يعتمد على حجب المعلومة كما في العصور السابقة، بل يعتمد على الإغراق فيها. من خلال توظيف أدوات الإعلام وتقنيات الفضاء الرقمي، تعمل السلطة على صناعة التشتيت الممنهج، وإغراق "العقل المسطح" في طوفان من الأخبار الزائفة، والصراعات الوهمية، والقضايا الهامشية. وهنا يتجلى بوضوح ما يُعرف بـ "علم صناعة الجهل"، حيث تُستخدم "التفاهة" كأداة قوية للضبط الاجتماعي. إن هذا الجهل الخوارزمي يعطل ملكة النقد عبر تشتيت الانتباه وتسطيح الوعي، محولاً المواطن إلى مجرد مستهلك سلبي، ومفرغاً الفضاء العام من أي نقاش سياسي أو فلسفي جاد يهدد منظومة الهيمنة.

أسطورة الدولة والنزوع اللاعقلاني

يرى الفيلسوف إرنست كاسيرر أن أخطر تجليات النزوع الأسطوري تظهر في مجال السياسة، وتحديداً في الأنظمة الشمولية(الدكتاتورية والثيوقراطية). تعمل هذه الأنظمة على فبركة أساطير سياسية متقنة تستقطب الانفعالات وتصادر المحاكمة العقلية. يتم التلاعب باللغة لتفريغها من دلالاتها المنطقية وتحويلها إلى شحنات عاطفية وسحرية تسوق الجماهير. في الشرق الأوسط، تم تحويل الدولة ذاتها إلى "أسطورة"، حيث تُقدم على أنها كيان مفارق ومقدس يتطلب تضحيات مجانية مستمرة، في حين يتم إخفاء طبيعتها الحقيقية كأداة قمعية بيد نخبة معينة. وقد أشار سبينوزا سابقاً إلى ضرورة تحرير الدولة من الأسطرة، وبنائها على أساس العقل الذي يحمي الحرية ويعتبرها الغاية الأسمى للاجتماع السياسي. إن التضافر الثلاثي بين (الأسطورة، ورأس المال، والسلطة) يجعل من الصعب تفكيك منظومة الهيمنة، إذ أن إقناع "العقل المسطح" بالتخلي عن أساطيره يعادل تجريده من مبرر وجوده.

من وهم الغيبيات إلى ألاعيب السلطة

لترسيخ الأسطورة، تدعي السلطة امتلاك "الحقيقة المطلقة". هنا يتدخل الفيلسوف زكي نجيب محمود لنقد "خرافة ما وراء الطبيعة" والدعوة إلى تبني العقلانية والوضعية المنطقية كطريق وحيد للنهوض. وفي اتجاه تفكيكي أكثر جذرية، يعمد علي حرب إلى نسف فكرة الحقيقة كجوهر ثابت أو يقين مطلق. يرى حرب أن الإيمان بامتلاك الحقيقة النهائية هو أصل التعصب والإرهاب؛ فالحقيقة ليست مطابقة للواقع، بل هي استراتيجية، وقراءة، وبناء. إن المفكرين ورجال الدين الذين يزعمون حراسة الحقيقة هم في الواقع يمارسون "سياسة الحقيقة"، حيث يفرضون وصايتهم على المجتمع ويؤسسون لديكتاتورية معرفية تخدم العقل المستطيل.

التأصيل التاريخي للسلطة والعقل السياسي العربي

لم تكن سيطرة العقل المستطيل وليدة صدفة، بل تشكلت عبر سيرورة تاريخية حددت ملامح "العقل السياسي العربي". تُعد أطروحة هشام جعيط من أهم الحفريات التاريخية التي تتبعت نقطة الانكسار في التاريخ الإسلامي المبكر؛ إذ يرى أن الفتنة الكبرى أعلنت بداية الانفصال بين "المثالي الديني" و"الواقع السياسي". في تلك اللحظة سقطت المثالية الحالمة تحت وطأة التجاذبات القبلية والمصالح الذرائعية وهي التي كانت  اللحظة التاريخية التي تمثل وتمكن فيها "العقل المستطيل" النفعي في تجليه الأول، مستنداً إلى شرعية العصبية في تأسيس الدولة على حساب مبادئ الشورى والعدالة. لقد تم أسطرة هذه الفتنة لاحقاً عبر تقديس أطرافها وتغليف الصراع المادي بغلاف عقائدي يبرر الانقسام الذي يعصف بالشرق الأوسط حتى اليوم.

يبني محمد عابد الجابري مقاربته على أن هذا العقل ليس معنياً بإنتاج المعرفة، بل وظيفته الأساسية هي "ممارسة السلطة". ويحدد ثلاث آليات كبرى تحكمت في ممارسة السلطة: العصبية، الغنيمة، والعقيدة، وتكريساً لهذا العقل البراغماتي، ظهرت طبقة من "فقهاء السلطان" مهمتها تبرير الواقع الفاسد عبر إخراج نصوص الفقه السياسي من سياقها لترسيخ مقولة "طاعة المتغلب".

أزمة المثقف العضوي وانكسار المشروع التنويري

في ظل هذا التحالف المتين، كان من المفترض أن ينهض "المثقف" بدور التفكيك والتنوير. إلا أن الواقع العربي يشهد أزمة مستفحلة للمثقف الذي يعاني من اغتراب مضاعف:

فهو مقصي من قبل السلطة القمعية، ومنفصل عن قاعدته الجماهيرية (العقل المسطح) التي ترفض خطابه النخبوي المعقد. ويوجه علي حرب نقداً لاذعاً لهذه النخبة، مبيناً أن المثقف العربي يمارس ادعاءات نرجسية وينتج أوهاماً أيديولوجية لا تقل خطورة عن الأوهام الدينية.

أخذت الأزمة بعداً كارثياً عندما تحول جزء كبير من المثقفين التنويريين إلى تبرير سياسات الاستبداد والتواطؤ مع العقل المستطيل. بدلاً من حماية الحرية، سقط المثقف في إغراء السلطة، ووظف خطابه لتسويغ القمع بدعوى الحفاظ على "الحداثة"، ففقد مصداقيته وأسهم في تعميق "الجهل المؤسس". وللخروج من هذا المأزق، اعتمد محمد أركون مفهوم "القطيعة المعرفية" لضرورة إحداث كسر جذري مع التراث المنغلق الذي يقمع العقل، داعياً لاستخدام المناهج الحديثة لتحليل "اللامفكر فيه" في الفكر الإسلامي.

العقل الرقمي وتحديات "الغباء الاصطناعي"

مع بزوغ فجر الثورة التكنولوجية، طُرحت الآمال حول "العقل الرقمي التواصلي" القادر على تفكيك الأيديولوجيات الصلبة عبر فضاء مفتوح يُنهي احتكار العقل المستطيل للمعلومة. ومع ذلك، فإن هذا العصر يحمل طفرة عكسية خطيرة تتمثل في "الغباء الاصطناعي". لم يعد الجهل المقدس يتخذ شكل المحاكم الدينية فحسب، بل اتخذ أشكالاً خوارزمية ذكية. تقوم السلطات بتوظيف الذكاء الاصطناعي لإغراق العقل المسطح في فقاعات من المعلومات المضللة، وتسخيف القضايا الجوهرية واستخدام "التفاهة" كآلية للسيطرة والضبط.

نحو تحرر مزدوج

تخلص هذه الدراسة إلى أن أزمة الشرق الأوسط ليست سياسية أو اقتصادية عابرة، بل هي اختناق معرفي مزمن ناتج عن التفاعل العضوي بين العقل المسطح للجماهير والعقل المستطيل للأنظمة. إن التحرر من هذا الاستلاب يتطلب مقاربة مركبة:

أولاً، إحداث قطيعة معرفية مع آليات قراءة التراث المتكلسة، واستبدالها بالتأويلية التاريخية السياقية والتفكيك النقدي الذي يعيد للنص بشريته.

ثانياً، تفكيك علم صناعة الجهل وفضح آليات هندسة التحكم الحيوي التي تمارسها الدول المستعمرة.

ثالثا، لا يمكن للعقل (المسطح) في الشرق الأوسط أن ينهض دون أن يمتلك شجاعة مواجهة أوهامه الذاتية، ليتحرر من أسطرة الحاكم وتقديس النص، مؤصلاً لعقلانية نقدية تؤسس لدولة المواطنة، وتنهي عصور الاستبداد والجهل.

***

غالب المسعودي

هل توجد في لغتنا القوة الكافية لصياغة تفكيرنا؟ طبقا لفرضية سابير- وورف، الجواب هو بالتأكيد نعم. ان فرضية سابير – وورف تفترض ان اللغة التي نتحدث بها يمكن ان تضع حدودا للمفاهيم التي نفكر بها. هناك اكثر من سبع الاف لغة جرى تحديدها في كل العالم. هذا يعني ان الادراك البشري تطور طبيعيا ليستعمل سبعة الاف نظام للاتصالات لتبادل المعلومات والأفكار.

مع كل ذلك، هذه اللغة عادة تكون غير مفهومة للبعض الآخر وفيها من السمات تختلف بشكل لافت. وفي ضوء التعقيدية في نظام الاتصال البشري، يمكن للمرء ان يتساءل ما اذا كانت اللغة تؤثر على التفكير، وبتحديد اكثر، ما اذا كانت اللغة التي يتحدث بها المرء تؤثر على الطريقة التي يفكر بها. هذا المسعى هو في لب فرضية سابير – وورف التي تُعرف أيضا بفرضية النسبية اللغوية linguistic Relativity hypothesis.

فرضية سابير- وورف

هذه الفرضية في الأصل صيغت من جانب اثنيين من لغويي القرن العشرين وهما ادوارد سابير و بنيامين وورف. جوهر الفرضية هي الفكرة بان اللغة التي يتحدث بها الشخص تضع حدودا على المفاهيم التي يفكر بها. وعليه، طبقا لهذه الفرضية، تلعب اللغة دورا هاما جدا في تقرير موضوعات التفكير وآلياته. وكمثال تطبيقي، لننظر في كلمات متعلقة بالألوان. كلمات الألوان تختلف عبر اللغات، وبعضها يشتمل على عدد هائل من الوحدات المعجمية التي تميز بين العديد من الألوان الرئيسية (مثل قرمزي او ارجواني فاتح)، بينما أخرى تمتلك ما لا يزيد عن وحدتين معجميتين للتمييز بين ألوان فاتحة ومعتمة.

وبالتالي، وطبقا لفرضية سابير وورف، فان عدم وجود كلمة للون معين في لغة الشخص الاصلية سوف يمنعه من التفكير بشكل منفصل حول ذلك اللون او من ادراكه بشكل متميز. لذلك، فان التحدث بلغة لا تمتلك كلمة لـ "الأخضر" ربما يمنع المرء من تصور وادراك "اخضر" كشيء مختلف ومتميز عن "ازرق" او "اصفر".

وبنفس الطريقة، ليس كل اللغات تمتلك نفس الكلمات للعواطف. ولهذا فان عدم امتلاك كلمة لوصف عاطفة يشعر بها شخص معين ربما يقوده للكفاح لتحديدها وتمييزها عن الاخريات، وبالنتيجة يجعل من الصعب التفكير فيها كمتميزة عن العواطف الأخرى.

نجاح الفرضية

بينما تعاني الفرضية من عدة مغالطات، هي تبقى من بين أفضل الاستنتاجات في البحوث اللغوية في أوساط غير اللغويين. استطلاع ما اذا كانت الصناعات البشرية مثل اللغة، تمتلك القوة لتحديد قدرة المرء الفكرية هو شيء جاذب بحيث لايمكن انكاره. من المؤكد انها تولّد اهتماما كبيرا حتى بين غير المختصين. مع ذلك، بالإضافة لجاذبية الموضوع، يمكن للفرضية ان تحقق بعض النجاح النظري لو انها عملت جيدا اثناء الاختبار. الشيء الرئيسي الذي نريد فحصه هو ما اذا كان هناك اختلاف قابل للقياس في تمييز أشياء بتسميات معينة بين مجموعتين: مجموعة متمكنة من هذه التسميات، والمجموعة الأخرى بدون هذه القدرة. تقنيا، تسمية الأشياء والمفاهيم هي طريقة لتحديدها وتمييزها عن أشياء مشابهة او غير مشابهة. في فلسفة اللغة وعلم الدلالة، هذا يسمى الإحالة او الدلالة reference or denotation . فمثلا،الوحدة المعجمية "طفل" تشير الى انسان من أي جنس تحت عمر الـ 13 عاما، بينما كلمة "مراهق"، "بالغ" و "شخص كبير في السن" تشير الى انسان من أي جنس ولكن ضمن فئات عمرية مختلفة. في هذا المثال، الوحدات المعجمية توضح ان المرء لا يشير ببساطة الى أي انسان من أي جنس، بل يشير الى أي انسان من أي جنس ضمن فئة عمرية محددة. قدرة المرء على الاستفادة من هذه التصنيفات تسمح له للاعتراف بوجود كل فئة والتمييز بينها.

من السهل تصور انه اذا كانت لا توجد التسميات لكل فئة، سيصارع المرء بالضرورة لتحديدها كمنفصلة وسوف يفضل التفكير بسهولة في البشرية ككل.

مشكلة الفرضية

ان فرضية سابير- وورف تذهب الى ما وراء الدعوة الى الدلالة المباشرة او التسمية وبدلا من ذلك هي تؤكد ان التصور و التفكير في الكينونات التي ليس لها اسم في لغة المرء هو امر مستحيل. فمثلا لو فكرنا في الكلمة الألمانية schadentfreude التي تصف مفهوم الابتهاج او الشعور بالسعادة تجاه فشل او مكروه وقع به الاخرون. فرضية سابير وورف لا تجادل فقط ان امتلاك كلمة لتسمية او الإشارة الى عاطفة يسمح للمرء لتصويرها بوضوح اكبر وفهمها على النقيض من العواطف الأخرى من نفس النوع، وانما أيضا تدّعي ان المرء سوف لن يكون قادرا على التفكير في هذه العاطفة او الشعور بها او ادراكها ككل. ومن هنا، الفرضية تدّعي ان القدرة على التفكير حول الشعور بالابتهاج تجاه فشل شخص ما هي محددة اكثر بين متحدثي الإنجليزية قياسا بمتحدثي الألمانية.

مثال مشابه يمكن عمله عندما نفكر في اللون. الايطاليون يميزون بين الأزرق الغامق المرتبط بلون البحر او سماء الليل، ويطلقون عليه اسم "ازرق" و الازرق الفاتح المرتبط بلون السماء في يوم مشمس ويطلق عليه اسم ازرق سماوي  "azzurro ". هذان اللونان لا يعملان كنسخ مشابهة لبعضهما اكثر مما يعمل  لون "قرنفل" او "برتقالي" لمتحدث الإنجليزية كمتميزان عن "الأحمر"، هما ألوان بطبيعتهما الخاصة. ربما بالإمكان الادّعاء ان عدم امتلاك اسم للتمييز بين الداكن والازرق الخفيف قد يزيد من صعوبة ادراكهما كمتميزين بشكل واضح. مع ذلك، لا يُنكر ان اللغة المستعملة لايمكنها ان تحدد قوة الشخص على التفكير حول الأزرق الداكن جدا والازرق الخفيف جدا.

ماذا يقول علم اللغة linguistics؟

اذا كانت فرضية سابير  وورف خلقت نقاشا لا بأس به، فان اللغويين الحديثين يرفضون الحتمية اللغوية linguistic determinism (فكرة ان اللغة تقرر ما نفكر فيه) ربما الباحثون المعاصرون يقبلون نسخة أضعف تُعرف بـ النسبية اللغوية، التي تبيّن ان اللغة يمكن ان تؤثر في التحيزات المعرفية والادراك. اللغات تتطور باستمرار، ولكن تغير اللغة غير مستقل ابدا عن الفاعلية البشرية. اللغات هي وسائل للاتصال البشري، وعلى هذا الأساس، هي تتحدد بواسطة حاجات المتصلين البشر. وهكذا، اللغات بطبيعتها، تتطور طبقا للحاجات الاتصالية لمستعمليها. هذا يعني  ان اللغات تطوّر اوتوماتيكيا تعبيرات ووحدات معجمية للاشياء التي يلزم ايصالها. عندما تجلب تجارب جديدة مستعملي لغة لمواجهة أفكار وتصورات جديدة، او عندما هم يشعرون بالحاجة للإشارة الى موقف معين لتجربة في تضاد مع اخريات من نفس النوع، هم سيطورون طريقة للقيام بهذا.

لكي نعرض مثالا، لنتصور انتقالا الى بلد بعيد جدا وسنتذوق حينها طعاما محليا. المذاقات التي سنواجهها ستكون بالضرورة مختلفة جدا عن تلك التي اعتدنا عليها، وربما نشعر بالحاجة للاستفادة من كلمة جديدة او عبارة مطوّلة لوصفها. المذاقات الجديدة تتألف من تجربة جديدة وتصور جديد حالما يُجرب ويُدرك، ربما يتطلب منا تكييف لغتنا لنصف إحساسا جديدا كليا. مع ذلك، حقيقة ان لغتنا ليس فيها طريقة لوصف ذلك الذوق لايعني اننا لا نستطيع تصوره، واننا لا نستطيع التفكير حوله. بدلا من ذلك، اللغة كيّفت نفسها لحاجتنا الجديدة لتعبير معين.

يتبع من هذا ان اللغة لا تأتي قبل الفكر وانما تعمل كأداة لإيصال الأفكار. ومن هنا، الجدل بان اللغة يمكن ان تقرر الفكر سيعني سوء فهم للتأثير الذي تمتلكه الأفكار على اللغة والعملية الاشتقاقية التي تربط التجربة والادراك والتفكير في اللغة.

ماذا تقول الفلسفة؟

بينما فرضية سابير وورف تشكل تحديا لغويا فهي حتما ستولّد نقاشات أخرى في حقل الفلسفة، خاصة في فلسفة الذهن. فلسفة الذهن هي فرع من الفلسفة تهتم بالادراك، أي، وظيفة الذهن، والطريقة التي نتصور بها ونفهم ونتصل. جزء من مسعاها هو أيضا التحقيق بطبيعة العلاقات الادراكية والتبادل بين الافراد، وهي المسألة التي تتحداها فرضية سابير وورف مباشرة.

القضية الملائمة جدا التي عرضتها الفرضية هي انه، من خلال قبولها، سيجادل المرء بان البشر يمتلكون،عموما، أنظمة ادراكية مختلفة وغير متوافقة في نهاية المطاف. مع خطر تبسيط الفرضية، سنصل الى حقيقة ان هناك اكثر من سبع الاف لغة في العالم جرى تحديدها، وان البشرية طورت اكثر من سبعة الاف نظام للادراك، تشكلت بواسطة اللغات المرتبطة بها. ادّعاء ان البشر لا يشاركون نظام ادراكي، وانما لديهم عدة أنظمة ادراكية، كل واحد يختلف قليلا او بعمق عن الآخر، حتما يثير أسئلة إضافية حول الاتصال والفهم.

مصير فرضية سابير – وورف

يمكن الاستنتاج بأمان: ان فرضية سابيير منذ صياغتها الأولية، ولّدت اهتماما كبيرا وغذت نقاشات هائلة سواء داخل او خارج العالم الاكاديمي. ما أشرنا اليه في السطور السابقة، هو ان ادّعائاتها قوية جدا وفي نهاية المطاف هي غير منسجمة مع طبيعة الادراك. لذا فان الفرضية خاطئة(1) . الفرضية قدّمت بعض التنبؤات المثيرة التي أثارت اهتماما اكاديميا في العلاقات بين اللغة والادراك وحفزت العديد من الدراسات الثاقبة حول القضية. وهكذا، فان فرضية سابير ـ  وورف جرى التحقق منها على نطاق واسع وروجعت بشكل افضل لتعكس الطبيعة الحقيقية لنظام الادراك البشري وتعزيز دقتها المحتملة، انها تعرضت أيضا للانتقاد لعملها تنبؤات غير دقيقة.

النظر في هذا لن يكون ممكنا بدون الصياغة الأولى للفرضية، قيمتها تبقى بمنأى عن الاعتراض بسبب الاهتمام الذي أوجدته في دراسة العلاقة بين اللغة والفكر والادراك.

***

حاتم حميد محسن

...........................

The collector, Aug 4,2026 

الهوامش

(1) الصيغة القوية لفرضية سابير وورف تُعتبر خاطئة لأنها تدّعي ان اللغة تقرر تماما ما نفكر فيه. في الواقع، الناس يمكنهم بسهولة فهم المفاهيم والشعور بالعواطف ورؤية الألوان حتى عندما تفتقر لغتهم الاصلية لكلمة معينة او قاعدة نحوية لها.

 

مقدمة: قبل البحث في الاستبداد، أو في مؤسساته، أو في أدواته، لا بد من التوقف عند المفارقة التي حيّرت الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ: كيف يمكن للإنسان، الذي فُطر على طلب الحرية، أن يقبل بالعبودية؟ بل كيف تتحول الطاعة من استجابة عارضة لظروف القوة إلى نمط دائم من التفكير والسلوك، حتى يغدو الخضوع فضيلة، والامتثال حكمة، والاعتراض خروجًا على النظام؟ إن هذه المفارقة ليست مجرد إشكالية سياسية، بل هي سؤال أنثروبولوجي وفلسفي يتعلق بطبيعة الإنسان، وبكيفية تشكل وعيه، وبالعلاقة المعقدة بين الحرية والخوف، وبين السلطة والرضا، وبين الإرادة الفردية والبناء الاجتماعي.

لقد درجت أغلب الدراسات السياسية على تفسير الاستبداد من زاوية القوة؛ فالمستبد، في هذا التصور، يحكم لأنه يمتلك الجيش، أو يحتكر السلاح، أو يسيطر على الاقتصاد، أو يستخدم أجهزة القمع. غير أن هذا التفسير، على الرغم من أهميته، لا يجيب عن السؤال الأعمق: كيف تستطيع سلطة محدودة العدد والعدة أن تهيمن على مجتمع كامل؟ وكيف يستمر نظام استبدادي عقودًا، وربما قرونًا، رغم أن المحكومين يفوقون الحاكم عددًا وقدرة؟ إن القوة المادية وحدها لا تكفي لتفسير دوام السلطة، لأن السلطة التي تقوم على العنف المجرد تظل مهددة بالانهيار متى ضعفت أدواتها، أما السلطة التي تنجح في تحويل الطاعة إلى قناعة، والخضوع إلى عادة، فإنها تصبح أكثر رسوخًا وأشد صعوبة في التفكيك. من هنا جاءت أهمية السؤال الذي طرحه المفكر الفرنسي إتيان دو لا بوييسي في القرن السادس عشر في رسالته الشهيرة «مقالة في العبودية المختارة»، حين تساءل: لماذا يطيع الناس طاغية واحدًا، مع أنهم قادرون على التخلص منه لو امتنعوا عن طاعته؟ لم يكن هذا السؤال احتجاجًا أخلاقيًا على الظلم بقدر ما كان محاولة للكشف عن الآليات الخفية التي تجعل الإنسان شريكًا – من حيث لا يشعر – في استمرار النظام الذي يقيده. لقد نقل لا بوييسي النقاش من دراسة المستبد إلى دراسة المحكوم، ومن تحليل القوة إلى تحليل الطاعة، ومن البحث في أدوات السيطرة إلى البحث في البنية النفسية والثقافية التي تجعل السيطرة ممكنة. غير أن مفهوم «العبودية المختارة» كثيرًا ما أسيء فهمه، إذ ظُن أنه يحمل الإنسان مسؤولية استعباده، أو أنه يفترض وجود اختيار حر وكامل للخضوع. والحقيقة أن المقصود بهذا المفهوم أكثر تعقيدًا؛ فالاختيار هنا ليس قرارًا واعيًا يتخذه الفرد في لحظة معينة، وإنما هو حصيلة عملية طويلة من التنشئة الاجتماعية، والتربية، والخطاب الديني، واللغة، والرموز، والخوف، والعادات، حتى يصبح الامتثال هو السلوك الطبيعي، ويبدو التمرد فعلًا شاذًا أو غير أخلاقي. فالإنسان لا يولد محبًا للطاعة، وإنما يتعلمها، ويتكيف معها، ويعيد إنتاجها في حياته اليومية. وهنا تتجاوز هذه المقالة القراءة التقليدية للا بوييسي لتضع أطروحته في حوار مع عدد من المشاريع الفكرية الحديثة. فإذا كان لا بوييسي قد كشف لغز الطاعة، فإن ميشيل فوكو بين كيف تعمل السلطة من خلال الانضباط والمراقبة وإنتاج الذوات، ولم تعد السلطة مجرد أوامر تصدر من الأعلى، بل شبكة من العلاقات التي تجعل الإنسان يراقب نفسه بنفسه. وإذا كان بيير بورديو قد أوضح أن الهيمنة تستمر عبر العنف الرمزي، بحيث يقبل الناس بالنظام الاجتماعي لأنه يبدو لهم طبيعيًا، فإن إريك فروم كشف البعد النفسي للمسألة حين رأى أن كثيرًا من البشر يهربون من الحرية لأنها تضعهم أمام مسؤولية الاختيار، فيبحثون عن سلطة تمنحهم اليقين والأمان. أما عبد الرحمن الكواكبي فقد ربط بين الاستبداد وإفساد الأخلاق والعقول، بينما كشف محمد عابد الجابري عن أثر البنى المعرفية في تشكيل أنماط التفكير، وأبرز مالك بن نبي أثر القابلية الداخلية في استمرار الهيمنة، في حين قدّم علي شريعتي مفهوم «الاستحمار» بوصفه عملية منظمة لتغييب الوعي وإلهاء الجماهير. إن الجمع بين هذه المقاربات لا يراد منه مجرد استعراض لأفكار متفرقة، بل بناء إطار تفسيري يوضح أن الطاعة ليست ظاهرة بسيطة يمكن ردها إلى سبب واحد، وإنما هي نتاج تفاعل معقد بين البنية النفسية، والنسق الثقافي، والمؤسسة السياسية، والاقتصاد، والدين، واللغة، والتعليم، والذاكرة الجماعية. فالسلطة لا تصنع الطاعة وحدها، كما أن المجتمع لا ينتجها بمعزل عن السلطة، وإنما تنشأ بينهما علاقة دائرية يعيد كل طرف فيها إنتاج الآخر. ولهذا فإن هذه المقالة لا تبحث عن إدانة الإنسان لأنه يطيع، بل تحاول فهم الظروف التي تجعل الطاعة خيارًا يبدو عقلانيًا في نظره. فالإنسان قد يفضل الخضوع إذا كان البديل هو الفوضى، أو إذا تربى على أن الطاعة فضيلة مطلقة، أو إذا أقنعته الثقافة بأن الاعتراض خروج على الدين أو الجماعة أو الوطن. وهكذا تتحول العبودية من علاقة خارجية بين السيد والعبد إلى بنية داخلية تسكن الوعي، بحيث لا يحتاج المستبد دائمًا إلى القمع، لأن الناس يتكفلون بإعادة إنتاج النظام الذي يحكمهم. وانطلاقًا من هذه الرؤية، تنقسم هذه المقالة إلى ثلاثة محاور مترابطة. يبدأ المحور الأول بتحليل سؤال لا بوييسي وإشكالية الطاعة بوصفهما المدخل الفلسفي لفهم الاستبداد. ثم ينتقل المحور الثاني إلى التمييز بين الإكراه بوصفه استخدامًا مباشرًا للقوة، وبين العبودية المختارة بوصفها حالة تتداخل فيها القناعة والعادة والخوف والتنشئة. أما المحور الثالث فيتناول الطاعة بوصفها بناءً ثقافيًا تشارك في إنتاجه الأسرة، والمدرسة، والمؤسسة الدينية، واللغة، والإعلام، وسائر النظم الاجتماعية، بما يجعلها جزءًا من الوعي الجمعي لا مجرد استجابة ظرفية للسلطة. وبذلك تمثل هذه المقالة الأساس النظري الذي يقوم عليه الكتاب كله؛ لأنها تنقل البحث من السؤال التقليدي: كيف يحكم المستبد؟ إلى السؤال الأكثر عمقًا: كيف يُنتج المجتمع الطاعة التي تجعل الاستبداد ممكنًا؟ وعندما يصبح هذا السؤال هو نقطة البداية، يغدو الاستبداد ظاهرةً يمكن تفكيكها، لا قدرًا تاريخيًا لا سبيل إلى تغييره، وتصبح الحرية مشروعًا لإعادة بناء الإنسان قبل أن تكون مشروعًا لإعادة بناء الدولة.

1. سؤال لا بوييسي وإشكالية الطاعة

إن السؤال الذي طرحه إتيان دو لا بوييسي في منتصف القرن السادس عشر يُعد من أكثر الأسئلة الفلسفية إثارة في الفكر السياسي الحديث، لأنه نقل النقاش من البحث في طبيعة السلطة إلى البحث في طبيعة الطاعة. فلم يتساءل لا بوييسي: كيف يفرض المستبد سلطته؟ بل سأل سؤالًا أكثر عمقًا وإرباكًا: لماذا يطيع الناس المستبد أصلًا؟ وإذا كان البشر أكثر عددًا وأقوى من الحاكم، فما الذي يجعلهم يقبلون الخضوع له، بل ويساهمون أحيانًا في تثبيت سلطته والدفاع عنها؟ لقد كان هذا السؤال بداية لتحول معرفي كبير في دراسة السلطة، إذ لم تعد المشكلة تكمن في القوة التي يمتلكها الحاكم، وإنما في البنية الاجتماعية والنفسية والثقافية التي تجعل الطاعة ممكنة ومستدامة، وهو التحول الذي سيجد صداه لاحقًا في أعمال ميشيل فوكو، وبيير بورديو، وإريك فروم، وغيرهم من منظري السلطة الحديثة(). لم يكن لا بوييسي بصدد صياغة نظرية قانونية في الحكم، ولا تقديم برنامج سياسي للإصلاح، وإنما كان يحاول تفسير مفارقة تاريخية لازمت المجتمعات الإنسانية عبر العصور؛ إذ كيف يمكن لرجل واحد أن يحكم ملايين البشر، مع أن هؤلاء يملكون القدرة العددية والمادية على التخلص منه؟ لقد رأى أن السلطة لا تستمد قوتها من ذاتها، وإنما من مقدار الطاعة التي يمنحها الناس لها، وأن المستبد لا يستطيع أن يستمر في الحكم إلا لأن المجتمع يمنحه – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – أسباب بقائه(). ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة التي تفيد بأن الطاغية يسقط إذا امتنع الناس عن خدمته، لأن قوته ليست قوة ذاتية، بل قوة مستعارة من خضوع المحكومين. تكمن جدة أطروحة لا بوييسي في أنها قلبت العلاقة التقليدية بين السيد والعبد؛ ففي الفكر السياسي السابق كان التركيز ينصب على وسائل الإكراه والقهر، أما هو فقد حوّل الأنظار إلى المحكوم نفسه، متسائلًا عن الأسباب التي تجعله يشارك في إعادة إنتاج النظام الذي يقيده. وبهذا المعنى فإن الاستبداد لا يصبح مجرد علاقة رأسية بين حاكم ومحكوم، بل يتحول إلى علاقة اجتماعية معقدة يشترك في صنعها الطرفان، وإن كانت المسؤولية الأخلاقية والسياسية الأولى تبقى ملقاة على عاتق السلطة المستبدة التي تحتكر القوة وتمنع شروط الحرية. إن أهمية هذا التحول تكمن في أنه يكشف أن تحليل السلطة لا يكتمل بتحليل أدوات القمع، بل لا بد من تحليل البنى التي تجعل القمع مقبولًا أو محتملًا أو حتى مشروعًا في نظر الناس(). غير أن مفهوم «العبودية المختارة» لا ينبغي أن يُفهم على نحو حرفي، وكأن الإنسان يختار العبودية بإرادة حرة ومطلقة، لأن هذا الفهم يُفضي إلى تحميل الضحية مسؤولية استعبادها. والمقصود عند لا بوييسي هو أن الطاعة تتحول مع الزمن إلى عادة اجتماعية، وأن الأجيال التي تولد داخل نظام استبدادي تنشأ على اعتبار الخضوع أمرًا طبيعيًا، فلا تدرك إمكان العيش خارج منظومة السلطة القائمة(). ومن ثم فإن «الاختيار» هنا ليس اختيارًا لحظيًا، بل هو حصيلة عمليات طويلة من التنشئة والتطبيع الثقافي، بحيث يغدو الامتثال جزءًا من تكوين الفرد النفسي والاجتماعي. وقد أدرك لا بوييسي أن العادة تؤدي دورًا حاسمًا في تكوين الطاعة؛ فالإنسان يعتاد النظام الذي يعيش فيه، ويألف قوانينه ورموزه، حتى لو كانت ظالمة. فالاعتياد يخلق نوعًا من الألفة مع الواقع، ويجعل تغييره يبدو مخاطرة مجهولة العواقب. ولهذا فإن المجتمعات التي تتوارث الاستبداد لا تتوارثه بوصفه نظامًا سياسيًا فحسب، بل بوصفه ثقافة، ولغة، وأسلوبًا في التربية، ورؤية للعالم. ومن هنا يصبح الدفاع عن السلطة دفاعًا عن نمط الحياة المألوف، لا عن الحاكم نفسه(). وتتضح قيمة هذا التحليل إذا قورن بما ذهب إليه عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد»؛ فالكواكبي لم يكتف بوصف الاستبداد باعتباره انحرافًا سياسيًا، بل رأى أنه يفسد الدين والعلم والأخلاق والاقتصاد، حتى يصبح المجتمع كله أسيرًا لمنطقه(). وإذا كان لا بوييسي قد بحث في أسباب الطاعة، فإن الكواكبي كشف نتائجها الحضارية؛ فالطاعة العمياء لا تؤدي فقط إلى استمرار الحاكم المستبد، وإنما تُنتج إنسانًا عاجزًا عن المبادرة، يخشى التفكير الحر، ويعتاد الاتكال، فيتحول الاستبداد إلى بنية شاملة تتغلغل في جميع مؤسسات المجتمع. ومع تطور الفكر الاجتماعي في القرن العشرين، اتسعت دائرة تفسير الطاعة لتشمل آليات أكثر تعقيدًا من مجرد الاعتياد. فقد بيّن ميشيل فوكو أن السلطة الحديثة لا تعتمد أساسًا على العنف المباشر، وإنما على إنتاج أفراد منضبطين يراقبون أنفسهم بأنفسهم(). فالمدرسة، والثكنة، والسجن، والمستشفى، والمؤسسات الإدارية، كلها تسهم في تشكيل ذوات مطيعة، بحيث تصبح الطاعة ممارسة داخلية لا تحتاج دائمًا إلى حضور الحاكم أو الشرطي. وبهذا المعنى فإن لا بوييسي طرح السؤال، بينما قدّم فوكو تفسيرًا لكيفية تشكل شروط الإجابة عنه داخل المؤسسات الحديثة. ومن زاوية أخرى، يضيف بيير بورديو مفهوم العنف الرمزي، الذي يفسر استمرار الهيمنة دون حاجة إلى الإكراه المادي(). فالسلطة تنجح عندما تجعل تصوراتها للعالم تبدو طبيعية وبديهية، وعندما يقتنع الخاضعون بأن مواقعهم الاجتماعية أمر مشروع أو محتوم. وهنا لا تُفرض الطاعة بالقوة، بل تُمارس عبر اللغة، والتعليم، والرموز، والذوق، وأنماط التفكير، فيغدو الخضوع نتيجة لاقتناع ضمني بالنظام القائم. أما إريك فروم، فقد قدّم تفسيرًا نفسيًا بالغ الأهمية حين رأى أن الحرية ليست دائمًا موضع ترحيب، لأن الإنسان قد يخشى المسؤولية التي تفرضها، فيلجأ إلى الخضوع طلبًا للأمن والاستقرار(). فالطاعة، في بعض الحالات، ليست مجرد استجابة للخوف من العقاب، بل محاولة للهروب من قلق الاختيار. ومن ثم فإن السلطة لا تستمد قوتها من قدرتها على التخويف وحدها، وإنما أيضًا من قدرتها على إشباع حاجة نفسية لدى بعض الأفراد إلى اليقين والانتماء. وتكتسب هذه الرؤى أهمية خاصة عند إسقاطها على الواقع العربي؛ إذ لا يمكن تفسير استمرار أنماط الاستبداد بردّها إلى إرادة الحكام وحدهم، كما لا يصح اختزالها في عوامل خارجية. فهناك منظومات ثقافية وتربوية ودينية وسياسية أسهمت تاريخيًا في تكوين ثقافة تميل إلى الامتثال أكثر من ميلها إلى النقد، وإلى البحث عن الحماية أكثر من البحث عن الحرية. وهذا لا يعني أن الطاعة صفة جوهرية في العقل العربي، بل يعني أن الظروف التاريخية والاجتماعية أنتجت أنماطًا معينة من العلاقة بالسلطة، وهي أنماط قابلة للنقد والتغيير متى تغيرت شروط إنتاجها. وعليه، فإن سؤال لا بوييسي لا يفقد راهنيته، بل يزداد أهمية في عالم تتخذ فيه السلطة أشكالًا أكثر تعقيدًا مما عرفه القرن السادس عشر. فالاستبداد اليوم لا يقوم على السيف وحده، بل على المدرسة، والإعلام، والخطاب الديني، والاقتصاد، والتقنيات الرقمية، وصناعة الرأي العام. ولذلك فإن فهم الطاعة لم يعد مسألة سياسية فحسب، وإنما أصبح مدخلًا لفهم الثقافة والمجتمع والوعي. ومن هنا ينطلق هذا الكتاب ليجعل سؤال لا بوييسي نقطة البداية في مشروع أوسع يسعى إلى الكشف عن الأركيولوجيا العميقة للطاعة، وكيف تحولت عبر التاريخ إلى بنية ثقافية تعيد إنتاج الاستبداد جيلاً بعد جيل.

2. الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة

يُعدُّ التمييز بين الإكراه والعبودية المختارة من أهم المفاتيح النظرية لفهم آليات استمرار الاستبداد؛ إذ إن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى اختزال السلطة في بعدها القسري وحده، بينما تكشف التجربة التاريخية أن أكثر الأنظمة استقرارًا ليست تلك التي تعتمد على العنف وحده، وإنما تلك التي تنجح في تحويل الطاعة إلى قناعة، والخضوع إلى فضيلة، والامتثال إلى جزء من الهوية الثقافية. ومن هنا فإن دراسة الاستبداد لا تكتمل بتحليل أدوات الإكراه، بل تستلزم الكشف عن الكيفية التي يتحول بها الإكراه الخارجي تدريجيًا إلى طاعة داخلية، حتى يغدو الإنسان شريكًا في إعادة إنتاج النظام الذي يقيده، دون حاجة إلى حضور دائم لأجهزة القمع(). في الاصطلاح الفلسفي والسياسي، يشير الإكراه إلى حالة يُجبر فيها الإنسان على القيام بفعل أو الامتناع عنه تحت تأثير تهديد مباشر باستعمال القوة أو العقوبة. فالإكراه يفترض وجود إرادتين متعارضتين؛ إرادة الآمر وإرادة المأمور، بحيث تُقهر الثانية بفعل الخوف من العقاب. ولهذا ارتبط مفهوم الإكراه في الفكر القانوني بفقدان حرية الاختيار، لأن الفعل الصادر عن المكره لا يعبر عن إرادته الحقيقية، وإنما عن استجابته لضغط خارجي يفوق قدرته على المقاومة(). ومن ثم فإن العلاقة بين السلطة والفرد في حالة الإكراه تقوم على المواجهة الظاهرة؛ فالسلطة تفرض، والفرد يمتثل دفعًا للأذى، ويبقى في داخله رافضًا أو ناقمًا متى سنحت له فرصة التحرر. أما العبودية المختارة، فلا تقوم على الإكراه المباشر، بل على تحول الطاعة إلى سلوك اعتيادي وقناعة ثقافية. فالإنسان هنا لا يشعر دائمًا بأنه مكره، لأنه أصبح ينظر إلى النظام القائم بوصفه أمرًا طبيعيًا أو مشروعًا أو حتى ضروريًا لاستقرار المجتمع. ولذلك فإن أخطر صور السلطة ليست تلك التي تُرغم الناس على الطاعة، وإنما تلك التي تجعلهم يرغبون فيها أو يدافعون عنها أو يعيدون إنتاجها داخل مؤسساتهم الاجتماعية(). ولهذا السبب ميز إتيان دو لا بوييسي بين الخضوع الناتج عن القوة والخضوع الناتج عن الاعتياد؛ فالسلطة التي تعتمد على السيف وحده تظل سلطة هشة، لأن الناس ما إن تزول أسباب الخوف حتى يثوروا عليها، أما السلطة التي تنجح في غرس الطاعة داخل الضمير الجمعي فإنها تستمر حتى لو تغير الحكام، لأن بنيتها أصبحت مستقرة في الثقافة نفسها(). وهنا لا يعود الاستبداد مجرد نظام سياسي، بل يتحول إلى نمط في التفكير والعلاقات الاجتماعية. إن الانتقال من الإكراه إلى العبودية المختارة يتم عبر سلسلة طويلة من عمليات التطبيع الاجتماعي. فالطفل لا يولد خاضعًا، وإنما يتعلم الطاعة داخل الأسرة، ثم تعززها المدرسة، وتمنحها المؤسسة الدينية شرعية أخلاقية، وتعيد وسائل الإعلام إنتاجها في صورة قيم وطنية أو اجتماعية، حتى يصبح الامتثال جزءًا من شخصية الفرد. وبهذا تتحول السلطة الخارجية إلى سلطة داخلية، ويصبح الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لرقابة الدولة(). وقد بيّن ميشيل فوكو أن السلطة الحديثة لا تعتمد أساسًا على القمع، بل على إنتاج الأفراد المنضبطين. فالسجن، والمدرسة، والثكنة، والمستشفى، والمؤسسات الإدارية لا تعمل فقط على تنظيم السلوك، وإنما على تشكيل الذات نفسها، بحيث يتعلم الإنسان مراقبة نفسه، ويخشى مخالفة المعايير حتى في غياب الرقيب(). وهذا ما يجعل الطاعة أكثر رسوخًا؛ لأنها لم تعد استجابة لأمر خارجي، بل أصبحت جزءًا من آليات الضبط الذاتي. ومن زاوية سوسيولوجية، يفسر بيير بورديو هذه الظاهرة بمفهوم العنف الرمزي؛ فالهيمنة لا تستمر لأن الأقوياء يمتلكون وسائل القهر فحسب، بل لأنهم ينجحون في فرض تصوراتهم للعالم باعتبارها تصورات طبيعية وبديهية(). فعندما يقتنع الناس بأن التراتب الاجتماعي قدر لا يمكن تغييره، أو أن طاعة السلطة واجب أخلاقي مطلق، فإنهم يمارسون الخضوع دون أن يشعروا بأنه مفروض عليهم. وهنا تصبح الهيمنة أكثر فاعلية لأنها تُمارس من داخل الوعي نفسه. ويضيف إريك فروم بعدًا نفسيًا مهمًا لهذا التمييز؛ إذ يرى أن الإنسان قد يهرب من الحرية لأنها تضعه أمام مسؤولية الاختيار وما يرافقها من قلق، فيلجأ إلى الخضوع بحثًا عن اليقين والأمان(). فالعبودية المختارة ليست دائمًا نتيجة خداع أو تضليل، وإنما قد تكون أيضًا استجابة لحاجة نفسية عميقة إلى الانتماء والاستقرار. ولذلك فإن بعض الأفراد يدافعون عن السلطة لا خوفًا منها، بل لأن وجودها يمنحهم شعورًا بالطمأنينة ويخفف عنهم عبء اتخاذ القرار. ويظهر الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة بوضوح عند دراسة سلوك المجتمعات في أوقات الأزمات. ففي حالة الإكراه، ينتظر الناس أول فرصة للتخلص من السلطة، لأن ولاءهم ظاهري ومؤقت. أما في حالة العبودية المختارة، فإن كثيرًا منهم يدافعون عن النظام حتى عندما تتعارض سياساته مع مصالحهم، لأنهم ربطوا بين وجود السلطة ووجود النظام ذاته، وبين طاعة الحاكم وحماية الجماعة. ومن هنا يصبح تغيير النظام السياسي غير كافٍ إذا بقيت الثقافة التي تنتج الطاعة على حالها، إذ سرعان ما يُعاد إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة(). وهذا ما أدركه عبد الرحمن الكواكبي حين بيّن أن الاستبداد لا يفسد السياسة وحدها، بل يفسد الأخلاق والعلم والدين، ويجعل الناس يعتادون الخضوع حتى يفقدوا القدرة على المبادرة والنقد(). فالاستبداد الطويل لا يصنع رعايا مطيعين فحسب، بل يصنع عقلًا يتوجس من الحرية، ويعدّها مصدرًا للفوضى، ويبحث دائمًا عن سلطة تحسم عنه مسؤولية الاختيار. وفي السياق العربي، لا يمكن تفسير أنماط الطاعة بردها إلى الإكراه وحده، لأن التاريخ يكشف عن تداخل معقد بين القوة والشرعية والعادة والدين والعصبية. فقد أسهمت بعض البنى الاجتماعية التقليدية في ترسيخ ثقافة الامتثال، كما أدت بعض التأويلات الدينية والخطابات السياسية إلى إضفاء بعد أخلاقي على الطاعة، حتى غدت قيمة في ذاتها، بغض النظر عن عدالة السلطة أو ظلمها. ولا يعني ذلك أن الثقافة العربية بطبيعتها ثقافة استبداد، وإنما يعني أن ظروفًا تاريخية معينة أنتجت أنماطًا من التفكير يمكن نقدها وإعادة بنائها. وعليه، فإن الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة لا يكمن في وجود القوة أو غيابها، بل في موضع السلطة. ففي الإكراه تكون السلطة خارج الإنسان، تمارس عليه الضغط بالقوة المباشرة، أما في العبودية المختارة فإن السلطة تنتقل إلى داخل وعيه، فتغدو جزءًا من قناعاته وعاداته وتمثلاته للعالم. ولهذا فإن مقاومة الإكراه تكون بإزالة أدوات القمع، بينما تتطلب مقاومة العبودية المختارة إعادة بناء الثقافة، وإصلاح التربية، وتجديد الخطاب الديني، وتنمية التفكير النقدي، لأن تحرير الإنسان يبدأ بتحرير وعيه قبل تحرير جسده.

3. الطاعة بوصفها بناءً ثقافياً

يُعدُّ التمييز بين الإكراه والعبودية المختارة من أهم المفاتيح النظرية لفهم آليات استمرار الاستبداد؛ إذ إن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى اختزال السلطة في بعدها القسري وحده، بينما تكشف التجربة التاريخية أن أكثر الأنظمة استقرارًا ليست تلك التي تعتمد على العنف وحده، وإنما تلك التي تنجح في تحويل الطاعة إلى قناعة، والخضوع إلى فضيلة، والامتثال إلى جزء من الهوية الثقافية. ومن هنا فإن دراسة الاستبداد لا تكتمل بتحليل أدوات الإكراه، بل تستلزم الكشف عن الكيفية التي يتحول بها الإكراه الخارجي تدريجيًا إلى طاعة داخلية، حتى يغدو الإنسان شريكًا في إعادة إنتاج النظام الذي يقيده، دون حاجة إلى حضور دائم لأجهزة القمع(). في الاصطلاح الفلسفي والسياسي، يشير الإكراه إلى حالة يُجبر فيها الإنسان على القيام بفعل أو الامتناع عنه تحت تأثير تهديد مباشر باستعمال القوة أو العقوبة. فالإكراه يفترض وجود إرادتين متعارضتين؛ إرادة الآمر وإرادة المأمور، بحيث تُقهر الثانية بفعل الخوف من العقاب. ولهذا ارتبط مفهوم الإكراه في الفكر القانوني بفقدان حرية الاختيار، لأن الفعل الصادر عن المكره لا يعبر عن إرادته الحقيقية، وإنما عن استجابته لضغط خارجي يفوق قدرته على المقاومة(). ومن ثم فإن العلاقة بين السلطة والفرد في حالة الإكراه تقوم على المواجهة الظاهرة؛ فالسلطة تفرض، والفرد يمتثل دفعًا للأذى، ويبقى في داخله رافضًا أو ناقمًا متى سنحت له فرصة التحرر. أما العبودية المختارة، فلا تقوم على الإكراه المباشر، بل على تحول الطاعة إلى سلوك اعتيادي وقناعة ثقافية. فالإنسان هنا لا يشعر دائمًا بأنه مكره، لأنه أصبح ينظر إلى النظام القائم بوصفه أمرًا طبيعيًا أو مشروعًا أو حتى ضروريًا لاستقرار المجتمع. ولذلك فإن أخطر صور السلطة ليست تلك التي تُرغم الناس على الطاعة، وإنما تلك التي تجعلهم يرغبون فيها أو يدافعون عنها أو يعيدون إنتاجها داخل مؤسساتهم الاجتماعية(). ولهذا السبب ميز إتيان دو لا بوييسي بين الخضوع الناتج عن القوة والخضوع الناتج عن الاعتياد؛ فالسلطة التي تعتمد على السيف وحده تظل سلطة هشة، لأن الناس ما إن تزول أسباب الخوف حتى يثوروا عليها، أما السلطة التي تنجح في غرس الطاعة داخل الضمير الجمعي فإنها تستمر حتى لو تغير الحكام، لأن بنيتها أصبحت مستقرة في الثقافة نفسها(). وهنا لا يعود الاستبداد مجرد نظام سياسي، بل يتحول إلى نمط في التفكير والعلاقات الاجتماعية. إن الانتقال من الإكراه إلى العبودية المختارة يتم عبر سلسلة طويلة من عمليات التطبيع الاجتماعي. فالطفل لا يولد خاضعًا، وإنما يتعلم الطاعة داخل الأسرة، ثم تعززها المدرسة، وتمنحها المؤسسة الدينية شرعية أخلاقية، وتعيد وسائل الإعلام إنتاجها في صورة قيم وطنية أو اجتماعية، حتى يصبح الامتثال جزءًا من شخصية الفرد. وبهذا تتحول السلطة الخارجية إلى سلطة داخلية، ويصبح الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لرقابة الدولة(). وقد بيّن ميشيل فوكو أن السلطة الحديثة لا تعتمد أساسًا على القمع، بل على إنتاج الأفراد المنضبطين. فالسجن، والمدرسة، والثكنة، والمستشفى، والمؤسسات الإدارية لا تعمل فقط على تنظيم السلوك، وإنما على تشكيل الذات نفسها، بحيث يتعلم الإنسان مراقبة نفسه، ويخشى مخالفة المعايير حتى في غياب الرقيب(). وهذا ما يجعل الطاعة أكثر رسوخًا؛ لأنها لم تعد استجابة لأمر خارجي، بل أصبحت جزءًا من آليات الضبط الذاتي. ومن زاوية سوسيولوجية، يفسر بيير بورديو هذه الظاهرة بمفهوم العنف الرمزي؛ فالهيمنة لا تستمر لأن الأقوياء يمتلكون وسائل القهر فحسب، بل لأنهم ينجحون في فرض تصوراتهم للعالم باعتبارها تصورات طبيعية وبديهية(). فعندما يقتنع الناس بأن التراتب الاجتماعي قدر لا يمكن تغييره، أو أن طاعة السلطة واجب أخلاقي مطلق، فإنهم يمارسون الخضوع دون أن يشعروا بأنه مفروض عليهم. وهنا تصبح الهيمنة أكثر فاعلية لأنها تُمارس من داخل الوعي نفسه. ويضيف إريك فروم بعدًا نفسيًا مهمًا لهذا التمييز؛ إذ يرى أن الإنسان قد يهرب من الحرية لأنها تضعه أمام مسؤولية الاختيار وما يرافقها من قلق، فيلجأ إلى الخضوع بحثًا عن اليقين والأمان(). فالعبودية المختارة ليست دائمًا نتيجة خداع أو تضليل، وإنما قد تكون أيضًا استجابة لحاجة نفسية عميقة إلى الانتماء والاستقرار. ولذلك فإن بعض الأفراد يدافعون عن السلطة لا خوفًا منها، بل لأن وجودها يمنحهم شعورًا بالطمأنينة ويخفف عنهم عبء اتخاذ القرار. ويظهر الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة بوضوح عند دراسة سلوك المجتمعات في أوقات الأزمات. ففي حالة الإكراه، ينتظر الناس أول فرصة للتخلص من السلطة، لأن ولاءهم ظاهري ومؤقت. أما في حالة العبودية المختارة، فإن كثيرًا منهم يدافعون عن النظام حتى عندما تتعارض سياساته مع مصالحهم، لأنهم ربطوا بين وجود السلطة ووجود النظام ذاته، وبين طاعة الحاكم وحماية الجماعة. ومن هنا يصبح تغيير النظام السياسي غير كافٍ إذا بقيت الثقافة التي تنتج الطاعة على حالها، إذ سرعان ما يُعاد إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة(). وهذا ما أدركه عبد الرحمن الكواكبي حين بيّن أن الاستبداد لا يفسد السياسة وحدها، بل يفسد الأخلاق والعلم والدين، ويجعل الناس يعتادون الخضوع حتى يفقدوا القدرة على المبادرة والنقد(). فالاستبداد الطويل لا يصنع رعايا مطيعين فحسب، بل يصنع عقلًا يتوجس من الحرية، ويعدّها مصدرًا للفوضى، ويبحث دائمًا عن سلطة تحسم عنه مسؤولية الاختيار. وفي السياق العربي، لا يمكن تفسير أنماط الطاعة بردها إلى الإكراه وحده، لأن التاريخ يكشف عن تداخل معقد بين القوة والشرعية والعادة والدين والعصبية. فقد أسهمت بعض البنى الاجتماعية التقليدية في ترسيخ ثقافة الامتثال، كما أدت بعض التأويلات الدينية والخطابات السياسية إلى إضفاء بعد أخلاقي على الطاعة، حتى غدت قيمة في ذاتها، بغض النظر عن عدالة السلطة أو ظلمها. ولا يعني ذلك أن الثقافة العربية بطبيعتها ثقافة استبداد، وإنما يعني أن ظروفًا تاريخية معينة أنتجت أنماطًا من التفكير يمكن نقدها وإعادة بنائها. وعليه، فإن الفرق بين الإكراه والعبودية المختارة لا يكمن في وجود القوة أو غيابها، بل في موضع السلطة. ففي الإكراه تكون السلطة خارج الإنسان، تمارس عليه الضغط بالقوة المباشرة، أما في العبودية المختارة فإن السلطة تنتقل إلى داخل وعيه، فتغدو جزءًا من قناعاته وعاداته وتمثلاته للعالم. ولهذا فإن مقاومة الإكراه تكون بإزالة أدوات القمع، بينما تتطلب مقاومة العبودية المختارة إعادة بناء الثقافة، وإصلاح التربية، وتجديد الخطاب الديني، وتنمية التفكير النقدي، لأن تحرير الإنسان يبدأ بتحرير وعيه قبل تحرير جسده. خاتمة تُفضي هذه المقالة إلى نتيجة أساسية مفادها أن الاستبداد لا يبدأ من الحاكم، بل من البنية التي تجعل الطاعة ممكنة، وتمنح السلطة شرعيتها واستمرارها. فالسؤال الذي طرحه إتيان دو لا بوييسي قبل أكثر من أربعة قرون لم يفقد راهنيته، بل ازداد عمقًا في ظل التحولات الحديثة؛ إذ لم يعد جوهر المشكلة في امتلاك السلطة لأدوات القهر، وإنما في قدرتها على تحويل الطاعة إلى جزء من الوعي الفردي والجمعي، بحيث يغدو الامتثال سلوكًا اعتياديًا، ويصبح الخضوع فضيلة أخلاقية أو ضرورة اجتماعية. ومن هنا انتقل البحث من تفسير الاستبداد بوصفه علاقة سياسية بين الحاكم والمحكوم إلى فهمه بوصفه علاقة ثقافية ومعرفية ونفسية تتغلغل في مؤسسات المجتمع وآليات تنشئته. وقد أظهر تحليل سؤال لا بوييسي أن الطاعة ليست استجابة تلقائية للقوة، وإنما هي ظاهرة مركبة تتداخل فيها العادة، والخوف، والتنشئة، والرموز، والشرعية، والذاكرة الاجتماعية. كما بيّن التمييز بين الإكراه والعبودية المختارة أن السلطة تبلغ ذروة فاعليتها عندما لا تعود بحاجة إلى الإكراه المباشر، لأن الإنسان يصبح رقيبًا على نفسه، ويعيد إنتاج النظام الذي يخضع له من خلال سلوكه اليومي وقناعاته الثقافية. أما النظر إلى الطاعة بوصفها بناءً ثقافيًا، فقد كشف أن الأسرة، والمدرسة، والمؤسسة الدينية، والإعلام، واللغة، ليست مؤسسات محايدة، بل يمكن أن تتحول إلى فضاءات لإنتاج الامتثال أو إلى أدوات لتكوين الإنسان الحر، تبعًا للمنظومة الفكرية والقيمية التي تحكمها. ومن ثم، فإن العبودية المختارة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها إدانة للإنسان أو تحميلًا له مسؤولية استعباده، بل بوصفها وصفًا للكيفية التي تنتقل بها السلطة من الخارج إلى الداخل، ومن القهر المادي إلى الضبط الذاتي، ومن مؤسسات الدولة إلى بنية العقل ذاته.

وهذه النتيجة تفتح أفقًا نقديًا جديدًا؛ إذ يصبح تحرير الإنسان مشروعًا يتجاوز تغيير الحكام أو إصلاح المؤسسات السياسية، ليشمل إعادة بناء الثقافة، وتجديد التربية، ونقد الخطاب الديني والسياسي، وترسيخ قيم المسؤولية والتفكير النقدي. فالاستبداد الذي يُبنى في الوعي لا يُهزم بالقوة وحدها، وإنما يُهزم بإنتاج وعي جديد يجعل الحرية قيمة معرفية وأخلاقية قبل أن تكون مطلبًا سياسيًا. وعلى هذا الأساس، تمثل هذه المقالة المدخل النظري للكتاب كله؛ لأنها تضع القارئ أمام الفرضية المركزية التي ستتكرر بأشكال مختلفة في المقالات اللاحقة، وهي أن الطاعة ليست معطى فطريًا ولا قدرًا تاريخيًا، بل بناء اجتماعي قابل للتفكيك وإعادة التشكيل. فإذا كان الاستبداد قد نجح عبر التاريخ في صناعة الإنسان المطيع، فإن مشروع التحرر الحقيقي يبدأ بصناعة الإنسان القادر على السؤال، والنقد، وتحمل مسؤولية الحرية. ومن هنا تنطلق المقالة التالية لتتتبع الجذور التاريخية للطاعة في التراث العربي، باحثةً في الكيفية التي انتقلت بها من البناء القبلي إلى بنية الدولة، ومن العصبية الاجتماعية إلى الشرعية السياسية، لتصبح جزءًا من التكوين العميق للعقل والثقافة.

***

د. عامر الوائلي

الوعي هو الجرح الذي لم يندمل في جسد المعرفة الحديثة. فمنذ أن نجح العلم في تفكيك المادة إلى ذرات، والدماغ إلى شبكات، والسلوك إلى أنماط، ظلّ هناك شيء واحد يقاوم الاختزال بعناد غريب: ذلك الحضور الداخلي الذي لا يُرى، ولا يُقاس مباشرة، ولا يُختزل إلى معادلة، لكنه مع ذلك أقرب إلينا من كل شيء. إننا قد نعرف كيف تتحرك الإشارات العصبية في القشرة البصرية حين نرى اللون الأحمر، وقد نرصد بدقة مناطق الألم والذاكرة والانتباه، لكن كل هذا لا يفسّر لماذا يكون هناك أصلًا شيء ما يشبه أن نرى الأحمر، أو أن نتألم، أو أن نتذكر، أو أن نكون نحن أنفسنا من الداخل. هنا تبدأ مشكلة الوعي، لا باعتبارها نقصًا تقنيًا في المعرفة، بل بوصفها تصدّعًا في بنية التفسير نفسها.

إن ما يجعل الوعي مشكلة فلسفية كبرى ليس أننا نجهل بعض تفاصيله فحسب، بل أن لغتنا العلمية كلها تبدو وكأنها تتحرك خارجه دون أن تمسه في مركزه. العلم يصف الوظائف، يشرح الترابطات، يحدّد الآليات، لكنه حين يصل إلى الخبرة الذاتية يتوقف عند عتبة غامضة. يمكنه أن يقول لنا ما الذي يحدث في الدماغ حين يخاف الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يعبر الجسر من هذا “الحدوث” الموضوعي إلى “الإحساس” الذاتي بالخوف. يمكنه أن يحدد الشروط العصبية للرؤية، لكنه لا يفسر كيف تنقلب النبضات الكهربائية إلى عالم مرئي حاضر في التجربة. وكأن ثمة هوة بين الوصف من الخارج والحضور من الداخل، بين الوقائع الفيزيائية كما تُرصد، والخبرة كما تُعاش.

من هنا ظهر التمييز الشهير بين ما يُسمّى بالمشكلات السهلة للوعي والمشكلة الصعبة. والمقصود بالمشكلات السهلة ليس أنها سهلة فعلًا، بل إنها قابلة من حيث المبدأ للتفسير العلمي الوظيفي: كيف ينتبه الدماغ؟ كيف يدمج المعلومات؟ كيف يميز بين المنبهات؟ كيف يصدر التقارير اللفظية عن حالاته؟ هذه كلها مسائل معقدة، لكنها تقع داخل أفق التفسير السببي المعتاد. أما المشكلة الصعبة فهي شيء آخر: لماذا ترافق هذه العمليات كلها خبرة ذاتية أصلًا؟ لماذا لا يكون الكائن جهازًا بالغ التعقيد يعالج المعلومات دون أن يكون هناك أحد “في الداخل” يحيا هذه المعالجة؟ لماذا لا يكون العالم مجرد حساب بلا حضور؟

هذه الصعوبة هي التي دفعت بعض الفلاسفة إلى القول إن الوعي يكشف حدود النزعة المادية في صورتها الاختزالية. فإذا كانت كل حقيقة في العالم قابلة للرد إلى حقائق فيزيائية، فلماذا يبدو أن هناك بعدًا كيفيًا لا تلتقطه الفيزياء؟ إن وصف الدماغ بوصفه جهازًا لمعالجة المعلومات قد يشرح التنظيم، لكنه لا يشرح الإحساس. المعلومات ليست ألمًا، والتمثيل ليس لونًا، والوظيفة ليست طعمًا، والترابط العصبي ليس حزنًا. إننا هنا لا نواجه مجرد فجوة في البيانات، بل فجوة في النوع: فرقًا بين ما يمكن وصفه بضمير الغائب وما لا يُفهم إلا بضمير المتكلم.

ولعل أشهر ما كشف حدة هذه المعضلة هو سؤال الكواليا، أي الخصائص الكيفية للتجربة. ما معنى أن ترى الأحمر؟ ليس المقصود هنا الطول الموجي، ولا البنية الشبكية، ولا التصنيف الإدراكي، بل تلك الكيفية الحية التي يظهر بها الأحمر في التجربة. هذه الكيفية لا تبدو شيئًا زائدًا بالمعنى الساذج، لكنها ليست كذلك مجرد وظيفة قابلة للتبادل. قد نصنع آلة تميز الأحمر من الأخضر بدقة تفوق الإنسان، لكن هل هذا يعني أنها “ترى” الأحمر؟ هنا ينكشف التوتر بين الأداء والخبرة، بين السلوك والوعي، بين النجاح الوظيفي والحضور الظاهراتي.

ومن أجل تعميق هذه الفجوة، صاغ بعض الفلاسفة تجارب ذهنية أصبحت مركزية في فلسفة العقل. من أشهرها الزومبي الفلسفي: كائن مطابق للإنسان في كل شيء فيزيائيًا وسلوكيًا، يتكلم مثله، يستجيب مثله، يصف العالم كما نصفه، لكنه يفتقر تمامًا إلى الخبرة الواعية. إذا كان تصور مثل هذا الكائن ممكنًا منطقيا، فذلك يعني أن الحقائق الفيزيائية لا تستلزم وحدها وجود الوعي. سواء قبلنا هذه الحجة أو رفضناها، فإن قوتها تكمن في أنها تكشف أن السؤال عن الوعي ليس سؤالًا عن التعقيد فقط، بل عن طبيعة العلاقة بين البنية والظهور، بين المادة والتجربة.

وفي الجهة المقابلة، حاولت النزعات المادية أن ترد بأن هذا كله ناتج عن سوء فهم لطبيعة التفسير. فالوعي، في نظر بعضهم، ليس لغزًا ميتافيزيقيًا، بل ظاهرة تنشأ حين يبلغ التنظيم العصبي مستوى معينًا من التكامل أو النمذجة الذاتية أو القدرة على الإحالة الداخلية. ما نعتبره “فجوة تفسيرية” ليس إلا أثرًا للحدود الإدراكية للإنسان حين يحاول فهم ذاته بأدوات تطورت أصلًا للبقاء لا للشفافية الميتافيزيقية. بعبارة أخرى: ربما لا يكون الوعي شيئًا زائدًا على العالم الطبيعي، بل يكون فقط الطريقة التي يظهر بها التنظيم المعقد من الداخل.

غير أن هذا الرد، على أهميته، لا يحل المشكلة بل ينقلها. لأنه حتى لو قلنا إن الوعي ينشأ من التعقيد، يبقى السؤال قائمًا: لماذا ينتج التعقيد خبرة بدلًا من أن يبقى مجرد تعقيد؟ إن قولنا إن الدماغ يكوّن نموذجًا لنفسه لا يفسر لماذا يكون لهذا النموذج طابع معيش. وإن قولنا إن الوعي هو تكامل للمعلومات لا يوضح لماذا يكون تكامل المعلومات مصحوبًا بإحساس. التفسير هنا كثيرًا ما يتحول إلى إعادة تسمية للمشكلة، لا إلى حل لها.

لهذا ظهرت اتجاهات أخرى أكثر جرأة، مثل البانسايكزم، الذي يفترض أن الوعي ليس حادثًا طارئًا في الكون، بل سمة أولية من سمات الواقع، مثل الكتلة أو الشحنة. في هذا الأفق، لا يكون الوعي قد انبثق فجأة من مادة ميتة تمامًا، بل تكون المادة ذاتها حاملة لأشكال بدئية من الداخلية. قوة هذا الطرح أنه يتجنب المعجزة الصامتة التي تجعل الذاتي يخرج من اللاموضوعي خروجًا مطلقًا. لكن مشكلته الكبرى أنه يواجه سؤالًا صعبًا آخر: كيف تتجمع هذه “الداخليات” الجزئية لتكوّن وحدة الوعي الإنساني؟ كيف تنتقل الذرات من ومضاتها المفترضة إلى ذات واحدة تقول: أنا؟

وهناك أيضًا من حاول أن يفهم الوعي لا بوصفه جوهرًا مستقلًا ولا بوصفه إفرازًا آليًا، بل كعلاقة. أي أن الوعي ليس شيئًا نملكه داخل الرأس كما نملك عضوًا، بل هو انفتاح على العالم، نمط حضور، طريقة يكون بها الكائن في العالم. هذا ما ألمحت إليه الفينومينولوجيا حين رفضت اختزال التجربة إلى أشياء داخلية. فالوعي، في هذا المنظور، ليس صندوقًا مغلقًا يحتوي صورًا، بل حركة قصدية تتجه دائمًا نحو شيء. أنا لا أملك وعيًا أولًا ثم أضيف إليه العالم، بل أجد نفسي منذ البدء في تماس مع العالم، منخرطًا فيه، متوجّهًا نحوه، متأثرًا به. هذه المقاربة لا تحل المشكلة العصبية طبعًا، لكنها تعيد ترتيبها: بدل أن نسأل فقط كيف ينتج الدماغ الوعي، نصبح مضطرين إلى السؤال عن الخطأ الكامن في تصورنا للوعي كشيء محصور داخل الجمجمة أصلًا.

إن مأزق الوعي يكشف في العمق أزمة أوسع في الحداثة المعرفية: أزمة العلاقة بين المنظور الثالث والمنظور الأول. لقد تفوقت العلوم الحديثة لأنها نجحت في تعليق الذات والحديث عن العالم من الخارج، بلغة القياس، والتكرار، والموضوعية. لكن الوعي هو بالضبط ما لا يُعطى إلا من الداخل. ومن هنا نشأ التوتر: كلما اقتربنا من الشروط الموضوعية للوعي ابتعدنا عن كيفيته المعاشة، وكلما تمسكنا بالخبرة الحية فقدنا قابلية القياس. إننا كأننا نقف بين لغتين: لغة تقول ما يحدث، ولغة تشهد على ما يُعاش، ولا توجد حتى الآن ترجمة كاملة بينهما.

وهذا ما يجعل مشكلة الوعي ليست مجرد مشكلة في فلسفة العقل، بل مشكلة في معنى الإنسان نفسه. لأن الوعي هو موضع الحرية، والهوية، والألم، والذاكرة، والحب، والخوف، والكرامة. إذا اختزلناه تمامًا إلى نشاط عصبي فقد نخسر شيئًا من ثراء التجربة البشرية، وإذا فصلناه تمامًا عن العالم الطبيعي وقعنا في ثنائية غامضة يصعب الدفاع عنها. لذلك فإن الصعوبة الحقيقية ليست فقط في أن نفسر الوعي، بل في أن نفعل ذلك دون أن نمحو الإنسان أو نحوّله إلى شبح.

ربما لا يكون السؤال النهائي هو: ما الوعي؟ بل: لماذا يظهر العالم أصلًا في صورة خبرة؟ لماذا لا يكون الوجود صامتًا بالكامل؟ لماذا يوجد حضور بدلًا من مجرد وقوع؟ هنا يتحول الوعي من قضية تقنية إلى دهشة أنطولوجية. فالكون، عبرنا، لا يكتفي بأن يكون، بل يصبح ظاهرًا لنفسه. وهذه الحقيقة، مهما تقدم العلم في تحليل شروطها، ستظل تحمل شيئًا من الغموض البدئي: أن المادة في لحظة ما لا تصير فقط منظمة، بل تصير معيشة؛ لا تصير فقط بنية، بل تصير إحساسًا؛ لا تصير فقط شيئًا في العالم، بل موضعًا يظهر فيه العالم.

لهذا تبقى مشكلة الوعي أعظم من أن تُفهم كعقبة عابرة في طريق العلم، وأخصب من أن تُختزل إلى لغز ميتافيزيقي معزول. إنها النقطة التي يصطدم فيها التفسير بالحضور، والسببية بالمعنى، والموضوعية بالتجربة. إنها الموضع الذي يكتشف فيه الفكر أن العالم ليس فقط ما يُرى، بل أيضًا ما يرى نفسه فينا.

***

عبد الله الهميلي

من أكذوبة "التنمية" إلى حظيرة البقاء الحيواني

تستدعي قراءة المنظومة الأخلاقية المعاصرة، التي تتمركز حول الأنانية وتقديس المنفعة المادية، تفكيكاً عميقًا وصادمًا للأسس النفسية والسياسية التي تُوجّه وعي المجتمعات اليوم. نحن نعيش في عصرٍ تتشدق فيه القِوَى العظمى والأنظمة التابعة لها بأرقى المبادئ الإنسانية، غير أن نَظْرَة فاحصة ،تكشف لنا أن هذه المبادئ الثابتة ليست في جوهرها سوى حيل دفاعية، تنبع من العجز، والاعتلال الوجودي، والخداع السياسي. يحيلنا هذا التناقض الفج إلى البحث في أصول هذه الأخلاق ودوافعها الخفية.

حين تتكتل هذه الإسقاطات الفردية لـ "المرضى" بالسلطة ستأخذ طابعًا مؤسسيًا وتوافقيًا، وتتحول إلى نظام شامل من المحاكاة والاصطناع. في هذا النظام، يُشيّد المجتمع الرأسمالي العالمي "صنمًا أخلاقيًا" متفقًا عليه، يحمل أسماء براقة مثل "حقوق الإنسان"، و"نشر الديمقراطية"، و"التنمية المستدامة"، ولكنه في الحقيقة صنمٌ مفرغ من أي قيمة وجودية أو حقيقة ملموسة؛ بل هو مجرد واجهة لتبرير الهيمنة واستغلال الشعوب. ولمواجهة هذا الانسداد المعرفي والسياسي، تبرز الحاجة الماسة إلى مقاربة نقدية شجاعة تجرّد هذه المنظومات الأخلاقية من تقديسها الأعمى، وتنسف وهم "الضمير المرتاح" الذي تعيشه الأنظمة الرأسمالية وحلفاؤها.

جذور الوهم:

لفهم كيف وصلنا إلى هذا الانحطاط المغلف بالفضيلة، يجب أن نعود إلى الجذور. تتأسس الذات الإنسانية المنغلقة على مصالحها عبر آليات تعويضية تُحاول التغطية على تمزقها الداخلي وخوفها من قسوة الوجود. وقد أزاح الفكر الفلسفي النقدي الستار عن الجذور الدفينة لهذه المنظومات الأخلاقية، بربطها بما يُسمى "الإنسان المريض" أو العاجز. فبينما تتولد الأخلاق النبيلة الحقيقية من قوة الذات وتدفقها الحيوي وقدرتها على العطاء، تنشأ "أخلاق العبيد" أو الضعفاء كردة فعل تحكمها روح الضغينة والحقد والافتقار إلى الإبداع.

الإنسان، أو حتى النظام السياسي، العاجز عن المواجهة المباشرة وصناعة فعل تنموي حقيقي، يتوسل بحيلة خبيثة:

يحاول ان يقلب مقاييس القوة والضعف، ويُعيد تعريف عجزه بوصفه "فضيلة"، واستسلامه للتبعية بوصفه "تسامحًا واندماجًا في المجتمع الدُّوَليّ". تتقاطع هذه الرؤية بوضوح مع معطيات التحليل النفسي فيمًا يخص "الإسقاط النفسي"، وهو حيلة دفاعية لا شعورية يهرب بها الفرد من صراعه الداخلي وفشله المريع، عبر إلصاق نقائصه بالآخرين واختلاق نموذج دائم لـ "العدو الشرير" أو "المتخلف" الذي يجب محاربته أو تنويره.

هكذا، تبدأ دينامية التحول من الضعف الباطني والفشل السياسي إلى فرض تشريعات أخلاقية صارمة. يصبح التشدد الأخلاقي، وإطلاق الشعارات الرنانة، وعقد المؤتمرات الدولية، نتاجًا مباشرًا لاضطراب داخلي، يُحاول فيه النظام العاجز فرض سيطرته الوهمية على الخارج ليتجنب الانهيار والانكشاف.

في سياقنا المعاصر، أصبحت هذه المنظومة مجرد أيديولوجيًا تعويضية يُمارس بها النظام الرأسمالي العالمي هيمنته الرمزية لسحق المخالفين وتبرير جرائمه.

الرأسمالية وصناعة الصنم الأخلاقي التوافقي

عندما تتجاوز هذه الحيل النفسية حدود الفرد لتُصاغ في أطر جماعية ودولية، فإنها تنحت  ما يمكن وصفه بـ "الصنم الأخلاقي التوافقي". هنا يبرز الوجه الأبشع للنظام الرأسمالي العالمي، حيث يمر الفضاء السياسي والاجتماعي بتحولات تنتهي إلى مرحلة "الاصطناع الكامل". في هذه المرحلة، تصبح الشعارات مجرد واجهات تُشير إلى أوهام أخرى دون أي صلة بالواقع المعيش. إنها تشبه العملة المزيفة التي يتداولها الجميع وهم يعلمون أنها لا تملك غطاءً من الذهب.

تتم عملية صناعة هذا الصنم الأخلاقي الرأسمالي عبر تفريغ القيم من مضامينها الحقيقية، وتأطيرها في مؤتمرات ضخمة، واستعراضات إعلامية، وتقارير دولية تُحقق للمركز الرأسمالي تفوقًا أخلاقيًا زائفًا. تحت مظلة هذا الاصطناع، تلتئم مصالح الأنظمة في توافق جمعي يُنشئ صرحًا قيميًا يبدو صلبًا في ظاهره، لكنه خاوٍ في باطنه. يُسجد لهذا الصنم الرمزي بصفته الضامن لاستقرار العالم وحامي الكوكب، دافعه الحقيقي هو إخفاء العدمية المتوحشة للسوق الحرة، والهرب من مواجهة التفكك الاجتماعي، وتبرير النهب الممنهج لثروات دول الأطراف.

التبعية ودورة البقاء الحيواني

في ظل هذا النظام العالمي المصطنع والمريض، تبرز مأساة حقيقية وعميقة تتمثل في تعاضد الجهل والغباء السياسي عند الحكومات التابعة لدول المركز الرأسمالي. هذه الحكومات، التي تفتقر إلى أي شرعية حقيقية، أو رؤية وطنية، أو استقلال إرادي، تتبنى هذا الصنم الأخلاقي الرأسمالي بسذاجة مفرطة وعبثية مدمرة. إنها تستورد شعارات مثل "التطوير"، "مكافحة الفقر"، و"التنمية المستدامة" و" مكافحة الفساد الإداري والمالي" وترددها كالببغاوات في خطاباتها الرسمية، سياساتها الفعلية على الأرض تدمّر أي فرصة للتنمية الحقيقية، وتبيع مقدرات الأوطان بأبخس الأثمان.ينتج  هذا الغباء السياسي والتبعية العمياء شللٌ كامل في قدرة هذه الدول على استثمار وفرة مواردها. فبدلًا من بناء بنية تحتية مستدامة، أو تأسيس اقتصاد إنتاجي يضمن كرامة الإنسان واستقلاله، أو دعم التعليم والصحة، تقوم هذه الحكومات بتبديد الثروات لخدمة سادتها في المركز الرأسمالي، أو لسداد ديون وهمية، أو لإشباع نهم نخبها الفاسدة التي تعيش طفيليات على جسد الدولة.

أثر هذا الفشل الأخلاقي والسياسي يبدو كارثيًا ومدمرًا على الشعوب؛ إذ يتم اختزال طموح الإنسان، وتطلعاته، وحياته كُلََّها في تلك الدول إلى ما يمكن تسميته بـ "دورة البقاء الحيواني". ففي بلدان تزخر بالموارد الطبيعية الهائلة والقدرات البشرية الشابة، يجد المواطن نفسه يلهث يوميًا في دائرة مفرغة لتأمين أبسط مقومات البقاء الغريزي:

اللقمة، المأوى، قطرة الماء النظيفة، والأمان الجسدي. لقد سلبت الرأسمالية وأدواتها من الحكومات التابعة إنسانية المواطن، وحولته إلى مجرد كائن مستهلك يصارع من أجل قضاء حاجاته البيولوجية الأساسية، غارقًا في يوميات بائسة ومطحنة اقتصادية لا تترك له مجالًا أو طاقة للتفكير في حريته، أو إبداعه، أو حقوقه السياسية، أو مستقبله. إن ادعاءات التنمية المستدامة هنا ليست سوى نكتة سمجة تُلقى في قاعات مكيفة،  يُسحق الإنسان في الشارع تحت وطأة الجهل، والتبعية، والجوع.

نحو التفكيك: أخلاقٌ بلا أخلاق

لإنهاء هذا العبث والخروج من هذه الحظيرة المصطنعة، ما بد من تبني مقاربة تفكيكية راديكالية تنقض هذه الأصنام، وتُسقط القناع الأخلاقي عن المركزية الرأسمالية. يبدأ هذا النقد بمساءلة الأخلاق التقليدية والمؤسسية التي تعتمد على قوائم جاهزة من القوانين واللوائح. فالالتزام الأعمى بالقواعد المكتوبة، كالقوانين الدولية والمواثيق التي تُفصّل دائمًا على مقاس الأقوى، يُنتج وهمًا شديد الْخَطَر يُعرف بـ "الضمير المرتاح". يتوهم النظام التابع، أو المسؤول الفاسد، أنه حقق العدالة والمساواة لمجرد توقيعه على معاهدة دولية أو إعلانه عن خِطَّة خمسية فارغة، وهو في الحقيقة يتنصل تمامًا من مسؤوليته المباشرة تجاه معاناة الناس المسحوقين.

من هنا يُطرح المفهوم الفلسفي العميق "الأخلاق بلا أخلاق". ولفظة "بلا" هنا ما تعني أبدًا رفض القيم الإنسانية أو الدعوة إلى الفوضى والعدمية، بل تعني تجريد القِيَم من غطائها المؤسسي الزائف، ونزع طابع القداسة عن القوانين الرأسمالية التي تُستخدم أدوات للقمع والاستغلال. إنها دعوة جريئة لإعادة الأخلاق إلى جوهرها الأول الأصيل:

الانفتاح المطلق، والمسؤولية الفائقة وغير المشروطة تجاه الآخر، هذا الآخر هو المواطن المقهور، والفقير، والمُهمش الذي لا يجد صوتًا في عالم تحكمه الأرقام والأسواق.

يؤكد هذا الفكر النقدي التفكيكي أن القرار أو الفعل لا يكوون أخلاقيًا بحق، إلا إذا مرّ بتجربة المأزق المستعصي ولحظة اتخاذ القرار الحر الشجاع. فإذا كان السلوك الأخلاقي والسياسي مجرد تطبيق آلي لقوانين مستوردة، أو استجابة خاضعة لإملاءات، فإنه يفقد جوهره الإنساني وقيمته الحقيقية. إن الأخلاق الحقيقية تتطلب كسرا لأنساق المغلقة، ورفض الحلول المعلبة، وتحطيم الأصنام السياسية التي تبقي مجتمعاتنا في مستنقع التبعية.

كسر الصنم والانفتاح غير المشروط

إن التفكيك المعمق للذات الإنسانية المنغلقة، وللنظام الرأسمالي التي يعبر عنها، يكشف بوضوح أن الأخلاق المعيارية التي يتشدق بها العالم اليوم ليست سوى إسقاطات لمرضى العصر، وبنية اصطناعية خاوية تستهدف التدجين والسيطرة. وحين تعتنق الحكومات التابعة هذا الزَّيف، وتطبقه بامتياز بسبب ارتهانها غير المشروط للمركز، تنعدم تمامًا فرص التنمية المستدامة، وتُسجن الشعوب، جيلًا بعد جيل، في أقفاص البقاء الحيواني على الرغْم ثرائها الفاحش بالموارد.

إن تجاوز هذا الانسداد التاريخي لا يتحقق باليأس أو السقوط في مستنقع العدمية، بل بممارسة نقدية مستمرة، تفضح وتعري أوهام "الضمير المرتاح" وزيف التنمية الرأسمالية. تُعيد صياغة مفهوم "الأخلاق بلا أخلاق" المسؤولية إلى الواجهة؛ بوصفها التزاماً حياً، شاقاً، ومقلقاً يضعنا في مواجهة مباشرة وحقيقية مع معاناة مجتمعاتنا، بعيداً عن القفازات المؤسسية أو الشعارات الصنمية. بهذا المسار التفكيكي الجريء فقط، يمكن تطهير القيم من كونها مجرد قناع لسرقة الشعوب وإذلالها، لتصبح أفقاً مفتوحاً للعدالة الحقيقية، والكرامة الإنسانية، والتنمية الأصيلة التي تليق بالإنسان وتنتشله من قاع البقاء الغريزي ليصنع حاضره ومستقبله.

***

غالب المسعودي

 

ليست الفلسفة ترفًا فكريًا كما يتصور البعض، ولا مادة مدرسية يمكن الاستغناء عنها كلما ضاقت المناهج أو ازدحمت الجداول الدراسية، وإنما هي قبل ذلك وبعده تربية للعقل على الحرية، وتهذيب للضمير، وتدريب للإنسان على فن السؤال قبل البحث عن الجواب. ولعل أعظم ما أنجزته الفلسفة في تاريخ الحضارة الإنسانية أنها لم تكتف بإنتاج الأفكار، بل ساهمت في إنتاج الإنسان القادر على التفكير.

ومن هنا يبدو الدفاع عن الفلسفة دفاعًا عن الإنسان نفسه، وعن حقه في أن يفكر، ويشك، ويبدع، ويختار، وأن يكون مواطنًا لا مجرد تابع، وعقلًا حيًا لا مجرد وعاء لحفظ المعلومات. ولهذا جاءت دعوات كثير من الفلاسفة والمثقفين في الجزائر وغيرها من البلدان العربية الرافضة لتهميش الفلسفة في التعليم، تعبيرًا عن وعي عميق بأن معركة المستقبل ليست معركة التكنولوجيا وحدها، وإنما هي معركة العقول التي ستستخدم هذه التكنولوجيا.

لقد أثبتت التجربة الإنسانية أن التنمية ليست مجرد بناء طرق وجسور ومصانع، وإنما هي قبل كل شيء بناء الإنسان. والإنسان لا يُبنى بالمعرفة التقنية وحدها، وإنما ببناء شخصيته العقلية والأخلاقية والجمالية والوجدانية. وهذا ما تؤكده نظرية الذكاءات المتعددة لعالم النفس الأمريكي هاورد غاردنر، التي تجاوزت الفهم التقليدي للذكاء بوصفه قدرة رياضية أو لغوية فحسب، لتؤكد أن الإنسان يمتلك طيفًا واسعًا من القدرات؛ كالذكاء المنطقي والاجتماعي والوجداني والجمالي والأخلاقي والوجودي وغيرها. وليس ثمة علم أسهم في تنمية هذه الملكات مجتمعة كما أسهمت الفلسفة والعلوم الإنسانية.

ومن خبرتي المتواضعة في دراسة الفلسفة وتدريسها وإدارة قسمها في جامعة عدن، أدركت أن جوهر الدرس الفلسفي لا يكمن في تلقين تاريخ الفلسفة، وإنما في تعليم الطلاب كيف يفكرون. فالغاية ليست أن يحفظ الطالب ما قاله بارمينيدس أو الفارابي أو هيجل أو سارتر، وإنما أن يتعلم كيف يصوغ أسئلته الخاصة عن ذاته وعالمه الذي يعيش فيه وحاضره ومستقبله أما الاقتصار على تدريس الأقوال الفلسفية القديمة باعتبارها حقائق مكتملة، فإنه يحول الفلسفة إلى مادة جامدة تفقد روحها. فما قيمة أن يردد الطالب قول بارمينيدس: “الوجود موجود والعدم غير موجود”، أو عبارة هيجل: “العقل يحكم العالم”، أو مقولة سارتر: “الوجود يسبق الماهية”، إذا لم تساعده هذه الأقوال على فهم وجوده هو، وعالمه هو، ومشكلاته هو وجيله وعصره.

العالم اليوم يتحرك بسرعة غير مسبوقة. فالذكاء الاصطناعي، والثورة الرقمية، والبيانات الضخمة، والروبوتات، والتقنيات الحيوية، كلها تعيد تشكيل معنى الإنسان والعمل والمعرفة. وفي مثل هذا العالم لا تكفي المعلومات، لأن المعلومات أصبحت متاحة للجميع، وإنما تصبح القيمة الحقيقية في القدرة على تحليلها، ونقدها، وربطها، وتوظيفها أخلاقيًا. بحسب إدجار موران الذي أكد "إن التفكير في تعقيد العالم وتداخله وتسارع متغيراته ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة وجودية في عالم لا تكفيه الأجوبة البسيطة.” وهذا هو فحوى المنهج التركيبي المنطلق من ثلاثة مبادئ أساسية عند الفيلسوف موران:

أولها: المبدأ الحواري، الذي يسمح بالتعايش بين المتناقضات دون أن يلغي أحدها الآخر. فالنظام والفوضى ليسا نقيضين مطلقين، بل قد يكون كل منهما شرطًا لوجود الآخر. وكذلك العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والوعي الإنساني؛ فليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل إذا أحسن الإنسان إدارتها.

ثانيا: مبدأ الارتداد السببي، حيث لا تسير العلاقة بين السبب والنتيجة في خط مستقيم، بل تعود النتائج لتؤثر في الأسباب نفسها. فالإنسان يصنع التكنولوجيا، لكن التكنولوجيا تعيد تشكيل الإنسان، وثقافته، وعلاقاته، وطريقته في التفكير.

ثالثا: المبدأ الهولوغرامي، الذي يرى أن الجزء يحمل صورة الكل، كما يحمل الكل آثار أجزائه. فالإنسان ليس فردًا معزولًا، بل يحمل داخله تاريخ مجتمعه وثقافته ولغته وقيمه، كما أن المجتمع لا يوجد إلا من خلال الأفراد.

إنها رؤية كلية نقدية عقلانية ترى الوحدة داخل التعدد، والتعدد داخل الوحدة.

وليس من قبيل المصادفة أن تشير دراسات بحثية عديدة إلى وجود علاقة بين ضعف تدريس الفلسفة والعلوم الإنسانية وبين قابلية بعض الشباب للانجذاب إلى الأفكار المتطرفة. فقد ناقشت ورقة “تحصين العقل” التي أعدها الباحث البريطاني مارتن روز، وعدد من الدراسات اللاحقة، أثر غياب العلوم الإنسانية في تنامي العقلية المغلقة، واقترحت أن تدريس الفلسفة، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والآداب، إلى جانب أنسنة تدريس العلوم الطبيعية والهندسية، يمكن أن يسهم في بناء عقول أكثر انفتاحًا ومناعة تجاه الأيديولوجيات المتشددة.

كما أثارت دراسات مقارنة أخرى الانتباه إلى الحضور المرتفع لخريجي بعض التخصصات التقنية والهندسية داخل جماعات التطرف العنيف، ليس لأن الهندسة تنتج الإرهاب، فذلك استنتاج باطل ومجحف، وإنما لأن الاقتصار على التكوين التقني دون مرافقة فلسفية وإنسانية قد يحرم الطالب من التدريب على التفكير النقدي، وتعدد وجهات النظر، وفهم التعقيد الإنساني الذي لا يخضع دائمًا لمنطق الصواب والخطأ الحاسم كما في المسائل الرياضية.

إن هذه النتائج لا تدين العلوم الطبيعية، فهي من أعظم منجزات الحضارة الإنسانية، لكنها تؤكد أن العلم وحده لا يكفي. فالعلم يخبرنا كيف نصنع الأشياء، أما الفلسفة فتسألنا لماذا نصنعها، ولأي غاية، وبأي مسؤولية إنسانية أخلاقية؟

لقد اثبت التاريخ أن المعتقدات والأفكار لا تُهزم بالقوة وحدها، وإنما بأفكار أكثر عقلانية وإنسانية. فالذي يقتنع بأن الموت طريقه الوحيد إلى الخلاص، لا تستطيع الدبابات أن تغير قناعته، لكن قد ينجح في ذلك معلم حكيم، أو كتاب جيد، أو حوار صادق، أو درس فلسفة يفتح نافذة جديدة في عقله.

ولهذا فإن مسؤولية بناء العقل لا تقع على المدرسة وحدها، وإنما تشترك فيها الأسرة، والجامعة، ووسائل الإعلام، ودور العبادة، والمؤسسات الثقافية، وكل من يسهم في تشكيل وعي الإنسان. فالتطرف لا يولد فجأة، وإنما ينمو في بيئة يغيب عنها السؤال، ويهيمن عليها اليقين المغلق والعقل الهندسي.

وهكذا يمكن القول ؛؟إن إعادة الاعتبار للفلسفة والعلوم الإنسانية في مدارسنا وجامعاتنا ليست دفاعًا عن تخصص أكاديمي، وإنما دفاع عن مشروع حضاري كامل، يؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة تمتلكها الأمم، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من العقل، لا من النفط ولا من السلاح ففي عصر الذكاء الاصطناعي، تزداد هذه الحقيقة وضوحًا. فالآلة تستطيع أن تحسب أسرع منا، وأن تخزن أكثر منا، وأن تسترجع المعلومات في أجزاء من الثانية، لكنها لا تستطيع أن تمنح العالم معنى، ولا أن تميز بين الخير والشر، ولا أن تتحمل مسؤولية أخلاقية. وهذه هي المنطقة التي ستظل حكرًا على الإنسان، ما دام يحتفظ بعقله النقدي، وخياله الخلاق، وضميره الحي.

وعلينا إن نعلم إن مستقبل التعليم العربي لن يتحدد بعدد الحواسيب في المدارس، ولا بسرعة الإنترنت، وإنما بقدرته على تخريج إنسان يفكر قبل أن يحفظ، ويناقش قبل أن يقلد، ويبدع قبل أن يكرر. ذلك هو الإنسان الذي تحتاجه أوطاننا إذا أرادت أن تدخل المستقبل بعقلها، لا أن تظل تلهث خلفه بخطى متعثرة.

ختاما اليكم هذا البشارة: قبل أيام استوقفتني مقابلة تلفزيونية مع إحدى مذيعات قناة الجزيرة، قالت فيها إن تخصص الفلسفة أصبح اليوم من أكثر التخصصات طلبًا في عصر التحول الرقمي، لأن شركات الذكاء الاصطناعي والمؤسسات التقنية الكبرى باتت بحاجة إلى الفلاسفة لوضع الأطر الأخلاقية التي تضبط منتجاتها، وللتفكير في الأسئلة التي تعجز الخوارزميات عن الإجابة عنها؛ لم تكن المفاجأة في الخبر، وإنما في المفارقة؛ ذلك التخصص الذي ظل لعقود طويلة مادة للسخرية الاجتماعية، أصبح اليوم أحد أكثر التخصصات حضورًا في مستقبل البشرية.

ولهذا ستظل الفلسفة، مهما تغيرت العصور، أمَّ العلوم حقًا؛ لأنها ليست علمًا ينافس العلوم الأخرى، بل الأفق الذي يمنحها معناها، والضمير الذي يحرسها من الانزلاق إلى قوة بلا أخلاق، أو معرفة بلا حكمة، أو تقنية تنسى الإنسان وهي تحتفل بإنجازاته

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

حين تتراجع يقينية العقل أمام انكشاف الجمال

جدل الحقيقة والمعنى والكينونة بين الأبستمولوجيا والاستطيقا

في أقصى تخوم السؤال الفلسفي، حيث يتوقف العقل عن الاطمئنان إلى أجوبته، يبدأ الشعر في الإصغاء إلى ما لم تستطع المفاهيم أن تقوله. هناك، في المنطقة الفاصلة بين ما نعرفه وما نجهله، وبين ما يُبرهن عليه وما ينكشف، وبين الحقيقة بوصفها قضيةً والجمال بوصفه حضوراً، يتأسس ذلك اللقاء العميق بين الميتافيزيقا والشعر.

فالوجود ليس كتاباً مكتمل الصفحات، ولا حقيقةً موضوعةً في نهاية الطريق كي يبلغها العقل ثم يستريح؛ إنه سؤال يتجدد كلما ظننا أننا أحطنا به. ومن هنا لا تعود الميتافيزيقا بحثاً عن «ما وراء» العالم بقدر ما تصبح مساءلةً لما نسمّيه عالماً، ولا يغدو الشعر وصفاً للأشياء بقدر ما يصير طريقةً أخرى في حضور الأشياء وانكشافها.

إن العقل يسأل: ما الحقيقة؟

والشعر يسأل، في صمته العميق: كيف تظهر الحقيقة حين تعجز اللغة المباشرة عن احتوائها؟

بين السؤالين تنفتح المسافة التي منها يولد الفكر.

أولاً: الميتافيزيقا من يقين الامتلاك إلى أخلاق السؤال

لم تكن الميتافيزيقا، في أعمق لحظاتها، مجرد محاولة لتشييد بناء نظري عن الوجود، وإنما كانت احتجاجاً دائماً على الاكتفاء بما يظهر. إنها الرغبة في اختراق سطح الظاهر بحثاً عن شروط إمكانه، وفي مساءلة ما يبدو بديهياً قبل أن يتحول البديهي إلى عقيدة.

غير أن الميتافيزيقا تبلغ نضجها الحقيقي حين تتخلى عن وهم امتلاك الحقيقة. فالحقيقة التي تُغلق على نفسها تتحول سريعاً إلى دوغما، والنسق الذي يعتقد أنه امتلك المعنى النهائي لا يعود بحاجة إلى السؤال؛ وحين يموت السؤال، يبدأ الفكر في التحول إلى سلطة.

لذلك فإن قيمة الميتافيزيقا لا تكمن بالضرورة في قدرتها على تقديم جواب نهائي، بل في قدرتها على إعادة فتح السؤال بعد أن أغلقه الاعتياد.

هنا يصبح الشك فعلًا تأسيسياً لا نزعةً هدمية، ويغدو القلق ضرباً من اليقظة الوجودية. وليس القلق، في الأفق الكيركغوري، مجرد اضطراب نفسي، بل تجربة تكشف للإنسان أنه موجود في فضاء الاحتمال، وأن حريته نفسها ليست يقيناً مريحاً، بل مسؤولية مفتوحة على إمكانات لا نهائية.

إن الفكر الذي لا يراجع يقيناته يتحول إلى عقيدة، والعقيدة التي لا تقبل التأويل تتحول إلى سلطة، والسلطة التي تخشى السؤال لا تلبث أن تجعل من السؤال جريمة.

ومن هنا يمكن النظر إلى الميتافيزيقا بوصفها أخلاقاً للسؤال قبل أن تكون نظاماً للأجوبة؛ فهي تُبقي الوجود مفتوحاً أمام إمكانات الفهم، وتحمي العقل من أن يتحول إلى سجن لما يظنه حقيقة.

ثانيًا: الأبستمولوجيا وحدود العقل:

لقد شيّد الفكر الحديث جزءاً كبيراً من مجده على انتصار المعرفة المنهجية: الملاحظة، والتجربة، والبرهان، والقياس، والتعليل. وبفضل ذلك أمكن للعقل أن يتحرر من كثير من أوهام الميتافيزيقا التقليدية، وأن يؤسس معرفة قابلة للفحص والنقد.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول حدود المنهج إلى حدود للوجود نفسه.

فليس كل ما لا يخضع للبرهان التجريبي عديم المعنى، كما أن ما يمكن البرهنة عليه ليس بالضرورة كل ما يستحق أن يُعاش. ثمة خبرات إنسانية لا تستنفدها المعادلة: الحب، الموت، الخوف، الدهشة، الحنين، الجمال، الزمن، الذاكرة، معنى أن يكون الإنسان موجوداً أصلًا.

إن الأبستمولوجيا تجيب عن سؤال: كيف نعرف؟

أما الأنطولوجيا فتسأل: ماذا يعني أن يكون هناك وجود يمكن أن نعرفه؟

وفي المسافة بينهما تتدخل الاستطيقا لتضيف سؤالاً ثالثاً: كيف ينكشف الوجود لنا بوصفه جميلاً أو مدهشاً أو مؤثراً؟

وهنا تحديداً يظهر الشعر بوصفه معرفةً من نوع آخر؛ لا معرفةً تنافس العلم في مجاله، ولا بديلًا عن البرهان، وإنما معرفة حسية-حدسية تكشف طبقات من التجربة لا تستطيع اللغة المفهومية وحدها أن تستنفدها.

ثالثًا: الشعر ليس قولًا عن الوجود، بل طريقة في حضوره:

الشعر، في جوهره، لا يكتفي بأن يقول لنا شيئًا عن العالم؛ إنه يغيّر الطريقة التي يظهر بها العالم.

فحين يقول الشاعر «ليل»، لا يعود الليل مجرد ظاهرة زمنية؛ قد يصبح وحدةً، أو خوفًا، أو ذاكرةً، أو انتظاراً، أو موتاً مؤجلاً. وحين يقول «نافذة»، قد تتحول النافذة من جسم معماري إلى احتمال للخلاص، أو إلى حدّ فاصل بين الذات والعالم.

وهنا تكمن قوة الشعر: إنه لا يضيف الأشياء إلى العالم، بل يغيّر دلالتها داخل وعينا.

ولهذا يصبح الشعر، في الأفق الهايدغري، أحد أكثر أشكال اللغة اقتراباً من سؤال الكينونة؛ فاللغة ليست مجرد أداة يحمل بها الإنسان أفكاره، وإنما هي المجال الذي يتشكل فيه عالمه ويظهر فيه معنى وجوده.

ومن ثم فإن القصيدة ليست «نسخة لغوية» عن واقع سابق عليها، بل حدثٌ تتخلق فيه الأشياء من جديد. إنها لا ترسم العالم كما هو، وإنما تكشف إمكاناً آخر لرؤيته.

إن الشاعر لا ينقل لنا الحجر؛ إنه يجعلنا نراه للمرة الأولى.

ولا يصف البحر؛ بل يعيد اختراع علاقتنا بالبحر.

ولا يستعيد الحبيبة؛ بل يخلق في اللغة صورةً لا تستطيع الحياة الواقعية أن تمنحها اكتمالها.

وهكذا يصبح الشعر فعل استعادة للدهشة التي يبددها الاعتياد.

رابعاً: الجمال ليس زينةً للمعنى، بل طريقة لانكشافه

لعل إحدى أكثر سوءات التفكير التقليدي رسوخاً هي النظر إلى الجمال باعتباره طبقةً خارجية تضاف إلى المعنى بعد اكتماله؛ كأن الحقيقة توجد أولاً عاريةً، ثم يأتي الفن ليكسوها ثوباً من المجاز والإيقاع والصورة.

لكن الشعر العظيم يهدم هذه الثنائية.

ففي القصيدة لا يكون الجمال شيئًا زائداً على المعنى؛ بل قد يكون الطريقة التي يصبح بها المعنى ممكنًا أصلًا.

الصورة ليست زينةً للفكرة، والإيقاع ليس موسيقى خارجية للكلام، والمجاز ليس لعبةً لغوية؛ إنها جميعاً طرائق لإعادة تنظيم الإدراك.

ومن هنا فإن الانزياح الشعري لا ينبغي فهمه بوصفه خروجاً شكلياً عن المألوف فحسب، بل بوصفه انقلاباً في زاوية الرؤية. فاللغة حين تنحرف عن استعمالها اليومي تفتح للوعي مساراً جديداً نحو الأشياء.

إن المجاز لا يقول إن الشيء يشبه شيئًا آخر وحسب؛ إنه يجعلنا نكتشف أن الشيء لم يكن هو نفسه الذي اعتدنا أن نراه.

وهنا يغدو الجمال حدثاً معرفيًاً بقدر ما هو حدث استطيقي؛ لأنه يغيّر علاقتنا بما نعرف، ويعيد ترتيب ما نظنه مألوفاً، ويمنح الحواس فرصةً لكي تفكر بطريقتها الخاصة.

خامساً: من اللغة بوصفها أداة إلى اللغة بوصفها كينونة

في الكلام اليومي نستعمل اللغة لكي نصل إلى شيء خارجها؛ نطلب، ونخبر، ونصف، ونسأل. أما في الشعر فإن اللغة تستعيد استقلالها، فتغدو حاضرةً بذاتها، لا مجرد جسر إلى شيء آخر.

الكلمة الشعرية لا تُستهلك في معناها القاموسي؛ إنها تحتفظ بظلالها، وإيحاءاتها، وإيقاعاتها، وذاكرتها الثقافية، وباحتمالاتها غير المنجزة.

ولهذا لا يمكن اختزال القصيدة في «فكرتها». فالفكرة يمكن تلخيصها، أما القصيدة فلا تُختصر دون أن تفقد جزءاً من كينونتها.

يمكن أن نقول: إن القصيدة تقول الحب.

لكننا لا نستطيع أن نستبدل قصيدة الحب بجملة «أنا أحبك» ونزعم أننا احتفظنا بالمعنى نفسه؛ لأن الشعر لا يسكن في المعلومة التي تحملها العبارة، بل في الطريقة التي تجعل بها اللغة التجربة قابلةً للحضور.

ومن هنا تصبح اللغة الشعرية فضاءً تتجاور فيه الدلالة والصمت، والقول والإيحاء، والحضور والغياب.

فالقصيدة لا تقول كل شيء؛ وربما تكمن عظمتها في أنها تعرف أين تتوقف.

سادساً: الشعر بوصفه معرفةً بلا امتلاك

إذا كانت المعرفة العلمية تميل إلى التحديد والتصنيف والقياس، فإن الشعر يترك للشيء حقه في الغموض. وليس الغموض هنا نقصاً في المعرفة، بل اعترافاً بأن بعض حقائق الوجود لا تبلغ كمالها إلا حين تقاوم الاكتمال.

إن القصيدة لا تمنحنا الحقيقة بوصفها ملكيةً فكرية، بل تمنحنا تجربة الاقتراب منها. وهذا فارق جوهري.

فامتلاك الحقيقة يعني إغلاق السؤال، أما الاقتراب منها فيعني إبقاء السؤال حياً.

لذلك يمكن للشعر أن يكون معرفةً دون أن يتحول إلى مذهب معرفي؛ لأنه لا يقول لنا: «هذه هي الحقيقة»، بل يضعنا في حالة تجعلنا نرى العالم كما لو أننا نكتشفه للمرة الأولى.

إنه لا يملأ فراغ الجهل بالمعلومات، وإنما يحوّل الجهل نفسه إلى مساحة للدهشة.

وهنا يتقاطع الشعر مع الفلسفة في أعمق نقطة بينهما: كلاهما يبدأ حين لا يعود الجواب كافيًا.

غير أن الفلسفة تميل إلى بناء المفهوم، بينما يميل الشعر إلى بناء التجربة؛ الفلسفة تصوغ السؤال في اللغة المفهومية، والشعر يجعله محسوسًا في الصورة والإيقاع والصمت.

سابعاً: القصيدة كائن لا مرآة

ليست القصيدة مرآةً للعالم بالمعنى الساذج؛ فالمرآة تعكس ما أمامها، بينما الشعر يعيد تركيب ما يراه.

إنها ليست محاكاةً للواقع، بل إعادة إنتاج له في نظام رمزي جديد. ولهذا يمكن للقصيدة أن تكون أكثر صدقًا من الوصف الواقعي، لا لأنها تنقل الوقائع بدقة أكبر، بل لأنها تكشف حقيقتها الشعورية والوجودية.

قد لا تكون قصيدة عن الفقد سجلًا لأحداث الفقد، لكنها تستطيع أن تجعل القارئ يشعر بثقل الغياب بطريقة لا تستطيع الوثيقة أن تفعلها.

وقد لا تكون قصيدة عن الوطن خريطةً جغرافية، لكنها قد تجعل الوطن أكثر حضورًا في الوجدان من آلاف الخرائط.

وهنا تتجلى قدرة الشعر على الانتقال من «الواقع» إلى «حقيقة الواقع»، من الواقعة إلى معناها، ومن الشيء إلى أثره في الكينونة الإنسانية.

إن القصيدة الناجحة لا تقول لنا فقط ماذا حدث؛ إنها تسألنا: ماذا فعل ما حدث بنا؟

ثامناً: من استطيقا الجمال إلى أنطولوجيا الدهشة

الجمال، في أفقه الفلسفي العميق، ليس مجرد توافق بين الشكل والذوق؛ إنه لحظة تتعطل فيها عادية الأشياء، فيظهر ما كان مختبئًا خلف اعتيادنا عليها.

وهذا هو سر الدهشة.

فالدهشة ليست انفعالًا عابرًا؛ إنها الشرارة الأولى لكل فلسفة حقيقية، وربما لكل شعر حقيقي. الإنسان لا يتفلسف لأنه يعرف، بل لأنه فوجئ بما لا يعرف. ولا يكتب الشعر لأنه امتلك العالم، بل لأنه اكتشف أن العالم أكبر من الكلمات التي اعتاد أن يسميه بها.

من هنا يمكن النظر إلى الجمال بوصفه حدثًا أنطولوجيًا؛ لأنه لا يضيف إلى الموجود مجرد صفة، بل يغيّر كيفية ظهوره أمام الذات.

إن وردةً في لحظة عادية ليست هي الوردة نفسها في لحظة شعرية.

والمدينة التي نعبرها كل يوم ليست هي المدينة ذاتها حين تستيقظ في قصيدة.

والوجه الذي نعرفه قد يصبح، في لحظة حب أو فقد، كونًا بأكمله.

الشعر لا يخلق هذه الأشياء من العدم؛ إنه يحررها من أسر العادة.

حين يصبح الشعر صورةً أخرى للتفلسف:

ليس الشعر نقيض العقل، كما أن الفلسفة ليست خصمًا للجمال. إنهما طريقان مختلفان إلى منطقة واحدة: منطقة السؤال عن الإنسان والوجود والمعنى.

العقل يريد أن يفهم، والشعر يريد أن يكشف؛ العقل يبحث عن بنية المعنى، والشعر يختبر ارتعاشه؛ الفلسفة تسأل عن شروط الحقيقة، والشعر يجعل الحقيقة تجربةً حسيةً ووجدانيةً وأنطولوجية.

ومن هنا لا تكون الميتافيزيقا الشعرية هروباً من العقل إلى الخيال، بل انتقالاً من عقلٍ يظن أنه أحاط بالوجود إلى عقلٍ أكثر تواضعاً، يعرف أن الوجود أكبر من مفاهيمه.

إن أعمق ما يمكن أن يفعله الشعر ليس أن يمنحنا أجوبةً جديدة، بل أن يعيد إلى أسئلتنا قدرتها الأولى على الإدهاش.

فحين يفقد العقل دهشته يتحول إلى تقنية، وحين يفقد الشعر سؤاله يتحول إلى زخرف، وحين ينفصل الجمال عن الحقيقة يصبح ترفًا، وحين تنفصل الحقيقة عن الجمال تصبح قاسيةً وعمياء.

أما حين يلتقيان، فإن الفكر يستعيد حساسيته، والجمال يستعيد عمقه، واللغة تستعيد قدرتها على فتح العالم.

لذلك ربما لا يكون الشعر مجرد فنٍّ من فنون القول، بل أحد أشكال مقاومة العالم حين يتحول إلى شيء مألوف أكثر مما ينبغي.

وربما تكون القصيدة، في معناها الأبعد، محاولة الإنسان الأخيرة لكي يقول للوجود:

إنني لم أعتد عليك بعد.

وهنا تحديدًا يبدأ الشعر؛

لا عندما نعرف العالم،

بل عندما نكتشف أن معرفتنا به لم تمنعنا من الدهشة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

(مُقاربة فلسفية جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة)

ـ نظرية المعرفة بين التراكم والتوليد:

شاسعٌ هو الفرق وكبيرٌ جداً بين التراكم المعرفي والتوليد المعرفي، هل هو فرق في الدرجة أم فرق في النوع؟ واذا كان هو فرق في الدرجة كما هو ظاهر؛ فلماذا ترتب عليه إيثار الثاني على الأول بداهةً وتأخير درجة الأول عن الثاني، مع أن نوع المعارف، وإنْ كانت مختلفة، إلا أن موضوعها يكاد يكون واحداً؟

وهذا الفرق نفسه يجعلنا نُقيم منهجيّة القراءة على القراءة، لا على أساس التراكم بل على أساس التوليد، لأن هذه المنهجيّة نفسها لا تقوم لها قائمة بغير إضافة نوعيّة من جنسها، وبالتالي تصبح المعرفة الجديدة هي بالأساس توليد معرفة عن معرفة سابقة نتيجة لعنصر التأمل الفاعل فيها، لا تراكم معرفة بجوار أخرى، أو تجاور معرفة مع أخرى، بمثل ما تتجاور العناصر المتفرقة بعضها مع البعض الآخر بغير فاعليّة عقليّة بينهما، أو إضافة معرفة على معرفة أخرى دون أن يُحدث بينهما مثل هذا التفاعل العقلي البناء.

على ذلك؛ فإنّ التراكم لا يدل على النحو الذي نذهب إليه بمقدار ما يدل عليه التوليد. والتراكم لا يوظّف مفهوم منهجيّة القراءة على القراءة، على نحو ما تقدّم ذكره في السابق، بالقدر الذي يوظّفه التوليد؛ فالقراءة على القراءة منهج لا يثمر نتاج التفاعل بين معرفتين تصدر عنهما معرفة ثالثة وكفى بمثل ما جرى به في السابق تعريف الغزالي للفكر، ولكن قد يتولّد عن القراءتين ـ نتيجة للتفاعل العقلي بينهما ـ قراءة ثالثة، ورابعة، وخامسة إلى غير انتهاء، ثم إنّ هذه القراءات المتولدة إنما هي في الأصل معارف مُتجدّدة.

ولربما جاء الفرق الفارق لا يكمن بين التصورين - التراكم من جهة، والتوليد من جهة ثانية - في أن أحدهما يرفض التراكم والآخر يقبله، لا بل في طبيعة ما يحدث للمعرفة حين تتصل بمعرفة سابقة.

التصور التقليدي للتراكم المعرفي ينظر إلى المعرفة بوصفها مادةً تُضاف إلى مادة؛ فكل قراءة جديدة تزيد الرصيد المعرفي للقارئ، وكل كتاب يُضيف إلى ما سبقه، وكل معلومة تجد مكاناً في الذاكرة إلى جوار معلومات أخرى.

المعرفة، في هذا التصوّر، تنمو بالامتداد؛ أي إن الجديد ينضم إلى القديم، فيتسع المخزون. أمّا التصور التوليدي الذي نصطنعه، فإنّه يرى أن المعرفة لا تبلغ أخصب إمكاناتها حين تُضاف إلى معرفة أخرى، بل حين تُعيد تشكيل القدرة التي تنتج بذاتها المعرفة.

هنا تكمن المهمّة الأصعب، وهي أيضاً الأكثر أصالة فيما نتصوّر؛ إذ ليس الأهم هو البرهنة على أن القراءة تُنتج المعرفة، بل البرهنة على أن المعرفة في ذاتها بنية مولِّدة، وليست مخزوناً تراكميّاً حتى إذا ثبت أمامنا هذا الأصل، أصبحت منهجيّة "القراءة على القراءة" نتيجةً طبيعية له، لا مجرد اقتراح منهجي وكفى. وهذا، في تقديري، هو أساس فكرة التوليد المعرفي أو المعرفة المُولدة التي نحن بصددها.

هنالك يحدث الانتقال الجوهري من حيث إن التراكم يضيف معرفة إلى ما نعرف؛ أمّا التوليد فيحوّل ما نعرفه إلى قدرة على أن نعرف ما لم يكن في إمكاننا أن نعرفه من قبل.

فالمعرفة السابقة، في التصور التراكمي، تُشبه رصيداً محفوظاً. أمّا في التصور التوليدي فهي ليست رصيداً فحسب، بل قوة فاعلة تدخل في علاقات جديدة، فتتغير هي نفسها، ويظهر من تفاعلها ما لم يكن موجوداً في السابق مع أي معرفة منفردة.

من ذلك ترى؛ أن المعرفة المولدة ليست تشي بالتراكم، بل قدرة تشي بالتوليد. فإذا كانت المعرفة قدرة، فإنّ خاصية القدرة أنها تُنتج أفعالاً وآثاراً جديدة. أمّا إذا كانت مجرد مضمون، فإنّ أقصى ما يمكن أن تفعله هو أن تُحفظ أو تُنقل، الأمر الذي يصبح معه التوليد نتيجة لازمة لطبيعة المعرفة، لا حادثة عارضة تقع لبعض القراء دون بعض.

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل يمكن للقراءة أن تنتج معرفة؟ بل يصبح السؤال: كيف يمكن للقراءة ألا تنتج معرفة، إذا كانت المعرفة نفسها قوةً فاعلة لا مخزوناً ساكناً ؟ بمعنى هل يمكن للقراءة أن تنتج معرفة ساكنة؟ وكيف يمكن للمعرفة أن تكون ساكنة؟ أي نعم! يمكن للمعرفة أن تكون ساكنة ومجترة، واجترار المعارف دليل سكونها، لأنه إذا جاز للمرء أن يتوقف عن القراءة، جاز للعقل أن يتوقف عن إنتاج المعرفة.

من أجل ذلك؛ فإنّ المعرفة الجديدة، في التصور التوليدي، لا تكون مجرد "لبنة" تضاف إلى البناء القديم، بل قد تكون إعادة اكتشاف للبناء كله من زاوية لم تكن قبلها ممكنة.

خذ مثلاً: أنت لا تقرأ كتاباً ثانياً بعد كتاب أول بعقل القارئ نفسه. فالكتاب الأول قد غيّر فيك شيئاً؛ منحك مفهوماً، أو أضاء لك علاقة، أو كشف لك سؤالاً، أو أنشأ فيك قدرة على رؤية لم تكن لديك من قبل. وحين تقرأ الكتاب الثاني بهذه القدرة الجديدة، فإنّك لا تستقبل الكتاب الثاني كما كان سيستقبله قارئ لم يقرأ الكتاب الأول.

ولا يكون - من ثمّ ـ حاصل القراءة الثانية مجرد معرفة الكتاب الثاني، بل المعرفة التي تنشأ من التقاء الكتاب الثاني بالبنية الجديدة التي صنعتها القراءة الأولى في عقلك.

وتلك هي المعرفة الثالثة: ايجاد تفاعل وعلاقات غير مسبوقة.

إنها ليست المعرفة الأولى، وليست المعرفة الثانية، وليست جمعاً بينهما؛ بل هي ما لم يكن ممكناً أن يظهر إلا بسبب اجتماعهما في عقل حيّ فعال. وهنا يمكن أن نصوغ الفارق فلسفيّاً هكذا:

التراكم المعرفي يحفظ تاريخ ما عرفناه. أمّا التوليد المعرفي، فيصنع إمكان ما لم نكن قادرين على معرفته. أو بعبارة أكثر كثافة: التراكم يزيد محتوى العقل؛ أمّا التوليد؛ فيزيد قدرة العقل على إنتاج المحتوى.

غير أننا نرى من هذه الجهة أن هذه الصياغة، على قوتها، لا تزال تحتاج إلى مراجعة نحو خطوة أعمق؛ فالتصور التراكمي يفترض ضمناً أن المعرفة شيء يُمتلك، بينما التصور التوليدي يرى أن المعرفة شيء يُستثمر ويُمارس ويُعاد إنتاجه وفق قدرة من يمارسه، وعلى شرط هذه القدرة، لا على شرط غيرها؛ إذْ ذاك، تأتي الصلة التي اصطنعناها فيما سبقت إليه الإشارة بين فائض القيمة وفائض المعرفة، لا على سبيل التشبيه السطحي البّرانيّ، بل على مستوى البنية الفلسفيّة العميقة.

ليست قيمة المعرفة في أنها أضافت إلى ما لديك مقداراً جديداً من المعلومات، وإنما في أنها أعادت تشغيل ما لديك من جديد، وأنتجت منه إمكاناً معرفيّاً جديداً.

فالمعرفة لا تكون "فائضة"؛ لأنها زادت كميّة ما نملك، بل لأنها تجاوزت ذاتها الى حيث معرفة أخرى تناظرها.

ــ مكمن الفرق الفارق:

المعرفة التراكمية تنمو بإضافة الجديد إلى القديم؛ أمّا المعرفة التوليديّة؛ فتنمو بتحويل القديم إلى شرط لإمكان جديد ولإضافة جديدة.

في التراكم، يظل القديم والجديد محتفظين بحدودهما. القديم قديم، والجديد جديد، وما بينهما علاقة جوار أو تراص أو اتصال.

أمّا في التوليد، فإنّ المعرفة الجديدة تغيّر معنى المعرفة السابقة نفسها. فالكتاب الذي قرأته منذ سنوات قد يصبح كتاباً آخر تماماً حين تعود إليه بعد أن اكتسبت مفاهيم جديدة.

لم يتغير الكتاب، لكن تغيرت قدرتك على إنتاج معناه. وهذا أمر بالغ الأهميّة، لأن التوليد لا ينتج معرفة جديدة من المعارف السابقة فحسب؛ بل يعيد إنتاج المعارف السابقة ذاتها في ضوء المعرفة الجديدة.

ومن هنا؛ فإنّ المعرفة الثالثة كما استخلصناها من معنى الفكر عند الغزالي، ليست مجرد نتيجة تأتي بعد معرفتين، بل هي لحظة يتحوّل فيها القارئ نفسه إلى وسيط توليدي.

وربما يكون التعبير الأدق عن منهجيّة القراءة على القراءة: أنها ليست قراءةً ثانية لما قرأناه، بل قراءةٌ جديدة للقدرة التي خلقتها القراءة الأولى فينا كما تبيّن لنا فيما تقدّم.

لكأنما هذه المعرفة الثالثة تنمي دوماً القدرة على التوليد، وعلى الاستطاعة على التجديد، وهو ما يحدث بالضبط. ولعل هذا هو الفرق الفارق أيضاً بين قارئ يُراكم الكتب، وقارئ تتوالد في داخله المعرفة. الأول يخرج من الكتاب وقد امتلك شيئاً.

أمّا الثاني؛ فيخرج منه وقد أصبح شخصاً معرفيّاً آخر من حيث زيادة قدرته على التوليد، ومن حيث اتصال استطاعته بتحقق المعارف في نفسه وزيادتها على التوكيد.

ولهذا أرى أن التصور التوليدي الذي نصطنعه ينقل نظرية المعرفة من سؤال: كم تعرف؟ إلى سؤال أكثر عمقاً وأكثر إثارة للبحث والتنقيب وهو: ماذا أصبح في إمكانك أن تعرف؛ لأنك عرفت ما عرفت؟ وهنا تحديداً تتجاوز المعرفة نفسها.

قد يُقال إننا نقيم مُقابلة حادة بين التراكم والتوليد، لكأنما العلاقة بينهما علاقة تضاد. غير أن نظريّة المعرفة نفسها قد تسمح برؤية أكثر تركيباً؛ إذ ليس التراكم نقيضاً للتوليد، بل قد يكون شرطه الأول؛ فالمعرفة لا تولد من الفراغ، وإنما تحتاج إلى مادة أوليّة تعمل فيها الفاعليّة العقليّة. والتراكم بهذا الاعتبار ليس غاية، لكنه شرط لازم للتوليد. إنّ الخلل ليس في التراكم نفسه، وإنما في الاكتفاء به والتغافل عن التوليد.

فالتراكم المعرفي هو ذاكرة المعرفة. أمّا التوليد المعرفي فهو خصوبة المعرفة وغناها بذاتها بالترقية والتفرد عن سواها.

التراكم يحفظ ما أنتجته المعرفة. أمّا التوليد فيسأل: ما الذي تستطيع هذه المعرفة أن تنتجه؟

وبعبارة أخرى؛ نراها ربما تكون أوجز وأقوى: التراكم المعرفي يجعل المعرفة ماضياً يُضاف إلى الماضي. أما التوليد المعرفي؛ فيجعل المعرفة قوةً تستخرج من الماضي إمكانات المستقبل.

ولذلك؛ فإنّ ما نصطنعه إزاء المعرفة المولدة، أو ما نضيفه في مشروع القراءة على القراءة ليس نظريّة في كثرة القراءة، بل تصوراً مختلفاً لطبيعة المعرفة نفسها:

المعرفة الحقيقيّة ليست ما يملأ العقل، بل ما يغيّر قدرة العقل على الامتلاء. وليست ما يضيفه القارئ إلى نفسه؛ بل ما يجعل نفسه قادرةً على أن تُنتج ما لم يكن موجوداً قبل فعل القراءة. المعرفة الحقيقية تتجاوز نفسها لتصل بصاحبها إلى مناطق متسامية من العرفان.

ومادامت المعرفة قدرة فهي بلا شك تسند مددها العلوي المبارك من مصدر القدرة ذاته، ولسوف نولي هذا النوع من المعرفة عنايتنا في الحلقة المقبلة.

وفي تقديري، تكون المعرفة الثالثة، من هذه الجهة؛ هي اللحظة التي تتجاوز فيها المعرفةُ مجردَ التراكم، وتبدأ في ممارسة فعلها التوليدي: أن تنتج من التقاء المعارف معنىً لا يسكن في أيٍّ منها منفرداً، وأن تجعل القارئ لا حافظاً لما عرف، بل مولِّداً لما لم يكن قد عرف مع التجديد. وهذا هو سر الإبداع.

ـ مستويات تأصيل المعرفة المُولّدة:

على أن المشكلة ليست في صياغة مصطلح "التوليد المعرفي" وكفى، بل في إقامة البرهان على أن القراءة نفسها فعلٌ مولِّد للمعرفة، لا مجرد وسيلة لاكتسابها؛ فإذا أمكن تأصيل هذه الدعوى، خرجت الفكرة من كونها تأملاً فلسفيّاً إلى كونها نظريّة أبستمولوجية. وأحسب أن التأصيل يمكن أن يتم عبر سبعة مستويات مترابطة.

(١) التأصيل الأنطولوجي (الوجودي):

ينطلق من أن المعرفة ليست شيئاً جامداً، وإنّما هي بنية حيّة كبنية الكائن الحي نفسه؛ فالكائن الحي لا ينمو بإضافة أعضاء إلى جواره، وإنما بإعادة إنتاج ذاته من داخله. وكذلك المعرفة؛ فهي لا تكبر لأنها ازدادت معلومات، بل لأنها ازدادت قدرة على إنتاج معانٍ جديدة. هنا يصبح "التوليد" خاصيّة وجوديّة للمعرفة نفسها، لا مجرد فعل يقوم به القارئ.

(٢) التأصيل الأبستمولوجي:

يتبيّن منه أن المعرفة ليست وحدات مستقلة، بل شبكة من العلاقات. والقيمة المعرفيّة لا تكمن في المعلومات منفردة، وإنما في العلاقات التي يقيمها العقل فيما بينها. ومن ثمّ فإنّ القراءة ليست انتقالاً من الجهل إلى العلم، بل إعادة بناء للعلاقات بين المعارف. والمعرفة الجديدة لا تُستورد من الخارج، وإنما تُولد من إعادة تنظيم الداخل.

وهذه، في رأيي، هي العبارة التي يمكن أن تصبح محوراً لنظريّة جديدة في المعرفة:

المعرفة لا تنمو بإضافة معلومات جديدة، وإنما بإعادة تشكيل العلاقات بين المعلومات حتى تنتج بنية معرفيّة لم تكن موجودة من قبل.

(٣) التأصيل المنهجي:

وفيه ينبغي أن تتحوّل "القراءة على القراءة" من شعار إلى منهج له خطوات واضحة. كأن تكون مثلاً: قراءة أولى للفهم، وقراءة ثانية للكشف عن البنية الداخلية، وقراءة ثالثة للمقارنة، وقراءة رابعة لاستخراج الفروض الجديدة، وقراءة خامسة لإنتاج نظريّة أو مفهوم جديد.

عندئذ تصبح القراءة عمليّة إنتاج، لا استهلاك.

(٤) التأصيل التاريخي:

وفيه نتثبّت من أن جميع الطفرات الفكريّة الكبرى كانت ثمرة قراءة على قراءة. فـمثلاً إسحاق نيوتن لم يبدأ من الصفر، بل قرأ أعمال من سبقوه، ثم أعاد تركيبها في نسق جديد. وكذلك فعل ألبرت أينشتاين، إذ لم يجمع معلومات أكثر من نيوتن، وإنما قرأ نيوتن قراءة جديدة.

وأعلام الفلسفة ممّن تحدّثوا مباشرةً في أبستمولوجيا المعرفة العلميّة أمثال: كارل بوبر، وتوماس كون، وغاستون باشلار، وجان بياجيه، مع بيان موضع الاتفاق والافتراق فيما بينهم، كانوا قدّموا قراءات جديدة تثري المعرفة العلميّة، الأمر الذي يمنح نظريّة المعرفة بعداً فلسفيّاً لا يقتصر على عرضها الداخلي.

ومحمد بن إدريس الشافعي لم يزد النصوص الشرعية أو يراكمها، بل أعاد قراءة علاقة النصوص بعضها ببعض، فأنشأ علم أصول الفقه. وكذلك فعل أبو حامد الغزالي في نقده لفلسفة العلوم الإسلاميّة.

وعبد الرحمن بن خلدون لم يكتشف وقائع جديدة، بل قرأ الوقائع التاريخيّة بمنهج جديد، فأنشأ علماً في العمران جديداً. فهذه الأمثلة تثبت أن القراءة المنتجة هي التي تصنع العلوم.

(٥) التأصيل الذوقي الإسلامي:

وأغلب الظن فيه أنه يمنح المعرفة بعداً روحيّاً هو أسمى وأبقى ما يكون؛ فالقرآن نفسه لا يقدّم القراءة على أنها حفظ للنّص، وإنما باعتبارها باباً للتدبر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ والتدبر ليس تكرار ألفاظ القراءة، بل توليد دلالات جديدة من النص الواحد على قسطاس السّعة والحضور؛ بل إن القرآن يقرر أن آياته لا تنفد:

﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾

وهذا في ذاته يؤسس لفكرة أن النص العظيم يمتلك قابلية لا نهائية للتوليد.

(٦) التأصيل الفلسفي:

ويتضمّن طرح القضية من حيث بيان فروقها الجوهريّة، وهي أن هناك فرقاً بين المعرفة بوصفها موضوعاً، والمعرفة بوصفها فعلاً؛ فالذي يركز على الموضوع ينتهي إلى التراكم. أمّا الذي يركز على الفعل المعرفي نفسه، فلا بد أن ينتهي إلى التوليد. وهذا في تقديري هو التحول الحقيقي في نظريّة المعرفة.

(٧) التأصيل الاصطلاحي:

حين تمتلك النظريّة جهازاً اصطلاحياً خاصّاً بها، تكتسب استقلالها، لأن كثيراً من النظريات الفلسفية لا تتميز بأفكارها وحدها، بل أيضاً بلغتها المفهوميّة. وعليه فلا يحتفى بتعريف "التوليد المعرفي"، ويكتفى بذلك، بل ينبغي إنشاء معجماً كاملاً للنظريّة مثل: (القراءة التراكميّة، القراءة التوليديّة، الفاعلية المعرفية، فائض المعرفة، الكثافة المعرفية، الاستثمار المعرفي، الرأسمال المعرفي والرمزي، القيمة التوليدية للنص، الطاقة التأويليّة، سلسلة الأفكار التوليديّة، خصوبة النّص، خصوبة العقل).

على أنه من المحقق عندنا أن القراءة على القراءة هي الآلية المنهجيّة التي يتحقق بها فعل إنتاج المعرفة حتى إذا تبين لنا ذلك بوضوح نكون قد نقلنا النقاش من مستوى منهج في القراءة إلى مستوى نظريّة في طبيعة المعرفة نفسها؛ الأمر الذي يمنح نظريّة المعرفة التوليديّة ثقلها الفلسفي الحقيقي كلما تجاوزت نظريّة المعرفة التقليديّة.

- نقدٌ وتقييم:

بقليل من التأمل فيما سبق أن طرحناه ممّا تقدم عنه الحديث، يلحظ القارئ أن ما طرحناه لم يكن ليطرح لمجرد تمييز اصطلاحي بين مفهومين هما التراكم والتوليد، وإنما يحاول الطرح أن يؤسس لتحول أبستمولوجي في فهم ماهية المعرفة نفسها؛ فهو ينتقل بالمعرفة من كونها "رصيداً" إلى كونها "قوة مولِّدة"، من التقليد إلى التوليد. ومن هنا فإنّ قراءة الطرح نفسه لا ينبغي أن تكون قراءة لغوية أو شرحاً لألفاظه، وإنما قراءة فلسفية تكشف ما ينطوي عليه من افتراضات نظريّة، وما يفتحه من آفاق، وما يعتريه في الوقت نفسه من مواطن تحتاج إلى مزيد من التأصيل.

فمن المعرفة بوصفها تراكماً إلى المعرفة بوصفها توليداً تجدر الإشارة إلى الأساس الفلسفي لنظريّة المعرفة بين التراكم والتوليد بحيث تكون قراءتنا لهذا الأساس قراءة نقديّة، إذ ليس من المبالغة القول إن طرحنا من وجهة نظر فلسفية يحاول أن يزحزح إحدى المسلمات الراسخة في نظرية المعرفة التقليديّة؛ فقد جرت العادة على النظر إلى المعرفة في التصور التقليدي باعتبارها حصيلةً تراكمية، ينمو فيها العقل بزيادة المعلومات والخبرات حتى يبلغ درجة من النضج. أمّا طرحنا نحن، فإنه يعترض على هذا التصور من جذوره، ويقترح بديلاً أكثر عمقاً، يرى أن المعرفة لا تتقدّم بمجرد الإضافة الكميّة، وإنما تتقدّم بقدرتها على أن تُنتج معرفة أخرى من داخلها، وإذ ذاك ينتقل مفهوم المعرفة من منطق "الكم" إلى منطق "الخلق"، ومن حساب المخزون إلى دينامية الإنتاج.

إنّ الفكرة المركزيّة فيما تقدّم مما طرحناه، تقوم على أن الفرق بين التراكم والتوليد ليس فرقاً في الدرجة، بل هو فرق في الطبيعة؛ فالتراكم يضيف، أمّا التوليد فيخلق؛ والتراكم يزيد الموجود، أما التوليد فيوجد ما لم يكن موجوداً. وهذه النقلة تمثل في حقيقتها انتقالاً من أبستمولوجيا الحفظ إلى أبستمولوجيا الإبداع، ومن تصور سكوني للمعرفة - بتعبير برجسون - إلى تصور حركي يجعلها كائناً نامياً يتكاثر من داخله.

ويحسب للطرح الذي توخيناه أنه يلفت النظر إلى قضية كثيراً ما غابت عن مناهج التعليم والبحث، وهي أن كثرة القراءة ليست دليلاً على كثرة التفكر. فقد يمتلك الإنسان مكتبة هائلة ولا ينتج فكرة واحدة؛ لأن ما يملكه ليس إلا تراكم معلومات. بينما قد يقرأ إنسان آخر كتباً قليلة، لكنه يحولها إلى رؤى جديدة بفعل التأمل العقلي، فتكون قراءته (مولدة) لا (مجمّعة).

من ذلك ترى؛ أن طرحنا ينجح في إعادة الاعتبار إلى عنصر التأمل بوصفه القوة التي تمنح المعرفة خصوبتها وتذكي عنصر التأمل والتفكير فيها.

ومن أبرز مكامن القوة في هذا الطرح أنه يجعل العلاقة بين المعارف علاقةً عضويّة لا ميكانيكية؛ فهو يرفض أن تكون الأفكار متراصة متجاورة كما تتجاور الحجارة في البناء وتتراص، ويريدها أن تتفاعل كما تتفاعل العناصر الحيّة في الكائن العضوي. وهذه استعارة فلسفية دقيقة؛ لأن القيمة المعرفيّة لا تنشأ من اجتماع الأفكار، وإنما من قوة الفاعلية العقلية فيها: من الحوار الذي يقوم فيما بينها داخل عقل حي فعال.

يتميز طرحنا بمحاولة تجاوز الفكرة التقليدية القائلة إن اجتماع معرفتين ينتج عنهما معرفة ثالثة كما رأيناها فيما تقدّم من تعريف الغزالي للفكر؛ ليقرر أن عملية التوليد لا تعرف نهاية؛ فكل معرفة جديدة تصبح بدورها منطلقاً لتوليد معارف أخرى، وبذلك تصبح المعرفة سلسلة لا تنقطع من عمليات الإنتاج الذاتي. وفي الحق أن هذه الفكرة تمنح نظرية المعرفة بعداً ديناميكياً يجعلها أقرب إلى تصور الكائن الحي الذي ينمو باستمرار، لا إلى تصور الوعاء الذي يمتلئ شيئاً فشيئاً كما هو الحال في التصور التراكمي التقليدي.

ومع ذلك، فإنّ هنالك اعتراضات قامت على طرحنا تثير عدداً من الأسئلة الفلسفيّة التي تحتاج فيما ترى إلى معالجة إضافية أكثر إحكاماً.

فأول هذه الأسئلة يتعلق بمفهوم "التوليد" نفسه. فالطرح يستخدمه بوصفه المفهوم المحوري، لكنه لا يقدم تعريفاً فلسفياً جامعاً له، ولا يبين حدوده الفاصلة بينه وبين مفاهيم قريبة مثل الإبداع، والاستنباط، والاستقراء، والاكتشاف، والتأويل، والتركيب. ولو أراد هذا المفهوم أن يتحول إلى نظرية معرفيّة مكتملة، فلا بد أن يكتسب تعريفاً اصطلاحياً دقيقاً يمنع التداخل بينه وبين غيره من هذه المفاهيم.

وهذا السؤال مردود عليه، لكننا هنا قبل الرد سنأتي على جميع الاعتراضات ثم نقوم بالرد عليها تفصيلاً في الحلقة القادمة تحت عنوان كيف تتولد المعرفة عن المعرفة إنْ شاء اللّه.

وثانيها: الطرح يجعل "التأمل الفاعل" هو العنصر المنتج للمعرفة، لكنه لا يحلل طبيعة هذا التأمل. هل هو فعل منطقي؟ أم حدس عقلي؟ أم ممارسة تأويلية؟ أم تركيب جدلي؟ إنّ تحديد الآلية الداخلية للتوليد سيمنح النظريّة صلابة فلسفية أكبر، ويحولها من فكرة ملهمة إلى منهج معرفي قابل للتطبيق.

وثالثها: أن طرحنا يكتفي بالتحليل النظري دون أن يسوق شاهداً معرفياً يبرهن على دعواه. وكان يمكن أن يستشهد بتكوين نظرية الجاذبية عند نيوتن، أو بنشأة النسبية عند أينشتاين، أو بتطور أصول الفقه عند الإمام الشافعي، أو ببناء فلسفة ابن خلدون في العمران؛ ليتضح أن الإنجاز العلمي أو الفلسفي لم يكن نتيجة تراكم المعلومات وحده، بل نتيجة إعادة تركيبها في نسق جديد.

على إننا إذا نظرنا إلى هذا الطرح من زاوية فلسفة العلم، وجدناه ينقل معيار التقدم العلمي من تراكم النتائج إلى القدرة على إنتاج (وتوليد) أطر تفسيريّة جديدة. وإذا نظرنا إليه من زاوية فلسفة التربية، فإنه يدعو ضمناً إلى الانتقال من التعليم القائم على الحفظ إلى التعليم القائم على إنتاج المعرفة. أما إذا قرأناه في ضوء التصوف المعرفي، فإن التأمل الذي يتحدث عنه الكاتب يقترب من مفهوم التفاعل الباطني بين المعاني حتى تتولد من القلب معارف لم تكن حاضرة في بدايات القراءة.

وفي تقديري؛ أن القيمة الحقيقية لهذا الطرح لا تكمن في صياغة التمييز بين التراكم والتوليد، وإنما في كونه يفتح أفقاً جديداً لإعادة بناء نظريّة المعرفة من الداخل؛ فهو لا يسأل: كيف نزداد معرفة؟ بل يسأل سؤالاً أعمق: كيف تصبح المعرفة نفسها قادرة على إنتاج معرفة أخرى؟ وهذا سؤال يتجاوز حدود المناهج التعليمية إلى صميم الأبستمولوجيا.

ولهذا، فإن الطرح يمثل مشروعاً فلسفياً واعداً أكثر ممّا يمثل نظرية مكتملة. فهو يمتلك الفكرة المؤسسة، ويملك الجرأة على مراجعة التصور التقليدي للمعرفة، لكنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من التأصيل المفاهيمي، وربطه بتاريخ الفكر، وصياغة حدوده الاصطلاحيّة، وإقامة شواهد تطبيقية تثبت أن التوليد ليس مجرد استعارة بل قانون يحكم تطور المعرفة الإنسانية. فإذا تحقق ذلك، أمكن لهذا التصور أن يكون إسهاماً حقيقياً في تجديد فلسفة المعرفة المعاصرة، لا مجرد اقتراح لغوي أو تمييز مفهومي عابر. كان هذا هو النقد تقيماً لفكرة المعرفة المولَّدة في إطار منهجيّة القراءة على القراءة، وعلى ضوئه نستكمل كيفية توليد المعرفة عن المعرفة في الحلقة القادمة.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

من طرف الان باديو بين الافلاطونية والشعرية والرياضيات، مقاربة فلسفية

مقدمة: استئناف القول الأنطولوجي هو أحد ملامح المشروع الفلسفي لألان باديو، الذي يسعى منذ أعماله الكبرى إلى إعادة تأسيس الفلسفة على أساس أنطولوجي صارم بعد عقود من الإعلان عن نهاية الميتافيزيقا أو اختزالها في اللغة أو التأويل أو التجربة الوجودية. يرى باديو أن الفلسفة فقدت قدرتها على قول الوجود بما هو وجود عندما استسلمت إما للنزعة الشعرية التي تجعل اللغة الشعرية مأوى الوجود، أو للنزعات التحليلية واللغوية التي تردّ كل شيء إلى الخطاب، أو للنزعات التاريخية التي تذيب الوجود في الصيرورة. وفي مواجهة هذه الاتجاهات، يستأنف باديو القول الأنطولوجي من خلال تقاطع ثلاثي حاسم: عودة مجددة إلى الأفلاطونية، ونقد جذري للأنطولوجيا الشعرية، وتأكيد أن الرياضيات هي الأنطولوجيا ذاتها.تسعى هذه الدراسة إلى استجلاء هذا الاستئناف في أبعاده المتشابكة، مبرزة كيف يبني باديو أنطولوجيا المفرد المتعدد عبر الرياضيات، وكيف يستعيد الأفلاطونية دون الوقوع في مثالية مفارقة تقليدية، وكيف يرفض اختزال الوجود في القول الشعري مع الاعتراف بمكانة الفن ضمن إجراءات الحقيقة. وتنطلق المقاربة الفلسفية من فهم باديو للفلسفة بوصفها فكرًا للأحداث والحقائق، لا بوصفها تأملًا وجوديًا أو تحليلًا لغويًا. فماهو جوهر القول الفلسفي عند الان باديو؟ وماذا تمثل الأنطولوجي منه؟

أولًا: أزمة القول الأنطولوجي في الفلسفة المعاصرة وسياق استئنافه

شهدت الفلسفة في القرن العشرين تحولات عميقة أدت إلى تهميش الأنطولوجيا التقليدية أو إعادة صياغتها بطرق تبتعد عن الصرامة المفهومية. فمن جهة، أعلن هيدغر أن الميتافيزيقا نسيت الوجود وانشغلت بالموجودات، ودعا إلى فكر أكثر أصالة يقترب من الوجود عبر اللغة الشعرية والتفكير التأويلي. ومن جهة أخرى، سادت النزعات التحليلية التي اختزلت الفلسفة في تحليل اللغة والقضايا، والنزعات البنيوية وما بعد البنيوية التي ركزت على الخطاب والاختلاف والصيرورة دون الالتزام بقول صارم عن الوجود بما هو كذلك. في هذا السياق يظهر مشروع باديو بوصفه محاولة لاستعادة الفلسفة قدرتها على قول الوجود دون الرجوع إلى الجوهرانية القديمة أو الوقوع في النسبية. يرى باديو أن الفلسفة لا يمكن أن تستمر إذا تخلت عن الأنطولوجيا، لأن السؤال عن الوجود يظل السؤال الجذري. لكنه يرفض أن يكون هذا القول شعريًا أو تأويليًا أو تجريبيًا بالمعنى الضيق. البديل الذي يقدمه هو الرياضيات، وتحديدًا نظرية المجموعات وما تلاها من تطورات، بوصفها الخطاب الوحيد القادر على قول الوجود الخالص بما هو متعدد خالص.هذا الاستئناف ليس عودة ساذجة إلى الماضي، بل هو إعادة بناء جذرية تستفيد من إنجازات الفكر الحديث، خاصة الثورة الكانتورية في الرياضيات، وتواجه التحديات التي طرحتها الفلسفة المعاصرة.

ثانيًا: نقد الأنطولوجيا الشعرية ومكانة الشعرية في المشروع

ينتقد باديو بشدة ما يسميه الأنطولوجيا الشعرية، المرتبطة أساسًا بهيدغر وبتيارات الفكر التي تجعل القصيدة أو اللغة الشعرية الموقع الامتيازي لانكشاف الوجود. في هذا التصور، يصبح الوجود حدثًا لغويًا أو انفتاحًا شعريًا، وتتحول الفلسفة إلى نوع من التأويل أو الإصغاء إلى نداء الوجود عبر الشعراء.

يرفض باديو هذا الاختزال لعدة أسباب. أولها أن الشعر، رغم عظمته، ينتمي إلى نظام الفن، وهو أحد إجراءات الحقيقة الأربعة (العلم، السياسة، الفن، الحب)، لكنه ليس الخطاب الذي يقول الوجود بما هو وجود. الشعر ينتج حقائق فنية تتعلق بالظهور والحس والشكل، لكنه لا يبني أنطولوجيا كلية. ثانيها أن الاعتماد على الشعر يعيد الفلسفة إلى نوع من الغموض أو الإلهام الذي يتعارض مع مطلب الصرامة المفهومية. ثالثها أن هذا التوجه غالبًا ما يرتبط بنزعة رومانسية أو بوجودية تذيب الوجود في التجربة أو اللغة، مما يفقد الفلسفة قدرتها على التمييز والبرهنة.

ومع ذلك، لا يلغي باديو مكانة الشعرية أو الفن. فالفن عنده إجراء حقيقة ينتج ذاتيات جديدة وأشكالًا من الظهور لم تكن ممكنة من قبل. القصيدة يمكن أن تكون موقعًا لحدث فني يقطع مع الوضع القائم ويفتح إمكانيات جديدة للظهور. لكن هذا يبقى في سجل الفن، لا في سجل الأنطولوجيا. الأنطولوجيا تتطلب خطابًا قادرًا على قول المتعدد الخالص دون الإحالة إلى معنى أو تجربة أو لغة طبيعية.

بهذا التمييز يحفظ باديو للشعر مكانته دون أن يسمح له بالاستيلاء على القول الأنطولوجي. الفلسفة تحتاج إلى الرياضيات لتقول الوجود، وإلى الفن لتفكر في إجراءات الحقيقة المتعلقة بالظهور والإحساس.

ثالثًا: العودة إلى الأفلاطونية وإعادة بنائها

تمثل الأفلاطونية أحد المحاور الأساسية في استئناف باديو للقول الأنطولوجي. يعلن باديو صراحة انتماءه إلى أفلاطون، لا بمعنى تكرار نظرية المثل المفارقة كما فهمت تقليديًا، بل بمعنى الالتزام بعدة مبادئ أفلاطونية جوهرية: أن الوجود قابل للفكر، وأن هناك حقائق كلية، وأن الفلسفة تفكير في الأفكار، وأن الرياضيات نموذج للفكر الصارم، وأن ضد السفسطة والنسبية ضرورة فلسفية.

يعيد باديو بناء الأفلاطونية في ضوء الرياضيات الحديثة. فبدلاً من المثل بوصفها ماهيات مفارقة ثابتة، يصبح «الفكرة» مرتبطة بالإجراءات العامة للحقيقة، وبالقدرة على التفكير في المتعدد الخالص. الأفلاطونية الباديوية هي أفلاطونية المتعدد، حيث يكون الوجود نفسه متعددًا لا واحدًا، ويكون الواحد نتيجة عملية عدّ أو تنظيم لا أصلًا أنطولوجيًا.

هذه العودة تسمح لباديـو بمواجهة نزعات العصر: ضد النسبية التي تنكر الكليات، وضد النزعات التي تختزل الفكر في اللغة أو السلطة أو الجسد، وضد الإعلانات المتكررة عن نهاية الفلسفة أو نهاية الميتافيزيقا. الأفلاطونية هنا موقف فلسفي يؤكد أن هناك ما يمكن قوله عن الوجود بشكل كلي وضروري، وأن الفلسفة قادرة على التمييز بين الرأي والحقيقة. كما أن الأفلاطونية تبرر مكانة الرياضيات؛ فأفلاطون نفسه جعل الرياضيات تمهيدًا ضروريًا للديالكتيك، ورأى فيها نموذجًا للفكر الذي يتجاوز المحسوس نحو المعقول. باديو يذهب أبعد، فيجعل الرياضيات هي الأنطولوجيا نفسها، لا مجرد تمهيد لها.

رابعًا: الرياضيات بوصفها الأنطولوجيا

الإعلان المركزي عند باديو هو أن «الرياضيات هي الأنطولوجيا». هذا الإعلان ليس استعارة، بل هو أطروحة فلسفية دقيقة. الأنطولوجيا هي قول الوجود بما هو وجود، والوجود عند باديو هو المتعدد الخالص، أي التعددية قبل أي وحدة أو تنظيم أو معنى. والخطاب الوحيد الذي يستطيع قول هذا المتعدد الخالص دون إحالته إلى شيء آخر هو الرياضيات، وتحديدًا نظرية المجموعات التي أسسها كانتور وطورها آخرون. في نظرية المجموعات، يُفكر في المجموعات بوصفها تعددات خالصة، ويُعامل الفراغ (المجموعة الفارغة) بوصفه الاسم الأنسب للوجود الخالص، لأن كل متعدد يتأسس في النهاية على الفراغ عبر عمليات معقدة. الرياضيات لا تتحدث عن موجودات معينة أو عن معنى أو عن تجربة، بل تبني هياكل صورية تقول إمكانيات التعدد والتنظيم والعلاقات الخالصة.

هذا التصور يسمح بتجاوز الثنائيات التقليدية: الواحد والمتعدد، الوجود والصيرورة، الجوهر والعرض. الوجود متعدد في ذاته، والواحد نتيجة لعملية «العدّ كواحد» التي تنتمي إلى الوضع أو الموقف، لا إلى الوجود الخالص. الأنطولوجيا الرياضية تقول الوجود دون أن تفرض عليه وحدة مسبقة أو معنى أو غاية. الرياضيات أيضًا توفر أدوات للتفكير في الحدث والجدة. فمن خلال مفاهيم مثل المجموعات العامة أو الإجراءات الجنيسة، يستطيع باديو أن يفكر في ما يتجاوز الوضع القائم دون الرجوع إلى تعالٍ لاهوتي أو إلى غموض شعري. الحدث هو ما لا يمكن تسميته داخل لغة الوضع، وهو ما يفتح إمكانية حقيقة جديدة.

خامسًا: تحليل نظرية المجموعات في أنطولوجيا ألان باديو

تشكل نظرية المجموعات العمود الفقري للأنطولوجيا عند ألان باديو، إذ يعلن صراحة أن الرياضيات هي الأنطولوجيا، وأن نظرية المجموعات تحديدًا هي الخطاب الوحيد القادر على قول الوجود بما هو وجود خالص. لا يستخدم باديو نظرية المجموعات استعارة أو نموذجًا مساعدًا، بل يعتبرها القول الأنطولوجي ذاته. فالوجود عنده ليس جوهرًا ولا واحدًا ولا صيرورة غامضة، بل هو المتعدد الخالص، أي التعددية قبل أي وحدة أو معنى أو تنظيم. ونظرية المجموعات، بما هي علم المتعدد الخالص، توفر الأدوات الصورية الدقيقة للتفكير في هذا الوجود دون الإحالة إلى تجربة أو لغة طبيعية أو تأويل شعري.

يهدف هذا التحليل إلى تفكيك الدور الذي تلعبه نظرية المجموعات داخل المشروع الأنطولوجي الباديوي، من خلال بيان كيف تحول مفاهيمها الأساسية (المجموعة، الانتماء، الفراغ، المجموعة الأسية، البديهيات) إلى مفاهيم فلسفية تقول الوجود والوضع والحدث والحقيقة.

أ: المتعدد الخالص والوجود بما هو متعدد

ينطلق باديو من رفض الأنطولوجيات التي تجعل الواحد أصلًا أو جوهرًا. الوجود ليس واحدًا، ولا يمكن رده إلى وحدة أولية. كل ما يوجد هو متعدد، والمتعدد لا يُرد إلى واحد إلا عبر عملية لاحقة. هذا المتعدد الخالص، أي المتعدد من دون واحد، هو ما تقوله نظرية المجموعات. في نظرية المجموعات لا تُعرف العناصر بصفاتها أو ماهياتها، بل بعلاقاتها الانتمائية فقط. المجموعة هي جمع من عناصر، وهذه العناصر نفسها مجموعات. لا يوجد «شيء» أخير أو جوهر فردي؛ كل شيء متعدد يتألف من تعددات أخرى. بهذا المعنى تصبح نظرية المجموعات خطابًا عن المتعدد بما هو متعدد، دون افتراض وحدات أولية أو جواهر بسيطة. الوجود الأنطولوجي هو هذا المتعدد غير المنظم بعد، والمتعدد الذي لم يُعدّ بعد واحدًا. هذه الخطوة حاسمة: فهي تحرر الأنطولوجيا من الإرث الأرسطي واللاهوتي الذي يبحث عن جوهر أو محرك أول أو واحد مطلق، وتفتحها على فكر التعددية الجذرية المستمدة من الثورة الكانتورية.

ب: الفراغ والاسم اللائق للوجود

إذا كان كل متعدد يتألف من تعددات، فلا بد من نقطة توقف أو أساس. هذا الأساس هو المجموعة الفارغة، أو الفراغ. الفراغ هو المجموعة التي لا ينتمي إليها أي عنصر. وهو ليس عدمًا مطلقًا بالمعنى الميتافيزيقي التقليدي، بل هو الاسم اللائق للوجود الخالص في الأنطولوجيا الرياضية. يرجع باديو إلى بديهية الفراغ في نظرية المجموعات ليؤكد أن كل بناء مجموعي ينطلق في النهاية من الفراغ عبر عمليات متتالية من التجميع. الفراغ هو ما يتبقى عندما نُجرد المتعدد من كل تقديم أو عدّ. وهو بذلك يشير إلى الوجود بما هو غير مُقدَّم وغير معدود بعد. في الوضع الملموس قد يُقصى الفراغ أو يُنسى، لكن الأنطولوجيا تكشف أنه الأساس الصامت لكل تعدد. هذا التصور يمنح الأنطولوجيا طابعًا ماديًا صوريًا صارمًا: الوجود ليس روحًا أو معنى أو حضورًا، بل فراغ متعدد يُبنى عليه كل شيء عبر الانتماء.

ت: التقديم والعدّ كواحد والوضع

الوجود الخالص متعدد غير منظم، لكن ما يظهر لنا هو أوضاع منظمة. هنا تدخل عملية أساسية يسميها باديو «العدّ كواحد». العدّ كواحد هو ما يحول المتعدد الخالص إلى متعدد مُقدَّم، أي إلى مجموعة يمكن التعامل معها كوحدة. الوضع (أو الموقف) هو متعدد مُقدَّم، أي مجموعة من العناصر التي عُدّت كواحد وفق بنية معينة. الانتماء هو العلاقة الأنطولوجية الأساسية: أن ينتمي عنصر إلى مجموعة يعني أنه مُقدَّم في ذلك الوضع. البنية هي ما يضمن هذا العدّ ويمنع التشتت. نظرية المجموعات توفر اللغة الدقيقة لهذا التمييز: فالانتماء () يقول التقديم الأنطولوجي، بينما البنية هي ما يجعل الوضع متماسكًا. الأنطولوجيا تقول المتعدد الخالص، أما الوضع فهو نتيجة تدخل العدّ كواحد الذي ينتمي إلى نظام الظهور لا إلى الوجود الخالص نفسه.بهذا تصبح الأنطولوجيا قادرة على التمييز بين ما هو موجود بما هو متعدد وبين ما هو مُقدَّم في وضع معين. وهذا التمييز يمهد للحديث عن ما يتجاوز الوضع.

ث: إعادة التقديم والدولة والمجموعة الأسية

كل وضع لا يكتفي بتقديم عناصره، بل يعيد تقديمها عبر مجموعات جزئية. هنا يظهر مفهوم «دولة الوضع» أو حالة الوضع. دولة الوضع هي ما يعدّ المجموعات الجزئية للوضع، أي ما يضمن إعادة تقديم ما كان مُقدَّمًا. في نظرية المجموعات يقابل هذا المفهوم بدقة فكرة المجموعة الأسية (مجموعة كل المجموعات الجزئية). فالدولة هي العدّ كواحد للمجموعات الجزئية، وهي بذلك تمثل مستوى أعلى من التنظيم والسيطرة. غالبًا ما تكون الدولة أكبر من الوضع نفسه، مما يخلق فجوة أنطولوجية بين التقديم وإعادة التقديم. يحلل باديو هذه الفجوة فلسفيًا: فهي تفسر ظهور الهيمنة والتصنيف والسيطرة داخل الأوضاع التاريخية والاجتماعية. الدولة تحاول إحصاء كل الممكنات الجزئية والسيطرة عليها، لكنها لا تستطيع أبدًا أن تطابق التقديم الأصلي تمامًا، ولا أن تمنع ظهور ما يفلت منها. هذه الفجوة هي أحد الشروط الإمكانيّة للحدث.

ج: بديهيات نظرية المجموعات وتأويلها الأنطولوجي

يؤول باديو بديهيات نظرية زيرميلو-فرانكل (مع بديهية الاختيار) تأويلًا أنطولوجيًا منهجيًا:

بديهية الامتداد تقول إن المجموعة تتحدد بعناصرها فقط، مما يؤكد أولوية الانتماء على أي صفة ماهوية.

بديهية الفراغ تثبت وجود الأساس الفارغ.

بديهيات الزوج والاتحاد والمجموعة الأسية تسمح ببناء التعددات المعقدة من البسيط.

بديهية اللانهاية تدخل اللانهاية الفعلية، فتحرر الفكر من التناهي الأرسطي.

بديهية الاختيار تثير مسألة وجود دالة اختيار شاملة، ويربطها باديو بقضايا التدخل والقرار.

بديهية التأسيس (أو الانتظام) تمنع الانتماء الذاتي والتسلسل اللانهائي الهابط، وهي نقطة حاسمة في التمييز بين الوجود الأنطولوجي والحدث.

هذه البديهيات ليست مجرد قواعد تقنية؛ بل هي قرارات أنطولوجية تحدد ما يمكن قوله عن الوجود الخالص. الأنطولوجيا الرياضية تقول ما هو ممكن بحسب هذه البديهيات، لكنها لا تقول كل شيء؛ فهناك ما يفلت منها.

ح. الحدث وحدود الأنطولوجيا

الحدث عند باديو هو متعدد يفلت من العدّ داخل الوضع، ويتميز بخاصية مستحيلة أنطولوجيًا: الانتماء الذاتي. الحدث ينتمي إلى نفسه بطريقة ما، أو يتضمن اسمه الخاص ضمن عناصره. لكن بديهية التأسيس في نظرية المجموعات تمنع تمامًا أي مجموعة من الانتماء إلى نفسها أو تكوين سلسلة هابطة لا نهائية. لذلك يكون الحدث في نظر الأنطولوجيا الرياضية مستحيلًا أو غير موجود. الأنطولوجيا تقول الوضع والمتعدد الخالص، لكنها تصمت أمام الحدث. الحدث يظهر كفائض أو كتمزق في الوضع، ويستدعي تسمية تدخلية وقرارًا يتجاوز الحساب الأنطولوجي الصرف. بهذا تحدد نظرية المجموعات حدود الأنطولوجيا ذاتها: فهي تقول الوجود بما هو وجود، لكنها لا تستطيع أن تقول ما يحدث بما هو حدث. الفلسفة تبدأ من هذا الحد، فتنتقل من الأنطولوجيا إلى نظرية الحدث والحقيقة والذات.

خ: الحقائق والمجموعات العامة والإرغام

بعد الحدث يأتي بناء الحقيقة. الحقيقة ليست مطابقة ولا معنى، بل هي مجموعة عامة (جنيسة) تُبنى داخل الوضع عبر إجراء طويل من الإخلاص. المجموعة العامة هي متعدد يفلت من كل الاستحواذات التي تمارسها دولة الوضع؛ فهي غير قابلة للتصنيف داخل الموارد الموجودة في الوضع. لذلك يستعير باديو هنا مفهوم الإرغام الذي طوره بول كوهين. الإرغام يسمح بإضافة مجموعات عامة إلى نموذج دون تدمير تماسكه. فلسفيًا يعني ذلك أن الحقيقة تُبنى بوصفها إضافة جنيسة توسع الوضع دون أن تكون مشتقة منه. الذات هي ما يخلص لهذا الإجراء عبر الزمن، فتحول الحدث من مجرد وقوع عابر إلى حقيقة كلية.

نظرية المجموعات توفر هنا الأدوات الصورية للتفكير في الجدة الجذرية دون الرجوع إلى تعالٍ أو إلى غموض: فالعامّة والإرغام مفاهيم رياضية دقيقة تسمح بقول كيف يمكن لما لم يكن محسوبًا أن يصبح جزءًا من الوضع الجديد.

امنًا: الدلالة الفلسفية العامة لنظرية المجموعات في الأنطولوجيا الباديوية

من خلال نظرية المجموعات ينجز باديو عدة تحولات جذرية:

يحول الأنطولوجيا من بحث عن الجوهر أو المعنى إلى علم المتعدد الخالص.

يفصل الوجود عن الواحد، فيجعل الواحد نتيجة عملية لا أصلًا.

يحدد بدقة الفرق بين التقديم وإعادة التقديم، بين الوضع ودولته.

يضع حدودًا صارمة للأنطولوجيا عبر استحالة الحدث داخله.

يفتح إمكانية التفكير في الحقائق بوصفها مجموعات عامة تُبنى بالإخلاص.

سادسا: التقاطع الثلاثي: الأفلاطونية والشعرية والرياضيات في بناء الأنطولوجيا

يتشكل استئناف القول الأنطولوجي عند باديو من خلال تقاطع هذه العناصر الثلاثة لا من خلال عزلها. الأفلاطونية توفر الأفق الفلسفي العام: الالتزام بالكليات، وبرفض السفسطة، وبإمكانية الفكر الصارم عن الوجود. الرياضيات توفر الأداة والخطاب الفعلي للأنطولوجيا، فتحول الأفلاطونية من مثالية مفارقة إلى أنطولوجيا المفرد المتعدد. أما الشعرية، أو بالأحرى الفن، فتُحفظ في موقعها كإجراء حقيقة مستقل، يُمنع من الاستيلاء على الأنطولوجيا لكنه يُعترف بدوره في إنتاج ذاتيات وظهورات جديدة. هذا التقاطع ينتج أنطولوجيا دينامية لا سكونية. الوجود يقال رياضيًا بوصفه متعددًا خالصًا، لكن الفلسفة لا تتوقف عند الأنطولوجيا؛ بل تنتقل إلى التفكير في الأحداث التي تقطع مع الأوضاع، وفي الحقائق التي تنبني عبر إجراءات طويلة الأمد، وفي الذاتيات التي تخلص لهذه الحقائق. الأنطولوجيا الرياضية توفر الأساس، والأفلاطونية توفر الروح الفلسفية، والاعتراف بالفن يمنع الاختزال العلمي أو الصوري الجامد. في هذا الإطار يصبح القول الأنطولوجي استئنافًا حقيقيًا: فهو يستعيد قدرة الفلسفة على قول الوجود، لكنه يفعل ذلك بأدوات حديثة وبوعي نقدي تجاه إغراءات الشعرية والغموض.

سابعًا: من الأنطولوجيا إلى إجراءات الحقيقة والذات

لا يكتفي باديو بالأنطولوجيا الرياضية؛ فهذه الأخيرة تقول الوجود الساكن أو الوضع، بينما الفلسفة تهتم بما يحدث، بما يقطع، بما ينتج جدة حقيقية. الحدث هو ما يظهر في وضع ما دون أن يكون قابلًا للاختزال إلى عناصره السابقة، وهو ما يفتح إمكانية إجراء حقيقة. إجراءات الحقيقة أربعة: العلمية (في الرياضيات والعلوم)، والسياسية (في المساواة والتحرر)، والفنية (في الأشكال الجديدة)، والعشقية (في الاختلاف الجنسي وبناء الاثنين). كل إجراء ينتج حقيقة كلية، ويبني ذاتية تخلص لهذه الحقيقة عبر الزمن. هنا تتضح أهمية التقاطع السابق: الرياضيات تقول الوجود وتوفر نموذجًا للفكر العلمي كإجراء حقيقة، والأفلاطونية تؤكد كلية هذه الحقائق ضد النسبية، والشعرية (الفن) تمثل أحد الإجراءات دون أن تحتكر القول الأنطولوجي. الذات عند باديو ليست جوهرًا سابقًا ولا أنا تجريبيًا، بل هي ما ينبني عبر الإخلاص للحدث والحقيقة. بهذا المعنى تكون الأنطولوجيا مقدمة ضرورية لفكر الحدث والذات والحقيقة، لا غاية في ذاتها.

خاتمة

المقاربة الفلسفية لاستئناف باديو تكشف عن محاولة جريئة لإعادة تأسيس الفلسفة في عصر يعلن كثيرون نهايته أو تحوله إلى مجرد نقد أو تأويل. من خلال الربط بين الأفلاطونية والرياضيات مع تحديد مكانة الشعرية، يقدم باديو نموذجًا لفلسفة نسقية دون أن تكون مغلقة، صارمة دون أن تكون جامدة، منفتحة على الجدة دون أن تسقط في النسبية. هذه المقاربة تثير أسئلة عميقة حول علاقة الفلسفة بالعلم، وحول إمكانية القول الكلي في زمن التعدد والاختلاف، وحول كيفية التفكير في الحدث دون الوقوع في اللاهوت أو الرومانسية. كما أنها تفتح حوارًا مع تيارات أخرى: مع هيدغر عبر النقد، ومع أفلاطون عبر إعادة البناء، ومع الفكر الرياضي عبر التبني الجذري. هذه التحولات تجعل الأنطولوجيا الباديوية مادية وصورية في آن واحد: مادية لأنها ترفض أي روحانية أو معنى مفارق في قول الوجود، وصورية لأنها تعتمد على الرياضيات الخالصة. كما أنها تجعل الفلسفة قادرة على استئناف القول الأنطولوجي دون الوقوع في الشعرية أو في النسبية أو في الجوهرانية القديمة. نظرية المجموعات في أنطولوجيا باديو ليست أداة مساعدة بل هي القول الأنطولوجي نفسه. من خلالها يُفكر الوجود بوصفه متعددًا خالصًا، والفراغ بوصفه اسمه اللائق، والوضع بوصفه عدًّا كواحد، والدولة بوصفها إعادة تقديم، والحدث بوصفه ما يفلت من الحساب الأنطولوجي، والحقيقة بوصفها مجموعة عامة تُبنى بالإرغام والإخلاص. هذا التوظيف الجذري يعيد للأنطولوجيا صرامتها، ويفتح الفلسفة على فكر الجدة والحدث دون التخلي عن مطلب الكلية والضرورة. وبه يصبح استئناف القول الأنطولوجي ممكنًا في عصر ما بعد الميتافيزيقا، عبر الرياضيات لا عبر الشعر أو التأويل. في النهاية، يمثل استئناف القول الأنطولوجي عند باديو إعلانًا بأن الفلسفة لم تنته، وبأن الوجود لا يزال قابلاً للفكر، وبأن الصرامة الرياضية يمكن أن تلتقي مع الروح الأفلاطونية دون أن تلغي أبعاد الفن والحياة والسياسة. إنه استئناف يعيد للفلسفة طموحها الأكبر: قول الوجود والتفكير فيما يحدث وإنتاج حقائق تليق بالإنسانية. لكن ما قيمة بديهية التأسيس في الأنطولوجيا عند باديو؟ وماهي العلاقة بين أنطولوجيا باديو والفلسفة الكانطية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يمثل عبد الجبار الرفاعي، المولود في محافظة ذي قار جنوب العراق سنة 1954، واحدًا من أصحاب المشاريع الفلسفية العربية المعاصرة الأكثر اتساقًا ومثابرة واستمرارًا. كرس أكثر من ثلاثة عقود لتأسيس أرضية معرفية لحقلين متداخلين لم يترسخ حضورهما بعد في الفضاء العربي: فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. بلغ إنتاجه الفكري نحو ستين كتابًا، فضلًا عن رئاسته تحرير مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" منذ تأسيسها سنة 1997 حتى اليوم، وإدارته مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وإشرافه على سلاسل مرجعية صدر فيها أكثر من ثلاثمئة كتاب في بيروت.  لم يقتصر مشروعه على التعريف بفلسفة الدين ونقل مباحثها إلى العربية، إذ عمل على بناء رؤية خاصة تنطلق من مركزية الإنسان وكرامته، وتفسر الدين استجابة لحاجة وجودية عميقة إلى إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة. أعاد في ضوء هذه الرؤية قراءة الوحي والنبوة والإيمان والتجربة الدينية ولغة الدين، وسعى إلى تحرير علم الكلام من أسئلته الموروثة ومقولاته المغلقة، ونقله من الدفاع عن العقائد إلى فهم الإنسان وحاجاته الوجودية في العالم الحديث. لا يدعي هذا المدخل الإحاطة بمختلف أبعاد المشروع وامتداداته، ويسعى إلى رسم خريطته العامة، وتتبع منطلقاته وتحولاته، والكشف عن أدواته في التفكير، وتحليل مفاهيمه المحورية، وبيان ما يميزه من المشاريع الفكرية العربية المعاصرة، ومناقشة أبرز الأسئلة والاعتراضات التي أثارها خصومه ومحاوروه.

تلقى عبد الجبار الرفاعي علوم الدين في حوزة النجف الأشرف ابتداء من سنة 1978، واضطر إلى مغادرة العراق سنة 1980، فواصل دراسته في حوزة قم حتى بلغ مرتبة الاجتهاد، وصار لاحقًا أحد أساتذتها. حصل على البكالوريوس في الشريعة الإسلامية سنة 1988، والماجستير في علم الكلام سنة 1990، والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005 بتقدير امتياز، ونال درجة الأستاذية سنة 2012. أشرف على أكثر من ثمانين رسالة وأطروحة لدرجتي الماجستير والدكتوراه وشارك في مناقشتها، ونوقشت حتى اليوم اثنتان وثلاثون رسالة ماجستير وأطروحة دكتوره تناولت مشروعه التجديدي، في جامعات عراقية وعربية وأجنبية. نال الرفاعي عددًا من الجوائز، من أبرزها: "الجائزة الأولى للبطريركية الكلدانية لأفضل الأعمال الفكرية" سنة 2020، و"الجائزة الأولى للإنجاز الثقافي والتفاهم الدولي" في الدوحة سنة 2017، و"الدرع الذهبية للحركة الثقافية" في أنطلياس بلبنان سنة 2013، إلى جانب جوائز أخرى.

من التكوين التقليدي إلى تجديد الفكر الديني

تمثل التحول الحاسم في مسيرة عبد الجبار الرفاعي في انتقاله التدريجي من الاشتغال بعلم الكلام القديم، الذي انصرف إلى الدفاع عن العقائد وإثباتها ودحض عقائد الخصوم، إلى بناء "علم الكلام الجديد". بدأ الرفاعي هذا المشروع قبل أربعة عقود تقريبًا، وأصدر في سياقه، مجلة "قضايا إسلامية" سنة 1994-1997، صدرت هذه المجلة بدعم مالي من صديقه المرحوم الشيخ مهدي العطار. وأسس مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" سنة 1997، فاحتضنت مباحث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، وعرفت القارئ العربي بأبرز أعلامهما ومفاهيمهما وأسئلتهما واتجاهاتهما، وترجمت دراسات ونصوصًا أساسية فيهما، ومازالت تصدر حتى اليوم. أسس الرفاعي أيضًا مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ليكون فضاء للبحث والترجمة والنشر والحوار في هذين الحقلين. وما زال يراجع مشروعه ويعمقه ويطور مفاهيمه في مؤلفاته المتعاقبة.

 لم يكن هذا التحول قطيعة مفاجئة مع التراث الكلامي، فقد جاء ثمرة مراجعة نقدية طويلة لمناهج ومقولات ووظائف وحدود الكلام القديم، في ضوء مكاسب الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية وفلسفة الدين. تجلى هذا المشروع في عدد من مؤلفاته، من أبرزها: "مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد"، و"مقدمة في علم الكلام الجديد"، و"الدين والظمأ الأنطولوجي"، و"الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، و"الدين والكرامة الإنسانية"، و"الدين والنزعة الإنسانية"، و"مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث"، و"مبادئ الفلسفة الإسلامية"، وصولًا إلى عمله الأخير "موسوعة فلسفة الدين" في ثمانية أجزاء، التي وصفها بعض الدارسين بأنها أول موسوعة عربية في فلسفة الدين، وجاءت ثمرة أكثر من ربع قرن من البحث والعمل المتواصل.

منح هذا المسار مشروعه سمة مميزة؛ فقد انتقل من التكوين الحوزوي التقليدي إلى المراجعة النقدية لمناهج هذا التكوين ومقولاته وأدواته في إنتاج المعرفة الدينية. يصدر نقده من خبرة عميقة بالتراث الديني وعلومه ومناهج تدريسه، لا من موقع الغريب عنه. إنه نقد من داخل علوم الدين التراثية، يعيد فحص الموروث، ويتجاوز تكراره واجتراره، ويفتحه على أسئلة الإنسان وتحديات العالم الحديث.

يتفرد مشروع الرفاعي في تجديد الفكر الديني بانتقاله من النقد إلى البناء، ومن التفكيك إلى التركيب. لا يقف عند تفكيك علم الكلام القديم والكشف عن محدودية أسئلته ومناهجه ووظائفه، وتشديده على احتكار الخلاص بفرقة واحدة، ولا يكتفي بنقد الصورة التي رسمها هذا العلم لله والإنسان والعالم، فقد عمل الرفاعي على تركيب رؤية بديلة تستند إلى مركزية الإنسان وكرامته، وتعيد تعريف وظيفة الدين في حياته. يبدأ التفكيك عنده بفحص البنية العميقة للمعرفة الدينية، والتمييز بين الدين ومعرفة البشر للدين، وبين المقدس وما ينتجه المتخيل الديني، والكشف عن تاريخية الفهم البشري للنصوص، ونقد توظيف الدين في الاستبداد والعنف وإهدار الكرامة.

يفضي هذا التفكيك لدى الرفاعي إلى مرحلة التركيب، إذ يبني منظومة مترابطة من المفاهيم، في مقدمتها: الظمأ الأنطولوجي، والاغتراب الميتافيزيقي، والكرامة الإنسانية، والإنسانية الإيمانية، والنزعة الإنسانية في الدين، ولغة الدين، وعلم الكلام الجديد. لا تعمل هذه المفاهيم منفصلة، إذ ينتظمها سؤال مركزي واحد: كيف يستطيع الدين أن ينتج معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا لحياة الإنسان في العالم الحديث؟ ينطلق الرفاعي من حاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، ويرى أن الدين يستجيب لهذه الحاجة عندما يوقظ الحياة الروحية، ويحمي الكرامة، ويغذي الضمير الأخلاقي، ويثري الحس الجمالي. في سياق هذا البناء، صاغ الرفاعي تعريفاته الخاصة للدين والوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وأعاد تحديد وظائفها وحدودها وصلتها بالإنسان وحاجاته الوجودية. هكذا لا يترك القارئ الباحث عن المعنى في الدين عند حدود الشك والنقض وتفكيك الموروث، ويرسم له خريطة فكرية تنتقل من تشخيص أزمة المعرفة الدينية إلى بناء فهم جديد للدين يتمحور حول الإنسان، ويصل الإيمان بالحرية، والتدين بالأخلاق، ومعرفة الله بصيانة كرامة الإنسان.

مرجعيات مشروع الرفاعي

يصعب فهم مشروع الرفاعي بمعزل عن تعدد مرجعياته وتفاعل رافدين أساسيين في تكوينه. ينتمي الرافد الأول إلى التراث الإسلامي؛ فالرفاعي متخرج في المدرسة الحوزوية في علم الكلام والفقه وأصوله، ودارس لتراث الفلسفة الإسلامية لدى الفارابي وابن سينا، والحكمة المتعالية لدى ملا صدرا، والعرفان النظري والعملي لدى ابن عربي ومدرسته. لا يمثل هذا التراث لديه زخرفًا معرفيًا، فهو رافد روحي حاضر في رؤيته للروح والقلب والضمير، وفي تأكيده أن العقل النظري المجرد لا يستقل بإنتاج الإيمان، وأن الأدلة الكلامية القديمة استنفدت طاقتها في إيقاظ التجربة الروحية وإرواء حاجة الإنسان إلى المعنى. ينتمي الرافد الثاني إلى الفلسفة الغربية والعلوم الإنسانية الحديثة، التي ينفتح عليها الرفاعي انفتاحًا نقديًا وانتقائيًا لا مذهبيًا. يظهر ذلك في استثماره نقد كانط لحدود العقل النظري وتمييزه بين الشيء في ذاته والشيء كما يظهر لنا، وإفادته من شلايرماخر في تفسير الدين في أفق الشعور بالاعتماد المطلق، لا في حدود الأنساق العقائدية، ومن بول ريكور في التأويل وفلسفة الرمز، ومن غادامير في تاريخية الفهم. ويمكن استكشاف صدى أسئلة هيدغر عن الوجود والقلق والعدم في بعض أبعاد مفهوم "الظمأ الأنطولوجي"، من دون اختزال هذا المفهوم في مرجعية هيدغر، لما ينطوي عليه من روافد دينية وعرفانية ووجودية متعددة. لا يستنسخ الرفاعي منظومات هؤلاء الفلاسفة، ولا ينتسب إلى فلسفة أحد منهم، ويعيد توظيف ما يلائم أسئلته داخل أفقه الخاص في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. يظل تحديد طبيعة هذا التأثر ومقداره، وما إذا كان استعارة اصطلاحية أو استثمارًا لمفهوم أو تبنيًا لبعض عناصر المنهج، من أكثر المسائل إثارة للنقاش بين دارسي مشروعه. لا تكفي لحسمه قراءة عابرة، إذ يستدعي دراسة مقارنة دقيقة بين كتابات الرفاعي ونصوص هؤلاء الفلاسفة، تتتبع المفاهيم في سياقاتها وتكشف ما أدخله عليها من إعادة تفسير وتركيب.

يقوم مشروع الرفاعي على مجموعة من المفاهيم المتشابكة، يستمد كل مفهوم منها دلالته من موقعه داخل المشروع وصلته بسائر مفاهيمه. يأتي "الظمأ الأنطولوجي" في مقدمة هذه المفاهيم وأكثرها تداولًا، ويعني به الحاجة الوجودية العميقة في كيان الإنسان إلى الاتصال بالوجود المطلق، والبحث الدائم عما يروي ظمأه إلى المعنى. لا يكتمل الإنسان بذاته، ولا تستطيع الأشياء المادية وحدها إشباع حاجاته الوجودية، إذ يظل محتاجًا إلى أفق يتجاوز وجوده المحدود، ويمنح حياته معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا. على أساس هذا المفهوم ينقد الرفاعي الصياغة الأيديولوجية للدين، لأنها تفرغه من طاقته الروحية، وتختزله في أداة للسلطة والتعبئة والصراع والعنف، أو تحوله إلى هوية مغلقة تفصل الإنسان عن سواه. عندما يخضع الدين للأيديولوجيا، يحتجب حضوره الروحي خلف الشعارات، ويعجز عن إرواء الظمأ الأنطولوجي الذي يمثل وظيفته الوجودية الأساسية. يرتبط بمفهوم "الظمأ الأنطولوجي" مفهومُ "الاغتراب الميتافيزيقي"، الذي يفسر شعور الإنسان بالوحشة والضياع والغربة الوجودية عندما تنقطع صلته بالمطلق، ويفتقر وجوده إلى المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. لا ينشأ هذا الاغتراب من غياب الدين دائمًا، فقد ينشأ داخل أنماط من التدين تستنزف روح الإنسان، وتزرع الخوف في داخله، وتقدم له صورة قاسية لله، وتغرقه في الشعور بالإثم والاحتقار. من هنا يعمل الرفاعي على اكتشاف الصور المضيئة لله، وإعادة بناء صلة الإنسان به على أساس الرحمة والحب والرجاء، لتصبح التجربة الدينية مصدرًا للسكينة وإثراء الوجود، لا منبعًا للرعب واستلاب الذات.

ويمثل "علم الكلام الجديد" الإطار النظري الذي تنتظم فيه هذه الرؤية. لا يختزل الرفاعي هذا العلم في تحديث لغة الكلام القديم أو إضافة مسائل حديثة إلى موضوعاته، إذ يعيد بناء موضوعه ومنهجه ويضع له معيارًا واضحًا هو الفهم الجديد للوحي ووظيفته. ينقل مركز اهتمام علم الكلام من الدفاع عن العقائد ودحض الخصوم، إلى تفسير الإيمان، وفهم معنى الدين ووظيفته وحدوده، وقراءة مفهوم الوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وتحليل حاجة الإنسان إلى المعنى.

يستفيد الرفاعي من الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية في فحص المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها، ويميز بين الحقيقة الدينية في ذاتها وما يفهمه الإنسان منها. يفتح هذا التمييز أفقًا لتعدد التأويلات والحوار، ويحرر المتكلم من وهم امتلاك الحقيقة النهائية والاستئثار بتمثيلها. ويحتل التمييز بين الدين والتدين والمعرفة الدينية موقعًا محوريًا في المشروع. يعرف الرفاعي الدين بأنه: "حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة وجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية". أما التدين فهو تمثل الإنسان للدين وطريقة عيشه والتعبير عنه في الواقع، في حين تمثل المعرفة الدينية الفهم البشري للنصوص والمعتقدات والرموز. يخضع التدين والمعرفة الدينية لانتاجها في المتخيل الفردي والجمعي، وللتاريخ واللغة والثقافة والبيئة والمصالح البشرية. يتيح هذا التمييز نقد أنماط التدين العنيف والمغلق، ونقد المعرفة الدينية الموروثة، من دون اختزال الدين في أحد أشكال حضوره التاريخي.

وتأتي الهرمنيوطيقا لتكشف أن الإنسان لا يتلقى النص خارج لغته وتاريخه وآفاق انتظاره. يستفيد الرفاعي من مناهج التأويل الحديثة، ويحاور ما قدمه غادامير وغيره في فهم النص والرمز وتاريخية الوعي. لا يعني ذلك إخضاع النص لإرادة القارئ أو نفي دلالته، وإنما يعني أن الوصول إلى النص لا يحدث من دون فهم بشري، وأن كل فهم يتشكل داخل أفق لغوي وتاريخي معين. تتجدد قراءة النص بتجدد أسئلة الإنسان ومعارفه وتحولات حياته، وتظل دلالاته أوسع من أن يستنفدها تفسير واحد أو يحتكرها مذهب بعينه.

 الجدل العربي حول مشروع الرفاعي

 أثار مشروع الرفاعي اعتراضات صدرت من اتجاهات متباينة. يتحفظ بعض ممثلي الاتجاه الديني التقليدي على تأكيده تاريخية المعرفة الدينية وتعدد الفهم، ويرون في ذلك تقليصًا لسلطة التفسير الموروث وفتحًا للدلالة على قراءات غير منضبطة. وينظر بعض السلفيين إلى أدواته الفلسفية والهرمنيوطيقية على أنها وافدة من بيئة معرفية غربية لا تنسجم مع منهجهم في فهم النص. في المقابل، يرى بعض العلمانيين أن مشروعه يحتفظ للدين بموقع مركزي في تفسير الإنسان وحاجته إلى المعنى، ولا يذهب إلى القطيعة التي يدعون إليها بين الدين والمعرفة الحديثة. ويسائل بعض الباحثين في الفلسفة دقة استعماله لبعض المصطلحات الغربية، وحدود استفادته من كانط وهيدغر وغادامير، ومقدار التحول الذي تخضع له مفاهيمهم عندما يدمجها في مشروعه. تكشف هذه الاعتراضات، على اختلاف منطلقاتها، عن الموقع الذي يشغله المشروع بين مسارات متعارضة. فهو لا يكرر علم الكلام الموروث، ولا يتبنى القطيعة مع الدين، ولا يستنسخ فلسفة غربية بعينها. يحاول أن يشق طريقًا ثالثًا يستبقي الحاجة الوجودية إلى الدين، ويخضع المعرفة الدينية للنقد، ويجعل كرامة الإنسان معيارًا في تقويم أنماط التدين وتأويل النصوص. يمنحه هذا الموقع قدرته على إثارة الأسئلة، ويعرضه في الوقت نفسه لنقد التقليديين ودعاة القطيعة مع الدين وبعض المتخصصين في الفلسفة.

لا تتجاوز الصفحات السابقة رسم خريطة أولية لمشروع واسع ومتعدد المسارات. يتطلب تقويم هذا المشروع فلسفيًا دراسة تطور مفاهيمه عبر مراحل كتاباته، وتحليل الروابط التي تصل الظمأ الأنطولوجي بالاغتراب الميتافيزيقي والكرامة الإنسانية والإنسانية الإيمانية وعلم الكلام الجديد، وفحص اتساق هذه المفاهيم وقدرتها التفسيرية. كما يستدعي مقارنة نصية دقيقة بين كتابات الرفاعي والمرجعيات الإسلامية والغربية التي يحاورها، للتمييز بين استثمار المفهوم، وإعادة تفسيره، وإدماجه في تركيب جديد. لا تكفي في ذلك الملخصات ولا التشابهات اللفظية، فالحكم على أصالة المشروع يقتضي الرجوع إلى النصوص الأصلية، وتتبع المفاهيم في سياقاتها، والكشف عما أحدثه الرفاعي فيها من تحويل وإعادة بناء. يؤسس هذا المدخل لتلك الدراسة الموسعة، ويمهد لقراءة المشروع من داخله، في ضوء أسئلته وغاياته ومساره الخاص.

***

إبراهيم العروي - كاتب سعودي

كان هابرماس (1929-2026) مفكرا عظيما ذا اهتمامات واسعة. شمل عمله مجموعة كبيرة من الحقول بدءاً من الفلسفة ومرورا بالنظرية الاجتماعية والسوسيولوجيا وحتى السياسة والانثرابولوجي. كُتب الكثير حول هابرماس منذ وفاته في 14 مارس الماضي بعمر 96 عاما من جانب أولئك الذين أعادوا قراءة كتاباته الغزيرة، واضعين أفكاره ونظرياته ضمن منظور معين، مقيّمين إرثه بشكل عام. هو سوف يتم تذكّره لعدة أشياء، لكنه برز بفضل موقفه الثابت الذي جعله فريدا من نوعه. في فترة ما بعد الحرب، عندما كان معظم المثقفين ذوي التوجهات اليسارية في اوربا آنذاك اما متأثرين او مؤيدين لما بعد الحداثة والنسبية، وقف هابرماس شامخا كمؤيد وحيد للعقل وقيم التنوير. هو كان، وفق أحكام البعض، "آخر عقلاني كبير".

وُلد هابرماس في دوسلدورف ونشأ في غومرس باخ في شرق كولونيا، درس الفلسفة في جامعة بون ثم انتقل لاحقا الى غوتينغن و زيورخ. نال أولى وظائفه الكبيرة عام 1956 عندما عُين مساعدا في معهد البحوث الاجتماعية في جامعة فرانكفورت، والذي كان يُعرف بـ مدرسة فرانكفورت. كان المعهد يدار بواسطة اثنين من كبار مفكري جناح اليسار آنذاك، وهما ثيودور ادرنو و ماكس هوركهايمر. في عملهما عام 1947 بعنوان ديالكتيكية التنوير، هما لم يدينا فقط الطبيعة القمعية للمجتمع الرأسمالي المعاصر، وانما هاجما ما اعتبراه طبيعة قمعية متأصلة وإرث خبيث للتنوير..العقلانية: رغبة ذلك المجتمع في قمع الاختلافات واجتثاث الغيرية.

كيف وصلا الى هذا الاستنتاج؟ كان تنوير القرن الثامن عشر هو حول تطبيق العقل والعلم لتوسيع معرفتنا بالعالم. انه قاد لإنفجار الاكتشافات العلمية والتقدم المادي، وباختصار – الى الحداثة. لكن التطبيق المنهجي لهذه الطرق على التاريخ والعلوم الإنسانية حفز على خلق "السرديات الكبرى" – نظريات شاملة تسعى لتوضيح كل التطور السياسي والاجتماعي للكائن البشري. هذه السرديات مثل الليبرالية والدارونية الاجتماعية والماركسية – همّشت الولاءات التقليدية او الارتباطات والعادات المحلية ونادت بصوت عال "انت لا تستطيع وقف التقدم". ومن بين التجسيد الأكثر ظلاما لهذه النزعة كان "العلم العرقي" للنازية وللقتل الجماعي المؤسسي في مخيمات الموت. كتاب ادرنو وهوركهايمر ساعد في غرس بذور التحول المستقبلي "ما بعد الحداثة" المتمثل في رفض كل السرديات الكبرى.

وبينما لم يكن هابرماس متشائما كما هم اساتذته، كان في ذلك الوقت اكثر تعاطفا مع الماركسية، كان مهتما بألمانيا الغربية والعالم الغربي الذي اصبح منفصلا ومصابا بخيبة أمل. بحثه المبكر جاء في عمله الأول المتميز والذي نال الاعجاب، (التحول الهيكلي للمجال العام ،1962). في هذا هو تتبع مسار ظهور المجال العام المنفتح في القرن الثامن، المتجسد في أماكن مثل الصالونات والمقاهي ومواقع يمكن ان يتجمع بها الافراد طوعا للانخراط في محادثات ونقاشات عقلانية مفتوحة وغير هرمية . هو أيضا أسف على زوالها مع صعود وسائل الاعلام الجماهيرية والترفيه الجماهيري وتزايد توغل الدولة البيروقراطية، كل ذلك، حسب زعمه، مال لتحويل المواطنين من مشاركين الى متفرجين وزبائن سلبيين.

الكتاب كان أيضا ردا على ادرنو و هوركهايمر، معبّرا عن الأمل بان هذا المجال العام يمكن انعاشه، وان مشروع التنوير يمكن انقاذه. ان السعي للحوار، وضرورة العقل كوسيلة للقيام بذلك: هذان كانا الاساس في مجمل أعماله. توج هابرماس ذلك بتحفته الأبرز عام 1981، نظرية الفعل التواصلي بجزئين. سعى فيها لرسم تمييز بين العقل الأداتي كنمط من التفكير اعتبراه ادرنو وهوركهايمر أساسيا للتنوير، والذي عامل المعرفة كوسيلة بديهية تجريبيا لتحقيق غاية، ومن جهة أخرى ما أسماه "العقل التواصلي". هذا منح قيمة لتبادل المعرفة والاستخدام التعاوني للعقل لغرض الوصول الى إجماع. حالما يتم تفكيك عوائق التحرر والاتصال المفتوح – طابع الدولة القانونية البيروقراطية ومظاهر الرأسمالية المشتتة للانتباه، خاصة الإعلام الجماهيري – يتخيّل هابرماس "موقف كلام مثالي"يسود في المجتمع له "قوة غير قسرية لأفضل حجة".

هذا الى حد ما قاد الى اتهامات من منتقديه بيوتوبيا ساذجة. هذه الاتهامات لم تنبثق فقط من المحافظين الذين سخروا من رؤيته السياسية الغير محددة بوضوح، لكن أيضا من جانب العديد من اليسار.  في الثمانينات وبعد ان تلقت أحلام الاشتراكية في تغيير العالم ضربة قاضية جراء انتفاضات الطلاب التي باءت بالفشل عام 1968، ومع الوضوح المتزايد لأوجه القصور في اشتراكية الدولة في الشرق، خيّم جو من التشاؤم على الفكر التقدمي في كل الغرب. في الاكاديمية وبين الحلقات التقدمية المثقفة تجلى هذا في العقيدة بان مشروع التنوير يلفظ أنفاسه الأخيرة، لاسيما وفقا لرأي البعض، كان من المعيب البدء به. في سنوات ما بعد الحرب اعتقد العديد من الناس ان الغرب هو الان في حالة من التشرذم، وإرهاق أخلاقي ونسبية أسموها ما بعد الحداثة.

في المقابل، هناك نظرية ما بعد الحداثة، ترى ان كل الأسس العقلانية للمعرفة لا تُطاق بل ومجحفة، ومع ذلك، لم يحدث هذا الاّ بعد نشر كتاب (الوضع ما بعد الحداثي،1979) لجان ليوتار الذي لقي قبولا واسعا في التشخيص والنظرية معا.

هدف الكتاب الرئيسي كان التصريح بان عصر "السرديات الكبرى" للنظريات العلمانية بايمانها "في التقدم، الإجماع، في القيم المتعالية" قد انتهى. وهدف ليوتار الرئيسي كان ادانة هابرماس الذي اعتبره ليس فقط كمروج لـ السرديات الكبرى "الشمولية" التي تُعلي من شأن الإمتثال، وانما كان داعما لتلك الفكرة غير القابلة للاستمرار والقائلة اننا نملك أساسا لإرساء الحقيقة ولهذا نبني أفضل مجتمع.

وبسبب تأييده للعقل وقبوله الضمني للذاتية البشرية، رُفض هابرماس  كحالم من جانب مفكر ما بعد حداثي آخر بارز وهو ميشيل فوكو. واذا كان هابرماس فخورا في تسمية نفسه كـ "مدافع عن الحداثة سار على خطى الفلاسفة من ديكارت الى كانط" فان فوكو لم يؤمن لا بالذات المستقلة الكانطية ولا في العقل الديكارتي المكتف بذاته، مؤمنا بدلا من ذلك في اننا نتكون من ذوات مجزأة وغير مركزية وان ذلك "الانسان" لم يكن الاّ اختراعا غربيا.

جادل فوكو بعدم وجود أي وجهة نظر او مبدأ عالمي من خلاله يمكن عمل أحكام. ردّ هابرماس من خلال السؤال من أي وجهة نظر استطاع فوكو عمل مثل هكذا حكم، او كيف أمكنه استخدام العقل لعمل ذلك الحكم او أي حجة مقنعة. اعتبر هابرماس منتقديه قد وقعوا – دون أمل في الخلاص – في فخ هذه المفارقة، واتخذ ذلك دليلا على ان التخلص من الرواسب الذهنية للحداثة ليس بالامر الهين. وبالرغم من هجوم ليوتوار وسخرية فوكو، بقي هابرماس صامدا . هو عرف ان مهمته لم تكن سهلة، وانه كان تقريبا الشخص الوحيد الذي يسبح ضد التيار. في مقابلة معه عام 1981، مدافعا عن نظريته في العقلانية، سخر من أولئك "الذين يجدون مثل هذه النظرية في العقلانية الاتصالية كمطلب صادم، هم لا يستطيعون ابتلاع كلمة محرجة مثل العقلانية دون ان يحمر وجههم خجلا" .

هو ذاته كان نادرا ما يرتبك. في الحقيقة، يمكن فهم تلهّفه للانخراط في الجدال الشائك على انه جزء لا يتجزأ من هدفه في النقاش التشاركي. هو وضع هذا موضع التنفيذ على ساحة سياسية أوسع في أواسط الثمانينات عندما ساعد في افتتاح خلاف "المؤرخين" في المانيا الغربية، منددا بظهور نزعة من بعض المحافظين المؤرخين  تسعى للتقليل من جريمة النازية وإضفاء طابع نسبي عليها. وبدلا من الإنزعاج من سهام ما بعد الحداثيين ونبالهم، كان هابرماس مهتما اكثر بالاسباب ونتائج هذا المزاج الفكري المتجسد بفوكو وجاك دريدا. هو خشي ان هذا مثّل تطورا تافها ورجعيا، بل هو تخلّ عدمي عن السياسة برمتها. في عمله عام 1987 (الخطابات الفلسفية للحداثة) اتّهم أولئك الذين ودّعوا الحداثة بتجسيد نوع من المحافظة الجديدة وفوضوية مستلهمة جماليا.

في عدة حالات، كان منتقدوه يهاجمون رجل قش طوال الوقت، اذ لم يكن الامر وكأن هابرماس يروج لنسخة أصولية من الفكر التنويري، الشيء الموجود علنا في العلمية الوضعية لاوكست كومت. كان هذا أشبه بنمط التفكير الاحتمالي والمفتوح المميّز لفولتير بصفته كاتب مقالات وكتيبات سجالية. في الحقيقة، هابرماس ذاته كان في وقت ما صحفيا ظهر اسمه لأول مرة عام 1953 بمقال في الصحيفة العامة في فرانكفورت، منتقدا مارتن هايدجر ليس بسبب قبوله العام للنازية عام 1933 وانما بسبب صمته المستمر تجاه رعب الرايخ الثالث بعد الحرب.

واذا كان منتقدوه اعتقدوا ان هناك أزمة ابستيمولوجية عميقة في الغرب، مع موت الاله ومن ثم موت الانسان العقلاني المستقل، فان هابرماس لايزال يعتقد بالقوة المستمرة للاجماع من خلال النقاش. في مجموعة مقالاته عام 1992(تفكير ما بعد ميتافيزيقي)، جادل باننا يمكننا التخلي عن عكاز الدين والنيومينا (الشيء في ذاته) ومع ذلك نواصل السعي وراء الحقيقة من خلال التفكير النقدي. هو توصل الى استنتاج بان الإمكانات التحررية بُنيت ضمن بناء اللغة، وان الفعل التواصلي العقلاني،الذي يعمل من خلال أفعال الكلام، يمكن ان يجلب الى السطح أخلاقا كونية متأصلة. هو تحدّث عن "عقل متجسد في الادراك، الكلام، والفعل". ومع انه وصف نفسه ضمن تقاليد ديكارت وكانط، هو لم يكن تلميذا لأي منهما، باعتبارهما غير كافيين لفكرة الانسان المستقل. هو نقل بدلا من ذلك التأكيد الى الذاتية المشتركة في متابعة موقفه المثالي لـ "الفهم المتبادل".

مشروع هابرماس لم يتوجه كثيرا الى مطلق أخلاقي شمولي وانما الى ديالكتيك جديد للتنوير، اعترف وأوضح سلبيات التنوير، مع ذلك لايزال مبررا لمبادئه الجوهرية بأمل متابعة الحرية والعدالة. عنوان احدى مقالاته، عُرضت اول مرة ككلام في شهر سبتمبر 1980 كانت بعنوان "الحداثة: مشروع لم يكتمل". في عام 1987 أعاد التأكيد على اتجاهه وبعبارات أبعد ما تكون عن الطراز السائد، متبنّيا فلسفة اعتمدت "نظريات تجريبية ذات ادّعاءات عالمية قوية".

يمكن الجدال اننا نحتاج الى هابرماس الان اكثر من أي وقت مضى. وبينما حجج ما بعد الحداثة قد تبدو عتيقة الان، او ان ما بعد الحداثة موضة عفا عليها الزمن، العديد من المبادئ اللاحقة تسربت الى التيار السائد. ليس من قبيل الصدفة ان ثقافة الليبرالية المفرطة hyper-liberalism اشير اليها في بعض الحلقات الاكاديمية اليوم كـ "ما بعد حداثة متجسدة او مشيّأه"، اعتراف بمديونيتها لتلك الحركة. تلك التركة واضحة. المرء فقط عليه ان يلاحظ انشغالات الليبرالية المفرطة بالذاتية والتجربة الشخصية، عقيدتها الفوكية في القوى الاجتماعية اللامرئية السائدة في كل مكان، ثقتها بنظرية جوديث بتلر حول الجندر. نشطائها لديهم نفس مهام الاستهجان التي كانت موجهة لأسلافهم: الغربي، العقلاني، الهرمي، أنظمة تفكير ثنائي، تضعهم جميعهم في سياق عالم المركزية الاوربية القمعي. هنا نرى الإرث الواضح لادرنو وهوركهايمر .

احد أهم الاتهامات التي وُجهت ضد الليبرالية المفرطة هي انها غير متسامحة وغير عقلانية. هذه التهمة لا تقتصر على مصدر واحد فقط من المحافظين وانما من النسويين والليبراليين الكلاسيك ومن يسار الوسط. في أي عصر عندما لايزال البعض يخجل لمجرد ذكر العقلانية، لايزال من المناسب التذكير بالنداء الذي اطلقه هابرماس الى حوار عقلاني والاعتراف بقيمة الفهم المتبادل والحاجة له.      

***

حاتم حميد محسن

ان تقديم قراءة تفكيكية نقدية للمشهد الفلسفي المعاصر، ملتقطةً لحظة التحول الحرج من هيمنة الأنساق البنيوية الجافة إلى رحاب "الحاضرية الوجودية الشاملة". تمثل أزمة إزاحة للذات الإنسانية الفاعلة وتشييئها داخل المقولات اللسانية والنظم المغلقة، بعد استعراض نتائج إعلان "موت الإنسان" و"موت المؤلف". تطرح الحاضرية الوجودية الشاملة  بدائل أنطولوجية وتأويلية قائمة على مفاهيم محورية:

الوعي الانخراطي، التورط الجميل، تفكيك الكوجيتو المغلق، أخلاق بلا أخلاق، نظرية الكود الأول، والتكاؤن التقدمي. يهدف هذا الطرح إلى إعادة شحن البنية بالحياة والفاعلية الأنطولوجية، وتأطير الوجود الإنساني بوصفه صيرورة حرة وانخراطاً خلاقاً في حاضرٍ معيش يرزح المشهد السياسي الراهن تحت وطأة ارتهانٍ مزدوج، تتقاطع فيه الإملاءات الخارجية مع التواطؤ الداخلي لمصادرة مقدرات الشعوب وتهميش إرادتها. وفي خضم هذا الواقع المأزوم، تتشابك التحديات المتسارعة مع انسداداتٍ عدمية تفرغ السياسة من جدواها، لتُفضي إلى حالة من السيولة المطلقة؛ حيث تذوب معالم المشاريع المحلية والدولية في دوامة من العبث، وتتلاشى دون أفقٍ واضح أو مسارٍ يلوح بالخلاص، اضافة الى التسيل التام للمشاريع الدولية والمحلية دون افق واضح.

إشكالية النسق وإزاحة الذات في المشهد الفلسفي المعاصر

شكّلت النظرية البنيوية في منتصف القرن العشرين منعطفاً معرفياً بارزاً في الفكر الإنساني؛ إذ طمحت إلى تحويل العلوم الإنسانية والدراسات اللسانية والنقدية إلى ميادين علمية صارمة ذات نظام مغلق، عبر إحالة الظواهر الإنسانية والثقافية والاجتماعية إلى أنساق صلبة وقواعد تنظيمية محايثة [سوسير، 1916]. غير أن هذا المشروع المعرفي في مسار تبلوره الممتد من اللسانيات البنيوية لدى فرديناند دي سوسير إلى أطروحات رولان بارت وميشيل فوكوأفضى بالتدريج إلى إزاحة جذرية للذات الإنسانية الفاعلة، ممهداً لإعلان "موت المؤلف" [بارت، 1967] و"موت الإنسان" [فوكو، 1966] داخل المنظومة المعرفية الحديثة.

لقد تحول النص والخطاب والثقافة، بموجب هذا التوجه الشكلي، إلى بنيات قائمة بذاتها ومغلقة على آلياتها؛ حيث اغتربت الذات الإنسانية ومُحي معها التاريخ المعيش والزمان الحي لصالح علاقات تجريدية محايثة. وفي هذا الفضاء المعرفي البارد، لم يعد الإنسان هو الكائن المتكلم أو الصانع الأصيل للمعنى، بل غدت السلطة الموزعة داخل النسق، والشبكات اللغوية المعقدة، هي التي تتكلم عبر الذات وتحدد شروط وجودها ومعرفتها وقيمها [فوكو، 1969].

أدى هذا الانغلاق الشكلي للبنيوية، وما تلاه من انزياحات تفكيكية وعلاماتية سعت لمعالجة التجريد بالوقوع في السيولة المطلقة، إلى أزمة سلب عميقة للمضمون الوجودي والحيوي للإنسان. وأمام تجذر هذه الأزمة في الفكر المعاصر، يبرز المشروع الفلسفي المتمثل في أطروحة "الحاضرية الوجودية الشاملة" ليعيد صياغة المعادلة الأنطولوجية. يتيح هذا الإطار صياغة رؤية وجودية وظاهراتية متقدمة تعمل على تفكيك المركزية الصلبة للنسق البنيوي؛ لا عبر نفي البنية كلياً كأداة تحليلية إجرائية، بل عبر إعادة شحنها باللحظة الأنطولوجية الحية، وإحياء الفاعلية القصدية للذات المنخرطة في العالم. إنها محاولة لتجاوز مأزق الذات المفكرة المغلقة والنسق الميت لصالح وجود حركي يتزامن فيه المعنى مع صيرورة الحاضر المعيش.

الركائز التأسيسية

تتأسس نظرية الحاضرية الوجودية الشاملة كنموذج معرفي يدمج مباحث الوجود بالظاهراتية المتقدمة، لتقديم قراءة ديناميكية ورابطية للوجود الإنساني تكسر الثنائيات التقليدية الحادة التي استقرت في الفلسفة الغربية، مثل: الذات والموضوع، المتن والهامش، أو الداخل والخارج. يرتكز هذا البناء النظري على متلازمة ثلاثية تتشابك فيها أبعاد الوعي والماهية والغيرية:

أ. الوعي الانخراطي

لا ينفك الوعي في هذا الطرح عن كونه مجرد كيان باطني معزول أو مرآة عاكسة تتلقى صور العالم المادي بسلبية، لكن سيصبح نشاطاً إبداعياً حركياً يُكتسب ويتحقق من خلال الانخراط المستمر والمباشر في الواقع [هوسرل، 1913]. الوعي هنا ليس متفرجاً على الأحداث، بل هو فعل توجّه وقصدية متجددة تصوغ الحاضر وتتأثر به في آن واحد.

ب. الماهية كمشروع مفتوح حاضراني

ترتبط هذه الرؤية بفهم جديد للماهية؛ حيث يُرفض التصور الكلاسيكي الماهوي الذي يتعامل مع الإنسان كجوهر ثابت ومكتمل سلفاً، لتُفهم الروح والماهية بوصفهما مشروعاً وجودياً مفتوحاً يتشكل ويتجدد عبر الاختيارات الحرّة والمسؤولية الكلية في كل لحظة حاضرة [سارتر، 1943]. إن الإنسان لا يمتلك ماهية جاهزة، بل يصنعها عبر صيرورة الفعل والانخراط،عبر صيررة متزامنة بين الوجود والماهية.

ج. الغيرية التفاعلية الشبكية

لا يكتمل هذا البناء الأنطولوجي إلا بُبعد الغيرية التفاعلية؛ حيث لا يتشكل المعنى في معزل عن الآخر، ولا تتحقق الذات في عزلة منغلقة، بل تتحدد الكينونة عبر الشبكة الرابطة التي تجمع الذات بالغير والعالم في أفق كوني مشترك [ليفيناس، 1961]. الآخر ليس تهديداً للذات أو مجرد موضوع للرؤية، بل هو شريك في تأسيس المعنى والحاضر.

ينطلق من نقد صارم لـ "الكوجيتو الديكارتي" التقليدي القائم على أولوية التفكير المجرد والمستقل ("أنا أفكر، إذن أنا موجود") [ديكارت، 1637]. إن الكوجيتو الكلاسيكي أسس لوعي خالص ومجرد، مفصول عن التموضع المادي والتعلق المباشر بالواقع العيني، وهو ما يحوله في التحليل الوجودي الحاضراني إلى مجرد وهم مثالي أو ذات مغلقة تعجز عن إنتاج وجود فاعل. وبدلاً من هذا الانغلاق المعرفي، تقرر الحاضرية الوجودية الشاملة أن الوجود الفعلي الانخراطي يسبق نقاء الوعي المجرد؛ إذ إن التعلق المباشر بجدلية الواقع والموضوع هو الذي يمنح الوعي حقيقته الوجودية، ويحوله من حالة تأملية سلبية إلى قوة مبدعة تمنح المعنى للموجودات وتتحمل مسؤولية الحاضر.

الفلسفة العميقة للانخراط الوجودي في الحاضر

إذا كانت العقلانية المغلقة والبنيوية الجافة قد جردت الكائن البشري من حرارة التجربة الحية وحولته إلى نقطة تقاطع داخل شبكة علاماتية صماء، فإن الحاضرية الوجودية الشاملة تطرح مفهوم "التورط الجميل" بوصفه الركيزة الأنطولوجية والجمالية الأكثر أصالة لإعادة وصل الذات بالعالم ومقاومة التشيؤ من خلال:

أ. ماهية التورط الجميل وفلسفته

التورط الجميل ليس مجرد انفعال طارئ بالحدث، ولا هو امتثال قسري للحتميات الاجتماعية أو الفيزيائية؛ بل هو قرار وجودي واع وشجاع بتدشين الملامسة المباشرة للحاضر. تتألف هذه المقولة المركبة من دلالة مزدوجة وعميقة:

التورط: الشجاعة الوجودية في الانغماس الكامل والمسؤولية التامة عن اللحظة الراهنة، ورفض موقف التفرج المحايد أو الانسحاب التأملي من مسرح الكينونة.

الجميل: الشغف الإبداعي والحرية الاستمتاعية التي تحول العبء الوجودي والمسؤولية الثقيلة إلى فعل تخلق جمالي متجدد يمنح الحياة قيمة ومعنى.

ب. التورط الجميل في مواجهة الحياد الأكاديمي البارد

إن الفلسفات البنيوية والأنظمة الصورية الممتدة كبلت الإنسان بموقف الملاحظ المحايد الذي يكتفي بفك شفرات العلامات وتحليل الأنساق دون أن ينخرط فيها أو يتأثر بآلامها ومصائرها. يرفض "التورط الجميل" هذا الحياد الأكاديمي البارد، ويرى فيه شكلاً من أشكال الهروب الأخلاقي والأنطولوجي من الموقف الوجودي الأصيل. إن الذات عندما تتورط جميلاً في حاضرها، تجعل من جسدها ووعيها وفعلها أدوات لتوليد المعنى في اللحظة العينية دون إرجاء أو تسويف.

ج. التجلي الجمالي للحاضر

في التورط الجميل، لا يعود الزمان خطاً وهمياً يمتد بسلاسة ميكانيكية من ماض مفقود إلى مستقبل مجهول، بل يصبح "صهريجاً أنطولوجياً" تتكثف فيه الطاقات البشرية والإمكانيات الإبداعية. إن هذا الانخراط الجميل يحول الممارسات اليومية والخيارات الأخلاقية إلى أعمال فنية قائمة بذاتها؛ حيث يتطابق المفهوم النظرية مع التجربة الحية، وتتحول الحرية الإنسانية من "عبء ثقيل ومقلق" كما وصفها جان بول سارتر [سارتر، 1946] إلى طاقة انخراط بهيجة تسبغ الجمال والمعنى على الوجود الإنساني المشترك.

العدمية الوجودية عند إميل سيوران

في مسار تشريح الانسدادات المفهومية والفلسفية التي واجهت الإنسان الحديث، تبرز العدمية الوجودية الحادة التي صاغها المفكر "إميل سيوران" بوصفها التعبير الأكثر قسوة عن اغتراب الذات وفقدان الأمل في الجدوى الحضارية [سيوران، 1934، 1949]. تتجلى الكينونة عند سيوران كخطأ كوني لا علاج له، ويتحول الوجود لديه إلى مأساة مدمرة ونزيف مستمر، لا يملك الإنسان حيالها سوى نفي الفعل، والتنصل من إرادة الحياة، والتعلق بأوهام العدم والصمت.

تشريح الأصول المعرفية لعدمية سيوران

تكشف الحاضرية الوجودية الشاملة أن عدمية سيوران المطلقة ليست سوى النتيجة الحتمية لسقوط "الكوجيتو المغلق" في يأسه الخاص. تتأسس رؤية سيوران على افتراض ميتافيزيقي مضمر يطالب الكون بتقديم "معنى جاهز ومطلق ومكتمل"، فلما وجد أن الكون صامت ولا يقدم إجابات مسبقة أو ضمانات ميتافيزيقية، ارتد على الوجود بالنفي الكامل ورأى في الولادة نفسها "محنة غير مجدية" وفي الوجود عبئاً طفيلياً [سيوران، 1973].

التجاوز الحاضراني للانسداد العدمي

يجابه مشروع الحاضرية الوجودية الشاملة هذا الانسداد العدمي القاتل من خلال ثلاث آليات نقدية وتأسيسية:

المعنى ليس اكتشافاً بل خلق متجدد: إن صمت الكون وغياب المعنى المسبق ليس برهاناً على عبثية الوجود كما زعم سيوران، بل هو الشرط الأساسي والفرصة العظمى للحرية الإنسانية. إن غياب "المعنى الجاهز" يمنح الإنسان الحق والواجب في صياغة معناه الخاص وإسباغه على الواقع عبر الانخراط الفعلي والتورط الجميل.

تفكيك شلل الزمانية: ينشأ يأس سيوران من الرؤية السكونية والخطية للزمان؛ حيث يُسقط ركام الماضي وخيباته على الحاضر، فيصيب المستقبل بالشلل التام. بينما تعيد الحاضرية الوجودية الاعتبار للحاضر المعيش بوصفه نقطة انبعاث دائم؛ فكل لحظة حاضرة هي بداية جديدة غير محكومة بحتميات السلف أو إحباطات الماضي.

تحويل القلق من الشلل إلى التأسيس: بدلاً من الاستسلام للقلق الوجودي وتحويله إلى مبرر للعدمية والاستقالة من العيش والتنصل من الفعل، ترى الحاضرية الوجودية في القلق محركاً أنطولوجياً أصيلاً يدفع الذات نحو التكاؤن والالتزام الأخلاقي والجمالي بالعالم.

الكوجيتو المغلق وتفكيك النزعة الثقافوية في الفضاء الإقليمي

عند تطبيق أدوات التفكيك الخاصة بالحاضرية الوجودية الشاملة على الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في المنطقة، يظهر نموذج خاص شديد الانغلاق والخطورة يُعرف بـ "الكوجيتو المغلق".

أ. طبيعة الكوجيتو الهوياتي المغلق

هذا الكوجيتو هو ذات انكفائية تعيش في إسار الهويات المغلقة والسرديات النمطية، ممارِسةً القهر الأيديولوجي والإقصاء الطائفي أو العرقي. إنه وعي مستلب يعيش كاملاً في الماضي، ويستمد مشروعيته الوحيدة من تقديس السلف والنصوص التاريخية دون فحص نقدي أو مراجعة عقلانية، مما ينتج إنساناً مسكوناً بـ "المظلوميات التاريخية" ومحتجزاً داخل بؤرة النقاء الهوياتي المتوهم، ومقطوع الصلة عن متطلبات الحاضر المعيش.

ب. تفكيك النزعة الثقافوية والسرديات الميتافيزيقية

بالتقاطع مع نقد النزعة الثقافوية، تفكك الحاضرية الوجودية الشاملة الأطروحات الفكرية والاستشراقية التي تختزل الصراعات المادية والجيوسياسية والاجتماعية في المنطقة إلى مجرد "جواهر ثقافية" صلبة أو صراعات أزلية بين أديان وأعراق ثابته لا تتغير. إن هذا التوظيف السياسي للتاريخ وسرديات الخداع الميتافيزيقي يسهم في تعميق التبعية وإيقاف العقل النقدي وتبرير العنف البنيوي.

تطرح الحاضرية الوجودية البديل الناجع المتمثل في تحرير الذات الإقليمية من أسار الهوية المغلقة، عبر نقل التركيز من الموروث المتخيل والمقدس التاريخي إلى اللحظة الحاضرة المعيشة، وتأسيس الهوية كصيرورة إنسانية مفتوحة تتشكل وتتجدد عبر الفعل، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة الفاعلة، والتفاعل الحضاري المفتوح مع الآخر.

القلق الوجودي وتفكك البقاء: نحو مفهوم "أخلاق بلا أخلاق"

عندما تتصاعد الأزمات البنيوية العنيفة (مثل الحروب الكونية، الانهيارات البيئية المناخية، والسيطرة الخوارزمية الفائقة)، يرتفع القلق الوجودي إلى مستويات حادة تهدد شروط البقاء والديمومة البشرية. في هذه اللحظات الحرجة من تاريخ الإنسانية، تنهار المنظومات الأخلاقية المعيارية التقليدية التي بنيت على التقاليد الصارمة أو الوصايا المؤسسية الفوقية.

هنا، تقدم الحاضرية الوجودية الشاملة مفهوم "أخلاق بلا أخلاق" بوصفه أفقاً أنطولوجياً جديداً يتجاوز الامتثال الشكلي إلى الممارسة الحية:

القلق الوجودي وتفكك البقاء: نحو مفهوم "أخلاق بلا أخلاق"

عندما تتصاعد الأزمات البنيوية العنيفة (مثل الحروب، والانهيارات البيئية، والسيطرة الخوارزمية)، يرتفع القلق الوجودي إلى مستويات حادة تهدد شروط البقاء والديمومة البشريّة. وفي هذه اللحظات الحرجة، تنهار المنظومات الأخلاقية المعيارية التي بُنِيَت على التقاليد أو الوصايا المؤسسية الصارمة.

هنا، تُقدِّم الحاضرية الوجودية الشاملة مفهوم "أخلاق بلا أخلاق". فبينما تعتمد الأخلاق المعيارية التقليدية في مرجعيتها على أوامر مؤسسية وسرديات قَبْليَّة صلبة، ينطلق الأفق الوجودي الجديد من الوعي المباشر بالهشاشة البشرية والمصير المشترك. وفي حين يكون الدافع في النسق التقليدي هو الخوف من العقاب أو الامتثال المجرد، يتحول في هذا المفهوم إلى استجابة حية للقلق الوجودي بهدف صيانة الكينونة. أما على مستوى الممارسة، فبدلاً من التطبيق الآلي لقواعد جاهزة، نشهد ابتكاراً أخلاقياً لحظياً ينبثق من الانخراط الحقيقي في الحاضر.

إنَّ هذا الطرح لا يعني السقوط في الفوضى أو العدمية الأخلاقية، بل هو تسامٍ بالأخلاق من الامتثال الشكلي إلى الفاعلية الأنطولوجية الجذرية. فعندما تنهار المؤسسات، لا يعود السلوك الأخلاقي ناتجاً عن اتباع دليل إرشادي خارجي، بل يصبح نابعاً من إدراك الإنسان لذاته وللآخر، وبضرورة حماية الحياة من الفناء.

إنها أخلاق تنبثق من قلب القلق؛ أخلاق تتأسس في كل لحظة حاضرة عبر الفعل المسؤول الذي يستجيب لمعاناة الآخر الماثل أمامنا، ويجعل من التضامن البشري شرطاً أنطولوجياً للبقاء.

إن هذا الطرح الفلسفي لا يعني بحال من الأحوال السقوط في الفوضى أو العدمية الأخلاقية، بل هو تسامٍ بالأخلاق من الامتثال الشكلي الميت إلى الفاعلية الأنطولوجية الجذرية. عندما تنهار المؤسسات والمعايير القبلية، لا يعود السلوك الأخلاقي ناتجاً عن اتباع إرشادات خارجية، بل يصبح نابعاً من إدراك الوعي بذاته وبالآخر، وبضرورة حماية الحياة نفسها من الفناء والاندثار. إنها أخلاق تنبثق من قلب القلق؛ أخلاق تتأسس في كل لحظة حاضرة عبر الفعل المسؤول الذي يستجيب لمعاناة الآخر العيني، ويجعل من التضامن البشري شرطاً أنطولوجياً للبقاء والاستمرار.

نظرية "الكود الأول" وتفكيك الإقطاع الرقمي السحابي

في قراءة متقدمة للتحولات التقنية والمعلوماتية المعاصرة، تتناول الحاضرية الوجودية الشاملة الأطروحات العلمية والفيزيائية التي تصوغ الكون كشبكة معلوماتية رقمية صماء، مثل أطروحة الفيزيائي جون ويلر: "الشيء من الخانة الثنائية". [ويلر، 1989].

أ. نظرية الكود الأول والتفكيك المعرفي للكون الرقمي

تؤسس نظرية الحاضرية الوجودية لنقد جديد يُعرف بـ "نظرية الكود الأول". تنطلق هذه النظرية من تفكيك خطورة اختزال الوعي البشري العضوي والتجربة الوجودية الحية إلى مجرد "بيانات" أو "رموز رقمية" قابلة للمعالجة الخوارزمية والتنبؤ الاستهلاكي. إن الاختزال التقني للوجود يسعى لإعادة صياغة المكوّن الميتافيزيقي الأسطوري (صانع العالم أو "الديميورغ") ولكن في صورة "ذكاء اصطناعي فائق" يُفرض كمعبود تقني جديد يحدد للقيم شروطها وللإنسان معناه وحريته.

تؤكد "نظرية الكود الأول" أن اللحظة الأنطولوجية الحية للتجربة الإنسانية المباشرة هي الأسبق والأصل، وأن الرقمي والمعلوماتي هو مجرد مشتق تقني لا يستطيع استيعاب حرارة الوعي أو ألم الوجود أو إرادة الحرية. إن محاولة اختزال الإنسان في شفرة رقمية هي تجسيد للتشيؤ النهائي واغتراب الذات في أقصى صوره.

ب. تفكيك الإقطاع الرقمي ورأس المال السحابي

تتمدد الأدوات التفكيكية للنظرية لتشريح تحولات الرأسمالية المعاصرة؛ حيث ننتقل بخطى حثيثة من الرأسمالية الصناعية الكلاسيكية إلى "الإقطاع الرقمي" القائم على احتكار رأس المال السحابي والخوارزميات الفائقة.

في هذا النظام الجديد، لا يمتلك الإقطاعي الرقمي أراضٍ أو مصانع تقليدية، بل يمتلك "منصات وخوادم سحابية" تحول الفضاء الرقمي العالمي إلى إقطاعيات مجازية تستعبد انتباه البشر، وتستنزف وجودهم الحي، وتحول تجاربهم الحياتية وانفعالاتهم إلى بيانات خامة قابلة للتسليع والبيع. إن التراكم المالي المفرط لدى النخب الرقمية يتحول إلى مشروع "خلود وهمي" لصد قلق الفناء عبر حلول التقانة الفائقة، بينما يُفرض على الفئات المسحوقة عنف بنيوي رقمي يسلبها كرامتها وحقها في العيش الحر والانخراط الفعلي في العالم.

التكاؤن التقدمي والالتزام الأخلاقي: أفق الخروج وتشييد المعنى

تختتم الحاضرية الوجودية الشاملة طرحها بضبط العلاقة الجدلية بين التفكيك والتأسيس. إن الفعل الفلسفي الأصيل لا يمكن أن يستمر كـ "تفكيك أعمى" يؤدي إلى السيولة المطلقة وانهيار المعنى، كما لا يمكنه الانغلاق داخل "تأسيس وثوقي" يعيد إنتاج العقائد المغلقة والأنساق القمعية.

إن التفكيك بدون تأسيس يفقد الفكر قدرته على البناء والالتزام والمواجهة، والتأسيس بدون تفكيك يحول النظرية إلى عقيدة دوغمائية ميتة تحارب الحرية. يتجلى المخرج الفلسفي الأبرز من هذا التناقض في مفهوم "التكاؤن التقدمي".

التكاؤن: هو العملية المعرفية والعملية التي يتشكل فيها الإنسان والكون بشكل متزامن ومتبادل؛ فالذات لا تنفصل عن موضوعها، والوعي لا يتحقق إلا بالانخراط المباشر في قضايا الجماعة والعدالة الإنسانية والبيئية

الالتزام الأخلاقي في "أخلاق بلا أخلاق": يفرض التكاؤن التزاماً أخلاقياً شمولياً؛ حيث تتحول الحرية من عبء فردي عزلي إلى مسؤولية كونية حرة تهدف إلى مواجهة أشكال الاستلاب التقني والسياسي، وحماية الكينونة البشرية، وإرساء التضامن الإنساني العابر للهويات الضيقة.

التورط الجميل: الفلسفة العميقة للانخراط الوجودي في الحاضر

إذا كانت العقلانية المغلقة والبنيوية الجافة قد جردت الكائن البشري من حرارة التجربة الحية، فإن الحاضرية الوجودية الشاملة تطرح مفهوم "التورط الجميل" بوصفه الركيزة الأنطولوجية والجمالية الأكثر أصالة لإعادة وصل الذات بالعالم.

ماهية التورط الجميل

التورط الجميل ليس مجرد انفعال طارئ بالحدث، ولا هو امتثال قسري للحتميات الاجتماعية أو الفيزيائية؛ بل هو قرار وجودي واع وشجاع بتدشين الملامسة المباشرة للحاضر. إن الكلمة بحد ذاتها تحمل دلالة مزدوجة:

التورط: الانغماس الكامل والمسؤولية التامة عن اللحظة الراهنة، ورفض التفرج المحايد على مسرح الكينونة.

الجميل: الشغف الإبداعي والحرية الاستمتاعية التي تحول العبء الوجودي إلى فعل تخلق جمالي متجدد.

التورط الجميل في مواجهة الحياد البارد

إن الفلسفات البنيوية والأنظمة الصورية كبلت الإنسان بموقف الملاحظ المحايد الذي يكتفي بفك شفرات العلامات دون أن ينخرط فيها. يرفض "التورط الجميل" هذا الحياد الأكاديمي البارد، ويرى فيه شكلاً من أشكال الهروب من الموقف الوجودي. إن الذات عندما تتورط جميلاً في حاضرها، تجعل من جسدها ووعيها وفعلها أدوات لتوليد المعنى في اللحظة العينية.

التجلي الجمالي للحاضر المعيش

في التورط الجميل، لا يعود الزمان خطاً وهمياً يمتد من ماض مفقود إلى مستقبل مجهول، بل يصبح "صهريجاً أنطولوجياً" تتكثف فيه الطاقات البشريّة. إن هذا الانخراط الجميل يحول الممارسات اليومية والخيارات الأخلاقية إلى أعمال فنية قائمة بذاتها، حيث يتطابق المفهوم مع التجربة الحية، وتتحول الحرية من "عبء ثقيل" كما عند سارتر [سارتر، 1946] إلى طاقة انخراط بهيجة تسبغ المعنى على الوجود.

إن مشروع الحاضرية الوجودية الشاملة، عبر هذه الرؤية المتكاملة، يقدّم بديلاً فلسفياً عميقاً يتجاوز جمود البنيوية الميتة وعدمية التفكيك السائل والعدمية السيورانية، ليُعيد للذات الإنسانية حريتها، وللحاضر معناه الأنطولوجي، وللإنسان كرامته وانخراطه الجميل الخلاق في العالم.

***

غالب المسعودي

......................

احالات:

1. سوسير، فرديناند دي. (1916). دروس في اللسانية العامة. باريس: بايو.

2. بارت، رولان. (1967). موت المؤلف. باريس: سوي.

3. فوكو، ميشيل. (1966). الكلمات والأشياء: حفريات العلوم الإنسانية. باريس: غاليمار.

4. فوكو، ميشيل. (1969). حفريات المعرفة. باريس: غاليمار.

5. هوسرل، إدموند. (1913). أفكار خاصة بظاهراتية خريطة وفلسفة ظاهراتية. هالي.

6. سارتر، جان بول. (1943). الوجود والعدم: بحث في الظاهراتية الأنطولوجية. باريس: غاليمار.

7. سارتر، جان بول. (1946). الوجودية مذهب إنساني. باريس: ناغل.

8. ليفيناس، إيمانويل. (1961). الكلية واللانهائي: مقال في الغيرية. لاهاي: نيجوف.

9. ديكارت، رينيه. (1637). مقالة في المنهج. ليدن.

10. سيوران، إميل. (1934/1949). على قمم اليأس / المياه العكرة. باريس: غاليمار.

11. ويلر، جون. (1989). المعلومات، الفيزياء، الكم: الشيء من الخانة الثنائية. أتوك: طوكيو.

في المثقف اليوم