عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

أقلام فكرية

إشكالية الهيمنة الثقافية في عالم متغير

” حين تتحول الليبرالية من حارسة لحرية التعبير إلى رقيبة على الضمير، ومن فلسفة للتسامح إلى أداة للإقصاء الأخلاقي، فإنها لا تفقد مصداقيتها فحسب، بل تكشف عن وجه جديد للهيمنة الثقافية يرتدي قناع الفضيلة “.

” ليست ثقافة الإلغاء دفاعاً عن القيم، بل إعلاناً عن نهاية التسامح حين يتحول الاختلاف إلى جريمة، والحرية إلى امتياز مشروط “ (الكاتب).

- المقدمة:

شكلت الليبرالية الغربية، منذ عصر التنوير، أحد أهم الأسس الفكرية التي قامت عليها قيم الحداثة، وعلى رأسها حرية التعبير، والتعددية، واحترام الاختلاف. وقد مثلت هذه القيم مرجعية أخلاقية وفلسفية للنظام العالمي المعاصر، وأسهمت في ترسيخ صورة الغرب بوصفه حاملاً لمشروع إنساني كوني. غير أن التحولات الثقافية والسياسية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، ولا سيما في سياق العولمة الثقافية والرقمية وصعود أزمة سياسات الهوية، أفرزت مفارقة لافتة، إذ بدأت هذه القيم ذاتها تُوظف أحياناً في اتجاه مغاير لغاياتها الأصلية.

وفي هذا الإطار، برزت ظاهرة " ثقافة الإلغاء " بوصفها إحدى أبرز تجليات هذا التحول، حيث انتقل الخطاب من الدفاع عن التسامح إلى ممارسة أشكال جديدة من الإقصاء الأخلاقي والرمزي. ومن هنا تبرز إشكالية هذا المقال، التي تتمثل في تحليل التحولات السوسيولوجية التي تشهدها الليبرالية الغربية، واستشراف أثرها في إعادة تشكيل الخريطة الثقافية العالمية.

أولاً- من حرية التعبير إلى أمان التعبير (تحول المفهوم الليبرالي): شهدت المجتمعات الغربية تحولاً ملحوظاً في مفهوم حرية التعبير، حيث باتت الأولوية تمنح لما يُعرف " بأمان التعبير "، أي تجنب الخطابات التي قد تشعر الأفراد أو الجماعات بالتهديد أو الإقصاء. وقد برز هذا التحول بوضوح داخل الجامعات والمؤسسات الثقافية، التي تحولت من فضاءات للحوار الحر إلى بيئات تفرض معايير أخلاقية صارمة على الخطاب العام. وفي هذا السياق، يرى بعض النقاد أن حماية الحساسيات الاجتماعية، رغم مشروعيتها الأخلاقية، قد تتحول إلى آلية رقابية تقيد التفكير النقدي.

ومن منظور سوسيولوجي، يمكن تفسير هذه الظاهرة في إطار صعود أزمة سياسات الهوية، حيث أصبحت الاعتبارات المرتبطة بالجندر والعرق والثقافة مركزية في تشكيل المجال العام. ومع أن هذه التحولات أسهمت في تصحيح مظالم تاريخية، فإنها أفضت في بعض الحالات إلى ما يعرف " بالإقصاء الأخلاقي "، حيث يتم نزع الشرعية عن الآراء المخالفة بدلاً من مناقشتها، الأمر الذي يهدد التوازن بين الحرية والمسؤولية.

ثانياً- ازدواجية المعايير في السياسة الدولية: تتجلى إشكالية الليبرالية الغربية أيضاً في ممارساتها على المستوى الدولي، حيث يلاحظ وجود تفاوت في تطبيق مبادئ حرية التعبير وحقوق الإنسان تبعاً للاعتبارات الجيوسياسية. ففي الوقت الذي يتم فيه الدفاع عن هذه القيم بوصفها مبادئ كونية، تطبّق بصورة انتقائية عندما تتعارض مع المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى. وقد أدى هذا التناقض إلى تآكل المصداقية الأخلاقية للخطاب الليبرالي، وأثار انتقادات واسعة، لا سيما في دول الجنوب العالمي.

ويعكس هذا الواقع ما وصفه بعض منظري ما بعد الاستعمار " بالمعيار المزدوج "، حيث تتحول القيم الإنسانية إلى أدوات رمزية للهيمنة الناعمة. ونتيجة لذلك، أخذت الشعوب غير الغربية تنظر إلى الخطاب الليبرالي بوصفه خطاباً انتقائياً، يفتقر إلى الاتساق بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية.

ثالثاً- تسييس الجوائز الثقافية وإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية: لم يقتصر هذا التحول على المجال السياسي، بل امتد إلى الحقول الثقافية والفنية، حيث أصبحت الجوائز الأدبية والمعارض الفنية تعكس، في بعض الأحيان، توجهات إيديولوجية تتجاوز معايير الإبداع الفني. وقد أدى هذا التسييس إلى التشكيك في استقلالية المؤسسات الثقافية العالمية، وإلى تصاعد الانتقادات بشأن دورها في إعادة إنتاج الهيمنة الرمزية.

ويمكن قراءة هذه الظاهرة في ضوء " نظرية رأس المال الرمزي " عند الفرنسي بيير بورديو، التي تفترض أن الفعل الثقافي لا ينتج داخل فراغ محايد، بل داخل حقل اجتماعي تحكمه علاقات قوة غير مرئية تحدد من يمتلك الشرعية الرمزية ومن يُحرم منها. فالمؤسسات الثقافية ومن بينها دور النشر، الأكاديميات، والجوائز الدولية لا تمارس دوراً تقييمياً صرفاً قائماً على " القيمة الجمالية والفنية " فقط، بل تشارك في إعادة إنتاج البنية الهرمية نفسها التي توزع الاعتراف والشرعية داخل النظام الثقافي العالمي.

ومن هذا المنظور، تصبح الجوائز الدولية آليات معقدة لـتراكم وتوزيع رأس المال الرمزي، حيث لا يقاس " التميز والإبداع " بمعايير فنية خالصة فحسب، بل يتداخل مع معايير غير معلنة ترتبط باللغة، والموقع الجغرافي، والانتماء الثقافي، وحتى القابلية للاندماج داخل السردية الثقافية المهيمنة. وبذلك، تتحول هذه الجوائز إلى ما يشبه " بوابات اعتراف " تحدد من يُمنح حق الحضور في المركز ومن يترك على هامشه.

وتتجلى هنا دقة التحليل في فهم أن المركزية الثقافية الغربية لا تُمارَس بوصفها فعلاً مباشراً أو قسراً صريحاً، بل من خلال إنتاج معايير معرفية وجمالية تتخذ طابعاً كونياً مفترضاً، بينما هي في الواقع مشروطة تاريخياً بسياقات تشكل الحقل الثقافي الغربي. فهذه المعايير تقدم باعتبارها محايدة وموضوعية، في حين أنها تحمل ضمن بنيتها التكوينية أثراً ممتداً لمسارات تاريخية من التفوق الرمزي وإعادة إنتاجه داخل النظام الثقافي العالمي.

وفي هذا السياق، لا يقصى الإنتاج الثقافي القادم من فضاءات الجنوب عبر المنع، بل عبر إدخاله في شبكة من الشروط غير المعلنة للاعتراف، حيث يطلب منه أن يخضع لعمليات إعادة صياغة دلالية وجمالية تضمن قابليته للاندماج داخل الأفق المعياري للمركز. وبذلك، يصبح الاعتراف الثقافي مشروطاً بمدى توافق التجربة الإبداعية مع البنية الرمزية المهيمنة، لا بخصوصيتها الذاتية أو اختلافها الجذري.

وهكذا، لا تعكس الجوائز الدولية مجرد تقدير للإبداع، بل تجسد أيضاً آلية لفرز الرموز الثقافية وإعادة توزيع الاعتراف العالمي، بما يعزز استمرار تفاوتات رمزية بين المركز والأطراف، حتى في ظل خطاب العولمة الثقافية الذي يفترض المساواة والتعددية.

رابعاً- الفلسفة ضد الممارسة (مفارقة الأخلاق الليبرالية): تُدرّس الجامعات الغربية أعلام الفكر الأخلاقي الذين جعلوا من " الآخر " محوراً للإنسانية، إلا أن الممارسة الواقعية تكشف أحياناً عن تناقض بين المثال الفلسفي والتطبيق العملي. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الفلسفة الأخلاقية على الانفتاح والحوار، تشهد بعض المؤسسات الأكاديمية حالات من الإقصاء الرمزي أو " الاغتيال المعنوي " لمن يطرح تساؤلات نقدية حول قضايا حساسة.

ويمثل هذا التناقض مفارقة بنيوية داخل المشروع الليبرالي المعاصر، إذ تتجاذبه نزعتان متعارضتان الأولى نزعة إنسانية تسعى إلى حماية الكرامة الفردية، وأخرى إيديولوجية تميل إلى فرض معايير فكرية محددة. ونتيجة لذلك، يتقلص الفضاء النقدي الذي شكل تاريخياً جوهر الفكر الغربي الحديث.

ومن منظور (نقدي – سوسيولوجي)، يمكن لنا فهم هذه المفارقة باعتبارها تعبيراً عن تحول داخلي في بنية الليبرالية نفسها، من كونها مشروعاً لتحرير المجال العمومي من الإكراهات السلطوية، إلى كونها جهازاً ناعماً لإدارة الاختلاف وضبطه ضمن حدود معيارية جديدة. فبدل أن تُمارس الحرية بوصفها قدرة مفتوحة على مساءلة كل أشكال السلطة، يتم إعادة تعريفها ضمن إطار أخلاقي مؤسساتي يحدد مسبقاً ما يعتبر مقبولاً وما يعد انحرافاً عن " الإجماع القيمي ".

وهنا تتجلى آليات الهيمنة الرمزية، حيث لا يلغى الصوت المخالف بشكل مباشر، بل يفرغ من شرعيته عبر وصمه أخلاقياً أو تصنيفه كتهديد للفضاء العام، مما يؤدي إلى إنتاج شكل جديد من الانضباط الفكري غير المرئي. وبهذا المعنى، لا يعود تقلص الفضاء النقدي مجرد نتيجة ظرفية، بل مؤشراً على إعادة تشكيل بنيوية للعلاقة بين الحرية والمعرفة داخل الحداثة المتأخرة، حيث يتداخل الخطاب التحرري مع منطق الضبط الرمزي في صيغة تبدو متناقضة لكنها فاعلة في آن واحد.

خامساً- نحو تعددية ثقافية عالمية (صعود مراكز بديلة): إن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر أعادت طرح سؤال الريادة الثقافية في سياق تاريخي جديد، يتجاوز ثنائية المركز والهامش التي هيمنت طويلاً على المشهد المعرفي العالمي. فقد أسهمت العولمة الثقافية، بما رافقها من ثورة رقمية وتوسع في شبكات الاتصال، في تفكيك احتكار الغرب للإنتاج المعرفي، وفتحت المجال أمام ظهور فاعلين جدد في آسيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي. ولم يعد إنتاج المعرفة حكراً على المؤسسات الغربية، بل بات فضاءً كونياً تتقاطع فيه الرؤى والتجارب، بما يعكس انتقال العالم من مرحلة الهيمنة الثقافية الأحادية إلى مرحلة التعددية الحضارية.

ويمكن تفسير هذا التحول في ضوء نظرية الحقول الثقافية، التي تؤكد أن المعرفة ليست نتاجاً محايداً، بل تتشكل ضمن علاقات القوة والهيمنة الرمزية. وقد ساهمت التحولات الاقتصادية والجيوسياسية في إعادة توزيع رأس المال الثقافي والرمزي، الأمر الذي أتاح للمجتمعات غير الغربية إعادة إنتاج ذاتها معرفياً، والتحرر تدريجياً من المركزية الأوروبية. وفي هذا السياق، لم يعد " الهامش " مجرد متلقٍ للمعرفة، بل أصبح منتجاً لها وشريكاً في صياغة الخطاب العالمي، مما يعكس تحولاً بنيوياً في طبيعة النظام الثقافي الدولي.

كما يمكن قراءة هذه الظاهرة في إطار نظرية ما بعد الاستعمار، التي سعت إلى تفكيك أنماط الهيمنة المعرفية وإعادة الاعتبار لأصوات الجنوب العالمي. فقد دعا مفكرو هذا التيار إلى " تحرير المعرفة " من النزعة المركزية الغربية، وإلى الاعتراف بتعدد مصادر الحقيقة. وهكذا، لم يعد العالم يعيش ضمن نموذج معرفي واحد، بل ضمن فسيفساء حضارية تتكامل فيها الخبرات الإنسانية، بما يعزز من إمكانات الحوار والتفاعل الخلاق بين الثقافات.

وتعزز هذه التحولات أطروحة الانتقال من " العولمة " إلى " التعددية الكونية "، حيث لم تعد العولمة تعني فرض نموذج ثقافي مهيمن، بل أصبحت فضاءً لتفاعل النماذج الحضارية المختلفة. وقد أدى هذا التحول إلى نشوء ما يمكن تسميته " بالعولمة متعددة المراكز "، وهي مرحلة تاريخية تتسم بإعادة توزيع السلطة الرمزية والمعرفية على نطاق عالمي، بحيث تتقاسمها قوى ثقافية متنوعة مثل الصين وروسيا. وبهذا المعنى، يتراجع مفهوم " المركز " بوصفه سلطة مطلقة، ليحل محله مفهوم " الشبكة الحضارية " القائمة على التفاعل والتكافؤ.

وعلى المستوى المعرفي، أفضت هذه التحولات إلى بروز أنماط جديدة من إنتاج المعرفة، تقوم على التداخل بين التخصصات، وتستفيد من الإمكانات التي تتيحها الثورة الرقمية. فقد أتاحت المنصات الإلكترونية والجامعات العالمية المفتوحة ووسائل النشر الرقمية فضاءات بديلة للتعبير الفكري، مما أسهم في دمقرطة المعرفة وتحريرها من القيود الجغرافية والمؤسساتية. ونتيجة لذلك، أصبح المثقف في دول الجنوب قادراً على مخاطبة العالم مباشرة، دون الحاجة إلى المرور عبر الوسائط التقليدية التي كانت تهيمن عليها المراكز الغربية.

ومن الناحية الفلسفية، يعكس هذا التحول بروز نموذج جديد يمكن تسميته " بالإنسانية التعددية "، وهو نموذج يقوم على الاعتراف المتبادل بين الثقافات، ويرفض ادعاء التفوق الحضاري أو احتكار الحقيقة. ويمثل هذا الاتجاه امتداداً معاصراً لفكرة " حوار الحضارات "، حيث تصبح الاختلافات الثقافية مصدراً للإثراء المعرفي بدلاً من أن تكون سبباً للصراع أو الهيمنة. وهنا يتبلور أفق أخلاقي جديد يرسخ مبدأ العدالة المعرفية، ويعيد الاعتبار للتنوع بوصفه شرطاً للإبداع والتقدم الإنساني.

وإبداعياً، يمكن القول إن العالم يشهد تشكل " جغرافيا معرفية جديدة "، تتوزع فيها مراكز الإشعاع الثقافي بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. ولم تعد الريادة الثقافية امتيازاً جغرافياً ثابتاً، بل أصبحت نتاجاً لقدرة المجتمعات على إنتاج معرفة نقدية أصيلة قادرة على التفاعل مع القضايا الإنسانية الكبرى. وفي هذا الأفق، يتجه النظام الثقافي العالمي نحو نموذج تعددي قائم على التكامل والتفاعل، لا على الإقصاء أو الاحتكار.

وعليه، فإن الانتقال من أحادية المركز إلى تعددية الأقطاب الثقافية لا يمثل مجرد تحول جغرافي في مراكز الإنتاج المعرفي، بل يشكل إعادة صياغة عميقة لمفهوم الثقافة ذاته. إنه انتقال من ثقافة الهيمنة إلى ثقافة الحوار، ومن مركزية الصوت الواحد إلى تعددية الأصوات، ومن احتكار المعنى إلى ديمقراطية المعرفة. وبذلك تتشكل ملامح نظام ثقافي عالمي أكثر توازناً وإنسانية، يقوم على التفاعل الخلاق بين الحضارات، ويؤسس لعصر جديد تكون فيه المعرفة جسراً للتفاهم لا أداة للسيطرة.

- خلاصة القول: يتضح من التحليل السابق أن الغرب يعيش مفترق طرق تاريخياً، حيث تواجه الليبرالية المعاصرة تحدياً بنيوياً يتمثل في التوفيق بين حماية الحريات الفردية والحفاظ على فضاء مفتوح للنقاش النقدي. فقد تحولت، في بعض تجلياتها، من مظلة تحمي التعددية إلى أداة قد تفرض نمطية فكرية جديدة، الأمر الذي يهدد جوهرها الإنساني.

وهكذا ندرك في هذا السياق التحليلي - النقدي كيف تحولت الليبرالية من فلسفة تحمي التعددية إلى إيديولوجيا تقنن الإقصاء، ومن درع لحرية التعبير إلى محكمة أخلاقية تصادر الاختلاف، تنكشف مفارقة الحداثة الغربية في أبهى صورها، إذ يدان الفكر باسم الفضيلة، ويحاصر النقد باسم العدالة، وتعاد صياغة الهيمنة الثقافية ببلاغة إنسانية ناعمة. عندها لا تغدو ثقافة الإلغاء دفاعاً عن الكرامة بقدر ما تصبح إعلاناً عن زمن يحتفى فيه بالصمت بوصفه حكمة، وبالامتثال بوصفه فضيلة، وبالإقصاء بوصفه شكلاً جديداً من أشكال التسامح.

غير أن هذا المأزق لا يعني أفول المشروع الليبرالي بالمطلق، بل يفتح المجال لإعادة مراجعته وتطويره بما يضمن اتساقه مع مبادئه الأصلية. وفي الوقت ذاته، فإن استمرار هذه التناقضات قد يسهم في بروز مراكز ثقافية بديلة في الشرق والجنوب العالمي، تعيد تشكيل الخريطة الفكرية الدولية على أسس أكثر عدلاً وتوازناً.

لكننا بالمقابل نجد أن الليبرالية الغربية تجاوزت حدود شعاراتها المزخرفة عن الحرية والتعددية، لتصبح اليوم آلة إقصاء ممنهجة، تصادر الاختلاف باسم الفضيلة، وتقتل النقاش باسم العدالة. الأزمة السياسية الراهنة أظهرت أن من يخالف السردية الرسمية لا يجرم فكرياً فحسب، بل يلغى اجتماعياً ومؤسساتياً، ويصل هذا الإقصاء إلى كل شخص يجرؤ على طرح رأي مختلف، حتى لك أنت كمثال حي على هشاشة الحرية المزعومة.

ما يحدث اليوم ليس مجرد سوء تطبيق للقيم الليبرالية، بل انقلابها على ذاتها، لأن مؤسسات كانت حارسة للحقوق الإنسانية صارت أدوات لتكريس الهيمنة، والحرية التي يفترض أنها قيمة أساسية صارت امتيازاً مشروطاً. فمن يحيد عن الرواية الرسمية يحاصر، يسحب منه الدعم، ويسكت، بينما يكرم من ينسجم مع الأجندة السياسية. هذا الانقلاب يجعل من ثقافة الإلغاء سلاحاً سياسياً لا يقل خطورة عن أي قمع مباشر.

وبالتالي، فإن مستقبل الفكر والريادة الثقافية لن يحدد بعدد الجوائز أو سلطة المراكز الغربية، بل بقدرة المجتمعات على إنتاج فضاءات بديلة تحمي حرية التعبير، تعزز الاختلاف، وتعيد للمعرفة والإنسان قيمتهما الحقيقية. فالشرعية لن تقاس بالهيمنة أو القوة، بل بمدى قدرة الفكر على خدمة الإنسان وصون كرامته، بعيداً عن الإقصاء السياسي والفكري.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

لم تعد العلاقة بين الدين والسياسة في العالم المعاصر مجرد مسألة تاريخية أو خلاف ايديولوجي بين تيارات فكرية متنافسة، بل اصبحت اشكالية بنيوية تمس جوهر الدولة الحديثة وطبيعة الشرعية السياسية وحدود السلطة العامة. فالواقع السياسي في عدد كبير من المجتمعات يكشف عن استمرار حضور الدين ليس بوصفه منظومة روحية او اخلاقية فردية، بل بوصفه موردا رمزيا يستخدم في انتاج الشرعية السياسية وتوجيه المجال العام واعادة تشكيل الهوية الجماعية.

هذه الاشكالية لا يمكن فهمها من خلال ثنائية مبسطة من نوع “علمانية مقابل دين، لان هذه الثنائية تخفي تعقيدا اعمق يتعلق بكيفية تشكل الدولة نفسها، وكيفية توزيع السلطة داخل المجتمع، وكيف تعرف الحقيقة العامة: هل هي نتاج توافق بشري قابل للنقد؟ ام انها امتداد لحقيقة متعالية مفروضة على المجال السياسي؟ يصبح النقاش فلسفيا بالاساس، لا سياسيا فقط. اذ ان السؤال الجوهري ليس: هل يجب ان يكون الدين حاضرا في السياسة ام لا؟ بل: ما طبيعة المجال السياسي ذاته؟ وهل هو مجال للمعنى المطلق ام مجال للتدبير البشري النسبي؟

في الفلسفة السياسية الحديثة، خاصة منذ تشكل الدولة الحديثة في اوروبا، جرى التمييز تدريجيا بين مجالين: مجال الايمان بوصفه علاقة بين الانسان والمطلق، ومجال السياسة بوصفه تنظيما للعلاقات بين البشر داخل مجتمع تعددي. هذا التمييز لم يكن عدائيا تجاه الدين، بل كان محاولة لحماية المجالين معا من التداخل الذي يؤدي تاريخيا الى العنف او الاحتكار الرمزي للحقيقة. يمكن العودة هنا الى تقاليد العقد الاجتماعي عند توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، حيث يتم تصور الدولة بوصفها عقدا بشريا يقوم على التوافق، لا على التفويض الالهي المباشر. عند لوك خصوصا، يظهر مبدأ اساسي: الدولة لا تملك سلطة على الضمائر، لان الضمير مجال لا يخضع للاكراه. ومن هذا التصور تتشكل لاحقا الفكرة العلمانية عن حياد الدولة تجاه المعتقدات.

لكن العلمانية، في معناها الفلسفي الدقيق، ليست مجرد فصل ميكانيكي بين الدين والسياسة، بل هي اعادة تعريف لمصدر الشرعية: الشرعية لم تعد تأتي من السماء مباشرة، بل من المجتمع نفسه، عبر آليات التمثيل والتوافق والقانون. وهذا التحول هو الذي سمح بتأسيس مفهوم المواطنة بوصفها هوية سياسية تتجاوز الانقسامات الدينية.غير ان هذا التحول لم يكن سلسا ولا مكتملًا في كل السياقات التاريخية. فالعلاقة بين الدين والسياسة ظلت تعود باشكال مختلفة، خصوصا في المجتمعات التي لم تمر بنفس مسار الحداثة الاوروبية، او التي شهدت اختلالات في بناء الدولة الوطنية الحديثة. في هذه السياقات، غالبا ما يتم استدعاء الدين ليس فقط كمرجعية اخلاقية، بل كاداة لتثبيت السلطة او مقاومة الاستعمار او تعبئة الجماهير.

لكن هذا الاستدعاء، رغم سياقاته التاريخية، يحمل في داخله توترا بنيويا: كلما تم ادخال الدين في المجال السياسي بوصفه مصدرا مباشرا للشرعية، كلما تحول من فضاء مفتوح للتأويل الروحي الى اداة معيارية مغلقة تستخدم لتحديد من هو الداخل ومن هو الخارج” داخل الجماعة السياسية. تحديدا تظهر الاشكالية الفلسفية الاساسية: حين يتحول الدين الى معيار سياسي، فانه يفقد جزءا من طبيعته الرمزية التأويلية، ويتحول الى خطاب سلطوي. وفي المقابل، حين تتحول السياسة الى خطاب ديني، فانها تفقد طابعها التعددي وتتحول الى منظومة يقينيات مغلقة.

هذا التداخل لا يؤدي فقط الى ازمة في الحكم، بل الى ازمة في المعرفة السياسية نفسها. اذ يصبح من الصعب التمييز بين النقد بوصفه ممارسة عقلانية، وبين الاعتراض بوصفه خروجا على المقدس. وهنا يتم تعطيل المجال النقدي الذي يعد شرطا اساسيا لاي نظام سياسي حديث.في هذا الواقع يمكن استدعاء تصور ماكس فيبر للسلطة، حيث يميز بين ثلاثة انماط للشرعية: التقليدية، الكاريزمية، والقانونية العقلانية. الدولة الحديثة، في صورتها المثالية، تقوم على الشرعية القانونية العقلانية، اي على منظومة قواعد عامة غير مرتبطة بشخص او نص مقدس بعينه، بل مرتبطة باجراءات قابلة للفحص والمساءلة. اما ادخال الدين في السياسة بشكل مباشر، فيعيد انتاج انماط شرعية تقليدية او كاريزمية، حيث تصبح السلطة مرتبطة بالمقدس او بالشخص او بالتأويل الاحتكاري للحقيقة.

من جهة اخرى، فان الفلسفة السياسية الليبرالية الحديثة، خاصة عند جون رولز، حاولت معالجة هذه الاشكالية عبر مفهوم العقل العام. هذا المفهوم يفترض ان القرارات السياسية التي تمس الجميع يجب ان تبرر باسباب يمكن ان تكون مقبولة من جميع المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم الدينية او الفلسفية. بمعنى اخر، يتم ازاحة اللغة الدينية الخاصة من المجال التشريعي لصالح لغة مشتركة قابلة للتداول العام.لكن هذا لا يعني اقصاء الدين من الحياة العامة، بل يعني فقط انه لا يمكن ان يكون المصدر الوحيد او النهائي للتشريع السياسي في مجتمع تعددي. فالتعددية هنا ليست حالة طارئة، بل هي بنية دائمة للمجتمع الحديث، حيث تتعايش رؤى مختلفة للخير والحقيقة.عندما يتم تجاهل هذا البعد التعددي، ويفرض تصور واحد للحقيقة داخل المجال السياسي، تظهر انماط من الانقسام الحاد داخل المجتمع، حيث تتحول السياسة الى صراع هويات لا الى تنافس برامج. في هذه الحالة، لا يعود الاختلاف السياسي اختلافا مشروعا، بل يعاد تفسيره بوصفه انحرافا اخلاقيا او دينيا.

هذا التحول له اثار خطيرة على بنية الدولة. اولا، يؤدي الى اضعاف مفهوم المواطنة، لان الانتماء يصبح مرتبطا بالهوية الدينية او الطائفية بدل الانتماء القانوني. ثانيا، يؤدي الى تآكل فكرة المساواة، لان بعض الجماعات تعتبر اقرب الى الحقيقة او الشرعية من غيرها. ثالثا، يؤدي الى شلل المجال العام، لان النقاش يتحول الى تبادل للاتهامات بدل تبادل للحجج.اضافة الى ذلك، فان تسييس الدين يخلق ما يمكن تسميته بـ”الشرعية المحصنة”، اي شرعية لا يمكن نقدها دون التعرض للتكفير السياسي او الاخلاقي. هذه الحالة تقضي على احد اهم انجازات الحداثة السياسية: امكانية مساءلة السلطة دون خوف.

لكن المشكلة لا تتوقف عند السياسة فقط، بل تمتد الى الدين نفسه. اذ ان تحويل الدين الى اداة سياسية يؤدي الى تشويهه من الداخل، لانه ينقله من مجال المعنى والروح الى مجال الصراع والمصلحة. في هذه اللحظة، يفقد الدين جزءا من قدرته على تقديم معنى متجاوز للصراع اليومي، ويصبح جزءا من هذا الصراع نفسه.وهذا ما يجعل العلاقة بين الدين والسياسة علاقة توتر دائم، وليست علاقة انسجام طبيعي. فكل طرف يحاول اعادة تعريف الاخر وفق منطقه الخاص: السياسة تحاول تحويل الدين الى اداة شرعية، والدين في صورته المؤسسية يحاول توجيه السياسة نحو نموذج معين من النظام الاجتماعي. تظهر العلمانية ليس بوصفها موقفا عدائيا من الدين، بل بوصفها تقنية تنظيمية للسلطة تهدف الى منع الاحتكار الرمزي للحقيقة. انها ليست فلسفة ضد الدين، بل فلسفة ضد تحويل اي منظومة فكرية، دينية كانت او غير دينية، الى سلطة سياسية مطلقة.

غير ان العلمانية نفسها ليست نموذجا واحدا. فهناك العلمانية الفرنسية (اللائكية) التي تميل الى فصل صارم بين الدين والدولة، واحيانا الى تقليص حضور الدين في المجال العام. وهناك العلمانية الليبرالية الانجلوساكسونية التي تسمح بحضور الدين في المجال العام طالما لا يفرض على الاخرين. وهناك نماذج اخرى في العالم غير الغربي تحاول التوفيق بين المرجعيات الدينية والدولة الحديثة، لكنها غالبا تواجه تحديات في ضبط حدود السلطة والمعنى.

في الواقع العربي والافريقي خصوصا، تتعقد الاشكالية اكثر بسبب عوامل تاريخية تتعلق بتشكل الدولة الحديثة بعد الاستعمار، وضعف المؤسسات، واستمرار البنى الاجتماعية التقليدية. في هذه الحالة، يصبح الدين احيانا احد اهم مصادر الشرعية السياسية، ليس فقط بسبب الايمان، بل بسبب ضعف البدائل المؤسسية القادرة على انتاج شرعية عقلانية مستقرة.لكن هذا الاستخدام، رغم وظيفته السياسية، يخلق دائرة مغلقة: كلما زاد الاعتماد على الشرعية الدينية، ضعفت المؤسسات القانونية، وكلما ضعفت المؤسسات، زادت الحاجة الى الشرعية الدينية، مما يعمق الازمة بدل حلها.يمكن فهم العلمانية ليس كخيار ثقافي مستورد، بل كحل تنظيمي لمشكلة شرعية داخل الدولة الحديثة كيف يمكن ادارة مجتمع تعددي دون اللجوء الى احتكار الحقيقة؟ وكيف يمكن الحفاظ على وحدة الدولة دون الغاء اختلاف المجتمع؟

الاجابة لا تكمن في اقصاء الدين، بل في اعادة تحديد مجاله الدين كخبرة فردية وجماعية في المعنى والاخلاق، والسياسة كفضاء للتدبير المشترك القابل للمساءلة. هذا الفصل لا يعني القطيعة، بل يعني التمييز الضروري الذي يمنع التداخل المدمر.ان التوتر بين الدين والسياسة ليس خللا يمكن القضاء عليه نهائيا، بل هو توتر بنيوي ملازم للمجتمعات البشرية. لكن طريقة ادارة هذا التوتر هي ما يحدد شكل الدولة: دولة مفتوحة تقوم على التعدد والمساءلة، او دولة مغلقة تقوم على احتكار الحقيقة.كلما اقتربت الدولة من النموذج الاول، كلما اصبح الدين اكثر حرية في معناه الروحي، والسياسة اكثر عقلانية في ادواتها. وكلما اقتربت من النموذج الثاني، حدث العكس يتحول الدين الى اداة صراع، وتتحول السياسة الى عقيدة مغلقة، وتضيق مساحة الانسان بينهما.

***

زكريا - نمر

هي: العزلة، التمركز والمديح الذاتي

مقدمة: تمثل علل الحضارة الغربية المعاصرة وأمراض الإنسان الحديث محوراً فلسفياً عميقاً يكشف عن تناقضات التحديث الذي بدأ بثورة كاتيرزيسية جذرية. فمنذ أن أعلن ديكارت في «التأملات» أن «أنا أفكر إذن أنا موجود» ، أصبحت الذات الفردية المفكرة مركز الكون، وتحولت الفلسفة من تأمل في العالم إلى تأكيد مطلق للذات المستقلة. هذه المقاربة الكاتيرزيسية – التي نعتمدها هنا ليس كمدح بل كأداة تشخيصية نقدية – تكشف كيف أن الشك المنهجي الديكارتي، والثنائية بين العقل والجسد، والفردانية المطلقة، أنتجت حضارة تُمجد الذات على حساب الجماعة والمعنى والوجود المشترك. في هذه الدراسة، نركز على ثلاثة أمراض رئيسية أصبحت سمة الإنسان المعاصر في الحضارة الغربية: العزلة (الانفصال عن الآخر والعالم)، والتمركز حول الذات (الذي يجعل الفرد محور كل شيء)، والمديح الذاتي (النرجسية التي تحول الوجود إلى عرض مستمر للذات). هذه الأمراض ليست عرضية، بل هي نتاج منطقي للكاتيرزيسية التي فصلت الذات عن الواقع، وجعلتها مصدراً وحيداً للحقيقة. سنستعرض هذه العلل بتفصيل تاريخي ووجودي واجتماعي، مع التركيز على كيفية تحول المنهج الكاتيرزيسي من أداة تحرر معرفي إلى مصدر للاغتراب الإنساني. إن هذه المقاربة ليست رفضاً للحداثة الغربية برمتها، بل تشخيصاً جذرياً لأمراضها الداخلية التي تهدد الإنسانية جمعاء. فماهي علل الحضارة؟ وكيف يتخلص الانسان المعاصر من أمراضه؟

الجذور الكاتيرزيسية: من الشك المنهجي إلى عزلة الذات

تبدأ علل الحضارة الغربية في اللحظة الكاتيرزيسية الأولى، حين قرر ديكارت أن يشك في كل شيء – الحواس، العالم الخارجي، حتى الله – ليصل إلى يقين واحد: الذات المفكرة. هذا الشك لم يكن بريئاً؛ إنه فصل جذري بين «أنا» و«العالم» ، مما جعل الذات معزولة في برجه العاجي من الوعي. أصبح العالم مجرد امتداد مادي يُقاس ويُسيطر عليه، والآخر مجرد موضوع للشك أو الاستخدام. هذا المنهج أنتج حضارة تُمجد الفرد المستقل، لكنه دفع الإنسان إلى العزلة الوجودية. في عصر التنوير، تحول الكاتيرزيس إلى أساس للعلمانية والرأسمالية: الإنسان «المحرر» من التقاليد أصبح وحيداً أمام السوق والدولة.  كانط حاول تعديل هذا المنهج بـ«نقد العقل»، لكنه أبقى الذات مركزاً أخلاقياً مطلقاً. هيغل حاول الجمع بين الذات والتاريخ، لكن النيتشوية والوجودية اللاحقة أعادت التأكيد على «الإنسان الأعلى» الذي يخلق قيمه بنفسه. هكذا، أصبحت الكاتيرزيسية أساساً لأمراض العزلة والتمركز، حيث يرى الإنسان نفسه ككون صغير منفصل عن الكون الكبير.

العزلة: مرض الإنسان المعاصر في عالم التقنية والمدن

تُعتبر العزلة أول أمراض الإنسان المعاصر الذي أنتجته الحضارة الغربية. في المقاربة الكاتيرزيسية، العزلة ليست مجرد شعور شخصي بل بنية وجودية: الذات التي شككت في كل شيء أصبحت وحيدة أمام نفسها. في العصر الحديث، تتجلى هذه العزلة في المدن الكبرى التي تُحيط بالإنسان بملايين الأجساد لكنها تُفرغه من أي ارتباط حقيقي. التقنية – التي بدأت كأداة ديكارتية للسيطرة على الطبيعة – أصبحت اليوم شاشات وشبكات اجتماعية تجعل التواصل وهماً: الإنسان يتحدث مع «أصدقاء» افتراضيين لكنه يعيش في فراغ عاطفي. هذه العزلة اقتصادية أيضاً: الرأسمالية الكاتيرزيسية تحول الفرد إلى وحدة إنتاجية منفصلة، يتنافس وحده في سوق عمل لا يعرف الولاء. اجتماعياً، أدى تفكك الأسرة والمجتمعات التقليدية – نتيجة الثورة الصناعية والفردانية – إلى جيل يعاني من «الوحدة الوبائية»، حيث يشعر الملايين بالاغتراب رغم الاتصال الدائم. وجودياً، أصبح الإنسان المعاصر مثل «الرجل الطافي» عند ابن سينا، لكنه بدون يقين إلهي: معلق في فراغ يبحث عن معنى في ذاته المعزولة. هذه العزلة ليست عرضاً، بل علة حضارية تجعل الإنسان عرضة للقلق والاكتئاب، وتُفرغ الحضارة من روحها الجماعية.

التمركز حول الذات: الإنسان كمركز الكون

ثاني الأمراض هو التمركز حول الذات، الذي يجد جذوره المباشرة في الكاتيرزيس. ديكارت جعل «الأنا» نقطة البداية والنهاية لكل معرفة، فأصبح العالم تابعاً للذات. في الحضارة الغربية، تحول هذا إلى أيديولوجيا: الليبرالية تجعل الفرد مركز الحقوق، والرأسمالية تجعله مركز الاستهلاك، والثقافة الاستهلاكية تجعله مركز الرغبة. الإنسان المعاصر يرى العالم من خلال «أنا» فقط: العلاقات أداة لإشباع الذات، والطبيعة مورد للاستغلال، والآخر مجرد مرآة تعكس صورته. هذا التمركز يظهر في الأزمات البيئية (الإنسان يدمر الكوكب لأنه يراه امتداداً لاحتياجاته)، وفي الأزمات الاجتماعية (الفرد يرفض أي قيد جماعي يحد من حريته المطلقة). فلسفياً، أدى إلى «موت الآخر» في الفكر الحديث: من سارتر الذي رأى الآخر «جحيماً» إلى ما بعد الحداثة التي حللت كل هوية إلى ذات فردية. النتيجة حضارة أنانية تُنتج مجتمعات مفككة، حيث يصبح التعاون مستحيلاً لأن كل فرد يرى نفسه مركزاً مطلقاً. هذا المرض يُفرغ الإنسان من التعاطف والتضامن، ويحول الحياة إلى صراع دائم من أجل «الأنا».

المديح الذاتي: النرجسية كثقافة حضارية

أما المديح الذاتي (النرجسية)، فيُشكل الذروة المنطقية للكاتيرزيس. الذات التي أكدت وجودها بالتفكير أصبحت تحتاج إلى تأكيد مستمر من العالم. في عصر السوشيال ميديا – الذي هو امتداد تقني للكوجيتو  – أصبح الإنسان يعيش ليُصور نفسه ويُمدحها. الـ«لايك» والـ«فولو» هما اليقين الجديد: الذات لا تكتفي بأنها موجودة، بل تحتاج إلى أن تُعجب وتُحسد.

هذا المديح الذاتي حضاري: الثقافة الغربية تُروج لـ«السعادة الذاتية» والـ«تحقيق الذات» كغاية عليا، فأصبح الإنسان يُقيم نفسه بمعايير النجاح المادي والشهرة. النرجسية ليست مرضاً فردياً بل وباء حضاري ينتج مجتمعات سطحية، حيث يُفضل الظهور على الوجود، والصورة على الحقيقة. في الاقتصاد، يتحول المستهلك إلى «نرجسي» يشتري ليُثبت قيمته. في السياسة، يصبح الزعيم «نرجسياً» يرى الشعب امتداداً لذاته. هذا المرض يُدمر العلاقات الحقيقية، ويُفرغ الحياة من المعنى، ويجعل الإنسان أسيراً لصورته الذاتية.

التداعيات الحضارية: أزمة المعنى والانهيار الداخلي

تؤدي هذه الأمراض الثلاثة إلى أزمة حضارية شاملة: فقدان المعنى، انهيار الروابط الاجتماعية، وانتشار القلق الوجودي. الحضارة الغربية التي بنيت على الكاتيرزيس أصبحت تُنتج إنساناً معزولاً، متمركزاً، نرجسياً، يبحث عن السعادة في الاستهلاك والتقنية لكنه يجد الفراغ. هذا الانهيار الداخلي يظهر في ارتفاع معدلات الانتحار، الاكتئاب، والتطرف، وفي أزمات ديمقراطية حيث يرفض الأفراد أي سلطة جماعية. في النهاية، كشفت الكاتيرزيسية عن حدّها: الذات المطلقة لا تستطيع أن تحمل لوحدها عبء الوجود. الحضارة الغربية، رغم إنجازاتها التقنية، تعاني من علل داخلية تجعلها غير قادرة على تقديم نموذج إنساني كامل.

خاتمة

في ضوء المقاربة الكاتيرزيسية، تُشخص علل الحضارة الغربية وأمراض الإنسان المعاصر – العزلة، التمركز، والمديح الذاتي – كنتائج حتمية للمنهج الذي جعل الذات محور الكون. هذه الأمراض ليست نهاية التاريخ، بل دعوة لتجاوز الكاتيرزيس نحو رؤية أكثر توازناً تجمع بين الذات والآخر، والفرد والجماعة، والعقل والروح. إن تشخيص هذه العلل يفتح آفاقاً لإعادة بناء حضارة إنسانية تتجاوز الفردانية المطلقة، وتعيد الإنسان إلى عالمه المشترك. في عصرنا هذا، يظل السؤال الكاتيرزيسي قائماً: هل نستطيع أن نفكر خارج «الأنا»؟ الإجابة تكمن في قدرتنا على مواجهة أمراضنا بصدق، والبحث عن يقين يتجاوز الذات المعزولة نحو وجود مشترك أكثر إنسانية. فهل تعاني الحضارة الشرقية من نفس الأمراض والعلل؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في حدود المفاضلة بين نموذجين فلسفيين مغربيين

تنهض الكتابة الفلسفية في المغرب الحديث على توتر خفيّ لا يهدأ، توتر يتخلل طبقات القول والمعنى ويعيد تشكيل العلاقة بين الفكر ومصادره وبين الذات ومرجعياتها وبين التاريخ وأفقه الممكن. داخل هذا الأفق المضطرب تتجاذب العقلَ رؤيتان تتنازعان مشروعيته وحدوده ووظيفته، رؤية تراهن على النقد باعتباره أفقا للتحرر من سلط الإكراه الرمزي وأخرى تشدّ الفكر إلى مجال الأمان الائتماني حيث تتأسس العلاقة مع المعنى على مقتضيات الوفاء والمسؤولية. هنا تتكشف معالم مفاضلة دقيقة لا تقوم على مجرد اختلاف في المصطلح بل تنغرس في عمق تصور الإنسان لذاته ولموقعه في العالم.

لقد استقر في تقاليد الفلسفة أن العقل لا يُفهم إلا في سياق اشتغاله وأنه يتعين من خلال ما ينجزه من عمليات التفكيك والتركيب والنقد والتأسيس والهدم والبناء. غير أن التجربة المغربية المعاصرة أفرزت حساسية خاصة في التعامل مع هذا المفهوم حيث لم يعد العقل مجرد أداة محايدة بل صار موضوع مساءلة في ذاته ومجالا للصراع بين إمكانات متعارضة. في هذا السياق يلوح العقل النقدي باعتباره امتدادا لروح حداثية تؤمن بأن تحرير الفكر يمر عبر مساءلة المسلمات وتقويض البنيات التي تستبطن الهيمنة. يذكّرنا هذا الأفق بما قرره كانط حين جعل من النقد شرطا لإمكان المعرفة إذ لا قيمة لعقل لا يمتحن حدوده ولا يختبر مشروعيته. كما يستعيد صدى عبارة فوكو حين اعتبر النقد فنا لعدم الامتثال أي تمرينا دائما على خلخلة ما يبدو بديهيا.

غير أن هذا الأفق نفسه لا يخلو من توترات إذ قد ينزلق النقد إلى شكل من العدميّة المقنّعة حيث يغدو الهدم غاية في ذاته ويستحيل العقل إلى آلة تفكيك لا تنتج غير الفراغ. عند هذه العتبة يبرز التصور الائتماني بوصفه محاولة لإعادة توجيه العقل نحو أفق أخلاقي حيث لا ينفصل التفكير عن المسؤولية ولا ينفك القول عن مقتضيات الأمانة. إن هذا المنظور يستبطن تصورا مغايرا للإنسان لا باعتباره ذاتا مكتفية بذاتها بل كائنا منخرطا في شبكة من العلائق التي تؤسس وجوده وتحدد معناه. ويتردد هنا صدى قول الغزالي حين ربط العلم بالعمل وجعل المعرفة التي لا تثمر سلوكا نوعا من الغرور المعرفي. كما نجد امتدادا لهذا المعنى في التراث الصوفي حيث المعرفة الحقة تقترن بالتحقق فلا قيمة لعلم لا يتحول إلى حال.

بين هذين الأفقين يتشكل سؤال المفاضلة لا بوصفه اختيارا بسيطا بين بديلين جاهزين بل باعتباره امتحانا لقدرة الفكر على استيعاب تعقيد التجربة. فالعقل النقدي يحرر غير أن تحرره قد يفضي إلى نوع من التيه إن لم يُضبط بأفق قيمي. والعقل الائتماني يؤسس للمعنى غير أن تشديده على الوفاء قد ينقلب إلى محافظة تكبح إمكان التجديد. وتنشأ الحاجة هنا إلى تفكير يتجاوز منطق التقابل الحاد دون أن يسقط في التلفيق السهل.

إن ما يميز اللحظة الفلسفية المغربية المعاصرة هو هذا السعي الحثيث إلى إعادة بناء العلاقة مع التراث دون الوقوع في أسر التقديس أو القطيعة. ويستعاد في هذا السياق قول ابن رشد إن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له ليؤكد أن العقل في جوهره قدرة على الجمع بين ما يبدو متنافرا. كما يستحضر قول الشاطبي حين جعل مقاصد الشريعة قائمة على حفظ الكليات التي بها قوام الحياة في إشارة إلى أن التفكير لا ينفصل عن رعاية المصالح الإنسانية.

غير أن المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني تظل رهينة بمدى قدرتنا على إدراك أن كل نموذج يحمل في طياته إمكاناته وحدوده. فالنقد الذي لا يستند إلى أفق أخلاقي قد يتحول إلى ممارسة شكلية، والائتمان الذي لا يفسح المجال للمساءلة قد ينغلق على ذاته. لذلك يبدو أن الرهان الحقيقي لا يكمن في ترجيح أحدهما على الآخر بقدر ما يكمن في ابتكار صيغة فكرية قادرة على استيعاب توترهما الخلاق.

ويغدو السؤال عن العقل سؤالا عن الإنسان ذاته، عن قدرته على التوازن بين الحرية والمسؤولية وبين الجرأة في التفكير والوفاء للمعنى. وتتجدد الحاجة إلى كتابة فلسفية تنبض بقلق السؤال وتقاوم غواية الإجابات الجاهزة وتفتح الفكر على إمكانات لا تنتهي.

ويتخذ النظر في ثنائية العقل النقدي والعقل الائتماني في السياق المغربي المعاصر طابعا يتجاوز حدود الجدل الاصطلاحي إذ ينفتح على مساءلة أعمق تمس بنية الوعي العربي الحديث وتعيد طرح السؤال حول الكيفية التي يتحدد بها موقع الفكر بين مقتضيات التحرر وإكراهات الانتماء. فالعقل هنا لا يُستدعى باعتباره مفهوما مجردا أو أداة صورية بل بوصفه تجربة تاريخية متعينة تتشكل داخل شبكة من المرجعيات الثقافية والدينية والسياسية وتخضع لرهانات متعددة تتقاطع فيها إرادة الفهم مع إرادة التغيير.

إن استحضار نموذج العقل النقدي يفضي مباشرة إلى استعادة مشروع فكري راهن على إعادة بناء العلاقة مع التراث من داخل أفق حداثي حيث يصبح النقد أداة لتفكيك البنيات المعرفية التي ترسخت عبر قرون من التراكم وتحولت إلى أنماط جاهزة في التفكير والتأويل. هذا الأفق يجد جذوره في تقاليد فلسفية عميقة حيث ارتبط العقل منذ بداياته الإغريقية بفعل التساؤل وارتبطت قيمته بقدرته على خلخلة المألوف وكشف ما يتخفى وراء البداهة. يقول سقراط في محاورات أفلاطون إن الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تعاش، في إشارة إلى أن قيمة الوجود الإنساني تقاس بمدى انخراطه في فعل النقد.

غير أن هذا المعنى يكتسب في التجربة المغربية دلالة خاصة حيث يتداخل النقد مع سؤال الهوية ويغدو تحرير العقل رهانا على تحرير الذات من أشكال التبعية التي تسربت إلى بنيتها المعرفية. ويستعيد الفكر النقدي الحديث أطروحة أنطونيو غرامشي حول الهيمنة الثقافية حيث لا تفرض السلطة سيطرتها بالقوة المادية فحسب بل من خلال إنتاج أنماط من التفكير تجعل الخضوع يبدو طبيعيا. من هنا يصبح النقد فعلا تحرريا بامتياز، يسعى إلى كشف الآليات الخفية التي تُعيد إنتاج التقليد في صور جديدة.

على هذا الأساس، يتأسس العقل النقدي على جملة من المبادئ التي تمنحه طابعه الخاص، أولها مركزية السؤال، حيث لا يُقبل أي معطى دون إخضاعه للفحص والتمحيص. وثانيها النزوع إلى التفكيك، أي تحليل البنيات المعرفية إلى عناصرها الأولية من أجل الكشف عن شروط تشكلها. وثالثها الإيمان بإمكان التقدم، حيث ينظر إلى التاريخ باعتباره مسارا مفتوحا على إمكانات متعددة وليس مجرد تكرار لنماذج ماضية. في هذا الإطار يلتقي هذا التصور مع ما قرره هيغل حين اعتبر أن العقل يتجلى في التاريخ وأن مسار الروح يقوم على تجاوز أشكال الوعي السابقة نحو أشكال أكثر اكتمالا.

غير أن هذا التصور على ما فيه من قوة تفسيرية لا يخلو من إشكالات عميقة، إذ يثير سؤالا حرجا يتعلق بحدود النقد ذاته. فهل يمكن للعقل أن يمارس نقده دون أن يستند إلى مرجعية ما؟ وهل يمكن للتفكيك أن يستمر إلى ما لا نهاية دون أن يفضي إلى فراغ قيمي؟ تتكشف هنا إحدى المفارقات الكبرى التي تواجه المشروع النقدي حيث يجد نفسه مطالبا بتبرير أسسه دون أن يقع في تناقض مع منطقه الداخلي. يشير نيتشه إلى أن كل فلسفة تخفي وراءها إرادة قوة في إشارة إلى أن الادعاء بالحياد قد يخفي نوعا من التحيز غير المعلن.

في مقابل هذا يبرز نموذج العقل الائتماني باعتباره محاولة لإعادة تأسيس التفكير على قاعدة أخلاقية حيث لا ينفصل العقل عن القيم التي توجهه ولا يُفهم إلا في سياق علاقته بالغير وبالعالم. إن هذا التصور ينطلق من نقد جذري للعقل الأداتي الذي اختزل الإنسان في بعده الوظيفي وحول المعرفة إلى وسيلة للسيطرة بدل أن تكون سبيلا للفهم. هنا يتردد صدى نقد هيدغر للحداثة حين اعتبر أن التقنية الحديثة ليست مجرد أدوات بل نمط في الكشف يحول الكائن إلى مورد قابل للاستغلال.

ويتأسس العقل الائتماني على فكرة الأمانة حيث يُنظر إلى الإنسان باعتباره كائنا مؤتمنا على الوجود مسؤولا عن أفعاله ومعانيه. هذا المعنى يجد جذوره في التراث الإسلامي حيث ورد في القرآن الكريم أن الإنسان حمل الأمانة التي أبت السماوات والأرض أن يحملنها في إشارة إلى ثقل المسؤولية التي تلازم وجوده. كما يتجلى في قول الإمام علي إن قيمة كل امرئ ما يحسنه، حيث ترتبط قيمة الإنسان بما يقدمه من عمل يعكس وفاءه لمقتضيات الأمانة.

إن هذا التصور يعيد تعريف العقل بوصفه قوة أخلاقية قبل أن يكون أداة معرفية، حيث لا يكتفي بالفهم بل يسعى إلى تحقيق المعنى في الواقع. ويصير التفكير فعلا وجوديا يتجاوز حدود التأمل النظري لينخرط في بناء عالم أكثر عدلا وإنسانية. يقول كانط إن العقل العملي يمنح الإنسان كرامته إذ يجعله قادرا على الفعل وفق مبادئ يختارها بحرية. غير أن العقل الائتماني يذهب أبعد من ذلك حيث لا يكتفي بتأكيد الحرية بل يربطها بالمسؤولية فيصبح الفعل الأخلاقي تعبيرا عن وعي الإنسان بموقعه في شبكة العلاقات التي تحيط به.

ويتحدد الفرق بين النموذجين في طبيعة العلاقة التي يقيمانها مع العالم. فالعقل النقدي يميل إلى اتخاذ مسافة من موضوعه بحيث يسعى إلى تحليله من الخارج، بينما ينخرط العقل الائتماني في علاقة تفاعلية حيث يصبح الفهم جزءا من تجربة العيش. هذا الفرق ينعكس على طبيعة المعرفة التي ينتجها كل منهما وتميل المعرفة النقدية إلى الطابع التحليلي، بينما تتجه المعرفة الائتمانية نحو البعد التركيبي الذي يراعي تعقيد التجربة الإنسانية.

غير أن هذا التمايز لا ينبغي أن يُفهم في إطار تقابل تبسيطي، إذ يحمل كل نموذج في داخله عناصر قوة وضعف. فالعقل النقدي على ما فيه من قدرة على التحرر قد ينزلق إلى نوع من التعالي الذي يفصل الفكر عن الواقع، بينما قد يتحول العقل الائتماني إلى شكل من المحافظة إذا لم يفسح المجال للنقد. لذلك يبدو أن الرهان الحقيقي يكمن في استثمار التوتر بينهما بدل السعي إلى حسمه.

ويمكن استحضار تجربة الفكر الإسلامي الكلاسيكي حيث لم يكن هناك فصل حاد بين العقل والأخلاق، بل كان الفقيه والفيلسوف يجمع بين النظر والعمل وبين التأمل والممارسة. يقول الشافعي إن العلم ما نفع، في إشارة إلى أن المعرفة التي لا تثمر عملا تبقى ناقصة. كما يؤكد ابن عربي أن العلم الحقيقي هو ما يورث الخشية حيث ترتبط المعرفة بالتحول الداخلي للإنسان.

إن استعادة هذا الأفق لا تعني العودة إلى الماضي بل استلهام إمكاناته في بناء تصور جديد للعقل يتجاوز الاختزال الذي فرضته بعض القراءات الحديثة. في هذا الإطار يصبح التفكير في المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني مدخلا لإعادة طرح السؤال حول طبيعة الحداثة نفسها وحول الكيفية التي يمكن بها تحقيق توازن بين متطلبات التحرر ومقتضيات المعنى.

إن ما يميز هذه المفاضلة هو أنها لا تنحصر في المجال النظري بل تمتد إلى مختلف أبعاد الحياة، حيث تؤثر في طريقة فهمنا للسياسة والاقتصاد والثقافة. فالعقل النقدي يدفع نحو مساءلة البنيات القائمة، بينما يدعو العقل الائتماني إلى إعادة بنائها على أساس قيمي. وتتجلى هنا أهمية هذا النقاش بحيث لا يتعلق الأمر باختيار نموذج فكري فحسب بل بتحديد ملامح المشروع الحضاري الذي نسعى إلى بنائه.

على هذا النحو يتضح أن المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني ليست مسألة نظرية خالصة بل هي سؤال وجودي يتعلق بكيفية عيشنا للعالم وبالطريقة التي نفهم بها أنفسنا والآخرين. وتظل الحاجة قائمة إلى تفكير عميق قادر على استيعاب تعقيد هذه الإشكالية دون الوقوع في اختزال أو تبسيط ودون الارتهان إلى إجابات جاهزة تغلق باب السؤال.

ينكشف النظر في هذا الأفق عند مستوى أعمق حين يُستأنف السؤال عن إمكان تركيبٍ يتجاوز مجرد التنازع بين العقل النقدي والعقل الائتماني إذ يغدو الرهان منصبا على مساءلة الشروط التي تسمح بقيام عقل يملك قدرة التحرير دون أن يفقد حسّ المسؤولية ويؤسس للمعنى دون أن ينغلق داخل يقينيات مكتملة. ذلك أن التجربة الفكرية المغربية لم تتشكل في فراغ بل انبثقت من تماس حاد بين ميراث ثقيل وتراث متعدد الطبقات وبين صدمة حداثة حملت معها مفاهيم جديدة حول الذات والعالم فكان لا بد من إعادة بناء الجهاز المفهومي بما يتيح استيعاب هذا التعقيد.

إن استعادة الأفق النقدي في هذا السياق لا تعني تكرار النموذج الغربي في صيغته الكلاسيكية بقدر ما تفترض إعادة تأويله من داخل شروط مخصوصة. فالنقد الذي دعا إليه كانط لم يكن مجرد تقنية في التفكير بل كان مشروعا لتحديد حدود العقل، أي وضعه موضع مساءلة دائمة تمنعه من التحول إلى سلطة مطلقة. غير أن انتقال هذا المشروع إلى السياق العربي جرى في كثير من الأحيان عبر اختزال حيث تحول النقد إلى أداة لرفض التراث دون مساءلة الشروط التي أنتجته فوقع نوع من الانفصال بين الفكر ومرجعياته، وهو ما نبه إليه محمد عابد الجابري حين أكد أن القطيعة الإبستمولوجية لا تعني الانفصال عن الذات بل إعادة بنائها على أسس جديدة.

غير أن هذا الأفق نفسه اصطدم بمحدودية لا يمكن تجاهلها إذ إن تفكيك البنيات المعرفية لا يكفي لإنتاج بديل قادر على الاستمرار ما لم يُستند إلى رؤية تتجاوز التحليل إلى التأسيس. هنا يبرز دور العقل الائتماني باعتباره محاولة لتجاوز هذه المحدودية بحيث ينطلق من فرضية أن الإنسان لا يمكن أن يعيش داخل فراغ قيمي وأن كل فعل معرفي ينطوي بالضرورة على بعد أخلاقي سواء أُعلن عنه أم ظل كامنا. يشير طه عبد الرحمن إلى أن العقل إذا لم يُهذَّب بالأخلاق انقلب إلى أداة فساد في إشارة إلى أن المعرفة التي تنفصل عن القيم قد تتحول إلى قوة مدمرة.

إن هذا القول يعيد طرح السؤال حول طبيعة العلاقة بين العقل والقيم حيث لا يعود الأمر مقتصرا على تحديد وظيفة كل منهما بل يتجاوز ذلك إلى البحث في كيفية اندماجهما داخل تجربة واحدة. فالعقل النقدي يميل إلى الفصل ويسعى إلى تحليل الظواهر بمعزل عن سياقاتها القيمية بينما يتجه العقل الائتماني إلى الوصل ويُدرج المعرفة داخل أفق أخلاقي يمنحها معناها. غير أن هذا التمايز لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تعارضا مطلقا إذ يمكن للنقد أن يكون أخلاقيا كما يمكن للأخلاق أن تكون موضوعا للنقد.

ويكتسب مفهوم المسؤولية مركزية خاصة في هذا السياق إذ يشكل نقطة التقاء محتملة بين النموذجين. فالمسؤولية تفترض قدرة على الاختيار، وهو ما يقتضي وجود عقل نقدي قادر على التمييز كما تفترض التزاما بمعايير معينة وهو ما يستدعي حضورا للقيم. يقول بول ريكور إن الذات لا تُفهم إلا بوصفها قادرة على الفعل وتحمل تبعاته وتتحدد هويتها من خلال علاقتها بالآخرين. هذا المعنى ينسجم مع التصور الائتماني الذي يجعل من الأمانة أساسا للوجود الإنساني كما يفتح المجال أمام النقد بوصفه أداة لضبط هذه المسؤولية ومنعها من الانزلاق إلى أشكال من الاستبداد الرمزي.

غير أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تحويل هذا التركيب إلى ممارسة فكرية فعلية تتجاوز حدود التنظير إلى مجال التطبيق. فالتجربة التاريخية تكشف أن كثيرا من المشاريع الفكرية التي سعت إلى الجمع بين النقد والقيم انتهت إلى أحد طرفي النقيض، إما بسبب غلبة النزعة التحليلية التي تفرغ القيم من مضمونها أو نتيجة هيمنة البعد الأخلاقي الذي يكبح إمكان التساؤل. هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين النظر والعمل بحيث لا يُختزل أحدهما في الآخر.

إن استحضار التراث الإسلامي في هذا السياق يكشف عن إمكانات غنية يمكن استثمارها حيث لم يكن هناك فصل حاد بين العقل والأخلاق بل كان التفكير جزءا من تجربة وجودية شاملة. ابن تيمية ينبه إلى أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح في إشارة إلى إمكان التوافق بين المعرفة العقلية والمعطيات الدينية، وهو ما يفتح المجال أمام تصور للعقل يتجاوز الثنائية التقليدية بين النقل والعقل. كما يؤكد الشاطبي أن المقاصد تمثل روح الشريعة حيث تتجه الأحكام نحو تحقيق مصالح الناس وهو ما يربط التفكير الفقهي بأفق إنساني أوسع.

غير أن استلهام هذا التراث لا يمكن أن يتم عبر استعادته في صيغته الأصلية بل يتطلب إعادة تأويله بما يتلاءم مع شروط الحاضر. فالعالم المعاصر يطرح تحديات جديدة تتعلق بالتقنية والبيئة والعولمة، وهو ما يستدعي تطوير أدوات فكرية قادرة على التعامل مع هذه القضايا. ضمن هذا النسق يمكن للعقل النقدي أن يسهم في تحليل هذه الظواهر وكشف بنياتها بينما يوفر العقل الائتماني الإطار القيمي الذي يوجه هذا التحليل نحو غايات إنسانية.

إن من أبرز مظاهر هذا التحدي ما يتعلق بعلاقة الإنسان بالتقنية، ذلك أن المعرفة تحولت إلى قوة إنتاجية هائلة قادرة على إعادة تشكيل العالم بطرق غير مسبوقة. يقول هابرماس إن الحداثة لم تكتمل بعد في إشارة إلى أن المشروع العقلاني ما يزال مفتوحا على إمكانات متعددة غير أن هذا المشروع يواجه خطر الانزلاق نحو عقل أداتي يختزل الإنسان في بعده الوظيفي. ويبرز هنا دور العقل الائتماني في إعادة توجيه هذا المسار من خلال التأكيد على أن التقنية ينبغي أن تخضع لمعايير أخلاقية تضمن احترام الكرامة الإنسانية.

غير أن هذا الطرح لا يخلو من إشكالات إذ يثير سؤالا حول مصدر هذه المعايير وحول الكيفية التي يمكن بها الاتفاق عليها في عالم متعدد الثقافات. هنا يمكن للعقل النقدي أن يلعب دورا حاسما من خلال فتح المجال أمام حوار عقلاني يتيح بناء توافقات تقوم على الحجاج بدل الإكراه. يقول هابرماس إن الفعل التواصلي يشكل أساسا لإمكان التفاهم حيث يتم الوصول إلى الاتفاق عبر النقاش الحر. هذا المعنى ينسجم مع فكرة الأمانة حيث يفترض الحوار التزاما بالصدق واحترام الآخر.

في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني لا يمكن أن تُحسم لصالح أحدهما دون الآخر إذ يحمل كل نموذج عناصر ضرورية لبناء تصور متكامل للعقل. فالنقد يضمن الحرية والائتمان يؤسس للمعنى والجمع بينهما يتيح إمكانية قيام عقل مسؤول قادر على التفكير والفعل في آن واحد. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب جهدا فكريا مستمرا يشتغل على إعادة بناء المفاهيم وتطويرها بما يتلاءم مع التحولات الراهنة.

إن هذا الجهد لا يقتصر على المجال الأكاديمي بل يمتد إلى مختلف مستويات الحياة مما يستلزم ترجمة هذه الرؤية إلى ممارسات ملموسة في التعليم والسياسة والثقافة. فالتربية على النقد ينبغي أن تقترن بتربية على المسؤولية بحيث لا يتحول التفكير إلى مجرد لعبة ذهنية بل يصبح وسيلة لبناء إنسان قادر على الإسهام في تطوير مجتمعه. كما أن العمل السياسي يحتاج إلى عقل يجمع بين التحليل الأخلاقي والقدرة على اتخاذ القرار ولا ينفصل الفعل عن القيم التي توجهه.

إن السؤال عن العقل في السياق المغربي المعاصر يمثل مدخلا لإعادة التفكير في المشروع الحضاري برمته، ذلك أن الأمر لا يتعلق الأمر باختيار نموذج فكري فحسب بل بتحديد الكيفية التي نريد أن نعيش بها في هذا العالم. إن التحدي يكمن في بناء عقل يملك شجاعة التساؤل وعمق الالتزام، عقل لا يخشى النقد ولا يتخلى عن الأمانة، عقل يدرك أن الحرية دون مسؤولية قد تتحول إلى فوضى وأن المسؤولية دون حرية قد تنقلب إلى قيد.

وعليه فإن المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها صراعا بين نموذجين متعارضين بل بوصفها لحظة في مسار أوسع يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الفكر وشروط الوجود. هذا التوازن لا يُعطى جاهزا بل يُبنى عبر ممارسة مستمرة للنقد والتأمل وعبر انخراط فعلي في قضايا الواقع.

إن هذا المسار لا يفضي إلى حكمٍ فاصل بقدر ما ينفتح على أفقٍ رحب يظل فيه السؤال معلقا حول الكيفية التي يمكن بها تطوير هذا التركيب في المستقبل. ومع ذلك يمكن الجزم بأن الفكر الذي لا يمتلك جرأة النقد الذي قد يفقده طاقته على التجدد كما أن الفكر الذي يتنكر لمنظومة القيم يفقد دلالته ووجهته. وبين هذين القطبين يتشكل المجال الحيوي للممارسة الفلسفية حيث يغدو العقل فعلا حيا يتغذى من توتره الداخلي وينزع باستمرار إلى تجاوز حدوده الخاصة.

ويتضح أن الرهان الجوهري لا يتمثل في ترجيح كفة نموذج على آخر بل في استثمار هذا التوتر ذاته بوصفه قوة مولدة قادرة على فتح آفاق جديدة للتفكير والعمل. وهنا تتجلى قيمة الفلسفة لا باعتبارها نسقا مغلقا يقدم أجوبة نهائية بل بوصفها ممارسة تظل وفية لروح السؤال حارسة لإمكان المعنى ومجالا دائما لتجدد العقل في أفق لا ينغلق.

***

د. حمزة مولخنيف

تعد العلاقة الجدلية بين الوعي الفردي والبنية الاجتماعية للدولة واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في الفكر الفلسفي المعاصر؛ حيث يبرز التساؤل الجوهري حول ماهية المواطنة الحقيقية في مواجهة آليات الهيمنة الحديثة. إن الأطروحة التي تذهب إلى أن "المواطن الذي لا يملك وعياً نقدياً وفلسفة مواطنة حقيقية هو مجرد صبي صنعة تحت إمرة المستثمرين في رأس المال المعنوي والميتافيزيقي"، لا تعكس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل تعلن عن وقوع "جناية وجودية" كبرى. إنها عملية "اغتيال للذات" يتم فيها إفراغ الإنسان من ماهيته ككائن حر، مختار، ومسؤول، ليتحول إلى مجرد أداة طيعة، أو "صبي" في ورشة استهلاكية ضخمة تدار بسلطة الرموز والغيبيات.

من الدهشة السقراطية إلى تيه "الوجود الزائف"

يمثل الوعي النقدي حجر الزاوية الذي تُبنى عليه الذات الحرة. هذه العملية لا تبدأ من الرفض العبثي أو الفوضى الفكرية، بل تنبع من "الدهشة" الفلسفية الأولى؛ تلك الدهشة التي تفتح ثغرة في جدار المألوف والاعتياد. الوجودي الحقيقي هو من يرفض "الوجود الجاهز" الذي يُقدم له على طبق من التلقين. أما المواطن الذي يفتقر إلى هذا الوعي، فإنه يظل حبيس "الأوهام اللغوية الموروثة"، حيث تصبح قناعاته مجرد أصداء لسرديات كبرى لم يشارك في صياغة حرف واحد منها.

هنا يتم اغتيال الذات عبر استبدال صوتها الداخلي بأصوات القوى المهيمنة. يتحول المواطن إلى "صبي" في ورشة لإنتاج الوعي الزائف، ينفذ المهام الموكلة إليه، ويردد الشعارات التي تُلقى في روعه دون إدراك لغاياتها الكبرى أو مآلاتها النهائية. إنها حالة من "الغيبوبة الواعية" التي يُسلب فيها الفرد حقه في التساؤل، ليصبح مجرد رقم في معادلة القوة التي يديرها الآخرون.

تفكيك "الوعي المستعار": نقد الكوجيتو المستلب

في الفلسفة التقليدية، كان يُنظر إلى العبارة الشهيرة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" بوصفها ركيزة اليقين والوجود الإنساني. لكن القراءة التفكيكية والنقدية المعاصرة لهذه العبارة تكشف عن مأزق وجودي خطير في سياق المجتمعات التابعة؛ فالتفكير ليس دائماً فعلاً ذاتياً حراً. في واقع المواطنة المستلبة، تصبح العبارة الحقيقية هي: "أنا أُفكَّرُ بي، إذن أنا أداة".

هنا، يتم تفكيك مركزية الذات؛ فالمواطن الذي يتوقف عن مراجعة أفكاره وتفكيك مصادره يفقد جوهر وجوده السياسي. الوجود الحقيقي لا يتحقق بمجرد التفكير، بل بالقدرة على نقد "آلة التفكير" ذاتها. فالوعي الذي لا يراجع يقينياته هو وعي مستعار، والوجود الذي يقوم على التلقين هو وجود بالنيابة. عندما يتوقف المواطن عن إطلاق تساؤلاته الوجودية والسياسية (لماذا؟ وكيف؟ ولصالح من؟)، فإنه يدخل في حالة من "الموت الرمزي"، حيث يتم ملء فراغه الوجودي بإرادة "المستثمرين" في الوعي الجمعي. إن الوجود الحقيقي هو "قلق السؤال"، بينما الامتثال المطلق هو طمأنينة العدم.

استعارة "صبي الصنعة": الوجود كحرفة مستلبة

إن وصف المواطن بـ "صبي الصنعة" يحمل دلالات فلسفية واقتصادية مرعبة. في النظام الحرفي التقليدي، كان الصبي يمحو شخصيته تماماً ليذوب في شخصية "المعلم"، ويتعلم الصنعة عبر التقليد الأعمى دون أن يمتلك حق الابتكار أو فهم "السر الكلي" للعملية الإنتاجية. وبالمثل، فإن المواطن المستلب هو الذي يعيش "وجوداً بالنيابة"، يقلد الشعارات السياسية، ويتبنى المعارك التي لا تمثله، محولاً المواطنة من كينونة أخلاقية وكرامة إنسانية إلى مجرد "حرفة" أو دور وظيفي يؤديه للحصول على أمان موهوم أو مكاسب رمزية بسيطة.

في الإدارة الحديثة ونظم السيطرة المعاصرة، يتم "تسليع الإنسان"، حيث يُختزل المواطن في مجموعة مهارات تقنية أو ولاءات قطيعية تخدم النظام القائم، بدلاً من كونه "ذاتاً فاعلة" تساهم في صياغة الغايات الكبرى للمجتمع. هذا التشيؤ يسلب الإنسان "فرادة كينونته" ويحوله من "سيد لمصيره" إلى "ترس" في آلة ضخمة لا يملك السيطرة على حركتها ولا يعرف أين تتجه به. المواطن "الصبي" هو الذي يقبل بأن يكون "مورداً بشرياً" يُستهلك، بدلاً من أن يكون "قيمة إنسانية" تُحترم.

سدنة الميتافيزيقيا والاستثمار في "العدم"

يعد مفهوم "رأس المال الميتافيزيقي" الأداة الأكثر فتكاً في عملية اغتيال الذات. إذا كان رأس المال المادي يتمثل في العقارات والمصانع، فإن رأس المال الميتافيزيقي يتمثل في رصيد قداسة رموز السرديات التاريخية، والوعود الغيبية التي تحتكرها السلطة أو القوى الاجتماعية المهيمنة. المستثمرون في هذا المجال لا يبيعون سلعاً ملموسة، بل يبيعون "أوهاماً مقدسة" ويتاجرون بخوف الإنسان الوجودي من الفناء أو التهميش.

إنهم يديرون ما يمكن تسميته "اقتصاديات المقدس"، حيث يتم استبدال الحقوق المادية والكرامة الواقعية بوعود معنوية غيبية. تصبح "التعويذة السياسية" أو "الشعار " وسيلة لاستهلاك الطاقة الوجودية للمواطنين؛ حيث يُطلب من هؤلاء "الصبيان" التضحية بحاضرهم الملموس، ومعاناتهم الحقيقية، وحرياتهم الأساسية، من أجل مستقبل موهوم ترسمه مخيلة المستثمر الذي يجلس في برجه العاجي. هنا تظهر "المادية المتلبسة بالروحانية" كأقصى درجات الاغتراب؛ حيث يُقنع المواطن بأن فقره أو استلابه هو "قدر روحي" أو "اختبار إلهي"، مما يمنعه من رؤية آليات الاستغلال الحقيقية الكامنة في علاقات السلطة والإنتاج.

الرأسمالية كدين والممارسات الطقسية لـ "صبيان الصنعة"

إن الرأسمالية في صورتها المتوحشة لم تعد مجرد نظام اقتصادي، بل تحولت إلى "ظاهرة دينية عبادية" لا تمتلك لاهوتاً واضحاً، بل تعتمد كلياً على ممارسة "الطقس" المتمثل في الاستهلاك والتبادل والانقياد. في هذه الورشة الكبرى، يتحول "المستثمرون" إلى كهنة جدد، ويتحول "صبيان الصنعة" إلى مريدين يطاردون سراب الازدهار الذي يبتعد كلما اقتربوا منه.

يتم تسييس الرموز والحروب الرمزية لشرعنة مواقف المستثمرين، وإقصاء الخصوم عبر ثنائيات حدية مدمرة، هذا التسييس يفرغ الصراعات الحقيقية على الموارد والحقوق من مضمونها النقدي، ويحولها إلى "حروب هوية" تشتعل في وعي المواطن الصبي، بينما يجني المستثمرون ثمار هذا الحريق من أرصدة القوة والمال. إن غياب الفلسفة النقدية يجعل من المواطن وقوداً لهذه الحروب الرمزية، دون أن يدرك أنه يقاتل دفاعاً عن السلاسل التي تكبله.

استعادة الذات: نحو ثورة وجودية ومواطنة نقدية

إن الخروج من حالة "صبي الصنعة" لا يتحقق عبر تغييرات قانونية سطحية فحسب، بل يتطلب "ثورة وعي" شاملة تعيد للذات الإنسانية مركزيتها وقدرتها على الفعل. هذا التحول يبدأ برفض "الوجود المستعار" وشجاعة السؤال عن الجدوى والمعنى. الوعي النقدي هو الفعل التحرري الذي يكسر طوق "الاستلاب الميتافيزيقي"؛ حيث يبدأ الفرد في إدراك أن كرامته ليست منحة من "سادن الرموز" بل هي حق أصيل نابع من وجوده الحر.

بناء "رأس المال الاجتماعي" القائم على العلاقات الأفقية والثقة المتبادلة بين المواطنين هو البديل الحقيقي لرؤوس الأموال الميتافيزيقية التي تفرضها السلطة من أعلى. عندما يتحول الأفراد من "صبيان" متفرقين في ورشات الهيمنة إلى مواطنين فاعلين في مؤسسات المجتمع المدني، فإنهم يخلقون "فضاءً عمومياً" يحميهم من الاغتراب، ويمنحهم القدرة على التفاوض مع "المستثمرين" في السلطة والمال من موقع الند للند.

المواطنة الحقيقية هي ممارسة يومية للحرية في "الشأن العام"، وهي اعتراف بأن "الإنسان هو صاحب السيادة" على نفسه وعلى مصير وطنه. إن الاستثمار الحقيقي الذي يجب أن تسعى إليه المجتمعات التي تنشد النهضة هو الاستثمار في "العقل النقدي" وتعميق الرؤية الوجودية للكرامة. فالعقل الحر هو الثروة الوحيدة التي لا يمكن للمستثمرين الميتافيزيقيين أو سدنة الأيديولوجيات مصادرتها أو التلاعب بها.

اخيرا، يظهر الوعي النقدي كفعل تحرري يكسر طوق التبعية. إن المواطن الذي يدرك آليات استغلال "رأس المال المعنوي" هو وحده القادر على الانتقال من مرتبة "الصبي" الذي ينفذ الأوامر تحت وطأة الشعور بالذنب أو الولاء المزيف، إلى مرتبة "المواطن السيد" الذي يرفض أن يُغتال وعيه، ويصر على أن يكون هو الكاتب الوحيد لسيرة وجوده، والفاعل الحقيقي في بناء مستقبل وطنه القائم على قيم الحرية والعدل والكرامة الإنسانية الخالصة.

***

غالب المسعودي

شهد القرن الماضي نقاشا كونيا مميزا حول أصل الكون. رؤيتان اساسيتان استحوذتا على عقول وقلوب المحترفين والهواة على حد سواء: وهما نظرية الانفجار العظيم Big Bang Theory ونظرية الحالة المستقرة Steady State Theory. النظرية الأولى، وهي المهيمنة حاليا، ترى ان العالم بدأ في لحظة واحدة بانفجار هائل للمادة والفضاء، اما النظرية الثانية ترى ان العالم ليس له بداية في الزمن، وانه كان ولايزال دائما موجود. من المثير ان هناك نقاشا فلسفيا موازيا لنظريتي الانفجار العظيم والحالة المستقرة حدث في القرون الوسطى بين القديس بونافنتورا Bonaventure والقديس توما الاكويني. كلا القديسين كانا مؤيدين للإنفجار العظيم كونهما اقتنعا بصحة السطر الأول من سفر التكوين "في البداية، الله خلق السماوات والأرض". مع ذلك، كرّس توما الاكويني كل رسالته في أبدية العالم (De Aeternitate Mundi) للتأكيد على ان بداية العالم لا يمكن إثباتها منطقيا، وان الوحي وحده يجبرنا للاعتقاد ان العالم لم يكن دائم الوجود.

بالمقابل يؤكد بونافنتورا ان بداية العالم يمكن اثباتها منطقيا طالما ان النظرة المضادة – العالم كان موجودا دائما – يمكن اثبات انها سخيفة. هذا المقال يجادل ان بونافنتورا كان صحيحا، وان بداية العالم يمكن إثباتها، وان موقف توما الاكويني يفشل بفعل منطقه الخاص . ولكن في البداية، من الضروري توضيح ماذا كان يقصد كلا المفكرين بـ "العالم". بونافنتورا،مثلا، يعرّف العالم كشيء "وُجد بعد ان كان لاشيء"(اقتباسات بيتر لومبارد،الكتاب الأول،مقالة 1، سؤال 2، مقطع 6). وهكذا، هو يستبعد سلفا إمكانية ان يكون العالم وُجد دائما. ما تجدر ملاحظته، هو انه وصف العالم كشيء متطابق مع الكائن المخلوق. وكذلك، يحدد توما الاكويني الخلق كـ "انبثاق لكل الوجود"(الخلاصة اللاهوتية) ويستمر:

"لذا، اذا ما اخذنا بالاعتبار انبثاق الوجود الكوني برمته، فمن المستحيل افتراض وجود أي شيء مسبقا لهذا الانبثاق. اللاشيء هو نفسه العدم. لهذا .. فان الخلق الذي هو انبثاق لكل الوجود، يفترض سلفا اللاوجود الذي هو عدم"(المصدر السابق).

لو قبلنا بفكرة بونافنتورا وتوما الاكويني لخلق العالم كخلق للوجود، يتبع ذلك ان "الوجود" يمكن ان يُنسب لأي او لكل الأشياء. بكلمة أخرى، "شيئية" الأشياء، بما فيها الأشياء التي لا توجد حقا، تجعلها موجودات. فمثلا، وحيد القرن الخرافي لايوجد حقيقة، لكنه كائن لايزال موجودا طالما هو شيء قادر على الوجود. بونافنتورا وتوما الاكويني يشتقان هذه الفكرة للوجود من ارسطو، الذي يقول ان الوجود يشمل كل ما هو موجود"في واقع تام" او "محتمل"(الميتافيزيقا V.7.1017a.35 ) أي، الوجود هو مجمل ما هو كائن وما يمكن ان يكون. اللاوجود، بدوره، يجب ان يشتمل على كل ما ليس او لا يمكن ان يكون، وبهذا، يشير توما الى اللاوجود no being، في المقطع أعلاه، كـ "لا وجود" او "لاشيء".

لكن الفرق بين ما يمكن وما لا يمكن هو بلا معنى الاّ عندما يُنظر اليه في ضوء قوانين التفكير – والتي يشير لها توما في نقاشه للبديهية الذاتية بـ "المبادئ الأولى للإثبات": "الاقتراح هو واضح بذاته لأن المقدمة متضمنة في جوهر الموضوع: مثل الانسان حيوان لأن الحيوان موجود في جوهر الانسان. لذلك، اذا كان جوهر المقدمة والموضوع معروفين للكل، فان الافتراضات ستكون واضحة بذاتها للكل، لأن هذا واضح وفق المبادئ الأولى للإثبات، في عباراتها أفكار شائعة و محددة لا يجهلها احد، مثل الوجود واللاوجود، الكل والجزء، وما شابه".(الخلاصة اللاهوتية 1a.2.1)

الفلاسفة المعاصرون يضعون ضمن المبادئ الأولى قانون الهوية وقانون عدم التناقض والوسط المستبعد، يرى توما الاكويني ان هذه القوانين يجب افتراضها سلفا لكي يتقدم الإثبات العقلاني – وبونافتورا بلا شك يتفق في ذلك . هي "مبادئ أولى" لأنها يتم اللجوء اليها في جميع الافتراضات ذات المعنى. فمثلا، لا يكون لتأكيد "ان سقراط فان" معنى الاّ اذا كان مصحوبا بنفي متزامن لـ "سقراط ليس فانيا". كذلك، فقط بالإشارة الى هذه المبادئ الأولى ان الوجود يمكن وصفه، كما يصفه توما كوظيفة للامكانية. فمثلا، حجر واع غير ممكن، ولهذا،لا يمكن ان يكون. انه تناقض في العبارات: الحجر حسب التعريف شيء غير واع – والذي يعني ان الحجر الواعي سيكون "شيء واع، غير واع". حقيقة ان تعريفه متناقض ذاتيا، المقدمة تُعلن وتُنكر في وقت واحد، يجعل الحجر الواعي غير موجود في مكان غير مكتشف؟ ماذا لو هبط مسبار فضائي يوما ما على كوكب بعيد وكان هناك حجر يصرخ في ألم؟ الجواب هو انه في اللحظة التي تسجل بها "الصخرة" إحساسا، تكون توقفت عن ان تكون غير واعية، حسب التعريف، انها توقفت ان تكون حجرة. وبهذا، فان التناقض، لا يمكن التوفيق فيه ابدا.

طبقا للمبدأ الأول، أي شيء لايمكن ان يكون منطقيا، واي شيء لا يمكن تصوره أصلا، لا يمكن ان يكون واقعيا. هذا الربط للامكانية المنطقية والوجود الحقيقي يرسم افق العالم المفهوم على عيوننا. المقدمات المتناقضة لا يمكن ان تتأكد وتُنفى في وقت واحد، حتى عندما يرفض الذهن العقلاني التناقض، كذلك الاستمرارية العقلانية للوجود ترفضه ايضا. من الواضح، هذا ما يعتقد به توما عندما يقول ان "كل شيء قابل للمعرفة بقدر ما يكون له وجود"وان "الوجود لا يمكن فهمه الاّ لأن الوجود مفهوم"(الخلاصة اللاهوتية 1a.16.3).

كل ما لا يمكن تصوره، وكل ما ينتهك المبدأ الأول، لا يمكن ان يكون.

الله، الأبدية، واللانهائية

عندما يجادل توما الاكويني ان سؤال بداية العالم هو مسألة ايمان، "ليس إثبات او علم"، تبريره هو ان العالم ربما بعمر الله، طالما ان الخلق لم يكن فعل الحركة: "نحن يجب ان نعتبر ان السبب الفعال الذي يعمل بواسطة الحركة يسبق تأثيره في الزمن ... لكن اذا كان الفعل فوريا وغير متتاليا، فليس من الضروري للصانع ان يكون أسبق زمنيا من الشيء المصنوع، كما يبدو في حالة الإضاءة. وعليه لا يتبع بالضرورة انه اذا كان الله السبب الفعال للعالم، هو يجب ان يكون سابقا للعالم في المدة لأن الخلق،الذي بواسطته انتج العالم، ليس تغييرا متعاقبا"(الخلاصة اللاهوتية 1a.46.2).

 يرى توما انه يمكن تصور ان العالم تعايش مع الله منذ الأزل حيث ان وجوده بحد ذاته يستدعي وجود العالم المخلوق – بنفس الطريقة التي ينتج فيها وجود الضوء نورا فوريا. من المفارقة، ان توما لا يريد ان ينسب الخلود الى العالم لأن هذه صفة من صفات الله وحده. وعلى خطى بوثيوس، يؤمن توما بالأبدية كـ "امتلاك كلي وتام متزامن للحياة الأبدية " (الخلاصة اللاهوتية 1a.10.1). هكذا، الأبدية، كما وُصفت يمكن ان تُنسب فقط الى شيء ليس فيه تغيير ولا تعاقب، "لا قبل ولا بعد". لكن في العالم، من الواضح هناك "قبل وبعد"(نفس المصدر السابق). وعليه، فان العالم لا يمكن ان يكون أبديا. مع ذلك يجب ان نتذكر ان جدال توما ليس أبدية ممكنة للعالم والتي هو ينكرها (الخلاصة اللاهوتية (1a.10.3 وانما وجوده الممكن من الأبدية، وهو ما يقبله او بالأحرى يقبله كإمكانية عقلانية، وان كانت يجب رفضها بناءً على اول جملة في سفر التكوين.

اذن هنا يختلف توما الاكويني عن بونافتورا: مع انهما كلاهما ينكران إمكانية وجود العالم من الأبدية على أساس الوحي، بونافتورا ينكر أيضا الإمكانية على أساس العقل. يرى بونافتورا ان الاقتراح بان الكون وجد دائما، هو سخيف منطقيا. لأنه اذا كان العالم يفتقر للبداية، فان مدته يجب ان تكون بحكم الواقع لانهائية (اقتباسات بيتر لومبارد، d.1,p.1.a.1,q.2f.1). وفي مواجهة احتمال استمرار العالم الى ما لانهاية، يصوغ بونافتورا حججه الرئيسية الثلاث:

1- طبقا لبونافتورا: "من المستحيل الإضافة الى اللامتناهي". المدة اللامتناهية للعالم تعني عدد لا نهائي من دورات الشمس والقمر، وكل يوم جديد او شهر سيضيف دورة أخرى (نفس المصدر).

2- طبقا لبونافتورا: "من المستحيل ترتيب العدد اللامتناهي". الماضي اللامتناهي يعني لا وجود لدورة أولى، واذا لا توجد دورة أولى، عندئذ لا وجود لدورة ثانية، واذا لا توجد دورة ثانية فلا وجود لدورة ثالثة وهكذا. لانزال، في الحاضر، نلاحظ سلسلة مرتبة من الأيام والأشهر (المصدر السابق.مقطع 2).

3- طبقا لبونافتورا: "من المستحيل اجتياز ما هو لا نهائي".

نفس الشيء، الماضي اللامتناهي سيعني عدد لا متناهي من الدورات تأتي وتذهب قبل ان نصل الى الدورة الحاضرة. مع ذلك، نحن وصلنا الى الدورة الحالية، اليوم الحاضر والشهر(نفس المصدر مقطع 3).

يعالج توما الاكويني السؤالين الاولين من هذه الأسئلة في كتابه (خلاصة ضد الوثنيين) Summa contra Gentiles. طبقا لبونافتورا ان السلسلة اللامتناهية لا يمكن ترتيبها لأنها تفتقر لفترة أولى – مثلا، دورة أولى – يرد توما الاكويني بان هذه صعوبة فقط اذا نُظر الى ان اللانهائية توجد في وقت واحد، لكنها لا توجد في وقت واحد وانما بشكل تعاقبي. وبهذا الفهم، يزعم توما، "أي لا نهائي هو متناهي". أي، كل دورة قمرية متتالية تتطلب فقط استكمال الدورة السابقة لكي تأتي الى الوجود. الدورة الجديدة لا تعتمد على وجود دورة أولية، وانما فقط على الدورة السابقة. الدورة الأولية ستكون مطلوبة "لترتيب" السلسلة اللانهائية فقط عندما يوجد اجمالي الدورات بشكل متزامن (خلاصة ضد الوثنيين 2.38).

يرد توما الاكويني على حجة بونافتورا في ان اللانهائية لايمكن الإضافة لها بالقول "لاشيء هناك يمنع إضافة الى عدد لا متناهي لأن ذلك لا يغير جوهر او حجم اللانهائية". أي، ان مدة لانهائية العالم تنطوي على ماض لا نهائي، والماضي اللانهائي يتضمن لا نهائية فقط في اتجاه واحد وليس في كلاهما. ومتى ما أضيفت،على سبيل المثال، دورات جديدة للقمر الى عمر العالم، فهي تُضاف الى جانب متناهي، الى جانب ينتهي في اللحظة الحاضرة، حاضر تجربتنا (المصدر السابق).

جواب توما الاكويني للمعارضة الثالثة التي أثارها بونافتورا، في ان اللامتناهي لا يمكن تجاوزه، وُجد في الخلاصة اللاهوتية. هو يزعم ان "ممرا" "يُفهم دائما كوجود من فترة الى أخرى. مهما كان اليوم الماضي الذي نختاره،فان الفترة من ذلك اليوم لليوم الحالي محدودة ، هناك عدد محدود من الأيام يمكن اجتيازها" (الخلاصة اللاهوتية 1a.46.1). مرة أخرى، فان اللامتناهي جُعل متناهيا. جواب توما هنا هو في الجوهر ملخص لردوده على المعارضتين السابقتين، انه يتضمن رفضا قاطعا للنظر في مفهوم المدة اللانهائية برمتها. توما الاكويني رفض فكرة بونافتورا. ما اذا كان هذا الرفض مبرر منطقيا ام فقط استراتيجيا هذا ما سنراه الان.

اللانهائية وقانون عدم التناقض

افرض، لغرض الجدال، ان العالم لم تكن له بداية، وانه وُجد دائما. بالضرورة، سيكون عمر العالم لانهائيا، أي، ان عمره المقاس بوحدة محددة سواء دقيقة او ساعة او سنة او الف سنة، لا يمكن الوصول فيه الى اجمالي . بالنسبة لبونافتورا، هذا يشكل دليلا كافيا للحقيقة: الاقتراح بان عمر العالم مقسم الى وحدات محددة، لا يمكن ابدا ان يشكل الكل، أراه سخيفا. سخافة الاقتراح هي ما ترتكز عليه حجته بان اللانهائية لا يمكن الإضافة اليها، او ترتيبها او تجاوزها – ولذلك، لا يمكن ان تُنسب الى العالم. براعة توما تجاه حجج بونافتورا الثلاث هي ،بالنتيجة، تقليص اللانهائية الى حجمها الحقيقي، الإصرار باننا نعيد تصورها في أقسام متناهية ونتعامل مع الأقسام ذاتها كوحدات منفصلة. لكن بعمل كهذا، هل غيّرنا مفهوم اللانهائية؟

التبرير الذي يعتمد عليه توما هو ان الزمن لا يوجد كله دفعة واحدة وانما بشكل تعاقبي، ولهذا فان اللانهائية لا يمكن ابدا ان تتحقق في وقت واحد، لا يمكن ان يكون كل شيء هنا في ان واحد. لا زلنا، العالم له عمر – مهما كانت المدة وأيضا له عمر طالما ان العمر هو مجرد مجموع ما تُقسم عليه أي وحدات للمدة. هنا يكمن العيب في منطق توما الاكويني: في رفضه للتعامل مع مدة العالم ككل لانهائي، توما ينكر ان للعالم عمر يمكن التعبير عنه بشكل عقلاني.

السبب في انه لا يمكن اعتبار اللانهائية مقياسا كميا هو انها جمع عددي، وهي سلسلة افتراضية من القيم المتزايدة باستمرار. انها ليست مقدار منفرد ـ عدد كبير جدا، X، وانما سلسلة لامتناهية من أعداد كبيرة جدا: X,X+1,X+2,X+3 وهكذا. لكي تزعم في لانهائية الشيء كقياس كمي، هو ان تنسب له قيم X و X +1 بشكل متزامن. لكن X+1 هي أيضا حسب التعريف، ليست X-. لذلك، فان افتراض اللانهائية يصبح افتراض X و ليست X - في وقت واحد – والذي، لو تذكّرنا المبادئ الأولى، ينتهك قانون عدم التناقض. لكن ذلك لا يتم الاّ على أساس الحصانة المطلقة لهذا القانون وحيث يستطيع توما استعمال معيار الإمكانية لتمييز الوجود من اللاوجود: والذي هو ممكن مفاهيميا. توما ذاته يؤكد ان الله، "مع انه يمتلك قوة لا نهائية، لا يستطيع جعل الشيء غير مصنوع لأن هذا سيعني ان اثنين من المتناقضات صحيحان في نفس الوقت"(الخلاصة اللاهوتية 1a.7.2).

مرة أخرى، ذلك الذي صُنع لا يمكن ان يكون لم يُصنع في نفس الوقت. ما هو واع لا يمكن في نفس الوقت ان يكون ليس واع. ما هو X لا يمكن في نفس الوقت ان يكون X-. وكما يلاحظ توما، "التأكيد والإنكار لا يمكن ان يكونا صحيحين في نفس الوقت .. حتى الله لا يستطيع عمل هذا الشيء لأنه لا شيء" (حول ابدية العالم 2). واللاشيء هو نفسه العدم.

لكي نوضح هذه الفكرة بطريقة مألوفة اكثر، انظر انه من المستحيل لشخص واحد ان يكون بعمرين في نفس الوقت. حتى لو تقدم بالسن هو لا يمكنه ابدا ان يكون بعمر 32 سنة و 33 سنة بنفس الوقت وهو ما سيؤكد وينفي نفس المقدمة، وبذلك ينتهك قانون عدم التناقض. طالما ان الجمع العددي للانهائية، X و ليس X-، لا يمكن ان تُنسب الى شيء حقيقي، سيكون، كما رأينا تناقضا. تجدر ملاحظة ان توما ذاته يستبعد إمكانية حجم لا متناهي (الخلاصة اللاهوتية 1a.7.3) او عدد لا متناهي (الخلاصة اللاهوتية 1a.7.4) في وجود حقيقي في لحظة معينة، مع ان لا متناهي محتمل هو ممكن. فمثلا، الخط ممكن ان يقسم الى عدد لا متناهي من المرات، قد يتم تقسيم خط ما الى عدد لا نهائي من المرات، ولكن في أي نقطة لن يصل العدد الفعلي للتقسيمات الى ما لانهاية. ونفس الشيء قد يتم تمديد خط الى مسافة لامتناهية، ولكن في أي نقطة لن يصل الحجم الفعلي للتمدد الى ما لانهاية. ونفس الشيء، زمن المستقبل ربما يُعتقد كـ لانهائي محتمل. نحن قد نعتقد أيضا في زمن المستقبل اما كنوع من حجم محتمل (ممتد خلال وحدات زمنية وليست مكانية) او عدد لا متناهي (يُعد في وحدات متتالية وليست متزامنة).

دورات القمر مثلا، يمكن اضافتها واحدة تلو الأخرى الى ما لانهاية ولكن ليس في أي وقت في المستقبل، بصرف النظر عن مدى بُعدها، لن يصل العدد الفعلي للدورات الى ما لانهاية. لكن كيف نرد على زعم توما في ان زمن الماضي لا يجب النظر اليه كوجود متزامن لهذه الوحدات (خلاصة ضد الوثنيين 2.38)؟ الجواب هو ان تجزئة زمن الماضي يجبرنا للنظر اليه كوجود متزامن – تراكم للوحدات. تلك هي طبيعة الحساب. ان حساب المجموع يفترض دائما وجود وحدات في آن واحد. سواء كانت الوحدات زمنية (ساعات، الاف السنين) او مادية (كرات زجاجية،بطيخ، أقمار)، الفعل الذهني لإضافتها مجتمعة لغرض القياس يفترض سلفا ان الوحدات تتراكم بدلا من ان تستبدل بعضها. لذلك فان زمن الماضي يجب ان يُقاس كوجود متزامن – سواء كان امتداد زمن الماضي رجوعا الى نقطة معروفة جيدا، لنقل، آخر مرة فاز بها فريق نيويورك جيتس ببطولة السوبر بول، او ان الزمن الماضي يشمل كامل مدة العالم. واذا كنا نعارض هذا، لأن في الحالة الأخيرة، هذه المدة لايمكن "شمولها"، عندئذ نحن تُركنا مع لا نهائية حقيقية تنتهك قانون عدم التناقض. هذه المدة لا يمكن ان تكون.

المدة لا يمكن ان تكون لا نهائية اذا كانت تتألف من سلسلة من الوحدات المحددة. نفس المنطق الذي بواسطته يستبعد توما الاكويني الحجم اللانهائي والعدد اللامتناهي يمكن استخدامه لإستبعاد المدة اللانهائية. لذلك فان بداية العالم في الزمن يمكن إثباتها كما يدّعي بونافتورا ، وليس كمسألة ايمان.

***

حاتم عبد الحميد

............................

المصدر:

Did the world have a Brginning? Philosophy Now Jan/Feb 2004

يبدو أن سؤال التراث في الكتابة الفلسفية المغربية الحديثة قد خرج منذ زمن عن دائرة التداول السطحي الذي يكتفي برفع شعارات الهوية أو القطيعة ليدخل مجالا أكثر التباسا وتعقيدا حيث تتقاطع رهانات المعرفة مع هواجس الوجود التاريخي ويتداخل فيه سؤال العقل مع سؤال الانتماء في لحظة فكرية مشحونة بقلق مزدوج: قلق المحافظة على المعنى في سياق التحول وقلق إنتاج المعنى في أفق لم يعد يقبل التكرار ولا الاستنساخ. ذلك أن التراث لم يعد مجرد مادة خام للشرح أو التمجيد بل تحول إلى حقل توتر تتجاذبه قراءات متباينة تتوزع بين من يرى فيه إمكانا للنهضة المؤجلة ومن يراه عبئا يثقل حركة الفكر ومن يحاول أن ينفذ إلى أعماقه لا لاستخراج أجوبة جاهزة بل لطرح أسئلة جديدة.

في هذا الأفق يتقدم العقل لا بوصفه أداة محايدة بل باعتباره رهانا وجوديا وثقافيا، إذ إن طبيعة العلاقة التي يقيمها المفكر مع تراثه تكشف في العمق عن تصوره للعقل ذاته، أهو عقل شارح يعيد ترتيب الموروث وفق منطق داخلي مغلق أم عقل ناقد يشتبك مع النصوص قصد تفكيك بنياتها وإعادة تركيبها أم عقل مبدع يغامر بتجاوز الحدود دون أن يفقد جذوره؟ ههنا تحديدا تنعقد الإشكالية في بعدها المغربي الخاص حيث لا يمكن فصل النقاش حول التراث عن السياق التاريخي الذي عرف تماسا كثيفا مع الحداثة الأوروبية ولا عن الإرث الأندلسي والمغاربي الذي منح للفكر المغربي خصوصيته داخل المجال العربي الإسلامي.

لقد أدرك عدد من المفكرين المغاربة أن التعامل مع التراث لا يحتمل موقفا ساذجا يقوم على التقديس أو الرفض إذ إن كليهما يعطل فعل التفكير. فالتقديس يحول النصوص إلى أصنام معرفية مغلقة والرفض يقطع الصلة مع ذاكرة فكرية شكلت شروط إمكان الوعي ذاته. من هنا جاءت الدعوة إلى ما يمكن تسميته “العقلنة الداخلية للتراث”، أي استنطاقه من داخله والبحث عن آلياته المعرفية واستكشاف منطقه الخاص بدل إسقاط نماذج خارجية عليه إسقاطا تعسفيا. هذا التوجه يجد صداه في قول أحد الأصوليين إن “النظر في الدليل فرع عن تصوره” وهو ما ينسحب على التراث ذاته إذ لا يمكن الحكم عليه قبل فهم بنيته وأدواته.

غير أن هذا المسعى لم يخل من مفارقات إذ سرعان ما اصطدم بإشكال أعمق يتعلق بطبيعة العقل الذي يمارس هذا الفهم، هل هو عقل تراثي يعيد إنتاج نفس الشروط التي أنتجت التراث أم عقل حديث يستعير أدواته من فلسفات أخرى؟ هنا تتجلى لحظة التوتر القصوى حيث يصبح العقل نفسه موضوع مساءلة وتغدو الكتابة الفلسفية مجالا لصراع خفي بين أنماط متعددة من العقلانية. في هذا السياق يُستحضر قول الغزالي بأن “العقل أصل النقل”، وقول ابن رشد بأن “الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة”، لتبرز محاولة التوفيق بين مرجعيتين لا يجمعهما دائما انسجام تاريخي.

إن الكتابة الفلسفية المغربية الحديثة لم تتعامل مع التراث بوصفه موضوعا خارجيا بل بوصفه جزءا من الذات المفكرة وهو ما يفسر ذلك التوتر الأسلوبي والمعرفي الذي يطبع نصوصها. فالمفكر المغربي يكتب من داخل اللغة العربية التي تحمل آثار التراث وفي الآن ذاته يسعى إلى إدخال مفاهيم حديثة لم تنشأ في نفس السياق. هذه الازدواجية لا تعني عجزا بقدر ما تعكس وضعا تاريخيا خاصا حيث تتقاطع أنظمة دلالية مختلفة داخل نص واحد فيتحول النص إلى فضاء تفاوض بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والتجربة وبين الانتماء والسؤال.

ولعل ما يمنح هذه الإشكالية عمقها أن التراث نفسه ليس وحدة متجانسة بل هو تعدد في الأصوات والاتجاهات من فقهاء ومتكلمين وفلاسفة وصوفية لكل منهم تصوره للعقل وحدوده. فالعقل عند الأصولي يختلف عن العقل عند الفيلسوف كما أن العقل عند الصوفي يتجاوز حدود البرهان إلى أفق الذوق والكشف. هذا التعدد يجعل من كل قراءة للتراث اختيارا ضمنيا لموقف فلسفي حتى وإن ادعى صاحبه الحياد. ويمكن هنا فهم قول أحد الحكماء إن “الاختيار في الفكر قدر لا مهرب منه”، إذ لا يمكن استحضار التراث دون إعادة ترتيبه وفق أفق معين.

إن الرهان الحقيقي في الكتابة الفلسفية المغربية لا يكمن في استعادة التراث أو تجاوزه بل في القدرة على تحويله إلى مجال إنتاج أي إلى مادة تفكير قابلة لإعادة الصياغة ضمن أسئلة الحاضر. ذلك أن التراث الذي لا يتحول إلى قوة تفكير يظل مجرد ذاكرة جامدة والعقل الذي لا يشتبك مع جذوره يفقد عمقه التاريخي. وبين هذين الحدين تتحرك الكتابة الفلسفية محاولة أن تبتكر لنفسها موقعا يتيح لها أن تكون وفية لذاكرتها دون أن تقع في أسرها وأن تنفتح على الحداثة دون أن تذوب فيها.

إن إشكالية التراث والعقل في الفكر المغربي ليست مجرد موضوع نظري بل هي تعبير عن وضع وجودي وثقافي معقد حيث يتعين على المفكر أن يختار موقعه داخل شبكة من التوترات المتداخلة. وفي هذا الاختيار تتحدد ملامح الكتابة الفلسفية لا بوصفها نقلا للأفكار بل بوصفها فعلا تأويليا يخلق المعنى في منطقة تماس بين عوالم متعددة. وهنا تحديدا تكمن صعوبة المهمة وجمالها في الآن ذاته إذ إن التفكير في التراث يصبح تفكيرا في الذات، والتفكير في العقل يتحول إلى مساءلة لشروط إمكان هذا التفكير ذاته.

حين يُستأنف النظر في علاقة التراث بالعقل داخل الكتابة الفلسفية المغربية الحديثة فإننا لا نكون بإزاء موضوع قابل للاختزال في ثنائية مريحة بين ماضٍ ينبغي حفظه وحاضرٍ يفرض تجاوزه بل نكون أمام بنية إشكالية مركبة يتداخل فيها التاريخي بالمعرفي واللغوي بالأنطولوجي والسياسي بالابستمولوجي على نحو يجعل من كل مقاربة جزئية انزلاقا نحو التبسيط. ذلك أن التراث في هذا السياق ليس معطى جاهزا ولا هو كتلة صماء قابلة للتداول كما تُتداول الأشياء بل هو نسيج دلالي كثيف تشكل عبر قرون من التفاعل بين النص والواقع، بين الوحي والعقل وبين السلطة والمعرفة بحيث يغدو استحضاره استحضارا لشروط إنتاجه لا لمضامينه فحسب.

إن أول ما يستوقف النظر في هذا الأفق هو أن الكتابة الفلسفية المغربية لم تدخل إلى سؤال التراث من باب الحنين أو النوستالجيا بل من باب القلق المعرفي الذي ولدته صدمة الحداثة حيث بدا أن الأطر التقليدية للفهم لم تعد قادرة على استيعاب التحولات العميقة التي مست بنية العالم والإنسان. هذا القلق لم يتخذ شكل رفض مباشر بل ظهر في هيئة مراجعة مزدوجة: مراجعة للتراث من جهة ومراجعة للأدوات المفاهيمية المستعملة في قراءته من جهة أخرى. هكذا تحولت الكتابة الفلسفية إلى فضاء مساءلة لا يكتفي باستعادة النصوص بل يعمل على تفكيك شروط إمكانها مستحضرا في ذلك ما يشبه الوعي النقدي الذي تحدث عنه كانط حين ربط التنوير بجرأة استعمال العقل.

غير أن هذا الوعي لم يكن بريئا من التوتر إذ سرعان ما اصطدم بإشكال يتعلق بطبيعة العقل ذاته. فالعقل الذي يراد به أن يكون أداة للتحرر من سلطة التراث يجد نفسه مشدودا إلى نفس البنية التي يسعى إلى تجاوزها بحكم انتمائه اللغوي والثقافي. ويتجلى هنا ما يمكن تسميته بالمفارقة التأسيسية: إذ كيف لعقل تشكل داخل أفق تراثي أن يدعي القدرة على الحكم عليه من خارج؟ هذه المفارقة لم تكن مجرد معضلة نظرية بل كانت حاضرة في صميم الكتابة حيث يظهر التردد بين لغة تستعيد مفاهيم التراث ولغة أخرى تستعير أدواتها من الفلسفات الحديثة.

لقد حاول بعض المفكرين تجاوز هذه المفارقة عبر ما يمكن وصفه بإعادة بناء مفهوم العقل نفسه بحيث لا يُفهم بوصفه جوهرا ثابتا بل بوصفه ممارسة تاريخية تتشكل داخل شروط معينة. هذا التصور يجد جذوره في التراث ذاته، حيث لم يكن العقل مفهوما واحدا بل تعددت صوره بتعدد الحقول المعرفية. فالعقل الأصولي كما يظهر في كتب أصول الفقه عقل مقيد بقواعد الاستدلال وضوابط اللغة، يسعى إلى ضبط الفهم أكثر مما يسعى إلى ابتكار المعنى. في المقابل نجد عند الفلاسفة تصورا للعقل بوصفه قدرة على إدراك الكليات وعلى بناء نسق معرفي يتجاوز المعطى الحسي. أما عند الصوفية فإن العقل يواجه حدوده القصوى ليفسح المجال لنوع من المعرفة التي لا تُنال بالبرهان بل بالذوق.

هذا التعدد في صور العقل داخل التراث يطرح على الكتابة الفلسفية المغربية سؤالا حادا: أي عقل ينبغي استحضاره في قراءة التراث؟ هل يتم اعتماد عقل برهاني يسعى إلى إعادة بناء النسق الفلسفي أم عقل تأويلي ينفتح على تعددية المعاني أم عقل نقدي يفكك البنيات ويكشف عن شروطها التاريخية؟ إن كل اختيار من هذه الاختيارات يحمل في طياته تصورا معينا للتراث ويحدد في الآن ذاته أفق الكتابة.

إن إحدى السمات البارزة للكتابة الفلسفية المغربية هي محاولتها الجمع بين هذه الأنماط المختلفة من العقلانية دون أن تنجح دائما في تحقيق انسجام بينها. فالنص الفلسفي المغربي غالبا ما يتحرك بين رغبة في التأسيس النظري، تستلهم الفلسفة الغربية الحديثة وبين حرص على استنطاق التراث من داخله بما يفرضه ذلك من التزام بمنطقه الخاص. هذا التوتر لا ينبغي فهمه بوصفه ضعفا بل بوصفه تعبيرا عن وضعية فكرية تعيش على تخوم عالمين وتحاول أن تؤسس لنفسها موقعا داخل هذا التداخل.

إن استحضار التراث في هذا السياق لا يتم بوصفه مرجعية نهائية بل بوصفه موضوعا لإعادة القراءة. غير أن هذه القراءة لا يمكن أن تكون محايدة لأنها مشروطة بالأفق الذي تنطلق منه. من هنا يمكن فهم تعدد القراءات التي عرفها التراث داخل الفكر المغربي حيث نجد من يسعى إلى إبراز البعد العقلاني فيه معتبرا أن الأزمة لا تكمن في التراث ذاته بل في سوء فهمه. ونجد في المقابل من يرى أن التراث يحمل في بنيته عناصر تعيق تطور العقل مما يستدعي موقفا نقديا أكثر جذرية.

هذا التباين في المواقف يعكس في العمق اختلافا في تصور العلاقة بين الماضي والحاضر. فهناك من ينطلق من فرضية الاستمرارية حيث يُنظر إلى التراث باعتباره امتدادا للحاضر مما يتيح إمكانية تجديده من الداخل. في المقابل هناك من يتبنى منطق القطيعة معتبرا أن الحداثة تفرض إعادة بناء الفكر على أسس جديدة لا يمكن استخلاصها من التراث. غير أن كلا الموقفين يواجه صعوبات إذ إن الاستمرارية قد تؤدي إلى إعادة إنتاج نفس البنيات بينما القطيعة قد تفضي إلى فقدان العمق التاريخي.

في ضوء ذلك، برز اتجاه ثالث يحاول تجاوز هذا التعارض عبر تبني مقاربة تأويلية ترى في التراث نصا مفتوحا قابلا لقراءات متعددة وأن معناه لا يُستنفد في سياقه الأصلي بل يتجدد مع كل قراءة. هذا التصور يستند إلى فكرة أن النصوص لا تحمل معناها في ذاتها بل تكتسبه من خلال تفاعلها مع القارئ. هكذا يصبح التراث مجالا لإنتاج المعنى لا مجرد موضوع للفهم.

غير أن هذه المقاربة التأويلية لا تخلو من إشكالات إذ تطرح سؤالا حول حدود التأويل: إلى أي حد يمكن إعادة قراءة التراث دون الوقوع في إسقاطات تعسفية؟ وكيف يمكن التمييز بين قراءة مشروعة وأخرى متكلفة؟ هذه الأسئلة تعيدنا إلى مسألة المنهج التي تظل من أعقد القضايا في الكتابة الفلسفية المغربية. فاختيار المنهج ليس مسألة تقنية بل هو في جوهره اختيار فلسفي يحدد طبيعة العلاقة مع التراث ويؤثر في نوع الأسئلة المطروحة عليه.

إن ما يزيد من تعقيد هذه الإشكالية هو أن التراث ذاته لم يكن منفصلا عن العقل بل كان في جزء كبير منه نتاجا لممارسات عقلية متعددة. فكتب الأصول على سبيل المثال، تمثل محاولة لصياغة قواعد التفكير في النص الديني وهي بذلك تعكس وعيا منهجيا متقدما. كما أن الفلسفة الإسلامية في تجلياتها المختلفة كانت تعبيرا عن سعي إلى التوفيق بين العقل والنقل وبين الحكمة والشريعة. هذا المعطى يجعل من الصعب التعامل مع التراث بوصفه نقيضا للعقل إذ إن العلاقة بينهما أكثر تعقيدا من ذلك.

وتبرز أهمية إعادة النظر في التصنيفات التقليدية التي تقسم الفكر إلى عقلاني ولا عقلاني أو إلى تقليدي وحداثي، لأن مثل هذه التقسيمات قد تحجب أكثر مما تكشف. فالتراث يحتوي على عناصر متعددة بعضها قد يكون قابلا للتفعيل في الحاضر وبعضها الآخر قد يكون متجاوزا. وتكون الحاجة ملحة إلى قراءة تفكيكية لا تهدف إلى الهدم بل إلى الكشف عن الطبقات المختلفة للنصوص وعن التوترات التي تسكنها.

إن الكتابة الفلسفية المغربية وهي تخوض هذا المسار، تجد نفسها أمام تحد مزدوج: من جهة، ضرورة الحفاظ على الدقة العلمية، ومن جهة أخرى الحاجة إلى الإبداع المفاهيمي. هذا التحدي يظهر بوضوح في اللغة حيث تسعى الكتابة إلى إيجاد توازن بين الوفاء للمصطلح التراثي والانفتاح على المفاهيم الحديثة. هذه المهمة ليست يسيرة لأن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير بل هي حاملة لرؤية للعالم وأي تغيير فيها يستلزم إعادة بناء هذه الرؤية.

وتتكشف إشكالية التراث والعقل بوصفها إشكالية مفتوحة لا يمكن حسمها بشكل نهائي لأنها ترتبط بشروط تاريخية متغيرة. غير أن ما يمكن التأكيد عليه هو أن الكتابة الفلسفية المغربية قد نجحت في تحويل هذه الإشكالية إلى مجال للإنتاج الفكري حيث لم تعد العلاقة مع التراث علاقة تبعية بل أصبحت علاقة مساءلة. وهذا التحول يمثل في حد ذاته خطوة نحو تأسيس فكر قادر على مواجهة تحديات الحاضر دون أن يفقد صلته بجذوره.

ويمكن النظر إلى التراث لا بوصفه ماضيا منغلقا بل بوصفه إمكانا مفتوحا، شرط أن يُقرأ قراءة نقدية تستحضر سياقه وتفكك بنيته وتعيد صياغته في ضوء أسئلة جديدة. أما العقل فلا يُفهم بوصفه سلطة فوق التاريخ، بل بوصفه ممارسة تتشكل داخل هذا التاريخ وتتغير بتغير شروطه. وبين التراث والعقل تظل الكتابة الفلسفية مجالا للتوتر الخلاق حيث يولد الفكر من احتكاك الذاكرة بالسؤال ومن صراع المعنى مع ذاته.

يمتد هذا التوتر الخلاق بين التراث والعقل داخل الكتابة الفلسفية المغربية ليبلغ مستوى أكثر عمقا حين يتخذ شكل مساءلة لشروط إنتاج الحقيقة ذاتها إذ لا يعود السؤال مقتصرا على كيفية قراءة التراث بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أنماط الحقيقة التي رسخها والأنساق المعرفية التي منحته سلطة الاستمرار. هنا تحديدا تنفتح الكتابة على أفق إبستمولوجي دقيق حيث يصبح التراث حقلا لاختبار حدود المعرفة ومجالا لإعادة تعريف العلاقة بين الذات المفكرة وموضوعها.

ذلك أن التراث في أحد وجوهه لم يكن مجرد مخزون نصوص بل كان منظومة متكاملة لإنتاج الحقيقة تتداخل فيها المرجعيات الدينية واللغوية والمنطقية وتتشكل عبرها أنماط خاصة من الاستدلال والتبرير. هذه المنظومة لم تكن بريئة من سلطة إذ كانت تؤطر إمكان التفكير وتحدد مجالات القول المشروع. ومن هذا المنظور تفرض المقاربة النقدية نفسها بوصفها أفقا ضروريا للفهم حيث لا تكتفي بفهم النصوص بل تسعى إلى كشف ما يسميه بعض المفكرين بالبنية التحتية للمعرفة، أي تلك الشبكة من الافتراضات غير المعلنة التي توجه التفكير دون أن تظهر في سطح الخطاب.

وتكاد تكون الكتابة الفلسفية فعلا مزدوجا: فعل كشف وفعل بناء. فهي تكشف عن الطبقات العميقة التي تشكل التراث وتعمل في الآن ذاته على بناء أفق جديد للفهم لا ينفصل عن شروط الحاضر. غير أن هذا الفعل لا يتم في فراغ بل يمر عبر صراع مع اللغة، لأن اللغة ليست مجرد وسيط محايد بل هي حاملة لذاكرة طويلة من الدلالات التي قد تقاوم كل محاولة لإعادة تشكيلها. وتتخذ الكتابة هنا طابعا تجريبيا حيث يسعى المفكر إلى تطويع اللغة دون أن يفقدها قدرتها على الإيحاء وإلى إدخال مفاهيم جديدة دون أن يقطع صلتها بجذورها.

إن هذه العلاقة المعقدة مع اللغة تكشف عن بعد آخر في إشكالية التراث والعقل، يتمثل في كون التفكير نفسه مشروطا بالبنية اللغوية التي يتم داخلها. فالعقل الذي يكتب بالعربية يجد نفسه محكوما بتاريخ هذه اللغة بما تحمله من مفاهيم ومصطلحات تشكلت في سياقات معينة. هذا المعطى يجعل من كل محاولة للتفكير في التراث محاولة للتفكير في اللغة ذاتها أي في حدودها وإمكاناتها. ومن هنا يمكن فهم الجهد الكبير الذي بذله المفكرون المغاربة في إعادة صياغة المفاهيم وفي البحث عن مقابلات دقيقة للمصطلحات الحديثة دون الوقوع في النقل الحرفي أو الترجمة المبتسرة.

غير أن هذه الجهود لا تخلو من مفارقات، إذ إن إدخال مفاهيم حديثة داخل لغة تراثية قد يؤدي إلى نوع من التوتر الدلالي حيث تتجاور معانٍ مختلفة داخل نفس اللفظ. هذا التوتر قد يكون مصدر غنى لأنه يفتح المجال لتعدد القراءات وقد يكون أيضا مصدر التباس لأنه يجعل المعنى غير مستقر. وتتجلى هنا صعوبة الكتابة الفلسفية التي تجد نفسها مطالبة بالحفاظ على الدقة دون أن تفقد العمق وبالوضوح دون أن تسقط في التبسيط.

إن ما يمنح هذه الإشكالية بعدا أكثر تعقيدا هو أن التراث لا يحضر في الكتابة بوصفه موضوعا خارجيا فقط بل بوصفه جزءا من الوعي ذاته. فالمفكر لا يقرأ التراث من موقع خارجي بل من داخل تجربة ثقافية تشكل فيها هذا التراث أحد مكوناتها الأساسية. هذا الحضور الداخلي يجعل من عملية القراءة نوعا من الحوار مع الذات حيث تتداخل الأصوات ويصعب أحيانا التمييز بين ما ينتمي إلى الماضي وما ينتمي إلى الحاضر. وتأتي هنا تلك النبرة التأملية التي تطبع كثيرا من النصوص الفلسفية المغربية حيث لا يكون الهدف مجرد تحليل بل نوع من المصالحة أو المواجهة مع الذات التاريخية.

في هذا الأفق يكتسب مفهوم العقل دلالة خاصة إذ لا يُفهم فقط بوصفه أداة للمعرفة بل بوصفه قدرة على إعادة تشكيل العلاقة مع الذات ومع العالم. هذا التصور يجعل من العقل ممارسة حية تتجدد باستمرار ولا تقف عند حدود معينة. غير أن هذه الحيوية قد تصطدم أحيانا بسلطة التراث، خاصة حين يتحول إلى مرجعية مغلقة تفرض نفسها على التفكير. هنا تظهر الحاجة إلى نوع من الجرأة الفكرية التي تسمح بإعادة النظر في المسلمات دون الوقوع في القطيعة الجذرية.

إن هذه الجرأة لا تعني الانفصال عن التراث بل تعني القدرة على التعامل معه بوصفه مجالا مفتوحا للنقد. فالنقد في هذا السياق لا يُفهم بوصفه هدما بل بوصفه عملية تمييز تهدف إلى الكشف عن ما يمكن استثماره وما ينبغي تجاوزه. هذا الفهم للنقد يجد جذوره في التراث نفسه حيث كان العلماء يميزون بين الصحيح والضعيف وبين ما يصلح للاستدلال وما لا يصلح. غير أن النقد الفلسفي يتجاوز هذا المستوى ليصل إلى مساءلة الأسس التي يقوم عليها الخطاب ذاته.

إن هذا التحول في طبيعة النقد يعكس انتقالا من عقلية الشرح إلى عقلية التحليل ومن إعادة إنتاج المعنى إلى إنتاج معنى جديد. وهذا الانتقال لم يكن سهلا لأنه يتطلب تغييرا في طريقة التفكير وفي علاقة المفكر بالنص. فبدل أن يكون النص سلطة نهائية يصبح موضوعا للفحص وبدل أن يكون الهدف فهم ما قاله القدماء يصبح الهدف أيضا طرح أسئلة لم يطرحوها. هنا تتجلى إحدى أهم سمات الحداثة الفكرية التي لا تكتفي بتلقي التراث بل تعيد تشكيله.

غير أن هذا المسار لا يخلو من توترات خاصة حين يتعلق الأمر بالحدود بين التأويل المشروع والتأويل المتكلف. فكل قراءة جديدة تحمل في طياتها خطر الإسقاط أي فرض معانٍ لم تكن حاضرة في النص. وهذا الخطر يزداد حين يتم استعمال مفاهيم حديثة في قراءة نصوص قديمة لأن هذه المفاهيم قد تحمل دلالات لم تكن موجودة في السياق الأصلي. وتأتي الحاجة هنا إلى وعي تاريخي دقيق يسمح بفهم النصوص في سياقها دون أن يمنع من إعادة قراءتها في ضوء الحاضر.

إن هذا الوعي التاريخي لا يعني الانغلاق داخل الماضي بل يعني إدراك أن المعنى يتشكل عبر الزمن وأن كل قراءة هي في حد ذاتها لحظة في هذا التشكل. والتراث لا يوجد إلا من خلال قراءاته وأنه يتجدد مع كل قراءة جديدة. هذا التصور يمنح للكتابة الفلسفية دورا حاسما لأنها تصبح المكان الذي يتشكل فيه التراث من جديد لا بوصفه ماضيا بل بوصفه إمكانا.

ويمكن فهم اهتمام الفكر المغربي بإعادة قراءة بعض الشخصيات التراثية لا من باب التمجيد بل من باب البحث عن إمكانات جديدة للفكر. فهذه القراءات لا تهدف إلى إعادة إنتاج ما قيل بل إلى استنطاق النصوص والكشف عن ما يمكن أن تقدمه للحاضر. غير أن هذه العملية تتطلب حذرا منهجيا لأن التعامل مع التراث بوصفه مخزونا جاهزا للحلول قد يؤدي إلى إسقاطات غير مبررة.

إن الرهان الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل التراث إلى موضوع للتفكير لا إلى مصدر للإجابات الجاهزة. وهذا التحويل يتطلب نوعا من المسافة النقدية التي تسمح برؤية النصوص من زاوية جديدة دون فقدان الصلة بها. هذه المسافة لا تعني القطيعة بل تعني إعادة تحديد العلاقة بحيث لا يكون التراث سلطة مطلقة ولا يكون الحاضر منفصلا عنه.

وفي هذا الإطار تتجلى أهمية ما يمكن تسميته بالوعي المركب الذي يجمع بين الانتماء والنقد وبين الوفاء والتجاوز. هذا الوعي لا يسعى إلى حل التوتر بين التراث والعقل بل إلى استثماره لأن هذا التوتر هو الذي يولد الفكر. فحين يغيب التوتر يتحول التفكير إلى تكرار وحين يشتد دون ضابط يتحول إلى فوضى. ومن هنا تأتي أهمية التوازن الذي لا يعني التوفيق السطحي بل يعني القدرة على العيش داخل هذا التوتر.

إن الكتابة الفلسفية المغربية في سعيها إلى تحقيق هذا التوازن تواجه تحديات متعددة تتعلق بالمنهج واللغة والمرجعية. غير أن هذه التحديات تمثل في حد ذاتها فرصة لأنها تفتح المجال لإبداع أشكال جديدة من التفكير لا تكتفي باستنساخ نماذج جاهزة بل تسعى إلى إنتاج معرفة تنبع من خصوصية السياق. هذه المعرفة لا تدعي الكونية بمعناها المجرد بل تسعى إلى أن تكون كونية من خلال انطلاقها من تجربة محددة.

إن إشكالية التراث والعقل لا تخص فقط الفكر المغربي بل تطرح سؤالا أوسع يتعلق بكيفية إنتاج المعرفة في سياقات غير غربية. غير أن خصوصية الحالة المغربية تكمن في تعدد روافدها حيث يلتقي التراث الإسلامي بالعناصر الأندلسية والمغاربية ويتفاعل مع الفكر الغربي الحديث. هذا التعدد يجعل من الكتابة الفلسفية مجالا غنيا لكنه في الآن ذاته يفرض عليها مسؤولية كبيرة لأنها مطالبة بإيجاد صيغ جديدة للتفكير قادرة على استيعاب هذا التنوع.

إن هذه المسؤولية تتجلى بشكل خاص في الحاجة إلى تجاوز الثنائيات التقليدية التي كثيرا ما تعيق التفكير. فالتقابل بين التراث والحداثة أو بين العقل والنقل قد يبدو في ظاهره واضحا لكنه يخفي تعقيدات لا يمكن اختزالها في هذه الثنائيات. ومن هذا المنظور تفرض أهمية التفكير نفسها حيث تسعى إلى تفكيك هذه التقابلات وإلى الكشف عن التداخلات التي تربط بين أطرافها.

في ضوء ذلك يمكن تأويل التراث لا بوصفه نقيضا للحداثة بل بوصفه أحد شروطها لأن الحداثة نفسها لا تنشأ في فراغ بل تتشكل عبر علاقة مع الماضي. كما يمكن النظر إلى العقل لا بوصفه سلطة مطلقة بل بوصفه ممارسة تتغير بتغير السياقات. هذا الفهم يسمح بإعادة صياغة العلاقة بين التراث والعقل بحيث لا تكون علاقة صراع بل علاقة تفاعل.

إن هذا التفاعل لا يعني الانسجام الكامل بل يعني وجود توتر دائم لأن كل طرف يحمل في داخله عناصر قد تتعارض مع الآخر. غير أن هذا التعارض يمكن أن يكون مصدرا للإبداع إذا ما تم التعامل معه بطريقة نقدية. والكتابة الفلسفية المغربية في أفضل تجلياتها هي كتابة تعيش هذا التوتر وتحوله إلى قوة دافعة للتفكير.

إن إشكالية التراث والعقل ليست قضية قابلة للحسم لأنها ترتبط بأسئلة أساسية حول الهوية والمعرفة والزمان. غير أن ما يمكن تأكيده هو أن هذه الإشكالية قد شكلت أحد المحركات الأساسية للفكر المغربي الحديث حيث دفعت المفكرين إلى إعادة النظر في مسلماتهم وإلى البحث عن طرق جديدة للتفكير. هذا البحث لم يصل إلى نتائج نهائية لكنه فتح آفاقا واسعة وجعل من الكتابة الفلسفية مجالا حيا يتجدد باستمرار.

إن التراث في ضوء هذا الفهم لم يعد عبئا ينبغي التخلص منه ولا كنزا ينبغي حفظه بل أصبح مجالا للتفكير يتيح إمكانات متعددة شرط أن يتم التعامل معه بوعي نقدي. أما العقل فلم يعد مجرد أداة بل أصبح موضوعا للتفكير يتطلب إعادة تعريف مستمرة. وبين التراث والعقل تظل الكتابة الفلسفية فضاء مفتوحا حيث يتشكل المعنى في حركة دائمة لا تعرف الاستقرار ولا تقبل الانغلاق.

ينتهي القول عند حدٍّ لا يُغلق، حيث يظل السؤال قائما بوصفه أفقا للتفكير لا يُستنفد. فالفكر لا يتحقق في امتلاك الأجوبة بل في قدرته على تعميق المساءلة وإبقاء المعنى في حالة انفتاح دائم. ومن ثمّ فإن ما يُحصَّل ليس يقينا نهائيا بل وعيٌ متجدد بحدود المعرفة وإمكاناتها حيث تتجدد الفلسفة بوصفها فعلا لا ينفد.

***

د. حمزة مولخنيف

مكننة الإبادة في زمن الذوات المنفوخة

اشتباك البنية مع السيكولوجيا الوجودية: تنبثق العلاقة القائمة بين البنى الاقتصادية الكلية والحالة الوجودية للذات الإنسانية كواحدة من أكثر الإشكاليات استعصاءً في الفلسفة السياسية المعاصرة، لا سيما حينما ترتطم هذه العلاقة بآليات القمع الممنهج وتشكيلات المقاومة المنفعلة. إن مفهوم "سفه رأس المال" الذي نطرحه هنا لا يحيل إلى مجرد عجز تقني في الإدارة المالية أو تبديد للموارد، بل هو توصيف لحالة من العبثية الأنطولوجية التي تتجلى فيما يمكن تسميته "ميتافيزيقيا تعظيم الأنا الرأسمالية".

هذه النزعة التي تستنبت "الأنا" كمركز مطلق للاستحواذ، تخلق قطيعة معرفية حادة مع واقع سياسي ممعن في "تجاوز الواقع الملموس"؛ حيث تتحول الرأسمالية من نمط لتبادل السلع إلى جهاز سيادي لإنتاج "المروّع" وإعادة صياغة القوالب الإنسانية عبر التشويه الممنهج. إننا أمام بنية لا تكتفي باستغلال الجسد، بل تعمل على تفتيت الوعي بالواقع، محولةً الحرب من صراع على الأرض إلى عملية "تطهير أنطولوجي" تجتث كل ما لا يتوافق مع منطق التراكم. والمفارقة اللاهوتية-السياسية هنا تكمن في أن هذه التشوهات الرأسمالية لم تعد حكراً على مراكز القوة العالمية، بل تسربت كسمّ زعاف إلى أنسجة الهياكل المقاومة، حيث يبرز "انتفاخ الذات" كعائق وجودي يحيل المشاريع التحررية إلى مسوخ مشوهة تعيد إنتاج القمع ذاته بأسماء مقدسة.

ميتافيزيقيا تعظيم الذات واشتهاء الاستحواذ الكلي

تضرب جذور تعظيم الذات في التربة الفلسفية التي أسست للذاتية الحديثة، تلك التي نظرت إلى الوجود الخارجي بوصفه مجرد "موضوع" قيد التدجين والاستملاك. إن "سفه رأس المال" في سياقاتنا الراهنة يعكس شهوة معرفية وسلوكية لاستئصال "الآخرية"؛ فالرأسمالية في جوهرها لا تحتمل وجود "آخر" لا يخضع لمنطق السلعة.

هنا يظهر الاستحواذ الشرس كفعل لا يكتفي بنهب الموارد الجوفية، بل يمتد لتأميم المعنى وتأطير الزمان واستعباد الخيال الإنساني. تتحول الرأسمالية هنا إلى "أداة لملء الفلاء الوجودي" الناتج عن انقطاع الصلة بالقيم المتعالية؛ هذا الانقطاع هو الرحم الذي يولد "السفه" بالمعنى الفلسفي، حيث تنفصل القوة المادية عن غايتها الأخلاقية لتصبح وقوداً لتغذية "تورم الذات" لدى النخب الحاكمة. إنها إرادة القوة حينما تفقد بوصلة الوجود وتتحول إلى نرجسية تدميرية تبتلع العالم لتشعر بحضورها الزائف، محولةً الكوكب إلى مخزن للمواد الخام والضحايا المحتملين.

من العبثية المادية إلى الهدر الوجودي الشامل

يرتبط مفهوم "السفه" في الفلسفة السياسية الكلاسيكية بنقص الرشد، لكننا اليوم أمام "سفه بنيوي" يحكم مسار التاريخ المعاصر. يتجلى هذا السفه في تحييد الحكمة الوجودية لصالح حسابات التضخم الذاتي الأنانية للسياسة الرأسمالية. هذا المسار لا يؤدي إلى إفلاس مالي فحسب، بل إلى "هدر وجودي" مرعب؛ حيث تُنحر المصالح الكلية للمجتمعات على مذبح النزوات العابرة لأفراد توهموا أنهم فوق قوانين التاريخ.

وفي كنف الرأسمالية المتوحشة، يتخذ هذا السفه شكلاً سرطانياً؛ حيث يتم ضخ دماء الشعوب ومواردها في "هياكل إدارية وعسكرية متضخمة" لا وظيفة لها سوى حماية عملية التراكم المالي وتأمين الامتيازات الطبقية. هذا النمو الفائض للجهاز الاستهلاكي والقمعي يستهلك المادة الحيوية للأمة، مما يؤدي بالضرورة إلى الانهيار التام تحت وطأة قوانين "القصور الحراري" التي لا ترحم الأنظمة المغلقة. إن الرأسمالية في عماها تظن أنها تبني حصوناً، بينما هي في الحقيقة تبدد الطاقة الضرورية لاستمرار الحياة الإنسانية، مما يجعل الانفجار مسألة وقت لا أكثر.

المأزق السيكولوجي والعمى الاستراتيجي للمقاومة المنفعلة

على الضفة المقابلة لهذا السفه الرأسمالي، تعاني حركات المقاومة من داء "الانتفاخ الثوري" الذي يعد انعكاساً مشوهاً للعدو ذاته. تتشكل الهوية هنا على وهم "الطهرانية المطلقة"، حيث يرى المقاوم نفسه حاملاً وحيداً للفضيلة في عالم دنس. هذا الانتفاخ يولد "نرجسية جمعية" تحجب الرؤية وتشرعن الإقصاء وتجعل من النقد خيانة.

هذا "الاستغناء المعرفي" يورث "عمىً استراتيجياً" قاتلاً، يتبدى في التجاهل المتعمد للتطور التقني الهائل الذي تملكه الرأسمالية كبنية مادية وقوة ميكانيكية. بينما ينغمس المقاوم في ديباجات بلاغية عاطفية تمجد "الإرادة المحضة"، يكون الخصم الرأسمالي قد أتمّ "مكننة الإبادة" عبر أدوات تتجاوز الإدراك البشري التقليدي. إن إغفال الفجوة العلمية والتقنية ليس قصوراً لوجستياً فحسب، بل هو عرض لمرض "انتفاخ الذات" الذي يرفض الاعتراف بالواقع الموضوعي وموازين القوى. المقاوم هنا يعيش في "زمن موازٍ"، يحارب مسيرات القتل وخوارزميات الاستهداف بعقلية شعاراتية، ظناً منه أن "النقاء الأيديولوجي" كفيل بخرق القوانين الفيزيائية لآلة الحرب الحديثة.

 الإدارة فوق الواقعية للقمع وتدمير "الشكل" الإنساني

نحن نعيش عصر "فوق الواقعية" السياسية، حيث لم يعد العنف يهدف إلى الإخضاع الجسدي فحسب، بل إلى جعل الواقع مكاناً "غير قابل للتعرف". إن الرأسمالية كبنية قمعية تعمل على تدمير "شكل" الضحية ومحيطها بطريقة سريالية تجعل الأشلاء والأنقاض هي النص الوحيد المتاح للقراءة في مدن الشرق الأوسط.

الهدف هنا هو خلق حالة من "اللامعنى" الشامل، حيث يفقد الفعل الإنساني قيمته وتضيع الحقيقة في ركام البيانات الرقمية والصور المفبركة. في هذا الفضاء "فوق الواقعي"، يصبح القتل فعلاً إحصائياً بارداً تُديره مراكز التحكم عن بعد، وتتحول معاناة البشر إلى تدفقات بيانية في خوارزميات الربح والخسارة. إن الرأسمالية في هذه المرحلة لا تقتل الإنسان لتسود، بل تمحو أثره الأنطولوجي لتؤكد سطوة "الآلة" المطلقة على "الروح".

الصدام العدمي بين التضخم الأيديولوجي والآلة التقنية

يبلغ الصراع ذروته العدمية حين تصطدم "الإدارة فوق الواقعية للقمع الرأسمالي" بـ "التضخم الأيديولوجي" للمقاومة المنفعلة. الرأسمالية تسعى لـ "تغييب العقل" عبر تقنية فائقة تجرد الإنسان من إنسانيته وتحيله إلى هدف، بينما تواجهه المقاومة بـ "وعود غيبية ومثالية " تتعالى على الجسد المنهك والواقع المنهار.

في هذا الصدام، يُسحق "الإنسان الفرد" الذي كان من المفترض أن يكون هو موضوع التحرير. يتحول الصراع إلى اشتباك بين "وحوش مفاهيمية":

 آلة تقنية باردة لا تملك ذاكرة، وذات أيديولوجية متضخمة لا تملك بصراً، كلاهما ينظر إلى الفرد بوصفه "مادة استعمالية" أو "حطباً تاريخياً"؛ الأول يراه رقماً في كشوفات الإبادة الممنهجة، والثاني يراه وقوداً في معركة "النقاء" المتخيلة. إن قتل الإنسان "منزوع الكرامة" يصبح في نظر هذه الهياكل فعلاً مبرراً للحفاظ على تراكم رأس المال أو استمرار الأسطورة الأيديولوجية.

مأزق المثقف والانفصام الوجودي في زمن الحرب

في ظل هذا الضجيج العدمي وسفه المادة، يجد المثقف نفسه محاصراً بين مطرقة "سفه الرأسمالية" وسندان "انتفاخ المقاومة". لا مكان هنا للحياد الأكاديمي المترف؛ فإما الانخراط في "مقاومة مموهة" تقتات على الرموز لتنجو من بطش الآلة، أو السقوط في فخ "الارتهان المطلق" الذي يمحو استقلالية الفكر.

إن الحرب في الشرق الأوسط اليوم لا تترك مجالاً للمواقف الرمادية، بل تفرض انفصاماً وجودياً حاداً يختلط فيه اليقين بالوهم. المثقف الذي لا يملك أدوات تفكيك "عماء السياسة الرأسمالية" يجد نفسه إما صدى لصوت القمع أو ضحية لانتفاخ الأوهام الذاتية. إن المهمة النقدية اليوم تقتضي كشف زيف "البدائل الشكلانية" التي تقدمها الرأسمالية كحلول سياسية، بينما هي في الجوهر مجرد تقنيات جديدة لإدارة العبيد وتأبيد الصراع.

نحو حتمية المواجهة مع "العدم" والتحرر من الأوهام

إن هذا التوصيف الجدلي يضعنا أمام حتمية تاريخية لا تجدي معها البكائيات الأخلاقية أو النصائح الوعظية عن السلام والانفتاح. إن عماء السياسة الرأسمالية الذي يغذي آلة الحرب ليس انحرافاً طارئاً يمكن إصلاحه ببعض القوانين، بل هو جوهر البنية المادية التي تقتات على الصراع وتدمير "الشكل" الإنساني لصالح سيادة الآلة.

إن العالم الجديد لا يحترم إلا "القوة الراشدة" التي تجمع بين صلابة الوعي وتفوق الأداة، وما دون ذلك ليس سوى هدر وجودي في زمن المكننة العدمية التي لا تصون كرامة ولا تعترف بأي "شكل" إنساني خارج منطق الاستهلاك أو الإبادة. إن التحرر الحقيقي يبدأ بتمزيق حجاب الأوهام والاعتراف بأننا نواجه "آلة" لا "شخصاً"، وبأن المواجهة تتطلب عقولاً مصفحة بالعلم قبل أن تكون صدوراً عارية في مهب النار.

***

غالب المسعودي

 

ليس من الصدفة ان يظل التعليم الفلسفي في افريقيا والعالم العربي هامشيا، ضعيفا، ومثار شك دائم. المسألة لا تتعلق فقط بنقص في المناهج او قلة في الكفاءات، بل هي ازمة مركبة تتداخل فيها السياسة مع الثقافة، والدين مع السلطة، والاقتصاد مع الوعي الجمعي. الفلسفة في جوهرها ليست مادة دراسية يمكن احتواؤها داخل كتاب مدرسي، بل هي فعل نقدي مستمر يهدد البنى الجامدة، ويزعزع اليقين السهل، ويطرح اسئلة غير مريحة. ولهذا تحديدا يتم التعامل معها بحذر، بل احيانا بعداء صامت.

حين ننظر الى طبيعة الانظمة التعليمية في كثير من الدول الافريقية والعربية، نجد انها قائمة على مبدأ الضبط لا التحرير، وعلى انتاج الامتثال لا التفكير. الطالب لا يدرب على السؤال، بل على الاجابة النموذجية. لا يشجع على الشك، بل على اليقين الجاهز. في مثل هذا الواقع، تصبح الفلسفة جسما غريبا، لانها تتعارض مع البنية العميقة لهذا النظام. فكيف يمكن لمؤسسة تخشى التفكير النقدي ان ترعى تعليما فلسفيا حقيقيا؟ لهذا يتم ادخال الفلسفة في كثير من الاحيان كجزء من ديكور الحداثة، اي كعلامة شكلية على التقدم، دون ان يسمح لها بان تمارس دورها الحقيقي. تدرس نصوص افلاطون وارسطو وديكارت داخل الفصول، لكن بطريقة تجريدية، منفصلة عن السياق الاجتماعي والسياسي للطلاب. يتحول التفكير الفلسفي الى محفوظات، الى تعريفات جامدة، الى اسماء وتواريخ، بدلا من ان يكون اداة لفهم الواقع وتحليله.

هذا الفصل بين الفلسفة والواقع هو احد اخطر اسباب فشلها في الانتشار. الطالب لا يرى اي علاقة بين ما يدرسه وبين حياته اليومية. لا يجد في الفلسفة اجابات لاسئلته الوجودية او الاجتماعية، لان الطريقة التي تقدم بها تجعلها بعيدة، نخبوية، ومغلقة. وهكذا تتكرس صورة الفلسفة كمجال غامض لا فائدة منه، وهو تصور يعزز بدوره تهميشها. لكن الاشكالية لا تتوقف عند حدود المنهج، بل تمتد الى البنية الثقافية للمجتمع. في كثير من السياقات، ينظر الى السؤال باعتباره تشكيكا، والى الشك باعتباره تهديدا. هذا الفهم يجعل الفلسفة في موقع دفاعي دائم. يتم ربطها احيانا بالالحاد او بالتمرد غير المقبول، مما يخلق حاجزا نفسيا لدى الطلاب قبل ان يدخلوا حتى الى قاعة الدرس. هذه النظرة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية، حيث تم تأطير العلاقة بين العقل والنقل في صيغ صراعية بدل ان تكون تكاملية.ومع ذلك، فان التاريخ الفكري نفسه يقدم نماذج مختلفة. فقد حاول ابن رشد ان يؤسس لعلاقة متوازنة بين الفلسفة والدين، مؤكدا ان الحقيقة لا يمكن ان تتناقض مع نفسها، وان العقل ليس عدوا للايمان، بل وسيلة لفهمه. غير ان هذا الخط التوفيقي لم يتم تطويره بشكل كاف، بل تم تهميشه لصالح قراءات اكثر انغلاقا.

في الواقع الافريقي، تبرز مشكلة اضافية تتعلق بالهوية المعرفية. الفلسفة التي تدرس في المدارس والجامعات غالبا ما تكون امتدادا للنموذج الاوروبي، نتيجة للارث الاستعماري الذي فرض منظومة تعليمية كاملة. هذا النموذج لم يكتف بتهميش الفلسفات المحلية، بل ساهم في خلق شعور ضمني بان التفكير الفلسفي هو نشاط مستورد. وهكذا يتم تجاهل الحكمة الافريقية، والتقاليد الشفوية، وانماط التفكير المحلية، رغم انها تحتوي على عناصر فلسفية غنية. السؤال هنا ليس مجرد سؤال محتوى، بل سؤال اعتراف: هل نعترف بان لدينا فلسفة اصلا؟ ام اننا ما زلنا نرى انفسنا كمستهلكين للفكر لا كمنتجين له؟ هذه العقدة المعرفية تعيق اي محاولة لبناء تعليم فلسفي اصيل، لانها تجعل المرجعية دائما خارجية.

في العالم العربي، الصورة تختلف قليلا لكنها لا تقل تعقيدا. هناك تراث فلسفي غني، من الكندي الى الفارابي الى ابن رشد، لكن هذا التراث غالبا ما يتم التعامل معه بطريقتين متناقضتين: اما التقديس غير النقدي، حيث يتم تحويله الى نصوص جامدة لا يجوز مساءلتها، او الاهمال الكامل، حيث يتم تجاوزه لصالح الفكر الغربي المعاصر. في الحالتين، يتم فقدان الروح الفلسفية الحقيقية، التي تقوم على الحوار، والنقد، واعادة القراءة. اضافة الى ذلك، هناك ضعف واضح في تكوين المعلمين. تدريس الفلسفة يتطلب مهارات خاصة، تتجاوز نقل المعرفة الى ادارة النقاش، وتحفيز التفكير، وطرح الاسئلة المفتوحة. لكن في كثير من الاحيان، يتم تكليف معلمين غير مؤهلين فلسفيا بشكل كاف، او يتم تدريبهم وفق مناهج تقليدية لا تعترف بطبيعة الفلسفة كحوار حي. النتيجة هي دروس جافة، تقتل اي اهتمام محتمل لدى الطلاب.

العامل الاقتصادي يلعب ايضا دورا حاسما. في مجتمعات تعاني من البطالة والفقر، يتم توجيه التعليم نحو التخصصات التي توفر فرص عمل مباشرة. الفلسفة، باعتبارها تخصصا غير عملي في نظر الكثيرين، يتم تهميشها لصالح مجالات مثل الطب والهندسة. هذا التصور يعكس فهما اداتيا للتعليم، حيث يتم اختزاله في كونه وسيلة لكسب العيش، لا لبناء الانسان. لكن هذا الفهم نفسه هو جزء من المشكلة. لان المجتمعات التي تفتقر الى التفكير النقدي، تصبح اكثر عرضة للتلاعب، واكثر هشاشة امام الازمات. الفلسفة ليست بديلا عن التخصصات العلمية، بل هي مكملة لها، لانها توفر الاطار النقدي الذي يسمح بفهم اعمق للمعرفة وتطبيقاتها. من جهة اخرى، لا يمكن تجاهل دور الاعلام والثقافة العامة في تشكيل صورة الفلسفة. نادرا ما نجد محتوى اعلاميا يقدم الفلسفة بشكل مبسط وجذاب، او يربطها بالقضايا اليومية. في المقابل، تنتشر الخطابات السطحية التي تقدم اجابات جاهزة، وتختزل التعقيد. هذا المناخ لا يشجع على التفكير، بل على الاستهلاك السريع للافكار.

الازمة، في جوهرها، هي ازمة تصور: ماذا نريد من التعليم؟ هل نريده ان ينتج موظفين فقط، ام مواطنين قادرين على التفكير والمساءلة؟ طالما لم يتم حسم هذا السؤال، ستظل الفلسفة في موقع هامشي. ان اصلاح التعليم الفلسفي يتطلب رؤية شاملة، تبدأ من اعادة تعريف الفلسفة نفسها، ليس كمادة، بل كمنهج تفكير يمكن ان يتقاطع مع كل التخصصات. يجب ان يتم ادماج التفكير النقدي في جميع مراحل التعليم، لا حصره في مادة واحدة. كما يجب تطوير مناهج تربط الفلسفة بالواقع المحلي، وتطرح اسئلة تنبع من حياة الطلاب. كذلك، من الضروري الاستثمار في تكوين المعلمين، وتدريبهم على اساليب تدريس تفاعلية تقوم على الحوار، لا التلقين. يجب ان تتحول قاعة الدرس الى فضاء للنقاش، حيث يمكن للطلاب ان يعبروا عن افكارهم بحرية، دون خوف من الخطأ.

على المستوى الثقافي، نحتاج الى اعادة الاعتبار لقيمة السؤال. يجب ان يتم تفكيك الفكرة التي تربط الشك بالتهديد، واستبدالها بفهم يرى في التفكير النقدي اداة للفهم، لا للهدم. هذا يتطلب جهدا مشتركا بين التعليم، والاعلام، والمؤسسات الثقافية. في الواقع الافريقي، من المهم ايضا اعادة اكتشاف الفلسفات المحلية، ودمجها في المناهج، ليس كتراث فولكلوري، بل كمصدر حي للتفكير. هذا من شأنه ان يعزز الثقة بالذات، ويخلق ارتباطا اعمق بين الطالب ومحتوى التعليم. لا يمكن ان ينمو التعليم الفلسفي في بيئة تخاف الحرية. الفلسفة، في جوهرها، مرتبطة بالقدرة على التفكير المستقل، وهذه القدرة لا يمكن ان تزدهر دون مساحة من الحرية. لذلك، فان اي حديث عن تطوير الفلسفة دون اصلاح اوسع في البنية السياسية والثقافية، سيظل ناقصا.

المجتمعات التي لا تنتج فكرا، تستهلكه. والتي لا تسأل، تقاد. الفلسفة ليست ترفا، بل ضرورة وجودية. ليست خيارا، بل شرطا لاي نهضة حقيقية. وفي افريقيا والعالم العربي، حيث التحديات عميقة ومعقدة، يصبح غياب الفلسفة ليس مجرد نقص، بل خطر حقيقي على المستقبل.

***

زكريا - نمر

 

وبين جبل الأفكار وحقل الأشعار

مقدمة: "الشخص المستقيم قليل الكلام."

في التراث الفلسفي الإشراقي، يبرز الحكيم الشرقي كشخصية رمزية تتجاوز الحدود الزمنية والمكانية، حاملاً تعاليم تُجسِّد التوفيق بين النور والظل، بين اليقظة والمنام، بين العقل المنطقي والحدس الروحي. هذه التعاليم لا تُقدَّم كمنظومة نظرية مجردة، بل كرحلة وجودية رمزية تتجلى في ثنائيات متكاملة: أقوال النهار التي تمثل الخطاب العقلي الواضح والمنطقي، وتأملات الليل التي تمثل الغوص في أعماق النفس والتواصل مع النور الإلهي. كذلك يقف جبل الأفكار رمزاً للصعود الشاق نحو القمم العقلية، بينما يمتد حقل الأشعار كفضاء مفتوح يزهر فيه الخيال والرمز والإلهام.

المقاربة الإشراقية الرمزية، التي أسسها الحكيم الشرقي، لا ترى في هذه الثنائيات تناقضاً بل تكاملاً: النهار يُنير الجبل بالمنطق، والليل يُروي الحقل بالنور الباطني. هذه الدراسة تُفكك تعاليم الحكيم الشرقي بشكل معمق، مستكشفة كيف تتحول هذه الثنائيات إلى وحدة إشراقية تُعيد صياغة الوجود الإنساني. إنها ليست دراسة تاريخية فحسب، بل رحلة رمزية تُعيد اكتشاف الحكمة الشرقية كطريق للتحرر من قيود المادية والعقلانية الجافة، نحو نور يجمع بين اليقين العقلي والذوق الروحي.

الإشراقية كمنهج رمزي يتجاوز الثنائيات

"تدعو الحكمة الشرقية إلى التواضع والعمل العادل دون جهد والصمت والانسجام مع الطبيعة."

في المنهج الإشراقي، لا تُفهم الحقيقة كنتيجة للبرهان المنطقي وحده، بل كإشراق نوري ينبثق من داخل النفس عندما تُصفَّى من شوائب الظلام. الحكيم الشرقي يرى أن العالم مكون من درجات النور: نور الأنوار (الله) يفيض على العقول والأرواح، فتصبح اللغة الرمزية – لا الخطاب المباشر – الوسيلة الأسمى للتعبير عن هذا الفيض. أقوال النهار تمثل طور اليقظة العقلية: المنطق، البرهان، والتحليل. أما تأملات الليل فتمثل طور الرؤيا والمنام اليقظ: الحدس، الرمز، والغوص في عالم المثل العلوية. جبل الأفكار هو الصعود الشاق نحو القمة، حيث يُجَرِّب السالك صعوبة التجريد والتفكير النظري. أما حقل الأشعار فهو الفضاء الخصب حيث تنمو الأفكار كزهور، وتتحول إلى أشعار وأمثال تُعبِّر عن المعاني بطريقة غير مباشرة، تلامس القلب قبل العقل. هذه الثنائيات ليست متعارضة، بل متكاملة في الرؤية الإشراقية: النهار يُمهِّد لليل، والجبل يُطلُّ على الحقل. الرمزية الإشراقية تحول اللغة من أداة وصف إلى مرآة للنور، فتصبح الكلمة نفسها إشراقاً.

أقوال النهار وتأملات الليل: التوازن بين اليقظة والرؤيا

"الشخص الحكيم ثابت، لكنه ليس عنيدًا." - كونفوشيوس

أقوال النهار في تعاليم الحكيم الشرقي هي تلك العبارات الواضحة التي تُبنى على البرهان والمنطق: «النور يُدرَك بالنور»، أو «العقل يرى ما هو أعلى منه». هذه الأقوال تُمثِّل النهار الذهني، حيث يسود التحليل والتجريد. الإنسان في هذا الطور يصعد جبل الأفكار، يُفكِّك الظواهر، يُقيم الحجج، ويُحاول الوصول إلى اليقين العقلي. لكن الحكيم الشرقي يُحذِّر من أن النهار وحده يُولِّد جفافاً: العقل بدون قلب يصبح سيفاً بدون غمد.

أما تأملات الليل فهي الغوص في الظلام الخارجي لاستخراج النور الباطني. في الليل، تُغلق أبواب الحواس الظاهرة، وتُفتح أبواب الحدس والرؤيا. هنا يتحول الإنسان من مفكر إلى عارف: يرى المثل العلوية في صور رمزية، يسمع أصواتاً داخلية، ويذوق معاني تتجاوز الكلمات. تأملات الليل تُروي حقل الأشعار، فتصبح الأفكار أشعاراً وأمثالاً تُعبِّر عن الجمال الإلهي. الحكيم الشرقي يرى أن الليل ليس نقيصة، بل هو طور ضروري: «في الظلام يُولد النور».

التوازن بينهما هو جوهر التعاليم: أقوال النهار تُبني الجبل، وتأملات الليل تُزهر الحقل. من يعيش النهار فقط يبقى في النظرية، ومن يغرق في الليل يفقد اليقين. الحكيم الشرقي يدعو إلى «النهار المستنير بالليل» – يقظة عقلية مضيئة برؤيا روحية.

جبل الأفكار وحقل الأشعار: الصعود والانفتاح

" من يظن نفسه جاهلاً فهو جاهل، فابتعد عنه. ومن يعلم أنه يجهل فهو جاهل، فعلمه."

جبل الأفكار رمز للصعود الشاق: السالك يترك سهول الاعتياد، يتسلق بصعوبة، يواجه رياح الشك والرياضة العقلية. هنا تُسيطر أقوال النهار: المنطق، البرهان، والتجريد. الجبل يُمثِّل الطور الأرسطي-الفارابي في الفلسفة الإشراقية: بناء اليقين بالعقل. لكنه طور انتقالي، لا نهائي.

أما حقل الأشعار فهو الفضاء المفتوح بعد الصعود: بعد أن يصل السالك القمة، ينظر إلى الأفق فيرى الحقل يزهر. هنا تسود تأملات الليل: الأشعار، الأمثال، والرموز. الحقل يُمثِّل الطور السهروردي الخالص: المعرفة بالذوق والشهود. الأشعار ليست ترفاً أدبياً، بل لغة النور نفسه: كل بيت شعر إشراقي هو مرآة لمثل أعلى.

الحكيم الشرقي يُعلِّم أن الجبل يؤدي إلى الحقل، والأفكار تتحول إلى أشعار. من يبقى على الجبل يصبح حكيماً جافاً، ومن يغرق في الحقل دون صعود يصبح حالماً مضللاً. التعاليم تُوحِّد بينهما: «اصعد الجبل لترى الحقل، ثم انزل إلى الحقل لتُثمر الجبل».

الرمزية الإشراقية: لغة النور بين الثنائيات

"تتميز الحكمة الشرقية بالانفصال، وضبط النفس، واتباع المنهج الوسطي، والابتعاد عن الاضطراب."

الرمزية الإشراقية هي قلب التعاليم: اللغة الرمزية تُعبِّر عن ما لا يُعبَّر عنه بالمنطق المباشر. أقوال النهار تُستخدم كسلالم للصعود، وتأملات الليل تُستخدم كأجنحة للطيران. جبل الأفكار يُرمَز إليه بالنور الصاعد، وحقل الأشعار بالنور المنبثق. الحكيم الشرقي يرى أن كل شيء في الوجود رمز: الشمس رمز للنور الأعلى، والليل رمز للنفس المستعدة للإشراق.

في هذه الرمزية، تتحول الثنائيات إلى وحدة: النهار والليل طوران في دورة واحدة، الجبل والحقل مرحلتان في رحلة واحدة. الإنسان الإشراقي يعيش «النهار الداخلي» في الليل الخارجي، و«الحقل الروحي» على قمة جبل العقل. هذا التوحيد هو سر السعادة: ليس إلغاء الثنائية، بل تجاوزها بالنور.

التطبيقات الحضارية والروحية للتعاليم

في السياق الحضاري، تُقدِّم تعاليم الحكيم الشرقي حلاً لأزمة العصر: أزمة العقلانية الجافة (أقوال النهار فقط) والروحانية المتطرفة (تأملات الليل فقط). الإنسان المعاصر الذي يعيش في جبل الأفكار التقنية يحتاج إلى حقل الأشعار ليستعيد الجمال. والذي يغرق في حقل الاستهلاك يحتاج إلى صعود الجبل ليستعيد اليقين.

روحياً، تُعلِّم التعاليم أن الإنسان ليس عقلًا فقط ولا قلباً فقط، بل نوراً يجمع بينهما. من يتبع هذه التعاليم يصبح «حكيماً شرقياً» في حياته: يفكر بالنهار، يتأمل بالليل، يصعد جبل الأفكار، ويزرع حقل الأشعار.

خاتمة

"عندما يشير الحكيم إلى القمر، ينظر الأحمق إلى الإصبع."

تعاليم الحكيم الشرقي بين أقوال النهار وتأملات الليل، وبين جبل الأفكار وحقل الأشعار، تمثل قمة الرؤية الإشراقية الرمزية. إنها ليست فلسفة نظرية، بل طريق حياة: توازن بين العقل والحدس، بين الصعود والانفتاح، بين اليقظة والرؤيا. الحكيم الشرقي يدعونا إلى أن نكون أبناء النهار والليل معاً، سالكي الجبل ومزارعي الحقل في آن. في هذا التوازن يكمن سر الإشراق: النور الذي لا ينطفئ، والحكمة التي لا تُدرَك إلا بالقلب والعقل معاً. بهذه التعاليم، يتحول الإنسان من سجين الثنائيات إلى حر في وحدة النور، وتصبح الحياة رحلة إشراقية مستمرة بين النهار والليل، بين الجبل والحقل، نحو النور الأعلى. هذه هي الحكمة الشرقية في أبهى صورها: ليست معرفة، بل إشراق. فكيف يعتبر "من يسعى إلى الحكمة حكيما، ومن يعتقد أنه وجدها أحمقا."؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

نحو تأسيس عقلاني للدولة بين سلطة السيادة وأفق الحرية

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل المشروع السياسي لدى باروخ سبينوزا من خلال استكشاف مفاهيمه المركزية، وعلى رأسها الحق الطبيعي، والدولة، والسيادة، والحرية. وتنطلق من فرضية مفادها أن سبينوزا لا يقدّم مجرد نظرية سياسية جزئية، بل يؤسس تصوراً فلسفياً متكاملاً يعيد بناء العلاقة بين الفرد والسلطة على أسس عقلانية. كما تسعى الدراسة إلى إبراز التوتر الداخلي في هذا المشروع بين توسيع سلطة الدولة وضمان حرية الأفراد. وتعتمد الدراسة على منهج تحليلي نقدي يستند إلى نصوص سبينوزا الأساسية، مع استحضار قراءات فلسفية حديثة، وإبراز راهنية هذا الفكر في السياق العربي والمغربي.

على سبيل الافتتاح:

في لحظات التحول التاريخي الكبرى، حيث تتصدع اليقينيات التقليدية وتبرز الحاجة إلى إعادة بناء أسس العيش المشترك، يتقدم الفكر الفلسفي ليؤدي وظيفة نقدية وتأسيسية في آن واحد. وفي هذا الإطار، يبرز باروخ سبينوزا بوصفه أحد أعمدة الفلسفة الحديثة الذين سعوا إلى تحرير السياسة من هيمنة اللاهوت، دون الوقوع في العدمية أو الفوضى.

لقد عاش سبينوزا في سياق أوروبي اتسم بالصراعات الدينية والانقسامات السياسية، مما جعله يدرك أن مصدر الأزمة لا يكمن فقط في اختلاف المعتقدات، بل في غياب إطار عقلاني ينظم العلاقة بين الأفراد داخل الدولة. ومن هنا، تشكل مشروعه السياسي كاستجابة فلسفية تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي على أساس عقلاني، يضمن في الوقت ذاته حرية التفكير والتعبير.

السياق التاريخي وتشكّل الوعي السياسي:

لا يمكن فهم التصور السياسي السبينوزي دون استحضار السياق التاريخي الذي تشكّل فيه. فقد ولد سبينوزا سنة 1632 في أمستردام، داخل مجتمع متعدد الانتماءات الدينية، وعرف مبكراً تجربة الإقصاء بعد طرده من الجماعة اليهودية بسبب آرائه النقدية. وقد كان لهذا الحدث أثر عميق في توجيه تفكيره نحو مساءلة أسس السلطة، سواء كانت دينية أو سياسية.

إن تجربة النفي هذه لم تكن مجرد حادثة عرضية، بل شكلت لحظة تأسيسية دفعت سبينوزا إلى البحث عن نموذج سياسي بديل يضمن حرية الفرد داخل إطار جماعي منظم. ومن هنا، يمكن القول إن مشروعه السياسي هو استجابة فلسفية لأزمة تاريخية، تتجاوز سياقها الخاص لتطرح أسئلة ما تزال راهنة إلى اليوم .

الحق الطبيعي كأساس أنطولوجي للسياسة:

يشكل مفهوم الحق الطبيعي حجر الزاوية في البناء السياسي لدى سبينوزا. غير أن هذا المفهوم يأخذ لديه دلالة مغايرة للتصورات التقليدية، إذ لا يرتبط بالقيم الأخلاقية أو القوانين الوضعية، بل يعبر عن قدرة الكائن على الفعل. فكل موجود، بحسب سبينوزا، يمتلك من الحق بقدر ما يمتلك من القوة.

هذا التصور يفضي إلى فهم واقعي للطبيعة البشرية، حيث لا يُنظر إلى الإنسان ككائن أخلاقي بالضرورة، بل ككائن يسعى إلى الحفاظ على وجوده. ومن ثم، فإن الصراع يصبح عنصراً بنيوياً في حالة الطبيعة، مما يجعل الانتقال إلى الدولة ضرورة لا مفر منها.

غير أن هذا الربط بين الحق والقوة يثير إشكالاً فلسفياً عميقاً، يتمثل في مدى إمكانية تأسيس نظام عادل على أساس غير معياري، وهو ما يفتح المجال لنقد المشروع السبينوزي من زاوية أخلاقية.

الدولة كضرورة عقلانية لتنظيم الوجود المشترك:

ينتقل سبينوزا من تحليل حالة الطبيعة إلى تبرير قيام الدولة بوصفها ضرورة عقلانية. فحالة الطبيعة، رغم ما تتيحه من حرية، تظل غير مستقرة، لأنها تقوم على صراع دائم بين الأفراد. ومن هنا، تظهر الدولة كإطار تنظيمي يهدف إلى ضمان الأمن وتحقيق الاستقرار.

غير أن ما يميز هذا التصور هو أن الدولة لا تُفهم كقيد على الحرية، بل كشرط لتحقيقها. فهي تتيح للأفراد الانتقال من وضع تحكمه الأهواء إلى وضع تحكمه القوانين، وهو ما يعزز قدرتهم على العيش المشترك .

ومع ذلك، فإن هذا التبرير العقلاني للدولة لا يخلو من توتر، إذ يمنحها سلطة واسعة قد تتحول، في بعض السياقات، إلى أداة للهيمنة، وهو ما يستدعي إعادة التفكير في حدود السلطة السياسية.

السيادة بين المصلحة العامة وإشكال السلطة:

يمنح سبينوزا للسلطة السياسية مكانة مركزية، حيث يعتبرها الجهة الوحيدة المخولة بتنظيم الشأن العام. وتستمد هذه السيادة مشروعيتها من قدرتها على تحقيق المصلحة المشتركة، لا من أي أساس ديني أو تقليدي.

غير أن هذا التصور يطرح تساؤلات نقدية، تتعلق بمدى إمكانية ضمان التزام الدولة بهذا الهدف. فالتاريخ يبين أن السلطة، حتى حين تُبرر عقلانياً، قد تنحرف عن غاياتها، وهو ما يجعل من الضروري التفكير في آليات لضبطها.

الحرية الفكرية كشرط للاستقرار السياسي:

يُعد دفاع سبينوزا عن حرية التفكير من أبرز ملامح مشروعه السياسي، حيث يرى أن قمع الأفكار لا يؤدي إلا إلى زعزعة الاستقرار. ولذلك، يدعو إلى ضمان حرية التعبير، معتبراً أنها لا تتعارض مع سلطة الدولة، بل تعززها.

غير أن هذه الحرية لا تُفهم بمعناها المطلق، بل ضمن حدود تضمن عدم الإضرار بالنظام العام. وهنا يظهر التوازن الدقيق الذي يسعى إليه سبينوزا بين الحرية والنظام، وهو توازن يظل إشكالياً، لكنه يعكس وعياً عميقاً بتعقيد الحياة السياسية.

على سبيل الختام:

يتضح من خلال هذا التحليل أن المشروع السياسي لدى باروخ سبينوزا يمثل محاولة فلسفية متقدمة لتأسيس دولة عقلانية، قوامها تنظيم القوة وتحقيق الحرية. فقد نجح في تجاوز التبريرات اللاهوتية التقليدية، مقدماً تصوراً يقوم على فهم واقعي للطبيعة البشرية.

غير أن هذا المشروع، رغم قوته النظرية، يظل محكوماً بتوتر داخلي بين منطق السلطة ومتطلبات الحرية، وهو ما يجعله مفتوحاً على التأويل والنقد. وتكمن أهميته اليوم في كونه يتيح أفقاً للتفكير في شروط بناء دولة حديثة، خاصة في السياق العربي والمغربي، حيث تظل مسألة التوازن بين الاستقرار السياسي وضمان الحريات من أبرز التحديات.

نتائج الدراسة

يؤسس سبينوزا لنظرية سياسية عقلانية مستقلة عن اللاهوت.

الدولة ضرورة لتنظيم الحرية لا لإلغائها.

الحرية الفكرية شرط للاستقرار السياسي.

المشروع السبينوزي يتضمن توتراً بين السلطة والحرية.

توصيات الدراسة

ضرورة توظيف الفكر السبينوزي في تحليل الإشكالات السياسية المعاصرة.

تعزيز حرية التفكير كمدخل للإصلاح.

تطوير دراسات مقارنة بين سبينوزا والفكر السياسي الإسلامي

استثمار هذا التصور في بناء نموذج سياسي متوازن في الدول العربية.

***

د. منير محقق

................................

لائحة المصادر والمراجع

Spinoza, B. (2002). Ethics (Trans. Edwin Curley). Penguin Classics. (Original work published 1677)

Spinoza, B. (2020). Theological-Political Treatise (Trans. Michael Silverthorne & Jonathan Israel). Cambridge University Press. (Original work published 1670)

Strauss, L. (1952). Persecution and the Art of Writing. University of Chicago Press.

Balibar, E. (1998). Spinoza and Politics. Verso.

Zac, S. (1998). Spinoza et la politique. Presses Universitaires de France.

الهوية الوطنية بمعنى، والهوية الأيديولوجية العقائدية بمعنى آخر. نصاب الهوية الوطنية يتأسس على الانتماء إلى رقعة جغرافية، ومصير مشترك، ومصالح يلتقي فيها الجميع، وتاريخ تتوالى فيه التجارب، وذاكرة جمعية تتشكل في وعي الناس، وتتجسد في ثقافة جامعة ورموز مشتركة تتحذر في اللاشعور السياسي، لا تلغي الاختلافات الدينية والمذهبية والقومية، بل تحتضنها في أفق عيش مشترك. وتتكشف ملامح هذه الثقافة فيما يتراكم في العقل الجمعي من سرديات تستحضر منعطفات نشأة الوطن، وتؤرخ لتحولاته، وتعيد وصل الحاضر بجذوره الممتدة في الزمن، بحيث تغدو الهوية الوطنية إطارًا جامعًا يمنح المعنى للانتماء، ويصون كرامة الإنسان بوصفه مواطنًا قبل كل انتماء آخر.كما تتجلى الهوية الوطنية في الشخصيات المؤسسة، وفي كل شخصية استثنائية تركت بصمة مضيئة في بناء الوطن وتجذير الانتماء إليه عبر التاريخ، وأسهمت في تشييد كيانه السياسي والثقافي والرمزي والديني والقيمي. وتنعكس الهوية الوطنية في اللغة والآداب والفنون السمعية والبصرية، وفي الأديان والمعتقدات، والأساطير والأمثال، والعلوم والمعارف المتنوعة. كذلك يكون الشعار الرسمي للدولة مرآة لهذه الهوية، مضافًا إلى النشيد الوطني، والمناسبات والأعياد، والفلكلور، والأماكن الأثرية والمعمارية التي تستفيق فيها الذاكرة، وتستعيد ما هو جميل في الماضي حضورًا متجددًا في وعي الجماعة. وتتكشف الهوية الوطنية في المطبخ وأنواع الأطعمة، واللباس والأزياء، والأذواق، والرياضات الجماعية، مثل كرة القدم اليوم، وفي كل ما يسهم في توليد الشعور بالاستمرارية التاريخية، ويغذي الإحساس بالارتباط العاطفي العميق بالوطن، ويعيد ترميم أواصر الألفة والتضامن، في إطار كيان سياسي يلتقي فيه المواطنون بوصفهم جزءًا حيًا من نسيجه، وأمناء على ذاكرته، ومشاركين في مصيره، ومسؤولين عن تنميته وحمايته.

الهوية الوطنية هوية جامعة، لا تنغلق على مكون واحد، ولا تسمح باحتكار الوطن لهوية فرعية دينية أو طائفية أو قومية دون سواها. إنها هوية تتسع لمختلف المواطنين، بتنوع أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم ولغاتهم، وتؤمن بأن العيش المشترك لا ينهض إلا على الاعتراف بحق المواطن أن يكون مختلفًا في إطار كيان سياسي واحد، وعلى شراكة الجميع في بناء الوطن وحمايته.

تبتني هذه الهوية على المواطنة الدستورية، التي تعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتؤسس للمساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص بوصفهما شرطًا للكرامة والعيش المشترك. وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ "العدالة بوصفها إنصافًا"، كما بلوره جون رولز (1921–2002) في كتابه "نظرية في العدالة"، حيث لا تتحقق العدالة إلا حين تُصان حقوق الجميع على قدم المساواة، وتُوزع الفرص بما يضمن لكل إنسان إمكانات متكافئة في بناء حياته والمشاركة في صناعة مصيره. وتخضع الجميع لسلطة القانون، وترفض التمييز بكل أشكاله، مهما كان تبريره. إنها هوية تصغي إلى صوت العقل، وتحتكم إلى عقد وطني يضمن التعدد ويحمي السلم الأهلي، ويعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين على أسس تعيد بناء الانتماء للوطن، وتحرر الولاء من أسر الانتماءات الفرعية الضيقة التي تعزل الإنسان في مضايق القومية أو الطائفة، وتعيد توجيه بوصلته نحو الوطن بوصفه الإطار الأوسع الذي ينتظم فيه التنوع، وتتكامل فيه الخصوصيات، من دون أن تتنكر للانتماءات الدينية أو المذهبية أو القومية، بل تعيد إدماجها في أفق الهوية الوطنية الجامعة، ليغدو الانتماء للوطن أصلًا، وما عداه من انتماءات فروعًا تلتقي جميعها فيه.

أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي انتماء إلى معتقد ما، حين يتحول هذا المعتقد إلى أيديولوجيا مغلقة، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا. تتسم هذه الهوية الأيديولوجية بالانغلاق، إذ تنبني على يقين مغلق يختزل العالم في ثنائية حادة: مَن ينتمي إليها، ومَن يقع خارجها. في أفقها يتضخم وهم الاصطفاء، ويتشكل وعي متعالٍ يستمد شرعيته من شعور بالتفوق المتخيل، فتغدو الهوية الجمعية مشروطة بنفي الآخر وإقصائه، لا بالانفتاح عليه أو الاعتراف بحقه في أن يكون مختلفًا. في هذا الواقع، لا يعود الانتماء للوطن مرجعية جامعة، إذ يتراجع لصالح ولاء ضيق يستمد معناه من الجماعة العقائدية، فتتآكل فكرة الدولة بوصفها إطارًا مشتركًا، وتختزل في كيان هش لا يحتمل التعدد. ومع هذا الاختزال، تُهمَّش المصلحة الوطنية، ويعاد ترتيب سلم القيم على نحو يجعل الولاءات الفرعية مقدمة على كل أفق جامع، فينحسر المعنى الإنساني للسياسة، وتفقد الجماعة قدرتها على إنتاج معاني العيش المشترك الذي يؤسس للسلم والعدالة.

تنتج الهوية الأيديولوجية العقائدية خطابًا تعبويًا مشحونًا باليقين المغلق، لا يعترف بالتنوع، ولا يحتمل الاختلاف، ولا يقر بحق الآخر في العيش المشترك. ينظر إلى الحقيقة بوصفها ملكًا حصريًا لا يقبل القسمة، فتتحول اللغة في هذا الواقع إلى أداة تعبئة، وتغدو الهوية سورًا يحاصر المعنى ويمنع انفتاحه، فيُختزل الإنسان في انتمائه، ويُختزل العالم في صورة واحدة لا ترى إلا ذاتها. في مقابل ذلك، تمثل الهوية الوطنية مشروعًا لبناء كيان سياسي يتسع للجميع، يقوم على العيش معًا بكرامة في ظل دولة القانون، حيث تكون المواطنة أساس الانتماء، والعدالة شرط الشرعية، وأفقًا مفتوحًا تتعايش فيه الاختلافات وتتكامل فيه الخصوصيات دون أن تفقد وحدتها في إطار جامع. أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي مشروع احتكار للمعنى والسلطة والوطن والمواطن، تختزل الحقيقة في تفسير واحد، وتختطف الوطن لحساب جماعة، فتقوض وحدة المجتمع، وتزعزع أسس الدولة الوطنية، لأن الكيان السياسي لا يستقر إلا حين يقوم على الاعتراف المتبادل، لا على الإقصاء، ولا على ادعاء امتلاك الحقيقة باسم العقيدة.

 حين يتحول الدين إلى أيديولوجيا أصولية، يجري ترحيله من مجاله الروحي والأخلاقي والجمالي، ويُعاد توطينه في حقول الصراع على السلطة والثروة، كما جرى في تجارب الأيديولوجيات القومية واليسارية. في هذا التحول يفقد الدين رسالته بوصفه أفقًا للمعنى، ويتحول إلى أداة للاستحواذ، ويُختزل في تنازع النفوذ والسيطرة، وتُسخَّر لغته لتعبئة الأتباع وتجييش مشاعرهم باسم الدفاع عن العقيدة. عندئذ تهبط رسالة الدين من غايتها في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إلى وظيفة أيديولوجية مغلقة لا ترى في العالم إلا ساحة صراع. في هذا الواقع، لا تعترف الأصوليات بالهوية الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا، ولا تُقر بشرعية الدولة التي تقوم على هذه الهوية وتكفل استيعاب التنوع والاختلاف في فضاء العيش المشترك، إنما تعمل على تجاوز حدود الوطن، وتقصي كل من لا ينتمي إلى حدودها الأيديولوجية، فتفكك المجال العام، وتُقوّض إمكان بناء دولة تحتضن الجميع على أساس المساواة والعدالة والمواطنة وحق كل مواطن أن يكون مختلفًا.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

ملخص الدراسة: تتناول هذه الدراسة إشكالية النظرية السوسيولوجية من حيث طبيعتها ووظيفتها داخل الحقل المعرفي، من خلال تحليل علاقتها بالحس المشترك، وبقدرتها على تفسير الواقع الاجتماعي وكشف بنياته العميقة. وتنطلق من فرضية مركزية مفادها أن النظرية لا تقتصر على كونها أداة للفهم، بل تتجاوز ذلك لتصبح أداة نقدية تساهم في تفكيك آليات الهيمنة وإعادة إنتاج اللامساواة. وقد اعتمدت الدراسة مقاربة تحليلية تركيبية، مستحضرة نماذج فكرية بارزة مثل بيير بورديو وإمييل دوركايم وكارل ماركس وماكس فيبر، وذلك بهدف إبراز التوتر القائم بين البعد التفسيري والبعد النقدي للنظرية. وتخلص الدراسة إلى أن القيمة الحقيقية للنظرية السوسيولوجية تكمن في قدرتها على الجمع بين الفهم والتغيير، وعلى تحويل المعرفة إلى أداة لتحرير الوعي من البداهات الزائفة، وهو ما ينسجم مع ما يؤكده غاستون باشلار  حين يرى أن "العلم لا يتقدم إلا عبر القطيعة مع الرأي" (Bachelard, 1938/2004).

على سبيل الافتتاح:

ليس من المبالغة القول إن سؤال النظرية يمثل أحد أكثر الأسئلة إلحاحا في الفكر الإنساني، ذلك أنه لا يتعلق فقط بطبيعة المعرفة، بل يمتد ليشمل علاقة الإنسان بالعالم، وحدود قدرته على فهمه وتغييره. فالنظرية ليست مجرد بناء مفاهيمي معزول عن الواقع، بل هي فعل عقلي مركب يسعى إلى تنظيم التجربة الإنسانية داخل نسق من العلاقات القابلة للفهم والتحليل.

غير أن أهمية هذا السؤال تتضاعف حين يتعلق الأمر بالسوسيولوجيا، لأن موضوعها ليس مادة صامتة، بل واقع اجتماعي مشبع بالقيم والصراعات والرهانات. ومن هنا، فإن النظرية السوسيولوجية لا تختبر فقط بقدرتها على تفسير الظواهر، بل أيضًا بقدرتها على زعزعة المسلمات، وكشف ما يتخفى خلف البداهات اليومية من علاقات قوة وهيمنة، وهو ما يجعلها منخرطة في ما يشبه " الشك المنهجي" الذي دافع عنه ديكارت  حين اعتبر أن "الشك هو الطريق إلى اليقين"

 (Descartes, 1637/1998).

وعلى هذا الأساس، تطرح هذه الدراسة إشكالية مركزية مفادها:

هل تظل النظرية السوسيولوجية أداة للفهم فقط، أم أنها تنفتح على أفق النقد والتغيير؟

 النظرية كقطيعة إبستمولوجية مع الحس المشترك:

إن أول ما تكشفه القراءة المتأنية لمفهوم النظرية هو أنها تمثل قطيعة حقيقية مع الحس المشترك، لا امتدادًا له. فالرأي، مهما بدا مقنعا، يظل مرتبطًا بالتجربة المباشرة والانطباع الشخصي، في حين أن النظرية تقوم على بناء مفهومي منظم، يخضع لمنطق الاختبار والتحقق (Popper, 2002).

ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال من الرأي إلى النظرية هو انتقال من مستوى الإدراك العفوي إلى مستوى الوعي النقدي، حيث لا يعود الواقع معطى جاهزًا، بل يصبح موضوعًا للتفكيك وإعادة البناء، في انسجام مع أطروحة غاستون باشلار التي تؤكد أن المعرفة العلمية تتأسس على القطيعة مع الرأي (Bachelard, 1938/2004). وهذا ما يجعل النظرية فعلًا إبستمولوجيًا بامتياز، لأنها تعيد تشكيل العلاقة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة.

ولا تقف أهمية النظرية عند هذا الحد، بل تتجلى كذلك في قدرتها على اختزال تعقيد الواقع. فالعالم الاجتماعي، كما يشير ماكس فييبر ، لا يمكن إدراكه في شموليته دون اللجوء إلى نماذج مفهومية تساعد على تنظيم

 (Weber, 1978).

وهنا تؤدي النظرية وظيفة مركزية تتمثل في تحويل التعدد الفوضوي والعشوائي للوقائع إلى نسق من العلاقات القابلة للفهم.

غير أن هذا الاختزال لا يعني تبسيط الواقع بقدر ما يعني إعادة بنائه في صورة أكثر قابلية للإدراك، وهو ما يجعل النظرية أداة للاقتصاد في الفكر، لا اختزالا ساذجًا للواقع.

النظرية السوسيولوجية وتفكيك البداهة الاجتماعية:

إذا كانت النظرية العلمية عمومًا تفسر العالم، فإن النظرية السوسيولوجية تضطلع بوظيفة أكثر عمقا، تتمثل في نقد البداهة الاجتماعية. فالحس المشترك لا يعكس الواقع كما هو، بل يعيد إنتاجه في صورة تبدو طبيعية، بينما هي في الحقيقة نتاج تاريخي واجتماعي.

في هذا السياق، يبرز تصور بيير بورديو الذي يرى أن علم الاجتماع يمثل علما تفكيكيًا ناقدا للبداهات الاجتماعية، لأنه يكشف ما تحرص البنيات الاجتماعية على إخفائه (Bourdieu, 1990). وهذا التصور يلتقي مع طرح ميشيل فوكو الذي يؤكد أن "ليست مهمتنا أن نكتشف ما نحن عليه، بل أن نرفض ما نحن عليه" (Foucault, 1982)، مما يعني أن المعرفة الحقيقية لا تكتفي بالتشخيص، بل تنخرط في مساءلة أنماط السلطة الكامنة في المجتمع.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك تحليل بورديو للنجاح المدرسي، حيث يبين أن هذا النجاح لا يرتبط فقط بالقدرات الفردية، بل يتحدد أيضًا من خلال ما يسميه "الرأسمال الثقافي" و"الرأسمال الاجتماعي"

(Bourdieu, 1986).

وهنا تتحول النظرية إلى أداة لكشف العنف الرمزي، أي ذلك الشكل الخفي من الهيمنة الذي يمارس عبر اللغة والتصنيفات الاجتماعية.

إن القيمة الفلسفية لهذا التحليل تكمن في أنه يحرر الوعي من وهم الجدارة الفردية، ويكشف أن اللامساواة ليست قدرا طبيعيا، بل نتيجة لبنيات اجتماعية قابلة للتحليل والتغيير، وهو ما يتقاطع مع أطروحة كارل ماركس التي ترى أن " الأفكار السائدة في كل عصر ليست سوى أفكار الطبقة السائدة"

 (Marx & Engels, 1845/1970).

بين الفهم والتغيير: التوتر المؤسس للنظرية

لا تكتمل وظيفة النظرية السوسيولوجية عند حدود الفهم، بل تنفتح على سؤال التغيير. وهنا يظهر التوتر الذي أشار إليه كارل ماركس حين أكد أن تفسير العالم لا يكفي، بل يجب تغييره (Marx, 1978).

غير أن هذا الطرح لا يعني إلغاء البعد المعرفي، بل يؤكد أن المعرفة تكتسب معناها الكامل حين تنخرط في الواقع. وفي هذا الإطار، يلتقي تصور ماركس مع تصور إمييل دوركايم الذي يرى أن السوسيولوجيا يجب أن تكون مفيدة للمجتمع، وأن تساهم في فهم مشكلاته (Durkheim, 2002).

وهكذا، فإن النظرية السوسيولوجية تتحرك داخل توتر خلاق بين مطلب الفهم وأفق التغيير، وهو توتر يعكس، في عمقه، ما أشار إليه تيودور أدورنو Theodor Adorno حين أكد أن "مهمة الفكر ليست تفسير الواقع فحسب، بل مقاومة ما هو قائم فيه" (Adorno, 1966).

 إشكالية الحياد العلمي وحدود المعرفة:

من القضايا المركزية التي تطرحها النظرية السوسيولوجية مسألة الحياد العلمي. فهل يمكن للعلم أن يكون محايدًا؟

إن التحليل يكشف أن هذا الحياد يظل نسبيًا، لأن موضوع السوسيولوجيا نفسه مشحون بالقيم والصراعات. بل إن حتى العلوم الطبيعية ليست بمنأى عن هذه الإشكالية، لأن تطبيقاتها تمتد إلى مجالات تمس حياة الإنسان بشكل مباشر.

وفي هذا السياق، يؤكد ماكس فييبر أن "اختيار موضوع البحث نفسه محكوم بالقيم" (Weber, 1949)، وهو ما يعني أن العلم لا ينفصل كليًا عن رهانات العالم الاجتماعي.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد فقط: هل المعرفة صحيحة؟

بل أصبح: ما آثار هذه المعرفة؟ وكيف تُستخدم؟

وهذا ما يحول النظرية من مجرد أداة تفسير إلى أداة مسؤولية.

على سبيل الختام:

يتضح من خلال هذا التحليل أن النظرية السوسيولوجية ليست مجرد بناء مفهومي يهدف إلى تفسير الواقع، بل هي شكل من أشكال الوعي النقدي الذي يعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. فهي تكشف أن ما يبدو بديهيًا ليس كذلك، وأن ما يُقدم بوصفه طبيعيًا قد يكون نتاجا لبنيات تاريخية واجتماعية معقدة.

إن القيمة الحقيقية للنظرية تكمن في قدرتها على الجمع بين الدقة العلمية واليقظة الأخلاقية، وبين الفهم والتغيير. فهي لا تمنحنا فقط أدوات لتحليل الواقع، بل تفتح أمامنا أفقًا لتجاوزه، بما ينسجم مع التصور الذي يجعل الفكر ممارسة نقدية لا تكتفي بوصف العالم، بل تسعى إلى تغييره ومساءلته باستمرار.

نتائج الدراسة

تكشف الدراسة أن النظرية السوسيولوجية تمثل انتقالا نوعيا من الحس المشترك إلى الوعي العلمي، وأنها تؤدي وظيفة مزدوجة تجمع بين التفسير والنقد. كما تبين أن السوسيولوجيا تساهم في كشف آليات الهيمنة وإعادة إنتاج اللامساواة، وأن الحياد العلمي يظل محدودًا أمام تشابك المعرفة بالقيم. وأخيرا، تؤكد الدراسة أن النظرية تكتسب قيمتها من قدرتها على الربط بين الفهم والمسؤولية.

التوصيات

توصي الدراسة بضرورة تعزيز تدريس النظرية السوسيولوجية في بعدها النقدي، وعدم اختزالها في الجانب التقني فقط، مع تشجيع الأبحاث التي تربط بين المعرفة والواقع الاجتماعي. كما تدعو إلى تطوير وعي علمي يعترف بمسؤولية المعرفة، وإلى الانفتاح على المقاربات التي تجعل من النظرية أداة لفهم العالم وتغييره في آن واحد.

****

د. منير محقق: كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

..............................

لائحة المصادر والمراجع

Adorno, T. (1966). Negative Dialectics. Routledge.

Bachelard, G. (2004). The Formation of the Scientific Mind. (Original work 1938).

Bourdieu, P. (1986). The forms of capital.

Bourdieu, P. (1990). In Other Words.

Descartes, R. (1998). Discourse on Method. (Original work 1637).

Durkheim, É. (2002). Suicide. (Original work 1897).

Foucault, M. (1982). The Subject and Power.

Marx, K. (1978). Theses on Feuerbach.

Marx, K., & Engels, F. (1970). The German Ideology.

Popper, K. (2002). The Logic of Scientific Discovery.

Weber, M. (1949). The Methodology of the Social Sciences.

Weber, M. (1978). Economy and Society.

من دين موجه للناطقين بلغة الضاد من العرب إلى رسالة عالمية تخاطب كل الشعوب بألسنتها

مقدمة: يُشكل الإسلام، في جوهره الحضاري، رسالة عالمية منذ لحظة نزولها الأولى، إذ أعلن القرآن الكريم أنه «هدى للناس» و«رحمة للعالمين». غير أن هذه العالمية لم تتحقق تاريخياً كاملة في شكلها اللغوي والثقافي، إذ ظل الإسلام، في طوره الأول، مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بلغة الضاد – اللغة العربية – التي كانت وعاء الوحي ووسيلة نشره الأولى بين العرب. هذا الارتباط لم يكن عيباً بل ضرورة تاريخية، إلا أنه أصبح، مع مرور القرون، حاجزاً حضارياً جزئياً أمام تحقيق العالمية الكاملة التي تتطلب مخاطبة كل شعوب الأرض بلغاتها الخاصة، وفي سياقاتها الثقافية والحضارية الخاصة.

السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الدراسة هو: ما هي الشروط الحضارية الضرورية لتحول الإسلام من دين يُفهم ويُمارس أساساً من خلال اللغة العربية وتراثها العربي، إلى رسالة عالمية حقيقية تخاطب الإنسانية جمعاء بألسنتها، دون أن يفقد جوهره أو يتحول إلى دين «مُعرَّب» يُفرض على الآخرين؟ المقاربة الحضارية هنا تتجاوز الجانب اللاهوتي الضيق إلى رؤية شاملة ترى الإسلام حضارة متكاملة، قادرة على التفاعل الإيجابي مع الحضارات الأخرى، ومستعدة للاندماج العضوي مع تنوع البشرية اللغوي والثقافي. هذا التحول ليس تنازلاً عن الأصول، بل هو إكمال لرسالته الكونية، يعيد الإسلام إلى موقعه الطبيعي كقوة حضارية عابرة للحدود والأعراق واللغات.

 المقاربة الحضارية للإسلام كرسالة كونية

في المقاربة الحضارية، لا يُنظر إلى الإسلام كمجرد عقيدة فردية أو نظام تشريعي، بل كحضارة شاملة تشمل العقيدة والشريعة والثقافة والاجتماع والاقتصاد والسياسة. هذه الحضارة ليست ثابتة جامدة، بل هي ديناميكية، قادرة على الاستجابة للتحولات التاريخية دون أن تفقد هويتها. التحول المطلوب إذن هو انتقال من «عربية الإسلام» (كمرحلة تأسيسية) إلى «عالمية الإسلام» (كمرحلة إكمال حضاري). هذا الانتقال يتطلب شروطاً موضوعية حضارية، لا مجرد قرارات فردية أو فتويات، بل تغييرات بنيوية في البنية اللغوية والثقافية والاجتماعية للأمة الإسلامية.

الشرط الأساسي لهذا التحول هو الوعي الحضاري بأن اللغة العربية، رغم قدسيتها كلغة الوحي، ليست شرطاً للإيمان، بل وسيلة. القرآن نفسه أكد أنه «قرآن عربي مبين» ليُبلغ العرب أولاً، لكنه في الوقت ذاته أمر بتبليغه للناس كافة. لذا فإن التحول يعني تحرير الرسالة من قيود اللغة الواحدة، مع الحفاظ على الجوهر العقائدي والأخلاقي الذي لا يتغير.

الشرط الأول: التحول اللغوي والترجمة الحضارية الإبداعية

أول شروط التحول هو إنجاز ترجمة حضارية إبداعية للنصوص المقدسة والتراث الإسلامي إلى كل لغات العالم. ليست الترجمة الحرفية كافية؛ بل يجب أن تكون ترجمة حضارية تُعيد صياغة المعاني داخل السياق اللغوي والثقافي لكل شعب. على سبيل المثال، في اللغات الهندية أو الصينية أو الإفريقية أو اللاتينية الأمريكية، ينبغي أن تُقدم المفاهيم الإسلامية كـ«توحيد» أو «عدل» أو «رحمة» بمصطلحات تلامس الوعي المحلي، دون تشويه المعنى الأصلي.هذا الشرط يتطلب تطوير علم لغوي إسلامي جديد يدرس كيفية نقل الدلالات القرآنية إلى بنى لغوية مختلفة جذرياً (مثل اللغات غير السامية). كما يستدعي إنشاء مراكز ترجمة عالمية تعمل على إنتاج تفاسير قرآنية بلغات الشعوب، مع التركيز على الجوانب الكونية مثل العدالة الاجتماعية والأخلاق البيئية والسلام الإنساني. دون هذا التحول اللغوي، يبقى الإسلام «دين العرب» في نظر غير الناطقين به، حتى لو اعتنقوه.

الشرط الثاني: الاندماج الثقافي والتفاعل الحضاري المتبادل

ثاني الشروط هو الانتقال من «الاستيعاب» الثقافي إلى «الاندماج العضوي». في المرحلة العربية الأولى، كان الإسلام يُعرِّب الشعوب الأخرى (كالفرس والبربر). أما في مرحلة العالمية، فيجب أن يندمج الإسلام مع حضارات الشعوب الأخرى: يأخذ منها ما يتوافق مع مبادئه، ويعطيها ما يثريها. في إندونيسيا، على سبيل المثال، اندمج الإسلام مع الثقافة المحلية دون أن يفقد جوهره، وفي أفريقيا جنوب الصحراء أصبح جزءاً من التراث الشفهي والموسيقي.هذا الاندماج يتطلب قبول التنوع الثقافي كسنة إلهية («وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا»). الشرط الحضاري هنا هو إلغاء أي تفوق عرقي أو لغوي داخل الأمة الإسلامية، وتحويل الإسلام إلى إطار حضاري يحتضن اللغات والعادات المحلية طالما لم تتعارض مع الثوابت. هكذا يصبح الإسلام رسالة تخاطب الهندي بلغته وتراثه، والأوروبي بمنطقه، والأفريقي بروحانيته.

الشرط الثالث: الإصلاح الفكري والعقائدي الذي يُبرز البُعد الكوني

يتطلب التحول إصلاحاً فكرياً عميقاً يُعيد النظر في بعض التفسيرات التقليدية التي ربطت الإسلام بالعروبة ارتباطاً عضوياً. يجب أن يُبرز الفكر الإسلامي الجديد أن النبي محمداً ﷺ أُرسل «للعالمين» لا للعرب وحدهم، وأن الصحابة غير العرب (كسلمان الفارسي وبلال الحبشي) كانوا نموذجاً للعالمية المبكرة. هذا الإصلاح يشمل إعادة قراءة التاريخ الإسلامي ليُظهر كيف انتشر الإسلام عبر التجارة والتصوف والزواج المختلط، لا بالسيف فقط.كما يتطلب تطوير علم كلام جديد يؤكد على التوحيد كمبدأ كوني يخاطب كل العقول، وعلم أخلاق إسلامي يُترجم إلى قيم عالمية مشتركة مثل العدالة والرحمة والمساواة. دون هذا الإصلاح الفكري، يبقى الإسلام محصوراً في تراث عربي يصعب على غير العرب استيعابه.

الشرط الرابع: السياق الاجتماعي والسياسي المستقل

لا يمكن للتحول أن يحدث في فراغ اجتماعي. يشترط وجود مجتمعات إسلامية مستقلة سياسياً واقتصادياً، قادرة على بناء نماذج حضارية ناجحة تُقدم الإسلام كبديل حضاري للنظم المادية أو الاستهلاكية. هذه المجتمعات يجب أن تكون متعددة اللغات والأعراق داخلياً، وأن تُروج للتعليم الإسلامي باللغات المحلية، وأن تفتح أبواب الدعوة للعالم كله.

سياسياً، يتطلب الأمر رفض أي شكل من أشكال «القومية العربية» التي تجعل الإسلام أداة للهيمنة العرقية، وتبني بدلاً منها «الأممية الإسلامية» التي ترى كل مسلم – عربياً كان أم غير عربي – شريكاً متساوياً في بناء الحضارة.

الشرط الخامس: الدور التكنولوجي والتواصل العالمي في عصر المعلومات

في العصر الحديث، أصبحت التكنولوجيا شرطاً حاسماً. الإنترنت والذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية المتقدمة تتيح مخاطبة ملايين الناس بلغاتهم لحظياً. الشرط الحضاري هنا هو استثمار هذه التقنيات في إنتاج محتوى إسلامي أصيل بلغات العالم، مع الحرص على الجودة الثقافية. كما يتطلب تطوير تطبيقات ومنصات تعليمية إسلامية تُقدم الصلاة والقرآن والفقه بطريقة تفاعلية تتناسب مع كل ثقافة.

التحديات والمخاطر المحتملة

رغم ذلك، يواجه هذا التحول تحديات حضارية كبرى: خطر الذوبان الثقافي إذا أدى الاندماج إلى فقدان الثوابت، أو خطر الجمود إذا رفضت الأمة اللغوية التخلي عن احتكارها. كذلك، قد يُستغل التحول من قبل قوى خارجية لتفريغ الإسلام من محتواه الثوري والأخلاقي.

آفاق المستقبل

إذا تحققت هذه الشروط، فإن الإسلام سيتحول إلى رسالة عالمية حقيقية، تخاطب كل شعوب الأرض بلغاتها، وتصبح قوة حضارية رائدة في عالم متعدد الأقطاب. سيعود الإسلام إلى دوره التاريخي كجسر بين الحضارات، وكقوة تجمع بين الروحانية والتقدم، بين التوحيد والتنوع.

خاتمة

تحول الإسلام إلى رسالة عالمية تخاطب كل الشعوب بالسنتها ليس حلماً بعيداً، بل ضرورة حضارية تتطلب شروطاً موضوعية: لغوية وثقافية وفكرية وسياسية وتكنولوجية. هذا التحول لا يعني نهاية الدور العربي، بل إكماله؛ فالعرب سيبقون حملة اللغة الأصلية، لكنهم سيشاركون في حضارة إسلامية عالمية أوسع. بهذا التحول فقط يتحقق معنى «رحمة للعالمين» على أرض الواقع، ويصبح الإسلام ديناً للبشرية جمعاء، يخاطب كل إنسان في لغته وثقافته ووجدانه.

***

د. زهير الخويلدي

من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول

يستوقف الناظر في مسار الفكر المغربي المعاصر ذلك التوتر الخفي بين مطلب العقل بوصفه أداة للفهم والتنظيم وبين مطلب الأخلاق بوصفها أفقا للمعنى والالتزام. توتر لا يُختزل في جدل نظري صرف بل يمتد في عمق التجربة التاريخية والثقافية للمغرب الحديث، حيث تداخلت رهانات التحرر السياسي مع أسئلة الهوية وتشابكت مشاريع التحديث مع استعادة المرجعيات الروحية والفقهية. ويعد السؤال عن العقل سؤالا عن وظيفته وحدوده وعن مشروعيته داخل نسيج ثقافي لم ينفصل قط عن الوازع الأخلاقي كما يغدو السؤال عن الأخلاق بحثا في شروط إمكانها داخل عالم تتسارع فيه آليات العقلنة التقنية وتتضخم فيه سلطة الوسائط.

ذلك أن العقل كما تبلور في كثير من تمثلات الحداثة، اقترن بقدرة الإنسان على السيطرة والتحكم وانصرف إلى تدبير الوسائل وتحقيق النجاعة فغدا ما اصطلح عليه بالعقل الأداتي الذي يقيس الأشياء بمردودها ويزن الأفعال بنتائجها. غير أن هذا التحول لم يمر دون مقاومة داخل السياق المغربي حيث ظلت الذاكرة الفقهية والصوفية تستبطن تصورا للعقل يتجاوز الحساب إلى الاعتبار ويعانق الحكمة بوصفها إدراكا للغايات قبل الوسائل. وهنا تنشأ المفارقة، عقل يندفع في اتجاه التشييء والتقنين وأخلاق تستبطن معنى المسؤولية والتزكية.

وقد عبّر غير واحد من المفكرين المغاربة عن هذا القلق المعرفي والأخلاقي حين نبهوا إلى أن اختزال العقل في وظيفته الأداتية يؤدي إلى فراغ معياري خطير، إذ يغدو الفعل الإنساني قابلا للتبرير متى تحقق له النجاح أو النفع ولو على حساب القيم المؤسسة للعيش المشترك. هذا التحذير يجد صداه في التراث الإسلامي ذاته حيث اقترن العقل بالحكمة والحكمة بالإصابة في القول والعمل، حتى قيل إن “العقل ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان” في دلالة على تلازم المعرفة والالتزام وعلى أن إدراك الحقائق لا ينفصل عن تهذيب السلوك.

ضمن هذا الأفق يتبدى أن الإشكال المطروح في الفكر المغربي المعاصر لا يتعلق بمجرد المفاضلة بين العقل والأخلاق بل يرتبط بإعادة بناء العلاقة بينهما على نحو يحرر العقل من نزوعه الاختزالي ويحرر الأخلاق من انغلاقها الوعظي. فالعقل حين ينفصل عن القيم يتحول إلى قوة عمياء والأخلاق حين تنفصل عن العقل تنزلق إلى مجرد تقاليد فاقدة للفاعلية. لذلك كان البحث منصبا على تأسيس نمط من العقلانية يدمج البعد القيمي في صميم الفعل المعرفي ويجعل من المسؤولية مبدأ موجها لكل ممارسة عقلية.

إن هذا التحول من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول لا يفهم إلا في ضوء السياق الذي تشكل فيه الفكر المغربي الحديث، حيث واجهت النخب المثقفة تحديات مزدوجة، تحدي الاستعمار الذي فرض نمطا من العقلانية التقنية المرتبطة بالهيمنة وتحدي التقليد الذي سعى إلى تثبيت أنماط جاهزة من الفهم والسلوك. وبين هذين الحدين نشأ وعي نقدي حاول أن يستعيد للعقل وظيفته التحريرية دون أن يفقد صلته بالأخلاق وأن يؤسس للأخلاق على قاعدة عقلانية دون أن يسقط في النزعة النفعية.

هذا الوعي لم يتشكل دفعة واحدة بل تدرج عبر مسارات متعددة تداخل فيها الفلسفي بالكلامي والفقهي بالصوفي والسياسي بالثقافي. وفي كل هذه المسارات ظل السؤال الأخلاقي حاضرا بوصفه معيارا للحكم على مشروعية الأفكار والممارسات. فالعقل الذي لا يفضي إلى العدل ولا يسهم في ترسيخ الكرامة الإنسانية ولا يعزز قيم التضامن يظل عقلا ناقصا مهما بلغ من الدقة والصرامة. لذلك نجد أن كثيرا من المفكرين المغاربة أعادوا قراءة التراث لا بحثا عن أجوبة جاهزة بل سعيا إلى استخراج إمكاناته الأخلاقية الكامنة وإلى بناء تصور جديد للعقل يستلهم تلك الإمكانات دون أن ينغلق داخلها.

ويعد مفهوم المسؤولية مركزيا في هذا السياق إذ يمثل الجسر الذي يصل بين المعرفة والعمل وبين الفهم والالتزام. فالعقل المسؤول لا يكتفي بإنتاج الأفكار بل ينظر في آثارها ومآلاتها ويستحضر تبعاتها على الإنسان والمجتمع. وهو بهذا المعنى عقل منفتح على الآخر واعٍ بحدوده مدرك لكونه جزءا من شبكة من العلاقات التي تفرض عليه قدرا من التواضع والاحتياط. هذا الوعي بالحدود لا يعني الانكفاء بل يفتح أفقا جديدا للفعل العقلاني حيث تتكامل الحرية مع الواجب وتتداخل المعرفة مع القيم.

وتتضح أهمية تناول العلاقة بين العقل والأخلاق في الفكر المغربي المعاصر لا باعتبارها مسألة نظرية معزولة بل بوصفها مدخلا لفهم التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع ولتقييم المشاريع الفكرية التي سعت إلى توجيه تلك التحولات. فكل حديث عن التحديث أو الإصلاح يظل ناقصا ما لم يندرج ضمن تصور متكامل للعقل بوصفه قوة مسؤولة قادرة على الجمع بين الصرامة المعرفية والالتزام الأخلاقي. وهذا ما يمنح هذا الموضوع راهنيته وعمقه ويجعله جديرا بالبحث والتأمل.

يستدعي النظر في مسألة العقل داخل الفكر المغربي المعاصر استحضار ذلك التحول الدلالي العميق الذي مسّ مفهومه ووظيفته إذ لم يعد العقل مجرد ملكة إدراكية محايدة تتلقى المعطيات وتنسقها وفق قواعد منطقية بل أضحى بنية مركبة تتداخل فيها المعرفة بالقيمة وتتقاطع داخلها رهانات الفهم مع مقتضيات الفعل. هذا التحول يضعنا أمام نمطين متمايزين من العقلانية: عقل يتجه نحو الأداتية في صيغتها التقنية الحديثة وعقل يسعى إلى استعادة بعده القيمي عبر ما يمكن تسميته بالعقل المسؤول. وبين هذين النمطين يتشكل المجال النظري الذي اشتغلت فيه أبرز الأطروحات المغربية حيث جرى تفكيك آليات العقل الأداتي والكشف عن محدوديته في مقابل البحث عن أفق يؤسس لفاعلية عقلية مندمجة في نسيج أخلاقي حي.

إن العقل الأداتي كما تبلور في التجربة الحداثية الغربية ارتبط بقدرة الإنسان على تحويل العالم إلى موضوع للسيطرة والتدبير. المعرفة في هذا السياق تتحدد بقدر ما تمنحه من إمكانات التحكم والقيمة تقاس بمدى النجاعة والفعالية. وقد نبه فلاسفة النقد الاجتماعي إلى أن هذا النمط من العقلانية ينزع إلى اختزال الإنسان ذاته إلى وسيلة بحيث تغدو العلاقات الإنسانية خاضعة لمنطق المنفعة والحساب. هذا المنظور حين انتقل إلى السياق العربي والمغربي لم يأت بوصفه مفهوما مجردا بل دخل ضمن مشروع تاريخي ارتبط بالتحديث وبمحاولات اللحاق بركب الحضارة التقنية. غير أن استقباله لم يكن بريئا إذ سرعان ما برزت أسئلة تتعلق بمدى ملاءمته لخصوصية البنية الثقافية التي تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الفقه والتصوف والكلام.

إن أولى ملامح النقد الذي وُجّه إلى العقل الأداتي داخل الفكر المغربي تمثلت في التنبيه إلى طابعه الاختزالي إذ ينزع إلى إقصاء الأبعاد غير القابلة للقياس وفي مقدمتها القيم والمعاني. وقد وجد هذا النقد جذوره في التراث الإسلامي نفسه حيث ارتبط العقل بالحكمة، والحكمة لم تكن مجرد إصابة في الحكم بل كانت انضباطا بمقتضى الحق واستحضارا لمآلات الأفعال. يقول الشاطبي إن “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا”، وهي عبارة تختزن تصورا عميقا للعقل بوصفه فعلا مسؤولا يتجاوز اللحظة الراهنة إلى استشراف النتائج. كما يرد في أقوال بعض المتصوفة أن “العاقل من جمع بين علم وحال”، في إشارة إلى أن المعرفة لا تستقيم دون أثرها في السلوك.

هذا التصور التراثي لم يُستدعَ داخل الفكر المغربي المعاصر على نحو تكراري بل خضع لإعادة قراءة نقدية قصد استخراج إمكاناته في مواجهة هيمنة العقل الأداتي. فالعقل في هذا السياق لا يُرفض من حيث هو أداة تحليل وتنظيم بل يُرفض حين يتحول إلى مرجعية وحيدة تقيس بها كل القيم. لذلك نجد أن بعض المفكرين المغاربة عملوا على التمييز بين عقل برهاني يشتغل وفق قواعد الاستدلال وعقل عملي يتوجه نحو الفعل ويخضع لمعايير أخلاقية. هذا التمييز يفتح المجال أمام تصور مركب للعقل يجمع بين الصرامة المنطقية والالتزام القيمي.

غير أن الإشكال لا يتوقف عند حدود التمييز المفهومي بل يتجاوزه إلى مستوى الممارسة الفكرية. فالعقل الأداتي بحكم ارتباطه بالبنية التقنية الحديثة يميل إلى فرض منطقه على مختلف مجالات الحياة بما فيها المجال الأخلاقي. وهنا يكمن الخطر، إذ تتحول الأخلاق إلى مجرد قواعد وظيفية تخدم استقرار النظام أو تحقق الانسجام الاجتماعي دون أن تكون لها قيمة في ذاتها. وقد عبّر بعض المفكرين عن هذا الوضع بقولهم إن “القيم حين تفقد استقلالها تغدو أدوات ضمن أدوات”، وهو تعبير يكشف عن عمق الأزمة التي يطرحها هيمنة العقل الأداتي.

في مقابل ذلك برز داخل الفكر المغربي اتجاه يسعى إلى إعادة الاعتبار للأخلاق بوصفها مبدأ مؤسسا للعقل ذاته، لا مجرد نتيجة من نتائجه. هذا الاتجاه ينطلق من فكرة أن العقل لا يكتمل إلا إذا انفتح على بعد معياري يوجهه ويحد من انحرافاته. وقد نجد في بعض الكتابات إشارات إلى أن “العقل من غير خلق كالسيف من غير غمد”، في دلالة على أن القوة العقلية تحتاج إلى ضابط أخلاقي يحميها من الانفلات. هذا التصور يعيد صياغة العلاقة بين العقل والأخلاق بحيث لا تكون العلاقة علاقة إضافة خارجية بل علاقة تداخل بنيوي.

إن هذا التداخل يفرض إعادة النظر في مفهوم المعرفة ذاته. فالمعرفة وفق هذا المنظور لا تقاس فقط بمدى مطابقتها للواقع بل أيضا بقدرتها على توجيه الفعل نحو الخير. وهنا يظهر أن العقل المسؤول لا ينشغل فقط بالسؤال عما هو كائن بل يتجه أيضا نحو ما ينبغي أن يكون. هذا الانتقال من الوصف إلى التقويم يمثل لحظة حاسمة في إعادة بناء العقلانية إذ يحررها من الحياد الزائف الذي قد يخفي انحيازات غير معلنة.

وقد استند هذا التوجه إلى جملة من المرجعيات من بينها الفلسفة الأخلاقية الإسلامية التي جعلت من مقاصد الشريعة إطارا عاما لتنظيم الفعل الإنساني. فالمقاصد كما صاغها الأصوليون تقوم على حفظ الضروريات الخمس، وهي تمثل منظومة قيمية متكاملة يمكن أن تشكل أساسا لعقلانية مسؤولة. كما تم استحضار بعض أطروحات الفلسفة الحديثة التي نقدت النزعة الأداتية وأكدت على ضرورة استعادة البعد الأخلاقي في التفكير. هذا التلاقي بين المرجعيات لم يكن مجرد تجميع انتقائي بل جاء نتيجة وعي بضرورة تجاوز الانقسام بين التقليد والحداثة.

ويمكن فهم الجهد الذي بذله بعض المفكرين في تحليل بنية العقل العربي حيث حاولوا الكشف عن العوائق التي تحول دون تشكل عقلانية نقدية. وقد أشاروا إلى أن هيمنة أنماط من التفكير التقليدي إلى جانب تأثير العقل الأداتي المستورد، يخلقان وضعا مركبا يحتاج إلى معالجة دقيقة. فالعقل المسؤول لا يمكن أن يتأسس إلا عبر نقد مزدوج يستهدف البنيات التقليدية الجامدة وفي الآن ذاته يكشف حدود العقلانية التقنية.

إن هذا النقد المزدوج يفتح أفقا لتأسيس نمط جديد من التفكير يقوم على التكامل بين المعرفة والقيمة. فالعقل هنا لا يكتفي بتحليل الواقع بل يسعى إلى تغييره وفق معايير أخلاقية. وهذا ما يجعل من المسؤولية مفهوما مركزيا إذ تعني تحمل تبعات الفعل والوعي بآثاره على الذات والآخر. وقد قيل في هذا السياق إن “الحرية بلا مسؤولية عبث، والمسؤولية بلا حرية قيد”، وهو قول يلخص العلاقة الجدلية بين هذين البعدين.

ومن الممكن أيضا إعادة قراءة كثير من القضايا التي شغلت الفكر المغربي من قبيل مسألة التحديث والعلاقة بالتراث وموقع الدين في المجال العام. فكل هذه القضايا ترتبط في العمق بكيفية تصور العقل وبمدى قدرته على استيعاب البعد الأخلاقي. فالتحديث على سبيل المثال لا يمكن أن يُفهم فقط بوصفه إدخالا للتقنيات بل ينبغي أن يُنظر إليه كتحول في أنماط التفكير والسلوك، بما يقتضي إعادة بناء المنظومة القيمية. كما أن العلاقة بالتراث لا يمكن أن تختزل في موقفين متقابلين، أحدهما يدعو إلى القطيعة والآخر إلى التمسك بل تحتاج إلى قراءة نقدية تستحضر البعد الأخلاقي الكامن فيه.

إن العقل المسؤول في هذا الإطار يتطلب نوعا من اليقظة الدائمة إذ لا يكفي أن نعلن الالتزام بالقيم بل ينبغي أن نترجم هذا الالتزام إلى ممارسات فعلية. وهذا ما يجعل من التربية مسألة أساسية حيث يتشكل وعي الفرد عبر تفاعل مع محيطه الثقافي والاجتماعي. فالعقل لا ينمو في فراغ بل يتغذى من منظومة من القيم والمعاني. وإذا كانت هذه المنظومة مختلة فإن العقل نفسه يتأثر بذلك ويصبح عرضة للانحراف.

وقد أشار البعض إلى أن الأزمة التي يعيشها العالم المعاصر تعود في جانب كبير منها إلى اختلال العلاقة بين العقل والأخلاق. فالتقدم العلمي الهائل لم يصحبه تطور مماثل في الوعي الأخلاقي مما أدى إلى ظهور أشكال من العنف والاستغلال. هذا التشخيص ينسحب بدرجات متفاوتة على السياق المغربي حيث تظهر آثار هذا الاختلال في مجالات متعددة من الاقتصاد إلى السياسة إلى الثقافة. وتبرز الحاجة هنا إلى إعادة بناء العقلانية على أسس جديدة تجعل من المسؤولية مبدأ موجها.

إن هذا المشروع لا يخلو من صعوبات إذ يواجه تحديات متعددة من بينها مقاومة البنيات التقليدية وضغط النماذج العالمية المهيمنة. غير أن هذه الصعوبات لا تلغي إمكانية العمل على بلورة تصور متكامل للعقل المسؤول يستلهم من التراث ويستفيد من الحداثة دون أن يقع في أسر أي منهما. فالمطلوب ليس استنساخ نماذج جاهزة بل إنتاج فكر أصيل قادر على مواجهة التحديات الراهنة.

وهنا تحضرني  بعض الأقوال التي يمكن استحضارها حيث تعكس هذا التوجه من قبيل ما يُنسب إلى بعض الحكماء من أن “العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل”، وهي عبارة تؤكد على أن المعرفة تفقد قيمتها إذا لم تتحول إلى فعل. كما يمكن استحضار قول آخر مفاده أن “من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا”، في إشارة إلى أن العلم دون توجيه أخلاقي قد يقود إلى نتائج عكسية. هذه الأقوال على بساطتها تعكس وعيا عميقا بضرورة الربط بين العقل والأخلاق.

إن التفكير في العقل المسؤول يفتح المجال أيضا أمام إعادة النظر في مفهوم الذات حيث لا تعود الذات مجرد كيان مستقل يسعى إلى تحقيق مصالحه بل تصبح ذاتا منفتحة على الآخر واعية بترابط المصالح والمصائر. هذا التحول في تصور الذات ينعكس على طبيعة الفعل إذ يغدو الفعل موجها نحو تحقيق الخير المشترك لا مجرد إشباع الرغبات الفردية. ويمكن فهم العلاقة الوثيقة بين العقل المسؤول وفكرة العدالة حيث تشكل العدالة معيارا للحكم على الأفعال والسياسات.

وعلاقة بما سبق، يتضح أن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول يمثل مسارا معقدا يتطلب جهدا نظريا وعمليا متواصلا. فهذا الانتقال لا يتحقق عبر إعلان نوايا بل يحتاج إلى إعادة بناء عميقة للأنساق الفكرية والقيمية. كما يتطلب شجاعة نقدية تسمح بمراجعة المسلمات والانفتاح على إمكانات جديدة. وهذا ما يجعل من هذا الموضوع مجالا خصبا للبحث حيث تتقاطع فيه أسئلة الفلسفة مع رهانات الواقع وتلتقي فيه المعرفة بالفعل في أفق بناء إنسان أكثر وعيا ومسؤولية.

يستدعي استكمال النظر في هذا الأفق الانتقالي من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول تعميق النظر في الشروط التي تجعل هذا التحول ممكنا داخل السياق المغربي، ذلك أن الإقرار بضرورة هذا التحول لا يكفي في ذاته ما دام الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية تنزيله داخل بنية ثقافية مركبة تتجاذبها رواسب التقليد وضغوط الحداثة وتتحكم في مفاصلها تمثلات متباينة للعقل والقيمة والإنسان. وتكاد تكون المسألة مسألة تأسيس لا مجرد توصيف، مسألة إعادة بناء للمعايير التي توجه الفعل الفكري والاجتماعي بما يسمح بإنتاج عقلانية لا تنفصل عن أفقها الأخلاقي.

إن أول ما يلفت الانتباه في هذا السياق أن العقل الأداتي لم يترسخ في التجربة المغربية بوصفه اختيارا واعيا بقدر ما جاء نتيجة سيرورات تاريخية فرضت نفسها عبر قنوات متعددة في مقدمتها النظام التعليمي والإداري حيث جرى تكريس نمط من التفكير يقوم على الامتثال للإجراءات وتحقيق النجاعة دون مساءلة الغايات. هذا النمط أفرز ما يمكن تسميته بضمور الحس النقدي، إذ يغدو العقل مشغولا بكيفية الإنجاز أكثر من انشغاله بجدوى ما يُنجز. وقد أشار غير واحد من المفكرين إلى أن أخطر ما يهدد العقل ليس الجهل في حد ذاته بل ذلك النوع من المعرفة التي تفقد بعدها القيمي فتتحول إلى مجرد تقنية بلا روح.

وفي مقابل هذا الامتداد الصامت للعقل الأداتي تبرز الحاجة إلى استعادة البعد التأملي الذي يربط المعرفة بسؤال المعنى. هذا البعد لا ينفصل عن تقليد فلسفي عريق حيث ظل السؤال عن الغاية ملازما للسؤال عن الوسيلة وحيث كانت الحكمة تُعرّف بكونها “وضع الشيء في موضعه”، وهو تعريف يستبطن وعيا بالترتيب القيمي للأفعال. وقد أعاد بعض المفكرين المغاربة إحياء هذا الأفق من خلال نقد النزعة الاختزالية التي تحصر العقل في قدرته على الحساب والدعوة إلى توسيع مجاله ليشمل أبعادا تتصل بالوجدان والضمير.

إن هذا التوسيع لا يعني التخلي عن الصرامة المنهجية بل يقتضي إعادة توجيهها بحيث تخدم غايات إنسانية أسمى. فالعقل المسؤول لا يعادي العلم ولا يقف موقف الريبة من التقنية بل يسعى إلى تأطيرهما ضمن رؤية أخلاقية تجعل من الإنسان غاية لا وسيلة. وقد عبّر بعض الفلاسفة عن هذا المعنى بقولهم إن “العقل الذي لا يضع حدودا لقدرته ينتهي إلى تدمير نفسه”، في إشارة إلى أن الانفلات من كل قيد قيمي قد يقود إلى نتائج كارثية. وهذا ما تؤكده تجارب معاصرة حيث أدى التقدم التقني غير المؤطر أخلاقيا إلى أزمات بيئية واجتماعية عميقة.

وتتضح أهمية إدماج مفهوم المسؤولية في صلب الفعل العقلي بحيث يصبح كل إنتاج معرفي مشروطا بوعي بمآلاته. هذا الوعي لا ينشأ تلقائيا بل يتطلب تربية طويلة الأمد تقوم على ترسيخ قيم مثل الصدق والأمانة والعدل. وقد كان للتراث الإسلامي إسهام بارز في هذا المجال، حيث جرى التأكيد على أن العلم أمانة وأن العالم مسؤول عما يقول ويفعل. وكما هو مشاع أن “زلة العالم زلة عالم”، في دلالة على خطورة الكلمة حين تصدر عن سلطة معرفية.

غير أن استحضار هذا التراث لا يكفي ما لم يُقرن بقراءة نقدية تسمح بتمييز ما هو حي فيه مما هو متجاوز. فالعقل المسؤول لا يقبل التسليم المطلق بل يمارس نوعا من الفحص الدائم الذي يوازن بين الوفاء للأصول والانفتاح على المستجدات. هذا التوازن يفرض نفسه بقوة في زمن تتسارع فيه التحولات حيث لم يعد ممكنا الاكتفاء بإجابات جاهزة على أسئلة تتجدد باستمرار. وتنبع الحاجة هنا إلى عقل مرن قادر على التكيف دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.

إن هذا العقل المرن يتطلب بدوره بيئة حاضنة تسمح له بالنمو والتطور. فالمؤسسات التعليمية على سبيل المثال تلعب دورا حاسما في تشكيل أنماط التفكير، وإذا ظلت أسيرة مناهج تقليدية أو خاضعة لمنطق النفعي الضيق، فإنها تسهم في إعادة إنتاج العقل الأداتي بدل تجاوزه. لذلك دعا بعض المفكرين إلى إصلاح جذري للتعليم يقوم على تنمية القدرة النقدية وتشجيع الحوار وربط المعرفة بالقيم. وقد قيل في هذا السياق إن “التعليم الذي لا يربي الضمير يخرج أناسا أذكياء بلا أخلاق”، وهو قول يعكس عمق الإشكال.

كما أن المجال العمومي يشكل بدوره فضاء حاسما لتجلي العقل المسؤول، حيث تتقاطع فيه المصالح وتتواجه فيه الرؤى. فإذا كان هذا المجال محكوما بمنطق الصراع على النفوذ فإن العقل يتحول إلى أداة للمناورة وتغيب القيم لصالح الحسابات الضيقة. أما إذا تأسس على مبادئ الشفافية والمساءلة فإنه يتيح إمكانات واسعة لممارسة عقلانية مسؤولة تضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الفردية. وقد أكد بعض المفكرين أن “العدل أساس العمران”، وهي عبارة تختزل علاقة وثيقة بين الأخلاق واستقرار المجتمعات.

وتبرز أيضا في هذا الإطار مسألة العلاقة بين الدين والعقل وهي مسألة طالما شغلت الفكر المغربي. فالدين بما يحمله من منظومة قيمية يمكن أن يشكل سندا للعقل المسؤول شريطة أن يُفهم فهما منفتحا يتجاوز القراءات الحرفية التي تغلق باب الاجتهاد. وقد سعى بعض العلماء إلى إبراز أن الشريعة في جوهرها قائمة على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وهو تصور يفتح المجال أمام تفاعل إيجابي بين العقل والنص. غير أن هذا التفاعل يتطلب كفاءة علمية وأخلاقية تمنع الانزلاق إلى توظيف الدين لخدمة أغراض ضيقة.

ولا يمكن إغفال تأثير العولمة التي فرضت نمطا من التفكير يقوم على السرعة والاستهلاك، وهو ما يعزز من حضور العقل الأداتي. فالفرد يجد نفسه محاطا بسيل من المعلومات دون أن تتاح له دائما فرصة التأمل في معانيها. هذا الوضع يخلق نوعا من التشتت ويضعف القدرة على بناء مواقف متماسكة. وتبرز الحاجة إلى تنمية ما يمكن تسميته باليقظة الفكرية، أي القدرة على التمييز بين ما هو جوهري وما هو عابر وبين ما يخدم الإنسان وما يستنزفه.

إن هذه اليقظة لا تنفصل عن وعي بالذات وبموقعها داخل العالم. فالعقل المسؤول يفترض ذاتا قادرة على مساءلة نفسها وعلى الاعتراف بأخطائها وعلى التعلم منها. وقد أثر أن “الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها”، وهي عبارة تدعو إلى الانفتاح على التجارب المختلفة دون التفريط في المعايير. هذا الانفتاح يشكل شرطا لتجاوز الانغلاق كما يشكل في الآن ذاته حماية من الذوبان في الآخر.

إن المشروع الذي يهدف إلى تأسيس عقل مسؤول في الفكر المغربي يواجه تحديا مزدوجا: تحدي بناء نظرية متماسكة وتحدي ترجمتها إلى ممارسة اجتماعية. فالنظرية دون ممارسة تبقى حبيسة الكتب، والممارسة دون نظرية معرضة للتخبط. لذلك كان من الضروري العمل على الربط بين المجالين من خلال مبادرات فكرية وتربوية تسعى إلى تجسيد القيم في الواقع.

وقد ظهرت في هذا السياق محاولات متعددة تسعى إلى إعادة الاعتبار للأخلاق في مجالات مختلفة من الاقتصاد إلى السياسة إلى الإعلام. فاقتصاد بلا أخلاق يتحول إلى مجال للاستغلال، وسياسة بلا أخلاق تنزلق إلى الفساد، وإعلام بلا أخلاق يصبح أداة للتضليل. هذه المجالات رغم اختلافها يجمعها عنصر مشترك يتمثل في الحاجة إلى عقلانية مسؤولة تضع حدودا للممارسة وتوجهها نحو خدمة الإنسان.

إن هذا التوجيه يقتضي أيضا إعادة النظر في مفهوم النجاح الذي غالبا ما يُختزل في تحقيق المكاسب المادية أو الوصول إلى مواقع السلطة. فالعقل المسؤول يعيد تعريف النجاح بوصفه قدرة على تحقيق التوازن بين الذات والآخر وبين المصلحة الفردية والمصلحة العامة. وقد قيل إن “من عرف نفسه عرف ربه”، وهي عبارة يمكن قراءتها في هذا السياق بوصفها دعوة إلى معرفة الحدود وإلى إدراك أن الإنسان ليس مركز الكون بل جزء من نظام أوسع.

هذا الإدراك يفتح الباب أمام نوع من التواضع المعرفي الذي يشكل شرطا لأي عقلانية مسؤولة. فالعقل الذي يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة يغلق على نفسه باب الحوار ويعرض نفسه للخطأ. أما العقل الذي يعترف بنسبيته فإنه يظل منفتحا على التصحيح وقادرا على التطور. وهذا ما يجعل من الحوار قيمة أساسية ليس فقط كوسيلة للتواصل بل كآلية لإنتاج المعرفة.

ويمكننا هنا استحضار قول بعض الفلاسفة إن “الحقيقة لا تُمتلك بل تُطلب”، وهو قول يعبر عن روح البحث التي ينبغي أن تسكن العقل المسؤول. هذه الروح تتعارض مع النزعة اليقينية التي تدعي امتلاك الأجوبة النهائية كما تتعارض مع النزعة النسبية المتطرفة التي تنفي وجود أي معيار. فالعقل المسؤول يسير بين هذين الحدين باحثا عن توازن دقيق يسمح له بالتحرك دون أن يفقد الاتجاه.

إن هذا المسار يظل مفتوحا على إمكانات متعددة ولا يمكن حسمه بشكل نهائي، فكل جيل مدعو إلى إعادة طرح السؤال وإلى صياغة أجوبته الخاصة في ضوء التحديات التي يواجهها. وهذا ما يمنح الفكر المغربي حيويته حيث يتجدد عبر الحوار بين الماضي والحاضر، بين المحلي والعالمي وبين العقل والأخلاق.

وإذا كان هذا المسار قد بدأ يتشكل ملامحه في العقود الأخيرة فإنه لا يزال في حاجة إلى مزيد من التعميق والتجذير، فالتحديات التي يواجهها المجتمع المغربي من بطالة وفوارق اجتماعية وتحولات ثقافية تفرض التفكير في نماذج جديدة للتنمية تقوم على العدالة والتضامن، وهذه النماذج لا يمكن أن تنجح دون عقلانية مسؤولة تضع الإنسان في مركز الاهتمام.

إن العقل المسؤول لا يمثل مرحلة عابرة بل يشكل أفقا مفتوحا يدعو إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم. هذا الأفق يتطلب جهدا جماعيا يشارك فيه المفكرون والمربون والسياسيون، كل من موقعه من أجل ترسيخ قيم تحترم كرامة الإنسان وتعزز قدرته على العيش المشترك.

وتظل الفلسفة مدعوة إلى لعب دورها النقدي من خلال مساءلة المسلمات وكشف التناقضات وفتح آفاق جديدة للتفكير. فالفلسفة كما قيل، “تعلمنا كيف نفكر، لا ماذا نفكر”، وهي بهذا المعنى تشكل شرطا لأي عقلانية مسؤولة. كما يظل الدين حين يُفهم في عمقه الأخلاقي قادرا على إمداد هذا المشروع بالقيم التي يحتاجها دون أن يتحول إلى سلطة قمعية.

إن المستقبل الذي يلوح في الأفق يتوقف إلى حد كبير على قدرتنا على تحقيق هذا التوازن بين العقل والأخلاق. فإذا نجحنا في ذلك أمكننا أن نبني مجتمعا أكثر عدلا وإنسانية. أما إذا استمر الاختلال فإن المخاطر ستظل قائمة وقد تتفاقم. ومن هنا تبرز مسؤولية الجميع، أفرادا ومؤسسات في العمل على ترسيخ هذا الأفق.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هاته الأسطر هو تلك الحكمة التي تقول إن “العاقل من اتعظ بغيره، والسعيد من وُعظ بغيره”، فهي دعوة إلى التعلم من التجارب وإلى عدم تكرار الأخطاء. وهي في الآن ذاته تذكير بأن العقل لا يكتمل إلا إذا انفتح على الأخلاق وأن الأخلاق لا تستقيم إلا إذا استنارت بالعقل. بهذا المعنى يغدو الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول ليس مجرد خيار فكري بل ضرورة وجودية تفرضها شروط العيش في عالم معقد يحتاج إلى قدر أكبر من الحكمة والمسؤولية.

***

د. حمزة مولخنيف

تعد اللغة هي المشترك الذي يتسم به العصابي" مريض النفس" عن الذهاني " مريض العقل" وعن السوي، فاللغة تحمل التخييل والصور التي ينقلها الفرد في السواء واللاسواء، حتى في تعامله مع الآخرين وسلوكه اليومي. يرى " المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان" أن الخبرة التحليلية النفسية تجد في اللاشعور – اللاوعي البناء اللغوي بقوته، ويمكن للعرض أن يختفي تمامًا " يحل" من خلال الكلام، فالعرض نفسه يتكون من خلال اللغة، ونعلم أن الكلام هو أداة المحلل النفسي ومن يشتغل في العلاجات النفسية، وأنه الوسيط والوسيلة الحقة في العلاج النفسي التحليلي وأن اللغة تطوع الكلام لصالحها.

يمكننا القول أن اللغة قادرة على القاء الضوء على النفس البشرية وما يعتمل في داخلها، وهذا يمنحنا الفرصة لمعرفة أكتشاف المنطق في صلب أرضه وعمقه. فالسياسي الذي يتكلم في بداية حديثه وهو يضبط مفرداته بدقه، تبرز بعد ذلك حقيقة ثرثرته من أعماق نفسه، وهذا يذكرنا ما يجري في الجلسة العلاجية التحليلية النفسية، حيث يضيع الكلام الفارغ مع الكلام الممتلئ، وقول لاكان الكلام الفارغ فهو تشتبك فيه الذات في الـ (هنا) و(الآن)، والذي يتحول في سراديب الكلام وفجواته، دون أن يحقق ذاته في الكلام، ضمن آلية اللغة التي يوفرها له السياق الاجتماعي، أو ما يريد قوله، ويضيف " لاكان" بعبارة أخرى فالفرد في الكلام الفارغ يتحدث بوصفه آخر من حيث إن أناه مغتربة في الأصل في الآخر.

أي فرد في الحياة اليومية المعاشة يتعرض لكثير من المواقف التي يحاول فيها اللف والدوران في حديثه، في كلامه، حتى تبدو لغته غير متوازنه وبالأخص حينما يصمت المستمع لما ينطق به هذا المقابل، وكأن العملية جلسة علاج تحليلية، وقول " لاكان" إن صمت المحلل يدفع المريض إلى ملء الفراغ بالحقيقة بأن ينتقل من الكلام الفارغ إلى الكلام الممتلئ الذي تتحقق فيه الذات في الكلام، فالأنا المغتربة كثيرًا ما تجد ذاتها في هذا المنولوج الفارغ غير المجدي.

الشخصية البشرية تعمل دائمًا في كل سلوكها الحركي، أو اللفظي، أو حتى التأملي في تخييل مودع في اللاشعور – اللاوعي، فهو يحوي الإحباط السابق حتى المتخيل منه في مرحلة الطفولة، وكذلك العدوانية الطفلية المتخيلة من مولود جديد أزاحه من عرش السيادة، هذا هو النكوص – الارتداد لمرحلة سابقة عشعشت كل مجرياتها في عقل الإنسان منذ طفولته الأولى.

نقول ونحن نستمد ما نقوله من علماء في التحليل النفسي واساتذة لنا تعلمنا منهم هذه الفنيات بأن اللغة تحدد مجالات الحياة برمتها وأبرزها التحليل النفسي، فتأثير " كلود ليفي شتراوس " كبير جدًا في هذا المنحى النفسي في اللغة حينما يتناول الرمز باللغة، وما تعلمناه ان جميع حياتنا تحمل الرمزية، وبالأخص في الحديث والتكلم ومنها الهفوات وزلات اللسان خير دليل على ذلك الإدغام فيما لا يريد المرء قوله صراحة، فضلا عن النكتة بكل أشكالها السياسية اللاذعة، والنكتة الجنسية اللاأخلاقية، أعني بها الجنسية، فهي تعبر عن قائلها، وقول أحد رؤساء دولة عظمى معاصر يذكر اسم شخصية في الدولة ويقرنه بلفتة غير موفقه تعبر عن عمق تأثير الجنسانية في أعماق نفسه حيث نطق أسم هذا الشخص بـ " زب "ويقول أسمه يدل على " قضيب " الرجل، فكيف تداعى في تلك اللحظة هذا المصطلح في كلامه ؟ ويقول " جاك لاكان" هذا مثالا جيدًا للتفرقة بين القصدية الشعورية – الواعية للفرد وبين مجال اللغة الذي يجد الفرد نفسه خاضعًا له. وهذا في الحقيقة تقدير كبير لما قدمه "سيجموند فرويد" مؤسس التحليل النفسي لأهمية الطبيعة اللغوية للاشعور – اللاوعي.

 تذكر لنا الدكتورة " نيفين زيور " في كتابه القيم جاك لاكان وإعادة ابتداع التحليل النفسي قولها أن كلام الذات يتضمن بين حشاياه الإجابة التي تبحث عنها الذات. وتضيف أيضًا حينما يقدم المحلل للمريض " طالب التحليل" في هذه الحالة يكون قد تحدث بما لا يعرفه عن نفسه، فهو يتحدث عن الرموز التي شيدت العرض المرضي، وهذه اللغة التي تتسم بالبدائية هي لغة الرغبة. لذا فإننا حينما نأخذ متغير اللغة لدى السوي والعصابي والذهاني إنما لنرى مدى عمق تأثيرها في كل منهم، فالكلمات تتضمن عادة ما بداخل الإنسان وتصويرها في حركة جسده فضلا عن ما ينطق به من كلام ولغة واضحة، أو مدغمة مليئة بالاستعارة والمجاز والكناية، وهذه كلها تحمل جروح رمزية لم يستطع التعبير عنها وربما تضفي عليها حركات جسدية يمكن لأي إنسان أن يلاحظها في حياته اليومية.

***

د. اسعد الامارة

كيف استُعيد ابن رشد داخل مشاريع الحداثة؟

في السياق الفكري المغربي المعاصر تبرز لحظة ابن رشد بوصفها لحظة عودة لا تنتمي إلى مجرد استعادة تاريخية لاسم فلسفي كبير بل إلى إعادة تركيب عميق لسؤال العقل داخل بنية الثقافة الإسلامية الحديثة. فالرشدية هنا لا تحضر باعتبارها أثراً ماضوياً محفوظاً في كتب الشرح والتعليق، بل باعتبارها إمكاناً نظرياً يتجدد مع كل محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين البرهان والنص، بين الحكمة والشريعة وبين العقل والتاريخ. إن هذا الحضور المتجدد لابن رشد داخل المغرب المعاصر يكشف عن توتر خصب بين مشروعين متداخلين، مشروع يسعى إلى ترسيخ الحداثة بوصفها أفقاً معرفياً ومنهجياً ومشروع آخر يشتغل على إعادة تأويل التراث بوصفه خزّاناً للمعقولية الممكنة.

لقد جرى استدعاء ابن رشد في المغرب الحديث داخل سياقات فكرية متعددة، بعضها مرتبط بإعادة قراءة التراث الفلسفي الإسلامي في ضوء أسئلة النهضة، وبعضها الآخر متصل بمشاريع نقد العقل العربي، وبعضها الثالث ينخرط في رهانات الإصلاح الديني وإعادة بناء مفهوم الاجتهاد. في كل هذه السياقات يتقدم اسم ابن رشد بوصفه علامة فارقة على إمكانية التوفيق بين البرهان العقلي والنص الشرعي أو على الأقل بوصفه لحظة توتر تكشف حدود هذا التوفيق وإمكاناته في آن واحد. فالرشدية لم تُستقبل كمنظومة مكتملة، بل كإشكال مفتوح وكأفق يفرض على الفكر أن يعيد مساءلة أدواته ومسلّماته.

ويمكن فهم كيف تحولت الرشدية إلى جزء من خطاب الحداثة في المغرب المعاصر. فحين يُستدعى ابن رشد في كتابات محمد عابد الجابري مثلاً فإن الأمر لا يتعلق باستعادة تاريخ الفلسفة بوصفه سرداً متتابعاً بل بإعادة بناء العقل العربي من داخله عبر تفكيك بنياته المعرفية وإبراز لحظاته العقلانية الكامنة. الجابري ينظر إلى ابن رشد باعتباره تتويجاً لما يسميه بالعقل البرهاني في الثقافة العربية الإسلامية وهو عقل يتأسس على الاستدلال المنطقي وعلى استقلالية النظر الفلسفي عن سلطة التأويل المغلق. غير أن هذا التوظيف لا يخلو من إعادة تشكيل للرشدية نفسها إذ تتحول من مشروع فلسفي تاريخي إلى نموذج إبستمولوجي يُستدعى في معركة نقد التراث وإعادة بنائه.

على مستوى آخر يتقدم طه عبد الرحمن بقراءة مختلفة تماماً حيث يعاد إدراج ابن رشد داخل سؤال الأخلاق لا داخل سؤال البرهان وحده. فالرشدية عنده لا تختزل في عقلانية جافة بل تنفتح على أفق روحي وأخلاقي يجعل من الفعل العقلي جزءاً من مسؤولية وجودية. ويتبدل موقع ابن رشد هنا من فيلسوف للبرهان إلى مفكر يواجه حدود البرهان نفسه حين ينفصل عن مقاصده الأخلاقية. هذا الاختلاف في التلقي يكشف أن الرشدية لم تعد ملكاً لمشروع واحد بل أصبحت مجالاً للتنازع التأويلي داخل الفكر المغربي المعاصر حيث تتعدد صور ابن رشد بتعدد المشاريع الفكرية التي تستحضره.

إن استعادة ابن رشد داخل مشاريع الحداثة المغربية تكشف أيضاً عن قلق معرفي عميق يتعلق بموقع العقل داخل الثقافة العربية الإسلامية. فالسؤال الرشدي القديم حول توافق الحكمة والشريعة يعود بصياغات جديدة تتصل بمفاهيم الدولة الحديثة وبقضايا الحرية الفكرية وبإشكالات التأويل الديني. ولا يظهر ابن رشد في سياقنا هذا كمجرد فيلسوف دافع عن الفلسفة ضد الفقه بل كمفكر فتح أفقاً لإعادة التفكير في شروط إنتاج الحقيقة نفسها سواء داخل النص أو خارجه. وقد عبّر إرنست رينان في قراءته الشهيرة لابن رشد عن هذا البعد حين رآه رمزاً للعقلانية في مواجهة الانغلاق غير أن القراءة المغربية المعاصرة تجاوزت هذا التبسيط لتعيد إدراج الرشدية داخل تعقيدها التاريخي والمعرفي.

تبدو الرشدية الجديدة إذن أقرب إلى حركة فكرية غير مكتملة تتشكل داخل التوتر بين إرث فلسفي متوسط القرون وبين أسئلة الحداثة الراهنة. فهي ليست مدرسة مغلقة لها حدودها النظرية الصارمة، بل سيرورة إعادة تأويل مستمرة تتغذى من الحاجة إلى إعادة تعريف العقل ذاته داخل فضاء ثقافي يتأرجح بين المرجعية التراثية ومتطلبات الحداثة حيث إن ابن رشد لا يُستعاد بوصفه جواباً جاهزاً بل بوصفه سؤالاً يعاد طرحه كلما أعيد التفكير في معنى العقل والحرية والمعرفة.

إن أهمية هذه الرشدية الجديدة تكمن في كونها تكشف أن الحداثة في المغرب لم تتشكل في قطيعة تامة مع التراث بل في حوار داخلي معه، حوار تتداخل فيه القراءات الفلسفية والتأويلات الدينية والمقاربات اللغوية.

إن ابن رشد يتحول إلى نقطة ارتكاز رمزية تسمح بإعادة التفكير في إمكان بناء عقل نقدي داخل الثقافة العربية الإسلامية دون الانفصال عن أفقها التاريخي، غير أن هذا الاستدعاء يظل محفوفاً بإشكال جوهري يتعلق بمدى قدرة المفاهيم الرشدية الأصلية على الاستمرار داخل سياقات معرفية مختلفة جذرياً عن سياقها الوسيط.

وتتحدد معالم الرشدية الجديدة في المغرب المعاصر كمسار تفكير مفتوح على احتمالات متعددة يتقاطع فيه الفلسفي بالتاريخي ويتداخل فيه التأويلي بالنقدي ويظل ابن رشد فيه علامة على سؤال لم يُحسم بعد حول موقع العقل في بناء المعنى وفي تشكيل الحقيقة داخل الثقافة العربية الإسلامية الحديثة.

يتجلى حضور ابن رشد في المغرب المعاصر كعودةٍ متشظية لا تستقر على معنى واحد، عودةٌ تتجاوز مجرد الاستذكار التاريخي لتلامس بنية السؤال الفلسفي ذاته، حين يُعاد طرحه داخل سياق حديث مثقل بإرث طويل من التوتر بين العقل والنص، وبين البرهان والتأويل وبين الفلسفة ومجالات التشريع. فالرشدية في هذا السياق لا تظهر كمنظومة مكتملة تُنقل كما هي من القرن السادس الهجري إلى فضاء القرن العشرين وما بعده، قدر ما تتشكل كإشكال معرفي يعاد بناؤه داخل كل قراءة جديدة، وكأن ابن رشد نفسه يتحول إلى مرآة تعكس اختلافات القرّاء أكثر مما تعكس ثبات النص الفلسفي الأصلي.

في السياق المغربي تتداخل مستويات متعددة من التلقي تتجاور فيها الرغبة في تحديث العقل الديني مع الحاجة إلى تأصيل حداثة لا تنفصل عن الذاكرة الثقافية الإسلامية. ويتقدم ابن رشد هنا باعتباره علامة مزدوجة الدلالة، فهو من جهة آخر الفلاسفة الكبار في تقليد الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية، ومن جهة أخرى أول من صاغ بصورة دقيقة سؤال استقلال العقل البرهاني داخل منظومة دينية مكتملة البنية. هذا التوتر ذاته هو ما جعل الرشدية قابلة للاستدعاء في مشاريع فكرية متباينة بل متعارضة أحياناً داخل المشهد المغربي المعاصر.

في قراءة محمد عابد الجابري يتخذ ابن رشد موقعاً مركزياً داخل مشروع نقد العقل العربي حيث يُعاد ترتيب التاريخ الفكري الإسلامي وفق ثلاث بنى كبرى: البيان والعرفان والبرهان. داخل هذا التقسيم يتحول ابن رشد إلى ذروة العقل البرهاني، إلى اللحظة التي بلغ فيها التفكير الإسلامي أقصى درجات الانسجام المنطقي والاستدلالي قبل أن ينحرف وفق هذا التصور نحو مسارات العرفان والإشراق. غير أن هذا التحديد لا يمر دون إعادة تشكيل ضمنية لشخصية ابن رشد، إذ يُختزل في وظيفة إبستمولوجية صافية تكاد تفصله عن تعقيد مشروعه الفلسفي كما تشكل في سياق جدل طويل مع المتكلمين والفقهاء والفلاسفة على السواء.

هذا التوظيف الجابري للرشدية يكشف عن رغبة في إعادة بناء العقل العربي على أساس عقلانية صلبة تستمد مرجعيتها من التراث ذاته لا من قطيعة معه. غير أن هذه العقلانية في صورتها المعاصرة تتحول إلى أداة نقدية موجهة نحو إعادة ترتيب المجال المعرفي الإسلامي بما يسمح بتأسيس حداثة داخلية لا مستوردة. ابن رشد هنا لا يحضر كفيلسوف تاريخي فحسب، إنما كأفق تنظيمي للعقل، كمعيار يُقاس عليه مقدار حضور البرهان داخل الثقافة.

في المقابل تتخذ القراءة عند طه عبد الرحمن مساراً مغايراً يعيد إدراج ابن رشد داخل أفق أخلاقي وروحي يتجاوز حدود البرهان الصوري. فالعقل عند هذا التصور لا يكتمل داخل حدود الاستدلال المنطقي المجرد، قدر ما يندمج في تجربة أخلاقية تجعل من المعرفة مسؤولية ومن النظر فعلاً مرتبطاً بمقاصد الوجود الإنساني. داخل هذا الإطار تُعاد مساءلة الرشدية نفسها، إذ يتحول السؤال من مدى قدرة العقل على إنتاج البرهان إلى مدى قدرة البرهان على إنتاج المعنى الأخلاقي للفعل الإنساني.

هذا التباين بين الجابري وطه عبد الرحمن يعكس في عمقه تعددية داخلية في تلقي ابن رشد داخل الفكر المغربي المعاصر. فالرجل ذاته يتحول إلى فضاء تأويلي تتقاطع فيه مشاريع متباينة كل منها يعيد بناء صورته وفق حاجاته النظرية. وتتحدد الرشدية هنا بوصفها حقلا للصراع المفاهيمي أكثر من كونها إرثا معرفيا مستقرا إذ لا يُستعاد ابن رشد إلا عبر قراءات متحوّلة تعيد إنتاجه في كل سياق.

غير أن هذا الحضور لا ينفصل عن سياق أوسع يتعلق بإشكالية الحداثة في المغرب والعالم العربي. فالسؤال الذي يفرض نفسه يتعلق بإمكانية بناء عقل نقدي حديث داخل فضاء ثقافي مشبع بالمرجعيات التراثية. هنا يعود ابن رشد ليشغل موقع الوسيط الرمزي بين الماضي والحاضر، بين الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية ومتطلبات الفكر الحديث. غير أن هذا الوسيط لا يعمل بوصفه جسراً محايداً، إنما بوصفه نقطة توتر تكشف صعوبة التوفيق بين نظامين معرفيين مختلفين في البنية والمرجع والغاية.

لقد شكلت أطروحة "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" إحدى أهم اللحظات المؤسسة لهذا التوتر. فابن رشد لا يسعى إلى إقصاء الشريعة لصالح الفلسفة ولا إلى تذويب الفلسفة داخل التأويل الديني، بل إلى تأسيس مشروعية مزدوجة للمعرفة تقوم على التمييز بين مستويات الخطاب دون الوقوع في القطيعة. هذا التمييز نفسه أعاد الفكر المغربي الحديث اكتشافه باعتباره إمكاناً نظرياً يسمح بإعادة التفكير في علاقة الدين بالعقل داخل الدولة الحديثة ومؤسساتها.

ويُعدّ عبد الله العروي في هذا المنحى أحد الأصوات التي أعادت طرح سؤال الحداثة من زاوية تاريخية صارمة، حيث تصبح الرشدية جزءاً من تاريخ طويل لتشكل العقلانية في الثقافة العربية الإسلامية. غير أن العروي لا يتعامل مع ابن رشد بوصفه نموذجاً مكتمل التحقق، إنما باعتباره لحظة ضمن مسار تاريخي أكبر يتحدد فيه العقل الحديث عبر مسار طويل من التراكم والانقطاع. هذا التصور التاريخي يجعل من الرشدية علامة دالة على إمكان العقلانية دون أن تتحول إلى معيار نهائي جاهز للتطبيق.

إن ما يجمع هذه القراءات رغم اختلافها هو أن ابن رشد لم يعد موضوعاً للفلسفة التاريخية فقط بل أصبح أداة لبناء تصورات حول الحداثة نفسها. فالحداثة هنا لا تُستورد كحزمة جاهزة من المفاهيم بل تُعاد صياغتها عبر تفكيك التراث وإعادة تأويله من الداخل. غير أن هذا المسار لا يخلو من مفارقة عميقة إذ كل محاولة لاستعادة ابن رشد تعيد إنتاجه بصورة جديدة تختلف عن صورته الأصلية بما يجعل الرشدية نفسها تتحول إلى مشروع لا يكتمل.

في هذا التحول تتكشف خاصية أساسية في الفكر المغربي المعاصر، وهي خاصية الاشتغال على التراث لا بوصفه ماضياً مغلقاً بل بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل. فابن رشد لا يُستعاد كمرجع نهائي بل كسؤال مفتوح حول طبيعة العقل وحدوده وإمكاناته داخل سياق حضاري متغير. وهو بهذا الميل أو المنزع يجعل حضوره طابع حركة فكرية متواصلة تتوزع بين الفلسفة والتأويل والنقد وإعادة البناء دون أن تستقر على صيغة محددة.

إن الرشدية الجديدة لا تختزل في دفاع عن الفلسفة ضد خصومها التاريخيين، بل تتحول إلى أفق تفكير في شروط إمكان الفلسفة نفسها داخل الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بما قاله ابن رشد بل بما يمكن أن يقوله حضوره اليوم داخل فضاء معرفي مختلف جذرياً عن فضائه الأصلي. هذا التحول في طبيعة السؤال يعكس انتقالاً من قراءة النصوص إلى قراءة إمكانات العقل ذاته كما تتجلى عبر هذه النصوص.

ضمن هذا التشكّل تنبني الرشدية داخل المغرب المعاصر كحقل توتر مستمر تتقاطع فيه مشاريع فلسفية متعددة، ويظل فيه ابن رشد علامة على إمكانية التفكير العقلاني داخل فضاء ثقافي مركب. غير أن هذه الإمكانية تظل مفتوحة على أسئلة لا تنتهي، لأن كل محاولة لحسم معنى الرشدية تعيد فتحها من جديد وتدفع الفكر نحو إعادة مساءلة أدواته ومفاهيمه وحدوده.

ويتعمّق حضور ابن رشد داخل الفكر المغربي المعاصر بوصفه بنية إشكالية تعيد تشكيل نفسها كلما جرى استدعاؤها داخل مشروع من مشاريع الحداثة بحيث يغدو الفيلسوف الأندلسي أقرب إلى أفق معرفي متحوّل منه إلى مرجع تاريخي ثابت. إن الرشدية هنا تتحرك داخل فضاء تتقاطع فيه الحاجة إلى تأسيس عقل برهاني حديث مع الرغبة في إعادة قراءة التراث بوصفه خزّاناً لإمكانات لم تُستنفد بعد. هذا التقاطع يولّد توتراً داخلياً يجعل من ابن رشد نقطة التقاء بين مسارين، مسار يسعى إلى عقلنة المعرفة داخل الثقافة العربية الإسلامية، ومسار آخر يشتغل على إعادة تأويل تلك الثقافة من داخل بنيتها العميقة دون مغادرتها.

ويتخذ هذا التوتر أشكالاً متعددة حين يُستدعى ابن رشد داخل مشاريع فكرية مغربية حديثة. فالفيلسوف الذي كتب "فصل المقال" و"تهافت التهافت" واشتغل على أرسطو بوصفه نموذجاً للعقل البرهاني يتحول داخل هذه المشاريع إلى علامة دالة على إمكان الجمع بين النظر العقلي والمرجعية الدينية. غير أن هذا الجمع لا يظهر بوصفه توافقاً بسيطاً بل بوصفه صيغة معقدة لإدارة الاختلاف بين مستويات الخطاب حيث تتعدد درجات الفهم وتتنوع طرائق الوصول إلى الحقيقة بحسب اختلاف القدرات الذهنية واللغوية والتأويلية.

هذا التصور الرشدي حول تعدد مستويات الخطاب أعيد توظيفه داخل الفكر المغربي الحديث باعتباره مدخلاً لفهم العلاقة بين النخبة والجمهور وبين الفلسفة والفقه وبين المعرفة المتخصصة والمعرفة العامة. غير أن هذا التوظيف الحديث لا يعيد إنتاج النص الرشدي كما هو بل يعيد تشكيله داخل سياقات معرفية جديدة تغيرت فيها طبيعة السلطة المعرفية نفسها. فالمعرفة لم تعد حكراً على فئة محددة بل أصبحت موزعة عبر مؤسسات متعددة تتداخل فيها الجامعة والإعلام والدولة والسوق الثقافية.

ضمن هذا التعيين المفهومي تتجلى الرشدية كأفق لإعادة التفكير في مفهوم العقل ذاته، فالعقل عند ابن رشد يقوم على البرهان بوصفه أعلى أشكال المعرفة حيث يتأسس اليقين على الاستدلال المنطقي المتماسك. غير أن هذا التصور حين ينتقل إلى الفكر المغربي المعاصر يتحول إلى سؤال حول إمكانية تأسيس عقل نقدي داخل ثقافة لم تعرف الانفصال الكامل بين الفلسفة وباقي أشكال المعرفة. هذا السؤال يعيد فتح النقاش حول حدود العقل البرهاني نفسه وحول قدرته على استيعاب تعقيد الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي.

ويتخذ هذا النقاش بعداً إضافياً حين يدخل في حوار مع مشاريع فكرية مختلفة أعادت قراءة التراث الفلسفي الإسلامي من زوايا متعددة. داخل هذا الأفق يظهر ابن رشد عند بعض المفكرين بوصفه ذروة العقلانية في الفكر الإسلامي، اللحظة التي بلغ فيها العقل أقصى درجات اتساقه المنطقي قبل أن تتراجع الفلسفة أمام صعود أنماط أخرى من التفكير تقوم على التأويل أو الإشراق أو التصوف.  إلا أن هذا التصور ذاته يثير سؤالاً حول مدى مشروعية اختزال تاريخ طويل ومعقد في لحظة واحدة تُعتبر معياراً لما قبلها وما بعدها.

وتتجلى أهمية هذا السؤال حين يُنظر إلى الرشدية بوصفها مشروعاً لإعادة بناء تاريخ الفكر الإسلامي وفق معيار عقلاني صارم. فالتاريخ هنا لا يُقرأ كسلسلة من الأحداث الفكرية المتجاورة بل كبنية قابلة للتصنيف وفق درجات القرب من البرهان أو البعد عنه. هذا التصور يمنح وضوحاً تفسيرياً غير أنه يثير أيضاً إشكالاً يتعلق بطبيعة التعدد داخل الثقافة الإسلامية نفسها حيث تتجاور أنماط مختلفة من إنتاج المعرفة دون أن تخضع بالضرورة لمنطق تطوري واحد.

داخل هذا التعدد يتخذ حضور ابن رشد معنى إضافياً حين يُقارن بتصورات أخرى للعقل داخل الفكر المغربي الحديث. فبعض الاتجاهات الفكرية ترى أن العقل لا يكتمل داخل البرهان الصوري وحده بل يحتاج إلى بعد قيمي وأخلاقي يحدد غاية المعرفة ويوجه استعمالها. هذا التصور يعيد إدراج العقل داخل أفق أوسع يتجاوز المنطق الصوري نحو تجربة إنسانية شاملة تتداخل فيها المعرفة بالقيمة والفهم بالفعل والنظر بالممارسة.

هذا التحول في فهم العقل يعيد تشكيل صورة ابن رشد نفسه إذ لا يُختزل في كونه فيلسوفا للبرهان فقط، بل يتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة التفكير في حدود البرهان ذاته. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بكيفية إنتاج المعرفة الصحيحة بل بكيفية ربط هذه المعرفة بسياقها الإنساني والأخلاقي. هذا التوسع في أفق السؤال يجعل الرشدية مجالاً مفتوحاً للتأويل المستمر لا نسقاً مغلقاً يمكن حصره داخل تعريف نهائي.

يتعمق هذا الطابع التأويلي للرشدية حين يُنظر إلى علاقتها بإشكال الحداثة داخل السياق المغربي. فالحداثة هنا لا تتجلى كقطيعة كاملة مع التراث ولا كاستمرارية بسيطة له بل كحركة مزدوجة تقوم على إعادة قراءة الماضي وإعادة بناء الحاضر في آن واحد. داخل هذه الحركة يتعيّن ابن رشد بوصفه علامةً على إمكان التفكير في حداثة غير منفصلة عن مرجعيتها الثقافية،  إلا أن هذا الإمكان يظل مرتهنا بإعادة تعريف المفاهيم المؤسسة للفكر.

يتضح هذا الأمر حين يُنظر إلى العلاقة بين النص والتأويل داخل المشروع الرشدي. فابن رشد يقيم تمييزاً دقيقاً بين ظاهر النص وباطنه وبين الفهم المباشر والتأويل البرهاني مع تأكيد ضرورة اللجوء إلى التأويل حين تتعارض ظواهر النص مع مقتضيات العقل. هذا التصور أعاد الفكر المغربي الحديث قراءته باعتباره محاولة مبكرة لتنظيم العلاقة بين النصوص الدينية وآليات الفهم العقلي. غير أن هذا التنظيم يطرح في السياق الحديث أسئلة جديدة تتعلق بتعدد مناهج التأويل وتغير أدوات المعرفة.

إن تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية أضاف طبقات جديدة من التعقيد إلى مسألة التأويل حيث لم يعد النص يُقرأ فقط عبر أدوات لغوية أو منطقية بل أيضاً عبر مناهج تاريخية وسوسيولوجية وأنثروبولوجية. هذا التعدد في أدوات القراءة يجعل من الرشدية مشروعاً مفتوحاً يعاد استثماره داخل كل أفق معرفي جديد دون أن يفقد قدرته على إثارة الأسئلة الأساسية حول العلاقة بين العقل والنص.

وتنكشف مفارقة أساسية داخل الرشدية الجديدة، مفارقة تقوم على التوتر بين رغبة في تأسيس نموذج عقلاني مستقر، وبين واقع تأويلي متغير يجعل من كل نموذج عرضة لإعادة التفكيك. فكل محاولة لتثبيت صورة محددة لابن رشد داخل الفكر المغربي تعيد فتح المجال لتأويلات جديدة تتجاوز تلك الصورة أو تعيد تعديلها. هذا الوضع يجعل الرشدية أقرب إلى سيرورة فكرية مستمرة منها إلى نظرية مكتملة. ويتعزز هذا الطابع السيروري حين يُنظر إلى العلاقة بين الفكر المغربي المعاصر والسياق العالمي للفلسفة. فاستعادة ابن رشد لا تتم داخل فضاء محلي مغلق بل داخل حوار غير مباشر مع تقاليد فلسفية غربية أعادت اكتشافه منذ العصور الوسطى وجعلت منه رمزاً لعبور العقل الفلسفي إلى أوروبا. بيد أن هذا الاستقبال الغربي لابن رشد عاد إلى الفكر المغربي محملاً بدلالات معقدة تتعلق بموقعه داخل تاريخ الفلسفة العالمية وبإمكان إعادة امتلاكه داخل سياق ثقافي مختلف.

هذا التداخل بين المحلي والعالمي يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الرشدية حيث لا يتعلق الأمر فقط بقراءة ابن رشد داخل التراث الإسلامي بل أيضاً بإعادة تحديد موقعه داخل تاريخ الفلسفة الكونية. هذا الموقع المزدوج يجعل من الرشدية فضاء للتفاوض بين قراءات متعددة، كل منها يعيد تشكيل صورة الفيلسوف وفق منظوره الخاص.

إن الرشدية الجديدة لا يمكن اختزالها في مشروع فكري واحد أو اتجاه محدد بل هي مجال مفتوح من الأسئلة التي تتعلق بالعقل والتاريخ والتأويل والحداثة. هذا المجال لا يستقر على جواب نهائي لأن شروطه المعرفية نفسها في تغير دائم. فكل لحظة فكرية تعيد طرح ابن رشد بطريقة مختلفة وتفتح عبره أسئلة جديدة حول إمكان الفلسفة داخل الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة.

وتكمن أهمية هذا المسار في كونه يكشف أن التراث لا يعمل ككتلة صماء من المعاني الجاهزة بل كنسيج حي من الإمكانات التي يعاد اكتشافها باستمرار كما يكشف أن الحداثة نفسها ليست حالة مكتملة بل عملية مستمرة لإعادة تعريف مفاهيم العقل والمعرفة والإنسان. بين هذين الأفقين يتشكل موقع ابن رشد داخل الفكر المغربي المعاصر بوصفه نقطة توتر دائمة لا تنتهي إلى استقرار لأنها مرتبطة بسؤال أعمق يتعلق بحدود العقل ذاته وقدرته على فهم العالم وإعادة بنائه وتصير الرشدية تجربة فكرية مفتوحة تشتغل على إعادة بناء العلاقة بين التراث والحداثة دون أن تدعي امتلاك جواب نهائي. وفي هذا الانفتاح تكمن قوتها لأنها لا تجعل من ابن رشد مجرد اسم في تاريخ الفلسفة بل سؤالاً دائماً يعيد تشكيل الفكر كلما أعيد طرحه ويضع العقل أمام مرآته الخاصة حيث يتجدد السؤال بدل أن ينغلق المعنى.

***

د. حمزة مولخنيف

أو ولادة النظرية الفلسفية الملتزمة في السياق الحضاري، مقاربة عمومية

مقدمة: تُمثّل ولادة النظرية الفلسفية الملتزمة، أو ما يُسمى «التفلسف» كممارسة وجودية ونقدية، لحظة تحول جذرية في تاريخ الفكر الإنساني. ليست هذه الولادة مجرد تطور داخلي في تاريخ الفلسفة، بل هي استجابة حضارية عميقة للتحدي النيوكولونيالي الذي يسعى إلى إعادة إنتاج الهيمنة بعد انتهاء الاستعمار الكلاسيكي. في السياق الحضاري، يتحول التفلسف من تأمل محايد إلى أفق مقاومة يرفض التبعية الفكرية ويُعيد بناء الوعي الجماعي على أسس سيادية.

النظرية الفلسفية الملتزمة هنا ليست فلسفة «عن» الواقع، بل فلسفة «في» الواقع و«لأجله»: فلسفة تُمارس كفعل تحرري يربط بين النظر والعمل، بين النقد والإبداع، بين الذات والجماعة. في مواجهة النيوكولونيالية – التي تعتمد على السيطرة الاقتصادية والثقافية والمعرفية دون احتلال مباشر – يصبح التفلسف أفقاً يُعيد صياغة مفهوم «الحضارة» نفسه، من حضارة مهيمنة إلى حضارة متعددة الأقطاب قادرة على المقاومة والإبداع. هذه الدراسة تفكك ولادة هذه النظرية بشكل معمق، ثم تُبين كيف أصبح التفلسف أداة حضارية للمقاومة في مواجهة النيوكولونيالية، مع التركيز على المقاربة العمومية التي تتجاوز السياقات الخاصة إلى الرؤية الكونية للتحرر.

الإنتقال من الفلسفة المحايدة إلى التفلسف الملتزم

في الإطار العمومي، تُولد النظرية الفلسفية الملتزمة من أزمة الفلسفة التقليدية التي ادّعت الحياد والموضوعية. كانت الفلسفة الكلاسيكية تُقدم نفسها كتأمل خالص في الحقيقة المطلقة، لكن هذا الحياد كان في الواقع غطاءً لخدمة السلطة القائمة. مع تصاعد التناقضات الحضارية في عصر الاستعمار والرأسمالية، بدأت الفلسفة تكتشف أن «الحياد» هو موقف سياسي بحد ذاته يُعيد إنتاج الهيمنة.

الولادة الحقيقية تحدث عندما يتحول التفلسف إلى فعل ملتزم: ليس مجرد نقد للواقع، بل مشاركة في تغييره. هنا يصبح التفلسف «أفقاً» – أي مجالاً مفتوحاً للإمكانيات – يرفض التبعية المعرفية ويُعيد بناء الإبستيمولوجيا على أساس الواقع المعاش والنضال الجماعي. في السياق الحضاري، يُفهم هذا التحول كاستجابة للنيوكولونيالية التي لا تكتفي باستغلال الموارد بل تسعى إلى استعمار العقول واللغات والقيم. التفلسف الملتزم إذن هو رد حضاري يُعيد السيادة إلى الشعوب المستعمَرة سابقاً، بتحويل الفكر من أداة للتبعية إلى سلاح للتحرر.

ولادة النظرية الفلسفية الملتزمة: اللحظة التاريخية والحضارية

ولدت النظرية الفلسفية الملتزمة في لحظة تاريخية مزدوجة: نهاية الاستعمار الكلاسيكي وبداية النيوكولونيالية. بعد الحربين العالميتين، عندما انهار الاستعمار المباشر تحت ضغط حركات التحرر، لم ينتهِ الاستعمار بل تحول إلى شكل أكثر دهاءً: سيطرة اقتصادية عبر الديون والشركات متعددة الجنسية، وسيطرة ثقافية عبر الإعلام والتعليم، وسيطرة معرفية عبر فرض نموذج غربي كـ«النموذج الوحيد».

في هذه اللحظة، نشأت الحاجة إلى فلسفة ملتزمة ترفض «الفلسفة الخالصة» وتُعلن أن التفلسف عمل سياسي بطبيعته. أصبح التفلسف فعلاً وجودياً يربط الفيلسوف بالواقع الاجتماعي-الحضاري، فيتحول من مراقب إلى مشارك في النضال. هذه الولادة ليست حدثاً فردياً بل حضارياً: هي استيقاظ الوعي الجماعي للشعوب التي رفضت أن تكون «موضوعاً» للفكر الغربي وأرادت أن تكون «فاعلاً» في إعادة صياغة الحضارة. في السياق العمومي، ولدت هذه النظرية من التناقض بين «الحداثة» التي وعدت بالتحرر والواقع النيوكولونيالي الذي أعاد إنتاج التبعية. أصبح التفلسف أداة لتفكيك هذا التناقض، وإعادة بناء معرفة بديلة تعتمد على الخبرة الحضارية للشعوب المقاومة.

التفلسف كأفق مقاومة للنيوكولونيالية في السياق الحضاري

في السياق الحضاري، يتحول التفلسف إلى أفق مقاومة شامل. النيوكولونيالية لا تهاجم الأرض فحسب، بل تهاجم «الكينونة» الحضارية: اللغة، الذاكرة، القيم، والتصورات عن العالم. هنا يصبح التفلسف مقاومة معرفية: يفكك الخطاب النيوكولونيالي الذي يُقدم الغرب كمركز الحضارة، ويُعيد بناء مراكز متعددة.

أولاً، يُعيد التفلسف بناء الإبستيمولوجيا:

بدلاً من قبول المعرفة الغربية كمعيار عالمي، يُنتج معرفة محلية-كونية تنبع من تجارب الشعوب في المقاومة.

ثانياً، يُحول الفلسفة إلى ممارسة جماعية:

ليست فلسفة النخب بل تفلسف الشعوب، حيث يصبح كل فرد مشاركاً في إعادة صياغة قيمه.

ثالثاً، يبني أفقاً أخلاقياً:

يرفض الأخلاق النيوكولونيالية التي تُبرر الاستغلال باسم «التنمية»، ويُقيم أخلاقاً تحررية تعتمد على العدالة والكرامة والتضامن.

في السياق الحضاري، يصبح التفلسف «أفقاً» لأنه لا يقتصر على النقد بل يفتح إمكانيات مستقبلية: حضارة جديدة متعددة الأقطاب، تعتمد على التنوع الثقافي والعدالة الاجتماعية والسيادة المعرفية. هذا الأفق يجعل المقاومة ليست رد فعل بل مشروعاً حضارياً إيجابياً.

آليات التفلسف الملتزم في المقاومة النيوكولونيالية

تعمل النظرية الفلسفية الملتزمة عبر آليات متعددة.

أولاً، آلية «التفكيك النقدي»: تفكيك الخطاب النيوكولونيالي الذي يُقدم العولمة كقدر محتوم والتبعية كتقدم. ثانياً، آلية «إعادة الملكية المعرفية»: استعادة التراث الحضاري كأساس لمعرفة جديدة، لا كتراث متحجر بل كمصدر حي للإبداع.

ثالثاً، آلية «الربط بين النظر والعمل»: يصبح التفلسف جزءاً من الحركات الاجتماعية والسياسية، فيتحول الفكر إلى قوة مادية تغير الواقع.

رابعاً، آلية «بناء التضامن الكوني»: يربط التفلسف بين مقاومات الشعوب المختلفة، مما يخلق جبهة حضارية عالمية ضد النيوكولونيالية. هذه الآليات تجعل التفلسف ليس نظرية بل ممارسة يومية تحول الوعي الفردي إلى وعي جماعي مقاوم.

كما تواجه ولادة هذه النظرية تحديات: خطر الذوبان في الخطاب الغربي نفسه، أو الجمود في التراث دون تجديد. غير أن آفاقها واعدة: في عصر الأزمات العالمية (البيئية والاقتصادية والأخلاقية)، يصبح التفلسف الملتزم أداة لإعادة بناء حضارة بديلة تعتمد على التوازن بين الروحانية والمادية وبين الفكر والعقل، بين الخصوصية والكونية.

آليات التفكيك النقدي

يُعتبر التفكيك النقدي أحد أعمق وأقوى الآليات الفلسفية التي أنتجها الفكر الحديث والمعاصر في مواجهة أشكال الهيمنة المعرفية والحضارية. ليس التفكيك مجرد أسلوب تحليلي أو قراءة نصية، بل هو ممارسة فلسفية ملتزمة تحول النقد إلى فعل تحريري يفكك بنية السلطة المخفية داخل الخطابات والمؤسسات والتصورات. في سياق النظرية الفلسفية الملتزمة، يصبح التفكيك النقدي أداة أساسية للمقاومة للنيوكولونيالية، حيث يستهدف ليس الاستعمار المباشر بل الاستعمار المعرفي والثقافي الذي يُعيد إنتاج الهيمنة بعد انتهاء الاحتلال الرسمي. المقاربة هنا عمومية، تربط بين الجذور الفلسفية والتطبيقات الحضارية في مواجهة النيوكولونيالية التي تعتمد على السيطرة غير المباشرة عبر الاقتصاد والثقافة والمعرفة. التفكيك النقدي إذن ليس تدميراً عشوائياً، بل إعادة بناء إيجابية تُحرر الإمكانيات المكبوتة داخل النصوص والواقع نفسه. في الإطار العمومي، ينبع التفكيك النقدي من إدراك أن كل خطاب – سواء فلسفياً أو سياسياً أو ثقافياً – يعتمد على بنية ثنائية تبدو طبيعية لكنها في الواقع بناء سلطوي. هذه الثنائيات (كالمركز/الهامش، الحضارة/الهمجية، العقل/الجسد، الغرب/الشرق) تخفي علاقات قوة غير متكافئة. التفكيك لا يقتصر على قلب هذه الثنائيات، بل يُظهر كيف أنها غير مستقرة داخلياً وتُنتج تناقضاتها الخاصة.

في النظرية الفلسفية الملتزمة، يتحول التفكيك من مجرد أداة أكاديمية إلى فعل وجودي: هو التزام بالواقع المعاش، يرفض الحياد ويربط النقد بالممارسة التحررية. في مواجهة النيوكولونيالية، التي تُقدم نفسها كـ«عولمة محايدة» أو «تقدم حضاري»، يصبح التفكيك النقدي سلاحاً يفضح كيف تُعاد إنتاج الهيمنة عبر الخطابات «المحايدة» (التنمية، حقوق الإنسان، السوق الحر). هكذا يصبح التفكيك ليس نهاية بل بداية لإعادة بناء معرفة بديلة.

الآلية الأولى: تفكيك الثنائيات الهرمية وكشف عدم الاستقرار الداخلي

أولى آليات التفكيك النقدي هي استهداف الثنائيات الهرمية التي يقوم عليها الخطاب النيوكولونيالي. كل ثنائية (كالمتقدم/المتخلف، العقلاني/اللاعقلاني، المركز/الهامش) تبدو متعارضة لكنها في الواقع مترابطة وغير مستقرة. التفكيك يُظهر أن «المركز» (الغرب، الحداثة، العقل) يعتمد على «الهامش» ليؤكد وجوده، وأن هذا الاعتماد يجعل الثنائية قابلة للانهيار.

عملياً، يتم ذلك عبر قراءة النص (أو الخطاب) ضد التيار: البحث عن التناقضات الداخلية، مثل كيف يستخدم خطاب «التنمية» النيوكولونيالي مصطلحات الحرية ليُبرر التبعية الاقتصادية. في السياق الحضاري، يُفكك هذا الآلية الخطاب الذي يُصور المقاومة كـ«تخلف» والتبعية كـ«تقدم»، مما يُحرر الوعي من الثنائية ويفتح إمكانية بناء مركزية متعددة.

الآلية الثانية: الكشف عن الغياب والحضور المقلب (اللعب على الحدود)

ثاني الآليات هو كشف كيف يعتمد الخطاب على «الحضور» (ما يُعلن) ليخفي «الغياب» (ما يُكبت). النيوكولونيالية تُبرز حضور «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» لتُخفي غياب السيادة الاقتصادية والثقافية. التفكيك النقدي يُقلب هذا: يُظهر أن الغياب ليس فراغاً بل عنصراً أساسياً يُشكل الحضور نفسه.

عملياً، يتم ذلك عبر تتبع «الأثر» (trace): البحث عن الكلمات المكبوتة، الصمت، أو التناقضات غير المعلنة داخل الخطاب. في السياق الحضاري، يُكشف كيف يُخفي خطاب العولمة الرأسمالية غياب العدالة الاجتماعية وراء حضور «السوق الحر»، مما يُحرر الوعي من الوهم ويُعيد بناء سردية بديلة تعتمد على حضور المقاومة والغياب المُعاد إنتاجه للهيمنة.

الآلية الثالثة: الاختلاف والتأجيل كمصدر للمعنى غير المستقر

ثالث الآليات هو مفهوم «الاختلاف والتأجيل» الذي يرى أن المعنى ليس ثابتاً بل مؤجلاً دائماً ومختلفاً عن نفسه. الكلمة أو المفهوم لا يحمل معنى كاملاً في ذاته، بل يعتمد على علاقات الاختلاف مع غيره. التفكيك يُظهر أن الخطاب النيوكولونيالي يدّعي الثبات (كـ«الحداثة» كمفهوم نهائي) بينما هو في الواقع مؤجل وغير مستقر.

عملياً، يتم ذلك عبر تتبع سلسلة الاختلافات داخل النص: كيف يتغير معنى «التنمية» حسب السياق، وكيف يُستخدم لتبرير الاستغلال في سياقات مختلفة. في السياق الحضاري، يُحول هذا الآلية المقاومة إلى عملية إبداعية: يُؤجل المعنى النيوكولونيالي ويُعيد بناءه على أساس الخبرة الحضارية للشعوب، مما يفتح أفقاً لمعانٍ جديدة للسيادة والتحرر.

الآلية الرابعة: القراءة ضد التيار والربط بالسياق الحضاري

رابع الآليات هو القراءة ضد التيار: قراءة النص أو الخطاب بطريقة تُعكس النوايا المعلنة وتُبرز ما هو مكبوت. هذا يشمل ربط النص بالسياق الحضاري الواقعي: الصراعات الاجتماعية، التاريخ المستعمر، والمقاومة اليومية.

عملياً، يتحول التفكيك إلى أداة جماعية: ليس قراءة فردية بل ممارسة مشتركة داخل الحركات الاجتماعية، حيث يُفكك الخطاب الإعلامي النيوكولونيالي ويُعاد صياغته كأداة للوعي. في مواجهة النيوكولونيالية، يُظهر هذا الآلية كيف تُستخدم «الديمقراطية» كغطاء للتبعية، مما يُحول النقد إلى قوة سياسية حقيقية.

الآلية الخامسة: إعادة البناء الإيجابي بعد التفكيك

خامس الآليات، وهي الأكثر أهمية في النظرية الملتزمة، هو أن التفكيك ليس نهاية بل بداية لإعادة البناء. بعد تفكيك الثنائيات والكشف عن الغياب، يُعاد بناء معانٍ جديدة تعتمد على التنوع الحضاري والعدالة. هذا يجعل التفكيك النقدي إيجابياً: يُحرر الإمكانيات المكبوتة ويبني أفقاً للحضارة البديلة.

خاتمة

ولادة النظرية الفلسفية الملتزمة أو التفلسف كأفق للمقاومة الوجودية للنيوكولونيالية ليست حدثاً فلسفياً عابراً، بل هي لحظة حضارية فارقة. في السياق العمومي، تحول التفلسف من تأمل خالص إلى فعل تحرري يُعيد للشعوب سيادتها المعرفية والحضارية. هذا الأفق يفتح الباب أمام عالم متعدد الأقطاب، حيث لا تكون الحضارة امتيازاً لمركز واحد بل إبداعاً مشتركاً للإنسانية جمعاء. في مواجهة النيوكولونيالية التي تسعى إلى إنهاء التاريخ باسم «النظام العالمي الجديد»، يبقى التفلسف الملتزم بوصلة تضيء طريق المقاومة والإبداع، وتؤكد أن الفكر الحقيقي هو الذي يُغير العالم لا يصفُه فحسب. في السياق الحضاري، تحول هذه الآليات التفكيك إلى أفق مقاومة شامل: يفكك الخطاب النيوكولونيالي، يُحرر الوعي، ويُعيد بناء السيادة المعرفية. يصبح التفكيك جزءاً من الممارسة اليومية للشعوب، يربط بين الفكر والنضال، ويُمهد لعالم متعدد الأقطاب يرفض المركزية الواحدة. تواجه هذه الآليات تحديات: خطر الوقوع في النسبية المطلقة، أو الاستخدام الخاطئ كأداة تدميرية دون بناء. غير أن آفاقها واسعة: في عصر الأزمات العالمية، تصبح أدوات لإعادة صياغة الحضارة ككل. على هذا النحو آليات التفكيك النقدي ليست تقنيات أكاديمية بل ممارسة فلسفية ملتزمة تحول النقد إلى قوة تحريرية. في مواجهة النيوكولونيالية، تُفكك الهيمنة المخفية وتُعيد بناء أفق حضاري جديد. هذا التفكيك هو الذي يجعل التفلسف أداة حية للمقاومة، يؤكد أن الفكر الحقيقي ليس تأملاً بل فعلاً يُغير العالم. بهذه الآليات، يصبح التفكيك النقدي بوصلة حضارية تضيء طريق السيادة والإبداع للشعوب كافة.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

ولد الشيخ أمين الخولي سنة ١٨٩٥م بمحافظة المنوفية بمصر، وتوفي سنة ١٩٦٦م. حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره، وتخرج في مدرسة القضاء الشرعي. أصبح مدرسًا في مدرسة القضاء الشرعي في ١٠ مايو عام ١٩٢٠م. وفي ١٩٢٣م، عين إمامًا للسفارة المصرية في روما، ثم نُقل إلى مفوضية مصر في برلين عام ١٩٢٦م. عاد عام ١٩٢٧م إلى وظيفته في القضاء الشرعي، وانتقل إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب ١٩٢٨م. أسس جماعة الأمناء عام ١٩٤٤م، ومجلة الأدب عام ١٩٥٦م. وأصبح عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام ١٩٦٦م. كتب الخولي مقالات متنوعة في الصحف والمجلات، وألف مجموعةً من الكتب، من أهمها: "من هدي القرآن في أموالهم: مثالية لا مذهبية"، و"فن القول"، و"الجندية والسلم: واقع ومثال"، و"دراسات إسلامية"، و"مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب"، و"المجددون في الإسلام"، و"كتاب الخير: دراسة موسعة للفلسفة الأدبية مطبقة على الحياة الشرقية والتفكير الإسلامي".

ومع أن الشيخ أمين الخولي لم يدرس في الأزهر، بل تعلم في مدرسة القضاء الشرعي، لكنه درّس في الأزهر. وكانت محاضراتُه أولَ ما يُدرس من الفلسفة رسميًّا في العهد الجديد للأزهر؛ فهو بعد عودته من ألمانيا عام ١٩٢٧م، انتُدب للتدريس في الأزهر، فألقى محاضراتٍ على طلاب كلية أصول الدين في التاريخ العام لفلسفة الأخلاق، أو كما أسماها هو "الفلسفة الأدبية". اهتم الخولي بتجديد البلاغة وأساليب البيان العربي، ودعا إلى تحريرها من حمولة الفلسفة والمنطق الصوري، واصطلح عليها "فن القول". كان هاجسُه ربط أساليب البيان والتعبير بالحياة، وتكريس الذوق الفني، والانفتاح على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، والكشف عن الأبعاد النفسية للبلاغة، ودشن أفقًا آخر في بيان أساليب تفسير النصوص، وما يشوبها من ملابسات الذات والزمان والمكان والبيئة. كان الشيخ الخولي أول رجل دينٍ مسلم حاول العبور من المناهج والمفاهيم والأدوات التراثية في فهم الدين ونصوصه، إلى استعمال مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة، وتوظيفها في بناء فهمٍ بديل ونقدِ الفهم القديم، وتميز بخبرة رصينة وشجاعة كبيرة في توظيفها. "عمل أمين الخولي في روما إمامًا للسفارة المصرية ومكث في إيطاليا عامَين، وأجاد الإيطالية، وشرع يتعرف على الحياة الدينية والثقافية وجهود المستشرقين في أوروبا، كما عمل في مفوضية مصر في برلين عام ١٩٢٦م، وتعلم اللغة الألمانية. لما ألغيت وظيفة الأئمة من السفارات والمفوضيات المصرية عام ١٩٢٧م عاد إلى مصر، واستأنف عمله في مدرسة القضاء الشرعي ثم في كلية الآداب بالجامعة المصرية مدرسًا، ثم أستاذًا مساعدًا، وأستاذًا لكرسي الأدب في عام ١٩٤٣م".2621 alkoli

اكتشف مدة إقامته في إيطاليا الأساليب الجديدة في التربية والتعليم في أوروبا، وتعرف عن قرب على نمط التعليم الديني في الفاتيكان، الذي جعله يدرك ضرورة إصلاح نظام التعليم الديني القديم في الأزهر. أشار هو إلى ذلك بقوله: "قصدت إلى دراسة الخطط والأساليب التي تُتبع في الدراسات اللاهوتية، كما نظرت فيما حولي من الدولة الدينية (الفاتيكان) القائمة في عاصمة الدولة المدنية (إيطاليا)، وخلال تتبع لهذه الدراسة اللاهوتية في أقطار أوروبا التي عشت فيها بعد ذلك، كألمانيا، أو أقطار زرتها مجرد زيارة، وعمدت بعد الدراسة والتفكير للكتابة عن قضية الأزهر وإصلاحه". كتب بيانَه لتحديث الأزهر، الموسوم ﺑ "رسالة الأزهر في القرن العشرين". نشر الأزهر عام ١٩٣٦م هذه الرسالة، ثم تكررت طبعاتُها لاحقًا، بعد أن نفدت الطبعة الأولى سريعًا.

ويعد مهدي المخزومي، الذي ولد سنة 1919 وتوفي سنة 1993، أحد أبرز أعلام الدرس اللغوي الحديث في العراق، إذ تلقى تعليمه العالي في جامعة القاهرة وتخصص في اللغة العربية وعلومها متأثرًا بمناهج البحث اللغوي الحديثة، ثم عاد إلى العراق ليعمل أستاذًا في جامعة بغداد وأسهم في تكوين أجيال من الدارسين، وانشغل بتجديد النحو العربي، فدعا إلى إعادة بنائه على أسس أقرب إلى روح اللغة واستعمالها الحي بدل الجمود على التقسيمات المدرسية الموروثة، كما اهتم بأساليب البيان العربي وسعى إلى فهمها في سياقها الأدبي والتداولي لا في حدود القوالب التقليدية، فكان مشروعه محاولة لتخليص الدرس اللغوي من التعقيد وربطه بالحياة والذوق والوظيفة التعبيرية، وقد ترك أثرًا مهمًا في تحديث الدراسات النحوية والبلاغية في العالم العربي.

حرص المخزومي على أن يستعيد النحو وظيفته، وتعامل معه بوصفه مرآة لتحولات الواقع والوعي والثقافة واللغة، لذلك دعا إلى أن يتحرر النحو من تسلط التفلسف، وأن يعاد بناؤه في ضوء ما تقوله اللغة فعلًا. النحو كما فهمه، ممارسة تتجدد بتجدد الحياة، وتصاغ من جديد كلما تغيرت سياقات الاستعمال، وتحولت الحاجات اللغوية والثقافية، وتبدلت أساليب التعبير. في ضوء هذه الرؤية، يصبح النحو تأملًا في: كيف يتكلم العربي، وكيف يُعيد تشكيل لغته، وكيف تنبثق المعاني من صميم الواقع الذي يعيشه الإنسان، وليس من قوالب جاهزة. النحو الحي يستخلص من الفضاء الذي تنبثق فيه اللغة، ومن الأصوات التي تعبّر عنها في استعمالها، ومن الواقع المتغير، والحاجات التي تفرض على اللسان أن يتغير كي يظل قادرًا على التعبير. لا يصح أن نفهم النحو إلا بوصفه مرآة للواقع اللغوي، وفضاءً للتأمل في كيفية تكلم الانسان حين يصغي الى ذاته، وحين ينصت الى الواقع، وحين يعيد بناء لغته كي تواكب ما يشعر به، وتعلن عما يريد أن يقوله. لا يستجيب النحو إلى ما يريد الإنسان أن يقوله إلا حين يتحول من قيد يكبل المتكلم الى أداة لتيسير النطق باللغة.

 رفض الخولي أن تكون اللغة خاضعة للمنطق أو لآراء الفلاسفة أو تأويلات المتكلمين، ورأى أن النحو والبلاغة يجب أن ينطلقا من الاستعمال اللغوي لا من القواعد المفروضة، تمامًا كما أكد المخزومي أن وظيفة النحوي ليست فرض القواعد بل تتبع اللغة وتسجيل ملاحظاته.كما أعاد الخولي تعريف وظيفة النحوي والبلاغي، معتبرًا أن مهمتهما هي خدمة الفهم الإنساني للنصوص، لا إنتاج أنظمة مغلقة، وربط بين تجديد النحو وتجديد الدين، مؤمنًا بأن فهم الدين لا يتم إلا بفهم اللغة في حيويتها. كذلك انتقد الطريقة المدرسية في تدريس البلاغة والنحو، ودعا إلى تجاوز تقنينات السكاكي والجرجاني والعودة إلى النصوص الحيّة كما يستعملها الناطقون باللغة، مثلما دعا المخزومي إلى استفتاء "اللغة كل اللغة" لا الاكتفاء بالقواعد. اتفق الخولي والمخزومي على أن اللغة تتطور بتطور المجتمع، وأنها ليست محكومة بعقل الفرد أو منطق النحاة، بل يجب أن تدرس في سياقات استعمالها، ولهذا رفض كلاهما أن تكون الدراسات اللغوية معيارية أو فلسفية، بل وصفية تطبيقية تنطلق من الواقع.

 في سياق هذه الدعوة لتجديد اللغة دعا أمين الخولي لتجديد مناهج التفسير، وضرورة استخدام المناهج الحديثة، وتجاوز الأدوات التراثية في تفسير النصوص الدينية. رأى الخولي أن التفسير فنًا للفهم، يخضع لرؤية المفسر وثقافته وأفقه التاريخي. تحدثت عن ذلك بالتفصيل في: "الهِرمِنيوطيقا: بوصفها منهجًا للتفسير عند أمين الخولي"، وأوضحت كيف أن الخولي لم يكتف بالإنصات إلى ما يقوله النص، بل نظر إلى المفسّر ذاته وأحكامه المسبقة وواقعه الذي عاش فيه، بوصفه فاعلًا في إنتاج المعنى، وهو ما جعله يعلن أن المفسر "يُلوّن النص" بفهمه له. أسس الخولي لمنهج جديد في تفسير القرآن، يراعي ذات المفسر والواقع الذي يعيش فيه وأفق انتظاره. وبذلك تتجلى "فرادة أمين الخولي في محاولته الرائدة لتوطين الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص داخل الدراسات الدينية بالعربية، إذ يمكن القول بعد استقراء وتتبع إنه أول هرمنيوطيقي في العربية وربما في عالم الإسلام، فلم يعرف قبله من سبقه إلى هذا المنحى حتى في بلاد الإسلام غير العربية... إن ما يقوله الخولي يحيل بوضوح إلى الهرمنيوطيقا الحديثة، فهو يتحدث عن أفق المفسر ويجعل التفسير عملية حوار وإنتاج متبادل للمعنى بين النص والقارئ، لا تلقيًا سلبيًا لما يقوله النص. التفسير عنده قراءة للقراءة وفهم للفهم، يشارك فيها المفسر بمعارفه وثقافته ومسلماته المسبقة، ليولد المعنى في ضوء أفق انتظار المفسر ورؤيته للعالم، وبذلك يصبح التفسير عند أمين الخولي مقاربة هرمنيوطيقية حيّة للنص، تعيد الاعتبار لدور المفسر وتكشف عن الطبيعة المتجددة للمعنى في كل قراءة". راجع: الرفاعي، عبد الجبار، الهِرمِنيوطيقا: بوصفها منهجًا للتفسير عند أمين الخولي، 2025، دار الشؤون الثقافية، بغداد.

دعوة أمين الخولي رأينا ثمراتها في مدرسة الأمناء التي أسسها هو بمعية الجيل الأول من تلامذته، وأبرزهم محمد أحمد خلف الله الذي كتب اطروحته الموسومة: "الفن القصصي في القرآن الكريم" لنيل شهادة الدكتوراه في العام ١٩٤٧م بإشراف أمين الخولي، لكن لجنة المناقشة رفضتها، وحجبت الدكتوراه عن كاتبها. والجيل الثاني لمدرسة الأمناء الذي تجلى في الأعمال المهمة لنصر حامد أبو زيد في الهرمنيوطيقا، وأخيرًا أعمال علي مبروك، الذي يمثل الحلقة الأخيرة من تلامذة مدرسة الأمناء.كانت سياقات الحياة الثقافية والاجتماعية في مصر أقدر على التراكم والبناء على الجديد وتطويره. مثلًا ما زالت صحيفة الأهرام، التي أصدرها الأخوان سليم وبشارة تقلا، بتاريخ 5 أغسطس 1876، تواصل الصدور، بعد أن بلغ عمرها حتى اليوم 150 عامًا؛ فقد صدر العدد 50890 بتاريخ يوم الاثنين 6 أبريل 2026. ولنا أمثلة متنوعة في مجلات ثقافية معروفة، كالهلال التي أصدرها جرجي زيدان في 1 سبتمبر 1892 ومازالت تصدر.

لم تتأسس مدرسة لغوية لمهدي المخزومي تمتد في تلامذته، كما امتدت مدرسة أمين الخولي في الأمناء وتواصلت مع تلامذته؛ لذلك لبثت دعوة المخزومي أقرب إلى تجربة فردية جسورة، لم تتشكل في تيار مدرسي فاعل. نرى هذا النمط في سياقاتنا الثقافية في العراق، إذ لا نكاد نعثر على صحيفة أو مجلة ثقافية واصلت صدورها لسنوات طويلة، على نحو ما نراه في الأهرام والهلال، حيث تتراكم الخبرة، ويتصل الجهد، وتتشكل تقاليد راسخة في الإنتاج الثقافي.

في مصر يتجلى حضورٌ واضحٌ لمصرَ الكيان في وجدان المواطن، حضورٌ يتغذى من ميراثٍ متراكم، ورموزٍ راسخة، وذاكرةِ دولةٍ حيّة تستعيد نفسها في الوعي الجمعي جيلاً بعد جيل. أمّا في العراق فيبهت حضورُ ذاكرةِ الدولة في وجدان المواطن، ويضعف معه حضورُ العراقِ الكيان، والهويةِ الوطنية، وميراثِه، ورموزِه، بسبب انقطاعٍ طويل في خبرة الدولة، وهشاشة في تراكمها التاريخي، الأمر الذي أضعف صلتها العميقة بوعي الإنسان وانتمائه.

بعد رحيل المخزومي خفت صوت دعوته شيئًا فشيئًا، لا لقصور في رؤيته أو ضعف في مشروعه، لكن بسبب سياقات الحياة الثقافية والاجتماعية في العراق التي تفرض عجزًا عن التراكم والبناء على الجديد وتطويره، إثر غياب صورة الدولة الوطنية في اللاشعور السياسي العراقي قرونًا طويلة. ولم تكن البيئة الثقافية والاجتماعية في وطننا مهيأة لاحتضان التجديد وحمايته في اللغة، وفي فهم الدين وقراءة نصوصه، في ضوء معطيات الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة، نتيجة تداخل هيمنة القيم القبلية مع الرؤية التقليدية للمؤسسة الدينية، فصاغ هذا التداخل مناخًا يتوجس من كل محاولة لإعادة التفكير في اللغة أو الدين، ويستشعر فيها تهديدًا للثابت التراثي الذي يحتمي فيه نفسيًا. في مثل هذا المناخ نشأ حذر شديد لدى كل مَن يفكر في المضي في هذا الطريق، خوفًا من ردود أفعال قاسية من المجتمع والمؤسسة الدينية، لذلك ينكفئ المشروع التجديدي قبل أن يتحول إلى مدرسة، ويظل أثره كامنًا في النصوص، أكثر مما يتجسد في امتداد حي يحضر في الوعي الجمعي والحياة المعرفية.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

لطالما كانت العلاقة بين الدين والفلسفة محور جدل عميق منذ آلاف السنين من افلاطون وارسطو الى هيوم وكانط وصولا الى المفكرين المعاصرين. السؤال الذي يثير الجدل دائما هل الفكر العقلاني والفلسفة تهدد الايمان ام انها وسيلة لفهمه وتطويره الحقيقة اكثر تعقيدا من مجرد صراع بين العقل والدين فهي تتعلق بفهم الانسان لطبيعته لطبيعة المعرفة وللغاية من وجوده.

الفلسفة ليست عدو الايمان:

اول سوء فهم شائع هو الاعتقاد ان الفلسفة تأتي لمعارضة الدين او تشويه الايمان الحقيقة مختلفة تماما الفلسفة هي بحث مستمر عن الحقيقة والمعنى من خلال العقل لا عبر الايمان الاعمى. تاريخيا الفلاسفة لم يسعوا دائما لمهاجمة الدين بل لتفسيره وتحليل مبادئه لفهم الاسباب وراء الطقوس النصوص والممارسات. الا ان التحدي يظهر عندما يخلط بعض الناس بين التساؤل النقدي والفكر العقلاني وبين الشك في الدين نفسه هذا الخلط يولد صراعات وهمية بين العقل والايمان صراعات غالبا ما تستغل من قبل انظمة تسعى للحفاظ على السيطرة او الانغلاق الفكري.

العقيدة مقابل التفكير الحر صدام طبيعي ام وهمي؟

العقائد الدينية غالبا تقدم اجابات جاهزة لكل سؤال وجودي في حين الفلسفة تحث على التساؤل المستمر هذا الاختلاف بين الاجابة الجاهزة والتساؤل الحر يولد شعور بالتهديد عند من يربطون الدين بالسلطة او بالهوية المجتمعية من ناحية اخرى الايمان الحقيقي لا يخاف التساؤل بل ينضج من خلاله. الخطر ليس في الفكر العقلاني بل في التعامل مع الدين كقواعد جامدة لا يمكن نقدها او كسلطة مطلقة تتحكم في حياة الناس.

الدين والفلسفة تجارب تاريخية:

الفلاسفة اليونانيون مثل افلاطون وارسطو لم يهدفوا لمهاجمة المعتقدات الدينية للشعوب لكنهم وضعوا اساسيات التفكير النقدي والاخلاقي. السؤال عن معنى الخير العدالة والغاية من الحياة لم يكن تهديدا للايمان بل محاولة لفهمه بعمق. في العصر الاسلامي الذهبي علماء مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد حاولوا تفسير نصوص الدين وفق العقل والمنطق كثير منهم تعرضوا للاضطهاد او النقد الشديد ليس لانهم كانوا ضد الدين بل لان السلطة الدينية خشيت ان يساء فهم العقلانية على انها تحد مباشر للنصوص المقدسة. في العصر الحديث فلاسفة مثل هيوم وكانط ونيتشه طرحوا اسئلة صادمة حول الدين لكنها كانت دعوة للتفكير النقدي وليس محاربة الايمان الشخصي اليوم نجد ان المجتمعات التي تسمح بالتساؤل العقلاني غالبا ما تمتلك دين ناضج يمكن ان يتعايش مع النقد والتطوير الفكري.

الدين كمرآة والفلسفة كمرشد

الفلسفة تساعد الدين ليصبح اكثر عمقا وواقعية تكشف التناقضات المنطقية التي يمكن ان تظهر عند التفسير الحرفي للنصوص تعزز المبادئ الاخلاقية الاساسية بدل الاكتفاء بالطقوس الشكلية وتشجع التفكير النقدي الواعي بحيث يتحول الايمان من مجرد شعور او تقليد الى تجربة مدروسة وعميقة مثال سؤال فلسفي بسيط مثل لماذا يجب ان نعامل الاخرين بالعدل يمكن ان يجعل المؤمن يعيد تفسير النصوص الدينية ويرى العدالة كقيمة اخلاقية عالمية وليس مجرد حكم ديني.

العقلانية ليست تهديدا بل اختبار للايمان:

التفكير الحر يميز الايمان الواعي عن الايمان الاعمى الفلسفة ليست سلاحا ضد الدين بل اداة لتقييم الذات وفهم العالم بطريقة اعمق المجتمعات او الافراد الذين يرفضون التفكير النقدي باسم الدين غالبا ما يعيشون في افكار جامدة وموروثات لا تسائل وتقاليد تقيد الحرية الفكرية الفكر العقلاني لا يقتل الايمان بل يقتل الاستسلام الاعمى للافكار.

الصراع المعاصر بين الدين والفلسفة يظهر في التيارات المحافظة الدينية التي ترى ان اي تساؤل فلسفي تهديد مباشر والفلاسفة والمثقفين الذين يؤكدون ان التساؤل والعقلانية ضروريان لفهم الدين بصدق ووعي امثلة معاصرة جدل حول التدريس في المدارس تعليم العلوم والفلسفة مقابل التربية الدينية التقليدية النقاش حول حرية التعبير كيف يمكن للفكر العقلاني ان يتعايش مع احترام المعتقدات الدينية الحقيقة هي ان معظم الصراعات مزيج من الخوف السلطة وعدم القدرة على الفصل بين التساؤل والنقد وبين الهجوم على الدين ذاته. الطريق الامثل التوازن بين العقل والايمان لكي تتعايش الفلسفة والدين يجب على الافراد والمجتمعات ان يدركوا التساؤل لا يعني فقدان الايمان النقد العقلي يصحح الاخطاء ويقوي الفهم والايمان الحقيقي مستعد للتامل والتطوير دون المساس بالجوهر الروحي المجتمعات التي تفشل في هذا التوازن غالبا ما تعاني من التطرف الفكري سواء دينيا او علمانيا ومن انغلاق ثقافي يمنع التطور العقلي والفكري.

 النقدية الفكر العقلاني لا يقتل الايمان بل يميز بين الايمان الواعي والناضج والايمان الاعمى الخطر الحقيقي ليس في التساؤل بل في رفض التساؤل باسم الدين الدين والفلسفة يمكن ان يتعايشا لكن التعايش الحقيقي يحتاج وعي ونضج وشجاعة فكرية القارئ الذي يسعى للتوازن بين العقل والايمان سيجد في التساؤل اداة لفهم اعمق وفي الايمان قوة للاستمرار والتوجيه الروحي في النهاية العلاقة بين الدين والفلسفة ليست صراعا بلا نهاية بل رحلة مستمرة نحو فهم الانسان لنفسه والعالم من حوله.

***

زكريا نمر

 

جان فرانسوا ليوتار

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

***

"هل يُلحق أستاذ الفلسفة اليوم بالمدرسة أم بالعالم؟" (ليوتار)

"إنّ التفلسف هو أولا فعل عصاميّ. هذا هو الذي أريد أن أعنيه أولا بدرس فلسفيّ.. ولا تعني." عصامي" أننا لا نتعلّم شيئا من الآخرين، بل فحسب لا نتعلّم منهم شيئا إذا لم يعلّمونا نسيان ما تعلّمناه.. نحن عصاميون، في معنى انه يجب أن نتفلسف حتى نتعلّم التفلسف ".ج. ف. ليوتار

"يشتغل الدرس على ما يسمّى الواقع. يصقل معاييره. ويعلّقها. وإذا كان من بين المعايير الأساسية للواقع وللواقعية هو أن نربح الوقت، وهو، فيما يبدو لي، واقع الحال اليوم، فإنّ درس الفلسفة ليس مطابقا للواقع اليوم. تتمثّل صعوباتنا كأساتذة فلسفة أساسا في اقتضاء الصبر."ليوتار

**

" لو سلمت بما جاء في الورقة العلمية لهذه اللقاءات، فإنّ الرهان المحدد لتفكيرنا هنا، هو رهان التكوين الفلسفي للمدرسين، وسنسلّم بأنّ " التربية والتعليم هما فعلان فلسفيان". لا أعرف ما يعنيه " فعل فلسفي". سأسند لكلمة " فعل فلسفي" دلالة محدّدة، تقابل القوّة puissance. وسأقول إنّ الفلسفة ليست كيانا، قوّة، حصيلة معرفية، ومهاراتية وشعورية، بل هي فحسب فعل وشغّالة en acte.وأضيف أن التربية والتعليم لا يبدوان لي أفعالا فلسفية، لا أكثر ولا أقلّ من كونهما المشاركة في مأدبة أو تسليح باخرة. ليست الفلسفة ميدانا مقسّما في جغرافية اختصاص. جميعنا يعلم ذلك. أقول" درس فلسفي" مثلما نقول" مع مرور الزمن". نحن نعلم أن قسما كبيرا من التفكير الفلسفي منذ بروتاغوراس وأفلاطون، ومنذ فيثاغورس يشتغل على كلمة تكوين، وبالتالي حول البيداغوجيا والإصلاح. وأن له كمسلمة كون عقول البشر لم تُوهب لهم على نحو ما يجب وانه لابد من إصلاحها. الطفولة هي وحش الفلاسفة. وهي أيضا شريكهم. تقول الطفولة للفلاسفة بأن الفكر ليس معطى. لكنه ممكن. وإصلاح الفكر يعني أن يأتي معلّم ليساعد الفكر الممكن في مرحلة الطفولة، بما هو في حالة انتظار، على أن يكتمل. هل تعرفون الدورة الدموية: لكنها المعلّم ذاته؟ كيف تَحرّر من وحشيته الطفولية؟ تربية المربّين، وإصلاح المُصلحين: نتّبع الإحراج l’aporie الأفلاطوني بواسطة كانط، حتى نصل إلى ماركس. هل يجب أن نقول كما يقول علم النفس التحليلي: أنه بمثل ما وجد تحليل ذاتي مؤسّس، فقد وجد أيضا تكوين ذاتي مؤسّس؟ عٍصَاميُّ التكوين أبٌ لكلّ العصاميين؟ هناك فرق بين الفلاسفة وعلماء النفس التحليلي هو أن للفلاسفة آباء كثيرون، وأكثر مما يجب للإقرار بأبوة. وفي المقابل، فإنّ التفلسف هو أولا فعل عصاميّ. هذا هوالذي أريد أن أعنيه أولا بدرس فلسفيّ. لا يمكننا أن نكون معلمين، وأن نتحكّم في الدرس. لا يمكننا أن نَعْرِض مسألة دون أن نعرض أنفسنا من خلالها. التساؤل عن " موضوع" (التكوين مثلا)، دون أن يسائلنا هذا الموضوع ذاته. إذن، يجب أن نعيد من جديد، دون أن نقيم الصلة بهذا الفصل للطفولة، الذي هو فصل ممكنات الفكر. فلا يمكن أن نكون فلاسفة فكر، بما في ذلك فكر أستاذ الفلسفة، الذي هو على استعداد لهذه المسألة، في القسم، ولا نُعيد من جديد. فمن لا يستأنف الدرس من بدايته. نحن نعلم أوّلا أنّ هذا العمل يجب أن يكون بمناسبة أية مسألة أو أيّ " موضع"، وثانيا، فإنّ البدء لا يعني الرجوع إلى الأصل الجينيالوجي (كما لو كانت الجينيالوجيا، وبالخصوص التسلسلية / التعاقبية التاريخية لا تطرح تساؤلا). إنّ الطفل الوحش ليس أبَ الإنسان، بل هو في بيئة الإنسان لادرسه non-cours، انحرافَه الممكنَ والخَطِرَ. نبدأ دائما من البيئة. من أجل ذلك، كان مشروع منهاج فلسفي، مشروعا مستمدا من العلوم الدقيقة، وآيل إلى الفشل. وبالمثل، فإنّ كلمة " عصامي" لا تعني أننا لا نتعلّم شيئا من الآخرين. بل فحسب لا نتعلّم منهم شيئا إذا لم يعلّمونا نسيان ما تعلّمناه. لا ينتشر الدرس الفلسفي مثل معرفة منقولة. بل بالتحصيل. هذا واضح في حالة القراءة الفلسفية، التي توفّر الأساسيّ في المحادثة في شأن " موضوع". ليست هذه القراءة فلسفيّةٌ لأنه لا توجد لدينا نصوصا مقروءةً، فلسفيةَ فحسب، بل يمكن أن تكون نصوصا لفنّانين، وعلماء وسياسيين فضلا عن أنه يمكن أن نقرأ نصوصا فلسفية دون أن نتفلسف- فلا تكون قراءة فلسفية إلاّ إذا كانت عصامية. إلاّ إذا كانت تمرين لاتوافق مع أو بالنسبة إلى النص، تمرين صبر. فلا يعلمّنا درس القراءة المطوّل ما يجب قراءته فحسب، بل كوننا لم ننته من القراءة، وأننا لم نفعل سوى أن نبدأ، وأننا لم نقرأ ما قرأناه. إنّ القراءة درسُ إنصاتٍ. أن نتكوّن للإنصات هو أن نتكوّن للعَوْدِ من جديد، وفقدان الحالة الحسنة. إعادة فحص المسلّمات والضمنيات، في النصّ وفي قراءة النصّ. يتمثّل الأساسيّ فيما نسمّيه بناء، الذي يرافق ويغطّي الإنصات المتأني، ويتمثل في هذا الموروث الشخصي، في البحث عمّا يتبقى غير مفكّر فيه بعدُ بينما قد وقع التفكير فيه. لأجل ذلك كان البناء الفلسفي غير ذي صلة بالنظرية، ولا بتجربة هذا البناء مع اكتساب معرفة (مبحث). وما نجده من مقاومة في الاشتغال على الإنصات والموروث الشخصي هو من طبيعة أخرى مغايرة لطبيعة ما يقد يتعارض مع نقل المعارف. يشتغل الدرس على ما يسمّى الواقع. يصقل معاييره. ويعلّقها. وإذا كان من بين المعايير الأساسية للواقع وللواقعية هو أن نربح الوقت، وهو، فيما يبدو لي، واقع الحال اليوم، فإنّ درس الفلسفة ليس مطابقا للواقع اليوم. تتمثّل صعوباتنا كأساتذة فلسفة أساسا في اقتضاء الصبر. وأنه علينا تحمّل أن لا نتقدّم (بطريقة قابلة للقيس، وظاهرة)، وأن نبدأ دائما من جديد، وهذا متناقض مع القيم السائدة للاستشراف والتطوّر والتركيز والأداء والسرعة والتعاقد والتنفيذ والاستمتاع. أتذكر، عندما كنت ادرس في المعاهد الثانوية، هذا الثابت: أننا كنّا " مُستَغْرَقين"، أنا والتلاميذ، طيلة الثلاثي الأوّل، ويبدأ الدرس، أو بالأحرى تبدأ البداية، في جانفي مع الناجين. كان يجب، ويجب تحمّل طفولة الفكر. أعلم أن" الظروف" كما يقال لم تكن هي نفسها. وسآتي على ذلك. أنا لا أعلمكم شيئا (من قبيل الافتراض). نعلم جميعا أنّ درس الفلسفة مساو في الكلفة للدرس الفلسفي. فهو على حساب نقل المعارف، وعلى الموضوعات المقررة أو لا في البرنامج، ولا فقط على أمثلة لهذا الاشتغال على استئناف البداية المستمدّة من البيليوغرافيا الفلسفية، أو علامات هذا العمل ذاته المستعارة من تاريخ العلوم والتقنيات والفنون والسياسات، - إذن، لا التعريف فحسب بهذه الأمثلة وهذه العلامات بتقديمها بوصفها ما يلزم، وبوصفها مرجعيات الخطاب المدرسي، بل الاضطلاع بالاشتغال على الإنصات، والرصيد الحياتي للشخص وبناء حتى الفصل، برجماتيا. الإضطلاع به " راهنا" في العالم الصغير لأسماء الأعلام حيث يكون رهان الدرس طيلة ساعتين في ذلك اليوم، على المحكّ. وأن يكون الرهان دوما، تحديدا، أن يكون الاشتغال الفكري قائما، مضدَار درسٍ، في القسم، الآن وهنا. هذا المقتضى ليس " بيداغوجيا ". ولا يحدّد أي منهج في التعليم. ولا يوجد علم في شأنه. بل على العكس: ينتج عن تجسيد الدرس الفلسفي في درس الفلسفة، وأن كل فصل، كل مجموع الأسماء، والتواريخ والأماكن يبني لغته، لهجته الخاصّة التي ينجز فيها هذا العمل. هناك توافق بين العصامي واللهجة الخاصّة. إنّ هذه الخصوصية لدرس الفلسفة، أريد أن أقول : إنّ في هذا الدرس، أي ما يميّز الدرس، هو نفسه الذي يميّز الدرس الفلسفي. أود أن أقول: تؤدّي كتابة نص فلسفي، وحيدا على المكتب (أو ماشيا..) تحديدا إلى نفس المفارقة. نكتب قبل أن نعرف ما الذي يمكن قوله وكيف، وحتى نعرفه، إذا أمكن. إنّ الكتابة الفلسفية متقدّمة على ما يجب أن تكون عليه. مثل طفل، سابقة لأوانها وضعيفة. نحن نعيدها إذ ليست موضع ثقة، كي ندرك الفكر، هناك، في النهاية. غير أن الفكر هنا، مشوّش باللافكر، يحاول تنظيم اللسان السيئ للطفولة. لا ندرك لأول وهلة إذن الفرق في الطبيعة بين التفلسف وتعليم الفلسفة. يقول كانط : لا نتعلّم الفلسفة بل نتعلّم في أحسن الحالات كيف نتفلسف فحسب(philosophieren) (هندسة الفكر الخالص). وسواء أكنا لوحدنا أو في كثرة، فنحن عصاميون، في معنى انه يجب أن نتفلسف حتى نتعلّم التفلسف. أصل إلى النقطة الثانية. يفرّق كانط مع ذلك بين المفهوم المدرسي (Schulbegriff) للفلسفة ومفهومها الشائع (Weltbegriff). يكون التفلسف في المدرسة هذا التمرين في الصبر الذي يسمّى عند كانط ديالكتيك كما عند أرسطو. غير أنه على الفلسفة، وقد قذف بها في هذا العالم، أن تضطلع بمسؤولية ثانية. فلا تختبر فحسب ما هو التفكير، بل إنّ تقاس بالنسبة إلى مثل أعلى، مثل أعلى للفلسفة - النموذج، الذي هو، كما كتب كانط، " مشرّع العقل البشري". للفلسفة الموجودة في العالم مهمّة أن تصل المعارف، جميع المعارف، بالغايات الجوهرية للعقل البشري. هذا هو المطلب الذي يصدر عن العالَم: ينضاف إلى الاهتمام التأملي (العمل المثابر الذي تحدثت عنه) اهتمام عملي وعمومي للعقل في الفلسفة، بالعالم. وكما تعلمون، ومثلما فسّر ذلك كانط في ديالكتيك نقد العقل الأول، فإنّ اهتماماته متناقضة. هل يُلحق أستاذ الفلسفة اليوم بالمدرسة أم بالعالم؟ لقد وضعت الحداثة والأنوار والتفكير الكانطي ذاته المدرسة في مركز الاهتمام العمومي والعملي للعقل. وكان رهان هذا الاهتمام، منذ قرنين، في فرنسا بالخصوص، وعلى نحو آخر في ألمانيا، قد سمّي بناء المواطن في الجمهورية. لقد وجدت مهمة الفلسفة نفسها في خلط مع مهمّة التحرّر. إنّ التحرر بالنسبة إلى كانط، هو بوضوح الحريّة الموكولِ للعقل نشرها وتحقيق غاياتها، بمعزل عن أيّ عاطفة. هكذا سيكون مشرع العقل البشري. توجد في هذا المنظور " الحديث" المسلمة التالية: يطلب العالم من الفلسفة أن تشرّع عمليا وسياسيا. ولا أعلمكم شيئا بقولي: لا نطلب شيئا اليوم، إذا ما كان العالم على حقّ أولا في توجيه هذا الطلب إلى أستاذ الفلسفة (الذي هو في العالَم بواسطة المدرسة الحديثة منذ قرنين)، بل نحن نتساءل إذا ما يزال العالم يوجّه إليه أي طلب من هذا النوع. لا طلَب باختصار. ولو صحّ أن درس الفلسفة يَتْبَع درسا فلسفيا، ولو صحّ أن التفلسف، بمفردنا أو في القسم، يخضع إلى مطلب العود إلى طفولة الفكر، فما الذي يحدث لو لم يكن للفكر طفولة؟ وإذا كان أولئك الذين يتظاهرون بكونهم أطفالا أو مراهقين كفّوا عن أن يكونوا البيئة غير المؤكّدة للإنسان، والإمكانية للأفكار؟ وإذا ما كانت الاهتمامات ثابتة؟ ليس لمدرسي الثانوي في فرنسا، على حدّ علمي، بالنسبة إلى الفلسفة على الأقلّ، حاجة إلى التكوين في التفلسف. هم كذلك ولن يكونوا كذلك أبدا، وهذا جيد. لكنهم لا يستطيعون جعل الدرس الفلسفي الذي يقدرون عليه ذي راهنية لأنّ التلاميذ ليسوا مهيئين للصبر والتأنّي، استحضار السوابق وللبداية من جديد. لا أرى علاجا بيداغوجيا لهذا لا يكون أسوء من الداء. تعليم الأساتذة أن يكونوا وَدُودِين والنصح بالترغيب، والإرشاد بشدّ الانتباه الأطفال بواسطة تجديدات بيداغوجية أو تقنيات جاهزة هي أسوء من الشرّ. لقد كان لدينا جميعا ألسيبياد Alcibiade يحاول أن يُغرينا من هذا الجانب، كان علينا عاجلا أم آجلا أن نُفهمه، كما سقراط، أنه يفسح المجال لتبادل للحمقى، بالرغبة في مقايضة إغرائهم بحكمتنا، وهو ما لا قيمة له. والأسوأ من ذلك هو توصية أستاذة الفلسفة بأن يكونوا " ألسيبياد" تلاميذهم. إنّ الاشتغال على استحضار السابق والبناء بالفعل في القسم، سواء أكان مَرِحًا أم شديدا لا يدين بشيء للتحفيز والاستقطاب. ليست الصعوبة الراهنة، دون التذكير بذلك، تلك التي تعترض غريب إيليا في السفسطائي (217س مقطع، ر46 س). من الأفضل الحجاج بأسئلة وأجوبة إذا لم يصنع الشريك صعوبات حتى يجيب وإذا ما كان صريحا ولا يراوغ (من قلادة إنينيوس، من إينيا، الميّت). فإذا لم يكن هذا هو الحال فمن الأفضل الحجاج لوحدنا. يمكننا التحاور مع أصدقاء الأشكال، فهم أكثر ترويضا (hémérôteroi) من المادّيين الذين يردّون كلّ شيء إلى الجسد. أما بالنسبة إلى هؤلاء، فنقوم بعمل استحضار السوابق في غيابهم، لوحدنا، وبدلا عنهم. نغلق المدرسة. يلتحق انهيار المثل العليا الحديثة بثبات المؤسسة التعليمية الجمهورية، التي تستند إليها، وأثره أن نقذف في الدرس الفلسفي عقولا لا تندمج فيه. وتبدو مقاومة هذه العقول لا تُقهر لأنها تحديدا خالية الوفاض. فهي تتحدّث بلهجة تعلمتها ويعلمها لها " العالم"، والعالم يتحدّث عن السرعة والمتعة وتحت هيمنة قاعدة التبادل الاقتصادي، المعمّمة على كلّ مظاهر الحياة، بما في ذلك الانفعالات واللذات. إنّ هذه اللهجة شيء آخر غير التي يتحدّث بها الدرس الفلسفي، فهي لا تقبل أن تقاس به. وما من حَكَمٍ كي يفصل في هذا الخلاف. فالتلميذ والأستاذ كليهما ضحية بعضهما بعضا. ولا يمكن الجدلية أو للحوار أن ينساب بينهما، فلاشيء غير النزاع. أقدم ثلاث ملاحظات حتى أنهي: أولا. لا أستخلص مما سبق استنتاج وجوب تكوين مدرسي الفلسفة من أجل الحرب(حرب الكلام وهذا مفهوم). لكن أتذكر مع ذلك أنّ السبب الرئيسي الذي أثاره أرسطو لدراسة الخطابة والديالكتيك هو أنّ من له الحقّ في فضاء المدرسة يمكن أن يُغلب في الأغورا (الساحة العامّة). غير أن الأغورا هي راهنا، إن لم أخطأ، في المدرسة. فقد تصوّر كانط الفيلسوف - لا أستاذ الفلسفة، واتفق معه في ذلك) بوصفه محاربا في يقظة مستمرة، يواجه بالحديد تجار الظاهر الترنسندنتالي (المتعالي). يجب أن نكون قادرين على مواجهة الرأي السائد سيّء النية. لكن يجب بناء قرارنا، ومحاولة معرفة من أجل ماذا نحارب. ثمّ إنه يوجد الحلّ الأفلاطوني: انتقاء العقول التي يمكن أن تُتابع الدرس الفلسفي. والحلّ الفيثاغوري: نفصل الرياضيين mathematikoi عن السياسيين. politikoi وهو اليوم القطع مع الديموقراطوية démocratisme لصالح جمهورية العقول. وترك العناية بالشعب لآخرين. تصبح الفلسفة إذن مادّة اختيارية أو هي مستبعدة في التعليم العالي أو تُدرّس في بعض المؤسسات التعليمة للثانوي. كل شيء يدفع نحو مخرج من هذا القبيل، أينما نذهب. علينا أيضا هنا بناء سلوك فكري، وتحديد الرهان. وفي النهاية لا يجب علينا عدم الاهتمام بما يلي: مطلب استحضار السوابق، والحيرة وكون البناء لم يختف. وربما أضحى نادرا. بل هو بالأحرى مختلف. نشاهد في فانسان Vincennes حضور جمهور استماع من الرجال والنساء الذين يمارسون في الحياة العملية وظائف مختلفة جدّا. وهنا أيضا تكون الأغورا، لكنها داعمة. لهذا المطلب الفلسفي مبرره لا بوصفه خنق المهنة بقدر ما غموض الغايات المهنية. يتعلق الأمر بمهن اختصاص، رفيعة الاختصاص، عملية وحقوقية وطبية وفنيّة وصُحفية. إنّ الرفع عموما من تخصّص المُهمّات يؤدّي معها إلى ضرب من طليعية، ومسائل حول ماهية النشاط المنجز، ورغبة في إعادة كتابة المؤسّسة. يجب على الفلسفة آو التفلسف أن يفتح درسه أمام هذه التساؤلات المتفرقة. هذا ما يسعى إليه مثلا معهد الدولي للفلسفة. قد يكون للفكر طفولة هي على استعداد في سنّ الخامسة والثلاثين بدل الثمانية عشرة، وخارج برامج الدراسة أكثر من داخلها. "

جان فرانسوا ليوتار " الدرس الفلسفي " ("إضراب الفلاسفة " المدرسة والفلسفة " كتاب جماعي - نشر أوزيريس" سلسلة روبار ليشنار باريس 1986" القسم الأول ص 34 -40).

***

جان فرانسوا ليوتار

مقدمة: "الديمقراطية بحاجة إلى الدعم، وأفضل دعم للديمقراطية لا يمكن أن يأتي إلا من الفاعلين الديمقراطيين "

صارت الديمقراطية من الأمور المستحيلة في العالم العربي بعد أن كانت أن تتحول إلى مكسب مدني وتعطل القطار الذي اعتقد الكل بأن العرب قد ركبوه دون نزول بعد موجات من الحراك الاجتماعي السلمي. ربما يعود هذا التعثر إلى ضبابية المفهوم وغياب الضمانات والمؤسسات الراعية وتأخر الذهنيات وتعطل الثورة الثقافية وبروز التكالب على السلطة وانقسام النخبة بشكل لافت عن القيادة واختلاط مشاريع تحديث وتنمية.

فما هي الديمقراطية؟ كيف تعرف الديمقراطية؟ ما هي أسسها؟ وماهي مختلف أنواعها؟ وما الفرق بين المباشرة والتمثيلية والتشاركية والتداولية؟ ولماذا يعتبرها المدافعون عنها نظامًا سياسيًا محفوفًا بالمخاطر؟ ما الذي جعل الديمقراطية عندنا متعثرة وغير مالكة لوجودها القانوني؟ ومتى يتم تحصيلها بصورة تامة ونهائية لا رجعة فيها واستنباتها على أرضنا؟ ألا يجدر في البداية التربية على الديمقراطية وإعداد ديمقراطيين؟

مفهوم الديمقراطية

من الناحية اللغوية، يشير مصطلح "الديمقراطية" إلى نوع من النظام السياسي يكون فيه الناس (ديموس) هم من يمسكون بزمام السلطة (كراتوس). ومع ذلك، فإن أصل الكلمة هذا يتوافق بالتأكيد مع الديمقراطية التشاركية، وهي نادرة جدًا ودائمًا على نطاق محدود (بلدية بورتو أليجري على سبيل المثال)، ولكن ليس مع ما تفهمه عادةً الديمقراطية، الديمقراطية التمثيلية، أي لنقل نوع من نظام سياسي يكون فيه الناس هم من يحدِّد من يمسك بزمام السلطة أو من يملكها. ولكن من خلال الاكتفاء بهذا التعريف الأخير "الأدنى"، يمكن للمرء أن يصل إلى انحرافات حقيقية، وعلى وجه الخصوص تسمية الأنظمة "الديمقراطية" التي ليس لها حتى مظهر واحد. لأن الديمقراطية الحقيقية، حتى التمثيلية، تتطلب أكثر بكثير من الاقتراع العام. على وجه الخصوص، يمكننا أن نشير إلىالتعددية السياسية أو التعددية الحزبية، والتي تمنع الناخبين من الاضطرار إلى الاختيار بين مرشح واحد، وكذلك إمكانية حقيقية للجميع، دون تمييز، للترشح في الانتخابات. بعد ذلك ترتكز الديمقراطية على فصل السلطات - التشريعية والتنفيذية والقضائية - مما يجنب تركيز السلطة في أيدٍ قليلة. على سبيل المثال، لا يمكن المبالغة في التأكيد على استقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، في حالة من غير المحتمل أن يكون ممثلو هاتين السلطتين محل اهتمام القضاة لأسباب تدينها العدالة. من جهة ثالثة تقتضي فترة ولاية معقولة، والتي تتجنب التقاعس عن العمل في السنوات الأولى من السلطة مثل إنشاء أنظمة لمنع التناوب السياسي، سواء كانت هذه الأنظمة قانونية - تعيين أشخاص "موثوق بهم" في مناصب رئيسية، ومحسوبية مختلفة، كما انها تحد من انتشار الفساد والاحتكار والتمركز والاقصاء على سبيل المثال.

علاوة على ذلك تحتكم الديمقراطية الى ضوابط وتوازنات عديدة ومتنوعة وتمثيلية - نقابات، وجمعيات مختلفة، ووسائل إعلام مستقلة - لها الحق في التعبير عن نفسها بحرية، والتي يجب أن يمنع عملها الحكام من الاستسلام لإغراء خطير لحل مشاكل الأغلبية بإيذاء أقلية حتى مع الموافقة الصريحة من هذه الأغلبية، مهما كانت هذه السياسة قد تبدو ديمقراطية. لكن هذه الضوابط والتوازنات لا ينبغي أن تكون "جماعات ضغط"، أي أعداء للمصلحة العامة، وهي ليست دائما، بعيدة عنها، مصلحة الأغلبية.

زد على ذلك ان “الضمانات" الأخرى هي بالطبع ممكنة بل ومرغوبة، حيث يُظهر التاريخ، وخاصة التاريخ الحديث، أنه حتى لو تم استيفاء جميع هذه الشروط إلى حد ما، يمكن أن يصاحب ما يسمى بالنظام الديمقراطي مواقف قد تبدو غير ديمقراطية على وجه التحديد، مثل وجود شكوك قوية حول نزاهة كبار السياسيين، شكوك يستحيل تأكيدها أو نفيها من خلال حقيقة ما يسمى بالقوانين الديمقراطية. على هذا لنحو يبدو إذن أن أهم هذه "الضمانات" تكمن، من الناحية النظرية على الأقل، فيما يشكل شرعية الديمقراطية ذاتها: فكرة أن الناس، أو بشكل أدق غالبية الناس الذين يتحدثون أثناء الانتخابات (والتي في بعض البلدان وفي بعض الانتخابات قد يتوافق مع الحد الأدنى من المواطنين) أولاً، يعرف دائمًا مكان مصلحته - كشعب - وبالتالي يعرف لمن يجب أن يصوت حتى يتم أخذ هذه المصلحة في الاعتبار، وثانيًا، يصوت دائمًا في اتجاه مصالحها الفضلى - دائمًا كشعب. ومع ذلك، فيما يتعلق بالنقطة الأولى، هناك العديد من الحالات التي تظهر أن الناس يمكن أن يكونوا مخطئين بشأن أولئك الذين يجب أن يتولوا مسؤولية مصالحهم، كما يتضح من جميع "خيبات الأمل" التي يدعي الناخبون أنفسهم أنهم ضحايا لها. فيما يتعلق بالنقطة الثانية، لا يزال هناك عدد أكبر من الحالات التي لا يصوت فيها الناخبون - لم يعد بإمكان المرء أن يقول الناس، الذين لم يعد لديهم وحدة - لمصلحة الشعب، ولكن لصالح الشعب. الشعور بمصالحهم الشخصية، أو ما يعتقدون أن يكون. على وجه الخصوص، تعتبر الانتخابات المحلية فرصة لمناشدة هذه المصالح الخاصة أكثر من المصلحة العامة، في تحد للديمقراطية.  نحن نطلق على "الغوغائية" جميع الوسائل التي يمكن من خلالها للمرشحين في الانتخابات أن يحرفوا معنى الانتخابات الديمقراطية، أي تحديد المصلحة العامة وأولئك الذين سيكونون مسؤولين عن إرضاء له.

في الحالة الأولى، يعاني الناخبون من الغوغائية ("لم يتم الوفاء بالوعود").

في الحالة الثانية، يتم قبول الغوغائية بشكل أو بآخر من قبل هؤلاء الناخبين، على سبيل المثال عندما "يلعب" المرشحون على مخاوف أو تخيلات، عندما لا يهاجمون صراحة أقلية (مهنية، عرقية، مذهبية إلخ). لذلك يجب أن نسأل أنفسنا ما إذا كانت هذه الفكرة التي هي أساس أي ديمقراطية، فكرة أن الناس يتمتعون بالوضوح الكافي ويتمتعون بالكياسة الكافية حتى لا ينحرفوا، طوعا أم لا، الديمقراطية بأصواتهم، إذا كانت هذه الفكرة، بالتالي، هي شيء آخر غير الوهم. فهل تقوم الديمقراطية على الوحدة ام التعدد؟

"في مقدمة فينومينولوجيا الروح، يخبرنا هيجل بأن: "الحق هو الكل". هذه الجملة، للوهلة الأولى، ملغزة وغامضة، ومع ذلك فهي تدل على موقف وجودي رئيسي انخفض في جميع الثقافات عبر تاريخ الفلسفة. هذا الموقف يسمى الوحدانية. في حالة هيجل، أن التحرير الحقيقي يعني الكل وأن الاختلاف بين كائنات الكون والذات التي تتمثلها قد تم إلغاؤه حتى لا يصنع شيئًا أكثر من طبيعة مشتركة (التي يسميها هيجل الروح) وهذا، من خلال تاريخ طويل من المعالجة التاريخية. هذه الأحادية بالذات هي موقف فلسفي خاص بهيجل، ولكن الأحادية تراجعت في الإصدارات التي تتجدد دائمًا، على سبيل المثال موقف تلميذ هيجل، كارل ماركس، أو قبل ذلك بكثير في التاريخ البوذية، العلموية، ذرية ديموقريطس والعديد من الفلسفات الاخرى أو وجهات النظر الدينية. ولكن ما الذي يوحد كل هذه الآراء التي تبدو متنوعة للغاية؟ تشترك جميع الفلسفات والديانات الأحادية في هذا الأمر الذي يجعلهم يعتبرون كل ما هو موجود مكونًا من مبدأ واحد. يمكن أن يكون هذا المبدأ في قاعدة كل الوجود على سبيل المثال جوهر، وهذه كلها أشكال من المادية، ولكنها يمكن أن تكون أيضًا الروح، أو حتى الله، على سبيل المثال في النظرة اللاهوتية للعالم. تعني وحدة المبدأ هذه أن كل شيء موجود في الكون هو نتيجة لهذا المبدأ. على سبيل المثال، في الهيجلية، التاريخ هو العملية التي من خلالها يدرك الروح الكون على أنه من نفس الطبيعة كما هو الحال في حدس يسمى المعرفة المطلقة. في أحادية العالم، الإنسان مخلوق مادي، نتيجة لعمليات فيزيائية كيميائية معقدة. الفكر والمفاهيم يتم اختزالها في التبادل الكيميائي بين الخلايا العصبية والإنسان، تمامًا مثل الكونما هو إلا مجموعة من الذرات ذات بنية سعيدة.

الانسان او العالم

إن لمجتمع الوجود هذا بين الكون والإنسان الذي يسكنه ويمثله لنفسه نتائج فلسفية مهمة. النتيجة الأولى هي أن الفلسفة الأحادية هي دائمًا حتمية. في الواقع، إذا كان هناك استمرارية للطبيعة بين الكون والإنسان، فإن الاثنين يخضعان لنفس القوانين، قوانين الكون التي لا استثناءات لها والتي تخضع لها كل الأشياء لأن قوانين الكون هي تعبير عن المبدأ (المادي أو الروحي) من حيث هو أساس كل شيء. على سبيل المثال، إذا كان كل شيء، كما في حالة المادية، فستخضع كل ظاهرة لقوانين المادة، لأن المادة هي أساس كل الأشياء الموجودة. النتيجة الثانية هي الوضوح التام للكون. إذا كان كل شيء من نفس الطبيعة، فهذه الطبيعة مفهومة. في الواقع، الوضوح قدرة بشرية، وفي الوحدانية، الإنسان له نفس طبيعة الكون؛ وبالتالي فإن الكون نفسه مفهوم تمامًا: فالعقلانية والكون وجهان بالفعل لشيء واحد. هذا ما يقوله هيجل في مبادئ فلسفة القانون التي من أجلها: "كل ما هو عقلاني هو حقيقي، وكل ما هو حقيقي، عقلاني". العقلانية، اللغة العقلانية في كل الأحاديات، حتى اللاهوتيات، اللغة المميزة للوصول إلى الكون، والنتيجة الثالثة، والتي هي بالنسبة للعديد من الناس العاديين في الفلسفة الأكثر صعوبة في القبول، تتمثل في المكانة الممنوحة للإنسان من قبل الوحدانية. إذا كان الإنسان من نفس طبيعة الكون، فهو بطريقة ما غبار إذا قارناه بالكون، إذن، بعيدًا عن كونه مركز الكون، فإن الإنسان عبارة عن فتات سخيفة وادعاءاته سخيفة. يذوب الإنسان في المادة من أجل المادية، في الدولة، انبثاق الروح العالمي لهيجل، في إرادة الله لبعض اللاهوتيين. وبالتالي، فإن وجود الإنسان، في ظل هذه الظروف، لا لزوم له وطفلي. وبالتالي فإن كل أحادية هي معاداة إنسانية، وهذه اللاإنسانية وهذه الحتمية، المشتركة بين جميع الأحاديات، تتوج في البوذية، التي حتى الوعي هو مجرد وهم. في حين أن العلموية، التي تعتبر أن الإنسان قد اختزل إلى ظاهرة فيزيائية - كيميائية، تستبعد كل خصوصية الإنسان فيما يتعلق ببقية الكون. ومع ذلك، فإن هذه النتائج الثلاثة للوحدة، والحتمية، ومناهضة الإنسانية، والعقلانية المطلقة، هذه النتائج الثلاثة لها نتائج طبيعية، ونتائج عملية عندما يتعلق الأمر بالتفكير في العواقب الأخلاقية والسياسية لهذه النظريات. كما رأينا، فإن الأحادية لا تميز بين الكون والفرد. لذلك، يجب أن تكون قوانين المدينة من نفس طبيعة قوانين الكون وخاضعة لها. وبالمثل، يجب على المواطن داخل المدينة الخضوع لقوانين الكون لأنها نتيجة لها.لحسن الحظ، لم تعد الدول الحديثة انعكاسًا للنظام الإلهي كما كانت المدن القديمة أو الإنشاءات السياسية في العصور الوسطى. لكن الأحادية السياسية لا تزال قائمة على فكرة أن السلوك الفردي وقوانين المدينة يجب أن يخضع لقوانين وأعراف موضوعية، وواقعها الذي لا لبس فيه يتجاوز إرادة الفرد البسيطة. تتخذ الأحادية السياسية المعاصرة شكلين أساسيين: شكل الإيكولوجيا السياسية والماركسية الشعبية.

أولاً، تدعي البيئة السياسية أنها تبني سياستها على نتائج بيئية ملزمة، مثبتة من خلال البيانات والنتائج العلمية التي لا لبس فيها في موضوعيتها. وهكذا، بالنسبة لبعض علماء البيئة، فإن القوانين البيئية ليست ثمرة للتداول الحر، وليست ناتجة عن خيال ذاتي، ولكنها ضرورة قسرية ناتجة عن ملاحظة موضوعية. هذه هي الطريقة التي يدعي بها بعض دعاة حماية البيئة أنه، باسم الموضوعية البيئية، يجب أن نقصر البشرية على نصف مليار إنسان. المشكلة هي: كيف سيتم ذلك؟

ثانياً، تنوي الماركسية أن تبني برنامجها السياسي على أساس حل التناقضات الحقيقية والموضوعية للصراع الطبقي. إن الصراع الطبقي، محرك التاريخ، يولد بالضرورة المادية الديالكتيكية التي هي العلم الذي يمكّن من حل التناقضات الخاصة بالرأسمالية، مما يؤدي بالضرورة إلى دكتاتورية البروليتاريا والمجتمع اللاطبقي.

الوحدانية والحتمية

في كلتا الحالتين، نرى أن طبيعة الأشياء تعني أن سياسة المدينة ليست اختيارًا متعمدًا ولكنها مفروضة بالضرورة إما بيئية أو تاريخية بعد الملاحظات التي تدعي الموضوعية العلمية. من السهل أن نرى أن هذه النظريات الأحادية تنكر حريات الإنسان لأن الحرية تُنكر بالضرورة. في الواقع، فإن النظرية السياسية القائمة على الوحدانية هي دومًا شمولية لأن المواطن في الوحدانية يخضع دائمًا لواقع كوني وموضوعي لا يستفيد من حريته كثيرًا. إذا لم تكن كل الأنظمة الشمولية بالضرورة أحادية، فإننا نستنتج من هذه الاعتبارات أن كل الأحادية السياسية هي بالضرورة شمولية. ومع ذلك، فإن الوحدانية لها أيضًا عواقب أخلاقية: داخل المدينة (سواء كانت حرة أو دكتاتورية)، لا توجد إرادة حرة للمواطن إذا كان هذا الأخير نتيجة لنظام الكون الذي يتصرف فيه. مصير أسطورة إير في جمهورية أفلاطون، كارما البوذيين، الأقدار لجون كالفين، كلها نظريات كونية تنكر حرية الإنسان. وبالمثل، جغرافيًا ونفسيًا واجتماعيًا أو الحتمية الاقتصادية، إذا لم تكن هذه النظريات أحادية بالضرورة، فإنها تعمل كنظريات أحادية لأنها تنكر الإرادة الحرة للإنسان وتختزله إلى كونها تحديدًا بسيطًا بدون مضمون، فإنها غالبًا ما تعمل مثل النظريات الكونية للقدر المذكورة أعلاه بينما تريد بوعي أن تكون عقلانيًا وخاليًا من الخرافات اللاهوتية. ان الأحادية، هي سيف ذو حدين. إذا تصرفت بشكل جيد، فأنا أتواصل مع الكون، ولكن إذا تصرفت بشكل سيئ، فإن الكون كله يدينني ويعاقبني حتى لا أستطيع فعل أي شيء لتصحيح نفسي. تفترض الأحادية الشفافية بين الموضوع والكون وقوانين المدينة. نادراً ما تكون هذه الشفافية، في الأزمنة المعاصرة، دينية بل علمية إلى حدٍ ما: فقد حلت موضوعية العلم محل إرادة الله، ويجب على الديمقراطيات الغربية، في رأينا، أن تحذر من جعل العلم (وبياناته الموضوعية) برنامجًا سياسيًا. إنها ليست مسألة إعادة تأسيس النسبية أو القوانين التعسفية، لكن العلم يريد أن يكون موضوعيًا وينكر حرية الإنسان ليحل محله الإكراه. لذلك ينكر تنوع الآراء الذي هو أساس الديمقراطية".فكيف نجعل من النضال الديمقراطي مركز الثقل في البرنامج السياسي الذي يجدر تنزيله في زمن الموجات الثورية المتعاقبة؟

معنى الديمقراطية وشروط امكان استمرارها

"اخترعت العصور القديمة الأثينية المصطلح، والمفهوم المترابط للمواطنة، في شكل اجتماعي قائم على العبودية، بحيث يكون الرجال فقط، وليس النساء، "أحرار"، أي غير العبيد، مواطنين. من ناحية أخرى، تم تصور المثالية الديمقراطية الحديثة من خلال معارضة فكرة أن السلطة تأتي من الله - ما تقوله ملكية الحق الإلهي ؛ ولكن أيضًا فكرة أنه قائم على النسب - وهو ما يؤمن به النبلاء. يمكننا تحديد أن فكرة تحديد المصدر الذي تأتي منه السلطة السياسية في الشعب تتعارض مع عدد من المعتقدات وعدد من الممارسات: على سبيل المثال، الاقتناع بأن السلطة تستمد شرعيتها من تفوق القوة. الحق في الغزو ؛ السلطة "الغاشمة") - أو سلطة الأغنياء، والتي من شأنها أن تمنحهم "جميع الحقوق". ان أصل الكلمة: من الشعبdemos، "الجمهور" وkratos، "السلطة"، "السيادة". نظام سياسي يقوم على مبدأ أن السيادة ملك لجميع المواطنين، إما بشكل مباشر (من خلال الاستفتاءات) أو بشكل غير مباشر من خلال ممثليه المنتخبين. يجب إجراء الانتخابات بالاقتراع العام، على أساس منتظم ومتكرر. تفترض الديمقراطية وجود مجموعة من الخيارات والمقترحات، تتجسد بشكل عام في الأحزاب والقادة الذين يتمتعون بحرية معارضة وانتقاد الحكومة أو الجهات الفاعلة الأخرى في النظام السياسي. لذلك فإن الديمقراطية لا توجد إلا إذا كان هناك "تنظيم دستوري للمنافسة السلمية من أجل ممارسة السلطة" (ريموند آرون). تتطلب الديمقراطية أيضًا الاعتراف بالحريات العظيمة: حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير وحرية الصحافة. من الناحية القانونية، الديمقراطية جزء من سيادة القانون. ثقافيا، يتطلب قبول التنوع. كما تتعارض الديمقراطية مع الاستبداد: الاستبداد والأرستقراطية والملكية والديكتاتورية وجميع أشكال السلطة حيث يتم استبعاد الأغلبية من عملية صنع القرار (الأنظمة الاستبدادية والشمولية). يستخدم المصطلح أحيانًا بطريقة مسيئة أو مضللة لإخفاء الديكتاتورية (مثال: "جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية"). وتجدر الإشارة إلى أن المصطلح اليوناني demos لا يتوافق مع المجموع البسيط للمواطنين الأفراد. ميز القدماء لاوس عن العروض التوضيحية. المصطلح الأول مرتبط بحشد أو كتلة بدون تنظيم، بدون وعي واضح ؛ في الحالة الثانية، إنها مجموعة منظمة من المواطنين. نادرًا ما يُستخدم مصطلح الديمقراطية قبل القرن الثامن عشر. لم ينتشر الاستخدام الحالي للمصطلح إلا بعد الثورتين الليبرالية، الأمريكية والفرنسية. ومع ذلك، هل يكفي للديمقراطية أن يكون "صوت الشعب" "مقدسًا"، أن تستخدم المثل الروماني " صوت الشعب صوت الله "؟ يظهر التاريخ أن الانقلابيين يتمتعون بشعبية بعد مصادرة السلطة لإرساء الاستبداد أو الديكتاتورية. كان هذا هو الحال مع نابليون الثالث الذي أسس النظام الاستبدادي للإمبراطورية الثانية بعد الانقلاب الذي قام به في عام 1851. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنه إذا كان بالفعل "صوت الشعب" هو المصدر الشرعي الوحيد السلطة السياسية في ديمقراطية، هذا الصوت لا يملي أي شيء في الأمور الاقتصادية والمالية. إن المفهوم الحديث للوجود المدني الديمقراطي، كما تم تطويره في القرنين السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، يفترض استقلالية السياسي فيما يتعلق بجميع سجلات الوجود العام الأخرى - وعلى وجه الخصوص ليس فقط تلك المتعلقة بالممارسات والسلطات الدينية، ولكن أيضًا في المجال الاقتصادي. لذلك ينبغي التأكيد على أن الاقتصاد الذي تحكمه المنافسة الحرة بدون مكابح لا ترتبط بطبيعته بالديمقراطية بأي حال من الأحوال. تحتفظ الملاحظة التي أدلى بها روسو في الكتاب الأول من العقد الاجتماعي بأهميتها: "في الواقع، تكون القوانين مفيدة دائمًا لمن لديهم شيء وتؤذي أولئك الذين لا يملكون شيئًا: ومن ثم فإن الحالة الاجتماعية مفيدة للبشر فقط. طالما أنهم جميعًا لديهم شيء ما، وليس لدى أي منهم أي شيء أكثر من اللازم ". في شرح مفصل لمبادئ أي مجتمع ديمقراطي، يرفض روسو في ملاحظة ما يتعلق بمسألة الثروة ويقتنع بالتشديد على أنه من المناسب للمواطنة ألا يكون هناك أحد فقير، لدرجة القلق فقط بشأن بقائها - ولا أيضًا. غني، لدرجة الرغبة في "شراء" الآخرين. يجب أن نصر: الاستقلالية السياسية تعني أن السلطة العامة هي التي تنظم الشؤون المشتركة - لا الدين وكنائسه المختلفة (كما هو الحال مع الثيوقراطيات) - ولا الاقتصاد والتمويل (هذا هو الحال مع الأوليغارشية). لذلك نرى أهمية البدء، كما هو مُحاول هنا، بعدم ترك مستوى التعريفات والمبادئ لأننا لا نستطيع الحكم على الحقائق التاريخية الماضية والحالية دون تصورات واضحة. روسو، بلا شك الأول، رأى بوضوح أن "سلطة الشعب" يجب أن تعني ليس فقط أن الشعب وحده هو المصدر الشرعي للسلطة، ولكن، علاوة على ذلك، يجب أن يُسمح لهم وحدهم بممارسة هذه السلطة. ويؤكد أنه "إذا كان روسو قد اقتصر على التأكيد على أن السيادة كانت أصلاً في الشعب، فلن يقل شيئًا أكثر من هوبز، المدافع عن النظام الملكي المطلق، الذي يرى أن: "الملكية، مثل الأرستقراطية، تستمد أصلها من سلطة الشعب، التي تنقل حقها، أي السيادة، إلى رجل واحد". على العكس من ذلك، فإن ما "يمثل حقبة"، هو التأكيد على الطابع "غير القابل للتصرف" للسيادة الشعبية: إذا لم يكن هناك حاكم آخر غير الشعب، فيجب على الأخير ممارسة السيادة بنفسه. يمكننا أن نرى بوضوح سلسلة الصعوبات التي سببتها فكرة الديمقراطية كسلطة للشعب من قبل الشعب: كيف نسمع صوت الشعب؟ كيف يمكن للشعب ممارسة السلطة؟ من هو "الشعب"؟

تتمثل الديمقراطية في ممارسة الشعب للسلطة بشكل مباشر أو غير مباشر. يتضمن هذا التنظيم السياسي حالة اجتماعية تتميز بحقيقة أن الجميع متساوون أمام القانون، وأن الجميع لهم نفس الحقوق. الوظائف متاحة للجميع، يجب أن يُدعى المواطنون إلى الحياة الفكرية والأخلاقية، وأكثر فأكثر في وضع يسمح لهم بممارسة جزء من السلطة لهم بطريقة فعالة ومعقولة يُنسب إلى الدولة الديمقراطية واجب إقامة الأعمال الإرشادية والتعليمية وأعمال التضامن. النظام الديمقراطي لديه حق الاقتراع العام كأداة له والشكل الجمهوري كإطار أكثر ملاءمة بشكل خاص. من الذي سيعلن إعجابه وتفضيله لنظام شمولي؟ حتى الحركات الدينية تدعو إلى الديمقراطية للحصول على الجنسية في البلدان أو في الأنظمة التي تتحدىها. حتى الأحزاب الفاشية والشعبوية تعتقد أن لها الحق الكامل في التمتع بالحريات الديمقراطية في التنظيم والتعبير عن نفسها علنًا، على الرغم من أنها أعداء للديمقراطية. يقول معظمهم إنه في الديمقراطية لا ينبغي "شيطنة" أحد، ولكن على العكس من ذلك، يجب أن يكون كل شخص قادرًا على التصرف والتحدث بحرية.إذا لم نعد نعارض "الحكم المطلق" - "الثيوقراطية" - "الاستبداد"- "الملكية" إلى "الديمقراطية"، من ناحية أخرى، فإن "الديكتاتورية" و "الديكتاتور" يعودان إلى اللغة المشتركة، بينما يتراجعان "الشمولية" ؛ إن نجاح هذا المصطلح باعتباره المتناقض الوحيد لكلمة "الديمقراطية" طوال الحرب الباردة يدين بالكثير لكتابات حنة أرندت. تُفرض سلسلة مزدوجة من الشروط: من ناحية، يجب أن تجد الإرادة الشعبية تعبيرًا عنها، الأمر الذي يتطلب تنظيم الاستشارات بالاقتراع. لذلك يبدو الحق في التصويت كحق سياسي رئيسي لتحديد مكانة المواطن. لكن من ناحية أخرى، لا يمكن أن تكون هناك إرادة شعبية إذا كان المجتمع يفتقر إلى كل من المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام المحايدة. فالجاهل، كما نعلم، يقعون بسهولة فريسة للتعصب الأعمى الذي يجعلهم غير قادرين على الحكم على الصالح العام بشكل صحيح ؛ وإذا حلت الدعاية محل المعلومات من خلال التظاهر بوضوح بأنها كذلك، فكيف يمكن للجماهير الشعبية أن تتجنب، كما يظهر التاريخ الحديث، التملق بطاغيتها؟ من خلال "زعيمهم" الكاريزمي (الفوهرر) لا يشكلون شعبًا سياسيًا، حتى لو تمت استشارتهم اشادة أو الاستفتاء العام الأخير. إما أن يقرر الناس بأنفسهم مباشرة في ديمقراطية مباشرة أو يفوضون سلطتهم في ديمقراطية تمثيلية. لم تتوقف النقاشات أبدًا بين مؤيدي الديمقراطية المباشرة وأنصار "التمثيل". الديمقراطية المباشرة، أو يقرر المواطنون المجتمعون بأنفسهم، بشكل مباشر، في كل ما يتعلق بالصالح العام. لا يجب عندئذٍ استدعاؤهم بانتظام فحسب، بل يجب أيضًا "استدعاءهم" دون توقف، نظرًا للطبيعة غير المتوقعة للظروف. الديمقراطية التمثيلية أو المواطنين يقررون، ولكن بشكل غير مباشر، من خلال ممثليهم، وهو أمر يمكن تصوره لمستويات متعددة من الوجود الاجتماعي. التمثيل يؤسس الشعب كشعب سياسي، ويؤسس كلاً من الممثل، على سبيل المثال الملك، والممثل، الذي هو دائمًا الشعب. وهكذا في المسرح، من خلال التمثيل، يظهر كل من الممثل (الممثل في عملية العزف) والممثل (هاملت على سبيل المثال) إلى الوجود. ومع ذلك، يرفض روسو هذا النوع من المصطنعة ويرى في تفويض السلطة إلغاءها. على العكس من ذلك، حسب رأيه، في صفة كل فرد أن يكون في نفس الوقت "سياديًا"، أي مشرّعًا، و "خاضعًا"، أي مطيعًا للقوانين، أن الجنسية تكمن. ليست الحرية الميتافيزيقية بأي حال من الأحوال، بل الحرية المدنية والسياسية التي ينظر إليها روسو وحده عندما يعلن أن هذا يتمثل في "طاعة القانون الذي يمنحه المرء لنفسه". " في الديمقراطية المباشرة نفس "ذات سيادة" و "رعايا". في الديمقراطية النيابية، يفوض "صاحب السيادة" لممثليه السلطة التشريعية المنوطة بمجلس نواب الشعب، ويبدو أن مناشدة المواطنين المجتمعين هي أفضل طريقة لتجنب الاستيلاء على قرارات الشعب. ومع ذلك، فإن هذا المظهر يتناقض إذا فكر المرء للحظة في ظاهرة جماعية، والتي تحدث حتى في مجموعات صغيرة: المنافسات، والحيل، وظهور "القادة" - بشكل عام الأكثر فظاظة، أولئك الذين يتحدثون بصوت عال، يعرفون كيفية جذب الناس. رأي. ولأن أفلاطون تحديدًا بين كل الديمقراطية والديمقراطية المباشرة، فقد كان أكثر قتلة لها: لقد رأى بوضوح شديد أن الأكثر عنفًا والأكثر استبدادًا استحوذ على عواطف وآراء الآخرين ورأى بصعوبة. على الرغم من أنه إذا كان رأي الجميع كذلك من المفترض أن تكون شرعية، لم يعد هناك صواب أو خطأ - لا صواب أو خطأ، صواب أو خطأ. الجاهل سيكون على حق ضد المتعلمين، والأطفال ضد تجربة المسنين، والبلطجية ضد الرجال الشرفاء، وهكذا، حتى يسود ميزان القوى في النهاية. وهكذا، فإن أثينا، التي أصبحت فريسة الديماغوجيين عن طريق الديمقراطية، غرقت في الطغيان، وبالتالي ستبقى الديمقراطية التمثيلية. رأى روسو في هذا، وليس بدون سبب، الخطر الكبير المتمثل في أن ممثلي الشعب يخلطون بين مصلحتهم والمصلحة العامة، أو أنهم يطيعون مصالح مجموعات معينة. ومع ذلك، يمكن تقليل هذا الخطر بشكل كبير إذا تم انتخاب ممثلي الشعب لفترات قصيرة - وخاصة إذا تم وضع مؤسسات للتحكم في قراراتهم وأفعالهم (مع سلطة تقييد واضحة في حالة الخيانة أو الاختلاس). الخطر الرئيسي الآخر هو أن ممثلي الشعب يصبحون محترفين في السياسة، وهو ما يمكن فهمه بمعنيين مختلفين للغاية. هذا لأن التسويق الإعلاني يتطلب خبرة ومهارة بطريقة مختلفة تمامًا عن فن السياسة. لالتقاط المشاعر والمعتقدات، لا تحتاج إلى شعب بل جمهور - ليس مواطنين، ولكن مستهلكين للصور. لذلك من الضروري معرفة كيفية إثارة التخيلات المغلفة ضمنيًا بعناصر اللغة والشعارات وتسريحة الشعر ولون ربطات العنق والأزياء. من ناحية أخرى، إذا أفسحت تقنيات التقاط المشاعر المجال للعلوم السياسية، فإن إدارة الشؤون العامة لم تعد مجازفة بأن تكون ديمقراطية بل، بالمعنى الدقيق للكلمة، "أرستقراطية" كحكومة من أكثر الحكومات علمًا، "الأفضل. ومع ذلك، فإن اعتناق العقيدة الديمقراطية يسير في اتجاه معاكس تمامًا: فهو يمنح الجميع القدرة على الحكم على المصلحة العامة بشكل صحيح، والتي يتم التعبير عنها من خلال المساواة في الأصوات. سواء كنت غنيًا أم فقيرًا، قويًا أم لا، مشهورًا أو مجهولًا، فإن بطاقة اقتراعك تحسب صوتًا واحدًا، مثل صوت أي شخص آخر: لا يوجد خبير في السياسة. هذا هو السبب الذي يجعل "الناخبين"، في الديمقراطية، "مؤهلين": الوصول إلى المناصب السياسية مفتوح للمواطنين. ومع ذلك، يبقى الناس، ويمارسه الناس أنفسهم، يقول إنه من الضروري التساؤل عما هو يقصده الناس. كيف يصبح السكان شعبا سياسيا؟ هناك نوعان رئيسيان من الإجابات: من ناحية أخرى، من خلال السؤال عن معرفة ما هو أساس التماسك الذي بدونه لا يمكن أن تكون وحدة الشعب كـ "هيئة سياسية" ممكنة (الإجابة من خلال أسس المجتمع السياسي ) ؛ من ناحية أخرى من خلال مسألة أغراض الوجود المدني (الذي يسأل المجتمع "لماذا"؟) ما هو الشعب السياسي؟

السكان ليسوا شعبًا سياسيًا: هذا التمييز هو الذي يفهمه هوبز، على سبيل المثال، عندما يراعي نفسه في الفكر مع حالة الطبيعة، والتي يجب، حسب رأيه، أن تُصوَّر على أنها حالة طبيعية. الكل ضد الكل. وبالمثل، عندما تصور روسو المجتمعات الأولى على أنها تجمعات عشوائية بسيطة خالية من جميع الحقوق، فإنه ينوي الإشارة إلى أن تجاور الأفراد في منطقة ما لا يجعل هؤلاء الناس شعباً. نحن نتحدث عن "الناس" من حيث "الجسم" السياسي - أو "الجسم" المدني للإشارة إلى أن فكرة السياسيين تغلف فكرة وحدة التعددية: المصلحة العامة، في الواقع، تسمح للكميات تعيش.من مجموعات معينة مع مصالحها المتنوعة، ولكن لا يوجد تماسك اجتماعي إلا إذا كانت هذه المجموعات والمصالح الخاصة لا تتعارض مع المصلحة العامة. وبالتالي فإن العلاقة بين المصلحة العامة والتماسك ستكون بالضرورة دائرية ؛ على العكس من ذلك، نفهم كيف أنه إذا كانت النزاعات بين مجموعات معينة (التي هي أجزاء من المجتمع) هي السائدة فقط، فإن الوجود الاجتماعي يصبح مجزأًا إلى درجة تدمير أي منظور عام. عندما لا يكون هناك سوى فصائل متنافسة في السلطة، فلا يوجد شعب سياسي، ولكن ما يسميه سبينوزا العزلة، أو "الصحراء". لأغراضنا، يكفي أن نفهم فقط ما هو أساس الاحتمال. كشعب يصر على تعايش الحريات. "التعايش" وليس "القيود المتبادلة". ومع ذلك، فإن الحريات الطبيعية للأفراد لا تتعايش إلا عندما تتحول إلى حريات مدنية، أي إلى حقوق فردية يكفلها حكم القانون. وترتبط طبيعة الجسم المدني بمسألة أخرى: وهي غايات الوجود في المجتمع. في ضوء أي وجود اجتماعي؟

خاتمة

يمكن اختزال وجهات النظر في العمل في تاريخ الفكر إلى مسارين رئيسيين: إما أن تكون الاحتياجات الحيوية هي التي تتطلب ضرورة تكوين المجتمع لأنها تتطلب التعاون، الطوعي أو غير الطوعي، من جميع أنواع المهام لتطوير التقنيات المطلوبة لإنتاج وصيانة وتوزيع البضائع - وهو ما قالته الأسطورة الأفلاطونية القديمة لبروتاغوراس جيدًا. لذلك فإن الغرض من المجتمعات هو الأمن، أو ما يسمى الرفاهية. الوجود المشترك في هذه الحالة ليس له نهاية ؛ إنها فقط وسيلة لضمان البقاء. كما ترتبط هذه النظرة السياسية بفرضيتين أخريين: من ناحية، تعد البشرية نوعًا ماديًا تتميز احتياجاته الخاصة بكونها قابلة للتمدد إلى أجل غير مسمى ؛ من هذه الملكية سيتبع الافتراض الثاني الذي يدعي أن الرجال سيكونون بالضرورة فريسة لرغبات الممتلكات والمتعة والسلطة مثل المنافسات، "حرب الكل ضد الجميع" لا يمكن كبحها إلا من خلال الهيمنة الحديدية. عندما نرى أن الأنثروبولوجيا المهينة مرتبطة بآراء سياسية سلطوية، فإن المسار الذي يمكننا تسميته بالعقلانية فقط هو الذي يتوافق مع المثل الأعلى الديمقراطي. يرى كل الفكر العقلاني الكلاسيكي (أي القرنين السابع عشر والثامن عشر) في الإنسانية، ليس فقط بالطبع، الوجود المادي لنوع حي، ولكن أيضًا وجودًا يسمى "أخلاقيًا" ؛ كل ما يمس مسألة معنى وقيمة الوجود الذي يقود المرء، ينتمي إلى الإنسان "الأخلاقي". يعرّف كانط الإنسانية على أنها نوع أخلاقي من خلال القدرة على تخصيص غايات أخرى غير الطبيعية (والتي تتكون بدورها من السعي لإشباع الحاجات والرغبات.) هذه القدرة تحدد بدقة حرية الإنسان.وبالتالي يرى كيف أنه من الضروري الإيمان في الحرية من أجل تصور الديمقراطية والدفاع عنها ؛ إذا كان المرء يؤمن فقط بالاحتياجات والرغبات، فإن "الاستبداد المستنير" سيكون كافياً بشكل كبير - ولكن أيضًا، للأسف، الاستبداد والاستبداد بدون عبارات، ذلك الذي يتبنى المبدأ القديم للأباطرة الرومان، "الخبز والدوائر" - الخبز والألعاب! بهذا، يُفترض أن يسكت الجمهور ... لأن الديمقراطية تقوم على الإيمان بالحرية، لأنها تؤسس الحريات وتضمنها وتحميها، فإنها تظهر وفقًا لمفارقة تشرشل على أنها أسوأ نظام غذائي، رغم أنه لا يوجد أفضل منها. الاتصال أكثر من الانهيار في الديمقراطية بالنسبة لتوكفيل، لا يمكن ولا ينبغي إعاقة المسيرة نحو الديمقراطية. وإلا فإنها تخاطر بالتسبب في اشتباكات عنيفة بين أفراد المجتمع (دفعت عائلتها ثمناً باهظاً في الثورة الفرنسية). هو بالأحرى تعبير عن انفصال بين تطور قيم المساواة من جهة والنظام السياسي الذي لم يتطور في هذا الاتجاه من جهة أخرى. يُظهر توكفيل أن ظهور الديمقراطية لا يشكل قطيعة مع نظام القديم. وهكذا استمرت بعض المؤسسات المركزية مثل محكمة المقاطعة بعد سقوط النظام الملكي. من المفروض ان تتم عملية "معادلة الشروط" التاريخية لضمان استمرارية الديمقراطية وتفادي عودة الاستبداد ومع ذلك، لا يحلل توكفيل الديمقراطية على أنها تجديد بسيط للنظام القانوني والسياسي، حيث تكون المساواة بين المواطنين شكلية فقط. تنبع الديمقراطية السياسية مباشرة من تطور لا يمكن إصلاحه للمجتمع بأسره وقيمه: إنها عملية تاريخية يسميها "تكافؤ الشروط". توكفيل يجعلها سمة مميزة للمجتمعات. يمكننا الاحتفاظ بثلاثة أبعاد لـ "معادلة الشروط":

- حقوق متساوية: يخضع جميع المواطنين لنفس القواعد القانونية

- تكافؤ الفرص: المواقف الاجتماعية مفتوحة للجميع حسب الجدارة وبغض النظر عن أصلهم الاجتماعي

- المساواة في الاعتبار: يمثل كل مواطن نفسه على أنه مساو للآخر حتى لو اختلف وضعه الاقتصادي والاجتماعي. إذن فالأمر يتعلق بحالة ذهنية، إنها القيمة الأساسية للمجتمعات الديمقراطية.

هناك علاقة جدلية بين تكافؤ الظروف والديمقراطية، بقدر ما يكون صعود الشعور بالمساواة هو ركيزة الديمقراطية. وهذا بدوره يعمل على البحث عن مساواة اجتماعية أكبر بين أعضائها. فمتى نرى الديمقراطية صلبة العود وضامنة للأساس الوجودي لاستمرارها؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ماهي المشاكل الفلسفية المتصلة بتشريع قوانين مرتكزة على الدين؟ في الإسلام هناك تاريخ قانوني طويل ومعقد، وهذا قاد الى نقاشات هامة في العالم الإسلامي حول الأساس الذي ترتكز عليه القوانين والى أي مدى يمكن تغيير تلك القوانين. الإسلام السني انقسم الى اربع مدارس قانونية رئيسية، وهناك أيضا مدارس مختلفة في الفكر الشيعي. نجد هناك ايضا مختلف الاتجاهات للطقوس والعقوبات، وبالأخص، في كيفية الحكم في الدعاوي. بعض المدارس تقبل القياس والسوابق، مدارس أخرى لا تقبل بذلك، او على الأقل حذرة من الابتعاد عن رسالة القانون. بالنهاية، نجد في العالم الإسلامي، ان مصدر القانون هو كلمة الله كما جاءت في القرآن، وأيضا في الأقوال التقليدية للنبي وأصحابه التي سميت الحديث. مع ذلك تمييز هذه المصادر لا يخلو من الغموض. المقدس ذاته يُفسر بعدة طرق مختلفة، وان (الصيغ المتعددة) لأقوال النبي وأصحابه هي عرضة للنقاش من حيث أصالتها ونطاقها وتفسيراتها. ان أصل هذه النصوص بعيد زمنيا عن وقتنا الحالي، وكذلك ملاءمتها للعصر الحديث أيضا محل نقاش.

ان سؤال إصلاح القوانين بالطبع هو سؤال ينطبق على جميع التقاليد القانونية. عموما، القوانين تتغير مع تغير الزمن، لكن هناك قضية خاصة بالنسبة للقانون الديني، لأنه، عندما يؤسس الله القواعد، فهي لا يُفترض ان تكون مرشدا مؤقتا لكيفية العيش، وانما الله هو الخالق لنا وأيضا يعرف ما هي مصلحتنا، وعندما يؤسس قواعد للسلوك فهي تمثل قواعد لكل الازمان ولكل الأماكن. وطالما انها تأتي من الله فهي تكون قواعد مثالية، ولهذا من الصعب تغييرها عندما تبدو غير ملائمة او لا تنسجم مع العصر الحديث. لذلك فان فلاسفة القانون في العالم الإسلامي يرون بان لا شيء يمكن تغييره وان القواعد التي تأسست في البداية يجب الحفاظ عليها بصرف النظر عن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت منذ ذلك الحين. هم يبنون هذا الموقف على النقاش المبكر في العالم الإسلامي الذي بدأ في القرن الثامن الميلادي حول الموضوعية والذاتية في القانون والأخلاق. هل القانون صحيح لأن الله أسسه صحيحا، ام ان الله أسسه صحيحا لأنه صحيح بذاته وبشكل مستقل؟ (في الغرب يسمى هذا مأزق يوثيفرو، طبقا لما جاء في الحوار الافلاطوني).

الرؤية الموضوعية تقوم على ان الله يحتاج معرفة ماذا ينبغي ان يكون عليه القانون – كما لو ان قواعد الاخلاق مستقلة موضوعيا عن الله وهو مطلوب منه اتّباعها أخلاقيا. اما، الذاتيون جادلوا بان ما هو أخلاقي هو كل ما تأسس من جانب الله، ولا وجود لطريقة مستقلة لمعرفة ذلك. لا وجود لمصدر آخر لسلطة أخلاقية او قانونية. لذلك، يجب على المرء ان يطيع ما حدده الله كقانون بدون مسائلته او تغييره. هذا كان نقاشا ساخنا في الإسلام المبكر واستمر بتأثيره الهام على الفقه وفلسفة القانون في الثقافة الإسلامية. في الماضي مال الذاتيون (الاشاعرة) للفوز ضد الموضوعيون (المعتزلة)، لكن اليوم انقلبت الصورة في العديد من السلطات القضائية.

النية في القانون

هناك نقاش حي حول المدى الذي يمكن فيه تغيير القانون الإسلامي والمبدأ الذي يرتكز عليه. هذا ليس بالضرورة نقاشا قانونيا، وانما هو مسألة فلسفية، تتعلق بماهية المبادئ الأساسية للقانون ومكان وجود سلطة التشريع. الفلاسفة الذين ناقشوا رؤية القانون الإسلامي من خلال نواياه (مقاصد الشريعة) يدخل ضمنهم الشاطبي وشاه ولي الله في الماضي، وفي العصور الحديثة فضل الرحمن و ياسر عودة و طارق رمضان و اديس دوديريا. هناك أيضا وحدة بحوث لمقاصد الشريعة في العربية السعودية تسمى مركز المقاصد. من الواضح ان هذا ليس نقاشا حديثا وانما برز منذ القرون المبكرة للاسلام، وكان قد استُكشف بالتفصيل اول مرة من جانب الشاطبي (القرن الرابع عشر). هذه القضية أصبحت محل نقاش متزايد في الأوقات الحديثة، وطالما ان هناك عدد من الحكومات الحديثة تسمي نفسها إسلامية فهي تتساءل كيف يجب ان ينعكس الإسلام في تشريعاتها. هناك حكومات أخرى تسمي نفسها إسلامية في دساتيرها لكن عليها ان توازن الفقه العلماني مع عناصر دينية. هناك محاولات حديثة لتغيير القوانين القديمة المرتكزة على الدين، وتحتاج لتبرير عملها في كيفية التغيير. عندما تكون القوانين علمانية لا توجد هناك مشكلة في تغيير القانون عندما يتضح انه اصبح قديما او غير متوافق مع الرأي العام. لكن القانون الديني لا يتقادم مع الزمن ولا يحتاج تحديث، ولهذا هناك مشكلة في تغييره، لذا يحتاج المرء الى مبدأ مرتكز على الدين ذاته لإجراء التغييرات في القوانين المرتكزة على الدين. هذا يستلزم محاولة معرفة ما هو هدف القانون في المقام الأول والسؤال حول ما اذا كان تغيير تفسير القانون أفضل طريقة لإدراك ذلك الهدف في الظروف المعاصرة.

هذا قد يبدو صعبا للغاية، بسبب صعوبة فهم هدف الله؟ ومن جهة أخرى، القرآن يشير لسبب القوانين بعبارات عامة: ان القوانين هي لرفاهيتنا وسعادتنا. لهذا اذا لم يعد القانون الموجود يساهم في رفاهية الانسان وسعادته، عندئذ يمكننا استبداله بشيء آخر يحقق ذلك، وسيكون من الأفضل لنا حينها ان نلتزم بنوايا القانون.

اول شيء نحتاج قوله هو الحاجة الى سبب عندما نفكر بالغرض من القانون وطبيعة التشريع، طالما نحن لا يجب ان نعمل شيئا فقط بسبب انه تم العمل به في الماضي، او بسبب ما طُلب الينا عمله وهناك عدة آيات في القران تشجع على التفكير والجدال، وأيضا آيات أخرى تشجع العدالة وترفض الاضطهاد والاستغلال. وهكذا نحن يجب ان نفكر عقلانيا حول القواعد التي تعزز العدالة والسلام وتكافح القوانين التي تعمل العكس. القواعد الجديدة ربما تسير ضد ما موجود سلفا كجزء من التشريع، لكن لا سبب هناك للوثوق بالقوانين السارية فقط لأنها متأسسة جيدا وتقليدية. القرآن ذاته يتحدى دائما التقاليد في زمن النبي ويسعى لإستبدالها بطرق أفضل للتفكير والفعل.

لكن هذه قضية معقدة خصيصا لأن الإسلام تبنّى العرف وعادات الجماعة ان لم يكن هناك رفضا لها. أيضا في هذه الأيام، المسلمون عادة يعيشون كأقليات في دول لها طرق مختلفة في عمل الأشياء، وهم طُلب اليهم من بعض القادة لتبنّي تلك العادات اذا لم تنتهك الإسلام. هم يجب ان يسعوا للاندماج في المجتمع المدني ليصبحوا مواطنين . انهم يبقون متميزين لدرجة ما كمسلمين، لكنهم يجب ان يسعوا للارتباط بالمجتمع المدني وتبنّي قوانين وعادات ذلك المجتمع. في الحقيقة، يُعتقد ان القانون الديني قاس وغير مرن، لكن ربما العكس هو الصحيح، حقيقة انه استمر طوال هذه الفترة يجب ان يعني انه قادر على التغيير مع الزمن. والاّ سوف لن يكون موجودا اليوم.

مشكلة أخرى رئيسية في بناء التشريع على القانون الإسلامي هي انه اما عام جدا لدرجة انه لا يشير لأي اتجاه معين، او انه يرتبط بتفسير خاص للنصوص من قبل بعض الجماعات المؤثرة. لنأخذ تحريم الفائدة على القروض مثالا والذي هو واضح جدا في القرآن. ربما يراه بعض المعاصرين انه تحريم للمصالح الاستغلالية وليس للفائدة ككل، طالما ان النظام الاقتصادي العالمي الحديث يرتكز على سندات ذات فائدة، وانه لمصلحة الجميع العيش في اقتصاد حديث. هناك أيضا طرق قانونية لتجنب تحريم الفائدة مثل استبدال الفائدة بتقاسم الأرباح (وهي الطريقة التي تعمل بها العديد من البنوك الإسلامية)، لكن نسبة المشاركة بالربح دائما تحمل تشابها ملحوظا مع أسعار فائدة السوق السائدة على القروض. هذه الطريقة حظيت بموافقة لجنة خبراء القانون الإسلامي التي ترى انها لا تنتهك قاعدة تحريم الفائدة. وبهذا نحن قيل لنا ان النية من حظر الفائدة تتحقق باستخدام أداة مالية للالتفاف على الحظر، لكن هل هذا صحيح؟ أليست هذه طريقة لإعادة وصف الفائدة بحيث تبدو وكأنها ليست فائدة، مع انها في الواقع كذلك؟ لا مجال هنا لمناقشة نظام البنوك الإسلامية بالتفصيل، لكن هذا يعطي فكرة عن بعض المشاكل في فكرة النظر الى نوايا القانون كمرشد للإصلاح القانوني.

وهناك قضية أخرى أكثر خطورة وهي امكانية السؤال عن ما الذي كان يفكر به الله عندما وضع الشريعة؟ على سبيل المثال ما الذي دفعه لتحريم لحم الخنزير؟ الكثير من الناس يأكلون لحم الخنزير ولا يبدو انهم يعانون من نتائج سيئة، مع ذلك المسلمون مُنعوا من تناول هذا والعديد من الأشياء الأخرى أيضا. ربما بعض القواعد ليست هامة جدا بذاتها وانما في دورها في تمييز جماعة معينة عن غيرها. وكما يقال عادة حول القرآن، من غير اللائق ان نتوقع فهم لماذا يصر الله على أشياء معينة: هو يعرف، ولا يوجد هناك سبب للاعتقاد اننا يجب ان نعرف كل شيء .

ان اصلاح الإسلام سوف يستمر، نحن يمكننا معرفة الغاية من القانون الديني ونستخدم هذه المعرفة للنظر في إجراء تغييرات لكي ينسجم القانون الإسلامي مع العالم الحديث. الجدال هنا هو اننا يجب ان نمارس الحيطة قبل الذهاب في هذا الاتجاه. كوننا مخلوقات متناهية، ربما نكون مترددين للادّعاء اننا نعرف كيف يفكر الله.

***

حاتم حميد محسن

...........................

Islam&Philosophy: Islamic Law, Reform&Philosophy, Philosophy Now April/May2026

هل الوعي بالتاريخ شرط للعقلانية الحديثة؟

‏يُعَدّ سؤالُ العقل عند عبد الله العروي من أعقد الأسئلة التي شغلت الفكر العربي المعاصر، لأنّه لا يُطرح عنده باعتباره تمرينا ذهنيا مجرّدا أو بحثا منطقيا معزولا عن حركة المجتمعات أو مجرّد استعادة تراثية لمباحث الفلاسفة في حدودها المدرسية، وإنما ينهض في قلب المعضلة الحضارية التي تعيشها الذات العربية الحديثة تحت ضغط التأخر التاريخي ووطأة الانفصال عن منطق العصر والتردّد بين الوفاء لصور الوعي الموروث والانخراط في مقتضيات الحداثة. لذلك يغدو العقل في أفق العروي اسما لإشكال مركّب تتداخل فيه المعرفة بالزمن والقدرة على فهم التحولات والاستعداد لقبول التاريخ باعتباره سلطةً موضوعيةً تُعيد ترتيب الأفكار والقيم والمؤسسات. فالعقل هنا لا يُقاس بحدّة البرهان فحسب ولا بسلامة الاستدلال وحدها، بل يُقاس أساسا بمقدار ما يملكه الوعي من قدرة على استيعاب الصيرورة التاريخية وعلى إدراك أن الأفكار الكبرى لا تُولد في الفراغ وأن المفاهيم لا تكتسب مشروعيتها من صفائها النظري وحده وإنما من انغراسها في شروط إنتاجها ومن اتصالها العضوي بمسار المجتمعات في تحوّلها العميق.

‏لهذا السبب تحديدا اكتسب مفهوم "العقل التاريخي" عند العروي منزلةً مركزية في مجمل مشروعه الفكري لأنّه المفهوم الذي تتقاطع داخله أسئلته حول الدولة والحرية والإيديولوجيا والتحديث والسلفية والتأخر التاريخي والقطيعة المعرفية المطلوبة مع أشكال الوعي التي تعجز عن فهم العصر بلغته الداخلية. فالعروي لم يكن معنياً بإنتاج خطاب ثقافي يصف الأزمة من خارجها أو يواسي الذات العربية بتشخيصات أخلاقية رخوة أو يُراكم المرافعات العاطفية حول "الأصالة" و"الهوية" و"الخصوصية" كما لو أنّ هذه الألفاظ تمتلك قوة تفسيرية ذاتية. ما كان يعنيه في العمق، هو تفكيك البنية الذهنية التي تجعل العربي الحديث يعيش الزمن الحديث دون أن يسكنه فعلاً ويستعمل مفاهيم الحداثة دون أن يندمج في منطقها، ويطالب بثمار العقلانية السياسية والاجتماعية دون أن يمرّ عبر شروطها التاريخية الصارمة. من هنا جاءت كتاباته شديدة الحدة قاسية أحيانا، صارمة في أحكامها، لأنّها كانت تنظر إلى الفكر العربي بوصفه ساحةً يغلب عليها سوء الفهم التاريخي أكثر ممّا يغلب عليها نقص المعلومات أو ضعف النيّات.

‏إنّ العروي وهو يُلحّ على مركزية التاريخ، يضع الفكر العربي أمام امتحان عسير: هل يمكن أن تتحقق عقلانية حديثة خارج وعيٍ تاريخي حادّ؟ هل يكفي أن نترجم مفاهيم الحداثة أو نستدعي نماذجها أو نُعجب بمؤسساتها كي نُصبح عقلانيين بالمعنى الحديث؟ أم أنّ العقلانية الحديثة تقتضي تحوّلا أعمق يمسّ صورة الإنسان عن نفسه وعلاقته بالماضي وتمثّله للزمن وطريقة فهمه للشرعية والمعرفة والسلطة والتقدّم؟ هنا يخرج العروي من الدائرة الفلسفية الضيقة إلى أفق فكري أرحب، حيث يصير التاريخ معيارا للفهم ومجالا للحكم وأداةً لنقد الأوهام الثقافية التي تُلبس التأخر لبوس الفضيلة وتُحوّل العجز إلى اختيار وتُقدّم الانفصال عن العصر بوصفه حفاظا على الذات. إزاء ذلك، يتحدّد الوعي بالتاريخ شرطا للعقل، لأنّ العقل الذي يجهل تاريخيته يظلّ حبيسا في صورته الميتافيزيقية الساكنة عاجزا عن إدراك أنّ المفاهيم نفسها تخضع للتبدّل وأنّ القيم تدخل في صيرورات معقدة وأنّ المجتمعات لا تُدار بالنيات الحسنة ولا تُبنى بالحنين ولا تُصلَح بالتلفيق بين أزمنة متنافرة.

‏لقد كان هيغل يرى أنّ "العقل يحكم العالم"، غير أنّ العروي يُعيد صياغة هذه الفكرة داخل الشرط العربي الحديث على نحوٍ أشدّ واقعية، العقل لا يحكم العالم إلا إذا تشرّب منطق التاريخ وفهم أن التاريخ ليس مجرد سجلّ للحوادث بل بنيةٌ حيةٌ تتشكّل داخلها أشكال الوعي وأنماط الشرعية وأنساق القيم. وكان ماركس قد نبّه إلى أنّ البشر يصنعون تاريخهم غير أنّهم لا يصنعونه في شروط يختارونها بحرية مطلقة. أمّا العروي فقد استثمر هذا الدرس على نحو مخصوص فجعل الفكر العربي مطالبا بأن يعترف بحدود إرادته الثقافية أمام الإكراهات التاريخية الكبرى. وقد أدرك ابن خلدون في لحظة مبكرة نادرة أنّ الوقائع الاجتماعية لا تُفهم بالرغبات ولا بالأوهام وأنّ "أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونِحَلهم لا تدوم على وتيرة واحدة" وهي عبارة تكاد تصلح مفتاحا أوليا لقراءة العروي نفسه، لأنّها تُلخّص منطق التحوّل الذي ظلّ يُطارده في كتاباته ويُحاكم من خلاله كلّ خطاب يرفض أن يتعلّم من قسوة التاريخ.

‏تنبع أهمية مساءلة العروي حول "العقل التاريخي" بوصفها مساءلة تتجاوز حدود شخصه وتتجاوز حدود سجاله مع خصومه وتمسّ جوهر السؤال العربي الراهن: كيف يمكن لعقلٍ يهاب التاريخ أن يُنتج حداثة؟ كيف يمكن لوعيٍ يقدّس الماضي على نحوٍ لاهوتي أن يُدرك معنى التقدّم؟ كيف يمكن لمجتمعٍ يخلط بين الحقيقة والتراث أن يُميّز بين القيمة الرمزية للموروث والوظيفة التاريخية للمفاهيم الحديثة؟ تلك أسئلة تفتح بابا بالغ الحساسية لأنّها تمسّ بنية الوعي العربي في أعمق طبقاتها وتُجبرنا على إعادة التفكير في معنى العقلانية ذاتها: أهي ملكة منطقية خالصة أم هي نمط وجود تاريخي يتشكّل عبر تجربة جماعية طويلة وعبر مصالحة شاقة مع الزمن وعبر شجاعة فكرية تقبل بأن بعض الوفاءات قد تُصبح عائقا أمام الفهم وأن بعض الأمانات للماضي قد تنقلب في لحظة معينة إلى خيانة للمستقبل؟.

‏وإذا كان الفكر العربي الحديث قد انشغل طويلا بسؤال النهضة فإنّ عبد الله العروي نقل هذا السؤال من مستوى التمنّي الثقافي إلى مستوى المحاكمة التاريخية. تلك كانت إحدى مزاياه الكبرى بل إحدى خصائصه التي صنعت له موقعا فريدا داخل خريطة الفكر العربي المعاصر. فالرجل لم يتعامل مع النهضة باعتبارها عنوانا أدبيا جميلاً يصلح للخطابة ولا باعتبارها حنينا جماعيا إلى مجد ضائع ولا باعتبارها مجرّد مشروع أخلاقي يتأسّس على حسن النيّة وصفاء المقاصد، وإنما رآها قضيةً ترتبط ببنية الوعي ذاته وبالصورة التي يتشكّل بها العقل العربي وهو يواجه زمنا لم يصنعه ولكنه أُجبر على السكن داخله. لذلك كان العروي شديد الارتياب من كلّ خطاب يتحدّث عن الإصلاح والتجديد والبعث الحضاري من غير أن يمرّ عبر سؤال الزمن وسؤال التاريخ وسؤال الوعي الذي يتحدّد في علاقته بما مضى وبما يجري وبما يتقدّم نحوه العالم.

في هذا الأفق بالذات يبرز مفهوم "العقل التاريخي" بوصفه واحدا من أكثر المفاهيم كثافةً في مشروعه، لأنّه لا يدلّ على مجرّد اهتمام بالتاريخ ولا على نوع من التخصّص المعرفي في سرد الوقائع وتحليل المراحل، بل يدلّ على نمط مخصوص من الإدراك وعلى صورة من صور الوعي الحديث الذي لا يكتفي بمعرفة الأحداث بل يتعلّم أن يرى الأفكار نفسها كوقائع تاريخية وأن يتعامل مع القيم باعتبارها ثمرة صيرورات وأن يُخضع المفاهيم لمعيار التحوّل لا لمعيار الثبات. هنا يتبدّل معنى العقل من أساسه. فالعقل في كثير من التصوّرات التقليدية جوهرٌ مفارق أو ملكة ثابتة أو نور باطني تُقاس به الأشياء من علٍ. أمّا عند العروي فإنّ العقل يكتسب حقيقته من قدرته على فهم الضرورة التاريخية وعلى إدراك أنّ الزمن الحديث ليس حادثا عابرا يمكن التحايل عليه أو الالتفاف حوله أو اقتباس بعض نتائجه مع رفض منطقه الداخلي.

لقد كانت هذه الفكرة مؤلمة لكثيرين لأنّها تضرب في الصميم أوهاما واسعة الانتشار داخل الثقافة العربية الحديثة. فمن أسهل الأمور أن نُعلن إعجابنا بالحرية وأن نُبدي حماسة للديمقراطية وأن نُشيد بالعلم وأن نُكثر من الحديث عن الدولة والقانون والمؤسسة، ولكنّ الأصعب من ذلك كلّه أن نعترف بأن هذه المفاهيم ليست زينة فكرية تُعلّق على واجهة الخطاب ولا معاني مطلقة صالحة للاستعمال في كلّ السياقات من غير ثمن تاريخي، بل هي نتائج لمسارات طويلة متشابكة عنيفة أحيانا، سالت في مجراها دماء وصراعات وتحولات عميقة في صورة الإنسان والعالم والمجتمع. من هنا جاء إصرار العروي على أنّ الحداثة لا تُؤخذ انتقائيا ولا تُستهلك ثقافيا على طريقة الأسواق الرمزية ولا تُفهم من خارج شروطها. كان يرى في عمق المسألة أنّ كثيرا من العرب يريدون نتائج الحداثة من غير أن يدفعوا ثمنها المعرفي والسياسي ويريدون مؤسساتها من غير أن يقبلوا بمقدماتها التاريخية ويريدون لغتها من غير أن يتبنّوا منطقها.

وهذا هو الموضع الذي يصير فيه "الوعي بالتاريخ" شرطا من شروط العقلانية الحديثة. ذلك أنّ العقلانية كما فهمها العروي ليست مجرد استعمال صحيح للمنطق ولا مجرد تنظيم دقيق للحجاج ولا مجرد ميل إلى البرهنة بدل الخطابة مع أنّ كلّ ذلك مطلوب ومهم، العقلانية الحديثة أوسع من هذه الحدود. إنّها موقف من العالم وصيغة في فهم الإنسان لذاته وكيفية مخصوصة في النظر إلى المجتمع وإلى السلطة وإلى الشرعية وإلى المعرفة وإلى المستقبل. هي قبل كل شيء قدرة على التحرّر من التصوّر الساكن للوجود ومن الوهم الذي يطلب الحقيقة في ماضٍ مكتمل أو في نموذج نهائي يُراد له أن يبقى صالحا لكل الأزمنة. لذلك فإنّ الوعي التاريخي عند العروي ليس ترفا ثقافيا بل هو لحظة تأسيسية في تكوين العقل الحديث، لأنّ الإنسان لا يُصبح حديثا بمجرد دخوله عصرا حديثا كما أنّ المجتمع لا يُصبح عقلانيا بمجرد استعماله مصطلحات عقلانية وهنا تبرز قيمة العروي في كونه لم ينخدع كثيرا باللغة، لقد كان يدرك أنّ اللغة قد تُصبح أكبر مخبأ للأوهام. نستعمل الكلمات نفسها لكننا نحمّلها معاني من عصور أخرى. نردّد "الحرية" ونقصد بها رفع الحرج الأخلاقي لا بناء الذات القانونية. نردّد "الدولة" ونقصد بها السلطان أو الغلبة أو الرعاية الأبوية. نردّد "العقل" ونقصد به الحذق الخطابي أو حسن الجدل أو الذكاء العملي. نردّد "التاريخ" ونتعامل معه كخزان للعبرة أو مجال للتمجيد أو مستودع للهوية. أمّا العروي فكان يُصرّ على أنّ المفاهيم الحديثة لا تُفهم من داخل معجمنا القديم وحده لأنّها وليدة تجربة أخرى وصنيعة صراعات أخرى ومرتبطة ببنية أخرى للزمن والسلطة والمجتمع. لذلك ظلّ يُلحّ على التاريخانية لا بوصفها موضة منهجية بل بوصفها شرطا أوليا للخروج من الخلط المفهومي الذي جعل الفكر العربي يتعثر طويلا في ترجمة الحداثة إلى نفسه.

ولعلّ أخطر ما كشفه العروي أنّ الوعي العربي الحديث يعيش حالة من الانشطار الزمني. إنّه يعيش في عصر حديث من جهة الوسائل والمؤسسات والضغوط الدولية وأشكال التنظيم الاقتصادي والسياسي غير أنّه يفكّر في كثير من الأحيان بمنطق سابق على الحداثة أو بمنطق لم يهضم الحداثة بعد. وهذه الحالة لا تُنتج فقط ازدواجا ثقافيا بل تُنتج نوعا من الاضطراب العميق في العقل نفسه. فالعقل الذي يستعمل مفاهيم لا يملك شروطها التاريخية يتحوّل إلى عقل مقلِّد أو إلى عقل انتقائي أو إلى عقل تلفيقي، وقد يتحوّل أحيانا إلى عقل دفاعي يختلق المبررات كي يرفض ما لا يستطيع استيعابه. وهنا يتّضح أن العروي لم يكن يُهاجم التراث من موقع عدائي ساذج كما ظنّ بعض خصومه، وإنما كان يُهاجم الطريقة التي يُستعمل بها التراث حين يتحوّل من مادة للفهم إلى سلطة للحجب ومن ذاكرة حيّة إلى مرجعية مغلقة ومن مورد للتأويل إلى جهاز مقاومة ضد التاريخ.

لقد كان واعيا على نحو حاد بأنّ المشكلة لا تكمن في وجود الماضي، فالماضي قدر كلّ أمة ولا في الاعتزاز بالموروث فذلك حقّ ثقافي مشروع، وإنما تكمن في طبيعة العلاقة بهذا الماضي، هل نُدخله في مدار الفهم التاريخي أم نُنزله منزلة المطلق؟ هل نقرأه كنتاج بشري تشكّل داخل شروط مخصوصة أم نُحوّله إلى نموذج معياري خارج الزمان؟ هل نطلب منه الإلهام أم نطلب منه أن يُعفينا من مواجهة الحاضر؟ هنا تلتقي فلسفة العروي من بعيد مع بعض أعماق الدرس الخلدوني. فابن خلدون الذي أدرك أنّ الاجتماع البشري محكوم بالتحوّل، وأنّ الدول والأحوال والطبائع لا تثبت على حال، فتح بابا مبكّرا لوعي تاريخي نادر في ثقافتنا. غير أنّ هذا الوعي لم يتحوّل إلى بنية فكرية مستمرة بل ظلّ في كثير من الأحيان استثناءً عبقريا أكثر منه تقليدا معرفيا راسخا. أمّا العروي فقد حاول أن يستأنف هذا الحسّ التاريخي داخل شرط جديد حيث لم يعد الأمر متعلقا بدورة الدول والعصبيات فقط، بل بتبدّل العالم نفسه وبنشوء زمن كوني جديد يفرض منطقه على الجميع.

من أجل ذلك كان نقده للسلفية بمختلف أشكالها، نقدا يتجاوز البعد العقدي أو الفقهي الضيّق. السلفية عنده ليست مجرّد موقف ديني محدّد، بل هي بنية وعي وقد تتلبّس لبوسا دينيا أو قوميا أو ليبراليا أو حتى يساريا. كلّ خطاب يرفض أن يرى المفاهيم في تاريخيتها وكلّ خطاب يبحث عن خلاص جاهز في أصل سابق وكلّ خطاب يعتقد أنّ بالإمكان اختصار التاريخ أو القفز فوق مراحله أو انتقاء نتائجه دون أسبابه، فهو في العمق شكل من أشكال السلفية الذهنية. وفق هذا الفهم لا تبدو السلفية عند العروي مجرّد موقفٍ عقديّ بقدر ما تتبدّى في بعض تجلّياتها بنيةً مخصوصةً في النظر إلى التاريخ والمعرفة. واستنادا إلى هذا يتّضح فهم شدّة نقده لبعض صيغ السلفية الحديثة لا لمرجعيتها الدينية في حدّ ذاتها، وإنما لكونها تُظهر قابليةً على التكيّف اللغوي مع مفردات العصر دون أن يصاحب ذلك تحوّلٌ عميق في أنماط التفكير أو في شروط الوعي التاريخي. أمّا السلفية التقليدية فعلى الرغم من تمسّكها الواضح بأفقها المرجعي فإنّ صراحتها في حدودها المعرفية تجعل موقعها الفكري أكثر انكشافا وأقلّ التباسا.

ولذلك أيضا لا يجوز أن نقرأ دعوة العروي إلى التاريخانية على أنّها دعوة إلى استسلام جبري للتاريخ أو انبهار أعمى بالغرب أو إذعان سلبي لمسار كوني لا يترك للشعوب حقّ الاختيار. هذه قراءة سطحية بل ظالمة. العروي لم يكن يطلب من العربي أن يتخلّى عن ذاته بل كان يطالبه أن يخرج من وهم الذات المغلقة. لم يكن يطالبه أن ينسى تراثه بل أن يفهمه. لم يكن يطالبه أن يعبد الحداثة بل أن يعترف بأنّها حدث تاريخي عظيم غيّر بنية العالم وأنّ من يتعامل معه بخفّة ثقافية أو بمكر لغوي أو بانتقائية مريحة محكوم عليه أن يظلّ على هامشه. والحقّ أنّ هذا الموقف على قسوته ينطوي على قدر كبير من الأمانة الفكرية. فكم من خطاب راوغ الذات العربية بألفاظ المديح والخصوصية والتوفيق والتأصيل ثم تركها في المكان نفسه. وكم من مشروع وعد بإنتاج حداثة أصيلة، فإذا به يُنتج مفاهيم مشوّهة ومؤسسات هشة ووعيا مرتبكا ولغةً تتكلّم في اتجاهين متناقضين في اللحظة نفسها. وهنا تكتسب مسألة "العقل التاريخي" معناها الحاسم.

فالعقل الذي يعي التاريخ لا يُسلم له تسليم العاجز ولا يذوب فيه ذوبان التابع وإنما يتعلّم كيف يفهم منطقه وكيف يُدرك الضرورات التي تشتغل داخله وكيف يُميّز بين ما هو قابل للتجاوز وما هو مفروض بحكم المرحلة وكيف يفرّق بين القيم الكونية التي صارت جزءا من البناء الحديث للعالم وبين الأشكال المحلية التي يمكن التصرّف فيها. هذا العقل لا يُنكر الذات لكنّه لا يُؤلّهها. لا يقطع مع الماضي قطعا هستيريا لكنّه لا يسكن فيه. لا يُمجّد الغرب لكنّه لا يُكابر أمام دروسه. لا يستسلم للواقع لكنّه لا يُقيم مشروعه على الرغبة وحدها. تلك هي الصعوبة التي أراد العروي أن يُدخل الفكر العربي فيها: صعوبة النضج التاريخي.

ولعلّ أحد الأسباب التي جعلت مشروعه يثير كثيرا من الجدل أنّه كان يُطالب القارئ العربي بأمرين عسيرين في آنٍ واحد: أن يُمارس نقدا جذريا لمسلّماته وأن يتحمّل كلفة هذا النقد نفسيا وثقافيا. فالوعي التاريخي لا يطلب فقط تصحيح المعلومات بل يطلب إعادة ترتيب الداخل. يطلب من الإنسان أن يُراجع علاقته بالمقدّس الثقافي وبالصور التي تربّى عليها وباللغة التي كان يظنّها بريئة وبالألفاظ التي يعتقد أنّ معناها ثابت لا يتبدّل. وهذه المراجعة ليست عملية تقنية بل هي محنة وجودية للعقل. لذلك نفهم لماذا بدا العروي في أعين كثيرين مستفزا، حادا، بل مستعجلا أحيانا. لقد كان يرى أنّ الزمن لا ينتظر وأنّ الأمم التي تُضيّع وقتها في المجاملات المفهومية وفي التوفيقات البلاغية وفي إرضاء الذاكرة على حساب المستقبل تنتهي إلى استهلاك التاريخ بدل صناعته.

إنّ السؤال الذي يطرحه العروي في جوهره ليس هل نملك تراثا عظيما؟ فذلك سؤال أجابت عنه قرون من الفخر والاعتداد. ولا هو هل نستطيع أن نقتبس من الغرب؟ فذلك صار أمرا واقعا منذ بدايات الاحتكاك الحديث. السؤال الأعمق هو هل نملك من الشجاعة المعرفية ما يجعلنا نفهم أنّ العقل الحديث لا يولد من داخل الوجدان المطمئن بل من داخل القطيعة المؤلمة مع التصوّر الساكن للعالم؟ وهل نملك من الصرامة الفكرية ما يجعلنا نُدرك أنّ التاريخ ليس مجرد ماضٍ يُروى بل هو سلطة حاضرة تُحدّد إمكاناتنا وتفرض علينا نوعا من التواضع المعرفي وتُعلّمنا أنّ المفاهيم لا تُستورد كما تُستورد السلع وأنّ العقلانية ليست شعارا بل تربية طويلة على الاعتراف بالزمن؟.

ويبرز سؤال العروي حول الوعي بالتاريخ كسؤال يتجاوز حدوده النظرية إلى عمق المصير الثقافي العربي. لأنّ الأمة التي لا تُحسن فهم تاريخها ولا تُحسن فهم تاريخ غيرها ولا تُحسن قبل ذلك فهم التاريخ بوصفه قانونا للتحوّل وتبدّل المعاني والشرعيات، تبقى عرضةً لتكرار الأوهام نفسها بأسماء جديدة. قد تغيّر لغتها وقد تُبدّل شعاراتها وقد تُزيّن خطابها بمصطلحات معاصرة غير أنّ بنيتها الذهنية تبقى على حالها. وتكمن هنا مأساة كثير من مشاريعنا الفكرية، مظهر حديث وروح قديمة، ألفاظ جديدة ومخيال قديم، مؤسسات مستعارة ووعي لم يُغادر بعد منطقة السكون. والعروي في هذا الموضع تحديدا لا يقدّم مجرد تشخيص بل يضع إصبعه على الجرح المؤسّس، لا حداثة بغير تاريخ ولا عقلانية بغير وعي تاريخي ولا خروج من التأخر ما دام العقل يطلب المستقبل بوسائل تنتمي إلى عالم انقضى.

وإذا أردنا أن نمسك بمفتاح المشروع الفكري لعبد الله العروي فإنّنا لا نكاد نجد مفهوما أشدّ دلالة من مفهوم "التاريخانية". غير أنّ الخطأ الذي وقع فيه كثير من قرّائه أنّهم تعاملوا مع هذا المفهوم كما لو كان مجرّد اختيار منهجي أو نزعة تفسيرية تفضّل العامل التاريخي على غيره من العوامل. والحال أنّ التاريخانية عند العروي أعمق من ذلك بكثير وأشدّ التصاقا بجوهر المسألة العربية الحديثة. إنّها ليست مجرد أداة للقراءة بل هي في المقام الأول تربية للعقل على مغادرة وهم الثبات وعلى التحرّر من النزعة الجوهرانية التي تُحوّل المفاهيم إلى كائنات أزلية وتُعامل الأفكار كما لو كانت حقائق قائمة بذاتها منزّهة عن شروطها، متعالية على سياقاتها صالحة لكلّ زمان على الصورة نفسها. وهذا بالضبط ما أراد العروي أن يزعزعه في بنية الوعي العربي، ذلك الميل العميق إلى اختزال الفكر في المعيار واختزال التاريخ في العبرة واختزال الماضي في المثال.

ولعلّ ما ميّز العروي حقا أنّه لم يكتفِ بنقد مضامين الفكر العربي بل ذهب إلى أبعد من ذلك، إلى نقد "صورة العقل" التي تنتج هذه المضامين. كان يرى أنّ كثيرا من الأزمات التي نعانيها لا ترجع إلى نقص في النوايا أو في الشعارات أو في الرغبة في الإصلاح، بل ترجع إلى خلل أصيل في كيفية تمثّلنا للمفاهيم الكبرى. نحن نريد الحرية ولكنّنا نريدها غالبا في صورة توافقية لا تُزعج البنى القديمة. نريد الدولة ولكنّنا نريدها أحيانا من غير أن نقطع مع أنماط الولاء ما قبل السياسي. نريد العقلانية ولكنّنا نبحث عنها داخل معجم لا يزال يتغذّى من التصورات اللازمنية. نريد التقدّم ولكنّنا نريد أن نصل إليه من غير أن نمرّ عبر الجراح التي تصنعه. وقد كان العروي في كثير من كتاباته يُشعر قارئه أنّه لا يهاجم الآراء وحدها بل يهاجم الكيفية التي تتكوّن بها الآراء أصلا والبنية الذهنية التي تسمح لها أن تبدو مقنعة.

في هذا الإطار المفهومي يتحدد "العقل التاريخي" تعبيرا عن ضرب من النضج المعرفي الذي يرفض أن يفصل بين الفكرة وسيرتها وبين المفهوم وشرطه وبين القيمة ومسار تشكّلها. فالديمقراطية مثلا ليست كلمة محايدة قابلة للتبنّي الفوري. إنّها حصيلة تحوّل طويل في بنية الاجتماع السياسي وفي مفهوم الفرد وفي معنى الشرعية وفي العلاقة بين القانون والسلطة وبين الجماعة والحق. والعقل الذي يتعامل مع الديمقراطية بوصفها شعارا أخلاقيا فحسب أو بوصفها تقنية انتخابية أو بوصفها زينة دستورية هو عقل لم يدخل بعد إلى جوهر الحداثة السياسية. وكذلك الأمر في الحرية والعلمانية والدولة والحقوق والتعاقد والمؤسسة. تلك كلّها ليست معاني معلّقة في الفراغ بل هي طبقات من التاريخ متجسّدة في ألفاظ. ومن لا يفهم ذلك يظلّ أسير ما يمكن أن نسمّيه "الاستعمال اللغوي للمفاهيم الحديثة" من غير امتلاك حقيقتها التاريخية.

ويبرز عمق صلة العروي بالإيديولوجيا هنا لا بوصفها موضوعا معزولا كما عرضها في كتابه الشهير، بل بوصفها الوجه الآخر لأزمة العقل العربي. فالإيديولوجيا في أحد وجوهها هي تلك المنطقة التي تتخفّى فيها الرغبات داخل المفاهيم ويختلط فيها التبرير بالتفسير ويُستبدل فيها التحليل التاريخي بلغة مشحونة بالرغبة والانتقاء والانتقام الرمزي أحيانا. والعروي كان شديد الحساسية تجاه هذا الخلط. كان يدرك أنّ الفكر العربي الحديث في كثير من لحظاته لا يفكّر بقدر ما يتمنّى ولا يحلّل بقدر ما يدافع عن صورته عن نفسه ولا يقرأ الحداثة بقدر ما يُفاوضها من موقع نفسي مضطرب، يريد أن يأخذ منها ما يُجمّل صورته ويؤجّل ما يهزّ أسسه. لذلك جاءت كتابته عن الإيديولوجيا حاسمة لأنّها كانت في العمق فضحا لأشكال الوعي التي تتوسّل بالمفاهيم الحديثة لكي تحمي البنى القديمة وتستعير لغة التاريخ لكي تُقاوم منطقه.

ومن هنا أيضا نفهم لماذا لم يكن العروي مرتاحا إلى مشاريع "التوفيق" التي شغلت جزءا كبيرا من الفكر العربي الحديث. لقد رأى أنّ التوفيق في كثير من الأحيان ليس فعل إبداع بقدر ما هو تعبير عن عجز الوعي عن الحسم مع نفسه. إنّه محاولة لإرضاء الماضي والحاضر معا، مع أنّ بينهما في بعض المسائل قطيعة حقيقية لا تُحلّ بالمجاملة المفهومية. ولأجل هذا بدا العروي مقارنة بكثير من مجايليه أكثر ميلاً إلى الصراحة القاسية. فهو لا يطمئن إلى الحلول الوسطى حين تكون مجرّد حيلة لغوية ولا يثق كثيرا في خطاب "الخصوصية" حين يُستعمل لتمويه التأخر ولا يسلّم بخطابات "الأصالة" حين تتحوّل إلى ذريعة لتأجيل المواجهة مع مقتضيات العصر. إنّ المشكلة في نظره ليست أنّ للأمة خصوصيتها، فكلّ أمة لها خصوصيتها بل أنّ الخصوصية قد تُصبح أحيانا اسما مهذّبا للخوف من التاريخ.

على هذا المستوى تحديدا تتجلّى جرأة العروي في مساءلته لما يمكن أن نسمّيه "الضمير التراثي" داخل الثقافة العربية. فالعروي لم يكن من أولئك الذين يتوهّمون إمكان بناء حاضر من غير ذاكرة ولا من أولئك الذين يستخفّون بالقوة الرمزية للتراث في تشكيل الوجدان الجمعي. كان يعرف بحكم تكوينه العميق واطلاعه الواسع أنّ التراث ليس مجرد ركام نصوص بل هو بنية طويلة من المعاني والقيم والتمثّلات والسلطات الرمزية. لكنّه كان يعرف أيضا أنّ الخطر يبدأ حين نُخرج التراث من تاريخه ونُنزله منزلة الأصل النهائي الذي تُقاس به كلّ الأشياء، عندئذ يتحوّل من مادة للتفكير إلى سلطة تمنع التفكير. من هنا كان نقده في جوهره موجّها إلى آلية التقديس الثقافي أكثر من توجّهه إلى التراث بوصفه إرثا حضاريا. فالمشكلة لا تكمن في أنّ لنا ماضيا بل في أنّنا كثيرا ما نتعامل مع هذا الماضي كما لو كان الحاضر المؤجّل الذي ينبغي أن يعود.

وتتّضح الصلة الدقيقة بين العروي وبين بعض أسئلة الفقه والفلسفة معا. فالفقهاء الكبار حين مارسوا الاجتهاد في لحظاتهم الخصبة لم يكونوا مجرّد حافظين للنصوص بل كانوا قرّاء للواقع عارفين بتبدّل الأحوال مدركين لما يسمّيه الأصوليون "تحقيق المناط" و"تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان والأحوال". ولم يكن هذا المعنى غريبا عن روح الفكر الإسلامي في أعمق لحظاته مهما اختلفت درجات حضوره عبر العصور. لكنّ الذي وقع لاحقا أنّ الحسّ التاريخي انكمش لصالح حسّ معياري صارم يُكثر من استحضار المثال ويقلّ فيه الوعي بالحركة. ولو أردنا تقريب الفكرة لقلنا إنّ العروي في بعض وجوهه كان يطالب الفكر العربي بأن يستعيد تلك القدرة المفقودة على رؤية "الأحكام" و"المفاهيم" و"الأنظمة" داخل صيرورتها لا داخل تجميدها. إنّ العروي لم يكن خصما لفكرة الاجتهاد الحيّ بل كان خصما لكلّ عقل يرفض أن يعترف بأن الزمن شريكٌ في الفهم.

غير أنّ هذا المسلك نفسه هو الذي جرّ عليه تهما كثيرة. فقد بدا لبعضهم أنّه يُعلي من شأن التاريخ إلى حدّ يكاد يُسقط القيم أو أنّه يُضخّم العامل الغربي إلى درجة تجعل الحداثة قدرا لا فكاك منه إلا بالذوبان. وهذه القراءة على شيوعها تبقى في تقديري قراءة ناقصة. لأنّ العروي لم يكن يقول إنّ كلّ ما هو حديث حقٌّ لمجرّد أنّه حديث ولا إنّ التاريخ يبرّر ذاته كيفما كان ولا إنّ الغرب معيار أخلاقي نهائي. ما كان يقوله في العمق هو أنّ العالم دخل طورا جديدا من التنظيم المعرفي والسياسي والاجتماعي وأنّ هذا الطور يفرض لغته ويُنتج مؤسساته ويعيد تعريف الإنسان نفسه. ومن لا يقرأ هذا التحوّل قراءة تاريخية صارمة سيظلّ يواجهه بأدوات لا تكفي لفهمه فضلا عن تغييره. الفرق شاسع بين من يُسلم للغالب لأنّه غالب وبين من يعترف بأنّ العالم تغيّر وأنّ الفعل الرشيد يقتضي فهم طبيعة هذا التغيّر.

لقد كان العروي في هذا الباب قريبا في بعض ملامحه من الدرس الهيغلي مع مسافة واضحة تحفظ له خصوصيته. فالتاريخ عند هيغل ليس تتابعا عرضيا للحوادث بل مسار تتكشّف داخله الحرية. والعروي وإن لم يُعِد إنتاج هيغل فقد ورث عنه شيئا أساسيا، الإحساس بأنّ الوعي لا يكتمل خارج الزمن وأنّ العقل لا يُفهم في عزلة عن الحركة التي تُنتجه. كما أنّه أفاد بوجه آخر من الحسّ الماركسي في قراءة البنى والمؤسسات بوصفها حصيلة شروط وصراعات لا مجرّد اختيارات ذهنية معزولة. لكنه لم يتحوّل إلى تابع لأيّ من هذين الأفقين، لأنّ مشكلته كانت عربية مخصوصة، كيف يمكن لعقل يعيش بعد الصدمة الاستعمارية وبعد انكشاف الفجوة الحضارية وبعد تعثّر مشاريع النهضة أن يبني وعيا حديثا لا يقوم على التلفيق ولا على الاستلاب؟.

وتبرز قيمة القسوة في فكر العروي، ذلك أنّ بعض المشاريع الفكرية تُغري قارئها بالدفء العاطفي وبالوعود السهلة وبالقدرة على الجمع بين المتناقضات في صيغة مطمئنة. أمّا العروي فقد اختار أن يكون صادما في كثير من المواضع لأنّه كان يرى أنّ الصدمة نفسها قد تكون شرطا في اليقظة. لقد كان يقول للقارئ العربي بصيغ مختلفة، إنّك لا تستطيع أن تبقى كما أنت وتدخل العصر كما هو. لا تستطيع أن تستبقي بنية الوعي القديمة كاملة ثم تطالب بنتائج الحداثة الكاملة. لا تستطيع أن تُبقي المفاهيم في معانيها الموروثة ثم تُحمّلها وظائف حديثة. لا تستطيع أن تعيش في زمنين معا ثم تنتظر أن ينتج عن هذا الانشطار عقلٌ مستقرّ. وهذه الرسالة مهما اختلفنا مع بعض تفاصيلها تحمل قدرا كبيرا من النزاهة. إنّها رسالة تُحرج نعم، لكنها تُجبر على التفكير.

ومن أخصب ما يتيحه لنا سؤال العروي أنّه يفرض إعادة النظر في معنى "العقلانية" نفسه. فكم من مرة استُعمل هذا المفهوم عندنا في صورة ضيقة كأنّه مرادف للبرهان الصوري أو للنزعة العلمية العامة أو لرفض الخرافة فحسب. مع أنّ العقلانية الحديثة في معناها الأعمق لا تُختزل في هذه العناصر على أهميتها. إنّها ترتبط كذلك بنشوء الفرد القانوني وبفكرة التعاقد وبالتمييز بين المجالين العام والخاص وبخضوع السلطة لمبدأ الشرعية لا لمبدأ الغلبة وبالتعامل مع المعرفة بوصفها قابلة للمراجعة وبالإيمان بأنّ المستقبل ليس تكرارا للماضي، وكلّ هذه المعاني لا تنفصل عن وعي تاريخي مخصوص. فالعقلانية الحديثة ليست فقط كيف نبرهن بل كيف نسكن الزمن. وليست فقط كيف نفكّر في الأشياء بل كيف نفهم أنفسنا داخل التحوّل. ومن هنا كانت حدّة سؤال العروي: هل يملك الفكر العربي هذا الوعي فعلا أم أنّه ما يزال يطلب العقلانية بأدوات عقل لم يُصالح التاريخ بعد؟.

والواقع أنّ هذا السؤال ما يزال حيا اليوم أكثر من أيّ وقت مضى. فما نراه في كثير من ساحاتنا الثقافية والسياسية يكشف أنّ الانشطار الذي وصفه العروي لم يُحسم بعد. ما نزال نرى مفاهيم حديثة تُستعمل استعمالا تقليديا وشعارات تقدمية تُدار بعقلية ما قبل حديثة ونقدا للتراث يقع أحيانا في سلفية معكوسة وتمجيدا للهوية ينتهي إلى تعطيل الفعل واستدعاءً للخصوصية يتحوّل إلى آلية دفاعية ضد كلّ مساءلة جذرية. وما نزال نرى كذلك نزوعا واسعا إلى اختزال التاريخ في الذاكرة مع أنّ التاريخ أوسع من الذاكرة بكثير. الذاكرة تحفظ ما نحبّ أن نتذكّره، أمّا التاريخ فيُرغمنا على مواجهة ما لا نحبّ أن نعترف به. الذاكرة تُغذّي الانتماء، أمّا التاريخ فيُربّي الفهم. الذاكرة قد تمنحنا العزاء، أمّا التاريخ فيمنحنا أحيانا المرارة التي تسبق النضج.

وعند هذا الحدّ تتجلّى المفارقة الكبرى في مشروع العروي. فهو من جهة يطالب بقدر من الحسم يكاد يبدو صعب الاحتمال ثقافيا ونفسيا. وهو من جهة أخرى لا يفعل ذلك بدافع العداء للذات بل بدافع إنقاذها من أوهامها. إنّه لا يريد للعربي أن يكره نفسه بل أن يفهم حدود نفسه التاريخية. لا يريد له أن ينكر ماضيه بل أن يضع هذا الماضي في مكانه الصحيح. لا يريد له أن يتحوّل إلى نسخة مستعارة بل أن يدرك أنّ كلّ إبداع حقيقي يمرّ عبر فهم العالم كما هو لا كما نرغب أن يكون. ولهذا فإنّ قيمة العروي لا تكمن فقط في أطروحاته الجزئية بل في أخلاق فكرية كاملة تتجلّى في كتابته، أخلاق الصرامة وأخلاق عدم المجاملة المفهومية وأخلاق الامتناع عن تخدير الذات بخطابات المواساة الحضارية.

إنّ السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا كلّه ليس ما إذا كنّا نتفق مع العروي في كلّ ما قال فذلك غير لازم، بل السؤال الأهم هل استطاع أن يضع يده على عقدة مركزية في الفكر العربي الحديث؟ والجواب في تقديري المتواضع، نعم إلى حدّ بعيد. لقد أدرك أنّ الأزمة لا تكمن في مجرّد التأخر المادي ولا في مجرّد الاستبداد السياسي ولا في مجرّد الهيمنة الخارجية على خطورة هذه العوامل جميعا بل تكمن أيضا في صورة الوعي الذي يتعامل مع هذه العوامل. فإذا كان العقل عاجزا عن فهم التاريخ فإنّه سيحوّل كلّ عائق إلى قدر ميتافيزيقي وكلّ فرصة إلى شعار وكلّ مفهوم إلى قناع. أمّا إذا امتلك الوعي التاريخي فإنّه يبدأ أخيرا في رؤية العالم بوصفه مجالا للصيرورة لا مسرحا للحنين، وبوصفه ميدانا للفعل المشروط لا فضاءً للرغبة المطلقة.

إنّ الوعي بالتاريخ عند عبد الله العروي لا يَرِد بوصفه ترفا نظريا ولا بوصفه اختصاصا معرفيا منفصلا عن باقي دوائر الفكر بل بوصفه الشرط العميق الذي تُبنى عليه إمكانات العقلانية الحديثة في المجال العربي. فمن دون هذا الوعي تظلّ المفاهيم الحديثة معلّقة وتظلّ مشاريع الإصلاح مرتبكة ويظلّ الخطاب الثقافي موزّعا بين تمجيد الماضي والانبهار بالحاضر من غير أن يمتلك قدرة حقيقية على التوليد الخلّاق. أمّا حين يتكوّن العقل التاريخي فإنّ الفكر يبدأ في التحرّر من عبودية الصور الجامدة ويصبح قادرا على التمييز بين ما هو موروث بوصفه قيمة رمزية وما هو مطلوب بوصفه ضرورة تاريخية وبين ما يجوز تأويله وما ينبغي تجاوزه وبين ما يصلح للإلهام وما يصلح للبناء المؤسّسي الحديث.

إنّها في المحصّلة معركة على صورة العقل نفسه. وهذا ما يجعل العروي واحدا من أولئك المفكرين الذين لا يُقرأون لمجرّد تحصيل المعلومات، بل يُقرأون لأنّهم يُزعجون البنية العميقة للوعي ويجبرون القارئ على مراجعة منطقه الداخلي ويُدخلونه في حرجٍ فكري قد يكون في النهاية بابا إلى نضج لم يكن ممكنا من دونه.

إنّ فكر عبد الله العروي لا يُختزل في تأييد أو رفض ولا يُستوعب بمجرد تصنيف بين مناصر وخصم. بل لقد طرح على الفكر العربي أحد أكثر الأسئلة صدقا وإيلاما كيف نصبح عقلانيين حقا في عالم صار فيه التاريخ أقوى من الرغبات وأشدّ من الأماني وأعنف من البلاغات المريحة؟ لقد أدرك أنّ العقلانية الحديثة ليست امتلاكا لأدوات البرهان ولا انتماءً رمزيا إلى قيم العصر بل هي تحوّل جذري في تمثّل الزمن وفي موقع الإنسان من العالم وفي شروط بناء الشرعية والمعرفة والسلطة. وعليه يتحوّل وعيه بالتاريخ وعيا تأسيسيا، إذ يضع الفكر أمام الحقيقة المحرجة، لا يمكن بلوغ الحداثة من أبوابها الخلفية ولا تحقيق عقلانية حقيقية من دون مواجهة مؤلمة مع التاريخ نفسه.

إنّ أكبر ما يُحسب للعروي أنّه نزع عن الفكر العربي كثيرا من أوهامه اللغوية. كشف أنّ الكلمات قد تُصبح حجابا كثيفا حين نردّدها من غير أن نعيش شروطها وأنّ المفاهيم قد تتحوّل إلى تمائم ثقافية إذا استُعملت خارج سيرتها التاريخية وأنّ الأمة قد تخدع نفسها حين تظنّ أنّها تُنتج حداثتها بمجرد إعادة تسمية القديم بأسماء جديدة. لذلك فإنّ سؤاله عن العقل التاريخي لم يكن سؤالا نظريا محضا بل كان امتحانا أخلاقيا للعقل العربي، هل يملك من الصدق ما يجعله يعترف بأنّ جزءا من تأخره راجع إلى طريقة تفكيره في نفسه؟ وهل يملك من الشجاعة ما يسمح له أن يخرج من قداسة الصور إلى قسوة التحليل؟.

ومهما اختلفنا مع بعض حدّته أو مع بعض أحكامه التي قد تبدو في مواضع معينة أقرب إلى الحسم الإكراهي منها إلى الحوار التأويلي الواسع، فإنّ القيمة الكبرى لفكره تظلّ قائمة حيث أراد أن يحرّر العقل من الكسل التاريخي. أراد أن ينقله من مجرّد الاحتجاج بالماضي إلى فهم الماضي ومن مجرّد الانبهار بالحاضر إلى تحليل الحاضر ومن مجرّد الرغبة في المستقبل إلى بناء شروط المستقبل. وهذا في ذاته مكسب هائل لأنّ الأمم لا تنهض بالأماني ولا بالبلاغة ولا بتقديس ذاكرتها بل تنهض حين تتعلّم كيف تقرأ نفسها داخل الزمن وكيف تُدرك أنّ الوفاء الأعمق للذات لا يتحقق بحبسها داخل صورها القديمة بل بتمكينها من أن تُبدع صورتها القادمة.

إنّ الجواب عن السؤال الذي يوجّهه هذا المقال يكاد يتّضح في ضوء تجربة العروي نفسها: نعم، الوعي بالتاريخ شرطٌ جوهريّ للعقلانية الحديثة لا بمعنى أنّ التاريخ يُلغي القيم أو يبتلع الإنسان في حتميّات عمياء بل بمعنى أنّ العقل الذي لا يعي تاريخية المفاهيم ولا يدرك تحوّل الشرعيات ولا يقرأ تبدّل البنى والأنساق، يبقى عقلا ناقص الحداثة مهما أكثر من الحديث عنها. العقل الحديث لا يُولد من فراغ ولا يُستورد كاملا ولا يُصطنع بخطاب تلفيقي. إنّه ثمرة تربية طويلة على الاعتراف بالتحوّل وعلى فهم الصيرورة وعلى قبول أنّ بعض القطائع المؤلمة أرحم من ألف مصالحة زائفة.

ولعلّ هذا هو الدرس الأشدّ عمقا الذي يتركه لنا عبد الله العروي، أنّ التاريخ ليس خصما للهوية إلا عند من يختزل الهوية في الجمود، وأنّ العقل ليس خصما للتراث إلا عند من يُحوّل التراث إلى صنم وأنّ الحداثة ليست قدرا استلابيا إلا عند من يرفض أن يفهمها في شروطها الحقيقية. أمّا حين ينضج الوعي فإنّ التاريخ يُصبح مدرسةً لا تهديدا، ويُصبح العقل أداة تحرير لا مجرّد زينة خطابية وتُصبح الحداثة أفقا للفعل لا موضوعا للتلاسن الثقافي. وعندئذ فقط يمكن للفكر العربي أن يغادر دائرة الاجترار إلى فضاء التأسيس، وأن يخرج من التردد بين ماضٍ مؤلَّه وحاضرٍ مُرتهَن إلى قدرة أرقى، قدرة أن يصنع لنفسه موقعا داخل العصر من غير أن يفقد كرامته ومن غير أن يخون ذكاءه ومن غير أن يطلب الخلاص من خارج شروط التاريخ.

***

د. حمزة مولخنيف

مقدّمة: في سبيل رشدية مغايرة.. ابن رشد بين النص والتاريخ والراهنية

تمرُّ الأمة الإسلامية والعربية اليوم بالذكرى التاسعة لميلاد أبي الوليد ابن رشد (1126-1198م)، تلك الشخصية التي غدت علما من أعلام الفلسفة الإسلامية، وجسرا معرفيا بين الشرق والغرب، ورمزا للعقلانية في وجه التعصب. غير أن إحياء هذه الذكرى لا يعدو ان يكون طقسا احتفاليا جامدا، أو استعادة نوستالجية لماضٍ ولّى، بل فرصة لإعادة طرح سؤال جوهري: هل من رشدية مغايرة؟

إن السؤال عن "المغايرة" في الرشدية ليس سؤالا هامشيا، بل هو مدخل إبستيمولوجي لفكّ الاشتباك بين "ابن رشد الأيقونة" الذي تم تدجينه في الخطابات الرسمية والتقليدية، و"ابن رشد الفيلسوف" الذي هزّ أركان اليقينيات السائدة في عصره. فالرشدية التي نحتفي بها ليست تلك التي تُختزل في شروح أرسطو، أو تلك التي تُستعمل كشهادة حسن سلوك للعقل الإسلامي أمام الغرب، بل هي الرشدية كـ "مشروع تحرري"، وكـ "منهج نقدي"، وكـ "تجربة التزام" واجهت فيها الفلسفةُ واقعَ الدم والسلطة والتكفير.

إن القراءة السائدة لتراث ابن رشد غالباً ما وقعت في فخّ "التقديس" أو "الاستشراق"، فإما حوّلته إلى مجرد ناقل للحكمة اليونانية، أو اختزلت فكره في إشكالية التوفيق بين الدين والفلسفة بمعناها السكولاستيكي الضيق. أما "الرشدية المغايرة" التي تسعى هذه الدراسة إلى استكشافها، فهي تلك التي تنظر إلى ابن رشد كفيلسوف "مقلق"، مفكرٍ لم يرضَ بالوصاية، ورفض أن يكون الفلسفةُ مجردَ زينةٍ للنخبة، بل جعلها واجبا وجوديا وشرعياً لكل ذي عقل. إنها رشدية لا تفصل بين النظر والعمل، ولا بين النص والواقع، ولا بين الحقيقة والحياة.

إن راهنية ابن رشد اليوم لا تكمن في تكرار مقولاته، بل في استلهام "روحه النقدية" لمواجهة تحديات العصر: من صعود الخطابات التكفيرية التي تستبيح الدم باسم المقدس، إلى أزمة العقل العربي الذي يتراوح بين القطيعة مع التراث والغرق فيه، وصولا إلى الحاجة الماسة لتأسيس فلسفة حياة تدافع عن الكرامة الإنسانية والحرية الفردية في وجه الاستبداد السياسي والديني. إن ابن رشد، في قراءتنا هذه، ليس فيلسوف الماضي فقط، بل هو فيلسوف المستقبل؛ لأنه علّمنا أن "الحق لا يضاد الحق"، وأن العقل هو الكون المشترك بين البشر، وأن التكفير هو دائماً غطاء لصراعات السلطة وليس دفاعاً عن العقيدة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن فكر ابن رشد يحمل في طياته "بذرة مغايرة" لم تُستثمر بعدُ بالكامل في الوعي العربي المعاصر. ولأجل تفكيك هذه البذرة واستنطاق دلالاتها الراهنية، ستنقسم الورقة إلى ثمانية محاور متداخلة، تبدأ بتجسيد تجربة الالتزام عند ابن رشد كفعل وجودي وليس تأملا مجردا، لتنتقل بعد ذلك إلى رصد الخيط الناظم بين الرشدية وعصر الأنوار، مؤكدة أن العقلانية الحديثة مدينة لهذا الجسر المعرفي. ثم تغوص الدراسة في سوسيولوجيا النكبة والتكفير، كاشفةً الآليات السياسية وراء إقصاء المفكرين، مرورا بتأسيس الصلة بين الحكمة والشريعة.

ولا تكتفي الدراسة بالبعد التاريخي، بل تمدّ جسورا نحو الحاضر من خلال مقارنة بين منشور المنصور واغتيال الطاهر الحداد الاجتماعي، لتثبت استمرار آليات الوصاية عبر القرون. كما تتوقف عند الاستقبال الغربي للرشدية، محللةً تأثير ابن رشد في الديمقراطية والمساواة وحقوق المرأة، وهو الجانب الذي غالبا ما يتم تغيبه في القراءات المحلية. لتختم الدراسة بتأملات حول راهنية الرشدية في أفق الكونية، مؤكدة أن الإرث الرشدوي الحقيقي هو منهج مفتوح للتحرر من الأوهام، وانتصار لسيادة العقل كشرط لا غنى عنه لأي نهضة مستقبلية.

إنها، في النهاية، دعوة لقراءة "مائية" لابن رشد؛ قراءة لا تغرق في تفاصيل التاريخ الجاف، ولا تطير في تجريدات الميتافيزيقا البعيدة، بل تجري كنهر معرفي يربط بين المنبع الأندلسي والمصب الكوني، لعلنا نستعيد من خلال هذه الامكانية ل"الرشدية المغايرة" ثقتنا بأن الفلسفة ليست رفاهية، بل هي ماء الحياة، ومن منعها عن قوم كمن منع عطشان عن شرب الماء.

المحور الأول: تجربة الالتزام عند ابن رشد

تُعد تجربة ابن رشد نموذجا لـ "تجربة الالتزام"؛ فالتفكير عنده ليس تأملا مجردا، بل هو فعل مسؤول يهدف إلى تحرير المجتمع من الوصاية والاضطهاد والتمويه. ابن رشد لم يكن مجرد شارح للنصوص فقط، بل كان مفكرا ملتزما بقضايا عصره، يرى أن الفلسفة مشروع من أجل النّاس لا ضدهم، مما جعل استقلاليته في الرأي سببا في مواجهته لسلطة العوام والساسة.

فالفلسفة، في هذا السياق الرشدي، التزام وجودي واجب وهو ما يبرز من خلال قول ابن رشد في فصل المقال: "فإن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع، لأن معناه عند الشرع هو النظر في الموجودات واعتبارها من حيث هي دالة على الصانع. هذا التعريف يحول الفلسفة فعلا ضروريا و نشاطا أساسيا، فهي "واجب شرعي" ومسؤولية وجودية.

هذا القول الفلسفي الواجب بالشرع يعبّر عن الاستقلالية وله ثمنه: ابن رشد دفع ثمنا باهظا لاستقلاليته الفكرية. فقد تم نفيه وحرق كتبه، ليس لأنه هاجم الدين، بل لأنه دافع عن حق العقل في النظر الحر. هذا هو جوهر الالتزام: أن تدافع عن المبدأ حتى لو كلفك ذلك التضحية بكل شئ.

وعليه، لم يكن ابن رشد فيلسوفا في برج عاجي. لقد كان قاضيا وطبيبا وفيلسوفا، أي أنه عاش في قلب الواقع السياسي والاجتماعي. التزامه لم يكن خطابيا بل وجوديا، مارسه في كل أدواره. ليس الفيلسوف هنا مفارقا لعالم الناس متعاليا عن واقعهم وما يجول في خاطرهم ويعتمل في عقولهم من اسئلة واحراجات بل مهموم بهمومهم وهو ما يبرر هذه "الغرضانية" الفلسفية القائمة بالجوهر على "البيان والتبيين" لذلك يعتبر ابن رشد ان غرضه من الكتابة هو أن يبين أن الفلسفة ليست مخالفة للشريعة، بل هي صديقتها وأختها الرضيعة

اذن، الغرضانية الفلسفية الرشدية في خدمة النّاس عبر خدمة الحقيقة، لا في خدمة السلطة أو التقاليد. هذا ما جعله يرفض التلفيق او التوفيق السطحي بين الدين والفلسفة، ويدعو إلى فهم يقوم على التأويل بالعودة إلى الأصل تأسيسا لقول فلسفي مغاير. هذا المحور الأول يؤسس لفهم الالتزام عند ابن رشد كـ "مشروع وجودي" واجب بالشرع وليس كموقف عابر.

المحور الثاني: الرشدية وعصر الأنوار

ثمة خيط رفيع يربط بين الرشدية وعصر الأنوار الأوروبي: فالرشدية اتسمت بالعقلانية والنهج البرهاني المستند إلى التجربة الطبيعية ورفض الوثوقية، بينما قام عصر الأنوار على مفهوم "النور الطبيعي" (العقل) والاستقلالية عن كل أشكال الوصاية. يمثل هذا التقاطع امتحانا لحرية التفكير في مواجهة الظلامية، حيث مهدت الرشدية الطريق للعقلانية الحديثة التي تجلت لاحقا في فكر فولتير وروسو.

ان الرشدية اللاتينية هي جسر معرفي نحو الأنوار اي انها ليست مجرد فصل من فصول تاريخ الفلسفة الوسيطة او تاريخ الفلسفة عامة، بل كانت قوة فكرية أربكت السلطة الدينية وفتحت الطريق أمام العقل النقدي في صيغته الحديثة.

ههنا يمكن ان نلحظ علاقة ما بين فولتير والرشدية من خلال نقد التعصب باسم العقل، فإذا كان فولتير قد حارب التعصب الديني باسم العقل، فإنه يواصل المعركة التي بدأها ابن رشد قبله بستة قرون. كلاهما آمن بأن الحرية الفكرية شرط لا غنى عنه للتقدم الإنساني وان العلاج لداء التعصب هو العقل والتفكير والنظر الفكري.

هذا المحور يؤكد أن الرشدية لم تكن "مرحلة وسيطة" منسية، بل كانت مختبرا فكريا اختُبرت فيه قيم العقلانية والنقد والواقع الخ....

المحور الثالث: النكبة والتكفير

تكشف الوثائق التاريخية عن وجهين لنكبة ابن رشد: فالمنشور الرسمي (يعقوب المنصور) استعمل لغة دينية حادة (إلحاد، أوهام، سموم) لتكفير ابن رشد وإحراق كتبه، معتبرا فكره "هدما للشريعة". بينما تكشف الرواية التاريخية (المراكشي) عن أسباب "خفية" للنكبة، تتعلق بدسائس الحاشية والمنافسات السياسية، مما يثبت أن التكفير غالبا ما يكون غطاء لصراعات السلطة.

التكفير ليس حكما لاهوتيا بريئا، بل هو ممارسة للسلطة التي تهدف إلى استبعاد المنافس من حقل الإنتاج الثقافي، عبر وصمه بـالانحراف لتبرير إقصائه ماديا ورمزيا فاتهام المنصور لابن رشد بـالإلحاد لم يكن نتيجة قراءة دقيقة لنصوصه، بل كان أداة سياسية لتصفية خصم فكري أصبح ثقله المعرفي يهدد هيمنة الفقهاء المقربين من السلطة.

ويوثق عبد الواحد المراكشي في المعجب في تلخيص أخبار المغرب البعد السياسي للنكبة: "وكان سبب نكبة ابن رشد أن ملك البربر –يعني الموحدين– كان يحسده على مكانته عند الخليفة، فأوحى إليه أن في كتب ابن رشد ما يفسد عقائد الناس... فكان ذلك سببا في إحراق كتبه ونفيه"

"النكبة الرشدية" لم تكن حادثة عابرة، بل كانت تعبيرا عن تناقضات تشق الفلسفي والسياسي والديني بل يمكن القول انه عندما أحرق المنصور كتب ابن رشد، كان يحاول محو بديل معرفي ينافس الخطاب الفقهي المهيمن. هذه النكبة او مأساة ابن رشد تتكرر عبر التاريخ ذلك ان كل مفكر يمكن ان يهدد السلطة وهو ما تجلى مثلا مع الطاهر الحداد من خلال الاغتيال الاجتماعي وغيره من المفكرين.

المحور الخامس: التوفيق بين الحكمة والشريعة

في كتابه "فصل المقال"، يضع ابن رشد القاعدة الذهبية: "الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له". وبذلك يمكن القول أن التناقض الظاهري بين الفلسفة والدين ناتج عن رأي مبتدع في الشريعة (تأويل خاطئ) أو خطأ في فهم الحكمة. والحل يكمن في "فصل المقال" الذي يثبت مطابقة أصول الشريعة لنتائج العقل البرهاني.

حجر الزاوية في المنهجية الرشدية هو انه لا تناقض بين الفلسفة والدين كما يروج البعض من العامة او السياسيين، فالكون (كتاب الله المنظور) والقرآن (كتاب الله المسطور) صادران عن مصدر واحد، وبالتالي لا يمكن أن يتناقضا في جوهرهما بل لا سبيل الى الله دون تدبر ومعرفة ونظر وعقل للكون او كتاب الله المنظور. اذن، مصدر التضارب هو الخطأ البشري لا الخطأ الإلهي. وبذلك يتم نقل مشكلة التضارب من مستوى النص إلى مستوى القارئ. التضارب لا يوجد في الشريعة ولا في الحكمة، بل ينتج عن قصور في التأويل أو خلل في البرهان، وكلاهما فعل بشري قابل للخطأ. لكن هناك شروط التأويل حتّى لا يكون بابا مفتوحا للفوضى، فالتاويل ليس بابا مفتوحا على مصراعيه فهو واجب على من يمتلك أدوات البرهان (الفلاسفة والعلماء)

المحور السادس: من الخليفة المنصور ومنشوره إلى الطاهر الحداد واغتياله الاجتماعي: استمرار الوصاية والتكفير

عبر ثمانية قرون (من 1199م إلى 1934م)، نجد أن آليات القمع الفكري بقيت متشابهة: فابن رشد عوقب بالإبعاد وإحراق الكتب بتهمة الزندقة، بينما واجه الطاهر الحداد ما أسماه "القتل الاجتماعي" (التكفير، العزل، الطعن في العرض) بسبب كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع". كلاهما أكد أن "التفكير ليس جريمة"، وأن الخروج من الدين قرار فردي لا تملكه المؤسسات، محذرين من تحويل الاختلاف الفكري إلى "فتنة" اجتماعية.

لكن رغم سياسة الحرق والغزل فان ابن رشد والحداد أصرّا على الالتزام بقول الحقيقة دفاعا عن الحياة، ذلك انه "من منع الفلسفة عن قوم كمن منع عطشان عن شرب الماء" كما قال ابن رشد. وكذلك من منع المرأة من حقها كمن منع نصف المجتمع من الحياة اذا استأنسنا بروح الحداد التحررية المضادة للتعصّب والظلاميّة. هنا، ابن رشد والطاهر الحداد يعبران عن نفس الروح التحررية، نفس المعركة ضد التعصّب والاغتيال والحرق الخ...

ننتهي، إذن، إلى أن الدرس التاريخي هو أن التحرر يبدأ بكسر حاجز الخوف؛ فابن رشد كسر تابو قداسة التأويل السائد، والحداد كسر تابو قداسة الأدوار الجندرية. كلاهما علّم النّاس أن الحرية تبدأ حين نتوقف عن الخوف من التفكير

المحور السابع: في الاستقبال الغربي للرشدية

ان مشروع تجربة الالتزام من خلال محنة ابن رشد يمكن ان تقرا في اطار نقلة فكرية من "التنوير" العربي إلى الأنوار الفرنسية وهو ما يتجلّى في الاستقبال الغربي لابن رشد: كيف رأى الغرب من خلال ليون غوتيي فلسفة ابن رشد؟ وكيف اثر ابن رشد في الغرب وحداثته؟

إن أطروحة ليون جوتيه تقوم على اعتبار ابن رشد فيلسوف التوفيق بين الحكمة والشريعة

Traité Décisif (Façl el-maqâl) sur l'Accord de la Religion et de la Philosophie suivie de l'Appendice (Dhamina) (GAUTHIER, Léon)

على العكس من ذلك ذهب الاستاذ الجامعي عبد المجيد الغنوشي في دراسة له بعنوان: "التمييز بين الخطاب الفلسفي والخطاب الشرعي عند أبي الوليد بن رشد": ففصل المقال ليست القول الفصل اي الحاسم والاتصال لا تعني التوفيق والانسجام بل الصلة والنسبة، لذلك فالعنوان يعني التمييز بينهما لا التوفيق بينهما، أي التمييز بين الخطاب الشرعي والخطاب الفلسفي مع إثبات ما بينهما من صلة ونسبة ورابطة

وفي هذا السياق النقدي تتنزل قولة ابن رشد الشهيرة الواردة في كتاب الحس والمحسوس والتي رددتها أوروبا اللاتينية أيام نهضتها مشيدة بابن رشد وبعبقريته «يا قوم، لا أقول إن حكمتكم الإلاهية هذه باطلة، ولكني أقول إني إنسان أعلم علما إنسانيا»

هنا يمكن معاينة تاثير ابن رشد، ففي هذا السياق يسال اوغيست كونت ما سبب الثورة الفرنسية؟ حسب اوغيست كونت الذي رفض احتلال الفرنسي للجزائر ودافع عن استقلال الجزائر: الثورة بدأت فعلا يوم اقتحمت العقلانية العربية أوربا في القرن الثاني عشر مع بدايات الحروب الفرنسية، كما ذهب الى ذلك الاستاذ حمادي بن جاء بالله في بعض حواراته.

كما يمطم معاينة الديمقراطية في فلسفة ابن رشد كما ذهب الى ذلك الاستاذ حمادي بن جاء بالله: روسو يقول عن الديمقراطية تصلح لحكم الملائكة و يفضل الارستقراطية الكفْئة اي حكم رجال الحرفة والصناعة . ههنا يمكن ان نعاين ايضا انه منذ ارسطو وافلاطون والفارابي حتى روسو الكل يلعنون الديمقراطية يسمونها المدينة الجماعية الا ابن رشد، ابن رشد في كتابه الضروري في السياسة، الوحيد الذي تحدث فيه عنه عن افلاطون، دافع عن الديمقراطية واعتبرها حكم الأحرار وان رئيس المدينة الحرة سيد الاحرار ورئيس المدينة الظالمة هو عبد عبيده. ان الديمقراطية لا تذم مع ابن رشد، رغم انها ذمت ورفضت من هيردوت حتى روسو الذي يعتبر فيلسوف من فلاسفة الانوار والحداثة الغربية

كما يمكن ايضا ان نعاين المساواة في فلسفة ابن رشد: هذا النظام الديمقراطي يتطلب المساواة بين الجمع بما في ذالك الرجل والمراة، ففي كتاب الضروري في السياسة يقول في "هل يقتصر دور النساء على الانجاب؟ ان النساء من جهة انهن والرجال نوع واحد فانهن بالضرورة يشتركن في الاعمال الانسانية كلها فهن فيلسوفات وحاكمات وقائدات ومحاربات". اذن هناك اقرار للمساواة بين الرجل والمراة في فكر ابن رشد التحرري وفي تجربته في الالتزام بالدفاع عن الحقيقة

كما يمكن ان نعيان ايضا طبيعة العلاقة مع الآخر المختلف وخاصة من خلال ارساء مبدا ان""النظر كتب في القدماء واجب بالشرع". يقول ابن رشد في فصل المقال:"ينبغي أن نضرب بأيدينا في كتب القدماء بل ان طلب الحكمة واجبة بالشرع حتى لو كانت عند الآخر المختلف او ما يخالفنا في الملّة " ويقول ايضا "فإنه يجب علينا أن ...يستعين في ذلك المتأخر بالمتقدم، حتى تكمل المعرفة به. فإنه عسير أو غير ممكن أن يقف واحد من الناس، من تلقائه وابتدائه، على جميع ما يحتاج إليه" ويقول ايضا: " إن كان غيرنا قد فحص عن ذلك فبيّن انه يجب علينا ان نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدّمنا في ذلك، وسواء كان ذلك الغير مشارك لنا أو غير مشارك في الملة"

المحور الثامن: خاتمة - راهنية الرشدية في أفق الكونية

إن استحضار ابن رشد في مئويته التاسعة ليس مجرد استعادة لذكرى تاريخية، بل هو استدعاء لـ "روح نقدية" لا تزال تشرق في سماء الفكر الإنساني. ربّما تكمن أهمية الرشدية اليوم في ثلاثة أبعاد أساسية: العقلانية كجسر للتواصل، والتسامح القائم على البرهان، والمثقف الملتزم. إن الرشدية اليوم هي دعوة صريحة للتحرر من "الأوهام" والوثوقية، وللتأكيد على أن مستقبل المجتمعات رهين بمدى قدرتها على حماية حرية التفكير والانتصار لسيادة العقل.

الرشدية رمزية من رمزيات تجارب الالتزام التي اثّرت في المشرق والمغرب رغم المنقى . ابن رشد عاش المنفى مرتين: نفيه المادي إلى مراكش، ونفيه الرمزي عبر حرق كتبه. لكن أفكاره هاجرت إلى أوروبا لتصبح وقود نهضتها أو حداثتها.

الرشدية كـ "مشروع مفتوح:

راهنية الرشدية اليوم ليست في تطبيق نصوصه واجترارها، بل في استلهام روحها النقدية لمواجهة تحديات عصرنا: التعصب الرقمي، الاستبداد التقني، أزمة المعنى وهو ما يمكن ان يجعل من ابن رشد ليس فيلسوف الماضي، بل فيلسوف المستقبل.

بهذه المحاور نكون قد قدّمنا قراءة "مائية" لابن رشد: لا تغرق في التفاصيل التاريخية، ولا تطير في التجريدات الميتافيزيقية، بل تجري كـ "نهر معرفي" يربط بين المنبع الأندلسي والمصب الكوني. ربما يمكن القول ان الرشدية اليوم ليست تراثا يُحفظ، بل منهجا يُمارس:

عقلانية نقدية ضد الوثوقية.

تأويل منضبط ضد الفوضى التأويلية.

التزام إنساني ضد الانعزال النخبوي.

كونية منفتحة ضد الانغلاق الهوياتي.

كما قال ابن رشد في ختام فصل المقال: "والله الموفق للصواب"، لكن هذا "التوفيق" الإلهي لا يلغي مسؤولية البشر في البحث عن الحقيقة، بل يفرضها كواجب وجودي.

الدرس النهائي — إن كان للدرس الرشدي أن ينتهي — هو أنه لا حداثة دون عقل، ولا عقل دون حرية، ولا حرية دون شجاعة التفكير. هذا هو إرث ابن رشد: أن نكون "فلاسفة حياتنا" لا مجرد شُرّاح لنصوص الآخرين، وإن كان الشرح ضروريا للتعلم، وربما وسيلة لتمرير رؤى فلسفية عميقة.

***

أحمد الكافي يوسفي - باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة

 

في فضاء الفكر العربي المعاصر، يظل القرآن نصًا مركزيًا، ليس فقط في بعده الديني، بل بوصفه مادة للجدل والتأمل والفكر النقدي. ويبرز في هذا المقام اسم أدونيس كرمز للجرأة النقدية والابتكار الشعري، غير أن قراءته للقرآن تكشف، في العمق، عن مأزق مزدوج، محاولة نقد الانغلاق من جهة، واختزال النص في سردية جامدة من جهة أخرى. هذه الثنائية تكشف عن أزمة الحداثة العربية في علاقتها بالنصوص المقدسة، حيث يتحول النقد إلى شكل آخر من الانغلاق، والجرأة إلى انعزالية تختزل تاريخًا غنيًا من الاجتهادات الفكرية في صورة ضيقة. إن المشكلة ليست مجرد موقف شخصي أو اجتهاد فردي، بل انعكاس لصراع أكبر بين الاجتهاد والتبسيط، بين حرية الفكر وضغوط الإيديولوجيا، بين التاريخ والحداثة.

حين يصف أدونيس القرآن بأنه "رهين للسجون الفقهية" ويضعه في خانة النصوص الجامدة، فهو يتجاهل ما أفرزته الثقافة الإسلامية عبر قرون من جدلية عقلية ونسق متكامل من الاجتهاد والتأويل. فالقرآن لم يكن يومًا نصًا يُستسلم له بلا نقد، بل كان دائمًا متنفسًا للفكر، أداة للمجادلة العقلية، وساحة للتأمل الفلسفي والكلامي والصوفي. إن اختزاله في سردية أحادية لا يقدّم خدمة للتاريخ ولا للحاضر، بل يحجب عن المتلقي تنوع القراءات وإمكانات الاجتهاد التي جسدت العقلانية الإسلامية، كما يظهر في اجتهادات فلاسفة مثل ابن سينا، والرازي، وابن رشد، وابن طفيل، والكندي، والسهروردي، وغيرهم كثير، من الذين سعوا إلى التوفيق بين العقل والوحي، بين التجربة الفلسفية والالتزام الديني، مبدعين جسورًا بين المحلي والكوني، بين التأصيل والنقد، بحيث يظل النص مجالًا حيًا للفهم وليس مجرد مرجع ثابت أو أداة سيطرة.

يمكن استلهام نظر عميق في هذا الشأن من ميشيل فوكو، الذي يرى أن النصوص ليست محايدة، بل هي ميدان للصراع بين المعرفة والسلطة، وأن أي اختزال للنصوص في صورة جامدة هو نوع من الهيمنة الرمزية، يخفي التنوع الداخلي ويغفل الصراعات الفكرية التي أفرزتها الثقافة. فالنصوص الكبرى، وفق فوكو، لا تنفصل عن التاريخ ولا عن الحركات الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها، ولا عن علاقات القوة التي تحدد من يقرأ ومن يُقرأ، ومن يفسر ومن يُفسر. وعليه، فإن اختزال القرآن في سردية أحادية يحجب هذه الدينامية، ويحوّل النص من أفق مفتوح للتفكير إلى أداة لإعادة إنتاج الانغلاق الذي يزعم النقد ضده.

من جهة أخرى، يظهر دور جاك دريدا في توسيع الأفق التأويلي، من خلال فكرة التفكيك، التي تسمح للنص بأن يبقى مفتوحًا على قراءات لا نهائية. فالتفكيك يكشف أن النصوص الكبرى لا تُستنفد في قراءة واحدة، وأن أي ادعاء بالإحاطة الشاملة بالمعنى هو وهم معرفي. بهذا المعنى، يمكن اعتبار ما يقدمه أدونيس من اختزال للنص في سردية جامدة ضربًا من التجاهل للفرص التأويلية التي يوفرها القرآن، والتي تمثل إمكانات فكرية غنية يمكن للحداثة العربية أن تنطلق منها.

وإذا انتقلنا إلى يورغن هابرماس، نجد دعوة واضحة لفضاء تداولي، وهو أن النقد مشروع حين يكون جزءًا من حوار مستمر، لا مجرد إعلان موقف أو تأكيد أحادية الرؤية. فهابرماس يعلّمنا أن المعنى يتكون في التفاعل بين العقلاء، وأن النصوص تصبح حيّة حين تُعرض على النقد العقلاني والتداول الفكري، لا حين تُحاصر في صورة جامدة أو اختزال أحادي. وعليه، فإن موقف أدونيس، الذي يعلن رفض الانغلاق بينما يغفل الاجتهادات السابقة، يقع في نوع آخر من الانغلاق الفكري، إذ يمنع المتلقي من إعادة اكتشاف النص في ضوء إمكانات العقل.

هذه الأزمة تكشف مأزق الحداثة العربية نفسها، في السعي إلى التحرر الفكري وإعادة بناء التجربة الثقافية في ظل إرث ضخم ومعقد من الاجتهادات، حيث التحدي هو عدم الانزلاق إلى التجاهل أو التقديس الأعمى للتراث. فالتراث العربي الإسلامي، في اجتهاداته المتعددة، أتاح تجارب عقلية متنوعة، من الفلسفة إلى الكلام إلى الصوفية، كل منها يسهم في إبراز النص بوصفه أفقًا حيًا للفكر. وعليه، فإن قراءة القرآن بوصفه نصًا جامدًا تغلق عليه إمكانات الفهم والتأويل، وتغفل النقاشات العقلية التي أفرزها التراث.

الرهان على إعادة فتح القرآن يغدو كنص حي، ليس فقط كقضية دينية، بل كمسألة فلسفية ثقافية، تتيح للحداثة العربية أن تستعيد توازنها بين العقل والنص، بين التراث والابتكار، بين الاجتهاد والنقد. فالقرآن يمكن أن يكون أداة لفهم الإنسان في سياقه الاجتماعي والثقافي، لكنه يمكن أيضًا أن يصبح أرضًا للإبداع الفكري إذا ما أُعيد النظر فيه عبر فضاءات حوارية نقدية، تتيح للتراث أن يتفاعل مع أسئلة الحاضر والتحديات المعرفية الجديدة.

وعند النظر إلى التاريخ، نجد أن التوتر بين النص وتأويلاته لم يكن يومًا عيبًا في الثقافة الإسلامية، بل كان مصدر حيويتها. فقد شهدت هذه الثقافة صراعات فكرية عميقة حول طبيعة النص وحدود العقل، من ابن رشد وابن سينا إلى الغزالي وابن طفيل، وهي صراعات أفرزت نقاشات ثرية حول العلاقة بين العقل والوحي، بين الحداثة والتقليد، بين المحلي والكوني. وهذا التنوع هو ما يجعل القرآن أفقًا متجدّدًا، وليس مجرد نص جامد أو أداة لإعادة إنتاج الانغلاق الذي يُزعم نقده.

إن مأزق خطاب أدونيس يكمن في أنه، وهو يهاجم الانغلاق، يقف في مواجهة الاجتهادات العقلية والتأويلية السابقة، فيسقط في نوع آخر من الانغلاق (الانغلاق على منظور أحادي يهمّش تاريخًا كاملًا من الجدل الفلسفي والتأويلي)، إذ يصبح النقد الذكي مسؤولية، لا يكفي رفض الماضي أو الإيديولوجيا، بل يجب إعادة فتح النص إلى إمكانات التفكير المتجددة، بحيث يكون القرآن أفقًا للحوار، ووسيلة لإعادة تأسيس الفهم في زمن يتطلب قدرة على التجاوب مع التغيرات المعرفية والاجتماعية.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن القرآن ليس مجرد نص جامد أو وثيقة تاريخية، بل فضاء حيّ للتجربة الفكرية، يتيح للإنسان إعادة اكتشاف نفسه من خلاله، كما يتيح للحداثة العربية فرصة لإعادة بناء جسور بين التراث والفكر النقدي، بين العقل والتاريخ، بين الدين والثقافة. فالرهان لا يكمن في قطيعة أو تقديس، بل في الانفتاح على إمكانات التأويل المستمرة، على الجدلية بين الاجتهاد والنقد، على الحرية الفكرية المرتبطة بالمسؤولية الأخلاقية، وعلى قدرة النص على التفاعل مع أسئلة الإنسان في كل زمن ومكان.

وبهذه الطريقة، يتحول القرآن من مجرد نص تاريخي إلى أفق مستمر للمعرفة، ومن أداة للهيمنة الرمزية إلى فضاء للإبداع الفكري، ومن سلعة للخطاب الإيديولوجي إلى حقل حيّ للتفكير النقدي المستمر. إن إعادة اكتشاف النص من هذا المنظور ليست مجرد تمرين فكري، بل ضرورة استراتيجية لإعادة تأهيل العقل العربي في مواجهة التحديات المعرفية والثقافية الحديثة، وإطلاق إمكاناته في بناء فهم موسع، قادر على الجمع بين التراث والحداثة، بين الاجتهاد والفلسفة، بين العقل والوحي.

وفي هذا السياق، يصبح النقد الرؤيوي، بعيدًا عن التجني أو الاختزال، أداة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والنص، بين الفكر والدين، بين الحداثة والتراث، بحيث يمكن للتراث أن يظل حيًا، والنص أن يظل مفتوحًا، والعقل أن يظل متفاعلًا. فالقرآن، كما يُظهر التاريخ والفلاسفة الحداثيون، ليس مجرد نص للقراءة السطحية، بل مجال للفكر النقدي، وساحة للحوار المستمر، وفضاء لإعادة تأسيس الثقافة العربية الإسلامية في أفق عالمي متجدد.

وبذلك يصبح النقد الحقيقي مسؤولية معرفية، حيث لا يكتفي بتحديد الانغلاق، بل يسعى لخلق فضاء للتفاعل بين النص والعقل، بين الماضي والحاضر، بين الإنسان والتاريخ. وعندما يتحقق هذا التوازن، يتحول القرآن من إرث جامد إلى تجربة معرفية حية، قادرة على إثراء الفكر العربي المعاصر، وتجديد إمكانياته في مواجهة تحديات العصر، سواء كانت معرفية، ثقافية، فلسفية، أو اجتماعية. إنه بذلك يتحول إلى نص حيّ، متنفس للفكر، أداة لإعادة اكتشاف الإنسان في ضوء إمكانات الاجتهاد والنقد، ومفتاح لفهم أعمق للتاريخ والحضارة والحداثة في آن واحد.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

نحو تأسيس عقل أخلاقي ائتماني

إن الفكر الإنساني لم يتوقف عن البحث عن أفق يضبط العلاقة بين العقل والوجود، بين النظرية والتطبيق وبين ما هو ممكن وما هو واجب. وفي هذا السياق يبرز طه عبد الرحمن كواحد من أبرز المفكرين الذين حاولوا إعادة ترتيب العقلية الإسلامية في ضوء الرهان الأخلاقي والائتماني بعيدا عن النزوع إلى التجريد الفلسفي الخالص الذي غيب القيمية والالتزام الأخلاقي عن صيرورة المعرفة. العقل عند طه عبد الرحمن ليس آلة تحليلية باردة ولا منظومة من القوانين الصرفة بل هو خطاب حي يرتبط بالوجود الإنساني وضرورة العيش في إطار مسؤولية.

تتضح أهمية مشروعه من خلال تصديه للنزعة الحداثية الغربية التي رفعت شعار العقل المجرد كمعيار مطلق للمعرفة فتجاهلت البُعد الأخلاقي والروحي للإنسان. فالحداثة الفلسفية منذ ديكارت وهيوم كانت ترى في العقل أداة للتحقق من الواقع دون التوقف عند سؤال القيمة، ولم تدرك أن الإنسان كائن يختبر العالم وليس مجرد مراقب له. وبذلك كان من الطبيعي أن يتعرض العقل المجرد عند عبد الرحمن للنقد ليس لأنه ينكر العقل بل لأنه يحد من قدرة العقل على التواصل مع المعنى والغاية والالتزام الأخلاقي.

إن النقد الذي يقدمه طه عبد الرحمن للعقل المجرد يستند إلى رؤية تقول بأن المعرفة بلا التزام أخلاقي تظل ناقصة وأن العقل الذي يبتعد عن الروح والضمير يفقد قدرته على توجيه الفعل. وهنا يلتقي فكره مع تأملات الفلاسفة الكلاسيكيين، فمن أفلاطون إلى أرسطو كان العقل مرتبطا بالفضيلة؛ ومن ابن سينا إلى الغزالي وجد العقل طريقه في إطار الشرع والأخلاق. كما تتقاطع رؤيته مع ملاحظات الفلاسفة المعاصرين الذين رأوا أن العقل مجرد أداة تحليلية لا تكفي لفهم الإنسان ككائن قيم.

في قلب مشروع عبد الرحمن يكمن تأسيس عقل أخلاقي ائتماني يقوم على إدراك الإنسان لواجبه أمام الله وأمام المجتمع وعلاقته بما حوله من كيانات طبيعية واجتماعية. هذا العقل يرفض الفصل الصارم بين النظرية والتطبيق، بين الفكر والعمل، بين الفكر والضمير، ويؤكد على وحدة المعرفة والعمل، ويعيد للضمير مكانه المركزي في الحياة الإنسانية. العقل هنا ليس مجرد أداة تفكير بل هو مرشد للفعل ومصدر للالتزام ومعيار للتمييز بين الصواب والخطأ وبين المشروع وغير المشروع.

كما أن مشروعه النقدي يعيد الاعتبار للغة بوصفها وعاء الفكر ومصدر التعبير عن العقل الأخلاقي، فاللغة ليست مجرد رموز جامدة بل هي مرآة لوعي الإنسان ومصدر للارتباط بالقيم والمعاني. ومن هذا المنطلق نجد أن العقل عند عبد الرحمن يتشكل في حقل اللغة ويستمد قوته من القدرة على التعبير الأخلاقي والوعي بالقيم. الفكر لا يمكن أن يتحقق إلا إذا ارتبط بالمعنى، والمعنى لا يمكن أن يتجسد إلا إذا ارتبط بالالتزام الأخلاقي والالتزام الأخلاقي لا يتحقق إلا إذا أفضى العقل إلى عمل واعٍ مسؤول.

إن هذا المشروع يمثل تصحيحا لمسار العقلية الإسلامية المعاصرة، إذ يدعو إلى رفض النزوع نحو التجريد النظري البحت الذي أبعد الإنسان عن ذاته وأقصى الضمير والأخلاق عن دائرة المعرفة. إن النقد الذي يقدمه طه عبد الرحمن ليس هدما بل هو بناء، ليس رفضا للعقل بل هو إعادة له إلى موقعه الطبيعي بوصفه عقلا حيا يربط بين المعرفة والوجود، بين النظرية والفعل وبين الفكر والضمير.

إذًا ينهض المشروع ليس كمجرد نقد فلسفي بل دعوة لإعادة تأسيس عقلية ثقافية متماسكة، عقلية تدرك أن المعرفة ليست غاية في ذاتها بل كوسيلة للعيش في إطار مسؤولية ووفاء للالتزام الأخلاقي. وهذا الفهم يتقاطع مع الموروث الفلسفي والفقهي الإسلامي الذي اعتبر العقل ضابطا للمعرفة ومعيارا للتمييز بين الحق والباطل وأداة لتقويم الفعل البشري بما ينسجم مع الغاية الكبرى للوجود، أي تحقيق الخير والعدل والمصلحة.

إن طه عبد الرحمن بهذا الرهان يقدم نموذجا للعقل الذي لا ينفصل عن الحياة ولا عن القيم ولا عن الإيمان. إنه عقل يبحث عن المعنى في داخل الإنسان وفي علاقته بالآخرين، عقل يستعيد دوره كمرشد للفعل الأخلاقي كحامل للالتزام وكآلية للتفاعل البنّاء مع الواقع. ومن هذا المنطلق ينهض النقد الذي يقدمه للعقل المجرد حجر الزاوية لفهم العقلية الإسلامية المعاصرة ويشكل خطوة ضرورية في مسار إعادة صياغة الفكر العربي والإسلامي في ضوء تحديات الحداثة بحيث يكون العقل في خدمة الإنسان والوجود والقيم، وليس مجرد أداة تحليلية باردة.

بناءً على هذا التصور، يغدو المشروع الفكري لعبد الرحمن أكثر من مجرد نقد فلسفي، إنه رؤية شاملة تعيد للعقل موقعه الطبيعي وتضعه في قلب التجربة الإنسانية بوصفه وسيلة لإدراك المعنى ومصدرا للفعل الأخلاقي وأداة للالتزام القيمي وفعلا يربط بين المعرفة والوجود والغاية. إنه العقل الأخلاقي الائتماني الذي يفتح أمام الإنسان آفاقا جديدة للفكر والعمل، ويعيد الاعتبار للضمير واللغة والقيم بوصفها عناصر أساسية في بناء المعرفة الحقيقية والفعل المسؤول.

طه عبد الرحمن يمثل واحدا من أعمدة الفلسفة والفكر الإسلامي المعاصر الذي أراد للعقل أن يعود إلى جذوره الأخلاقية والإيمانية بعيدا عن نزعة التجريد والتحليل الخالص التي سيطرت على الفكر الغربي منذ عصر التنوير وما بعده. هو المفكر الذي قرر أن يضع العقل في إطار الالتزام وأن يعيد له دوره كمرشد للفعل الإنساني ومسؤول عن صياغة الوعي بالقيم والمعاني لا كآلة للتقويم النظري البارد. هذا المشروع يعكس إيمانا عميقا بأن الإنسان كائن يختبر العالم ولا يكتفي بملاحظته وأن المعرفة لا تتحقق إلا إذا ارتبطت بالمعنى وبالفعل الأخلاقي وأن العقل بلا ضمير بلا قيمة.

نقد العقل المجرد عند عبد الرحمن لا يقوم على رفض العقل أو إنكار قدراته بل على رفض اختزاله إلى مجرد أدوات تحليلية ومعايير للتأكد التجريبي أو المنطقي فقط. فهو يرى أن النزعة الغربية نحو التجريد، بدءا من ديكارت الذي جعل التفكير جوهر الوجود، مرورا بكانط الذي حصر المعرفة في حدود الإدراك العقلي المستقل عن الفعل، ووصولاً إلى هيوم ولودفيغ فيتجنشتاين في بعض قراءاته المبكرة قد غفلت عن الجانب الأخلاقي والالتزام بالقيم في تكوين المعرفة. العقل في هذه الرؤية الغربية أصبح غائبا عن الحياة الواقعية وتاهت قدرته على الربط بين النظرية والتطبيق، بين الفكر والضمير وبين الإدراك والعمل.

يمكن رؤية امتداد هذا النقد في التراث الإسلامي الذي لم يفصل العقل عن الأخلاق. من أفلاطون الذي رأى الفضيلة جزءا من المعرفة إلى أرسطو الذي ربط الفضيلة بالعمل العملي، إلى ابن سينا والغزالي الذين دمجوا بين المعرفة العقلية والشريعة، نجد أن العقل عندهم ليس مجرد أداة للتفكير المجرد بل هو مرشد للفعل وأداة للتمييز بين الصواب والخطأ وبين ما يتوافق مع الخير العام وما يخالفه. عبد الرحمن يستحضر هذا الإرث ويعيد تأكيده في سياق معاصر في عصر غلب فيه النزوع إلى الحداثة الغربية وصرامة العقلانية المجردة بما ينذر بفقدان البعد الإنساني والأخلاقي للمعرفة.

العقل الأخلاقي الإيماني الذي يقترحه طه عبد الرحمن ليس مفهوما مجردا بل هو مشروع حضاري وفكري يربط بين الإنسان وواجبه تجاه ذاته وتجاه العالم. هو عقل يجعل الضمير محورا للمعرفة ويعيد للغة دورها المركزي كمرآة للوعي ومصدر للالتزام الأخلاقي. فاللغة ليست مجرد أدوات رمزية جامدة بل وعاء للتجربة الإنسانية وقناة لتجسيد المعنى، والمعنى لا يتحقق إلا إذا ارتبط بالالتزام الأخلاقي، والالتزام الأخلاقي لا يتحقق إلا إذا أفضى العقل إلى الفعل المسؤول.

ضمن هذا الإطار يصبح نقد العقل المجرد إعادة لصياغة مفهوم العقل نفسه. فهو يرفض الفصل الصارم بين النظرية والتطبيق، بين المعرفة والعمل، بين الفكر والضمير ويؤكد على وحدة الإنسان في تكامله بين الإدراك والالتزام، بين الفكر والفعل وبين الوعي بالقيم والعيش وفقها. إن العقل عند عبد الرحمن يصبح بذلك منظومة متكاملة تحركها القيم والغايات وليس مجرد آلات تفكير باردة.

هذا المشروع يتقاطع مع رؤى فلسفية أخرى حتى في الفكر الغربي المعاصر، إذ نجد هانز جورج غادامر يشدد على أن الفهم الإنساني لا يكتفي بالتحليل النظري بل يحتاج إلى الأفق التاريخي والقيمي الذي يضبط سياق المعرفة. كذلك يظهر تشارلز تايلور في نقده للعقلانية المجردة مشيرا إلى أن الإنسان ليس مجرد كائن يحلل الواقع بل كائن يعي معاني الفعل ويعيش في إطار القيم وأن أي فصل بين العقل والفعل يؤدي إلى تشويه التجربة الإنسانية.

في العمق يقدم عبد الرحمن نموذجا للعقل يقوم على التوازن بين التفكير النقدي والالتزام الأخلاقي، بين التأمل والتجربة، بين المعرفة والفعل وبين النظرية والضمير. العقل هنا لا يكتفي بتحليل الوقائع بل يشارك في صياغة القرار والتوجيه الأخلاقي للذات والمجتمع. هو عقل يرفض العزلة عن الحياة اليومية والالتزامات العملية ويؤكد أن المعرفة الحقيقية لا تتحقق إلا إذا تمت تجربتها وتحويلها إلى فعل مسؤول.

وقد ساهمت هذه الرؤية في إعادة الاعتبار للنقد الفلسفي الإسلامي المعاصر، إذ تؤكد على أن الفكر الإسلامي يمكن أن يكون حاضرا في العالم المعاصر دون أن يفقد جذوره. فعبد الرحمن يربط بين الفكر والفعل، بين المعرفة والالتزام وبين العقل والروح ويقدم تصورا للعقلية التي يمكنها أن تواجه تحديات الحداثة من خلال إعادة إدخال القيم والأخلاق في قلب التفكير.

هذا النهج يقود إلى فهم جديد للمعرفة حيث تصبح مسؤولية الإنسان تجاه ذاته وتجاه الآخرين والوجود معيارا لتقييم كل فعل فكري. المعرفة لم تعد مجرد هدف بل وسيلة للعيش وفق معنى وقيمة، والفعل الأخلاقي يصبح معيارا للحقيقة والمعرفة ما يجعل العقل في خدمة الإنسان وليس مجرد أداة للتحليل البارد.

في هذا الإطار يتجلّى مشروع عبد الرحمن أيضا كنقد للتجربة التعليمية والفكرية المعاصرة التي عززت النزعة إلى التجريد النظري وأبعدت الإنسان عن التجربة الأخلاقية والإيمانية. فهو يدعو إلى عقلية تعليمية وفكرية تربط بين النظرية والتطبيق، بين الفكر والضمير وبين المعرفة والالتزام. ومن هنا تأتي أهمية مشروعه في إعادة صياغة العقلية الإسلامية المعاصرة، بحيث يكون العقل حاضنا للقيم، مرشدا للفعل وموجها للالتزام الأخلاقي.

إن ما يميز هذا العقل الأخلاقي الإيماني هو مرونته في التعامل مع المعرفة إذ لا يقبل بأي فصل بين العلم والعمل ولا بأي فصل بين النظرية والتطبيق، ويعيد للضمير موقعه المركزي في الحياة الإنسانية. العقل هنا ليس مجرد أداة تفكير بل مصدرا للفعل والالتزام ومعيارا للتفريق بين الصواب والخطأ وبين المشروع وغير المشروع.

إن مشروع عبد الرحمن يمكن النظر إليه على أنه استجابة لإشكالية كبرى تواجه الفكر الإسلامي والعالمي، كيف يمكن للعقل أن يكون أداة للمعرفة وفي نفس الوقت مرشدا للفعل الأخلاقي، كيف يمكن للفكر أن يكون حرا وواعياً وفي الوقت نفسه مرتبطا بالمعنى والغاية؟ الإجابة التي يقدمها المشروع تقوم على بناء عقل متكامل، عقل يعيش ويتفاعل ويقترن بالمسؤولية والالتزام والقيم، عقل يرفض الانفصال عن الحياة الواقعية وعن المعنى وعن الغاية.

اعتمادا على هذا الإطار يبرز كذلك تأثير الفقه الإسلامي في مشروع عبد الرحمن، إذ يرى في العقل أداة لا تقتصر على التحليل بل تتجاوز ذلك إلى الفعل والتطبيق. الفقهاء الكلاسيكيون من مالك والشافعي إلى الغزالي وابن رشد، وضعوا العقل في خدمة التوجيه الأخلاقي وربطوه بالمعنى والغاية، وهذا ما يستعيده عبد الرحمن بأسلوب معاصر قادر على التفاعل مع التحديات الحديثة، مع عالم تتسارع فيه الأحداث وتكثر فيه التجارب ويصبح فيه الفعل الإنساني مسؤولية كبرى.

العقل الأخلاقي الإيماني الذي يطرحه عبد الرحمن يمثل مشروعا فكريا متكاملاً يعيد الاعتبار للضمير واللغة والقيم ويضع المعرفة في خدمة الفعل ويعيد للعقل دوره الطبيعي بوصفه مرشدا ومسؤولا وموجها. هذا المشروع ليس مجرد نقد للعقل المجرد بل هو بناء لعقلية جديدة قادرة على مواجهة تحديات العصر، قادرة على توجيه الإنسان نحو حياة متوازنة، حياة تتكامل فيها المعرفة والفعل، الفكر والضمير، النظرية والتطبيق والعلم والقيم.

يبقى العقل الأخلاقي الإيماني عند طه عبد الرحمن ليس مجرد نظرية بل ممارسة مستمرة، حركة تفاعلية بين الفكر والواقع وبين الإدراك والالتزام. إن هذا العقل يعيد للإنسان موقعه كفاعل مسؤول أمام ذاته وأمام المجتمع وأمام الخالق ويرسخ مقولة أن المعرفة بلا فعل تظل ناقصة وأن الفعل بلا معرفة يصبح عشوائيا والربط بينهما هو ما يحقق التكامل الإنساني. ومن هنا يمكن فهم مقولته الجوهرية، أن العقل حين ينفصل عن القيم يتحول إلى آلة باردة، أما حين يدمج مع الأخلاق فإنه يصبح مصدر قوة وتوجيه.

وقد شهدت التجربة الغربية منذ القرن السابع عشر على بروز النزعة نحو التجريد، مع ديكارت الذي جعل العقل قاعدة اليقين محاكيا للرياضيات والمنطق الصافي، فظهرت فكرة الكوجيتو: "أنا أفكر إذن أنا موجود"، وكأن التفكير وحده يكفي لتأسيس المعرفة. غير أن هذه الرؤية أسقطت البُعد الأخلاقي للمعرفة ونسيت أن الإنسان كائن ملتزم قبل أن يكون مفكرا وأن الوعي بالقيم لا يقل أهمية عن الوعي بالمعلومة. هنا يظهر عبد الرحمن كمدافع عن الإنسان الكامل، عن العقل الذي لا يقتصر على الإدراك بل يمتد إلى التفاعل مع الواقع ومسؤولية الفعل.

يتضح تأثير التراث الإسلامي في هذا المشروع، فالفقهاء والمفسرون والأدباء المسلمون عبر التاريخ لم يروا العقل مجرد أداة للتحليل بل وسيلة لفهم الواقع وربطه بالغايات العليا. يقول الغزالي في "إحياء علوم الدين" إن العقل لا قيمة له إذا لم يكن موجها للخير، وإن المعرفة لا تثمن إلا إذا صاغت السلوك الإنساني، وهذا المنظور يلتقي مع طه عبد الرحمن في رهان العقل الأخلاقي وفي ضرورة إعادة الاعتبار للضمير والالتزام في قلب العملية المعرفية.

ولا يقتصر المشروع على إعادة الاعتبار للفكر الكلاسيكي بل يمتد إلى نقد التجربة المعاصرة التي أضعفت دور القيم والأخلاق. فالفكر الغربي الحديث منذ هيوم وكانط وحتى التحليل النفسي والفلسفة الوضعية، ركز على العقل كأداة للتمييز بين الظواهر، متجاهلا العلاقة بين المعرفة والفعل وبين النظرية والمسؤولية. وفي هذا الإطار، يتشكل مشروع عبد الرحمن كتحريك للعقل في دائرة القيم وإعادة توجيهه ليكون فاعلا في الحياة وليس مجرد مراقب صامت.

إن العقل الأخلاقي الإيماني يتطلب من الإنسان وعيا متصلا بالقيم، وكحريص على أن تكون المعرفة وسيلة لتوجيه الفعل لا غاية في ذاتها. هنا تتجلى أهمية اللغة في المشروع، فهي ليست مجرد رموز للتواصل بل وعاء للفكر ومصدر لإدراك المعنى ومعيار لربط المعرفة بالقيم، فاللغة عند عبد الرحمن مرآة للفهم الأخلاقي وأداة لصياغة الالتزام الإنساني وفعل يضبط العلاقة بين الإنسان وعالمه.

ويستند المشروع أيضا إلى رؤية فلسفية رصينة تتقاطع مع فلاسفة مثل إيمانويل كانط الذي اعتبر الواجب أساس الفعل الأخلاقي ومع غادامر الذي شدد على الأفق التاريخي والثقافي في فهم الإنسان والمعرفة ومع تشارلز تايلور الذي رأى أن الإنسان كائن معنوي يعيش في إطار القيم. طه عبد الرحمن يستفيد من هذه القراءات لكنه يتجاوزها إذ لا يقف عند مجرد النظرية بل يجعل العقل موجها للفعل ملتزما بالقيم متفاعلا مع الواقع ومتصالحا مع التراث.

كما أن المشروع يتقاطع مع الفقه الإسلامي الذي جعل العقل أداة لفهم الشريعة وضابطا للمعرفة الأخلاقية والعملية. فابن رشد والشاطبي والغزالي أكدوا أن العقل لا يمكن أن يكون منفصلا عن الفعل وأن الفقه ليس مجرد قواعد بل منظومة متكاملة تربط بين المعرفة والالتزام وبين النظرية والتطبيق وبين الواجب والحق. هذا الفهم يتجلى بوضوح في رؤية عبد الرحمن للعقل الأخلاقي الذي يرى أن المعرفة الحقيقية تتحقق حين تكون مرتبطة بالغايات العليا، بالخير، بالعدل، بالمسؤولية.

ويستحضر مشروع عبد الرحمن أيضا تجربة الفلاسفة المسلمين في نقد النزعة التجريدية في الفكر اليوناني كما فعل الفارابي وابن سينا والغزالي الذين ربطوا بين العقل والفضيلة، بين المعرفة والسلوك وبين النظرية والالتزام الأخلاقي. العقل عندهم لا يقف عند حدود المعرفة النظرية بل يمتد ليشمل الفعل والممارسة، وهذا ما يستعيده عبد الرحمن في سياق معاصر يواجه تحديات الحداثة والعلوم والتقنية والفكر العالمي.

إن مشروعه بهذا المعنى ليس مجرد نقد للعقل المجرد بل هو بناء لعقلية متكاملة تعيد للإنسان مكانته وتضع المعرفة في خدمة الفعل والفكر في خدمة الالتزام والوعي في خدمة المسؤولية. العقل هنا يصبح أداة للفهم والتوجيه، للتمييز بين الحق والباطل، بين المشروع وغير المشروع وبين الصواب والخطأ، لكنه أيضا مرشد للفعل ومصدر للالتزام وأداة للحياة الإنسانية المتوازنة.

ويظل جوهر المشروع أن العقل لا يمكن أن يكون مجرد أداة تحليلية أو معرفة نظرية بل هو عقل متفاعل، حي، مرتبط بالقيم، ملتزم بالمعنى، موجّه للفعل. هذا العقل يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والوجود، بين المعرفة والحياة، بين الفكر والضمير، بين النظرية والتطبيق وبين العلم والفعل الأخلاقي.

بهذه المعطيات، يترسخ طه عبد الرحمن كصوت فريد في الفكر الإسلامي العالمي المعاصر يعيد ترتيب العقلية الإسلامية ويعيد للعقل موقعه الطبيعي في قلب الحياة الإنسانية، عقلا حيا يربط بين المعرفة والالتزام، بين الفكر والفعل، بين النظرية والمسؤولية وبين الإنسان والقيم، عقلا أخلاقيا إيمانيا قادرا على مواجهة تحديات الحداثة والانفتاح، وفي الوقت نفسه متمسكا بجذوره التراثية والثقافية والفلسفية.

إن العقل الأخلاقي الإيماني الذي يطرحه طه عبد الرحمن يتجاوز حدود النقد النظري ليصبح مشروع حياة وفكر يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمعرفة ويعيد للضمير موقعه الطبيعي كمرشد للفعل ومصدرا للتمييز بين الصواب والخطأ. هذا العقل لا يكتفي بالتحليل أو الفهم النظري بل يفرض على صاحبه ممارسة مستمرة للوعي بالقيم ومساءلة النفس وتوجيه السلوك في ضوء الالتزام الأخلاقي والإيماني. وهنا يلتقي مع تأملات الفلاسفة الكلاسيكيين الذين ربطوا بين المعرفة والفضيلة، فكما قال أفلاطون : الفضيلة جزء من معرفة النفس، ومعرفة الخير تقود إلى الفعل الصائب، ومع أرسطو : العقل العملي لا يكتمل إلا في إطار الفضيلة والتصرف المسؤول، ومع ابن رشد : العقل مرتبط بالغاية العليا للفعل الإنساني ويظل معيارا للتمييز بين الحق والباطل.

تتجلى قوة مشروع عبد الرحمن في قدرته على دمج هذه الفلسفة مع النقد المعاصر بحيث يواجه تحديات الحداثة والانفتاح الغربي دون الانفصال عن التراث. العقل عنده ليس غريبا عن الحياة اليومية ولا منعزلا عن التجربة الإنسانية بل هو عقل حي، قادر على فهم الواقع والتفاعل معه وإصدار الأحكام الأخلاقية التي تنظم علاقة الإنسان بالآخرين وتربطه بالقيم والمعنى. وهو بذلك يقدم رؤية للعقلية الإسلامية المعاصرة تكون قادرة على مواجهة الغموض الفكري والاختلال القيمي الذي يهدد الإنسان في مجتمعات اليوم.

ويستند المشروع أيضا إلى فهم عميق للغة والمعنى، فاللغة عند عبد الرحمن ليست مجرد أدوات للتواصل بل مرآة للفكر وقناة لإدراك المعنى وأداة لربط المعرفة بالقيم. الفكر بلا لغة يصبح غير قادر على التعبير عن المعنى واللغة بلا قيم تصبح مجرد رموز فارغة. وهنا يلتقي العقل الأخلاقي مع اللغة ليشكل وحدة متكاملة توجه الفكر والسلوك وتحافظ على ارتباط الإنسان بالمعنى والغاية وتجعل من المعرفة أداة للارتقاء بالذات وبالمجتمع.

وإذا عدنا إلى الفكر الغربي المعاصر، نجد أن طه عبد الرحمن لا يبتعد عن رؤى غادامر وتايلور لكنه يتجاوزها، إذ يجعل العقل أيضا مصدرا للالتزام الإيماني والمسؤولية الأخلاقية، بينما الفكر الغربي غالبا ما يظل مقصورا على التحليل والنقد. إن مشروعه يمثل جسرا بين التراث والفكر المعاصر، بين الفلسفة الإسلامية والفكر الغربي، بين النظرية والتطبيق، بين المعرفة والالتزام، بين العقل والفضيلة وبين الإنسان والقيم.

إن مشروع عبد الرحمن يشمل أيضا النقد الذاتي للفكر الإسلامي المعاصر الذي أضعف أحيانا العلاقة بين العقل والضمير، بين المعرفة والفعل وبين النظرية والالتزام. فهو يدعو إلى عقلية متكاملة تعيد للإنسان وعيه بالقيم وتجعل من المعرفة وسيلة للفعل المسؤول ومن الفكر مرشدا للوعي الأخلاقي ومن الالتزام معيارا للتقويم والمعرفة، بحيث يصبح العقل في خدمة الإنسان والحياة والغايات العليا وليس مجرد أداة تحليلية جامدة.

العقل الأخلاقي الإيماني عنده ليس مجرد نقد للعقل المجرد بل هو بناء متكامل للعقلية الإنسانية يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمعرفة والواقع ويؤكد على دور الضمير والقيم في توجيه الفكر والفعل. إنه عقل يجعل من الالتزام الإيماني والأخلاقي أساسا للفعل ومن المعرفة وسيلة للتوجيه ومن اللغة وعاءً للفهم والمعنى. هذا المشروع يفتح آفاقا جديدة أمام الفكر الإسلامي المعاصر ليكون قادرا على مواجهة تحديات العصر الحديث دون أن يفقد صلته بالقيم والغايات العليا ودون أن يحيد عن الالتزام الأخلاقي والإيماني الذي يشكل جوهر الإنسانية.

إن مشروع طه عبد الرحمن يقدم نموذجا للعقل الحي المتفاعل، عقلا يربط بين المعرفة والالتزام، بين الفكر والفعل، بين النظرية والمسؤولية وبين الإنسان والقيم. إنه مشروع يرفض الانفصال بين العقل والحياة، بين المعرفة والغايات وبين النظرية والتجربة ويؤكد على أن الإنسان لا يمكن أن يعيش حياة متوازنة دون أن يكون عقله ملتزما بالمعنى متفاعلا مع الواقع واعيا بالمسؤولية وموجها بالفضيلة.

وتكمن قيمة المشروع أيضا في أنه يجعل من العقلية الإسلامية المعاصرة قادرة على التعامل مع مستجدات الحداثة والانفتاح الثقافي دون أن تفقد هويتها أو تتخلى عن جذورها أو تهمل القيم والأخلاق. فالعقل الأخلاقي الإيماني عند عبد الرحمن هو عقل متجذر في التراث، لكنه في الوقت نفسه متفاعل مع العصر قادر على مواجهة التعقيدات الحديثة ومرشد للإنسانية نحو سلوك مسؤول ووعي بالقيم والمعنى.

ضمن هذا التحليل تتكشف أبعاد المشروع الجوهرية ويغدو نقد العقل المجرد ضرورة فلسفية وأخلاقية لأنه يكشف عن القصور في التفكير الذي يغفل الإنسان ككائن مسؤول وعن التجربة التي تغفل العلاقة بين المعرفة والفعل. ويصبح العقل الأخلاقي الإيماني بديلاً حيا يعيد ترتيب أولويات الفكر والمعرفة ويعيد للإنسان دوره كفاعل ملتزم قادر على الربط بين النظرية والتطبيق، بين الفهم والالتزام، بين الفكر والفعل وبين المعرفة والمسؤولية. إن ذلك يعكس وحدة العقل والالتزام ويترسخ كإطار شامل للفكر الإنساني  حيث تصبح المعرفة وسيلة للفعل والفعل مرآة للفكر واللغة وعاء للمعنى والضمير معيارا للتمييز والقيم محورا لكل إدراك. طه عبد الرحمن يقدم بذلك نموذجا للعقل الذي يعيش ويتفاعل ويقود الإنسان نحو الحياة الكاملة، الحياة المسؤولة، الحياة التي تجمع بين العلم والعمل، بين النظرية والتطبيق، بين المعرفة والالتزام، بين العقل والفضيلة وبين الإنسان والغايات العليا للوجود.

إن هذا المشروع يشكل مساهمة فكرية وأخلاقية رائدة في بناء عقلية متوازنة، عقلية تحمي الإنسان من الانغماس في التجريد النظري البارد وتعيد له وعيه بالقيم والمسؤولية وتجعله قادرا على مواجهة تحديات العصر بحكمة وبصيرة. العقل الأخلاقي الإيماني هنا ليس خيارا فلسفيا فقط بل ضرورة عملية وفكرية ووسيلة لإعادة الاعتبار للمعنى وللضمير وللعقل في صيغته الأكثر شمولا وأكثر قدرة على توجيه الحياة الإنسانية نحو الخير والعدل والفضيلة والمعنى.

ويبقى مشروع طه عبد الرحمن دعوة مستمرة للتفكير النقدي البناء، ولإعادة الاعتبار للعقل كمرشد للفعل ومعيارا للوعي الأخلاقي وأداة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والمعرفة والقيم. إنه عقل حي، متفاعل، ملتزم، قادر على مواجهة الواقع وفهم المعنى وتوجيه الفعل وإعادة بناء تجربة الإنسان في ضوء الواجب والقيم، عقل يربط بين النظرية والتطبيق، بين الفكر والفعل وبين المعرفة والمسؤولية، ليصبح نموذجا رائدا للعقل الأخلاقي الإيماني في الفكر الإسلامي المعاصر.

***

مقاربة إبستمولوجية في الأسس المعرفية والبنائية للنمو اللغوي

ملخص الدراسة: لم تعد اللغة في الدراسات المعاصرة مجرد أداة للتواصل أو نسق من العلامات اللفظية، بل غدت مدخلًا أساسياً لفهم تشكّل العقل الإنساني ذاته. وفي هذا السياق يبرز مشروع جان بياجي بوصفه تحولًا إبستمولوجيًا عميقًا أعاد صياغة سؤال الاكتساب اللغوي داخل إطار معرفي بنائي يرى أن اللغة ليست أصل التفكير، بل إحدى نتائجه المتقدمة. فالطفل، وفق التصور البياجي، لا يتلقى اللغة جاهزة من محيطه، وإنما يبنيها تدريجيًا عبر تفاعله النشط مع العالم، حيث تتشكل البنيات المعرفية من خلال سيرورة دينامية تجمع بين النضج البيولوجي والخبرة الاجتماعية.

تسعى هذه الدراسة إلى تحليل الاكتساب اللغوي من منظور النظرية المعرفية لبياجي، من خلال الكشف عن روافدها الإبستمولوجية الممتدة بين البيولوجيا الداروينية، وفلسفة الأنوار، والتصور الكانطي للمعرفة، وصولًا إلى تأسيس علم النفس التكويني باعتباره علمًا لدراسة نشأة الذكاء وتطوره. كما تتناول الدراسة المفاهيم المركزية التي يقوم عليها البناء المعرفي، مثل التكيف والتوازن والاستيعاب والتلاؤم، مبرزة دورها في انتقال الطفل من الفعل الحسي إلى التفكير الرمزي الذي تتبلور داخله اللغة.

وتخلص الدراسة إلى أن الاكتساب اللغوي يمثل عملية بنائية متدرجة تجعل الطفل ذاتًا معرفية فاعلة تسهم في إنتاج المعنى، لا مجرد كائن خاضع لآليات التقليد أو الاستجابة للمثيرات، وهو ما يمنح نظرية بياجي مكانتها باعتبارها إحدى أهم المقاربات التي وحدت بين البيولوجي والنفسي والفلسفي في تفسير نشأة اللغة والفكر الإنساني.

على سبيل الافتتاح

ظلّت اللغة، عبر تاريخ الفكر الإنساني، إحدى أكثر الظواهر استعصاء على التفسير، لأنها تقع عند تقاطع البيولوجي والنفسي والاجتماعي والثقافي في آن واحد. فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل بنية رمزية تكشف عن طبيعة العقل الإنساني وآليات تشكّل المعرفة داخله. ومن هنا ارتبط سؤال اكتساب اللغة بسؤال أعمق يتعلق بكيفية نشأة التفكير ذاته: هل يولد الإنسان مزودًا باللغة؟ أم أنها تُبنى تدريجيًا داخل تجربة النمو؟

لقد هيمنت لفترة طويلة تصورات اختزلت اللغة في التعلم بالمحاكاة أو في الاستجابة للمثيرات الخارجية، غير أن التحول الحقيقي في فهم هذه الإشكالية جاء مع المشروع المعرفي للعالم السويسري جان بياجي، الذي نقل دراسة اللغة من مجال اللسانيات الوصفية إلى حقل الإبستمولوجيا التكوينية، جاعلًا من نمو الذكاء المفتاح الأساسي لفهم نشأة اللغة.

ينطلق بياجي من فرضية مركزية مفادها أن الطفل ليس كائنًا سلبيًا يتلقى المعرفة، بل ذات فاعلة تبني بنياتها الذهنية عبر التفاعل المستمر مع العالم. وبهذا المعنى تصبح اللغة نتيجة لمسار بنائي طويل تتداخل فيه عوامل النضج البيولوجي والخبرة الاجتماعية والنشاط الذاتي للطفل. ومن هنا تتحدد أهمية النظرية البياجية باعتبارها محاولة لتوحيد البيولوجيا والفلسفة وعلم النفس داخل نموذج تفسيري واحد يشرح تشكّل المعرفة الإنسانية.

انطلاقًا من هذا الأفق النظري، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل الاكتساب اللغوي من منظور بياجي المعرفي، عبر الكشف عن جذوره الإبستمولوجية ومفاهيمه المؤسسة، وبيان الكيفية التي تنتقل بها العمليات الذهنية من الفعل الحسي إلى التعبير الرمزي الذي تتبلور داخله اللغة.

أولاً: الأسس الإبستمولوجية لنظرية بياجي في اللغة

الرافد البيولوجي: المعرفة بوصفها تكيفًا

تعود الجذور الأولى للفكر البياجي إلى تكوينه المبكر في علم البيولوجيا، حيث حصل على الدكتوراه في هذا المجال سنة 1918، وهو ما انعكس بوضوح على تصوره للمعرفة باعتبارها عملية تكيف مستمرة بين الكائن الحي وبيئته (يعقوب، 1982).

وقد تأثر بياجي بنظرية التطور عند تشارلز داروين التي تؤكد أن البقاء يرتبط بقدرة الكائن على التكيف مع محيطه. غير أن بياجي نقل هذا المبدأ من المجال العضوي إلى المجال المعرفي، فاعتبر أن الطفل يبني بنياته الذهنية عبر تفاعل نشط مع البيئة، وأن ما يميز الإنسان ليس اللغة في ذاتها، بل القدرة المعرفية العليا التي تجعل اللغة ممكنة (ناصف، 1988).

وبذلك تصبح المعرفة  ومن ضمنها اللغة، نتيجة سيرورة بنائية تتشكل عبر النشاط والتجربة، لا معطى جاهزًا سابقًا على الخبرة.

الرافد الفلسفي: من فلسفة الأنوار إلى البنائية المعرفية

لا يمكن فهم مشروع بياجي دون إدراجه داخل سياقه الفلسفي. فقد استلهم من جان جاك روسو فكرة مركزية الطفولة باعتبارها مرحلة تأسيسية في تشكل الإنسان، كما عرضها في كتاب إميل، حيث جعل التربية متصلة بطبيعة نمو الطفل وتفاعله الاجتماعي (هوردي، 2009).

كما تأثر بالنزعة الوضعية عند أوغست كونت، لكنه خالفها جذريا، فبينما اعتبر كونت الرياضيات أساس العلوم، رأى بياجي أن علم النفس التكويني هو القاعدة التي تفسر نشأة التفكير المنطقي والرياضي ذاته.

أما التأثير الأكثر عمقا فكان لفلسفة إيمانويل كانط، الذي رفض فكرة العقل بوصفه صفحة بيضاء. وقد تبنّى بياجي هذا الموقف جزئيًا، مؤكدا أن المعرفة لا تنشأ من الحس وحده ولا من الفطرة وحدها، بل من تفاعل بنائي بين البنيات الذهنية والخبرة الحسية (الرافعي، 2011).

ومن هنا تبلورت البنائية باعتبارها تصورًا يرى أن الطفل يبني معرفته بنفسه عبر الفعل والاستكشاف.

الرافد النفسي: تأسيس علم النفس التكويني

يُعد بياجي مؤسس علم النفس التكويني الذي يهتم بدراسة تطور الذكاء عبر مراحل النمو. وقد تأثر بأعمال ألفرد بينيه وإدوار كلاباريد خلال عمله في معهد روسو بجنيف، حيث ركز على دراسة كيفية تفكير الأطفال بدل قياس نتائج تعلمهم فقط (يعقوب، 1982).

وقد انتقد الاتجاه السلوكي الذي اختزل التعلم في علاقة المثير والاستجابة، معتبرا أن الطفل كائن نشط يشارك في بناء معرفته، وليس مادة سلبية تتشكل بفعل البيئة.

ومن خلال أبحاثه، توصل إلى أن النمو المعرفي يمر بمراحل متدرجة تبدأ بالمرحلة الحسية الحركية وتنتهي بالتفكير المجرد، وأن اللغة تظهر كنتيجة لهذا التطور وليس كشرط سابق عليه.

ثانياً: المفاهيم الأساسية في نظرية بياجي المعرفية

التكيف (Adaptation)

يمثل التكيف المبدأ المركزي في النظرية البياجية، ويشير إلى سعي الكائن لتحقيق توازن بينه وبين محيطه. وعلى المستوى المعرفي، يعني قدرة الطفل على تعديل بنياته الذهنية لفهم الواقع والتعامل معه بفعالية (Piaget, 1970).

التوازن (Equilibration)

التوازن هو الآلية التنظيمية التي تحكم النمو العقلي. فكل اضطراب معرفي يدفع الطفل إلى البحث عن حلول جديدة تعيد الانسجام بين خبراته وبنياته الذهنية، وهو ما يجعل التعلم عملية دينامية مستمرة.

الاستيعاب (Assimilation)

يقصد به إدماج المعطيات الجديدة داخل البنيات المعرفية القائمة. فالطفل يفسر العالم انطلاقًا من خبراته السابقة، حيث يُخضع الأشياء لأنماط الفعل التي يمتلكها مسبقًا.

التلاؤم (Accommodation)

يمثل الوجه المكمل للاستيعاب، إذ يقوم الطفل بتعديل بنياته الذهنية عندما يعجز عن تفسير موقف جديد اعتمادًا على خبراته السابقة، مما يؤدي إلى بناء معرفة أكثر تعقيدًا.

ثالثاً: الاكتساب اللغوي بوصفه نتاجًا للنمو المعرفي

انطلاقًا من المفاهيم السابقة، يرى بياجي أن اللغة ليست نقطة بداية التفكير، بل نتيجة لتطور الذكاء. فالطفل يكتسب اللغة عندما يبلغ مستوى من التنظيم الرمزي يسمح له بتمثيل الواقع ذهنيًا.

وتبعًا لذلك، فإن اكتساب اللغة يحدث داخل شبكة من التفاعلات تشمل:

النشاط الحسي الحركي،

اللعب والاستكشاف،

التفاعل الاجتماعي،

نمو الوظائف الرمزية.

فاللغة، وفق هذا التصور، تعبير عن بنية معرفية بلغت درجة من التوازن تسمح بتحويل الفعل إلى رمز، والخبرة إلى معنى.

خاتمة

تكشف نظرية جان بياجي أن الاكتساب اللغوي لا يمكن فهمه خارج سياق النمو المعرفي العام للطفل. فاللغة ليست قدرة مستقلة أو فطرية خالصة، بل مظهر من مظاهر الذكاء الذي يتشكل عبر التفاعل المستمر بين البنيات البيولوجية والخبرة الاجتماعية.

وقد مكّن هذا التصور البياجي من تجاوز الثنائية التقليدية بين الفطرة والتجربة، مقدّمًا نموذجًا بنائيًا يرى المعرفة ومن ضمنها اللغة نتاجًا لسيرورة تكوينية دينامية تجعل الطفل فاعلًا أساسيًا في بناء عالمه المعرفي.

فالطفل وفق هذا التصور، ذات معرفية تبني عالمها الرمزي عبر التفاعل المستمر مع البيئة. وبذلك استطاع بياجي أن يؤسس رؤية تكاملية جمعت بين البيولوجيا والفلسفة وعلم النفس، مقدّمًا نموذجًا تفسيرياً ما يزال يشكل مرجعًا أساسياً في فهم العلاقة بين اللغة ونمو العقل الإنساني.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

الرأسمالية المعاصرة وإنتاج السيكوبوليتيكس

تاريخياً، شهد التحول من مكتسبات الديمقراطية الاجتماعية في منتصف القرن العشرين إلى الهيمنة المعاصرة تغيراً جذرياً في علاقة الفرد بالمجتمع. لقد عملت النيوليبرالية على تفكيك المؤسسات الجماعية، وإضعاف المنافع العامة، واستبدال التضامن المجتمعي بروح فردية متغلغلة لا ترى البشر كأعضاء في مجتمع متكامل، بل كفاعلين متنافسين يسعون وراء مصلحتهم الخاصة وإنجازاتهم الفردية المعزولة. إن هذا التوجه الرأسمالي المعاصر لا يقتصر على الاقتصاد، بل يتعداه ليتغلغل في الفضاءات الاجتماعية والسياسية، مما يؤدي إلى تقويض التضامن عبر تقديم الرغبات الشخصية على الاحتياجات المجتمعية، وتعزيز الشكوكية تجاه الفعل الجماعي، وتآكل صناعة القرار الديمقراطي.

إن الرأسمالية المعاصرة تبدي تفضيلاً واضحاً لما يمكن تسميته "الوعي الفردي المنعزل"، حيث تشجع الأفراد على أن يكونوا "مستنيرين" بمفردهم، ويمارسون اليوغا، ويشترون منتجات صديقة للبيئة، ويكتبون آراءً حرة على منصاتها الرقمية. والسبب الهيكلي وراء هذا التشجيع يكمن في أن الوعي الفردي بدون فعل جماعي منظم يعمل بمثابة "استهلاك للثورة" وليس ثورة فعالة قادرة على التغيير. ومن خلال تحويل الغضب السياسي والمظالم الهيكلية إلى خيارات أسلوب حياة شخصية، ينجح النظام الرأسمالي في منع هذه المظالم من تهديد مراكز القوة الفعلية. وتؤدي هذه الخصخصة للتمرد إلى تحييد الإمكانات الراديكالية للحركات الاجتماعية، واختزالها في مجرد تفضيلات جمالية واستهلاكية تخدم تراكم رأس المال بدلاً من تقويضه.

 البنية الأيديولوجية للذاتية النيوليبرالية

تعود أصول النزعة الفردية الحديثة إلى حركة الانتقال من الإقطاع نحو الرأسمالية في أوروبا، وهي الحركة التي وفرت الخلفية الأوسع لهذه التغيرات. وبينما جادل الفكر الليبرالي الكلاسيكي، كما لدى آدم سميث، بأن المجتمع التجاري هو مجرد مجموع القرارات الفردية، فإنه ظل محتفظاً بوعي معقد يرى أن الفرد يحتاج إلى أشكال من الحكومة لتحقيق الصالح العام، مثل الأمن. ولكن مع صعود الاقتصاد الكلاسيكي الجديد والمراجعات النيوليبرالية اللاحقة، جرى الترويج للفرد المجرد كمعيار مطلق، وكنقطة انطلاق أنطولوجية للتحليل.

أصبح يُنظر إلى الفرد في هذا النموذج ككائن مدفوع بأذواقه وتفضيلاته الخاصة، ويتصرف كصانع قرار عقلاني في ظل ظروف ندرة الموارد. وهذا التكريس للوعي الفردي يعبر عن الروح الأيديولوجية الجديدة للرأسمالية التي تمتلك قدرة تشبه الإسفنج في امتصاص الأفكار الجديدة لتجديد شرعيتها، مع الاستناد في الوقت نفسه إلى الأعراف والسلوكيات القديمة. ويتجلى هذا الهجوم النيوليبرالي على "الاجتماعي" في تقويض فكرة المساواة، والانتماء المجتمعي، والالتزام الاجتماعي المتبادل.

يؤدي هذا النموذج إلى تفتيت المجتمع وتحويله إلى جموع من الأفراد الباحثين عن مصالحهم الذاتية والمنخرطين فقط في معاملات سوقية أو شبيهة بالسوق، وهو ما يجسد مفهوم "الإنسان الاقتصادي". إن هذه الفردية هي في جوهرها عملية "تسليع للاجتماعي"، حيث يرفض النظام الاعتراف بأي أشكال من العلاقات أو التفاعلات البشرية التي تقع خارج نطاق التبادل المادي. إن الارتباط بين الفردية المفرطة وتراجع دور المؤسسات العامة يوفر الأساس المنطقي لتفكيك الخدمات العامة، وتأمين الإسكان، وأنظمة الرعاية الاجتماعية، وهو ما يعزز حالة العزلة الذاتية لدى الفرد.

علاوة على ذلك، فإن الرأسمالية المعاصرة، من خلال تمديد هذا المنطق الاقتصادي الفردي المفرط إلى كافة مجالات الحياة، تقوض التفاعل البشري المتبادل الذي يحتاجه الأفراد لتطوير استقلاليتهم الكاملة وتحقيق ذواتهم. ووفقاً لأطروحات الفيلسوف أكسيل هونيث حول مفهوم الاعتراف، فإن إمكانية التحول إلى فرد مستقل تعتمد كلياً على القدرة على تطوير علاقة قوية بالذات، وهي علاقة لا يمكن اكتسابها أو الحفاظ عليها إلا من خلال التفاعل البيني والعلاقات القائمة على الاعتراف المتبادل. وعندما يعجز الفرد عن تلقي هذا الاعتراف الكافي بسبب اختزال العلاقات في أطر مادية نفعية، فإنه يعاني من تطور نفسي سلبي ومن أشكال متعددة من المعاناة النفسية. لقد تم استبدال المساهمة في المنفعة الجماعية بالمسؤولية الفردية عن الاستثمار الذاتي، مما جعل وجود الفرد مرهوناً بمدى قدرته على تسويق نفسه كسلعة ناجحة.

الانتقال من السياسة الحيوية إلى السياسة النفسية

تطلبت تطورات القوة الرأسمالية تحولاً جوهرياً في الأساليب المستخدمة لحكم السكان والسيطرة عليهم. فبينما ركز ميشيل فوكو على دراسة المجتمعات الانضباطية التي تمثلت في المصانع والمدارس والمستشفيات، حيث كانت السلطة تعمل من خلال الإكراه والمنع والأوامر المحددة بحدود صارمة، يشير الفيلسوف بيونغ تشول هان إلى أن السلطة في العصر النيوليبرالي قد هاجرت من الجسد إلى النفس؛ وهو ما أطلق عليه اسم "السياسة النفسية" أو السيكوبوليتيكس.

في المجتمعات الانضباطية القديمة، كانت السلطة تمارس ضغطاً خارجياً بصيغة "يجب عليك"، وهي أوامر ذات حدود واضحة. لكن النيوليبرالية استبدلت هذه الحدود بعبارة "أنت تستطيع"، وهي صيغة لا سقف لها من الحث والتحفيز. ونتيجة لذلك، لم تعد أمراض مثل الاكتئاب والاحتراق النفسي مجرد إخفاقات في الإرادة الشخصية، بل أصبحت أعراضاً مرضية تشير إلى أن الإمكانات اللامحدودة قد انقلبت إلى إكراهات لا نهائية. يعتقد الفرد النيوليبرالي أنه تخلص من الخضوع وأصبح حراً في إعادة اختراع نفسه باستمرار كمشروع مستقل، إلا أن هذا التحرر الظاهري يمثل في الواقع شكلاً آخر من أشكال القيود الأكثر عمقاً، حيث يتخذ الإكراه والسيطرة شكل الأداء، والتحقيق الذاتي، والتحسين المستمر، والاستغلال الذاتي.

إن هذه الآلية تعمل بكفاءة بالغة على تحييد المقاومة الجماعية. فالصيغة الماركسية الكلاسيكية كانت تتطلب وجود خصم مرئي واضح، متمثلاً في الطبقة المستغِلة التي تثور ضدها الطبقة العاملة. أما في ظل السياسة النفسية المعاصرة، عندما يصبح كل فرد هو المستغِل والمستغَل في آن واحد، فإن الفرد يوجه عدوانه وسخطه نحو الداخل ضد نفسه بدلاً من توجيهه نحو الخارج ضد النظام. وبناءً على ذلك، يصبح تشكيل أي "نحن" سياسية قادرة على الانتفاض والقيام بعمل جماعي أمراً مستحيلاً من الناحية الهيكلية. وتتحول الحرية النيوليبرالية إلى حرية العزلة، وتنتفي أي إمكانية لنشوء صداقة حقيقية خالية من الأهداف النفعية بين أفراد يتصرفون كأصحاب مشاريع فردية متنافسة.

استيعاب النقد وتحويل التمرد إلى سلعة

تستمد الرأسمالية المعاصرة قدرتها الهائلة على البقاء من قابليتها المدهشة لامتصاص الحركات النقدية التي تظهر ضدها وتجييرها لصالحها. وفي دراستهما لروح الرأسمالية الجديدة، أشار لوك بولتانسكي وإيف شيابيلو إلى أن الرأسمالية تخلت منذ منتصف السبعينيات عن الهيكل الهرمي الصارم، وطورت بدلاً من ذلك شكلاً تنظيمياً شبكياً يعتمد على مبادرة الموظف والاستقلالية النسبية في العمل.

وقد انتصرت هذه الروح الرأسمالية الجديدة بفضل عملية استيعاب ذكية لما يسمى "النقد الفني" الذي اندلع بعد أحداث مايو 1968 في فرنسا، والذي هاجم اغتراب الحياة اليومية والبيروقراطية وطالب بالأصالة والتحرر. ومن خلال دمج هذه المطالب في صلب الإدارة الشبكية، منحت الشركات الرأسمالية الموظفين حرية ظاهرية، ولكنها كانت على حساب الأمن المادي والنفسي. وفي الوقت نفسه، جرى تهميش "النقد الاجتماعي" الذي كان يركز على الفقر وعدم المساواة والاستغلال، حيث ظل متمسكاً بالصيغ القديمة للإنتاج الهرمي.

تسليع الممارسات الروحية والجسدية

لقد تم تبني مفهوم "اليقظة الذهنية" بحماس من قبل الشركات الكبرى كأداة للضبط الاجتماعي والتهدئة الذاتية. فبدلاً من أن تكون وسيلة لإحداث تغيير ثوري، تحولت إلى شكل من الروحانية الرأسمالية التي تتجنب بوعي أي تحول سياسي، مما يساهم في تعزيز الوضع الراهن. يروج مدربو هذه الصناعة لسردية قائلة بأن التوتر هو أمر يُفرضه الفرد على ذاته، وأن التأمل هو العلاج الشافي لكل الأزمات الهيكلية.

إن نزع الطابع الأخلاقي والتحرري عن هذه الممارسات جعلها تخدم كأداة لمساعدة الأفراد على التكيف والانسجام مع الظروف القمعية التي أنتجت مشاكلهم في المقام الأول. لقد تم تحويل الضغوط النفسية والاجتماعية الناتجة عن اللامساواة وسعي الشركات وراء الربح إلى أمراض شخصية وخصخصة للأزمات، حيث يتم تحميل الأفراد وحدهم عبء إدارة توترهم. وعندما يركز ممارسو اليقظة الذهنية على الحاضر فقط، فإنهم يقدمون خدمة لاستقرار النظام، متجاهلين الكيفية التي يتم بها التلاعب بالانتباه وتسليعه من قبل شركات التكنولوجيا.

وينسحب هذا التحليل بصورة أعمق على ممارسة اليوغا في الغرب المعاصر؛ إذ مكنت الرأسمالية اليوغا من التغلغل في كافة مناحي الحياة لأنها تسهم في تقليص النزعة النقدية تجاه النظام، وتربط الإنسان بالعالم القائم عبر خلق واقع افتراضي داخل العقل يحجب رؤية الواقع المادي الحقيقي. ومن خلال ممارسة التأمل واليوغا بشكلها السائد، يتم تغييب وعي الإنسان بالظروف الاجتماعية الملموسة مثل الاستغلال الطبقي الصارخ. إن تحويل هذه الممارسة إلى مجرد تمارين للياقة البدنية يعكس بوضوح امتياز الطبقات المترفة التي يمكنها عزل نفسها عن آلام الآخرين. وعلى النقيض من ذلك، فإن تاريخ هذه الممارسات يزخر بالاستخدام السياسي والتحرري، كما فعل غاندي ومارتن لوثر كينغ اللذان استندا إلى هذه المفاهيم كأساس للمقاومة السلمية المنظمة ضد الاستعمار والفصل العنصري، وليس كأداة للهروب من الواقع.

أثر الخوارزميات في تفتيت الهوية الجماعية

لقد أحدث ظهور وسائل التواصل الاجتماعي في العقدين الماضيين ثورة في الطريقة التي يعبر بها الأفراد عن تطلعاتهم السياسية، اتاحت فرصاً للتعبئة السريعة. ومع ذلك، فإن الهوية الجماعية التي تتشكل عبر هذه الوسائط الرقمية تميل إلى أن تكون سائلة وعرضة للتفتيت، لكونها تقع تحت رحمة الخوارزميات التجارية للمنصات الرأسمالية.

إن بنية هذه المنصات ليست محايدة؛ فهي مدعومة بأنظمة خوارزمية معقدة مصممة لزيادة معدلات التفاعل والبقاء على المنصة، مما يؤدي إلى حبس الأفراد داخل ما يسمى "غرف الصدى" أو "فقاعات الترشيح". تتسبب هذه البيئة في تفتيت السرديات والأهداف المشتركة لأي حركة اجتماعية، حيث يميل المحتوى الأكثر إثارة والمدفوع بالعواطف اللحظية إلى الانتشار على حساب التحليل العميق. ونتيجة لغياب الهياكل القيادية الواضحة في المساحات الافتراضية، فإن الروابط التضامنية تكون ضعيفة وقابلة للزوال بسرعة، مما يحرم الحركات من الاستمرارية والمقاومة التي تميز التنظيمات على أرض الواقع.

 استنتاجات

يكشف التحليل المتكامل لواقع الرأسمالية المعاصرة عن وجود استراتيجية بالغة الدهاء تعمل على تحييد أي إمكانية للتمرد الفعلي عبر عزل الأفراد واختزال الغضب السياسي في مسارات شخصية مفرغة من المعنى التغييري. إن تشجيع الأفراد على الممارسات الروحية المستقلة، والتعبير عن الآراء الحرة غير الملزمة على المنصات الرقمية، يهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على استقرار النظام الرأسمالي وحمايته من الفعل الجماعي المنظم.

إن التحرر الحقيقي لا يمكن أن يولد من مجرد تراكم الخيارات الاستهلاكية الفردية. وكما يثبت التاريخ، فإن تجاوز الأزمة المعاصرة يتطلب الانتقال الواعي من الوعي الفردي المستهلك للثورة إلى الفعل الجماعي المنظم الذي يبني المؤسسات الموازية، ويوحد الإرادة السياسية، ويواجه القوى المهيمنة على أرض الواقع المادي، لاستعادة السيادة الحقيقية للإنسان على مصيره ومجتمعه.

***

غالب المسعودي

..........................

مراجع

- بولتانسكي، لوك وشيابيلو، إيف (2005). روح الرأسمالية الجديدة.

 - سميث، آدم (1776). ثروة الأمم.

- فوكو، ميشيل. المجتمع الانضباطي والسياسة الحيوية.

- هان، بيونغ تشول (2017). السياسة النفسية: النيوليبرالية وتقنيات السلطة الجديدة.

- هونيث، أكسيل (1995). الصراع من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقية للصراعات الاجتماعية.

قراءة في تشكّل المفهوم ونقده في الفكر العربي الحديث

مقدمة: يشكّل الفكر العربي الحديث فضاءً إشكاليًا معقدًا تداخلت فيه رهانات التاريخ والسياسة والثقافة، الأمر الذي جعل سؤال النهضة والتحديث يحتل موقعًا مركزيًا داخل الإنتاج الفكري المعاصر. وفي هذا السياق يبرز اسم المفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي باعتباره أحد أبرز المفكرين الذين سعوا إلى تشخيص إشكالية الوعي العربي من خلال تحليل البنيات الفكرية التي تحكم إدراك الواقع والتاريخ.

لقد أسّس العروي مشروعه الفكري على مساءلة المفاهيم المؤسسة للحداثة، وفي مقدمتها مفهوم الأيديولوجيا، الذي اعتبره مفتاحًا لفهم تعثر التحول التاريخي في المجتمعات العربية. فكتابه الأيديولوجيا العربية المعاصرة لم يكن مجرد دراسة فكرية، بل محاولة نقدية لإعادة بناء الوعي التاريخي العربي على أسس عقلانية حديثة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن تحليل العروي للأيديولوجيا لا يقتصر على بعدها النظري، بل يمثل مشروعًا إصلاحيًا شاملاً يروم إعادة صياغة علاقة الفكر العربي بالتاريخ والحداثة. ولذلك يسعى هذا البحث إلى تتبع تشكّل مفهوم الأيديولوجيا في الفكر الغربي والعربي كما قرأه العروي، ثم الوقوف عند الأسس الفكرية لمشروعه النقدي.

المبحث الأول: الأيديولوجيا بين الفكر الغربي والفكر العربي في قراءة عبد الله العروي

الإطار التاريخي لنشأة مفهوم الأيديولوجيا

ظهر مصطلح الأيديولوجيا في أواخر القرن الثامن عشر، وتحديدًا سنة 1796 على يد المفكر الفرنسي ديستوت دو تراسي، الذي حاول تأسيس ما سماه «علم الأفكار»، باعتباره دراسة علمية لكيفية تشكّل الأفكار الإنسانية انطلاقًا من التجربة الحسية. وقد تأثر هذا التصور بالفلسفة التجريبية الإنجليزية، خاصة أفكار جون لوك وكوندياك، حيث اعتُبر الفكر نتيجة مباشرة للإحساس وليس معطى فطريًا سابقًا للتجربة.

غير أن المفهوم لم يحظ بقبول سياسي واسع، إذ هاجمه نابليون بونابرت واعتبره خطابًا تجريديًا منفصلًا عن الواقع السياسي، واستعمل مصطلح «الأيديولوجيين» بصيغة قدحية لوصف خصومه الفكريين. ومنذ تلك اللحظة بدأ المفهوم يكتسب دلالات سلبية ارتبطت بالوهم والتجريد والانفصال عن الواقع. وهكذا انتقل مفهوم الأيديولوجيا من كونه مشروعًا معرفيًا لدراسة الأفكار إلى أداة نقدية لتحليل السلطة والمجتمع.

الأيديولوجيا في الفكر الغربي

مثّلت الماركسية لحظة حاسمة في تطور المفهوم، إذ اعتبر كارل ماركس أن الأيديولوجيا ليست معرفة محايدة، بل وعيًا زائفًا تنتجه الطبقة المهيمنة لتبرير مصالحها الاقتصادية، بحيث تصبح الأفكار انعكاسًا للبنية المادية وعلاقات الإنتاج.

أما فريدريش نيتشه فقد رأى أن الأنظمة الفكرية والأخلاقية تعبير عن إرادة القوة، وأن الأيديولوجيات تُنتج بوصفها استجابات نفسية للصراع الإنساني. في حين ربط سيغموند فرويد الأيديولوجيا بالبنية اللاواعية، معتبراً أن المعتقدات الجماعية تمثل إسقاطات رمزية لرغبات مكبوتة.

وقد قدّم كارل مانهايم تصورًا سوسيولوجيًا للأيديولوجيا باعتبارها نتاجًا للموقع الاجتماعي للفكر، مميزًا بين الأيديولوجيا المحافظة والطوباوية التغييرية. واستلهم العروي من هيغل فكرة «روح العصر»، حيث ترتبط الأفكار بسياقها التاريخي ولا يمكن فهمها خارج شروط نشأتها.

الأيديولوجيا في الفكر العربي

في قراءته لاستعمال المفهوم عربيًا، توقف العروي عند أطروحات نديم البيطار الذي دعا إلى تبني أيديولوجيا ثورية تقود التحول التاريخي. غير أن العروي اعتبر هذا الطرح تلفيقيًا لخلطه بين الفلسفة والعلم والدين دون ضبط منهجي، ليخلص إلى أن الأزمة العربية لا تكمن في غياب الأيديولوجيا، بل في سوء فهمها واستعمالها خارج شروطها التاريخية.

المبحث الثاني: الأيديولوجيا عند عبد الله العروي.. تشكّل المشروع الفكري وأفق الإصلاح التاريخي

المسار الفكري والسيرة العلمية

وُلد عبد الله العروي سنة 1933 بمدينة أزمور في سياق تصاعد الوعي الوطني المغربي. وقد أتاح له تكوينه المزدوج بين التعليم المحلي والدراسة في فرنسا الاحتكاك المباشر بالفكر الأوروبي الحديث، مما جعله يدرك مبكرًا الفجوة التاريخية بين العالم العربي والغرب.

وقد أسهمت تجربته الأكاديمية وانخراطه السياسي المبكر في تشكيل رؤية نقدية تجمع بين التحليل التاريخي والفلسفي، قبل أن يتجه إلى بناء مشروع فكري مستقل يعالج سؤال النهضة العربية من منظور تاريخاني.

تطور المشروع الفكري

شكّل كتاب الأيديولوجيا العربية المعاصرة (1967) نقطة الانطلاق لمشروع العروي، حيث اعتبر أن أزمة العالم العربي هي أساسًا أزمة وعي تاريخي. وتتابعت أعماله لاحقًا ضمن مشروع مفاهيمي متكامل يعيد بناء مفاهيم الدولة والحرية والتاريخ والعقل داخل الفكر العربي الحديث.

ولعل من أهم  وأبرز مؤلفاته التي شكّلت مشروعًا فكريًا متكاملاً ما يلي:

العرب والفكر التاريخي (1973)

أزمة المثقفين العرب (1974)

مفهوم الأيديولوجيا (1980)

مفهوم الدولة (1981)

مفهوم الحرية (1981)

ثقافتنا في ضوء التاريخ (1983)

مفهوم التاريخ (1992)

مفهوم العقل (1996)

حيث أن هذه الكتب لا تمثل أعمالًا منفصلة، بل حلقات مترابطة ضمن مشروع واحد يسعى إلى إعادة بناء المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها الفكر العربي الحديث.

مفهوم الأدلوجة

اقترح العروي تعريب مصطلح Ideology بصيغة «الأدلوجة»، مؤكدًا أن المفهوم يمثل طريقة في رؤية الواقع وتأويله لا مجرد منظومة أفكار. فالأدلوجة تنتقي عناصر الواقع وتعيد تنظيمها داخل نسق اعتقادي يمنح الفعل السياسي والاجتماعي معنى واتجاهًا.

المشروع الإصلاحي وسؤال الحداثة

ينطلق مشروع العروي من سؤال مركزي: لماذا تأخر العالم العربي بينما تقدم الغرب؟ ويرى أن تجاوز هذا الوضع يمر عبر تبني الوعي التاريخي وفهم الحداثة باعتبارها مسارًا تاريخيًا لا نموذجًا جاهزًا للاستيراد، داعيًا إلى قطيعة معرفية مع أنماط التفكير التقليدية واستيعاب منطق التاريخ الحديث.

المبحث الثالث: نقد عبد الله العروي للأيديولوجيا العربية.. محمد عبده نموذجًا

يُعد محمد عبده أحد أبرز رواد الإصلاح الديني، إذ سعى إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة عبر إعادة فتح باب الاجتهاد وإصلاح التعليم الديني. غير أن العروي رأى أن هذا المشروع ظل محكومًا بمنطق توفيقي أخلاقي أكثر منه تحليلًا تاريخيًا عميقًا.

فبينما فسّر عبده تخلف المسلمين بالابتعاد عن جوهر الدين، اعتبر العروي أن المشكلة تكمن في غياب الوعي التاريخي الذي أنتج الحداثة الأوروبية عبر تحولات اجتماعية واقتصادية طويلة.

ومن هنا انتقد العروي ما سماه «وهم الأصالة»، حيث حاول الفكر الإصلاحي تحقيق الحداثة انطلاقًا من الماضي بدل الانخراط في شروط التاريخ الحديث، داعيًا إلى تجاوز الثنائية الحضارية بين الشرق والغرب والانخراط في التاريخ الإنساني المشترك.

ويميز العروي بين «العقل المطلق» المرتبط بالجدل النظري، و«عقل العقل» المرتبط بالمنهج العلمي المنتج للمعرفة، مؤكداً أن النهضة الحقيقية تقتضي الانتقال من ترديد المفاهيم إلى ممارسة تاريخية فعلية.

خاتمة

يكشف تحليل عبد الله العروي لمفهوم الأيديولوجيا عن مشروع فكري يتجاوز حدود النقد النظري ليطرح سؤال الوعي التاريخي باعتباره شرطًا أساسياً لفهم مسار الحداثة. فالأزمة التي يشخصها لا ترتبط بنقص القيم أو غياب الإرادة الإصلاحية، بل بعدم استيعاب منطق التاريخ الحديث. ومن هنا يتحول نقد الأيديولوجيا عند العروي إلى دعوة لإعادة بناء الفكر العربي على أساس عقلانية تاريخية قادرة على تجاوز ثنائية الأصالة والحداثة والانخراط في أفق إنساني كوني.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

.............................

المصادر والمراجع

العروي، عبد الله. (1993). مفهوم الأيديولوجيا. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

العروي، عبد الله. (1995). الأيديولوجيا العربية المعاصرة. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

العروي، عبد الله. (1996). مفهوم التاريخ. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

Mannheim, K. (1936). Ideology and Utopia. London: Routledge.

Marx, K., & Engels, F. (1970). The German Ideology. New York: International Publishers.

في حركية العقل الإغريقي، حيث انبثقت الفلسفة من رحم الأسطورة كولادة أولى للعقل الإنساني، تقف القضية الأولى كسؤال وجودي مطلق: ما الوجود؟ ليس هذا السؤال مجرد فضول معرفي، بل هو اللحظة التأسيسية التي حوّلت النظر إلى الطبيعة من تسبيح أسطوري إلى تأمل أنطولوجي. فالفلسفة الإغريقية، في مشارقها الأيونية ومغاربها الأثينية، لم تبدأ بالأخلاق أو السياسة أو الجمال، بل بالكينونة نفسها: بالبحث عن الأصل (الأركي) الذي يحمل في طياته كل ما هو موجود، وبالتساؤل عن طبيعة الوجود ذاته كما يتجلى في الثبات والتغير، في الواحد والكثير، في الواقع والممكن. هذه القضايا الأولى ليست تاريخية فحسب، بل هي مبادئ تأسيسية تشكل جوهر الفكر الغربي حتى اليوم، إذ تجعل الأنطولوجيا – علم الوجود – محور كل تأمل فلسفي لاحق.

ينطلق هذا المسار الأنطولوجي مع الميليسيين في القرن السادس قبل الميلاد، حيث انتقل الفكر من عالم الآلهة إلى عالم الوجود المحسوس. فثاليس يرى في الماء الأركي الأول، ليس كعنصر مادي سطحي بل كمبدأ وجودي أولي: الماء هو الجوهر الذي يحمل إمكانية كل التغيرات، فهو يتحول إلى بخار وثلج وأرض، وبالتالي يُعلن أن الوجود ليس كثيراً متفرقاً بل واحد متصل بذاته. هنا تظهر المبدأ التأسيسي الأول: الوجود يمتلك وحدة جوهرية تكمن وراء التنوع الظاهري. ومع أناكسيماندر يتعمق هذا المبدأ: الأركي ليس شيئاً محدوداً كالماء، بل «اللامحدود» (أبيرون)، كيان أنطولوجي محايد يتجاوز كل التعيينات، يولد منه الأضداد (حار وبارد، رطب ويابس) عبر عملية انفصال أبدي. الوجود هنا ليس ثابتاً بل ديناميكياً، يحمل في ذاته مبدأ التعارض الذي يجعل الكون ممكناً. أناكسيماندر يؤسس بذلك لقضية أنطولوجية مركزية: كيف ينشأ الكثير من الواحد دون أن يفقد الواحد وحدته؟

إنها إعلان عن الوجود كعملية، لا ككتلة ساكنة.أما هيراقليطس، فيلسوف الصيرورة، فيحوّل هذه القضية إلى قلب نابض: الوجود ليس ثباتاً بل تدفقاً أبدياً. «كل شيء يتدفق» (بانتا ري) ليس شعاراً سطحياً، بل مبدأ أنطولوجياً يرى في النار الأركي الأول، لا كمادة بل كرمز للتحول المستمر الذي يحكمه اللوغوس – العقل الكوني الذي يجمع الأضداد في وحدة خفية. الوجود إذن هو صراع داخلي: الطريق صاعد والطريق نازل واحد، والحرب أبو كل شيء. هنا تبرز المبدأ التأسيسي الثاني: الوجود ليس جوهراً ساكناً بل علاقة ديناميكية، صيرورة تُدرك باللوغوس لا بالحواس وحدها. فالكينونة الحقيقية تكمن في التوتر بين الثبات الظاهري والتغير الجوهري، ومن يفهم هذا التوتر يدرك أن الموت والحياة، النهار والليل، هما وجهان لوجود واحد.

في مواجهة هذا التدفق يقف بارمينيدس كمنعطف أنطولوجي حاسم، يُعلن في قصيدته «عن الطبيعة» أن «الوجود هو، والعدم ليس». هذا ليس مجرد حكم منطقي، بل إعلان أنطولوجي مطلق: الوجود واحد، كامل، غير متغير، غير قابل للانقسام، ولا ينشأ ولا يفنى. الصيرورة التي تحدث عنها هيراقليطس هي وهم حسي، أما الوجود الحقيقي فيُدرك بالعقل وحده. هنا يتأسس المبدأ الثالث: الوجود يسبق الظاهر، والفكر والوجود متطابقان («نفس الشيء هو الفكر والوجود»). بارمينيدس يضع بذلك أساس الميتافيزيقا الغربية: الوجود ليس متعدداً بل واحد مطلق، وكل تعدد أو تغير هو نقص في الفهم. هذا التناقض بين الواحد الثابت (بارمينيدس) والكثير المتدفق (هيراقليطس) سيظل يغذي كل التأمل الأنطولوجي اللاحق، كأنه دائرة أولى تُعيد تشكيل ذاتها.

مع سقراط تتحول القضية الأنطولوجية إلى داخل الإنسان، لكنها تبقى جذرية: البحث عن الجوهر (أوسيا) في الأخلاق والمعرفة. أما أفلاطون فيبني على هذا كله بناءً أنطولوجياً شاهقاً: عالم المثل. الوجود الحقيقي ليس في المحسوسات المتغيرة بل في المثل الأبدية، في «الخير الأعلى» الذي ينير كل كينونة. المحسوسات مجرد ظلال، أما المثل فهي الوجود الكامل، غير المتغير، الذي يشارك فيه الواقع مشاركة جزئية. هنا يتجلى المبدأ التأسيسي الرابع: الوجود متدرج، هناك وجود أولي (المثل) ووجود ثانوي (المحسوس). أفلاطون يحل تناقض هيراقليطس وبارمينيدس بالتمييز بين عالم الصيرورة وعالم الكينونة، فيجعل الفلسفة طريق صعود نحو الوجود الحقيقي عبر الجدل والتذكر.

وأخيراً، يُكمل أرسطو هذا البناء بتحويل الأنطولوجيا إلى علم الجوهر (أوسيولوجيا). الوجود ليس مثالاً منفصلاً بل جوهراً في الأشياء نفسها: الجوهر الأول هو الله كمحرك غير متحرك، فعل خالص بدون قوة. أما الجواهر الأخرى فهي مركبة من مادة وصورة، من قوة وفعل. هنا يظهر المبدأ التأسيسي الخامس: الوجود ليس واحداً مطلقاً ولا تدفقاً عشوائياً، بل نظاماً هرمياً من الإمكان إلى الفعل، حيث يتحقق الوجود في الغاية (التيلوس). أرسطو يجمع بين الوحدة البارمينيدية والتعدد الهيراقليطي في مفهوم الجوهر الذي يحمل هويته في ذاته، ويؤسس بذلك لأنطولوجيا علمية تدرس الكائن بما هو كائن.

في قلب الفلسفة الإغريقية، يمثل اللقاء بين أنطولوجيا أفلاطون وأنطولوجيا أرسطو أحد أعمق المنعطفات في تاريخ التأمل حول الوجود. فكلاهما يسعى إلى الإجابة عن السؤال الأول: ما الوجود الحقيقي؟ وكيف يمكن تمييزه عن الظاهر المتغير؟ لكنهما يختلفان جذرياً في الطريق إلى هذا الجواب، مما يجعل مقارنتهما ليست مجرد مواجهة تاريخية بين معلم وتلميذ، بل صراعاً أنطولوجياً بين عالمين: عالم المثل المنفصل وعالم الجواهر المتجسدة. هذه المقارنة تكشف عن دائرة هرمينوطيقية خصبة، حيث يبني أرسطو على أفلاطون ثم يتجاوزه، محولاً الأنطولوجيا من تأمل مثالي متعالٍ إلى علم واقعي ديناميكي يدرس الكائن بما هو كائن في عالمنا المحسوس.تبدأ أنطولوجيا أفلاطون من افتراض ثنائي العوالم (نظرية المثل). الوجود الحقيقي – الكينونة الكاملة – يكمن في عالم المثل (الأفكار الأبدية)، وهو عالم منفصل عن عالم المحسوسات. المثل هي الكائنات المثالية الثابتة، غير المتغيرة، غير المادية، مثل «الجمال في ذاته» أو «العدل في ذاته» أو «الإنسان في ذاته». أما الأشياء المحسوسة في عالمنا فهي مجرد ظلال أو مشاركات ناقصة في تلك المثل. هنا يحل أفلاطون تناقض هيراقليطس (الصيرورة) وبارمينيدس (الثبات) بفصل حاد: عالم الصيرورة (المتغير، الوهمي نسبياً) مقابل عالم الكينونة (الثابت، الحقيقي تماماً). الوجود متدرج في درجة الواقعية: المثل أكثر واقعية من الأشياء المادية، لأنها كاملة وأبدية، بينما المحسوسات تتغير وتفنى. المعرفة الحقيقية إذن ليست حسية بل عقلية، عبر الجدل والتذكر، صعوداً من الظلال نحو النور في أسطورة الكهف. الأنطولوجيا الأفلاطونية مثالية ومتعالية: الوجود الأصيل خارج الزمان والمكان، والعالم المادي تابع له، ناقص ومشتق.في المقابل، ترفض أنطولوجيا أرسطو هذا الفصل الثنائي رفضاً جذرياً، وتؤسس رؤية توحيدية داخلية للوجود. يرى أرسطو أن الوجود الحقيقي يكمن في الجواهر الفردية الموجودة فعلاً في العالم المحسوس (الجوهر الأول: أوسيا بروتي)، مثل سقراط أو هذا الحصان. لا توجد المثل منفصلة في عالم آخر؛ فالصورة (المورفي أو الإيدوس) موجودة داخل الشيء نفسه، متحدة مع المادة (الهيولي). هذا هو مبدأ الهيولي-مورفيزم (الصورة-المادة): كل كائن مركب من مادة (القوة، الإمكانية الخام، اللاتعيّنة) وصورة (الفعل، التحقيق الذي يعطي الهوية والغاية). الوجود ليس مثالاً متعالياً بل متجسداً: الشيء ليس ظلاً لمثال، بل جوهراً حقيقياً يحقق صورته داخل مادته. بهذا يتجاوز أرسطو أفلاطون: المثل الأفلاطونية تصبح عند أرسطو «صوراً جوهرية» ثانوية (كليات تُقال على الجواهر الفردية)، لكن الواقعية الأولى للوجود تكمن في الفرد المحدد، لا في الكلي المنفصل.يبرز الفرق الأساسي في طبيعة الوجود ودرجته. عند أفلاطون، الوجود متدرج نحو الأعلى: المثل (خاصة «الخير الأعلى») هي الوجود الكامل، والمحسوسات أقل واقعية لأنها متغيرة وناقصة. أما عند أرسطو، فالوجود متدرج نحو الداخل والفعل: من المادة النقية (مجرد قوة، لا وجود فعلي لها) إلى الفعل النقي (الجوهر الأول: المحرك الذي لا يتحرك، الله كفكر يفكر في ذاته). كل تغير هو انتقال من القوة إلى الفعل داخل الجوهر نفسه، وليس انحداراً من عالم مثالي. الوجود هنا غائي (تيلولوجي): كل كائن يسعى نحو تمام صورته، نحو فعله الكامل. الأسباب الأربعة (المادي، الصوري، الفاعل، الغائي) تعبر عن هذه الديناميكية: لا يوجد شيء إلا بتحقيق غايته داخل وحدة المادة والصورة.رغم الاختلاف الجذري، تكشف المقارنة عن نقاط تلاقٍ عميقة. كلاهما يرفض المادية النقية (كالذرّيين) ويؤكد على دور العقل في فهم الوجود. كلاهما يرى في الوجود نظاماً مرتباً، ويجعلان الفلسفة طريقاً نحو الخير أو التمام. أفلاطون يرى الخير في المثال المتعالي، بينما أرسطو يراه في الفعل الكامل داخل الطبيعة. أرسطو، كتلميذ، ينقد أفلاطون نقداً داخلياً: فصل المثل يجعلها غير قادرة على تفسير التغير والحركة في العالم المحسوس، ويؤدي إلى مشكلة «المشاركة» غير المفهومة. في المقابل، يتهم أفلاطون (من خلال حواراته المتأخرة) الرؤى الواقعية بالعجز عن تفسير الوحدة والكلية. هكذا تكون المقارنة دائرة: أفلاطون يفتح الباب للتعالي، وأرسطو يعيد الوجود إلى الأرض دون أن يفقده معناه.

 في تاريخ الفلسفة الإغريقية، حيث بلغت الأنطولوجيا ذروتها في تأمل أرسطو، تتحول القضية الأولى – «ما الوجود؟» – من سؤال ميليسي أو هيراقليطي أو بارمينيدي إلى علم مستقل، علم الكائن بما هو كائن (تو أون هي أون). لم تعد الأنطولوجيا عند أرسطو تأملاً في الأصل المادي أو الصيرورة أو الواحد المطلق فحسب، بل هي دراسة الجوهر (أوسيا) كما يتجلى في كل كائن، في وحدته وتعدده، في ثباته وتغيره، في قوته وفعله. إنها ليست مجرد مرحلة تاريخية في تطور الفكر الإغريقي، بل هي البناء التأسيسي الذي جعل الأنطولوجيا علماً أولياً، يسبق كل العلوم الأخرى لأنه يدرس الوجود ذاته قبل أن يدرس أي وجود خاص. هكذا يصبح أرسطو ليس خاتماً للفلسفة الإغريقية فحسب، بل مؤسساً لأنطولوجيا تظل تُعاد قراءتها كلما تساءل الإنسان عن معنى كينونته.

المدخل الأنطولوجي الأساسي عند أرسطو هو التمييز بين الجوهر الأول والجواهر الثانوية. الوجود ليس كتلة واحدة كما عند بارمينيدس، ولا تدفقاً عشوائياً كما عند هيراقليطس، بل نظاماً هرمياً يتدرج فيه الكائن. الجوهر الأول (أوسيا بروتي) هو الكائن الفردي الموجود فعلاً، كسقراط أو هذا الحصان أو تلك الشجرة؛ هو الذي يحمل الهوية في ذاته، ولا يُحمَل على شيء آخر. أما الجواهر الثانوية فهي الكليات (الأنواع والأجناس) التي تُقال على الجواهر الأولى، كـ«إنسان» أو «حيوان». هذا التمييز ليس تصنيفاً منطقياً سطحياً، بل هو إعلان أنطولوجي عميق: الوجود الحقيقي يكمن في الفردية المحددة، لا في المثال الأفلاطوني المنفصل. بهذا يتجاوز أرسطو أفلاطون: المثل ليست موجودة في عالم منفصل، بل هي الصورة الفعلية التي تُحقق الجوهر داخل المادة. الوجود إذن ليس مثالياً مجرداً، بل متجسداً، متجلياً في الأشياء نفسها.من هنا ينبثق مبدأ الهيولي-مورفيزم (الصورة-المادة) كقلب الأنطولوجيا الأرسطية. كل كائن مركب من هيولي (مادة) ومورفي (صورة). المادة هي القوة (دوناميس)، الإمكانية الخام، اللاتعيّنة التي تحمل إمكان كل شيء؛ أما الصورة فهي الفعل (إنيرجيا)، التحقيق الذي يعطي المادة هويتها وغايتها. ليس هذا ثنائية ميكانيكية، بل وحدة أنطولوجية ديناميكية: الإنسان ليس جسداً + نفساً، بل نفس متجسدة تجعل الجسد إنسانياً. هكذا يحل أرسطو تناقض الثبات والتغير: التغير ليس وهماً كما عند بارمينيدس، ولا جوهراً كما عند هيراقليطس، بل انتقالاً من القوة إلى الفعل داخل الجوهر نفسه. كل صيرورة هي تحقيق لإمكانية كامنة، وكل تحقيق يظل مفتوحاً على إمكانيات أعلى. الوجود هنا ليس ساكناً ولا فوضوياً، بل غائياً: كل كائن يسعى نحو تمام صورته، نحو فعله الكامل.

في قمة هذا البناء الأنطولوجي يقف الجوهر الأول المطلق: المحرك الذي لا يتحرك (بريموس كينيتيس أكينيتوس). هذا ليس إلهاً أسطورياً، بل ذروة الوجود نفسه: فعل خالص بدون قوة، كينونة خالصة بدون مادة، فكر يفكر في ذاته (نويسيس نويسيوس). إنه السبب الأول الذي يحرك الكون لا بالقوة بل بالجذب، كما يجذب المحبوب المحب. هنا تكتمل الأنطولوجيا الأرسطية في الإلهيات: الوجود ليس متساوياً، بل متدرجاً من المادة النقية (التي لا وجود لها فعلاً) إلى الفعل النقي. كل كائن يشارك في الوجود بقدر ما يحقق فعله، وكل فعل يشير في النهاية إلى هذا الفعل الأول الذي هو سبب كل سببية. بهذا يجمع أرسطو بين الواحد البارمينيدي والكثير الهيراقليطي: الكثرة موجودة فعلاً، لكنها منظمة في نظام واحد ينتهي إلى وحدة عليا.

أما الأسباب الأربعة (المادي، الصوري، الفاعل، الغائي) فهي ليست أدوات تفسيرية خارجية، بل تعبير أنطولوجي عن كيفية وجود الكائن. لا يوجد شيء إلا بسبب هذه الأربعة مجتمعة: المادة تعطيه إمكانيته، الصورة تعطيه هويته، الفاعل يحققه، والغاية توجهه. هذا ليس تصنيفاً علمياً، بل رؤية كونية تجعل الوجود غائياً في جوهره: كل كينونة تحمل في ذاتها سبب وجودها، وتسعى نحو تمامها. هكذا تتحول الأنطولوجيا من تأمل سلبي إلى فهم نشط: الإنسان، ككائن عاقل، يستطيع أن يدرك هذا النظام ويشارك فيه بالمعرفة والفعل الأخلاقي. في تعميقنا هذا، نكتشف أن أنطولوجيا أرسطو ليست نظاماً مغلقاً بل دائرة حية: تبدأ من الجوهر الفردي، تمر بالهيولي-مورفيزم كوحدة ديناميكية، وتنتهي إلى الفعل الإلهي كمبدأ كل وجود. إنها تتجاوز كل الثنائيات السابقة – المادة والروح، الواحد والكثير، الثبات والتغير – بجعلها لحظات داخل وحدة أعلى. الوجود عند أرسطو ليس شيئاً نملكه، بل هو ما نكونه: صعود مستمر من القوة إلى الفعل، من المادة إلى الصورة، من الكثرة إلى الوحدة. وبهذا يبقى أرسطو معلماً أولياً لكل أنطولوجيا لاحقة، سواء في التراث الإسلامي الذي أعاد صياغته أو في الفكر الغربي الذي بنى عليه أو نقده. ففي أعماق كل تساؤل عن الكينونة، يتردد صدى أرسطو: الوجود ليس لغزاً يُحل، بل دعوة لأن نكون فعلاً ما نحن قادرون عليه، في عالم يسعى كله نحو تمام جوهره.

هكذا تكتمل الدائرة الأنطولوجية للفلسفة الإغريقية: من الأركي الميليسي كمبدأ مادي-وجودي، إلى اللوغوس الهيراقليطي كعقل كوني، إلى الوجود البارمينيدي كواحد مطلق، إلى المثل الأفلاطونية ككينونة مثالية، إلى الجوهر الأرسطي كفعل متدرج. هذه القضايا الأولى – الوحدة والتعدد، الثبات والتغير، الجوهر والصيرورة – ليست مجرد مراحل تاريخية بل مبادئ تأسيسية تشكل نسيج الوجود ذاته. إنها تُعلن أن الفلسفة ليست تأملاً في العالم فحسب، بل هي محاولة الإنسان لأن يفهم موقعه داخل الوجود، وأن يصعد من الظل إلى النور، من القوة إلى الفعل، من الأسطورة إلى اللوغوس.

في الختام، تمثل أنطولوجيا أفلاطون رؤية مثالية متعالية تجعل الوجود الحقيقي في عالم منفصل من الكمال الأبدي، بينما تمثل أنطولوجيا أرسطو رؤية واقعية متجسدة تجعل الوجود في وحدة المادة والصورة داخل الجواهر الفردية، كعملية صعود من القوة إلى الفعل. هذا التباين ليس تناقضاً يُلغي أحدهما الآخر، بل هو توتر خصب أثر في كل الأنطولوجيا اللاحقة: في التراث الإسلامي (ابن سينا يجمع بينهما، ابن رشد يميل إلى أرسطو)، وفي الفكر الغربي (من توما الأكويني إلى هيدجر). إنها مقارنة تذكرنا بأن الوجود يمكن أن يُدرك صعوداً نحو المثال أو غوصاً في الواقع، لكنه في كلا الحالين يدعو الإنسان إلى أن يفهم كينونته: هل نحن ظلال لكمال أعلى، أم جواهر تسعى نحو تمامها في هذا العالم؟ بهذا يظل التوتر بين أفلاطون وأرسطو سرّاً أنطولوجياً مفتوحاً، يثري كل تأمل في معنى الكينونة. وبهذا تبقى الفلسفة الإغريقية، في أنطولوجيتها الأولى، نداءً أبدياً لكل من يتأمل في سر الكينونة: ما الوجود، وكيف نكون فيه؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ليس يسيرا أن يُتناوَل مشروع محمد عابد الجابري بوصفه مجرّد اجتهاد فكري داخل سياق ثقافي مغربي أو عربي محدود لأنّ هذا المشروع قد تشكّل منذ بداياته في صورة ورش نقدي واسع أراد أن يلامس البنية العميقة للعقل العربي لا مظاهره الخطابية السطحية. فالجابري لم يقدّم قراءة جزئية لتراثٍ بعينه ولم يكتفِ بإعادة ترتيب أسماء أو مدارس أو متون بل اندفع إلى مساءلة الآلة التي اشتغل بها الفكر العربي نفسه عبر قرون طويلة أي ذلك النسق المعرفي الذي صاغ طرائق النظر والاستدلال والاحتجاج والتأويل وحدّد ما يجوز التفكير فيه وما يُقصى من مجال المشروعية المعرفية. من هنا اكتسب مشروعه قيمته الإشكالية الكبرى لأنّه نقل السؤال من مضمون الفكر إلى شروط إنتاجه ومن قضايا الثقافة إلى بنية العقل الذي يصوغ تلك القضايا ويعيد إنتاجها في كل عصر.

لقد جاء الجابري في لحظة عربية مثقلة بالخيبات حيث صار سؤال النهضة متورّطا في إعادة تكرار نفسه وصار خطاب الحداثة يستهلك مفرداته أكثر مما ينجز شروطه وصارت العودة إلى التراث، في كثير من تجلياتها أقرب إلى الاحتماء الرمزي منها إلى الفحص النقدي الصارم. داخل هذا الأفق المأزوم حاول الجابري أن يفتح ثغرة حقيقية في جدار العادة الفكرية فربط أزمة الحاضر العربي بطبيعة البناء المعرفي الذي ورثناه وجعل من نقد العقل العربي مدخلا لفهم التعثر التاريخي الذي لازم مسارات الإصلاح والتحديث. لذلك لم يكن مشروعه ترفا نظريا ولم يكن اشتغالا مدرسيا معزولا عن رهانات الواقع بل كان تعبيرا عن وعي حادّ بأنّ كل إصلاح سياسي أو اجتماعي أو تربوي يظلّ ناقصا ما لم يُسبَق بإعادة نظر جذرية في أنظمة المعرفة التي تؤطر الوعي الجماعي وتوجّه علاقته بالتراث والسلطة والحقيقة.

والحق أنّ قوة الجابري لا تُختزل في كثافة المادة التراثية التي استند إليها ولا في سعة اطلاعه على الفلسفة الحديثة ومناهج الإبستمولوجيا المعاصرة، وإنّما تُلتمس أساسا في قدرته على تحويل التراث من موضوع للتبجيل أو الخصومة إلى موضوع للتحليل البنيوي والتاريخي معا. لقد تعامل مع التراث بوصفه نظاما من العلاقات الداخلية وبوصفه كذلك حصيلة لصراعات معرفية ومذهبية وسياسية أسهمت في تشكيل صورة العقل العربي كما استقرّت في الوجدان الثقافي العام. ولهذا السبب بالذات أثار مشروعه كل ذلك الجدل؛ لأنّه مسّ مناطق ظلّ الناس يعدّونها من المسلّمات، ولامس تصوّرات رسخت طويلا تحت غطاء القداسة أو العصمة الثقافية أو التماهي الهويّاتي.

غير أنّ المشاريع الكبرى لا تُقاس بقوة حضورها فقط، بل كذلك بقدرتها على تحمّل المساءلة. ومشروع الجابري مهما بلغت مكانته ليس فوق النقد، لأنّ كل محاولة لإعادة بناء العقل العربي تظلّ محكومة بحدود أدواتها المنهجية وباختياراتها المعرفية وبما تستبعده من إمكانات تأويلية أخرى. لقد فتح الجابري أفقا واسعا للتفكير غير أنّه أغلق في مواضع غير قليلة مسالك أخرى للفهم، خصوصا حين مال إلى بناء تقابلات حادة بين أنظمة المعرفة أو حين منح بعض النماذج التراثية وظيفة تمثيلية تكاد تتجاوز حدودها التاريخية الفعلية. وتعد قراءة مشروعه اليوم ضرورة فكرية مضاعفة، ضرورة اعتراف بما أنجزه من تحرير للعقل من أوهامه الموروثة وضرورة مساءلة لما رسّخه هو نفسه من تصنيفات وأحكام ومصادرات تحتاج إلى إعادة فحص.

وعليه، فإنّ تناول محمد عابد الجابري لا ينبغي أن يصدر عن انبهارٍ يُعطّل النقد ولا عن خصومةٍ تُعمي البصيرة بل عن تقدير علمي لمفكر كبير حمل همّ العقل العربي في لحظة عسيرة وخاض معركة فكرية نادرة الجرأة والاتساع وترك نصوصا ستظلّ حاضرة في كل نقاش جادّ حول التراث والحداثة والنهضة وأزمة الوعي العربي. ذلك أنّ قيمة هذا المشروع لا تكمن فقط في أجوبته بل في نوع الأسئلة التي فرضها وفي الطريقة التي أعاد بها ترتيب علاقتنا بماضينا وفي الأثر الذي أحدثه داخل الحقل الفلسفي العربي المعاصر أثرا يجعل من قراءته اليوم مدخلا إلى فهم الجابري نفسه وفهم زمنه وفهم حدود إمكاننا الفكري الراهن.

إذا كان من السهل أن يُدرَج اسم محمد عابد الجابري ضمن كبار مفكري العرب في القرن العشرين، فإنّ الأصعب حقا هو تحديد طبيعة الرهان الذي انخرط فيه، لأنّ الرجل لم يكن يشتغل داخل حدود التأليف الفلسفي التقليدي ولم يكن يكتفي بترجمة مفاهيم الحداثة إلى العربية أو إعادة عرضها في سياق ثقافي محلّي بل كان يسعى إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، كان يشتغل على البنية المنتجة للوعي العربي نفسه، على الأرضية العميقة التي تصنع طرائق الفهم وتوجّه آليات النظر وتحدّد أنماط الاستدلال والقبول والرفض داخل الثقافة العربية الإسلامية. ولهذا السبب بالذات اكتسب مشروعه تلك المكانة المركزية داخل الفكر العربي المعاصر، لأنّه لم يتعامل مع الأزمة بوصفها اختلالا سياسيا عابرا ولا بوصفها مجرّد تأخر تاريخي يمكن تداركه ببعض الإصلاحات الجزئية بل قرأها في مستوى أعمق، أي في مستوى العقل الذي يفكّر والمعايير التي تحكم اشتغاله والمخيال المعرفي الذي يؤطّر علاقته بالعالم والتاريخ والسلطة والنص.

إنّ السؤال الذي حرّك الجابري لم يكن سؤالا ثقافيا بسيطا من قبيل لماذا تأخر العرب وتقدّم غيرهم؟ ذلك السؤال الذي استهلكه خطاب النهضة منذ الطهطاوي وخير الدين التونسي ومحمد عبده والكواكبي إلى مطالع القرن العشرين. لقد كان سؤاله أكثر تعقيدا وأشدّ جذرية كيف تشكّل العقل العربي؟ وما هي أنظمته المعرفية؟ وما الشروط التي جعلته ينتج أنماطا مخصوصة من الفهم والتأويل والمشروعية؟ وما الذي جعله في لحظات كثيرة يعيد إنتاج ماضيه بدل أن يفتح أفق مستقبله؟ هنا يتبدّى الفارق بين الإصلاحي الذي يطلب حلولا وبين الناقد الذي يعود إلى شروط إمكان المشكلة ذاتها. وقد كان الجابري بهذا المعنى أقرب إلى الناقد الإبستمولوجي منه إلى المصلح الوعظي وأقرب إلى الحفّار في طبقات الوعي منه إلى الخطيب الذي يكتفي بإدانة الواقع.

ولعلّ هذا ما يفسّر أنّ مشروعه قد انبنى منذ بداياته على وعي صارم بأنّ النهضة لا تُصنع بالشعارات وأنّ الحداثة لا تُستعار استعارة وأنّ التراث لا يُتجاوز بسبّه أو بتمجيده بل بفهم منطقه الداخلي وآلياته وطبقاته وتوتراته. وقد عبّر الجابري عن هذا الوعي في أكثر من موضع حين جعل من “العقل المستقيل” أحد عناوين الأزمة الحضارية العربية، وحين سعى إلى تفكيك بنية “اللامفكَّر فيه” داخل الثقافة العربية الإسلامية. فالمشكل عنده ليس في وجود التراث بل في طريقة حضور التراث في وعينا وليس في النصوص القديمة من حيث هي نصوص بل في كيفية اشتغالها داخل بنية السلطة المعرفية والرمزية. ذلك أنّ النص كما قال بول ريكور “ينفتح على عوالم متعددة بقدر ما تتعدد إمكانات تأويله”، لكنّ الثقافة حين تُحوّله إلى سلطة مغلقة تكفّ عن إنتاج المعنى وتشرع في إعادة إنتاج الطاعة.

من هنا نفهم لماذا لم يذهب الجابري إلى التراث كما يذهب المؤرّخ المحايد إلى أرشيفه ولا كما يذهب الفقيه إلى متونه طلبا للتقرير والتخريج بل ذهب إليه بوصفه ميدانا للصراع المعرفي وبوصفه نظاما حيا ما يزال يمارس سلطته داخل الحاضر. فالتراث عنده ليس ماضيا انقضى بل بنية متواصلة الأثر، تشتغل في المدرسة والجامعة والخطاب الديني والسياسي وفي اللغة التي نفكر بها وفي المسلمات التي نتداولها دون مساءلة. ولهذا كان نقد التراث عنده جزءا من نقد الحاضر بل هو في العمق نقد للحاضر بواسطة تفكيك آلياته الموروثة. وقد كان يدرك بوضوح أنّ “من لا يملك نقد ماضيه لا يملك بناء مستقبله”، وهي فكرة تجد صداها العميق في ما قاله هيغل: “البومة لا تبدأ طيرانها إلا عند الغسق”، أي أنّ الفهم لا يأتي إلا بعد أن تنقضي التجربة وتتحول إلى موضوع للتأمل. غير أنّ الجابري لم يرد تأملا متأخرا باردا بل أراد نقدا تاريخيا يشتبك مع الحاضر ويستثمر الماضي في معركة الوعي.

والحق أنّ هذا التوجه لم يأت من فراغ بل تشكّل داخل تربة فكرية وسياسية معقدة. فالجابري ابن لحظة عربية مأزومة عرفت انهيار الأحلام الكبرى بعد الاستقلالات الوطنية واصطدمت بفشل مشاريع التنمية وتعرّضت لهزّات قاسية كشفت هشاشة البنية السياسية والثقافية معا. لقد عاش جيل الجابري صدمة النكسة وعاين تعثّر المشروع القومي وشهد تحوّل الدولة الوطنية إلى جهاز سلطوي أكثر من كونها إطارا للتحرّر التاريخي. وفي مثل هذا السياق لم يعد السؤال عن الحداثة ترفا ثقافيا بل صار سؤالا وجوديا يخصّ مصير المجتمعات العربية ذاتها. ومن هنا يمكننا فهم انشداد الجابري إلى نقد العقل العربي بوصفه شرطا لفهم أسباب الانسداد الحضاري.

وليس من قبيل المصادفة أنّ الجابري كان شديد الوعي بأهمية المنهج. فالمشاريع الكبرى لا تنهض على النوايا الحسنة بل على الأدوات التي تتيح إعادة ترتيب الموضوع نفسه. وقد كان يصرّ على أنّ التراث لا يُقرأ بعين التراث وحدها لأنّ القراءة من الداخل إذا لم تُدعَم بأدوات تحليلية صارمة قد تنقلب إلى تواطؤ خفي مع موضوعها. لهذا استثمر الجابري جملة من الأدوات المنهجية الحديثة، من البنيوية إلى التحليل الإبستمولوجي إلى التاريخانية النقدية إلى ما استلهمه من باشلار وألتوسير وفوكو وغيرهم، مع حرص واضح على تطويع هذه الأدوات داخل سياق عربي إسلامي لا يقبل النقل الحرفي. لقد كان واعيا بأنّ “المنهج ليس حياديا تماما”، كما يقال في فلسفة العلوم وأنّ اختيار الأداة جزء من بناء الموضوع ذاته. لذلك جاءت قراءته للتراث قراءة تركيبية تجمع بين البنية والتاريخ، بين النسق والتحوّل، بين العلاقات الداخلية للنصوص وبين شروطها السياسية والاجتماعية.

وقد يكون من أخصب ما أنجزه الجابري في هذا الباب أنّه نقل النظر في التراث من مستوى التصنيف المذهبي التقليدي إلى مستوى الأنظمة المعرفية الكبرى. فهو لم يعد يكتفي بالحديث عن المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة والفقهاء والمتصوفة بوصفهم فرقا أو مدارس منفصلة بل حاول أن يستخرج من هذا التعدد الظاهري منطقا عميقا يحكم اشتغال المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية. ومن هنا جاء تقسيمه الشهير إلى البيان والعرفان والبرهان، وهو تقسيم لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تصنيف اصطلاحي بل بوصفه محاولة لإعادة رسم الخريطة المعرفية للعقل العربي. فالبيان عنده ليس مجرد بلاغة أو لغة بل هو نظام معرفي يقوم على النص والقياس والاشتقاق والاحتجاج اللغوي والفقهي. والعرفان ليس مجرد تصوف أو إشراق بل هو نمط في المعرفة يجعل الحقيقة كامنة في الباطن ويعتمد الكشف والرمز والتأويل الباطني وسلاسل التلقي السرّي. والبرهان ليس مجرد منطق صوري بل هو نظام معرفي يستند إلى السببية والاتساق العقلي والصرامة البرهانية كما تجلّت أرقى صورها في التقليد الرشدي.

إنّ هذه الثلاثية كانت في حقيقتها أداة الجابري المركزية في تفكيك العقل العربي، وقد رأى أنّ البيان ظلّ النظام الغالب في الثقافة العربية الإسلامية وأنّ العرفان تسلّل إلى بنية الوعي فأفسد كثيرا من إمكانات العقلانية بينما ظلّ البرهان رغم عظمته هامشيا أو مغلوبا أو محاصرا داخل السياق التاريخي الإسلامي. ولهذا السبب منح ابن رشد مكانة تكاد تكون محورية في مشروعه لا لكونه مجرد فيلسوف من فلاسفة الإسلام، بل لكونه يمثّل في نظره الذروة العقلانية التي كان يمكن أن تتطوّر داخل الثقافة العربية الإسلامية لو لم تُهزَم تاريخيا أمام تحالفات الفقه المغلق والكلام المحافظ والعرفان الغنوصي. إنّ ابن رشد عند الجابري ليس اسما من الماضي بل إمكانٌ تاريخي لم يكتمل. ولهذا قال في أكثر من مناسبة إنّ الحاجة إلى “روح ابن رشد” ليست حاجة إلى استعادة شخصه بل إلى استعادة منطق البرهان الذي مثّله.

ويلتقي الجابري من جهة ما هنا مع التقليد العقلاني الحديث الذي جعل من العقل معيارا للتحرّر. فديكارت حين أعلن أنّ “العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس”، لم يكن يمدح ملكة ذهنية فحسب بل كان يفتح بابا لتحرير الإنسان من سلطة الموروث غير المفحوص. وكانط حين كتب مقالته الشهيرة “ما التنوير؟”، عرّف التنوير بأنّه “خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه” وجعل شعار هذا الخروج هو “لتكن لك الجرأة على استعمال عقلك”. إنّ الجابري في عمق مشروعه يتحرك داخل هذا الأفق، أي أفق جعل العقل أداة للتحرّر من الوصايات سواء كانت وصايات مذهبية أو سياسية أو رمزية. غير أنّ خصوصيته لا تكمن في استعارة خطاب التنوير الأوروبي بل في سعيه إلى استخراج إمكانات التنوير من داخل التراث العربي الإسلامي نفسه عبر إعادة الاعتبار إلى السلالة الرشدية والعقلانية الأندلسية والمغربية.

وهذا بالذات ما يجعل مشروعه مغربيّ الملامح وعربيّ الرهان في آن واحد. فالجابري لم يكن مفكرا عربيا عاما بالمعنى المجرّد فقط، بل كان ابن تقليد مغربي خاص في النظر إلى العقل والفقه والسياسة. وليس غريبا أن يجد في الغرب الإسلامي وخصوصا في ابن رشد والشاطبي وابن خلدون، عناصرَ يمكن أن تؤسّس لما يشبه “العقلانية العملية” داخل الثقافة الإسلامية. فابن رشد يمثّل صرامة البرهان، والشاطبي يمثّل عقلانية المقاصد والنظر في المآلات، وابن خلدون يمثّل عقلانية العمران ووعي الاجتماع السياسي. وقد بدا واضحا أنّ الجابري لا يقرأ هؤلاء بوصفهم أعلاما منفصلين بل بوصفهم حلقات في سلالة معرفية بديلة عن السلالة المشرقية التي يرى أنّها كانت أكثر قابلية لتضخم العرفان وهيمنة التأويلات الغنوصية. وقد كانت قراءته للتراث قراءة انتقائية واعية تبحث عن العناصر القابلة لبناء حداثة عربية من داخل شروطنا التاريخية.

غير أنّ هذا الاختيار على قوته يكشف أيضا عن الطابع البرنامجي لمشروع الجابري. فهو لا يقرأ التراث من أجل المعرفة التاريخية الخالصة بل يقرأه من أجل تأسيس موقف معاصر. إنّه ينتقي ويعيد الترتيب ويمنح بعض اللحظات التراثية كثافة أكبر من غيرها لأنّ غايته النهائية ليست وصف الماضي كما كان بل إعادة بناء الحاضر بما يسمح به ذلك الماضي من إمكانات. وهذا ليس عيبا في ذاته لأنّ كل قراءة كبرى للتراث هي قراءة موجّهة بسؤال معاصر. وقد سبق لنيتشه أن قال إنّ “التاريخ ينبغي أن يُخدم الحياة”، أي أنّ استدعاء الماضي لا قيمة له إذا لم يمدّ الحاضر بقوة نقدية جديدة. لكنّ هذا الوعي البرنامجي نفسه يجعل مشروع الجابري معرّضا للمساءلة لأنّ الانتقاء مهما كان مشروعا قد ينقلب إلى بناء سردية جزئية تُعلي بعض العناصر وتهمّش أخرى.

ومع ذلك فإنّ الإنصاف يقتضي القول إنّ الجابري قد نجح في ما عجز عنه كثير من المفكرين العرب المعاصرين إذ استطاع أن يحوّل النقاش حول التراث من مجرّد معركة أيديولوجية بين “السلفيين” و”الحداثيين” إلى سؤال معرفي مركّب حول أنظمة إنتاج الحقيقة داخل الثقافة العربية الإسلامية، وهذه نقلة كبرى. فبدل أن يقال هل نأخذ بالتراث أو نرفضه؟ صار السؤال أيّ تراث؟ وبأيّ أدوات نقرأه؟ وما الذي ينبغي تفكيكه داخله؟ وما الذي يمكن استثماره؟ لقد انتقل الجدل من منطق الولاء والبراء الثقافي إلى منطق التحليل والنقد والتمييز، وهذه وحدها مساهمة لا يستهان بها.

لقد كان الجابري شديد الحساسية تجاه آفة الخلط، ولذلك سعى إلى تفكيك المتداخلات التي جعلت العقل العربي يشتغل في كثير من الأحيان داخل منطق التمويه المعرفي. فهو يميّز بين ما هو ديني وما هو تاريخي، بين النص المؤسِّس وبين قراءاته المتراكمة، بين العقل الفقهي بوصفه أداة اجتهاد وبين تحوّله إلى جهاز لتبرير الأمر الواقع، بين التصوف الأخلاقي المشروع وبين العرفان الباطني الذي يعلّق الحقيقة على الكشف الشخصي ويجعلها بمنأى عن المراجعة. ويمكن استحضار كلمة الشاطبي الدقيقة في هذا السياق: “المتّبع للدليل هو المتّبع للشرع، والمتّبع للهوى هو المتّبع لما سواه”. هذه العبارة على بساطتها الظاهرة تحمل في جوفها مطلبا جابريا بامتياز، أعني تحرير المعرفة من سلطان الأهواء المتلبّسة بلباس القداسة.

كما أنّ الجابري كان واعيا بأنّ معركة العقل ليست معركة ذهنية صرفة لأنّ أنظمة المعرفة لا تعيش في الفراغ بل تتغذى من البنى السياسية والاجتماعية. ولذلك لم يكن نقده للعقل العربي منفصلا عن نقده للعقل السياسي العربي ولا عن تحليله للبنية السلطانية التي حكمت تاريخ الدولة في الإسلام. فالسلطة كما قال فوكو “لا تُمارَس فقط بالقمع بل بإنتاج أنظمة الحقيقة”. وهذا المعنى حاضر بقوة في مشروع الجابري إذ لا يمكن فهم شيوع نمط معرفي دون فهم القوى التي منحته الشرعية وأقصت غيره. ومن هنا نفهم لماذا كان يعتبر أنّ إقصاء البرهان لم يكن حدثا معرفيا خالصا، بل كان له سند سياسي ومذهبي وثقافي. فالتاريخ لا يحسم لصالح الأصحّ نظريا دائما بل كثيرا ما يحسم لصالح الأقوى مؤسسيا ورمزيا.

إنّ مشروع الجابري قد أعاد الاعتبار إلى السؤال الفلسفي في الثقافة العربية من حيث هو سؤال في الشروط لا في النتائج فقط. لقد علّمنا أو حاول أن يعلّمنا أنّ الأزمة ليست في الأفكار التي نعلنها بل في البنى التي تنتج تلك الأفكار. قد نتكلم عن الحرية بعقلية استبدادية وعن الاجتهاد بعقلية تقليدية وعن الحداثة بأدوات تراثية مغلقة وعن العقل بمنطق لا عقلاني. لهذا كان لا بدّ من تفكيك “العقل الذي يفكر الحداثة” قبل الحديث عن الحداثة ذاتها. وهنا تتبدّى جدة مشروعه وعمقه.

على أنّ أهمية الجابري لا تعني التسليم المطلق بنتائجه. فالمفكر الكبير لا يُكرَّم بتحويله إلى سلطة جديدة، بل بإخضاعه للمساءلة التي دعا هو نفسه إليها. وإذا كان قد طالب بنقد التراث، فإنّ الإنصاف الفكري يقتضي أن نخضع مشروعه بدوره لنفس مقتضيات النقد. ذلك أنّ تقسيماته الكبرى على قوتها الإجرائية ليست حقائق نهائية وأنّ ترسيمه الحادّ بين البيان والعرفان والبرهان قد يفضي أحيانا إلى تبسيط مفرط لحركية التراث وتعقيداته. كما أنّ ميله إلى ردّ كثير من التوترات الفكرية إلى البنية المعرفية وحدها قد يجعل العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تبدو أحيانا في مرتبة ثانوية. ومع ذلك فإنّ هذه التحفظات لا تنقص من قيمة ما أنجزه بل تؤكد أنّه نجح في فرض نفسه بوصفه مفكرا من ذلك الطراز الذي لا يمكن المرور عليه مرورا عابرا.

لقد كان محمد عابد الجابري أحد أولئك الذين فهموا أنّ الأمة التي تعجز عن مساءلة أدوات تفكيرها تظلّ أسيرة إعادة إنتاج أزماتها وأنّ التراث الذي لا يتحول إلى موضوع للنقد يظلّ يتحول في الخفاء إلى سلطة تُدير الحاضر باسم الماضي. ومن هنا كانت معركته معركة تحرير للوعي أكثر من كونها مجرد معركة تأويلية. لقد أراد أن ينقل العقل العربي من منطق الاستظهار إلى منطق الفحص ومن التماثل مع الموروث إلى المسافة النقدية عنه ومن هيمنة البيان والعرفان إلى أفق البرهان ومن الانبهار بالماضي إلى القدرة على استعماله استعمالا تاريخيا لا عباديا.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن ننطلق منها في قراءة مشروعه لا بوصفه نصوصا متفرقة ولا بوصفه سلسلة مؤلفات فحسب، بل بوصفه محاولة كبرى لإعادة بناء شروط التفكير العربي من الداخل. إنّ الجابري لم يكن يبحث عن أجوبة جاهزة بل كان يعيد ترتيب السؤال ذاته، وهذه فضيلة الفلاسفة الكبار. فقد قال هايدغر إنّ “السؤال هو تقوى الفكر”، والجابري على اختلاف المرجعية والسياق كان من أولئك الذين أدركوا أنّ الفكر العربي لا يحتاج إلى كثرة الأجوبة بقدر ما يحتاج إلى شجاعة السؤال، سؤال العقل وسؤال التراث وسؤال المشروعية وسؤال النهضة وسؤال الممكن التاريخي.

وإذا كان هذا المشروع قد منحنا أدوات ثمينة لفهم علل الوعي العربي فإنّ قيمته القصوى تكمن في كونه أعاد إلى الفلسفة دورها النقدي داخل الثقافة العربية الحديثة بعد أن كادت تُختزل في التعليم المدرسي أو الترجمة أو الشرح. لقد جعلها أداةً لتشخيص العطب الحضاري وأداةً لإعادة ترتيب العلاقة بين النص والتاريخ والعقل. وهذا ما يفسّر أنّ حضوره ما يزال حيا لا لأنّه قال الكلمة الأخيرة بل لأنّه قال كلمات أولى لا غنى عنها لكل من يريد أن يفكر جديا في مصير العقل العربي.

غير أنّ قيمة المشاريع الفكرية الكبرى لا تُقاس فقط بما تفتحه من آفاق بل كذلك بما تثيره من اعتراضات وبما تكشفه من حدودها الداخلية حين تُعرَض على محكّ النقد الصارم. ومشروع محمد عابد الجابري على ما له من وزنٍ استثنائي في الثقافة العربية المعاصرة لا يشذّ عن هذه القاعدة. بل لعلّ من دلائل عظمته أنّه لم يمرّ في الحقل الفكري العربي مرورا هادئا ولم يُستقبل بوصفه خطابا توافقيا مطمئنا بل دخل منذ صدوره في قلب سجال حادّ لأنّه مسّ مناطق ظلّ الناس يتعاملون معها على أنّها حقائق بديهية أو مقدسات ثقافية غير قابلة للمراجعة. ومن ثمّ فإنّ الإنصاف العلمي لا يكتمل بالاحتفاء بجرأة الجابري وصرامته المنهجية بل يقتضي أيضا مساءلة اختياراته الكبرى والنظر في مواطن القوة التي رفعت مشروعه ومواطن التبسيط أو الانتقاء أو التحيّز المنهجي التي حدّت من مداه.

إنّ أوّل ما يلفت النظر في هذا السياق أنّ الجابري حين بنى تقسيمه الشهير للأنظمة المعرفية الثلاثة: البيان والعرفان والبرهان، لم يكن يصف مجرّد تيارات تاريخية متجاورة بل كان يؤسس لنموذج تفسيري واسع يجعل من هذا التقسيم مفتاحا لقراءة تاريخ العقل العربي كلّه تقريبا. وهذه هي نقطة قوته ونقطة هشاشته في آن. قوته لأنّه نجح في تحويل التعدد الفوضوي للمتون والمذاهب والفرق إلى خريطة مفهومية قابلة للفهم والمناقشة. وهشاشته لأنّ كل خريطة كبرى تنطوي بحكم طبيعتها على قدر من الاختزال. فالتراث العربي الإسلامي لم يكن في حقيقة أمره فضاءً صافياً يمكن فيه فصل البيان عن العرفان أو البرهان فصلا حاسما بل كان مجالا معقدا من التداخلات تتجاور فيه مناهج متباينة داخل النص الواحد أحيانا وداخل المفكر الواحد في أحايين كثيرة.

فالغزالي مثلا الذي لا يمكن إنكار ما مارسه من نقد حادّ للفلاسفة في تهافت الفلاسفة هو نفسه صاحب نزوع منطقي واضح في المستصفى وصاحب تمييز دقيق بين مراتب المعرفة في المنقذ من الضلال وصاحب حضور ذوقي وعرفاني لا يخفى في إحياء علوم الدين. فهل يمكن ردّه بسهولة إلى خانة واحدة؟ وابن تيمية الذي يُقدَّم عادة في صورة خصم للمنطق الأرسطي هو نفسه صاحب بناء استدلالي معقد، وصاحب اشتغال كثيف على المفاهيم والمعاني والحدود بل إنّ كتابه الرد على المنطقيين ليس نصا ضد العقل بل ضدّ نمط مخصوص من تنظيم العقل. وابن عربي رغم ما في مشروعه من عمق عرفاني لا جدال فيه لا يخلو من بناء اصطلاحي مفهومي بالغ الدقة يجعل اختزاله في “اللاعقلانية” حكما متعجلا. إنّ هذه الأمثلة وغيرها تكشف أنّ تصنيف الجابري على نجاعته الإجرائية قد يُغري أحيانا بتحويل الأنظمة المعرفية إلى جزر مغلقة، والحال أنّ التراث في كثير من صوره كان أكثر سيولة وتعقيدا.

وهنا بالضبط تظهر واحدة من أبرز الاعتراضات التي وُجّهت إلى الجابري ومفادها أنّه حوّل أدوات التحليل إلى سلطة تفسيرية تكاد تطغى على موضوعها. فبدل أن تبقى الثلاثية الجابرية أداة تقريبية لفهم التوترات المعرفية داخل التراث، تحوّلت أحيانا إلى معيار مسبق يُعاد من خلاله ترتيب النصوص والأعلام ترتيبا يخدم الفرضية أكثر مما ينصت إلى المادة التاريخية نفسها. وهذا ما تنبّه إليه جورج طرابيشي في مشروعه النقدي الضخم نقد نقد العقل العربي حيث اشتغل سنوات طويلة على تفكيك كثير من أحكام الجابري لا بدافع المناكفة بل بدافع إعادة فحص النصوص ذاتها. وقد كان طرابيشي حادا في هذا الباب حتى إنّه رأى أنّ الجابري “يقرأ التراث بعين تريد أن ترى ما قررت سلفا أن تراه”. وقد لا يصحّ التسليم المطلق بهذه العبارة لما فيها من شدّة غير أنّها تلامس مسألة حقيقية، هل كان الجابري يكتشف البنية فعلاً أم كان يعيد بناءها بما ينسجم مع رهانه الإيديولوجي والمعرفي؟.

لقد قدّم طرابيشي اعتراضات كثيرة بعضها جزئي وبعضها تأسيسي. ومن أظهرها اعتراضه على ما عدّه “المبالغة في مغربة العقلانية” و”مشرقة العرفان”، أي ذلك الميل الواضح عند الجابري إلى تقديم الغرب الإسلامي وخصوصا الأندلس والمغرب بوصفه فضاء البرهان والعقلانية العملية، مقابل المشرق الذي يكثر فيه بحسب تصوّره العرفان والتأويل الباطني وهيمنة اللامعقول. ولا ريب أنّ هذا التوزيع وإن كان يستند إلى شواهد تاريخية معتبرة لا يخلو من تعميم مفرط. فالمشرق عرف الكندي والفارابي وابن سينا وابن الهيثم والرازي والجرجاني وغيرهم من كبار العقلانيين كما عرف الغرب الإسلامي أشكالا من التصوف والرمزية والتأويل لا تقلّ كثافة عمّا في المشرق. بل إنّ الثقافة الإسلامية في مجملها كانت فضاءً للتداول والتأثير المتبادل أكثر من كونها أقاليم مغلقة ذات جوهر معرفي ثابت.

وهذا يقود إلى مسألة أعمق، هل كان الجابري في بعض مواضع مشروعه أسيرا لرهان هويّاتي مغربي غير معلن؟ ليس المقصود هنا اتهامه بنزعة جهوية ساذجة فهذا تبسيط لا يليق، بل المقصود أنّه وجد في السلسلة المغربية الأندلسية مادة خصبة لبناء سردية عقلانية مضادة فربّما بالغ في تحميلها ما لا تحتمل تاريخيا. لقد احتاج إلى ابن رشد بوصفه رمزا واحتاج إلى الشاطبي بوصفه عقلانية مقاصدية واحتاج إلى ابن خلدون بوصفه عقلانية عمرانية، لأنّ مشروعه كان يبحث عن “سلالة بديلة” داخل التراث يمكن أن تؤسس لحداثة عربية ممكنة. وهذه حاجة مفهومة من حيث البناء الفكري، لكنها تظلّ معرّضة لخطر الانتقائية لأنّ التراث لا يُستخرج منه ما نريد فقط، بل ما يفرضه هو أيضا من تعقيد وممانعة.

وقد نبّه طه عبد الرحمن من جهته إلى وجه آخر من أوجه الإشكال في المشروع الجابري. فطه على خلاف طرابيشي الذي اشتبك مع الجابري في المستوى النصّي والتاريخي على نحو واسع دخل معه في صلب الرهان الفلسفي ذاته أي في طبيعة العقل ومعنى الحداثة ومفهوم التراث. لقد رأى طه أنّ الجابري في عمق اختياره يشتغل بعقل “مجرَّد” أكثر مما يشتغل بعقل “مؤيَّد”، أي بعقل يطلب الصرامة الإجرائية والنسقية لكنه يضيق بأبعاد الإنسان الوجودية والأخلاقية والروحية. وفي نظر طه لم يكن العرفان مجرّد انحراف معرفي كما صوّره الجابري في مواضع كثيرة بل كان يمثل بعدا من أبعاد التجربة الإنسانية لا يجوز شطبه باسم البرهان. وقد عبّر عن هذا المعنى في أكثر من كتاب حين شدّد على أنّ اختزال التراث في ما يقبل المعايير العقلانية الحديثة وحدها نوعٌ من “القطيعة غير المشروعة” مع الإمكان الإبداعي الكامن في المجال التداولي الإسلامي.

إنّ اعتراض طه هنا بالغ الأهمية لأنّه لا يدافع عن العرفان دفاعا ساذجا أو شعاراتيا بل يعترض على التصور الضمني للعقل الذي يحكم مشروع الجابري. فالجابري وإن كان ناقدا للحداثة العربية الناقصة ظلّ في نظر طه متأثرا بنموذج من العقلانية الحديثة يجعل من البرهان الصوري أو الإبستمولوجي معيارا شبه مطلق للحقيقة، فيُهمَّش بذلك ما يتصل بالذوق الأخلاقي والتزكية والتجربة الوجودية والحضور العملي للقيم في بناء الإنسان. ولهذا كان طه يردّد أنّ “العقل ليس واحدا في فعله بل تتعدد وجوهه بتعدد مجالاته”، وأنّ “العمل أصل العلم” وأنّ الحقيقة لا تستكمل إلا إذا اقترنت بالتخلّق. وفي هذا المعنى يبدو الخلاف بين الرجلين أعمق من خلاف على قراءة التراث، لأنّه خلاف على معنى العقل ذاته: أهو آلة للتمييز المنطقي فحسب أم هو فعل وجودي أخلاقي روحي مركب؟.

ومع ذلك ينبغي الاحتراز من الوقوع في مقابلة سهلة بين “جابرية عقلانية” و”طهائية روحية”، لأنّ الجابري نفسه لم يكن غافلا عن البعد العملي للعقل، وقد ظهر ذلك في احتفائه بالشاطبي وفي تركيزه على المقاصد وفي حديثه عن “العقل الأخلاقي العربي” وإن على نحو أقلّ حضورا من نقده للعقل النظري والسياسي. غير أنّ الإشكال يبقى قائما، لقد كان الجابري في مجمل مشروعه يميل إلى الشكّ في كل ما يتجاوز قابلية الفحص البرهاني وهو ميل مفهوم في سياق مقاومة الخرافة والتسليم والغنوص، لكنه قد يتحول إلى استبعاد سريع لأشكال من المعرفة والتجربة لا تُختزل في النموذج البرهاني الصارم.

وهنا تظهر مسألة “العرفان” باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية في مشروعه. فقد قدّم الجابري العرفان في أغلب صوره بوصفه نمطا معرفيا مباينا للعقلانية يقوم على الكشف والسرّ والباطن وسلسلة التلقي غير القابلة للمراجعة العامة. وهذا الوصف لا يخلو من وجاهة حين يتعلق الأمر بالاتجاهات الغنوصية المغالية أو الباطنية السياسية أو التأويلات التي تنقل الحقيقة من المجال التداولي المشترك إلى حيز النخبوية المغلقة. لكنّ التعميم هنا يوقع في ظلمٍ واضح لكثير من أشكال التصوف السنّي والأخلاق الروحية التي كانت جزءا من تربية الضمير الإسلامي لا جزءا من تقويض العقل. لقد كان أبو حامد الغزالي يقول: “العقل كالبصر السليم، والقرآن كالشمس المضيئة”، وهي عبارة تكشف عن علاقة تكامل لا علاقة خصومة بين العقل والهداية. وكان الجنيد يصرّ على أنّ “طرقنا هذه مقيدة بالكتاب والسنة”، أي أنّ التجربة الروحية لا تنفصل عن معيارية الشريعة. بل إنّ كثيرا من المتصوفة الكبار لم يروا في الذوق نقيضا للعقل بل رأوا فيه درجةً من التحقق العملي بعد الاستدلال لا بديلا عنه.

إنّ اختزال العرفان في صورة واحدة يفضي من حيث لا يشعر صاحبه إلى إعادة إنتاج نوع آخر من الأحادية. فإذا كان الجابري قد حارب الأحادية البيانية والعرفانية باسم التعدد النقدي فإنّ تحويل البرهان إلى مركز شبه مطلق قد يفضي بدوره إلى اختزال آخر أقلّ صخبا لكنه لا يقلّ أثرا. فالثقافة لا تعيش بالمنطق وحده كما أنّ الإنسان لا يُختزل في كونه ذاتا استدلالية فقط. وقد سبق لباسكال أن قال عبارته الشهيرة: “للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل”، وهي عبارة أسيء استعمالها كثيرا لتبرير اللاعقلانية، لكنها في أصلها تنبّه إلى تعدد طبقات الخبرة الإنسانية. والجابري في بعض لحظات مشروعه بدا كأنّه يخشى هذا التعدد خشيةً مفرطة فيُسارع إلى تطويقه ضمن خرائط صارمة.

ومن وجوه الاعتراض أيضا أنّ الجابري رغم حديثه عن القطيعة الإبستمولوجية وحرصه على التمييز بين مستويات القراءة، لم يتحرر دائما من حضور الرهان الإيديولوجي داخل بناء المعرفة. لقد كان يكتب في زمنٍ مشحون بسؤال النهضة والحداثة والهوية والدولة وكان من الطبيعي أن يتسلل هذا السياق إلى اختياراته. لكنه أحيانا يجعل القارئ يشعر بأنّ بعض الأحكام الكبرى صيغت تحت ضغط الحاجة إلى تأسيس موقف معاصر أكثر مما صيغت تحت ضغط الإنصات الكامل للمادة التراثية. فحين يُقدَّم ابن رشد بوصفه ممثل العقل العربي الممكن، ويُقدَّم العرفان بوصفه آفةً كبرى ويُعاد ترتيب التراث كلّه تقريبا وفق هذه الثنائية الموسّعة، فإنّنا نكون إزاء “سردية إنقاذ” أكثر من كوننا إزاء تاريخ معرفي محض. ولا ضير في السرديات إذا وعَت حدودها لكنّ الإشكال يبدأ حين تُقدَّم على أنّها الوصف الأدقّ والنهائي لحقيقة التراث.

إنّ مشروع الجابري كان في جانب منه مشروع “اختيار” بقدر ما كان مشروع “تحليل”. لقد اختار من التراث ما يخدم إمكان الحداثة العقلانية التي ينشدها واختار من الحداثة ما يسمح بقراءة التراث دون الوقوع في القطيعة المطلقة معه. وهذه ميزة، لأنّ المفكر الذي لا يختار يظلّ أسير الوصف المحايد العقيم. لكنها أيضا موطن حرج لأنّ الاختيار قد ينقلب إلى اصطفاء موجّه يضيّق من ثراء الموضوع. ولذلك قال غادامير في معنى قريب، إنّ الفهم ليس نقلا بريئا للمعنى بل هو دائما لقاء بين أفق النص وأفق القارئ. والجابري كان قارئا ذا أفق قوي جدا حتى إنّ هذا الأفق كان يطبع النصوص بطابعه أحيانا.

ومع ذلك فإنّ كل هذه الاعتراضات على وجاهة كثير منها لا ينبغي أن تحجب الحقيقة الأساسية، وهي أنّ الجابري أعاد إلى الفكر العربي قيمة “البناء النظري الكبير”. ففي زمن كثرت فيه المقالات الجزئية والقراءات الانطباعية والمواقف الإيديولوجية السريعة، قدّم هو مشروعا متماسكا نسبيا له جهاز مفاهيمي وله فرضيات واضحة وله مادة تراثية واسعة وله امتداد في قضايا العقل السياسي والعقل الأخلاقي والعقل التربوي وهذه ميزة نادرة. فحتى خصومه الكبار اضطروا إلى أن يرتفعوا إلى مستواه في الجدل لأنّ الردّ على مشروع من هذا الحجم لا يكون إلا بمشروع مضاد أو بعمل نقدي ضخم، وهذا وحده دليل على أنّه نقل النقاش من سطح الخطابة إلى عمق النظر.

لقد أصاب الجابري بلا ريب حين أدرك أنّ الأزمة العربية ليست أزمة معلومات بل أزمة بنية عقلية. وأصاب حين فهم أنّ تقديس التراث أو شيطنته وجهان لعجز واحد عن قراءته قراءة تاريخية نقدية. وأصاب حين أعاد الاعتبار إلى ابن رشد لا بوصفه أثرا متحفيا بل بوصفه إمكانا عقليا يحتاج إلى بعث جديد. وأصاب حين بيّن أنّ كثيرا من أنماط التفكير السائدة ما تزال أسيرة القياس اللغوي أو الشرعي المغلق أو أسيرة سلطة الباطن والرمز غير القابلين للمناقشة العمومية، وأصاب حين جعل من الفلسفة أداة لتحرير الوعي لا مجرد درسٍ مدرسي في تاريخ الأفكار.

لكنه أخطأ أو على الأقل ضيّق أفق مشروعه حين بالغ في الثقة بصلابة تقسيماته وحين حمّل العرفان أوزارا تتجاوز حدوده الفعلية وحين جعل من الرشدية مركزا شبه خلاصِي وحين بدا في بعض المواضع كأنّه يريد أن يجد في التراث ما يبرّر حداثة سبق أن اختارها أكثر مما يريد أن يترك التراث نفسه يكشف عن تناقضاته وإمكاناته دون توجيه مفرط. وهذا لا يسقط مشروعه بل يجعله مشروعا بشريا كبيرا قابلا للتجاوز من داخل قوته لا من خارجها.

إنّ المفكر الكبير لا يخطئ لأنّه ضعيف بل لأنّه يغامر، والجابري كان من طراز المفكرين الذين غامروا على نطاق واسع. لقد وضع يده على بنية معقدة وحاول أن يعيد تركيبها فكان طبيعيا أن يُخطئ في بعض المواضع وأن يُبالغ في بعض الأحكام وأن يثير حوله اعتراضات حادّة. غير أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في أخطاء المشاريع الكبرى بل في غياب المشاريع الكبرى أصلا، فالخطأ داخل الأفق الخصب خير من الصواب داخل الفراغ.

وتبرز هنا قيمة الجابري اليوم، لا بوصفه خاتمةً للفكر العربي بل بوصفه بدايةً متجددة لأسئلة لا تزال مفتوحة. لقد علّمنا أنّ التراث ليس كتلة واحدة وأنّ العقل العربي ليس ماهية ثابتة وأنّ ما نظنه أحيانا “طبيعة ثقافية” ليس سوى تاريخ متراكم من الاختيارات والانتصارات والهزائم. وعلّمنا أنّ الحداثة لا تُبنى بالاستيراد الآلي كما لا تُبنى بالتحصّن المرضي داخل الماضي بل ببناء مسافة نقدية مزدوجة، مسافة عن التراث تسمح بفهمه ومسافة عن الحداثة تسمح بامتلاكها لا الذوبان فيها وهذه من أعسر المعادلات، وقد حاول الجابري أن ينجزها بما تيسّر له من أدوات وشروط.

إنّ الحاجة إلى قراءة الجابري اليوم أشدّ ممّا كانت عليه في زمنه، لأنّ كثيرا من الأعراض التي شخّصها لم تبرح مكانها بل لعلّ بعضها ازداد حدّة. فما زالت الثقافة العربية تعاني من التباس العلاقة بين النص والتاريخ وبين الدين والتديّن وبين العقل والسلطة وبين المعرفة والهوية. وما زالت كثير من أشكال الخطاب العام تعيد إنتاج البيان المغلق أو العرفان الشعبوي أو الأيديولوجيا المتستّرة بلباس الأصالة. وفي مقابل ذلك ما زالت محاولات التحديث تعاني من هشاشة معرفية لأنها تستعير أدوات العصر دون أن تنجح دائما في تفكيك البنية العميقة التي تعوق استقبالها. وهنا يظلّ درس الجابري قائما لا نهضة بلا نقد للعقل الذي يتلقى النهضة.

ولعلّ أبلغ ما يمكن أن نختم به أيسطرنا هاته أنّ الجابري لم يكن مجرد قارئ للتراث بل كان قارئا لشرطنا الحضاري من خلال التراث. لم يكن همه أن يقول لنا ماذا قال القدماء فقط بل أن يكشف لنا كيف نفكر نحن حين نظنّ أننا نقرأ القدماء. وهذا التحويل من موضوع التراث إلى ذات القارئ هو جوهر مشروعه. فقد جعلنا نرى أنّ المعضلة ليست في الكتب القديمة وحدها بل في الطريقة التي تُقيم بها تلك الكتب داخل وعينا الحاضر وفي نوع السلطة التي نمنحها لها وفي نوع العجز الذي نُسقِطه عليها أو نستمدّه منها.

إنّ محمد عابد الجابري يظلّ واحدا من أكبر من حملوا همّ العقل العربي بجدية فلسفية نادرة، وواحدا من أقلّ المفكرين العرب الذين اشتغلوا على مشروع متكامل بهذا القدر من الاتساع والصرامة والوضوح النسبي. لقد قدّم لنا أدوات نافعة وفرض علينا أسئلة لا مهرب منها وفتح سجالا لم يُغلق بعد وترك أثرا عميقا في طرائق قراءة التراث والحداثة معا. لكنّه في الوقت نفسه لم يقدّم كلمة نهائية ولم ينجُ من الانتقاء ولم يتحرر كليا من رهانات عصره ومقتضيات اختياره الإيديولوجي والمعرفي. ولهذا فإنّ الوفاء الحقيقي له لا يكون بتقديسه بل بمواصلة ما بدأه ضدّ ما قد يكون رسّخه هو نفسه من يقينيات جديدة.

لقد كان الجابري يريد تحرير العقل العربي من استقالته، لكنّ تحرير العقل لا يكتمل إلا إذا امتدّ هذا التحرير إلى قراءة الجابري نفسه. وهذا ليس انتقاصا منه بل هو أعلى صور الاعتراف به. فالفكر الذي لا يحتمل النقد ليس فكرا حيا والمفكر الذي يتحول إلى سلطة صامتة ينقلب من حيث لا يشعر محبّوه إلى نقيض ما دعا إليه. ومن ثمّ فإنّ الجابري الحقيقي ليس ذلك الاسم الذي نكرّره بإجلال بل ذلك السؤال الذي يظلّ يقلقنا، بأيّ عقل نفكر؟ ومن أيّ تراث ننطلق؟ وكيف نبني حداثة لا تنكر ذاكرتنا ولا تستسلم لها؟ وأيّ معنى للعقل إذا لم يكن قادرا على مساءلة أصوله وحدوده وأوهامه؟.

في هذا الأفق يبقى مشروع محمد عابد الجابري حدثا فلسفيا عربيا بامتياز، حدثا لا لأنّه أغلق باب الأسئلة بل لأنّه فتحها على مصاريعها. حدثا لا لأنّه قدّم نموذجا مكتملا بل لأنّه أعاد إلينا شجاعة المحاولة. حدثا لا لأنّه انتصر نهائيا في معركته بل لأنّه جعل المعركة ممكنة. وتلك في تاريخ الأفكار منزلة لا ينالها إلا القليل.

***

د. حمزة مولخنيف

المقدمة: في زمن تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية، وتتزاحم فيه الآراء قبل أن تنضج الأفكار، تبدو الفلسفة أكثر من مجرد حقل معرفي متخصص؛ إنها ضرورة ثقافية لإعادة ترتيب وعينا. فالفلسفة ليست تراكماً لمصطلحات معقدة، بل هي تمرين دائم على التفكير النقدي، وسعيٌ لفهم الوجود والمعرفة والقيم في سياق حياتنا اليومية. ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى المفاهيم الفلسفية الكبرى بوصفها مفاتيح لإدراك أعمق للواقع والإنسان.

أولاً: سؤال الوجود… بين الماهية والحرية

انشغل الفكر الفلسفي منذ بداياته بسؤال الوجود: ما حقيقة العالم؟ وما طبيعة الإنسان فيه؟ فالميتافيزيقا بحثت في ما وراء الظواهر، بينما سعت الأنطولوجيا إلى تحديد طبيعة الكائنات والتمييز بين الجوهر والعرض، وبين الماهية والوجود. هذه الأسئلة ليست بعيدة عن حياتنا؛ فهي تحضر حين نتساءل عن هويتنا: هل نحن ما نرثه أم ما نختاره؟

ومع تطور الفكر الحديث، أعادت الوجودية الاعتبار للفرد بوصفه كائناً حراً يصوغ معناه بنفسه، في مقابل تصورات حتمية ترى الإنسان خاضعاً لشروط صارمة. وهنا تتحدد قيمة الحرية بوصفها أساس المسؤولية، فلا معنى للمسؤولية من دون قدرة على الاختيار.

ثانياً: إشكالية المعرفة… بين العقل والتجربة

في ميدان المعرفة، انقسم الفلاسفة بين العقلانية التي جعلت العقل المصدر الأعلى للمعرفة، والتجريبية التي ربطتها بالحسّ والخبرة. وبينهما ظهر الشكّ أداةً لا لهدم اليقين بل لاختباره. فالمنطق، والقياس، والاستقراء، والاستنباط، ليست أدوات نظرية جامدة، بل وسائل لحماية التفكير من التسرع والانخداع.

وفي عصر الإعلام الرقمي، تزداد الحاجة إلى الموضوعية والتمييز بين الرأي والحقيقة. فالسؤال الفلسفي عن طبيعة الحقيقة لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة لحماية الوعي الجمعي من التضليل وسوء الفهم.

ثالثاً: سؤال القيم… العدالة بين الإطلاق والنسبية

إذا كان سؤال الوجود يتعلق بما نحن عليه، وسؤال المعرفة بما نعرفه، فإن سؤال القيم يتعلق بما ينبغي أن نكونه. وقد درست الأكسيولوجيا الخير والجمال، وظهر الجدل بين من يجعل الفضيلة معياراً أخلاقياً، ومن يربط الفعل بالمنفعة، ومن يؤكد مركزية الواجب.

وفي المجال السياسي، برز مفهوم العقد الاجتماعي لتفسير نشأة الدولة، وارتبط به البحث في العدالة والمساواة والسلطة والشرعية. وهذه المفاهيم ليست بعيدة عن واقعنا العربي، إذ يتجدد النقاش حول معنى العدالة، وحدود السلطة، وأسس الشرعية في مجتمعات تمر بتحولات عميقة.

الخاتمة

إن استحضار المفاهيم الفلسفية الكبرى اليوم ليس استعادةً للماضي، بل محاولة لإحياء روح السؤال في حاضر مضطرب. فالفلسفة لا تقدم أجوبة جاهزة، لكنها تمنحنا القدرة على التفكير قبل الحكم، وعلى الفهم قبل الرفض، وعلى الحوار بدل الإقصاء.

ولعل الحاجة الملحّة في مجتمعاتنا ليست إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مزيد من الوعي النقدي؛ ذلك الوعي الذي يجعل من الحرية مسؤولية، ومن الاختلاف ثراءً، ومن السؤال بدايةً لكل معرفة حقيقية. هكذا تظل الفلسفة دفاعاً دائماً عن إنسانية الإنسان، وعن حقه في أن يفكر… بعمق وهدوء ومسؤولية.

***

م.م. ندى صباح أسد الله

كلية الآداب/جامعة بغداد

 

قراءة في مشروع إعادة بناء الفكر العربي المعاصر

تمهيد: التراث كسؤال نهضوي في الفكر العربي الحديث

لم يعد سؤال التراث في الفكر العربي المعاصر مجرد انشغال بالماضي أو استعادةٍ لوقائع تاريخية منتهية، بل تحول إلى إشكال معرفي وحضاري يرتبط مباشرة بإمكانات النهضة العربية وحدودها. ففي سياق التحولات الفكرية التي عرفها العالم العربي منذ القرن العشرين، برز مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري باعتباره أحد أكثر المشاريع الفكرية طموحًا في إعادة التفكير في العلاقة بين التراث والحداثة، ليس عبر القطيعة مع الماضي، ولا عبر تقديسه، بل من خلال إخضاعه لقراءة نقدية عقلانية.

لقد سعى الجابري إلى تحويل التراث من عبء تاريخي إلى أداة معرفية، ومن مادة للتكرار إلى مجال للتحليل، واضعًا بذلك أسس مشروع فكري يهدف إلى إعادة بناء العقل العربي على قاعدة نقدية حديثة.

أولاً: التراث بوصفه بنية فكرية لا مخزونًا تاريخيًا

ينطلق الجابري من تصور مغاير للتراث، إذ لا يراه مجرد مجموعة نصوص موروثة، بل منظومة فكرية ما تزال فاعلة في تشكيل الوعي العربي المعاصر. فالتراث، في نظره، ليس ماضيًا منقطعًا، وإنما حاضرٌ مستمر داخل أنماط التفكير والسلوك الثقافي والسياسي.

ومن هنا انتقد الجابري المقاربات العربية التي تعاملت مع التراث تعاملاً انتقائيًا، فبعضها سعى إلى تمجيده دون نقد، بينما اتجه بعضها الآخر إلى رفضه بدعوى الحداثة. وفي الحالتين، يرى الجابري أن الفكر العربي ظل أسير موقف غير علمي، لأنه لم ينجح في تحويل التراث إلى موضوع للمعرفة النقدية.

إن القراءة التي يقترحها تقوم على إعادة بناء العلاقة مع التراث عبر فهم شروط إنتاجه التاريخية، والكشف عن بنياته المعرفية الداخلية، بما يسمح بتحرير العقل العربي من سلطة الفهم التقليدي دون الوقوع في تبعية فكرية للغرب.

ثانياً: الحداثة من داخل التراث لا من خارجه

يرفض الجابري فكرة استيراد الحداثة باعتبارها نموذجًا جاهزًا يمكن نقله من سياقه الأوروبي إلى المجال العربي. فالحداثة، حسب تصوره، ليست مجموعة مؤسسات أو تقنيات، بل نمط تفكير يتشكل تاريخيًا داخل المجتمع نفسه.

لذلك دعا إلى بناء حداثة عربية تنطلق من إعادة قراءة التراث قراءة عقلانية، تسمح باستخراج عناصره القابلة للتجديد. فالمشكلة لا تكمن في وجود التراث، بل في طريقة التعامل معه؛ إذ إن الجمود الفكري نتج عن تحويل التراث إلى مرجعية مغلقة بدل اعتباره تجربة تاريخية قابلة للنقد والمراجعة.

وبهذا المعنى، تصبح قراءة التراث خطوة تأسيسية في مشروع النهضة، لأنها تتيح فهم جذور الإشكالات الفكرية التي ما تزال تؤثر في الواقع العربي المعاصر.

ثالثاً: من نقد التراث إلى نقد العقل العربي

يمثل انتقال الجابري إلى مشروع نقد العقل العربي مرحلة متقدمة في مساره الفكري، حيث لم يعد الاهتمام منصبًا على النصوص التراثية في ذاتها، بل على البنية الذهنية التي أنتجتها واستمرت في إعادة إنتاجها.

وقد ميز الجابري بين العقل العربي والعقل الإسلامي، مركزًا على الأول باعتباره نتاجًا ثقافيًا تشكل داخل اللغة العربية ومجالاتها المعرفية. فالعقل العربي، في تصوره، ليس كيانًا بيولوجيًا أو عرقيًا، بل منظومة معرفية تشكلت تاريخيًا عبر تفاعل اللغة والسياسة والأخلاق والمعرفة.

ومن خلال هذا التحليل، حدد الجابري ثلاثة مجالات أساسية لعمل العقل العربي:

العقل المعرفي المرتبط بأنماط إنتاج المعرفة،

العقل السياسي المتصل ببنية السلطة،

العقل الأخلاقي المرتبط بمنظومات القيم.

وقد سمح هذا التفكيك بالكشف عن العلاقة الوثيقة بين المعرفة والإيديولوجيا داخل التراث، موضحًا كيف ساهمت بعض البنى الفكرية في إعاقة تشكل عقل نقدي حديث.

رابعاً: الجابري وأركون: اختلاف المنهجين واتساع الأفق النقدي

يبرز مشروع الجابري بصورة أوضح عند مقارنته بمشروع محمد أركون، الذي اتجه إلى دراسة ما سماه "العقل الإسلامي" ضمن أفق أنثروبولوجي واسع يدمج مختلف الثقافات الإسلامية.

بينما اختار الجابري مقاربة إبستيمولوجية أكثر تحديدًا، ركزت على تحليل العقل العربي من داخله اللغوي والثقافي. فهدفه لم يكن دراسة الدين بوصفه ظاهرة لاهوتية، بل فهم آليات التفكير التي حكمت إنتاج المعرفة في الحضارة العربية الإسلامية.

هذا الاختلاف يعكس تباينًا منهجيًا عميقًا:

 يسعى أركون إلى تفكيك البنية الدينية عبر أدوات العلوم الإنسانية الحديثة، في حين يعمل الجابري على إعادة تنظيم التراث العقلاني العربي لإعادة تأسيس مشروع نهضوي من الداخل.

خامساً: نحو إعادة تأسيس الوعي العربي

تكمن أهمية مشروع الجابري في كونه محاولة لإعادة بناء الوعي العربي على أساس نقدي يوازن بين الانتماء التاريخي والانفتاح الكوني. فهو لا يدعو إلى القطيعة مع الماضي، ولا إلى الذوبان في الحداثة الغربية، بل إلى ممارسة نقد مزدوج: نقد التراث ونقد آليات تلقي الحداثة معًا.

وبذلك يصبح التراث مجالًا للفهم لا للتقديس، وتصبح الحداثة مشروعًا تاريخيًا يُبنى تدريجيًا داخل المجتمع العربي نفسه. ومن هنا يمكن اعتبار مشروع الجابري أحد أهم المحاولات الفكرية التي سعت إلى تحرير العقل العربي من ثنائية الأصالة والتبعية، عبر تأسيس عقل نقدي قادر على إنتاج المعرفة لا مجرد استهلاكها.

خاتمة

إن قراءة محمد عابد الجابري للتراث لا تمثل مجرد اجتهاد فلسفي معاصر، بل مشروعًا متكاملًا لإعادة صياغة العلاقة بين الماضي والحاضر في الفكر العربي. فقد حاول من خلال نقد العقل العربي الكشف عن الشروط المعرفية التي أعاقت تشكل الحداثة العربية، واضعًا بذلك أسس رؤية فكرية تسعى إلى تحقيق نهضة تقوم على الوعي التاريخي والعقلانية النقدية.

وهكذا يتحول التراث، في أفق مشروعه، من ذاكرة ساكنة إلى قوة فاعلة في بناء المستقبل.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث مغربي

....................

لائحة المصادر والمراجع

أركون، محمد. (1984). نقد العقل الإسلامي. بيروت: مركز الإنماء القومي.

الجابري، محمد عابد. (1991). تكوين العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

الجابري، محمد عابد. (1993). بنية العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

الجابري، محمد عابد. (1999). العقل السياسي العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

الجابري، محمد عابد. (2003). الدين والدولة وتطبيق الشريعة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

بلقزيز، عبد الإله. (2011). من النهضة إلى الحداثة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

دراسة إبستمولوجية في مأزق المثقف

تشخيص الانشطار المعرفي: تشهد الساحة الفكرية في الشرق الأوسط، وتحديداً في الفضاءين العربي والإسلامي، مخاضاً فلسفياً مستمراً منذ منتصف القرن التاسع عشر؛ حيث تبلورت الاستجابة للتحدي الحضاري الغربي كبنية ذهنية "منشطرة" تحاول التوفيق بين مرجعيتين متنافرتين في الأسس والمنطلقات: مرجعية التراث (الأصالة) المتجذرة وجدانياً وتاريخياً، ومرجعية الحداثة (المعاصرة) الوافدة بأدواتها العقلانية النقدية. إن هذا الانشطار المعرفي ليس مجرد اختلاف في المناهج، بل هو تجسيد لـ "قلق حضاري" يعجز فيه العقل عن إحداث "قطيعة إبستمولوجية" تامة مع الماضي، أو الانخراط الكلي في قيم الحداثة، مما أدى إلى نشوء أزمات بنيوية جعلت الفكر الفلسفي يراوح مكانه بين "اجترار التراث" و"تغريب المعرفة."

في هذا السياق، يبرز استدعاء المفاهيم الغزالية الكلاسيكية "التهافت" و"الفيصل" ليس فقط كعناوين لكتب تاريخية، بل كآليات تحليلية لفهم "ادعاءات" المثقف المعاصر الذي يحاول ممارسة التفلسف في بيئة محاصرة بالتابوهات والوصاية الأيديولوجية.

التكوين التاريخي للانشطار المعرفي وقلق النهضة

بدأ التكوين الفكري لهذه الثنائية مع إدراك الفجوة الزمنية والحضارية التي تفصل الشرق عن الغرب، حيث حفز الإحساس بالدونية التقنية الرغبة في التغيير، إلا أن المسار انشطر إلى تيارين متصارعين: تيار سلفي يرى في استعادة "الماضي الذهبي" درعاً ضد الاستلاب، وتيار تغريبي يرى في النموذج الغربي الطريق الأوحد للخروج من الركود. إن هذا الانقسام لم يظل تنظيمياً، بل تسلل إلى داخل الذات المفكرة؛ حيث بات المثقف العربي يعاني من "ازدواجية الولاء المعرفي"، فهو يستخدم أدوات المنهج الغربي كالتفكيكية والبنيوية لتحليل نصوصه التراثية، أو يستدعي مفاهيم تراثية عتيقة لتبرير تبنيه لمنتجات الحداثة.

يعد الإمام أبو حامد الغزالي الشخصية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الفكر الإسلامي، ليس فقط بسبب تحولاته الروحية، بل لما تركه من أثر عميق في مسار العلاقة بين العقل الفلسفي والنص الديني. إن فهم موقف الغزالي من الفلاسفة لا يستقيم دون استحضار البيئة السياسية المتفجرة في ظل الدولة السلجوقية؛ حيث كانت الفلسفة تمثل "العمود الفقري" المعرفي للدعوة الباطنية التي هددت شرعية الخلافة السنية. جاء كتابه "تهافت الفلاسفة" ليمثل ذروة النقد الغزالي، حيث ناقش عشرين مسألة أظهر فيها أن الفلاسفة (الفارابي وابن سينا تحديداً) لم يلتزموا في "الإلهيات" بالبراهين التي وضعوها في المنطق، وأن كلامهم فيها هو ضرب من "التخمين والظن".

المواربة المعرفية: آليات التخفي وسيكولوجيا الخوف

تعد "المواربة المعرفية" (أو التقية الفكرية) مفهوماً مركزياً في فهم ادعاءات الفلسفة المعاصرة، وهي تعني حجب العلم أو استبداله بلغة رمزية مواربة لتمرير الأفكار دون الصدام مع السلطة أو المجتمع. هذه الممارسة ليست جديدة، فلها جذور في التاريخ الإسلامي، لكنها في العصر الحديث تعكس "عجزاً" عن المواجهة الفكرية الصريحة.

إن المواربة المعرفية هي نتاج مباشر لـ "سيكولوجيا الخوف" التي تسيطر على المثقف؛ حيث يضطر لإنتاج "نص مزدوج": ظاهر يقدم فروض الولاء للمنظومات السائدة، وباطن يحمل بذور النقد والتفكيك. هذا النهج أنتج فكراً "ضبابياً" يفتقر إلى الوضوح اللازم للمنافسة العالمية، وتحولت الممارسة الفلسفية إلى نوع من "الجمباز اللغوي" الذي يستهلك طاقة المثقف في التحايل بدلاً من الإنتاج الإبداعي. إنها ليست مجرد حذر سياسي، بل هي عائق إبستمولوجي يمنع العقل من بلوغ تخومه القصوى، مما يجعل الفلسفة المعاصرة في حالة "تهافت" مستمر بين ما تريد قوله وما تستطيع الجهر به.

إبستمولوجيا العوائق: الثالوث المحرم

لا يمكن سبر أغوار الانشطار المعرفي دون فحص "الثالوث المحرم" (الدين، السياسة، الجنس) الذي يشكل جداراً برلينياً أمام العقل النقدي. تظل الفلسفة محاصرة بتابوهات تمنع التفكير من بلوغ غاياته:

تابو الدين: يظل الدين العائق الأكثر تعقيداً؛ إذ يُنظر إليه كمنظومة ما ورائية مطلقة لا كحقل للدراسة. المفكر الذي يسعى لتشريح المنظومة العقدية يصطدم مباشرة بـ "حراس المعبد"، مما يعزز ممارسة المواربة المعرفية المذكورة آنفاً.

تابو السياسة: توظف السلطات المنظومات الذهنية التقليدية كأداة للضبط الاجتماعي، فتتحول الفلسفة من أداة للتحرر إلى وسيلة لشرعنة "الدولة العميقة" أو تبرير الطاعة.

تابو الجنس: يظل الجسد كائناً "مستتراً" لا يتم تناوله ككيان فلسفي، مما يعكس عجزاً عن مواجهة الطبيعة البشرية ويؤدي لانفصام حاد بين الممارسة والخطاب.

الرؤية الماركسية: الفلسفة كأداة للصراع وتغيير الواقع

بإدخال الرؤية الماركسية، نجد أن الفلسفة لا تُفهم كترف ذهني، بل هي "وعي بالواقع من أجل تغييره". ومن هنا، يرى المفكر الماركسي أن الانشطار بين (أصالة ومعاصرة) ليس صراعاً بين أفكار مجردة، بل هو انعكاس لصراع المصالح الطبقية.

يرى النقد المادي أن "المواربة المعرفية" هي تعبير عن ضعف الطبقة الوسطى المثقفة وعجزها عن تشكيل "كتلة تاريخية" (بتعبير غرامشي) قادرة على مواجهة القوى التقليدية. المثقف العربي يعاني من "استلاب مزدوج"؛ فهو مستلب تجاه المركزية الغربية الرأسمالية، ومستلب تجاه قوى الإنتاج المحلية المتعطلة. الماركسية هنا تتهم المثقف بأنه يعيش في "برج عاجي" من المفاهيم، بينما الواقع يتطلب انخراطاً في قضايا الجماهير. إن "تهافت" المثقفين الماركسيين أنفسهم جاء من استيراد المنهج المادي وتطبيقه حرفياً دون مراعاة لخصوصية المجتمعات الشرقية، مما حول الماركسية من أداة حية إلى "عقيدة" جامدة.

تشريح "العقل المستقيل" والجهل المقدس

في قلب أزمة المثقف برز الجابري في "بنية العقل العربي" ليصف الغزالي كرمز لـ "استقالة العقل" وانتصار العرفان على البرهان. بينما يبرز مفهوم "الجهل المقدس" الذي تناوله محمد أركون كحالة من "التفكير الرغبوي" الذي يتمنى تغيير الواقع بالخطابات الإنشائية دون الأدوات العلمية. إن أركون يرى أن التفكير محصور داخل "سياج دوغمائي مغلق"، مما يمنع المثقف من ممارسة "التعقل الإيجابي" القادر على تفكيك بنى السلطة والتقليد.

 المؤسسة الأكاديمية والوصاية الأيديولوجية

تعاني الفلسفة في الجامعات العربية من أزمة مزمنة؛ حيث غلب الفكر الأيديولوجي والولاء السياسي على التفكير المعرفي. إن تهميش الفلسفة والمنطق في المناهج هو قرار سياسي يهدف لضرب "مصنع توليد الأفكار"؛ فالفلسفة هي التي ولدت مفاهيم الديمقراطية والمواطنة، وعندما يتعطل التفكير العقلاني، تتخبط المجتمعات في أزمات الهوية والتبعية.

نحو "فيصل" جديد للعقل العربي

إن الطريق نحو "تنوير" حقيقي يبدأ بالاعتراف بأن الفلسفة ليست ترفاً، بل هي "شرط بقاء وجودي". إن كسر أغلال التابو والمواربة المعرفية هو الشرط الضروري لأي نهضة. والبديل هو استمرار حالة "التهافت" التي تجعل المثقف مجرد "صدى" لأفكار الآخرين.

يبقى الصراع بين "التهافت" و"الفيصل" هو المحرك الأساسي؛ فإما السقوط في تهافت الادعاءات الفلسفية التي لا تلامس الواقع، وإما اجتراح "فيصل" إبستمولوجي ومادي جديد يعيد للعقل كرامته وللمثقف دوره كفاعل اجتماعي قادر على صناعة المستقبل بدلاً من تبرير الحاضر أو البكاء على الماضي. إن الرحلة من الغزالي إلى الجابري وأركون والماركسية العربية تثبت أن العقل العربي يمتلك الأدوات، لكنه يحتاج إلى الشجاعة لاستخدامها بعيداً عن الوصاية.

***

غالب المسعودي

.........................

مراجع

الغزالي، أبو حامد: تهافت الفلاسفة.

الغزالي، أبو حامد: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.

الجابري، محمد عابد: بنية العقل العربي.

أركون، محمد: تحرير العقل الإسلامي.

تيزيني، طيب: من التراث إلى الثورة.

مروة، حسين: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية.

عامل، مهدي: نقد الفكر اليومي.

حرب، علي: نقد النص.

كيف تحول النظام العالمي من حلم الحرية إلى صراع القوة والعنف؟

” التاريخ لم يعد يسير نحو الحرية كما تخيل هيجل، بل صار مسرحاً لصراع هوبزي مستمر، حيث الغلبة للأقوى، والقيم تتحول إلى كلام بلا قوة. ففي هذا العالم، لا يقاس النجاح بالحق أو القانون، بل بالقدرة على فرض الإرادة، وتصبح السلطة وسيلة للبقاء أكثر من كونها أداة لتحقيق المثل العليا للإنسانية “.

” هابرماس حلم بالحوار العقلاني كأداة للعدالة، لكن السياسة الدولية أظهرت أن القوة والمصلحة المباشرة أجهضت أي محاولة للتفاهم والتواصل العقلاني “.

” في عصر الميديوقراطية، باتت السياسة لعبة صورية، تدار بالقوة والظهور، حيث تغيب الرؤية، وتصبح القيم مجرد ديكور، والفكر مجرد صدى يتبدد أمام إرادة البقاء “ (الكاتب).

لم يعد العالم اليوم يدار بالقانون، بل بمن يملك القدرة على كسره، فقد أصبح النظام العالمي المعاصر نظام إمبراطوريات وعصابات بالأخص مع إدارة البرتقالي، لذا كيف يمكننا الإيمان بفلسفة هيجل عندما خلص بأن التاريخ الإنساني تاريخ يسير نحو التقدم. الإجابة بكل صراحة لا، حيث صدق هوبز في قوله حرب الكل ضد الكل والغلبة للأقوى. أما الحديث عن القانون الدولي وحقوق الإنسان - بات أكثر من أي وقت مضى- لغة بلا قوة.

يبدو أننا في هذا السياق وضعنا إصبعنا على الجرح الفلسفي والسياسي العميق الذي يعيشه عالمنا المعاصر، خاصة مع عودة (الإدارة البرتقالية) التي تتعامل مع السياسة الدولية بعقلية      " الصفقة " والابتزاز والإكراه والقوة العارية، بعيداً عن الرتوش الدبلوماسية والمؤسساتية القانونية.

 لقد جسدت الأحداث الراهنة ما يمكن وصفه بـ " المشهد السياسي الدولي المعاصر " في الألفية الثالثة، حيث يدور الصراع حول أربع رؤى فلسفية كبرى تتقاطع مع مصالح القوى العالمية، وتعيد إنتاج التوتر بين التقدم، الفوضى، والسيادة المطلقة.

- انكسار " هيجل " (حتمية التقدم) كان هيجل يرى أن التاريخ ليس مجرد أحداث عشوائية، بل هو " سير العقل نحو الحرية ". حيث اعتقد أن البشرية تتطور من الهمجية إلى الدولة القانونية، وأن كل صراع (ديالكتيك) ينتهي بنتيجة أرقى وهي سيادة القانون والمدنية وحقوق الإنسان.

لماذا يبدو مخطئاً الآن؟ لأن ما نراه اليوم ليس " تقدماً نحو الحرية "، بل " نكوصاً " نحو القوميات والإيديولوجيات المتطرفة، وسياسات المحاور، وتفكيك المؤسسات الدولية وإفراغ القانون الدولي من مضمونه فلم يعد قادرا على تأطير النزاعات الدولية. بذلك أصبح التاريخ في هذا السياق لا يسير للأمام، بل يبدو وكأنه يدور في حلقة مفرغة من الصراعات البدائية على الموارد والنفوذ من منطلق أسياد وعبيد.

- بالمقابل صدق " هوبز " (الإنسان ذئب لأخيه الإنسان) عندما نصف النظام العالمي بـ " نظام العصابات " لكن بلباس الياقات البيضاء الحداثي، فنحن نستحضر حرفياً فلسفة توماس هوبز في كتابه " الليفايثان ". حيث يرى هوبز أن البشر (والدول) في حالتهم الطبيعية يعيشون " حرب الكل ضد الكل ".

وهذا وضع طبيعي في ظل غياب " سلطة عالمية " حقيقية قادرة على لجم القوى الكبرى، لتصبح الدول المارقة كـ " الذئاب "، القوي يلتهم الضعيف تأميناً لبقائه. في واقع الأمر جسدت الإدارة البرتقالية هذا بوضوح عبر شعار " أمريكا أولاً "، وهو ترجمة سياسية لـ " أنا ومن بعدي الطوفان "، حيث لا مكان للمبادئ الأخلاقية إذا تعارضت مع المصلحة المادية البراغماتية المباشرة.

- سيادة الميديوقراطية، أو حكم المتواضعين، تمثل إحدى أبرز مظاهر التناقض الغربي الراهن. فبدلاً من أن تظل السلطة في أيدي النخب الفكرية التي تبني سياساتها على قيم التنوير ومبادئ الحرية، نجد أن بعض القيادات الحالية أصبحت إجرائية وشعبوية، تدير الدولة بعقلية شركة أو شبكة مصالح. هذه النماذج السياسية تعتمد على مبدأ " من ليس معنا فهو ضدنا "، مما يحول المؤسسات الوطنية والدولية إلى أدوات لتحقيق المكاسب الفورية والخدمة الذاتية بدل الالتزام بالمثل العليا.

ومن الناحية النظرية، يعكس هذا التحول طبيعة الحكم المعاصر الذي يهيمن عليه البراغماتيون والشعبويون الإجرائيون، حيث تُقدّم الفعالية العملية على العمق الفكري، والمصلحة المباشرة على القيم والمبادئ. والنتيجة هي تحويل السياسة من فضاء للتفكير الأخلاقي والاجتماعي إلى ساحة إدارة مصالح وإكراه سلطوي، ما يؤدي إلى هشاشة المؤسسات وفقدان الرؤية الاستراتيجية الطويلة المدى.

وهكذا تصبح السياسة بنظرهم " بيزنس " حيث تدار الحرب والسيادة بمنطق " الحماية مقابل المال " (الخوة)، ليسقط القناع الأخلاقي للغرب، ويتحول النظام الدولي إلى " إقطاعيات    إمبريالية " معاصرة. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه علينا بناءً على متغيرات الواقع وأحداث السياق السياسي الدولي هل نحن أمام " نهاية التاريخ " أم " العودة للبدائية " ؟

إذا كان الغرب يتحدث عن حقوق الإنسان من جهة، ويمارس " بلطجة " دولية من جهة أخرى، فهو يؤكد نظرية كارل شميت (الذي كان ناقداً لهيجل) بأن " السياسي " يتحدد فقط بالعلاقة بين (الصديق والعدو)، وأن القانون الدولي ما هو إلا أداة بيد القوي والمنتصر.

- ومن زاوية سوسيولوجية معاصرة، يمكن اعتبار ما نعيشه اليوم " فشلاً عملياً " لنظرية الفعل التواصلي عند يورغن هابرماس، التي رأت أن التواصل العقلاني والحوار المؤسسي يمكن أن يوجه القرارات السياسية والاجتماعية نحو التفاهم والعدالة والاعتراف بالآخر. إلا أن الواقع المعاصر، كشف لنا عن عجز مقولات هذه النظرية في مواجهة عقلية القوة والمصلحة المباشرة، فالحوار بين الدول لم يعد مساراً للتفاهم أو ضبط النزاعات، بل أداة مسيسة، حيث تهيمن المصالح السلطوية والابتزاز والإكراه على أي محاولة للتفاهم والحوار. وهكذا، تحول الفعل التواصلي إلى مجرد فلسفة بلا قدرة على التطبيق في السياسة الدولية، ما يعكس عمق الأزمة في القيم والمؤسسات العالمية.

خلاصة القول، إن المشهد الدولي الراهن، بقيادة الإدارات الشعبوية والقوى الإمبراطورية المتصارعة، يثبت أن محرك التاريخ ليس " الروح " أو " العقل " كما توهم هيجل، بل هو " غريزة البقاء المتوحشة ". نحن نعيش في عالم لا تُصنع فيه القرارات بناءً على قيم تنويرية ذات الطابع الإنساني، بل بناءً على عقيدة الخوف الاستباقي، حيث يسعى كل قطب للسيطرة المطلقة خشية أن يُسيطر عليه. هذا " التدخل السافر " في سيادة الدول ليس إلا تجلياً لعودة الإنسان الذئب في أبهى صوره التكنولوجية، مما يحول النظام العالمي من منظومة قانونية إلى ساحة صراع لعصابات دولية لا تعترف إلا بمنطق القوة الهمجية الصرفة ليضرب بعرض الحائط كل المواثيق الدولية.

وفي الختام، ربما لم ينته التاريخ كما بشر هيجل، لكنه بالتأكيد لم يعد يتقدم كما تخيله، أو كما تصوره هابرماس قائماً على الحوار العقلاني دون نفي الآخر. ما نشهده اليوم أقرب إلى عالم توماس هوبز، حيث لا يُحسم الصراع بالقانون، بل بمن يملك القدرة على فرضه. في هذا العالم، لا يُسأل: مَنْ على حق؟ بل مَنْ الأقوى؟ تلك هي الحقيقة التي تُقال همساً… وتُمارس علناً.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

البنيوية كأداة لتفكيك هيمنة النسق

تمثل الفلسفة البنيوية في تجلياتها المعاصرة أداة معرفية بالغة الأهمية لتفكيك الأنساق الكبرى التي تحكم العالم الحديث؛ إذ لا يُنظر إلى الأحداث بوصفها وقائع معزولة، بل كناتج لتفاعلات عميقة داخل بنية تحتية شاملة تعيد صياغة الوجود الإنساني. إن المسار الفكري الذي يمتد من نقد الاقتصاد السياسي التقليدي وصولاً إلى ممارسات السيطرة الكلية في الأنظمة الحديثة يمثل رحلة معقدة لفهم آليات الهيمنة والاغتراب والهشاشة المؤسسية.

تبرز "حتمية الصدام" في هذا السياق كضرورة بنيوية ناتجة عن وحدة أسس الاستغلال؛ حيث تُختزل السلطة لتصبح أداة لإدارة الكينونة وتدجين السلوك البشري وفق منطق الربح وتراكم القوة. إن الهدف الجوهري لهذا البحث هو استقصاء الجذور الفلسفية التي سمحت لرأس المال بالتمدد وراء حدوده المادية ليصبح أداة قمعية متضامنة مع الكيانات الكلية، ورصد أثر هذا التمدد على الهويات المكانية والسيادة الوطنية، وربط ذلك بالنزاعات الراهنة حول موارد الطاقة والتهديدات النووية التي باتت تحكم مصير البشرية.

الجذور الوجودية لفلسفة رأس المال والاستلاب البنيوي

إن فلسفة رأس المال ليست مجرد نظرية اقتصادية تتناول تبادل السلع، بل هي رؤية وجودية شاملة ترى في نظام "العمل مقابل أجر" النواة الأساسية التي تشكل هوية الإنسان الحديث. في هذا الإطار، يتحول الجهد البشري من فعل إبداعي يعبر عن طاقات الكائن إلى سلعة خاضعة لقوانين السوق، مما يؤدي إلى انفصال المجالات الأخلاقية والقانونية عن المجال الاقتصادي.

هذا الانفصال البنيوي أنتج ما يعرف بـ "القيمة الاقتصادية الموضوعية"، وهي قوة تنمو كقوة طبيعية عمياء تبدو وكأنها لا تخضع للإرادة البشرية، مما يخلق بيئة من التناقضات الهيكلية التي تؤدي حتماً إلى الصراع بين قوة العمل ومراكز تراكم الثروة. تعتمد هذه البنية على تحويل العلاقات بين البشر إلى "علاقات بين أشياء"، وهو ما أصّل له الفكر النقدي تحت مسمى "صنمية السلعة".

وتعني هذه الصنمية اعتقاداً واهماً بأن للشيء قيمة متأصلة فيه بمعزل عن الجهد البشري المبذول في إنتاجه، مما يخلق حالة من الاغتراب الوجودي حيث تعمل القوانين الاقتصادية "خلف ظهور" المنتجين. إن هذا الاستلاب السلعي هو الامتداد الجوهري الأول لرأس المال، حيث يتحول الوجود من "فعل كينونة" إلى "موضوع للإدارة"، وهو ما يمهد الطريق لنشوء الأنظمة الكلية التي تستثمر هذا الاغتراب لترسيخ سلطتها.

تمدد رأس المال نحو السيطرة الكلية والمجتمع المُدار

ينتقل منطق رأس المال من مرحلة الهيمنة الاقتصادية البسيطة إلى مرحلة "السيطرة الكلية" عندما يندمج مع آليات الدولة في الأنظمة الكلية. في هذه المرحلة، لا يكون الهدف هو الحكم التقليدي فحسب، بل إقامة عالم منسجم كلياً مع العقائد الأيديولوجية؛ عالم يسعى لإرضاء حاجة النفس البشرية للاتساق والنمطية أكثر من اهتمامه بالواقع العيني المتغير. في هذا السياق، لم يعد الإنتاج يهدف إلى إشباع الحاجات الإنسانية الطبيعية، بل أصبح وسيلة لضمان تراكم القوة المطلقة، حيث يخضع الإنسان لتحكم الآلات والتنظيم الإداري (البيروقراطي) الصارم.

تشير أطروحات مدرسة فرانكفورت النقدية إلى تحول نوعي في المجتمعات الحديثة نحو ما يسمى "رأسمالية الدولة" أو "المجتمع المُدار"، حيث يتم تجاوز السوق الحر لصالح تدخلات إدارية مكثفة تحول الدولة إلى "رأسمالي جماعي". في هذا النموذج، يصبح الفرد موضوعاً للتخطيط الشامل، وتتحول دوافعه الفردية إلى بيانات مجردة قابلة للتنبؤ والتحكم. إن اعتماد الأفراد المتزايد على عطايا الدولة وخضوعهم لسطوة التقنيين والخبراء يؤدي إلى فقدان العفوية اللازمة لمقاومة القمع، مما يجعل الوجود البشري حركة آلية يغذيها الإرهاب المنظم بصوره المختلفة، سواء كان إرهاباً مادياً أو فكرياً.

 السيادة المالية وتآكل مفهوم المواطنة والهوية المكانية

أدى انتقال السيادة الفعلية من الدول الوطنية إلى رأس المال المالي وكليانية التقنيات الرقمية إلى نشوء صدام بنيوي بين "المواطن" المرتبط بحيز جغرافي وتاريخي محدد، وبين "رأس المال" العابر للحدود الذي لا وطن له. هذا الوضع أدى إلى تآكل مفهوم الدولة الوطنية التقليدية؛ إذ لم تعد الدولة تهدف إلى إنتاج التوافق الاجتماعي أو حماية العقد الاجتماعي، بل تحولت إلى كيان "ريادي" يسعى لتقليل التكاليف الاجتماعية واعتماد "ثقافة الخوف" والمراقبة لضمان الانصياع لمنطق المضاربات المالية العالمية.

في ظل هذا التحول، تعاني الهوية المكانية من حصار خانق؛ فبينما تعد الهوية المكانية ركيزة أساسية للفعل الناجز وصيرورة تعبر عن العلاقة الوجودية بين الذات والمكان، أدى تمدد رأس المال والأنظمة الكلية إلى تراجع "الجغرافيا السياسية" لصالح "الجغرافيا الاقتصادية". لقد فقدت الحدود حمايتها المنيعة أمام التدفق الحر لرؤوس الأموال والمعلومات، مما حول الأمكنة من "بيوت للسكينة" إلى "نقاط لوجستية" في شبكة الإنتاج العالمي. ومع ذلك، تبرز الهوية المكانية والثقافية هنا كملجأ أخير للمقاومة، حيث يتم تحويل "الحرمان النسبي" والفجوة بين المالكين والأجراء إلى قضية تمس الكرامة الشخصية، ويصبح الانتماء للمحلية درعاً ضد "الهوية السائلة" التي تفرضها العولمة القسرية.

جيوسياسية الموارد وحتمية الصدام النووي

تمثل موارد الطاقة العصب الحيوي للاقتصاد الحديث، وهي في الوقت ذاته أداة الهيمنة العالمية الكبرى. إن الصراع على هذه الموارد ليس مجرد تنافس اقتصادي تقني، بل هو محرك أساسي لإعادة رسم خرائط التحالفات وزعزعة استقرار الأمكنة. في سياق فلسفة رأس المال، لا يُنظر إلى الأرض ككيان هوياتي إنساني، بل كمخزن للثروات و"كنوز مدفونة"، مما يسلب المكان هويته ويحوله إلى ساحة صراع وغنيمة تتسابق عليها القوى الكلية.

هنا يظهر التناقض البنيوي في أبهى صوره عبر "الطاقة النووية" والنزاعات المرتبطة بها. فبينما تُسوق القوة النووية كأداة للتنمية، تُستخدم في الواقع كأداة نهائية للردع والسيطرة. لقد قام النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية على أساس "الردع النووي" كوسيلة لتنظيم العلاقة بين القوى العظمى، وهو ما يُعرف بـ "التدمير المتبادل المؤكد". هذا التوازن نقل الاستراتيجية العسكرية من السعي نحو النصر إلى إدارة "توازن الرعب".

من منظور فلسفي، يمكن نقد "العقل النووي" بوصفه عقلاً تجريدياً يتعامل مع المعادلات والقدرات التقنية بمعزل عن الواقع الإنساني والوجودي. إن توظيف العلم للدمار يمثل انتصاراً للميول المظلمة في النفس البشرية وتغليباً للأوهام الذهنية للسيطرة الكلية على حساب الحقائق الوجودية السامية. هذا العقل الذي ينتج الحروب هو عقل "مغترب" بذاته، لأنه استبدل الحقيقة الوجودية بأوهام القوة المطلقة.

بنية الهشاشة والدولة الرخوة في المناطق التابعة

عندما يمتد منطق رأس المال إلى بيئات تفتقر إلى مؤسسات راسخة، تظهر "الدولة الرخوة" كنموذج بنيوي للاستغلال. الدولة الرخوة هي التي تسن القوانين ولا تطبقها، حيث يسود الفساد الممنهج وتتغلغل المصالح الخاصة في مفاصل الحكم. في هذه البيئة، يتم استخدام القمع كأداة يومية لإدارة الأزمات الناتجة عن فشل التنمية، بدلاً من معالجة أسباب الفقر الجذري.

النخب المرتبطة بالخارج في هذه الدول تلجأ لتعزيز أجهزتها القمعية لحماية مصالحها، مما يؤدي إلى تآكل الهوية الوطنية والتبعية الكاملة لمراكز المال العالمية. إن هذه الهشاشة المؤسسية ليست مجرد فشل إداري، بل هي جزء من بنية الاستغلال الكلي التي تهدف إلى إبقاء مساحات شاسعة من العالم في حالة من "السيولة السياسية" التي تخدم تراكم رأس المال العالمي.

التحرر من القبضة التويلتارية وآفاق للوجود

إن مواجهة التمدد الكلي لفلسفة رأس المال تتطلب استعادة "فلسفة الوجود" الحرة وكسر شلل الإرادة أمام المثيرات المادية الفائقة. التحدي الحقيقي يكمن في بناء دولة تنموية أصيلة تنبع من حاجات المجتمع لا من إملاءات مراكز المال العالمية.

تعد التأويلية (الهرمنيوطيقا) النقدية طريقاً لإعادة بناء الهيكل الوجودي للإنسان، عبر منحه الأدوات الفلسفية اللازمة لتأويل أزماته والتمييز بين ما هو في نطاق سلطته (الأفكار والقرارات) وما هو خارجها. إن الهيكل الوجودي ليس بنية ثابتة، بل هو عملية بناء مستمرة قائمة على التعاضد بين الذات المتفهمة، والكلمة الكاشفة، والمكان الآمن الذي يسمح بالعيش الحر.

 آفاق الوجود في عالم مضطرب

تؤكد الفلسفة البنيوية أن حتمية الصدام وتآكل الهويات المكانية ليست مجرد حوادث عارضة، بل هي تجليات لبنية عميقة تحكمها فلسفة رأس المال والأنظمة الكلية. إن وحدة الأسس البنيوية للاستغلال، التي تجمع بين عنف السوق وعنف الدولة، تهدف في النهاية إلى إلغاء الفعل الحر وتحويل الإنسان إلى موضوع للإدارة الرقمية والإدارية.

ومع ذلك، فإن النقد الجذري لهذه البنى، والتمسك بالهوية المكانية كخزان للمقاومة والكرامة، يفتح الطريق أمام انبعاث تنموي جديد يستعيد السيادة على المصير. إن المعركة الحقيقية هي معركة فكرية ووجودية تهدف إلى كسر أغلال الانغلاق الذاتي والارتقاء بالإنسان ليكون فاعلاً تاريخياً حقيقياً، بعيداً عن أساطير النمو اللانهائي وواقع الحروب والنزاعات النووية. إن الرهان يظل قائماً على قدرة الوعي المنخرط في الواقع على تغيير بنية الاستغلال وصياغة مستقبل يسوده العدل والحرية والكرامة الإنسانية.

***

غالب المسعودي

.........................

مراجع مقترحة

كارل ماركس: "رأس المال" (نقد الاقتصاد السياسي - مفهوم الاغتراب وصنمية السلعة).

هيربرت ماركوز: "الإنسان ذو البعد الواحد" (نقد المجتمع المُدار والسيطرة التقنية).

تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر: "جدل التنوير" (مفهوم العقل الأدواتي والسيطرة الكلية).

ميشيل فوكو: "المراقبة والمعاقبة" (آليات السلطة وتدجين الأجساد).

مارتن هايدغر: "السؤال عن التقنية" (الوجود والتقنية كإطار للسيطرة).

زيجمونت باومان: "الحداثة السائلة" (تآكل الهويات والسيادة المالية).

ديفيد هارفي: "تاريخ موجز لليبرالية الجديدة" (الجغرافيا الاقتصادية وفلسفة المكان).

 

كان اليونانيون القدماء أول من خاضوا في التفكير العلمي العقلاني، وبذلك انتقلوا من الميثولوجيا الى التفكير المرتكز على الدليل حول العالم. ان ظهور التفكير العلمي العقلاني في اليونان القديمة غيّر الطريقة التي فهم بها الناس العالم، وابتدأ بذلك مرحلة جديدة في القطيعة الحاسمة مع التوضيحات المتجذرة في الأسطورة والتدخل الديني وهو ما وضع الحجر الأساس للحضارة الغربية.

يشير العلماء الى هذا التحول بـعبارة "من الأسطورة الى المنطق"، يصفون بها انتقالا من المعرفة الشعبية التقليدية الى الاستقصاء العقلاني، وانها ترمز كواحدة من اكثر التحولات الفكرية في التاريخ الإنساني. قبل ظهور التفكير العقلاني، كانت الظاهرة الطبيعية تُفسّر من خلال الميثولوجيا والقوى الخارقة للطبيعة والتدخّل من قبل الآلهة. لو عدنا الى هوميروس وملحمته في الالياذة والاوديسة، نجد قصصا يتقرر فيها مسار الاحداث بقوى دينية. هذه الآلهة جرى وصفها بسمات بشرية وشخصيات ونواقص تعمل كمشرف يتدخل متى ما اتخذت القصة منعطفا غير متوقع. وفي نفس الوقت، رأى الناس في اليونان القديمة الإله منعكساً في كل ظاهرة طبيعية، في تحولات الحظ، وفي نتائج المساعي البشرية. في ملحمة هيسيود Hesiod’s Theogony، كل إله يتجسد بخصائص متميزة ومجال محدد للنفوذ، سواء في الحرب ام الحكمة او الزراعة او البحر او القمر. كل إله وإلهة مسؤول ضمن مجاله الخاص ويتلقى الدعاء والشكاوي من البشر.

بدءاً من القرن السادس قبل الميلاد، استبدل المفكرون اليونانيون التوضيحات الميثولوجية بتفكير عقلاني حول العالم الطبيعي. هذا التحول الفكري وضع الأرضية للتحقيق المنهجي العلمي ومهّد الطريق لقرون من الاستكشافات والنقاشات والاكتشافات. في ورقته (من الأسطورة الى المنطق وتطور التفكير العلمي في اليونان القديمة) يجادل اندرو جريجوري Andrew Gregory بروفيسور التاريخ وفلسفة العلوم في كلية لندن الجامعية بان اليونانيون أدخلوا تقليدا فكريا جديدا سعى الى تفسيرات علمية للعالم الطبيعي. هو لاحظ ان المفكرين اليونانيين انتجوا "اول علم متميز مقابل الخلفيات الأسطورية والسحر والتدخل الثيولوجي".

قبل ظهور الفلسفة والتفكير العقلاني، فسّر اليونانيون الاحداث الطبيعية من خلال الميثولوجيا. في ملحمتي هوميروس وهيسيود، كان العالم يُحكم بآلهة مجسمة سيطرت على القوى الطبيعية وان ظواهر الرعد والعواصف والامراض والظواهر السماوية نُسبت الى رغبة الإله بدلا من أسباب مُلاحظة. هذه التوضيحات الميثولوجية لم تكن متفردة باليونان، العديد من الحضارات القديمة اعتمدت على اطر مشابهة. فمثلا، قبل هوميروس وهيسيود، وُصفت آلهة المصريين بأجسام بشرية ورؤوس حيوانات او طيور.

الاساطير أنجزت عدة وظائف هامة. انها وفرت دروسا أخلاقية وصاغت الهوية الثقافية وقدمت توضيحات للظواهر الطبيعية. مع ذلك، هي لم يُقصد بها ان تُقيّم نقديا او تُختبر تجريبيا. وكما يوضح جريجوري، الاساطير تجسدت ضمن التقاليد الدينية والثقافية وكانت محصنة ضد النقاش العقلاني. بالمقابل، شجع التفكير العقلاني في اليونان القديمة التوضيحات المرتكزة على الدليل والاستدلال. جريجوري أكّد على ان اليونانيين كان مشهودا لهم بتطوير تفسيرات نظرية للطبيعة يمكن مناقشتها وتحدّيها وتنقيحها. طبقا له، اليونانيون "أعطوا لنا اول النظريات الملائمة" حول العالم حتى لو بدت هذه الأفكار المبكرة ساذجة قياسا بالمستويات الحديثة. التمييز الأساسي بين الأسطورة والتحقيق العقلاني يكمن في اتجاه التفسير. القصص الميثولوجية تنسب الاحداث لشخصيات دينية او نوايا ما هو خارق للطبيعة، بينما التفكير العقلاني يبحث عن أسباب طبيعية وغير شخصية. هذا التحول الفكري تطلّب إعادة تصور راديكالية عن الكيفية التي يمكن بها فهم العالم.

من الأسطورة الى المنطق: مولد الفكر

اول مرحلة لهذا التحول الفكري في اليونان القديمة حدثت مع فلاسفة ما قبل سقراط في القرنين السادس والسابع قبل الميلاد. مفكرون مثل اناكسيماندر واناكسيمين سعوا لمبادئ طبيعية يمكنها توضيح هيكل وسلوك الكون. بدلا من نسبة الظاهرة الى الالهة، هم ركزوا على المادة الفيزيائية والعمليات كأساس للواقع. طاليس اعتُبر اول فيلسوف في الفكر اليوناني لأنه حاول توضيح الاحداث الطبيعية من خلال الفرضيات العقلانية بدلا من الميثولوجية. هو افترض ان الماء هو المبدأ الأساسي للكون وسعى لتفسيرات طبيعية للحوادث مثل الزلازل والكسوف. ورغم ان أفكار طاليس كانت تأملية وربما غير دقيقة أحيانا، لكن أهمية عمله تكمن في الطريقة وليس في الاستنتاجات. هو أظهر ان العالم يمكن فهمه من خلال التفكير العقلاني. الفلاسفة اللاحقون في اليونان القديمة بنوا على هذا الاتجاه في التفكير العلمي. اناكسماندر اقترح ان الكون نشأ من مادة لا محدودة تسمى apeiron، بينما اناكسمينس جادل بان الهواء هو العنصر الرئيسي. هذه النظريات مثّلت محاولات لتوضيح الطبيعة طبقا لمبادئ متسقة بدلا من التدخل الإلهي.

يؤكد اندريه جريجوري على ان مساهمات اليونانيين لم تكن فقط اكتشافا للحقائق وانما تطوير اطر نظرية. اليونانيون اعتقدوا بان المعرفة يمكن ان تتقدم من خلال النقاش العقلاني، والنظريات يمكنها ان تصف وبشكل هادف العالم الطبيعي. هذا الالتزام بالتفكير العقلاني ميّز الحياة الفكرية اليونانية عن التقاليد الميثولوجية المبكرة التي اعتمدت فيها التوضيحات على قصص مقدسة بدلا من فرضيات قابلة للاختبار.

التفكير العقلاني المبكر المرتكز على العلم في اليونان القديمة

ان التحول من الأسطورة الى التوضيح العقلاني لم ينل القبول عالميا في اليونان القديمة. الفلاسفة الذين اقترحوا توضيحات طبيعية عادة ما واجهوا الشك والكراهية. فمثلا، اناكسوغوراس اقترح ان الشمس كانت كتلة نارية وليست كائنا دينيا. هذه الأفكار تحدّت العقائد الدينية التقليدية واحيانا قادت الى اتهامات بالمعصية. المصادر التاريخية تشير بان العديد من الناس قاوموا هذه التفسيرات لأنها تجاهلت دور الوكيل الديني واخنزلته الى قوى غير مفكرة وأسباب طبيعية. هذا الموقف يوضح الطبيعة الراديكالية للتفكير العلمي المبكر. عبر اقتراح اتّباع العمليات الطبيعية لقوانين منسجمة، يكون الفلاسفة اليونانيون تحدّوا الافتراضات الثقافية الراسخة حول اشتراك الآلهة في العالم. وبالرغم من المقاومة، اكتسب الاتجاه العلمي تدريجيا نفوذا ضمن الحياة الفكرية لليونان القديمة.

هذا لا يفترض ان الفلاسفة المبكرين والعلماء كانوا ملحدين، لم يكونوا كذلك. هم طوروا اتجاها نقديا وعالميا غير مسبوق في الثقافة اليونانية. وكما لاحظ اكسينوفان، ان هوميروس و هيسود نسبا للالهة كل السلوك المخجل للناس مثل السرقة والزنا والخداع. البشر تصوروا الالهة مولود يلبس ويتحدث ويتجسد كما هم انفسهم.

ابقراط والطب في اليونان القديمة

ان الاتجاه العلمي والتفكير العقلاني في الطب كان واحدا من أوضح الأمثلة للتحول من التوضيحات الميثولوجية الى الاستدلال العلمي وهو ما حصل في الطب اليوناني القديم، وخاصة في الاعمال المرتبطة بابقراط الذي سُمي بأبوا الطب. قبل طب ابقراط، كانت الامراض تُعزى الى أسباب خارقة للطبيعة مثل العقوبة الإلهية او حيازة شيطانية، والشفاء كان يتم عبر اللجوء الى الطقوس والادعية وممارسات المعبد الموجهة الى الإله اسكليبوس. ابقراط واتباعه ادخلوا منظورا راديكاليا مختلفا. بدلا من لوم الالهة، هم جادلوا ان المرض له أسباب طبيعية يمكن فهمها من خلال الملاحظة الدقيقة والتحليل. ابقراط اكّد على الملاحظة السريرية الدقيقة والتفسير العقلاني رافضا تفسيرات الامراض المتجاوزة للطبيعة.

في رسالة شهيرة حول المرض المقدس، التي تناقش الصرع، يزعم الكتاب الايبقراطيون ان الظرف ليس الهيا وانما طبيعيا. النص ينتقد أولئك الذين يعزون المرض الى آلهة  ويصر على ان المرض له أسباب فيزيقية يمكن دراستها ومعالجتها. هذا يمثل رفضا واضحا للتفسيرات الميثولوجية. الايبقراطيون الأوائل أيضا باشروا ما اعتُبر اول هجوم مؤرخ على السحر كتفسير للمرض. هم نبذوا الأسباب الأسطورية والخارقة للطبيعة لأنها غير موجودة وان العالم يمكن فهمه كمكان طبيعي محكوم بقوانين طبيعية. في مثال مثير، هم فحصوا ماشية تعاني من مرض مشابه للصرع. عندما وجدوا رائحة كريهة للدماغ استنتجوا ان الاعراض نتجت بفعل مرض طبيعي وليس تدخلا الهيا. بعمل كهذا، هم حددوا الأساس الفيزيقي للمرض – وهو مثال مبكر وواضح للتفكير العلمي.

التفسيرات التاريخية توضح كيف ان ابقراط دمج التوضيحات الطبيعية ضمن دراسة الامراض. هو جادل ان الامراض حتى تلك التي تُعتبر الهية، لها "ظروف فيزيقية" وأسباب طبيعية يمكن ملاحظتها وفهمها. الاتجاه الايبقراطي تطور الى طريقة منهجية لدراسة الامراض. الفيزيائيون سجلوا الاعراض بدقة، وحللوا العوامل البيئية مثل المناخ والغذاء وبحثوا عن نماذج يمكنها توضيح المرض. من خلال هذا التحقيق المنهجي، طور ابقراط نظرية بان الصحة تعتمد على التوازن بين أربعة اخلاط للجسم: الدم، البلغم، الصفراء، السوداء. وبينما جرى استبدال هذه النظرية مؤخرا بعلم طب حديث لكنها جسدت خطوة حاسمة نحو الممارسة الطبية العقلانية.

ان الأهمية لطب ابقراط تكمن ليس فقط في نظرياته وانما أيضا في منهجيته. عبر التأكيد على الملاحظة الدقيقة والدليل التجريبي والتوضيح العقلاني، تمكّن الأطباء الابيقراطيون من تأسيس مبادئ للتفكير العلمي بقيت مركزية للممارسة الطبية اليوم.

التطور الواسع للعلوم

ان التحول من الأسطورة الى التحقيق العقلاني امتد ليتجاوز الفلاسفة الأوائل والاطباء. في اليونان القديمة، استمر التفكير العلمي بالتقدم في حقول علم الفلك والرياضيات والفلسفة الطبيعية. مفكرون مثل فيثاغوراس حقق في البناء الرياضي للكون، بينما الفلاسفة اللاحقون بمن فيهم افلاطون وارسطو طوروا اتجاهات منهجية للمعرفة والفهم. ارسطو بشكل خاص، لعب دورا مركزيا في تحديد الفكر العلمي. هو اجرى دراسات مفصلة في البايولوجي والفيزياء والمنطق مركزا على الملاحظة الدقيقة والتصنيف. وبالرغم من التنقيحات التي أجريت لاحقا على استنتاجاته، فان اتجاهه المنهجي أثّر بعمق على التحقيق العلمي امتد لقرون. العلم اليوناني ازدهر أيضا اثناء الفترة الهلنستية عندما أحدث علماء مثل اقليدس وارخميدس وارسطوخوس تقدما هاما في الرياضيات وعلم الفلك. هذه التطورات توضح كيف وضعت التحولات الفكرية التي بدأت مع فلاسفة ما قبل سقراط الأساس لتقاليد ثرية ودائمة للتحقيق العلمي في اليونان القديمة.

طبقا لاندريه جريجوري، أسّس المفكرون اليونانيون اول شكل متميز للعلوم عبر تطوير نظريات متماسكة سعت الى وصف العالم من خلال التفكير العقلاني. عملهم اتسم بتبنّي تفسيرات منهجية ونقاشات فكرية. جريجوري لاحظ ان اليونان القديمة كانت سبّاقة في توليد أفكار علمية ضمن ثقافة وثقت طويلا بالتفسيرات الميثولوجية. العلماء المعاصرون يستمرون بالنقاش حول المدى الذي بدأ به العلم حقا في اليونان القديمة. البعض يجادل ان الحضارات القديمة مثل المصرية وما بين النهرين صنعت مساهمات هامة للرياضيات وعلم الفلك. مع ذلك، العديد يؤكدون ان اليونانيين ادخلوا اتجاها فريدا تأسس على استدلال نظري وتحقيقات منهجية. مؤرخون مثل ديفد ليندبرج و جي أي لويد يؤكدان على أهمية الفلسفة الطبيعية اليونانية في تطور العلوم الغربية. لويد،خصيصا، يسلط الضوء على التقليد اليوناني في النقاش النقدي الذي شجع التوضيحات المتنافسة والحجج العقلية. ضمن هذه البيئة الصارمة فكريا كانت الأفكار العلمية قادرة على التطور واكتساب تأثير مستمر.

ان ميراث اليونان القديمة ليس فقط مجرد مجموعة من الاكتشافات العلمية المبكرة وانما اتجاه ثوري لفهم العالم من خلال التحقيق العقلاني. هذا الاتجاه وضع الأساس لتطوير العلم الحديث وطرح مبادئ للتحقيق تستمر في صياغة اتجاهنا الحالي في المعرفة.

***

حاتم حميد محسن

دراسة مقارنة للصراع ودور الرأسمال الرمزي

يعد مفهوم الطبقة الاجتماعية أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الفكر الاجتماعي والفلسفي المعاصر؛ إذ لا يقتصر وجوده على التصنيف المادي الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً وجودية تتعلق بالهوية البشرية، والحرية الفردية، والضرورة التاريخية. إن التباين الجوهري بين المذهب المادي التاريخي، الذي يرى الطبقة نتاجاً لعلاقات الإنتاج المادية، والمذهب الوجودي، الذي يحاول استعادة "الذات الإنسانية" داخل تلك الهياكل الصماء، والمذهب الرأسمالي، الذي يعيد صياغة الطبقة كأداة للمنافسة والكفاءة، يكشف عن صراع عميق حول ماهية التاريخ البشري ومآله.

تناقش هذه الدراسة بمنظور فلسفي واجتماعي مفهوم الطبقة في هذه المدارس الثلاث، مع التركيز على تحولات الصراع الطبقي تاريخياً، وصولاً إلى تحليل الدور الرمزي للدين، ليس فقط كمنظومة فكرية مهيمنة، بل كـ "رأسمال وهمي" يساهم في تعزيز التراتبية الطبقية الرأسمالية وتثبيتها عبر آليات القهر الرمزي.

المنظور الوجودي للطبقة وصيرورة الصراع المادي

تنطلق الفلسفة المادية من مقولة أساسية مفادها أن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي، وليس العكس. فالطبقة هنا ليست مجرد شريحة إحصائية، بل هي علاقة بنيوية ومادية تتحدد بموقع الأفراد من وسائل الإنتاج. في هذا السياق، تصبح الطبقة هي الفاعل التاريخي المحوري القادر على دفع عجلة التغيير من خلال الصراع الجدلي.

 المادية التاريخية وجدلية القوى والعلاقات

ترى المادية التاريخية أن تاريخ المجتمعات البشرية هو تاريخ الصراع الطبقي، وهو قانون موضوعي يحكم حركة التطور الاجتماعي. يبدأ هذا القانون من التناقض بين "قوى الإنتاج" و"علاقات الإنتاج". فعندما تصل قوى الإنتاج إلى مرحلة من التطور تصطدم فيها بعلاقات الإنتاج القائمة التي تتحول إلى عائق أمام تقدمها، تنفجر الثورة الاجتماعية التي تؤدي إلى تغيير نمط الإنتاج بالكامل.

تتجلى هذه الجدلية في الانتقال من المشاعية البدائية إلى العبودية، ثم الإقطاع، وصولاً إلى الرأسمالية، حيث يبرز التناقض الأكبر بين الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج والطبقة العاملة التي لا تملك سوى قوة جهدها البدني. إن الطبقة هنا هي "منتج مادي" لهذا التناقض، وصراعها ليس اختياراً ذاتياً، بل هو ضرورة تمليها شروط البقاء المادي.

فائض القيمة والوعي الطبقي

يكمن الجوهر الاقتصادي للطبقة في المجتمع الرأسمالي في آلية "القيمة الزائدة". فالرأسمالي لا يشتري "العمل" بذاته، بل يشتري "قوة العمل"، ويدفع للعامل أجراً يكفي فقط لإعادة إنتاج طاقته ليتمكن من العمل في اليوم التالي. والفرق بين القيمة التي يخلقها العامل خلال ساعات عمله والأجر الذي يتقاضاه هو "القيمة الزائدة" التي يستحوذ عليها صاحب رأس المال.

هذا الاستغلال المادي يؤدي إلى "الاغتراب"، حيث يصبح العامل غريباً عن المنتج الذي يصنعه، وعن عملية العمل نفسها، وعن ذاته الإنسانية. ولكي يتحول هذا الاغتراب إلى فعل تغييري، لا بد من انتقال الطبقة من حالة "الطبقة في ذاتها" (وجود موضوعي) إلى "الطبقة لذاتها" (وعي بالذات). فالوعي الطبقي ليس مجرد معرفة نظرية، بل هو اكتشاف للتناقضات الكامنة في صلب النظام الرأسمالي، وهو ما يوصف بالوعي الممكن للطبقة العاملة كقوة عالمية مهمتها إنهاء المجتمع الطبقي.

البنيوية مقابل النزعة الإنسانية

في منتصف القرن العشرين، برز انقسام داخل الفكر المادي حول مفهوم الطبقة. ذهب التيار البنيوي إلى رفض النزعة الإنسانية التي تركز على "الإنسان" كخالق منفرد للتاريخ، واعتبر أن التاريخ "عملية بلا ذات". فبالنسبة لهذا التيار، الأفراد هم مجرد "حمالين" لعلاقات الإنتاج، يتم توزيعهم آلياً في أدوار محددة مسبقاً بواسطة البنية الاقتصادية. الطبقة هنا هي موقع في الهيكل، وليست تجربة ذاتية.

في المقابل، دافع مفكرون آخرون عن دور الهيمنة الثقافية، معتبرين أنها تلعب دوراً لا يقل أهمية عن الاستغلال الاقتصادي في الحفاظ على التراتبية الطبقية. هذا التوتر بين "البنية" الصارمة و"الإنسان" الفاعل هو الذي مهد الطريق للحوار مع الفلسفة الوجودية.

الوجودية وإعادة اكتشاف الفاعل الطبقي داخل الضرورة

تمثل الوجودية محاولة جادة للمصالحة بين "الحرية المطلقة" للفرد و"الحتمية الاقتصادية". وبالنسبة لرواد هذا الفكر، فإن المادية كانت تعاني من "فقر إنساني" جعلها تعجز عن فهم الفرد في تجلياته الملموسة.

طرح جان بول سارتر تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن للإنسان أن يصنع التاريخ إذا كان التاريخ هو الذي يصنعه؟ الطبقة في الوجودية ليست قيداً معطى سلفاً، بل هي "ممارسة" تتم ضمن شروط مادية موروثة. الإنسان الوجودي "محكوم عليه بالحرية"، ولكنها حرية تتفاعل مع العوائق المادية التي تفرضها الرأسمالية.

الاختلاف الجوهري هنا هو رفض "الجدلية الآلية" التي ترى الثورة نتيجة حتمية لنضج قوى الإنتاج. بدلاً من ذلك، تُرى الطبقة ككيان يتشكل عبر اختيار الأفراد الالتزام بالفعل الجماعي. الطبقة هي "مشروع" يتجاوز الواقع القائم نحو مستقبل محتمل، وهي عملية مستمرة من صناعة الذات الجماعية.

مفهوم التسلسلية والعطالة المادية

أحد أعمق الإسهامات الوجودية في فهم الطبقة هو مفهوم "التسلسلية". يصف هذا المفهوم الأفراد في المجتمع الرأسمالي بأنهم "مجموعة متسلسلة"؛ يشتركون في الظروف المادية ذاتها لكنهم منعزلون وجدانياً. في حالة التسلسلية، يكون "الآخر" هو الغريب الذي يمثل تهديداً أو مجرد رقم إضافي، وهذا هو جوهر الاغتراب.

تحدث هذه الحالة بسبب سيطرة "العطالة المادية"، وهي نتاج أفعالنا البشرية السابقة التي تجمدت في شكل مؤسسات وقوانين وآلات، وأصبحت الآن هي التي تملي علينا سلوكنا. الطبقة في هذه المرحلة هي "طبقة سكونية" تخضع لقوانين الندرة، حيث تصبح الندرة هي المحرك الأول للصراع، فتجعل الإنسان في سباق محموم ضد أخيه الإنسان نحو الموارد المحدودة.

من الجماعة الساكنة إلى الجماعة المنصهرة

يرى المنظور الوجودي أن الانتقال من حالة "التسلسلية" إلى "الفعل الطبقي" يحدث عبر لحظة "الجماعة المنصهرة". تبرز هذه اللحظة عندما يدرك الأفراد أن الخطر الخارجي يهدد وجودهم الجماعي. هنا، تنصهر الذاتيات المنعزلة في ممارسة واحدة، ويتحول "الآخر" من خصم إلى شريك في الفعل. وبمجرد أن تهدأ لحظة الانصهار، تحتاج الجماعة إلى الاستدامة، فتتحول إلى "جماعة متعاهدة" يقسم أفرادها على الولاء، ثم تتطور إلى "مؤسسة". والمأساة هنا تكمن في أن المؤسسة تميل دائماً للعودة إلى حالة "العطالة" والجمود الإداري، مما يعيد خلق التسلسلية من جديد.

الرأسمالية والتراتبية الوظيفية: منظور العقلانية

خلافاً للمادية والوجودية اللتين تركزان على الصراع، تقدم الرأسمالية ومنظورها الاجتماعي (كما عند ماكس فيبر) رؤية تعتمد على "التعددية" و"الكفاءة العقلانية". في هذا المنظور، الطبقة ليست قدراً ثورياً، بل هي إطار لتوزيع الموارد والمكانة بناءً على معايير السوق.

اقترح فيبر نموذجاً ثلاثياً للتراتبية: (الطبقة، المكانة، الحزب). فالطبقة تتحدد بـ "فرص الحياة" في السوق وقدرة الوصول إلى السلع. أما المكانة، فتتعلق بالتقدير الاجتماعي والشرف ونمط الحياة، حيث قد يمتلك الفرد مكانة عالية رغم فقر حاله. هذا التقسيم يجعل الصراع الطبقي في الرأسمالية أكثر تعقيداً وأقل قابلية للانفجار، حيث يفتح باباً واسعاً لـ "الحراك الاجتماعي" الذي تروج له الرأسمالية كصمام أمان.

ومع ذلك، أدى هذا النظام إلى "العقلنة الشاملة" لجميع مناحي الحياة، مما أنتج نظاماً إدارياً (بيروقراطياً) صارماً يجعل الإنسان مجرد "ترس في آلة"، وهو ما وصفه فيبر بـ "القفص الحديدي". في هذا القفص، يتم نزع الطابع الروحي عن العالم لحساب الحسابات المادية الجافة للربح والخسارة.

 الجذور الثقافية والدور الرمزي للدين

في تحليل أعمق، جادل فيبر بأن الرأسمالية لم تكن نتاجاً للآلات الفنية فحسب، بل نتاجاً لتحول في الوعي الديني (كما في الأخلاق البروتستانتية)، حيث اعتبر النجاح المادي علامة على الرضا الإلهي. هذا يوضح كيف يمكن للبناء الفوقي (الثقافة والدين) أن يكون محركاً للاقتصاد.

يمثل الدين في المجتمعات الرأسمالية بنية معقدة تتجاوز الروحانيات لتصبح جزءاً من البناء الطبقي. فالدين يعمل كـ "رأسمال وهمي" يعزز الهيمنة عبر تصوير اللامساواة كجزء من نظام كوني، أو تقديم وعود بالسعادة المؤجلة لتثبيط المطالبة بالتغيير المادي.

الرأسمال الرمزي والقهر المستتر

قدم بيير بورديو تحليلاً جوهرياً عبر مفهوم "الرأسمال الرمزي" و"القهر الرمزي". القهر الرمزي هو الذي يمارس بموافقة الضحية؛ حيث يقبل الفقراء بالتراتبية الطبقية لأنها مغلفة بقداسة دينية أو منطق "طبيعي" يجعلها تبدو مشروعة. في المجتمع الرأسمالي، يتحول الرأسمال الرمزي إلى حليف للرأسمال الاقتصادي لضمان استقرار النظام.

واليوم، تعمل "الخوارزميات" كأدوات للقهر الرمزي المعاصر؛ فهي التي تقرر جدارة الفرد بناءً على بيانات قد تكون منحازة طبقياً، وتقدم التمييز كأنه نتيجة علمية محايدة، تماماً كما قدم الفكر القديم التفاوت كإرادة عليا.

الخاتمة والاستنتاجات

من خلال هذا المسح الشامل، نستخلص أن الطبقة ليست معطى ثابتاً، بل هي نتاج صراع مستمر بين الضرورة المادية والحرية الوجودية والفعالية العقلانية. لقد انتقل الصراع من الميدان الصناعي الملموس إلى الميدان الرقمي والرمزي، حيث أصبحت السيطرة على "المعنى" و"المعلومات" لا تقل أهمية عن السيطرة على "المصانع". إن التحرر الحقيقي يتطلب وعياً يتجاوز الاقتصاد ليشمل نقد البنى الرمزية والتقنية التي تخفي ملامح الاستغلال في العصر الحديث.

***

غالب المسعودي

.......................

مراجع

- كارل ماركس: رأس المال (تحليل فائض القيمة وعلاقات الإنتاج).

- جان بول سارتر: نقد العقل الجدلي (مفاهيم التسلسلية والجماعة المنصهرة).

- ماكس فيبر: الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية (العلاقة بين الوعي الديني والنمو الاقتصادي).

- بيير بورديو: الهيمنة الذكورية / إعادة الإنتاج (نظريات الرأسمال الرمزي والقهر الرمزي).

- جورج لوكاش: التاريخ والوعي الطبقي (تحليل الوعي الممكن والاغتراب).

- لويس ألتوسير: الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية (البنيوية المادية ودور المؤسسات في تشكيل الوعي).

من روح الحضارة اليونانية إلى تأسيس العلم الأول

مقدمة: أثينا بين الحكمة والشعر والجمال

لم تكن الحضارة اليونانية مجرد مرحلة تاريخية في تطور الإنسانية، بل كانت لحظة انبثاق الوعي العقلي الذي سعى إلى فهم العالم عبر الفكر والجمال معاً. ففي أثينا، لم تتشكل المعرفة داخل حدود العلم وحده، وإنما تداخلت الفلسفة مع الشعر والفن لتؤسس رؤية شاملة للوجود الإنساني. وإذا كان العقل اليوناني قد بلغ ذروة نضجه في التأمل الفلسفي، فإن هذا النضج لم يكن منفصلاً عن الإبداع الشعري الذي جسدته أناشيد هوميروس، ولا عن الحس الجمالي الذي خلّدته المنحوتات الإغريقية.

لقد عبّرت أغاني هوميروس عن الذاكرة الرمزية لليونان، حيث تحولت الأسطورة إلى لغة لفهم المصير الإنساني، بينما جسّد النحت الإغريقي مثال الانسجام بين المادة والصورة، فصار الجسد الإنساني مرآةً للنظام الكوني والتوازن العقلي. وفي هذا المناخ الحضاري الذي جمع بين الشعر والفن والفكر، برزت الفلسفة باعتبارها أسمى تعبير عن العقل الباحث عن الحقيقة.

ومن داخل هذا الأفق الحضاري ظهرت فلسفة أرسطو، لا بوصفها تأملاً فردياً معزولاً، بل كتتويج لمسار طويل من التساؤل اليوناني حول أصل العالم ومعناه. فكما عبّر الشعر عن روح الإنسان، وجسّد الفن مثال الجمال، سعت فلسفة أرسطو إلى الكشف عن المبادئ التي يقوم عليها الوجود ذاته، وهو ما سيجد تعبيره الأعمق في مشروعه الميتافيزيقي.

أولاً: من التساؤل الطبيعي إلى الفلسفة الأولى

لم تنشأ الميتافيزيقا فجأة مع أرسطو، بل كانت امتداداً لتاريخ من التساؤلات التي طرحها الفلاسفة السابقون حول أصل الكون ومبدأ الأشياء. فقد حاول الفلاسفة الأوائل تفسير العالم بردّه إلى عنصر أول أو مبدأ أساسي، غير أن هذه المحاولات ظلت مرتبطة بالطبيعة المادية للوجود.

وجاء أرسطو ليحوّل مسار السؤال الفلسفي من البحث عن مادة الأشياء إلى البحث عن شروط وجودها نفسها. وهنا لم يعد الهدف معرفة ممّ يتكون العالم فحسب، بل فهم لماذا يوجد أصلاً وكيف يصبح قابلاً للفهم العقلي. بهذا التحول انتقلت الفلسفة من مستوى التفسير الطبيعي إلى مستوى البحث في المبادئ الكلية، فظهرت الميتافيزيقا باعتبارها «الفلسفة الأولى»، أي العلم الذي يدرس الوجود من حيث هو وجود.

إن هذا الانتقال يمثل لحظة حاسمة في تاريخ الفكر؛ إذ لم يعد التفكير الفلسفي يكتفي بوصف الظواهر، بل أصبح يسعى إلى إدراك الأساس الذي يمنحها معناها وانتظامها.

ثانياً: مفهوم الميتافيزيقا عند أرسطو — علم الوجود ومبادئه الأولى

الميتافيزيقا عند أرسطو ليست بحثاً في عالم غيبي مفارق، كما قد يوحي الاسم المتأخر، بل هي علم يبحث في المبادئ الأولى والعلل القصوى التي يقوم عليها كل موجود. إنها محاولة عقلية للإجابة عن السؤال الأكثر جذرية: ما الذي يجعل الموجود موجوداً؟

ومن هنا تتميز الميتافيزيقا عن سائر العلوم؛ فبينما تدرس العلوم الجزئية موضوعات محددة، تتجه الفلسفة الأولى نحو الأساس المشترك بين جميع الموجودات. إنها لا تبحث في نوع خاص من الأشياء، بل في بنية الوجود ذاته، وفي القوانين العقلية التي تمنح العالم وحدته ومعقوليته.

بهذا المعنى تصبح الميتافيزيقا ذروة المعرفة، لأنها لا تضيف معرفة جديدة بقدر ما تكشف الشروط التي تجعل كل معرفة ممكنة.

ثالثاً: العلل الأربع — هندسة الفهم الأرسطي للعالم

يبلغ المشروع الميتافيزيقي عند أرسطو اكتماله في نظريته الشهيرة حول العلل الأربع، التي تمثل محاولة شاملة لتفسير الوجود تفسيراً كاملاً لا يقتصر على سبب واحد.

العلة المادية: وهي المادة التي يتكوّن منها الشيء، أي الأساس الفيزيائي لوجوده.

العلة الصورية: الصورة أو الماهية التي تمنح الشيء هويته الخاصة وتميزه عن غيره.

العلة الفاعلية: المبدأ الذي أحدث الشيء وأخرجه إلى الوجود.

العلة الغائية: الغاية أو الهدف الذي من أجله يوجد الشيء.

تكشف هذه العلل أن فهم العالم لا يتحقق عبر تفسير ميكانيكي بسيط، بل عبر شبكة من العلاقات التي تجمع بين المادة والمعنى والغاية. فالعالم عند أرسطو ليس حركة عشوائية، بل نظام عقلاني يتجه نحو تحقيق صورته وكماله.

رابعاً: الميتافيزيقا كبحث دائم عن المعنى

لا تكتسب الميتافيزيقا أهميتها لأنها أقدم فروع الفلسفة فقط، بل لأنها تعبّر عن حاجة إنسانية دائمة إلى تجاوز الظاهر. فالإنسان، منذ بدايات التفكير، لم يكتفِ بمعرفة كيف تعمل الأشياء، بل سعى إلى معرفة لماذا توجد.

ولهذا ظل التفكير الميتافيزيقي حاضراً رغم تطور العلوم؛ لأن العلوم تفسر الظواهر ضمن حدودها الخاصة، بينما تظل أسئلة الأصل والمعنى والغاية خارج نطاقها. وهكذا تحافظ الفلسفة الأولى على دورها باعتبارها المجال الذي يعيد طرح الأسئلة الجذرية حول الوجود والحقيقة.

خامساً: المحرك الأول وإمكان النظام الكوني

يقود البحث في العلل عند أرسطو إلى ضرورة وجود مبدأ أول غير متحرك، هو المحرك الأول، الذي يفسر حركة العالم دون أن يكون خاضعاً لها. ولا يظهر هذا المفهوم باعتباره تصوراً لاهوتياً بقدر ما يمثل ضرورة عقلية تفرضها استحالة التسلسل اللانهائي للعلل.

فالعالم، لكي يكون مفهوماً، يحتاج إلى أساس نهائي يمنح الحركة معناها وانتظامها، وهو ما يجعل الميتافيزيقا بحثاً في شروط إمكان النظام الكوني نفسه.

الخلاصات والاستنتاجات

يمكن استخلاص جملة من النتائج الأساسية من التصور الأرسطي للميتافيزيقا:

الميتافيزيقا تمثل ذروة التحول من تفسير الطبيعة إلى فهم الوجود ذاته.

الفلسفة الأولى تبحث في المبادئ الكلية التي تقوم عليها جميع العلوم.

العلل الأربع تشكل نموذجاً تفسيرياً شاملاً يجمع بين المادة والصورة والفاعل والغاية.

التفكير الميتافيزيقي يعبر عن حاجة عقلية دائمة لفهم معنى الوجود، وليس مجرد مرحلة تاريخية من التفكير.

مشروع أرسطو أسّس رؤية عقلانية للعالم باعتباره نظاماً قابلاً للفهم وليس فوضى عشوائية.

وعليه، فإن الميتافيزيقا الأرسطية لا تمثل مجرد فصل في تاريخ الفلسفة، بل لحظة تأسيسية جعلت العقل الإنساني يعي قدرته على مساءلة الوجود في أعمق مستوياته، حيث يلتقي التفكير بالحكمة، كما التقى في أثينا الشعر بالجمال والفلسفة في أفق حضاري واحد.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والتاريخ والفلسفة