أقلام فكرية

أقلام فكرية

مقدمة: تشكل الفلسفة المعاصرة، في عصرنا الحالي، نقطة تقاطع بين التساؤلات الأزلية عن الوجود والأخلاق والمعرفة، وبين التحديات العملية التي يفرضها العالم المعاصر. مع تطور التكنولوجيا والتغيرات البيئية والاقتصادية، أصبحت الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري، بل أداة لفهم ومواجهة الواقع. في هذه الدراسة، نركز على المحاور الأساسية المحددة: المناخ والبيئة، الجغرافيا السياسية، الاقتصاد اللامادي، الذكاء الاصطناعي، والأخلاقيات التطبيقية والفلسفة الرقمية. هذه المحاور ليست منفصلة، بل مترابطة، حيث تعكس كيفية تفاعل الإنسان مع العالم الطبيعي والاجتماعي والتكنولوجي. سنستعرض كل محور بشكل معمق، مستندين إلى أفكار فلاسفة معاصرين ودراسات حديثة، لنكشف عن الجوانب النظرية والعملية لهذه المواضيع. الهدف هو تقديم رؤية شاملة تبرز كيف تساهم الفلسفة في حل التحديات الحالية، مع الإشارة إلى أن هذه المحاور تمثل تحولاً في الفلسفة نحو التطبيقي والعالمي. فماهي محاور الفلسفة في عصرنا؟

المناخ والبيئة في الفلسفة المعاصرة

يُعد المناخ والبيئة من أبرز المحاور في الفلسفة المعاصرة، حيث يجمعان بين الأبعاد الأخلاقية والوجودية. في السنوات الأخيرة، أصبح تغير المناخ ليس مجرد قضية علمية، بل فلسفية تتعلق بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة. الفيلسوف البلجيكي برنارد فيلتز، على سبيل المثال، يركز على الجوانب الأخلاقية لإدارة تغير المناخ، مشدداً على أن العلم البيئي غير كافٍ لوحده، وأن هناك حاجة إلى فلسفة تجمع الإنسان مع الكائنات الحية دون تفوق بشري مطلق. هذا المنهج ينتمي إلى "البيئة العميقة"، التي ترفض التركيز البشري المركزي وتدعو إلى رؤية كلية. من الناحية الأخلاقية، يبرز مفهوم "العدالة المناخية" كما في موسوعة ستانفورد للفلسفة، حيث يُناقش كيفية توزيع حقوق الانبعاثات الغازية دون تجاهل قضايا الفقر والتنمية.

هناك نقاشات حول "الاستدامة الضعيفة" مقابل "الاستدامة القوية"، حيث تسمح الأولى بتعويض الخسائر الطبيعية بالرأسمال، بينما ترفض الثانية ذلك. الفيلسوف هانز يوناس، في مبدأ "الإلزام البشري"، يدعو إلى التصرف بطريقة تحافظ على حياة بشرية أصيلة على الأرض. هذا يتجاوز العلم إلى الفلسفة، حيث يُنظر إلى المناخ كمسألة وجودية تهدد الكينونة البشرية. في السياق الصيني، يُلخص الباحثون أساسيات الفلسفة البيئية في أربعة أسئلة: المركزية، القيمة، الأخلاق، والبقاء، مستمدين من الفكر الغربي لكن مع لمسة ماركسية. أما في الفلسفة الخضراء، فإنها تُعتبر أداة لفهم العلاقة بين الإنسان والطبيعة لمواجهة الاحتباس الحراري، مع التركيز على التنمية المستدامة.  فلاسفة مثل هانري جوناس وفاندانا شيفا يرون في تغير المناخ تحدياً أخلاقياً يتطلب تحولاً في الوعي البشري. هذا المحور يتداخل مع الآخرين، حيث يؤثر المناخ على الجغرافيا السياسية والاقتصاد، مما يجعله مركزياً في الفلسفة المعاصرة.

الجغرافيا السياسية في الفلسفة المعاصرة

الجغرافيا السياسية هي دراسة تأثير الجغرافيا على السياسة والعلاقات الدولية، وفي الفلسفة المعاصرة، تُعتبر فرعاً يجمع بين النظرية السياسية والأخلاقية. يُقترح إنشاء فرع فلسفي جديد للجغرافيا السياسية، نظراً لتعقيدها، حيث يمكن للفلاسفة حل النزاعات باستخدام المنطق الفلسفي.  في عصرنا، شهدت الجغرافيا السياسية تحولاً هيكلياً بسبب التعددية القطبية المجزأة والتسارع التكنولوجي. يُعيد الفلاسفة مثل تشارلز غرايبز النظر في الجغرافيا كمساعدة للسياسة الدولية، مستندين إلى النظريات الكلاسيكية مثل تلك لـهالفورد ماكيندر وكارل شميت. هناك نظريات متعددة عن العصر الجيوسياسي الجديد، مثل نظرية الاستقرار الهيمني، والواقعية الدولية، والتعددية التي تركز على التعاون العالمي لمواجهة المشكلات مثل تغير المناخ. ألكسندر دوغين، في "أسس الجغرافيا السياسية"، يدعو إلى مشروع أوراسي يهدف إلى تحرير أمريكا الجنوبية من الهيمنة الشمالية، مستوحى من الفاشية الجديدة. هذا الكتاب مؤثر في النخب الروسية، ويُنتقد لتأثيره على السياسات الإمبريالية. في عام 2023، أصبحت النظريات التقليدية غير كافية بسبب التحولات العالمية، مما يتطلب إعادة تقييم للجغرافيا السياسية في سياق التحديات البيئية والتكنولوجية. هذا المحور يتداخل مع المناخ، حيث تؤثر الجغرافيا على النزاعات البيئية، ومع الذكاء الاصطناعي في تشكيل الاستراتيجيات العالمية.

الاقتصاد اللامادي في الفلسفة المعاصرة

الاقتصاد اللامادي يشير إلى الإنتاج الذي يعتمد على الأنشطة المعرفية والعاطفية، بعيداً عن الإنتاج المادي التقليدي. في الفلسفة المعاصرة، يُناقش هذا المفهوم من منظور ماركسي، خاصة في أعمال موريتسيو لازاراتو، الذي يعرفه كعمل ينتج خدماتاً أو معرفة غير مادية.  هذا العمل يتجاوز الإنتاج المادي، مشملاً التواصل والعلاقات الاجتماعية. في أعمال أنطونيو نيغري ومايكل هاردت، يُوصف العمل اللامادي كإنتاج يجمع بين الفعل الاقتصادي والتواصلي، مما يثري الإنتاج إلى مستوى التفاعل البشري.

هناك ثلاثة أنواع: العمل المعرفي (مثل استخدام الحواسيب)، العمل التحليلي، والعمل العاطفي الذي ينتج شبكات اجتماعية.  فوكو يناقش كيف يحول هذا الاقتصاد المادي إلى لامادي، مع الحفاظ على التحديدات التاريخية. في السياق الشبابي، يرتبط الاقتصاد اللامادي بالشبابية كقوة عاطفية تتجاوز الأجساد، مما يعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية. هذا المحور يتداخل مع الذكاء الاصطناعي، حيث يعتمد الاقتصاد الرقمي على العمل اللامادي، ومع الأخلاقيات التطبيقية في قضايا الاستغلال.

الذكاء الاصطناعي في الفلسفة المعاصرة

الذكاء الاصطناعي (AI) يُعد ثورة فلسفية، حيث يتحدى مفاهيم الذكاء والوعي. في الفلسفة المعاصرة، يُناقش كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الإنسانية، مستنداً إلى هيدغر ويوناس.  يُرى الذكاء الاصطناعي كظاهرة فلسفية تعيد تشكيل المفاهيم الكلاسيكية للعقلانية والوكالة. في فلسفة العلم، يتحدى الذكاء الاصطناعي التمييز بين الإنساني والآلي، مما يؤدي إلى فلسفة ما بعد إنسانية.  أسئلة مثل: هل يمكن للآلة أن تمتلك وعياً؟ تُطرح في فلسفة الذكاء الاصطناعي.  الفلسفة تأكل الذكاء الاصطناعي، حيث تحدد كيف يتعلم ويخلق.  هذا المحور يرتبط بالأخلاقيات التطبيقية في قضايا الخصوصية والمسؤولية.

الأخلاقيات التطبيقية في الفلسفة المعاصرة

الأخلاقيات التطبيقية هي تطبيق النظريات الأخلاقية على مشكلات حقيقية، مثل الإجهاض والحيوانات والجوع العالمي.  بدأت مع جوديث جارفيس تومسون في 1971. تشمل مجالاتها الأخلاقيات الطبية والتجارية والبيئية. في الفلسفة المعاصرة، تُعتبر نقاشاً بين الأنانية والنتائجية والديونتولوجيا.  جون راولز يقترح عدالة توزيعية تسمح باللامساواة إذا خدمت الأقل حظاً.  هذا المحور يربط جميع الآخرين، حيث يطبق الأخلاق على المناخ والذكاء الاصطناعي.

الفلسفة الرقمية:

أصبح المصطلح "الفلسفة الرقمية" أحد أبرز المفاهيم الفلسفية المعاصرة، حيث يجمع بين عدة اتجاهات مترابطة: استخدام الأدوات الحسابية والرقمية لإعادة صياغة وتطوير الأسئلة الفلسفية التقليدية. التأمل الفلسفي في تأثير التقنيات الرقمية على الوجود البشري، الهوية، الأخلاق، المعرفة، والواقع نفسه. محاولات تفسير الواقع الأساسي كعملية رقمية أو حسابية. دراسة التحولات الثقافية والاجتماعية الناتجة عن الرقمنة الشاملة (العصر الرقمي، الذكاء الاصطناعي، الواقع الافتراضي، الاقتصاد الرقمي). هذه الاتجاهات ليست منفصلة؛ بل تشكل نسيجاً واحداً يعكس كيف أصبح الرقمي ليس مجرد أداة، بل أصبح بيئة وجودية جديدة تُعيد تشكيل مفهوم "الإنسان" و"العالم". سنستعرض في هذه الدراسة الأبعاد الرئيسية لهذا المجال، مع التركيز على أبرز الأسئلة والمفكرين والتحديات. لعل الفلسفة الحسابية التي تعتمد على استخدام الرقمي لعمل الفلسفة تنتمي الى هذا الاتجاه، الذي يُسمى أحياناً "الفلسفة الرقمية" بالمعنى الدقيق، يعتمد على الأدوات الحسابية لتقدم البحث الفلسفي:

نمذجة المفاهيم الفلسفية عبر خوارزميات ومحاكاة.

تحليل نصوص فلسفية ضخمة باستخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي.

رسم خرائط مفهومية وعلاقات بين الفلاسفة والأفكار بطريقة بصرية وحسابية.

دراسة فلسفة العلم الرقمية.

أمثلة بارزة: كيف يمكن محاكاة حجج أخلاقية (مثل المشكلة العربة) باستخدام نماذج قرار آلية؟

استخدام الـفلسفة الرقمية لدراسة تطور المفاهيم الفلسفية عبر القرون. هذا الاتجاه لا يحل محل التأمل التقليدي، بل يوسعه ويجعله أكثر دقة وشمولاً.2. فلسفة الوجود الرقمي – إعادة تعريف الإنسان في العصر الرقمي هنا ينتقل السؤال من "كيف نستخدم الرقمي؟" إلى "ماذا يفعل الرقمي بنا؟":الهوية الرقمية: كيف تشكل الملفات الشخصية على المنصات ذاتنا؟ (مفهوم "الذات بعد الأصالة" عند هانز-جورج مولر وبول دامبروزيو).

الوعي الرقمي : هل يمكن للأنظمة الاصطناعية أن تمتلك وعياً؟ (نقاش يتجاوز تجربة غرفة الصين لجون سيرل إلى آفاق ما بعد-بشرية).

الجسد الرقمي: من الجسد الطيني إلى "الشبكة الديكارتية" – الواقع الافتراضي والأجساد الرقمية القابلة للتعديل والزوال.

التفاهة الرقمية: نقد فلسفي للسطحية المعولمة، التمجيد الدائم للحظة، وانهيار العمق في زمن الخوارزميات واللامتناهي. فلاسفة بارزون في هذا السياق (من السنوات الأخيرة):بيار ليفي، برنارد ستيغلر (قبل وفاته)، لوك دي براباندر ((فلسفة موجزة للتحول الرقمي)).

الأنطولوجيا الرقمية – هل الواقع رقمي أصلاً؟

أحد أكثر الاتجاهات جذرية، يعود بشكل أساسي إلى إدوارد فريدكين:

الافتراض: الطبيعة في أعمق مستوياتها ليست مستمرة ، بل منفصلة – تتكون من "طفرات" وتتطور عبر عمليات حسابية تشبه معالج حاسوب.لا توجد لا نهائيات، لا كسور عشرية مستمرة، لا احتمالات عشوائية محلية.

الميكانيكا الرقمية كأساس للفيزياء الكمومية والنسبية.

هذا الاتجاه يتقاطع مع: نظرية المعلومات ( جون ويلر) ومحاكاة الكون (نيك بوستروم).

بعض تفسيرات الفيزياء الحديثة التي ترى الكون كحساب هائل.

الأخلاقيات والقيم في العصر الرقمي

الخصوصية مقابل الشفافية الخوارزمية.

العدالة الخوارزمية: التحيزات المدمجة في الذكاء الاصطناعي.

القيم الأخلاقية المتغيرة: كيف تتأثر الأخلاق بالتفاعل الرقمي المجهول، السريع، والمُعَدَّل خوارزمياً؟

السيطرة والتحكم: هل نحن نتحكم بالتقنية أم هي تُعيد تشكيلنا؟ (مفارقة نوربرت وينر).

خاتمة

تكشف هذه المحاور عن فلسفة معاصرة مترابطة، حيث يؤثر كل محور على الآخر. المناخ يشكل الجغرافيا السياسية، والاقتصاد اللامادي يعتمد على الذكاء الاصطناعي، والأخلاقيات التطبيقية توجه الجميع. في عام 2026، مع التحديات العالمية، تحتاج الفلسفة إلى التركيز على التعاون لضمان بقاء بشري مستدام. الفلسفة الرقمية ليست مجرد "فلسفة عن الرقمي"، بل هي فلسفة في الرقمي – أي فلسفة تُمارس داخل بيئة رقمية، تُنتج بواسطة أدوات رقمية، وتتناول واقعاً أصبح رقمياً في جوهره. في 2026، لم تعد الفلسفة تتساءل فقط "ما هو الإنسان؟"، بل "ما هو الإنسان الرقمي؟"، "ما هو الواقع عندما يصبح قابلًا للبرمجة؟"، "ما هي الأخلاق عندما تصبح خوارزمية؟". الفلسفة الرقمية، إذن، ليست مجالاً جانبياً، بل هي الأفق الفلسفي الرئيسي للقرن الحادي والعشرين، حيث يلتقي القديم بالجديد، والإنساني بالآلي، والمادي بالمعلوماتي. فماهي خصائص ابستيمولوجيا ما بعد الحقيقة الرقمية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تأملات فلسفية في فقدان الصبر ومعنى العيش

ليس الزمن المعاصر مجرد تعاقبٍ محايدٍ للحظات، ولا هو إطارٌ خارجيٌّ تتحرك داخله أفعالنا كما تتحرك الأشياء في فراغٍ صامت؛ إنه بنيةٌ ضاغطة، ونمطُ عيشٍ يتسلّل إلى الأجساد والعقول، ويعيد تشكيل الإحساس بالذات والعالم. فالحديث عن الإسراع والتسارع ليس حديثا تقنيا عن السرعة بوصفها خاصيةً فيزيائية، بل هو تشخيصٌ فلسفيٌّ لروح عصرٍ جعل من العجلة قيمة ومن الفورية معيارا، ومن التأجيل خطيئةً وجودية. هكذا صار الزمن لا يُعاش بل يُستهلَك ولا يُسكن بل يُطارَد، حتى غدا الإنسان كائنا يلهث داخل زمنٍ يفرّ منه باستمرار.

لقد فرّق بول فيريليو في سياق تفكيكه لظاهرة السرعة، بين الإسراع بوصفه قدرةً على إنجاز الفعل بكفاءة، والتسارع باعتباره منطقا شاملاً يفرض إيقاعه على كل شيء، بحيث لا يعود السؤال كيف ننجز؟ بل: كيف ننجز أسرع؟ هذا التحوّل الدقيق هو ما جعل السرعة تنفلت من بعدها الأداتي لتغدو أفقا وجوديا عاما. فالتقنيات الرقمية وشبكات التواصل واقتصاد الانتباه، لم تضف إلى الزمن أدوات جديدة فحسب، بل أعادت تعريف الزمن نفسه، حتى صار الحاضر لحظةً هشّة لا تكاد تُمسك حتى تتلاشى، وصار المستقبل ضغطا دائما، وصار الماضي عبئا لا يُسمح له بالإقامة الطويلة في الذاكرة.

ففي سياقنا هذا، لا يعود الصبر فضيلةً أخلاقية فحسب، بل يتحوّل إلى وضعٍ وجوديٍّ مهدَّد. الصبر كما فهمه الفلاسفة والرهبان والحكماء، ليس مجرد احتمالٍ سلبيٍّ للأذى أو الانتظار، بل هو فنّ السكن في الزمن، والقدرة على منح الأشياء وقتها كي تنكشف في حقيقتها. وقد عبّر سبينوزا عن هذا المعنى حين ربط الحكمة بالقدرة على الفهم الهادئ، حيث “كل ما هو نفيس عسير المنال”، لا لأن الطريق إليه طويل فحسب، بل لأن النفس تحتاج إلى تهيئة زمنية كي تبلغ نضج الرؤية. أما الزمن المعاصر، فإنه يختصر الطريق ظاهريا، لكنه يفرغ الوصول من معناه، فيصير الإنجاز بلا تجربة والمعرفة بلا تأمّل، والعلاقة بلا عمق.

إن الفلسفة في أصلها تمرينٌ على البطء. ليس البطء هنا نقيضا للعقل أو تعطيلا للفعل، بل هو شرط إمكان الفهم. لقد أدرك أرسطو حين جعل الدهشة مبدأ الفلسفة، أن الدهشة تفترض توقّفا، وانقطاعا مؤقتا عن الجريان المألوف للأشياء. والدهشة لا تُختزل في المفاجأة السريعة، بل هي انفتاحٌ صبور على سؤال الوجود. غير أن زمن التسارع لا يحتمل الدهشة، لأنه زمن الأجوبة الجاهزة والتفسيرات السريعة، والمعاني المختزلة في عناوين عابرة. وهكذا تُستبدل الحكمة بالمعلومة ويُستبدل التفكير بالتفاعل، ويُستبدل السؤال بالنقرة.

لقد وصف هيدغر العصر الحديث بأنه عصر “نسيان الكينونة”، حيث ينشغل الإنسان بالكائنات وأدواتها، وينسى سؤال الوجود نفسه. غير أن ما يميّز الزمن المعاصر هو أن هذا النسيان لم يعد نتيجة انشغالٍ تقنيٍّ فحسب، بل صار نتيجة إيقاعٍ زمنيٍّ محموم لا يترك للكينونة فرصة الظهور. فالوجود يحتاج إلى زمنٍ كي يُقال، واللغة تحتاج إلى صبرٍ كي تحمل المعنى، بينما التسارع يضغط اللغة حتى تصير إشاراتٍ مختصرة، ورموزا سريعة التداول، فاقدةً لثقلها الدلالي. هنا لا تُصاب الفلسفة بالعزلة لأنها معقّدة بل لأنها بطيئة، والزمن المعاصر لا يغفر البطء.

يمكن فهم أزمة الصبر من هذه الناحية بوصفها أزمة علاقة بالزمن، لا مجرد ضعفٍ أخلاقيٍّ فردي. فالفرد المعاصر لا يفتقر إلى الإرادة بقدر ما يفتقر إلى الإطار الزمني الذي يسمح للإرادة بأن تتشكّل. لقد نبّه هارتْموت روزا إلى أن التسارع الاجتماعي يُنتج مفارقةً عميقة، كلما امتلك الإنسان وسائل أكثر لتوفير الوقت، شعر بأن الوقت يضيق. ذلك أن الزمن لا يُقاس بما نملكه منه، بل بما نستطيع أن نعيشه بامتلاء. وحين تتكاثف الخبرات دون أن تُهضم، يتحوّل العيش إلى سلسلة من الانقطاعات، ويغدو الصبر ترفا لا ينسجم مع منطق الأداء والإنجاز.

وليس من المصادفة أن الفلسفات التي أعادت الاعتبار للصبر، سواء في التقليد الرواقي أو في الحكمة الشرقية أو في التصوف الإسلامي، قد ربطته جميعا بالتحرّر. فالرواقيون رأوا في الصبر تدريبا على قبول ما لا يمكن تغييره، لا استسلاما، بل وعيا بحدود الفعل. والمتصوفة جعلوا الصبر مقاما من مقامات السير، لأنه يحرّر القلب من استعجال الثمرة قبل نضجها. أما كانط على اختلاف سياقه، فقد شدّد على ضرورة الزمن في تشكّل الحكم العقلي، إذ لا يُبنى العقل العملي في لحظة، بل عبر تربية طويلة للنفس على احترام القانون الأخلاقي. في المقابل، يقدّم الزمن المعاصر أخلاقا فورية، ومواقف سريعة، وإدانات عاجلة دون فسحةٍ للتروّي أو الفهم.

إن الحياة اليومية في ظل هذا الإيقاع تفقد عمقها الوجودي. فالعمل يتحوّل إلى سباقٍ لا ينتهي، والعلاقات تُقاس بسرعة الردّ لا بعمق الحضور، والمعرفة تُختزل في تحديثٍ مستمرٍّ للمعلومات. وهنا تتبدّى مأساة الإنسان المعاصر، إنه يعيش أكثر، لكنه يحسّ أقل. يرى أكثر، لكنه يتأمّل أقل. يتواصل أكثر، لكنه يصغي أقل. وقد عبّر باسكال في سياقٍ مختلف عن حدسٍ قريب حين قال إن شقاء الإنسان يرجع إلى عجزه عن الجلوس هادئا في غرفة واحدة. غير أن الغرفة اليوم لم تعد مكانا فيزيائيا فحسب، بل صارت حالةً زمنية نادرة، حالة الصمت الداخلي الذي يسمح للفكر بأن يتشكّل.

لا يعني هذا التشخيص تمجيد الماضي أو الدعوة إلى انسحابٍ رومانسي من العالم، بل هو محاولة لفهم الكلفة الوجودية للتسارع. فالتاريخ يعلّمنا أن كل تحوّل تقني يرافقه تحوّل في الحساسية الإنسانية. غير أن خطورة اللحظة الراهنة تكمن في أن التسارع لم يعد مجالا جزئيا، بل صار شاملا، يمسّ الجسد والنفس واللغة والخيال. وهنا تُستدعى الفلسفة لا بوصفها ترفا نظريا، بل بوصفها مقاومةً هادئة، تذكّر الإنسان بحقه في الزمن، وبقدرته على التمهّل دون أن يشعر بالذنب.

إن استعادة الصبر ليست عودةً إلى البطء الكسول، بل هي إعادة توازنٍ بين الحركة والمعنى. فكما أن الجسد يحتاج إلى إيقاعٍ حيويٍّ متوازن كي لا ينهار، تحتاج الروح إلى زمنٍ قابلٍ للسكن كي لا تتبدّد. وقد عبّر نيتشه عن قيمة البطء حين قال إن “كل الأفكار العظيمة تُولد أثناء المشي”، أي في زمنٍ غير مضغوط، زمنٍ يسمح للفكر بأن يتنقّل دون هدفٍ نفعيٍّ مباشر. لكن زمن التسارع لا يسمح بالمشي، بل يفرض الجري، والجري لا يتيح للفكرة أن تتنفّس.

إن أزمة الصبر هي في جوهرها أزمة معنى. فحين يُختزل الزمن في أداة إنتاج، يُختزل الإنسان في وظيفة، وتفقد الفلسفة موقعها بوصفها سؤالا عن الغاية. ولعلّ أعظم ما يمكن أن تقدّمه الفلسفة اليوم هو إعادة طرح سؤال: كيف نعيش الزمن؟ لا كيف نملأه. كيف نسكنه؟ لا كيف نستهلكه. هذا السؤال لا يبحث عن وصفةٍ جاهزة، بل يفتح أفقا للتفكير في إمكانات مقاومة ناعمة، تبدأ من الوعي وتنتهي بإعادة تشكيل علاقتنا اليومية بالعالم.

يمتدّ تأملنا هذا إلى مستوى أعمق تتقاطع فيه اليوميّات الصغرى مع الأسئلة الكبرى للوجود، حيث لا يعود التسارع مجرّد ظاهرة خارجية نلاحظها، بل يصير بنية داخلية تستوطن الوعي نفسه. فالعقل المعاصر لم يعد يفكّر داخل الزمن، بل يفكّر على إيقاع الزمن المسرِع، أي داخل ضغط الاستعجال. ومن هنا تنشأ مفارقة دقيقة، لم يعد الإنسان يفتقر إلى الوقت بقدر ما يفتقر إلى القدرة على الإقامة في الوقت. فالزمن متاح لكنه غير قابل للمعاش؛ ممتلئ لكنه غير مثمر؛ متكاثف، لكنه بلا رسوخ.

إن ما يتبدّى في الحياة اليومية هو تحوّل الانتباه إلى سلعة نادرة. وقد أدرك وليم جيمس منذ وقت مبكّر أن الانتباه هو جوهر التجربة الواعية، وأن ما ننتبه إليه هو ما يصنع عالمنا. غير أن اقتصاد التسارع لا يقوم على تعميق الانتباه، بل على تشتيته، لأن القيمة لم تعد في الفهم، بل في التدفّق المستمر للمثيرات. وهكذا يتآكل الصبر من حيث هو قدرة على تثبيت النظر وعلى الإصغاء الطويل، وعلى احتمال الغموض دون استعجال تبديده. ومع تآكل الصبر يتآكل التفكير العميق، ويصير العقل أقرب إلى شاشة تعكس الصور مما هو مرآة تتأمّل المعاني.

إن الفلسفة لا تواجه اليوم خطر التهميش فقط، بل خطر سوء الفهم الجذري. فهي تُطالَب بأن تكون سريعة مبسّطة قابلة للاستهلاك الفوري، وإلا عُدّت خطابا متحفيا لا صلة له بالحياة. غير أن الفلسفة كما نبّه أفلاطون ليست خطابا يُلقَّن، بل مسار تحوّل للنفس. والتحوّل لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر زمن طويل من التمرين، من الشك، ومن إعادة النظر. وحين يُختزل الزمن يُختزل إمكان التحوّل نفسه، فيتحوّل الفكر إلى رأي، والحكمة إلى موقف عابر، والجدل إلى صراع انفعالي سريع الاشتعال.

لقد كان هيغل يرى أن الحقيقة هي الكل، وأن الكل لا ينكشف إلا عبر الصيرورة. غير أن الصيرورة تفترض صبرا تاريخيا، وتراكما بطيئا للمعنى. أما الزمن المعاصر، فإنه يريد الحقيقة مجتزأة قابلة للتداول ومنفصلة عن سياقها. وهنا يفقد الفكر بعده الجدلي، ويغدو أسير لحظةٍ منفصلة لا تعترف بما قبلها ولا بما بعدها. إن هذا التفكك الزمني ينعكس مباشرة على الحياة الأخلاقية حيث تُستبدل المسؤولية، التي تفترض وعيا بالاستمرارية وبردود أفعال لحظية لا زمن لها.

وإذا كان التسارع قد مسّ الفكر، فإنه مسّ الجسد أيضا. فالجسد المعاصر يعيش تحت ضغط الأداء، ويُطالَب بأن يستجيب دون توقّف، وأن يتكيّف دون مقاومة. وقد نبّه ميرلو-بونتي إلى أن الجسد ليس شيئا نملكه، بل هو طريقتنا في الوجود في العالم. وحين يُفرض على الجسد إيقاع لا يحتمله، ينعكس ذلك اغترابا داخليا، وتوتّرا دائما، وإحساسا غامضا بالإنهاك لا يُفسَّر بالتعب الجسدي وحده. إن التعب المعاصر في جوهره تعبٌ زمنيٌّ ناتج عن فقدان الإيقاع الإنساني الطبيعي.

من هنا نفهم لماذا صارت مفردات مثل القلق والاحتراق النفسي وفقدان المعنى شائعة في توصيف التجربة المعاصرة. فهي ليست أعراضا فردية معزولة، بل إشارات إلى اختلال عميق في علاقتنا بالزمن. لقد أشار كيركغور إلى أن القلق هو دوار الحرية، غير أن القلق المعاصر هو دوار السرعة، دوار كثرة الإمكانات التي لا يُتاح لها أن تتحقّق فعليا. فكل شيء ممكن، لكن لا شيء يُعاش إلى النهاية. وكل تجربة تُقاطع بأخرى، وكل رغبة تُستبدل بأسرع منها، حتى يفقد الإنسان القدرة على الالتزام، سواء في الفكر أو في الحب أو في العمل.

في مقابل هذا الوضع، لا تقترح الفلسفة خلاصا جاهزا، لكنها تفتح أفق مقاومة هادئة، مقاومة تبدأ بإعادة الاعتبار للبطء بوصفه قيمة وجودية. وقد نبّه غاستون باشلار إلى أن الزمن العلمي ليس هو الزمن المعاش، وأن الشعر والفلسفة يشتغلان داخل زمن كثيف، زمن تتداخل فيه اللحظة مع الذاكرة والتوقّع. هذا الزمن الكثيف هو ما يتيحه الصبر، لأنه يسمح للتجربة بأن تترسّخ، وللمعنى بأن يتشكّل، وللذات بأن تتعرّف على نفسها خارج ضغط الفورية.

إن استعادة الصبر ليست فعلا سلبيا، بل هي قرار أخلاقي ومعرفي في آن. قرار بالإنصات بدل الضجيج، وبالتفكير بدل التفاعل، وبالسؤال بدل الجواب السريع. وقد عبّر فيتغنشتاين عن شيء من هذا المعنى حين قال إن حلّ مشكلات الفلسفة لا يكون بتراكم الأجوبة، بل بتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء. وهذا التغيير لا يحدث في عجلة، بل في صمتٍ وتأمّل، أي في زمنٍ مستعاد من قبضة التسارع.

في الحياة اليومية تتجلّى إمكانات هذا الاستعادة في ممارسات تبدو بسيطة، لكنها عميقة الدلالة، القراءة البطيئة، الإصغاء غير المشروط، المشي دون غاية نفعية، الجلوس مع فكرة دون استعجال حسمها. هذه الممارسات ليست هروبا من العالم، بل إعادة تشكيل للعلاقة به. إنها تذكّر الإنسان بأن الزمن ليس عدوا يجب التغلب عليه، بل مجالا للمعنى يجب السكن فيه. وكما قال برغسون، فإن الزمن الحقيقي هو الديمومة، أي ذلك الجريان الداخلي الذي لا يُقاس بالساعات، بل بكثافة الشعور.

تستعيد الفلسفة دورها النقدي، لا بمعنى المعارضة الصاخبة، بل بمعنى الكشف الهادئ. فهي تكشف أن ما نعدّه تقدّما قد يكون أحيانا فقدانا، وأن ما نعدّه ربحا في السرعة قد يكون خسارة في العمق. وهي تذكّر أسوةً بألبير كامو،بأن الإنسان كائن معنى قبل أن يكون كائن إنتاج. وحين يُختزل في الإنتاج، يفقد قدرته على التمرّد الوجودي الذي يمنحه كرامته.

إن استعادة الفلسفة في الحياة اليومية لا تعني تحويل كل لحظة إلى درس نظري، بل تعني إعادة الحسّ بالسؤال، وإعادة الشرعية للتردّد، وإعادة الاعتبار للزمن بوصفه شرط المعنى. ففي عالم يريد كل شيء الآن، تصبح القدرة على الانتظار فعلا مقاوما، ويغدو الصبر شجاعة وجودية، وتتحوّل الفلسفة إلى ملاذٍ لا للهرب من الواقع، بل لفهمه بعمق أكبر.

إن الرهان الحقيقي ليس في أن نبطئ العالم فهذا خارج قدرتنا، بل في أن نمنع العالم من أن يسرق زمننا الداخلي. فهناك في ذلك الزمن غير المرئي، تتشكّل الأفكار الكبرى وتنضج القيم ويستعيد الإنسان صلته بنفسه. وفي هذا الامتداد الفكري لا يكون الصبر فضيلة أخلاقية فحسب، بل شرطا لإمكان الفلسفة، وشرطا لإمكان حياة تستحق أن تُعاش.

***

د. حمزة مولخنيف

التشريح الماركسي للتعاضد الرأسمالي

في "ما وراء" الاقتصاد الريعي: يُشكل البحث في "الميتافيزيقا" الكامنة داخل البنية الاقتصادية للرأسمالية مدخلاً حاسماً لفهم آليات الهيمنة الحديثة، لا سيما عند إسقاطها على واقع "الاقتصاد الريعي" في دول العالم الثالث يتطلب هذا الفهم غوصاً في العمق الفلسفي والاجتماعي الذي أسسه كارل ماركس حول "صنمية السلعة" و“التعاضد الرأسمالي" الذي يجمع بين المراكز الإمبريالية والنخب الكومبرادورية المحلية.

إن استغلال الشعوب في الأطراف لا يتم فقط عبر القوة العسكرية أو التبادل غير المتكافئ، بل يمر عبر منظومة "ميتافيزيقية" تخلع صفات لاهوتية وقدرية على قوانين السوق؛ مما يحول "الريع" (سواء كان نفطياً، عقارياً، أو مالياً) إلى أداة لتجميد الصراع الطبقي وتأبيد التبعية، تجسيداً لما أسماه مهدي عامل بـ "نمط الإنتاج الكولونيالي".

لاهوت السلعة: الأساس النظري للاستلاب

لفهم آلية استغلال العالم الثالث اليوم، لا بد من العودة إلى اللحظة التأسيسية في الفصل الأول من كتاب "رأس المال"، حيث يكشف ماركس عن الطبيعة المزدوجة للسلعة. ففي حين تبدو السلعة للوهلة الأولى "أمراً بديهياً ومفهوماً"، يكشف التحليل العميق أنها "شيء غريب جداً، يعج بالدقائق الميتافيزيقية والنزوات اللاهوتية". هذا التوصيف ليس مجازاً أدبياً، بل هو تشخيص دقيق لعملية "التشيؤ".

 في الاقتصاديات الريعية، تتفاقم هذه الحالة الميتافيزيقية؛ فالنفط أو الغاز -كسلعة- ينفصل تماماً عن العمل البشري الذي استخرجه، ويتحول في السوق العالمية إلى "وثن" يمتلك قوة ذاتية سحرية قادرة على منح الحياة. هذه الهالة التي تكتنف السلعة تخفي حقيقة الاستغلال؛ إذ يظهر الفقر في العالم الثالث لا كنتيجة لنهب تاريخي، بل كقدر "طبيعي" أو نقص في "بركة" السوق الحرة. هنا، تعمل "الميتافيزيقا" كغطاء أيديولوجي يرفع قوانين العرض والطلب إلى مصاف القوانين الكونية المتعالية غير القابلة للنقض، تماماً كما كانت الأرواح تسكن الأشياء في المعتقدات البدائية.

التعالي الميتافيزيقي للنقد المالي

تتجسد ذروة الميتافيزيقا الرأسمالية في شكل "المال"، الذي يصفه ماركس بأنه "الشكل الأكثر سطحية وتوثيناً". يبدو رأس المال وكأنه "إنسان آلي" يلد الربح من ذاته دون الحاجة للمرور بالعمل. هذا الوهم هو الركيزة الأساسية للاقتصاد الريعي المالي المهيمن على العالم الثالث.

في هذا السياق، يتحول "التعاضد الرأسمالي" إلى تحالف مقدس بين "رأس المال المالي" في المركز و"رأس المال الريعي" في الأطراف. يتم تقديم الفائدة البنكية، عوائد السندات، والريع العقاري كحقائق "ميتافيزيقية" مسلم بها، مشتقة من "طبيعة" رأس المال نفسه، وليس من فائض القيمة المستقطع من عرق العمال. هذه "الصيغة الثالوثية" تعمل على طمس الأصل الواحد للثروة -وهو العمل- مما يبرر وجود طبقة كاملة من "الريعيين" الذين يعيشون على "قص الكوبونات" دون أي مساهمة إنتاجية، سواء كانوا مصرفيين في نيويورك أو أمراء في دول الأطراف.

الاستلاب الميتافيزيقي كأداة هيمنة

يشير التحليل الماركسي إلى أن "الاستلاب الديني" الذي وصفه فيورباخ قد تحول في الرأسمالية إلى استلاب اقتصادي. فالعالم "المسحور والمقلوب" للرأسمالية ليس مجرد وهم في الوعي، بل هو واقع موضوعي يفرض نفسه. بالنسبة للمواطن في العالم الثالث، تتجلى هذه الميتافيزيقا في الشعور بالعجز أمام قوى غيبية تسمى "الأسواق العالمية" أو "تصنيفات الائتمان". هذه القوى، التي هي في الأصل نتاج علاقات إنتاج اجتماعية، تواجه صانعها (الإنسان) كقوى غريبة ومستبدة.

إن "الدقائق الميتافيزيقية" للسلعة تبرر الاستعمار الجديد؛ فبما أن القيمة تبدو وكأنها خاصية ذاتية للسلعة المصنعة في الغرب، وبما أن المواد الخام في الجنوب تبدو "رخيصة" بطبيعتها، فإن التبادل غير المتكافئ يُمرر كعملية عادلة. هذه "الخديعة اللاهوتية" هي الأساس الذي يُبنى عليه الاقتصاد العالمي، حيث يتم شفط القيمة من الأطراف إلى المراكز تحت عباءة القوانين الطبيعية للسوق.

الاقتصاد الريعي: هيكل الاستغلال وتعطيل التاريخ

بينما يُنظر إلى الاقتصاد الريعي في الأدبيات الليبرالية كحالة "لعنة موارد"، يراه التحليل الماركسي كنتيجة بنيوية لتقسيم العمل الدولي. يُعرّف الاقتصاد الريعي بأنه النمط الذي تتحقق فيه الثروة ليس من خلال دورة الإنتاج الرأسمالية (نقد - سلعة - نقد زائد)، بل من خلال الاستحواذ على عوائد بيع أصول طبيعية أو استراتيجية للخارج.

في هذا النمط، تنفصل الدورة الاقتصادية عن الدورة الاجتماعية للإنتاج. الدولة الريعية لا تعتمد على ضرائب مواطنيها (وبالتالي لا تحتاج لتمثيلهم سياسياً)، بل تعتمد على "الريع الخارجي". يخلق هذا الوضع ما أسماه ماركس بـ "ختم الطفيلية" على المجتمع بأسره. وتلعب الميتافيزيقا هنا دوراً حاسماً: فالريع يظهر كـ "هبة" (إلهية أو طبيعية)، مما يعزز الثقافة القدرية والاتكالية، ويعطل نمو القوى المنتجة المحلية التي تُعد محرك التاريخ في الفكر الماركسي.

التراكم عن طريق السلب: الآلية المستمرة

يربط الجغرافي الماركسي ديفيد هارفي بين مفهوم ماركس عن "التراكم البدائي" وواقع الاقتصاديات الريعية اليوم عبر مفهوم "التراكم عن طريق السلب". إن الاقتصاد الريعي في العالم الثالث ليس مجرد حالة تخلف، بل هو نتاج عملية مستمرة من السلب تتجلى في:

تحويل الموارد الطبيعية (أرض، معادن، مياه) من ملكية عامة إلى سلع قابلة للتداول تدر ريعاً للشركات المتعددة الجنسيات والوكلاء المحليين.

كذلك الأمولة (هي التجلي الأكبر لـ "الخديعة اللاهوتية")، توهم العالم بأن الثروة يمكن أن تُخلق من العدم (من شاشات التداول)، مما يغطي على حقيقة أن هذه الأرباح هي في الواقع اقتطاع من القيمة الفائضة التي ينتجها العمال في مكان آخر (غالباً في دول الجنوب/العالم الثالث).

بالنسبة لدول العالم الثالث، الأمولة هي الأداة التي تمتص الثروات عبر "خدمة الدين" وتدفقات رؤوس الأموال الساخنة، مما يمنع هذه الدول من بناء قاعدة إنتاجية حقيقية ويبقيها في حالة "اقتصاد ريعي" تابع. وهي العملية التي يتحول فيها الاقتصاد من "مصنع" ينتج سلعاً للبشر، إلى "كازينو" كبير يراكم الثروة لأصحاب رؤوس الأموال بمعزل عن المجتمع.

نقد الرأسمالية الميتافيزيقية (الطيب تيزيني نموذجاً)

يضيف المفكر الطيب تيزيني بعداً آخر، مشيراً إلى أن الفكر النظري في المجتمعات التابعة يعاني من "فقر" ناتج عن غياب القاعدة المادية الصناعية. هذا الفراغ تملؤه "ميتافيزيقا" مستوردة أو مُعاد إنتاجها من الماضي، تخدم في النهاية مصالح "الرأسمالية الطفيلية". فالنخب الريعية تروج لثقافة استهلاكية سطحية (فيتيشية السلعة في أقصى تجلياتها) كبديل عن المشروع النهضوي الإنتاجي.

نحو تحطيم المرآة الميتافيزيقية

يكشف التحليل المتعمق لرؤية ماركس وتطبيقاتها المعاصرة لدى مفكري العالم الثالث أن "الميتافيزيقا" ليست مجرد مبحث فلسفي معزول، بل هي "البنية التحتية الأيديولوجية" للرأسمالية المعولمة في مرحلتها الريعية.

إن "الدقائق الميتافيزيقية" للسلعة التي تحدث عنها ماركس، و"التعاضد الميتافيزيقي" للطوائف الذي شرحه مهدي عامل، و"الميتافيزيقا الاقتصادوية" التي نقدها سمير أمين، كلها وجوه لعملة واحدة: "التعمية" التي تخفي حقيقة أن رفاهية الشمال مبنية على سلب الجنوب.

يعمل "التعاضد الرأسمالي" كنظام متكامل؛ حيث تضع المراكز الإمبريالية قواعد "السوق الميتافيزيقية" (حرية التجارة، قدسية الديون)، بينما تقوم النخب المحلية (الريعية/الكومبرادورية) بحراسة هذه المصالح عبر تخدير الشعوب بـ "هويات ميتافيزيقية" (طائفية، قبلية).

لا يمكن الخروج من "مصيدة الاقتصاد الريعي" عبر إصلاحات تقنية داخل النظام (كما يقترح البنك الدولي)، لأن المشكلة بنيوية وميتافيزيقية في آن واحد. الحل يكمن فيما أسماه سمير أمين "فك الارتباط"، والذي يعني كسر الخضوع لـ "قانون القيمة" العالمي، واستعادة السيطرة على الموارد الوطنية لتوجيهها نحو تلبية الحاجات المادية للشعوب، بدلاً من تلبية "النزوات اللاهوتية" للأسواق المالية.

إن مواجهة "الاستغلال الريعي" تتطلب إسقاط "التعاضد الرأسمالي الميتافيزيقي" عبر بناء "تضامن مادي" حقيقي بين شعوب العالم الثالث، يعيد الاعتبار للإنتاج مقابل الريع، وللإنسان مقابل السلعة، وللتاريخ مقابل القدر.

***

غالب المسعودي

...........................

المراجع المختارة

كارل ماركس: Capital Volume I - Marxists Internet Archive.

د. عادل سمارة: أزمة الرأسمالية المعولمة عتبة إلى الاشتراكية - أرشيف الماركسيين العرب.

Ernest Mandel: Marx's theory of primitive accumulation and industrialization of the Third World (1967) - IIRE.

دراسات في "صنمية السلعة" والميتافيزيقا الاقتصادية:

Carlos L. Garrido: What is the Fetishism of Commodities? - Midwestern Marx Institute.

Literary Theory: Fetishism and Commodity Fetishism - Literary Theory and Criticism.

Cambridge Press: Ideology, Fetishism, Apophaticism: Marxist Criticism and Christianity.

Emory Scholar Blogs: Marx and the Idea of Commodity - Postcolonial Studies.

الاقتصاد السياسي، الريع، والتراكم عن طريق السلب:

David Harvey & Others: Anti-Capitalist Chronicles: Accumulation by Dispossession - Democracy at Work.

Taylor & Francis: The land question: special economic zones and the political economy of dispossession in India.

Osgood Commons: Laboure, Laboure Law and Capitalist Rent-Seeking: Rentier Capitalism and Laboure in Historical Perspective.

ECMES Academy: الاقتصاد الريعي كنموذج رأسمالي حديث للنمط الآسيوي للإنتاج.

قراءات إضافية في الإمبريالية والثقافة:

International Viewpoint: Imperialism in the 21st century.

Culture Machine: Imaginary States: Studies in Cultural Transnationalism.

Redtails: What Was Primitive Accumulation?

Irish Marxism: Sráid Marx Blog (August 2025).

تندرج النفعية تحت مظلة واسعة من العواقبية، لكنها ليست العضو الوحيد، اذن ما هو الاختلاف بينهما؟ يُستخدم مصطلحا النفعية والعواقبية عند دراسة الفلسفة الأخلاقية. احيانا يُستخدمان كما لو كانا شيئا واحدا. ومع ان هاتين النظريتين الاخلاقيتين تبدوان توأمين للوهلة الأولى، لكن الاستطلاع يكشف اختلافا هاما بينهما. سوف نحلل هاتين النظريتين ونفحص الارتباط بينهما ونحدد أين يفترقان، بالنهاية سوف نفهم بالضبط ما تؤمن به كل واحدة من النظريتين وأهمية ذلك لنا.

ما هي العواقبية consequentialism

يمكن تلخيص العواقبية بفكرة مبسطة: الفعل الأخلاقي يتقرر فقط بنتائجه. اذا كان الفعل يقود الى نتائج جيدة فهو جيد أخلاقيا، واذا كان يقود الى نتائج مؤذية فهو خاطئ أخلاقيا. العواقبية ترى ان أخلاقية الفعل لا تعتمد على النوايا او على مدى اتباعنا للقواعد، بل كل ما يهم هو النتيجة. هذا يفسر لماذا يعبّر الناس أحيانا عن فكرة العواقبية بعبارة "الغاية تبرر الوسيلة". لننظر في هذا المثال. شخص ما يتحدث كذبا لكي يحمي صديق له. شخص آخر يفكر تبعا للقاعدة التي تقول "الكذب دائما خطأ". لكن الشخص الذي يفكر تبعا لوجهة نظر العواقبية يسأل: "هل ذلك الكذب له نتائج جيدة؟"

هناك مختلف الأنواع من العواقبية. احد الأمثلة هو الانانية الأخلاقية التي تؤمن بان الفعل صحيح اذا كان يعزز مصالحك اكثر من الاخرين. صيغ أخرى هي الوكيل - المحايد وتعني ان مصلحة كل الناس يجب النظر اليها بالتساوي، والوكيل القريب التي تسمح لك إبداء تعامل خاص مع منْ ترتبط معهم بعلاقة وثيقة مثل (أعضاء العائلة). يمكن رؤية هذا كرياضيات أخلاقية. العواقبيون لا يهتمون فيما اذا اتبعت القواعد، هم يهتمون فقط بما اذا كانت النتائج الكلية لفعلك جيدة. اذا كانت جيدة، فان ما قمت به هو صحيح. هذا الاتجاه يقدم اطارا واضحا وقويا لدراسة القضايا الأخلاقية. لكن وكما سنرى، هناك أيضا بعض النقاشات المعقدة ومشاكل غير متوقعة فيها.

ما هي النفعية utilitarianism

احدى الأنواع الشهيرة للعواقبية هو النفعية. طبقا لهذه النظرية الأخلاقية، الفعل يكون صحيحا عندما ينتج أعظم كمية من السعادة لأكبر عدد من الناس. بلغة مبسطة، النفعيون يعتقدون انه لا يكفي مجرد القيام بعمل خير، وانما يجب على المرء ان يكافح لعمل أعظم خير كلي، أي، تعظيم الكمية الكلية للسعادة او المنفعة في العالم. جيرمي بنثام الذي هو اول من صاغ النفعية، اقترح اننا نحسب المتع والالام كما لو انها أرقام: بعد خصم المعاناة من المتع، نؤدي أي فعل له أعلى محصلة كلية. تلميذه جون ستيوارت مل أجرى عدة تعديلات على نظام بنثام، احداها تميّز بين أنواع المتع، على سبيل المثال، ان قراءة الشعر أرقى من تناول الكيك.

احدى الطرق للتفكير حول النفعية هي من خلال النظر في مثال مشكلة العربة. تخيّل عربة هاربة تنطلق بسرعة على طول سكة حديد باتجاه خمسة اشخاص. انت تقف بجانب الرافعة التي يمكنها تحويل العربة الى اتجاه مختلف ضمن السكة. لكن عندما تسحب الرافعة، ستضرب العربة شخص سادس مربوط بتلك السكة. المنظور النفعي سيكون انك يجب ان تسحب الرافعة. وفق هذه الرؤية، خمسة وفيات تفوق واحد. النفعية تقول لنا ان ننظر في الصورة الكبيرة وليس فقط لسعادتنا وانما لكل شخص. هذه الفكرة البسيطة كانت لها اثار واسعة النطاق على كل شيء بدءا من صنع القوانين او - تغييرها الى نوع أنظمة الرعاية الصحية التي تتبعها الدول. مع ذلك، التفكير بهذه الطريقة يخلق بعض الأسئلة الصعبة سوف نعالجها ادناه.

اختلاف أساسي بين النفعية والعواقبية

من الضروري فهم انه بالرغم من كون جميع النفعيين عواقبيين، لكن ليس كل عواقبي هو نفعي، لذلك، من الضروري ان لا نخلط بين الاثنين. هنا طريقة جيدة للتفكير. في هذه العلاقات، النفعية تشبه المربع الذي يندرج ضمن مستطيل اكبر (الذي هو عواقبية). مرة أخرى، النفعية تحكم على الأفعال وفقا لنتائجها، والنتيجة الوحيدة الهامة هي ما اذا كانت تخلق سعادة او متعة اكثر من الألم. طبقا للنفعية، الفعل يمكن القول انه صحيح عندما ينتج اعظم كمية ممكنة من الخير لكل ذوي العلاقة. G.E. More كان عواقبيا ولكن ليس من النوع النفعي. هو اعتقد ان أشياء مثل الصداقة والجمال لها قيمة باطنية وانها أيضا تنتج السعادة. وهكذا، بينما النفعي يختار الفعل الذي يعظم السعادة، العواقبي سوف يختار فعلا يخلق المزيد من الانصاف حتى وان كان اقل بهجة. هنا مثال: تخيّل فعلا يخلق سعادة لكنه يخلق لاعدالة. النفعي سوف يوافق، لكن العواقبي المرتكز على العدالة سوف يقول انه سيئ. باختصار، النفعية ليست الا نوعا واحدا من صنف أخلاقي اكبر، يمكن مقارنتها بوصف كل الفاكهة موز – انها فقط نوع واحد. ادراك هذا يساعدنا لنفهم بشكل افضل طيفا واسعا للطريقة التي يرى بها الفلاسفة الفعل جيدا بالنهاية .

نظريات عواقبية بديلة

عندما نأتي الى العواقبية، هناك اكثر من نسخة واحدة للنفعية. هناك مختلف النسخ البديلة التي تعدّل المفهوم الأساسي للحكم على الأفعال بالارتكاز على محصلتها بطرق ملفتة. قاعدة العواقبية هي واحدة من هذه البدائل. بدلا من تقييم كل فعل انفرادي طبقا لمزاياه الخاصة، فان هذا الاتجاه يشجعنا للنظر بما يحدث لو كل شخص اتبع قاعدة معينة، وما اذا كانت النتائج الكلية تكون محسنة بالنتيجة. الفيلسوف ريتشارد براند دعم هذه الفكرة. هو اعتقد ان امتلاك مبادئ أخلاقية يمكن ان يقدم ارشادا افضل للسلوك قياسا بمجرد محاولة حساب أي سلوك يقود الى اكبر سعادة. العواقبية السلبية تقدم منظورا مختلفا مرة أخرى. بدلا من جعل السعادة اكبر ما يمكن، انها تقترح اننا يجب ان نحاول تقليل المعاناة.

هذه الرؤية مرتبطة بإحكام بأفكار شوبنهاور الذي اعتقد ان المعاناة هي المظهر الأساسي للحياة وان قراراتنا الأخلاقية يجب ان تعكس هذا عبر تقليل ألم الشخص بدلا من زيادته. العواقبية التفضيلية فرع اخر قادها بيتر سنجر والذي يقدم اتجاها مختلفا. انه لا يتعلق بالسعادة او الحزن وانما بتلبية افضليات كل شخص. اذا شخص ما يفضل ان يكون حرا بدلا من المرح ،او معرفة الحقيقة بدلا من الراحة، عندئذ فان هذه النظرية تأخذ هذا على محمل الجد. هذه الأمثلة توضح الطبيعة المتغيرة لأخلاق العواقبيين. انها ليست فقط مسألة تعظيم المتعة وتقليل الألم. أحيانا، المرء يجب ان يركز على تقليل الأذى. وفي أوقات أخرى، ربما يكون اتباع القاعدة يخلق المزيد من الخير.

الانتقادات والتحديات

العواقبية تبدو واضحة للوهلة الأولى: فقط اعمل كل ما ينتج افضل النتائج. لكن عدد هائل من الفلاسفة اثاروا تحديات بشأن هذه النظرية. النقد الرئيسي هو انها تتجاهل العدالة والحقوق والكرامة الشخصية. اذا كان كل ما تهتم به هو حول المحصلة، عندئذ ماذا يحدث للعدالة والقواعد الأخلاقية؟ انظر في مثال معضلة التبرع بالأعضاء. تخيل وجود شخص ملائم يتجول امام المستشفى، في الداخل، هناك خمسة مرضى ينتظرون زراعة الأعضاء. طبقا للرؤية النفعية المتطرفة، نحن يجب ان نضحي بالمتجول لكي ننقذ حياة خمسة اشخاص. مع ذلك، معظم الناس يجدون هذا الاقتراح شديد الازعاج، والسبب هو انه يستلزم انتهاك حقوق الافراد.

هذا ما يعارضه علماء الاخلاق مثل عمانوئيل كانط. كانط اصر على ان الناس يجب ان لا يُعاملوا كوسائل لغايات. اعتقد كانط في الالتزامات الأخلاقية مثل قول الحقيقة وتمجيد الأشخاص بصرف النظر عن المحصلة. العواقبية أيضا واجهت حالات كبش الفداء. افرض انك تلوم شخص بريء لكي تقمع اعمال شغب. المحصلة يمكن ان تكون الهدوء لكن على أي حساب أخلاقي؟ هذه المشاكل توضح انه بينما العواقبية تشجعنا للنظر بأفكار كبرى، هي أحيانا تتجاهل الأشياء الصغيرة التي تخلق اختلافا كبيرا مثل حياة الناس، العدالة، والقواعد الأخلاقية للسلوك. الاخلاق لا تستلزم دائما رياضيات، أحيانا افضل خيار ليس دائما الأكثر فاعلية.

اذن، هل النفعية والعواقبية هما ذات الشيء؟

ليسا كذلك، النفعية نوع واحد من العواقبية لكنها ليست كل القصة. كل النفعيين يؤمنون بان الفعل الصحيح هو الذي يجلب اعظم سعادة او منفعة. لكن العواقبية هي شجرة أخلاقية اكبر، تضم أي نظرية تحكم على الأفعال على أساس محصلاتها بصرف النظر عما اذا كانت تلك المحصلة سعادة او عدالة او حرية او شيء آخر. ان الفرق هو هام لأنه يمكّننا من الاقتراب من مشاكل العالم الواقعي مثل الذكاء الصناعي، تقلبات المناخ، او السياسة الاقتصادية بوضوح أخلاقي اكبر. هل نحن نفضل اعظم سعادة؟ أقل ألم؟ اكثر عدالة في التوزيع؟ كل واحدة تمثل نظرية فلسفية مختلفة.

في النهاية، من غير المحتمل ان تكون أحسن بوصلة أخلاقية بحجم واحد يناسب الجميع. انها سوف تعتمد على ما يهمنا اكثر: السعادة، الانصاف، الحقوق، الكرامة. تحديد هذه الاختلافات يساعدنا في التفكير بوضوح وتعاطف اكبر في عالم معتم.

***

حاتم حميد محسن

في الفرق الدلالي والاجرائي بين الباراديغم عند توماس كون والنموذج عند الان باديو، مقاربة ابستيمولوجية

مقدمة: في مجال الإبستمولوجيا، أي علم المعرفة، يبرز مفهوما الباراديغم والنموذج كأدوات أساسية لفهم كيفية تطور المعرفة البشرية وتشكلها داخل السياقات العلمية والفلسفية. يعود مفهوم الباراديغم إلى توماس كون، الفيلسوف والمؤرخ للعلوم، الذي طوره في سياق دراسته لتاريخ العلوم، بينما يأتي مفهوم النموذج من آلان باديو، الفيلسوف الفرنسي المعاصر، الذي يربطه بنظريته في الأنطولوجيا والرياضيات. رغم أن كلا المفهومين يتعلقان ببناء المعرفة وتحولها، إلا أنهما يختلفان جذريًا في دلالاتهما النظرية وتطبيقاتهما الإجرائية، مما يعكس تحولًا في النظرة الإبستمولوجية من التركيز على الثورات العلمية التاريخية إلى الالتزام بالأحداث الراديكالية والحقائق الرياضية. في هذه المقاربة الإبستمولوجية، سنستكشف هذين المفهومين بشكل موسع، مع التركيز على الفرق الدلالي الذي يتعلق بمعاني المصطلحين الأساسية، والإجرائي الذي يتناول كيفية عملهما في بناء المعرفة، لنكشف عن كيفية مساهمتهما في فهم الديناميكيات المعرفية في عصرنا.

المفهوم بين توماس كون والان باديو

يبدأ فهم الباراديغم عند كون من سياقه التاريخي والعلمي، حيث يراه كإطار شامل يحدد الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى العالم ويحلون مشكلاته. في نظر كون، الباراديغم ليس مجرد نظرية أو افتراض، بل هو نظام متكامل من المعتقدات، القيم، والممارسات التي تشكل "العلم الطبيعي" في فترة معينة، مما يجعله أشبه بـ"عالم نظري" يوجه البحث العلمي. على سبيل المثال، الباراديغم النيوتوني في الفيزياء يشمل ليس فقط قوانين الحركة، بل أيضًا الافتراضات حول الزمان والمكان المطلقين، والأدوات المنهجية للتجريب. هذا المفهوم يعكس نظرة إبستمولوجية ترى المعرفة العلمية كبناء اجتماعي وتاريخي، حيث يسود الباراديغم خلال فترات "العلم الطبيعي" الذي يركز على حل الألغاز داخل الإطار الموجود، لكنه ينهار عند مواجهة "الشذوذات" التي لا يمكن تفسيرها، مما يؤدي إلى "ثورة علمية" تنقل إلى باراديغم جديد. إبستمولوجيًا، يؤكد كون على عدم التوافق بين الباراديغمات، أي أن الباراديغم الجديد لا يبني على القديم بشكل تراكمي، بل يغير النظرة إلى العالم كله، مما يجعل المعرفة غير محايدة ومتأثرة بالسياقات الاجتماعية والثقافية. هكذا، يصبح الباراديغم أداة لفهم كيف تتطور المعرفة ليس عبر التقدم الخطي، بل من خلال قفزات جذرية تعيد تشكيل الواقع المعرفي.

على النقيض، يأتي مفهوم النموذج عند باديو من خلفية فلسفية رياضية، مستمدًا من نظرية المجموعات التي يراها أساس الأونتولوجيا، أي علم الوجود. في فلسفة باديو، النموذج ليس إطارًا علميًا تاريخيًا، بل بناء رياضي يمثل "حالة" أو "عالم" يحدد ما هو موجود وما هو غير موجود داخل سياق معين. يعتمد باديو على أكسيومات زيرميلو-فرانكل في نظرية المجموعات ليصف النموذج كمجموعة تحتوي على عناصر تُعد وتُرتب، لكنها تتعرض لـ"الحدث" الذي يقلب هذا النظام، مما يؤدي إلى إنتاج "حقيقة" جديدة. على سبيل المثال، في سياق السياسة أو الفن، يصبح النموذج نموذجًا للحقيقة الذي يبني عالمًا جديدًا بناءً على حدث راديكالي، مثل ثورة أو اكتشاف فني.

 إبستمولوجيًا، يرى باديو المعرفة كالتزام بحدث يتجاوز النموذج القائم، حيث يصبح النموذج أداة للكشف عن الفراغ في الوجود، أي ما لا يُعد داخل المجموعة، مما يجعل المعرفة عملية فلسفية راديكالية ترتبط بالحقيقة كشيء عام وأبدي، لا تاريخيًا متغيرًا. هذا المفهوم يعكس نظرة إبستمولوجية ترى المعرفة ليست اجتماعية بل أنطولوجية، مدعومة بالرياضيات كلغة الوجود، حيث يصبح النموذج وسيلة للتمييز بين "المعرفة" كبناء قائم وبين "الحقيقة" كإنتاج حدثي.

يبرز الفرق الدلالي بين الباراديغم والنموذج في جوهرهما النظري، حيث يحمل الباراديغم عند كون دلالة تاريخية وعلمية اجتماعية، يشير إلى إطار يشمل الممارسات والمعتقدات الجماعية التي توجه العلم في فترة معينة، مما يجعله مفهومًا نسبيًا يعتمد على السياقات البشرية والثقافية. فالباراديغم يدل على "نموذج مثالي" للعلم، لكنه يتغير مع الثورات، مما يعكس دلالة ديناميكية ترتبط بالتطور التاريخي للمعرفة، حيث يصبح رمزًا للتوافق الاجتماعي داخل المجتمع العلمي. أما النموذج عند باديو، فيحمل دلالة رياضية وأنطولوجية، يشير إلى بناء منطقي يحدد الوجود داخل مجموعة، لكنه ليس اجتماعيًا بل عامًا ومجرّدًا، حيث يدل على "نموذج" كبناء يمكن توسيعه أو كسره بالحدث، مما يجعله أداة للكشف عن الحقيقة كشيء يتجاوز التاريخ. هذا الفرق الدلالي يعكس تحولًا إبستمولوجيًا من النظرة السوسيولوجية للمعرفة عند كون، التي ترى العلم كبناء بشري متأثر بالمجتمع، إلى النظرة الأونتولوجية عند باديو، التي ترى المعرفة كالتزام فلسفي بالحقيقة الرياضية، مما يجعل الباراديغم أكثر ارتباطًا بالتجربة البشرية اليومية بينما النموذج أكثر تجريدًا وعمومية.

أما الفرق الإجرائي، فيكمن في كيفية عمل كل مفهوم في بناء وتحويل المعرفة. عند كون، يعمل الباراديغم إجرائيًا كدليل للممارسة العلمية اليومية، حيث يوجه الباحثين في حل الألغاز داخل الإطار الموجود، لكنه يؤدي إلى أزمة عند تراكم الشذوذات، مما يؤدي إلى ثورة تعيد ترتيب المعرفة بشكل جماعي وتاريخي. هذا الإجراء يعتمد على المنافسة بين الباراديغمات، حيث يفوز الجديد ليس بسبب دليل مطلق بل بقدرته على حل المشكلات بشكل أفضل، مما يجعل العملية إبستمولوجية اجتماعية تعتمد على الإقناع والتوافق داخل المجتمع العلمي. في المقابل، يعمل النموذج عند باديو إجرائيًا كبناء رياضي يُبنى ويُفكك من خلال الحدث، حيث يبدأ الإجراء بالالتزام بالحدث الذي يكشف الفراغ، مما يؤدي إلى إنتاج حقيقة جديدة تتجاوز النموذج القائم دون ثورة تاريخية، بل من خلال عملية فلسفية فردية وجماعية ترتبط بالإخلاص للحقيقة.

هذا الإجراء أكثر راديكالية، حيث لا يعتمد على التوافق الاجتماعي بل على الرياضيات كأداة للتمييز بين المعرفة القائمة والحقيقة الناشئة، مما يجعل العملية إبستمولوجية أونطولوجية تركز على الابتكار الراديكالي بدلاً من التطور التدريجي.

تطبيقات في العلوم الحديثة

في سياق العلوم الحديثة، يظل مفهوم الباراديغم عند توماس كون أداة قوية لفهم كيفية تطور المعرفة العلمية، بينما يقدم مفهوم النموذج (أو "النموذج" المرتبط بالحدث) عند آلان باديو رؤية فلسفية أكثر تجريدًا وأونتولوجية، تعتمد على الرياضيات كأساس للوجود. رغم الاختلاف الدلالي والإجرائي بينهما، إلا أن تطبيقاتهما في مجالات مثل الفيزياء الحديثة تكشف عن ديناميكيات عميقة في كيفية ظهور المعرفة الجديدة، سواء عبر ثورات تاريخية أو أحداث راديكالية. في هذا المقال، نستعرض التطبيقات الرئيسية لهذين المفهومين في العلوم الحديثة، مع التركيز على الفيزياء الكلاسيكية، النسبية، والميكانيكا الكمومية، لنرى كيف يساعدان في تفسير التحولات المعرفية دون الوقوع في الاختزالية أو التفسير الاجتماعي البحت.

يجد مفهوم الباراديغم عند كون تطبيقاته الأبرز في الفيزياء الحديثة، حيث يصف التحولات الكبرى كثورات تُغير الإطار المرجعي للعلماء. أحد أوضح الأمثلة هو الانتقال من الفيزياء النيوتونية الكلاسيكية إلى نظرية النسبية الخاصة والعامة لأينشتاين في أوائل القرن العشرين. في الباراديغم النيوتوني، كان الزمان والمكان مطلقين ومستقلين، والجاذبية قوة فورية تعمل عبر مسافات لا متناهية. لكن ظهور "الشذوذات" مثل نتائج تجربة مايكلسون-مورلي (التي فشلت في اكتشاف الأثير)، ومشكلات في تفسير الإشعاع الأسود، أدت إلى أزمة في الباراديغم القديم. أينشتاين، من خلال النسبية، قدم باراديغمًا جديدًا يجعل الزمان والمكان نسبيين ومترابطين، والجاذبية انحناءً في النسيج الزمكاني.

هذا التحول لم يكن مجرد إضافة قوانين جديدة، بل تغيير جذري في النظرة إلى الواقع، حيث أصبحت المفاهيم مثل "التوافق الزمني" غير موجودة في الباراديغم الجديد، مما يجعل الباراديغمين غير قابلين للمقارنة المباشرة . هذا التطبيق يظهر كيف يساعد كون في تفسير لماذا يرفض العلماء في البداية النظريات الجديدة، ثم يتبنونها تدريجيًا بعد أن يثبت الباراديغم الجديد قدرته على حل المشكلات التي عجز عنها القديم.تطبيق آخر بارز لباراديغم كون هو الانتقال إلى الميكانيكا الكمومية في عشرينيات القرن العشرين. الباراديغم الكلاسيكي (النيوتوني-ماكسويلي) كان يفترض التحديدية الكاملة والاستمرارية في الظواهر، لكن ظهور "الشذوذات" مثل إشعاع الجسم الأسود، التأثير الكهروضوئي، وتجارب الانحراف في الذرات أدت إلى أزمة. ماكس بلانك، ثم أينشتاين، ثم هايزنبرغ وبور، قدموا باراديغمًا كموميًا يقوم على الاحتمالية، التفكك، والازدواجية (موجة-جسيم).

هذا الباراديغم الجديد غير النظرة إلى الواقع، حيث أصبحت الجسيمات غير محددة الموقع والسرعة في الوقت نفسه (مبدأ اللايقين)، والقياس يؤثر في الحالة. هذا التحول يُعتبر ثورة علمية نموذجية عند كون، لأنه لم يكن تراكمًا خطيًا، بل قفزة غيرت المفاهيم الأساسية مثل السببية والواقعية، وأدى إلى تطبيقات عملية هائلة مثل الترانزستور والليزر والحوسبة الكمومية. أما مفهوم النموذج عند آلان باديو، فهو أكثر تجريدًا وأقل تاريخية، حيث يربطه بالرياضيات (نظرية المجموعات) كأساس للوجود، والحدث ككسر راديكالي ينتج حقيقة جديدة. في العلوم الحديثة، يجد هذا المفهوم تطبيقات في تفسير الاكتشافات الكبرى كأحداث تتجاوز النموذج القائم. على سبيل المثال، يمكن اعتبار ظهور الميكانيكا الكمومية حدثًا باديويًا، حيث كشف "الفراغ" في الباراديغم الكلاسيكي (مثل فشل تفسير الإشعاع الأسود)، مما أدى إلى إنتاج حقيقة جديدة غير قابلة للاختزال في النموذج القديم.

 باديو يرى أن العلم (كإجراء حقيقي) يعتمد على الالتزام بهذا الحدث، كما حدث مع تطوير نظرية المجموعات لوصف الوجود، أو مع اكتشافات مثل عدم التوطين في التشابك الكمومي، الذي يتجاوز النموذج الكلاسيكي للعلاقات المكانية. هذا التطبيق يساعد في فهم كيف تكون الاكتشافات العلمية ليست مجرد حلول لألغاز، بل أحداث تُعيد تشكيل الوجود نفسه، كما في محاولات توحيد النسبية والكمومية (مثل نظرية الأوتار أو الجاذبية الكمومية الحلقية)، حيث يُعتبر أي نجاح حدثًا ينتج نموذجًا جديدًا للوجود.

في الفيزياء الحديثة، يتقاطع المفهومان في تفسير التحديات المعاصرة مثل توحيد النسبية العامة والميكانيكا الكمومية. من منظور كون، يُنظر إلى هذه المشكلة كأزمة في الباراديغم الحالي (النموذج القياسي للجسيمات + النسبية)، حيث تتراكم الشذوذات مثل الطاقة المظلمة والمادة المظلمة، مما قد يؤدي إلى ثورة جديدة. أما من منظور باديو، فهي فرصة لحدث يتجاوز النموذج القائم، حيث يُكشف الفراغ في الوجود (مثل التناقض بين الاحتمالية الكمومية والتحديدية النسبية)، مما يدعو إلى إنتاج حقيقة جديدة عبر الرياضيات. هذه التطبيقات تظهر كيف يساعد كون في وصف التطور التاريخي للعلم، بينما يقدم باديو أداة فلسفية لفهم الابتكار الراديكالي كحدث يتجاوز التاريخ نحو الأبدي.

خاتمة

تظل تطبيقات الباراديغم عند كون أكثر انتشارًا في تفسير التاريخ العلمي الحديث، خاصة في الفيزياء، حيث يفسر الثورات الكبرى كتحولات جذرية في النظرة إلى الواقع. أما مفهوم النموذج عند باديو، فيقدم رؤية أعمق للابتكار كحدث أونطولوجي، مما يثري الإبستمولوجيا بإمكانية رؤية العلم كإنتاج حقائق جديدة. هذان المفهومان، رغم اختلافهما، يدعوان معًا إلى تأمل مستمر في كيفية ظهور المعرفة الجديدة، سواء عبر أزمات تاريخية أو أحداث راديكالية، في عصر يشهد تحديات مثل الجاذبية الكمومية والكون المتعدد. لذلك، يكشف الفرق الدلالي والإجرائي بين الباراديغم عند كون والنموذج عند باديو عن تناقضات عميقة في الإبستمولوجيا المعاصرة، حيث يمثل الباراديغم نموذجًا للمعرفة كعملية تاريخية اجتماعية تتطور عبر الثورات، بينما يقدم النموذج رؤية فلسفية رياضية تربط المعرفة بالحقيقة كحدث أبدي. هذا التمييز لا يقتصر على النظرية، بل يفتح آفاقًا لفهم كيفية مواجهة التحديات المعرفية في عصرنا، سواء في العلوم الطبيعية أو الفلسفة، مما يدعونا إلى دمج النهجين لإثراء النظرة إلى المعرفة كبناء بشري متعدد الأبعاد.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

مقدمة في تشريح المعضلات المعرفية الكبرى

مقدمة: تُمثل إشكالية العقل البشري وطبيعة الخبرة الذاتية المحور الذي تدور حوله أعقد السجالات في تاريخ الفكر الإنساني. إن المفاهيم الأربعة: الوعي، والإدراك، والفهم، والحدس، ليست مجرد وظائف بيولوجية معزولة، بل هي الأسس الأنطولوجية التي يتشكل عبرها "الوجود في العالم".

لطالما احتكر التأمل الفلسفي -من المثالية الأفلاطونية إلى الظاهراتية الهوسرلية- حق التقرير في ماهية هذه الظواهر. بيد أن العقود الأخيرة شهدت زحفاً غير مسبوق للعلوم العصبية الإدراكية والفسيولوجيا العصبية، مدعومة بتقنيات تصوير دقيقة، لتقديم تفسيرات مادية لهذه العمليات التي بدت عصية على الاختزال.

لا يهدف هذا التقرير إلى تكرار السردية الشائعة حول الصراع بين الفلسفة والعلم، بل يسعى لتقديم قراءة تركيبية وشاملة. نحن اليوم أمام مشهد معرفي يتجاذب فيه تياران رئيسيان:

تيار "فلسفة الأعصاب" (النيروفلسفة): ويميل رواده، أمثال "باتريشيا تشيرشلاند" و"دانيال دينيت"، إلى إلغاء مفاهيم "علم النفس الشعبي" لصالح التفسير المادي البحت.

تيار "الظاهراتية العصبية" (النيروفينومينولوجيا): الذي أسسه "فرانسيسكو فاريلا"، والذي يصر على أن البيانات العصبية تظل "عمياء" دون الاستنارة بالوصف الدقيق للخبرة الذاتية من منظور الشخص الأول.

في السطور التالية، سنغوص في عمق الآليات العصبية التي تحول الإشارات الكهروكيميائية إلى "معنى"، ونقارنها بالرؤى الفلسفية التي حللت بنية هذا المعنى. سنناقش تحول نظرية الإدراك من "استقبال سلبي" إلى "تنبؤ نشط" يعيد الاعتبار لكانط، ونبحث في تموضع الحدس بين كونه "اتصالاً روحياً" عند برغسون وبين كونه "معالجة ضمنية سريعة" في العقد القاعدية، وصولاً إلى معضلة الوعي الكبرى ومسألة "الكيفيات الحسية".

بين البناء العصبي والظاهراتية المتجسدة: التحول من التلقي السلبي إلى الاستدلال النشط

تقليدياً، هيمنت النظرة التجريبية التي تعتبر العقل "لوحاً فارغاً" يستقبل الانطباعات الحسية من العالم الخارجي في مسار تصاعدي. لكن الفسيولوجيا العصبية المعاصرة أحدثت انقلاباً مفاهيمياً يعيد الاعتبار للطرح الكانطي حول دور "المخيلة" في تشكيل الإدراك. تشير نظرية "المعالجة التنبؤية" إلى أن الدماغ ليس مستقبلاً سلبياً، بل هو "آلة تنبؤ" تعمل بشكل تنازلي.

يجادل إيمانويل كانط في "نقد العقل المحض" بأن المخيلة شرط ضروري لتركيب الانطباعات الحسية في وحدة مفهومة، وهي عملية سابقة على التجربة. وبشكل مذهل، تترجم العلوم العصبية الحديثة هذا المفهوم الفلسفي إلى آليات دقيقة: الدماغ يولد باستمرار نماذج داخلية تحاكي الأسباب الكامنة وراء المدخلات الحسية. إذن، ما ندركه ليس "الواقع الخام"، بل هو التوقع الذي يولّده الدماغ، والذي يتم تعديله فقط عندما يحدث "خطأ في التنبؤ"؛ أي عندما تختلف المدخلات الحسية الفعلية عن التوقعات.

الآليات العصبية للتنبؤ والخطأ

تعتمد هذه العملية على تسلسل هرمي قشري؛ حيث ترسل الطبقات العليا في القشرة المخية (مثل القشرة الجبهية) توقعاتها إلى الطبقات الحسية السفلى (مثل القشرة البصرية).

إذا تطابقت الإشارة الحسية الصاعدة مع التوقع النازل، يتم "إلغاء" الإشارة ولا تصل إلى الوعي الكامل لأنها "متوقعة".

أما إذا حدث تباين، فإن "إشارة خطأ التنبؤ" تصعد للأعلى لتحديث النموذج الداخلي.

يفسر هذا علمياً لماذا لا نرى البقعة العمياء في أعيننا، ولماذا يظل العالم ثابتاً رغم حركة أعيننا المستمرة؛ فالدماغ يملأ الفجوات بناءً على نماذجه السابقة. يقودنا هذا إلى استبصار فلسفي عميق مفاده أن الإدراك هو نوع من "الهلوسة المسيطر عليها" التي تتقيد بالواقع عبر تصحيح الأخطاء، مما يذيب الحدود الصارمة بين "الخيال" و"الإدراك".

ظاهراتية الجسد والمسار الظهري

في مقابل هذا التفسير الحسابي، تقدم الظاهراتية -وخاصة عند "موريس ميرلو-بونتي"- رؤية "تجسيدية" للإدراك. يرفض ميرلو-بونتي في كتابه "ظاهراتية الإدراك" اعتبار الجسد مجرد موضوع مادي؛ إنه "الجسد المعاش" الذي يشكل نقطة الصفر لكل خبرة. فالإدراك ليس تمثيلاً عقلياً داخلياً للعالم، بل هو فعل انخراط جسدي ماهر في البيئة.

الفهم كنمط وجودي: الهرمينوطيقا مقابل الحوسبة

الهرمينوطيقا عند هيدغر وغادامير

في الفلسفة القارية، لا يُنظر للفهم كعملية معرفية تجري داخل الجمجمة، بل كنمط أساسي للكينونة. بالنسبة لمارتن هيدغر، الإنسان هو "دازاين" أو "وجود-في-العالم"، والفهم هو الطريقة التي يسقط بها هذا "الدازاين" إمكانياته على العالم.

طور "هانز غيور غادامير" هذا المفهوم، مؤكداً أن الفهم حدث لغوي وتاريخي. نحن لا نفهم العالم من فراغ، بل من خلال "أحكام مسبقة" تشكل أفقنا المعرفي. الفهم الحقيقي هو "انصهار الآفاق" بين فهمنا الحالي وبين الشيء الذي نحاول فهمه (نص، شخص، أو حدث). هذا المنظور يختلف جذرياً عن النظرة الديكارتية التي ترى الفهم كتمثيل عقلي داخلي مطابق لواقع خارجي موضوعي؛ فالفهم الهرمينوطيقي عملية دائرية حيث يحدد الكل معنى الجزء، ويحدد الجزء معنى الكل، وهي ديناميكية لا تنتهي.

تحدي الغرفة الصينية: هل يمكن للشبكات العصبية أن "تفهم"؟

في المقابل، يطرح "جون سيرل" في الفلسفة التحليلية حجته الشهيرة "الغرفة الصينية" لتحدي فكرة أن المعالجة الحسابية يمكن أن تنتج فهماً حقيقياً. تخيل شخصاً داخل غرفة يتلقى رموزاً صينية، ولديه كتاب قواعد (برنامج) يخبره كيف يربط الرموز ببعضها ويُخرج إجابات. قد ينجح الشخص في خداع من هم خارج الغرفة بأنه يفهم الصينية، لكنه في الواقع لا يملك أي "قصدية" أو فهم للمعنى؛ هو يمارس تلاعباً بالنحو فقط دون إدراك للدلالة.

تجادل فلسفة الأعصاب والذكاء الاصطناعي القوي ضد سيرل بما يسمى "رد النظام": الشخص لا يفهم، لكن "الغرفة ككل" (الشخص + الكتاب + الغرفة) تفهم. ومع ذلك، يصر سيرل على أن البيولوجيا الدماغية المحددة هي المسؤولة عن توليد القصدية والوعي، وأن المحاكاة الوظيفية ليست هي الشيء نفسه (تماماً كما أن محاكاة العاصفة على الحاسوب لا تجعل أحداً يبتل).

فسيولوجيا "القبض على المعنى": مشكلة الربط

كيف يترجم الدماغ الإشارات الفيزيائية إلى "مفهوم" موحد؟ تشير الأبحاث إلى أن عملية "القبض على المفهوم" ترتبط بظاهرة عصبية محددة: التذبذبات العصبية المتزامنة في نطاق "جاما". عندما ندرك تفاحة، تتم معالجة لونها، وشكلها، ورائحتها في مناطق دماغية مختلفة. ولكي ندركها كـ "تفاحة" واحدة (وليس خصائص متناثرة)، يجب أن تتزامن إشارات هذه المناطق زمنياً. هذا التزامن هو "الغراء العصبي" الذي يربط السمات المختلفة في "موضوع إدراكي" واحد.

الحدس: ما وراء العقل التحليلي

يحتل الحدس مكانة جدلية في تاريخ الفلسفة. فبينما اعتبره العقلانيون (مثل ديكارت) أساساً لليقين الرياضي والمنطقي، قدم "هنري برغسون" في كتابه "التطور المبدع" رؤية راديكالية تضع الحدس في تضاد مع العقل. يرى برغسون أن العقل أداة تطورت لغايات نفعية، ووظيفته الأساسية هي "تجميد" سيلان الواقع وتقسيمه إلى وحدات مكانية منفصلة ليسهل التعامل معها (العقل يدور "حول" الشيء). أما الحدس، فهو "الدخول في" الشيء؛ هو تعاطف فكري يسمح لنا بإدراك "الديمومة" -الزمن الحقيقي المتدفق وغير القابل للتجزئة– من الداخل.

فسيولوجيا الحدس: المعالجة الضمنية السريعة

عندما ننتقل إلى المختبر، يفقد الحدس هالته الصوفية ليصبح "نمطاً من معالجة المعلومات". يُعرّف الحدس علمياً بأنه "معالجة غير تسلسلية للمعلومات" تؤدي إلى معرفة مباشرة دون وعي بمراحل الاستدلال. تحدد الأبحاث نظامين عصبيين متميزين للحدس:

حدس الخبرة والنواة المذنبة: هذا النوع يمتلكه الخبراء (كلاعبي الشطرنج أو الأطباء). إنه ليس سحراً، بل نتيجة لعمليات "التعلم الضمني" المكثفة. العضو الرئيسي هنا هو "النواة المذنبة" في العقد القاعدية، التي تعمل كمخزن للأنماط المعقدة التي تم تعلمها عبر التكرار. تقوم هذه العقد بمطابقة المدخلات الحالية مع الأنماط المخزنة بسرعة فائقة، وترسل النتيجة كـ "شحنة دالة" دون استدعاء التفاصيل الواعية، مما يفسر قدرة الخبير على معرفة الإجابة دون شرح السبب فوراً.

الحدس العاطفي والواسمات الجسدية: يرتبط بتقييم المخاطر، ويعتمد على قشرة الفص الجبهي الحجاجي واللوزة الدماغية. تشير نظرية "الواسمات الجسدية" لـ "أنطونيو داماسيو" إلى أن الحدس هو استشعار لحالة الجسد (تسارع نبض، انقباض معدة) المرتبطة بمواقف سابقة. تدمج قشرة الفص الجبهي هذه الإشارات لتوجيه القرار "حدسياً" نحو الخيارات الآمنة قبل بدء التحليل المنطقي.

تركيب: هل الحدس البرغسوني ممكن عصبياً؟

قد يبدو التناقض صارخاً بين "الديمومة" البرغسونية و"التعرف على الأنماط" الآلي. ومع ذلك، يمكن بناء جسر نظري: الحدس البرغسوني يركز على "الاتصال المستمر" وتجاوز التجزئة. من الناحية العصبية، تعمل الأنظمة الحدسية (العقد القاعدية) بشكل موازٍ وسريع وشامل، بينما تعمل الأنظمة التحليلية (القشرة الجبهية الجانبية) بشكل تسلسلي وتجزيئي. بهذا المعنى، فإن اعتماد الدماغ على الحدس هو بالفعل انتقال من "التحليل المجزئ" إلى "الإدراك الكلي" للموقف، وهو ما يقارب فكرة برغسون.

النيروفلسفة ومستقبل الوعي: من الاختزال إلى الإلغاء

المادية الإقصائية: تجادل "باتريشيا تشيرشلاند" و"بول تشيرشلاند" بأن مفاهيمنا الحالية عن "الوعي" و"الكيفيات الحسية" هي بقايا من "علم النفس الشعبي" المغلوط، تماماً كاعتقادنا القديم بـ “الفلوجستون"، وسنقوم باستبدالها بمصطلحات عصبية دقيقة.

نظرية وهم الذات: يقترح "توماس ميتزينجر" في كتابه "نفق الأنا" أن "الذات" ككيان ثابت غير موجودة. ما يوجد هو "نموذج ذاتي ظاهراتي" يبنيه الدماغ لتمكين الكائن من تنظيم سلوكه. الوعي هو عملية محاكاة شفافة لدرجة أن النظام (نحن) لا يدرك أنها مجرد نموذج، بل يظنها الواقع نفسه.

الوهمية: يذهب "دانيال دينيت" و"كيت فرانكيش" للقول إن "الكيفيات الحسية" نفسها وهم؛ فنحن ضحايا لآليات استبطان خادعة توهمنا بوجود تجربة داخلية "سحرية".

التقاء الشرق بالغرب: الظاهراتية العصبية والتأمل

أمام مأزق "المسألة الصعبة"، اقترح "فرانسيسكو فاريلا" منهجاً ثورياً: "الظاهراتية العصبية" (النيروفينومينولوجيا). الفكرة الجوهرية هي دمج بيانات "الطرف الثالث" (تصوير الدماغ) بمنهجية صارمة لاستقصاء بيانات "الطرف الأول" (الخبرة الذاتية) عبر "التعليق الظاهراتي" وتدريبات التأمل. الهدف هو تدريب المشاركين ليصبحوا "مراقبين مهرة" لخبراتهم، لربط الأوصاف الدقيقة بالنشاط العصبي.

تشير الدراسات إلى أن ممارسة التأمل تُحدث تغييرات بنيوية في الدماغ، مثل زيادة سماكة القشرة المخية في مناطق الانتباه، وتقلص اللوزة الدماغية. هذا يعني أن "الحكمة" قد تكون حالة بيولوجية قابلة للقياس تتميز بانخفاض ضجيج الأنا ويقظة حسية عالية.

خاتمة: العقل كجدلية مستمرة

إن الرحلة من الآليات العصبية للإدراك إلى التأملات الفلسفية تكشف أن التقابل بين "العلم" و"الفلسفة" مصطنع. فالإدراك بناء إبداعي وتنبؤي، والفهم رنين عصبي يدمج الذات بالعالم، والحدس تجلٍ لكفاءة الدماغ القصوى. أما الوعي، فيظل التحدي الأكبر، لكن المقاربة التي تدمج انضباط التأمل بدقة العلم تفتح الباب لفهم كيف يمكن للمادة أن تستيقظ على ذاتها. إن "الإنسان" ليس مجرد دماغ في وعاء، ولا روح مفارقة؛ إنه كينونة متجسدة تتشكل "ذاتها" في المسافة الواصلة بين الشبكات العصبية والعالم المعاش.

***

غالب المسعودي

.........................

قائمة المصادر والمراجع

أولاً: الفلسفة والظاهراتية (الأسس النظرية)

برغسون، هنري. (1911). التطور المبدع [Creative Evolution]. نيويورك: هنري هولت وشركاؤه.

كانط، إيمانويل. (1998). نقد العقل المحض [Critique of Pure Reason]. (بي. غاير وأ. وود، محررون). مطبعة جامعة كامبريدج.

ميرلو-بونتي، موريس. (1962). ظاهراتية الإدراك [Phenomenology of Perception]. روتليدج وكيغان بول.

هوسرل، إدموند. (1982). أفكار ممهدة لعلم الظاهراتية الخالص [Ideas Pertaining to a Pure Phenomenology]. مارتينوس نيجهوف.

هيدغر، مارتن. (1962). الوجود والزمان [Being and Time]. هاربر ورو.

ثانياً: العلوم العصبية وفلسفة الأعصاب (المقاربات المادية)

تشيرشلاند، باتريشيا. (1986). النيروفلسفة: نحو علم موحد للعقل والدماغ [Neurophilosophy: Toward a Unified Science of the Mind-Brain]. مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Press).

داماسيو، أنطونيو. (1994). خطأ ديكارت: العاطفة والعقل والدماغ البشري [Descartes' Error: Emotion, Reason, and the Human Brain]. دار بتنام.

دينيت، دانيال. (1991). تفسير الوعي [Consciousness Explained]. ليتل، براون وشركاؤه.

سيرل، جون. (1980). "العقول، الأدمغة، والبرامج" ["Minds, Brains, and Programs"]. مجلة العلوم السلوكية والدماغية [Behavioral and Brain Sciences]، المجلد 3(3)، ص 417-424.

ميتزينجر، توماس. (2009). نفق الأنا: علم العقل ووهم الذات [The Ego Tunnel: The Science of the Mind and the Myth of the Self]. بيسك بوكس.

ثالثاً: المعالجة التنبؤية والظاهراتية العصبية (المقاربات التركيبية)

فاريلا، فرانسيسكو؛ طومسون، إيفان؛ وروش، إليانور. (1991). العقل المتجسد: العلوم الإدراكية والتجربة البشرية [The Embodied Mind: Cognitive Science and Human Experience]. مطبعة MIT.

فريستون، كارل. (2010). "مبدأ الطاقة الحرة: هل هي نظرية موحدة للدماغ؟" ["The Free-energy Principle: A Unified Brain Theory?"]. مجلة مراجعات الطبيعة لعلم الأعصاب [Nature Reviews Neuroscience]، المجلد 11(2)، ص 127-138.

كلارك، آندي. (2016). ركوب أمواج اللايقين: التنبؤ، الفعل، والعقل المتجسد [Surfing Uncertainty: Prediction, Action, and the Embodied Mind]. مطبعة جامعة أكسفورد.

 

تمكّن فلسفة ديوي الناس من اكتساب المعرفة من خلال الفعل، والنمو عبر التجربة المُعاشة، وبناء عالم أكثر ديمقراطية. اثناء تخمة المعلومات، والاستقطاب السياسي، والتغير التكنلوجي السريع، ظلت أفكار جون ديوي يتردد صداها الآن كما كانت دائما. ديوي ليس فقط أعاد تعريف التعليم وانما هو أعاد تصور الديمقراطية والأخلاق ومفهوم التعليم ذاته. بالنسبة له، التعليم الصحيح هو حول العمل، الارتباط، والتطور بدلا من تذكّر الحقائق. هو شعر ان الديمقراطية لم تكن فقط مسألة تصويت، وانما هي كيف تعيش وتعمل في حياتك اليومية. لذا، كيف سيكون الحال لو عشنا هذا الوضع حاليا؟

منْ هو جون ديوي؟

وُلد جون ديوي عام 1859 وكان من بين أبرز الفلاسفة والتربويين في تاريخ أمريكا. هو لعب دورا هاما في إعادة صياغة الأفكار المعاصرة حول كل من التعليم والديمقراطية، بالإضافة الى فهمنا لما نعني بالإنسان. وكمناصر للبرجماتية (الفلسفة التي تؤمن بان قيمة الشيء يجب ان يُحكم عليها بنتائجها العملية)، اعتقد ديوي ان الناس يجب ان يتوقفوا عن مجرد مناقشة الأفكار بل عليهم بدلا من ذلك تجربتها. لا تسأل ما اذا كانت الفكرة صحيحة ام خاطئة، حسب قوله، وانما أي فرق تُحدث لو افترضنا انها صحيحة؟

عندما نأتي الى التعليم، اعتقد ديوي ان التعليم المدرسي يجب ان لا يكون محددا بفترة من الزمن اثناء الطفولة او المراهقة، بدلا من ذلك، هو اعتقد ان الحياة كلها تعليم مستمر. احد الأشياء التي ترك فيه بصمة له تتصل بنوع التعليم الذي يجري في المدارس والكليات. ديوي آمن أيضا في الديمقراطية لكنه لم يؤمن حول التصويت. هو اعتقد ان الديمقراطية الحقيقية تحدث عندما يستمع الناس الى بعضهم، ويعملوا مجتمعين، ويتعلموا من بعضهم البعض باستمرار ضمن جماعاتهم.

وهكذا، هو ربط التعليم بالتقدم الاجتماعي. أفكاره أثّرت في اصلاح التعليم، والسياسة، والأخلاق، وحتى علم النفس. باحثون مثل ريتشارد رورتي Richard Rorty أسس عمله على ديوي الذي لاتزال طرقه تُستعمل من جانب المدرسين حول العالم.

ببساطة، اعتقد ديوي بالنمو الجمعي من خلال الفعل التأملي، والتحقيق التعاوني، والايمان الراسخ في إمكانية الانسان، وهذا ما سوف نستطلعه في التفاصيل ادناه.

التعلم بواسطة العمل.. رؤية ديوي الثورية في التعليم:

اعتقد ديوي ان الناس يتعلمون بشكل أفضل عندما يمارسون الأشياء. هو لم يتفق مع الطريقة التقليدية في التعليم التي استلزمت الجلوس بهدوء في خطوط وتعلّم الحقائق عن ظهر قلب. اعتقد ديوي ان التعلم يجب ان يكون عمليا، مرحا ومرتكزا على التجربة اليومية. هذا الاتجاه يسمى التعليم التجريبي: اكتشاف الأشياء عبر تجربتها.

الفيلسوف ديوي شعر ايضا ان التعليم هو اكثر من مجرد وضع الأفكار في رؤوس الطلاب (رغم ان هذا كان هاما). هو أراد من الشباب ان يكونوا قادرين على التفكير بأنفسهم، يطرحون أسئلة، ويحلّون المشاكل – لا يتلقون فقط المعلومات من الكتب او المعلمين.

اعتقد ديوي ان الصف المدرسي يشبه الجاليات حيث الأطفال يعملون مع بعضهم في خطط تهم اوضاعهم حقا، فعاليات ربطت ما يحدث في المدرسة بالحياة اليومية. وبدلا من اختبارات نمطية، دعم ديوي تعليم مرتكزا على الخطة او المشروع. فمثلا، المتعلمون في كورس العلوم قد يقومون بإنشاء حديقة كجزء من دراستهم في البايولوجي. الطلاب في درس التربية المدنية ربما ينظّمون انتخابات لإدارة المدرسة. هذه الأنواع من المشاريع العملية تساعد الشباب في التعلم لأنهم يعملون اشياءً، ليس فقط يرون او يستمعون حولها في كل مرة. ديوي اعتقد ايضا ان المدارس يجب ان تعلّم الأطفال كيفية المشاركة في الديمقراطية. عندما يعمل الأطفال مع بعضهم في خطط، ويستمعون الى بعضهم، ويشاركون في الأفكار، ويتناوبون على الكلام – هذه هي أنواع الأشياء التي يقوم بها المواطنون الجيدون (والديمقراطيات تحتاجها اكثر من أي وقت مضى).

اليوم، أثّر ديوي في نطاق واسع من طرق التعليم الجديدة حول العالم. كل من مدارس مونتيسوري (نسبة للتربوية الإيطالية ماريا مونتيسوري) وبرامج "التفكير المصمم" لهما جذورهما في نظامه العقائدي، كما تفعل أي دروس تبدأ بطرح أسئلة (أحيانا الكثير منها). من الصحيح القول: عندما لا يبدو التعليم المدرسي ملائما لحياة الفرد، فهو عادة لا يعمل جيدا.

الديمقراطية كطريقة في الحياة

نظر الفيلسوف ديوي الى الديمقراطية اكثر من مجرد الإدلاء بصوت انتخابي كل بضع سنين. بالنسبة له، انها طريقة للعيش، والعمل، والتعلم مع الآخرين – ممارسة مستمرة تستلزم حوارا مفتوحا وحل لمشاكل مشتركة باحترام. انها حول أخلاق يومية بدلا من أنظمة حكومية بذاتها.

في العمل، المدرسة، او عند العمل الاجتماعي المحلي، اعتقد ديوي ان سلوكنا يجب ان يتقرر بقيم ديمقراطية. اذا شعر الافراد ان أصواتهم مسموعة، هم سوف يتطورون بطرق لا يمكنهم تحقيقها في حال عدم المشاركة. هو يرى ان الديمقراطية الحقيقية تحدث فقط عندما يشارك كل فرد بالتساوي في عملية صنع القرار الذي يؤثر على حياته. كذلك، هو جادل بضرورة المشاركة الفعالة من جانب المجموعات المستبعدة عادة.

رؤاه عكست تلك الأفكار التي وردت في حوارات افلاطون: تثير استقصاءات، تمارس استماعا عميقا، تبقى فضوليا. أيضا وفي شبه مع ارسطو، نظر ديوي للبشر باعتبارهم يزدهرون بشكل أفضل عندما يكونون ضمن جماعات متعاونة. كذلك، مثل هابرماس، هو اعتقد ان المنطق العام يمكن ان يصوغ مجتمعات عادلة. وفي وسط صراخ الاون لاين المستقطب اليوم وغرف الدردشة، تبدو رؤى ديوي رائعة. انها تذكّرنا ان الديمقراطية ليست فقط الفوز بالجدال وانما حول تعزيز العلاقات.

سواء كنا نناقش في صفوف الدراسة او في الاجتماعات مع الزملاء حول مشروع معين، تأتي ديمقراطية ديوي حية عندما نرى الآخرين ليس كأعداء وانما كمشاركين في ابتكار شيء ما ذو قيمة.

أخلاق النمو والتجربة

اعتقد جون ديوي ان الاخلاق يجب ان لا ترتكز على قواعد صارمة او الرغبة بمخرجات مثالية. هو اعتقد ان الاخلاق تستلزم "نموا" لأن الناس يخوضون تجارب من خلال التأمل فيها. ديوي لم يتفق مع عمانويل كانط الذي جادل ان هناك واجبات أخلاقية معينة يجب دائما اتباعها. هو أيضا خالف جيرمي بنثام وجون ستيوارت مل، عندما قالا ان اعظم شيء أخلاقي نفعله هو ان نجعل الناس سعداء بأقصى حد ممكن. بدلا من ذلك، اقترح ديوي ان تسأل نفسك هذه الأسئلة: ما الذي يساعد الشخص ليكون اكثر نضجا (يتطور بالكامل ككائن بشري) بمرور الزمن؟ أي نوع من السلوك يحسن العلاقات بين الافراد او الجماعات بما يقود الى مجتمع أفضل بشكل عام؟

اتجاهه ملائم لعالم اليوم المعقد والمترابط، الذي لا تكفي فيه وصفات أخلاقية صارمة. ديوي دعا الى أخلاق جمعية – العقيدة بان مختلف الناس والثقافات يمكن ان تصل الى استنتاجات أخلاقية مختلفة لكنها صالحة. ما يؤخذ بنظر الاعتبار هو كيف نفكر ونتعلم من تجاربنا وكيف نتكيف مع المواقف الجديدة. هذه الرؤية تشبه جدا رؤية ارسطو الذي اعتبر الاخلاق تتمحور حول تنمية الشخصية الجيدة من خلال العادة، وان كان ذلك بلمسة ديمقراطية حديثة. طبقا لكلا المفكرين، القيم لا تأتي جاهزة. انها يتم العمل بها في حوار مع الاخرين (في الماضي والحاضر) عندما نعيش ونتعلم مجتمعين. في عالم لم يتوقف ابدا في سكون، يذكّرنا ديوي ان التقدم الأخلاقي يتطلب اكثر من مجرد تغيير رأيك. انه يعني النمو عاطفيا وفكريا: ان نصبح اناسا افضل (اكثر فهما، مفيدين، عاطفيين) بمرور الزمن.

التعليم لعالم متغير.. ديوي والتعليم المستمر

جادل ديوي ان التعليم هام لكل شخص بصرف النظر عن العمر. وبسبب ان العالم يتغير دائما، فان الناس يجب أيضا ان يستمروا في التعليم. هو اعتقد ان التعليم لا يعدّك فقط للحياة، انه الحياة. هذا يعني اننا يجب ان نتعلم باستمرار كيف نفكر لأنفسنا ونبقى مهتمين ليس فقط بالعمل الجيد وانما في النمو. اليوم، مع الذكاء الصناعي، والتغير السريع في أتمتة الوظائف والمجتمع نتيجة للتكنلوجيا، تبقى أفكار ديوي حول التعليم مدى الحياة اكثر ملائمة من أي وقت مضى. عندما تتطلب الوظائف مختلف المهارات في عالم متغير، هو أكّد على أهمية التفكير النقدي، وان تكون متكيفا (مرنا)، وتأخذ بالاعتبار حاجات الآخرين (مسؤولية اجتماعية). هذه أشياء تساعد الناس في اختيار العمل، عندما يكون متوفرا، وتعيش بحكمة وتكون اخلاقي أيضا.

هذه المشاعر رددها مفكرون آخرون أيضا. كتب سقراط، ان "الحياة غير المختبرة لا تستحق العيش". باولو فريري Paul Freire أكّد ان التعليم يحفز الناس للتحقق والتفكير وتحويل العالم. وافق ديوي ان التعليم الأصيل يربط الافراد بالمجتمع ويخلق مجتمعا راقيا. بالنسبة له، التعليم مدى الحياة ليس مفيدا فقط،انه مسؤولية أخلاقية والتزام عام. في الديمقراطية، يجب ان يستمر المواطنون بالتفكير والاستماع والتعلم من بعضهم. تلك هي الطريقة التي يصبح بها المجتمع افضل. رسالته اننا لا نحتاج ابدا التوقف عن التعليم لأن العالم لا يتوقف ابدا عن التطور، ولن نتوقف نحن كذلك.

ديوي حول العلوم والتحقيق وحل المشكلة العامة

طبقا لديوي، التفكير الواقعي يتطلب اكثر من مجرد إيجاد حلول – انه يتركز حول التحقيق inquiry. هو يرى ان المرء يتعلم بشكل افضل عندما يحقق في قضايا ملائمة للحياة اليومية. ديوي أيضا شعر ان العلم يجب ان لا يُدار فقط في المختبرات. هو اعتقد ان العلماء يجب ان يعملوا مع المواطنين العاديين لمساعدة الجاليات على معالجة المشاكل باستخدام الدليل والمنطق والتأمل.

اليوم، يبقى منظور ديوي مقنعا. انظر الى تقلبات المناخ وحالات طوارئ الصحة العامة: مثل هذه المسائل لا يمكن تركها فقط للمختصين. بدلا من ذلك، الناس العاديين يجب أيضا ان يلعبوا دورا – يطرحوا أسئلة، يزنون الحقائق، ويضعون إستراتيجيات جنبا الى جنب. الموضوع ليس فقط حول امتلاك معلومات وانما حول الاستخدام الجمعي والجيد لها كجزء من اتخاذ الإجراءات اثناء المشاركة في النقاش طوال الوقت.

الفلاسفة الاخرون دعوا الى ايديولوجيات مشابهة. فرنسيس باكون دعا الى الطريقة العلمية كأساس لتعزيز الحياة. كارل بوبر أكّد على أهمية التجريبية وتطوير أفكار بدلا من التشبث بالدوغما. ديوي طور هذه المعتقدات في الميدان العام واعلن ان الديموقراطيات تزدهر عندما يكون المواطنون فضوليين، متعلمين، وتعاونيين. هو اعتقد ان العقل والحقيقة ضروريان لكن فقط عندما يُستكملان بالتعاطف والمحادثة. هو يأمل ان التساؤل قد يستبدل الصراخ بمحادثة بنّاءة، وان العلم يمكن ان يعمل كلغة مشتركة لخلق عالم أفضل. ديوي يرى ان الديمقراطية والتساؤل يسيران جنبا الى جنب.

اذن، لماذا لاتزال فلسفة جون ديوي هامة؟

ان فلسفة ديوي تبقى ملائمة اليوم لأنها تؤكد بان التعليم والأخلاق والديمقراطية هم عملية ديناميكية مستمرة. التعليم قُصد به غرس الفضول بدلا من تذكّر الحقائق. هو اعتبر الديمقراطية طريقة للحياة، تأسست على التعاطف والمشاركة والتطور المستمر. في البيئة الحالية من التطور السريع، يؤكد ديوي على التعليم مدى الحياة وحل المشكلات بطريقة تأملية باعتبارها هامة الان كما كانت دائما. وكما بالنسبة لسقراط، ديوي يتحدانا للانخراط في التحقيق. ومشابه أيضا لأرسطو، هو شعر ان الناس يزدهرون مع التجربة. لكن مع اتجاهه الحديث نحن نتعلم بفاعلية اكبر عبر ممارسة التعليم بأنفسنا، وبشكل مشترك مع الجماعة.

هو لم يقدم أجوبة محددة لكن يحثنا للاستمرار في طرح أسئلة محسنة. لهذا، اذا كنت تربويا او أبا او ناشطا او فقط مهتما بالحياة عموما، فان عمل ديوي يحفزك لتتأمل عميقا وتعيش بحكمة، لأن الحياة المدروسة ليست هي الوجهة النهائية، انها ممارسة مستمرة. ديوي اعتقد ان كل واحد منا هو قادر وراغب أيضا للقيام بها.

***

حاتم حميد محسن

حين نتأمل المسار الطويل للفكر الغربي من لحظاته التأسيسية الأولى إلى تخومه المعاصرة، يتكشف لنا أن الفلسفة لم تكن يوما مجرّد نشاط تجريدي أو لعبة ذهنية مع المفاهيم، بل كانت على الدوام محاولة لبناء أفق كليّ يمنح العالم قابلية للفهم، ويمنح الوجود الإنساني معنىً يمكن العيش في ظله. من أفلاطون الذي أقام الحقيقة في عالم المثل بوصفه مرجعا أعلى لكل ما هو زائل، إلى أرسطو الذي نظم الكينونة في شبكة من العلل والغايات، إلى ديكارت الذي بحث عن يقين لا تهزّه الشكوك، وصولا إلى هيغل الذي رأى في التاريخ تجلّيا للعقل المطلق، كانت الفلسفة في جوهرها فنّ تشييد السرديات الكبرى التي تفسّر العالم وتمنحه بنية ومعنى.

لم يكن المعنى في هذه الرؤية ناتجا عن التجربة الفردية أو عن صدف التاريخ، بل كان يُستمد من نظام يتجاوز الأفراد والوقائع، ويمنحها شرعيتها الأنطولوجية. والإنسان  من حيث هو لا يخلق معنى من فراغ، بل يكتشفه داخل قصة كونية أكبر منه، يجد فيها موقعه ودلالته. كان الوجود قابلاً للفهم لأن له مرجعا، وكان التاريخ معقولا لأن له اتجاها، وكانت الذات ممكنة لأن لها مكانا في بنية كلية.

غير أن القرن العشرين بما حمله من كوارث وتحولات جذرية، سيقلب هذه الصورة رأسا على عقب. فالحربان العالميتان ومعسكرات الإبادة والقنبلة النووية والبيروقراطيات الشمولية، والتقنيات التي حوّلت الإنسان إلى عنصر في منظومة آلية، كل ذلك زعزع الثقة في السرديات التي وعدت بالتقدم والعقلانية والتحرر. ولم يعد التاريخ يبدو مسارا عقلانيا نحو غاية أخلاقية، بل سلسلة من الانقطاعات والكوارث. لقد صار من الممكن بل من الضروري، أن نشك في كل خطاب يزعم امتلاك المعنى الكلي.

وقد كتب فالتر بنيامين، وهو يتأمل صورة “ملاك التاريخ” لبول كلي، أن التقدّم ليس إلا عاصفة تدفع الملاك إلى الأمام بينما تتراكم الأنقاض خلفه. لم يعد المستقبل وعدا بالخلاص، بل استمرارا لدمار يتخذ أشكالا جديدة. التاريخ لم يعد روايةً عن تحقيق العقل لذاته، بل أرشيفا مفتوحا للخراب. وهنا بدأت الفلسفة تفقد ثقتها في دورها القديم بوصفها حارسة للمعنى، لتتحول تدريجيا إلى شاهدة على انكساره.

هذا التحول هو ما صاغه جان فرانسوا ليوتار في عبارته الشهيرة عن “نهاية السرديات الكبرى”. لم يكن يقصد بذلك مجرد أفول الميتافيزيقا أو انهيار الأيديولوجيات الشاملة، بل تغيّرا أعمق في علاقة الإنسان بالحقيقة نفسها. فالحقيقة لم تعد تُفهم بوصفها انكشافا داخل نظام كلي، بل بوصفها بناءً محليا مؤقتا متعدّدا. المعنى لم يعد يتدفّق من مركز، بل يتشظّى في هوامش لا يجمعها إطار واحد.

وهكذا يغدو الشكّ لا مرحلةً عابرة في طريق اليقين، بل بنيةً دائمة للفكر. حيث لا نعود نشكّ لكي نصل إلى حقيقةٍ أكثر رسوخا، بل لأن الحقيقة نفسها لم تعد تمتلك أساسا نهائيا. لقد أصبح اللايقين قدرا إبستمولوجيا وأنطولوجيا في آنٍ واحد.

لكن هذا الانعطاف لم يبدأ مع ما بعد الحداثة. فقد كان نيتشه قبل ذلك بقرن تقريبا، قد أعلن “موت الإله”، لا بوصفه واقعة دينية، بل كحدث أنطولوجي يطال بنية القيم والمعنى. إن موت الإله عند نيتشه يعني انهيار المرجع الأعلى الذي كانت تستند إليه الحقيقة والأخلاق والتاريخ. وفي غياب هذا المرجع بحسبه لا يعود المعنى معطًى، بل يصبح شيئا يجب ابتكاره. غير أن هذا الابتكار لا يتم في فراغ مطمئن، بل على حافة العدم.

العدمية في هذا الطرح ليست مجرد موقف فكري متشائم، بل تجربة تاريخية يعيشها الوعي حين يكتشف أن القيم التي كان يتكئ عليها فقدت قدرتها على الإلزام. لم يعد العالم “يثقل” بالقيم، بل صار خفيفا قابلا لكل تأويل. وهذا ما سيجد صداه لاحقا في فلسفات التأويل والتفكيك، التي أكدت أن المعنى لا يقيم في الأشياء أو النصوص، بل يتولد داخل شبكة من الاختلافات والعلاقات.

غير أن هذا التفكك المعرفي كان له بعد وجودي عميق. فالإنسان الحديث وقد تحرر من السلطات التقليدية، وجد نفسه في عالم بلا يقين نهائي. كيركغارد وصف هذا الوضع بـ”دوار الحرية”، حيث تصبح الإمكانات مفتوحة إلى حد يجعل الاختيار ذاته مصدرا للقلق. وهايدغر رأى أن القلق ليس عارضا نفسيا، بل المزاج الأساسي الذي يكشف حقيقة الوجود بوصفه انفتاحا دائما على العدم. في عالم فقد سرده الكلي، يصير الوجود نفسه سؤالا مفتوحا بلا جواب نهائي.

هنا تظهر المفارقة الكبرى للحداثة المتأخرة، فبينما تحرر الإنسان من أنظمة ميتافيزيقية مغلقة، وجد نفسه في فراغ دلالي يهدد بتفريغ التجربة من معناها.

لقد أشار هابرماس إلى أن العقل الذي حرر الإنسان من الأسطورة انقلب إلى عقل أداتي، يحوّل كل شيء إلى مورد قابل للاستغلال، بما في ذلك الإنسان نفسه. وهكذا بدل أن يؤدي تفكك السرديات الكبرى إلى تعددية خلاقة، فكثيرا ما أفضى إلى هيمنة منطق السوق والتقنية، حيث يصبح المعنى نفسه سلعة.

في هذا المشهد تبدو الفلسفة واقفة بين أنقاض عالمين، عالم اليقين الميتافيزيقي الذي انهار، وعالم اللايقين المعاصر الذي لم ينجح بعد في إنتاج أفق بديل. حيث لم تعد قادرة على تقديم “قصة كبرى” جديدة، لكنها ترفض في الوقت نفسه الاستسلام للعبث. التفلسف اليوم ليس بناء أنظمة، بل ممارسة نقدية داخل فضاء هشّ، حيث كل معنى قابل للانكسار.

من هنا يمكن فهم التفكيك كما عند دريدا، لا بوصفه تدميرا للمعنى، بل بوصفه إنصاتا للاختلافات التي يسكتها الخطاب المهيمن. المعنى لا يُلغى، بل يُكشف في هشاشته وتعدده. الحقيقة لا تُفهم بوصفها حضورا مكتملا، بل بوصفها أثرا يتأجل باستمرار. اليقين ليس إلا وهما ميتافيزيقيا. لكن هل يعني ذلك أننا محكومون بالضياع؟ أم أن اللايقين نفسه يمكن أن يكون شرطا لإمكان معنى مختلف؟ هنا تتقاطع الهرمنيوطيقا مع التفكيك. فغادامير يرى أن الفهم ليس امتلاكا للحقيقة، بل حوارا دائما معها. الحقيقة ليست شيئا نضع يدنا عليه، بل أفقا ينفتح كلما انخرطنا في تأويل العالم. اللايقين هنا ليس نقصا، بل شرط إمكان للتاريخ وللتجربة.

غير أن هذا الأفق يضع الإنسان أمام مسؤولية ثقيلة، أن يصنع معناه دون ضمانات ميتافيزيقية. سارتر عبّر عن هذا حين قال إن الإنسان “محكوم عليه بالحرية”. في عالم بلا سردية كبرى، يصبح كل فعل تأويلاً، وكل حياة مشروعا مفتوحا. وهذه الحرية على الرغم من طابعها التحرري، تحمل في داخلها قلقا وجوديا لا يمكن تبديده.

هذا القلق هو ما يفسر جزئيا عودة الأصوليات والهويات المغلقة في زمن اللايقين. إنها محاولات لاستعادة سرديات تمنح الهوية معنى ثابتا. لكنها غالبا ما تنقلب إلى عنف، لأنها تقوم على إنكار التعدد الذي كشفته الحداثة. وهكذا يعيد التاريخ إنتاج الصراع بين الرغبة في المعنى الكلي والخوف من اللايقين.

ولا تستطيع الفلسفة أن تعود ببساطة إلى يقينيات الماضي، ولا أن تكتفي بالاحتفاء بالاختلاف. إنها مطالبة بتطوير تفكير قادر على العيش داخل الهشاشة دون أن يحولها إلى عبث. وهذا ما يجعل سؤال المعنى اليوم سؤالا أخلاقيا بقدر ما هو أنطولوجي.

ليفيناس على سبيل المثال، رأى أن المعنى لا ينبع من نظام كلي، بل من علاقة الوجه بالوجه ومن المسؤولية تجاه الآخر. في عالم بلا مركز، يمكن للأخلاق أن تكون أحد مواقع إعادة بناء الدلالة، لا بوصفها قانونا صارما، بل بوصفها استجابة لنداء لا يمكن رده إلى بنية.

وهنا يلتقي التفكيك مع الأخلاق، فالهشاشة ليست ضعفا، بل شرطا للمسؤولية. ولو كان العالم محكوما بقوانين مطلقة، لما كان للالتزام معنى، لأنه سيكون مجرد امتثال. أما في عالم بلا يقين نهائي، فإن كل التزام هو مخاطرة، وكل قيمة اختيار. وهذا ما يمنح الفعل الإنساني ثقله الوجودي.

غير أن هذه الروايات الصغيرة التي ننسج بها حياتنا لا تعيش في فراغ، بل في عالم تهيمن عليه قوى اقتصادية وتقنية تعيد إنتاج اللامعنى بطرق جديدة. الرأسمالية المتأخرة لا تكتفي بتسليع الأشياء، بل تسلّع الذوات والرموز. وتحول البحث عن المعنى إلى استهلاك دائم للهويات والصور.

وتبرز ضرورة البعد النقدي للفلسفة. حيث أن النقد ليس ترفا نظريا، بل مقاومة لتفريغ العالم من دلالته. أدورنو كان يرى أن التفكير النقدي هو تفكير لا يطمئن إلى مفاهيمه، بل يعيد مساءلتها باستمرار. وفي عالم اللايقين، تصبح هذه السلبية النقدية إحدى طرق الحفاظ على إمكان الحقيقة.

لكن الفلسفة لا تستطيع أن تكتفي بالنقد وحده، لأن ذلك قد ينزلق إلى تشاؤم عقيم. ما نحتاجه هو أمل بلا يقين، أمل لا يستند إلى سردية خلاصية، بل إلى الإمكانات الكامنة في الواقع ذاته. كما قال إرنست بلوخ، حتى في عالم بلا ضمانات، يظل هناك فائض من الإمكان، شيء لم يُقل بعد ولم يُعش بعد.

هذا الفائض هو ما يجعل اللايقين ليس فقط علامة على الانهيار، بل أفقا للخلق. حين تنهار البنى المغلقة، تنفتح مساحات جديدة للتجربة. الفن المعاصر أدرك هذا مبكرا، حين حوّل تفتت العالم إلى مادة للإبداع.

يمكن أن نفهم الفلسفة اليوم بوصفها فنّ التوجيه داخل المتاهة. لا تمنحنا خريطة كاملة، لكنها تعلّمنا قراءة العلامات. ولا تقدم معنى نهائيا، لكنها تفتح فضاء للمعاني الممكنة. وكما قال ميرلو-بونتي، الفلسفة ليست امتلاكا للحقيقة، بل إقامة في سؤالها.

من هنا لا يكون انهيار السرديات الكبرى نهاية للمعنى، بل نهاية لوهم امتلاكه النهائي. لقد تحررنا من الاعتقاد بوجود قصة واحدة تحتوي العالم كله، لكن هذا التحرر وضعنا أمام مهمة أصعب: أن نعيش بلا ضمانات، وأن نخلق معنى دون أن نحوله إلى صنم.

في هذا التوتر تستمر الفلسفة في دورها الإشكالي. ليست واعدة بالطمأنينة، بل تمرينا على اليقظة. وكما قال نيتشه، من يملك “لماذا” يعيش من أجله يستطيع أن يتحمل أي “كيف”، لكن في عالمنا لم يعد هذا “اللماذا” معطى، بل صار مهمة.

ومن المعنى إلى اللايقين لا نسير نحو الفراغ، بل نحو أفق جديد من التفكير، حيث لا يُقاس عمق الفلسفة بقدرتها على بناء أنظمة مغلقة، بل بقدرتها على مرافقة الإنسان في تيهه، دون أن تسلبه شجاعة السؤال.

ويتضح جليا أن الفلسفة في زمن التيه لم تعد مطالبة بأن تقدّم للعالم صورة مطمئنة عن ذاته، ولا أن تعيد الوجود إلى نظام مكتمل يبدّد قلقه، بل أن تُنصت إلى هذا القلق نفسه بوصفه أحد أشكال الحقيقة. فاللايقين لم يعد عرضا عابرا يمكن تجاوزه بالعودة إلى يقينيات قديمة، ولا خللا يحتاج إلى علاج بسرديات جديدة، بل صار البنية التي يتحرك داخلها الفكر بعدما فقد العالم براءته الميتافيزيقية. ولا يعود السؤال عن المعنى بحثا عن أساس ثابت، بل انفتاحا على ما يتكوّن في التجربة الحيّة في اللغة، وفي العلاقة مع الآخر.

وحين تتخلى الفلسفة عن وهم الامتلاك، لا تفقد قيمتها، بل تستعيد تواضعها الخلاق. فهي لا تعد بالخلاص، لكنها تمنح الإنسان قدرة أعمق على السكن في هشاشته دون أن يذوب فيها. أن نفكر اليوم هو أن نقيم في التوتر بين حاجتنا إلى المعنى واستحالة تثبيته، بين توقنا إلى اليقين وضرورة الشك. وفي هذا التوتر لا يولد العبث، بل تولد إمكانات جديدة للفهم، إمكانات لا تزعم الكمال، لكنها تحفظ للوجود كثافته وللتجربة معناها، وللسؤال حقه في أن يظل مفتوحا.

***

د. حمزة مولخنيف

في العالم العربي المعاصر.. تحليل سوسيولوجي لمقولة طه حسين

” إلى الذين لا يعملون، ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس “ (الأديب والناقد طه حسين في إهداء كتاب: مع أبي العلاء في سجنه، مؤسسة هنداوي، ط2، 2014).

”  إن مراقبة الأفراد الذين لا يعملون لغيرهم وهم يعملون تولد لديهم إحساساً بالنقص، لا لأن العمل في ذاته مؤذٍ، بل لأنه يذكرهم بعجزهم وضعفهم عن بلوغ ما حققه الآخرون “ (الكاتب).

ليست مشكلة العمل في المجتمعات العربية المعاصرة كامنة في ندرته وحدها، بل في المعنى الاجتماعي الذي أفرغ منه، وفي الموقع الرمزي الذي دُفع إليه العامل داخل سلم القيم العامة. ففي سياق تتقدم فيه الامتيازات غير المستحقة، ويعلو فيه صوت اللا منجز على حساب الفاعل، تصبح مقولة عميد الأدب العربي طه حسين: " إلى الذين لا يعملون، ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس " أشبه بأداة نقدية تكشف اختلالاً بنيوياً عميقاً في العلاقة بين العمل والاعتراف الاجتماعي. إنها ليست دهشة أخلاقية بقدر ما هي مساءلة صريحة لثقافة تعاقب الإنتاج وتكافئ العطالة، وتعيد إنتاج اللا مساواة عبر آليات رمزية ناعمة تجعل من العمل فعلاً مهمشاً، ومن العامل موضوعاً للتقليل لا للتقدير. ومن هذا المنطلق، تندرج هذه المقولة ضمن أفق سوسيولوجي نقدي يسعى إلى تفكيك أنماط الوعي السائدة، وفهم كيف تحول العمل من قيمة مؤسسة للكرامة والاندماج الاجتماعي إلى عبء فاقد للمعنى في كثير من التجارب العربية الراهنة.

- قيم العمل من منظور الوعي الجمعي العربي المعاصر: تُعرف قيم العمل سوسيولوجياً بوصفها منظومة المعاني والمعايير والتمثلات الرمزية التي يطورها المجتمع حول العمل، وتحدد مكانته الأخلاقية والاجتماعية، ومعايير تقديره، وعلاقته بالاستحقاق والكرامة والاعتراف الاجتماعي. فالقيمة هنا لا تنبع من العمل كجهد مادي أو نشاط اقتصادي فحسب، بل من كونه فعلاً اجتماعياً يقاس بمدى إسهامه في الصالح العام، وبما يمنحه للفرد من هوية ومكانة وانتماء.

وفي الوعي الجمعي العربي المعاصر، تتسم قيم العمل بطابع ملتبس ومزدوج، إذ تُعلن قيمة العمل خطابياً في التعليم والدين والإعلام بوصفه فضيلة أخلاقية وضرورة اجتماعية، بينما يُفرّغ عملياً من مكانته الرمزية في الحياة اليومية. هذا الانفصال بين الخطاب والممارسة يعكس تحولاً عميقاً في بنية الوعي الاجتماعي، حيث لم يعد العمل شرطاً أساسياً للاعتراف أو للترقي الاجتماعي، بقدر ما أصبحت عوامل أخرى كالقرابة، والوساطة، والانتماء الطبقي والمذهبي، والإيديولوجي (السياسي) تلعب الدور الحاسم في تحديد الموقع الاجتماعي.

ويظهر موقف الأفراد من قيم العمل في هذا السياق متأرجحاً بين التقدير المبدئي والنفور العملي. فكثير من الأفراد، ولا سيما الشباب، لا يرفضون العمل من حيث المبدأ، بل يرفضون المعنى الاجتماعي الذي أُلصق به عمل بلا أفق، وبلا عدالة، وبلا اعتراف. ومن ثم يتحول العمل من فضاء لتحقيق الذات إلى تجربة اغتراب، حيث ينظر إليه كوسيلة اضطرارية للعيش لا كقيمة مؤسسة للكرامة أو المشاركة الاجتماعية.

كما أسهمت التحولات الاقتصادية والسياسية في ترسيخ نمط من الوعي يرى في العمل المنتج مخاطرة غير مضمونة العائد، مقابل البحث عن أشكال " أكثر أمناً " من الدخل أو المكانة، حتى وإن كانت غير منتجة. وبهذا المعنى، فإن ضعف قيم العمل في الوعي الجمعي لا يعود إلى خلل أخلاقي فردي، بل إلى بنية اجتماعية تعيد إنتاج اللا مكافأة وانعدام العدالة الرمزية.

وعليه، يمكن القول إن الوعي الجمعي العربي المعاصر يعيش أزمة في قيم العمل لا غياباً لها، أزمة تتجلى في فقدان الثقة في العلاقة بين الجهد والاستحقاق، وبين العمل والاعتراف الاجتماعي. واستعادة قيم العمل لا تمر عبر الوعظ أو الخطاب الأخلاقي، بل عبر إعادة بناء الشروط الاجتماعية والمؤسساتية التي تجعل من العمل مساراً معقولاً للاندماج، ومن العامل فاعلاً معترفاً به داخل الجماعة الاجتماعية.

ونجد في هذا السياق أن العامل لا يُقصى عبر الحرمان القانوني أو القسري، بل من خلال نزع الشرعية الرمزية عن جهده. فالسخرية من بعض المهن، أو التقليل من شأنها في الخطاب اليومي والإعلامي، أو ربطها بالفشل الاجتماعي، يشكل نمطاً من الإقصاء الناعم الذي يجعل العامل نفسه، في كثير من الأحيان، يتبنى هذه النظرة الدونية ويمارسها على ذاته. هنا يتحول العنف الرمزي إلى عنف داخلي، يُعاد إنتاجه تلقائياً دون حاجة إلى قهر خارجي.

وتتجلى خطورة هذا النمط من العنف في كونه يخلق انفصاماً حاداً بين الحاجة الموضوعية والقيمة الرمزية. فالمهن الضرورية لاستمرار الحياة الاجتماعية كالأعمال اليدوية، والخدمات الأساسية، والحرف تشكل العمود الفقري للاقتصاد الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه تقصى من فضاء التقدير الاجتماعي. هذا التناقض لا يعكس خللاً فردياً في الذوق أو الأخلاق، بل خللاً بنيوياً في منظومة التصنيف الاجتماعي التي تضع " الهيبة " و" المكانة " فوق المنفعة الاجتماعية الفعلية.

ومن منظور سوسيولوجيا الثقافة، يمكن فهم هذا الاحتقار الرمزي للعمل بوصفه نتاجاً لتاريخ طويل من التراتبية الطبقية والرمزية، حيث ارتبط العمل اليدوي أو الخدمي بالضرورة أو القهر، لا بالاختيار أو الكفاءة. ومع التحولات الحديثة، لم تُفكك هذه البنية، بل أعيد إنتاجها بأشكال جديدة، عبر التعليم، والإعلام، واللغة اليومية، ما جعل الوعي الجمعي يستبطن تصنيفات غير عادلة للعمل دون مساءلتها.

كما أن هذا العنف الرمزي يسهم في تعميق الاغتراب الاجتماعي، إذ يفقد العامل الشعور بأن عمله معترف به اجتماعياً، فينشأ توتر بين الوظيفة الاقتصادية للعمل ووظيفته الرمزية. وبدلاً من أن يكون العمل مصدراً للاندماج الاجتماعي وبناء الهوية، يتحول إلى مجال للإحباط والانسحاب، وهو ما ينعكس سلباً على الإنتاجية، وعلى علاقة الفرد بالمجتمع والدولة.

وعليه، فإن قراءة مقولة طه حسين في ضوء العنف الرمزي تكشف أنها لا تنتقد مجرد موقف أخلاقي تجاه العمل، بل تفضح آلية اجتماعية عميقة تنتج احتقار العمل عبر المعنى لا عبر القوة. ومن هنا، فإن تجاوز هذا الخلل لا يقتضي فقط تحسين شروط العمل المادية، بل يتطلب إعادة بناء الوعي الجمعي حول القيمة الاجتماعية للعمل، وتفكيك التصنيفات الرمزية التي تجعل من الضروري محتقراً، ومن غير المنتج محل إعجاب وامتياز.

ويمكن لنا تعميق هذه الفكرة سوسيولوجياً من خلال ربط إساءة المجتمع إلى العامل بمفهوم الاغتراب الاجتماعي بوصفه نتيجة بنيوية لاختلال علاقة الفرد بالفعل الاجتماعي ذي المعنى. فالاغتراب هنا لا يقتصر على انفصال العامل عن نتاج عمله، بل يمتد إلى انفصاله عن الدلالة الرمزية للعمل نفسه، حين يفقد هذا الأخير وظيفته بوصفه مصدراً للاعتراف والاندماج والكرامة.

وعندما لا يعترف المجتمع بقيمة العمل، يتحول الفعل المنتج إلى ممارسة بلا أفق رمزي، أي إلى جهد يستهلك اقتصادياً دون أن يقدر اجتماعياً. في هذه الحالة، لا يشعر العامل بأنه فاعل داخل الواقع الاجتماعي، بل مجرد أداة وظيفية قابلة للاستبدال. وهذا ما يجعل الاغتراب ليس تجربة نفسية فردية، بل حالة اجتماعية عامة تنتجها بنية قيمية تفرغ العمل من معناه الأخلاقي والوجودي.

وهنا تتقاطع مقولة طه حسين هنا مع سؤال فقدان المعنى في الفعل الاجتماعي، حيث لا يعود العمل وسيلة لتحقيق الذات أو لبناء الهوية، بل عبئاً ضرورياً للبقاء فقط. هذا التحول يضرب في العمق أحد الشروط الأساسية للاستقرار الاجتماعي، لأن المجتمعات لا تقوم على العمل بوصفه نشاطاً مادياً فحسب، بل على الإحساس الجمعي بأن الجهد له قيمة، وأن الفعل الفردي يجد صداه في الاعتراف الاجتماعي.

كما يمكننا فهم ضعف المبادرة الفردية بوصفه نتيجة منطقية لاختلال العلاقة بين الجهد والمكافأة الرمزية. فحين يدرك الأفراد أن الاجتهاد لا يقود إلى التقدير، وأن التميز لا يضمن الاعتراف، تتآكل الدوافع الداخلية، ويحل محلها سلوك حذر أو انسحابي، يقوم على الحد الأدنى من الامتثال بدل الإبداع والمبادرة.

وتفسر لنا هذه البنية الاغترابية ظاهرة هجرة الكفاءات العلمية، لا باعتبارها بحثاً عن دخل أفضل فقط، بل بحثاً عن فضاء اجتماعي يعيد وصل العمل بالمعنى، والجهد بالكرامة، والإنجاز بالاعتراف. فالهجرة، في هذا المعنى، هي هروب من اغتراب رمزي بقدر ما هي انتقال اقتصادي. أما انتشار اللامبالاة، فيمثل المرحلة الأكثر خطورة، حيث يتوقف الفرد عن الاستثمار الرمزي في المجتمع ذاته، بعدما فقد ثقته في عدالة منظومته القيمية.

وعليه، فإن إساءة المجتمع إلى العامل لا تنتج ظلماً آنياً فحسب، بل تراكم أزمة معنى طويلة الأمد، تهدد أسس الفعل الاجتماعي ذاته. ومن هنا، فإن استعادة قيمة العمل ليست مسألة تحسين شروطه المادية فقط، بل إعادة تأسيس أفق المعنى الذي يجعل من العمل فعلاً معترفاً به، ومن العامل ذاتاً اجتماعية مكتملة الانتماء.

خلاصة القول، تأخذ مقولة طه حسين في المجتمعات العربية المعاصرة بعدها النقدي عبر وضعها في سياق التحولات البنيوية التي مست أنماط الإنتاج، وسوق العمل، ومنظومة القيم الاجتماعية. فالمقولة لا تكتسب راهنيتها فقط لأنها تصف ظاهرة قائمة، بل لأنها تكشف منطقاً ثقافياً ما يزال فاعلاً في إعادة إنتاج الأزمة.

وبرأي تتجلى هذه الراهنية أولاً في البطالة البنيوية التي لم تعد ظاهرة ظرفية أو مرتبطة بدورات اقتصادية عابرة، بل نتيجة لاختلال عميق بين أنظمة التعليم، وبنية الاقتصاد، وآليات الإدماج الاجتماعي. ففي هذا السياق، لا يُقصى الأفراد عن العمل وحسب، بل يقصون عن المعنى الاجتماعي للعمل ذاته، حيث يصبح العاطل عن العمل ضحية مزدوجة (حرمان مادي، ونزع اعتراف رمزي).

كما يواكب ذلك تضخم القطاعات غير المنتجة التي تعيد تدوير الموارد دون خلق قيمة اجتماعية مضافة، وتمنح في المقابل مكانة رمزية مرتفعة لمن يشغلون مواقعها. هذا الوضع يعمق المفارقة التي أشار إليها طه حسين، حيث يُساء إلى من يعمل فعلاً، بينما يكافأ من لا يساهم إنتاجياً. وهنا تتحول المقولة إلى توصيف دقيق لعلاقة مختلّة بين العمل والقيمة داخل البناء الاجتماعي العربي.

وتبرز راهنية المقولة أيضاً في تراجع المكانة الاجتماعية للمعرفة والعمل المهني، حيث لم يعد التخصص أو الإتقان شرطاً للترقي الاجتماعي، بقدر ما أصبحت الشبكات الاجتماعية، والولاءات، والقدرة على التكيف مع منطق رأس المال الاجتماعي الزبائني عوامل حاسمة. هذا التحول لا يفرغ العمل من قيمته الأخلاقية فقط، بل يجرده من بعده السياسي بوصفه أساساً للمواطنة الفاعلة والمشاركة الاجتماعية.

بذلك، لم يعد الإشكال الأساسي هو نقص فرص العمل فحسب، بل تشويه المعنى الاجتماعي للعمل، أي فقدان الثقة في العلاقة بين الجهد والاستحقاق، وبين الكفاءة والاعتراف. وحين يختزل العمل إلى وظيفة بلا كرامة، أو إلى ضرورة بيولوجية للبقاء، تتآكل قدرته على إنتاج الانتماء والمعنى، ويتحول إلى عبء فردي لا مشروعاً جماعياً.

وهكذا يظل نقد طه حسين صالحاً بوصفه نقداً لبنية ثقافية عميقة، لا لظرف تاريخي عابر. فهو يفضح آلية اجتماعية تجعل من العمل فعلاً مفرغاً من قيمته الأخلاقية والسياسية، وتعيد إنتاج مجتمع يكافئ العطالة الرمزية أكثر مما يكافئ الفعل المنتج. ولذلك، فإن استعادة راهنية المقولة اليوم لا تعني استدعاء الماضي، بل مساءلة الحاضر، وفتح أفق نقدي لإعادة بناء العلاقة بين العمل، والمعنى، والاعتراف الاجتماعي في المجتمعات العربية المعاصرة.

وفي النهاية، ليست مقولة طه حسين حكماً أخلاقياً عابراً، بل تشخيصاً سوسيولوجياً مبكراً لأزمة الاعتراف في المجتمع العربي. فمجتمع يسيء إلى العامل هو مجتمع يسيء إلى ذاته، لأنه يفكك الرابط بين الجهد والقيمة، وبين المسؤولية والاستحقاق. والخروج من هذا المأزق لا يكون بتمجيد العمل خطابياً، بل بإعادة بناء الشروط الاجتماعية والرمزية التي تجعل من العمل أساساً للكرامة، ومن العامل فاعلاً مركزياً في إنتاج المعنى الاجتماعي.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

قراءة في تصور الزواوي بغُورة

في قلب عالم متغير وسريع الإيقاع، حيث تتقاطع الأزمات وتتلاحق التحولات، يجد الإنسان نفسه أمام سؤال جوهري: كيف يفهم مكانه في المجتمع، وكيف يعيد ترتيب قيمه وسلوكياته في مواجهة ما يفرضه الواقع من ضغوط وتقلبات؟ ففي خضم التحولات العالمية المتسارعة، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والصحية والثقافية، يواجه الإنسان اليوم تحديًا معرفيًا وأخلاقيًا لاستيعاب معاني وجوده الاجتماعي وإعادة قراءة قيمه وسلوكياته. فقد أفرز الواقع المعاصر، سواء في العالم الغربي أو العربي، تغيّرات جذرية زعزعت استقرار المجتمعات وأثرت في وعي الأفراد، خاصة بعد الصدمة المفاجئة للجائحة ومآلاتها فيما بعد على السياسات الحيوية والصحية، فلا يمكن إنكار أن العالم اليوم يعيش سياسة حيوية، حيث أصبحت القوة لا تُقاس بالقدرة العسكرية أو الاقتصادية وحدها، بل بمدى التحكم في الحياة نفسها، في جسد الإنسان، وفي صحته، وفي إمكاناته البيولوجية والمعرفية. فالتقنية والبيوتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لم تعد أدوات محايدة، بل وسائل ممارسة السلطة على الحياة، تتداخل فيها المعرفة بالقوة، والفعل بالسيطرة، لتفرض على الإنسان شروط وجوده، وتعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والعالم. وهكذا تحولت السياسة من إدارة الأحداث إلى إدارة الحياة ذاتها، مع ما يترتب على ذلك من أسئلة أخلاقية، وجودية، وفلسفية حول حرية الإنسان، وهويته، ومصيره في عالم يهيمن عليه البُعد الحيوي للسلطة. الأمر الذي فتح المجال لنقاش فلسفي وسوسيولوجي حول القيم، والممارسات، والمآلات الاجتماعية. ومن هنا نشأت الفلسفة الاجتماعية، التي حللها الباحث الجزائري "الزواوي بغورة"، مقدّمًا قراءة متكاملة للعلاقة بين الإنسان والمجتمع والتغير التاريخي، مندمجة بين المبادئ الفلسفية والوقائع الاجتماعية.

لقد أدت الأزمات الراهنة، على اختلاف أشكالها، إلى اهتزاز العديد من القيم الكونية والإنسانية، وجعلت الإنسان يعيش حالة من الهشاشة والخوف من المستقبل. فالثورة التقنية والبيوتكنولوجية أعادت تشكيل المبادئ التي كانت تُنظّم علاقة الإنسان بعالمه وجسده، وجعلت الوصول إلى كنه الإنسان ممكنًا عبر الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي، بما فيه من تراكيب دقيقة ومبرمجة، في مسعى لإنشاء إنسان جديد أقوى وأكثر اختلافًا. غير أن هذه الثورة لم تأتِ دون ثمن؛ إذ انقلبت سلبًا على الإنسان، وجردته من كثير من قيمه وهوياته، وأغرقته في اغتراب عن ذاته، في ظل هيمنة البُعد الاستهلاكي المادي الذي سيطر على حياته وأصبح معيارًا للعالم.

ومع استمرار هذه التحولات، شهد العالم في السنوات الأخيرة حروبًا بيولوجية وانتشار فيروسات مدمرة، كان أبرزها فيروس كوفيد، الذي قلب موازين القيم وفرض قيودًا جديدة على الحياة اليومية، وجعل الإنسان في حيرة من أمره بين طبيعة هذه الأزمات: هل هي نتيجة تلاعب مخبري، أم مجرد تقلبات طبيعية للحياة؟ لقد أصبح العالم ملعبًا للتلاعبات، بينما يبقى الإنسان الضحية الأولى لتشابك هذه القوى، في مواجهة واقع يعيد تعريف مكانته في الحياة والوجود.

في ظل تلك الانتهاكات التي أثرت على الكثير من الجوانب، حتى لا نقول معظم، لاسيما القيم العالمية الاجتماعية والسياسية، من قبيل النظام العالمي برمته، والسياسات الصحية والطبية، والمحيط البيئي والطبيعي للإنسان، اذ أن كل هذه الأحداث أترث في العالم بمختلف توجهاته وميادينه.

ان البحث في الخط الجامع لهذه الظواهر التي أصابت الواقع الاجتماعي للإنسان هو ضرب من السؤال عن مصيره، فمن الإنساني والأخلاقي أن يهتم المفكرون بطبيعة الانسان المفككة والممزقة ضمن الواقع الهش الذي صرنا نٌعايشه اليوم، خاصة إثر وجود وسائل قمعية تحطم الانسان كليا وتحرمه من العيش بكرامة، وفي ظروف مستقرة، وانما صار يعيش الاضطراب واللااستقرار. اثر هذه الظروف شخص المفكر الجزائري "زواوي بغورة" اختلالات الراهن الفلسفي والاجتماعي ضمن ميدان يٌسمى بالفلسفة الاجتماعية، هذا الميدان الذي فرضت وجوده تأزمات الواقع اليومي، ليطلعنا بذلك عن التغيرات التي مست الواقع الاجتماعي من أمراض وأحداث وظواهر، وسياسات حيوية أصابت العالم، وأثرها على الإنسان وعلاقاته، خاصة وأن السياسة الحيوية عرفت تداولا كبير في مجال السياسة والفلسفة وعلم الاجتماع، لترتبط بنسق فلسفي أكثر مع المفكر الزواوي بغورة خاصة في دراسته الأخيرة الموسومة ب" الفلسفة الاجتماعية" المُحللة لحالة التجمعات الإنسانية المعاصرة، وكل ما يرافقها من اجتماع وشعبوية وعنصرية وعدالة وغيرها، ويعرض لنا المفكر الجزائري الزواوي بغورة نقاش فلسفي اجتماعي حول الراهن الذي تغير بسبب أزمات القرن الواحد والعشرين، خاصة مما خلفه وباء الكوفيد، من تحولات في النظام الدولي والعنصرية والعدالة وغيرها، وهو ما عبر عنه داخل إطار الفلسفة الاجتماعية.

1- مفهوم الفلسفة الاجتماعية حسب بغورة:

يمكننا القول أن مفهوم الفلسفة الاجتماعية يتحدد بالاجتهادات النظرية التي قدمتها مدرسة فرانكفورت أو النظرية النقدية ضمن سياق الفلسفة الألمانية المُعاصرة، وتحوله الى عنصر أساسي ضمن عناصر أخرى لا تقل أهمية من حيث الاسهام النظري والمنهجي، ولا سيما في الاتجاه البراغماتي، وفي بعض تيارات الفلسفة الفرنسية المعاصرة1. اذن تأسست الفلسفة الاجتماعية مع رواد مدرسة فرانكفورت، أو المدرسة النقدية، الألمان، الذين عملوا على نقد الواقع الاجتماعي من العُمق، كون أن هذا الأخير أصبح جد مُستهلك وذو بعد تقني واحد، وفاقد للمُعطى الروحي. واذا كانت الفلسفة الاجتماعية معنية بالمسألة الاجتماعية، فإنها تختلف عن علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية على وجه العموم، وذلك لأن من مهامها تجاوز الثنائية بين علم الاجتماع والفلسفة السياسية، وتحليل العلاقة الجدلية بين النظريات وبين الممارسات، واذا كان علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية عموما تتميز بجانبها التقني والتجريبي، فان الفلسفة الاجتماعية تتميز بمقاربتها الأخلاقية للمسألة الاجتماعية، وعلى رأس هذه المقاربة العدل في علاقته بأشكال الظلم، سواء تعلق الأمر بالأفراد أم بالجماعات أم بالمؤسسات.2 ولا تكتفي الفلسفة الاجتماعية بالتحليلات النظرية والسياسية للواقع كما هو كائن في علم الاجتماع والسياسة، وانما تتعدى التحليل الى المساءلة الأخلاقية لما هو موجود في الواقع من قبيل، العدل والظلم والخير والشر، لأجل النظر في سلوكيات المجتمعات على اختلافه، لأن القيم ضرورية لأجل تحقيق التعايش الكريم بين مختلف عناصر المجتمع.

وما يُميز الفلسفة الاجتماعية عن بقية المجالات الأخرى هو اهتمامها بالصراعات الاجتماعية، وبخاصة صراع الفئات المهمشة والمقصية والمستبعدة، ومختلف الجماعات التي تعتبر قاصرة وتابعة، وتبحث عن حياة اجتماعية كريمة، من هنا تحتل المسألة الاجتماعية أو العلاقات الاجتماعية مكانة واضحة في هذا المجال الفلسفي الجديد، وذلك من منظور نقدي معني بالأشكال المختلفة للهيمنة أو السيطرة. كما تعتمد الفلسفة الاجتماعية على التحليل النقدي للمجتمع، عبر تحليل ما يكون في فئاته خاصة المستبعدة والمهمشة، خاصة فيما يخص الهيمنة والسيطرة الاجتماعية، والأزمات الواردة في ذلك، ومصير العلاقات الاجتماعية، ونقد كل التدخلات الواردة، من صراعات ونقاشات وتساؤلات واردة فيما يخص العلاقات الاجتماعية في حيزها النقدي لأجل ضبط "التحرر العقلاني والتفكير بكل استقلالية من خلال ادراج النقد كسمة أساسية في التفكير"3. ففعل النقد يبرز طبيعة

ان العلاج الفلسفي المقصود من الفلسفة الاجتماعية يعني خلق شروط تعاون بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية يعني خلق شروط تعاون بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية حول العمل، على أن نربط العمل نفسه بمسألتين أساسيتين: الأول التحرر في مقابل الهيمنة، والثانية تحقيق الحياة السعيدة أو الخيرة أو الطيبة أو الكريمة في مقابل الحياة البائسة أو الشقية أو الخيرة أو الهشة أو الذليلة، والنظر في مقولة العمل ليس على أنها تعبير عن ظاهرة اجتماعية واقتصادية فحسب، وانما بوصفها، كما قال هاربرت ماركيوز مقولة وجودية تحدد كينونة الوجود الإنساني، بما هو وجود تاريخي، وبذلك يدخل العمل ضمن مقولة عامة وأساسية في الفلسفة الاجتماعية وهي مقولة براكسيس، والممارسة الاجتماعية على وجه التحديد لأنه لا وجود لمجتمع من دون العمل.4 اذن ترتكز الفلسفة الاجتماعية على العمل وعلاقاته، ودور فلسفة البراكسيس في تجسيد القيم الخيرة والابتعاد عن القيم التي تعيق الانسان في العيش في حياة كريمة، خاصة بالبعد عن العمل اليافع، وبالتالي تُمكن الفلسفة الاجتماعية من خلق ظروف مناسبة في العمل التحرري البعيد عن الهيمنة، لأجل تحقيق السعادة، باعتبارها قيمة اجتماعية تجعل الانسان يعيش حياة كريمة بالاعتماد على قيم الحرية والمسؤولية والتضامن الاجتماعي.

2- الفلسفة الاجتماعية في مقاربة السياسة الحيوية:

ضمن مشروعه الفكري المتكوّن من مجالات عدة تشتمل على فلسفة اللغة، وفلسفة العلوم، والفلسفة السياسية والاجتماعية، صدر أخيراً كتاب «السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية» (دار سؤال ـــ بيروت) للباحث الجزائري الزواوي بغورة، أستاذ الفلسفة المعاصرة في «جامعة الكويت». يعدّ الكتاب بمثابة تطوير وتعميق لقراءاته في فلسفة ميشال فوكو، ومحاولة لتطبيقها على مجموعة من القضايا الفكرية والأحداث التاريخية، أبرزها ما شهدته البشرية بين عامَي 2019 و2022 من جائحة كورونا، وتوظيف مفهوم السياسة الحيوية في دراستها. مفهوم قديم نسبيّاً، استُخدم في وصف الممارسات والآليات التي اتخذتها السلطة في منتصف القرن الثامن عشر لإحكام السيطرة على جسد الأفراد، وعلى الحياة بصفة عامة، من خلال التدُخّل في حياة السُكان، ومُراقبة معدَّل الولادات والوفيات، ووصف الأوبئة وتحدياتها5.

اذن تهتم السياسة الحيوية في مجملها بعلاقة السياسة بالتحكم في الفرد والمجتمع، عبر التحكم في الجسد، والتحكم في بيولوجية الانسان، وفي مجاله الحيوي، عبر مختلف التقنيات الرقابية والأمنية، لأن احكام القبضة على السُكان يٌشكل هدف أساسي للسياسة.

اذن في الفلسفة الاجتماعية، تتمحور السياسة الحيوية اذ يرى بغورة أن هناك انفجار خطابي كبير لهذا المفهوم الذي رأى النور في هذه السنوات القليلة، وانتشر مع انتشار الجائحة الذي أكدت على ضرورة قراءة الراهن قراءة سوسيولوجية وتحليلية ونقدية، وتلك هي مهام السياسة الحيوية، وبالتالي تأسيس فلسفة حيوية تُعنى بالأمراض الاجتماعية، لأن معظم الكوارث أصبحت عالمية، ولا بد للمجتمع العربي الانفتاح على كل التطورات لأنه هو الآخر معرض للخطر.

تتميز السياسة الحيوية التي تهدف الى ضمان وتعزيز صحة السُكان أو الجسد الاجتماعي، وتظهر في 4 أشكال:

- مراقبة ظاهرة الانجاب، والأعمار والوفيات وتنظيم السكان.

- الاهتمام الصحي والطبي بمختلف الأمراض وبخاصة تلك التي تتحول الى وباء أو جائحة تقضي على حياة الأفراد والجماعات، وما تسببه من كوارث اجتماعية وكلفة اقتصادية، وما يتطلب ذلك من إقامة أنظمة تسيير صحية لمختلف القوى الاجتماعية، وتفعيل القوى الاقتصادية.

- مراقبة الأحداث والظواهر التي تصيب الأفراد كحوادث المرور والعمل والشيخوخة والتشوهات والاعاقات، ومختلف أشكال العاهات والعجز، وما تحتاجه هذه الحوادث من مؤسسات اجتماعية واقتصادية خاصة بالتأمين والضمان الصحي.

- تمارس السياسة الحيوية على مستويين الفردي والاجتماعي معا، وذلك نتيجة تطبيق آليات على جسد الفرد والنوع المتمثل في السكان6. اذن تهتم السياسة الحيوية بالمجالات التي تخص المرض والعجز أي تهتم بالمعنى السلبي والايجابي ولا تكتفي بمعنى واحد يرتبط بالرفاهية بل تتبع الفرد حتى في أقصى انفعالاته وفي مرضه، فمن الناحية الإيجابية تهتم بتوفير الراحة والحرص على النقاء البيولوجي وتحارب المرض وتوفر الرفاهية اللازمة للحفاظ على الصحة، وفي الجانب السلبي تحارب السياسة كل المعيقات التي تقف في وجه الفرد كالأمراض المعدية وبالتالي تحاول السيطرة عليها والحفاظ على صحة السكان ومراقبة العمال لتفادي الحوادث التي تقع أثناء العمل، وحتى ان وقعت فستهتم السياسة الحيوية بتعويض الشخص المضرور وتقديم العلاج الخاص به وكذلك توفر له وقتا من الراحة من أجل استعادة صحته وعافيته، وبذلك تكون هذه السلطة منخرطة في جميع الجوانب الحياتية المرتبطة بالجانب البيولوجي دون استثناء، وعلى جميع الأصعدة وعلى كافة المستويات سواء تعلق الامر بالفرد وحده أو بحياة الجماعة والسكان، ذلك العنصر المهم في السلطة الحيوية والذي تهتم به في محور مجالاتها إضافة الى توفير الأمن داخل الإقليم الذي تديره حكومة ما، لأن أمن السكان شيء ضروري لضمان رضا السكان وبالتالي بسط السيطرة عليهم، كما أنه ضروري للسياسة التي تعمل بجد داخل وسط هادئ لا تعتريه المخاوف الناجمة عن التدخلات الخارجية أو تمرد السكان وقيام الفوضى.

3- الجائحة من منظور الفلسفة الاجتماعية:

من أجل التأكيد على الطابع الاجتماعي للسياسة الحيوية، يرى بغورة أنه اقترح مبحث الفلسفة الاجتماعية بوصفه تعبيرا عن وحدة الاستعمالات المختلفة للسياسة الحيوية خاصة من خلال حضور عنصر التاريخ، أي التجارب التاريخية والاجتماعية والسياسية، وكذلك دراسة التجارب الاجتماعية والسياسية، ولانتحدث عن الدولة والأمن والحرية بشكل مطلق وانما من خلال التجارب التاريخية.7 كون الفلسفة الاجتماعية تهتم بالأحداث التي تدور في المجتمع والوقائع التاريخية التي تخلف أثرا للإنسان وللمحيط الاجتماعي ككل، هذا ما يجعلها على صلة وثيقة بالسياسة الحيوية، لأن هذه الأخيرة حسب بغورة تشتغل مع معطيات الراهن ومتغيرات العصر، المتعلقة بالحياة ككل وكذلك بالجانب البيولوجي للإنسان، مثل ما حدث في الراهن مع انتشار الجائحة، كما أن الموضوعات المدروسة في هذا الحقل لا تعبر عن الجانب النظري المحض من قبيل دراسة المفاهيم في بعدها الاصطلاحي والكرونولوجي، بل بدراستها من خلال ميدانها التطبيقي والنسبي، كأن نتحدث عن استراتيجيات الدولة الحالية في مكافحة المرض وعن السياسات الصحية المتبعة، وأن لا نقول أن الدولة هي كذا ومهامها تكمن في توزيع المهام وفقط، وأن الأمن هو وحدة مراقبة، وعرض المفاهيم النظرية كما تفعل الفلسفة السياسية الكلاسيكية الموغلة في المطلقيات، بل الأمر يتعدى الجانب النظري الى مفاهيم تطبيقية عملية حيوية، عبر التجارب التاريخية التي نحاول استنطاقها وابراز أهم جوانبها مع محاولة تشخيص تتبعها حلول توعوية، وبذلك تتأسس الفلسفة الاجتماعية من خلال مشاركتها في الراهن الذي تستقي مشكلاتها منه.

وباء الكوفيد 19 أصبح يفرض اكراهاته على العالم الذي يحاول بوسائل شتى الحد من أضراره وأخطاره معتمدا على جملة من المعارف الطبية والبيولوجية والكيميائية وسلسلة من الآليات والتقنيات الرقابية والأمنية، والاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجد في مفهوم السياسة الحيوية تعبيرها الحقيقي.8 اذن فان فيروس كورونا من أحدث الأوبئة التي شهدها العالم في الوقت الحالي اذ تطور و تحول الى جائحة  خلفت أزمات متباينة في جميع الأصعدة بحيث حدث هناك اكتظاظ على المستوى الصحي و تقريبا لم تستطع بعض الحكومات تغطية تكاليف العلاج من أدوية ومستشفيات وأكسيجين. الخ، وأزمة اقتصادية بحيث خلفت الجائحة العديد من الخسائر المادية وانقلاب في اقتصاد العالم ككل بسبب توقف بعض الأنشطة حتى أن بعض الشركات انهارت وأفلست وكذلك على الجانب التعليمي  بحيث أن الدراسة توقفت مما ساهم في تأخر بعض السياسات التعليمية في الدروس خاصة تلك الدول الفقيرة والتي لا تستطيع العمل على برنامج التعليم عن بعد، اضافة الى توقف جميع الأنشطة السياسية و الفنية و الرياضية و حتى الاجتماعية من قبيل تأجيل حفلات الزواج وتبديل مراسم العزاء في الجنازات وغيرها فقد مس فيروس كورونا كل العلاقات أي كل الأنشطة التي تتطلب احتكاك ولقاء بين البشر، هذا التغير المفاجئ الذي أصاب العالم أحدث رعب بين بني البشر واعتقد الأغلبية أن نهاية المطاف قريبة لا محالة بسبب التدهور الهائل في الأوضاع اضافة الى التهويل الاعلامي الذي زاد الطين بلة و أفقد الانسان المتأزم كل بصيص أمل كان بحوزته، واختلفت أحاديث العلماء وخطابات الفلاسفة و تنبؤاتهم بين عالم متشائم تسود فيه الصراعات البيولوجية والفيروسية وبين آخر متفائل معتقدا أن هذه الجائحة ستساهم في تغيير العالم من خلال تغيير وجهة نظر الانسان وتجعله أكثر نظرا في حياته وشديد الاحتياط للتصدي للأزمات مستقبلا، بمعنى أن هناك قيم عديدة تغيرت في ظل الجائحة لصالح الانسان وكرامته التي لا يسبقها شيء والتحلي بقيم جديدة تليق بكرامته.

كما أن الجائحة كشفت عن غياب التضامن العالمي، وغياب العدالة الصحية، كما كشفت عن ضرورة تعزيز الدولة القومية مقارنة بوعود العولمة، وأعلنت العودة الى تحرر الفكر الفلسفي من النماذج الجاهزة، وهو مايفرض علينا في الفكر العربي اجراء تحليلات نقدية كاشفة لمختلف مشكلاتنا العويصة.11اذن فان الأحداث العالمية في الفترة الأخيرة قد غيرت بعض الثوابت التي تتميز بالمطلقية، وبعض المفاهيم التي احتلت المركز لعدة قرون، وهو ما أتبثته جائحة كورونا من رؤى جديدة للقيم العالمية وللأنظمة كذلك، فقد انغلقت الأمم على نفسها، وغاب التعاون والتضامن العالميين، كما أن النظام العالمي لم يستطع تلبية مصالح الجماعات، والعولمة انقلبت الى النقيض ولم تلبي فكرة العالمية، خاصة وأن الكورونا أعلنت عن غياب العدل في النظر الى الصحة كمفهوم انساني عالمي وليس غاية للتفرقة بين القوي والضعيف.

الخاتمة:

في الختام نستنتج أن الزواوي بغورة دعى الى ضرورة إقامة فلسفة اجتماعية عربية تهتم بالقضايا التي تضرب المجتمعات العربية والأمراض الاجتماعية العالمية التي تمس الانسان العربي، لأن البيئة العربية تختلف عن الغربية، كما أن لكل مجتمع خصوصيته، كما أن تبيئة الحلول الغربية هو حل يحمل فنائه في ذاته، وقد فشلت جميع المحاولات التي دعت الى ضرورة اقتباس جهاز المفاهيم والمناهج الغربية، ومحاولة تلبيسها في التراث العربي، فلكل مجتمع نمط معين من المناهج والحلول، لهذا فالبيئة العربية تحتاج الى نظرة تنطلق من مفاهيمها الخاصة ولاحرج في أن تستفيد من محاولات الآخر، يتساءل بغورة، عما اذا يسعنا مفهوم السياسة الحيوية في صورته الجديدة بما هو مفهوم أساسي في الفلسفة الاجتماعية على فهم طبيعة الدولة في مجتمعاتنا العربية؟ وهل تكفي الدراسة النظرية للمفهوم، أم أن الأمر يتطلب دراسة تجارب اجتماعية وسياسية معينة؟ اذن فلابد من تعزيز النقاش حول الدولة القومية عبر دراسة الفلسفة الاجتماعية لأنها تعانق الواقع والمشكلات الاجتماعية بانواعها، والأحداث التاريخية، مباشرة، ومن الضروري تطبيق هذه الفلسفة على التجارب الاجتماعية، لهذا فقد وضع الباحث السؤال مفتوحا أملا في تجارب عربية أصيلة لمعرفة كيفية انتاج الحياة، وبالتالي تغيير الواقع.

***

د. إيمان عامر – اختصاص فلسفة

.....................

1- الزواوي بغورة، الفلسفة الاجتماعية بحث في مفهومها نظريتها وعلاقاتها، مجلة تبين، العدد 30، الدوحة، سبتمبر 2019، ص 56

2- الزواوي بغورة، الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية، ط1، دار الطليعة بيروت، 2012، ص10

3- عامر ايمان، صافي الطاهر، تحليلية السلطة ومظاهرها عند ميشيل فوكو، مجلة البحوث والدراسات الإنسانية، المجلد17، العدد1، سكيكدة، الجزائر، 2023، ص607

4- الزواوي بغورة، الفلسفة الاجتماعية بحث في مفهومها نظريتها وعلاقاتها، مصدر سابق، ص 62

5-عامر ايمان، الزواوي بغورة الجسد والمرض والعنصرية في النظام الدولي الجديد، جريدة الأخبار، بيروت، 20 ماي 2023

6- الزواوي بغورة، السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية، ط1، دار سؤال، بيروت، 2022، ص، ص 15، 16

7- المصدر نفسه، ص56، 57

8- المصدر نفسه، ص 9

9- الزواوي بغورة، السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية، مصدر سابق، ص 319

إن لمفهوم الصفر جذور فلسفية قديمة، حيث يعود تاريخ إستخدام الصفر الى الحضارات القديمة، كالحضارة الهندية والصينية وحضارة وادي الرافدين، والحضارة اليونانية، وفي البداية لم يمثل الصفر قيمة عددية، بل كان يمثل فاصلة أو فراغ، وإستخدم شعوب الحضارات القديمة الصفر كمرادف لمفهوم الفراغ، او اللاشيء في مقابل الشيء، حيث كان الصفر في البداية يُستخدم للإشارة الى الفراغ، أو عدم وجود رقم، ولكن في القرن السابع الميلادي قام العالم الهندي (براهماغوبتا) بتطوير الصفر كقيمة رياضية، وبعد ذلك قام العالم المسلم (الخوارزمي) في القرن التاسع الميلادي بتطوير مفهوم الصفر، وتطبيقه في الرياضيات، ولقد كتب الخوارزمي رسالة عن (الحساب بالأرقام الهندية)، بَيّن فيها استخدامات الصفر، ومنها تعرّف الغرب على النظام الحسابي العربي (النظام العُشري)، الذي عُرف بنظام الأرقام الخوارزمية نسبة إليه، حيث إستخدم الخوارزمي (الرقم صفر) كقيمة رياضية مهمة في الحسابات والعمليات الرياضية، ومن ثم إنتشرت مساهماته فيما بعد في كل أرجاء العالم.

 لقد أرسى الفهم الفلسفي لمفهوم الفراغ أو العدم البنية الأساسية للربط بين الظواهر وإعتماد العدد صفر في الحسابات، وبمرور الوقت أصبح الصفر يُستخدم كرمز عددي في الرياضيات، وكمفهوم فلسفي في الفلسفة.

إن الصفر في الرياضيات يُعتبر قيمة مهمة سواء في الحسابات أو العمليات الرياضية، حيث يُستخدم الصفر كقيمة أساسية في النظام العُشري، والعمليات الحسابية، مثل الجمع والطرح والضرب والقسمة، كما يستخدم الصفر في الجبر والهندسة والتحليل الرياضي.

والصفر في الفيزياء يعتبر مفهوما مهماً في دراسة الكتلة والطاقة، حيث يُستخدم الصفر للإشارة الى عدم وجود الطاقة والكتلة، ولكن في نفس الوقت، يمثل الصفر قيمة مهمة في العمليات الفيزيائية، مثل التفاعلات النووية والتحولات الطاقية. 

يمارس مفهوم الصفر دورا فعالا في الحوسبة الحديثة، حيث بلغ تطور الصفر ذروته من خلال دوره المحوري في عالمنا الرقمي اليوم، وأحدث الصفر تحولاً جذرياً في الفكر البشري والمجتمع، وتعتبر إسهامات الصفر في الرياضيات والفيزياء والعالم الرقمي، إسهامات جوهرية لاتزال أصدائها تتردد في عالمنا المعاصر، مما يبرز الأهمية البالغة لهذا العدد الذي يبدو بسيطاً ولكن دوره يعد أساسياً في كل المجالات.

رؤية فلسفية لمفهوم الصفر

إن القيمة الفلسفية للصفر، هي ليست في مايمثله هذا الرقم في عالم الرياضيات فحسب، بل في مايمثله أيضاً في الفلسفة، حيث يبرز من خلال العدم معنى الوجود، كمفهوم أساسي بين المعنى واللامعنى، وبين ماهو مادي وغير مادي، وبين ماهو موجود بشكل فعلي وماهو غير موجود.

الصفر في الفلسفة يمثل رمزاً وإشارة لمفهوم اللاشيء، او العدم في مقابل الشيء، وقد تم إستخدامه من قِبل الفلاسفة كمفهوم فلسفي مهم، يمثل(اللا شيء)، أو(عدم الوجود)، في مقابل (الشيء)، أو الوجود، ويُمثل الصفر نقطة البداية للعديد من النظريات الفلسفية حول الوجود، واللاوجود (العدم).

لقد تم إستخدام الصفر كمفهوم فلسفي في الفلسفات القديمة والحديثة والمعاصرة، وتعتبر قيمة الصفر كمفهوم فلسفي نقطة بداية للعديد من النظريات الفلسفية حول الوجود والعدم، والشيء واللاشيء، من حيث المعنى المادى وغير المادي، من خلال المعنى الرمزي الذي يمثله، فعلى سبيل المثال ناقش آرسطو مفهوم الصفر كرمز غير مادي يعبر عن اللاشيء، أو عدم الوجود، وقد إعتبر آرسطو أن الصفر هو عدم وجود الشيء، وليس شيئاً بحد ذاته، ويمثل الصفر في الفلسفة البوذية اللاشيء أو عدم الوجود، وهو ليس مجرد غياب كمي، بل هو مفهوم جوهري، كانوا يرون فيه حقيقة أساسية للواقع، مما مهد لظهوره كرمز رياضي في الهند القديمة، حيث يُنظر إليه كأداة لفهم اللاشيء، وكحقيقة لا كفراغ وجودي، وإن الفرق بين الصفر الرياضي واللاشيء، هو إن الصفر الرياضي في الرياضيات عبارة عن نقطة مرجعية، يمثل غياب الكمية أو حالة الحياد بين الموجب والسالب، و له خصائص وقواعد، بينما الفراغ البوذي (شونياتا) ليس مجرد غياب، بل هو فراغية الظواهر، وعدم وجود جوهر ثابت لها، وهو فهم يتجاوز مجرد غياب العدد إلى فهم طبيعة الوجود نفسه، وناقش الفيلسوف (مارتن هايدجر) في كتابه (الكينونة والزمان)، مفهوم اللاشيء أو عدم الوجود، كمرادف للصفر، من حيث المفهوم والمعنى والقيمة الفلسفية، حيث إستند الى مفهوم العدم في فهم الوجود، فالصفر عند هايدجر ليس غيابًا للعدد، بل هو تعبير عن العدم المرتبط بالوجود الإنساني (الدزاين)، ولا يجب أن ننسى أن الفيلسوف (ألبير كامو) ناقش مفهوم اللاشيء أو العدم في فلسفته، وقد ربط بين العبثية والعدم، حيث يعتبر كامو ان الإنسان يعيش في ظل اللاوجود والعدم، وأن الحياة هي سلسلة من الأحداث العبثية، وأن الإنسان يجب أن يتقبل العدم، ويجد معنى لحياته من خلال هذا التقبل، وبالتالي فإن تقبل العدم عند كامو هو أساس الإستمرار.

لقد تم إستخدام مفهوم الصفر فلسفياً من قبل الفلاسفة على مر التاريخ، من خلال رؤية فلسفية تدمج بين الوجود واللاوجود، ويمكن إعتبار الصفر كقيمة رياضية مهمة في الحسابات والعمليات الرياضية والفلسفية على حدٍ سواء، حيث يمثل الصفر رمزاً للفراغ او العدم واللا شيء، والتضاد بين الوجود واللاوجود، ويمثل مفهوم الصفرمادة دسمة لمعظم المذاهب الفلسفية القديمة والحديثة والمعاصرة، حيث إنه يجعل من الصفر مفهوما فلسفياً مهما في تاريخ الفكر البشري، فمن خلال الصفر تشكلت مفاهيم فلسفية مثل الوجود والعدم، والشيء واللاشيء، وإذا تسائلنا لماذا الصفر مهم الى هذه الدرجة في العلم والفلسفة وفي حياتنا، يكون الجواب عبارة عن مجموعة من النظريات والمفاهيم الرياضية والعلمية والفلسفية التي حاولت من خلال معرفة قيمة الصفر أن تبحث في قيمة الوجود، فمن خلال معرفة العدم تتشكل قيمة الوجود، ونستطيع أن نقول ان أهمية الصفر تتمثل في تجلي الوجود من خلال إدراك العدم، فما بين يقين الوجود و حتمية العدم، هنالك الصفر يشكل مرحلة التحول بين الشيء واللا شيء.

***

شيماء هماوندي

والتحول نحو النموذج البيولوجي - الثقافي

 يُعَد التدين، بصفته ظاهرة إنسانية شاملة عابرة للثقافات والأزمان، إحدى أعقد المعضلات التي تواجه النظرية التطورية الحديثة. فمن منظور دارويني كلاسيكي قائم على حسابات "التكلفة والعائد"، يبدو الدين وكأنه "شذوذ" بيولوجي؛ إذ يستهلك موارد هائلة من الوقت والطاقة، ويفرض قيوداً سلوكية صارمة (كالصيام، والتبتل، والتضحية بالموارد)، وغالباً ما يعرّض الأفراد لمخاطر شتى دون تقديم مكاسب بقائية فورية وملموسة توازي هذه التكاليف. والسؤال هنا: إذا كان التطور يعمل بآلية "الانتخاب الطبيعي" التي تُبقي السمات المفيدة وتستبعد السمات الضارة أو المكلفة بلا طائل، فكيف نجح الدين في الصمود والاستمرار عبر عشرات الآلاف من السنين في كافة المجتمعات البشرية؟

هيمنة "النموذج المعياري": الدين كنتوء ثانوي

تستند النظرية القائلة بأن الدين ليس تكيفاً تطورياً، بل نتاج عرضي، إلى استعارة معمارية شهيرة صاغها عالما الأحياء التطورية "ستيفن جاي غولد" و"ريتشارد ليوونتين" في ورقتهما البحثية المفصلية "نتوءات سان ماركو". في العمارة البيزنطية، "النتوء" هو تلك المساحة المثلثة التي تتشكل حتماً كضرورة هندسية عند تحميل قبة دائرية على أقواس مربعة. لم يصمم المعماري هذه المساحة لغرض الرسم عليها ابتداءً، لكنها نشأت كضرورة إنشائية، ومِن ثَمَّ استُغلت لاحقاً لوضع الزخارف.

في السياق التطوري، يجادل أنصار هذا التوجه - وعلى رأسهم "باسكال بوير" و"سكوت أتران" - بأن الدين يشبه هذه النتوءات؛ فالعقل البشري لم يتطور "ليتدين"، بل تطور لحل مشاكل البقاء في بيئة الأسلاف (مثل تجنب الحيوانات المفترسة، وفهم العلاقات الاجتماعية، واستخدام الأدوات). وعليه، فإن هذه الضغوط التطورية أنتجت آليات معرفية محددة، وما التدين إلا نتيجة عرضية لتفاعل هذه الآليات أو لفرط نشاطها.

جهاز كشف الوكالة مفرط النشاط

يعتبر "جهاز كشف الفاعلية" ركناً أساسياً في النموذج المعياري، حيث تشير النظرية إلى أن عقل الإنسان تطور ليكون متحيزاً نحو الحذر المفرط. في حياة الغابة قديماً، كان ارتكاب خطأ "الإيجاب الكاذب" (أي الظن بوجود خطر غير موجود) أفضل للنجاة من "السلب الكاذب" (تجاهل خطر حقيقي). فإذا سمع الإنسان صوتاً خافتاً، فإن الهروب مفترضاً وجود نمر حتى لو كان الصوت مجرد ريح، هو خيار آمن قليل التكلفة. أما الاطمئنان واعتبار الصوت ريحاً بينما هو نمر متربص، فهو خطأ قاتل لا فرصة لتداركه.

وفقاً لهذه النظرية، فإن هذا الجهاز مفرط الحساسية يجعل البشر يميلون لنسب الظواهر الطبيعية الغامضة (كالرعد، أو الأمراض، أو حتى الحظ) إلى "وكلاء" غير مرئيين (آلهة، أرواح، جن). وبهذا المعنى، يكون الدين نتيجة حتمية لنظام إنذار تطور لضمان البقاء الجسدي، لكنه "أخطأ الهدف" في البيئات المعقدة معرفياً. ومع ذلك، تواجه هذه الفرضية انتقادات حديثة تشير إلى نقص الأدلة التجريبية المباشرة التي تربط بين الحساسية الحسية للوكالة وبين اعتناق المعتقدات اللاهوتية المعقدة، مما دفع البعض لاقتراح نماذج بديلة تعتمد على "المعالجة التنبئية".

نظرية العقل والتشخيص

تُشكل 'نظرية العقل' الركيزة الثانية للنموذج المعياري، وهي قدرة بشرية متطورة تتيح استنتاج الحالات الذهنية للآخرين (كالنوايا، والرغبات، والمعتقدات)، مما يجعلها ضرورة حتمية للتفاعل الاجتماعي المعقد. وفي هذا الإطار، يجادل تفسير 'النتوء الثانوي' (أو المنتج العرضي) بأن الدين ينشأ نتيجة لتطبيق هذه القدرة خارج سياقها البيولوجي المألوف؛ إذ يميل البشر إلى إسقاط مبادئ 'علم النفس الشعبي' على العالم الطبيعي، متصورين أن للكون وعياً ونيات، وهو ما يمهد الطريق لتبلور فكرة الآلهة باعتبارها 'عقولاً غير مجسدة".'

المفاهيم الأقل تناقضاً مع الحدس

يشرح "باسكال بوير" نجاح الأفكار الدينية وانتشارها عبر مفهوم "الحد الأدنى من التناقض مع الحدس". تميل الذاكرة البشرية لتخزين واسترجاع المفاهيم التي تلتزم بمعظم التوقعات الواقعية (مثل أن الشخص لديه عقل وجسد) لكنها تخرق قاعدة واحدة فقط (مثل شخص لا يموت، أو شجرة تتحدث). الأفكار التي تخرق الكثير من القواعد تبدو غريبة جداً ولا تُصدق، والأفكار التي لا تخرق أي قاعدة تبدو عادية ومملة. تقع الآلهة والأرواح في هذه "المنطقة الذهبية" الوسطى، مما يجعلها "فيروسات عقلية" ناجحة جداً في الاستحواذ على الموارد المعرفية البشرية والانتشار الثقافي، دون أن تكون بالضرورة مفيدة بيولوجياً.

نقد النموذج المعياري: تحدي التكلفة والاستمرار

رغم جاذبية التفسير المعرفي للتدين كنتوء ثانوي، إلا أنه يواجه تحديات جوهرية يبرزها النقاد والتكيفيون، وأهمها "مشكلة التكلفة". فالسمات البيولوجية التي تنشأ كمنتجات عرضية عادة ما تكون محايدة من حيث التكلفة أو ذات تكلفة منخفضة. أما الدين، فمكلف للغاية (وقت، طقوس، قرابين، قيود إنجابية). ووفقاً لمنطق الانتخاب الطبيعي، فإن "النتوء الثانوي" الذي يفرض تكلفة عالية ولا يقدم فائدة تكيفية يجب أن يندثر عبر الزمن. إن استمرار الدين لعشرات الآلاف من السنين يشير إلى أنه قد لا يكون مجرد خطأ معرفي، بل حلاً لمشكلة ما.

البديل التكيفي: الدين كحل لمشاكل العمل الجماعي

في مقابل نظرية النتوء الثانوي، يطرح علماء مثل "ديفيد سلون ويلسون" و"ريتشارد سوسيس" نظرية "التكيف"، التي تجادل بأن الدين نظام متطور وظيفياً لتعزيز بقاء الجماعات البشرية.

أ- الانتقاء الزمري والتماسك الاجتماعي يقدم ديفيد سلون ويلسون في كتابه "كاتدرائية داروين" حجة قوية لإعادة الاعتبار لنظرية "الانتقاء الزمري" الفكرة هي أن التطور لا يعمل فقط على مستوى الجينات الفردية، بل أيضاً على مستوى الجماعات. فالجماعات البشرية التي تبنت أنظمة دينية (تتضمن طقوساً موحدة، ومعايير أخلاقية، وآليات عقاب إلهي) كانت أكثر قدرة على التعاون، وأقل عرضة للتفكك الداخلي، وأكثر كفاءة في الحروب وإدارة الموارد. الدين هنا يعمل كـ "صمغ اجتماعي" يحول الجماعة إلى وحدة تكيفية واحدة تشبه الكائن الحي. تشير الأدلة إلى أن المجتمعات الدينية تظهر معدلات أعلى من "الإيثار النفسي" والتعاون الداخلي، مما يحل مشكلة "تراجيديا المشاع" عبر فرض رقابة غيبية تمنع تقديم المصالح الأنانية على مصلحة الجماعة.

ب- نظرية الإشارة المكلفة تدعم هذه النظرية التفسير التكيفي من خلال معالجة مشكلة "الثقة". في الجماعات الكبيرة، يصعب التمييز بين المتعاونين الصادقين" والمنتفعين بالمجان" الذين يستفيدون من الموارد دون مساهمة. يقترح ريتشارد سوسيس أن الطقوس الدينية الشاقة والمكلفة تعمل كـ "إشارات صادقة" يستحيل تزييفها؛ فالفرد غير المؤمن حقاً لن يدفع هذه التكلفة الباهظة. وقد وجدت دراسات سوسيس على المجتمعات الطوباوية في القرن التاسع عشر أن المجتمعات الدينية التي فرضت طقوساً مكلفة عاشت لفترات أطول (4 أضعاف) مقارنة بالمجتمعات العلمانية، مما يدعم فرضية أن الدين تكيف لتعزيز البقاء الجماعي.

 المقاربة التعددية وتأسيس علم الأعصاب اللاهوتي

للخروج من ثنائية (إما تكيف أو نتوء)، يبرز نموذج "التكيف الثانوي" ويشير إلى السمات التي تطورت لغرض معين (أو بلا غرض) ثم أعيد توظيفها لغرض آخر (كريش الطيور الذي تطور للعزل الحراري ثم استُخدم للطيران).

 تفكيك خرافة "بقعة الإله":

 في بدايات علم الأعصاب اللاهوتي، ساد اعتقاد بوجود "بقعة الإله" في الدماغ، استناداً لملاحظات عن مرضى الصرع الصدغي. إلا أن تقنيات التصوير الحديثة دحضت ذلك؛ فالتدين يعتمد على شبكات عصبية موزعة ومعقدة. هذا الاكتشاف يدعم مبدئياً "النموذج المعياري" (الدين يستعير بنى موجودة مسبقاً)، لكن نمط التفعيل المعقد يشير إلى عملية "تكييف ثانوي" متقنة.

 خاتمة

تؤكد الأدلة العصبية صحة فرضية "النتوء الثانوي" من حيث الأصل (لا يوجد عضو ديني خاص)، وتؤكد في الوقت ذاته صحة فرضية "التكيف" من حيث الوظيفة (تحقيق فوائد نفسية واجتماعية). إن الدين، في جوهره العصبي والتطوري، هو عملية "إعادة تدوير إبداعية"؛ حيث قامت الثقافة البشرية باختراق الشبكات العصبية المتاحة (للخوف، والحب، والتخيل) ودمجها في نظام متماسك يوفر المعنى ويضبط السلوك. وبذلك، يظل الدين واحداً من أقوى استراتيجيات البقاء، ليس لأنه "حقيقي" بالمعنى العلمي المادي، بل لأنه "حقيقي" بالمعنى البراغماتي العصبي: إنه، ببساطة، يعمل...!

***

غالب المسعودي

.........................

المراجع

الدراسات والأوراق البحثية

Pyysiäinen, I., & Hauser, M. (2010). Religion as an Evolutionary Byproduct: A Critique of the Standard Model. The British Journal for the Philosophy of Science. رابط المصدر (Journals.uchicago.edu)

Kapogiannis, D., et al. (2009). Seeking the supernatural: The Interactive Religious Experience Model. Social Neuroscience / Taylor & Francis. رابط المصدر (Tandfonline.com)

الكتب والفصول التعليمية

Exaptations and Spandrels. In Evolutionary Psychology: Exploring Big Questions. KPU Pressbooks. رابط المصدر (KPU.pressbooks.pub)

Boyer, P. Religion Explained. (Summary & Review). Blinkist. رابط المصدر (Blinkist.com)

Religion Explained. MentalHealth.com. رابط المصدر (MentalHealth.com)

مقالات ومناقشات عامة

Religious Belief as Adaptation and as Spandrel. 3 Quarks Daily. رابط المصدر (3quarksdaily.com)

HADD its day: there is no evidence for an inherited hyperactive agency detection device. The Skeptic. رابط المصدر (Skeptic.org.uk)

Discussion: Can someone clearly explain S. J. Gould's paper “The Spandrels of San Marco”? Reddit / r/evolution. رابط المصدر (Reddit.com)

 

حدود التعبير الفلسفي عن التجربة الإنسانية

حين نحاول الإمساك بالتجربة الإنسانية في كثافتها الحية نواجه مفارقة عميقة تجعل اللغة في آن واحد، أداة للكشف وحدا للإخفاء. فهي الوسيط الذي لا يمكن التفكير خارجه، ومع ذلك يعجز عن احتواء ما يتجاوز بنيته الرمزية. لذلك قال فتغنشتاين في خاتمة رسالته المنطقية إن ما لا يمكن الكلام عنه ينبغي الصمت حياله، لا لأن تلك المناطق فارغة بل لأنها ممتلئة إلى حدّ لا تسمح فيه اللغة بالإحاطة. فالصمت هنا ليس غياب المعنى بل فائضه، وليس انقطاع الدلالة بل تخمها. ومن هذه النقطة يبدأ السؤال الفلسفي عن اللغة بوصفها حدا للتجربة وحدا ضدها في آن، إذ ما إن تتحول التجربة إلى قول حتى تفقد شيئا من حدتها الوجودية وتدخل في اقتصاد العلامة الذي يجعل الوجود قابلاً للتمثيل.

اللغة لا تعكس التجربة كما هي، بل تعيد تشكيلها وفق منطقها الداخلي. وحين يقول هايدغر إن اللغة بيت الوجود فإنه لا يقصد أنها مجرد أداة وصف، بل الفضاء الذي يسكن فيه الوجود لكي يصير قابلاً للظهور. غير أن هذا الظهور نفسه مشروط ببنية لغوية تجعل ما يظهر قابلاً للقول لا بالضرورة مطابقا لما هو كائن. هنا تتجلى المسافة الدقيقة بين القول والكينونة؛ فالكلمات لا تمسك الأشياء بل تفتح لها أفقا من المعنى، وهذا الأفق ليس محايدا بل مثقلاً بتاريخ الاستعمال وتراكمات الدلالة وأنماط الرؤية. لذلك فإن التجربة حين تمر عبر اللغة تخضع لتصفية رمزية تفقدها كثيرا من كثافتها المباشرة، غير أن هذه الخسارة هي ما يجعلها قابلة للتشارك والفهم، لأن ما لا يُفقد لا يمكن أن يُقال.

ويمكن فهم أطروحة ميرلو بونتي حين ربط الجسد باللغة بوصفهما نمطين من الظهور. فالجسد يتكلم قبل الكلمات، والتجربة تُعاش قبل أن تُقال، لكن القول ليس مجرد ترجمة لتجربة سابقة، بل إعادة إنتاج لها في مستوى آخر من الوجود. لذلك فالكلام ليس ناقلا محايدا، بل فعل وجودي يغيّر ما ينطقه. حين أقول «أنا أتألم» فإن الألم الذي صار قولا ليس هو الألم الذي كان في صمته الجسدي، بل ألم آخر تشكّل في فضاء الرمزية والتواصل. وهنا كتب بول ريكور أن اللغة لا تعكس العالم بل تفتحه على إمكانات دلالية جديدة.

غير أن هذا الفتح لا يخلو من عنف تأويلي، فاللغة حين تصوغ التجربة تفرض عليها بنية تركيبية ودلالية تجعلها قابلة للفهم وفق قواعد مشتركة. لذلك يكون القول دائما أقل من التجربة وأكثر منها في آن، أقل لأنه لا يبلغ عمق العيش، وأكثر لأنه يضيف أبعادا رمزية لم تكن فيها. ولهذا فإن كل تعبير هو خيانة بالمعنى النبيل، خيانة لما لا يمكن قوله فيما يقال. وعند المتصوفة أن الإشارة أصدق من العبارة، وإن الصمت أبلغ حين يتعلق الأمر بما يتجاوز المدار العادي للمعنى.

ففي تاريخ الفلسفة كان هذا التوتر حاضرا منذ البدايات. أفلاطون حين كتب محاوراته كان واعيا بأن الحقيقة لا تُختزل في نص مكتوب، بل تتطلب حضورا حيا وسجالا نفسيا، ولذلك نُسب إلى سقراط رفضه للكتابة لأنها تجمّد الفكر وتفصله عن سياق التلفظ. ومع ذلك لم يجد أفلاطون بديلا عن اللغة ليبلغ فكره، فكتب وهو يعلم أن ما يُكتب ليس إلا ظلا للفكرة، وهذا الوعي بالمحدودية هو ما يجعل النص الفلسفي فضاءً مفتوحا للتأويل لا مخزنا للحقيقة.

وحين أسس أرسطو المنطق سعى إلى ضبط القول بقواعد تضمن الدقة والتمييز، لكنه كان يعلم أن اللغة الطبيعية تنفلت من قبضة الصياغة الصورية، لأن المعنى يتولد في الاستعمال لا في البنية وحدها. وسيعيد فتغنشتاين المتأخر صياغة ذلك بقوله إن معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة. فالتجربة الإنسانية لا تُختزل في تعريفات، بل تتكشف في ممارسات لغوية حية تجعل القول فعلا اجتماعيا قبل أن يكون تمثيلا ذهنيا.

غير أن هذا الطابع التداولي لا يلغي حدود اللغة حين تواجه ما هو فريد وغير قابل للتكرار. فالتجارب الوجودية العميقة، كالألم والحب والموت والدهشة، تقاوم الإدراج في صيغ عامة، ولذلك يبدو وصفها ناقصا بالضرورة. اللغة تعمل عبر التعميم، بينما التجربة تتحدد بالفرادية. من هنا يكون الشعر أحيانا أقرب إلى الإمساك بوميض التجربة من الخطاب المفهومي، لأنه لا يسعى إلى الإحاطة بل إلى الإشارة، ولا إلى التحديد بل إلى الإيحاء، فيغدو أقرب إلى الصمت الناطق.

يشير هايدغر إلى أن الشعر هو اللغة في أصلها، لأن اللغة حين تبلغ أقصى توترها بين القول والصمت تتحول إلى إنصات للوجود لا إلى مجرد لتسميته. الشاعر لا يضع الكلمات فوق الأشياء بل ينصت لما يريد أن يتكلم عبرها. لذلك ليست التجربة الشعرية تزيينا للمعنى، بل انكشافا له في مستوى يتجاوز النثر التقريري.

لكن الفلسفة لا يمكنها الاكتفاء بالإشارة الشعرية، لأنها مطالبة بالتمييز والتحليل. ومع ذلك فإن الفلسفة العميقة واعية بأن المفهوم ليس نهاية المعنى بل بدايته، وأن الفكر الذي يظن أنه أحاط بالتجربة يكون قد قتلها في صرامته. أما برغسون فيرى أن الذكاء يميل إلى تشييء الحركة، بينما الحدس وحده يلامس ديمومة العيش. فاللغة المفهومية تميل إلى تثبيت المتغير، وإلى تحويل الزمن إلى نقاط والحياة إلى حالات، في حين أن التجربة تُعاش كتدفق.

هذا التوتر يجعل الفيلسوف في وضع إشكالي دائم، لأنه يحتاج إلى اللغة ليقول ما لا يقبل القول، وإلى المفهوم ليقبض على ما ينفلت بطبيعته. لذلك فالفلسفة ليست خطابا عن التجربة بل صراعا معها داخل اللغة، سعيا إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من صمت الوجود دون اختزاله في صيغ ميتة. النص الفلسفي العظيم لا يقدم أجوبة نهائية بل يفتح أسئلة لا تنغلق، لأنه يدرك أن الحقيقة لا تُمتلك بل تُسكن.

في التصوف الإسلامي تتخذ مفارقة اللغة والحقيقة صيغةً قصوى. فابن عربي حين يتكلم عن الحقائق الإلهية، لا يلجأ إلى الرمز والاستعارة تزيينا بل ضرورةً إبستمولوجية، لأنه يدرك أن الحقيقة بما هي فيض حضوري، لا تُحاط بعبارات مباشرة ولا تُختزل في مفاهيم. وتُفهم الحكمة الصوفية: «من ذاق عرف، ومن عرف اغترف، ومن اغترف وصف»، بوصفها ترميزا لسلسلة وجودية-معرفية تنتقل فيها الحقيقة من الحضور إلى الوعي، ومن الوعي إلى القول. فالذوق هو تماسٌّ مباشر مع المعنى قبل أن يتشيّأ في صورة، والمعرفة هي استقرار هذا التماس في صورة إدراكية، أما الوصف فليس إلا الأثر اللغوي لما فاض عن التجربة. ولا تأتي اللغة في البدء بل في النهاية، لا باعتبارها وعاء الحقيقة بل باعتبارها ظلَّها. في كل انتقال يُفقد شيء من الكثافة الأصلية، لكن يُكسب في المقابل إمكانَ المشاركة والتداول. فالقول لا يُعادل الذوق ولا يعوّضه، بل يشهد عليه من مسافة بوصفه بقايا تجربة تعذّر على اللغة أن تحتويها كاملة.

لذلك يكون الصمت في هذا السياق علما من نوع آخر، علما يعرف حدوده. وهذا يلتقي مع تيارات فلسفية حديثة رأت في الصمت موقفا معرفيا. فتغنشتاين حين وضع حدودا للغة دعا إلى تواضع الفكر، وإلى الاعتراف بأن العالم أوسع مما نقول عنه، وأن المعنى يشمل ما يمنح الحياة قيمتها لا ما يمكن التحقق منه فقط.

ونفهم علاقة اللغة بالأخلاق والجمال والدين بوصفها مجالات لا تُختزل في أوصاف علمية. ما يهم فيها ليس ما هو بل ما ينبغي أن يكون أو ما يُعاش كقيمة. لذلك فالكلام الأخلاقي موقف، والكلام الديني استجابة، والكلام الجمالي مشاركة في تجربة.

اللغة ليست مجرد أداة في يد الذات، بل بنية تشكل الذات نفسها. الإنسان لا يعيش ثم يتكلم، بل يعيش في الكلام، لأن وعيه بذاته وبالعالم يتوسطه نظام رمزي يحدد رؤيته وشعوره وتفكيره. وكمثال على ذلك تحضرنا أطروحة سابير وورف عن أثر اللغة في الفكر، لا بوصفه حتمية صارمة بل بوصفه فتحا لأفق خاص من الإمكانات الدلالية.

ومع ذلك توجد نواة كونية من التجربة تتجاوز اللغات، لأن البشر يواجهون الولادة والموت والحب والفقد والدهشة في كل مكان. غير أن التعبير عنها يكون دائما ترجمة مشروطة، ولهذا فالحوار بين الثقافات ليس تبادل كلمات بل اقترابا من تجارب عبر وسائط مختلفة. الترجمة فعل فلسفي لأنها تكشف أن المعنى لا يسكن الكلمات بل يتنقل بينها، وأن ما يقاوم النقل الحرفي يحمل كثافة وجودية.

حدود التعبير الفلسفي ليست حدود عجز بل شروط خصوبة، لأنها تذكّر بأن الفكر يعيش في فجوة بين ما يُعاش وما يُقال. لو تطابق القول مع التجربة لانتهى السؤال، لكن السؤال لا ينتهي لأن اللغة لا تستنفد الوجود. الصمت المحيط بالكلمات ليس فراغا بل أفق لما لم يُفكَّر فيه بعد.

تعمّق هذه الفجوة وعينا بأن اللغة فضاء تشكّل. ما نسمّيه وعيا هو في وجوه كثيرة أثر لغوي، لأن الإنسان يعي ذاته عبر سردها. قال ريكور إن الهوية سردية؛ تُحكى ولا تُعطى دفعة واحدة. وما يُحكى ليس ما وقع تماما بل ما صار قابلاً لأن يُقال.

غير أن هذه المصفاة تخضع لقوى الثقافة والسلطة. ما يمكن قوله في زمن ليس هو ما يمكن قوله في آخر. الصمت قد يكون مفروضا بآليات الإقصاء، وقد تكون هناك تجارب لا تجد لغتها لأنها لا تجد اعترافا. وهنا يظهر اهتمام فوكو بما يُقال وما يُمنع من القول بوصفه كاشفا لبنية السلطة.

الصمت قد يكون مقاومة حين تفرض لغة نفسها بوصفها وحيدة. بعض الكوارث تضع اللغة أمام مأزق أخلاقي لأن الكلام عنها قد يحوّلها إلى استهلاك. عندئذ يكون الصمت وقفة احترام أمام ما يفوق التمثيل.

لكن الإنسان لا يستطيع السكنى في الصمت طويلا. التوتر بين القول والصمت بنية دائمة تجعل كل تعبير واعيا بنقصه وكل صمت محمّلا برغبة الكلام. وهذا التوتر يمنح اللغة حيويتها.

الفلسفة مشدودة إلى حدودها لأنها تحاول قول ما يقاوم القول. لغتها تقع بين التقنية والشعر، قادرة على المفهمة دون فقدان الحس بالغامض. لذلك كان الفلاسفة الكبار كتابا كبارا، لأن شكل القول جزء من مضمونه.

الاعتراف بالحدود يمنح القول صدقه. الصمت جزء من الأخلاق الفكرية لأنه يمنع تحويل المفاهيم إلى أصنام. بعض المعاني ينبغي أن تبقى في الظل لكي لا تُبتذل.

ومع ذلك لا تتخلى الفلسفة عن الكلام، لأنها تحفظ السؤال حيّا. كل كلمة تشير إلى ما يتجاوزها، وكل نص يحمل صمته الخاص.

اللغة ليست سجنا للتجربة ولا مرآة لها بل فضاء عبورها. لو بقيت التجربة في صمتها المطلق لبقيت فردية مغلقة، ولو صارت قولا كاملا لفقدت عمقها. بين هذين الحدين يتحرك الوجود الإنساني في توتر خلاق يجعل اللغة في ولادة دائمة، ويجعل الصمت رفيق الكلمات لا نقيضها بل شرط معناها.

وهكذا لا تعود اللغة مجرد أداة نصف بها ما نعيشه، بل تصبح هي نفسها جزءا مما نعيشه، لأن التجربة حين تمر عبر القول لا تُنقل فقط بل تُعاد صياغتها داخل أفق مشترك من المعنى. إن الإنسان لا يملك تجربته إلا بقدر ما يستطيع أن يمنحها شكلًا لغويًا، ومع ذلك يبقى دائمًا شيء يتفلّت، شيء يقيم في ما لا يُقال، في ذلك الصمت الذي يرافق كل كلمة كظلها الخفي. وهذا ما يجعل الوجود الإنساني وجودا مفتوحا على الزيادة، لأن ما لا يُقال اليوم قد يجد لغته غدا، وما يبدو عصيا على التعبير قد يفتح لنفسه مسارب جديدة في القول.

تغدو الفلسفة تمرينا دائما على الإصغاء بقدر ما هي تمرين على الكلام، فهي لا تفرض المعنى على التجربة بل تحاول أن تتهيأ لاستقباله، وأن تصغي إلى ما يريد أن يتجلى عبر الكلمات دون أن يختنق فيها. إن التفلسف الحق ليس امتلاكا للحقيقة بل إقامة عند تخومها، حيث يلتقي القول بالصمت في توتر خلاق، وحيث يصبح الفكر حركة مستمرة بين ما نعرفه وما نشعر به، وبين ما نقوله وما نعجز عن قوله، في رحلة لا تنتهي نحو معنى يظل دائما أبعد بقليل مما نصل إليه.

***

د. حمزة مولخنيف

 

يهدف التفكير النقدي إلى تفسير المعلومات وتحليلها وتقييمها. وهو أداة أساسية للبحث والاستقصاء، وللفهم العميق، ولتحسين موضوعية القرارات. والمفكر النقدي المثالي هو شخص فضولي بطبيعته، واسع الاطلاع، منفتح الذهن، صادق في مواجهة تحيزاته الشخصية، حكيم في إصدار الأحكام، مجتهد في البحث عن المعلومات، ومثابر في السعي لتحقيق نتائج دقيقة. كما يتميز المفكر النقدي بالوضوح في صياغة الأسئلة؛ والقدرة على تنظيم المواضيع المعقدة؛ والمثابرة في الحصول على المعلومات الأساسية؛ والمعقولية في اختيار وتطبيق المعايير؛ والالتزام بالدقة. ويجب ان نكون علي حذر من المفكر النقدي الغير اخلاقي الذي يستخدم قدراته العقليه والتحليليه لتضليل الجمهور، او تشويش الفكر، او عرقله المشاريع .

يتطلب التفكير النقدي حريه الفكر، والموضوعيه، واستخدام كيف ولماذا في تحليل جميع الامور، وتحديد اسباب الموافقه او الرفض، واستكشاف إمكانية وجود تفسيرات بديلة. ويتجنب التفكير النقدي الاعتماد على العواطف والمشاعر، أو اختيار موقف فكري لمجرد أنه أكثر قبولاً لدى الآخرين.

إن التفكير النقدي يعيقه التفكير الثنائي من منظور أبيض وأسود، والاعتقاد بوجود حل واحد فقط، ورفض آراء الآخرين، والموافقة التلقائية على تفكير المجموعة، وآراء أصحاب السلطة دون أي دراسة، والمعتقدات الدينية، والقيم العائلية، والانتماءات القبلية. يتطلب تجاوز هذه العقبات استخدام آليات التفكير النقدي، والتي تشمل: فهم الموضوع ووصفه بموضوعية، والتمييز بين الفكرة الرئيسية والأفكار الفرعية عند دراسة أي موضوع، وترتيب جميع الأفكار المطروحة بطريقة منظمة، وتحديد أسباب دعم الفكرة الرئيسية. من الضروري أيضًا التحقق من دقة المعلومات مع تقييم مصداقية مصدرها، وما إذا كانت الأدلة تدعم الاستنتاج المطروح بشكل قاطع أم أنها مجرد دليل على مستوى عالٍ من الثقة.

ينبغي شرح نتائج التفكير النقدي بأسلوب مقنع وواضح، مع تقديم شرح وافٍ للمنهجية المستخدمة في التوصل إلى هذه النتائج والمراجع التي تم الاستناد إليها. ومن الضروري أيضاً ضمان المصداقية والحيادية التامة. علاوة على ذلك، من المهم القدرة على تعديل التفكير عند اكتشاف معلومات جديدة، أو أخطاء في المنهج التحليلي، أو إغفال معلومات مهمة.

يُعدّ التفكير النقدي ضروريًا عند التعامل مع إجابات الذكاء الاصطناعي لضمان دقتها. لذا، يجب تعزيز الرقابة العلمية والثقافية على مصادر تدريب الذكاء الاصطناعي لمنع انتشار المعلومات المضللة الناتجة عن أخطاء في أنظمة الذكاء الاصطناعي، والتي لا يمكن اكتشافها إلا من قِبل ذوي المعرفة المتعمقة بموضوع البحث، القادرين على التمييز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة. كما أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي يضعف مهارات التفكير النقدي ويؤدي إلى تدهور مهارات البحث والتحليل، بالإضافة إلى خلق فجوة معرفية بين أولئك الذين يمتلكون أدوات الذكاء الاصطناعي وأولئك الذين تم استبعادهم منها، مما يؤدي إلى تعميق عدم المساواة المعرفية بين الدول والفئات الاجتماعية المختلفه.

يُعتبر التفكير النقدي منهجاً أساسياً في التعليم. لم تعد فلسفة التعليم الحديثة تركز على نقل المعلومات فحسب، بل على تنمية العادات الذهنية لخدمة المجتمع، والاهتمام بالصالح العام، وغرس الشعور بالمسؤولية الاجتماعية.

إن التعليم الجيد ينتج عنه المفكر النقدي النابه القادر على طرح الأسئلة بوضوح، وتنظيم المواضيع المعقدة، والمثابرة في اكتساب المعلومات على الرغم من الصعوبات، وممارسة العقلانية والدقة في اختيار وتطبيق المعايير. وقد اشار مارتن لوثر كينج المناضل الأمريكي العظيم في مجال الحقوق المدنية وانهاء التمييز العنصري ضد السّود، الي اهميه التعليم في إنقاذ الإنسان من مستنقع الدعاية، واكتساب القدره علي غربلة الأدلة وتقييمها، وتمييز الحق من الباطل، والواقع من الوهم، والحقائق من الخيال، لأن وظيفة التعليم هي تعليم المرء التفكير العميق وممارسه التفكير النقدي.

ختاماً، يُعدّ التفكير النقدي من أهم المهارات العقليه في العصر الحديث، إذ يمكّن الأفراد من التعامل مع سيل المعلومات بوعي، والتمييز بين الحقيقة والخيال، واتخاذ قرارات مدروسة بناءً على تحليل الأدلة بدلاً من الانجرار وراء العاطفة أو الضغوط الاجتماعية. وهو ضروري لمكافحة التضليل الإعلامي والمعلومات المغلوطة في وسائل الإعلام والفضاء الرقمي.

كما أنه يعزز الإبداع من خلال تمكين الأفراد من النظر إلى المشكلات من زوايا متعددة، ويرتقي بجودة الخطاب العام، وبناء ثقافة نقاشية صحية في المجتمع. علاوة على ذلك، يدعم التفكير النقدي التعلم المتعمق بدلاً من الحفظ عن ظهر قلب، مما يطور مهارات التفكير لدى الطلاب ويعزز استقلاليتهم الفكرية، ويمنعهم من الخضوع للسلطة أو الجماعة دون وعي.

من أقوال الكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي، الذي يُعتبر أحد أعظم الكتّاب وأكثرهم تأثيراً على مرّ العصور: "المفكرون الأحرار هم أولئك المستعدون لاستخدام عقولهم دون تحيّز أو خوف لفهم الأمور التي تتعارض مع عاداتهم أو امتيازاتهم أو معتقداتهم. هذه الحالة الذهنية ضرورية للتفكير النقدي.“ وكما قال نعوم تشومسكي، المفكر الأمريكي والناشط السياسي وعالم اللغويات: "لا تأخذوا الأمور كأمر مسلم به. ابدأوا بالتشكيك في أي شيء يعتبر حكمة تقليدية، وكونوا مستعدين لطرح أسئلة حول ما يعتبر أمراً مسلماً به، وحاولوا التفكير النقدي في الأمور بأنفسكم“.

اختتم المقال باقتباس من هوارد زين، المؤرخ والناقد الاجتماعي الأمريكي، حول مسؤولية المثقفين في نشر المعرفة ومنهج التفكير النقدي: "لدينا جميعًا مسؤولية هائلة تتمثل في لفت انتباه الآخرين إلى المعلومات التي لا يملكونها، والي اسلوب التفكير النقدي، وحثهم علي إعادة التفكير في التقاليد والأفكار التي طالما تمسكوا بها“.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

في قلب التفكير الفلسفي المعاصر حول السلطة والمعرفة، يحتل مفهوم المراقبة موقعا مركزيا، ليس بوصفه آلية تقنية لضبط السلوك فحسب، بل باعتباره بنية عميقة تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم الاجتماعي الذي ينتمي إليه. فالمراقبة كما تتجلى في المجتمعات الحديثة، لم تعد ممارسة استثنائية أو إجراءً مؤسساتيا محدودا، بل أصبحت شرطا وجوديا يرافق الفرد في تفاصيل حياته اليومية، ويؤثر في وعيه واختياراته وتمثلاته عن نفسه وعن الآخرين. الإنسان المعاصر لا يعيش تحت المراقبة فقط، بل يعيش داخلها ويشارك في إعادة إنتاجها دون وعي مباشر.

حين استعاد ميشيل فوكو نموذج البانوبتيكون الذي اقترحه جيريمي بنثام في أواخر القرن الثامن عشر، لم يكن بصدد تحليل تصميم معماري خاص بالسجون، بل كان يسعى إلى الكشف عن منطق جديد للسلطة الحديثة. يقوم البانوبتيكون على فكرة الرؤية غير المتكافئة، حيث يكون المراقب قادرا على رؤية الجميع، في حين لا يعرف الأفراد إن كانوا خاضعين للمراقبة في اللحظة نفسها. غير أن الأهمية الفلسفية لهذا النموذج لا تكمن في المراقبة الفعلية، بل في أثرها النفسي والمعرفي، لأن الإحساس الدائم بإمكانية الرصد يكفي لإنتاج الانضباط، وجعل الفرد يضبط سلوكه ذاتيا دون تدخل مباشر.

تتحول السلطة من قوة قهرية خارجية إلى قوة داخلية مستبطنة. الفرد لا يُجبر على الطاعة بالقوة، بل يتعلم كيف يراقب نفسه بنفسه، ويقيس أفعاله وفق معايير محددة سلفا. وقد أدرك فوكو أن هذا المنطق لا يقتصر على السجون، بل يمتد إلى مختلف مؤسسات المجتمع الحديث، مثل المدرسة والمصنع والمستشفى والإدارة. في هذه الفضاءات، تُمارَس السلطة عبر المراقبة والتصنيف والتقييم، وإنتاج ذوات منضبطة وقابلة للضبط المستمر.

مع التحول الرقمي، دخلت المراقبة مرحلة جديدة أكثر شمولا وتعقيدا. لم تعد محصورة في مؤسسات مرئية أو فضاءات مادية محددة، بل أصبحت شبكة غير مرئية تحيط بالإنسان في كل لحظة. الفضاء الرقمي بما يتيحه من تفاعل دائم، يُنتج كميات هائلة من البيانات حول الأفراد تشمل تفضيلاتهم وسلوكهم وميولهم وأنماط تفكيرهم. هذه البيانات تُجمع وتُحلل بواسطة خوارزميات ذكية قادرة على استخراج الأنماط السلوكية وبناء التوقعات وتوجيه السلوك بطرق غير مباشرة.

في هذا الطرح، يمكن الحديث عن بانوبتيكون رقمي لا يعتمد على الجدران والأبراج، بل على الخوارزميات والبيانات الضخمة. المراقِب هنا ليس شخصا بعينه، ولا حتى مؤسسة واضحة المعالم، بل نظام تقني معقد يعمل بصمت واستمرار. الإنسان قد يكون مراقَبا دون أن يعرف من يراقبه أو كيف تُستخدم بياناته، أو إلى أي حد يمكن أن تؤثر هذه المراقبة في قراراته ومستقبله. هذا الغموض لا يُضعف السلطة، بل يمنحها فاعلية أكبر، لأن المراقبة تصبح شاملة وغير قابلة للتحديد.

العلاقة بين السلطة والمعرفة والتي تشكل محورا أساسيا في فكر فوكو، تتجلى بوضوح في السياق الرقمي. فكل سلوك إنساني يتحول إلى بيانات، وكل بيانات تُنتج معرفة، وكل معرفة تُعاد توظيفها لإنتاج أشكال جديدة من السلطة. المعرفة هنا ليست محايدة، بل تؤدي وظيفة ضبطية وتوجيهية. الخوارزميات لا تكتفي بتسجيل ما نفعله، بل تسهم في تشكيل ما سنفعله لاحقا، عبر الاقتراح والتصفية وإعادة ترتيب الأولويات وصناعة الأذواق.

هذا الوضع يثير إشكالات فلسفية عميقة حول مفهوم الحرية. فالحرية كما ناقشها فلاسفة الوجود لا تعني غياب القيود، بل الوعي بها والقدرة على التعامل معها. غير أن المراقبة الرقمية تُنتج قيودا غير مرئية تعمل في مستوى أعمق من الوعي المباشر. الإنسان قد يعتقد أنه يختار بحرية، بينما تكون اختياراته قد صيغت مسبقا ضمن إطار خوارزمي يحدد له ما يراه وما يفكر فيه وما يعتبره ممكنا أو مرغوبا.

من منظور اجتماعي، لا يمكن فهم المراقبة الرقمية باعتبارها مجرد تطور تقني محايد. إنها امتداد لشبكات القوة التي رافقت نشأة الدولة الحديثة والاقتصاد الرأسمالي. الفضاء الرقمي ليس مجالا افتراضيا منفصلا عن الواقع، بل فضاء اجتماعي مُنتج، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية. المنصات الرقمية تعيد تنظيم العلاقات الاجتماعية، وتعيد تعريف مفاهيم الخصوصية والانتماء والفضاء العمومي.

الإنسان داخل هذا الفضاء لا يظهر فقط كمستخدم، بل ككيان قابل للقياس والتصنيف. هويته الرقمية تُختزل في أنماط سلوكية، وتتحول إلى ملف بيانات يُحدَّث باستمرار. هذا التحول يمس جوهر الهوية الإنسانية، لأن التمثيلات الرقمية للفرد قد تؤثر في فرصه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، دون أن يكون له وعي كامل بآليات هذا التأثير. هنا تبرز إشكالات أخلاقية حادة تتعلق بالخصوصية والشفافية وحق الفرد في التحكم في بياناته.

الآثار النفسية للمراقبة الرقمية لا تقل خطورة عن أبعادها الفلسفية. فالإحساس الدائم بالملاحظة يولد نوعا من القلق الوجودي ويعزز الرقابة الذاتية. الفرد يصبح أكثر حذرا في التعبير، وأكثر ميلا إلى الامتثال للمعايير السائدة، خشية التقييم أو الإقصاء. هذا الانضباط لا يُفرض بالقوة، بل يُنتج داخليا، مما يجعله أكثر رسوخا واستمرارية.

يصبح الوعي النقدي شرطا أساسيا للحفاظ على معنى الحرية الإنسانية. فكما أشار يورغن هابرماس، لا تتحقق الحرية إلا داخل فضاء للنقاش العقلاني والنقدي. المراقبة الرقمية إذا لم تُواجَه بوعي فلسفي وأخلاقي، قد تُحوّل الإنسان إلى كائن قابل للتوجيه التلقائي، دون حاجة إلى قسر مباشر. غير أن هذا الوعي نفسه يمكن أن يشكل شكلا من أشكال المقاومة الواعية.

المستقبل الرقمي مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي وتقنيات التنبؤ السلوكي، ينذر بتعميق هذه الإشكالات. فالأنظمة أصبحت قادرة على توقع الرغبات قبل أن تتبلور في وعي الفرد، وعلى التأثير في قراراته دون أن يشعر بذلك. الحرية في العصر الرقمي لم تعد معطى جاهزا، بل مشروعا أخلاقيا ومعرفيا يتطلب وعيا دائما ومساءلة مستمرة.

وإذا كان البعد المعرفي والأخلاقي للمراقبة الرقمية قد كشف عن تحولات عميقة في علاقة الإنسان بذاته، فإن البعد الزمني لهذه المراقبة لا يقل خطورة وتأثيرا. فالمراقبة في صيغتها الكلاسيكية كانت مرتبطة بالحضور الآني، باللحظة التي يُرى فيها الفرد أو يُراقَب. أما في السياق الرقمي فإن الزمن ذاته يخضع لإعادة تشكيل، حيث لا تُراقَب الأفعال فقط، بل يُعاد استحضارها باستمرار عبر الأرشفة الرقمية. كل تصرف وكل تفاعل وكل أثر رقمي يبقى محفوظا وقابلا للاستدعاء والتحليل في أي لحظة، مما يجعل الإنسان يعيش داخل زمن ممتد من المراقبة، لا ينقضي بانقضاء الفعل نفسه. الماضي الرقمي لا يمضي، بل يظل حاضرا بوصفه مادة دائمة للتقييم وإعادة التأويل.

هذا الامتداد الزمني للمراقبة يُنتج شكلا جديدا من الانضباط، حيث لا يراقب الإنسان أفعاله الراهنة فقط، بل يعيد النظر في ماضيه الرقمي، ويتحسب لتأثيره على مستقبله. وهكذا تتداخل المراقبة مع الذاكرة، وتتحول الذاكرة الرقمية إلى أداة سلطة، قادرة على إعادة تصنيف الأفراد وتحديد فرصهم وتوجيه مساراتهم الاجتماعية والمهنية. الإنسان لا يُحاسَب فقط على ما يفعل الآن، بل على ما فعله سابقا، وعلى ما قد يُستنتج من بياناته عن سلوكه المحتمل.

كما أن المراقبة الرقمية تعيد صياغة علاقة الإنسان بجسده. فالجسد الذي كان في تحليلات فوكو موقعا مركزيا لممارسة السلطة والانضباط لم يفقد أهميته، بل أُعيد ترميزه رقميا. البيانات الصحية وتتبع الحركة وأنماط النوم ومؤشرات الأداء الجسدي، كلها تُحوّل الجسد إلى مجموعة من المعطيات القابلة للقياس والتحليل. الجسد لم يعد يُضبط فقط عبر المؤسسات الطبية أو العسكرية، بل عبر تطبيقات وأجهزة يومية تُقدَّم في ظاهرها بوصفها أدوات للعناية بالذات، لكنها تساهم في إدخال الجسد ضمن منظومة مراقبة دقيقة ومستدامة.

تتقاطع المراقبة الرقمية مع منطق الاقتصاد السياسي المعاصر. فالبيانات لم تعد مجرد معلومات، بل أصبحت موردا اقتصاديا بالغ القيمة. الإنسان الرقمي يُنتج البيانات باستمرار، وغالبا دون مقابل مباشر، بينما تُستثمر هذه البيانات في بناء نماذج اقتصادية قائمة على التنبؤ والتوجيه والتأثير. هكذا يصبح الفرد في آن واحد، مستهلكا للمنتجات الرقمية، ومنتِجا غير واعٍ للقيمة التي تقوم عليها هذه المنتجات. المراقبة هنا لا تخدم فقط أغراض الضبط الاجتماعي، بل تُدرج ضمن منطق السوق، حيث تتحول الحياة اليومية ذاتها إلى مادة للربح.

هذا التداخل بين المراقبة والاقتصاد يضيف بعدا سياسيا بالغ الأهمية. فالخوارزميات التي تُحلل السلوك الفردي لا تظل محايدة في المجال السياسي، بل يمكن توظيفها للتأثير في الرأي العام وتوجيه الاختيارات وإعادة تشكيل الفضاء العمومي. النقاش العمومي الذي كان يُفترض أن يقوم على التعدد والحوار، يصبح مفلترا ومُعاد تشكيله وفق منطق الخوارزميات، حيث يُعرض على الأفراد ما يتوافق مع ميولهم السابقة، مما يعمق الاستقطاب ويحدّ من إمكان التفكير النقدي المشترك.

ومع ذلك، فإن المراقبة الرقمية رغم قوتها وانتشارها، لا تلغي تماما إمكان المقاومة. غير أن هذه المقاومة لا يمكن أن تأخذ الشكل الكلاسيكي للمواجهة المباشرة، بل تتطلب وعيا جديدا بطبيعة السلطة ذاتها. فوكو أشار إلى أن حيثما توجد السلطة، توجد إمكانات المقاومة لا خارجها، بل داخل شبكاتها. في السياق الرقمي، يمكن أن تتجسد هذه المقاومة في الوعي النقدي، وفي إعادة التفكير في أنماط الاستخدام وفي المطالبة بالشفافية وفي بناء أخلاقيات رقمية تُعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية.

المقاومة هنا ليست فعلا بطوليا معزولا، بل ممارسة يومية معرفية وأخلاقية، تسعى إلى استعادة المعنى الإنساني داخل فضاء يهدد بتحويل الإنسان إلى مجرد ملف بيانات. إنها مقاومة تسعى إلى تحويل المعرفة من أداة للضبط إلى أداة للفهم، وإلى استعادة الفلسفة لدورها النقدي في مساءلة المسلّمات التقنية التي تُقدَّم بوصفها قدرا لا مفر منه.

وتغدو المراقبة الرقمية مرآة تكشف هشاشة الإنسان المعاصر بقدر ما تكشف قوته. فهي تضعه أمام حدود حريته، لكنها تفتح له أيضا إمكان التفكير في هذه الحدود. الإنسان المراقَب ليس مجرد ضحية، بل ذات قادرة، إن امتلكت الوعي على إعادة تعريف علاقتها بالسلطة وبالتقنية وبذاتها. وهنا بالضبط تتجدد الحاجة إلى الفلسفة، لا باعتبارها خطابا تجريديا، بل ممارسة نقدية تساعد الإنسان على فهم شروط وجوده في عالم لم تعد فيه السلطة صاخبة ومرئية، بل هادئة دقيقة ومتغلغلة في أدق تفاصيل الحياة اليومية.

إن الإنسان المراقَب في العصر الرقمي يعيش حالة مزدوجة، مراقَب باستمرار، ومراقب لذاته، عالِما بأن كل فعل قد يُحوّل إلى مادة للمعرفة والسلطة. هذا الواقع يضعه أمام مسؤولية معرفية وأخلاقية عميقة، تتطلب وعيا نقديا بالبيانات والخوارزميات، وقدرة على استثمار هذا الوعي لإعادة إنتاج ذاته بحرية. المراقبة الرقمية بما هي أكثر دقة وشمولا من أي زمن سابق، لا تمحو الحرية الإنسانية، بل تطرحها في سياق جديد، تتقاطع فيه المعرفة والتقنية والاجتماع. وفي هذا الصراع بين الحرية والانضباط والخصوصية والانكشاف، يظهر دور الفلسفة بوصفها أداة لفهم الذات، وإعادة بناء الفضاء العمومي ومساءلة السلطة. ويبقى الاختيار الفلسفي والمعرفي للأفراد هو ما يحدد شكل الإنسان في العالم الرقمي، بين الاستسلام والوعي وبين الانضباط الذاتي والحرية المسؤولة، وبين أن يكون مراقَبا فقط، أو أن يكون واعيا لمراقبته، فاعلا فيها، ومعيدا تعريفها بما يعزز إنسانيته في ظل شبكة لا تنام من البيانات والخوارزميات.

***

د. حمزة مولخنيف

يشير ماثيو هامرتون أستاذ الفلسفة في جامعة سنغافورة الى ان الحياة التي هي ذات معنى والحياة التي تسير على ما يرام هي ليست نفس الشيء. لو تخيلنا شخصين على فراش الموت. الأول عاش بشكل مريح، محاطا بعائلة محبة وأصدقاء، متمتعا بمتع متنوعة وانجازات طوال حياته. الشخص الثاني كرس نفسه كليا للتصدي الى اللاعدالة، محققا تغيرا اجتماعيا رائعا، ولكن بكلفة شخصية كبيرة. منْ هو الذي عاش حياة أفضل؟

الجواب يعتمد على ما نعنيه بكلمة "افضل". الفلاسفة منذ وقت طويل اعترفوا اننا عندما نسمي الحياة "جيدة" نعني مختلف الأشياء. لذا نحن ربما نتحدث عن الخير الأخلاقي للحياة – الى أي مدى كان الشخص فاضلا – او جودتها للفرد - الى أي مدى كانت الحياة جيدة للشخص الذي عاشها. لكن هناك بُعد ثالث أحيانا نتجاهله وهو كم كانت الحياة ذات معنى. هذا يعطينا ثلاثة أسئلة مختلفة يمكننا طرحها حول أي حياة:

أولا: هل كانت الحياة جيدة من الناحية الأخلاقية؟

ثانيا: هل سارت الأمور جيدا للشخص الذي عاشها؟

ثالثا: هل هي حياة ذات معنى؟

هذه الأسئلة تسير باتجاهات مختلفة. الحياة المثالية أخلاقيا ربما تستلزم معاناة لأجل الاخرين، مما يجعلها أقل عناية بالذات. الحياة ذات معنى ربما تتطلب أيضا تضحيات تقلل من الرفاهية الشخصية. ان فهم هذه التوترات يساعدنا في التنقل بين خياراتنا حول الكيفية التي نعيش بها.

هل المعنى ليس الاّ رفاهية متنكرة؟

هنا يصبح الموضوع مثير فلسفيا. عندما نختبر الأشياء التي تجعل الحياة ذات معنى، نحن نجد تشابها ملفتا مع الأشياء التي تجعل الحياة تسير بشكل جيد. نظريات كل من المعنى والرفاهية تأتي في أنواع ذاتية تجذب خيرات متداخلة مثل الحب، المعرفة، الإنجاز، التجارب الجمالية. هذا يثير سؤالا غير مريح: هل "المعنى في الحياة" فقط طريقة أخرى للحديث عن الرفاهية؟ عندما يشكو شخص ما ان حياته تفتقر الى معنى، هو في الحقيقة فقط يقول انه يفتقر الى عنصر مهم للرفاهية.

لننظر بأوجه التشابه. النظريات الذاتية للرفاهية تقول ان حياتك تسير على ما يرام عندما انت راض، رغباتك متحققة، او انت تمارس المتعة. بعض نظريات المعنى تطرح ادعاءات مشابهه حول الهدفية. النظريات الموضوعية للرفاهية تشير الى الخير مثل المعرفة والحب والانجاز كونها ثمينة للشخص الذي يمتلكها. نظريات المعنى تشير بالضبط الى نفس الخيرات كمصدر لأهمية الحياة.

هذا التشابه محير. اذا كان المعنى والرفاهية حقا متميزين، لماذا تبدو نظرياتهما متشابهة جدا؟ اكثر التوضيحات هي انهما في الحقيقة نفس الشيء – أي "المعنى" هو فقط طريقة انيقة للحديث عن مظاهر معينة للرفاهية.

ثلاثة دفاعات فاشلة

حاول الفلاسفة طرح عدة استراتيجيات للحفاظ على المعنى كصنف متميز لكن لم ينجح أي منها.

الاستراتيجية الأولى: مختلف أنواع الخير

يرى البعض ان الرفاهية تتعلق فقط بخيرات ذاتية مثل المتعة، بينما المعنى يتعلق فقط بخيرات موضوعية مثل الإنجاز. لكن هذا يبدو لا يمكن الدفاع عنه. اذا انت تعترف ان الإنجاز ثمين، اليس من السيء ان تفتقر حياتك له؟

الاستراتيجية الثانية: المتعة لا تهم بالنسبة للمعنى

اتجاه آخر يدّعي انه بينما تساهم المتعة بالرفاهية، فهي لا تساهم ابدا بشكل مباشر بالمعنى. قارن بين حياتين كسولتين متساويتين تشاهدان مسلسلات كوميدية وتأكلان طعاما بلا قيمة غذائية. افرض ان احدى الحياتين ممتعة اكثر من الأخرى. من منظور الرفاهية، الحياة الأكثر متعة تبدو أحسن للعيش. لكن من منظور المعنى، كلا الحياتين تبدوان بلا معنى. ان المشكلة هنا هي انه حتى لو كان هذا الجدال صالحا، فهو فقط يبيّن ان المعنى يختلف عن مظاهر الرفاهية المتصلة بالمتعة. العناصر الغير مرتبطة بالمتعة لاتزال تتداخل كليا، وبهذا يكون "المعنى" فقط طريقة مؤدبة للحديث عن تلك المظاهر الأخرى للرفاهية.

الاستراتيجية الثالثة: مختلف النتائج

البعض يجادل ان أشياء معينة تضيف معنى بدون تعزيز الرفاهية. لننظر في المكافح لأجل الحرية الذي يموت شامخا لأجل الاستقلال. تضحياته تبدو ذات معنى عميق، لكن بالتأكيد انه سيكون افضل حالا لو بقي على قيد الحياة ليستمتع بمزيد من خيرات الحياة. او لنتصور فينسيت فان جوخ الذي أضافت آثاره الفنية معنى لحياته بعد موته (مع ان لوحة واحدة فقط بيعت اثناء حياته). كيف يمكن لأي حدث بعد الموت يحسّن الرفاهية الشخصية للفرد؟ هذه الحالات تبين ان المعنى والرفاهية منفصلان. مع ذلك، نظريات الرفاهية يمكن ان تستوعب كلا المثالين. اذا كانت رغبة المدافع عن الحرية التي هي أقوى من رغبته بحياة مريحة وطويلة تدعم قضيته، عندئذ فان نظريات اشباع الرغبة تقول ان التضحية بنفسه تدعم رفاهيته. والنظريات الموضوعية التي تتضمن تميز أخلاقي ستقول ان التضحية البطولية بالذات تعزز بشكل كبير التميز الأخلاقي في حياته أيضا وهكذا تعزز الرفاهية. وبالمثل، لو أراد فان كوخ التقدير لفنه، فان الاعتراف النهائي به أشبع هذه الرغبة حتى بعد وفاته، بينما يمكن للنظريات الموضوعية ان تعتبر تأثيره الفني الدائم إنجازا ساهم الاعتراف به بعد وفاته في إكتماله.

المعنى

هنا اتجاه جديد يحتفظ بالمعنى كشكل متميز حقا عن الرفاهية بينما يوضح التشابهات بينهما. كل من المعنى والرفاهية يبرزان من نفس الخيرات الأساسية – حب، معرفة، انجاز، تميز أخلاقي، تجربة جمالية، وغيرها – لكنهما يختلفان في الكيفية التي تجتمع بها هذه الخيرات لإنتاج قيمة. المقادير ربما ذاتها لكن الوصفات تختلف. بالنسبة للرفاهية، ما يهم ليس فقط الكمية الكلية للأشياء الجيدة في حياتك، وانما أيضا توازنها. انظر شخص ما يصبح قائدا أخلاقيا استثنائيا في جماعته لكنه يمتلك القليل من الوقت لعلاقات شخصية، متابعات فكرية، او تقدير جمالي. الان تصور شخص ما آخر يعيش حياة متكاملة لكن نسبيا حياة غير استثنائية، ينجز نجاحا معتدل في جميع هذه المجالات. حتى لو كلتا الحياتين تحتويان بالضبط على نفس الكمية الكلية للخير، فان الحياة المتوازنة بديهيا تبدو افضل للفرد الذي يعيشها.

نستطيع التفكير أبعد من ذلك: لو تصورنا حياة غير متوازنة ركزت كليا على انجاز فكري يحتوي على 100 وحدة من الخير، مقابل حياة متوازنة جيدا تحتوي على المعرفة، العلاقات، التقدير الجمالي، وتطور أخلاقي تشكل بمجموعها 98 وحدة. رغم ان الحياة المتوازنة تمتلك القليل نسبيا من الخير الكلي، ألا تزال افضل للفرد الذي يعيشها؟

بالنسبة للمعنى، التوازن يبدو غير ملائم. ما يجعل الحياة ذات معنى في ظل هذه الرؤية هو الكمية الهائلة من الخيرات الثمينة التي تحتويها بصرف النظر عن الكيفية التي توزع بها. الخير الكلي الأخلاقي الذي تخلقه حياتك او ترتبط به،هو الأكثر أهمية وتأثيرا، وبهذا يصبح الأكثر معنى. انظر ليوناردو دافنشي الذي شغل كل حياته بالفن والعلم والهندسة والفلسفة بتوازن ملحوظ. الآن قارنهُ بشخص آخر تركز حياته كثيرا على الفيزياء والرياضيات. كلاهما عاش حياة ذات معنى استثنائي لكن دافنشي لم يضف معنى وراء ما قدمه من انجاز كلي. إنجازاته المتكاملة جيدا ربما جعلت حياته أحسن له لكن المعنى جاء من الكمية الهائلة من الخيرات القيّمة التي احتوت عليها حياته.

هذا التمييز يساعد في توضيح الحيوات ذات المعنى المثالي. لو نظرنا الى شخصيات مثل غاندي، ماري كوري، او بيكاسو. جميعهم عاش حياة غير متوازنة، ركزوا بكثافة على نطاق ضيق من الخيرات بدلا من السعي لإنجاز متكامل. المعنى بالنسبة لهم جاء من كميات استثنائية من الخيرات – فضيلة، معرفة، او جمال فني – نالوه ليس من التوازن بين مختلف الخيرات.

مأزق دارون وخيار بارفت

قدم تشارلس دارون توضيحا هاما عن إمكانية انفصال المعنى عن الرفاهية. تركيز ذهن دارون فقط على العمل العلمي قاد الى اكتشافات استثنائية مذهلة منحت حياته معنى هائلا. لكن دارون ذاته ندم لاحقا على خياره، قائلا لبنته انه رغب لو لم يتقوقع ذهنه عبر تجاهل الشعر والاهتمامات الأخرى التي جلبت له البهجة في يوم ما. منْ هو على صواب؟ دارون ام المعجبون به الذين يشيدون بحياته المركزة؟ يمكن القول ان كلاهما على صواب، لكن بطرق مختلفة. من منظور المعنى، خيار دارون كان صحيحا. جهده المركز انتج من الخير الكلي اكبر مما كان يمكن ان يحققه نهج اكثر توازنا. لكن من منظور الرفاهية، تقييم دارون الذاتي ربما صحيح. الحياة الأكثر توازنا، مع اهتمام في البايولوجي وايضا مع مزيد من الوقت للاهتمامات الأخرى، ربما يكون أحسن له شخصيا حتى لو انجز القليل.

انظر أيضا الى الفيلسوف البريطاني ديريك بارفت Derek Parfit (1942-2017)، يمكن القول انه ابرز فيلسوف أخلاقي مؤثر في القرن العشرين. في حياته المبكرة، اظهر بارفيت موهبة استثنائية عبر مجالات متعددة – هو برع اكاديميا، حرر اشهر مجلة للطلاب في أكسفورد، عزف موسيقى الجاز، كتب الشعر، وانخرط في سياسة الطلاب. كان يمكن ان يعيش حياة متغيرة واسعة ثرية الإنجاز. لكن بدلا من ذلك، اختار بارفت التخصص الشديد، ليصبح هوسه الوحيد حول الفلسفة. هو أوقف الاجازات السياحية، تخلى عن اهتماماته الأخرى، وعاش شكلا غريب الاطوار – يقرأ الفلسفة وهو ينظف اسنانه بالفرشاة وحتى انه يأكل نفس الطعام كل يوم لكي يقلل وقت اعداد الطعام – كل ذلك لمضاعفة الوقت الذي يخصصه للفلسفة. في معظم المعايير، هذا الخيار انتج حياة ذات معنى استثنائي – أفكاره الرائدة أعادت تشكيل الفلسفة الأخلاقية، لكن هل كانت أحسن حياة لباريف ذاته؟

العديد من الناس سيجدون شيئا مزعجا حول عيش غير متوازن كهذا، حتى مع علمهم ان ذلك سيسمح لهم بترك بصمة اكبر على العالم. هذا يشير الى انه بينما خيار بارفيت ضاعف المعنى (الخير الكلي المنتج)، لكنه لم يضاعف رفاهيته الشخصية (خير متوازن). هذا النوع من المقايضة برز طوال حياة الانسان، من خيارات العمل المهني الى العلاقات وحتى الهوايات. الخير الكلي (المعنى) او توزيع متوازن بشكل جيد للخيرات (الرفاهية). ان فهم هذا التوتر يساعدنا في عمل قرارات اكثر تعقلا حول كيف ان نعيش.

العيش مع التوتر

 هذا التحليل لا يحل التوتر الأساسي بين المعنى والرفاهية، وانما هو يوضحه. أحيانا هما يصطفان: نحن لانزال بإمكاننا السعي للمعنى وفي نفس الوقت نحافظ على توازن جيد في حياتنا. لكنهما في الغالب ينفصلان فيجبراننا على الاختيار.

الفكرة الأساسية هي ان كلاهما يهم، لكن بطرق مختلفة. المعنى يتحدث الى رغباتنا بعمل تأثير هام، لنرتبط مع او نخلق قيمة حقيقية في العالم، اما الرفاهية تتحدث الى رغبتنا بحياة تسير بشكل جيد لنا كما يعيشها الناس. بعض الناس يفضلون المعنى، يقبلون التكاليف الشخصية لأجل تأثير اكبر. آخرون يفضلون الرفاهية، يبحثون عن حياة ثرية متوازنة حتى لو كان هذا يعني أقل انجاز. لكن لا طرف يبقى اوتوماتيكيا اكثر أهمية من الآخر. معظمنا يتنقل بين هذين القطبين، صانعا مختلف الخيارات في مختلف الأوقات.

ان فهم هذا الفرق سوف لن يحل لغز كيفية العيش، لكنه يساعد في التفكير بوضوح اكثر حول ما نختار من بين تلك. عندما نشعر بالتمزق بين متابعة عواطفنا بكثافة او الحفاظ على التوازن في حياتنا، نحن نشعر بجاذبية المعنى ضد الرفاهية. عندما نتساءل ما اذا كنا نعمل تضحية شخصية لسبب نؤمن به، هنا نحن ربما نوازن المعنى ضد الرفاهية.

هذا التحليل له آثار ملموسة. انه يقترح ان الناس يسألون "ماذا يجب ان أعمل بحياتي؟" هل اختار ضمنا بين نوعين مختلفين من القيمة. هل تريد تعظيم تأثيرك الإيجابي على العالم حتى لو يتطلب هذا التضحية بالتوازن وبالقناعة الشخصية؟ ام انك تريد حياة تسير على ما يرام لك حتى لو يعني هذا أقل إنجازا؟

هناك حكمة في كلا الاتجاهين. الباحث عن المعنى الذي يضحي بالراحة الشخصية لأجل تأثير أكبر يستحق احترامنا واعجابنا. لكن هذا أيضا ينطبق على الشخص الذي يختار حياة متوازنة من انجاز معتدل في عدة ميادين. كلاهما يستجيبان لمصدر حقيقي للقيمة. ربما أعمق بصيرة هنا هي ان السؤال القديم "كيف يجب ان أعيش؟" لا يمتلك جوابا منفردا لأنه في الحقيقة سؤالان: "كيف يمكن ان أعيش بمعنى؟" و "كيف يمكن ان أعيش بشكل جيد؟" أحيانا هما يشيران الى نفس الاتجاه - لكن عندما لا يشيران، نحن يجب ان نختار – وذلك الخيار يكشف أي نوع من القيمة نهتم بها بعمق.

الشيء السار هو ان فهم هذا الخيار يمكن ان يساعدنا في جعله أكثر حكمة، مع وعي كامل بما نحصل عليه وبما نتخلى عنه. في عالم غالبا ما يقدم لنا ثنائيات زائفة، فان تمييز التوتر الحقيقي بين المعنى والرفاهية وشرعية كل منهما ربما هو ذاته شكل من الحكمة.

***

حاتم حميد محسن

المعرفة لا يمكن أن تكون مجرد جمع للحقائق أو تراكم للمعلومات. إنها مسار مستمر من التساؤل والمراجعة، حيث يختبر الفكر حدود إدراكه ويواجه هشاشة اليقين. منذ باشلار الذي رأى في تاريخ العلم سجلا للأخطاء والنقد، وحتى ديكارت الذي جعل الشك شرطا للوعي، يتجلى أن كل معرفة حقيقية تقوم على قدرة العقل على مساءلة ذاته، ومراجعة أدواته ومفاهيمه. في هذا الإطار، يبرز التأويل كفضاء إبستمولوجي يتيح للمعرفة تجاوز الانغلاق على الثوابت، ويحوّل التجربة الفكرية إلى رحلة حيّة بين الذات والعالم، بين السؤال والإجابة، بين الخطأ والفهم.

إن المعرفة، في جوهرها، لا تنفصل عن نقدها. كل علم يظل معلقا في فضاء الشك حين يفقد مرآة مراجعة ذاته. وهو ما لاحظه باشلار عندما أشار إلى أن تاريخ العلم ليس سوى تاريخ أخطاء، تاريخ ملازمة النقد ومداومة المراجعة، حيث لا يتقدم الفكر إلا حين يواجه حدود فهمه ويستكشف ثغرات يقينه. ودون ضوء هذه الملازمة، يتيه العقل في متاهة المينوتور، متوهّما امتلاك الطريق، ومقفلا على سرّه الخاص، بلا مراسلة بين الحقيقة والشاهد.

فالنقد هنا لا ينفي المعرفة، بل يمنحها العمق، يحول الخطأ إلى معلم، والخطيئة إلى نقطة انطلاق. كل مراجعة للعلم، كل تأمل في زواياه المظلمة، هو صدى للحياة نفسها، حيث تصبح المعرفة فعلا حيا، يتحرك بالوعي والتأمل، متواصلا مع ذاته ومع ما هو خارجها، متجاوزا الانغلاق على الثابت، متصلا بالرحلة التي لا تنتهي نحو فهم أوسع وأشد حيادية.

في هذا الفضاء، يصبح الخطأ صديقا، والنقد وسيلة للضوء. كل إشراقة معرفية تولد من مواجهته، وكل تيه في المتاهة يُفضي إلى مسار جديد، حيث العقل يتعرف على ذاته من خلال حدود ما لا يعرفه، ويصبح البحث المستمر عن الحقيقة رحلة أبدية، ليست للامتلاك بل للمعايشة، حيث المعرفة نفسها تتجدد وتتنفس عبر مراجعتها ونقدها.

وفي أفق نظرية المعرفة، حيث تتقاطع الأسئلة المؤسسة مع قلق الفكر المعاصر، يبرز مفهوم التأويل كأحد المفاصل الحاسمة في إعادة التفكير في معنى المعرفة وحدودها وشروط إمكانها. فالتأويل لم يعد مجرّد أداة تفسيرية ملحقة بالفعل المعرفي، وإنما أضحى فضاءً إبستمولوجياً تتداخل فيه اللغة والتاريخ والذات، وتتزعزع داخله ادعاءات اليقين المستقر. ومن هذا المنظور، يتقاطع التأويل مع البراديغمات الثقافية الراهنة التي تعيد مساءلة أسس التفلسف ذاته، وتدفعه إلى مراجعة مسلّماته القديمة.

لقد ظل التصور الكلاسيكي للمعرفة مشدودا إلى ثنائية التجربة والعقل، حيث تُفهم الحقيقة باعتبارها نتيجة مطابقة بين الذهن والواقع، أو ثمرة لاستدلال منطقي قادر على اختراق الظواهر. غير أن هذا التصور سرعان ما اصطدم بحدوده التاريخية والسوسيولوجية، إذ تبيّن أن المعرفة تتشكّل داخل أنساق رمزية وسياقات ثقافية مخصوصة، وأن الفهم لا يتحقق إلا عبر وسائط لغوية وتأويلية تُحمّله آثار الزمن والموقع والذات العارفة.

وعند هذا الحد، يتخذ السؤال الإبستمولوجي طابعا أكثر راديكالية: هل في مقدور الفكر الإنساني أن يبلغ حقائق مطلقة، أم أن أقصى ما يبلغه هو أشكال نسبية من المعنى؟ فمحاولات الإحاطة بطبيعة الزمن أو الوعي تكشف عن مفارقة جوهرية. إذ كلما اقتربنا من الموضوع ازداد انفلاته، وكأن الفكر يواجه نفسه وهو يحاول أن يفكر شروطه الخاصة. فالزمن لا يدرك إلا من خلال آثاره، والوعي لا ينكشف إلا بوصفه تجربة متشظية، عصية على القبض الكلي.

في هذا المجال الرمادي، حيث تتقاطع المعرفة مع الارتياب، يستعيد الشك الفلسفي مكانته التأسيسية. فشك ديكارت لم يكن موقفاً عدميا، بل تمرينا جذريا على مساءلة البداهات، ووعيا بأن كل يقين غير ممتحَن يظل هشا. إن إعلان "أنا أشك، إذن أنا موجود" يؤسس لذات واعية بحدودها، ذات تدرك أن وجودها المعرفي يتحدد بقدرتها على مساءلة ما يبدو بديهيا

هكذا تتبدل صورة المعرفة في أفقها المعاصر، فهي لم تعد وعدا بيقين نهائي، وإنما ممارسة مفتوحة على التعدد والاختلاف. يصبح الفهم سيرورة لا تنتهي، ويغدو التأويل أفقا ضروريا لكل ادعاء بالحقيقة، حيث لا تُمتلك المعاني مرة واحدة، بل تُبنى باستمرار في حركة لا نهائية من القراءة والتأويل وإعادة الفهم.

المعرفة في جوهرها، عملية مستمرة من التوليد والتأمل، لا تستقر إلا في حركة النقد وإعادة التقييم. كل شك، وكل خطأ، يصبح أداة لاكتشاف أعماق الوعي وحدود الفكر، وحيث تتحول الحدود إلى مساحات للحرية والإبداع. فالتأويل يجعل من المعرفة ممارسة لا نهائية، ومسارا متواصلا نحو فهم أوسع وأكثر حيادية.

في النهاية، ليس المهم امتلاك الحقيقة، بل العيش في ضوئها ومراجعتها، لتظل المعرفة نفسها حية، متجددة، ومتصلة بالحياة والذات في كل لحظة من لحظات الفهم.

***

مصطفـــى غَلْمـــان

تحولات الفلسفة الحديثة والعلم المعاصر

يشهد الفكر الإنساني المعاصر منعطفاً إبستمولوجياً حاسماً، يتسم بتصدع الأسس الأنطولوجية والمعرفية التي شيدت عليها الحداثة الغربية صرحها طيلة القرون الثلاثة الماضية. يسعى هذا البحث، عبر قراءة تقاطعية لأحدث الأدبيات العلمية والفلسفية، إلى تبيان كيف أدت كشوفات فيزياء الكم إلى تقويض مفاهيم "الموضوعية المطلقة" و"الحتمية السببية". وبالتوازي، البحث في تفكيك العلوم العصبية لمفهوم "الذات الموحدة" و"الكوجيتو" الديكارتي، واستبدالهما بنماذج بيولوجية موزعة. والانتهاء بدمج رؤى علم النفس التحليلي التي أعادت الاعتبار لـ “اللاوعي" كنقيض لمفهوم "اللوح الفارغ". يخلص البحث إلى اقتراح إطار تفسيري جديد ينتقل بنا من "ثنائية" الجوهر" إلى "أحادية الجانب المزدوج"."

 تشريح النموذج الكلاسيكي وأزمة اليقين

لقد هيمن على المخيال الفلسفي والعلمي الغربي، منذ القرن السابع عشر وحتى نهايات القرن التاسع عشر، براديغم متماسك، وعد الإنسان بالقدرة المطلقة على فهم الكون والسيطرة عليه. لم يكن هذا النموذج مجرد نظريات متناثرة، بل شكّل "نسقاً مضمراً" للتفكير، قام على تقاطع ثلاث مسارات كبرى:

المسار الأنطولوجي (الميكانيكي):

 دشنه نيوتن وغاليليو، حيث الكون آلة ميكانيكية ضخمة، والمادة جوهر صلب، والزمان والمكان حاويات مطلقة. تُوج هذا المسار بفرضية "شيطان لابلاس"؛ ذلك العقل الافتراضي القادر على التنبؤ بحركة الوجود كله لو توفرت له المعطيات الأولية، مما كرس مبدأ "الحتمية الصلبة".

المسار الميتافيزيقي (الذات المتعالية):

 أسسه رينيه ديكارت عبر "الكوجيتو" (أنا أفكر، إذن أنا موجود)، مرسخاً فصلاً أنطولوجياً بين "الجوهر المفكر" (الروح/العقل) و"الجوهر الممتد" (المادة). هذا الفصل منح الإنسان مكانة "المراقب المتعالي" المستقل عن قوانين الطبيعة العمياء.

المسار الإبستمولوجي (المعرفي):

 تنازعته "التجريبية" التي رأت العقل "لوحاً فارغاً"، و"النقدية" التي رأت أن العقل يفرض قوالبه القبلية. وكلاهما افترض وجود "عقلانية عالمية موحدة".

إلا أن الاكتشافات العلمية في القرن العشرين لم تكتفِ بتعديل هذا النموذج، بل قامت بنسفه، واضعةً البشرية أمام "تحول براديغمي" جذري:

انهيار الحتمية المادية:

من اليقين إلى الاحتمال كانت الفيزياء الكلاسيكية تفترض "الواقعية المحلية".

شيطان لابلاس في مواجهة مبدأ الريبة

يرتكز مفهوم الحتمية الكلاسيكي على إمكانية التحديد الدقيق للحالة الفيزيائية. في عام 1927، وجه فيرنر هايزنبرغ ضربة قاصمة لهذا الافتراض عبر "مبدأ الريبة".

ينص المبدأ على استحالة قياس أزواج معينة من الخصائص (الموقع والزخم) بدقة تامة آنياً. التفسير الفلسفي لهذا المبدأ هو الأخطر: "الريبة" ليست ناتجة عن قصور في أدوات القياس (جهل إبستمولوجي)، بل هي خاصية متأصلة في الطبيعة (لا-تحدد أونتولوجي). الجسيم ليس له موقع محدد قبل القياس، بل هو دالة موجية من الاحتمالات. وهذا يعني أن "شيطان لابلاس" مستحيل الوجود، لأن المعلومات التي يحتاجها للتنبؤ بالمستقبل غير موجودة أصلاً في الحاضر قبل أن يتم رصدها. بذلك، سقطت الحتمية الصارمة التي حكمت فلسفة سبينوزا وكانط.

تفكيك الكوجيتو ووهم الذات الحرة

إذا كانت الفيزياء قد زعزعت ثقتنا في "الموضوع" الخارجي، فإن العلوم العصبية شنت هجوماً موازياً على "الذات" الداخلية:

"خطأ ديكارت": العقل المتجسد

بنى ديكارت فلسفته على استقلال العقل عن الجسد. يجادل عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو في كتابه خطأ ديكارت بأن هذا الفصل خطأ بيولوجي وفلسفي. أظهرت دراسات التلف الدماغي (مثل حالة إليوت وفينس غيج) أن القدرة على "التعقل" تعتمد كلياً على الأنظمة العاطفية والجسدية. العقل ليس وليس جوهراً مفارقاً، بل هو وظيفة متجسدة. بمعزل عن "الشعور"

 الدماغ المشطور ووهم الوحدة

تحدى كانط شكوك هيوم حول الذات بفرضية "وحدة الإدراك المتعالية". لكن أبحاث روجر سبيري ومايكل غازانيغا على مرضى "الدماغ المشطور “قدمت دليلاً تجريبياً ضد هذه الوحدة.

اكتشف غازانيغا ما سماه "وحدة التأويل" في النصف الأيسر للدماغ، ووظيفتها اختلاق تبريرات وقصص منطقية بأثر رجعي لتفسير سلوكيات صدرت عن عمليات لا واعية. النتيجة الفلسفية:

 شعورنا بأننا "ذات موحدة" هو وهم سردي يخلطه الدماغ للحفاظ على التماسك النفسي.

من الميتافيزيقا إلى البيولوجيا العصبية

وضعت العلوم العصبية مفهوم "الإرادة الحرة" تحت المجهر:

تجارب بنيامين ليبت: أظهرت أن النشاط الدماغي الممهد للحركة يبدأ قبل الوعي بالرغبة في الحركة بمئات المللي ثانية.

الحتمية البيولوجية:

يجادل روبرت سابولسكي بأن السلوك البشري نتاج تراكب معقد من المسببات البيولوجية والبيئية التي لا تترك فجوة لـ “إرادة سحرية"

الإدراك المتجسد:

 يوضح جورج لاكوف ومارك جونسون أن المفاهيم المجردة (كالزمن والأخلاق) هي استعارات مجازية مشتقة من خبرتنا الجسدية-الحركية، مما يقوض المشروع الكانطي لتأسيس عقل خالص ومجرد.

نقد العقلانية: منظور علم النفس التحليلي

بينما فكك العلم المادي الآليات، قام علم النفس التحليلي (مدرسة كارل يونغ) بتفكيك "المعنى"، كاشفاً عن الجذور اللاواعية للعقلانية:

الذات (Self) مقابل الأنا (Ego)

في الفلسفة الكلاسيكية، "الأنا" هي المركز. أما عند يونغ، فالأنا ليست سوى قشرة رقيقة تطفو على محيط اللاوعي. المركز الحقيقي هو "الذات" واللاوعي معاً. ونقد يونغ للعقلانية التنويرية يكمن في تحذيره من "التضخم النفسي"؛ حين تتماهى الأنا مع العقل وتقمع الجانب اللاعقلاني (الظلال)، مما يؤدي لعودة المكبوت بشكل وحشي، كما تجلى في حروب القرن العشرين.

نحو تركيب جديد: فرضية باولي-يونغ ووحدة الواقع

"لعل أعمق نقطة التقاء بين الفيزياء وعلم النفس تتمثل في التعاون الفكري الفريد بين الفيزيائي الحائز على نوبل "فولفغانغ باولي" وعالم النفس "كارل يونغ"." (“غالب المسعودي - تفكيك البراديغمات الكلاسيكية: مقاربة نقدية لتحولات ...”) لقد رأى كلاهما أن انهيار السببية في فيزياء الكم وتشابه النماذج.. في العقل البشري يشيران إلى أصل مشترك.

الإبستمولوجيا التطورية وتطبيع "القبلي":

 في سياق تمهيدي لهذا التركيب، أعاد كونراد لورنتز (1941) تفسير "القبليات" الكانطية (الزمان والمكان) تفسيراً بيولوجياً. فما هو "قبلي" بالنسبة للفرد هو "بعدي" بالنسبة للنوع؛ أي أن جهازنا العصبي تطور ليدرك العالم بهذه الطريقة لخدمة البقاء.

 من الثنائية إلى "أحادية الجانب المزدوج":

ان هذه الرحلة النقدية بفرضية "احادية الجانب المزدوج" يظهر الواقع كعمليات فيزيائية (دماغية) وتارة كخبرة ذاتية (نفسية) لا يعود الإنسان مراقباً مفصولاً عن الطبيعة، بل مشاركاً في صياغة واقع هو جزء لا يتجزأ منه، مما يعيد للوجود وحدته المفقودة بعد قرون من التشظي الديكارتي.

***

غالب المسعودي

........................

المراجع

Bell, J. S. (1964). "On the Einstein Podolsky Rosen paradox". Physics Physique Fizika, 1(3), 195.

Damasio, A. R. (1994). Descartes' Error: Emotion, Reason, and the Human Brain. New York: Putnam.

Gazzaniga, M. S. (2011). Who is in Charge? Free Will and the Science of the Brain. New York: Ecco.

Heisenberg, W. (1927). "Über den anschaulichen Inhalt der quantentheoretischen Kinematik und Mechanik". Zeitschrift für Physik, 43, 172-198. (“HEISENBERG, Werner. - Milestones of Science Books”)

Jung, C. G. (1969). The Archetypes and the Collective Unconscious (Collected Works, Vol. 9, Part 1). Princeton University Press.

Jung, C. G., & Pauli, W. (1955). The Interpretation of Nature and the Psyche. Pantheon Books.

Lakoff, G., & Johnson, M. (1999). "Philosophy in the Flesh: The Embodied Mind and Its Challenge to Western Thought." (“Philosophy in the flesh: the embodied mind and its...”) Basic Books.

Libet, B. (1985). "Unconscious cerebral initiative and the role of conscious will in voluntary action". (“Unconscious cerebral initiative and the role of conscious will in ...”) The Behavioral and Brain Sciences, 8, 529-566.

Lorenz, K. (1941). "Kants Lehre vom Apriorischen im Lichte gegenwärtiger Biologie". Blätter für Deutsche Philosophie, 15, 94-125.

McGinn, C. (1993). Problems in Philosophy: The Limits of Inquiry. Blackwell.

القلق الوجودي يشكل أحد أبرز محاور التفكير الفلسفي الحديث، إذ يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الإنسان وعلاقته بالعالم وموقعه الأخلاقي في الحياة. منذ فلسفة كيركغارد مرورا بالوجوديين أمثال سارتر وكامو، وصولا إلى التحليلات النفسية لفرويد، لم يكن القلق مجرد حالة شعورية عابرة، بل ظاهرة متصلة بالحرية وبالاختيار، وبمسؤولية الإنسان عن ذاته وعن العالم الذي يعيش فيه . وعند هذا الحدّ، يبرز التساؤل الأساسي: هل القلق علامة على مرض نفسي أو خلل في البنية الذاتية، أم أنه شرط ضروري لإمكان الحرية والوعي الأخلاقي؟.

كيركغارد في كتابه "الخوف والارتعاب"، قدم رؤية عميقة للقلق باعتباره تجربة أساسية للوجود الإنساني. القلق وفق هذا الفيلسوف الدنماركي ليس مجرد خوف من أحداث محددة أو تهديدات ملموسة، بل هو إحساس بالاحتمال، باللايقين، وبالمسافة بين الإمكان والواقع. الإنسان في مواجهة هذا الاحتمال يتعرض لحالة من التوتر الوجودي، لكنها ليست بالضرورة حالة مرضية؛ إنها بوابة للإدراك الذاتي وللتحرر من القوالب الجاهزة، بوابة تجعل الفرد واعيا بمسؤوليته وبخياراته وبالأفق الأخلاقي الذي يحدده لنفسه، إذ يظهر القلق كظاهرة أخلاقية قبل أن يكون حالة شعورية مرضية؛ فهو يضع الإنسان أمام نفسه وأمام قراراته وأمام الحرية التي لا يمكن التهرب منها.

سارتر الذي طور الفلسفة الوجودية الفرنسية، يربط بين القلق والحرية بشكل أكثر وضوحا. الحرية عند سارتر ليست مجرد القدرة على التصرف وفق الرغبات أو الرغبات الاجتماعية، بل هي محكّ متصل بالمسؤولية الوجودية، الإنسان "محكوم عليه بالحرية"، بمعنى أنه مضطر لتحمل العواقب الأخلاقية لاختياراته. القلق، هنا، هو الإشارة الدائمة إلى هذه الحرية، إلى الفراغ الذي يتركه عدم اليقين، وإلى اللايقين الأخلاقي الذي يفرضه الوجود. إنه شعور يصيب الفرد عند مواجهة إمكاناته اللامحدودة، عند إدراكه أن كل قرار يترك أثره في ذاته والآخرين. من هذا المنظور، القلق ليس مرضا يجب علاجه، بل أداة للتربية الأخلاقية، ووسيلة لتعميق الوعي الذاتي.

إن الجانب الطبي أو النفسي للقلق الذي ركز عليه فرويد وغيره من علماء النفس، ينظر إلى القلق بوصفه عرضا يحتاج للتخفيف أو العلاج. فرويد اعتبر القلق نتيجة لصراع داخلي بين الرغبات اللاواعية والقيود الواقعية المفروضة على الأنا، بحيث يظل الإنسان في حالة توتر مستمر. إلا أن التحليل الفلسفي يوسع نطاق النظر، فالقلق الوجودي ليس مجرد أعراض صراع داخلي، بل تجربة وجودية تسمح للفرد بأن يلتفت إلى ذاته وأن يعي حدود إمكاناته وأن يواجه مسؤولياته. بمعنى آخر، حتى لو كان القلق شعورا مؤلما، فإنه يمكن أن يكون شرطا لتحقيق الحرية الأخلاقية، شرطا لإدراك الإنسان أن وجوده ليس مسألة طبيعية تلقائية، بل تجربة تتطلب اختيارا واعيا ومواجهة مستمرة للذات.

ويمكن النظر أيضا إلى القلق على أنه اختبار أخلاقي قبل أن يكون شعوريا. الأخلاق هنا لا تعني مجرد الامتثال للقوانين أو الأعراف، بل وعيا بالاختيار وبالمسؤولية وبالتأثير الذي يمارسه الفرد على العالم والآخرين. القلق يجعل الإنسان يواجه نفسه بلا وسائط أو أعذار، ويجعله يعيد تقييم قراراته وأفعاله والقيم التي يعيش وفقها. وبناءً على ذلك، يصبح القلق أداة للاختبار الأخلاقي، أداة للفهم العميق للحرية، ولإدراك أن الحياة ليست مجرد تقليد للآخرين، بل خلق مستمر للذات وللعالم. كما يرى كامو في سياق فلسفته العبثية، أن التمرد على اللامعنى هو ما يمنح الحياة قيمتها. وهنا لا يظهر القلق فقط كتهديد للطمأنينة النفسية، بل كفرصة لخلق معنى يتجاوز العبثية الماثلة في العالم.

من ناحية تاريخية، شهدت المجتمعات الحديثة محاولات لتصنيف القلق كمرض نفسي أو اضطراب، خاصة في الطب النفسي العصري الذي ميّز بين القلق الطبيعي والقلق المرضي. القلق المرضي غالبا ما يظهر في شكل أعراض مستمرة من التوتر، الخوف، أو الوسواس، ويحتاج إلى تدخل علاجي. لكن القلق الوجودي حتى عندما يكون شديدا لا يمثل بالضرورة مرضا؛ إنه مؤشر على وعي الفرد باللامحدودية، على إدراكه لمحدودية تحكمه في الحياة، وعلى قدرته على مواجهة أسئلة المصير والاختيار. الفارق الجوهري هو في التفاعل مع القلق: المرضي يغرق الفرد في التكرار والهلع، أما الوجودي فيحث على إدراك الحرية وعلى التفكير الأخلاقي وعلى صقل الذات.

هذا التمييز يبرز بوضوح في النظرية الأخلاقية للوجوديين. الحرية الأخلاقية لا تتحقق إلا إذا كان الإنسان واعيا بالاختيار قادرا على مواجهة قلقه، واستخدامه كمرشد أخلاقي. والقلق من هذا المنظور، شرط للحرية وليس عائقا لها. إنه يشكّل النقطة التي يبدأ منها الفرد رحلة الصدق مع ذاته، ويصبح قادرا على اتخاذ قرارات تتجاوز الانقياد للروتين أو التقاليد أو الضغوط الاجتماعية. الإنسان الذي يتجاهل قلقه أو يحاول الهروب منه، يفقد جزءا من وعيه الأخلاقي، ويقصر قدرته على أن يكون فاعلا مسؤولا متحررا من قيود التكرار ومتصلا بمسؤوليته الذاتية.

التجربة المعاصرة للقلق تُظهر كذلك أن عالم اليوم، بتعقيداته الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، يضاعف من فرص مواجهة الإنسان للاضطراب الوجودي. سرعة المعلومات، التشتت، الفوضى الثقافية، والانشغال المستمر تجعل الإنسان يبحث عن الطمأنينة اللحظية، غالبا عبر الانغماس في العمل أو الترفيه، متجاهلا القلق العميق الذي يربطه بمعنى حياته وحرية قراراته. ويظهر الفرق بين القلق المرضي الذي يُكمّل بتجنب التفكير العميق والهروب من الذات، والقلق الأخلاقي الذي يفتح آفاق الوعي ويجعل الفرد قادرا على إعادة تقييم علاقته بالآخرين وبالعالم وبنفسه.

الفلسفة الوجودية إذن، تعلمنا أن القلق ليس مجرد شعور يجب التخلص منه، بل حقيقة إنسانية يجب مواجهتها واستثمارها كوسيلة لتحقيق الحرية والمسؤولية الأخلاقية.

كما أن القلق لا يقتصر على تجربة الفرد فحسب، بل يتجاوزها إلى البعد الاجتماعي. فالإنسان الذي يعيش قلقه بوعيٍ أخلاقي يغدو أكثر قدرة على ممارسة حريته في علاقةٍ واعية بالآخرين، وأكثر إدراكا لأثر قراراته في محيطه، وأشدّ استعدادا لتحمّل المسؤولية الاجتماعية. فالأخلاق لا تنحصر في الباطن الذاتي، بل تتجسّد في علاقة الإنسان بالعالم، وفي قدرته على الفعل بطريقة تعكس وعيه بالآخرين بقدر ما تعكس وعيه بذاته. وعليه، لا يكون القلق عامل انغلاق أو عزلة، بل أفقا لتعميق التفاعل الاجتماعي، وسلوكا أخلاقيا يجعل الحرية الفردية في تناغمٍ خلاق مع مسؤولياتها تجاه المجتمع.

الجانب الأدبي والفني للقلق يكشف أيضا عن بعد آخر من أبعاده الأخلاقية والوجودية. الأدب والفن غالبا ما ينبع من تجربة القلق، ليس بوصفه مرضا، بل كشرط للإبداع، كوسيلة لإعادة صياغة الوعي، وفهم الطبيعة العميقة للوجود. في الأدب الكلاسيكي والمعاصر، تظهر الشخصيات وهي تواجه حالة قلق عميقة، وتنتقل من حالة الخوف إلى حالة إدراك أعمق لحرية خياراتها، ولقدرتها على التأثير على العالم من حولها. هذا الانتقال يعكس ما يمكن تسميته بالتحول الأخلاقي: القلق، بدل أن يكون عائقا، يصبح محفزا للإبداع، للتفكير النقدي وللتصرف الأخلاقي الواعي.

تجربة القلق الوجودي تتداخل مع البعد الزمني للحياة الإنسانية. إنها تجربة مستمرة، لا تبدأ عند لحظة معينة ولا تنتهي بانتهاء حدث معين. القلق يرافق الإنسان في رحلة حياته، يشكّل جزءا من إدراكه للزمن، وللإمكانات المتاحة أمامه، ولحقيقة أن كل لحظة تحمل معها خيارات ومسؤوليات جديدة. الفلاسفة مثل هيجل يرون أن وعي الإنسان يتشكل في التفاعل مع العالم والآخر، والقلق هو مؤشر دائم على هذه العملية، إذ يدفع الفرد إلى إعادة النظر في قراراته ومراجعة مواقفه ومساءلة ذاته.

القلق حين يُفهم بوصفه تجربة وجودية وليس مجرد اضطراب شعوري، يظل مؤشرا على أن الإنسان لم يتخلى عن وعيه بالحرية، ولم يستسلم لجمود الروتين أو الطمأنينة الزائفة. إنه في جوهره اختبار أخلاقي دائم: هل أستسلم لما هو مفروض، أم أواجه اللايقين، وأصنع قراراتي بشكل واعٍ؟.

يصبح القلق بمثابة بوصلة داخلية، تشير إلى المسار الذي يقتضيه الوعي الأخلاقي، إلى حدود الحرية الممكنة وإلى إمكان الإنسان في أن يكون فاعلاً حقيقيا، لا مجرد متلقٍ سلبي للظروف والأحداث. حينها، يمكن فهم القلق كأداة للتمايز بين وجود أعمى وبين وجود واعٍ ومسؤول.

القلق ليس مجرد شعور مؤلم، بل هو حالة تأملية عميقة تتطلب من الإنسان أن يضع نفسه أمام مرايا الوجود. إنها تجربة تحدد العلاقة بين الفرد والآخرين والفرد والعالم، وبين الفرد وذاته الداخلية. فالقلق الوجودي كما يرى سارتر مرتبط بالحس الأخلاقي، لأنه ينبه الإنسان إلى المسؤولية اللامتناهية المرتبطة بالحرية: كل فعل وكل قرار وكل اختيار، يحمل أثره الخاص، ويترك بصمته في العالم وفي تجارب الآخرين. هذا البعد يجعل القلق أداة للفضيلة وأداة لإدراك حدود القدرة الشخصية، وأداة للارتقاء بالوعي الأخلاقي إلى مستوى أعلى من مجرد الامتثال الاجتماعي أو النفسي.

التفاعل مع القلق يتطلب معرفة دقيقة بالفرق بين القلق المرضي والقلق الأخلاقي. القلق المرضي يغرق الإنسان في الخوف والارتباك، ويقوده غالبا إلى الانسحاب أو التهرب من مواجهة الأسئلة العميقة. بينما القلق الأخلاقي الذي ينبع من إدراك الإنسان لحرية خياراته، يحوله إلى قوة دافعة نحو الفعل الواعي. الإنسان الذي يعي قلقه ويقبله كحقيقة وجودية، يصبح قادرا على اتخاذ قرارات صائبة، متسقة مع قيمه ومع فهمه للآخرين، وبالتالي يصبح القلق شرطا أساسيا للحرية الأخلاقية. إنه ليس ثقلا يجب التخلص منه، بل أداة لإعادة بناء الذات بشكل مستمر، ولتأطير القرارات ضمن وعي أخلاقي متجدد.

إن القلق يشكل مرآة تعكس التوازن الداخلي بين الحرية والمسؤولية. الإنسان القلق الذي يعيش تجربته بشكل واعٍ، ليس عالة على المجتمع، ولا عبئا على نفسه، بل يتحول إلى كيان مسؤول قادر على التأثير في محيطه بإيجابية. إن فهم القلق بهذه الطريقة يربطه مباشرة بالبعد الاجتماعي للأخلاق؛ فالقلق الذي يتم التعامل معه بشكل واعٍ يؤدي إلى اتخاذ قرارات تراعي الآخرين وتدرك الأثر المتبادل بين الذات والبيئة وبين الفرد والمجتمع. ويمتد تأثير القلق من المجال الفردي إلى البعد الجماعي، مؤكداً أن الأخلاق والحرية مترابطتان، وأن القلق هو القاعدة التي تجعل هذا الترابط ممكنا.

علاوة على ذلك، يفتح القلق أفقا جديدا للفكر الإبداعي، سواء في الأدب أو الفلسفة أو الفن. فالتاريخ الإنساني مليء بالشواهد على أن التجربة القلقة، حين تُستثمر بشكل واعٍ، تتحول إلى مصدر للإبداع والتأمل العميق. من شكسبير إلى كامو، ومن كيركغارد إلى سارتر، نرى أن القلق كان أداة لإعادة صياغة الوعي وكشف اللامعنى، وإيجاد طرق جديدة للتعبير عن الحرية. الفن والأدب هنا لا يمثلان هروبا من القلق، بل وسيلة لاستثماره، وتحويله إلى فهم أعمق للوجود، وإلى قوة دافعة للفعل الأخلاقي، وإلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم.

إن القلق الوجودي يشكل تحديا مضاعفا. لأننا نعيش في عالم سريع، معقد، متشابك، مليء بالمعلومات والاختيارات والفرص التي تبدو لانهائية. هذا الواقع يزيد من إحساس الإنسان باللايقين، ويعزز تجربة القلق، لكنه في الوقت نفسه يوفر فرصا جديدة للحرية الأخلاقية. الإنسان المعاصر الذي يعي قلقه ويستثمره في إعادة تقييم حياته وفي مواجهة المعضلات الأخلاقية، وفي صياغة قراراته بناءً على وعي حقيقي، يحقق بذلك نوعا من الحرية الفعلية، ويؤسس لوعي أخلاقي مستمر، يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويتفاعل مع تحديات الواقع بطريقة أكثر عمقا ومسؤولية.

القلق بهذا الشكل يصبح شرطا أساسيا للحرية، إذ لا يمكن لأي وعي أخلاقي كامل أن ينشأ من طمأنينة مطلقة أو غياب للاختبارات الصعبة. الحرية كما يوضح سارتر، لا تتجسد إلا عندما يواجه الإنسان خياراته، عندما يدرك حجم المسؤولية وعندما يشعر بوزن وجوده في العالم. القلق إذن، ليس فقط اختبارا للذات، بل هو مقياس لعمق وصدق الحياة الأخلاقية. كلما ازداد الإنسان وعيا بقلقه، كلما أصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة وعلى مواجهة العبثية، وعلى إنشاء معنى وجوده بطريقة واعية ومتجددة.

الأخلاق المرتبطة بالقلق لا تقتصر على الفرد وحده، بل تمتد لتشمل الآخرين والمجتمع. الإنسان الذي يواجه قلقه بوعي يصبح أكثر قدرة على التعاطف والتفاهم، وعلى اتخاذ خيارات تراعي تأثير أفعاله على الآخرين. القلق في هذا الإطار، ليس شعورا فرديا محصورا في الذات، بل حالة أخلاقية تؤثر على العلاقات الاجتماعية، وتفرض على الإنسان التفكير في أثر قراراته على محيطه، وعلى العلاقات المتبادلة بينه وبين الآخرين. إنه تذكير دائم بأن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا بالمسؤولية، وأن الأخلاق تتشكل من خلال التفاعل الواعي بين الفرد والآخرين.

في مستواه الأعمق، يضع القلق الوجودي الإنسان أمام ضرورة التأمل المستمر في معنى الحياة وفي طبيعة وجوده، وفي حدود إمكاناته. إنه اختبار دائم للوعي وحافز على تعميق الفهم الذاتي، ومصدر لتحفيز التفكير النقدي. فالإنسان الذي يتجاهل قلقه يفقد جزءا من وعيه الأخلاقي، ويغدو أسيرا للروتين أو للتقاليد أو للتلقين الاجتماعي؛ بينما الإنسان الذي يعي هذا القلق ويستثمره يتحول إلى كائن قادر على تحرير ذاته وعلى تحقيق إمكاناته، وعلى صياغة حياته وفق فهم عميق للحرية والمسؤولية.

وبناء على ما سبق، يمكننا أن نخلص إلى أن القلق على الرغم من أنه شعور مؤلم أحيانا، هو شرط ضروري للحرية الأخلاقية ووسيلة للوعي بالذات، وأداة لفهم معنى الحياة في ضوء إمكاناتها ومحدوديتها. إنه ليس مرضا بالمعنى الكامل، ولا خللاً يجب علاجه، بل هو تجربة وجودية أساسية، تجعل الإنسان أكثر قدرة على اتخاذ قرارات صائبة، وأكثر استعدادا لتحمل مسؤولياته، وأكثر وعيا بالأثر الذي يتركه في العالم وفي حياة الآخرين. القلق هنا يتحول إلى معلم ومرشد، وإلى شرط للارتقاء بالوعي الأخلاقي، لا مجرد شعور نفسي يجب التخلص منه.

يصبح القلق الوجودي جسرا بين الإمكان والواقع والفرد والمجتمع وبين الحرية والمسؤولية. إنه يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والعالم، ويؤكد أن كل تجربة للقلق هي فرصة للتفكير وللتأمل وللتحرر من الانقياد الأعمى. القلق إذن، ليس مجرد حالة شعورية ولا مرضا نفسيا يجب التخلص منه، بل شرط أساسي للحرية الأخلاقية، ووسيلة لتحقيق إدراك أعمق للذات وللعالم، وتجربة مركزية تجعل من الإنسان كيانا واعيا مسؤولا ومتصالحا مع حقيقة وجوده.

إن القلق هو أداة الأخلاق في أرقى صورها، وهو شرط الحرية في أصدق تجلياتها. إنه مؤشر على أن الإنسان ما زال واعيا، ما زال يواجه إمكاناته وما زال يتحمل مسؤولياته، وأنه قادر على خلق معنى لحياته في عالم غير مضمون، وفي مواجهة أسئلة مستمرة حول الحرية والاختيار والمسؤولية والوجود. القلق في جوهره، هو علامة على حضور الذات، وعلى وعي الإنسان بالحرية، وعلى إمكانية تحقيق الأخلاق في أعمق مستوياتها، وهو بذلك ليس عائقا، بل بوابة لتجربة الإنسان الأكثر أصالة وصدقا.

***

د. حمزة مولخنيف

كيف يُعاد تشكيل الوعي في المجتمعات المعاصرة؟

أصبح من الصعب تصور الوعي البشري في وقتنا هذا بمعزل عن القوى المؤثرة التي تشكله، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم تقنية. فالوعي لم يعد ظاهرة طبيعية تتشكل وفق الخبرة الفردية والتأمل الذاتي فقط، بل أصبح خاضعا لشبكات معقدة من المعرفة والسلطة والتقنية، حيث تتداخل هذه القوى لتعيد إنتاج الواقع الاجتماعي والفكري. إن فهم هذه العلاقة يتطلب تجاوز النظر إلى المعرفة كموضوع ثابت، والاعتراف بأن كل معرفة تحمل في طياتها إمكانيات القوة والسيطرة، كما أشار ميشيل فوكو حين قال: "السلطة ليست مجرد تقييد أو إكراه، بل هي إنتاج للمعرفة، وتحديد لما يُعتبر حقيقة". في ضوء هذا التصور، لا تعود المعرفة مجرد أداة لتفسير العالم وفهمه، بل تتحول إلى آلية للهيمنة وتوجيه الوعي والتحكم في تمثلات الأفراد والجماعات وإدراكاتهم. حيث تلعب التقنية دور الوسيط الأساسي بين المعرفة والسلطة، فهي لا تقتصر على كونها أداة لنقل المعلومات، بل تتحول إلى جهاز يعيد صياغة المحتوى المعرفي وتوجيه الانتباه الفردي والجماعي. هانز مورافياك أشار إلى أن "الأدوات التي نستخدمها لتوسيع قدراتنا المعرفية ليست محايدة، بل تمثل نمطا محددا من التفكير يفرض نفسه على المستخدم". هذا الواقع يتجلى بوضوح في استخدام الخوارزميات التي تتحكم في ترتيب الأخبار والمحتوى على شبكات التواصل الاجتماعي، إذ تحدد هذه الخوارزميات ما يصل إلى وعي المستخدم وما يُستبعد منه، وتعيد إنتاج أنماط التفكير والسلوك الجمعي وفق منطق تقني خاضع للمعايير الاقتصادية والسياسية. وهنا يبرز السؤال الفلسفي: كيف يمكن للوعي أن يظل مستقلاً في مجتمع تُسيطر فيه التقنية على إنتاج المعرفة، وتتشابك فيها السلطة السياسية والاجتماعية لإعادة تشكيل تصورات الأفراد وسلوكياتهم؟.

لا يقتصر التأثير على المحتوى المعلوماتي فحسب، بل يتعداه إلى تشكيل إدراك الإنسان للعالم والذات. الشبكات الاجتماعية، والخوارزميات التي تديرها، تفرض أنماطا من الانتباه والاعتماد النفسي، بحيث يصبح الفرد غير واعٍ تماما للتأثيرات التي يمارسها النظام الرقمي على إدراكه. هنا تتجلى نظرية فوكو حول السلطة والمعرفة في أبعادها الرقمية، إذ تتحول المعرفة إلى قوة لا يقتصر تأثيرها على ما يُعرف، بل على كيفية الإحساس والمعاملة والتفاعل مع الواقع. ويصبح الوعي الجمعي ساحة صراع مستمر بين قوى متعددة تحاول توجيه المعلومات، وتشكيل الأولويات، وتحديد ما هو مهم وما هو هامشي.

إذا تأملنا، نجد أن إعادة إنتاج الوعي في هذا السياق تخضع لثنائية مزدوجة: أولاً، هناك ضغط معرفي لتحديد ما يُعتبر حقيقة وما يُعتبر وهما أو تضليلا، وثانياً، هناك ضغط تقني لتوجيه الانتباه وتشكيل الانفعالات والممارسات. هربرت ماركوزه وصف هذا التحكم الحديث بأنه لا يعتمد على القهر المباشر فقط، بل على القدرة على تشكيل الاحتياجات والرغبات والعواطف، مما يجعل إعادة تشكيل الوعي عملية تتجاوز الفكر لتطال المشاعر والسلوكيات أيضا. ويصير الفعل الرقمي اليوم جزءا من بنية السلطة، حيث تتشابك التقنية والسياسة لإعادة إنتاج الواقع الاجتماعي والفكري، ويصبح كل فرد موضوعا ضمن شبكة علاقات معقدة تحدد إدراكه وتصرفاته.

تتجلى أهمية التأويل النقدي للمعرفة والوعي في كونه أداة لكشف المعاني المضمرة التي تنطوي عليها أشكال إنتاج المعنى المعاصرة. وقد نبّه بول ريكور إلى أن «التأويل هو ما يمنح النصوص والظواهر دلالتها»، غير أن مجال التأويل لم يعد محصورا في النصوص الكلاسيكية، بل امتد ليشمل المعطيات الرقمية والخوارزميات. ويغدو من اللازم إخضاع المعرفة الرقمية لممارسة تأويلية نقدية، ذلك أن كل خبر وكل آلية لترشيح المحتوى وكل توصية تنتجها النظم الرقمية تنطوي على إمكانات للنفوذ والتوجيه. ومن ثمّ، يصبح الوعي النقدي مطالبا بتفكيك الأبعاد الخفية للسلطة الممارسة عبر هذه الوسائط، والتمييز بين الحقيقة والمعالجة التوجيهية للبيانات.

يتحول التأمل النقدي إلى فعل مقاومة معرفية، يمكّن الوعي من استعادة قدر من استقلاليته في مواجهة الضغوط التقنية والسياسية والاجتماعية. إضافة إلى ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي يشكل مثالا واضحا على إعادة تشكيل المعرفة والوعي. فالنماذج اللغوية وأنظمة التوصية وتقنيات التعلم الآلي لا تُنقل المعلومات فقط، بل تعيد إنتاجها وفق معايير محددة، وتفرض على المستخدمين أنماطا معرفية متكررة تتفق مع أهداف النظام الاقتصادي أو السياسي. هذه الظاهرة تذكرنا بما وصفه أورويل بـ"الحقيقة المرنة"، حيث لا يتم تحديد الحقيقة بمعزل عن السلطة التي تتحكم في إنتاج المعلومات. وإذا كانت السلطة في الماضي تستخدم المعرفة لتوجيه السلوك الاجتماعي عبر التعليم أو الإعلام التقليدي، فإنها اليوم تتسلح بالقدرة التقنية على تحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بالتصرفات والتأثير في الانتباه الجمعي. ومع ذلك، لا تعني الهيمنة التقنية أن إمكان المقاومة الفكرية قد انتفى. فالوعي النقدي كما يتجلى في تقاليد التحليل الفلسفي، يظل قادرا على تفكيك الآليات التي تضبط إنتاج المعرفة وتوجيهها، واستثمار الهوامش التي تتركها التقنية لإعادة بناء المعرفة وفق معايير الحرية والاستقلالية. وقد أشار والتر بنيامين إلى أن «التاريخ ليس سوى تراكم للحظات يمكن للوعي النقدي إعادة تشكيلها»، وهي فكرة تنطبق على علاقتنا بالبيانات الرقمية والخوارزميات، حيث تغدو لحظة الهيمنة ذاتها مجالا ممكنا للتأمل والمقاومة الفكرية عبر الفهم النقدي لآلياتها.

 يتبدّى دور الفلسفة بوصفها «نور العقل» الذي يهدي الوعي وسط العتمة التي تخلّفها تداخلات السلطة والتقنية، وذلك انسجاما مع التصور الكانطي الذي يجعل من العقل النقدي شرطا لمواجهة الهيمنة والمعرفة الموجَّهة. ولقد أضافت العولمة الرقمية بُعدا جديدا إلى هذه المعادلة، إذ لم تعد المعرفة محصورة في أطر جغرافية أو ثقافية محددة، بل أصبحت خاضعة لتأثير قوى عابرة للحدود تتحكم في تدفّق المعلومات وتوجيهها. فالشبكات الرقمية، والخوارزميات التي تديرها الشركات الكبرى والمنصات التعليمية والإعلامية، باتت جميعها تحدد ما يصل إلى الفرد، وشروط تلقيه للمعرفة وأنماط تفاعله معها. ويغدو من الضروري فهم الوعي الجمعي بوصفه نتاجا لتفاعل معقّد بين الفرد والمؤسسات والتقنية والسياسة، بحيث يستحيل فصل أحد هذه العناصر عن الآخر. إذ يعيد هذا التصور إلى الأذهان أطروحة جورج زيميل القائلة بأن «الحياة الاجتماعية شبكة من التفاعلات التي تُشكِّل الوعي والمعرفة»، وهي رؤية أساسية لفهم إشكالات المعرفة في العصر الرقمي، حيث لا يمكن تحليل الوعي بمعزل عن سياقاته التقنية والاجتماعية والسياسية.

وفي ضوء كل ما سبق، يصبح من الواضح أن إعادة تشكيل الوعي ليست مجرد تأثير سلبي للسلطة والتقنية، بل هي أيضا فرصة للتأمل النقدي، ولتطوير أدوات مقاومة تمكن الأفراد من استعادة استقلاليتهم الفكرية. إن التقنية رغم ما تحمله من هيمنة، توفر إمكانيات لفهم الواقع بشكل أعمق وتحليل المعلومات، وإعادة إنتاج المعرفة وفق معايير حرية وانتقاد. هنا تتجلى أهمية الفلسفة النقدية، التي تمنح العقل أدوات التأمل والتحليل، وتمكن الوعي من مواجهة الضغوط التقنية والسياسية، واستثمار الإمكانيات التي توفرها التقنية لإعادة صياغة المعرفة وإنتاج وعي مستقل.

إن العلاقة بين المعرفة والسلطة والتقنية تتشكل اليوم كمجال مركب من التفاعلات المعرفية والاجتماعية والسياسية، حيث لا يمكن لأي دراسة للوعي أن تغفل أي عنصر من هذه العناصر. فالوعي لم يعد مجرد إدراك للمعلومات أو الخبرة، بل هو إنتاج مستمر في سياق الشبكات التقنية والسياسية والاجتماعية، وهو مشروع نقدي مستمر لإعادة التأويل والتحليل، وإعادة إنتاج المعرفة بمعايير حرية واستقلالية.

في الامتداد العميق لهذا الأفق التحليلي، يتبيّن أن الوعي المعاصر لا يُعاد تشكيله فقط من خلال مضامين المعارف التي يتلقّاها، بل أساسا عبر الشروط غير المرئية التي تُنتَج في ظلها هذه المعارف وتُنظَّم وتُكسى بطابع المعقولية والشرعية. فالمعرفة في المجتمعات الحديثة لم تعد تُقاس بقيمتها الحقيقة فحسب، بل بمدى قابليتها للاندماج داخل منظومات تقنية واقتصادية تحدد سلفا ما يُتاح للرؤية وما يُحجب، وما يُفكَّر فيه وما يُقصى. وما نشهده اليوم هو انتقال دقيق من سلطة الخطاب إلى خطاب السلطة، حيث لم تعد الهيمنة في حاجة إلى ممارسة الإكراه المباشر، لأنها تنجح في جعل أنماط معينة من التفكير تبدو بديهية وطبيعية، بينما تُهمَّش أنماط أخرى أو تُوصَم باللاعقلانية أو بعدم الواقعية. تتشكل التقنية أكثر من مجرد وسيط محايد، وتتحول إلى بنية أنطولوجية تعيد تشكيل علاقتنا بالزمن والمعنى والذات. فالخوارزميات التي تنظّم تدفّق المعلومات لا تكتفي بتسريع الوصول إلى المعرفة، بل تعمل على إعادة صياغة أفق التوقّع نفسه، دافعةً الوعي إلى الارتهان لحاضر دائم، مثقل بالتحديث المستمر، ومفتقر إلى تلك المسافة التأملية التي شكّلت شرطًا جوهريا لممارسة الفكر النقدي. وقد تنبّه هايدغر في تحليله للتقنية، إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الآلة ذاتها، بل في الكيفية التي تجعل بها التقنية العالم «موردا» والإنسان «قابلا للتوظيف»، أي عنصرا داخل منظومة حسابية شاملة. ويكتسب هذا التحليل راهنيته اليوم في عالم تُقاس فيه قيمة المعرفة بمدى قابليتها للتحليل والتنبؤ والاستثمار.ومع سيادة منطق البيانات، يتحول الوعي إلى موضوع للقياس والتوقع، لا للفهم والتأمل. فالسلوك الإنساني الذي كان يُنظَر إليه باعتباره تعبيرا عن حرية وإرادة، أصبح يُختزل في أنماط إحصائية تُغذّي أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتُستخدم في توجيه القرارات الاقتصادية والسياسية والإعلامية. هنا يتجلى شكل جديد من السلطة، سلطة لا تأمر ولا تنهى، بل “توصي” و“تقترح” و“تُفضِّل” وتنجح، عبر هذه الليونة الظاهرية في التأثير العميق في اختيارات الأفراد. إن ما يبدو حرية في الاختيار يخفي في طياته توجيها ناعما، يجعل الفرد يعتقد أنه يقرر بنفسه، بينما هو يتحرك داخل مسارات مُعدة سلفا.

هذا التحول يعيد إلى الواجهة سؤال الحرية، لا بوصفها قدرة مجردة على الاختيار، بل بوصفها وعيا بالشروط التي يُمارَس فيها هذا الاختيار. فالحرية في ظل هيمنة التقنية، لم تعد تُهدَّد بالقمع المباشر، بل بالتشبع المفرط بالمعلومات وبالتوجيه الخفي للانتباه. وقد عبّر زيغمونت باومان عن هذا الوضع حين أشار إلى أن الإنسان المعاصر يعيش في “سيولة” دائمة، حيث تختفي الثوابت، ويصبح الوعي عرضة للتشتت، فاقدا القدرة على التماسك وبناء معنى طويل الأمد. إن هذا التشتت لا يُضعف المعرفة فقط، بل يُضعف الذات ذاتها، ويجعلها عاجزة عن بناء سردية متماسكة عن نفسها وعن العالم.

غير أن هذا الوضع لا يعني نهاية الفعل النقدي، بل يفرض إعادة تعريفه. فالنقد لم يعد يقتصر على تفكيك الخطابات الأيديولوجية الصريحة، بل أصبح مطالبا بتحليل البنى التقنية التي تنتج هذه الخطابات وتُمرِّرها. إن النقد اليوم هو نقد للخوارزمية بقدر ما هو نقد للفكرة، وهو مساءلة لمنطق الترتيب والتصنيف بقدر ما هو مساءلة للمحتوى. حيث تكتسب أفكار مدرسة فرانكفورت راهنية جديدة، خصوصا في تأكيدها على أن العقل الأداتي حين ينفصل عن البعد القيمي، يتحول إلى أداة للهيمنة بدل أن يكون وسيلة للتحرر.

وتبرز أهمية الوعي التأويلي بوصفه نمطا من أنماط الوعي القادر على إبطاء الزمن، واستعادة المسافة، وطرح السؤال بدل الاكتفاء بالاستهلاك. فالتأويل كما فهمه ريكور، ليس مجرد تفسير للنصوص، بل هو فعل وجودي يُعيد للذات قدرتها على الفهم في عالم مغمور بالإشارات. إن ممارسة التأويل في العصر الرقمي تعني تفكيك ما يبدو بديهيا، والوقوف عند ما يُمرَّر بسرعة، والسؤال عن المصالح التي تقف خلف تنظيم المعرفة وتوزيعها. يغدو التأويل في هذا الأفق شكلا من أشكال المقاومة الهادئة؛ مقاومة لا ترفع صوتها، لكنها تزعزع منطق النظام بإصرارها على الفهم والتفكيك.

كما أن التعليم في سياقنا هذا لم يعد مجرد نقل للمعرفة، بل أصبح ساحة مركزية للصراع حول الوعي. فالنماذج التعليمية التي تكرس التلقي السريع، والمهارات القابلة للتوظيف فقط، تُسهم في إنتاج وعي أداتي، ينسجم مع منطق السوق والتقنية، لكنه يفتقر إلى العمق النقدي. في المقابل، يظل التعليم الفلسفي والإنساني عموما، أحد آخر الحصون التي يمكن أن تُنَمِّي القدرة على السؤال، وعلى التفكير في شروط المعرفة ذاتها. وقد كان كانط محقا حين ربط التنوير بجرأة استعمال العقل، لأن هذه الجرأة هي ما يتعرض اليوم للتآكل في ظل أنظمة معرفية تُكافئ الامتثال أكثر مما تُكافئ التساؤل.

ولا يمكن إغفال البعد السياسي لهذه التحولات، إذ إن إعادة تشكيل الوعي لا تتم في فراغ، بل في سياق صراعات على السلطة والنفوذ. فالمعرفة التي تُنتجها التقنية تُستخدم في إدارة السكان وتوجيه الرأي العام، وإعادة رسم الحدود بين المقبول والمرفوض. وهنا يعود فوكو ليذكرنا بأن السلطة الحديثة لا تعمل عبر المنع، بل عبر التنظيم، وأن أخطر أشكالها هي تلك التي تنجح في جعل الأفراد يراقبون أنفسهم بأنفسهم. وفي العالم الرقمي تتخذ هذه المراقبة شكلا داخليا، حيث يصبح الفرد شريكا في إنتاج البيانات التي تُستخدم لاحقا في توجيهه، في مفارقة تكشف عن عمق التداخل بين الحرية والسيطرة.

إن الوعي ليس صفحة بيضاء تُكتب عليها السلطة ما تشاء. فداخل كل منظومة هيمنة توجد إمكانيات للتصدع ومساحات للتفكير المختلف. إن التجارب النقدية والحركات الفكرية وحتى الممارسات الفردية البسيطة التي تُعيد الاعتبار للبطء والقراءة العميقة والحوار، كلها تشكل نقاط مقاومة في وجه التسطيح المعرفي. وقد أدرك بنيامين في تأملاته حول الحداثة، أن الخلاص لا يأتي من التقدم التقني ذاته، بل من الوعي الذي يرافقه، ومن القدرة على التقاط “اللحظة الحرجة” داخل سيرورة التاريخ.

يتضح أن السؤال عن المعرفة بين السلطة والتقنية هو في جوهره سؤال عن مصير الإنسان ذاته. فإما أن يتحول الوعي إلى مجرد وظيفة ضمن منظومة تقنية كبرى، وإما أن يستعيد دوره بوصفه قدرة على الفهم والنقد وإنتاج المعنى. وإن الرهان الفلسفي اليوم لا يكمن في رفض التقنية بل في تحرير العلاقة بها، وفي إعادة توجيه المعرفة نحو خدمة الإنسان لا اختزاله. وهنا تظل الفلسفة رغم كل شيء ممارسة ضرورية، لا لأنها تقدم أجوبة نهائية، بل لأنها تُبقي السؤال مفتوحا، وتُذكِّر الوعي بأنه لا يزال قادرا على التفكير، حتى في أكثر الأزمنة تشبعا بالسلطة والتقنية.

يتواصل هذا المسار التحليلي حين ننتبه إلى أن إعادة تشكيل الوعي لا تشتغل فقط على مستوى البنى الكبرى للمعرفة والتقنية والسلطة، بل تنفذ بعمق إلى التجربة اليومية للفرد وإلى أبسط تفاصيل العيش، حيث يتشكل الإحساس بالذات والعالم في تداخل خفي بين ما هو تقني وما هو رمزي. فالوعي المعاصر لا يُدار من فوق فقط، عبر مؤسسات أو أنظمة واضحة المعالم، بل يُعاد إنتاجه من الداخل، من خلال العادات الرقمية والإيقاعات السريعة، وأنماط الاستهلاك المعرفي التي تجعل الفرد مشاركا فعليا في إعادة إنتاج الشروط التي تُقيده. هنا تتجلى إحدى أخطر مفارقات الحداثة التقنية حيث أن السيطرة لم تعد خارجية بالكامل، بل أصبحت متجذرة في أساليب العيش نفسها، بحيث يصعب التمييز بين ما نختاره بحرية، وما يُختار لنا باسم الراحة والكفاءة والسرعة.

يكتسب مفهوم “الذات” دلالة جديدة، إذ لم تعد الذات مركزا متماسكا للوعي، كما تصورتها الفلسفات الكلاسيكية، بل أصبحت ذاتا موزعة، متشظية عبر حسابات ومنصات وفضاءات افتراضية متعددة. هذا التشظي لا يعني فقط تعدد الهويات، بل يعني أيضا فقدان العمق الزمني الذي يسمح ببناء معنى متماسك للخبرة. فالزمن الرقمي القائم على التحديث المستمر والتدفق اللامتناهي، يضعف القدرة على التراكم، ويجعل الوعي يعيش في آنٍ دائم، بلا ذاكرة عميقة ولا أفق انتظاري واضح. وقد نبّه بول فيريليو إلى أن تسارع الزمن التقني لا يغير فقط إيقاع الحياة، بل يغير بنية الإدراك ذاته، بحيث يصبح التفكير العميق عبئا والبطء نوعا من المقاومة غير المعلنة.

هذا التحول في بنية الزمن ينعكس مباشرة على المعرفة التي تفقد طابعها التكويني لتتحول إلى معلومات عابرة، قابلة للاستهلاك والنسيان السريع. المعرفة لم تعد تجربة تُغيّر الذات، بل مادة تُستخدم ثم تُستبدل، وهو ما يفرغها من بعدها الوجودي والأخلاقي. هنا يمكن استحضار نقد نيتشه للمعرفة التي لا تُهضَم، تلك التي تتراكم دون أن تتحول إلى قوة حياة، بل تثقل الوعي وتُضعف القدرة على الفعل. ففي المجتمع المعاصر لا تكمن المشكلة في نقص المعرفة، بل في فائضها غير المُؤوَّل الذي يغمر الوعي دون أن يمنحه معنى.

ومع هذا الفائض تتعزز أشكال جديدة من السلطة، سلطة لا تحتاج إلى فرض الصمت، لأنها تغرق الأصوات في الضجيج ولا تحتاج إلى إخفاء الحقيقة، لأنها تذيبها في تعدد الروايات. إن الوعي في مثل هذا السياق لا يُقمع بل يُستنزف ويُستبدل الفعل النقدي بردود أفعال سريعة وانفعالات لحظية تُدار بدقة عبر تقنيات توجيه الانتباه. وقد أشار غي ديبور في حديثه عن “مجتمع الفرجة”، إلى أن الواقع لا يُلغى، بل يُستبدل بتمثيلاته، بحيث يعيش الإنسان في عالم من الصور التي تحجب العالم بدل أن تكشفه. هذا التحليل يزداد راهنية اليوم حيث لا يعود السؤال: ماذا نعرف؟ بل: كيف نرى ما نعرف؟ ومن يحدد إطار الرؤية ذاته؟.

غير أن هذا الوضع لا يلغي إمكان بناء وعي مختلف، بل يفرض شروطه الصعبة. فالوعي النقدي في العصر التقني لا يمكن أن يكون وعيا بريئh أو بسيطا، بل هو وعي مركب يدرك أنه يتحرك داخل شبكات من السلطة والمعرفة، وأن كل موقف يتخذه مشروط بسياقات أوسع. هذا الإدراك لا يؤدي بالضرورة إلى الشلل، بل يمكن أن يكون مصدرا لتحرر نسبي، قائم على الفهم بدل الوهم. فكما أن التقنية تُستخدم للسيطرة، يمكن استخدامها أيضا للكشف، وكما أن المعرفة تُوظف للهيمنة، يمكن إعادة توجيهها نحو مساءلة هذه الهيمنة ذاتها.

يصبح الفعل الفلسفي أقرب إلى ممارسة يقظة دائمة، لا تبحث عن يقين نهائي، بل عن وضوح نقدي. الفلسفة هنا لا تنافس التقنية في السرعة أو الكفاءة، بل تقدم ما تعجز عنه وهو القدرة على التوقف، على طرح السؤال غير النافع، وعلى التفكير في ما لا يُقاس. وهذا ما يجعلها ضرورية لا بوصفها خطابا نخبويا بل كأفق مقاومة رمزية، يحفظ للإنسان حقه في ألا يُختزل إلى معطى أو رقم أو نمط سلوكي. لقد كان سقراط في محاكمته، يمثل خطرا لأنه كان يُزعج النظام عبر الأسئلة، لا عبر الشعارات، وهذا الدور يظل جوهريا اليوم، وإن تغيرت أشكال السلطة.

كما أن إعادة التفكير في الوعي تقتضي إعادة النظر في علاقتنا بالحقيقة. فالحقيقة في المجتمعات المعاصرة، لم تعد تُرفض صراحة، بل تُعاد صياغتها باستمرار، بحيث تفقد قدرتها على الإلزام. تتجاور الحقائق مع الآراء والمعرفة مع الانطباعات في فضاء واحد، دون معايير واضحة للتمييز. هذا الوضع لا ينتج تعددية صحية بالضرورة، بل قد يؤدي إلى نسبية مفرغة، تُضعف الثقة في إمكان المعرفة ذاتها. وهنا يبرز التحدي الفلسفي: كيف يمكن الدفاع عن الحقيقة دون الوقوع في الدوغمائية؟ وكيف يمكن ممارسة النقد دون السقوط في العدمية؟ إن الجواب لا يكمن في العودة إلى يقينيات مغلقة، بل في بناء عقل نقدي قادر على التمييز، وعلى تحمل مسؤولية الحكم.

وفي قلب هذا كله، تظل مسألة المعنى هي الرهان الأعمق. فإعادة تشكيل الوعي ليست فقط مسألة سلطة أو تقنية، بل مسألة معنى: معنى العيش، ومعنى المعرفة، ومعنى أن يكون الإنسان إنسانا في عالم قابل للحساب إلى أقصى حد. التقنية قادرة على الإجابة عن سؤال “كيف”، لكنها عاجزة عن الإجابة عن سؤال “لماذا”، وهنا يتحدد مجال الفلسفة، لا كبديل عن العلم، بل كفضاء يسائل غاياته وحدوده. إن الوعي الذي لا يسأل عن المعنى، حتى وهو يمتلك معلومات هائلة، يظل وعيا ناقصا قابلا للتوجيه والاستعمال.

إن إعادة تشكيل الوعي في المجتمعات المعاصرة ليست قدرا محتوما في اتجاه واحد، بل صراع مفتوح بين قوى الاختزال وقوى الفهم، بين منطق السيطرة ومنطق المعنى. هذا الصراع لا يُحسم دفعة واحدة، ولا على مستوى الخطابات الكبرى فقط، بل في التفاصيل اليومية: في طريقة القراءة وفي نوع الأسئلة المطروحة وفي القدرة على الإصغاء، وفي الشجاعة على التفكير خارج الإيقاع السائد. إن هذه الممارسات الصغيرة المتواضعة في ظاهرها، تشكل في عمقها نواة وعي مختلف، وشرطا لإمكانية الحرية. ويتبين أن المعرفة حين تنفصل عن النقد تتحول إلى أداة سلطة، وأن التقنية حين تنفصل عن المعنى تتحول إلى قدر أعمى. أما الوعي فلا يحفظ إنسانيته إلا بقدر ما يظل يقظا قلقا غير مكتفٍ بما يُقدَّم له من إجابات جاهزة. في هذا القلق، لا بوصفه ضعفا بل شرطا للفكر، يكمن أفق مقاومة هادئة طويلة النفس لا تعد بالخلاص السريع، لكنها تُبقي الإنسان في صلة حية بذاته وبالعالم.

***

د. حمزة مولخنيف

لم يكن السؤال الفلسفي في جوهره العميق، مجرد أداة معرفية لاستجلاء المجهول أو آلية ذهنية لملء فراغات الجهل، بل كان دوما علامة على قلقٍ أنطولوجيّ أصيل، وعلى توترٍ خلاق بين الإنسان والعالم وبين الوعي وما يتفلّت عنه وما يُعاش وما يُفكَّر فيه. لذلك فإن التساؤل عن إمكان السؤال الفلسفي اليوم لا يُحيل فقط إلى وضعية الفلسفة داخل منظومة المعرفة المعاصرة، بل يطال مصير الذات المفكِّرة نفسها داخل عالم يتسم بالسرعة والتشظي والانغمار الدائم في الحاضر اللحظي. فالسؤال هنا ليس تقنيا ولا بيداغوجيا، بل هو سؤال عن شروط التفلسف بوصفه نمطا في الوجود قبل أن يكون ممارسة فكرية.

لقد نشأ السؤال الفلسفي تاريخيا في فضاء التمهّل والدهشة، كما عبّر عنه أرسطو حين جعل من التعجب مبدأ التفلسف، والدهشة لا تُختزل في انفعال عابر، بل هي تعليقٌ مؤقت للمألوف، ومسافة نقدية بين الذات والعالم، حيث تسمح للرؤية بأن تتجاوز سطح الظواهر. غير أن العالم المعاصر كما يصفه هارتموت روزا هو عالم التسارع الشامل، حيث لم تعد الأشياء تُعاش بعمق بل تُستهلك بسرعة، ولم يعد الزمن فضاءً للتراكم الوجودي، بل سلسلة من اللحظات المتجاورة التي لا تترك أثرا. يبدو السؤال الفلسفي غريبا، بل معطِّلا لإيقاع الحياة السائد، لأنّه يتطلب الصمت والتريث والتردد، وكلها قيم أصبحت تُقابل بالريبة داخل منطق النجاعة والإنجاز.

ومع ذلك فإن إعلان موت السؤال الفلسفي سيكون تسرعا لا يقل سطحية عن السرعة التي ينتقدها. فالفلسفة كما يذكّرنا كانط ليست نسقا من الأجوبة الجاهزة، بل هي ممارسة دائمة للسؤال النقدي، ومساءلةٌ لحدود العقل وشروط إمكان المعرفة ومعنى الفعل وأفق الأمل. وإذا كان العالم قد تغيّر، فإن أشكال القلق الإنساني لم تختف، بل ربما ازدادت حدّة وتعقيدا. إنّ الإنسان المعاصر رغم فائض المعلومات، يعيش مفارقة الفقر المعنوي، ويعاني من اغترابٍ جديد لا ينتج عن القهر المباشر بل عن التشتت وفقدان المعنى والتماهي مع أنماط حياة لا يُسائلها.

إن السؤال الفلسفي اليوم لا يُلغى بوفرة الأجوبة التقنية، لأن هذه الأخيرة تعالج كيف نعيش لا لماذا نعيش ولا بأي معنى. وقد نبّه هايدغر إلى هذا الخلل حين فرّق بين التفكير الحِسابي والتفكير التأملي، معتبرا أن سيادة الأول لا تعني اكتمال العقل، بل ربما دلالته على نسيان السؤال عن الوجود. فالعالم السريع لا يُقصي السؤال الفلسفي فحسب، بل يُنتج نمطا من الوعي المبتور، الذي يتعامل مع الوقائع دون مساءلة أفقها، ومع المعطيات دون تفكير في دلالاتها. وهنا يبرز الفرق بين الفكر الفلسفي كعملية نشيطة وبين المعرفة كحاصل صرف، إذ الأولى تفكك الافتراضات، والثانية قد تعيد إنتاجها بطريقة تلقائية.

لكن السؤال الجوهري يظل متعلقا بإمكان نشوء السؤال الفلسفي داخل هذا السياق، لا بوصفه ترفا ثقافيا، بل كضرورة وجودية. إن الفلسفة لم تكن يوما ابنة المؤسسات وحدها، بل هي قبل ذلك انبثاقٌ فردي من تجربة العيش، من الصدمة ومن الفقد ومن الإحساس باللاجدوى أو التناقض. ولعل ما يتغير اليوم ليس الحاجة إلى السؤال بل أشكال التعبير عنه ومسالك ظهوره وفضاءات تداوله. فالسؤال الفلسفي قد يغادر المدرّجات الأكاديمية ليظهر في أشكال أدبية أو فنية أو نقدية دون أن يفقد جوهره. بل ربما يجد في هذه الأشكال الجديدة حرية أوسع للتجربة الفلسفية، إذ لم يعد مقيدا بقوالب منهجية جامدة، بل بالقدرة على إعادة صياغة المعنى في كل مرة.

غير أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في تحوّل أشكال التفلسف، بل في تطبيع اللامساءلة، وفي تحويل الفكر إلى وظيفة، واللغة إلى أداة تواصل فارغة من الكثافة الدلالية. وقد نبّه أدورنو إلى أن أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي تُمارَس بالقوة، بل تلك التي تجعل الأفراد يقبلون بالواقع كما هو، دون مقاومة فكرية. وهنا يصبح السؤال الفلسفي فعل مقاومة صامتة، لا ضد سلطة سياسية بعينها، بل ضد تسطيح الوجود، وضد اختزال الإنسان في مستهلك أو رقم أو ملف. فالفلسفة ليست فقط تأملاً نظريا، بل فعلا يوجّه النظر إلى ما يمكن تغييره في العلاقة بين الذات والعالم، بين الفرد والمجتمع والمعنى والزمان.

إنّ السؤال الفلسفي الممكن اليوم ليس هو السؤال الكلاسيكي نفسه، ولا هو استعادة حنينية لصيغ ماضية، بل هو سؤال يعيد التفكير في شروطه ويُراجع لغته ويُدرك محدوديته دون أن يتنازل عن جرأته. وقد أشار بول ريكور إلى أن الفلسفة الحيّة هي التي تقبل بالهشاشة، وتشتغل داخل التوتر بين الشكّ والإيمان بالمعنى والنقد والتأويل. فالسؤال لا يعيش إلا داخل هذا التوتر، لا في يقين مغلق ولا في نسبية عدميّة. والأهم أن هذا التوتر لا يضعف الفلسفة، بل يمنحها طاقتها الدائمة على إعادة فتح المسائل من جديد، وإعادة تشكيل الأسئلة التي تُعدُّ جوهر أي حياة فكرية نشطة. كما أنّه يسمح بمساءلة الأنظمة الفكرية والاجتماعية التي يمكن أن تُغلق إمكان التفكير، ويمنح الفيلسوف القدرة على الانتقال من السطحيات إلى الجوهر، ومن العملي إلى القيمي، ومن المعرفة إلى الوعي النقدي.

كما أن إمكان السؤال الفلسفي اليوم مرتبط بإعادة الاعتبار للذات المفكِّرة، لا باعتبارها مركزا مطلقا، بل باعتبارها كائنا متناهيا تاريخيا منخرطا في العالم. وهنا يكتسب السؤال بعدا أخلاقيا، لأنّه ليس فقط طلبا للمعرفة، بل تحمّلا لمسؤولية التفكير. وقد كتب ليفيناس أن السؤال عن الآخر يسبق السؤال عن الذات، لأن التفلسف الحقيقي يبدأ حين ينكسر الاكتفاء بالنفس، وحين يُستدعى الضمير قبل المفهوم. ومن هنا نفهم أن التفلسف المعاصر حتى في زمن الانغماس في التقنية لا يفقد أهميته، بل يصبح أكثر حساسية تجاه ما يمكن أن يُغفل في حياتنا اليومية من أبعاد أخلاقية وإنسانية. فالوعي بالآخرين وبالفضاء الاجتماعي المحيط هو ما يمنح الفلسفة أهميتها الحية، ويجعل من السؤال الفلسفي فعلا حيويا يتجاوز حدود الذات إلى العالم، إلى القيم المشتركة وإلى المعنى العميق للوجود الإنساني.

وفي عالم تُهيمن عليه الخوارزميات وتُوجَّه فيه الرغبات وتُصاغ فيه الاختيارات، يبدو السؤال الفلسفي كفعل تحرير بطيء لا يعد بالحلول، بل يفتح أفقا للتفكير المختلف. إنّه لا ينافس العلوم ولا التقنية، بل يرافقها نقديا، ويكشف افتراضاتها المضمَرة وحدودها الصامتة. وقد أكّد يورغن هابرماس أن العقل الأداتي حين ينفصل عن العقل التواصلي، يُنتج تشوهات في الفعل الاجتماعي، وهنا تتجدد وظيفة الفلسفة بوصفها حارسة للمعنى. ولم يعد التفلسف يُفهم بوصفه ترفا معرفيا، بل أضحى ضرورة فكرية لفهم العالم وإعادة مساءلة موقع الذات داخله. فالفلسفة لا تقتصر على كونها بناءً نظريا أو نسقا مفاهيميا مجردا، وإنما تتجسد كممارسة فكرية نقدية تستلزم حضور الذات ويقظة الوعي، وتنهض بمسؤولية تحليل ما يشهده المجال المجتمعي من قوى سياسية واقتصادية وثقافية.

إن مصير التفلسف داخل عالم سريع بلا تأمل ليس الزوال، بل التحوّل الصعب والمؤلم. فالسؤال الفلسفي لا يُلغى، لكنه يُحاصَر، ولا يُمنع لكنه يُهمَّش، ولا يُكذَّب لكنه يُعتبر غير نافع. غير أن الفلسفة منذ سقراط، لم تُقِم وزنا لمعيار النفع المباشر، بل جعلت من إزعاج البداهات رسالتها. ولذلك فإن السؤال الفلسفي يظل ممكنا بقدر ما يظل الإنسان قادرا على التوقف، وعلى قول لا لما يُقدَّم له كأمرٍ بديهي. بل إن المسألة تتعدى الإنسان الفرد إلى المجتمعات، لأن مجتمعات بلا سؤال، أو بلا مساحة للتفلسف، معرضة لتقليص حرية التفكير، وإضعاف قدرة الثقافة على الاستمرار في مساءلة نفسها، وفي مساءلة العالم الذي تنتمي إليه. والفلسفة هنا ليست مجرد أداة نقدية، بل هي ممارسة للحياة نفسها، إذ لا يمكن للإنسان أن يعيش حياة مكتملة إذا لم يشارك في مساءلة ما يُطرح أمامه من حقائق وأوامر وقيم.

ولعل الرهان الأكبر اليوم ليس في الدفاع عن الفلسفة كمادة أو تخصص، بل في الدفاع عن الحق في السؤال، في الشك وفي التردد وفي التفكير غير السريع. إنّ التفلسف ليس امتلاكا للحقيقة بل شجاعة في مواجهتها، وهو ما يجعل السؤال الفلسفي رغم كل شيء ممكنا وضروريا، بل مصيريا في عالم فقدَ القدرة على الإصغاء إلى ذاته. يصبح التفلسف فعل مقاومة وجدلية في آن، إذ يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وعالمه والمعرفة والحياة، وبين القيم والواقع. إن هذا الضرب من التفكير عصيٌّ على الاختزال، منفرٌ بطبيعته من الإجابات الجاهزة، إذ لا يكتفي بتفكيك السطح بل ينفذ إلى العمق، ويفرض على الفيلسوف — ومن خلاله على المجتمع بأسره — أن يقف عاريا أمام الأسئلة الكبرى، بلا مواربة وبلا التفاف وبلا احتماءٍ بحلولٍ سهلة تُسكِّن القلق بدل أن تفهمه.

إن إمكانية السؤال الفلسفي اليوم تتطلب الوعي بمحدودية أدواتنا المعرفية، وبتعقيد الواقع وبتداخل المعنى بالوجود. فحتى الفلسفة التي تبدو بعيدة عن التطبيق العملي تحمل داخلها إمكانية التحرر من الأنماط المعرفية المألوفة، وتتيح إمكانية إعادة صياغة الأسئلة الكبرى حول الإنسان والمجتمع والعالم. ومن هنا يظهر أن التفلسف في زمن السرعة ليس رفاهية فكرية بل ضرورة وجودية، لأنه يواجه تحديا لم يسبق له مثيل، وهو كيف نحافظ على عمق السؤال وإمكانيته في عالم يُغرقنا في المعلومات واللحظات العابرة، وفي تقنيات توهمنا السيطرة على الواقع بينما تقطع الصلة بين الذات والمعنى؟.

ولا يمكن فهم إمكان السؤال الفلسفي اليوم بمعزل عن التحولات الكبرى التي عرفها الوعي الإنساني منذ القرن العشرين حتى اليوم. فالحداثة وما بعدها لم تُنتج تغييرات معرفية وتقنية فحسب، بل أطلقت أيضا أزمة في العلاقة بين الإنسان والزمن والإنسان والعالم، وبين الإنسان وذاته. لقد لاحظ هايدغر منذ زمن أن الإنسان الحديث أصبح غارقا في ما سماه “العقل الأداتي”، بحيث تتراجع القدرة على التفكير التأملي والتوقف عن الانجراف وراء الأحداث. والتسارع في حياة الأفراد والمجتمعات لم يعد مجرد مسألة تنظيم أو كفاءة، بل أصبح آلية تأثير على جوهر السؤال الفلسفي نفسه. فالإنسان الذي لا يتأمل، والذي لا يترك مساحة للدهشة، والذي يختزل تجربته في فعل الإنتاج والاستهلاك، لا يترك مجالا لإمكانية التفلسف، لأن التفلسف بطبيعته يتطلب حضور الذات ووعيا بالمفارقات ومقاومة للسطحية وتقبلاً للتعقيد.

وهذا يقودنا إلى رؤية أن التفلسف لم يعد مرتبطا فقط بالمعرفة النظرية أو الفلسفة الجامعية، بل أصبح اختبارا لوجود الإنسان في زمنه. فالفيلسوف المعاصر سواء أكان أكاديميا أو كاتبا أو فنانا، مطالب بأن يكون واعيا بالمحددات التاريخية والاجتماعية، وأن يدرك أن السؤال الفلسفي لا ينشأ في فراغ بل في سياق يفرض عليه الإبداع، ويضعه أمام مسؤولية التفكير النقدي. ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في مفهوم التفلسف نفسه، فهو ليس مجرد نشاط عقلي، بل ممارسة حياتية تجمع بين الفهم والنقد والإحساس، بين ما يُعرف وما يُعاش. وفي هذا الصدد، نلاحظ أن الفلسفة المعاصرة لم تعد تقتصر على مواجهة الأفكار أو النظريات السابقة، بل تمتد إلى مساءلة الطريقة التي نعيش بها، والطريقة التي نختبر بها معنى حياتنا، والعلاقات التي نبنيها مع الآخرين.

ومن منظور آخر، نجد أن إمكان السؤال الفلسفي اليوم مرتبط أيضا بالقدرة على مواجهة تضارب المعارف، والقدرة على التشكيك في “اليقينيات” التكنولوجية والعلمية والاجتماعية. فكما أشار ميشيل فوكو أن كل معرفة تحمل في طياتها شبكة من القيم والسلطات، ومن ثم فإن السؤال الفلسفي يتطلب جرأة على تحليل هذه العلاقات، وعلى كشف الافتراضات الخفية التي تتحكم في حياتنا اليومية وفي تصورنا للواقع. يغدو السؤال الفلسفي والحال هذه، أكثر من مجرد نزوعٍ إلى المعرفة، إذ يتحول إلى أداة نقدية لتحرير الفكر والمجتمع، وإلى ممارسة تأملية تعيد مساءلة معاني الحرية والمسؤولية، والإنسانية ذاتها، كما أن التفلسف المعاصر لا يمكن أن يغفل البعد اللغوي للمعرفة. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي أداة تشكيل للواقع، وأداة للتفكير النقدي. وقد بين هيجل وسوسير وأدورنو أهمية اللغة في بناء المفاهيم وفي صياغة السؤال الفلسفي. فإعادة صياغة السؤال بلغة دقيقة ومتماسكة تسمح بفتح أفق جديد للتأمل، وتكشف عن أبعاد لم تكن واضحة في البداية. وهذا يتطلب وعيا دقيقا بالعلاقات بين الكلمات والمعاني والمفاهيم والتجارب الحياتية، وبين السؤال والجواب المحتمل.

يواجه السؤال الفلسفي اليوم تحديا مزدوجا، تحدّي التسارع التقني الذي يرهق التفكير العميق ويقصيه لصالح الاستجابة الفورية، وتحدّي اللامبالاة الاجتماعية والثقافية التي تُفرغ التساؤل من قيمته وتحوّل التأمل إلى ترفٍ هامشي. ومن ثمّ لا يعود التفلسف المعاصر مجرد ممارسة فردية منعزلة، بل يغدو فعلا جماعيا، يقاس بقدرة المجتمعات على ابتكار فضاءات للحوار والتفكير النقدي، وعلى صون السؤال بوصفه عنصرا مؤسِّسا في الحياة الثقافية والفكرية. فحين يَخبو السؤال الفلسفي في مجتمع ما، تخبو معه قدرة الإنسان على مواجهة رهاناته الكبرى، وعلى وعي أبعاد وجوده في عمقها ومعناها. تتجلى أهمية الفلسفة كفضاء للتأمل النقدي، فضاء يسمح بالعودة إلى الجوهر وبإعادة تقييم القيم، وبالتفكير في مستقبل الوجود الإنساني. فالفلسفة اليوم ليست مجرد أداة نظرية، بل ممارسة عملية تهدف إلى تحرير الفكر، وإعادة تشكيل الوعي، وتوسيع قدرة الإنسان على إدراك تعقيدات العالم وحقيقة وجوده. يتخذ السؤال الفلسفي طابع الضرورة والحيوية، لكونه السبيل إلى مجابهة السطحية المتفشية، والتحرر من الخضوع الأعمى لتراكم المعلومات، واستعادة ملكة التفكير النقدي العميق التي تمنح الوعي معناه وتحرره من الاكتفاء بالتلقي. وليس بخاف أن التفلسف في العصر الحديث يكتسب بعدا وجوديا أكثر حساسية من أي وقت مضى. فالأزمات البيئية والاجتماعية والسياسية والتكنولوجية تحتم على الفيلسوف أن يتساءل عن معنى الحياة، وعن العلاقة بين الإنسان والعالم، وعن شروط العدالة والحرية، وعن أفق القيم في مجتمع معقد ومتسارع. وهذا يجعل السؤال الفلسفي ليس فقط ممكنا، بل ضروريا للبقاء الإنساني والثقافي، لأنه يتيح لنا إدراك حدود المعرفة ومواجهة المجهول والتفكير في معاني الفعل والمسؤولية.

إن التفلسف المعاصر يتجاوز الأسئلة التقليدية ليصبح وسيلة لفهم الذات والآخر والعالم بشكل متكامل، وهو بذلك يعيد تأكيد دوره الحيوي في حياة الإنسان المعاصر.

يظل التفلسف فعلا يفرض على الإنسان التأمل في ذاته، في ماضيه وفي حاضر العالم وفي المستقبل المحتمل. فالسؤال الفلسفي لا يتوقف عند حدود المعرفة النظرية، بل يتعداها إلى مساءلة التجربة الإنسانية والتفكير في القيم وفي الغاية وفي المعنى.

يبرز السؤال الفلسفي بوصفه عملية متواصلة لا تنغلق على لحظة بعينها ولا يحدّها زمن محدد، بل تمتد لتخترق كل تجربة حياتية وكل انعطاف معرفي، وكل مواجهة مباشرة مع الواقع. إن السؤال الفلسفي رغم كل تحديات العصر الحديث، لا يزال ممكنا وضروريا، بل يمثل قلب الحياة الفكرية والمعرفية، لأنه يتيح للإنسان إعادة تقييم ذاته وعلاقته بالعالم، ومساءلة الافتراضات المهيمنة، وإعادة صياغة المعنى في زمن السرعة والانغماس. فالفلسفة ليست رفاهية فكرية، ولا مجرد معرفة نظرية، بل هي ممارسة حياتية، ونمط من التفكير النقدي، ومساحة لإعادة الاتصال بالوجود.

ينهض السؤال الفلسفي بوصفه علامة حيّة على وعي الإنسان وعلى إدراكه العميق لمحدودية المعرفة، وحاجته الدائمة إلى التأمل وإلحاح البحث عن المعنى في قلب تعقيدات الحياة المعاصرة. ورغم ما يواجهه التفلسف اليوم من تحديات غير مسبوقة، فإنه يظل فعلا ممكنا لأنه يتجاوز الظرفي والعابر، ويعيد تأسيس السؤال كركن أصيل في تجربة الوجود البشري، محوّلا التفكير إلى ممارسة للمقاومة والإبداع والمسؤولية الوجودية في آن واحد.

وبذلك يكون السؤال الفلسفي ليس مجرد قضية نظرية، بل ممارسة حية وفعلا إنسانيا متجددا قادرا على مواجهة التسارع والتشتت والانغماس وإعادة الإنسان إلى ذاته، وإعادة العالم إلى أفق التأمل، وإعادة المعنى إلى مركز التجربة الإنسانية. فمصير التفلسف ليس الزوال، بل إعادة اكتشاف القوة الداخلية للسؤال، وإعادة تأسيسه في قلب حياة الإنسان وفي قلب المجتمعات، وفي قلب كل فعل فكر يهدف إلى مواجهة الواقع وفهمه بعمق ومسؤولية

***

د. حمزة مولخنيف

من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي

مقدمة: شكّل العقل والعقلانية منذ البدايات الأولى للحداثة الأوروبية ركيزة مشروعها الفكري والحضاري إلى جانب الذات والفردية، حيث تأسس المشروع الحداثي الغربي على الإيمان بقدرة العقل الإنساني على تحرير الإنسان من الوصايات الميتافيزيقية واللاهوتية، وبناء عالم عقلاني قائم على التقدم العلمي والتنظيم الاجتماعي والسياسي. ولم تكن الحداثة معطى غيبيًا أو قدرًا مفروضًا، بل تشكّلت عبر أنساق فكرية وممارسات تاريخية استمدت مشروعيتها من العقل، بعد صراع طويل مع أنماط التفكير في العصور الوسطى، تُوِّج بانتصار العقلانية الديكارتية فلسفيًا، والمنهجية التجريبية مع فرانسيس بيكون علميًا، وانتصار قيم الأنوار سياسيًا واجتماعيًا.

غير أن هذا الانتصار لم يحقق الوعود التي بشّرت بها الحداثة، إذ اقترن بتنامي مظاهر الاستعمار والعنف والتشييء وهيمنة التقنية، ما أدى إلى انحراف العقل عن مقاصده التحررية وتحوله إلى عقل أداتي يوظَّف في خدمة السيطرة والهيمنة. وقد أفضى هذا التحول إلى أزمة عميقة وضعت العقل والحداثة موضع مساءلة جذرية، ودفعت بعديد الفلاسفة إلى إعلان إفلاس المشروع الحداثي برمته.

في مقابل هذا الخطاب النقدي الجذري، يبرز مشروع الفيلسوف الألماني "يورغن هابرماس"*، الذي دافع عن الحداثة بوصفها مشروعًا لم ينته بعد، مقترحًا نموذج «العقلانية التواصلية» أفقًا نقديًا بديلًا للعقلانية الأداتية، سعيًا إلى تجاوز الأزمة دون السقوط في نزعة عدميّة أو لا عقلانية.

على هذا الأساس، تتمحور إشكالية هذا المقال حول مدى قدرة مشروع العقلانية التواصلية، كما صاغه يورغن هابرماس، على تجاوز مأزق العقل الأداتي الذي أفضى بالحداثة إلى أزمتها. على هذا الأساس يمكننا طرحه على النحو التالي: إلى أي مدى يمكن اعتبار العقل التواصلي بديلاً عقلانيًا قادرًا على تصحيح انحرافات العقل الأداتي؟  وهل يمتلك هذا البديل القدرة على إخراج الحداثة من أزمتها الضيقة؟

أولًا: هابرماس ونقد أطروحة القول المضاد للحداثة

ظلّ العقل موضع اتهام واسع في الفلسفة المعاصرة، خاصة بعد الضربات العنيفة التي وجّهها إليه كل من "نيتشه" و"فرويد" و"هيدغر"...وغيرهم، الأمر الذي جعل العقل في عصرنا الراهن موضع شك أكثر من كونه أداة لمحو الشكوك. كما لعبت المدارس والتيارات الفكرية الحديثة دورًا كبيرًا في تعميق هذا التشكيك، مثل مدرسة فرانكفورت، وتيارات ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية...وغيرها[1]

في هذا السياق، ينصّب هابرماس نفسه مدافعًا عن العقل والحداثة، لا دفاعًا ساذجًا أو تبريريًا، بل دفاعًا نقديًا يسعى إلى إنقاذ العقل من انحرافاته. فهو يرفض السمة التشاؤمية التي طبعت خطاب فلاسفة ما بعد الحداثة، ويميّز بوضوح بين نوعين من النقد: نقد أداتي للحداثة، كما مارسه فلاسفة الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت، ونقد جذري أو كلي يستهدف الأسس العقلانية للحداثة ذاتها، كما نجده لدى نيتشه، ثم عند هيدغر، وأُعيدت صياغته لدى فلاسفة الاختلاف الفرنسيين مثل "فوكو" و"دريدا" و"دولوز".

ولهذا السبب، وجّه هابرماس نقدًا لاذعًا لفلاسفة ما بعد الحداثة في كتابه "الخطاب الفلسفي للحداثة"، معتبرًا أن خطابهم ينتهي إلى نزعة لاعقلانية لأنه يستهدف مشروع الحداثة في كليته، ويعلن نهاية الأنوار. ومن هنا، نظر إلى تيار ما بعد الحداثة باعتباره مسلكًا فلسفيًا مغلوطًا، عاملا على صوغ مفهومه المعياري للحداثة اعتمادا على نظريته حول الفاعلية التواصلية[2]

وفي السياق ذاته لم يقتصر نقد هابرماس على فلاسفة ما بعد الحداثة، بل شمل أيضًا فلاسفة الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، وخاصة "هوركهايمر" و"أدورنو"، اللذين قدّما في كتابهما المشترك "جدل التنوير" نقدًا لاذعا للعقل الأنواري. ويرى هابرماس أن هذا النقد، رغم أهميته، ينتهي إلى رؤية بائسة لا تترك للعقل أي إمكانية للتحرر أو فتح أفق للخروج من الأزمة[3].

ثانيًا: هابرماس: العقل التواصلي بوصفه بديلاً عن العقل الأداتي

على الرغم من اعترافه بالجوانب السلبية التي رافقت المشروع الحداثي، لا ينزلق هابرماس نحو المواقف الراديكالية التي تدعو إلى التخلي عن العقل. بل على العكس، ينطلق من تشخيص دقيق لأزمة العقل الحديث، معتبرًا أن لا بديل عن العقل إلا العقل وبأن أصل الداء يكمن في هيمنة العقل الأداتي، أي ذلك العقل الذي اختُزل إلى أداة حسابية وتقنية لخدمة المصالح الاقتصادية والسياسية.

وفي مواجهة هذا النموذج، يقترح هابرماس تجاوز العقل الأداتي لصالح عقل تواصلي، عقل منفتح على الحوار والتفاهم بين الذوات، يقوم على الفعل التواصلي لا على السيطرة. فالعقل، في تصوره، لم يستنفد بعد كل طاقاته وإمكاناته، ولا يزال قادرًا على ممارسة نقد ذاتي يفتح له آفاقًا جديدة للخروج من حالة الأزمة والانغلاق.

الخلاصـة:

وفي الختام، بناءً على ما سبق تحليله، يمكن القول إن هابرماس يقدّم طرحًا وجيهًا حين يؤكد أن لا بديل عن العقل إلا العقل نفسه، فالمسألة لا تتعلق باستبدال العقل بشيء آخر، بل بإصلاح طريقة عمله ونقد انحرافاته. فكيف يمكن للبشرية أن تفكر أو أن تنتقد أو تؤسس قيمها خارج إطار العقل؟ وكيف يمكن مساءلة العقل باسم شيء آخر غيره؟

فالعقل، بوصفه ملكة تفكير ومفهومًا إنسانيًا كونيًا، يتجلى في ممارساتنا السياسية والاجتماعية، ولا يمكن تصور فلسفة خارج إطاره. وعليه، فإن ما ينبغي نقده وتفكيكه هو العقل الأداتي وانحرافاته، وهو ما كرّس له هابرماس مجمل مشروعه الفلسفي.

ومن هنا، يوجّه هابرماس جهده الفلسفي لإعادة الاعتبار لمشروع الحداثة وفتح آفاق جديدة تضمن له الاستمرار والتواصل. وهذا الجهد، الذي تمخّض عنه مفهوم العقلانية التواصلية، قد حقّق الانتقال الذي عجز عنه سابقوه من الفلاسفة، سواء من المدرسة النقدية أو من فلاسفة الاختلاف وما بعد الحداثة، من فلسفة الذات والوعي la philosophie sujet et de la conscience إلى فلسفة التواصل والتذاوت la philosophie de la communication et  l’intersubjectivité  ، فالعقلانية التواصلية لا تهدف إلى إلغاء العقل أو تقويضه، بل إلى إعادة توجيه عمله نحو الفضاء العمومي، حيث يصبح التفاهم، والاعتراف المتبادل، والنقاش العقلاني أساسًا لبناء علاقات اجتماعية وسياسية أكثر عدلًا وإنسانية.

ومع ذلك، لا يمكن القبول كليًا بتوصيف هابرماس لفلاسفة ما بعد الحداثة باعتبارهم رافضين للعقل على نحو مطلق. فقد أسهم فلاسفة مثل نيتشه، فوكو، هيدغر، دريدا، ودولوز في نقد الانحرافات العقلانية للحداثة، دون أن يعني ذلك خروجهم النهائي من أفق العقلانية الإنسانية. إذ إن اعتراضهم كان موجّهًا أساسًا إلى الأداء الأداتي والتقني للعقل، لا إلى العقل بوصفه قدرة إنسانية في حد ذاته.

وهو ما يجعل من العقلانية التواصلية، في النهاية ليس حلًا نهائيًا مغلقا، بل أفقًا نقديًا مفتوحًا، يُعيد للعقل قدرته على مساءلة ذاته، مع الحفاظ على إرثه واستثماره دون وهم تجاوزه.

***

 الزهرة قني - الجزائر- جامعة باتنة1

..........................

هوامش المقال:

* يورغن هابرماس (ولد سنة 1929 في دوسلدورف بألمانيا)، فيلسوف ألماني ومن أهمّ علماء الاجتماع والسياسة في عالمنا المعاصر، كما أنَّه يُعدُّ من أهمّ مُنظّري مدرسة فرانكفورت النقديَّة، اشتهر بمشروعه النقدي للحداثة ونظريته حول الفاعلية التواصلية، التي تهدف إلى تجاوز العقل الأداتي وإعادة بناء الحوار المجتمعي.

[1] - مجدي عبد الحافظ، موقع العقل في فلسفات ما بعد الحداثة، مجلة عالم الفكر، العدد 2، المجلد 41، ص 148

[2] - محمد نور الدين أفاية، في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2014م ص ص88، 89، 90.

[3] - يورغن هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، سوريا، دراسات فلسفية وفكرية، منشورات وزارة الثقافة، 1995 ص171

 

"هل يلعب المرء لعبة السلطة ويندمج في الدولة أم لا؟"1

يُعتبر نيكولاس بولانتزاس (1936-1979) أحد أبرز المنظرين الماركسيين في القرن العشرين، وخاصة في مجال نظرية الدولة الرأسمالية. تأثر بولانتزاس بالمدرسة البنيوية الماركسية، ولا سيما أعمال لويس ألتوسير، وطور نظرية تجاوزت التصورات التقليدية للدولة كأداة طبقية محايدة أو كيان مستقل. بدلاً من ذلك، رأى الدولة كـ"تكثيف مادي" لعلاقات القوى الطبقية، حيث تكون ميداناً للصراعات الاجتماعية والاقتصادية. في كتبه الرئيسية مثل القوة السياسية والطبقات الاجتماعية (1968) والدولة، القوة، الاشتراكية (1978)، يقدم بولانتزاس تحليلاً ديناميكياً للدولة في الرأسمالية المتقدمة، مع التركيز على دورها في دعم الوظائف الاقتصادية، كشف ميزان القوى بين الطبقات، التوسع البيروقراطي اللامحدود، والإمكانيات النضالية للانتقال إلى اشتراكية ديمقراطية. تأتي أهمية بولانتزاس في سياق الأزمات الرأسمالية والتحولات السياسية في السبعينيات، مثل سقوط الدكتاتوريات في أوروبا الجنوبية وصعود اليوروكوميونيزم. يرفض بولانتزاس النظريات الاقتصادوية أو الإرادوية، مؤكداً أن الدولة ليست مجرد أداة للطبقة الحاكمة، بل هي علاقة اجتماعية مشبعة بالتناقضات الطبقية. هذه الدراسة ستستعرض هذه العناصر بشكل موسع ومسترسل، مستندة إلى أعماله الرئيسية وتحليلاته للرأسمالية الاحتكارية.فماهي نظرية الدولة عند نيكولاس بولانتزاس بين دعم الوظائف الاقتصادية والكشف عن ميزان القوى والتوسع البيروقراطي غير محدود والنضال الشعبي من اجل اشتراكية ديمقراطية؟

الأسس العامة لنظرية الدولة عند بولانتزاس

يرى بولانتزاس الدولة ككيان يتجاوز التصورات التقليدية، حيث تكون "تكثيفاً مادياً لعلاقات القوى الطبقية"، متجذرة في علاقات الإنتاج والتقسيم الاجتماعي للعمل. لا تكون الدولة مستقلة عن الاقتصاد، بل تخترقها علاقات الإنتاج، مع الحفاظ على استقلال نسبي يسمح لها بتنظيم الكتلة القوية (البرجوازية) وتفكيك الطبقات المضطهدة. هذا الاستقلال النسبي ضروري للحفاظ على مصالح البرجوازية طويلة الأمد، خاصة في مراحل الرأسمالية الاحتكارية حيث تتنافس الفصائل البرجوازية (مثل الرأس المال الاحتكاري والغير احتكاري). يعتمد بولانتزاس على ماركس وغرامشي، لكنه ينتقد الرؤى الآلية، مؤكداً أن الدولة ليست "شيئاً" بل علاقة ديناميكية تشكلها الصراعات الطبقية. في سياق الرأسمالية المتقدمة، تتغير الدولة من دولة ليبرالية محدودة إلى دولة احتكارية موسعة، حيث تتدخل مباشرة في الإنتاج والاستهلاك الجماعي. هذا التغيير يعكس تحولات في ميزان القوى، حيث تصبح الدولة ميداناً للتناقضات بين الطبقات، مما يفتح إمكانيات للنضال الشعبي. ومع ذلك، يحذر بولانتزاس من الوهم الإصلاحي أو الثوري البسيط، داعياً إلى استراتيجية تجمع بين الديمقراطية التمثيلية والمباشرة.

دعم الوظائف الاقتصادية للرأسمالية

يؤكد بولانتزاس أن الدولة الرأسمالية تلعب دوراً حاسماً في دعم الوظائف الاقتصادية الأساسية للرأسمالية، مثل تراكم الرأس المال، استخراج الفائض القيمي، وإعادة إنتاج قوة العمل، لكن هذا الدعم ليس محايداً بل موجهاً سياسياً نحو هيمنة الرأس المال الاحتكاري. في الرأسمالية الاحتكارية، تتدخل الدولة مباشرة في الإنتاج من خلال الإعانات، الاستثمارات العامة، والتخطيط الاقتصادي، مما يساعد في مواجهة انخفاض معدلات الربح وإدارة التراكم الزائد. على سبيل المثال، تقوم الدولة بإدارة الاستهلاك الجماعي مثل النقل، الإسكان، والرعاية الاجتماعية، مما يعزز الإنتاج النسبي للفائض القيمي عبر تكثيف الاستغلال، ويخفي هذا الاستغلال تحت غطاء "المصلحة العامة"، لكنه يوفر أساساً مادياً للتوافق مع الطبقات المضطهدة. في "الدولة، القوة، الاشتراكية"، يوضح بولانتزاس أن "الدولة لا تكتفي بإعادة إنتاج الشروط الخارجية العامة للإنتاج... بل تدخل في تشكيل علاقات الإنتاج نفسها"، خاصة في الرأسمالية الاحتكارية حيث تندمج مجالات هامشية سابقاً مثل تدريب قوة العمل، التخطيط الحضري، والنقل في عملية تدوير الرأس المال.  هذا الدعم الاقتصادي يخترق المجالات الاجتماعية، مما ينشر علاقات الدولة ويخفي العنف خلف القانون والإيديولوجيا، لكنه يولد تناقضات مثل صلابة السياسات الاقتصادية التي تحول دون الاستجابة السريعة للصراعات الطبقية، مما يفتح ثغرات للنضال الشعبي. كما يؤدي إلى صلابة في السياسات، مما يحد من بناء الهيمنة ويفرض تضحيات على العمال، وفي النيوليبرالية، يظهر كتراجع استراتيجي عن بعض الوظائف الاقتصادية مع الخضوع لمؤسسات دولية غير ديمقراطية، مما يزيد من تفكيك الحياة الاجتماعية ويجعل الدولة أكثر عرضة للأزمات.

كشف ميزان القوى الطبقية

تكشف الدولة، وفقاً لبولانتزاس، ميزان القوى بين الطبقات من خلال كونها "التكثيف لعلاقة قوى بين الطبقات... التناقضات الطبقية هي جوهر الدولة: إنها موجودة في إطارها المادي وتشكل تنظيمها"، حيث تنشأ السلطة من المواقع الموضوعية في تقسيم العمل وتظهر في الممارسات الطبقية داخل العلاقات بين الطبقات. كما تنظم الدولة الهيمنة عبر أجهزة إيديولوجية مثل التعليم والإعلام، وأجهزة رادعة مثل الشرطة، مركزة السلطة في الأشكال الاقتصادية حيث تسود الفصائل الهيمنة. في الرأسمالية الاحتكارية، يتحول الميزان نحو الرأس المال الاحتكاري، مع نقل السلطة من البرلمان إلى الإدارة التنفيذية، مما يعكس تغييرات في الكتلة القوية ويؤدي إلى صلابة في السياسات. يعكس القانون الرأسمالي، بمعاييره المجردة، هذا الميزان، حيث ينظم الوصول إلى الأجهزة ويخفف من الاضطرابات دون إحداث اضطرابات كبيرة، لكنه يتوقع الانتهاكات للحفاظ على التوازن. في "الدولة، القوة، الاشتراكية"، يؤكد بولانتزاس أن "الدولة هي موقع ومركز لممارسة السلطة، لكنها لا تمتلك سلطة خاصة بها"، مما يجعلها عرضة للكشف عن التناقضات في الأزمات، حيث تضعف الوحدة الطبقية الحاكمة والتماسك الإيديولوجي، مما يجعل الدولة "بظهرها إلى الجدار ووجهها أمام خندق".  هذا الكشف يحدث من خلال الشقوق الأفقية والعمودية في الأجهزة، مما يجعل الدولة غير مستقرة ويفتح إمكانيات للتغيير عبر الصراعات الطبقية، خاصة في سياق الاستبداد السلطوي الذي يعكس تحولات في السلطة نحو التنفيذي مع زيادة القمع والسيطرة البيروقراطية.

التوسع البيروقراطي غير المحدود

يصف بولانتزاس التوسع البيروقراطي كـ"مولوخ الدولة"، حيث تتوسع الإدارة بشكل لا حدود له، مدفوعة بدورها في الهيمنة الطبقية والتقسيم الاجتماعي للعمل، خاصة في الرأسمالية الاحتكارية والاستبداد السلطوي. تخترق البيروقراطية جميع المجالات مثل الاستهلاك الجماعي والحقوق الفردية، عبر هياكل هرمية مركزية، معايير عامة، وتقنيات التطبيع، مما يؤدي إلى تآكل المؤسسات التمثيلية مثل البرلمان وزيادة السيطرة التنفيذية، مع ظهور الشبكات الموازية والكوربوراتية. في "الدولة، القوة، الاشتراكية"، يوضح أن "الارتفاع اللا مقاوم للإدارة الدولية... حدود مولوش الدولة"، حيث يرتبط هذا التوسع بالاستبداد السلطوي والارتفاع المهيمن للحزب الجماهيري، مما يغزو الحياة الاجتماعية لإدارة الأزمات والحفاظ على السلطة.  يؤدي ذلك إلى فصل الدولة عن الإنتاج مع سرية كاستراتيجية تنظيمية، وانتهاكات قانونية عبر عقل دولة ، مما يعزز عدم التماسك والتغييرات المفاجئة، مع تبعية للاقتصاد. في الرأسمالية الاحتكارية، ينخفض دور البرلمان ويرتفع دور الإدارة السياسية، مما يؤدي إلى تآكل الحريات الديمقراطية ومخاطر الاستبداد، مع مركزية الخبراء وأيديولوجيا الكفاءة التي تؤدي إلى عدم اتساق وتردد بين التدخل الزائد واللامتدخل. يجسد التوسع البيروقراطي عبر الخطاب والأجهزة، حيث يبلور الفصل بين العمل الفكري واليدوي في هياكل مركزية هرمية، ويتراكم في الكتابة والخطاب، مما ينفذ في كل الواقع الاجتماعي دون أصل سابق على الطبقات، لكنه يمثل ميدان الصراعات من البداية. في الرأسمالية، يركز عبر استبعاد الجماهير، مما يحتكر المعرفة-السلطة، ويصبح التوسع تشكيلياً محدوداً بالصراعات والديمقراطية التمثيلية، مما يولد مقاومات داخلية بسبب التناقضات الطبقية.

النضال الشعبي من أجل اشتراكية ديمقراطية

يدعو بولانتزاس إلى نضال شعبي يجمع بين الداخل والخارج، رافضاً الإصلاحية النقية أو تدمير الدولة، ومؤكداً على تحويل الدولة عبر دمج الديمقراطية المباشرة مثل مجالس العمال والإدارة الذاتية مع التمثيلية، مع التركيز على تغيير علاقات القوى. ينتقد النماذج الستالينية والديمقراطية الاجتماعية، داعياً إلى "الطريق الديمقراطي" الذي يشمل الانتخابات، الإصلاحات، والابتكارات المؤسسية، حيث "ليس الأمر مجرد دخول مؤسسات الدولة لاستخدام رافعاتها لغرض جيد... بل يجب أن يعبر النضال دائماً عن نفسه في تطور الحركات الشعبية، انتشار الأعضاء الديمقراطية في القاعدة، وصعود مراكز الإدارة الذاتية". في مقالته "نحو اشتراكية ديمقراطية"، ينتقد بولانتزاس الستاتيزم في الديمقراطية الاجتماعية والستالينية، مشدداً على إعادة تقييم الطريق الديمقراطي مع دمج نقد روزا لوكسمبورغ للينين، حيث تؤكد على الانتخابات العامة، حرية الصحافة والتجمع، والنضال الحر للرأي لمنع هيمنة البيروقراطية وتعزيز الديمقراطية البروليتارية الحقيقية.  يؤكد أن الانتقال طويل الأمد، يعتمد على انتشار مراكز المقاومة وتغيير التوازنات، مع الحفاظ على الدولة القومية كميدان نضال حتى قلب أنماط الإنتاج، ويجمع بين تحول الأجهزة وتطور الديمقراطية المباشرة، مع مراحل تتدخل فيها الجماهير الشعبية في تناقضات الدولة. المخاطر تشمل رد الفعل البرجوازي، الاجتماع الديمقراطي، والاستبداد إذا فشلت التحالفات أو توازنت العمليات، كما في تشيلي، لذا يرفض السلطة المزدوجة لتجنب التوازي والمعارضة، مفضلاً التنسيق العضوي بين الأشكال البرلمانية والمباشرة.

خاتمة

" ما الحل المتاح؟ وما الجواب الذي يجب ان يعطى؟"

تكشف نظرية بولانتزاس عن الدولة كميدان تناقضي، حيث تدعم الرأسمالية اقتصادياً وتكشف ميزان القوى، لكنها تتوسع بيروقراطياً مما يفتح أبواب النضال لاشتراكية ديمقراطية. هذه النظرية تبقى حية في سياق الأزمات المعاصرة، داعية إلى استراتيجية ثورية إصلاحية تجمع بين النظرية والممارسة، مع التركيز على "الاشتراكية ستكون ديمقراطية أو لن تكون على الإطلاق". فكيف تؤدي سيطرة الحزب الجماهيري على الاجهزة الى بروز النزعات الاستبدادية والشمولية وتغول البيروقراطية واضعاف الدولة؟

***

د زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.....................

1- نيكولاس بولانتزاس، نظرية الدولة، ترجمة ميشيل كيلو، دار التنوير، بيروت، 2010، ص153،

السلطة والهوية وإشكالات التجربة المتجسدة

يَظهر الجسد في تاريخ الفكر الإنساني بوصفه أحد أكثر المفاهيم التباسا وإثارة للأسئلة، ليس لأنه مجرد كيان ماديّ يشغل حيّزا في العالم، بل لأنه الموضع الذي تتقاطع فيه التجربة الحسية مع المعنى والذات مع المجتمع، والحرية مع السلطة. فالجسد لم يكن يوما معطى طبيعيا خالصا، بل كان دوما محمّلا بالرموز ومشروطا بالخطابات، ومؤطرا بأنماط الفهم التي أنتجتها الفلسفة والدين والعلم والسياسة. إنه ليس “ما نملك”، بل “ما نكونه” بقدر ما نختبر العالم وننخرط فيه، ولذلك ظلّ الجسد مرآةً دقيقة لتحولات الوعي الإنساني، وللطرائق التي بها يفهم الإنسان ذاته وحدوده وإمكاناته.

في الفلسفة الكلاسيكية ولا سيما ضمن الحقل الديكارتي، تمّ النظر إلى الجسد باعتباره مجرد امتداد مادي، وآلة صامتة خاضعة لنواميس الطبيعة، في مقابل العقل الذي أُسندت إليه حقيقة الذات وجوهرها. ولم يكن هذا التمييز بين الجوهر المفكِّر والجوهر الممتدّ مجرد فصل أنطولوجي بين نمطين من الوجود، بل انطوى على تقريرٍ ضمني لهيمنة الوعي على الجسد، وعلى إمكان اختزال هذا الأخير في الحركة والوظيفة. وقد صاغ ديكارت هذا الموقف بوضوح حين اعتبر أن الشك يمكن أن يطال كل شيء باستثناء حقيقة التفكير ذاتها، في حين يظل الجسد قابلاً للتصوّر بوصفه شيئا خارجا عن جوهر الذات. غير أن هذا التصور على الرغم مما ينطوي عليه من صرامة منهجية وقوة تأسيسية، أفضى إلى تهميش التجربة الجسدية، وإلى إقصاء الجسد من دائرة إنتاج المعنى والمعرفة، ليغدو مجرد حاضنة للروح لا أكثر.

إلا أن الفكر الحديث والمعاصر ما لبث أن أعاد مساءلة هذا الإرث، انطلاقا من وعي متنامٍ بأن الجسد ليس عنصرا عرضيا أو هامشيا في تكوّن الذات، بل شرطا أساسا لإمكانها. فمع التحول الوجودي والظاهراتي، لم يعد الإنسان يُفهم كوعي خالص يقف بإزاء العالم من موقع علوي، بل ككائن منخرط في العالم متجسّد فيه يختبر الزمان والمكان عبر جسده. وقد بلور هايدغر هذا المنعطف حين شدّد على أن الإنسان ليس ذاتا تواجه العالم، بل هو في جوهره “كائن-في-العالم”، وأن الفهم لا يسبق التجربة الجسدية بل يتشكّل في صلبها. ولا يعود الجسد موضوعا للوعي أو تابعا له، بل يغدو أفق الوجود نفسه، والمنفذ الذي تنفتح عبره المعاني، وتُبنى من خلاله علاقة الإنسان بالعالم وبالآخرين

هذا التحول يتعمّق مع ميرلو-بونتي، الذي رأى أن الجسد ليس شيئا نمتلكه، بل هو أسلوب وجودنا في العالم. فالإدراك في نظره ليس عملية عقلية خالصة، بل تجربة جسدية متجسّدة، حيث لا نفهم الأشياء إلا بقدر ما نلمسها ونراها ونتحرّك بينها. الجسد هو “نقطة الصفر للعالم”، وهو الوسيط الذي يجعل العالم قابلا للظهور أصلا. إذ يصبح الجسد لغةً صامتة وتعبيرا قبل التعبير ودلالةً تسبق المعنى المفهومي. وقد لخّص ميرلو-بونتي هذا المعنى حين قال إن الجسد “ليس موضوعا في العالم، بل وسيلة وجودنا فيه”.

غير أن استعادة الجسد في الفلسفة لم تتوقف عند البعد الوجودي أو الظاهراتي، بل سرعان ما انتقلت إلى تحليل علاقته بالسلطة والخطاب. وهنا تبرز مساهمة ميشيل فوكو بوصفها منعطفا حاسما في فهم الجسد المعاصر. فالجسد عند فوكو ليس معطى طبيعيا بريئا بل هو نتاج تاريخي، يتشكّل عبر شبكات معقّدة من السلطة والمعرفة. فالمؤسسات الحديثة من المدرسة إلى المستشفى ومن الثكنة إلى السجن لا تكتفي بتنظيم السلوك، بل تعمل على “تطويع” الأجساد وضبطها وإنتاجها وفق معايير محددة. والسلطة لا تُمارَس فقط من الأعلى إلى الأسفل، بل تتسرّب إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، فتستقر في الحركات والإيماءات وأنماط الجلوس والمشي والنظر.

في كتابه “المراقبة والعقاب”، يبيّن فوكو كيف تحوّل الجسد في المجتمعات الحديثة، إلى هدف مباشر لتقنيات الانضباط، حيث لم تعد السلطة تعاقب الجسد علنا كما في العصور السابقة، بل صارت تُعيد تشكيله وتُدرّبه وتُخضعه لمنطق النفع والطاعة. الجسد هنا يصبح “سطحا تُكتب عليه السلطة”، ونصا يمكن قراءته بوصفه سجلا للتاريخ الاجتماعي والسياسي. وكما يقول فوكو، فإن “السلطة تُنتج الواقع، وتُنتج مجالات للموضوعات وطقوسا للحقيقة”، والجسد هو أحد أهم هذه المجالات.

هذا التحليل يفتح الباب لفهم الجسد لا بوصفه ضحية سلبية للسلطة فحسب، بل بوصفه أيضا موقعا لإنتاجها وإعادة إنتاجها. فالجسد لا يتلقى السلطة فقط، بل يشارك من خلال ممارساته اليومية في تثبيتها أو زعزعتها. حيث يصبح الجسد ساحة صراع رمزي حين تتواجه أنماط الطاعة والمقاومة والامتثال والانفلات. وهذه الرؤية تجعل من الجسد نصا اجتماعيا وسياسيا يمكن تفكيكه وتأويله تماما كما تُفكّك الخطابات والنصوص.

ويتقاطع هذا المنظور مع ما ذهب إليه بيير بورديو حين تحدّث عن “الهابيتوس”، أي تلك البنيات المتجسّدة التي تتكوّن عبر التنشئة الاجتماعية، وتترسّخ في الجسد قبل أن تُصاغ في الوعي. فالجسد يحمل آثار الطبقة والذوق والسلطة الرمزية، ويعبّر عنها من خلال أسلوب الوقوف وطريقة الكلام ونمط الحركة. ما يبدو طبيعيا وبديهيا هو في الحقيقة نتاج تاريخ اجتماعي طويل، استقرّ في الجسد حتى صار غير مرئي.

ويكشف التحليل النفسي عن بُعد إضافي للجسد حيث لا يعود مجرد سطح خارجي للسلطة الاجتماعية، بل مسرحا للصراعات الداخلية والرغبات المكبوتة. فرويد حين ربط بين الجسد واللاوعي، بيّن أن الأعراض الجسدية ليست دائما نتاج خلل عضوي، بل قد تكون تعبيرا رمزيا عن صراعات نفسية غير واعية. الجسد في هذه القراءة يتكلّم حين يعجز اللسان عن الكلام، ويُفصح عن توتّرات الذات وانقساماتها. أما لاكان فقد ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن الجسد نفسه يتشكّل داخل النظام الرمزي، وأن علاقتنا بأجسادنا ليست مباشرة، بل تمرّ عبر اللغة والصورة والآخر.

هذا التداخل بين الجسد والنفس واللغة يعمّق فكرة أن الجسد ليس معطى طبيعيا ثابتا بل بناءٌ معقّد، يتغيّر بتغيّر السياقات الثقافية والاجتماعية. وقد التقطت الفلسفة النسوية هذا المعطى واشتغلت عليه بوصفه مفتاحا لفهم علاقات الهيمنة الجندرية. فالجسد الأنثوي في تاريخ طويل من الخطابات، لم يُنظر إليه بوصفه ذاتا مكتملة، بل بوصفه موضوعا للنظر والضبط والتقويم. وقد عبّرت سيمون دي بوفوار عن هذا المعنى بقولها الشهير: “لا يُولد الإنسان امرأة، بل يُصبح كذلك”، مشيرة إلى أن الجسد لا يحدّد المصير، بل يُعاد تفسيره داخل شبكة من التوقعات والمعايير الاجتماعية.

يصبح الجسد موقعا لتقاطع السلطة بالهوية، حيث لا تُفرض المعايير من الخارج فقط بل تُستبطن ويُعاد إنتاجها من داخل الذات. جوليا كريستيفا في تحليلها للهوية والجسد، تبيّن أن الجسد يحمل آثار القلق والاختلاف والانشطار، وأنه لا يمكن فهمه دون استحضار البعد النفسي والرمزي الذي يشكّله. أما لوسي إيرغاري فقد شدّدت على أن الفكر الغربي طالما قرأ الجسد الأنثوي من منظور ذكوري، وحوّله إلى “آخر” صامت، لا يمتلك لغته الخاصة. يصبح تحرير الجسد شرطا لتحرير المعنى وإعادة التفكير في الذات والاختلاف.

ويتّسع هذا التحليل حين ننتقل إلى الفلسفة ما بعد البنيوية، حيث يُنظر إلى الجسد بوصفه نصا مفتوحا، قابلا لإعادة الكتابة والتأويل. رولان بارت في تحليله للعلامات، بيّن أن الجسد لا يخلو من الدلالة، وأنه يحمل شبكة من العلامات التي يمكن قراءتها ثقافيا وسياسيا. الجسد هنا ليس حضورا خاما، بل علامة داخل نظام من العلامات، تتغيّر دلالتها بتغيّر السياق. طريقة اللباس ونمط الحركة وحتى الصمت، كلها عناصر تشكّل خطابا جسديا، يُفصح عن موقع الفرد داخل البنية الاجتماعية.

هذا الفهم يقرّب الجسد من الأدب والفن، حيث يصبح وسيطا للتعبير لا مجرد موضوع للوصف. في الشعر والرواية والمسرح، الجسد ليس عنصرا ثانويا بل حاملا للتجربة الوجودية وللتوتر بين الرغبة والمنع والحرية والحدّ. وقد عبّر نيتشه بأسلوبه الاستفزازي، عن مركزية الجسد حين قال: “وراء أفكارك ومشاعرك، يقف سيدٌ قويّ حكيمٌ مجهول اسمه الجسد”. بحيث لا يعود الجسد عائقا أمام الفكر، بل شرطا لإمكانه، ومصدرا لقوته واندفاعه.

إن الجسد في ضوء هذه التحولات لا يمكن اختزاله في بعد واحد، ولا فهمه خارج شبكة العلاقات التي تحيط به. إنه في آنٍ واحد تجربة ذاتية وبناء اجتماعي ومجال للسلطة وموقع للمقاومة. الجسد هو المكان الذي تُختبر فيه الحرية لا بوصفها مفهوما مجردا، بل كتوتر يومي بين ما نرغب فيه وما يُسمح لنا به. وهو أيضا الذاكرة الصامتة التي تحتفظ بآثار التاريخ الشخصي والجماعي ويُفصح عنها في لحظات الانكسار أو التمرّد.

إن التفكير في الجسد مدخل أساسي لفهم الإنسان المعاصر، لا بوصفه ذاتا عقلانية مجردة، بل ككائن هشّ متجسّد محاط بالخطابات، ومشدود بين السلطة والرغبة والامتثال والاختيار. الجسد ليس جوابا جاهزا بل سؤالا مفتوحا، يُعيد طرح نفسه مع كل تجربة، ومع كل محاولة لفهم الذات والعالم. وهو قبل كل شيء المجال الذي فيه تتجسّد الفلسفة وتتحوّل من تأمل نظري إلى خبرة حيّة تُعاش وتُختبر قبل أن تُكتب أو تُفكّر.

يستمر التفكير في الجسد حين يُستكمل أفقه الفلسفي، بوصفه مجالا لا ينغلق على كونه موضع خضوع للسلطة، بل ينفتح كذلك على إمكان المقاومة وإعادة التشكيل. فالجسد وإن كان مشدودا إلى شبكات الضبط والانضباط، لا يُختزل فيها إذ يحمل في داخله قدرة على الانفلات، وعلى إنتاج معانٍ لا تستنفدها الخطابات السائدة. هذا التوتر بين الإخضاع والتحرر هو ما يمنح الجسد طابعه الإشكالي، ويجعله أحد أكثر المفاهيم خصوبة في الفلسفة المعاصرة، لأنه يكشف عن أن السلطة ليست كلية القدرة، كما أن الذات ليست بريئة أو شفافة.

فحين تُمارس السلطة حضورها على الجسد، فإنها لا تفعل ذلك فقط عبر القمع المباشر، بل من خلال إنتاج أنماط من الحياة، وصور من “الطبيعي” و”العادي” و”المرغوب فيه”. غير أن هذا الإنتاج لا يخلو من شقوق، إذ إن الجسد بحكم كونه تجربة معيشة، يظل قادرا على توليد معانٍ غير متوقعة، وعلى تحويل الطاعة نفسها إلى شكل من أشكال المفارقة. وقد تنبّه فوكو في أعماله المتأخرة، إلى هذا البعد حين انتقل من تحليل تقنيات السلطة إلى مساءلة إمكانات “تقنيات الذات”، حيث يصبح الجسد مجالا لممارسة الحرية، لا بمعناها الليبرالي الساذج، بل باعتبارها فعلا أخلاقيا وتأمليا يشتغل داخل شروط محددة، دون أن يستسلم لها كليا.

هذا التحول يسمح بفهم الجسد بوصفه موقعا للتجربة الأخلاقية، حيث لا تُختزل الأخلاق في منظومة أوامر ونواهٍ، بل تتجسد في أساليب العيش وفي العلاقة التي يقيمها الفرد مع جسده ومع رغباته الآخرين. فالعناية بالجسد في هذا المنحى لا تعني الخضوع لمعايير الجمال أو الأداء بل الانتباه إلى هشاشته وحدوده، وإلى كونه موضعا للتألم واللذة معا. وقد عبّر سبينوزا قبل الفلسفة المعاصرة عن هذا المعنى حين اعتبر أن الجسد لا يُعرف من خلال ما يجب أن يكونه، بل من خلال ما يقدر على فعله. الجسد هنا ليس معيارا أخلاقيا خارجيا بل قدرة وإمكان، وطاقة تتحدد داخل شبكة من العلاقات.

غير أن هذه القدرة لا تُمارس في فراغ، بل تتشكل داخل سياقات اجتماعية وثقافية تُحدّد أفق الممكن والممنوع. ولا يمكن فصل الجسد عن مسألة الهوية، لأن الهوية ذاتها لا تتكوّن إلا من خلال التجربة الجسدية. فالانتماء سواء كان ثقافيا أو جنسيا أو إثنيا لا يُعاش فقط على مستوى الخطاب، بل يُختبر في الجسد في مظهره وفي حركته، وفي الطريقة التي يُنظر بها إليه. الجسد يتحول إلى بطاقة هوية صامتة تسبق الكلمة وتفرض حضورها قبل أي تعريف نظري.

هذا ما جعل الفلسفة النسوية في امتداداتها المعاصرة تركّز على الجسد بوصفه موقعا لإعادة التفكير في الهوية، بعيدا عن الجوهرانية. فجوديث باتلر حين طوّرت مفهوم “الأداء الجندري”، لم تكن بصدد إنكار الجسد، بل إعادة وضعه داخل منطق الفعل والتكرار. إذ أن الهوية لا تنبع من جوهر داخلي ثابت، بل تُنتج عبر ممارسات جسدية متكررة، تُكتسب مع مرور الزمن قوة الإيهام بالطبيعة. والجسد هنا لا يكشف عن حقيقة مسبقة، بل يصنع الحقيقة عبر أدائه، ويعيد إنتاج المعايير التي يخضع لها أو يخلخلها من الداخل.

هذا الفهم يُخرج الجسد من ثنائية الطبيعة والثقافة، ويضعه في منطقة وسطى، حيث يصبح المعنى نتاج تفاعل دائم بين ما هو بيولوجي وما هو رمزي. فالجسد لا يُلغى في الخطاب ولا يذوب في اللغة، بل يحتفظ بثقله وبقدرته على المقاومة الصامتة. الألم على سبيل المثال يظل تجربة لا يمكن اختزالها كليا في التمثيل، لأنه يذكّرنا بحدود اللغة، وبأن الجسد يحتفظ دوما ببعد لا يُستوعب بالكامل. وقد أشار إيمانويل ليفيناس من زاوية أخلاقية مغايرة إلى أن الجسد المتألم وجسد الآخر تحديدا، يفرض علينا مسؤولية لا يمكن ردّها إلى قاعدة أو قانون، بل إلى نداء أخلاقي سابق على كل تنظير.

هذا النداء يتجلّى أيضا في البعد الجمالي للجسد، حيث لا يعود مجرد موضوع للنظر، بل وسيلة للإدراك وأفقا للتجربة الفنية. ففي الرقص والمسرح والفنون الأدائية، يتحوّل الجسد إلى لغة لا بمعنى التمثيل، بل بمعنى الحضور. الجسد الراقص لا يشرح ولا يبرهن بل يكشف ويضع المتلقي أمام تجربة مباشرة، تتجاوز المفهوم دون أن تنفيه. وقد أدرك نيتشه هذه الحقيقة حين رأى في الجسد مصدرا للفكر، لا عائقا أمامه معتبرا أن الفلسفة التي تنسى الجسد تنقلب إلى زهد مريض ينكر الحياة بدل أن يفهمها.

وفي الفنون البصرية يتخذ الجسد وظيفة مزدوجة، إذ يكون في آنٍ واحد موضوعا للتمثيل ووسيلة له. الصورة الجسدية سواء في الرسم أو التصوير أو السينما، لا تعكس الواقع فقط بل تُعيد تشكيله، وتنتج معايير للجمال والقبح والقوة والهشاشة. وهنا يظهر بوضوح تداخل الجسد مع الاقتصاد الرمزي، حيث تتحول الأجساد إلى سلع وإلى واجهات للنجاح وإلى نماذج يُطلب تقليدها. هذا ما دفع جان بودريار إلى القول بأن الجسد في المجتمعات الاستهلاكية لم يعد يُعاش بقدر ما يُعرَض، وأن قيمته باتت تُقاس بقدرته على الاندراج داخل منطق الصورة.

غير أن هذا التشييء لا يلغي البعد الوجودي للجسد، بل يزيده تعقيدا. فالجسد المعروض هو أيضا جسد قَلِق يعيش توترا دائما بين الرغبة في الاعتراف والخوف من التشييء. هذا التوتر يتجلّى بوضوح في التجربة المعاصرة، حيث تتكثف الخطابات حول الجسد من الصحة إلى الجمال ومن اللياقة إلى الأداء، فيتحوّل الجسد إلى مشروع دائم، لا يكتمل أبدا. ولا تعود السلطة خارجية فقط، بل تستبطنها الذات وتتحوّل إلى رقابة ذاتية، تجعل الفرد حارسا على جسده، وسجينا لمعايير لا تنتهي.

تبرز أهمية إعادة التفكير في الجسد من منظور نقدي، حيث لا يكتفى بوصف آليات السيطرة، بل يسائل شروط إمكان التحرر. فالتحرر لا يعني استعادة “جسد طبيعي” مفقود، لأن هذا الجسد لم يوجد أصلا خارج الخطاب، بل يعني الوعي بتاريخ الجسد، وبالطبقات المتراكمة التي شكّلته، وبالقدرة على إعادة تأويل هذه الطبقات. الجسد لا يتحرر بالخروج من السلطة، بل بإدراك كيف تعمل السلطة فيه، وكيف يمكن تحويل بعض آلياتها إلى أدوات للانفلات.

هذا ما يجعل الجسد موقعا مميزا للتجربة السياسية لا بمعناها المؤسسي الضيق، بل بوصفها تجربة عيش مشترك وصراعا على المعنى. فالحركات الاجتماعية والاحتجاجات والممارسات الجسدية في الفضاء العام، تكشف أن الجسد ليس مجرد فردي بل جماعي أيضا، وأنه يمكن أن يتحوّل إلى لغة احتجاج وإلى وسيلة لإعادة رسم حدود الممكن. الجسد المتظاهر والجسد الصائم والجسد الرافض، كلها أشكال من الكتابة السياسية، لا تُدوَّن بالحبر بل بالحضور والمخاطرة.

ومع ذلك لا يمكن اختزال الجسد في بعده السياسي، لأن ذلك يعيد إنتاج نوع آخر من الاختزال. الجسد هو أيضا تجربة زمنية، حيث يحمل آثار الماضي ويعيش الحاضر ويتجه نحو الفناء. الشيخوخة والمرض والموت، ليست مجرد وقائع بيولوجية، بل تجارب وجودية تعيد طرح سؤال المعنى. وقد تنبّه هايدغر إلى هذا البعد حين ربط بين الوجود والزمن، معتبرا أن الإنسان كائن نحو الموت، وأن الجسد هو ما يجعل هذا التوجّه محسوسا لا مجرد فكرة. الجسد يذكّرنا بنهايتنا لا ليشلّنا، بل ليمنح أفعالنا كثافتها.

يصبح الجسد موضعا للتفكير في الهشاشة لا بوصفها ضعفا بل شرطا للإنسانية. الهشاشة الجسدية تفتح باب التعاطف وتؤسس لإمكانية العيش المشترك، لأنها تكشف أن لا أحد مكتفٍ بذاته، وأن كل ذات محتاجة إلى الآخر. وقد شدّد بول ريكور على هذا المعنى حين ربط بين الجسد والاعتراف، معتبرا أن الاعتراف بالآخر يبدأ من الاعتراف بجسديته وبقابليته للألم. الجسد في هذا الأفق يصبح أساسا لأخلاق الرعاية، لا لأخلاق السيطرة.

كل هذه الأبعاد تجعل من الجسد مفهوما مركزيا لا يمكن تجاوزه في أي تفكير فلسفي معاصر. فهو ليس مجرد موضوع بين موضوعات، بل مفترق طرق تتقاطع فيه الأنطولوجيا والأخلاق والسياسة والجماليات وعلم النفس. الجسد يربك التصنيفات لأنه يقاوم الاختزال ويكشف حدود كل مقاربة أحادية. التفكير فيه يفرض على الفلسفة أن تنزل من تجريدها دون أن تفقد عمقها، وأن تعترف بأن المعنى لا يُنتج فقط في المفاهيم، بل في التجربة المعيشة.

ولا يعود الجسد سؤالا عن “ما هو”، بل عن “كيف يُعاش” وكيف يُكتب وكيف يُقاوَم. إنه نص مفتوح لا يكتمل، لأنه يتغير بتغير السياقات وباختلاف التجارب. وكل محاولة لإغلاق معناه هي في النهاية محاولة للهيمنة عليه. لذلك يظل الجسد فضاءً للقلق الخلّاق، ومجالا لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الذات والحرية والهوية والعيش المشترك.

إن الجسد ليس هامش الفلسفة بل أحد مراكزها الخفية. وهو ما يربط الفكر بالحياة، ويمنع الفلسفة من التحوّل إلى تأمل معزول. الجسد يذكّر الفيلسوف بأن التفكير ليس فعلا بلا ثمن، وأن كل فكرة تمرّ في النهاية عبر لحم الإنسان وتاريخه وألمه وأمله. ومن هنا فإن أي فلسفة تتجاهل الجسد، إنما تتجاهل الإنسان ذاته، أو تقدّم عنه صورة مبتورة، تفتقد إلى العمق والصدق.

***

د. حمزة مولخنيف

روجي بول- دروا

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

***

" ياموسوكرو، كوت دي فوار، 1995. اجتمع في قاعة المحاضرات في دار السلام، عشرات من الفلاسفة الأفريقيين. كان الحدث نادرا: فرانكفونيون وأنجلوفونيون مجتمعون وآتون من مالي أو كينيا من البنين أو الكونغو من السينغال أو إفريقيا الجنونية. لم أكن من بينهم بالصدفة، كنتُ في ذلك العهد، مستشارا لمدير اليونسكو في الفلسفة، وكانت مهمتي تنظيم لقاءات في مختلف بلدان العالم، في إطار برنامج" الفلسفة والديمقراطية في العالم" الذي كنت مسئولا عنه. وطيلة عام ونصف، عملتُ، بالتعاون الواسع مع ثلاث فلاسفة أفارقة بولان هونتودجي Paulin Hountondji، جان جودفروي بيديما Jean-Godefroy Bidima وسليمان بشير دياغنو Souleymane Bachir Diagne، ولكل واحد منهم مؤلفات مهمة عن الفلسفة في إفريقيا، على صياغة برامج لهذا اللقاء . لا أعرف شيئا أو تقريبا مازلت في البداية عن فلاسفة إفريقيا، وقد تعلمت، شيئا فشيئا تحديدهم. وما شدّني، طيلة هذه الأيّام للعرض والنقاش النشيط، هو النوعية المتميّزة للمداخلات. فجميعها تقريبا متينة ودقيقة جدا. كلٌّ يحمل أفقَ تحليل جديد، ويضيف عناصرَ مهمّة. فليس الأمر على هذه الحال دوما، وهذا أقلّ ما يمكن قوله، في اللقاءات الدولية الكبرى. لقد اكتشفتُ إذن، بصورة جلية، بَدَهِية، حيوية التفكير الفلسفي المعاصر في إفريقيا. فمُمَثّلوه نادرون جدا، يستندون إلى الفلسفة التحليلة أو الفينومينولوجية، وهم مابعد ماركسيين أو مابعد فرويديين، وقرّاء لفيدجنشتين أو فوكو، لحنا آرنت أو داريدا. وتندرج تحليلاتهم في تيار هابرماس وريكور أو فرانز فانون... جميعهم قرؤوا كثيرا وتأمّلوا بحقّ. وهم يعرفون ابتكار مساراتهم الخاصّة. ويتساءلون عن وسائل توظيف أدواتهم النظرية في إيضاح المسائل الخاصة بإفرقيا اليوم، وفي فهم معضلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. حتى لو أدى الأمر، وهذا بديهي، إلى تغيير الأدوات المفهومية أو نحت آخري. يوجد إذن بالفعل، فلاسفة في إفريقيا. غير معروفين غالبا. وعلى وجه العموم مقروئين قليلا، وقد تم نشر كتبهم بشكل سيء. غير أنهم واضحون نشطون ودقيقون. هذا ما اكتشفته، بغبطة، هذه السنة، التي أضحت بعيدة.

هل أن وجود فلاسفة في إفريقيا، اليوم، ينجم عنه أو يقتضي وجود فلسفة إفريقية؟

نعم، بالفعل، إذا ما أَحَلْنا إلى هذه الفورة المتعدّدة التي تظهرها حاليا المنشورات، والمجلات ومراكز البحث والتي يجدر اكتشافها.

ولا أيضا، إذا ما فكرنا في الماضي، وإذا ما سعينا إلى العثور، في تاريخ القارة الإفريقية، على مكتبات مماثلة لتلك التي لاحظنا تطورها وتناقلها لدى فلاسفة الهند والصين والتّبت واليابان والعالم العربي. إنّ مسألة المكتبات هذه، ومسألة نقل التقاليد النقدية المكتوبة مسألة مركزية. إنها تقتضي بعض التفسيرات.

المعقولية والشفوي

إذا ما سلمنا مع ديكارت بأنّ " العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس"، وإذا ما كنا نملك ضمانا بأنّ كل كائن بشري قد وهب هذا العقل، فلماذا كان الماضي الطويل لإفريقيا لا يملك فلاسفة؟ إنّ قدرة ثقافات ولغات إفريقيا على إنشاء مقولات وتصنيفات ومفاهيم مجرّدة وتأمّلات لن تكون أقلّ من ثقافات أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. لقد أسالت هذه المسألة في العشرية الأخيرة كثيرا من الحبر . ففي 1949 نشر الأب الكاهن بلاسيد تامبل" فلسفة البانتو" حيث استند على خصائص هذه المجموعة من اللغات حتى يستنبط فلسفة القوة الحيوية، لا بل نسقا سيكون فيه كل عنصر تعبيرا عن قوّة. وأعاد الفيلسوف والمنطقي البلجيكي ليو أبوستال بناء انطولوجيا البانتو حيث ستحلل كلّ مسارات فعلها في الواقع وفق مصطلحات التكثيف intensificationأو الإضعاف. affaiblissement لقوى وتراتبية وتأثير متبادل فيما بينها. هذه الأعمال التي رحّب بها الإفريقيون أنفسهم - وليس أقلهم شأنا، بما أنّ ليوبولد سنغور أو شيخ انتا ديوب قد احتفيا بهذا الاعتراف الفلسفي- قد وجدت نفسها فيما بعد تحت نيران النقد.

أدان بولان هونتوندجي Paulin Hountondji" الفلسفة الإثنية "« ethnophilosophie »، التي بنيت على منظور أبوي ومتعال لمبعوثي القوى الاستعمارية. فلا توجد بالنسبة إليه" فلسفة إفريقية" بل فحسب إفريقييون يتفلسفون .

وإذا ما شئنا النظر بوضوح في هذه المسألة، حيث تتشابك جملة من الحجج والمسلمات والجدال، فيبدو لي أنّ هناك ثلاث نقاط لابد من أخذها بعين الاعتبار.

من المناسب بادئ ذي بدء أن نضع في اعتبارنا أنّ فلسفة ما لا تختزل في "رؤية للعالم". "فالرؤية للعالم" Weltanschauung » « هي تمثّل للوجود عامّة، لدور وواجبات الإنسانية بالخصوص، للكون في مجموعه، للآلهة والأنواع الحيوانية وعلاقاتها، الخ. تحتوي كل ميثولوجيا وكلّ نسق معتقدات هذا النوع من التمثّلات، بشكل صريح أو ضمني، تبسيطي أو معقّد. لكن ليس هذا في ذاته فلسفيا. ذلك أن المسار التكويني للفلسفة يبدأ فقط عندما يعود الفكر على معتقداته وتمثّلاته، وعندما يتساءل على محتواها، وصلاحيتها، ومعناها وحقيقتها. وليس بالضروري لغاية هدمها ولا حتى لوضعها موضع تساؤل، بل لفحصها قبل كلّ شيء. فلا تتمثّل الفلسفة، بهذا المعنى، لا في الكلام ولا في التفكير، وهو ما تفعله دائما الكائنات البشرية، بل في التدقيق في كيفية كلامنا، وفي البحث في كيفية تفكيرنا. والفكر على صورته هذه كفكر مألوف ليس فلسفيا. بل يصبح فكر الفكر فلسفيا حالما يمتدّ في الوجود.

والنقطة الثانية تتعلق بالوجود الممتدّ لعود تفكّري للفكر على نفسه في ثقافة محض شفوية. بيد أنه يبدو فعلا أن ما من استحالة في هذا الباب. التفكير في طريقة النظر، وإخضاع وجهة نظر لأسئلة ونقد، ومساءلة تمثّل، كل ذلك ليس ممكنا فحسب، بل لا مفرّ منه غالبا على امتداد المناقشات والحوارات والمحادثات والمناوشات الكلامية المألوفة دائما لدى الثقافة الإفريقية . فلا شيء يمنع إذن من افتراض تطور أشكال من الفلسفات النقدية الشفوية، المماثلة مع تعديل ما يلزم، لما نجده مثلا، في التقاليد الشفوية للهند. إنّ وجود فلسفات شفوية إفريقية (فلسفية حقّا، وشفوية حقّا، وإفريقية حقّا) محتمل. ومحتمل فقط. ذلك أن النقطة الثالثة، في غياب آثار كتابية، ومكتبات ونقل يحفظها، فمن الصعب جدا ملاحظتها، إن لم نقل من المستحيل، على الأقلّ لهاوٍ مستنير. ففي كل ميدان ثقافي أثرناه سابقا، تكثر الكتب وتُبْقي خطاباتٍ سليمة وحتى تحليلات قديمة جدا. فالبانديت الهندي، والرسائل الصينية والرهبان البوذيين اليابانيين أو التايلانديين، وعلماء الإسلام هم جميعهم رجال كتابة وتدوين. بيد أن إفريقيا تفتقر لهذه المكتبات مثلما هو الشأن بالنسبة لأمريكا.

وإذا كان الفلاسفة هم بالأساس شأن مكتبات، فليس لمبرر الكتابة أن يكون الشرط الضروري لظهورهم. فالمكتوب لا يظل على الأقلّ الشرط الضروري للحفاظ عليهم، وبالتالي على معارفهم عبر القرون. ماذا نعرف عن حوارات سقراط ومحادثات كونفوشيوس وتأملات ديوجين والسهروردي، لو لم يصل إلينا لا الرق ولا الألواح ولا المخطوطات؟

تستمرّ حاليا عديد البحوث من أجل محاولة إعادة بناء هذه الفلسفات الشفوية، والوصول إلى بناء نماذج معقولة أو حتى صادقة. هذه البحوث هي بالتأكيد واعدة، لكن من المبكر جدا استخلاص نتائج منها. لأجل هذا لا نجد في هذا التاريخ الموجز فصلا بعنوان " في عقول الفلاسفة الإفريقيين".".

***

.......................

* روجي بول- دروا " رحلة في فلسفات العالم " البان ميشيل 2021 ص 270- 271 -272

 

جدلية البقاء البيولوجي والبقاء الإنساني

الجدلية الأنطولوجية بين "الحياة العارية" والوجود السياسي

تُشكل الثنائية القائمة بين الضرورة البيولوجية للبقاء والواجب الأخلاقي للحفاظ على الجوهر الإنساني، المحورَ الأساسي الذي تدور حوله مأساة الوجود البشري في ظل الأنظمة الشمولية وظروف القهر القصوى. يسعى هذا التقرير لتقديم مسح شامل وتحليل عميق لهذه الديناميكية، مستنداً إلى تقاطعات الفلسفة السياسية الحيوية، وعلم النفس التطوري، وشهادات الناجين من معسكرات الإبادة. لا تكتفي هذه الدراسة برصد الظواهر، بل تغوص في البنية التحتية لآليات السلطة التي تستهدف "الجسد الحي" لتفكيك الذات السياسية والأخلاقية.

في الفكر اليوناني القديم، كان هناك تمييز دقيق بين "زوي" حقيقة الحياة البيولوجية المجردة المشتركة بين جميع الكائنات الحية (الحيوانات، البشر، والآلهة)، وبين "بيوس" التي تشير إلى شكل الحياة اللائق والمؤهل لفرد أو جماعة ضمن السياق السياسي والاجتماعي. كانت السياسة التقليدية معنية بـالـ "بيوس"، أي الحياة المؤطرة بالقوانين والأخلاق. ومع ذلك، فإن الحداثة السياسية، كما يجادل ميشيل فوكو وجيورجيو أغامبين، قد شهدت انهياراً كارثياً لهذا التمييز، حيث تم دمج الحياة البيولوجية البحتة في صلب الحسابات السياسية.

تنطلق الفرضية المركزية لهذا التقرير من أن آليات القمع الحديثة لا تهدف ببساطة إلى قتل الخصوم، بل تسعى إلى إنتاج ما يسميه أغامبين "الحياة العارية" وهي حياة مجردة من الحقوق والحماية والقيمة الرمزية، ومختزلة في وظائفها البيولوجية الأساسية. يتم تحقيق ذلك عبر استغلال منهجي للدورة البيولوجية للإنسان (من هشاشة الطفولة إلى وهن الشيخوخة) وعبر تفعيل ضغط تطوري يضع غرائز البقاء الفوري في مواجهة صفرية مع القيم الأخلاقية بعيدة المدى.

السياسات الحيوية: من "حق الموت" إلى "إدارة الحياة"

لفهم ميكانيكيات تحويل الإنسان إلى مادة بيولوجية، يجب أولاً تفكيك التحول التاريخي في طبيعة السلطة. يوضح ميشيل فوكو في تحليلاته لتاريخ الجنسانية أن السلطة السيادية القديمة كانت تتميز بحق "الإماتة أو الإبقاء على قيد الحياة". كان السيف هو رمز السلطة، والموت هو اللحظة التي تتجلى فيها سيادة الحاكم المطلقة.

بيد أنه مع صعود الرأسمالية والدولة الحديثة، انقلبت هذه المعادلة لتصبح السلطة معنية بـ "صناعة الحياة أو ترك الموت يحدث". هذا التحول، الذي "السلطة الحيوية" يعني أن الآليات السياسية بدأت تتدخل في العمليات البيولوجية للسكان، معدلات الولادة، الوفيات، الصحة العامة، والنظافة. لم تعد السلطة تمارس حكمها على "رعايا قانونيين"، بل على سكان" ككتلة بيولوجية". في هذا السياق، لا يُبرر القمع كعقاب قانوني، بل كإجراء "طبي" أو "وقائي" لحماية الجسد الاجتماعي من "العناصر الفاسدة". هذا المنطق هو الذي مهد الطريق لما يسميه فوكو "عنصرية الدولة"، حيث يصبح إقصاء أو إبادة مجموعات معينة شرطاً لزيادة حيوية وقوة المجموعة المهيمنة.

 "هومو ساكر" وإنتاج الحياة المستباحة

يأخذ الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين تحليل فوكو إلى مستوى أنطولوجي أعمق من خلال استعادة مفهوم من القانون الروماني الغامض: "هومو ساكر" أو الإنسان المستباح. هذا الشخص هو كائن مزدوج الإقصاء: لا يمكن تقديمه كأضحية للآلهة (لأنه نجس أو فاقد للقيمة الدينية)، وفي الوقت نفسه، فإن مَن يقتله لا يُعاقب بجريمة قتل (لأنه خارج حماية القانون الوضعي). إنه حياة يمكن قتلها دون ارتكاب جريمة جنائية، هذا ليس شذوذاً تاريخياً، بل هو "نوموس" (قانون) الفضاء الذي تصبح فيه "حالة الاستثناء" هي القاعدة الدائمة. في المعسكر، يتم تجريد الأفراد من جنسيتهم وهوياتهم السياسية ليتبقوا مجرد كتل بيولوجية خاضعة لسلطة مطلقة. الهدف النهائي للمعسكر ليس الموت بحد ذاته، بل إنتاج "الحياة العارية" بكميات صناعية. هنا، يتم تعليق القانون والأخلاق، ويصبح الإنسان "مادة" قابلة للتصرف، سواء للتجريب الطبي، العمل القسري، أو الإبادة.

سيكولوجية التجريد: بين "الحيوانية" و"الميكانيكية

لإتمام التحول من "مواطن" إلى "حياة عارية"، توظف الأنظمة القمعية آليات نفسية وتطورية لتجريد الضحايا من إنسانيتهم. تشير الأبحاث في علم النفس الاجتماعي إلى نمطين رئيسيين لهذا التجريد:

التجريد الحيواني: حيث يُنظر إلى الضحايا ككائنات تفتقر إلى الخصائص البشرية الفريدة مثل المنطق والثقافة. يتم استخدام استعارات مثل "الجرذان" أو "الصراصير" لتفعيل مشاعر القرف بدلاً من التعاطف، مما يبرر العنف كإجراء تطهيري.

التجريد الميكانيكي: حيث يُعامل البشر كآلات أو أدوات تفتقر إلى الدفء العاطفي والعمق النفسي. هذا النوع شائع في السياقات البيروقراطية والصناعية للمعسكرات، حيث يُمحى الاسم ويصبح السجين "رقماً" أو "وحدة عمل".

تُظهر الدراسات أن لغة التجريد هذه لا تسهل العنف "الأدائي" فحسب، بل تعطل أيضاً كوابح الردع الأخلاقي الطبيعية لدى الجلادين؛ فعندما تُصنّف الضحية خارج "النطاق الأخلاقي"، تسقط عنها القوانين التي تحكم التعامل البشري.

المنطقة الرمادية وسيكولوجيا التواطؤ القسري

في تحليله الرائد لتجربة أوشفيتز، اجترح بريمو ليفي مفهوم "المنطقة الرمادية" لتوصيف الفضاء الأخلاقي الغامض الفاصل بين الضحايا والجلادين. يرفض ليفي التبسيط المريح الذي يصور المعسكر كعالم منقسم بوضوح بين "أخيار" مطلقين و"أشرار" مطلقين، كاشفاً عن حقيقة مرعبة: لكي تنجو بيولوجياً في بيئة مصممة للإبادة، كان على السجناء غالباً الانخراط في درجات متفاوتة من التواطؤ مع النظام.

تشمل المنطقة الرمادية السجناء الذين قبلوا أدواراً صغرى (مثل "الكابو" أو أعضاء "السوندكوماندو") مقابل امتيازات بيولوجية ضئيلة:

 حصة إضافية من الحساء أو بضعة أيام إضافية من الحياة. يرى ليفي أن "الحكم الأخلاقي" التقليدي يتعطل في هذه المنطقة؛ إذ لا يمكن تطبيق معايير العالم الطبيعي على أفراد يواجهون ضغطاً بيولوجياً ساحقاً. ومع ذلك، فإن النظام النازي تعمد خلق هذه المنطقة ليس فقط لإدارة المعسكر، بل لتحقيق هدف شيطاني أعمق:

 تدنيس الضحية وتوريطها في جريمة تدميرها الذاتي، وسلبها حتى "براءة" الضحية.

استهداف الدورة الحياتية

تمتد يد السياسات الحيوية لتعبث بمراحل الدورة البيولوجية للإنسان:

اغتراب الطفولة:

 يمثل الأطفال "رأس المال البيولوجي" للمستقبل. في الأنظمة الشمولية، يُنظر للطفل كـ “مشروع سياسي" يجب فصله عن ولائه البيولوجي (الأسرة) وربطه بالدولة. تشير الدراسات إلى أن تحريض الطفل ضد والديه عبر التعليم المؤدلج والمنظمات الشبابية هو شكل من أشكال "الإساءة النفسية" التي تكسر الرابط البيولوجي-العاطفي، وتخلق جيلاً يدين بالولاء المطلق للسلطة، مجرداً من الحماية العاطفية الأسرية. وفي حالات الإبادة، يصبح قتل الأطفال استراتيجية "إبادة مستقبلية" لقطع نسل المجموعة الضحية.

الشيخوخة كـ "عبء إنتروبي":

 في الطرف الآخر من الدورة، يواجه المسنون خطر التصنيف كـ "حياة غير جديرة بالحياة". وفق المنطق النفعي للدولة (حيث القيمة = الإنتاج)، يُعتبر المسن مستهلكاً للموارد دون مساهمة وحتى في المجتمعات الحديثة، تشير دراسات "الإقصاء الأخلاقي" إلى ميل المجتمع لعزل الشيخوخة، مما يسهل عملية "التخلص" من المسنين في أوقات الأزمات بناءً على معايير "الحيوية البيولوجية" فقط.

الإنتروبيا الأخلاقية ومقاومة التحلل النفسي

يمكن استعارة مفهوم "الإنتروبيا" من الديناميكا الحرارية لتفسير التحلل النفسي تحت القمع. فكما تميل الأنظمة الفيزيائية نحو الفوضى ما لم تُبذل طاقة للحفاظ على النظام، فإن النفس البشرية كنظام قيمي تتطلب طاقة هائلة للحفاظ على تماسكها. في البيئات القمعية، يتم قطع مصادر هذه الطاقة (عبر العزل، والحرمان الحسي، والجوع)، مما يؤدي إلى "إنتروبيا نفسية" متسارعة.

المقاومة كفعل تطوري

من منظور تطوري، لا يُعد المعنى والأخلاق نقيضين للبقاء، بل هما "تكيّفات عليا". في البيئات التي تعجز الغرائز الفردية عن التعامل معها، يصبح "العقل الجماعي" و"الهدف المشترك" أدوات البقاء الأقوى. تحاول الأنظمة القمعية إعادة الإنسان إلى مرحلة "ما قبل التطور الاجتماعي"، بينما تكمن المقاومة في الإصرار على البقاء في "المرحلة الإنسانية"، حيث التعاطف والكرامة هما آليات النجاة الحقيقية. إن الصراع بين البقاء بيولوجياً والبقاء إنساناً ليس ترفاً نظرياً، بل هو المعركة اليومية لكل من يرزح تحت وطأة القمع. تكشف لنا هذه الدراسة أن التحول إلى "حياة عارية" ليس قدراً محتوماً. فمن خلال فهم آليات السياسات الحيوية، والتمسك بما أسماه فيكتور فرانكل "الإرادة للمعنى"، يمكن للفرد ابتكار مساحات للمقاومة؛ حيث لا يكون الهدف مجرد التنفس، بل الشهادة على الحقيقة، والحفاظ على صورة الإنسان في مواجهة محاولات محوها.

***

غالب المسعودي

..........................

قائمة المراجع (References)

المصادر الفلسفية والنظرية (فكر سياسي)

Internet Encyclopedia of Philosophy (IEP). Agamben, Giorgio. Retrieved from: [iep.utm.edu]

Agamben, Giorgio. Homo Sacre: Sovereign Power and Bare Life. The Thing. Retrieved from: [thing.net]

Critical Legal Thinking. Michel Foucault: Biopolitics and Biopower. Retrieved from: [criticallegalthinking.com]

Schutz, A. The Power to Kill Life Itself: Michel Foucault, Biopolitics, and the Political Challenge of Human Extinction. Perspectives on Politics, Cambridge Core. Retrieved from: [cambridge.org]

Foucault, Michel. The Government of Living Beings. University of Warwick. Retrieved from: [warwick.ac.uk]

Hansen, Sarah K. Zoe, Bios, and the Language of Biopower. (“Zoe, Bios and the Language of Biopower - Wiki data”) Dissertation, Vanderbilt University. Retrieved from: [core.ac.uk]

دراسات الهولوكوست وعلم النفس (المنطقة الرمادية والتجريد)

Brill. Finding Man in Der Musselman: The Use & Abuse of the Walking Dead. Retrieved from: [brill.com]

Digital Commons New Haven. An Interdisciplinary Analysis of Dehumanization during the Holocaust. Retrieved from: [digitalcommons.newhaven.edu]

Starr, RJ. The Psychology of Dehumanization and Moral Disengagement. Retrieved from: [profrjstarr.com]

أبحاث علم النفس والسلوك (الضغط النفسي والعنف)

National Institutes of Health (NIH) - PMC. "Stress potentiates decision biases: A stress induced deliberation-to-intuition (SIDI) model." (“Papers by topic | yulab”) Retrieved from: [pmc.ncbi.nlm.nih.gov]

National Institutes of Health (NIH) - PMC. Dehumanization increases instrumental violence, but not moral violence. Retrieved from: [pmc.ncbi.nlm.nih.gov]

Construction of Identities. Homo Sacre: Sovereign Power and Bare Life. Retrieved from: [construcciondeidentidades.wordpress.com]

 

في واقعنا المعاصر يبدو سؤال المعنى أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، وهو سؤال لم يعد يُطرح بمعزل عن ما عرفه التاريخ من تحولات كبرى في ميدان الفكر الإنساني. فالمعنى الذي كان يتشكل في الحضارات التقليدية تحت مظلة المرجعيات الدينية أو الأسس الميتافيزيقية، أصبح اليوم يتأرجح بين فقدان الإله كما أعلن نيتشه، وبين صرخة الإنسان الباحث عن ذاته في عالم يتسم باللايقين. نيتشه لم يقصد بالموت الإلهي انقراض العقائد الدينية فحسب، بل أشار إلى انهيار منظومة القيم المطلقة التي كانت تضمن للإنسان إحساسه بالاستقرار الأخلاقي والمعرفي. في هذا السياق، يصبح السؤال عن القيم وعن المعنى سؤالا عن قدرة الإنسان على تأويل ذاته والعالم دون الاستناد إلى مطلق خارجي، أو عن إمكانية استبدال المرجعيات الميتافيزيقية بأخرى ذاتية أو اجتماعية.

المعنى لم يعد اليوم ثابتا، بل صار نسبيا ومتغيرا بحسب التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحيط بالإنسان الحديث. كما كانت القيم تقف على قواعد متينة، من الوحي إلى القانون الطبيعي، ومن التقاليد المجتمعية إلى الفلسفة الأخلاقية الكلاسيكية، غير أن الحداثة وما بعدها جلبت معها تقويضا منهجيا لكل هذه المرجعيات. فهايدغر في تأمله حول "الوجود والزمان"، يطرح الإنسان في كونه "كائنا نحو الموت"، كيانا مفتوحا على عدمية محتملة، حيث تتكشف قيمة الأشياء فقط في ضوء خبرة الفرد ومعايشته الخاصة للعالم. وهذا التحول يعيد النظر في القيم ليس كمجموع قواعد خارجية مفروضة، بل كحركة ديناميكية ترتبط بالوعي الإنساني وقدرته على التأمل والتساؤل.

الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر من جانبه، يذهب أبعد من ذلك في تأكيد أن الإنسان "محكوم بالحرية"، أي أنه مسؤول عن خلق القيم والمعنى بنفسه، إذ ليس هناك أي أساس مسبق يمنحه شرعية الأخلاق أو الغاية للوجود. في هذا السياق، يصبح السؤال عن المعنى سؤالا وجوديا قبل أن يكون أخلاقيا أو اجتماعيا، لأن أي محاولة لفرض قيم خارجية تُعَدّ تزييفا للحرية الذاتية. ويظهر الصراع الوجودي بين عبء الحرية الإنسانية وبين الرغبة العميقة في الاستقرار والاطمئنان الذي كانت توفره القيم التقليدية.

لكن هل يعني موت الإله بالضرورة فراغ المعنى؟ وهل يضطر الإنسان إلى الانغماس في الاغتراب أو اليأس؟ فلسفيو ما بعد الحداثة يقدمون رؤية أكثر تعددية ومرونة. فميشيل فوكو على سبيل المثال، يسلط الضوء على أن القيم ليست مطلقة ولا فطرية، بل هي نتاج تاريخي، محكوم بالسلطة والمعرفة. إنما القيم هنا ليست مجرد قواعد أخلاقية، بل هي أدوات تصنع الهوية وتحدد العلاقات الاجتماعية والسياسية. هذه الرؤية تقود إلى فهم المعنى كشبكة من العلاقات المؤقتة والاشتراطات التاريخية، وليس كحقيقة ثابتة تنتظر من الإنسان اكتشافها.

وفي مقابل هذا النهج، تأتي فلسفات التحليل القيمي الغربية، مثل أعمال هيربرت ماركوز في نقد الحداثة الرأسمالية، لتطرح سؤال العدالة والقيم في سياق اجتماعي وسياسي، حيث يصبح المعنى مرتبطا بالمقاومة والتحرير، لا بالوجود الفردي فقط. فالإنسان الحديث في هذه الرؤية، لا يسعى فقط إلى تأويل ذاته، بل إلى بناء عالمٍ يُمكّن القيم من التحقق في حياة اجتماعية وعملية. وهذا المعنى لا ينحصر في التجربة الفردية للوعي، بل يمتد إلى تفاعل الإنسان مع محيطه ومع جماعاته، مما يجعل السؤال عن القيم سؤالا عن إمكان التغيير وعن حدود الحرية في مجتمع مُهيمن على قواعد السلطة والمعرفة.

أما في الفلسفات الأخلاقية المعاصرة، مثل فلسفة ألبير كامو فنجد أن العبث كما يصفه، يصبح محورا لفهم المعنى. العبث يولد من التناقض بين رغبة الإنسان في إيجاد معنى مطلق للعالم وبين عالم يفتقر إلى أي غاية محددة. لكن من هنا أيضا تنبع حرية الإنسان، أي حرية قبول العبث والعمل به رغم غياب المطلق. فالمعنى في هذا الإطار، لا يُنتَزع من الخارج، بل يُصنع من الداخل، من التجربة الفردية ومن القدرة على مواجهة الفوضى دون الانكسار.

في هذا السياق، يصبح السؤال عن القيم سؤالا عن القدرة على الاجتهاد الإنساني، أي القدرة على إعادة تأويل المعايير الأخلاقية والاجتماعية بطريقة تتيح للإنسان العيش في عالم متعدد الأبعاد. فالفلسفة المعاصرة لا تقدم وصفا نهائيا للقيم، بل تحفز على التفكير النقدي في كل قيمة، وتطرح التساؤل الدائم عن شرعيتها، ومدى قابليتها للتطبيق في سياق متغير ومتسارع. إن القيم ليست عابرة فقط لأنها قابلة للتغيير، بل لأنها تتأسس على وعي الإنسان بذاته وعلاقته بالعالم وبالآخرين.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال إسهامات الفكر النسوي في إعادة طرح سؤال القيم والمعنى، حيث تشير الفلسفات النسوية المعاصرة، مثل أعمال جوليا كريستيفا وسيمون دي بوفوار، إلى أن القيم التقليدية غالبا ما تعكس بنية السلطة الأبوية وتفرض قيودا على حرية الإنسان، وخصوصا المرأة. إن إعادة التفكير في القيم الأخلاقية والاجتماعية لا تهدف فقط إلى التحرر من القيود، بل تهدف أيضا إلى توسيع أفق المعنى وإعادة توزيع القوة بما يجعل الحياة أكثر عدالة وشمولية.

إن قراءة هذه الاتجاهات الفلسفية المختلفة توضح أن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان لم يعد مفهوما ثابتا أو موضوعا يمكن تحديده بمعزل عن التاريخ والثقافة والسياق الاجتماعي. المعنى أصبح عملية مستمرة، تتشكل في الحوار بين الإنسان والعالم والذات والآخر، وبين الحرية والقيود والفعل والمعرفة. وهكذا تتلاقى تساؤلات الوجود والحرية والعدالة والعبث لتشكل نسيجا معقدا، يجعل كل محاولة لتحديد القيم نهائيا مجرد خيال مؤقت.

في هذا الفضاء الفكري، يظهر التحدي الأكبر للإنسان المعاصر، كيف يمكن أن يعيش معنى حقيقيا في عالم غاب فيه الإله أو تقلصت المرجعيات المطلقة، وكيف يمكن للقيم أن تستمر في توفير إطار للتوجيه الأخلاقي والاجتماعي دون أن تتحول إلى قيود على الحرية الفردية؟ هنا تتجلى الحاجة إلى فلسفة قادرة على استيعاب التوتر بين الحرية والالتزام والوعي الفردي والتحولات التاريخية، وبين الفعل والمرجعية، وهو التحدي الذي يشغل معظم الفلاسفة والمفكرين المعاصرين.

في السياق نفسه، تصبح مسألة المعنى مرتبطة أيضا بالتحولات الثقافية والتقنية التي عرفها العالم المعاصر. فالعولمة والانفتاح المعلوماتي والهيمنة الرقمية على مجالات الحياة، أعادت تشكيل طريقة فهم الإنسان لعلاقته بالعالم وبقيمه. وهكذا لم يعد الإنسان المعاصر يعيش فقط في إطار الواقع المادي، بل في فضاء مركب من الرموز والصور والشبكات الافتراضية التي تفرض عليها قيما جديدة، أحيانا غير مألوفة وأحيانا متناقضة. هذا التحول يجعل السؤال عن المعنى سؤالا عن التكيف مع بيئة لا تعرف الثبات، وعن القدرة على إعادة تأسيس القيم بما يتلاءم مع متغيرات هذه البيئة، دون الوقوع في الفوضى أو اليأس.

هنا يظهر الفرق الجوهري بين الفلسفات التي تبحث عن المعنى في الخارج، مثل التقاليد الدينية أو الميتافيزيقية، والفلسفات التي تعتبر المعنى إنتاجا إنسانيا، يتم إنشاؤه في عملية مستمرة من التفاعل بين الفرد والمجتمع. فكانط على سبيل المثال، قدّم مفهوم العقل العملي الذي يتيح للإنسان وضع قوانينه الأخلاقية المستقلة، بينما سارتر لاحقا جعل هذا الفعل الخلاق للمعنى أمرا مطلق الحرية. هكذا يصبح الإنسان ليس مجرد كائن يبحث عن معنى، بل كائن مسؤول عن خلقه. ومع ذلك فإن المسؤولية المصاحبة لهذه الحرية ليست سهلة، لأنها تصطدم دوما بالتناقض بين رغبة الفرد في اليقين وبين الطبيعة الغامضة وغير النهائية للوجود.

وفي هذا الإطار، تقدم الفلسفة التحليلية للأخلاق، كما عند روس وروي هارت، نوعا من التفصيل النقدي للمعنى والقيم، بحيث يتم تقييم القيم وفقا لقدرتها على توجيه السلوك في سياقات محددة، وليس وفقا لمطلقات أخلاقية غائبة عن التجربة الواقعية. إن هذه الرؤية تعزز من فكرة أن المعنى ليس كائنا في العالم بذاته، بل هو عملية مستمرة من التفسير والتأويل، تتطلب وعيا نقديا مستمرا واستعدادا لقبول تعددية القيم وتناقضاتها.

في مقابل هذا، يبرز السؤال النسوي كعامل موازن في إعادة بناء القيم. حيث تشير الدراسات النسوية إلى أن العديد من القيم التقليدية تعكس بنية السلطة وتهميش الفئات الأكثر ضعفا، وهو ما دفع نساء وفلاسفة نسويون إلى إعادة النظر في كل القيم، لتصبح أكثر شمولية وعدالة. جوليا كريستيفا وسيمون دي بوفوار على حد سواء أبرزتا أن حرية الفرد وبخاصة حرية المرأة، لا تتحقق إلا إذا تمت إعادة تشكيل القيم بما يضمن المساواة والاعتراف بالتجربة الإنسانية الكاملة، وليس فقط بتجارب النخب أو الذكور.

الفلسفات ما بعد الحداثة تسهم كذلك في فهم المعنى بوصفه عملية ديناميكية لا يمكن حصرها في منظور واحد. دراسات ميشيل فوكو حول السلطة والمعرفة تكشف أن القيم ليست مجرد أدوات أخلاقية، بل هي أدوات قوة تعكس العلاقات الاجتماعية، وبالتالي فإن إعادة التفكير في القيم يجب أن تأخذ بعين الاعتبار التوازن بين الفرد والمجتمع، وبين الحرية والقيود المفروضة من قبل الهياكل السياسية والثقافية. وهذه الرؤية تجعل من السؤال عن المعنى مشروعا مستمرا من النقد والمراجعة، يتطلب وعيا بالتحولات التاريخية والثقافية دون الانغماس في النسبية المفرطة التي تلغي أي أساس للتمييز بين الصواب والخطأ.

وبالانتقال إلى سياق أكثر وجودية، يقدم ألبير كامو نموذجا للإنسان الذي يواجه عبث العالم، لكنه لا يرضخ له، بل يسعى إلى خلق معنى في مواجهة الفراغ المطلق. إن ما يميز رؤية كامو هو أنها تقر بأن المعنى ليس مسبقا أو مفروضا، بل إنه نتيجة فعل الإنسان، وهو فعل شجاع يتطلب مواجهة القلق والاغتراب، وبالتالي تحويل العبث إلى مصدر للإبداع والمعرفة الذاتية. هكذا، يظهر المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان كعملية مستمرة من المواجهة، وليس كحقيقة جاهزة يمكن اكتشافها.

إضافة إلى ذلك، تقدم الفلسفات التحليلية النقدية كما عند هابرماس، منظور العقل التواصلي، حيث يربط المعنى بالقيم الاجتماعية المشتركة التي يتم إنتاجها من خلال الحوار. فبدلاً من البحث عن مرجعية مطلقة خارج التجربة الإنسانية، يتم بناء المعنى والقيم عبر العملية التواصلية والتفاعل بين الأفراد والجماعات، بحيث يصبح التوافق على القيم شرطًا لإمكانية وجود حياة اجتماعية متماسكة. وهذا المنهج يعزز فكرة أن المعنى ليس مسألة ذاتية فحسب، بل مسألة اجتماعية تتطلب مشاركة واعية ومسؤولية جماعية، وهو ما يوفر بدوره أسسا للتعايش في عالم متعدد الثقافات والمرجعيات.

إن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان لم يعد مجرد مسألة فلسفية نظرية، بل أصبح ضرورة عملية لحياة الإنسان في عالم معولم ومتغير. فالإنسان المعاصر مضطر إلى بناء قيمه ومعناه بنفسه، مع مراعاة السياق الاجتماعي والتاريخي، واستيعاب الاختلاف والتعددية وتقبل العبث واللاإكتمال، مع السعي في الوقت نفسه للحفاظ على أساس للتعايش العادل والمستدام. وهكذا، تظهر الحاجة إلى فلسفة قادرة على الجمع بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية، بين الإبداع الذاتي والاعتراف بالتاريخ والثقافة، والفكر النقدي والقدرة على اتخاذ القرارات الأخلاقية العملية.

إن هذه العملية المعقدة تجعل من القيم ليس مجرد قواعد ثابتة، بل أدوات للتوجيه والتفاعل، تتشكل وتتغير بحسب خبرة الإنسان وتفاعله مع العالم، وهي بذلك تمنح الإنسان القدرة على إعادة تأويل حياته ومعايشة معناه في كل لحظة. يظل السؤال عن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان سؤالا مفتوحا، يتطلب حضور العقل النقدي ووعي الإنسان بذاته، وقدرته على مواجهة التحديات المعاصرة دون فقدان الإحساس بالقيمة والغاية.

إن ما قد نصل إليه بعد هذا التأمل الفكري هو أن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان ليس حالة سلبية من الفراغ أو اليأس، بل هو فرصة لإعادة تصور العلاقة بين الإنسان والقيم والفرد والمجتمع، وبين الحرية والمسؤولية. فالحقيقة التي يسلط الضوء عليها الفلاسفة المعاصرون هي أن أي محاولة لإعادة فرض قيم خارجية أو مطلقة، سواء كانت دينية أو ميتافيزيقية، لن تحقق الهدف المنشود من حيث الإشباع الوجودي، بل قد تؤدي إلى صدام مع الحرية الفردية، وغياب الاعتراف بالاختلاف والتنوع. وهذا ما يؤكده سارتر حين يقول بأن الإنسان "محكوم بالحرية" ولكنه أيضا "محكوم بالمسؤولية"، أي أن حرية خلق القيم والمعنى مرتبطة دوما بعبء الاعتراف بالآخر واحترام تاريخه وخبرته وسياقه.

إذا عدنا إلى هيدغر، نجد أن الإنسان "كائن نحو الموت"، وهذا التذكير المستمر بالحدود النهائية للوجود هو ما يتيح للمعنى أن يتحقق في كل فعل واعٍ. المعنى هنا ليس مطلقا أو جاهزا، بل هو نتيجة التفاعل بين الإنسان وحالته الوجودية ووعيه بذاته وبالعالم، وبين قراره المستمر في مواجهة الفراغ واللاإكتمال. وهذا ما يجعل عملية بناء المعنى عملية نقدية دائمة، تتطلب التأمل والمواجهة والقدرة على إعادة تقييم القيم بحسب التغيرات التاريخية والثقافية.

إحدى القضايا الجوهرية التي تبرز في هذا السياق هي قضية العدالة والقيم الأخلاقية في المجتمعات المعاصرة. فكما يرى هابرماس، لا يمكن للمعنى أن يتحقق خارج الفضاء التواصلي الذي يسمح بالحوار العقلاني والنقدي بين الأفراد. القيم هنا ليست مجرد أدوات للسيطرة أو التنظيم الاجتماعي، بل هي شروط لتكوين مجتمع قادر على التعايش والاعتراف بالاختلاف. هذه الفكرة تتلاقى مع نقد ميشيل فوكو للسلطة والمعرفة، حيث تتضح أن القيم والمعنى مرتبطان دوما بعلاقات القوة، وأن مهمة الفلسفة هي الكشف عن هذه الديناميات وتطوير وعي نقدي يمكن الإنسان من التحرر من القيود الظالمة، دون فقدان أي إمكانية للعيش المشترك.

وفي إطار الفلسفة النسوية، يصبح السؤال عن المعنى مرتبطا أيضا بتحرير الأفراد من القيود التقليدية التي تحدد دورهم في المجتمع. فالحرية هنا ليست مجرد حرية تفكير، بل حرية في إعادة صياغة القيم بما يتيح لكل فرد وخاصة المرأة، من حيث المشاركة الكاملة في بناء العالم وفهم المعنى وفق تجربة خاصة. وإعادة تفسير القيم بما يضمن الشمولية والعدالة التي قد تضيف بعدا أخلاقيا مهما لسؤال المعنى، فهو يربطه بالمسؤولية تجاه الآخر وبالإمكانية العملية للعيش المشترك.

من جهة أخرى، يعيدنا التفكير في المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان إلى مسألة العبث التي طرحها ألبير كامو. العبث ليس نهاية الطريق، بل بداية لمشروع وجودي يمكن الإنسان من مواجهة الفراغ وإنتاج المعنى من داخله. القدرة على صناعة المعنى رغم غياب المطلق هي التي تمنح الحياة قيمتها، وليست الإشارات إلى الحقائق المطلقة أو العقائدية. هذا يتطلب وعيا بالذات وبالعالم، وقبولا بعدم اكتمال أي نظام قيمي، مع التمسك في الوقت نفسه بقدرة الإنسان على العمل والتغيير وعلى الإبداع.

إن هذا الجمع بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية، والقدرة على إنتاج المعنى في سياق متعدد الأبعاد هو ما يجعل الفلسفة المعاصرة رصينة وعملية في آن واحد. فهي لا تهدف فقط إلى تفسير الواقع أو وصفه، بل تهدف إلى تطوير أدوات الإنسان لخلق معنى قابل للعيش فيه، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. وفي هذا الإطار، تصبح القيم ليست مجرد قواعد تقليدية، بل أدوات نقدية وعمليّة، تسمح للإنسان بمواجهة التحديات المعاصرة، من العولمة إلى التحولات الرقمية، ومن الصراعات الثقافية إلى التعددية الأخلاقية.

إن الخلاصة التي يمكن استخلاصها هي أن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان ليس غيابا للقيم، بل تحولا في فهمها وفي كيفية إنتاجها. القيم لم تعد خارجة عن الإنسان، بل هي نتاج وعيه وفاعليته، وهي مرتبطة بالقدرة على الاجتهاد والتأمل النقدي والاعتراف بالآخر حيث يمكن للإنسان أن يجد معنى لحياته حتى في عالم يفتقر إلى مطلقات ميتافيزيقية، وذلك من خلال فهمه للحرية والمسؤولية، من خلال مشاركته في الحياة الاجتماعية، ومن خلال تصوره للقيم كأدوات للإبداع والتغيير.

يظل السؤال عن المعنى سؤالا مفتوحا، يتطلب من الإنسان المعاصر حضور العقل النقدي ووعي الذات والتفاعل المسؤول مع العالم، مع القدرة على مواجهة التحديات المتجددة دون فقدان القدرة على الإبداع وعلى التغيير وعلى العيش بمعنى. فالمعنى بعد الإله أو بعد الإنسان، ليس مجرد اكتشاف بل هو صناعة مستمرة وتجربة متجددة، ومسار نقدي لا ينتهي، يجعل الإنسان مسؤولا عن ذاته وعن العالم الذي يعيش فيه، مع كل تعقيداته وتناقضاته، ومع كل الفرص التي يتيحها لتجاوز حدود اليقين التقليدي وإعادة صياغة القيم والمعنى في ضوء الحرية والعدالة والوعي الإنساني.

هكذا نصل إلى رؤية فلسفية قد تكون شاملة مجملها : أن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان ليس فراغا، بل فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والقيم، وفرصة لإعادة بناء تجربة الوجود بطريقة نقدية مسؤولة ومرنة، بحيث يكون الإنسان في كل لحظة صانعا للمعنى وفاعلا فيه، لا مجرد متلقي أو مقلد، وهو بذلك يعيش الوجود بحقيقة واعية متفاعلة ومبدعة، قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة وإنتاج القيم والمعنى في كل تجربة حياتية.

***

د. حمزة مولخنيف

مقاربة استئنافية

مقدمة: في عالم يتسارع فيه التقدم التكنولوجي والتغيرات الاجتماعية، يبرز التفكير الفلسفي كأداة أساسية لفهم الوجود البشري. العبارة "التفكير الفلسفي الحاذق هو محاولة البدء من جديد" تلخص جوهر الفلسفة كعملية إعادة بناء المعرفة من أساسها، بعيدًا عن الافتراضات المسبقة والتقاليد الموروثة. هذه العبارة، التي تتردد في سياقات فلسفية عربية وغربية، تعكس فكرة أن الفلسفة ليست مجرد تكرار للأفكار القديمة، بل هي جهد حاذق – أي ذكي ومتبصر – لإعادة النظر في الواقع من نقطة الصفر.  تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذه الفكرة بشكل موسع، من خلال تحليل تاريخي ونظري. سنبدأ بتتبع أصول التفكير الفلسفي، ثم نناقش مفهوم "الحذق" في السياق الفلسفي، وأخيرًا نستعرض كيف يمثل هذا التفكير محاولة للبدء من جديد في مواجهة التحديات المعاصرة. الدراسة تعتمد على مصادر فلسفية كلاسيكية وحديثة، مع التركيز على السياق العربي-إسلامي لتعزيز الصلة الثقافية.

أصول التفكير الفلسفي: من اليونان إلى العصر العربي الإسلامي

يُعد التفكير الفلسفي نشاطًا بشريًا قديمًا، يعود إلى حضارات مثل الفراعنة واليونانيين. كما يشير بعض الباحثين، فإن الفلسفة لا بداية لها ولا تاريخ محدد، إذ كانت موجودة في أشكال أولية عند الفراعنة قبل أن تتبلور في اليونان.  في اليونان، كان سقراط (470-399 ق.م) رائدًا في هذا التفكير الحاذق، حيث اعتمد على المنهج الجدلي (المايوتيكا) لإعادة الولادة الفكرية، محاولًا استخراج الحقيقة من خلال السؤال المستمر. يرى سقراط أن التفكير الحقيقي يخاطب العقل للوصول إلى الحقيقة المجردة، بعيدًا عن الغرائز والشهوات، مما يجعله محاولة للبدء من جديد ضد التقاليد السفسطائية. في السياق العربي-إسلامي، انتقل هذا التفكير عبر الترجمات والتأليفات. الفلاسفة مثل ابن سينا (980-1037 م) وابن رشد (1126-1198 م) طوروا التفكير الفلسفي كعملية نقدية، حيث سعوا إلى التوفيق بين العقل والنقل. على سبيل المثال، في "الشفاء" لابن سينا، يُعاد بناء المعرفة من أساسها العقلي، مما يعكس فكرة البدء من جديد. هذا التفكير الحاذق في العصر الإسلامي كان خروجًا على المألوف، يبحث عن الحقيقة بعيدًا عن الاعتقادات الشائعة.  كما أن الفلسفة الإسلامية أكدت على أن التفكير العقلاني هو الأسلوب الصحيح للنقد، متجاوزًا الشك المذهبي إلى بناء معرفة جديدة.

مفهوم "الحذق" في التفكير الفلسفي

"الحذق" في اللغة العربية يعني الذكاء والتبصر، وفي السياق الفلسفي، يشير إلى التفكير النقدي الذي يتجاوز السطحي. التفكير الفلسفي الحاذق ليس حفظًا للمذاهب، بل منهج في النظر إلى الأمور، يبدأ بالتحرر من الوصايات والبداهات غير البديهية.  هذا المفهوم يتردد في الفلسفة الحديثة، كما عند رينيه ديكارت (1596-1650 م) في "تأملات في الفلسفة الأولى"، حيث يبدأ من الشك المنهجي ليصل إلى "أنا أفكر إذن أنا موجود"، محاولة لبدء من جديد بعيدًا عن الافتراضات. في الفلسفة المعاصرة، يعكس جيل دولوز (1925-1995 م) هذه الفكرة في "ما هي الفلسفة؟"، حيث يرى الفلسفة كاختراع مفاهيم جديدة، محاولة للبدء من جديد ضد الرأسمالية والاستهلاك. أما مارتن هيدجر (1889-1976 م)، فيؤكد في "الوجود والزمن" على "التفكير الأصيل" كعودة إلى الأساسيات، محذرًا من أن عصرنا يفتقر إلى التفكير الحقيقي. في السياق العربي، يواجه التفلسف تحديات مثل الاتهامات بالكفر، مما يجعل الحذق ضروريًا لإعادة بناء الفكر بعيدًا عن التقاليد الجامدة. التفكير الحاذق يتجلى أيضًا في التفريق بين التفكير الداخلي (الصامت) والخارجي (اللغوي)، حيث يعبر الثاني عن الأول ليبني واقعًا جديدًا.  هذا يجعل الفلسفة نشاطًا ديناميكيًا، لا موضوعًا ثابتًا، كما يقول برتراند راسل في "مشكلات الفلسفة".

التفكير الفلسفي كمحاولة للبدء من جديد: التحديات المعاصرة

في العصر الحديث، يمثل التفكير الفلسفي الحاذق محاولة للبدء من جديد أمام التحديات مثل العولمة والذكاء الاصطناعي. الفيلسوف الفرنسي آلان باديو يرى الفلسفة كأداة لتبيان الحقائق ومنح الشجاعة للناس، محاولة لإعادة "انوجاد" الوجود في عالم يسيطر عليه الوهم.  في السياق العربي، يواجه التفلسف مأزقًا بسبب الإرث الاستعماري والانقسامات، لكنه يظل ضروريًا لإعادة بناء الهوية. على سبيل المثال، في علم الاجتماع، يرتبط التفكير الفلسفي بفهم العلل الأولى للأشياء، محاولة لفصل الحق من الوهم.  هذا يتطلب نقدًا للأنماط السائدة، كما في فلسفة فرانكفورت، حيث يُعاد التفكير في المجتمع من جديد. مع انتشار الذكاء الاصطناعي، يصبح التفكير الحاذق ضروريًا لإعادة تعريف الإنسانية، محاولة لبدء من جديد ضد الآلة.

ديكارت واستئناف البدء

رينيه ديكارت (1596-1650 م)، الفيلسوف الفرنسي الشهير، يُعتبر أحد أعمدة الفلسفة الحديثة، وغالباً ما يُلقب بـ"أبي الفلسفة الحديثة". فلسفته تمثل تحولاً جذرياً عن الفلسفة المدرسية السائدة في العصور الوسطى، حيث سعى إلى بناء نظام معرفي قائم على العقل والشك المنهجي، بعيداً عن السلطات التقليدية مثل أرسطو أو الكنيسة. العبارة الشهيرة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" تلخص جوهر فلسفته، لكنها مجرد نقطة انطلاق في بناء معماري فلسفي يشمل المعرفة، الوجود، الله، والعلاقة بين العقل والجسد. تهدف هذه التوسعة إلى استئناف البدء في فلسفة ديكارت بشكل موسع ومسترسل، من خلال تحليل أبرز أفكاره، سياقها التاريخي، وتأثيرها على الفكر اللاحق. سنعتمد على أعماله الرئيسية مثل "خطاب في المنهج" (1637 م)، "تأملات في الفلسفة الأولى" (1641 م)، و"مبادئ الفلسفة" (1644 م)، مع التركيز على الجوانب النظرية والتطبيقية. هذا التوسع ليس مجرد سرد تاريخي، بل تحليل نقدي يبرز كيف أن فلسفة ديكارت تمثل محاولة للبدء من جديد في التفكير الفلسفي، كما في مقاربة العقلانية والشك. ولد ديكارت في فرنسا في عصر النهضة والإصلاح الديني، حيث كانت أوروبا تشهد صراعات دينية وعلمية. تأثر بتعليمه اليسوعي في كلية لا فليش، لكنه سرعان ما رفض المناهج التقليدية، معتبراً إياها غير موثوقة. خدم في الجيش الهولندي، ثم سافر إلى ألمانيا حيث رأى في عام 1619 "رؤيا" ألهمته بفكرة المنهج العلمي الموحد. استقر في هولندا ليهرب من الرقابة الكنسية، وتوفي في السويد بعد دعوة من الملكة كريستينا.في سياقه التاريخي، جاءت فلسفة ديكارت كرد فعل على الشكوكية المتطرفة لمونتاني وتأثير الثورة العلمية (غاليليو، كبلر). سعى ديكارت إلى إعادة بناء المعرفة على أسس صلبة، مستوحى من الرياضيات، حيث رأى فيها نموذجاً لليقين. هذا السياق يفسر لماذا كانت فلسفته مزيجاً بين الفلسفة والعلم، مما أثر على نيوتن وكانط لاحقاً. يبدأ ديكارت فلسفته بالشك المنهجي، وهو ليس شكاً سلبياً بل أداة للوصول إلى اليقين. في "التأملات"، يقسم الشك إلى مراحل: أولاً، شك في الحواس لأنها قد تخدع (مثل الوهم البصري)؛ ثانياً، شك في الواقع مقابل الحلم؛ ثالثاً، افتراض "شيطان خبيث" يخدعنا في كل شيء، بما في ذلك الحقائق الرياضية البسيطة مثل 2+3=5.هذا الشك ليس نهاية، بل بداية: من خلاله، يصل ديكارت إلى اليقين الأول: "أنا أفكر، إذن أنا موجود". هنا، يبرز العقل كأداة وحيدة للمعرفة، حيث أن الشك نفسه يثبت وجود الشاك (العقل). هذا الـ"كوجيتو" يمثل نقطة الصفر في الفلسفة الحديثة، محاولة للبدء من جديد بعيداً عن الافتراضات. النقاد مثل نيتشه رأوا فيه فردانية مفرطة، بينما يمدحه هيغل كأساس للفلسفة المثالية.

بعد الـ"كوجيتو"، ينتقل ديكارت إلى إثبات وجود الله كضمان للمعرفة. يقدم ثلاث براهين: الأولى أنطولوجية (مثل أنسلم)، حيث فكرة الكائن الكامل (الله) تشمل الوجود؛ الثانية كوزمولوجية، حيث يجب أن يكون هناك سبب كامل لفكرة الكمال في ذهني؛ الثالثة تعتمد على أن الله غير مخادع، لذا يضمن صدق المعرفة الواضحة والمتميزة.بهذا، يستعيد ديكارت الثقة في العالم الخارجي: الحواس موثوقة إذا استخدمناها بحذر، والرياضيات يقينية لأنها واضحة. هذا الجانب الديني في فلسفته يعكس سياقه الكاثوليكي، لكنه أثار انتقادات من الكنيسة، مما أدى إلى وضع أعماله في قائمة الكتب الممنوعة عام 1663. في التوسع، يمكن رؤية هذا كجسر بين العقلانية واللاهوت، مؤثراً على سبينوزا الذي طوره إلى بانثيسم. أحد أبرز مساهمات ديكارت هو الازدواجية (الديواليزم)، حيث يقسم الوجود إلى جوهرين: الجوهر المفكر (العقل، res cogitans) غير الممتد، والجوهر الممتد (الجسد، res extensa) المادي. العقل حر وغير خاضع للقوانين الفيزيائية، بينما الجسد آلة ميكانيكية تخضع لقوانين الطبيعة.في "العواطف النفسية" (1649 م)، يشرح ديكارت كيف يتفاعل العقل والجسد عبر الغدة الصنوبرية في الدماغ، لكن هذا أثار مشكلة "التفاعل": كيف يؤثر غير المادي على المادي؟ النقاد مثل جيلبرت رايل وصفوها بـ"الشبح في الآلة"، بينما أثرت على علم النفس الحديث، مثل فرويد. في التوسع، تظل هذه الازدواجية محور نقاشات فلسفة العقل المعاصرة، خاصة مع الذكاء الاصطناعي الذي يتحدى فكرة العقل غير المادي  لم تقتصر فلسفة ديكارت على الميتافيزيقا؛ في "خطاب في المنهج"، يقدم أربع قواعد للمنهج: عدم قبول إلا الواضح، تقسيم المشكلات، ترتيب الأفكار من البسيط إلى المعقد، والمراجعة الشاملة. هذا المنهج أثر على العلم الحديث، حيث طور ديكارت الهندسة التحليلية (الإحداثيات الديكارتية)، رابطاً الجبر بالهندسة.في الفيزياء، رأى الكون كآلة ميكانيكية، مع قوانين الحركة التي ألهمت نيوتن. هذا التوسع العلمي يجعل ديكارت فيلسوفاً متعدد التخصصات، لكنه أثار انتقادات لأنه رفض الفراغ، معتبراً الكون مليئاً بالدوامات. أثرت فلسفة ديكارت على العقلانيين مثل لايبنتز، والتجريبيين مثل لوك الذين رفضوا الأفكار الفطرية. في القرن العشرين، انتقد هوسرل الازدواجية، بينما طور سارتر الـ"كوجيتو" في الوجودية. في السياق العربي، تأثر الفلاسفة مثل محمد عابد الجابري بديكارت في نقد التراث، رابطاً الشك المنهجي بإعادة قراءة ابن رشد. النقد الرئيسي يأتي من النسوية (لأنه أهمل الجسد) والما بعد حداثيين مثل دريدا الذين رأوا فيه مركزية أوروبية. مع ذلك، تبقى فلسفته أساسية لفهم الحداثة.

خاتمة

التفكير الفلسفي الحاذق، كمحاولة للبدء من جديد، هو جوهر الفلسفة التي تخضع كل شيء لمساءلة العقل.

من سقراط إلى باديو، مرورًا بالفلاسفة العرب، يظل هذا التفكير أداة للتحرر والإبداع. في عالمنا اليوم، يدعو إلى إعادة بناء المعرفة لمواجهة التحديات، محافظًا على قدرة الإنسان على التجديد. هذه الدراسة تؤكد أن الفلسفة ليست نهاية، بل بداية مستمرة. فلسفة ديكارت تمثل توسعاً في التفكير الفلسفي، محاولة جريئة للبدء من جديد عبر الشك والعقل. رغم عيوبها، مثل مشكلة الازدواجية، فإنها أسست للعلم والفلسفة الحديثة، محفزة على النقد المستمر. في عصرنا، مع التقدم العلمي، يظل ديكارت مصدر إلهام لفهم الوعي والوجود، داعياً إلى عقلانية لا تنتهي.

فمتى تصير الفلسفة شأنا عموميا عندنا؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

قراءة فلسفية في إنسان ما بعد الحداثة

في قلب العولمة الرقمية، حيث تتقاطع تقنيات الاتصال الحديثة مع الزمان والمكان، يظهر الإنسان المعاصر في صورة ذهنية مشوشة، مقسّمة بين الانغماس في العالم الافتراضي وبين صعوبة التماس حضور حقيقي في العالم الواقعي. هذا الاغتراب الجديد ليس مجرد انعكاس لفقدان الترابط الاجتماعي التقليدي، بل هو حالة وجودية عميقة تعكس أزمة المعنى في الحياة اليومية. وقد لاحظ فلاسفة ما بعد الحداثة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، أن الإنسان لم يعد يمتلك مركزية ثابتة أو هوية مستقرة، بل أصبح موضوعا متنقلاً بين هويات متفرقة، تتنازعها صور الذات الافتراضية والمجتمعات الرقمية، في حين تفقد اللغة عمقها الرمزي لتصبح أداة للتواصل السطحي والتعابير السريعة، على حساب التأمل والتفكير الجذري.

الذات المعاصرة كما يصفها زيغمونت باومان في مفاهيمه عن "السيولة"، ليست كائنا مستقرا بقدر ما هي فضاء متحرك من العلاقات المتقطعة والمعلومات العابرة. فالانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لم تُغيّر مجرد شكل التواصل البشري، بل أعادت إنتاج العلاقة مع الذات نفسها، بحيث أصبح الأنا مسرحا للعرض والتظاهر، وخاضعا للمعايير الرقمية للقيمة الاجتماعية والاعتراف. إننا أمام ظاهرة الاغتراب الرقمي التي تتخطى الحيز الجسدي إلى الحيز النفسي والوجودي، حيث تتحول الذات إلى مجموعة من الإشارات والبيانات، يتغير معناها بتغير المنصة أو التطبيق أو حتى مزاج المتلقي، وتصبح القدرة على التجربة الوجودية المباشرة محدودة أمام جاذبية الواقع الافتراضي.

في هذا السياق، يظل فقدان المعنى علامة مميزة لعصرنا. فقد تنوعت مراجع القوة والمعرفة بشكل متسارع، وتضاعفت مصادر المعلومات لتصبح أحيانا أكثر تشويشا من كونها إثراءً، الأمر الذي يؤدي إلى حالة من التشتت الذهني، كما وصفها بيونغ-تشول هان في كتابه مجتمع الإرهاق وبول ريكور في مفهوم الهوية السردية وزيغمونت باومان في الحداثة السائلة وغاي ديبور في كتابه مجتمع الفرجة أو ما يمكن تسميته بـ"تعب الفكر الحديث". وفي مواجهة هذا التدفق الهائل للمعلومات، يفقد الفرد القدرة على بناء سردية شخصية متماسكة لحياته، إذ تتحول الخبرة اليومية إلى سلسلة من المؤثرات العابرة، لا تصل إلى مستوى التكوين الذاتي العميق. هكذا يصبح الإنسان معاصرا في الزمان، لكنه غائب في وجوده، متلقّا لا صانعا للمعنى.

تتقاطع هذه الأزمة مع التغيرات التي عرفتها مفاهيم الهوية والانتماء. ففي عالم ما بعد الحداثة، كما يلاحظ جان-فرانسوا ليونيل، لم تعد الهوية مفهوما ثابتا، بل عملية دينامية تتشكل داخل شبكة من التفاعلات الاجتماعية والثقافية. هذا الواقع يضاعف من شعور الفرد بالاغتراب، إذ إن ذاته الحقيقية تتراجع أمام النسخ الرقمية لها، كل نسخة تحاول فرض حضورها المستمر، على نحو يخلق التنافر بين الذات الداخلية والذات المعروضة للعالم الخارجي. فالفرد يصبح أسير صورته الافتراضية، ويعيش قلقا وجوديا مستمرا بين ما يعيشه وما يقدمه من تمثيل لنفسه.

أما من منظور فلسفة الوجود، فإن هذه الحالة تشبه ما وصفه هيغل في تحليله للصراع بين الوعي والآخر، أو كما يراه سارتر في مفهوم "النظرة"، حيث يصبح الوجود تحت مراقبة الآخرين محورا للأداء الاجتماعي المستمر، وهو أداء متجدد في كل منصة رقمية. لكن الفرق الآن هو أن "الآخر" ليس بالضرورة شخصا حيا، بل هو جمهور متغير غير محدد، يمكن أن يتفاعل أو يغيب، ويتحدد وجود الذات وتقديرها بناءً على هذه التجربة العابرة. بالتالي تتأرجح الذات بين الشعور بالقوة عند النجاح الرقمي والاعتراف، وبين الإحباط عند الفشل أو التجاهل، في دورة مستمرة من التقدير والرفض، الأمر الذي يولّد شعورا دائما بعدم الاستقرار النفسي والمعنوي.

إن هذه الديناميكية الجديدة للذات الرقمية تفضي إلى قطيعة مع التجربة الزمنية التقليدية للوجود. فالإنسان المعاصر يعيش في "الآن الرقمي"، حيث تصبح اللحظة الحاضرة متقطعة ومجزأة بفعل التنقل بين الشاشات والمنصات، فتتلاشى الخطابات الطويلة والمعمقة، وتنتفي القدرة على التجربة المتواصلة والتأمل العميق. كما لاحظ ميشيل فوكو في تحليله للخطابات والسلطة، أن المعرفة ليست مجرد تراكم للمعلومات، بل هي شكل من أشكال السلطة التي تحدد ما هو مسموح معرفته وما هو ممنوع، وهنا نرى أن الفضاء الرقمي لا ينقل الإنسان إلى الحرية المعرفية المطلقة، بل يضعه تحت ضغط مستمر لقواعد خفية، تحدد ما يجب أن يعرفه وما يهم الآخرون أن يراه.

وفي خضم هذا الواقع، يظهر البُعد النفسي للاغتراب الرقمي بشكل جلي. فالفرد على الرغم من ارتباطه المستمر بشبكة من العلاقات، يعيش شعورا بالوحدة العميقة، إذ تصبح العلاقات سطحية، تفتقد إلى العمق العاطفي والمشاركة الحقيقية. وقد لاحظ إريك فروم أن الإنسان المعاصر يبحث عن الانتماء والاعتراف في فضاء يتجاوز العائلة التقليدية والمجتمع المحلي، لكنه غالبا ما يجد نفسه عالقا في شبكة علاقات افتراضية تفتقر إلى الحميمية والأصالة، ما يعزز شعور الغربة النفسية والاغتراب عن الذات.

ومن زاوية فلسفة اللغة، يشير جاك دريدا إلى أن تفكك المعنى في الفضاء الرقمي يعكس انهيار القدرة على الاستدلال العميق والمفهومي، إذ تتحول الكلمات إلى رموز متقلبة تفقد سياقها، وتصبح أدوات للتفاعل اللحظي أكثر من كونها وسيلة للتفكير والتحليل. فالأنا الرقمية تتكون من رسائل قصيرة ومنشورات وتعليقات و"إيموجي"، كل منها يختصر المعنى ويجعله قابلاً للتفسير المتعدد والمتغير، ما يولّد حالة من عدم اليقين المستمر تجاه الذات والآخرين.

وفي قراءة تربط بين ما بعد الحداثة والوجود الرقمي، يمكن القول إن الإنسان المعاصر يعيش تجربة "الفراغ المعنوي"، أي فراغا ليس فقط من المرجعية الثقافية أو الدينية، بل من القدرة على صياغة فهم متكامل للوجود. ففي مجتمع المعلومات حيث تغلب الكثرة على العمق، يصبح البحث عن المعنى مهمة شبه مستحيلة، وهو ما أكده رولان بارت في تحليل النصوص والرموز، حين لاحظ أن العصر الحديث يميل إلى تحويل كل تجربة إلى نص قابل للتكرار والتفسير المتعدد، فتتلاشى القدرة على التمكين الشخصي من المعنى.

الذات إذن، في عصر ما بعد الحداثة الرقمية، ليست مجرد كيان بيولوجي أو اجتماعي، بل هي مجال للتفاعل الرمزي والمعرفي المستمر، تتبدل باستمرار وفق قوة المعلومات وقوة الانطباعات وتغيرات العلاقات الافتراضية. وهنا يظهر التحدي الفلسفي الأساسي: كيف يمكن للذات أن تحافظ على تماسكها وهويتها في ظل هذه السيولة الرقمية؟ وكيف يمكن للإنسان أن يستعيد بعده الوجودي ويعيد بناء معنى حياته في عالم يفضل السرعة والسطحية على العمق والتأمل؟

تظل هذه الأسئلة مركزية لأي تفكير فلسفي في الإنسان المعاصر. فالفلسفة منذ سقراط وحتى فلاسفة ما بعد الحداثة، لم تتوقف عن مساءلة الذات، واستكشاف حدودها، وطرح شروط وجودها الحر والمعقول. وفي زمن الرقمنة والعولمة، يبدو أن هذه المساءلة أصبحت أكثر إلحاحا، إذ إن التحديات لم تعد تتعلق بالاختلاف الاجتماعي أو الثقافي فقط، بل بتغير طبيعة الوجود نفسه، حيث يتحول الإنسان إلى كائن متفرّق، يعيش في فضاء افتراضي غير محدود، ويخضع لقوانين خفية لتفاعل الرموز، أكثر من خضوعه لقوانين الطبيعة أو المجتمع التقليدي.

إن الذات المعاصرة تتعرض لتجربة مزدوجة من الاغتراب وفقدان المعنى، اغتراب عن الواقع المادي والاجتماعي، واغتراب عن العمق النفسي والمعرفي لذاتها، بينما يُترك الإنسان في مواجهة مستمرة مع صورته الرقمية، متاهة بين الانفتاح على العالم الرقمي وفقدان القدرة على التأمل والتجربة الوجودية. هذه الأزمة ليست عابرة أو سطحية، بل هي علامة على مرحلة تاريخية جديدة في تطور الوعي البشري، حيث تصبح معرفة الذات ومعنى الوجود مرتبطين بالقدرة على مقاومة الانصهار في السيولة الرقمية واستعادة حيوية التجربة الوجودية العميقة.

في مواجهة هذه السيولة الرقمية وفقدان المعنى، يبدو أن السؤال الفلسفي المركزي ليس فقط في تحليل الأزمة، بل في البحث عن إمكانيات مقاومة هذا الاغتراب، وإعادة بناء الذات على أساس متين قادر على تجاوز ضغوط العولمة الرقمية. فالإنسان المعاصر على الرغم من ضياعه في تيار المعلومات والتمثيلات الافتراضية، يمتلك قدرات معرفية ونفسية يمكن استثمارها لإعادة تأسيس معنى الحياة وتجربة وجودية متكاملة، شرط أن يعيد التفكير في علاقته بالزمن والمكان وبالآخر. إن ما يواجهنا ليس مجرد تحدٍ تكنولوجي، بل صيرورة وجودية تتطلب إعادة تأمل في شروط الإنسانية نفسها.

من هذا المنطلق، يمكن استلهام مفاهيم الفلاسفة الوجوديين مثل مارتن هايدغر، الذي دعا إلى استعادة تجربة "الوجود في العالم" بوصفها وجودا أصيلا، لا مجرد متابعة الأحداث والانشغال بالصور الرقمية العابرة. إن هايدغر يذكرنا بأن الإنسان لكي يعيش بشكل أصيل، لا بد أن يعي موتيته ووجوده في العالم بشكل متماسك، وليس من خلال تمثلات متفرقة أو مؤثرات افتراضية. فالوعي بالموتية لا يهدف إلى خلق رعب وجودي، بل لإيقاظ القدرة على التجربة العميقة، وإعادة ترتيب الأولويات بما يجعل اللحظة الحاضرة غنية بالمعنى. في عصر الرقمنة، يصبح هذا التذكير أكثر أهمية، إذ يغري الفضاء الرقمي الإنسان بالانغماس في الترفيه اللحظي والتفاعلات السطحية، تاركا بعده الوجودي في حالة من الشلل الرمزي والمعنوي.

إضافة إلى ذلك، يمكن للذات أن تجد متنفسا في ما أسماه ميشيل فوكو "الفكر النقدي للذات"، أي القدرة على ممارسة الرقابة الذاتية على تجاربها ومعارفها، وإعادة تأسيس مساحات للتأمل والتفاعل الواقعي بعيدا عن ضغوط الشبكات الرقمية. ففوكو لم يقترح الخلاص المطلق من السلطة، بل القدرة على معرفة وتشكيل الذات ضمن حدود الحرية الممكنة. ومن هنا، فإن إعادة صياغة تجربة الذات الرقمية لا تعني رفض التكنولوجيا أو الانعزال عنها، بل استخدامها بوعي واستراتيجية تمكن الإنسان من السيطرة على إدراكه، بدل أن يصبح مجرد متلقٍ عشوائي للمؤثرات الرقمية.

وهنا يتضح دور الثقافة والمعرفة العميقة في مواجهة الفراغ المعنوي. فالإنسان الذي ينغمس في قراءة الفلسفة بحيث إن التأمل في الأدب أو فهم العلوم الإنسانية، يمتلك أدوات لخلق نسق داخلي متماسك، قادر على مقاومة التشتت الذي يولده الفضاء الرقمي. كما أشار رولان بارت في دراساته عن النص.

إن القراءة العميقة تمنح الإنسان القدرة على التماهي مع المعنى، وتطوير إدراك يمكنه من التفاعل الواعي مع العالم، بدل الاستجابة التلقائية للإشارات العابرة. في سياق الرقمنة، تصبح القراءة والتأمل والتفاعل النقدي مع المعرفة وسائل لإعادة بناء الذات، واستعادة إحساسها بالتماسك والهُوية.

إلى جانب ذلك، يمكن للذات المعاصرة أن تستثمر مفهوم "الوعي بالآخر" كما طرحه سارتر في فلسفة "النظرة". فالاعتراف بالآخر لا يقتصر على العالم الواقعي، بل يمكن أن يمتد إلى مساحات حقيقية للتفاعل الإنساني العميق، سواء في الحوار الثقافي والنشاط الاجتماعي، أو المبادرات الجماعية. إن العلاقة مع الآخر الأصيل تتيح للذات أن تتجاوز مجرد التمثيل الرقمي، وأن تعيد تأسيس وجودها في فضاء حقيقي مليء بالمسؤولية والتأثير المتبادل. وفي هذا الإطار، يصبح الوعي الاجتماعي والفكري عنصرا أساسيا لمقاومة الاغتراب، إذ يمكن للإنسان أن يستعيد قيمة أفعاله، ويعيد بناء معنى وجوده عبر التأثير الإيجابي على محيطه.

ولا يمكن أيضا إغفال بعد الاستبطان الذاتي في إعادة بناء المعنى. فالذات الرقمية في خضم ضغوط المعلومات والانطباعات العابرة، تحتاج إلى ممارسة منتظمة للانعزال الذهني، والتأمل في الخبرة الشخصية بعيدا عن وسائل التواصل. هذه الممارسة تشبه ما دعا إليه ديكارت في "تأملاته"، إذ إن الشك المنهجي والتمحيص الداخلي يشكلان طريقا لإعادة تأسيس اليقين في الذات والمعرفة. وبعيدا عن الانغماس في الفضاء الرقمي، يصبح بإمكان الفرد أن يميز بين ما هو جوهري وما هو عابر، ويعيد ترتيب تجربته الحياتية بما يخدم تكامله الوجودي، ويجنب نفسه التشتت المعنوي الناتج عن سيطرة المنصات الرقمية.

إن مقاربة الذات المعاصرة من منظور فلسفة ما بعد الحداثة لا تعني العودة إلى تقليد ثابت أو مثالية ميتافيزيقية، بل تعني إدراك التنوع والاختلاف كفرص لبناء معنى شخصي متماسك. فالفضاء الرقمي رغم ما يحمله من تشتيت، يوفر أدوات لتجربة الحرية والاختيار، شرط أن يستخدم الإنسان هذه الأدوات بوعي. كما يرى ريتشارد روف، أن الإنسان المعاصر يحتاج إلى "تكوين الذات الأخلاقية"، أي القدرة على ممارسة الحرية في سياق متغير، مع الالتزام بمبادئ أساسية تعيد توجيه التجربة نحو عمق وجداني ومعرفي، بدل الانغماس في الترفيه اللحظي والتفاعل السطحي.

من جهة أخرى، يمكن النظر إلى الفن والإبداع كوسائل لإعادة بناء الذات. فالتجربة الجمالية سواء في الموسيقى، الأدب، أو الفنون البصرية، تمنح الإنسان قدرة على التحليق خارج قيود الفضاء الرقمي، وتفتح مساحات للمعنى والوعي الذاتي. وقد لاحظ إريك فروم أن الفن يمثل نوعا من المقاومة، حيث يسمح للفرد بالتعبير عن ذاته الداخلية، واستعادة إحساسه بالقيمة والكرامة، بعيدا عن معايير القبول الرقمي والمظاهر الاجتماعية الزائفة. من هنا، يصبح الاستثمار في التجربة الجمالية فعلا فلسفيا وجوديا، يعيد التوازن بين الداخل والخارج، ويستعيد للذات بعدا إنسانيا أصيلا.

أما من زاوية فلسفة التقنية، يمكن القول إن إعادة تأسيس الذات في العالم الرقمي يتطلب ممارسة "الرقابة التقنية الواعية"، أي القدرة على اختيار المحتوى وتنظيم الوقت، وتحديد مساحات التفاعل الرقمية بما يخدم عمق التجربة الإنسانية. فالتكنولوجيا ليست عدوا بل أداة، ويمكن أن تكون وسيطا لتعزيز المعرفة والتواصل الحقيقي، والتجربة العميقة، إذا ما تم التعامل معها بوعي فلسفي، كما يرى مارشال ماكلوهان حين تحدث عن "أثر الوسائط" على الإدراك والوعي. فالوعي بالتأثيرات الرقمية يسمح للذات بأن تتحكم في أدواتها، بدل أن تصبح رهينة لتقنيات تتحكم في سلوكها ومزاجها.

كما يمكن استلهام مفهوم "الوقت النوعي" كما ناقشه هنري برجسون، إذ يشير إلى أهمية التجربة المتواصلة والعميقة للوعي، مقابل الزمن الرقمي المتقطع والمجزأ. فإعادة ترتيب العلاقة بالزمن تمثل وسيلة لمقاومة التشتت الرقمي، وإعادة إدراك الحياة بشكل متكامل. فاللحظة الحاضرة إذا ما تم استثمارها في التفكير والتأمل والتجربة الحقيقية، تصبح نواة للمعنى، وتمكن الإنسان من تجاوز العروض الرقمية العابرة، واستعادة إحساسه بالوجود العميق.

يظهر أن إعادة بناء الذات والمعنى في زمن الرقمنة يتطلب انسجاما بين الفكر والعاطفة والتجربة العملية. فالتحولات الرقمية لا تلغي القدرة على ممارسة الحرية، بل تفرض شروطا جديدة لها عبر وعي النقد والانضباط الذاتي واستثمار الفضاءات الواقعية والجمالية للعيش الكامل.

تصبح الذات المعاصرة ليست مجرد ضحية للسيولة الرقمية وفقدان المعنى، بل فاعلا قادرا على إعادة تشكيل تجربته، واستعادة تماسكه الوجودي وصياغة حياة متكاملة، تجمع بين الحاضر الرقمي والماضي الواقعي والمستقبل المحتمل، في فعل مستمر من الوعي والإبداع والمقاومة.

إن هذه القراءة الفلسفية المتواضعة للذات المعاصرة، إذ تجمع بين تحليل الأزمة الرقمية وفقدان المعنى، وبين اقتراح أدوات لإعادة البناء الوجودي، تمثل محاولة لتجاوز السطحية والانغماس اللحظي، وتعيد الفلسفة إلى مهمتها الأساسية، مساءلة الإنسان في كيانه العميق، ومساعدته على إعادة صياغة حياته بطريقة تعيد له معنى وجوده، وتعيد للزمن والوعي قيمتهما الأصيلة. فالذات الرقمية على الرغم من تشتيتها، يمكن أن تصبح فضاء للحرية وللمعنى وللتجربة الإنسانية العميقة، إذا ما تم إدارتها ووعيها بحكمة، بما يجعل الإنسان المعاصر فاعلا، متماسكا، وقادرا على مواجهة تحديات عصره بروح فلسفية نقدية، لا مجرد متلقٍ للصور الرقمية العابرة.

***

د. حمزة مولخنيف

في عصر العولمة تتلاشى الحدود الجغرافية وتتقاطع الثقافات، ليصبح العالم فضاءً مفتوحا للمعلومات والتقنيات والتبادلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. غير أن هذا الانفتاح لم يولد بالضرورة شعورا موحدا بالهوية الإنسانية، بل على العكس، أصبح الإنسان معرّضا لتقلبات مستمرة في إدراك ذاته وهويته، بين الامتداد نحو الكونية والانغلاق على الخصوصيات المحلية. الهوية هنا ليست مجرد تعريف بالانتماء الجغرافي أو العرقي أو الديني، بل هي مشروع مستمر للفهم والتمثل والتموضع في العالم، مشروع يختبره الفرد والجماعة في كل لحظة من حياته. كما يقول هانز جورج غادامير في الحقيقة والمنهج: "الفهم ليس مجرد استيعاب الأشياء، بل هو مشاركة وجودية في أفقٍ تاريخي وثقافي". في هذا السياق، يصبح سؤال الهوية سؤالا عن الموقع الوجودي للفرد بين الانفتاح والاغتراب، والتعددية الكونية والانغلاق على الخصوصيات.

الهوية في عالم معولم ليست ثابتة أو جامدة، بل هي متحولة ومصطدمة بالتيارات الثقافية المتبادلة، حيث يواجه الإنسان مأزق الاختلاف. فالاختلاف بمعناه الفلسفي، ليس مجرد التباين الظاهري بين الثقافات أو الجماعات، بل هو فعل تأسيسي للوعي بالذات وبالآخر، كما يؤكد إيمانويل ليفيناس: "الآخر هو المسؤولية التي تفرض نفسها على الذات، والاختلاف هو صيرورة الوجود في وجه الغير". عند هذا المفكر، يشكل الاختلاف مصدرا للالتزام الأخلاقي، وهو ما يجعل من الهوية ليست مجرد حماية للذات، بل مواجهة حقيقية للآخر، ووعي بالمسؤولية تجاهه. في زمن العولمة حيث تتقاطع الثقافات وتتداخل الرموز، يصبح التفاعل مع الآخر اختبارا مستمرا للهوية، فيجعلها تتحرك بين التعددية والتمركز، وبين القبول والتحدي.

ومع ذلك لا يمكن للهوية أن تتحقق في فراغ كوني مجرد، فلكل مجتمع خصوصياته التاريخية والثقافية التي تشكل أساسا لهويته. هكذا يقف الإنسان أمام جدلية دائمة بين الانفتاح على الكونية والانغلاق على الذات. فبينما يرى بعض الفلاسفة المعاصرين أن العولمة تسهم في خلق "ثقافة عالمية" تسوي الاختلافات، يؤكد آخرون على أن الانفتاح الكوني قد يؤدي إلى تهديد الخصوصيات المحلية، ومن ثم إلى أزمة وجودية للهوية. فرويد من زاوية أخرى، يلمّح إلى أن الإنسان في مواجهة التغيرات المستمرة، يختبر صراعات داخلية بين الرغبة في الانتماء والاحتفاظ بالذات، بين الطموح إلى الكونية والخوف من فقدان الجذور.

في هذا الصدد لا بد من التوقف عند مفهوم "الهوية المركبة"، الذي يشير إلى كون الهوية ليست وحدة متجانسة، بل شبكة معقدة من الانتماءات المتقاطعة والمتداخلة. فالهوية الفردية قد تشمل الانتماء إلى لغة، ثقافة، تاريخ، دين، جنس، أو حتى أسلوب حياة. كل هذه العوامل تتفاعل فيما بينها لتشكيل معنى الذات في عالم مفتوح. كما تقول مارثا نوسباوم في الحدود الإنسانية للأخلاق: "الهوية ليست حجرا ثابتا، بل هي مشروع أخلاقي مستمر، يضع الإنسان أمام مسؤولية التوازن بين ذاته والآخر". هنا يظهر البعد الأخلاقي للهوية، إذ لا يكتفي الفرد بالوعي بذاته فحسب، بل عليه أن يعي تأثير خياراته وقراراته على الآخرين في فضاء عالمي مشترك.

العولمة من جهة أخرى، لا تقدم إطارا متجانسا للتفاعلات، بل تخلق تباينات بين مراكز النفوذ الثقافي والاقتصادي، فتولد اختلالات في مستوى الاعتراف بالهوية. آلان باديو يشير إلى أن الحداثة العالمية تعني "انتشار القيم الثقافية الغربية كقالب موحد"، ما يفرض نوعا من الضغط على الخصوصيات الثقافية، ويثير التساؤل حول مصير الهويات المحلية. في هذا السياق، يصبح السؤال حول الهوية مسألة مقاومة حضارية، ليس بمعنى العزلة أو الانغلاق، بل بمعنى الدفاع عن الخصوصيات دون رفض الكونية. وهذا يقودنا إلى فهم الهوية كعملية ديناميكية، تعمل في فضاء من التوتر بين الانفتاح والتمسك والاختلاف والاعتراف، وبين التجربة الفردية والمرجعية الجماعية.

الفيلسوف شارل تاليه، في تأملاته حول "العولمة والاختلاف"، يرى أن الهوية ليست مجرد ملكية فردية، بل هي مسألة تتعلق بالعلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات. فالهوية تحتاج إلى "فضاء الاعتراف"، حيث يتم إدراك الذات من خلال النظر في وجه الآخر، ومن ثم يُستكمل معنى الوجود. هذا المفهوم يعيد إلى الذهن ما ذهب إليه هيجل في جدلية الروح، الإنسان يصبح واعيا بذاته حين يواجه الوعي بالآخر، وهكذا تتشكل الهوية ليس بمعزل عن الاختلاف، بل من خلاله. في عالم اليوم، حيث تتلاقى الثقافات وتتقاطع الحدود، يصبح التحدي هو القدرة على الحفاظ على الخصوصيات ضمن شبكة كونية تتطلب التفاعل والتفاوض المستمر.

غير أن هذا التفاعل الكوني لا يعني بالضرورة انسجاما دائما، بل قد يؤدي إلى صراعات حادة حول الرموز والهوية. هنا يتضح التوتر بين ما يمكن أن نسميه "الكونية الفلسفية" و"الخصوصيات المغلقة". الأولى تمثل الوعي بأن الإنسان جزء من مشروع كوني يتجاوز الحدود الفردية والجماعية، والثانية تمثل رغبة الإنسان أو الجماعة في حماية ما هو مميز وفريد في تراثه وثقافته. جان بودريار يرى أن العولمة قد تخلق "مجتمعًا من النسخ"، حيث تختفي الفوارق المميزة بين الثقافات، ما يولد إحساسا بالاغتراب وانعدام الجذور. يصبح الاختلاف ليس مجرد فعل ثقافي، بل فعل وجودي يثبت الإنسان في عالم متحول.

يمكننا أن نربط مسألة الهوية بالعلاقة بالزمن والتاريخ. فالهوية ليست حالة لحظة بل هي صيرورة تاريخية، كما يشير ميشيل فوكو، "الذات هي مشروع دائم التشكيل، متأثر بالقوى الاجتماعية والسياسية، وبالتاريخ الذي يعيشه الفرد". في عالم معولم، تصبح هذه الصيرورة أكثر تعقيدا، إذ يتعرض الإنسان لضغط مزدوج: ضغوط العولمة التي تفرض قيما وأنماطا جديدة، وضغوط الخصوصيات التي تحاول الحفاظ على ما هو أصيل. التحدي هنا هو أن يجد الفرد أو الجماعة موضعا وسطا، حيث يمكنهم التفاعل مع الكونية دون التنازل عن خصوصياتهم، والتعبير عن هويتهم دون الانغلاق أو التصلب.

يمكننا أيضا أن نلحظ في هذا السياق دور اللغة والرمز الثقافي في تشكيل الهوية. اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي حاملة للذاكرة الجماعية، ومخزن للخصوصيات الثقافية. كما يؤكد إدوارد سعيد في الاستشراق، الثقافة هي مشروع مستمر للمعنى، واللغة هي أداة الاحتفاظ بالذات في مواجهة الانصهار في القوالب العالمية. لذلك فإن الحفاظ على اللغة والرموز الثقافية يصبح فعل مقاومة، ليس رفضا للآخر، بل للحفاظ على عمق الذات في شبكة العلاقات الكونية. فالهوية هنا هي التوازن بين ما هو عالمي وما هو محلي، بين الانفتاح على الآخر والتمسك بالخصوصيات.

من الناحية النفسية والاجتماعية، يشير علماء الاجتماع إلى أن الهويات تتشكل في مواجهة التحديات الخارجية. بورديو على سبيل المثال، يوضح أن الهوية هي نتيجة "الموقع الاجتماعي" والحقول التي يتحرك فيها الفرد. في زمن العولمة، تتحرك هذه الهويات بين الحقول المحلية والعالمية، بين الرغبة في الانتماء إلى جماعة أصيلة والرغبة في الانخراط في فضاء كوني أوسع. هذا التحرك المتواصل يولد شعورا باللجوء المتعدد، حيث يجد الإنسان نفسه متأرجحا بين الانتماءات، ويحاول التوفيق بين متطلبات الخصوصية ومتطلبات الانفتاح الكوني.

إضافة إلى ذلك، يجب التأكيد على أن الهوية ليست مجرد مسألة شخصية، بل هي أيضا مسألة جماعية وسياسية. الهويات القومية والدينية والثقافية تتحرك في فضاءات تتقاطع فيها المصالح، وتتنازع فيها الرموز. هابرماس يشير إلى أن الحوار بين الثقافات يحتاج إلى "فضاء عام تواصلي"، حيث يمكن للأطراف المختلفة أن تتفاوض على معنى الهوية والخصوصية. بدون هذا الفضاء، تصبح الهوية معرضة للتطرف أو الانغلاق، ما يؤدي إلى صراعات تهدد استقرار المجتمعات. إن الهوية في عالم معولم هي مسألة توازن دقيق بين الاعتراف بالآخر والحفاظ على الذات والانفتاح والانغلاق، وبين الاختلاف والتماثل.

إن الهوية في زمن العولمة هي مسألة جدلية مستمرة بين الكونية والانغلاق. فهي ليست ثابتة، ولا يمكن تصورها بمعزل عن التفاعل مع الآخر، ولا يمكن اختزالها في خصوصية جامدة دون اعتبار للفضاء الكوني الذي نعيش فيه. الفيلسوف الفرنسي بول ريكور يصف الهوية بأنها "نص متواصل"، يُكتب ويُعاد كتابته باستمرار، في حوار مع الذات والآخر والتاريخ. في هذا النص، يتجلى الإنسان في مواجهته للآخر، ويُختبر معنى كينونته، وتظهر التحديات المستمرة في المحافظة على التوازن بين الانفتاح على الكونية والتمسك بالخصوصيات.

إن الهوية من حيث هي ليست مجرد إدراك ذاتي، بل مشروع فلسفي أخلاقي واجتماعي، يضع الإنسان أمام مسؤولية الوعي بالاختلاف والتفاعل مع الآخر، والحفاظ على ما يميز تراثه وثقافته. هي صيرورة مستمرة، تتشكل في فضاء العولمة بين التيارات المتعددة، وتختبر حدود الانفتاح والانغلاق، بين الاعتراف بالكونية والحفاظ على الخصوصيات. وعليه، يصبح السؤال حول الهوية في عالم معولم سؤالاً عن المشروع الإنساني ذاته: كيف نكون في عالم يتغير بسرعة دون أن نفقد عمقنا وخصوصيتنا، وكيف نتفاعل مع الآخر دون أن نبتعد عن الجذور التي شكلتنا؟.

في عالم اليوم تتفاقم تعقيدات الهوية مع التداخل المتسارع للتكنولوجيات الرقمية، حيث لم يعد الانتماء إلى جماعة معينة مقصورا على المكان أو التراث، بل أصبح مرتبطا أيضا بالفضاءات الافتراضية، والمنتديات الرقمية والشبكات الاجتماعية. هذه البيئات الجديدة تمنح الفرد إمكانية إعادة تشكيل ذاته، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليه نماذج جاهزة للانتماء، قد تصادم خصوصياته أو توجهها نحو معايير عالمية محددة. كما لاحظ زيجمونت باومان في مفهومه عن السيولة الحديثة، الإنسان المعاصر يجد نفسه في حالة تأرجح دائم بين الانفتاح والتمركز، وبين القدرة على التواصل بلا حدود والخوف من فقدان الجذور التي تمنحه شعورا بالثبات. الهوية هنا ليست ثابتة، بل هي "هوية سائلة" تحتاج إلى جهد مستمر لإعادة التشكيل والمراجعة.

تطرح هذه الانزياحات الرقمية أسئلة فلسفية عميقة حول معنى الاختلاف. ففي الماضي كان الاختلاف مرتبطا غالبا بالحدود المكانية والثقافية، أما اليوم فهو مرتبط بسرعة المعلومات والتقنيات التي تمكّن الفرد من الوصول إلى الثقافات المتعددة والتفاعل معها. ومن هنا ينبع التحدي، كيف يمكن للفرد أن يحافظ على خصوصيته وهو يختبر كونية متزايدة؟ هانز جورج غادامير يذكر أن "الفهم هو أفق يتشكل في مواجهة الآخر"، وفي عصر العولمة الرقمية، يصبح هذا الفهم عملية معقدة، إذ يتطلب موازنة دقيقة بين ما هو شخصي وما هو مشترك، بين الانفتاح على الاختلاف وحماية الخصوصية.

الهوية في هذا السياق ليست مجرد مسألة ذاتية، بل هي مشروع سياسي وثقافي في الوقت ذاته. فالفرد والجماعة يواجهان تحديات الاعتراف، ليس فقط من قبل الآخر، بل من قبل المؤسسات العالمية والثقافات المهيمنة، وأحيانا من التكنولوجيا نفسها التي تحدد من يمكنه أن يكون مرئيا، وماذا يمكن أن يعبر عنه. كما يرى تشومسكي، القوة الثقافية والسياسية تؤثر بشكل مباشر على إمكانية التعبير عن الذات، ما يجعل الحفاظ على الخصوصيات عملية مقاومة واعية، تتطلب إدراكا مستمرا للضغوط الخارجية وللتوازن بين الانفتاح والانغلاق.

في السياق الفلسفي، يمكن النظر إلى الهوية كحقل جدلي بين الذات والآخر، بين التاريخ والمستقبل، بين التقاليد والحداثة. إيمانويل كانط في تصوراته عن التنوير، يشير إلى أن "الاستنارة هي خروج الإنسان من قيود الذاتية غير الواعية"، وهي دعوة لإدراك حدود الذات والتفاعل الواعي مع الآخر. ومن ثم يصبح التحدي المعاصر هو إيجاد هوية متوازنة، تستطيع الاستفادة من الانفتاح الكوني دون أن تفقد القدرة على التمييز والحفاظ على ما هو أصيل.

تاريخيا، الهوية كانت دائما نتاج تفاعل مع القوى الخارجية، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو اقتصادية. لكن العولمة اليوم تضاعف هذا التفاعل بشكل غير مسبوق، حيث تصبح المراجع الثقافية متعددة، والخيارات المتاحة للفرد واسعة، لكنها متشابكة ومعقدة. هنا، تظهر أهمية مفهوم "الهوية المركبة"، كما أشارت إليها فيرجينيا ووولف في سياق الأدب، وطورها علماء الاجتماع لاحقا، الهوية ليست عنصرا ثابتا، بل شبكة متداخلة من الانتماءات المتعددة، تتفاعل مع بعضها البعض لتشكل تجربة الوعي بالذات في عالم متغير. هذه الشبكة المتداخلة تحتاج إلى مهارات جديدة في القراءة والتفاعل، لأنها تتطلب فهما عميقا للاختلافات الثقافية والقدرة على التفاوض بين القيم والمعتقدات المختلفة.

التحدي الآخر الذي تفرضه العولمة على الهوية يتعلق بالذاكرة الجمعية. فالهوية لا تبنى على الحاضر فحسب، بل على تفاعل مستمر مع التاريخ والتراث. والتراث الثقافي سواء كان لغويا دينيا أم اجتماعيا، يشكل العمق الذي يمكن للهوية أن ترتكز عليه. إدوارد سعيد يوضح أن الثقافة ليست مجرد تجميع للمعارف، بل هي حقل للنضال الرمزي، حيث تتجسد السلطة في القدرة على التحكم في الرموز والمعاني. لذلك، يصبح الحفاظ على الذاكرة الثقافية والحضارية أحد أهم عناصر الدفاع عن الهوية في عالم يتعرض فيه الفرد والجماعة لضغوط التوحيد الثقافي.

الجانب الأخلاقي للهوية يظهر جليا في مواجهة الاختلاف. فإيمانويل ليفيناس يشدد على أن الآخر ليس مجرد مرآة للذات، بل مسؤولية قائمة بحد ذاتها، والاختلاف هو شرط أخلاقي للحياة الإنسانية. في فضاء عالمي معولم، يصير هذا الاختلاف مشروعا عمليا لتطوير العلاقات الإنسانية، حيث يُختبر الإنسان في قدرته على احترام الخصوصيات، والاعتراف بالآخر دون فرض النماذج الجاهزة. هذه المسؤولية الأخلاقية تتحول إلى بُعد سياسي وثقافي، لأن الاعتراف بالآخر يتطلب أيضا بنية اجتماعية وسياسية تدعم هذا الاعتراف، كما يشير هابرماس في مفهومه عن الفضاء العام التواصلي.

العولمة، إذن، ليست مجرد عملية اقتصادية أو تقنية، بل هي سياق وجودي وثقافي يعيد تشكيل مفهوم الهوية. فمن جهة توفر للعقل والوعي إمكانيات واسعة للتواصل والتفاعل مع الآخر، ومن جهة أخرى تفرض قيودا جديدة، من خلال سيطرة نماذج ثقافية موحدة وضغط السوق، وتحكم التكنولوجيا في تدفق المعلومات. فالهوية هنا ليست حالة سكونية، بل هي مسار مستمر من التشكيل وإعادة التشكيل، مسار يتطلب من الفرد والجامعة إدراكا متواصلا للانفتاح والتمركز، وللقدرة على التفاعل مع التعددية دون أن يؤدي ذلك إلى ضياع الخصوصيات.

التحديات التقنية، مثل الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي، تضيف بعدا جديدا لمسألة الهوية. فالفرد المعاصر يعيش في فضاءات افتراضية تسمح له بإعادة بناء صورته، والتعبير عن ذاته بطرق غير محدودة، لكنها في الوقت نفسه تعرضه لمخاطر التزوير والسطحية. كما يرى مارشال ماكلوهان، "الوسيط هو الرسالة"، أي أن التقنيات نفسها تؤثر في شكل إدراك الإنسان لهويته وللآخر. ولذلك، فإن الحفاظ على الهوية في هذا السياق ليس مجرد مسألة اختيار، بل هو ممارسة نقدية تتطلب وعيا بالوسائط وبآثارها على النفس والمجتمع.

جانب آخر من جدلية الهوية يتعلق بالمقاومة الثقافية والسياسية. فبينما يدفع الانفتاح الكوني نحو التشابه، تدفع الخصوصيات المحلية نحو التمايز، ويظهر التوتر بين المشروع العالمي والمشروع المحلي. هنا، يظهر دور الهوية كمقاومة واعية، ليس بمعنى الانعزال، بل بمعنى الإبقاء على جذور الثقافة والتاريخ والتقاليد في مواجهة ضغوط التوحيد الثقافي. ويشير بورديو إلى أن الهوية تتشكل أيضا من خلال "المنافسة الرمزية"، أي الصراع على القيم والمعايير التي تحدد ما يُعتبر أصيلا وملائما. هذا البعد يجعل الهوية مسألة سياسية بقدر ما هي ثقافية وفلسفية.

الهوية في عالم معولم تتطلب بالتالي مزيجا من الفهم النقدي والممارسة الأخلاقية والسياسية. فهي ليست مجرد شعور بالانتماء، بل هي عملية مستمرة لإعادة التوازن بين الانفتاح الكوني والحفاظ على الخصوصيات. الفيلسوف بول ريكور يرى أن الهوية تتشكل في حوار مستمر مع الماضي والحاضر والمستقبل، وهي نص متواصل يُعاد كتابته دائما. وهذا النص يعكس تجربة الإنسان في مواجهة الآخر، ويختبر قدرته على التفاعل مع التعددية دون أن يفقد جذوره، أو يتلاشى في الفضاء الكوني المفتوح.

علاوة على ذلك، الهوية في زمن العولمة هي مسألة تتعلق بالعدالة والاعتراف المتبادل. فالاعتراف بالاختلاف ليس ترفا، بل هو شرط أساسي لبناء مجتمع كوني يحترم التنوع والخصوصيات. هابرماس يصف هذا بالفضاء العام التواصلي، حيث يمكن للأفراد والجماعات التعبير عن هوياتهم المختلفة والمفاوضة على معانيها. بدون هذا الفضاء، تصبح الهوية معرضة للانغلاق أو الطمس، وينشأ صراع بين القوى الثقافية المهيمنة والخصوصيات المحلية، مما يعقد إمكانية التفاعل الحضاري البناء.

التحدي الأكبر هو أن يجد الإنسان طريقه بين الانفتاح على الكونية والانغلاق على الخصوصيات، بين الاعتراف بالآخر والحفاظ على الذات. الهوية هنا ليست مجرد مسألة نفسية أو ثقافية، بل هي تجربة وجودية وأخلاقية وفلسفية. فالوعي بالاختلاف واحترامه والقدرة على التفاعل معه، هو ما يجعل الإنسان قادرا على الحفاظ على عمقه الذاتي في عالم مفتوح ومتغير.

يمكن اعتبار الهوية "مشروعا مستمرا" لا ينتهي، بل يتطور مع مرور الزمن، ويواجه التحديات الجديدة التي تفرضها العولمة والتقنية والسياسة، مع الحفاظ على الثوابت التي تشكل جوهر الذات.

إن الهوية في عالم معولم ليست مجرد مسألة حماية الخصوصيات، ولا مجرد انفتاح على الكونية، بل هي التوازن المستمر بين هذين القطبين. هي مشروع أخلاقي وفلسفي وسياسي، يتطلب من الإنسان والجامعة إدراكا مستمرا للتحديات، والقدرة على التفاعل مع الآخر، والحفاظ على ما هو أصيل. كما يقول هانز جورج غادامير، "الفهم هو أفق يتشكل في مواجهة الآخر"، وفي هذا التفاعل تتكشف حدود الهوية، وتتجلى مسؤولية الإنسان في عالم يتغير بسرعة ويجمع بين التنوع والتوحيد بين الانفتاح والانغلاق، وبين الكونية والخصوصية.

***

د. حمزة مولخنيف

يبدو أن الحديث عن العقل في عصرنا الراهن لا يمكن فصله عن السياق العام للحداثة، تلك اللحظة الفاصلة التي أفرزت لنا تقنيات ومعارف غير مسبوقة، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن مأزقها الأخلاقي والأنساني. فالعقل الحديث كما بلوره مفكرون كبار مثل كانط وهيجل، قد انطلق من فكرة نقدية لذاته، ومن الإيمان بقدرته على الوصول إلى المعرفة الموضوعية، لكن سرعان ما تحول هذا العقل إلى عقل أداتي، يقدّم للإنسان أدوات، ويمنحه قدرة على التحكم في الطبيعة وفي غيرها من البشر، لكنه في الوقت نفسه يغفل أبعاد التواصُل الأخلاقي والاجتماعي التي تُثري وجود الإنسان وتحقق له معنى. يشير هابرماس في هذا الصدد إن العقل الأداتي يتقوقع في المنظور العملي الفعلي، وينسحب من أفق الأسئلة الوجودية والقيمية، مشيرا إلى أن هذا الانزلاق يخلق ما سماه الحداثة المأزومة، حيث يصبح الفعل التقني والاقتصادي هو المقياس الوحيد للصواب والخطأ، بينما يضمحل الصوت الأخلاقي أو الاجتماعي في ضوضاء الإنتاج والتحكم.

إن العقل الأداتي ليس مجرد أداة معرفية، بل هو مشروع منظومي يحكم على كل شيء وفق معيار الكفاءة والفعالية. في هذا المنظور، تصبح المعرفة مجرد وسيلة لتحقيق هدف محدد، لا لاستكشاف أفق الحقيقة أو معنى الحياة. كانط نفسه أشار في كتابه "نقد العقل المحض" إلى أن العقل يحتاج إلى نقد دائم ليعرف حدوده، لكن الحداثة الحديثة أسست على فكرة أن العقل يمكن أن يصبح مستقلاً عن أي سلطة تقليدية، سواء كانت دينية أو سياسية، لتكون الكفاءة والنتائج العملية هما المقياس النهائي. ومع ذلك، فإن هذا الانحياز إلى العقل الأداتي يولّد فجوات في فهم الإنسان لنفسه وللمجتمع: فجوة أخلاقية وفجوة معرفية وفجوة وجودية. فالإنسان قد يتحكم في الطبيعة، لكنه يفقد القدرة على التواصُل الإنساني العميق، وقد يحقق المكاسب الاقتصادية والتقنية، لكنه يغفل حقيقة السؤال عن معنى هذه المكاسب أو عن القيم التي ينبغي أن تحكم استخدامها.

يتضح أن الفكر النقدي منذ هابرماس وصولاً إلى الفلاسفة المعاصرين، يتخذ موقفاً مضاداً من هذا التحول. فالعقل لا ينبغي أن يكون مجرد أداة، بل ينبغي أن يكون فضاءً للتواصل، حيث تُبنى الحقيقة عبر الحوار، وتُصان القيم عبر التفاعل الإنساني، وتُختبر النتائج وفق معايير أخلاقية وثقافية. هكذا يصبح العقل التواصلي استجابة لمأزق الحداثة، فهو يقيم بين الإنسان ومحيطه والفرد والمجتمع، وبين المعرفة والضمير. إن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي ليس مجرد تعديل منهجي، بل هو انقلاب في فهم العقل ذاته، من حيث كونه أداة للحكم والتحكم إلى كونه فضاءً للمساءلة المشتركة، حيث يلتقي الفكر مع الأخلاق، وتقترن المعرفة بالقيم، ويتحمل الإنسان مسؤولياته تجاه الآخر والعالم.

إن العقل الأداتي رغم ما أتاحه من إنجازات، لم يخل من ثمن باهظ. فالحربان العالمية والأزمات البيئية، والانحرافات الاقتصادية والاجتماعية، جميعها تعكس الأثر السلبي للعقل الذي فقد بعده التواصلي. يقول إيمانويل كانط في "السلام الدائم": "العقل وحده لا يكفي، إن لم يكن مصحوبا بالحكمة والضمير". ومن هنا، تأتي راهنية النقد الفلسفي، ليس فقط لمساءلة أدوات العقل، بل لمساءلة ما يجعل هذه الأدوات مأزومة. النقد الفلسفي في هذا الإطار، لا يعني مجرد الفحص النظري، بل الممارسة الأخلاقية التي تكشف حدود التفرد بالأدوات دون مسؤولية، وحدود المعرفة دون التزام. إنها دعوة لإعادة النظر في مشروع الحداثة ذاته، ومحاولة إعادة توازن بين الفعل والمعنى، بين الكفاءة والقيمة والتقنية والأخلاق.

يمكن النظر إلى مأزق الحداثة من خلال عدسة الفلسفة النقدية، التي ترى أن العقل الأداتي يتعامل مع العالم كما لو كان خاضعا بالكامل لسيطرته، متجاهلاً العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تشكل الإنسان. فالحداثة الحديثة بوعودها بالحرية والمساواة والتقدم، لم تتوقع أن تتسرب إلى الفرد مفاهيم الصراع والفردية المفرطة، والتغريب عن الجماعة. يقول هيغل: "الحرية المطلقة في العقل لا تتحقق إلا عندما يُنظّم العقل في إطار الدولة والمجتمع"، وهذا التوازن الاجتماعي هو ما يفتقده العقل الأداتي، ويبحث عنه العقل التواصلي. فالعقل التواصلي يعيد الاعتبار لمفهوم الحرية كعلاقة، وليس مجرد قدرة على التحكم، ويعيد الاعتبار لمفهوم المعرفة كعملية مشتركة، وليست مجرد ملكية فردية أو أداة إنتاجية.

وفي هذا السياق، يصبح النقد الفلسفي راهنا أيضا في مواجهة العولمة المعاصرة، التي غالبا ما تعزز منطق العقل الأداتي على حساب العقل التواصلي. الاقتصاد العالمي والتقنيات الرقمية والثقافة الاستهلاكية، كلها تقيس القيمة بالقدرة على الإنتاج والاستهلاك، متجاهلة الأسئلة الأخلاقية والإنسانية الأساسية. وهنا، يظهر البعد الأخلاقي للعقل التواصلي، فهو لا يرفض التقدم أو التقنية، لكنه يطالب بمرجعية أخلاقية واجتماعية توجه هذه الإمكانات. كما تقول مارثا نوسباوم: "العدالة الحقيقية لا تتحقق فقط من خلال التنظيم القانوني، بل من خلال تنمية القدرة على التعاطف والتواصل بين البشر". العقل التواصلي هو العقل الذي يجعل من المعرفة والقدرة والفعالية وسيلة لتحقيق حياة مشتركة عادلة، لا مجرد أداة للهيمنة والتفرد.

ولا يمكن أيضا إغفال البعد الثقافي والفلسفي في هذا الانتقال. فالفكر النقدي الأوروبي منذ عصر التنوير وحتى ما بعد الحداثة، مر بتطورات متسارعة، من نقد كانط للعقل المطلق، إلى نقد هابرماس للعقل الأداتي، وصولاً إلى فلسفات النسوية والنظرية ما بعد البنيوية التي تسلط الضوء على العلاقات السلطوية والمعايير المهيمنة التي يحاول العقل الأداتي فرضها على الواقع. فالنسوية على سبيل المثال، كشفت أن العقل الأداتي غالبا ما يغفل الاختلافات والتجارب الإنسانية المتنوعة، ويختزل القيم إلى مقاييس واحدة، بينما العقل التواصلي يعترف بالاختلاف، ويستند إلى الحوار والتبادل بين وجهات النظر المختلفة. تقول جوديث بتلر: "المساءلة الأخلاقية تبدأ عندما نسمع الآخر، لا عندما نحكم عليه"، وهذا بالضبط ما يميز العقل التواصلي عن العقل الأداتي، فالأول يقوم على استيعاب الآخر، بينما الثاني يقوم على السيطرة والتحكم.

إن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي ليس مفهوماً نظرياً فحسب، بل له انعكاسات عملية واضحة في الحياة السياسية والاجتماعية. فالأدوات التقنية، مهما كانت متقدمة، لا تحقق العدالة أو المشاركة أو الديمقراطية إذا لم تُدرج ضمن منظومة تواصلية تشرك الجميع في القرار والتقييم. والعقل التواصلي يفرض التفكير في شروط الشفافية والمساءلة والمشاركة، ويطرح السؤال عن الحد الفاصل بين الكفاءة والعدالة، وبين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية والمعرفة والسلطة. ومن هذا المنظور، يصبح النقد الفلسفي أداة راهنية، لأنها تجعلنا نسائل مشاريع الحداثة من الداخل، وتكشف عن التناقضات بين وعود التقدم وبين النتائج الفعلية على الإنسان والمجتمع.

أما على مستوى الوعي الذاتي، فإن العقل التواصلي يحفز الفرد على إعادة النظر في مكانه في العالم، وفي علاقته بالآخر، وفي دوره في تحقيق معنى وجوده. فالإنسان المعاصر، رغم ما يمتلكه من أدوات معرفية وتقنية، كثيراً ما يشعر بالغربة والاغتراب، وهو إحساس يراه هابرماس وميشيل فوكو نتيجة لعلاقات السلطة والمعرفة التي يغفل فيها العقل الأداتي البعد التواصلي. إن العقل التواصلي يفتح أمام الإنسان مساحة للتمكين الذاتي ليس بمعنى السيطرة، بل بمعنى الفهم والمشاركة والمسؤولية. كما يذكّرنا جان بول سارتر بأن الحرية الفردية لا تتحقق إلا من خلال الاعتراف بالآخر ومشاركته في بناء العالم، وهذا الاعتراف لا يكون إلا من خلال عقل تواصلي قادر على الحوار والمساءلة المشتركة.

إن العقل الأداتي قد أفرز إمكانات هائلة، لكنه في الوقت نفسه كشف عن مأزق الحداثة: قدرة الإنسان على التحكم في العالم الخارجي مقابل تراجع قدرته على التواصُل مع العالم الداخلي والآخرين. العقل التواصلي من جهته، يمثل محاولة نقدية لمواجهة هذا المأزق، فهو يعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والقيمة والقدرة والمسؤولية، وبين الفرد والمجتمع. النقد الفلسفي هنا ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة راهنية، لأنه يتيح للإنسان أن يعيد صياغة حداثته بما يجعلها أكثر إنسانية وأقل مأزومية، وأكثر قدرة على التفاعل مع التحديات الأخلاقية والثقافية والاجتماعية المعقدة.

إننا أمام سؤال وجودي ومعرفي في آن واحد، كيف يمكن للعقل أن يظل وسيلة للمعرفة والإبداع والتقدم، دون أن يصبح أداة للهيمنة والسيطرة والتقليص من قيم الإنسان؟ هذا السؤال ليس مجرد خاطرة فلسفية، بل هو محور نقد الحداثة بأكملها، وهو ما يجعل الفكر النقدي راهنا اليوم. فالتحول من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي يمثل ليس فقط تغييراً في الوظائف المعرفية، بل انقلاباً في فهم الإنسان لنفسه ولمجتمعه وللأفق الذي يحققه في العالم.

في مواجهة مأزق الحداثة، يبدو أن السؤال الأساسي لم يعد عن قدرة العقل على المعرفة فحسب، بل عن قدرته على توجيه هذه المعرفة بما يخدم الإنسانية، لا بما يهيمن عليها أو يحصرها في أفق الإنتاجية الفورية. العقل الأداتي، كما أشرنا سابقا، قد وفّر للبشرية أدوات هائلة للتحكم في الطبيعة وفي بعض جوانب المجتمع، لكنه في الوقت نفسه أعاد إنتاج نوع من الغربة الإنسانية: الإنسان قادر على صناعة العالم، لكنه عاجز عن فهم دوره الأخلاقي والاجتماعي في هذا العالم. هنا تتجلى أهمية العقل التواصلي، ليس فقط كتصحيح منهجي، بل كتحول وجودي وثقافي، يسمح بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والآخر، وبين الفرد والمجتمع والمعرفة والقيمة.

إن العقل التواصلي يتجاوز حدود الفعل الأداتي عبر تثبيت قيم الحوار والمساءلة والمسؤولية المشتركة. فهابرماس في كتابه "نظرية الفعل التواصلي"، يوضح أن العقل الأداتي يتسم بـ"القدرة على التنبؤ والتحكم، ولكنه مقيد بالمنطق الداخلي للأدوات"، في حين أن العقل التواصلي "يسمح بتأسيس فهم مشترك، ويقيم معايير للصواب تتجاوز الأداة لتشمل العدالة والأخلاق". وهذا يعني أن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي ليس مجرد تعديل وظيفي في استخدام العقل، بل هو إعادة توجيه للغرض ذاته، العقل ليس مجرد تقنية للسيطرة، بل فضاء لإعادة التفكير في معنى الحياة والعدالة الإنسانية.

يتضح أن الحداثة المأزومة لا يمكن معالجتها بمجرد تحديث الأدوات أو تطوير المعرفة التقنية. فهي مأزومة لأنها تتجاوز حدود العقل الأداتي نفسه، فتنتج مشكلات لا يمكن حلها بالأدوات نفسها التي أنتجتها. الفقر، التفاوت الاجتماعي، الاستهلاك المفرط والكوارث البيئية، كلها أمثلة على نتائج العقل الأداتي الذي يركز على الإنتاجية والربح والكفاءة دون التفكير في عواقب هذه الإنتاجية على الإنسان والبيئة. ومن هنا تأتي راهنية النقد الفلسفي، لأنه يوفر آلية لمساءلة العقل ذاته، ولتوجيه المعرفة إلى أفق أوسع، لا يقتصر على النتائج المادية بل يشمل الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية.

يمكننا أن نرى هذا بوضوح من خلال تطور الفكر النقدي الأوروبي منذ القرن العشرين وحتى اليوم. ففلسفة ما بعد الحداثة، رغم انتقادها للحداثة وللإجماع الكوني على العقل الأداتي لم تكتف بالرفض، بل طرحت بدائل تركز على تعددية المعايير، وعلى أهمية الحوار بين الثقافات والفلسفات المختلفة. فميشيل فوكو على سبيل المثال، كشف كيف أن العقل الأداتي يمكن أن يصبح أداة للسيطرة والمعرفة المهيمنة، وكيف أن المعرفة التقنية لا تكون حيادية أبداً، بل مرتبطة بممارسات السلطة. ومن هنا، يكتسب العقل التواصلي راهنيته، فهو العقل الذي يعيد التوازن بين المعرفة والسلطة والفرد والمجتمع، وبين القدرة والمسؤولية.

وفي عالمنا المعاصر، تتجلى أهمية العقل التواصلي أيضا في السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية. فعلى سبيل المثال، الديمقراطيات الحديثة تواجه تحديات معقدة، انتشار المعلومات الرقمية، التفاوت الاقتصادي وتصاعد خطاب التطرف، كلها أمور تتطلب عقلا قادرا على التواصُل والحوار، وعلى تأسيس فهم مشترك بين المواطنين وصناع القرار. فالعقل الأداتي وحده، مهما كان فعالا في التنظيم والإدارة، لا يكفي لضمان العدالة الاجتماعية أو التوازن الأخلاقي. وهنا تأتي أهمية ما أشارت إليه مارثا نوسباوم، عندما أكدت على ضرورة بناء "قدرة التعاطف والخيال الأخلاقي"، أي العقل الذي يرى الآخر ويقدر موقفه ويعيد صياغة القرار بناءً على قيم مشتركة، لا مجرد حسابات إنتاجية.

إن العقل التواصلي يتجاوز الحدود التقنية ليصبح مشروعا أخلاقيا وثقافيا واجتماعيا. إنه العقل الذي لا يقتصر على السؤال عن الوسائل، بل يسائل الغايات، ويعيد التفكير في العلاقة بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية. كما يشير هابرماس، فإن العقل التواصلي يخلق فضاءً عاما يتيح النقاش والمساءلة والاعتراف بالاختلافات، وهو فضاء يواجه مأزق الحداثة، ويصوغ من خلال الحوار معايير مشتركة للفعل والمعرفة. وهنا يتضح الفرق الجوهر بين العقل الأداتي والعقل التواصلي، الأول ينتج أدوات، والثاني ينتج معنى، الأول يحكم على النتائج، والثاني يحكم على العدالة، الأول يتوقع النجاح التقني، والثاني يتوقع التوافق الأخلاقي والاجتماعي.

وفي بعده العملي يمكن أن يترجم العقل التواصلي في مجالات متعددة، من التعليم إلى الاقتصاد، ومن السياسة إلى البيئة. في التعليم على سبيل المثال، العقل الأداتي يركز على تحصيل المعرفة والقدرة على الأداء، بينما العقل التواصلي يركز على الفهم النقدي والتفاعل بين المعلم والمتعلم، ويصوغ قيم المشاركة والمساءلة. في الاقتصاد، العقل الأداتي يقيس النجاح بالربح والنمو، بينما العقل التواصلي يقيس النجاح بالعدالة والتوازن الاجتماعي، ويعيد التفكير في آثار السياسات الاقتصادية على المجتمع والفرد والبيئة. في السياسة، العقل الأداتي يركز على التنظيم والإدارة والسيطرة، بينما العقل التواصلي يركز على المشاركة والحوار، ويعيد بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات.

إن العقل التواصلي بهذا المعنى، ليس فقط بديلا للعقل الأداتي، بل هو ضرورة راهنية لمواجهة تحديات الحداثة المأزومة. فهو يوفر أدوات فكرية وأخلاقية لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين الفرد والمجتمع والمعرفة والقيم. يقول جان بول سارتر: "الإنسان يصبح مسؤولا ليس فقط عن أفعاله، بل عن فهمه للعالم وللآخر"، وهذا يعني أن العقل التواصلي يربط المعرفة بالمساءلة الأخلاقية، ويعيد التفكير في الحداثة من الداخل، لا من الخارج فقط.

يمكن النظر إلى العقل التواصلي كاستجابة لثنائية التقنية والقيم التي هيمنت على الحداثة الأداتية. فالثنائية بين القدرة على الفعل والقدرة على الحكم كانت دائما مصدر مأزق الحداثة، الإنسان قادر على التحكم في الطبيعة، لكنه عاجز عن التحكم في معايير العدالة والإنصاف. العقل التواصلي يعالج هذا المأزق عبر تأسيس معيار معرفي وأخلاقي جديد، يسمح للفعل بالارتباط بالقيم، ويسمح للمعرفة بالارتباط بالمسؤولية. وهنا يتضح أن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي ليس مجرد تعديل في أدوات التفكير، بل تحول في البنية الفلسفية للعقل نفسه، من عقل يبحث عن السيطرة إلى عقل يبحث عن الفهم والمساءلة والعدالة.

وفي هذا السياق، تظهر أهمية الفلسفة النقدية المعاصرة التي تتبنى العقل التواصلي في مواجهة تحديات العولمة والتقنيات الرقمية والثقافات المتعددة. فالعقل الأداتي، في سياق الاقتصاد الرقمي مثلاً، قد ينتج خوارزميات قوية للتحكم في البيانات واتخاذ القرارات، لكنه لا يضمن العدالة أو التوازن الاجتماعي. العقل التواصلي بالمقابل، يطرح أسئلة حول الأثر الاجتماعي لهذه الخوارزميات، ويعيد النظر في قيم الخصوصية والإنصاف والمساءلة. وهكذا يصبح العقل التواصلي أداة لتوجيه الحداثة نفسها، لا مجرد وسيلة لمواكبتها.

وعلى مستوى الوعي الفردي، يعيد العقل التواصلي الإنسان إلى دوره الإنساني الكامل. فالغربة والانفصال عن الآخر، والتفاوت بين الفرد والمجتمع، كلها مشكلات تتغذى من العقل الأداتي. العقل التواصلي يفتح أمام الإنسان أفق الحوار الداخلي والخارجي، وأفق المسؤولية الفردية والجماعية، ويتيح له إعادة بناء معنى حياته بما يتوافق مع قيم العدالة والإنسانية. يقول هابرماس: "العقل التواصلي يربط الفعل بالمعنى، ويعيد التوازن بين المعرفة والمسؤولية"، وهو ما يعكس بوضوح الفرق بين الأداتية والتواصُل.

وفي البعد الثقافي والفلسفي، فإن العقل التواصلي يعيد الاعتبار للمجتمعات الغائبة عن مراكز القرار التقليدية، وللأصوات المهمشة في السياق المعرفي والسياسي. فهو يتيح الحوار بين الثقافات، ويقيم مساحات للاختلاف، ويعيد التفكير في المعايير العالمية للحداثة، بعيدا عن أحادية المنطق الأداتي. وهذا ما أكدت عليه فلسفة النسوية وما بعد البنيوية، من خلال تسليط الضوء على ضرورة إدماج الخبرات المتنوعة والاعتراف بالاختلاف، وعدم احتكار المعرفة والمعايير من قبل المراكز التقليدية للسلطة.

ولا يمكن إغفال البعد التاريخي للمأزق، فالحداثة المأزومة ليست حادثة عابرة، بل نتاج تراكمات فلسفية علمية اجتماعية وسياسية، حيث تداخلت أدوات العقل مع مفاهيم السلطة، وأصبح الفعل التقني مرتبطا بالسيطرة أكثر منه بالخدمة الإنسانية. العقل التواصلي إذن، يقدم رؤية متقدمة تعالج هذا التداخل عبر تأسيس علاقة متوازنة بين القدرة على الفعل والمعايير الأخلاقية والسيطرة والمسؤولية، وبين المعرفة والفهم الاجتماعي.

إن العقل التواصلي ليس رفاهية نظرية، بل ضرورة راهنية لمواجهة مأزق الحداثة. إنه يمثل استجابة فلسفية وأخلاقية وعملية لمأزق الإنسان المعاصر، حيث التقدم التقني والاقتصادي لا يكفي لملء الفراغات الإنسانية والاجتماعية. النقد الفلسفي هنا يظل أداة أساسية، لأنه يوفر الإطار اللازم لمساءلة العقل ذاته، ويعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والإنسان والفعل والقيمة بين الفرد والمجتمع.

إن العقل التواصلي ليس فقط محاولة لتجاوز مأزق الحداثة، بل مشروع إنساني كامل، مشروع يجعل من العقل وسيلة لفهم العالم بعمق لفهم الآخر بصدق، ولتحقيق العدالة والقيم المشتركة في سياق متغير ومعقد. إنه العقل الذي يربط النظر بالفعل والمعرفة بالمسؤولية والحرية بالالتزام والتقنية بالقيم. ومن هنا تظل راهنيته مستمرة، لأنه يوفر للفكر المعاصر أدوات لمواجهة التحديات الكبرى، سواء كانت اجتماعية سياسية بيئية أو ثقافية، مع ضمان أن تظل الحداثة صالحة للإنسان، لا مجرد أداة للتحكم فيه.

***

د. حمزة مولخنيف

تفكيك أبعاد الهيكلية الرأسمالية والوجود المتخلخل

في مفهوم الأزمة الوجودية المركبة

لم يعد ممكناً في حقل الفلسفة السياسية المعاصرة أو الاقتصاد السياسي، مقاربة أزمات "الدول المتخلخلة" وهو التعبير الأكاديمي لما كان يُعرف بدول العالم الثالث أو الأطراف، بمعزل عن التحولات البنيوية الجوهرية في الرأسمالية العالمية. هنا لا نتحدث هنا عن مجرد "فقر" مادي أو "فساد" إداري فحسب، بل بصدد أزمة وجودية تضرب عمق الكينونة الإنسانية في هذه المجتمعات.

إن التحول من النيوليبرالية المتوحشة إلى ما يُصطلح عليه بـ "الإقطاع الرقمي"، لم يعد يكتفي بانتزاع فائض القيمة الاقتصادي (وفق التحليل الماركسي الكلاسيكي)، بل تجاوز ذلك إلى ممارسة ما يمكن تسميته "التلاعب الوجودي" أي إعادة هندسة وعي الإنسان، وزمانه، وعلاقته بذاته وبالآخر، بل وبالمقدس، بما يخدم استدامة الهيمنة، انطلاقا من فرضية مؤداها أن "الرخاوة" في بنية الدولة ليست خللاً طارئاً، بل هي الشرط الضروري لتمكين الرأسمالية المعولمة من ممارسة هذا التلاعب. في هذه البيئة "الرخوة"، تتحلل المؤسسات الصلبة (الدولة، العائلة، النقابة) لتفسح المجال أمام "سيولة" مدمرة (بتعبير زيجمونت باومان) تجعل الفرد أعزلاً أمام طغيان السوق والصور الرقمية. وهو كشف في تحولات "المواطن" إلى "مستهلك قلق" أو "منتظِر أبدي"، وكيف تتحول الهوية إلى "سلعة"، مستعينين بترسانة مفاهيمية تمتد من فينومينولوجيا ليفيناس وسارتر، مروراً بنقد الاقتصاد السياسي لسمير أمين، وصولاً إلى البدائل الأخلاقية.

ميتافيزيقا التلاعب الوجودي: من ترويض الأجساد إلى هندسة الأرواح

يُعد مفهوم "التلاعب الوجودي" حجر الزاوية في فهم آليات الهيمنة الجديدة. وخلافاً للتلاعب "الشامل" الذي تفترضه الحتميات المادية، فإن التلاعب الوجودي يستهدف نطاقاً محدداً من الفاعلية، حيث يتم التدخل في الشروط القبلية للاختيارات الحرة والمسؤولية الأخلاقية. يُنظر إلى الفاعلين الخاضعين لهذا النوع من التلاعب فلسفيًا على أنهم "منقوصو الحرية"، لا لأنهم مُجبرون قسراً، بل لأن خياراتهم تنبع من سياق صُمم مسبقاً لتوجيه "القصدية" نحو مسارات محددة.

يمكن تتبع الجذور الفلسفية لهذا المفهوم في نقد إيمانويل ليفيناس للأنظمة الشمولية. يشير ليفيناس إلى أن الهيمنة لا تعتمد فقط على القوة الغاشمة، بل على "إغراء أنطولوجي" يستغل حالة "التشرد المتعالي" للإنسان الحديث في المجتمعات المتخلخلة، حيث تتآكل الروابط التقليدية، ينشأ فراغ روحي تتدخل الرأسمالية لملئه بوعود زائفة عن "الأصالة" عبر الاستهلاك. إنها تستثمر في "العجز المجتمعي" لتقديم السوق كبديل لليقين المفقود، دافعةً الأفراد نحو "عدمية أخلاقية" تبرر الوسائل بالغايات، على حد تعبير ألبير كامو.

تسليع الذات: الفينومنولوجيا في خدمة السوق

تنتقل آليات الهيمنة من المستوى الكلي إلى الفردي عبر "تسليع الذات". في ظل النيوليبرالية، لم تعد السلعة موضوعاً منفصلاً عن الذات، بل أصبحت الذات نفسها مشروعاً استثمارياً. وتُظهر الدراسات النقدية كيف أن منطق الطبية الحيوية يحوّل الرعاية النفسية إلى سلع تهدف إلى "صيانة" الأفراد ليعودوا مستهلكين منتجين، متجاهلة الجذور الاجتماعية لمعاناتهم.

تحلّل الفينومنولوجيا هذه الظاهرة عبر مفهومي "القصدية" عند هوسرل و"نظرة الآخر" عند سارتر. في فضاءات الاستهلاك المعاصرة، يتعرض الفرد لما يمكن تسميته "الشيئية المتبادلة". يتم الحكم على الكينونة بناءً على المظهر والقدرة الشرائية، مما يضع الفرد تحت ضغط هائل لـ "تعديل" ذاته لتلائم توقعات السوق. هذا الضغط يخلق تلاعباً وجودياً يشعر فيه الفرد، وخصوصاً الأجيال الرقمية، بأنه مراقب ومحكوم عليه باستمرار، مما يدفعه للانخراط في استهلاك تفاخري قسري لحماية كينونته من التلاشي تحت "نظرة الآخر".

 الدولة الرخوة: من التخطيط إلى السمسرة

على مستوى الاقتصاد السياسي، استعار الاقتصادي المصري جلال أمين مصطلح "الدولة الرخوة"" من غونار ميردال، لتوصيف التحولات البنيوية في الدول العربية منذ حقبة الانفتاح. الدولة الرخوة هنا ليست بالضرورة "فاشلة" أمنياً، بل قد تكون قمعية، لكنها "رخوة" في التزامها بالقانون والصالح العام.

تتجلى هذه الرخاوة في:

الفجوة بين التشريع والتنفيذ: حيث يطبق القانون بانتقائية، مما يخلق بيئة من "اللايقين" تدفع المواطن للاحتماء بشبكات الزبونية.

الفساد الممنهج: حيث يتحول الفساد من انحراف سلوكي إلى "نظام" تشغيلي للدولة، مما يؤدي إلى تآكل النسيج الأخلاقي.

تآكل السيادة الاقتصادية: تخلي الدولة عن التخطيط التنموي المستقل لصالح الرأسمالية الكومبرادورية (الوسيطة).

 قانون القيمة المعولم وتعميق التخلف

يؤطر سمير أمين هذه الحالة ضمن نظريته حول "التبادل غير المتكافئ". يرى أمين أن الرأسمالية نظام استقطابي بطبيعته، يفرض عبر "قانون القيمة المعولم" استنزافاً للأطراف (الجنوب) لصالح المركز (الشمال). لا يتوقف هذا الاستنزاف عند الموارد، بل يمتد ليشمل "الاستلاب الثقافي"، حيث تُدمّر البنى الإنتاجية المحلية لصالح نمط استهلاكي مشوّه، مما يخلق نخباً معولمة تعيش في فقاعات منعزلة عن واقع الغالبية المسحوقة.

السيولة والقبائلية الجديدة

في ظل هذه "الحداثة السائلة"، يعيش مواطن الدول المتخلخلة حالة من "انعدام الأمن الوجودي". وكرد فعل دفاعي على هذه السيولة، يلجأ الأفراد إلى ما أسماه باومان ومافيزولي "القبائلية الجديدة" في سياقات متعددة، لا يُعد تصاعد الهويات الطائفية مجرد عودة للدين، بل استراتيجية بقاء في ظل "رخاوة" الدولة. تعمل الطائفة هنا كشبكة حماية بديلة توفر ما عجزت عنه الدولة، بينما يستخدم "أمراء الطوائف" هذا الانقسام كدرع ضد نشوء وعي وطني أو طبقي جامع.

الإقطاع الرقمي وتلعيب العنف

تتوج هذه البنية بظهور "الإقطاع الرقمي"، حيث تمتلك المنصات التكنولوجية "الأرض" (الخوارزميات)، بينما يعمل المستخدمون كـ “أقنان" جدد يقدمون بياناتهم مجاناً. وفي الدول المتخلخلة، يصبح "الهروب الرقمي" ملاذاً للشباب المحبط. والأخطر هو استغلال الجماعات المتطرفة لهذا الفراغ عبر تلعيب العنف"" حيث تُستخدم آليات الألعاب لتجنيد الشباب، محولة الصراعات الدموية إلى "مغامرات" تمنح إحساساً زائفاً بالبطولة والمعنى.

خاتمة

إن تحليل انعكاسات البنية الرأسمالية في الدول المتخلخلة يكشف عن نظام "كلياني" ناعم، يجمع بين صلابة الاستغلال الاقتصادي وسيولة التلاعب الوجودي. في هذا السياق، يصبح الإنسان محاصراً بين مطرقة الحاجة وسندان الاغتراب. إن المخرج من هذا المأزق يتطلب، كما تشير المقاربات الأخلاقية (مثل الائتمانية عند طه عبد الرحمن أو الفاعلية عند فانون)، مقاومة لا تكتفي بالبعد الاقتصادي، بل تؤسس لـ “ثورة في المفاهيم" تستعيد حق الإنسان في تعريف وجوده بعيداً عن إملاءات السوق.

***

غالب المسعودي

........................

قائمة المراجع

Levinas, Emmanuel. Humanism of the Other. Translated by Nidra Poller. Urbana: University of Illinois Press, 2003. (See also: Discussion on Levinas and Camus in Continuum Studies in Continental Philosophy).

Amin, Galal. Whatever Happened to the Egyptians? Changes in Egyptian Society from 1950 to the Present. Cairo: American University in Cairo Press, 2000. (Reference to "The Soft State").

Amin, Samir. The Law of Worldwide Value. Translated by Brian Pearce and Shane Mage. (“The Law of Worldwide Value – Marx & Philosophy Society”) New York: Monthly Review Press, 2010.

Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press, 2000.

Creary, M., et al. "Being-with-staff-in-a-technology-enabled-fashion-store." NTU Institutional Repository, Nottingham Trent University. Accessed December 28, 2025. http://irep.ntu.ac.uk/id/eprint/example.

Hanna, Nathan. "Defusing Existential and Universal Threats to Compatibilism: A Strawson and Dilemma for Manipulation Arguments." ResearchGate. Accessed December 28, 2025.

https://www.researchgate.net/publication/example.

Sartre, Jean-Paul. Being and Nothingness: An Essay on Phenomenological Ontology. Translated by Hazel E. Barnes. New York: Philosophical Library, 1956.

American Philosophical Association. "2022 Eastern Division Abstracts." APA Online. Accessed December 28, 2025. https://www.apaonline.org.

بوزيان، عبد القادر. "من الانغلاق إلى الانعتاق في الفلسفة الغربية: الذات

(The Self)." ASJP. Accessed December 28, 2025. https://www.asjp.cerist.dz.

مقدمة: هربرت ماركوز (1898-1979)، أحد أبرز أعضاء مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، يمثل صوتاً راديكالياً في الفلسفة الاجتماعية النقدية، حيث يجمع بين الماركسية، التحليل النفسي الفرويدي، والفينومينولوجيا لنقد الهيمنة في المجتمعات الصناعية المتقدمة. فلسفته تتركز على مواجهة "الفاشية الجديدة"، التي ليست مجرد إعادة للفاشية التاريخية (كالنازية)، بل شكل معاصر يتجلى في الإدارة الشمولية والقمع الخفي داخل الديمقراطيات الرأسمالية. في هذا السياق، يبرز التوتر بين "اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد" في الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية، كما في كتابه الشهير الإنسان ذو البعد الواحد (1964)، وبين "إيروسية البعد الجمالي" كوسيلة تحررية، مستمدة من الإيروس والحضارة (1955) ومقالة في التحرر (1969). هذه الدراسة تهدف إلى استكشاف هذا التوتر بشكل موسع، مستندة إلى النظرية النقدية لماركوز، مع التركيز على كيفية استخدام الجماليات والإيروس لمواجهة الاغتراب والفاشية. سنبدأ بالسياق الفلسفي، ثم ننتقل إلى تحليل الاغتراب، مروراً بمواجهة الفاشية، لنختم بدور البعد الجمالي والإيروس.

السياق الفلسفي: النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت

تنبع فلسفة ماركوز من مدرسة فرانكفورت، التي أسسها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، والتي تهدف إلى نقد الهيمنة الرأسمالية من خلال دمج الماركسية بالتحليل النفسي والفلسفة الهيغلية. فر ماركوز من ألمانيا النازية عام 1933، مما شكل تجربته الشخصية في مواجهة الفاشية، حيث عمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية لتحليل النزعات الفاشية. في كتابه تكنولوجيا، حرب، وفاشية (1998، نشر بعد وفاته)، يرى ماركوز الفاشية كنتيجة للرأسمالية المتأخرة، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للقمع الشمولي.  يعتمد ماركوز على مفهوم "التنوير كخدعة" من أدورنو وهوركهايمر، لكن يضيف بعدًا تحرريًا من خلال الإيروس، مستلهما فرويد، حيث يرى في الغرائز الإنسانية (الإيروس كغريزة الحياة مقابل الثاناتوس كغريزة الموت) إمكانية لمجتمع غير قمعي. هذا السياق يجعل فلسفته نقدية اجتماعية، تركز على "الرفض الكبير"ضد الواقع القمعي، خاصة في حركات الستينيات التي أثر فيها ماركوز كـ"أب اليسار الجديد".  الفاشية الجديدة، حسب ماركوز، ليست عودة للنازية بل شكل معاصر يتجلى في "التسامح القمعي" ، حيث تسمح الديمقراطية بالقمع تحت ستار الحرية.

اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد في الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية

في الإنسان ذو البعد الواحد، يصف ماركوز كيف تحول الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية الإنسان إلى كائن أحادي البعد، يفقد قدرته على التفكير النقدي والثوري. الاغتراب هنا مستمد من ماركس (في مخطوطات 1844)، حيث يصبح العمل أداة للاستلاب، لكن ماركوز يوسعه إلى الاستهلاك: "في ظل الرأسمالية المتقدمة، يصبح الإنسان يرغب في ما يُفترض أن يرغبه".  هذا الاغتراب ينتج عن "القمع الفائض"، الذي يتجاوز القمع الضروري للحضارة، مما يجعل الإنسان يتطابق مع نظام يستغله. في المجتمع الاستهلاكي، تُسوى التناقضات الاجتماعية (مثل الغنى مقابل الفقر) عبر السلع، مما يولد "حرية غير حرة، سلسة، معقولة، ديمقراطية".  الإنسان ذو البعد الواحد يفقد البعد الثاني (النقدي)، حيث تتحول الثقافة إلى صناعة تروج للاستهلاك، مما يعزز الاغتراب الاجتماعي والنفسي. هذا الاغتراب يمهد للفاشية الجديدة، حيث تصبح الإدارة الشمولية شكلاً من أشكال الهيمنة غير الشخصية: "مع عقلنة الجهاز الإنتاجي... يصبح كل هيمنة شكلاً من أشكال الإدارة". في هذا السياق، يرى ماركوز أن الرأسمالية الاستهلاكية تخلق "مجتمع مُدار بالكامل"، حيث يفقد الإنسان قدرته على التمرد، مما يشبه الفاشية في قمع الوعي النقدي.

مواجهة الفاشية الجديدة في فلسفة ماركوز

ترى فلسفة ماركوز الفاشية الجديدة كامتداد للرأسمالية، حيث تتحول التكنولوجيا والإعلام إلى أدوات للقمع الخفي. في تكنولوجيا، حرب، وفاشية، يحلل ماركوز كيف أعد النازية للفاشية من خلال الاقتصاد الآلي، لكن في العصر الحديث، تظهر الفاشية في "الديمقراطية غير الحرة"، حيث يُستغل الإحباط الشعبي لدعم أنظمة استبدادية (كما في صعود اليمين المتطرف في الولايات المتحدة أثناء عهد نيكسون).  الفاشية الجديدة تستفيد من الاغتراب ذي البعد الواحد، حيث يصبح الإنسان عرضة للدعاية، كما في "التسامح القمعي" الذي يشرعن القمع تحت ستار التسامح. يدعو ماركوز إلى "الفكر السلبي" كأداة لكشف التناقضات، حيث يرى أن الفاشية تستغل الغرائز المكبوتة لتعزيز الولاء للنظام. في نحو نظرية نقدية للمجتمع (نحو نظرية نقدية للمجتمع، 1969)، يحذر ماركوز من أن الرأسمالية تعد لفاشية جديدة من خلال الاقتصاد الآلي والإعلام، مما يجعل الثورة ضرورية لاستعادة الوعي النقدي.  هذه المواجهة تتجاوز السياسي إلى النفسي، حيث يربط ماركوز بين القمع الاجتماعي والنفسي، معتبراً أن الفاشية تحول الغرائز إلى أدوات للهيمنة.

إيروسية البعد الجمالي كوسيلة للتحرر

مقابل الاغتراب، يقدم ماركوز "البعد الجمالي" و"الإيروس" كأدوات تحررية. في الإيروس والحضارة، يرى أن الإيروس (غريزة الحياة) يُقمع في الحضارة لصالح "مبدأ الأداء"، لكن يمكن تحريره لخلق مجتمع غير قمعي. "أيديولوجيا الندرة" تخفي الوفرة، مما يفرض عملاً غير ضروري.  البعد الجمالي، في البعد الجمالي (1978)، يخلق "مساحات نقدية" حيث يعبر الفن عن حقائق ثورية: "الفن كفن يعبر عن حقيقة... ضرورية للثورة". ان الإيروسية هنا تعني دمج الرغبة بالعقل في "عقلانية الإشباع"، مما يواجه الفاشية بإعادة تشكيل الذاتية. في مقالة في التحرر، يدعو إلى "حساسية جديدة" مستلهمة من حركات الستينيات، حيث يصبح الفن أداة للرفض الكبير، محولاً التكنولوجيا نحو الإشباع الإنساني. هذا البعد يواجه الاغتراب بإعادة الاغتراب عن الواقع القمعي، مما يفتح أفقاً لمجتمع تحرري يجمع بين الإيروس واللوغوس.

الرفض الراديكالي في مواجهة المجتمع الصناعي المتقدم

يشكل مفهوم "الرفض الكبير" محوراً أساسياً في فلسفة هربرت ماركوز (1898-1979)، أحد رواد النظرية النقدية في مدرسة فرانكفورت. يُعرف الرفض الكبير كفعل ثوري راديكالي يرفض الهيمنة الشمولية للمجتمع الصناعي المتقدم، الذي يُخفي قمعه تحت ستار الديمقراطية والاستهلاك. هذا المفهوم، الذي يظهر بشكل بارز في كتاب ماركوز الإنسان ذو البعد الواحد (1964)، ليس مجرد رفض سياسي بل هو نفي شامل للقيم والاحتياجات الكاذبة التي يفرضها النظام الرأسمالي، مما يفتح أفقاً لتحرير الغرائز الإنسانية وإعادة بناء مجتمع غير قمعي.  تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مفصل لهذا المفهوم، مستندة إلى سياقه الفلسفي، تعريفه، أبعاده النفسية والاجتماعية، تطبيقاته في الحركات الاجتماعية، والنقود الموجهة إليه. سنعتمد على أعمال ماركوز الرئيسية مثل الإيروس والحضارة (1955) ومقالة في التحرر (1969)، مع التركيز على كيفية تحول الرفض الكبير إلى أداة لمواجهة "الفاشية الجديدة" في العصر الحديث. كما يأتي مفهوم الرفض الكبير ضمن إطار النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، التي أسسها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، والتي تهدف إلى نقد الهيمنة الرأسمالية من خلال دمج الماركسية بالتحليل النفسي الفرويدي والفينومينولوجيا الهيغلية. فر ماركوز من ألمانيا النازية عام 1933، مما شكل تجربته الشخصية في مواجهة الفاشية، حيث عمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية لتحليل النزعات الفاشية.  في كتابه التكنولوجيا، الحرب، والفاشية (1998)، يرى ماركوز الفاشية كنتيجة للرأسمالية المتأخرة، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للقمع الشمولي. يعتمد ماركوز على مفهوم "التنوير كخدعة" من أدورنو وهوركهايمر، لكنه يضيف بعداً تحررياً من خلال الإيروس، مستلهما فرويد، حيث يرى في الغرائز الإنسانية (الإيروس كغريزة الحياة مقابل الثاناتوس كغريزة الموت) إمكانية لمجتمع غير قمعي.  نشأ الرفض الكبير من تجارب ماركوز في ألمانيا الويمارية، حيث أدى الانهيار الاقتصادي والأخلاقي بعد الحرب العالمية الأولى إلى صعود النازية، مما يعكس فشل اليسار في مواجهة الفاشية. في الإنسان ذو البعد الواحد، يتهم ماركوز الديمقراطيات الغربية بعد الحرب بإغلاق الخيارات الإنسانية الحقيقية من خلال إخفاء الهيمنة عبر الإيديولوجيا. تأثر ماركوز بـهيغل، ماركس، فرويد، وهايدغر، حيث يجمع بين الجدل الهيغلي (النفي الجدلي للواقع) والتحليل الماركسي للاغتراب، مع التأكيد على الجانب النفسي للقمع. هذا السياق يجعل الرفض الكبير رمزاً للسياسة في الستينيات، حيث أصبح ماركوز "أب اليسار الجديد"، مستلهماً حركات الاحتجاج ضد حرب فيتنام والرأسمالية. من الناحية الدلالية، يُعرف الرفض الكبير كرفض راديكالي للهيمنة في المجتمع الصناعي المتقدم، الذي يُوصف بأنه "أكثر أنظمة الهيمنة كفاءة"، بما في ذلك الديمقراطيات. إنه نفي للاحتياجات الكاذبة التي يفرضها النظام، مع الاعتراف بالفقر الروحي والسياسي حتى في أمريكا الغنية. يعتمد ماركوز على "التفكير السلبي" لتفكيك قبضة الهيمنة والاغتراب، مما يسمح باكتشاف الاحتياجات الحقيقية وتحرير "السلاسل الذهنية المزورة".  يشمل الرفض الكبير مجموعات متنوعة مثل "المهمشين والمضطهدين، العاطلين عن العمل، شباب الطبقة الوسطى البيضاء في اليسار الجديد، والطبقة السوداء السفلى، وجبهة التحرير الوطني في فيتنام، والثوار الكوبيين". من الناحية الإجرائية، يتجاوز الرفض الكبير الرفض السلبي إلى نفي جدلي ينفي "الواقع" (الظاهر) لتأكيد "الواجب" (الجوهر)، مطالبًا بتدمير الظروف الملموسة التي تحول دون الحرية. يعتمد على "القمع الفائض"، الذي يتجاوز القمع الأساسي الضروري للحضارة، مما يجعل الإنسان يرغب فيما يُفرض عليه. في المجتمع الاستهلاكي، تُحل التناقضات الاجتماعية عبر السلع، مما يولد "حرية غير حرة، سلسة، معقولة، ديمقراطية".  يفقد الإنسان البعد الثاني (النقدي)، حيث تتحول الثقافة إلى صناعة تروج للاستهلاك، مما يعزز الاغتراب الاجتماعي والنفسي. فلسفياً، يعتمد على هايدغر (السقوط في "الآخرين" اللامجهول)، هيغل (النفي الجدلي)، ماركس (الاغتراب عن العمل)، وفرويد (الإيروس مقابل الثاناتوس). يدعو إلى "حساسية جديدة" تعتمد على الجماليات والفن لكسر الاحتياجات الكاذبة، مما يجعل الرفض الكبير عملية تغيير وعي قبل الفعل الجماعي. لقد وجد الرفض الكبير تطبيقاته في حركات الستينيات، مثل الاحتجاجات ضد حرب فيتنام والرأسمالية، حيث أثر ماركوز في اليسار الجديد. في مقالة في التحرر، يدعو إلى "مسيرة طويلة" عبر الصراع الممتد، معتمداً على التحالفات بين المثقفين والطبقات المستغلة والمهمشين. الفن يلعب دوراً رئيسياً، حيث يُعد "الأكثر فعالية في إظهار التفكير السلبي"، كما في رفض الاستهلاك والتكنوقراطية.

معاصرًا، يُطبق المفهوم في حركات مثل "أوكيوباي وال ستريت" أو "بلاك لايفز ماتر"، حيث يُرى كرفض للرأسمالية الجديدة والعنصرية. في كتاب الرفض الكبير: هربرت ماركوز والحركات الاجتماعية المعاصرة (2017)، يُحلل كيف يساعد الرفض الكبير في فهم الاحتجاجات العالمية ضد النيوليبرالية، مع التركيز على "الجديد اليسار" في أوروبا وأمريكا.  كما يرتبط بالنضال البيئي، حيث يرفض استغلال الطبيعة كامتداد للقمع الرأسمالي. ومع ذلك، يُنتقد ماركوز لعدم توقعه رد الفعل اليميني، مثل صعود رونالد ريغان أو اليمين المتطرف في أوروبا. رغم أهميته، واجه الرفض الكبير نقوداً، مثل عدم تفاعل ماركوز مع الاعتراضات أو عدم تقديره لمرونة الرأسمالية، التي لم تنهار كما توقع. يُنتقد افتراضه بأن الرأسمالية أنهت الندرة، مع تجاهل الفجوات المتزايدة في الثروة. كما يُرى تناقض بين الإيروس والحضارة (التكنولوجيا كمحررة) والإنسان ذو البعد الواحد (التكنولوجيا كقمعية).  معاصرًا، يُعتبر إرث ماركوز محدوداً، حيث تركز اليسار على تعزيز الديمقراطية بدلاً من رفضها، لكن مفهومه يظل ذا صلة في مواجهة الأزمات مثل التفاوت الاقتصادي والتغير المناخي.

الخاتمة

في الختام، تمثل فلسفة ماركوز النقدية الاجتماعية مواجهة جذرية للفاشية الجديدة، من خلال نقد اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد في الرأسمالية الاستهلاكية، مقابل تحرير الإيروس والبعد الجمالي. هذا التوتر يعكس أملاً في الثورة، لكن يحذر من مخاطر الاندماج. الدراسات المستقبلية قد تستكشف تطبيقاته في العصر الرقمي، حيث تتجدد الفاشية عبر الإعلام الاجتماعي. يمثل الرفض الكبير عند ماركوز تحولاً في النظرية النقدية، من نقد الاغتراب إلى فعل ثوري يعتمد على الإيروس والجماليات لتحرير الإنسان من البعد الواحد. رغم النقود، يظل المفهوم أداة لفهم الحركات المعاصرة، مع الحاجة إلى تكييفه مع التحديات الرقمية والعولمية. الدراسات المستقبلية قد تستكشف دوره في الذكاء الاصطناعي والفاشية الرقمية. فمتى يتم تفعيل مسيرة الرفض العربي الكبير للاجتياح الصهيوامبريالي للعمق الاستراتيجي لحضارة أقرأ؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يعدّ (لودفيغ فيورباخ) (1804–1872) أحد أبرز الفلاسفة الألمان الذين مهدوا الطريق أمام التحول من "المثالية الهيغلية" إلى "المادية الإنسانية"، وقد شكلت فلسفته لحظة تمرد كبرى في الفكر الغربي، ليس بمعنى الفوضى أو الرفض العدمي، بل كفعل وعي نقدي ضد سلطة الميتافيزيقا والدين التي كبّلت الإنسان وأبعدته عن جوهره الحقيقي.

ينطلق (فيورباخ) من فكرة أن الدين هو إسقاط الإنسان لجوهره الخاص على موجود متخيل خارجي هو "الإله"، فالله عنده ليس كائناً منفصلاً عن الإنسان، بل هو صورة مثالية لإنسانيته، انعكاس لأمنياته وكمالاته التي لم يستطع تحقيقها. هذا الاكتشاف هو أول أشكال التمرد: أن يعي الإنسان أنه هو خالق معبوده، وأن المقدس ليس سوى انعكاس لجوهره الذاتي، هنا يتحول التمرد إلى فعل تحرر معرفي؛ إذ يتمرّد الإنسان على الوهم الديني الذي صادر وجوده، ويستعيد لنفسه القدرة على التفكير والفعل دون وساطة إلهية أو سلطة كهنوتية.

والتمرد عند (فيورباخ) لا يقف عند حدود الدين، بل يمتد إلى "الفلسفة الهيغلية" نفسها. فقد رأى أن (هيغل) جعل الفكر أو الروح هو الأصل، بينما الإنسان المادي الواقعي مجرد انعكاس له. فتمرّد (فيورباخ) على هذا المنطق المثالي، معلناً أن الإنسان الملموس، بلحمه ودمه، هو البداية والنهاية. وهنا ينتقل مركز الثقل من "الوعي المطلق" إلى "الوجود الإنساني الحسي"، لتصبح الفلسفة علماً بالإنسان لا بالروح.

وإن التمرد عند (فيورباخ) ليس هدماً لكل القيم، بل إعادة تأسيس لها على قاعدة إنسانية، فالإنسان هو المقياس الأعلى لكل قيمة، والعلاقة بين البشر هي جوهر الأخلاق. ومن هنا يرى أن الحب، لا الإيمان، هو الرابط الحقيقي بين الناس، وأن الدين الحقيقي هو حب الإنسان للإنسان، وبهذا يصبح "التمرد الفيورباخي" دعوة أخلاقية أيضاً: أن نكفّ عن عبادة الغيب، وأن نحول طاقتنا الروحية نحو خدمة الإنسان، لا نحو خدمة "الماوراء".

وبهذا، فتح تمرد (فيورباخ) الباب أمام فلسفات أكثر جذرية، مثل الماركسية والوجودية. فـ(ماركس)، مثلاً، استلهم منه فكرة "إعادة الإنسان إلى الأرض"، لكنه انتقده لأنه اكتفى بالتأمل النظري ولم يترجم تمرده إلى فعل اجتماعي. أما (نيتشه)، فقد واصل خط التمرد حتى إعلان "موت الإله"، مؤسساً بذلك لعصر الإنسان الخالق للقيم.

إن فلسفة التمرد عند (فيورباخ) ليست صرخة ضد الدين فحسب، بل ثورة في الوعي الإنساني. لقد أراد أن يعيد الإنسان إلى مركز الكون، وأن يحرره من الاغتراب الميتافيزيقي الذي صنعه بنفسه، فالتمرد هنا فعل حب للعقل وللإنسان، لا رفض للوجود، لأن (فيورباخ) كان يؤمن أن الإنسان، حين يتحرر من أوهامه، لا يفقد الإيمان، بل يعيد توجيهه نحو ذاته والآخرين.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

ربما من غير المدهش (وبغض النظر عن المشككين) ان الرواقية، التي هي احدى فروع الفلسفة القديمة الأكثر انحرافا وغرابة، يجب ان تجذب انتباه مثقفي أواخر القرن العشرين. حتى افلوطين تحدث عن الرواقية باعتبارها مختلفة جدا لدرجة يجب ان لا تُعد ابداً كجزء من الفلسفة اليونانية. تقليديا اعتُبرت الفلسفة تتجسد بافلاطون وارسطو، وطبقا لافلوطين، الفلسفة اليونانية في جانب، والرواقية في الجانب الآخر.

الوجودية الرواقية: بين الخاص والعام

العديد من المفكرين الاوربيين الحديثين اثاروا السؤال حول ما اذا كانت الرواقية تقدم نموذجا معاصرا لطريقة في الحياة وبنفس الوقت حياة ذات معنى – تقود للسعادة ووعي الذات. فوكو خصيصا اهتم بردم الفجوة بين مجالي المواطنة الخاص والعام من خلال السؤال حول ما اذا كانت علاقات المرء مع ذاته (السؤال المركزي في الفلسفة الرواقية الكلاسيكية) يمكن ان تعمل في نفس الوقت كتكنيك لتحسين الذات وأيضا كممارسة سياسية للمقاومة. طريقة فوكو في الحياة سُميت parrhesia او الحديث الشجاع، والذي يشير الى بطولة فعل التحدث بالحقيقة للسلطات بالإضافة كنوع من أسلوب حياة يمكن ان يزيد سعادة المرء. انها تتضمن الاستمتاع بالذات والاهتمام بشؤون المرء اليومية. انها تنطوي على فلسفة العناية بالذات وأيضا طريقة لممارسة العدالة. يمكن للمرء العناية بذاته وبأصدقائه وعائلته من خلال المصداقية الشجاعة، ويمكن للمرء وبنفس المقدار، ان يستعمل شجاعة الحديث كشكل من التمرد ضد الوضع القائم غير العادل.

 يجادل سارتر وبموقف نقدي، ان الرواقية رغم تركيزها على "الحرية المطلقة" والانسحابات الشخصية، يمكن تسخيرها كقوة تساعد في احتضان طريقة عيش أصيلة. عمل سارتر المبكر كان اكثر تسامحا تجاه العقيدة الرواقية، لكن لاحقا اثناء عمله المهني، قرر ان معظم الفلسفة الرواقية كان أيديولوجية للإنفكاك والسلبية والايمان السيء. المبدأ الرواقي الشهير المتعلق بأهمية قول الاختلاف بين ما يعتمد علينا وما لا يعتمد هو ليس صحيحا تماما. ما يبدو من اول وهلة خارجا عن سيطرتنا، كما ينصح الرواقيون، يتبيّن انه شيء يجب ان نواجهه وننخرط به.

دولوز يخصص جزءا من انطولوجيته من خلال تأسيسه على الميتافيزيقا الرواقية. دولوز كان مولعا جدا بالأخلاق الرواقية، وبعض الباحثين اعتقد ان الموقف الأخلاقي الوحيد الجدير بالتقدير هو الموقف الرواقي. ان الموقف المادي في الفلسفة الرواقية يسمح لدولوز بصياغة "اخلاق بدون مبادئ"، أي، موقف أخلاقي نحو الحياة لا يرتكز على دوغما او أي مبادئ متعالية. الاخلاق في رواقية ديلوز الجديدة هي برجماتية مرتكزة على أحداث مباشرة وتجارب معطاة. الاخلاق ملازمة للظروف.

العديد من الباحثين يجادلون ان رواقية دولوز هي رواقية "غير منتهية الصلاحية" تختلف كليا عن الشكل الأصلي. دولوز اشتهر بقراءة الفلاسفة بطريقة تحويلية للغاية. البعض يجادل ان الفلسفات التقليدية حالما تُفسر وفق الطراز الدولوزي، ستحمل القليل من الشبه بذاتها. دولوز ذاته لم ينكر هذا ابدا. هدفه لم يكن الوصول الى "جوهر"، المركز الباطني، او معنى أساسي للعمل الفلسفي وانما ليستخلص منه شيئا جديدا وهاما مع إضافة الحياة والحيوية لأفكاره. التصور الرواقي للحرية، مع انه محدود جدا، هو مع ذلك معقد في مجاله التطبيقي. هو تصوّر حر فقط في قبول او رفض الانطباعات التي تكشفها الطبيعة والوعي. ما نستطيع التحكم به هو كيف نستجيب لما هو خارجي، وليس الخارجي ذاته. الهدف من الانضباط الرواقي هو تحقيق هدوء روحاني.

دولوز يعدّل الموقف الرواقي عبر إضافة عنصر تجريبي. تمارين دولوز الروحية، بصرف النظر عن مساعدتها للفرد في إدارة العواطف والتحكم بها، تسمح له بتكثيف وزيادة كفاءته الإيجابية. لذلك فان مختلف التقنيات تُوجّه بهدف إزاحة الفرد عن مركزيته واكتشاف طرق اخرى جديدة للوجود والتغيير. المحللة النفسانية، الكاتبة والمنظّرة الثقافية جوليا كرستيف Julia Kristeve تقدم تحليلا مقنعا ونقدا للأخلاق الرواقية. تركز كرستيف بشكل أساسي على الفلسفة الرواقية للّغة لتوضيح موقفها. طبقا للرواقية، الكلمة لا تشير الى شيء، اللغة لا تشير الى شيء حقيقي. بل، ان الشكل المكتوب، الجملة، يتم تنسيقهما مع انطباعات الذهن. ان الانطباعات التي نتلقاها من الأشياء هي بدورها تُسمى من جانب دولوز و كرستيف كأحداث. الشخص اما يقبل او يرفض الحدث، وبذلك يمارس حريته. وبالمقارنة، الإشارة المكتوبة، بشكل افتراضي، يمكن استخدامها لتؤدي تحليلات منطقية واستنتاجات، والوصول الى حقائق تفيد صحة الروح.

وبهذا فان المنطق وعلم النفس متداخلان بعمق. لكي نشعر بالراحة، نحن يجب ان نفكر بوضوح، ولكي نفكر بوضوح يجب ان نتصرف وننظّر منطقيا. الهدف هو الوصول الى توازن ذهني مفضل يمكنه إزالة القلق والتأملات غير الضرورية. نحن نستطيع تحقيق هذا عبر فصل ما نستطيع التحكم به عن ذلك الذي لا نستطيع، وبدلا من الرغبة بوقوع أحداث، نحن يجب ان نرغب في الأحداث التي تقع فعلا.

يجب على المرء ان يتماشى مع شبكة سببية عالمية وحتمية تنشأ من إله ينظّم كل الطبيعة. طبقا لعلم الكون الرواقي، ومن خلال الرغبة بوقوع الاحداث، يتعلم المرء التواضع والصمود والإمتنان. المرء يفكر ويتصرف طبقا للطبيعة، يبقى صادقا مع نفسه في الإمتثال لرغبة الله. هذا يفسر كيف يحقق الشخص الرواقي الحرية: ليس بالخروج من سلسلة الأحداث الحتمية (وهو امر مستحيل) وانما من خلال الاختيار الواعي لما لا مفر منه. لهذا، الحرية لا تتحقق عبر اختراق سلسلة الأسباب والنتائج وانما عبر رفض الانجرار وراء القدر بطريقة لا تليق به.

نظرا لتأثره الكبير بفوكو، يقدم الفيلسوف الإيطالي جورجية أغامبين Giorgio Agamben تفسيره الخاص للسياسة الحيوية biopolitics (إدارة الحكومة للناس كوحدات بايولوجية) والرواقية وعلاقتهما التاريخية. كما بالنسبة لسارتر وكرستيف، يخفي اغامبين مشاعره المتناقضة نحو المُثل الأخلاقية للرواقية. بالنسبة لأغامبين، لعبت الرواقية دورا هاما في إعادة تشكيل فكرة السيادة sovereignty .على الجانب النقدي، اغامبين يفهم النظرية الرواقية للعناية الإلهية كنوع من أداة تُستخدم لشخصنة، او بكلمة أخرى تحديد أنواع معينة من الأشخاص – وتحديدا، افراد يمكن حكمهم. الاخلاق الرواقية وعلم الكون يأتيان مجتمعان كآلية للتحكم، نموذج قديم للحوكمة. مرة أخرى، مشكلة اللغة تُجلب الى الصدارة. وجود اللغة، اللغة ذاتها، تبقى غير قابلة للتعبير عنها في اللغة. ما لايقال في اللغة هو وجود اللغة ذاتها. اللغة التي يتم التأمل فيها ككل هي مستحيلة، لغز لا يمكن قوله.

في محاولته معالجة لغز اللغة وآثاره المرعبة يلجأ اغامبين الى الرواقية. اللغز الساحق للّغة ونزعتنا الغريبة لنكون مطلعين بلا وعي على حدّها الغريب هو حسب العديد من المفكرين (فيتغنشتاين، هايدجر، اغامبين وغيرهم) يميل لإثارة قلقنا. انه المبدأ الكوني Logos بكل عظمته المتواضعة الذي يجبر العواطف على الظهور. ان وفرة اللغة تشير الى وفرة الحياة وحدودها الطبيعية: الموت. تقدم الرواقية مختلف التمارين الروحية لكي نصبح واعين بنزعة الذهن اللاعقلانية لمحاولة فهم اللغة والعالم ككل. تستخدم الرواقية اللغة ذاتها كمصحح للّغة. هذه هي الوظيفة العلاجية. إجعل الذهن ضمن حدوده الطبيعية وامنعه من الموافقة على الأهواء والعواطف اللاعقلانية الناتجة عن الوجود نفسه، والميل الغريزي لفهم هذا الوجود للّغة ذاتها. بيير هدوت Pierre Hadot باحث في الفلسفة القديمة يحظى بإشادة واسعة. هو عادة يُذكر الى جانب ميشيل فوكو نظرا لإهتمامه بالفلسفة القديمة كأسلوب حياة عملي وملموس. كل من هدوت وفوكو كانا منشغلين في دراسة التمارين الروحية او تقنيات الذات، خاصة عندما تتعلق بالرواقية القديمة. لذلك، فان الرواقية كطريقة في الحياة، احدى أهم المشاريع الرئيسية التي سخر لها هدوت كل حياته.

نقطة أخرى مشتركة بين هدوت و فوكو و دولوز أيضا، هي طريقة قراءة النصوص الفلسفية (القديمة وغيرها) التي تضمنت استيعابا راديكاليا وجوديا لمبادئها. كل من هودت وفوكو سعيا الى استخلاص تجربة من عمل فلسفي. هما سعيا لبيان كيف يمكن للمرء احياء نظام فلسفي، ليس فقط كنظام، شكلية فارغة، او مجرد بناء نظري، وانما ليبيّن كيف يمكن للمرء ان يعيش الفلسفة قيد الشأن.

كما بالنسبة لأغامبين، هودت كان متأثرا بعمق بعمل فيتغنشتاين اللاحق. عمل فيتغنشتاين اللاحق ركز على المظهر البراجماتي للّغة. اللغة كشكل من الحياة يتفوق على اللغة كنظام منطقي. فكرة هودت للتمارين الروحية كانت، بهذا المعنى، متأثرة بعمق بمفهوم فيتغنشتاين لألعاب اللغة. يقدم هودت قراءة أصلية منقطعة النظير للفلسفة القديمة عبر السعي لإنعاش وإعادة بناء الظروف المادية والبرجماتية للحياة التي سمحت بظهورها. خلافا للتحليلات الاكاديمية التقليدية، يقدم هودت للقارئ تجربة روحية وتحويلية يمكن بواسطتها للمرء تدريب نفسه ليعيش ويتصرف (بدرجة أقل او أكثر) كالرواقي. العديد من فروع علم النفس الحديث، مثل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) هي في الحقيقة تشبه التفسيرات المعاصرة لممارسات الرواقية القديمة.

The collector, Feb 18,2025

***

حاتم حميد محسن

 

البنية التحتية الرقمية كقدر تاريخي

في خضم التحولات الجيولوجية التي تشهدها البنية المعرفية للمجتمعات المعاصرة، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة "النماذج التافهة" التي باتت تتصدر المشهد، وتحديداً في مجالي الثقافة والعلم. إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل ما نراه هو مجرد تعبير مرضي عابر أم سلوكيات بنيوية متجذرة؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل سطحي للظواهر الفردية، بل يستدعي الأمر "حفرية فلسفية" عميقة وتاريخية؛ لأننا لا نقف أمام مجرد انحدار ذوقي أو فوضى معرفية عابرة، بل نقف أمام تحول جذري في نمط الإنتاج، حيث انتقلت الرأسمالية من مرحلتها الصناعية الثقيلة إلى مرحلة "الرأسمالية المعرفية"."

تنطلق فرضيتنا الأساسية من أن البنية التحتية للعصر الرقمي -المتمثلة في الخوارزميات، ومراكز البيانات، واقتصاديات المنصات- هي التي تفرز حتماً "بنية فوقية" ثقافية وعلمية تتسم بالتفاهة، والسطحية، والمحاكاة الزائفة. إن هيمنة "التافه" ليست خطأً تقنياً في النظام، بل هي شرط ضروري لعمله بكفاءة؛ ففي اقتصاد يقوم على استخلاص "القيمة الزائدة" من الانتباه البشري، يصبح العمق، والتعقيد، والجدل العلمي الرصين عوائق أمام سرعة دوران رأس المال.

وفقاً للمادية التاريخية الكلاسيكية لماركس، فإن "نمط إنتاج الحياة المادية يشترط عملية بناء الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عامة". ففي القرن التاسع عشر، تمثلت قوى الإنتاج في الآلة البخارية والمصنع، مما أنتج ثقافة الطبقة العاملة والبرجوازية الصناعية. أما اليوم، فقد تحولت قوى الإنتاج جذرياً لتصبح "رقمية". تتكون البنية التحتية الجديدة من شبكات الألياف الضوئية، والخوادم السحابية، والذكاء الاصطناعي، والأهم من ذلك: "البيانات الضخمة".

هذا التحول في "القاعدة" المادية يفرض تحولاً موازياً في "البنية الفوقية". فالخوارزميات التي تحكم منصات التواصل الاجتماعي ليست أدوات محايدة، بل هي تجسيد لأيديولوجية الربح وتراكم رأس المال، صُممت لهدف واحد: تعظيم "وقت البقاء على الجهاز" لزيادة التعرض للإعلانات واستخلاص البيانات السلوكية.

المصنع الاجتماعي والرأسمالية المعرفية

لقد توسع مفهوم "العمل" في عصر الرأسمالية المعرفية ليشمل الحياة الاجتماعية برمتها. يشير مفهوم "المصنع الاجتماعي" إلى أن الإنتاج لم يعد محصوراً في مكان العمل التقليدي، بل امتد ليشمل أوقات الفراغ والعلاقات الشخصية. عندما يقوم المستخدم بكتابة تعليق، أو مشاركة صورة، أو حتى التوقف لمشاهدة فيديو، فإنه يمارس -فعلياً- عملاً غير مأجور لصالح المنصة، حيث يولد "البيانات الخام" التي تُعد وقود هذا الاقتصاد الجديد.

اقتصاد الانتباه وندرة العمق

في ظل وفرة المعلومات، يصبح "الانتباه" هو السلعة النادرة. يعمل اقتصاد الانتباه وفق منطق الاستحواذ اللحظي؛ فالمحتوى العميق يتطلب استثماراً زمنياً وجهداً ذهنياً، وهو ما يتعارض مع سرعة التدفق المطلوبة في المنصات. لذلك، يتم "تسطيح" المحتوى ليكون قابلاً للاستهلاك الفوري دون تمحيص. يؤدي هذا إلى ما يمكن تسميته بـ "الإفقار الممنهج للمعنى"، حيث يتم تجريد المحتوى العلمي والثقافي من سياقه التاريخي والجدلي، ويُقدم كـ "كبسولات" معلوماتية معزولة، مما يحول المعرفة إلى مجرد "بيانات" فاقدة للروح.

 البنية الفوقية للتفاهة: مقاربة نقدية ثقافية

لعل أفضل توصيف لهذه الحالة هو ما صاغه الفيلسوف الكندي (آلان دونو) في كتابه "نظام التفاهة". يرى دونو أننا نعيش في مرحلة تاريخية لم تعد فيها السلطة بيد الأكفاء ولا بيد النخبة الأرستقراطية، بل بيد "التافهين" أو "متوسطي الحال". و"التفاهة" هنا لا تعني الغباء، بل تعني "الامتثال" للمعايير القياسية والابتعاد عن أي خروج إبداعي عن المألوف.

تشرح أطروحة دونو كيف أن المؤسسات الحديثة تفضل الأشخاص الذين ينجزون مهامهم دون التفكير في جوهرها أو غايتها. وفي وسائل التواصل، يتجسد هذا في "المؤثر" (Influencer) الذي يتقن أدوات المنصة وشكلياتها، لكنه يفتقر إلى أي عمق معرفي أو قيمي حقيقي. هذا النظام "الميديا قراطي" (حكم الرداءة) يقصي التفكير النقدي الجذري بشكل منهجي لأنه "مزعج" و"غير فعال" اقتصادياً؛ فالمحتوى الذي يتطلب تفكيراً عميقاً يعتبر "ضوضاء" في نظام مصمم للسلاسة، حيث يتم استبدال القضايا الجوهرية بـ "حلول سطحية" وشعارات شعبوية تداعب المشاعر بدلاً من العقل.

وفي عالم المحاكاة، تفقد العلامة ارتباطها بالواقع. فـ"العلم" على وسائل التواصل ليس تمثيلاً للعلم الحقيقي، بل هو "محاكاة" لجماليات العلم (معطف أبيض، أنابيب اختبار ملونة، موسيقى تشويقية) دون جوهر. أصبحت الصورة الرقمية (الخريطة) هي التي تحدد الواقع (الإقليم)؛ فالناس يعدلون أجسادهم وحياتهم لتشبه "فلاتر" سناب شات وإنستغرام. هذا الانفصال عن الواقع المادي يخلق بيئة خصبة لانتشار النماذج التافهة، حيث لا يوجد "واقع" صلب يمكن الاستناد إليه لدحض هذه التفاهة.

تسليع العلم والأزمة المعرفية

تحت ضغط "اقتصاد الانتباه"، يضطر العلماء والمبسطون العلميون إلى تحويل المعرفة إلى ترفيه اختزال النظريات المعقدة إلى "حقائق مدهشة" منزوع السياق، ويتم التضحية بـ "الشك العلمي" و"المنهجية" لصالح "اليقين" و"الإثارة".

 وهنا يظهر "مؤثرو العلوم" الذين يتقمصون دور الخبراء، مستخدمين لغة شبه علمية (مثل: "توازن الطاقة"، "الديتوكس"، "الترددات") لبيع أوهام ومنتجات تجارية. وأمام جمهور تم "تسطيح" وعيه النقدي، تتلاشى القدرة على التمييز بين العالِم الحقيقي والمحاكي.

مجتمع الاحتراق النفسي وفقدان السيادة على الذات

لم يعد النظام بحاجة لإجبارنا على العمل؛ لقد استبطنا نحن منطق الرأسمالية، وأصبحنا نستغل أنفسنا طواعية. كل مستخدم لوسائل التواصل هو "رائد أعمال ذاتي" يسعى لتسويق نفسه. هذا الضغط المستمر للظهور والإنجاز يؤدي إلى ما يسميه بيونغ-تشول هان "مجتمع الاحتراق النفسي". يطالب النظام بالشفافية المطلقة؛ حيث يجب أن نشارك مشاعرنا، صورنا، ولحظاتنا الخاصة، مما يجعل النفس البشرية قابلة للقياس، والتوقع، والتحكم الخوارزمي. وتأتي التفاهة هنا كـ "مخدر" ضروري لتهدئة الأعصاب المحترقة من فرط التعرض والشفافية.

يقدم (برنارد ستيغلر) التحليل المادي الأكثر دقة لهذه الحالة؛ فمثلما أدى التصنيع قديماً إلى "برلتة" العامل (تحويله إلى بروليتاريا فاقدة للمهارة)، تؤدي التكنولوجيا الرقمية اليوم إلى "برلتة الحساسية" والشعور. نحن نفقد المعرفة الحياتية والقدرة على العيش والتفكير بشكل مستقل. حلت الذاكرة الخارجية (الإنترنت) محل الذاكرة الداخلية، وحلت الخوارزميات محل الذوق الشخصي، فلم نعد نعرف كيف نختار فيلماً أو وجبة أو شريكاً دون استشارة التطبيق.

يؤدي هذا الاعتماد الكلي على الآلة إلى "بؤس رمزي" وفقر في القدرة على إنتاج الرموز والمعاني. يصبح المستخدم مجرد "مستهلك" للرموز التي تنتجها الصناعة الثقافية، وهذا هو "المرض" الحقيقي: عجز الذات عن التفرد والإنتاج الروحي.

خاتمة: نحو استعادة المعنى

إن "النماذج التافهة" ليست مجرد محتوى رديء؛ إنها السلاح الأيديولوجي للرأسمالية المتأخرة، والوسيلة التي يتم بها تدجين الوعي، وتفتيت التضامن الاجتماعي، وتحويل المواطنين إلى مستهلكين سلبيين للصور. إن مواجهة هذه التفاهة لا تكون فقط بـ "نشر الوعي"، بل بنضال سياسي وتقني لاستعادة ملكية "وسائل الإنتاج التواصلي"، وإعادة تصميم البنية التحتية الرقمية لتخدم "القيمة الاستعمالية" للإنسان، لا "القيمة التبادلية" لرأس المال. إنها معركة من أجل "إعادة سحر العالم" بالعلم الحقيقي والثقافة الحية، ضد "تصحر المعنى" الذي تفرضه الخوارزميات.

***

غالب المسعودي

........................

قائمة المراجع والمصادر المقترحة

Deneault, Alain. Mediocracy: The Politics of the Extreme Centre. (الترجمة العربية: "نظام التفاهة"، دار سؤال للنشر).

Han, Byung-Chul. The Burnout Society. (الترجمة العربية: "مجتمع الاحتراق النفسي"، دار معنى).

Stiegler, Bernard. (أعمال متفرقة حول "برلتة الحساسية" والتكنولوجيا).

Marx, Karl. Capital: A Critique of Political Economy. (رأس المال).

ثانياً: الأوراق البحثية والمقالات (References):

Busk, L. A., & Portella, E. (n.d.). "The Contradiction between Use-Value and Exchange-Value". Scholars Junction, Mississippi State University.

Columbia Law Review. (2019). "Valuing Social Data". Retrieved from columbialawreview.org.

EBSCO Research Starters. "Marx and Historical Materialism".

IDEALS (Illinois Digital Environment for Access to Learning and Scholarship). "The Power of Knowledge, Objectified: Immaterial Labor, Cognitive Capitalism, and Academic Librarianship".

Liberation School. "The base-superstructure: A model for analysis and action".

في رحاب الفكر الإنساني تتعالى أسئلة لم تفارق العقل منذ انبثاق الوعي على ذاته: ما طبيعة المعرفة؟ هل هي مجرد رصيد من المفاهيم والأفكار، أم هي مسار وجودي لحركة داخلية نحو إدراك الذات والعالم؟ لقد شغلت هذه الإشكالية عقول الفلاسفة منذ سقراط، الذي لم يرَ الحكمة في التراكم المعرفي، بل في الحوار والبحث الدائم عن الحقيقة، إذ أعلن: «أنا أعلم أني لا أعلم»، دالا على أن حدود المعرفة ليست في الكم، بل في العمق، وفي تجربة الإنسان لذاته وللوجود.

إن النظر إلى المعرفة على أنها تراكم مفاهيمي يغفل جوهرها الأعمق: فهي ليست سلّة تحفظ فيها المفاهيم كما تُجمع البضائع، ولا سجلا يُرقم فيه المعارف، بل هي حركة حية، واستجابة للوجود وتجربة دائمة تُصقل روح المتلقي وتعيد تشكيل عالمه الداخلي. إذا كان كانط قد حدَّد المعرفة ضمن أطر العقل، فإن فهمه هذا وإن كان ثاقبا يبقى محصورا بما يمكن للعقل أن يحصره ويصنّفه، متناسياً أن المعرفة في جوهرها تجاور الحس وتختبر الحياة، وتستشعر العالم ليس بالقوانين المجردة فحسب، بل من خلال نبض التجربة الإنسانية نفسها.

ها هنا يتجلى الفرق بين تراكم المفاهيم وتجربة المعرفة: فالأولى تظل في مستوى الشكل، بينما الثانية تنبني في العمق، وتفتح أفقا لا نهائيا لتفسير الذات والعالم. كما يقول هايدجر: «الوجود يسبق الفهم»، أي أن الإنسان قبل أن يحوز على أي مفاهيم، يواجه العالم بوجوده الأصيل، ويعيش التجربة كما هي، ويختبر أبعادا لا تحتمل التحليل المفاهيمي وحده. المعرفة هنا ليست جمع معلومات، بل الانفتاح على ما هو متعذر إدراكه بالكلمة، على ما يفيض من معنى الحياة خارج قوالب الفكر الجامدة.

يمكن اعتبار تجربة المعرفة نوعا من الغوص في الذات، لا كمعجم من الحقائق، بل كرحلة استكشاف دائمة، رحلة تتسم بالغموض، وتتجاوز حدود اللغة والمنطق. كما قال ميرلو بونتي: «الجسد هو المكان الأول للمعرفة»، مشيرا بذلك إلى أن تجربة المعرفة تبدأ في التجربة الحسية والوجودية في لحظات التفاعل المباشر مع العالم، قبل أن تتحول إلى مفاهيم يُعاد ترتيبها وتحليلها. هذه الرؤية تضع المعرفة في قلب الوجود، لا كشيء خارجي يُضاف للروح، بل كنبض داخلي يعيشه الإنسان لحظة بلحظة.

لقد شكّل هذا التصور تحولا جذريا في فهم الإنسان لنفسه وعلاقته بالعالم. بينما يركّز التقليد على تراكم المفاهيم، يركّز الفكر الوجودي على اختبار المعرفة أولا، ثم إعادة صياغتها دوما في ضوء التجربة. التجربة ليست مجرد وسيلة للوصول إلى الحقيقة، بل هي الجوهر ذاته، تمنح المعنى لكل مفردة ولكل مفهوم، فتتحول المعرفة من فكرة إلى فعل وإدراك حي ووجود متألق في صميم الحياة.

ولا يمكن الحديث عن هذا التحول دون الإشارة إلى سقراط مرة أخرى، فهو يجسد الإنسان الباحث عن معرفة تتجاوز المفهوم الجامد، معرفة تُحفر في النفس قبل أن تُسجَّل على الورق، معرفة تُختبر في الحوار ومواجهة الذات، وفي التساؤل المستمر عن معنى العيش والعدل والجمال وعن الخير. هكذا تصبح المعرفة تجربة متصلة بالوجود، لا مجرد حصيلة عقلية، فتغدو حياة الإنسان نفسها انعكاسا لهذه العملية، حياة تحياها الروح قبل أن يعيها العقل.

يكتسب مفهوم الحكمة بعدا آخر، فهو لا يُحصر في تراكم المعلومات، بل في القدرة على تحويلها إلى تجربة، إلى إدراك يتجاوز الشكل، وإلى تفاعل مع الذات والعالم. وكما أشار نيتشه، فإن المعرفة بلا تجربة لا تعدو أن تكون قوةً ميّتة: «ما لا يقتلنا يجعلنا أعمق»، فالخبرة الحقيقية تأتي من مواجهة الحياة، من تجربة الألم والفرح والشك والدهشة، وكل ما يجعل الإنسان حاضرا في لحظة وجوده، حاضراً في صيرورة العالم نفسه.

تتضح خيوط هذه الفكرة حين نعي أن المعرفة ليست مجرد إضافة مفاهيمية، بل عملية وجودية وحركة مستمرة، وتجربة تصوغ الإنسان والعالم معا. إنها ليست ملكا للعقل وحده، بل امتداد للجسد والروح والتجربة الحية، لكل لحظة يختبر فيها الإنسان ذاته والعالم من حوله. وهنا يظهر جوهر التباين بين المعرفة التقليدية التي تسعى لتجميع المعارف، والمعرفة الوجودية التي تسعى لتجربة الحياة نفسها. الأولى تُسجل والثانية تُعاش. الأولى ثابتة والثانية متحركة حية، تنمو في صميم الوجود، وتتغير مع تغير الإنسان والعالم.

إن هذا المنظور يعيد تعريف المعرفة كحركة مستمرة، كإرادة متجددة للمعرفة الذاتية والوجودية، لا كحافظة للمعلومات. فالإنسان الذي يسعى للمعرفة كتجربة وجودية يعيش دائما بين السؤال والبحث، والشك والتجربة، وبين العدم والإمكان، ويعرف أن كل اكتشاف جديد ليس نهاية، بل بداية لفهم أعمق ورؤية أشمل وتجربة أوسع. نستحضر هنا هيغل، الذي رأى أن الفلسفة ليست مجرد تحليل للأفكار، بل حركة الروح نحو إدراك ذاتها، حركة متواصلة نحو تحقق الوعي، حيث تتحقق الحقيقة في صيرورة التجربة، لا في تراكم الكلمات والمفاهيم.

تتضح أهمية تجاوز البنى التقليدية للمعرفة. حين تُفهم المعرفة بوصفها تراكما مفاهيميا حيث تصبح جامدة عاجزة عن التقاط لحظات الوجود الحية. أما حين تُفهم بوصفها تجربة وجودية، فإنها تنبض بالحياة وتصبح مرنة متجددة، قادرة على مواكبة تحولات الذات والعالم، قادرة على إعادة تعريف الإنسان لنفسه في كل لحظة، وفي كل مواجهة مع الواقع.

إن المعرفة ليست أداة جامدة بل فعل حي وحركة مستمرة وتجربة وجودية تتجاوز حدود العقل والمنطق، وتختبر المعنى في أعمق أبعاده. وهي بذلك تصير جزءا لا ينفصل عن حياة الإنسان، جزءا من وعيه وشعوره وإدراكه ومن صيرورته في العالم. إنها تجسيد للحياة نفسها، وعنوان لكل سؤال يتردد في عمق الوجود ولكل لحظة تأمل ولكل تجربة حقيقية، حيث يلتقي الإنسان بالذات والعالم، ويتجاوز التراكم المفاهيمي ليصل إلى جوهر الحقيقة الحية.

إذا كانت المعرفة بوصفها تجربة وجودية تتجاوز التراكم المفاهيمي، فإن أفقها يتسع ليشمل الانفتاح على اللغة والجسد والزمان والوعي الذاتي، بحيث تصبح كل لحظة تجربة فردية حلقة متصلة في سلسلة من الوعي الذي يعي ذاته والعالم في آن واحد. فاللغة هنا ليست مجرد أداة لنقل المفاهيم، بل هي مكان التقاء الوجود بالوعي، حيث ستعتبر وسيلة لتأمل التجربة وتشكيلها في صورة يمكن للعقل أن يلتقطها، دون أن تحصر جوهرها الحيوي. كما لاحظ هايدجر: «الكلمة هي منزل الوجود»، فهي تعكس البنية العميقة للتجربة، لكنها لا تحتضنها بالكامل، إذ يظل جزء منها هاربا من اللغة، متجذرا في التجربة المباشرة وفي الصيرورة الحسية والوجودية للذات.

في هذا الإطار يكتسب الجسد بعدا معرفيا فريدا. حيث يرى ميرلو بونتي أن الجسد ليس مجرد أداة مادية للتحرك أو للتفاعل مع العالم، بل هو وسيط المعرفة الأول، إذ من خلاله تعيش الذات تجاربها وتختبر حدودها وقدرتها على فهم العالم. المعرفة من هذا المنحى ليست مجرد تصور عقلي، بل تجربة تنسج بين الإدراك الحسي والوعي الداخلي، وبين الحركة والتأمل والفعل والانفعال. كل شعور وتحسس، وكل إدراك لحركة العالم، وكل حضور للذات في الزمان والمكان، يضيف بعدا جديدا لمعنى المعرفة ويؤكد أن الحقيقة الحية لا تستقر في المفاهيم وحدها، بل تنبض في التجربة الحية التي تسبقها وتفوقها.

يظهر البعد الزمني للمعرفة كخبرة وجودية بجلاء. فالوعي بالزمن ليس مجرد قياس لحظات متتالية، بل إدراك للصيرورة المستمرة للذات في مواجهة العالم. كما يرى هايدجر، فالزمن أفق الوجود الذي يمكن الإنسان من فهم ذاته ضمن التجربة الحية، ومن إدراك المعنى المتغير لكل حدث ولشعور ولحظة في صيرورة الحياة. المعرفة هنا لا تُحفظ ولا تُسجَّل كما تُسجل السجلات الزمنية، بل تُختبر وتُعاش وتتحول مع مرور الزمن، فتتغير نظرة الإنسان للعالم ولنفسه ويكتشف أن كل معرفة جديدة ليست استكمالا للسابقة فحسب، بل إعادة صياغة للحياة نفسها وتجديدا لفهم الذات.

التجربة الوجودية للمعرفة تنطوي على مواجهة مستمرة مع الشك، فالمعرفة الحقيقية لا تتحقق إلا حين تتحدى الذات نفسها، حين تعيد النظر في مفاهيمها وأحكامها السابقة وتواجه العدم والفراغ واللامعنى، لتستخلص من هذه المواجهة معنى جديدا للحياة. كما قال نيتشه: «لا توجد حقائق، بل تفسيرات»، أي أن المعرفة ليست كشفا لمعلومة ثابتة، بل عملية مستمرة لإعادة تفسير الواقع والذات، وإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم في أفق دائم من الفهم المتغير والمتحول.

تتداخل عناصر التجربة الوجودية للمعرفة: الشك، التجربة، الزمن، الجسد، واللغة، لتخلق مساحة معرفية لا يمكن للعقل وحده أن يحصرها. المعرفة ليست ملكا للمنطق الصوري، ولا للمفاهيم المجردة، بل هي ملك للوجود ذاته، تجربة تتشكل في لحظة الإدراك، وتتحرك مع الصيرورة المستمرة للوعي. محاولة حصر المعرفة في تراكم المفاهيم تشبه محاولة حصر البحر في دلو، فهي تبقيها جامدة، بينما هي في جوهرها حركة تدفق وتجربة حية لا تنقطع.

ويبرز بعد أخلاقي للمعرفة، فهي مرتبطة بالمسؤولية والحرية وبالقدرة على الاختيار. الإنسان هنا لا يكتفي بأن يكون متلقِّيا للمفاهيم، بل يصبح فاعلا في بناء فهمه للعالم، مدركا أن كل تجربة تضيف له بعدا جديدا، وأن كل لحظة إدراك هي لحظة حرية ومسؤولية ومواجهة بين الذات والوجود. وكما قال سارتر: «الإنسان محكوم بالحرية»، أي أن المعرفة الوجودية تمنح الإنسان القدرة على إعادة صياغة ذاته باستمرار، وتضعه أمام مسؤولية دائمة عن فهمه وعلاقته بالعالم.

التجربة الحسية والوجدانية تلعب دورا محوريا، فهي أساس إعادة بناء المعنى. كما قال هيغل: «الروح تتحقق في صيرورة وعيها»، أي أن الإنسان يكتشف الحقيقة في تحركه داخل العالم وفي تفاعله مع الحياة، وليس في تراكم الأفكار فقط. كل شعور وتجربة ومواجهة تشكل نسيجا جديدا للمعرفة، تخلق سياقا فريدا للوجود وتفتح أبوابا لفهم أعمق للذات والعالم معا.

الخيال هنا ليس مجرد أداة للفكر، بل وسيلة لاستكشاف ما وراء الظاهر للغوص في أعماق التجربة، وللقاء المعنى في أبعاد يرفض العقل لمسها تقليديا. وكما قال كاسيرر: «الرمز هو لغة الروح»، أي أن القدرة على تصور ما هو غير مرئي، على تجربة ما هو مستحيل أو غير ملموس، توسع حدود المعرفة الحقيقية، وتجعلها تجربة متحركة، غنية، وعميقة.

المعرفة ترتبط ارتباطا وثيقا بالحرية، فالحرية ليست مجرد اختيار بين بدائل محددة، بل القدرة على مواجهة العالم، على إعادة صياغة الذات، على تجربة الحياة بأبعادها المختلفة، على الشك في كل ما هو مفترض، والتأمل في كل ما هو مألوف، وتجاوز قيود الفكر الجامد.

المعرفة كحركة نحو اللاحدود حين تتحول إلى تجربة وجودية تتجاوز أي حدود مسبقة، أي إطار مفاهيمي محدد، بمعنى تصنيف جامد. تتوسع مع توسع الوعي وتتغير مع تغير التجربة، وتتعمق مع مواجهة الذات والوجود، وتفتح آفاقا لا نهائية للتفسير والتأمل والفهم. نيتشه يشير هنا إلى السعي الدائم لتجاوز الذات، لتوسيع حدود الإدراك، لتجربة الحياة في أعمق أبعادها بعيدا عن أي قيود مفاهيمية أو عقلية.

المعرفة الوجودية متعددة الأبعاد: جسدية زمنية عاطفية لغوية روحية جماعية وخيالية. كل بعد يضيف طبقة جديدة للوعي، وكل تجربة تضيف معنى جديدا للوجود، وكل مواجهة مع الذات أو العالم تعيد تشكيل المعرفة نفسها. المعرفة ليست مجرد فكرة أو مجموعة مفاهيم، بل صيرورة حية وعملية مستمرة وتجربة لا تنتهي، وحركة ديناميكية تتفاعل فيها الذات مع العالم وتختبر فيها الروح حدودها، وتوسع أفق إدراكها للحياة وللوجود.

في هذه الصيرورة تصبح التجربة الوجودية للمعرفة تجربة للدهشة والريبة وللمساءلة الداخلية وللاكتشاف المستمر. فهي تجعل الإنسان حاضرا يقظا مدركا أن كل معرفة جزء من رحلة، وكل تجربة نافذة على معنى أوسع، وكل لحظة إدراك تحمل إمكانات لا حصر لها. المفارقة الجوهرية هنا، أن المعرفة الحقيقية ليست ما نحصل عليه بل ما نعيشه وما نختبره وما نصنعه في التجربة نفسها.

تصل المعرفة إلى أعمق مستوياتها حين تتحول إلى تجربة وجودية وحركة مستمرة وصيرورة تعيشها الذات مع العالم، حيث تصبح كل لحظة إدراك وشعور وتجربة وفعل، جزءًا من نسيج معرفي حي متجدد، لا يمكن اختزاله في مفاهيم جامدة أو تراكم معلوماتي. إنها المعرفة التي تلتقي فيها الفلسفة بالحياة، حيث يصبح السؤال والبحث والتجربة أداة للوجود، لفهم الذات وتجاوز حدود العقل والانفتاح على الوجود كما هو.

وعلاقة بما سبق يترتب عن هذا طرح سؤالين: هل المعرفة بوصفها تجربة وجودية مجرد حركة نحو شيء لا يمكن الإمساك به، أم هي اللحظة الحية التي يُختبر فيها الوجود ذاته، حيث تذوب الذات في العالم وتصبح جزءا من صيرورة الحياة بلا نهاية؟ وهل الإنسان يكتشف الحقيقة أم أن الحقيقة تتشكل فقط في فعل البحث وفي لحظة التجربة وفي حضوره الكامل وتفاعله مع الوجود الذي لا ينتهي؟

المعرفة هنا أكثر من مفهوم وأكثر من فكرة، وأكثر من تراكم مفاهيمي، حيث تصبح نبضا حيا للوجود، ورحلة مستمرة في أعماق الذات والعالم، حركة تتجاوز الكلمات والأطر، وتجربة تتجدد مع كل لحظة وتفتح أمام الإنسان أفقا من الغموض ومن الامتداد ومن الدهشة الوجودية التي لا تنتهي. المعرفة ليست نهاية بل بداية لكل سؤال ولكل تجربة ولكل مواجهة مع الوجود وبداية لحياة الفكر ورحلة للروح في صيرورة لا متناهية.

ثم إذا كانت المعرفة تجربة وجودية تتجاوز المفهوم، فهل يمكن للإنسان أن يدرك ذاته كاملة، أم أن الذات تتحول مع كل لحظة إدراك لتبقى دائما لغزا؟ وإذا كانت الحقيقة تنكشف فقط في فعل البحث والتجربة، فهل المعرفة النهائية مجرد وهم نسعى إليه أم لحظة مستمرة من الوجود تتجاوز كل محاولة للإمساك بها؟.

***

د. حمزة مولخنيف

الكتابة الفلسفیة، هي سرد فلسفي لموضوع فكري، وتشخيص ومعالجة للمشكلات الفكرية، والتحديات التي تواجه الإنسان والمجتمع في كل مكان وزمان، إن الكتابة الفلسفية تُعلِم الإنسان كيف يفكر على الورق، وكيف يحول المعلومات من مجرد أفكار ذهنية، الى  كلمات مكتوبة، حيث أن الكتب والمقالات والأبحاث المكتوبة يقرأها العديد من القراء، وباحثي الفلسفة وعشاقها، الكتابة الفلسفية هي ليست مجرد جُمل وعبارات رنانة، ومفردات معقدة وصعبة الفهم، والهدف الأساسي من الكتابة الفلسفية هي نقل أفكار الكاتب، ونظرياته الفلسفية، ومعتقداته وأراءه الى أكبر عدد ممكن من القراء، عن طريق الكتابة، فالكتابة الفلسفية هي الناقل الأساسي لأفكار الفلاسفة والكُتّاب وباحثي الفلسفة على مر العصور، وهي المتنفس الحر للتعبير  الفكري الفلسفي، الذي يسمح للكاتب بتفريغ آراءه على شكل محتوى، مكتوب، ومطبوع، يستطيع الناس قراءته، والإطلاع من خلاله على أفكار الكاتب وآراءه، ونظرته للكون والعالم والإنسان والمجتمع، لذلك يجب أن تتسم الكتابات الفلسفية بالدقة والصدق في نقل المعلومات  الفلسفية التاريخة على سبيل المثال، ولكنها في الوقت نفسه، هي مساحة يعبر فيها الكاتب والمفكر عن ما يجول في  خاطره من هموم فكرية وقضايا فلسفية و وجودية، ومن صفات الكتابة الفلسفية الرصانة العلمية ومراعاة الدقة والأمانة الفكرية في إيصال المعلومات والتعبير الفلسفي النقدي ومناقشة الأفكار، من خلال الكلمات المكتوبة، لذلك يجب دائما العمل على مراعاة شروط الكتابة الفلسفية، ولكن هذا لايعني أبداً ان يفتقر النص الفلسفي الى إسلوب عصري مشوق يتماشى مع متطلبات الواقع الجديد، والذائقة الفلسفية للإنسان المعاصر، إن الكتابة الفلسفية تحول الفكرة من نشاط فكري وحالة ذهنية تدور في رأس الكاتب الى نص فلسفي مكتوب قابل للفهم من قبل كل من يقرأه، ولكن هنالك بعض الفروق البسيطة والعميقة في الوقت نفسه بين الكتابة الفلسفية، وباقي انواع الكتابات الأخرى، فعلى سبيل المثال في الكتابة الأدبية يغلب على النص الأدبي عنصر التعبير الأدبي، والإبهار والتشويق، إضافة الى الكلمات والمصطلحات الأدبية، وتكون المقالة ذات طابع أدبي سردي اكثر منه علمي، كالروايات مثلاُ، وفي الكتابة العاطفية تكون العاطفة هي الصفة الأساسية، والنمط الطاغي على النص الكتابي، بينما في النص الفلسفي، والكتابة الفلسفية  فإن السمة الأساسية هي التفكير بصدق.

 ويحاول الكاتب في طرحه الفلسفي أن يعبر عن رغبته في الفهم، حيث يحاول ان يفهم النص ويناقشه في الوقت نفسه، ومع ذلك يمكن للعمل الفلسفي ان يجمع بين الطرح الفلسفي في الكتابة، والإسلوب الأدبي ذو الطابع العلمي المشوق في النص، بشرط عدم الإخلال بالرصانة العلمية، والدقة في سرد المعلومات الفلسفية.

شروط الكتابة الفلسفية وتعلم التفكير الفلسفي على الورق:

- الفكرة المركزية: تحتاج الكتابة الفلسفية الى فكرة مركزية واضحة، ويشمل ذلك فهم السؤال الفلسفي الذي يحاول الكاتب الإجابة عنه في الكتاب، او المقال الفلسفي.

- النقد الفلسفي الذاتي أثناء الكتابة: يجب ان يكون الكاتب مُدركاً لضرورة إستخدام التفكير النقدي الإبداعي في كتابة أي مضمون فلسفي، لأن ذلك هو بمثابة دعم للفكرة، وإستكمال لنسيج الفهم الفلسفي الذي يعبر عنه الكاتب، كما ان مراجعة النص وتدقيقة، يزيد من رصانة النص، ويقلل من الأخطاء الفكرية والأدبية التي قد يقع الكاتب فيها من حيث طريقة الطرح، والسياق الفلسفي، والموضوع والمضمون.

-  البحث عن الحقيقة: الكتابة الفلسفية هي ليست إستعراض للمعلومات، بل هي مواجهة فلسفية بين الكاتب وذاته، والتفكير بصدق، من أجل الوصول الى الحقيقة، فالكاتب الفلسفي لا يكتب من أجل أن يوافق العالم، أو أن يتوافقع مع واقعه، بل يكتب من أجل ان يختبر صحة الأفكار، ووضوحها المنطقي، وفائدتها النظرية والعملية للإنسان والمجتمع.

طرق كتابة المقال الفلسفي

تتعدد أنواع المقالات التي تصدر حول العالم، ولكن المقالة الفلسفية لازالت تتطلب الكتابة وفق إسلوب محدد، ومنهج محدد لإثبات جدية أفكار الكاتب، وجدواها فلسفياً، وتختلف طريقة الكتابة بإختلاف شخصية الكاتب، وتوجههة الفلسفي، وطريقة تفكيره، ونوع الموضوع الذي يكتب عنه، فمنهم من يستخدم  الإسلوب السردي والحواري، من خلال عرض الرأي والرأي الآخر، ودعم هذا الرأي بالأدلة والإثباتات الواقعية والعقلية، وهنالك من الكُتاب من يُفضل الإسلوب الإستقصائي، في التعبير عن كتاباتهم، من خلال طرح الفكرة أو المشكلة، ومن ثم عرض الدلائل والآراء بين مؤيدين ومعارضين، ومن ثم نقدها جميعاً، أو بيان الأصلح منها من وجهة نظر الكاتب، وقد يفضل البعض الآخر منهج (اللامنهج)، أو مايسمى (الطريقة الحرة في الكتابة الفلسفية)، والتي تنطلق من طرح موضوع معين، أو مشكلة فلسفية ما، ومن ثم التحري عن حلول منطقية لها، من وجهة نظر الكاتب بعد خط سير طويل من إستعراض الدلائل والآراء المعارضة والمؤيدة، ولكن رغم تعدد وتنوع الأساليب والطرق في كتابة المقال الفلسفي في عصرنا الحاضر، تبقى منهجية الوضوح والأبداع الفلسفي، سمة ضرورية واساسية لكتابة المقال الفلسفي، تساعد على أن يكون للمقالات الفلسفية جمهور واسع من المتخصصين وغير المتخصصين.

عوائق الإبداع في الكتابة الفلسفية

إن الإسلوب الكلاسيكي التقليدي في الكتابة أصبح يشكل عائقاً أمام الإبداع الفكري الفلسفي في الكتابة وطرح المواضيع الفلسفية والقضايا الوجودية، لأنك حين تريد ان تكتب نصاً فلسفيا، يجب أن تراعي فيه الحقيقة والدقة، والأمانة العلمية، والمعلومات الرصينة، بالإضافة الى الإسلوب السردي المُشوق شرط أن لايفقد النص الفلسفي رصانته، وأصالته الفكرية الفلسفية، بل يضيف إليه عنصر الإبداع والتشويق. وهنا يطرح العقل سؤال وجودي مباشر، ماهو الواقع، وماهو دور الكتابة الفلسفية في الحفاظ على ما تبقى لنا  من الواقع الحقيقي في زمن هيمنة الكتابة الرقمية، للأسف المجتمع العلمي والفلسفي ما زال ينساق مع الطرق الكلاسيكية الأكاديمية المتوارثة في الكتابة الفلسفية، من دون إدراك ضرورة أن تكون الكتابة الفلسفية قادرة على الأقل على مجاراة الواقع الرقمي، وإعطاء الأفكار الفلسفية الواقعية الأفضلية على الأفكار الغير قابلة للتطبيق، فكل فكرة فلسفية وكل إسلوب فلسفي غير قادرعلى علاج الأزمات الفكرية والنفسية للإنسان المعاصر سيكون مصيرة الإستبعاد، وعدم التقبل من قبل الإنسان المعاصر ذاته،  لذلك يجب عدم الإستهانة بوعي الإنسان المعاصر وقدرته على التمييز بين الأفكار القادرة على مساعدته في حل مشكلاته، من الأفكارة العقيمة الغير قادرة على إرشاده نحو سبيل الخلاص من مشكلات الواقع وتحدياته، وأزماته، لذلك يجب على الكتابة الفلسفية أن تحترم عقل القارىء، وتاخذ في نظر الإعتبار حاجته الى حلول حقيقية، لمشكلاته الفكرية والنفسية والإجتماعية، لذلك كل فكرة أوعمل أو مقال فلسفي لا يراعي حاجة الإنسان والمجتمع الروحية، والإنسانية، والواقعية، والأخلاقية، ولا يقدم له حلول حقيقية، لن يحظى بقبول ومكان حقيقي في عالم الفكر الفلسفي المعاصر.

***

شيماء هماوندي

الإختصاص/ الفلسفة والعلاج الفلسفي

بين الكائن الثقافي بالطبيعة والكائن الطبيعي بالثقافة

"خلافاً للاعتقاد الشائع، فإن الفوضى في الطبيعة أقل منها في البشرية"

في قلب الفلسفة المعاصرة، يقدم إدغار موران (1921-)، الفيلسوف والعالم الاجتماعي الفرنسي، رؤية تعقدية للإنسان ترفض الثنائيات التقليدية بين الطبيعة والثقافة. يُلخص موران طبيعة الإنسان في عبارته الشهيرة: "الإنسان هو كائن ثقافي بالطبيعة لأنه كائن طبيعي بالثقافة".  هذه العبارة، المستمدة من كتابه "النموذج المفقود: الطبيعة الإنسانية" (، 1973)، تعبر عن مقاربة تعقدية ترى الإنسان ككائن يتجاوز الفصل بين الجانبين، بل يجسد تفاعلاً ديناميكياً ودائرياً بينهما. في هذه الدراسة، سنستكشف هذا المفهوم بشكل موسع، من خلال التمييز بين الأبعاد الدلالية والإجرائية، مع التركيز على السياق التعقدي الذي يميز فكر موران. سنعتمد على أعماله الرئيسية مثل "المنهج" (1977-2004) و"أرض الوطن" (1993)، لنكشف كيف يصبح الإنسان "كائن لامتناهي التعقيد"، أي كائن معقد يجمع بين العقلانية واللاعقلانية في سياق كوني. سنبدأ بالسياق النظري، ثم ننتقل إلى تحليل المفهوم، مروراً بتطبيقاته، لنختم بالآثار والتداخلات. فكيف يصف موران الكائن البشري؟ وما ما المقصود بالتعقيد؟ وأي دور تؤديه كل من الطبيعة والثقافة في تكوينيته؟ وما تأثير ذلك التكوين المعقد على مصيره كفرد ومجتمع ونوع؟

السياق النظري: المقاربة التعقدية ورفض الاختزال

"ينتج التقدم العلمي عموماً عن كل من المنافسة والتعاون. لكن المنافسة قد تتحول إلى تنافس حاد مما يضر بالتعاون"

تأتي رؤية موران ضمن إطار "الفكر التعقدي"، الذي يعارض النهج الاختزالي الذي يسود العلوم الحديثة، والذي يفصل بين الطبيعي (البيولوجي) والثقافي (الاجتماعي). يرى موران أن الواقع ليس خطياً أو منفصلاً، بل يتكون من تفاعلات متعددة تجمع بين النظام، الفوضى، والتنظيم، في ما يسميه "الكاوسموس". في سياق الإنسان، يرفض موران النظريات التي ترى الثقافة كإضافة خارجية على الطبيعة، أو العكس، معتبراً أن هذا الفصل هو "نمط مفقود" يعيق فهم الطبيعة الإنسانية. نشأ هذا المفهوم من مؤتمر "وحدة الإنسان" عام 1972، الذي جمع اختصاصات متنوعة لربط البيولوجيا بالأنثروبولوجيا. في "النمط المفقود"، يؤكد موران أن الإنسان ليس مجرد حيوان عاقل، بل كائن يجمع بين الجانب المضطرب، أي اللاعقلاني، والجانب الثقافي الذي ينظم الطبيعة. هذه المقاربة التعقدية تعتمد على مبادئ مثل الحلقة التكرارية، حيث تُنتج الطبيعة الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، مما يجعل الإنسان ذاتي التنظيم في بيئة متكاملة.  هذا السياق يعكس تأثره بالفلسفة الجدلية (هيغل، ماركس)، لكنه يتجاوزها نحو التعقيد، حيث يصبح الإنسان جزءاً من نظام أكبر يشمل الكون والمجتمع. على سبيل المثال، في "الطريقة"، يتحدث عن "الثالوث الإنساني": الفرد-المجتمع-النوع، حيث تكون الثقافة الوسيط الذي يربط هذه الأبعاد في حلقة تعقدية. لعل هذا المنهج يجعل العبارة أداة لفهم الأزمات المعاصرة، مثل "الأزمة المتعددة"، التي تتطلب تفكيراً يجمع بين الطبيعي (البيئي) والثقافي (الاجتماعي-السياسي).

تحليل المفهوم: بين الكائن الثقافي بالطبيعة والكائن الطبيعي بالثقافة

" لقد عرّفنا الإنسان بأنه الإنسان العاقل، أي الإنسان الذي يمتلك العقل. ولا شك أن العقلانية قد تطورت عبر التاريخ البشري. لكن الإنسان العاقل ليس سوى أحد طرفي الطيف، والطرف الآخر هو الإنسان الموهوم، الإنسان الذي يعاني من الأوهام."

من الناحية الدلالية، تعبر العبارة عن تناقض ظاهري يحل بالمقاربة التعقدية. "الكائن الثقافي بالطبيعة" يعني أن الثقافة فطرية وجزء من الطبيعة البيولوجية للإنسان، حيث يمتلك الإنسان قدرات طبيعية مثل الدماغ المعقد واللغة، التي تسمح بتطور الثقافة كامتداد عضوي. فالإنسان، كقرد علوي، يولد مع استعدادات بيولوجية تجعله ثقافياً بالفطرة، مثل القدرة على الرمزية والاجتماعية.  أما "الكائن الطبيعي بالثقافة"، فيشير إلى أن الطبيعة الإنسانية تُبنى وتُعدل من خلال الثقافة، حيث تحول الثقافة الغرائز الطبيعية (مثل الرغبة في البقاء) إلى أنظمة اجتماعية معقدة، مثل القوانين أو الفنون. هذا التفكيك يعتمد على مبدأ الحلقة التكرارية: الطبيعة تنتج الثقافة (من خلال الدماغ والجينات)، والثقافة تعيد إنتاج الطبيعة (من خلال التأثير على التطور والسلوك). يقول موران: "يجب التوقف عن فصل الطبيعة عن الثقافة: مفتاح الثقافة في طبيعتنا، ومفتاح طبيعتنا في الثقافة".

 دلالياً، يرفض هذا النهج النظريات الاختزالية، مثل الداروينية الاجتماعية التي تركز على الجانب الطبيعي فقط، أو الثقافوية النسبية التي تنكر البيولوجيا. بدلاً من ذلك، يرى الإنسان كـ"كائن لامتناهي التعقيد"، كائن يجمع بين العقلانية واللاعقلانية، حيث تكون الثقافة أداة للتوازن في سياق تعقدي. من الناحية الإجرائية، يتجلى المفهوم في عملية "التنظيم الذاتي البيئي"، حيث يتفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية من خلال أدوات ثقافية، مما يؤدي إلى تطور مشترك. إجرائياً، تبدأ العملية بالغرائز الطبيعية، التي تُعدل بالثقافة (مثل تحول الغريزة الجنسية إلى أعراف زواجية)، ثم تعود لتشكل الطبيعة (مثل التأثير الثقافي على الانتخاب الجيني). هذا الإجراء التعقدي يظهر في دراسات موران عن الثقافة الشعبية، حيث تُصبح الثقافة أداة لفهم الطبيعة الإنسانية في عصر الرأسمالية، مع التركيز على اللاعقلاني كعنصر أساسي في التعقيد.

التطبيقات في المقاربة التعقدية

"من خلال التضحية المستمرة بما هو ضروري من أجل ما هو عاجل، ينتهي بنا الأمر إلى نسيان مدى إلحاح ما هو ضروري."

تجد هذه الرؤية تطبيقات في مجالات متعددة. في الأنثروبولوجيا، يفسر موران تطور الإنسان من خلال الثقافة كعامل يحول الغريزة الطبيعية إلى نظام اقتصادي، مما يجعل الإنسان "طبيعياً بالثقافة" في مواجهة البيئة.  مثال: في "أرض الوطن"، يربط بين الأزمة البيئية والثقافية، داعياً إلى ثقافة كوكبية تضامنية تجمع بين الطبيعي والثقافي في مقاربة تعقدية لمواجهة الاحتباس الحراري. في التربية، يدعو موران إلى تعليم تعقدي يعلم الطلاب الربط بين الطبيعة والثقافة، كما في "الرؤوس المنظمة جيداً" (الدروس السبعة المعقدة في التعليم من أجل المستقبل، 1999)، حيث تكون الثقافة أداة لفهم الطبيعة الإنسانية. أما في السياسة، فيؤكد على "سياسة حضارية" تعتمد على هذا المفهوم لمواجهة البربرية الحديثة، مثل الاستهلاكية التي تفصل بين الإنسان والطبيعة.

في علم النفس، يُبرز كيف تحول الثقافة الرغبات الطبيعية إلى هويات اجتماعية، مع التركيز على "الاعتمادية" كرابط تعقدي بين الروابط الطبيعية والثقافية.  هذه التطبيقات تظهر كيف يصبح الإنسان، من خلال المقاربة التعقدية، كائناً قادراً على التكيف، لكنه معرض للأزمات إذا انفصلت الثقافة عن الطبيعة.

التشابهات والتداخلات مع مقاربات أخرى

"من الخطورة بمكان أن نُظهر للإنسان مدى مساواته بالحيوانات دون أن نُظهر له عظمته، بل والأخطر من ذلك أن نُظهر له عظمته دون أن نُظهر له دناءته. والأخطر من ذلك كله أن نتركه جاهلاً بكليهما." باسكال، ذكره ادغار موران

رغم التركيز على التعقيد، يعترف موران بتداخلات مع فلاسفة آخرين، مثل ليفي ستروس في الثقافة كبنية، أو هيغل في الجدل. لكنه يتجاوزهم بالحلقة التكرارية، حيث لا تكون الثقافة هيمنة بل تفاعل.  كما يتداخل مع الفلسفة البيئية، مثل نظرية غايا، حيث تكون الثقافة امتداداً للنظام الطبيعي في سياق تعقدي.

خاتمة

"لقد أمضيت حياتي أفكر في معنى أن تكون على قيد الحياة." ادغار موران

في نهاية المطاف، تمثل رؤية موران للإنسان بين "الكائن الثقافي بالطبيعة" و"الكائن الطبيعي بالثقافة" تحولاً في الفلسفة التعقدية، حيث يصبح الإنسان كائناً معقداً يجمع بين الجانبين في حلقة مستمرة. هذا المفهوم ليس نظرياً فقط، بل عملياً يدعو إلى فكر متعدد التخصصات لمواجهة التحديات المعاصرة. الدراسات المستقبلية قد تستكشف تطبيقه في الذكاء الاصطناعي، حيث يصبح "الثقافي" جزءاً من "الطبيعي" الرقمي، مع الحفاظ على التعقيد الإنساني. ألم يقل موران:" التضامن والمسؤولية هما من الضروريات الأساسية لمجتمع يتمتع أفراده بالحرية." فكيف يمكن توظيف الفكر المعقد في المجال العملي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

الفلسفة بين أنقاض التفكيك وإمكانات المعنى في زمن الخوارزمية

لم يكن العقل عبر تاريخه الطويل، معطى بسيطا أو جوهرا مستقرا خارج شروط الصراع والتحول، بل ظل دوما موضع توترٍ معرفي، تتنازعه أنماط متعددة من الفهم والتوجيه والتأويل. وقد لا تكون لحظتنا الراهنة إلا إحدى أكثر هذه اللحظات كثافةً وحساسية، إذ يجد العقل نفسه واقعا بين مسارين متعارضين في الظاهر، متواطئين في العمق: مسار التفكيك الفلسفي الذي زعزع يقينياته الكلاسيكية، ومسار الخوارزميات الذي يهدد باختزاله إلى وظيفة حسابية، أو إلى مجرد آلية لمعالجة المعطيات. في هذا الأفق، يفرض سؤال المعنى نفسه لا بوصفه سؤالا نظريا معزولا، بل باعتباره رهانا وجوديا يمسّ موقع الفلسفة وقدرتها على الاستمرار في عالم تحكمه السرعة والنجاعة والتنبؤ.

لقد ارتبط المشروع الفلسفي الحديث منذ ديكارت، بمحاولة إعادة تأسيس العقل بوصفه أصلا للمعرفة وضامنا لليقين. لم يكن الكوجيتو مجرد صيغة إبستمولوجية، بل كان إعلانا عن سلطة جديدة، تجعل من الذات المفكرة مركزا لإضفاء المعنى وتنظيم العالم. غير أن هذه المركزية لم تلبث أن خضعت لامتحان النقد الكانطي، الذي سعى إلى إنقاذ العقل من أوهام الميتافيزيقا، مقابل إخضاعه لشروط صارمة تحدد مجال اشتغاله وحدود فعاليته. ومع هيغل بلغ العقل ذروة ثقته بنفسه، حين تماهى الفكر مع التاريخ، وأضحت الواقعية والعقلانية وجهين لحركة واحدة، تكاد تلغي المسافة بين المفهوم والوجود.

غير أن هذه الثقة لم تصمد طويلا أمام التحولات العميقة التي شهدها الفكر الغربي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فقد جاءت قراءات نيتشه وماركس وفرويد لتقوّض التصور الكلاسيكي للعقل، وتكشف هشاشته البنيوية. ولم يعد العقل سيدا مطلقا لذاته، ولا مرآة شفافة للعالم، بل أضحى مشروطا بإرادات خفية، وبنيات اقتصادية، ودوافع لاواعية، جعلته أقرب إلى واجهة تنظيرية منه إلى سلطة تحررية. ومنذ تلك اللحظة، دخل العقل مرحلة الشبهة، ولم يعد يُستقبل باعتباره أفقا للانعتاق، بل باعتباره أداة ضبط وإنتاج للامتثال.

ومع التحولات التي عرفها الفكر المعاصر، خاصة مع البنيوية وما تلاها، بلغ هذا المسار التفكيكي مداه الأقصى. ولم يعد السؤال منصبا على مضمون المعرفة، بل على شروط إنتاجها، وآليات تشكّل الخطابات التي تمنحها شرعية الحقيقة.

أعلن فوكو أن الإنسان ليس حقيقة أنطولوجية ثابتة، بل حادثة معرفية تاريخية، نتجت عن ترتيب مخصوص للخطابات، وهي قابلة للاضمحلال متى تبدّلت شروط إنتاجها.

وذهب دريدا إلى زعزعة كل مركز دلالي، كاشفا أن المعنى لا يستقر، وأن الحضور ذاته مؤجل داخل لعبة الاختلاف. إذ لم يعد العقل ذاتا مؤسسة، بل أثرا داخل شبكة من العلامات، ولم يعد المعنى مقصدا نهائيا، بل حركة لا تنتهي من الإرجاء.

غير أن هذا التفكيك على ضرورته النقدية، انطوى على مفارقة عميقة. فبينما كان يهدف إلى تحرير الفكر من أوهام المطلقات، أسهم من حيث لا يحتسب، في تهيئة الشروط لنمط جديد من العقلانية، إذ لا يطالب بالمعنى ولا بالمساءلة، بل يكتفي بالحساب والتوقع. هنا تبرز الخوارزمية بوصفها علامة فارقة في تاريخ العقل، لا لأنها أداة تقنية فحسب، بل لأنها تمثل نموذجا جديدا للعقلنة، يقوم على تحويل الواقع إلى بيانات، والذات إلى ملف إحصائي، والفعل الإنساني إلى سلوك قابل للتنبؤ.

الخوارزمية من حيث هذا المنحى ليست بريئة ولا محايدة، بل تؤسس لنمط من التفكير يُفرغ العالم من كثافته الدلالية، ويعيد ترتيبه وفق منطق النجاعة. وقد كان هايدغر واعيا بهذا الخطر حين نبّه إلى أن جوهر التقنية لا يكمن في الآلات، بل في نمط الانكشاف الذي تفرضه، حيث يُختزل الوجود إلى مورد، ويُنظر إلى الكائنات من زاوية قابليتها للاستثمار والتحكم. وما كان تحذيرا أنطولوجيا صار اليوم واقعا معاشا، تُقاس فيه القيمة بما يُستخرج من المعطيات، وتُختزل الخبرة الإنسانية في أنماط سلوكية قابلة للقياس.

على حافة الانقلاب المعرفي الذي يفرضه زمن الخوارزميات، يبدو العقل الفلسفي وكأنه فقد وظيفته التاريخية. فما الحاجة إلى التأمل والتردد والشك، في عالم يُغري بالأجوبة الفورية؟ وما جدوى الفلسفة في زمن تُقاس فيه الحقيقة بالفعالية، والمعرفة بقدرتها على التحول إلى نموذج حسابي؟ أليس مشروعا والحال هذه، أن يُطرح السؤال الذي صاغه آلان باديو بصيغة جذرية: هل ما تزال الفلسفة ممكنة، بل هل ما تزال ذات ضرورة؟.

غير أن هذا السؤال يفترض في عمقه، تصورا اختزاليا للفلسفة، يحصرها في وظيفة معرفية تنافس العلوم أو التقنيات. والحال أن الفلسفة في تقاليدها الكبرى، لم تكن يوما علما بالمعنى الوضعي، ولا أداة لحل المشكلات، بل ممارسة نقدية تسائل البداهات، وتحرس المعنى من الابتذال. كانت عند سقراط، تمرينا على العيش الحق، وعند كانط نقدا لشروط الإمكان، وعند هابرماس دفاعا عن العقل التواصلي في مواجهة العقل الأداتي. الفلسفة لا تُقاس بسرعة إنتاجها، بل بقدرتها على إبطاء الزمن الفكري، وفتح الأسئلة التي يسعى العصر إلى إغلاقها.

في ضوء هذه التحولات الجذرية التي يفرضها زمن الخوارزميات، يمكن النظر إلى زمن الخوارزميات لا بوصفه إعلانا عن نهاية الفلسفة، بل باعتبارها اختبارا جديدًا لإمكانها. فحين يُختزل العقل إلى حساب، يصبح التفكير في ما لا يُحسب فعل مقاومة. وحين يُختزل الإنسان إلى معطى، يغدو السؤال عن الكرامة والحرية والمسؤولية سؤالا فلسفيا بامتياز. وقد أصاب هابرماس حين حذّر من استعمار العالم المعيش بمنطق النسق، حيث تُفرغ التجربة من معناها لصالح عقل لا يرى إلا ما يمكن ضبطه.

إن إعادة بناء العقل في هذا السياق، لا تعني استعادة ميتافيزيقا يقينية، ولا إعادة إنتاج أوهام الذات السيادية، بل تعني استرجاع البعد التأويلي والنقدي للعقل. عقل يعترف بتناهيه دون أن يستقيل، ويقر بتعدديته دون أن يتنازل عن مطلب الحقيقة، وينفتح على التقنية دون أن يذوب في منطقها. عقل يدرك مع بول ريكور أن الذات لا تُعطى جاهزة بل تُفهم، وأن الفهم لا ينفصل عن السرد والمعنى.

لهذا تظل الفلسفة رغم كل خطابات الأفول قادرة على إنتاج معنى، لا بمعنى تقديم أجوبة نهائية، بل بمعنى إبقاء السؤال حيا. فالمعنى لا يُستهلك، بل يُبنى داخل توتر دائم بين الواقع والممكن، وبين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وفي عالم يتسارع على نحو محموم، قد تكون الفلسفة هي الفضاء الأخير الذي يسمح للإنسان بأن يتوقف، لا ليهرب من العصر، بل ليعيد التفكير فيه ومن داخله.

ليس هذا التوقف ترفا نظريا، بل شرطا أخلاقيا ومعرفيا. فبدون فلسفة يتحول العقل إلى أداة، والتقنية إلى قدر، والإنسان إلى تابع لمنظومات لا يفهم منطقها ولا يمتلك مساءلتها. أما بالتفلسف فإن العقل يستعيد قدرته على التفكيك من أجل إعادة البناء، لا لبناء أوهام جديدة، بل لصياغة معنى قابل للعيش في عالم لم يعد يمنح المعنى مجانا.

ليس امتحان العقل في زمن الخوارزمية امتحانا تقنيا في جوهره، بل هو امتحان أخلاقي ومعرفي يمسّ صورة الإنسان عن ذاته، وحدود ما يقبل تفويضه للآلة، وما يصرّ على تحمّل مسؤوليته فيه. فحين تُدار الحياة بمنطق التنبؤ، ويُعاد تشكيل الاختيارات قبل أن تُعاش، يغدو السؤال الفلسفي ضرورة لا غنى عنها، لا بوصفه بحثا عن يقين مفقود، بل بوصفه فعل يقظة يحول دون انزلاق العقل إلى الامتثال الصامت.

إن الفلسفة لا تقف موقف الرفض ولا موقف التمجيد، بل تمارس وظيفتها النقدية في مساءلة ما يبدو بديهيا، وكشف ما يتوارى خلف خطاب الكفاءة والحياد. فهي وحدها القادرة على إعادة فتح سؤال المعنى حين يُختزل الوجود في الأداء، وعلى الدفاع عن الإنسان حين يُعاد تعريفه وفق منطق البيانات. وليست مهمتها أن تنافس الخوارزميات في السرعة أو الدقة، بل أن تذكّر بأن ما لا يُحسب هو في كثير من الأحيان ما يمنح الحياة قيمتها.

إن إعادة الاعتبار للعقل لا تعني استعادة أوهام السيادة ولا بناء مركز متعالٍ جديد، بل تستلزم الاعتراف بتناهي التفكير مع الحفاظ على قدرته النقدية، وبانفتاح المعنى دون التخلي عن مطلب الحقيقة. عقلٌ يدرك أن التقنية أفق من آفاق الوجود الإنساني، لا قدرا مغلقا، وأن الخضوع لمنطقها الشامل ليس حتمية تاريخية، بل خيارا قابلا للمساءلة.

وفي ضوء ما سبق من تأملات، نقول إن الفلسفة لا تعلن نهايتها في زمن الخوارزميات، بل تجد فيه سببا جديدا لتجديد أسئلتها، والدفاع عن حق الإنسان في المعنى وفي الصواب وفي الخطأ. فحيثما يُراد للعقل أن يتحول إلى أداة، تظل الفلسفة حارسةً لإمكان أن يظل العقل تفكيرا لا مجرد حساب.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم