عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

أقلام فكرية

نحو تحليل إبستمولوجي لحدود الإنتاج المفهومي

تلك اللحظة التي يتوقف فيها الفكر أمام نفسه والتي ينعطف فيها السؤال على ذاته ليتساءل عن شروط إمكانه وعن حدوده، هي اللحظة التي تولد فيها الفلسفة في أسمى تجلياتها. فما من تأمل فلسفي حقيقي إلا وهو محكوم بهذه الازدواجية المؤسسة، بين الاندفاع نحو المعرفة والوقوف المتأمل عند أبوابها، بين الرغبة في قول كل شيء والإدراك المتزايد بأن ثمّة ما يظل دائماً خارج متناول القول، خارج حدود المفهوم وخارج تلك الشبكات الدقيقة التي ننسجها لنحتوي العالم. وهذه الازدواجية ليست مجرد سمة عارضة أو مأزق منهجي طارئ بل هي البنية العميقة للفكر ذاته، هي تناقضه الخصيب، هي ذلك التوتر الذي يمنحه حيويته واستمراره ويمنعه من أن يتحول إلى نظام مغلق وإلى معبد جامد تسكنه حقائق ميتة.

غير أن هذه الإشكالية التي تطارد الفلسفة منذ وعيها الأول بنفسها تأخذ منحى أكثر حدة في لحظات التحول الإبستمولوجي الكبرى حين تتهدم الأطر المفهومية القديمة وتظهر أطر جديدة وحين يكتشف الفكر أنه ظل لزمن طويل أسير تمثلات محدودة للعالم وأن ثمّة مناطق شاسعة من التجربة الإنسانية ظلت مهمشة خارج نطاق ما يمكن التفكير فيه ضمن الأنظمة السائدة. وهنا يبرز السؤال الذي سيظل يلح بإلحاح استثنائي هل هذه المناطق المهمشة هي مجرد نتاج لعجز تاريخي قابل للتجاوز أم أنها تشكل حدا بنيوياً للفكر لا يمكن تخطيه مهما بلغت دقة آلياتنا المعرفية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال كما سنحاول في هاته المقالة، تقتضي رحلة عبر محطات الفلسفة الكبرى بدءاً من كهف أفلاطون الذي يرمز إلى الأسرى الذين لا يرون سوى الظلال مروراً بنقد كانط المتعالي الذي كشف عن قوالب قبلية تشكل إدراكنا وتحدد سلفاً ما يمكننا معرفته ووصولاً إلى المشاريع النقدية المعاصرة التي جعلت من اللامفكر فيه موضوعاً لها، سواء في صيغته الهايدغرية المرتبطة بالكشف عن الكينونة أو في صيغته التفكيكية التي تكشف عن الفائض الدلالي الذي يفلت من كل شبكة مفاهيمية. ولكن هذه الرحلة لن تكون استعراضاً تاريخياً مجرداً بل ستكون محاولة لاستنطاق هذه المقاربات لاستجوابها عن مدى قدرتها على تفسير هذه الظاهرة وعن حدودها الخاصة في التعامل مع ما يظل خارج إطارها.

إننا لا نهدف من خلال هاته الأسطر إلى تقديم حل نهائي لمشكلة اللامفكر فيه، حيث ندرك منذ البداية أن أي حل من هذا القبيل سيكون تناقضاً في المصطلحات بل سنسعى إلى رسم خريطة للمشكلة وإلى تحديد تضاريسها وإلى كشف أبعادها المختلفة وإلى اقتراح موقف فلسفي يتعامل مع هذه الحدود لا كحاجز يوقف التفكير بل كأفق يفتحه وكمحفز دائم للإبداع المفهومي وكذكرى بأن الحقيقة ليست في متناول اليد بل هي ذلك الأفق المتواري الذي نتحرك نحوه دون أن نبلغه، ذلك الصمت الذي يمنح كلامنا معناه وتلك الظلمة التي تجعل الرؤية ممكنة.

تلك الهوة السحيقة التي تتشكل بين آنية الفكر وامتداد الوجود وبين ما نستطيع قوله وما يظل معلقاً في مناطق الصمت المعتمة، هي البؤرة التي تنبثق منها الأسئلة الفلسفية في أشد صورها إيلاماً. فالفلسفة منذ وعيها الأول بذاتها في لحظة يونانية أسطورية لم تتوقف عن الانكباب على حدودها وعن استجواب مناطق العجز التي تتشكل داخل نسيجها المفهومي وعن ذلك الذي لا يمكن اختزاله إلى مقولات ولا احتواؤه داخل شبكات الدلالة. ولكن السؤال الذي يظل يلح بإزعاج استثنائي هو هل ثمّة ما هو لامفكر فيه بحسب بنية الفكر ذاتها أم أن اللامفكر فيه ليس سوى نتاج عجز تاريخي طارئ أو ربما أثر جانبي لانزياحات منهجية في آليات الإنتاج المفهومي؟

لعل أفلاطون كان أول من أدرك في كهفه الأسطوري أن الفكر يعاني من عمى بنيوي تجاه شروط إمكانه حين جعل من الخروج من الكهف استعارة للنضال ضد القيود التي تفرضها اللغة والممارسة الاجتماعية على قدرة الإنسان على التفكير في اللامفكر فيه. فظلال الكهف في تأويل أعمق من القراءات المدرسية ليست مجرد أوهام حسية بل هي بنى مفهومية قائمة بذاتها، أنسجة من المعاني الموروثة التي تشكل رؤيتنا للعالم دون أن نعيرها انتباهاً. إنها ما يمكن تسميته بـ"المسبقات الضمنية" التي تعمل في صمت وتحدد سلفاً ما يمكن التفكير فيه وما يستعصي على التمثل. ومشكلة اللامفكر فيه ليست مشكلة معرفية طارئة بل هي متأصلة في النسيج الأنطولوجي للفكر ذاته وفي علاقته الجدلية باللغة وبالتاريخ وبالذات المفكرة.

غير أن هذه المعضلة تأخذ منعطفاً أكثر حدة مع كانط الذي نقل السؤال من حقل الميتافيزيقا التقليدية إلى حقل النقد المتعالي. ففي نقد العقل المحض يكشف كانط عن أن العقل ليس صفحة بيضاء تنطبع عليها معاني العالم بل هو جهاز توليدي يعمل وفق قوالب قبلية وقواعد تركيبية تحدد سلفاً أشكال المعرفة الممكنة. وهذا يعني بعبارة أكثر جرأة أن هناك مناطق شاسعة من الواقع لا يمكن للفكر أن يبلغها ليس لأنها بعيدة أو غائبة بل لأن بنية العقل ذاتها تحجبها وتجعل من استحضارها مستحيلاً من حيث المبدأ. إن مقولة "الشيء في ذاته" عند كانط ليست حلا بقدر ما هي اعتراف صريح بوجود حد فطري للفكر وبمنطقة معتمة يتعذر اختراقها مهما بلغت دقة الآليات المعرفية. ويتجلى اللامفكر فيه كنوع من "النقيضة المتعالية" التي ترافق كل عملية إنتاج مفهومي كظلّ لازم وكتذكير دائم بأن كل ما نقوله محكوم عليه بالنقص وأن كل ما نعرفه مسكون بإمكانية جهل أعمق وأكثر بنيوية. لكن هل هذا الحد كانطياً محضاً أم أن له تاريخاً يمتد في جسد الفلسفة ذاتها؟ هنا يبرز هيغل لينقل المسألة إلى سياق جدلي مختلف. ففي ظاهريته المطلقة يرفض هيغل فكرة وجود منطقة نهائية لا يمكن للفكر بلوغها معتبراً أن كل ما هو حقيقي هو عقلاني وأن كل عقلاني لا بد أن يتحقق. لكن المفارقة أن هيغل نفسه في محاولته استيعاب كل شيء في حركة المفهوم، يكشف عن شكل آخر من اللامفكر فيه، ذلك الذي يتمثل في "الآخر" الذي يرفض الاندماج في حركة الجدل، في اللحظة التي يعجز فيها المفهوم عن احتواء الفائض الدلالي للواقع. ويمكن القول إن هيغل دون أن يقصد قد أرّخ للامفكر فيه حين جعل من السلبية محركاً للفكر، فهذه السلبية ليست مجرد لحظة مؤقتة في مسار التطور بل هي شرط دائم للإنتاج المفهومي وإلا لتحول الفكر إلى جمود مطبق. إن هيغل في نصه الأكثر غموضاً يلمح إلى أن كل مفهوم يحمل في داخله نقيضه وهذا النقيض هو الذي يمنح المفهوم حركته وحياته لكنه أيضاً ما يظل معلقاً كسؤال مفتوح وكإمكانية للتفكير في غير الممكن.

غير أن المشكلة تأخذ أبعاداً أكثر حدة مع نيتشه، ذلك المفكر الذي جعل من الشك في اللغة ذاتها منهجاً ومن كشف الاستعارات المنسية هدفاً. فنيتشه في مقاله "عن الحقيقة والكذب في المعنى الأخلاقي"، يذهب إلى أن اللغة ليست مرآة للواقع بل شبكة من الاستعارات المتجمدة التي أنشأتها حاجات عملية وأصبحت بمرور الزمن حقائق موضوعية. وإذا كان الأمر كذلك فإن اللامفكر فيه ليس مجرد حد معرفي بل هو أثر لتاريخ من الإقصاءات والتجاهلات، ما لم يقل بعد وما لم يدخل بعد في نسيج الاستعارات المسموعة. إن كل لغة وفق نيتشه تحمل في داخلها "لاوعياً" دلالياً، مجموعة من المعاني المهمشة التي لم تجد طريقها إلى التمثل المفهومي، إما لأنها لا تخدم غايات عملية وإما لأنها تهدد تماسك النظام الرمزي القائم. ويتحول اللامفكر فيه من مجرد عجز معرفي إلى موضوع للتحليل الجينيالوجي وإلى مسرح للصراع بين القوى المختلفة على فرض معانيها وإلى فضاء للتحرر من قبضة المعاني المسلطة.

غير أن ثمة مفارقة تأخذ أبعاداً مأساوية، فبقدر ما تحاول الفلسفة الحديثة كشف آليات إنتاج اللامفكر فيه بقدر ما تقع في شرك إعادة إنتاجه. ذلك أن محاولة قول اللامفكر فيه استدعائه إلى حقل اللغة، تنطوي دائماً على خطر تحويله إلى شيء آخر وإلى مفهوم جديد يخضع بدوره لمنطق الإقصاء والحدود. إنها مفارقة لازمت الفلسفة منذ محاولاتها الأولى، كيف يمكن التفكير في حدود التفكير دون تجاوزها ضمناً؟ وكيف يمكن قول الصمت دون تحويله إلى ضجيج جديد؟ هذه الإشكالية تجد صداها في مشروع فيتغنشتاين المتأخر، حيث يذهب في "أبحاث فلسفية" إلى أن المشكلات الفلسفية تنشأ أساساً من سوء فهم منطق لغتنا وأن مهمة الفلسفة ليست بناء نظريات بل تفكيك أوهام المعنى وكشف الألعاب اللغوية التي تشكل سياقاتها الخاصة. لكن فيتغنشتاين نفسه يدرك أن هناك ما لا يمكن قوله، لكنه يختلف عن كانط في أن هذا "اللامقول" ليس حدا متعالياً بل هو نتاج لتشكلات لغوية محددة، لما يمكن أن نسميه "اللاوعي اللغوي" الذي يحدد سلفاً ما يمكن التعبير عنه وما يستعصي. أما "اللامفكر فيه" في هذا السياق فهو ذلك المعنى الذي لا يمكن استخلاصه من قواعد لعبة لغوية بعينها، ذلك الفائض الذي يحيل إليه كل استخدام لكنه يظل خارج إطار القواعد. غير أن هذه المقاربات، مهما بلغت دقتها تظل محكومة بنوع من السذاجة الإبستمولوجية حين تغفل البعد التاريخي والاجتماعي لمسألة اللامفكر فيه. ذلك أن ما يعتبر "لامفكراً فيه" في حقبة تاريخية معينة قد يصبح محوراً للتفكير في حقبة لاحقة، ليس بسبب تغير في بنية العقل بل بسبب تحول في العلاقات الاجتماعية وفي طرق الإنتاج وفي أنساق القيم السائدة. يتبدى هنا دور المادية التاريخية في تقديم قراءة مغايرة تماماً حيث تتحول حدود الفكر من مسألة متعالية إلى مسألة متجذرة في البنى التحتية للمجتمع. إن اللامفكر فيه وفق هذه الرؤية ليس نتاجاً لقيود العقل المحض بل هو نتاج لعلاقات القوة التي تتحكم في إنتاج المعرفة وفي تحديد ما يستحق أن يقال وما يجب تجاهله. إنه صنيعة الأيديولوجيا بقدر ما هو صنيعة اللغة وهنا يلتقي ماركس مع نيتشه في لحظة نادرة كلاهما يكشفان عن أن ما لا نفكر فيه ليس مجرد عجز معرفي بل هو أيضاً نتاج لإرادة في الإقصاء ولرغبة في الحفاظ على نظام معين من المعاني.

غير أن هذه الرؤية الماركسية في صيغها المختزلة قد تقع في فخ آخر وهو التعامل مع اللامفكر فيه كمجرد نتاج لمرحلة تاريخية سيزول مع زوال أسبابها المادية. وهنا يظهر هايدغر ليقدم تحليلاً أكثر عمقاً وتركيباً إذ يرى أن مشكلة اللامفكر فيه ليست مرتبطة بمرحلة تاريخية معينة ولا هي مجرد وهم معرفي يمكن تجاوزه بتطوير آليات منهجية. بالنسبة لهايدغر في "الكينونة والزمان"، اللامفكر فيه متجذر في نسيج الكينونة ذاتها وفي طبيعة الوجود الإنساني الذي يكون في العالم قبل أن يفكر فيه. إن الوجود الإنساني كما يفهمه هايدغر هو "كائن في العالم" (Dasein) يمارس أفعاله ويتخذ قراراته قبل أن يطور أي وعي نقدي بشروط إمكان هذه الممارسة وهذا القرار. إن ما يسميه هايدغر "اللامفكر فيه" ليس مجرد ما لم نفكر فيه بعد بل هو ما لا يمكننا التفكير فيه طالما بقينا أسرى النزعة التمثيلية للفكر التي تسيطر على الميتافيزيقا الغربية. إنه الكينونة ذاتها التي نعيشها كل لحظة دون أن نستطيع تمثلها ودون أن تتحول إلى موضوع أمامي لأنها ليست موضوعاً بل هي أفق كل موضوعية. ويعيد هايدغر إحياء الفكرة القائلة بوجود "لامفكر فيه" في صميم التفكير، ليس كعيب أو قصور بل كشرط ضروري لأي فعل تفكير وكأرضية خصبة تنبت منها كل المعاني.

غير أن هذه الرؤية الهايدغرية وإن كانت عميقة تواجه مشكلة أخرى وهي كيف يمكن الحديث عن "لامفكر فيه" دون أن نحوله إلى مفهوم ودون أن نطويه في شبكة دلالية تخصبها وتفقره في آن؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه جيل دولوز بقوة حيث يرى أن الفلسفة ليست تأملاً ولا تواصلاً ولا حتى تأسيساً للمعرفة بل هي إبداع مفاهيمي. وفي هذا الإطار يصبح اللامفكر فيه ليس منطقة معتمة يجب تجاوزها بل مصدراً للخلق والإبداع وهو ما يدفع الفكر إلى الخروج عن مألوفه وإلى اختراع مفاهيم جديدة قادرة على التقاط ما كان مستعصياً. إن دولوز في شراكته مع غواتاري يطرح فكرة "السيولة" و"التشظي" بوصفهما صفتين جوهريتين للوجود وهما ما يظلان عادة في منطقة اللامفكر فيه لأن الميتافيزيقا التقليدية فضلت الجمود والوحدة. لكن اللامفكر فيه هنا لا يظل سلبياً بل يصبح قوة دافعة وطاقة إبداعية تدفع الفكر إلى تجاوز حدوده وإلى خلق مسارات غير متوقعة.

وهنا تكمن المفارقة الأعمق، كل محاولة لخلق مفاهيم جديدة ولتوسيع حدود اللامفكر فيه وتخلق بدورها لامفكراً فيه جديداً، حدوداً جديدة لا يمكن للفكر تخطيها في الحال. إن الأمر أشبه بمن يحاول إضاءة زوايا الغرفة، فكل زاوية تضيء تكشف عن زوايا أخرى أشد ظلاماً وهكذا إلى ما لا نهاية. هذه الحلقة المفرغة هي ما جعل أدورنو في "الجماليات السلبية" يطرح فكرة أن الفلسفة الحقيقية لا تكمن في بناء أنظمة شاملة بل في الحفاظ على التوتر بين المفهوم وغير المفهوم وبين الفكر وما يظل خارج إطاره. إن أدورنو وهو يتأمل إرث الهولوكوست وما يمثله من فشل أخلاقي ومعرفي للحضارة الغربية يصل إلى قناعة مفادها أن أي محاولة لاستيعاب المعاناة الإنسانية في شبكات مفاهيمية هي نوع من الخيانة لأن المعاناة الحقيقية هي ما لا يمكن قوله، هي الصرخة التي تقطع نسيج اللغة وتفجّر حدودها. ويكون اللامفكر فيه ليس مشكلة معرفية تحتاج إلى حل بل أخلاقية تحتاج إلى اعتراف وإلى وقوف عند حدوده دون محاولة اختزاله.

إن العودة إلى نقطة البداية ضرورية الآن، إلى ذلك السؤال الذي يلح بكل عنف: هل اللامفكر فيه حد بنيوي للفكر أم أنه مجرد عارض تاريخي؟ يبدو من خلال كل هذه المقاربات أن الإجابة لا يمكن أن تكون أحادية بل هي متشابكة ومعقدة. إن اللامفكر فيه هو في آن معاً حد بنيوي لأن أي نظام معرفي يقوم على مبادئ إقصاء لا يمكنه احتواء كل شيء وهو أيضاً تاريخي لأن ما يستبعد يتغير بتغير الظروف المادية والاجتماعية والثقافية. ولكن الأهم من ذلك أن اللامفكر فيه ليس مجرد منطقة سلبية بل هو أرضية خصبة لكل إبداع فكري حقيقي وهو ما يدفع الفلسفة إلى إعادة اختراع نفسها باستمرار وإلى التشكيك في مسلماتها وإلى الخروج عن مألوفها. إنه شريك الفكر في رحلته وظله الأبدي وتذكيره الدائم بأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد وأن المعرفة ليست تراكماً بل هي توتر دائم بين النور والظل وبين المسموع والمسكوت عنه وبين المفهومي واللامفهومي.

إن تحليل حدود الإنتاج المفهومي لا ينبغي أن يكون مجرد تمرين أكاديمي بارد بل هو تأمل في مصير العقل البشري نفسه وفي قدرته على تحمل مواجهة حدوده وفي جرأته على الاعتراف بأن ثمّة ما يبقى خارج متناوله، ليس كعيب أو نقص بل كشرط لاستمرار حركته وحياته. إن الفلسفة التي تدرك حدودها والتي تعترف بوجود لامفكر فيه في صميم مشروعها هي فلسفة أكثر تواضعاً لكنها في الوقت نفسه أكثر جرأة لأنها تستطيع أن تتساءل عن شروط إمكانها دون أن تسقط في فخ الميتافيزيقا المغلقة. وما دمنا نكتب وما دمنا نفكر فإن اللامفكر فيه سيظل رفيق دربنا، ذلك الأفق الذي نتحرك نحوه دون أن نبلغه، تلك البقعة المعتمة التي تضيء دروبنا من دون أن نتمكن من رؤيتها مباشرة، تماماً كما يحتاج العين إلى ظلمة الجفن لترى وكما تحتاج الموسيقى إلى الصمت لتسمع وكما تحتاج الحياة ذاتها إلى الموت لتكون.

إذا كان اللامفكر فيه يشكل ذلك الأفق المتواري الذي لا يغيب عن الفلسفة إلا ليظل حاضراً بوصفه شرط إمكانها الأعمق، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو كيف يمكن للفكر أن يقيم علاقة مع هذا اللامفكر فيه دون أن يخونه ودون أن يحوله إلى مجرد موضوع آخر يضاف إلى قائمة موضوعاته ودون أن يقع في شرك الاستلاب الذي حذّر منه أدورنو؟ إنها معضلة منهجية تتجاوز حدود النظرية المحضة إلى منطقة الممارسة الفلسفية ذاتها وإلى الطريقة التي يشتغل بها الفكر حين يواجه حدوده وحين يحاول أن يقول ما لا يمكن قوله دون أن يسقط في تناقضات أدائية تعطل مشروعه من الداخل.

لعل ما يُعرف بـ"المنهج السلبي" في الفلسفة المعاصرة يشكل محاولة جادة للإجابة عن هذا السؤال. فبدلاً من محاولة احتواء اللامفكر فيه ضمن شبكات مفاهيمية جامدة، يقترح هذا المنهج أن نتعامل معه بوصفه محفزاً دائماً لإعادة النظر في مسلماتنا بوصفه تلك النقطة العمياء التي تمنح الرؤية بعدها الثالث وتحررها من رتابة البعدين. إن الفلسفة السلبية كما يصوغها أدورنو في أعماله المتأخرة لا تسعى إلى بناء نظام شامل بل إلى تفكيك الأنظمة وإلى إظهار ما تخفيه من تناقضات وإلى الكشف عن أن كل مفهوم يحمل في داخله أثر ما ينفيه تماماً كما يحمل النحت في داخله رماد المادة التي أزيحت لتظهر الصورة. ويصير اللامفكر فيه ليس هدفاً يجب بلوغه بل منهجاً يجب ممارسته وأسلوباً في التفكير يحافظ على التوتر بين المعرفة واللا معرفة ولا يختزل أحدهما إلى الآخر.

هذا المنحى يأخذ شكلاً أكثر تطرفاً عند جاك دريدا، ذلك المفكر الذي جعل من التفكيك أداة لزعزعة كل يقين مفهومي وكشف أن كل نصوص الفلسفة الغربية تقوم على ثنائيات هرمية تهمّش أحد طرفيها وتحتكر الصفة المركزية للآخر. فالتفكيك كما يفهمه دريدا ليس مجرد منهج نقدي بل هو وعي بأن المعنى يتأجل باستمرار وأن كل محاولة لتثبيته تخلق في الوقت نفسه إمكانية لتأجيله وأن ثمة دائماً فائض دلالي يفلت من كل شبكة مفاهيمية مهما بلغت دقتها. وهذا الفائض هو صورة أخرى للامفكر فيه لكنها ليست منطقة سلبية يُنظر إليها بوصفها عجزاً بل هي شرط إمكان كل معنى وهي أفق التشكل الدلالي الذي لا يمكن اختزاله إلى حضور مطلق. من هنا، يتحول اللامفكر فيه عند دريدا إلى "أثر" يتعذر تمثله وإلى "كتابة" لا تخضع لمنطق الصوت والحضور وإلى ما يهز أركان الميتافيزيقا التقليدية من داخل أسسها ذاتها.

غير أن ثمّة سؤالاً لا بد من طرحه هنا، ألا يؤدي هذا الانكباب على اللامفكر فيه وهذا الوعي المتعاظم بحدود الفكر إلى شلل معرفي وإلى موقف لا تستطيع معه الفلسفة أن تقدم أي حكم عن العالم، وأن تتحول إلى مجرد لعبة لانهائية من التأويلات المتداخلة؟ هذا هو الاتهام الذي يوجهه العديد من المفكرين من مختلف المشارب إلى الفلسفات النقدية التي جعلت من اللامفكر فيه محوراً لها. لكن هذا الاتهام مهما بدا معقولاً يستند إلى فهم مغلوط لدور الفلسفة وعلاقتها بالحياة العملية. فالفلسفة التي تعترف بحدودها والتي تدرك أن ثمّة ما يبقى خارج متناولها ليست فلسفة مشلولة بل هي فلسفة أكثر قدرة على التدخل في الواقع لأنها لا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة ولا تسعى إلى فرض رؤيتها على الآخرين بل تنفتح على الحوار والاختلاف وتستمع إلى أصوات المهمشين والمقصيين وإلى تلك التجارب التي لا تجد لها مكاناً في الخطاب الرسمي.

إن الفيلسوف الذي يكتب وهو مدرك أن ثمّة لامفكراً فيه يضمر في كل جملة يكتبها، هو فيلسوف يستمع إلى صمته الخاص وإلى صمت الآخرين ويعرف أن الكتابة الفلسفية ليست مجرد تدوين للأفكار بل هي مواجهة مع ما لا يُكتب، مع المسكوت عنه ومع تلك اللحظات التي يتوقف فيها المعنى ويبدأ اللا معنى في الظهور. وهنا يتقاطع المشروع الفلسفي مع المشروع الأدبي في أسمى تجلياته حيث يتحول النص إلى فضاء للتوتر بين القول والصمت، بين المعلن والمضمر وبين ما يمكن التعبير عنه وما يظل رهين الإشارة واللمح. إن الفلسفة التي تحترف اللامفكر فيه والتي لا تسعى إلى استيعابه بقدر ما تسعى إلى الحوار معه هي فلسفة تدرك أن الحقيقة ليست مكمنة في مكان واحد بل هي موزعة بين ما نقوله وما لا نقوله بين حضورنا في اللغة وغيابنا عنها وبين ما نعرفه وما نجهله.

إن اللامفكر فيه ليس عدواً للفلسفة بل هو رفيقها الأبدي، هو تلك البقعة المعتمة التي تمنح العين قدرتها على الرؤية، هو الصمت الذي يمنح الكلام معناه وهو الموت الذي يمنح الحياة قيمتها. إن الفلسفة التي تتصالح مع هذا اللامفكر فيه والتي تعترف به كجزء من تكوينها الذاتي، هي فلسفة تنمو وتتطور، تتجاوز نفسها باستمرار ولا تستقر على نظام مغلق. إنها فلسفة تعرف أن كل إجابة تثير أسئلة جديدة وأن كل مفهوم يحجب بقدر ما يكشف وأن كل معرفة تحمل في داخلها بذور جهل جديد.

إن تحليل حدود الإنتاج المفهومي ليس مجرد ممارسة أكاديمية باردة بل هو تأمل في مصير الإنسان الحديث، في واقعه الذي يزداد تعقيداً وتشابكاً، في تلك الظواهر التي تعجز اللغة عن احتوائها وفي تلك المعاناة التي تفلت من كل شبكات التفسير. إن العقل الذي يدرك حدوده والذي يعترف بأن ثمّة ما لا يمكن قوله هو عقل أكثر إنسانية، أكثر قدرة على التعاطف مع الآخر، على الاعتراف باختلافه، على احترام غموضه. وهذا الاعتراف بالحدود ليس انكساراً أو هزيمة بل هو بداية لحكمة جديدة، لحكمة تعرف أنها لا تعرف، حكمة تدرك أن الطريق إلى الحقيقة يمر عبر متاهات الشك، عبر وديان الصمت، عبر تلك المناطق التي لا تطأها أقدام المفاهيم. وتبقى الفلسفة ذلك السؤال المفتوح الذي لا ينغلق، ذلك الحراك الدائم الذي لا يستقر وتلك الرحلة التي ليس لها محطة نهائية. واللامفكر فيه هو وقود هذه الرحلة هو ما يدفعها إلى الأمام وهو الريح التي تهب في شراعها حين توشك على الجمود. إن الفلسفة الحقة إذا جاز التعبير هي ذلك الجهد المتواصل للإبحار نحو ما لا يمكن بلوغه، هي تلك المغامرة الفكرية التي لا تضمن وصولاً لكنها تضمن حركة ونماءً. وربما كان هذا هو أعظم دروس الفلسفة أنها ليست مجموعة من الأجوبة بل هي فن طرح الأسئلة، وليس تعلماً للمعرفة بل هي تمرين على الجهل النشط، على القدرة على العيش مع الغموض، على تحمل وطأة ما لا نعرفه ولا يمكننا أن نعرفه. ويظل اللامفكر فيه ليس حدوداً توقف الفكر بل أفقاً يفتحه، ليس جداراً يحجره بل نافذة تطل منه على فضاءات لا متناهية من الإمكان، على عوالم لم تكتشف بعد، على معانٍ لم تولد بعد في رحم اللغة، على أسئلة لم يجرؤ أحد على طرحها، لكنها تنتظر في صبرها الأبدي من يوقظها من سباتها العميق.

***

د. حمزة مولخنيف

بين التنظير والفعل.. مقاربة تحليلية

مقدمة: تشكل تفاعلات اللغة والعقل والمجتمع محوراً مركزياً في الفلسفة المعاصرة، إذ لم تعد هذه العناصر الثلاثة مجرد مجالات منفصلة، بل أصبحت متشابكة في شبكة ديناميكية تعكس تحولات العصر. منذ "المنعطف اللغوي" في القرن العشرين، أصبحت اللغة ليست مجرد أداة تعبير عن العقل أو وصف للواقع الاجتماعي، بل الوسيط الأساسي الذي يشكل العقل نفسه ويبني المجتمع. في الوقت ذاته، يطرح الفكر المعاصر سؤالاً جوهرياً: كيف ننتقل من التنظير – كتأمل مفهومي وتحليلي – إلى الفعل – كممارسة اجتماعية وتحويلية؟ تتناول هذه الدراسة هذه التفاعلات بمقاربة تحليلية معمقة، تتتبع الخيوط الفكرية بين التيارات التحليلية والقارية، والبراغماتية والنقدية، مع التركيز على التوتر الإنتاجي بين التنظير والفعل. تهدف إلى إبراز كيف أن فهم هذه التفاعلات يساعد في مواجهة تحديات العصر الراهن مثل الذكاء الاصطناعي، العولمة الرقمية، وأزمات الهوية. فماهي ملامح المقاربة التحليلية في اللغة والعقل؟

أولاً: المنعطف اللغوي وإعادة تشكيل مفهوم العقل

بدأ المنعطف اللغوي مع فيتغنشتاين (المتأخر) ورسل وأوستن، حيث تحولت اللغة من مرآة للعقل إلى شرط إمكان العقل نفسه. في الفلسفة التحليلية، أصبح العقل مفهوماً من خلال "الألعاب اللغوية" و"الاستخدام". لم يعد العقل كياناً داخلياً منفصلاً، بل شبكة من القدرات اللغوية المكتسبة اجتماعياً. يبرز هنا التوتر بين التنظير والفعل: التنظير التحليلي يسعى إلى الوضوح اللغوي والدقة المفاهيمية (كما عند كواين أو ديفيدسون)، لكنه غالباً ما يبقى في دائرة التحليل النظري. أما في البراغماتية (ديوي، رورتي)، فاللغة أداة للعمل: العقل ليس جوهراً بل عملية استدلالية اجتماعية، والمعنى يتحقق في النتائج العملية. هكذا يصبح الفعل جزءاً من بنية العقل، لا نتيجة له. في التيار القاري، خاصة عند هيدغر، اللغة "بيت الوجود"، والعقل متجذر في اللغة التي تكشف العالم. أما عند دريدا فالتفكيك يظهر أن العقل يعاني من "الاختلاف" اللغوي الذي يجعله غير مستقر، مما يدفع نحو فعل نقدي مستمر يفكك البنى الاجتماعية المبنية على ثنائيات لغوية.

ثانياً: اللغة كبناء اجتماعي والعقل كمنتج مجتمعي

يؤكد الفكر المعاصر على أن اللغة ليست فردية بل اجتماعية بالأساس. عند هابرماس، تؤسس "الفعل التواصلي" العقل على أساس اللغة الموجهة نحو الفهم المشترك. هنا يلتقي التنظير بالفعل: النظرية النقدية ليست وصفاً محايداً، بل مشروعاً تحررياً يهدف إلى "الديمقراطية التداولية" من خلال شروط تواصل خالية من التشوه.

 في مقابل ذلك، يرى فوكو أن اللغة (الخطاب) هي آلية سلطة تشكل العقول والأجساد. الخطابات الطبية، التعليمية، والجنسانية لا تصف الواقع بل تخلقه. العقل هنا ليس حراً بل "منتجاً" للمجتمع السلطوي. الفعل الفلسفي يصبح إذاً مقاومة و"آركيولوجيا" للمعرفة، ثم "جينيالوجيا" للسلطة.

أما بورديو فيربط اللغة بالرأسمال الرمزي: اللغة أداة هيمنة طبقية، والعقل الفردي مشبع بـ"الهابيتوس" الاجتماعي. التحليل هنا يدعو إلى فعل اجتماعي يعيد توزيع الرأسمال اللغوي.في الفلسفة ما بعد الكولونيالية (سبيفاك، سعيد)، تكشف اللغة عن "الصمت" الذي تفرضه اللغات المهيمنة على الآخر. العقل المستعمَر يحتاج إلى "كتابة المقاومة"، مما يجعل الفعل اللغوي-السياسي أساسياً.

ثالثاً: فلسفة العقل المعاصرة في ضوء اللغة والمجتمع

في فلسفة العقل التحليلية، برزت نماذج مثل "الوظيفية" عند بوتنام وفودور، حيث يُفهم العقل كبرنامج يمكن تنفيذه في أي وسيط (دماغ أو حاسوب). لكن اللغة تظل محورية: الصلة بين المعنى والمرجع الخارجي عند بوتنام تظهر أن محتوى العقل يعتمد على البيئة الاجتماعية واللغوية. مع ظهور الذكاء الاصطناعي، يتعمق السؤال: هل يمتلك النموذج اللغوي الكبير "عقلاً"؟ هنا يلتقي التنظير (كما عند سيرل في "الغرفة الصينية") بالفعل: إذا كانت اللغة مجرد تلاعب رمزي، فهل يمكن للآلة أن تشارك في الفعل الاجتماعي الحقيقي؟

في التجسدية حسب الفينومينولوجيا ، يرفض العقل أن يكون منفصلاً عن الجسد والعالم الاجتماعي. اللغة هنا "إيمائية" و"تفاعلية"، والفعل يسبق التنظير أو يرافقه.

رابعاً: التوتر الإنتاجي بين التنظير والفعل

يمثل هذا التوتر قلب الفلسفة المعاصرة. البراغماتية تجعل التنظير أداة للفعل: "الصدق" هو ما ينجح عملياً (جيمس، ديوي). أما الماركسية النقدية (من لوكاتش إلى هابرماس) فترى أن التنظير بدون فعل هو "وعي زائف"، والفعل بدون تنظير أعمى. في الفكر ما بعد الحداثي (ليوتار)، انهيار "السرديات الكبرى" يحرر الفعل المحلي واللغوي الصغير، لكنه يهدد بتفتيت الفعل الجماعي. أما في الفلسفة النسوية والإيكولوجية، فاللغة والعقل مرتبطان بـ"المعرفة الموضعية" ( وضعية المعرفة عند هاراواي)، مما يدعو إلى فعل سياسي يعيد بناء علاقات الإنسان بالطبيعة والآخر. التحليل يكشف أن الفعل الناجح يتطلب تنظيراً يدرك حدوده اللغوية والاجتماعية، بينما التنظير العميق ينبغي أن يؤدي إلى تحويل الممارسات.

خامساً: التحديات المعاصرة والآفاق المستقبلية

في عصر الرقمنة، أصبحت اللغة خوارزمية، والعقل موزعاً على الشبكات، والمجتمع "سائل" (باومان). هذا يطرح أسئلة جديدة: كيف نحمي "الذات" اللغوية وسط الفقاعات الرقمية؟ وكيف نصوغ فعلاً أخلاقياً مشتركاً في عالم ما بعد الحقيقة؟

الفلسفة المعاصرة مدعوة إلى مقاربات هجينة تجمع الدقة التحليلية بالعمق التأويلي، والتنظير بالتدخل الاجتماعي. كما أنها تحتاج إلى دمج المعارف غير الغربية لتخصب تفاعلات اللغة والعقل والمجتمع.

خاتمة

تكشف تفاعلات اللغة والعقل والمجتمع في الفلسفة المعاصرة عن وحدة عميقة: اللغة تشكل العقل، والعقل يبني المجتمع، والمجتمع يعيد صياغة اللغة في حلقة مستمرة. بين التنظير والفعل ليس ثنائية بل شراكة ديناميكية؛ التنظير بدون فعل عقيم، والفعل بدون تنظير عشوائي. المقاربة التحليلية تؤكد أن مهمة الفلسفة اليوم هي الحفاظ على هذا التوتر الإبداعي، ليس للوصول إلى إجابات نهائية، بل لتمكين ممارسات إنسانية أكثر وعياً وعدلاً وإبداعاً. في عالم يتسارع نحو الآلية والتجزئة، تبقى الفلسفة صوتاً يذكرنا بأن اللغة يمكن أن تكون أداة تحرر، والعقل أداة تفكير مشترك، والمجتمع فضاء للوجود الأصيل. فماهي المكاسب المنجرة عن المقاربة التحليلية في دراسات المجتمع؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في إمكان بناء يقين فلسفي جديد

في البدء كانت الدهشة وتلك الدهشة التي لم تزل منذ أيام الإغريق تُمثِّل الرحم الذي يولد منه السؤال الفلسفي، كانت دائماً تسبق اليقين بل كانت هي الشرارة التي تشعل لهيب البحث عن اليقين، غير أن هذه الدهشة نفسها قد تحولت في مسار التاريخ الفلسفي الطويل إلى أداة للاستقرار وإلى مجرد بوابة نعبر منها لنصل إلى النظام، إلى البناء، إلى الصرح المكتمل الذي يبدو وكأنه يغلق على نفسه ويعلن عن نهاية الحاجة إلى التساؤل. ولكن ما الذي يحدث حين تنقلب هذه الدهشة على نفسها، حين تصبح الدهشة دهشة من الدهشة نفسها، حين لا يعود السؤال يقود إلى جواب بل يقود إلى سؤال أعمق وحين لا يعود اليقين الميتافيزيقي بكل تجلياته من أفلاطون إلى هيغل قادراً على احتواء هذا السيل الجارف من الأسئلة التي أطلقتها نهاية الميتافيزيقا؟ هنا، عند هذه النقطة الدقيقة والموجعة نقف اليوم في منتصف عتمة معرفية لم تعد ترضيها الأضواء الكاذبة، ولم تعد تأنس إلى الاستقرار الذي وفرته الأنظمة الفلسفية الكبرى لأن تلك الأنظمة مهما بلغت من عظمة قد ظهرت لنا في ضوء النقود الدائمة على أنها كانت تقوم على إغفال، على تهميش، على نسيان، على إسكات لأصوات كانت تهمس في هوامش التاريخ وتصرخ أحياناً في زوايا النصوص المهملة.

لقد كان المأزق الذي نرمي إليه منذ بداية هذا المقال ليس مأزقاً نظرياً بحتاً بل هو مأزق وجودي قبل كل شيء، لأن السؤال عن إمكان بناء يقين فلسفي جديد، بعد أن تكشفت لنا هشاشة كل يقين قديم، هو في العمق سؤال عن إمكان الحياة نفسها وعن إمكان أن نحيا دون أن تكون لنا مرجعية مطلقة نستند إليها ودون أن يكون لنا أساس متين نقف عليه ودون أن يكون لنا يقين يهدئ روعنا ويوقف ترددنا ويجعل أفعالنا ذات معنى ثابت. وهذه هي القضية الجوهرية التي ستشغل مقالنا هذا، كيف يمكن للفكر أن ينتج يقيناً وهو يعرف أن كل أسسه كانت أوهاماً وأن كل حقائقه كانت نسبية وأن كل معانيه كانت معلقة بسلسلة من الإحالات التي لا تنتهي؟ وأكثر من ذلك كيف يمكن لهذا اليقين الجديد أن يكون، ليس رجوعاً إلى الماضي الميتافيزيقي ولا انحلالاً في تيار الشك المطلق بل هو خيار ثالث، خيار يصنع من اليأس قوة ومن اللاأساس حرية ومن اللايقين يقيناً من نوع آخر، يقيناً لا يبحث عن الجمود بل يبحث عن الحركة، لا يبحث عن النهاية بل يبحث عن البداية الدائمة، لا يبحث عن المعنى النهائي بل عن إنتاج المعنى في كل لحظة من خلال الفعل ومن خلال العلاقة مع الآخر ومن خلال الالتزام الأخلاقي الذي لا يحتاج إلى سند ميتافيزيقي ليكون ملزماً.

هاته الأسطر التي نفتتح بها هذا المسير الفلسفي الطويل ليست مجرد استهلال بلاغي بل هي إعلان نية، هي إعلان أننا سنغوص في هذا المأزق بكل وعي دون أن نبحث عن مخارج سهلة ودون أن نستعير حلولاً جاهزة من تراث مضى، ولكننا سنحاول أن نفكر بقدر ما يسمح لنا الزمن واللغة والجهد في إمكان أن تقوم الفلسفة بعد كل هذه النقوضات على غير ما قامت عليه من قبل، على غير الأساس، على غير اليقين المطلق، على غير الحقيقة الكلية، بل على شيء آخر، شيء يظل اسمه معلقاً بين الكلمات، بين الشك والإيمان، بين المعرفة والحياة، بين الموت الذي ينتظرنا، والحياة التي نعيشها الآن، هنا في هذا الزمن المضطرب الذي يطلب منا أن نكون لا أن نعرف فقط وأن نسأل، لا أن نجيب وأن نبحث عن يقيننا الخاص، في صمتنا وفي حوارنا وفي قراءاتنا وفي تأملاتنا وفي كل لحظة نجرؤ فيها على مواجهة المجهول، دون أن ننتظر من أحد أن يمنحنا الخريطة أو أن يرشدنا إلى الطريق، لأن الطريق كما قال الشاعر، يصنع بالمشي واليقين.

المأزق الذي نرمي إليه هنا ليس مجرد عقبة عابرة في مسار التفكير بل هو تلك الهوة السحيقة التي تتشكل حين تنهار أرض المعرفة تحت أقدام السائل وحين تتلاشى الأسئلة الكبرى التي كانت تشغل حيزاً مقدساً في وجدان الفلسفة، فلا تعود الأجوبة عنها ممكنة بالطرق التي كانت سائدة ولا تعود الأسئلة نفسها قابلة للحياة في مناخ فكري أصبح يضج بالشكوك والتفكيكات. لقد كان التأسيس الفلسفي منذ أفلاطون حتى هيغل مشروعاً قائماً على فكرة أن ثمّة حقيقة مطلقة يمكن الوصول إليها أو على الأقل يمكن الاقتراب منها بصورة مطّردة وأن العقل البشري مزود بآليات تمكنه من بناء نظام معرفي متكامل يكون بمثابة صرح يقيني لا تتزعزع دعائمه أو على أقل تقدير يكون قادراً على تقديم مسوغات قوية لهذا الادعاء. ولكن نهاية الميتافيزيقا بتعبير هيدغر أو موت الله عند نيتشه أو نهاية الإنسان بوصفه موضوعاً للعلوم الإنسانية عند فوكو أو تفكيك الحضور عند دريدا كل هذه الإعلانات التي بدت في القرن العشرين وكأنها تنذر بفلسفة جديدة حملت في طياتها أكثر من مجرد نقض للمذاهب السابقة بل كانت أشبه بقطع الحبل الذي كانت الفلسفة تتعلق به، ذلك الحبل الذي يصل بين العقل والوجود، بين الذات والموضوع، بين اللفظ والمعنى وبين الحقيقة والتمثل.

ولعل السؤال الذي يلح الآن بإلحاح الوجع الفلسفي الذي لا يجد مسكناً هو هل يمكن بعد أن تهشمت تلك الصورة الكلاسيكية للفلسفة وأصبح كل بناء نظري مكشوفاً على هشاشته النسبية أن نؤسس بيقين جديد؟ وهل هذا اليقين الجديد هو مجرد إعادة إنتاج لليقين القديم بثياب حديثة أم أنه يقين من نوع آخر، يقين يعرف حدوده بل يستمد قوته من معرفة حدوده، يقين لا يسعى إلى تغطية الوجود بشبكة من المفاهيم الكلية بل يحاول أن يتنفس داخل الفراغ الذي خلفته انهيارات الميتافيزيقا؟ إن الوقوف على هذا السؤال ليس وقفة المتفرج أو المحلل البارد بل وقفة المغترب الذي وجد نفسه فجأة بلا وطن أنطولوجي وقد تحولت كل الأوطان التي كان يؤوي إليها وهي المذاهب الفلسفية الكبرى، إلى خرائب تستحق التأمل لا السكنى. فكيف يمكن لنا أن نفكر في بناء ونحن لم نعد نملك معاول البناء القديمة بل إننا لم نعد نعرف إن كانت الأرض التي نقف عليها صالحة لوضع أساس؟ وكيف يمكن لليقين أن يولد من رحم الشك الذي لم يعد شكا منهجياً على طريقة ديكارت بل شكا وجودياً، شكا في قدرة اللغة على الإمساك بالمعنى وفي قدرة الذات على تثبيت هويتها وفي قدرة التاريخ على إنتاج معنى متصاعد؟

لا بد من العودة إلى اللحظة التي تقمصت فيها الفلسفة دور المؤسس لنرى كم كان ذلك التأسيس مشوباً بمقدمات لم تكن يوماً محايدة. حين حاول أفلاطون أن يقيم عالم المثل بوصفه عالم الحقائق الثابتة التي تشكل نموذجاً للعالم المحسوس، كان يمارس فعل إقصاء عنيف ضد كل ما هو سيال ومتغير، وكان يضرب في عمق الميل الإنساني إلى الجمود، إلى الثبات، إلى الهروب من رعب الزمن وتقلباته. وهذه الرغبة في التثبيت في إيجاد نقطة ارتكاز ثابتة، هي التي تغذت عليها الفلسفة الميتافيزيقية في مختلف صورها، من أرسطو إلى توما الأكويني إلى ديكارت إلى كانط إلى هيغل، فكل هؤلاء كانوا يبحثون عن شيء لا يتزعزع، عن أرض صلبة يمكن للعقل أن يبني عليها صرحه. ولكن هذه الأرض التي كانت تبدو صلبة كانت في الحقيقة مجرد وهم ناتج عن خلط بين الحاجة النفسية للطمأنينة والضرورة المنطقية للبرهان. فلم يكن اليقين الذي قدموه يقيناً مطلقاً بل كان يقيناً ضمنياً يتوقف على مجموعة من المسلمات غير المبررة أو على الأقل غير المبررة بشكل كاف، مثل الإيمان بقدرة العقل على اختراق الظواهر للوصول إلى النواهي أو الإيمان بوجود نظام كلي في الوجود يمكن للفكر أن يطابقه أو الإيمان بأن التاريخ يسير نحو غاية يمكن للفلسفة أن تدركها وتعلن عنها.

ولعل كانط هو الأكثر وعياً بهذا المأزق حين حاول أن يحدث ثورة كوبرنيكية في الفلسفة وجعل الذات العارفة هي التي تفرض قوانينها على الموضوع بدلاً من أن تكون الموضوعات هي التي تملي على الذات صورها. لكنه برغم هذا التحول الجذري ظل أسير الفكرة الميتافيزيقية ذاتها، لأنه احتفظ بثنائية الظاهرة والشيء في ذاته وجعل من الشيء في ذاته حدا للعقل لكنه في الوقت نفسه أبقى على إمكان التفكير في هذا الشيء في ذاته وإن لم يكن ممكناً معرفته، وهذا التفكير في المطلق يبقى من قبيل الميتافيزيقا لأن الميتافيزيقا ليست مجرد علم بما وراء الطبيعة بل هي أصلاً ذلك الميل إلى تجاوز المعطى نحو ما هو غير معطى إلى الإيحاء بوجود طبقة أخرى من الوجود أكثر أصالة من الوجود الظاهراتي. وحتى حين حاول كانط أن يحد من ادعاءات العقل الخالص كان يمارس ميتافيزيقا حدية أو ميتافيزيقا سلبية، تظل مشغولة بالحدود وبتعيينها وهذا التعيين نفسه هو نوع من التجاوز لأن الحدود لا تحدد إلا من جهة ما يتجاوزها ومن جهة ما يتصور تجاوزها.

أما هيغل فقد ذهب إلى أقصى مدى في هذا المشروع التأسيسي فجعل من المطلق ليس مجرد فكرة مجردة بل حركة، حركة جدلية ينتقل فيها الوعي من مرحلة إلى أخرى محققاً ذاته عبر الصيرورة التاريخية، حتى يصل إلى المعرفة المطلقة التي لا تتجاوزها معرفة. وهنا في قمة هذا الصرح الهيغلي نجد اليقين الفلسفي قد بلغ أوجه أو على الأقل قد بلغ أوجه في الصياغة النظامية حيث يتطابق العقل مع الواقع والذات مع الموضوع والماهية مع الوجود. لكن هذه التطابقية وهذه المصالحة الشاملة هي التي جعلت هيغل أسهل ضحايا النقض لأن كل ما يبدو شاملاً وكلياً ومطابقاً هو أول ما يثير الشك، الشك في أن ثمّة شيئاً ما قد أغفل أو تم إسكاته أو تم تضمينه في نظام لا يترك له مجالاً للظهور. فكانت الفلسفات التي تلت هيغل وخصوصاً فلسفة كيركغور الذي رأى في هذا النظام الجبار محاولة لإلغاء الفرد ووجوده المتشظي ونيتشه الذي رأى فيه أسطورة العقل التي تخفي إرادة القوة وماركس الذي رأى فيه أيديولوجية تبرر الواقع القائم بدلاً من تغييره، كل هؤلاء كانوا يعلنون كل بطريقته أن التأسيس الهيغلي لم يكن إلا ستاراً يخفي هاوية وأن اليقين الذي أعلنه لم يكن يقيناً فلسفياً بقدر ما كان يقيناً إيمانياً مقنعاً بثياب عقلانية.

غير أن النقض الحقيقي للميتافيزيقا، النقض الذي لم يكتف بنقض مذهب معين أو نظام خاص بل نقض الفكرة نفسها أي فكرة التأسيس واليقين المطلق، لم يأت إلا مع هيدغر الذي أعلن أن مهمة الفلسفة ليست بناء أنظمة بل تفكيك تاريخ الميتافيزيقا أي كشف الطريق التي انحرفت بها الفلسفة عن السؤال الأصلي، سؤال الوجود، لتنشغل بدلاً من ذلك بالموجودات أي بالكائنات وتحاول أن تؤسس علماً للكائنات متناسية الفرق الأنطولوجي بين الوجود والموجود. هيدغر في كونه رأى أن الفلسفة الغربية كلها من أفلاطون إلى نيتشه، هي ميتافيزيقا أي أنها فكرت في الوجود بوصفه حضوراً بوصفه شيئاً حاضراً أمام الذات يمكن تمثله وضبطه متناسية أن الوجود نفسه ليس كائناً وليس شيئاً يمكن حضوره بل هو الحدث الذي يحدث فيه كل حضور. فإذا كان الأمر كذلك فإن أي محاولة لتأسيس يقين فلسفي جديد لا بد أن تنطلق من الاعتراف بأن هذا الوجود لا يمكن أن يكون موضوعاً للمعرفة بالمعنى التقليدي وأن حضور الكائنات في سياقها الزماني والمكاني يحمل في طياته غياباً لا يمكن رده وعلامة لا يمكن اختزالها إلى دال ثابت. ويصبح اليقين الجديد ممكناً لا بالبحث عن أساس مطلق بل بالغوص في هذا الغياب، بالوقوف عند الحدود التي لا يمكن تجاوزها، بالإصغاء إلى صوت الوجود الذي لا ينطق بمقولات واضحة بل يهمس في ثنايا اللغة والفن والتاريخ وفي تجارب الحدود كالموت والقلق والملل.

ثم أتى دريدا ليضرب في صميم هذه الفكرة بأداة التفكيك، تلك الآلة النقدية التي لا تكتفي بنقض الميتافيزيقا بل تحاول أن تعمل من داخلها، أن ترى كيف أن كل بناء فلسفي يقوم على إقصاء شيء ما، على تهميش طرف مقابل للطرف الذي يضعه في مركز الوجود والمعنى. إن التفكيك ليس مجرد تدمير للأنظمة، بل هو استراتيجية للقراءة، تبين أن النصوص الفلسفية تحوي في طياتها ما ينقضها، وأن الثنائيات التي تؤسس الفكر (كالحضور والغياب والذات والموضوع واللفظ والمعنى والجسد والروح) ليست ثنائيات متساوية بل هي دوماً ثنائيات هرمية، يخضع فيها أحد الطرفين للآخر ويتم إسكات الطرف الآخر أو تهميشه. وإذا أردنا أن نفكر بعد الميتافيزيقا فلا يكفي أن نقلب هذه الثنائيات أي أن نجعل الطرف المهمش مركزياً لأن ذلك سيؤدي ببساطة إلى إعادة إنتاج الآلية الإقصائية ذاتها بل المطلوب هو تفكيك الثنائية نفسها أي كشف أن المعنى ليس حضوراً مكتملاً بل هو دوماً مؤجل وأن الكتابة ليست مجرد أثر للكلام الحي بل هي الأصل الذي يسبق حتى الصوت، وأن الاختلاف بكسر الخاء وفتحها معاً هو شرط إمكان المعنى وشرط استحالته في آن. فالدال لا يشير إلى مدلول ثابت بل إلى دال آخر، وهكذا في سلسلة لا نهائية من الإحالات، مما يجعل أي معنى نهائي مستحيلاً ويجعل أي يقين قائماً على الحضور الكامل للذات مع نفسها ومع موضوعها ضرباً من الوهم. فهل هذا يعني أننا أمام استحالة مطلقة لليقين وأننا محكومون بالتشتت واللاعقلانية والعبثية؟ ليس الأمر كذلك بالضرورة لأن التفكيك ليس عدواً لليقين بل هو عدو لليقين الزائف، لليقين الذي يزعم أنه مطلق وهو في حقيقته إيديولوجي وهو أيضاً عدو لليقين الذي يغلق الأفق ويجعل الفكر أسير نسقه دون أن يتمكن من النظر فيما وراءه.

إن المأزق الذي نحن بصدده وهو مأزق التأسيس بعد الميتافيزيقا لا يكمن في عدم وجود إجابات، بل يكمن في عدم وجود سؤال واحد يمكن الاتفاق عليه وفي عدم وجود لغة واحدة يمكن أن تكون محايدة بين مختلف التيارات وفي عدم وجود معيار واحد يمكن بواسطته الحكم على صحة الأطروحات. لقد انكشفت لنا بعنف التفكيكات التي تعاقبت طوال القرن العشرين، أن كل تأسيس يقوم على إغفال شيء وأن كل يقين هو يقين بالنسبة لمنظومة معينة وأنه لا وجود لما يمكن أن نطلق عليه يقيناً مطلقاً بقدر ما هو مطلب أخلاقي أو سياسي أو وجودي قبل أن يكون إبستمولوجياً. وهذا الكشف بدلاً من أن يشل حركة الفلسفة يمكن أن يكون نقطة انطلاق جديدة، لأن الفلسفة ليست علماً ولا هي دين ولا هي أيديولوجية بل هي فعل تفكير يتجدد مع كل لحظة، فعل إشكالي بامتياز لا يبحث عن إجابات نهائية بل يبحث عن صياغة أفضل للأسئلة، وعن طرق أكثر دقة للتنبه إلى تعقيد الوجود وعن استراتيجيات للتعامل مع التناقضات والمفارقات التي تشكل نسيج الواقع.

فبدلاً من أن نبحث عن يقين مؤسس على أسس ثابتة مثلما كانت تفعل الميتافيزيقا الكلاسيكية، يمكننا أن نبحث عن يقين مضطرب، يقين يعرف أنه مضطرب، يقين لا يطمح إلى تغطية الكل بل إلى إضاءة زوايا معينة، يقين يتخذ من الخطأ مساراً ومن الفشل تجربة ومن التناقض مادة. وربما كان هذا النوع من اليقين أقرب إلى روح الفلسفة المعاصرة التي تعلمت بعد كل الانتقادات التي وجهت إليها أن التواضع المعرفي ليس رذيلة بل فضيلة وأن الاعتراف بالحدود ليس هزيمة بل بداية حكمة. فالحكمة في هذا السياق ليست امتلاك الإجابات عن كل شيء بل هي القدرة على العيش مع الأسئلة وعلى تحمل الغموض وعلى الانفتاح على ما لا يمكن توقعه وعلى الاستعداد لمراجعة كل ما نظن أننا نعرفه في كل لحظة. وهنا نعود إلى سقراط ذلك الفيلسوف الذي كان يقول إنه لا يعرف شيئاً لكنه كان في الوقت نفسه أكثر فلاسفة اليونان حكمة لأنه كان على وعي بجهله وكان هذا الوعي هو الذي يدفعه إلى التساؤل وإلى البحث وإلى عدم الرضا عن الإجابات الجاهزة. فما نحتاجه اليوم بعد أن تهشمت كل اليقينيات الكبرى ليس يقيناً جديداً شبيها باليقينيات القديمة، بل هو روح سقراطية جديدة، روح تساؤلية لا تتوقف، روح تعرف أن الحقيقة ليست شيئاً يمتلك بل شيئاً يحدث، في لحظة السؤال، في فجوة المعرفة، في توتر الاختلاف.

ويكون اليقين الجديد الذي يراد بعد انهيار الميتافيزيقا لا يقوم على جمود الأساس بل على حركة السؤال ولا على حضور المعنى بل على أفق الانتظار، ولا على انغلاق الدائرة بل على انفتاح المسار. إن العقل الذي يعي أن كل أسسه كانت ضرباً من التجميد وأن كل نظام فلسفي كان محاولة للإمساك بالوجود في شبكة مفاهيمية لا تخلو من عنف التبسيط، ذاك العقل لا يملك أمامه إلا أن يغير نمط اشتغاله، أن يتحول من عقل مؤسس إلى عقل مؤسس، من عقل يستعمر المجهول بعنف المعرفة إلى عقل يصغي إلى ما لا يعرفه، من عقل يعلن الحقيقة إلى عقل يتلمسها، من عقل يبني صروحاً شامخة إلى عقل يحفر آباراً في الصخر، لعله يبلغ الماء أو لعله لا يبلغه لكنه يستمتع بصوت الحفر نفسه. إن الوعي بالانهيار وهو في العمق وعي بالإمكان، لأن الانهيار ليس النهاية التي لا رجعة فيها بل هو الفتح الذي يسمح للرؤية بأن تتسع وللتفكير بأن يستعيد مرونته التي فقدها في الجمود الميتافيزيقي. فالفلسفة حين كانت تبحث عن أسس يقينية ثابتة كانت تشبه مهندساً يريد بناء صرح لا يتزعزع، فينسى أن الأرض التي يبني عليها ليست جامدة بل هي أرض متحركة وأن الزمن نفسه يأكل ما يبنيه وأن كل صرح مهما بلغ من إحكام هو ابن لحظته، وسيكون بالضرورة ابن لحظات قادمة تعيد النظر في كل ما بني. أما الفلسفة بعد الميتافيزيقا، فهي أشبه بالملاح الذي لا يطلب شطا ثابتاً، بل يكتفي بأن يكون في رحلة دائمة، يغير اتجاهاته بحسب الرياح والتيارات، لكنه يظل محتفظاً ببوصلة داخلية، ليس لأنها تشير إلى جهة ثابتة، بل لأنها تشير إلى ضرورة الاستمرار في المسير وإلى أن التوقف هو الموت وأن الجمود هو الخيانة الأولى للفكر.

غير أن هذا الكلام عن اليقين الجديد لا ينبغي أن يُفهم على أنه تراجع عن كل طموح معرفي أو أنه تبرير للفوضى الفكرية واللا مبالاة النظرية أو أنه احتفال بالعبثية كما قد يفهمها البعض. إنه على العكس يضع الفلسفة أمام مسؤولية أكبر، مسؤولية التفكير في حدود التفكير، مسؤولية البحث عن معايير داخلية للصدق والعمق والتماسك، من دون أن تطمح هذه المعايير إلى كونها مطلقة أو خالدة، لكنها ليست أقل قدرة على أن تميز بين القول الجاد والقول الهازل، بين التأمل العميق والتسويق الفكري، بين التفكير الجريء والتفكير الكسول. فاللاأساس الذي أعلنه بعض الفلاسفة المعاصرين بحماسة زائدة لا يعني أن كل شيء مباح ولا أن كل الأقوال متساوية ولا أن الفلسفة أصبحت مجرد لعبة لغوية بلا محتوى بل يعني أن الأساس نفسه هو ما يجب أن يكون موضوع تساؤل دائم وأن القول الفلسفي لا يستمد قوته من كونه مؤسساً على أساس بل من كونه قادراً على أن يثير فينا دهشة جديدة وأن يكشف لنا وجهاً لم نكن نراه من قبل وأن يخلخل ما استقر في عقولنا من بديهيات وهمية. إن اليقين الجديد ليس يقيناً بالجواب بل يقين بالطريق أي أن الفلسفة لم تعد معنية بإنتاج حقائق عن العالم بقدر ما هي معنية بإنتاج أسئلة عن العالم وأسئلة عن قدرتها هي نفسها على إنتاج مثل هذه الأسئلة، وبهذا يصبح السؤال عن السؤال هو أكثر الأسئلة الفلسفية إلحاحاً في زماننا بل هو اليقين الوحيد الذي يمكن أن نتمسك به من دون أن نقع في فخ الميتافيزيقا، يقين بأن السؤال سيبقى مفتوحاً وأن كل جواب مهما بدا مقنعاً ليس إلا محطة مؤقتة في رحلة لا نهاية لها.

وهنا ينبغي التوقف عند نقطة دقيقة وهي أن الاعتراف باستحالة اليقين المطلق لا يعني بالضرورة تبني موقف الشك المطلق، لأن الشك المطلق هو أيضاً نوع من اليقين، يقين بعدم اليقين، وهو بالتالي نسخة مقلوبة من الميتافيزيقا نفسها لأنه يتخذ من اللاأساس أساساً ويجعل من اللايقين يقيناً وهذا تناقض لا يمكن تجاوزه بل يمكن فقط كشفه كتناقض. إن الحكمة الحقيقية في هذا السياق لا تكمن في القفز من اليقين المطلق إلى الشك المطلق بل في إقامة حياة فكرية تتسع لهذا التوتر بين اليقين والشك، بين الحاجة إلى المعرفة والوعي بحدودها وبين الرغبة في البناء والإدراك بأن كل بناء قابل للانهيار. وربما كان هذا هو بالضبط ما عناه كانط حين ميز بين المعرفة والإيمان وجعل للإيمان مجاله الذي لا يمكن للمعرفة أن تدخله، ليس لأن الإيمان دوني بل لأن هناك أشياء في الوجود تستعصي على المعرفة المفاهيمية وتحتاج إلى موقف آخر، موقف عملي أخلاقي أو جمالي يمكنه أن يلامسها من زاوية مختلفة. ولكن كانط ظل في النهاية أسير إطار الميتافيزيقا التقليدية لأنه جعل من الإيمان مجرد بديل للمعرفة في منطقة لا تصلها المعرفة، في حين أن الموقف الذي نقترحه هنا هو موقف مغاير، يتجاوز الثنائية بين المعرفة والإيمان ويرى أن كل معرفة هي في العمق إيمان وكل إيمان هو في العمق معرفة، لأن حدود الفصل بينهما ليست حدوداً جوهرية بل حدود عملية تتحدد بحسب السياق والمعيار والغرض. فالمعرفة العلمية على سبيل المثال لا تقوم على حقائق مطلقة بل على نماذج ونظريات تتغير بتغير الأدلة والملاحظات وهي في هذا ليست أقل إيماناً، إيماناً بقوة العقل وبصلاحية المنهج، من الإيمان الديني وكلاهما يقوم على مقدمات لا يمكن إثباتها إثباتاً نهائياً. هذا لا يعني أن نخلط بين العلم والدين بل يعني أن ندرك أن كل ممارسة معرفية تتضمن عنصراً من الإيمان، من الثقة المبدئية في صحة بعض الافتراضات وأن اليقين الفلسفي الجديد هو ذلك اليقين الذي يدرك هذا العنصر ويتعامل معه كعنصر فاعل في المعرفة لا كشوائب يجب التخلص منها.

ولهذا فإن المهمة الأساسية للفلسفة اليوم ليست كما يعتقد بعض المتفائلين، إعادة بناء ميتافيزيقا جديدة تكون أكثر قدرة على الصمود من القديمة ولا هي كما يعتقد بعض المتشائمين، الاكتفاء بنقد اللغة وتحليل الألفاظ بل هي مهمة ثالثة أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً، تتمثل في محاولة التفكير في الظروف التي تجعل الفكر ممكناً من جديد، بعد أن تبين أن شروط إمكان الفكر كما صاغها كانط مثلاً، لم تكن سوى شروط نوع معين من الفكر، الفكر الميتافيزيقي وأنه قد يكون هناك فكر آخر، فكر يعمل بمنطق مختلف، منطق لا يقوم على الهوية والتناقض وحدهما بل على الاختلاف والتأجيل والتشابك. فالفلسفة المعاصرة ولا سيما في تياراتها القارية حاولت أن تفتح أبواباً لهذا الفكر الآخر، من خلال الاهتمام بالجسد، بالزمن، بالآخر، بالغريب، باللامفكر فيه، بما هو مهمش ومستبعد، وحاولت أن تنتج مفاهيم جديدة تكون أكثر قدرة على التعامل مع تعقيد الواقع المعاصر، مفاهيم كالتفكيك والاختلاف والتشريح والأثر والحدث والممكن والصيرورة وغيرها من المفاهيم التي تحاول أن تقول ما لم تقله الفلسفة التقليدية أو أن تقوله بطريقة مختلفة. ولكن هذه المفاهيم وهي في غاية الأهمية لم تقدم بعد يقيناً جديداً بالمعنى الدقيق وإنما قدمت أدوات لتفكيك اليقينيات القديمة ولرؤية العالم من منظور مختلف. واليقين الجديد الذي نبحث عنه لا يمكن أن يأتي من هذه المفاهيم وحدها بل لا بد أن يأتي من الممارسة الفلسفية ذاتها، من طريقة العيش والتفكير من الأسلوب الذي نتبعه في مواجهة الأسئلة، من الصبر الذي نمارسه على عدم الإجابة ومن الشجاعة التي نتحلى بها في مواجهة المجهول.

قد يقال إن مثل هذا اليقين الهش الذي لا يقوم على أساس ثابت بل على حركة دائمة لا يمكن أن يسمى يقيناً أصلاً وأنه يفتقد إلى الصلابة التي تجعل الفلسفة مذهباً يمكن الدفاع عنه أو نظاماً يمكن التدريس على أساسه. وهذا الاعتراض مشروع لكنه ينطلق من فهم ضيق لليقين، فهم يربطه حصراً بالثبات والاستقرار، في حين أن اليقين يمكن أن يكون في سياق آخر يقيناً بالأسلوب، يقيناً بالمنهج، يقيناً بالنزاهة الفكرية، يقيناً بالفضول المعرفي، يقيناً بأن السير على الطريق خير من الوصول إلى الغاية، يقيناً بأن قيمة الفلسفة ليست في نتائجها، بل في فعلها، في الإشعاع الذي تحدثه في العقل، في القدرة التي تمنحها على التساؤل، في الحرية التي تفتحها أمام الفكر. وهذا النوع من اليقين لا يقل عن اليقين النظري في عمقه وقوته بل قد يكون أقوى منه، لأنه لا يعتمد على افتراضات خارجية ولا يحتاج إلى مسوغات قبلية بل هو يقين يقوم على التجربة المباشرة، على الممارسة الحية، على الإحساس الداخلي بأن التفكير الفلسفي هو فعل ضروري، فعل يمنح الحياة معنى ويجعل الوجود محتملاً، حتى في ظل غياب الأجوبة النهائية. وهنا نصل إلى نقطة جوهرية، وهي أن اليقين الجديد لا يمكن فصله عن الأخلاق أي عن نمط الحياة الذي نختاره لأن الفلسفة ليست مجرد نظرية بل هي أيضاً طريقة للعيش كما كان الأمر عند الإغريق وكما حاول كثير من الفلاسفة من الرواقيين إلى الأبيقوريين إلى نيتشه وفوكو أن يذكروا به. فالسؤال عن اليقين الفلسفي هو في العمق سؤال عن كيف نعيش وكيف نواجه الموت وكيف نتعامل مع الآخر وكيف نصنع المعنى في عالم يبدو أحياناً خالياً من المعنى. وإذا كانت الميتافيزيقا التقليدية تقدم إجابات عن هذه الأسئلة من خلال بناء أنظمة كونية وأخلاقية، فإن الفلسفة بعد الميتافيزيقا لا تستطيع أن تقدم هذه الإجابات بنفس الطريقة، لكنها تستطيع أن تقدم طرقاً مختلفة للتعامل معها، طرقاً لا تعتمد على السلطة الخارجية ولا على الحقيقة المفروضة بل على الحرية الفردية والمسؤولية الذاتية والوعي النقدي.

يصبح الزمن مفهوماً محورياً في إعادة التفكير في اليقين، لأن اليقين الميتافيزيقي كان يقوم على إلغاء الزمن، على اعتبار أن الحقيقة أزلية خالدة وأن المعرفة هي اكتشاف ما هو كائن منذ الأزل وأن التغير والتحول ليسا إلا عوارض سطحية لا تمس الجوهر. أما الفلسفة بعد الميتافيزيقا ومعها الفلسفات الوجودية والهرمينوطيقية فقد أعادت الاعتبار للزمن وجعلته البعد الأساسي للوجود، ليس باعتباره مجرد إطار خارجي تحدث فيه الأحداث بل باعتباره البنية الداخلية للوجود نفسه، كما حاول هيدغر أن يبين من خلال تحليله للوجود الأصيل في الزمنية وكما حاول برغسون من خلال فلسفة الزمن الحي والمدة وكما حاول ليفيناس من خلال الزمن بوصفه علاقة مع الآخر، علاقة لا يمكن اختصارها في حضور آني، بل هي دوماً علاقة انتظار ورجاء وتذكر. وإذا كان الزمن هو لب الوجود فلا يمكن لليقين أن يكون خارج الزمن بل لا بد أن يكون يقيناً زمانياً، يقيناً يتحقق في كل لحظة ويختفي في التي تليها، يقيناً لا يستند إلى ذاكرة الماضي ولا إلى توقع المستقبل بل إلى كثافة الحاضر، إلى ما يمكن تسميته لحظة اليقين وهي لحظة لا تدوم، لكنها كافية لمنح الحياة معنى وكافية لإشباع العطش الفلسفي ولو للحظات. وهذا اليقين اللحظي وهو أقرب إلى التجربة الجمالية منه إلى التجربة النظرية، له قوته الخاصة لأنه لا يخضع لنقض الزمن، لأنه هو نفسه زمني ولا يدعي الخلود لأنه يعرف أنه سيموت مع اللحظة التي يولد فيها لكنه يعيش في هذه اللحظة بكامل حضوره ولا يحتاج إلى ما يبرره خارجها.

ثم لا بد من الاعتراف بأن هذا المأزق، مأزق التأسيس بعد نهاية الميتافيزيقا ليس مأزقاً نخبوياً يخص الفلاسفة وحدهم بل هو مأزق إنساني عام، يعاني منه كل إنسان يحاول أن يعيش حياته بوعي ويحاول أن يفهم مكانه في هذا الكون ويحاول أن يجد معنى لوجوده في زمن تتسارع فيه التحولات وتتضاعف فيه المعلومات وتتلاشى فيه الثوابت. فالإنسان المعاصر الذي يعيش في عالم ما بعد الحداثة، عالم الأزمات المتعددة، الأزمة البيئية، الأزمة السياسية، الأزمة الهوياتية، أزمة المعنى هو إنسان فقد اليقينيات الكبرى التي كانت تؤطره ولم يعد يجد في الأيديولوجيات أو الأديان أو النظريات الكبرى ما يمنحه الطمأنينة وهو في الوقت نفسه لا يستطيع أن يعيش في الفراغ المعرفي والأخلاقي لأنه يحتاج إلى بعض اليقين لكي يتحرك، ليقرر، ليحب، ليكره، ليأمل، ليخاف. وهذا الإنسان لا يبحث بالضرورة عن يقين فلسفي بالمعنى الأكاديمي بل يبحث عن يقين وجودي، يقين يساعده على النهوض صباحاً، على مواجهة يوم جديد على التصالح مع محدوديته، على قبول الموت كجزء من الحياة. وهنا تتجلى مسؤولية الفلسفة بشكلها الجديد، ليست مسؤولية تقديم عقائد جديدة ولا تأسيس مدارس فكرية بل مسؤولية أن تكون حاضنة لهذه الحاجة الإنسانية العميقة، أن تقدم أدوات للتفكير تمكن الإنسان من بناء يقينه الخاص، يقينه الذي لا يكون مفروضاً من الخارج بل منتجاً من الداخل، يقينه الذي يعكس تجربته الفريدة، يقينه الذي يتغير معه وينمو مع نمو وعيه.

وبين أنقاض الميتافيزيقا وبين صيحات التفكيك وهمسات التأسيس وبين شهوة اليقين ورعب اللايقين، نجد أنفسنا مضطرين إلى القول، ليس بالمعنى الإقفالي بل بالمعنى الافتتاحي، أن اليقين الفلسفي الجديد لا يمكن أن يكون إلا يقيناً في حركة، يقيناً لا يقر قراراً، يقيناً يتجدد مع كل تجربة، يقيناً يرتبط بالحياة أكثر من ارتباطه بالمنطق، بالجسد أكثر من بالعقل، بالآخر أكثر من بالذات، بالمستقبل أكثر من بالماضي. إنه يقين لا يمنحنا الطمأنينة الزائفة بل يمنحنا الشجاعة للعيش في القلق، لأن القلق كما علمنا هيدغر هو الحالة التي ينكشف فيها الوجود على حقيقته، كوجود ممكن، كوجود مفتوح على احتمالاته، كوجود ليس محكوماً مسبقاً بجوهر ثابت، بل هو صيرورة ومشروع ورهان. وهذا القلق بعيداً عن أن يكون مرضاً يجب شفاؤه، هو الصحة الفلسفية ذاتها لأن الفلسفة الحقة لا تنشأ إلا في رحم القلق ولا تتغذى إلا على التساؤل ولا تنمو إلا في ظل الشك الخلاق ولا تثمر إلا حين تواجه المجهول بوجه لا يخاف. فمن أجل هذا لا نبني يقيناً جديداً كصرح من الرخام بل نزرع بذور يقين تتفتح في كل ربيع وتسقط أوراقها في كل خريف وتعود لتتفتح من جديد، لأن اليقين الحقيقي كما الحياة ليس جموداً بل حركة، ليس انغلاقاً بل انفتاح، ليس إجابة بل سؤال ممتد على مدى العمر، سؤال نحمله معنا في كل خطوة، في كل لقاء، في كل قراءة، في كل كتابة وفي كل لحظة نصمت فيها أمام جمال العالم أو قسوته لنكتشف أننا برغم كل شيء ما زلنا نبحث وما زلنا نأمل وما زلنا نؤمن لا بحقيقة مطلقة بل بإمكان الحقيقة لا بيقين نهائي بل بيقين مؤقت، لا بمعنى كامل بل بمعنى يتشكل في لحظة السؤال ويختفي في لحظة الجواب، ليعود ويظهر من جديد في لعبة أزلية لا تنتهي، هي لعبة الفلسفة، لعبة العقل مع نفسه، لعبة الإنسان مع وجوده، لعبة الحياة مع الموت، تلك اللعبة الجادة التي لا يمكن أن تنتهي بانتصار أحد لأنها ليست حرباً بل هي حب، حب المعرفة، حب الحكمة، حب الغموض، حب الدهشة، حب أن نكون بشراً في عالم لا يرحم، لكنه جميل، جميل بما يكفي لجعل التساؤل عنه والتساؤل عنا فيه أسمى ما يمكن للإنسان أن يفعله وأقدس ما يمكن أن يقدمه لنفسه وللآخرين قبل أن يأتي الموت، ذلك اليقين الوحيد الذي لا شك فيه، لكنه ليس يقيناً فلسفياً بل يقيناً وجودياً، يقيناً يذكرنا بأن كل يقينياتنا مهما بلغت من عظمة هي مجرد ومضات في ليل طويل، لكن هذه الومضات مهما كانت عابرة هي التي تضيء لنا الطريق وهي التي تجعل الحياة رغم كل شيء جديرة بأن تعاش وأن تُفكر وأن تُكتب وأن تُقال في صمت الفلسفة وفي ضجيجها، في يقينها وفي شكها وفي تأسيسها وفي تفكيكها، لأن الفلسفة في النهاية ليست علماً ولا ديناً بل هي شهادة، شهادة على أن الإنسان وهو المخلوق الوحيد الذي يسأل، هو أيضاً المخلوق الوحيد الذي يعرف أنه لا يعرف، وهذا هو يقينه الوحيد، لكنه يكفي لأنه ليس يقيناً عن شيء بل يقين عن الكيفية التي يكون بها الإنسان في العالم، كيف يكون سائلاً، كيف يكون باحثاً، كيف يكون متعجباً، كيف يكون حرا ولو في حدود سؤاله، ولو في حدود قصره، ولو في حدود موته، ذلك الموت الذي هو ليس نهاية السؤال بل هو السؤال الذي يختصر كل الأسئلة ويجعل منها سؤالاً واحداً، سؤالاً لا جواب له لكن السؤال نفسه وهو يُطرح وهو يُحمل وهو يُعاش هو الجواب. 

*** 

د. حمزة مولخنيف

 

هل تتناقض الحرية مع البنيوية؟ يحصل هذا التناقض إذا فهمت البنية بقوانينها وتناقضاتها بوصفها آلة عمياء تضع حدودًا للحرية والفعل الإنساني، خصوصًا إذا ربطت البنية بالحتمية أو القدرية. حينها يصبح مستقبل المجتمع مرتبطًا بتحقق مسارات البنية و"الطبيعة" فيصبح دور الحرية هامشيًّا. أما إذا فهمت البنيويّة على أنها فضاء من الحدود والإمكانات تتقدم عبر تناقضات المجتمع والأفراد، يصبح دور الحرية لدى الفرد وفي المجتمع دورًا محوريًّا لتبلور الأفكار والحقب التاريخية بدون مصير محدد او نتيجة حتمية. سأناقش البنيوية والحرية والحتمية من خلال أفكار الفيلسوف الألماني كارل ماركس والفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي. يلتقي ماركس وتشومسكي بشكل أساسي بمعاداتهم للهيمنة؛ إن كانت هيمنة الرأسمالية والرأسماليون أو الامبريالية والبروباغاندا التابعة لها. كما أن ماركس وتشومسكي يلتقيان في كونهما شخصان بنيويّان بطريقتهم الخاصة؛ ولكن ليسا بنيويان كلاسيكيان. والمثير للاهتمام في فلسفتي ماركس وتشومسكي أنهما يصلان إلى أهمية البنية ودور الحرية من منطلقين مختلفان جدا يجعلان هذا الوصول الموازي شيئًا يستحق النقاش. ماركس يسأل: كيف تشكل العلاقات الاقتصادية المجتمع والوعي والحرية والسياسة والحياة البشرية. أما تشومسكي فيسأل: ما هي القدرات البشرية الفطرية التي تجعل اللغة والحرية والابداع والوعي ممكنة. كلاهما يفكر بالبنية التي تضع القوانين، ولكن أيًا منهما مفكر بالحتمية البسيطة.

ماركس: البنية التاريخية دون حتمية آلية

إحدى أكبر الانتقادات التي توجه إلى الماركسية هي أنها حتميًة اقتصادية. كأن ماركس يقول إن الاقتصاد يحدد كل شيء آخر تحديدًا آليًّا. إلا أن هذا الاتهام ليس دقيقًا بحد ذاته. يرى ماركس في نظريته عن الجدلية الماديّة أن العلاقات المادية والاقتصادية تقيّد حركة المجتمع بشكل كبير، لكن التاريخ يتطور ويتغيّر مع ذلك من خلال الصراع الطبقي، والسياسي والمؤسسات وغيرها من الفعل البشري.

الرأسمالية، حسب ماركس، هي ليست مجرد مجموعة من الاختيارات الفردية. الرأسمالية هي بينة مكونة من العمل المأجور والملكية الخاصة وتراكم رأس المال والتناقض الطبقي. تضع هذه البنى الحدود لما يستطيع الناس فعله وتخيّله وكيف يعيد المجتمع انتاج نفسه. بذلك لا يلغي ماركس الفاعلية البشر، فالبشر يفعلون وينظمون ويقاومون ويتمردون ضد الرأسمالية والهيمنة. الصراع الطبقي ناتج عن التفاعلات البشرية التي تولد المجتمع القادم.

لعل أبرز دحض لاتهامات ماركس بالحتمية هو جملته في الثامن عشر من برومير: يصنع البشر تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم. هذه العبارة توضح أن ماركس مفكر في القيد البنيوي التاريخي، لا في الحتمية الآلية. ويأتي دور الفعل البشري كفعل محوري لكنه داخل بنى مادية موروثة.

تشومسكي: الفطرة البشرية

نعوم تشومسكي هو مفكر بنيويّ أيضًا. لكن تشومسكي يبدأ من مكان مختلف عن ماركس. تشومسكي يبدأ من اللغة والعقل والادراك والطبيعة البشرية وليس من الطبقة والعمل أو التاريخ. بينة تشومسكي هي بيولوجية ومعرفية أكثر مما هي اقتصادية وتاريخية. بالنسبة لتشومسكي، العقل البشري ليس لوحًا فارغًا. العقل البشري يمتلك أسسًا وبنيّة فطرية تسمح باكتساب اللغة والفكر. اكتساب اللغة لدى الانسان يعتمد على القيود الداخلية الفطرية التي تضعها بيولوجيا الدماغ.

لكن هذه ليست حتمية بمعنى السلوك الثابت. تجعل البنية الفطريّة الابداع ممكنًا. يؤكد تشومسكي على هذه الفكرة من خلال طرحه لفكرة القواعد التوليدية. القواعد والقيود النحوية محدودة ومقيّدة، لكنها تسمح لمستخدم اللغة بإنتاج عدد لا نهائي من الجمل الجديدة. وكذلك لا أمر للعقل والفكر. بهذا تصبح البنية عند تشومسكي شرطًا توليديّا يضع الأسس للإبداع، وليست سجنًا يقود إلى الحتمية.

رفض تشومسكي السلوكية، التي تقضي بأن البشر يتشكلون آليًّا من خلال المثيرات الخارجية والاستجابات. وفي مواجهة ذلك، دافع عن الابداع والحريّة. يرى تشومسكي عن هناك بنية فطريّة إنسانية تدفعه لطلب الحريّة. إذا فتشومسكي يصل ايضًا للحريّة ولكن من خلال عقلانية بيولوجيّة.

البنية والحرية

 يؤسس ماركس نظريته على بينة تاريخية، بينما يعطي تشومسكي نظريته بعدًا بنيويًّا توليديًّا. بالنسبة إلى ماركس، لا يطفو الأفراد بحريّة فوق المجتمع. إنهم يفعلون داخل أنظمة موروثة من الطبقية والملكيّة والمؤسسات والأيديولوجيّا. أما بالنسبة لتشومسكي، فإن العقل لا يتشكل فقط عبر التجربة، إنه يمتلك بنى داخلية تجعل اللغة والإبداع والحكم ممكنة.

معًا، يتحدى ماركس وتشومسكي الوهم الليبرالي القائل إن البشر مجرد أفراد يصنعون أنفسهم بأنفسهم. لكنهما أيضًا الحتميّة الفجة. البنى تقيّد، لكنها لا تلغي دور الفاعلية البشرية. إنها تخلق المجال والبيئة التي تعمل داخله الفاعلية.

يرفض الاثنان التفسيرات المسطحة للحياة البشرية. لا نستطيع أن نفهم الحياة البشرية عبر أفراد معزولين. يتكون الانسان من البنى الفطرية والبيولوجية التوليدية في داخله ويعيش وتطور من خلال التناقضات الطبقيّة والمادية والتاريخية. إن الظواهر السطحية الظاهرة للجميع لا بد أنها قائمة على بنى أعمق.

البنيوية دون حتميّة أو جبرية

يبيّن كل من ماركس وتشومسكي، ومن منطلقين مختلفين، أن التفكير الجاد يجب أن يبدأ من البنيويّة. الحياة البشرية منظمة من خلال أنظمة أعمق كالعلاقات الاقتصادية والطبقية واللغة والطبيعة البشرية. لكن البنيويّة لا تعني الحتمية أو الجبريّة. البنيويّة هي شرط لفهم الحريّة فهمًا واقعيّا. إذا بالبنيويّة الناضجة تقول أن البشر يصنعون التاريخ والمعنى، لكنهم يفعلون ذلك داخل فضاءات بنيويّة تجعل الأمر ممكنًا في المقام الأول.

***

فضل فقيه – باحث

..........................

مراجع:

-Molyneux, J. The Point Is to Change It: An Introduction to Marxist Philosophy (Bookmarks, 2012).

-Chomsky, N. & Foucault, M. The Chomsky-Foucault Debate: On Human Nature (ed. Elders, F.) (The New Press, 2006).

تشريح آليات الزيف المؤسسي من الدولة الظلامية إلى السيولة الهلامية

في مأزق التحديث الصوري والارتداد الهيكلي

يُمثّل فهم آليات السلطة واستراتيجيات الهيمنة في المجتمعات المعاصرة مدخلاً إبستمولوجياً أساسياً لتفكيك البنى التحتية والفوقية التي تعيد إنتاج الزيف وتشرعنه تحت غطاء التحديث والمؤسساتية الصورية. وفي هذا السياق التحليلي، يبرز مفهوم "النكوص البنيوي" كأداة تفسيرية بالغة الأهمية لتشريح تراجع الذات الجماعية والمؤسسية عن مكتسبات التطور الهيكلي التاريخي. إن النكوص البنيوي، في أصله التحليلي الممتد من أدبيات علم النفس التطوري إلى آفاق السوسيولوجيا النقدية، يعبر عن ارتداد حتمي قسري للبنية المجتمعية والسياسية نحو مرحلة تاريخية ومؤسسية سابقة. ويفسر هذا المفهوم عمق الاغتراب وفقدان العلاقة الحقيقية مع الواقع، فضلاً عن تهدم بنية "الأنا" الجماعية التي تفتقر في هذه الحالة إلى الوجود المستقل، فلا تجد كينونتها إلا بالانتساب إلى أطر وهمية أو أيديولوجيات متجاوزة تاريخياً.

عند إسقاط هذا المنظور على الفعل الجمعي للمكونات السياسية والاجتماعية في مجتمعات الأطراف، يتجلى النكوص في تفتت الأطر التعاقدية الحديثة والارتداد المتسارع نحو الهويات الفرعية البدائية، وقوى الارتهان والارتزاق الوظيفي التي تستدعي الفترات الاستعمارية أو النماذج الكهنوتية الرجعية. إن هذا الاستدعاء النكوصي لا ينبع من نزعة غيبية أو هيام بالماضي لذاته، بل يتخذ كأداة براغماتية للابتزاز السياسي، وتحريك بيادق اللعبة المحلية لصالح برامج مركبة تتطابق فيها مصالح النخب الفاسدة مع إرادات الهيمنة الخارجية، الأمر الذي يفضي إلى إشاعة الاضطراب الكلي في منظومة الأداء الناظم للسلم والأمن الاجتماعي، ويقوض فرص الانبثاق التاريخي لدولة المواطنة.

يتوازى هذا النكوص البنيوي، تلازماً عضوياً، مع آلية إدراكية وتعبيرية مشوهة تُعرف في الفلسفة السياسية بـ "المحاكاة الشكلية". وتحدث هذه المحاكاة عندما تعمد النخب الحاكمة أو الفواعل السياسية الهامشية إلى إسقاط نموذج مؤسسي سواء كان مستلفاً من التاريخ أو وافداً من سياق حضاري مغاير على واقع مأزوم دون تمثل حقيقي لشروطه التاريخية والمادية والاجتماعية. في هذا السياق، يوجه الفيلسوف الألماني "جورج فيلهلم فريدريش هيجل" نقداً صارماً لمبدأ المحاكاة الآلية، مؤكداً أن المحاكاة الشكلية للطبيعة أو للمؤسسات التاريخية لا يمكن أن تنتج سوى "روائع صناعية آلية" تفتقر تماماً إلى روح الحرية، وتخلو من الوعي الذاتي المتعين.

يتعدى هذا التشويه البنيوي الجانب المؤسسي الإداري ليشمل الجوانب اللغوية والأسلوبية في الخطاب السياسي السائد؛ حيث تصاحب المحاكاة الشكلية مغايرة دلالية عميقة تفصل البنية الاقتباسية والمصطلحية عن غاياتها وموضوعاتها الأصلية. إن هذا الانفصال الدلالي يحول البناء المؤسسي بأكمله إلى "روح زائفة" وكيان مسخ، لا وظيفية له سوى خدمة آليات الهيمنة، وإخفاء مساقات الإخضاع والتبعية والارتهان الوجودي تحت عباءة التحديث المؤسسي الخادع.

تشريح الزيف المؤسسي ورذائل المعرفة الأكاديمية

يتأسس "الزيف المؤسسي" في جوهره التنظيري على إحلال الرموز الافتراضية والتمثيلات الصورية محل الواقع المادي والاجتماعي الحقيقي، حيث يكشف هذا التزييف الممنهج عن كيفية تحرير المعنى من قيود الحقيقة لتمرير القرارات الملتبسة وشرعنتها بيروقراطياً. ويتلاقى هذا الطرح نقديّاً مع الأطروحات المعاصرة للفيلسوف "باسكال إنجل" في دراسته لـ "رذائل المعرفة"، حيث تبرز رذائل إبستمولوجية مثل العناد الفكري، والتعصب الأعمى، والسطحية، والثرثرة كأدوات وظيفية لتقويض الحوار العقلاني الفعال في عصر التدفق الفوري للمعلومات والاتصال الشبكي السريع. إن "الثرثرة المعرفية" في هذا السياق البنيوي لا تشير إلى فائض لغوي كمي فحسب، بل هي عملية ممنهجة لتقطيع أوصال المعنى، وتفتيت التركيز الإنساني، مما يصيب العقل المعاصر بالعجز عن بناء مسار فكري متماسك، ويجعله عرضة لفقدان الانتباه المعرفي وقابلية المفاهيم للاختبار والنقد العلمي. وتتحول هذه الرذائل المعرفية تلقائياً من انحرافات أخلاقية فردية إلى سياسات زيف مؤسسي منظم يحمي أوهام الهوية والطبقات المهيمنة، ويشيطن البدائل المعرفية العقلانية والنقدية.

تتجسد هذه الأزمة البنيوية بوضوح كلي في ظاهرة "الأمية المقنعة" التي تتغلغل في البيئات الأكاديمية والإدارية المعاصرة؛ حيث تتحول الشهادة العلمية والألقاب الأكاديمية من أدوات لتحرير العقل وتنويره إلى أدوات لتمرير الأفكار السطحية والتصورات الخاطئة بثقة وثوقية مدمرة. إن حيازة اللقب العلمي دون وعي نقدي أو عمق ثقافي تؤسس لسلطة معرفية زائفة، تقود بالضرورة إلى صناعة قرارات مشوشة، وتدير الفضاء العام بمعايير الوثائق الورقية الصورية لا بمعايير الوعي الحقيقي؛ مما يعمق الفجوة التاريخية بين العلم الملتزم والزيف المؤسسي، ويحول الأكاديمي والمتخصص إلى ترس وظيفي لترسيخ البيروقراطية الرخوة وحماية مصالحها الفئوية.

 من الاستبداد الصلب إلى السيولة الهلامية للدولة الرخوة

تمثل السيادة في الفكر السياسي الحديث العصب البنيوي لوجود الدولة الوطنية، غير أن معاينة مسارات السلطة الفعلية تكشف عن تحول هيكلي خطير ينقل الدولة من طابعها المؤسسي "الصلب" إلى نماذج رخوة وسائلة وهلامية تفتقر كلياً للقدرة على احتكار العنف المشروع وضبط السيادة. تبدأ هذه الرحلة التراجعية من "الدولة الظلامية" الاستبدادية، وهي الدولة التي تتسم باحتكار قهري للحقيقة، وهندسة قسرية للمجال المعرفي، مستخدمة أدوات العنف الرمزي والمادي لتصفية التعددية الفكرية والسياسية لصالح يقين أيديولوجي مغلق. غير أن هذا التمركز المطلق والصلب للسلطة لا يلبث أن ينهار أمام الأزمات البنيوية العميقة، فيتداخل تاريخياً ووظيفياً مع نموذج "الدولة الريعية" و"الدولة الخراجية". حيث تعتاش السلطة والمجتمع على ريع الموارد الطبيعية الناضبة أو الفوائض المالية المنقولة دون أي التفات للكفاءة الإنتاجية أو العدالة التوزيعية، مما يضعف النظام الضريبي، وينتج بنية اقتصادية هشة تفتقر إلى العقلانية المؤسسية، لتتحول الدولة في نهاية المطاف إلى شظايا أنظمة سلطوية تسيطر عليها نخب عائلية أو فئات طفيلية تسخر آلة الحكم لأهدافها الضيقة على حساب الحق الإنساني في العيش الكريم.

يقود هذا الترهل البنيوي مباشرة إلى نشوء نموذج "الدولة الرخوة"، وهو المفهوم الذي صاغه عالم الاقتصاد السويدي "غونار ميردال" في مؤلفه التأسيسي "الدراما الآسيوية بحث في فقر الأمم". وتُعرَّف الدولة الرخوة إبستمولوجياً بأنها البنية السياسية التي تصدر القوانين والتشريعات الحديثة والمتقدمة لكنها تعجز أو تتغاضى عن تطبيقها إطلاقاً؛ نظراً لأن الفئات المهيمنة تمتلك من النفوذ المالي والسياسي ما يحميها من طائلة المساءلة القانونية، بينما تتوغل الرشوة والمحسوبية في الأجهزة الإدارية الدنيا لغض البصر عن التجاوزات الهيكلية. ومن أبرز سمات هذه الدولة تآكل هيبتها السيادية داخلياً وخارجياً، وتضخم هياكلها البيروقراطية المتداخلة الصلاحيات بغية توفير مناصب وظيفية للمحاسيب والأقارب، وتفشي التهرب الضريبي والجمركي، فضلاً عن الارتباط العضوي التبعي بمصالح المؤسسات المالية الدولية.

يتجلى هذا التهاوي البنيوي بوضوح حين تتحول الدولة الرخوة وظيفياً إلى "جمهورية موز" تحكمها سياسات مسمومة وتضليل إعلامي متعمد للمواطنين الذين يمثلون دائماً الحلقة الأضعف في هذه المعادلة المأزومة. هنا تحضر المقولة السياسية لرئيس وزراء سنغافورة الأسبق "لي كوان يو" الذي أكد أن تطهير البنية المؤسسية من الفساد يبدأ من أعلى الهرم الإداري صعوداً ونزولاً، موضحاً أنه حين يتحرك المفسدون في الفضاء العام آمنين من العقاب، فإن ذلك يؤشر إما إلى أن النظام السياسي نفسه يمثل راعية كبرى للفساد، أو أن غياب الوعي الجمعي قد بلغ مداه الكارثي.

إن تجارب بلدان المحيط والأزمات المتلاحقة لانخفاض قيم العملات المحلية، والصراع المستمر بين النقد الوطني والعملات الأجنبية المهيمنة، والتغيرات العشوائية المتعاقبة في إدارة البنوك المركزية، يمثل تجسيداً حياً لكيفية تدمير البنية الهيكلية للدولة الرخوة وتحويلها إلى بيئة خصبة للارتهان الخارجي. إن تفكيك الدولة وتحويلها إلى بنية هلامية ومطاطة يجري هندسته دولياً عبر دعم التفتيت الإثني والطائفي وتكريس "فلسفة المكونات" البدائية، التي تحل الهويات الفرعية كبديل عن الهوية الوطنية الجامعة، لتصبح الدولة مجرد وعاء هلامي تسيطر عليه كارتلات الفساد والمحاصصة السياسية، وتقاسم إقطاعيات الوزارات، ومزادات العملة اليومية. وفي هذه الحالة التشوهية، يصبح التدخل الإصلاحي الجزئي مستحيلاً، وتأكل البنية ذاتها نتيجة غياب السيادة المركزية العقلانية.

الهندسة الإمبريالية لتضخيم الأزمات الاقتصادية وتكريس التبعية

يتلازم نشوء الدولة الرخوة والهلامية تلازماً عضوياً مع "الهندسة الإمبريالية" التي تستهدف تضخيم الأزمات الاقتصادية في بلدان الأطراف لإعادة إنتاج هيمنة المراكز الرأسمالية العالمية. تشهد الرأسمالية الاحتكارية العالمية في مرحلتها الراهنة أزمة بنيوية مستعصية منذ سبعينيات القرن الماضي، تمثلت في انخفاض معدلات النمو في المراكز المتقدمة إلى النصف دون أي تعافٍ حقيقي مشهود. ولمواجهة هذا الركود المزمن والتخلص من كتلة الديون السيادية الهائلة التي تفوق الناتج المادي الحقيقي، يعمد النظام المالي العالمي المتشكل عقب الحرب العالمية الثانية في إطار اتفاقية "بريتون وودز" إلى تصدير أزماته الهيكلية من خلال هندسة النزاعات الإقليمية، وتوظيف الأزمات الصحية والأوبئة لإنقاذ مصالح الشركات العابرة للقارات. وتعمل هذه النزاعات كآلية قسرية لإلغاء الديون عبر التضخم، وتدمير قوى الإنتاج الفائضة، وتحويل البلدان النامية إلى مجرد أسواق استهلاك ومستعمرات اقتصادية تُنهب ثرواتها وتُصفى شركاتها الوطنية وتُسلب سيادتها بالكامل.

تتبدى هذه الهندسة الإمبريالية بوضوح جلي في تدمير القطاعات الإنتاجية الحيوية، كالقطاع الفلاحي والزراعي في دول العالم الثالث، عبر فرض سياسات "التكيف الهيكلي" الصارمة وتحرير الأسواق غير المتكافئ؛ مما يجعل هذه الدول معتمدة كلياً في أمنها الغذائي على الاستيراد الخارجي، وفاقدة للقدرة على تحقيق التراكم الأولي لرأس المال اللازم للتصنيع التنموي وتنويع مصادر الدخل. ويقود هذا الارتهان الغذائي والاقتصادي المهندس قسراً إلى إفراغ قرار الاستقلال الوطني من محتواه الفعلي، ويجعل الدولة الوطنية عاجزة تماماً عن حماية مجتمعها من الهزات الارتدادية للصدمات الرأسمالية العالمية الممنهجة.

المقاربة التفكيكية وتصميم مسارات التحرر البنيوي

يفضي التفكيك الفلسفي لآليات الزيف المؤسسي والنكوص البنيوي إلى حتمية صياغة مقاربة نظرية وعملية قادرة على كسر شروط التبعية واستعادة السيادة الفعلية للدولة الوطنية الجامعة، وهو ما يتطلب الانتقال الحاسم من سيولة "الدولة المكوناتية" الرخوة إلى نموذج الدولة الوطنية العقلانية الفاعلة. إن الخطوة الاستراتيجية الأولى لإنهاء حالة السيولة الهيكلية تكمن في استعادة الدولة لمركزية العنف المشروع، وإخضاع كافة القوى المسلحة غير النظامية لسلطة سيادية قانونية موحدة، لإنهاء تعدد مراكز القرار الفوضوية التي تغذي السلاح المنفلت وتفكك مفاصل السيادة بتشجيع وتواطؤ من القوى الخارجية.

يتلازم ذلك، تلازماً بنيوياً، مع صياغة عقد اجتماعي جديد يؤسس لدستورية فكرة المواطنة الفردية كبديل عن التخادم الطائفي والعرقي والمحاصصة الحزبية الضيقة، وتجريد المناصب السيادية والوظائف العامة من الانتماءات تحت الوطنية عبر الأتمتة المؤسسية الشاملة، واعتماد معايير الكفاءة الفكرية والعملية الفردية، لتحييد الولاءات الفرعية، وتذويب الهياكل الموازية والهشة لصالح الدولة الوطنية المتماسكة.

إن خروج بلدان المحيط من وضعية "الدولة الرخوة الهلامية" إلى وضعية "الدولة القوية والفاعلة" يرتبط ارتباطاً شرطياً بمدى قدرتها التاريخية على تعزيز حكم القانون العادل، والنفاذ المباشر للعدالة، والشفافية التامة في تدفق المعلومات، وإرساء مبدأ المساءلة والمحاسبة والمراقبة لكافة المسؤولين والموظفين مهما علت مراتبهم الإدارية، فالسيادة العقلانية هي الضمانة الوحيدة للتحرر البنيوي والوجودي.

***

غالب المسعودي

للمخرج الايراني عباس كيارستاتي*

في رابطة الفضاء الفرويدي الدولي في باريس " عيون الكلام" قسم خاص لعرض الأعمال الفنية والسينمائية ذات البعد النفسي والتي تحمل المعاني الرمزية في العمل الفني، تكون مشاركة العرض ممن يدرسون التحليل النفسي كمنهج للعلاج " تكوين محلل نفسي " فضلا عن المهتمين بدراسة التحليل النفسي بكل جوانبه من معرفة وتحليل خطاب إعلامي، سياسي، محتوى النص الروائي والقصصي وغيره من المجالات المتخصصة حصريًا في التحليل النفسي. ويدير هذا القسم الزميلة " أ. منار التيزيني ".

علمنا التخصص النفسي بمختلف مدارسه وفروعه وبخاصة تلك التي تتميز بمنظور دينامي متعمق، أعني به التحليل النفسي، حيث يقترب بشكل مباشر أقترابًا شديدًا من أعمق دوافع النفس، لأن التحليل النفسي يفطن إلى ما وراء مختلف أشكال السلوك، أو الإعراب والتعبير النفسي المباشر أو الرمزي عن تلك الدوافع ولو كانت على شكل فكرة، أو ملمح فهي تعطي معاني يمكن معرفتها واستجلاء بعضها رغم الصور المقنعه والغامضة التي تدور بها أفكار أي شخص وفي أي موقف.

نحاول هنا عرض بعض الملامح للمنظور الدينامي المتعمق والذي يدين بوجوده لنظرية التحليل النفسي من خلال قراءة النص وتحليل محتوى الأعمال الفنية والأدبية إلى مستوى الفهم والتفسير حيث تتجاوز كثيرًا مجرد الرصد الفني والصور المعروضة، رغم أن الفيلم يعطينا بنفس الوقت المحتوى الظاهر له، وهناك المحتوى الباطن الذي يحمله الفيلم كما هو في الحلم عند قراءته قراءة تحليلية نفسية.

ان دراسات التحليل النفسي لكل سلوك يصدر عن الإنسان في الحلم، أو النكتة، أو حلم اليقظة، أو عمل فني، أو عمل أدبي وهو يحمل بين ثناياه صبغة مرضية نفسية في صورتها المبسطة ولنقل الاعراض العصابية.

لم أتحدث بعد عن قراءة النص وخطاب الفيلم والرسالة الموجهة بقدر ما أريد عرض بعض الحقائق عن النفس الخافية عن أكثر الناس معرفة بعلوم التطور الحديثة أعني التطور التطور التكنولوجي والتقدم الحضاري، لكن إنساننا اليوم يصعب عليه معرفة شيء عن أعماق النفس ورمزية ما يصدر عنها.

في الفيلم الايراني الذي يحمل عنوان " طعم الكرز " قصة رجل في منتصف العمر، ربما تجاوز الخمسين من عمره بقليل، والذي تدور في خلده أفكار عن الإنتحار، ولم يحمل الشجاعة الكافية لتنفيذ قراره بصمت كما تعودنا ذلك في حالات الاكتئاب العقلي من محاولة واحدة يحقق غايته في الخلاص من حياته، أما في الاكتئاب النفسي – العصابي فتكون أكثر من محاولة وربما تصل لعدة محاولات تتحقق بعدها الغاية وبلوغ الهدف. هذا الشخص المدعو السيد بادي " استعرض صور الحياة اليومية بواقعيتها ورمزيتها بتفاصيلها وانشطتها المتنوعة من خلال جولة في المدينة، من موقف إنتظار العمال " مسطر- الدور – الطابور " الخاص بالعمال الذين يقفون بانتظار أن يجدوا فرصة عمل بالأجر اليومي.

 وفي صورة أخرى واقعية تحمل معاني رمزية عن الشخص الآخر الذي رفض أن يستقل معه السيارة لإيصاله لعمله حينما قال له أنا أعمل قريب من هذا المكان ورفض مساعدته ولم يستمع له، وتظهر صورة الابتعاد عنه والتخفي وراء حائط في مدخل عمله، لها دلالة ومعنى رمزي فضلا عن الابتعاد عنه والنظرة التي تحمل معاني الخوف من بعيد، ومن خلف الجدار الذي كان له أكثر من تعبير ودلالة، وكأنما يقول للمشاهد أنه يريد الابتعاد عنه وتقديم أي مساعدة تسبب له مشكلة.

 أما الصورة الآخرى فهي صورة الجندي الكردي الشاب - صغير السن الذي يخدم في الخدمة العسكرية في مكان يبعد عن مقاطعته بالالاف الكيلومترات، والذي دعاه لكي ينقله معه في سيارته إلى مكان وحدته العسكريه وعرض عليه عمل مقابل مبلغ كبير، كانت طبيعة العمل هي أن يقوم بمساعدته برمي حجارتين على المكان الذي يحاول فيه اسقاط السائق " السيد بادي " نفسه – الرجل الخمسيني – من منحدر عالي، ويتأكد في الصباح التالي برمي حجارتين على نفس المكان الذي ينفذ فيه السيد بادي فعله لكي يتأكد من أنه مازال حيًا، أم فارق الحياة، لكن هذا الجندي الكردي رفض المشاركة في تنفيذ أي فعل، أو مساعدة من أجل الحصول على المال وهو بحاجة إليه، ونلاحظ سير الحوار الذي يذكرنا ببعض الشخصيات المنحرفة التي تستدرج ضحاياها لفعل غير مقبول إجتماعيًا، مثل المشاركة بسرقة، أو بجريمة قتل، أو بفعل اغتصاب، أو ممارسة لواط وغيرها، حيث ترك هذا الجندي الشاب السيارة وفر هاربًا عبر رمال التلال الجرداء شديدة الانحدار.

كل فكرة يطرحها رجل الفيلم " السيد بادي " لو افترضنا أنه بطل الفيلم لها دلالة رمزية، تَجمعْ العمال في الشارع للبحث عن فرصة عمل مؤقته " هي البحث عن استمرار الحياة والعيش"، أو الجبال القاسية الجرداء بلا حياة وصور العمل بالحجارة وتصفيتها بأماكن بائسة صخرية، أو المرتفعات الملتوية، لها تعبير رمزي أيضًا عن البؤس في الحياة والعمل والقبول فيه.

 سنحاول عرض شخصيات أخرى في الفيلم وهم شخصية الشاب الافغاني الذي يعمل في معمل متهرئ لتكسير الحجارة، متوقف عن العمل ولكن وجوده بعمل الحراسة لبقايا هذه المكائن المتهرئة له دلالة رمزية أيضًا، أو الشخص المثقف الذي يدرس العلوم الدينية والفقهية في الحوزة الدينية في قم وهو من مدينة " مزار شريف" في افغانستان، وهي المدينة التي يقطن معظم سكانها من الشيعة، فالتحاقه بالدراسة كان بين خيارين هما أما الدراسة في قم المقدسة في إيران، أو النجف الاشرف في العراق حيث مركز الشيعة في العالم، وكلاهما مدرستين متخصصتين بالعلوم الدينية الشيعية، فطرح له أفكاره ومساعدته في رغبته بالخلاص والموت. شرح طالب العلوم الاسلامية معنى الحياة، وحياة ما بعد الموت، وكيف أن الله يتكفل بحل المشكلات التي تواجه الإنسان في حياته إن كان مؤمنًا، وكيف أن الجهاد من أجل الوجود يستلزم مصاعب الحياة، وإن جوهر الوجود الإنساني هو أن تؤمن، وحاول أن يبين له إن الإيمان بالدين يقلل من الاكتئاب والمحاولة للخلاص من النفس.

وتستمر محاولات " السيد بادي" صاحب فكرة الإنتحار والموت أختيارًا مع شيء من الخوف الداخلي الذي يحمله في محاولته بأن يطلب من يساعده، أن يأتي في اليوم التالي صباحًا ليرمي بحجارتين للتأكد فيمَا إذا ما قد مات، أو أنه مازال على قيد الحياة، وهذه الفكرة بحد ذاتها دعوة للحياة والاستمرار فيها رغم صراع البقاء والفناء في داخله، بنمط جديد من الشخصية وهو رجل ربما تجاوز الستين من العمر وهو من أصول تركية، لديه مشكلة أبنته المريضة والتي تحتاج للعلاج ولا يملك ثمن هذا العلاج، وهو يعمل في متحف التاريخ الطبيعي.

يبدأ حديثه عن كيفية مساعدته في فكرة الخلاص بطريقته التي طرحها السيد بادي على من قبله، إلا أن الرجل الستيني المسن ساهم بتوجيهات تحمل سمة الهذاءات الفلسفية العميقة الأبعاد، سهلة الفهم بشكل نصائح وارشاد عن أهمية مواجهة صعاب الحياة، وربما طرح له مقولة رائعة مفادها أنه ليس ما هو أعمق في اثارته للألم والشعور بالإنسحاق الكامل لدى الرجل من أن يفشل في السيطرة على معاناته، وأن تكون هذه الفكرة التي تلازمه تحرمه من استمرار حياته والإحساس بملذة الحياة واستمرارها.

أغرق الرجل المسن الموظف في متحف التاريخ الطبيعي تفكير الرجل الذي يحاول الخلاص من الحياة ويقدم مبلغ كبير لمن يساعده في مهمته وبالأخص لمن يحتاجه بعد تنفيذ خطته في الانتحار، وأوصل السائق السيد بادي أخيرًا الرجل إلى عمله ولم يفلح في تغيير اتجاهه كما يعتقد ولكم ربما ترك الأثر النفسي في هذيانه عن سمو الحياة وكيف يمكن أن يحاول ما يفكر فيه شيء بالغ العمق نحو استمراره بالمواجهة، وكيف يمكنه هذا الكلام العميق الذي تحدث عنه أن يغير تضاريس واقعه النفسي المعاش بكل أبعاده نحو رؤية جديدة، وفي الأخير ودعه وترك فيه شيء ما، كأثر المعالج النفسي في خلق الصراع بين ما يريد أن يقوم به، وبين صورة جديدة عن رؤية الحياة.

عاد صاحبنا بعد أن ترك موظف متحف التاريخ الطبيعي الذهاب إلى عمله ويدخل لمبنى عمله، لكن الأمر تغير عند صاحب المحاولة للإنتحار ورجع يبحث في مدخل بناية المتحف عن الشخص الذي لا يتذكر اسمه ولكن تعرف على ملامحه من رجل الاستعلامات وأجبر على ضرورة قطع تذكرة للدخول إلى المتحف لمقابلة هذا الشخص، حيث وجده مهتم ومنغمس في عمله وباندماج كامل فيه، فلما قابله طلب منه أن يتحدث معه، أعتذر لأنه منهمك في عمله، والمفاجأة أن الرجل المسن يعمل في قسم التحنيط – تحنيط الطيور – وسأله هل تقتل الطيور ؟ قال نعم وبتحنيطها لاستمرار وجودها لأضعها للتاريخ مع فريق متخصص معي، لم يستطع أن يكمل الحديث معه لانشغاله بعمله، وهذه الفكرة تذكرنا بعودة طالب العلاج لما تستوقفه فكرة من المعالج تحدث في داخله صراع الوجود، ورفض بما يفكر فيه من أفكار ورؤى، فكأن الاستبصار بالحالة هنا لم يبدأ من الشخص الأول الذي رفض التحدث، أو الجندي الشاب الكردي الذي هرب من السيارة، أو العامل الافغاني المغترب عن بلده ويجد الأمان في عمله الشاق بوحدته، وهو أشبه أنه بلا عمل، عمل بلا حياة اجتماعية، أو الشخص الذي ملأ عقله بالتفكير الديني السائد في مجتمعه، وهو التفكير المذهبي في الدراسة الشيعية المتخصصة، وربما نقول ان من ترك في نفسه الأثر في التغيير والتراجع هو رجل متحف التاريخ الطبيعي ذو البعد الوجودي في ممارسة حياته، لأنه تحدث بلا انتماء جغرافي، أو إغتراب عن بلده، تحدث عن واقعية سائدة عليه مواجهتها.

 تدلنا معرفتنا بالنفس البشرية ومن خلال مدخل فهم النفس بالتحليل النفسي خصوصًا إن الإنسان يلجأ إلى مثل هذا الأسلوب الملتوي المستغلق على الفهم عندما يعجز عن استخدام الأسلوب المباشر، لأن الاسلوب المباشر هو مخافة استنكار أو عقاب، داخلي أولًا، ومن المجتمع ثانيًا، فهو يلجأ بدون وعي لتلك الاساليب الملتوية فإذا به يضع العقبات دون أن يدري أمام غاية لا يرغب لاشعوريًا – لاواعيًا في تحقيقها. هذه السطور هي دراسة في محتوى نص فني – سينمائي من منظور ذي طابع دينامي شمولي يأخذ في اعتباره الأبعاد الاجتماعية والجغرافية والسياسية والدينية والحضارية والطبقية، أماكن العمل المقفرة بلا حياة اجتماعية، هي رؤية ذات بعد نفسي عميق يحمل تعبير رمزي قابل للفهم والتفسير أكثر كلما تعمقنا فيه.

***

د. اسعد الامارة

...................

* عُرض الفيلم في نادي الفلم في رابطة الفضاء الفرويدي "عيون الكلام" في باريس

من الحتمية الكلاسيكية إلى الاحتمال في الفلسفة المعاصرة

ليس من باب المصادفة أن يكون مفهوم الضرورة أكثر المفاهيم الفلسفية إثارة للجدل وأعظمها حضوراً في تاريخ العقل البشري، ذلك أنه يمثل ذلك الخط الفاصل بين يقيننا بأن للوجود نظاماً يدركه الفكر وبين هاجسنا المقلق بأن العالم قد يكون مجرد فوضى عمياء لا تخضع لأي حكمة متعالية. ولعل السؤال عن الضرورة هو السؤال الأول الذي طرحه الإنسان على نفسه حينما تأمل في السماء والأرض وحاول أن يجد للحركات التي تراها عيناه تعاقباً منتظماً وللأحداث التي يعيشها نظاماً لا يتبدل، وكأنما كانت الحاجة إلى الضرورة حاجة وجودية قبل أن تكون معرفية، حاجة إلى طمأنينة تغمر الروح بأن هذا الكون ليس ساحة عبثية بل كتاباً مسطوراً بحروف لا تخطئ وقوانين لا تتغير. غير أن هذه الرحلة الفلسفية الطويلة التي استغرقت قروناً من التفكير والمراجعة والنقد لم تكن لتستقر على حال بل كانت وكما هي طبيعة كل ما هو إنساني عرضة للاهتزاز والتغيير وإعادة التشكيل وخصوصاً حينما التقت الفلسفة بالعلم في لحظة تاريخية حاسمة، حينها لم يعد من الممكن التمسك بتلك الصورة الكلاسيكية للضرورة، تلك الصورة التي جعلت من الكون آلة دقيقة ومن الحتمية مبدأً لا يقبل النقاش بل كان لابد من فتح الباب على مصراعيه لرؤية جديدة، أكثر تواضعاً لكنها أيضاً أكثر إثارة للدهشة والإرباك.

ومن هنا ينبثق هذا المقال الذي نحن بصدده ليكون تأملاً عميقاً في رحلة مفهوم الضرورة منذ نشأته الأولى في الفكر الفلسفي اليوناني حين جعلها أرسطو أساساً للعلل الأربع التي يفسر بها الوجود مروراً بذروتها في فلسفة العصر الحديث مع نيوتن ولابلاس حيث تحولت إلى يقين رياضي مطلق وصولاً إلى اللحظة الدراماتيكية التي شكلت قطيعة معرفية لا رجعة فيها، حين كشفت فيزياء الكم وبخاصة مبدأ الريبة، حيث أن الاحتمال ليس مجرد أداة ظرفية يستخدمها العقل البشري المحدود بل هو جوهر الوجود ذاته وطابع أصيل لا يمكن تجاوزه. لكن هذه الرحلة ليست مجرد سرد تاريخي لتطور فكرة بل هي محاولة للإمساك بالتحولات المفهومية في جوهرها الفلسفي أي في تأثيراتها العميقة على فهمنا للحرية والأخلاق والمعرفة والسياسة وعلى تصورنا للإنسان نفسه في هذا الكون الذي لم يعد يضمن له أي شيء سوى أنه مطالب بأن يصنع معناه بنفسه. إن هذا المقال إذن ليس مجرد عرض فلسفي جاف، بل هو استدعاء لتلك اللحظات التاريخية التي هزت كيان الفكر الغربي وحاولت في كل مرة أن تعيد تعريف العلاقة بين العقل والواقع وبين الإنسان والعالم وبين الحتمية والصدفة، محاولاً أن يضع يده على النبض الحقيقي للفلسفة المعاصرة، ذلك النبض الذي لا يزال يبحث في خضم كل هذه التحولات عن إجابة للسؤال الأبدي: هل نحن في نهاية المطاف محكومون بقوانين لا نستطيع تغييرها أم أننا أحرار في كون لا يحكمه إلا احتمال أن نكون يوماً ما أكثر مما نحن عليه الآن؟

وليس ثمة من مفهوم في تاريخ الفكر الإنساني تبلور بهذه الدرجة من القوة والصلابة ثم تفككت نسيجه وتشظت أجزاؤه وأعيد بناؤه من جديد مثلما حدث مع مفهوم الضرورة. هذا المفهوم الذي كان بمثابة العمود الفقري للفلسفة الكلاسيكية والركيزة التي لا غنى عنها لأي بناء معرفي يزعم تقديم تفسير متماسك للوجود. فالضرورة بوصفها تلك الصلة المحكمة التي لا تقبل الانفصام بين الأسباب والنتائج والتي تجعل من الحاضر وليداً حتمياً للماضي ومن المستقبل أثراً محتماً للحاضر، كانت أشبه بالضمانة الأنطولوجية التي تحول دون انزلاق العالم إلى فوضى العبث واللا معنى. لقد تشبث بها الفلاسفة والعلماء على السواء ورأوا فيها الدليل الأسمى على قدرة العقل البشري على اختراق حجب الظواهر والوصول إلى النظام الخفي الذي يضبط إيقاع الكون، ذلك النظام الذي تغدو معه كل حادثة مهما بدت تافهة أو عابرة جزءاً لا يتجزأ من كل كوني شامل، وكأنما الوجود برمته سردية روائية واحدة لا يحتمل ثغرة أو فراغاً بل يسير وفق منطق صارم لا يترك مجالاً للصدفة أو العبث.

كان هذا التصور عن الوجود قائماً على إيمان راسخ بأن الطبيعة في أعماقها تخضع لقوانين صارمة يمكن للعقل البشري عبر الجهد المعرفي المتراكم أن يتبينها ويصوغها في معادلات وقوانين تتيح له التنبؤ بسيرورة الأحداث بدقة متناهية. وقد وجد هذا الإيمان تعبيره الأسمى في فيزياء نيوتن، ذلك البناء الهندسي الرائع الذي جعل من الكون آلة دقيقة متناهية الإحكام، قابلة للفهم والتحليل بل والتنبؤ بحركاتها قبل وقوعها. فالقوانين النيوتنية بتجريدها الرياضي البديع لم تكن مجرد أدوات وصفية بل كانت تعبيراً عن يقين ميتافيزيقي عميق بأن الضرورة هي النسيج الحقيقي للوجود. لقد رأى نيوتن في القوانين التي صاغها تجسيداً لحكمة الخالق ونظاماً أزلياً لا يتغير يجعل من الكون كتاباً مفتوحاً، كل لغز فيه قابل للحل وكل حدث قابل للتفسير في ضوء أسبابه السابقة. وتحولت الحتمية من مجرد منهج علمي إلى عقيدة فلسفية تسللت إلى كل مجالات المعرفة ورسمت صورة للإنسان والكون والعلم، صورة لا تشوبها شائبة وصار العلم في جوهره بحثاً دائماً عن الضرورة وتلمساً لخيوطها في كل مكان.

وإذا كان نيوتن قد وضع الأسس المادية لهذه الرؤية فإن بيير لابلاس، ذلك الفيلسوف الرياضي الذي كان عقلية القرن الثامن عشر بامتياز قد منحها تجسيدها الميتافيزيقي الأكثر بلاغة وأبعدها أثراً. تمثل رؤية لابلاس الكونية القمة التي بلغتها الحتمية الكلاسيكية، ذلك الموقف الذي يمكننا تسميته بـ"اليقين المطلق". ففي كتابه "العرض الفلسفي لنظرية الاحتمالات"، أطلق لابلاس فكرته الشهيرة عن عقل محتمل، هو "شيطان لابلاس"، الذي لو استطاع أن يعرف في لحظة ما مواقع وسرعات كل جسيم في الكون، لأمكنه بفضل القوانين الكلية للحركة أن يحوي في معادلاته ماضي الكون ومستقبله دفعة واحدة، فلا يغيب عن بصره شيء وتصبح كل الحوادث الماضية والمستقبلية بين يديه كأنها ماثلة أمامه. هذه الصورة البلاغية القوية لم تكن مجرد خيال علمي بل كانت التعبير الفلسفي الأكثر دقة عن روح عصر كامل، عصر رأى في العقل البشري القدرة على بلوغ اليقين التام وفي الكون نظاماً صارماً يمكن اختزاله إلى معادلات تفاضلية. لقد عبر لابلاس عن إيمانه بأن الكون يعمل كآلة ساعة دقيقة وأن دور العلم هو اكتشاف تروس هذه الآلة وعجلاتها وبمجرد أن يكتمل هذا الاكتشاف يصبح المستقبل محسوباً والماضي مفهوماً والحاضر برهاناً قاطعاً على امتداد لا يتجزأ من سلسلة الأسباب والمسببات. كان الوجود في نظر لابلاس ومن لف لفه أشبه بلعبة الشطرنج التي لا يمكن أن يشذ نقل منها عن النقل الذي يسبقه ولا يمكن أن يكون لأي وضع من أوضاعها إلا معنى واحد في سياق الوضع العام. وتحولت الصدفة إلى مجرد اسم للجهل البشري وكل ما نظنه عشوائياً ليس إلا نتيجة لقصور إدراكنا عن إحاطة بجميع العوامل المؤثرة في موقف ما. وبهذا طُرد الاحتمال من ساحة الوجود وأصبح مجرد أداة ظرفية يستخدمها العقل البشري المحدود للتغلب على نقص معلوماته ولم يعد له أي وجود موضوعي في نسيج الواقع نفسه.

غير أن هذه الصورة الكلاسيكية للعالم على ما فيها من قوة وتماسك لم تلبث أن بدأتها الشقوق تتسلل إليها من حيث لا يحتسب منظروها. لقد كان التحول الأكثر دراماتيكية والأعظم تأثيراً في مسيرة الفكر الفلسفي والعلمي معاً هو ذاك التحول الذي جاءت به فيزياء الكم، مقلبة تلك الصورة رأساً على عقب ومفككة كل تلك اليقينيات ومعلنة عن ميلاد مفهوم جديد للوجود قائم على الاحتمال واللاحتمية. هذا التحول الذي هز أركان الفلسفة والعلم وفتح باباً من الأسئلة الوجودية والمعرفية لم يكن مجرد تحديث لبعض النظريات العلمية بل كان قطيعة ابستمولوجية حادة كما وصفها غاستون باشلار مع كل التصورات الكلاسيكية للسببية والحتمية. لقد كشفت تجارب فيزياء الكم وبخاصة مبدأ الريبة الذي صاغه فيرنر هايزنبرغ عن حدود معرفية جوهرية لا يمكن تجاوزها، ليس بسبب قصور في أدواتنا بل بسبب طبيعة الواقع ذاته على المستوى الذري. فقد أثبت هايزنبرغ أن هناك علاقة عكسية بين دقة قياس موقع الجسيم ودقة قياس زخمه بحيث أن أي محاولة لقياس أحدهما بدقة متناهية تؤدي حتماً إلى زيادة عدم التيقن في قياس الآخر. وليس هذا مجرد عيب تقني يمكن تداركه بتطوير أدوات القياس بل هو خاصية أصيلة للواقع الكوانتي وكأنما الوجود في أعماقه يتحاشى أن يكشف عن كل أسراره دفعة واحدة ويظل محتفظاً بدرجة من الغموض وكأنما في طبيعة الأشياء كما عبر نيلز بور حداً للتمثل أو حاجزاً لا يمكن اختراقه نحو حقيقة مطلقة.

وقد وجد العلماء والفلاسفة أنفسهم أمام واقع جديد، واقع لا يخضع لقوانين السببية الصارمة التي سادت في الفيزياء الكلاسيكية بل لقوانين احتمالية حيث لا يمكننا التنبؤ بموقع الإلكترون أو سرعته بل فقط بحساب احتمالية وجوده في مكان معين. هذه الثورة في الفهم لم تقتصر على فيزياء الجسيمات بل امتدت لتشمل كل النظريات العلمية التي تتعامل مع أنظمة معقدة مثل علم الأحياء وعلم المناخ والاقتصاد حيث يصبح التنبؤ الدقيق مستحيلاً ويعوض عنه الحديث عن الأنماط والاحتمالات. وهنا يتجلى جليا عمق التحول المفهومي الذي أصاب فكرة "الضرورة"، لقد أصبحت هذه الأخيرة مجرد حالة خاصة، تقريبية، من حالات الكون، تنطبق على الظواهر الكبرى التي نتعامل معها في حياتنا اليومية وعلى المستوى الماكروسكوبي حيث يمكننا إهمال التأثيرات الكمية، أما على المستوى الأساسي، المستوى الذري فإن الضرورة تحل محلها "الإمكانية" بوصفها طابعاً أصيلاً للوجود وليس مجرد وصفة مؤقتة لجهلنا.

إن اللافت في هذا التحول أنه لم يلغِ الحتمية تماماً ولم يرفض فكرة النظام ولكنه أعاد تعريفها بصورة أكثر تواضعاً ومرونة. ففي الفلسفة المعاصرة وخاصة في المدرسة الوضعية المنطقية لم تعد الحتمية تُفهم بوصفها مبدأ ميتافيزيقياً مطلقاً ينبثق من طبيعة العقل أو من طبيعة الوجود بل أصبحت أداة منهجية أو مبدأ تنظيمياً للبحث العلمي يُفترض لتحقيق التقدم لكنه لا يفرض نفسه فرضاً على الواقع. وهذا يعني أن فيلسوف العلم المعاصر لم يعد يبحث عن "ضرورة" مطلقة في الأحداث بل عن "قانون" يصف بانتظام الظواهر في ظل شروط معينة بدرجة معقولة من التقريب. وهذا ما جعل ألبرت أينشتاين ذلك الفيزيائي العظيم في موقف نقدي حاد من هذه النزعة الاحتمالية معبراً عن إيمانه الراسخ بأن "الله لا يلعب النرد"، معبراً عن رفضه لتحويل اليقين العلمي إلى مجرد لعبة احتمالات ومصرا على ضرورة وجود نظام أعمق وإن كانت المعرفة البشرية غير قادرة على بلوغه. كان أينشتاين يحن إلى الحتمية الكلاسيكية ويرى في ميكانيكا الكم مجرد نظرية ناقصة تعكس قصوراً في الفهم وليست وصفاً نهائياً للواقع. لكن تطور التجارب العلمي وبخاصة في مجال المعلومات الكمية، كان يثبت يوماً بعد يوم أن الاحتمال ليس نقصاً معرفياً قابلاً للتعويض بل هو سمة بنيوية للكون مما جعل موقف أينشتاين يبدو في نظر كثيرين وكأنه دفاع عن صورة قديمة للعالم ضد ثورة لا يمكن وقفها.

غير أن هذا التحول لا يعني بأي حال من الأحوال أن مفهوم الضرورة قد انتهى تماماً وأن الفلسفة المعاصرة تخلت عنه نهائياً. بل على العكس فقد تمت إعادة صياغته وتأطيره في سياقات جديدة. ففي نظرية المعرفة مثلاً، ظل مفهوم الضرورة أساسياً في التفكير المنطقي والرياضي حيث يظل الاستدلال القائم على علاقات التضمن والاستلزام يحتفظ بقوته ولا يزال المنطق الصوري كما ورثناه من أرسطو يعتمد على فكرة أن بعض النتائج تتبع بعض المقدمات بالضرورة وهذا النوع من الضرورة لم يتزعزع بتاتاً بفعل ثورة الكم. ففي الرياضيات تظل الحقائق ضرورية بمعنى أنه من المستحيل أن تكون القضية الرياضية الصحيحة خاطئة وهذه الضرورة مستقلة عن أي نوع من الحتمية المادية أو الفيزيائية، إنها ضرورة منطقية أو ما يمكن تسميته بـ"الضرورة الشكلية"، وهي التي تبقي على تماسك النظام المعرفي. ونرى هنا أن الضرورة لم تغب بل انتقلت من مستوى الوجود (الأنطولوجيا) إلى مستوى المنطق والمعرفة (الابستمولوجيا) أو بتعبير أدق أصبحت هناك ضرورتان: ضرورة معرفية وضرورة فيزيائية، الأولى شكلية وتحليلية والثانية تركيبية واحتمالية. وهذه الثنائية في مفهوم الضرورة تعكس الثنائية نفسها في فهمنا للكون بين ما هو قابل للرياضيات الصرفة وما هو قابل للتجريب المفتوح على الاحتمال.

ونجد أنفسنا أمام إرث فلسفي ثقيل، تركته لنا الفلسفة الكلاسيكية متمثلاً في فكرة الضرورة بوصفها نظاماً حتمياً للعالم وإرث آخر حداثي تجسده فلسفة العلم المعاصرة التي ترى الضرورة مجرد أداة واليقين مجرد إمكانية نسبية. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يفرض نفسه هو كيف أثر هذا التحول المفهومي في تصورنا للإنسان نفسه وفي مفهوم الحرية والمسؤولية والأخلاق؟ إذا كان الكون في أعماقه لا يخضع لقوانين حتمية فهل يعني ذلك أن الإنسان أصبح أكثر حرية؟ أم أن هذه الحرية هي مجرد وهم آخر يختبئ وراء جهلنا بقوانين أكثر تعقيداً؟ هنا يلتقي الفيزيائي بالفيلسوف الأخلاقي ليبحثا معاً في تداعيات هذه الثورة المفهومية، ليس على طبيعة الوجود فحسب بل على طبيعة الإنسان نفسه ومصيره وقيمته في هذا الكون الاحتمالي.

وإذا كان التحول المفهومي في صلب الضرورة قد هزّ أركان الفيزياء والأنطولوجيا فإن ارتداداته كانت أشدّ عنفاً حينما بلغت مجال الفكر الأخلاقي والسياسي، ذلك المجال الذي تظل فيه مسألة الإنسان هي القضية الأولى والأخيرة. فالحتمية الكلاسيكية في صورتها القصوى لم تكن مجرد نظرية في طبيعة الأشياء بل كانت مشروعاً أنثروبولوجياً بامتياز رسمت للإنسان صورة محددة، هو جزء من آلة كونية خاضع لقوانينها كما تخضع لها الحجارة والكواكب وليس له من إرادة ذاتية إلا بمقدار ما تسمح به تلك القوانين. غير أن هذا التصور على قسوته كان يمنح الإنسان شيئاً من الطمأنينة إذ كان يجعله رغم صغره جزءاً من كل متناسق ويمنح أفعاله معنى ضمن سياق كلي ويجعل من مصيره مسألة يمكن نظرياً على الأقل التنبؤ بها وفهمها. لكن ثورة الاحتمال حين أزاحت الحتمية من عرشها لم تترك الإنسان في فراغ ميتافيزيقي بل وضعته أمام تحد جديد وأكثر إرباكاً: إذا كان الكون لا يضمن نظاماً ضرورياً وإذا كان الاحتمال هو الطبقة الأساسية للوجود فكيف يمكن للإنسان أن يبني أخلاقاً أو يمارس حرية أو يتحمل مسؤولية أفعاله في عالم يحتمل كل شيء ولا يضمن شيئاً؟

لقد أدرك الفلاسفة منذ اللحظة الأولى التي تسربت فيها أخبار فيزياء الكم إلى حيز الفلسفة أن المسألة ليست مجرد تعديل في بعض المعادلات العلمية بل هي قلبٌ للعلاقة بين الإنسان والعالم. فكانت الوجودية في صيغتها السارترية خير تعبير فلسفي عن هذه اللحظة التاريخية. لقد انطلق سارتر من أرضية أخلاقية جديدة هي أرضية لا مركزية للإنسان في الكون ولا حتمية ترسم مساره مسبقاً بل هو مشروع مفتوح يتشكل من خلال اختياراته وحين قال "الإنسان محكوم عليه أن يكون حرا"، كان يضع يده على مفارقة هذا الوجود الاحتمالي: الحرية ليست نعمة بل هي حمل ثقيل يقع على كاهل الإنسان في غياب أي ضمانات كونية أو إلهية، في عالم لا يقدم له جدول أعمال ولا خريطة طريق. هذه الحرية التي يفاخر بها الفكر الحديث هي في الحقيقة وجه آخر للقلق الذي يثيره الاحتمال، إنها القدرة على الفعل في سياق لا ضمان فيه للنتائج وهذا هو عين ما طرحته فيزياء الكم على مستوى الجسيمات، إمكانية الفعل الحر في عالم غير حتمي. غير أن سارتر لم يكن وحيداً في هذا المضمار فقد سبقه فريدريك نيتشه الفيلسوف المتمرد الذي كسر صنم الحقيقة والسببية الكلاسيكية وجعل من الإرادة والقوة مبدأين أساسيين للوجود. ففي فلسفة نيتشه نجد رفضاً صريحاً لأي حتمية مطلقة سواء كانت مادية أو إلهية ونزعة إلى الاحتفال بالصدفة وبالقوة الخلاقة التي تصنع المعنى من العبث. بالنسبة لنيتشه، العالم ليس نظاماً ضرورياً بل فوضى خصبة تنتظر من يمنحها شكلاً والإنسان ليس عبداً لقوانين بل فناناً ومشرعاً للقيم وهذا بالضبط هو ما يجعل الفعل الإنساني حاسماً في عالم لا تحكمه ضرورة بل إمكانية وتجدد دائم.

غير أن هذه الرؤية الوجودية رغم جاذبيتها الهائلة لم تخل من إشكالات عميقة، إذ إذا كانت الحرية مطلقة إلى هذا الحد وإذا كان لا وجود لأي ضرورة أخلاقية موضوعية فقد يتحول العالم إلى ساحة عبث وفوضى أخلاقية لا تحكمها إلا رغبات الأفراد ونزواتهم. هنا تظهر أهمية العودة إلى نوع من الضرورة، ليست ميتافيزيقية هذه المرة بل أخلاقية عملية، ضرورة تنبثق من طبيعة الوجود الإنساني نفسه ومن اشتراطات العيش المشترك. إيمانويل كانط الذي كان سباقاً في نقد الحتمية الميتافيزيقية حين فصل بين عالم الظواهر الذي يخضع للسببية وعالم الوجودات الذاتية الذي يخضع للحرية، قد وضع أسساً لقراءة جديدة للضرورة لا تقوم على نظام الطبيعة بل على ضرورة العقل العملي نفسه. فضرورة الأمر الأخلاقي أو ما سماه كانط بالواجب القطعي هي ضرورة لا تقبل المساومة ولكنها ضرورة مفترضة يتم وضعها من طرف العقل البشري نفسه وليس من طرف قوانين كونية خارجية. ونجد كانط يقدم لنا نموذجاً للضرورة التي تبقى محتفظة بقوتها الإلزامية دون أن تكون حتمية سببية، وهذا بالضبط هو الموقف الذي أصبح ممكناً بعد ثورة الاحتمال حيث يمكن للفكر الأخلاقي أن يبني قواعده على أسس عقلية لا على أسس فيزيائية أو ميتافيزيقية مطلقة مما يجعل الأخلاق مستقلة عن مصير الكون الطبيعي وقادرة على الصمود في وجه أي تشكيك يأتي من العلم التجريبي.

وإذا انتقلنا إلى المجال السياسي نجد أن التحول المفهومي للضرورة قد ألقى بظلاله الثقيلة على نظريات الدولة والقانون والعدالة. فالحتمية التاريخية بكل صيغها من هيغل إلى ماركس كانت تستند إلى فكرة أن التاريخ يسير وفق قوانين ضرورية وأن المجتمعات تنتقل من مرحلة إلى أخرى وفق نظام حتمي لا مفر منه. غير أن انهيار هذه الحتمية على المستوى العلمي والفلسفي جعل من الصعب الاستمرار في الإيمان بوجود "قوانين تاريخية" صارمة وفتح الباب أمام نظريات سياسية تقوم على العقد الاجتماعي والاختيار الحر والتخطيط العقلاني بدلاً من الانتظار السلبي لقطار التاريخ المحتوم. كارل بوبر في نقده الحاد للتاريخية بكل أشكالها كان واضحاً في ربطه بين رفض الحتمية العلمية ورفض الحتمية التاريخية معتبراً أن العلم الحقيقي هو علم يتعامل مع الفروض والاحتمالات وأن السياسة الحكيمة هي تلك التي تتبنى منهجاً تجريبياً قائماً على التصحيح المستمر للأخطاء بدلاً من الانقياد لقوانين وهمية تزعم أنها تملك مفتاح المستقبل. ونرى أن التحول من الضرورة إلى الاحتمال لم يكن مجرد حدث علمي بل كان ثورة في فهمنا لأنفسنا كجماعات ودفعنا إلى تصور السياسة كفن الممكن لا كعلم ضروري، وهو ما جعل الديمقراطية والمواطنة النشطة أكثر من مجرد خيارات بل صارت ضرورات عملية في عالم لا يمكن التنبؤ بمساره بيقين ويحتاج بالتالي إلى حكمة جماعية وتداول عقلاني لمواجهة ما لا يمكن توقعه.

أما في مجال الأخلاق الفردية فقد أدى هذا التحول إلى إعادة تقييم جذرية لمفاهيم الثواب والعقاب والمسؤولية. ففي إطار الحتمية الكلاسيكية كان الجاني مجرد حلقة في سلسلة أسباب أدت به إلى ارتكاب جريمته مما يجعل العقاب في أفضل الأحوال أداة وقائية أو إصلاحية وليس تعبيراً عن مسؤولية أخلاقية حقيقية. أما في الفضاء الاحتمالي الجديد حيث لا حتمية مطلقة يصبح الفرد مسؤولاً عن اختياراته بشكل أعمق، ليس لأنه يمتلك إرادة حرة مطلقة بل لأنه يعيش في عالم لا يضمن له أي شيء وعليه أن يتحمل عواقب ما يفعله مع العلم أنها لم تكن محتومة بل كانت ممكنة بين احتمالات أخرى. وهذا بالضبط ما يجعل الأخلاق الإنسانية أكثر إنسانية لأنها لم تعد قائمة على الخوف من عقاب كوني أو على إيمان بقوانين جامدة بل على إدراك أن الإنسان في عزلته ووضعه المحدود هو من يضفي على الأفعال قيمتها وهو من يوزع الثواب والعقاب في ضوء معايير يضعها بنفسه متحللاً من عبودية الضرورة المطلقة ومتشبثاً بإمكانية الفعل في فضاء مفتوح على كل الاحتمالات.

لكن هذه الحرية الجديدة التي يمنحها لنا الاحتمال ليست رفاهية فلسفية يمكن الاستمتاع بها في برج عاجي بل هي واجب ثقيل يتطلب من الإنسان أن يكون أكثر وعياً بحدوده وأكثر تواضعاً في ادعاءاته المعرفية وأكثر جرأة في تحمل مسؤولية أفعاله في عالم لا يغفر الأخطاء لكنه لا يمنع التعلم منها. إن الفلسفة المعاصرة في رحلتها من الحتمية الكلاسيكية إلى الاحتمال لم تكن مجرد تطور نظري بل كانت تأملاً في مصير الإنسان، في عالم لم يعد يضمن له أي شيء سوى أنه لا شيء مضمون. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، إن الضرورة التي بدت لنا كسجن كانت في العمق ملجأً من قسوة الحرية والاحتمال الذي بدا لنا كتحرر هو في الحقيقة اختبار لا ينتهي لقدرة الإنسان على أن يكون إنساناً أي أن يعيش في ظل الغموض وأن يختار رغم التردد وأن يأمل رغم الإحباط وأن يبني المعنى رغم هشاشته. هذا هو الدرس الفلسفي الأعمق الذي تقدمه لنا الثورة الاحتمالية، ليس أن الكون قد أصبح مكاناً عشوائياً لا معنى له بل أصبح مكاناً ندعوه نحن بفعلنا واختيارنا وأخلاقنا، إما إلى الجمال والحكمة وإما إلى الفوضى والضياع. الضرورة لم تمت بل تحولت من مبدأ كوني قاهر إلى أفق أخلاقي منشود ومن حتمية تأسر الفكر إلى إمكانية تحرر العقل ومن يقين يطمئن القلوب إلى سؤال يحرك الحياة. وربما كانت خاتمة هذا التحول هي أن ندرك أن الضرورة الحقيقية ليست تلك التي تفرضها علينا قوانين الطبيعة بل تلك التي نصنعها بأيدينا حين نختار في كل لحظة أن نكون أحراراً في عالم لا حتمية فيه إلا حتمية السؤال الذي لا ينتهي عن معنى أن نكون هنا، الآن، في هذا الكون الاحتمالي المتدفق بالأسرار والدهشة.

***

د. حمزة مولخنيف

 

يرى البروفيسور جوليان بيلارد Julien Beillard أستاذ الفلسفة في جامعة تورنتو ان لا منطق في الادّعاء بنسبية الأخلاق. ان التنوّع في العقائد وطرق الحياة هو الحقيقة المدهشة في النوع البشري. ما يجده المورمون (أتباع كتاب مورمون المقدس) صحيحا ومعقولا ربما هو مقيتا للماركسيين والماوربون (سكان ايزلندا الأصليين). شعب الازتيك مارسوا طقوس التضحية البشرية لأسباب نجدها غير مقنعة بالكامل، ولا شك ان الناس في المستقبل أيضا سيكونون حائرين او يشعرون بالاشمئزاز من بعض ممارساتنا. لهذه الأسباب، يستنتج البعض ان لا وجود هناك لحقيقة موضوعية حول الاخلاق. هم يقولون ان أحسن توضيح لعدم الاتفاق الأخلاقي يتم من خلال الفكرة بان هناك العديد من الحقائق الأخلاقية النسبية المختلفة والغير منسجمة، والتي بطريقة ما تتقرر بمعتقدات مجتمع معين، وان هذا هو النوع الوحيد الموجود للحقيقة الأخلاقية . لذا بالنسبة لشعب الايزتك يرون من الصحيح أخلاقيا ممارسة التضحية البشرية رغم انها زائفة بالنسبة لنا. اذن عموما، الادّعاء الأخلاقي (س) هو صحيح نسبيا بشرط ان يتم الايمان به من جانب افراد المجتمع (ص). نفس الفكرة الأساسية ربما جرى تطويرها بشكل مختلف نوعا ما. بعض النسبيين ربما يقولون،مثلا، ان (س) هو صحيح نسبيا بشرط انه متضمن في معايير (ص) الاخلاقية بصرف النظر عما اذا كان افراد (ص) يؤمنون حقا بها. (سوف نتجاهل هذه التفاصيل لأنها لا تغير شيئا من جوهر المسألة التي نطرحها).

الازتيك يؤدون طقوس التضحية البشرية

سنناقش هنا هذه الحجة من عدم اتفاق أخلاقي ونعرض ما نعتقد انه المشكلة الأكثر خطورة للنسبية الأخلاقية: ذلك اننا هنا لا نستطيع فهم معنى ان تكون الحقائق الأخلاقية نسبية. وطالما لا نمتلك فكرة حول ما تعنيه، فان النسبية الأخلاقية لن تكون توضيحا جيدا لحقيقة الاختلافات الأخلاقية العميقة والمستمرة – ولا يمكن أيضا دعم الأخلاقية النسبية بواسطة أي نوع من الاستدلال. لذا اذا كان عدم الاتفاق الأخلاقي دليلا ضد موضوعية الحقيقة الأخلاقية، فانه يمكن فقط ان يكون دليلا للعدمية الأخلاقية: فكرة ان لا وجود هناك لحقائق أخلاقية.

تقويض الذات

الجدال لأجل الاخلاق النسبية بسبب التنوع ألاخلاقي هو غير مقنع . اذا كان مجرد اختلاف الافراد والجماعات حول فكرة ما كافيا للتدليل على ان تلك الفكرة تفتقر الى قيمة حقيقة موضوعية، فسوف لن تكون هناك حقيقة موضوعية حول عمر الكون او أسباب مرض التوحد. أملاً في درء تلك الحجة المضادة، يدّعي النسبيون عادة ان هذه الاختلافات الأخرى لا تشبه الاختلافات الأخلاقية بطريقة ملائمة. فمثلا، الفيلسوف الامريكي جيس برنز Jesse Prinz ذكر ان الاختلافات العلمية يمكن تسويتها بالملاحظة او القياسات الجيدة، وانها عندما تُعرض بنفس الكمية من الدليل او الأسباب، فان العلماء سيتفقون، لكن لايمكن قول نفس الشيء عن المفكرين الذين يعملون بمبادئ أخلاقية مختلفة. وحتى لوسلّمنا بهذا الفرق، لايزال من المشكوك فيه ان عدم الاتفاق الأخلاقي هو سبب جيد لقبول النسبية الأخلاقية. في نهاية المطاف، هناك عدم اتفاقات عميقة وعصية على الحل في الفلسفة وفي الاخلاق أيضا. فمثلا، بعض الفلاسفة يعتقدون ان الحالات الذهنية مثل الألم او الرغبة هي فقط حالات فيزيقية، آخرون ينكرون هذا، ومع ذلك كلا المعسكرين مطّلعين على الدليل والأسباب التي تُستخدم لدعم وجهة النظر المعارضة. فهل نقول اذن لا وجود هناك لحقيقة موضوعية حول كيفية اتصال الحالات الذهنية بالعالم المادي؟ هذا يبدو غير معقول ابداً. في هذه المسألة، العديد من الفلاسفة ينكرون ادّعاء الاخلاقيين النسبي بان الحقيقة الأخلاقية هي نسبية لما يعتقده مجتمع معين. هل يتبع ذلك ان هناك فقط حقيقة نسبية ولا حقيقة موضوعية حول النسبية الأخلاقية ذاتها ؟

ربما القليل من النسبيين الاخلاقيين سيكونون راغبين لقبول هذا النوع "العالي" من النسبية. هم يعتقدون انه حتى لو لم يتفق العديد من الفلاسفة محدودي البصيرة معهم، فان الحقيقة الأخلاقية تُعد نسبية بالنسبة لمجتمع ما، اذ انها حقيقة موضوعية تتعلق بالواقع مفادها انه لا توجد حقائق أخلاقية موضوعية بل مجرد حقائق نسبية. لكن هذا سيكون موقف قلق ولا يمكن التنبؤ به، اذا كان انصار النسبية يؤمنون بنسبيتهم استنادا الى حجة تعتمد على المبدأ القائل بانه اذا وُجد نوع معين من الاختلاف حول موضوع ما، فلا توجد حقيقة موضوعية تتعلق بذلك الموضوع. اذا كان ذلك المبدأ صحيحا، فان حقيقة وجود عدم اتفاق حول استنتاجه النسبي يعني ان الاستنتاج ذاته غير صحيح موضوعيا، ولكن فقط  صحيح نسبيا. لذا اذا كانت حجة هذا النسبي جيدة، عندئذ ومن خلال معاييره الخاصة هو يجب ان لايؤمن بان استنتاجه صحيح موضوعيا، او لو كان هو مؤهلا للايمان باستنتاجه، يتبع ذلك ان الحجة ليست جيدة.

فهل نحتاج الى تقويض او هزيمة ذاتية لنؤمن ان الحقيقة الأخلاقية هي نسبية، وان تلك الحقيقة حول الحقيقة الأخلاقية هي ذاتها صحيحة نسبيا أيضا؟ من المفرح اننا لا نحتاج للنظر بهذا السؤال باهتمام كبير، طالما نعتقد ان جوهر المشكلة في النسبية الأخلاقية هو ليس انها زائفة، وغير معقولة او منهزمة ذاتيا، وانما لأنها غير مفهومة. أي، ان لا وجود هناك لمفهوم واضح عن الحقيقة يمكن استخدامه لتأطير الاطروحة بان الحقيقة الأخلاقية هي نسبية لمعايير او معتقدات مجتمع معين.

الحقيقة والعقيدة Truth& Belief

 لنحاول الان توضيح هذه المعارضة عبر ادخال بعض الحقائق البديهية حول الحقيقة. أولاً، الادّعاء هو صحيح فقط اذا كان يمثّل أشياءً كما هي حقا. الادّعاء باني ارتدي جوراب ازرق هو صحيح فقط اذا كنت حقا ارتدي جوراب ولونه ازرق حقا.

نفس المبدأ العام يصمد بالتأكيد في الادّعاءات الأخلاقية. افرض اني قلت ان الانتحار غير أخلاقي، مع ذلك في الواقع الموضوعي لا وجود لمثل هذا الشيء كخطأ أخلاقي. أي، افرض ان لا شيء مما يفعله أي شخص خاطئ أخلاقيا، رغم ان بعض الأفعال تبدو خاطئة.عندئذ ادّعائي باللااخلاقية هو زائف، لأنه ينسب لأفعال معينة خاصية لا تمتلكها. انه كالادّعاء بان جورابي صُنع بواسطة السيدة ماريا. لا شيء له خاصية في كونه صُنع بواسطة ماريا، وبالتالي فان أي تصريح يزعم ان جواربي يتميز بتلك الخاصية فهو تصريح كاذب.

أولئك المنجذبون للأخلاقية النسبية ربما يعارضون بأننا نفترض هنا مسبقا مفهوم موضوعي للحقيقة: مفهوم يربط ما يُقال او يُتصور عن العالم بالطريقة التي يكون فيها العالم حقا، بشكل مستقل عن هذه الأفكار. ما في اذهانهم هو مفهوم مختلف عن الحقيقة – مفهوم لا يستلزم أي علاقة بين وجهة النظر الذاتية او التمثيلات وشيء مستقل عن وجهة النظر تلك.

نعترف باننا نفترض سلفا تصورا موضوعيا للحقيقة، لكن ما هو البديل؟ هل لدينا أي مفهوم للحقيقة لا يستلزم ذلك النوع من العلاقة؟ للتأكيد، الناس أحيانا يقولون ان الادّعاء هو صحيح لشخص معين لكن ليس للأخر – يعني ان الادّعاء يبدو صحيحا للشخص الأول لكنه لا يبدو صحيحا للشخص الثاني. ولكن مثلما الذهب ليس نوعا من الذهب، ما يبدو صحيحا او حقيقيا ليس نوعا من الحقيقة. المقصود بهذه الطريقة من الكلام، هو مجرد عقيدة. لنقل انه صحيح لبعض الأطفال ان ماريا تعيش في القطب الشمالي، لكن اذا كان ذلك يبدو صحيحا فقط لبعض الأطفال انها تعيش هناك، فهل حقا هي فقط طريقة للقول انهم يؤمنون بها. الايمان لا يجعلها هكذا. ونفس الشيء، اذا كانت الاخلاق النسبية هي فقط ادّعاء بان ما يبدو صحيحا أخلاقيا لبعض الناس (ما يعتقدونه حول الاخلاق) يبدو زائفا للاخرين، هذا صحيح لكنه لا أهمية فلسفية له، وهو منسجم مع الموضوعية حول الحقيقة الأخلاقية. انه أيضا يجدر القول ان الاخلاق النسبية المفسرة بهذه الطريقة لايمكن دعمها بحجة من عدم الاتفاق. خلاصة تلك الحجة كانت ان الاخلاق النسبية هي توضيح جيد لعدم الاتفاقات الأخلاقية التي نلاحظها. لكن الادعاء بان بعض الادعاءات الأخلاقية تبدو صحيحة لبعض الناس وزائفة للاخرين هي فقط إعادة تأكيد حقيقة عدم الاتفاقات الأخلاقية التي يُفترض ان تُوضح من جانب النسبية، انها لا تستطيع توضيح تلك الحقيقة. (ربما بعض الأشياء واضحة بذاتها لكنها ليست عدم اتفاق أخلاقي).

لذا هناك نوع مألوف للحقيقة يعتمد على المقدار الذي يكون به الواقع جزءا من عقيدة الناس او تصوراتهم، وأيضا هناك نوع زائف للحقيقة بانه لا شيء اكثر من عقيدة. النظرية النسبية للحقيقة الأخلاقية تنكر صراحة ان الادعاءات الأخلاقية صحيحة دائما (او زائفة) بالمعنى المألوف، لكن لو فُسرت بالطريقة الثانية، فان النسبية تنهار الى سخافة او تفاهة. النسبي يحتاج نوع ثالث من الحقيقة، في المنتصف بين المألوف والزائف: ليس فقط مظهر للحقيقة، ولكن ايضا ليس حقيقة تعتمد على واقع موضوعي. لا وجود هناك لهذا الشيء. على الأقل، نحن غير قادرين على تصور ما سيكون عليه هذا النوع الخاص من الحقيقة، ومن الغريب ان النسبيين صامتون حول هذه القضية المركزية.

لا طريقة ثالثة

لنتذكر ان النسبية الأخلاقية لها مكوّنان: هناك انكار لأي حقيقة موضوعية، والادّعاء بنوع آخر من الحقيقة الأخلاقية. افرض ان عدم الاتفاق الأخلاقي يثير فعلا شكوكا حول الحقيقة الموضوعية في أي مبدأ أخلاقي. هل يتبع ذلك ان الشفرات الأخلاقية هي صحيحة بمعنى آخر؟ كلا، لأنه ربما ذلك يعني ان لا ادعاءات اخلاقية صحيحة في أي معنى. قد لا يتفق الناس هنا لأنهم اندمجوا ثقافيا في مختلف الثقافات الأخلاقية، لكن جميع العقائد والمعايير الأخلاقية لكل الثقافات هي زائفة. لذا فان الحجة من عدم الاتفاق ربما حجة لعدمية أخلاقية بدلا من نسبية أخلاقية.

كيف يأمل النسبيون تأسيس اطروحتهم الإيجابية، بان الادعاءات الأخلاقية هي أحيانا صحيحة بدون ان تكون صحيحة موضوعيا؟  نحن غير مطلعين على أي حجج مقنعة لتلك الفكرة. على العكس، النسبيون يميلون بدلا من ذلك نحو حجة بتفاصيل اكثر لأجل أطروحة سلبية، بان الاخلاق ليست صحيحة موضوعيا، كما لو ان ذلك وحده كان كافيا لاستنتاجهم النسبي. وهكذا يقول برنز ان "الاحكام الأخلاقية ترتكز على العواطف"، أي، "العقل لا يستطيع ان يخبرنا أي قيم نتبنّى"، وانه حتى لو كان هناك شيء مثل طبيعة بشرية، ذلك سيكون بلا فائدة، طالما ان مجرد الحقيقة باننا نمتلك طبيعة معينة يترك السؤال مفتوح ما اذا كان الطبيعي هو جيد أخلاقيا. دعونا نسلّم بكل هذا ونسلّم لأجل الجدال انه فعلا يثير شك حقيقي حول الحقيقة الموضوعية للمعتقدات الأخلاقية. في غياب أي تفسير لنوع معين للحقيقة التي يُفترض ان تكمن في مكان ما بين مجرد العقيدة وتمثيل دقيق للواقع الموضوعي، لماذا يجب ان نعتقد بالاحكام الأخلاقية كحقائق لأي نوع؟ لماذا لا نقول فقط ان كل الشفرات الأخلاقية هي زائفة؟ سيبدو من غير المعقول للفيلسوف الذي يعتقد بالاستدلال الأخلاقي بهذه الطريقة لينظر بالمعتقدات الأخلاقية بنفس الطريقة التي ينظر بها الملاحدة للمعتقدات الدينية – كزائفة.

هناك شك ان السبب الذي يجعل بعض الفلاسفة يرغبون بطرح هذا الاستنتاج العدمي هو ببساطة انه، كما في معظم الناس، لديهم قناعات أخلاقية راسخة خاصة بهم . هم يعتقدون انه من الخطأ الأخلاقي المتاجرة بالمخدرات او اغتصاب الاطفال، مثلا، وبهذا هم لا يريدون القول ان تلك العقيدة زائفة. لأنه كيف يمكنهم الاستمرار في الاعتقاد بها، بينما أيضا يعتقدون ان ما يعتقدون به ليس صحيحا؟ هذه التسوية الغير سعيدة لا يمكن الدفاع عنها. اذا لم تكن هناك حقيقة أخلاقية موضوعية، لا يمكن ان يكون هناك نوع آخر من الحقيقة الأخلاقية.

***

حاتم حميد محسن

.....................

Moral Relativism is Unintelligible, Philosophy Now, issue 97, July/August 2013

آليَاْتُ بَلاغةِ الجمهورِ العِرَاقيّ فِيْ نَقْدِ خِطَاْباتِ المُرشحِينَ للانتِخَابَاتِ البرلمَانيَّةِ

الخِطابُ هُوَ فِعْلٌ قوليّ إنجازيّ يَرتكزُ إلى مرجعياتٍ مَعرِفيةٍ أو أيديولوجيَّة تشكّلُ رؤيتَهُ، ويمتلكُ سُلطةً فِي التوجيه ومحاولة الهيمنة وإعادة تنميط الأفكار والتأثير في المتلقين وتوجيه مسارهم الفكريّ والعمليّ، ويستندُ في ذلك إلى مجموعةٍ من الآليات اللغويَّة تنتهجُ خططاً طويلة المدى يُصْطَلَحُ عليها في أدبيات تحليل الخطاب بـ (استراتيجية الخطاب)، وتتنوعُ تلك الاستراتيجياتُ في ضوء ظروفِ إنتاج الخطاب ومراحل تكوينه وكيفية بناء نسيجه اللغويّ، فقد تكونُ استراتيجيتُهُ تصريحيةً تعتمدُ الدلالةَ المباشرة َغيرَ الإيحائية كالخطابِ الرسميّ الإداريّ والخطاب العلميّ، وقد تكونُ استراتيجيتُهُ تلميحيةً عمادُها الكنايةُ والترميزُ لتمرير معانيه الضمنيَّة غير الصريحة كالخطاب الأدبيّ التخييليّ وخطاب التَّعمية والتَّعريض وخطاب التَّورية، وقد تكونُ استراتيجيتُهُ توجيهيةً حجاجيةً إقناعيةً كالمرافعاتِ القضائيَّةِ والتَّرويج التَّسويقيّ التجاريّ، وهذهِ الاستراتيجيةُ الأخيرةُ يرتكزُ عليها خطابُ المرشحينَ فِي الانتخاباتِ البرلمانيَّة العراقية لكسب أصوات الناخبين وإقناعهم بالتصويت من خلالِ حزمةٍ من الوعود الانتخابيَّة يتمُّ عرضُها بأسلوبٍ حجاجيّ في بلاغةٍ يومية تقدمُ حججاً شبه منطقية تمتزجُ فيها المغالطةُ بالتمويه والتلاعب العاطفيّ بالتضليل، ولأنَّها فقدتْ شرطَ النزاهةِ بعد فشل التجربة البرلمانية في الحياة السياسية العراقية، فهي فاقدة لمبدأ التعاون في ضوء مفهوم (بول غرايس) لشروط الحوار، فالوعود فاقدة للفعل التأثيري في توجيه الناخبين، والدليل عزوف نسبة تفوق الثمانين بالمئة ومقاطعتهم للانتخابات الماضية وفقدان حماستهم وعدم اكتراثهم بالمشاركة في الانتخابات لهذه الدورة الجديدة باستثناء الجمهور الحزبيّ للناخبين، وهو جمهور مُؤدلج مقتنع سلفاً بمرشحيه من دون حاجة لاستنفار أدوات البيان الخطابية لتوجيهه. وعلى الرغم من ذلك تشكل صفحات الفيس بوك منصة لخطابات المقاطعين وخطابات المرشحين والإعلان عن حملاتهم الانتخابية وعرض رؤاهم في التغيير والإصلاح وتقديم الوعود، ولا تمتلك هذه الخطابات أي فاعلية إقناعية سوى الفاعلية التنبيهية البصرية للتدليل على أيقونة الكيان الحزبي ورمزه وصورة المرشح ورقم تسلسله في القائمة، فالبوست الانتخابي بوصفه خطاباً في ضوء خُطاطة (رومان جاكوبسن) تكاد أنْ تنحصرَ وظيفتُهُ الإبلاغيةُ بإقامة الاتصال والتنبيه وتغيبُ وظيفته الندائية التأثيرية بينما يشكل خطابُ الجمهورِ خطاباً موازياً ساخراً وناقداً ومفككاً لخطاب المرشحين وينتهج استراتيجية تلميحية في الغالب، عمادُها التهكّم والسّخريَّة اللاذعة الممزوجة بالعنف اللغوي اللفظيّ الذي يجسّد اهتزاز الثقة وخيبة الأمل بالتجربة الانتخابية البرلمانية، وتحضرُ فيه المفرداتُ التقييمية المشحونة بدلالة نفسية هامشية تختزنُ الحنقَ والضّيقَ والبرم، وهي في الغالب تعليقاتٌ قصيرةٌ في بنائها الجمليّ ويمكنُ الاصطلاحُ عليها بأنها نصوص احادية الجملة، ففي لحظات الغضب والبرم أثناء المعالجة الذهنيَّة في تأويل الخطابات المُستفزة يعمدُ الذهنُ إلى إنتاجِ جملٍ قصيرةٍ نسبياً تكاد تنحصر وظيفتها اللغوية بالوظيفية التعبيريَّة التي تنفّس عن ضِيْقٍ وغضب، وتكونُ عبارةً عن ردّة فعل عفويّ صادق وسريع. وخطاباتُ الجمهورِ هذهِ تمثلُ خطابَ المُمانعةِ الذي يتحرر من قبضة خطاباتٍ سلطويةٍ تتوسلُ ببلاغةٍ لفظيةٍ عاليةٍ وحججٍ شبهِ منطقيةٍ ويوظّفُ رمزياتٍ دينية ووطنية وانجازاتٍ وهمية مشفوعة بوعود مستقبلية تستثمرُ بعوز الناس وفقرهم وضيق حياتهم، مع حشدٍ من الترهيب لما يولده الفراغ الدستوري بغياب الدورة الانتخابية من منزلق أمني خطير يهدد السّلم الأهليّ وينذر بالعنف والاقتتال والتقسيم، كلُّ ذلك يشكّل آليات الهيمنة في خطاب المرشحين، ففي ضوء المنهج النقدي لتحليل الخطاب لـ(نورمان فيركلف) وفي ضوء (بلاغة الجمهور) يمكن أنْ يُعدَّ خطابُ الجمهور العراقي خطاباً تحررياً من إرادة هيمنة خِطاب المرشحين وأحزابهم، وله آلياتُه اللغويةُ ومفرداتُهُ المعجمية المقيّمة للناخبين، وله مجازاته واستعاراته المعبّرة عن تمثلاته للتجربة الانتخابية، وله استراتيجيته في تشكيل خطابه التحرري الناقد لخطاب المرشحين، وهذه الاستراتيجية تشكل تقابلاً خطابياً يقف بوجه خطاب المرشحين ويفككه. ويستمد خطابُ الجمهور سلطته النقدية التقابلية من التجربة المرة وقيمه الاجتماعية الموروثة التي تمثل مستودعاً لتزويد الخطاب الحجاجيّ بـ (القيم) الموجهة لمساره الإقناعي في العبور من المسلمة إلى النتيجة من قنطرة تلك القيم التي غالباً ما تجسدها أمثاله وكنايته العامية الشعبية وعباراته المسكوكة ومجازاته الميتة واستعاراته غير الحية بحسب (بول ريكور).وفي مناهج تحليل الخطاب يُنظر إلى(بلاغة الجمهور) من خلال مفهوم (الاستجابة)، وهي غير (استجابة القارئ) الجمالية في نظريات القراءة الأدبية عند (ياوس) و(إيزر) التي تقوم على تلقي النَّص ضمن (أفق التوقع) وقبليات الفهم والتَّأويل، فـ (استجابة الجمهور) من منظور تحليل الخطاب تنظرُ في الموقف الذي يتخذه جمهور المتلقين من الحمولات الايديولوجية السلطوية تفاعلاً أو إذعاناً وقبولاً أو رفضاً وممانعة أو نقداً، وقد تكونُ الاستجابة فعلاً معارضاً لا فعلاً قولياً، وقد تكون الاستجابة استجابةً سلبيةً صامتةً. ونواةُ (بلاغة الجمهور) شكَّلها مفهومُ (رجع الصدى) للمرسلة اللغوية في الحقل الإعلاميّ الذي يهتم برصد ردود أفعال الجمهور إزاء بثّ محتوى إعلاميّ، ولكنَّ الفارقَ الكبيرَ أنَّ تحليل (بلاغة الجمهور) ينطلق من رصد فاعلية خطابات الهيمنة وأثرها في الجمهور واستجابة الأخير، فخطاباتُ الهيمنة تعمل على تنميط الأفكار وتشكيل المواقف وخلق الأتباع للوصول إلى السلطة، وهي أيضاً تعتمد سلطة اللغة والايديولوجيا فيْ بثِّ أفكارها.ومن الجدير بالذكر أن هذا المنهج (بلاغة الجمهور) يُعد امتداداً لتيار (البلاغة الجديدة) وقد عرف طريقه في الدراسات العربية ولا سيما في تحليل الخطاب السياسيّ منذ أكثر من عقد، ومن أبرز رواده العرب الباحث المصري (عماد عبد اللطيف) في إسهامه في الترجمة وجهوده التنظيرية في تطوير المنهج وتطبيقه في تحليل الخطاب السياسيّ للرؤساء المصريين، وتحليله لاستجابة المانعة عند الجمهور المصريّ في كتابه (لماذا يصفق المصريون)، و كتابه (بلاغة الحرية) الذي تضمن بلاغة الجمهور في الربيع العربيّ وثورة يناير المصرية.

والجديرُ بالذكر أنَّ هذا المقالَ لن يكتفي بالإفادة من منجز الباحث (عماد عبد اللطيف) في التوفيق بين المنهج النقديّ لتحليل الخطاب و البلاغة الجديدة بصورة بلاغة الجمهور والجمع بينهما، فالمقالُ سوف يوظف ـ إلى جنب ذلك ـ أدوات اللسانيات الإدراكية في تحليل الاستعارة التصوريَّة لدى الجمهور العراقيّ، ويوظف منطلقاتِ لسانيات التلفظ والأدوات التداولية في تحليل الخطاب لما يتيحه حقلُ الخطاب من تضافر منهجيّ لمعارف بينية تشفُّ عن (بلاغة الجمهور العراقيّ) وآليات خطاباته في الممانعة، وتصنيف استجاباته اللفظية المختلفة.

وغالباً ما تكونُ (بلاغة الجمهور) واحدة من أهم السبل لقياس الرأي العام واستطلاع رأيه إزاء حدث ما، ومصاديقها استجاباتهم المختلفة الموازية لخطابات السلطة السياسية والسلطة الدينية وخطابات الترويج الإعلاني التجاري وأهدافه التسويقية، ومن غير الصحيح أنْ يجري النظرُ إلى استجابة الجمهور من عينة واحدة وتلخيصه باستجابة معينة، فبلاغة الجمهور العراقي هي استجابات شتى لا استجابة واحدة، فهناك استجابة حزبية مؤيدة، وهناك استجابة انتخابية حزبية رافضة داعمة لمرشح آخر وقائمة أخرى، وهناك استجابة مقاطعة مُؤدلجة، وهناك استجابة مؤيدة غير متحزبة وهي قليلة جداً، وهناك استجابة رافضة مقاطعة غير متحزبة وغير مؤدلجة تصدر عن فقدان ثقتها بالناخبين وعدم جدوى العملية السياسية، وهذه الاستجابة الأخيرة سيتخذها هذا المقال موضوعاً في تحليله البَلاغيّ لاستجابات الجمهور وتعليقاته في صفحات الفيس بوك في شهر تشرين الأول من عام 2025. وهذا التاريخ يسبق موعد إجراء الانتخابات بشهرٍ واحد. والجديرُ بالذكر أنَّ الاستجابة المؤيدة تقوم على الثناء والمديح وتقديم سلم حجاجي تتسق فيه الحجج بروابط لتنتهي بنتيجة كون المرشح يستحق التصويت له لما قدمه، بينما الاستجابة غير المؤيدة للمرشح تنتهج عكس ذلك.

ومن تجليات بلاغة الجمهور العراقي ألفاظه واختياراته المعجمية، فالجمهورُ العراقيّ يستعمل مفردة (لاحوك) على وزن (فاعول)، وهو من أوزان اللغة السريانية الذي اقترضته اللغة العربية الفصحى في إحدى مراحلها التأريخية، ويشيع كثيراً في العامية العراقية بقلب القاف كافاً من (لحق) بالشيء واتبعه، فالأصل هو (لاحق) من اسم الفاعل التي تقابل دلالياً مفردة (سابق)، و(لاحوق) في العامية العراقية فيها معنى المبالغة، وهي من أكثر المفردات التي تشيع على لسان الجمهور في نقد وتحقير من يؤيد مرشحاً انتخابياً معيناً تزلفاً وطمعاً بوعوده النفعية غير البرامجية، وفيها معنى استعاريّ اتجاهيّ من منظور الاستعارة التصورية الفضائية(الاتجاهية) في اللسانيات الإدراكية، وكأَنَّ الانتخاباتِ تمثّلُ سباقاً، وهناك اتجاه وهناك من يسير في اتجاه ما، وهناك من يلحقه. و هذه الاستعارة استعارة تواضعية غير إبداعية في ضوء مفهوم (جورج لا يكوف) للاستعارة التصورية، ويقد يُقال عن جمهور المرشح المؤيدين (لواحيق) على وزن (فواعيل) والمفردة مشحونة بدلالة هامشية سلبية تقييمية في تحقير النفعيين والوصوليين المتملقين.

وَفيْ معرض انتقاد الجمهور لوسائلِ الجذبِ الماديَّة التي يقدمها المرشحونَ لكسبِ الأصواتِ وتنافس المرشحين في المبالغ التي يدفعونها لشراء البطاقاتِ ــ أقولُ في معرض ذلك ــ يظهرُ تعليقٌ ساخرٌ من بين تعليقات الجمهور الكثير ة، وصاحبُ التعليقِ يخاطبُ الشخصَ الذي نشرَ المنشور المتهكم بأحد المرشحين الدافعين للمبالغ الكبيرة (ما اتدليني عليه خل ايطبكلي السطح كاشي ويشتريلي زوالي للشتة والله العظيم حتى املطخ راسي بالحبر مو بس اصبعي اله)، وفي التحليل النفسيّ لسايكولوجية اللاشعور الجمعي تمثل النكات منفذاً لتنفيس الرغبات المكبوتةــ في تصور فرويد ـ وتشف عن باطن الشخصية ودوافعها الحقيقية، فهذهِ العبارةِ الأخيرةِ وإنْ كانت صورةً كاريكاتوريةً ساخرةً في رسم من يلوث ملابسه وجسده بالحبر الانتخابي ويدخل رأسه برمته في المحبرة وليس أصبعه، وهذا أمرٌ محال منطقياً إلا أنَّه يعكسُ تردي الواقع الاجتماعيّ وافتقار جملةٍ من الناس لأبسط مقوماتِ الحياة، وهو المأوى الآمن الصالح للسكن، وافتقارهم للفرش اللائق الذي يقيهم البرد، وهذا ما يدفع بعض الجمهور لتلقي رشى الناخبين. وهناك تعليق آخر على المنشور نفسه وعلى شخصية المرشح نفسه (هذا مرجان أحمد مرجان العراق) في دلالة رمزية تشبيهية موفقة ومختصرة وواضحة على أنَّ المالَ الفاسد يشتري المواقع الاجتماعية المختلفة ومن بينها المقعد البرلمانيّ، فهذه الشخصية السينمائية التي صورها أحد الأفلام السينمائية المصرية تمثل شخصية انتهازية، والفلم يحملُ اسمَ البطلِ نفسه (فلم مرجان أحمد مرجان) الذي جسّده الفنان (عادل أمام) ويصور واقع الفساد الذي ينخر في جسد المجتمع ويفتك بمؤسساته مما يتيح لرجل أعمالٍ فاسدٍ أنْ يشتري ويرشو الموظفين للحصول على الشهادة الجامعية والحصول على الاستثمارات المالية والظهور بمظهر النجومية الإعلامية والرياضية والإطلالة بوجه ثقافيّ في انتحاله للشعر والظهور بمظهر الوجاهة الاجتماعيَّة في تقديم المساعداتِ الخيريَّة للمحتاجين إلى أنْ يتمكنَ من الفوز والوصول إلى البرلمان من خلال شراء الأصوات واستغلال حاجة الناس، فالمال بوسعه شراء كل شيء! فالاسم يتضمن دلالة رمزية تستحضر حبكة الفلم وجدليتها ويجرى إسقاطها في بلاغة الجمهور على المشهد العراقيّ الحاضر، فهناك (مرجان احمد مرجان عراقيّ) مثلما هناك (مرجان أحمد مرجان المصريّ) ؛ في تهكّم واضحٍ يحقق الاختصارَ ويتيح للمتلقي فسحةً من التأويل في تَمَثُّلِ خُطاطةِ الفلمِ وإسقاطها على واقعه، فبلاغة الجمهور قائمةٌ على الإيجاز والتكثيف الشديد الذي يضمن الثراءَ في الإيحاءِ والتَّأويلِ.

ويوظفُ الجمهورُ العراقي المثل الذي يلخص تجربة اجتماعية تنطوي على حكمة وتمثل مسلمة من مسلمات الجمهور وعقله الجمعي، وتمتلك الأمثال فاعلية حجاجية في حسم الكثير من القضايا، فلنقد جدوى العملية الانتخابية يضربُ الجمهورُ مثلا للمقتنعين بالانتخابات والمرشحين (يمدح السوك من يربح به)، ولعدم جدوى الانتخابات يضرب المثل (اللي مطرت لو غيمت شمحصل العاكول)، ويُضرَبُ لعدم الجدوى أيضاً المثلُ (ذيج الطاس وذاك الحمام)، وللكناية عن سلبية الجمهور وسكوتهم المؤدي لتمادي البرلمانيين والسياسيين (سكتناله طب بحماره)، ومن يستغل الجمهور من المرشحين يُكنى عنه بالمثل (ياكل وية الذيب ويبجي وية الراعي)، وهو من الأمثال التي تضرب للنفاق السياسيّ وخداع الجمهور واستخدامه، فبعد الفوز سيصطف مع الفاسدين من الطبقة السياسية، وفي انتقاد المرشح الذي يستغل أصوات دائرته الانتخابية ولكن انجازاته تصبُّ فيْ مناطق ثانية لغير جمهور منطقته يستشهد الجمهور بالمثل الدراج (حمام الكاظم ياكل هنا ويضرك هناك). وتتنوع تعليقات الجمهور إزاء صورة مرشح معلقة على ساق نخلة مرتفعة في بوست على إحدى صفحات الفيس بوك وقد الحقت بتعليق ساخر(منو يعرف هذا المرشح خستاوي لو برحي) ؟ كناية عن انتمائه الحزبي و مدى صدق وطنيته، فتوالت التعليقات في وصفه وتسميته بأنواع التمر الرديئة مثل (شيص/ موخوش رطب/ زهدي).ومن العبارات التي تدل على البرم (منو صاح نازل)، وسياقها الوضعي الأول يُسْتعمَلُ في النزول من الباص بسب ضيق الراكب بشخص قد لا ينسجم معه، فهذه العبارة تستعمل تهكماً إزاء وعود أحد المرشحين. وهناك عبارات دالة على التحدي وتفاقم مشاكل البلد العصية على الحلول (من تفوز رجع للناس خور عبدالله)، ويتهكم الجمهور بمفردة (عالم الفضاء) إزاء تحذلق المرشح في رؤيته لحل المشاكل ومعالجاته المستقبلية المقترحة (ما ندري بهاي السالفة نشكرك يا عالم الفضاء)، وينتقد الجمهورُ تظاهرَ المرشحين بالوطنية فتلجأ إحدى التعليقات إلى استعارة إدراكية تصورية، وهي عبارة عن استعارة الوعاء والمحتوى (امفولين وطنية)، فـ (التفويل) هو امتلاء الخزان بالوقود، والاستراتيجية التلميحية في الخطاب تؤشر الى دلالة ضمنية عكسية بمعنى خلوهم من الوطنية تماماً. وفي إحدى جمل الجمهور المتهكمة (بميزان جذبك إن شاء الله) وفيها إبدال للفظ (الحسنات) ليحل محله (الكذب) فهي في الأصل من عبارات الدعاء والامتنان، واستعملت للتهكم بوعود المرشحين. ومن عبارات الجمهور المتهكمة في تكلف المرشحين للتواضع (ايباخ اشكد متواضع جيفارا)، وهناك تعبير عن برمهم في الحاح المرشحين والمبالغة في الوعود الزائفة (شخبصنا رونالدو)، ومن الصور الكاريكتورية المتهكمة بطريقة لاذعة التي تصور تخلي المرشحين حال فوزهم عن وعودهم للجمهور عبارة (انت لابس السطمبة من هسة حتى من توصل تبصم قبل الكل) 0 والسطمبة مفردة دالة على التحبير الذي هو من لوازم الختم وهي لا تلبس ولكن سياق التهكم اللاذع قد جعلها رداء يُلبس بمعنى التهيؤ والاستعداد للتخلي عن الوعود. وأبرز التعليقات الساخرة من وعود المرشحين عبارة (من يكمل البتلو) بمعنى حينما يشارف اكتمال أساس المنزل(البتلو) الظاهر؛ في دلالة على التكذيب والتهكم، فالمرحلة الأولى لبناء البيت هي من أسرع المراحل كناية عن القرب ولكن القصد التهكمي منها هو أنه أمر بعيد، ونظير ذلك عبارة (الصبح الصبح من يعوعي الديج)، فصياح الديك أمر يومي ومشهد مألوف وعادةً ما يُضرب الصبح مثلاً لقربه كقوله تعالى (إن موعدهم الصبح. أليس الصبح بقريب)، ولكن المعنى القصدي في دلالة الجمهور هو أنه أمر بعيد لعدم صدق الناخبين، ونظير ذلك (آني بالنسبة إلى أصدكك بس أشوف واقنع عمامي) فالعبارة تناسب قضية شخصية وخصاماً أسرياً ولا تناسب تعليقاً على كلام مُرشحٍ ولكن دلالتها الضمنية غير الحرفية تتضمن قصدية السخرية، ونظيرُ هذا أيضاً عبارة (غطو.. غطو) في تكرار فعل الأمر (في الطلب لدثار المرء المريض) تعليقاً على وعود تفوه بها أحد المرشحين، فسياقها التداولي الوضعي يلائم المريض أو الطفل الذي استيقظ فزعاً بسبب البرد، فإحالتها تشير إلى الشخص الذي يستحق الإشفاق كونه يهذي، فكأن كلام المرشحين ـ في ضوء مفهوم الاستلزام الحواريّ ــ هو عبارة عن هذيان فاقد للإعلامية والتأثير. وترد مفردات البناء والإعمار كثيراً في دعاية المرشحين، وواحدة من عبارات الجمهور الساخرة الناقدة على حديث البناء (اتلاثة وعشرين سنة مالكيتو خلفة يبنالكم). و في بعض استعارات الجمهور تمثل لعبة كرة القدم وفي ضوء الاستعارة التصورية الإدراكية مجالاً تصورياً مصدراً يجرى إسقاطه على المجال موضوع الخطاب الذي يتمثله الجمهورــ أي المجال الانتخابي الهدف ــ ويعكس تصورهم عن هيمنة الكتل الحاكمة وعدم جدوى المقاطعة وعدم جدوى المشاركة في الوقت نفسه (يلعبون علينا تك كول والحارس ما موجود). وفي بعض الاستعارات التصورية القائمة على إسقاط صورة على صورة ثانية في تمثيل إعادة إنتاج الطبقة السياسية الفاسدة وتكرار التجارب السابقة نفسها، يتمثل الجمهورُ الانتخاباتِ مشهداً مسرحياً خاضعاً للإنتاج في استعارةٍ تصورية نصُّها (هية هية نفس الفلم والمسرحية ماحاجة نتابعهة للنهاية). ويستعملُ الجمهورُ كثيراً من العبارات الصادمة غير اللائقة نحو : (ترة ما يصير كل عشرة مرشحين ابتيل انريد تيل ابكل مرشح)، وهذه العبارة من عبارات التورية التلميحية الخادشة للحياء العام التي تنتهك المحظور اللغوي الاجتماعي والتي تصبُّ فيْ خِطاب الكراهية فيْ نقد الجمهور لتزاحم صور المرشحين في الشوارع بنحو مبالغ فيه. والحق أنَّ منْ غيرِ الصحيحِ مساواةُ الأدبِ النخبويّ من حيث الجمالية وأساليب البلاغة ببلاغة الجمهور، فالأخيرة لا تضاهي الأدبَ النخبويّ، ففيها من الإسفافِ والابتذال والاستعاراتِ التواضعيَّة والمجازاتِ الميتة غير الحية الشيءُ الكثيرُ، صحيح أنها تشتمل على اليقظة والتحرر من هيمنة الخطابات السلطوية ولكن بلاغة الجمهور العراقي مشحونة بخطاب الكراهية والعنف الرمزي، وهذا مما يُؤسفُ لَهُ، وفيها من المعاني التي تنذرُ بالخطر في انقسام الشَّارع وتدني ذوقه بنحوٍ ملفتٍ للنظرِ، ولكن دراسة بلاغة الجمهور تبقي تمثل مَجسّاً للتعرف على استجابته للخطابات السلطوية الفوقية وقياس الرأي العام. وإذا كانت الكثير من الدراسات قد التقطتْ جمالياتٍ بلاغية عند الجمهور فيْ حِراك الرَّبيع العربيّ ولا سيما بلاغة الجمهور العراقي في ثورة تشرين إلا أنَّ منشأ ذلكَ هو وجودُ فواعل نخبويَّة مثقفة امتزجتْ بالجمهور وأَسْهمتْ فِيْ إنماءِ ذائقة الجمهور ورفعِ وعيهِ، وأَسْهمتْ في الحِراك والتَّنظيم من خلال الرموز وابتكار الاستعاراتِ والخطاباتِ المتحررة التي تبناها الجمهورُ، فمن غيرِ الصَّحيح مساوةُ النخبويّ ببلاغة الجمهور فِي المنحى الجمَاليّ والذوقيّ والرؤيويّ.

***

د. كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي في جامعة بغداد

بنية الاستثناء وتعرية الزيف الكولونيالي (غرور نقطة الصفر)

إعادة تعريف الشر سياسياً: الكذب كبنية مؤسساتية

تتداخل مفاهيم السيادة، والاستثناء، والعنف البنيوي في فضاء الفلسفة السياسية المعاصرة ونظريات ما بعد الاستعمار، لتكشف عن الآليات المعقدة التي يتسلل بها الشر إلى صلب أنظمة الحكم الحديثة عبر بوابة الكذب الممنهج. لم يعد الشر، في المنظور الفلسفي النقدي، مجرد خطيئة أخلاقية فردية أو انحراف نفسي عابر، بل غدا يُفهم بوصفه بنية استثنائية راسخة، تتغلغل في مفاصل السلطة وتُشرعن وجودها عبر الكذب المؤسساتي والتزييف القانوني. إن هذا التسلل البنيوي ليس سقطة عفوية، بل هو خيار عقلاني أداتي تفرضه متطلبات التكيف السياسي، وتمليه حاجة الأنظمة الحاكمة إلى البقاء عبر صناعة "حقيقة زائفة" تتوافق مع فضاء عالمي شديد التعقيد. يمتد هذا التأسيس ليعيد إنتاج ذاته في فضاء ما وراء الطبيعة، متحالفاً مع آليات الاستعمارية الجديدة التي تعيد صياغة الهويات، وتكريس التراتبيات العرقية، وصياغة أنماط إنتاج المعرفة؛ ليجعل من الكذب السيادي أداة لخدمة مراكز الهيمنة العالمية وتبرير سحق الآخر تحت غطاء الكونية المصنوعة.

بنية الاستثناء وزحزحة السيادة: من الضرورة إلى التسييل

تمثل أطروحة الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين حول "حالة الاستثناء" مدخلاً معرفياً رئيساً لفهم كيفية تحول التدابير غير القانونية الكاذبة إلى بنية نظامية دائمة؛ ففي اللحظات التي تستشعر فيها السلطة السيادية تهديداً حقيقياً أو متخيلاً لبقائها، تعمد إلى تعليق العمل بالقوانين الدستورية تحت ذريعة كاذبة هي "حالة الضرورة". هذا التعليق لا يهدف إلى إلغاء القانون كلياً، بل إلى خلق منطقة رمزية غامضة والتباس مقصود تذوب فيه الحدود الفاصلة بين الداخل والخارج، وبين ما هو قانوني وما هو مستباح. وهنا يتحول الكذب السيادي من مجرد إجراء مؤقت أملته الظروف، إلى تقنية حكم دائمة، وأساس خفي تستند إليه السلطة الحديثة، ديمقراطية كانت أم استبدادية. ومن خلال هذا التعليق المستمر للقاعدة القانونية، يتم إدراج حياة الأفراد الحيوية البحتة داخل الفضاء السياسي بوصفها جسداً مستباحاً يمكن إقصاؤه أو إنهاء وجوده دون اقتراف جريمة قانونية محددة، وتحت غطاء كثيف من الصمت والتبرير الزائف.

غير أن هذه القراءة التقليدية للسيادة تواجه زحزحة معرفية كبرى في السياق العالمي المعاصر؛ إذ يقدم عالم الاجتماع زيغمونت باومان نقداً حاداً لأطروحة أغامبين، كاشفاً عن قصورها في إدراك تحولات السيادة تحت وطأة العولمة. يرى باومان أن الفضاء المعولم شهد انفكاك الارتباط الوثيق بين السيادة التقليدية المقترنة بالدولة والحدود الإقليمية، وبين القدرة الفعلية على إنفاذ السيطرة. لم تعد السيادة حبيسة الحدود الوطنية، بل تمددت وتدفقت في شبكات مالية وسياسية عابرة للقارات، مما جعل آليات الاستثناء والكذب الحمائية تكتسب مرونة فائقة و"تسييلاً" يتيح لها إعادة إنتاج أدوات الإبادة والتذويب البشري بشكل دائم ومتحرك خارج الرقابة. ونتيجة لذلك، أصبحت الأنظمة الحديثة تمارس استثناءها وعنفها متخفية وراء شركات عابرة للحدود أو اتفاقيات أمنية دولية تشرعن العنف وتجرد الإنسان المحيطي من حقوقه الأساسية باسم أكاذيب "التنمية" و"الاستقرار المشترك".

النيوليبرالية والسيادة الشعبوية: قناع الديمقراطية الإجرائية

لا تقتصر بنيوية الشر الاستثنائي على الأنظمة الشمولية الكلاسيكية، بل تتعداها وتتجلى بوضوح في النظم الديمقراطية المعاصرة عبر تحالف الرأسمالية الشرسة أو "النيوليبرالية" مع الحركات الشعبوية الصاعدة، حيث يبلغ الكذب السيادي ذروته البلاغية. توظف هذه الأنظمة التبرير العقلاني الزائف للسوق لإعادة صياغة الإنسان بوصفه مجرد مورد قابل للاستهلاك والاستبدال، حيث يجري إقصاء الفئات الهشة وتهميشها تحت لوائح الكفاءة الاقتصادية الكاذبة. إن السيادة الشعبوية المعاصرة تتغذى على صناعة الخوف، وتخليق عدو وهمي داخلي أو خارجي لشرعنة حالة استثناء جديدة تتيح اختراق الحقوق الدستورية باسم حماية الأمن القومي ومصالح الهوية النخبوية.

من هنا، يصبح الشر الاستثنائي ممارسة ناعمة ومقننة بفضل ترسانة من الأكاذيب السياسية التي تمرر عبر صناديق الاقتراع والقوانين الاقتصادية الجائرة، لتنتج نظاماً يستبعد الأغلبية لحساب قوى السوق المعولمة، محولاً الديمقراطية الإجرائية إلى غطاء يستر آليات الإقصاء الصامت والتفقير الممنهج لشرائح بشرية كاملة تركت لمواجهة الفناء البطيء وسحق الوجود الإنساني.

استعمار الوعي وغرور نقطة الصفر

إن شرعنة البنية الاستثنائية للشر وتبريرها مؤسساتياً يستلزمان بالضرورة إعادة إنتاج أكاذيب كبرى في فضاء ما وراء الطبيعة، تتواطأ مع الاستعمارية الجديدة لتشكيل وعي الذوات المستعمرة وإخضاعها. تبرز هنا أطروحة "كولونيالية السلطة" التي صاغها المفكر أنيبال كيخانو، لتوضح أن زوال الاستعمار العسكري والإداري المباشر لا يعني بحال من الأحوال زوال آليات الهيمنة المتجذرة؛ إذ تظل الكولونيالية حية وفاعلة في معايير الأداء الأكاديمي، والأنماط الثقافية السائدة، والصورة الذاتية المهزومة للشعوب بفضل رواية استعمارية كاذبة تدعي التفوق التاريخي الأصيل. يعتمد هذا المخطط على "العرق" بوصفه اختراعاً كولونيالياً زائفاً لتصنيف البشر وترتيبهم وجودياً، مما يمنح المركزية الأوروبية حق السيطرة المطلقة على المعرفة وإنتاج المعنى وتعميمه كحقيقة كونية وحيدة.

لا يقتصر عمل هذه السلطة على ادوات القمع العنيفة، بل يمتد بذكاء إلى توظيف الإغراء الثقافي؛ حيث تغدو الثقافة الغربية نموذجاً براقاً يفتح الطريق نحو القوة والمكانة، مما يدفع النخب المستعَمرة إلى الاندماج طوعاً في هذا النظام، وتجريد معارفهم المحلية وتاريخهم الوطني من أي شرعية علمية أو فلسفية. يتكامل هذا التحليل مع نقد سانتياغو كاسترو غوميز لما يسميه "غرور نقطة الصفر" في كولونيالية المعرفة؛ إذ يدعي هذا المنظور المعرفي الغربي كذباً القدرة على رسم خريطة العالم وثقافاته من موقع محايد، متعال، ومنفصل عن أي سياق جسدي أو جغرافي. هذا الزيف الأبيستيمولوجي يؤدي إلى تكريس عنصرية معرفية تفترض أن العالم الأول وحده هو من يمتلك العلم والنظرية، بينما يقتصر نصيب العالم الثالث على الثقافة الشعبية والحكمة المحلية الشفوية.

تتوج هذه التراتبية الوجودية بنظرية نيلسون مالدونادو-توريس حول "كولونيالية الوجود". فبينما يركز التحليل الوجودي الغربي مع مارتن هايدغر على الاختلاف بين الوجود والموجود، يقدم مالدونادو-توريس، بالاستناد إلى أفكار فرانتز فانون، زوايا أعمق عبر مفهومي "الفارق دون الوجودي" و"الفارق الفوق وجودي" لتفسير كيفية إخراج الإنسان المستعمر من دائرة الوجود الإنساني الكامل وتصنيفه ككائن دون-بشري عبر تزييف حقيقته الإنسانية، مما يبرر ممارسة أقصى درجات العنف المادي والرمزي ضده دون شعور بالذنب الكوني.

تشمل كولونيالية الوجود تدميراً منهجيّاً عبر الحروب والاستراتيجيات الاستعمارية؛ إذ يتم استخدام العنف الجسدي كأداة لكسر إرادة الجماعة وتدنيس حرماتها الوجودية، بينما يتعرض الإنسان في المجتمعات المستعَمرة لتشييء بنيوي مستمر يحرمه من أي فاعلية سياسية أو سيادة حقيقية، تاركاً إياه في حالة هشاشة وجودية دائمة. ومن رحم هذه الكارثة الوجودية المطلقة تنبثق "الصرخة"، وهي تعبير ما قبل نظري يجسد السؤال الجوهري الحارق الذي يعري كذب المنظومة الاستعمارية وسخف ادعاءاتها الإنسانية:

 «لماذا نستمر في العيش؟»، وهو السؤال الذي يحرك مسارات التفكير النقدي المستقل والعصيان المعرفي الجذري لتحرير الوجود والوعي من ربقة الاستعمارية الجديدة وزيفها المقنع.

نحو أفق بديل: العصيان المعرفي وتفكيك الأكاذيب البنيوية

إن تفكيك بنيوية الشر الاستثنائي يكشف في محطته الأخيرة عن حقيقة صارخة:

 إن الجور الذي يقع على مجتمعات الجنوب ليس عطلاً تقنياً عابراً في ماكينة الحداثة، بل هو جوهر تصميمها المرتكز بنيوياً على الكذب السيادي والتزييف المعرفي. إننا نقف هنا أمام وثيقة إدانة فلسفية وتاريخية كبرى للتحالف الاستعماري الجديد؛ هذا الحلف غير المقدس الذي وظف الفلسفة المتعالية ونظرية المعرفة الإقصائية ليجعل من إبادة وعي الشعوب، واستباحة أجسادها، خياراً تمرره الأنظمة الحاكمة تحت مسميات كاذبة كالعقلانية الإدارية والتكيف مع السوق المعولم.

لقد نجح هذا التحالف في صياغة ترسانة قانونية ومفهومية أفرغت العدالة من محتواها الأخلاقي والعدلي، لتنتج إنساناً مسلوب السيادة، ومواطناً عارياً مستقراً في قاع تراتبية عرقية واقتصادية وهمية شيدها "غرور نقطة الصفر" الغربي المعزز بكولونيالية الوجود الشرسة. إن التحرر الحقيقي يستوجب إعلان عصيان معرفي جذري كوني ينطلق من صرخة المضطهدين الوجودية؛ لا ليطالب بمقعد أو اعتراف داخل النظام الاستعماري الكاذب القائم، بل ليهدم جدرانه المعرفية وأكاذيبه البنيوية بالكامل، مستنداً إلى استرداد قداسة الحياة والجسد البشري، وبناء فضاء إنساني وجماعة سياسية بديلة، عادلة، وغير إمبريالية، متحررة من إرث الإمبراطوريات المادي والرمزي على حد سواء.

***

غالب المسعودي

هناك جدلية شائكة بين عالم الإسلام والشرق الأوسط وهو ما أشارت إليه (ليلى غاندي " لنفي الهيمنة الإمبريالية الثقافية على الواقع العربي، ومحاولة جادة لمقاومة التنميط الغربي للعقل العربي. نفس الأمر الذي أكده يحيى بن الوليد في كتابه المعنون بـ " الوعي المحلق -2010) بأن كل محاولات دراسات الشرق كانت بمثابة صور فوتوغرافية جاهزة التصنيع عن واقع العرب والتي توحي بأن العقل العربي في طرحه الديني والنقدي والتاريخي والعلمي على مشارف التيه والشتات، ومن ثم هو بحاجة ماسة إلى دراسات الغرب كبوصلة صوب شاطئ النجاة.

نستقرئ معا لحظة الثقافة العربية الراهنة لنتيقن أن ثمة صياغة حداثية لحركة التاريخ الاجتماعي المعاصر للثقافة واللغة، أبرزها التحول القهقري لإعادة إنتاج الثقافات النوعية المرتبطة بالبيئات ذات الخصوصية الثقافية وثيقة الصلة بالمكان والزمان والأرض. وجاء هذا التوجه المعاصر نتيجة التفكير مجددا في ما أفرزته الحضارة الغربية المنصرمة من أن الثقافة معادل موضوعي للحضر والتحضر مقابل الريف وثقافات الجنوب بصفة عامة.

وظن الغرب بدياناته السماوية والوضعية على وجه الاختصاص لقرون طويلة يصدر للعالم العربي أن الطرح الوافد هو بحق المعادل الموضوعي المثالي للتقدم الفكري والروحي والمادي أيضا، وهذا ما جعل الكثير من تنويري الوطن العربي يدرك على الفور أن ما يصدره الغرب تحديدا منذ أواخر القرن التاسع عشر هو بمثابة مغزى استعماريا موازيا للقوة العسكرية.

ووجدت الكتابات الغربية ذات التوجه الاستعماري الوطن العربي تربة صالحة للغرس لاسيما وأن مفهوم الثقافة تعددي يتلاءم مع طبيعة التعددية الثقافية واللغوية (اللهجات) والنزعات القومية والسياسية المتباينة وظهور زعمات وكيانات سياسية واجتماعية لا يجمع بينها الوطن الواحد سوى العلم والأرض فقط !.

فوجدنا مثلا ماثيو أرلوند يقدم ثقافة الحداثة بديلا عن المسيحية بل تطوع جاهدا في إبراز إخفاقات المسيحية في أداء وظائفها الأيديولوجية، الأمر الذي دفع عشرات المفكرين العرب آنذاك وبعده أيضا في اعتماد منهجيته لبيان إخفاقات الفكر والفلسفة الإسلامية والسعي لنقد النصوص الدينية القديمة. والمدهش هو إعلان هؤلاء المفكرين الذين لم يدركوا طرح ماثيو أرلوند المتوافق فقط مع بيئته الغربية بأن الأصولية الدينية هي عقيدة من تخلت عنهم الحداثة.

وبمنطق الطير ندرك على الفور أن مفاد تلك التوجهات الخبيثة كانت تستهدف تفكك الهوية العربية وخلق حالات مستدامة من التنافس الذي سرعان ما تحول إلى صراعات مذهبية شديدة الوطيس.

وعلى شاطئ أخر موازٍ لتفكك الهوية تبزغ كتابات النقد والتحليل الثقافي لكل من كلود ليفي شتراوس، ولويس ألتوسير، ورولان بارت، وكرستين ميتز، وجاك لاكان، انتهاء بميشيل فوكو، وهذا البزوغ القصدي والعمدي الذي لم ينتج جديدا ببيئاته انتهى لدينا بالاضطراب في مسارات التفكير والنقد نفسه، مما شكل وقتها وربما حتى لحظاتنا الراهنة لأسرى الفكر الغربي حيرة مستدامة مستمرة في تلقي النصوص العربية ؛ لأن تلك الكتابات نفسها كانت وستظل مجرد تصورات فردية عن علاقات اجتماعية وليست إبداعية ثقافية تؤمن بالتنوع الثقافي والاعتراف بهويات المهمشين والأقليات.

كل هذا العبث ألقى بظلاله لسنوات بعيدة على النقد العربي الذي سبق الإبداع بخطوات سريعة وبعيدة بعد أن كان رد فعل له، فكانت كارثة التلقي من خلال الأخذ بالتفسير الاجتماعي وإلقائه على النصوص التراثية التي لها قدر كبير من القدسية والاحترام والإجلال أيضا. 

فهذه البنيوية الشرسة كما كشف عن نياتها غير السوية (إيان كريب) في كتابه " النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس " 1999 يؤكد على أن النظرية بأصحابها ترى العالم نتاجا للأفكار، وأن هذا العالم هو نمط منطقي واحد يماثل الدال والمدلول والعلامة التي لا تقبل الاختلاف والتأويل.

وهذا ما رصده المفكر العربي المصري الكبير الدكتور (عبد الوهاب المسيري) في كتابه الماتع " رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر " 2000 من أن مشكلة من تلقى الحداثة الغربية هي عدم وعيهم بالتاريخ العربي الضارب في القدم بتفاصيله الفنية، وتساءل في هشة استنكارية بقوله " كيف تعبر الأفكار في خصوصيتها وتركيبيتها وذاتيتها عن البناء التحتي في عموميته وكيف يمكن أن نقفز من الواحد إلى الآخر؟ ".

الغريب هنا أن عبث الحداثة الغربية جعلت مفكري الوطن العربي بعضهم يستسلمون إلى تحول المقولات الغربية خبيثة التوجه إلى مرجعية ثابتة لا تقبل التناقض أو التطاحن!.

وكم من مرة حذر جغرافي العرب الدكتور جمال حمدان في كتابه " شخصية مصر " والدكتور زكي نجيب محمود في كتابه القيم والمتجدد " تجديد الفكر العربي "، وعبد الوهاب المسيري في كتابه " رحتي الفكرية " من أن هدف الحداثة هو السيطرة على العالم لا تنويره أو تثوير أفكاره، كذلك استبعاد العناصر الأخلاقية والإنسانية التي يتسم بها المواطن العربي.

واستغلت الكتابات الغربية الأزمات البيئية والحروب العالمية وفقدان الاتجاه والظهور المفاجئ للعبثية والعدمية للترويج لفكرها ورواد الحداثة المزعومة.

فوجدنا ثمة مبادئ وأفكار لاتزال تتخل النسيج الفكري لكتابات المفكرين العرب المعاصرين من مثل النسبية الأخلاقية والمعرفية، وضرورة تحرير الفرد وإفساح المجال لفرديته وتقويض الفكر الجمعي والعمل الجمعي بل تقويض الإنسان الناقد نفسه !.

هذا ما جعل المثقف العربي البسيط المتمثل في طالب الجامعة أو الموظف الذي انقطعت علاقاته بالثقافة منذ انتهاء سنوات دراسته النظامية شخصية هشة ضعيفة سهلة القنص والانقياد الأعمى للمخططات الإمبريالية.

وعقب سنوات الرفد الغربي للحداثة ببلداننا العربية اكتشفنا فجأة تآكل الشخصية العربية الرصينة وتفاقم الإحساس بالوجود الموضوعي للعالم، هذا الوجود الذي تمثل فيما بعد في مفهوم العولمة التي تتحطم عندها كل اليقينيات والمسلمات وهو الأمر الذي ظل يؤكد عليه الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته الرائدة عن اليهود والصهيونية.

وماذا تبقى إذن من العقل العربي الذي بات رهن طرح قديم وعقيم لم يفطن إليه سوى القلة من التنويريين؟ اختفاء الفرد والقيم الثقافية العربية الرصينة وقتل العقل النقدي الذي رأى ويظل في رؤاه ورؤيته أن ما قدمه الغرب منذ أواخر القرن التاسع عشر مرورا بالأحداث الكبرى في القرن العشرين لا يقبل التجاوز أو محاولة التخطي.

الأخطر اليوم رغم بعد الثقافة عن عوالمنا المعرفية نتيجة الاجتياح التكنولوجي الذي سهل مؤامرات الغرب لصيد العقل العربي المسكين أن المنتوج الغربي اليوم يشير إلى أن السردية الغربية هي خطاب تاريخي حتمي من صلاحياته تغييب البطل والسارد معا وعلينا الاكتفاء بمقعد المتفرج فقط دون المشاركة أو حق التعليل.

هذه الخطورة تجسدت في ملامح لا يمكن الغفلة عنها مثل ضرورة نتقد المنتج الثقافي العربي أولا بأول حتى لا يصبح لدينا رصيد معرفي يشكل شهودا حضاريا متميزا. وعلى نحو آخر تصدير خطاب غربي إلينا ينسف الوجود العربي لاسيما الكتابات التي تتعلق بالشأن الصهيوني في فلسطين العربية. وليس علينا سوى الاستسلام للخطاب الغربي في تفسيره المريض لواقعنا العربي!

واليوم لم تعد لدينا رفاهية مناقشة قانون الهيمنة الثقافية الغربية على العقل العربي، بل الأحرى والأجدى ليس التصدي فحسب، بل إنتاج الأفكار وإبراز ما في تراثنا الفكري من ومضات مشرقة ومحطات فكرية مزدهرة مثل طروحات ابن رشد والعبقري ابن خلدون وغيرهما.

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية.

كلية التربية ـ جامعة المنيا. مصر

يقوم المفكر اللبناني الدكتور محمود حيدر بمهمة تأسيسية مهمة للغاية، وهي إعادة ضبط مفاهيم الفلسفة الإسلامية من منطلق الثقافة الإسلامية وفي ضوء المفاهيم القرآنية الأصيلة، وبعيدًا عن التسليم والانبطاح أمام المصطلحات الفلسفية اليونانية التي أدت إلى إغفال الدور المهم والحيوي الذي لعبه فلاسفة الإسلام عندما ترجموا هذه الفلسفة، وشرحوها، وأكملوا نواقصها، وعدلوا أخطائها، وأضافوا إليها مما جعلها تنتقل من فلسفة مليئة بالضلالات المادية إلى فلسفة تنشغل بأرقى ما في الكون من واجد وموجودات، بدءًا من القرن الثالث الهجري وحتى القرن الثاني عشر الميلادي.

يقف الدكتور حيدر عند معضلة مهمة وهي المصطلحات والمفاهيم التي حملت اللفظ والمعنى اليوناني وظلت هكذا تأبى أن تثمر في البيئة الإسلامية؛ لأنها لم تنبت فيها. ومن ثم مهما أضاف إليها المسلمون من شروح وحواشي وتعليقات وتعريفات تبقى يونانية أصيلة ويبقى الفلاسفة المسلمون منذ الكندي وحتى ابن رشد مجرد شراح. ولهذا السبب رأى حيدر أن كل محاولات التوفيق بين الفلسفة والدين التي حرص عليها جلّ الفلاسفة المسلمون في العصر الذهبي للفلسفة الإسلامية قد باءت بالفشل؛ حتى محاولة ابن رشد الحفيد الشهيرة التي خصص لها كتابه الموسوم "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، ولو أنها قد نالت شيئًا من النجاح ما كانت قد حدثت نكبة ابن رشد الشهيرة، وما تم نفيه إلى جزيرة (الليسانة) معقل اليهود آنذاك، وما لهذا النفي من مدلولات سياسية ودينية وثقافية تبرهن على فشل الفيلسوف الكبير  في التوفيق بين الفلسفة والدين.

ومن أهم المفاهيم والمصطلحات التي وقف عندها الدكتور حيدر مصطلح "واجب الوجود" والذي يعني وجوبية  وجود الله أو ""الله موجود" تلك العبارة التي نرددها نحن ليلًا ونهارا، مسلمين بما تعني تسليمًا تامًا، إذ يرى الدكتور حيدر أن "الله ليس موجودًا" بل هو "واجد الموجود"، والفارق كبير بين اسم المفعول "موجود" واسم الفاعل "واجد". مرتًئيا أنه لا يصح أبدًا أن يأتي الخالق الواجد في صيغة اسم المفعول.

كما يواصل ضبط المفاهيم فيفند قول فلاسفة اليونان الذين جعلوا الله" العلة الأولى" أي أنه السبب الأول، وهو ما سار عليه أغلب فلاسفة الإسلام مثل الكندي والفارابي وابن سينا، ليضبط هذا المعنى وفقًا للثقافة الإسلامية الأصيلة فيرى أن الله ليس (العلة الأولى) ولكنه خالق جميع العلل وراعيها.

كما اشتهرت الفلسفة الإلهية اليونانية بالقول الذي ذاع فيها بأن الله هو "المحرك الأول" الذي يحرك ولا يتحرك؛ ولا شك أن هذا المعنى مرتبط بالبيئة اليونانية التي كان يجلس فيها السيد اليوناني الإقطاعي على كرسيه فقط أمام العمال الذين يعملون في مزارعه يحرك هذا القطيع الكبير من العمال دون أن يتحرك بمجرد النظرة التي يستجيب لها العمال خوفًا من بطش السيد، ومن ثم تخيل اليونانيون الإله على شاكلة هذا السيد المطاع، فضلا عن أن فكرة "المحرك الأول"- كما يرى حيدر- هي اعتقاد يهودي؛ حيث قالت اليهود إن "يد الله مغلولة" لا تتحرك. غُلّت أيديهم وخابوا وخسروا أينما وجدوا.

ثم يلتفت حيدر إلى أهم مفهوم في الفلسفة الغربية القديمة والحديثة وهو مفهوم "العقل" ذاهبًا إلى أن نقل مسميات العقل ودرجاته (العقل الهيولاني- العقل بالفعل- العقل المستفاد- العقل الفعال) كما هي في الفلسفة اليونانية أحدثت لغطًا كبيرا وابتعدت عن أن تثمر في التربة الإسلامية التي تم محاولة غرسها فيها، ومن ثم يحاول حيدر ضبط هذه المفاهيم فيستبدل العقل الهيولاني بالعقل الأدنى وهو العقل المادي والتجريبي أو العقل الدنيوي الذي إذا ما تخلص من أدران المادة وامتلأ بالأنوار الإلهية صار ذا حكمة بالغة .

ثم يتعرض حيدر في محاولة جريئة لكثير من هذه المصطلحات والمفاهيم الأصلية التي ورثتها الفلسفة الإسلامية عن الفلسفة اليونانية فأعاقت تطور الأولى وأبعدتها عن أن تثمر في البيئة الإسلامية التي هي في أمس الحاجة لهذه التنظيرات حتى نستأنف مرة أخرى بناء حضارتنا الجديدة الذي تأخر كثيرا .. لذلك أردت أن ألقي الضوء حول هذه المحاولة الجديرة بالاعتبار والنظر حول ضبط مفاهيم ومصطلحات الفلسفة الإسلامية والتي تعد خطوة أساسية نحو تصحيح طال انتظاره ونقطة بدء أساسية ظللنا قرونًا طويلة نبحث عنها، هذا فضلا عن مشروعه الفلسفي الكبير حول "الميتافيزيقا البعدية" و"فلسفة المثنى" والتي يحتاج كل منهما مقالة خاصة للحديث عن معالمهما العامة دون دخول في التفصيلات التي قطعًا تحتاج بحوثًا متخصصة وقارئ متخصص.

***

د. غيضان السيد علي

اذا كان ارسطو يدافع عن النظام ويخشى الفوضى، فان نيتشه يرحب بأي تمرد. دافع ارسطو عن حياة التوازن والفضيلة، معرّفا الخير كـ "وسط ذهبي" بين حدين.

الفلاسفة نادرا ما يلتقون على مر القرون. لكن أفكارهم أحيانا تتلاقى مع بعضها مثلما يتجادل الناس في نفس الغرفة، والمحادثة بين ارسطو وفردريك نيتشه سوف لن تكون هادئة ابدا. ارسطو اعتقد ان الناس يحتاجون الى اتّباع قوانين الطبيعة، يتصرفون بناءً على قدراتهم ، وان يكونوا فضلاء في نفس الوقت الذي هم فيه كجزء من المجتمع. من جهة أخرى، كانت لنيتشه جاذبية قوية جدا. ارسطو طور نظرية في التوازن، بينما نيتشه طور نظرية في اثارة الاضطراب .

عالم ارسطو: التوازن، الفضيلة، الاستقرار

طبقا لأفكار ارسطو، سيُعتبر نيتشه شخصا خطيرا، يحطم الأسس الأخلاقية للمجتمع وينصح الافراد بتجاهل القيم والقواعد المشتركة. لكن من وجهة نظر نيتشه، سُينظر الى ارسطو كشخص متردد وتقليدي، خبير بذل قصارى جهده للحفاظ على استقرار الأشياء. انه ليس فقط جدال فكري وانما أيضا تصادم بين رؤيتين حول كيف ينبغي ان يكون حال البشر.

ارسطو اعتقد ان الحياة الجيدة تعتمد على الفضيلة، وهو عرّف الفضيلة كشيء في الوسط. الشجاعة تقع بين التهوّر والجبن، والسخاء يقع بين الإسراف والبخل، الفضيلة دائما تجد ارضا وسطا أشار اليها بـ "golden mean" او المتوسط الذهبي. أيضا، هو اعتبر الانسان مخلوقا اجتماعيا وأعلن ان الناس يمكنهم النمو جيدا ضمن المجتمع المحيط بهم. اللوائح، نظام التعليم، ومجموعة القواعد والقيم المشتركة كلها تساهم في بناء سمات الشخصية. المجتمع القوي والمستقر ينطوي على روح إنسانية متوازنة.

الفيلسوف الكبير ارسطو ادّعى ان الفضيلة لم تُخلق من خلال خياراتنا الشخصية. الاخلاق لم تُخترع بواسطة الناس. انها تنمو من طبيعة الانسان والحياة الاجتماعية. العادات الجيدة يمكن تحقيقها فقط عبر فترة من الزمن، وهو ما يقود الى ذات مستقرة بالإضافة الى شخصية جيدة في المدى البعيد.

لو ان ارسطو قرأ بعض أعمال نيتشه، فهو سيقلق بشدة. نيتشه، وفق آرائه، لم يثن على أي شيء له علاقة بالاعتدال او التناغم بين افراد المجتمع، بدلا من ذلك، هو استجوب الاخلاق المرتكزة على عادات قديمة. هذا بدا مثيرا للغاية لقلق ارسطو. ان غياب الفضائل المقبولة عالميا في المجتمع ربما يقود لإنهياره. والسبب في هذا هو لأن ارسطو كان يحب النظام ويعتز به كثيرا.

 موقف نيتشه الرافض: كسر أخلاق القطيع

يرى نيتشه، ان الاخلاق هي نتاج لضعف الانسان. هو جادل ان النظم الأخلاقية التقليدية صُممت لحماية الضعفاء بينما تعمل كقيد على الأقوياء . نيتشه استخدم مفردة معينة لدعم فكرته وهي "اخلاق القطيع". مجتمعنا يعلّمنا الاعتدال، التواضع،والطاعة. انت قد تقول ان ذلك شيء جيد، هم يقومون بذلك لأنها أشياء جيدة. لكن في الحقيقة، عندما يكون الناس معتدلين ومتواضعين، فمن السهل جدا السيطرة عليهم.

نيتشه أعجب باولئك الذين خلقوا قيمهم الخاصة بهم. هو أيضا تحدّث عنهم كـ سوبرمين . بالنسبة له، ذلك الشخص هو الذي يستطيع تشكيل المعنى بقوته الداخلية وابداعه. ارسطو، اعتبر هذه الفكرة خطيرة. هو اعتقد ان الفضائل لم تُخلق او تُخترع. انها توجد وتُكتشف. وان طبيعة الانسان والعقل هما المصدر الرئيسي لفضائلنا. لكن نيتشه اعتقد ان الناس يجب ان يذهبوا الى ما وراء القواعد الموروثة. هو أعلن ذات مرة اننا يجب ان نخلق فوضانا الداخلية لنعطي ولادة لنجومنا المتراقصة.

ارسطو سينظر الى هذه الفكرة كاتخاذ فعل غير مسيطر عليه. الكثير من الفوضى تؤدي الى اضطراب النظام. والادّعاء الذاتي المفرط ستكون له تأثيرات سلبية على المجتمع. لكن نيتشه سوف لن يعتذر عن هذا السلوك. هو اعتقد ان النمو يتطلب تحطيم كل القيود.

الفضيلة مقابل إرادة القوة

في قلب نقاشاتهما، هناك رؤيتان مختلفتان حول ما الذي يمنح الانسان الطاقة. ارسطو رأى الانسان يكافح ليزدهر بمساعدة الذكاء. جميعنا نكافح لنتقدم بوتيرة ثابتة. السعادة تتحقق من خلال الفضيلة. من جهة أخرى، اعقد نيتشه ان البشر اندفعوا بإرادة القوة. هذا دافع داخلي قوي جدا يدفعنا الى الامام لتحقيق النجاح، نكسر الحواجز، ونتغلب عليها. بالنسبة لارسطو، من المثالي للكائن البشري السيطرة على مشاعره باستعمال العقل. يرى نيتشه، انه يجب ان يكون ممكنا تحويل مشاعر المرء الى مظاهر إيجابية قوية له. تصوّر لو برز فنان شاب . ارسطو سيتحدث له حول الانضباط، التوازن، والتقدم التدريجي، الذي يتبع أنظمة مجتمعية. لكن نيتشه يشجعه لقبول مخاطرة كبيرة باتخاذ مواقف متمردة، وأيضا يعبر عن نفسه بعدم خوف وبدون أي قلق من التوقعات المجتمعية. وبسبب هذا، ارسطو ربما يرى نيتشه مشروعا محفوفا بالمخاطر. الفلسفة التي تقود الناس للتمرد ضد المعتقدات الجمعية قد تنتهي بتعريض النظام الاجتماعي للخطر. قد يجادل نيتشه ان المجتمع، في بعض الأحيان يتطلب بعض الاضطراب.

الجماعة مقابل الفرد الاستثنائي

أخلاق ارسطو اشتبكت بعمق مع السياسة. هو يرى ان المدينة تتأسس للناس لكي يستطيعوا قيادة حياة مزدهرة. التعليم والقانون يحددان الاتجاه نحو مواطنة فاضلة. حسب رؤيته، الحياة الجيدة لا يمكن ان تُقاد بالفرد وحده. انها تحتاج عناصر من الصداقة والتعاون والروح المشتركة بين أعضاء المجتمع. لكن نيتشه كان حذرا حول التركيز على المجتمع. هو اعتقد ان الافراد المتفردين والموهوبين عادة يختلفون عن المجتمع. الاذهان المبدعة والمخترعون والمثقفون ربما لديهم حاجة لعزل انفسهم عن بقية المجتمع. هو اعتز كثيرا بالشخصيات التي تجاوزت حدود الحياة الطبيعية في تغيير الثقافة التي حولهم.

بالنسبة لارسطو، هذه الفردية تثير قضايا سوسيولوجية تؤثر على وحدة المجتمع. اذا كان كل الافراد يحاولون تطوير قانونهم الأخلاقي الخاص بهم، ما الذي يشد المجتمع؟ بالعكس، نيتشه اعتقد انه اذا كان هناك الكثير من الوحدة عندئذ سنكون فقط افراد عاديين. المجتمعات التي تقيّم الراحة على حساب العظمة تكبح التميز. هنا، تصبح المعارضة واضحة. ارسطو يدعو للاستقرار. نيتشه يدافع عن التغيير. الأول يقيّم الاستمرارية، الآخر يعجب بالاختراقات.

لماذا سيشعر ارسطو بالقلق؟

ارسطو يقترح ان نيتشه ربما يرى ضعف الانسان أقل مما هو في الواقع. ليس كل شخص يمكنه خلق قيمة بشكل مسؤول. في غياب القيم المقبولة اجتماعيا على نطاق واسع، بعض الافراد يُحتمل ان يدافعوا عن انانيتهم وقسوتهم. التاريخ يبيّن لنا ان الأفكار المتطرفة يمكن استخدامها لأغراض خاطئة. ارسطو سيدّعي ان الاخلاق قُصد بها مساعدة الأغلبية في إحداث تقدّم مطرد وليس لمطالبتهم ليكونوا خالقين أبطال بأنفسهم .

هو يمكنه أيضا القول ان فلسفة نيتشه تؤدي الى رأي يتحول فيه الطموح الى غطرسة وحيث تؤدي القوة الى هيمنة. بالنسبة لارسطو، الاعتدال أساسي في بناء الفضائل. حتى الشجاعة يجب التحكم فيها. الافراط في الشجاعة يتحول الى نزوة. غير ان نيتشه كان أكثر جرأة. الخطر كان جزءا من رؤيته للنمو. هو اعتقد ان الراحة تنتج الجمود. ارسطو سيسأل، "على حساب من؟" جواب نيتشه سيكون، بدون أخذ المخاطر سوف لن تكون هناك اية بطولة.

لماذا لا يهتم نيتشه

اذا كان ارسطو يقول ان نيتشه يشكل خطرا، فان الأخير ربما فقط يبتسم. هدف الفيلسوف ليس لكي يعطي المجتمع كلمة ناعمة، وانما هو يسعى لتغييره. هو يرى ان معظم قواعد الاخلاق تخنق طاقة الانسان. أتباع نيتشه لم يكن من الضروري ان يكون عددهم كبيرا طالما ان فلسفته كانت موجهة للافراد الذي شُجعوا بما يكفي لمسائلة عقائدهم ومعرفتهم. يمكن أيضا الجدال ان تأكيد ارسطو للحفاظ على التوازن يحمي الإنسانية، لكن من تطور استثنائي. كانت رؤية نيتشه، رغم ان هناك خطر يرافق هذا الاتجاه، لكن فرصة الكائن البشري في تحقيق أشياء عظيمة تستحق تلك المخاطرة. في وقت ما، أعلن نيتشه ان المرء يجب ان يكون مستعدا ليُساء فهمه من الاخرين. وصفه كخطير لا يمكن ان يزعجه لأنه شعر ان هذا دليلا على قوة أفكاره.

ارسطو ونيتشه: ماذا نتعلم من هذا التصادم؟

ان التوتر بين ارسطو ونيتشه لايزال حيا. هل يجب ان نقيّم الاستقرار ام الاضطراب؟ الاخلاق المشتركة او الاخلاق الشخصية؟ التوازن ام التشدد؟ ارسطو يدعونا للعودة الى أهمية المجتمع. الشخصية تُبنى تدريجيا بمرور الزمن. الفضائل المشتركة تحافظ على تماسك المجتمع. من جهة أخرى، نيتشه يخبرنا ان القواعد في الغالب هي أغلال. النمو يتطلب الخروج عن النماذج القائمة. ربما كلا الفيلسوفين صحيحان في جدالهما ولكن بوسائل مختلفة للجدال. الافراط في النظام يقود الى جمود، بينما الكثير من المعارضة يؤدي الى الفوضى. اكبر سؤال هنا هو ليس حول منْ الرابح في النقاش وانما حول كيف ندمج هذه القوى المتضادة في أنفسنا. ارسطو يقترح تنمية الفضائل الثابتة والمستقرة. نيتشه ينصحنا بحشد الشجاعة لنصبح شيئا جديدا تماما. احدهما ينظر للانسجام بينما الاخر يبحث عن التغيير والتحول. وبين هاتين الرؤيتين، يجد الانسان المعاصر نفسه في صراع مع أفكار من كلا الطرفين.

***

حاتم حميد محسن

من وحي ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي

كانت المعرفة التاريخية قبل ابن خلدون تعيش حالةً من الفوضى والاضطراب، وتفتقر إلى القواعد والأدوات المنهجية العلمية المنظمة. وكان التاريخ مرتعًا خصبًا للأوهام والخرافات والأساطير والمبالغات والأهواء والأخطاء والأباطيل، وكان الناس يتدافعون إلى مباشرة التدوين التاريخي من غير معايير أو ضوابط تُمكّنهم من التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الممكن والمستحيل. وهكذا غدا التاريخ مشاعًا لكل من هبَّ ودبَّ من غير بحثٍ ولا رؤية، حتى صار فنُّ التاريخ مختلطًا، وناظره مرتبكًا، وعُدَّ من مناحي العامة، فأصبح انتحاله سهلًا، واستخفَّ العوامُّ ومن لا رسوخ لهم في المعارف بمطالعته والخوض فيه، فاختلط المرعى بالهمل، واللباب بالقشر، والصادق بالكاذب.

هكذا يبدأ ابن خلدون في التأسيس لمشروعية عمله، وبيان الحاجة الماسّة إلى نقدٍ جديد ومنهجٍ بديل.

فمنذ الصفحة الأولى من المقدمة قدّم ابن خلدون نقدًا واسعًا للتاريخ والمؤرخين وللمعرفة التاريخية المتداولة، التي تناقلها بعض المتطفلين على التاريخ وعلومه. وهذا ما يراه الباحث علي أومليل في كتابه «الخطاب التاريخي»، إذ يقول: «إن ما يثير انتباه قارئ المقدمة هو النقد العنيف الذي يوجهه ابن خلدون إلى مجمل التاريخ العربي؛ فمنذ الصفحات الأولى من الكتاب يدخل ابن خلدون في محاسبة نقدية للمؤرخين جميعًا، حتى كبارهم».

ولعل ما أفزع ابن خلدون وحفّزه على العمل هو إدراكه الأزمة العميقة التي بلغتها المعرفة التاريخية العربية ومناهجها؛ إذ وجد أن التاريخ، بوصفه معرفةً وتدوينًا وتفسيرًا للأحداث، قد تخلف كثيرًا عن التاريخ بوصفه سياقًا واقعيًا للأحداث والمتغيرات الحضارية والثقافية والمدنية. لذا يمكن النظر إلى «المقدمة» بوصفها دفاعًا عن مشروعية التغيير في التاريخ، وعن مشروعية نقد المعرفة التاريخية وتطويرها. وهي بذلك أرادت أن تبلغ خطابًا محددًا مفاده أن التاريخ قد انقلبت أوضاعه، ومع ذلك ظل حديث المؤرخين عنه على حاله لم يتغير.

لقد صيغ التاريخ العربي وتشكلت صورته العامة في عصور مضت وانقضت، ثم تجمد في قوالب التقليد، فأصبح المقلدون يستنسخون أحاديث عن التاريخ نُسيت أصولها والعصور التي أنشأتها. وهكذا تغيّر التاريخ، ولم يتغير الحديث عنه.

لقد كان هدف «المقدمة» إحداث تغيير جذري في المعرفة التاريخية، منهجيًا ونظريًا، بما يلائم التغيير الجذري الذي حدث في مسار التاريخ وحركته الواقعية. لذلك كان لا بد من الارتقاء بالخطاب التاريخي إلى مستوى التاريخ نفسه، الذي انقلبت أوضاعه وتبدلت أحواله.

وهذا ما ميّز المنهج النقدي التاريخي عند ابن خلدون من سائر المناهج التقليدية التي لم تعد قادرة على مواكبة حركة التاريخ وتحدياته المتغيرة باستمرار.

وقد وجّه ابن خلدون نقده إلى المناهج التقليدية القديمة في الدراسات التاريخية، ثم إلى الأصول التي استند إليها التاريخ العربي الإسلامي منذ نشأته الأولى، والتي قامت على تقليدين راسخين:

الأول: التقليد السردي أو الإخباري، وهو الشكل الأصلي للتاريخ العربي الإسلامي، ويقوم على رواية الحدث عبر سلسلة من الرواة تناقلوا الخبر ابتداءً ممن شهده أو زعم شهوده، وفق منهج الإسناد والتعديل والتجريح؛ أي تصحيح الخبر بناءً على مدى الثقة بناقليه.

ومن المهم الإشارة إلى أن لفظ «الأخبار» ظل يُستعمل مدةً طويلة بمعنى «التاريخ»، حتى إننا لا نجد لفظ «التاريخ» في القرآن الكريم أو الأدب الجاهلي أو السنة النبوية بهذا المعنى الاصطلاحي.

وهكذا نُظر إلى التاريخ على أنه خبر عن الحروب والمغازي والأشخاص والأقوال والأنساب والأيام.

أما التقليد الثاني فهو التقليد الوصفي، القائم على جمع الوقائع والأحداث دون تفسيرها أو البحث في أسبابها. ومن هذين التقليدين تفرعت مثالب أخرى أعاقت انطلاقة المعرفة التاريخية العلمية، من أبرزها:

* تسخير التاريخ والمعرفة العلمية عمومًا لخدمة الأهداف والغايات اللاهوتية والدينية والمذهبية.

* شخصنة التاريخ بما أفقده النظرة الموضوعية المحايدة للأحداث؛ إذ أصبح من المتعذر الفصل بين الفاعلين والأفعال، وبين الحقب التاريخية والأشخاص الذين كان لهم الدور الفاعل فيها.

* طغيان الطابع السياسي والأيديولوجي على مسار التاريخ؛ فالتاريخ غالبًا ما يكون تاريخ المنتصر لا تاريخ الحقيقة.

* اختلاط التاريخي بالأسطوري، بحيث يصعب الفصل بين التاريخ والأسطورة في الفكر العربي الإسلامي.

* ارتباط التاريخ الإسلامي بالهويات الدينية والقومية والعصبية والقبلية والطائفية والحزبية الضيقة.

* اختزال معنى التاريخ في الزمن الماضي وحده.

* حصر قيمة التاريخ في الموعظة والاعتبار والتسلية بسماع الأخبار.

كل هذه الممارسات والتصورات والأفكار والمناهج التقليدية والغايات الأخلاقية في المعرفة التاريخية هي التي وجّه إليها ابن خلدون سهام نقده.

وكان أول ما قام به ابن خلدون هو تحديد معنى جديد للتاريخ، شكّل قاعدةً راسخةً للانطلاق في مشروعه النقدي المنهجي، القائم على الهدم والبناء، والنقد والإبداع.

فكيف فهم ابن خلدون التاريخ؟

لقد كان ابن خلدون على وعي عميق بأهمية مشروعه النقدي الجديد، وكان شديد الثقة بصواب رؤيته للتاريخ، وهو ما يظهر منذ الصفحات الأولى من «المقدمة». فبعد أن حمد الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، حدّد بدقة مدهشة المعنى الكلي للتاريخ بقوله:

«هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق».

تلخص هذه العبارة المدهشة، إلى حد بعيد، حقيقة الطفرة الخلدونية في الدراسات التاريخية، إذ تمثل واحدة من أهم الأفكار الفلسفية التي تميز بها ابن خلدون عن غيره. ومن هنا تبدأ اللحظة النقدية الكبرى في المنهج الخلدوني، إذ تشكل هذه العبارة نقطة الانطلاق الأساسية لفلسفة التاريخ عنده.

والمقصود بالحكمة هنا هو الفلسفة؛ ومن هذا التمييز بين ظاهر التاريخ وباطنه تبدأ الثورة المنهجية الخلدونية. فابن خلدون يميز نفسه عن جمهور المؤرخين التقليديين الذين اكتفوا بسرد الأخبار وجمع الروايات، دون التعمق في أسباب الوقائع وعللها.

ولهذا يضيف مباشرة بعد العبارة السابقة قوله: «وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها… ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها».

وعلى هذا النحو يبدأ ابن خلدون بنقد أسس التاريخ التقليدي من جذورها، مبينًا أن حقيقة التاريخ تكمن في باطنه، وأن ظاهره، الذي لا يزيد على أخبار الأيام والدول، لا يكشف عن ماهيته وجوهره الفعلي، بل قد يحجبهما ويشوّههما إذا اقتصر الباحث عليه دون النفاذ إلى علله وأسبابه العميقة.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

مراجعة: نادر اتاسي

ترجمة: علي حمدان

***

بعد مرور أكثر من خمسين عامًا على نشر كتاب ألبرت حوراني الرائد "الفكر العربي في العصر الليبرالي"، أبدى باحثون من مختلف التخصصات اهتمامًا متجددًا بالنهضة العربية. واستجابةً لهذا الاهتمام المتجدد، جمع ينس هانسن وماكس وايس كتابًا يضم خمسة عشرة بحثا (بما في ذلك مقدمة وخاتمة) تتناول الوضع الراهن لتاريخ الفكر العربي الحديث، فضلًا عن توسيع ومراجعة. ووضع السياق التاريخي الذي سرده حوراني. وبدلًا من تبني مصطلح حوراني "العصر الليبرالي"، يستخدم هانسن ووايس مصطلح "النهضة" لتأطير النشاط الفكري العربي خلال القرنين التاسع عشر وأوائل العشرين. ويدافعان عن استخدامهما لمصطلح "النهضة" على أساس أنه يتجنب تصوير الفكر العربي كمجرد امتداد للاتجاهات الأوروبية السابقة.

تقدم مقدمة المحررين تحليلاً بارعاً لتاريخ النهضة. ويتأمل هانسن ووايس في المفاهيم الأربعة التي يستحضرها عنوان كتاب حوراني الصادر عام 1962 - اللغة (العربية)، والعقل (الفكر)، والحرية (الليبرالية)، والزمن (العصر) - كوسيلة للتنقل. النقاشات المتعددة التي نشأت ليس فقط بين المؤرخين المعاصرين، بل أيضًا بين النهضويين أنفسهم. قبل كتاب حوراني "الفكر العربي في العصر الليبرالي"، كانت كتب مثل كتاب جورج أنطونيوس "الصحوة العربية: قصة الحركة القومية العربية" (هاميش هاملتون، 1938) تميل إلى تأطير القرن التاسع عشر باعتباره زمن نشأة القومية العربية. يصنف هانسن ووايس حوراني كمُراجع لرواية أنطونيوس، زاعمين أنه تخلى عن إطار أنطونيوس القومي، واحتفى بدلًا من ذلك بالنهضويين "كأصوات تنويرية مأساوية في صحراء الدولة العثمانية المتأخرة". بعد ثمانينيات القرن العشرين، عندما بدأ التحول اللغوي وأساليب فوكو في تحليل الخطاب في اكتساب زخم، بدأ الكثيرون في الأوساط الأكاديمية الناطقة بالإنجليزية في انتقاد أساليب التاريخ الفكري العربي باعتبارها "وضعية وتجريبية بشكل مفرط" واعتبروا النهضويين أنفسهم مسجونين داخل نمط فكري يعمل كـ "قفص غير مرئي معادٍ للتجربة العربية".

على الرغم من تعاطف المحررين إلى حد ما مع الدوافع التي أدت إلى هذه الانتقادات، إلا أنهم متشككون في القيود التي تفرضها هذه الانتقادات على دراسة التاريخ الفكري العربي. ولتجاوز هذا المأزق، قام المحررون بمراجعة بعض المفاهيم التي استخدمها حوراني. فعلى سبيل المثال، ابتعدوا عن التصوير المثالي لليبرالية الذي وصفه حوراني ببساطة بأنه الإيمان بـ"المؤسسات الديمقراطية والحقوق الفردية" - وهو وصف ندم عليه لاحقًا، إذ كتب في مقدمة إعادة إصدار كتاب "الفكر العربي في العصر الليبرالي" عام 1983 أن هذه الأفكار "تتعلق أيضًا بالسلطة الوطنية والوحدة وسلطة الحكومات" (مقتبس، ص 13). وبدلًا من ذلك، استند هانسن ووايس، مستلهمين من جيف إيلي، إلى الليبرالية باعتبارها "تشكيلًا أيديولوجيًا متنازعًا عليه" بدلًا من "نموذج مثالي"، وهو تدخل يسمح لهما بالتعامل مع حركة النهضة وفقًا لشروطها الخاصة، فضلًا عن سياقاتها العالمية والإقليمية والمحلية المختلفة (ص 13). وبهذه الطريقة، فإنهم يشيدون بجوهر عمل حوراني مع تجاوزهم له في الوقت نفسه.

بدلاً من إعادة إنتاج نموذج نشر مبسط يرى حركة أحادية الاتجاه للأفكار من الغرب إلى الشرق، يجادل هانسن ووايس بأن "ليست كل الأفكار في العالم العربي الحديث من أوروبا، وليست جميعها أفكارًا ليبرالية، كما أن تبني الأفكار الليبرالية من أوروبا لم يؤدِ إلى نسخ طبق الأصل منها في الشرق الأوسط". ومنهجيًا، يدعوان إلى تاريخ فكري "سياقي" يُزيل مركزية أوروبا ويشجع الباحثين على "تعددية وتسيس وتطوير نهضة عالمية".

"عبر وتجاوز الانقسام الاستعماري بين الغرب وبقية العالم" (37). من خلال تصوير النهضة على أنها متنوعة ومتعددة الأوجه، ينضم الكتاب إلى عدد من الأعمال الحديثة التي تعيد النظر في تاريخ الفكري العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين من أجل تحدي الافتراضات التقليدية حول استقبال الأفكار وتداولها، مثل كتاب إلهام خوري مقدسي "شرق المتوسط وصناعة الراديكالية العالمية، 1860-1914" (مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2010) وكتاب مروة الشكري "قراءة داروين باللغة العربية، 1860-1950" (مطبعة جامعة شيكاغو، 2014).

يتناول الفصلان الأولان من الكتاب الدور التاريخي الذي لعبه ألبرت حوراني في دراسات الشرق الأوسط وسياساته. الفصل الأول عبارة عن تأمل شخصي بقلم روجر أوين، يُبين كيف كان حوراني والعديد من طلابه من أوائل من قدموا "مراجعة أولية... ضد النموذج الاستشراقي" في مجال تاريخ الشرق الأوسط (57). أما الفصل الثاني، بقلم هانسن، فيُعيد سرد قصة بدايات انخراط حوراني في سياسة الشرق الأوسط ومشاركته في اللجنة الأنجلو-أمريكية للتحقيق في فلسطين عام 1946. ويتناول هانسن حوراني نفسه كشخصية تاريخية، ويرى أن انسحابه من السياسة الفلسطينية عام 1948 مؤشر على ظرف تاريخي أوسع: نهاية إيمان العرب بما يسميه هانسن "الإمبريالية الليبرالية"، بالإضافة إلى تهميش "الوسطاء السياسيين العرب" مثل حوراني (92).

تُثري بقية المساهمات دراسة حركة النهضة بثلاث طرق. أولًا، يُضيف العديد منها شخصيات جديدة إلى التراث الفكري الذي أرساه الفكر العربي في العصر الليبرالي. تُعرّفنا دينا رزق خوري على علماء الصوفية والسلفية في بغداد أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، لتُبيّن أن أحداثًا أخرى غير غزو نابليون لمصر عام 1798 - مثل الثورة الوهابية في أوائل القرن التاسع عشر - حفّزت نقاشات حول الإحياء والإصلاح. تُحلّل مارلين بوث عملين يتناولان أدوار الجنسين وعلاقاتهما: الأول نُشر عام 1899 لعبد القادر مراد وعبد الحليم محفوظ، والآخر نُشر عام 1896 لحسين فوزي. من خلال تقديم هذه الأعمال، تهدف بوث إلى وضع كتاب قاسم أمين الشهير الصادر عام 1899، "تحرير المرأة"، في سياقه التاريخي، مؤكدًا أنه "لم ينبع من فراغ فكري" بل كان جزءًا من نقاش أوسع حول النوع الاجتماعي في مصر أواخر القرن التاسع عشر (189). وتقدم أمل غزال يوسف النبهاني، وهو قاضٍ فلسطيني تلقى تعليمه في الأزهر، وكان ناشطًا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وقد عارض النبهاني الفكر السلفي.

تُركز غزال على فكر محمد عبده الحداثي، إذ اعتقد أن أفضل دفاع عن الإسلام والدولة العثمانية هو رفض نزعات التحديث والإصلاح. ومن خلال التركيز على ما تسميه غزال "الفكر غير الليبرالي" للنبهاني، تدعو إلى صورة أشمل لتاريخ الفكر العربي في أواخر العصر العثماني، تتجاوز دراسات الإصلاحيين. وتُحدد شيرين سيكالي مجموعة من الرجال في فلسطين في ثلاثينيات القرن العشرين، ممن اعتبروا أنفسهم "رجال رأس مال"، وأصدروا دورية بعنوان "الاقتصادية العربية". ويتميز منهج سيكالي بكونه يجمع بين التاريخ الفكري - من خلال دراسة الفكر الاقتصادي في المجلة - وتحليل طبقي يستكشف كيف ساهم خطاب المجلة في إضفاء الشرعية والمكانة الطبقية لرجال الأعمال.

يقدم باحثون آخرون نوعًا ثانيًا من التدخلات الموضوعية في دراسات النهضة: إذ يعيدون النظر في شخصياتها الكلاسيكية ويراجعون تحليلات حوراني. ومن الأمثلة البارزة على هذا التوجه مساهمة فواز طرابلسي حول أحمد فارس شدياق. فبينما ركز حوراني في كتابه "الفكر العربي في العصر الليبرالي" على إسهامات شدياق الثقافية والأدبية، يقرأ طرابلسي شدياق قراءةً نقدية ليقترح أنه تبنى أفكارًا عن المساواة كانت ثورية في عصره. أما مساهمة إسرائيل جرشوني، فتركز على كتابات عباس محمود العقاد، الذي لم يذكره حوراني إلا بإيجاز. وخلافًا لحوراني الذي زعم أن "العصر الليبرالي" انتهى عام 1939، يجادل جرشوني بأن كتابات العقاد المناهضة للنازية خلال الحرب العالمية الثانية تُظهر أن الأفكار الليبرالية استمرت في الانتشار وجذب جمهور في السنوات التي تلت اندلاع الحرب. يُقدّم توماس فيليب مساهمتين في هذا الكتاب. إحداهما، بعنوان "المشاركة والنقد: ردود فعل المثقفين العرب على 'الثورة العثمانية'"، تُعيد تقييم شخصيات بارزة من حركة النهضة، مثل جرجي زيدان، لاستكشاف الطرق التي احتُفي بها في البداية بـ"الثورة العثمانية" عام 1908 باعتبارها تحقيقًا لوعود بالدستور والحرية السياسية. ويُجادل فيليب بأنّ التأريخ السائد قد قلّل في كثير من الأحيان من شأن الميول العثمانية لدى العديد من أعضاء حركة النهضة.

يسعى النوع الثالث من المقالات في هذا الكتاب إلى إيجاد منهجيات للتاريخ الفكري والمفاهيمي تتجاوز نموذج "تاريخ الأفكار"، وذلك لوضع حركة النهضة وتأريخها ضمن سياقاتها الاجتماعية والسياسية الأوسع. ويُبين فصل جميل أيدين كيف أن مفهوم العالم الإسلامي كفكرة "جيوسياسية" هو مفهوم حديث نسبياً، لم يبرز إلا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، عقب الحرب الروسية العثمانية. والاحتلال البريطاني لمصر. وبذلك، يُقدّم أيدين سياقًا تاريخيًا بالغ الأهمية للمفاهيم التي وظّفتها بعض الشخصيات الرئيسية في كتاب حوراني، مثل رشيد رضا ومحمد عبده. يستخدم فصلان من الكتاب منظورًا مقارنًا صريحًا: يُقدّم أحد إسهامات توماس فيليب تاريخًا مفاهيميًا لما يُسمّيه "فكر سيادة القانون" في ألمانيا والإمبراطورية العثمانية وتونس ومصر، بينما يتتبّع سي. أ. بايلي تاريخًا مقارنًا لمفاهيم مُختارة في التاريخ الفكري الهندي والعربي (145). أخيرًا، يُقدّم إسهام ليلى دخلي تقييمًا مُستنيرًا نظريًا لمنهجيات تاريخ الفكر العربي. وعلى وجه الخصوص، تدعو إلى "إعادة صياغة مفهوم المثقفين كفاعلين اجتماعيين" لتسليط الضوء على بعض أوجه القصور في منهج حوراني "تاريخ الأفكار" (355).

لا ترقى جميع إسهامات هذا الكتاب إلى مستوى الدقة النظرية التي أظهرها المحرران في المقدمة، كما أنها لا تتبنى جميعها المنهجيات النقدية لدراسة تاريخ الفكر التي يطرحها المحرران. ومع ذلك، يقدم كتاب "الفكر العربي ما وراء العصر الليبرالي" منهجًا دقيقًا وتأمليًا ومبتكرًا للدراسات التاريخية لعصر النهضة، ويفتح آفاقًا جديدة جديرة بالاستكشاف أمام الباحثين المهتمين بهذه الفترة. عمومًا، قدّم هانسن ووايس كتابا ثريًا للغاية، يُفترض أن يكون ذا فائدة لجميع دارسي تاريخ الفكر العربي، فضلًا عن تاريخ الشرق الأوسط الحديث.

***

.............................

المصدر: بتعاون معهد الدراسات العربية مع JSTOR لرقمنة مجلة الدراسات العربية وحفضها وتوسيع نطاق الوصول اليها.

من خبرتي المتواضعة في الحياة والتعليم، تعلمت أن الاهتمام هو مفتاح كل معرفة ممكنة. فالاشياء التي لا تهمنا أو لم نهتم بها لن نبذل أي جهد لفهمها فما يشغلنا في حياتنا الواقعية هو ما يشغل انتباهنا وما نتعلمه لا يبدأ من الكتب وحدها، بل من تلك الشرارة الأولى التي توقظ فضولنا وتدفعنا إلى التساؤل. ولعل دهشتي الأولى بالسينما تعود إلى طفولتي المبكرة في ريف عدن، حين شاهدت وأنا في العاشرة من عمري فيلماً روسياً بعنوان «كيف سقينا الفولاذ» إذ لم تخني الذاكرة. لم أكن أدرك آنذاك شيئاً عن الفلسفة أو النقد السينمائي أو جماليات الصورة، لكنني أدركت أن شيئاً ما كان يحدث في داخلي بعد انتهاء الفيلم وطوي شاشته التي تم تعليقها على جدار مدرسة الحرية.

تنقلت بعد ذلك بين معظم دور السينما في عدن ومنها (سينما هريكن (الحرية) شاهيناز (ريجل) سينما برافين (أروى) وسينما بلقيس وحلقات وسينما الشرق وغيرها) وما زلت أذكر العبارة التي كانت تتصدر شاشة سينما أروى: «من بين جميع الفنون، تبقى السينما هي الأهم» يومها لم أفهم مغزىها لكنني شعرت بقوتها كنت أذهب إلى السينما بحثاً عن المتعة والدهشة ولم أتوقف طويلاً عند المعاني والدلالات الميتافيزيقية إلا حين أقمت في القاهرة متفرغاً للدراسة والبحث العلمي. هناك بدأت أكتشف أن العلاقة بين السينما والفلسفة ليست علاقة عابرة بين فن وفكر، بل هي علاقة عميقة تجعل من الشاشة فضاءً للتأمل في الإنسان والعالم والزمان والتاريخ ففي مؤتمر فلسفة التعليم الذي نظمه قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة 23 نوفمبر 2019م استوقفت انتباهي ورقة بحثية بعنوان (كيف يمكن توظيف السينما في تعليم الفلسفة للأطفال) تناولت في البدء تاريخ السينما منذ بدايتها في مطلع القرن العشرين إذ استعرضت العلاقة العضوية بين التنكولوجيا والسينما وكيف مهدت التنكولوجيا السبيل لازدهار السينما إذ اشارت إلى أن السينما " بدأت السينما كفكرة عرض صامت موحي، يعتمد على تتابع المشاهد لتكوين قصة، مستخدمة في ذلك لونين فقط هما الأبيض والأسود، ثم بدأت تتطور بتطور العلم والتكنولوجيا البصرية والسمعية لتتحول إلى ما هي عليه الآن. على أن العمل الفني السينمائي منذ بدايته وحتى الوقت الحالي اتخذ من القصة ركيزة رئيسة في بناءه، تدور حولها الأحداث. ويعد استخدام هذه الأساس أمر ممتد في التاريخ الحضاري؛ حيث عرف الإنسان القصة بمفهومها البدائي منذ الحضاارت الشرقية القديمة، فصنع بها ميثولوجيا عَّبرت عن "مظاهر الكون والحياة تعبيرا فنيا" وهي بذلك الاستهلال الذكي للعلاقة بين الفلسفة والسينما وكانما كانت تعي البعد الجمالي للصورة في عالم المحسوسات والمعقولات التي شغلت الفيلسوف أفلاطون في الزمن القديم إذ تبدو مغامرة السينما مثل مغامرة الفلسفة.

غير أن السؤال الأهم بالنسبة لي لا يتعلق فقط بما تقوله السينما عن العالم، بل بما تفعله بنا ونحن نشاهدها. فمنذ اختراعها لعبت السينما دوراً كبيراً في تغيير حياة الناس والتأثير في تفكيرهم ومتخيلهم وإدراكاتهم بطريقة فعالة أصبحت معها مادة تستحق التفكير بالنسبة إلى المفكرين والفلاسفة منذ مطلع القرن العشرين .

ففي كتابه السينما أو الإنسان المتخيل الفيلسوف الفرنسي ادغار موران إن السينما تشبه الحلم من حيث آلياتها النفسية. ففي الحلم تختلط الذكريات بالرغبات والمخاوف، وفي الفيلم يحدث شيء مشابه عبر الصورة والمونتاج والموسيقى. لذلك اعتبر أن دراسة السينما تسمح بفهم البنية العميقة للخيال الإنساني.

إذ يعيش الإنسان دائماً بين عالمين: عالم الواقع وعالم الخيال. الأحلام والأساطير والذكريات والرغبات ليست أقل حضوراً في حياتنا من الوقائع المادية. ففي المجتمعات التقليدية كانت الأساطير الدينية والبطولية تقدم نماذج مثالية للإنسان. أما في المجتمعات الحديثة فقد أصبحت السينما تنتج أساطير جديدة تتمثل في النجوم. والسينما تنبع قوتها من قدرتها على الجمع بين هذين العالمين في تجربة واحدة. فنحن ندرك عقلانياً أن ما نشاهده على الشاشة ليس حقيقياً، لكننا نتفاعل معه وجدانياً كما لو كان جزءاً من حياتنا الخاصة. نبكي لمصير شخصية خيالية، ونفرح لانتصار لم نشارك فيه، ونشعر بالخوف من خطر لا يهددنا فعلياً. هذه المفارقة هي التي جعلت موران يعتبر السينما مختبراً لفهم البنية العميقة للخيال الإنساني.

اهتم هنري برغسون بمسألتي الزمن والحركة، وهما المسألتان اللتان ستصبحان لاحقاً في قلب التجربة السينمائية. أما سيغفريد كراكور فقد رأى في السينما مرآة للاوعي الجماعي، تكشف ما تخفيه المجتمعات عن نفسها أكثر مما تكشفه الخطب السياسية والبيانات الرسمية. وجاء جان بودريار ليحلل عالم الصورة والمحاكاة، محذراً من قدرة الصور على صناعة واقع بديل قد يبدو أحياناً أكثر إقناعاً من الواقع نفسه.

لكن الفيلسوف الذي منح السينما مكانتها الفلسفية الأكثر عمقاً ربما كان الفرنسي جيل دولوز 1926-1995 فبالنسبة إليه لا تقتصر السينما على رواية القصص أو تمثيل الواقع، بل إنها تفكر بطريقتها الخاصة. وإذا كانت الفلسفة تبدع المفاهيم، فإن السينما تبدع الصور. وإذا كانت الفلسفة تفكر عبر المفهوم، فإن السينما تفكر عبر الصورة المتحركة. يَعتبر "دولوز" أن قيمة الصورة تتمثل في الأفكار المتولدة عنها. تُعدُّ الصورة السينمائية وعاء رفيع من المفاهيم والأفكار، تُناقش من خلالها القضايا والتصورات الفكرية المطروحة. وهذه بمثابة الخاصية الجوهرية لجدلية العلاقة بين الفلسفة والسينما. أي «إذا كانت الصورة هي الوحدة الأساس للفيلم وكان المنتوج الأساس للفلسفة هو المفهوم، فلقاء الفلسفة بالسينما هو لقاء المفهوم بالصورة في أفق استجلاء تحولات صورة الفكر داخل الصورة السينمائية والتفكير عند جيل دلوز لا يبدأ من انسجام، بل من صدمة، لا من إرادة، بل من اضطرار، فنحن لا نفكر لأننا نريد، بل لأن شيئاً ما يجبرنا على التفكير وبهذا المعنى نفهم عبارة آرنولد توينبي بان التفكير ليس فطريا عند الإنسان كما قد رسخ في الأذهان -بسبب الخلط الشائع بين العقل والتفكير- بل هو أشبه بالسير على الأقدام بالنسبة للقرود!

فالفكر والتفكير في الثقافة العربية الإسلامية هو النقيض لراحة البال والطمأنينة والسكينة والناس في كل زمان ومكان قلما يميلون إلى الفكر والتفكير ، ولا يكون ميلهم اليه إلا كرها لا اختيارا وذلك في أوقات المحن والأزمات الكبرى إذ يضطرون اليه في مواجهة التحديات العسيرة ، أما في أزمنة اليسر والرخاء والدعة ، فالناس يعيشون حياتهم ويحمدون ربهم على راحة البال ورضا الضمير وبهذا المعنى نفهم صيغة المؤرخ الانجليزي ارنولد توينبي ، في التحدي والاستجابة ، الذي أكد فيها إن الظروف الصعبة لا السهلة هي السر في فهم نشوء الحضارات ونموها وازدهارها وتعاقبها الدوري.

في كتابه «تأمل الشاشة: السينما كنوع من الفلسفة»، يدافع توماس وارتنبيرج عن فكرة جريئة مفادها أن بعض الأفلام لا تشرح الأفكار الفلسفية فحسب، بل تنتجها. ويقدم مثالاً على ذلك فيلم (إشراقة أبدية لعقل نظيف) عام 2004 يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً حول معنى الألم والذاكرة. فالفيلم يتخيل إمكانية محو الذكريات المؤلمة تقنياً، لكنه يقودنا في النهاية إلى إدراك أن الحياة الإنسانية ليست مجرد عملية حسابية لتقليل المعاناة وتعظيم اللذة. ثمة أشياء تمنح وجودنا معناه حتى وإن كانت مؤلمة.

لقد أدرك إدغار موران أن العالم الحديث أصبح أكثر تعقيداً من أن يُفهم بواسطة التفسيرات الأحادية أو الاختزالية. فالظواهر الإنسانية لم تعد منفصلة عن بعضها البعض، بل أصبحت متشابكة بصورة تجعل الاقتصاد مرتبطاً بالثقافة، والسياسة مرتبطة بالهوية، والتكنولوجيا مرتبطة بالأخلاق، والبيئة مرتبطة بمستقبل الحضارة نفسها.

من هنا جاءت دعوته منهج تفكير تركيبي يربط بينها ويكشف علاقاتها المتبادلة. فالحقيقة ليست موجودة في الجزء وحده ولا في الكل وحده، بل في الحوار المستمر بينهما. والعالم لا يُفهم عبر التجزئة فقط، بل عبر إعادة تركيب ما تم تفكيكه.

والسينما تمثل نموذجاً مثالياً لهذا المنهج المركب. فهي الفن الذي يلتقي فيه الأدب بالموسيقى، والصورة بالفكرة، والتاريخ بالخيال، والسياسة بالعاطفة، والفردي بالجماعي. ولهذا استحقت أن تسمى «الفن السابع»، لأنها لم تضف فناً جديداً إلى الفنون السابقة فحسب، بل احتضنتها جميعاً داخل فضاء واحد. فالفيلم ليس مجرد قصة أو صور أو أصوات، بل هو تفاعل مستمر بين عناصر متعددة: الصورة والصوت، الفرد والمجتمع، الماضي والحاضر، الواقع والخيال، الوثيقة والأسطورة، والعقل والعاطفة.

فما كان يُنظر إليه في زمنٍ ما بوصفه أمراً عادياً أو مقبولاً قد يصبح بعد عقود موضع نقد وتساؤل، مع تغيّر القيم الاجتماعية وتبدّل الوعي الجمعي تجاه قضايا الهوية والعدالة والتمثيل. لذلك تبدو بعض الأعمال السينمائية وكأنها تنتقد نفسها بنفسها عندما تُشاهد في سياق تاريخي مختلف؛ إذ تتحول مشاهد أو شخصيات أو رموز كانت منسجمة مع معايير عصرها إلى شواهد على حدود ذلك العصر وانحيازاته. ومن هنا تنشأ قيمة إضافية للسينما، فهي لا تحفظ القصص فحسب، بل تحفظ أيضاً نظرة المجتمعات إلى نفسها، بما فيها من إنجازات وأخطاء، لتصبح الشاشة مرآةً يتأمل فيها كل جيل ماضيه ويعيد مساءلته وفق أسئلته الأخلاقية والثقافية الجديدة.

وهنا تكمن أهمية التفكير النقدي المركب. فالمطلوب ليس إدانة الماضي بأحكام الحاضر فقط، ولا تبرير الماضي باسم ظروفه التاريخية، بل فهم الكيفية التي تنتج بها المجتمعات صورها عن الآخر، وكيف تتحول تلك الصور إلى ممارسات وثقافات وأنظمة تمييز. وهذا بالضبط ما تستطيع السينما أن تكشفه حين تكون وفية لرسالتها الإنسانية.

في أزمنة الحروب والمحن والهويات القاتلة والحدود المغلقة والأسلاك الشائكة، تظل السينما إحدى أهم النوافذ التي تسمح للإنسان بأن يرى نفسه في الآخر، وأن يكتشف أن ما يجمع البشر أكبر بكثير مما يفرقهم إذ يرى ادغار موران أن السينما تؤدي دورًا إنسانيًا عميقًا يتجاوز الترفيه،فهي تخلق مساحة آمنة للتعاطف مع شخصيات مختلفة، حتى تلك التي قد نرفضها في الواقع ومن خلال الإسقاط والتماهي، تساعد السينما الفرد على استكشاف ذاته وفهم مشاعره ورغباته.

ختاما يمكنني القول بأن السينما بوصفها الفن السابع الذي جمع معظم الفنون البصرية والصوتية والفكرية (العمارة والموسيقى والرسم والنحت والشعر والرقص) تعد أهم الفنون الإنسانية قدرة على التأثير وتوسيع الفهم والتعاطف وتعميق التواصل بين البشر المعاصرين فالإنسان يخاف ما يجهله، ويحذر مما لا يعرفه ويعادي ما لا يفهمه. أما السينما فتمنحه فرصة نادرة ليعيش، ولو لساعتين، داخل حياة شخص آخر. إنها تدفعه إلى رؤية العالم من زاوية مختلفة، وإلى اختبار آلام لم يعشها وأحلام لم يحلم بها. ومن خلال هذا الانتقال الرمزي من الذات إلى الآخر، تتزعزع الأحكام المسبقة وتفكيك خطابات العنصرية والوثوقية والتمييز .

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

تفكيك فلسفي لتمدد "البريكاريا" وسلطة الإنكار الرأسمالي

سيميائية الإثبات والإنكار وصراع الهيمنة

تتجاوز القاعدة الفقهية الكلاسيكية المتمثلة في أن "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" حدودها القانونية الإجرائية الضيقة، لتتحول عند إخضاعها لمشرط التفكيك الفلسفي والتحليل الاجتماعي إلى نسق علاماتي معقد يضبط صراع الهيمنة بين قوى رأس المال العابر للقارات والطبقات المسحوقة. ففي محكمة العولمة الاقتصادية المتوحشة، يُجبر الفقراء والشرائح الاجتماعية الآخذة في التلاشي على تحمل عبء الإثبات المعرفي والمادي لإدانة النظام الإقصائي القائم.

يطالب هذا النظام الضحايا بتقديم أدلة رقمية، وإحصاءات دقيقة، وبيانات موثقة تثبت أن فناءهم التدريجي وموتهم البطيء ليسا نتاجاً لكسلهم الفردي، أو افتقارهم إلى الجدارة الشخصية والموهبة، بل هما نتيجة حتمية لهندسة بنيوية متعمدة صممتها النخب الحاكمة. إن الطبقات المسحوقة، بصفتها الطرف "المدعي" بمعاناته وموته الاجتماعي، تواجه بنية قضائية وسياسية معولمة تحتكر إنتاج المعرفة، وتتحكم في أدوات القياس وصناعة المعايير، مما يجعل تقديم "البينة" أمراً شبه مستحيل في ظل شروط إثبات تعجيزية ومتحيزة سلفاً.

في المقابل، تتمتع قوى رأس المال الواقعية والرمزية بامتياز "الإنكار" المطلق، المستند إلى "اليمين الحاسمة" لأيديولوجيا السوق الحرة والخصخصة. يكفي النظام الليبرالي الحديث المهيمن أن يقسم يمين الولاء لقوانين الكفاءة الاقتصادية، وحياد الدولة المفترض، ووهم تكافؤ الفرص، ليتنصل بنيوياً وأخلاقياً من مسؤولية الاغتيال الاجتماعي الممنهج للفقراء. وإذا عجز الخصم المسحوق عن تقديم البينة في ظل هذه الشروط الإقصائية، يجري إسكات صوته نهائياً عبر آلية "اليمين الحاسمة" التي تبرئ ساحة البنية الرأسمالية من جناية القتل العمد بالترك والإهمال.

يؤسس هذا الانزياح الأخلاقي والقانوني لما يمكن تسميته "حالة القبول المزمن"، حيث يتم تطبيع الفقر الشديد، والتفاوت الطبقي الصارخ، ومعدلات الوفيات المرتفعة، بوصفها معطيات طبيعية ومقبولة اجتماعياً وثقافياً وثمرة للاستحقاق الاقتصادي، بدلاً من التعامل معها كأزمات استثنائية أو جرائم كبرى تستدعي المساءلة الجنائية والسياسية للنظام المالي العالمي والدول المتواطئة معه.

التوحش والسياسات العدائية.. تشريح معرفي للموت البطيء

يقدم الفكر الفلسفي المعاصر، لا سيما أطروحات النقد الإنساني والسياسي، إطاراً بالغ الأهمية لتفسير آليات إبادة الفقراء من خلال مفهومي "الوحشية" و"سياسات الموت". وتُعرف الوحشية هنا بصفتها نمطاً معاصراً لإدارة القوة والسلطة، حيث يتوقف القتل تدريجياً عن كونه مجرد استثناء قانوني أو حالة طوارئ مؤقتة، ليتحول إلى ممارسة يومية مطبعة ومؤسسة داخل البنية المدنية للدولة. في ظل هذه الوحشية، تقترف النظم الاقتصادية المعاصرة جرائم حق عام غير معلنة ضد مواطنيها الأكثر ضعفاً، عبر تجريدهم الممنهج من إنسانيتهم، وإخفاء جثثهم الرمزية، ومحو آثار الموت الجماعي والجزئي من الفضاء العام، لضمان استمرار تدفقات الأرباح وتراكم الثروات بلا عوائق أخلاقية.

تتقاطع هذه الوحشية مع "السياسات العدائية"، وهي التوظيف المنظم للقوى السياسية والعسكرية والاجتماعية لترسيم الحدود الفاصلة بين من يُسمح لهم بالعيش والازدهار، ومن يُحكم عليهم بالموت والفناء البطيء. لم تعد السيادة الحديثة تقتصر على حق القتل المباشر بالأسلحة التقليدية، بل تتعداه إلى سلطة تدمير شروط البقاء، وتجفيف منابع الحياة، وتعمّد تعريض فئات كاملة للأخطار الجسدية والبيئية والاجتماعية. هذا النمط من الإقصاء يتبدى في مفهوم "الموت البطيء"، وهو عملية تآكل فيزيائي وصحي واجتماعي مستمر لشرائح سكانية جرى تصنيفها بنيوياً بأنها فائضة عن الحاجة، حيث يرتبط هلاكها التدريجي بتفاصيل إنتاج الحياة اليومية ذاتها، كصعوبة الحصول على الغذاء النظيف، والرعاية الصحية الأساسية، والبيئة الآمنة.

يتكامل هذا التحليل مع نظرية "العنف البنيوي" في علم الاجتماع النقدي، والتي ترى أن العنف ليس مجرد اعتداء مادي مباشر يمارسه فرد ضد آخر، بل هو كل عائق هيكلي ومؤسسي يحول دون تحقيق الإنسان لإمكاناته الجسدية والعقلية الكاملة. وتتجلى بشاعة هذا العنف في حرمان الفقراء من الأدوية المنقذة للحياة، أو تقليص متوسط أعمارهم المتوقعة بسبب الفقر وسوء التغذية والتلوث الصناعي، وهي كلها أشكال من القتل الصامت الذي تشرعنه المؤسسات والقوانين. إن العنف ليس نقيضاً للمؤسسات السياسية، بل هو الشرط العام لعملها التاريخي في العصر الراهن؛ فالمؤسسات الرأسمالية لا تعمل إلا من خلال إنتاج عنف هيكلي مستدام يعيد فرز أدوار الأفراد، ويعيد إنتاج تراتبيتهم الطبقية بقسوة بالغة الإحكام.

تحالف الرأسمالية والأنظمة الدوغماتية

لا يمكن فهم أبعاد هذه الإبادة الصامتة بمعزل عن رصد التحالف العضوي وغير المعلن بين قوى الرأسمالية المتوحشة والأنظمة الشمولية الدوغماتية. إن هذا التحالف يمثل زواج مصلحة بين غطرسة المال وبطش السلطة الاحتكارية. فالأنظمة الشمولية، باعتمادها على أيديولوجيات جامدة ومغلقة، تسعى إلى صياغة المجتمع وفق قالب عقائدي واحد لا يقبل التعدد أو النقد. تلتقي هذه الرغبة الشمولية مع حاجة الرأسمالية المتوحشة إلى بيئة مستقرة وقمعية، تضمن غياب الاحتجاجات، وتمنع تشكل النقابات المستقلة، وتسهل نهب الموارد العامة تحت شعارات الاستثمار والتنمية الوطنية.

في ظل هذا التحالف، تتحول الدولة الشمولية من راعية للمصلحة العامة إلى أداة تنفيذية لحماية مصالح القلة الاحتكارية. ويتم تسخير أدوات القمع الشرعي من قوانين ومؤسسات أمنية لإسكات أي صوت ينادي بالعدالة التوزيعية أو بوقف التغول المالي. إن الأيديولوجيا الدوغماتية هنا تعمل كمخدر موضعي ومبرر ميتافيزيقي لعنف رأس المال؛ فبينما يمتص النظام الاقتصادي دماء الفقراء، تبرر الماكينة الإعلامية الشمولية هذا البؤس بوصفه "تضحية ضرورية من أجل الوطن" أو "قدراً محتوماً" يجب الصبر عليه، مما يحرم الطبقات المسحوقة حتى من الحق في الأنين أو الوعي بأسباب شقائها.

الإبعاد القسري للكفاءات غير المنظمة أيديولوجياً

أحد أخطر تجليات تحالف الرأسمالية والشمولية هو الإبعاد القسري والممنهج للكفاءات العلمية والفكرية غير المنظمة أيديولوجياً. في هذا السياق، لا يتم تقييم العقول والخبرات بناءً على جدارتها المعرفية أو قدرتها على تطوير المجتمع، بل بناءً على مدى ولائها الأعمى للمنظومة العقائدية الحاكمة أو مدى نفعيتها لشبكات رأس المال. الكفاءات المستقلة، التي ترفض الانضواء تحت لواء الأيديولوجيا الرسمية أو الانخراط في آليات الفساد المؤسسي، تجد نفسها مقصية قسرياً ومحاصرة في مجالات عيشها.

تآكل الطبقة الوسطى والتحول نحو العمالة الهشة (البريكاريا)

لم تعد "البريكاريا" أو الموت البطيء والعنف البنيوي حكراً على الفئات الفقيرة والمهمشة تقليدياً، بل تمددا بشكل متسارع ليلتهما الطبقة الوسطى، التي طالما مثلت صمامَ الأمانِ والعمود الفقري للاستقرار السياسي والتطور الديمقراطي في المجتمعات الحديثة. ويمكن تحليل هذا التحول البنيوي من خلال رصد تشكل طبقة اجتماعية ناشئة وموسعة هي "البروليتاريا الخدمية الجديدة" أو "العمالة الهشة". تعبر هذه الطبقة عن ملايين الأفراد الذين يمتلكون شهادات علمية ومهارات عالية، لكنهم يفتقرون إلى الحد الأدنى من الأمان المعيشي، والوظيفي، والوجودي.

لقد ولدت هذه الطبقة الهشة من رحم السياسات الاقتصادية الجائرة التي فرضت "مرونة سوق العمل"، وألغت الحمايات الاجتماعية والتعاقدية التاريخية التي تم انتزاعها عبر عقود من النضال. تحولت القوى العاملة والذهنية، في ظل هذا النموذج، إلى مجرد أدوات مرنة يسهل التخلص منها في أي لحظة وفق متطلبات البورصات والمستثمرين. إن الأستاذ الجامعي والمؤسس التقني والطبيب في المستشفيات الخاصة باتوا يشتركون مع العامل البسيط في ذات القلق الوجودي والخوف من الغد، حيث تحول الجميع إلى تروس في ماكينة ضخمة لا ترحم، تنتج الثروة للقلة وتوزع الهشاشة والفقر على الأغلبية.

الفساد البنيوي كآلية سيادية لإنتاج الفناء

لم يعد الفساد المعاصر في كنف هذا التحالف يقتصر على انحرافات سلوكية فردية، أو رَشاوَى صغيرة، أو تجاوزات إدارية محدودة يمكن علاجها بالمحاسبة القانونية التقليدية، بل تحول إلى بنيوية سيادية متكاملة، والوجه الآخر لجماعات الدولة الموازية التي تفرض نفوذها المالي والسياسي بقوة السلاح والمحاصصة الحزبية والطائفية. يتضح هذا التغول من خلال دراسة حجم الأموال العامة المبددة والمنهوبة، والقطاعات الحيوية التي جرى تخريبها وتعطيلها بشكل ممنهج لفتح الباب أمام الشركات الخاصة الاحتكارية.

يتحول الفساد الهيكلي هنا من مجرد جريمة اقتصادية إلى آلية سيادية لإنتاج الموت البطيء؛ فعندما تُنهب ميزانيات المستشفيات العامة وتُعطل شبكات الأمان الاجتماعي، فإن النتيجة المباشرة هي ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض الفتاكة بين الفقراء، وانخفاض حاد في جودة حياتهم. إن الفساد والمحاصصة يعملان كأدوات قهر وتصفية غير مباشرة، تدفع بالفئات الأكثر ضعفاً نحو الموت الصامت داخل أوطانهم، أو تلقي بهم في لجة الهجرة القسرية وقوارب الموت عبر البحار بحثاً عن النجاة، مما يفرغ الأوطان من طاقتها البشرية وكفاءاتها الحية لصالح تأبيد سلطة القلة الفاسدة.

استعادة الكرامة البنيوية

تفصح القراءة الفلسفية والتحليلية المتكاملة لواقع الطبقات المسحوقة وتمدد العمالة الهشة عن حقيقة مرعبة مفادها:

أن موت الفقراء وإبعاد الكفاءات ليس حتمية طبيعية، ولا أزمة اقتصادية تقنية معزولة يمكن حلها ببعض الإصلاحات الترقيعية، بل هو عملية اغتيال سياسي واجتماعي منظم تشترك فيه كل قوى رأس المال المادية والرمزية بالتحالف مع الأنظمة الشمولية الدوغماتية. تدار هذه الإبادة الصامتة عبر أدوات فكرية وقانونية تبرئ الجناة وتحمل الضحايا المسؤولية الكاملة عن فنائهم وفشلهم.

***

غالب المسعودي

تطرح فلسفة الذهن أسئلة تلامس حياتنا جميعا: ما هو الوعي؟ كيف ترتبط افكارنا ومشاعرنا بأجسامنا؟ هل يمكن للماكنة ان تفكر او تشعر؟

ان فلسفة الذهن لم تنشأ من فراغ. انها نمت من التقدم الطبيعي: تحويل العدسة الفلسفية الى المفكرين أنفسهم. بعد قرون من التأمل في طبيعة الواقع، والمعرفة والأخلاق، بدأ الفلاسفة يسألون: ماذا عن الذهن الذي يقوم بالتأمل؟ كيف يندمج هذا المفهوم في العالم الذي يسعى لفهمه؟ هذا التحول مثّل مولد أحد أهم حقول الفلسفة الأكثر اثارة واستمرارية. في هذا المقال سوف نغطي أهم خمسة كتب في فلسفة الذهن. اختيار الكتب تم على أساس دورها التاريخي، والتجديد الذي أدخلته على فلسفة الذهن، وملائمتها لمنْ هم خارج الحلقات الاكاديمية.

ارسطو، حول الروح (De Anima) 350 ق.م

يُعد عمل ارسطو حول الروح De Anima من أقدم الاعمال وأهمها في فلسفة الذهن. في الكتاب، يستطلع ارسطو طبيعة الروح (اُطلق عليها اسم psyche في اليونان القديمة) التي هو يفهمها كمبدأ للحياة في الكائنات الحية. يرى ارسطو ان الروح ليست شيئا منفصلا وغير مادي (كما تصورها لاحقا ديكارت) وانما هي شكل او تنظيم للجسم الحي. وهكذا، يرى ارسطو ان الذهن والجسم ليسا متشابهان وانما يمثلان جانبين لنفس العملة، لأن الجسد مسكون بالروح بينما الروح متجسدة. ارسطو يميز أيضا بين مختلف أنواع الروح: الروح المغذية (مسؤولة عن النمو والتكاثر)، الروح الحساسة (مسؤولة عن التصور والحركة)، والروح العاقلة (خاصة بالإنسان ومسؤولة عن التفكير والاستدلال). بهذه الطريقة، جرى تغطية جميع وظائف الاجسام الحية فيما يتعلق بتعقيديتها الهيكلية. من المثير للاهتمام ان ارسطو لا يعتقد ان العالم الذهني لأفكارنا مختلف عن أي وظيفة حيوية أخرى تتطلب إدراكا ماديا. بكلمة أخرى، البحث في والفهم لهذه الوظائف الحيوية لكل الكائنات الحية سوف يزودنا بوسائل لفهم عمل ذهننا. نحن لا نشغل مكانا خاصا في الطبيعة رغم امتلاكنا قدرة الانسان الفريدة في التفكير.

كتاب ارسطو حول الروح كان له تأثيرا عميقا على فلسفة الذهن، خاصة في تأكيده على وحدة الذهني والجسدي. أفكاره أثّرت على نطاق واسع من المفكرين، من فلاسفة القرون الوسطى كتوما الاكويني الى المؤيدين المعاصرين للوظيفية والادراك المجسد.

2- جلبرت رايل Gilbert Ryle، مفهوم الذهن (1949)

اذا كان عمل ارسطو في الروح وضع الأساس لفهم علاقة الجسم-الذهن، فان جلبرت رايل في مفهوم الذهن المنشور عام 1949، جسّد تحولا دراماتيكيا في القرن العشرين. رايل، الشخصية الرائدة في الفكر التحليلي، سعى الى تفكيك ما اسماه "عقيدة الشبح في الماكنة": الفكرة الديكارتية للذهن كوجود اسطوري غير مادي متميز عن الجسد.

اتجاه رايل في فلسفة الذهن عادة يُطلق عليه السلوكية المنطقية. بدأت السلوكية في علم النفس مع افتراض ان سلوك الافراد فقط يمكن اختباره، ولذلك، فان هذا فقط هو الظاهرة الموضوعية الملائمة لعلم النفس، متخيلة كعلم صارم. السلوكية المنطقية تتبع نفس النزعة، حتى في المجال المفاهيمي.

لهذا يجادل رايل ان الحالات الذهنية ليست ظاهرة داخلية مختبئة وانما هي تتجلى في سلوك مشاهد، يتجسد عبر عدة تعبيرات للغتنا العادية. فمثلا، لكي نقول ان شخصا ما ذكي ليس المقصود افتراض وجود شيء داخلي وانما لنصف قدرته على أداء مهمات معينة بفاعلية. فقط عبر مشاهدة شخص ما يعرض سرعة ذهنية يمكننا استنتاج ان شخص ما هو ذكي .

احدى مساهمات رايل الهامة في "مفهوم الذهن" هي نقده لخطأ التصنيف. الأخطاء التي تبرز من الخلط بين أنواع مختلفة من المفاهيم. هو يوضح هذا بمثال عن زائر بعد ان شاهد جميع البنايات والاقسام في الجامعة، يسأل، "لكن اين الجامعة؟" الخطأ يكمن في التعامل مع الجامعة كوجود منفصل بدلا من فهمها كمنظمة من مجموع أجزائها. نقطة رايل الرئيسية هي ان الثنائيات تعمل نفس النوع من الخطأ عند التعامل مع الذهن كوجود منفصل عن النماذج السلوكية.

باختصار، عمل رايل كان له تأثيرا مستمرا على فلسفة الذهن، خاصة من خلال رفضه للثنائية الديكارتية وتأكيده على اللغة العادية والتحليل المفاهيمي. وبينما اتجاهه السلوكي جرى تحدّيه من جانب المؤلفين اللاحقين في الفلسفة وعلم النفس، فان "مفهوم الذهن" يبقى نصا تاريخيا بدون أي حواشي على الاطلاق.

3- توماس ناجل، الرؤية من لامكان (1986)

كتاب ناجل الرؤية من لا مكان هو استطلاع عميق للتوتر بين المنظورات الذاتية والموضوعية. في هذه المجموعة من المقالات، يجادل ناجل ان الكائن البشري هو قادر بامتياز على تبنّي رؤيتين متميزتين: الذاتية، وهي متجذرة في التجارب الشخصية والمنظورات، والموضوعية، والتي تسعى لتحويل هذه المنظورات الفردية للوصول الى فهم أكثر عالمية.

هذا التوتر هو بالذات واضح في فلسفة الذهن. فمثلا، الوعي هو ذاتي فطريا: انه شيء ما نمارسه من "الداخل". مع ذلك، عندما نحاول دراسة الذهن موضوعيا، باعتبار ان العلماء والفلاسفة مفتونون بالمادية، سنخاطر بفقدان ملامح هذا البعد الذاتي. ناجل يلتقط هذا التحدي في مقاله "كيف سيكون شعور الخفاش؟" الذي نُشر في الأصل عام 1974 واعيدت طباعته في "رؤية من لا مكان". في هذا المقال، هو يجادل ان هناك شيء يشبه خفاش لايمكن استيعابه كليا بحقائق علمية. نحن ربما نجمع كل الدليل العلمي حول الطريقة التي تعمل بها الأجهزة الحسية للخفاش، لكن لانزال نفتقر الى فهم ما هية هذه التجربة الحسية.

في رؤية من لا مكان، يمدد ناجل هذه الرؤية الى نطاق واسع من القضايا الفلسفية بما في ذلك المعرفة، الحرية والأخلاق. عمله كان مؤثرا في تحديد النقاشات المعاصرة حول الوعي وحدود التوضيح العلمي. عبر التأكيد على عدم اختزالية التجربة الذاتية، يتحدانا ناجل لنعيد التفكير في فهمنا للذهن ومكانه في العالم، بالإضافة الى حدود المعرفة العلمية.

4- ديفد تشالمر، الذهن الواعي: في البحث عن نظرية أساسية (1996)

كتاب الذهن الواعي لديفد تشالمر، واحد من بين أهم الاعمال المعاصرة في فلسفة الذهن. انه يرتكز الى مدى معين على رسالته في الدكتوراه عام 1993 تحت اشراف عالِم الكومبيوتر والادراك الشهير دوغلاس هوفستاتر. في كتابه، يُدخل تشالمر التمييز المشهور بين مشكلة الوعي الصعبة والسهلة. المشاكل السهلة تستلزم توضيح وظائف الادراك مثل التصور، الذاكرة، التعلم، من حيث الآليات العصبية . بالمقابل، المشكلة الصعبة هي تحدّي توضيح لماذا وكيف تؤدي هذه العمليات الى تجربة ذاتية، لماذا يوجد "شيء يشبه " ان يكون كائنا واعيا.

تشالمر يجادل ان المشكلة الصعبة لا يمكن حلها بالمادية الاختزالية، وهي الرؤية بان الوعي يمكن توضيحه بالكامل من حيث علاقته بالعمليات المادية، أي، يمكن وصفه بالعلم. بدلا من ذلك، هو يفترض شكلا جديدا من الثنائية، الثنائية الطبيعية التي تفترض ان الوعي هو خاصية جوهرية للكون، مشابه للمكان والزمان والكتلة. بكلمة أخرى، الوعي متميز انطولوجيا ولايمكن اختزاله لأنظمة مادية، انه بالأساس حقيقة الحياة.

لدعم هذا، يستخدم تشالمر تجربة فكرية تستلزم إمكانية وجود كائن فلسفي مشابه ماديا للإنسان لكنه يفتقر للوعي.(1)

عمل تشالمر أشعل نقاشا مكثفا وحفز بحثا ثريا في الفلسفة وعلم الادراك وعلم الاعصاب. ومع ان بعض أفكاره لاتزال مثيرة للجدل، فهي أعادت وبشكل جذري صياغة الطريقة التي نفكر بها حول الوعي ومكانه في الطبيعة.

5- دانيال دانيت، توضيح الوعي (1991)

كتاب توضيح الوعي لدانيال دينيت هو محاولة جريئة لإزالة الغموض في الوعي. دانيت المادي القوي يجادل بان الوعي ليس ظاهرة واحدة موحدة وانما مجموعة من العمليات يمكن توضيحها من حيث علاقتها بوظائف الدماغ. هو مثل رايل، أيضا يرفض فكرة "المسرح الديكارتي"، المكان المركزي في الدماغ حيث تجربة الوعي تأتي مجتمعة، وبدلا من ذلك يفترض نموذجا للوعي كـ "عملية متعددة الصيغ"، فيها تتنافس مختلف الاحداث العصبية للهيمنة.

اتجاه دينيت متعدد الموضوعات، يعتمد على رؤى من علم النفس وعلم الاعصاب وبحوث الذكاء الصناعي. هو يتحدى عدة افتراضات بديهية لدينا حول الوعي، مثل فكرة اننا نمتلك وصول مباشر لأفكارنا او ان هناك حدود واضحة بين الوعي واللاوعي.

وبينما جرى انتقاد رؤى دانيت لتقليله من شأن المظاهر الذاتية للوعي، لكن عمله كان مؤثرا جدا في تحديد النقاشات المعاصرة. توضيح الوعي هو شهادة لقوة الفلسفة العلمية الصارمة والمبلغة تجريبيا التي تذهب وراء التحليل المفاهيمي.

***

حاتم حميد محسن

...........................

الهوامش

(1) هذا السيناريو الافتراضي لكائنات مطابقة ذرة بذرة للبشر الواعين، أي انهم يشتركون بالضبط بنفس البناء المادي، حالات الدماغ، السلوكيات الخارجية. لكن رغم هذا، هم يفتقرون تماما لتجربة الوعي الذاتي. الفيلسوف تشالمر كان يهدف لمواجهة المادية – العقيدة بان الذهن وجميع الخبرات الواعية يمكن توضيحها كليا بواسطة المادة الفيزيقية. يقوم تشالمر بتقسيم حجته الفكرية الى تسلسل منطقي صمم لكشف عيوب ونواقص التوضيح المادي للذهن:

1- إمكانية التصور: من المتصور منطقيا ان نتخيل عالما مشابها لنا في جميع الطرق المادية والسلوكية، لكنه فارغ تماما من الوعي.

الامكانية: اذا كنا نستطيع منطقيا تصور هكذا عالم افتراضي، معنى ذلك انه يجب ان يكون ممكنا ميتافيزيقيا.

3- الاستنتاج المضاد للمادية: اذا كان توأمان متشابهان يستطيعان الوجود بدون أي تجربة واعية، عندئذ سوف لن يكون الوعي عملية مادية، لذلك فان المادية يجب ان تكون زائفة. تجربة تشالمر الافتراضية تبقى من أشهر الأدوات المستخدمة للدفاع عن الثنائية (فكرة ان الذهن والجسم منفصلان). 

من الميتافيزيقا إلى التفكيك

في البدء كانت الكلمة وفي الكلمة كان الوعد بحضورٍ ما، وفي ذلك الحضور كانت الحقيقة تتراءى كشمسٍ لا تغرب كجبلٍ لا يتزحزح وكنقطةٍ ثابتة في فوضى الكون. هكذا ولدت الفلسفة أو هكذا أوهمتنا الفلسفة حين نحتت من اليقين تمثالاً ومن العقل معبداً ومن اللغة مذبحاً لتقدّم عليه قرابين الأسئلة على أمل أن ترتدّ إليها إجابةٌ نهائية، طمأنينةٌ أبدية، حضورٌ لا يشوبه غياب. لكن الحقيقة تلك الهاربة العذراء، لم تكن قطّ ذلك الكائن المستكين الذي تظنه العقول بل كانت ولا تزال لغزاً ينسلّ من بين أصابع البرهان وسرّاً يهزأ بثبات المفاهيم وظلّاً يطارد الضوء في متاهات اللغة وفجوةً تتسع كلما أوغلنا في سبر أغوارها.

فمنذ أفلاطون الذي جعل الحقيقة في عالم المثل إلى أرسطو الذي أسكنها في الجوهر وإلى ديكارت الذي أوجدها في الذات وإلى كانط الذي وضعها في الشروط المتعالية وإلى هيغل الذي جعلها روحاً مطلقة، كان الفلاسفة يكتبون دون أن ينتبهوا تاريخاً طويلاً للغياب في ثوب الحضور، تاريخاً للنسيان يتخفى في هيئة التذكر، تاريخاً للصمت يتردد في زجل الكلام. فكلما اقتربت الفلسفة من قبض الحقيقة انسلّت منها كالماء بين الكفين وكلما ظنّت أنها أمسكت بها من ناصيتها وجدت في يدها اسماً لا مسمّى وصورةً لا أصل وحكايةً لا حقيقة. وذلك لأن الحقيقة ليست جوهراً يُعثر عليه بل حدثاً يقع، وليست كينونةً تُكتشف بل صيرورةً تُخلق وليست مرآةً تعكس الوجود بل لغةً تؤوّله وتخونه في آن.

والسؤال الذي يظلّ يلحّ بإلحاح النبض ويعاود الظهور بإصرار المدّ والجزر هو كيف نبني حقيقة في حضرة غيابٍ دائم؟ كيف نؤسس معرفة على أرضٍ تهتزّ من تحتنا؟ كيف نكتب حكاية الحقيقة ونحن نعرف أن كل كلمةٍ تكتب هي محوٌ لما قبلها وأن كل معنىً يحضر هو نفيٌ لمعانٍ تغيب وأن كل حضورٍ يعلن نفسه هو في العمق احتفالٌ بغيابٍ أعمق؟ لهذا كان لابدّ من وقفةٍ تأمّلية لا لتقديم أجوبةٍ واهية بل لإعادة طرح السؤال من جذوره ولكشف الشرخ الذي يمرّ في صميم البناء الفلسفي ولنفضح هوس الحضور الذي أصاب الميتافيزيقا ولنمنح الغياب حقه كمؤسّسٍ للحقيقة لا كمجرّد عيب أو نقص أو عارض طارئ.

وهنا حيث تنكسر مرايا اليقين وتتشظى تماثيل المعرفة ويصمت ضجيج البراهين، تنفتح أمامنا دروب جديدة ليس للبحث عن حقيقةٍ أخرى بل لعلاقةٍ أخرى بالحقيقة، علاقة تقوم على التوتر لا الطمأنينة، على السؤال لا الجواب، على الحب لا التملك، على المغامرة لا الاستقرار، على الغياب الذي يمنح الحضور معناه والحضور الذي يكشف عن غيابه الأصلي. هذه العلاقة الجديدة هي ما سنحاول تفكيك خيوطها وسبر أغوارها والغوص في لججها، في رحلةٍ فلسفيةٍ لا تهدف إلى الوصول بل إلى السير ولا إلى الامتلاك بل إلى الدهشة ولا إلى اليقين بل إلى ذلك الشك الخصيب الذي يلد معانيَ لا تنضب وأسئلةً لا تموت وحضوراً لا يخلو من غيابه وغياباً لا يعدم إمكان الحضور.

الحقيقة الفلسفية منذ فجر التأمل الأول، لم تكن قط كائناً مكتملاً ينتظر كشف نقاب عنه، بل كانت ومازالت حلبة صراع بين الحضور والغياب، بين ما يظهر في أفق العقل وما ينسحب منه، بين ما يقال وما يُسكت عنه، بين الاسم وما لا يُسمى. فمنذ أن وضع أفلاطون قدميه على درب الميتافيزيقا وهو يحلم بحضور كامل، بحقيقة مطلقة تسكن عالم المثل، لا تعرف النقص ولا الزوال، حضوراً أبدياً لا يشوبه غياب ولا تلوثه صيرورة. ذلك الحضور الذي جعل منه أرسطو جوهراً وجعل منه ديكارت يقيناً ذاتياً كانت شرطاً متعالياً، وجعل منه هيغل روحاً مطلقة، كلهم كانوا يبحثون عن نقطة ثبات في زمن التحول، عن مرساة في بحر العدم، عن كينونة لا تعرف الزمان ولا تتغير.

لكن هذا الحضور الموعود هذا اليقين المتعالي لم يكن في الحقيقة سوى وهمٍ جميل أو حلمٍ يقظ أو بناءٍ لغوي أقامه العقل على أنقاض اللاوعي وعلى هامش النسيان وعلى جثث المعاني التي تضحى كل يوم في معبد اللغة. فكلما حاول الفلسفة أن تمسك بالحقيقة كحضور مكشوف انفلتت منها كالماء بين الأصابع وكلما ظنت أنها قبضت على الجوهر وجدت في يدها ظلا أو اسماً أو صورة أو حكاية. ذلك لأن الحقيقة ليست شيئاً يُعثر عليه في نهاية الطريق بل هي الطريق نفسها وهي تتعرج وتتلوى وتتغير ملامحها مع كل خطوة.

لقد كشف نيتشه بسيفه النقدي الحاد أن هذا الحضور الذي نعشقه ليس سوى إرادة قوة متنكرة في ثوب الحقيقة وأن ما نسميه معرفة ليس مرآة للوجود بل تأويلاً للوجود وأن الحقيقة ليست سوى "جيش من الاستعارات المتحركة والكنايات والتجسيمات" التي تخلت عن طابعها الشعري لتُظن حقائق جامدة. وقد بدأ الغياب يتسرب إلى معقل الحضور وبدأ اليقين يتشقق من داخله وبدأت تظهر شعيرات النور في جدار الظلمة أو ربما العكس.

غير أن الانقلاب الحقيقي أو التحول الجذري جاء مع هايدغر عندما طرح سؤالاً ظنه الجميع قد أجيب عنه أو أنه لا يحتاج إلى جواب أو أنه مجرد سؤال عبثي لكنه كان سؤال الكينونة ذاتها. لقد سأل هايدغر لماذا هناك كائنات بدلاً من لا شيء؟ ولم يكتف بالسؤال بل أعاد قراءة تاريخ الميتافيزيقا باعتباره تاريخاً لنسيان الكينونة، تاريخاً لغياب الوجود في صالح حضور الموجودات، تاريخاً نُسي فيه الفرق الأنطولوجي بين الكينونة والكائن وأصبحت الكينونة غائبة في قلب كل حضور وكأنها الظل الذي لا يُرى إلا عندما ينطفئ الضوء أو الصمت الذي لا يُسمع إلا بعد انقطاع الصوت.

يظهر في هذا السياق الغياب ليس كنقيض للحضور بل كشرطه الأساسي، وكالأرضية التي يقوم عليها وكالغياب الذي يجعل الحضور ممكناً، تماماً كما أن الفجوات بين الكلمات هي التي تمكن الكلام من أن يكون معنى وكما أن الصمت هو الذي يمنح الموسيقى عمقها وكما أن الموت هو الذي يعطي الحياة معناها. إن الحقيقة الفلسفية لم تعد ذلك الكائن الثابت الذي يمكن امتلاكه بل أصبحت حدثاً يحدث في فجوة بين الحضور والغياب، في تلك المنطقة الحدودية التي لا تنتمي كلياً إلى هذا ولا إلى ذاك، حيث المعنى يتشكل ويتفكك في آن واحد.

وإذا كان هايدغر قد فتح الباب على مصراعيه أمام الغياب فإن دريدا كان من أتى بآلة التفكيك ليقلب الطاولة على الميتافيزيقا بكاملها وليفضح هوسها بالحضور وليكشف أن كل بناء فلسفي يقوم على ثنائية الحضور والغياب، لكنه يضفي على الحضور قيمة عليا ويجعل من الغياب مجرد عيب أو نقص أو ضعف. لكن دريدا يذهب إلى أبعد من ذلك فيقول إن الغياب ليس مجرد غياب للحضور بل هو أصل الحضور وأن ما يسمى حضوراً ليس سوى أثرٍ للغياب وأن الحضور نفسه قائم على سلسلة من الإحالات والتأجيلات التي لا تنتهي على لعبة من الاختلافات التي تجعل المعنى يتأجل إلى ما لا نهاية.

وهنا نصل إلى مفهوم "الاختلاف" الذي صاغه دريدا، ذلك المفهوم الذي لا يمكن نطقه كما يُكتب والذي يجمع بين معنى التغاير ومعنى التأجيل وكأنه يقول لنا إن المعنى لا يحضر كاملاً في أي لحظة بل هو دائماً في طور التشكل، دائماً في فجوة بين الكلمات بين النصوص بين القراءات بين الذات والموضوع بين الحضور والغياب. والحقيقة الفلسفية في هذا المنظور ليست شيئاً موجوداً في مكان ما بل هي أثر ذلك الاختلاف، هي حركة الإحالة الدائمة، هي ذلك النسج اللامتناهي من العلاقات التي لا تستقر والتي لا تثبت عند نقطة والتي لا تعترف بحضور كامل.

هذا التحول من الميتافيزيقا إلى التفكيك ليس مجرد تحول نظري أو تبدل في المذاهب بل هو زلزال هز أساس الفكر الغربي وكشف عن شرخ عميق في بنائه، عن جرح لم يلتئم، عن غياب كان دائماً هناك، في قلب كل حضور، في جوف كل يقين، في فم كل حقيقة تعلن عن نفسها. وكأن التفكيك يقول لا تثق بالحضور لأنه يخفي غيابه ولا تيأس من الغياب لأنه يكشف عن حضوره ولا تظن أن الحقيقة في مكان دون آخر فهي في مكانها وفي غير مكانها، هي في كل ما يحضر وفي كل ما يغيب، هي في النور وفي الظل، هي في الكلام وفي الصمت، هي في الحياة وفي الموت.

لكن هذا التصور لا يلغي الحقيقة بل يعيد تعريفها، لا يقضي على البحث عنها بل يضاعف حاجتنا إليها لا يجعلها ضرباً من العبث بل يجعلها ممكناً بشكل آخر، ممكناً كأفق لا كموضوع، ممكناً كرغبة لا كملكية ممكناً كسؤال لا كجواب، ممكناً كحركة لا كسكون، ممكناً كصراع بين الحضور والغياب، لا كاستقرار في حضرة الحضور.

هنا تبرز إشكالية الحضور والغياب كمسألة جوهرية في بناء الحقيقة الفلسفية، ليس لأنها تقود إلى حل بل لأنها تكشف عن طبيعة الحقيقة ذاتها، عن شرط إمكانها، عن حدها، عن هشاشتها وقوتها في نفس الوقت. فالحقيقة لا تُبنى على أساس صلب من اليقين بل تُبنى على رمال متحركة من الشك لا على حضور كامل بل على غياب دائم لا على اكتشاف ما هو كائن بل على اختراع ما يمكن أن يكون.

وهنا قد نعود إلى سؤال السؤال ما هي الحقيقة إذاً؟ ليست ما يطابق الواقع كما قال أرسطو وليست ما يدركه العقل بوضوح وتميز كما قال ديكارت، وليست ما يحكم عليه العقل العملي كما قال كانط، وليست ما تصل إليه الروح في نهاية التاريخ كما قال هيغل، وليست ما تفرضه إرادة القوة كما قال نيتشه، وليست ما تنكشف به الكينونة كما قال هايدغر، وليست ما ينتجه الاختلاف كما قال دريدا. بل هي كل ذلك وهذه ليست  هي لعبة الحضور والغياب، هي مسرح الضوء والظل، هي سيرة البحث، هي تاريخ السؤال، هي رحلة العقل في أرض مجهولة، هي الرغبة في المعرفة واليأس من الوصول، هي الأمل في الفهم والخوف من الفهم، هي السر الذي لا يُفشى واللغز الذي لا يُحل، هي الاسم الذي لا يُنطق والكلمة التي لا تُكتب، هي الحلم الذي نعيشه واليقظة التي ننام عنها، هي الغياب الذي يحضر في كل لحظة والحضور الذي يغيب في كل كلمة.

وإذا كانت الميتافيزيقا قد حاولت إسكات الغياب أو إخفاؤه أو تهميشه، فإن التفكيك جاء ليأخذ الغياب بجدية ليجعله عنصراً مؤسساً وليعترف بأن كل حضور يحمل غيابه وأن كل بناء يقوم على هدم وأن كل قول يخفي صمتاً وأن كل نور يلقي بظله وأن كل حقيقة هي نصف حقيقة أو هي حقيقة مؤقتة أو هي حقيقة متغيرة أو هي حقيقة ما زالت قيد الإنتاج.

وليس التفكيك هنا مجرد نقد للميتافيزيقا بل هو نقد للنقد نفسه، هو شك في الشك، هو تأويل للتأويل، هو كتابة عن الكتابة وهو فلسفة في الفلسفة. فهو لا يقدم بديلاً عن الميتافيزيقا لأنه يعرف أن كل بديل هو ميتافيزيقا جديدة وأن كل هروب من المركز هو إعادة إنتاج للمركز وأن كل محاولة لتجاوز الحضور هي إعادة إحياء له في ثوب جديد. لذلك فهو يكتفي بكشف الآليات، بفضح الأوهام، بتفكيك البنى، بإبراز الفجوات، بإظهار الغياب دون أن يدعي أنه وصل إلى حقيقة نهائية أو أنه امتلك معرفة يقينية.

وتعود إشكالية الحضور والغياب لتطرح نفسها بإلحاح، ليس كمعضلة نظرية، بل كموقف وجودي، كطريقة في العيش، كأسلوب في التفكير، كرؤية للعالم، كحساسية تجاه المعرفة، كوعي بالحدود، كإيمان بالانفتاح، كرفض للجمود، كحب للحركة، كولع بالغموض، كشغف بالغموض. فأن تكون فيلسوفاً اليوم يعني أن تعيش هذا التوتر، أن ترقص على حبل مشدود بين الحضور والغياب، أن تتأرجح بين اليقين والشك، بين المعرفة والجهل، بين الكلام والصمت، بين الحياة والموت، وأن تقبل بأن الحقيقة ليست وجهة، بل رحلة، ليست محطة، بل طريق، ليست هدفاً، بل أفقاً.

يصير السؤال عن الحقيقة سؤالاً عن الذات، عن الهوية، عن المعنى، عن الزمان، عن المكان، عن اللغة، عن الآخر، عن العلاقات، عن الحدود، عن الإمكانات. وكأن كل محاولة لبناء الحقيقة هي محاولة لبناء الذات وكل محاولة لبناء الذات هي محاولة لتفكيكها وكل محاولة لتفكيكها هي محاولة لإعادة بنائها، وهكذا دواليك في لعبة لا نهائية من الحضور والغياب، من البناء والهدم، من الإثبات والنفي، من القول والصمت.

ولعل في هذا التصور ما يمنح الفلسفة حيويتها ويجعلها فنا لا علماً، أدباً لا منطقاً، شعراً لا برهاناً، حياة لا فكرة، صراعاً لا سلاماً، رغبة لا يقيناً، ألماً لا متعة، سؤالاً لا جواباً. والحقيقة الفلسفية ليست شيئاً نعثر عليه بل شيئاً نصنعه، ليست شيئاً نكتشفه، بل شيئاً نخلقه، ليست شيئاً نرثه، بل شيئاً نبتكره، ليست شيئاً نستهلكه، بل شيئاً ننتجه، ليست شيئاً نمتلكه، بل شيئاً نكونه.

إن الفلسفة التي تنطلق من إشكالية الحضور والغياب هي فلسفة لا تخاف من التناقض ولا تهرب من اللامعقول ولا تنكر العبث ولا تتجاهل العدم بل تواجهه وتصارعه وتحتضنه وتحاول أن تجد فيه معنىً جديداً وجمالاً مغايراً وأملاً مختلفاً. فهي تعرف أن الضد يظهر بالضد وأن النور يتعرف بالظلمة وأن الحياة تكتسب قيمتها من الموت وأن المعنى يولد من اللامعنى وأن الحقيقة تنبع من الغياب.

إن إشكالية الحضور والغياب ليست مجرد إشكالية معرفية بل هي إشكالية وجودية بامتياز لأنها تمس كينونتنا في العالم وتحدد علاقتنا بالزمان والمكان وبالذات والآخر وباللغة والصمت وبالحياة والموت. فهي تطرح علينا أسئلة مصيرية من نحن في غياب الحضور؟ وماذا نكون في حضور الغياب؟ وكيف نبني معنى في ظل العبث؟ وكيف نصنع حقيقة في حضرة الشك؟ وكيف نعيش في عالم لا استقرار فيه ولا يقين ولا ثبات؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون في فلسفة واحدة ولا في نظرية موحدة ولا في مذهب معين بل في تعدد الأصوات وتنوع الرؤى وتكاثر التأويلات في الحوار بين الفلاسفة، في الصراع بين المدارس، في التلاقح بين الثقافات، في التبادل بين الأزمنة، في الانفتاح على المجهول، في المغامرة في المجهول، في العيش مع الغياب وكأنه حضور وفي العيش مع الحضور وكأنه غياب وفي قبول التناقض وفي احتضان الغموض وفي الاستمتاع بالقلق.

وتتكشف إشكالية الحضور والغياب كأكثر الإشكاليات إلحاحاً في الفلسفة المعاصرة بل في الفكر الإنساني عموماً لأنها تمس لب وجودنا وجوهر معرفتنا وأصل قيمنا ومصير أحلامنا. فهي ليست مجرد إشكالية فلسفية بين أخرى بل هي الإشكالية الأم، الإشكالية التي تسبق كل إشكالية وتحتوي كل إشكالية وتولد كل إشكالية وتسأل عن كل إشكالية. إنها سؤال السؤال وفكر الفكر وحقيقة الحقيقة وكينونة الكينونة.

وإذ أمعنا النظر في جذوة هذه الإشكالية التي تتوسط بين الحضور الموعود والغياب المقدس، نجد أنفسنا مدعوين إلى تجاوز الأفق الضيق الذي حصرها في إطار ثنائية صارمة، إلى فضاء أرحب حيث يتداخل النقيضان ويتغذى أحدهما من الآخر، حيث يصبح الحضور مرآة للغياب والغياب نبضاً خفياً للحضور. إن ما نسميه حقيقة في سياق هذا التحول التفكيكي ليس لقاءً مع كينونة شفافة تفضي بأسرارها ولا غوصاً في بئر مظلمة تنتهي عند صمت مطبق بل هو علاقة معقدة من التشابك والانسحاب، من الميلاد المستمر والموت المتجدد، من اللغة التي تكشف وتخفي في اللحظة ذاتها.

فاللغة بتعبير هايدغر ليست أداة للتعبير عن حقيقة سابقة عليها بل هي بيت الكينونة أي أنها الفضاء الذي يحدث فيه ظهور الوجود، ولكنها في نفس الوقت حجابه لأنها تشير إلى ما تغيب عنه وتسمي ما يفلت من التسمية. وكل كلمة في هذا البيت تحمل في طياتها غيابها، تماماً كما يحمل النهار في أحشائه بذور الليل وكما تحمل البداية نهايتها وكما يحمل الحلم يقظته وكما يحمل السؤال جواباً مستحيلاً. ليست اللغة إذاً وعاءً صافياً نغرف منه الحقيقة بل هي نسيج معقد من الفجوات والامتلاءات، من الحضور والغياب، من الصدى والانطفاء. وهي في هذا تشبه الموسيقى التي لا تُسمع بين النغمات فحسب بل في الصمت الذي يفصلها ويوحدها، في التوقفات التي تمنحها عمقها ومعناها. كذلك الحقيقة الفلسفية لا توجد في الكلمات وحدها بل في ما بين الكلمات، في الفجوات التي تتشكل منها المعاني، في السكوت الذي يحتضن النطق ويمنحه قوته الإيحائية.

لقد حاولت الميتافيزيقا بكل تنوعاتها أن تجعل من اللغة نافذة شفافة على الحقيقة وأن تختزل الغياب إلى مجرد عارض، إلى نقص يمكن تعويضه، إلى ظل يمكن تبديده بإشراق العقل. لكنها وقعت في فخ المطابقة، ظنت أن الحقيقة تطابق الواقع وأن اللغة تطابق الحقيقة وأن العقل يطابق اللغة فكانت كل هذه المطابقات مجرد سراب لأن الواقع نفسه ليس كائناً ثابتاً قابلًا للطابق بل هو صيرورة متدفقة ولأن الحقيقة ليست صورة مطابقة بل تأويلاً متجدداً ولأن اللغة ليست مرآة بل لعبة ولأن العقل ليس حكماً بل حدساً وتوقعاً وهذياناً منظماً أحياناً.

إن التفكيك كما مارسه دريدا لم يأت لهدم الفلسفة أو ليلغيها بل لكشف شرطها الممكن ولتذكيرها بأنها تقوم على ما تنكره وتتغذى مما تهمشه وتعلو على أساس ما تهوي به. فالميتافيزيقا في سعيها المحموم إلى الحضور كانت تنفي الغياب، لكن الغياب ظل يعمل في صميم بنائها، مثل الماء الذي ينحت الصخر من الداخل أو مثل النار التي تأكل الخشب وهي تضيئه. وكلما اشتد سطوع الحضور كان الظل أكثر كثافة وامتداداً وكلما تم الاعتراف بالحقيقة ككيان نهائي كان الغياب أكثر حضوراً في غيابه يتسلل من خلال الفجوات وينتحب في ثنايا النصوص ويتربص في زوايا البراهين، يذكرنا بأن كل يقين يحمل شكه الخاص وأن كل بناء يحمل هدمه وأن كل حضور يحمل غيابه.

هذا الكشف الذي قد يبدو في ظاهره مزعزعاً هو في العمق تحريري لأنه يحرر الفلسفة من عقدة امتلاك الحقيقة ومن أوهام النهائية ومن استبداد اليقين ليفتحها على إمكانات لم تكن متاحة، على أسئلة لم تكن مطروحة، على طرائق في التفكير لم تكن مستكشفة. ويكون الغياب ليس عدوا للحقيقة بل حليفاً لها، ليس ناقصاً لها بل شرطاً لامتلائها ليس ظلا يزاح بل ضوءاً من نوع آخر، ضوءاً خافتاً لكنه نافذ يكشف عن أبعاد الحقيقة التي لا يبلغها الضوء القاسي للحضور المباشر.

وإذا أردنا أن ننظر إلى هذه القضية من زاوية وجودية نجد أن علاقة الإنسان بالحقيقة تشبه علاقته بذاته فذاته ليست حاضرة له كلياً ولا غائبة عنه كلياً بل هي في حالة صيرورة دائمة، في حالة ضياع وامتلاك، في حالة نسيان وتذكر، في حالة موت وحياة. وكما أن الإنسان لا يعرف نفسه إلا عبر الآخرين وعبر الزمان وعبر الأفعال وعبر الأخطاء، فإن الحقيقة لا تظهر إلا عبر السؤال وعبر الخطأ وعبر التعدد وعبر الزمن. والسؤال الفلسفي نفسه هو تجسيد لهذه الإشكالية، فهو حضور باعتباره فعلاً وغياب باعتباره لا يحمل جوابه النهائي فهو يقظة العقل ونومه في آن، شروق للضوء وغروب في الظلمة. وكل سؤال حقيقي هو احتفال بالغياب لأنه يقر بأن الحقيقة ليست في قبضة السائل بل في أفق تطلبه في رحلة بحثه وفي شغفه الدائم.

وتأتي أهمية الزمن في هذه المعادلة لأن الزمن هو فضاء الحضور والغياب الأكثر تعقيداً، الحاضر ليس إلا ومضة بين ماضٍ لم يعد وغدٍ لم يأت، هو نقطة ارتكاز وهمية، فاصل بين غيابين عظيمين. فكيف نبني حقيقة على حضور لحظي بهذا الهشاشة؟ كيف نؤسس معرفة على أرض تتحرك من تحت أقدامنا؟ الجواب كما رأينا ليس في إنكار الزمن أو تجاوزه بل في احتضانه، في جعله جزءاً من الحقيقة ذاتها، في الاعتراف بأن الحقيقة تتغير مع الزمن وأن ما نسميه حقيقة اليوم قد يكون غباء الغد وأن ما نعتبره بديهية الآن قد يصبح خرافة بعد قرن. هذا لا يعني النسبية المطلقة ولا الانهيار في مستنقع اللاأدرية بل يعني وعياً جدلياً بالحدود، يعني التواضع المعرفي الذي لا يمنع الطموح، يعني الحب الذي لا يخاف الفراق، يعني الأمل الذي لا ينكر الموت.

في خضم هذه التأملات يبرز دور الآخر كعنصر أساسي في بناء الحقيقة، فالآخر بوجوده وغيابه، بحديثه وصمته، بحضوره الجسدي وغيابه الرمزي، هو الذي يكسر مركزية الذات ويفتحها على أفق لا نهائي من الاحتمالات. والحقيقة في هذا المنظور ليست ملكية فردية ولا اكتشافاً ذاتياً بل هي حدث مشترك، حوار بين الأنا والآخر، بين الثقافات، بين الأزمنة، بين الأجيال. والآخر بما يحمله من اختلاف هو تجسيد حي للغياب، غياب المعرفة الكاملة عن الذهن، غياب التطابق، غياب الانغلاق. وهو أيضاً حضور: حضور سؤال، حضور رؤية، حضور عاطفة، حضور حياة. وبهذا يصبح الآخر شرطاً للحقيقة ليس لأننا بحاجة إلى تأكيده بل لأننا بحاجة إلى اختلافه إلى ما يزعزع يقيننا ويحفز فضولنا، إلى ما يكسر مرآة الذات ويجعلنا نرى من زاوية لم نكن نعرف وجودها.

وإذا انتقلنا إلى المجال الأخلاقي نجد أن إشكالية الحضور والغياب تكتسب أبعاداً جديدة لأن الخير والشر، الصواب والخطأ، الجميل والقبيح، لا يحضرون في صور جامدة بل في سياقات متغيرة وفي علاقات متشابكة وفي قراءات متعددة. فالحقيقة الأخلاقية مثل الحقيقة الفلسفية، لا توجد في نص مقدس ولا في قانون مكتوب ولا في وصية إلهية بل هي نتاج حوار وتاريخ وتجربة ونقد وتفكيك مستمر للمعطيات. وهي في هذا تشبه العقد الذي لا ينفك أو الجسر الذي ينهار ويعاد بناؤه كل يوم أو النهر الذي يتغير مجراه مع كل موسم. وما يجعله ممكناً ليس سوى الاعتراف بالغياب، غياب المعيار المطلق، غياب الحل النهائي، غياب الإجابة الوحيدة. وهذا الاعتراف بدلاً من أن يضعف الأخلاق، يقويها، لأنها تصبح اختياراً واعياً لا تلقيناً أعمى، تصبح إبداعاً لا تكراراً، تصبح مسئولية لا انقياداً.

وتتضح الصورة النهائية لإشكالية الحضور والغياب، إنها ليست معضلة تحل بل هي حالة تعاش، ليست لغزاً يفك بل سرا يُحتفى به، ليست فجوة تسد، بل فسحة تُستكشف. والفلسفة الحقيقية ليست تلك التي تزعم أنها ملكت الحقيقة بل تلك التي تعترف بعجزها عن امتلاكها وتظل مع ذلك تسعى إليها بكل ما أوتيت من قوة وشغف، مثل عاشق يعرف أن محبوبته لن تكون له كاملة، لكنه لا يتوقف عن البحث عنها في كل وجه وفي كل كلمة وفي كل لحظة. والحقيقة في هذا السياق تشبه وجه المحبوب، لا يُرى كاملاً ولا يُلمس مباشرة لكنه يظهر في الومضات، في الإشارات، في الهمسات، في الغياب الذي يمنح الحضور قيمته وفي الحضور الذي يجعل الغياب محتملاً.

إن بناء الحقيقة الفلسفية في ظل إشكالية الحضور والغياب ليس مأزقاً بل هو مكمن قوتها وخصوبتها لأنه يحررها من سلطة اليقين الواهم ويفتحها على أفق الحرية، على إمكانية التعدد، على متعة الاكتشاف، على ألم الفقد، على رحلة لا نهاية لها في متاهات المعنى، حيث كل زاوية تخفي زاوية أخرى وكل ضوء يلقي بظله وكل إجابة تولد عشرة أسئلة. إنه دعوة لأن نعيش الفلسفة لا كمجرد معرفة نكتسبها بل كفعل وجودي نختاره، كطريقة في الوجود، كأسلوب في العيش مع الغموض دون خوف، مع التناقض دون انهيار، مع الغياب دون يأس. وتصبح الحقيقة في أعمق معانيها ليست ما نقوله عنها بل ما نفعله بها، ليست ما نجده في النصوص بل ما نخلقه في لحظات الشغف والتساؤل، ليست ما نملكه بل ما نكونه، في حضورنا وغيابنا، في كلامنا وصمتنا، في حياتنا وموتنا، في كل ما يحضر وما يغيب من معاني الوجود التي لا تنضب ولا تستقر ولا تكتمل، لأنها في جوهرها ليست شيئاً بل هي فعل البناء الدائم على أنقاض الهدم، هي رغبة الحضور في عناق الغياب، هي حكاية الحقيقة التي لا تروى كاملة، لأن كمالها في نقصها وتمامها في تشظيها ونورها في ظلها وخلودها في فناها وحضورها في غيابها الذي لا يفارقها كما لا يفارق الليل النهار ولا يفارق الموت الحياة ولا يفارق السؤال الجواب ولا يفارق العاشق المعشوق في مسيرة العشق الأبدي.

***

د حمزة مولخنيف

في جينالوجيا التقديس الاجتماعي

تتبوأ أطروحة عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم مكانةً تأسيسيةً في الفكر الإنساني المعاصر، وتحديداً في فهم الكيفية البنيوية التي تُحوِّل بها الجماعات البشرية كيانها الجمعي والاجتماعي إلى موضوع للتقديس والعبادة المتجاوزة للأفراد. لقد سعى دوركايم، عبر مشروعه المعرفي، إلى تأسيس علم الاجتماع بوصفه علماً أكاديمياً مستقلاً، يستند إلى قوانين موضوعية ثابتة، ويدرس "الظواهر الاجتماعية" بوصفها أشياء مادية ومستقلة تماماً عن الوعي الفردي والشرط السيكولوجي الخاص. وفي محاولته التأسيسية لتفكيك أصل التدين والوعي الغيبي، رفض دوركايم التفسيرات الميتافيزيقية والروحية والطبيعية الشائعة في عصره، مرجعاً أصل الظاهرة الدينية برمتها إلى "الطوطمية البدائية" التي رصدها واستقرأها في القبائل الأسترالية القديمة.

وقد خلص في هذا السياق إلى أن "الطوطم" الذي يعبده أفراد العشيرة ويبثون فيه مخاوفهم ويعتقدون أنه مصدر القوة والتحكم اللامرئي ـ ليس في حقيقته الأنثربولوجية سوى رمز مادي متخيل للمجتمع نفسه. ومن هذا المنطلق المعرفي، صاغ دوركايم مقولته السوسيولوجية الشهيرة بأن المجتمع في جوهره قد "عبد نفسه" في أول مظهر من مظاهر التدين البشري، واصفاً الإله والمجتمع بأنهما وجهان لعملة بنيوية واحدة؛ حيث يمثل الإله الكيان المتخيل، بينما يمثل المجتمع الكيان الواقعي الذي يمارس السلطة الفعلية.

التحول من التضامن الآلي إلى ديانة الفرد وأزمة اللامعيارية

ينتقل دوركايم في تحليله لصيرورة التطور الحضاري والتاريخي إلى دراسة التحول العميق في بنية المجتمعات وعلاقات الإنتاج عبر كتابه العمدة "في تقسيم العمل الاجتماعي"، واصفاً الانتقال التاريخي من نمط "التضامن الآلي" إلى نمط "التضامن العضوي". ففي المجتمعات التقليدية البسيطة، تسود حالة من التضامن الآلي القائم على الشبه والتماثل التام بين الأفراد في المشاعر والأفكار ونمط العيش؛ حيث يهيمن وعي جمعي متجانس وقاهر يتحكم في أدق تفاصيل الحياة الفردية عبر منظومة دينية توتالية وقوانين جنائية قمعية صارمة تنكل بالخارج عن الجماعة. وفي هذا النمط، تذوب الفردية بالكامل في الكيان الطائفي أو القبلي، ويكون الخضوع للسلطة خضوعاً ميكانيكياً تالياً لغياب التمايز الوظيفي والمهني.

من سوسيولوجيا المجتمع إلى أنطولوجيا الدولة والهيمنة الحداثية

إذا كان التحليل السوسيولوجي قد كشف عن البعد غير الواعي لتقديس المجتمع لذاته وتحويل بنيته إلى طوطم، فإن الفلسفة السياسية المثالية لجيورج فيلهلم فريدريش هيغل قد منحت هذا التقديس صياغة أنطولوجية واعية بذاتها بلغت ذروتها في أطروحته حول "تأليه الدولة". ففي كتابه "أصول فلسفة الحق"، يقدم هيغل بناءً فلسفياً نسقياً يرى في الدولة "تحقق الفكرة الأخلاقية" وتجسد الروح الموضوعية الواعية بذاتها في التاريخ، واصفاً إياها بالوصف الفلسفي الشهير بأنها "مسيرة الإله في العالم"، والكيان العقلي الكلي الذي يجد فيه الفرد حريته الجوهرية والفعالة بعد انقضاء حريته البدائية الذاتية. ويقف هذا التصور الهيغلي في تضاد مطلق وجذري مع الفلسفة الليبرالية الذرية التي تختزل الدولة في كونها مجرد أداة نفعية، أو جهاز شرطي وقانوني خارجي يقتصر مهمته على حماية الملكية الفردية وحرية التعاقد وحفظ الأمن، وهو ما يسميه هيغل بازدراء "المجتمع المدني البرجوازي".

يرى هيغل أن خلط مفهوم الدولة بالمجتمع المدني النفعي يجعل من عضوية الدولة أمراً اختيارياً وعرضياً، وهو ما يقوض صفتها الكلية والغاية الأخلاقية السامية التي وجدت من أجلها في مسار تطور الروح الكلية. ويتدرج الفرد في صعوده نحو الحرية المطلقة عبر ثلاث دوائر متصاعدة للحق: "الحق المجرد" المتمثل في حيازة الملكية والتعاقد الخارجي، و"الأخلاق الذاتية" الكامنة في باطن الضمير الفردي، و"الحياة الأخلاقية الموضوعية" التي تندمج فيها الحرية الذاتية مع القوانين الكلية عبر مؤسسات العائلة والمجتمع المدني وصولاً إلى "الدولة الكلية" المتمايزة ذاتياً. وبناءً على هذا التأليه الفلسفي، تملك الدولة حقاً سيادياً مطلقاً وأولوية أنطولوجية على الأفراد، وتصبح المواطنة الملتزمة بالانضواء تحت لواء الدولة والتضحية من أجلها واجباً أخلاقياً أسمى يتجاوز حسابات الربح والخسارة الفردية.

إن هذا التغول لبنية السلطة وتقديسها يعيد إنتاج نفسه في الحداثة المتأخرة، ولكن بآليات أكثر خفاءً ونعومة؛ حيث تسعى الرأسمالية المعولمة، في إطار ما يمكن تسميته "الإمبراطورية اللامركزية المعاصرة"، إلى دمج السلطة الاقتصادية مع السلطة السياسية، فارضة نمطاً شمولياً يميل إلى التحكم ليس فقط في التفاعلات الاجتماعية والإنتاجية الظاهرة، بل في طبيعة الإنسان البيولوجية ذاتها، وفي معارفه ورغباته ومشاعره الدفينة. وفي هذا النظام، تصبح الحياة البشرية في أبعادها الحيوية هي الذات والموضوع الأساس للسياسة، أو ما يعرف بـ "السياسة الحيوية". ويشير الفيلسوف الإيطالي المعاصر جورجيو أغامبين إلى أن الفضاءات الاستثنائية للسياسة الحيوية تمثل الفضاء المطلق الذي تواجه فيه السلطة السياسية الكلية "الحياة البشرية العارية" والمنزوعة من أي حماية قانونية أو وساطة مؤسسية، حيث يذوب القانون في الاستثناء.

في مواجهة هذا التغول الإمبراطوري الكلي لرأس المال والبنية التقنية، يطرح منظرو الفلسفة السياسية المعاصرة مفهوم "التعددية البشرية" بوصفه فاعلاً عالمياً شبكياً، يسعى إلى تفكيك الهيمنة الحيوية والرأسمالية، وإيجاد احتمالات لحياة بديلة ومقاومة واعية قائمة على الإرادة الديمقراطية الراديكالية ومقاومة الترويض الإمبراطوري الذي يقدس السوق على حساب الإنسان.

الانعكاس التنموي والمسارات الحضارية للمجتمعات المعاصرة

يتضح جلياً أن الكيفية التي تحسم بها الدولة والمنظومة الفكرية طبيعة علاقتها بالمواطن، وترسم بموجبها الحدود الفاصلة بين العام والخاص، والاقتصادي والسياسي، تترك بصماتها العميقة والبارزة على المسار الحضاري والتنموي للمجتمعات البشرية. ففي الحضارات القديمة، كان يُضفى على التشريعات السياسية والقوانين الوضعية طابعاً دستورياً مقدساً يجعل من مخالفتها معصية دينية واجتماعية كبرى، وهو التداخل الرمزي البنيوي الذي منح السلطة قوة مزدوجة (زمنية وروحية) لتوجيه الفكر البشري، وضبط الإنتاج، وتكريس الهوية الثقافية للجماعة لقرون طويلة، برغم ما ينطوي عليه ذلك من قمع للفردانية. وبالمثل في النظم المعاصرة، يتضح أن الاستقرار السياسي والتنمية المستدامة لا يمكن رصدهما أو تحقيقهما بمعزل عن طبيعة التفاعل الجدلي والروابط القائمة بين السلطة والمحكومين.

إن التنمية المستدامة والبشرية بمفهومها المعاصر تتطلب بالضرورة تفعيل "رأس المال الاجتماعي" الذي يرتكز في جوهره على وعي المواطنة الحقة، والشعور بالانتماء العضوي والولاء للأرض، والقدرة على المراقبة والمساءلة الديمقراطية السلمية لقرارات السلطة الحاكمة لضمان التزامها الصارم بالمصلحة العامة والعدالة التوزيعية. وعندما يرى المواطن نفسه "غايةً" نهائيةً للعملية التنموية والحضارية، وليس مجرد "أداة" تابعة لخدمة الأيديولوجيا الشمولية والطائفية للدولة أو لمضاعفة ثروات النخب الكومبرادورية الهشة والاحتكارية، تزداد كفاءة النظام السياسي وقدرته على مواجهة أزمات المشروعية وتوطيد السلم الأهلي والاجتماعي. وعلى العكس من ذلك، فإن النظم التي تفرض هوة سحيقة وعميقة بين السلطة والمواطن، وتعتمد حصراً على أدوات الإكراه والضبط والرقابة البيولوجية والبوليسية المطلقة، تخلق في نفوس الأفراد شعوراً مدمراً بالاغتراب والتبعية والنبذ، مما يحول المجتمعات إلى كيانات هشة وفقيرة من الداخل، يسهل انهيارها وتفتتها أمام أي هزة اقتصادية أو تغير سياسي مفاجئ نتيجة غياب التضامن العضوي الحقيقي.

من جهة أخرى، فإن المجتمعات الغربية المعاصرة التي قطعت أشواطاً كبرى في تبني "ديانة الفرد" والحرية الشخصية والاهتمامات الاستهلاكية المطلقة، تقع اليوم في الفخ الذي حذر منه دوركايم؛ وهو فخ "اللامعيارية والسيولة الأخلاقية" عند إضعاف المعايير القيمية والروحية الموجهة للسلوك الفردي. هذا الضعف يحول الفردانية الابتكارية الخلّاقة إلى أنانية متوحشة، وتدمر البيئة الحيوية للكوكب سعياً وراء مراكمة الأرباح والاستهلاك اللامتناهي.

ولذلك، فإن ردم الهوة بين السلطة والمواطن، وبناء مجتمع مستقر حضارياً وإنسانياً، لا يتحقق بمجرد صياغة حزم من القوانين والأنظمة التجريدية الباردة، بل من خلال التطبيق الحقيقي والملموس لسيادة القانون العادلة التي تضمن الكرامة الإنسانية المتأصلة للفرد، وتؤصل في الوقت ذاته لدور الدولة الأخلاقي والتربوي كأداة للتوافق العقلاني والعدالة الاجتماعية. تماماً كما استلهم الفكر الإداري والسياسي المعاصر لتأسيس نموذج الدولة الإدارية والخدمية التي تسعى لحل الصراعات الاجتماعية، وتجاوز عيوب السوق الحرة، وضمان الازدهار والحق الدستوري للأفراد والمجتمع على حد سواء في تشييد وعي وإنجاز معاصر متحرر من قهر البنيات الميتة ومن اغتراب الحداثة المتوحشة.

 ***

غالب المسعودي

مقاربة في العدالة المعرفية وإدارة الاختلاف

مدخل: يمثل التنوع بين الشعوب والثقافات أحد السنن الإلهية الحاكمة للحياة الإنسانية، وهو واقع لا يمكن تجاوزه أو إلغاؤه، لأن الاختلاف في الانتماءات والهويات والثقافات جزء من طبيعة الاجتماع البشري، لكن المشكلة لا تكمن في وجود الاختلاف نفسه، وإنما في الكيفية التي ينظر بها الانسان إلى المختلف، وفي طبيعة المعرفة المتبادلة بين الجماعات الإنسانية.

فكثير من الأزمات التي تعاني منها المجتمعات، وكثير من صور التوتر بين الأمم والحضارات، تنشأ من الجهل المتبادل بين الناس، ومن الانطباعات المسبقة التي تتشكل عن الآخر عبر الشائعات والخطابات المنحازة والوسائط الإعلامية المضللة، ولذلك يمكن القول: لو عرفت الآخر لعذرته، ولو فهمت سياقه لأدركت أسباب اختلافه.

ومن هنا تبرز أهمية مفهوم التعارف الذي قرره القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات: 13].

فالآية الكريمة تشير إلى سنة التنوع والتعدد من جهة، وتكشف عن الغاية الحضارية لهذا التنوع من جهة أخرى، إذ جعلت التعارف وظيفة إنسانية تنتج آثاراً تتجاوز حدود المعرفة المجردة، لتشمل بناء الثقة، وترسيخ الحقوق، وتحقيق السلم الاجتماعي والإنساني.[1]

وتحاول هذه الورقة البحثية بيان دور التعارف في بناء حوار الحضارات، والكشف عن علاقته بإمكانات السلام العالمي، من خلال قراءة معرفية لمفهوم التعارف وآثاره الاجتماعية والحضارية، مع وقفة موجزة عن المشهد الحضاري الراهن.

أولاً: مفهوم حوار الحضارات:

بحسب كتاب «من حوار الحضارات إلى حضارات الحوار: رؤية تقويمية» للدكتور زهير سوكاح، فإن حوار الحضارات لا يُقصد به مجرد تبادل المجاملات أو عقد المؤتمرات، بل هو عملية تواصل بين الحضارات المختلفة تقوم على الفهم المتبادل، والاحترام، والتعاون، والاعتراف بالتعددية الحضارية والثقافية، بهدف معالجة المشكلات المشتركة وتحقيق السلم الإنساني، فالحوار ليس جدلاً فقط لإفحام الآخر، ولا تفاوضاً لفرض حلول مسبقة، وإنما وسيلة للتفاهم والتواصل الفكري بين الأطراف المختلفة، بحيث يسعى كل طرف إلى فهم الآخر واحترامه، والحضارة مجموع الإنجازات المادية والمعنوية والقيمية التي تنتجها جماعة بشرية معينة، وتمثل نمط حياتها وثقافتها وتاريخها، ومن ثم فإن حوار الحضارات هو:

عملية تفاعل وتواصل بين الحضارات المختلفة، تقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام الخصوصيات الثقافية، وتفعيل المشترك الإنساني، بعيداً عن منطق الهيمنة والصراع[2].

وحسب رؤية روجيه جارودي ان الحوار يقوم على الاعتراف بتعدد مصادر الحضارة الإنسانية؛ فالحضارة الغربية ليست نتاجاً ذاتياً خالصاً، بل ترجع جذورها إلى حضارات آسيا وأفريقيا، ولا سيما مصر وبلاد الرافدين، ويرى ان الحوار يرفض فكرة المركزية الحضارية والتفوق المطلق لحضارة واحدة؛ لأن اختزال العالم في النموذج الغربي أدى إلى نزعة السيطرة والعنف، بينما يقتضي المستقبل إعادة اكتشاف إسهامات الثقافات الأخرى[3].

ومعنى ذلك أن النهوض الحضاري يتحقق بالاشتراك، لا بالانفراد، وحتى الشعوب المقهورة، أسهم وجودها المادي الذي يتضمن الثروات والخيرات، في تحقيق ما آلت إليه الحضارة الغربية، فضلا عن التراث الانساني المشترك الذي ورثته البشرية عبر التاريخ، الذي أفاد منه الغرب في تطوره بنحو مباشر أو غير مباشر.

إن العزلة الحضارية تؤدي إلى التخلف، والعالم الإسلامي، عاش زمنا طويلا حالة من العزلة والاستقرار البطيء، الأمر الذي جعله متأخرا عن الحركة السريعة للمجتمعات المتطورة، ولذلك أصبح اليوم في حاجة ماسة إلى فهم حركة العالم، بعد أن انهارت الحواجز بين الحضارات والمجتمعات بسبب التقدم العلمي وسرعة انتقال المعرفة التي تؤدي إلى إزالة الحواجز التقليدية بين المجتمعات، ومن لا يواكب هذه التحولات، يبقى خارج مسار الحوار الحضاري.

ثانيا: التعارف كنظام لإنتاج المعرفة الاجتماعية

حسب رؤية زكي الميلاد أن التعارف يمثل البنية التأسيسية لحوار الحضارات، لأن المعرفة المتبادلة بين الأمم والشعوب تسبق الحوار وتمنحه شروطه الموضوعية، ومن ثم فإن التعارف ليس نتيجة للحوار الحضاري، بل مقدمة لازمة له، وبدونه يتحول الحوار إلى تواصل شكلي يفتقر إلى الفهم الحقيقي للآخر.

واعتادت الأدبيات الأخلاقية النظر إلى التعارف باعتباره قيمة إنسانية أو سلوكاً محموداً، لكن الحاجة تقتضي إعادة النظر إليه على انه نظام لإنتاج المعرفة المتبادلة بين الجماعات والأفراد.

فالتعارف لا يقتصر على مجرد الاطلاع على معلومات عامة عن الآخر، وإنما يعني فهم بنيته الثقافية والقيمية، وإدراك دوافعه وسياقاته، والانتقال من معرفة الصورة الاعلامية والانطباع عنه، إلى معرفة الحقيقة.

وعلى هذا الأساس، فإن التعارف يمتلك أدواته الخاصة، كالحوار، والتواصل الثقافي، والسرديات المشتركة، كما يمتلك مخرجاته المتمثلة في الثقة والاعتراف المتبادل وتوزيع الحقوق بصورة عادلة.

ومن هنا يمكن التمييز بين وفرة المعلومات وبين تحقق التعارف الحقيقي، فقد تمتلك المجتمعات المعاصرة كماً هائلا من المعلومات عن الآخرين، لكن ذلك لا يعني فهمهم فهما حقيقيا، بسبب هيمنة الصور النمطية والانطباعات المسبقة بسبب مشكلات الاعلام.

ثالثا: التعارف شرط معرفي لتأسيس العدالة

يمكن قراءة قوله تعالى: (لتعارفوا) كقاعدة تأسيسية للعدالة الاجتماعية والإنسانية، لأن العدالة لا يمكن أن تتحقق تجاه مجهول، ولا يمكن الاعتراف بحقوق جماعة أو ثقافة ما من دون معرفة حقيقية بها، حيث يؤكد المفسرون أن الآية أبطلت معايير التفاضل القائمة على النسب والعرق، وجعلت التقوى وحدها معيار الكرامة[4].

ومن هنا يمكن الحديث عن مفهوم (العدالة المعرفية)، ويقصد بها حق الأفراد والجماعات في أن يُعرَفوا وفق حقيقتهم، لا وفق الصور التي يصنعها الخصوم أو الإعلام.

وقد أدى غياب هذه العدالة إلى نشوء كثير من الأحكام المسبقة، وإلى انتشار الصور الاختزالية التي أسهمت في إنتاج النزاعات والصراعات بين الشعوب، لذلك تبرز أهمية مصطلح تعارف الحضارات الذي كتب فيه الاستاذ زكي الميلاد، إذ يمثل المصطلح نافذة مهمة في الكشف عن مستوى أعمق من مصطلح حوار الحضارات، لأن الحوار هنا يغدو أحد وسائل التعارف، والتعارف يمثل حالة من التواصل والتكامل الذي ينحو منحى البناء، وليس مجرد تحقيق السلم.

أن الجهل بالآخر قاد الأوروبيون إلى النزاع والحرب مع ما عرف في أدبياتهم بالحروب الصليبية، والتعارف قادهم إلى مسلك آخر تمثل في النهوض بأكبر عملية استكشافية عرفت في أدبياتهم بحركة الاستشراق.

بشأن النموذج الأول، مثَّل المغول في علاقتهم بالحضارة الإسلامية أقوى نموذج يقاس به علاقة الجهل بالعداء، وعلاقة التعارف بالسلام، فالجهل قادهم في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي إلى القيام بأكبر عملية تدمير تعرضت لها الحضارة الإسلامية في عصرها، وصفت هذه العملية في كتب التاريخ القديمة والحديثة بأوصاف الوحشية والبربرية والهمجية، قضت على مراكز العلم والفن والثقافة في حضارة المسلمين.

والمدهش في سيرة هذه الجماعة التي وصفت بالبدائية والبربرية، أنها بعد أن أحكمت سيطرتها على أجزاء كبيرة من أقطار الحضارة الإسلامية وضمتها إلى إمبراطوريتها الواسعة، وبعد فترة من التوطن في هذه الديار الإسلامية، حدث تحول عظيم لم يكن في الحسبان، فقد انقلبت هذه الجماعة على ذاتها، واعتنق حكامها الإسلام، واندمجوا في حضارة المسلمين، ومثلوا عصرا بات يؤرخ له في تاريخ عصور الحضارة الإسلامية. ولا شك أن التعارف الذي تهيأت لهم أرضياته في الديار الإسلامية هو الذي قادهم إلى هذا التحول العظيم[5].

ولا يقف التعارف عند حدود التواصل الشكلي، بل يتجه إلى بناء معرفة متبادلة تولِّد الاحترام والتعاون والتعايش، لذلك يطرح الميلاد التعارف بديلاً عن ثنائية (صدام الحضارات) و(حوار الحضارات)، معتبراً أن المعرفة الحقيقية بالآخر هي الشرط الذي يسبق أي حوار ناجح، وقد سعى من خلال هذه النظرية إلى تجاوز الطرح التقليدي للعلاقات الحضارية، والانتقال إلى رؤية جديدة تعبّر عن قدرة الفكر الإسلامي على إنتاج حلول منبثقة من ذاتيته الحضارية.[6]

رابعا: من مجتمع الانطباع إلى مجتمع المعرفة:

عاش العالم مرحلتين في تلقي المعرفة، الأولى مرحلة قصور مصادر المعرفة، وتعسر الإحاطة التامة بالمكتب والمصادر إلا عند المختصين والنخبة، والثانية مرحلة الوفرة، مع تطور وسائل الاتصال، وفي هذه المرحلة ساد التلقي السريع، الذي لا يحقق في الغالب سوى الانطباع، والاطلاع السطحي، فقد أصبحت المجتمعات الحديثة تعتمد في معرفة الآخر على الوسائط الإعلامية والمنصات الرقمية أكثر من اعتمادها على التجربة المباشرة، ونتيجة لذلك، تشكلت أنماط جديدة من الوعي تقوم على معرفة الآخر بواسطة الصور والتمثيلات التي تنقلها الوسائط المختلفة.

وفي ظل هذا الواقع، أصبحت الشائعة والإعلام المضلل والخوارزميات المنحازة عوامل مؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي، حتى باتت بعض صور الكراهية المعاصرة ناتجة عن جهل منظم أكثر من كونها ناتجة عن اختلاف حقيقي.

لذلك يمكن أن يكون التعارف الحقيقي وسيلة لمقاومة التشويه المعرفي، وأداة لتصحيح الانطباعات التي تتشكل بعيداً عن الواقع.

وهذه المشكلة سادت بين الحضارات والمجتمعات، وفي داخل الحضارة ذاتها، فصراع الهويات كان وما يزال بحاجة إلى التعارف، من أجل تحقيق التماسك الداخلي بين مختلف الهويات.

والتماسك الحضاري الداخلي مهم ايضا في تجاوز عقبة الانطباعات الزائفة بين الهويات الفرعية في المجتمعات، لأن تفسير صعود الحضارات وسقوطها لا يقتصر على العوامل الأخلاقية، بل يرتبط بعوامل موضوعية متعددة، وهو ما يظهر في تفسير مونتسكيو لأسباب انحطاط روما، إذ أرجع ذلك إلى التوسع الجغرافي وفقدان روح المواطنة واختلال البناء الداخلي للمجتمع، مما يدل على أن قوة الحضارات أو ضعفها ترتبط بمدى تماسكها الداخلي وقدرتها على المحافظة على مقوماتها الأساسية[7].

رابعاً: مستويات التعارف وآثارها في استقرار التعايش

يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات للتعارف:

التعارف الإدراكي، ويقصد به معرفة المعلومات الأساسية عن الآخر.

التعارف التفسيري، ويعني فهم دوافعه وسياقاته الثقافية والاجتماعية.

التعارف القيمي، ويقصد به الاعتراف بحقه في الاختلاف، والإقرار بمشروعية وجوده ضمن المجال الإنساني المشترك.

ولا يستقر التعايش الإنساني إلا عند تحقق المستوى الثالث، لأن مجرد المعرفة لا تكفي لبناء السلام، ما لم تتحول إلى اعتراف واحترام متبادل.

إن تأطير التعارف والتواصل بالقيم، والحق المشترك في تعريف الذات، والتعبير عنها، وحفظ الخصوصيات الثقافية، ومقاومة كل ما يهدد الهوية أو يذوبها، كل ذلك من شأنه أن يحقق التماسك الداخلي من جهة، وتحقيق العدالة المعرفية في الحكم على الآخر، مما يفضي إلى صيغة عادلة على مستوى التعامل مع الآخر، وتذويب بؤر الخلاف، وتقليل فرص الصراع.

إن استقرار التعايش يمثل أحد أبرز غايات التعارف، لأن التعايش غالبا ما يُصاغ على نحو مرحلي أو طارئ، في حين يمثل الاستقرار أحد أبرز استراتيجيات التعارف والحوار، لأن الأهداف الكبرى التي تصب في مصلحة الجميع لا تتحقق في ظل الظروف الطارئة والمرحلية، بل تحتاج إلى حالة من الثبات والاستقرار.

خامساً: التعارف وحوار الحضارات

لا يمثل حوار الحضارات غاية مستقلة، وإنما يعد إحدى الوسائل العملية لتحقيق التعارف بين الأمم والثقافات، فالحوار الحقيقي لا يستهدف إلغاء الخصوصيات الحضارية، ولا يسعى إلى صهر الهويات المختلفة، وإنما يهدف إلى بناء فهم متبادل يسمح لكل طرف بأن يعرّف نفسه بنفسه، لا أن يُعرف من خلال خصومه.

وعندما يتحقق هذا الفهم، يتحول الاختلاف إلى مصدر للإثراء الحضاري، وتصبح التعددية عاملا من عوامل التكامل الإنسان، إذ يبين المفسرون أن الإسلام يؤسس لعلاقات التعاون بين البشر في دائرة الخير المشترك[8].

إن المعطى القيمي في الأديان، لم يكن ليمثل المشهد المتصدر، في خطابات الأديان، لذلك كانت فرص الحروب والصراع سانحة في الغالب، لذا لا بد من تمييز الثابت القيمي في الخطاب الديني، والذي يمهد السبيل إلى إيجاد صيغة عادلة للتعامل مع الآخر، وإدارة الاختلاف لا تكون عبر مفاصل ظرفية أو متغيرة، بل تحتاج إلى خطاب ثابت مستقر ليحقق غايات التكامل والتعايش بنحو أمثل.

إن الحضارات محكومة بسنن تاريخ تحدد طبيعة نموها وتطورها وصعودها ونزولها، وهذا كله يحتاج إلى وعي مستمر لفسلفة التاريخ، وتواصل دائم بين النخب الحضارية في كل مجتمع التي من شأنها أن تحقق نموذجا من التعارف المنتج[9].

وعندما يطرح الدين الاسلامي من خلال القرآن الكريم (التعارف) كقيمة وغاية ثابتة، فإنه يسهم في عملية موازنة بين عوامل النهوض والنكوص الحضاري، وهو ما يجدر الإلتفات إليه في استجلاء مقاصد الدين، من حيث كونها مقاصد تجمع لا تفرق، وتقدم فرص الالتقاء لا التقاطع بين البشر.

سادساً: التعارف كرأس مال اجتماعي

يعد مفهوم رأس المال الاجتماعي بوصفه أحد أكثر المفاهيم انتشاراً في العلوم الاجتماعية خلال العقود الأخيرة، إذ انتقل من المجال الأكاديمي إلى الخطاب العام والسياسات العامة، حتى أصبح يُنظر إليه بوصفه أداة لتفسير كثير من الظواهر الاجتماعية ومعالجة مشكلات المجتمع.

إن فكرة رأس المال الاجتماعي ليست جديدة تماماً، بل تعود جذورها إلى التصورات الكلاسيكية في علم الاجتماع التي ركزت على أهمية الروابط الاجتماعية والمشاركة الجماعية في الحد من التفكك الاجتماعي وتعزيز تماسك المجتمع، وقد أسهم الاهتمام المتزايد بهذا المفهوم في إعادة قراءة التراث السوسيولوجي القديم وربطه بالقضايا المعاصرة[10].

إن أهمية رأس المال الاجتماعي تنبع من قدرته على إبراز الأبعاد غير المادية للثروة والقوة داخل المجتمع، مثل الثقة والتعاون والشبكات الاجتماعية، باعتبارها موارد يمكن أن تؤثر في التنمية والسلطة وصنع السياسات، تماماً كما تؤثر الموارد الاقتصادية التقليدية.

وعليه يعد التعارف مورداً استراتيجياً للمجتمعات، لأن المعرفة المتبادلة تولد الثقة، والثقة تنتج التعاون، والتعاون يقود إلى الاستقرار، وإن جعل الناس شعوباً وقبائل إنما هو لتنظيم الروابط الاجتماعية وإقامة الحياة الإنسانية على أساس التعارف[11].

وعليه، فإن بناء فرص السلام العالمي لا يقتصر على الاتفاقات السياسية أو موازين القوة، وإنما يعتمد على تأسيس ثقافة تعارف متبادل بين الحضارات، تبدأ من التعليم والإعلام، وتمر بالحوار الثقافي، وتنتهي ببناء منظومة حقوق تعترف بالاختلاف وتحميه.

سابعا: المشهد الحضاري الراهن، قراءة نقدية

أن أحداث الحادي عشر من أيلول كشفت عن أزمة حضارية عالمية، وعن شكل جديد من الصراع الذي تجاوز الحدود التقليدية للحروب، إذ أصبح العالم كله منخرطاً في دائرة عنف كوني موحَّد، وأصبحت العولمة نفسها إطاراً لهذا الصراع، وقد أصبح العنف سيد الأحكام، وأن العالم توحد قسرا عبر العنف لأول مرة، بما يجعل العنف ظاهرة كونية لا محلية[12].

واصبحت المركزية الأمريكية نموذجاً حضارياً مهيمنا، وما يسمى بالتاريخ الأمريكي ليس إلا امتداداً لتاريخ أوروبي قام على إقصاء الآخر وإعادة تشكيل العالم وفق رؤيته الخاصة، لأن اكتشاف أمريكا بداية لعملية حضارية قائمة على السيطرة وإعادة تسمية العالم وإدخاله ضمن النسق الغربي.

ومن جهة أخرى أوروبا أعادت إنتاج التاريخ وفق منظورها، فجرى تهميش الحضارات والشعوب الأصلية، وتحولت عملية الاكتشاف والاستعمار إلى وسيلة لفرض نموذج حضاري جديد على العالم، بحيث أصبح الآخر موضوعاً للهيمنة والتشكيل لا شريكاً في التاريخ.

إن العنف المعاصر هو نتيجة مباشرة لاختلال التوازن الحضاري الذي أحدثته العولمة، فالعالم الذي بدا موحداً اقتصادياً وتقنياً بقي منقسماً ثقافياً ورمزياً، الأمر الذي أدى إلى ظهور أشكال جديدة من المقاومة والعنف المضاد، وأصبح الصراع يدور بين قوة عالمية تسعى إلى التعميم الشامل، وقوى أخرى تحاول الحفاظ على خصوصياتها وهوياتها.

ولا بأس بالاشارة الى الفرص الضائعة للحوار الحضاري من قبيل دخول الاوربيين الى القارة الاميركية وابادة مجتمعات الازتك والمايا، وكذلك حضارات الشرق مثل الصين والهند، إذ لم يحدث تعارفا او حوارا بين الشرق والغرب في تلك الحقبة، كما هدرت فرصة التعارف والحوار إبان الصراع الافرنجي الاسلامي، وغيرها كثير من الفرص.

الخاتمة

إن الحاجة إلى الحوار تنشأ من وجود الصراع، والصراع غالباً ما يكون ثمرة للقطيعة، والقطيعة وليدة الجهل بالآخر، والجهل بالآخر نتيجة غياب التعارف والحوار، ومن هنا جاء القرآن ليجعل التعارف غاية إنسانية بحد ذاته، وليس مجرد وسيلة عابرة لتحقيق مصالح مؤقتة.

ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، لم يجعل القرآن التنوع سبباً للصدام، وإنما جعله مدخلاً للتعارف، والتعارف ليس معرفة شكلية بالآخر، بل هو عملية مستمرة لتصحيح الصور الذهنية، وفهم الخصوصيات، وبناء الثقة المتبادلة، وبقدر ما يتسع مجال التعارف تتضاءل مساحات الجهل، وبزوال الجهل تنحسر القطيعة، ومع انحسار القطيعة تخف أسباب الصراع، فتتعزز فرص السلام والتعايش.

وبذلك يمكن القول إن السلام لا يبدأ من إنهاء الصراع، بل يبدأ من بناء التعارف، لأن التعارف في الرؤية القرآنية يمثل الأصل، بينما الصراع يمثل حالة طارئة تنشأ عندما يفشل الإنسان في معرفة الآخر وفهمه.

ومن هنا يمكن القول أن الناس لو عرف بعضهم بعضاً كما أراد القرآن الكريم، لتراجعت أسباب الصراع، لأن أكثر الخصومات تبدأ من الجهل، وأكثر صور الجهل تنشأ من غياب التعارف.

تكشف القراءة القرآنية لمفهوم التعارف عن بعد حضاري يتجاوز المعنى الأخلاقي التقليدي، إذ يرد التعارف قرآنيا باعتباره شرطاً معرفياً لتأسيس العدالة، وآلية لإنتاج الثقة، ومدخلاً لإدارة الاختلاف، وأداة لمواجهة التشويه الذي تصنعه الوسائط المعاصرة في إدراك الآخر.

ومن ثم، فإن السلام العالمي لا يبدأ من إلغاء الاختلاف، وإنما يبدأ من حسن إدارته عبر المعرفة المتبادلة، فالتعارف ليس نتيجة للتعايش، بل هو شرط سابق عليه، كما أن حوار الحضارات لا يهدف إلى إزالة التعدد، وإنما إلى تحويله إلى مصدر للتكامل والتعاون الإنساني.

أهم النتائج:

التنوع بين الشعوب سنة إلهية ثابتة، والتعارف يمثل الوظيفة الحضارية لهذا التنوع.

أغلب مشكلات التعايش تعود إلى الجهل المتبادل والانطباعات المسبقة.

التعارف يمثل شرطاً معرفياً لتأسيس العدالة وحماية الحقوق.

حوار الحضارات يعد وسيلة لتحقيق التعارف، وليس غاية مستقلة.

الإعلام المضلل والخوارزميات المنحازة يسهمان في إنتاج صور مشوهة عن الآخر.

السلام العالمي يرتبط ببناء ثقافة التعارف أكثر من ارتباطه بعوامل القوة وحدها.

إدارة الاختلاف عبر المعرفة المتبادلة تمثل أحد أهم مداخل تحقيق السلم العالمي.

 ***

د. أسعد عبد الرزاق الأسدي

............................

[1] الطباطبائي، الميزان، ج18، ص325- 350.

[2] ظ: زهير سوكاح، من حوار الحضارات الى حضارات الحوار، ص17-19، اصدار كلية الشريعة والدراسات الاسلامية/قطر 2018

[3] ظ: روجيه كارودي، حوار الحضارات: ص10-17، عويدات للنشر، بيروت، 1999

[4] ظ: الطبرسي، مجمع البيان، ج9، ص206.

[5] ظ: زكي الميلاد، الموقع الرسمي

[6] ظ: غاوي يمينة، نظرية تعارف الحضارات عند زكي الميلاد، مذكرة تخرج، كلية العلوم الانسانية، الجزائر، 2022

[7] ظ: ظ: د.عبد الحليم مهورباشة، فلسفة التاريخ، مدخل الى النماذج التفسيرية للتاريخ الانساني، ص16، ط1 بيروت 2016

[8] ظ: الطباطبائي، الميزان، ج5، ص176.

[9] ظ: د.عبد الحليم مهورباشة، فلسفة التاريخ، مدخل الى النماذج التفسيرية للتاريخ الانساني، ص 45-55، ط1 بيروت 2016

[10] ظ: اليخاندرو بورتيز، رأس المال الاجتماعي، اصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحديث، ت ثائر ديب، ص122 مجلة عمران، عدد27/7

[11] ظ: الطباطبائي، الميزان، ج18، ص325.

[12] ظ: جان بوديار ، إدغار موران، عنف العالم، ص 10، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط1، 2005

 

معنى أن تكون متصالحًا مع ذاتك الحضارية ومواكبًا للتحولات الاجتماعية الثقافية المعاصرة

مقدمة: في عصر التحولات الجذرية التي يشهدها العالم، يبرز سؤال وجودي حاسم للأفراد والمجتمعات: كيف يمكن للإنسان أن يظل متصالحًا مع جذوره الحضارية العميقة، دون أن ينغلق على الماضي، وفي الوقت نفسه أن يكون مواكبًا للتحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة التي تفرضها العولمة والثورة الرقمية والتغيرات القيمية؟ التصالح مع الذات الحضارية ليس استسلامًا للتراث أو تقليدًا أعمى، بل هو حالة وعي متوازن يعيد اكتشاف الجوهر الحضاري كمصدر قوة وإلهام. أما المواكبة فهي قدرة على التفاعل النقدي مع الواقع المتغير، لا الانصهار فيه. هذان البعدان يشكلان توترًا إبداعيًا يمكن أن ينتج حضارة متجددة، أو يؤدي إلى انفصام هووي إذا لم يُدار بوعي. تتناول هذه الدراسة المعنى العميق لهذا التوازن من منظور فلسفي-ثقافي-اجتماعي، مع التركيز على السياق العربي الإسلامي كحالة نموذجية. فكيف يمكن معالجة إشكالية الهوية الحضارية في زمن السيولة الاجتماعية والتحولات الجذرية؟

مفهوم الذات الحضارية: الجذور والاستمرارية

الذات الحضارية هي مجموع التراكم التاريخي والقيمي والرمزي الذي يشكل وعي الجماعة وهويتها. تشمل اللغة والدين والتراث الفكري والفني والاجتماعي والأخلاقي. في السياق العربي الإسلامي، تمثل هذه الذات امتدادًا للحضارة الإسلامية التي جمعت بين التوحيد والعقل والإنسانية، وأنتجت نماذج في العلم والفلسفة والعمارة والأدب.

التصالح مع هذه الذات يعني عدة أمور:

القبول الواعي: الاعتراف بالتراث كجزء لا يتجزأ من الكيان الذاتي، لا كعبء أو عقدة ماضوية.

إعادة القراءة النقدية: استخراج الثوابت القيمية (مثل العدل، الشورى، الرحمة، طلب العلم) مع تجاوز السياقات التاريخية المحدودة.

الانتماء العاطفي والعقلي: شعور بالانتماء يمنح الثبات النفسي في مواجهة السيولة المعاصرة، ويحول التراث إلى مصدر إبداع لا إلى متحف محفوظ.

هذا التصالح يحمي من الاغتراب الحضاري، الذي ينشأ عندما يشعر الفرد أو المجتمع بأنه منقطع الجذور، فاقد الهوية، مما يؤدي إلى ردود أفعال متطرفة أو انهيار معنوي.

التحولات الاجتماعية والثقافية المعاصرة: سمات العصر

تعيش البشرية اليوم تحولات غير مسبوقة:

العولمة والرقمنة: تذيب الحدود الثقافية، وتفرض ثقافة عالمية مهيمنة قائمة على الاستهلاك والفردانية والسرعة.

تغير بنية الأسرة والمجتمع: ارتفاع معدلات الطلاق، تأجيل الزواج، انتشار النماذج غير التقليدية، وتغير أدوار الجنسين.

الثورة المعرفية والقيمية: صعود ما بعد الحداثة الذي يشكك في الروايات الكبرى، ويروج للنسبية، والتنوع، وحرية الاختيار الفردي المطلق.

التحديات البيئية والتكنولوجية: الذكاء الاصطناعي، التحولات المناخية، وظهور مجتمعات افتراضية تعيد تعريف الهوية والعلاقات.

هذه التحولات تفرض مواكبة لا تعني التقليد الأعمى، بل التفاعل النقدي: استيعاب التقنيات والمعارف الجديدة، وتكييفها مع السياق الحضاري الخاص، مع الحفاظ على القدرة على الاختيار والرفض.

التصالح والمواكبة: جدلية الثبات والتغير

المعنى الحقيقي للتصالح مع الذات الحضارية مع المواكبة يكمن في الجدلية بين الثبات والتغير. الثبات يأتي من الجوهر الحضاري (القيم الأخلاقية، الرؤية الكونية، اللغة)، والتغير يأتي من التكيف مع الواقع المتجدد.

هذا التوازن يتجلى في:

الانتقائية الواعية: تبني ما يتوافق مع الذات الحضارية (مثل استخدام التكنولوجيا في نشر المعرفة أو تعزيز التعليم)، ورفض ما يتعارض جذريًا (مثل الاستهلاكية المفرطة التي تدمر القيم الروحية).

التجديد الداخلي: إحياء التراث بطرق معاصرة، كتطوير فقه يتعامل مع قضايا الذكاء الاصطناعي أو البيئة، أو إنتاج فن وأدب يعبر عن الهوية بلغة العصر.

الهوية الهجينة الواعية: ليست انصهارًا، بل توليفًا يحتفظ بالمركز الحضاري مع الانفتاح. الفرد يعيش في عالمين دون انفصام: يصلي ويدرس التراث، وفي الوقت نفسه يستخدم الإنترنت ويشارك في النقاشات العالمية.

التوازن النفسي: التصالح يمنح الاستقرار الداخلي، بينما المواكبة تمنح القدرة على التكيف والابتكار، مما ينتج شخصية مرنة غير متشظية.

لكن هذا المشروع التصالحي بين الذات الحضارية والحقبة المعاصرة يواجه تحديات عديدة:

الانغلاق: التمسك الحرفي بالتراث يؤدي إلى عزلة عن العصر، وفقدان القدرة التنافسية.

الانسلاخ: الاندفاع نحو الحداثة دون مرجعية حضارية يولد فراغًا معنويًا وأزمة هوية.

الاستعمار الثقافي: الضغوط الخارجية التي تروج لنموذج واحد يُقدم على أنه «التقدم»، مما يهدد الخصوصية.

السرعة: التحولات المتسارعة لا تترك وقتًا كافيًا للتأمل والتكييف الواعي.

كما تظهر مخاطر اجتماعية مثل التطرف كرد فعل، أو اللامبالاة كنتيجة للإرهاق الثقافي.

فماهي آفاق المقاربة الاجتهادية التدبيرية؟

لتحقيق هذا التصالح المواكب، تبرز الحاجة إلى مقاربة اجتهادية تدبيرية. الاجتهاد يعني إعادة فهم التراث في ضوء الواقع الجديد بطريقة خلاقة، والتدبير يعني إدارة هذا الفهم عمليًا على مستويات الفرد والأسرة والمجتمع والدولة.

على مستوى الفرد: تربية تجمع بين تعميق الانتماء الحضاري والمهارات المعاصرة.

على مستوى المجتمع: سياسات ثقافية وتعليمية تعزز الهوية مع الانفتاح.

على مستوى الحضارة: مشاركة فاعلة في صياغة المستقبل العالمي انطلاقًا من قيمها الخاصة، لا بالتبعية.

هذا يتطلب قيادات فكرية وثقافية قادرة على التوليف، ومؤسسات تعليمية تجمع العلوم الحديثة بالتراث، وإعلامًا يروج لنماذج ناجحة في هذا التوازن.

خاتمة:

 أن تكون متصالحًا مع ذاتك الحضارية ومواكبًا للتحولات المعاصرة هو فن التوازن الدائم، حالة وجودية تجمع بين الجذور والأجنحة. ليس حلاً نهائيًا، بل مسارًا مستمرًا من التأمل والتجريب والتجديد. في هذا المسار، تتحول الذات الحضارية من عبء محتمل إلى مصدر قوة إبداعية، والتحولات المعاصرة من تهديد إلى فرصة للإثراء. النتيجة حضارة حية قادرة على أن تكون نفسها بقوة، وفي الوقت نفسه قادرة على العطاء للعالم. هذا هو المعنى الأعمق: ليس الاختيار بين الأصالة والحداثة، بل تحقيق الأصالة من خلال الحداثة الواعية، والمساهمة في حداثة عالمية أكثر توازنًا وإنسانية. هذا التوازن ليس رفاهية فكرية، بل شرط وجودي للبقاء الحضاري والازدهار في القرن الحادي والعشرين. فهل نحن نسير نحو اعادة تشكيل حضارة متجددة على أنحاء إتيقية مغايرة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

العقل الفلسفي هو الذي أنجب العقل الحديث، هذا العقل تشكل في أعمال فرانسيس بيكون (1561-1626)، وديكارت (1596-1650)، وكانط (1724-1804)، وغيرهم من الفلاسفة الذين أعادوا بناء المعرفة وصورة الإنسان والعالم. أسهم هذا العقل في نقل التاريخ البشري إلى أفق جديد، فحرّر الإنسان من كثير من القيود التي كبّلت تفكيره طويلًا، وأيقظ فيه روح التساؤل والنقد والاكتشاف. بفضل هذا التحول غادرت البشرية حالتها الرتيبة التكرارية التي لبثت فيها قرونًا طويلة، وبدأت مسارًا متسارعًا في إنتاج المعرفة وتطوير العلوم والتقنيات.

عاشت البشرية آلاف السنين وهي تحقق منجزات محدودة قياسًا بما تحقق في القرون الثلاثة الأخيرة، التي شهدت ثورة علمية وتكنولوجية غير مسبوقة نقلت الإنسان من الأدوات اليدوية البسيطة إلى الآلات والمحركات الحديثة، ومن وسائل النقل البدائية إلى القطار والسيارة والطائرة، ثم إلى شبكات النقل والاتصال التي اختزلت المسافات وغيّرت إيقاع الحياة. ولم يتوقف هذا المسار عند حدود الصناعة والميكانيكا، بل تواصل عبر منعطفات كبرى أعادت تشكيل وعي الإنسان بالعالم وموقعه فيه، وصولًا إلى هندسة الجينات، وتكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وغيرها من التقنيات التي وسّعت قدرات الإنسان على الفهم والإنتاج والتأثير في الطبيعة. وهكذا لم يعد العقل الفلسفي مجرد تأمل نظري في الوجود والمعرفة، بل غدا قوة خلاقة أسهمت في بناء العالم الحديث، وفتحت أمام الإنسان آفاقًا جديدة لفهم الكون وإعادة تشكيل حياته ومستقبله.

كانت الفلسفة، وستبقى، في حوار حي مع العلم، تتأثر بمنعطفاته الكبرى، وتعيد في ضوئه بناء أسئلتها ورؤيتها للعالم والإنسان وصياغة المعرفة. لم تكن الفلسفة يومًا معزولة عن الاكتشافات العلمية، وإنما ظلت تصغي لتحولات الفلك والفيزياء والأحياء، وتعيد تأويل أسئلتها في ضوء ما تنكشف عنه المعرفة الحديثة. أطاح منعطف علم الفلك الحديث، الذي بدأ مع نيكولاس كوبرنيكوس (1473-1543)، بصورة الإنسان القديمة عن الكون، فلم تعد الأرض مركز العالم، ولم يعد الإنسان ينظر إلى نفسه بوصفه محور الوجود. ثم جاءت فيزياء إسحاق نيوتن (1642-1727) بقوانين الحركة والجاذبية العامة، لتمنح الكون صورة رياضية هندسية، وتؤسس رؤيةً للعالم تقوم على الانتظام والسببية والحتمية. غير أن هذه الصورة لم تلبث أن اهتزت مع ولادة فيزياء الكوانتم على يد ماكس بلانك (1858-1947)، التي كشفت أن الواقع أكثر تعقيدًا وغموضًا واحتمالًا مما يصوره العقل الميكانيكي الحديث، وأن الطبيعة لا تنصاع دائمًا لمنطق اليقين الصارم. ثم جاءت نسبية ألبرت أينشتاين (1879-1955) لتعيد تشكيل فهم الإنسان للزمان والمكان، وتكشف أن ما كان يُنظر إليه بوصفه مطلقًا وثابتًا ليس كذلك دائمًا، الأمر الذي فتح آفاقًا جديدة للتفكير الفلسفي وكيفية بناء المعرفة وحدود الإدراك الإنساني.

غير أن نظرية التطور عند تشارلز داروين (1809-1882) كانت من أكثر المنعطفات العلمية أثرًا في الفلسفة الحديثة، لأنها أعادت التفكير في الإنسان نفسه، وسلالاته الموغلة في القدم، وموقعه في الوجود. بعد داروين لم يعد الإنسان يُفهم بوصفه كائنًا منفصلًا عن الكائنات الحية في الطبيعة، وإنما غدا كائنًا يتشكل في سياق طويل من التحول والتطور والتكيف. فتحت هذه النظرية أفقًا جديدًا للتفكير في الحياة والتاريخ والطبيعة البشرية، وأعادت النظر في كثير من المسلّمات الراسخة عن نشأة الكائنات وتطورها.

هكذا عملت المنعطفات العلمية الكبرى على بناء رؤية الفلسفة للمعرفة والإنسان والعالم، ودفعتها إلى مراجعة مفاهيم الجوهر والغاية والسببية، في ضوء صورة جديدة للكون والحياة أكثر حركة وتعقيدًا وانفتاحًا. لم تكن الفلسفة قادرة على تجاهل ما تكشفه العلوم من تحولات عميقة في فهم الواقع، كما لم يكن العلم قادرًا على الاستغناء عن الأسئلة الفلسفية التي تستكشف دلالات اكتشافاته وحدودها وآفاقها. لذلك كانت الفلسفة تتجدد كلما تبدلت صورة العالم في العلم، وتعمل على بناء مفاهيمها وأسئلتها كلما انكشف للإنسان أفق جديد في فهم الكون والحياة ومكانته فيهما.

المختص في العلوم الطبيعية والتطبيقية يحتاج إلى الفلسفة أكثر من غيره، لأن انشغاله بالنظريات والقوانين والتجارب قد يغريه بالنظر إلى المعرفة العلمية بوصفها يقينًا نهائيًا، أو حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى مساءلة. غير أن الفلسفة توقظ في العقل حسّ الشك الخلّاق، وتدربه على التساؤل والتمحيص واختبار المسلّمات، فلا تسمح له بالاستسلام إلى يقينيات زائفة تولّدها النجاحات العلمية. تذكّره دائمًا بأن المعرفة العلمية معرفة بشرية مشروطة بأدواتها ومناهجها، وأن النظريات صيغ لفهم العالم لا صور نهائية له. ما يبدو اليوم حقيقة راسخة قد يتغير غدًا مع اكتشاف جديد أو أفق مختلف للفهم. الفلسفة لا تزاحم العلم في الكشف عن قوانين الطبيعة، لكنها تنبّه إلى حدود يقينه، وتكشف ما يختبئ خلف مفاهيمه من افتراضات ورؤى للعالم. كلما اتسعت المعرفة ازدادت الحاجة إلى الفلسفة، لأنها تكرّس التواضع المعرفي، وتحرّر العقل من وهم الاكتمال، وتذكّره بأن مجهولاته أوسع مما يعلم، وأن الحقيقة أفق يتسع كلما تقدّم الإنسان في رحلته لفهم العالم.

الفلسفة لا تنافس العلم في اكتشاف القوانين وتفسير الظواهر، لكنها تتساءل عن معنى هذه القوانين، وحدود هذا التفسير، والشروط التي تجعل المعرفة ممكنة، والآفاق التي تتحرك فيها. العالم الذي يتسلح بالفلسفة يدرك أن الوقائع لا تتحدث بنفسها، وأن العقل لا يستقبل المعطيات استقبالًا محايدًا، وإنما يعيد تنظيمها وتأويلها في ضوء مفاهيمه وأدواته ورؤيته للعالم. لذلك تكشف له الفلسفة أن ما يظنه يقينًا نهائيًا قد لا يكون إلا مرحلة في تاريخ المعرفة، وأن النظريات العلمية الكبرى لم تتشكل دفعة واحدة، وإنما ولدت من مراجعات ونقد متواصل وانقلابات في طرائق الفهم والنظر.

ما كان حقيقة راسخة في عصر قد يغدو فرضية قابلة للنقد في عصر آخر، وما يبدو اليوم تفسيرًا شاملًا قد يكشف المستقبل محدوديته. من دون الفلسفة يتحول العقل إلى عقل تقني منشغل بالوسائل أكثر من الغايات، قادر على الإجابة عما يمكن فعله، عاجز عن الإجابة عما ينبغي فعله. هنا تستأنف الفلسفة البحث في المعنى والقيمة، وتضع المعرفة العلمية في أفق إنساني وأخلاقي أوسع. التقدم التقني لا يفضي تلقائيًا إلى عالم أكثر إنسانية، كما أن تضخم القدرة على الفعل لا يعني بالضرورة نمو الحكمة في توجيهه. كان لتضخم القدرة الصناعية في صناعة السلاح أثر كبير في ضراوة الحروب وشراستها، وفي الحجم المهول للضحايا والتدمير في الحروب الحديثة.

كلما تعمقت العلوم في اكتشاف أسرار الطبيعة وقوانينها ولّدت أسئلة فلسفية أشد عمقًا، مثل: ما الوعي؟ ما الذات؟ ما الحرية؟ ما حدود الذكاء الاصطناعي؟ وما معنى أن يكون الإنسان إنسانًا؟ هذه أسئلة تتجاوز المختبر إلى التأمل في الدلالة والمعنى، لذلك تحمي الفلسفة العقل العلمي من الانغلاق في يقينياته المؤقتة، وتغرس فيه تواضعًا معرفيًا يذكّره بأن اتساع المعرفة لا يلغي اتساع المجهول، وأن كل جواب عميق يلد أسئلة أعمق منه. هكذا يتكامل العلم مع الفلسفة في إثراء فهم الإنسان للعالم وفهمه لنفسه.

***

‏  د. عبد الجبار الرفاعي

تحوّل نموذج الإنسان في الفلسفة الحديثة

ما إن نُمعن النظر في تاريخ الفلسفة الغربية حتى يلوح لنا أن مسألة الإنسان لم تكن قطّ مسألةً هامشية أو فرعية بل كانت تلك النقطة العمياء التي تدور في فلكها كلّ الأسئلة الكبرى عن الوجود والمعرفة والأخلاق والجمال. غير أنّ ما يميّز العصر الحديث منذ ذلك المنعطف الديكارتي الذي فتح شهية العقل على نفسه، هو ذلك التحوّل الجذري في مقاربة السؤال الأنثروبولوجي، ذلك التحوّل الذي انتقل بالإنسان من كونه كائناً منكشفاً على حقيقة سابقة له إلى كونه فاعلاً في تشييد تلك الحقيقة ذاتها بل إلى كونه في نهاية المطاف كائناً لا ينفصل معناه عن فعله المستمر في إنتاج هذا المعنى. وإذا كانت الفلسفة القديمة قد أقامت تصوّرها للإنسان على أساس من علاقة التطابق بين الذهن والعالم واعتبرت المعرفة مرآة تعكس موضوعاتها بانعكاسية كلّية وإذا كانت الفلسفة الوسيطة قد دانت للإنسان بتبعيّته لنظام غيبي يسبقه ويحدّد جوهره فإنّ الحداثة الفلسفية في مجمل خطابها لم تلبث أن اكتشفت شيئاً فشيئاً أنّ هذه المرايا ليست سوى أبنية لغوية واجتماعية وتاريخية وأنّ تلك التبعيّة ليست سوى ستار يخفي حركة الذات وهي تخلق وجودها في الآن الذي تخلق فيه وعيها بذاك الوجود. ولم يعد السؤال الجوهري ما هو الإنسان؟ بل صار السؤال الأكثر إلحاحاً كيف يصير الإنسان إنساناً وكيف ينتج في كلّ لحظة هويّته وقيمه ومعانيه وهو يمارس هذه العملية في ظلّ غياب أيّ مرجعية ثابتة أو أساس متين؟

وإنّ هذا الانتقال من الذات العارفة إلى الذات المُنتِجة للمعنى ليعدّ بحقّ أحد أخطر التحوّلات التي شهدتها العقلية الأوروبية ذلك أنّه لا يمسّ فقط نظريات المعرفة ومناهج البحث بل يمتدّ إلى صميم التجربة الإنسانية ذاتها فيعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والعالم وبين الإنسان والآخر وبين الإنسان ونفسه ويفتح الباب أمام تصوّرات جديدة للحرية والالتزام والمسؤولية. ولعلّ ما يزيد هذا التحوّل تعقيداً هو أنّه لم يحدث دفعة واحدة ولا على يد فيلسوف واحد بل تراكم عبر سلسلة من النقضات والاستدراكات والتجاوزات، بدأت مع ديكارت وكانط وتمرّدت مع نيتشه وهايدغر وتفكّكت مع فوكو ودريدا وانتهت أو لم تنته عند ذلك التقاطع الذي تحاول فيه الذات أن تجد موقعها بين إكراهات اللغة والسلطة وبين نداء الأخلاق والغير وبين شهوة البقاء ويقين الموت. وغايتنا في هذا المقال أن نتتبّع هذه المحطّات المفاهيمية في سياقها الفلسفي العميق لا من باب التأريخ العقيم بل من باب الحاجة الماسّة إلى فهم كيف صرنا نحن معشر الإنسان المعاصر، كائناتٍ لا تستقرّ على حال وكائناتٍ تجد هويّتها في الحركة ذاتها وكائناتٍ لا تنتج معناها إلّا وهي تدرك هشاشته ومع ذلك تواصل إنتاجه بإلحاح شبه بيولوجي. فما هذه الذات التي تتوهّم المعرفة ثمّ تتوهّم الإنتاج ثمّ تكتشف أنها هي ذاتها نتاج، وما معنى أن تكون إنساناً في عالم فقد نهائيّاته ويبحث عن معانيه في متاهة لا مخارج لها، وما السبيل إلى التوفيق بين هذه النزعة الحداثية في البناء وتلك النزعة ما بعد الحداثية في التفكيك؟ هذا ما سنحاول أن نرسم أطيافه آخذين بأهداب النصوص الفلسفية الشاهقة ومتّكلين على ما تتيحه لنا القراءة المتأنّية من قدرة على تمييز الخيوط الخفيّة التي تربط بين تلك الذات العارفة في مهدها، وتلك الذات المنتجة في اكتمالها المأساوي، وتلك الذات المسؤولة في نهاية الرحلة أو في بدايتها الدائمة.

لم يكن البتّ في ماهية الإنسان في ما يجعل الكائن البشري كائناً بشرياً سوى ذلك السؤال الأوحد الذي ظلّ يلحّ على الفلسفة منذ ولادتها، لكنه في العصر الحديث لم يعد مجرد تساؤل أنطولوجي عن الجوهر بل تحوّل إلى محكّ إبستمولوجي يختبر حدود العقل وقدراته ثم إلى أزمة تأويلية تتصارع فيها صور الذات وتتشظّى مراياها. وإذا كان القدماء قد عاشوا طمأنينة التعريفات الجامعة وإذا كان وسيط القرون قد آوى إلى ظلّ الغيبيات المستقرة فإن الإنسان الحديث وجد نفسه ملقى في فراغ المعنى مضطراً إلى أن يخترع ذاته من جديد في كلّ لحظة وإلى أن ينتج من شظايا الوجود ما يعوّض به غياب اليقين الأول. إن الانتقال الذي نعنيه هنا من الذات العارفة إلى الذات المنتجة للمعنى ليس مجرّد تحوّل في نظريات المعرفة بل هو زلزال هزّ أركان الوجود الإنساني برمّته وأعاد صوغ العلاقة بين الإنسان والعالم وبين الإنسان ونفسه وبين الإنسان والآخر حتى صار القول عن "الإنسان" ذاته ضرباً من المغامرة الفكرية التي لا تضمن السلامة والتي تفضي بنا إلى سؤال أكثر إزعاجاً هل ثمّة إنسان أصلاً أم أنّ هناك فقط إنسانيات متعدّدة كلّ منها تنتج معناها الخاصّ على نحو يجعله غير قابل للقياس بغيره؟

لكي نستوعب هذا التحوّل في عمقه ينبغي لنا أن نعود إلى اللحظة الديكارتية تلك اللحظة الفارقة التي وضعت فيها الفلسفة الحديثة حجر الأساس لصنم جديد هو "الذات العارفة". لقد كان ديكارت في تأمّلاته يبحث عن يقين لا يتزعزع وعن أرض صلبة يقيم عليها صرح المعرفة فلم يجد غير الوعي المطوي على نفسه غير تلك الذات التي لا يمكنها أن تشكّ في شكّها والتي تدرك وجودها من خلال فعل التفكير نفسه. "أنا أفكر، إذن أنا موجود" لم تكن مجرّد قضية منطقية بل كانت بياناً تأسيسياً عن أولوية الذات الواعية على كلّ ما عداها وعن جعل هذه الذات هي المعيار الذي تُوزن به حقيقة العالم. لقد تحوّلت الذات في هذا السياق إلى مرآة صافية تعكس موضوعاتها بانعكاسية محايدة وإلى عين تطلّ على الوجود من برجها العاجي المنعزل، وإلى حكم يقسم بصواب ما يراه وفساد ما لا يراه. بيد أنّ هذه الذات في وثبتها الأولى كانت ذاتاً عارفة بالمعنى الكلاسيكي أي ذاتاً تتصوّر المعرفة على أنها تمثّل وعلى أنها إعادة إنتاج لما هو كائن في الواقع من غير أن تتدخّل في تكوين ذلك الواقع أو أن تنتج شيئاً منه. إنها ذات تشبه الناظر في المرآة الذي يظنّ أنّ الصورة هي الأصل وأنه ليس له فيها إلّا موقع النظر من غير أن يدرك أنّ مرآته نفسها قد تكون مشوّهة وأنّ نظره قد يكون محدوداً وأنّ الأصل نفسه قد لا يكون سوى انعكاس لرغبته في رؤيته على تلك الهيئة.

وإذا كان ديكارت قد أسس الذات العارفة فإن كانط هو الذي جاء ليكشف عن الشروط القبلية التي تجعل هذه المعرفة ممكنة وهو بذلك يكون قد قلب موازين الفلسفة الحديثة رأساً على عقب، ليس لأنه شكّك في قدرة الذات على المعرفة بل لأنه أنجز ثورة كوبرنيكية حقيقية حين جعل الأشياء تتطابق مع تصوّراتنا لا العكس. في نقد العقل المحض لم يعد السؤال هو كيف نعرف ما هو كائن؟ بل السؤال هو كيف يكون الشيء معروفاً لنا على النحو الذي يظهر به؟ أي كيف تشكّل الذات موضوعها وفق مقولاتها الفطرية وأشكالها الحسّية البديهية؟ وهنا تبرز الذات بوصفها لا مجرد عارفة سلبية بل فاعلة مشاركة في بناء المعرفة وإن كانت هذه المشاركة لا تزال محكومة بثبات القوانين القبلية التي لا تتغيّر والتي تضمن للذات نوعاً من الاستقرار المعرفي والوجودي معاً. لكن ما فعله كانط وإن كان قد خطا بالذات خطوة هائلة نحو الفاعلية فإنه ظلّ في دائرة المغلق، في دائرة العقل النظري الذي يعرف من دون أن يخلق وفي دائرة الذات المتعالية التي هي شرط كلّ معرفة ممكنة ولكنها ليست منتجة للمعنى بمعنى الإبداع أو الخلق الجذري. فالمعنى في فلسفة كانط لا يزال محكوماً بحدود الاحتمال وبتلك الحدود التي رسمتها العقول الكلية لنا والتي لا يمكننا تخطّيها دون أن نقع في متاهة الميتافيزيقا أو في وحل التناقضات. الذات الكانطية هي ذات تعرف ولكنها لا تبتكر هي ذات تنظّم المحسوسات وفق قوانينها لكنها لا تنتج المعنى من عدم ولا تغيّر في العالم شيئاً سوى إضاءته تحت ضوء مفاهيمها الثابتة.

غير أن رياح الفلسفة بعد كانط لم تهدأ بل هبت أكثر اضطراباً حين أطلّ هيغل بعقلانيته المطلقة وحين جعل الروح هي ذلك المسار الصاعد الذي يتعرّف على نفسه عبر التاريخ وحين حوّل الذات العارفة إلى ذات متحقّقة أي إلى روح موضوعية لا تعرف العالم الخارجي فقط بل تعرف نفسها من خلال ذلك العالم وتنتج وجودها في مجرى الزمن. الذات الهيغلية ليست تلك الذات المنعزلة التي تتأمّل الأفكار في هدوء المكاتب بل هي ذات تاريخية، ذات صيرورة، ذات تتحقّق في لحظة الآن وتكون نفسها بفعل تضادّها مع غيرها. هنا بدأ المعنى يأخذ منحى جديداً إذ لم يعد المعنى شيئاً يُعثر عليه في ثنايا العالم ولا شيئاً مفروضاً مسبقاً بل أصبح شيئاً يُنتج، يُصنع، يُناضل من أجله، يُستخلص من رحم التناقضات والصراعات التي تمس نسيج الواقع. لكن هيغل رغم عبقريته الهائلة ظلّ يكرّس نوعاً من العقلانية الشاملة ونوعاً من الثقة المفرطة في قدرة الروح على بلوغ المعرفة المطلقة، تلك المعرفة التي تذيب كلّ غموض وتنهي كلّ صراع وتوفّي المعنى كلّ حقّه في النهاية. وكأنّ الذات الهيغلية وهي تنتج معناها إنما تنتجه لكي تسلمه إلى نهاية التاريخ لكي تذوب في الكلّ المطلق، لكي تفقد فرديتها في سبيل الحقيقة الكبرى. ورغم أنّ هيغل قد أخرج الذات من عزلتها الديكارتية وأدخلها إلى قلب العالم التاريخي فإنّه ظلّ أسيراً لفكرة أن ثمّة معنى نهائياً، ثمّة حقيقة تنتظر الذات في نهاية الطريق، ثمّة اكتمال يبرّر كلّ معاناة ويغفر كلّ انحراف.

ولكن ما إن حلّ القرن التاسع عشر حتى بدأت أصوات التمرّد تتعالى على هذا العقلانية الشاملة وعلى تلك الذات المتعالية التي تتوهّم أنها تستطيع إمساك زمام المعنى إلى الأبد. كان نيتشه هو ذاك الرائد الذي وضع المنجل في جذور الشجرة حين أعلن موت الإله، موت كلّ مرجعية متعالية، موت كلّ يقين موضوعي وموت الإيمان بأي معنى نهائي أو حقيقة مطلقة. لقد كان نيتشه في فلسفته المشظّاة يرى أنّ الذات العارفة التقليدية ليست سوى وهم وأنّ العقل ليس أداة للكشف عن الحقيقة بل هو أداة للخداع وللبقاء وأنّ المعرفة ليست انعكاساً للواقع بل هي إرادة قوّة تتخفّى في ثياب الموضوعية. حين قال نيتشه: "ليس هناك حقائق، بل تأويلات"، كان يعلن عن ميلاد مفهوم جديد للذات، ذات لم تعد عارفة ولا فاعلة بمقدار ما هي قوة تخلق وتفرض معانيها على الواقع، ذات تنتج المعنى ليس لكي تطابق شيئاً خارجها، بل لكي تعبّر عن إرادتها في الهيمنة والسيطرة والتجاوز. الإنسان النيتشوي بكلّ ما يحمله من مأساوية وجبروت، هو إنسان يخلق قيمه بنفسه، يبتكر معياره الخاصّ، يرفض الخضوع لأيّ قانون خارجي ويعلن أن العالم ليس له معنى سوى المعنى الذي نمنحه إيّاه نحن وذلك أننا نموت ثمّ لا يعود لأيّ معنى معنى. لكن هذه الحرية المطلقة في إنتاج المعنى، هذا التمرّد الكامل على كلّ سلطة معرفية أو أخلاقية كان له ثمنه الباهظ فقد ألقى بالذات في هاوية العدمية وجعلها تواجه الفراغ بلا شبكة أمان واضطرها إلى أن تخلق معناها وهي تدرك أنّ كلّ خلق سيكون زائفاً وأنّ كلّ تأويل سيكون تعسفاً وأنّ كلّ قيمة ستُنقض بعد حين كأنّها لم تكن. ومن هنا كانت مأساة الإنسان الحديث مأساة من يعرف أنّه مخترع معانيه، لكنّه لا يستطيع أن يعيش من دونها، مأساة من يبني على الرمال ويغامر بالانهيار في كلّ لحظة، مأساة من يدرك أنّ ملء الفراغ بحشو المعاني لا يلبث أن يفضي إلى فراغ أكبر لأنّ الذات حين تنتج معناها في غياب أيّ مرجعية فإنّها تنتجه لكي تنسى نفسها، لكي تشغل نفسها، لكي لا تنظر إلى الهاوية التي تحتها.

وفي مطلع القرن العشرين جاء هوسرل ليوقف هذا المدّ العدمي ويؤسّس الظاهريات كمنهج صارم للعودة إلى الأشياء نفسها وإلى الذات في تجربتها المباشرة للعالم. كانت الظاهريات الهوسرلية محاولة أخيرة لإنقاذ الذات العارفة لكن من طريق آخر غير طريق العقلانية الموضوعية وذلك بأن نضع بين قوسين كلّ ما هو مفروض مسبقاً وكلّ ما هو خارج عن التجربة المحضة ونتوجّه إلى الشعور الخالص إلى الوعي المقصدي الذي هو دائماً وعي بشيء ما. الذات الهوسرلية هي ذات تعرف ولكن معرفتها ليست معرفة تمثّل أو انعكاس بل هي معرفة حضور وتجلٍّ، هي أن نشهد العالم وهو يظهر لنا بكلّ غناه وتنوّعه من غير أن نضيف إليه شيئاً من تصوّراتنا السابقة أو ننقص منه شيئاً بسبب جمود مفاهيمنا. إنها ذات تسعى إلى أن تكون مرآة صافية ولكن مرآة لا تعكس فقط بل هي التي تتيح للظهور أن يحدث، هي الأفق الذي تبرز فيه الأشياء، هي الشرط الذي يجعل العالم معنىً قبل أن يصير موضوعاً. لكن هوسرل في ولعه بالدقّة والصرامة وفي سعيه لجعل الظاهريات علماً يقينياً، ظلّ أسيراً لنموذج الذات العارفة في نسقها الكلاسيكي وإن كان قد صقلها ونقّاها من شوائب النفسية والطبيعية فإنه لم يستطع أن يحرّرها من وهْم الحضور الكامل ومن وهم أنّ المعنى يمكن أن يُعاش في حالة من النقاء والفورية من غير تشويه أو تحريف. ولم يكن تلميذه هايدغر ليكتفي بهذا المسار إذ سرعان ما قلب الظاهريات رأساً على عقب وأعلن أنّ السؤال الأساسي ليس عن الوعي أو عن المقصودية بل عن الوجود نفسه وعن دلالة الوجود وعن الإنسان بوصفه ذلك الكائن الذي يطرح سؤال الوجود والذي هو في جوهره فهمٌ للوجود أي أن يكون وجوده نفسه مشكلة ومهمة وحيرة.

مع هايدغر نصل إلى محطة حاسمة في مسيرة الانتقال من الذات العارفة إلى الذات المنتجة للمعنى لأن هايدغر لا يتحدّث عن "ذات" بالمعنى الديكارتي أو الكانطي بل يتحدّث عن "الكائن هناك"، عن الدازاين، عن ذلك الوجود الذي ينفتح على العالم والذي لا يُفهم من خلال وعيه المنغلق بل من خلال كونه في العالم ومن خلال انغماسه في شبكة العلاقات والممارسات والأدوات والمواقف. الدازاين الهايدغري ليس ذاتاً تتعرف على موضوعات بل هو كائن يمارس، يهتمّ، يقلق، يموت، يُسقط معانيه على الأشياء، يُضفي عليها حمولات وجودية تجعلها أدوات في يديه تجعل العالم عالماً مألوفاً أو غريباً، مهدداً أو آمناً، واضحاً أو غامضاً. هنا يصبح إنتاج المعنى ليس فعلاً إرادياً أو واعياً بل هو نمط وجود، هو كيف يكون الإنسان في علاقته بالكائنات وبالكائن نفسه. لكن ما يزيد الأمر تعقيداً في فلسفة هايدغر هو أنّه يرتبط بفكرة الزمان وأنّ الإنسان لا ينتج معناه في لحظة واحدة بل في امتداد وجودي من الولادة إلى الموت وأنّ المعنى يتشكّل في أفق الموت أي في ذلك الأفق الذي يكشف عن هشاشة كلّ المعاني وعن زيف كلّ اليقينيات التي لا تعترف بأنها معلّقة على فراغ. ومن هنا كانت هذه المقولة الهايدغرية المهيبة: الإنسان كائن للموت أي كائن لا يجد معنى وجوده خارج إدراك نهاية هذا الوجود، كائن ينتج معناه من وعيه بفنائه، كائن لا قيمة لأيّ معنى ينتجه ما لم يكن محمّلاً بهذا الشعور المأساوي بالزوال، وهذا الشعور بدوره هو الذي يمنحه القوة لكي يختار، لكي يقرّر، لكي يكون ذاته أصالةً، لا بأن يعرفها، بل بأن ينتجها عبر القلق والعزيمة والانفتاح على الاحتمالات اللامتناهية. إنّ هايدغر بكلّ هذه الأفكار يكون قد أسّس لذات لا تستند إلى أيّ يقين قبلي ولا إلى أيّ نظام أخلاقي أو معرفي ثابت بل إلى فعل الوجود نفسه، إلى الحركة المستمرة نحو المعنى وإلى التخلّص من كلّ ما هو مفروض، من كلّ ما هو زائف، من كلّ ما هو "هم"، من كلّ ما يمنع الإنسان من أن يكون صانع معناه الخاصّ، صانع مصيره، صانع موته.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن بعد هذا المسير الفلسفي الطويل هو هل الذات المنتجة للمعنى بهذا المعنى الوجودي العميق قادرة حقّاً على تحمّل هذه الحرية المطلقة؟ وهل هي قادرة على تجنّب الانزلاق إلى العبثية والسخافة كما حدث مع كثير من فلاسفة الوجودية اللاحقين أم أنّ إنتاج المعنى في غياب أيّ معيار موضوعي هو نفسه أشدّ أشكال العدمية خطراً؟ هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة لا حلّ لها، فبقدر ما تحرّرت الذات من سلطة العقلانية الموضوعية ومن إكراهات الميتافيزيقا التقليدية ومن وصاية المراجع الغيبية بقدر ما وقعت في شرك الوحدة والقلق وبقدر ما أصبحت كلّ معانيها قابلة للانقلاب على نفسها في أيّ لحظة وبقدر ما صار إنتاج المعنى أشبه بجهد سيزيفي لا ينتهي ولا يؤدي إلى أيّ نتيجة ولا يمنح أيّ طمأنينة. وربما كان ألبير كامو في أسطورته الخالدة قد عبّر عن هذا الوضع أحسن تعبير حين صوّر سيزيف وهو يصعد الصخرة مراراً وتكراراً عالمّاً بأنها ستهوي في كلّ مرّة ومتسائلاً عن معنى هذا الجهد وعن السرور الذي يمكن أن نجده فيه رغم كلّ شيء. وكأنّ كامو يقول لنا إنّ إنتاج المعنى ليس غاية تُدرك بل هو فعل يُمارس، هو وقفة احتجاج على العبث، هو إعلان تحدٍّ، هو خلق لقيمة في مواجهة اللامعنى، هو أن تجد متعة في الصخرة وأنت تدفعها، وأن تجد جمالاً في جبينك المتصبّب عرقاً وأن تعرف أنّك لن تبلغ القمّة لكنّك مصمّم على الصعود. وتظلّ الذات الحديثة معلّقة بين نفي المعنى وتأكيده، بين العدمية والالتزام، بين أن تكون عارفة لا تنتج شيئاً وبين أن تكون منتجة لا تعرف شيئاً وبين أن تنظر إلى العالم بعين المتأمّل الهادئ وأن تغوص في العالم بجسد المكافح المتعب وأن تسعى إلى الحقيقة وهي تعلم أنّ الحقيقة لا تُعرف بل تُصنع وأنّ كلّ صناعة لها ما يبرّرها وأنّ كلّ تأويل له وزنه وأنّ الإنسان هو ذلك الكائن الذي ليس له طبيعة محدّدة بل هو تاريخ من الاختيارات والمواقف والإنتاجات المتعاقبة، كلّ منها يحمل في طيّاته بذرة انهياره وكلّ منها يفتح الباب أمام تأويلات جديدة وكلّ منها لا يمكنه أن يدّعي التمثيل الكامل أو الإحاطة الشاملة. هذا هو الإنسان الحديث أو لنقل هذا هو ما آلت إليه فكرة الإنسان بعد هذه القرون من التفلسف، كائن لا يستقرّ على حال ولا يطمئن إلى معنى ولا يسكن في ذات ولا يرضى بأن يكون مجرّد مرآة للوجود بل هو ذلك الكائن الذي يخلق وجوده وهو يخلق معناه والذي يعيش هذا الخلق بكلّ ما فيه من بهجة وألم، من أمل ويأس، من يقين وشك، من حضور وغياب، وكأنّه يكتب على الماء كلمات لا تلبث أن تزول لكنّها في لحظة كتابتها كانت الحقيقة الوحيدة التي يستحقّ أن يعيش من أجلها.

فإذا كان ما سبق وتطرقنا إليه قد انتهى بنا إلى تلك الصورة السيزيفية للذات التي تدفع صخرتها في وعي تامّ بعدم جدوى الوصول فإنّ الأمر هنا لا يتعلّق بإنهاء الحكاية بل بافتتاح هاوية أخرى أشدّ عمقاً، تلك التي تنتظرنا في اللحظة التي نكتشف فيها أن الذات المنتجة للمعنى بكلّ ما أوتيت من جبروت وجودي ليست هي المحطّة الأخيرة بل ربّما هي مجرّد وهم آخر وهم أكثر دهاءً من سابقه لأنّه يوهمنا بأنّنا أحرار حين نكون في الحقيقة خاضعين لقوى لا نراها ولا نعترف بها ولا نستطيع الفكاك من شباكها. فقد أفضى بنا الإصرار على جعل الذات مصدر المعنى إلى مفارقة كبرى هي أنّ هذه الذات حين تنزع عنها كلّ غطاء موضوعي وحين تتحرّر من كلّ إكراه خارجي لا تجد نفسها في النهاية إلّا وليدة اللغة التي تتكلّمها ورهينة البنى التي تشكّلها وأسيرة الخطابات التي تسبقها وتتجاوزها حتى ليكاد يخيّل إلينا أنّ "الذات" ذاتها ليست سوى اختراع حديث، اختراعٌ لن يلبث أن يتبدّد كالدخان حين نقرّب منه عدسة التفكيك.

ويبرز الاسم الأكثر إزعاجاً في هذا السياق، ذلك المفكّر الذي أعلن بجرأة لم يسبق لها مثيل أن "الإنسان قد مات" وأنّ عصر الذات بكلّ ما حمله من أحلام العقلانية والوعي والحرية قد ولّى إلى غير رجعة. إنّه ميشيل فوكو ذلك المؤرّخ الأثري للأنساق الفكرية الذي قلب السؤال عن الذات رأساً على عقب فبدلاً من أن يسأل كيف تعرف الذات العالم؟ أو كيف تنتج الذات معناها؟ سأل كيف تم اختراع الذات وكيف تم تشكيلها عبر التاريخ بوصفها موضوعاً للمعرفة وهدفاً للسلطة؟ ولم يعد الإنسان في تحليلات فوكو هو الفاعل التاريخي الذي يمسك بزمام الأمور بل أصبح أثراً سطحياً لترتيبات خطابية عميقة وأصبح نقطة تقاطع لتشابكات معرفية (إبستميه) تتغيّر من عصر إلى عصر بحيث لا يتعلّق الأمر بالذات التي تعرف بل بالحقب التاريخية التي تنتج شروط إمكانية المعرفة ذاتها وتحدّد ما يمكن قوله وما يمكن رؤيته وما يمكن تصنيفه وما يمكن أن يوجد كذات عارفة في المقام الأول. إنّ فوكو في كتبه الكبرى مثل "الكلمات والأشياء" يسعى إلى تقويض الأساس الذي قامت عليه الفلسفة الحديثة كلّها أي ذلك الأساس الذي يجعل من الإنسان مركزاً ومنطلقاً ويكشف عن أنّ الإنسان بصفته كائناً يعرف وينتج معنى ليس سوى شخصية بالية على شاطئ المعرفة الحديثة، شخصية ستمحوها الأمواج كما تمحو وجهاً مرسوماً على الرمال. وهذا القول الفوكوي ليس تشاؤماً عابراً بل هو نتيجة حتمية لمنهج أثري يرى أن كلّ حقبة معرفية تتمتّع بترتيبها الداخلي الخاصّ وأنّ ظهور الإنسان كموضوع للمعرفة هو حدث حديث جداً يعود إلى أواخر القرن الثامن عشر، وأنّه لن يدوم طويلاً لأنّ شروط إمكانية المعرفة تتغيّر مرّة أخرى فتزول معها تلك الصورة الأنثروبولوجية التي كانت الفلسفة تغذّيها بكلّ ما تملك من أمل.

فإذا كانت الذات عند فوكو ليست مصدراً للمعنى، بل هي أثر خطابي، فإنّ جاك دريدا يذهب إلى أبعد من ذلك حين ينزع من المعنى نفسه أيّ إمكانية للاستقرار أو للاكتمال. دريدا بتفكيكه للميتافيزيقا الغربيّة يفضح تلك الرغبة العمياء في التمركز حول حضورٍ ما وحول معنى نهائيّ يتّخذ شكل الأصالة أو الجوهر أو الحقيقة أو الذات الواعية ويُرينا أنّ كلّ خطاب وكلّ كتابة وكلّ محاولة لإنتاج المعنى هي في الحقيقة لعبة إحالات لا نهائية، سلسلة من الاختلافات والتأجيلات لا يمكنها أبداً أن تنتهي إلى نقطة ثابتة. فمفهوم "الاختلاف" عنده لا يشير فقط إلى التباعد المكاني بين الدالّات بل إلى التأجيل الزمني الذي يمنع المعنى من أن يحضر حضوراً كاملاً في أيّ لحظة بحيث تصبح الذات المنتجة للمعنى ذاتاً لا تنتج في الحقيقة شيئاً سوى أطياف معانٍ، إشارات تتبخّر بمجرّد أن نحاول الإمساك بها ونصوصاً تنفتح على نصوص أخرى وهوامش تفضي إلى هوامش أخرى من غير أن يكون هناك نصّ أمّ أو معنى أوّل. ولئن كان نيتشه قد أعلن موت الإله وهايدغر قد أعلن نسيان الوجود فإنّ دريدا يعلن أن كلّ حضور هو غياب وكلّ معنى هو تأجيل وكلّ ذات هي محو وأنّ الكتابة هي الصورة الأمثل لهذا الوجود المتشظّي، وجود لا تمركز له ولا استقرار فيه، وجود يتيه بين رمال النصوص التي لا تؤدّي إلى أيّ ينبوع بل تعيدنا في كلّ مرّة إلى صحرائنا الأولى. وهكذا فإنّ الذات التي كانت تحلم بأن تنتج معناها الخاصّ والتي ظنّت أنّها بذلك تحرّرت من قيود الموضوعية الميتة تجد نفسها الآن أسيرةً لحركة لا نهائية من الإرجاء، تُسحب فيها كلّ معانيها إلى متاهة التشابه والتباين والتراسل اللامتناهي، فلا هي عارفة لأنّ المعرفة قد انحلّت ولا هي منتجة لأنّ الإنتاج قد تأجل ولا هي موجودة لأنّ وجودها أصبح مرادفاً لقلق الدلالة على شيء لا يحضر أبداً. ويصدق في هذا السياق القول بأنّ المعنى لم يعد يُنتج، بل يُسرّب، لم يعد يُبنى، بل يُفكّك، لم يعد يقيناً نعيش في كنفه بل هو أشبه بومضة خاطفة نراها في لحظة ثمّ تخبو تاركة إيّانا في ظلمة أشدّ قتامة من ظلمة الجهل الأوّل.

لكن هذه النهاية التفكيكية التي قد تبدو في ظاهرها وهماً آخر من أوهام الحداثة المتأخّرة لا ينبغي لها أن تخفي عنّا البعد الأخلاقي الذي لا يقلّ أهمية عن البعد المعرفي الوجودي في مسيرة هذا التحوّل. لأنّ السؤال عن الذات وعن المعرفة وعن المعنى لم يكن يوماً سؤالاً أكاديمياً محايداً بل كان دائماً سؤالاً أخلاقياً بالدرجة الأولى، سؤالاً عن كيف ينبغي أن يعيش الإنسان وعن التزاماته تجاه الآخرين وعن مسؤوليته في عالم لم يعد يقبل الأعذار المتعالية. وهنا نجد أنفسنا مضطرين إلى استحضار صوت آخر، صوت ربما يكون الأكثر إنسانية في هذا المشهد الفلسفي المزدحم، صوت إيمانويل ليفيناس ذلك المفكّر الذي استعاد الأخلاق من تحت أنقاض الأنطولوجيا وأعاد الاعتبار للغير بوصفه ذلك المدخل الحقيقي إلى المعنى، ليس معنىً نعرفه أو ننتجه بأنفسنا بل معنىً يأتينا من الخارج، من وجه الآخر، من تلك الدعوة إلى المسؤولية التي تسبق كلّ وعي وكلّ اختيار. ففي حين كانت الفلسفة الغربيّة من أفلاطون إلى هايدغر، تركز على الوجود وعلى الذات وعلى الفهم، جاء ليفيناس ليقلب المعادلة ويصرّح بأنّ الأخلاق هي الفلسفة الأولى وأنّ العلاقة مع الآخر هي التي تشكّل الحدث الأساسي للوجود، حدثاً لا يمكن اختزاله إلى معرفة أو إلى إنتاج معنى بل هو استقبال، هو انكشاف، هو استجابة لدعوة لا تنتظر ردّنا. فالذات عند ليفيناس ليست كائناً يختار معناه ولا كائناً يعرف نفسه ويعرف العالم بل هي كائن مسؤول، مسؤول مسؤولية لا نهائية، مسؤول حتى عن مسؤولية الآخر، أي أنّها كائن يُستدعى إلى وجوده من خلال نداء الغير فلا هي حرة بالمعنى الوجودي التام ولا هي عارفة بالمعنى الإبستمولوجي المحض بل هي أسيرة للأخلاق التي تفرض نفسها عليها من خارجها وتجعل منها رهينة للآخر قبل أن تكون مالكة لنفسها. وهذا التحوّل الليفيناسي وإن بدا وكأنّه يعيد للذات نوعاً من الثبات من خلال إلزامها الأخلاقي فإنّه في الحقيقة يعمّق أزمة إنتاج المعنى لأنّه يعلن أنّ المعنى الحقيقي ليس ما نصنعه بل ما نستقبله في وجه الآخر ليس ما نعرفه بل ما نتحمّل تبعته، ليس ما يريح ضمائرنا، بل ما يزعجها ويقلقها ويجعلها في حالة من الاستنفار الأبدي. ومن ثمّ فإنّ الانتقال من الذات العارفة إلى الذات المنتجة للمعنى لا يكتمل إلّا بهذه القفزة النهائية إلى الذات المسؤولة أي الذات التي تدرك أن إنتاج المعنى دون أخلاق هو مجرّد تمرين على التمركز حول الذات وهو في نهاية المطاف إعادة إنتاج للعنف ذاته الذي كانت تحاول التخلّص منه حين نبذت الموضوعية الباردة والميتافيزيقا القاسية.

أمّا الآن وقد استوفينا هذه الرحلة المضنية عبر مراتب التحوّل الفلسفي من يقين ديكارت عبر تركيب كانط وصيرورة هيغل، مروراً بنقد نيتشه ووجود هايدغر وانتهاءً بتفكيك فوكو ودريدا ومسؤولية ليفيناس، فما الذي نستطيع أن نستنتجه عن مصير الإنسان في هذا الأفق الجديد؟ ما هي صورة الإنسان التي تخرج من هذه المعمعة الفكرية بعد أن تطايرت عنها أقنعة العرفان والإنتاج والتفكيك؟ ربّما كان الخلاصة الأعمق هي أن الفلسفة الحديثة بكلّ تحوّلاتها لم تكن في النهاية إلّا محاولة متواصلة لقول شيء واحد، إنّ الإنسان ليس كائناً يتّسم بأيّ صفة ثابتة ولا حتّى صفة عدم الثبات ذاتها بل هو حدث، حدثٌ يتحقّق في تلك الفجوة بين ما يعرفه وما لا يعرفه، بين ما ينتجه وما ينفلت من إنتاجه، بين ما يريده وما يُفرض عليه، بين ما يحلم به وما يخونه الواقع. الإنسان في فلسفة اليوم هو ذلك الكائن الذي اكتشف أنه يعيش في عالم لا معنى له إلا المعاني التي يخترعها ولكنه اكتشف أيضاً أن اختراع المعاني ليس فعلاً إرادياً بحتاً بل هو استجابة لظروف تاريخية ولغوية واجتماعية ونفسية لا يتحكّم فيها وأنّه حين يخترع معناه فهو في الحقيقة يعيد إنتاج تلك الظروف ويؤكّد تبعيّته لها وكأنّه يرقص في قفص لا يراه ويغنّي بكلمات ليست له ويتوهّم أنّه حرّ لأنه يحرّك قدميه على إيقاعٍ هو الذي اختاره متناسياً أنّ الإيقاع نفسه قد اختير له من قبل قوى لا يراها.

عند هذه النقطة بالذات حيث تتراكم الأنفاس وتتقطّر المعاني نكتشف أنّ ثمّة باباً آخر يطرق نفسه بنفسه، يدعونا إلى ولادةٍ دائمةٍ للدهشة ويمدّ في عمر الحيرة ما يجعله أبديّاً. لأنّ الفلسفة حين بلغت هذه المرحلة من التواضع والوعي بحدودها لم تعد تمنحنا مذاهب جامدة نستريح إليها ولا حقائق محكمَة نستند عليها بل صارت تمنحنا تلك الشجاعة النادرة لأن نعيش في قلب السؤال، لأن نتحمّل وطأة الغموض، لأن نكتب معنى حياتنا ونحن نعلم أن الريح ستمحوه ولكنّنا نكتبه برغم ذلك، لأنّ في الكتابة ذاتها وفي فعل الإصرار على المعنى رغم العبث، قيمة لا تضاهيها أيّ قيمة أخرى. إنّ الإنسان الذي ولد من رحم هذه الفلسفة المضطربة هو إنسان يعرف أنّه لا يعرف ولكنه لا يكتفي بهذا الجهل بل يحوّله إلى محرّك للبحث وإلى دافع للخلق وإلى مصدر للدهشة التي تبقيه حيّاً. وهو يدرك أيضاً أنّ هذا الخلق ليس منفرداً بل هو خلق مشترك، خلق يتحقّق في الآخر ومع الآخر ومن أجل الآخر لأنّ المعنى الذي لا يتّصل بالآخر هو معنىً أصمّ لا يسمع نفسه ومعنى لا يكون معنىً إلّا حين يلقى من يتلقّاه ويحوّله من جديد. ولعلّ هذه هي أعظم هديّة قدّمتها الفلسفة الحديثة للإنسان، لقد حرّرته من ديكتاتورية الحقيقة المطلقة ومن طغيان اليقين الأعمى ومن هيمنة النماذج الجامدة، ولكنها في المقابل كلّفته ثمناً باهظاً، هو ثمن الحرية نفسها أي ثمن القلق الأبدي والشك الدائم والمسؤولية الثقيلة والعزلة التي لا تستكين إلى أحد والتي لا تجد عزاءها إلّا في فعل البحث المتواصل عن المعنى، ليس لكي تجده بل لكي تبقى في حالة بحث دائمة لأنّ البحث ذاته بل لأنّ الرحلة ذاتها هي الآن صارت هي المعنى.

وحين نقف على شاطئ الفلسفة الحديثة متأمّلين هذا التحوّل العميق الذي انتقل بنا من الذات التي تظنّ أنّها تعرف إلى الذات التي تظنّ أنّها تنتج ثمّ إلى الذات التي تكتشف أنّها تُنتج ثمّ إلى الذات التي تكتشف أنها ليست ذاتاً بالمعنى التقليدي بل هي محطّة ترحال وعقدة علاقات ونقطة التباس بين أصداء الماضي وانفتاح المستقبل فإنّنا لا نقف على نهاية بل نقف على ما يشبه المنحدر الذي منه تنطلق كلّ البدايات. الإنسان في هذه الصورة الجديدة ليس إلهاً مخلوقاً على صورته ولا حيواناً عاقلاً ولا كائناً يبحث عن المعنى بل هو ذلك الوجود الذي يعيش في رحم التناقض بين رغبته في الاستقرار ووضعه في عدم الاستقرار، بين حاجته إلى المعنى وقدرته على تشكيله، بين انتمائه إلى الماضي وتطلّعه إلى المجهول. وهو في هذا كله يظلّ سؤالاً مفتوحاً لا جواب له ولعلّ سرّ جماله وسرّ مأساته وسرّ عظمته كلّها تكمن في هذا العجز عن أن يحصر نفسه وفي هذا الإصرار على أن يكون أكثر من كلّ تعريف وفي هذه المغامرة العظيمة التي يخوضها حين يقرّر أن يعيش من دون أمان وأن يكتب على الماء كلماته التي لن تدوم ولكنّها في كلّ مرّة تعيد تشكيل ملامح الماء نفسه. ومن هنا فإنّ القول الأخير الذي يمكننا أن ننطق به بعد كلّ هذه الرحلة هو أنّ الإنسان الحديث ذلك الإنسان المحكوم عليه أن يكون منتجاً لمعناه في أفق العبث والموت هو في الوقت نفسه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يحوّل هذا العبث إلى أغنية وهذا الموت إلى حافز للحياة وهذا الفراغ إلى لوحة تتسع كلّ يوم لمعنى جديد، معنى لا يدّعي الخلود ولا يسعى إلى النهاية بل يكتفي بأن يكون في لحظته العابرة حقيقة مضيئة كافية لإضاءة طريق عابر في ليل فلسفي طويل لا نهاية له.

***

د. حمزة مولخنيف

من قبل حلم الفلاسفة بمدن فاضلة يسود فيها العدل والوئام بين الناس ووضعوا لها أسساً تنظيمية تتكفل بذلك، وكانت اللغة التي تبتعد في استعمالها عن الإيهام والتضليل واللبس واحدة من أهم تلك الأسس، ف (توماس مور) في كتابه (يوتوبيا) شدد على أن تكون اللغة في مدينته المثالية الفاضلة خالية من الألفاظ والعبارات التي يمكن أن تخلق النزاعات اللفظية بسبب عدم تحديد المقاصد لغموض بعض عباراتها ومفرداتها، واذا كانت تلك المدن الفاضلة أحلاماً من ورق فان عالم اللغة (زامنهوف) حاول أن يضع لغة عالمية تسهل التواصل العلمي والإنساني بين البلدان وتتيح التعبير بدقة بعيداً عن الأوهام وسوء المقاصد المحتملة، فاخترع لغة علمية أسماها (الاسبرانتو) ووضع لها أبجدية كتابية وقواعد نحوية، بيد أنها لم يقدر لها النجاح وذيوع الاستعمال، فعزف عنها الناس وطواها النسيان، لأن اللغة ظاهرة اجتماعية عفوية قبل أن تكون قراراً فردياً أو قراراً رسمياً، وإذا كانت الأنظمة الاجتماعية متطورة لأنها خاضعة للنقد ولإرغامات الحياة ومتغيراتها فإن (دي سوسير) في محاضراته اللسانية يرى أن اللغة هي أقل الظواهر الاجتماعية تطوراً وأكثرها ممانعة إزاء التغيير ؛ لأن اللغة تشكل نظاماً للتفكير وآلية لتصور الأشياء الخارجية، فهي ليست شكلاً يمكن التخلي عنه بسهولة، يأتي الحديث عن ذلك وكتابة هذا المقال تزامناً مع حلول اليوم الثامن عشر من حزيران الذي اتخذته الأمم المتحدة يوماً عالمياً لمناهضة الكراهية، ودأبت أن تحتفي به منذ عام 2022 مع دعوتها لسن التشريعات القانونية التي تجرم خطاب الكراهية ومفرداته اللفظية ومناهضة النزعات العنصرية وازدراء الأديان. ومما لا شك فيه أن مجتمعاتنا بأمس الحاجة للاحتفاء بهذا اليوم واستذكاره وإيلائه أهمية بسبب انقسامها ونزاعها المذهبي والقومي وما تكبدته من ويلات وخراب وفجائع جراء ذلك، ولكن الحق أن التخلي عن ألفاظ الكراهية لا ينطلق من قرار رسمي وتشريعات قانونية في عزل مفردات تكرس البغض والحقد بل الأمر مرتبط بنزعة عرفية ذوقية وأخلاقية في الاستعمال، فاللغة ترتبط بأسس التفكير الاجتماعي وقيم المجتمع ورقيه الإنساني. ولأن اللغة لا يمكن اختزالها بمفردات وتراكيب وقواعد نحوية، فهي ليست نظاماً صورياً مجرداً فحسب بل هي خزان لاستعارات تصورية ومجازات ينتظم في ضوئها التفكير الاجتماعي وتستند إلى موروث من النصوص الأدبية والتاريخية والكتب المقدسة تشكل بمجملها خطاطات ذهنية تكون منطلقاً للاستدلال وتصور الوقائع والتفاعل معها، وتبني تصورنا حول التاريخ والمستقبل وعن الآخر المختلف عنا بموروثها السردي وبأمثالها وحكمها.

لقد تصدت الأعمال الروائية العراقية بعد 2003 لموضوع الكراهية في المجتمع العراقي وتداعياته في الحروب الأهلية، وكان من أبرزها أعمال الروائي (سنان أنطون)، ومن بين أكثر أعماله التي جسدت ذروة الكراهية هي رواية (وحدها شجرة الرمان). ففي الرواية يضطر (جواد/جودي) الرسام الموهوب المولود في أسرة شيعية أن يحترف مهنة أبيه في تغسيل الموتى التي ورثها عن جده، فلم تجد نفعاً محاولاته في إيجاد فرصة عمل بديلة وهو الرسام المتطلع لحب الحياة والاحتفاء بمباهجها والنزوع لتخليدها في الفن، تزامن ذلك في ذروة الحرب الأهلية في بغداد بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، فيقترب من حافة الجنون بسبب الكوابيس التي تطارده ومشاهدته لجثث الموتى وتغسيله لأشلاء القتلى في مغتسل مدينة الكاظمية في بغداد من ضحايا العنف والتفجير والقتل على الهوية، فأكثر المشاهد التي تثير الشفقة والعاطفة والنبل الإنساني والأسى والإشفاق هي مناظر الموتى من ضحايا الكوارث. إنَّ ثمة عنفاً رمزياً يطال جسد المرء ميتاً بعد وفاته قد صورته رواية (وحدها شجر الرمان)، فلكل ثقافة مراسمها الخاصة في طقوس العبور ولا سيما دفن الموتى واختيار المكان وكيفية تجهيز الميت. فمعظم الملل تختار مكاناً لدفن معتنقي مذهبها وحدهم ولا تجيز لأي أحد من الديانات الأخرى أن يدفن في مقابرها، فإكرام الميت دفنه في مكان يكتسب حرمة لدى تلك الطائفة، فكأنَّ اللحد مستراح الديانات الحقة وهو بوابة البرزخ للنعيم الآخروي، صورت الرواية ذلك مع جثث الموتى في العمليات الإرهابية ممن هم مجهولو الهوية إذ لا مكان لهم بين تلك الأمكنة فهم بلا هوية. فالعنف الرمزي الذي ينتج الكراهية لا يمكن تلخيصه وحصره بالألفاظ وحدها فقد يكون إيماءة من لاعب كرة قدم يرسم الصليب أو لاعب يسجد على ساحة الملعب او يرسم شارة النصر بأنامله في وجه الجمهور انتشاء وإغاضة بعد تسجيله هدفاً أو يكون زياً تنكرياً أو هتافاً أو أيقونة أو دمية يرفعها جمهور كرة القدم. أو قد يكون الاستغراق في بث محتوى رقمي يتضمن هوية فرعية والمبالغة فيه في الفضاء الرقمي العام المؤمم، أو يكون نقداً مسرفاً جارحاً لمسألة علمية أو ثقافية في استهزاء وتهكم أو شيطنة لفكرة نظرية عامة أو منهجاً أو اتجاهاً من دون مراعاة حساسية آخرين يؤمنون بها.

وفي ضوء خطاطة (ياكوبسن) تبرز واحدة من وظائف الخطاب الست، تتلخص هذه الوظيفة في شرح أو نقد أو بيان بعض مفردات الخطاب وعباراته وتفسير ما غمض فيه من معان أو نقدها وتحليلها وتسمى ب (ما وراء الخطاب)، وهي أقل الوظائف حضوراً موازنة بغيرها من الوظائف التواصلية الإخبارية والتعبيرية والتأثيرية، وإذا كنا نتحدث باللغة عن الأشياء بمختلفها في الوظيفة الإخبارية فإننا نتحدث باللغة عن اللغة نفسها في وظيفة (ما وراء اللغة والخطاب) ونصدر أحكاماً قيمية على اللغة بمفردات اللغة نفسها وبمنطق اللغة نفسها، فنقع في أشراك اللغة وفخاخها ولا يمكن أن نفلت من قبضتها، ومن مصاديق هذه الوظيفة جملة من الحوارات التي ترد على لسان (جودي) في نقده لألفاظ اللغة المحرضة على الكراهية التي تلامس جوهر المشكلة الطائفية وتفكك محركاتها في صراع الأفكار والعنف الرمزي. فبعد حادثة تفجير القبتين في سامراء يثور (جودي) في نوبة غضب مصرحاً بكرهه لكل الهويات الفرعية (الهويات القاتلة) التي تنتج الكراهية وأسباب الموت والإرهاب وضمنها هويته المذهبية ؛ في واحد من أهم نصوص الرواية التي تستشرف سلطة اللغة وفخاخها، متمنياً لو أنه قام بتفخيخها ونسف كل تمثلاتها الدلالية من المفردات التي تشير للطوائف وما تختزن من عنف رمزي وكراهية، ولكنه أدرك استحالة ذلك لأنه من حيث لا يشعر يستعمل هو الآخر مفردة (التفخيخ)، فلم يفلت من قبضة الكراهية التي تنتجها لغته، فوقع هو أيضاً في شراك كراهيتها، فقد جاء على لسانه : (بدأت أكره الجميع بالتساوي شيعة وسنة وإن كل هذه المفردات تخنقني كأنها مسامير صدئة في رئتي : شيعي، سني، مسيحي، صبي، يزيدي، كتابي، رافضي، ناصبي، كافر، يهودي. لو أن بإمكاني أن أمحوها كلها أو أفخخ اللغة وأفجرها كي يستحيل استخدام هذه المفردات، ولكن حتى هذا لن يغير ما تحمله المفردات وما ترمز إليه، وهأنذا أيضاً استخدم لغة التفخيخ والذبح).

وإذ تبرز حاجة ملحة في حظر ألفاظ الكراهية من الفضاء التداولي العام ومراقبة الاستعمال من خلال سن تشريعات قانونية تجرم خطاب الكراهية إلا أن ذلك لا ينسجم مع منطق اللغة، ففي اللغة نفسها سلطة قسرية تتحكم في مسار الذهن وبناء التصورات، فلا يمكن الإفلات من هيمنة اللغة وسلطتها ومركزيتها فإذ يتوهم الإنسان أنه يتحدث من خلالها ويستخدمها أداة لأغراضه لكنها في تصور (هاديغر) لها هي منزل الكينونة التي تتحدث من خلاله وتستخدمه، فأنساقها ووجودها يسبق فهمه وتصوراته الذاتية. ف (رولان بارت) في كتابه (درس السيميولوجيا) يؤكد أن اللغة ليست مؤسسة ليبرالية تتيح بدائل تعبيرية كثيرة للفكرة الواحدة وتهيء حرية التعبير، وليست هي أيضاً مؤسسة دكتاتورية تقسر الإنسان أن يعبر بطريقة ليس مقتنعاً بها بل هي مؤسسة فاشية إذ هي تعيد توجيه أنماط التفكير. لقد حاول النظام السابق قبل 2003 في سبعينيات القرن الماضي منع استعمال الألقاب التي تدل على الانحدارات المناطقية والقبلية إلا أن ذلك لم يدم طويلاً في عهده إذ برز في العقدين الأخيرين من حكمه استعمال الألقاب القبلية بشدة وهيمنت العشائرية على المجتمع. وعلى الرغم من قيام أكثر من سياسي واحد بعد احتلال أمريكا للعراق 2003 بالاستعاضة عن اسمه الحركي الرمزي في مرحلة المعارضة باسمه الصريح بعد توليهم للمناصب الرسمية إلا أن بعضهم أصر على الاحتفاظ باسمه الحركي (الجعفري) الذي يشير إلى مذهبه على الرغم من توليه لمنصب سيادي كرئاسة الوزراء، فليس هناك كالألقاب والأعلام أكثر دلالة على الانتماء القبلي والمذهبي. فهذه المفردات لا تنشئ التقابل اللغوي في قيم سلبية لتحقيق المغايرة البنيوية في اللسان فحسب، فهي ليست معان معجمية محايدة في الاستعمال بل هي محملة بدلالات هامشية ونفسية حافة، فهناك ظلال من المعاني الثانوية تصاحب الدلالة المركزية لهذه الألفاظ، ففي التصور الدلالي (لتشارلز فلمور) للكلمات فان ثمة أطراً ذهنية تتضمن مجموعة من التصورات وترتبط بذاكرة وقائعية وثقافية متعلقة بكل مفردة، لذلك تختلف الثقافات والهويات الفرعية في تمثلاتها للمفردات الواحدة لاختلاف أطرها الذهنية. فالأمر لسانياً لا يمكن تبسيطه بالاستغناء عن مفردات ما تحرض على الكراهية من دون صناعة ذاكرة جديدة ترتبط بهوية جديدة.

إن مفهوم السياسة اللغوية الذي تبلور في مناخ اللسانيات الاجتماعية في أوربا الذي تلقته اللسانيات العربية والثقافة العربية بنحو عام لا يتلخص في المنظور الغربي بالحفاظ على ديمومة اللغة ونقاء استعمالها وتداولها بل يمتد إلى قضايا اجتماعية وثقافية مهمة، ومن أبرزها إدانة التحيز اللغوي لصالح الذكر على حساب الانثى وتفكيك الخطابات الذكورية ومناهضة الألفاظ العنصرية، فكانت تلك الرؤى السياسية تمتاح خططها البرامجية في التربية والتأهيل وسن التشريعات من المنجز اللساني الوصفي المحلل للخطاب ضمن أدبيات التخطيط اللغوي، فالأخير هو من يرسم الخريطة التفصيلية لبوصلة السياسة اللغوية. وفي التلقي العربي انحصر الأمر في التعريب والترجمة وتنقية الاستعمال الفصيح من العامي الدخيل والتنبيه على خطر الثنائية اللغوية والازدواج اللغوي، ولم تشرع نوافذها في النظر لمناهضة العنف اللغوي الا في دراسات خجولة، فقد اقتصرت تلك الدراسات على الأنساق الصورية المجردة والحفاظ على اللغة، فلا يكفي سن التشريعات وتفعيلها ومحاسبة المحرضين على الكراهية من الطائفيين ودعاة الفتن بل إن أي حديث عن ذلك بدون تبلور مشروع هوية وطنية تتبناه مؤسسات الدولة في خطابها التربوي وتتخذه فلسفة في بناء الفرد يكون عبثاً. إن تقديم تأويلات أخرى غير التأويلات المذهبية للأحداث التاريخية الإسلامية لأخبار الفتن والانقسام ونقدها بموضوعية، وفصل التاريخي البشري عن الروحي والمقدس والقيمي الذي هو من الثوابت المشتركة بين المذاهب المختلفة من شأنه أن يسهم في معالجة هذه الإشكالية.

وفي مشاهد كثيرة من رواية (وحدها شجرة الرمان) تستفز (جودي) استعمالات الآخرين للضمير (احنة /همة) (نحن/هم) في الإشارة للطوائف في سياق الكراهية وينتفض ضد من يستعملها حتى من أسرته، ولكنه في إحدى الحوادث يقع في شراك اللغة وفخاخها من خلال سوء التأويل إذ لا يوجد بديل في سياقات معينة للتعبير عن تلك الانتماءات من غير تلك الضمائر. فقد استفزت جودي عبارة شخص اصطحب جثة متفحمة مجهولة الهوية نتيجة العمليات الإرهابية، فقد طلب من جودي أن يتولى مراسيم تجهيز جثته بالتيمم بدلاً من التغسيل قائلا (سوي الاشياء التي تسوهة انتم) فاستفزته العبارة المتضمنة لضمير المخاطب (انتم) فألح بالسؤال (شنو تقصد بانتم أ تقصد الشيعة ام تقصد من يتولى تغسيل الموتى). فأدرك بعد أن هدأ روعه أن توقير هذ الميت (الشيعي)الضحية وإكرامه هو من يدفع هذا الرجل (السني) الشهم إلى مراعاة معتقدات مذهبه ويطلب منه هذا الطلب بدليل أنه يجازف بحياته في هذه الظروف الاستثنائية في الحرب الأهلية وينقله إلى المغتسل. فهذا التقابل في الضمائر من أسوء تجليات خطاب الكراهية في إثارة الحساسيات. ويتم توظيفه في سياق الكراهية لاستدعاء العنف الرمزي، ففي محاكمة رئيس النظام السابق صدام حسين المليئة بالعنف الرمزي يتم تأويل ثنائية (هم/ احنة) في قضية الدجيل وأثناء إدلاء أحد الضحايا بشهادته مستذكراً وقائع الحادثة التاريخية والاعتقال ذاكراً (أتى أحد الضباط منهم) اعترض صدام قائلاً:(منو تقصد منهم.. السنة) في ابتسامة تحمل دلالات كثيرة، فأجابه الشاهد (لا السنة هم أخوالي وانا اتشرف بهم) ثم أعاد كرة السؤال ثانية (منو البنوناصر)إشارة إلى عشيرة الرئيس،ومضى الشاهد في حديثه دون أي تعليق، فقد فطن بنباهة إلى مزالق السؤال وما يتضمن من دلالات لإثارة الكره الطائفي. فالضمير في ضوء لسانيات التلفظ لا يضطلع بتعيين المتحدث والمتحدث إليه إذ إن اللغوي الفرنسي (أميل بينفينيست) يؤكد أن استعمال الضمير في الخطاب يتضمن رسم المسافة الجدلية بين الأنا والآخر، فلا يمكن رصد الذاتية في الخطاب دون تلك التقابلات الإشارية بين الضمائر، فتوظيف تلك الثنائية في الاستعمال يتيح للمتحدث تأكيد انتمائه لجماعته المذهبية (نحن) وتضامنه معهم، وفي الوقت نفسه ف (الأنا) في كينونتها تشكلها الهوية المغايرة للآخر، فثمة تقابل هوياتي اجتماعي، وهذا التقابل يتفرع منه تقابل ضمني هو التقابل بين الحضور والغيبة وفيه تشفير وترميز للكراهية، فدلالة ضمير الغيبة (هم) في خطاب الكراهية يشير إلى البعد النفسي والبعد الفكري ولا يشير للبعد المكاني فحسب. وكان الناقد (نادر كاظم) في كتابه المهم والقيم (لماذا نكره) قد أشار من قبل إلى أن عزلة الجماعات عن بعضها وعدم تفاعلها مع الهويات المغايرة في الاجتماع والحضور هو من يتيح للكراهية أن تنمو وتتنفس بحرية إذ الجماعات في التواصل تضطر إلى أخلاق المجاملة ، بيد أن الأمر قد استفحل في الفضاء الرقمي الافتراضي واتساع دائرة البث الفضائي التلفزيوني فأصبحت البرامج الحوارية مادة سهلة الإعداد وتضمن تفاعل الجمهور في محتواها المتعلق بمسائل الخلاف الدينية أو السياسية في صناعة ممنهجة لخطاب الكراهية تستثمر فيه لخلق الاصطفافات العرقية والمذهبية وصناعة الرأي العام لا سيما في الانتخابات البرلمانية، مما أدى لبروز تلك الثنائية في الحوارات السجالية (همة / احنة)، (عدنة/ عدهم) (جماعتنة/ جماعتهم) في غياب ملحوظ لقاعدة الأدب في الحوار وغياب المجاملة لا بل امتد الأمر إلى تعميم الشتيمة فبدلاً من أن يقول المتحدث لمحاوره (تاج راسك) يقول (تاج راسكم)، وبدلاً أن يقول في لحظة احتدام النقاش والغضب (رغم أنفك) يعمم قوله بصيغة الجمع (رغم أنوفكم)، ولا يخفى ما في التعميم من استعداء غير مهذب وإهانة للجمهور وإثارتهم عاطفياً واستفزازهم في فضاء يتيح التفاعل مما ينتج تبادل العنف اللفظي، فيصبح الفضاء الرقمي فضاء لا تستريح له النفس مليء بالبغضاء والكراهية والتشفي والشحن الطائفي، يحصل كل هذا في ظل غياب المحاسبة القانونية لجرائم النشر وعدم تجريم مثيري الفتن المذهبية والطائفية وملاحقتهم قضائياَ، في وقت تنشط في الظل والخفاء جيوش الكترونية تفيد من الارتزاق والتكسب الرقمي في التحريض والتشفي وبث الفتن والاستثمار فيها، وما تنتجه من عنف رمزي وفي صناعتها للكراهية يكون سبباً مهماً ومقدمة حتمية لنشوب الصدامات الأهلية والاقتتال الطائفي.

إنَّ أكثر الأواصر التي تصنع الهوية الواحدة ولعلها أكثر من آصرة الدين الواحد والمذهب الواحد هي اللغة الواحدة كما يؤكد الأديب والمفكر اللبناني أميل معلوف في كتابه القيم (الهويات القاتلة)، فالفتوحات الإسلامية لم تسهم في نشر الإسلام فقط في مصر وفي شمال افريقيا بل أسهمت في إدخال تلك المجتمعات إلى الحاضنة الثقافية العربية، فانصهرت تلك المجتمعات مع العرب في هوية واحدة، لأنها تحدثت باللغة العربية بينما لم يحصل ذلك الاندماج في الهوية مع إيران وتركيا على الرغم من دخلوهما الاسلام وحكمهما للبلاد العربية وعلى الرغم من التلاقح الثقافي والسبب يعزى لاحتفاظها باللغة الفارسية واللغة التركية. فلا شيء يسهم في صناعة الهوية الواحدة مثل اللغة ولا شيء يفت من كيانها مثل انقسامها وتفتت لهجاتها. ففي واقعنا العربي المعاصر وفي لغتنا العربية الواحدة مثل التنوع اللهجي (المناطقي) في إطار مفردات يبدل بعض أصواتها نقول مثل التنوع اللهجي تمايزاً شكل مسافة نفسية بين أبناء الوطن الواحد، فكل يبقى عالقاً بتلك الحدود النفسية ولا يبرحها، فيرسم ذلك التنوع اللهجي الطفيف محظورات أمام البوح والإفصاح ويضع كوابح أمام النقاش ، فتشكل لهجة الآخر سياج تحفظه إذا كان يلتزم سمت الذوق والأدب في الحوار، أو تغري نزقه وطيشه في إغاضة الآخر إذا تخلى عن مبدأ الأدب في الحوار. لابل اتخذ ذلك التنوع مساراً تأويلياً عند الجماعات الإرهابية في تحديد هوية الناطق ومرجعيته الدينية والمناطقية حين كان القتل على الهوية مشرعاً في كثير من البلدان العربية في أحداث العنف والحروب الأهلية .

وإذا كانت البولوفونيمية (تعدد الأصوات) في العمل الروائي والدرامي وتوظيفها الذكي مما يسجل لأسلوبية الكاتب ؛ ففي المجتمع متعدد الثقافات والطبقات ينبغي رسم الشخصية بلسانها للإيحاء بانتمائها وهويتها الفرعية إلا أن ذلك أدى في الكثير من الأعمال الدرامية التلفزيونية المحلية إلى تأويلات تصب في دائرة العنف الرمزي في عدول التأويل للملفوظ من قصدية الإبلاغ إلى سخرية المؤلف في استراتيجية لغوية تقوم على التلميح والتلويح والازدراء العنصري لشخصيات معينة من خلال اختيار لهجتها الشعبية التي ترمز إلى انحدارها المناطقي أو المذهبي الذي يقع تحت طائلة التهكم الاجتماعي ضمن ما يسميه (وليم لابوف) ب (أفعال الهوية اللغوية).فالتلقي الشعبي للأعمال الدرامية الفنية لا ينفك عن تلقيه للخطاب اليومي الواقعي المحفوف بالكراهية، فثمة لهجات معنفة تتعرض للتنمر، وفي الوقت الذي لا يمكن تبرئة بعض الأعمال الدرامية التي تنخرط في الكراهية وتعيد إنتاج خطابها وتسهم في صناعته إلا أن تعميم ذلك ينتهي بنا إلى استحالة عرض الشخصية العراقية بلهجاتها التي توحي بانتمائها الاجتماعي لأنها سوف تقع في شراك تأويلات سوء النية مما يجهز على سيرورة الفن وإنتاج الأعمال التلفزيونية ويودي بالإبداع.

وثمة خطاب أبوي مهيمن في المجتمعات البطريركية الذي يعد مجتمعنا واحداً منها، تتجلى في ذلك الخطاب نزعة السيطرة وتعميم المثال لأنماطه السلوكية ورؤاه ولهجة لسانه بهدف إخضاع الآخر وتذويبه في مثاله، فالعنف المادي من القتل والاحتراب هو نتيجة لذلك العنف الرمزي في تأصيل عالم الاجتماع (بيير بورديو).ومهما أبدى الآخر المختلف تناغماً مع خطاب المركز وأسهم في مشروعه الثقافي مع احتفاظه بخصوصيته الفرعية يبقى معنفاً رمزياً ومتهماً بالخروج عن ثقافة المركز إذا اهتم بخصوصيته الثقافية، ولعل خير مثال على ذلك أن إسهام اللغويين المسيحيين العرب في بواكير القرن العشرين في تحديث المعجم العربي ورفده بألفاظ الحياة المعاصرة وتهذيبه من الغريب والمهجور وغير الثابت من الألفاظ ووضعهم الموسوعات المعجمية لم يشفع لهم في إدخالهم لألفاظ تدل على المعتقدات النصرانية المسيحية، فكانت محاولاتهم الريادية غير المسبوقة وجهودهم المخلصة محل تشكيك على الرغم من انتماء تلك الألفاظ النصرانية لدائرة الحياة العربية ولغتها والاستعمال المعاصر، فاللغة تحيا بالاستعمال وتتجلى كينونتها به لا بما هو تاريخي وغير مستعمل.

وبعد وفي نهاية رواية (وحدها شجرة الرمان) وتحت وطأة العنف والقتل يضطر جودي إلى السفر خارج الوطن مصطحباً معه كتاب (أساطير الخلق الرافدينية) للمطالعة في الطريق في دلالة تستشرف أن الخلاص من الكراهية هو في استئناف مسار جديد للهوية الوطنية لا أن يستغرق في الهوية الفرعية المذهبية ،فذلك الاستغراق شكل من أشكال العنف الرمزي، فالهوية الرافدينية الأم من شأنها أن تصهر مكونات أبناء البلد في انتماء واحد مهما تعددت مذاهبهم ونحلهم. ليس هذا فحسب بل هذه الهوية تعلي من شأن الحياة والإصرار على مقاومة كل أسباب الموت، فالأساطير الرافدينية ارتكزت على الخصب والنماء والبحث عن الخلود وحب الحياة وفلتت من قبضة فكرة الموت، ولم تستغرق في رهاب وهواجس ما بعد الموت مثلما استغرقت الحضارة المصرية الفرعونية وحضارات أمم أخرى. وكان اختيار عنوان الرواية (تحت شجرة الرمان) اختياراً موفقاً وذكياً ويستبطن المعالجة ويستشرف الحل، فمن الممكنات التأويلية المحتملة في القراءة التي يمكن إنتاجها في تفسير العنوان أن الهوية العراقية الأم تمتاح قيمها من الثقافات الروحية ، فهو يفتح نافذة على الثقافة الإسلامية من خلال تناصات قرآنية خفية تعلي من مسألة الخلود التي تؤرق الإنسان من خلال رمزية فاكهة الرمان وما أورده (سنان أنطون) في روايته من أحاديث نبوية في دعوتها للتشبث بكل حبات الرمان يشير إلى هذا التأويل الممكن، فهي من ثمار الجنة وعالم الخلود والآخرة، فلا حياة بدون موت، تماما مثل الشجرة التي تغذت على مياه المغتسل، فهي من تعطي للموت فلسفة ومعنى، فلا موت إلا بعد أن يستنفذ المرء كل أسباب الوجود ويعطي للحياة كل أسباب ديمومتها ما وسعه أن يعطي، وهو بموته يبعث الحياة إذ يهب جسده للأرض لتحيا عليه وتتغذى مثلما وهبته هي الحياة من قبل، كما يتضمن العنوان تناصاً قرآنيا خفياً يشير للقيم الروحية النبيلة في (الكلمة الطيبة) المهذبة التي تنسجها الدواخل الإنسانية النقية من خلال طيب النفس والسريرة، فمن شأنها أن تنسج اللحمة الاجتماعية وتستنبت الوئام وتوطد الهوية، مثل الشجرة الراسخة (شجرة الرمان) السامقة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.

***

كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

ليست المشكلة في أن الفلسفة لم تهمل سؤال الإنسان، بل في أنها حين تعود إليه تفترض أنه يمكن اختزاله في تعريف عام أو بنية واحدة ثابتة. تبدأ الأزمة: تحويل الإنسان من كائن تاريخي متغير إلى مفهوم نظري مغلق، ومن تجربة معيشة متعددة إلى صورة ذهنية واحدة قابلة للتعميم. هذا التحول ليس تفصيلا لغويا، بل تغيير في طريقة التفكير من النقد إلى التثبيت، ومن السؤال إلى ادعاء الإجابة. الأنثروبولوجيا الفلسفية نشأت كحقل بين الفلسفة والعلوم الإنسانية، تحاول فهم الإنسان ككائن مركب لا يمكن اختزاله في البيولوجيا أو الاجتماع أو النفس فقط. لكنها في كثير من صيغها لم تتخلص من فكرة الجوهر الثابت؛ لذلك تحولت من محاولة لفهم التعدد إلى محاولة لتقديم صورة كلية عن الإنسان. المشكلة الأولى هي الكلية. أي نظرية تدعي أنها تقدم صورة شاملة عن الإنسان تفترض ضمنا أن الإنسان وحدة يمكن الإمساك بها من الخارج. لكن الواقع يظهر أن الإنسان ليس وحدة مغلقة، بل شبكة من التحولات والعلاقات.

الإنسان يتشكل عبر اللغة، والسلطة، والاقتصاد، والتربية، والدين، والتكنولوجيا. هذه العوامل لا تحيط به من الخارج فقط، بل تعيد تشكيله من الداخل؛ لذلك لا يمكن فصله عن سياقه التاريخي المشكلة الثانية هي فكرة الماهية. القول بوجود طبيعة إنسانية ثابتة مثل: الإنسان عاقل، أو اجتماعي، أو أناني، يبدو تفسيريا، لكنه في الحقيقة اختزال. هذه الصفات تتغير حسب السياق التاريخي والثقافي. العقل ليس بنية ثابتة، بل طريقة تنظيم تتغير مع اللغة، والتعليم، والخبرة. الأخلاق أيضا ليست نظاما واحدا، بل أنظمة متعددة. والرغبة ليست ثابتة، بل تتشكل اجتماعيا.

الماهية ليست حقيقة، بل بناء فكري يستخدم لتثبيت تصور معين عن الإنسان. المشكلة الثالثة هي مركزية العقل. التنوير جعل العقل جوهر الإنسان، لكن العقل نفسه ليس مستقلا؛ هو نتاج عوامل اجتماعية وثقافية ولغوية. ما يعتبر عقلانيا في سياق قد لا يعتبر كذلك في سياق آخر. مركزية العقل تؤدي أيضا إلى إقصاء أشكال أخرى من المعرفة، مثل الحدس، والخبرة الجسدية، والمعرفة الثقافية غير المباشرة. المشكلة الرابعة هي انفصال المفهوم عن الحياة. الفلسفة تبني تصورات مجردة عن الإنسان، لكنها لا تعكس دائما الحياة اليومية، حيث يعيش الإنسان داخل حاجة، وخوف، ورغبة، وصراع.

هذا يجعل الفلسفة تنتج نموذجا نظريا منظم الشكل، لكنه محدود الصلة بالواقع. المشكلة الخامسة هي النزعة الكلية. الفلسفة تميل إلى تقديم نظرية واحدة تفسر الإنسان، لكن الواقع يظهر تعددا كبيرا في أشكال الإنسان عبر الثقافات والتاريخ. لا يوجد إنسان واحد، بل أشكال متعددة من الإنسانية. المشكلة السادسة هي البعد المعياري. حين تعرف الفلسفة الإنسان، فهي لا تصفه فقط، بل تحدد ما يجب أن يكون عليه. هذا يجعلها تنتج نموذجا مثاليا للإنسان بدل فهمه كما هو. المشكلة السابعة هي التحول التقني. الإنسان اليوم لم يعد يعيش داخل سياق اجتماعي فقط، بل داخل بيئة رقمية تعيد تشكيل إدراكه وسلوكه. المنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، واقتصاد الانتباه أصبحت جزءا من بنية التجربة الإنسانية.

الإنسان أصبح مرتبطا بهذه الأنظمة بشكل مباشر، ولم يعد يمكن فهمه خارجها. تطورت العلوم الإنسانية بشكل أكبر في التعامل مع التعدد. الأنثروبولوجيا الاجتماعية، والتاريخ، وعلم النفس الثقافي، أظهرت أن الهوية ليست جوهرا، بل بناء متغير. السؤال لم يعد: ما هو الإنسان؟ بل كيف يتشكل الإنسان؟ المشكلة أيضا في منهج الفلسفة نفسه، الذي يعتمد على التجريد. التجريد مفيد، لكنه عندما ينفصل عن الواقع يفقد قدرته على التفسير. الإنسان لا يعيش داخل مفاهيم، بل داخل ممارسات يومية معقدة. الخروج من أزمة الأنثروبولوجيا الفلسفية لا يعني إلغاء الفلسفة، بل تغيير اتجاهها من البحث عن ماهية ثابتة إلى دراسة شروط التشكل التاريخية والاجتماعية والتقنية. الأزمة ليست في اهتمام الفلسفة بالإنسان، بل في محاولتها تعريفه بشكل نهائي. الإنسان كائن مفتوح يتغير باستمرار، ولا يمكن حصره في تعريف واحد.

***

زكريا نمر

اشتهر كانط من بين آخرين، في انه حاول بناء الاخلاق على أسس عقلانية. واليوم تُعد الاخلاق الكانطية الى جانب النفعية، واحدة من أبرز الأطر الأخلاقية. لكن تطبيق كانط الصارم للاخلاق المطلقة لم يصمد بشكل جيد. عندما نطيع تلك القوانين الأخلاقية التي نرغب بها عقلانيا وبثبات كقوانين عالمية، نحن بذلك نتّبع ما يسمى الالتزامات المطلقة categorical imperative، والتي هي تعلن " تصرّف دائما بطريقة يكون فيها مبدأك الأخلاقي في الفعل هو في نفس الوقت قانونا عالميا".

هذا مشابه للقاعدة الأخلاقية القديمة في الانجيل او في الملحمة الهندية ماهابهارتا، التي طبقا لها نحن يجب ان نعامل الاخرين كما نرغب ان يعاملوننا. لكن اذا كانت القاعدة الذهبية مرتكزة على رغبة شخصية والتي هي ذاتية (انا ربما على سبيل المثال، أكون مازوخيا او أرغب التسامح مع سوء المعاملة)، فان الالتزامات المطلقة مرتكزة على العقل، الذي هو موضوعي.

الأوامر الأخلاقية الافتراضية مقابل الأوامر المطلقة

الأوامر الافتراضية hypothetical imperatives هي قواعد تطبيقية لتحقيق شيء مرغوب، مثلا،" عندما انت تريد خسارة الوزن، يجب ان تراقب طعامك". اذا لم ترغب في نتيجة معينة، انت لا تحتاج لإتباع القواعد. هذه الأوامر هي شرطية. بالمقابل، الاخلاق المطلقة هي أوامر أخلاقية عالمية ملزمة لكل شخص بصرف النظر عن أهدافه، مثل،"لا تكذب، لا تسرق، لا ترتكب الانتحار". الأوامر الافتراضية تستجيب الى أدنى ملكات الرغبة التي تهدف للمتعة. الاخلاق المطلقة تستجيب الى أعلى ملكات الرغبة التي تعمل عقلانيا وبشكل مستقل عبر اتّباع القوانين التي تشرع لذاتها بصرف النظر عن نتائج المشاعر الشخصية.

بالنسبة لكانط، الأفعال الأخلاقية الصحيحة يجب ان تتحفز بالواجب وليس بنتيجة مرغوبة. وهكذا، الاخلاق الكانطية توصف أحيانا بأخلاق مبنية على الواجب، وتُقارن بالذرائعية (مثل النفعية) التي هي مرتكزة على المحصلة. يرى كانط ان الأنظمة الأخلاقية المرتكزة على المخرجات او الرغبات والتي تعمل وفق أوامر افتراضية، هي ليست قانونا أخلاقيا صحيحا.

أمثلة على الاخلاق المطلقة

يعرض كانط بعض الأمثلة لتوضيح جوهر الاخلاق المطلقة. افرض شخصا بحاجة الى مال ويقترض نقودا ويعد بتسديدها، وهو يعلم تماما انه لن يفعل ذلك ابدا. اذا تم تعميم هذا الفعل عالميا، فسوف لم يعد احد يؤمن بوعود التسديد، وسوف تنتهي ممارسة الإقراض.

عندما نساعد شخصا، فان فعلنا يجب ان يتحفز بالواجب اذا اريد ان تكون له قيمة أخلاقية. اذا كنتُ اساعد شخصا انطلاقا من الميول، مثلا، من العاطفة او بسبب انه يجعلني أشعر بالراحة، انا لا أزال أعمل شيء يستحق المديح، لكن فعلي ، كونه ظرفي وليس مبدئي او موثوق به، يفتقر للقيمة الأخلاقية. تصوّر بقالا  يعطي دائما المتبقي من قيمة الشراء بشكل دقيق، لكنه فقط لكي يتجنب خسارة سمعته. سلوكه هذا مع انه غير مُلام، لكنه يفتقر للقيمة الأخلاقية. لو عرف انه من غير المحتمل الإمساك به، هو ربما يبدأ التصرف بعدم نزاهة. وبما ان سلوكه احترازي وظرفي ولم يولد من الواجب، فهو ليس أخلاقا مطلقة.

بالنسبة لكانط ، نموذج القيمة الأخلاقية هو الفرد الذي يكره الحياة ويحب ارتكاب الانتحار، لكنه يبقى على قيد الحياة بدافع الواجب فقط . وبما ان هذا الفرد لا توجد لديه ميول انانية، هو يتصرف بشكل محض من الواجب بدلا من مجرد الإمتثال للواجب. ونفس الشيء، وعلى عكس المتوقع، شخص قاس القلب لا يمتلك أي دافع آخر سوى الواجب ستكون له قيمة أخلاقية "هي الأعلى وفوق المقارنة".

الصيغة الإنسانية للاخلاق المطلقة

الصياغة الشمولية The universalizability formulation هي اول صياغة للاخلاق المطلقة. الصياغة الثانية هي الصياغة الإنسانية، او صياغة الغاية في ذاتها: "تصرّف دائما في تعاملك مع الإنسانية، ذاتك او الاخرين، كغاية وليس كوسيلة".

وكما في ارسطو، جادل كانط ان كل ما له قيمة نفعية يستمد هذه القيمة من الغاية التي يخدمها. وهكذا، لكي يمتلك أي شيء قيمة، يجب ان تكون هناك غاية لها قيمة جوهرية، أي، بمعنى غاية هي غاية بذاتها. بالنسبة لارسطو، هذا "الخير الاسمى" كان السعادة . بالنسبة لكانط، هو كائن عقلاني يمكنه ان يقرر غاياته الخاصة بحرية. في كل الطبيعة، الانسان هو الوحيد الغاية في ذاته، ويجب لهذا السبب ان يتم التعامل معه هكذا. نحن نستطيع فقط استعمال الاخرين (مثل النوادل او سائقي التكسي) كوسائل اذا نحن نحترم غاياتهم الخاصة، نتعامل معهم ككائنات عقلانية لهم أهدافهم بدلا من مجرد أدوات لتحقيق اهدافنا. انت تستطيع استخدام خادم اذا انت تدفع له اجر وتعامله بانصاف، واذا رغب الخادم في ذلك لأن العمل لديك يحقق مصالحه الخاصة. وعلى الرغم من ان كانط لم يطبق ابدا الصياغة الإنسانية على ادانة صريحة لتجارة الرقيق عبر الأطلسي، فان فلسفته الأخلاقية وفرت اطارا للمناهضين للعبودية لاحقا.

تحدّي بنيامين كونستانت لكانط

في أعقاب فترة الرعب (1793-1794)، اثناء الثورة الفرنسية والتي تمثلت باعدامات واسعة لأعداء معينين، تصوّر الكاتب السويسري بنيامين كونستانت Beniamin Constant  تجربة فكرية افتراضية تجاهل فيها الاخلاق الكانطية.

تصوّر قاتل يحمل فأسا يقف عند بابك، يسأل اين صديقك الذي حصل على ملاذ في بيتك. رغم انه طبقا لكانط، الكذب هو دائما خطأ، سيكون من السخف التحدث بصدق وكشف موقع صديقك للقاتل. في هذا السيناريو، الواجب لحماية صديقك يتجاوز أي واجب في قول الحقيقة، وما هو اكثر، مع وجود النية لإرتكاب ظلم جسيم، يكون القاتل فقد أي حق في معرفة الحقيقة.

أجاب كانط على كونستانت وبقي ثابتا على موقفه في مقاله عام 1797 بعنوان "حول الحق المفترض بقول الكذب من دوافع خيرة". حتى في تلك الظروف، سيكون من الخطأ الكذب. أخلاقية الفعل تتقرر بمبادئه، وليس بنتائجه. لا يمكن للمرء ان يعرف ما اذا كان الكذب سيجلب نفعا اكثر من الضرر لصديقه المختبئ. وبينما يتحمل المرء عواقب الكذب، فان عواقب قول الحقيقة تقع على عاتق القاتل. كذلك، لكي تكذب على القاتل سيكون تعاملك معه مجرد وسيلة لغاية، منكرا عليه مكانة الكائن العقلاني القادر على الفعل الحر والمعقول.

مشكلة أخلاق كانط والحل المحتمل

تطبيق كانط الصارم للاخلاق المطلقة قاده لإدانة عدة أفعال وسلوكيات لم تعد موضع ادانة بشكل عام، مثل الجماع قبل الزواج والاستمناء. هو أشار للاستمناء كـ "شر غير طبيعي" على أساس ان الغرض الأساسي للجنس هو التكاثر. الاخلاق المطلقة، بلا شك، قاعدة عامة جيدة، لكنها يجب ان تعترف باستثناءات. الاستثناءات، أيضا، هي مسألة حكم ومنطق – اكثر حتى من القواعد ذاتها. هذا المفهوم في الإنصاف هو شيء فهمهُ ارسطو سلفا – على سبيل المثال، عندما قال ببلاغة:

"المساواة تدعونا لنكون رحماء لضعف الطبيعة الإنسانية، لنفكر قليلا حول القوانين وكثيرا حول الانسان الذي وضعها، وأيضا القليل حول ما قال بدلا من ماذا قصد، لا يجب النظر الى أفعال المتهم بقدر ما ينبغي النظر الى نواياه، ولا الى هذه التفاصيل او تلك بقدر ما يُنظر الى القصة كاملة، لا تسأل ماذا هو الشخص الان وانما ماذا كان دائما وعادة".

حقيقة المسألة هي ان أولئك الذين يرغبون بخرق قواعد الانصاف هم أنفسهم يصبحون بحاجة للانصاف. ألم يُقل، "لن يمر عمل صالح دون عقاب؟"

***

حاتم حميد محسن

.........................

Psychology Today, June 14, 2026

المصادر:

1- عمانوئيل كانط، أسس ميتافيزيقا الاخلاق، 1785

2- عمانوئيل كانط، ميتافيزيقا الاخلاق، 1797

3- بنيامين كونستانت، حول ردود الفعل السياسية، 1797

4- عمانوئيل كانط، "حول الحق المفترض بقول الكذب انطلاقا من دوافع خيّرة"، 1797

5- ارسطو، الاخلاق النيقوماخية.

بين الشرح اللفظي للنص اليوناني والتأويل العقلي للمعنى القرآني

مقدمة: نشأت الفلسفة العربية الإسلامية في سياق حضاري فريد، حيث التقى تراث يوناني عريق بنص قرآني يدعو إلى التدبر والتأمل في الكون والنفس. لم تكن هذه الفلسفة نقلًا سلبيًا للتراث اليوناني، ولا تابعًا حرفيًا للنص الديني، بل محاولة اجتهادية أصيلة لتوفيق بينهما أو تفصيلهما. يدور محور هذه الدراسة حول التوتر الإبداعي بين الشرح اللفظي للنصوص اليونانية (خاصة أرسطو وأفلاطون) الذي يسعى إلى فهمها كما هي، وبين التأويل العقلي للمعاني القرآنية الذي يتجاوز الظاهر نحو الباطن المعقول. كما تعتمد المقاربة هنا على منهج اجتهادي تدبيري: اجتهادي لأنه يعيد النظر في النصوص باجتهاد مستقل يتجاوز التقليد، وتدبيري لأنه يربط الفلسفة بالتدبير العملي للنفس والمجتمع والدولة، أي بإدارة الشأن الإنساني في ضوء المعقول والمنقول. هذا المنهج لا يفصل بين النظر والعمل، بل يرى الفلسفة تدبيرًا للمدينة الفاضلة في عالم إسلامي. فماذا حصل عندما التقى العقلان الاغريقي الروماني والعربي الإسلامي؟

السياق التاريخي: حركة الترجمة والاحتكاك الحضاري

بدأت حركة الترجمة في العصر العباسي، خاصة في بيت الحكمة، بنقل مؤلفات أرسطو وأفلاطون والإسكندر الأفروديسي والفارابي. لم يكن الغرض حفظ النصوص فقط، بل فهمها واستيعابها. هنا برز الشرح اللفظي: حرص الفلاسفة على ترجمة دقيقة ثم شرح حرفي للمصطلحات (مثل الجوهر، العرض، الصورة، الهيولى). كان الهدف استيعاب المنطق الأرسطي كأداة للدفاع عن العقيدة وتنظيم المعرفة.

في المقابل، كان القرآن يقدم رؤية كونية تدعو إلى التأويل: «أفلا يتدبرون القرآن» و«ما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم». أدى هذا إلى ظهور تيار تأويلي عقلي يرى في النصوص الدينية رموزًا تشير إلى حقائق فلسفية. التوتر بين اللفظي (اليوناني) والتأويلي (القرآني) لم يكن صراعًا، بل ديناميكية إبداعية أنتجت فلسفة عربية إسلامية متميزة.

الشرح اللفظي للنص اليوناني: الاستيعاب والتوسع

بدأ الكندي هذا الاتجاه بوصفه «فيلسوف العرب الأول». شرح رسائل أرسطو شرحًا لفظيًا مع إضافات إسلامية، محاولًا التوفيق بين الفلسفة والتوحيد. اعتبر المنطق أداة لفهم النص اليوناني بدقة، لكنه لم يتردد في رفض بعض آراء أرسطو (كالقدم) لمخالفتها الوحي.

لقد تطور الأمر مع الفارابي، الذي ألف شروحًا مفصلة على «أورغانون» أرسطو. كان شرحه لفظيًا في الغالب، يوضح المعاني الحرفية ويربطها ببعضها، لكنه أدخل عنصرًا تدبيريًا: ربط الفلسفة بالسياسة في «آراء أهل المدينة الفاضلة». هنا يتحول الشرح إلى بناء نظري للدولة يجمع بين الحكمة اليونانية والنبوة الإسلامية.

أما ابن سينا، فمثّل ذروة الشرح اللفظي المبدع. شروحه على «ما بعد الطبيعة» و«السماء والعالم» دقيقة جدًا، لكنه يدخل تأويلًا عقليًا يجعل الصادر الأول (الله) مطابقًا للتوحيد القرآني. طور نظرية «الوجود الواجب» التي تجمع بين التحليل اليوناني والرؤية الإسلامية للخالق.

التأويل العقلي للمعنى القرآني: من الظاهر إلى الباطن

في مقابل الشرح اللفظي، برز التأويل العقلي كوسيلة لجعل القرآن متسقًا مع العقل الفلسفي. اعتمد المفكرون على آيات مثل «الرحمن على العرش استوى» أو قصص الأنبياء ليستخرجوا معاني فلسفية. ابن رشد يمثل قمة هذا الاتجاه في «فصل المقال». يفرق بين ثلاثة أنواع من الناس: العامة (الظاهر)، أصحاب الجدل، والخاصة (أهل البرهان). يرى أن الوحي والفلسفة يؤديان إلى نفس الحقيقة، لكن بطرق مختلفة. التأويل عنده ليس تحريفًا، بل كشفًا للمعنى العقلي الكامن في النص. دفاعه عن «قدم العالم» بتأويل قرآني يظهر الطابع الاجتهادي: يستخدم البرهان اليوناني ليخدم فهمًا إسلاميًا أعمق.

الغزالي، رغم نقده للفلاسفة في «تهافت الفلاسفة»، لم يرفض التأويل العقلي تمامًا. في «إحياء علوم الدين» و«مشكاة الأنوار»، يمارس تأويلًا صوفيًا عقليًا يربط بين القرآن والكشف. ينتقد الشرح الحرفي الجامد لليونانيين، ويدعو إلى عقل يخدم الدين لا يتعالى عليه.

خاتمة

في مقاربة اجتهادية تدبيرية، نرى أن الفلسفة العربية الإسلامية تقدم نموذجًا لإدارة التنوع المعرفي. الشرح اللفظي يحمي من الجهل بالتراث، والتأويل العقلي يحمي من الحرفية الميتة. الاجتهاد هنا ليس دينيًا فقط، بل فلسفيًا: إعادة قراءة النصوص في ضوء الواقع المتغير. أما التدبير فيعني توجيه هذا الاجتهاد نحو بناء حضارة: إدارة المعرفة، إدارة السلطة، إدارة الاقتصاد، وإدارة العلاقة بين الدين والدنيا. هذه المقاربة ترفض الاستلاب الحضاري (تقليد الغرب حرفيًا) والانغلاق (رفض العقل). تدعو إلى عقل إسلامي واثق يشرح التراث الإنساني ويؤول نصوصه الدينية بما يخدم تدبير الشأن العام في عصرنا. في المجمل، تُظهر الفلسفة العربية الإسلامية أن التوفيق بين الشرح اللفظي والتأويل العقلي ليس تنازلًا، بل إغناء متبادل. الشرح يعطي الدقة والمنهج، والتأويل يعطي المعنى والغاية. في عصرنا الذي يعاني من أزمة معنى وأزمة تدبير، تعيد هذه التجربة طرح السؤال: كيف نستوعب التراث العالمي (اليوم العلمي الغربي) ونؤوله في ضوء القيم الإسلامية باجتهاد يدير واقعنا؟ الإجابة تكمن في استئناف الروح الاجتهادية التدبيرية التي ميزت فلاسفة الإسلام: عقل جريء يفهم النصوص كما هي، ثم يتجاوزها نحو ما ينبغي أن تكون عليه الحياة الإنسانية. هكذا تظل الفلسفة العربية الإسلامية ليست ماضيًا، بل مشروعًا مفتوحًا للمستقبل. فما تأثير هاته الفلسفة العربية الإسلامية في الفلسفة اللاتينية الأوروبية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ليس الاختزال الأنطولوجي نزوة عابرة في تاريخ الأفكار ولا هو تمرين ذهني يمارسه الفلاسفة في أبراجهم العاجية. إنه تلك الحركة الخفية والعنيفة في آن التي تجعل من السؤال “ما موجود؟” سؤالاً آخر: “ماذا يفعل الموجود؟”، أو “أي أثر يتركه في شبكة العلاقات التي يحتلها؟”. لحظة أن نصبح قادرين على قول “هذا الكائن موجود لأنه يؤدي وظيفة كذا”، أو “هذا الشيء حقيقي لأن آثاره قابلة للقياس”، نكون قد انتقلنا من عالم الكينونة الممتلئة بنفسها إلى عالم الكينونة المستعارة، الكينونة بالوكالة، الكينونة التي لا تملك شرعيتها إلا من خارجها. وهذه هي القطيعة التي تضع الفلسفة أمام امتحان عسير، هل تقبل بأن الوجود ليس أكثر من تشغيل وتدفق أم تصر على بقاء بقية صامتة، سرّية، لا تُفنى في بوتقة الوظائف والآثار؟

ما يجعل هذا السؤال ملحاً اليوم أكثر من أي عصر مضى هو أن شبكات الاختزال لم تعد نظرية فقط بل صارت ممارسة تقنية واقتصادية يومية. فالذكاء الاصطناعي لا يسأل عن جوهر الكائنات التي يصنفها بل عن أدائها الاحتمالي؛ ورأس المال المعاصر لا يقيس قيمة الشيء بذاته بل بقدرته على إحداث فرق في نظام التبادل؛ وحتى الإنسان في تسجيلاته الرقمية وملفاته الوظيفية وشهاداته القابلة للتحقق يُختزل إلى أثر لا إلى حضور. إننا أمام “أنطولوجيا التشغيل” حيث كل ما هو موجود هو ما يعمل وكل ما لا يعمل لا يستحق صفة الوجود. وهنا بالضبط يبرز دور الفلسفة بوصفها الذاكرة الحادة التي تسأل بتعنت نبيل أهكذا كانت الكينونة دائماً ولم ننتبه؟ أم أننا صنعنا آلة ضخمة لاختزال الوجود ثم ألبسناها ثوب الحقيقة؟

هذا المقال سيحاول أن يتقصى أصول هذا الاختزال في الميتافيزيقا الألمانية والبراغماتية الأمريكية والتفكير التفكيكي الفرنسي سائلاً عن اللحظة التي تغير فيها مفهوم الوجود من “ذاتية راسخة” إلى “فاعلية منتجة”. وسيحاول أن يرسم خريطة أولى للمناطق التي اختُزلت بلا رحمة الكائنات الطبيعية والأدوات اليومية والأجساد البشرية ذاتها. ثم نترك الباب موارباً لننتقل إلى حدود الاختزال أين تنكسر الآلة؟ وأي بقايا لا تستطيع أي وظيفة ولا أي أثر أن يضمحلها؟ لأنه إذا كانت الفلسفة تبدأ عندما نتوقف عن الردود الجاهزة فإنها تستمر عندما نعثر على ما في الوجود من وفرة ساذجة تسخر من كل اختزال وتضحك في وجه الأثر الصامت.

الاختزال الأنطولوجي ليس ضرباً من الترف العقلي ولا هو لعبة لغوية هلامية تلهث خلف حداثة آنفة أو ما بعد حداثة متعبة. إنه ذلك الموقف الفكري الذي يغدو فيه السؤال عن “ما هو الكائن؟”، أو “ما معنى أن يكون الشيء موجوداً؟”، مرادفاً بالضرورة للسؤال عن “ماذا يفعل؟” أو “أي أثر يخلّف؟”. هنا تتبدّل الأولويات حيث لم يعد الوجود أصلاً يرتكز على ذاته بل صار تابعاً للفعل أو للعلامة أو للوظيفة. إنها لحظة ميلاد كينونة مستعارة، كينونة بلا جوهر، بلا ثبات، بلا عمق أنطولوجي سوى ما يمنحه إياها نظام خارجي، تقني، اجتماعي، لغوي، أو اقتصادي.

قبل أن يتحدّث هايدغر عن “نسيان الكينونة” في ظل الميتافيزيقا التقنية كان نيتشه قد شقّ الغطاء عن وهم “الجوهر” الثابت حين قال إن “لا يوجد فعل وراء الفعل؛ فالفاعل مختلق” أي أن ما ندعوه “ذاتاً” أو “جوهراً” ما هو إلا شبكة من الأفعال والقوى المتدافعة. وهنا يكمن المفتاح: الاختزال الأنطولوجي يضرب بجذوره في أرض أعمق من نقد الميتافيزيقا، إنه يتعلق بكيفية تحوّل الكون من “كيان” إلى “تشغيل”. ففي عصرنا الرقمي مثلاً لا يُسأل عن البرنامج كونه “موجوداً” بالمعنى الطبيعي بل يُسأل “هل يعمل؟”، “ما مدى كفاءته؟”، “كم من البيانات يعالج؟”. الكينونة هنا قد صارت مقياساً وظيفياً بحتاً، أن تكون معناه أن تؤدي دوراً في نظام إجرائي ما وهي لا تعني شيئاً خارج هذا الدور.

لنستعر مصطلحاً من مارتن هايدغر في “الكينونة والزمان”، حين ميّز بين “الحاضر الجاهز” (Vorhandenheit) و”المعدّ للاستعمال” (Zuhandenheit). الأول هو الكائن كموضوع تأملي معزول عن سياقه والثاني هو الكائن بوصفه أداة مندمجة في شبكة من العلاقات والغايات. في العقل التقني المعاصر لم يعد ثمة مجال للحاضر الجاهز إلا بصفته استثناءً عابراً؛ فكل كائن يُرى أولا وأخيراً بوصفه “معدا للاستعمال” بل إن وجوده يتقرر أصلاً من خلال درجة صلاحه لأداء وظيفة ما. لكن الاختزال الأنطولوجي لا يقف عند هذا التحول الهيدغري؛ إنه يتجاوزه نحو أفق أكثر ظلاماً حيث يصبح الكائن معدا للاستعمال حتى وهو غير كائن أصلاً. أعني أنه ينتج آثاراً قبل أن يتحقق وجوده كما في الأنظمة الاقتصادية المعاصرة حيث تُتاجر بالعقود الآجلة لسلع غير منتجة بعد أو حيث تحمل العلامات التجارية قيمة أكثر من الأشياء التي تشير إليها.

ثمّة نص فخم لجيل دولوز ربما في “الاختلاف والتكرار” أو في مؤلفه مع غوتاري “ما الفلسفة؟”، حيث يتحدث عن “الآلة الأنطولوجية” التي تستبدل الأسئلة الجوهرية “ما هو؟” بأسئلة تشغيلية “كيف يعمل؟”. لكن دولوز ليس وحده قبله بزمن، كان ألفريد نورث وايتهيد قد أعلن في “العملية والواقع” أن الوجود فعل وليس مادة وأن الكون ليس مجموعة أشياء جامدة بل حزمة من الأحداث المتشابكة. ومن هذا المنظور فإن “الاختزال الأنطولوجي” ليس عيباً طارئاً على التفكير بقدر ما هو اكتشاف أن الكينونة لم تكن يوماً جوهراً صلداً بل كانت دائماً شبكة من العلاقات المتبادلة. غير أن الفارق جوهري، فوايتهيد كان يبحث عن إعادة بناء أنطولوجيا إجرائية تحترم سيولة الوجود بينما الاختزال الذي نتحدث عنه هنا يحوّل هذه السيولة إلى آلة وظيفية صماء تقتل أي إمكانية للتساؤل عن معنى الوجود خارج النفعية المباشرة.

لننظر إلى اللغة ذاتها، فرديناند دو سوسير في “محاضراته في اللسانيات العامة” قلّص الكينونة اللغوية إلى علاقة فارقة خالصة، فالمعنى ليس شيئاً يسبق الكلمة بل هو أثر شبكي ناتج عن اختلافات صوتية ودلالية بلا إيجابيات مطلقة. وبالتالي لا وجود للدال بوصفه كياناً قائماً بذاته بل هو مجرد موضع في نظام من الفروق. هكذا تُختزل الكينونة اللغوية إلى وظيفة تفاضلية. لكن هذا الاختزال الأنطولوجي يسري في اتجاه معاكس تماماً لما أراده سوسير، فبينما كان هدفه فهم بنية اللغة صار هذا الفهم أداة لتسويغ القول بأن كل كينونة هي كذلك أي إنها لا تملك أصلاً حقيقياً بل هي أثر خالص في شبكة من العلاقات. فلنقف هنا قليلاً عندما يقول جاك دريدا إن “لا خارج للنص” (il n’y a pas de hors-texte)، فهو يضرب في العمق نفسه ليس أن العالم لم يعد موجوداً بل أن وجود العالم لم يعد ممكناً إلا بوصفه أثراً في نسيج من الإحالات والإرجاءات والتأويلات. وهنا يتحقق الاختزال الأنطولوجي بصورته الأكثر تطرفاً وهو أن تترك أثراً في خطاب أو أن تحتل موقعاً في سلسلة دالّة بلا نقطة استقرار نهائية.

أما في الفكر النقدي المعاصر وخاصة عند مفكري مدرسة فرانكفورت، فهذا الاختزال لا يُقرأ كحقيقة أنطولوجية بقدر ما يُقرأ كعنف تمارسه آليات الرأسمالية والإدارة التقنية على الوجود البشري وغير البشري. ثيودور أدورنو في “الديالكتيك السلبي”، يهاجم “فلسفة الهوية” التي تختزل الماهية إلى فاعليتها أو إلى مفهومها معتبراً أن ما يفلت من الاختزال هو دائماً ما هو غير مطابق، ما هو متبقي، ما هو نوني (Non-identisch). هذا المتبقي هو جوهر الكينونة الذي لا يمكن اختزاله إلى وظيفة أو أثر وهو ما يشبه “البريق” في لغة فالتر بنيامين أو “الجسم بلا أعضاء” عند دولوز وغوتاري حين يكون موضعاً لتدفق الرغبات لا لأداء المهام. لكن السؤال المحوري هو هل يمكن للكينونة فعلاً أن تفلت من شبكة الاختزال؟ أم أن كل محاولة للخروج من هذا القفص الوظيفي هي مجرد وهم آخر ينتجه النظام نفسه لكي يبدو أقل فظاظة؟

لنتأمل كائناً يومياً بسيطاً قلم حبر. كان هذا القلم قبل مئة سنة شيئاً يمكن التوقف عنده، التأمل في مادته في حرفيته في تاريخ صانعه وفي جمال شكله. لكن القلم اليوم في زمن الأشياء التي تُستعمل ثم تُرمى لم يعد يُرى إلا كأداة للكتابة فحسب، إن نفد حبره فإن وجوده ينتهي لا لأن مادته قد زالت بل لأنه توقف عن أداء وظيفته. أقصد أن الكينونة هنا صارت مرادفة للوظيفة إلى درجة أن بقاء الكيان المادي بعد فقدان الوظيفة لا يعني شيئاً. وهذا مثال بسيط لكنه ينكشف على مستوى أعلى، الإنسان نفسه في أنظمة العمل المعاصرة يُختزل إلى وصف وظيفي وإلى مؤهلات قابلة للقياس وإلى كفاءات تُدرج في جداول ونماذج. وجوده الاجتماعي يتقرر بموجب الأثر الذي يتركه في نظام الإنتاج، دخله، منصبه، علاقاته، تأثيره الرقمي. وما لا يُحدث أثراً أو لا يؤدي وظيفة ظاهرة يصبح أشبه بالعدم.

وهنا لا بد من استحضار نقد حنة آرندت في “حالة الإنسان”، إذ تميز بين “العمل” (labor) و”الصنع” (work) و”الفعل” (action). العمل يرتبط بالاستهلاك البيولوجي والصنع ينتج عالماً من الأشياء الدائمة، أما الفعل فهو الكشف عن الذات بواسطة الكلام والمبادرة في فضاء العموم. المشكلة أن الحداثة برأي آرندت قد اختزلت الفعل إلى عمل بل اختزلت الوجود البشري بأسره إلى عملية حيوية واحدة وإلى وظيفة في آلية اجتماعية ضخمة. وهنا الاختزال الأنطولوجي ليس وصفاً لطبيعة الوجود بل هو تشويه فرضته أوضاع تاريخية معينة، صعود المجتمع الجماهيري وهيمنة العقل الأداتي تحول كل شيء إلى سلعة. إنه يشبه ما وصفه جورج لوكاش بـ”الاغتراب” في “التاريخ والوعي الطبقي”، حين تصبح علاقات الناس فيما بينهم وكأنها علاقات بين أشياء، بين وظائف مجردة، بين كميات قابلة للتبادل.

فلنذهب أبعد: الاختزال الأنطولوجي ليس حالة ثابتة بل هو عملية متواصلة، إنه إجراء منهجي أكثر منه نتيجة نظرية. في العلوم الطبيعية يُختزل الكائن الحي إلى وظائفه البيولوجية وفي علم النفس المعرفي إلى آليات معالجة للمعلومات وفي علم الاجتماع إلى أدوار ومتغيرات. لكن هذا الاختزال مشروع في سياقه، فالعلم يحتاج إلى تبسيط، إلى نمذجة، إلى عزل متغيرات. غير أن الخطر يبدأ حين يصبح هذا الاختزال أنطولوجياً أي حين يُعتقد أن الكائن لم يكن في الأصل أكثر من هذه الوظائف وأن ما وراءها هو مجرد خرافة أو ميتافيزيقا عفا عليها الزمن. هنا تتحول طريقة المعرفة إلى حقيقة الوجود ويصبح المنهج العلمي أو التقني أو الاقتصادي رقيباً على ما يمكن أن يكون. يقول مارتن هايدغر في “سؤال التقنية”: إن جوهر التقنية ليس تقنياً بل هو “الاستجواب النازع” (das Gestell) الذي يجعل الكائن لا يظهر إلا بصفته قابلاً للتشغيل والتخزين والتحكم. هذا الإطار (Gestell) هو الاختزال الأنطولوجي بعينه حول الكينونة كلها إلى مخزون احتياطي (Bestand) لا يختلف فيه الحجر الحي عن الطاووس الميت عن القلم الجاف عن الروبوت الذكي، لأن الجميع محكوم بوظيفته ضمن نظام إنتاجي أو إجرائي.

في قلب هذا الإطار التقني تختفي الدهشة الأنطولوجية التي كانت بداية الفلسفة لدى أرسطو، الدهشة من أن شيئاً ما موجود بدلاً من ألا يكون موجوداً. هذه الدهشة تتطلب توقفاً وتأملاً وتعليقاً للحكم العملي والاختزال الأنطولوجي يعادي التوقف. إنه يريد أن يجيب فوراً وأن يربط كل كائن بوظيفة وأن يحيل كل أثر إلى سبب وأن يضع كل سؤال في إطار “ما الفائدة؟” حيث لم يعد مسموحاً للوجود أن يكون زائداً عن الحاجة، عاطلاً، غير منتج، بلا دور، بلا أثر. ومن هنا كان من الممكن قراءة أعظم الأعمال الفنية وأعمق التجارب الدينية وأكثر اللحظات البشرية حميمية وكأنها “مجرد وظائف” أخرى. الفن وظيفة جمالية معرفية، الدين وظيفة تماسك اجتماعي، الحب وظيفة تكاثرية. هذا هو الاختزال باسم الحقيقة ولكن أي حقيقة؟

لقد حاولت ظاهريات إدموند هوسرل ثم هايدغر وميرلوبونتي استعادة “الأشياء نفسها” قبل أن يطمسها الاختزال. الفينومينولوجيا تريد العودة إلى الوجود كما يظهر في الخبرة الحية وإلى ما قبل الفصل بين الوظيفة والجوهر وإلى ما قبل سؤال “لماذا” يسحق سؤال “كيف يكون”. لكن السخرية التاريخية أن الفينومينولوجيا نفسها تحوّلت في أيدي بعض تلامذتها إلى أداة اختزال جديدة، اختزال الوجود إلى خبرة ذاتية، إلى أثر في الشعور، إلى نتيجة لفعل القصدية. وهكذا كل محاولة للهرب من الاختزال تنتهي إلى اختزال آخر كما لو كان الاختزال هو القدر المحتوم للتفكير في الوجود بعد نهاية الميتافيزيقا الكلاسيكية. السؤال الذي يبقى حارقاً هو هل من سبيل لقول “هذا الكائن موجود” دون أن نضيف “من أجل…” أو “باعتباره…”؟ هل يمكن للحظة من الصمت الأنطولوجي الخالص أن تحدث دون أن تصادر فوراً من قبل لغة الوظائف والأثر؟

يظل السؤال ماثلاً هل ثمّة مفر من الاختزال الأنطولوجي أم أن الكينونة محكومة منذ أصلها بأن لا تكون إلاّ وظيفة أو أثراً؟ لنمضِ إلى ميادين الحساسية الأكثر مقاومة للاختزال كالفن والموت والأخلاق، فلعلّ فيها ما يعيد الاعتبار لما لا يُختزل. في مجال الفن تبدو المقاومة واضحة، العمل الفني منذ “جمهورية” أفلاطون وحتى إستطيقا الحداثة أُخضع لمحاولات اختزال متكررة. أفلاطون نفسه اختزل الفن إلى محاكاة (ميميسيس) لمحاكاة أي إلى أثر من الدرجة الثالثة للحقيقة. لكن ثمّة من عاد إلى الفن ليكتشف فيه ما لا يُختزل، هايدغر في “أصل العمل الفني” يرى أن القطعة الفنية ليست أداة ولا وظيفة بل هي “وضع عالم” و”إقامة أرض”. الكينونة تنبثق في العمل الفني بشكل يفلت من شبكة المنفعة لأن العمل الفني لا يشير إلى شيء خارج نفسه بل هو كينونة زائدة مكثفة تفتح أفقاً من المعاني لا يمكن قفله في غاية محددة. الفرق بين القلم الذي ذكرناه ولوحة لفان غوغ هو أن القلم يختفي لحظة أدائه وظيفة الكتابة بينما اللوحة تظهر كينونتها في اللحظة ذاتها التي تبدو فيها غير نافعة. لقد أدرك تيودور أدورنو هذه الحقيقة الناصعة حين قال في “نظرية جمالية” إن الفن الحديث يعرّف نفسه عبر “نفي النفعية” وأن ما تبقى من حرية في عصر الإدارة الشاملة هو ذلك البريق العديم الجدوى في العمل الفني.

لكن المؤسف أن الحداثة المتأخرة عادت لتختزل الفن نفسه إلى وظيفة توثيقية، تعبيرية، علاجية، أو استثمارية. ففي أسواق الفن المعاصر لا يُسأل عن العمل الفني “ما حقيقته؟” بل “كم يساوي؟”، “كيف يُروج له؟”، “أي أثر اجتماعي أو سياسي يتركه؟”. هنا يصبح الفن مرآة للاختزال الذي يدّعي مقاومته. إنها لعبة مرايا أنطولوجية حين يحاول الفن أن يكون غير قابل للاختزال يُختزل من باب آخر كما لو أن الاختزال هو قانون الجاذبية الثقافي الذي لا مفر منه. الأمر نفسه ينطبق على الموت، ذلك الحدث الذي بدا دوماً عصياً على أي وظيفة. الموت في الحسّ الوجودي هو إمكانية استحالة الإمكانيات أي اللحظة التي تنهار فيها كل الوظائف وتتبخر الآثار. لكن حتى الموت لم يسلم من الاختزال. في التفكير البيولوجي يُختزل الموت إلى فشل عضوي؛ في التفكير الاقتصادي إلى تكلفة فرصة أو خسارة رأسمال بشري؛ في التفكير الرقمي إلى انتقال للبيانات المخزّنة. بل ذهب بعض فلاسفة العقل المعاصرين كدانيال دينيت إلى القول إن الموت ليس سوى توقف المعالجة المعلوماتية. هذا اختزال يمسّ ما هو أكثر حميمية في الكينونة البشرية أي قدرتها على توقع العدم. عندما تُختزل علاقة الإنسان بموته إلى وظيفة بيولوجية أو أثر إحصائي يُنسى أن الموت هو الذي يمنح الحياة كثافتها الأنطولوجية لأن الفناء هو الذي يجعل الوجود سؤالاً لا جواباً.

أما الأخلاق فهي ساحة الاختزال الأكثر إيلاماً. كان إيمانويل كانط قد أسس الأخلاق على احترام الإنسان كغاية وليس كوسيلة فقط أي على نفي الاختزال الوظيفي للشخص. لكن الاختزال الأنطولوجي يتسلل إلى الأخلاق من بابين: أولهما النزعة النفعية التي تقول إن الخير هو أقصى سعادة لأكبر عدد أي إن الفعل الأخلاقي يُختزل إلى وظيفة إنتاج المتعة أو تقليل الألم. وثانيهما ما يمكن تسميته بـ”أنطولوجيا الأثر” في الأخلاق المعاصرة حيث لم يعد السؤال “ما هو الخير في ذاته؟” بل “أي أثر ستتركه فعالي على سمعة الآخرين أو على نظام العلاقات؟”. الأخلاق تُختزل إلى إدارة السمعة وإلى حساب التكلفة والمنفعة الرمزية وإلى هندسة الانطباعات. في شبكات التواصل الاجتماعي لا يكون الخير خيراً حقيقياً ما لم ينتج إعجابات أو مشاركات أو تعليقات. وإذا لم تترك الفعلة أثراً يُرى ويُقاس فكأنها لم تحدث قط. هذا اختزال أنطولوجي أخلاقي مدمر لأنه يقوض إمكانية أن يكون الفعل صالحاً بذاته خفياً، صامتاً، غير ظاهر.

ولكن هل ثمّة موقف إيجابي من الاختزال الأنطولوجي بمعنى أن يكون الاختزال نفسه هو شرط إمكانية كينونة جديدة؟ ربما يكون هذا هو الادعاء الأعمق الذي لم ننتبه إليه. عندما يختزل سبينوزا الوجود الإلهي إلى الجوهر الواحد ذي الصفات المتناهية فهو لا يلغي الكينونة بل يعيد تعريفها. وعندما يختزل هيوم السببية إلى عادة نفسية فهو يحرر المعرفة من أوهام الضرورة. وعندما يختزل نيتشه الحقيقة إلى لعبة قوى فهو يمهد لولادة قيم جديدة خارجة عن الميتافيزيقا التقليدية. الاختزال الأنطولوجي إذن، ليس لعنة مطلقة، بل يمكن أن يكون أداة نقدية، إنه يكشف أن ما اعتقدنا أنه جوهر ثابت ليس سوى وظيفة متغيرة وأن ما ظنناه أصلاً مطلقاً ليس سوى أثر لعلاقات قوة. لكن الخطأ يقع حين يتوقف الاختزال عند نفسه وحين يعتقد أنه هو الحقيقة النهائية فيتحول من منهج نقدي إلى سجن أنطولوجي جديد. القوة التحررية للاختزال تكمن في أنه يهدم الأصنام لكن ضعفه القاتل أنه يبني أصناماً جديدة أشد فظاظة، أصنام الوظيفة والأثر والتشغيل والتدفق.

إن سؤال الاختزال الأنطولوجي ليس سؤالاً فلسفياً جانبياً بل هو سؤال العصر بامتياز. في لحظة تاريخية يتحول فيها كل كائن بشرياً كان أو غير بشري إلى مورد ومعطى وأداة وأثر، يصبح واجب التفكير أن يسأل لا عن كيف نختزل بل عن ثمن هذا الاختزال. الثمن هو فقدان القدرة على التوقف، على الدهشة، على التأمل غير النافع، على الحب غير المنتج، على الحزن غير العلاجي، على الموت غير المحوسب. الكينونة المختزلة إلى وظيفة هي كينونة تملك كل شيء ما عدا كرامة الوجود المجاني. والكينونة المختزلة إلى أثر هي كينونة تملك كل شيء ما عدا حضورها الآني غير القابل للإرجاء.

غير أن الحل ليس في العودة الساذجة إلى أنطولوجيا الجواهر الصلدة فهذا مستحيل بعد نقد نيتشه وهايدغر ودريدا بل في تعلم العيش في فجوة الاختزال. قد تكون الكينونة دائماً قابلة للاختزال لكنها ليست منحصرة فيه. قد يكون الاختزال ضرورياً للمعرفة والعمل لكنه ليس كافياً لإقامة حياة بشرية جديرة بهذا الاسم. الفلسفة الحقيقية ليست هي التي تختزل أو التي تتهم الاختزال بل هي التي تتحرك في التوتر بين الحاجتين، الحاجة إلى الفهم عبر الاختزال والحاجة إلى الإجلال لما لا يُختزل. لأن ما لا يُختزل ليس جوهراً غيبياً يسبق كل اختزال بل هو ذلك المتبقي الذي يظهر في اللحظة التي نفشل فيها في الاختزال، ذلك العائم الحر الذي يشبه ما دعاه إيمانويل ليفيناس “وجه الآخر” – إذ الوجه ليس وظيفة ولا أثراً بل حضور يتحدى كل شبكة من العلاقات ويصدر أمراً أخلاقياً مطلقاً: لا تقتل.

الاختزال الأنطولوجي ليس خطيئة مميتة بل هو جزء من طريقة كوننا في العالم. لكن الوعي بهذا الاختزال والسعي الدائم إلى تجاوزه هو ما يفصل الفلسفة الحيَّة عن الجمود الأكاديمي والوجود الأصيل عن التيه في آلة العصر الصماء. فلتكن الكينونة شيئاً أكثر من وظيفتها ولتكن أكثر من أثرها؛ ولنعترف بأن السؤال الأخير عن الوجود لن يُجاب في أي مختزل بل سيبقى مفتوحاً كفتح أول صباح أو كدهشة طفل أمام حصاة لا تنفع لشيء.

***

د. حمزة مولخنيف

قراءة تفكيكية في سلطة النص، وإبادة الإبداع في الفضاءات السياسية الرخوة

يتأسس النقد التفكيكي لبنية النص على خلخلة البداهات اللغوية والوجودية التي تمنح الكلمة المكتوبة قداسة متعالية ومستقلة عن سياقات الصراع الاجتماعي والسياسي. ففي الممارسة التأويلية، لا يمتلك النص صوتاً حراً يتحدث به تلقائياً، بل يظل كياناً صامتاً يحتاج دائماً إلى من يمنحه صوتاً؛ تؤكد هذه الأطروحة أن النص اللغوي، بحكم طبيعته الاحتمالية، خاضع دوماً لقدر التأويل الذي لا ينتهي. غير أن هذا التعدد التأويلي يصطدم مباشرة بالمؤسسات السلطوية التي تسعى إلى فرض قواعد معيارية صارمة تحجر على المعنى وتلجم حركيته، وهو ما أشار إليه الفيلسوف التأويلي بول ريكور في كشفه عن كيفية تدخل السلطة لفرض أنساق تأويلية أحادية تلغي التعددية الفكرية لصالح حماية الكيان المؤسسي واستمراريته.

في هذا الأفق النظري، تتبلور الأطروحة التي تعلن صراحة أن "الإنسان لا يتكلم.. السلطة تتكلم"، في مقاربة تفكيكية لإدارة المعنى تفحص آليات الانتقال الجوهري من "الشفاهية الحوارية الحيوية" إلى "سلطة النص المكتوب". إن التحول من الشفاهية إلى الكتابة لم يكن تطوراً تقنياً محايداً، بل كان عملية تقنين وتثبيت للمعلومة تمنحها قوة وإلزاماً لم تكن تمتلكهما في الحالة الشفوية المرنة القابلة للتكيف وإعادة الصياغة. هذا التثبيت يحول النص من صيرورة حية متفاعلة مع الذاكرة الجمعية إلى كيان جامد يفرض نفسه كمرجع نهائي ومعيار مطلق للحق والباطل، مما يتيح للمؤسسات احتكار المعرفة وسحب حق التفسير والتأويل من الفضاء العام وحصره في دوائرها الخاصة.

تنتج هذه الآلية ما يُعرف بـ "الجهل المقدس"، وهو موقف إيماني تفرضه السلطة لتعزيز القبول على حساب الفهم، ورفض التحليل النقدي لحماية النص من التساؤل والشك. وبالتالي، يغدو النص أداة تدجين اجتماعي وسياسي يُعاد من خلالها تشكيل العلاقات بين المعرفة والجسد، وهي العلاقات التي تتكثف بوضوح في جغرافيا المكان السردي. وحين تقتحم القراءة التفكيكية هذه الأمكنة، فإنها تكشف عن طبقاتها المخفية وتعيد ترتيب بنيتها الرمزية لتخرجها من حيادها الظاهري إلى ساحة التوتر والتأويل. فالأمكنة والأزمنة المتراكبة في النص، أو ما يُصطلح عليه بـ "البنية الزمكانية"، تمثل مسرحاً لتحولات الوعي البشري. ومثلما يتجول "المتسكع" عند فالتر بنيامين في شوارع المدينة الحديثة ليفك شفراتها الحضارية ويخرجها من ركام الاستهلاك، فإن القارئ التفكيكي يفك شفرات النص المعياري ليكشف كيف استولت السلطة على معانيه وقولبته لخدمة هيمنتها.

أيديولوجيا الفهم المبتذل وآليات الإبادة المعرفية: هندسة "مقبرة الإبداع"

عندما يعجز المبدع أو المفكر عن صياغة إنتاجه بما يتلاءم مع أيديولوجيا السلطة ذات الفهم المبتذل، فإن حركة الرفض الواعي تصطدم مباشرة بترسانة من الإجراءات القمعية الرامية إلى وأد هذا الإبداع وتصديره إلى مقبرة الصمت الرمزي. إن الأيديولوجيا المبتذلة هي تلك المنظومة الفكرية التبسيطية التي تحتكر الحقيقة المطلقة وتخشى النسبية والاحتمالية اللتين يتغذى عليهما الفكر النقدي والبرهان العلمي. وتتخذ عملية نفي الإبداع شكلاً منظماً يقع في قلب مفهوم "الإبادة المعرفية"، وهو المفهوم المعني بالتدمير المنهجي للأنماط المعرفية والثقافية الأصلية أو البديلة، وتشويهها، وتهميش صلاحيتها في الذاكرة التاريخية والجمعية لصالح فرض نسق فكري واحد يدعي لنفسه العالمية والمركزية المطلقة.

تاريخياً، لم تكن الإبادة المعرفية وليدة اللحظة، بل ارتبطت بثلاث موجات استعمارية كبرى بدأت في القرن السادس عشر الطويل، مثل سقوط الأندلس وما رافقه من تصفية جسدية ومعرفية، ثم امتدت لتشمل تدمير وتشويه المعارف المحلية للشعوب الأصلية في الجنوب العالمي وإحلال النظام المعرفي الغربي محلها. وتشتغل هذه الإبادة المعرفية اليوم ضد الإبداع المستقل عبر تفعيل آليتين متكاملتين وهما:

تسييج المعرفة: حيث يجري تضييق الفضاء الإبداعي وحصره في مقولات مسبقة الصنع تروج للأيديولوجيا السائدة، مع تحويل المعرفة إلى عقيدة مغلقة تدافع عنها نخبة مرتهنة تابعة للسلطة.

إغراق الذاكرة بالفوضى والشعبوية: من خلال ضخ كميات هائلة من المعارف السطحية والزائفة لتشويش العقل الجمعي وإرباك الإدراك النقدي، مما يحرم العامة والمبدعين من تشكيل أرضية صلبة للمقاومة الفكرية والسياسية.

يتجسد العنف الرمزي في أوج قوته عبر سلاح "التكفير" أو "التخوين الأيديولوجي". إن التكفير في سياق الفهم المبتذل للسلطة ليس حكماً فقهياً مجرداً، بل هو قرار سياسي واجتماعي بامتياز يُستغل كأداة لـ "الحجر على الفكر" وإخضاع العقل للمحاكمة بتهمة "الغزو الفكري" أو "المروق" بمجرد استخدامه للبرهان والسببية. يقود هذا النكوص المعرفي إلى إحلال نظام "البيان" المرتهن كلياً لسحر اللغة وسلطة النص المصنوع محل نظام "البرهان" العقلاني، وهو ما يفضي بنيوياً إلى ما وصفه محمد عابد الجابري وبرهان غليون بـ "اغتيال العقل" وتهميش المثقف النقدي أو تحويله إلى موظف أيديولوجي يبرر أوهام الجماهير والسلطة على حد سواء.

هنا تتبدى الكارثة الأنطولوجية لـ "مقبرة الإبداع" في سياق البنى السياسية والمؤسسية للدول الرخوة؛ حيث لا تكتفي السلطة بنفي المنتج الإبداعي ماديّاً، بل تعمد إلى هندسة فراغ إبستيمولوجي قاتل عبر تفعيل آليات الطمس الممنهج. إن تصفية الإبداع في هذه الفضاءات الرخوة يتجاوز الرقابة التقليدية ليدخل في طور "التجريف الرمزي"، حيث تُحرق مصادر الوعي، وتُهدم الجسور التاريخية بين الأجيال، ويُحرم المجتمع بنيوياً من إمكانية إنتاج واقعه أو صياغة روايته التاريخية المستقلة. يغدو نفي الإبداع في هذه المقبرة الرمزية بمنزلة استئصال لملكة التخيل السياسي والفكري، مما يترك مجتمعات الدول الرخوة في حالة من السيولة المعرفية والتبعية المطلقة، عاجزة عن المقاومة، ومجردة من دروعها الإبستيمولوجية أمام أي اختراق خارجي.

العولمة الإمبراطورية وهندسة الاستلاب الوجودي

يرتبط مفهوم "العولمة الإمبراطورية" ارتباطاً وثيقاً بالتطور البنيوي للرأسمالية الاحتكارية العالمية وتمددها وراء الحدود الوطنية. فمصطلح "العولمة" المجرد يُستخدم كغطاء أيديولوجي حيادي قيمياً وأخلاقياً لإخفاء المتضمنات السلبية والوحشية للمشروع الإمبراطوري الجديد، وتصوير آلياته كقوانين حتمية وعقلانية لا مفر منها. وتتبدى خطورة هذا النمط المعاصر من العولمة الليبرالية المحدثة في سعيه الحثيث نحو تفكيك سلطة الدولة القومية في دول العالم الثالث وتحويل المجتمعات إلى أسواق مفتوحة للاحتكارات العابرة للقارات. ومن خلال هذا التدمير للسيادة المادية، يجري إرساء التبعية الوجودية عبر هندسة أنساق السلوك الجمعي وتفتيت الملكات النقدية للجماهير.

تشتغل آليات الهيمنة الإمبراطورية المعاصرة في الفضاء المشرقي عبر "العلاماتية التدجينية" التي تتجاوز السيطرة المادية المباشرة إلى استعمار العقول وصياغة وعي مستلب يتجسد في نموذج ثلاثي مترابط:

القطيع: وهو التعبير العلاماتي عن المجتمع المستلب الذي فُككت روابطه الأخلاقية والاجتماعية وحُرم من المبادرة التاريخية المستقلة ليدور في فلك النخبة الرأسمالية.

الذئب الرمادي: وهو التهديد الوجودي المصطنع أو الفزاعة السياسية والأمنية التي تستحضرها السلطة لتوليد حالة دائمة من "سيكولوجية الترقب" وقلق الفناء لدى الجماهير، مما يدفعهم للتنازل عن حقوقهم الفكرية والسياسية طواعية مقابل الحصول على أمان زائف يضمنه "الراعي".

دلالية الاكتفاء الذاتي الممسوخ: وتمثل التحول الرمزي الخطير لأدوات الصمود المادي. فتاريخياً، كانت المحاصيل الجوفية(البطاطا) رمزاً للاكتفاء الذاتي والصمود الصامت لدى الفقراء بعيداً عن حوافر جيوش الغزاة التي تدمر المحاصيل السطحية. غير أن المنظومة الإمبراطورية الجديدة عملت على تحويل هذه المواد والاحتياجات الأساسية الأخرى من أدوات صمود واكتفاء ذاتي إلى "تقنيات تدجين" مادي، عبر إرغام الشعوب على الاستدانة والتبعية الغذائية للمؤسسات الدولية والشركات الاحتكارية، مما يضمن كسر إرادة المقاومة الثقافية والسياسية وتحويل المجتمع إلى ترس وظيفي مسلوب السيادة.

يتعاون هذا التدجين العلاماتي والمادي مع آليات "صناعة الإذعان" الرامية إلى توضيح كيفية خدمة وسائل الإعلام وتدفقات المعرفة لمصالح النخبة الحاكمة وتدمير قدرة الأفراد على ممارسة ديمقراطية حقيقية أو التفكير خارج النطاق المفروض من الرأسمالية المحدثة.

التعاضد الإجرائي بين العولمتين الإمبراطورية والميتافيزيقية

لا يكتمل تكميم الإبداع واستلاب الوعي الإنساني عبر العولمة الإمبراطورية وحدها، بل يتحقق ذلك من خلال "التعاضد الإجرائي" البنيوي مع "العولمة الميتافيزيقية". تعبّر العولمة الميتافيزيقية عن عولمة التصورات والمفاهيم الميتافيزيقية التقليدية الجامدة، وتوظيفها السياسي والاجتماعي كدرع روحي وأيديولوجي يحمي التمدد الرأسمالي العابر للحدود. يحلل هذا التكامل بوصفه "تحالفاً بين الميتافيزيقيا والسلطة الرأسمالية" يهدف في جوهره إلى نزع القداسة والقيمة الجوهرية عن الكائن البشري، وإحكام هندسته الوجودية لإعادة إنتاجه كعنصر وظيفي استهلاكي ضمن تروس الماكينة الكبرى.

المقاومة والتعددية الكونية البديلة: من تسييج المعرفة إلى "العبر-حداثة"

في مواجهة هذا الحصار المزدوج الذي تفرضه العولمتان الإمبراطورية والميتافيزيقية، تبرز ضرورة صياغة استراتيجيات تفكيكية للمقاومة المعرفية والوجودية تتجاوز الاستسلام لقوانين الهيمنة المفروضة. ترسم هذه الاستراتيجيات خطوطاً جديدة للتحرر تبدأ من هدم "الخط الفاصل الإقصائي"، الذي يقسم العالم معرفيّاً ووجوديّاً إلى جبهتين: جبهة المهيمنين المرئيين ذوي المعرفة المعترف بها، وجبهة المغلوبين غير المرئيين الذين يتم نفي معرفتهم ووجودهم خارج نطاق العقل والشرعية. إن تفكيك هذا الخط يتطلب تبني مفهوم "العدالة المعرفية العالمية"، انطلاقاً من الإدراك الحاسم بأنه لا يمكن إنجاز عدالة اجتماعية أو سياسية شاملة دون تحقيق عدالة معرفية تعيد الاعتبار للمعلومات والتجارب الروحية المقموعة في الجنوب العالمي تتمثل آليات العبور والمقاومة في المسارات الفلسفية والإجرائية التالية:

العبر-حداثة (الترانسمودرنيتية): يقدم الفكر الفلسفي البديل مفهوم "العبر-حداثة" كأفق كوني يتجاوز دوغمائيات الحداثة الغربية والردود الأيديولوجية الميتافيزيقية الجامدة. العبر-حداثة هي صيرورة تنطلق بنيوياً من استعادة وتقدير كل ما تم تهميشه، وإقصاؤه، ووصمه بعدم الفائدة والتخلف من قِبل مشاريع العولمة المتعاضدة، بهدف بناء عالم يتسع لعدد لامتناهٍ من العوالم المعرفية المتكافئة.

مناهضة الاستلاب الرمزي: إن استرجاع دلالة الصمود الأصيلة عبر التمسك بالموارد المحلية المتجذرة كنمط للاكتفاء الذاتي والمقاومة الصامتة، يمثل تحرراً من التدجين المادي للفقراء وسلطة الاحتكار الاستهلاكي.

فك الارتباط المعرفي والاقتصادي: وهي الأطروحة المركزية البديلة التي تُطرح بوصفها واجباً تاريخياً لبلدان الجنوب للتخلص من شروط المؤسسات النقدية الدولية والكيانات الرأسمالية. لا يعني فك الارتباط الانغلاق الفكري، بل يعني صياغة السياسات التنموية والمعرفية الوطنية بناءً على الاحتياجات المحلية المتسقة مع الكرامة الإنسانية، بدلاً من الارتهان الدائم لإملاءات المركز الإمبراطوري.

إن هذه المقاومة المعرفية الشاملة تعيد طرح السؤال حول دور التعليم البديل والممارسات الثقافية الميدانية، كتلك التي تظهر في اللحظات التاريخية الحرجة حين تتحول "الخيمة" المدمرة إلى مدرسة بديلة تواجه الإبادة الثقافية والمادية بمحاولات حية لإعادة ترتيب فوضى الركام وبناء المعنى الإنساني المفقود. إن التمسك بـ "الإنسان المعنى" ضد "الإنسان الشيء" هو الخيار الوجودي الفاصل اليوم؛ فإذا تصرف الإنسان وبحثه وتفكيره الإبداعي كما لو أنه لا توجد إمكانية للتغيير، فإنه يضمن عدم حدوثه، وهو ما يحتم خروج الإبداع من أسر تكميمه ورفضه للنفي إلى مقبرة الأيديولوجيا في الدول الرخوة، منتصراً لحق الوجود الحر والتعددية المعرفية الكونية الفاعلة.

***

غالب المسعودي

بالاعتماد على دورة القمر حول الأرض بالموازاة مع التقويم الميلادي الجريجوري بالاعتماد على دورة الأرض حول الشمس بين المتغير اللفظي والمدلولات الحضارية الكونية.

مقدمة: يمثل التقويم أكثر من مجرد نظام زمني لتنظيم الأيام والشهور والسنوات؛ إنه بناء رمزي يعكس رؤية الحضارة للكون، للزمن، وللعلاقة بين الإنسان والقوى الكونية. ينطلق التقويم الهجري من دورة القمر حول الأرض، بينما يعتمد التقويم الميلادي الجريجوري على دورة الأرض حول الشمس. هذا التباين ليس فنياً بحتاً، بل يحمل رمزية عميقة تكشف عن اختلافات وجودية وحضارية في فهم الزمن والتاريخ والإنسان. انطلاق التقويم الهجري من حادثة الهجرة النبوية (622م) يجعله مرتبطاً بالتحول الوجودي والاجتماعي، بينما يرتبط التقويم الجريجوري بتاريخ ميلاد المسيح، محولاً الزمن إلى خط تاريخي مركزي حول حدث فدائي. هذه الدراسة تستكشف الرمزية الكونية لهذين النظامين، وتفحص المتغير اللفظي (الأسماء، المصطلحات، والدلالات اللغوية) في علاقته بالمدلولات الحضارية الكونية، ضمن مقاربة تأويلية تجمع بين علم الفلك، الأنثروبولوجيا الثقافية، والفلسفة الرمزية. فكيف يتسنى لنا التعامل مع التقويم كلغة كونية وحضارية ؟

التقويم الهجري: رمزية القمر والدورة المتغيرة

يعتمد التقويم الهجري على الرؤية الشرعية للهلال، أي على الدورة القمرية التي تستغرق حوالي 29.5 يوماً، مما يجعل السنة الهجرية تتراوح بين 354 و355 يوماً. هذا الاعتماد على القمر يحمل رمزية غنية: القمر كرمز للتغير، الدورة، الاختفاء والظهور، والنور المستعار من الشمس.

رمزياً، يعكس القمر هشاشة الزمن البشري وتجدده المستمر. دورته السريعة نسبياً تجعل الزمن الهجري زمناً "حياً"، يتنفس مع السماء، ويذكر الإنسان دائماً بأن الزمن ليس خطاً مستقيماً بل موجاً متكرراً. انطلاقه من الهجرة يضيف بعداً وجودياً: الرحيل عن الوطن الأول بحثاً عن الإيمان والحرية، فأصبح التقويم نفسه شاهداً على التحول والتجدد. الأشهر الهجرية (محرم، صفر، ربيع الأول...) تحمل أسماء مرتبطة بالظواهر الطبيعية والاجتماعية في البيئة العربية القديمة، مما يجعل التقويم لغة حية تتفاعل مع الفصول والأمطار والرعي. هذا الارتباط بالقمر يعزز الإحساس بالتواضع الكوني: الإنسان يتبع إيقاع السماء بدلاً من فرض إيقاعه عليها.

التقويم الجريجوري: رمزية الشمس والدورة الثابتة

بالمقابل، يعتمد التقويم الجريجوري (الذي أصلحه البابا غريغوريوس الثالث عشر عام 1582) على السنة الشمسية البالغة 365.2425 يوماً تقريباً، مع تعديلات الكبيسة للحفاظ على التوافق مع الفصول. الشمس هنا رمز للثبات، الاستقرار، النور المباشر، والمركزية.هذا النظام يجسد رؤية كونية مركزية حول الشمس (كما في النموذج الهليوسنتريك)، ويربط الزمن بإيقاع الفصول الزراعية الأوروبية. انطلاقه من ميلاد المسيح يحوله إلى خط تاريخي خطي يسير نحو هدف (الخلاص أو التقدم). الشهور (يناير، فبراير...) مشتقة من أسماء رومانية وآلهة وأباطرة، مما يعكس طبقات حضارية متراكمة: الرومانية، المسيحية، والحديثة.رمزياً، يمثل التقويم الشمسي سيطرة الإنسان على الزمن من خلال الحساب الدقيق، والثقة في نظام كوني ثابت وقابل للتنبؤ. هو تقويم "نهاري" بامتياز، يؤكد على الوضوح، الإنتاجية، والتقدم الخطي.

الموازاة والتباين: بين الدوري والخطي

يكشف التوازي بين النظامين عن ثنائية كونية أعمق: القمر (المتغير، الليلي، الدوري) مقابل الشمس (الثابت، النهاري، الخطي). في الحضارة الإسلامية، يعيش المسلمون توازناً بين التقويمين: الهجري للعبادات والمناسبات الدينية (رمضان، الحج، الأعياد)، والميلادي للمعاملات الدولية والاقتصادية. هذا التعايش نفسه رمز لقدرة الحضارة على استيعاب التنوع الكوني.التقويم القمري يذكر بالزمن كدورة حياة: ولادة، نمو، ذروة، اضمحلال، وتجدد. أما الشمسي فيؤكد على الزمن كمشروع: بداية، تقدم، هدف. هذا التباين يعكس اختلافاً حضارياً: حضارة الصحراء والرحل (القمرية، المرنة) مقابل حضارة الأرض الزراعية والمدنية المستقرة (الشمسية، المركزية).

المتغير اللفظي: اللغة كحامل رمزي

يظهر المتغير اللفظي بوضوح في تسمية التقويمين. "هجري" مشتق من "الهجرة"، وهي فعل رحيل وانتقال وتأسيس، مما يجعل الزمن مرتبطاً بالحدث المؤسس. أما "ميلادي" أو "جريجوري" فيشير إلى الميلاد والإصلاح المؤسسي. كلمة "شهر" في العربية مرتبطة بالشهرة والظهور (كظهور الهلال)، بينما "month" في الإنجليزية مرتبطة بالقمر (moon). هذه الاختلافات اللفظية ليست عرضية؛ إنها تحمل مدلولات حضارية. اللغة العربية في التقويم الهجري تحتفظ بطابع شعري وطبيعي (ذو الحجة، جمادى...)، بينما التقويم الجريجوري يعكس تراكماً تاريخياً متعدد الطبقات. المتغير اللفظي إذن هو مرآة للطريقة التي تُفسر بها الحضارة علاقتها بالكون: هل الزمن حدث وجودي (هجرة) أم تاريخ خلاصي (ميلاد)؟

المدلولات الحضارية الكونية

تحمل هذه الرمزية دلالات كونية واسعة. التقويم القمري يعزز الشعور بالتواضع أمام السماء، ويحافظ على الإيقاع البيئي والروحي، مما يجعله أكثر تكيفاً مع التغيرات (كالتغير المناخي). أما التقويم الشمسي فيخدم مشاريع الحداثة: التنظيم، الإنتاجية، والعولمة.في عصر العولمة، يمثل التعايش بينهما إمكانية حضارية: دمج الدوري بالخطي، المتغير بالثابت، الروحي بالمادي. هذا التعايش يدعو إلى حضارة كونية لا تلغي أحدهما، بل تستفيد من رمزيتهما المكملة. القمر يذكر بالليل الذي يحتاج إلى تأمل، والشمس بالنهار الذي يحتاج إلى عمل.

خاتمة:

رمزية انطلاق التقويم الهجري بالقمر موازية للجريجوري بالشمس تكشف عن غنى الإنسانية في فهم الزمن. بين المتغير اللفظي الذي يحمل الذاكرة الحضارية، والمدلولات الكونية التي تربط الأرض بالسماء، يظل التقويم شاهداً على قدرة الإنسان على تحويل الظواهر الفلكية إلى لغة وجودية.في عالم يسعى إلى توحيد الزمن العالمي، يبقى الاحتفاظ بالتنوع بين القمري والشمسي تذكيراً بأن الزمن ليس واحداً، بل متعدد الإيقاعات. من يفهم هذه الرمزية يستطيع أن يعيش في توافق أعمق مع الكون: يتبع القمر في تأمله وروحه، والشمس في عمله وتقدمه. هكذا يصبح التقويم ليس مجرد أداة حساب، بل مرآة للروح الحضارية ودعوة دائمة للتوازن بين الثبات والتجدد في رحلة الإنسان الكونية. فهل هذا يعني أننا نتجه نحو فهم كوني متكامل للزمن؟

***

د زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

منذ ظهور الفلسفة باعتبارها محاولة لفهم الإنسان والعالم والمعرفة، قدمت نفسها كأداة للتفكير النقدي ومراجعة المسلمات. لكن بعد أكثر من ألفي عام من الجدل الفلسفي، ما زال السؤال قائما ماذا حققت الفلسفة فعليا؟ وهل استطاعت أن تقدم حلولا للمشكلات التي ناقشتها، أم أنها ظلت تدور في دائرة الأسئلة نفسها؟هذا السؤال لا يهدف إلى التقليل من قيمة الفلسفة، بل إلى إخضاعها للنقد. فالفلسفة التي اعتادت نقد الدين والسياسة والمجتمع والعلم يجب أن تكون قادرة على قبول النقد الموجه إليها أيضا.

من أبرز مشاكل الفلسفة أنها تطرح أسئلة أكبر من قدرتها على تقديم إجابات نهائية عنها. فمنذ قرون طويلة يناقش الفلاسفة مفاهيم مثل الحقيقة والعدالة والخير والحرية والمعرفة، لكن هذه القضايا ما زالت محل خلاف. فكل مدرسة فلسفية تقدم تصورا مختلفا، وكل فيلسوف يعتقد أن من سبقه أخطأ في فهم المشكلة. على عكس العلوم التي تحقق تقدما واضحا من خلال التجربة والاختبار، تبدو الفلسفة أحيانا وكأنها تعيد إنتاج الخلافات نفسها. فالقضايا التي ناقشها الفلاسفة القدماء ما زالت مطروحة اليوم، وكأن الزمن لم يضف إليها حلا حاسما. وهذا ما دفع بعض النقاد إلى القول إن الفلسفة نجحت في إنتاج الأسئلة أكثر مما نجحت في إنتاج الحلول.

المشكلة الثانية هي الابتعاد عن الواقع. فكثير من النقاشات الفلسفية انشغلت بمسائل نظرية معقدة لا تمس حياة الناس بصورة مباشرة. وبينما كانت المجتمعات تواجه الحروب والفقر والاستبداد، كانت بعض المدارس الفلسفية غارقة في جدالات مجردة لا تقدم إجابات عن المشكلات اليومية.هذا الانفصال بين الفلسفة والواقع جعلها تبدو بالنسبة لكثير من الناس نشاطا نخبويا يخص الجامعات والمراكز الأكاديمية أكثر مما يخص المجتمع. ومع مرور الوقت فقدت الفلسفة جزءا كبيرا من تأثيرها خارج الأوساط المتخصصة.

ومن المشكلات المهمة أيضا العلاقة بين الفلسفة والسلطة. فالتاريخ لا يقدم صورة مثالية عن الفلاسفة بوصفهم دائما في صف الحرية والعدالة. فقد استخدمت بعض الأفكار الفلسفية لتبرير الاستعمار والعنصرية والتمييز بين الشعوب. كما أن عددا من الفلاسفة دعموا أنظمة سياسية قمعية أو تجاهلوا المظالم التي كانت تحدث في عصرهم. وهذا يكشف أن الفلسفة ليست بالضرورة قوة أخلاقية. فالأفكار يمكن أن تستخدم للدفاع عن الحرية كما يمكن أن تستخدم للدفاع عن الهيمنة. والعقل لا يمنع الإنسان من ممارسة الظلم إذا كانت مصالحه تدفعه إلى ذلك.

كما تعاني الفلسفة من مشكلة المركزية الثقافية. فقد جرى تقديم الفلسفة الغربية لفترة طويلة على أنها الممثل الوحيد للعقل الإنساني، بينما همشت الفلسفات الإفريقية والآسيوية والعربية. وتم التعامل مع كثير من التجارب الفكرية غير الأوروبية باعتبارها أقل أهمية أو أقل عمقا.

هذا الوضع أدى إلى اختزال تاريخ الفكر الإنساني في تجربة واحدة، وإهمال مساهمات شعوب أخرى كان لها دور مهم في تطوير المعرفة والتفكير النقدي. وحتى اليوم ما زالت بعض المؤسسات التعليمية تقدم الفلسفة من زاوية ضيقة لا تعكس التنوع الحقيقي للفكر الإنساني.

ومن المشكلات الواضحة أيضا اللغة الفلسفية المعقدة. فكثير من الكتابات الفلسفية تستخدم مصطلحات صعبة وأسلوبا مغلقا يجعل فهمها أمرا شاقا. ومع الوقت أصبحت بعض النصوص الفلسفية بعيدة عن القارئ العادي، وكأنها كتبت خصيصا لفئة محدودة من المتخصصين. لا شك أن بعض القضايا تحتاج إلى لغة دقيقة، لكن التعقيد لا يعني دائما العمق. فالفكرة الجيدة يجب أن تكون قابلة للفهم، وإلا تحولت الفلسفة إلى نشاط معزول لا يتواصل مع المجتمع.

وتظهر مشكلة أخرى في الميل إلى تقديس الفلاسفة الكبار. ففي كثير من الأحيان تتحول دراسة الفلسفة إلى شرح نصوص قديمة وإعادة تفسيرها بدلا من إنتاج أفكار جديدة. وينشغل الباحثون بما قاله الفلاسفة السابقون أكثر من انشغالهم بالمشكلات التي يعيشها الإنسان المعاصر. هذا التركيز على الماضي جعل بعض أقسام الفلسفة أقرب إلى دراسة تاريخ الأفكار منها إلى ممارسة التفكير الفلسفي نفسه. فأصبح الاهتمام بالنصوص أكبر من الاهتمام بالواقع.

كما تواجه الفلسفة تحديا جديدا يتمثل في التطورات التكنولوجية المتسارعة. فالعالم يشهد تغيرات كبيرة بسبب الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية والهندسة الوراثية، بينما تبدو الفلسفة أحيانا بطيئة في التعامل مع هذه التحولات. وفي كثير من الأحيان تأتي المناقشات الفلسفية بعد وقوع التغيير بدلا من أن تساهم في توجيهه أو فهمه مسبقا.

ومن القضايا التي تثير التساؤل أيضا أن الفلسفة لم تمنع الكوارث الكبرى التي شهدها التاريخ الحديث. فقد عرفت المجتمعات التي أنتجت أعظم النظريات الفلسفية حروبا عالمية واستعمارا ومجازر وأنظمة استبدادية. وهذا يطرح سؤالا مهما: إذا كانت الفلسفة تهدف إلى ترشيد الإنسان، فلماذا لم تمنع هذه المآسي؟ ربما يكون الجواب أن المعرفة وحدها لا تكفي. فالإنسان قد يعرف ما هو صحيح، لكنه لا يلتزم به. وقد يمتلك أدوات التفكير العقلاني، لكنه يستخدمها لخدمة مصالحه الخاصة. ولذلك فإن التقدم الفكري لا يؤدي بالضرورة إلى التقدم الأخلاقي.ورغم هذه الانتقادات، لا يمكن الاستغناء عن الفلسفة. فالمجتمعات التي تتوقف عن طرح الأسئلة الكبرى تصبح أكثر عرضة للخرافة والتعصب والاستبداد. لكن الفلسفة تحتاج إلى مراجعة مستمرة لنفسها، وإلى ارتباط أكبر بقضايا الواقع، وإلى لغة أكثر وضوحا، وإلى انفتاح أوسع على مختلف التجارب الإنسانية.

إن المشكلة الحقيقية ليست في وجود الفلسفة، بل في الطريقة التي تمارس بها أحيانا. فالفلسفة التي تنفصل عن المجتمع تفقد أهميتها، والفلسفة التي تكتفي بتفسير النصوص تفقد قدرتها على التجديد، والفلسفة التي تدعي امتلاك الحقيقة تتحول إلى عقيدة جديدة. لذلك يبقى السؤال مطروحا: هل تستطيع الفلسفة أن تجدد نفسها وتستعيد دورها النقدي، أم أنها ستظل حبيسة الجدل النظري بينما يتغير العالم من حولها؟

***

زكريا نمر

 

من النزعة الكلية إلى تفكك الكل في الفكر المعاصر

منذ نشأة التفلسف ظل مفهوم “الكلية” بمثابة الأفق الضروري الذي تتجه نحوه أنظار العقل الباحث عن نظام ومعنى، ذلك أن التأمل الفلسفي لم يلبث أن اكتشف باكراً أن العالم لا ينكشف في هيئة أجزاء متفرقة ولا وقائع منعزلة، بل هو يبدو في عمقه كوحدة متشابكة الأطراف وكنسيج لا يمكن فصم عراه دون إفساد طبيعة ما هو كائن. فقد أرسى أفلاطون أسس هذه النزعة الكلية حين جعل المثل العليا ضامنة للانسجام والغائية، وتابع أرسطو على منواله حين صاغ الكل في علاقته الجوهرية بالأجزاء ثم جاء هيغل فبلغ بالروح المطلق ذروتها حيث لا شيء خارج العقل ولا شيء يفلت من جدلية الامتصاص والتجاوز. لكن هذا البناء الشاهق والذي شغل الفكر الغربي لقرون لم يسلم من النقض والنبش، إذ ما لبث الفكر المعاصر بجرأة منقطعة النظير أن عاد إلى نبش أسس هذه الكلية وأخذ يصوغ أدواته في تفكيكها من الداخل مظهراً أن كل خطاب كلي يحمل في صميمه ثغرات لا تسد وأن أي نظام جامع لا يخلو من ظل ما يُقصى أو ما يغيب. وإذن فالمسألة ليست مجرد قطيعة إبستمولوجية مع الماضي، بل هي إعادة ضبط لعلاقة العقل بالعالم وتحول جذري في فهم ما يمكن أن تكون عليه الوحدة والنظام في زمن صار فيه التشظي أقرب إلى حقيقتنا من اليقين الكلي. وهذا المقال الذي نستفتحه يرمي إلى مقاربة هذه القضية من منطلق نقدي ينصت إلى أصوات كل من هزأ بالكلية من كيركغور إلى نيتشه ومن هايدغر إلى دريدا ودولوز، وصولاً إلى تلك التحولات الأنطولوجية والسياسية التي تجعل من التفكك شرطاً للإبداع ومن الاختلاف مادة للتفكير لا عيباً فيه ولا طعنَ على وحدة مزعومة. ففي هذا المسعى الفلسفي الراهن تتجلى مساءلة الكلية كأحد أكثر المشاريع حداثة وجرأة ليس لأنها تنفي الحاجة إلى النظام بل لأنها تعيد تعريف النظام نفسه كنظام بلا مركز، كل بلا هيمنة واتحاد بلا استلاب.

ثمة لحظة فارقة في تاريخ الفكر الإنساني حين تتبدل الرؤى من الإمساك بالجملة إلى التفتت في التفاصيل، وحين يُصبح الكل نفسه موضع ارتياب لا بصفته اكتمالاً متناهياً بل كوهم تولّده الرغبة في المعنى. ففي الأفق الفلسفي الذي هيمنت عليه النزعة الكلية منذ أفلاطون وهيغل وحتى بعض التيارات البنيوية، كان الكل يُعتبر شرطاً للمعرفة والوجود معاً، نظاماً متعالياً، كلّاً عضوياً، انسجاماً قبلياً بين الأجزاء. لكن الفكر المعاصر بجراحه وتصدعاته عاد ليسائل هذه الكلية لا من باب العبث أو الرفض الإبستمولوجي المحض بل من زاوية أن أي كل لا يُمسك إلا بقدر ما يفلت من قبضتنا وأن ما ندعوه “كلا” ليس سوى تجميع مؤقت، ترتيب هش يُعيد تشكيله الهامش والنقيض والأثر.

يمثل التحول من النزعة الكلية إلى تفكك الكل إحدى العلامات الأكثر دلالة على أزمة العقل المعاصر، تلك الأزمة التي لم تعد تريد أن ترى في الكل ملاذاً من الفوضى بل أصبحت تكتشف أن الفوضى بالذات هي ما يسبق الكل ويتبعه. لقد كان هيغل في ذروة فلسفته الموسوعية أكثر المفكرين جرأة في تأسيس الكل كحركة جدلية حيث “الحقيقي هو الكلي” والجزء لا معنى له خارج سياق الكل الذي ينفي الاختلافات ليحتويها في وحدة متسامية. لكن هذه الوحدة الهيغلية – بوصفها “روحاً مطلقاً” يُعيد امتصاص كل تعينات الوجود – لم تسلم من نقد لاذع بدءاً من كيركغور الذي رأى في هذا الكل هروباً من الوجود الفردي بمنطقه القفز والتجدد وصولاً إلى الفكر التفكيكي الذي أظهر أن الكل لا يحضر أبداً بشكل تام بل يظل مؤجلاً معلقاً بين حروف وسياقات لا تحصى.

إن إعادة مساءلة مفهوم الكلية اليوم ليست رفاهية نظرية بل ضرورة نابعة من انهيار السرديات الكبرى كما بيّن ليوطار، حيث فقد الكل قدرته على الإضفاء الشرعي على المعرفة والقيم. لم يعد ممكناً الحديث عن “الكل” في التاريخ، أو “الكل” في المجتمع، أو “الكل” في النص، دون أن يصطدم العقل بهوامش تتسرب وأصوات تكسر الوحدة وتجارب لا تندرج تحت أي نظام شامل. وإذا كانت البنيوية قد حاولت في لحظة ما استعادة الكل بوصفه بنية لا مرئية تحكم الظاهرات، فإنها سرعان ما اكتشفت داخل هذه البنية فجوات، ألعاب اختلاف وإمكانيات للتحول تقاوم أي استقرار نهائي. من هنا كان التحول من البنيوية إلى ما بعد البنيوية جوهرياً حيث حلَّ مفهوم “الاختلاف” عند دريدا محل مفهوم “الهوية”، وأصبح الكل مجرد أثر لغياب مركز ومجرد أفق بعيد لا يُدرك كاملاً أبداً.

لعل أكثر ما يميز هذه المساءلة المعاصرة هو تخلّيها عن الحنين إلى الكل المفقود. فالنزعة الكلية لم تكن مجرد موقف فلسفي ساذج بل كانت تعبيراً عن طمأنينة إبستمولوجية بأن العالم، رغم تشعبه يمكن حشره في نسق عقلي واحد، أو في قصة واحدة أو في بنية لغوية مغلقة. كانت “الكلية” درعاً ضد العبث وملاذاً آمناً من تشظي المعنى. لكن الفكر المعاصر وخاصة في تياراته التفككية لم يكتف بتفنيد هذه الأوهام، بل عمل على إعادة تشكيل علاقتنا بالكل نفسه وجعل من التفكك – وليس التجمع – أساساً للتفكير. هكذا نجد في جيل دولوز وفلسفته تيار الاختلاف والتكرار، حيث لا يكون الكل وحدة تجانسية بل “كلٌّ من دون كل”، أي تركيب مؤقت ومحلي للاختلافات الصرفة بحيث أن ما يُسمى كلّاً ليس سوى لحظة عابرة في سيلان لانهائي للتمايز.

هذه التحولات تكتسي أهمية خاصة إذا تذكرنا أن النزعة الكلية في أبعادها السياسية والاجتماعية، أنتجت أنماطاً من التفكير الشمولي سواء في صيغتها الفاشية أو الشيوعية أو الاستعمارية حيث يُضحى بالفرد والتعدد والخصوصية على مذبح “الصالح العام” أو “الروح الجماعية” أو “مسار التاريخ”. ولعل مواجهة هذه الإرث الكلي تمثل أيضاً بعداً أخلاقياً عميقاً في الفكر المعاصر الذي يرفض إخضاع المختلف لنظام واحد ويفضل التعامل مع العالم كشبكة من العلاقات الجزئية، الهشة، المتنافرة. لكن هذا لا يعني ببساطة تبني فوضوية ساذجة أو نفي أي إمكانية للكلية من الأساس. ما تسعى إليه إعادة المساءلة هو تجاوز ثنائية “الكل مقابل الأجزاء”، والانتقال إلى مستوى آخر من التفكير حيث الكل يُفهم كحدث مؤقت وكنسيج يصنعه التوتر بين التماسك والتفكك وكإيقاع لا هوية ثابتة له.

فكيف يمكن للفلسفة بعد هذه النقلة أن تتحدث عن الكل دون أن تقع في مطبات الإطلاق أو التشظي الكامل؟ الجواب يتجلى ربما في مفهوم “الكل المفكك”، وهو مفهوم ضبابي لكنه خصب، يشير إلى أننا لا نستطيع التخلص من الكل لكننا نستطيع إعادة التفكير فيه بوصفه دائماً غير تام، لا يحضر إلا في غيابه ولا يستقيم إلا عبر نقائضه. إن الرحلة من النزعة الكلية إلى تفكك الكل هي في جوهرها رحلة من اليقين إلى الحذر ومن الانغلاق إلى الانفتاح ومن السرد الأحادي إلى تعدد الأصوات. فإذا كانت النزعة الكلية قد وهبت العقل إحساساً بالنظام فإن تفكك الكل يمنحه الجرأة على العيش دون شبكات أمان مطلقة على التفكير في الأجزاء كقيم في ذاتها لا كخطوات نحو الكمال.

لقد أشار فوكو بطريقته النقدية إلى أن ما نسميه “الكل” هو نتيجة لعمليات استبعاد، إقصاء وتهميش وأن أي كلية مشروعة هي كلية مؤقتة تخضع للنسبية التاريخية والقوى الخفية. وأضاف دريدا أن الكل ليس إلا أثر “فارمقون”، دواء وسم في آن، شفاء وهدم، حضور وغياب. أما لوتشينو فلوريدي، في عصر المعلوماتية فيذهب أبعد من ذلك ليقول إن الكل بات مستحيلاً في عصر الفيضانات الرقمية وأن ما نشهده هو بدائل عن الكلية تشبه “الجيوب الكلية” أنساقاً موضعية لا تدعي الشمول.

لكن السؤال الأعمق يظل هل نحن بإعادة مساءلة الكلية هذه نعبر مرحلة انتقالية نحو جنس جديد من التفكير؟ أم أن الفكر نفسه منذ نشأته يتأرجح بين شهوة الكلية وريبة التفكك؟ لعل أرسطو نفسه كان يعرف ذلك حين قال في الميتافيزيقا إن الكل هو ما يمتلك أجزاءً مرتبة لكنه لم يغفل عن أن إدراك هذه الأجزاء يسبق إدراك الكل في ترتيب المعرفة، وهذا وحده كافٍ لزعزعة أي كلية متعالية. وعندما يتقدم هيغل ليقول إن الحقيقي هو الكلي فإنه ينسى أن الكلي لكي يكون كلياً حقاً يجب أن يحتوي لا محالة على نقيضه أي الجزئي بوصفه نفي النفي. لكن هل يمكن للكل أن يحتوي لانهائية الاختلافات دون أن ينفجر؟ هذا ما بات الفكر المعاصر يختبره على طريقته.

إن أجمل ما في هذه المساءلة أنها لا تقدم إجابة جاهزة ولا ترسم خريطة قارة للعقل. إنها تضعنا بدلاً من ذلك أمام مسؤولية عدم الاكتمال، أمام شجاعة العيش في عالم لم يعد الكل فيه مضموناً لكن التفكك لم يصبح فوضى ساذجة. ربما يكون سر الفكر الحي هنا، في قدرته على المناورة بين هذين القطبين، الإقرار بأننا نحتاج إلى أفكار كلية كأطر مؤقتة للفهم والعمل وفي الوقت نفسه الحفاظ على الحساسية تجاه ما يفلت منها تجاه الشروخ والفواصل، تجاه الأصوات التي لا تتناغم في سيمفونية واحدة. وربما يكون ذلك هو الدرس الأكبر للفكر المعاصر، ألا يطلب من الكل أن يكون دماً واحداً بل أن يصغي إلى تعدديته الداخلية.

فالكل عند التأمل العميق ليس صرحاً جامداً بل لحظة توتر ونبضة بين الانسجام والانشطار. وإذا كانت الفلسفة القديمة قد تطلعت إلى الكل بوصفه حضناً مطمئناً فإن الفلسفة المعاصرة بجراحينها وعدساتها المكبرة تعلمنا أن نرى في الكل لغزاً، معضلة جميلة، حفرة لا قعر لها يغوي الهبوط فيها ثم يخيف بالضياع. إعادة مساءلة الكلية ليست نقمة على العقل بل هي علامة نضجه لأنه يعرف الآن أن من يدعي إمساك الكل كمن يظل يطارد قوس قزح، جميل لكنه يتفلت كلما اقتربت منه الأيدي.

في هذا المنعطف لا يطرح سؤال: “هل الكل موجود؟” أو “هل الكل ممكن؟” بل “كيف يمكننا أن نعيش ونتفكر من دون كلية مؤسسة مع الإيمان باستحالة التخلص من كل أثر للكل؟” لقد أظهر الفكر المعاصر أن النزعة الكلية ليست مجرد خطأ نظري بل هي ربما وسيلة دفاعية نفسية أكثر منها حقيقة وجودية. فكما يبني الفرد أوهام اليقين لتجنب الخوف من المجهول، تبني الحضارات نظريات الكلية لتجنب مواجهة عشوائية التاريخ. لكن حين تتفكك هذه النظريات – كما حدث في أوروبا بعد الحربين وفي المستعمرات بعد التحرر وفي العالم الرقمي بعد انفجار المعلومات – يبقى الإنسان عارياً أمام تناثر الأجزاء وأمام قطع لغز لا تريد أن تتجمع.  وهنا تبرز حاجة جديدة، ليس إلى الكل المطمئن بل إلى منهجية للتعامل مع التفكك نفسه. ربما يكون التفكك في حقيقته ليس فوضى بل نظام آخر، نظام لا مركزي، شبكي، مؤقت. وهذا ما حاولت تفكيكية دريدا أن تفعله حين أظهرت أن “الكل” نصّ والنص لا يغلق أبداً. وكل محاولة لإغلاقه هي عنف رمزي. وكل محاولة لفتحه بالكامل هي انهيار في اللانهاية. في الوسط حيث لا كل يحكم ولا تفكك يفلت، يجد الفكر المعاصر موطنه الأصعب والأخصب.

يبقى أن نشير إلى أن هذا التحول لم يحدث في فراغ. لقد مهّدت له نقدات كانط للعقل الخالص حيث أظهر أن العقل إذا تجاوز حدوده يقع في الأوهام الميتافيزيقية بما فيها وهم الكل المطلق. كما مهّد له نيتشه الذي أعلن أن “لا حقائق بل تأويلات”، وأن أي كلية ليست سوى لعبة قوى وإرادة سلطة تريد تسمية نفسها حقيقة. ثم أتى فرويد مع اللاوعي ليهز فكرة الكلية النفسية وأظهر أن الذات نفسها ليست كلا بل هي مسرح صراعات لا نهائية بين مراكز متعددة. ومع لكان أصبح الكل رمزياً مستحيلاً لأن “الأنثى لا توجد” أي أن الكل لا يحضر كاملاً في اللغة أو الرغبة.

في كل هذه النقاط ما نراه هو تمرد ضد إغراء الاختزال. ليس الهدف تفكيك كل شيء لمجرد التفكيك بل هو إعادة الاعتبار لما أهملته الكلية ولما سُحق في معامل الجمع والطرح لما جُعل هامشياً. إن الفلسفة اليوم مدعوة لأن تكون شعراء للتفاصيل، مؤرخين للشروخ وعلماء للتشظي. وربما أن أجمل ما يمكن أن تقدمه هو أن تعلمنا أن نحب الكل المحتمل لا الكل المفروض، الكل الذي يلمح في الفراغ بين الكلمات في السكتة بين النغمات وفي اللحظة بين لحظتين. كلّ بلا كلية، نظام بلا مركز، انسجام بلا انغلاق.

ومساءلة الكلية تظل مفتوحة لا لأننا لم نصل بعد إلى جواب بل لأن السؤال نفسه هو الجواب، ذلك السؤال الذي يعيد ترتيب علاقتنا بالوجود ويجعل الفلسفة كما قال مارتن هايدغر “تفكراً بلا آخرية”. وفي هذا التفكر لا يسود الكل ولا يتفكك الكل تماماً بل يحدث ما هو أدق، يتنفس الكل ويأخذ شهيقاً من تركيب وزفيراً من انفراط ويكون الإنسان هو ذلك المكان الضيق الذي يحدث فيه هذا التداخل.

على أن إعادة مساءلة الكلية لا تعني قطيعة تامة مع النزعة الكلية بقدر ما تعني تحويلاً في منحي التساؤل الفلسفي ذاته إذ لم يعد الهم الأساسي هو بناء الكل أو اكتشافه بل تتبع آثاره في زوايا التفكك والإصغاء إلى ما يحدث حين تنهار وحدة المعنى وتتفتت الكيانات الكبرى تحت وطأة الاختلاف والتعدد والنسيان. فإذا كانت النزعة الكلية قد أسست لنفسها على مبدأ الهوية والمطابقة فإن اللحظة الراهنة تكشف لنا أن الهوية ليست سوى اختلاف مؤجل وأن ما نسميه الشيء ذاته لا يلبث أن يتبدى محكوماً بعلاقات تمايز لا تنتهي. من هنا نفهم لماذا كان ديريدا محقاً في إصراره على أن المعنى لا يحضر كاملاً في أي نص بل يظل معلقاً بين إمكانيات لا تُحصى وتأويلات لا تستقر وهو ما يبشر بنوع من الكلية الراحلة، كلية تلوح في الأفق ثم تتبخر كلما حاول العقل أن يضمها بين يديه.

غير أن ثمة فخا لا بد من تجنبه وهو الفخ الذي يظن أن تفكك الكل يعني انحلال الفكر في فوضى لا شكل لها أو تمجيداً للاجزاء كمعبودات صغيرة تحل محل الإله الأكبر. الحقيقة أن ما بعد النزعة الكلية ليس عصر أجزاء متناثرة بلا حلم بالوحدة بل هو عصر علاقات شبكية مرنة، عصر تجمعات مؤقتة لا تدعي الأبدية، عصر أنساق مفتوحة ترفض أن تختم بخاتم نهائي. إن دريدا نفسه حين تحدث عن التفكيك لم يقصد تدمير البنى بل تفكيكها من الداخل، أي إظهار أنها تحمل في صميمها بذور تفككها وأن أي كل ليس أكثر من أثر لا نهائي. كذلك دولوز وغوتاري في مشروعهما حول “الريزوم”، قدما نموذجاً بديلاً للكل الشجري الذي كان يهيمن على الفكر الغربي حيث كل نقطة تتصل بأي نقطة أخرى، لا بداية ولا نهاية، لا جذر ولا مركز، بل انتشار أفقي، تناسل متصالب وتشكل مستمر. هذه الصورة الريزومية هي التي تعكس على نحو أمين مصير الكلية في الفكر المعاصر، كل منتشر، لا كل متجمع، كل متعدد المراكز، لا كل أحادي المركز.

وفي الميدان السياسي والاجتماعي، تجلت آثار هذا التحول بظهور مفاهيم جديدة كـ “الجماعات المتعددة”، و”الهويات السائلة”، و”المجتمعات الشبكية”، التي يصفها زيغمونت باومان بأنها مجتمعات لا تعود تعرف صيغاً ثابتة للانتماء بل تتحول العلاقات فيها إلى لقاءات عابرة ومؤتلفات جزئية، أقاليم لا تشبه الأقاليم التقليدية. ولم يعد ممكناً التفكير في “الصالح العام” الكلي لأن العامة ذاتها باتت متنازعاً عليها وكل جماعة تقدم تصورها الخاص لما هو عام وهذا ليس خللاً بل هو جوهر اللعبة الديمقراطية في عصر التعددية الراديكالية. شانتال موف وإرنستو لاكلاو على سبيل المثال، قدما نظرية سياسية تقوم على رفض أي كلية شاملة وتقترح بدلاً منها مفهوم “الهيمنة” كعملية بناء مؤقت للكل من خلال تعادل مطالب متعددة ومتضاربة وهو بناء لا ينتهي أبداً ولا يصل إلى لحظة انغلاق. هنا يظهر الكل كأفق تنظيمي لكنه أفق متحرك يتحقق جزئياً ثم يختل ويعاد تشكيله ثم يُفكك. الحياة السياسية من هذا المنظور ليست سوى مسرح لهذا التردد الدائم بين تجميع الأجزاء وتفكك التجميع.

أما في مجال الفن فإن تحول مفهوم الكلية يبدو بأبهى صوره وأكثرها حسّية. لقد كان الفن الكلاسيكي يحلم بالعمل الفني ككل عضوي تنتظم فيه الأجزاء في انسجام تام حيث لا يمكن حذف شيء دون أن يختل المعنى الكلي. لكن الفن المعاصر منذ الحداثة وما بعدها اتجه نحو تكسير هذه الوحدة ونحو العمل المفتوح ونحو الأجزاء المتصادمة ونحو القطع والحطام والمعاني المتعددة. جيمس جويس في “يوليسيس”، فرانز كافكا في حكاياته المعلقة، صمويل بيكيت في مسرح الصمت هم فنانو الكلية المتشظية الذين يكتبون النص كأنه حقل ألغام، كل كلمة قد تنفجر في اتجاه وكل جملة قد تفقد سياقها. هذا الفن لا يقدم لنا كلا جاهزاً للاستهلاك بل يدعونا إلى أن نكون نحن من يعيد تركيب الكل، كل مرة بطريقة مختلفة، على مسؤوليتنا، دون ضمانات. هنا يتساوى الفنان والمتلقي في مواجهة التفكك وكلاهما منفي من جنة المعنى الواحد، كلاهما مضطر لأن يخلق من التشتت نظاماً مؤقتاً، من الفوضى شكلاً عابراً.

لكن مع كل هذا يظل السؤال المؤرق هل نستطيع حقاً أن نعيش من دون كل ما؟ ألا تعود الحاجة إلى الكلية بقوة في لحظات الأزمات، حين يسقط كل سند ويتحول العالم إلى أجزاء معادية؟ لقد رأينا كيف عادت الخطابات الشعبوية والقومية والدينية لتقديم كليات بديلة كليات بسيطة، سحرية أحياناً تعد بإعادة الانسجام وبإصلاح التشظي وبجمع الشتات. وهذا يدل على أن نقد الكلية مهما كان عميقاً وأصيلاً لا يمكن أن يلغي الحاجة الإنسانية إلى المعنى الشامل، إلى الإحساس بالانتماء إلى كل أكبر من الأجزاء المتناثرة. غير أن الفكر المعاصر في أسمى تجلياته لا يدعو إلى نبذ هذه الحاجة بل إلى إعادة توجيهها، إلى تنقيتها من السموم، إلى جعلها تتعايش مع الوعي باستحالة الإشباع التام. إنه يريد كلية “أقل علواً”، كلية “متواضعة”، كلية لا تكذب على نفسها وتعترف بأنها مجرد صورة، شبكة، إيقاع مؤقت بين الجمع والفرق، بين الشوق إلى الوحدة والخوف من استبدادها.

ولم تكن رحلة التفكير من النزعة الكلية إلى تفكك الكل مجرد تحول إبستمولوجي أو مدرسة فلسفية عابرة، بل كانت بمعنى أعمق إعادة اختراع للعلاقة بين العقل والعالم وبين الذات والآخر وبين المعنى واللامعنى. لقد أدرك الفكر المعاصر بعد عناء قرون من البحث عن كليات مطلقة – أفلاطونية، هيغلية، ماركسية، بنيوية أي أن كل لا يخلو من أثر استبعاد وأن أي نظام شامل يحمل في طياته شبح الإقصاء والعنف الرمزي. ولهذا كان تفكيك الكل بمثابة فعل تحرير ليس للأجزاء فحسب بل للكل نفسه من أسره السابق. فالكل عندما يعترف بأنه غير تام ينفتح على إمكانيات جديدة وعلى أصوات كانت مهمشة وعلى حياة كانت مقموعة باسم الانسجام المزعوم.

إن إعادة مساءلة الكلية اليوم تعني القبول بفكرة أن العالم لا يخضع لمنطق واحد، وأن الحقيقة متعددة الأوجه وأننا لا نستطيع الإمساك بالنظام مطلقاً دون أن يفلت من بين أصابعنا شيء ما. لكن هذا الإفلات ليس خسارة بل هو بالضبط ما يبقينا في حالة تفكير حي وما يمنع العقل من التحجر وما يدفعه إلى تجديد أدواته ووسائله. الفلسفة التي تنكر وجود الكل تصبح عبثية والفلسفة التي تعلن اكتشاف الكل تصبح دوغمائية. الطريق الثالث وهو الأصعب والأخصب هو أن نحافظ على الكل كمسألة لا كجواب وكسؤال لا كيقين، كأفق نتحرك نحوه مع إدراك أننا لن نبلغه أبداً كما نتمنى.

من المدهش أن نشهد في الوقت نفسه عودة خفية للكلية من أبواب خلفية في ثوب الأنظمة الذكية والخوارزميات الضخمة والبيانات الضخمة التي تعيد تجميع تفاصيل حياتنا اليومية في أنساق ضخمة نادراً ما نفهمها. فالعصر الرقمي وهو العصر الذي أشاد الكثيرون فيه بتفكك السلطات وانهيار التسلسلات الهرمية يبدو وكأنه يعيد إنتاج كلية جديدة، كلية تقنية، كلية خوارزمية، أكثر خفاءً وأكثر تسللاً من الكليات السابقة. هذه الكلية الجديدة لا تحتاج إلى فلسفة واضحة ولا إلى سردية كبرى بل تعمل من خلال جمع البيانات وتوقع السلوك وإعادة إنتاج الأنماط. هنا يطرح السؤال مرة أخرى هل نحن بعد أن تفككنا الكليات القديمة نصنع كليات جديدة أكثر خطورة لأنها لا تخضع للمساءلة ذاتها؟ ربما كانت مهمة الفلسفة المقبلة هي إعادة فتح هذه الكلية الرقمية وتفكيكها كما فككت الكليات الميتافيزيقية وإظهار أن حتى الخوارزمي ليس كلا حقيقياً بل شبكة من الافتراضات والتحيزات والاستثناءات.

تظل الحقيقة أن مساءلة الكلية في جوهرها مساءلة للإنسان عن رغبته في اليقين وعن خوفه من الفوضى وعن حاجته إلى المعنى كغطاء على هاوية العبث. ولهذا فهي ليست مسألة نظرية بحتة بل هي مسألة وجودية بامتياز. كيف نبني مشاريع حياتية وعلاقات ومجتمعات من دون السقوط في فخ الكلية المغلق وفي الوقت نفسه من دون الاستسلام لتفكك يجعل كل شيء نسبياً وعابراً وزائلاً؟ لعل الإجابة تكمن في مفهوم “الكل المؤقت”، الكل الذي نصممه بأنفسنا في كل لحظة والذي لا يفرض نفسه علينا من الخارج بل نعيد ابتكاره باستمرار من الداخل. كل هذا يشبه الجسر الذي نبني أثناء عبوره أو النغمة التي تظهر بين النغمات أو الذاكرة التي لا تستقر على صيغة واحدة. وهو في العمق ما أراده الفكر المعاصر حين انتقد الكليات القسرية، ليس كي يتركنا في برية الأجزاء بل كي يمنحنا حرية بناء كلياتنا الخاصة، كليات صغرى، محلية، مؤقتة، لكنها حقيقية بما يكفي لتعطي لحياتنا معنى ومرونة بما يكفي كي لا تصبح سجناً.

وتكون مساءلة الكلية في أروع تجلياتها بمثابة دعوة إلى نمط جديد من الحكمة، حكمة لا تستقر على يقين ولا ترتاح إلى تشكك بل تتحرك في المنطقة الرمادية بينهما وتمسك الخيط من طرفيه وتعرف متى تجمع ومتى تفرق ومتى تبني كلا ومتى تتركه يتفكك لتعيد بنائه من جديد. حكمة تنتمي إلى نسيج الحياة أكثر مما تنتمي إلى قلاع الميتافيزيقا، حكمة شجاعة بما يكفي لترى أن الكل المطلق وهم والتفكك المطلق موت وأن الحقيقة كما يقال في بعض الحكم القديمة تكمن في الوسط لكن ليس وسطاً جامداً بل وسطاً يرقص على حبل رفيع بين الاستقرار والانهيار، بين الكل واللا كل وبين الحلم بالوحدة والخوف من فقدان الذات في زحام الأجزاء.

فلتكن مساءلة الكلية إذن، بدايةً لا نهاية، فتحاً لا إغلاقاً، أسلوب عيش لا نظرية محضة، جسراً يمتد فوق هوة الأسئلة الأولى والأخيرة، نعبر عليه بين حين وآخر حاملين معنا بعض الأجزاء التي نحب معترفين بأننا لن نصل أبداً إلى الضفة الأخرى لا كاملين ولا متكاملين لكننا مع ذلك نسير.

***

د. حمزة مولخنيف

مفتتح إشكالي: ليست الفلسفة في جوهرها سوى محاولة دائمة للإجابة عن الأسئلة التي تقلق الإنسان وتدفعه إلى تجاوز حدود المألوف. ومن بين هذه الأسئلة يبرز سؤال الفكر بوصفه أحد أكثر الأسئلة التصاقًا بالوجود الإنساني؛ إذ لا يتعلق بما نفكر فيه فحسب، بل بكيفية تشكل التفكير نفسه وبالشروط التي تجعل المعرفة ممكنة. فمنذ أن بدأ الإنسان يعي ذاته بوصفه كائنًا مفكرًا داخل هذا الكون المترامي، وهو يعيش حالة توتر دائمة بين عالمين متداخلين: عالم الداخل الذي يسكنه الصمت والتأمل، وعالم الخارج الذي تعجّ فيه الأصوات والاختلافات والتجارب. ولم يكن البحث في مصدر الحقيقة يومًا مجرد ترف فلسفي أو فضول نظري، بل كان سؤالًا يمسّ صميم التجربة الإنسانية: كيف نفكر؟ وكيف تتشكل أفكارنا؟ وهل يولد الفكر في عزلة العقل حين ينفصل عن العالم، أم في قلب العالم حين يحتك بالآخرين ويتفاعل مع تجاربهم ورؤاهم؟

إن هذه الإشكالية ليست نظرية صرفة، بل هي انعكاس مباشر لتجربة الإنسان اليومية. فكل فرد يعيش هذا التوتر دون أن ينتبه إليه: الطالب الذي يختار العزلة حين يريد الفهم، ثم يعود إلى النقاش حين يشتد عليه الغموض؛ والباحث الذي يغلق على نفسه باب المختبر أو المكتب بحثًا عن فكرة جديدة، ثم يخرج إلى المجتمع العلمي ليختبرها وينقحها؛ وحتى الإنسان العادي الذي يتأمل وحده في قراراته، ثم لا يستطيع أن يستغني عن رأي الآخرين في توجيه مساره. وهكذا يتبين أن الفكر ليس حالة ثابتة أو معطى جاهزًا، بل حركة مستمرة بين الصمت والضجيج، بين الذات والآخر، بين التأمل والحوار، وبين الداخل والخارج.

ومن هنا تنفتح أمامنا إشكالية فلسفية عميقة تتجاوز مجرد البحث عن مصدر الأفكار إلى التساؤل عن طبيعة المعرفة الإنسانية ذاتها: فهل يمثل الصمت الشرط الأول لولادة الفكر وتبلور الحقيقة، أم أن الفكر لا يكتسب معناه وشرعيته إلا داخل فضاء الحوار والتفاعل الإنساني؟ وبعبارة أخرى: هل الحقيقة ثمرة تأمل فردي خالص، أم أنها نتاج لقاء العقول وتفاعل الذوات؟

1. هل يولد الفكر في الصمت أم في ضجيج الآخرين؟

من بين الأسئلة التي رافقت الإنسان منذ بدايات وعيه بذاته والعالم، يبرز سؤال مصدر الفكر بوصفه أحد أكثر الأسئلة التصاقًا بطبيعة المعرفة الإنسانية. فهل تتولد الأفكار في لحظات العزلة والتأمل، حين ينصرف العقل إلى ذاته بعيدًا عن ضجيج الحياة، أم أنها ثمرة الاحتكاك بالآخرين وما يرافقه من حوار واختلاف وتبادل للتجارب؟ إن هذا التساؤل لا يتعلق فقط بكيفية تشكل المعرفة، بل يمس طبيعة الإنسان ذاته باعتباره كائنًا يعيش بين حاجته إلى الصمت وحاجته إلى التواصل.

إن الفكر الإنساني ليس نتاج لحظة واحدة، بل هو حصيلة تفاعل معقد بين التجربة الداخلية والخارجية. ففي لحظات الصمت، حين ينفصل الإنسان عن الضجيج، يحدث نوع من إعادة ترتيب للوعي، حيث تتبلور الأفكار وتصفو المفاهيم من التشويش. وهذا ما يجعل الصمت شرطًا أساسيًا للتأمل العميق، كما يظهر في التجربة الديكارتية التي اعتمدت على الشك المنهجي والعزلة الفكرية من أجل الوصول إلى يقين أولي لا يقبل الشك.

لكن في المقابل، فإن الفكر لا يتغذى من الصمت وحده، لأن الصمت إذا طال تحول إلى انغلاق معرفي. فالإنسان يحتاج إلى الآخر بوصفه محفزًا للتفكير النقدي. فحين أواجه رأيًا مخالفًا، أجد نفسي مضطرًا إلى إعادة فحص قناعاتي، وهنا يتولد الفكر الحقيقي. وهذا ما جسده المنهج السقراطي الذي جعل من الحوار وسيلة لاكتشاف الحقيقة وإخراجها من رحم التساؤل والنقاش.

بل إن العلم الحديث نفسه يؤكد أن الإبداع ليس فعلًا فرديًا خالصًا، بل هو ثمرة تفاعل بين عقول متعددة، حيث تتلاقح الأفكار وتتطور داخل فضاء نقدي مفتوح. ومن ثم، فإن الفكر لا يمكن اختزاله في الصمت أو في الضجيج وحدهما، لأن كليهما يؤدي وظيفة أساسية في بنائه.

وعليه، يمكن القول إن الفكر يولد في لحظات التأمل والصمت، لكنه لا يكتمل ولا ينضج إلا عبر الحوار والاحتكاك بالآخرين، حيث تتعرض الأفكار للاختبار والتصحيح والتطوير. وبذلك تتجلى المعرفة الإنسانية بوصفها ثمرة توازن دقيق بين صوت الذات وصوت العالم.

2. العزلة: هروب من العالم أم مختبر خفي للفكر؟

حين ينقطع الإنسان عن العالم من حوله، لا يحدث ما يمكن تسميته ببساطة "غياب الآخرين"، بل يحدث شيء أعمق بكثير: يبدأ العالم نفسه في الانسحاب تدريجيًا من الخارج ليعيد تشكّلَه داخل الذات. في هذه اللحظة لا يعود الصمت مجرد غياب للأصوات، بل يتحول إلى فضاء كثيف تتجمع فيه الأفكار المتفرقة، وتبدأ فيه الذات في محاورة نفسها دون وسائط. وكأن الفكر يُجبر على الدخول في تجربة داخلية خالصة، حيث لا وجود لأي مرآة خارجية سوى مرآته الخاصة.

العزلة هنا لا تُفهم كحالة سلبية أو كنوع من الهروب، بل كاختبار جذري لبنية الوعي نفسه. فحين يغيب الآخر، لا يعود الإنسان قادرًا على الاتكاء على اختلاف الآراء أو تنوع وجهات النظر، بل يجد نفسه أمام ذاته فقط، أمام أفكاره كما هي بلا تزيين ولا تعديل خارجي. وهنا تبدأ المفاهيم في إعادة التشكل من الداخل، وكأن العقل يعيد بناء عالمه من الصفر، قطعة قطعة، فكرة فكرة.

لكن هذا الانكفاء لا يعني أن الفكر يصبح أكثر صفاءً بالضرورة، بل يضعه أمام سؤال دقيق: هل ما يتشكل داخليًا هو حقيقة أعمق، أم مجرد انعكاس مغلق لذاته؟ فالعزلة قد تمنح الفكر عمقًا غير مسبوق، لكنها في الوقت نفسه قد تحرمه من معيار المقارنة الذي يضبط صحته. وهنا يظهر الطابع المزدوج للعزلة: فهي ليست مجرد فضاء للتأمل، بل تجربة حدّية يتحدد فيها مصير الفكر بين الانفتاح والانغلاق.

ومن هذا المنظور، تصبح العزلة لحظة إعادة تأسيس لا لحظة استقرار، لحظة تفكيك قبل أن تكون لحظة بناء، حيث يتعلم الفكر كيف يعيد النظر في نفسه قبل أن يعود إلى العالم.

3. الوحدة والوعي: هل تقربنا من الحقيقة أم تدفعنا نحو الوهم؟

هناك لحظة في حياة الإنسان لا تشبه أي لحظة أخرى، لحظة لا يكون فيها محاطًا بأي صوت سوى صوته الداخلي، ولا بأي حضور سوى حضوره هو. في هذه اللحظة تحديدًا، لا يعود الصمت محايدًا، بل يتحول إلى قوة كاشفة تضع الذات أمام نفسها دون أقنعة. وكأن الإنسان يدخل في مواجهة مباشرة مع وعيه، دون أي حماية خارجية.

في هذا المستوى من التجربة، لا تعود الوحدة مجرد حالة اجتماعية أو نفسية، بل تصبح وضعًا فلسفيًا مكثفًا، حيث تُطرح الأسئلة التي غالبًا ما تُدفن تحت روتين الحياة اليومية: من أكون حين لا يراني أحد؟ وهل ما أعتقده عن نفسي نابع من داخلي حقًا أم هو نتيجة تراكمات خارجية تسربت إلى وعيي دون أن أشعر؟

هذه الأسئلة لا تأتي في شكل إجابات، بل في شكل اهتزاز داخلي يربك يقين الذات. فالوحدة تكشف للإنسان أنه ليس كيانًا بسيطًا، بل تركيب معقد من التأثيرات والتجارب والتمثلات. وهنا تبدأ المفارقة: فكلما تعمق الإنسان في وحدته، كلما اقترب من ذاته، لكنه في الوقت نفسه يقترب من قلق أعمق ناتج عن غياب المرجعيات الخارجية التي كانت تمنحه شعورًا بالثبات.

وهكذا تصبح الوحدة تجربة مزدوجة: فهي من جهة تمنح فرصة نادرة للوعي الذاتي الخالص، ومن جهة أخرى تضع هذا الوعي في حالة هشاشة، لأنه يفتقد إلى معيار خارجي يختبر به نفسه.

4. تجربة حي بن يقظان: هل تكفي الذات لصناعة المعرفة؟

تظهر أحيانًا في تاريخ الفكر تجارب لا تهدف فقط إلى شرح فكرة، بل إلى اختبار حدود الإنسان نفسه. ومن بين هذه التجارب تبرز قصة حي بن يقظان بوصفها واحدة من أكثر المحاولات جرأة في تخيل عقل بشري ينمو خارج أي إطار اجتماعي. عقل يبدأ من الصفر تقريبًا، دون لغة، دون تعليم، دون مجتمع، ثم يُترك وحده أمام العالم ليعيد اكتشافه خطوة خطوة.

في هذا التصور، لا يعود السؤال متعلقًا بكيفية التعلم فقط، بل بكيفية نشوء المعرفة نفسها: هل يمكن للعقل أن يبني الحقيقة دون أي وسيط خارجي؟ هل يكفي التأمل وحده لصناعة فهم للعالم؟ أم أن المعرفة تحتاج دائمًا إلى مجتمع يزودها بأدواتها الأولى؟

إن قوة هذه التجربة تكمن في أنها تدفعنا إلى تخيل المستحيل: عقل يواجه الطبيعة مباشرة، يراقب، يقارن، يستنتج، ثم يرتقي تدريجيًا من الإدراك الحسي إلى التفكير المجرد. وكأن الفكر هنا يُولد بالكامل من الداخل دون أي دعم خارجي.

لكن كلما بدا هذا التصور مكتملًا، ظهر سؤال مضاد: من أين تأتي اللغة التي يفكر بها هذا العقل؟ وكيف تتشكل المفاهيم دون إطار اجتماعي سابق؟ وهنا تتكشف حدود النموذج، لأنه رغم قوته الرمزية، فإنه يفترض عزلة لا وجود لها في الواقع الإنساني.

5. حدود العقل المنعزل: متى يتحول الفكر إلى وهم؟

قد يبدو العقل في لحظات عزلته أكثر قدرة على التأمل وأكثر استعدادًا لإنتاج الأفكار الكبرى، إذ يتحرر من ضغط الجماعة ومن سلطة الرأي السائد ومن تشويش الحياة اليومية. وفي مثل هذه اللحظات يشعر الإنسان أنه أصبح أقرب إلى ذاته، وأنه بات قادرًا على رؤية الأشياء بوضوح أكبر مما كان يراه وسط ضجيج العالم. غير أن هذه الصورة المطمئنة تخفي وراءها إشكالًا فلسفيًا بالغ التعقيد، يتمثل في السؤال الآتي: كيف يمكن للعقل أن يتأكد من صحة ما ينتجه إذا كان هو المنتج والحكم في الوقت نفسه؟

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الفكر ليس الخطأ في حد ذاته، لأن الخطأ جزء طبيعي من مسار المعرفة، وإنما أخطر ما يمكن أن يقع فيه هو أن يتحول الخطأ إلى يقين لا يجد من يكشفه أو يراجعه. فالعقل المنعزل يمتلك قدرة كبيرة على بناء أنظمة فكرية متماسكة داخليًا، وقد ينجح في ربط الأفكار بعضها ببعض بطريقة تبدو منطقية تمامًا، لكنه يظل محرومًا من الاختبار الذي يفرضه وجود الآخر. ولذلك فإن التماسك الداخلي للفكرة لا يكفي وحده للحكم على صحتها، لأن كثيرًا من الأوهام تبدو منسجمة ومنطقية ما دامت لم تتعرض للنقد.

ومن هنا نفهم لماذا اعتبر هيغل أن الوعي لا يستطيع أن يكتمل داخل دائرة الذات المغلقة، لأن الذات لا تكتشف حدودها إلا حين تصطدم بوعي آخر مختلف عنها. فالآخر لا يمثل مجرد حضور خارجي، بل يمثل الشرط الذي يسمح للفكر بأن يرى نقاط ضعفه ومناطقه العمياء. وما لم يحدث هذا الاصطدام، يبقى العقل معرضًا لأن يتحول إلى مرآة تعكس نفسها باستمرار دون أن ترى ما يقع خارجها.

ولعل تاريخ الفكر نفسه يقدم أمثلة كثيرة على ذلك؛ فكم من النظريات بدت لأصحابها يقينية لا تقبل الشك، ثم جاء الحوار العلمي أو الفلسفي ليكشف جوانب القصور فيها. ولهذا فإن الفكر المنعزل لا يتحول إلى وهم لأنه عاجز عن التفكير، بل لأنه قد يصبح واثقًا من نفسه إلى درجة تمنعه من مراجعة ذاته. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فمصدر القوة ذاته قد يتحول إلى مصدر ضعف، ومصدر العمق قد يتحول إلى مصدر انغلاق.

6. الحوار: من تبادل الآراء إلى إنتاج الحقيقة

حين يُذكر الحوار يتبادر إلى الذهن غالبًا أنه مجرد تبادل للكلمات أو وسيلة للتواصل بين الأفراد، غير أن الفلسفة تكشف لنا أن الحوار أعمق من ذلك بكثير. فالحوار ليس مجرد نقل للأفكار من عقل إلى آخر، بل هو عملية تتغير فيها الأفكار نفسها أثناء انتقالها. إن كل فكرة تدخل فضاء الحوار تخرج منه مختلفة عما كانت عليه، لأنها تتعرض للاختبار والمساءلة والتعديل.

ومن هنا كان الحوار حاضرًا في قلب الفلسفة منذ نشأتها الأولى. فالفيلسوف سقراط لم يترك مؤلفات مكتوبة، لأنه كان يؤمن بأن الحقيقة لا تُعطى جاهزة، بل تُولد داخل النقاش نفسه. وكان يعتقد أن الإنسان يحمل في داخله إمكانية المعرفة، لكن هذه الإمكانية لا تتحول إلى معرفة فعلية إلا عندما تُستفز بالأسئلة ويُدفع العقل إلى مراجعة ما يظنه بديهيًا.

إن القيمة الحقيقية للحوار لا تكمن في الوصول إلى اتفاق دائم، بل في قدرته على كشف حدود المواقف المختلفة. فالاختلاف لا يُعد عائقًا أمام الحقيقة، بل قد يكون أحد شروط ظهورها. وحين تتقابل وجهات النظر المختلفة، تبدأ كل واحدة منها في اكتشاف ما كانت تغفله عن نفسها، فينشأ نوع من التصحيح المتبادل الذي يسمح للمعرفة بالتطور.

وقد طور هابرماس هذه الفكرة حين رأى أن الحقيقة ليست ملكًا لفرد معزول، بل تتشكل داخل فضاء تواصلي يقوم على الحجاج العقلاني والاعتراف المتبادل. فكلما كان الحوار أكثر حرية وأكثر انفتاحًا، ازدادت إمكانية الاقتراب من الحقيقة.

ولهذا فإن الحوار لا يمثل مرحلة تكميلية للفكر، بل يمثل أحد شروط وجوده. فالفكر الذي لا يتحاور يتحول إلى يقين مغلق، بينما الفكر الذي يدخل في حوار دائم يظل قادرًا على التجدد وإعادة بناء نفسه باستمرار.

7. السؤال كقوة محركة للفكر

إذا كانت الإجابات تمنح العقل شيئًا من الاستقرار، فإن الأسئلة هي التي تمنحه الحياة. فالفلسفة لم تبدأ يومًا بإجابة، بل بدأت بدهشة، والدهشة سرعان ما تحولت إلى سؤال. ومنذ تلك اللحظة أصبح السؤال هو المحرك الأساسي لكل تقدم فكري عرفته الإنسانية.

إن السؤال الحقيقي لا يهدف فقط إلى الحصول على معلومة، بل إلى إعادة النظر في الإطار الذي نفكر من خلاله. ولذلك فإن أخطر الأسئلة ليست تلك التي تفتقر إلى جواب، بل تلك التي تجعل الأجوبة القديمة غير كافية. فعندما سأل سقراط عن معنى العدالة، لم يكن يبحث عن تعريف لغوي فحسب، بل كان يهزّ الأسس التي بنى الناس عليها فهمهم للعدالة.

وهكذا يتحول السؤال إلى قوة فلسفية قادرة على زعزعة المسلمات وكشف هشاشة البداهات. وما يبدو واضحًا اليوم قد يصبح موضع شك غدًا بسبب سؤال واحد فقط. ولهذا كانت الفلسفة تاريخيًا مرتبطة بفن السؤال أكثر من ارتباطها بفن الإجابة.

وفي رواية «عالم صوفي» تتجسد هذه الفكرة بوضوح؛ إذ تبدأ رحلة البطلة بسؤال بسيط ظاهريًا: «من أنت؟». غير أن هذا السؤال البسيط يفتح أبوابًا لا تنتهي من التأمل في الذات والوجود والمعرفة. وهنا تتجلى قوة السؤال الحقيقية، فهو لا يقدم طريقًا مباشرًا نحو الحقيقة، بل يفتح أمام الفكر آفاقًا جديدة تجعل البحث نفسه جزءًا من الحقيقة.

ومن ثم، فإن الفكر لا يعيش بالإجابات النهائية بقدر ما يعيش بقدرته على إنتاج أسئلة جديدة. فكل جواب يغلق بابًا، بينما كل سؤال يفتح أبوابًا أخرى، ولهذا يبقى السؤال القوة التي تمنع الفكر من التحول إلى يقين جامد.

8. الصمت والكلام: جدلية لا تنفصل

يبدو الصمت والكلام في الظاهر وكأنهما نقيضان لا يجتمعان؛ فحيث يوجد أحدهما يغيب الآخر. غير أن التأمل الفلسفي يكشف أن العلاقة بينهما ليست علاقة تناقض بقدر ما هي علاقة تكامل عميقة. فالكلام لا يكتسب معناه إلا لأنه يخرج من الصمت، والصمت لا يصبح ذا قيمة إلا لأنه يحمل إمكانية الكلام.

إن الصمت ليس فراغًا كما قد يبدو لأول وهلة، بل هو فضاء داخلي تتشكل فيه الأفكار قبل أن تجد طريقها إلى اللغة. ففي لحظات الصمت يعيد العقل ترتيب معانيه ويختبر علاقته بذاته وبالعالم. ولذلك فإن كثيرًا من الاكتشافات الفكرية الكبرى لم تولد في لحظات الحديث، بل في لحظات التأمل الطويلة التي سبقت الكلام.

لكن الفكر لا يستطيع أن يبقى حبيس الصمت إلى الأبد، لأن المعرفة لا تكتمل إلا عندما تدخل عالم اللغة. فالكلام يمنح الفكرة وجودها الاجتماعي، ويجعلها قابلة للنقد والمشاركة والتطوير. ومن هنا يصبح الكلام امتدادًا طبيعيًا للصمت، لا نقيضًا له.

وقد أدرك فيتغنشتاين هذه العلاقة المعقدة حين ميّز بين ما يمكن قوله وما ينبغي الصمت عنه. فهناك مجالات من التجربة الإنسانية تتجاوز قدرة اللغة على التعبير الكامل، ومع ذلك فإن هذا العجز لا يلغي وجودها. ومن هنا يصبح الصمت نفسه شكلًا من أشكال المعنى.

وهكذا يتبين أن الفكر الحقيقي يحتاج إلى الاثنين معًا: يحتاج إلى الصمت كي يكتسب العمق، ويحتاج إلى الكلام كي يكتسب الوضوح والفاعلية. وبين هذين القطبين تتشكل الحركة الدائمة للوعي الإنساني.

9. الآخر كشرط للوعي

قد يظن الإنسان أنه يعرف نفسه مباشرة، وأن وعيه بذاته أمر مستقل عن كل ما هو خارجي. لكن الفلسفة الحديثة كشفت أن الذات لا تكتشف نفسها في عزلة تامة، بل من خلال علاقتها بالآخر. فالإنسان لا يولد وهو يمتلك صورة مكتملة عن ذاته، وإنما يبني هذه الصورة تدريجيًا عبر التفاعل مع من يحيطون به.

فالطفل، على سبيل المثال، لا يتعرف إلى نفسه إلا من خلال استجابة الآخرين له، ومن خلال اللغة التي يتعلمها داخل المجتمع. وحتى في المراحل اللاحقة من حياته، يظل محتاجًا إلى الآخر كي يختبر أفكاره ويعيد النظر في مواقفه. وبذلك يصبح الآخر أكثر من مجرد فرد يشاركني العالم؛ إنه الشرط الذي يسمح لي بأن أرى نفسي من زاوية مختلفة.

وقد عبّر سارتر عن هذه الفكرة بقوله إن الآخر يكشفني لنفسي، لأن نظرة الآخر تجعلني أدرك أن وجودي ليس مغلقًا على ذاته، بل حاضرًا في عالم مشترك. أما بول ريكور فيربط الهوية بالسرد، أي أن الإنسان لا يفهم نفسه إلا من خلال القصة التي يبنيها عن حياته، وهذه القصة لا تتشكل إلا داخل شبكة من العلاقات الإنسانية.

ومن هنا فإن الآخر لا يمثل فقط شرطًا للمعرفة، بل شرطًا للهوية ذاتها. فالفكر يحتاج إلى الآخر كي يختبر نفسه، والذات تحتاج إليه كي تتعرف إلى نفسها. ولهذا فإن غياب الآخر لا يعني فقط غياب الحوار، بل يعني أيضًا غياب المرآة التي تنعكس فيها الذات على نفسها.

وهكذا يتضح أن الإنسان، مهما بلغ من استقلال فكري، لا يستطيع أن يكتمل داخل عزلة مطلقة؛ لأن وعيه ذاته يحمل في أعماقه أثر الآخرين، ولأن الحقيقة التي يبحث عنها تظل دائمًا مرتبطة بعلاقة متبادلة بين الأنا والغير، بين الذات والعالم، وبين ما نفكر فيه وحدنا وما نكتشفه مع الآخرين.

خاتمة

في لحظات التأمل القصوى، حين ينسحب الإنسان من ازدحام العالم وتخفت داخله الأصوات المتداخلة، ينكشف له أن ما كان يظنه يقينًا لم يكن سوى محطة مؤقتة في مسار تشكّل الفكر، وأن الوعي ذاته ليس بنية مكتملة، بل سيرورة دائمة تتخلق داخل توتر خفي بين الداخل والخارج. عند هذا الحدّ التأملي الدقيق، يتراجع السؤال التقليدي عن "مكان الحقيقة"، ليحلّ محله سؤال أكثر جوهرية: كيف تتكوّن الحقيقة داخل التجربة الإنسانية وهي منقسمة بين عزلة الذات وانفتاحها على الآخر؟

في هذا الأفق، لا يعود الفكر مجرد نشاط ذهني مستقل، بل يتحول إلى حركة وجودية تتشكل في المنطقة البينية التي تفصل وتجمع في آن واحد بين الصمت والكلام، وبين الانكفاء على الذات والانفتاح على العالم. فالفكر، من هذا المنظور، ليس معطى جاهزًا يمكن امتلاكه، بل هو حدث مستمر يعاد إنتاجه داخل التجربة الإنسانية نفسها.

وعليه، فإن المعرفة لا تتجلى بوصفها لحظة استقرار نهائي أو اكتمال مغلق، بل بوصفها دينامية مفتوحة تتأرجح بين قطبين متكاملين: لحظة صمت تستعيد فيها الذات قدرتها على التأمل وإعادة بناء المعنى من الداخل، ولحظة انفتاح تختبر فيها هذه المعاني داخل فضاء الاختلاف والحوار والمساءلة.

ومن ثم، لا يعود هذا التوتر بين الصمت والضجيج عيبًا في بنية الفكر أو نقصًا في قدرته، بل شرطًا بنيويًا لوجوده ذاته؛ إذ إن الفكر الذي لا يمرّ بلحظة صمت يفقد عمقه التأملي، كما أن الفكر الذي لا ينخرط في الحوار يفقد معيار تصحيحه وتطوره.

وعلى هذا الأساس، يتبدّى أن الإشكال أعمق من مجرد مفاضلة بين الصمت والكلام، ليصبح سؤالًا أنطولوجيًا حول طبيعة الحقيقة نفسها: هل يمكن اعتبار الحقيقة معطى نهائيًا ثابتًا خارج الزمن والتجربة، أم أنها تتشكل باستمرار داخل مسار الوعي الإنساني، كلما تفاعل مع ذاته ومع العالم؟

لعل ما يمكن ترجيحه، في ضوء هذا التصور، هو أن الحقيقة ليست موضعًا يُبلغ، بل أفقًا يتكشف تدريجيًا، يتشكل كل مرة في المسافة الدقيقة التي تفصل وتصل بين ما يفكر فيه الإنسان وحده، وما يعيد اكتشافه عبر علاقته بالآخر وبالعالم.

***

الباحثة: بهلولي جيهان - فلسفة تطبيقية

جامعة باجي مختارـ عنابة / الجزائر

أزمة الدلالة في الفكر الفلسفي الحديث

لا تبدأ الفلسفة في التفكر في اللغة إلا عندما تصبح الكلمات موضع ريبة وعندما تتسرب الشكوك إلى تلك العلاقة البديهية التي كنا نظنها أقرب إلى اليقين من علاقتنا بأجسادنا. ذلك أن اللغة منذ أقدم العصور كانت تُعتبر نافذة شفافة على العالم وأداة محايدة تسمي الأشياء كما هي دون أن تترك في المعنى أثراً من ذاتها. لكن هذا السكون الدوغمائي لم يدم طويلاً إذ سرعان ما انتبه الفكر إلى أن الكلمة ليست مجرد لصيقة بالشيء وأن العلاقة بين اللفظ ومدلوله ليست طبيعية ولا ضرورية بل هي علاقة وضع واصطلاح تخضع لتاريخها وبيئتها وغاياتها. وإذ انكشفت هذه الحقيقة لم يعد بالإمكان العودة إلى السذاجة الأولى؛ فقد غدت الفلسفة مضطرة إلى أن تحفر في تلك الفجوة التي تتسع كلما حاولنا أن نرد الكلمات إلى الأشياء والأشياء إلى كلمات، لتظهر على السطح أزمة دلالية هي في جوهرها أزمة فلسفة بكاملها.

ويكمن جوهر هذه الأزمة في ذلك الانفصال الذي لم يعد ممكنا تجاوزه بالوعظ أو بالحدس، ذلك الانفصال بين المعنى (Sense/Sinn) والمرجع (Reference/Bedeutung)، وهما القطبان اللذان ظل الفكر يتأرجح بينهما منذ أن شق جوتلوب فريجه طريقه في هذا المتاهة بمقالته الشهيرة التي لم تفقد وهجها بعد مائة عام. فالمعنى هو ما نستخلصه من الكلمة، أي الأسلوب الذي تُقدَّم به الإحالة إلى المرجع. إنه بمثابة منشور لغوي يُفكِّك ضوء الواقع إلى أطياف متعددة. أما المرجع فهو الشيء الفعلي في العالم الخارجي، ذلك الواقع القاسي الذي لا تشير إليه الكلمة إلا من بعيد. وقد اعتقد الفلاسفة الأوائل أن العلاقة بين هذين الطرفين بسيطة، ننطق كلمة "حصان" فنشير إلى الحيوان المعروف فيفهم السامع ما نقصد. لكن لو كان الأمر بهذه البساطة لما كان ثمة معنى لفلسفة اللغة ولما انهمك ألمع العقول في تفكيك هذه العلاقة وإعادة تركيبها ألف مرة. إن القطيعة الحقيقية حدثت حين أدرك الفكر أن المعنى لا يقود إلى المرجع بيسر بل قد يحجبه وقد يخلق مراجع وهمية وقد يتعدد المعنى لمرجع واحد وقد يتحد المعنى لمراجع شتى. وقد تحولت السذاجة إلى إشكالية والإشكالية إلى أزمة تعكس في العمق أزمة الإنسان الحديث الذي فقد الثقة في قدرة لغته على الإمساك بالعالم.

لهذا السبب فإن الغوص في هذه الأزمة ليس عملاً تاريخياً يقتصر على تتبع آراء الفلاسفة بل هو عمل وجودي يتعلق بعلاقتنا بالحقيقة والكذب، بالمعرفة والوهم وبالآخر وبالذات. فالحديث عن انفصال المعنى عن المرجع هو حديث عن انفصالنا نحن عن يقين سكن أجسادنا قبل أن يسكن عقولنا. والفلسفة الحديثة بما حملته من نقد للتمثلات الساذجة ومن كشف للبنى الخفية التي تشكل معنى المعنى لم تفعل شيئاً آخر سوى أنها أرخت لهذا الانفصال ليكون مسرحها الوحيد، ولهذا سيكون مسعانا في هذا المقال أن نتبين ملامح هذه الأزمة في أبرز محطاتها متتبعين كيف انقلبت الدلالة من علاقة طبيعية إلى إشكالية نقدية، ومن إشكالية إلى ورطة وجودية لا تنفك تطارد كل قول يدّعي الصدق.

لم يكن قط في تاريخ الفكر أن بدت اللغة لهذا الحد من الشفافية التي تنمّ عن غدر ولا من الائتلاف الظاهري الذي يستبطن شرخاً لا يلتئم، كما بدت في اللحظة التي انقلب فيها السؤال من "ماذا تعني الكلمات؟" إلى "كيف يمكن للكلمات أن تعني أصلاً؟". فالانفصال الذي نتلمسه بين المعنى والمرجع أو بين الدال والمدلول في اصطلاح آخر لم يعد مجرد عيب طارئ في أداة التواصل بل تحول إلى جرح وجودي في نسيج اللغة نفسها وإلى أزمة دلالية تطال قدرة الفكر على الإمساك بالعالم. ذلك أن الفلسفة الحديثة منذ أن استفاقت من سباتها الدوغمائي على وقع صرخة هوسرل "إلى الأشياء نفسها" وتردد صدى نيتشه القائل "الحقيقة هي جيش متنقل من الاستعارات"، لم تعد تستطيع أن تأخذ العلاقة بين العلامة والموضوع كأمر مسلم به بل باتت مضطرة إلى الغوص في تلك الفجوة التي تتسع كلما حاولنا أن نسدها، تلك الفجوة حيث لا يطابق المعنى المرجع وحيث تصبح الكلمة شبحاً يحوم حول شيء لا يمكن الإمساك به.

لقد أدرك أوغسطينوس في اعترافاته تلك المفارقة اللغوية المؤسسة حين يتعلم الطفل اللغة فهو لا يتعلم أسماء الأشياء كما لو كانت أدراجاً تطابق محتويات العالم بل يتعلم ضمن شبكة من الإشارات والنيات المشتركة التي تتشكل قبل أن ينطق بحرف. لكن الفلاسفة الذين جاءوا بعده وخصوصاً أولئك الذين حملوا راية التحليل المنطقي في مطلع القرن العشرين أرادوا أن ينقوا اللغة من غموضها، فظنوا أن بإمكانهم رد كل قضية ذات معنى إلى بنيتها الإحالية الصرفة وإلى علاقة لفظية مباشرة بالواقع. ذلك الحلم الجميل الذي تمثل في صورة لغة مثالية تتطابق فيها القضايا العنقودية مع حقائق العالم في تطابق واحد ونهائي، هو نفسه الذي كشف حدود العقل حين اصطدم بتلك الحقيقة الجوهرية، لا يمكن للغة أن تنظر إلى نفسها من خارج نفسها ولا يمكن للرمز أن يضمن حقيقة مرجعه إلا من خلال رموز أخرى وهكذا إلى ما لا نهاية.

كان فريجه أول من شق هذه الأرض الوعرة بحدته الألمانية النموذجية حين فرّق في مقالته الكلاسيكية "المعنى والمرجع" بين "المعنى" (Sinn) و"المرجع" (Bedeutung). فالجسم السماوي الذي نسميه "نجمة الصباح" هو بعينه الجسم الذي نسميه "نجمة المساء"، أي كوكب الزهرة. لكن معنى العبارة الأولى ليس معنى العبارة الثانية وإلا لكانا متطابقين في كل سياق وهو ما ليس صحيحاً. فثمة جهة تقدّم، ثمة طريقة في إعطاء المرجع، ثمة منشور لغوي يكسّر الضوء إلى ألوان مختلفة قبل أن يصيب الشيء نفسه. وهذا المنشور هو المعنى، ذلك الكيان الغامض الذي يتوسط بين اللفظ والعالم والذي لا يمكن اختزاله إلى صورة ذهنية خاصة لأنه يجب أن يكون مشتركاً بين متكلمين اثنين ليحدث الفهم. وبهذا الضربة النظرية لم يحرر فريجه الدلالة من سذاجة التطابق المباشر فحسب بل زرع بذرة الأزمة، فإذا كان المعنى متميزاً عن المرجع فأي ضمان لدينا أن معنى كلمة ما عندي هو نفس معناها عندك؟ وأي ضمان أن المعنى الذي أحملُه إلى كلمة "العدالة" يشير إلى المرجع نفسه في العالم الواقعي الذي يشير إليه معنى هذه الكلمة عند خصمي السياسي؟ فالمعنى يصبح حاجباً قبل أن يصبح دليلاً، شاشة عرض تتدخل بين العين والموضوع تارةً تُضخم وتارةً تشوه وتارةً تخلق وهماً في المكان الذي اعتقدنا أن هناك حقيقة قاطعة.

هذه الفجوة التي اكتشفها فريجه تتسع أكثر عندما ننتبه إلى أن المرجع نفسه ليس شيئاً ثابتاً مطلقاً بل هو نتاج سياق واصطلاح وممارسة لغوية. فراسل في نظريته الشهيرة عن الوصفات المحددة وجّه نقداً قاسياً لمبدأ التعيين الساذج الذي ظن أن الأسماء العلمية الصرفة مثل "أرسطو" تحيل مباشرة إلى فرد تاريخي ملموس. في الحقيقة عندما نقول "أرسطو" فإننا ننطوي على مجموعة من الوصفات التي يُفترض أنها تنطبق على شخص واحد فقط: "مُعلم الإسكندر الأكبر"، "مؤلف كتاب ما وراء الطبيعة"، "تلميذ أفلاطون" وهلم جرا. لكن لو اكتشفنا فجأة أن شخصاً آخر هو من كتب هذه الكتب أو أن أرسطو كان اسماً جماعياً لعدة أشخاص فماذا يصبح مرجع الكلمة؟ نجد أنفسنا بدون أن ندري قد سحبنا البساط من تحت أقدامنا. المعنى الذي ظننا أنه محايد وعابر يتبين أنه يحمل في داخله نظرياتٍ كليةً عن العالم وفروضاً ميتافيزيقية والتزامات أنطولوجية. الكلمات ليست مرايا بل هي نظارات ملونة لا نخلعها أبداً.

وفي الجانب الآخر من الأطلسي، كان ويليام جيمس وشارلز ساندرس بيرس يؤسسان لمذهب براغماتي سيتخذ من الأزمة الدلالية سلاحاً هجومياً ضد الميتافيزيقا التقليدية. فإذا كان المعنى منفصلاً عن المرجع فربما يكون السؤال الخاطئ هو "ما هو مرجع كلمة الوعي؟"، والسؤال الصحيح هو "كيف نستخدم كلمة الوعي في سياقات حياتنا العملية؟". المعنى عند البراغماتيين ليس صورة مطابقة أو فكرة داخلية سابقة على الاستعمال بل هو مجموع الآثار العملية المترتبة على قولنا أن شيئاً ما هو كذا. لكن هذا الحل الإجرائي لم يلبث أن انقلب إلى مشكلة أخرى، إذا كان المعنى يختزل إلى الاستعمال فأي معنى لقولنا إن هناك عالماً خارج اللغة أصلاً؟ لقد قام البراغماتيون في مسعاهم النبيل لإنقاذ الدلالة من العبث الميتافيزيقي بتفكيك فكرة المرجع الجوهري وتذويبها في سلوكيات وأنماط حياة؛ لكنهم بذلك افتتحوا الباب أمام أزمة أكثر حدة ربما لا يوجد خارج الممارسة اللغوية ما يمكن تسميته "مرجعاً" بالمعنى القوي للكلمة بل كل ما لدينا هو سياقات لغوية ترتبط ببعضها البعض في شبكة لا نهائية من الإحالات والمعاني المتداخلة دون أن يكون لها رصيف ثابت في الواقع المادي أو المثالي.

صحيح أن فكرة المرجع بقيت جاثمة على صدر الفلسفة تحاول كل نظرية أن تتخلص منها بطريقتها. لكن الحدث الأعمق هو ما فعله فرديناند دي سوسير في محاضراته عن اللسانيات العامة حين قلب المسألة رأساً على عقب. لم يقل سوسير ببساطة إن بين المعنى والمرجع فجوة بل قال إن المرجع بحد ذاته ليس خارج اللغة بل هو نتاج لغة. فالدال لا يسبقه مدلول مسبق التكوين في العالم بل الدال والمدلول يخلقان بعضهما البعض داخل نظام اللغة كما يخلق الوجهان العملة الواحدة. عندما أقول "شجرة"، فأنا لا أشير إلى شجرة معينة في العالم بل أدخل في نظام من الاختلافات يجعل كلمة "شجرة" مختلفة عن "شجيرة" و"نبات" و"خشب". المعنى ليس إحالة خارجية بل هو قيمة سلبية وعلائقية تحددها فروق داخلية. ويصير المرجع ذلك الحلم القديم للفلسفة مجرد وهم لساني، اللغة تتحدث عن اللغة وتشير إلى اللغة ولا تصل إلى ما وراءها أبداً. ليس هناك "عالم" نستطيع أن نعرفه خارج شبكة الدوال التي ننسجها وكل ما نسميه "مرجعاً" هو مجرد دال آخر، لعبة أفقية تخلق عمقاً وهمياً حيث لا عمق هناك. الكارثة الفلسفية اكتملت، الانفصال لم يعد بين المعنى والمرجع بل أصبح المرجع متطابقاً مع المعنى في حلقة لا نهائية من الإحالة الذاتية وكأننا نقف أمام مرآتين متقابلتين تعكسان أحدهما الأخرى إلى ما لا نهاية دون أن يظهر أي أثر لعالم خارج هذه اللعبة.

لكن هذه الدائرة المفرغة لم تمنع بعض المفكرين من محاولة القفز خارجها أو على الأقل من الحفر تحتها للوصول إلى أرضية أكثر صلابة. إدموند هوسرل ذلك العبقري الذي أفنى عمره في البحث عن اليقين المطلق آمن بأن الوعي عمدي بطبعه أي أنه دائما وعي بشيء ما وذلك الشيء ليس صورة داخلية ولا لفظاً بل هو الشيء نفسه بوصفه مقصوداً. لقد حاول هوسرل أن يبني جسراً بين المعنى الذاتي والمرجع الموضوعي من خلال "الإرجاع" (Reduktion) الذي ينقلنا من المستوى الطبيعي الساذج إلى المستوى المتعالي حيث نرى الأشياء كما تظهر للمعرفة الخالصة. لكن ألسنة نقاده توالت تشير إلى أن هوسرل لم يخرج من دائرة المعنى قط، فما يسميه "الشيء نفسه" ليس شيئاً مستقلا عن التعينية القصدية للوعي. وفضلاً عن ذلك فإن التخلي عن كل الافتراضات المسبقة بما في ذلك افتراض وجود عالم خارجي يبقي الفينومينولوجيا مشلولةً في وصفها للظهورات ولا تمنحها وسيلة للقول أن هناك ما هو أبعد من الظهور. وبذلك نجد أنفسنا أمام نفق مظلم آخر، الوعي يتحدث إلى نفسه عن نفسه والآخرون إما صور معطاة بين قوسين وإما نتاج تناصص لانهائي.

وإذا انتقلنا إلى الفكر الفرنسي في نصف القرن الأخير، نجد أن المسألة قد اتخذت أبعاداً أكثر دراماتيكية. جاك دريدا في نقده الضاري لـ"حضور" المعنى أعلن أن المرجع ليس مستقراً خلف النص بل يتأجل إلى ما لا نهاية عبر سلسلة من الإحالات التي لا تصل إلى نقطة نهائية. إن الكلمة أو الدال عند دريدا لا تحيل إلى مدلول ثابت بل إلى دوال أخرى والمدلول نفسه ليس أكثر من دال مُعاد مما يخلق لعبة من "الاختلاف" (Différance) التي تُؤجل المعنى والمرجع معاً. في هذه الرؤية أصبح الانفصال بين المعنى والمرجع خصوبة لا عجزاً لأن حرية التلاعب بالدوال تصبح هي الأصل وأي محاولة لتعيين معنى واحد ثابت ليست إلا وهمية تهدف إلى فرض نظام مركزي معين أو ما يسميه دريدا "المركزية الحاضرة". الفلسفة التقليدية من أفلاطون إلى هوسرل كانت تبحث عن كلمة أخيرة وعن معنى يوقف التأجيل وعن مرجع يكون هو نفسه حاضراً لا غائباً، حقيقة مطلقة لا احتيال فيها. لكن دريدا يرى أن كل خطاب يحتوي على آليات التقويض الذاتي بحيث أن ما يبدو معنى قاراً ليس سوى لحظة موقوتة في تدفق الدوال وما يبدو مرجعاً موضوعياً هو مجرد دال يعتقد المرء أنه تجاوز أفق اللعبة وهو لم يفعل.

وينبغي أن نذكر أيضاً أن هذه الأزمة لم تكن مجرد لعبة فكرية في أبراج عاجية بل كانت لها تداعيات وجودية عنيفة على مفهوم الإنسان نفسه. فإذا كانت اللغة لا تصل إلى المرجع بسهولة وإذا كان المعنى يهرب منا كلما حاولنا الإمساك به فكيف يمكن للإنسان أن يعرف من هو؟ أن يعرف حدود جسده وتاريخه وأفعاله؟ لقد انعكس هذا التشظي الدلالي على مفهوم الذات فأصبحت الذات عند الفلاسفة مثل ميشيل فوكو مجرد موقع في شبكة خطابية وبناء لغوي مؤقت وليست كياناً جوهرياً يسبق اللغة. ويمكن في هذا السياق فهم شعار فوكو الشهير "الإنسان يموت" ليس كتنبؤ بيولوجي بل كاعتراف فلسفي بأن فكرة الإنسان بوصفها مركزاً للوعي والمرجعية قد انهارت تحت وطأة اكتشاف أن المعنى والمرجع لا يلتقيان في أي نقطة ثابتة. فمنذ أن جردت الفلسفة الإنسان من امتياز كونه "مرجعاً للمعنى"، سقط في شرك معاناته التي لا مفر منها، أنه لا يجد معنى خارج لعبة الدوال لكنه لا يستطيع أن يرضى بأن يكون مجرد دال بين دوال.

ويبدو جليا أن الأزمة الدلالية التي نعيشها ليست عيباً يمكن إصلاحه وليست مرحلة يمكن تجاوزها بل هي بنية اللغة ذاتها، ما دامت اللغة هي الأداة الوحيدة التي نملكها للتفكير في اللغة والعالم. إن الانفصال بين المعنى والمرجع هو ثمن الحرية الذي ندفعه مقابل ألا نكون آلات تسجيل تردد الصدى المباشر للأشياء. إنها الفجوة التي تتيح للشعر أن يولد وللكذب أن يُحتمل وللفهم أن يكون ممكناً دون أن يكون يقينياً. لكنها أيضاً الفجوة التي تجعل من كل خطاب مغامرة محفوفة بالخطر ومن كل فلسفة معركة ضارية مع شبحها الخاص ومن كل كلمة تنطق بها حكاية عن هزيمة محتملة في أرض لا نعرف ما إذا كانت حدودها حقيقية أم وهمية.

بقي أن نعترف بأن هذا الانفصال بين المعنى والمرجع الذي تتبّعناه في بعض مناحي الفلسفة الحديثة لم يزل يشق طريقه ببطء في دهاليز الوعي الغربي حتى تحول إلى ما يشبه المصير المحتوم. إذ مع لودفيغ فيتغنشتاين ذلك الفيلسوف الذي كتب أطروحته الأولى وكأنها نصب تذكاري لعجز اللغة عن قول ما هو أسمى، انقلبت المسألة رأساً على عقب ثانية. ففي "الرسالة المنطقية الفلسفية" كان قد تبنى صورة العالم بوصفه مجموع الوقائع لا الأشياء واللغة بوصفها صورة منطقية لذلك العالم. لكنه سرعان ما اكتشف في مرحلة تفكيره الثاني أن الصورة لا تنطبق على الواقع لأنها ليست خارج الواقع بل هي جزء من ألعاب لغوية متعددة لا متناهية. وعندما صاغ عبارته الشهيرة "معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة" لم يكن يقدم حلا للأزمة بقدر ما كان يعلن أن الأزمة لا معنى لها بهذا الشكل الذي طرحته به الميتافيزيقا التقليدية. فليس ثمة "معنى" منفصل و"مرجع" منفصل، ثم نعاني من فجوة بينهما؛ بل كل ما لدينا هو استعمالات متنوعة لكلمات تتخذ معانيها من سياقاتها الحياتية المتنوعة. السؤال الخطأ إذاً، هو "ما مرجع كلمة الألم؟"، والسؤال الصحيح هو "كيف يتعلم الطفل استعمال كلمة الألم في لعبة اللغة اليومية؟". بهذه النقلة البراغماتية اللغوية حاول فيتغنشتاين أن يشفي الفلسفة من هوسها بالمرجعية الغائبة لكن كثيرين رأوا في هذا العلاج نوعاً من الهروب إلى الأمام، إذا كان المعنى مجرد استعمال فأي معنى لقولة "الاستعمال" نفسها؟ إنها لا تحيل إلى أي مرجع خارجي سوى مجموعة من السلوكيات التي هي بدورها بحاجة إلى تأويل. وتظل الدائرة محكمة لا يمكن الخروج من اللغة إلى ما وراء اللغة وكل محاولة لتعيين المرجع تتحول إلى استعمال آخر للغة.

أما هايدغر ذلك المفكر الذي نفض عن نفسه غبار الميتافيزيقا الأكاديمية وعاد إلى أصل السؤال عن الوجود فقد تعامل مع أزمة الدلالة بطريقة مختلفة وأعمق. لم يشغل هايدغر بالانفصال بين المعنى والمرجع بقدر ما شغله بأن الوجود نفسه هو الذي يمنح المعنى والمرجع معاً وأن هذا الوجود ليس شيئاً نعثر عليه في العالم بل هو حدث التحقق ذاته. في "الكينونة والزمان"، كان هايدغر يبحث عن معنى "الكينونة" (Sein)، لكنه لم يكن يبحث عنها كمرجع يقبع خلف الموجودات بل كأفق يتيح ظهور الموجودات أصلاً. الكينونة ليست معنى ولا مرجعاً بل هي الشرط المسبق لأي معنى وأي مرجع. ومن هنا أتت فكرته الثاقبة عن اللغة بوصفها "بيت الكينونة" أي أن اللغة ليست أداة للتعبير عن معانٍ سابقة عليها بل هي الحيز الذي يحدث فيه الوجود نفسه. الإنسان ذلك الكائن الذي يسميه هايدغر "الراعي" للغة، لا يتحكم في اللغة ولا يستطيع ردها إلى نظام من العلامات الأحادية لأنه هو نفسه موجود في داخلها. وحين قال "اللغة تتكلم وليس الإنسان"، كان يريد أن يحرر الدلالة من وهم السيطرة الذاتية. فالمعنى والمرجع في هذا الفهم ليسا طرفين منفصلين يمكن التوفيق بينهما بل هما لحظتان داخليتان في حدث واحد هو حدث الوجود المتكلم. لكن هذا الموقف الوجودي الرفيع لم يخل من إشكالية، إذا كانت اللغة هي بيت الكينونة فكيف يمكن لنا أن نتحدث عن وجود لا يظهر في اللغة؟ أو كيف يمكن أن تكون هناك حقائق عن العالم لا يمكن قولها؟ هايدغر أجاب عن ذلك بمفهوم "الخفاء" و"الستار" اللذين يحجبان الوجود بقدر ما يكشفانه، لكن الناقدين اعترضوا بأن هذا الحل يظل دينياً أو شعرياً أكثر منه إبستمولوجياً وأعاده إلى الغموض الذي حاول الخروج منه.

ولا نبالغ إن قلنا إن أزمة الانفصال بين المعنى والمرجع قد بلغت ذروتها في الفكر الفرنسي فيما بعد البنيوية حيث اختلطت الهموم اللسانية بهموم السلطة والجسد والرغبة. فمع جيل دولوز، مثلاً وجدنا أن المعنى لم يعد مرجعاً إلى شيء في العالم ولا إلى شيء في الذهن بل هو مجرد "تأثير سطحي" ينشأ من العلاقات بين السلاسل الدالة. دولوز بشراكته مع فيليكس غوتاري في "ألف هضبة"، طور مفهوم "الآلة الرغبة" التي لا تمثل شيئاً ولا تشير إلى مرجع بل تنتج المعاني كنواتج جانبية لتفاعلات بين عناصر متغايرة. الاختلاف ليس بين المعنى والمرجع بل بين مستويات الاختلاف نفسها. واللغة هنا ليست صورة للعالم ولا مرآة للوعي بل هي نظام تشغيل حربي من علامات تؤثر في علامات أخرى. لكن السؤال الذي يظل مقلقاً إذا كانت الفلسفة قد تخلت عن فكرة المرجع تماماً فبماذا تختلف عن الأسطورة أو الجنون؟ كيف يمكننا أن نزعم أن كلمة "جوع" لها معنى محدد في سياق معين دون أن نعترف ضمنياً أن هناك شيئاً اسمه الجوع موجوداً خارج الكلمة وأن ذلك الشيء هو الذي يضمن استقرار المعنى أو على الأقل قدراً من الفهم المشترك؟ هذا السؤال بالذات هو الذي جعل فلاسفة أمثال جون سيرل وهيلاري بوتنام يقاومون بحزم ما رأوه انزلاقاً إلى النسبوية المطلقة. بوتنام بنظريته الشهيرة عن "المعنى والمعنى" وعن تقسيم العمل اللغوي حاول إنقاذ المرجع من دون العودة إلى السذاجة الإحالية الأولى وقال بإن المعنى ليس مجرد حالة ذهنية ولا مجرد استعمال بل هو شبكة من العلاقات السببية والاجتماعية بين المتكلمين والعالم. حين أقول "الماء"، فأنا لا أعرف كل خصائصه الكيميائية لكن ثمة خبراء في المجتمع اللغوي يعرفون وبهم يثبت المرجع. والمرجع ليس "شيئاً في ذاته" خارج اللغة بل هو عنصر داخلي في الممارسة اللغوية نفسها لكنه عنصر لا يختزل إلى مجرد علاقة بين دوال.

لكن الملاحظ أن هذه المحاولات لإنقاذ المرجع بقيت دائماً معلقة بين نارين، نار الاختزالية الحسية التي لا تعترف إلا بالمادي المباشر ونار البنائية اللغوية التي تذيب كل شيء في النص. فالفجوة التي اكتشفها فريجه قبل أكثر من قرن لم تسد بل تعمقت لأن الفلسفة أخذت تدرك أن السؤال عن المرجع ليس سؤالاً علمياً يمكن حسمه بالتجربة بل هو سؤال فلسفي يتعلق بحدود التفكير نفسه. إننا عندما نسأل "هل تشير كلمة الله إلى أي مرجع؟"، فإننا لا نجري بحثاً لغوياً محايداً بل نخوض معركة دينية وميتافيزيقية. وعندما نسأل "ما مرجع كلمة الحق؟"، فإننا لا نقدم وصفة عملية بل نفتح باباً لا ينغلق على نظريات في الأخلاق والقانون والسياسة. فالمسألة إذن ليست تقنية يمكن تصحيحها بل هي تعبير عن أزمة أعمق هي أزمة اليقين، لم يعد بمقدور الفلسفة الحديثة أن تمنحنا يقيناً بأن كلماتنا تمس عالماً خارجها لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التخلي عن السعي وراء ذلك اليقين.

لقد تتبعنا كيف أن الانفصال بين المعنى والمرجع لم يعد مجرد إشكال معرفي بين أضلاع مثلث بل تحول إلى بنية داخلية للفلسفة ذاتها. فكلما حاول الفيلسوف أن يقبض على المعنى الخالص تفلت منه يد المرجع؛ وكلما حاول التمسك بالمرجع الجامد انهار أمامه إلى وهم ساذج. هذه الحركة الجدلية لا يمكن تجاوزها لأنها تعبر عن طبيعة اللغة البشرية التي هي في آن معاً قادرة على سحب العالم إلى داخلها وعاجزة عن احتوائه كلياً. اللغة كائن حي يتنفس من فراغين، فراغ المعاني المتشكلة في أعماق الثقافة والتاريخ وفراغ المراجع المتداعية من أفق الوجود الخارجي. ولا يمكن للمرء أن يحسم المعادلة لصالح طرف دون الآخر دون أن يُفقر اللغة وينزع عنها عبقها وغموضها.

وربما يكون الجواب الوحيد الممكن إن كان لا بد من جواب، هو أن نعيش هذه الأزمة لا كعجز بل كقدرة. فالفيلسوف ليس مكلّفاً بأن يجد معادلة سحرية تطابق المعنى والمرجع تطابقاً تاماً؛ الفيلسوف مكلّف بأن يرينا كل مرة من جديد، كيف أن هذه الفجوة هي التي تتيح للأسئلة أن تبقى مفتوحة. لو تطابق المعنى والمرجع تماماً لأصبح كل قول خبراً صادقاً بالضرورة وأصبح الكذب مستحيلاً وأصبح الشعر هراءً وأصبح المستقبل مجرد تكرار للحاضر. لكن لأن هذه الفجوة قائمة ولأن الكلمة يمكن أن تعني أكثر مما تشير إليه ولأننا نستطيع أن نقول ما ليس موجوداً وننتظر ما لم يأت بعد، فإن الحياة الإنسانية ترتفع فوق مستوى الوجود البيولوجي الضيق. إن الأزمة التي شغلت الفلاسفة من فريجه إلى دريدا ومن راسل إلى فيتغنشتاين ليست أزمة في لغة ما يمكن إصلاحها بقواعد نطق أو معجم أوحد بل هي أزمة الإنسان في مواجهة الهاوية اللامتناهية بين ما يقوله وما يعنيه، بين ما يعنيه وما يريد أن يشير إليه وبين ما يشير إليه وما هو موجود بالفعل. إنها أزمة المعنى كخسارة وأيضاً كإمكانية مفتوحة لا تغلق إلا بانغلاق القلب عن السؤال.

عندما صرخ نيتشه يوماً: "الله ميت!"، لم يكن يتنبأ بانحسار التدين فحسب بل كان يعلن موت فكرة أن ثمة ضماناً متعالياً للتطابق بين الكلمات والأشياء. بعد هذا الموت تبقى الكلمات معلقة في الفراغ، لكنها ليست بلا ثقل، لأننا نحن من يمنحها الثقل بجرأتها على الإشارة مع علمها بعدم اليقين. ولهذا السبب ربما تكون المهمة الحقيقية للفلسفة في عصرنا ليست في إنكار الأزمة ولا في تجاوزها بضربات نظرية عبقرية بل في تعليمنا كيف نتكلم ونحن ندرك أننا لا نملك ضماناً نهائياً بأن معنى كلماتنا يلامس مرجعها ومع ذلك نستمر في الكلام، في التأويل، في النقد وفي الحب والبغض والشهادة. لأن الندبة التي يتركها الانفصال بين المعنى والمرجع في جسد اللغة هي نفسها العلامة التي تشهد على أننا بشر لا آلهة ولا حيوانات. والله وحده عند المتكلمين من لا تفوته الإشارة وعنده يتطابق القول والفعل والمعنى والمرجع في وحدة سرمية لا يدركها العقل المحدود. أما نحن فعلينا أن نرتحل في هذه الفجوة وأن نعيشها كأرض لا كهاوية وأن نصنع من عجزنا عن التطابق التام فضيلة التواضع اللغوي التي بدونها تصبح كل حقيقة ادعاءً وكل معرفة ضرباً من العمى.

***

د. حمزة مولخنيف

تعد الآلام الإنسانية من أكثر الظواهر التصاقا بالوجود البشري، ومن أكثر القضايا التي استدعت تأملات الفلاسفة والحكماء والمتصوفة ورجال الدين على السواء؛ ذلك أن الإنسان لا يعيش حياته في دائرة النعيم الخالص، كما لا يقضيها في دائرة الشقاء المطلق، وإنما يتحرك وجوده بين أضداد متقابلة يتعانق فيها الفرح والحزن، والعطاء والحرمان، والقوة والضعف، والأمل والانكسار. ومن ثم لم يكن الألم عرضا طارئا على الحياة الإنسانية، بل كان جزءا من بنيتها العميقة، وعنصرا أساسيا في تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله.

وإذا كان الإنسان بطبعه ينفر من الألم ويبحث عن السعادة والراحة، فإن التأمل العميق يكشف أن الآلام ليست دائما شرا محضا، كما أنها ليست عبئا عديم المعنى ألقي على كاهل الإنسان عبثا؛ بل إنها تحمل في طياتها حِكَمًا دقيقة ووظائف وجودية وأخلاقية وروحية تتجاوز حدود المعاناة المباشرة إلى آفاق أرحب من الفهم والنضج والارتقاء.

إن ماهية الألم لا تتمثل في مجرد الإحساس بالوجع الجسدي أو المعاناة النفسية، وإنما تكمن في كونه تجربة وجودية شاملة تهز أعماق الإنسان وتعيد صياغة نظرته إلى نفسه وإلى الحياة. فالإنسان في أوقات الرخاء قد يستغرق في أوهام القوة والاكتفاء والسيطرة، غير أن لحظة الألم تكشف له حقيقة ضعفه وحدوده، وتجعله أكثر إدراكا لطبيعة وجوده الإنساني القائم على الحاجة والتغير والفناء. ومن هنا فإن الألم ليس مجرد حادثة تقع للإنسان، بل هو في كثير من الأحيان لحظة كشف وجودي تعيد ترتيب أولوياته، وتدفعه إلى مراجعة مسلماته، وإعادة النظر في معنى الحياة وغاياتها.

وتتنوع الآلام التي يتعرض لها الإنسان بتنوع أبعاد شخصيته؛ فهناك الآلام الجسدية الناجمة عن المرض والشيخوخة والعجز، والآلام النفسية الناتجة عن الفقد والخذلان والوحدة والقلق، والآلام الاجتماعية التي يسببها الظلم أو الفقر أو الإقصاء، فضلا عن الآلام الفكرية والروحية التي تنشأ من الحيرة والبحث عن المعنى والشعور بالاغتراب الوجودي. وهذه الأنواع جميعها، على اختلاف صورها، تلتقي عند حقيقة واحدة، هي أن الألم يمثل اختبارا عميقا لإنسانية الإنسان، وميدانا تتجلى فيه حقيقة وعيه ونضجه وقدرته على فهم ذاته والعالم.

ومن الخطأ الجسيم النظر إلى الآلام من زاوية الحس المباشر وحده؛ لأن ما يبدو شرا في لحظة معينة قد ينطوي على خير خفي لا يتكشف إلا مع مرور الزمن. فالحكمة الإلهية لا تقاس بمقدار ما يراه الإنسان من لذة أو ألم، وإنما بما تحققه الأحداث من مقاصد أعمق تتجاوز الإدراك الجزئي المحدود. ولهذا فإن كثيرا من التحولات الكبرى في حياة الإنسان تبدأ من لحظة انكسار أو محنة أو تجربة قاسية، إذ كثيرا ما يكون الألم أداة لإعادة تشكيل الشخصية، وتحريرها من الغفلة والسطحية والتعلق المفرط بزخارف الحياة.

إن الألم في ضوء الحكمة الإلهية ليس مجرد وسيلة للعقاب، بل هو في كثير من الأحيان وسيلة للتربية والتهذيب والتزكية. فهو يوقظ القلب من سباته، ويحرر النفس من غرورها، ويكشف للإنسان هشاشة الأشياء التي كان يظنها ثابتة ودائمة. ولعل من أعظم وظائف الألم أنه يعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى، فيدرك أنه ليس سيد الوجود المطلق، وإنما عبد محدود القدرة والعلم، محتاج إلى عون خالقه ورحمته في كل لحظة من لحظات حياته.

ومن هنا تتجلى فلسفة الارتقاء الوجودي؛ فالألم ليس قيمة في ذاته، وليس مطلوبا لذاته، وإنما تكمن قيمته فيما يفتحه أمام الإنسان من إمكانات للنمو الداخلي والتجاوز الروحي. فالإنسان الحصيف الفطن لا يقف عند حدود السؤال: لماذا أتألم؟ بل يتجاوزه إلى سؤال أكثر عمقا: ماذا يمكن أن أتعلم من هذا الألم؟ وكيف يمكن لهذه التجربة أن تجعلني أكثر حكمة ونضجا وإنسانية؟

إن الارتقاء الوجودي الذي تصنعه الآلام يتمثل في انتقال الإنسان من سطح الحياة إلى أعماقها، ومن الانشغال بالمظاهر إلى إدراك الجواهر، ومن الثقة المطلقة بالنفس إلى الوعي بحدودها، ومن التعلق بالأسباب إلى شهود المسبب سبحانه وتعالى. ولهذا كثيرا ما تكون المعاناة بداية ميلاد جديد للإنسان، إذ تفتح له أبوابا من الفهم لم يكن ليدركها في أوقات الرخاء والاطمئنان.

ولعل من أبرز آثار الألم أنه يوقظ في النفس ملكة البصيرة؛ فالمعارف التي تمنحها الكتب قد توسع مدارك الإنسان، أما الآلام التي يخوضها بصدق فإنها توسع أعماقه. ولذلك كان الحكماء يرون أن المعاناة الواعية لا تنتج المعرفة فحسب، بل تنتج الحكمة، والفارق بينهما كبير؛ فالمعرفة تتعلق بإدراك الأشياء، أما الحكمة فتتعلق بفهم معانيها ومقاصدها ووضعها في مواضعها الصحيحة.

كما أن الآلام تربي في الإنسان فضائل لا تنمو عادة في بيئة الراحة المطلقة؛ كالصبر، والرضا، والتواضع، والرحمة، والتعاطف مع الآخرين. فالإنسان الذي ذاق مرارة الفقد أقدر على مواساة المكلومين، والذي عرف معنى المرض أصدق شعورا بمعاناة المرضى، والذي اكتوى بنار الحاجة أكثر فهما لآلام المحتاجين. وهكذا يتحول الألم من تجربة فردية إلى مصدر للإثراء الأخلاقي والإنساني.

غير أن الفرق بين الألم الذي يرتقي بصاحبه والألم الذي يحطمه لا يكمن في طبيعة المعاناة ذاتها، بل في الكيفية التي يتعامل بها الإنسان معها. فهناك من يستسلم للألم فيغدو أسيرا للمرارة والسخط واليأس، وهناك من يحوله إلى فرصة للمراجعة والبناء والتجاوز. ومن هنا فإن الحكمة لا تتمثل في الهروب من الألم، لأن ذلك خارج عن قدرة الإنسان، وإنما تتمثل في حسن استثماره وتوظيفه في بناء الذات وصقل الروح.

خلاصة القول: إن الآلام الإنسانية ليست عائقا أمام اكتمال الإنسان بقدر ما هي أحد أهم الوسائل المؤدية إليه. فهي في ضوء الحكمة الإلهية ليست مجرد محن عابرة، بل أدوات لصناعة الإنسان العارف بربه، الواعي بنفسه، المدرك لحقيقة وجوده. وإذا أحسن الإنسان فهم آلامه والتعامل معها بعقل متأمل وقلب مؤمن، تحولت من عبء يثقله إلى جسر يعبر به نحو مستويات أرقى من النضج الروحي والوعي الوجودي، فتصبح المعاناة نفسها طريقا من طرق الارتقاء والكمال الإنساني الممكن.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

تفكيك نقدي لآليات تناسل العنف التشريعي وبُنى العرف السلطوي

يمثل العنف في فضاء الفلسفة السياسية المعاصرة أحد أكثر المفاهيم استعصاءً على الاختزال الدلالي أو التأطير الأحادي، نظراً لتداخله العضوي والوجودي مع بنى السلطة واستراتيجيات المنظومات الفكرية المهيمنة. لا يمكن لنا، من منظور نقدي رصين، أن نقارب تناسل العنف وتكاثره بين التيارات العقائدية المتطرفة بوصفه مجرد انحراف سلوكي طارئ أو شذوذ أخلاقي عارض، بل هو في حقيقته استمرار لعرف سلطوي متجذر يعيد إنتاج ذاته كأداة حتمية وضرورية للاستحواذ على السيادة المطلقة وإخضاع الذوات البشرية.

إن الغاية الفلسفية والتحليلية التفكيكية التي ينحو هذا المقال اتجاهها هي تشريح المكامن الخفية والمسارات العميقة التي يرتضع منها العنف السلطوي، مستنداً إلى تقاطعات الفكر النقدي المعاصر، ومفككاً آليات اشتغاله الرمزية والمادية على حد سواء. إننا نحاول بيان كيف يتحول العنف من ممارسة مادية خشنة ومرئية إلى بنية معرفية وعقلانية أداتية توائم مسوغات وجودها عبر سرديات تشريعية تدعي امتلاك الحق المطلق وتجاوز شروط الزمان والمكان.

العنف بوصفه الكابوس الهيكلي للسلطة

يتحدد الأصل الاجتماعي والسياسي للعنف تعيناً بدرجة التسلط والإكراه البنيوي التي تكابدها الذوات داخل المنظومات السياسية؛ إذ يسكن العنف بنية السلطة كهاجس مميت وكابوس مقلق يراودها حتى في لحظات استقرارها الأقصى وازدهارها الظاهري. تسعى الدول والأجهزة الحاكمة، بشتى تمظهراتها، سواء أكانت تتلفع بعباءة التمثيل الشعبي أم تمارس الطغيان المحض، إلى البحث المستمر عن الوسائل التقنية والمعرفية الكفيلة بضمان ديمومة السيادة واستمرارية هيمنتها على المجال العام.

غير أن هذا السعي الحثيث غالباً ما ينزلق، مدفوعاً بغريزة البقاء السلطوية، نحو مأسسة العنف وقوننته، بل وعقلنته لتخفيف فظاظته الوجدانية المباشرة، محولاً إياه من ضربات خشنة بادية للعيان إلى تكنولوجيا ضبط صامتة تتغلغل في مسامات الحياة اليومية للأفراد.

في المقابل، يطرح التصور الفلسفي التقليدي للسلطة، بوصفها علاقة تراتبية هرمية قائمة على احتكار أدوات القوة المادية وإلزامية الطاعة العمياء، تساؤلات حاسمة حول مشروعية هذا الاحتكار وهويته الأخلاقية. فالأطروحة السوسيولوجية الكلاسيكية جعلت العنف الوسيلة الطبيعية والشرعية الوحيدة الحصرية للسلطة السياسية، باحثة عن النماذج والمقاييس التي تمنح هذا الاحتكار صبغته القانونية العقلانية، أو صبغته التقليدية التاريخية، أو حتى صبغته الروحية الفائقة.

مع ذلك، فإن النقد الفلسفي المعاصر يتجاوز هذا المنظور التشريعي الضيق، ليكشف كيف يتحول العنف، عندما يُمارس في أقصى درجات التجريد وبمعزل تام عن الغايات الأخلاقية الإنسانية، إلى تسلط عارٍ واستبداد محض لا يمكن أن تقوم له قائمة أو تستقر له ركيزة دون التفعيل المستمر لآليات الإكراه المادي والرمزي.

ضمن هذا السياق المعرفي، يبرز صراع مرير ومستمر بين "الإنسان العاقل" المستقل بأدوات نقده، وبين المنظومة الفكرية العقائدية المغلقة؛ فهذه الأخيرة لا تتوانى، في سبيل الحفاظ على مركزيتها الوجودية، عن استخدام أعنف الأدوات المادية والمعنوية لإجبار المحكومين على تقديم الولاء المطلق والاعتراف التام بها وبسردياتها. إنها ترى في أي انشقاق فكري، أو مجرد تساؤل نقدي، جريمة كبرى تستدعي السحق الفوري وإعادة فرض السكوت المطبق والانتظام القسري.

من هنا، يتبدى لنا العنف ليس كأداة خارجية عارضة تستعين بها السلطة عند الأزمات فحسب، بل كجوهر بنيوي أصيل يستوطن عقول الحكام والمحكومين على حد سواء، منتظراً اللحظة التاريخية المواتية والسياق السياسي المناسب ليعيد إنتاج نفسه في قالب عقائدي وفكري جديد يتناسل من رحم التشريعات السابقة.

العنف والسلطة في الفكر اليوناني القديم

إن تفكيك معضلة العنف التشريعي يتطلب منا بالضرورة رده إلى التربة الفلسفية اليونانية القديمة، حيث تبلورت المحاولات الأولى لربط القوة بالحق ووضع معايير عقلية لمشروعية السلطة. ففي فجر التفكير الفلسفي، يطرح هيرقليطس رؤيته الكونية التي يرى فيها أن "النزاع هو أبو كل شيء وملك كل شيء"، معتبراً التصادم والصراع بين الأضداد سنة طبيعية وقوة حركية دافعة للوجود. هذا المنظور الطبيعي للعنف انتقل لاحقاً إلى الفضاء السياسي، حيث غدت السلطة ترى في القوة وسيلتها العقلانية الأولى لفرض النظام على الفوضى الكونية البدائية.

عند الانتقال إلى المتن الأفلاطوني، وتحديداً في محاورات "الجمهورية"، نشهد مجابهة فكرية رفيعة المستوى حول المعيار العقلي للسلطة؛ إذ يطرح السفسطائي ثراسيمادجوس أطروحته الراديكالية الشهيرة بأن "العدالة ليست سوى مصلحة الأقوى"، مؤكداً أن القوانين والتشريعات ليست مدونة لحماية الضعفاء أو إحقاق الحق، بل هي في جوهرها عنف مقنن ومصاغ بذكاء أداتي يضمن استمرار سيادة الحاكم وتأمين مكتسباته.

رغم أن أفلاطون سعى جاداً لتفكيك هذا الطرح عبر تقديم بديل عقلاني يستند إلى "الحكمة المطلقة" والعدالة الأخلاقية التي يجسدها الفيلسوف الملك، حيث يحل الإقناع العقلي والتربية الفاضلة محل الإكراه البدني، إلا أنه لم يتردد في تشريع نوع من العنف الرمزي، تجسد في فكرة "الكذبة النبيلة" لضمان استقرار البنية الطبقية للدولة وحمايتها من التحلل.

من جهة أخرى، قدم أرسطو في كتابه "السياسة" معياراً عقلياً ومؤسسياً للسلطة، رابطاً مشروعية الحُكم بقدرته الذاتية على تحقيق "الحياة الفاضلة" للمجتمع بوصف الإنسان حيواناً سياسياً بالطبع. ومع ذلك، فإن العنف يتبدى في الطرح الأرسطي كأداة مشروعة وعقلانية عندما يُوجه لإخضاع العناصر التي تفتقر إلى العقل الاكتفائي، مسوغاً بذلك العبودية الطبيعية، أو استخدام القوة المادية لحفظ التوازن والعدالة التوزيعية داخل المدينة.

لقد أسست الفلسفة اليونانية، في مجملها، للمفارقة السياسية الكبرى: كيف يمكن للسلطة أن تمارس العنف باسم العقل؟ وكيف يتحول التشريع إلى غطاء يمنح القوة المادية صفة الحق الأخلاقي الفائق؟

التناسل الحيوي للعنف التشريعي والميتافيزيقيا الفائقة

إن السرديات الفكرية المعاصرة تعيد قراءة هذه المعضلات عبر تشريح عملية التناسل الحيوي للعنف التشريعي؛ فالقانون في جوهره يرتبط بالبنية التأسيسية للسلطة بصفة وظيفية غائية لا تنفصم عنها، وهو ما يمكن رصده من خلال تيار نثري متصل يربط بين أشكال العنف ومعايير العقلانية السلطوية.

ففي المستوى الأول، نجد تداخلاً جدلياً بين العنف التشريعي التأسيسي والعنف الحافظ للقانون. العنف التشريعي هو ذلك العنف الفج والمباشر الذي يتدخل بقوة الغلبة لإلغاء نظام قانوني وتشريعي قديم وتأسيس نظام جديد؛ إنه يضع الحدود القانونية ويقنن مراكز القوى السائدة في لحظة تاريخية معينة، محولاً السطوة المادية إلى حق مكتوب ومقدس.

أما العنف الحافظ للقانون، فهو القوة التكرارية الرتيبة والمستمرة التي تستخدمها الأجهزة الأمنية والبيروقراطية لحماية تلك الحدود القائمة وضمان استسلام المحكومين لها. ويمثل الإضراب العمالي العام في الفضاء السياسي نموذجاً مزدوجاً ومتناقضاً لهذا التناسل؛ فهو من جهة حق تمنحه التشريعات، غير أنه عندما يُمارس كإضراب شامل، يتحول إلى تهديد وجودي يرمي لتدمير النظام القانوني برمته بغية خلق قانون جديد، مما يدخل المجتمع والدولة في حلقة مفرغة لا تنتهي من العنف المتبادل والتشريع المضاد الذي يلد بعضه بعضاً.

في المستوى الثاني، ينبثق الصراع المعرفي بين العنف الأسطوري والعنف المقدس الفائق. العنف الأسطوري هو الأساس الفعلي والجذر المعرفي لكل عنف قانوني ووضعي؛ وهو عنف دموي يفرض الحدود بقوة السطوة، ويحمل في طياته مفاهيم الذنب والعقاب الحتمي، ويطالب الذوات البشرية بالتضحية المستمرة من أجل ترسيخ سلطته الكلية على الحياة الإنسانية المحضة، متخذاً من السرديات الميتافيزيقية غطاءً لتقديس النص القانوني وجعل طاعة الحاكم واجباً كونياً فوق بشري.

في المقابل تماماً، يبرز العنف المقدس الفائق كنقيض مطلق للعنف الأسطوري؛ فهو عنف طاهر متجاوز، مدمر للحدود والقيود بلا دموية فجة، يهدف لإنقاذ الكرامة وتطهير الخطيئة التاريخية دون أن يؤسس لشريعة وضعية أو نظام قانوني جديد يمارس القمع مجدداً، تماماً كفكرة الإضراب الشامل الذي يسعى لإسقاط البنى الاحتكارية الجائرة بدلاً من مجرد السعي لتحسين شروطها الصورية.

إن تفكيك هذه المنظومات يقودنا مباشرة إلى تحليل المعايير العقلية التي تتخذها السلطة لتسويغ عنفها؛ ففي إطار العقلانية الأداتية الإجرائية التي نظر لها ماكس فيبر، تحرص السلطة على نزع الصفة الأخلاقية عن العنف عبر مأسسته وتحويله إلى مساطر إدارية باردة وقوانين مصادق عليها، حيث يصبح الضبط الأمني تكنولوجيا تهدف لحفظ الوضع القائم ومنع أي تعددية جذرية قد تهدد السيادة المطلقة للدولة.

أما عندما ترتدي السلطة عباءة الميتافيزيقيا التشريعية، فإن المعيار العقلي يتنحى لصالح سلطة النص العقدي المطلق، حيث يُمارس العنف الرمزي والتضحوي لغرس مشاعر الذنب والخوف الدائم في نفوس المحكومين، وتثبيت الفجوة بين الحاكم الذي يمتلك التفويض المطلق وبين الرعية المطالبة بالامتثال الدائم.

في مواجهة هذه الأنماط، يبرز المنظور التفكيكي النقدي الذي يعمل على كشف زيف هذه الروابط بين العدالة والقوة الوضعية، داعياً إلى تجريد القانون من قداسته الزائفة وحماية الحياة الإنسانية المحضة من أسر الأطر التشريعية الخانقة. ومن هنا تولد العقلانية التواصلية كبديل أخلاقي وسياسي، حيث يُعاد تعريف معيار السلطة العقلي ليتأسس على التوافق الجماعي، والحوار الحر المنفتح، واستمداد المشروعية من العدالة الحقيقية المتجاوزة للقوانين الوضعية الضيقة، مما يحول الفضاء السياسي إلى ساحة للاعتراف المتبادل والتشارك الإنساني بدلاً من الإكراه والسطوة والتناسل اللامتناهي للعنف المقنن.

المقاومة اليومية كأفق تفكيكي مضاد لإعادة إنتاج العنف

تثبت القراءة الفاحصة للنشوء المعرفي للأيديولوجيات المتطرفة والعرف السلطوي المتوارث، أن العنف ليس مجرد أداة صماء أو وسيلة محايدة تُستخدم عند الحاجة فحسب، بل هو ممارسة هيكلية مستمرة تهدف بالدرجة الأولى إلى إعادة إنتاج عناصر القوة والسيطرة. بناءً على ذلك، لا يمكن لمواجهة هذا التناسل المتواصل والشرس للعنف التشريعي أن تبدأ من خلال القرارات السياسية الفوقية، أو التدخلات الأمنية والعسكرية الفجة والمحدودة الأثر والجدوى، بل يجب أن تنبثق من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة والعميقة التي ترفض الامتثال الواعي أو اللاواعي للآليات الناعمة للسيطرة والتطويع.

تتجلى المقاومة الفكرية والسلوكية الفعالة في هذه الحالة عبر القدرة الصارمة على رفض الأكاذيب الممنهجة، والامتناع الواعي عن التواطؤ في تزييف الحقائق التاريخية أو الراهنة، والإصرار المبدئي على تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية العارية، دون الرضوخ للمفردات الفضفاضة والمصطلحات المضللة المفروضة من قبل أصحاب السيادة وصناع الخطاب الرسمي للسلطة.

إن تفكيك بنية المنظومة العقائدية المغلقة لا يكفي وحده لاستئصال جذور العنف ومحو آثاره المدمرة، ما لم يترافق ذلك التفكيك النظراني مع ممارسات واعية تهدف إلى استنفاد طاقته الحركية وترويض الرغبات البدائية التي تحركه وتغذيه. إن هذا الأمر يتطلب بالضرورة تفكيك الاحتكار السلطوي لتعريف "الحقيقة" و"المشروعية"، والمواجهة الشجاعة لتكنولوجيا التطويع الاجتماعي والتخدير الفكري الذي يسلب الأفراد حريتهم وقدرتهم الأصيلة على الفعل التشاركي المنسق والفعال.

من خلال هذا الوعي النقدي اليومي الهادئ والراسخ، يتسنى للمجتمع الإنساني تفكيك البنية الرمزية للهيمنة، وبناء فضاء سياسي حقيقي وعقلاني، لا يحتاج إلى أدوات العنف والإكراه لتسويغ وجوده أو فرض هيبته، بل يستمد ركائزه الصلبة ومشروعيته الأخلاقية من الاقتناع الطوعي الحر، والتفاعل المنفتح والمسؤول مع الآخر، والعدالة الشاملة التي تتجاوز حدود القوانين والتشريعات الأسطورية الضيقة وتوقف متوالية العنف التشريعي المتناسل.

***

غالب المسعودي

كل بناء للمعرفة هو في الآن ذاته بناء للنسيان، فهنالك دائماً ما يفلت من شبكة المفاهيم، ما ينزلق خارج بوابات البرهان وما يُطرد بهدوء أو بعنف من حرم اليقين. الفلسفة منذ نشأتها لم تكن أبداً احتفالاً بالمرئي بقدر ما كانت مطاردة محمومة لطيف ما يتوارى خلف الأكوان، لخيط رفيع يصل الظواهر بجوهرها المخبوء. غير أن المفارقة العميقة والقاسية أن الفلسفة وهي تطارد اللامرئي لم تفعل سوى إنتاج لامرئي جديد من صنع أنظمتها نفسها. فذلك الذي تبتغيه هو عين ما تستبعده أدواتها، كالنور الذي يخلق ظلالاً أشد سواداً منه. أليس أفلاطون نفسه حين أقام ميتافيزيقا النور والمثال قد أسقط في قبو الكهف كل ما هو جسدي، صائري، حسي؟ لقد جعل من الظل مجرد غشاوة تُرفع متناسياً أن الظل هو شرط إمكان رؤية النموذج وأن السجين المحرر لو لم يعانِ من تلك الظلال لما اشتاق أصلاً إلى الشمس. والأمر يمضي على هذا النحو مع كل نظام معرفي كبير، من مقولات أرسطو التي لا مكان فيها للعدم والصمت والفراغ، إلى "أنا أفكر" ديكارت التي طردت الجسد برمته إلى خارج مملكة اليقين، فصار الجسد لا مرئياً كشرط لظهور العقل. ثم إلى كانط الذي جعل من "الشيء في ذاته" ذلك المستعصي الأبدي على المعرفة فأقر بالفجوة بين ما يظهر وما هو كائن، لكنه في الوقت ذاته جعل من هذه الفجوة حدا لا يمكن تخطيه، سوراً لا يُرى لكنه يقطع الطريق. فاللامرئي إذاً ليس عيباً طارئاً على التفكير بل هو جرح أصلي في جسد المعرفة وندبة لا تلتئم. لعل ما تجعله الفلسفة غير مرئي كي ترى نفسها وما تنساه كي تتذكر هويتها. ولعل مهمة الفكر الأصيل اليوم لا تكمن في محاولة إضاءة كل زاوية بل في تعلم العيش مع اللامرئي وفي الانصات لما يُستبعد وفي قراءة لا مرئيات الأنظمة لا كفشل بل كتذكير دائم بأن الحقيقة لا تُحاصر.

من يجرؤ على قول إن أرسطو كان أقل قسوة من أستاذه؟ لقد أعطانا المقولات العشر، تلك الأطر الجامدة التي يلتقط بها المعرفة وتقسم العالم إلى جواهر وأعراض وإلى ماهيات وكميات، وكأن الوجود يوزع في أدراج محددة مسبقاً. غير أن السؤال الذي يظل طيفاً متخفياً في خلفية "الأورجانون" هو أي وجود يفلت من هذه المقولات؟ أي أنماط من الكينونة لا تحتمل أن تكون جوهراً أو عرضاً؟ هنالك مثلاً، العدم، الصمت، الفراغ، اللانهائي السلبي، كلها مفاهيم كانت بالنسبة للفلسفة الأرسطية مجرد أسماء بلا مسميات، أي أنها لا تستحق النظر الفلسفي الجاد. وإذا تجرأ أحد على الحديث عن الفراغ ضُرب بنظرية المكان الطبيعي، وإذا تحدث أحد عن اللانهائي قيل إنه ناقص. هذه الآليات الإقصائية ليست مجرد خلافات نظرية بقدر ما هي عنف معرفي خفي، هي هندسة للرؤية تسمح لبعض الأشياء بأن تظهر وتحجب البعض الآخر. وهل ننسى هيباتيا؟ تلك الفيلسوفة التي مزقها سكندريون المسيحيون لأنها كانت امرأة تتكلم بمنطق غير منطقهم، لأن جسدها الأنثوي كان لامرئياً في سماء الفلسفة اليونانية المتأخرة التي جعلت العقل ذكراً بامتياز. لقد كانت في نظرهم لا مرئية مضاعفة: امرأة تتفلسف فلا هي في مرتبة النساء العاديات ولا هي في مرتبة الفلاسفة الرجال. هذا اللامرئي الاجتماعي والتاريخي هو ما تفضل أنظمة المعرفة الكلاسيكية تجاهله وكأن الفلسفة تنمو في مزرعة بلا أعشاب، وكأن العقل ينبغي أن يكون كريستالاً صافياً لا تشوهه عوائق الجنس أو الطبقية.

ننتقل إلى ديكارت عراب الحداثة ومؤسس فلسفة الذات. حيث أراد أن يجد أساساً يقينياً لا شك فيه فجرب كل شيء حتى الشك، وانتهى إلى تلك الجوهرة "أنا أفكر، فأنا موجود". لكن لحظة التفكير هذه، لحظة الشك المطلق، لحظة القطيعة مع العالم، كانت لحظة طرد لا مثيل لها. ماذا طرد ديكارت من مملكة المعرفة؟ طرد الجسد كليا. الجسد صار آلة وصار امتداداً خالصاً، صار شيئاً بين الأشياء، لم يعد "أنا" الفاعل الذي يفكر بل مجرد موضوع يُقاس ويُدرَس تحت مقاييس الفيزياء والهندسة. هذا الجسد المطرود لم يختف، بل تحول إلى لامرئي يتسلل من كل ثغرة. حين يشتهي ديكارت، حين يتألم، حين يشعر بالحرارة أو البرودة، هذه المشاعر لا تجد مكاناً لها في ثنائية الجوهر المفكر والجوهر الممتد. إنها أشباح في نظامه، حالات تجريدية ليس لها مقام. الفلسفة الديكارتية في رغبتها في جعل كل شيء واضحاً ومتميزاً، جعلت الغموض، والالتباس، واللبس، والتعلق بالحياة اليومية أشياء لا مرئية، أشياء غير قابلة للمعرفة العليا. ثم ماذا عن الغير؟ عن الوعي الآخر؟ إن مشكلة "العقول الأخرى" هي ندبة ديكارتية خالدة. كيف أعرف أن الآخر يفكر؟ لا أستطيع أن أراه يفكر، لا أستطيع أن أختبر وعيه. الآخر يصبح لامرئياً في نظامي، لست متأكداً من وجوده، ولا من أنه ليس مجرد ظل آلي. هذا اللامرئي المتمثل في الآخرية هو ما سيعاني منه الفينومينولوجيون بعده بمئات السنين.

إيمانويل كانط، ذلك المهندس العظيم لم يكتف بهدم العقل، بل أراد أن يبني له مسكناً آمناً ضمن حدود العقل المحض. أعطانا التمييز بين الظاهرة والشيء في ذاته، بين ما يظهر لنا من العالم عبر مقولاتنا وأشكالنا القبلية وبين العالم كما هو في حقيقته المستقلة، ذلك الشيء الذي لا يمكننا معرفته أبداً. شيء في ذاته، هو اللامرئي الكانطي بامتياز. لكن السؤال الفلسفي الجوهري هنا هل كانط يكتشف اللامرئي أم ينتجه؟ ألم يكن بإمكانه أن يبقى صامتاً عن الشيء في ذاته؟ بل إن فكرة الشيء في ذاته نفسها هي إشارة إلى حد، إلى عجز، إلى إفلاس معرفي. إنها الطيف الذي يلوح من وراء نسيج الظواهر ليذكر العقل بأنه ليس كلي القدرة. ومع ذلك هذا اللامرئي لا يظل هامشياً؛ إنه يصبح شرط إمكان للأخلاق عند كانط. فلكي أتصرف أخلاقياً يجب أن أؤمن بالحرية والخلود والله، وهي أفكار لا تقع ضمن الظواهر، أفكار لا مرئية تماماً لا يمكن البرهنة عليها لكنها ضرورية للممارسة العملية. انظروا إلى التضفير العجيب: اللامرئي الذي استبعدته نظرية المعرفة نعثر عليه في قلب فلسفة العمل. وكأن كانط يقول لنا هناك حقائق لا يمكنكم رؤيتها بالعقل النظري لكنكم مجبرون على افتراضها كشرط لتكونوا بشراً أخلاقيين. هذا الانقسام بين العقل النظري والعقل العملي هو بالضبط مسرح استبعاد وإعادة إنتاج للامرئي. إنه تسييج للمعرفة لا يختلف عن أسوار أفلاطون لكنه أكثر دقة وأكثر برجوازية وأكثر إحكاماً.

تأتي بعد كانط الموجة المثالية الألمانية، فيشته وشيلنغ وهيغل، فتحاول أن تتجاوز هذه الثنائيات. هيغل بالذات يريد أن يقول إن المطلق ليس بعيداً عنا، إن المطلق يتجلى في التاريخ وفي الوعي، إن الظاهرة ليست سوى تجليات الجوهر. لكن متعة هيغل وخطيئته في آن، لقد جعل اللامرئي قابلاً للرؤية عبر الجدل. يقال إن هيغل كان يردد في محاضراته: "كل ما هو عقلاني واقعي، وكل ما هو واقعي عقلاني". هذا القول الشهير يحمل في طياته إقصاء لكل ما ليس واقعياً، أي لكل ما هو عقلاني محض دون تحقق أو واقعي دون عقلانية. لكن ماذا عن تلك اللحظات التاريخية التي لا تتناسب مع حركة الروح؟ ماذا عن الأفراد الذين يسحقهم مسير العقل العالمي؟ ماذا عن الألم غير المبرر وعن المآسي التي لا تنتج تقدماً ولا تنظيماً؟ هيغل يجعل هذه العناصر غير مرئية بادعاء أن الروح المطلق يمتصها ويتجاوزها. إن التجاوز الهيغلي بكلمته الألمانية الساحرة، هو عملية رفع ونفي وحفظ في آن. لكن هناك دائماً بقايا لا تُرفع، لا تُحفظ، لا تنفى تماماً، بقايا تظل عالقة في قاع النظام، كالحصى في بطن النهر. هذه البقايا هي ما سماه مفكرون لاحقون مثل جورج باتاي "المستحيل"، أو ما أسمته جوليا كريستيفا "المقزز". إن الفلسفة المثالية في كل مراحلها تعاني من عسر هضم تجاه هذه البقايا، تتقيأها بأشكال مختلفة، تارة تسميها "سفسطة"، وتارة "وهاماً"، وتارة "انحرافاً". وهي بتقيئها هذا، تعترف ضمنياً بأن اللامرئي ليس مجرد غياب، بل هو حضور مزعج، هو القوة التي تشوش البصيرة الفلسفية وتجعلها ترى بظلمة عوض النور.

وهنا نصل إلى نيتشه المطرقة، ذلك الذي أراد أن يقيم الفلسفة على أنقاض الفلسفة. نيتشه لم يبحث عن اللامرئي خارج النظام بل اكتشفه داخل اللغة ذاتها وداخل نسيج القيم نفسه. قال عبارته التي لا تغتفر: "الحقائق هي أوهام نسينا أنها أوهام". بهذه الجملة جعل نيتشه كل ما كانت الفلسفة تعتبره مرئياً وثابتاً يذوب في هواء الثقافة أي في علاقات القوة، في الإرادة، في المنظور. نيتشه جعل من الحقيقة نفسها شيئاً غير مرئي، ليس لأنها تتوارى، بل لأنها ببساطة غير موجودة كماهية ثابتة. نرى هنا نقلة نوعية: اللامرئي لم يعد هامش المعرفة، بل أصبح مركز الشك في كل معرفة. الفلسفة بعد نيتشه لم تعد تستطيع أن تنام مطمئنة على وسادة اليقين، لأن نيتشه جعل الوسادة نفسها سراباً. لكن هل استطاع نيتشه أن يتجنب صنع لامرئي خاص به؟ بالطبع لا. إن كان كل شيء منظورياً وإرادة قوة فأين هي الحقيقة النيتشوية نفسها؟ إنها ليست حقيقة موضوعية بل وجهة نظر. لكن وجهة نظر من؟ من صاحب هذه الرؤية التي ترى كل ما هو منظور؟ هذا الفحص النقدي يفضي بنا إلى إشكالية اللانهاية النسبية وإلى أن النقد الذي يطال الجميع قد يطال نفسه أيضاً.

من نافذة مدرسة فرانكفورت، تلك المدرسة التي ولدت من رحم الهزيمة والإحباط والأمل المستحيل، نرى اللامرئي يتحول من قضية ميتافيزيقية إلى قضية سياسية وجمالية وأخلاقية. لم يعد السؤال ماذا تستبعد أنظمة المعرفة من مفاهيم سامية؟ بل أصبح أي كائنات بشرية تستبعدها هذه الأنظمة من إنسانيتها؟ أي أجساد ترمى خارج دائرة العقل؟ أي لغات تُسكت تحت حجة أنها ليست فلسفية كفاية؟ تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، في "جدلية التنوير"، قدما تشخيصاً قاسياً، التنوير ذلك المشروع الذي وعد بتحرير البشرية من الخرافة والظلم وتحول إلى أسطورة جديدة وإلى أداة للسيطرة. العقل الذي كان يفترض أن يكون نوراً صار إدارة وصار حسابات وصار نزوعاً إلى جعل كل شيء متطابقاً وقابلاً للقياس وقابلاً للتبادل. في هذه العملية كل ما لا يطابق المعايير وكل ما هو غير متطابق يصبح لا مرئياً بالضرورة. أدورنو يقولها صريحة "الكل هو الزائف". ليس لأن الكذب هو الأساس بل لأن الكل بصفته نظاماً لا يستطيع إلا أن يلغي الجزئي وأن يلغي الاستثناء وأن يلغي المعاناة الفردية التي لا تتناسب مع أي خطة كلية. هنا يصبح اللامرئي هو الفرد بعينه. في عالم الإدارة الشاملة، في عالم الثقافة الصناعية، الفرد الحقيقي بغرابته وبألمه الفريد وبموته غير القابل للتبديل لم يعد مرئياً. الفن الحديث في تشويهاته وفي لا شكله وفي لا تناسقه يصبح مرآة تعكس اللامرئي الاجتماعي، كل ما طرد من عالم الصفقات والمبادلات يعود ككابوس في لوحات بيكاسو أو نصوص بيكيت.

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، في باريس ما بعد مايو 1968، كان جاك دريدا يحفر تحت أسس الفلسفة الغربية بمجرفة التفكيك. دريدا لم يكتف بأن يقول إن هناك أشياء مستبعدة بل قال إن البنية ذاتها أي بنية المعنى والحقيقة والحضور تقوم على استبعاد لا يمكن تخطيه. اخترع مفهوم "الاختلاف"، تلك الحركة التي لا اسم لها، التي ليست كلمة ولا مفهوماً والتي تفلت من كل إمساك، لكنها شرط إمكان كل كلمة وكل مفهوم. الاختلاف ليس مرئياً، ليس حاضراً، لكنه يعمل في الخلفية ويفرق بين العلامات ويؤجل المعنى ويجعل اللغة نظاماً من الإحالات التي لا تنتهي أبداً إلى حقيقة ثابتة. دريدا في هذا السياق يقرأ "فارماسيا" أفلاطون، يقرأ الكتابة اليونانية القديمة التي كان أفلاطون يحتقرها ويعتبرها دواءً ساما، شيئاً خارجاً عن الفلسفة الشفوية النبيلة. الكتابة عند أفلاطون كانت اللامرئي المنسي، هي الأب الذي لا يحضر، هي العلامة التي تعيش بعد موت المؤلف، هي الإضافة التي تسمم النقاء. دريدا يقلب الأمر: لا نقاء قبل الاختلاف ولا حضور قبل الأثر. اللامرئي لا يقع خارج النظام بل هو في صميم النظام. كل مركزية وكل هوية وكل فكرة عن الأصالة هي وهم ناتج عن نسيان هذا الأصل المؤجل.

أما ميشيل فوكو فلم يكن يحتاج إلى اللامرئي الميتافيزيقي، لأنه كان غارقاً في لا مرئي التاريخ، لا مرئي المؤسسات ولا مرئي الأقبية والمستعمرات والمستشفيات والمدارس. فوكو قال بأن ما نعتبره حقيقة عن الجنون، عن المرض، عن الجنس، عن الجريمة، هو نتاج ممارسات خطابية ومؤسسية تشكل الموضوع والخاضع معاً. لكن الأكثر إثارة هو كشفه لكيف تعمل السلطة عبر اللامرئي. في "المراقبة والمعاقبة"، يصف فوكو نموذج "البانوبتيكون" الذي صممه بنثام، ذلك السجن الدائري الذي تكون فيه غرفة الحراسة في الوسط والخلايا في المحيط، بحيث يستطيع الحارس أن يرى كل سجين دون أن يراه السجين أبداً. هذا البناء المعماري ليس مجرد أداة حبس بل هو استعارة للسلطة الحديثة. السجين لا يعرف متى يُراقب، فيراقب نفسه تلقائياً. القوة لا تحتاج إلى أن تظهر، تحتاج فقط أن تكون ممكنة، أن تكون محتملة. تصبح القوة لا مرئية لكي تكون أكثر فاعلية. لكن فوكو ينقلب على السؤال: أين اللامرئي في هذه الحالة؟ اللامرئي ليس فقط هو الحارس المختبئ، بل أيضاً السجين بصفته ذاتاً داخلية. في مجتمع البانوبتيكون يختفي الإنسان كذات أخلاقية مستقلة ويحل محله "أنا" داخلي مراقب، "أنا" منقسمة، "أنا" لا ترى نفسها حرة. هذه الذات المقسمة هي اللامرئي الأعمق.

ولا يمكننا في هذا المقام أن نغفل عن الصوت النسوي، ذلك الصوت الذي ظل لامرئياً لآلاف السنين في الفلسفة الرسمية. سيمون دي بوفوار قالت في "الجنس الثاني" جملتها الشهيرة: "المرأة لا تولد، بل تصير امرأة". هذه الجملة البسيطة في ظاهرها العميقة في جوهرها، تعلن أن الأنوثة ليست جوهراً ميتافيزيقياً بل بناءً اجتماعياً. لكن السؤال الفلسفي الأعمق كيف استطاعت الفلسفة طوال تاريخها أن تتحدث عن الإنسان والعقل والحرية وكأن المرأة لا وجود لها؟ لقد جعلت المرأة لا مرئية ليس بإنكار وجودها، بل بجعل وجودها هو الهامش، هو الغطاء، هو المصدر الغامض للعاطفة والجسد والإنجاب، كل تلك الأشياء التي يجب على العقل أن يتحرر منها. لوس إيريغاري الفيلسوفة الفرنسية، قالت إن الفلسفة الغربية هي "فلسفة قضيبية". أي أنها متمركزة حول الذكر كمعيار، وحول العقل ككلمة. اللامرئي هنا هو الأنثى ليس فقط كموضوع بل كمنطق، كطريقة مختلفة في التفكير، كعلاقة مع العالم ليست قائمة على السيطرة والامتلاك والتطابق، بل على القرب، على اللمس، على الغموض. هذه الفلسفة التي حاولت مؤسسات الجامعة لزمن طويل إسكاتها أو تهميشها، لم تكتف بالمطالبة بإضافة بعض النساء إلى قائمة الفلاسفة بل هاجمت جوهر الفلسفة نفسها، فكرة أن العقل محايد وأن المعرفة خالية من الجسد وفكرة أن الموضوعية تقتضي التجريد من خصوصية الشخص المفكر.

وإذا انتقلنا إلى ما بعد الكولونيالية، نجد إدوارد سعيد في "الاستشراق" يكشف عن آلية أخرى من آليات الإقصاء. الشرق، ذلك الكيان الواسع والغني والمتنوع، لم يُدرس من أجل نفسه، بل من أجل أن يكون اللامرئي الذي يشكل هوية الغرب. الغرب بحاجة إلى شرق أسطوري: شرق كشر، كتخلف، كغموض، كشهوانية منحرفة، كاستبداد، لكي يعرف نفسه كنقيض: الخير، التقدم، العقلانية، الأخلاق. المستشرقون، وهم غالباً مستعمرون أو متعاطفون مع الاستعمار، أنتجوا خطاباً عن الشرق جعل سكانه الحقيقيين غير مرئيين. فكر فرانتس فانون، ذلك الطبيب الثوري من المارتينيك، أخذ هذه القضية إلى عمقها النفسي الوجودي. في "معذبو الأرض"، يصف فانون كيف أن المستعمر لا يجعل المستعمَر مرئياً فقط كعدو، بل يجعله لامرئياً كإنسان، يجعله يخاف من نفسه ويتكلم بلغة المستعمر ويحلم بأحلام المستعمر ويكره خواصه الجسدية والثقافية. الاستعمار لا يسرق الأرض فقط بل يسرق الوجود ذاته. اللامرئي هنا ليس مجرد إهمال معرفي بل هو اغتيال بطيء للوعي. وعندما ينتفض المستعمَر، يصرخ فانون، يكتب، يعمل بعنف في كثير من الأحيان، فهو لا يفعل شيئاً سوى أن يقول: "أنا مرئي". إن صراع التحرر هو صراع على الرؤية. أن ترى عين الآخر إنسانيتك، أن تظهر في كتب التاريخ ليس كهامش، كحاشية، كعدو، أو كضحية عاجزة، بل كفاعل، كصانع قرار، كمن يكتب التاريخ لا من يُكتَب عنه فقط.

بعد هذه الرحلة في متاهات اللامرئي الفلسفي، من كهف أفلاطون إلى زنزانة فوكو، من جوهر هيغل الروحي إلى جسد إيريغاري المهمش، من صمت فيتغنشتاين إلى صرخة فانون، ماذا نستنتج؟ الاستنتاج الأول وهو الأكثر إزعاجاً للفلاسفة، هو أنه لا يوجد نظام معرفي كامل، لا توجد فلسفة قادرة على احتواء كل ما هو حقيقي دون بقية. لقد حاول سبينوزا، ذلك اليهودي الذي طرد من طائفته أن يبني نظاماً أخلاقياً هندسياً من البديهيات والمبرهنات، لكن حتى نظامه أعظم محاولة لإلهاء اللامرئي بالحضور المطلق، لم يستطع أن يحوي وجه جاره، وجه الطفل الجائع، وجه المرأة التي يضربها زوجها. الفلسفة بوصفها نظاماً هي عنف خفي. ليس لأنها تريد العنف بل لأن أي نظام من المعرفة لا يقوم إلا على استبعاد، كما أن أي خريطة لا تظهر الأرض إلا بإخفاء تسعة أعشار تفاصيلها. اللامرئي ليس عيباً في الفلسفة، بل هو شرط إمكانها، هو جدار خلفيتها الذي بدونه لا يمكن أن تبرز الصورة. لكن هل يعني هذا أن نستسلم؟ هل يعني هذا أن نسكت عن كل ما هو مستبعد ونقول: "الأمر هكذا منذ الأزل"؟

الجواب عند بعض مفكري اليوم هو لا. إيمانويل ليفيناس، الذي كتب معظم فلسفته في ظل المحرقة، قال إن الفلسفة قبل كل شيء هي أخلاق، والأخلاق تبدأ من "وجه الآخر". الوجه ذلك الشيء الذي نراه كل يوم، لكنه في العمق لا مرئي لأنه ليس مجرد جلد وعظام، بل هو أمر، هو نداء يقول لك: "لا تقتلني". الوجه هو اللامرئي الذي يظهر في المرئي، هو ما يقاوم امتلاكي ومعرفتي له. الآخر لا يمكن اختزاله إلى شيء، إلى موضوع، إلى فكرة. ليفيناس يدعونا إلى فلسفة لا تحاول أن تجعل اللامرئي مرئياً، بل تدعونا إلى فلسفة تعرف كيف تحترم اللارؤية، كيف تحترم الغموض، كيف تقف أمام الآخر بخشوع لا أمامه بفضول. هذا تحول جذري، اللامرئي لم يعد شيئاً يزعج الفلسفة وينبغي علينا التغلب عليه بل أصبح شيئاً يقدس الفلسفة وينبغي علينا حمايته. حماية خصوصية البشر وحماية تنوع الثقافات وحماية غموض الفن وحماية جهلنا الضروري عن بعضنا البعض. لأن المعرفة الكاملة هي السجن والحقيقة المطلقة هي الكابوس الذي يستيقظ منه العقل في عرق بارد.

ونقف على حافة العجز اللطيف. الفلسفة في أرقى لحظاتها هي اعتراف بحدودها. عندما سُئل لودفيغ فيتغنشتاين عن أكثر ما اكتشفه في الفلسفة، أجاب: "أنه لا توجد حقائق جوهرية، بل هناك أشكال للحياة". وأضاف في موضع آخر: "ما لا يمكن التكلم عنه، يجب الصمت عنه". هذا الصمت الوتري ليس صمت الجاهل بل صمت الذي رأى اللامرئي فأدرك أن اللغة كالشبكة، تلتقط بعض السمكات وتترك البحر مفتوحاً. لعل الفلسفة الحقيقية هي ذلك التواضع الذي لا يخجل من الإقرار بأن هناك دائماً بقية، دائماً عودة، دائماً ما لا ينطوي تحت أي مفهوم، ما لا يخضع لأي تقسيم وما لا يموت تحت أي حجة. اللامرئي إذاً ليس عدواً للفلسفة بل هو أخوها التوأم الذي يولد معها ويظل يلاحقها كظلها حتى النهاية. وأي فلسفة تزعم أنها قد أمسكت بالضوء كله لن تكون أكثر من سجن وسيكون طليقها الأول هو الخيال ثم الخيال وحده، بوصفه الجهاز الإنساني الأكثر قدرة على رؤية ما ليس هناك. الفلسفة التي تريد البقاء حية ينبغي ألا تحارب اللامرئي بل تنصت إليه وتسمح له بأن يزعزع يقينياتها بين الحين والآخر كي لا تتحول إلى دوغما تردد اسم الحقيقة ولا تعرف طعمها. وفي هذا الإنصات والتأمل الهادئ على حدود اللغة والعقل تتحقق القولة السقراطية الأكثر عمقاً: "أعلم أني لا أعلم شيئاً". ليس كحقيقة متواضعة وحسب، بل كمنهج للعيش مع اللامرئي، مع غير القابل للمعرفة، مع سر العالم الذي لن يفضي به أي مفتاح فلسفي، مهما كان لامعاً. وبهذا نكون قد أنجزنا طوافنا حول اللامرئي عائدين إلى نقطة البداية وقد أضفنا إلى جهلنا القديم جهلاً جديداً، وهو أخصب ما ننتهي به من رحلة المعرفة، أن نعرف أكثر بأننا لا نعرف وأن نرى بوضوح أن أكثر ما يهم في الحياة هو ما لا يمكن رؤيته أبداً.

***

د. حمزة مولخنيف

 

ليست كل الكتب التي نقرأها تترك أثرا فكريا يدفعنا إلى إعادة التفكير في قناعاتنا، لكن بعض الكتب تفعل ذلك لأنها تضع القارئ أمام أسئلة لا يمكن تجاوزها بسهولة. أثناء قراءتي لكتاب الله في الفلسفة الحديثة لجيمس كولينز، بترجمة فؤاد كامل، توقفت عند فكرة محورية في فلسفة سبينوزا مفادها أن أي بناء فلسفي متماسك يجب أن يبدأ من تعريف الله وفهم ماهيته.لم تكن هذه الفكرة مجرد رأي فلسفي عادي، بل كانت أساس مشروع كامل حاول من خلاله تفسير الوجود والطبيعة والإنسان انطلاقا من مفهوم واحد.ما يثير الاهتمام في هذا الطرح أنه ينقل سؤال الله من دائرة الإيمان والتسليم إلى دائرة التحليل العقلي. فبدلا من أن يكون الله نتيجة للتفكير، يصبح نقطة البداية التي ينبغي أن ينطلق منها التفكير نفسه. وتبرز أهمية سبينوزا بوصفه أحد أكثر فلاسفة العصر الحديث جرأة في إعادة صياغة العلاقة بين الله والعقل، وهي العلاقة التي ما زالت تمثل واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الفلسفة.

تاريخ الفلسفة يكشف أن مسألة الله لم تكن قضية دينية فقط، بل كانت أيضا قضية معرفية وفلسفية. فالسؤال عن الله كان مرتبطا بأسئلة أخرى مثل أصل الكون، وطبيعة الوجود، ومصدر القوانين التي تحكم العالم، وحدود العقل الإنساني. لهذا احتلت هذه القضية موقعا مركزيا في أعمال عدد كبير من الفلاسفة. في الفلسفة القديمة حاول الفلاسفة تقديم تصورات عقلية عن أصل الوجود. ومع تطور الفكر الديني أصبحت فكرة الله جزءا من النقاش الفلسفي. لكن الفلسفة الحديثة تعاملت مع القضية بطريقة مختلفة. فقد ظهر اتجاه يدعو إلى إخضاع جميع الأفكار للفحص العقلي، بما في ذلك فكرة الله نفسها.

في هذا الواقع برز سبينوزا بوصفه واحدا من أكثر الفلاسفة إثارة للجدل. فهو لم يقبل التصور التقليدي الذي يجعل الله منفصلا عن العالم ويتدخل فيه من الخارج. كما لم يقبل التصور الشعبي الذي ينسب إلى الله صفات بشرية مثل الغضب والرضا والانفعال. بدلا من ذلك قدم تصورا يرى أن الله هو الجوهر الذي تقوم عليه جميع الموجودات. هذا الموقف أدى إلى اتهامه بالإلحاد في عصره، رغم أن كتاباته تدور بصورة أساسية حول مفهوم الله. المشكلة لم تكن في إنكاره لله، بل في رفضه للصورة الدينية السائدة عنه. ولهذا دخل في صدام مع المؤسسات الدينية التي كانت تعتبر تصوره تهديدا للعقائد التقليدية.

يمكن النظر إلى مشروع سبينوزا باعتباره محاولة لنقل فكرة الله من المجال اللاهوتي إلى المجال الفلسفي. فهو أراد أن يجعل الحديث عن الله جزءا من البحث العقلي المنظم، لا مجرد قضية تقوم على التسليم أو الإيمان وحده. وجاءت محاولته بناء نسق فلسفي يبدأ من تعريف الله ثم ينتقل إلى تفسير الطبيعة والإنسان والمعرفة.لكن هذا المشروع يواجه عددا من المشكلات. فالله عند سبينوزا يصبح مفهوما فلسفيا شديد التجريد. وهو تصور قد يساعد على بناء نسق عقلي متماسك، لكنه يبتعد عن الفهم الديني الشائع الذي يرى في الله ذاتا تسمع وتستجيب وتتفاعل مع الإنسان. ولذلك ظل الجدل قائما حول ما إذا كان سبينوزا يقدم فهما جديدا لله أم يستبدل مفهوم الله بمفهوم آخر للطبيعة والوجود.من ناحية أخرى تكشف فلسفة سبينوزا عن مشكلة أوسع في الفلسفة الحديثة. فالفلاسفة حاولوا استخدام العقل لفهم القضايا الكبرى، لكنهم اختلفوا حول قدرة العقل نفسه. بعضهم رأى أن العقل قادر على البرهنة على وجود الله، وبعضهم رأى أن هذه المسألة تتجاوز حدود المعرفة البشرية. وهذا الخلاف استمر عبر قرون طويلة ولم يصل إلى نتيجة نهائية.

اللافت أن التطور العلمي لم يؤد إلى اختفاء السؤال. صحيح أن العلم قدم تفسيرات لعدد كبير من الظواهر الطبيعية، لكنه لم يحسم الأسئلة المتعلقة بأصل الوجود أو بمعنى الكون أو بسبب وجود القوانين الطبيعية نفسها. ولهذا بقيت مشكلة الله حاضرة في النقاشات الفلسفية حتى بعد صعود العلم الحديث. في هذا الجانب تبدو بعض المواقف الفكرية المعاصرة مبسطة أكثر مما ينبغي. فهناك من يعتقد أن التقدم العلمي يجعل السؤال عن الله غير ضروري، وهناك من يعتقد أن الإيمان وحده يكفي لإغلاق النقاش. لكن تاريخ الفلسفة يشير إلى أن القضية أكثر تعقيدا من هذين الموقفين. فالسؤال عن الله لا يتعلق فقط بإثبات الوجود أو نفيه، بل يتعلق أيضا بطبيعة الوجود والمعرفة وحدود العقل.لهذا السبب استمرت القضية في أعمال فلاسفة كبار مثل  و وغيرهما. ورغم اختلاف نتائجهم، فإنهم جميعا اعتبروا أن مسألة الله جزء أساسي من التفكير الفلسفي.

ما يجعل سبينوزا مهما ليس أنه قدم الإجابة النهائية، بل أنه أعاد صياغة المشكلة بطريقة مختلفة. فقد حاول التعامل مع مفهوم الله بوصفه موضوعا للفهم العقلي، وأجبر الفلسفة الحديثة على مواجهة أسئلة جديدة حول العلاقة بين الله والطبيعة والإنسان. لهذا كان التوقف عند اسمه أثناء قراءة كتاب "الله في الفلسفة الحديثة" أمرا طبيعيا. فسبينوزا لا يمثل مجرد فيلسوف ضمن تاريخ طويل من الفلاسفة، بل يمثل واحدة من أكثر المحاولات تنظيما في بناء فلسفة تبدأ من تعريف الله وتنتهي بتفسير العالم. وسواء اتفقنا مع نتائجه أو اختلفنا معها، فإن مشروعه يظل جزءا أساسيا من النقاش الفلسفي حول واحدة من أقدم القضايا التي شغلت العقل الإنساني.

***

زكريا نمر

 

من فيلولوجيا النص إلى جينولوجيا القيم

الجينالوجيا من فلسفة المعنى إلى فلسفة القيمة:

في الأجزاء السابقة وقفنا على أسس فلسفة نيتشه تحليلا ونقدا. في هذا الجزء الأخير سنقف مع تحليل المنهج الجينالوجي وكيف أنتقل نيتشه من فلسفة المعنى إلى فلسفة القيمة مبرزين في النهاية مظلوميته وسوء الفهم الذي طال فلسفته.

يعكس الانتقال من فلسفة المعنى إلى فلسفة القيمة جوهر الانقلاب الذي أحدثه نيتشه عبر المنهج الجينالوجي. فبدلا من البحث عما يعنيه الوجود أو النص - البحث عن الحقيقة الكامنة - انتقل البحث إلى قيمة هذا المعنى ذاته ومن أين استمد شرعيته.

نحلل ذلك بالتالي:

1. تحطيم "المعنى المتعالي":

في الفلسفات التقليدية من أفلاطون إلى هيجل كان البحث يتركز حول "المعنى الكلي" أو "الحقيقة" التي تقبع خلف الأشياء. نيتشه جاء ليقول إن هذا المعنى ليس اكتشافا لحقيقة أزلية بل هو اختراع بشري لأن فلسفة المعنى تسأل ما هي الحقيقة؟ وفلسفة القيمة (الجينالوجيا) تسأل ما هي "قيمة" الحقيقة؟ ولماذا فضلنا الحقيقة على الوهم في المقام الأول؟

2. "إرادة القوة" كمصدر للقيم:

عندما ينفي نيتشه وجود معنى موضوعي وجوهري للعالم فإنه يضع "إرادة القوة" مكان الغائية القديمة. القيمة هنا لا تشتق من صدق الفكرة بل من قدرتها على تعزيز الحياة أو إضعافها فالمعنى يصبح مجرد "قناع" تلبسه إرادة معينة لفرض قيمها.

نيتشه هنا لا يحلل الأفكار بوصفها منطقية أو غير منطقية بل بوصفها أعراضا لنمط من الحياة حياة صاعدة وقوية أو حياة منحطة وحقيرة.

3. من التفسير إلى التقييم:

الانتقال إلى فلسفة القيمة يعني أن الفيلسوف لم يعد مفسرا للعالم يبحث عن معنى باطني بل أصبح مشرعا ومقوما.

في "فلسفة المعنى" نحن خاضعون للمعنى الذي نكتشفه أما في "فلسفة القيمة" نحن الذين نمنح الأشياء قيمتها. وكما يقول نيتشه على لسان زرادشت: "الإنسان هو الذي وضع قيما للأشياء لكي يحفظ نفسه هو الذي خلق للأشياء معناها معنىً إنسانيا لذلك سمى نفسه إنسانا أي المقوم".

4. الجينالوجيا كأداة لنقد القيم:

هذا الانتقال جعل الفلسفة تتحول إلى نقد بدلا من تأمل فالبحث في "أصل" القيم هل نبعت من سيادة الأقوياء أم من استياء الضعفاء؟ هو الذي يحدد قيمتها اليوم. إذا كان "المعنى" الأخلاقي مثل الزهد أو التضحية قد نبع من إرادة تهدف إلى قمع الحياة فإن قيمته تصبح سلبية حتى لو بدا معناه ساميا.

التحول من المعنى إلى القيمة هو تحول من "الأنطولوجيا" أي البحث في الوجود إلى "الأكسيولوجيا" أي البحث في القيم بمفهومها الصراعي. هنا "المعنى" لم يعد غاية في ذاته بل أصبح وسيلة تعبر من خلالها الحياة عن قواها وتصنف بها العالم لتتمكن من السيطرة عليه.

وهذا الربط بين "أصل" القيمة وصلاحيتها يحرر الإنسان من أوهام الميتافيزيقا؟

الفيلولوجيا كأصل للجينالوجيا

في الختام نؤكد على أن نيتشه لم يغادر الفيلولوجيا (فقه اللغة) بل طورها ونقلها من "نصوص الكتب" إلى "نص الوجود". الجينالوجيا (التفكيك النقدي للقيم) في جوهرها هي فيلولوجيا كونية فكما كان يبحث عن أصل الكلمة وتطور دلالاتها أصبح يبحث عن أصل القيمة وتطور غاياتها. الفيلولوجيا هي الأداة التي علمت نيتشه "فن القراءة المتأنية" والجينالوجيا هي تطبيق هذا الفن على أخلاق البشر وتاريخهم. ونسأل ماذا بعد كشف زيف القيم؟

يجب أن نعرف أن الجينالوجيا عند نيتشه لم تكن هدفا بحد ذاتها لهدم القيم بل كانت تمهيدا لـ "إعادة تقييم كل القيم". ف"جينالوجيا القيم" هي التي تفتح الطريق أمام "الإنسان المتفوق" ليكون هو المشرع الجديد والقيمة الجديدة بعيدا عن أوهام الميتافيزيقا.

وهذا يعني فلسفيا أن "تاريخية المعنى" هي ضد الثبات الأنطولوجي. فنيتشه قد وجه ضربة قاضية لفكرة "المعنى الجوهري الثابت".

و يؤكد نيتشه أن المعنى ليس اكتشافا بل هو صيرورة وأن قيمة أي نص أو خلق تكمن في قدرته على خدمة "إرادة الحياة" في لحظة تاريخية معينة.

أن رحلة نيتشه من "فيلولوجيا النص" إلى "جينالوجيا القيم" لم تكن مجرد انتقال بين حقول معرفية بل كانت مسارا نقديا متصلا يهدف إلى تحرير الإرادة الإنسانية. فإذا كانت الفيلولوجيا قد منحت نيتشه القدرة على كشف الطبقات التاريخية للغة فإن الجينالوجيا قد مكنته من كشف الطبقات السلطوية والنفسية الكامنة خلف "المقدس" الأخلاقي. ونيتشه في نهاية المطاف لا يتركنا أمام حطام القيم بل يضعنا أمام مسؤولية "الخلق" حيث يصبح الإنسان هو النص وهو المؤلف في آن واحد ويغدو البحث في أصل القيم هو المفتاح الوحيد لامتلاك إرادة المستقبل.

تجدر الإشارة إلى أن جينالوجيا نيتشه نفسها هي "نص" يحتاج إلى "قراءة جينالوجية" تربطه بظروف عصره وتحولاته لتبقى الفلسفة دائما في حالة اشتباك مع الواقع وليست تجريدا معلقا في الفراغ. ونيتشه ليس فقط محلل لغوي بل "مؤرخ للأعماق" استطاع أن يربط بين تحولات النص وتحولات السلطة والمجتمع عبر الزمن.

"تاريخية القيم وصيرورة النص":

"في ختام هذه القراءة يتضح أن نيتشه قد نقل الفلسفة من سماء التجريد إلى أرض التاريخ. فمن خلال الانتقال من "الفيلولوجيا" كأداة لفهم النصوص القديمة إلى "الجينالوجيا" كأداة لتشريح القيم الاجتماعية أثبت نيتشه أن الأخلاق ليست حقائق أزلية بل هي منتجات تاريخية صاغتها موازين القوى وصراعات الإرادات.

و نؤكد أن نيتشه في بحثه عن أصل القيم كان يمارس نقدا اجتماعيا جذريا حيث كشف كيف يتحول النص سواء كان دينيا أو قانونيا أو فلسفيا من كونه تعبيرا عن لحظة تاريخية معينة إلى أداة للهيمنة وفرض "المعنى" على العصور اللاحقة. وبذلك تظل الجينالوجيا هي المنهج الذي يحررنا من سطوة الماضي ليس عبر نسيانه بل عبر فهم كيفية صناعته لتمكين الإنسان من استعادة دوره كصانع للتاريخ ومؤلف لقيمه الخاصة.

نيتشه كان متأثرا بالتحولات الكبرى في عصره مثل صعود الدولة القومية وتراجع سلطة الكنيسة والثورة الصناعية وكيف أن هذه البيئة التاريخية هي التي جعلت من "موت الإله" و"جينالوجيا الأخلاق" ضرورة فلسفية لفهم مآلات الإنسان الأوروبي في القرن التاسع عشر.

بيئة المؤلف وإنتاجه كيف أثرت عزلة نيتشه الشخصية وظروف ألمانيا في وقته على صياغته لهذا المنهج التاريخي الصارم؟

تأثير بيئة نيتشه على منهجه التاريخي (الجينالوجي) لم يكن تأثيرا عابرا  بل كان هو المختبر الذي ولدت فيه أفكاره. نيتشه لم يكتب من "برج عاجي" بل كانت فلسفته رد فعل مباشر على تحولات كبرى شهدها القرن التاسع عشر.

يمكن تقسيم هذا التأثير إلى ثلاثة مستويات أساسية:

1. البيئة السياسية: صعود "الرايخ" والقومية الألمانية:

عاش نيتشه فترة توحيد ألمانيا تحت قيادة "بسمارك" وبروز الروح القومية الألمانية المنتشية بالانتصارات العسكرية.

هذا الصعود للسلطة جعله يتأمل في مفهوم "إرادة القوة". رأى نيتشه في القومية الألمانية شكلا من أشكال "أخلاق القطيع" التي تذيب الفرد في الدولة. دفعه ذلك تاريخيا للبحث عن زمن كان فيه "الفرد المتفوق" هو المعيار فوجده في اليونان قبل سقراط مما عزز عنده المنهج المقارن بين عصور القوة وعصور الانحطاط.

2. البيئة الدينية والاجتماعية:  "موت الإله" كحدث تاريخي:

نشأ نيتشه في أسرة بروتستانتية عريقة فوالده وجده كانا قساوسة لكنه عاصر فترة "التنوير المتأخر" حيث بدأ العلم يهز أركان اليقين الديني.

بالنسبة لنيتشه "موت الإله" لم يكن مجرد فكرة ملحدة بل كان واقعة تاريخية واجتماعية. هذا ما دفعه لابتكار الجينالوجيا فإذا كان المصدر الإلهي للقيم قد انتهى وجب البحث عن "الأصل البشري" لهذه القيم. لقد كانت بيئته التي تفقد إيمانها تدريجيا هي المحفز لتشريح "تاريخ الأخلاق" وكشف زيفها الميتافيزيقي.

3. البيئة الثقافية والأكاديمية: أزمة "الفيلولوجيا":

بدأ نيتشه حياته أستاذا للفيلولوجيا (فقه اللغة) في جامعة بازل. في ذلك الوقت كانت الفيلولوجيا غارقة في جمع المعلومات الجافة والتدقيق النصي الممل فتمرد نيتشه على هذه البيئة "المتحفية". قرر تحويل الفيلولوجيا من أداة لخدمة الماضي إلى أداة لخدمة الحياة. ومن هنا انتقل من "نقد النصوص" إلى "نقد القيم". بيئته الأكاديمية الصارمة هي التي منحته "المشرط" الدقيق الذي استخدمه لاحقاً في الجينالوجيا لتفكيك الأنساق الفلسفية الكبرى.

خلاصة التأثير البيئي على المنهج:

يمكننا القول إن نيتشه في جينالوجيته كان يطبق "النقد التاريخي" الذي تعلمه من دراسة الكتاب المقدس في شبابه لكنه وجه هذا النقد نحو "الأخلاق" ذاتها. لقد جعل من تاريخه الشخصي وتاريخ عصره مادة خاما ليثبت أن "ليس هناك حقائق بل تأويلات فقط" وأن كل تأويل هو ابن بيئته وزمانه.

بهذا الربط تكتمل حلقة دراستنا فالعنوان "من فيلولوجيا النص إلى جينالوجيا القيم" يصبح تجسيدا لكيفية تحويل نيتشه لأدواته المعرفية التي اكتسبها من بيئته إلى سلاح لنقد تلك البيئة نفسها.

في مظلومية نيتشه

كان نيتشه يتميز بشجاعة ألهمته الصراحة والتي كشف بها عن كل أسرار وعيوب المجتمع الأوروبي وهذه الصراحة زادت في تصميمه على العمل من أجل فضح كل القيم الراسخة في المجتمع التي رسمت كي تضفي على آلامه وصراعه معنى يتخطى الشخصي والذاتي في رفضه أن يحيا حياة إنسان عادي.

قام نیتشه بأسلوب فخم وتبنى قضية كان موضوعها في نظره مقدرا له أن يتجاوز أي مصير شخصي أو عادي وكان ميالا الى أعتبار الصراع في وجه المآزق التي كان فيها رمزا لصراع أوروبا ولصراع الإنسانية. فقد تحولت آلام نيتشه العاجز وأمراضه الى موضوع ذي أهمية عامة إذ لم تعد مقاومته مقاومة عاجز عادي بل شيئا أكثر مسؤولية وبروزا. وهذا ما جعله يعتقد بأنه هو نفسه قدر تتوقف عليه نتيجة أو نتائج مأزق أو مآزق حاسمة في ذلك العصر  ومن هنا نبع تصميمه على أن يكون جديرا بدور من هذا النوع وعلى أن يكبت في نفسه كل تلك الميول التي تدعو الى مصير شخصي مختلف.

أصبح عدوا لدودا للخط القائل بالضعف لا نظريا فقط بل وفي الواقع كذلك. صار الأمر الهام أن يغدو نموذج الحياة الصاعدة وهي مهمة تابعها نيتشه الى النهاية دون  كلل أو ملل أو مهادنة بالرغم من كل آلامه.

فلسفة نيتشه بحق تضعنا أمام عالم فكري فريد يدمج الحياة بالمعرفة بطريقة تجعل من المستحيل الفصل بينهما. فنيتشه لم يكن فيلسوفا تقليديا ينظر إلى الحياة من برج عاجي بل كان يعيش فلسفته بكل تفاصيلها معتبرا إن الفكر يجب أن ينبع من نبض الحياة ذاتها. هذه الفلسفة كانت رحلة تتنقل بين مراحل مختلفة بدأت بتأثره بالرومانتيكية ثم الوضعية النقدية وانتهت بفكر مستقل يعكس عمق تجربته الشخصية.

أبرز ما في فلسفة نيتشه هو فهمه للحياة كالمطلق الأساسي وجعلها مصدرا لكل القيم والمعارف. بالنسبة له الحياة ليست فقط تجربة وجودية بل هي القوة الدافعة التي تشكل الأخلاق والمعرفة على حد سواء. هذه الرؤية أخرجت القيم الأخلاقية من المثالية المجردة ووضعتها في قلب التجربة الإنسانية مما أحدث ثورة في طريقة التفكير حول الأخلاق.

لكن هذه الفلسفة التي تهدف إلى تحرير الإنسان من القيود التقليدية لم تسلم من إساءة الفهم خاصة فكرة “إرادة القوة” عند نيتشه والتي كانت دعوة للإبداع والتجاوز تم تحريفها لاحقا لتبرير الحروب والصراعات في القرن العشرين على وجه الخصوص حيث شهد تجسيدا مشوها لهذه الفكرة تمثل في صعود الأنظمة الشمولية النازية والفاشية التي أدت إلى الحروب العالمية. فبدلا من أن تكون "إرادة القوة" تعبيرا عن قوة الإبداع الفردي أصبحت أداة للهيمنة والقمع.

هذا التحريف لفلسفة نيتشه يظهر كيف يمكن للأفكار العظيمة أن تُستخدم بطرق كارثية إذا أُخرجت من سياقها الحقيقي. فبينما كان نيتشه يسعى لتحرير الإنسان من القيود الأخلاقية الجامدة أُسقطت أفكاره في خدمة أيديولوجيات سياسية قاتلة. حيث تحولت فلسفته من وسيلة لتجاوز الذات إلى ذريعة للصراع.

فقد سرق النازيون فكره وقدموا فضاعاتهم باسمه وأتخذه الفاشيون عنوان لهم وأختبأ خلفه كل لصوص الرأسمالية والأنتهازيين والوصوليين.

كان نيتشه قد حذر من هؤلاء المنحطين وكانت فلسفته تمثل تحذيرا بقدر ما تمثل إلهاما. إنها تذكرنا بأن الأفكار مهما كانت عظيمة يمكن أن تتحول إلى كوارث إذا أُسيء فهمها أو استغلالها. إنها دعوة للتفكير النقدي والتأمل في كيفية تطبيق الأفكار وتذكير بأن القوة الحقيقية تكمن في الإبداع لا في الهيمنة.

الآن نقطع بيقين إن نيتشه هو واحد من أكثر الفلاسفة الذين تعرضوا لـ "سوء فهم منهجي" و"مظلومية تاريخية" لدرجة أن صورته الشائعة في الوعي الشعبي كفيلسوف عدمي أو محرض على العنف تكاد تكون نقيضا لما كان يرمي إليه فعليا.

هذه المظلومية لم تكن وليدة الصدفة بل نتاج تظافر عدة عوامل:

مثل التوظيف الأيديولوجي النازي وتشويه الإرث النيتشوي

وهذه هي المظلومية الأكبر في تاريخ نيتشه. حيث قامت أخته (إليزابيث فورستر)  التي كانت تميل للفكر القومي المتطرف والمعادي للسامية بالتلاعب بمسوداته بعد انهياره العقلي.

قامت بتحرير كتاب "إرادة القوة" بطريقة تخدم الأيديولوجيا النازية مما جعل هتلر يتبنى نيتشه كـ "فيلسوف الرايخ الثالث". الحقيقة نيتشه كان يحتقر القومية الألمانية ويسخر من معاداة السامية ووصف نفسه بأنه "أوروبي سامي" عابر للهويات الضيقة.

 سوء فهم آخر  تم عبر تصوير "الإنسان المتفوق" على أنه تفوق عرقي أو بيولوجي.

الحقيقة أن "الإنسان المتفوق" عند نيتشه هو مفهوم أخلاقي ونفسي.

"الإنسان المتفوق" هو الإنسان الذي يمتلك الشجاعة لخلق قيمه الخاصة وتجاوز "أخلاق القطيع" وهو تفوق على "الذات" بالدرجة الأولى وليس استعلاءً على الآخرين.

هناك أيضا سوء فهم لوصمة "العدمية".

حيث يُصنف نيتشه غالبا كفيلسوف عدمي يدعو لتحطيم كل شيء والاكتفاء باللاشيء.

 الحقيقة هي أن نيتشه كان محاربا للعدمية فهو يرى أن العدمية هي النتيجة الحتمية لانهيار القيم القديمة وحذر منها بشدة. كان منهجه الجينالوجي يهدف لتطهير الأرض من القيم المريضة البالية لبناء قيم جديدة تحتفي بالحياة.

المظلومية الأخرى هي المظلومية الأكاديمية

في بدايات عمله الأكاديمي تعرض نيتشه لتهميش (قس) من زملائه الأكاديميين أسمه "ويلومويتز" الذي اعتبر كتابه "مولد التراجيديا" عملا غير علمي وخارجا عن أصول التخصص الفيلولوجي. هذه المظلومية هي التي دفعته لترك الجامعة والعيش في عزلة مما أثر على نزعته الفلسفية وجعلها أكثر حدة وانفصالا عن المؤسسة الأكاديمية.

يمكن فهم هذه "المظلومية" كدليل على قوة وجدية وتأثير منهجه فالمجتمع والأنظمة السياسية غالبا ما تعجز عن استيعاب "الجينالوجي" الذي يفضح أصولها فتقوم إما بتهميشه أو توظيفه لصالحها فإن أبى التهميش والتوظيف فالتصفية الجسدية هي الحل الأخير. نيتشه نفسه كان يتوقع ذلك حين قال: "بعض الناس يولدون بعد وفاتهم".

حاولنا في دراستنا هذه رد الاعتبار لنيتشه عبر إعادته إلى سياقه النصي والبيئي الحقيقي. متبعين في ذلك منهج التحليل التاريخي وهو المنهج الوحيد المنتج لمواجهة التشويه الذي طال فكر نيتشه. فعندما نعيد ربط أفكاره بـ سياقها "الفيلولوجي" كأداة نقدية وبيئتها التاريخية كرد فعل على عصر محدد فإننا نسحب البساط من تحت كل التأويلات الأيديولوجية التي حاولت استغلاله.

ويمكننا التأكيد على أن رد الاعتبار لنيتشه يمر عبر ثلاث بوابات أساسية:

أولا:  تحرير "النص" من "الاستخدام" من خلال تركيزنا على "فيلولوجيا النص" بهذا نعيد الاعتبار لنيتشه ككاتب له "قصد" و"سياق" مما يفضح التلاعب الذي مارسته أخته أو الأنظمة النازية الشمولية. ونؤكد أن النص لكي يُفهم يجب أن يُقرأ بـ "أمانة فيلولوجية" قبل أن يُحاكم أخلاقيا أو سياسيا.

ثانيا: الجينالوجيا كمنهج "نقدي" لا "تحريضي":

لابد هنا أن نوضح أن نيتشه عندما تحدث عن "السادة والعبيد" لم يكن يحرض طبقة ضد أخرى بل كان يؤرخ لنشوء القيم. المظلومية هنا تُرفع عندما ندرك أن "الجينالوجيا" هي أداة للفهم وليست بيانا سياسيا للتنفيذ العسكري.

ثالثا: ربط "المعنى" بـ "البيئة":

تأكيدنا على "تاريخية القيم" يرفع المظلومية عن نيتشه بجعله "ابن زمانه". فبدلا من اعتباره "عدميا" هدم "القيم المطلقة" أظهرنا حقيقة أنه كفيلسوف أدرك قبل غيره أن بيئة القرن التاسع عشر لم تعد تحتمل القيم القديمة فكان لزاما عليه ممارسة "الجراحة التاريخية" لإنقاذ المستقبل.

ونرصع هذه الخاتمة بمقولة نيتشه الشهيرة في كتابه "هذا هو الإنسان" كشاهد على وعيه بهذه المظلومية يقول:

"أنا أعرف قدري فسوف يقترن اسمي يوما ما بذكرى شيء هائل بذكرى أزمة لم تعرف لها الأرض مثيلا من قبل."

أخيرا أقول: كنت قد ظلمت هذا المفكر الكبير -بتجاهلي لفكره متعمدا- وألبت الكثيرين ضده.

الآن برأت ذمتي من خطيئته.

***

سليم جواد الفهد

.....................

1. بيار هبير سوفرين، زرادشت نيتشه، ترجمة: أسامة الحاج، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ، بيروت، 2002.

2. جان غرانييه، نيتشه، ترجمة: علي بوملحم، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2008.

3. جمال مفرج، الفلسفة المعاصرة من المكاسب إلى الإخفاقات، الدار العربية للعلوم ناشرون،

منشورات الأختلاف، الجزائر، 2008.

4. جمال مفرج، نيتشه الفيلسوف الثائر، أفريقيا الشرق بيروت، لبنان، 2003.

5. جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ترجمة: أسامة  الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1993.

6. عبد المنعم حنفي، المعجم الشامل مصطلحات الفلسفة، مكتبة مدبولي، ميدان طلعت حرب، القاهرة، 2000.

7. فريدريك نيتشه، في جينيالوجيا الأخلاق،

ترجمة: فتحي المسكيني ، دار سيناترا، المركز الوطني.

8. فريدريك نيتشه، هذا هو الإنسان، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2009.

9. فريديرك نيتشه، هكذا تكلم زاردشت، ترجمة فليكس فارس، لبنان، مؤسسة هنداوي، 2014.

10. مارتن هايدغر، الوجود والموجود، تأليف جمال محمد أحمد سليمان دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، 2014.

11.محمد أندلسي، نيتشه وسياسةالفلسفة، إفريقيا الشرق، المغرب، دار تقبال للنشر، 2006.

 

في المثقف اليوم