عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

من خلال الهيجيمونيا الثقافية عند أنطونيو غرامشي

مقدمة: يطرح مفهوم التوازن بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، كما يتبلور في فكر أنطونيو غرامشي عبر فكرة الهيجيمونيا الثقافية، إشكالاً فلسفياً عميقاً يتجاوز مجرد التصنيف النظري ليصل إلى صميم العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين النظرية والممارسة، وبين الحرية والإكراه. فغرامشي لا يقدم نموذجاً جاهزاً للتوازن، بل يكشف عن توتر بنيوي يجعل من أي توازن مستقراً أمراً مشكوكاً فيه، ومن أي هيمنة ثقافية مشروعاً مفتوحاً على التناقض. هذه الدراسة تتبنى مقاربة استشكالية ترفض الإغلاق النظري، وتضع المفاهيم في حالة مساءلة مستمرة، متسائلة: هل يمكن أصلاً تحقيق توازن بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي دون أن ينقلب هذا التوازن إلى شكل جديد من الهيمنة؟ وهل تستطيع فلسفة عملية ملتزمة أن تحافظ على نقديتها وهي تلتزم بمشروع تحويلي؟ وهل الهيجيمونيا الثقافية جسر يربط المجالين أم آلية تذيب الحدود بينهما؟التمييز بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني

يبدأ الإشكال من التمييز ذاته. يقيم غرامشي فرقاً تحليلياً بين المجتمع السياسي، بما هو جهاز الإكراه المباشر المتمثل في الدولة بالمعنى الضيق (الجيش والشرطة والإدارة والقضاء)، وبين المجتمع المدني بما هو فضاء المؤسسات «الخاصة» من مدارس وكنائس ونقابات وصحافة وأحزاب وجمعيات ثقافية، حيث يُنتج الرضا ويُعاد إنتاجه. غير أن هذا التمييز سرعان ما ينكشف عن هشاشته. فالمجتمع المدني ليس فضاءً محايداً أو حراً بالمعنى الليبرالي، بل هو الميدان الذي تُمارَس فيه الهيمنة الثقافية بأدوات الإقناع والتربية والتنشئة. والمجتمع السياسي ليس مجرد قوة قسرية عارية، بل يستمد شرعيته من الرضا الذي يُصنع في المجتمع المدني. هنا يظهر التوتر الأول: إذا كان كل من المجالين يعتمد على الآخر، فأين يبدأ أحدهما وأين ينتهي الآخر؟ وهل يمكن الحديث عن توازن بينهما أم عن تداخل عضوي يجعل الفصل مجرد أداة تحليلية مؤقتة؟

مفهوم الهيجيمونيا الثقافية

تتعمق المفارقة مع مفهوم الهيجيمونيا الثقافية. فالهيمنة عند غرامشي ليست سيطرة قسرية فحسب، ولا موافقة طوعية خالصة، بل تركيب معقد من الإكراه والرضا، من القيادة الفكرية والأخلاقية ومن القدرة على فرض رؤية للعالم بوصفها الرؤية «الطبيعية» أو «المشتركة». الهيمنة الثقافية تعمل أساساً في المجتمع المدني، لكنها لا تكتمل إلا حين تتمكن من اختراق المجتمع السياسي وإعادة تشكيله. السؤال الاستشكالي هنا حاد: هل الهيمنة الثقافية تحقق التوازن بين المجالين أم تلغيه؟ إذا نجحت الهيمنة في صنع رضا واسع، فإنها تجعل الإكراه السياسي أقل ظهوراً، فيبدو المجتمع وكأنه متوازن، بينما هو في الواقع تحت قيادة طبقة أو تحالف طبقي معين. أما إذا ضعفت الهيمنة الثقافية، فيضطر المجتمع السياسي إلى الاعتماد أكثر على الإكراه المباشر، فينكشف الخلل. بهذا المعنى، يبدو أن «التوازن» ليس حالة مستقرة يمكن السعي إليها، بل أثر جانبي لهيمنة ناجحة أو مؤشر على أزمة هيمنة.

طبيعة السلطة

يطرح هذا التشخيص إشكالاً فلسفياً جوهرياً حول طبيعة السلطة. هل السلطة في التحليل الغرامشي قابلة للتجزئة والتوزيع المتوازن، أم أنها بطبيعتها ميالة إلى التمركز وإعادة الإنتاج الذاتي؟ إذا كانت الهيمنة الثقافية هي الآلية المركزية، فإن أي مشروع يسعى إلى «توازن» بين المدني والسياسي يجد نفسه أمام خيارين متوترين: إما أن يقبل بوجود هيمنة ما (حتى لو كانت هيمنة مضادة)، فيظل داخل منطق الهيمنة نفسه، وإما أن يرفض الهيمنة مطلقاً، فيقع في مثالية تنكر واقع السلطة. الفلسفة العملية الملتزمة تواجه هنا مأزقها الخاص: كيف تلتزم بمشروع تغيير دون أن تعيد إنتاج أشكال الهيمنة التي تنتقدها؟ وكيف تحافظ على نقدية المفهوم وهي تستخدمه كأداة نضالية؟

المثقف العضوي والكتلة التاريخية

يمتد الإشكال إلى مسألة المثقفين العضويين والكتلة التاريخية. يرى غرامشي أن الهيمنة تُبنى عبر عمل المثقفين الذين يربطون بين الطبقات والمجتمع المدني والدولة. لكن هذا الربط نفسه يثير أسئلة حول الاستقلالية والالتزام. هل يمكن للمثقف أن يكون عضوياً ملتزماً بمشروع طبقي أو شعبي دون أن يفقد قدرته على النقد الجذري؟ وهل الكتلة التاريخية التي تحقق هيمنة جديدة تحقق توازناً حقيقياً بين المدني والسياسي أم مجرد إعادة ترتيب لعلاقات القوة؟ الإشكال هنا مزدوج: فمن جهة، بدون التزام عضوي تبقى الفلسفة مجرد تأمل نظري عاجز؛ ومن جهة أخرى، قد يحول الالتزام العضوي الفلسفة إلى أيديولوجيا تبريرية. التوتر بين النظرية الخالصة والممارسة الملتزمة لا يُحل داخل فكر غرامشي، بل يُعاش كمشكلة دائمة.

الحرب كاستراتيجية في الحكم

تزداد حدة الاستشكال حين ننظر إلى البعد الزمني والاستراتيجي. يميز غرامشي بين حرب المناورة (الصدام المباشر مع أجهزة الدولة) وحرب المواقع (البناء الطويل الأمد للرضا والهيمنة داخل المجتمع المدني). التوازن بين المدني والسياسي يبدو أكثر قابلية للتحقق عبر حرب المواقع، لأنها تعمل على تغيير موازين القوى الثقافية قبل الاستيلاء على السلطة السياسية. لكن هذا الخيار يفتح باباً على مفارقة جديدة: كلما طال أمد حرب المواقع، زادت احتمالات استيعاب القوى المضادة داخل النظام القائم، أو تحولها إلى جزء من هيمنة معدلة. هل الاستراتيجية الغرامشية قادرة على تحقيق تحول جذري دون أن تذوب في التسويات؟ وهل يمكن الحفاظ على الطابع الثوري للمشروع وهو يعمل داخل مؤسسات المجتمع المدني القائمة؟

الفلسفة العملية الملتزمة

يظهر إشكال آخر على مستوى الكونية والخصوصية. فكر غرامشي نشأ في سياق إيطالي محدد، حيث الدولة ضعيفة نسبياً والمجتمع المدني متطور جزئياً، مع وجود انقسام حاد بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي. نقل هذه المفاهيم إلى سياقات أخرى يثير سؤالاً حول قابليتها للتعميم. هل التوازن بين المدني والسياسي يأخذ الشكل نفسه في مجتمعات تختلف فيها طبيعة الدولة ودرجة تطور المؤسسات المدنية؟ وهل الهيمنة الثقافية تعمل بالطريقة ذاتها حين تكون وسائل الاتصال جماهيرية أو رقمية أو معولمة؟ الإشكال ليس في صلاحية المفاهيم، بل في خطر تحويلها إلى وصفات جاهزة تفقد قدرتها النقدية.

تواجه الفلسفة العملية الملتزمة، في ضوء هذه الاستشكالات، مهمة مزدوجة ومتعارضة: أن تستخدم التحليل الغرامشي لكشف آليات الهيمنة القائمة، وفي الوقت نفسه أن تبني مشروعاً بديلاً لا يعيد إنتاج المنطق نفسه. هذا يتطلب وعياً دائماً بالحدود: حدود الفصل بين المدني والسياسي، وحدود إمكانية الرضا الحر، وحدود استقلالية المثقف، وحدود الاستراتيجية طويلة الأمد. التوازن الذي يمكن الحديث عنه ليس توازناً سكونياً بين مجالين متكافئين، بل توتراً ديناميكياً يُدار باستمرار، ويُعاد التفاوض عليه في كل مرحلة تاريخية.

خاتمة

يظل السؤال المركزي مفتوحاً: هل يمكن لفلسفة ملتزمة أن تسعى إلى توازن بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي عبر هيمنة ثقافية مضادة دون أن تتحول هذه الهيمنة إلى شكل جديد من السيطرة؟ وهل الإقرار بالطابع الإشكالي للمفاهيم الغرامشية يضعف قدرتها العملية أم يعززها بجعلها أكثر مرونة ونقداً ذاتياً؟ الإجابة لا تكمن في اختيار أحد الطرفين، بل في الإبقاء على التوتر حياً. فالقيمة الفلسفية لفكر غرامشي لا تظهر في تقديم حلول نهائية، بل في قدرته على جعل العلاقة بين المدني والسياسي، وبين الرضا والإكراه، وبين النظرية والالتزام، مشكلة دائمة تتطلب يقظة فكرية ومسؤولية عملية مستمرة. بهذا المعنى، يصبح الاستشكال نفسه شكلاً من أشكال الممارسة الفلسفية الملتزمة. فكيف يمكن تطبيق مفهوم الهيجيمونيا على السياسة الدولية ووسائل الاعلام الحديثة؟ وألا يحتاج المجتمع المدني العالمي الى نقد؟

***

د. زهير الخويليد - كاتب فلسفي

 

تخضع أقسام الفلسفة خصيصا في العالم الانكلوامريكي لسيطرة ساحقة من جانب الفلسفة التحليلية. هذه السيطرة واضحة جدا لدرجة ان الاتجاهات الفلسفية البديلة قد تراجعت الى حد كبير. في الحقيقة، نحن لم نر نموذجا واحدا يسيطر على الفلسفة الغربية بهذه الطريقة منذ نهاية هيمنة المذهب المدرسي في القرن السادس عشر. الفلاسفة التحليليون عادة يؤكدون على الدقة والوضوح في أعمالهم. لكن، من المفارقة، صعوبة تحديد بالضبط ماهية الفلسفة التحليلية. هذا سيتضح عندما ندرس تاريخ الحركة.

الفلسفة التحليلية المبكرة والتحول اللغوي

برزت الفلسفة التحليلية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بفعل الرواد من مفكرين أمثال غوتلوب فريجة وبرتراند رسل و لودفيغ فيتجنشتاين. ما كان يوحّدهم هو طريقتهم في معالجة المشاكل الفلسفية من خلال تحليل اللغة، وبالذات تحليل العبارات التحليلية analytic statements. العبارات او الادعاءات التحليلية هي ادعاءات يعتمد مدى صحتها او زيفها على شكلها اللغوي، او كما نقول، على معنى الكلمات المستعملة، بشكل مستقل عن أي معلومات تجريبية مثل (1+1=2)، هذه الطريقة هي التي منحت الحركة اسمها.

كانت الفلسفة الغربية قبل هذه الفترة تهتم أساسا بطبيعة الواقع بدلا من اللغة. الفلاسفة التحليليون، جادلوا بان العديد من المشاكل الفلسفية كانت في جوهرها، مشاكل اللغة. هذا الادّعاء يمثل ما يسمى "التحول اللغوي" في الفلسفة.

طبقا لهذه الرؤية:

1- المشاكل الفلسفية يجب تحليلها من خلال تحليل اللغة.

2- الفلسفة يجب ان تركز على الادعاءات التحليلية (غير تجريبية).

3- التحقيق الفلسفي يجب ان يقتصر على المجالات التي يمكن تطبيق هذه التحليلات عليها، تاركا الأسئلة الأخرى الى العلوم التجريبية.

هذا الاتجاه حل تدريجيا محل مجموعة متنوعة من نماذج فلسفية أخرى، مثل البرجماتية، الظواهرية، الكانتية الجديدة. لكن الشيء الغريب: معظم الفلاسفة التحليليين المعاصرين رفضوا النظر لمجالهم من هذه الزاوية. في الحقيقة، العديد يرفضون فكرة ان المشاكل الفلسفية هي في الأساس مشاكل لغة، ناهيك عن ان الفلسفة يجب ان تهتم حصرا بتحليل الادعاءات التحليلية. كما في الفلاسفة المبكرين، معظم الفلاسفة التحليليين اليوم يعتقدون انهم يفحصون الواقع (مهما كان)، ليس مجرد اللغة.

كوين، فيتجنشتاين والتحول بعيدا عن اللغة

ان أسباب التحول بعيدا عن اللغة متنوعة، لكن شخصية مؤثرة خصيصا في هذا التطور هو ويلارد فان اورمان كوين willard van orman quine (1908-2000). كوين تحدى التمييز بين الادعاءات "التحليلية" و "الادعاءات التركيبية" . الادعاءات التحليلية هي تلك التي يمكن معرفة انها صحيحة بحكم معناها وحده (مثل، كل العزّاب غير متزوجين)، بينما الادعاءات التركيبية (ادعاءات ليست صحيحة او زائفة بحكم معناها وحده) تتطلب عموما تحقّق تجريبي (مثل "القطة على السجادة"). كوين جادل بان التمييز بين الادعاءات التحليلية والتركيبية لا يمكن الحفاظ عليه بالطريقة المبسطة التي افترضها الفلاسفة التحليليون الأوائل. فمن جهة، هو ادّعى ان لا شيء من شبكة معتقداتنا محصن تماما من أي تعديل او مراجعة: هو اقترح، حتى المنطق، ربما من حيث المبدأ يُراجع اذا كان ذلك يساعد في فهم الفيزياء بشكل أفضل استجابة لميكانيكا الكم. ومن جهة أخرى، كوين كان يشك في المعاني التي تُفهم على انها أشياء ذهنية خاصة او كينونات مفاهيمية ثابتة تنتظر التحليل. المعنى، لكي يكون محترما علميا كان لابد ان يرتبط بالاستخدام العام للغة، والسلوك ونظريتنا الواسعة عن العالم.

العديد من الفلاسفة وجدوا نقد كوين الطبيعي للمشروع التحليلي القديم مقنعا. اذا كانت الفلسفة، كما ادّعى الطبيعيون مستمرة مع العلوم التجريبية ولم تكن المعاني أشياءً ثابتة تنتظر التحليل، عندئذ لم تعد الفلسفة تُفهم ببساطة كتحليل للّغة.

تحوّل آخر كبير بعيدا عن اللغة يمكن ان يُعزى للعمل اللاحق للودفيغ فيتجنشتاين (1889-1951). جادل فيتجنشتاين ضد الاستعمال المصطنع للّغة الذي يستخدمه العديد من الفلاسفة. بالنسبة له، المشاكل الفلسفية عادة تبرز عندما نمدد اللغة الى ما وراء استعمالها اليومي، بما يقود الى اضطراب حول المعنى وخلق مشاكل زائفة. فكرة فيتجنشتاين هي ان اللغة العادية تعمل بشكل مثالي في السياقات التطبيقية، لكنها تنهار عندما يُساء تطبيقها على الأسئلة الفلسفية المجردة. فمثلا، السؤال "هل انا حقا أعرف هناك شجرة أمامي؟" يبدو ذو معنى، لكن فيتجنشتاين سيجادل انه بلا معنى. في الحياة اليومية، كلمة "يعرف" تعمل بدون قضية – لكن عندما نطبقها في هذه الطريقة الفلسفية المصطنعة، لم يعد لها معنى، تخلق سؤالا يمكن ان تكون الأجوبة عليه سهلة في كلا الاتجاهين.

الغالبية العظمى من الفلاسفة الانكلوامريكيين توصلوا الى اتفاق مع كوين او فيتجنشتاين، او توصلوا الى استنتاجات مشابهة. هذا قاد الى تحول في التركيز بعيدا عن تحليل اللغة، باتجاه انخراط مباشر مع الواقع ذاته.

الفلسفة التحليلية ماتت ولم تمت؟

نظرا لتأثير نقد كوين ولودفيج، ربما يتوقع احد ان الفلسفة التحليلية انتهت في أواسط القرن العشرين. اذا كانت فكرة تحليل اللغة لحل المشاكل الفلسفية فقدت مصداقيتها، سيبدو منطقيا للفلاسفة اما ان يتخلوا عن الاتجاه او يقوموا بمراجعة راديكالية له. ومع ذلك، هذا لم يحدث. بدلا من ذلك، حدث شيء ما غريب جدا. بدلا من إهمال طرقهم، وسّع الفلاسفة التحليليون تحقيقاتهم الى حقول كانوا قد تجنبوها في السابق، مثل الميتافيزيقا وفلسفة الذهن، بدون إجراء أي تغيير جذري في طرقهم، ومع انهم لم تعد تسميتهم كلغويين. ما أخذه الفلاسفة التحليليون من نقد كوين هو انه يجب ان لا تكون هناك حدودا لنطاق التحقيق. طالما كل المفاهيم الملائمة هي كما تبدو تركيبية وتحليلية على حد سواء، فهي لم تعد مقتصرة على تحليل المشاكل التحليلية المحضة. لكن هل هذا منطقي؟ من الصعب المبالغة في وصف غرابة هذا الامر. كوين جادل بان التقييد للمشاكل التحليلية لم يكن له معنى بسبب عدم وجود (او هناك القليل) من مشاكل تحليلية خالصة. لكن بدلا من إعادة النظر بطرقهم، الفلاسفة التحليليون استنتجوا انه، طالما كل المشاكل التحليلية الهامة هي أيضا تركيبية، هم يمكنهم الان العمل في أي شيء. لكن، الطريقة التي يعملون بها أي شيء بقيت ذاتها نفس الطريقة التي بها عالجوا المشاكل التحليلية مستعملين طرقا تستلزم تحليل المفاهيم. بكل انصاف، العديد من الفلاسفة بدأوا فعلا العمل من منظور طبيعي. لكن، كما سنرى، هذا بقي مشابها للفلسفة التحليلية المبكرة. والشيء الأكثر أهمية هنا، اذا كانت النزعة الطبيعية انفصلت حقا عن النزعة اللغوية او التحليلات المنطقية، لماذا يجب ان تسمى "فلسفة تحليلية" في المقام الأول؟

برتراند رسل

في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بدأ البعض يسأل ماذا كان بالضبط يعمل الفلاسفة التحليليون في العقود القليلة الماضية نظرا لأن هناك فقط عدد محدود من الفلاسفة التحليليين لايزالون يقبلون فكرة التحليلات المنطقية او اللغوية. احد الأجوبة البارزة هو ان الفلاسفة التحليليين انتقلوا بعيدا عن التحليلات اللغوية، وبدأوا بدلا من ذلك التركيز على التجارب الفكرية والحدس.

التجربة الفكرية هي سيناريو افتراضي صُمم لإختبار مفهوم فلسفي. نوع شهير من التجربة الفكرية هو مشكلة أسلوب جيتير، التي تتحدى التعريف السابق المقبول على نطاق واسع للمعرفة كونها "اعتقاد صحيح مبرر". في احد الأنواع الذي يعود أصله الى برتراند رسل، ينظر احد الى ساعة متوقفة تشير بالصدفة الى ان الوقت صحيح. رغم ان اعتقادهم بالوقت كان مبررا (لأن الساعة عادة تبيّن الوقت الصحيح)، معظم حدس الناس يقترح ان هذا لا يعد معرفة. تجربة فكرية أخرى شهيرة تتضمن الزومبي الفلسفي لديفد شالمر (التي تختبر ما اذا كان من الممكن تصور كائن مطابق جسديا للإنسان لكنه يفتقر الى الوعي). او مشكلة عربة فيليبا فوت (التي تستكشف الاثار الأخلاقية للتضحية بحياة المرء لأجل انقاذ عدة افراد). في كل من هذه الحالات يعتمد الفلاسفة على حدسهم ومشاعرهم الداخلية لتقييم ما اذا كانت التجربة الفكرية تثبت او تنفي ادّعاء معين.

ما هي المشكلة في الحدس؟ لا نستطيع الخوض في جميع مشاكل الحدس هنا، ولا نعالج كل المحاولات من خلال فلاسفة تحليليين لإعادة صياغة اساليبهم اللغوية التي عفا عليها الزمن، لكي نبدو جديدين، كأن نسمي فلسفتهم "فلسفة تجريبية"، "طريقة الحالات"، او "هندسة نظرية". مع ذلك، هناك عدد من القضايا الرئيسية يمكن تسليط الضوء عليها:

1- اتجاه غير نقدي

أولا، استعمال الحدس اساسا للفلسفة التحليلية هو أبعد ما يكون عن اتباع نهج نقدي تجاه الطريقة الفلسفية. تقليديا، سواء في الظواهرية، الكانتية الجديدة، او الفلسفة التحليلية المبكرة، بدأ الفلاسفة تحقيقاتهم في المنهج لتبرير وتوجيه بحثهم. لكن كما لاحظنا ان الفلاسفة التحليليين المعاصرين يميلون لإفتراض ان المنهجية الأساسية هي صحيحة. في احسن الأحوال هم يوضحون طريقتهم بعد ان يكونوا قد استخدموها بالفعل بدلا من إرساء أسسها بشكل سليم منذ البداية.

رغم محاولات بعض الفلاسفة التحليليين لتحليلها فكريا،تعتمد التجارب الفكرية على حدسنا الذي هو بالضرورة مشاعر داخلية، حتى لو كانت الدقة والصرامة هما صفتان يُفترض ان تفخر بهما الفلسفة التحليلية.

2- التنقيحية التاريخية Historical Revisionism

لإعطاء الحدس مزيدا من المصداقية، بنى الفلاسفة التحليليون رؤية تصحيحية لتاريخ الفلسفة، مجادلين ان الفلاسفة من افلاطون فصاعدا اعتمدوا دائما على الحدس. مع ذلك، حتى لو كانوا صائبين، من الصعب ان يُعتبر ذلك مبررا حقيقيا للحدسية. كذلك، الادّعاء التاريخي هو ببساطة ادّعاء زائف. مفكرون أمثال ديكارت ولوك وكانط وهسرل وهايدجر لم يستخدموا الحدس بالطريقة التي زُعم انها استُخدمت فيها. لا نعني هنا انهم تجنبوا المصطلح. بل انهم استخدموا اساليبا يحللون بها تجربتهم الخاصة، مثل المناهج الظواهرية او الاتجاهات شبه الظواهرية. مفكرون آخرون مثل ماركس ونيتشه و ديلتاي او هايدجر(مرة أخرى)، استخدموا الأساليب التاريخية الجينولوجية، اما المثاليون الألمان مثل هيجل استخدم الطرق الديالكتيكية. فكرة ان الحدس لعب دورا مركزيا في عملهم تنبثق فقط من الاطار الفلسفي المحدود للعديد من الفلاسفة التحليليين، الذين اعتمدوا على الانقسام المبسط بين المعرفة المفاهيمية (التي تتضمن الحدس والمعرفة التحليلية) والمعرفة التجريبية (تركيبية او معرفة علمية). من هذا الانقسام الزائف، هم استدلوا على ان الفلاسفة السابقين لم يستخدموا الطرق التجريبية، هم يجب ان يكونوا استخدموا طرقا تحليلية او حدسية.

غير ان هذ الاستدلال يقول الكثير عن الفلسفة التحليلية وليس عن الاتجاهات الفلسفية .

3- ما هو التحليل المتعلق بالحدس؟

الفلسفة التحليلية، في جوهرها، كانت مرتكزة على تحليلات لغوية، عبارات تحليلية، لذا من غير الواضح لماذا الفلسفة المعاصرة التي تثق بقوة بالحدس لا تزال يجب اعتبارها "تحليلية". ربما استمرارية هذه التسمية بسبب حقيقة ان مختلف فروع الفلسفة التحليلية بما فيها الطبيعية naturalism، تشترك في افتراضات مشتركة. لكن الفلاسفة التحليليين هم في الحقيقة غير واعين بهذه الافتراضات المشتركة، طالما، وكما ذكر احد أساتذة الفلسفة، ان مناقشة الافتراضات المسبقة لعملك هي "ما يقوم به طالب الجامعة في المستوى الاولي، وليس الفلاسفة". من المؤكد ان هذه العقليات المشتركة لم تسهم في تعزيز الوضوح.

الافتراضات التي تشترك بها مختلف فروع الفلسفة التحليلية غالبا ما تجسد نوعا مما يسميه لودفج "تشابه عائلي". الفلاسفة التحليليون الكلاسيك يشتركون مع الطبيعيين بعقيدة حول التقليل بين النظريات – الفكرة بان مجموعة من المفاهيم او النظريات يمكن اختزالها بالكامل الى أخرى. كلا التيارين أيضا يهتمان بعمق بالتجريد – سواء كانا يركزان على وجودات طبيعية أساسية يمكن نظريا تخفيض أي شيء اليها مثل (الذهن يُختزل الى عمليات الدماغ)، او أصناف الوجود التي تعكس استعمالنا للغة . كلا الاتجاهين أيضا يؤمنان لوقت طويل، ان الانسان اعتقد ان الفكر البشري يعمل مثل اللغة، في تمثيل العالم. العديد من الفلاسفة التحليليين أيضا لديهم إعجاب عميق بالطرق الرسمية للتفكير والعلوم الرياضية.

أخيرا، وهو المهم، في الحقيقة يبدو ان معظم الحالات التي "يحللها" الفلاسفة التحليليون بـ "حدسهم" هي في الحقيقة حدوس لغوية ، كما ذكرنا، لايمكن تمييزها عن التحليلات اللغوية. فمثلا، الحدس حول المعرفة بان الشخص الذي ينظر في الساعة المتوقفة لايعرف حقا الوقت يبدو كثيرا يشبه الحكم حول كم نحن نميل لاستخدام الكلمة "يعرف" بنفس الحالة بالضبط. اذا كنا نستطيع استبدال "المعرفة ذاتها" بـ "مفهومنا للمعرفة"، هذا يبدو فقط تغيير التسمية بدلا من الطريقة. وبالمثل، العلوم الطبيعية تضاف الى ذلك. فمثلا، المعرفة عقيدة صحيحة مبررة لأن قدراتنا المولّدة للمعرفة تطورت لتعقّب الحقيقة بشكل موثوق. المعرفة توجد لأنها تعزز البقاء، وهكذا.

لكل هذه الأسباب، ربما لم يتم الشعور بضرورة تغيير اسم النموذج او البردايم، رغم ادّعائه انه انتقل الى ما وراء تحليلات اللغة.

ملاحظات ختامية

مهما اعتقد المرء بفلسفة التحليل المعاصر، من الواضح انه يُواجه بمشاكل ميثدولوجية وغموض مفاهيمي. القضية الكبرى هي انه من غير الواضح لماذا لاتزال تسمى تلك الفلسفة "فلسفة تحليلية" – وهي المشكلة التي أصبحت أسوأ مع صعود الطبيعية. انها تعاني من افتراضات زائفة حول مكانها في تاريخ الفلسفة، وتفتقر الى الدقة في طرقها. ما بدأ كحركة تهدف الى تقييد الفلسفة نقديا بتحليل المشكلات من خلال منظور لغوي، تحول الان الى فن من فنون العصر الباروكي حيث يتأمل الفلاسفة في الإمكانية المنطقية للزومبي غير الواعي – شيء لم يحلم به حتى ليبنز عند مناقشة العوالم الممكنة.

هل ان الفلسفة التحليلية ستعالج قضاياها المنهجية هو امر يبدو مشكوكا فيه. وبالنظر لموقعها المهيمن في مجال الفلسفة باللغة الإنجليزية هناك القليل من الضغط الخارجي او الداخلي للتغيير. لحسن الحظ، اتجاهات فلسفية واعدة موجودة سلفا حيث ينخرط الفلاسفة بشكل جاد بالنقاش المنهجي، مثل الظواهرية phenomenology. ما اذا كان هذا يقود الى مزيد من التعددية في اقسام الفلسفة الناطقة بالانجليزية سيبقى سؤالا مفتوحا.

***

حاتم حميد محسن

........................

Philosophy Now, Aug/Sep 2026

بين كارل ياسبرز ومارتن هايدغر وآلان باديو.. مقاربة أنطولوجية

مقدمة: إن السؤال عن «مدخل إلى الفلسفة» ليس سؤالاً منهجياً ثانوياً أو تربوياً صرفاً، بل هو في جوهره سؤال أنطولوجي. فكل مدخل حقيقي إلى الفلسفة يعيد طرح السؤال عن الوجود نفسه، وعن كيفية انكشافه للإنسان، وعن العلاقة بين الفكر والكينونة. ولهذا السبب لا يمكن فصل المداخل الفلسفية الكبرى عن التصورات الأنطولوجية التي تؤسسها. في هذا السياق، يقدم كارل ياسبرز ومارتن هايدغر وآلان باديو ثلاثة إنجازات متميزة لمدخل إلى الفلسفة، يجمع بينها الوعي العميق بأن الفلسفة ليست علماً موضوعياً يمكن البدء فيه من خارج الوجود، بل هي حركة وجودية أو حدثية أو فكرية تنبثق من صميم الكينونة ذاتها. وستسعى هذه الدراسة إلى تتبع هذه الإنجازات الثلاثة في ضوء مقاربة أنطولوجية صارمة، تكشف عن كيفية تأسيس كل واحد منهم لبداية فلسفية ترتبط ارتباطاً جوهرياً بمسألة الوجود. كيف انجز كل فيلسوف مدخلا الى الفلسفة؟ وماهي خصوصية كل عمل؟ وهل تمكن الفلاسفة من الدخول الى الفلسفة؟

كارل ياسبرز

يبدأ كارل ياسبرز مدخله إلى الفلسفة من تجربة الإنسان في العالم بوصفه كائناً محدداً ومتناهياً يواجه حدود وجوده. فالفلسفة عنده ليست بناءً نظرياً مجرداً يبدأ من مفاهيم أولية، بل هي استجابة لـ«المواقف الحدية» التي تكشف عن هشاشة الوجود الإنساني: الموت، الألم، الصراع، والذنب. هذه المواقف ليست مجرد أحداث نفسية أو اجتماعية، بل هي لحظات أنطولوجية ينكشف فيها الوجود بوصفه تجاوزاً مستمراً لما هو معطى. ومن هنا فإن المدخل إلى الفلسفة عند ياسبرز يتمثل في «التواصل الوجودي» وفي حركة «التجاوز» نحو ما يسميه «الوجود الشامل» أو «الترانسندنس». الفلسفة لا تبدأ من اليقين الديكارتي أو من التحليل المنطقي، بل من الاعتراف بأن الإنسان موجود في العالم بطريقة تجعله دائماً أمام ما يتجاوزه. هذا الاعتراف الأنطولوجي يجعل المدخل فلسفياً في جوهره: فالفيلسوف لا يختار موضوعه من الخارج، بل يجد نفسه مدعواً إلى التفلسف لأن وجوده ذاته يطالبه بذلك. ومن ثم فإن الفلسفة عند ياسبرز هي فعل وجودي يتحقق في التواصل الحر بين الذوات، وفي الانفتاح على الترانسندنس الذي لا يمكن اختزاله في أي معرفة موضوعية. بهذا المعنى، يكون المدخل إلى الفلسفة إنجازاً أنطولوجياً يتمثل في تحويل التجربة الحدية إلى بداية فكرية حرة ومسؤولة.

مارتن هايدغر

أما مارتن هايدغر فيعمق هذا التوجه الأنطولوجي إلى أقصى حد، بل يجعل مسألة المدخل إلى الفلسفة مرادفة لمسألة استعادة السؤال عن معنى الوجود. ففي «الكينونة والزمان» وفي محاضراته اللاحقة، يؤكد هايدغر أن الفلسفة الغربية نسيت الوجود، واقتصرت على دراسة الموجودات. ولهذا فإن أي مدخل حقيقي إلى الفلسفة يجب أن يبدأ بإيقاظ هذا السؤال المنسي: ما الوجود؟ هذا الإيقاظ ليس عملية فكرية نظرية فحسب، بل هو تحول في كيفية وجود الإنسان نفسه بوصفه «الدازاين». فالدازاين هو الكائن الذي يفهم وجوده بطريقة ما، والذي يكون وجوده نفسه محل رهان. ومن ثم فإن المدخل إلى الفلسفة عند هايدغر يتمثل في «التحليل الوجودي» للدازاين، وفي كشف البنى الأساسية لوجوده: الهم، الزمانية، السقوط في العالم اليومي، والنداء إلى الأصيل. الفلسفة لا تبدأ من مفاهيم مجردة أو من منطق صوري، بل من تجربة الوجود في العالم، ومن «الانفتاح» الذي يسمح للكينونة بأن تنكشف. وفي مرحلة لاحقة، خاصة بعد «المنعطف»، يصبح المدخل إلى الفلسفة أكثر ارتباطاً بتاريخ الوجود وبـ«الحدث» ، حيث لم يعد الإنسان هو مركز السؤال، بل أصبح الوجود ذاته هو الذي يمنح نفسه أو يحجبها. بهذا المعنى، يكون إنجاز هايدغر لمدخل إلى الفلسفة إنجازاً أنطولوجياً جذرياً: فهو يحول الفلسفة من علم بالموجودات إلى تفكير في الوجود نفسه، ويجعل البداية الفلسفية مشروطة باستعادة السؤال الذي نسيته الميتافيزيقا.

آلان باديو

ويأتي آلان باديو ليقدم إنجازاً مختلفاً تماماً، لكنه يظل أنطولوجياً في الصميم. فالفلسفة عند باديو ليست تأملاً في الوجود بمعناه الهايدغري أو تجربة حدية ياسبرزية، بل هي تفكير في «الحقيقة» بوصفها ناتجة عن «حدث» يقطع مع الوضع القائم. والأنطولوجيا عنده هي «الرياضيات» في صورتها الأحدث، أي نظرية المجموعات، حيث يصبح الوجود هو «المتعدد المحض» الذي لا يمكن اختزاله في الواحد. ومن هنا فإن المدخل إلى الفلسفة لا يبدأ من تجربة ذاتية أو من تحليل وجودي للدازاين، بل من الاعتراف بأن هناك أحداثاً (في العلم، أو السياسة، أو الحب، أو الفن) تفتح فضاءات جديدة للحقيقة. الفيلسوف هو الذي يفكر في هذه الأحداث ويبقى وفياً لها. وبهذا المعنى، تكون الفلسفة «ميتافيزيقا الحدث» أو تفكيراً في الشروط التي تجعل الحقيقة ممكنة. المدخل إلى الفلسفة عند باديو يتمثل إذن في القدرة على تمييز الحدث عن مجرد الواقعة، وفي الالتزام بآثار هذا الحدث على الذات. هذا الالتزام ليس أخلاقياً صرفاً، بل هو أنطولوجي: فالذات تتكون من خلال وفائها للحقيقة التي أطلقها الحدث. ومن ثم فإن إنجاز باديو يكمن في إعادة تأسيس المدخل إلى الفلسفة على أساس أنطولوجيا المتعدد والحدث، بعيداً عن أي مركزية للذات أو للوجود بمعناه التقليدي.

مقارنة أنطولوجية مع إدموند هوسرل

إن إدخال إدموند هوسرل في المقارنة الأنطولوجية مع كارل ياسبرز ومارتن هايدغر وآلان باديو يكشف عن تحول جذري في مسار الفكر الفلسفي الحديث، ويضيء الاختلافات العميقة في تصور الوجود وطبيعة المدخل إلى الفلسفة. فهوسرل يؤسس أنطولوجيا فينومينولوجية ترتكز على الوعي المتعالي والقصدية، في حين أن الفلاسفة الثلاثة ينتقلون، كل بطريقته، من مركزية الوعي إلى أنماط أخرى من الانكشاف الوجودي أو الحدثي. هذه المقارنة ليست مجرد استعراض لتأثيرات تاريخية، بل هي كشف عن توترات أنطولوجية أساسية تتعلق بموقع الذات، وطبيعة الوجود، وإمكانية البدء الفلسفي نفسه.يبدأ هوسرل أنطولوجيته من داخل الوعي. فالوجود عنده ليس شيئاً قائماً في ذاته بمعزل عن الوعي، بل هو ما يُعطى في التجربة القصدية بعد ممارسة الإيبوخي (التعليق) والرد الفينومينولوجي. الوعي المتعالي هو الوجود المطلق الذي لا يمكن الشك فيه، وهو الذي يُكوّن المعنى والموضوعات. ومن هنا تنقسم الأنطولوجيا الهوسرلية إلى أنطولوجيا صورية تبحث في البنى الكلية للموضوع بما هو موضوع، وأنطولوجيات إقليمية تخص مناطق الوجود المختلفة (الطبيعة، الروح، العالم الثقافي). المدخل إلى الفلسفة عند هوسرل هو إذن مدخل فينومينولوجي: يبدأ بالعودة إلى الأشياء ذاتها عبر وصف دقيق لما يظهر في الوعي، بعد تعليق الحكم على الوجود الخارجي. الوجود الحقيقي هو وجود الوعي المتعالي وما يتكون فيه. هذا التصور يجعل الأنطولوجيا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالإبستمولوجيا والفينومينولوجيا الترنسندنتالية؛ فالوجود لا يُفهم إلا من خلال كيفية ظهوره للوعي.في مقابل هذا التأسيس الهوسرلي، يقف كارل ياسبرز على مسافة واضحة. فرغم تأثره بالفينومينولوجيا في مراحل مبكرة، إلا أنه يرفض اختزال الوجود في الوعي المتعالي أو في التجربة القصدية الخالصة. الوجود عند ياسبرز هو وجود متناهٍ يواجه مواقف حدية تكشف عن هشاشته وعن انفتاحه على الترانسندنس. الوعي ليس مطلقاً مكتفياً بذاته، بل هو جزء من تجربة وجودية أوسع تشمل التواصل والحرية والتجاوز. بينما يجعل هوسرل الوعي المتعالي نقطة الانطلاق المطلقة والأنطولوجيا التابعة له، يجعل ياسبرز التجربة الحدية والتواصل الوجودي هما ما يفتح أفق الفلسفة. الأنطولوجيا الياسبرزية أنطولوجيا وجودية متناهية، لا أنطولوجيا وعي مطلق. ولهذا فإن المدخل إلى الفلسفة عنده ليس رداً فينومينولوجياً، بل استجابة وجودية لما يتجاوز الوعي نفسه.أما مارتن هايدغر فيقدم النقد الأنطولوجي الأعمق لهوسرل. كان هايدغر تلميذاً لهوسرل، لكنه سرعان ما تجاوز الإطار الترنسندنتالي. ففي «الكينونة والزمان» وما بعدها، يرى هايدغر أن هوسرل ظل أسير ميتافيزيقا الذاتية والحضور. الوعي المتعالي عند هوسرل هو امتداد للذات الديكارتية، حتى لو تنكر في صورة قصدية. أما الوجود الحقيقي فهو وجود الدازاين بوصفه انفتاحاً على العالم، لا بوصفه وعياً مكوناً. هايدغر ينقل السؤال من «كيف يظهر الموضوع للوعي؟» إلى «ما معنى الوجود؟» وكيف ينكشف الوجود في الزمانية والتاريخية. الأنطولوجيا الهوسرلية أنطولوجيا للموجودات المكونة في الوعي، بينما الأنطولوجيا الهايدغرية أنطولوجيا للوجود نفسه في اختلافه عن الموجود. المدخل إلى الفلسفة عند هايدغر ليس تعليقاً فينومينولوجياً، بل إيقاظاً للسؤال المنسي عن الكينونة. وبهذا يقطع هايدغر مع مركزية الوعي القصدي ليؤسس تفكيراً في الانكشاف والاحتجاب. ويأتي آلان باديو ليقدم القطيعة الأكثر جذرية مع الأنطولوجيا الهوسرلية. فباديو يرفض تماماً أولوية الوعي أو التجربة الفينومينولوجية. الأنطولوجيا عنده هي الرياضيات، وتحديداً نظرية المجموعات، حيث الوجود هو المتعدد المحض الذي لا يمكن رده إلى الواحد أو إلى الذات. لا مكان للوعي المتعالي أو للقصدية في تأسيس الوجود. بل إن الحقيقة تنبثق من حدث يقطع مع الوضع القائم، والذات تتكون لاحقاً من خلال وفائها لهذا الحدث. بينما يبدأ هوسرل من الوعي ليُكوّن العالم، يبدأ باديو من المتعدد الرياضي ومن الحدث ليفكر في إمكانية الحقيقة. الأنطولوجيا الباديوية أنطولوجيا لا-فينومينولوجية بالمعنى الجذري؛ فهي لا تعتمد على الظهور أو المعطى الحدسي، بل على البنية الرياضية والقطيعة الحدثية. ولهذا فإن المدخل إلى الفلسفة عنده ليس عودة إلى الأشياء ذاتها عبر الوعي، بل تفكيراً في الشروط التي تجعل الحدث والحقيقة ممكنين. تكشف هذه المقارنة عن محور أنطولوجي مركزي: موقع الذات أو الوعي في تأسيس الوجود. عند هوسرل، الوعي المتعالي هو الأساس المطلق الذي يُكوّن المعنى والوجود. عند ياسبرز، الذات المتناهية موجودة في العالم ومفتوحة على ما يتجاوزها. عند هايدغر، الدازاين ليس وعياً مكوناً بل انفتاحاً وجودياً على الكينونة. عند باديو، الذات ليست نقطة انطلاق بل نتيجة للوفاء للحدث. هذا التدرج من مركزية الوعي إلى تفكيكها أو تجاوزها يمثل مساراً أساسياً في الفلسفة المعاصرة. كما تظهر المقارنة اختلافاً في طبيعة المدخل إلى الفلسفة نفسه. فهوسرل يقدم مدخلاً منهجياً دقيقاً يعتمد على الإيبوخي والوصف القصدي، مدخلاً يهدف إلى تأسيس فلسفة علمية صارمة. أما ياسبرز فيجعل المدخل وجودياً وتواصلياً. وهايدغر يجعله سؤالاً أنطولوجياً تاريخياً عن معنى الوجود. وباديو يجعله ارتباطاً بالحدث والحقيقة. كل واحد من هؤلاء يعيد تعريف ما يعنيه «البدء» في الفلسفة انطلاقاً من تصوره للوجود.في النهاية، تظل أنطولوجيا هوسرل نقطة ارتكاز ضرورية لفهم التحولات اللاحقة. فهي تمثل أرقى صياغة حديثة لأولوية الوعي في تأسيس الوجود، بينما تمثل إنجازات ياسبرز وهايدغر وباديو محاولات متتالية للخروج من هذه الأولوية نحو أنطولوجيات أكثر جذرية: وجودية متناهية، أو كينونية تاريخية، أو متعددة حدثية. والمقارنة بينهما لا تُظهر مجرد اختلافات، بل تكشف عن إمكانيات متعددة لفهم العلاقة بين الفكر والوجود، وعن تنوع الطرق التي يمكن بها إنجاز مدخل حقيقي إلى الفلسفة من داخل الأنطولوجيا ذاتها.

خاتمة

إذا قارنا بين هذه الإنجازات الثلاثة من منظور أنطولوجي، نجد أنها تشترك في رفض أي مدخل خارجي أو محايد إلى الفلسفة. فلا ياسبرز ولا هايدغر ولا باديو يقبلان بأن تكون الفلسفة علماً يبدأ من مسلمات موضوعية مستقلة عن وجود المفكر. عند ياسبرز، الوجود الإنساني المتناهي هو نقطة الانطلاق؛ وعند هايدغر، الوجود المنسي هو ما يجب استعادته؛ وعند باديو، المتعدد الحدثي هو ما يفتح أفق الحقيقة. ومع ذلك، تختلف مساراتهم اختلافاً جوهرياً. فياسبرز يظل مرتبطاً بتجربة الذات المتناهية وبتواصلها مع الترانسندنس، فيحافظ على بعد وجودي شخصي. أما هايدغر فيتجاوز الذاتية نحو تفكير في الكينونة ذاتها، ويحول المدخل إلى الفلسفة إلى مهمة تاريخية وأنطولوجية لاستعادة السؤال المنسي. وأما باديو فيقطع مع كلا التوجهين، ويرفض أي أولوية للوجود بمعناه الهايدغري أو للتجربة الحدية، ويستبدل بهما أنطولوجيا رياضية للحدث والحقيقة. هذه الاختلافات تكشف عن توتر أنطولوجي عميق في مفهوم المدخل نفسه. فهل يبدأ التفلسف من داخل التجربة الإنسانية المحدودة (ياسبرز)، أم من استعادة سؤال الوجود المنسي (هايدغر)، أم من الوفاء لحدث يقطع مع كل وضع قائم (باديو)؟ كل إجابة تحمل تصوراً مختلفاً عن طبيعة الكينونة: كينونة متناهية ومفتوحة على التجاوز عند ياسبرز، كينونة منكشفة ومحتجبة في التاريخ عند هايدغر، وكينونة متعددة وحدثية عند باديو. ومن هنا فإن إنجاز كل واحد منهم لمدخل إلى الفلسفة ليس مجرد اقتراح منهجي، بل هو تأسيس لأنطولوجيا معينة تحدد ما يمكن أن يكون بداية للفكر. في الختام، يتبين أن المدخل إلى الفلسفة، في صوره الثلاث التي قدمها ياسبرز وهايدغر وباديو، هو دائماً إنجاز أنطولوجي. فهو ليس بوابة خارجية يدخل منها المرء إلى عالم الأفكار، بل هو حركة داخلية ينكشف فيها الوجود أو الحدث أو التجاوز. ولهذا السبب تظل هذه الإنجازات حية ومؤثرة: فهي تذكرنا بأن الفلسفة لا تبدأ إلا عندما يصبح الوجود نفسه موضع تساؤل، سواء في صورة المواقف الحدية، أو في صورة السؤال المنسي عن الكينونة، أو في صورة الحدث الذي يفتح أفق الحقيقة. وبهذا المعنى، فإن أي مدخل حقيقي إلى الفلسفة هو في جوهره مدخل إلى الأنطولوجيا. لكن هل يمكن الاستفادة من مفهوم المتعالي عند ياسبرس؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

من الممارسة الاجتماعية إلى ثقافة الطاعة

 بحسب ميشيل فوكو

تقوم الجماعات والمجتمعات البشرية، وتنمو وتستمر وتستقر وتزدهر، في سياق اجتماعي تاريخي ثقافي علائقي تفاعلي شديد التعقيد. وليس المجتمع شيئاً قائماً خارج الناس أو فوقهم، كما أنه ليس مجرد مجموع حسابي لأفراده، بل هو حصيلة تاريخية مستمرة لأفعال البشر وعلاقاتهم وتفاعلاتهم وما ينتج عنها من بنى ومؤسسات ورموز وقيم وتمثلات في أربعة أنساق مترابطة هي: فاعل، وفعل، وعلاقة، وبنية، فضلاً عن المكان والزمان بوصفهما الإطارين القبليين اللذين تتعين فيهما كل خبرة إنسانية، بحسب التعبير الكانطي.

فالفاعل الاجتماعي هو الإنسان الفرد أو الجماعة، والفعل هو ما يصدر عنه من ممارسة أو نشاط، والعلاقة هي المجال الذي يلتقي فيه الفاعلون ويتفاعلون، أما البنية فهي الشكل الأكثر دواماً واستقراراً الذي ينتج عن تكرار الأفعال والعلاقات عبر الزمن إذ عبر تفاعل هذه العناصر الأربعة تتولد سائر الظواهر والأشكال الاجتماعية والثقافية؛ من الأسرة والقرابة إلى المدرسة والجامعة، ومن الدين والدولة إلى الاقتصاد والفن والقانون. وكل ما ينتجه الإنسان من مؤسسات وكيانات وأطر رموز وقيم ومعتقدات وتمثلات يعاد بناؤه وصياغته باستمرار في خضم ممارسته لحياته المتعينة مادياً ومعنوياً، واقعياً وافتراضياً.

الحياة التي نمنحها تسعة أعشار وقتنا، بلا ماض ولا مستقبل، عالم اللحظة الحاضرة الراهنة المباشرة، عالم الحياة، وتدفقها بـ ملموسيتها وكليتها، أي الحياة اليومية البسيطة المملوءة بالانشغالات الروتينية، والمتطلبات المعيشية الملحَّة الصغيرة، والروتينية، التي تستغرق الكائن الاجتماعي الساعي إلى إشباع حاجاته بمختلف الوسائل والسبل والحيل، والتقنيات، والعادات والتقاليد، والأساليب والصراعات، والرهانات والتفاعلات، والنجاحات والإخفاقات، والمكاسب، وكل أنماط العلاقات والممارسات اليومية، التي ننهمك فيها وتشكِّل فعلاً عصب الجسد الاجتماعي برمَّته، أي الحياة بلا مزايا، التي يسمِّيها عالم الاجتماع جلبر دوران بـ «الجو الخانق»

إن الإنسان لا يعيش وحيداً، ولا يصبح إنساناً إلا في علاقته بغيره. فهو يوجد دائماً في شبكة من العلاقات المتغيرة: أنا وأنت، ذات وآخر، نحن وهم، فرد وجماعة، مواطن ودولة، معلم وطالب، طبيب ومريض، رجل وامرأة. وهذه العلاقات ليست ثابتة ولا أبدية، بل تتغير باستمرار بتغير الفاعلين والأفعال والسياقات التاريخية والثقافية.

فالإنسان يشترك مع غيره من البشر في كثير من الأشياء، ويختلف عنهم في أشياء أخرى. إنه يشترك معهم في خصائصه الإنسانية والبيولوجية العامة، ويمتلك في الوقت نفسه خصوصيته النفسية والفردية، كما ينتمي إلى جماعات وثقافات تشكل عالمه الاجتماعي. ومن هنا تتوزع دراسة الإنسان بين العلوم الطبيعية والبيولوجية، والعلوم النفسية، والعلوم الاجتماعية والثقافية، دون أن يعني ذلك إمكان الفصل الحقيقي بين هذه المستويات في وجود الإنسان الواقعي.

من هذا المنظور الكلي يمكننا فهم التاريخ الاجتماعي للإنسان باعتباره تاريخ انتقال الأفعال إلى علاقات، والعلاقات إلى بنى، والبنى إلى مؤسسات.

لنأخذ الأسرة مثالاً بسيطاً.

التزاوج فعل إنساني واجتماعي بين فاعلين، وحين يتكرر هذا الفعل وينتظم ضمن قواعد وعادات وقيم معينة، تنشأ علاقة اجتماعية مستقرة. ومن استمرار هذه العلاقة عبر الزمن تتشكل بنية الأسرة، ومنها تتسع دوائر القرابة والعشيرة والقبيلة والقومية والأمة، وصولاً إلى الإنسانية بوصفها الأفق الأوسع لانتماء الإنسان المعاصر.

وهكذا يمكن النظر إلى المؤسسات التكوينية

فإذا كف التلاميذ عن الذهاب إلى المدرسة، والمعلمون عن التعليم، انتهت المدرسة بوصفها مؤسسة حية، مهما بقي مبناها قائماً. وإذا انقطع الطلاب عن الذهاب إلى الجامعة وتوقف الأساتذة عن التدريس، تحولت الجامعة إلى مبانٍ صامتة بلا روح.

وإذا كف الناس عن التقاضي، فقدت مؤسسة العدالة وظيفتها. وإذا توقف الناس عن الالتزام بالقواعد المنظمة للحياة العامة، اهتز النظام السياسي والمدني.

إن المؤسسة، في جوهرها، ليست جدراناً أو قوانين مكتوبة أو هياكل إدارية فحسب، بل هي استمرار حي لعلاقات اجتماعية يمارسها البشر بصورة متكررة.

البشر يصنعون المؤسسات، ثم تعود المؤسسات لتعيد تشكيل البشر وهنا تكون مع جوهر فلسفة ميشيل فوكو في معنى السلطة فالسلطة، في التصور الفوكوي، ليست شيئاً مادياً يحتفظ به شخص أو حزب أو طبقة اجتماعية، وليست ملكية تنتقل من يد إلى أخرى كما تنتقل الثروة أو الأرض. إنها شبكة معقدة من العلاقات المتحركة التي تسري في جسد المجتمع كله. السلطة موجودة في العلاقة بين المعلم والطالب، والطبيب والمريض، والأب والابن، والمدير والموظف، والرجل والمرأة، والقاضي والمتهم. وهي موجودة في المدرسة والمستشفى والسجن والثكنة والمصنع والأسرة ووسائل الإعلام. ولهذا لا ينبغي لنا أن نبحث عن السلطة في القصر الرئاسي وحده، لأن السلطة الحديثة لم تعد تسكن مكاناً واحداً، ولا تصدر من مركز واحد، وإنما تتوزع في تفاصيل الحياة اليومية مثل شبكة دقيقة لا نكاد نراها، لكنها تحيط بنا وتشارك في تنظيم حياتنا وتشكيل سلوكنا؛ إنها ليست مجرد قوة تمنع وتقمع وتحرم وتعاقب. فالسلطة لا تقول للإنسان دائماً: لا تفعل. إنها تقول له أيضاً: افعل هكذا، كن هكذا، تحدث بهذه الطريقة، تعلم بهذه الطريقة، أحب بهذه الطريقة، وكن مواطناً صالحاً بهذه الصفات. السلطة لا تمنع الإنسان فقط، بل تنتجه أيضاً. إنها تنتج الخطابات والمعارف والتصنيفات والهويات، بل وتشارك في صناعة الإنسان نفسه بوصفه ذاتاً.

وتلك هي أعمق أفكار فوكو: إذ أكد إن الإنسان ليس ذاتاً طبيعية مكتملة ثم تأتي السلطة من الخارج لكي تقيدها، بل إن ما نسميه «الذات» يتشكل تاريخياً داخل شبكة واسعة من علاقات السلطة والمعرفة. فالطفل يدخل المدرسة فيتعلم القراءة والكتابة، لكنه يتعلم في الوقت نفسه الجلوس في مكان محدد، واحترام الوقت، والالتزام بالجرس، والخضوع للامتحان، وانتظار التقييم. والمريض يدخل المستشفى للعلاج، لكنه يتحول في الوقت نفسه إلى موضوع للمعرفة الطبية. والسجين يدخل السجن بوصفه مخالفاً للقانون، لكنه يصبح موضوعاً للدراسة والمراقبة والتصنيف والإصلاح.

إن المدرسة، مثلاً، لا تعلم المعرفة فقط، كما أن السجن لا يعاقب فقط، والمستشفى لا يعالج فقط. كل مؤسسة من هذه المؤسسات تنتج نمطاً معيناً من البشر. إنها تصنع الفرد المنضبط والمراقَب والقابل للقياس والتصنيف.

ومن هنا جاءت استعارة فوكو الشهيرة لنموذج «البانوبتيكون» أو السجن الدائري الذي صممه جيريمي بنثام في القرن الثامن عشر. يقوم التصميم على برج مركزي يستطيع الحارس منه مراقبة جميع السجناء، بينما لا يعرف السجين متى يكون تحت المراقبة ومتى لا يكون. وهذه الفكرة البسيطة تحمل معنى فلسفياً عميقاً: حين يشعر الإنسان بأنه قد يكون مراقباً في أي لحظة، فإنه يبدأ بمراقبة نفسه بنفسه

بهذا المعنى، لا تعمل السلطة على الإنسان من الخارج فقط، بل تدخل إلى أعماقه، وتشارك في تشكيل صورته عن نفسه وعن الآخرين وحينما تقرأ ما كتبه فوكو عن ممارسة المجالدة الرومانية تفهم معنى الفكرة.

معنى السلطة والحاكم بوصفه راعي الرعية أو والي أمرها في كل زمان ومكان ومعنى الراعي والرعية تدل دلالة لا لبس فيها عن حقيقة العلاقة بين الحاكم والمحكومين في كل زمان ومكان ولا شيء تحت الستار! تلك هي السياسية وهناك مواقف» شديدة الاختلاف تجاه المحكومين» باعتبارهم موضوعًا طبيعيًا، وهناك طرائق متباينة لتناولهم على نحو موضوعى» أو إذا كان ذلك أفضل هناك «إيديولوجيات مختلفة حول العلاقة بالمحكومين. ولنقل هناك ممارسات مختلفة تتخذ إحداها موضوعا منهم باعتبارهم أهل بلد» وتتخذهم الأخرى باعتبارهم دوابا بشرية والثالثة باعتبارهم عشيرة.. الخ. وفي الظاهر لا يكون الاختلاف إلا طريقة في الكلام، وتعديلا في مواضعات المعجم ولكن في الواقع تكون أمام ثورة علمية تنشب وراء هذا التغير اللفظى، فالمظاهر تنقلب ظهرا لبطن كما نقلب كم الثوب وأخيرًا تموت المشاكل الزائفة مختنقة. وأما المشكلة الصحيحة فتتحقق». ولنطبق هذا المنهج على المبارزات ولنتساءل فى (أى ممارسة سياسية يكون الناس قد تحولوا إلى موضوعات) موضعوا أنفسهم على نحو يتيح لهم إذا رغبوا في تلك المبارزات أن تقدم لهم بكل إخلاص وفى أى ممارسة يكون لا سبيل إلى ذلك؟ والإجابة سهلة.

كتب بول فيين فيي أزمة المعرفة التاريخ؛ فوكو وثورة في المنهج في وصف المبارزة الرومانية المتوحشة ما يلي “لنفترض أن علينا مسئولية قطيع من الغنم في حالة ارتحال، وأننا أخذنا على عاتقنا مسئولية الرعاة تلك، ونحن لسنا أصحاب هذا القطيع، فصاحبه يكتفى بجز الصوف جريا وراء الربح، وفيما عدا ذلك فهو يترك الماشية في عدم اكتراثها الطبيعي، وأما نحن فيجب أن نكفل سير القطيع فهو ليس في المرعى بل في عرض الطريق، وعلينا أن نمنعه من التبعثر لصالحه بطبيعة الحال. «لا بوصفنا المرشدين الذين يعرفون هدفهم ويقررون إلى أين يقودون الماشية ويدفعونها إليه: فالقطيع يرتحل من تلقاء نفسه، أو بالأحرى إن طريقه ينتقل من أجله، لأنه يسير في الطريق الرحب «للتاريخ فعلينا أن نكفل مواصلته البقاء باعتباره قطيعا على الرغم من مخاطر الطريق والغرائز السيئة للماشية وضعفها وقصورها الذاتي، وبضربات العصا إذا لزم الأمر نمارس إدارة الأمور بأيدينا نحن : وتتعرض الماشية الضروب من الكدر ولا تحصل على العدالة بكل جلالها. إن هذا القطيع بمثابة الشعب الروماني ونحن أعضاء مجلس شيوخه ولسنا ملاكا لهذا الشعب لأن روما لم تكن قط ملكية عقارية تحتها دواب بشرية، فقد ولدت بوصفها شعبا موحدا، بوصفها مدينة.

أما نحن باعتبارنا آخرين فقد أخذنا على عاتقنا توجيه هذا القطيع البشرى لأننا نعرف أفضل منه ماذا ينبغى له، ولكي نؤدى رسالتنا عينا مواطنين عموميين يفسحون الطريق أمامنا في الاحتفالات العامة وهم يحملون حزمة من السياط لكي يقرعوا الدواب التي تبث الاختلال في نظام القطيع أو التي تنحرف شاردة عنه فسلطة البوليس وأعماله الهابطة لا تتميز بدرجة أكبر من الوقار». وتنحصر سياستنا في المحافظة على القطيع في مسيرته التاريخية، وفيما عدا ذلك نحن نعرف جيدا أن الدواب دواب. ونحن نحاول ألا نتخلى في طريقنا عن كثير من الماشية التي أنهكها الجوع لأن ذلك يقلل من عدد القطيع: فسنعطيها ما تأكله إذا كان ذلك واجبا. وسنعطيها أيضًا السيرك والمبارزات الدموية التي يحبونها كثيرا . (ولأن الحيوانات ليست أخلاقية ولا غير أخلاقية فهى كما هي فحسب فنحن لا نهتم بأن نحرم الشعب من دم المبارزين بأكثر مما ينتبه راعي قطيع من البقر أو الضأن إلى الإشراف على الجماع بين دوابه ليمنع العلاقات الجنسية بين المحارم)

***

د. قاسم المحبشي

 

ليست الفلسفة، في جوهرها، ذلك التفكير الذي ينسحب من العالم لكي يتأمل العالم من بعيد؛ بل لعلها تبدأ حين يكفّ اليومي عن كونه بديهيًا، وحين يتحول ما نمارسه دون سؤال إلى ما يستحق أن يُسأل عنه. فاليومي لا يقف خارج الفلسفة، كما قد يوحي التصور التقليدي الذي جعل التفلسف بحثًا عن الكليات والمبادئ الأولى، وإنما هو أحد أكثر ميادينها خصوبة؛ لأن ما نسميه «عاديًا» يخفي، في الغالب، أكثر الأسئلة عمقًا. إن الفلسفة لا تولد دائمًا من الدهشة أمام النجوم والكائنات والمطلق، بل قد تولد من فنجان قهوة، أو من طابور انتظار، أو من صمت عابر، أو من كلمة نكررها حتى تفقد معناها، ثم نكتشف فجأة أنها كانت تسكن حياتنا أكثر مما كنا نسكنها.

من هنا يصبح اليومي نصًا مفتوحًا للتأويل. إنه ليس مجرد تعاقب للأحداث الصغيرة، بل نسيج من العادات والرموز والإشارات والانتظارات التي تمنح وجودنا معناه من حيث لا نشعر. نحن لا نعيش اليومي فحسب، بل نفهم أنفسنا من خلاله، ونبني علاقتنا بالآخرين والأشياء والزمن والمدينة واللغة. ولذلك فإن السؤال الفلسفي لا يأتي إلى اليومي من خارجه، وإنما ينبثق من داخله، كما ينبثق المعنى من طبقات نص لا يكشف نفسه دفعة واحدة.

إن التأويل هنا لا يعني البحث عن معنى مختبئ خلف الظاهرة اليومية وكأن هناك حقيقة سرية ينبغي استخراجها، بل يعني الدخول في حوار مع ما نعيشه. وهذا ما يجعل الهرمينوطيقا أكثر من مجرد منهج لقراءة النصوص؛ إنها طريقة في فهم الوجود نفسه. فالإنسان، قبل أن يكون قارئًا للكتب، هو كائن يقرأ العالم، ويقرأ الآخرين، ويقرأ ذاته من خلال ما يحيط به. ومن ثم فإن اليومي هو أول كتاب نقرأه، وإن كنا غالبًا لا نعرف أننا نقرأ.

ولعل هذا ما يجعل سؤال الفلسفة واليومي سؤالًا عن المعنى قبل أن يكون سؤالًا عن الأشياء. فالكرسي الذي نجلس عليه ليس مجرد جسم مادي، والشارع الذي نعبره ليس مجرد مساحة جغرافية، والهاتف الذي نمسكه ليس مجرد أداة تقنية. الأشياء تدخل عالمنا من خلال شبكة من الدلالات. إننا لا نرى الأشياء كما هي في عزلتها، بل كما تظهر لنا داخل عالم من الاستعمالات والذكريات والانتظارات والعلاقات. ومن هنا فإن اليومي لا يكون يوميًا لأنه بسيط، وإنما لأنه مألوف؛ والمألوف هو أكثر ما يحتاج إلى إعادة نظر، لأنه الشيء الذي نتوقف عن رؤيته بمجرد أن نعتاد عليه.

والفلسفة، بهذا القدر، هي استعادة القدرة على رؤية ما ألفناه.وهنا يمكن استحضار قولـة الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامر في قوله:" ليست التأويلية المطورة هنا منهاجية للعلوم الإنسانية، بل هي محاولة لفهم ما هي العلوم الإنسانية حقيقة، بتجاوز وعيها الذاتي المنهاجي، وما يربطها بكليانية تجربتنا للعالم.  "ولئن جعلنا الفهم موضوعاً لتفكيرنا، فليس المرء من وراء ذلك هو فن الفهم أو تقنية الفهم، مثلما أرادت أن تكون التأويلية التقليدية والتأويلية اللاهوتية. فمثل هذا الفن أو التقنية ستخفق في إدراك أن التقنية الشكلية، في نظر الحقيقة التي تتحدث إلينا من التراث، تتصل نفسها تقوياً زائفاً. ومع ذلك، والكلمة لـ "غادامير": "سأوضح فيما يلي كم يؤثر حدث ما في الفهم كله، وكم هو ضئيل التأثير الذي يمارسه الوعي التاريخي الحديث لإضعاف التراثات التي نخضع لها، إذ ليس من اهتمامي أن أضع قواعد للعلوم أو لصرف الحياة، بل أن أسعى إلى تصحيح التفكير الزائف في ماهيتها. " ومن ثم فإن اليومي ليس مادة خامًا تأتي الفلسفة لكي تمنحها المعنى، لأن اليومي نفسه مشبع سلفًا بالتأويلات. إن مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل كشف الشروط التي تجعل شيئًا ما ذا معنى بالنسبة إلينا.

ولذلك فإن الفلسفة حين تقترب من اليومي لا ينبغي أن تتعامل معه باعتباره موضوعًا هامشيًا أو شأنًا منخفضًا قياسًا إلى الموضوعات «الكبرى». إن الحياة اليومية هي المكان الذي تتجسد فيه المفاهيم الكبرى بصورة صامتة. الحرية تظهر في الطريقة التي نختار بها ونمتنع بها ونطيع بها. السلطة تظهر في تفاصيل الخطاب والعادة والمؤسسة. الاغتراب يظهر حين يتحول الإنسان إلى موظف في روتينه الخاص. الاعتراف يظهر في نظرة الآخر إلينا وفي الطريقة التي نمنح بها الآخر حق أن يكون مرئيًا. وحتى الزمن لا يظهر لنا أولًا في المعادلات الفلسفية، وإنما في الانتظار، والملل، والاستعجال، والحنين، والخوف من الغد.

هكذا يتحول اليومي إلى مرآة فلسفية للإنسان. لكن المفارقة أن الإنسان المعاصر يعيش في اليومي أكثر مما عاشه الإنسان في أي زمن سابق، ومع ذلك يبدو أقل قدرة على الإقامة فيه. لقد أصبحت الحياة اليومية مثقلة بالشاشات والإشعارات والصور المتدفقة والأخبار العاجلة والسرعة الاستهلاكية. لم يعد اليومي فضاءً نعيش فيه فحسب؛ لقد أصبح فضاءً تُدار داخله انتباهاتنا ورغباتنا وميولنا. وما يبدو اختيارًا شخصيًا قد يكون في بعض الأحيان نتيجة هندسة دقيقة للرغبة والانتباه. ولذلك فإن فلسفة اليومي اليوم لا تستطيع أن تكتفي بوصف العادات؛ عليها أن تسأل: من يصنع عاداتنا؟ ومن يحدد ما نراه؟ ومن يقرر ما يستحق انتباهنا؟

هنا يتقاطع التأويل مع النقد.

فالإنسان لا يعيش اليومي بصورة بريئة تمامًا؛ إنه يعيش داخل أنظمة من المعنى تسبقه وتؤثر في رؤيته للعالم. اللغة التي نتكلم بها، والصور التي نستهلكها، والأخبار التي تصلنا، والأشياء التي نعتبرها ضرورية، كلها تشارك في تشكيل أفقنا اليومي. ولذلك فإن تفكيك اليومي ليس ترفًا فلسفيًا، وإنما هو محاولة لاستعادة شيء من الحرية أمام ما صار يبدو طبيعيًا وبديهيًا.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم أهمية ما قدمه ميشيل دو سارتو في التفكير في الممارسات اليومية؛ فالإنسان العادي ليس مجرد مستهلك سلبي لما تنتجه المؤسسات والأنظمة، بل يمارس أشكالًا صغيرة من المراوغة وإعادة الاستخدام وإنتاج المعنى.  إن اليومي، في هذا المنظور، ليس فقط مجالًا للهيمنة، بل هو أيضًا مجال للمقاومة الهادئة. قد لا يغيّر الإنسان العالم دفعة واحدة، لكنه يستطيع أن يعيد استعمال الأشياء، وأن يمنح الكلمات معاني أخرى، وأن يخلق لنفسه مساحات صغيرة من الحرية داخل نظام يبدو مغلقًا.

وهنا يصبح اليومي فعلًا تأويليًا ومقاومة تأويلية في الوقت نفسه.

إننا نخطئ حين نبحث عن الفلسفة في الكتب وحدها وننسى أنها تختبر حقيقتها في الحياة. فما قيمة الحديث عن الأخلاق إذا لم نستطع أن نرى الآخر في تفاصيل علاقتنا به؟ وما قيمة الحديث عن الحرية إذا كان الإنسان عاجزًا عن مساءلة عاداته؟ وما قيمة الحديث عن الحقيقة إذا كنا نستهلك كل ما يصل إلينا دون فحص أو تمييز؟ وما قيمة الحديث عن الإنسان إذا لم نستطع أن نفهم هشاشته في لحظات العجز والوحدة والانتظار؟

الفلسفة التي لا تعود إلى اليومي تتحول بسهولة إلى خطاب عن العالم لا يمس العالم.

ولهذا فإن الفلسفة واليومي ليسا حدين متقابلين؛ فالفلسفة هي محاولة لجعل اليومي قابلًا للسؤال، واليومي هو المجال الذي يختبر فيه السؤال الفلسفي صدقه. إن الفيلسوف لا يحتاج دائمًا إلى مغادرة الشارع كي يفكر في الوجود؛ يكفي أن يصغي إلى ما يقوله الشارع من خلال صمته، وضجيجه، وتكراره، وعلاقاته الصغيرة. فالمدينة نص، والبيت نص، والعمل نص، واللغة نص، وحتى الصمت نص يحتاج إلى تأويل.

إن أعظم ما يفعله التأويل هو أنه ينزع عن الأشياء قناع البداهة.

حين نسأل: لماذا نفعل هذا كل صباح؟ لماذا نتكلم بهذه الطريقة؟ لماذا نعتبر هذا طبيعيًا؟ لماذا ننتظر من الآخر أن يكون كما نريده؟ لماذا نخاف من الاختلاف؟ لماذا نقيس النجاح بهذه المقاييس دون غيرها؟ فإننا لا نطرح أسئلة صغيرة، بل نفتح داخل اليومي شقوقًا يطل منها الفلسفي.

وربما لهذا السبب لا تكون الفلسفة في النهاية امتلاكًا للأجوبة، بل استعادةً للسؤال.

إن الإنسان الذي فقد القدرة على السؤال يستطيع أن يعيش طويلًا، لكنه يعيش داخل معانٍ لم يخترها بالضرورة. أما الإنسان الذي يستعيد السؤال، فإنه لا يخرج من اليومي، وإنما يدخل إليه للمرة الأولى. يصبح قادرًا على رؤية ما كان يمر أمامه دون أن يراه، وعلى الإصغاء إلى ما كان يسمعه دون أن ينصت إليه. وهنا يتحول اليومي من فضاء للتكرار إلى أفق للإمكان.

إن الفلسفة لا تقول لنا: اتركوا الحياة اليومية وابحثوا عن الحقيقة في مكان آخر؛ بل تقول، على العكس: عودوا إلى ما تعيشون، ولكن عودوا إليه بعين أخرى.

ذلك أن العالم لا يتغير دائمًا حين تتغير الأشياء؛ أحيانًا يتغير حين تتغير طريقة رؤيتنا لها. وما التأويل إلا هذا التحول الهادئ في النظر: أن نعيد قراءة ما حسبناه مقروءًا، وأن نستعيد السؤال من بين ركام الأجوبة الجاهزة، وأن نمنح المألوف فرصة أن يفاجئنا من جديد.

ومن هنا يمكن القول إن الفلسفة واليومي يلتقيان في نقطة واحدة: المعنى. فاليومي هو المعنى حين يتجسد في العادة، والفلسفة هي المعنى حين يستيقظ من عادته. وبينهما يتحرك الإنسان، لا بوصفه ساكنًا في عالم مكتمل، بل بوصفه كائنًا يؤول باستمرار، ويعيد فهم نفسه كلما أعاد فهم العالم.

ولعل الفيلسوف الحقيقي ليس من يستطيع أن يقول أشياء غريبة عن الحياة، وإنما من يستطيع أن يجعلنا نرى غرابة ما اعتدنا عليه.

وهذه، في النهاية، هي مهمة الفلسفة أمام اليومي: أن توقظ الأشياء من نومها، وأن تردّ إلى الكلمات دهشتها، وإلى الأفعال سؤالها، وإلى الإنسان حقه في أن يفهم ما يفعله قبل أن يواصل فعله.

فاليومي ليس ما يتكرر فحسب؛ إنه ما ينتظر أن نقرأه. والفلسفة ليست ما يُقال عن الحياة؛ إنها ما يجعل الحياة قابلة لأن تُفهم.

***

بقلم: د. معروفي العيد

..................

الهوامش:

1- غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر، ليبيا، طبعة أولى .2007

2- Michel de Certeau, L’invention du quotidien. 1. Arts de faire, Paris, Gallimard, 1990.

أفق النزاع، الأصالة المعرفية، وميتافيزيقا الوجود

المنحول الهلنستي وتشكل النظام الكوني التوفيقي

لم تكن نشأة الفلسفة في الفضاء التداولي الإسلامي مجرد عملية نقل لغوي محايدة للمتون الإغريقية، بل كانت لحظة تلاقح معرفي معقدة؛ دخلت فيها النصوص الفلسفية القديمة محمّلة بتراكمات وتأويلات مدارس الإسكندرية وأثينا وحران المتأخرة. ولم يتلقَّ الفكر الإسلامي المتن الأرسطي في صفائه التحليلي المشائي الأول، بل استقبله مصهورًا داخل بوتقة الأفلاطونية المحدثة التوفيقية التي سعت مبكرًا للدمج بين مثالية أفلاطون المفارقة وفيزياء أرسطو الصورية. وكان للمتون المنحولة التي نُسبت خطأً إلى أرسطو اليد الطولى في تكريس هذا النسق الهجين وتوجيه المسار التأويلي للفلاسفة المسلمين الأوائل.

تمثل المنعطف في علم الكونيات في كتابين رئيسيين شكلا ركيزة الإلهيات المشرقية: كتاب "أثولوجيا أرسطو" (أو كتاب الربوبية)، وهو في حقيقته فصول مستخلصة من "التاسوعات" لأفلوطين، نقلها إلى العربية عبد المسيح بن عبد الله بن ناعمة الحمصي ورتبها أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي؛ وكتاب "الإيضاح في الخير المحض" الذي نُسب كذلك لأرسطو وتبيّن لاحقًا أنه ترجمة واقتباس من كتاب "مبادئ اللاهوت" للفيلسوف الأفلاطوني المحدث برقلس. أفضت هذه النسبة المنحولة إلى وقوع رواد المشائية الإسلامية، لا سيما أبو نصر الفارابي في أطروحته "الجمع بين رأيي الحكيمين" وأبو علي بن سينا في أمهات أعماله، في التباس تاريخي ونظري؛ إذ ظنوا أن نظرية الصدور والفيض المنبثقة عن "الواحد المحض" تنتمي إلى صلب مذهب أرسطو، مما رسخ لديهم مشروعية التوفيق التام بين الرأيين.

ولّد هذا الخلط نظامًا كونيًا توفيقيًا حاول معالجة تقابل عميق بين تصورين للذات الإلهية:

الأول هو التصور الأرسطي الصرف الذي يحدد الإله بوصفه "المحرك الأول الذي لا يتحرك"، فكرًا خالصًا يعقل ذاته دون التفات للعالم المادي، نافيًا عنه أي فعل خلق زمني أو مشيئة مباشرة؛ والثاني هو التصور التوحيدي القرآني القائم على الإله الخالق البارئ الفاعل المختار، الذي يبدع الوجود من العدم ويحيط بكل جزئيات الكون وكلياته إحاطة تامة.

ولتجسير هذه الهوة، طور الفارابي وابن سينا نموذجًا صدوريًا نسقيًا، دمج نظرية الفيض برؤية بطليموس الفلكية القائمة على مركزية الأرض وحركات الأفلاك. وبموجب هذا البناء، فإن المبدأ الأول يعقل ذاته فيفيض عنه العقل الأول بحكم القاعدة:

"الواحد لا يصدر عنه إلا واحد". ويتضمن العقل الأول كثرة اعتبارية ناتجة عن ازدواج تعقله: تعقله لمبدئه وتعقله لذاته بوصفها واجبة بغيرها ممكنة بذاتها، لتتوالى العقول والأفلاك حتى "العقل العاشر" (العقل الفعال)، وهو مدبر عالم الكون والفساد الأرضي والمصدر المعرفي للنفوس والاتصال النبوي. وقد أتاح هذا النسق للغزالي لاحقًا تقويضه من الداخل لكونه بناءً تخمينيًا يفتقر إلى شرط البرهان الأرسطي، كما مهّد لابن رشد لمهاجمته سعيًا لاستعادة النقاء المشائي الأول.

علة الوجود والنص القرآني ومشروعية التفلسف

تطرح إمكانية قيام "فلسفة إسلامية" تتخذ من "علة الوجود" مبحثًا لها سؤالًا عن مدى استقلالية النظر العقلي إزاء نص قرآني حسم قضية الإيجاد بإسنادها إلى الإرادة الإلهية الحرة. ويقتضي حل هذا الإشكال التمييز بين طبيعة "التقرير العقدي الوحياني" وطبيعة "البرهان الفلسفي"؛ فالنص القرآني لم يأتِ منظومة لاهوتية مغلقة تحجر على العقل، بل تضمن دعوة صريحة للنظر والاستدلال والاعتبار في الآفاق والأنفس.

انطلاقًا من هذا المعطى، وضع أبو الوليد ابن رشد في رسالته "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" تعريفًا عمليًا للفلسفة يرفع أي تعارض متوهم، مبينًا أن فعل التفلسف ليس سوى النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع بوصفها مصنوعات؛ فكلما كانت المعرفة بالصنعة أتم، كانت المعرفة بالصانع أكمل. وبذلك تلتقي الفلسفة مع الدين في الغاية وتتمايز في الطرائق.

وقد رسخ ابن رشد قاعدته المشهورة: "الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له"، مقسمًا مراتب التصديق الإنساني إلى ثلاث: المرتبة البرهانية (لأهل النظر والبرهان اليقيني)، والمرتبة الجدلية (لأهل الكلام)، والمرتبة الخطابية (لجمهور الناس القائمين على التخييل والإقناع). وتكفل قانون "التأويل البرهاني" بدرء التعارض بين ظاهر النص ومقتضى العقل بحمل اللفظ على مجازه الشرعي واللغوي، شريطة عدم بث التأويلات الدقيقة بين العامة منعًا لتشويش اليقين الفطري.

التمايز بين الماهية والوجود ونظرية الجهات

شهد تاريخ الفكر تحولًا نوعيًا مع ابن سينا، الذي وسع أفق البحث متجاوزًا الحدود الأرسطية. وتمثلت خطوته الأولى في تأسيس علم ما بعد الطبيعة علمًا برهانيًا كليًا، حاسمًا التردد بين كونه بحثًا في "الموجود بما هو موجود" أو بحثًا في "الجوهر المفارق". فقرر أن موضوع العلم هو الموجود المطلق، أما الذات الإلهية ومفارقاتها فهي مطلوبات العلم وغاياته المبرهن عليها.

واقترن هذا بالتمييز الحاسم بين "الماهية" و"الوجود"؛ إذ بين أن العقل يتصور حقيقة الشيء الذاتية وماهيته دون استلزام لتحققه العيني الخارجي؛ فالماهية في ذاتها محايدة، والوجود ليس جزءًا مقومًا لها في الممكنات، بل هو عارض يلحق بها بفعل علة خارجية تفيض عليها التحقق. ومن هذا التمايز انطلقت نظرية الجهات (الواجب، الممكن، الممتنع)، مؤسسة لأصالة المبحث الوجودي الإسلامي.

أفق النزاع الجدلي وموجبات الحكم بالمروق

بلغ الصدام المعرفي بين المشائية وعلم الكلام ذروته في "تهافت الفلاسفة" للغزالي، ثم في رد ابن رشد في "تهافت التهافت". ولم يكن النزاع خلافًا لفظيًا بل صدامًا بين نسقين كليين: عقلانية برهانية ترى العالم محكومًا بالضرورة السببية وطبائع الأشياء، ورؤية كلامية أشعرية ذرية ترد الوجود إلى جواهر وأعراض تفتقر في كل آن إلى التدخل الإلهي المباشر بلا وسائط ولا حتميات.

تداخل في موقف الغزالي جانبان: جانب منهجي كشف فيه عن تهافت براهين الفلاسفة الميتافيزيقية وتجاوزهم لحدود البرهان المنطقي، وجانب اجتماعي سياسي ارتبط بتموقعه في المدرسة النظامية ومواجهة المد الباطني الإسماعيلي المستند إلى الفيض الكوني لتعطيل الشرائع. وقد حصر الغزالي تكفير الفلاسفة في ثلاث مسائل قطعية: القول بقدم العالم، والقول بعدم إحاطة العلم الإلهي بالجزئيات، وإنكار حشر الأجساد في المعاد؛ بينما أدرج باقي المسائل في دائرة البدع الكلامية القابلة للنظر.

تفكيك أطروحة الشروح والمركزية الغربية

سادت الاستشراق الكلاسيكي في القرنين التاسع عشر والعشرين رؤية ضيقة قادها إرنست رينان وتابعها غوتييه وفون غرونباوم، ادعت أن الفلسفة في ديار الإسلام لم تكن إلا صدى عارضًا وشروحًا ميكانيكية للمتن اليوناني تفتقر للأصالة الإبداعية، وأن الفكر الفلسفي أصيب بـ "موت مفاجئ" بعد ضربة الغزالي بالمشرق ومحنة ابن رشد بالمغرب.

وقد دحضت الدراسات الحديثة المتخصصة هذه النزعة المركزية؛ مبرهنة على أن فعل "الشرح" في التراث الوسيط كان أسلوبًا أصيلًا لإنتاج المفاهيم، ومحاكمة الأنساق، وإعادة بناء الفلسفة وفق متطلبات البيئة الفكرية التوحيدية، مما ضمن استمراريتها وتأثيرها الممتد.

الفلسفة الحاضرية الوجودية الشاملة كأفق مقارن

عند مساءلة هذا التراث في ضوء الفلسفة الحاضرية الوجودية الشاملة، يتكشف لنا أفق جديد للمقارنة المعرفية. فإذا كان النزاع التاريخي القديم قد تمحور حول أسبقية "الماهية على الوجود" أو محاولة توفيق العقل مع النقل ضمن أطر تجريدية صورية أو كوزمية قديمة، فإن الفلسفة الحاضرية تنقل مركز التفكير من التجريد الأفلاطوني-المشائي إلى الوجود المعاش وواقع الفعل الحضاري للإنسان في لحظته الراهنة.

إن الإشكال المعرفي في الفلسفة الحاضرية لا يقف عند إثبات "علة الوجود" نظريًا في السماء، بل يمتد إلى استعادة "حضور" الذات الفاعلة في صياغة التاريخ والشهود الحضاري على الأرض. ومن هذا المنطلق، تبدو ثنائية ابن سينا حول عروض الوجود على الماهية قابلة للتأويل الحديث؛ إذ لا يعود الوجود مجرد عارض منطقي خارجي، بل هو التحقق الحي والمسؤول للإنسان الشاهد. كما أن نقد ابن رشد لخلط الفلسفة بالكلام يلتقي مع دعوة الفلسفة الحاضرية الوجودية إلى إرساء نظر واقعي منضبط يحرر الوعي من الأوهام والمنحولات الزائفة. وهكذا، تصبح الفلسفة الإسلامية في أفقها الحاضري ليست مجرد تراث ميت يستعاد دفاعًا أو نقدًا، بل منطلقًا تأسيسيًا لفهم شروط الوجود الإنساني الشامل وربط البرهان الفكري بالفعل الأخلاقي والحضاري المعاش.

التحليل المعرفي

لا تناقض بنيويًا بين إعمال البرهان العقلي والنص المؤسس، بل يمثل التأويل البرهاني أداة التوفيق والاتساق المنهجي.

مثّل النزاع بين التهافتين صدامًا بين نموذج الضرورة الطبيعية ونموذج الجواز الإمكاني، تداخلت فيه الصرامة المنطقية مع الرهانات الاجتماعية للمرحلة.

يفتح الوصل مع الفلسفة الحاضرية الوجودية الشاملة بابًا لتحويل الفلسفة من ميتافيزيقا سكونية إلى فاعلية وجودية تستأنف السؤال المعرفي في قلب الحاضر.

***

غالب المسعودي

يولد الإنسان في لغة تسبقه، فيتعلم أسماء الأشياء قبل أن يسأل عن دلالاتها، ويتلقى تصنيفات الجماعة قبل أن يختبرها. تختزن الكلمات آثار تجارب وصراعات وأحكام فقدت أسبابها، غير أن ظلالها تلبث فاعلة في الاستعمال اليومي. يتوهم المتكلم أنه يتصرف في لغته بحرية، مع أن الموروث اللغوي قد يتكلم من خلاله، ويستدعي على لسانه مفاهيم لم يخترها وأحكامًا لم يفحصها. تبدأ حريته حين يعي المسافة بين صوته وصوت الجماعة في داخله، ويميز ما يعبر عن خبرته مما تفرضه العادة، ثم يعيد ابتكار لغته بما يتسع لتجربته ويحفظ حق الآخر في أن يكون مختلفًا. يقول مارتن هايدغر: "يتصرف الإنسان كما لو كان هو صانع اللغة وسيدها، في حين أن اللغة تظل سيدة الإنسان"1.

مَن يمتلك سلطة التسمية يوجّه الوعي؛ فالاسم، فضلًا عن دلالته على الشيء، يحدد موقعه في منظومة المعنى، ويستدعي حياله الخوف أو الطمأنينة، والقبول أو الرفض، والحب أو الكراهية. ومَن يحتكر تسمية الأشياء يسيطر على نظام إنتاج المعنى ويستطيع توظيفه، ويمنح المواقف والأفعال شرعيتها أو يسلبها منها؛ هكذا تسمي السلطة المستبدة القمع أمنًا، والاستبداد استقرارًا، والإقصاء حماية للهوية، والاحتلال تحريرًا، والامتياز حقًا، والاعتراض فتنة. تكشف التجارب المريرة للاحتلال، منذ الاستعمار الإمبراطوري القديم إلى الاستيطان الحديث، عن تعمد تبديل أسماء المدن والقرى والمواقع والأنهار والبحار والبحيرات؛ لمحو ذاكرة السكان الأصليين، وطمس هويتهم، وإعادة رسم هوية المكان بلغة المحتل. الاسم ليس علامة محايدة، إنه مستودع للذاكرة، وسجل لتاريخ الجماعة، وشاهد على صلتها بأرضها. حين ينتزع المحتل الاسم من المكان، يحاول اقتلاعه من ذاكرة أهله، وقطع الصلة بين الأجيال وتاريخها، وإحلال روايته محل روايتهم. حماية الذاكرة الوطنية تبدأ باسترداد الأسماء الأصلية، وحماية هوية المكان من المحو، وصيانة حق السكان في رواية تاريخهم بلغتهم وأسمائهم. ترسخت هذه السياسة الموجعة في المناطق التي أخضعتها القوى الأوروبية في الأمريكتين وأستراليا، وتواصلت بأقسى صورها في فلسطين، حيث لا يكون تبديل الاسم عملًا لغويًا محايدًا، وإنما أداة للاستحواذ الرمزي على المكان، وقطع صلته بتاريخه وسكانه الأصليين. لا يستهدف هذا التغيير الأسماء وحدها، بل يسعى إلى محو ذاكرة المكان، وقطع صلته بتاريخه وسكانه، وإحلال رواية المتغلب محل رواية أهله.

لا تغير السلطة الأسماء اعتباطًا؛ لأنها تدرك أن تبديل الاسم يبدل الحكم على المسمى، ويمنح الفعل القبيح مظهرًا مقبولًا. لا تكتفي التسمية بوصف الواقع، وإنما تعيد تشكيله في الوعي، وتحدد موقع الأشخاص والأفعال والأماكن في منظومة القيم. تصير تسمية الأماكن أداة للاستحواذ الرمزي؛ فمن يفرض عليها أسماءه يحاول امتلاك تاريخها، وإعادة صياغة هويتها، والتحكم في صورتها المستقرة في ذاكرة الأجيال. هكذا يتحول الصراع على دلالات الكلمات إلى صراع على القيم والمعايير والمعتقدات، ويغدو تحرير المعجم العام شرطًا لتحرير الإنسان من الخداع والتضليل. تبدأ نهضة المجتمعات حين تسترد كلماتها من قبضة الأيديولوجيا، وتكشف ما تراكم في دلالاتها من تزييف، وتعيد إليها قدرتها على قول الحقيقة، واستيعاب السؤال والاختلاف، وابتكار إمكانات جديدة للحياة.

نقد اللغة ضرب من تفكيك سلطة الأحكام المسبقة؛ الكلمات تكشف طرائق التفكير، وأنماط الشعور، وما يختبئ في اللاوعي من أحكام مضمرة. تهذيب اللغة إعادة تربية للشعور والذوق، وتصحيح لعلاقة الإنسان بذاته وبمن يختلف عنه، وتحرير للوعي من ألفاظ التعصب والاحتقار والإقصاء. كلما تهذبت اللغة اتسعت للاختلاف، وصانت كرامة الإنسان، وفتحت أفقًا للحوار والتفاهم والعيش المشترك. تجديد اللغة ليس استبدال ألفاظ بأخرى فقط، إنه مراجعة لنظام القيم الكامن فيها، وبناء لمعجم يعترف بالإنسان، ويحمي حقه في التعبير عن ذاته، من دون أن تحاصره أحكام الآخرين وتسمياتهم الجاهزة.

لا يتحرر الإنسان من أسر اللغة إلا حين ينتبه إلى ما تخفيه كلماتها من أحكام مضمرة، وينقد دلالاتها الموروثة، ويعيد فهمها في ضوء وعيه وخبراته. الكلمات لا تصف الإنسان والعالم فقط، وإنما تسهم في تشكيل نظرته إليهما، وتحدد مواقفه منهما. حين يراجع الإنسان معجمه، ويطهره من ألفاظ التحقير والكراهية والإقصاء والعنف، يتحرر وعيه من كثير من أوهامه، وتتسع لغته للاختلاف، وتصير أقدر على حماية الكرامة وفتح أفق للتفاهم والعيش المشترك.

قد تتحول الكلمة من وصف للإنسان إلى قدر يلاحقه؛ فالتسمية التي يلصقها الآخرون به تختزله في صفة جارحة، وتضعه في سجن كئيب يحجب مواهبه، ويطمس تنوع شخصيته وثراء تجربته. يحدث ذلك حين يلصقون بفرد أو جماعة تسمية ازدرائية، فلا يقف أثرها عند حدود الحكم العابر، وإنما يمهد للتمييز والعزل والحرمان، وربما يسوغ العنف. تبدأ القسوة في المعجم قبل أن تنتقل إلى السلوك، ويبدأ الاعتراف بالآخر حين ينادى بالاسم الذي يصون كرامته ويقر بحقه في الاختلاف. العناية بالكلمات مسؤولية أخلاقية؛ لأن تهذيب اللغة يسهم في بناء علاقات راسخة، ويحول دون اختزال البشر في قوالب جامدة، ويفتح المجال أمام كل إنسان كي يعبر عن ذاته بصوته، بعيدًا عن الأسماء التي يفرضها عليه الآخرون.

ترسم اللغة للإنسان أفقًا يرى فيه ملامح العالم الذي يود أن يسكنه؛ فقد تسهم في تشكيل صورة جميلة للحياة، وقد ترسم عالمًا كئيبًا يرهقه ويستنزف روحه. اللغة مرآة تنعكس فيها أعماق الإنسان بما تختزنه من نور أو ظلمة، وقوة تسهم في تشكيل هذه الأعماق، وجسر يعبر به من العتمة إلى الإشراق، ومن ضيق الأفق إلى سعته، ومن التيه إلى المعنى الذي يبحث عنه. حين تستيقظ في اللغة طاقة الانكشاف، توقظ البصيرة، وتمنح الإنسان قدرة على رؤية ذاته والوجود بعين أكثر اتساعًا وجمالًا، وتفتح أمامه إمكانات جديدة للفهم والتأويل. اللغة الدافئة تنبه الضمير من غفلته، وتطهر القلب من سموم الكراهية، وترمم ما بددته القسوة والجفاء في العلاقات الإنسانية. في هذه اللغة طاقة خفية تضمد جراح النفس، وتخفف مشاعر القلق والحزن، وتصالح الإنسان مع ذاته والآخرين والحياة. الكلمة الرحيمة لا تغير العالم كله، غير أنها قد تغير عالم إنسان منكسر، وتمنحه سببًا جديدًا للأمل ومواصلة الحياة.

حين تنغلق اللغة في قوالب جامدة، تضيق دلالاتها، وتخبو قدرتها على توليد المعنى، فتتحول إلى عبء يثقل الفكر ويحبس الروح. أما اللغة الحية فتتجدد بتجدد التجربة، وتبتكر كلمات تكشف ما لم يكن مرئيًا، وتمنح الإنسان قدرة على الإفصاح عما يختبئ غامضًا في أعماقه. لا تقاس حيوية اللغة بكثرة مفرداتها، وإنما بقدرتها على الاستجابة لأسئلة العصر، واستيعاب الخبرات الجديدة، وابتكار آفاق للمعنى لم ترها الأجيال السابقة. تموت اللغة حين تكرر أجوبتها القديمة، وتفرضها على أسئلة جديدة، وتحيا حين تصغي إلى الإنسان، وتواكب تحول تجاربه، وتمنحه إمكانات أوسع لفهم ذاته والعالم. تجديد اللغة لا يعني القطيعة مع ميراثها، وإنما تحرير طاقاته الكامنة، وإعادة تأويل كلماته في ضوء حاجات الحاضر وآفاق المستقبل. كل لغة تعجز عن الإصغاء إلى إيقاع الحياة تنغلق وتتحجر تدريجيًا، وكل لغة تستوعب تحولات الإنسان تكون قادرة على إيقاظ العقل وإنتاج المعنى.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

................

1- هيدغر، مارتن، البناء، السكن، التفكير: كتابات أساسية، ترجمة وتحرير: إسماعيل المصدق، ج 2: ص 222، 2003، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

إذا كان الإنسان قد بدأ رحلته مع العمر، واكتشف في الألم هشاشة وجوده، وتعلم بالصبر كيف يثبت، وبالتوكل كيف يحسن السعي دون أن يستسلم لقلق النتائج، وبلغ بالرضا سكينة النفس أمام حكمة الوجود، ثم عرف بالمحبة أن القلب لا يستقيم إلا إذا توحد محبوبه الأعلى، واستنار بالمعرفة فأدرك أن الحقيقة أوسع من حدود ما يراه ويملك، فإن الرحلة لا تبلغ غايتها إلا حين تتجمع هذه المعاني في أصل واحد، وتتجه إلى مقصد واحد. ومن هنا يظهر التوحيد في أفق الوجود الإنساني لا باعتباره فكرة تضاف إلى ما سبقها، وإنما باعتباره الحقيقة التي تنتظم فيها خيوط الرحلة كلها، والغاية التي تتجه إليها مدارج الكمال والجمال.

فالتوحيد، في هذا الأفق، ليس مجرد أن يعرف الإنسان أن الله واحد، وإنما أن تنعكس هذه الحقيقة على بناء وجوده كله، فينتقل من التعدد المشتت في المقاصد إلى وحدة الغاية، ومن اضطراب الإرادة إلى استقامتها، ومن التعلق المتفرق بالموجودات إلى إدراك موقع كل موجود في نظام أوسع من ذاته. إنه انتقال من معرفة الوحدة إلى أن تصبح الوحدة مبدأ ناظما للحياة.

فالإنسان قد يعيش حياته موزعا بين غايات كثيرة؛ يريد المال، والمكانة، والنجاح، والأمان، والحب، والمعرفة، والاعتراف الاجتماعي، وقد تتحول هذه المطالب المشروعة في أصلها إلى قوى متنافسة داخل النفس، فيصبح الإنسان ممزقا بين ما يريد وما يخشى، وبين ما يحب وما يطلب، وبين ما يعرف أنه ينبغي أن يكون عليه وما تغلبه عليه رغباته. وليس الخلل في تعدد حاجاته، فالتعدد جزء من طبيعة الحياة الإنسانية، وإنما الخلل حين تتحول هذه الحاجات إلى غايات نهائية مستقلة، فيفقد الإنسان البوصلة التي تنتظم بها رغباته وأفعاله.

ومن هنا تتجلى قيمة التوحيد بوصفه وحدة للمقصد لا إلغاء للتعدد. فالإنسان الموحد لا يتوقف عن العمل، ولا يتخلى عن حاجاته الإنسانية، ولا يرفض علاقاته بالعالم، وإنما يعيد وضع كل ذلك في موضعه الصحيح. يعمل، لكنه لا يجعل العمل معبودا؛ يطلب المال، لكنه لا يجعل المال غاية وجوده؛ يحب، لكنه لا يحول المحبوب الجزئي إلى مطلق يستعبد قلبه؛ يطلب المعرفة، لكنه لا يجعل المعرفة وسيلة للغرور والاستعلاء. وهكذا لا يمحو التوحيد تعدد الأشياء، وإنما يمنعها من أن تتعدد في قلب الإنسان بوصفها غايات مطلقة.

ومن هنا يمكن القول: إن التوحيد يبدأ من تحرير الإنسان من تعدد المعبودات المعنوية قبل أن يظهر في أي صورة أخرى. فالإنسان قد لا يسجد لصنم، لكنه قد يخضع في أعماقه لسلطان المال، أو الشهرة، أو القوة، أو رضا الآخرين، أو الخوف منهم، أو التعلق المرضي بالامتلاك والسيطرة. وقد يتحول ما كان وسيلة إلى غاية، وما كان خادما للإنسان إلى سيد عليه. ولذلك فإن التوحيد، في معناه الوجودي، يعيد ترتيب علاقة الإنسان بكل ما حوله، فيسترد الإنسان حريته الداخلية، لأنه لا يمنح شيئا من الموجودات قدرة مطلقة على تحديد قيمته أو مصيره أو معنى حياته.

وهنا تتضح الصلة العميقة بين التوحيد والمحبة، فالمحبة وحدت وجهة القلب، والتوحيد يمنح هذه الوحدة أصلها وغايتها. وإذا كانت المحبة قد علمت الإنسان أن يحب الله فوق كل محبوب، فإن التوحيد يكشف له أن ما عداه لا يستقل عنه في الوجود ولا في القيمة ولا في الغاية. وبذلك تتحول المحبة من مجرد انجذاب وجداني إلى رؤية تنتظم بها علاقة الإنسان بالعالم كله.

كما تتصل المعرفة بالتوحيد اتصالا لا يقل عمقا. فقد قادت المعرفة الإنسان من ظواهر الأشياء إلى معانيها، ومن الكثرة إلى البحث عن الوحدة، ومن الجمال المتفرق إلى السؤال عن مصدر الجمال، ومن الكمالات الجزئية إلى التطلع إلى الكمال المطلق. فإذا بلغت المعرفة هذا الأفق، لم تعد غايتها أن تزيد عدد الأشياء التي يعرفها الإنسان، وإنما أن تكشف له وحدة الأصل والغاية، وأن تجعل وعيه بالوجود أكثر قدرة على رؤية المعنى الذي ينتظم تعدده.

وهنا يصبح التوحيد اكتمالا لمسار المعرفة، لا بمعنى أن الإنسان يحيط بالحقيقة إحاطة تامة، فهذا يتجاوز حدود الوجود الإنساني، وإنما بمعنى أن المعرفة تقوده إلى إدراك موقعه أمام الحقيقة، وإلى الاعتراف بحدوده، وإلى تجاوز وهم امتلاك الحقيقة إلى السعي الدائم في طلبها. ومن هنا كان التواضع ثمرة مشتركة للمعرفة والتوحيد؛ فكلما اتسعت بصيرة الإنسان، ازداد إدراكه لمحدوديته، وكلما ازداد إدراكه لعظمة الحقيقة، قل تعلقه بوهم الاكتفاء بذاته.

وإذا كان الصبر قد هذب الإرادة، والتوكل قد حررها من وهم السيطرة المطلقة، والرضا قد منحها السكينة، والمحبة قد وحدت وجهتها، والمعرفة قد أنارت بصيرتها، فإن التوحيد يجمع هذه الآثار كلها في بناء واحد. فهو لا يلغي الإرادة، وإنما يجعلها أكثر استقامة؛ ولا يلغي العقل، وإنما يحرره من الغرور؛ ولا يلغي القلب، وإنما يخلصه من التعلق بما يستعبد؛ ولا يلغي العالم، وإنما يعيد الإنسان إلى العالم وهو أكثر قدرة على التعامل معه دون أن يصبح أسيرا له.

فبهذا المعنى تتكشف وحدة الرحلة كلها، فما بدا في البداية فضائل متفرقة، يتبين في النهاية أنها كانت تعمل في اتجاه واحد؛ وهو تحرير الإنسان من التشتت الداخلي، وبناء وحدة متماسكة بين قلبه وعقله وإرادته ومقصده.

ومن هنا لا ينبغي أن يفهم التوحيد على أنه إلغاء للكثرة، لأن الكثرة جزء من نسيج الوجود الإنساني والعالم الذي يعيش فيه. فالإنسان واحد في مقصده، لكنه متعدد في أدواره؛ يحب ويعمل ويتعلم ويعطي ويأخذ، وله حاجات جسدية وعقلية وروحية، ويعيش في شبكة واسعة من العلاقات والمسؤوليات. ولا يتناقض ذلك مع التوحيد ما دامت هذه الكثرة لا تتحول إلى مراكز مستقلة تتنازع قلبه، وما دامت كلها تنتظم في غاية أعلى تمنحها معناها.

ومن هنا يمكن صياغة إحدى أهم نتائج الرحلة كلها، وهي أن التوحيد لا يمحو الكثرة، وإنما يكشف وحدتها في المقصد والمعنى.

وهذه الوحدة لا تعني أن الأشياء تصبح شيئا واحدا، ولا أن الفروق بين الموجودات تزول، وإنما تعني أن الإنسان يتعلم أن يرى التعدد في ضوء الأصل الذي يمنحه دلالته، وأن يرى الكثرة دون أن يفقد الوحدة، وأن يتعامل مع الجزئيات دون أن ينسى الكلي، وأن يعيش التفاصيل دون أن يغيب عنه المعنى الأكبر.

ولذلك فإن الإنسان الموحد لا يكون أقل اتصالا بالعالم، وإنما يكون أكثر وعيا بموقعه فيه. فهو يرى في الإنسان قيمة لا لأنه يملك ما يحتاج إليه، وإنما لأنه إنسان؛ ويرى في العلم وسيلة إلى كشف الحقيقة لا وسيلة إلى الاستعلاء؛ ويرى في المال أداة للعمران لا معيارا للقيمة؛ ويرى في القوة مسؤولية لا امتيازا مطلقا؛ ويرى في الجمال دعوة إلى التأمل لا ذريعة للامتلاك؛ ويرى في الحياة نفسها أمانة لا ملكية مطلقة.

ومن هذا المنطلق يصبح التوحيد قوة تحرير أخلاقية ووجودية في آن واحد؛ إذ يعيد الإنسان إلى مركز مسؤوليته، ويمنحه معيارا يتجاوز تقلبات الأهواء والمصالح. فالإنسان الذي تتوحد غايته يستطيع أن يقول: "لا" لما يخالف هذه الغاية، حتى لو كان مغريا، وأن يقول: "نعم" لما ينسجم معها، حتى لو كان شاقا. وهنا تتحول الحرية من مجرد قدرة على الاختيار إلى قدرة على اختيار ما يستحق أن يختار.

وفي التجربة الروحية، تتخذ هذه المعاني أفقا أعمق، لأن التوحيد لا يبقى مجرد فكرة يتأملها العقل، وإنما يصبح حضورا للمعنى في القلب والسلوك، بحيث لا يعود الإنسان موزعا بين إرادات متصارعة.

وقد عبر المتصوفة، كل بحسب لغته ومصطلحاته، عن هذا الانتقال من تعدد الالتفاتات إلى وحدة المقصد، ومن التعلق بالأسباب إلى رؤية مسبب الأسباب، ومن تشتت القلب إلى جمعه على الله.

غير أن الغاية من استحضار هذا الأفق الروحي ليست تحويل الحديث إلى تاريخ للمصطلح الصوفي، ولا الدخول في الجدل الطويل حول العبارات التي ارتبطت بمفهوم الوحدة في بعض الكتابات الصوفية؛ فالمقصود هنا هو الكشف عن الأثر الذي يتركه التوحيد في الإنسان حين يتحول من قضية يعرفها العقل إلى حقيقة تستقيم بها الحياة.

وهنا تحديدا يظهر الفارق بين أن يعرف الإنسان التوحيد وأن يعيش مقتضى التوحيد. فقد يعرف الإنسان الحقيقة ثم يبقى أسيرا لهواه، وقد يحفظ كثيرا من الكلام عن التوحيد ثم يظل قلبه معلقا بالمخلوقين، وقد يتحدث عن الحرية وهو خاضع لسلطان المال أو الشهرة أو الخوف. أما حين يستقر التوحيد في الوجود الإنساني، فإنه يبدأ بإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج، فيتوحد المقصد، وتستقيم الإرادة، ويهدأ القلق، وتتحرر النفس من الاستعباد لما سوى الله.

وعند هذه النقطة نكتشف أن التوحيد ليس نهاية الرحلة بمعنى توقف الإنسان عن السير، وإنما هو اكتمال الاتجاه. فالمسافر قد يظل سائرا، لكنه لم يعد تائها؛ وقد يظل يبحث، لكنه لم يعد يبحث في كل اتجاه؛ وقد يظل يعيش في عالم متغير، لكنه لم يعد يجعل تغير العالم معيارا ثابتا لمعنى وجوده.

وهكذا يصل الإنسان إلى عتبة جديدة من الوجود؛ عتبة لا يتخلى فيها عن الدنيا، وإنما يتحرر من أن تكون الدنيا غايته؛ ولا يتوقف عن المحبة، وإنما تتطهر محبته من الاستعباد؛ ولا يتوقف عن المعرفة، وإنما تتحول المعرفة إلى بصيرة؛ ولا يتخلى عن الإرادة، وإنما تصبح إرادته أكثر انسجاما مع الغاية التي اختارها لوجوده.

ومن هنا يظهر السؤال الذي يقود إلى تمام الصورة؛ ماذا يفعل التوحيد بالإنسان حين يصبح حقيقة حية في وعيه ووجدانه وسلوكه؟ وكيف تتحول وحدة المقصد إلى سكينة القلب، وتحرير الإرادة إلى حرية الروح، ووضوح الغاية إلى اكتمال الإنسان في مدارج الكمال والجمال؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تفتح الأفق الذي تتجلى فيه ثمار التوحيد في الحياة الإنسانية، وتكشف كيف يعود الإنسان إلى العالم بعد أن استرد وحدته الداخلية؛ عودة لا تعني الانفصال عن الحياة، وإنما الدخول إليها بوعي أعمق، وإرادة أكثر حرية، ومحبة أكثر صفاء، ومعرفة أكثر بصيرة....... وهذا ماسيكون موضع حديثنا القادم في الجزء الثاني للمقال إن شاء الله.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

- النزوع إلى القديم:

لم يكن الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، طيّب الله ثراه، في مجموعته القلميَّة الممتازة "وحي القلم" هو أول من قال بفكرة "التوليد"، (لم يكن لها مبتكراً، ولا كان بها منتهجاً طرائق التجديد والتفرُّد والابتكار)، كما سلفت الإشارة إليه في المقال السابق. والرجل - بغير خلاف - أديبٌ بالملكة وبالطبع، وأديبٌ بمقاييس الوصف والتخريج، وأديبٌ مرة ثالثة بمقاييس الأدب الإنشائي التعبيري: أدّبَه القرآن، وأورثه حنكة التنبُّه واليقظة، فصار يثقف من هنا ويلقف من هناك، وبات يضرب بقلمه في ميدان البيان في غير غرابة ولا عجب أن تأتي ضرباته وكلها من نور المعنى الثاقب مقرونة بجهد النظر وخميرة التحصيل.

ليت ألفاظه وتراكيب عباراته كانت مُوجّهة لفكر حيّ جديد ..! وإنمّا، مع شديد الأسف، كانت حركة المنهج الهابط مسيطرة عليه ومُغلِّفة له بغلاف داكن كثيف، فلم يعد ينظر بها إلى شيء إلا كما ينظر اليوم أبناء الربع الأخير من القرن العشرين إلى غوابر الماضي وأشباح الغابرين.

وقد كان الرافعي، فيما أخذ عليه، ينقل البيئة العربية بكل تفاصيلها إلى العصر الذي يعيش فيه ويحيا تفاصيله، فلا يرى بينه وبين الجاحظ والمتنبي وابن رشيق وفحول الأدباء والشعراء العرب فرقاً يتخطى حواجز الزمن. لم يستطع أن يأخذ عنهم أدب الفكرة وأدب التفسير، ولكن غلب على طبعه الإنشاء التعبيري، فكان أدب التعبير هو غاية الغايات لديه، كما كان أصدقاؤه من قُدامى الأدباء معه في مجالس الأدب ومحاضرات الشعراء ونوادي الفكر والثقافة؛ كانوا أجساداً وهياكل كأن الزمن الذي يعيشه زمن الجاحظ، والأيام أيام المتنبي، وروح الحياة التي يتنفّسَها شهيقاً وزفيراً هي هي روح الحياة التي كان الشريف الرضيّ وابن رشيق يتنفساها شهيقاً يتلوه الزفير.

لكن "قيمةً" عزيزة بقيت عالية في أعمال "الرافعي" الأدبية، تسري سريان الدم في العروق يتجدّد بنبض الحياة، وإنْ لم يكن هو نفسه، يريد لها مثل ذلك السّريان أو مثل هذا التجديد.

لم يكن "التوليد" المقصود إلا نوعاً من حكمة الأخذ بآراء السابقين، والنظر الدائم في تراثهم الفكري وآثارهم الأدبيّة والثقافيّة، فينشط الفكر وتتقد القريحة وتتناغم خلايا المزاج العصبي، فيتولّد عن المقروء والمحفوظ سرّ النبوغ من خميرة تحصيل تراث الأوائل الأقدمين.

هنالك يحصل للمبدع على التحقيق عملية الخلق والإيجاد بين تلافيف الذهن؛ بمزاج عصبي عقلي خاص، هو ما كان أطلق عليه "التوليد".

من اللازب اللازم علينا قبل الشروع في شرح هذه العمليّة العقليّة أن نبيّن: أكان "الرافعي" - وهو القائل بهذه الفكرة التنويريّة المُبدعة - من دعاة "التنوير" أم من دعاة "التضليل"؟!

ليس في إحياء التراث وتلمس قِيَمُه، والصبر على تنقيحه وتحليله، وضبط مفاهيمه، عيبٌ يُعاب، وإنما العيب حقاً هو نقل التراث برمته نقلاً غير مدروس، إلى العصر الذي نعيش فيه. فالذي يفعل ذلك يفكر بمنهج هابط يُمليه عليه المبدأ العام الذي توخّاه منذ البداية وحرص على تطبيقه، فلا يراعي واقعاً مفروضاً ولا يرعى حياة متجدّدة؛ فهو لا يريد أن يأخذ القيمة مجرّدة عن قشرتها الخارجية، بل يريد أن يبتلع القشور وفي جوفها اللباب، لكأنما ذلك المنهج الهابط لا يهيئه عقليّاً ولا ذهنيّاً بقدرة الفض والعزل والتنقيح بين لب ينفع وقشر كالزبد يذهب جُفاء.

فلئن كانت آدابنا القديمة في عصورها المختلفة معيناً لا ينضب، وأصلاً ذوقيّاً خالصاً لا ينبغي الانصراف عنه كل الانصراف؛ فلنأخذ منه "قيمة" ندرك بها أشعة الشمس الجديدة التي تشرق علينا؛ فنضيف الأولى إلى الثانية، والثانية إلى الأولى، وكلاهما إلى الثالثة؛ ليتولّد عن المزيج حياة جديدة لا تحرمنا من ظلها الوارف وهويتنا العصماء، ولا تحرمنا كذلك من التطورات المستجدة والسعي وراء أسباب التقدّم فيها.

ولقد كان الرافعي يرى، وهو في رأيه هذا جانبه التوفيق، أن المجدّدين يُقتّلون "الهُويَّة" تقتيلاً يجعلهم يحلّون عُرى الروابط الإسلاميّة الوثيقة؛ لتتفكك الأمة ويتناثر شملها تناثر الهشيم تزْرُه الرياح. هنالك تصبح لقمة سائغة تأكلها الأطماع، وفريسة سهلة تنهشها الأنفس الجائعة، وتتربّص بها يقيناً دوائر السوء.

ولأجل ذلك؛ لفظ كل غريب في رأيه ودخيل، وكل وارد مبتور، وكل جديد في نظره لا يعرف له سنداً من صحة، ولا أصلاً من صدق الدليل؛ فهاجم هجوم من ينظر إلى الآخريين بعين واحدة، ورأى في حركة التجديد تحديثاً يجلب العار والشّنار؛ فدافع عن الماضي وقبع فيه قبوع من يدفن أنفه راغماً في جوف التراب. عاش الرافعي على هامش التاريخ العقلي والفكري، وماتت أفكاره تحت سنان أقلام كانت عُرفَتْ معنى "التوليد" الحقيقي لا المزيف، كما عرفت معنى التجديد المطبوع لا المصنوع.

فلئن كان الرجل متديناً بالطبع والفطرة والتربية، وأخلاقيّاً صافي الروح، عالي الهمّة، حافظاً للأمانة، حاملاً لها في غير ضيق ولا ضجر ولا نصب، ولم تكن غايته في هذه الدنيا - وهي غاية الأحياء المُكرّمين جميعاً - سوى أن يرضى الله عنه في دأبه وعمله ومسعاه؛ فهو ولا ريب كان من أهل الاعتصام بحركة الفكر المنهجي الهابط الذي لا يتدارك واقعاً عاشه أو دنيا أصابها. وقد تقدّم أن هذه الحركة الهابطة بعيدة عن النزوع الفلسفي الصاعد.

دُلّني أنت على الحجة في هذا الكلام، أدلّك أنا على منهجها: أنازل هو أم صاعد؟ وبأيةِ طريقةٍ إدراكيةٍ كان يفكر صاحبها، كما يفكر الآن أنصاره من النسخ الآدميّة التي تكررّها لنا الدنيا ولا تنقطع عن التكرار؟!

يقول الرافعي، رحمه الله،:" ... إنّهم جبابرة هؤلاء الذين يأبون إلا أن يكونوا علماءنا وسادتنا؛ ليصرّفوا عقولنا ويغيروا عقائدنا ويصلحوا آدابنا ويدخلونا في مساخط الله ويهجموا بنا على محارمه ويركبونا معاصيه. إنْ هم في أنفسهم إلا عامة وجهلة وحمقى إذا وزنوا بعلماء الأمة وقيسوا إلى حكماء الدنيا، وما يكتبون للأمة في نصيحتها وتعليمها إلا ما يتحوّل من كلمات وجمل في الصحف والكتب إلى أن يصيروا في الواقع فُسَّاقاً وفجرة وملحدين وساخطين ومفسدين؛ فالمصيبة فيهم من ناحية العلم الناقص في وزن المصيبة فيهم من ناحية الخلق الفاسد، وهاتان معاً في وزن المصيبة الكبرى التي يجنون بها على الأمة لتهديمها فيما يعملون، وتجديدها فيما يزعمون (وحي القلم ج٣: من مقال: فيلسوف وفلاسفة).

هل تذكرت سالف قولنا إنّ رد الفعل عند أنصار القديم يتمثَل في "هجوم العاجز الضعيف"، وما كان العجز ها هنا عجزاً عن الفصاحة، ولا الضعف كذلك ضعفاً عن هجوم يلبس أثواب البيان، وإنّما العجز الذي قصدناه هو خلوّ الوفاض من أثر الفكرة فيك أنت كقارئ، وضعف صاحبها عن أن يُقدّم دليلاً ناهضاً على صحة قولٍ يصح قوله في هذا المقام.

وماذا عساه كان يملك ذلك الذي أعوزته الحجة وغادره البرهان إلا أن يهتف في الناس مُشعلاً فيهم حماسه الخطابي وفرقعته اللفظيّة بأن أعداءَه كانوا يرون أن لا قيمة في الماضي كلما استطالت به الأيام، وأنهم يخدعون الناس بكل جديد يرونه تقدّماً، وبكل غريب بدا لهم من أمره تطوراً، وأنهم ضد الدين والأخلاق والإسلام، وأنهم وصموا هذا كله بالتأخر والتخلف والرجعيّة والانغلاق؟!

كذلك كان "الرافعي" في ضجيجه البَرَّاق!

من سؤال النهضة إلى سؤال الهُويّة والتقدُم:

ما كان لنا اليوم أن نكتب ذلك أو مثله، ونحن على أعتاب قرن جديد لو لم يكن في حياتنا الثقافيّة والفكريّة ألف ألف "رافعي" جديد.

قد يُقال: ما علاقة هذا كله بالتنوير؟ وهل فلسفة التنوير تسمح بسرد هذه القضية (أعني الأصالة والمعاصرة) القديمة المتجدّدة، وهي التي حُفيت أقلام رواد الفكر العربي الكبار (الحديث والمعاصر) في علاج مسائلها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والقرن العشرين كله، وحتى الآن، هل من ضرورةٍ للرجوع إليها اليوم؟!

وعندي أنه لم يكن الوعي كافياً في القديم لاستجلاء فكرة التقدّم في الوعي العربي بمعزل عن لغة الضيق والتحجير، ولا كان كافياً لاستخلاص ثمارها على مستوى الفكر والواقع، صحيح أن هنالك مفكرين كبار كتبوا كثيراً فيها، وأظهرهم عناية وبحثاً وخصوبة إنتاج هو أستاذنا الدكتور زكي نجيب محمود، (ت ١٩٩٣م) طيّب الله ثراه، ولا أعتقد أن أحداً من طلائع النهضة العربية أسهم بإنتاج وفير في هذه القضية مثل ما أسهم هو بغزارة إنتاجه.

ولكنه، رحمه الله، وغيره - ممّن كتبوا في قضية الأصالة والمعاصرة أو فكرة التقدّم - لم يجدوا وعي الناس كافياً ولا حاضراً، وإلا لما أصبح الحال بعد مرور هذه الفترة الزمنية الطويلة كما ترى اليوم: ذوبان الهويّة وضياعها، وفساد الأخلاق فساداً قل أن يعالج.

على أنّ الأدق فلسفيَّاً ألا تُقدَّم قضية الأصالة والمعاصرة بوصفها مسألة تراثية قديمة، بل بوصفها إشكالاً حديثاً نشأ مع صدمة الحداثة الغربية وتحوّل الوعي العربي من سؤال النهضة إلى سؤال الهويّة والتقدّم.

ومن هنا يمكن وصلها بفلسفة التنوير لا بوصفها قضيّة مكرّرة، بل بوصفها اختباراً لمقدار ما استقر في الوعي العربي من معنى التنوير ذاته.

لقد كثر الكلام عن الأصالة والمعاصرة، دون أن ينضج الوعي الذي يجعل منهما مركبين متكاملين في مشروع حضاري واحد. فالأصالة ليست عبادة الماضي، والمعاصرة ليست عبادة الحاضر. الأولى ليست مجرد حفظ الموروث، والثانية ليست مجرد اللحاق بالوافد. الأصالة، في معناها العميق، هي قدرة الثقافة على إنتاج ذاتها، من داخل ذاكرتها التاريخيّة؛ والمعاصرة هي قدرتها على الحضور في زمنها حضوراً نقديّاً فاعلاً.

وعند هذه النقطة تحديداً تلتقي قضية الأصالة والمعاصرة بفلسفة التنوير؛ فالتنوير، في جوهره، ليس مجرد انتقال من القديم إلى الجديد، ولم يكن انتصاراً زمنياً للحاضر على الماضي، بل هو تحرير العقل من عجزه عن استعمال نفسه؛ فإن السؤال الحقيقي - من ثمّ - ليس: أيهما نختار، الأصالة أم المعاصرة؟

وإنما أي عقل يستطيع أن يكون أصيلاً ومعاصراً في آن؟ كما كان عابد الجابري يقول، ذلك أن العقل الذي يستوجب فقد أصالته يستورد معاصرةً لا يصنعها.

والعقل الذي يرفض المعاصرة، يحفظ أصالةً لا يستطيع إنزالها من الذاكرة إلى التاريخ. ولذلك، فإنّ العودة اليوم إلى قضية الأصالة والمعاصرة ليست عودةً إلى قضية قديمة، بل عودة إلى سؤال لم يُحسم أصلاً. بل لعل الأخطر من هذا هو أن الزمن قد كشف أن كثيراً ممّا ظُنَّ أنه معاصرة لم يكن إلا ذوباناً في الوارد، وأن كثيراً ممّا ظُنَّ أنه أصالة لم يكن إلا انكماشاً في التراث القديم.

من ذلك ترى؛ أنّ القضية قد انتقلت من سؤال كيف نلحق بالعصر؟ إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: كيف نصنع إنساناً يستطيع أن يدخل العصر دون أن يخرج من نفسه ويفقد هويته؟ وهذا، في تقديري، هو الموضع

الذي تستعيد فيه قضية الأصالة والمعاصرة

ضرورتها التنويريّة؛ لا باعتبارها معركةً بين ماضٍ وحاضر، بل باعتبارها امتحاناً لقدرة العقل العربي

على أن يسترد فاعليته التاريخيّة؛ فيحوّل التراث من أعباء الماضي إلى طاقات مولدة متجددة، كما يُحوّل المُعاصرة من تقليد وافد إلى فعل نقدي خلاق.

مرة ثانية، لم يبلغ الفكر العربي المعاصر بصدد هذه القضية الكبرى مبلغه من الوعي الكافي الذي يجعل من الأصالة مصدراً للتجدّد، ومن المعاصرة مجالاً لإنتاج الذات لا مجالاً لإلغائها، فلا يكون - من ثمّ - استئناف السؤال تكراراً للماضي، بل تصحيحاً لمساره؛ إذ لم تعد القضية اليوم أن نختار بين الأصالة والمعاصرة، وإنما أن نعيد على هدى من اليقظة العقليّة بناء الشروط الفكريّة التي تجعل الجمع بينهما ممكناً، والتقدّم بهما معاً مشروعاً تاريخيّا يخدم فلسفة التنوير بمقدار ما يخدم إصلاح الواقع بشتى أقسامه وأطيافه.

- توظيف المنهج الهابط في التفكير:

ونعود إلى الرافعي لنراه يقول مُتابعاً حديثه السالف أو قُل هجومه على المُجددّين الفاعلين: " ... لم أنخدع قط في هؤلاء من فلاسفة أو دكاترة أو جبابرة، (وللقارئ أن يتأمل كلمة "جبابرة"، ليجد أنها الكلمة التي كان أطلقها "سعد زغلول" لقباً على "العقاد")، ولستُ أضع أمرهم إلا على حقه، فإني لا أعرف أن الهرَّ من قبيلة الأسد، ولكن أسديته على الفأرية وحدها ... ولعَلّما عاقبة الجهل خيرٌ للأمة من عواقب علمهم وتخبّطهم وحماقاتهم ...".

ولقد كان يرى في أعدائه ما كانوا هم يرونه فيه، هو إلى الماضي ينتسب، وهم في رأيه مارقون، مضللون، مفتونون، منصاعون للأوامر كأنهم إمّعات لا رأي لهم ولا هُوِيَّة عندهم إلا من قبيل التقليد والاتباع: " ... فإنّهم قوم مُقلّدون، ولهم طباع معتلة زائغة، وعقول لا مساك لها من دين أو ضمير، فما يجنحون إلا إلى بدعة سيئة أو آفة محذورة أو فكرة مُتّهمة، ولا يعملون إلا ما يُشبه الظن بهم".

وشأن المنهج الهابط في التفكير والإدراك (وليس معنى الهبوط هنا هو النقص والشين والمعرّة، وإنما هو طريق إدراك وكفى) أن يتغلغل في أعماق الذات ويستوطنها، فلا تقبل نقداً ولا تسيغ اعتراضاً، فإنّ هوجمت صار هذا الهجوم هجوماً شخصيّاً لا هجوم فكرة قيلت من شخص يفكر فيعرض فكرته وكفى. وسرعان ما ينقلب في التصور إلى هجوم على المبدأ العام.

فالرافعي يظن بالمجدّدين الحذلقة الفارغة والادعاء الكاذب لفضائل العلم والأدب والفلسفة، ويرميهم بالبهتان وبالمروق عن الدين، المبدأ العام والفكرة الكليّة الهابطة من أعلى، فماذا عساه يفعل؟

كان طبيعياً أن يُوجّه إليهم سهامه النقديّة، فيهجم عليهم لا بنفس الأداة العقليّة والحجة المنطقيّة، ولكن بالمبدأ العام وبالفكرة الكليّة يكون النقد والهجوم لا لشيء إلا ليثير سخط الساخطين وهلوسة المهلوسين؛ لكأنما الدين يمنع العقل عن بحثه المطلوب، ويلغي دور العلم في حركة الحياة، ويركل التطور في كل كيان، وهو ولا ريب فهم خاطئ يتبنّاه إلى يوم الناس هذا رهط غفير من القابعين الهابطين. يديرون على هواهم مجرى الحياة ليحوّلوه من الصّحة إلى الاعوجاج، ويعيشون في رتابة مُنفرّة تفسد الذوق وتفسد الطبع والأخلاق. كل تجديد عندهم مروق، وكل استنارة في عرفهم جهالة، وكل تطور وتحديث يقابلونه باللوم والتنكيس.

ولطالما قرأنا وسمعنا ورأينا أنّ المعرفة النشطة الحيّة الفاعلة لديهم بمثابة الزندقة والعماية، وأن الأخلاق الكريمة سفاهة وضلالة، وأن العقيدة الصحيحة خزعبلات نكراء وترّهات حمقاء، وأن جهود العقل المستنير هي عندهم قبح زائف وشر مستطير، وأنّ كل حرب بين القديم والجديد إنما هي حرب بين الدين والدنيا أو بين الأخلاق الفاضلة والأخلاق المنحلة، أو بين العقل الناضج الأصيل والعقل الفاسد الدخيل، - أو كما يقول الرافعي -:" حربٌ منّا كحرب الاستقلال، ثم حرب منهم كحرب الاستعمار ... فالذي بيننا وبينهم ليس القديم والجديد، ولا التّأخر والتقدّم، ولا الجمود والتحوّل، ولكن أخلاقنا وتجرُّدهم منها، وديننا وإلحادهم فيه، وكمالنا ونقصهم، وتوثقنا وانحلالهم، واعتصامنا بما يمكننا، وتراخيهم تراخي الحبل لا يجد ما يشدُّه" (راجع: وحي القلم).

ذلك هو جانب "التضليل" في دفاع الرافعي عن الماضي القديم دفاعاً ينسبه تارة إلى الأخلاق، وتارة إلى الدين والإسلام، فيشرع في الهجوم على أولئك الذين قلدوا الغرب وجدّدوا الدنيا من غير روح كما يزعم عربية، ولا خصائص مستمدة من "القرآن والبلاغة النبويّة".

وفي الحق إنّ الإسلام لا يحتاج من أحدٍ إلى دفاع:"إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون". فالذي حفظ ذكره النازل يحفظ من امتثل لأمره واهتدى بهديه وآمن باليقين بحفظ الله الذي لا يضر مع ذكره شيء. ثم إنّ الأطراف المتصارعة التي تتعارك باسمه وتجعل من الدين موضع عراكها، ومن الإسلام محل نزاعها قد عبّر عنها التنزيل الحكيم في قوله تعالى:"قل كلّ يعمل على شاكلته، فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً".

ثم إنه أيهما أقبح وأخس وأحقر في نظرك: رجل يأكل الدنيا بدينه أم رجل يأكلها بدنياه؟

لا شك عندنا أن الذي يأكل الدنيا بدينه هو أقبح في الواقع وأخس وأحقر بمقياس الدين، ومقياس الشرع ومقياس الضمير؛ فالرجل الذي يأكل الدنيا بدينه، يأكل الدنيا ويأكل الدين: دنياه أقبح من دينه، ودينه قبيح في نظر نفسه وفي نظر غيره، ولو فطن إلى صلاح دينه لأصلح من دنياه ما كان أعوج منها، وفسد من فضائلها، لكنه لم يرتض الدين الصالح، ولا الدنيا الفاضلة. الذي يأكل الدنيا بالدين يعيش بخلاق الحيوان - إنْ كان للحيوان خِلاق - ولا تؤهله دنياه أن يكون ذا فضل يُذكر بين الفاضلين.

ولك أن ننظر إلى حال بلادنا، وقد ساد فيها "الهابطون" من أكلة الدنيا بالدين: يقولون ما لا يفعلون، ويشترون بٱيات الله ثمناً قليلاً هو أبخس ممّا يتصوّر الرجل الحقير، وأخس ممّا تندفع به أهواء الطمَعة من بلدة الحسّ وبلدة الضمير. ليس الفضل أن تتحَرى القول، فتصيب منه ما تشاء، ولكن الفضل أن تتحرى العمل، ويكون عملك دليلاً على فضلك وقولك حين تنطق الأعمال بعلامات الفضل الفاضل عند الرجال.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

قد لا يدرك البشر: أن أخطر لصوص الوعي هو لصٌ كامن في عقل الإنسان. إذْ ترتبط سرقةُ الفلسفة من الفضاء العمومي بنمط الأفكار السائدة، لتُختطّف العقلانية ومُساءلة الواقع وبناء الحياة الحرة. فهناك سرقة بالاكراه مثلما تُمارس الأيديولوجيات والعقائد والاتجاهات المتطرفة، لأنَّ مساحة العمومية لا تقبل" رأسين مقدّسين" في عنقٍ واحدٍ. وهناك سرقةٌ مُغلّفة بعبارات أنيقة كمقولات الحداثة حين تحجب تنوع البشر. وهناك سرقةٌ تجربها "ألعاب الثقافة" على غرار ما بعد الحداثة. وهناك سرقة بـ"عنف القُوى السياسية" عندما تثقُب عقلنا العمومي ضماناً للولاء والتبعية. وهناك سرقة باسم "هندسة المجتمع" حفاظاً على العادات والتقاليد. وهناك سرقة نتيجة "قابلية الجماهير للانخداع الذاتي" في ظل أجواء من التجهيل والتعمية. وهناك سرقة بـ"ثقافة التاك أواي" دون إدراك لأولويات الحياة والحضارة...كل ذلك يؤدي إلى اقصاء الفلسفة من الفضاءات المفتوحة.

ولكن يُوجد نوعٌ آخر من السرقة أكثر أريحيةً وإلتصاقاً بوجودنا الحي، لأنّه مرتبط بقدراتنا الذاتية على الفعل. السرقة الممتعة enjoyable theft، وهي سرقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لفضاء الفهم والتحرر. يحل مكان الأصل ويحقق اشباعاً للانسان. السرقة الافتراضية تجري بأشكال جذابة. ويدرك المتابعون انصراف عقولهم إلى اتجاهات هامشية، ولكنهم لا ينتفضون، لا يحركون ساكناً. بل يسلمون ملكاتهم لاجراء مهام تقنية، حتى وإن اُستخدم الذكاء الاصطناعي كوسيلةٍ للعمل والانجاز!!

لسان الحال يقول: ما أجمل الانهماك في أنشطة الذكاء الرقمي دون الشعور بمرور الاحداث، وكذلك لا نريد توقفاً مع كامل الاستغراق الذي لا حدود له. وقد لا يشعر غالبُ البشر بكون ذلك سرقةً من الأساس، ولا يعدونها نوعاً من الاختطاف لكيان الإنسان. ليس كل ما يسرق الزمن والقدرات موضّع وعيٍّ، ولاسيما حينما نصنع كثافته من أخيلتنا. فنحن نأخذ ما يشبعنا نفسياً مقابل أنْ نمنحه كل ما ينتمي إلينا. هذا أسر التكنولوجيا المُريح الذي يمرر وجوده من غير استفهام.

تُعطيك الرقميات بهجةً وسعادةً ممزوجتين ضمن الممارسة الافتراضية، بل قد تثير شغفاً ممتداَ لا ينتهي. القدرات الرقمية عالم من الإدهاش. كذلك تشحذ خيال الأعمال وقت التنفيذ إلى أبعد مدى. لا من جهة الاجراءات التقنية وحسب، بل من جهة تصميم الأفكار وتحويلها إلى كائنات افتراضية عبر مستويات من الوجود، سواء أكانت نصوصاً أم عمليات أم برامج أم بيئات افتراضية. الرقميات كسرت الحاجز الموضوعي بين أنا أفكر (أنا أدرك / أنا أعرف) وأنا أمارس وأنا أجرب (الانا التقني).

في التقنيات، الأنا مُتوحد إلى درجة التماهي مع الاجراءات، الانا هو الاجراءات ذاتها، دائرة لا تفصل بين "مانحن عليه" و"ما نمارسه". تشترط التقنية ذاكرة قصيرة الأمد، الحضور طاغٍ إلى حد نسيان التفاصيل. ليس الفيس بوك وسيطاً برانياً ندخله ونخرج منه ثم تنتهي اللعبة، ولكنه وجهنا الذي نمارس من خلاله "حياةً مضاعفةً"، بل يمثل حيواتنا الفائضة بالامكانيات التي يجهلها الآخرون. لعبة الوجوه والمرايا التي هي كل ما نملك من حقائق ووقائع. إنه الواقع الافتراضي المفرط. الشخصية الرقمية شخصية تتمتع بحقيقةٍ ما، لا مجرد ملامح من اجراءات محتملة.

فتحت التكنولوجيا الرقمية آفاقاً واسعة للفكر الانساني. لا على صعيد التقنية فحسب، بل من جهة الامكانيات والقدرات والاهداف أيضاً. لأول وهلةٍ لم يخضع الذكاء الاصطناعي لمعنى الوسائل. فليس منطقياً تعليق لافتة الأدوات فوق الوسائط الرقمية. صحيح تاريخ التكنولوجيا تاريخ الأدوات ليس أكثر . وقد تعامل الانسان معها كتقنيات حيادية طوع استعمالاته المختلفة. ولكن بصدد تكنولوجيا الرقميات ليس الأمر كذلك. بل تجاوزت فكرة المحاكاة إلى الانتاج وتجنب التقليد وصولاً إلى وظائف الانسان العليا. المحاكاة قدرة مصممة سلفاً على هدف بعينه، والتقليد احتذاء لن يقدم ولن يؤخر كثيراً.

أجورا التقنية

أسست التقنيات الرقمية مجالاً عمومياً خطيراً. ليس سوقاً ولا ساحة نلامس أطرافها في الواقع. كذلك لا يخضع لمعايير المجال الحياتي الذي ننخرط فيه من وقت لآخر. مجال يفترض أن ينشأ من حينه بين كل المتفاعلين دون إقصاء.

أجورا التقنية مجال عمومي حقيقي، نشأ على نحو بيني بين كل البشر. وليست ثمة سلطة قد أكدته ورسمت خطوطه. السلطة غائبة دون حضور مباشر، لأنه مرهون بالاجراءات والعمليات الافتراضية. وفي غياب السلطة، تظهر الأحجام الحقيقية للأشياء، وتتوارى الأشباح التي تخيف المتفاعلين. الوسائط الرقمية وسائط دون مركزيةٍ تتسلط عليها كما تشاء. حتى لو اتاحت الاجراءات والخوارزميات بعض التشكيلات من قبل مصمميها. فلن تكون عمليات التلقي ولا أنشطة التفاعل بالأسلوب ذاته.

شرّعت التقنيات الرقمية أجورا افتراضية virtual agora بشكل مختلف. وربما كانت أكثر التحولات خطورة لكلمة agora في تاريخ الفضاءات العمومية. لم يكن وارداً أن تحدث طفرة دلالية كهذه في أي عصر غير عصرها اليوناني. ولم تتوقع الكلمة هذا المصير اللغوي ولا الفني ولا الاستعمالي. وحملت أجورا محمولات أخرى من التفاعل واللاحدود بمعناها الدقيق. كان طموح الكلمة أن تقف فوق معنى السوق أو الساحة العمومية أو الميادين المشتركة بين الناس. وفي أفضل الحالات التجريبية أنْ تعبر الكلمة عن مساحة مفتوحة يرتادها البشر. فإذا بها تجد مضموناً تقنياً أكثر قوة من سواها، وغدت مركزاً للأفعال السياسية بدلاً من كونها هامشاً.

أصل الأجورا: من اليونانية القديمة ἀγορά ، بمعنى "مكان التجمع" أو "السوق". وتجاوزاً لبعض الحالات، استعملت بصدد أماكن عمومة مفتوحة تحت شروط أو مكان لتلاقي المواطنين في المدن اليونانية القديمة لا في أثينا فقط. وبشكل أوسع: اطلقت على المنتدىات العامة للمناقشة أو التجارة وتبادل المصالح والمنفعة على طريقة يورجين هابرماس. رأَى الأخير أن المصلحة وسيط اجتماعي واقتصادي يعكس علاقات الناس العمومية. وأجورا تنحت دلالتها من جسم الواقع الاجتماعي وبإمكانها أن تراكم أرصدة من الثقة إزاء حركة الناس. وقد تراكم أرصدة من الصراع والتناحر حول الأهداف والمآرب.

سياسياً أُعيد اكتشاف الأجورا كمكان للحراك السياسي. حيث يجري تبادل الآراء والجدال الحي حول قضايا المجتمع وأمور الحكم. فهي الفضاء الذي يكتشف فيه المجتمع قدرات الأفراد خارج ذواتهم. وتمثل موضعاً لولادة المدن والحضر اتساقاً مع مفاهيم المؤسسات والنقابات والشركات والبرلمانات والانشطة السياسية الاقتصادية. والمدن هي موضع ميلاد الفلاسفة، نظراً لوجود قواعد عمومية لا تحتمل الهيمنة بسهولة. والمدينة تُسمى مدينةً، لكونها تُفسح مجالا لأغورات agoras تجسد التطور العمراني والتقني الذي يليق بنُضج التصورات الكلية. لم يكُّن ممكناً ولادة فكرة المؤسسة دون تمهيد الاجورا لهذا النمط من التواجد العمومي. ومفاهيم الادارة والممارسات الديمقراطية والأعمال الاقتصادية والوظائف والمهن مفاهيم تعود إلى أجورا بالدرجة الأولى.

تدريجياً ترسّخت صور عمومية مثل: صور الجماهير وأصحاب الاعمال والمهن وموظفي الدول ومنسقي المؤسسات. وترسخت معاني الجرائم والأخلاقيات والقيم التي تمس الأجورا. وتحددت آليات وحقوق الإنسان من واقع المواطنة التي تكونت في المساحة ذاتها. وغدت قوةً نظراً لأنها محكومة بنمط جديد في حياة البشر، نمط غير قابل للسيطرة عليه. من أجورا نشأت الدول والمجتمعات الحديثة والمعاصرة. وتاريخ أجورا هو تاريخ ألّا يكون الإنسان فرداً، وأن يتدرب على عدم تجاهل الآخرين.

في الرقميات ظهر الفضاء العمومي كأوسع ما يكون. فضاء يتجلي بمجرد عناية المتابعين واهتمامهم بقضايا الانسان والسياسية والتاريخ والمجتمع. المتابعون هم ركائز الفضاء السبيراني على الأصالة. والملاحظ أنه استوعب (ابتلع) كافة الفضاءات الأخرى. ولم يتخيل أصحاب أغورا أن تذوب في هكذا فضاء وتجد صداها الرقمي بهذا الزخم.

1-  العمومية دون حدود

لأول وهلةٍ نحن إزاء فضاء مختلفٍ عبر التقنيات الرقمية. لم يكن متصوراً وجود فضاء بهذا الحجم الاجرائي. ينشأ حين يتداخل المتفاعلون مشاركةً في القضايا المطروحة. من قلب الفضاء الرقمي، تظهر القضايا مباشرةً، فأنت إذن عضو فاعل لا مهمش. لا على أساس جندري ولا استناداً إلى تواجد مادي، ولا بناء على ولاء أو انتماء سياسي. كل ذلك غير وارد إلاّ من قدرتك على بناء علاقة افتراضية في صميم الحوار والتفاعل الحيوي.

العمومية هي عمومية الفعل وردود الفعل بحجم الواقع الافتراضي. المتابع يبدي فعلاً من التعليق أو الطرح ويتداخل آخرون بالوقت نفسه. ولا توجد شروط محددة سوى الالتزام والمسئولية المفترضة. ولو كانت ثمة آفاق مطروحة للنقاش. فلا تحدها حدود إلاَّ ضمن الاختلافات الحاصلة. وبإمكان أي انسان أن يتداخل مع الاجراءات والموضوعات عندما يريد. الواقع الافتراضي هو الأساس بصرف النظر عن قيود الزمان والمكان.

تاريخياً لم يكن موجوداً في خلفية مفهوم المجال العمومي هذا البعد، لأن السياسات من شأنها تحديده ضبطاً للممارسة وشروط التفاعل. وربما كجزء من وجود الدول صياغة قوانين الفضاءات العمومية. وهذا الجانب يدخل في إطار سياسة القوانين التي ترسخ جوهر الدولة. فلا دولة دون فضاء عمومي يحقق جانياً موضوعاً من وجودها الجيوسياسي. فالمجال العمومي يحدد لا طبيعة الدولة، بل مستقبلها كذلك. لانه وسيط كاشف لاستمرارية الفعل السياسي. وهذا الفعل لا يتم بين يوم وليله، لكنه يُنبني على مدى تطور إلتقاء المواطنين خارج ذواتهم. وهذا عمل يتطلب مواصلة التدرب على المفاهيم السياسية وعلى عمليات الاختلاف والتنوع والتعددية.

في حين تجاوزت أجورا التقنية ذلك. وصلت ناضجةً إلى حد بعيدٍ. فلو كانت مساحة الفضاء العمومي تحمل اكراهات الانظمة السياسية، فالفضاء الافتراضي يحرر المتفاعلين حيث لا قيود.

2-  التفاعل الفوري

أجورا التقنية ترتبط بالتفاعل الفوري. ولا مفر من الاجراء بهذا المعنى. أبرز سمات الفضاء الافتراضي كونه قابلاً لهذه العلاقة الملموسة. أنه مكَّون من التداخل بين المتفاعلين ليس أقل. وإذا كانت لا توجد حدود ولا قيود إلاّ ّمن مسئوليةٍ، فالاجراءات تضع المتابع في قلب الأحداث. وليس يشك أي متابع: أنه يقوم بعمل جدير بالأهمية. لكونه يعبر عن تواجده لا مجرد رقم داخل الحدث.

هذا الوضع يخالف الفضاء العمومي بمعناه السياسي. لأن الأخير موضوع تحت التوقيف والمراقبة. حتى وإن كانت هناك آليات واضحة تتبناها الدولة، فلن يكون فضاؤها المشترك كما ينبغي. ولن يحقق مستويات التعددية وتنوع المواطنين. بينما الأدق أن هذا الباب الديجيتال مفتوح طوال الوقت. وبإمكان الفرد التداخل لترك أثر خلال أي زمن شاء. إمكانية ليست متوافرة في الصور المتاحة للفضاء العمومي. ولا يعد ذلك معبراً عن الفوضى، ولكنه الأثر الايجابي لقدرة الافراد على التفاعل.

لا يبدو في تراث السياسة أن مجالاً يمتلكه الفاعلون بأنفسهم مثلما هو الفضاء الافتراضي. امتلاك تفاعل لا امتلاك مادي. امتلاك حركة لا امتلاك صورة، امتلاك تحقُق لا امتلاك شكل. والامر بمثابة العودة إلى أسس الأشياء. تسمية الأشياء من جديدٍ. فالسياسة قد تمارس تزييفاً عندما تسند الحكم شكلياً إلى الشعوب. وقد تتلاعب بآمال الأمم حينما تربط الحكم السائد بالمستقبل. ولكن الفضاء الافتراضي ينبع من قدرة المتابعين على انشاء المجال نفسه. وهو أجورا التفاعل من أقصى اليمين إلى اقصى اليسار.

3- الحرية الافتراصية

في أجورا التقنية، يتمتع المتابع بحرية الاجراء والتداخل والطرح. هل ستجدي معه قيود مفروضة لسلطةٍ ما؟ بالقطع لا قيود تجدي إزاء أية حالة تفاعل افتراضي. الحرية ليست مقولة سياسية، بل أصالة وجودية، الاجراء التقني لا يعبر عن موقف سياسي في هكذا لحظة، بل يجسد موقفاً انطولوجياً أصيلاً.

هي خطوة خطيرة أحدثتها التقنيات: اشعار المتابعين بحريتهم الأنطولوجية. فعندما يحمل الانسان تقنية رقمية، فهو يحمّل وجوده كافة الأنشطة المرتبطة بها. فقد يندهش البعض من هوس التعلق بالأجهزة الالكترونية. ولكن ذلك من سمات التكنولوجيا، فهي" فن الوجود"، تجلٍّ لكيان الانسان على نحو اجرائي. لأنَّ كلمة تقنية technology آتية من الجذر اليوناني القديم (τέχνη - tékhnē) techne (الفن، الحرفة، الصنعة، المهارة ). وهذه المعاني معاني حرية، هي تجليات للتحرر من القيود والجهل. كل تقنية لا تخلو من حريةٍ ما وإن لم تظهر بوضوح. لكونها تعبر عن شيء جوهري داخل الانسان المبتكر.

الحرية في الواقع الافتراضي لا تُلقى من أعلى، بل تُصنع في صورة من صور الابداع. لأن المعايير تغدو أكثر دقة كلما زاد المتابعون، وكذلك الفضاء الرقمي لا حدود له. وبالامكان التفاعل والتعديل والاختلاف إلى أبعد مدى. لن يستطيع فرد أن يتحكم في تلك الخطوات. رأينا في حراك الثورات قدرة متمردة على التعبير الافتراضي. لجأ الافراد إلى المنصات والمواقع للمشاركة والتنفيس إزاء الأحداث.

4- الاختلاف الجذري

يتحقق الاختلاف الجذري ضمن ممارسات الواقع الافتراضي. يبدو ذلك مفهوماً في إطار أجورا التقنيات مع تنوع الأفكار والرؤى. فيمكن للمتابعين أنْ يدلوا بدلوهم من زوايات مختلفةٍ، بل متناقضة. وليس هناك ما يحول دون تقبل أي رأي. والأهم أن الاختلاف سيعلن عن نفسه بصورة مباشرة ولا يحتاح إلى من يبرره أو يرفع من شأنه. فالقضايا المطروحة تستدعي مسؤولية الممارسة. وهذه تفهم ضمنياً عبر مستويات الحوار والنقاش. وتكون مساحة الفلسفة بارزة، بل ستكون ملحة بين المتفاعلين.

صحيح أن هناك من يخرج عن القواعد بحكم الفضاء المفتوح، ولكن هناك" عقلانية تفاعلية" تحكم الخروقات الطارئة. أي أن المسؤولية العملية هي الأساس. وقد لا توجد خروقات كبيرة إلا وتعود سريعاً إلى المستوى العام.

اللص الافتراضي

السؤال الآن: من أين يتسلل لصوص الفلسفة إلى الوسائط التقنية؟

رغم الإمكانيات الكبيرة لأجورا الرقميات، إلاَّ أن هناك لصوصاً لمساحة الفلسفة نتيجة تأثيرات التكنولوجيا من حيث المبدأ. لصوص افتراضيون من لُحمة الواقع المعزز نفسه. لأنَّ كل تقنية لها آثار جانبية بمنطق الاجراءات التي تنتظمها. فبعض الاستعمال التكنولوجي أكبر ما يناقض الامكانيات التى توفرها. وهو ما يضيِّق فضاء التفلسف ويعتبره لوناً من الرفاهية الفارغة. غدت الفلسفة غريبة وعارية كطائر نُتف ريشه على قارعة الطريق. وحتى دراستها في مجتمعاتنا الراهنة باتت تسولاً واختلاساً ليس أكثر. وبدلاً من كونها حاضنة للعقول في تاريخ المجتمعات غدت ملفوظة. ووضعت في محميات ثقافية تحت الاقامة الجبرية. ومثل الحيوانات الأليفة تُركت صور الفلاسفة للفرجة على جدران القاعات وحسب.

1-  الاستغراق دون خروج

نسيان الأصول جزء من طبيعة الرقميات. أي لا تعيد الإنسان إلى الأصول المادية أو الطبيعية وإلاَّ لما كانت تقنيات. فهي أشكال من الفنون والأساليب والأدوات الماهرة المتجسدة بواسطة الاجراءات. وبالتالي تغزل الإنسان ضمن ثياب الصانع بالإنابة، لكونه لا يفعل إلا عبر وسائط. وهذا هو مضمون الرقميات عندما تستغرق كيان المتابع حتى الرمق الأخير.

الرقميات تنطوي على اغواء لا ينقطع، ولا تشعرك بأهمية الزمان والمكان. لأنها واقع افتراضي يحياه الإنسان بكامل وجوده. وربما التصديق المجاني هو الطاقة المراقة طوال الوقت. لأن الاجراءات والتفاعل الفوري يكسر الحاجز الوهمي بين الواقع والخيال. فلا مرحلة بين الاطلاع والتفاعل، بمجرد أن تهتم فإنك تعيش داخل الوسيط. وتدريجياً يكون لدى الإنسان أخيله وانطباعات استجابات سريعة الايقاع. فالرقميات تشكل موضوعات التفكير والأساليب المتاحة لممارستها.

الوعي يصبح وعياً سريعاً بحسب قدرات الوسيط التقني. ويكون وعياً مشوُباً بالتصديق المباشر، أي يستنيم التفكير للرقميات ولا يخترق الإطار الذي يفرضه. وهذا يجافي قدرات المساءلة الفلسفية التي توقظ وعياً حاداً للانسان. الفلسفة لا تشتغل على المهارة التقنية كما تفعل الرقميات، ولا على فنون اللمس الديجيتال، بل تعمل الفلسفة على ضرورة العقل والمعاني المبدئية لكيان الإنسان... مثل الحرية، الحياة، الموت، الخطر، الفكر، الحقيقية، المصير. فالفلسفة دهشة في صلب الحياة وليست دهشة طارئة على شاشات ملساء. هي حالة انطولوجية، موقف أصيل للانسانية، لا يقبل أن يكون هامشياً ولا ملحقاً عبر مهام التقنيات الرقمية.

2-  أنت هو الغير

الوسائط التفاعلية على أهميتها إلاَّ أنها قد تعتبر المتابع غيراً. أي قد تهمش الآخر باعتباره متطفلاً ومطارداً. وبخاصة أن أجورا التقنية لا تدقق فيما يطرح على نطاق واسع. بعض المواقع تعد بحسب الاستعمال مؤدلجة ويتم فرض شعارات وايقونات لجماعة أو لمذهب أو لتنظيم ما. وقد تصبح أجوراً التقنية دائرة لخنق الآخر ويتم استبعاده قبل أن يتفاعل.

الفضاءات المُؤدلجة ليست حرة، هي شبكة افتراضية لصيد المختلفين في الرأي. وقد تمثل وسيطاً قاتلاً أكثر خطورةً من ارهاب الواقع. تحرص الاتجاهات العنيفة على التواجد الرقمي، بل وتمارس الكراهية التي ترجم بها المختلفين في المواقف. وعن طريق الوسائط تستطيع أن تبث عنفاً رمزياً مدمراً.

ومسبقاً سيجد المتفاعل نفسه عدواً قبل أنْ يكون إنساناً، ولن يكون غير وسيلة لأهدار القيمة والبعد عن التعددية. وهذا ما يقلص مساحة الفكر الحر إلى درجة الموت. إن الفلسفة لا توجد في أجواء هذه الكراهيات. لعل اقرب نافذة لهروب الفلسفة هو العنف الذي لا يسمح بالاختلاف ويجعل الفكر ورشة للتمثيل بجثث الآخرين. ورغم كون الفلسفة تشتغل على الضروريات، إلا أنها قد تفقد بوصلة الأسس عندما تجد عقولاً مؤدلجة حدَّ الاختناق.

3- كل من هب ودب

مع ثقافة التعري، طفحت المجتمعات الراهنة باستعراض عارٍ لجوانب الحياة، من الجسد مروراً بالحياة اليومية وصولاً إلى أشكال الصراعات والاحداث. الرقميات أمست مسرحاً للتعري الثقافي بالأصالة. لحم البشر الحي ولحم المعتقدات ولحم الغرائز والشهوات بات معروضاً في الهواء الطلق. واللحم- بجميع مستوياته- هو المرجعية التي لم تغطَّ حتى اللحظة في عالم افتراضي مفتوح.

فاق دلالة الفضيحة، تجاوز مرحلة الغرابة، اخترق آفاق اللامعقول، لقد أضحى لحماً مطبوخاً ونيئاً أمام العيون المحملقة على مدار الساعة. إذا كان ثمة ظاهرة افتراضية، فهي ظاهرة " كل من هب ودب" داخل عرض مكشوف. في أي وقت يعرض البشر أنفسهم جاذبين سيل المشاهدات والتعليقات. والطرفان يتماديان إلى أقصى درجة من الانكشاف. لا خطوط ملونة ولا محاذير هنالك. من يستطيع أن يتعرى ثقافياً وانسانياً، فليُسرع الخطى إلى أخر المدى.

لا مساحةَ حرة للتفكير ولا قدرة واضحة على التروي والتأمل النقدي. تذهب الفلسفة من فورها هائمةً على وجهها. فقد يقفز في وجه التأمل كائن لحمي عارٍ ثقافياً لعرض نفسه تحت لافتة الروتين اليومي أو صور من الوقائع الساذجة . أمر يعجز العقل عن تفسره ولا يجد له مكاناً في عالم الفكر. ولأنَّ الفلسفة لا تبحث إلاَّ عن الأصيل، فقد تتوارى بين غثاء البشر إذا تركت وجودها مشاعاً لكل من هب ودب.

إنَّ الفضلات الالكترونية أخطر ما يزكم أنفوف الفلاسفة في حياتنا المعاصرة. خلال أغلب وسائط التواصل، لا يتطلع الناس إلى الأصالة، ولكنهم يتركون إزعاجاً لزجاً يصعب تنظيفه الآذان بسهولة. وحدها الفلسفة لا تعيش وسط هذا التراكم الفوضوي. لأن الفيلسوف يفهم أصول المشهد جيداً. صحيح قد يأخذ خطوات إلى الوراء ولكنه يفعل ذلك كي يرى أبعد. كلما كانت المساحة أكبر، جاءت الرؤية واضحة والعبارة صائبة.

بومة التفاهة

تكونت عبر أجورا التقنية رأسمالية التفاهة. وبدلاً من البحث عن الابداع تغيبت الفلسفة، فظهرت بومة التفاهة التي تنعق في وضح النهار لا وقت الغسق كما يقول هيجل. على الشاشات الديجيتال، تظل شعوب بأكملها تحملق في تفاهات البشر المرمين في أدغال المجتمعات الفقيرة حضارياً. وكأنهم يمارسون طقوساً مقدّسة.

مع الرقميات، تحولت التفاهة إلى شيء لا يمس يغلفه اليقين والتصديق المجاني. دون نهاية تغطي سحب التفاهة أجواء الفضاء الافتراضي، وليس عليك إلا الدخول حتى تبادرك التفاهات في كل زوايا اليوتيوب والفيس بوك والمنصات وتِك توك وسناب شات. في حين أن التفاهة بالنسبة للفلسفة ليست سذاجة عابرة، لكنها تصفي قوة الرفض وتدجن العقول. أقرب ما تتركه هو تعويد العين والحواس على مستواها الهش. وتسلب قدرات الإنسان وتعطيه رؤية مستنيمة للواقع. وتجعله مجرد متلقٍ سلبي لا يملك إلاّ المشاهدة. قد يبتسم وربما يتعجب، ولكنه لاواعياً يقبل ما يُطرح ويردده. وتدريجياً تهبط معاييره إلى الالتصاق بالأرض. ولا يكاد يرى أبعد من لمسات أنامله على الأسطع اللامعة وسط بؤس الواقع.

وليتها حالة من التفاهة ثم تتوقف، ولكنها تتوالد بآلية المتابعة، ملايين اللمسات تلهث وراء التفاهة باستمرار. حتى سكنت الأخيرة العقول والأنظار واللاوعي. إن أسوأ ما يعترض الفلسفة عقولٌّ لا تعبأ بالفكر. ترى في التفاهات شيئاً معتاداً ولا سبيل إلى التخلص منها. وبخاصة كونها جزءاً من ممارسات الحياة اليومية. تكتسب التفاهة مساحات افتراضية جديدة على حساب النقد والنظر اليقظ والبحث عن الحقائق ومراجعة المعرفة.

كل ذلك ونحن لا ندري أنَّ أمراً تافهاً يختزل تاريخاً من التحولات وأن مجاراة الافعال الساذجة لا تختطف ابتسامة بقدر ما تعلن عن أفول المستقبل. لم تشيد الحضارة على ركام الإنسانية، إنما بالابداع الذي يتجاوز التقاليد البالية. الحضارة أكبر عنوان لغربلة التفاهة، حيث تمكث العقول الحرة.

إنَّ الفلسفة هي المصل المضاد لأمراض النفايات الثقافية التي تكتظ بها بعض الرقميات.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

يمثل تهافت الفلاسفة واحدة من أكثر اللحظات التباسًا في تاريخ العلاقة بين الفلسفة والدين في الإسلام؛ فقد جرى اختزال الكتاب، في كثير من السرديات اللاحقة، إلى عنوان واحد: الغزالي هدم الفلسفة. ثم تحولت هذه العبارة إلى حكم تاريخي واسع، فأصبح الغزالي في بعض الكتابات رمزًا لانتصار الكلام على الفلسفة، أو بداية لما سمي «انحطاط الفلسفة الإسلامية»، بينما أصبح تهافت الفلاسفة وكأنه إعلان وفاة للمشروع الفلسفي في الإسلام. غير أن هذه الصورة، على الرغم من شيوعها، تحتاج إلى مراجعة جذرية؛ لأن قراءة الكتاب في سياقه تكشف أن الغزالي لم يكن يواجه «الفلسفة» باعتبارها فعلًا عقليًا مطلقًا، ولم يكن يرفض كل ما جاء به الفلاسفة، بل كان يميز بين قضايا يمكن قبولها، وقضايا تحتاج إلى تأويل، وقضايا يرى أنها تصطدم بأصول الاعتقاد.

 لقد نقد الفلسفة من داخل المعرفة بها.  درس منطقها، واستوعب بنية ميتافيزيقاها، وكتب في مقاصدها قبل أن يكتب في تهافتها، ثم واجهها من داخل جهازها البرهاني نفسه. ولذلك فإن تهافت الفلاسفة لا يمثل خروجًا من الفلسفة بقدر ما يمثل عبورًا داخلها ثم عليها؛ عبورًا يكشف أن نقد الفلسفة قد يكون فعلًا فلسفيًا، وأن رفض بعض نتائج التفلسف لا يعني بالضرورة رفض السؤال الفلسفي.

ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال: «هل كان الغزالي ضد الفلسفة؟»؛ فهذا السؤال يضعنا منذ البداية داخل ثنائية مغلقة. السؤال الأعمق هو: ما الذي رفضه الغزالي فعلًا؟ وما الذي قبله؟ وما الذي أعاد صياغته؟ وهل كان اعتراضه على الفلسفة بوصفها معرفة، أم على بعض دعاواها الميتافيزيقية، أم على تحول البرهان الفلسفي إلى ادعاء بالضرورة واليقين؟

أولًا: ما الذي رفضه الغزالي فعلًا؟

لفهم تهافت الفلاسفة ينبغي أولًا تحرير صورة الخصم الذي يواجهه الغزالي. فهو لا يوجه نقده إلى «الفلاسفة» بصورة عامة، ولا يناقش كل ما يمكن أن يسمى فلسفة، وإنما يتجه بصورة أساسية إلى الفلاسفة المشائين، وبخاصة البناء الميتافيزيقي الذي ورثه الفلاسفة المسلمون عن اليونان، كما تمثل عند الفارابي وابن سينا.

وهذا التحديد مهم؛ لأن الغزالي نفسه لم يرفض جميع العلوم التي اشتغل بها الفلاسفة. ففي مقاصد الفلاسفة عرض آراءهم في المنطق والطبيعيات والإلهيات عرضًا قريبًا من الإنصاف، حتى إن الكتاب فُهم في بعض البيئات اللاحقة على أنه من مؤلفات الغزالي التي تؤيد الفلسفة، بسبب دقة عرضه لمذاهبها. ثم عاد في تهافت الفلاسفة ليناقش مجموعة من دعاواهم ويكشف، في نظره، تناقضها أو عدم قيام البرهان عليها.

وهنا تظهر نتيجة أولى: الغزالي لم يرفض التفكير العقلي، وإنما رفض تحويل نتائج معينة إلى حقائق ضرورية لا تقبل النقاش.

وهذا يفسر موقفه من المنطق. فقد اعتبر المنطق أداة ضرورية لتنظيم الاستدلال، واستعمل مصطلحاته وطرقه في عدد من مؤلفاته. كما لم يرفض العلوم الطبيعية من حيث هي دراسة للظواهر، ولم يجعل الاشتغال بالرياضيات أو المنطق أو بعض مباحث الطبيعة محرمًا في ذاته.

لكن الأزمة تبدأ عندما ينتقل الفيلسوف، في نظره، من مجال التجربة والاستدلال إلى ميتافيزيقا تتجاوز حدود البرهان، ثم يقدم نتائجها باعتبارها يقينًا لا يحتمل النقيض.

ولهذا فإن التهافت ليس كتابًا ضد العقل، وإنما هو، في أحد وجوهه، محاكمة لادعاء العقل امتلاك الضرورة في مسائل لا يرى الغزالي أن البرهان قد حسمها.

ثانيًا: نقد السببية

تظهر هذه المسألة بوضوح في المناقشة الأشهر للكتاب: مسألة السببية. كان الفلاسفة يرون أن بين الأشياء علاقات سببية حقيقية، وأن الموجودات الطبيعية تؤثر بعضها في بعض وفق طبائع وقوانين. فإذا لامست النار جسمًا قابلًا للاحتراق، فإن الاحتراق يحصل بسبب طبيعة النار. أما الغزالي فيرفض الانتقال من مجرد الاقتران المشاهد إلى إثبات الضرورة.

وهنا تكمن قوة اعتراضه. فنحن نلاحظ أن النار والاحتراق يجتمعان بصورة متكررة، لكن ماذا نرى تحديدًا؟ نرى النار. ونرى الاحتراق. ونرى تعاقبهما. لكننا لا نرى «الضرورة» بوصفها كيانًا ثالثًا.

إن الانتقال من: النار تقترن بالاحتراق إلى النار تستلزم الاحتراق بالضرورة ليس انتقالًا تجريبيًا بسيطًا، وإنما هو انتقال ميتافيزيقي يحتاج إلى برهان مستقل. ولهذا يقول الغزالي، في جوهر اعتراضه، إن ما نعتقده علاقة ضرورية قد يكون مجرد اقتران جرت به العادة. وهنا يلتقي الغزالي مع التصور الأشعري عن العادة بدل الضرورة، لكنه يمنح المسألة قوة فلسفية جديدة؛ إذ لا يكتفي بالقول إن الله قادر على خرق العادة، بل يهاجم أصل الدعوى القائلة إن العقل يستطيع أن يثبت ضرورة العلاقة السببية من خلال المشاهدة.

وهذا يجعل نقد الغزالي أكثر عمقًا من مجرد الدفاع عن المعجزة. إنه في جوهره سؤال إبستمولوجي: هل تكفي الملاحظة المتكررة لإثبات الضرورة؟ وهذا السؤال سيعود في تاريخ الفلسفة الغربية عند ديفيد هيوم، وإن اختلف السياق والمشروع والمنهج.

لكن يجب هنا تجنب المقارنة السطحية بين الغزالي وهيوم؛ فالغزالي لا ينطلق من التجريبية الحديثة ولا ينتهي إلى الشك في كل علاقة سببية بالطريقة نفسها، وإنما يستخدم نقد السببية في إطار توحيدي يرفض أن تكون الطبيعة مستقلة عن الفعل الإلهي.

وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية: الغزالي لا يلغي انتظام العالم؛ وإنما يرفض أن يتحول الانتظام إلى ضرورة مستقلة. العالم منتظم، لكن انتظامه لا يعني أنه مغلق.

ثالثًا: نقد الضرورة

من هنا ينتقل الغزالي إلى مفهوم أوسع: الضرورة. فالمشكلة عنده ليست أن الفلاسفة يقولون إن النار تحرق، وإنما أنهم، في نظره، يحولون هذا الاقتران إلى علاقة لا يمكن أن تتخلف. وهذا يفتح سؤالًا ميتافيزيقيًا بالغ الأهمية: هل الممكن يمكن أن يتحول إلى الضروري بمجرد اعتيادنا عليه؟ إذا كان العالم ممكنًا، فلا ينبغي أن نتعامل مع قوانينه وكأنها وجود واجب بذاته. ومن هنا يتقاطع نقد السببية مع نقد مفهوم الضرورة.

فالفلاسفة، في بناءاتهم الميتافيزيقية، حاولوا تفسير العالم من خلال سلسلة من العلل، وربطوا الموجودات بعلاقات عقلية تجعل بعضها صادرًا عن بعض وفق نظام ضروري. أما الغزالي فيرى أن هذا النظام لا يثبت ضرورة بالمعنى الذي يمنع الإرادة الإلهية من إمكان إحداث خلاف المألوف. وهنا يصبح مفهوم الإمكان عنصرًا حاسمًا. إن كون الشيء يحدث دائمًا بالطريقة نفسها لا يجعله واجبًا. وكوننا لم نشاهد العكس لا يعني أن العكس مستحيل. وبهذا المعنى يعيد الغزالي فتح المجال أمام الممكن.

فالضرورة التي تغلق العالم تصبح موضع نقد، والإمكان الذي تسمح به الإرادة الإلهية يعيد إلى العالم سيولته. وهذه إحدى النقاط التي يمكن أن تتحول، داخل فلسفة العبور، إلى مفهوم الوجود غير المغلق. فالعالم الذي لا تحكمه ضرورة سببية مستقلة ليس عالمًا فوضويًا، وإنما عالم يمكن أن ينتظم دون أن ينغلق.

رابعًا: العالم والخلق

من أكثر القضايا حساسية في تهافت الفلاسفة مسألة قدم العالم. كان الفلاسفة المشاؤون، وخصوصًا في الصياغة التي وصل إليها ابن سينا، يقولون بقدم العالم من جهة الزمان، مع اختلاف دقيق في كيفية فهم علاقته بالله.

أما الغزالي فيرى أن القول بقدم العالم يتعارض مع مفهوم الخلق والإرادة الإلهية؛ لأن العالم، إذا كان أزليًا بالمعنى الذي ينفي حدوثه الزماني، يصبح من الصعب تفسير صدوره بوصفه فعلًا اختياريًا وقع بعد أن لم يكن. وهنا لا يتعلق الخلاف فقط بسؤال: هل للعالم بداية زمنية؟ بل بسؤال أعمق: هل العالم فعل أم ضرورة؟

إذا كان العالم صادرًا عن الله وفق ضرورة عقلية، فإن الإرادة الإلهية تصبح محدودة في بنيتها التفسيرية. أما إذا كان العالم فعلًا اختياريًا، فإن وجوده مرتبط بالإرادة. وهنا يعود مفهوم العبور. العالم يعبر من الإمكان إلى الوجود. لكن هذا العبور ليس انتقالًا ذاتيًا، وإنما هو انتقال بفعل الإرادة.

ولهذا كان رفض الغزالي لقدم العالم جزءًا من رفضه لتصور يجعل العالم نتيجة ضرورية لنظام ميتافيزيقي مغلق. إن الخلق، عنده، ليس مجرد حدث وقع في الماضي، وإنما هو التعبير عن افتقار العالم في وجوده إلى الله.

خامسًا: العلم الإلهي

أما المسألة المتعلقة بالعلم الإلهي، فهي أكثر تعقيدًا؛ لأن الغزالي يعترض على صياغة الفلاسفة لمسألة علم الله بالجزئيات. فإذا كان علم الله لا يتغير، فكيف يتعلق بالأشياء المتغيرة؟ وإذا كانت الموجودات الجزئية متغيرة ومتعددة، فكيف يكون العلم الإلهي بها على نحو يليق بالكمال الإلهي؟

كان الفلاسفة قد قدموا تصورات دقيقة في هذا المجال، خصوصًا ابن سينا، الذي رفض أن يكون علم الله بالأشياء مماثلًا لعلم الإنسان بها، وحاول أن يفسر علم الله بالجزئيات من خلال علمه بالأسباب والأنظمة الكلية. لكن الغزالي رأى في هذا التصور تقليصًا لما يقتضيه الاعتقاد بالعلم الإلهي الشامل.

والأهمية الفلسفية لهذه المسألة تتجاوز الخلاف العقدي المباشر؛ لأنها تكشف عن سؤال حول طبيعة المعرفة الإلهية: هل يمكن أن نستخدم مفاهيمنا البشرية عن المعرفة لنصف علمًا مطلقًا؟ إذا كان الإنسان يعرف الشيء من خلال الانفعال به أو التغير معه، فلا يعني ذلك أن علم الله يعمل بالطريقة نفسها. وهنا تعود مشكلة حدود اللغة والمفهوم التي ظهرت في الأشعرية.

إننا نتحدث عن المطلق بلغة نشأت في عالم المحدود. ومن هنا ينبغي أن ننتبه إلى أن الغزالي، حتى حين يعترض على الفلاسفة، لا يتجاوز المشكلة التي حاولوا حلها؛ وإنما يقدم لها تفسيرًا آخر. فالمسألة في عمقها ليست فقط: «من الصحيح؟» بل هل يستطيع العقل أصلًا أن يصوغ علم المطلق بمفاهيم مستمدة من تجربة المحدود؟

سادسًا: النفس والآخرة

تمس مناقشات الغزالي أيضًا مسائل النفس والآخرة، ولا سيما التصورات التي ارتبطت بالفلسفة المشائية حول طبيعة النفس، وعلاقتها بالجسد، ومصيرها بعد الموت. وقد رأى الغزالي أن بعض التصورات الفلسفية المتعلقة بالمعاد لا تنسجم مع العقيدة الإسلامية، خصوصًا عندما يتم تفسير الآخرة تفسيرًا رمزيًا أو عقليًا لا ينسجم مع الإيمان بالمعاد الجسدي.

وهنا يعود الخلاف إلى مسألة أعمق: هل يستطيع العقل وحده أن يحدد شكل الحياة بعد الموت؟ إذا كان العقل يعمل داخل عالم التجربة، فكيف يمكنه أن يحسم بصورة مستقلة طبيعة عالم يتجاوز التجربة؟

وهذا يعيدنا إلى فلسفة الحدود. إن الغزالي لا يقول إن العقل لا قيمة له، بل يقول إن هناك موضوعات تتجاوز المجال الذي يمكن للعقل أن يستقل فيه. وهنا يصبح الوحي، بالنسبة إليه، مصدرًا ضروريًا لمعرفة ما يتجاوز حدود النظر العقلي.

وبذلك فإن رفض الغزالي لبعض أطروحات الفلاسفة في النفس والآخرة لا ينطلق من رفض السؤال، بل من رفض احتكار العقل لإجابة لا يرى أن أدواته تكفي لإنتاجها.

سابعًا: ثلاث مسائل ومسألة الكفر

من المهم التوقف عند حقيقة أن الغزالي لم يعتبر كل أخطاء الفلاسفة متساوية. ففي تهافت الفلاسفة ناقش عشرين مسألة، لكنه شدد على ثلاث مسائل عدّها أخطر من غيرها، وهي): قدم العالم، وإنكار علم الله بالجزئيات، وإنكار بعث الأجساد)، واعتبر أن هذه الآراء تمس أصول العقيدة على نحو مختلف عن سائر المسائل. وهذا التفصيل مهم للغاية؛ لأنه يكشف أن الغزالي لم يقل ببساطة إن «الفلسفة كفر».

بل قام بعملية تمييز داخل الفلسفة نفسها. هناك مسائل يراها باطلة دون أن تستلزم الحكم نفسه. وهناك مسائل يرى أنها أخطر لأنها تمس أصولًا عقدية محددة. ومن هنا ينبغي عدم قراءة عنوان تهافت الفلاسفة بوصفه حكمًا شاملًا على كل ممارسة فلسفية. إنه نقد لمواقف فلسفية محددة، وخصوصًا في الميتافيزيقا، كما تلقاها الغزالي في المشائية الإسلامية.

ثامنًا: نقد نتائج الفلسفة أم نقد فعل التفلسف؟

وهنا نصل إلى السؤال الأهم في هذا المبحث. هل كان الغزالي ينتقد نتائج الفلسفة أم فعل التفلسف نفسه؟ إذا كان ينتقد فعل التفلسف، فإن كل الأسئلة الفلسفية تصبح موضع رفض.

لكن قراءة أعماله تكشف شيئًا مختلفًا. فالغزالي نفسه مارس النظر، والشك، والبرهان، والتحليل المنطقي، ونقد المعرفة، ودرس مذاهب الفلاسفة بدقة، واستعمل منطقهم في بناء عدد من كتبه.

بل إن مقاصد الفلاسفة نفسه يدل على أنه رأى ضرورة فهم الفلسفة قبل نقدها. إذن المشكلة ليست في السؤال الفلسفي في ذاته. المشكلة في أن يتحول السؤال إلى منظومة تدعي أن نتائجها نهائية وضرورية، خصوصًا عندما تتعلق بأمور يرى الغزالي أن العقل لا يستطيع حسمها.

وهنا يمكن القول إن الغزالي لا يحارب فعل التفلسف بقدر ما يحارب دوغمائية التفلسف. إنه يرفض الفيلسوف عندما يتحول من باحث إلى مالك للحقيقة. وهذا يعيدنا إلى مفهوم «العقل العابر». فالعقل الذي يعبر بين الأدلة والأسئلة يظل فلسفيًا.

أما العقل الذي يتوقف عند نسقه ويعتبره حقيقة مكتملة، فإنه يتحول إلى عقيدة. ومن هنا يصبح تهافت الفلاسفة نفسه نصًا شديد الفلسفية؛ لأنه لا يكتفي بتقديم موقف بديل، وإنما يسأل عن شروط مشروعية الادعاء باليقين.

تاسعًا: الغزالي يهدم الضرورة أكثر مما يهدم الفلسفة

إذا أردنا تكثيف مشروع تهافت الفلاسفة في عبارة واحدة، فيمكن القول: الغزالي لا يهدم الفلسفة بقدر ما يهدم ادعاءها بالضرورة. فهو لا يرفض المنطق. ولا يرفض البرهان. ولا يرفض العقل. ولا يرفض دراسة الطبيعة. ولا يرفض السؤال في الوجود. إنما يرفض، في مناطق محددة، أن تتحول هذه الأدوات إلى سلطة ميتافيزيقية تدعي أن ما تقوله هو وحده الممكن.

وهنا تصبح معركته مع الفلاسفة معركة حول حدود البرهان. ما الذي يمكن أن يثبته البرهان؟ وما الذي لا يستطيع إثباته؟ وهل عدم قدرة الخصم على تقديم برهان لصالح رأيه يعني أن الرأي المضاد ثبت بالضرورة؟ وهذه النقطة مهمة؛ لأن الغزالي، في عدد من المواضع، لا يدعي إثبات النقيض الفلسفي بصورة مباشرة، وإنما يحاول إظهار أن دعوى الفلاسفة بالضرورة لم تقم عليها الحجة الكافية.

وهنا يتحول التهافت من كتاب في الرد إلى كتاب في نقد شروط البرهنة. وهذا هو الجانب الذي يجعل الغزالي مهمًا لفلسفة العبور.

عاشرًا: من «التهافت» إلى العبور

إذا قرأنا تهافت الفلاسفة من داخل مشروع فلسفة العبور، فإننا لا نحتاج إلى الدفاع عن الغزالي ضد الفلاسفة، ولا إلى الدفاع عن الفلاسفة ضد الغزالي؛ بل نحتاج إلى فهم الحركة التي أحدثها الصراع نفسه.

الفلاسفة قالوا: (النظام / الضرورة / العقل.( والغزالي قال: الانتظام لا يساوي الضرورة. الفلاسفة بحثوا عن نظام ميتافيزيقي يفسر العالم. والغزالي أعاد إدخال الإرادة والإمكان إلى هذا العالم. الفلاسفة سعوا إلى بناء صورة متماسكة للوجود. والغزالي سأل عن حدود قدرة العقل على بناء هذه الصورة.

وهنا لا يعود الصراع مجرد صراع بين «دين» و«فلسفة»، بل يصبح صراعًا حول طبيعة العقل نفسه. هل العقل قادر على بناء تفسير نهائي للوجود؟ أم أنه يعمل داخل حدود لا يمكنه تجاوزها؟ وهنا تكمن القيمة العابرة للغزالي: إنه ينقلنا من سؤال «ما الحقيقة؟» إلى سؤال سابق: ما حدود الطريق الذي نسلكه للوصول إليها؟

خاتمة

لم يكن تهافت الفلاسفة، في نهاية المطاف، كتابًا لإغلاق باب الفلسفة بقدر ما كان محاولة لإعادة تحديد المجال الذي يستطيع العقل أن يدعي فيه اليقين. لقد دخل الغزالي إلى عالم الفلاسفة، درس منطقهم ومفاهيمهم، وعرض آراءهم، ثم عاد ليختبر دعاواهم الميتافيزيقية من الداخل، فرفض ما رأى أنه لا يقوم على برهان ضروري أو يتعارض مع أصول الاعتقاد، وقبل من أدواتهم ومباحثهم ما لم ير فيه تعارضًا مع مشروعه.

ولهذا فإن عبارة «الغزالي هدم الفلسفة» تبدو، من منظور تاريخي وفلسفي، أكثر بساطة مما ينبغي. فقد كان الغزالي نفسه مستخدمًا للمنطق، ومشتغلًا بنظرية المعرفة، ومحللًا لمفهوم السببية، ومناقشًا للوجود والإمكان والضرورة، أي إنه مارس عددًا من العمليات التي لا يمكن فصلها بسهولة عن الممارسة الفلسفية.

إن ما رفضه الغزالي بصورة أساسية هو تحول الفلسفة من بحث إلى يقين مغلق؛ أي اللحظة التي يصبح فيها النسق الفلسفي قادرًا، في نظر أصحابه، على تفسير كل شيء بالضرورة، بحيث لا يبقى للإمكان ولا للإرادة ولا للحدود المعرفية مجال.

ومن هنا تبدو معركته مع السببية أكثر أهمية من مجرد مسألة النار والاحتراق؛ فهي تكشف رفضه تحويل الانتظام إلى ضرورة. كما أن اعتراضه على قدم العالم يكشف رفضه تحويل الوجود إلى نظام ضروري مغلق. واعتراضه على بعض تصورات العلم الإلهي يكشف حدود استعمال المفاهيم الإنسانية في وصف المطلق. وموقفه من النفس والآخرة يكشف رفضه منح العقل سلطة مطلقة في المجالات التي تتجاوز تجربته.

وهكذا تتجمع في تهافت الفلاسفة مجموعة من الأسئلة التي ستظل حاضرة في تاريخ الفلسفة: هل الانتظام ضرورة؟ هل البرهان قادر على إنتاج اليقين في كل المجالات؟ هل يمكن للممكن أن يتحول إلى الضروري؟ هل يستطيع العقل أن يحيط بالمطلق؟ وهل نقد نتيجة فلسفية يعني رفض الفعل الفلسفي نفسه؟

والجواب الذي تقودنا إليه القراءة المقترحة هو أن نقد نتائج الفلسفة لا يساوي بالضرورة نقد فعل التفلسف. بل يمكن أن يكون نقد الفلسفة فعلًا فلسفيًا عندما يعيد فحص شروطها ومقدماتها وحدودها.

ومن هنا يصبح الغزالي شخصية مركزية في الانتقال الذي نبحث عنه في هذا الكتاب: الانتقال من الفيلسوف بوصفه مالكًا للحقيقة إلى العقل بوصفه عابرًا نحوها.

فالعقل الغزالي لا يتوقف عند اليقين الموروث، لكنه لا يتوقف كذلك عند النسق الفلسفي. إنه يشك، ويفحص، ويحلل، وينقض، ثم يبحث عن يقين آخر. ولذلك فإن التهافت ليس نهاية الطريق، وإنما محطة في طريق طويل من العبور: من الفلسفة إلى نقد الفلسفة، ومن نقد الفلسفة إلى نقد أدوات المعرفة، ومن نقد أدوات المعرفة إلى سؤال اليقين، ثم من اليقين العقلي إلى التجربة الروحية.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

مقاربة وصفية

مقدمة: تمثل توجهات ما بعد الحداثة من أشرس التحولات الفكرية التي أعادت صياغة فهم الإنسان المعاصر للمعرفة والسلطة والهوية والتاريخ. وهي لا تقتصر على مجالات الأدب والفن والفلسفة، بل تمتد بعمق إلى مجال الفعل السياسي، حيث تعيد ترتيب مفاهيم الشرعية والتمثيل والمقاومة والتغيير. المقاربة الوصفية لهذه الانعكاسات لا تسعى إلى الحكم المعياري النهائي على ما بعد الحداثة، بل إلى رصد الكيفيات التي أثرت بها مقولاتها الأساسية في تصور الفعل السياسي وممارساته وأشكاله وحدوده في المجتمعات المعاصرة. فهل أثر ظهور مابعد الحداثة على نجاعة الفعل السياسي؟ وبأي معنى فتحته على التنوع والتعدد والامكان؟ ولماذا يرى البعض أن السياسة مابعد الحديثة قد فقدت المعنى والقيمة؟

التوجهات الأساسية لما بعد الحداثة ذات الصلة بالفعل السياسي

تقوم ما بعد الحداثة على رفض السرديات الكبرى التي ادعت الحداثة قدرتها على تفسير التاريخ وتوجيهه نحو التقدم والعقل والحرية أو الثورة الشاملة. المعرفة لم تعد بناءً تراكمياً موضوعياً يقود إلى حقيقة كلية، بل شبكة من الخطابات المتصارعة المرتبطة بعلاقات القوة. الحقيقة نفسها تُفهم بوصفها أثراً للخطاب لا مرجعاً خارجياً مستقلاً عنه. والذات لم تعد جوهراً عقلانياً موحداً، بل تشكلاً متشظياً يتكون عبر اللغة والمؤسسات والرموز. يؤدي هذا التوجه إلى إعلاء شأن الاختلاف والتعدد والخصوصية المحلية على حساب الوحدة والكلية والكونية. كما يبرز البعد اللغوي والرمزي للواقع السياسي، حيث تصبح العلامات والصور والتمثيلات جزءاً مكوناً للفعل لا مجرد انعكاس له. السلطة بدورها لا تُختزل في أجهزة الدولة أو الطبقة المهيمنة، بل تنتشر في شبكة ميكروفيزياء تمتد إلى الجسد والخطاب والمؤسسة والمعرفة اليومية. هذه التوجهات لا تلغي السياسة، لكنها تعيد تعريف شروط إمكانها. فالفعل السياسي لم يعد يُفهم بالضرورة بوصفه مشروعاً كلياً يستهدف تغيير البنية الاجتماعية من جذورها وفق تصور مسبق للتاريخ، بل يتحول إلى ممارسات متعددة ومتفرقة تشتغل على المستويات الرمزية والهوياتية واليومية.

إعادة تشكيل مفهوم الفعل السياسي

ينعكس التوجه ما بعد الحداثي أولاً على مفهوم الفعل السياسي ذاته. في الأفق الحداثي الكلاسيكي، كان الفعل السياسي يرتبط غالباً بالإرادة الواعية، والمشروع الجماعي، والقدرة على التأثير في المؤسسات الكبرى، والسعي نحو أهداف قابلة للصياغة الكلية مثل الحرية أو المساواة أو التقدم. أما في الأفق ما بعد الحداثي، فيفقد الفعل بعضاً من ثقته بهذه المقومات. يصبح الفعل السياسي أكثر وعياً بطابعه الخطابي والتمثيلي. كل ممارسة سياسية هي في جوهرها إنتاج لمعانٍ وتأويلات وصور، لا مجرد تحريك لموارد مادية أو تنظيم لجماعات. المقاومة نفسها تُفهم بوصفها تفكيكاً للخطابات المهيمنة وإعادة توزيع للمواقع الرمزية أكثر مما هي بالضرورة استيلاء على أجهزة الدولة. كما يتراجع الإيمان بإمكانية الفعل المؤسس على أساس عقلاني كوني أو على معرفة علمية يقينية بالواقع الاجتماعي. الذات الفاعلة سياسياً لم تعد تُتصور بوصفها مواطناً عقلانياً أو طبقة واعية أو شعباً موحداً، بل مجموعة هويات متقاطعة ومتحركة تتكون عبر الانتماءات الجندرية والإثنية والثقافية والجنسية وغيرها. الفعل السياسي ينبثق من هذه التعددية لا من وحدة مفترضة مسبقاً. ومن هنا يتحول التركيز من السياسة الكلية إلى سياسات جزئية ومتعددة المواقع.

التحولات في أشكال الممارسة السياسية

تتجلى الانعكاسات العملية لتوجهات ما بعد الحداثة في بروز أشكال جديدة من الفعل السياسي تختلف عن النماذج الحزبية والثورية التقليدية. تنتشر الحركات الاجتماعية الجديدة التي تركز على قضايا الهوية والجسد والثقافة والبيئة والاعتراف، أكثر مما تركز على السيطرة على وسائل الإنتاج أو الاستيلاء على السلطة المركزية. هذه الحركات تعتمد غالباً على الشبكات المرنة والفعل الرمزي والإعلام والفضاءات العامة البديلة، لا على التنظيم الهرمي الصارم. يكتسب البعد الثقافي والرمزي أهمية متزايدة. الاحتجاج يصبح في كثير من الحالات أداءً أو مشهداً أو تدخلاً في أنظمة التمثيل أكثر مما هو مواجهة مباشرة مع أجهزة القمع. الصورة واللغة والسردية تصبح ساحات صراع أساسية. كما يتراجع دور الأيديولوجيات الشاملة لصالح خطابات محلية أو هوياتية أو ائتلافات مؤقتة تقوم على قضايا محددة.

في المقابل، يتأثر الفعل السياسي المؤسسي التقليدي بهذه التحولات. الأحزاب الكبرى تجد صعوبة متزايدة في صياغة سرديات موحدة قادرة على استيعاب التعدد الهوياتي. الشرعية السياسية تصبح أكثر هشاشة لأنها لم تعد تستند بسهولة إلى ادعاءات الحقيقة الكونية أو التقدم الحتمي. التمثيل نفسه يتعرض للشك، إذ يُنظر إليه بوصفه بناءً خطابياً لا انعكاساً شفافاً لإرادة جماعية موجودة مسبقاً.

السلطة والشرعية والمقاومة في الأفق ما بعد الحداثي

تعيد ما بعد الحداثة رسم خريطة السلطة. السلطة لم تعد مركزاً يمكن الاستيلاء عليه أو تدميره دفعة واحدة، بل شبكة منتشرة من العلاقات والممارسات والخطابات. وبالتالي يتغير معنى المقاومة. المقاومة تصبح محلية ومتعددة ومتكررة، تشتغل على تفكيك البديهيات اليومية وعلى إنتاج معانٍ بديلة أكثر مما تشتغل على بناء بديل كلي جاهز. الشرعية السياسية تفقد أسسها التقليدية المستمدة من العقل أو التاريخ أو الإرادة العامة الموحدة. تصبح الشرعية عملية تفاوض مستمر حول المعاني والرموز والاعتراف. هذا يفتح المجال أمام أشكال أكثر تعددية ومشاركة، لكنه يفتح أيضاً المجال أمام هشاشة متزايدة وأمام إمكانية التلاعب الخطابي الواسع. في هذا السياق، يتحول الفعل السياسي إلى ممارسة تأويلية بامتياز. الفاعل السياسي يجد نفسه منخرطاً في صراع حول من يملك حق تسمية الواقع وتأويله. السياسة تصبح إلى حد كبير سياسة سرديات وتأويلات متنافسة.

التوترات والالتباسات الملازمة لهذه الانعكاسات

لا تخلو انعكاسات ما بعد الحداثة على الفعل السياسي من توترات عميقة. فمن جهة، تساهم في تحرير الفعل السياسي من الأوهام الكلية ومن النماذج السلطوية التي ادعت امتلاك الحقيقة النهائية، وتفتح المجال أمام أصوات مهمشة وهويات كانت مستبعدة. ومن جهة أخرى، يؤدي التشكيك الجذري في الأسس إلى صعوبات في بناء توافقات واسعة أو مشاريع طويلة الأمد قادرة على مواجهة المشكلات البنيوية الكبرى.

النسبية التي ترافق رفض السرديات الكبرى قد تضعف القدرة على التمييز المعياري الحاسم، وتجعل الفعل السياسي عرضة للابتلاع داخل منطق الاستهلاك الإعلامي أو التفتت الهوياتي. كما أن التركيز على الخطاب والرمز قد يبعد الفعل عن المستويات المادية والاقتصادية التي تظل فاعلة بقوة. وفي بعض السياقات، قد تُستخدم مقولات التعدد والاختلاف لتبرير الانسحاب من المسؤولية الجماعية أو لتغذية أشكال جديدة من الانغلاق الهوياتي.

الفعل السياسي في ظل هذه التوجهات يصبح أكثر وعياً بحدوده وبتعقيداته، وأكثر حذراً من الادعاءات المطلقة، لكنه في الوقت نفسه يواجه خطر الشلل أو التحول إلى سلسلة من الاحتجاجات الرمزية المحدودة الأثر.

خاتمة

تكشف المقاربة الوصفية لانعاكسات توجهات ما بعد الحداثة على الفعل السياسي عن تحول عميق في شروط الممارسة السياسية المعاصرة. لم يعد الفعل يُفهم بسهولة بوصفه تحقيقاً لمشروع كلي مستند إلى سردية كبرى أو إلى معرفة يقينية بالمسار التاريخي. بل أصبح فعلاً متشظياً ومتعدداً وخطابياً وهوياتياً، يشتغل على مستويات رمزية وميكروفيزيقية بقدر ما يشتغل على المستويات المؤسسية. هذا التحول يعيد توزيع إمكانيات المقاومة والاعتراف والمشاركة، ويفتح فضاءات جديدة للفعل، لكنه في الوقت ذاته يضع الفاعل السياسي أمام تحديات جدية تتعلق بالقدرة على البناء المشترك وبالتمييز بين أشكال المقاومة المنتجة وأشكال التفتت العقيمة. الفعل السياسي في أفق ما بعد الحداثة هو فعل يدرك أنه محاط بالخطابات والتمثيلات والاختلافات، وأنه لا يملك أساساً خارج هذه الشبكة، لكنه يظل مع ذلك مطالباً بأن يتصرف ويقاوم ويعيد تأويل العالم المشترك. فكيف ينقلنا الفعل السياسي في زمن مابعد الحداثة من الثورة الى الدولة ويبقي على الحركة الجدلية بين الفوضى والنظام وبين الحكم والحرية؟ وبأي تظل تتحكم السلطة الميكروفيزيقية في الفعل السياسي؟ وماهي التحولات التي خضع لها الفعل السياسي في الحداثة المتأخرة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تمهيد: الذاكرة بوصفها حركة في الزمن

إذا كان الإنسان لا يعيش الزمن بوصفه سلسلة من اللحظات المنفصلة، وإنما بوصفه امتدادًا تتداخل فيه آثار الماضي مع أسئلة الحاضر وإمكانات المستقبل، فإن الذاكرة لا يمكن أن تُفهم باعتبارها مجرد قدرة نفسية على استرجاع ما انقضى، لأن استرجاع الماضي نفسه ليس عودة إلى شيء محفوظ في صورته الأصلية، وإنما هو إعادة بناء مستمرة لعلاقة الذات بما كان، ولذلك فإن الذاكرة ليست خلف الإنسان كما قد يوحي التصور البسيط للزمن، بل هي حاضرة في تكوينه، تعمل في داخله كلما حاول أن يجيب عن سؤال: من أنا؟ ومن نحن؟ ومن أين جئنا؟ وإلى أين يمكن أن نذهب؟

ومن هذه الزاوية تحديدًا يصبح البحث في الذاكرة بحثًا في الهوية، لا لأن الهوية تحتاج إلى ماضٍ تستند إليه فحسب، بل لأن الطريقة التي تتذكر بها الجماعة ماضيها تحدد، في جانب عميق منها، الطريقة التي ترى بها حاضرها وإمكاناتها المستقبلية.

لقد كان أحد التحولات الكبرى في الفكر الغربي الحديث هو الانتقال من النظر إلى الذاكرة بوصفها وظيفة فردية إلى النظر إليها باعدها ظاهرة اجتماعية وثقافية وتاريخية، وهو انتقال كشف أن ما نسميه «ذاكرتنا» لا ينتمي إلينا بصورة خالصة، إذ إن اللغة التي نتذكر بها ليست من صنعنا، والرموز التي نستعيد من خلالها الماضي لم نبتكرها وحدنا، والصور التي تمنح الأحداث معناها تشكلت داخل جماعات ومؤسسات وسياقات تاريخية تسبق الفرد وتستمر بعده.

ومن هنا جاءت أعمال موريس هالبواكس لتكشف الأطر الاجتماعية للتذكر، ثم جاء بيير نورا ليبين كيف يتحول الماضي إلى أماكن ورموز ومؤسسات تحفظ الذاكرة وتعيد إنتاجها، في حين نقل بول ريكور المسألة إلى مجال أكثر تركيبًا حين جعل الذاكرة متصلة بالتاريخ والنسيان والاعتراف والعدالة والمصالحة.

غير أن فلسفة العبور لا تكتفي بتسجيل هذا التحول من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الاجتماعية، أو من الذاكرة الحية إلى أماكن الذاكرة، أو من الذاكرة إلى الذاكرة العادلة، بل تحاول أن تسأل سؤالًا آخر ينبثق من داخل هذه التحولات نفسها: كيف تعبر الذاكرة من فرد إلى جماعة، ومن جيل إلى جيل، ومن تجربة إلى سرد، ومن حدث إلى رمز، ومن الماضي إلى الحاضر، ثم كيف يعود الحاضر فيعيد تشكيل الماضي الذي يظن أنه يستعيده؟

إن الذاكرة، بهذا المعنى، ليست مجرد استمرارية للماضي، وإنما هي حركة بين أزمنة ومستويات وذوات، ولذلك فإن الهوية التي تتأسس عليها لا يمكن أن تكون جوهرًا مغلقًا، بل ينبغي فهمها بوصفها هوية عابرة، تستمد استمراريتها من قدرتها على إعادة التشكل.

وهنا يظهر الفرق بين فلسفة الهوية وفلسفة العبور؛ فالتصور الأول يميل إلى البحث عن الأصل الذي يجعل الشيء هو هو، في حين يبدأ التصور الثاني من السؤال عن الكيفية التي يستطيع بها الشيء أن يستمر في كونه نفسه على الرغم من انتقاله وتحوله.

وإذا كانت الذاكرة هي أحد الشروط التي تجعل هذا الاستمرار ممكنًا، فإن قيمتها لا تكمن في أنها تمنع التغير، وإنما في أنها تمنح التحول معنى واستمرارية. فالذاكرة التي تتجمد في صورة واحدة للماضي تتحول إلى قيد على الهوية، أما الذاكرة التي تسمح بإعادة القراءة والتأويل والتعدد فإنها تصبح شرطًا من شروط العبور.

أولًا: موريس هالبواكس والذاكرة بوصفها إطارًا اجتماعيًا للعبور

يمثل موريس هالبواكس لحظة حاسمة في تاريخ التفكير في الذاكرة، لأنه نقلها من عزلتها النفسية إلى المجال الاجتماعي الذي تتمثل فيه إمكانات التذكر نفسها، ففي كتابه الأطر الاجتماعية للذاكرة الصادر سنة 1925، ثم في عمله اللاحق الذاكرة الجماعية، رفض التصور الذي يجعل الفرد وحدة مكتفية في عملية التذكر، وأكد أن استعادة الماضي لا تتم في فراغ، وإنما داخل أطر اجتماعية ولغوية ورمزية تمنح ما نتذكره صورته ومعناه.

إن أهمية هالبواكس بالنسبة إلى فلسفة العبور لا تكمن فقط في إثبات الطابع الاجتماعي للذاكرة، وإنما في كشفه أن الذاكرة نفسها تقع عند الحد الفاصل بين الفرد والجماعة؛ فهي ليست فردية بصورة خالصة، ولا جماعية بصورة مطلقة، وإنما تتمثل في المسافة التي تعبر فيها التجربة الشخصية داخل الأطر المشتركة، ثم تعود هذه الأطر فتدخل في بناء التجربة الفردية.

فالطفل الذي يتذكر بيت طفولته لا يستعيد جدرانًا وأشياء فقط، وإنما يستعيد المكان كما تعلم أن يسميه، وكما وصفه الآخرون، وكما ارتبط في وعيه بالعائلة والجيران والعادات والطقوس، أي أن ما يبدو شخصيًا يحمل في داخله طبقات من المشترك الاجتماعي الذي لا يمكن فصله عنه بسهولة.

وهنا يصبح مفهوم «الإطار الاجتماعي» أكثر من مجرد تفسير سوسيولوجي للذاكرة؛ إنه يكشف أن التذكر ذاته عملية عبور، لأن الذاكرة الفردية لا تولد مكتملة داخل الذات ثم تخرج إلى المجتمع، وإنما تتمثل الذات وهي تعبر منذ البداية داخل شبكة من المعاني التي تنتجها الجماعة. وبالمقابل، لا توجد ذاكرة جماعية منفصلة عن الأفراد الذين يحملونها ويعيدون إنتاجها، ولذلك فإن العلاقة بين الذاكرة الفردية والجماعية ليست علاقة طرفين ثابتين، بل علاقة تبادل وتمثل متواصل.

ومن هنا ينبغي الحذر من تحويل مفهوم الذاكرة الجماعية إلى مفهوم يوحي بأن الجماعة تمتلك ذاكرة واحدة متجانسة؛ فالجماعات نفسها متعددة، وداخل كل جماعة ذاكرات متعارضة، وطبقات من التذكر والنسيان، وأصوات مهيمنة وأصوات مهمشة، وتجارب مركزية وأخرى ظلت خارج السرد العام. وإذا كان هالبواكس قد كشف الإطار الاجتماعي الذي يجعل التذكر ممكنًا، فإن فلسفة العبور تضيف أن هذا الإطار نفسه ليس ثابتًا، بل يتحول عندما تعبر داخله تجارب جديدة، وتظهر جماعات جديدة، وتُعاد قراءة أحداث قديمة من مواقع مختلفة.

وهنا تبرز العلاقة بين الذاكرة والتعدد؛ فالذاكرة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها مادة تنتج هوية واحدة، وإنما بوصفها مجالًا تتقاطع داخله ذاكرات متعددة، وكل ذاكرة تحمل معها منظورًا خاصًا إلى الماضي.

ولذلك فإن التعدد السيال للذاكرة يختلف عن التعدد المتشظي؛ فالتعدد السيال لا يعني أن كل جماعة تعيش في ماضٍ منفصل لا صلة له بغيره، وإنما يعني إمكان انتقال الذاكرات بعضها إلى بعض، وإمكان الحوار بينها وإعادة تركيبها داخل سردية أوسع لا تلغي اختلافاتها.

ومن هنا تتحول الذاكرة من «مخزن للهوية» إلى مسار لتكوين الهوية، فالهوية لا توجد قبل الذاكرة بوصفها جوهرًا جاهزًا ثم تأتي الذاكرة لترويها، وإنما تتمثل الهوية في عملية مستمرة من الانتقاء والتذكر والتأويل، بحيث يصبح الماضي مادة تتدخل في صناعة الحاضر، لا قالبًا يفرض على الحاضر صورته النهائية.

ثانيًا: بيير نورا وأماكن الذاكرة" حين يعبر الماضي إلى الفضاء"

إذا كان هالبواكس قد أبرز الإطار الاجتماعي للذاكرة، فإن بيير نورا نقل النقاش إلى المجال الثقافي والرمزي حين صاغ مفهوم «أماكن الذاكرة» الذي صدر في مجلدات متعددة منذ ثمانينيات القرن العشرين. وتكتسب فكرة نورا أهميتها من كونها تكشف أن المجتمعات لا تحفظ ماضيها في الوعي فقط، وإنما تجسده في الأمكنة والنصب والمتاحف والمقابر والأرشيفات والأعياد والرموز والنصوص والمناهج، بحيث يتحول الماضي من تجربة زمنية إلى بنية رمزية حاضرة في الفضاء الاجتماعي.

غير أن المكان في هذا السياق ليس مجرد وعاء للذاكرة، لأن المكان نفسه يشارك في إنتاجها؛ فعندما تُقام ساحة تخليد، أو يُنصب تمثال، أو يُبنى متحف، أو يُسمى شارع باسم شخصية تاريخية، فإن الماضي لا يُحفظ كما كان، وإنما يُعاد اختياره وتنظيمه وتمثيله وفق حاجة الحاضر.

وبذلك يصبح مكان الذاكرة حدًا بين الماضي والحاضر، أي فضاءً تعبر من خلاله التجربة التاريخية من الزمن إلى الرمز، ومن الحدث إلى التمثيل، ومن الذاكرة الحية إلى الذاكرة الثقافية.

ومن هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة مقولة نورا الشهيرة عن «أماكن الذاكرة» بوصفها نتيجة لأزمة الذاكرة الحية؛ فحين تضعف الأطر التي كانت تجعل الذاكرة ممارسة يومية تلقائية، تظهر الحاجة إلى مؤسسات وأماكن تحمل عبء الحفظ. ولكن هذه العملية تحمل مفارقة عميقة: إن المجتمع الذي يخشى فقدان ذاكرته يبدأ في تثبيتها داخل الأشياء، وكلما ازداد اعتماده على النصب والمتاحف والمناسبات والأرشيفات، أصبح الماضي أكثر حضورًا بوصفه تمثيلًا وأقل حضورًا بوصفه خبرة حية.

وهنا تظهر أهمية مفهوم الحد في فلسفة العبور؛ فكل مكان للذاكرة يفتح حدًا ويغلق حدًا في الوقت نفسه، لأنه يجعل بعض الماضي مرئيًا وقابلًا للتداول، في حين يدفع أجزاء أخرى إلى الهامش. إن نصبًا تذكاريًا لا يقول فقط: «تذكروا هذا»، وإنما يقول ضمنًا أيضًا: «هذا هو الذي يستحق أن يُتذكر بهذه الطريقة». ومن ثم فإن سياسات الذاكرة ليست مجرد سياسات للحفظ، بل سياسات لتنظيم العبور بين ما يدخل المجال العام وما يبقى خارجه.

وهذا يقودنا إلى البعد السياسي لمفهوم نورا؛ إذ إن الدولة الحديثة لا تكتفي بإدارة الحاضر، وإنما تشارك في إدارة الماضي، فتختار أعيادها ورموزها وشخصياتها وأحداثها، وتضع مناهجها التعليمية وتبني متاحفها ونصبها، وبذلك تساهم في إنتاج صورة الجماعة عن نفسها. ولذلك فإن الصراع على المكان هو في كثير من الأحيان صراع على الذاكرة، والصراع على الذاكرة هو صراع على تعريف الهوية نفسها.

غير أن رؤيتنا في فلسفة العبور لا تريد أن تستبدل ذاكرة رسمية بذاكرة رسمية أخرى، لأن ذلك لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج منطق الإغلاق، وإنما تسعى إلى بناء فضاء تستطيع فيه الذاكرات المتعددة أن تعبر بعضها إلى بعض. فالمدينة التي تحمل ذاكرة واحدة فقط تصبح مدينة مغلقة رمزيًا، في حين المدينة التي تسمح بتجاور طبقاتها التاريخية المختلفة تتحول إلى فضاء سيال، يستطيع الماضي فيه أن يتجاور دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب على الوجود.

ومن هنا يمكن النظر إلى «أماكن الذاكرة» لا باعتبارها أماكن لتجميد الماضي، وإنما باعدها إمكانات لإعادة فتحه؛ أي أن المتحف، والنصب، والمقبرة، والأرشيف، والاحتفال يمكن أن تتحول من أدوات تثبيت إلى حدود مفتوحة، إذا أصبحت مواقع للحوار بين الروايات، لا أدوات لفرض رواية واحدة. هذا وفق تأويلنا للذاكرة المرنة التي تصورها فلسفة العبور بدل الذاكرة الجامدة التي تفرضها بعض الاطر الايديولوجيا .

ثالثًا: بول ريكور والذاكرة العادلة" العبور من الجرح إلى الاعتراف"

يبلغ التفكير في الذاكرة درجة أكثر تعقيدًا مع بول ريكور، ولا سيما في كتابه الذاكرة، التاريخ، النسيان، حيث لم تعد المسألة مجرد سؤال عن كيفية حفظ الماضي، وإنما أصبحت سؤالًا عن العلاقة بين الذاكرة والتاريخ والنسيان، وعن إمكان الوصول إلى ذاكرة عادلة لا تتحول إلى أداة للانتقام ولا إلى وسيلة للإنكار.

تكمن أهمية ريكور في أنه يرفض الثنائية البسيطة التي تجعل التذكر خيرًا والنسيان شرًا، لأن المجتمع الذي يتذكر كل شيء بالطريقة نفسها يمكن أن يبقى أسيرًا لجراحه، وأن المجتمع الذي ينسى كل شيء قد يتحول إلى مجتمع بلا مسؤولية. ولهذا فإن المسألة الأخلاقية ليست في الاختيار بين الذاكرة والنسيان، وإنما في إقامة علاقة عادلة بينهما.

وهنا يصبح النسيان مفهومًا بالغ الحساسية؛ فهناك نسيان يمكن أن يكون شكلًا من أشكال التواطؤ مع الجريمة، حين يُستخدم لإخفاء المسؤولية ومحو الضحايا، وهناك نسيان يمكن أن يكون شرطًا لتجاوز الأحقاد، شريطة ألا يتحول التجاوز إلى إنكار لما وقع. ولذلك لا يمكن للمصالحة أن تبدأ بالمحو، بل تبدأ بالاعتراف؛ ولا يمكن للغفران أن يعني إلغاء الذاكرة، وإنما يفترض أن يكون ما حدث معروفًا ومعترفًا به قبل أن يصبح تجاوزه ممكنًا.

ومن هنا يتخذ مفهوم الذاكرة العادلة أهمية خاصة في فلسفة العبور، لأنه يمثل محاولة للانتقال بين طرفين يتصور كل منهما أنه يمتلك الحقيقة الكاملة: طرف يريد أن يبقي الماضي حاضرًا بوصفه مبررًا دائمًا للثأر، وطرف يريد دفن الماضي دون مساءلة حتى يتخلص من تبعاته. أما الذاكرة العادلة فتبحث عن منطقة ثالثة لا تلغي الماضي ولا تستسلم له، وإنما تحول علاقته بالحاضر.

إنها ذاكرة تعبر من الجرح إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الاعتراف، ومن الاعتراف إلى إمكان المصالحة. وفي هذا العبور لا يُطلب من الضحية أن تنسى كي يتحقق السلام، ولا يُطلب من الجماعة أن تتخلى عن ذاكرتها كي تقبل الآخر، وإنما يُطلب تحويل الذاكرة من مادة لإعادة إنتاج العنف إلى مادة لفهم شروطه.

ومن هنا يتصل مشروع ريكور بمفهوم الهوية السردية؛ فالإنسان لا يعرف نفسه من خلال امتلاك جوهر ثابت، وإنما من خلال القصص التي يستطيع أن يرويها عن حياته، وهذه القصص ليست مغلقة، لأنها قابلة لإعادة السرد كلما تغير موقع الراوي وتغير فهمه لما عاشه.

والشيء نفسه ينطبق على الجماعة: فهي لا تمتلك هوية نهائية ترويها الذاكرة، وإنما تعيد صياغة هويتها كلما أعادت قراءة تاريخها. ومن ثم إن الهوية السردية، بهذا المعنى، تمثل جسرًا بالغ الأهمية بين الذاكرة وفلسفة العبور؛ فالاستمرار لا يتطلب التطابق، والسرد لا يتطلب ثبات المعنى، والإنسان يستطيع أن يبقى هو نفسه على الرغم من أن قصته تتغير. وهذه هي إحدى أهم نتائج التفكير العابر: الهوية ليست ما يبقى ثابتًا على الرغم من الزمن، بل ما يستطيع أن يحافظ على قدر من الاستمرارية عبر الزمن والتحول.

رابعًا: من الذاكرة الجماعية إلى الذاكرة السيالة

إذا جمعنا بين هالبواكس ونورا وريكور، أمكننا أن نرى مسارًا يتجاوز اختلاف مشاريعهم النظرية؛ فهالبواكس كشف أن الذاكرة تتمثل داخل أطر اجتماعية، ونورا بيّن أنها تتجسد في أماكن ورموز ومؤسسات، وريكور كشف بعدها التأويلي والأخلاقي، لكن هذه المستويات الثلاثة يمكن أن تُعاد قراءتها داخل فلسفة العبور بوصفها حلقات في حركة واحدة: الذاكرة تنتقل بين الذات والجماعة، وتتجسد في المكان والرمز، ثم تعود إلى الإنسان بوصفها مسؤولية أخلاقية عن الماضي والمستقبل.

وهذا يعني أن الذاكرة ليست شيئًا ثابتًا ينتقل من جيل إلى جيل  وينتقل الشيء من يد إلى يد، وإنما هي بنية سيالة تتغير في أثناء انتقالها. وكل جيل لا يرث الماضي كما هو، وإنما يرث إمكانات لتأويله، وكل جماعة لا تستعيد التاريخ كما وقع فقط، وإنما تستعيده من موقعها الخاص في الحاضر. ولهذا فإن الذاكرة تتحول كلما عبرت.

وهنا ينبغي التمييز بين السيولة والفوضى؛ فالذاكرة السيالة ليست ذاكرة بلا شكل، ولا ذاكرة تتخلى عن الماضي، وإنما هي ذاكرة تقبل إعادة التشكيل دون أن تفقد كل استمرارية. إنها تشبه النهر الذي يحتفظ باسمه ومساره العام على الرغم من أن الماء الذي يجري فيه ليس هو الماء نفسه؛ فاستمرار الذاكرة لا يعني بقاء عناصرها دون تغير، وإنما يعني قدرة الجماعة على إنتاج صلة بين طبقات زمنية مختلفة.

ومن هذا المنظور تصبح الهوية نفسها استمرارية سيالة؛ فهي لا تقوم على التطابق التام بين الماضي والحاضر، لأن مثل هذا التطابق مستحيل، وإنما تقوم على القدرة على بناء صلة تأويلية بينهما. ولهذا فإن الجماعة التي تريد أن تكون مطابقة لماضيها تنتهي إلى رفض الحاضر، والجماعة التي تقطع علاقتها بماضيها تفقد جزءًا من قدرتها على فهم نفسها، أما الجماعة العابرة فهي التي تستطيع أن تحمل ماضيها دون أن تسكن فيه.

خامسًا: التعدد الذاكري والهوية العابرة

إذا كانت الذاكرة تتمثل اجتماعيًا، وكانت المؤسسات تقوم بتمثيلها، وكانت إعادة تأويلها تفتح إمكان المصالحة، فإن النتيجة الضرورية هي الاعتراف بأن الجماعة الواحدة لا تمتلك ذاكرة واحدة بالمعنى الصارم. هناك ذاكرة الغالب وذاكرة المغلوب، وذاكرة المركز وذاكرة الهامش، وذاكرة الدولة وذاكرة المجتمع، وذاكرة الأجيال المختلفة، وذاكرة الضحايا وذاكرة الفاعلين، بل إن الفرد الواحد قد يحمل داخله أكثر من ذاكرة وأكثر من انتماء.

ولهذا فإن الحديث عن «الذاكرة الجمعية» يجب ألا يتحول إلى افتراض وحدة مصطنعة، لأن الوحدة التي تقوم على محو الاختلاف ليست وحدة وإنما تجانس قسري. وهنا تتدخل فلسفة التعدد لتؤكد أن الذاكرة المشتركة لا ينبغي أن تعني الذاكرة الواحدة، وإنما يمكن أن تعني قدرة الذاكرات المختلفة على التعايش داخل فضاء تأويلي مشترك.

وهذا هو الفرق بين التعدد المتشظي والتعدد السيال؛ فالتعدد المتشظي يحول الاختلافات إلى جزر مغلقة، بحيث يصبح لكل جماعة ماضيها ولغتها وضحاياها وأبطالها، في حين التعدد السيال يعترف بتعدد الروايات لكنه يفتح بينها جسور العبور، بحيث تستطيع الذاكرة أن تسمع ذاكرة أخرى دون أن تضطر إلى التخلي عن ذاتها.

وفي هذا المستوى يصبح الآخر جزءًا من تكوين الذاكرة، لا مجرد شخص يقع خارجها؛ إذ إن الذاكرة التي لا ترى إلا ذاتها تتحول إلى أيديولوجيا هوية، في حين الذاكرة التي تستطيع أن ترى أثر الآخر في تاريخها تصبح أكثر قدرة على مراجعة صورتها عن نفسها. ومن هنا يمكن القول إن الهوية العابرة ليست هوية بلا ذاكرة، وإنما هوية قادرة على حمل أكثر من ذاكرة داخل بنية واحدة مفتوحة.

سادسًا: من سياسة الذاكرة إلى أخلاق العبور

تكشف المقاربة السابقة أن إدارة الذاكرة ليست شأنًا ثقافيًا محضًا، وإنما هي جزء من إدارة الاختلاف نفسه، لأن الجماعة حين تقرر ما الذي تتذكره وما الذي تنساه، ومن الذي يُكرّم ومن الذي يُهمّش، فإنها لا تدير الماضي فقط، وإنما ترسم حدود الانتماء في الحاضر. ولذلك فإن سياسات الذاكرة يمكن أن تصبح وسيلة لتكريس الهيمنة، ويمكن أن تصبح وسيلة لفتح المجال أمام الاعتراف.

والفارق بين النموذجين يكمن في طبيعة الحد الذي تنتجه الذاكرة؛ فإذا كان الحد مغلقًا، أصبحت الذاكرة أداة لتقسيم العالم إلى «نحن» و«هم»، وإذا كان الحد مفتوحًا، أمكن للذاكرة أن تتحول إلى مساحة لقاء، بحيث لا يكون الاعتراف بماضي الجماعة إنكارًا لماضي الجماعات الأخرى.

ومن هنا نقترح في فلسفة العبور الانتقال من سياسة الذاكرة إلى أخلاق الذاكرة، أي من السؤال عن «من يملك الماضي؟» إلى السؤال عن «كيف نعيش مع تعدد ذكريات الماضي؟». وهذا التحول بالغ الأهمية، لأن الذاكرة لا تصبح عادلة بمجرد أن تُمنح للجميع، وإنما تصبح عادلة حين لا تتحول ذاكرة طرف إلى أداة لمحو ذاكرة الطرف الآخر.

إن أخلاق العبور في مجال الذاكرة تقوم، لذلك، على ثلاث قواعد مترابطة: الاعتراف بالتعدد، وفتح الحدود بين الذاكرات، وتحويل الماضي من مبرر للانتقام إلى شرط لفهم الحاضر. وليس المقصود بذلك إقامة مصالحة سريعة تمحو الاختلاف، وإنما بناء قدرة اجتماعية على حمل الاختلاف دون تحويله إلى حرب دائمة على الذاكرة.

سابعًا: الذاكرة بوصفها شرطًا للهوية العابرة

تنتهي هذه القراءة إلى أن العلاقة بين الذاكرة والهوية لا ينبغي أن تُصاغ في صورة بسيطة تقول إن الذاكرة تحفظ الهوية، لأن هذه الصياغة تفترض أن الهوية موجودة قبل الذاكرة، وأن الذاكرة ليست سوى أداة لحفظها، في حين تكشف المقاربة العابرة أن الذاكرة تشارك في إنتاج الهوية ذاتها، وأن الهوية تتغير كلما تغيرت الطريقة التي تتذكر بها الجماعة نفسها.

فالذاكرة عند هالبواكس تكشف أن الذات لا تتذكر خارج الجماعة، وعند نورا تكشف أن الجماعة تحتاج إلى رموز وأماكن ومؤسسات لتحويل الماضي إلى حضور، وعند ريكور تكشف أن علاقتنا بالماضي ليست علاقة حفظ فقط، وإنما علاقة تأويل ومسؤولية وعدالة ومصالحة.

وإذا أعيد تركيب هذه النتائج داخل فلسفة العبور، فإننا نصل إلى تصور جديد للذاكرة يمكن تسميته الذاكرة السيالة، أي الذاكرة التي لا تفقد الماضي لكنها ترفض تحويله إلى أصل مغلق، ولا تلغي الاختلاف لكنها ترفض تحويله إلى تشظٍّ، ولا تتخلى عن الجرح لكنها ترفض أن تجعل منه هوية أبدية.

ومن هنا فإن الهوية التي تنتجها الذاكرة السيالة ليست هوية جوهرية ولا هوية متشظية، وإنما هوية عابرة، أي هوية تستمد استمراريتها من قدرتها على الانتقال بين أزمنة وتجارب وروايات مختلفة، وتستطيع أن تقول «نحن» دون أن تجعل هذه الـ«نحن» سدًا نهائيًا أمام الآخر. إنها هوية تعرف أن الماضي جزء منها لكنه ليس كلّها، وأن الذاكرة شرط لاستمرارها لكنها ليست سجنًا لها، وأن الاعتراف بالجذور لا يعني رفض التحول.

ولهذا يمكن القول إن الذاكرة لا تكون قوة للهوية حين تجعلها أسيرة للماضي، وإنما حين تمنحها القدرة على العبور من الماضي دون إنكاره، ومن الحاضر دون تقديسه، ومن المستقبل دون أن تقطعه عن جذوره . فالإنسان الذي يفقد ذاكرته يفقد جزءًا من استمراريته، لكن الإنسان الذي يحوّل ذاكرته إلى قدر نهائي يفقد إمكان تحوله؛ وبين الفقدان والتصلب يظهر المجال الذي تسعى فلسفة العبور إلى تأسيسه: ذاكرة تحفظ دون أن تجمد، وتتذكر دون أن تنتقم، وتنسى دون أن تنكر، وتروي دون أن تدّعي امتلاك الرواية الأخيرة.

إن الذاكرة، في النهاية، ليست ما نحتفظ به من الماضي فحسب، وإنما هي الطريقة التي نعبر بها من الماضي إلى أنفسنا؛ ولذلك فإن السؤال عن الذاكرة يصبح، في عمقه، سؤالًا عن نوع الإنسان الذي نريد أن نصير إليه، وعن نوع الجماعة التي نريد أن نبنيها، وعن قدرتنا على أن نحمل تاريخنا بكل ما فيه من جمال وجراح دون أن نحوله إلى حدود مغلقة. وهنا تتلاقى فلسفة الذاكرة مع فلسفة العبور: فالاستمرار الحقيقي ليس أن نبقى كما كنا، وإنما أن نمتلك القدرة على التحول دون أن نفقد كل ما يجعل تحولنا ذا معنى.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

تحولات علم الجمال والتسليع الثقافي في المجتمعات الشرق أوسطية

تُشكّل الاستراتيجية التفكيكية، كما بلورها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، تحولًا جذريًا في مساءلة الخطاب الفلسفي الغربي عبر تقويض الميتافيزيقا المؤسَّسة على مركزية العقل والماهيات الثابتة. ولم تكن فلسفة الجمال بمعزل عن هذا التشريح النقدي؛ إذ قامت النظريات الجمالية الكلاسيكية، الممتدة من أفلاطون وأرسطو وصولًا إلى إيمانويل كانط وفريدريش هيغل، على افتراض ماهية أزلية للجمال تتجلى في التناسب والانسجام والاتساق الهارموني. واعتمدت هذه البنية على ثنائيات ضدية حاسمة ترسم الحدود الصارمة: الجميل مقابل القبيح، الذاتي مقابل الموضوعي، الأصلي مقابل الزائف، والشكل مقابل المضمون. يعمل التفكيك على كشف التوترات الداخلية والشقوق في صُلْب هذا الخطاب، معريًا عجز النص الجمالي عن الحفاظ على نقائه المفهومي، ومبينًا أن ما دُعي "مركزًا ثابتًا" للجمال ليس إلا بناءً اصطناعيًا شُيّد في سياق تاريخي ومؤسسي محدد.

إذ أتاح تقويض المركزية الجمالية تحرير العمل الفني والبصري من هيمنة القصد المباشر للمؤلف، وفتح الفضاء أمام تعددية التأويل وتفكيك الحدود الفاصلة بين الفنون. غير أن هذا التفكيك الشامل لميتافيزيقيا الجمال واجه مسارًا ملتويًا حين تلاقى مع البِنَى الهيكلية للرأسمالية المتأخرة؛ فمع انهيار المعايير النخبوية الصارمة، امتص اقتصاد السوق هذه السيولة المفهومية، لتتحول فلسفة الجمال من ميدان للبحث عن التسامي والحقيقة الوجودية إلى صناعة نمطية تُسلّع الرغبة وتُسطّح الذائقة البشرية في دورات الاستهلاك السريع.

من نظام التفاهة إلى هيمنة "الأملس" الرقمي

تتقاطع أطروحات التفكيك النقدية مع التحليلات المعاصرة لما يُعرف بـ "نظام التفاهة"، كما يُفككه الفيلسوف الكندي آلان دونو، حيث يرى أن النموذج الاقتصادي لليبرالية الحديثة لم يعد يطلب التميز الفكري أو العمق التأملي، بل فرض سلطة التقنيين والخبراء المحكومين بمتطلبات الإدارة والسوق، مما أفضى إلى تسطيح المؤسسات الثقافية وتهميش العلوم الإنسانية. وفي هذا المناخ، غدت الكفاءة رهن التكيف مع السائد وخدمة الشركات الكبرى، وتطويع الوعي ليناسب الاستهلاك اللحظي دون إثارة أسئلة نقدية تمس بنية النظام القائم.

ينتقل هذا التحول إلى أفق أكثر عمقًا مع الفيلسوف الناقد بيونغ-شول هان في مؤلفه "خلاص الجمال"، إذ يرصد الانتقال من الجمال التقليدي القائم على التناقض وصدمة السلب، إلى هيمنة "الجمال الأملس" أو "الناعم". يحلل هان السطح الأملس اللامع، المتجسد في واجهات الهواتف الذكية، وأعمال جيف كونز التزويقية، والأجساد المصقولة اصطناعيًا، بوصفه التعبير البصري المباشر عن ثقافة الليبرالية الاستهلاكية المفرطة في الإيجابية. فالسطح الأملس يمحو كل مقاومة، ويستبعد الخدوش والزوايا الحادة، ليؤسس ثقافة خالية من الألم أو المباغتة الفكرية، مكرسًا مقولة الإعجاب الفوري والامتلاك العابر.

يُفضي طغيان الجمال الأملس إلى نسف "المسافة التأملية" الضرورية لنشوء الحكم الجمالي والارتقاء الروحي. فبينما كان التلقي الجمالي الأصيل يعتمد على حاسة البصر التي تحفظ المسافة وتولد الدهشة والرهبة أمام السامي والمهيب، يعتمد الجمال الأملس على اللمس الفوري عبر الشاشات وإشارات التفاعل السريع. يلغي هذا اللمس الآني المسافة الفاصلة، محولًا الفن إلى سلعة سهلة الهضم والامتصاص. ويلتقي هذه المنحى مع رؤية آرثر دانتو حول "نهاية الفن" و"إساءة استخدام الجمال"، إذ تراجع الفن عن مهمة التسامي وهز الوعي الوجودي ليغدو ممارسات شكلية استعراضية تابعة لتجارة الصور وإعلانات الشركات.

التحولات البنيوية في الفكر الجمالي

تُظهر القراءة النقدية للفكر الجمالي تحولًا جذريًا عبر ثلاث أطوار رئيسية:

الجماليات الكلاسيكية والمثالية: تأسست على الميتافيزيقا المتسامية؛ حيث الجمال جوهر أزلي وانسجام تام يجسد قيم الحق والخير، ويُدرك عبر بصر تأملي يحفظ المسافة ويثير الرهبة والارتقاء، مع احتواء القبح وتوظيفه لخدمة التناغم الكلي للعمل.

الجماليات الحداثية والتفكيكية: قامت على نقد مركزية العقل وتفكيك المسلمات، وتعرية الشقوق والتوترات النصية؛ حيث أُعيد تعريف الجمال كأثر مفتوح متجدد الدلالات، ووُظفت الانكسارات لتفكيك اليقين المطلق والشفافية المصطنعة.

جماليات السلعة الاستهلاكية: في ظل الليبرالية المتأخرة وسيادة منطق السوق، تحول الجمال إلى سطح أملس مفرط الإيجابية وخالٍ من أي تعقيد أو صدام. تحول وسيط الإدراك إلى اللمس الرقمي العابر، واختُزلت الوظيفة الوجودية في الترفيه السريع وإشباع الذات، عبر إقصاء المعاناة وأثر الزمان والتجربة الحية.

التحولات الجمالية والاجتماعية في المجتمعات الشرق أوسطية

تتخذ أزمة انحلال الجمال بعدًا أشد تعقيدًا في المجتمعات الشرق أوسطية والعربية، تحت وطأة التحديث القسري، وضغوط الاستتباع الثقافي، وغياب الحواضن النقدية المستقلة. أدّى هذا التراكم إلى تجريد الإنسان من أبعاده الروحية والتاريخية، وإعادة صياغته بوصفه كائنًا استهلاكيًا محصورًا في تحصيل الملذات المادية السريعة.

تجلت هيمنة النمط الاستهلاكي في تشويه النسيج القيمي والجمالي؛ إذ تراجعت الخصوصيات الثقافية لمصلحة المعايير البصرية المستوردة. وبرز هذا التسطيح في الهوس المتزايد بجراحات التجميل وتنميط الجسد والوجه وفق قوالب مصنعة مسبقًا، حيث تجاوزت الجراحة حدود العلاج والترميم لتغدو واجبًا اجتماعيًا مفروضًا رقميًا للوصول إلى "الجسد الأملس" الخالي من آثار العمر والملامح الفردية.

يتزامن هذا التنميط مع تراجع دور المثقف النقدي لمصلحة منظومات الدعاية وصناع المحتوى السطحي الذين يكرسون الابتذال. أسفرت هذه البيئة عن تعويم المعرفة، واستبدال التحليل الرصين بالمقولات الرخوة، واختزال الفكر إلى ومضات سريعة ومبتورة تناسب حركة التداول اليومي دون معالجة الإشكالات البنيوية. ويتعمق الاغتراب عبر تسليع التراث والفنون المحلية وإفراغها من شحنتها الرمزية والروحية لتتحول إلى مجرد زينة فلكلورية مجردة من طاقتها التحررية، مما أوقع الإنسان في اغتراب مزدوج: ابتعاد عن موروثه الحي، واستلاب داخل نموذج استهلاكي يسلبه استقلاله الفكري.

نهاية عصر الجمال أم فرط الجمال السطحي؟

تقتضي المعالجة التفكيكية فحص مقولة "نهاية الجمال"؛ فالواقع الراهن لا يشهد غيابًا للمظهر الجمالي، بل يظهر تضخمًا واستنفادًا كاسحًا له في كل مفاصل الحياة، حيث تخضع المنتجات والأجساد والواجهات العمرانية لتصميم بصري برّاق يهدف إلى الاستدراج التسويقي. إن هذا الاستغراق في السطحية هو ما أجهز على "الجمال النقدي المتسامي"؛ فحين يغدو كل شيء أملس ومعدًا للاستهلاك العاجل، يفقد الجمال قدرته على صدم الوعي أو بعث الأسئلة الوجودية، متماهياً مع منطق الربح المادي.

إن استعادة المعنى الجمالي وتجاوز هذا الانحلال يظلان رهن مسارين نقديين:

استعادة صدمة القبح وسلبية المعنى: الخروج من أسر "الجمال الأملس" عبر رد الاعتبار للفن الذي يواجه المتلقي بالكسور والتجاعيد والتوترات الوجودية. فالفن الحقيقي هو ما يخدش السطح المصقول، ويفرض المسافة التأملية، ويضع الذات أمام قضايا الألم والزمن والقرادة الإنسانية التي تطمسها ثقافة السطحية.

تفكيك آليات التسليع والهيمنة: توظيف التفكيك كمنهج نقدي لمساءلة المسلمات التي تقوم عليها خطابات السوق ووسائط الاتصال الحديثة، بما يحرر الوعي من قوالب الاستهلاك الجاهزة، ويفتح أفق التفكير في الوجود خارج إطار المنفعة المادية المحدودة.

الشرق الأوسط وتنميط الأجساد

تُظهر القراءة النقدية أن مفهوم الجمال شهد تحولًا بنيويًا انتقل فيه من التسامي الميتافيزيقي القائم على الاتساق والماهية الثابتة، مرورًا بالتشريح التفكيكي الذي زعزع المركزيات والحدود الصارمة، وصولًا إلى التسطيح والتسليع في عصر الليبرالية الحديثة ونظام التفاهة. لقد أنتجت هذه الصيرورة واقعًا بصريًا محكومًا بثقافة "السطح الأملس" والاستهلاك الفوري، حيث تلاشت المسافة التأملية وتجرد الجمال من طاقته النقدية.وفي السياق الشرق أوسطي، تضافر هذا التحول مع التحديث المشوه، مما أسهم في تراجع الوعي النقدي، وتنميط الأجساد والمفاهيم، واختزال التراث في بضائع تزيينية. إن المجتمعات المعاصرة لا تشهد غيابًا للجمال، بل تعيش موت أبعاده النقدية والمتسامية لحساب إفراط استهلاكي شكلي. ولا سبيل إلى استرداد القيمة الأصيلة للجمال إلا بتفكيك ثقافة التفاهة، وتجاوز الاختزال المادي للإنسان، وإعادة تأسيس التجربة الجمالية بوصفها فضاءً للحرية والوعي المقاوم والتأمل الفلسفي العميق.

***

غالب المسعودي

يظهر اللاشيء بوصفه كثافةً أخرى للحضور؛ فالوجود لا يبلغ تمام صورته إلا عبر ما ينسحب منها ويتركها مفتوحة. ومن هنا تنبثق المفارقة الأولى: كيف يشارك ما لا يكون في إنتاج ما يكون؟ وكيف يغدو العدم قوةً عاملة؟ ظلّ هذا السؤال زمنًا طويلًا قريبًا من اللغز اللغوي، ثم اتسعت دلالته مع علوم الدماغ وفيزياء الكم. فعندما يخفت انشغال العقل بمهمة خارجية، يستمر نشاطه ويتجه جانبٌ منه إلى عمليات داخلية تشارك فيها «شبكة الوضع الافتراضي» (Default Mode Network): استعادة الماضي، ومحاكاة المستقبل، ومراجعة صورة الذات، وربط الخبرة بسردية قابلة للاستمرار. يبدو السكون، من هذه الزاوية، كمونًا منتجًا، ويغدو الصمت فعلًا داخليًا يعيد ترتيب إمكانات الوعي. اللاشيء هنا اسمٌ للحظة تراجع التعيّن؛ منطقة خام تسبق تشكّل الصورة وتمنح الحضور فرصةً جديدة للانبثاق.

منذ بارمنيدس وهيراقليطس، تشكّل الفكر الفلسفي داخل التوتر بين الثبات والجريان، وبين الوجود وما يتعذّر تثبيته في صورة الوجود. أعلن بارمنيدس أن «الوجود هو، واللاوجود ليس»، فأقصى اللاوجود عن مجال التفكير والقول. أمّا هيراقليطس، فرأى العالم انتظامًا متحركًا ينشأ من شدّ الأضداد، حيث يحتفظ كل طرف بأثر الطرف الآخر. لا يظهر النور من دون خلفية مظلمة، ولا تتحدد الحركة من دون إمكان السكون، ولا يتبين الفكر إلا عند الحافة التي يلامس فيها ما لم يُفكّر فيه بعد. عبر هذا التوتر لا تقف الكينونة أمام نقيض خارجي؛ إنها تكتشف حدودها في الانسحاب الذي يصاحب كل ظهور.

حملت الفلسفة الحديثة هذا القلق إلى داخل الذات. افتتح ديكارت يقينه بتعليق المألوف وإخلاء الفكر من مسلماته عبر الشك، فكأن تأسيس الحضور مرّ أولًا من تجربة سلبٍ منهجي. ووضع كانط «الشيء في ذاته» عند الحد الذي تتوقف لديه المعرفة النظرية: لا يقع موضوعًا ممكنًا للتجربة، ومع ذلك يرسم الفاصل بين ما يظهر لنا وما يتجاوز شروط ظهور الأشياء في وعينا. ثم منح هايدغر العدم وظيفةً كاشفة في عبارته «العدم يَعدِم». ففي تجربة القلق تنحسر ألفة الموجودات، فتتكشف من حيث كونها موجودة، ويغدو العدم انفتاحًا يحرّر سؤال الوجود من هيمنة الأشياء المكتملة.

تحتاج ألفاظ اللاشيء والفراغ الفعّال والخلاء إلى تمييز يحفظ لكل واحد منها مجاله. اللاشيء اسمٌ فلسفي لحدّ التعيّن، ولما يتراجع حين نحاول الإمساك به كموضوع. والفراغ الفعّال صيغةٌ تشير إلى أن غياب الشيء المرئي قد يخفي عمليات وقوى وعلاقات. أمّا الخلاء فهو الفسحة التي تسمح للعناصر بأن تتجاور وتتباعد وتتبادل التأثير من غير أن تنغلق في كتلة واحدة. الألفاظ الثلاثة تتقاطع من دون أن تتطابق: الأول يزعزع بداهة الحضور، والثاني يكشف فاعلية الكامن، والثالث يهيّئ مجال العلاقة. ومن تفاعلها تتكوّن صورة وجودٍ يتغذى من الفواصل بقدر ما يتغذى من الامتلاء.

في فيزياء الكم، يعني الفراغ أدنى حالة طاقة للحقول، لا غياب الحقول ذاتها. وهو يحمل تقلبات وارتباطات كمومية تظهر آثارها في ظواهر قابلة للقياس، مع ضرورة التعامل بحذر مع الصورة الشائعة عن جسيمات «تولد وتختفي»؛ فالجسيمات الافتراضية أدوات في الوصف الرياضي، ولا تمثل دائمًا حوادث صغيرة يمكن رصدها مباشرة. ومع ذلك، يقدّم الفراغ الكمومي صورةً فلسفية خصبة: ما يبدو خاليًا على مستوى الحس قد يملك بنيةً وطاقةً وقابليةً لظهور الأحداث. كأن الكون يحتفظ، تحت سكونه الظاهر، بإيقاع من التهيؤ والتحول.

وتنشأ هنا مقارنة مغرية بين الفراغ الكمومي وصمت الدماغ، شريطة إبقاء المسافة بين المجالين واضحة. نشاط شبكة الوضع الافتراضي لا يقدّم برهانًا على أصل كمومي للوعي، والفراغ الفيزيائي لا يعمل كعقل كوني. قيمة المقارنة تأويلية: كلا النموذجين يعلّمنا أن غياب الأثر الظاهر لا يساوي غياب العملية. فالدماغ الذي لا يستجيب لمهمة مباشرة يظل منشغلًا بتنظيم الذاكرة والذات والتوقع، والحقل الذي يخلو من الجسيمات المرصودة يحتفظ ببنيته الكمومية. الصمت، وفق هذه المقارنة المنضبطة، هيئة من هيئات العمل الخفي؛ والفراغ قابلية منظمة للحدوث.

يدخل الخلاء عنصرًا ثالثًا في هذه البنية. إنه يتجاوز صورة الحيّز الهندسي المحايد إلى فسحة أنطولوجية تتبادل فيها القوى مواقعها. يمنح اللاشيءُ هذه الفسحةَ انفتاحها على غير المتعيّن، ويمنحها الفراغُ الفعّال توترها الداخلي، فيما يحفظ الخلاء المسافة الضرورية لانتقال الإمكان إلى فعل، والغياب إلى أثر، والصمت إلى قول. الخلاء هو «السكون الديناميكي» للكون: مجال لا يظهر كشيء مستقل، مع أنه يتيح للأشياء أن تظهر، وأن تتحرك، وأن تتغير من غير أن تفقد إمكانها في التحول.

عصبيًا، يمكن وصف الخلاء كتجربة يخف فيها التدفق اللفظي والصوري، فتغدو الذات أقل التصاقًا بمحتواها العابر. لا يتوقف الدماغ أثناء التأمل، ولا تسير كل حالات التأمل على نمط عصبي واحد؛ بعضها يغيّر علاقة شبكات الانتباه بشبكة الوضع الافتراضي، وبعضها يخفف التماهي مع السرد الداخلي. ما يهم فلسفيًا هو ظهور فسحة بين الوعي ومحتواه: الفكرة تحدث من غير أن تستنفد صاحبها، والصورة تمر من غير أن تتحول إلى سجن إدراكي. عند هذه العتبة تتجاور اللغة العصبية واللغة الروحية؛ تصف الأولى تبدل التنظيم الوظيفي، وتصف الثانية خبرة الانفتاح والتحرر من ضجيج الذات.

عرف الفكر الشرقي صورًا عميقة لهذا الخلاء. عند ناغارجونا، تدل śūnyatā على خلوّ الأشياء من جوهر مستقل وثابت. تنشأ الظواهر اعتمادًا على شروط وعلاقات متبادلة؛ لذلك يصبح الخلوّ وجهًا آخر للنشوء المشروط، ويحول دون أسطرة الموجودات أو أسطرة العدم نفسه. وفي الطاوية، تشير كلمة wu () إلى اللاموجود أو الخواء الذي تتجلى فائدته في قابلية الاستعمال؛ فالإناء يؤدي وظيفته بفضل جوفه، والباب يفتح طريقًا بفضل الفتحة التي تشق الجدار. الخواء هنا قدرة على الإتاحة، وصيغة عملية لفاعلية ما لا يُمسك باليد.

أمّا اليونان، فلم يجتمعوا على رفض الفراغ. دافع الذريون، من لوقيبوس وديموقريطس إلى أبيقور، عن ضرورة الخلاء كي تتحرك الذرات، بينما أنكر أرسطو إمكان الفراغ الطبيعي وربط الحركة بوسطٍ مادي. ومن هذا الخلاف المبكر ظهر سؤال ظل يرافق الفلسفة: هل تحتاج الحركة إلى امتلاء يحملها، أم إلى فجوة تتيحها؟ أعاد هيغل صياغة السؤال حين جعل السلب قوةً داخل الصيرورة، ومنح نيتشه الهدم دورًا في تحرير إمكانات الخلق وإعادة تقويم القيم، وجعل هايدغر العدم تجربة تكشف الوجود. ومع سارتر صار العدم بنيةً في الوعي: يباعد الإنسان بينه وبين معطاه، ومن هذه المباعدة تنشأ الحرية وإمكان تجاوز ما هو قائم.

الخلاء،  لحظة توازن متحرك بين تيارات متعارضة؛ صمتٌ ينصت فيه الوجود إلى إمكاناته. من دونه يختنق الفكر بامتلائه، ويتحول المعنى إلى تكرار لما استقر. ومن خلاله تتنفس اللغة، لأن الكلمة تحتاج إلى فاصلة، والصورة تحتاج إلى خلفية، والانتباه يحتاج إلى انقطاع يحرره من الاستمرار الآلي. لكل معرفة عتبة صامتة: ظلمة تهيئ الرؤية، وتردد يسبق الحكم، ومساحة تستقبل ما لم يتخذ اسمًا بعد.

ويمتلك الخلاء بعدًا زمنيًا إلى جانب بعده المكاني. يمكن تسميته «الزمن المتبقي»: لحظة معلقة في التجربة، يتباطأ فيها اندفاع المعنى وتظل احتمالات عدة مفتوحة قبل أن يستقر الإدراك على وجهة. يشبه ذلك الانتباه التأملي، حيث يتغير الإحساس بجريان الزمن وتُعاد معايرة العلاقة بين الحاضر والذاكرة والتوقع. أمّا التراكب الكمومي (superposition)، فهو وصف رياضي لحالة يمكن تمثيلها كمزيج من إمكانات القياس، ولا يساوي توقف الزمن الشعوري. ومع حفظ هذا الفرق، تصلح صورة التراكب استعارةً للخبرة التي لم تُحسم دلالتها بعد: كتابةٌ لم تختر عبارتها، وتأملٌ لم يتحول إلى حكم، ووعيٌ يتهيأ لاستقبال أكثر من مسار.

كل حدث في الوعي انتقالٌ من مجال مفتوح إلى صورة محددة. وإذا استعرنا كلمة «الانهيار» من لغة الكم، وجب أن تظل استعارةً فلسفية: المعنى لا ينشأ حرفيًا عبر قياس كمومي، وإنما يتبلور حين ترجح شبكة من الدلالات والذكريات والتوقعات على بدائلها. كذلك تعمل الذاكرة بوصفها إعادة بناء، لا خزانًا جامدًا للماضي. يستدعي العقل ما جرى في ضوء الحاضر وما ينتظره من المستقبل، فتغدو الذكرى أثرًا قابلًا لإعادة التشكيل. ومن هنا يمكن تسمية الخلاء «ذاكرة الإمكان»: فسحة تحتفظ بما لم يكتمل، وتتيح له أن يعود في هيئة فكرة أو صورة أو قرار.

ويأخذ الخلاء قيمة أخلاقية حين يصير شرطًا للضيافة. استقبال الآخر يحتاج إلى مساحة داخل الذات لا تحتلها الأحكام الجاهزة، وإلى صمت يسمح لصوته بأن يصل قبل أن يُعاد تشكيله وفق توقعاتنا. كما يحمل قيمة جمالية: البياض يشارك في بناء اللوحة، والفراغ ينظم العمارة، والسكتة تمنح الموسيقى إيقاعها، والحذف يوقظ في القصيدة ما تعجز العبارة المباشرة عن حمله. الفن لا يتكوّن من المادة الحاضرة وحدها؛ يتكوّن أيضًا من توزيع الغياب، ومن القدرة على جعل الفجوة جزءًا من الشكل.

يتأسس الوجود، إذن، على توتر دائم بين الامتلاء والنقص، وبين الظهور والكمون، وبين الإمكان والتحقق. اللاشيء هو الاسم الذي نعطيه لانحسار التعيّن؛ والفراغ الفعّال هو النشاط الكامن تحت صورة الغياب؛ والخلاء هو المسافة الحية التي تحفظ العلاقة بينهما. لا تنتمي هذه المستويات إلى علم واحد، ولا تختزل في جوهر مشترك: اللاشيء سؤال أنطولوجي، والفراغ الكمومي مفهوم فيزيائي، والخلاء تجربة فلسفية وجمالية وروحية. غير أن وضعها في حوار يكشف مبدأ واحدًا في التفكير: الحضور لا يعمل وحده، وكل صورة تحتاج إلى هامش يسمح لها بالظهور والتحول.

من يفكر في اللاشيء يتوغل في طبقة الواقع الأشد خفاءً، حيث تتشكل الأشياء قبل أن تستقر في أسمائها. هناك يتقاطع العصب مع التجربة، والكون مع التأويل، والفكر مع صمته، من غير أن يذوب مجال في آخر. ويطل الخلاء كذاكرة لا تنفد لإمكانات الوجود: الصمت يهيئ القول، والفراغ يفتح طريق الحضور، واللاشيء يمنح الكينونة نَفَسًا تتجاوز به صورتها المكتملة. عندئذ يغدو الجمال أثرًا لشيء لم يُملأ كله، وبقيت فيه فسحة تكفي لميلاد معنى جديد.

***

عبد الله الهميلي

قراءة حول تأثير الإدراك في نشوء الصراع بين الهويات

مدخل: يتشكل هذا المقال من أفكار أساسية: الهوية تعبر عن انتماء إلى عناصر مختلفة (دين، عرق، لغة، طائفة، مذهب، قومية..)، وتكتمل الهوية من خلال إدراك المجتمع لذلك الانتماء، إذ لا يكفي توفر أي عنصر مالم يتحقق شرط الإدراك، ومن ثم ينشأ الاختيار الاجتماعي عبر قياداته النخبوية، لأحد تلك العناصر المتعددة، فتبرز إحدى الانتماءات على حساب الأخرى، وبعد ذلك إما أن تتم إدارة الاختلاف والتعدد بنحو متناسق يحفظ خصوصيات وحقوق الآخرين، أو يحدث الفشل في إدارة الاختلاف بنحو مقصود أو غير مقصود، ليتنامى الصراع والنزاع..

ويمكن تحديد الهوية بما لخصه أحد الباحثين في الموضوع بأنها: (أن الهوية تعبر عن كل من الميزات الفارقة والعلامات المميزة التي تمنح الخصوصية وترسم الحدود بين الديموغرافيا البشرية، وعن السقوف الجامعة ومناطات الاشتراك والاتفاق عند جماعة أو أمة ما. وعموما؛ هي مجمل السمات التي تخص عنصرا أو جماعة دون غيرها، والهوية فلسفيا تراكمية فلا توجد هوية الفرد حتى توجد هوية الجماعة والخلفية الجماعية التي يشغل الفرد مخيطا في نسيجها الكبير، ويعبر المنظور الفلسفي عن الهوية على أنها فرصة المطابقة والتشابه والتي تصنع بتظافرها هوية ثقافية لشعب لا يشركه فيها بكل محدداتها شعب آخر وإن اشترك معه ربما في بعضها. وللهوية مكونات أساسية تحدد ملامحها في كل جماعة أو أمة دون غيرها)[1]، والمشتركات يمكن إجمالها بنوعين من العناصر:

العناصر الثابتة: (اللغة، المكان، الجغرافية، الاقتصاد، التاريخ..)

العناصر المتغيرة: (الدين، المذهب، الثقافة، الوطن، القومية..)

وسبب التمايز ربما يكون نسبيا وضئيلا، لأن التغيير في الفئة الأولى يمكن أن يحدث ولكن بنحو نادر، في حين يطال التغيير –في الغالب- الفئة الثانية، فالصراعات الدينية والمذهبية والسياسة تفضي إلى تحولات في بنية وتكوين الهوية، وهو أحد أبرز تحديات الهوية.

ويمكن تحديد إشكالية الموضوع من نواحٍ عدة:

أولا: صراع الهويات، رغم تداخلها، فالهوية الوطنية يمكن أن تصطدم بالهوية القومية أو الدينية.

ثانيا: مخاوف التبديد، وهو ما يشكل هاجس الهوية المفقودة، وضمور المسمى الثقافي للإنسان، وتلاشي أصالته التي تشير إلى تاريخه وتراثه ومصادر قوته تجاه المجتمعات المباينة.

ثالثا: منعطفات التجديد، وهو ما يطرأ على الهوية من إضافات بنيوية إما بنحو من التراكم التاريخي، او التأثير القسري، وكلاهما محل اختلاف واسع.

يبدأ هذا صراع الهويات من إشكالية تحديد الهوية، وغالبا ما يتم تناول الهوية الوطنية والتي تمثل المحك الحقيقي لصراع الهويات، إذ تتجلى فيها أوجه الصراع بين الدين والعلمانية، وبقية الانتماءات القومية والقبلية، ومدى أولوية كل منها على الآخر، لذلك نجد أن الهوية الوطنية تتبدد وتذوب في الجوانب الدينية أو القبلية أو غيرها من الأطر التي تشكل هوية الإنسان.

الذاتي والموضوعي في تشكل الهوية:

يشير (أنتوني غدنز) إلى الذاتي والموضوعي في تشكل الهويات، فالعنصر الموضوعي –حسب تعبير- هو وجود الاختلاف والتباين في (اللغة او الدين او الثقافة..)، والعنصر الذاتي هو إدراك أفراد الجماعة لهذا الاختلاف والتباين[2]، وطبيعة الإدراك أو طريقته أو كيفيته، هو ما يحدد اتجاه المجتمع، نحو التعايش أو الصدام..

ربما يتجاوز فهمنا للهوية باعتبارها مجموعة من الصفات الثابتة التي يحملها الأفراد أو الجماعات، أواختزالها في مجرد شعور نفسي بالانتماء، لأن الهوية في واقعها تفاعل مستمر بين ما هو قائم في الواقع وما يتشكل في الوعي والإدراك، فهي تتكون من عناصر موضوعية يمكن ملاحظتها ووصفها، وعناصر ذاتية تتصل بطريقة إدراك الإنسان لهذه العناصر وتفسيرها ومنحها قيمة خاصة، فالجانب الموضوعي في الهوية يتمثل في مجموعة الخصائص المشتركة التي تجمع أفراد جماعة معينة، كاللغة والدين والتاريخ والثقافة والعادات والأرض والذاكرة الاجتماعية، وهي عناصر يمكن أن يلاحظها الباحث وأن يصفها وصفا علميا دون أن يدخل في دائرة التقييم أو الانحياز، ووجود هذه العناصر لا يكفي وحده لتكوين هوية حقيقية، إذ قد تتوافر الخصائص نفسها لدى جماعات متعددة من غير أن تشعر جميعها بأنها تمثل كيانا واحدا أو مصيرا مشتركا، وهو ما يدل على أن الوعي عنصر أساس في تشكل الهوية، فالهوية قد تتوفر عناصرها على أرض الواقع، وتبرز وتتشكل من خلال طريقة إدراك تلك الخصائص والعناصر في الواقع.

ومن هنا يظهر البعد الذاتي الذي يمثل الجانب الأكثر حيوية في تكوين الهوية، لأنه يعبر عن إدراك الجماعة لذاتها، وعن شعورها بالانتماء إلى إطار اجتماعي أو ثقافي معين، وعن الصورة التي ترسمها لنفسها في مقابل الآخرين، فاللغة، مثلا، تصبح عنصرا في بناء الهوية عندما يتم إدراكها لتتحول تباعا إلى رمز للانتماء وإلى خزين معرفي للثقافة والتاريخ، وكذلك الدين يؤدي هذا الدور من خلال إدراكه على أنه جزءا من الهوية، بنحو يحدد للمجتمع موقعه بين المجتمعات ويمنحه الوعي بالخصوصية.

ولذلك فإن العلاقة بين الذاتي والموضوعي في تشكل هوية علاقة تكامل، فالعناصر الموضوعية تمثل المادة الخام التي تستند إليها الهوية، بينما يتولى الإدراك الذاتي إعادة تنظيم هذه المادة وإكسابها معناها الاجتماعي والثقافي، ومن دون هذا الإدراك تبقى الخصائص المشتركة مجرد وقائع متفرقة مهملة غير ملحوظة، والإدراك نفسه لا يستطيع أن يصنع هوية مستقرة إذا انفصل عن أسس موضوعية حقيقية، لأن الهوية التي تستند على الانفعال وحده ربما تتحول إلى هوية هشة يسهل توظيفها في الصراعات أو الخطابات التعبوية، والسبب أن الهوية تشكلت عبر إدراك لعناصر وخصائص زائفة أو غير جديرة لأن تكون خصائص مميزة للهوية، كما حدث الصراع الطائفي على أساس غلبة الانتماء المذهبي على الانتماء الوطني.

إدراك الاختلاف وأثره في إدارة التعددية

وتتجلى أهمية هذا التمييز بصورة أوضح عند الحديث عن التعددية، إذ إن التعددية تعني وجود اختلافات بين الجماعات، و أنماط متعددة من الانتماء من المفترض أن تتعايش داخل المجتمع الواحد، فالإنسان يحمل في الوقت نفسه أكثر من دائرة للانتماء، فهو ينتمي إلى دين، ووطن، وثقافة، ومهنة، وأسرة، وجماعة علمية أو فكرية، وهذه الانتماءات لا تتعارض في أصلها، بل يمكن أن تتكامل إذا أُحسن ترتيبها ضمن منظومة متوازنة من القيم، لكنها تتعارض عندما يقع الخلل في طريقة إدراكها وإدارتها.

ومن الخطأ تفسير التعددية على أنها نتيجة حتمية للاختلافات الموضوعية، لأن التجربة الإنسانية تكشف أن مقدار الاختلاف لا يحدد وحده طبيعة العلاقة بين المجتمعات، فكثير من المجتمعات شهدت تعايشا واسعا رغم اختلاف اللغة أو الدين أو العرق، في حين عرف بعضها الآخر صراعات حادة بين جماعات لا تكاد تختلف إلا في تفاصيل محدودة، وهذا يعني أن العامل الحاسم لا يكمن في حجم الاختلاف الموضوعي، وإنما في الطريقة التي يتم قيها إدراك هذا الاختلاف.

ولهذا فإن الهوية قد تتحول من إطار طبيعي للتعريف بالذات إلى أداة للإقصاء، وذلك عندما يطغى العنصر الذاتي على العنصر الموضوعي، بمعنى وجود خلل في الإدارك، فيتم إدراك الآخر على أنه عدو، وتتم إعادة تفسير التاريخ والثقافة والرموز بطريقة تجعل الآخر مصدر تهديد دائم، وفي المقابل، يعد تجاهل البعد الذاتي والاقتصار على المعايير الموضوعية طريقا مفضيا إلى قراءة ميكانيكية للهوية، والإنسان لا يعيش الوقائع كما هي، وإنما يعيش المعاني التي يبنيها حولها، وهنا تبرز مشكلة الإدراك.

ومن هنا فإن إدارة التعددية تبدأ بالاعتراف بوجود الاختلاف، لأن الاختلاف سنة اجتماعية ملازمة للتنوع الإنساني، وتبدأ بنحو أدق ببناء وعي قادر على التمييز بين الحقيقة الموضوعية وبين التصورات الذاتية التي تتكون حولها، فالحقيقة الموضوعية تتضمن اختلاف العرق واللغة والدين..، ويحتاج المجتمع إلى إدراك متوازن لتلك الاختلافات، تجنبا لتوظيفها بشكل سلبي، وكلما ازداد المجتمع قدرة على إدراك هذا التوازن، أصبحت الهوية عاملا للتكامل والتعارف، وليس وسيلة لإنتاج الانقسام أو ترسيخ الصراع.

وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الهوية بناء معرفي واجتماعي يتشكل باستمرار من التفاعل بين الواقع والإدراك، بين الخصائص المشتركة والوعي بها، وبين ما هو موضوعي وما هو ذاتي، ومن هنا فإن نجاح المجتمعات التعددية يعتمد على قدرتها على إدارة هذا التفاعل إدارة عقلانية تجعل الاختلاف مصدرا للإثراء الحضاري بدل كونه سببا للتنازع، وتجعل الانتماء وسيلة لبناء المشترك الإنساني.

إن التعددية لا تؤتي ثمارها إلا إذا تحولت إلى معتقد أخلاقي قائم على الإيمان بحق الآخر في الاختيار، بغض النظر عن التفسيرات المعرفية لأسباب التعدد، فبدون هذا الأساس الأخلاقي، يعجز النقد الخارجي والبحث الداخلي في الأديان عن إنتاج حلول إيجابية، بل ينزلقان إلى تشكيل “فرقة ناجية” جديدة بأسماء مختلفة[3].

ومن القيم القرآنية الواضحة على ذلك، هي التعارف، ومن هنا تبرز أهمية مفهوم التعارف الذي قرره القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات: 13]، فالآية الكريمة تشير إلى سنة التنوع والتعدد من جهة، وتكشف عن الغاية الحضارية لهذا التنوع من جهة أخرى، إذ جعلت التعارف غاية ووظيفة إنسانية تنتج آثاراً تتجاوز حدود المعرفة المجردة، لتشمل بناء الثقة، وترسيخ الحقوق، وتحقيق السلم الاجتماعي والإنساني[4].

***

د. أسعد عبد الرزاق الأسدي

......................

[1]- ظ: علي محمد الصلابي، الهوية الوطنية ركن من أركان الدولة الحديثة المسلمة، مقال/موقع الجزيرة

[2]- ظ: أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ص 313 ت: د.فايز الصياغ، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2005

[3]- ظ: عمار أبو رغيف، مقالات عراقية مقالات وبحوث الفكر والدين والفلسفة، ص ٥٧، ط ٢، دار المعارف، الحكمية، ٢٠١٩

[4]- ظ: الطباطبائي، الميزان، ج18، ص325- 350.

ليس الغفران مفهومًا يستقر في اللغة كما تستقر الأشياء في أمكنتها؛ إنه، منذ اللحظة التي نحاول فيها الإمساك به، يبدأ في الإفلات. نقول: «غفرتُ»، فنظن أن الأمر قد انتهى، لكن ماذا يعني أن ينتهي ما لا يمكن محوه؟ وهل الغفران هو أن أنسى ما حدث، أم أن أتذكره بطريقة أخرى؟ وهل هو أن أعفو عن الجاني، أم أن أعفو عن نفسي من الاستمرار في حمل أثر الجريمة؟ وهل الغفران قرار تتخذه الذات، أم حدث يأتي إليها من مكان لا تستطيع التحكم فيه؟ لعل هذه الأسئلة هي التي تجعل الصفح عند جاك دريدا (1930-2004) ليس موضوعًا أخلاقيًا فحسب، وإنما حدًّا فلسفيًا تنكشف عنده هشاشة المفاهيم التي نظنها مستقرة: العدالة، الذاكرة، النسيان، المسؤولية، الاعتذار، المصالحة، الزمن، وحتى اللغة نفسها. فدريدا لا يدخل إلى الصفح من باب التعريف، بل من باب التشكيك في إمكانية التعريف؛ لا يقول لنا أولًا ما الصفح، بل يضعنا أمام الكلمة وهي تتعثر في نفسها، ويبدأ نصه Pardonner: l’impardonnable et l’imprescriptible بعبارة تكاد تكون اعتذارًا عن مجرد الكلام («Pardon, oui, pardon»)؛ «عفوًا، نعم، عفوًا».¹

إن هذه البداية الصغيرة ليست هامشًا بلاغيًا، بل تحمل، في تقديري، مفتاح القراءة كلها؛ فالصفح يظهر هنا قبل أن يتحول إلى مفهوم، أي يظهر بوصفه فعلًا لغويًا سابقًا على التنظير. إنني لا أقول «ما هو الصفح؟» ثم أصفح، وإنما أقول «عفوًا» قبل أن أعرف تمامًا ما الذي تعنيه كلمة «عفوًا». وهنا تبدأ الحركة التفكيكية: الكلمة تسبق المفهوم، والفعل يسبق تعريف الفعل، واللغة تقول أكثر مما تستطيع الذات أن تراقبه فيها. ولهذا يلتفت دريدا إلى القرابة بين الصفح والهبة، فيقول: («Entre don et pardon, il y a au moins cette affinité ou cette alliance»)؛ «بين الهبة والصفح توجد، على الأقل، هذه القرابة أو هذه المصاحبة».² وليس المقصود مجرد تشابه لفظي بين don وpardon، بل إن دريدا يضع يده على بنية مشتركة: الهبة والصفح، في صورتهما القصوى، يبدوان فعلين يخرجان من اقتصاد التبادل. فالهبة التي تنتظر مقابلًا لم تعد هبة خالصة، والصفح الذي ينتظر اعتذارًا أو توبة أو إصلاحًا بوصفها ثمنًا له يوشك أن يتحول إلى صفقة أخلاقية. ومن هنا يبدأ الصفح في مقاومة كل منطق للحساب: ماذا أعطيت؟ ماذا أخذت؟ ماذا استحق الآخر؟ ماذا بقي عليه أن يدفع؟ إن الصفح، حين يدخل هذا الاقتصاد، يصبح مهددًا من داخله؛ لأن ما كان ينبغي أن يكون خروجًا من دائرة الدين يتحول إلى دين جديد. أنا أصفح لأنك اعتذرت، وأنت تعتذر لكي أصفح؛ وهكذا يصبح الصفح شيئًا يشبه عقدًا أخلاقيًا، لا حدثًا استثنائيًا. لذلك لا تكمن راديكالية دريدا في دعوته إلى الصفح، وإنما في سؤاله عن الشروط التي تجعل الصفح صفحًا فعلًا، لا مجرد اسم أخلاقي لتبادل آخر.

ومن هنا يصل دريدا إلى المفارقة التي تختصر تقريبًا بنية تفكيره كله في هذا الموضوع: («Le pardon pardonne seulement l’impardonnable»)؛ «الصفح لا يصفح إلا عن اللامغتفر».³ تبدو العبارة في ظاهرها مستحيلة؛ فإذا كان الشيء «غير قابل للغفران»، فكيف يمكن أن يكون موضوعًا للغفران؟ لكن المستحيل هنا هو بالضبط ما يجعل الصفح ممكنًا في معناه الأقوى. فإذا كان ما أصفح عنه قابلًا للصفح بسهولة، وإذا كان الاعتذار يكفي لكي يزول كل شيء، وإذا كانت التوبة تعيد ترتيب العلاقة بطريقة آلية، فإننا لم نعد أمام الصفح في حدّه الأقصى، وإنما أمام تسامح أو مصالحة أو عفو مشروط. أما الصفح الذي يستحق اسمه فيبدأ حيث تقول الأخلاق: «لا ينبغي أن يُغفر هذا». ولهذا لا يضع دريدا اللامغتفر خارج الصفح، بل يجعله يسكن قلبه؛ فاللامغتفر ليس عدو الصفح فقط، وإنما هو ما يمنع الصفح من أن يتحول إلى إجراء عادي. إنني لا أحتاج إلى فعل الصفح لكي أتجاوز خطأً بسيطًا يمكن إصلاحه باعتذار؛ لكنني أحتاج إلى التفكير في الصفح عندما أكون أمام ما يهدد إمكان الصفح نفسه. ولهذا يكتب دريدا في «القرن والصفح»: («N’est-ce pas en vérité la seule chose à pardonner ?»)؛ «أليس هذا، في الحقيقة، هو الشيء الوحيد الذي ينبغي أن يُغفر؟».⁴

 إن السؤال هنا ينقلب على نفسه: بدل أن نسأل «ما الذي يمكن أن نغفره؟»، يصبح السؤال «ما الذي يجعل الغفران غفرانًا؟». والجواب لا يأتي في صورة تعريف، بل في صورة مفارقة: إن الصفح يتحدد بما يعجز عن تبريره، بما يقاوم التسوية، بما لا يمكن إدخاله في ميزان المقابلة بين الخطأ والاعتذار. ولذلك يقول دريدا أيضًا: («Le pardon doit s’annoncer comme l’impossible même»)؛ «ينبغي للصفح أن يعلن نفسه بوصفه المستحيل نفسه».⁵ والمستحيل هنا ليس ما يستحيل وقوعه، وإنما ما يستحيل تحويله إلى قاعدة؛ فالصفح إذا صار قاعدة فقد جزءًا من فرادته، وإذا صار مضمونًا سلفًا فقد شيئًا من حدثيته، وإذا أمكن حسابه فقد دخل في اقتصاد يناقضه. إن الصفح الحقيقي، إذا حدث، يحدث في تلك اللحظة التي لا توجد فيها قاعدة أخلاقية تضمنه مسبقًا. وهذا هو ما يجعل الصفح قريبًا من فكرة الحدث عند دريدا: الحدث لا يكون حدثًا لأنه متوقع، بل لأنه يأتي بما لا يمكن توقعه.

لكن هنا تظهر مشكلة الاعتذار. أليس الاعتذار شرطًا للصفح؟ ألا ينبغي للمذنب أن يعترف أولًا؟ ألا ينبغي أن يقول: «لقد أخطأت»؟ نعم، ولكن دريدا لا ينكر قيمة الاعتذار؛ بل يسأل عن اللحظة التي يتحول فيها الاعتذار من فعل أخلاقي إلى شرط اقتصادي. فإذا قلت: «لن أصفح إلا إذا اعتذرت»، فإن الصفح أصبح مشروطًا. وإذا قلت: «سأصفح لأنك ندمت»، أصبح الصفح مكافأة على الندم. وإذا قلت: «أصفح لأنك أصلحت الضرر»، صار الصفح جزءًا من عملية التسوية. وفي Le Siècle et le pardon يميز دريدا بين أفق الصفح غير المشروط وأفق الصفح المشروط بالتوبة والاعتراف والتحول، ويصف الأول بأنه («inconditionnel, gracieux, infini, anéconomique»)؛ أي «غير مشروط، مجاني، لا متناهٍ، ولا اقتصادي».⁶ وهنا ينبغي الانتباه إلى كلمة anéconomique: فالصفح في حدّه الأقصى لا يعمل وفق منطق الربح والخسارة، ولا وفق منطق «أعطيك شيئًا لأنك أعطيتني شيئًا». إنه خروج من الحساب لا نتيجة لحساب جديد. ولذلك فإن السؤال الدريدي ليس: هل ينبغي أن نعتذر؟ بل: هل يستطيع الاعتذار أن يكون شرطًا ضروريًا للصفح دون أن يحول الصفح إلى تبادل؟ وهل يستطيع الصفح أن يظل صفحًا إذا أصبح مشروطًا بتحول المذنب إلى شخص آخر؟ وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة: إذا اعتذر المذنب، وندم، وتغير، وأصبح شخصًا مختلفًا، فقد أصبح من السهل الصفح عنه؛ لكن هل أصفح عندئذ عن المذنب نفسه؟ أم أنني أصفح عن شخص لم يعد مطابقًا تمامًا لمن ارتكب الفعل؟ إن الصفح، في هذه الحالة، يوشك أن يصبح أكثر سهولة لأنه لم يعد يواجه الجاني في ثقل فعله، بل يواجه شخصًا أعاد بناء نفسه من خلال الاعتذار. أما الصفح الراديكالي فيواجه المذنب بوصفه مذنبًا، لا بعد أن يصبح بريئًا رمزيًا من خلال التوبة. وهذا هو ما يجعل الصفح، عند دريدا، تجربة لا تستقيم داخل الأخلاق التقليدية بسهولة: إنه لا يريد أن يساوي بين المذنب وذنبه، لكنه لا يريد أيضًا أن يمحو الذنب لكي يجعل الصفح ممكنًا.

ومن هنا ينبغي التمييز بين الصفح والتبرئة. فالصفح لا يقول: «لم يحدث شيء»، ولا يقول: «أنت بريء»، ولا يقول: «ما ارتكبته يمكن تبريره». بالعكس، إن الصفح يحتاج إلى أن يبقى الجرح جرحًا لكي يكون صفحًا. وإذا محا الصفح الجريمة، لم يعد صفحًا بل نسيانًا؛ وإذا برر الجريمة، لم يعد صفحًا بل تبرئة؛ وإذا ألغى مسؤولية الجاني، تحول إلى إنكار. ولذلك فالصفح لا يغير الحدث، وإنما يغير علاقة الذات بالحدث. الجريمة تبقى جريمة، لكن الجريمة لا تعود قادرة على احتكار المستقبل. وهنا بالذات تتقاطع التفكيكية مع الهرمينوطيقا: إن التأويل لا يغير النص الذي حدث، لكنه يغير أفق علاقته بالقارئ؛ وكذلك الصفح لا يغير ما حدث، لكنه يغير أفق علاقة الذات بما حدث. ولذلك يمكن أن نقول إن الصفح ليس محوًا للماضي، بل إعادة تأويل لعلاقته بالحاضر والمستقبل. وهذا ما يمنح العبارة الدريدية حول الزمن قوتها: فالصفح، كما يقول، مرتبط بـ(«un passé qui d’une certaine façon ne passe pas»)؛ أي «بماضٍ لا يمر، بطريقة ما».⁷ إن الماضي هنا ليس مجرد شيء انتهى، وإنما هو ما يستمر في الحضور من خلال أثره. الحدث مضى زمنيًا، لكنه لم يمضِ تأويليًا؛ وقع وانتهى من حيث الواقعة، لكنه لم ينتهِ من حيث أثره في الذاكرة. ولهذا فالصفح لا يأتي لكي يجعل الماضي ماضيًا مرة أخرى، وإنما لكي يمنع الماضي من التحول إلى قدر نهائي.

ومن هنا لا يكون النسيان شرطًا للصفح، بل ربما يكون نقيضه. لأنني إذا نسيت، فلن يكون ثمة شيء أصفح عنه. إن الصفح يحتاج إلى ذاكرة، لكنه يحتاج إلى ذاكرة لا تتحول إلى انتقام. وهنا يظهر ذلك التوتر الجميل بين التذكر والتحرر: أتذكر ما حدث، لكنني لا أسمح لما حدث بأن يقرر وحده ما سأكونه. أتذكر الجرح، لكنني أرفض أن يصبح الجرح هويتي. أتذكر المذنب، لكنني لا أجعل ذنبه قدرًا أبديًا له. ولذلك فإن الصفح لا يلغي الذاكرة، بل يحرر الذاكرة من أن تكون آلة لإعادة إنتاج الجريمة. فالذاكرة التي لا تعرف إلا التكرار يمكن أن تصبح شكلًا آخر من أشكال العنف؛ أما الصفح فيدخل إليها لا لكي يمحوها، وإنما لكي يفتح فيها إمكانًا جديدًا للتأويل. وهنا نستطيع أن نفهم لماذا يظل دريدا حذرًا من مساواة الصفح بالمصالحة. فالمصالحة مشروع اجتماعي وسياسي، وقد تكون ضرورية لاستعادة العلاقة بين الجماعات، لكنها لا تستنفد الصفح. قد أصفح دون أن أصالح، وقد أصفح دون أن أستعيد الثقة، وقد أصفح دون أن أعود إلى العلاقة القديمة، وقد أصفح دون أن أتخلى عن حق العدالة. فالصفح ليس عودة الأشياء إلى ما كانت عليه؛ إنه قبول بأن الأشياء لن تعود كما كانت، ومع ذلك يمكن للمستقبل ألا يكون نسخة من الماضي.

وفي هذا السياق تصبح علاقة الصفح بالعدالة أكثر تعقيدًا. فالعدالة تحكم، أما الصفح فلا يمكن أن يكون مجرد حكم. القانون يستطيع أن يقرر أن الجريمة لا تسقط بالتقادم، لكنه لا يستطيع أن يأمر الضحية بالصفح. وهنا يميز دريدا بدقة بين «اللامتقادم» و«اللامغتفر»: («l’imprescriptible n’est certes pas l’impardonnable»)؛ أي إن «ما لا يسقط بالتقادم ليس، بالتأكيد، هو نفسه ما لا يُغتفر».⁸ إن اللامتقادم مفهوم قانوني، أما اللامغتفر فيتجاوز القانون. فالزمن القانوني يمكن أن يقرر أن بعض الجرائم تظل قابلة للملاحقة مهما طال الزمن، لكن هذا لا يعني أن القانون يستطيع أن يقرر ما إذا كان للضحية أن تغفر. ولذلك فإن العدالة والصفح لا ينتميان إلى المستوى نفسه. العدالة تحمي الحق العام، وتحفظ الذاكرة القانونية، وتمنع الجريمة من الاختفاء في الزمن؛ أما الصفح فيحدث في منطقة لا يستطيع القانون أن يحتلها بالكامل. إن الدولة يمكن أن تعفو، ويمكن أن تمنح عفوًا قانونيًا، ويمكن أن تعلن عفوًا عامًا، لكن ذلك لا يعني أنها صفحت بالمعنى الذي يفكر فيه دريدا. فالدولة تستطيع أن تتخذ قرارًا قانونيًا بشأن العقوبة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الضحية في التجربة الشخصية للصفح.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين pardon وamnistie وgrâce وprescription. فالصفح ليس عفوًا سياسيًا، ولا عفوًا قانونيًا، ولا إسقاطًا للعقوبة، ولا سقوطًا للحق بسبب مرور الزمن. وتشير قراءة دريدا المتأخرة، خصوصًا في Le parjure et le pardon، إلى أن الصفح ينبغي ألا يختلط بالاعتذار أو العفو أو المصالحة أو التقادم، وأنه، في صورته غير المشروطة، «يمتحن المستحيل» ويظل خارج الحساب والتبادل.⁹ وهذا ما يجعل الصفح أقرب إلى الحدث منه إلى المؤسسة: المؤسسة تحتاج إلى قواعد، أما الصفح في معناه الأقصى فيحتاج إلى ما يتجاوز القاعدة. المؤسسة تقول: «هذا ما يجب فعله». أما الصفح فيقول: «لا توجد قاعدة تستطيع أن تحسم هذا الأمر نيابةً عني». لذلك لا يمكن للمؤسسة أن تضمن الصفح، كما لا يمكنها أن تمنعه نهائيًا.

وفي Le parjure et le pardon يتسع السؤال حين يربط دريدا الصفح بالحنث والوعد والقسم. فالحنث ليس مجرد خطأ عابر، وإنما هو إخلال بوعد؛ والوعد، بطبيعته، يفتح المستقبل. عندما أقول «أعدك»، فأنا لا أصف حاضرًا، وإنما أفتح إمكانًا في المستقبل. وعندما أحنث، فإنني لا أخون الماضي فقط، بل أخون المستقبل الذي وعدت به. وهنا يصبح الصفح بدوره علاقة بالمستقبل: إنه لا يعيد الماضي إلى ما كان، وإنما يفتح إمكانًا لمستقبل لم يعد الماضي قادرًا على احتكاره. وهذه النقطة، في تقديري، هي ما يمنح فلسفة دريدا للصفح طابعها التأويلي العميق: الصفح ليس مجرد علاقة بالذنب، بل علاقة بالزمن؛ ليس مجرد استجابة للجريمة، بل إعادة توزيع لإمكانات المستقبل. ولهذا فإن الصفح، في أقصى معانيه، لا يقول للجاني: «لم تفعل شيئًا»، وإنما يقول للزمن: «ما فعلته لن يكون الشيء الوحيد الذي سيحدث». وهذه العبارة، وإن كانت صياغة تأويلية وليست اقتباسًا حرفيًا من دريدا، تلخص ما يمكن تسميته فك احتكار الماضي للمستقبل.

إن الجرح يريد أحيانًا أن يتحول إلى ماهية: «أنا ما حدث لي». والجاني يريد أحيانًا أن يتحول ذنبه إلى ماهية: «أنا ما فعلته». لكن الصفح، إذا أمكن، يقاوم هذين الإغلاقين معًا. إنه لا ينكر أنني ضحية، لكنه يرفض أن يجعل الضحية هويتي النهائية؛ ولا ينكر أن الآخر مذنب، لكنه يرفض أن يجعل الذنب ماهيته الوحيدة. هنا يصبح الصفح حركة ضد تحويل الحدث إلى جوهر. فالإنسان أكثر من ماضيه، لكن الماضي لا يُمحى. والآخر أكثر من خطئه، لكن الخطأ لا يُنكر. وهذه المسافة الدقيقة بين الاعتراف وعدم الإغلاق هي التي تجعل الصفح فعلًا تفكيكيًا: إنه لا يحل التناقض، بل يمنع التناقض من أن يتحول إلى هوية مغلقة.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لا يريد دريدا أن يجعل الصفح فضيلة سهلة. إن الصفح الذي أصبح عادة فقد شيئًا من قوته، والصفح الذي أصبح قاعدة فقد شيئًا من استثنائيته، والصفح الذي أصبح شرطًا في عقد أخلاقي فقد شيئًا من لااقتصاديته. ولذلك فالصفح، في حدّه الأقصى، يظل معرضًا للخطر؛ إنه لا يضمن نفسه، ولا يستطيع أن يقول: «لقد صفحت نهائيًا». ربما لأن الجرح يمكن أن يعود، ولأن الذاكرة لا تتحرك في خط مستقيم، ولأن الذات قد تكتشف بعد سنوات أن ما ظنته قد انتهى لم ينتهِ بعد. لكن هذا لا يجعل الصفح مستحيلًا؛ بل يجعل إمكانه أكثر هشاشة، وبالتالي أكثر معنى. فالصفح ليس نقطة نهائية توضع في نهاية الجملة، وإنما هو انفتاح في الجملة نفسها؛ إنه الفاصلة التي تمنع التاريخ من أن يضع نقطة نهائية على المستقبل.

لهذا يمكن القول إن الغفران، في القراءة التأويلية التفكيكية، ليس محوًا للجرح، بل فكًّا لاحتكار الجرح للمعنى؛ وليس تحريرًا للماضي من الذاكرة، بل تحريرًا للمستقبل من الاستبداد بالماضي؛ وليس تبرئةً للجاني، بل رفضًا لتحويل ذنبه إلى ماهية نهائية؛ وليس نسيانًا، بل ذاكرةً تحررت من الانتقام؛ وليس مصالحةً بالضرورة، بل إمكانًا لعدم استمرار العنف في صورة جديدة. وهذا ما يجعل الصفح، في أفق دريدا، تجربة تقع عند الحد الذي لا تستطيع فيه الأخلاق أن تتحول إلى تقنية.

إن الصفح، في النهاية، لا يقول: «لم يحدث شيء». ولا يقول: «كل شيء انتهى». إنه يقول شيئًا أكثر صعوبة: لقد حدث ما حدث، ولا يمكنني أن أجعله لم يحدث، لكنني أستطيع ــ إن أمكن الصفح ــ أن أرفض أن يكون ما حدث هو آخر كلمة في قصتي. وهنا تتضح المفارقة الكبرى: الصفح لا ينتصر على الماضي بمحو الماضي، وإنما ينتصر عليه بمنع الماضي من أن يصبح قدرًا. إنه لا يغلق الجرح، وإنما يمنع الجرح من أن يغلق المستقبل.

ولذلك، فإن العبارة الدريدية («Le pardon pardonne seulement l’impardonnable») لا تعني فقط أن الصفح يواجه ما لا يُغتفر؛ إنها تعني، في أعمق تأويلاتها، أن الصفح لا يكون صفحًا إلا عندما يقترب من الحد الذي تتراجع فيه كل الضمانات. فالصفح لا يعيش في منطقة اليقين، وإنما في تلك المنطقة المعلقة بين «لا يمكن» و«ربما». إنه مستحيل من جهة القاعدة، وممكن من جهة الحدث؛ غير قابل للبرمجة، لكنه قابل للوقوع؛ لا يمكن امتلاكه، لكنه يمكن أن يحدث. ومن هنا تكمن غرابته الفلسفية: إنه فعل لا نستطيع أن نطالب به، ولا أن نأمر به، ولا أن نحسبه، ومع ذلك يظل أحد آخر الإمكانات التي تترك للمستقبل بابًا مفتوحًا بعد أن حاول الماضي أن يغلقه.فالصفح ليس أن أقول للماضي: «انتهيتَ»، بل أن أقول للمستقبل: "لم تنتهِ بعد."

***

بقلم: د. معروفي العيد

................................

الهوامش والمراجع:

1. Jacques Derrida, Pardonner : l’impardonnable et l’imprescriptible, Paris, Galilée, 2012, p. 7 وما بعدها. والكتاب نص ندوة/محاضرة أُلقيت في جامعات عدة بين 1997 و1998، وصدر في 71 صفحة.

2. Jacques Derrida, Pardonner : l’impardonnable et l’imprescriptible, op. cit. ويظهر في النص الأصلي الربط الصريح بين (don) و(pardon) وعلاقتهما باللاشرط والزمن.

إن نص دريدا هو قراءة ومناقشة لأطروحات الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكليفيتش، الذي طرح إشكالية «الصفح» في كتابيه: «الصفح» (1967)، و«ما لا يقبل التقادم» (1969)، يطرح جانكليفيتش في هذين الكتابين إشكالية الصفح بمقولات وإفرازات متزايدة، يهم مسألة المحرقة التي ارتكبتها النازية.

إن المحرقة لا تناسب، حسب جانكليفيتش، والسُّلَم الإنساني، إنها تتجاوز حدود ما هو إنساني وحدود الشّرّ، لتطال إنسانية الإنسان، إنها تدخل في باب ما يُسمّيه «ما لا يقبل التكفير Inexpiable»، وما لا يمكن تجاوُزه والتغاضي عنه، بمُجرّد إقامة مصالحة وصفح ساذَجين. إن ما ارُتكب لا يطاله الصَّفْح، ولا يقبل التجاوز، إنه يدخل في ما لا يقبل التقادُم، وما لا يتقادم، إنها جرائم تتطلب أن تبقى الذاكرة متّقدة وحيّة، بل ويجب أن تظلّ الذاكرة شاحبة في الماضي، في ماضي الأحداث، حتى يصبح هذا الماضي حاضرًا بصيغة الماضي، أو بعبارة أخرى، تعيش الذاكرة الماضي بصيغة الحاضر. إن صرخة جانكليفيتش قوية وُمدوّية، يكرّرها على لسان الشاعر الفرنسي إيلوار Eluard: :" لا يوجد خلاص على الأرض ما دمنا نستطيع الصَّفْح عن الجلادين». إنها صرخة الضحية، أو من يتقمص دور الضحية، في مقابل الجلاد. ينظر في مقدمة المترجم، جاك دريدا الصّفح مالا يقبل الصفح وما لا يتقادم، ترجمة: مصطفى العارف ــــ عبد الرحيم نورالدين، منشورات المتوسط، إيطاليا، ط1 2018. ص 7، ص8.

4 ـــ جاك دريدا، «القرن والصفح»، أنظر الأصل الفرنسي، حيث يطرح دريدا صراحة السؤال : («N’est-ce pas en vérité la seule chose à pardonner ?»).

5. Jacques Derrida, «Le Siècle et le pardon», op. cit. ويأتي هذا القول في سياق تحديد العلاقة المفارقة بين الصفح واللامغتفر، حيث يرى دريدا أن الصفح ينبغي أن يظهر بوصفه المستحيل نفسه.

6 : Jacques Derrida, Le parjure et le pardon, vol. I, Séminaire (1997-1998), Paris, Seuil, 2019.

ويؤكد عرض الناشر أن موضوع الصفح عند دريدا يقوم على «اللاشرطية» وأنه لا ينبغي الخلط بينه وبين العذر أو العفو أو التقادم أو النعمة.

7. Jacques Derrida, Pardonner : l’impardonnable et l’imprescriptible, op. cit.، حيث يربط دريدا الصفح بماضٍ «لا يمر بطريقة ما»، ويضعه في علاقة مخصوصة مع الزمن والتزمين.

8. Jacques Derrida, «Le Siècle et le pardon», op. cit.

 في تمييزه بين (l’imprescriptible) «اللامتقادم» و(l’impardonnable) «اللامغتفر». وقد ظهر النص في ملف Le Pardon المنشور في Le Monde des débats في ديسمبر 1999، الصفحات 10-17.

9. Jacques Derrida, Le parjure et le pardon, vol. I, Séminaire (1997-1998), éd. Ginette Michaud et Nicholas Cotton, Paris, Seuil, 2019

السؤال التاريخي

من الأسئلة الهامة التي أسالت الكثير من الحبر في الساحة الثقافية والسياسية العربية في العقود الأخيرة، تلك الأسئلة المتعلقة بالدين والدولة والسياسية عند المسلمين الأوائل، أي في الإسلام المبكر، إسلام مكة والمدينة، وخاصة هذا السؤال الهام: هل كانت الدعوة الدينية المحمدية الإسلامية تحمل مشروعًا سياسيا، مشروع إقامة مملكة وبناء الدولة منذ البداية أم أن المملكة والدولة تكونتا في خضم التحولات التاريخية /الاجتماعية وخاصة التحول الكبير الذي عرفه المسلمون الأوائل من الجماعة إلى الأمة، ومن ثمة إلى تشكل السلطة، بعد الهجرة إلى يثرب ؟1.

ومن المعروف أن هناك نسبة كبيرة من الباحثين، مستشرقون وعرب ينطلقون من مسلمة أساسية هي، أن الإسلام ومنذ البداية، هو رسالة دينية ومشروع سياسي في ذات الوقت،.. أما أعلام الفكر السياسي الإسلامي المعاصر الذين نبه ذكرهم في القرن العشرين، فيشرون دائما وأبداً إلى مركزية المسالة السياسية في الإسلام، وهذا ما نجده بصورة واضحة في كتابات الشيخ محمد رشيد رضا المتأخرة، وأكد عليه حسن البنا في خطبه ورسائل، كما نجده في المحاولات التنظيّرية للدولة الإسلامية عند أبي الأعلى المودودي وفي نصوص سيد قطب الداعية بقوة إلى الدولة الثيوقراطية وخاصة في كتابه " معالم في الطريق، يضاف إليهم أدبيات تقي الدين النبهاني والذي أسس حزب التحرير الإسلامي، هدفه الرئيس هو عودة الخلافة، بأي صيغة وباية طريقة، الخلافة التي تجمع بين الدين والدولة.

ولهذا الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، ومعه الإسلام السياسي من الأكثر تطرفاً إلى الأكثر اعتدالا، لا يتصور وجود دولة دون دين أو وجود إسلام بلا دولة، أما الجماعات الجهادية والإسلام المُسلَّح، فهي لا ليس فقط تعتبر الإسلام دينو دولة، بل وترى وعن قناعة راسخة أن الإسلام مصحف وسيف. ومع ذلك يبقى السؤال التاريخي مطروحًا: هل الإسلام دعوة دينية أم مشروع سياسي؟

الإسلام.. الدعوة والدولة

وكان من الطبيعي أن تختلف الإجابات عن هذا السؤال، بإختلاف الإيديولوجيات المشكلة لخارطة الفكر العربي المعاصر، المعبرة في نفس الوقت عن إختلاف الطبقات الاجتماعية وتعدد الطوائف الدينية وتنوع الجغرافيا.فهناك من يعتقد إعتقادًا جازمًا بأن الإسلام دين ودولة، شريعة وسياسية، مصحف وسيف، وهناك من يرى أن الإسلام دين مجرد دين مثله مثل المسيحية واليهودية والبوذية، له طقوس وعبادات، لا علاقة له بالدولة، وعقيدة دينية لا رابطة تجمعها والسياسية.

والجدير بالذكر أن إشكالية الدولة والدين، هي التي قسمت الفكر العربي إلى تيارين رئيسيين، تيار ديني/إسلامي وتيار حداثي/علماني، هذان التياران دخلا في سجّال محموم وصراع وجود منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى غاية ما يسمى بالربيع العربي.2

و نحن نذهب مذهب الرأي القائل، بأن الدعوة المحمدية، سواء في المرحلة المكية التي دامت أكثر من عشر سنوات أو في المرحلة المدينية، والتي دامت عشر سنوات، لم تكن تحمل مشروعا سياسيا ولا كانت تهدف إلى بناء دولة ولا سعت إلى تأسيس ملك ولا كانت تطمح لأن تكون أمبراطورية مترامية الأطرف.3

وإذا بحثنا في تاريخ "الأمم والرُسل "، نجد أن كل الدول والممالك والإمبراطوريات التي ظهرت عبر التاريخ، سواء في العصور القديمة أو حتى في الحديثة كانت تحمل منذ البداية مشروعًا سياسيًا، وسعت بكل ما تملك من قوة عسكرية وقوة عصبية، لأن تكبر وتتوسع وتبتلع ما جاورها من أراضٍ، ولهذا لم تتردد في إطلاق الغزوات وشَّن الحروب ومن ثمة الإعلان عن مشروعها السياسي التوسعي، كما كان الأمر مع كل الأمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ والتي بنت في نفس الوقت حضارات، مثل الأمبراطوريات الثلاث.. الفارسية، اليونانية والرومانية.

ولا ننسى كذلك أن هذه الإمبراطوريات تكونت أولًا، ثم كان لها، أو بالأحرى تبنت معتقدات دينية محددة، والمثال البارز في هذا المجال الأمبراطورية الرومانية التي تبنت المسيحية في بداية القرن الرابع الميلادي، بعد أن مارست شتى أنواع الإضطهاد ضد المسيحيين الأوائل ولمدة ثلاث مائة سنة. وما نخلص إليه، أن الدولة في الإسلام، أو دولة الإسلام، أو الأمبراطورية العربية – الإسلامية، إن صح هذا التعبير، تكونت في خضم تحولات كبرى ونشأت في سياق تاريخي /إجتماعي وسياسي، مُعقد غاية التعقيد.إذ تحولت الرسالة الدينية، شيئا فشيئا، وفي مراحل زمنية متعاقبة، من مكة إلى المدينة، من رسالة دينية إلى مشروع سياسي، وإنقلبت في لُجَّة التاريخ ومعمعة الجغرافيا، من جماعة بشرية صغيرة لا تتعد 154 فردا إلى أمة تضم عشرات الآلاف من البشر، ثم كان من الضروري أن تتشكل السلطة السياسية لإدارة شؤون الدولة وضبط المجتمع. وليس هذا فقط، بل أن الزعامة النبوية/ الدينية المقدسة تحولت إلى زعامة سياسية/مدنية مقدسة. وبإختصار تغير نظام الحكم وتغيرت شخوص السلطة، عبر ثلاث مسارات أساسية، من السلطة النبوية إلى سلطة الخلافة إلى السلطة الوراثية، إلى أن مرَّ عليها حينًا من الدهر، حتى كانت دولة الملك الوراثي العضوض مع قيام الدولة الأموية. والحقيقة أن سيرورة الأحداث التاريخية المتلاحقة منذ وفاة النبي عام 632م، كانت تحتم التحول من ذلك الطور الجنيني للدولة، أي وجود جماعة بشرية وعلى رأسها قيادة التي تجسّمت في شخص النبي وكبار الصحابة إلى طور الدولة كاملة الأركان بمقاييس تلك الحقبة، بعد أن تحولت الجماعة البشرية الصغيرة قلية العدد إلى أمة تضم الملايين، بسبب دخول عدد هائل من القبائل والعشائر والشعوب في الإسلام، تحولت دولة تتوفر على جماعة بشرية ورقعة جغرافية ونظام حكم يُسمى بالخلافة وعلى سلطة سياسية حاكمة تمثلت في البداية في الخلفاء الأربعة ثم في السلالات الأموية والعباسية والعثمانية وفي غيرها من السلالات، وبطبيعة الحال تحولت إلى دولة وفق معايير الدولة في تلك الفترة الزمنية ومقاييس تلك الحقبة.4

وللمزيد من التوضيح، نقول أن الضرورة التاريخية وحتمية التطور، اقتضت الانتقال من ذلك المجتمع البسيط في المدينة، المجتمع الذي يعرف أعضاءه بالإسم ولديهم شعور مشترك بأنهم على حق، المجتمع الطبيعي وإسلام الفطرة، حيث الأخلاق المثالية إلى ذلك المجتمع الواقعي، حيث التدافع السياسي العنيف والصراع الايديولوجي الذي لا يقبل القسمة على إثنين والنزاع التاريخي الذي لا يكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد، وبالتالي المجتمعات العربية _ الإسلامية في العصر الوسيط، كان مجتمعات مملوءة بالتناقضات، كما كان النظام السياسي المسمى بالخلافة يعج بالصراعات القاتلة.5

النبوة والسياسة.. والسلطة

اختلفت الآراء وتعددت الرؤى وكثر الجدل منذ السقوط المدوي للخلافة العثمانية السنية عام 1924 هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، هناك رأي يرى أصحابه أن السيرة النبوية تطلعنا أن محمد بن عبد الله لم يكن يفكر قط في الزعامة السياسية ولا كان يخطط لأن يكون ملكا ولا كان يفكر في قلب نظام الحكم في مكة، والدليل القاطع على ذلك، رفضه عرضًا مقدمًا من طرف سادة قريش، عندما قالوا له:.. إذا أردت ملكًا ملكناك، وإذا طلبت مالاً أعطيناك ! فقال قولته الشهيرة".. والله لو وضعوا الشمس عن يميني والقمر عن يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك دونه".6

لقد رفض الرسول هذا العرض المغري، رفضًا قاطعًا، مفضلاً الاستمرار في الدعوة إلى الدين الجديد إلى آخرها، مهما كلفه ذلك من عذاب وما تعرض له من اضطهاد ومن معارضة شديدة ومن مشقة في الدعوة وعسر في تبليغ الرسالة. ومما يؤكد هذا الإتجاه، أن محمدًا بن عبد الله دعا المسلمين إلى الإستعداد ليوم الحساب حيث الثواب أو العقاب، الجنة أو النار. كما دعاهم إلى العمل والتجنيد والمثابرة، من أجل نشر رسالة الإسلام إلى الناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها. كما طلب من المؤمنين الصبر وتحمل العذاب والأذى، بل الموت في سبيل الله بهدف التمكين لهذا الدين الجديد، كما أمرهم بالتحلي بمكارم الأخلاق، وفي هذا الصدد يقول مفكر عربي معاصر"... لم يعد القرﺁن العرب أو المسلمين بدولة، ولا أثار حماسهم بالحديث عن منافعها وخيراتها، ولكنه وعدهم بالجنة والرضا الإلهي والمغفرة. ولم يطلب منهم أن يحكموا الآخرين وينتزعوا منهم أراضيهم ويقتلوهم ويبيدوا نسلهم،، كما جاء في العهد القديم إزاء شعب كنعان، ولكن طلب منهم الرحمة وتبليغ الرسالة والمعاملة الحسنة والتقوى والعدل والإحسان والصدقة ومخافة الله، حتى صاروا يخشون الحكم ويرفضونه كي يتجنبوا مخاطر الظلم.. ".7

فالإسلام دعوة دينية بالأساس، تقوم على أولا على الشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى الإيمان باليوم الأخر والحساب، ولم تكن دعوة للصراع السياسي مع سادة قريش كما لم يشرع الإسلام الجهاد، من أجل بناء سلطة سياسية أو دفاعا عن نظام ملكي.8

والجدير بالذكر، أن الإسلام كديانة سماوية كبرى، موجهة إلى العالم كافة، يجمع بين تعاليم المسيح ومبادئ النبي موسى، في نقطة التبشير والدعوة إلى الخلاص، وبين القتال في سبيل الله. ولهذا لا نستغرب أن يتحول القتال في الإسلام إلى جهاد.ليس قتالا بغرض الملك وليس حربا بهدف الدفاع عن سلطة سياسية.9

النص والتاريخ.. والأخلاق

ومعنى هذا الكلام، أن النص الديني، لا يتوفر على حديث يحض على الممارسة السياسية وعلى نص يحث على الشروع في بناء دولة. لأن الدين في طبيعته وفي جوهره، لا يقدم خطابا في الدولة ولا يتكلم إطلاقا عن السلطة والحكم والسياسة. لأن قضية بناء الدولة والوصول إلى السلطة وممارسة السياسة ليست من دعاويه ولا من مهامه، ولا تدخل في نطاق إختصاصه. ثم أن مفهوم الإسلام، بمعنى المفهوم في المنطق الأرسطي، هو دين وليس دولة. والدين أي دين، هو عقيدة، لها مسلماتها وطقوسها ولها مبادئها وعباداتها، التي تميزها عن سائر الأديان والمعتقدات السماوية كاليهودية والمسيحية أو الوثنية مثل البوذية والهندوسية. لكن كل الأديان وكل المعتقدات تشترك في الدعوة إلى التحلي بمكارم الأخلاق وإلى الزهد في الدنيا. 10

ومرة أخرى نذكر أن الخطاب القرآني لم يتطرق إلى كيفية بناء الدولة ولا دعا أنصاره إلى الحشد من إجل الإستيلاء على ملك فارس والروم، كما أن النص الديني قرآنا أو حديثا نبويا يخلو تماما، من كلمات الدولة والملك والخلافة ومن مفاهيم السلطة والحكم.

ونحن نعرف أن ممارسة السلطة والحكم، تقوم على الغلبة والقهر، وعلى الشوكة والعصبية بلغة الفقه السياسي والسياسة الشرعية، ولا يتأسس الملك على الرحمة والغفران والتسامح والنوايا الحسنة، وما يسمى بالأخلاق الحميدة. وإذا أردنا أن نحدد المفاهيم، فإن مفهوم الدين هو عقيدة تقوم على الإيمان بوجود إله له سلطة مطلقة ومقدسة، ويتأسس هذا الإيمان على عبادات وطقوس وإحتفالات، ومن ماصدقات مفهوم الدين، نذكر على سبيل المثال وليس الحصر، اليهودية والمسيحية، بالإضافة إلى عشرات الديانات الوثنية الموجودة اليوم في كافة أرجاء المعمورة.أما مفهوم الدولة فهي كيان سياسي قانوني ذو سلطة سيادية معترف بها داخليا وخارجيا، ومن ماصدقات مفهوم الدولة، كأن نقول مثلاً الدولة اليابانية والدولة الروسية.

وبناءً عليه الإسلام هو أحد ماصدقات مفهوم الدين، وبالتالي ليس هو دولة، بل هو دين مثل بقية الأديان، ومن البديهي القول، أن النص الديني عموما، لا يتطرق إلى أمور السياسية ولا يتناول آلاعيب الحكم، وإما إذا تدخل في الشأن السياسي، فحتمًا سيقع في حزمة من التناقضات، أولها تناقضه مع دعاويه الأخلاقية ومقاصده التربوية.

لأن السياسة، كمفهوم وكممارسة، سواء على مستوى السلطة الحاكمة أو على مستوى المعارضة تقوم، كما لا يخفى على أحد، على قدر لا يستهان به من السلوكيات "اللاخلاقية"، كالكذب، الخداع، الحيلة والمكر. بالإضافة إلى الدسائس والمؤامرات. أما الدين، سواء أكان سماوي أو وثني، فمن الطبيعي أن يدعو إلى مكارم الأخلاق، كالصدق، الرحمة، الإحسان والعمل الصالح. والدين الإسلامي، كم هو معروف للجميع هو دين أخلاق بإطلاق، لدرجة أنه قد يكون الدين الوحيد الذي يربط العبادات بالمعاملات، وهناك عدد لا يحصى من النصوص في القران والحديث النبوي، التي تحث المسلمين على التحلي بمكارم الأخلاق.

وفي مقابل كثافة الدعوة إلى عمل الخير في النص الديني، قرآنا وسنة، فإن هذا النص يخلو تمامًا من مفاهيم السياسة ومقولات الحكم.11

وليس هذا فحسب، بل أن النص الديني، كما قلنا سابقا، لم يشر، لا تصريحًا ولا تلميحاً، ولم يتكلم لا من قريب ولا من بعيد، عن قواعد أسياسة وأصول الحكم. وحتى إن وُجدت بعض الإشارات في النص القرآني، إلى بعض الممارسات ذات الصلة، بشؤون السلطة والحكم، مثل قوله تعالى".. وآمرهم شورى بينهم.. " (الشورى:38) وكذلك قوله في موضع أخر ".. وشاورهم في الأمر.. " (أل عمران:159). فكلمة الشورى الواردة في الآيتين، لا تحمل دلالات سياسية، ولا تتعلق بالتشاور بين المسلمين من أجل إنتخاب حاكم أو خليفة للرسول، كما يذهب بعض الباحثين المعاصرين، بل أن لفظ الشورى يحمل شحنة أخلاقية، لأن السياق الوارد فيه".. لا يدل على تشريعية المبدأ، لأنه لم يرد في سياق التشريع في الآية، بل ورد خلال وصف أخلاقية المؤمنين وسلوكياتهم.. وهو أي هذا النص- يخلو من الدلالة على كونه خاصًا بنظام الحكم ". 12 خلاصة القول، أن كلمة شورى في الخطاب القرآني، وردت كمبدأ أخلاقي وليس كسلوك سياسي. وتجدر الإشارة، أن الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر، هو الذي شحن عديد الألفاظ العربية القديمة وخاصة تلك الواردة في القران الكريم، بمعان ودلالات سياسية حديثة، وهذا نتاج التأثر والتلاقح والإحتكاك بالفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.13

والحقيقة التي لا مراء فيها، أن الكثير من الكلمات والمصطلحات المتداولة اليوم في الحقل السياسي العربي، لم تكن تحمل إطلاقًا أية دلالات سياسية. فمثلا لفظة الحكم لم تكن تعني ما تعنيه اليوم في الحقل السياسي التداولي المعاصر، من معاني السلطة الحاكمة ونظام الحكم والحكومة، لا في النص الديني المؤسس ولا في نصوص التراث العربي/ الإسلامي.14 معنى هذا الكلام، أن وجود اللفظ في القديم لا يعني أنه كان يتضمن المعاني الحديثة، صحيح أن كلمة حكم وردت عشرات المرات في القرآن الكريم، وحتى في بعض الأحاديث وكذلك كتب ومؤلفات العرب القدامى، ولكنها خلت تمامًا من المعاني السياسية. ففي الخطاب القرآني جاءت تارة بمعنى الحكمة كما في قوله تعالى" أولئك الذين أتيناهم الكتاب والحكم والقضاءʺ(الانعام89) كما وردت أيضا بمفهوم حل المنازعات والقضاء بين الناس مثل قوله تعالىʺوإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدلʺ(النساء58).

نستنتج أن كلمة حكم المتداولة قديمًا، كانت تحمل معنى القضاء، أي العدالة، والدليل على ذلك، أن كلمة الحاكم بمعنى القاضي، ظلت مستخدمة إلى غاية سقوط الدولة العثمانية التي كانت تطلق على القاضي لقب الحاكم الشرعي الذي كان يفض الخصومات بين الناس في المحاكم الشرعية.15

ولهذا لم يكن لفظ الحكم مُستخدمًا في صدر الإسلام وفي العصور اللاحقة، بمعنى السلطة السياسية وما كان مستخدما هو لفظ الأمير والإمارة، والدليل على ذلك أن عمر بن الخطاب لقب نفسه بأمير المؤمنين، وإستثقل لقب خليفة خليفة رسول الله، كما كان يسمى قائد الجيش بالأمير، وكذلك رؤساء المدن والأقاليم بالأمراء 16ونفس الأمر ينطبق على مصطلحات ومفاهيم سياسية، موظفة بكثرة في الخطاب الإسلامي المعاصر مثل مفاهيم الأمة، الحكم والدولة.فالوجود القديم لهذه الكلمات في اللغة العربية لا يعني إطلاقًا أنها كانت تحمل الدلالات السياسية التي تحملها اليوم.

وقد أشار كثير من المهتمين بالفكر العربي إلى ذلك، ونبهوا إلى أن الكلمات والألفاظ، تؤخذ في حقبة زمنية ما، معاني محددة لأنها تعبر عن واقع اجتماعي سياسي معين. وهذا ما حصل في العالم العربي في المائة والخمسة والسبعون سنة الأخيرة.إذ وقعت جملة من التحولات الاجتماعية/السياسية الكبرى، بعد مئات السنين من الجمود والسبات العميق17 وهذه التحولات تمثلت في ظهور حراك سياسي وتغير إجتماعي، كما تأسست دول وطنية ونشأت برلمانات وظهرت أحزاب وقامت حكومات وجاء إستعمار واحتلال لدار الإسلام، هذه التحولات فرضت ضرورة، إما نحت مفاهيم سياسية جديدة أو شحن كلمات قديمة بمعاني حديثة.

وقد كان ذلك مع الفكر العربي الحديث في القرن التاسع عشر، إذ تأسست لغة سياسية حديثة، توظف مفاهيم ومقولات الفلسفة الليبرالية مثل البرلمان، الحزب، الدولة، الحكومة، الدستور، فهذه كلها مفاهيم ومصطلحات حديثة من إنتاج الفكر السياسي الأوروبي الحديث ومن بنات أفكار الفلسفة السياسية الحديثة، والتي عبرت بدورها عن تحولات إجتماعية سياسية كبرى عاشتها الأمم الأوروبية منذ القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين، تحولات كبرى تجسدت في جملة من القطائع والإنتقالات، قطائع مع عصور الكهنوت وسلطة رجال الدين والحكم بإسم التفويض الإلهي وصكوك الغفران.و إنتقالات إلى العصور الحديثة مع نمط الدولة الأمة وسيادة القانون والدستور والشرعية القانونية - العقلانية 18

***

د. مصطفى دحماني

...................

مصادر ومراجع

1. محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي مركز دراسات الوحدة العربية ط2 بيروت 1992 ص 57

2. محمد جابر الأنصاري: الفكر العربي وصراع الأضداد المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط2 بيروت 1999 ص 25

1) برهان غليون: نقد السياسة.. الدولة والدين.المركز الثقافي العربي.2007 الدار البيضاء. ص 55

3. حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية –الإسلامية.دار الفارابي بيروت 1985 ص 469

4. محمد عابد الجابري: المرجع نفسه ص 231

5. برهان غليون: المرجع نفسه ص 45

6. المرجع نفسه ص 45و55

7. المرجع نفسه ص 55

8. برهان غليون: المرجع نفسه ص 65

9. المرجع نفسه ص 62

10. حسين مروة: المرجع نفسه ص 398

11. سعيد بنسعيد: مفهوما الأمة والوطن في الإستعمال العربي المعاصر من كتاب" الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي " ج1 مركز دراسات الوحدة العربية ط1 بيروت 1992 ص 139

12. عبد الغني عماد: حاكمية الله وسلطان الفقيه دار الطليعة ط2 2005 بيروت ص 11

13. المرجع نفسه ص 11

14. المرجع نفسه ص 12

15. سعيد بن سعيد: المرجع نفسه ص 140

16. المرجع نفسه ص 140

17. المرجع نفسه ص145

18. المرجع نفسه ص145

ليس الدازين عند مارتن هايدغر مجرد كلمة ألمانية عصية على الترجمة، ولا هو اسمٌ آخر للإنسان كما اعتادت الفلسفة أن تتحدث عنه منذ أفلاطون وأرسطو. إن الدازين، في العمق، هو محاولة لإعادة صياغة السؤال عن الإنسان قبل أن يتحول الإنسان إلى «موضوع» بين موضوعات العالم. ولذلك فإن ترجمة Dasein بـ«الوجود-هنا» أو «الكائن-هنا» تظل ترجمة تقريبية، لأن الكلمة عند هايدغر لا تشير إلى إنسان موجود في مكان ما، بقدر ما تشير إلى ذلك الكائن الذي تكون مسألة وجوده مفتوحة أمامه.

ومن هنا تبدأ المسافة بين هايدغر والفلسفة التقليدية. فالإنسان لم يعد، في الوجود والزمان، «حيوانًا عاقلًا»، ولا «ذاتًا» تقف في مواجهة العالم، ولا «وعيًا» يتأمل الأشياء من الخارج. إنه كائنٌ ملقى في عالم لم يختره، يعيش داخله، ويتعامل مع أشيائه، ويتقاسم لغته وعاداته ومخاوفه مع الآخرين. إن الدازين لا يقف أمام العالم كمتفرج؛ إنه متورط فيه منذ البداية.

والسؤال الذي يفتح به هايدغر أفقه ليس: ما الإنسان؟ بل: كيف يوجد هذا الكائن الذي يستطيع أن يسأل عن الوجود؟ هنا يتحول الإنسان من جواب إلى سؤال، ومن تعريف جاهز إلى إمكانية مفتوحة.

الدازين ليس «الإنسان» بالمعنى المألوف

حين نقول «الإنسان»، فإننا غالبًا نستدعي مفهومًا عامًا يمكن تعريفه بخصائص معينة. أما الدازين فلا يسمح بسهولة بهذا الاختزال؛ لأنه ليس جوهرًا ثابتًا نكتشفه وراء مظاهر الحياة، بل هو نمط من الوجود. الدازين هو الكائن الذي لا تكون ماهيته منفصلة عن طريقة وجوده.

ولهذا يمكن القول إن هايدغر يقلب العبارة الميتافيزيقية القديمة: الإنسان ليس شيئًا يمتلك الوجود، بل هو الكائن الذي يُسأل وجوده من خلال وجوده.

وهنا تكمن أهمية الدازين: إنه ليس إجابة عن سؤال الإنسان، وإنما هو الطريق الذي ينبغي أن نسلكه لكي يصبح سؤال الوجود ممكنًا من جديد.

فالفلسفة، في نظر هايدغر، أخطأت حين انشغلت طويلًا بالكائنات ونسيت السؤال عن «الوجود» الذي يجعل ظهور الكائنات ممكنًا. وقد كان الإنسان نفسه، paradoxically، أحد ضحايا هذا النسيان؛ إذ جرى اختزاله إلى نفس، أو عقل، أو وعي، أو ذات، أو كائن بيولوجي.

أما الدازين فيعيد الإنسان إلى انفتاحه الأصلي: إلى كونه إمكانية قبل أن يكون هوية مكتملة.

الدازين: وجود في العالم

من أكثر المفاهيم التصاقًا بالدازين مفهوم الوجود-في-العالم (In-der-Welt-sein). وليس المقصود أن الإنسان موجود «داخل» العالم كما يوجد كتاب داخل غرفة. فهذه الصورة تفترض إنسانًا مستقلًا عن العالم ثم تضعه داخله.

هايدغر يريد شيئًا أعمق: العالم ليس مسرحًا خارجيًا تحدث فيه حياة الدازين؛ العالم جزء من البنية الأصلية لوجوده.

أنا لا أستيقظ صباحًا فأجد أمامي أولًا «عالمًا محايدًا»، ثم أقرر كيف أتعامل معه. أستيقظ وسط شبكة من المعاني: بيت، عمل، لغة، عائلة، أدوات، مواعيد، ذكريات، توقعات. العالم لا يظهر لي ككومة أشياء، بل كنسيج من الدلالات.

وهنا تصبح المطرقة، مثلًا، أكثر من جسم ذي كتلة وشكل. إنها «شيء للاستعمال» داخل سياق من العلاقات. حين أطرق مسمارًا، لا أتوقف عادة لأتأمل المطرقة بوصفها موضوعًا فيزيائيًا؛ إنها تندمج في الفعل نفسه.

وهذا ما يجعل هايدغر يتجاوز التصور النظري للوعي. فنحن لا نبدأ دائمًا من التأمل، بل من الانخراط. نحن نسكن العالم قبل أن نفسره، ونستعمله قبل أن نحوّله إلى موضوع معرفة.

الإلقاء: أن نجد أنفسنا في عالم لم نختره.

الدازين ليس سيد بدايته. إنه ملقى في العالم

نحن لم نختر تاريخ ميلادنا، ولا لغتنا الأولى، ولا عائلتنا، ولا العصر الذي ولدنا فيه، ولا كثيرًا من الشروط التي شكلت بدايات وجودنا. ومع ذلك نجد أنفسنا داخلها، مطالبين بأن نصنع منها شيئًا.

يسمي هايدغر هذا البعد الإلقاء (Geworfenheit).

والإلقاء ليس مجرد حادثة بيولوجية؛ إنه بنية وجودية. أن تكون موجودًا يعني أن تجد نفسك دائمًا وقد سبقتك أشياء كثيرة. أنت تأتي متأخرًا إلى عالم كان موجودًا قبلك، ثم يُطلب منك أن تمنحه معنى.

ومن هنا تنشأ المفارقة الجميلة في الوجود الإنساني: نحن لا نختار نقطة انطلاقنا، لكننا مسؤولون عن الطريقة التي نواصل بها الطريق.

الدازين و«الناس»

لكن الدازين لا يعيش في عزلة رومانسية. إنه يوجد دائمًا مع الآخرين. ولذلك يتحدث هايدغر عن الوجود-مع (Mitsein).

غير أن وجودنا مع الآخرين قد يتحول إلى فقدان للذات. فالإنسان كثيرًا ما يعيش وفق ما «يُقال»، وما «يفعل الناس»، وما «يراه الجميع مناسبًا».

هنا يظهر مفهوم الـ«هم» (das Man).

الـ«هم» ليس مجموعة أشخاص محددين، بل ذلك المجهول الاجتماعي الذي يقول لنا بصورة غير مباشرة: هكذا يفكر الناس، هكذا يتصرف الناس، هكذا ينجح الإنسان، هكذا ينبغي أن يعيش.

في الـ«هم» لا أقول: «أنا اخترت». بل تقول اللغة الاجتماعية من خلالي: «هكذا يفعلون».

وهنا يصبح الدازين مهددًا بأن يعيش حياة مستعارة؛ حياة لا يختارها بقدر ما يرثها من التداول اليومي.

السقوط في اليومي

يسمي هايدغر هذا الانغماس في أنماط الحياة المألوفة السقوط (Verfallen).

والسقوط لا يعني ارتكاب خطيئة أخلاقية، كما قد توحي الكلمة لأول وهلة. إنه يعني أن الدازين قد يفقد علاقته الأصيلة بإمكاناته حين يذوب في ضجيج اليومي.

الثرثرة، والفضول، والالتباس، والانشغال بما يقوله الجميع، كلها مظاهر تجعل الإنسان يبتعد عن سؤال وجوده.

فالثرثرة، مثلًا، لا تحتاج إلى أن تكون كذبًا. قد تكون صحيحة من الناحية المعلوماتية، لكنها تظل سطحية وجوديًا لأنها تجعل الكلام يدور حول الأشياء دون أن يلامس تجربة الوجود نفسها.

وهنا يمكن أن نقول: ليست المشكلة أن الإنسان يتكلم كثيرًا، بل أن الكلام قد يتكلم فيه بدلًا منه.

القلق: حين يتراجع العالم المعتاد

إذا كان السقوط يجعل الدازين مألوفًا لنفسه داخل العالم اليومي، فإن القلق (Angst) يحدث شرخًا في هذا الاطمئنان.

في الخوف أعرف عادة ما أخاف منه: مرض، حادث، فقدان، خطر. أما في القلق، فإن الأمر أكثر جذرية؛ إذ يتزعزع معنى الأشياء نفسها.

لا يعود العالم مجرد مجموعة من الأدوات والمشاغل اليومية. ينسحب ذلك الأمان المألوف، ويجد الدازين نفسه أمام إمكان وجوده ذاته.

ولهذا فالقلق عند هايدغر ليس مرضًا نفسيًا بالمعنى السريري، وإنما تجربة وجودية تكشف للدازين شيئًا عن بنيته العميقة.

إن القلق يقول للإنسان، بطريقة لا تحتاج إلى خطاب: أنت لست ما اعتدت أن تكونه فقط.

الموت: الإمكانية القصوى

لكن الدازين يبلغ أقصى انكشافه على نفسه أمام الموت.

الموت عند هايدغر ليس مجرد حدث يقع في نهاية الحياة، بل هو إمكانية الوجود القصوى. إنه الإمكانية التي لا يستطيع أحد أن ينتزعها من الدازين أو يعيشها بدلًا منه.

يمكن للآخر أن يساعدني، أن يحبني، أن يواسيني، لكنه لا يستطيع أن يموت موتي.

ولهذا فإن الموت يكشف فردانية الدازين كشفًا جذريًا.

ومن هنا يظهر مفهوم الوجود-نحو-الموت (Sein-zum-Tode). إن الإنسان الأصيل ليس من يهوى التفكير في الموت، وإنما من يدرك أن موته ليس حادثًا خارجيًا فحسب، بل إمكانية ترافق وجوده منذ البداية.

الموت ليس مجرد «آخر صفحة» في الكتاب؛ إنه ظلّ الكتاب الذي يجعل كل صفحة منه ذات وزن.

الأصالة ليست حياة خارج المجتمع

قد يُفهم من ذلك أن هايدغر يدعو إلى الهروب من المجتمع والعيش في عزلة. وهذا فهم غير دقيق.

الأصالة (Eigentlichkeit) لا تعني أن يصبح الإنسان كائنًا بلا الآخرين، وإنما أن يتوقف عن تسليم وجوده بالكامل إلى الـ«هم».

فالدازين الأصيل لا يخرج من العالم، بل يعود إليه بطريقة مختلفة. إنه لا يتخلص من اللغة والعادات والمؤسسات، لكنه يبدأ في امتلاك علاقته بها بدل أن تكون هي التي تمتلكه.

الأصالة، إذن، ليست قناعًا جديدًا نرتديه، وإنما هي استعادة لعلاقة أكثر مسؤولية مع إمكانات وجودنا.

الضمير والقرار

في هذا السياق يظهر نداء الضمير. والضمير عند هايدغر ليس محكمة أخلاقية داخلية تصدر الأحكام، وإنما نداء يعيد الدازين إلى نفسه.

إنه نداء لا يخبرني بالتفصيل ماذا أفعل، بل يوقظني من سباتي داخل الـ«هم».

ومن هنا يأتي مفهوم القرار (Entschlossenheit): أن يصبح الدازين قادرًا على اتخاذ وجوده على عاتقه، لا بوصفه مشروعًا مغلقًا، بل بوصفه إمكانية.

فالقرار لا يعني أنني أصبحت متأكدًا من كل شيء؛ بل يعني أنني قبلت أن أعيش داخل عدم اليقين دون أن أختبئ وراء يقين الجماعة.

الدازين والزمن

لا يمكن فهم الدازين من دون الزمن. فالإنسان ليس نقطة حاضرة مكتفية بذاتها. إنه يحمل ماضيه، ويتجه نحو إمكاناته، ويعيش الحاضر بين الاثنين.

الدازين هو، بهذا المعنى، كائن زمني.

الماضي ليس شيئًا انتهى تمامًا، والمستقبل ليس شيئًا لم يأتِ بعد فحسب. كلاهما يعمل داخل الحاضر. نحن نعيش من خلال ما كنا، ومن خلال ما يمكن أن نصير إليه.

وهنا تصبح الوجودية الهايدغرية أكثر تعقيدًا من مجرد فلسفة عن «الإنسان». إنها تحليل للبنية الزمنية التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يكون مشروعًا مفتوحًا.

التأويل: الدازين بوصفه كائنًا يفهم

ومن هنا تبرز أهمية المقاربة التأويلية.

الدازين ليس كائنًا يوجد أولًا ثم يبدأ بعد ذلك في فهم العالم. الفهم نفسه نمط من وجوده.

إنني لا أواجه العالم بعين محايدة تمامًا؛ أدخله وفي داخلي تاريخ، ولغة، وتجارب، وانتظارات. لذلك فإن فهمنا للعالم مشروط دائمًا بأفق سابق.

وهنا يقترب هايدغر من قلب الهرمينوطيقا: الإنسان ليس مجرد مفسر للنصوص، بل هو في ذاته كائن تأويلي.

إنه يعيش بالتأويل حتى قبل أن يجلس أمام كتاب ليفسره.

نحن نؤول الآخر، والحدث، والذاكرة، والمستقبل، وحتى أنفسنا. ولذلك فإن سؤال «من أنا؟» لا يقود إلى جوهر ثابت مختبئ خلف التجربة، وإنما إلى مسار تأويلي لا ينتهي بسهولة.

خاتمة: الدازين كإمكان مفتوح

إن أهمية مفهوم الدازين عند هايدغر تكمن في أنه حرر التفكير في الإنسان من كثير من التعريفات الجاهزة. لم يعد الإنسان جوهرًا مكتملًا، ولا ذاتًا منعزلة، ولا عقلًا يطل من الخارج على العالم. إنه كائن ملقى، يعيش مع الآخرين، يسقط في اليومي، يقلقه وجوده، يتجه نحو الموت، ويفهم ذاته والعالم من داخل أفق لغوي وزمني وتأويلي.

ولهذا فإن الدازين ليس «من نحن؟» بقدر ما هو «كيف نوجد؟»

وهذا التحول الصغير في صياغة السؤال يفتح هاوية فلسفية كاملة.

فالإنسان، عند هايدغر، لا يُعثر عليه في تعريف نهائي، لأنه ليس شيئًا جاهزًا كي نعثر عليه. إنه مشروع وجود، وإمكان، وانفتاح، وسؤال يمشي على قدمين.

وربما لهذا كان الدازين أكثر من مفهوم فلسفي: إنه اسمٌ للإنسان حين يتوقف عن النظر إلى وجوده بوصفه أمرًا عاديا.

***

بقلم: د. معروفي العيد

بين التقليد الألماني عند كارل يسبرس ومارتن هيدغر والتقليد الفرنسي عند ميشيل فوكو وجيل دولوز

مقدمة: يظل سؤال ماهية الفلسفة من أكثر الأسئلة إلحاحاً وإشكالية في الفكر المعاصر، لا لأنه يفتقر إلى إجابات، بل لأن كل إجابة تحمل في طياتها تصوراً مختلفاً عن مهمة الفكر وعلاقته بالوجود والتاريخ والذات والمجتمع. يتقابل في هذا السؤال تقليدان كبيران: التقليد الألماني الذي يتمثل هنا في كارل يسبرس ومارتن هيدغر، حيث تُربط الفلسفة بمسألة الوجود والوجود الإنساني الأصيل والتفكير في الكينونة، والتقليد الفرنسي الذي يتمثل في ميشيل فوكو وجيل دولوز، حيث تُعاد صياغة الفلسفة بوصفها نقداً تاريخياً للمعرفة والسلطة أو بوصفها إبداعاً للمفاهيم وممارسة للفكر المحايث. تسعى هذه الدراسة إلى الاشتغال المقارن على تحديد ماهية الفلسفة عند هؤلاء الأربعة، كاشفة عن نقاط التقارب والتباعد، وعن الكيفية التي يعيد بها كل واحد منهم تأسيس الفلسفة بعد أزمة المثالية والميتافيزيقا التقليدية.  فماهي الفوارق بين التقليد الألماني والتقليد الفرنسي في مستوى الاشتغال على تحديد ماهية الفلسفة؟

التقليد الألماني: الفلسفة بما هي تفكير في الوجود والوجود الأصيل

ينطلق كارل يسبرس من تمييز حاسم بين المعرفة العلمية الموضوعية والتفلسف بوصفه فعلاً وجودياً. الفلسفة عنده ليست علماً يراكم نتائج قابلة للتحقق العام، بل هي فعالية وعي بالوجود تتحقق في مقامات الوجود الإنساني الأصيل. يميز يسبرس بين الوجود اليومي والوجود الأصيل، ويرى أن الفلسفة تستيقظ في المواقف الحدية كالموت والمعاناة والصراع والخطيئة، حيث ينكشف الإنسان على تناهيها وعلى تعاليه الممكن في آن واحد. ماهية الفلسفة عند يسبرس تكمن في الإنارة الوجودية وفي التواصل الأصيل الذي يتجاوز مجرد تبادل المعلومات إلى لقاء حر بين ذوات. الفلسفة أيضاً هي البحث عن الشامل الذي لا يُدرك كموضوع بل يُشار إليه بوصفه الأفق الذي يجعل كل ظهور ممكناً. بهذا تكون الفلسفة عند يسبرس ممارسة تحرر وانفتاح ومسؤولية، لا بناء لنسق مغلق.

أما مارتن هيدغر فيدفع السؤال إلى مستوى أنطولوجي أعمق. الفلسفة في صورتها التقليدية هي الميتافيزيقا التي نسيت سؤال الوجود وانشغلت بالموجودات. ماهية التفكير الأصيل عند هيدغر ليست الاستدلال أو بناء الأنساق، بل الإصغاء إلى نداء الوجود والتفكير في الاختلاف الأنطولوجي بين الوجود والموجود. في مرحلته المتأخرة يعلن نهاية الفلسفة بوصفها ميتافيزيقا، ويدعو إلى بداية أخرى للتفكير تتجاوز الذاتية والحسابية والتقنية. الفلسفة الحقة أو ما يخلفها هو التفكير الذي يقيم في القرب من الوجود، تفكير شعري وتأملي يحفظ السر ولا يسعى إلى السيطرة. بهذا يحدد هيدغر ماهية الفلسفة لا بما تنتجه من معارف، بل بما تفتحه من علاقة أصيلة بالكينونة وبما تكشفه من خطر النسيان الذي يهدد العصر التقني.يتفق يسبرس وهيدغر على ربط الفلسفة بمسألة الوجود الإنساني الأصيل وعلى نقد الاختزال العلمي والموضوعي، لكنهما يختلفان في النبرة والأفق. يسبرس يبقي الفلسفة في دائرة التواصل والحرية والمواقف الحدية الإنسانية، بينما يوجه هيدغر الفلسفة نحو سؤال الوجود نفسه ويبلغ حد الإعلان عن نهايتها التاريخية كمطلب للانتقال إلى تفكير آخر.

التقليد الفرنسي: الفلسفة بما هي نقد وإبداع وممارسة ينتقل ميشيل فوكو بالسؤال عن ماهية الفلسفة إلى مستوى تاريخي ونقدي جذري. الفلسفة عنده ليست تأملاً في الوجود الكلي ولا إنارة للوجود الفردي الأصيل بمعزل عن الشروط التاريخية. هي بالأحرى موقف نقدي وممارسة تحليلية تكشف كيف تتشكل المعارف والذوات والسلطات داخل أنظمة خطاب وممارسات. عبر الأركيولوجيا والجينالوجيا يحول فوكو الفلسفة إلى أداة لفضح البداهات ولكشف العلاقات بين المعرفة والسلطة. في مرحلته المتأخرة يربط الفلسفة بـ«الاهتمام بالذات» وبفنون الوجود، مستعيداً تقاليد قديمة ليجعل من الفلسفة ممارسة تحويلية للذات لا مجرد خطاب نظري. ماهية الفلسفة عند فوكو تكمن إذن في قدرتها على النقد التاريخي للحاضر، وفي فتح إمكانات جديدة للتفكير والوجود عبر تفكيك ما يبدو ضرورياً أو طبيعياً.أما جيل دولوز فيقدم تحديداً مختلفاً جذرياً لماهية الفلسفة. الفلسفة ليست تأملاً ولا تواصلاً ولا تساؤلاً عن الوجود بالمعنى الهيدغري، بل هي إبداع للمفاهيم. الفيلسوف هو خالق مفاهيم، والمفهوم ليس تمثيلاً لواقع سابق بل أداة لرسم مسارات جديدة في الفكر والحياة. يرفض دولوز صورة الفكر التقليدية القائمة على التعرف والحس السليم والتمثيل، ويدعو إلى فكر الاختلاف والصيرورة والمحايثة. الفلسفة تقيم على مستوى المحايثة الخالصة، وتشتبك مع العلم والفن دون أن تختزل فيهما، وتنتج مفاهيم تسمح بمقاومة ما هو قائم وباختراع إمكانات حياة جديدة. بهذا تصبح ماهية الفلسفة عند دولوز إبداعية ومقاومة ومحايثة، لا تأسيسية ولا تأويلية بالمعنى التقليدي.يتقارب فوكو ودولوز في رفض التعالي الميتافيزيقي وفي ربط الفلسفة بالممارسة والتحويل، لكنهما يختلفان في الأسلوب والأولوية. فوكو يركز على التحليل التاريخي النقدي لأنظمة السلطة والمعرفة، بينما يركز دولوز على الإبداع المفهومي وعلى أنطولوجيا الصيرورة والاختلاف.

المقارنة: نقاط التقارب والتباعد

تكشف المقارنة بين التقليدين عن تقاربات عميقة رغم الاختلاف الظاهري. يشترك الأربعة في رفض اختزال الفلسفة إلى علم وضعي أو إلى نسق مغلق مكتمل، وفي التأكيد على أن الفلسفة ممارسة أكثر مما هي مذهب. كما يشتركون في نقد الذاتية الحديثة والحسابية التقنية، وإن اختلفت أدوات النقد. يسبرس وهيدغر وفوكو ودولوز جميعاً يرون أن الفلسفة الحقيقية توقظ أو تحرر أو تقاوم، لا أنها تبني معرفة محايدة.غير أن التباعدات حاسمة. التقليد الألماني عند يسبرس وهيدغر يظل مشدوداً إلى أفق أنطولوجي أو وجودي: سؤال الوجود، الشامل، الوجود الأصيل، نسيان الكينونة. حتى حين ينتقد هيدغر الميتافيزيقا فإنه يظل يفكر من داخل تاريخ الوجود. أما التقليد الفرنسي عند فوكو ودولوز فينتقل إلى أفق تاريخي–نقدي أو إبداعي–محايث: أنظمة الخطاب والسلطة، إبداع المفاهيم، الصيرورة، مقاومة الحاضر. الفلسفة عند الألمانيين أقرب إلى التفكير فيما يجعل الظهور ممكناً أو في ما يُنسى، بينما هي عند الفرنسيين أقرب إلى تحليل كيف تتشكل الذوات والمعارف أو إلى اختراع أدوات فكرية جديدة للحياة. كما يظهر تباين آخر في العلاقة بالموروث. يسبرس وهيدغر يعيدان قراءة التراث الفلسفي الكبير بحثاً عن إمكانات أصيلة أو عن تاريخ للنسيان. فوكو ودولوز يعيدان قراءة التراث أيضاً لكن بروح جينالوجية أو بروح انتقائية خلاقة تنتزع منه ما يصلح لإبداع حاضر مختلف. كما يختلفون في تصور الذات: عند يسبرس ذات وجودية تتحقق في التواصل، وعند هيدغر دازاين منفتح على الوجود، وعند فوكو ذات تتشكل تاريخياً عبر السلطة والمعرفة ويمكن إعادة تشكيلها، وعند دولوز ذات تذوب في خطوط الصيرورة والتفردات.

خاتمة

إن الاشتغال على تحديد ماهية الفلسفة بين يسبرس وهيدغر من جهة وفوكو ودولوز من جهة أخرى يكشف أن السؤال عن الفلسفة هو في جوهره سؤال عن كيفية علاقة الفكر بالوجود والتاريخ والحياة. التقليد الألماني يحفظ للفلسفة أفقها الأنطولوجي والوجودي ويمنعها من التحول إلى مجرد تقنية نقدية أو إبداعية بلا جذور. والتقليد الفرنسي يدفعها إلى الواجهة التاريخية والنقدية والإبداعية ويمنعها من الانغلاق في تأمل متعالٍ أو في حنين أنطولوجي. يسمح هذا الاشتغال المقارن برؤية أن ماهية الفلسفة ليست جوهراً ثابتاً يُكتشف مرة واحدة، بل هي موضع نزاع خلاق يتجدد مع كل حقبة. التقليد الألماني يذكر بأن الفلسفة تفقد روحها إذا نسيت سؤال الوجود والتناهي والأصالة. والتقليد الفرنسي يذكر بأنها تفقد فعاليتها إذا انفصلت عن نقد الحاضر وإبداع أدوات جديدة للتفكير والحياة. الجمع بين الإرثين لا يعني التلفيق، بل يعني الإقرار بأن الفلسفة اليوم مطالبة بأن تكون في آن واحد تفكيراً في شروط الوجود ونقداً تاريخياً للسلطات وإبداعاً لمفاهيم تسمح بمقاومة الاختزال وفتح ممكنات أخرى. بهذا تظل ماهية الفلسفة مفتوحة: هي الإنارة الوجودية والتواصل الأصيل عند يسبرس، والتفكير في الوجود ونهاية الميتافيزيقا عند هيدغر، والنقد الجينالوجي والاهتمام بالذات عند فوكو، وإبداع المفاهيم والمحايثة المقاومة عند دولوز. المقارنة لا تحسم النزاع لصالح طرف، بل تكشف أن خصوبة الفلسفة تكمن تحديداً في تعدد الطرق التي تحدد بها ماهيتها وتعيد بها ابتكار مهمتها أمام تحديات كل عصر.  الدراسة المقارنة تبين أن الفلسفة الحية هي التي تتحمل هذا التوتر ولا تختزله، فتظل قادرة على التفكير في الوجود وعلى نقد الحاضر وعلى إبداع مفاهيم تفتح دروباً جديدة للوجود الإنساني. بهذا يبقى تحديد ماهية الفلسفة مهمة لا تنتهي، لأن كل تحديد أصيل يعيد فتح السؤال بدل أن يغلقه. فماهي آفاق التحديد المعاصر لماهية الفلسفة؟ وفيما تتمثل قراءة الهيدجريين لفوكو ودولوز؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

تقاطع العماء الفكري والشطح الانفصامي

تُمثّل دراسة التضافر والتآزر بين مظهرين من أشد مظاهر الانحراف الإدراكي تعقيدًا في الظاهرة الإنسانية؛ وهما:

"الشطح الانفصامي" و"الجهل المستتر بالمقدس"، مدخلًا تحليليًا متقدمًا لتفكيك آليات استلاب العقل، ورصد مسارات تحول الوعي من الفاعلية التداولية والحرية النقدية إلى التكلس المعرفي والامتثال الجمعي المطلق. إن هذا التقاطع لا يعبّر عن مصادفة فكرية عابرة أو خلل هامشي في بنية المجتمعات، بل يؤشر إلى لحظة مفصلية يلتقي فيها الشطح الوجداني المتجاوز لمنطق البرهان والواقع، مع منظومة معرفية مفرغة من محتواها الحضاري والتاريخي.

هذا التلاقي في النسق الفكري المغلق يُعطل ملكات الفهم والمساءلة، ويستبدل المحاكمة العقلية الرشيدة، و ينتج تسليمًا أعمى يكرس الانقياد ويقوض أسس الممارسة الإنسانية الحرة. من هنا، يغدو تفكيك هذه الظاهرة واجبًا فلسفياً يسعى إلى كشف البِنَى الخفية التي تتوسل بالرمزية لتكبيل الإرادة الفردية والجمعية على حد سواء.

سوسيولوجيًا اللا-ثقافي وإنتاج الجهل المنظّم

في التحليل البنيوي للتحولات الدينية المعاصرة، يبرز المفهوم التأسيسي الذي قاده عالم الاجتماع الفرنسي أوليفييه روا حول تجريد التدين من حاضنته الثقافية، يمثل تشريحًا دقيقًا لظاهرة انقطاع المعتقد عن الوعاء المعرفي التراكمي. يُحلل هذا الطرح سيرورة اجتثاث الفكرة الدينية من سياقها الحضاري الممتد، وتفكيك روابطها مع الفنون، والآداب، والمباحث الفلسفية، مما يتمخض عنه نمط من "التدين المصمت" الخالي من أي عمق فكري تاريخي.

تتأسس الخطورة الفلسفية لهذا النمط من الجهل المستتر بالقداسة على إعادة إنتاج الفكرة في قوالب تبسيطية حتمية تناهض التفكير الحر والمساءلة الإبستمولوجية. إن هذا الإيمان المستلب يرفض التعدد والتأويل العقلاني المنفتح، ويُحِل محلهما وثوقية جازمة تنظر إلى العلوم العقلية والمناهج النقدية بوصفها تهديدًا لـ "نقاء المعتقد المطلق".

وبذلك، يتحول الجهل من مجرد حالة سلبية من عدم المعرفة، إلى سلطة معرفية مصمتة وفضيلة مفترضة تُسيّج الوعي داخل قلاع منيعة ضد أي حُوَار عقلاني، تدفع بالأفراد نحو الانغلاق الصارم في فضاءات تبريرية تُشرعن إلغاء الآخر وتكرس التبعية.

استلاب العقل وتفكيك الفاعلية النقدية

إن مفهوم "استلاب العقل" يشير في جوهره إلى مصادرة استقلالية التفكير وسلب الإرادة الفاعلة من الذات الإنسانية، وإخضاعها لمرجعية متعالية تفرض الهيمنة وتمنع المراجعة. وإذا كان الدرس الفلسفي النقدي، بدءًا من تفكيك لودفيغ فيورباخ لاغتراب الماهية الإنسانية وإسقاط قواها الذاتية على عوالم متخيلة، مرورًا بالتحليلات الهيكلية لنقد الاغتراب الاجتماعي والسياسي، قد أرسى دعائم فهم كيفية تشيؤ الإنسان؛ فإن نقد العقلانية الأداتية مع ماكس هوركهيمر في دراسته لـ خسوف العقل قد بيّن كيف تنقلب أدوات التنوير ذاتها إلى وسائل لإعادة تكريس الاستبداد وتجريد العقل من غاياته التحررية الجوهرية.

يتجلى التلاحم العليل بين الجهل المستتر بالمقدس والشطح الانفصامي عبر مسار تصاعدي تتكامل حلقاته:

يبدأ المسار أولًا بتجريف الحصانة الفكرية والبيئة التداولية الحرة، واستبعاد المنهج الاستدلالي لمصلحة القبول الساذج.

يتبع ذلك تكريس قطيعة معرفية مع الواقع الموضوعي وشروطه التاريخية، حيث تنعزل الجماعة داخل تصورات دوغمائية حتمية.

يتحول الاندفاع الروحي المفتقر لضابط الحكمة إلى شطح انفصامي يُسقط رغباته وهواجسه على الواقع المَعِيش، مانحًا إياها هالة متعالية لا تقبل النقاش.

تنتهي هذه السيرورة بوقوع الوعي الجمعي في أسر الاستلاب الكامل؛ حيث تتعطل القدرة على الموازنة الأخلاقية والسياسية، وتغدو الجماهير أداة طيّعة في يد الخطابات الشعبوية والسلطوية.

التقاطع النقدي بين هوركهيمر وغرامشي

يتعمق فهم هذا التآزر البنيوي حين نقيم جسرًا نظرياً يربط بين نقد ماكس هوركهيمر لـ العقل الأداتي وتحليل أنطونيو غرامشي لآليات الهيمنة الثقافية؛ إذ يكشف هذا التقاطع عن الكيفية التي يتحول بها الشطح الانفصامي والجهل المؤطر بالقداسة من مجرد خلل معرفي إلى أداة سياسية بالغة الدَّقَّة لتطويع الشعوب وصناعة الإجماع الطوعي.

يوضح هوركهيمر أن العقل حين يُفرَّغ من بعده النقدي والغائي، يتحول إلى "عقل أداتي" وظيفي ينحصر دوره في حساب الوسائل الفعالة لتحقيق أهداف مفروضة سلفًا دون مساءلة عدالتها أو مشروعيتها. وفي مناخ التجريد الديني والثقافي، يُوظَّف هذا العقل الأداتي في حشد الجماهير وتبرير السلوك الانفعالي تحت لافتات مقدسة؛ حيث يُستبدل البحث عن الحقيقة بالبحث عن الكفاءة في نشر الوثوقيات وتثبيتها.

هنا يلتقي طرح هوركهيمر مع نظرية غرامشي في الهيمنة؛ إذ يرى غرامشي أن الطبقات السائدة لا تفرض سلطانها بالقسر والإكراه المادي فحسب، بل تبني هيمنتها عبر السيطرة على الفضاء الثقافي وتشكيل ما يُعرف بـ "الحس المشترك" الجمعي. يُعاد تشكيل هذا الحس المشترك من خلال استثمار الجهل المستتر بالمقدس، حيث تُسبغ القداسة على الأوهام، ويُقدَّم الشطح الانفصامي بوصفه حقيقة عليا لا يرقى إليها الشك.

ويقوم "المثقف التبريري" في هذا النسق بتعطيل الفكر النقدي الجمعي وتحويل الضلال التشاركي إلى عقيدة سائدة تبدو في نظر الجماهير طبيعية وتلقائية، مما يُنتج حالة من "الرضا المصنوع بالاستلاب"؛ فتستسلم الحشود لهيمنة السلطة دون حاجة إلى أدوات القمع الظاهرة، لأن القيود قد استقرت في صميم بنائها الإدراكي والنفسي.

نسق المغالطات وصناعة الوعي الزائف

لا يتحرى الوعي الإنساني بوصفه ملكة استدلالية منعزلة عن المؤثرات الجمعية والمصالح النفسية والضغوط الدعائية المنظمة. في البيئات التي يسود فيها التآزر بين الجهل المؤطر بالقداسة والشطح الانفصامي، تتعرض المحاكمة المنطقية لانتكاسة بنيوية تجعلها قابلة للوقوع في أسوأ المغالطات الصورية والمادية.

يتم سلب الفاعلية العقلية هنا عبر إحلال الإدراك الانفعالي التبسيطي محل التجريد النظري الرصين، حيث يُهيمن "صدى الحشد" وتطغى الهستيريا الجمعية المؤدلجة لتلغي قدرة الفرد على التمييز المنطقي والتعريف الموضوعي. وتؤدي هذه الآفات إلى تحويل النقص الذهني والقصور الإدراكي إلى مظهر من مظاهر "التفوق الروحي والصفاء"، وتُنتزع الظواهر الاجتماعية والسياسية من سياقاتها السببية وقوانينها الموضوعية لتُعزى إلى قِوَى خفية وتفسيرات حتمية مغلقة.

إن هذا التعطيل المتعمد لقانون العلية يحمي البِنَى السلطوية من النقد والمساءلة، إذ يُصوَّر كل إخفاق سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي على أنه قدر محتوم أو اختبار، مما يعفي الفاعلين الحقيقيين من المسؤولية الأخلاقية والتاريخية ويشل إرادة التغيير لدى المجتمع.

الاضطراب الضلالي التشاركي وتشكيل الكتلة المنقادة

عندما تتكلس البنية المعرفية وتفقد المجتمعات رصيدها من الفلسفة والوعي التاريخي، يتحول الشطح الانفصامي من تجرِبة فردية معزولة إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية واسعة النطاق من خلال ما يُعرف بـ "الاضطراب الضلالي التشاركي".

إن الرمزية المشحونة تاريخيًا ودينيًا تمتلك قدرة هائلة على التأثير في الوعي الهش، وتتخذ هذه الظاهرة التشاركية ثلاث أنماط بنيوية تتداخل فيها الهيمنة بالاستلاب:

النمط الأول: الضلال الرسالي التعويضي؛ وفيه تنشأ فكرة مطلقة لدى ذات فردية تعاني من اغتراب حاد، ثم تتدثر برداء القداسة لتعويض العجز التاريخي والواقعي، مدعيةً امتلاك مفاتيح الخلاص أوا لتماهي مع النماذج التأسيسية الكبرى.

النمط الثاني: الهوس التجمعي الدوغمائي؛ حيث تلتف مجموعات مستلبة حول أفكار هوسية تفتقر إلى البرهان العقلي، لكنها توفر للأفراد شعورًا بالانتماء الزائف واليقين المطلق، مما يلغي التفكير الفردي لمصلحة طاعة عمياء للزعيم أو الفكرة المركزية.

النمط الثالث: الانفصام الرمزي الجمعي؛ وهو ارتماء فجائي لكتل بشرية في فضاءات ألتماهي الرمزي تحت تأثير الصدمات الحضارية والسياسية الكبرى؛ حيث تنهار كوابح الواقع وتتراجع لغة العقل لمصلحة خطابات وعظية حماسية تُلقى وتُتلقى دون تمحيص.

تكمن خطورة الاضطراب الضلالي التشاركي في قدرته على نقل التصور المشوه من بؤرته الأولى إلى سائر البنية الاجتماعية؛ إذ تنعدم المسافة النقدية الفاصلة بين الفكرة وفحصها، وتتحول الأوهام إلى حقائق راسخة بفعل الإجماع الزائف للمجموعة. يُنتج هذا التشارك كتلة بشرية صلبة تعيش في قطيعة تامة مع المعايير العقلية، وتتعامل مع أي نقد خارجي باعتباره تآمرًا أو خروجًا عن الإجماع، مما يُكرس نظامًا شموليًا يحصن ذاته ضد التفكيك ويهدد أسس التعايش العقلاني.

تأسيس لمسار التجاوز

تأسيساً على ما تقدم من تفكيك فلسفي وسوسيولوجي لبنية الاستلاب والهيمنة:

المقدمة الأولى: إن تجريد الوعي الديني من عمقه الثقافي والفلسفي التراكمي، مع اختزال العقل في بعدها لأداتي الوظيفي، يُنتج جهلًا مستترًا بالمقدس يُعطل أدوات المحاكمة المنطقية والنقد الذاتي.

المقدمة الثانية: إن توظيف الشطح الانفصامي ضمن آليات الهيمنة الثقافية يحول الأوهام إلى "حس مشترك" زائف يغذي الاضطراب الضلالي التشاركي، ويمنح السلطة المستبدة شرعية طوعية تُحصنها ضد المساءلة.

الاستنتاج البرهاني:

يتطلب تجاوز هذه المحنة الوجودية والمعرفية صياغة استراتيجية تفكيكية متكاملة تنهض على مرتكزين أصيلين:

المرتكز الإبستمولوجي والسياسي: استعادة العقل لغاياته التحررية الجوهرية وتجاوز أداتية التفكير، وتفكيك بِنَى الهيمنة الثقافية عبر بناء وعي نقدي مضاد داخل الفضاء العمومي والمنظومة التربوية، لكشف الأصول التاريخية والطبقية لخطابات الجهل المستتر بالمقدس.

المرتكز المفاهيمي والتحرري: إقامة فواصل قطعية وصارمة بين التجارِب الروحية والقيمية السامية التي تُثري الماهية الإنسانية وتدفع نحو إعمار الوجود، وبين أنماط الشطح الانفصامي والضلال التشاركي الذي تصادر العقل وتُجهض الفاعلية الحضارية.

إن مناعة المجتمعات من السقوط في براثن الاستلاب لا تتحقق إلا بيقظة نقدية مستمرة، تُعيد للإنسان سيادته الفكرية، وتجعل من العقلانية الحرة المعيار الأسمى لفحص المقولات وتوجيه الممارسة الإنسانية نحو التحرر والعدالة.

***

غالب المسعودي

نشرت لي "مجلة دراسات الأديان" في بيت الحكمة في عددها الـ(50) دراسة مطولة بعنوان: "فقه الأضحية بين التوقيف الشرعي والجذر الطقسي: مقاربة فقهية أنثروبولوجية"، وكانت في أصلها تتخطى (65) صفحة. حاولت فيها مقاربة ضفيرة من الأسئلة المتعلقة بالإنسان وتمثلاته الدينيَّة للمعنى، وبالكيفية التي تتألف بها علاقته بالمقدس والمعنى عبر الطقوس والقرابين والأضاحي وو.

إِلَّا أنَّ ما استوقفني خارج حدود البحث الأكاديمي وشروطه، كان سؤالًا أوسع من الأضحية ذاتها، سؤال يتصل ببنية التجربة الدينيَّة في الاجتماع الإنسانيَّ، وهو كيف يمكن للإنسان أن يعيش مع الطقس أكثر مما يعيش مع المعنى الذي من أجله نشأ الطقس وتمظهر؟ وكيف يمكن للوسيلة أن تتحول إلى غاية، وللشعيرة إلى مقصد، وللقربان إلى مركز للتدين، فيما يتراجع حضور الله بوصفه منبع المعنى وغاية التقرب والتودّد؟

وأودّ أن أوضح منذ البداية طبيعة هذا التأمل، فهو تبصّر لا يقتصر على وصف كيف يتحول الطقس تاريخيًا، أنه إمعان للنظر ينتقل- وهذا خيار منهجي واعٍ لا ينبغي أن يمرّ ضمنيًا- إلى طرح موقف معياري من هذا التحول: أنّ الطقس المنفصل عن معناه خسارة، وأن استعادة العلاقة بينهما مطلب. القراءة الوصفية للنصوص تفتح الباب أمام هذا الحكم، لكنها لا تُنتجه بالضرورة وحدها؛ فالانتقال من "هكذا يحدث" إلى "هكذا ينبغي أنّ يكون ويجري" هو ما يمنح هذا المقال طابعه التأملي لا الوصفي الخالص.

المسألة في جوهرها وباطنها، ليست في وجود الطقس وحضوره، فالإنسان كائن رمزي بطبيعته، ولا يكاد يستطيع أن يعيش المعنى المجرد من دون أن يجسده في صورة أو فعل أو رمز. وإِنَّما تبدأ المشكلة حين يستقل الرمز عن مرموزه، والشعيرة عن غايتها، والوسيلة عن مقصدها؛ فيصبح الحفاظ على الشكل أكثر أهمية من السؤال عما يفعله هذا الشكل بالإنسان.

وقد يجد هذا التحول سندًا نظريًا في اشتغال الانثروبولوجيين، فميرتشا إلياده (ت1986م) يميز بين الشيء بوصفه مادة عادية وبين مشهد ولحظة تجليه حين يصير حاملًا لدلالة المقدس، بما يفتح المجال أمام سؤال مهم، وهو ماذا يحدث حين يتحول الوسيط الذي يشير إلى المقدس إلى موضوع قائم بذاته؟[1] وهنا يمكن النظر إلى تاريخ القربان[2] اليهودي بوصفه مثالًا كاشفًا عن الانتقال من التجربة الدينيّة المباشرة إلى تنظيمها المؤسسي، ثم ظهور خطاب نبوي نقدي صارم يعيد مساءلة العلاقة بين الطقس والمعنى وموضعة كل منهما.

ولا تعني هذه المقاربة أنّ التجربة اليهودية حالة استثنائية، وإنما يمكن النظر إليها بوصفها نموذجًا يساعد على فهم قابلية أوسع في تاريخ التدين، فالإنسان يميل ويتجه إلى تحويل المعنى إلى ممارسة قابلة للرؤية والتكرار[3]، ثم قابلية هذه الممارسة لأن تستقل تدريجيًا عن معناها الأول. ويمكن الإلماح على سبيل التمثيل لا الاستقصاء إلى نظائر لهذا النقد في تجارب دينيَّة أخرى، فالخطاب الصوفي ونزعته في التراث الإسلاميَّ طالما ميّز وشدد على ضرورة التميّيز بين "فقه الظاهر" و"فقه الباطن"، وانتقد أداء الشعائر الخالية من الخشوع والحضور القلبي الذي يشبع الحياة بالمعنى وينفذ إلى الوجدان ويصطاد الروح، دون أن يدعو إلى إسقاطها[4]. وفي التراث الفلسفي اليوناني، طرح أفلاطون على لسان سقراط في محاورة "إثيوفرون" سؤالًا مشابهًا عن العلاقة بين القربان وإرضاء الآلهة، مساءلًا هل يكفي تقديم القرابين لنيل رضا الإله، أم أنّ هناك ما هو أجدر بالاعتبار والتأمل من الفعل الطقسي ذاته[5]. هذه الإشارات لا تُغني عن دراسة مستقلة لكل تجربة على حدة، لكنها تؤيد أن ما نتتبعه في التجربة اليهودية ليس شذوذًا أو تفردًا، بقدر ما هي نمط تتكرر ملامحه حيثما وُجد طقس وإنسان وجدليات للتأثر والتأثير.

من المذبح المتنقل إلى المؤسسة المقدسة

تكشف النصوص الكتابية المبكرة عن حضور القربان بوصفه فعلًا تعبديًا مباشرًا يرتبط بالتقرب إلى الله، وبالمذبح الذي لم يكن في هذه المرحلة قد استقر في صورة المؤسسة المركزية التي عرفها لاحقًا ففي قصة إبراهيمu، يظهر المذبح مرتبطًا بالظهور الإلهي والدعوة باسم الرب: " وَظَهَرَ الرَّبُّ لِأَبْرَامَ وَقَالَ: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ... فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ" (سفر التكوين ١٢/٧-٨). وتظهر بساطة المذبح في التشريع المبكر: " مَذْبَحًا مِنْ تُرَابٍ تَصْنَعُ لِي وَتَذْبَحُ عَلَيْهِ مُحْرَقَاتِكَ وَذَبَائِحَ سَلَامَتِكَ، غَنَمَكَ وَبَقَرَكَ» (سفر الخروج ٢٠/٢٤). وكذلك: " وَلَا تَصْعَدْ بِدَرَجٍ إِلَى مَذْبَحِي" (الخروج ٢٠/٢٦). وتقدم قصة قابيل وهابيل صورة أخرى مبكرة للقربان: "وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أَنْ قَابِينَ قَدَّمَ مِنْ أَثْمَارِ الْأَرْضِ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ، وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ، وَلَكِنْ إِلَى قَابِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ".(سفر التكوين ٤/٣-٥).

وبصرف النظر عن التأويلات اللاحقة لسبب قبول قربان هابيل ورفض قربان قابيل، فإن الرواية تكشف عن حضور القربان في الوعي الدينيَّ المبكر بوصفه فعلًا من أفعال التقرب، قبل أن يتحول ويتبدل إلى منظومة طقسية مؤسساتية واسعة الحضور والتأثير الفعال. وتظهر صور المذبح والقربان كذلك في روايات نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب(عليهم السلام)، ضمن سياقات العبادة المبكرة للآباء[6]. ولكن حضور القربان لم يبقَ على هذه الصورة المباشرة. فمع تشكل الجماعة الدينية وظهور المركز المقدس، أخذت الطقوس تدخل في بنية أكثر تنظيمًا وتعقيدا، وأصبح الكهنوت طرفًا أساسيا في إدارة المقدس وتحديد شروط ممارسة الطقس. ويظهر اختصاص اللاويين في النص: "يُعَلِّمُونَ يَعْقُوبَ أَحْكَامَكَ، وَإِسْرَائِيلَ نَامُوسَكَ. يَضَعُونَ بَخُورًا فِي أَنْفِكَ، وَمُحْرَقَاتٍ عَلَى مَذْبَحِكَ"(سفر التثنية: ٣٣/١٠).

وهكذا أصبح القربان جزءًا من بنية دينية مؤسساتية تتداخل فيها الشعيرة مع المكان المقدس والكهنوت والتشريع. ولم تعد الذبيحة مجرد فعل تعبدي مباشر، بقدر ما غدت ممارسة منظمة تحدد المؤسسة الدينية شروطها وأشكالها ومجالاتها. وهنا تبدأ المسافة في الظهور بين الطقس بوصفه وسيلة والطقس بوصفه غاية.

حين يتقدم الشكل على المعنى

كلما تراكمت القواعد والأشكال وتعاظمت المؤسسة، أصبح من الممكن أن تستقل الممارسة وتمظهرها عن الغاية التي من أجلها نشأت. وعند هذه النقطة يظهر الصوت النبوي الناقد للانفصال بين العبادة والحياة، وبين الشعيرة والأخلاق، وبين القربان والقرب الحقيقي من الله. ولا بدّ من توضيح دقيق في هذا التوتر والاحتدام، فحين ننسب إلى الأنبياء نقدًا للذبيحة أو القربان بشكل عام، لا نعني أنّهم كانوا يدعون إلى إلغائها وحذفها كمارسة، وإنما كانوا ينتقدون حالة بعينها، أو ورمًا بعينه، كأن تؤدَّى الذبيحة مصحوبةً بظلم اجتماعي أو نفاق أخلاقي أو غياب للطاعة الداخلية ومحبة الحق. فالنقد موجَّه إلى الذبيحة حين تنفصل عن الأخلاق والطاعة والشفقة والبهجة وو، لا إلى الذبيحة بما هي ذبيحة؛ والدليل أنَّ نظام القربان استمر معمولًا به في الهيكل بعد هؤلاء الأنبياء أنفسهم، ولم يفهم أحد من معاصريهم كلامهم على أنّه دعوة لإسقاط الشعيرة وزعزعة مشروعيتها. وهذا التمييز- بين نقد الطقس المنفصل عن غايته وجدواه، ونقد الطقس بما هو طقس- هو ما يحفظ اتساق هذا التأمل والتبصّر مع كونه دعوة إلى استعادة العلاقة الصحيحة بين الشكل والمعنى، لا إلى التخلي عن الشكل.

يقول صموئيل النبي في مواجهة شاول: " هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالْإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ" (سفر صموئيل الأول: ١٥/٢٢). لا تكمن أهمية النص في إلغاء الذبيحة، وإنما في إعادة ترتيب سلم القيم الدينية: الطاعة والاستماع يتقدمان على الفعل الطقسي حين ينفصل أحدهما عن الآخر. ويأتي هوشع ليمنح هذا التحول صياغته الأكثر كثافة: "إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لَا ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ" (سفر هوشع: ٦/٦). فالرحمة ومعرفة الله ليستا إضافتين أخلاقيتين إلى الطقس، بقدر ما هما إعادة توجيه للطقس نحو منبعه وباطنه

أمّا إشعياء فيواجه تضخم الممارسة الطقسية مباشرة: " لِمَاذَا لِي كَثْرَةُ ذَبَائِحِكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ اتَّخَمْتُ مِنْ مُحْرَقَاتِ كِبَاشٍ وَشَحْمِ مُسَمَّنَاتٍ، وَبِدَمِ عُجُولٍ وَخِرْفَانٍ وَتُيُوسٍ مَا أُسَرُّ" (إشعياء ١/١١). ثم ينقل مركز التدين من المذبح إلى المجال الأخلاقي: "تَعَلَّمُوا فِعْلَ الْخَيْرِ. اطْلُبُوا الْحَقَّ. أَنْصِفُوا الْمَظْلُومَ. اقْضُوا لِلْيَتِيمِ. حَامُوا عَنِ الْأَرْمَلَةِ" (سفر إشعياء: ١/١٧).

ويؤكد عاموس الاتجاه نفسه: " بَغَضْتُ كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُمْ. إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لَا أَرْتَضِي" (سفر عاموس: ٥/٢١-٢٢).

أما ميخا فيختصر جوهر التدين في ثلاث قيم تتخطى كثافة الطقس: " قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلَهِكَ" (سفر ميخا: ٦/٨). وفي هذه المعاني تتضح النقلة الكبرى والأهم: ماذا تغيّر في داخلي لا ماذا أضع على المذبح وأقدم تفاخرا ؟

من الشعيرة إلى الإنسان

إن الخطاب النبوي يعيد وضع القربان في تموضعه داخل التجربة الدينيَّة وروحيتها وقيمها ولاهوتها. فالطقس يستمد قيمته من علاقته بالمعنى الذي يحمله، ومن قدرته على إحداث تحول في الإنسان. وهنا تظهر مفارقة عميقة في الاجتماع الدينيَّ، فالإنسان يستطيع أن يقيس عدد الصلوات والابتهالات وعدد القرابين ومواعيدها وأشكالها ومظاهرها، لكنه لن يتمكن بالسهولة نفسها أن يقيس مقدار الرحمة التي نشأت في قلبه، أو مقدار التواضع الذي استقر في نفسه، أو مقدار العدالة التي أصبح يمارسها، أو المسافة التي قطعها في طريقه إلى الله[7].

فالطقس قابل للرؤية والتكرار والتداول الاجتماعي، أما التحول الروحي والأخلاقي فيحدث في منطقة أكثر خفاءً وتعقيدًا. وبالتالي، فان الجماعة قد تميل إلى تضخيم ما تستطيع رؤيته وإظهاره والاتفاق عليه حتى يصبح الشكل أكثر حضورًا من المعنى.

ولا يقف الطقس عند وظيفته الروحية؛ إذ يؤدي وظيفة اجتماعية أيضًا. فهو يحدد الانتماء، ويرسم حدود الجماعة، ويمنح الفرد شعورًا بأنّه جزء من "نحن". فيمكن بهذا أن تتحول الشعيرة وتنتقل من كونها علاقة بين الإنسان والمقدس إلى علامة على الهوية الجماعية. وعندما يحدث ذلك ويستقر يصبح الدفاع عن الطقس دفاعًا عن الجماعة وهويتها.

ولكن القول بهذا المعنى لا يعني أنّ الطقوس بلا قيمة ومنفعة، أو أنّ الإنسان يستطيع الاستغناء عن الرمز والشعيرة وو. فالإنسان كائن رمزي كما قلنا، وهو يحتاج إلى أن يمنح المعنى المجرد صورة محسوسة، وأن يحول اعتقاده إلى ممارسة. الطقس يكون حيًا ما دام يشير إلى ما وراءه وما يمنحه هذا الماوراء؛ أما حين يستقل عن مرجعه، فإنه يتحول من نافذة على المقدس إلى حجاب عنه.

ولعل ما يكشف هذه المفارقة بصورة حية، ما رواه عبد الجبار الرفاعي عن تجربته الشخصية: فقد حجّ 16 مرة، حرصًا في كل مرة أن يؤدي المناسك على وجهها الشرعي الدقيق، طلبًا لما يسميه الفقهاء "فراغ الذمة اليقيني"، انطلاقًا من القاعدة الأصولية المعروفة: "الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني". ولكنه حين زار ضريح الرومي جلال الدين (في قونيه) وشهد الاحتفالات الصوفية التي تُقام حوله، وجد نفسه يعيش نشوةً وبهجةً روحية لم يذقهما ولم يرتوي منها في حجه بمثلها. ولم يكن ذلك على حد تفسيره لأن الحج أقل قداسة وأقل حضورًا ومعنى، وإنما لأن تجربته فيه كانت مطوَّقة بتكاليف صارمة حرص على أدائها كاملة غير منقوصة، فاستغرقه همّ الإجزاء والبراءة اليقينية عن التفرغ لمعنى اللقاء ذاته؛ بينما جاءت تجربته مع احتفالات الرومي مطلقةً من هذا التكليف الفقهي الدقيق، ففتحت للروح مساحة واسعة لم يكبّلها حساب الإجزاء والنقصان[8].

وهذه الشهادة وإن كانت فردية شخصية لا تُقاس عليها أحكام عامة، لكنها تصلح مثالًا حيًا على الإشكال الذي يطرحه هذا التأمل، فحين ينشغل المتعبد بضبط الشكل الفقهي وأحكامه التكليفية للشعيرة واستيفاء شروطه على وجه اليقين، قد يتزاحم هذا الانشغال مع الانفتاح الداخلي الذي هو غاية الشعيرة أصلًا؛ فتتحول الدقة الفقهية رغم مشروعيتها الكاملة إلى ما يشبه الحجاب الذي يستهلك الطاقة الروحية في ضبط الأداء، بدل أن تتفرغ لعيش المعنى. وهذا لا يعني أنَّ الالتزام الفقهي بالمناسك أمر غير مطلوب، بل هو صلب التكليف وأصل الامتثال، لكنه يذكّرنا بأن اليقين الفقهي باشتراطات صحة الأداء شيء، والحضور الروحي في اللحظة ذاتها شيء آخر، وأنّ التقاءهما هو الغاية المثلى التي لا تتحقق تلقائيًا لمجرد استيفاء الشروط.

ولهذا فإن تضخم الطقوس وتكرارها لا يعني بالضرورة تضخم الإيمان والتجربة الروحية، كما أنّ كثافة الممارسة وتحشيدها لا تعني بالضرورة عمق العلاقة بالله ورحمته ولطفه. فقد تتكاثر الشعائر بينما لا تتسع الرحمة، وقد يتكثف الحضور الدينيَّ في المجال العام بينما لا يتعمق التحول في المجال الوجداني الداخلي.

حين يغيب المذبح ولا يغيب السؤال

ومن هنا يمكن فهم المسار التاريخي الذي عرفته التجربة اليهودية في القربان. فقد انتقل القربان من ممارسة مرتبطة بالمذبح إلى بنية مركزية ارتبطت بالهيكل والكهنوت والتشريع، ثم ظهر داخل الأدبيات النبوية نقد يعيد السؤال إلى العلاقة بين الطقس والأخلاق، وبين الذبيحة ومعرفة الله - وهو نقد، كما تقدم، موجَّه إلى حالة الانفصال لا إلى الشعيرة ذاتها.

ومع غياب الهيكل، انتهى نظام القربان الهيكلي بصورته المعروفة، وأعيد تنظيم التقرب إلى الله في أنماط تعبدية أخرى، وفي مقدمتها الصلاة والدعاء والتوبة ودراسة الشريعة. وهذا التحول يفتح سؤالًا يتجاوز التجربة اليهودية إلى التجربة الدينية عمومًا: لماذا يتعلق الإنسان بما يستطيع فعله وإظهاره أكثر مما يتعلق بما ينبغي أن يصير إليه؟ ربما لأن الفعل الخارجي يمنحه إحساسًا بالإنجاز، بينما التحول الداخلي يضعه أمام امتحان لا ينتهي. يستطيع الإنسان أن يقدم قربانًا وينصرف، وأن يؤدي شعيرة ويحسبها منجزًا؛ لكنه لا يستطيع أن ينهي مشروع تزكية نفسه بممارسة واحدة. ولهذا قد تكون الطقوس، في بعض صورها، أكثر راحة للإنسان من مواجهة ذاته؛ لأنها تمنحه صورة محسوسة عن التدين، بينما يطالبه المعنى بتغيير وجوده نفسه. وهنا تحديدًا تتحول المشكلة من مشكلة في الطقس إلى مشكلة في الإنسان ذاته.

الطقس بوصفه طريقًا لا غاية

وإذا استعدنا المفهومين النظريين اللذين استُهل بهما هذا التأمل، أمكن القول: إنّ الانتقال من التجربة الدينيّة الحية والفاعلة إلى المؤسسة والقواعد يفسر جانبًا من قابلية الطقس العبادي لأن يتحول إلى نظام مستقل عن التجربة التي أنشأته. ومن جهة أخرى، يسمح مفهوم التجلي عند إلياده بطرح سؤال الوسيط: هل يظل الرمز نافذة على المقدس، أم يتحول إلى شيء مكتفٍ بذاته؟ وعلى هذا الأساس وهذا الفهم، يمكن فهم الخطاب النبوي بوصفه محاولة لإعادة وصل الممارسة بمصدرها، وتفكيك التماهي بين المقدس ومظهره، لا إلغاء المظهر ذاته-وهذا ما تكرر التأكيد عليه في هذا التأمل: أنّ النقد يتجه وينصبّ على الانفصال، لا على الشكل بذاته. فليس السؤال أن نختار بين الطقس والمعنى ولا بين التمظهر والروح، السؤال في أن نستعيد العلاقة الصحيحة بينهما: أن يكون الطقس طريقًا إلى المعنى لا بديلًا عنه أو غاية بذاته، وأن تكون الشعيرة وسيلة لتغيير الإنسان لا شهادة اجتماعية على تدينه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في التجربة الدينيّة هو أن يبقى الطقس بعد أن يغيب المعنى الذي يمنحه قيمته. عندها لا يختفي التدين، عندها قد يحدث العكس تمامًا، يتورم في مظهره ويتراجع في جوهره؛ تتكاثر الشعائر بينما تبتعد الروح عن منبعها؛ ويصبح الإنسان مشغولًا ومهووسًا بما يقدمه لله أكثر من انشغاله بما ينبغي أنّ يصير إليه أمام الله.

وهنا يعود السؤال الأول في مقالتي وتبصري هذا، ولكن بصورة أكثر إلحاحًا وأكثر جرحًا للذات المؤمنة، هل ما زالت طقوسنا تقودنا إلى الله ومحبته، أم أننا بلغنا مرحلة أصبحنا فيها نعبد الطريق وننسى الغاية؟ فقد ورد حديث عن الإمام الصادقu يقول فيه: " العامل على غير بصيرةٍ كالسائر على غير الطريق، لا تزيدُهُ سرعةُ السير إِلَّا بُعدًا."[9] ولعل القربان الحقيقي في أعمق دلالاته، هو ما يستطيع الإنسان أن ينتزعه من ذاته ليقترب به من الله: أنانيته، وظلمه، وغروره، وقسوته، وحسده، ومخاتلته وو. ويبقى السؤال الأهم: ماذا صنع القربان بنا؟

***

د. حيدر شوكان السلطانيَّ

جامعة بابل– قسم الفقه وأصوله.

...............................

[1] المقدس والعادي، ترجمة: عادل العوا، (دار تنوير للطباعة والنشر)، طبعة 2009م، 21.

[2] يدور معنى القربان في اللغة العربية حول أصل دلالي واحد وهو القرب والدنو، وبالمعنى الاصطلاحي فهو كل ما يتقرب به إلى الله طلبًا للزلفى، سواء كان في ذبيحة أو محصول من الزراعة أو صيد أو نحو ذلك. ينظر: الفيروز آبادي، القاموس المحيط، (بيروت: مكتبة تحقيق التراث)، طبعة 1426هـ، 123. ودانيال هيرفيه لجيه، سوسولوجيا الدين، ترجمة: رويش الحلوجي، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة)، الطبعة الأولى- 2005م، 208.

[3] يقول علماء النفس الاجتماعي أنّ التكرار المفاهيم والعقائد والسلوك قادر على أنّ يزرع في النفس البشري شيء من الإيمان قليل أو كثير.

[4] كتب عبد الجبار الرفاعي وحاك ورسم صورة عن الاشتغال الفلسفي الصوفي الذي يهتم كثيرًا بالقلب والوجدان، ويدفع نحو تأسيس لاهوت الشفقة، ولا سيَّما عند كبار العرفاء، ولعل من أبرزهم جلال الدين الرومي، يقول:" ترك لنا مولانا الرومي منظومة غنية، تنفتح على حقول متنوعة في المعارف الدينية، نحن بأمس الحاجة إليها في عصر تغلب فيه فهم حرفي قشري مغلق للنصوص، أفضى لصوغ لاهوت يضج بمقولات الكراهية والتعصب والعدوان. ميراث جلال الدين الرومي يلهمنا مفاهيم ومقولات ورؤى تنشد احترام كرامة الكائن البشري، ترسخ النزعة الإنسانية في الدين، تشبع حياتنا بالمعنى، تخلع على دنيانا صورة أجمل تهبنا أفقاً بديلاً للتواصل مع مختلف أتباع الأديان والفرق والمذاهب، فلا تضيق مجتمعاتنا وتنفجر بمكوناتها التاريخية العقائدية والإثنية ويتأسس ما يمكن تسميته بـ لاهوت الشفقة الرحمة، المحبة، العشق، الجمال، الفرح، الحياة، الابتسامة الأمل، الاختلاف، التنوع التعددية، اللاهوت الإنساني)، الذي يكمن فيه سبيلنا للخلاص من لاهوت الكراهية، نفي الآخر، الموت، الحزن، البكاء، والتشاؤم)". عبد الجبار الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، (بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين) الطبعة الرابعة- 2019م، 30- 31.

[5] أفلاطون، محاورة أوطيفرون، ترجمة: زكي نجيب محمود، (القاهرة: مؤسسة هنداوي)، طبعة 2022م، 28.

[6] ينظر: فميرتشا إلياده، تاريخ ومعتقدات شعوب العالم، ترجمة: عبد الهادي عباس، (دمشق: دار دمشق)، طبعة 1986م، 1/215.

[7] كان يقول لنا أستاذٌ في كلية الفقه: بعد الانتهاء من شهر رمضان، إذا أردت أن تعرف قيمة صيامك وحقيقة ما وصل منه، فاسأل نفسك: كم زرع هذا الصيام فيك من شفقة ورحمة ومحبة لله تعالى؟ إن مقدار الطاعة بمقدار ما تتركه.

[8] ينظر: عبد الجبار الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، 40- 41.

[9] الشيخ الكليني، الكافي، تحقيق: تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، (طهران: دار الكتب الإسلامية)، الطبعة الخامسة، 1/ 43.

(الأسطورة تنويرٌ بالفعل، والتّنوير يرتدّ إلى أسطورة)... هوركهايمر وأدورنو.

(الأسطورة تاريخٌ مقدّس؛ إنّها تحكي حدثًا وقع في الزّمن البدئي)... ميرسيا إلياده (Mircea Eliade)

***

تأخذ “أنشودة خاتم النيبلونغ” (The Nibelungenlied) مكانها وأهمّيّتها بين أكثر الأساطير الجرمانيّة في أوروبا شهرةً واهتمامًا، وقد أبدع ريتشارد فاغنر (Richard Wagner) في إعادة بنائها فنيًّا وتوظيفها جماليًّا وفكريًّا في عمله الفريد “خاتم النيبلونغ” (Der Ring des Nibelungen). ويرى معظم النّقّاد أنّ هذه الأسطورة ليست مجرّد حكاية خياليّة، بل تحتضن عالمًا رمزيًّا مفعمًا بالدّلالات والمعاني التي تدور حول السّلطة والقوّة والطّمع واللّعنة والمصير وسقوط الحضارات. وترجع جذور الأسطورة إلى التّراث الجرمانيّ والإسكندنافيّ القديم، وقد تداخلت فيها الأساطير النّورديّة عن الآلهة مثل أودين (Odin) ولوكي (Loki)، وقصص الأبطال الجرمان، والحكايات الشّعبيّة عن الذّهب والخواتم السّحريّة والتّنانين. وترمز كلمة “نيبلونغ” (Nibelung) إلى أصحاب الكنز الملعون. وأصبحت الكلمة لاحقًا مرتبطة بالخاتم السّحريّ واللّعنة التي ترافقه (1).

تبدأ الأسطورة بوجود كنز سحريّ من الذّهب موجود في نهر الرّاين (Rhine). يقوم أحد أبطال الأسطورة، القزم ألبريش (Alberich)، بسرقة الذّهب، ومن ثمّ يصنع منه خاتمًا يمنح صاحبه قوّة هائلة للسّيطرة على العالم، لكنّ الحصول على هذه القوّة يتطلّب التّخلّي عن العاطفة والحبّ والمشاعر الإنسانيّة. ومن هنا تبدأ اللّعنة: إذ كان على كلّ من يمتلك الخاتم أن يصبح أسيرًا للطّمع والرّغبة في الهيمنة، وفي ظلّ هذا الطّمع البشريّ يسعى الأبطال إلى امتلاك الخاتم، فتنشب الحروب وتنمو الخيانة وتُرتكب المجازر البشريّة ويرتفع منسوب القتل، وتسقط الآلهة والأبطال تباعًا، وينتهي العالم القديم إلى الدّمار  (2).

وقد جُمعت هذه العناصر القصصيّة في الملحمة الألمانيّة الوسيطة “أنشودة النيبلونغ” (The Nibelungenlied)، ثمّ أعاد فاغنر (Wagner) تحويلها إلى ملحمة أوبراليّة فلسفيّة ساحرة. وتنطوي هذه الملحمة على منظومة رمزيّة متكاملة في حبكة محكمة، إذ يرمز الخاتم إلى السّلطة المطلقة والقوّة والسّيطرة والتّملّك المطلق. لكنّ هذه السّلطة تحمل لعنة داخليّة؛ فكلّ من يسعى للهيمنة يفقد إنسانيّته تدريجيًّا. ولهذا قرأ كثير من الفلاسفة هذا العمل بوصفه نقدًا للطّمع السّياسيّ والاقتصاديّ. وفي هذه الملحمة الشّعريّة يرمز الذّهب إلى إغواء المادّة والثّروة والطّمع، فذهب الرّاين ليس مجرّد معدن، بل رمز للثّروة والجشع والرّغبة في تحويل العالم إلى ملكيّة قابلة للسّيطرة.

وهنا تظهر فكرة قريبة من نقد الحداثة والرّأسماليّة عند مفكّري النّظريّة النّقديّة. إذ تتضمّن الأسطورة فكرة التّخلّي عن الحبّ من أجل صنع الخاتم والحصول عليه، وهذا يعني رمزيًّا أنّ الهيمنة المطلقة تتطلّب التّضحية بالعاطفة والإنسانيّة. لذلك ترتبط الأسطورة بفكرة اغتراب الإنسان عن ذاته. وفي نهاية الأسطورة ينهار عالم الآلهة نفسه، ويؤدّي هذا السّقوط إلى نهاية النّظام القديم، وانهيار السّلطة المتعالية، وعجز القوّة عن تحقيق الخلاص. وقد رأى بعض الباحثين أنّ فاغنر (Wagner) كان يصوّر أزمة الحضارة الأوروبيّة الحديثة .(3) وقد وصف فاغنر خاتم النيبلونغ (The Ring Of The Nibelungen) بأنّه “صورة كاملة لتاريخ البشريّة من بدايات المجتمع إلى الانهيار الضّروريّ للدّولة” (4).

وعندما يُسرق خاتم النيبلونغ، الذي يمنح من يمتلكه سلطةً على العالم وإمكانيّة الوصول إلى كنز النيبلونغ، يسيطر فوطان (Wotan)، سيّد الآلهة، على الخاتم، فينتشر الشّرّ والبلاء الذي لا يمكن أن يتوقّف إلّا بعد سقوط الآلهة وإعادة الخاتم إلى الطّبيعة. يسعى الإله فوطان بكلّ الوسائل الممكنة لتوسيع سلطته، ومن خلال إخضاع الآخرين لإرادته عبر التّفكير الحسابيّ وعقد التّحالفات والمعاهدات، لفرض نظام دائم على العالم. لكنّ مشروعه محكوم عليه بالفشل وغارق في الخطيئة التي لا يستطيع التّكفير عنها، وينتهي به الأمر إلى الاستسلام لمصيره (5).  وترمز الأسطورة في هذا السّياق إلى فكرة مركزيّة قوامها: أنّ السّعي إلى السّيطرة المطلقة يتطلّب التّخلّي عن القيم الإنسانيّة، وهذا بدوره يقود حتمًا إلى الفساد والانهيار والسّقوط الإنسانيّ والحضاريّ، وغنيّ عن البيان أنّ هذه الأسطورة قد وُضعت لنقد السّلطة والطّمع والجشع والعقل الأداتيّ الذي يضع القوّة فوق الإنسان.

أمّا عن كيفيّة عودة الخاتم إلى الأرض، ففي نهاية ملحمة “خاتم النيبلونغ” يعود الخاتم إلى الأرض عبر حدث دراميّ رمزيّ قويّ؛ كيف حدث ذلك؟ البطلة برونهيلده (Brünnhilde) تدرك أنّ الخاتم جلب الدّمار بسبب لعنة السّلطة والطّمع والجشع، فتقرّر إنهاء هذه اللّعنة، فتأخذ الخاتم وتلقي بنفسها في النّار (محرقة جنازة زيغفريد (Siegfried)، وتمتدّ النّيران لتدمّر عالم الآلهة (فالهالا (Valhalla)، وبعد ذلك يفيض نهر الرّاين (Rhine)، وتعود حوريّات الرّاين لاستعادة الخاتم، فيُعاد إلى موضعه الطّبيعيّ في الماء؛ وهنا نجد أنّ المعنى الرّمزيّ لعودة الخاتم إلى الأرض والماء يدلّ على نهاية هيمنة القوّة الفاسدة واستعادة الطّبيعة لما سُلب منها وسقوط عالم قائم على الطّمع والسّلطة؛ وباختصار، عاد الخاتم إلى الأرض عندما ضحّت برونهيلده بنفسها وأعادته إلى نهر الرّاين، في إشارة إلى نهاية اللّعنة واستعادة التّوازن الطّبيعيّ.

وعلى هذه الصّورة الأسطوريّة لـ”خاتم النيبلونغ” يعتمد كلٌّ من أدورنو وهوركهايمر في كتابهما “جدليّة التّنوير” هذا التّصوّر لتفسير نشأة العقل الأداتيّ وسطوته. وعلى هذا الأساس يطوّران في البداية أطروحتهما القائلة: إنّ الأشكال الصّارمة للوعي “الأسطوريّ” تفسّر لنا أنّ التّغلّب على الطّبيعة يعقبه التّغلّب على الإنسان وتدمير الجانب الإنسانيّ في الحضارة. فالعقل الأداتيّ الذي يتمثّل في خاتم النيبلونغ يتحوّل في النّهاية إلى قوّة استلابيّة يمارسها الإنسان على نفسه وعلى الآخرين في محاولة السّيطرة على العالم واستغلال الطّبيعة. إنّ ظهور العلم والتّفكير التّنويريّ يكتسح الأساطير القديمة مدّعيًا استبدالها بمعرفة حقيقيّة بالعالم وآليّاته. لكنّ العلم والتّنوير هما ورثة قوّة الهيمنة، أي الأسطورة اللّاحقة. إنّ قوّة الطّبيعة التي كان “البدائيّون” يخشونها تتجلّى في الخلايا الدّاخليّة للتّنوير، في القوى الأسطوريّة للعلم التي من خلالها يهبط الرّجال والنّساء بحياتهم إلى مستوى الأشياء.

وكلّما ازداد هذا التّحكّم بالطّبيعة اكتمالًا، ازداد شمول نظام الهيمنة الاجتماعيّة الذي يتحقّق من خلاله هذا التّحكّم. فالعلم والتّكنولوجيا جزء لا يتجزّأ من البنى الإداريّة التّقنيّة-العقلانيّة للمجتمعات الرّأسماليّة الحديثة. علاوةً على ذلك، فإنّ القوّة التّلاعبيّة للمجتمع الحديث تدخل في تشكيل الذّاتيّة الحديثة. ومن خلال العمل المتواصل لصناعات الثّقافة، تُسلَّع الثّقافة الشّعبيّة وتُحوَّل إلى ثقافة صنميّة فيتشيّة ضدّ الإنسان والإنسانيّة. وتتجلّى فيما أطلق عليه أدورنو “المدّ القذر لصناعة التّرفيه” التي تشكّل نظامًا مدمّرًا لصياغة التّأثيرات على جسد الفرد وروحه من أجل تفكيك عناصر وجوده الإنسانيّ وتحويله إلى كائن مستلب يزداد تفكّكًا ونرجسيّةً وأنانيّةً. إنّ عمل صناعات الثّقافة هو النّقيض التّام لمفهومهم للفنّ الحقيقيّ. فهو يقف إلى جانب التّلاعب الشّموليّ بقدر ما يقف الفنّ – في أفضل أشكاله الحداثيّة – إلى جانب المقاومة والحرّيّة.

إنّ الأسطورة والوعي الأسطوريّ هما الوسيلة ذاتها التي يروي بها فاغنر هذه القصّة عن الانفصال الأصليّ عن الطّبيعة، نسخة من السّقوط الأوّليّ من النّعمة التي كان الإنسان فيها على توافق مطلق مع الطّبيعة. ومثل أدورنو وهوركهايمر، وقف فاغنر ضدّ القوّة القمعيّة والصّلبة لهيمنة البرجوازيّة على العالم. وقد عرّف الحرّيّة بالعفويّة والتّحرّر من كلّ الرّوابط المقيِّدة لتلك الشّبكة الواسعة من المعاهدات والعقود الاجتماعيّة التي قيّدت الفرد في العالم البرجوازيّ (6).

وقد شدّد فاغنر هنا على أهمّيّة الانفتاح على التّغيير والتّجدّد وعلى تعدّديّة الحياة؛ وركّز على الطّابع الإنسانيّ للحياة الاجتماعيّة، ووجد أنّ طبيعة الإنسان الحقيقيّة طبيعة اجتماعيّة وليست أنانيّة، كما أكّد فاغنر؛ والعمل المشترك والتّعاطف المتبادل هو الحالة الطّبيعيّة للبشر.

إنّ الغاية التي يسعى إليها فاغنر هي ضرورة الاعتراف بالتّغيّر والتّعدّديّة والتّجدّد الدّائم للواقع والحياة. وهكذا، وعلى هذا النّحو، فإنّ فاغنر يرى أنّ الانحدار الأخلاقيّ للمجتمع يتجسّد في مبدأ الإخضاع، إذ يتمّ إدماج الأفراد داخل كلّيّة مجرّدة تفقدهم حرّيّة التّغيّر والتّطوّر بحرّيّة في علاقاتهم مع الآخرين. إنّ التّهديد الذي يشكّله تطوّر الدّولة الحديثة لحرّيّة الذّات الحديثة يهيمن على تفكير فاغنر في بناء الخاتم، كما هيمن على تفكير أدورنو وهوركهايمر في “جدليّة التّنوير”. ففي كتابه “عمل الفنّ في المستقبل”، يربط فاغنر أيضًا بوضوح بين الدّولة الحديثة “المفرطة الإدارة” وتطوّر العلم والتّفكير التّنويريّ. علاوةً على ذلك، يوجد هناك صدى لافت بين عرضه لتطوّر القطيعة مع الطّبيعة والتّطوّر اللّاحق للوعي الأسطوريّ والدّينيّ: فالإنسان عندما واجه الطّبيعة طوّر ملكة التّفكير. منذ تلك اللّحظة بدأ الخطأ، بوصفه أوّل تعبير عن الوعي. لكنّ الخطأ هو أمّ المعرفة؛ ومن تاريخ ولادة المعرفة من الخطأ نشأ تاريخ الجنس البشريّ من صلب أساطير العصور البدائيّة إلى يومنا هذا (7).

***

د. علي أسعد وطفة - جامعة الكويت

.............................

مراجع المقالة:

1-Robert W. Witkin, Adorno on Popular Culture (London: Routledge, 2003), p. 33.

2- Anonymous, The Nibelungenlied, translated by A. T. Hatto (Harmondsworth: Penguin Books, 1965).

3- Richard Wagner, Der Ring des Nibelungen (Leipzig: B. Schott’s Söhne, 1876).

4- Richard Wagner, Opera and Drama (Lincoln, Nebraska: University of Nebraska Press, 1995).

5-Robert W. Witkin, Adorno on Popular Culture (London: Routledge, 2003), p. 34.

6- Richard Wagner, Religion and Art, translated by William Ashton Ellis (Lincoln and London: University of Nebraska Press, 1993), p. 70.

هوامش المقالة

(1)- Robert W. Witkin, Adorno on Popular Culture (London: Routledge, 2003), p. 33.

(2)- Anonymous, The Nibelungenlied, translated by A. T. Hatto, (Harmondsworth: Penguin Books, 1965).

(3)- Richard Wagner, Der Ring des Nibelungen, (Leipzig: B. Schott’s Söhne, 1876).

(4)- Richard Wagner, Opera and Drama, (Lincoln, Nebraska: University of Nebraska Press, 1995).

(5)- Robert W. Witkin, Adorno on Popular Culture, (London: Routledge,2003. P.34.

(6)- Robert W. Witkin, ibid . P.34.

(7)- Richard Wagner, Religion and Art, translated by William Ashton Ellis, (Lincoln and London: University of Nebraska Press, 1993), p. 70.

حين نتحدث عن «الفلسفة» في الحضارة الإسلامية، فإننا غالبًا ما نتعامل مع الكلمة كما لو أنها كانت تحمل معناها منذ اللحظة الأولى، وكأن لفظ «الفلسفة» يشير بصورة طبيعية إلى حقل معرفي محدد، وإلى نوع معين من الكتب، وإلى مجموعة من الأشخاص الذين يمكن التعرف إليهم بسهولة بوصفهم «فلاسفة».

غير أن هذا الاستقرار الظاهري للاسم يخفي وراءه تاريخًا طويلًا من الانتقال والتحول وإعادة التحديد؛ فالفلسفة لم تدخل المجال العربي الإسلامي بوصفها كلمة فقط، وإنما دخلت بوصفها اسمًا لممارسة معرفية، وهوية لصاحبها، وتراثًا من الأسئلة، ونظامًا من المفاهيم، وصورة مخصوصة للعقل والحقيقة والبرهان.

ولذلك فإن البحث في الفلسفة الإسلامية ينبغي أن يبدأ، قبل البحث في مضامينها، من سؤال الاسم نفسه: كيف وُلد؟ وكيف انتقل؟ وماذا حدث له حين دخل فضاءً ثقافيًا ودينيًا ولغويًا مختلفًا؟ وكيف تحولت كلمة كانت في أصلها اسمًا لطريقة في طلب الحكمة إلى معيار تُقاس به أشكال التفكير الأخرى؟

إن كلمة «فلسفة» تعود، في أصلها اليوناني، إلى philosophia، وهي مركبة من philo بمعنى المحبة أو الميل، وsophia بمعنى الحكمة، بحيث يكون الفيلسوف، في أصل التسمية، «محب الحكمة» لا مالكها. وهذه النقطة الدلالية ليست تفصيلًا لغويًا عابرًا؛ إذ إن الفلسفة، في أحد أصولها الأولى، لم تكن ادعاء امتلاك الحقيقة بقدر ما كانت رغبة في طلبها. فالفيلسوف ليس الحكيم الذي بلغ نهاية الطريق، وإنما الطالب الذي يظل في حركة نحو الحكمة.

ومن هنا يمكن ملاحظة مفارقة سترافق تاريخ الفلسفة كله: الاسم الذي يدل على «محبة الحكمة» سيتحول تدريجيًا إلى اسم لمؤسسة معرفية، ثم إلى مذهب، ثم إلى مجموعة من المناهج والنصوص، ثم إلى هوية اجتماعية وعلمية لصاحبها.

وقد ارتبط تشكل مفهوم الفلسفة في السياق اليوناني بتغير عميق في طريقة التعامل مع العالم؛ إذ أخذ السؤال ينتقل من البحث عن أصل الأشياء في الأساطير إلى البحث عن مبادئها العقلية والطبيعية، ومن الحكاية الميثولوجية إلى الحجة، ومن سلطة الرواية إلى إمكان البرهان.

وليس معنى ذلك أن الفكر اليوناني قطع بصورة نهائية مع الأسطورة، ولا أن العقل ظهر فجأة مكتملًا في مواجهة الخرافة، فهذا تصور تبسيطي لتاريخ الفكر اليوناني نفسه، وإنما الأهم أن الفلسفة ساهمت في إنتاج نمط جديد من السؤال يجعل العالم موضوعًا للنظر العقلي، ويحول مفاهيم مثل الوجود والطبيعة والحركة والسبب والإنسان والمدينة إلى موضوعات قابلة للفحص والمناقشة.

غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه التجربة التاريخية الخاصة إلى معيار كوني لتعريف الفلسفة. فقد أصبحت الفلسفة اليونانية، خصوصًا بعد صعود أرسطو وأفلاطون وظهور تقاليد الشرح والتفسير، النموذج الذي تُقاس عليه صور التفلسف اللاحقة.

وفي تاريخ الفلسفة الحديث، ترسخ هذا التصور أكثر عندما كُتبت قصة الفلسفة باعتبارها سلسلة تبدأ من اليونان، ثم تنتقل إلى أوروبا الوسيطة، ثم تعبر إلى الحداثة الأوروبية، وكأن بقية الحضارات لا تظهر إلا بوصفها محطات وسيطة في طريق اكتمال العقل الفلسفي الأوروبي.

ومن هنا جاءت إحدى المشكلات التي تحكم دراسة «الفلسفة الإسلامية»: هل الفلسفة في الحضارة الإسلامية فلسفة لأنها حافظت على التراث اليوناني وشرحته وطوّرته، أم لأنها أنتجت أسئلتها الخاصة؟ وإذا كان معيار الفلسفة هو التشابه مع النموذج اليوناني، فماذا نفعل بالمتكلمين والأصوليين والمتصوفة الذين لم يكتبوا بالضرورة وفق النموذج المشائي، لكنهم اشتغلوا على أسئلة الوجود والمعرفة والحرية والسببية والتأويل؟

هنا يصبح انتقال كلمة الفلسفة إلى العربية حدثًا يتجاوز الترجمة اللغوية. فقد دخل المصطلح إلى بيئة فكرية جديدة كانت تمتلك قبل ذلك تقاليدها الخاصة في النظر والاستدلال، وفي مقدمتها علم الكلام والفقه وأصوله والتفسير، ثم وجد نفسه داخل حضارة ذات لغة ومفاهيم ومؤسسات وأسئلة دينية مختلفة عن البيئة التي نشأ فيها. ولم يكن هذا الانتقال استيرادًا بسيطًا؛ فالمصطلح حين يدخل لغة جديدة يبدأ في إعادة تعريف نفسه من خلال استعمالاته الجديدة. ولذلك لم تصبح «الفلسفة» في العربية نسخة عربية من philosophia اليونانية، وإنما أخذت تتشكل من خلال علاقتها بالمجال الإسلامي كله.

وقد لعبت حركة الترجمة في العصر العباسي دورًا حاسمًا في هذه العملية، ولا سيما منذ القرن الثاني والثالث للهجرة، حين انتقلت إلى العربية مؤلفات في المنطق والطبيعيات وما بعد الطبيعة والطب والرياضيات وغيرها. وكان ما يسمى ببيت الحكمة جزءًا من المناخ الأوسع لحركة الترجمة والرعاية العلمية في بغداد، ولا ينبغي اختزال هذه الحركة كلها في مؤسسة واحدة أو تصورها بوصفها عملية آلية لنقل الكتب؛ فقد شارك فيها مترجمون وعلماء وناسخو كتب وشارحون، وامتدت شبكاتها إلى السريانية واليونانية والفارسية وغيرها. والأهم أن الترجمة لم تنقل النصوص وحدها، بل نقلت جهازًا اصطلاحيًا كان على اللغة العربية أن تفاوضه وتستوعبه وتعيد إنتاجه.

وهنا تظهر أهمية المترجمين الأوائل؛ فحين تُرجمت المصطلحات اليونانية، لم يكن أمام العربية دائمًا مقابل جاهز لها، ولذلك نشأت عمليات من الاشتقاق والتعريب والنحت والاستعمال المجازي وإعادة تحديد المعنى. ومن خلال هذه العملية أصبحت اللغة العربية قادرة على استيعاب مفردات جديدة في المنطق والطبيعة وما وراء الطبيعة، ثم تحولت هذه المفردات نفسها إلى أدوات للتفكير في مسائل إسلامية لم تكن حاضرة في السياق اليوناني.

لقد أصبح السؤال عن «الواجب والممكن»، مثلًا، مرتبطًا بسؤال التوحيد والخلق، وأصبح البحث في النفس والعقل متصلًا بسؤال الإنسان والمعرفة والوحي، وأصبحت قضايا السببية والحركة والزمان تدخل في سجالات كلامية وفلسفية ذات طبيعة جديدة.

ومن هذه النقطة يبدأ تشكل «الفيلسوف» في الإسلام بوصفه هوية معرفية. فالكندي لم يكن مجرد شخص يعرف بعض العلوم اليونانية، وإنما أصبح يمثل نمطًا جديدًا من صاحب المعرفة الذي يشتغل بالحكمة والفلسفة، ويضع نفسه في علاقة مع العلوم الأخرى ومع الدين. ثم جاء الفارابي وابن سينا وغيرهما ليمنحوا هذه الهوية بناءً أكثر وضوحًا، فأصبح الفيلسوف صاحب منهج، وعلوم، وترتيب معرفي، وتصنيف للعقل، وتصوّر للمدينة والإنسان والسعادة والحقيقة.

لكن تشكل هذه الهوية حمل معه، في الوقت نفسه، بداية الحد الفاصل. فعندما أصبح هناك «فيلسوف»، أصبح من الممكن أن يوجد أيضًا «غير فيلسوف»، وعندما أصبح للفلسفة اسم ومؤلفات وأصحاب، أصبح من الممكن وضع الكلام والفقه والتصوف خارجها.

وبذلك لم يعد الاسم مجرد وصف محايد، بل تحول تدريجيًا إلى أداة للتصنيف. ومن هنا يمكن فهم لماذا نجد في بعض الكتب تاريخًا للفلسفة الإسلامية يبدأ بالكندي وينتهي بابن رشد تقريبًا، في حين نجد تاريخًا موازيًا لعلم الكلام يبدأ بالمعتزلة والأشعري والغزالي، وتاريخًا آخر للتصوف يبدأ بالحسن البصري أو الجنيد وينتهي بابن عربي، وكأن هذه المسارات لم تكن تلتقي إلا في الهوامش.

غير أن هذا الفصل بين المسارات يحتاج إلى مراجعة؛ لأن تاريخ الأفكار يكشف أن الفيلسوف لم يكن يعيش في جزيرة معرفية معزولة، وأن المتكلم لم يكن غافلًا عن الفلسفة، وأن الأصولي لم يكن خارج أسئلة العقل واللغة، وأن الصوفي لم يكن خارج سؤال الوجود.

لقد كانت هناك مواجهات وتأثيرات واعتراضات وتبادلات، وهي التي جعلت المجال الإسلامي فضاءً فكريًا شديد الحيوية. فالغزالي، على سبيل المثال، لا يمكن فهمه من خلال ثنائية «الفلسفة/ضد الفلسفة»؛ لأنه استخدم المنطق، ودرس مذاهب الفلاسفة، ونقد مبادئهم، ثم أعاد بناء مشروعه المعرفي في الكلام والتصوف. وابن رشد، من جهته، لم يكن مجرد تابع لأرسطو، بل كان يعيد التفكير في العلاقة بين الحكمة والشريعة وفي شروط التأويل والبرهان داخل سياق إسلامي محدد.

وهنا نصل إلى النقطة المركزية في هذا المقال: الاسم لا يساوي الممارسة. قد يكون الاسم ضروريًا للتعريف والتصنيف، لكنه لا يكفي لتحديد المجال الذي تتحرك فيه الأسئلة. فإذا قلنا إن الفلسفة هي ما كتبه «الفلاسفة»، سنكون قد جعلنا الهوية معيارًا للسؤال، في حين المطلوب أن نجعل السؤال معيارًا أوليًا لفهم الهوية.

لا يعني هذا أن نطلق اسم الفيلسوف على كل مفكر، ولا أن نذيب الفروق بين العلوم، وإنما يعني أن نبحث عن الفعل الفلسفي حيثما ظهر: في لحظة مساءلة المسلمة، وفي لحظة البحث عن شروط المعرفة، وفي لحظة تحويل الوجود إلى مشكلة، وفي لحظة اختبار العلاقة بين الحقيقة واللغة والعقل.

ومن هنا يصبح مفهوم «الفيلسوف» نفسه بحاجة إلى تحرير من وظيفته التصنيفية الصلبة. فالفيلسوف التاريخي شخصية مهمة، لكن الأهم من شخصه هو السؤال الذي جعله فيلسوفًا. وبقدر ما ننتقل من الاسم إلى السؤال، ومن الهوية إلى الممارسة، ومن المدرسة إلى المشكلة، يصبح تاريخ الفلسفة الإسلامية أوسع من قائمة الأسماء التي اعتدناها، دون أن نفقد حقنا في التمييز بينها وبين علم الكلام أو الفقه أو التصوف. إن المطلوب ليس إلغاء الحدود، بل فهمها بوصفها حدودًا تاريخية قابلة للعبور.

وهذا يقودنا إلى فكرة أساسية في سلسلة الابحاث هذه: الفلسفة لم تكن دائمًا اسمًا مستقرًا، وإنما كانت حركة في المعرفة. وحين انتقلت إلى العربية لم تدخل أرضًا فارغة، بل دخلت فضاءً كانت فيه أسئلة أخرى قد بدأت تتحرك بالفعل. ولذلك فإن تاريخ الفلسفة في الإسلام ليس تاريخ وصول الفلسفة اليونانية إلى المسلمين فقط، وإنما تاريخ التقاء تقاليد مختلفة للسؤال، وصراعها، وتداخلها، وإعادة تشكيلها.

إننا، لذلك، لا نريد أن نستبدل مركزية الفيلسوف بمركزية جديدة تلغي التاريخ، بل نريد أن نفتح مجالًا ثالثًا بين التقديس والإنكار: مجال العقل الفلسفي. فالعقل الفلسفي ليس جماعة ولا مذهبًا ولا طائفة، وإنما هو ذلك النمط من التفكير الذي لا يكتفي بأن يعرف ماذا قيل، بل يسأل لماذا قيل، وكيف أمكن قوله، وما الذي يفترضه، وما حدوده، وما الذي يفتحه من إمكانات جديدة.

وبهذا المعنى، فإن السؤال الذي سيقودنا في بقية هذه المباحث لكتاب لن يكون: من هم فلاسفة الإسلام؟ فهذه الصيغة تفترض مسبقًا حدود الإجابة، وإنما سيكون السؤال الأكثر خصوبة: أين بدأ العقل الإسلامي يتفلسف؟ وحين نطرح السؤال بهذه الصورة، فإننا نفتح الطريق للانتقال من «الفلسفة بوصفها اسمًا» إلى الحدود التي صنعتها العلوم، لنكتشف كيف أصبحت الفلسفة والكلام والفقه والتصوف والتفسير مجالات متمايزة في التصنيف، لكنها أكثر تداخلًا في تاريخ السؤال.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

هل الفلسفة تدافع فقط عما يعتقده الناس سلفا؟

يمكن القول ان الفيلسوف التحليلي قد يكون شخصا لا يُطاق نوعا ما. في كل محادثة، وفي أي موضوع يمكن تصوّره، هو يدخل متبجحا بثقة مفرطة ومستعدا للانقضاض عند أدنى زلة او خطأ من جانب محاوريه التعساء. في حالة حدوث أي زلة لسان او لبس، يكون التعبير عن الارتباك الشديد والمطالبة بالتوضيح جاهزا. أمام أي مقترح هناك حافز لمقترح مضاد. الحديث مع فيلسوف تحليلي، يُشعر المرء باحساس واضح انه يخضع للمراقبة. كل كلمة، تشكل لغما محتملا، وكل فكرة تُفحص بحثا عن دلالاتها وتناقضاتها. وكل هذا كأنه لم يكن شيئا سيئا، البعض يرى ان لا شيء ابدا خلف كل هذا التباهي والرضا عن النفس لدى الفيلسوف التحليلي. الفيلسوف التحليلي هو سطحي فكريا وغير فضولي بشأن أي شيء يتعدى موقعه الضيق.

لذلك فان نتاجات أفكاره مملة وليست أكثر من ظل لما كانت عليه الفلسفة في الماضي. وما يجعل الوضع أسوأ، هو انه لا يشعر بالازعاج من كل هذا ابدا. عكس ذلك، الفيلسوف التحليلي يشعر بفخر غريب بجهله وبساطة ذهنه وعبثه المطلق وعدم أهميته.

ان تصرّف أحمق من هذا النوع لا يُعد اضطرابا فرديا، ان المزعج هو فقط الأسلوب التحليلي في هذه الطريقة بالذات. هذه هي كلمات الافتتاح لـ ليلي هو Lily Hu أستاذة الفلسفة في جامعة يال في مراجعة كتاب الفيلسوف البريطاني كريستوفر سكورينغا بعنوان تاريخ الفلسفة التحليلية: كيف صاغت السياسة الفلسفة السياسية .

كفيلسوف طبيعي يهاجم باستمرار الفلسفة التحليلية، انه تغيير رائع في الروتين ان نرى نقدا للفلسفة التحليلية من زاوية مختلفة جدا. نقد سكورينغا للفلسفة التحليلية يأتي من منظور ماركسي، معربا عن أسفه إزاء ما يُزعم انه دفاع "سياسي" عن الوضع الراهن.

لكن بالنسبة للفيلسوف الطبيعي، المشكلة مع الفلسفة التحليلية هي ليست تركيزها على الدقة والصرامة. ويضيف،عندما أصف نفسي كفيلسوف طبيعي وليس كفيلسوف تحليلي، انا اواجه ذلك السؤال كثيرا هل أعترض على الكتابة الواضحة والتفكير المنهجي. بالطبع كلا. هذه سمات قيّمة. وبالتالي، بمعنى ما، انا فيلسوف تحليلي. لكن هذا في الحقيقة تعريف ضيق جدا، من الناحية الروحية انا لست كذلك.

المشكلة مع الفلاسفة التحليليين المعاصرين هي انهم تبنّوا التركيز على الدقة التي ميزت المدرسة التجريبية المنطقية في محاولاتهم محاكاة العلم، لكنهم أهملوا اهتمامهم في العلم الحقيقي والبيانات التي تهدد المفاهيم البديهية الشائعة. الفلسفة التحليلية اليوم، لا تبدي اهتماما كبيرا بالتطورات في العلوم، مفضلة الانخراط مع بعضها البعض بدلا من العالم الحقيقي.

الجزء الاكبر من العمل في الفلسفة التحليلية، عندما يشرّح احد الحجج بالتفاصيل، سيصل بالنهاية الى نداءات تستند الى افتراضات يُفترض ان تكون "بديهية"، رفضها يجب ان يُعد كمعارضة لرؤية معينة. سكورينغا على صواب في نقد ان ما يعتقده الفيلسوف كبديهية يتحدد ببيئاتها الثقافية. هذا يفسر لماذا الكثير من الفلسفة التحليلية تهتم بمحاولات غير مهمة لتقديم صيغ تقنية للغاية ومنظمة للحس السليم، مثل نظرية جون رولس في العدالة التي قيل انها انعشت الفلسفة السياسية.

من المفارقة، حتى التحرريين يتفقون مع نقد سكورينغا الماركسي هنا، ولابد من النظر الى نقد جاسون برينان Jason Brennan الفيلسوف الأمريكي والأستاذ في جامعة جورج تاون لجون رولس (1).

 الفلاسفة في الفكر التحليلي يركزون كثيرا على ما اذا كانت النظرية او استنتاجها تتطابق مع الحس السليم لدرجة أهملوا التزامهم بالدقة المنطقية ومسائلة جميع الافتراضات. هذه هي عواقب حتمية لتقديس الحس الشخصي كمرشد للحقيقة، دون ادراك انها تتقرر بتربية المرء الثقافية والبيئة الاجتماعية.

تختتم ليلا هو مراجعتها بتفكير عام حول النزعة لإدانة حالة الفلسفة: بالنسبة لاولئك الذين يرون او اُحضروا ليروا ما يراه سكورنيغا، التاريخ الاجتماعي يقدم متعة الاعتراف، يمنحك متعة الشعور بالتعاطف معه والتأييد له وللعديد من الآخرين في تاريخ الفلسفة الذين انتقدوا الحالة المعاصرة للفلسفة. حتى برتراند رسل كتب مرة بانه "لايقبل" "الفلسفة السائدة حاليا"، في مقدمته لكتاب ارنست جيلنر كلمات وأشياء عام 1959 السابق للتاريخ الاجتماعي في سلسلة طويلة من الجدالات الموجهة ضد الفلسفة.

ان رفض الفلسفة هو جوهر الفلسفة بحد ذاته

لكي تكون فيلسوفا جيدا يعني ان تفحص طرقا فلسفية، لا ان تحاول خلق مبررات مخصصة لمواقف تنسجم مع الفطرة السليمة السائدة. بينما موقف الأخير قد يحظى بشعبية كبيرة من خلال الدفاع عن "الأفكار الصحيحة"، لكن لا ينبغي ان يلعب الحدس بشأن ما نعتقد انه صحيح حقا سوى دور ضئيل للغاية في الفلسفة الجادة. لسوء الحظ، نعتقد ان هذه المشكلة هي اكثر أهمية بالنسبة لمنهجية الفلسفة التحليلية ذاتها منه الى ما يعتقده سكورينغا. فكما يقول في الملخص الترويجي لكتابه الجدلي: "حتى هذا اليوم، الفلسفة التحليلية هي أيديولوجية الوضع الراهن".

***

حاتم حميد محسن

.....................

Does philosophy only defend what people already believe? Psychology today, Aug 22,2026

الهوامش

(1) نقد جاسون برينا بتاريخ 23 أكتوبر 2022

كان جون رولس سيئا في الجدال. جميع حججه الرئيسية تستند على فرضيات مشكوك فيها وتزخر بالافتراضات والخطوات المرتجلة. هو باستمرار يناقض نفسه. هو أساسا لا يعطي سببا للاعتقاد باي من استنتاجاته. لكن استنتاجاته هي تقليدية تماما. هو كان يحاول إعطاء تبرير نظري لما اعتقد به سلفا الديمقراطي النموذجي المتطور في عام 1968. انا اعتقد ان هذا جزء من السبب لماذا عمله سيئا. ان الاجندة السياسية الفعلية هي خليط من الأفكار المتباينة والتسويات بين الأهداف المتباينة التي تدفع بها مجموعات متباينة. انت لا تستطيع امتلاك تبرير نظري متماسك لهذه المنصات لأنه لا توجد هناك نظرية أساسية للايديولوجيا. برنامج حزبي نموذجي من حزب كبير هو ليس مزيجا ، كالسلاطة او الجيران. انه مجموعة من الأمور المتناقضة. أفكار جون رولس اللاحقة حاولت وفشلت في بيان ان هذه الأمور هي ما يتفق عليه كل الناس العقلانيون، لكن مرة أخرى، هذه الخطوة فشلت لانها اساءت فهم ما كان يجري. لا يوجد اجماع متفق عليه بين الأشخاص العقلانيين على ان برنامج الحزب الديمقراطي لعام 1972 و1988 هو الصحيح. انه مزيج متناقض من مختلف الأفكار دفعت بها مختلف الجماعات ذات الاجندة المختلفة. (المصدر: Jason Brennan/public Domain)

لماذا يفرّ الإنسان من هجير الحقيقة؟

يقوم الوعي البشري المشدود إلى رغبة الأمان الوجودي بتشييد أسوار من الأوهام الميتافيزيقية والمعرفية التي تمنحه شعوراً بالثبات والاستقرار في عالم تملؤه الرياح والتحولات. تنبعث هذه الرغبة من خوف وجودي متجذر: الخوف من الفناء، والتوجس من المجهول، والذعر من تلاشي المراكز الصلبة. إن الإنسان، في كثير من محطاته التاريخية والفكرية، لا يرفض الحقيقة لقصور في قدرته على الاستدلال، بل يتعامى عنها طواعية خشية أن يؤدي انكشافها إلى تقويض القلاع الوهمية التي تسكنها طمأنينته المصطنعة.

إن الحقيقة بطبيعتها كاشفة ومزلزلة؛ إنها تعري هشاشة الادعاءات التي تزعم اكتمال اليقين وامتلاك السلطة المطلقة، وتفضح زيف التطابق الدائم. لذلك، يتحالف الوعي المستلب مع السلطة المهيمنة في صناعة نسق مغلق يُجرّم التساؤل ويُقصي الاختلاف، حمايةً للأوهام من التحطم. ومن هنا ينشأ التواطؤ الجمعي على تقديس السكون ورفض الصيرورة؛ لأن الإقرار بأن الكون محكوم بالتحول الدائم والتشتت الخلّاق يقتضي بالضرورة إسقاط الهيمنة الأحادية، وتحرير الذات من أسر النماذج الشمولية الجاهزة، وهي مغامرة وجودية لا يقوى على خوضها من اعتاد الاحتماء بظلال اليقينيات الجامدة.

تهافت الثبات واستحالة السكون

يكشف التصلب المفهومي للسلطة المطلقة، سواء تجلت في أطرها الميتافيزيقية المتعالية أو في نماذجها السياسية والمعرفية الأرضية، عن مأزق بنيوي عميق حين تصطدم بالواقع الفيزيائي والديناميكي الفاعل في نسيج الوجود. إن كل مركزية تدّعي الثبات الأبدي وتسعى إلى مصادرة التباين وحظر التبدل إنما تستنسخ حالة افتراضية من "انعدام التشتت والانتروبيا الساكنة"؛ وهي حالة ممتنعة الوجود، إذ يؤدي افتراض اكتمالها في عالم المادة إلى الجمود الأنطولوجي الشامل، وما تعرّفه علوم الطبيعة بـ "الموت الحراري" للكون.

إن التفكيك الفلسفي للتوحيد الشمولي الموروث يلتقي مع فيزياء الديناميكا الحرارية اللاتوازنية، ليؤكدا معاً أن التماثل التام المطلق ليس دليلاً على كمال الكينونة ولا شرطاً للحقيقة، بل هو قمع مباشر لإمكانات النشوء والتطور والتنوع. إن السلطة التي تحاول أن تجعل من العالم قالباً مصبوباً على هيئة واحدة لا تنتج نظاماً، بل تخلق مواتاً وجموداً مقنعاً؛ ذلك أن جوهر الحياة يكمن في عدم اكتمالها وفي قابليتها الدائمة للتشكل والانفتاح على مسارات غير متوقعة.

انسحاب المركز وانبثاق الحرية الكونية

حين يتم تفكيك مفهوم المركز المهيمن المستعلي عن الوجود، على نحو ما بينته أطروحات الفلسفة المعاصرة في نقد المركزيات الغائبة والحاضرة، يُعاد فتح الفضاء الأنطولوجي أمام فاعلية الذات الكونية المفتوحة. فلم يعد الكون بحاجة إلى رقيب تسلطي خارجي يمارس الحراسة القسرية لحفظ نظامه بصورة تسحق التنوع وتكبت الحرية، بل أثبتت الدراسات العلمية والفلسفية الحديثة أن النظام الكوني الحقيقي ينبثق انبثاقاً ذاتياً من قلب الفوضى، ويتولد من رحم الاضطراب والتشتت.

يؤدي مبدأ "التحول الحراري والتشتت الحركي" في هذا السياق دور العامل التفكيكي الطبيعي داخل النسيج الكوني؛ فهو القوة الكامنة التي تمزق الهياكل المغلقة، وتكسر حدة الهيمنات الساكنة، لتعيد توزيع الطاقة وبثها في مسارات وليدة، فاتحةً الآفاق نحو تعقيد أرقى، وتجدد مستمر للكائنات، وولادة دائمة للوعي عند الحافة الفاصلة بين النظام والاضطراب. إن التشتت هنا ليس نقمة أو مبدأً للشر والدمار، بل هو الشرط الوجودي لتجدد الحياة وانبعاثها الدائم.

التحول الجذري في نظرية المعرفة والوحدة الكونية

يستلزم هذا التفكيك إحداث تحول راديكالي وجذري في نظرية المعرفة الوجودية؛ فبدلاً من تصور الوحدة بوصفها استبداداً وجودياً يفرض التماثل بالقوة ويستبعد الفروق والمغايرة، يُعاد بناء المفهوم ليغدو "وحدة شبكية مفتوحة" تتسع للتعدد، والانتشار، والتحول التاريخي والزمني. إن تفكيك السلطة المطلقة لا يقود بحال إلى العدمية أو الانهيار الفوضوي المحض، بل يمثل انتقالاً نوعياً من نموذج "المحرك الأول الساكن" والمغلق إلى نموذج "الشبكة الحية التفاعلية".

في هذا الأفق المعرفي الجديد، تتصالح الفلسفة النقدية مع العلوم الطبيعية المعاصرة؛ إذ يتبين أن الحياة والوعي والنظام ليست مفروضة من علٍ بإرادة قسرية تقهر المادة، بل هي ثمار يانعة للتفاعل الحر، والتدفق التلقائي، والترابط العضوي بين عناصر الوجود المتباينة.

التفكيك الذاتي للمفاهيم ومسار العقلانية

تؤسس هذه الرؤية النقض المنهجي للطروحات التبسيطية السائدة التي تختزل مفاهيم الوحدة والوجود في صيغ اختزالية شمولية. فقد أظهر التحليل التاريخي والمفهومي أن بنى الهيمنة المطلقة تنطوي في جوهرها على عوامل تفككها الذاتي المستمر؛ إذ أدى التجريد المتعالي المفرط للمقدس في الفكر القديم إلى إفراغ العالم الطبيعي من روحانيته المباشرة ونزع الطابع الأسطوري التقليدي عنه.

وأفضى هذا التراجع الحتمي للمركزية الأسطورية إلى إسناد مهمة فهم العالم وتدبيره إلى العقلانية الإنسانية المنفتحة، وأدوات النقد المعرفي والتحليل العلمي، مما جعل نشوء العقلانية والنزعة النقدية المعاصرة استحقاقاً بنيوياً وتاريخياً نابعاً من صميم تطور الفكر نفسه، وليس مجرد انقطاع عارض أو طارئ عدائي هابط من الفضاء الخارجي.

معضلة الانكفاء وتوليد التعقيد

على صعيد التحليل المنطقي الداخلي، تتهافت مقولات الثبات السكوني أمام معضلة التغير؛ إذ إن افتراض مطابقة الذات الفاعلة لنتائج فعلها في حالة من الجمود التام يفضي إلى حتمية جبرية صارمة تلغي مساحة الإمكانية والحرية الإنسانية والكونية. وفي المقابل، فإن الاعتراف بالتباين والتفاعل المتجدد يكشف عن زيف البساطة المصمتة التي تفترضها النماذج القديمة.

لقد أوضحت فيزياء النظم المعقدة أن الأنظمة الحية لا تبلغ ذروة تنظيمها في السكون التام، بل في التوازن الديناميكي المتحرك. ومن هنا فإن مبدأ التحول والتشتت لا يقوض النظام بل يغذيه؛ إنه المحرك الأساسي الذي يمنح المادة قدرتها على التنظيم الذاتي وإنتاج تشكيلات معرفية وبيولوجية متسامية باستمرار.

نحو أفق وجودي منفتح

تتجه الرؤية الإنسانية المعاصرة، استناداً إلى ما تقدم، نحو تجاوز المفاهيم الاستبدادية والمغلقة للسلطة والحقيقة لصالح نموذج وجودي ومعرفي تعددي ومنفتح. فبدلاً من التعامل مع المبدأ الأول والأساسي للكون بوصفه قالباً ساكناً ومتعالياً يمارس القمع على الواقع، يُستعاد التناغم الكوني بوصفه عملية دائمة ومساراً لا ينقطع من التكامل الحي الخلّاق.

في هذا النسيج الوجودي الفسيح، تغدو التعددية، والتحول الزمني، والتدفق الحر للطاقة والفكر، مكونات أصيلة لبناء كوني جامع لا يقهر الاختلاف بل يغتني به. إنه النموذج الفكري الذي يقطع نهائياً مع الأحاديات الصلبة واليقينيات المصمتة، ليضع العقل الإنساني في مهب الحقيقة الحية المتجددة، حيث تتوارى الأوهام وتولد المعرفة الحرة في تناغم بديع مع حركة الكون وقوانينه الفسيحة.

***

غالب المسعودي

أجد لزاماً عليّ أن أذكر أنني كنت في الحلقة الثانية تحديداً من سلسلة "أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة" أقول: إنني لن أنسى إذ نسيت مقالاً كنت قرأته في صغري للأديب المصري الكبير مصطفى صادق الرافعي (ت ١٩٣٧) في كتابه "وحي القلم" كان بعنوان "سر النبوغ الأدبي"، وكان "الرافعي" يرى فيه أن سر هذا النبوغ يكمن في التوليد.

ولم أكن لأذكر مقال الرافعي هذا، لولا أنني كتبت عنه منذ ما يقرب من ثلاثين سنة دراسة نقديّة مطولة، نُشرت إذ ذاك بالصفحة الثقافية بجريدة الأهرام المسائي المصرية على عددين، كان الأول بتاريخ ٢ فبراير سنة ١٩٩٧م، والثاني بعدد آخر بتاريخ ١٦ فبراير سنة ١٩٩٧م، ولسوف أضع اليوم هذا المقال بين يدي القارئ ليكون شاهداً على فترة خصبة من فترات الحياة العقلية التي عاشها كاتبه، وتطور تلك الحياة مع الزمن، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى؛ لعلاقة هذا المقال نفسه بسلسلة أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة، فسر النبوغ متصل بالمعرفة، وموصول بتنوير العقل، ولا ينفصل مفهوم التوليد المعرفي مطلقاّ عن معطيات العمل العقلي.

والمعرفة نور وتنوّر وتنوير. وسر هذا كله كامن في التوليد. سيجد القارئ في هذا المقال علاقات متشابكة بين المعرفة وفكرة التقدّم، أو بين أسرار النبوغ والتوليد، وعلاقة ذلك كله بالفلسفة التنويرية؛ فعلى بركة الله.

***

كُنّا في مراحل الطلب الأولى نعكف عكوف الفحول على رُوّاد القديم - والقارئ مرجوُّ أن يتابع معي هذه السطور - فنقرأ البشري في "مختاره"، والرافعي في "وحي قلمه"، والزّيّات في "رسالته"، وكنا نعجب أشدّ العجب بفرقعة الألفاظ في الأسلوب الخطابي الإنشائي الرنان!

وكنّا نكتب ونحاكي ونقلد؛ ليكون لنا في عالم البيان - بعد التشبه بأولئك الكرام - طبعٌ يُساغ وخصوصية بيانية، عملاً بقول القائل:

فتشبّهوا إنْ لم تكونوا مثلهم

إنّ التشبُّه بالكرام فلاحُ

كانت طبيعة الأمور تفرض علينا إذ ذاك أن نقلد ونحاكي ونتشبّه بالمقدار الذي تفرضه هذه الطبيعة على كل ناشئ غضّ طريٍّ. ولم نكن يومذاك نعرف عظيم الفرق بين قديم وجديد، ولا بين أصالة ومعاصرة، ولا بين تنوير وتضليل، ولا بين صالح وطالح في دولة البيان.

ولم نكن ندرك سوى جمال اللفظة العربية الشاعرة.. من أين جاءت، وكيف تولّدت في ذهن صاحبها، وكيف اُستقيت وصيغت ورُكبت واتجهت هذا الاتجاه الذي قامت لتؤدي أغراضه، وتبيّن مراميه، وتوضح مقاصده الظاهرة والخفيّة؟

مثل هذا الإدراك هو ممّا لم يكن في حسبان الناشئين.

كنّا نقرأ ما تقع عليه العين، ونتمنى لو توقف بنا قطار الزمن عند القراءة وكفى؛ فلا السّاعة التي كنّا نعيشها مع كل مقروء تمضي كما تمضي غيرها من ساعات، هنالك رأينا أنّ للقراءة لمتعة، وأن للبيان لسحراً، وأن للكلمة الصادقة لشعوراً دافقاً فيّاضاً بأرقى ما في سليقة الطبع من فيض شعور.

مضينا، والحالُ كذلك، إلى أن وقعت العين بسبيل الصدفة والاتفاق على كتابات الشيوخ من أقطاب الحركة التنويرية منذ أواخر القرن الماضي حتى منتصف القرن الحالي وما بعده، فتمثلنا العقاد، وطه حسين، وزكي نجيب محمود؛ ولك أن تضيف ما تعرف وما لا تعرف من أئمة العقل وأئمة التنوير.

رحنا نعبّ الذهن والقلب والوجدان عبّاً، ونقارن بين رأي في القديم ورأي في الجديد، وبين فكرة في الأصالة وفكرة في المعاصرة كلما سنحت لنا فكرة المقارنة والتعقيب.

هنالك عرفنا الفروق الجوهريّة بين المواقف العقليّة والاتجاهات الظنيّة، وبين الأفكار الصالحة والأفكار الطالحة، لكأنما عرفنا الفرق عينه بين الحياة المهينة والحياة الكريمة التي يحياها المرء وهو يسعى في توظيفها لغايات العمل الجاد والمجد الخالد الأبيّ، ذلك لأننا تمثلنا "العقاد" فعرفناه عن قرب، وشقينا في معرفته أبلغ شقاء. لقد عَرّف لنا الحياة الكريمة تعريف الفيلسوف الذي باشرها، وظل لديه هذا التعريف ممتداً لا يتغير ولا يتبدّل منذ أن بدأ حياته العقليّة المنتجة حتى آخر نفس لفظه رحمه الله. كانت أصول الحياة الكريمة عنده تدور حول محور واحد وهو: "الأسف على حميّة الشباب أن تهدر في غير غاية من غايات المجد والعمل، وأن تنقلب إلى عربدة هادمة لنفسها وهادمة لغيرها، بلا هدف ولا اجتهاد ولا جدّ في تناول شئون الحياة".

وقد صدق الأستاذ "العقاد" فيما ذكر وأفاد، فقد كانت حياته هكذا.. هكذا كلها في عرضها وطولها، منحه الله عمراً عريضاً لم يأسف فيه لحظة على حمية الشباب من أن تهدر في غير غاية كريمة من غايات المجد والعمل، وامتلك من قوة الإرادة الجبّارة ما حيل بينه وبين أن تنقلب حمية شبابه الباكر إلى عربدة هادمة لنفسها أو هادمة لغيرها، ولكنه كان أدخرها للهدف السامي والاجتهاد النبيل، وكان كفاحه طيلة حياته تعبيراً أصيلاً عن مظان الحياة الكريمة كما أرادها لنفسه أن تكون، فعرّفها لغيره من تلاميذه ومريديه من طلاب المعاني والحقائق لا طلاب الدّون والإسفاف، إذ لا حياة هنالك بغير هدف ولا غاية من غايات العمل أو غايات المجد الخالد والمطلب الأبيّ.

كنا إذ ذاك نستندر هاته الفضائل في هذا الزمن إلى الدرجة التي ضاق المجال فيها بطلاب العلا، فمشى إلى العلا كل همّازٍ ومشّاءٍ..!!

سَلق "العقاد" مصطفى صادق الرافعي بلسان من حِداد، كما سَلق "المازني" صاحبه "المنفلوطي" بنفس اللسان الحاد العنيف، وتولى الدكتور زكي مبارك "مختار" البشري بالنقد والتفنيد، أعني كتاب "المختار" لمؤلفه عبد العزيز البشري. وأنت أمام أولئك وهؤلاء لست إلا قارئاً لا يحوّلك من رأي إلى رأي، ولا من فكرة إلى فكرة سوى مبلغ الحجة الناصعة وسدادة الرأي الرشيد.

ظهر لنا إذ ذاك عقم القديم أضعف بكثير من مواجهة ثورة المعاصرة والتجديد، إذ كان رد الفعل عند أنصار القديم يتمثل في "هجوم العاجز الضعيف" - وللقارئ أن يذكر تلك العبارة؛ فلسوف نرجع إليها بعد حين - وشاء لنا توفيق الله أن نتتلمذ على الأيادي الكريمة لمفكرنا الكبير الدكتور عاطف العراقي رحمه الله رحمة واسعة، الرمق الأخير من جيل الرّوَاد، وأحد أعمدة الفكر الفلسفيّ التنويري، (في مقابل الفكر الفلسفيّ التضليلي، لدى الأشباه واللصقاء)؛ فنصحبه في حِلّه وترحاله، ونتزوّد في تلك الصحبة بما لديه من ثراء الفكر وثراء المعنى وغزارة المواقف العلميّة والأدبيّة والنقديّة من غير قيد مشروط؛ فتعلمنا منه ثورة العقل والنقد في الفلسفة والأدب، والأبعاد التنويريّة المنفتحة التي تختلف في تصويرها للمواقف والرؤى والاتجاهات عن الخيوط الظلاميّة الدكناء.

فمن آرائه الحضاريّة والتنويريّة ما يذكره هو على الدوام من ضرورة الاهتمام بالترجمة كدور حيوي وفعال في بناء الفكر العربي وتحديث الثقافة المعاصرة. ذكر ذلك في حوار أجرته معه زميلتنا الدكتورة نجاح محسن، ونشر في العدد ٩٩ من مجلة "الموقف العربي" الصادر في أغسطس لسنة ١٩٨٨م حيث قال:"إنني إذا كنت أدعو إلى الاهتمام اهتماماً لا حدّ له بالترجمة، وأربط بين الترجمة من جهة، وثقافة النور أو عصر التنوير من جهة أخرى، فإنّ هذا لا يعنى إغفال كتب تراثنا، وإغفال دور ثقافتنا الأصيلة في الماضي، إذ لن تكون لنا شخصيتنا الواضحة المتميزة إلا إذا حافظنا على تراثنا، وفي نفس الوقت انفتحنا على ثقافات الأمم الأخرى. واعتقد اعتقاداً لا يخالجني فيه أدنى شك أن ثقافة النور أو عصر التنوير لا يمكن تصورهما بدون الاهتمام بالترجمة في جميع المجالات: علميّة وأدبيّة وفكريّة وفلسفيّة..".

ولم يكن حديثه عن "التنوير" خلوّاً من جذوره الفلسفية الأصيلة، حتى إذا أردنا الإمساك بفلسفة التنوير من لحظتها الكانطيّة الحاسمة؛ فإنّ نقطة الانطلاق هي مقال "كانط" سنة ١٧٨٤م ما التنوير؟ لكن ليست تكمن قيمة المقال في تعريف التنوير فحسب، بل في أنه نقل السؤال من كونه سؤالاً عن المعرفة إلى كونه سؤالاً عن وجود الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً مفكراً حراً.

لقد جعل كانط التنوير فعلاً يمارسه الإنسان في ذاته قبل أن يكون مذهباً فلسفياً أو حركة تاريخيّة. ووضعه في مواجهة حالة يسميها القصور الذاتي الفكري، بمعنى عجز الإنسان عن استعمال عقله بحرية كافية دون وصاية عليه من الآخريين، فالعقل ليس بعاجز عند كانط، ولكن العجز في التقصير في استخدامه من حيث إن الإنسان لم يكن ليستخدم عقله مستقلاً عن وصايا الآخريين وفروضهم التي يلزم لوعي العقل أن يتحرر من سلطاتها، وهي التي يسميها كانط سلطة الوصيّ: سلطة التقليد، سلطة الكنيسة، والسلطة السياسية، سلطة العادة... إلى كثير غير هذه كلها من سلطات تقيد حركة العقل وحريته، فلا يعدّ التنوير على هذا مجرد زيادة في المعلومات، فقد يكون الإنسان واسع المعرفة غير أنه غير مستنير إذا كان يستعير عقله من غيره ويسلم نفسه ذليلاً لهواه، أو خانعاً لهوى سواه.

يملك صاحب العقل المستنير حق السؤال النقد والمناقشة ولا يعيش إمّعة على الآخريين أو مع الآخريين. كما يملك حق الاعتراض النقدي. وممارسة النقد في الفكر التنويري هي قلب فلسفة التنوير: نقد المعرفة، نقد السلطة، ونقد ممارسات التدين حين يتحول إلى وصاية على الضمائر والسرائر، ونقد المجتمع حين يمنع الإنسان من استعمال عقله، ونقد العقل نفسه بنفسه، فيما لو ادّعى امتلاك الحقيقة المطلقة.

فلسفة النقد لا محالة ليست هي قلب فلسفة التنوير وكفى؛ بل هي جوهر العمل العقلي والفلسفي على الاطلاق.

كذلك، لم حديث "أستاذنا" عن التنوير خلوّاً من جذوره في الثقافة العربية، قديمها وحديثها، إذْ كان الفكر الإسلامي ضَمَخَ بآيات من الإشراق والتقدّم يمثلها في الماضي الفارابي وابن سينا وابن رشد، ويصيغها في الحاضر أقطاب الفكر التنويري في عالمنا المعاصر أمثال محمد عبده، وعباس العقاد، وطه حسين، وزكي نجيب محمود، أولئك الذين عركوا بالدرس والنقد والمعرفة كل فكرة جليّة وخفيّة من أفكار الغرب والشرق سواء بسواء.

نقول وجدنا "أستاذنا" يعيش ثقافة النور، ويحيا في كنف العقل؛ لأنه يؤمن به كقوة "مبدعة خلاقة في ميدان الفلسفة والأدب"، وهجرنا معه شيئاً فشيئاً كل قديم لا رجاء فيه من حيث لا يجدي معه نفعاً في ميدان النظر أو ميدان الحياة والتطبيق. وليس هجره للقديم كهجر من فرّ وتحلل وركل هويته ولاذ كالمتسوّل المطرود بهويّة غيره كل الملاذ كله في غير تأصيل، وإنّما هو هجر من يؤمن إيمان من لا يخالجني فيه أدنى شك بأن في القديم "قيمة" باقية محفوظة ضمن قيم الدنيا المحفوظات، وأن في التجديد أيضاً قيماً حضاريّة وثقافيّة وعلميّة إذا نحن أضفناها إلى قيم القديم المحفوظة الباقية نهضت حياتنا الفكريّة والثقافيّة نهضتها المبتغاة.

وما هي نهضتها المبتغاة؟

نهضتها المبتغاة ليست في اللفظة الفارهة، ولا في الطبل الأجوف، ولا في الأسلوب الخطابي الرنان، ولا في التقليد والمحاكاة، ولا في التسليم المنساق بما قاله السابقون من سلف أجدادنا الأوائل، تسليماً أعمى لا يدع لنا نحن الخلف الأواخر مواقف نقد أو اتجاهات سير. وإنما نهضتها المبتغاة في هاته "القيمة" الباقية نستعيرها، على وعي الدقة وعمق التحليل، من قيم القديم المحفوظة؛ فندير على رحاها مشكلات حياتنا الثقافية والفكريّة بعد أن نكون قد عرفنا: كيف يمكن لنا استخدامها استخداماً حسناً يُزيننا ولا يشيننا، يرفعنا ولا يخفضنا، ويؤهلنا للنهوض والتقدّم ولا يشدّنا للانغلاق والتقوقع شدّاً أسيراً مُكبلاً لا نفع فيه.

ولا طاقة لنا ولا اقتدار على ذلك الاستخدام الحسن ونحن لا ننظر في قديم مركول، بل ولا نستطيع أن نفحصه جيداً فيما عسانا نفحص من تراث الأقدمين؛ لنقول فيه كلمتنا النقديّة التي نمِيز بها الطيّب من الخبيث، والصالح من الطالح، والمعقول من ذلك الذي لا وعي فيه ولا عقال.

حديث في المنهج:

بيد أنه يطيب لنا في هذا المقام أن نتحدّث قليلاً عن المنهج الإدراكي فيما نتصور بإدراك حركة القيم، فكيف ندركها؟ وبأي الوسائل المنهجيّة يمكننا التعامل معها؟

ربما يجئ حديثنا عن المنهج خارج قيود الاصطلاح المتعارف عليه، فلسنا نتكلم في المنهج الاستنباطي، ولا الاستقرائي، ولا الاستدلالي، ولا الوصفي، ولا ما شابه ذلك من مناهج علميّة، لا ليس هذا حديثنا؛ فما يعنينا هو أن نوضّح شيئاً لا نُعمّيه، وأن نجليه ولا نخفيه، أفئن ظُن بنا في خضم هذا الموضوع منزع العماية والتضليل لا الجلاء والتنوير، فليكن هذا الظن قيداً مشدوداً بأغلال الاصطلاح.. فإلى المنهج على بركة الله.

مَردُّ القيم في حياتنا العقليّة والشعوريّة إلى منهج في التفكير هو المنهج "الهابط" أو "النازل"، لأنه ينزل من أعلى هابطاً يستوحي نشاطه من مبدأ كلي عام مجرد لا يراعي الوصف الجزئي ولا يحتسب للتفاصيل في دَرْسِه حساباً، أي أن الواقع الفعلي مرهونٌ في حساباته بمضاء الفكرة المجردة وبقائها وخلوّها بمفردها عن أن تكون ذات فاعليّة أو تأثير على تطورات الواقع الفكري الراهن.

بعكس المنهج "الصاعد" ذلك الذي ينكفئ على جزئيات الواقع وتفصيلاته صاعداً منها إلى الفكرة المبدئيّة المجرّدة.

ومعلوم على وجه الإجمال أن المنهج الهابط والمنهج الصاعد يمثلان حركتين متقابلتين في التفكير الفلسفي، فالمنهج "الهابط" كما تقدّم ينطلق من المبدأ الكلي أو الحقيقة العليا ثم ينزل منها إلى الظواهر والجزئيات، بينما المنهج "الصاعد" يتحرّك من الأدنى إلى الأعلى، يصعد بالفكر من الجزئي إلى الكلي، ومن المحسوس إلى المعقول متدرّجاً نحو المبدأ العام.

وفي الفلسفة الأفلاطونيّة يتخذ هذا التقابل دلالة عميقة، إذ الطريق الصاعد هو ارتقاء النفس من عالم الحس والتعدد إلى عالم المعقولات حتى تبلغ معرفة مثال الخير. أمّا الطريق الهابط فهو عودة الفيلسوف من مقام المعرفة العقلية إلى عالم المحسوس، عودة من الأعلى إلى الأدنى، ليترجم ما أدركه من الحقيقة إلى رؤية عامة للإنسان: قيمه، وحياته، ومبادئه، وأخلاقه.

فالفلسفة الأفلاطونيّة، من ثمّ، لا تكتفي بالصعود إلى الحقيقة، بل تجعل الصعود المعرفي يعقبه هبوط وجودي وأخلاقي، إذ لا تكتمل حكمة الفيلسوف إلا بالعودة من عالم السماء إلى عالم الأرض، ومن عالم الحقيقة الخالصة إلى عالم الإنسان المحدود.

لكن ماذا لو أنّ تحليلات الواقع اصطدمت بالمبادئ العامة المجرّدة.. أيحق للمفكر ساعتئذٍ أن يكون خاطئاً ومقصّراً في طرق الإدراك؟

مردّ خطأه إن أخطأ أو صوابه إن أصاب إلى: (١) مفردات الواقع التي يشرع هو في تحليلها وتفصيلها. (٢) خلطه - شاعراً أم غير شاعر - بين دائرة ودائرة. (٣) ليس في الفكر الإنساني كله - من ألفه إلى يائه - إلا الاجتهاد. (٤) تطبيق منهجه: أنازل هو أم صاعد؟

أفئن كان منطلقاً من واقعٍ فأعلى، سُمى صاعداً. وإذا كان منطلقاً من فكرة مجرّدة عامة مفروضة على واقعٍ حيّ مُعاش، سُمى هابطاً أو نازلاً. ولربما اصطدم المجرّدون من أهل المبادئ العامة في التفكير بالواقعيين من أصحاب التفاصيل والجزئيات في صعودهم وهبوطهم، فلا يقرّرون اعتباراً للمنهج، ولا يراعون الفروق الخاصّة المخصوصة بطريقة تفكير أصحاب كل منهج يسلكه أصحابه في عالم الفكر أو في عالم الواقع والتطبيق.

للمنهج الصاعد خصائصه وموضوعاته، ولحركة المنهج الهابط خصائصها وموضوعاتها كذلك، ولكل منها دائرة تدور عليها محاور الموضوعات التي يختارونها وفقاً لطريقة التفكير المنهجيّة حتى إذا أتهم أصحاب المنهج "الهابط" الصاعدين من أهل البحث في الواقع وتحليلاته، جاء هذا الاتهام دليلاً كافياً على عدم تفهم المنهج المخالف أو المعارض، وبالتالي عدم تفهم موضوعاته، ووجب هنالك خلط دوائر الاجتهاد بعضها مع البعض الآخر.

وكذلك يكون الحال بالنسبة لاتهام الصاعدين ومعارضتهم للهابطين. وقد يُفسر لك هذا الأمر اختلاف المختلفين حول موضوع واحد يتناوله حزبان، كل حزب بما لديهم من منهج، ودائرة (أعني حقل معرفي)، وموضوع فرحون، هابطاً كان المنهج أو صاعداً ! فلو حُدّد المنهج بداية وحُدّد معه الموضوع لبطل الخلاف.

وممّا يبعث الشفقة والسخرية أحياناً أن ترى موضوعاً من موضوعات المنهج الهابط، يتناوله باحث يُعمل فيه معول الصعود بمثل ما ترى كذلك موضوعاً مندرّجاً تحت دائرة المنهج الصاعد عرضة للنقد والمحاسبة من أصحاب المناهج الهابطة. مثل هذا الخلط في طريقة التفكير هي أسوأ ما في الأعمال الفكريّة من قلة العناية بمنطق البحث العلمي وتحديد الحقول العلميّة.

ولربما كانت النتائج واحدة عند الصاعدين والهابطين، ربما، لكنما المقدمات والوسائل مختلفة إذا كان الموضوع مشتركاً والغاية واحدة. وهذا لا يحدث إلا في القليل النادر؛ إذ من المتفق عليه منطقيّاً أن المقدّمات المختلفة لابد وأن تسفر عن نتائج مختلفة، وتؤدي بطبيعة الحال إلى نتائج مغايرة، ولا بدّ للمنهج الذي ينطلق من قاعدة معينة أن يسفر أيضاً عن نتائج هي من جنس المقدمات التي انطلق منها، وإلا لحقه التناقض المُخل بالمنهج وبتطبيقه على الموضوع.

وليس من الصواب في شيء أن يطرح الموضوع، وهو من أدوات المنهج الصاعد، بأدواتٍ هي من مقومات المنهج الهابط أو النازل. في مثل هذه الحالة لا تتوقع سوى السخط والنفور من أهل الهبوط، أعني أولئك الذين يوالون التفكير بحركة المنهج الهابط؛ كأن يكتب الشاعر قصيدته، تتجلى عليه في حالات الصفاء، أتراه تلقاها بحركة المنهج الصاعد أم بحركة المنهج الهابط؟

وليس من الصواب في شيء كذلك، أن تقحم موضوعات المنهج الهابط في موضوعات المنهج الصاعد، أو تعرض موضوعات لمنهج مختلف لا تُعالج إلا بمنهجها الذي تدور فيه، فنقطة البدء هي تحديد المنهج الذي يدور في فلكه الموضوع، فكما أن لكل منهج دائرته، أي حقله المعرفي، فكذلك لكل موضوع منهجه، وليس يمكن في منطق المعقول أن تعالج كافة الموضوعات بمنهج واحد، حتى إذا ما اختلط الحابل بالنابل، فقدنا النتائج بمقدار فقْدنا تباعاً لمقدمات السير في طريقنا المقصود.

إلى هنا؛ ويتفجر أمامنا سؤال ضخم: ماذا لو وجدت "قيمة" في موضوعات المنهج الهابط لا يصلح أن تعالجها بمنهجها المخصّص لها: أتراك مهملها مدحورة بين مهملات مدحورات، أم نازعها نزعاً عنيفاً لتعمل فيها منهجك الأثير؟

وإنّا لنجيب: إنه من طبيعة الفكر التطور والتجديد ومواكبة الحياة الحيّة المتجددة، فإذا رأيت ثباتاً في النزول والهبوط أو ثباتاً في الصعود والارتقاء، فاعلم أنه عقم يؤدي إلى عطب وفساد، فلا مندوحة من حضور عوامل التغيير وأسباب التجديد.

ولا بدّ في بدائه العقول من مواكبة الحياة بما هو أهلٌ لاعتراكها.

وعليه؛ فليس هناك ما يمنع، والحالة كذلك، من أن تتناول "القيمة" مُطبقة على منهجٍ مخالف لموضوعها شريطة أن تتغير هذه القيمة، لا كل التغير كله بل بعضه، بمعنى أن نعدّل من فهمنا لها، وإدراكنا لمراميها في غير خلل بما عسانا نفهم أو بما عسانا ندرك من وضعها المشروع، فلا يجوز في بداهة العقل أن نأخذها مأخذ التسليم كما كانت بين ركام الأقدمين، تكر كرّاً آلاف آلاف المرات جيلاً وراء جيل.

***

إنّما القيمة التي تنبثق لنا هنا في هاته الأسطر، ننزعها نزعاً عنيفاً من صاحبها؛ لنعمل فيها بما ينفع بعد أن نعطي صاحبها قدره الذي يستحقه، ولا نسلب عنه قدراً خطه بقلمه ووعاه.

سر النبوغ في عالم الفكر والأدب يتجلى في تلك "القيمة" التي نراها سارية باقية ومحفوظة في تراث الأقدمين. وهذه القيمة هي قيمة "التوليد". ومفتاح النبوغ في أذهان الأدباء والمفكرين والفنانين والفلاسفة والمصلحين إنما هو "التوليد". والتوليد فكرة من أرقى أفكار التجديد والتنوير، قال بها أديب من أنصار القديم (لم يكن لها مبتكراً ولا كان بها مبدعاً ومجدّداً) ولكنه خلطها خلطاً عجيباً بحابل الأفكار ونابلها، واستطاب بما لديه من هبوط المنهج؛ ليقذف به في وجوه المجددين هجوماً عاجزاً ضعيفاً، وعقماً يلاحقه تبكيت وتأنيب.

تلك هي في ثوبها القشيب فكرة التوليد: متجددة راقية من حيث التطبيق والاستمرار، قديمة عتيقة من حيث الدلالة والمفهوم، يعرف الذي قرأ كتاباً واحداً في الفلسفة اليونانية أن "سقراط" كان أبتدع منهجاً لتعليم الشباب الأثيني سمّاه "التهكم والتوليد". ومن أجل ذلك؛ قلنا إن صاحبها لم يكن لها مبتكراً، ولا كان بها منتهجاً طرائق التجديد والتفرُّد والابتكار.

(وللحديث بقية)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

علينا بداية أن نقر، بأن الأصوليّة ليست سمة خاصة بالفكر الديني الأصولي السلفي التكفيري وحده. الذي يرفض النسبيّة والحركة والتبدل والتطور، ودور العقل والإرادة الإنسانيّة في منح الإنسان القدرة على تحقيق مصيره ومصير الأجيال القادمة في هذا العالم الذي راحت تسوده شريعة الغاب، ونزعة المجتمع الاستهلاكي التي أخذت تستهلك الإنسان نفسه، بل هو ينطبق أيضاً على الفكر الوضعي المشبع بمواقف أيديولوجيّة جموديّة ترفض الآخر كليّاً، وتحارب المختلف، ويدعي دعاتها بأنهم وحدهم من يمتلك الحقيقة، وبالتالي هم لا يختلفون من حيث الفكر والممارسة عن دعاة الأصوليّة الدينيّة.

نقول: إن هناك فرقاً كبيراً لا محال بين المجرد والمشخص في وضعيتي الزمان والمكان بالنسبة للتاريخ البشري. فإذا كان المكان في تجريده عند الفكر الأصولي الديني هو تقديس وإجلال لمكان ما، تم فيه حدث ذو طابع ديني، حوله مع مرور الأيام إلى رمز امتد أو استطال تاريخيّا في دلالاته، حتى أصبح له عند المؤمنين به مكانة ًمقدسةً عالية الحضور، تدل على جلال الحدث وعظمته الذي تم في هذا المكان من جهة أولى، مثلما تحول هذا المكان إلى حافز يحمل في مضمونه قوةً معنويّةً يَسْتَمِدُ منه الإنسان المؤمن به جبروته وعزيمته وأمله في مواجهة التحديات التي تفرضها الحياة عليه من جهة ثانية. وبالتالي يتحول هذا المكان الرمز أيضاً إلى وسيلة معنويّة يعتقد أو يتوهم من يؤمن به، أنه في رمزيته وجلاله وعظمته المعنويّة قادر على تخليصه أو نجاته من معوقات ماديّة أو معنويّة قد أحاقت به، أو حتى تحقيق أمنيات غير قادر على تحقيقها في الواقع من جهة ثالثة. وهذا ما يدفع المؤمن أن يشدّ الرحال إلى هذا المكان المقدس مهما بعدت المسافات وطالت من أجل إرضاء ذاته وتقديم الطقس المقدس بحضرة هذا المكان الذي يشعر بانتمائه له.

من هنا جاء المكان معبراً عن دلالاته (الدينية)، في الكعبة مثلاً أو في بيت المقدس، أو النجف أو كربلاء، او حائط المبكى، أو في المعابد، وقبور الأولياء الصالحين. وغير ذلك من أماكن مقدسة بالنسبة لحياة الشعوب وتاريخها.

ومن هذا المنطلق الرمزي والمعنوي والتجريدي، جاءت أيضاً قدسيّة المكان في العقائد الوضعيّة ولو بصورة أقل حديّةً وعمقاً لدى المنتمين لهذه العقيدة الوضعيّة وأمكنتها،  كتعبير عن حدث أصبح له أهميته وقيمته المعنويّة في حياة الشعوب والجماعات تاريخياً، مثل معركة ما، أو شخصية ما، تجسدت قيمتها ودلالاتها، في نصب الشهداء أو القادة العظماء، أو ساحات التحرير أو أماكن معارك فاصلة في حياة أمّة أو شعب أو دولة، مثل موقعي حطين، وميسلون  وغيرهما الكثير من الأماكن أو النصب التذكارية التي تدل على مكانتها المعنويّة عند شعوب العالم.

بيد أن الفرق بين الموقفين الأصوليين (الديني والوضعي) من المكان، هو أن الفكر الديني الأصولي يُوصل الفرد أو الجماعة في  حالة الانتماء لهذا المكان إلى درجة التقديس المطلق، الذي لا يقبل المساومة والمراجعة والنقد، وبالتالي كثيراً ما حل المكان في نفسيات وعقول المريدين أو المؤمنين به إلى درجة ميثولوجيّه (أسطوريّة)، وهنا تكمن المشكلة بالنسبة للمؤمن أو المريد، حيث يمنحه المكان حالة حيويّة من (التواكل) وإيقاف لدور العقل والإرادة الإنسانيّة في سيرورة وصيرورة حياة الفرد والمجتمع.

على العموم نستطيع أن نضيف في هذا الاتجاه بأن موقف الدين أو العقيدة في صيغتها الأصوليّة الجموديّة الوثوقيّة من المكان بشكل موقفاً أسطوريّاً، اختصر تاريخ المكان بالمقدس منه، كونه مكاناً ارتبط بالعقيدة، وكل ما عداه هو مكان طبيعي لا يشكل شيئاً عند الحملة الاجتماعيين للفكر الأصولي الديني، لذلك لا نستغرب أن يكون هناك مكانان (دار كفر ودار إيمان). فالنجاة والقوة والعزيمة والأمل تنبع من المكان المقدس وما ينتمي لهذا المكان فقط.

أما بالنسبة للزمان وموقعه في حياة الشعوب عند الفكر الديني والوضعي الأصوليين، وأقصد بالوضعي هنا ما يعبر عن نشاط الإنسان الحر المنفلت من عقال الديني الأصولي الوثوقي فيما يتعلق بالزمان، وهو له أهميته وطرافته من جهة، مثلما له تحدياته من جهة ثانية.

إن زمان (تاريخ) الشعوب في قسم كبير منه بالنسبة للفكر الأصولي الديني، هو زمن ديني. بمعنى أن للدين أو العقيدة دوراً كبيراً في تمويل أحداثه الأخلاقيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، فمعظم هذه الأنساق جرت وتحققت وقُيمت وفقاً لمنطلقات عقيديّة (دينيّة)، منذ أن بدأ الإنسان يمارس نشاطه الحياتي من أجل الحصول على حاجاته الماديّة والمعنويّة بكل تفاصيلها. وإن أي خروج عن فهم هذه المنطلقات العقيديّة بصيغتها المشار إليها أعلاه، والمتحكمة في إنتاج وضبط وتقويم هذه الأنساق في المضمار الزمني، وخاصة بالنسبة للديانات السماويّة بشكل عام، وللديانة الإسلاميّة منها بشكل خاص، هو شكل من أشكال الخروج أو الانحراف غير المرغوب فيه عن هذه المنطلقات العقيديّة، ولا بد من إعادة تصحيح هذه الانحرافات الفكريّة وتقويمها بهذا الشكل أو ذاك، والعودة بها إلى مسارها العقيدي الديني الصحيح، وإلا ستظل هذه المسارات تمثل سلوكيات مشينة في حياة الفرد والمجتمع، التي حددت مسارها العقائد الدينيّة بشكل مطلق وثابت غير قابل للتعديل أو حتى المرجعة.

إذن إن أي تحدي لهذا الفهم العقيدي الديني لسيرورة الزمان في الفكر الديني الأصولي، الذي يأتي – أي التحدي - في الغالب من قبل القوى الاجتماعية التنويريّة العقلانيّة، يشكل نتوءات غريبة أو شاذة على سطح التاريخ الإنساني، وتعتبرها القوى الاجتماعيّة الأصوليّة الوثوقيّة حالات تمرد من قبل العقل الإنساني ضد إرادة العقيدة الدينيّة صاحبة القرار الأول والأخير في تحديد مسيرة التاريخ، وبالتالي لا بد أن تواجه بقسوة، من قبل حماة العقيدة وقيمها ومُثِلِهَا، وقد تصل درجة العقاب على هذا التمرد إلى حالة من (التسونامي) القادر على تحطيم الأخضر واليابس في حياة المتمردين، إذا لم يعاد الاستقرار والتطابق بين مفهوم الزمن في  المسيرة التاريخيّة للشعوب، و بين العقيدة الدينيّة في صيغتها الوثوقيّة التي تعتبر الزمن هو (الله).

من هنا نرى بأن الزمن عند من يُعبر عنه دينيّاً في صيغة وثوقيّة أصوليّة جامدة، سيظل زمناً مجردا ثابتاً ومطلقاً، ويفتقد بالضرورة إلى الفهم الموضوعي العقلاني لسيرورته وصيرورته، وبالتالي تحولاته عبر التاريخ المشبع بنشاط الإنسان الحر والواعي. أي سيرورته وصيرورته العقلانيتان اللتان يقوم الإنسان التاريخي ذاته بتشكيلهما وبناء عمارتهما بكل مكوناتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة. فالتاريخ في الزمن الديني، هو تاريخ القدرة الإلهيّة التي حددت مسار هذا التاريخ البشري وتكوين عمارته بأمر إلهي مطلق: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكن).. وبالتالي ما خَلْقِ الإنسان كإنسان من جهة، أو كأفعال إنسانيّة من جهة ثانية، إلا تجليات لهذه القدرة الإلهيّة التي رسمت وحددت كل شيء بشكل مسبق. وعلى الرغم من أن هناك مساحةً واسعةً لمسألة قدريّة (حريّة) الإنسان في الأديان أو العقائد، ومنها العقيدة الإسلاميّة، إلا أن الموقف السلفي الجمودي الوثوقي، يحول دون السماح لها بالظهور وأخذ مكانها في التاريخ البشري، وإن وجد من يفسح في المجال لها بشيء من الظهور والتعبير عن قدرية الإنسان، فهو من باب الكسب كما تقول نظريّة الكسب عند أبي حسن الأشعري. فالعقل والإرادة وجدا، أو أعطاهما الله للإنسان لتثبيت النص وإرادة الله وليس للحكم عليهما.

إن الزمن بتعبير آخر في هذا الاتجاه الأصولي الوثوقي التكفيري، هو زمن مجرد، وليس أكثر من (آنات) متقطعة تفتقد إلى السيرورة والصيرورة التاريخيتين المشبعتين بنشاط الإنسان الإبداعي كما أشرنا أعلاه. فالإنسان هنا ليس أكثر من وسيلة أو آلة لا تتحرك أو تعمل إلا بسلطان، وكل من يقوم بطرح حلول وضعيّة لتغيير مسار هذه الحياة، إن كان عن طريق العلمانيّة أو الديمقراطيّة أو دولة المؤسسات أو القانون أو المواطنة، إنما هو يعمل على تحدي مسيرة وصيرورة التاريخ الإلهي. وبالتالي هو مبتدع، وقد تصل درجة إبداعه إلى الزندقة والكفر.

إن هذا الموقف الأصولي الوثوقي، قد نجده للأسف أيضاً عند قوى سياسية ذات توجهات وضعيّة، إلا أنها تحمل أيديولوجيات جموديّة، الأمر الذي يحول حملتها الاجتماعيين إلى قوى أصوليّة بصيغة معاصرة من خلال ممارستها بعد أن وصلت إلى السلطة، وراحت تتعامل مع الزمان برؤية أيديولوجية جمودية ثابته ترفض التطور والتبدل في حياة الدولة والمجتمع، أي اعتقاد حملتها  بأن الزمن يقف عند رؤيتها ومنهجها وأيديولوجتها هي فقط، وكل ما عداها هو انحراف وتشوية لسيرورة الزمان، وهذا ما وجدناه فكراً وممارسة عند الكثير من الأنظمة التي تبنت الفكر اليساري وبخاصة الأحزاب اليسارية الشموليّة وفي مقدمتها الأحزاب الاشتراكية والشيوعية المنهارة.

ملاك القول: يظل العلم والمعرفة بقوانين حركة الواقع وتطوره وتبدله، وبالعلاقة الجدليّة بين الواقع والفكر، القائمة على إدراك ومعرفة بأن الإنسان خليفة على هذه الأرض، وأنه وحده من يمتلك حرية التصرف في شؤونه وتحقيق مصيره، هي المقومات الموضوعيّة القادرة على تحطيم كل الرؤى والمواقف والأيديولوجيات الفكريّة الجموديّة، وما يرتبط بها من ممارسات لا تاريخيّة ولا عقلانيّة في تعاملها مع فكرتي الزمان والمكان.

إن الموقف العقلاني من الزمان والمكان في الفكر الوضعي العقلاني النقدي، يقر بأنهما لم ولن يكونا في محط عالم التجريد والخيال والوهم والأسطورة، بل كانا ولم يزالا في محط المشخص الذي لحمته وسداه الإنسان بكل قوته وجبروته وعظمته ومغامراته وعشقه للحياة.. فالمقدس الحقيقي في هذا التشخيص الموضوعي العقلاني، هو فعل الإنسان ونشاطه وعقله وحرية إرادته، وأخيراً مسؤوليته اتجاه نفسه واتجاه الآخرين.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحت وناقد أدبي من سوريا

مثلما تغيرت مكانةُ الفلسفة مع تحولات الثقافة، تغيرت طبيعة لصوص الفضاء العمومي. أخذت ما بعد الحداثة خطوةً إلى الوراءِ دون أنْ تُبرر كثيراً. فرغم تأسيس الحداثة للكيانات الكبرى: الدولة، الأمة، الحياة المميكنة، نمط الاستهلاك، غير أنَّ ما بعد الحداثة لم تمارس أدواراً بالوسائل ذاتها. لجأت إلى أفكار الفلاسفة كشخصياتٍ حُرةٍ استعادت زخمَها الحي. وفعّلت حركة الفيلسوف (خارج/ داخل) الأُطر السائدة. فكان عليه أنْ يُحطّم الأُطر بشكل استراتيجي، وأنْ يعرفنا: كيف تكوّنت؟: ولماذا عليه أنْ ينسفها من الأساس؟.

لم تقبل ما بعد الحداثة استعمال البارادايم (النموذج) الحداثي. لا لأنّه ذو طابع تاريخي، بل لكونه يخالف فاعلية الفكر. البارادايم مساحةٌ فلسفية ضيقة إزاء حرية الإنسان. وأنَّها اقصاء لقدرات الانسان عن التأثير، حتى وإنْ حضرت الجماهير بشعارات الجماعة البشرية. أقصر الطرق لتدمير القدرات الابداعية: أنْ يُحشر الفرد داخل منظومةٍ تعتصره، ثم تلقيه على حافة الحياة بلا قيمة. انماط الحداثة منظومات شمولية أهدرت قيمةَ الانسان، مع أن شعاراتها المتداولة شعارات الانسانية والنهضة والتنوير وتحديث المجتمعات. ولكن بعضاً من اللافتات العامة لا تخلُو من خداعٍ فلسفيٍ. على الأقل من جهة توظيف الفلسفات لهذه الاغراض.

لاحت ما بعد الحداثة كمرحلةٍ خطيرة للفلسفة. لأنها استعادت دور الفيلسوف بشكل مختلف. إذْ لجأت إليه لتحريرها من سطوة المؤسسات العمومية والسرديات الكبرى. اعتراف صريح بأن أصالة الفلسفة كامنة في قدرتها الفذة على الالتصاق بالحياة رؤيةً ونشاطاً، وأن الفيلسوف هو الكائن الذي يجس نبض الحياة والبشر إزاء القضايا المصيرية. وأنه ينفض الغبار عن المجهول ويستبق إلى تحديد معالم المستقبل.

رفعت ما بعد الحداثة شعار النهايات على حواف الانسانية: نهاية الحقيقة، نهاية التاريخ، نهاية الميتافيزيقا، نهاية الواقع، نهاية الايديولوجيا. ولكنها لم تكن نهاية موت، أي لم تكن قضاءً وقدراً على غرار الأخرويات (أحداث أخر الزمان). بل قالت ما بعد الحداثة للفيلسوف: أنت ستفكِّك كلَّ الأطر، ستطرح جميع الأسئلة المحظورة، ستُمارس فكراً نقدياً بصورة جذرية، أنت عبارة عن نشاط طاغ ضد نزعات الهيمنة والسيطرة والاستقطاب. وارجعته من فوره إلى فعاليته في الحياة كحريةٍ فرديةٍ بالغة التأثير.

لأنَّ الفلسفة لا يمكن حجبُ آثارها دون العودة بأقوى مما كانت. لعلَّ جنس سرقتها من المجال العمومي يرتبط بعدم السيطرة على حجم الغياب الحاصل لها. وهو الأساس والباقي من مساحة الفكر الحر. وتلك الخطوة مؤداها: أن اقصاء الفلسفة من الفضاء العمومي سيخزن طاقات فكرية قابلة للانفجار في أي وقت. مجرد اشعال عود ثقاب سيؤدي إلى تفجير الموقف برمته. واللعب مع الفيلسوف كحراس للفكر الحر هو لعب مع الحياة. وستكون النتائج غير ايجابية العواقب، لأن الهزيمة ستكون للإنسانية لا الأفراد.

الفلسفة لا تغيب تماماً (عن المشهد)، أي مشهد، ولكنها تغيب (داخلنا). الفارق واضح بين الخروج من الصورة إلى أبدٍ، وبين الاختفاء داخلنا ككائنات انسانية. الأول معروف حين تُحظر ممارسة الفلسفة كنوع من اللاهوت المحرم، أما الثاني: فهو أن تكمن الفلسفة في الشقوق غير المرئية من وجودنا. و ما أكثر الشقوق التي تسكنها الفلسفة في حياتنا العمومية. هي تتكلم بلسان الأزمات لا في وضح النهار. وقد تخرج عبر ممارسات جانبية وبشكل عفوي في غالب الأحيان.

الفيلسوف حُرّاً

حررت ما بعد الحداثة الفلاسفة بضربةٍ واحدةٍ. استهدفت مركزية المفاهيم الحداثية في الصميم. وهي مفاهيم مبنية على قوة الدلالة والتصديق، وكذلك رفضت "ديناصورية الأفكار" التي فاتها الانقراض. النقطة القصوى التي بلغتها فلسفات الحداثة، كونت جزراً ميتافيزيقية منعزلة عن المعنى. شكلت الحقيقة في أفق أصحابها خارج الزمن. الفلسفة ليست جغرافيا الحفريات القديمة وليست محراباً لتقديس آلهة المفاهيم والدلالة.

عادت المعاني لفيلسوف ما بعد الحداثة، لا يتعامل مع المعنى كأنه قلعة محصنة، ولا باعتباره نفَسْاً ميتافيزيقياً سارياً منذ أفلاطون حتى هيدجر، ولا ينظر إلى (الوجود والمعرفة) كأنهما منضادان معلقان في علة مطلقة أو محلقان نحو غاية خفية. ولم يعد المعني جداراً مرتفعاً من الأرض إلى السماء، يكتب عليه كل لاهوتي ما يريده من معتقدات متعالية.

المعاني لا تأتي تحت إرهاب سلطة ولا بقوة قانون نافذٍ. ولا تمثل انعكاساً لأصل ثابت، حين شيّد فلاسفة الحداثة حصونهم الفلسفية فوق جبال شاهقة. يظل تاريخ المعاني مرهوناً باستراتيجيات الفيلسوف لا بعملية طبيعية. ولا يرتبط بالحركة المتخيلة للحياة كأنها في متحف عام من: المرايا والزجاج والسحاب. ثلاثة عناصر موجودة في متحف الفلسفة.

الحداثة أكبر "متحف سريالي" Surreal Museum في التاريخ الانساني، تكّون من أساليب التفكير ونمط العيش السائد. العقل السريالي هو عقل حداثي مؤدلج. العقل الممتزج بميتافيزيقا تخلط بين الأرض والسماء، الجغرافيا والتاريخ، الانثربولوجيا والفلك، اللغة والأشياء. وعلى المدى الطويل، شكل العقل السريالي رؤى الحياة والتاريخ. وجَمعَ أشياء لا تجمع إلاَّ بتداخل الأزمنة والأمكنة تحت مبررات خيالية. وكان ذلك عنواناً لمجتمعات الحداثة التي تكررت عبر التاريخ. إن ما جرى مع الحداثة جذَّر أساليب التفكير في الواقع وكانت تفاعلاتها أكثر من مجرد ظواهر عابرة، بل تراكمات رأسية من المعاني، دعمتها فلسفات عبرت عنها ورسختها على نحو شامل. وانتقلت الحداثة من مجرد (العصر الحديث) إلى صيغة أيديولوجية تعمم ذاتها مع توافر شروط إنتاجها في المجتمعات.

دلالة المرايا: وهي المعارف التي ظن الحداثيون أنهم صنعوها لتعكس ثوابت الأشياء وتنقل الحقائق كاملة. ويريدونها مرايا معرفية مصقولةً على الدوام، عاكسة لعالم الأشياء دون شائبة، و مضيئة حتى تظهر كاشفة باستمرار. إن اكبر نمط من المعرفة الحداثية تلك التي كانت عاكسة لموضوعات المعرفة، من أجل تحكم الذات في الطبيعة. طبيعة خضعت للحتمية المادية وللقوانين الصارمة كما هي موجودة في فيزياء اسحق نيوتن وتركت آثارها في فلسفة ايمانويل كانط ولبينتز. ذلك من جهة تفسير الطبيعة وفقاً لقوانين الحركة والمادة كما في خريطة المعرفة الفيزيائية.

جاء عمل الفيلسوف ليعكس صوراً غير متطابقة الحجم والأبعاد والظلال والأطياف. إن فيلسوف ما بعد الحداثة كثور هائج داخل بيت من المرايا. ولكنه هياج تفكير وقوة الرؤية بخلاف المتوارث حداثياً. يشبع المرايا تحطيماً بصورة استراتيجية مقننة. إن حرية الفيلسوف حرية معنى وإعادة قراءة. فليست المرايا عاكسة لدية بل هي مرايا مقعرة ومحدبة بحسب قراءات الفلاسفة.

لم يكن الفرنسي جان بودريار فيلسوفاً محطماً لما يرى، ولكنه أعاد قراءة أشياء ما بعد حداثية لم تكن معروفة. رأى أن الصور والعلامات واللغات تنقل واقعاً مفرطاً hyperreality ، مضموناً مضافاً لا معنى طبق الأصل. أبداً لا يكون المعنى طبق الأصل. إما أن تزيفه الصور لأنها لن تبلغ كافة وجوده، وإما أن تضيف إليه، حيث تجعله مضاعفاً، مكرراً، واقعاً في ظلال نفسه. إن فيلسوف المعنى هو الفيلسوف التاريخي المعروف، ولكنه بلغ ذروته مع تلك المرحلة.

الصور تغيّب الأصل، تجعله في مرحلة سابقة ولن يعود من جديدٍ. ليست الصور فرصة انطولوجية متأخرة لوجود الأصول، ولكن المرايا تطمس الحدود، هي لحظات غياب التمييز الفاصل بين الأوهام والحقائق، بين الأصول واللا أصول، بين الأنا والآخر. فيمكن للمرايا أن تستخرج الأنا الذي يكونا. فعندما ننظر في المرآة، فنحن لا ننظر إليها، لا أحد ينظر إلى المرآة، بل ينظر بالداخل منها. ولكن لماذا؟ لأننا نفتش عن الآخر الذي يسكننا، عن علامات القبول والطمأنينة التي نجري وراءها، إننا لا نبحث عن أصلٍ ما. هكذا حال المرايا الفلسفية لما بعد الحداثة وقد أنتجت شظايا الأصل. إن مهمة الفيلسوف تتبع هذه المعاني من خلال عمليات فلسفية. لقد تم تحرير الفلاسفة من قيود التطابق المنطقي بحسب قانون الهوية.

دلالة الزجاج: وهي الأنساق الفلسفية التي صاغها فلاسفة الحداثة، معتبرين الأشياء لا ترى إلاَّ عبر الانساق ليس أكثر. كل فيلسوف يشيّد بناء زجاجياً لرؤية الحقائق وأفعال الناس. مبدأ ديكارت (الكوجيتو Cogito) الشهير عبارة عن نسق بأكمله. "أنا أفكر إذن أنا موجود I am thinking, therefore I exist ". ليست كلمات بسيطة، ولكنها نظام مغلق. يحتوى كل العالم لا مجرد مقولة لأنا ملقى في الحياة. فالأنا يتكلم بحظور تام خلال هذه اللحظة. أي التفكير فعل حضور، حضور كامل، لأنه يمكن أن يرهن الواقع بوجوده. ويمثل شرطاً أساسياً له.

الأنا الديكارتي لم يَرَ واقعاً حُراً بشكلّ واضحٍ، بل كان هو نفسه الصندوق المغلق الذي اختصر الواقع في حضوره. مع أنه ليس ثمة علاقة بداهة بين الإنسان المفكر والوجود في العالم. ولكن نظراً لأنَّ الحضور مفترض سلفاً، فصاحبه موجود سلفاً بالمثل. أي أنَّ احساساً بالوجود جاء كخطوة تالية على الفكر في الحالين. إن الانا ترى كل العالم من خلال صندوقها الزجاجي الشفاف كأن هناك لحظةَ انطباقٍ كامل بين الأنا والوجود. وهذه درجة من "سريالية الأنا" التي تغطي وجودها حضوراً في العالم. بل وجودها يحمل عالما خاصاً يتطابق مع الوجود. والأمر لا يخلو من جعل العقل سيداً للوجود، أي سيادة العقلانية إزاء عالم الكائنات والأشياء باطلاق. الفكرة التوحيدية التي طبقتها كل الحداثة وعصر النهضة في كافة التفاصيل. إن عصر النهضة هو عصر التوحيد الابراهيمي بامتياز لاهوتي منقطع النظير.

رأى ميشل فوكو أن ديكارت أغلق نوافذ العقل باقصاء المختلف. وأن العقل عندما يفكر، فلن يكون سوى عقل خالص دون جنون ولا آخر. وكأن الانا المفكر هو أنا بلا شيء مختلف، الأنا متطابق لدرجة التماثل مع هويته. ولذلك يكون نسق الأنا في رأي فوكو نسقاً غير شفاف، لأن معنى الزجاج فيه لن يكون واضحاً، بل مشوباً بالغموض. كما أن الجنون والآخر والاختلاف أمور لا تجعل الرؤية (أنا أفكر) متماسكة كما يتصور ديكارت. الجنون سيحطم الغلاف الزجاجي الذي يحيط بمشهد الأنا. وسيدعو فوكو رينيه ديكارت إلى تحرير الأنا. فالكوجيتو دعوة للتقيد بالأنا مهما كان، أما حين يكون الشيء المغاير حاضراً في عمق الأنا، فالأمر انفتاح بلا حدود.

هكذا لم يؤكد الفيلسوف الما بعد حداثي على التسليم بمنطق الهوية، فلم يعبأ لهوية الذات إجمالاً، ولم يأبه لتحديد ديكارت لها، لأنها غير محددة أصلاً، فالانسان قادر على تجاوز وضعه ليكون حراً. إن التحرر جزء لا يتجزأ من وجود الأنا لا مجرد الفكر للفكر الذي يتبادل الحركة كيفياً مع الوجود. وقد يصل الإنسان إلى التمرد لتكون حياته ترحالاً بلا حدود، أنها سيرورة التاريخ الذي لا يتوقف. الانسان صنع التاريخ لكونه لا يفكر بطريقة التواجد والاستغراق في الزمن الديكارتي، بل بطريقة الخروج عن القواعد والضرب في كل الاتجاهات حتى ولو كان ذلك تعبيراً عن الجنون.

في نقده للكوجيتو، طرح فوكو مثالاً شهيراً في تاريخ أوروبا وبخاصة خيال العصر الحديث (عصر النهضة)، عندما كانوا يضعون الحمقى والمجانين والمرضى النفسيين في "سفينة الحمقى" (Ship of Fools / Nef des Fous) ويتركونها قيد الماء والريح لتقلع بهم حيث لا مكان ولا زمان، وليذهبوا حيث يذهبوا دون رجعةٍ. وبذلك كانوا يتخلص الاوروبيون من أصحاب الامراض والعاهات النفسية. والأمر نوع من الإقصاء الاجتماعي الذي إمتد لقرنين أو أكثر من الزمان . تماماً مثلما يفعل ديكارت بسفينة الكوجيتو Ship of Cogito التي لا تقل إلا العقلاء والمفكرين الذين يُفترض أنهم كذلك دون نهاية، بينما ترك الكوجيتو المجانين والمختلفين عقلياً على شواطئ مجهولة. وكما أن الإبحار والماء لعبا هذا الدور في الماضي، فكان المجنون المحتجز داخل مركب لا يملك خروجاً منها وقد سلَّم زمام أمره لتقلبات المياه ورياح الابحار التي لا تتوقف فكذلك العقلاء بمنطق ديكارت يسلمون أنفسهم إلى عالم من اللا يقين بعيداً عن كل شيء. لعل قاعدة الانسان المعرفية والمفكرة تسير كأنها محجوزة في سفينة تتلاعب بها الأمواج والرياح. إنَّ الماء والإبحار وحدهما اللذان يلقيانه إلى مصير مجهول، حيث لا هوية ولا مرجعية ولا انتما!!

دلالة السحاب: وهي الجزء الثالث من سريالية العقل الحداثي. وظهرت في ميتافيزيقا هيجل بصورة واضحة في مجرى التاريخ. لأنه يرى أن التاريخ هو تاريخ العقل ومساره الذي تكون عبر وجود العالم. فالعقل يحكم التاريخ والأخير تراكم خطي لوجوده وآثاره الباقية في الزمن.

التاريخ عند هيجل لا يرتبط بالعقل فقط، بل يحدد روح العالم، ويحدد الأشياء المادية والعضوية كذلك. إنه التاريخ الكلي الذي يمثل مسرحاً للروح. واقتضى ذلك بروز المجتمعات والشعوب والدول كأنها تنبثق من المجهول إلى المعلوم، تتفتق عن الزمن والحركة وصخب الحياة. ولا يعنى ذلك أن الدول والشعوب اجزاء مترامية، ولكنها كليات تحتفظ بالمعالم الأساسية للروح المطلق.

وتستهدف الروح تحقيق حريتها، أي تجعلها موضوعية الجانب. وليس من هدف آخر إلا أن تكون تنسيقاً عقلياً للعالم وللوجود الفعلي المباشر. هنا يقع هيجل في دائرية تبدأ من العقل لينتهي إلى أن الواقع عقل ويحيل كل طرف إلى الآخر ليلتقي أحدهما مع سواه بصورة مكررة. وربما ذلك هو مغزى مقولته الشهيرة: " كل ما هو عقلي واقعي وكل ما هو واقعي عقلي". من ثم تتعين الروح المطلق في أشكال جزيئة. ذلك أن الروح المطلق عندما تتحدد في الروح القومية للأمم والشعوب عبر التاريخ. فإنها تبحث في كل روح قومية عن إشباع جزئي خاص. وتتشكل عملية تعديل لما تقوم به بحيث تعمل بواسطتها على توسيع نطاق المعرفة بذاتها. ويطرح هذا الإشباع نفسه مادة جديدة لنشاطها التكويني سعياً إلى امتلاك حريتها، وتحقيق ذاتها، ومعرفة تلك الذات على نطاق أوسع.

هكذا أفكار هيجل مزيج بين اللاهوت والميتافيزيقا لتشكيل نسق معلق فوق الواقع. وهو من منظور ما بعد الحداثة يدعو إلى الاختلاف لا إلى التطابق مع أفكار حداثية. خلخلة أفكار هيجل نتيجة" تحرير المعنى"، لأن كلامه يعبر عن لاهوت معنى بالمقام الأول. وفيلسوف ما بعد الحداثة لا يسير وراء اللاهوت، ولكنه يتعقب آثار التنوع والتعددية.

لصوص ما بعد الحداثة

توجد داخل ما بعد الحداثة مجموعة لصوص لا لص واحد. الفارق ليس في الدرجة، بل في نوعية الأفعال. لصوص ما بعد الحداثة متقلبو المزاج ومختلفو الأشكال. كان لص الحداثة يعمل باسم الكيانات الكبرى (الدولة، المجال العمومي، الديمقراطية ....)، ولكن ظهر لص ما بعد الحداثة نتيجة غياب المعنى وتشظي الابداع. ولا ينطق ذلك على كل فلاسفة ما بعد الحداثة بطبيعة الحال، ولكن يجري على البعض وإن زاد عددهم قليلاً.

أولاً: تحول الفيلسوف إلى أداة:

أخطر ما يسرق الرؤى الأصيلة أنْ تصبح الأخيرة وسائل. لم تكن الفلسفة وسيلة يوماً ما في تاريخ الانسانية. لو تحولت إلى أداة، فستفقد استشرافها وقدرتها الأصيلة على التفكير الجذري. وستكون تابعاً ذليلاً لأية سلطة مهيمنة. وإذا كان موضوع الوسيلة جاء مصادفة، فقد غداً استراتيجية ضمن ما بعد الحداثة. لأنَّ أدوار الفيلسوف رُسمت لتفكيك الأنساق الكبرى للحداثة ليس أكثر. وبدت الأخيرة تاريخاً مغلقاً كما تقدم ذكرها. لا تنتهي مرحلة إلاَّ وتبدأ من جديد بطريقة عود على بدء!!

أدمن فيلسوف ما بعد الحداثة استعمال الوسائل، حتى تحول وجوده إلى محض وسيلةٍ. بينما الفلسفة في أصالتها رؤى للحياة والعالم وتشريع عقلاني للبشرية. لا يستطيع الفيلسوف مواصلة نحت الأدوات كأنه في غابة من الأشجار العملاقة، لكي يصطاد فرائس صغيرة تمرق بجواره. سيكف تدريجياً عن الرؤية الكلية معتبراً ذاته صانعاً لا منشئاً، تابعاً لنسق لا مبدعاً لأفكار حرةٍ. أغلب أفكار الفلاسفة اضحت في مرحلة كهذه تقنيات فلسفية تحتاج إلى موضوع للاشتغال عليه. لا تقوى على الانشاء والابتكار. اشتعلت فوضى التأويلات في بعض الاحيان.

غدت الأنساق الفلسفية شروطاً لا موضوعات. بعض التفكيك والهيرمنيوطيقا وما بعد البنيوية والفلسفات النسوية وقع في هذا الفخ الفلسفي. استسلمت لقدرات المساءلة من واقع الإنساق المهيمنة وتناست قدرتها الحرة على الابتكار. الوسائل إمكانيات تقنية لمعالجة مشكلة ما ، بينما جسم المشكلة والمفاهيم المحيطة شيء آخر.

الاختلاف لا يعوزه التوضيح بين الوسيلة والمفهوم. الوسيلة مؤقته في حين أنَّ المفهوم فضاء للتفكير. الوسيلة مسار داخل الموضوع عاملاً بواسطته. أما المفهوم، فيُعطي حرية للعقل خارج الإطار. و من ثمَّ تبدو فلسفات ما بعد الحداثة مزدوجة الاتجاه. ثمة اتجاه لقراءة الانساق الحداثية على نحو تفصيلي. وهذا شرط لكي نفهم منطلقات كل فلسفة. واتجاه آخر : تحويل الافكار إلى تقنيات. بين الاثنين تنتج ما بعد الحداثة حضورها في أفق الفكر. ولكن في الوقت ذاته تسرق أصالة الفلسفة، ويغيب الدور المبدئي للفلاسفة في الشارع.

هذا بالطبع ليس قاعدة عامة، لأن بعض الفلاسفة يتجاوزون هذا المنزلق حريصين على انتاج أفكار مبدعة رغم الانشغال بالتقنيات الفلسفية. لأنَّ التقنيات هي مفاهيم أخذت شكلاً من الفاعلية وليست مادة برانية. كما أن انتاجها يقتضي بالضرورة وجود أفكار أخرى تعمل وفقاً لها لا تبعاً للنسق محل التفكير.

ثانياً: متاهة الفلاسفة:

شكلت بعض اتجاهات ما بعد الحداثة متاهات للعقل. انشغل الفلاسفة بالخروج منها دون جدوى، والخروج لا يتم عن طريق طي صفحة التفكير إجمالاً، بل بمحاولة التأويل المختلف. ابتكروا أفكاراً جديدةً، ولكنها لم تبرح مكانها المزدوج: بين النسق والتقنية، بين الاستعاري والواقعي، بين ما بعد الحداثة وما قبلها. مع أن المتاهات الفلسفية خصبة للتفكير بحرية، نظراً لكونها معبرة عن تراكمات تاريخية في الواقع. كما أن نمط الحياة ما بعد الحداثية ليس شفافاً، فهو ينقل بالضرورة التواء الأساليب وقدرة البشر على الابتكار المركب.

ولكن نظراً لأنَّ المتاهة الفلسفية دوائر يصعب تجنبها ما بعد حداثياً، فقد استنفدت أغلب قدرات الفيلسوف، ولم يستطع خروجاً منها. وبالوقت نفسه لم يستطع الوقوف محايداً دون الغرق فيها. لأن التأسيس لا ينطلق من نقطة فراغٍ. لحظة التأسيس في الفلسفة تحتاج قاعدةً أكبر من دلالتها المعتادة. كما أنها تضرب موعداً مع امكانيات أخرى في المستقبل. كل تأسيس يتم بطريقة مختلفة أو لا يكون. وقد نرى فلسفات مختلفة تمام الاختلاف، ولكن الاختلاف ليس خبطَ عشواء. بل متوقفاً على التأسيس وإمكانياته عبر المفاهيم،أي يمتد عبر الرؤية التي يقدمها الفيلسوف لقضاياه.

يمثل التأسيس أحد مظاهر البناء الفلسفي، ولكنه لا يتجلى بوضوح إلاَّ مع بعض الفلسفات المابد حداثية. الفلسفات الما بعدية تنكر التأسيس من حيث المبدأ. لأنها تحاول تجنب فيروسات الانساق الحداثية. وحده التأسيس مزرعة خصبة لبذور مطمورة تحت الرمال. فالتأسيس مرحلة تسمح بوجود بكتريا التكوين، اطلاق النشأة وحركة الامتداد. أشياء تستعيد نماذج قديمة بطبيعة الحال. بينما لا تقبل ما بعد الحداثة تأسيساً بمعناه التقليدي. كل تأسيس لا يلوي على قديم وحديث، بل أي تأسيس هو قديم بالضرورة. لأنه يضمر إمكانية العودة لشيء ما، حتى وإن كانت هناك غاية انطلاقاً إلى أقصى مدى. وفي اللحظة التي يتم فيه التمسك بالحديث، فقد أصبح قديما بحكم المعنى.

ثالثاً: شوارع الانساق الفلسفية:

هناك لص استهلك فلاسفة الما بعد هو الخلط بين النسق والواقع، بين المعنى والحقيقة كأفعال انجازية. بل لم يعترفوا بتلك الثنائيات بناء على نقد وتساؤل متواصلين. أي انهمك ما بعد الحداثيون في تفريغ حمولات الانساق، وشيدوا عبرها بيوتا فلسفية، وجرى الوعي بكون النسق استعارات لقوى تمتلك زمام الحقائق وتبادر إلى الأفعال بكل هيمنة. ومنهم مثل بيتر سلوتردايك من طوَّع الفكرة إلى نقد جذري تاركاً الواقع يستهلك نفسه.

كانت خطوة نوعية في نقل الشارع، الفضاء العمومي، الحوارات، تفاعلات البشر، إلى داخل الوسائط البديلة. مثل اللغة، التاريخ، التقنيات، خطابات السلطة. مما اسهم في تضخم الرؤى الفلسفية دون اكتراث لتأثيراتها في حياة الناس. وصحيح أن الوسائط في حياتنا المعاصرة أكثر خطورة من الوقائق، ولكنها كانت فضاءات عامة اختلطت فيها العقلانية بالاستعارات التقنية والفكرية. تعززت فيها ما تم ذكره، إذ تحولت مركزية التفكير في قضايا الحياة إلى ظلال أخرى.

اعتقد فيلسوف ما بعد الحداثة أنه يطارد أشباحاً طوال الوقت. فهو صياد ماهر للظلال لا الحقائق. ولكن النتيجة: أن الظلال لم تمس الأشياء. وأن الحقائق تحتاج حفرا وضرباً في القلب مباشرة. كما أن الظلال تتطلب ثقافة أخرى تتوافق مع مسارات الوعي العام إنْ وجد. وصحيح انتج الفلاسفة تفكيراً مختلفاً، ولكنهم نحوا إلى الطابع الجماهيرى أحياناً. لأن عصر ما بعد الحداثة عصر الجماهير السائلة بلغة زيجموند باومان، وعصر تشظي الكتل الايديولوجية واللاهوتية. ليس للوقائع لاهوت، بل ابداع آخر من جنس التفكير الحر.

شق بيتر سلوتردايك خطاً ساخراً داخل انساق الفكر الغربي، استعاد الفكرة الكلبية قديماً ليجعل للسخرية وظيفة نسقية. السخرية من قوى المفاهيم والأفكار التي انتظمت تاريخاً بأكمله. جمع هذا الفيلسوف بين السياسي والاخلاقي والميتافيزيقي واليومي والتاريخي في نفس واحدٍ . وجعل منه مادة دالة على مستوى الفكر المختلف. رأى سلوتردايك أن الفلسفة مازالت تحتضر، ومع ذلك ليس بإمكانها الموت، لأنها لم تنجز مهامها حتى الآن. ورآها فضاء مكثفاً للوعود الكبرى والانتظارات العملاقة والمذاهب والايديولوجيات. ولكن لم يعُد يُجدي مواصلة الطريق إلى اللاشيء من هذا الجانب. فحاول البحث عما يجعل كل ذلك ممكناً في تاريخ الغرب. من هنا انتقد سلوتردايك كون" المعرفة سلطة "، حيث شملت اتجاهات الفكر الغربي التي اسست للعلوم والنظريات وأنماط العيش الحداثية.

في هذا الجانب، مَثّل تفكير سلوتردايك محاولات لقراءة داخل نسق واسع الانتشار. تجتمع لدية تواريخ من تجليات السلطة، وهذا أبعده عن التجارب الحية على غرار فلاسفة الحداثة، ولكنه قدم قراءات ثرية بالوقت نفسه. وقد يكون عصر الما بعد مناسباً لذلك التراكم التاريخي، إلا أنه عصر سيحتاج إلى وعي مختلف.

يعتمد سلوتردايك في كتابه (نقد العقل الكلبي Critique of Cynical Reason) على نوعين أساسيين من الكلبية لتصحيح مسارات التفكير ونقد أسس القائمة عليها:

- الكلبية الأصلية أو القديمة (Kynicism): وهي الأسلوب الفلسفي اليوناني الذي أسسه ديوجين اللائرثي، ويقوم على نمط حياة جريء وشجاع، ومتمرد على الأعراف والتقاليد المزيفة، ويسعى لتوحيد الفكرة الفلسفية مع الواقع اليومي البسيط والمباشر. وهذا ما يتفق مع المهمة الأساسية لفلاسفة الشارع، التجربة الحية لممارسة الأفعال الفكرية كواقع حي من الحكمة والفهم والنقد العاصف للمارسات والأفعال.

- الكلبية المعاصرة أو الحديثة (Cynicism): وهي التي ينتقدها سلوتردايك بشدة؛ وتتمثل في حالة "الوعي الشقي" أو السخرية العامة، حيث يعرف الأفراد أن أفعالهم وأفكارهم زائفة أو غير أخلاقية، لكنهم فوق ذلك يستمرون في ممارستها (على غرار رجال السياسة حين يعرفون فساد المنظومة ولكنهم يسايرونها بيأس وتهكم).

لا يقدم سلوتردايك نقداً تقليدياً للعقل المحض كما فعل كانط، بل نقداً جذرياً وتجسيداً للوعي الأوروبي المأزوم، حيث يمارس السخرية والشك كأداة للتكيف مع القبح السياسي والاجتماعي دون الرغبة في تغييره. هذه النقطة التي لا تحسم الأفكار وتراوح مكانها خلال تاريخ طويل من الفكر الغربي. وبذلك قد تفقد الفلسفة دلالة الثورة وتغيير الواقع. ومازالت ترزح تحت وطأة الأداتية والتفسيرات الباسمة لحياة كئيبة في بعض الأحيان.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

ما بين إرادة الاقتدار عند فريدريك نيتشه والتطور الخلاق عند هنري برجسون، دراسة مقارنة

مقدمة: يشكل الدافع إلى الحياة محورًا مركزيًا في الفلسفة الحديثة، إذ يتجاوز مجرد البقاء البيولوجي ليصبح مبدأً وجوديًا يفسر حركة الكائن الحي وصيرورته وإبداعه. في هذا السياق، يبرز مفهومان فلسفيان عميقان: «إرادة الاقتدار» عند فريدريك نيتشه (15 أكتوبر 1844 - 25 أغسطس 1900) ، و«التطور الخلاق» عند هنري برجسون (18 أكتوبر 1859 - 4 يناير 1941). كلاهما يرفضان التفسير الآلي الميكانيكي للحياة، ويؤكدان على ديناميكية داخلية تدفع الوجود نحو تجاوز ذاته. غير أن الاختلاف الجذري يكمن في طبيعة هذا الدافع: فهو عند نيتشه إرادة للسيطرة والتفوق والخلق من خلال الصراع والتأكيد الذاتي، بينما هو عند برجسون اندفاع حيوي أصيل ينبثق من الداخل ويخلق أشكالًا جديدة باستمرار عبر الزمان والمدة. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذين المفهومين بعمق، ثم مقارنتهما من حيث الأسس الميتافيزيقية والبيولوجية والأخلاقية والوجودية، للكشف عن أوجه التقارب والتباعد في فهمهما للدافع إلى الحياة. فما المقصود بالدافع الى الحياة في الفلسفة؟ كيف يتمثل في ارادة الاقتدار عند نيتشه؟ وما علاقة التطور الخلاق عند برجسون بارادة الحياة النيتشوية؟ وماهي الرهانات لذلك؟

إرادة الاقتدار عند نيتشه: الدافع كقوة تأكيدية وصراعية

يعتبر مفهوم إرادة الاقتدار حجر الزاوية في فلسفة نيتشه المتأخرة، وهو ليس مجرد رغبة في السيطرة السياسية أو الاجتماعية، بل مبدأً أنطولوجيًا كونيًا. يرى نيتشه أن الحياة ليست سعيًا نحو البقاء كما ذهب داروين، ولا سعيًا نحو اللذة كما في مذهب اللذة، بل هي إرادة اقتدار متدفقة. كل كائن حي، بل كل قوة في الوجود، يسعى إلى توسيع نطاق تأثيره، إلى فرض شكله على ما حوله، إلى النمو والتجاوز. الحياة في جوهرها هي «إرادة اقتدار»، أي رغبة دائمة في أن تكون أكثر مما هي عليه. يظهر هذا الدافع أولًا في المستوى البيولوجي: الكائن الحي لا يكتفي بالحفاظ على ذاته، بل يسعى إلى الاستيلاء على الطاقة، إلى الهيمنة على البيئة، إلى التكاثر الذي هو في حقيقته امتداد للاقتدار. أما في المستوى النفسي، فيتجلى في الرغبة في التفوق، في خلق قيم جديدة، في تجاوز الإنسان نفسه نحو الإنسان الأعلى. الإنسان الأعلى ليس غاية ثابتة، بل تعبير عن الدافع الحيوي الذي يرفض الرضا والاستقرار، ويحتفي بالصيرورة والمخاطر. النفي والعدمية، كما يراها نيتشه، هما نتيجة كبت هذا الدافع أو تحويله إلى نفي للحياة عبر الأخلاق التقليدية والمسيحية، التي تُعلي من الضعف والشفقة على حساب القوة والإبداع.

الدافع إلى الحياة عند نيتشه إذن دافع تأكيدي وإيجابي، لكنه صراعي بالضرورة. الاقتدار لا يتحقق إلا في مواجهة المقاومات، سواء كانت طبيعية أو بشرية أو داخلية (مثل الغرائز المقموعة). الصيرورة نفسها هي تعبير عن هذا الصراع الدائم بين القوى. لا وجود لجوهر ثابت؛ كل شيء تفسير وإرادة. الحياة الحقيقية هي تلك التي تقول «نعم» لذاتها بكل ما فيها من ألم وصراع، رافضة أي عزاء ميتافيزيقي أو أخلاقي يحاول تهدئة الاندفاع الحيوي. بهذا المعنى، يصبح الفن والخلق الفلسفي أعلى تعبيرات إرادة الاقتدار، إذ يحولان الفوضى إلى شكل، والمعاناة إلى جمال.

التطور الخلاق عند برجسون: الدافع كاندفاع حيوي وإبداعي

في المقابل، يقدم هنري برجسون في «التطور الخلاق» رؤية مغايرة جذريًا للدافع إلى الحياة. ينطلق برجسون من نقد الآلية الداروينية والسببية الميكانيكية، ليؤكد أن الحياة ليست نتيجة تراكم تغيرات عشوائية خاضعة للانتخاب الطبيعي فحسب، بل هي تعبير عن «اندفاع حيوي» أصلي. هذا الاندفاع ليس قوة عمياء، بل طاقة خلاقة تتدفق عبر الزمان، وتخلق أشكالًا جديدة باستمرار. المفهوم المركزي هنا هو «الديمومة». الزمان الحقيقي ليس الزمان المكاني القابل للقياس والتقسيم، بل هو تدفق داخلي كيفي لا ينقسم، يحتفظ بالماضي كله في الحاضر ويخلق المستقبل. الحياة هي هذا التدفق نفسه: اندفاع مستمر يحاول التغلب على المادة الجامدة، ويخلق الكائنات الحية كحلول مؤقتة لمشكلة الاستمرار في عالم مادي مقاوم. التطور ليس خطيًا ولا حتميًا، بل خلاقًا: كل لحظة جديدة تضيف شيئًا لم يكن موجودًا من قبل، ولا يمكن التنبؤ به انطلاقًا من الماضي وحده. الدافع إلى الحياة عند برجسون هو إذن دافع إبداعي خالص. الاندفاع الحيوي يسعى إلى الحرية والوعي المتزايد. في النباتات يتجمد تقريبًا في شكل سكون، وفي الحيوانات يظهر في الغريزة، أما في الإنسان فيبلغ ذروته في الذكاء والحدس. الحدس هو القدرة على التوافق مع المدة ذاتها، على إدراك الحياة من داخلها لا من خارجها كما يفعل الذكاء التحليلي. بهذا، يصبح الدافع الحيوي ليس صراعًا من أجل السيطرة بقدر ما هو انبثاق مستمر لأشكال جديدة من الوجود، يحاول تحرير نفسه تدريجيًا من قيود المادة. كما يرفض برجسون فكرة الغاية الخارجية أو التصميم المسبق. التطور الخلاق ليس موجهًا نحو غاية محددة سلفًا، بل هو خلق مستمر للغايات نفسها. الحياة تقول «نعم» لذاتها من خلال الإبداع، لا من خلال السيطرة. الموت والنقص ليسا نفيًا للحياة، بل جزءًا من عملية الخلق التي تتطلب التغلب على المقاومات المادية.

تأثير سبينوزا على إرادة الاقتدار عند نيتشه والتطور الخلاق عند برجسون

يعتبر باروخ سبينوزا الذي وُلد سنة 1632 في أمستردام وتوفي سنة 1677 الأول من الفلاسفة الذين أعادوا صياغة فهم الدافع الحيوي والوجود على أسس عقلية وميتافيزيقية جذرية. من خلال مفهوم «الكوناتوس» بوصفه الجهد الذي يبذله كل موجود للحفاظ على وجوده وتوسيعه، قدم سبينوزا تصوراً ديناميكياً للطبيعة والإنسان يتجاوز الثنائيات التقليدية بين الجسد والروح، وبين الضرورة والحرية. هذا التصور ترك أثراً عميقاً ومتبايناً على مفهومي إرادة الاقتدار عند فريدريك نيتشه والتطور الخلاق عند هنري برجسون. فكلا المفكرين انطلقا من نقد مشترك للتفسيرات الغائية والآلية، واستثمرا عناصر من فلسفة سبينوزا، لكنهما حوّلاها في اتجاهين مختلفين: نيتشه نحو تأكيد صراعي واقتداري، وبرجسون نحو اندفاع زماني خلاق. تسعى هذه الدراسة إلى تتبع هذا التأثير في أسسه الميتافيزيقية، وتحولاته في فهم الدافع إلى الحياة، وأبعاده الأخلاقية والوجودية. في فلسفة سبينوزا يقوم الكوناتوس كمبدأ أنطولوجي كوني: كل شيء يسعى، بقدر ما في وسعه، إلى البقاء في وجوده. هذا السعي ليس رغبة واعية بالضرورة، بل قوة داخلية جوهرية تعبر عن ماهية الشيء نفسه. في الإنسان يظهر الكوناتوس على صورة الرغبة، التي تشمل الجسد والعقل معاً ضمن وحدة الجوهر الواحد. الطبيعة عند سبينوزا ليست آلة خارجية ولا خلقاً غائياً، بل نظاماً ضرورياً من العلل والمعلولات يعبر فيه الإله أو الجوهر عن ذاته في صفات لا متناهية. الحرية ليست تحررًا من الضرورة، بل فهم هذه الضرورة والقبول بها عبر العقل، وصولاً إلى الحب العقلي للإله. في هذا الإطار وفر لنیتشه وبرجسون نقطة انطلاق نقدية ضد المذاهب التي تفصل بين المادة والروح أو تفرض غايات خارجية على الحياة. كلاهما وجد في الكوناتوس بديلاً عن الإرادة الحرة التقليدية وعن الغائية اللاهوتية، لكنهما رفضا في الوقت نفسه الطابع الهندسي الحتمي الذي يسم النسق السبينوزي. لقد استقبل نيتشه فلسفة سبينوزا بإعجاب مشوب بالنقد الحاد. أعجب بنقد سبينوزا للغائية والتشبيه البشري للإله، ورفضه للأخلاق القائمة على الندم والشفقة، وتأكيده على الفرحة بوصفها علامة على زيادة القوة. الكوناتوس بدا لنیتشه قريباً من فكرته عن الحياة بوصفها إرادة اقتدار: كلاهما يرى في الكائن سعياً داخلياً إلى التعزيز والتوسع لا مجرد الحفاظ على البقاء. غير أن نيتشه حوّل هذا السعي من جهد للحفاظ على الوجود ضمن نظام ضروري إلى إرادة متفجرة تتجاوز ذاتها باستمرار عبر الصراع وفرض الشكل. الفرق الجوهري يكمن في طبيعة القوة. عند سبينوزا تكون القوة تعبيراً عن الماهية داخل نظام كلي مترابط، وتبلغ ذروتها في الفهم العقلي الذي يحرر الإنسان من الانفعالات السلبية. أما عند نيتشه فالقوة اقتدار خام يتجلى في التفوق والصراع وخلق القيم، ويرفض أي خضوع لنظام عقلاني كلي. إرادة الاقتدار لا تسعى إلى فهم الضرورة بقدر ما تسعى إلى تأكيد الصيرورة ذاتها، حتى في صورتها الأكثر قسوة. العود الأبدي يصبح الاختبار الأعلى لهذا التأكيد، في مقابل الحب العقلي السبينوزي الذي يتوجه نحو الأبدية الثابتة للجوهر. أخلاقياً، يأخذ نيتشه من سبينوزا رفض الأخلاق النفعية أو الزهدية، لكنه يدفع به إلى أقصى حد: بدلاً من الطمأنينة العقلية، يدعو إلى الاحتفاء بالمخاطر والمعاناة بوصفهما شروطاً للاقتدار. هكذا يحول نيتشه الكوناتوس من مبدأ حفظ وتوافق مع الكل إلى مبدأ تجاوز وصراع لا ينتهي. التأثير السبينوزي حاضر في نقد الغائية وفي ربط الحياة بالقوة، لكنه يُعاد صياغته ضمن رؤية صيرورية راديكالية ترفض الهندسة العقلية والوحدة الجوهرية. أما برجسون فقد تعامل مع سبينوزا من موقع نقدي أكثر حدة، مع الاعتراف بأهمية بعض حدوسه. انتقد برجسون بشدة المنهج الهندسي في «الأخلاق»، ورأى فيه محاولة لاختزال الزمان الحي إلى علاقات مكانية منطقية، والحرية إلى ضرورة مفهومة. الكوناتوس بدا له قريباً من تصور آلي أو شبه آلي يفتقر إلى البعد الإبداعي الحقيقي. غير أن فكرة الجهد الداخلي للحفاظ على الوجود وتوسيعه وجدت صدى في مفهوم الاندفاع الحيوي. الاندفاع الحيوي عند برجسون يشبه الكوناتوس في كونه قوة داخلية أصيلة تدفع الكائن إلى الاستمرار والتحول. لكن برجسون يحرره من النظام الحتمي السبينوزي ويجعله اندفاعاً زمانياً خالصاً يخلق أشكالاً جديدة لا يمكن التنبؤ بها انطلاقاً من الماضي. الديمومة تحل محل الأبدية السبينوزية: بدلاً من جوهر ثابت يعبر عن ذاته في صفات أزلية، هناك تدفق كيفي يحتفظ بالماضي ويخلق المستقبل في كل لحظة. التطور الخلاق ليس تحققاً لماهيات مسبقة، بل خلقاً مستمراً يقاوم المادة ويستخدمها في آن واحد. يستفيد برجسون من وحدة الجسد والعقل عند سبينوزا ليرفض الثنائية الديكارتية، لكنه يرفض في المقابل اختزال الوعي إلى مجرد صفة أو نتيجة ضرورية. الحدس يصبح وسيلة للاتصال المباشر بالاندفاع الحيوي، في مقابل العقل الهندسي الذي يتعامل مع المادة والمكان. أخلاقياً، يحول برجسون القبول السبينوزي بالضرورة إلى انفتاح على الحرية الإبداعية المتزايدة عبر الوعي. الحب العقلي يتحول إلى نوع من التوافق الحدسي مع تيار الحياة نفسه. هكذا يشترك نيتشه وبرجسون في استلهام الكوناتوس بوصفه دافعاً داخلياً للحياة يتجاوز مجرد البقاء الدارويني أو اللذة الحسية. كلاهما يرفض الغائية الخارجية ويستبدلها بقوة محايثة. وكلاهما ينتقد الطابع السكوني أو الحتمي المفرط في النسق السبينوزي، ويسعى إلى استعادة ديناميكية أعمق: صراعية عند نيتشه، وزمانية إبداعية عند برجسون. لكن الاختلاف في التحويل يكشف عن توجهين متباينين. نيتشه يدفع الكوناتوس نحو أقصى درجات التأكيد الاقتداري والصيرورة الدورية، رافضاً أي عزاء عقلي أو وحدة جوهرية. برجسون يدفعه نحو أقصى درجات الانفتاح الزماني والخلق غير القابل للتنبؤ، رافضاً الهندسة والمكانية. الأول يحول القوة إلى إرادة تفرض الشكل على الفوضى، والثاني يحولها إلى اندفاع يخلق أشكالاً جديدة من داخل التدفق نفسه. بهذا يتضح أن تأثير سبينوزا لم يكن نقلاً مباشراً، بل حواراً نقدياً خلاقاً. وفّر الكوناتوس لكلا المفكرين أساساً متيناً لفهم الدافع إلى الحياة بوصفه محايثاً وإيجابياً، لكن كلاً منهما أعاد توجيهه وفق رؤيته للصيرورة: صراع أبدي عند نيتشه، ومدة خلاقة عند برجسون. النتيجة فلسفتان للحياة تختلفان في النبرة والأفق، لكنهما تدينان لسبينوزا بالانطلاق من فكرة الجهد الداخلي الذي يجعل الوجود حركة لا سكوناً، وقوة لا مجرد جوهر ثابت.

المقارنة: نقاط التقارب والتباعد بين نيتشه وبرجسون

يتقارب نيتشه وبرجسون في رفضهما الجذري للتفسيرات الميكانيكية والآلية للحياة. كلاهما يرى في الداروينية اختزالًا خطيرًا للدافع الحيوي إلى مجرد تكيف وبقاء. كلاهما يؤكد على الصيرورة ضد الجوهر الثابت، وعلى الإبداع ضد التكرار. الحياة عندهما ليست محافظة بل تجاوزية. كذلك يشتركان في الاحتفاء بالقوة الداخلية ضد التبعية الخارجية: إرادة الاقتدار ضد القيم المفروضة، والاندفاع الحيوي ضد الحتمية المادية. كلاهما يرى في الإنسان أعلى تعبير عن الدافع الحيوي، ويطالب بتجاوز الذات نحو آفاق أرحب. غير أن الاختلافات أعمق وأكثر جوهرية.

أولًا، في طبيعة الدافع نفسه: عند نيتشه، الدافع صراعي وتأكيدي عبر القوة والهيمنة. الاقتدار يتحقق في فرض الشكل على الفوضى، وفي الصراع الذي يولد القيم الجديدة. أما عند برجسون، فالدافع اندفاعي وانبثاقي، يخلق من خلال التدفق الداخلي دون حاجة ضرورية إلى الصراع كمحور. الصراع موجود مع المادة، لكنه ليس جوهر الحياة؛ الجوهر هو الخلق الحر.

ثانيًا، في العلاقة بالزمان والصيرورة: نيتشه يفهم الصيرورة كدورة أبدية أو كعود أبدى، حيث يتكرر كل شيء إلى ما لا نهاية، ويصبح التأكيد على الحياة تأكيدًا على هذا التكرار نفسه. العود الأبدى هو أعلى اختبار لإرادة الاقتدار: هل تستطيع أن تريد هذه الحياة بكل تفاصيلها إلى الأبد؟ أما برجسون، فيرفض التكرار الجوهري. المدة خلاقة حقًا؛ الماضي يحتفظ به لكنه لا يتكرر، والمستقبل ينبثق جديدًا. التطور مفتوح وغير قابل للعكس.

ثالثًا، في الموقف من العقل والحدس: نيتشه يشكك في العقل كأداة للسيطرة والتفسير، ويفضل الغريزة والإرادة والفن. برجسون يميز بين الذكاء (الذي يتعامل مع المادة والمكان) والحدس (الذي يتوافق مع الحياة والمدة). الحدس عند برجسون أداة إيجابية لمعرفة الدافع الحيوي من داخله، بينما عند نيتشه تبقى المعرفة نفسها تعبيرًا عن إرادة اقتدار.

رابعًا، في البعد الأخلاقي والوجودي: فلسفة نيتشه بطولية وصراعية، تحتفي بالإنسان الأعلى الذي يخلق قيمه في مواجهة العدمية. فلسفة برجسون أكثر انفتاحًا على الحرية الروحية والوعي المتزايد، وقد تميل نحو بعد صوفي أو ديني في بعض تفسيراتها اللاحقة، حيث يصبح الاندفاع الحيوي قريبًا من مصدر إلهي خلاق. نيتشه يظل ملحدًا جذريًا يرفض أي عزاء ميتافيزيقي، بينما يحتفظ برجسون بإمكانية انفتاح الحياة على ما يتجاوز المادة دون الوقوع في الثنائية التقليدية.

خامسًا، في فهم الموت والنقص: عند نيتشه، المعاناة والموت جزءان ضروريان من الاقتدار، ويجب احتضانهما. عند برجسون، هما تعبير عن مقاومة المادة للاندفاع الحيوي، والخلق يسعى إلى تجاوزهما تدريجيًا عبر الوعي والحرية.

خاتمة:

تكشف المقارنة بين إرادة الاقتدار والتطور الخلاق عن توتر خلاق داخل الفلسفة الحديثة في فهمها للدافع إلى الحياة. نيتشه يقدم رؤية درامية بطولية ترى الحياة كإرادة متفجرة تخلق من خلال الصراع والتأكيد الذاتي. برجسون يقدم رؤية أكثر تدفقًا وإبداعًا ترى الحياة كاندفاع داخلي يخلق أشكالًا جديدة في مدة مستمرة. كلاهما يحرر الحياة من الاختزالات العلمية والأخلاقية التقليدية، ويعيدان إليها طابعها الديناميكي الأصيل. عندئذ يمكن القول إن الدافع إلى الحياة، في ضوء هذه المقارنة، ليس واحدًا بل متعدد الأبعاد: فهو قوة اقتدار وصراع، وهو في الوقت نفسه اندفاع خلاق وتدفق زمني. الفهم الأعمق ربما يكمن في الجمع بين البعدين دون اختزال أحدهما إلى الآخر: الحياة تريد أن تقتدر، لكنها تقتدر من خلال الخلق المستمر، والخلق نفسه يتطلب قوة وتجاوزًا للمقاومات. بهذا، يصبح الدافع إلى الحياة ليس مجرد بقاء أو لذة أو تكيف، بل حركة دائمة نحو المزيد من الوجود والوعي والشكل والحرية. هذه الحركة هي ما يجعل الفلسفة نفسها ممكنة، وما يدعو الإنسان إلى أن يعيش حياته لا كمعطى جاهز، بل كإبداع مستمر. فكيف سارت الفلسفة المعاصرة مع جيل دولوز نحو ايجاد فهم مركب للدافع إلى الحياة ينتصر على ارادة العدمية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في المثقف اليوم