نحو تحليل إبستمولوجي لحدود الإنتاج المفهومي
تلك اللحظة التي يتوقف فيها الفكر أمام نفسه والتي ينعطف فيها السؤال على ذاته ليتساءل عن شروط إمكانه وعن حدوده، هي اللحظة التي تولد فيها الفلسفة في أسمى تجلياتها. فما من تأمل فلسفي حقيقي إلا وهو محكوم بهذه الازدواجية المؤسسة، بين الاندفاع نحو المعرفة والوقوف المتأمل عند أبوابها، بين الرغبة في قول كل شيء والإدراك المتزايد بأن ثمّة ما يظل دائماً خارج متناول القول، خارج حدود المفهوم وخارج تلك الشبكات الدقيقة التي ننسجها لنحتوي العالم. وهذه الازدواجية ليست مجرد سمة عارضة أو مأزق منهجي طارئ بل هي البنية العميقة للفكر ذاته، هي تناقضه الخصيب، هي ذلك التوتر الذي يمنحه حيويته واستمراره ويمنعه من أن يتحول إلى نظام مغلق وإلى معبد جامد تسكنه حقائق ميتة.
غير أن هذه الإشكالية التي تطارد الفلسفة منذ وعيها الأول بنفسها تأخذ منحى أكثر حدة في لحظات التحول الإبستمولوجي الكبرى حين تتهدم الأطر المفهومية القديمة وتظهر أطر جديدة وحين يكتشف الفكر أنه ظل لزمن طويل أسير تمثلات محدودة للعالم وأن ثمّة مناطق شاسعة من التجربة الإنسانية ظلت مهمشة خارج نطاق ما يمكن التفكير فيه ضمن الأنظمة السائدة. وهنا يبرز السؤال الذي سيظل يلح بإلحاح استثنائي هل هذه المناطق المهمشة هي مجرد نتاج لعجز تاريخي قابل للتجاوز أم أنها تشكل حدا بنيوياً للفكر لا يمكن تخطيه مهما بلغت دقة آلياتنا المعرفية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال كما سنحاول في هاته المقالة، تقتضي رحلة عبر محطات الفلسفة الكبرى بدءاً من كهف أفلاطون الذي يرمز إلى الأسرى الذين لا يرون سوى الظلال مروراً بنقد كانط المتعالي الذي كشف عن قوالب قبلية تشكل إدراكنا وتحدد سلفاً ما يمكننا معرفته ووصولاً إلى المشاريع النقدية المعاصرة التي جعلت من اللامفكر فيه موضوعاً لها، سواء في صيغته الهايدغرية المرتبطة بالكشف عن الكينونة أو في صيغته التفكيكية التي تكشف عن الفائض الدلالي الذي يفلت من كل شبكة مفاهيمية. ولكن هذه الرحلة لن تكون استعراضاً تاريخياً مجرداً بل ستكون محاولة لاستنطاق هذه المقاربات لاستجوابها عن مدى قدرتها على تفسير هذه الظاهرة وعن حدودها الخاصة في التعامل مع ما يظل خارج إطارها.
إننا لا نهدف من خلال هاته الأسطر إلى تقديم حل نهائي لمشكلة اللامفكر فيه، حيث ندرك منذ البداية أن أي حل من هذا القبيل سيكون تناقضاً في المصطلحات بل سنسعى إلى رسم خريطة للمشكلة وإلى تحديد تضاريسها وإلى كشف أبعادها المختلفة وإلى اقتراح موقف فلسفي يتعامل مع هذه الحدود لا كحاجز يوقف التفكير بل كأفق يفتحه وكمحفز دائم للإبداع المفهومي وكذكرى بأن الحقيقة ليست في متناول اليد بل هي ذلك الأفق المتواري الذي نتحرك نحوه دون أن نبلغه، ذلك الصمت الذي يمنح كلامنا معناه وتلك الظلمة التي تجعل الرؤية ممكنة.
تلك الهوة السحيقة التي تتشكل بين آنية الفكر وامتداد الوجود وبين ما نستطيع قوله وما يظل معلقاً في مناطق الصمت المعتمة، هي البؤرة التي تنبثق منها الأسئلة الفلسفية في أشد صورها إيلاماً. فالفلسفة منذ وعيها الأول بذاتها في لحظة يونانية أسطورية لم تتوقف عن الانكباب على حدودها وعن استجواب مناطق العجز التي تتشكل داخل نسيجها المفهومي وعن ذلك الذي لا يمكن اختزاله إلى مقولات ولا احتواؤه داخل شبكات الدلالة. ولكن السؤال الذي يظل يلح بإزعاج استثنائي هو هل ثمّة ما هو لامفكر فيه بحسب بنية الفكر ذاتها أم أن اللامفكر فيه ليس سوى نتاج عجز تاريخي طارئ أو ربما أثر جانبي لانزياحات منهجية في آليات الإنتاج المفهومي؟
لعل أفلاطون كان أول من أدرك في كهفه الأسطوري أن الفكر يعاني من عمى بنيوي تجاه شروط إمكانه حين جعل من الخروج من الكهف استعارة للنضال ضد القيود التي تفرضها اللغة والممارسة الاجتماعية على قدرة الإنسان على التفكير في اللامفكر فيه. فظلال الكهف في تأويل أعمق من القراءات المدرسية ليست مجرد أوهام حسية بل هي بنى مفهومية قائمة بذاتها، أنسجة من المعاني الموروثة التي تشكل رؤيتنا للعالم دون أن نعيرها انتباهاً. إنها ما يمكن تسميته بـ"المسبقات الضمنية" التي تعمل في صمت وتحدد سلفاً ما يمكن التفكير فيه وما يستعصي على التمثل. ومشكلة اللامفكر فيه ليست مشكلة معرفية طارئة بل هي متأصلة في النسيج الأنطولوجي للفكر ذاته وفي علاقته الجدلية باللغة وبالتاريخ وبالذات المفكرة.
غير أن هذه المعضلة تأخذ منعطفاً أكثر حدة مع كانط الذي نقل السؤال من حقل الميتافيزيقا التقليدية إلى حقل النقد المتعالي. ففي نقد العقل المحض يكشف كانط عن أن العقل ليس صفحة بيضاء تنطبع عليها معاني العالم بل هو جهاز توليدي يعمل وفق قوالب قبلية وقواعد تركيبية تحدد سلفاً أشكال المعرفة الممكنة. وهذا يعني بعبارة أكثر جرأة أن هناك مناطق شاسعة من الواقع لا يمكن للفكر أن يبلغها ليس لأنها بعيدة أو غائبة بل لأن بنية العقل ذاتها تحجبها وتجعل من استحضارها مستحيلاً من حيث المبدأ. إن مقولة "الشيء في ذاته" عند كانط ليست حلا بقدر ما هي اعتراف صريح بوجود حد فطري للفكر وبمنطقة معتمة يتعذر اختراقها مهما بلغت دقة الآليات المعرفية. ويتجلى اللامفكر فيه كنوع من "النقيضة المتعالية" التي ترافق كل عملية إنتاج مفهومي كظلّ لازم وكتذكير دائم بأن كل ما نقوله محكوم عليه بالنقص وأن كل ما نعرفه مسكون بإمكانية جهل أعمق وأكثر بنيوية. لكن هل هذا الحد كانطياً محضاً أم أن له تاريخاً يمتد في جسد الفلسفة ذاتها؟ هنا يبرز هيغل لينقل المسألة إلى سياق جدلي مختلف. ففي ظاهريته المطلقة يرفض هيغل فكرة وجود منطقة نهائية لا يمكن للفكر بلوغها معتبراً أن كل ما هو حقيقي هو عقلاني وأن كل عقلاني لا بد أن يتحقق. لكن المفارقة أن هيغل نفسه في محاولته استيعاب كل شيء في حركة المفهوم، يكشف عن شكل آخر من اللامفكر فيه، ذلك الذي يتمثل في "الآخر" الذي يرفض الاندماج في حركة الجدل، في اللحظة التي يعجز فيها المفهوم عن احتواء الفائض الدلالي للواقع. ويمكن القول إن هيغل دون أن يقصد قد أرّخ للامفكر فيه حين جعل من السلبية محركاً للفكر، فهذه السلبية ليست مجرد لحظة مؤقتة في مسار التطور بل هي شرط دائم للإنتاج المفهومي وإلا لتحول الفكر إلى جمود مطبق. إن هيغل في نصه الأكثر غموضاً يلمح إلى أن كل مفهوم يحمل في داخله نقيضه وهذا النقيض هو الذي يمنح المفهوم حركته وحياته لكنه أيضاً ما يظل معلقاً كسؤال مفتوح وكإمكانية للتفكير في غير الممكن.
غير أن المشكلة تأخذ أبعاداً أكثر حدة مع نيتشه، ذلك المفكر الذي جعل من الشك في اللغة ذاتها منهجاً ومن كشف الاستعارات المنسية هدفاً. فنيتشه في مقاله "عن الحقيقة والكذب في المعنى الأخلاقي"، يذهب إلى أن اللغة ليست مرآة للواقع بل شبكة من الاستعارات المتجمدة التي أنشأتها حاجات عملية وأصبحت بمرور الزمن حقائق موضوعية. وإذا كان الأمر كذلك فإن اللامفكر فيه ليس مجرد حد معرفي بل هو أثر لتاريخ من الإقصاءات والتجاهلات، ما لم يقل بعد وما لم يدخل بعد في نسيج الاستعارات المسموعة. إن كل لغة وفق نيتشه تحمل في داخلها "لاوعياً" دلالياً، مجموعة من المعاني المهمشة التي لم تجد طريقها إلى التمثل المفهومي، إما لأنها لا تخدم غايات عملية وإما لأنها تهدد تماسك النظام الرمزي القائم. ويتحول اللامفكر فيه من مجرد عجز معرفي إلى موضوع للتحليل الجينيالوجي وإلى مسرح للصراع بين القوى المختلفة على فرض معانيها وإلى فضاء للتحرر من قبضة المعاني المسلطة.
غير أن ثمة مفارقة تأخذ أبعاداً مأساوية، فبقدر ما تحاول الفلسفة الحديثة كشف آليات إنتاج اللامفكر فيه بقدر ما تقع في شرك إعادة إنتاجه. ذلك أن محاولة قول اللامفكر فيه استدعائه إلى حقل اللغة، تنطوي دائماً على خطر تحويله إلى شيء آخر وإلى مفهوم جديد يخضع بدوره لمنطق الإقصاء والحدود. إنها مفارقة لازمت الفلسفة منذ محاولاتها الأولى، كيف يمكن التفكير في حدود التفكير دون تجاوزها ضمناً؟ وكيف يمكن قول الصمت دون تحويله إلى ضجيج جديد؟ هذه الإشكالية تجد صداها في مشروع فيتغنشتاين المتأخر، حيث يذهب في "أبحاث فلسفية" إلى أن المشكلات الفلسفية تنشأ أساساً من سوء فهم منطق لغتنا وأن مهمة الفلسفة ليست بناء نظريات بل تفكيك أوهام المعنى وكشف الألعاب اللغوية التي تشكل سياقاتها الخاصة. لكن فيتغنشتاين نفسه يدرك أن هناك ما لا يمكن قوله، لكنه يختلف عن كانط في أن هذا "اللامقول" ليس حدا متعالياً بل هو نتاج لتشكلات لغوية محددة، لما يمكن أن نسميه "اللاوعي اللغوي" الذي يحدد سلفاً ما يمكن التعبير عنه وما يستعصي. أما "اللامفكر فيه" في هذا السياق فهو ذلك المعنى الذي لا يمكن استخلاصه من قواعد لعبة لغوية بعينها، ذلك الفائض الذي يحيل إليه كل استخدام لكنه يظل خارج إطار القواعد. غير أن هذه المقاربات، مهما بلغت دقتها تظل محكومة بنوع من السذاجة الإبستمولوجية حين تغفل البعد التاريخي والاجتماعي لمسألة اللامفكر فيه. ذلك أن ما يعتبر "لامفكراً فيه" في حقبة تاريخية معينة قد يصبح محوراً للتفكير في حقبة لاحقة، ليس بسبب تغير في بنية العقل بل بسبب تحول في العلاقات الاجتماعية وفي طرق الإنتاج وفي أنساق القيم السائدة. يتبدى هنا دور المادية التاريخية في تقديم قراءة مغايرة تماماً حيث تتحول حدود الفكر من مسألة متعالية إلى مسألة متجذرة في البنى التحتية للمجتمع. إن اللامفكر فيه وفق هذه الرؤية ليس نتاجاً لقيود العقل المحض بل هو نتاج لعلاقات القوة التي تتحكم في إنتاج المعرفة وفي تحديد ما يستحق أن يقال وما يجب تجاهله. إنه صنيعة الأيديولوجيا بقدر ما هو صنيعة اللغة وهنا يلتقي ماركس مع نيتشه في لحظة نادرة كلاهما يكشفان عن أن ما لا نفكر فيه ليس مجرد عجز معرفي بل هو أيضاً نتاج لإرادة في الإقصاء ولرغبة في الحفاظ على نظام معين من المعاني.
غير أن هذه الرؤية الماركسية في صيغها المختزلة قد تقع في فخ آخر وهو التعامل مع اللامفكر فيه كمجرد نتاج لمرحلة تاريخية سيزول مع زوال أسبابها المادية. وهنا يظهر هايدغر ليقدم تحليلاً أكثر عمقاً وتركيباً إذ يرى أن مشكلة اللامفكر فيه ليست مرتبطة بمرحلة تاريخية معينة ولا هي مجرد وهم معرفي يمكن تجاوزه بتطوير آليات منهجية. بالنسبة لهايدغر في "الكينونة والزمان"، اللامفكر فيه متجذر في نسيج الكينونة ذاتها وفي طبيعة الوجود الإنساني الذي يكون في العالم قبل أن يفكر فيه. إن الوجود الإنساني كما يفهمه هايدغر هو "كائن في العالم" (Dasein) يمارس أفعاله ويتخذ قراراته قبل أن يطور أي وعي نقدي بشروط إمكان هذه الممارسة وهذا القرار. إن ما يسميه هايدغر "اللامفكر فيه" ليس مجرد ما لم نفكر فيه بعد بل هو ما لا يمكننا التفكير فيه طالما بقينا أسرى النزعة التمثيلية للفكر التي تسيطر على الميتافيزيقا الغربية. إنه الكينونة ذاتها التي نعيشها كل لحظة دون أن نستطيع تمثلها ودون أن تتحول إلى موضوع أمامي لأنها ليست موضوعاً بل هي أفق كل موضوعية. ويعيد هايدغر إحياء الفكرة القائلة بوجود "لامفكر فيه" في صميم التفكير، ليس كعيب أو قصور بل كشرط ضروري لأي فعل تفكير وكأرضية خصبة تنبت منها كل المعاني.
غير أن هذه الرؤية الهايدغرية وإن كانت عميقة تواجه مشكلة أخرى وهي كيف يمكن الحديث عن "لامفكر فيه" دون أن نحوله إلى مفهوم ودون أن نطويه في شبكة دلالية تخصبها وتفقره في آن؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه جيل دولوز بقوة حيث يرى أن الفلسفة ليست تأملاً ولا تواصلاً ولا حتى تأسيساً للمعرفة بل هي إبداع مفاهيمي. وفي هذا الإطار يصبح اللامفكر فيه ليس منطقة معتمة يجب تجاوزها بل مصدراً للخلق والإبداع وهو ما يدفع الفكر إلى الخروج عن مألوفه وإلى اختراع مفاهيم جديدة قادرة على التقاط ما كان مستعصياً. إن دولوز في شراكته مع غواتاري يطرح فكرة "السيولة" و"التشظي" بوصفهما صفتين جوهريتين للوجود وهما ما يظلان عادة في منطقة اللامفكر فيه لأن الميتافيزيقا التقليدية فضلت الجمود والوحدة. لكن اللامفكر فيه هنا لا يظل سلبياً بل يصبح قوة دافعة وطاقة إبداعية تدفع الفكر إلى تجاوز حدوده وإلى خلق مسارات غير متوقعة.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق، كل محاولة لخلق مفاهيم جديدة ولتوسيع حدود اللامفكر فيه وتخلق بدورها لامفكراً فيه جديداً، حدوداً جديدة لا يمكن للفكر تخطيها في الحال. إن الأمر أشبه بمن يحاول إضاءة زوايا الغرفة، فكل زاوية تضيء تكشف عن زوايا أخرى أشد ظلاماً وهكذا إلى ما لا نهاية. هذه الحلقة المفرغة هي ما جعل أدورنو في "الجماليات السلبية" يطرح فكرة أن الفلسفة الحقيقية لا تكمن في بناء أنظمة شاملة بل في الحفاظ على التوتر بين المفهوم وغير المفهوم وبين الفكر وما يظل خارج إطاره. إن أدورنو وهو يتأمل إرث الهولوكوست وما يمثله من فشل أخلاقي ومعرفي للحضارة الغربية يصل إلى قناعة مفادها أن أي محاولة لاستيعاب المعاناة الإنسانية في شبكات مفاهيمية هي نوع من الخيانة لأن المعاناة الحقيقية هي ما لا يمكن قوله، هي الصرخة التي تقطع نسيج اللغة وتفجّر حدودها. ويكون اللامفكر فيه ليس مشكلة معرفية تحتاج إلى حل بل أخلاقية تحتاج إلى اعتراف وإلى وقوف عند حدوده دون محاولة اختزاله.
إن العودة إلى نقطة البداية ضرورية الآن، إلى ذلك السؤال الذي يلح بكل عنف: هل اللامفكر فيه حد بنيوي للفكر أم أنه مجرد عارض تاريخي؟ يبدو من خلال كل هذه المقاربات أن الإجابة لا يمكن أن تكون أحادية بل هي متشابكة ومعقدة. إن اللامفكر فيه هو في آن معاً حد بنيوي لأن أي نظام معرفي يقوم على مبادئ إقصاء لا يمكنه احتواء كل شيء وهو أيضاً تاريخي لأن ما يستبعد يتغير بتغير الظروف المادية والاجتماعية والثقافية. ولكن الأهم من ذلك أن اللامفكر فيه ليس مجرد منطقة سلبية بل هو أرضية خصبة لكل إبداع فكري حقيقي وهو ما يدفع الفلسفة إلى إعادة اختراع نفسها باستمرار وإلى التشكيك في مسلماتها وإلى الخروج عن مألوفها. إنه شريك الفكر في رحلته وظله الأبدي وتذكيره الدائم بأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد وأن المعرفة ليست تراكماً بل هي توتر دائم بين النور والظل وبين المسموع والمسكوت عنه وبين المفهومي واللامفهومي.
إن تحليل حدود الإنتاج المفهومي لا ينبغي أن يكون مجرد تمرين أكاديمي بارد بل هو تأمل في مصير العقل البشري نفسه وفي قدرته على تحمل مواجهة حدوده وفي جرأته على الاعتراف بأن ثمّة ما يبقى خارج متناوله، ليس كعيب أو نقص بل كشرط لاستمرار حركته وحياته. إن الفلسفة التي تدرك حدودها والتي تعترف بوجود لامفكر فيه في صميم مشروعها هي فلسفة أكثر تواضعاً لكنها في الوقت نفسه أكثر جرأة لأنها تستطيع أن تتساءل عن شروط إمكانها دون أن تسقط في فخ الميتافيزيقا المغلقة. وما دمنا نكتب وما دمنا نفكر فإن اللامفكر فيه سيظل رفيق دربنا، ذلك الأفق الذي نتحرك نحوه دون أن نبلغه، تلك البقعة المعتمة التي تضيء دروبنا من دون أن نتمكن من رؤيتها مباشرة، تماماً كما يحتاج العين إلى ظلمة الجفن لترى وكما تحتاج الموسيقى إلى الصمت لتسمع وكما تحتاج الحياة ذاتها إلى الموت لتكون.
إذا كان اللامفكر فيه يشكل ذلك الأفق المتواري الذي لا يغيب عن الفلسفة إلا ليظل حاضراً بوصفه شرط إمكانها الأعمق، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو كيف يمكن للفكر أن يقيم علاقة مع هذا اللامفكر فيه دون أن يخونه ودون أن يحوله إلى مجرد موضوع آخر يضاف إلى قائمة موضوعاته ودون أن يقع في شرك الاستلاب الذي حذّر منه أدورنو؟ إنها معضلة منهجية تتجاوز حدود النظرية المحضة إلى منطقة الممارسة الفلسفية ذاتها وإلى الطريقة التي يشتغل بها الفكر حين يواجه حدوده وحين يحاول أن يقول ما لا يمكن قوله دون أن يسقط في تناقضات أدائية تعطل مشروعه من الداخل.
لعل ما يُعرف بـ"المنهج السلبي" في الفلسفة المعاصرة يشكل محاولة جادة للإجابة عن هذا السؤال. فبدلاً من محاولة احتواء اللامفكر فيه ضمن شبكات مفاهيمية جامدة، يقترح هذا المنهج أن نتعامل معه بوصفه محفزاً دائماً لإعادة النظر في مسلماتنا بوصفه تلك النقطة العمياء التي تمنح الرؤية بعدها الثالث وتحررها من رتابة البعدين. إن الفلسفة السلبية كما يصوغها أدورنو في أعماله المتأخرة لا تسعى إلى بناء نظام شامل بل إلى تفكيك الأنظمة وإلى إظهار ما تخفيه من تناقضات وإلى الكشف عن أن كل مفهوم يحمل في داخله أثر ما ينفيه تماماً كما يحمل النحت في داخله رماد المادة التي أزيحت لتظهر الصورة. ويصير اللامفكر فيه ليس هدفاً يجب بلوغه بل منهجاً يجب ممارسته وأسلوباً في التفكير يحافظ على التوتر بين المعرفة واللا معرفة ولا يختزل أحدهما إلى الآخر.
هذا المنحى يأخذ شكلاً أكثر تطرفاً عند جاك دريدا، ذلك المفكر الذي جعل من التفكيك أداة لزعزعة كل يقين مفهومي وكشف أن كل نصوص الفلسفة الغربية تقوم على ثنائيات هرمية تهمّش أحد طرفيها وتحتكر الصفة المركزية للآخر. فالتفكيك كما يفهمه دريدا ليس مجرد منهج نقدي بل هو وعي بأن المعنى يتأجل باستمرار وأن كل محاولة لتثبيته تخلق في الوقت نفسه إمكانية لتأجيله وأن ثمة دائماً فائض دلالي يفلت من كل شبكة مفاهيمية مهما بلغت دقتها. وهذا الفائض هو صورة أخرى للامفكر فيه لكنها ليست منطقة سلبية يُنظر إليها بوصفها عجزاً بل هي شرط إمكان كل معنى وهي أفق التشكل الدلالي الذي لا يمكن اختزاله إلى حضور مطلق. من هنا، يتحول اللامفكر فيه عند دريدا إلى "أثر" يتعذر تمثله وإلى "كتابة" لا تخضع لمنطق الصوت والحضور وإلى ما يهز أركان الميتافيزيقا التقليدية من داخل أسسها ذاتها.
غير أن ثمّة سؤالاً لا بد من طرحه هنا، ألا يؤدي هذا الانكباب على اللامفكر فيه وهذا الوعي المتعاظم بحدود الفكر إلى شلل معرفي وإلى موقف لا تستطيع معه الفلسفة أن تقدم أي حكم عن العالم، وأن تتحول إلى مجرد لعبة لانهائية من التأويلات المتداخلة؟ هذا هو الاتهام الذي يوجهه العديد من المفكرين من مختلف المشارب إلى الفلسفات النقدية التي جعلت من اللامفكر فيه محوراً لها. لكن هذا الاتهام مهما بدا معقولاً يستند إلى فهم مغلوط لدور الفلسفة وعلاقتها بالحياة العملية. فالفلسفة التي تعترف بحدودها والتي تدرك أن ثمّة ما يبقى خارج متناولها ليست فلسفة مشلولة بل هي فلسفة أكثر قدرة على التدخل في الواقع لأنها لا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة ولا تسعى إلى فرض رؤيتها على الآخرين بل تنفتح على الحوار والاختلاف وتستمع إلى أصوات المهمشين والمقصيين وإلى تلك التجارب التي لا تجد لها مكاناً في الخطاب الرسمي.
إن الفيلسوف الذي يكتب وهو مدرك أن ثمّة لامفكراً فيه يضمر في كل جملة يكتبها، هو فيلسوف يستمع إلى صمته الخاص وإلى صمت الآخرين ويعرف أن الكتابة الفلسفية ليست مجرد تدوين للأفكار بل هي مواجهة مع ما لا يُكتب، مع المسكوت عنه ومع تلك اللحظات التي يتوقف فيها المعنى ويبدأ اللا معنى في الظهور. وهنا يتقاطع المشروع الفلسفي مع المشروع الأدبي في أسمى تجلياته حيث يتحول النص إلى فضاء للتوتر بين القول والصمت، بين المعلن والمضمر وبين ما يمكن التعبير عنه وما يظل رهين الإشارة واللمح. إن الفلسفة التي تحترف اللامفكر فيه والتي لا تسعى إلى استيعابه بقدر ما تسعى إلى الحوار معه هي فلسفة تدرك أن الحقيقة ليست مكمنة في مكان واحد بل هي موزعة بين ما نقوله وما لا نقوله بين حضورنا في اللغة وغيابنا عنها وبين ما نعرفه وما نجهله.
إن اللامفكر فيه ليس عدواً للفلسفة بل هو رفيقها الأبدي، هو تلك البقعة المعتمة التي تمنح العين قدرتها على الرؤية، هو الصمت الذي يمنح الكلام معناه وهو الموت الذي يمنح الحياة قيمتها. إن الفلسفة التي تتصالح مع هذا اللامفكر فيه والتي تعترف به كجزء من تكوينها الذاتي، هي فلسفة تنمو وتتطور، تتجاوز نفسها باستمرار ولا تستقر على نظام مغلق. إنها فلسفة تعرف أن كل إجابة تثير أسئلة جديدة وأن كل مفهوم يحجب بقدر ما يكشف وأن كل معرفة تحمل في داخلها بذور جهل جديد.
إن تحليل حدود الإنتاج المفهومي ليس مجرد ممارسة أكاديمية باردة بل هو تأمل في مصير الإنسان الحديث، في واقعه الذي يزداد تعقيداً وتشابكاً، في تلك الظواهر التي تعجز اللغة عن احتوائها وفي تلك المعاناة التي تفلت من كل شبكات التفسير. إن العقل الذي يدرك حدوده والذي يعترف بأن ثمّة ما لا يمكن قوله هو عقل أكثر إنسانية، أكثر قدرة على التعاطف مع الآخر، على الاعتراف باختلافه، على احترام غموضه. وهذا الاعتراف بالحدود ليس انكساراً أو هزيمة بل هو بداية لحكمة جديدة، لحكمة تعرف أنها لا تعرف، حكمة تدرك أن الطريق إلى الحقيقة يمر عبر متاهات الشك، عبر وديان الصمت، عبر تلك المناطق التي لا تطأها أقدام المفاهيم. وتبقى الفلسفة ذلك السؤال المفتوح الذي لا ينغلق، ذلك الحراك الدائم الذي لا يستقر وتلك الرحلة التي ليس لها محطة نهائية. واللامفكر فيه هو وقود هذه الرحلة هو ما يدفعها إلى الأمام وهو الريح التي تهب في شراعها حين توشك على الجمود. إن الفلسفة الحقة إذا جاز التعبير هي ذلك الجهد المتواصل للإبحار نحو ما لا يمكن بلوغه، هي تلك المغامرة الفكرية التي لا تضمن وصولاً لكنها تضمن حركة ونماءً. وربما كان هذا هو أعظم دروس الفلسفة أنها ليست مجموعة من الأجوبة بل هي فن طرح الأسئلة، وليس تعلماً للمعرفة بل هي تمرين على الجهل النشط، على القدرة على العيش مع الغموض، على تحمل وطأة ما لا نعرفه ولا يمكننا أن نعرفه. ويظل اللامفكر فيه ليس حدوداً توقف الفكر بل أفقاً يفتحه، ليس جداراً يحجره بل نافذة تطل منه على فضاءات لا متناهية من الإمكان، على عوالم لم تكتشف بعد، على معانٍ لم تولد بعد في رحم اللغة، على أسئلة لم يجرؤ أحد على طرحها، لكنها تنتظر في صبرها الأبدي من يوقظها من سباتها العميق.
***
د. حمزة مولخنيف





















