أقلام فكرية

أقلام فكرية

في عصر العولمة تتلاشى الحدود الجغرافية وتتقاطع الثقافات، ليصبح العالم فضاءً مفتوحا للمعلومات والتقنيات والتبادلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. غير أن هذا الانفتاح لم يولد بالضرورة شعورا موحدا بالهوية الإنسانية، بل على العكس، أصبح الإنسان معرّضا لتقلبات مستمرة في إدراك ذاته وهويته، بين الامتداد نحو الكونية والانغلاق على الخصوصيات المحلية. الهوية هنا ليست مجرد تعريف بالانتماء الجغرافي أو العرقي أو الديني، بل هي مشروع مستمر للفهم والتمثل والتموضع في العالم، مشروع يختبره الفرد والجماعة في كل لحظة من حياته. كما يقول هانز جورج غادامير في الحقيقة والمنهج: "الفهم ليس مجرد استيعاب الأشياء، بل هو مشاركة وجودية في أفقٍ تاريخي وثقافي". في هذا السياق، يصبح سؤال الهوية سؤالا عن الموقع الوجودي للفرد بين الانفتاح والاغتراب، والتعددية الكونية والانغلاق على الخصوصيات.

الهوية في عالم معولم ليست ثابتة أو جامدة، بل هي متحولة ومصطدمة بالتيارات الثقافية المتبادلة، حيث يواجه الإنسان مأزق الاختلاف. فالاختلاف بمعناه الفلسفي، ليس مجرد التباين الظاهري بين الثقافات أو الجماعات، بل هو فعل تأسيسي للوعي بالذات وبالآخر، كما يؤكد إيمانويل ليفيناس: "الآخر هو المسؤولية التي تفرض نفسها على الذات، والاختلاف هو صيرورة الوجود في وجه الغير". عند هذا المفكر، يشكل الاختلاف مصدرا للالتزام الأخلاقي، وهو ما يجعل من الهوية ليست مجرد حماية للذات، بل مواجهة حقيقية للآخر، ووعي بالمسؤولية تجاهه. في زمن العولمة حيث تتقاطع الثقافات وتتداخل الرموز، يصبح التفاعل مع الآخر اختبارا مستمرا للهوية، فيجعلها تتحرك بين التعددية والتمركز، وبين القبول والتحدي.

ومع ذلك لا يمكن للهوية أن تتحقق في فراغ كوني مجرد، فلكل مجتمع خصوصياته التاريخية والثقافية التي تشكل أساسا لهويته. هكذا يقف الإنسان أمام جدلية دائمة بين الانفتاح على الكونية والانغلاق على الذات. فبينما يرى بعض الفلاسفة المعاصرين أن العولمة تسهم في خلق "ثقافة عالمية" تسوي الاختلافات، يؤكد آخرون على أن الانفتاح الكوني قد يؤدي إلى تهديد الخصوصيات المحلية، ومن ثم إلى أزمة وجودية للهوية. فرويد من زاوية أخرى، يلمّح إلى أن الإنسان في مواجهة التغيرات المستمرة، يختبر صراعات داخلية بين الرغبة في الانتماء والاحتفاظ بالذات، بين الطموح إلى الكونية والخوف من فقدان الجذور.

في هذا الصدد لا بد من التوقف عند مفهوم "الهوية المركبة"، الذي يشير إلى كون الهوية ليست وحدة متجانسة، بل شبكة معقدة من الانتماءات المتقاطعة والمتداخلة. فالهوية الفردية قد تشمل الانتماء إلى لغة، ثقافة، تاريخ، دين، جنس، أو حتى أسلوب حياة. كل هذه العوامل تتفاعل فيما بينها لتشكيل معنى الذات في عالم مفتوح. كما تقول مارثا نوسباوم في الحدود الإنسانية للأخلاق: "الهوية ليست حجرا ثابتا، بل هي مشروع أخلاقي مستمر، يضع الإنسان أمام مسؤولية التوازن بين ذاته والآخر". هنا يظهر البعد الأخلاقي للهوية، إذ لا يكتفي الفرد بالوعي بذاته فحسب، بل عليه أن يعي تأثير خياراته وقراراته على الآخرين في فضاء عالمي مشترك.

العولمة من جهة أخرى، لا تقدم إطارا متجانسا للتفاعلات، بل تخلق تباينات بين مراكز النفوذ الثقافي والاقتصادي، فتولد اختلالات في مستوى الاعتراف بالهوية. آلان باديو يشير إلى أن الحداثة العالمية تعني "انتشار القيم الثقافية الغربية كقالب موحد"، ما يفرض نوعا من الضغط على الخصوصيات الثقافية، ويثير التساؤل حول مصير الهويات المحلية. في هذا السياق، يصبح السؤال حول الهوية مسألة مقاومة حضارية، ليس بمعنى العزلة أو الانغلاق، بل بمعنى الدفاع عن الخصوصيات دون رفض الكونية. وهذا يقودنا إلى فهم الهوية كعملية ديناميكية، تعمل في فضاء من التوتر بين الانفتاح والتمسك والاختلاف والاعتراف، وبين التجربة الفردية والمرجعية الجماعية.

الفيلسوف شارل تاليه، في تأملاته حول "العولمة والاختلاف"، يرى أن الهوية ليست مجرد ملكية فردية، بل هي مسألة تتعلق بالعلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات. فالهوية تحتاج إلى "فضاء الاعتراف"، حيث يتم إدراك الذات من خلال النظر في وجه الآخر، ومن ثم يُستكمل معنى الوجود. هذا المفهوم يعيد إلى الذهن ما ذهب إليه هيجل في جدلية الروح، الإنسان يصبح واعيا بذاته حين يواجه الوعي بالآخر، وهكذا تتشكل الهوية ليس بمعزل عن الاختلاف، بل من خلاله. في عالم اليوم، حيث تتلاقى الثقافات وتتقاطع الحدود، يصبح التحدي هو القدرة على الحفاظ على الخصوصيات ضمن شبكة كونية تتطلب التفاعل والتفاوض المستمر.

غير أن هذا التفاعل الكوني لا يعني بالضرورة انسجاما دائما، بل قد يؤدي إلى صراعات حادة حول الرموز والهوية. هنا يتضح التوتر بين ما يمكن أن نسميه "الكونية الفلسفية" و"الخصوصيات المغلقة". الأولى تمثل الوعي بأن الإنسان جزء من مشروع كوني يتجاوز الحدود الفردية والجماعية، والثانية تمثل رغبة الإنسان أو الجماعة في حماية ما هو مميز وفريد في تراثه وثقافته. جان بودريار يرى أن العولمة قد تخلق "مجتمعًا من النسخ"، حيث تختفي الفوارق المميزة بين الثقافات، ما يولد إحساسا بالاغتراب وانعدام الجذور. يصبح الاختلاف ليس مجرد فعل ثقافي، بل فعل وجودي يثبت الإنسان في عالم متحول.

يمكننا أن نربط مسألة الهوية بالعلاقة بالزمن والتاريخ. فالهوية ليست حالة لحظة بل هي صيرورة تاريخية، كما يشير ميشيل فوكو، "الذات هي مشروع دائم التشكيل، متأثر بالقوى الاجتماعية والسياسية، وبالتاريخ الذي يعيشه الفرد". في عالم معولم، تصبح هذه الصيرورة أكثر تعقيدا، إذ يتعرض الإنسان لضغط مزدوج: ضغوط العولمة التي تفرض قيما وأنماطا جديدة، وضغوط الخصوصيات التي تحاول الحفاظ على ما هو أصيل. التحدي هنا هو أن يجد الفرد أو الجماعة موضعا وسطا، حيث يمكنهم التفاعل مع الكونية دون التنازل عن خصوصياتهم، والتعبير عن هويتهم دون الانغلاق أو التصلب.

يمكننا أيضا أن نلحظ في هذا السياق دور اللغة والرمز الثقافي في تشكيل الهوية. اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي حاملة للذاكرة الجماعية، ومخزن للخصوصيات الثقافية. كما يؤكد إدوارد سعيد في الاستشراق، الثقافة هي مشروع مستمر للمعنى، واللغة هي أداة الاحتفاظ بالذات في مواجهة الانصهار في القوالب العالمية. لذلك فإن الحفاظ على اللغة والرموز الثقافية يصبح فعل مقاومة، ليس رفضا للآخر، بل للحفاظ على عمق الذات في شبكة العلاقات الكونية. فالهوية هنا هي التوازن بين ما هو عالمي وما هو محلي، بين الانفتاح على الآخر والتمسك بالخصوصيات.

من الناحية النفسية والاجتماعية، يشير علماء الاجتماع إلى أن الهويات تتشكل في مواجهة التحديات الخارجية. بورديو على سبيل المثال، يوضح أن الهوية هي نتيجة "الموقع الاجتماعي" والحقول التي يتحرك فيها الفرد. في زمن العولمة، تتحرك هذه الهويات بين الحقول المحلية والعالمية، بين الرغبة في الانتماء إلى جماعة أصيلة والرغبة في الانخراط في فضاء كوني أوسع. هذا التحرك المتواصل يولد شعورا باللجوء المتعدد، حيث يجد الإنسان نفسه متأرجحا بين الانتماءات، ويحاول التوفيق بين متطلبات الخصوصية ومتطلبات الانفتاح الكوني.

إضافة إلى ذلك، يجب التأكيد على أن الهوية ليست مجرد مسألة شخصية، بل هي أيضا مسألة جماعية وسياسية. الهويات القومية والدينية والثقافية تتحرك في فضاءات تتقاطع فيها المصالح، وتتنازع فيها الرموز. هابرماس يشير إلى أن الحوار بين الثقافات يحتاج إلى "فضاء عام تواصلي"، حيث يمكن للأطراف المختلفة أن تتفاوض على معنى الهوية والخصوصية. بدون هذا الفضاء، تصبح الهوية معرضة للتطرف أو الانغلاق، ما يؤدي إلى صراعات تهدد استقرار المجتمعات. إن الهوية في عالم معولم هي مسألة توازن دقيق بين الاعتراف بالآخر والحفاظ على الذات والانفتاح والانغلاق، وبين الاختلاف والتماثل.

إن الهوية في زمن العولمة هي مسألة جدلية مستمرة بين الكونية والانغلاق. فهي ليست ثابتة، ولا يمكن تصورها بمعزل عن التفاعل مع الآخر، ولا يمكن اختزالها في خصوصية جامدة دون اعتبار للفضاء الكوني الذي نعيش فيه. الفيلسوف الفرنسي بول ريكور يصف الهوية بأنها "نص متواصل"، يُكتب ويُعاد كتابته باستمرار، في حوار مع الذات والآخر والتاريخ. في هذا النص، يتجلى الإنسان في مواجهته للآخر، ويُختبر معنى كينونته، وتظهر التحديات المستمرة في المحافظة على التوازن بين الانفتاح على الكونية والتمسك بالخصوصيات.

إن الهوية من حيث هي ليست مجرد إدراك ذاتي، بل مشروع فلسفي أخلاقي واجتماعي، يضع الإنسان أمام مسؤولية الوعي بالاختلاف والتفاعل مع الآخر، والحفاظ على ما يميز تراثه وثقافته. هي صيرورة مستمرة، تتشكل في فضاء العولمة بين التيارات المتعددة، وتختبر حدود الانفتاح والانغلاق، بين الاعتراف بالكونية والحفاظ على الخصوصيات. وعليه، يصبح السؤال حول الهوية في عالم معولم سؤالاً عن المشروع الإنساني ذاته: كيف نكون في عالم يتغير بسرعة دون أن نفقد عمقنا وخصوصيتنا، وكيف نتفاعل مع الآخر دون أن نبتعد عن الجذور التي شكلتنا؟.

في عالم اليوم تتفاقم تعقيدات الهوية مع التداخل المتسارع للتكنولوجيات الرقمية، حيث لم يعد الانتماء إلى جماعة معينة مقصورا على المكان أو التراث، بل أصبح مرتبطا أيضا بالفضاءات الافتراضية، والمنتديات الرقمية والشبكات الاجتماعية. هذه البيئات الجديدة تمنح الفرد إمكانية إعادة تشكيل ذاته، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليه نماذج جاهزة للانتماء، قد تصادم خصوصياته أو توجهها نحو معايير عالمية محددة. كما لاحظ زيجمونت باومان في مفهومه عن السيولة الحديثة، الإنسان المعاصر يجد نفسه في حالة تأرجح دائم بين الانفتاح والتمركز، وبين القدرة على التواصل بلا حدود والخوف من فقدان الجذور التي تمنحه شعورا بالثبات. الهوية هنا ليست ثابتة، بل هي "هوية سائلة" تحتاج إلى جهد مستمر لإعادة التشكيل والمراجعة.

تطرح هذه الانزياحات الرقمية أسئلة فلسفية عميقة حول معنى الاختلاف. ففي الماضي كان الاختلاف مرتبطا غالبا بالحدود المكانية والثقافية، أما اليوم فهو مرتبط بسرعة المعلومات والتقنيات التي تمكّن الفرد من الوصول إلى الثقافات المتعددة والتفاعل معها. ومن هنا ينبع التحدي، كيف يمكن للفرد أن يحافظ على خصوصيته وهو يختبر كونية متزايدة؟ هانز جورج غادامير يذكر أن "الفهم هو أفق يتشكل في مواجهة الآخر"، وفي عصر العولمة الرقمية، يصبح هذا الفهم عملية معقدة، إذ يتطلب موازنة دقيقة بين ما هو شخصي وما هو مشترك، بين الانفتاح على الاختلاف وحماية الخصوصية.

الهوية في هذا السياق ليست مجرد مسألة ذاتية، بل هي مشروع سياسي وثقافي في الوقت ذاته. فالفرد والجماعة يواجهان تحديات الاعتراف، ليس فقط من قبل الآخر، بل من قبل المؤسسات العالمية والثقافات المهيمنة، وأحيانا من التكنولوجيا نفسها التي تحدد من يمكنه أن يكون مرئيا، وماذا يمكن أن يعبر عنه. كما يرى تشومسكي، القوة الثقافية والسياسية تؤثر بشكل مباشر على إمكانية التعبير عن الذات، ما يجعل الحفاظ على الخصوصيات عملية مقاومة واعية، تتطلب إدراكا مستمرا للضغوط الخارجية وللتوازن بين الانفتاح والانغلاق.

في السياق الفلسفي، يمكن النظر إلى الهوية كحقل جدلي بين الذات والآخر، بين التاريخ والمستقبل، بين التقاليد والحداثة. إيمانويل كانط في تصوراته عن التنوير، يشير إلى أن "الاستنارة هي خروج الإنسان من قيود الذاتية غير الواعية"، وهي دعوة لإدراك حدود الذات والتفاعل الواعي مع الآخر. ومن ثم يصبح التحدي المعاصر هو إيجاد هوية متوازنة، تستطيع الاستفادة من الانفتاح الكوني دون أن تفقد القدرة على التمييز والحفاظ على ما هو أصيل.

تاريخيا، الهوية كانت دائما نتاج تفاعل مع القوى الخارجية، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو اقتصادية. لكن العولمة اليوم تضاعف هذا التفاعل بشكل غير مسبوق، حيث تصبح المراجع الثقافية متعددة، والخيارات المتاحة للفرد واسعة، لكنها متشابكة ومعقدة. هنا، تظهر أهمية مفهوم "الهوية المركبة"، كما أشارت إليها فيرجينيا ووولف في سياق الأدب، وطورها علماء الاجتماع لاحقا، الهوية ليست عنصرا ثابتا، بل شبكة متداخلة من الانتماءات المتعددة، تتفاعل مع بعضها البعض لتشكل تجربة الوعي بالذات في عالم متغير. هذه الشبكة المتداخلة تحتاج إلى مهارات جديدة في القراءة والتفاعل، لأنها تتطلب فهما عميقا للاختلافات الثقافية والقدرة على التفاوض بين القيم والمعتقدات المختلفة.

التحدي الآخر الذي تفرضه العولمة على الهوية يتعلق بالذاكرة الجمعية. فالهوية لا تبنى على الحاضر فحسب، بل على تفاعل مستمر مع التاريخ والتراث. والتراث الثقافي سواء كان لغويا دينيا أم اجتماعيا، يشكل العمق الذي يمكن للهوية أن ترتكز عليه. إدوارد سعيد يوضح أن الثقافة ليست مجرد تجميع للمعارف، بل هي حقل للنضال الرمزي، حيث تتجسد السلطة في القدرة على التحكم في الرموز والمعاني. لذلك، يصبح الحفاظ على الذاكرة الثقافية والحضارية أحد أهم عناصر الدفاع عن الهوية في عالم يتعرض فيه الفرد والجماعة لضغوط التوحيد الثقافي.

الجانب الأخلاقي للهوية يظهر جليا في مواجهة الاختلاف. فإيمانويل ليفيناس يشدد على أن الآخر ليس مجرد مرآة للذات، بل مسؤولية قائمة بحد ذاتها، والاختلاف هو شرط أخلاقي للحياة الإنسانية. في فضاء عالمي معولم، يصير هذا الاختلاف مشروعا عمليا لتطوير العلاقات الإنسانية، حيث يُختبر الإنسان في قدرته على احترام الخصوصيات، والاعتراف بالآخر دون فرض النماذج الجاهزة. هذه المسؤولية الأخلاقية تتحول إلى بُعد سياسي وثقافي، لأن الاعتراف بالآخر يتطلب أيضا بنية اجتماعية وسياسية تدعم هذا الاعتراف، كما يشير هابرماس في مفهومه عن الفضاء العام التواصلي.

العولمة، إذن، ليست مجرد عملية اقتصادية أو تقنية، بل هي سياق وجودي وثقافي يعيد تشكيل مفهوم الهوية. فمن جهة توفر للعقل والوعي إمكانيات واسعة للتواصل والتفاعل مع الآخر، ومن جهة أخرى تفرض قيودا جديدة، من خلال سيطرة نماذج ثقافية موحدة وضغط السوق، وتحكم التكنولوجيا في تدفق المعلومات. فالهوية هنا ليست حالة سكونية، بل هي مسار مستمر من التشكيل وإعادة التشكيل، مسار يتطلب من الفرد والجامعة إدراكا متواصلا للانفتاح والتمركز، وللقدرة على التفاعل مع التعددية دون أن يؤدي ذلك إلى ضياع الخصوصيات.

التحديات التقنية، مثل الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي، تضيف بعدا جديدا لمسألة الهوية. فالفرد المعاصر يعيش في فضاءات افتراضية تسمح له بإعادة بناء صورته، والتعبير عن ذاته بطرق غير محدودة، لكنها في الوقت نفسه تعرضه لمخاطر التزوير والسطحية. كما يرى مارشال ماكلوهان، "الوسيط هو الرسالة"، أي أن التقنيات نفسها تؤثر في شكل إدراك الإنسان لهويته وللآخر. ولذلك، فإن الحفاظ على الهوية في هذا السياق ليس مجرد مسألة اختيار، بل هو ممارسة نقدية تتطلب وعيا بالوسائط وبآثارها على النفس والمجتمع.

جانب آخر من جدلية الهوية يتعلق بالمقاومة الثقافية والسياسية. فبينما يدفع الانفتاح الكوني نحو التشابه، تدفع الخصوصيات المحلية نحو التمايز، ويظهر التوتر بين المشروع العالمي والمشروع المحلي. هنا، يظهر دور الهوية كمقاومة واعية، ليس بمعنى الانعزال، بل بمعنى الإبقاء على جذور الثقافة والتاريخ والتقاليد في مواجهة ضغوط التوحيد الثقافي. ويشير بورديو إلى أن الهوية تتشكل أيضا من خلال "المنافسة الرمزية"، أي الصراع على القيم والمعايير التي تحدد ما يُعتبر أصيلا وملائما. هذا البعد يجعل الهوية مسألة سياسية بقدر ما هي ثقافية وفلسفية.

الهوية في عالم معولم تتطلب بالتالي مزيجا من الفهم النقدي والممارسة الأخلاقية والسياسية. فهي ليست مجرد شعور بالانتماء، بل هي عملية مستمرة لإعادة التوازن بين الانفتاح الكوني والحفاظ على الخصوصيات. الفيلسوف بول ريكور يرى أن الهوية تتشكل في حوار مستمر مع الماضي والحاضر والمستقبل، وهي نص متواصل يُعاد كتابته دائما. وهذا النص يعكس تجربة الإنسان في مواجهة الآخر، ويختبر قدرته على التفاعل مع التعددية دون أن يفقد جذوره، أو يتلاشى في الفضاء الكوني المفتوح.

علاوة على ذلك، الهوية في زمن العولمة هي مسألة تتعلق بالعدالة والاعتراف المتبادل. فالاعتراف بالاختلاف ليس ترفا، بل هو شرط أساسي لبناء مجتمع كوني يحترم التنوع والخصوصيات. هابرماس يصف هذا بالفضاء العام التواصلي، حيث يمكن للأفراد والجماعات التعبير عن هوياتهم المختلفة والمفاوضة على معانيها. بدون هذا الفضاء، تصبح الهوية معرضة للانغلاق أو الطمس، وينشأ صراع بين القوى الثقافية المهيمنة والخصوصيات المحلية، مما يعقد إمكانية التفاعل الحضاري البناء.

التحدي الأكبر هو أن يجد الإنسان طريقه بين الانفتاح على الكونية والانغلاق على الخصوصيات، بين الاعتراف بالآخر والحفاظ على الذات. الهوية هنا ليست مجرد مسألة نفسية أو ثقافية، بل هي تجربة وجودية وأخلاقية وفلسفية. فالوعي بالاختلاف واحترامه والقدرة على التفاعل معه، هو ما يجعل الإنسان قادرا على الحفاظ على عمقه الذاتي في عالم مفتوح ومتغير.

يمكن اعتبار الهوية "مشروعا مستمرا" لا ينتهي، بل يتطور مع مرور الزمن، ويواجه التحديات الجديدة التي تفرضها العولمة والتقنية والسياسة، مع الحفاظ على الثوابت التي تشكل جوهر الذات.

إن الهوية في عالم معولم ليست مجرد مسألة حماية الخصوصيات، ولا مجرد انفتاح على الكونية، بل هي التوازن المستمر بين هذين القطبين. هي مشروع أخلاقي وفلسفي وسياسي، يتطلب من الإنسان والجامعة إدراكا مستمرا للتحديات، والقدرة على التفاعل مع الآخر، والحفاظ على ما هو أصيل. كما يقول هانز جورج غادامير، "الفهم هو أفق يتشكل في مواجهة الآخر"، وفي هذا التفاعل تتكشف حدود الهوية، وتتجلى مسؤولية الإنسان في عالم يتغير بسرعة ويجمع بين التنوع والتوحيد بين الانفتاح والانغلاق، وبين الكونية والخصوصية.

***

د. حمزة مولخنيف

يبدو أن الحديث عن العقل في عصرنا الراهن لا يمكن فصله عن السياق العام للحداثة، تلك اللحظة الفاصلة التي أفرزت لنا تقنيات ومعارف غير مسبوقة، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن مأزقها الأخلاقي والأنساني. فالعقل الحديث كما بلوره مفكرون كبار مثل كانط وهيجل، قد انطلق من فكرة نقدية لذاته، ومن الإيمان بقدرته على الوصول إلى المعرفة الموضوعية، لكن سرعان ما تحول هذا العقل إلى عقل أداتي، يقدّم للإنسان أدوات، ويمنحه قدرة على التحكم في الطبيعة وفي غيرها من البشر، لكنه في الوقت نفسه يغفل أبعاد التواصُل الأخلاقي والاجتماعي التي تُثري وجود الإنسان وتحقق له معنى. يشير هابرماس في هذا الصدد إن العقل الأداتي يتقوقع في المنظور العملي الفعلي، وينسحب من أفق الأسئلة الوجودية والقيمية، مشيرا إلى أن هذا الانزلاق يخلق ما سماه الحداثة المأزومة، حيث يصبح الفعل التقني والاقتصادي هو المقياس الوحيد للصواب والخطأ، بينما يضمحل الصوت الأخلاقي أو الاجتماعي في ضوضاء الإنتاج والتحكم.

إن العقل الأداتي ليس مجرد أداة معرفية، بل هو مشروع منظومي يحكم على كل شيء وفق معيار الكفاءة والفعالية. في هذا المنظور، تصبح المعرفة مجرد وسيلة لتحقيق هدف محدد، لا لاستكشاف أفق الحقيقة أو معنى الحياة. كانط نفسه أشار في كتابه "نقد العقل المحض" إلى أن العقل يحتاج إلى نقد دائم ليعرف حدوده، لكن الحداثة الحديثة أسست على فكرة أن العقل يمكن أن يصبح مستقلاً عن أي سلطة تقليدية، سواء كانت دينية أو سياسية، لتكون الكفاءة والنتائج العملية هما المقياس النهائي. ومع ذلك، فإن هذا الانحياز إلى العقل الأداتي يولّد فجوات في فهم الإنسان لنفسه وللمجتمع: فجوة أخلاقية وفجوة معرفية وفجوة وجودية. فالإنسان قد يتحكم في الطبيعة، لكنه يفقد القدرة على التواصُل الإنساني العميق، وقد يحقق المكاسب الاقتصادية والتقنية، لكنه يغفل حقيقة السؤال عن معنى هذه المكاسب أو عن القيم التي ينبغي أن تحكم استخدامها.

يتضح أن الفكر النقدي منذ هابرماس وصولاً إلى الفلاسفة المعاصرين، يتخذ موقفاً مضاداً من هذا التحول. فالعقل لا ينبغي أن يكون مجرد أداة، بل ينبغي أن يكون فضاءً للتواصل، حيث تُبنى الحقيقة عبر الحوار، وتُصان القيم عبر التفاعل الإنساني، وتُختبر النتائج وفق معايير أخلاقية وثقافية. هكذا يصبح العقل التواصلي استجابة لمأزق الحداثة، فهو يقيم بين الإنسان ومحيطه والفرد والمجتمع، وبين المعرفة والضمير. إن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي ليس مجرد تعديل منهجي، بل هو انقلاب في فهم العقل ذاته، من حيث كونه أداة للحكم والتحكم إلى كونه فضاءً للمساءلة المشتركة، حيث يلتقي الفكر مع الأخلاق، وتقترن المعرفة بالقيم، ويتحمل الإنسان مسؤولياته تجاه الآخر والعالم.

إن العقل الأداتي رغم ما أتاحه من إنجازات، لم يخل من ثمن باهظ. فالحربان العالمية والأزمات البيئية، والانحرافات الاقتصادية والاجتماعية، جميعها تعكس الأثر السلبي للعقل الذي فقد بعده التواصلي. يقول إيمانويل كانط في "السلام الدائم": "العقل وحده لا يكفي، إن لم يكن مصحوبا بالحكمة والضمير". ومن هنا، تأتي راهنية النقد الفلسفي، ليس فقط لمساءلة أدوات العقل، بل لمساءلة ما يجعل هذه الأدوات مأزومة. النقد الفلسفي في هذا الإطار، لا يعني مجرد الفحص النظري، بل الممارسة الأخلاقية التي تكشف حدود التفرد بالأدوات دون مسؤولية، وحدود المعرفة دون التزام. إنها دعوة لإعادة النظر في مشروع الحداثة ذاته، ومحاولة إعادة توازن بين الفعل والمعنى، بين الكفاءة والقيمة والتقنية والأخلاق.

يمكن النظر إلى مأزق الحداثة من خلال عدسة الفلسفة النقدية، التي ترى أن العقل الأداتي يتعامل مع العالم كما لو كان خاضعا بالكامل لسيطرته، متجاهلاً العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تشكل الإنسان. فالحداثة الحديثة بوعودها بالحرية والمساواة والتقدم، لم تتوقع أن تتسرب إلى الفرد مفاهيم الصراع والفردية المفرطة، والتغريب عن الجماعة. يقول هيغل: "الحرية المطلقة في العقل لا تتحقق إلا عندما يُنظّم العقل في إطار الدولة والمجتمع"، وهذا التوازن الاجتماعي هو ما يفتقده العقل الأداتي، ويبحث عنه العقل التواصلي. فالعقل التواصلي يعيد الاعتبار لمفهوم الحرية كعلاقة، وليس مجرد قدرة على التحكم، ويعيد الاعتبار لمفهوم المعرفة كعملية مشتركة، وليست مجرد ملكية فردية أو أداة إنتاجية.

وفي هذا السياق، يصبح النقد الفلسفي راهنا أيضا في مواجهة العولمة المعاصرة، التي غالبا ما تعزز منطق العقل الأداتي على حساب العقل التواصلي. الاقتصاد العالمي والتقنيات الرقمية والثقافة الاستهلاكية، كلها تقيس القيمة بالقدرة على الإنتاج والاستهلاك، متجاهلة الأسئلة الأخلاقية والإنسانية الأساسية. وهنا، يظهر البعد الأخلاقي للعقل التواصلي، فهو لا يرفض التقدم أو التقنية، لكنه يطالب بمرجعية أخلاقية واجتماعية توجه هذه الإمكانات. كما تقول مارثا نوسباوم: "العدالة الحقيقية لا تتحقق فقط من خلال التنظيم القانوني، بل من خلال تنمية القدرة على التعاطف والتواصل بين البشر". العقل التواصلي هو العقل الذي يجعل من المعرفة والقدرة والفعالية وسيلة لتحقيق حياة مشتركة عادلة، لا مجرد أداة للهيمنة والتفرد.

ولا يمكن أيضا إغفال البعد الثقافي والفلسفي في هذا الانتقال. فالفكر النقدي الأوروبي منذ عصر التنوير وحتى ما بعد الحداثة، مر بتطورات متسارعة، من نقد كانط للعقل المطلق، إلى نقد هابرماس للعقل الأداتي، وصولاً إلى فلسفات النسوية والنظرية ما بعد البنيوية التي تسلط الضوء على العلاقات السلطوية والمعايير المهيمنة التي يحاول العقل الأداتي فرضها على الواقع. فالنسوية على سبيل المثال، كشفت أن العقل الأداتي غالبا ما يغفل الاختلافات والتجارب الإنسانية المتنوعة، ويختزل القيم إلى مقاييس واحدة، بينما العقل التواصلي يعترف بالاختلاف، ويستند إلى الحوار والتبادل بين وجهات النظر المختلفة. تقول جوديث بتلر: "المساءلة الأخلاقية تبدأ عندما نسمع الآخر، لا عندما نحكم عليه"، وهذا بالضبط ما يميز العقل التواصلي عن العقل الأداتي، فالأول يقوم على استيعاب الآخر، بينما الثاني يقوم على السيطرة والتحكم.

إن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي ليس مفهوماً نظرياً فحسب، بل له انعكاسات عملية واضحة في الحياة السياسية والاجتماعية. فالأدوات التقنية، مهما كانت متقدمة، لا تحقق العدالة أو المشاركة أو الديمقراطية إذا لم تُدرج ضمن منظومة تواصلية تشرك الجميع في القرار والتقييم. والعقل التواصلي يفرض التفكير في شروط الشفافية والمساءلة والمشاركة، ويطرح السؤال عن الحد الفاصل بين الكفاءة والعدالة، وبين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية والمعرفة والسلطة. ومن هذا المنظور، يصبح النقد الفلسفي أداة راهنية، لأنها تجعلنا نسائل مشاريع الحداثة من الداخل، وتكشف عن التناقضات بين وعود التقدم وبين النتائج الفعلية على الإنسان والمجتمع.

أما على مستوى الوعي الذاتي، فإن العقل التواصلي يحفز الفرد على إعادة النظر في مكانه في العالم، وفي علاقته بالآخر، وفي دوره في تحقيق معنى وجوده. فالإنسان المعاصر، رغم ما يمتلكه من أدوات معرفية وتقنية، كثيراً ما يشعر بالغربة والاغتراب، وهو إحساس يراه هابرماس وميشيل فوكو نتيجة لعلاقات السلطة والمعرفة التي يغفل فيها العقل الأداتي البعد التواصلي. إن العقل التواصلي يفتح أمام الإنسان مساحة للتمكين الذاتي ليس بمعنى السيطرة، بل بمعنى الفهم والمشاركة والمسؤولية. كما يذكّرنا جان بول سارتر بأن الحرية الفردية لا تتحقق إلا من خلال الاعتراف بالآخر ومشاركته في بناء العالم، وهذا الاعتراف لا يكون إلا من خلال عقل تواصلي قادر على الحوار والمساءلة المشتركة.

إن العقل الأداتي قد أفرز إمكانات هائلة، لكنه في الوقت نفسه كشف عن مأزق الحداثة: قدرة الإنسان على التحكم في العالم الخارجي مقابل تراجع قدرته على التواصُل مع العالم الداخلي والآخرين. العقل التواصلي من جهته، يمثل محاولة نقدية لمواجهة هذا المأزق، فهو يعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والقيمة والقدرة والمسؤولية، وبين الفرد والمجتمع. النقد الفلسفي هنا ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة راهنية، لأنه يتيح للإنسان أن يعيد صياغة حداثته بما يجعلها أكثر إنسانية وأقل مأزومية، وأكثر قدرة على التفاعل مع التحديات الأخلاقية والثقافية والاجتماعية المعقدة.

إننا أمام سؤال وجودي ومعرفي في آن واحد، كيف يمكن للعقل أن يظل وسيلة للمعرفة والإبداع والتقدم، دون أن يصبح أداة للهيمنة والسيطرة والتقليص من قيم الإنسان؟ هذا السؤال ليس مجرد خاطرة فلسفية، بل هو محور نقد الحداثة بأكملها، وهو ما يجعل الفكر النقدي راهنا اليوم. فالتحول من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي يمثل ليس فقط تغييراً في الوظائف المعرفية، بل انقلاباً في فهم الإنسان لنفسه ولمجتمعه وللأفق الذي يحققه في العالم.

في مواجهة مأزق الحداثة، يبدو أن السؤال الأساسي لم يعد عن قدرة العقل على المعرفة فحسب، بل عن قدرته على توجيه هذه المعرفة بما يخدم الإنسانية، لا بما يهيمن عليها أو يحصرها في أفق الإنتاجية الفورية. العقل الأداتي، كما أشرنا سابقا، قد وفّر للبشرية أدوات هائلة للتحكم في الطبيعة وفي بعض جوانب المجتمع، لكنه في الوقت نفسه أعاد إنتاج نوع من الغربة الإنسانية: الإنسان قادر على صناعة العالم، لكنه عاجز عن فهم دوره الأخلاقي والاجتماعي في هذا العالم. هنا تتجلى أهمية العقل التواصلي، ليس فقط كتصحيح منهجي، بل كتحول وجودي وثقافي، يسمح بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والآخر، وبين الفرد والمجتمع والمعرفة والقيمة.

إن العقل التواصلي يتجاوز حدود الفعل الأداتي عبر تثبيت قيم الحوار والمساءلة والمسؤولية المشتركة. فهابرماس في كتابه "نظرية الفعل التواصلي"، يوضح أن العقل الأداتي يتسم بـ"القدرة على التنبؤ والتحكم، ولكنه مقيد بالمنطق الداخلي للأدوات"، في حين أن العقل التواصلي "يسمح بتأسيس فهم مشترك، ويقيم معايير للصواب تتجاوز الأداة لتشمل العدالة والأخلاق". وهذا يعني أن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي ليس مجرد تعديل وظيفي في استخدام العقل، بل هو إعادة توجيه للغرض ذاته، العقل ليس مجرد تقنية للسيطرة، بل فضاء لإعادة التفكير في معنى الحياة والعدالة الإنسانية.

يتضح أن الحداثة المأزومة لا يمكن معالجتها بمجرد تحديث الأدوات أو تطوير المعرفة التقنية. فهي مأزومة لأنها تتجاوز حدود العقل الأداتي نفسه، فتنتج مشكلات لا يمكن حلها بالأدوات نفسها التي أنتجتها. الفقر، التفاوت الاجتماعي، الاستهلاك المفرط والكوارث البيئية، كلها أمثلة على نتائج العقل الأداتي الذي يركز على الإنتاجية والربح والكفاءة دون التفكير في عواقب هذه الإنتاجية على الإنسان والبيئة. ومن هنا تأتي راهنية النقد الفلسفي، لأنه يوفر آلية لمساءلة العقل ذاته، ولتوجيه المعرفة إلى أفق أوسع، لا يقتصر على النتائج المادية بل يشمل الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية.

يمكننا أن نرى هذا بوضوح من خلال تطور الفكر النقدي الأوروبي منذ القرن العشرين وحتى اليوم. ففلسفة ما بعد الحداثة، رغم انتقادها للحداثة وللإجماع الكوني على العقل الأداتي لم تكتف بالرفض، بل طرحت بدائل تركز على تعددية المعايير، وعلى أهمية الحوار بين الثقافات والفلسفات المختلفة. فميشيل فوكو على سبيل المثال، كشف كيف أن العقل الأداتي يمكن أن يصبح أداة للسيطرة والمعرفة المهيمنة، وكيف أن المعرفة التقنية لا تكون حيادية أبداً، بل مرتبطة بممارسات السلطة. ومن هنا، يكتسب العقل التواصلي راهنيته، فهو العقل الذي يعيد التوازن بين المعرفة والسلطة والفرد والمجتمع، وبين القدرة والمسؤولية.

وفي عالمنا المعاصر، تتجلى أهمية العقل التواصلي أيضا في السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية. فعلى سبيل المثال، الديمقراطيات الحديثة تواجه تحديات معقدة، انتشار المعلومات الرقمية، التفاوت الاقتصادي وتصاعد خطاب التطرف، كلها أمور تتطلب عقلا قادرا على التواصُل والحوار، وعلى تأسيس فهم مشترك بين المواطنين وصناع القرار. فالعقل الأداتي وحده، مهما كان فعالا في التنظيم والإدارة، لا يكفي لضمان العدالة الاجتماعية أو التوازن الأخلاقي. وهنا تأتي أهمية ما أشارت إليه مارثا نوسباوم، عندما أكدت على ضرورة بناء "قدرة التعاطف والخيال الأخلاقي"، أي العقل الذي يرى الآخر ويقدر موقفه ويعيد صياغة القرار بناءً على قيم مشتركة، لا مجرد حسابات إنتاجية.

إن العقل التواصلي يتجاوز الحدود التقنية ليصبح مشروعا أخلاقيا وثقافيا واجتماعيا. إنه العقل الذي لا يقتصر على السؤال عن الوسائل، بل يسائل الغايات، ويعيد التفكير في العلاقة بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية. كما يشير هابرماس، فإن العقل التواصلي يخلق فضاءً عاما يتيح النقاش والمساءلة والاعتراف بالاختلافات، وهو فضاء يواجه مأزق الحداثة، ويصوغ من خلال الحوار معايير مشتركة للفعل والمعرفة. وهنا يتضح الفرق الجوهر بين العقل الأداتي والعقل التواصلي، الأول ينتج أدوات، والثاني ينتج معنى، الأول يحكم على النتائج، والثاني يحكم على العدالة، الأول يتوقع النجاح التقني، والثاني يتوقع التوافق الأخلاقي والاجتماعي.

وفي بعده العملي يمكن أن يترجم العقل التواصلي في مجالات متعددة، من التعليم إلى الاقتصاد، ومن السياسة إلى البيئة. في التعليم على سبيل المثال، العقل الأداتي يركز على تحصيل المعرفة والقدرة على الأداء، بينما العقل التواصلي يركز على الفهم النقدي والتفاعل بين المعلم والمتعلم، ويصوغ قيم المشاركة والمساءلة. في الاقتصاد، العقل الأداتي يقيس النجاح بالربح والنمو، بينما العقل التواصلي يقيس النجاح بالعدالة والتوازن الاجتماعي، ويعيد التفكير في آثار السياسات الاقتصادية على المجتمع والفرد والبيئة. في السياسة، العقل الأداتي يركز على التنظيم والإدارة والسيطرة، بينما العقل التواصلي يركز على المشاركة والحوار، ويعيد بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات.

إن العقل التواصلي بهذا المعنى، ليس فقط بديلا للعقل الأداتي، بل هو ضرورة راهنية لمواجهة تحديات الحداثة المأزومة. فهو يوفر أدوات فكرية وأخلاقية لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين الفرد والمجتمع والمعرفة والقيم. يقول جان بول سارتر: "الإنسان يصبح مسؤولا ليس فقط عن أفعاله، بل عن فهمه للعالم وللآخر"، وهذا يعني أن العقل التواصلي يربط المعرفة بالمساءلة الأخلاقية، ويعيد التفكير في الحداثة من الداخل، لا من الخارج فقط.

يمكن النظر إلى العقل التواصلي كاستجابة لثنائية التقنية والقيم التي هيمنت على الحداثة الأداتية. فالثنائية بين القدرة على الفعل والقدرة على الحكم كانت دائما مصدر مأزق الحداثة، الإنسان قادر على التحكم في الطبيعة، لكنه عاجز عن التحكم في معايير العدالة والإنصاف. العقل التواصلي يعالج هذا المأزق عبر تأسيس معيار معرفي وأخلاقي جديد، يسمح للفعل بالارتباط بالقيم، ويسمح للمعرفة بالارتباط بالمسؤولية. وهنا يتضح أن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي ليس مجرد تعديل في أدوات التفكير، بل تحول في البنية الفلسفية للعقل نفسه، من عقل يبحث عن السيطرة إلى عقل يبحث عن الفهم والمساءلة والعدالة.

وفي هذا السياق، تظهر أهمية الفلسفة النقدية المعاصرة التي تتبنى العقل التواصلي في مواجهة تحديات العولمة والتقنيات الرقمية والثقافات المتعددة. فالعقل الأداتي، في سياق الاقتصاد الرقمي مثلاً، قد ينتج خوارزميات قوية للتحكم في البيانات واتخاذ القرارات، لكنه لا يضمن العدالة أو التوازن الاجتماعي. العقل التواصلي بالمقابل، يطرح أسئلة حول الأثر الاجتماعي لهذه الخوارزميات، ويعيد النظر في قيم الخصوصية والإنصاف والمساءلة. وهكذا يصبح العقل التواصلي أداة لتوجيه الحداثة نفسها، لا مجرد وسيلة لمواكبتها.

وعلى مستوى الوعي الفردي، يعيد العقل التواصلي الإنسان إلى دوره الإنساني الكامل. فالغربة والانفصال عن الآخر، والتفاوت بين الفرد والمجتمع، كلها مشكلات تتغذى من العقل الأداتي. العقل التواصلي يفتح أمام الإنسان أفق الحوار الداخلي والخارجي، وأفق المسؤولية الفردية والجماعية، ويتيح له إعادة بناء معنى حياته بما يتوافق مع قيم العدالة والإنسانية. يقول هابرماس: "العقل التواصلي يربط الفعل بالمعنى، ويعيد التوازن بين المعرفة والمسؤولية"، وهو ما يعكس بوضوح الفرق بين الأداتية والتواصُل.

وفي البعد الثقافي والفلسفي، فإن العقل التواصلي يعيد الاعتبار للمجتمعات الغائبة عن مراكز القرار التقليدية، وللأصوات المهمشة في السياق المعرفي والسياسي. فهو يتيح الحوار بين الثقافات، ويقيم مساحات للاختلاف، ويعيد التفكير في المعايير العالمية للحداثة، بعيدا عن أحادية المنطق الأداتي. وهذا ما أكدت عليه فلسفة النسوية وما بعد البنيوية، من خلال تسليط الضوء على ضرورة إدماج الخبرات المتنوعة والاعتراف بالاختلاف، وعدم احتكار المعرفة والمعايير من قبل المراكز التقليدية للسلطة.

ولا يمكن إغفال البعد التاريخي للمأزق، فالحداثة المأزومة ليست حادثة عابرة، بل نتاج تراكمات فلسفية علمية اجتماعية وسياسية، حيث تداخلت أدوات العقل مع مفاهيم السلطة، وأصبح الفعل التقني مرتبطا بالسيطرة أكثر منه بالخدمة الإنسانية. العقل التواصلي إذن، يقدم رؤية متقدمة تعالج هذا التداخل عبر تأسيس علاقة متوازنة بين القدرة على الفعل والمعايير الأخلاقية والسيطرة والمسؤولية، وبين المعرفة والفهم الاجتماعي.

إن العقل التواصلي ليس رفاهية نظرية، بل ضرورة راهنية لمواجهة مأزق الحداثة. إنه يمثل استجابة فلسفية وأخلاقية وعملية لمأزق الإنسان المعاصر، حيث التقدم التقني والاقتصادي لا يكفي لملء الفراغات الإنسانية والاجتماعية. النقد الفلسفي هنا يظل أداة أساسية، لأنه يوفر الإطار اللازم لمساءلة العقل ذاته، ويعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والإنسان والفعل والقيمة بين الفرد والمجتمع.

إن العقل التواصلي ليس فقط محاولة لتجاوز مأزق الحداثة، بل مشروع إنساني كامل، مشروع يجعل من العقل وسيلة لفهم العالم بعمق لفهم الآخر بصدق، ولتحقيق العدالة والقيم المشتركة في سياق متغير ومعقد. إنه العقل الذي يربط النظر بالفعل والمعرفة بالمسؤولية والحرية بالالتزام والتقنية بالقيم. ومن هنا تظل راهنيته مستمرة، لأنه يوفر للفكر المعاصر أدوات لمواجهة التحديات الكبرى، سواء كانت اجتماعية سياسية بيئية أو ثقافية، مع ضمان أن تظل الحداثة صالحة للإنسان، لا مجرد أداة للتحكم فيه.

***

د. حمزة مولخنيف

تفكيك أبعاد الهيكلية الرأسمالية والوجود المتخلخل

في مفهوم الأزمة الوجودية المركبة

لم يعد ممكناً في حقل الفلسفة السياسية المعاصرة أو الاقتصاد السياسي، مقاربة أزمات "الدول المتخلخلة" وهو التعبير الأكاديمي لما كان يُعرف بدول العالم الثالث أو الأطراف، بمعزل عن التحولات البنيوية الجوهرية في الرأسمالية العالمية. هنا لا نتحدث هنا عن مجرد "فقر" مادي أو "فساد" إداري فحسب، بل بصدد أزمة وجودية تضرب عمق الكينونة الإنسانية في هذه المجتمعات.

إن التحول من النيوليبرالية المتوحشة إلى ما يُصطلح عليه بـ "الإقطاع الرقمي"، لم يعد يكتفي بانتزاع فائض القيمة الاقتصادي (وفق التحليل الماركسي الكلاسيكي)، بل تجاوز ذلك إلى ممارسة ما يمكن تسميته "التلاعب الوجودي" أي إعادة هندسة وعي الإنسان، وزمانه، وعلاقته بذاته وبالآخر، بل وبالمقدس، بما يخدم استدامة الهيمنة، انطلاقا من فرضية مؤداها أن "الرخاوة" في بنية الدولة ليست خللاً طارئاً، بل هي الشرط الضروري لتمكين الرأسمالية المعولمة من ممارسة هذا التلاعب. في هذه البيئة "الرخوة"، تتحلل المؤسسات الصلبة (الدولة، العائلة، النقابة) لتفسح المجال أمام "سيولة" مدمرة (بتعبير زيجمونت باومان) تجعل الفرد أعزلاً أمام طغيان السوق والصور الرقمية. وهو كشف في تحولات "المواطن" إلى "مستهلك قلق" أو "منتظِر أبدي"، وكيف تتحول الهوية إلى "سلعة"، مستعينين بترسانة مفاهيمية تمتد من فينومينولوجيا ليفيناس وسارتر، مروراً بنقد الاقتصاد السياسي لسمير أمين، وصولاً إلى البدائل الأخلاقية.

ميتافيزيقا التلاعب الوجودي: من ترويض الأجساد إلى هندسة الأرواح

يُعد مفهوم "التلاعب الوجودي" حجر الزاوية في فهم آليات الهيمنة الجديدة. وخلافاً للتلاعب "الشامل" الذي تفترضه الحتميات المادية، فإن التلاعب الوجودي يستهدف نطاقاً محدداً من الفاعلية، حيث يتم التدخل في الشروط القبلية للاختيارات الحرة والمسؤولية الأخلاقية. يُنظر إلى الفاعلين الخاضعين لهذا النوع من التلاعب فلسفيًا على أنهم "منقوصو الحرية"، لا لأنهم مُجبرون قسراً، بل لأن خياراتهم تنبع من سياق صُمم مسبقاً لتوجيه "القصدية" نحو مسارات محددة.

يمكن تتبع الجذور الفلسفية لهذا المفهوم في نقد إيمانويل ليفيناس للأنظمة الشمولية. يشير ليفيناس إلى أن الهيمنة لا تعتمد فقط على القوة الغاشمة، بل على "إغراء أنطولوجي" يستغل حالة "التشرد المتعالي" للإنسان الحديث في المجتمعات المتخلخلة، حيث تتآكل الروابط التقليدية، ينشأ فراغ روحي تتدخل الرأسمالية لملئه بوعود زائفة عن "الأصالة" عبر الاستهلاك. إنها تستثمر في "العجز المجتمعي" لتقديم السوق كبديل لليقين المفقود، دافعةً الأفراد نحو "عدمية أخلاقية" تبرر الوسائل بالغايات، على حد تعبير ألبير كامو.

تسليع الذات: الفينومنولوجيا في خدمة السوق

تنتقل آليات الهيمنة من المستوى الكلي إلى الفردي عبر "تسليع الذات". في ظل النيوليبرالية، لم تعد السلعة موضوعاً منفصلاً عن الذات، بل أصبحت الذات نفسها مشروعاً استثمارياً. وتُظهر الدراسات النقدية كيف أن منطق الطبية الحيوية يحوّل الرعاية النفسية إلى سلع تهدف إلى "صيانة" الأفراد ليعودوا مستهلكين منتجين، متجاهلة الجذور الاجتماعية لمعاناتهم.

تحلّل الفينومنولوجيا هذه الظاهرة عبر مفهومي "القصدية" عند هوسرل و"نظرة الآخر" عند سارتر. في فضاءات الاستهلاك المعاصرة، يتعرض الفرد لما يمكن تسميته "الشيئية المتبادلة". يتم الحكم على الكينونة بناءً على المظهر والقدرة الشرائية، مما يضع الفرد تحت ضغط هائل لـ "تعديل" ذاته لتلائم توقعات السوق. هذا الضغط يخلق تلاعباً وجودياً يشعر فيه الفرد، وخصوصاً الأجيال الرقمية، بأنه مراقب ومحكوم عليه باستمرار، مما يدفعه للانخراط في استهلاك تفاخري قسري لحماية كينونته من التلاشي تحت "نظرة الآخر".

 الدولة الرخوة: من التخطيط إلى السمسرة

على مستوى الاقتصاد السياسي، استعار الاقتصادي المصري جلال أمين مصطلح "الدولة الرخوة"" من غونار ميردال، لتوصيف التحولات البنيوية في الدول العربية منذ حقبة الانفتاح. الدولة الرخوة هنا ليست بالضرورة "فاشلة" أمنياً، بل قد تكون قمعية، لكنها "رخوة" في التزامها بالقانون والصالح العام.

تتجلى هذه الرخاوة في:

الفجوة بين التشريع والتنفيذ: حيث يطبق القانون بانتقائية، مما يخلق بيئة من "اللايقين" تدفع المواطن للاحتماء بشبكات الزبونية.

الفساد الممنهج: حيث يتحول الفساد من انحراف سلوكي إلى "نظام" تشغيلي للدولة، مما يؤدي إلى تآكل النسيج الأخلاقي.

تآكل السيادة الاقتصادية: تخلي الدولة عن التخطيط التنموي المستقل لصالح الرأسمالية الكومبرادورية (الوسيطة).

 قانون القيمة المعولم وتعميق التخلف

يؤطر سمير أمين هذه الحالة ضمن نظريته حول "التبادل غير المتكافئ". يرى أمين أن الرأسمالية نظام استقطابي بطبيعته، يفرض عبر "قانون القيمة المعولم" استنزافاً للأطراف (الجنوب) لصالح المركز (الشمال). لا يتوقف هذا الاستنزاف عند الموارد، بل يمتد ليشمل "الاستلاب الثقافي"، حيث تُدمّر البنى الإنتاجية المحلية لصالح نمط استهلاكي مشوّه، مما يخلق نخباً معولمة تعيش في فقاعات منعزلة عن واقع الغالبية المسحوقة.

السيولة والقبائلية الجديدة

في ظل هذه "الحداثة السائلة"، يعيش مواطن الدول المتخلخلة حالة من "انعدام الأمن الوجودي". وكرد فعل دفاعي على هذه السيولة، يلجأ الأفراد إلى ما أسماه باومان ومافيزولي "القبائلية الجديدة" في سياقات متعددة، لا يُعد تصاعد الهويات الطائفية مجرد عودة للدين، بل استراتيجية بقاء في ظل "رخاوة" الدولة. تعمل الطائفة هنا كشبكة حماية بديلة توفر ما عجزت عنه الدولة، بينما يستخدم "أمراء الطوائف" هذا الانقسام كدرع ضد نشوء وعي وطني أو طبقي جامع.

الإقطاع الرقمي وتلعيب العنف

تتوج هذه البنية بظهور "الإقطاع الرقمي"، حيث تمتلك المنصات التكنولوجية "الأرض" (الخوارزميات)، بينما يعمل المستخدمون كـ “أقنان" جدد يقدمون بياناتهم مجاناً. وفي الدول المتخلخلة، يصبح "الهروب الرقمي" ملاذاً للشباب المحبط. والأخطر هو استغلال الجماعات المتطرفة لهذا الفراغ عبر تلعيب العنف"" حيث تُستخدم آليات الألعاب لتجنيد الشباب، محولة الصراعات الدموية إلى "مغامرات" تمنح إحساساً زائفاً بالبطولة والمعنى.

خاتمة

إن تحليل انعكاسات البنية الرأسمالية في الدول المتخلخلة يكشف عن نظام "كلياني" ناعم، يجمع بين صلابة الاستغلال الاقتصادي وسيولة التلاعب الوجودي. في هذا السياق، يصبح الإنسان محاصراً بين مطرقة الحاجة وسندان الاغتراب. إن المخرج من هذا المأزق يتطلب، كما تشير المقاربات الأخلاقية (مثل الائتمانية عند طه عبد الرحمن أو الفاعلية عند فانون)، مقاومة لا تكتفي بالبعد الاقتصادي، بل تؤسس لـ “ثورة في المفاهيم" تستعيد حق الإنسان في تعريف وجوده بعيداً عن إملاءات السوق.

***

غالب المسعودي

........................

قائمة المراجع

Levinas, Emmanuel. Humanism of the Other. Translated by Nidra Poller. Urbana: University of Illinois Press, 2003. (See also: Discussion on Levinas and Camus in Continuum Studies in Continental Philosophy).

Amin, Galal. Whatever Happened to the Egyptians? Changes in Egyptian Society from 1950 to the Present. Cairo: American University in Cairo Press, 2000. (Reference to "The Soft State").

Amin, Samir. The Law of Worldwide Value. Translated by Brian Pearce and Shane Mage. (“The Law of Worldwide Value – Marx & Philosophy Society”) New York: Monthly Review Press, 2010.

Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press, 2000.

Creary, M., et al. "Being-with-staff-in-a-technology-enabled-fashion-store." NTU Institutional Repository, Nottingham Trent University. Accessed December 28, 2025. http://irep.ntu.ac.uk/id/eprint/example.

Hanna, Nathan. "Defusing Existential and Universal Threats to Compatibilism: A Strawson and Dilemma for Manipulation Arguments." ResearchGate. Accessed December 28, 2025.

https://www.researchgate.net/publication/example.

Sartre, Jean-Paul. Being and Nothingness: An Essay on Phenomenological Ontology. Translated by Hazel E. Barnes. New York: Philosophical Library, 1956.

American Philosophical Association. "2022 Eastern Division Abstracts." APA Online. Accessed December 28, 2025. https://www.apaonline.org.

بوزيان، عبد القادر. "من الانغلاق إلى الانعتاق في الفلسفة الغربية: الذات

(The Self)." ASJP. Accessed December 28, 2025. https://www.asjp.cerist.dz.

مقدمة: هربرت ماركوز (1898-1979)، أحد أبرز أعضاء مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، يمثل صوتاً راديكالياً في الفلسفة الاجتماعية النقدية، حيث يجمع بين الماركسية، التحليل النفسي الفرويدي، والفينومينولوجيا لنقد الهيمنة في المجتمعات الصناعية المتقدمة. فلسفته تتركز على مواجهة "الفاشية الجديدة"، التي ليست مجرد إعادة للفاشية التاريخية (كالنازية)، بل شكل معاصر يتجلى في الإدارة الشمولية والقمع الخفي داخل الديمقراطيات الرأسمالية. في هذا السياق، يبرز التوتر بين "اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد" في الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية، كما في كتابه الشهير الإنسان ذو البعد الواحد (1964)، وبين "إيروسية البعد الجمالي" كوسيلة تحررية، مستمدة من الإيروس والحضارة (1955) ومقالة في التحرر (1969). هذه الدراسة تهدف إلى استكشاف هذا التوتر بشكل موسع، مستندة إلى النظرية النقدية لماركوز، مع التركيز على كيفية استخدام الجماليات والإيروس لمواجهة الاغتراب والفاشية. سنبدأ بالسياق الفلسفي، ثم ننتقل إلى تحليل الاغتراب، مروراً بمواجهة الفاشية، لنختم بدور البعد الجمالي والإيروس.

السياق الفلسفي: النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت

تنبع فلسفة ماركوز من مدرسة فرانكفورت، التي أسسها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، والتي تهدف إلى نقد الهيمنة الرأسمالية من خلال دمج الماركسية بالتحليل النفسي والفلسفة الهيغلية. فر ماركوز من ألمانيا النازية عام 1933، مما شكل تجربته الشخصية في مواجهة الفاشية، حيث عمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية لتحليل النزعات الفاشية. في كتابه تكنولوجيا، حرب، وفاشية (1998، نشر بعد وفاته)، يرى ماركوز الفاشية كنتيجة للرأسمالية المتأخرة، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للقمع الشمولي.  يعتمد ماركوز على مفهوم "التنوير كخدعة" من أدورنو وهوركهايمر، لكن يضيف بعدًا تحرريًا من خلال الإيروس، مستلهما فرويد، حيث يرى في الغرائز الإنسانية (الإيروس كغريزة الحياة مقابل الثاناتوس كغريزة الموت) إمكانية لمجتمع غير قمعي. هذا السياق يجعل فلسفته نقدية اجتماعية، تركز على "الرفض الكبير"ضد الواقع القمعي، خاصة في حركات الستينيات التي أثر فيها ماركوز كـ"أب اليسار الجديد".  الفاشية الجديدة، حسب ماركوز، ليست عودة للنازية بل شكل معاصر يتجلى في "التسامح القمعي" ، حيث تسمح الديمقراطية بالقمع تحت ستار الحرية.

اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد في الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية

في الإنسان ذو البعد الواحد، يصف ماركوز كيف تحول الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية الإنسان إلى كائن أحادي البعد، يفقد قدرته على التفكير النقدي والثوري. الاغتراب هنا مستمد من ماركس (في مخطوطات 1844)، حيث يصبح العمل أداة للاستلاب، لكن ماركوز يوسعه إلى الاستهلاك: "في ظل الرأسمالية المتقدمة، يصبح الإنسان يرغب في ما يُفترض أن يرغبه".  هذا الاغتراب ينتج عن "القمع الفائض"، الذي يتجاوز القمع الضروري للحضارة، مما يجعل الإنسان يتطابق مع نظام يستغله. في المجتمع الاستهلاكي، تُسوى التناقضات الاجتماعية (مثل الغنى مقابل الفقر) عبر السلع، مما يولد "حرية غير حرة، سلسة، معقولة، ديمقراطية".  الإنسان ذو البعد الواحد يفقد البعد الثاني (النقدي)، حيث تتحول الثقافة إلى صناعة تروج للاستهلاك، مما يعزز الاغتراب الاجتماعي والنفسي. هذا الاغتراب يمهد للفاشية الجديدة، حيث تصبح الإدارة الشمولية شكلاً من أشكال الهيمنة غير الشخصية: "مع عقلنة الجهاز الإنتاجي... يصبح كل هيمنة شكلاً من أشكال الإدارة". في هذا السياق، يرى ماركوز أن الرأسمالية الاستهلاكية تخلق "مجتمع مُدار بالكامل"، حيث يفقد الإنسان قدرته على التمرد، مما يشبه الفاشية في قمع الوعي النقدي.

مواجهة الفاشية الجديدة في فلسفة ماركوز

ترى فلسفة ماركوز الفاشية الجديدة كامتداد للرأسمالية، حيث تتحول التكنولوجيا والإعلام إلى أدوات للقمع الخفي. في تكنولوجيا، حرب، وفاشية، يحلل ماركوز كيف أعد النازية للفاشية من خلال الاقتصاد الآلي، لكن في العصر الحديث، تظهر الفاشية في "الديمقراطية غير الحرة"، حيث يُستغل الإحباط الشعبي لدعم أنظمة استبدادية (كما في صعود اليمين المتطرف في الولايات المتحدة أثناء عهد نيكسون).  الفاشية الجديدة تستفيد من الاغتراب ذي البعد الواحد، حيث يصبح الإنسان عرضة للدعاية، كما في "التسامح القمعي" الذي يشرعن القمع تحت ستار التسامح. يدعو ماركوز إلى "الفكر السلبي" كأداة لكشف التناقضات، حيث يرى أن الفاشية تستغل الغرائز المكبوتة لتعزيز الولاء للنظام. في نحو نظرية نقدية للمجتمع (نحو نظرية نقدية للمجتمع، 1969)، يحذر ماركوز من أن الرأسمالية تعد لفاشية جديدة من خلال الاقتصاد الآلي والإعلام، مما يجعل الثورة ضرورية لاستعادة الوعي النقدي.  هذه المواجهة تتجاوز السياسي إلى النفسي، حيث يربط ماركوز بين القمع الاجتماعي والنفسي، معتبراً أن الفاشية تحول الغرائز إلى أدوات للهيمنة.

إيروسية البعد الجمالي كوسيلة للتحرر

مقابل الاغتراب، يقدم ماركوز "البعد الجمالي" و"الإيروس" كأدوات تحررية. في الإيروس والحضارة، يرى أن الإيروس (غريزة الحياة) يُقمع في الحضارة لصالح "مبدأ الأداء"، لكن يمكن تحريره لخلق مجتمع غير قمعي. "أيديولوجيا الندرة" تخفي الوفرة، مما يفرض عملاً غير ضروري.  البعد الجمالي، في البعد الجمالي (1978)، يخلق "مساحات نقدية" حيث يعبر الفن عن حقائق ثورية: "الفن كفن يعبر عن حقيقة... ضرورية للثورة". ان الإيروسية هنا تعني دمج الرغبة بالعقل في "عقلانية الإشباع"، مما يواجه الفاشية بإعادة تشكيل الذاتية. في مقالة في التحرر، يدعو إلى "حساسية جديدة" مستلهمة من حركات الستينيات، حيث يصبح الفن أداة للرفض الكبير، محولاً التكنولوجيا نحو الإشباع الإنساني. هذا البعد يواجه الاغتراب بإعادة الاغتراب عن الواقع القمعي، مما يفتح أفقاً لمجتمع تحرري يجمع بين الإيروس واللوغوس.

الرفض الراديكالي في مواجهة المجتمع الصناعي المتقدم

يشكل مفهوم "الرفض الكبير" محوراً أساسياً في فلسفة هربرت ماركوز (1898-1979)، أحد رواد النظرية النقدية في مدرسة فرانكفورت. يُعرف الرفض الكبير كفعل ثوري راديكالي يرفض الهيمنة الشمولية للمجتمع الصناعي المتقدم، الذي يُخفي قمعه تحت ستار الديمقراطية والاستهلاك. هذا المفهوم، الذي يظهر بشكل بارز في كتاب ماركوز الإنسان ذو البعد الواحد (1964)، ليس مجرد رفض سياسي بل هو نفي شامل للقيم والاحتياجات الكاذبة التي يفرضها النظام الرأسمالي، مما يفتح أفقاً لتحرير الغرائز الإنسانية وإعادة بناء مجتمع غير قمعي.  تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مفصل لهذا المفهوم، مستندة إلى سياقه الفلسفي، تعريفه، أبعاده النفسية والاجتماعية، تطبيقاته في الحركات الاجتماعية، والنقود الموجهة إليه. سنعتمد على أعمال ماركوز الرئيسية مثل الإيروس والحضارة (1955) ومقالة في التحرر (1969)، مع التركيز على كيفية تحول الرفض الكبير إلى أداة لمواجهة "الفاشية الجديدة" في العصر الحديث. كما يأتي مفهوم الرفض الكبير ضمن إطار النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، التي أسسها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، والتي تهدف إلى نقد الهيمنة الرأسمالية من خلال دمج الماركسية بالتحليل النفسي الفرويدي والفينومينولوجيا الهيغلية. فر ماركوز من ألمانيا النازية عام 1933، مما شكل تجربته الشخصية في مواجهة الفاشية، حيث عمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية لتحليل النزعات الفاشية.  في كتابه التكنولوجيا، الحرب، والفاشية (1998)، يرى ماركوز الفاشية كنتيجة للرأسمالية المتأخرة، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للقمع الشمولي. يعتمد ماركوز على مفهوم "التنوير كخدعة" من أدورنو وهوركهايمر، لكنه يضيف بعداً تحررياً من خلال الإيروس، مستلهما فرويد، حيث يرى في الغرائز الإنسانية (الإيروس كغريزة الحياة مقابل الثاناتوس كغريزة الموت) إمكانية لمجتمع غير قمعي.  نشأ الرفض الكبير من تجارب ماركوز في ألمانيا الويمارية، حيث أدى الانهيار الاقتصادي والأخلاقي بعد الحرب العالمية الأولى إلى صعود النازية، مما يعكس فشل اليسار في مواجهة الفاشية. في الإنسان ذو البعد الواحد، يتهم ماركوز الديمقراطيات الغربية بعد الحرب بإغلاق الخيارات الإنسانية الحقيقية من خلال إخفاء الهيمنة عبر الإيديولوجيا. تأثر ماركوز بـهيغل، ماركس، فرويد، وهايدغر، حيث يجمع بين الجدل الهيغلي (النفي الجدلي للواقع) والتحليل الماركسي للاغتراب، مع التأكيد على الجانب النفسي للقمع. هذا السياق يجعل الرفض الكبير رمزاً للسياسة في الستينيات، حيث أصبح ماركوز "أب اليسار الجديد"، مستلهماً حركات الاحتجاج ضد حرب فيتنام والرأسمالية. من الناحية الدلالية، يُعرف الرفض الكبير كرفض راديكالي للهيمنة في المجتمع الصناعي المتقدم، الذي يُوصف بأنه "أكثر أنظمة الهيمنة كفاءة"، بما في ذلك الديمقراطيات. إنه نفي للاحتياجات الكاذبة التي يفرضها النظام، مع الاعتراف بالفقر الروحي والسياسي حتى في أمريكا الغنية. يعتمد ماركوز على "التفكير السلبي" لتفكيك قبضة الهيمنة والاغتراب، مما يسمح باكتشاف الاحتياجات الحقيقية وتحرير "السلاسل الذهنية المزورة".  يشمل الرفض الكبير مجموعات متنوعة مثل "المهمشين والمضطهدين، العاطلين عن العمل، شباب الطبقة الوسطى البيضاء في اليسار الجديد، والطبقة السوداء السفلى، وجبهة التحرير الوطني في فيتنام، والثوار الكوبيين". من الناحية الإجرائية، يتجاوز الرفض الكبير الرفض السلبي إلى نفي جدلي ينفي "الواقع" (الظاهر) لتأكيد "الواجب" (الجوهر)، مطالبًا بتدمير الظروف الملموسة التي تحول دون الحرية. يعتمد على "القمع الفائض"، الذي يتجاوز القمع الأساسي الضروري للحضارة، مما يجعل الإنسان يرغب فيما يُفرض عليه. في المجتمع الاستهلاكي، تُحل التناقضات الاجتماعية عبر السلع، مما يولد "حرية غير حرة، سلسة، معقولة، ديمقراطية".  يفقد الإنسان البعد الثاني (النقدي)، حيث تتحول الثقافة إلى صناعة تروج للاستهلاك، مما يعزز الاغتراب الاجتماعي والنفسي. فلسفياً، يعتمد على هايدغر (السقوط في "الآخرين" اللامجهول)، هيغل (النفي الجدلي)، ماركس (الاغتراب عن العمل)، وفرويد (الإيروس مقابل الثاناتوس). يدعو إلى "حساسية جديدة" تعتمد على الجماليات والفن لكسر الاحتياجات الكاذبة، مما يجعل الرفض الكبير عملية تغيير وعي قبل الفعل الجماعي. لقد وجد الرفض الكبير تطبيقاته في حركات الستينيات، مثل الاحتجاجات ضد حرب فيتنام والرأسمالية، حيث أثر ماركوز في اليسار الجديد. في مقالة في التحرر، يدعو إلى "مسيرة طويلة" عبر الصراع الممتد، معتمداً على التحالفات بين المثقفين والطبقات المستغلة والمهمشين. الفن يلعب دوراً رئيسياً، حيث يُعد "الأكثر فعالية في إظهار التفكير السلبي"، كما في رفض الاستهلاك والتكنوقراطية.

معاصرًا، يُطبق المفهوم في حركات مثل "أوكيوباي وال ستريت" أو "بلاك لايفز ماتر"، حيث يُرى كرفض للرأسمالية الجديدة والعنصرية. في كتاب الرفض الكبير: هربرت ماركوز والحركات الاجتماعية المعاصرة (2017)، يُحلل كيف يساعد الرفض الكبير في فهم الاحتجاجات العالمية ضد النيوليبرالية، مع التركيز على "الجديد اليسار" في أوروبا وأمريكا.  كما يرتبط بالنضال البيئي، حيث يرفض استغلال الطبيعة كامتداد للقمع الرأسمالي. ومع ذلك، يُنتقد ماركوز لعدم توقعه رد الفعل اليميني، مثل صعود رونالد ريغان أو اليمين المتطرف في أوروبا. رغم أهميته، واجه الرفض الكبير نقوداً، مثل عدم تفاعل ماركوز مع الاعتراضات أو عدم تقديره لمرونة الرأسمالية، التي لم تنهار كما توقع. يُنتقد افتراضه بأن الرأسمالية أنهت الندرة، مع تجاهل الفجوات المتزايدة في الثروة. كما يُرى تناقض بين الإيروس والحضارة (التكنولوجيا كمحررة) والإنسان ذو البعد الواحد (التكنولوجيا كقمعية).  معاصرًا، يُعتبر إرث ماركوز محدوداً، حيث تركز اليسار على تعزيز الديمقراطية بدلاً من رفضها، لكن مفهومه يظل ذا صلة في مواجهة الأزمات مثل التفاوت الاقتصادي والتغير المناخي.

الخاتمة

في الختام، تمثل فلسفة ماركوز النقدية الاجتماعية مواجهة جذرية للفاشية الجديدة، من خلال نقد اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد في الرأسمالية الاستهلاكية، مقابل تحرير الإيروس والبعد الجمالي. هذا التوتر يعكس أملاً في الثورة، لكن يحذر من مخاطر الاندماج. الدراسات المستقبلية قد تستكشف تطبيقاته في العصر الرقمي، حيث تتجدد الفاشية عبر الإعلام الاجتماعي. يمثل الرفض الكبير عند ماركوز تحولاً في النظرية النقدية، من نقد الاغتراب إلى فعل ثوري يعتمد على الإيروس والجماليات لتحرير الإنسان من البعد الواحد. رغم النقود، يظل المفهوم أداة لفهم الحركات المعاصرة، مع الحاجة إلى تكييفه مع التحديات الرقمية والعولمية. الدراسات المستقبلية قد تستكشف دوره في الذكاء الاصطناعي والفاشية الرقمية. فمتى يتم تفعيل مسيرة الرفض العربي الكبير للاجتياح الصهيوامبريالي للعمق الاستراتيجي لحضارة أقرأ؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يعدّ (لودفيغ فيورباخ) (1804–1872) أحد أبرز الفلاسفة الألمان الذين مهدوا الطريق أمام التحول من "المثالية الهيغلية" إلى "المادية الإنسانية"، وقد شكلت فلسفته لحظة تمرد كبرى في الفكر الغربي، ليس بمعنى الفوضى أو الرفض العدمي، بل كفعل وعي نقدي ضد سلطة الميتافيزيقا والدين التي كبّلت الإنسان وأبعدته عن جوهره الحقيقي.

ينطلق (فيورباخ) من فكرة أن الدين هو إسقاط الإنسان لجوهره الخاص على موجود متخيل خارجي هو "الإله"، فالله عنده ليس كائناً منفصلاً عن الإنسان، بل هو صورة مثالية لإنسانيته، انعكاس لأمنياته وكمالاته التي لم يستطع تحقيقها. هذا الاكتشاف هو أول أشكال التمرد: أن يعي الإنسان أنه هو خالق معبوده، وأن المقدس ليس سوى انعكاس لجوهره الذاتي، هنا يتحول التمرد إلى فعل تحرر معرفي؛ إذ يتمرّد الإنسان على الوهم الديني الذي صادر وجوده، ويستعيد لنفسه القدرة على التفكير والفعل دون وساطة إلهية أو سلطة كهنوتية.

والتمرد عند (فيورباخ) لا يقف عند حدود الدين، بل يمتد إلى "الفلسفة الهيغلية" نفسها. فقد رأى أن (هيغل) جعل الفكر أو الروح هو الأصل، بينما الإنسان المادي الواقعي مجرد انعكاس له. فتمرّد (فيورباخ) على هذا المنطق المثالي، معلناً أن الإنسان الملموس، بلحمه ودمه، هو البداية والنهاية. وهنا ينتقل مركز الثقل من "الوعي المطلق" إلى "الوجود الإنساني الحسي"، لتصبح الفلسفة علماً بالإنسان لا بالروح.

وإن التمرد عند (فيورباخ) ليس هدماً لكل القيم، بل إعادة تأسيس لها على قاعدة إنسانية، فالإنسان هو المقياس الأعلى لكل قيمة، والعلاقة بين البشر هي جوهر الأخلاق. ومن هنا يرى أن الحب، لا الإيمان، هو الرابط الحقيقي بين الناس، وأن الدين الحقيقي هو حب الإنسان للإنسان، وبهذا يصبح "التمرد الفيورباخي" دعوة أخلاقية أيضاً: أن نكفّ عن عبادة الغيب، وأن نحول طاقتنا الروحية نحو خدمة الإنسان، لا نحو خدمة "الماوراء".

وبهذا، فتح تمرد (فيورباخ) الباب أمام فلسفات أكثر جذرية، مثل الماركسية والوجودية. فـ(ماركس)، مثلاً، استلهم منه فكرة "إعادة الإنسان إلى الأرض"، لكنه انتقده لأنه اكتفى بالتأمل النظري ولم يترجم تمرده إلى فعل اجتماعي. أما (نيتشه)، فقد واصل خط التمرد حتى إعلان "موت الإله"، مؤسساً بذلك لعصر الإنسان الخالق للقيم.

إن فلسفة التمرد عند (فيورباخ) ليست صرخة ضد الدين فحسب، بل ثورة في الوعي الإنساني. لقد أراد أن يعيد الإنسان إلى مركز الكون، وأن يحرره من الاغتراب الميتافيزيقي الذي صنعه بنفسه، فالتمرد هنا فعل حب للعقل وللإنسان، لا رفض للوجود، لأن (فيورباخ) كان يؤمن أن الإنسان، حين يتحرر من أوهامه، لا يفقد الإيمان، بل يعيد توجيهه نحو ذاته والآخرين.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

ربما من غير المدهش (وبغض النظر عن المشككين) ان الرواقية، التي هي احدى فروع الفلسفة القديمة الأكثر انحرافا وغرابة، يجب ان تجذب انتباه مثقفي أواخر القرن العشرين. حتى افلوطين تحدث عن الرواقية باعتبارها مختلفة جدا لدرجة يجب ان لا تُعد ابداً كجزء من الفلسفة اليونانية. تقليديا اعتُبرت الفلسفة تتجسد بافلاطون وارسطو، وطبقا لافلوطين، الفلسفة اليونانية في جانب، والرواقية في الجانب الآخر.

الوجودية الرواقية: بين الخاص والعام

العديد من المفكرين الاوربيين الحديثين اثاروا السؤال حول ما اذا كانت الرواقية تقدم نموذجا معاصرا لطريقة في الحياة وبنفس الوقت حياة ذات معنى – تقود للسعادة ووعي الذات. فوكو خصيصا اهتم بردم الفجوة بين مجالي المواطنة الخاص والعام من خلال السؤال حول ما اذا كانت علاقات المرء مع ذاته (السؤال المركزي في الفلسفة الرواقية الكلاسيكية) يمكن ان تعمل في نفس الوقت كتكنيك لتحسين الذات وأيضا كممارسة سياسية للمقاومة. طريقة فوكو في الحياة سُميت parrhesia او الحديث الشجاع، والذي يشير الى بطولة فعل التحدث بالحقيقة للسلطات بالإضافة كنوع من أسلوب حياة يمكن ان يزيد سعادة المرء. انها تتضمن الاستمتاع بالذات والاهتمام بشؤون المرء اليومية. انها تنطوي على فلسفة العناية بالذات وأيضا طريقة لممارسة العدالة. يمكن للمرء العناية بذاته وبأصدقائه وعائلته من خلال المصداقية الشجاعة، ويمكن للمرء وبنفس المقدار، ان يستعمل شجاعة الحديث كشكل من التمرد ضد الوضع القائم غير العادل.

 يجادل سارتر وبموقف نقدي، ان الرواقية رغم تركيزها على "الحرية المطلقة" والانسحابات الشخصية، يمكن تسخيرها كقوة تساعد في احتضان طريقة عيش أصيلة. عمل سارتر المبكر كان اكثر تسامحا تجاه العقيدة الرواقية، لكن لاحقا اثناء عمله المهني، قرر ان معظم الفلسفة الرواقية كان أيديولوجية للإنفكاك والسلبية والايمان السيء. المبدأ الرواقي الشهير المتعلق بأهمية قول الاختلاف بين ما يعتمد علينا وما لا يعتمد هو ليس صحيحا تماما. ما يبدو من اول وهلة خارجا عن سيطرتنا، كما ينصح الرواقيون، يتبيّن انه شيء يجب ان نواجهه وننخرط به.

دولوز يخصص جزءا من انطولوجيته من خلال تأسيسه على الميتافيزيقا الرواقية. دولوز كان مولعا جدا بالأخلاق الرواقية، وبعض الباحثين اعتقد ان الموقف الأخلاقي الوحيد الجدير بالتقدير هو الموقف الرواقي. ان الموقف المادي في الفلسفة الرواقية يسمح لدولوز بصياغة "اخلاق بدون مبادئ"، أي، موقف أخلاقي نحو الحياة لا يرتكز على دوغما او أي مبادئ متعالية. الاخلاق في رواقية ديلوز الجديدة هي برجماتية مرتكزة على أحداث مباشرة وتجارب معطاة. الاخلاق ملازمة للظروف.

العديد من الباحثين يجادلون ان رواقية دولوز هي رواقية "غير منتهية الصلاحية" تختلف كليا عن الشكل الأصلي. دولوز اشتهر بقراءة الفلاسفة بطريقة تحويلية للغاية. البعض يجادل ان الفلسفات التقليدية حالما تُفسر وفق الطراز الدولوزي، ستحمل القليل من الشبه بذاتها. دولوز ذاته لم ينكر هذا ابدا. هدفه لم يكن الوصول الى "جوهر"، المركز الباطني، او معنى أساسي للعمل الفلسفي وانما ليستخلص منه شيئا جديدا وهاما مع إضافة الحياة والحيوية لأفكاره. التصور الرواقي للحرية، مع انه محدود جدا، هو مع ذلك معقد في مجاله التطبيقي. هو تصوّر حر فقط في قبول او رفض الانطباعات التي تكشفها الطبيعة والوعي. ما نستطيع التحكم به هو كيف نستجيب لما هو خارجي، وليس الخارجي ذاته. الهدف من الانضباط الرواقي هو تحقيق هدوء روحاني.

دولوز يعدّل الموقف الرواقي عبر إضافة عنصر تجريبي. تمارين دولوز الروحية، بصرف النظر عن مساعدتها للفرد في إدارة العواطف والتحكم بها، تسمح له بتكثيف وزيادة كفاءته الإيجابية. لذلك فان مختلف التقنيات تُوجّه بهدف إزاحة الفرد عن مركزيته واكتشاف طرق اخرى جديدة للوجود والتغيير. المحللة النفسانية، الكاتبة والمنظّرة الثقافية جوليا كرستيف Julia Kristeve تقدم تحليلا مقنعا ونقدا للأخلاق الرواقية. تركز كرستيف بشكل أساسي على الفلسفة الرواقية للّغة لتوضيح موقفها. طبقا للرواقية، الكلمة لا تشير الى شيء، اللغة لا تشير الى شيء حقيقي. بل، ان الشكل المكتوب، الجملة، يتم تنسيقهما مع انطباعات الذهن. ان الانطباعات التي نتلقاها من الأشياء هي بدورها تُسمى من جانب دولوز و كرستيف كأحداث. الشخص اما يقبل او يرفض الحدث، وبذلك يمارس حريته. وبالمقارنة، الإشارة المكتوبة، بشكل افتراضي، يمكن استخدامها لتؤدي تحليلات منطقية واستنتاجات، والوصول الى حقائق تفيد صحة الروح.

وبهذا فان المنطق وعلم النفس متداخلان بعمق. لكي نشعر بالراحة، نحن يجب ان نفكر بوضوح، ولكي نفكر بوضوح يجب ان نتصرف وننظّر منطقيا. الهدف هو الوصول الى توازن ذهني مفضل يمكنه إزالة القلق والتأملات غير الضرورية. نحن نستطيع تحقيق هذا عبر فصل ما نستطيع التحكم به عن ذلك الذي لا نستطيع، وبدلا من الرغبة بوقوع أحداث، نحن يجب ان نرغب في الأحداث التي تقع فعلا.

يجب على المرء ان يتماشى مع شبكة سببية عالمية وحتمية تنشأ من إله ينظّم كل الطبيعة. طبقا لعلم الكون الرواقي، ومن خلال الرغبة بوقوع الاحداث، يتعلم المرء التواضع والصمود والإمتنان. المرء يفكر ويتصرف طبقا للطبيعة، يبقى صادقا مع نفسه في الإمتثال لرغبة الله. هذا يفسر كيف يحقق الشخص الرواقي الحرية: ليس بالخروج من سلسلة الأحداث الحتمية (وهو امر مستحيل) وانما من خلال الاختيار الواعي لما لا مفر منه. لهذا، الحرية لا تتحقق عبر اختراق سلسلة الأسباب والنتائج وانما عبر رفض الانجرار وراء القدر بطريقة لا تليق به.

نظرا لتأثره الكبير بفوكو، يقدم الفيلسوف الإيطالي جورجية أغامبين Giorgio Agamben تفسيره الخاص للسياسة الحيوية biopolitics (إدارة الحكومة للناس كوحدات بايولوجية) والرواقية وعلاقتهما التاريخية. كما بالنسبة لسارتر وكرستيف، يخفي اغامبين مشاعره المتناقضة نحو المُثل الأخلاقية للرواقية. بالنسبة لأغامبين، لعبت الرواقية دورا هاما في إعادة تشكيل فكرة السيادة sovereignty .على الجانب النقدي، اغامبين يفهم النظرية الرواقية للعناية الإلهية كنوع من أداة تُستخدم لشخصنة، او بكلمة أخرى تحديد أنواع معينة من الأشخاص – وتحديدا، افراد يمكن حكمهم. الاخلاق الرواقية وعلم الكون يأتيان مجتمعان كآلية للتحكم، نموذج قديم للحوكمة. مرة أخرى، مشكلة اللغة تُجلب الى الصدارة. وجود اللغة، اللغة ذاتها، تبقى غير قابلة للتعبير عنها في اللغة. ما لايقال في اللغة هو وجود اللغة ذاتها. اللغة التي يتم التأمل فيها ككل هي مستحيلة، لغز لا يمكن قوله.

في محاولته معالجة لغز اللغة وآثاره المرعبة يلجأ اغامبين الى الرواقية. اللغز الساحق للّغة ونزعتنا الغريبة لنكون مطلعين بلا وعي على حدّها الغريب هو حسب العديد من المفكرين (فيتغنشتاين، هايدجر، اغامبين وغيرهم) يميل لإثارة قلقنا. انه المبدأ الكوني Logos بكل عظمته المتواضعة الذي يجبر العواطف على الظهور. ان وفرة اللغة تشير الى وفرة الحياة وحدودها الطبيعية: الموت. تقدم الرواقية مختلف التمارين الروحية لكي نصبح واعين بنزعة الذهن اللاعقلانية لمحاولة فهم اللغة والعالم ككل. تستخدم الرواقية اللغة ذاتها كمصحح للّغة. هذه هي الوظيفة العلاجية. إجعل الذهن ضمن حدوده الطبيعية وامنعه من الموافقة على الأهواء والعواطف اللاعقلانية الناتجة عن الوجود نفسه، والميل الغريزي لفهم هذا الوجود للّغة ذاتها. بيير هدوت Pierre Hadot باحث في الفلسفة القديمة يحظى بإشادة واسعة. هو عادة يُذكر الى جانب ميشيل فوكو نظرا لإهتمامه بالفلسفة القديمة كأسلوب حياة عملي وملموس. كل من هدوت وفوكو كانا منشغلين في دراسة التمارين الروحية او تقنيات الذات، خاصة عندما تتعلق بالرواقية القديمة. لذلك، فان الرواقية كطريقة في الحياة، احدى أهم المشاريع الرئيسية التي سخر لها هدوت كل حياته.

نقطة أخرى مشتركة بين هدوت و فوكو و دولوز أيضا، هي طريقة قراءة النصوص الفلسفية (القديمة وغيرها) التي تضمنت استيعابا راديكاليا وجوديا لمبادئها. كل من هودت وفوكو سعيا الى استخلاص تجربة من عمل فلسفي. هما سعيا لبيان كيف يمكن للمرء احياء نظام فلسفي، ليس فقط كنظام، شكلية فارغة، او مجرد بناء نظري، وانما ليبيّن كيف يمكن للمرء ان يعيش الفلسفة قيد الشأن.

كما بالنسبة لأغامبين، هودت كان متأثرا بعمق بعمل فيتغنشتاين اللاحق. عمل فيتغنشتاين اللاحق ركز على المظهر البراجماتي للّغة. اللغة كشكل من الحياة يتفوق على اللغة كنظام منطقي. فكرة هودت للتمارين الروحية كانت، بهذا المعنى، متأثرة بعمق بمفهوم فيتغنشتاين لألعاب اللغة. يقدم هودت قراءة أصلية منقطعة النظير للفلسفة القديمة عبر السعي لإنعاش وإعادة بناء الظروف المادية والبرجماتية للحياة التي سمحت بظهورها. خلافا للتحليلات الاكاديمية التقليدية، يقدم هودت للقارئ تجربة روحية وتحويلية يمكن بواسطتها للمرء تدريب نفسه ليعيش ويتصرف (بدرجة أقل او أكثر) كالرواقي. العديد من فروع علم النفس الحديث، مثل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) هي في الحقيقة تشبه التفسيرات المعاصرة لممارسات الرواقية القديمة.

The collector, Feb 18,2025

***

حاتم حميد محسن

 

البنية التحتية الرقمية كقدر تاريخي

في خضم التحولات الجيولوجية التي تشهدها البنية المعرفية للمجتمعات المعاصرة، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة "النماذج التافهة" التي باتت تتصدر المشهد، وتحديداً في مجالي الثقافة والعلم. إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل ما نراه هو مجرد تعبير مرضي عابر أم سلوكيات بنيوية متجذرة؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل سطحي للظواهر الفردية، بل يستدعي الأمر "حفرية فلسفية" عميقة وتاريخية؛ لأننا لا نقف أمام مجرد انحدار ذوقي أو فوضى معرفية عابرة، بل نقف أمام تحول جذري في نمط الإنتاج، حيث انتقلت الرأسمالية من مرحلتها الصناعية الثقيلة إلى مرحلة "الرأسمالية المعرفية"."

تنطلق فرضيتنا الأساسية من أن البنية التحتية للعصر الرقمي -المتمثلة في الخوارزميات، ومراكز البيانات، واقتصاديات المنصات- هي التي تفرز حتماً "بنية فوقية" ثقافية وعلمية تتسم بالتفاهة، والسطحية، والمحاكاة الزائفة. إن هيمنة "التافه" ليست خطأً تقنياً في النظام، بل هي شرط ضروري لعمله بكفاءة؛ ففي اقتصاد يقوم على استخلاص "القيمة الزائدة" من الانتباه البشري، يصبح العمق، والتعقيد، والجدل العلمي الرصين عوائق أمام سرعة دوران رأس المال.

وفقاً للمادية التاريخية الكلاسيكية لماركس، فإن "نمط إنتاج الحياة المادية يشترط عملية بناء الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عامة". ففي القرن التاسع عشر، تمثلت قوى الإنتاج في الآلة البخارية والمصنع، مما أنتج ثقافة الطبقة العاملة والبرجوازية الصناعية. أما اليوم، فقد تحولت قوى الإنتاج جذرياً لتصبح "رقمية". تتكون البنية التحتية الجديدة من شبكات الألياف الضوئية، والخوادم السحابية، والذكاء الاصطناعي، والأهم من ذلك: "البيانات الضخمة".

هذا التحول في "القاعدة" المادية يفرض تحولاً موازياً في "البنية الفوقية". فالخوارزميات التي تحكم منصات التواصل الاجتماعي ليست أدوات محايدة، بل هي تجسيد لأيديولوجية الربح وتراكم رأس المال، صُممت لهدف واحد: تعظيم "وقت البقاء على الجهاز" لزيادة التعرض للإعلانات واستخلاص البيانات السلوكية.

المصنع الاجتماعي والرأسمالية المعرفية

لقد توسع مفهوم "العمل" في عصر الرأسمالية المعرفية ليشمل الحياة الاجتماعية برمتها. يشير مفهوم "المصنع الاجتماعي" إلى أن الإنتاج لم يعد محصوراً في مكان العمل التقليدي، بل امتد ليشمل أوقات الفراغ والعلاقات الشخصية. عندما يقوم المستخدم بكتابة تعليق، أو مشاركة صورة، أو حتى التوقف لمشاهدة فيديو، فإنه يمارس -فعلياً- عملاً غير مأجور لصالح المنصة، حيث يولد "البيانات الخام" التي تُعد وقود هذا الاقتصاد الجديد.

اقتصاد الانتباه وندرة العمق

في ظل وفرة المعلومات، يصبح "الانتباه" هو السلعة النادرة. يعمل اقتصاد الانتباه وفق منطق الاستحواذ اللحظي؛ فالمحتوى العميق يتطلب استثماراً زمنياً وجهداً ذهنياً، وهو ما يتعارض مع سرعة التدفق المطلوبة في المنصات. لذلك، يتم "تسطيح" المحتوى ليكون قابلاً للاستهلاك الفوري دون تمحيص. يؤدي هذا إلى ما يمكن تسميته بـ "الإفقار الممنهج للمعنى"، حيث يتم تجريد المحتوى العلمي والثقافي من سياقه التاريخي والجدلي، ويُقدم كـ "كبسولات" معلوماتية معزولة، مما يحول المعرفة إلى مجرد "بيانات" فاقدة للروح.

 البنية الفوقية للتفاهة: مقاربة نقدية ثقافية

لعل أفضل توصيف لهذه الحالة هو ما صاغه الفيلسوف الكندي (آلان دونو) في كتابه "نظام التفاهة". يرى دونو أننا نعيش في مرحلة تاريخية لم تعد فيها السلطة بيد الأكفاء ولا بيد النخبة الأرستقراطية، بل بيد "التافهين" أو "متوسطي الحال". و"التفاهة" هنا لا تعني الغباء، بل تعني "الامتثال" للمعايير القياسية والابتعاد عن أي خروج إبداعي عن المألوف.

تشرح أطروحة دونو كيف أن المؤسسات الحديثة تفضل الأشخاص الذين ينجزون مهامهم دون التفكير في جوهرها أو غايتها. وفي وسائل التواصل، يتجسد هذا في "المؤثر" (Influencer) الذي يتقن أدوات المنصة وشكلياتها، لكنه يفتقر إلى أي عمق معرفي أو قيمي حقيقي. هذا النظام "الميديا قراطي" (حكم الرداءة) يقصي التفكير النقدي الجذري بشكل منهجي لأنه "مزعج" و"غير فعال" اقتصادياً؛ فالمحتوى الذي يتطلب تفكيراً عميقاً يعتبر "ضوضاء" في نظام مصمم للسلاسة، حيث يتم استبدال القضايا الجوهرية بـ "حلول سطحية" وشعارات شعبوية تداعب المشاعر بدلاً من العقل.

وفي عالم المحاكاة، تفقد العلامة ارتباطها بالواقع. فـ"العلم" على وسائل التواصل ليس تمثيلاً للعلم الحقيقي، بل هو "محاكاة" لجماليات العلم (معطف أبيض، أنابيب اختبار ملونة، موسيقى تشويقية) دون جوهر. أصبحت الصورة الرقمية (الخريطة) هي التي تحدد الواقع (الإقليم)؛ فالناس يعدلون أجسادهم وحياتهم لتشبه "فلاتر" سناب شات وإنستغرام. هذا الانفصال عن الواقع المادي يخلق بيئة خصبة لانتشار النماذج التافهة، حيث لا يوجد "واقع" صلب يمكن الاستناد إليه لدحض هذه التفاهة.

تسليع العلم والأزمة المعرفية

تحت ضغط "اقتصاد الانتباه"، يضطر العلماء والمبسطون العلميون إلى تحويل المعرفة إلى ترفيه اختزال النظريات المعقدة إلى "حقائق مدهشة" منزوع السياق، ويتم التضحية بـ "الشك العلمي" و"المنهجية" لصالح "اليقين" و"الإثارة".

 وهنا يظهر "مؤثرو العلوم" الذين يتقمصون دور الخبراء، مستخدمين لغة شبه علمية (مثل: "توازن الطاقة"، "الديتوكس"، "الترددات") لبيع أوهام ومنتجات تجارية. وأمام جمهور تم "تسطيح" وعيه النقدي، تتلاشى القدرة على التمييز بين العالِم الحقيقي والمحاكي.

مجتمع الاحتراق النفسي وفقدان السيادة على الذات

لم يعد النظام بحاجة لإجبارنا على العمل؛ لقد استبطنا نحن منطق الرأسمالية، وأصبحنا نستغل أنفسنا طواعية. كل مستخدم لوسائل التواصل هو "رائد أعمال ذاتي" يسعى لتسويق نفسه. هذا الضغط المستمر للظهور والإنجاز يؤدي إلى ما يسميه بيونغ-تشول هان "مجتمع الاحتراق النفسي". يطالب النظام بالشفافية المطلقة؛ حيث يجب أن نشارك مشاعرنا، صورنا، ولحظاتنا الخاصة، مما يجعل النفس البشرية قابلة للقياس، والتوقع، والتحكم الخوارزمي. وتأتي التفاهة هنا كـ "مخدر" ضروري لتهدئة الأعصاب المحترقة من فرط التعرض والشفافية.

يقدم (برنارد ستيغلر) التحليل المادي الأكثر دقة لهذه الحالة؛ فمثلما أدى التصنيع قديماً إلى "برلتة" العامل (تحويله إلى بروليتاريا فاقدة للمهارة)، تؤدي التكنولوجيا الرقمية اليوم إلى "برلتة الحساسية" والشعور. نحن نفقد المعرفة الحياتية والقدرة على العيش والتفكير بشكل مستقل. حلت الذاكرة الخارجية (الإنترنت) محل الذاكرة الداخلية، وحلت الخوارزميات محل الذوق الشخصي، فلم نعد نعرف كيف نختار فيلماً أو وجبة أو شريكاً دون استشارة التطبيق.

يؤدي هذا الاعتماد الكلي على الآلة إلى "بؤس رمزي" وفقر في القدرة على إنتاج الرموز والمعاني. يصبح المستخدم مجرد "مستهلك" للرموز التي تنتجها الصناعة الثقافية، وهذا هو "المرض" الحقيقي: عجز الذات عن التفرد والإنتاج الروحي.

خاتمة: نحو استعادة المعنى

إن "النماذج التافهة" ليست مجرد محتوى رديء؛ إنها السلاح الأيديولوجي للرأسمالية المتأخرة، والوسيلة التي يتم بها تدجين الوعي، وتفتيت التضامن الاجتماعي، وتحويل المواطنين إلى مستهلكين سلبيين للصور. إن مواجهة هذه التفاهة لا تكون فقط بـ "نشر الوعي"، بل بنضال سياسي وتقني لاستعادة ملكية "وسائل الإنتاج التواصلي"، وإعادة تصميم البنية التحتية الرقمية لتخدم "القيمة الاستعمالية" للإنسان، لا "القيمة التبادلية" لرأس المال. إنها معركة من أجل "إعادة سحر العالم" بالعلم الحقيقي والثقافة الحية، ضد "تصحر المعنى" الذي تفرضه الخوارزميات.

***

غالب المسعودي

........................

قائمة المراجع والمصادر المقترحة

Deneault, Alain. Mediocracy: The Politics of the Extreme Centre. (الترجمة العربية: "نظام التفاهة"، دار سؤال للنشر).

Han, Byung-Chul. The Burnout Society. (الترجمة العربية: "مجتمع الاحتراق النفسي"، دار معنى).

Stiegler, Bernard. (أعمال متفرقة حول "برلتة الحساسية" والتكنولوجيا).

Marx, Karl. Capital: A Critique of Political Economy. (رأس المال).

ثانياً: الأوراق البحثية والمقالات (References):

Busk, L. A., & Portella, E. (n.d.). "The Contradiction between Use-Value and Exchange-Value". Scholars Junction, Mississippi State University.

Columbia Law Review. (2019). "Valuing Social Data". Retrieved from columbialawreview.org.

EBSCO Research Starters. "Marx and Historical Materialism".

IDEALS (Illinois Digital Environment for Access to Learning and Scholarship). "The Power of Knowledge, Objectified: Immaterial Labor, Cognitive Capitalism, and Academic Librarianship".

Liberation School. "The base-superstructure: A model for analysis and action".

في رحاب الفكر الإنساني تتعالى أسئلة لم تفارق العقل منذ انبثاق الوعي على ذاته: ما طبيعة المعرفة؟ هل هي مجرد رصيد من المفاهيم والأفكار، أم هي مسار وجودي لحركة داخلية نحو إدراك الذات والعالم؟ لقد شغلت هذه الإشكالية عقول الفلاسفة منذ سقراط، الذي لم يرَ الحكمة في التراكم المعرفي، بل في الحوار والبحث الدائم عن الحقيقة، إذ أعلن: «أنا أعلم أني لا أعلم»، دالا على أن حدود المعرفة ليست في الكم، بل في العمق، وفي تجربة الإنسان لذاته وللوجود.

إن النظر إلى المعرفة على أنها تراكم مفاهيمي يغفل جوهرها الأعمق: فهي ليست سلّة تحفظ فيها المفاهيم كما تُجمع البضائع، ولا سجلا يُرقم فيه المعارف، بل هي حركة حية، واستجابة للوجود وتجربة دائمة تُصقل روح المتلقي وتعيد تشكيل عالمه الداخلي. إذا كان كانط قد حدَّد المعرفة ضمن أطر العقل، فإن فهمه هذا وإن كان ثاقبا يبقى محصورا بما يمكن للعقل أن يحصره ويصنّفه، متناسياً أن المعرفة في جوهرها تجاور الحس وتختبر الحياة، وتستشعر العالم ليس بالقوانين المجردة فحسب، بل من خلال نبض التجربة الإنسانية نفسها.

ها هنا يتجلى الفرق بين تراكم المفاهيم وتجربة المعرفة: فالأولى تظل في مستوى الشكل، بينما الثانية تنبني في العمق، وتفتح أفقا لا نهائيا لتفسير الذات والعالم. كما يقول هايدجر: «الوجود يسبق الفهم»، أي أن الإنسان قبل أن يحوز على أي مفاهيم، يواجه العالم بوجوده الأصيل، ويعيش التجربة كما هي، ويختبر أبعادا لا تحتمل التحليل المفاهيمي وحده. المعرفة هنا ليست جمع معلومات، بل الانفتاح على ما هو متعذر إدراكه بالكلمة، على ما يفيض من معنى الحياة خارج قوالب الفكر الجامدة.

يمكن اعتبار تجربة المعرفة نوعا من الغوص في الذات، لا كمعجم من الحقائق، بل كرحلة استكشاف دائمة، رحلة تتسم بالغموض، وتتجاوز حدود اللغة والمنطق. كما قال ميرلو بونتي: «الجسد هو المكان الأول للمعرفة»، مشيرا بذلك إلى أن تجربة المعرفة تبدأ في التجربة الحسية والوجودية في لحظات التفاعل المباشر مع العالم، قبل أن تتحول إلى مفاهيم يُعاد ترتيبها وتحليلها. هذه الرؤية تضع المعرفة في قلب الوجود، لا كشيء خارجي يُضاف للروح، بل كنبض داخلي يعيشه الإنسان لحظة بلحظة.

لقد شكّل هذا التصور تحولا جذريا في فهم الإنسان لنفسه وعلاقته بالعالم. بينما يركّز التقليد على تراكم المفاهيم، يركّز الفكر الوجودي على اختبار المعرفة أولا، ثم إعادة صياغتها دوما في ضوء التجربة. التجربة ليست مجرد وسيلة للوصول إلى الحقيقة، بل هي الجوهر ذاته، تمنح المعنى لكل مفردة ولكل مفهوم، فتتحول المعرفة من فكرة إلى فعل وإدراك حي ووجود متألق في صميم الحياة.

ولا يمكن الحديث عن هذا التحول دون الإشارة إلى سقراط مرة أخرى، فهو يجسد الإنسان الباحث عن معرفة تتجاوز المفهوم الجامد، معرفة تُحفر في النفس قبل أن تُسجَّل على الورق، معرفة تُختبر في الحوار ومواجهة الذات، وفي التساؤل المستمر عن معنى العيش والعدل والجمال وعن الخير. هكذا تصبح المعرفة تجربة متصلة بالوجود، لا مجرد حصيلة عقلية، فتغدو حياة الإنسان نفسها انعكاسا لهذه العملية، حياة تحياها الروح قبل أن يعيها العقل.

يكتسب مفهوم الحكمة بعدا آخر، فهو لا يُحصر في تراكم المعلومات، بل في القدرة على تحويلها إلى تجربة، إلى إدراك يتجاوز الشكل، وإلى تفاعل مع الذات والعالم. وكما أشار نيتشه، فإن المعرفة بلا تجربة لا تعدو أن تكون قوةً ميّتة: «ما لا يقتلنا يجعلنا أعمق»، فالخبرة الحقيقية تأتي من مواجهة الحياة، من تجربة الألم والفرح والشك والدهشة، وكل ما يجعل الإنسان حاضرا في لحظة وجوده، حاضراً في صيرورة العالم نفسه.

تتضح خيوط هذه الفكرة حين نعي أن المعرفة ليست مجرد إضافة مفاهيمية، بل عملية وجودية وحركة مستمرة، وتجربة تصوغ الإنسان والعالم معا. إنها ليست ملكا للعقل وحده، بل امتداد للجسد والروح والتجربة الحية، لكل لحظة يختبر فيها الإنسان ذاته والعالم من حوله. وهنا يظهر جوهر التباين بين المعرفة التقليدية التي تسعى لتجميع المعارف، والمعرفة الوجودية التي تسعى لتجربة الحياة نفسها. الأولى تُسجل والثانية تُعاش. الأولى ثابتة والثانية متحركة حية، تنمو في صميم الوجود، وتتغير مع تغير الإنسان والعالم.

إن هذا المنظور يعيد تعريف المعرفة كحركة مستمرة، كإرادة متجددة للمعرفة الذاتية والوجودية، لا كحافظة للمعلومات. فالإنسان الذي يسعى للمعرفة كتجربة وجودية يعيش دائما بين السؤال والبحث، والشك والتجربة، وبين العدم والإمكان، ويعرف أن كل اكتشاف جديد ليس نهاية، بل بداية لفهم أعمق ورؤية أشمل وتجربة أوسع. نستحضر هنا هيغل، الذي رأى أن الفلسفة ليست مجرد تحليل للأفكار، بل حركة الروح نحو إدراك ذاتها، حركة متواصلة نحو تحقق الوعي، حيث تتحقق الحقيقة في صيرورة التجربة، لا في تراكم الكلمات والمفاهيم.

تتضح أهمية تجاوز البنى التقليدية للمعرفة. حين تُفهم المعرفة بوصفها تراكما مفاهيميا حيث تصبح جامدة عاجزة عن التقاط لحظات الوجود الحية. أما حين تُفهم بوصفها تجربة وجودية، فإنها تنبض بالحياة وتصبح مرنة متجددة، قادرة على مواكبة تحولات الذات والعالم، قادرة على إعادة تعريف الإنسان لنفسه في كل لحظة، وفي كل مواجهة مع الواقع.

إن المعرفة ليست أداة جامدة بل فعل حي وحركة مستمرة وتجربة وجودية تتجاوز حدود العقل والمنطق، وتختبر المعنى في أعمق أبعاده. وهي بذلك تصير جزءا لا ينفصل عن حياة الإنسان، جزءا من وعيه وشعوره وإدراكه ومن صيرورته في العالم. إنها تجسيد للحياة نفسها، وعنوان لكل سؤال يتردد في عمق الوجود ولكل لحظة تأمل ولكل تجربة حقيقية، حيث يلتقي الإنسان بالذات والعالم، ويتجاوز التراكم المفاهيمي ليصل إلى جوهر الحقيقة الحية.

إذا كانت المعرفة بوصفها تجربة وجودية تتجاوز التراكم المفاهيمي، فإن أفقها يتسع ليشمل الانفتاح على اللغة والجسد والزمان والوعي الذاتي، بحيث تصبح كل لحظة تجربة فردية حلقة متصلة في سلسلة من الوعي الذي يعي ذاته والعالم في آن واحد. فاللغة هنا ليست مجرد أداة لنقل المفاهيم، بل هي مكان التقاء الوجود بالوعي، حيث ستعتبر وسيلة لتأمل التجربة وتشكيلها في صورة يمكن للعقل أن يلتقطها، دون أن تحصر جوهرها الحيوي. كما لاحظ هايدجر: «الكلمة هي منزل الوجود»، فهي تعكس البنية العميقة للتجربة، لكنها لا تحتضنها بالكامل، إذ يظل جزء منها هاربا من اللغة، متجذرا في التجربة المباشرة وفي الصيرورة الحسية والوجودية للذات.

في هذا الإطار يكتسب الجسد بعدا معرفيا فريدا. حيث يرى ميرلو بونتي أن الجسد ليس مجرد أداة مادية للتحرك أو للتفاعل مع العالم، بل هو وسيط المعرفة الأول، إذ من خلاله تعيش الذات تجاربها وتختبر حدودها وقدرتها على فهم العالم. المعرفة من هذا المنحى ليست مجرد تصور عقلي، بل تجربة تنسج بين الإدراك الحسي والوعي الداخلي، وبين الحركة والتأمل والفعل والانفعال. كل شعور وتحسس، وكل إدراك لحركة العالم، وكل حضور للذات في الزمان والمكان، يضيف بعدا جديدا لمعنى المعرفة ويؤكد أن الحقيقة الحية لا تستقر في المفاهيم وحدها، بل تنبض في التجربة الحية التي تسبقها وتفوقها.

يظهر البعد الزمني للمعرفة كخبرة وجودية بجلاء. فالوعي بالزمن ليس مجرد قياس لحظات متتالية، بل إدراك للصيرورة المستمرة للذات في مواجهة العالم. كما يرى هايدجر، فالزمن أفق الوجود الذي يمكن الإنسان من فهم ذاته ضمن التجربة الحية، ومن إدراك المعنى المتغير لكل حدث ولشعور ولحظة في صيرورة الحياة. المعرفة هنا لا تُحفظ ولا تُسجَّل كما تُسجل السجلات الزمنية، بل تُختبر وتُعاش وتتحول مع مرور الزمن، فتتغير نظرة الإنسان للعالم ولنفسه ويكتشف أن كل معرفة جديدة ليست استكمالا للسابقة فحسب، بل إعادة صياغة للحياة نفسها وتجديدا لفهم الذات.

التجربة الوجودية للمعرفة تنطوي على مواجهة مستمرة مع الشك، فالمعرفة الحقيقية لا تتحقق إلا حين تتحدى الذات نفسها، حين تعيد النظر في مفاهيمها وأحكامها السابقة وتواجه العدم والفراغ واللامعنى، لتستخلص من هذه المواجهة معنى جديدا للحياة. كما قال نيتشه: «لا توجد حقائق، بل تفسيرات»، أي أن المعرفة ليست كشفا لمعلومة ثابتة، بل عملية مستمرة لإعادة تفسير الواقع والذات، وإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم في أفق دائم من الفهم المتغير والمتحول.

تتداخل عناصر التجربة الوجودية للمعرفة: الشك، التجربة، الزمن، الجسد، واللغة، لتخلق مساحة معرفية لا يمكن للعقل وحده أن يحصرها. المعرفة ليست ملكا للمنطق الصوري، ولا للمفاهيم المجردة، بل هي ملك للوجود ذاته، تجربة تتشكل في لحظة الإدراك، وتتحرك مع الصيرورة المستمرة للوعي. محاولة حصر المعرفة في تراكم المفاهيم تشبه محاولة حصر البحر في دلو، فهي تبقيها جامدة، بينما هي في جوهرها حركة تدفق وتجربة حية لا تنقطع.

ويبرز بعد أخلاقي للمعرفة، فهي مرتبطة بالمسؤولية والحرية وبالقدرة على الاختيار. الإنسان هنا لا يكتفي بأن يكون متلقِّيا للمفاهيم، بل يصبح فاعلا في بناء فهمه للعالم، مدركا أن كل تجربة تضيف له بعدا جديدا، وأن كل لحظة إدراك هي لحظة حرية ومسؤولية ومواجهة بين الذات والوجود. وكما قال سارتر: «الإنسان محكوم بالحرية»، أي أن المعرفة الوجودية تمنح الإنسان القدرة على إعادة صياغة ذاته باستمرار، وتضعه أمام مسؤولية دائمة عن فهمه وعلاقته بالعالم.

التجربة الحسية والوجدانية تلعب دورا محوريا، فهي أساس إعادة بناء المعنى. كما قال هيغل: «الروح تتحقق في صيرورة وعيها»، أي أن الإنسان يكتشف الحقيقة في تحركه داخل العالم وفي تفاعله مع الحياة، وليس في تراكم الأفكار فقط. كل شعور وتجربة ومواجهة تشكل نسيجا جديدا للمعرفة، تخلق سياقا فريدا للوجود وتفتح أبوابا لفهم أعمق للذات والعالم معا.

الخيال هنا ليس مجرد أداة للفكر، بل وسيلة لاستكشاف ما وراء الظاهر للغوص في أعماق التجربة، وللقاء المعنى في أبعاد يرفض العقل لمسها تقليديا. وكما قال كاسيرر: «الرمز هو لغة الروح»، أي أن القدرة على تصور ما هو غير مرئي، على تجربة ما هو مستحيل أو غير ملموس، توسع حدود المعرفة الحقيقية، وتجعلها تجربة متحركة، غنية، وعميقة.

المعرفة ترتبط ارتباطا وثيقا بالحرية، فالحرية ليست مجرد اختيار بين بدائل محددة، بل القدرة على مواجهة العالم، على إعادة صياغة الذات، على تجربة الحياة بأبعادها المختلفة، على الشك في كل ما هو مفترض، والتأمل في كل ما هو مألوف، وتجاوز قيود الفكر الجامد.

المعرفة كحركة نحو اللاحدود حين تتحول إلى تجربة وجودية تتجاوز أي حدود مسبقة، أي إطار مفاهيمي محدد، بمعنى تصنيف جامد. تتوسع مع توسع الوعي وتتغير مع تغير التجربة، وتتعمق مع مواجهة الذات والوجود، وتفتح آفاقا لا نهائية للتفسير والتأمل والفهم. نيتشه يشير هنا إلى السعي الدائم لتجاوز الذات، لتوسيع حدود الإدراك، لتجربة الحياة في أعمق أبعادها بعيدا عن أي قيود مفاهيمية أو عقلية.

المعرفة الوجودية متعددة الأبعاد: جسدية زمنية عاطفية لغوية روحية جماعية وخيالية. كل بعد يضيف طبقة جديدة للوعي، وكل تجربة تضيف معنى جديدا للوجود، وكل مواجهة مع الذات أو العالم تعيد تشكيل المعرفة نفسها. المعرفة ليست مجرد فكرة أو مجموعة مفاهيم، بل صيرورة حية وعملية مستمرة وتجربة لا تنتهي، وحركة ديناميكية تتفاعل فيها الذات مع العالم وتختبر فيها الروح حدودها، وتوسع أفق إدراكها للحياة وللوجود.

في هذه الصيرورة تصبح التجربة الوجودية للمعرفة تجربة للدهشة والريبة وللمساءلة الداخلية وللاكتشاف المستمر. فهي تجعل الإنسان حاضرا يقظا مدركا أن كل معرفة جزء من رحلة، وكل تجربة نافذة على معنى أوسع، وكل لحظة إدراك تحمل إمكانات لا حصر لها. المفارقة الجوهرية هنا، أن المعرفة الحقيقية ليست ما نحصل عليه بل ما نعيشه وما نختبره وما نصنعه في التجربة نفسها.

تصل المعرفة إلى أعمق مستوياتها حين تتحول إلى تجربة وجودية وحركة مستمرة وصيرورة تعيشها الذات مع العالم، حيث تصبح كل لحظة إدراك وشعور وتجربة وفعل، جزءًا من نسيج معرفي حي متجدد، لا يمكن اختزاله في مفاهيم جامدة أو تراكم معلوماتي. إنها المعرفة التي تلتقي فيها الفلسفة بالحياة، حيث يصبح السؤال والبحث والتجربة أداة للوجود، لفهم الذات وتجاوز حدود العقل والانفتاح على الوجود كما هو.

وعلاقة بما سبق يترتب عن هذا طرح سؤالين: هل المعرفة بوصفها تجربة وجودية مجرد حركة نحو شيء لا يمكن الإمساك به، أم هي اللحظة الحية التي يُختبر فيها الوجود ذاته، حيث تذوب الذات في العالم وتصبح جزءا من صيرورة الحياة بلا نهاية؟ وهل الإنسان يكتشف الحقيقة أم أن الحقيقة تتشكل فقط في فعل البحث وفي لحظة التجربة وفي حضوره الكامل وتفاعله مع الوجود الذي لا ينتهي؟

المعرفة هنا أكثر من مفهوم وأكثر من فكرة، وأكثر من تراكم مفاهيمي، حيث تصبح نبضا حيا للوجود، ورحلة مستمرة في أعماق الذات والعالم، حركة تتجاوز الكلمات والأطر، وتجربة تتجدد مع كل لحظة وتفتح أمام الإنسان أفقا من الغموض ومن الامتداد ومن الدهشة الوجودية التي لا تنتهي. المعرفة ليست نهاية بل بداية لكل سؤال ولكل تجربة ولكل مواجهة مع الوجود وبداية لحياة الفكر ورحلة للروح في صيرورة لا متناهية.

ثم إذا كانت المعرفة تجربة وجودية تتجاوز المفهوم، فهل يمكن للإنسان أن يدرك ذاته كاملة، أم أن الذات تتحول مع كل لحظة إدراك لتبقى دائما لغزا؟ وإذا كانت الحقيقة تنكشف فقط في فعل البحث والتجربة، فهل المعرفة النهائية مجرد وهم نسعى إليه أم لحظة مستمرة من الوجود تتجاوز كل محاولة للإمساك بها؟.

***

د. حمزة مولخنيف

الكتابة الفلسفیة، هي سرد فلسفي لموضوع فكري، وتشخيص ومعالجة للمشكلات الفكرية، والتحديات التي تواجه الإنسان والمجتمع في كل مكان وزمان، إن الكتابة الفلسفية تُعلِم الإنسان كيف يفكر على الورق، وكيف يحول المعلومات من مجرد أفكار ذهنية، الى  كلمات مكتوبة، حيث أن الكتب والمقالات والأبحاث المكتوبة يقرأها العديد من القراء، وباحثي الفلسفة وعشاقها، الكتابة الفلسفية هي ليست مجرد جُمل وعبارات رنانة، ومفردات معقدة وصعبة الفهم، والهدف الأساسي من الكتابة الفلسفية هي نقل أفكار الكاتب، ونظرياته الفلسفية، ومعتقداته وأراءه الى أكبر عدد ممكن من القراء، عن طريق الكتابة، فالكتابة الفلسفية هي الناقل الأساسي لأفكار الفلاسفة والكُتّاب وباحثي الفلسفة على مر العصور، وهي المتنفس الحر للتعبير  الفكري الفلسفي، الذي يسمح للكاتب بتفريغ آراءه على شكل محتوى، مكتوب، ومطبوع، يستطيع الناس قراءته، والإطلاع من خلاله على أفكار الكاتب وآراءه، ونظرته للكون والعالم والإنسان والمجتمع، لذلك يجب أن تتسم الكتابات الفلسفية بالدقة والصدق في نقل المعلومات  الفلسفية التاريخة على سبيل المثال، ولكنها في الوقت نفسه، هي مساحة يعبر فيها الكاتب والمفكر عن ما يجول في  خاطره من هموم فكرية وقضايا فلسفية و وجودية، ومن صفات الكتابة الفلسفية الرصانة العلمية ومراعاة الدقة والأمانة الفكرية في إيصال المعلومات والتعبير الفلسفي النقدي ومناقشة الأفكار، من خلال الكلمات المكتوبة، لذلك يجب دائما العمل على مراعاة شروط الكتابة الفلسفية، ولكن هذا لايعني أبداً ان يفتقر النص الفلسفي الى إسلوب عصري مشوق يتماشى مع متطلبات الواقع الجديد، والذائقة الفلسفية للإنسان المعاصر، إن الكتابة الفلسفية تحول الفكرة من نشاط فكري وحالة ذهنية تدور في رأس الكاتب الى نص فلسفي مكتوب قابل للفهم من قبل كل من يقرأه، ولكن هنالك بعض الفروق البسيطة والعميقة في الوقت نفسه بين الكتابة الفلسفية، وباقي انواع الكتابات الأخرى، فعلى سبيل المثال في الكتابة الأدبية يغلب على النص الأدبي عنصر التعبير الأدبي، والإبهار والتشويق، إضافة الى الكلمات والمصطلحات الأدبية، وتكون المقالة ذات طابع أدبي سردي اكثر منه علمي، كالروايات مثلاُ، وفي الكتابة العاطفية تكون العاطفة هي الصفة الأساسية، والنمط الطاغي على النص الكتابي، بينما في النص الفلسفي، والكتابة الفلسفية  فإن السمة الأساسية هي التفكير بصدق.

 ويحاول الكاتب في طرحه الفلسفي أن يعبر عن رغبته في الفهم، حيث يحاول ان يفهم النص ويناقشه في الوقت نفسه، ومع ذلك يمكن للعمل الفلسفي ان يجمع بين الطرح الفلسفي في الكتابة، والإسلوب الأدبي ذو الطابع العلمي المشوق في النص، بشرط عدم الإخلال بالرصانة العلمية، والدقة في سرد المعلومات الفلسفية.

شروط الكتابة الفلسفية وتعلم التفكير الفلسفي على الورق:

- الفكرة المركزية: تحتاج الكتابة الفلسفية الى فكرة مركزية واضحة، ويشمل ذلك فهم السؤال الفلسفي الذي يحاول الكاتب الإجابة عنه في الكتاب، او المقال الفلسفي.

- النقد الفلسفي الذاتي أثناء الكتابة: يجب ان يكون الكاتب مُدركاً لضرورة إستخدام التفكير النقدي الإبداعي في كتابة أي مضمون فلسفي، لأن ذلك هو بمثابة دعم للفكرة، وإستكمال لنسيج الفهم الفلسفي الذي يعبر عنه الكاتب، كما ان مراجعة النص وتدقيقة، يزيد من رصانة النص، ويقلل من الأخطاء الفكرية والأدبية التي قد يقع الكاتب فيها من حيث طريقة الطرح، والسياق الفلسفي، والموضوع والمضمون.

-  البحث عن الحقيقة: الكتابة الفلسفية هي ليست إستعراض للمعلومات، بل هي مواجهة فلسفية بين الكاتب وذاته، والتفكير بصدق، من أجل الوصول الى الحقيقة، فالكاتب الفلسفي لا يكتب من أجل أن يوافق العالم، أو أن يتوافقع مع واقعه، بل يكتب من أجل ان يختبر صحة الأفكار، ووضوحها المنطقي، وفائدتها النظرية والعملية للإنسان والمجتمع.

طرق كتابة المقال الفلسفي

تتعدد أنواع المقالات التي تصدر حول العالم، ولكن المقالة الفلسفية لازالت تتطلب الكتابة وفق إسلوب محدد، ومنهج محدد لإثبات جدية أفكار الكاتب، وجدواها فلسفياً، وتختلف طريقة الكتابة بإختلاف شخصية الكاتب، وتوجههة الفلسفي، وطريقة تفكيره، ونوع الموضوع الذي يكتب عنه، فمنهم من يستخدم  الإسلوب السردي والحواري، من خلال عرض الرأي والرأي الآخر، ودعم هذا الرأي بالأدلة والإثباتات الواقعية والعقلية، وهنالك من الكُتاب من يُفضل الإسلوب الإستقصائي، في التعبير عن كتاباتهم، من خلال طرح الفكرة أو المشكلة، ومن ثم عرض الدلائل والآراء بين مؤيدين ومعارضين، ومن ثم نقدها جميعاً، أو بيان الأصلح منها من وجهة نظر الكاتب، وقد يفضل البعض الآخر منهج (اللامنهج)، أو مايسمى (الطريقة الحرة في الكتابة الفلسفية)، والتي تنطلق من طرح موضوع معين، أو مشكلة فلسفية ما، ومن ثم التحري عن حلول منطقية لها، من وجهة نظر الكاتب بعد خط سير طويل من إستعراض الدلائل والآراء المعارضة والمؤيدة، ولكن رغم تعدد وتنوع الأساليب والطرق في كتابة المقال الفلسفي في عصرنا الحاضر، تبقى منهجية الوضوح والأبداع الفلسفي، سمة ضرورية واساسية لكتابة المقال الفلسفي، تساعد على أن يكون للمقالات الفلسفية جمهور واسع من المتخصصين وغير المتخصصين.

عوائق الإبداع في الكتابة الفلسفية

إن الإسلوب الكلاسيكي التقليدي في الكتابة أصبح يشكل عائقاً أمام الإبداع الفكري الفلسفي في الكتابة وطرح المواضيع الفلسفية والقضايا الوجودية، لأنك حين تريد ان تكتب نصاً فلسفيا، يجب أن تراعي فيه الحقيقة والدقة، والأمانة العلمية، والمعلومات الرصينة، بالإضافة الى الإسلوب السردي المُشوق شرط أن لايفقد النص الفلسفي رصانته، وأصالته الفكرية الفلسفية، بل يضيف إليه عنصر الإبداع والتشويق. وهنا يطرح العقل سؤال وجودي مباشر، ماهو الواقع، وماهو دور الكتابة الفلسفية في الحفاظ على ما تبقى لنا  من الواقع الحقيقي في زمن هيمنة الكتابة الرقمية، للأسف المجتمع العلمي والفلسفي ما زال ينساق مع الطرق الكلاسيكية الأكاديمية المتوارثة في الكتابة الفلسفية، من دون إدراك ضرورة أن تكون الكتابة الفلسفية قادرة على الأقل على مجاراة الواقع الرقمي، وإعطاء الأفكار الفلسفية الواقعية الأفضلية على الأفكار الغير قابلة للتطبيق، فكل فكرة فلسفية وكل إسلوب فلسفي غير قادرعلى علاج الأزمات الفكرية والنفسية للإنسان المعاصر سيكون مصيرة الإستبعاد، وعدم التقبل من قبل الإنسان المعاصر ذاته،  لذلك يجب عدم الإستهانة بوعي الإنسان المعاصر وقدرته على التمييز بين الأفكار القادرة على مساعدته في حل مشكلاته، من الأفكارة العقيمة الغير قادرة على إرشاده نحو سبيل الخلاص من مشكلات الواقع وتحدياته، وأزماته، لذلك يجب على الكتابة الفلسفية أن تحترم عقل القارىء، وتاخذ في نظر الإعتبار حاجته الى حلول حقيقية، لمشكلاته الفكرية والنفسية والإجتماعية، لذلك كل فكرة أوعمل أو مقال فلسفي لا يراعي حاجة الإنسان والمجتمع الروحية، والإنسانية، والواقعية، والأخلاقية، ولا يقدم له حلول حقيقية، لن يحظى بقبول ومكان حقيقي في عالم الفكر الفلسفي المعاصر.

***

شيماء هماوندي

الإختصاص/ الفلسفة والعلاج الفلسفي

بين الكائن الثقافي بالطبيعة والكائن الطبيعي بالثقافة

"خلافاً للاعتقاد الشائع، فإن الفوضى في الطبيعة أقل منها في البشرية"

في قلب الفلسفة المعاصرة، يقدم إدغار موران (1921-)، الفيلسوف والعالم الاجتماعي الفرنسي، رؤية تعقدية للإنسان ترفض الثنائيات التقليدية بين الطبيعة والثقافة. يُلخص موران طبيعة الإنسان في عبارته الشهيرة: "الإنسان هو كائن ثقافي بالطبيعة لأنه كائن طبيعي بالثقافة".  هذه العبارة، المستمدة من كتابه "النموذج المفقود: الطبيعة الإنسانية" (، 1973)، تعبر عن مقاربة تعقدية ترى الإنسان ككائن يتجاوز الفصل بين الجانبين، بل يجسد تفاعلاً ديناميكياً ودائرياً بينهما. في هذه الدراسة، سنستكشف هذا المفهوم بشكل موسع، من خلال التمييز بين الأبعاد الدلالية والإجرائية، مع التركيز على السياق التعقدي الذي يميز فكر موران. سنعتمد على أعماله الرئيسية مثل "المنهج" (1977-2004) و"أرض الوطن" (1993)، لنكشف كيف يصبح الإنسان "كائن لامتناهي التعقيد"، أي كائن معقد يجمع بين العقلانية واللاعقلانية في سياق كوني. سنبدأ بالسياق النظري، ثم ننتقل إلى تحليل المفهوم، مروراً بتطبيقاته، لنختم بالآثار والتداخلات. فكيف يصف موران الكائن البشري؟ وما ما المقصود بالتعقيد؟ وأي دور تؤديه كل من الطبيعة والثقافة في تكوينيته؟ وما تأثير ذلك التكوين المعقد على مصيره كفرد ومجتمع ونوع؟

السياق النظري: المقاربة التعقدية ورفض الاختزال

"ينتج التقدم العلمي عموماً عن كل من المنافسة والتعاون. لكن المنافسة قد تتحول إلى تنافس حاد مما يضر بالتعاون"

تأتي رؤية موران ضمن إطار "الفكر التعقدي"، الذي يعارض النهج الاختزالي الذي يسود العلوم الحديثة، والذي يفصل بين الطبيعي (البيولوجي) والثقافي (الاجتماعي). يرى موران أن الواقع ليس خطياً أو منفصلاً، بل يتكون من تفاعلات متعددة تجمع بين النظام، الفوضى، والتنظيم، في ما يسميه "الكاوسموس". في سياق الإنسان، يرفض موران النظريات التي ترى الثقافة كإضافة خارجية على الطبيعة، أو العكس، معتبراً أن هذا الفصل هو "نمط مفقود" يعيق فهم الطبيعة الإنسانية. نشأ هذا المفهوم من مؤتمر "وحدة الإنسان" عام 1972، الذي جمع اختصاصات متنوعة لربط البيولوجيا بالأنثروبولوجيا. في "النمط المفقود"، يؤكد موران أن الإنسان ليس مجرد حيوان عاقل، بل كائن يجمع بين الجانب المضطرب، أي اللاعقلاني، والجانب الثقافي الذي ينظم الطبيعة. هذه المقاربة التعقدية تعتمد على مبادئ مثل الحلقة التكرارية، حيث تُنتج الطبيعة الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، مما يجعل الإنسان ذاتي التنظيم في بيئة متكاملة.  هذا السياق يعكس تأثره بالفلسفة الجدلية (هيغل، ماركس)، لكنه يتجاوزها نحو التعقيد، حيث يصبح الإنسان جزءاً من نظام أكبر يشمل الكون والمجتمع. على سبيل المثال، في "الطريقة"، يتحدث عن "الثالوث الإنساني": الفرد-المجتمع-النوع، حيث تكون الثقافة الوسيط الذي يربط هذه الأبعاد في حلقة تعقدية. لعل هذا المنهج يجعل العبارة أداة لفهم الأزمات المعاصرة، مثل "الأزمة المتعددة"، التي تتطلب تفكيراً يجمع بين الطبيعي (البيئي) والثقافي (الاجتماعي-السياسي).

تحليل المفهوم: بين الكائن الثقافي بالطبيعة والكائن الطبيعي بالثقافة

" لقد عرّفنا الإنسان بأنه الإنسان العاقل، أي الإنسان الذي يمتلك العقل. ولا شك أن العقلانية قد تطورت عبر التاريخ البشري. لكن الإنسان العاقل ليس سوى أحد طرفي الطيف، والطرف الآخر هو الإنسان الموهوم، الإنسان الذي يعاني من الأوهام."

من الناحية الدلالية، تعبر العبارة عن تناقض ظاهري يحل بالمقاربة التعقدية. "الكائن الثقافي بالطبيعة" يعني أن الثقافة فطرية وجزء من الطبيعة البيولوجية للإنسان، حيث يمتلك الإنسان قدرات طبيعية مثل الدماغ المعقد واللغة، التي تسمح بتطور الثقافة كامتداد عضوي. فالإنسان، كقرد علوي، يولد مع استعدادات بيولوجية تجعله ثقافياً بالفطرة، مثل القدرة على الرمزية والاجتماعية.  أما "الكائن الطبيعي بالثقافة"، فيشير إلى أن الطبيعة الإنسانية تُبنى وتُعدل من خلال الثقافة، حيث تحول الثقافة الغرائز الطبيعية (مثل الرغبة في البقاء) إلى أنظمة اجتماعية معقدة، مثل القوانين أو الفنون. هذا التفكيك يعتمد على مبدأ الحلقة التكرارية: الطبيعة تنتج الثقافة (من خلال الدماغ والجينات)، والثقافة تعيد إنتاج الطبيعة (من خلال التأثير على التطور والسلوك). يقول موران: "يجب التوقف عن فصل الطبيعة عن الثقافة: مفتاح الثقافة في طبيعتنا، ومفتاح طبيعتنا في الثقافة".

 دلالياً، يرفض هذا النهج النظريات الاختزالية، مثل الداروينية الاجتماعية التي تركز على الجانب الطبيعي فقط، أو الثقافوية النسبية التي تنكر البيولوجيا. بدلاً من ذلك، يرى الإنسان كـ"كائن لامتناهي التعقيد"، كائن يجمع بين العقلانية واللاعقلانية، حيث تكون الثقافة أداة للتوازن في سياق تعقدي. من الناحية الإجرائية، يتجلى المفهوم في عملية "التنظيم الذاتي البيئي"، حيث يتفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية من خلال أدوات ثقافية، مما يؤدي إلى تطور مشترك. إجرائياً، تبدأ العملية بالغرائز الطبيعية، التي تُعدل بالثقافة (مثل تحول الغريزة الجنسية إلى أعراف زواجية)، ثم تعود لتشكل الطبيعة (مثل التأثير الثقافي على الانتخاب الجيني). هذا الإجراء التعقدي يظهر في دراسات موران عن الثقافة الشعبية، حيث تُصبح الثقافة أداة لفهم الطبيعة الإنسانية في عصر الرأسمالية، مع التركيز على اللاعقلاني كعنصر أساسي في التعقيد.

التطبيقات في المقاربة التعقدية

"من خلال التضحية المستمرة بما هو ضروري من أجل ما هو عاجل، ينتهي بنا الأمر إلى نسيان مدى إلحاح ما هو ضروري."

تجد هذه الرؤية تطبيقات في مجالات متعددة. في الأنثروبولوجيا، يفسر موران تطور الإنسان من خلال الثقافة كعامل يحول الغريزة الطبيعية إلى نظام اقتصادي، مما يجعل الإنسان "طبيعياً بالثقافة" في مواجهة البيئة.  مثال: في "أرض الوطن"، يربط بين الأزمة البيئية والثقافية، داعياً إلى ثقافة كوكبية تضامنية تجمع بين الطبيعي والثقافي في مقاربة تعقدية لمواجهة الاحتباس الحراري. في التربية، يدعو موران إلى تعليم تعقدي يعلم الطلاب الربط بين الطبيعة والثقافة، كما في "الرؤوس المنظمة جيداً" (الدروس السبعة المعقدة في التعليم من أجل المستقبل، 1999)، حيث تكون الثقافة أداة لفهم الطبيعة الإنسانية. أما في السياسة، فيؤكد على "سياسة حضارية" تعتمد على هذا المفهوم لمواجهة البربرية الحديثة، مثل الاستهلاكية التي تفصل بين الإنسان والطبيعة.

في علم النفس، يُبرز كيف تحول الثقافة الرغبات الطبيعية إلى هويات اجتماعية، مع التركيز على "الاعتمادية" كرابط تعقدي بين الروابط الطبيعية والثقافية.  هذه التطبيقات تظهر كيف يصبح الإنسان، من خلال المقاربة التعقدية، كائناً قادراً على التكيف، لكنه معرض للأزمات إذا انفصلت الثقافة عن الطبيعة.

التشابهات والتداخلات مع مقاربات أخرى

"من الخطورة بمكان أن نُظهر للإنسان مدى مساواته بالحيوانات دون أن نُظهر له عظمته، بل والأخطر من ذلك أن نُظهر له عظمته دون أن نُظهر له دناءته. والأخطر من ذلك كله أن نتركه جاهلاً بكليهما." باسكال، ذكره ادغار موران

رغم التركيز على التعقيد، يعترف موران بتداخلات مع فلاسفة آخرين، مثل ليفي ستروس في الثقافة كبنية، أو هيغل في الجدل. لكنه يتجاوزهم بالحلقة التكرارية، حيث لا تكون الثقافة هيمنة بل تفاعل.  كما يتداخل مع الفلسفة البيئية، مثل نظرية غايا، حيث تكون الثقافة امتداداً للنظام الطبيعي في سياق تعقدي.

خاتمة

"لقد أمضيت حياتي أفكر في معنى أن تكون على قيد الحياة." ادغار موران

في نهاية المطاف، تمثل رؤية موران للإنسان بين "الكائن الثقافي بالطبيعة" و"الكائن الطبيعي بالثقافة" تحولاً في الفلسفة التعقدية، حيث يصبح الإنسان كائناً معقداً يجمع بين الجانبين في حلقة مستمرة. هذا المفهوم ليس نظرياً فقط، بل عملياً يدعو إلى فكر متعدد التخصصات لمواجهة التحديات المعاصرة. الدراسات المستقبلية قد تستكشف تطبيقه في الذكاء الاصطناعي، حيث يصبح "الثقافي" جزءاً من "الطبيعي" الرقمي، مع الحفاظ على التعقيد الإنساني. ألم يقل موران:" التضامن والمسؤولية هما من الضروريات الأساسية لمجتمع يتمتع أفراده بالحرية." فكيف يمكن توظيف الفكر المعقد في المجال العملي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

الفلسفة بين أنقاض التفكيك وإمكانات المعنى في زمن الخوارزمية

لم يكن العقل عبر تاريخه الطويل، معطى بسيطا أو جوهرا مستقرا خارج شروط الصراع والتحول، بل ظل دوما موضع توترٍ معرفي، تتنازعه أنماط متعددة من الفهم والتوجيه والتأويل. وقد لا تكون لحظتنا الراهنة إلا إحدى أكثر هذه اللحظات كثافةً وحساسية، إذ يجد العقل نفسه واقعا بين مسارين متعارضين في الظاهر، متواطئين في العمق: مسار التفكيك الفلسفي الذي زعزع يقينياته الكلاسيكية، ومسار الخوارزميات الذي يهدد باختزاله إلى وظيفة حسابية، أو إلى مجرد آلية لمعالجة المعطيات. في هذا الأفق، يفرض سؤال المعنى نفسه لا بوصفه سؤالا نظريا معزولا، بل باعتباره رهانا وجوديا يمسّ موقع الفلسفة وقدرتها على الاستمرار في عالم تحكمه السرعة والنجاعة والتنبؤ.

لقد ارتبط المشروع الفلسفي الحديث منذ ديكارت، بمحاولة إعادة تأسيس العقل بوصفه أصلا للمعرفة وضامنا لليقين. لم يكن الكوجيتو مجرد صيغة إبستمولوجية، بل كان إعلانا عن سلطة جديدة، تجعل من الذات المفكرة مركزا لإضفاء المعنى وتنظيم العالم. غير أن هذه المركزية لم تلبث أن خضعت لامتحان النقد الكانطي، الذي سعى إلى إنقاذ العقل من أوهام الميتافيزيقا، مقابل إخضاعه لشروط صارمة تحدد مجال اشتغاله وحدود فعاليته. ومع هيغل بلغ العقل ذروة ثقته بنفسه، حين تماهى الفكر مع التاريخ، وأضحت الواقعية والعقلانية وجهين لحركة واحدة، تكاد تلغي المسافة بين المفهوم والوجود.

غير أن هذه الثقة لم تصمد طويلا أمام التحولات العميقة التي شهدها الفكر الغربي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فقد جاءت قراءات نيتشه وماركس وفرويد لتقوّض التصور الكلاسيكي للعقل، وتكشف هشاشته البنيوية. ولم يعد العقل سيدا مطلقا لذاته، ولا مرآة شفافة للعالم، بل أضحى مشروطا بإرادات خفية، وبنيات اقتصادية، ودوافع لاواعية، جعلته أقرب إلى واجهة تنظيرية منه إلى سلطة تحررية. ومنذ تلك اللحظة، دخل العقل مرحلة الشبهة، ولم يعد يُستقبل باعتباره أفقا للانعتاق، بل باعتباره أداة ضبط وإنتاج للامتثال.

ومع التحولات التي عرفها الفكر المعاصر، خاصة مع البنيوية وما تلاها، بلغ هذا المسار التفكيكي مداه الأقصى. ولم يعد السؤال منصبا على مضمون المعرفة، بل على شروط إنتاجها، وآليات تشكّل الخطابات التي تمنحها شرعية الحقيقة.

أعلن فوكو أن الإنسان ليس حقيقة أنطولوجية ثابتة، بل حادثة معرفية تاريخية، نتجت عن ترتيب مخصوص للخطابات، وهي قابلة للاضمحلال متى تبدّلت شروط إنتاجها.

وذهب دريدا إلى زعزعة كل مركز دلالي، كاشفا أن المعنى لا يستقر، وأن الحضور ذاته مؤجل داخل لعبة الاختلاف. إذ لم يعد العقل ذاتا مؤسسة، بل أثرا داخل شبكة من العلامات، ولم يعد المعنى مقصدا نهائيا، بل حركة لا تنتهي من الإرجاء.

غير أن هذا التفكيك على ضرورته النقدية، انطوى على مفارقة عميقة. فبينما كان يهدف إلى تحرير الفكر من أوهام المطلقات، أسهم من حيث لا يحتسب، في تهيئة الشروط لنمط جديد من العقلانية، إذ لا يطالب بالمعنى ولا بالمساءلة، بل يكتفي بالحساب والتوقع. هنا تبرز الخوارزمية بوصفها علامة فارقة في تاريخ العقل، لا لأنها أداة تقنية فحسب، بل لأنها تمثل نموذجا جديدا للعقلنة، يقوم على تحويل الواقع إلى بيانات، والذات إلى ملف إحصائي، والفعل الإنساني إلى سلوك قابل للتنبؤ.

الخوارزمية من حيث هذا المنحى ليست بريئة ولا محايدة، بل تؤسس لنمط من التفكير يُفرغ العالم من كثافته الدلالية، ويعيد ترتيبه وفق منطق النجاعة. وقد كان هايدغر واعيا بهذا الخطر حين نبّه إلى أن جوهر التقنية لا يكمن في الآلات، بل في نمط الانكشاف الذي تفرضه، حيث يُختزل الوجود إلى مورد، ويُنظر إلى الكائنات من زاوية قابليتها للاستثمار والتحكم. وما كان تحذيرا أنطولوجيا صار اليوم واقعا معاشا، تُقاس فيه القيمة بما يُستخرج من المعطيات، وتُختزل الخبرة الإنسانية في أنماط سلوكية قابلة للقياس.

على حافة الانقلاب المعرفي الذي يفرضه زمن الخوارزميات، يبدو العقل الفلسفي وكأنه فقد وظيفته التاريخية. فما الحاجة إلى التأمل والتردد والشك، في عالم يُغري بالأجوبة الفورية؟ وما جدوى الفلسفة في زمن تُقاس فيه الحقيقة بالفعالية، والمعرفة بقدرتها على التحول إلى نموذج حسابي؟ أليس مشروعا والحال هذه، أن يُطرح السؤال الذي صاغه آلان باديو بصيغة جذرية: هل ما تزال الفلسفة ممكنة، بل هل ما تزال ذات ضرورة؟.

غير أن هذا السؤال يفترض في عمقه، تصورا اختزاليا للفلسفة، يحصرها في وظيفة معرفية تنافس العلوم أو التقنيات. والحال أن الفلسفة في تقاليدها الكبرى، لم تكن يوما علما بالمعنى الوضعي، ولا أداة لحل المشكلات، بل ممارسة نقدية تسائل البداهات، وتحرس المعنى من الابتذال. كانت عند سقراط، تمرينا على العيش الحق، وعند كانط نقدا لشروط الإمكان، وعند هابرماس دفاعا عن العقل التواصلي في مواجهة العقل الأداتي. الفلسفة لا تُقاس بسرعة إنتاجها، بل بقدرتها على إبطاء الزمن الفكري، وفتح الأسئلة التي يسعى العصر إلى إغلاقها.

في ضوء هذه التحولات الجذرية التي يفرضها زمن الخوارزميات، يمكن النظر إلى زمن الخوارزميات لا بوصفه إعلانا عن نهاية الفلسفة، بل باعتبارها اختبارا جديدًا لإمكانها. فحين يُختزل العقل إلى حساب، يصبح التفكير في ما لا يُحسب فعل مقاومة. وحين يُختزل الإنسان إلى معطى، يغدو السؤال عن الكرامة والحرية والمسؤولية سؤالا فلسفيا بامتياز. وقد أصاب هابرماس حين حذّر من استعمار العالم المعيش بمنطق النسق، حيث تُفرغ التجربة من معناها لصالح عقل لا يرى إلا ما يمكن ضبطه.

إن إعادة بناء العقل في هذا السياق، لا تعني استعادة ميتافيزيقا يقينية، ولا إعادة إنتاج أوهام الذات السيادية، بل تعني استرجاع البعد التأويلي والنقدي للعقل. عقل يعترف بتناهيه دون أن يستقيل، ويقر بتعدديته دون أن يتنازل عن مطلب الحقيقة، وينفتح على التقنية دون أن يذوب في منطقها. عقل يدرك مع بول ريكور أن الذات لا تُعطى جاهزة بل تُفهم، وأن الفهم لا ينفصل عن السرد والمعنى.

لهذا تظل الفلسفة رغم كل خطابات الأفول قادرة على إنتاج معنى، لا بمعنى تقديم أجوبة نهائية، بل بمعنى إبقاء السؤال حيا. فالمعنى لا يُستهلك، بل يُبنى داخل توتر دائم بين الواقع والممكن، وبين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وفي عالم يتسارع على نحو محموم، قد تكون الفلسفة هي الفضاء الأخير الذي يسمح للإنسان بأن يتوقف، لا ليهرب من العصر، بل ليعيد التفكير فيه ومن داخله.

ليس هذا التوقف ترفا نظريا، بل شرطا أخلاقيا ومعرفيا. فبدون فلسفة يتحول العقل إلى أداة، والتقنية إلى قدر، والإنسان إلى تابع لمنظومات لا يفهم منطقها ولا يمتلك مساءلتها. أما بالتفلسف فإن العقل يستعيد قدرته على التفكيك من أجل إعادة البناء، لا لبناء أوهام جديدة، بل لصياغة معنى قابل للعيش في عالم لم يعد يمنح المعنى مجانا.

ليس امتحان العقل في زمن الخوارزمية امتحانا تقنيا في جوهره، بل هو امتحان أخلاقي ومعرفي يمسّ صورة الإنسان عن ذاته، وحدود ما يقبل تفويضه للآلة، وما يصرّ على تحمّل مسؤوليته فيه. فحين تُدار الحياة بمنطق التنبؤ، ويُعاد تشكيل الاختيارات قبل أن تُعاش، يغدو السؤال الفلسفي ضرورة لا غنى عنها، لا بوصفه بحثا عن يقين مفقود، بل بوصفه فعل يقظة يحول دون انزلاق العقل إلى الامتثال الصامت.

إن الفلسفة لا تقف موقف الرفض ولا موقف التمجيد، بل تمارس وظيفتها النقدية في مساءلة ما يبدو بديهيا، وكشف ما يتوارى خلف خطاب الكفاءة والحياد. فهي وحدها القادرة على إعادة فتح سؤال المعنى حين يُختزل الوجود في الأداء، وعلى الدفاع عن الإنسان حين يُعاد تعريفه وفق منطق البيانات. وليست مهمتها أن تنافس الخوارزميات في السرعة أو الدقة، بل أن تذكّر بأن ما لا يُحسب هو في كثير من الأحيان ما يمنح الحياة قيمتها.

إن إعادة الاعتبار للعقل لا تعني استعادة أوهام السيادة ولا بناء مركز متعالٍ جديد، بل تستلزم الاعتراف بتناهي التفكير مع الحفاظ على قدرته النقدية، وبانفتاح المعنى دون التخلي عن مطلب الحقيقة. عقلٌ يدرك أن التقنية أفق من آفاق الوجود الإنساني، لا قدرا مغلقا، وأن الخضوع لمنطقها الشامل ليس حتمية تاريخية، بل خيارا قابلا للمساءلة.

وفي ضوء ما سبق من تأملات، نقول إن الفلسفة لا تعلن نهايتها في زمن الخوارزميات، بل تجد فيه سببا جديدا لتجديد أسئلتها، والدفاع عن حق الإنسان في المعنى وفي الصواب وفي الخطأ. فحيثما يُراد للعقل أن يتحول إلى أداة، تظل الفلسفة حارسةً لإمكان أن يظل العقل تفكيرا لا مجرد حساب.

***

د. حمزة مولخنيف

ليس العقل في الإرث الكانطي، أداةً بريئة تتقدّم بلا حدود، ولا مرآةً شفافة تعكس العالم كما هو، بل هو شرط إمكان العالم كما يظهر لنا، وحدٌّ فاصل بين ما يمكن التفكير فيه وما يستعصي على القبض المفهومي. ومن هنا فإن الحديث عن حدود العقل لا يُفهم بوصفه تقليصا لقيمته، بل باعتباره تحريرا لوظيفته من الأوهام التي علقت به عبر تاريخ طويل من الميتافيزيقا الدوغمائية. لقد كان كانط واعيا بأن أعظم أخطاء العقل لا تنبع من ضعفه، بل من ثقته المفرطة بنفسه حين يتجاوز مجال تجربته المشروعة، فيقع في تناقضاته الخاصة، ويُنتج ما سماه «أوهام العقل الخالص».

يكتب كانط في مقدمة نقد العقل المحض أن «العقل الإنساني له قدرٌ غريب، فهو يُثقل بأسئلة لا يستطيع تجاهلها، لكنه لا يستطيع أيضا الإجابة عنها». في هذه العبارة يتكثف المشروع النقدي بأكمله: العقل مُلزَم بالمساءلة، لكنه غير مخوّل بالإجابة عن كل ما يسائل فيه. إن العقل بهذا المعنى كائن حدّي، يعيش دائما عند التخوم، يفكر من داخل العالم، لكنه يطمح إلى ما يتجاوزه. وهذه الازدواجية هي مصدر عظمته ومأزقه في آن واحد.

لقد جاءت الثورة الكانطية لتقلب السؤال الفلسفي من «كيف نعرف العالم؟» إلى «كيف يكون العالم ممكنا لنا بوصفنا ذواتا عارفة؟». لم يعد العقل تابعا للأشياء، بل صارت الأشياء، كما تظهر لنا، خاضعة لشروط العقل. إن العالم، في التجربة الإنسانية، ليس معطى خاما، بل هو بناء قبلي تشارك في تشكّله الحساسية والفهم معا. الزمان والمكان ليسا خاصيتين للأشياء في ذاتها، بل هما صورتا الحس اللتان بدونهما لا يمكن لأي موضوع أن يُعطى لنا. والفهم لا يستقبل المعطيات سلبا، بل ينظمها عبر مقولاته القبلية، فيحوّل التعدد الحسي إلى تجربة ذات معنى.

غير أن هذا الانتصار المعرفي للعقل يحمل في طياته مفارقة دقيقة: فبقدر ما ينجح العقل في تأسيس عالم الظواهر، يعجز عجزا مبدئيا عن النفاذ إلى عالم الأشياء في ذاتها. وهنا يظهر الحدّ بوصفه مبدأً منهجيا، لا عيبا أنطولوجيا. فالعقل لا يُمنع من معرفة المطلق تعسفا، بل يُحجَب عنه لأن المطلق لا يُعطى في تجربة ممكنة. إن الشيء في ذاته ليس لغزا يجب حله، بل حدّا يجب الاعتراف به. وكما سيقول كانط لاحقا، فإن «العقل يرى أبعد مما يستطيع أن يمشي».

هذا التحديد الصارم لمجال العقل النظري لا يعني القضاء على الأسئلة الكبرى، بل إعادة توطينها في أفقها المشروع. فالله والحرية والخلود، لا يمكن البرهنة عليها نظريا، لكنها تظل أفكارا ضرورية بوصفها مسلمات عملية. هنا تتجلى عبقرية كانط في تفريقه بين ما يمكن معرفته وما يجب افتراضه لكي يكون للفعل الأخلاقي معنى. لقد ألغى المعرفة ليترك مجالا للإيمان، لا الإيمان اللاعقلاني، بل الإيمان العملي الذي ينبثق من مطلب الواجب. يقول كانط في نقد العقل العملي: «شيئان يملآن النفس إعجابا وإجلالا متزايدين: السماء المرصعة بالنجوم فوقي، والقانون الأخلاقي في داخلي». في هذه الجملة يلتقي حدّ العالم وحدّ العقل في تجربة مزدوجة من الدهشة والمسؤولية.

إن قراءة الإرث الكانطي في أفق معاصر تقتضي الانتباه إلى أن حدود العقل ليست جدرانا صمّاء، بل خطوط تماس بين الممكن والمستحيل، وبين القول والصمت. فالعقل حين يعترف بحدوده لا يستقيل، بل يتطهر من نزعة التسلّط الشمولي. وقد التقط فتغنشتاين هذا المعنى حين كتب في الرسالة المنطقية الفلسفية أن «حدود لغتي تعني حدود عالمي». غير أن هذا القول إذا قُرئ قراءة كانطية، لا يعني أن ما لا يُقال لا يوجد، بل أن الوجود يتجاوز دائما قدرتنا على القول. فالعالم أوسع من اللغة، والعقل أضيق من الكينونة.

لقد كانت الفلسفات اللاحقة، من الهيغلية إلى الوضعية، محاولات متفاوتة لتجاوز الحد الكانطي أو الالتفاف عليه. هيغل رأى في حدود العقل لحظة تاريخية مؤقتة، وسعى إلى رفع التناقض بين الظاهر والباطن في حركة الروح المطلقة. أما الوضعيون فقد اختزلوا العقل في وظيفته العلمية، معتبرين كل ما لا يخضع للتحقق التجريبي لغوا ميتافيزيقيا. غير أن التجربة الفكرية للقرن العشرين، بما حملته من أزمات علمية وأخلاقية، أعادت الاعتبار إلى السؤال الكانطي عن حدود العقل، لا بوصفه سؤالا مدرسيا، بل باعتباره شرطا للنجاة من العنف المعرفي والشمولي.

إن العقل الذي لا يعترف بحدوده يتحول بسهولة إلى أداة هيمنة، سواء في صورة عقل تقني يختزل الإنسان إلى مورد، أو عقل أيديولوجي يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. وقد نبه هوركهايمر وأدورنو في جدل التنوير، إلى أن العقل حين ينفصل عن نقد ذاته ينقلب إلى أسطورة جديدة. وهذا بالضبط ما حاول كانط تفاديه: عقل ينقد نفسه بنفسه، ويضع لنفسه قانونا يمنعه من التعدي على ما لا يخصه.

في السياق المعاصر، حيث تتوسع آفاق العلم وتتداخل العوالم الافتراضية والبيولوجية والتقنية، يطرح سؤال حدود العقل نفسه بإلحاح جديد. هل ما زالت المقولات الكانطية صالحة في زمن الذكاء الاصطناعي والفيزياء الكوانتية؟ أم أن العالم قد أفلت نهائيا من قبضة العقل الإنساني؟ لعل الجواب لا يكمن في تجاوز كانط، بل في تعميق درسه: كل توسع في العالم يستدعي مساءلة جديدة لشروط الفهم، وكل ادعاء بالسيطرة المعرفية يستوجب نقدا قبليا يكشف حدوده.

إن العقل ليس سيّد العالم، بل ساكنٌ فيه، يفكر من داخله، ويصطدم دائما بأفق لا يمكن اختزاله. وحدود العقل ليست علامة نقص، بل أثر انتمائه إلى عالم لا يُستنفد. وكما كتب بول ريكور، فإن «الحدود ليست ما يُغلق الفكر، بل ما يفتح فيه إمكان التأويل». من هنا تبدأ الفلسفة لا حين ندّعي امتلاك الحقيقة، بل حين نتعلم كيف نسكن السؤال.

يمتد سؤال حدود العقل حين يُعاد التفكير فيه في أفق معاصر، من الحقل المعرفي الصرف إلى المجال الأخلاقي والسياسي والتقني، حيث لا يعود العقل مجرد بنية للفهم، بل قوة تنظّم الفعل وتوجّه التاريخ. هنا يتكشّف أن الحدّ الكانطي ليس قيدا معرفيا فحسب، بل مبدأً معياريا يحمي الإنسان من ادعاء الاكتمال. فالعقل الذي يعرف أنه محدود، هو وحده القادر على أن يكون مسؤولا. أما العقل الذي يتوهّم الإحاطة، فينتهي غالبا إلى تبرير العنف باسم الضرورة أو الاستبداد باسم العقلانية.

لقد كان كانط شديد الحساسية إزاء هذا البعد العملي للعقل. فالحرية التي لا يمكن البرهنة عليها نظريا، تصبح حجر الزاوية في كل أخلاق ممكنة. إن الإنسان بوصفه كائنا عاقلا ليس مجرد جزء من الطبيعة يخضع لحتمياتها، بل ذات قادرة على أن تشرّع لنفسها قانونها. وهذا التشريع الذاتي هو جوهر الكرامة الإنسانية. يقول كانط إن «الإنسان غاية في ذاته، لا وسيلة»، وهي عبارة لم تفقد شيئا من راهنيتها، بل لعلها اليوم أكثر إلحاحا في عالم تتزايد فيه نزعات التشييء والاختزال.

غير أن هذا التصور الأخلاقي لا ينفصل عن تصور دقيق لحدود العقل. فلو كان العقل قادرا على معرفة الخير الأسمى معرفة نظرية يقينية، لتحوّلت الأخلاق إلى علم تقني، ولغاب معنى الواجب بوصفه اختيارا حرا. إن قيمة الفعل الأخلاقي لا تنبع من نتائجه، بل من احترامه للقانون الذي يفرضه العقل على نفسه. وهنا يظهر الحدّ مرة أخرى: لا يمكن للعقل أن يضمن السعادة، لكنه يستطيع أن يطالب بالاستحقاق الأخلاقي لها. هذا التوتر بين الفضيلة والسعادة، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، هو ما يمنح الأخلاق طابعها التراجيدي النبيل.

يمكن فهم السياسة الكانطية بوصفها امتدادا نقديا للأخلاق، لا بوصفها تقنية لإدارة السلطة. فالدولة العادلة ليست تلك التي تحقق السعادة لمواطنيها، بل التي تضمن حريتهم وفق قانون عام يمكن تعميمه. إن فكرة العقد الاجتماعي عند كانط ليست حدثا تاريخيا، بل مبدأً عقليا يُقاس به مشروعية السلطة. وكل سلطة لا يمكن تبريرها عقليا أمام كل مواطن بوصفه ذاتا عاقلة، هي سلطة فاقدة للشرعية، مهما ادعت من نوايا أو نتائج.

وقد بلغ هذا الأفق ذروته في مشروع «السلام الدائم»، حيث ربط كانط بين العقل العملي والتاريخ الكوني. فالسلام ليس حالة طبيعية، بل واجب أخلاقي يتطلب بناء مؤسسات قانونية تتجاوز منطق القوة. غير أن كانط مرة أخرى، لا يقع في utopia ساذجة؛ فهو يدرك أن الطبيعة الإنسانية محكومة بأنانية وميل إلى الصراع، لكن العقل العملي يفرض على التاريخ اتجاها معياريا، حتى وإن تحقق عبر مسارات ملتوية. إن التاريخ من هذه الزاوية، ليس تقدما حتميا، بل أفقا مفتوحا للواجب.

غير أن القرن العشرين، بما شهده من حروب شاملة ومعسكرات إبادة وتقنيات قتل صناعية، أعاد طرح السؤال: هل أخطأ كانط في ثقته بالعقل؟ أم أن ما انهار لم يكن العقل النقدي، بل العقل الأداتي الذي حذّر منه؟ هنا تتقاطع القراءة الكانطية مع نقد مدرسة فرانكفورت، التي رأت أن العقل حين يُختزل إلى أداة للسيطرة يفقد بعده التحرري. لقد كتب أدورنو أن «العقل الذي لا يفكر في ذاته يتحول إلى عقل همجي»، وهي صيغة معاصرة لتحذير كانط من تجاوز العقل لحدوده دون نقد.

في عالم اليوم، يتخذ هذا النقاش شكلا جديدا مع صعود العقل الخوارزمي والذكاء الاصطناعي. فالعقل وقد تلبّس في صورة أنظمة حسابية قادرة على التعلّم والتنبؤ، يطرح سؤالا مزدوجا: هل ما زال العقل الإنساني هو معيار الفهم؟ وأين تقع حدود المسؤولية حين تُفوّض القرارات إلى آلات؟. إن القراءة الكانطية لا تقدّم أجوبة تقنية، لكنها توفّر معيارا نقديا حاسما: كل فعل لا يمكن إرجاعه إلى ذات قادرة على التشريع الأخلاقي لا يمكن اعتباره فعلا مسؤولا. الآلة مهما بلغت من التعقيد، لا تعرف الواجب، لأنها لا تعرف الحرية.

وهنا يظهر مرة أخرى معنى الحدّ، لا بوصفه عجزا تقنيا، بل بوصفه فرقا أنطولوجيا وأخلاقيا. فالعقل الإنساني ليس مجرد قدرة على المعالجة، بل قدرة على السؤال عن المعنى. والعالم مهما اتسعت نماذجه الرياضية، يظل أوسع من كل تمثيل. إن الفيزياء الحديثة نفسها من النسبية إلى ميكانيكا الكم، كشفت أن الواقع لا يُعطى للعقل في صورة شفافة، بل عبر احتمالات وحدود قياس. وكأن العلم في أقصى تقدمه، عاد ليؤكد درس كانط: المعرفة مشروطة، والمطلق يتفلّت.

غير أن هذا لا يقود إلى نسبية مدمّرة، بل إلى تواضع إبستمولوجي خصب. فالعقل الذي يعترف بحدوده لا يتخلّى عن الحقيقة، بل يتحرر من وهم امتلاكها النهائي. وقد عبّر هابرماس عن هذا المعنى حين ميّز بين العقل الأداتي والعقل التواصلي، داعيا إلى عقلانية تقوم على الحوار لا على السيطرة. هذا الامتداد التداولي للعقل يمكن قراءته بوصفه تطويرا معاصرا للحدّ الكانطي: الحقيقة لا تُفرض، بل تُبنى في أفق قابل دائما للمراجعة.

 يصبح السؤال عن حدود العالم سؤالا عن حدود المعنى. فالعالم ليس فقط مجموع الوقائع، بل أفق دلالي نسكنه ونتأوّله. وقد أدركت الهرمنيوطيقا من دلتاي إلى غادامير، أن الفهم ليس عملية تقنية، بل حدث تاريخي يتشكل في تقاطع الأفقين: أفق الذات وأفق النص أو العالم. غير أن هذا الوعي التاريخي لا ينقض كانط، بل يعمّق حدّه: فالعقل لا يعمل في فراغ، بل داخل تقاليد ولغات وتواريخ تشكّل إمكاناته وحدوده في آن.

وهنا يكتسب الصمت قيمة فلسفية. فليس كل ما لا يُقال عديم المعنى، وليس كل ما يُقال قابل للاستنفاد. لقد أدرك كانط على نحو مبكر، أن ثمة أشياء يجب التفكير فيها دون ادعاء معرفتها. وهذا ما جعل فلسفته، رغم طابعها النقدي الصارم، مفتوحة على بعد رمزي وأخلاقي عميق. فالحرية ليست موضوعا للعلم، لكنها شرط لكل علم ذي معنى. والكرامة ليست واقعة تجريبية، لكنها أساس كل قيمة.

إن حدود العقل وحدود العالم، في القراءة الكانطية المعاصرة، ليستا حدّين متقابلين، بل حدّا واحدا يُرسم عند نقطة التقاء الفكر بالوجود. فالعقل لا يقف خارج العالم ليحدّه، ولا يذوب فيه ليُلغى، بل يقيم عند تخومه، حيث السؤال ممكن واليقين مستحيل. وهذه الإقامة الحدّية هي ما يمنح الفلسفة ضرورتها الدائمة. فكلما ادّعى عصر ما أنه تجاوز كانط، عاد ليصطدم بسؤاله من جديد، لأن السؤال ليس تاريخيا، بل بنيويا.

ولعل أعظم درس يقدمه الإرث الكانطي اليوم هو أن الحدّ ليس نفيا، بل شرط إمكان. فلو كان العقل غير محدود، لما كان حرا، ولو كان العالم شفافا تماما، لما كان جديرا بالتأويل. إن الإنسان بوصفه كائنا عاقلا، محكوم بأن يفكر أكثر مما يعرف، وأن يأمل أكثر مما يبرهن. وفي هذا التوتر الخلّاق بين العقل والعالم، بين القانون والحرية، والمعرفة والإيمان العملي، تتجدد الفلسفة لا كنسق مغلق، بل كيقظة دائمة عند حافة المعنى.

وهكذا، لا ينتهي الإرث الكانطي عند رسم حدود للعقل، بل يبدأ منها. فحيث يتوقف الادعاء يبتدئ المعنى، وحيث يعترف العقل بمحدوديته، يفتح العالم على أفق المسؤولية. ليست الفلسفة في هذا المقام وعدا باليقين، بل تمرينا على السكن في السؤال دون خوف. فالعقل الذي يفكّر عند حافة العالم لا يسقط في العدم، بل يتعلّم التواضع، ويكتشف أن أعظم قوته تكمن في قدرته على ألا يدّعي السيادة على ما يتجاوزه. هناك، عند هذا الحدّ بالذات، يولد الفكر بوصفه يقظة أخلاقية، لا امتلاكا للحقيقة، بل وفاء دائما لندائها.

إذا كان انكشاف العالم مشروطا بحدود العقل، فأين يتأسس المعنى في مجال ما يُدرك ويُضبط مفهوميا، أم في ما يظلّ متعاليا على الامتلاك المعرفي؟، ثم هل يتحدّد أفق الإنسان في التوسّع اللامتناهي للمعرفة، أم في تعلّم السكون الفلسفي عند تخوم ما يمتنع عن القول والتعيين؟.

***

د. حمزة مولخنيف

 

منذ قرون طويلة، ظلّ الغرب يحتل موقع “المركز” في الخريطة الفكرية للعالم، ليس فقط بوصفه قوة سياسية واقتصادية، بل باعتباره المرجعية العليا للمعرفة، والمعيار الذي تُقاس عليه الحضارات، والنموذج الذي يُفترض أن تتجه نحوه بقية الشعوب. هذا التمركز لم يكن مجرد نتيجة لتفوق مادي أو علمي، بل كان أيضاً بناءً رمزياً ومعرفياً تشكّل عبر خطاب طويل من التمثيلات، والتأويلات، والكتابات التي رسّخت صورة الغرب باعتباره “العقل” و“الحداثة” و“العالمية”، في مقابل شرق يُقدَّم غالباً كـ“آخر” تابع أو هامشي أو خارج التاريخ. في هذا السياق، ظهر مشروع الاستغراب بوصفه محاولة فكرية جريئة لإعادة النظر في هذه البنية غير المتوازنة، ولتفكيك ما يُسمّى بـ المركزية الغربية التي حكمت علاقة الشرق بالغرب عبر قرون من الهيمنة الرمزية.

إن الاستغراب، في جوهره، ليس مجرد ردّ فعل على الاستشراق، ولا هو مشروع انتقامي أو خطاب مضاد يسعى إلى قلب المعادلة فحسب، بل هو جهد معرفي يسعى إلى فهم الغرب من خارج ذاته؛ أي من منظور لا يخضع لسلطته الرمزية ولا لهيمنته الثقافية. إنه محاولة لاستعادة القدرة على النظر إلى الغرب بوصفه موضوعاً للدراسة والتحليل، تماماً كما فعل الغرب مع الشرق، ولكن دون الوقوع في فخ التعميم أو التشويه. فالاستغراب لا يهدف إلى إنتاج “غرب متخيّل” جديد، بل إلى تحرير المعرفة من أحادية المركز، وإعادة توزيع الضوء على خرائط الفكر بحيث لا يبقى الغرب هو المقياس الوحيد لما هو عقلاني، أو متقدم، أو إنساني.

تنبع أهمية هذا المشروع من كونه يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للثقافات غير الغربية أن تفهم الغرب دون أن تقع تحت تأثير خطابه عن نفسه؟ هذا السؤال يفتح الباب أمام قراءة نقدية للحداثة الغربية، وللنموذج الليبرالي، وللفكر الفلسفي والسياسي الذي شكّل العالم الحديث. لكنه في الوقت نفسه يدعو إلى تجاوز ثنائية “نحن/هم”، وإلى بناء معرفة أكثر توازناً تقوم على الحوار لا على التبعية، وعلى النقد لا على الانبهار، وعلى الفهم لا على الاستلاب.

وفي زمن العولمة الرقمية، حيث تتدفق الصور والأفكار عبر الشاشات بسرعة غير مسبوقة، يصبح تفكيك المركزية الغربية أكثر إلحاحاً. فالعالم اليوم لا يعيش فقط تحت تأثير القوة الاقتصادية أو العسكرية للغرب، بل تحت تأثير هيمنته الرمزية التي تتجلى في الإعلام، والسينما، والمناهج التعليمية، والخطاب السياسي، وحتى في اللغة التي نستخدمها لوصف العالم. وهنا يبرز الاستغراب كمشروع يسعى إلى إعادة التوازن في فضاء معرفي اختلّ طويلاً، وإلى فتح أفق جديد لفهم الغرب بعيداً عن هالته الأسطورية التي صنعها لنفسه.

بهذا المعنى، فإن قراءة مشروع الاستغراب ليست مجرد تمرين فكري، بل هي خطوة نحو إعادة بناء علاقة أكثر نضجاً بين الشرق والغرب، علاقة تقوم على الندية لا التبعية، وعلى النقد المتبادل لا على الانبهار الأحادي، وعلى الاعتراف المتبادل بالإنسانية المشتركة بعيداً عن أوهام التفوق الحضاري.

مفهوم المركزية الغربية

تُعدّ المركزية الغربية إحدى أكثر البُنى الفكرية حضوراً في تشكيل الوعي العالمي الحديث، فهي تقوم على تصور يجعل الغرب في موقع القلب الحضاري والمعرفي للعالم، ويمنحه دور المعيار الذي تُقاس عليه بقية الثقافات في العلم والفلسفة والسياسة ونماذج التطور. هذا التصور لم ينشأ صدفة، بل تبلور تاريخياً مع صعود أوروبا الحديثة التي أعادت كتابة تاريخها بوصفها الوريثة الشرعية للعقل اليوناني والنهضة والتنوير، مقدّمة نفسها باعتبارها النموذج الأرقى للتقدم الإنساني. ومع توسع الاستعمار الأوروبي، لم يقتصر الأمر على السيطرة المادية، بل امتد ليشمل إنتاج معرفة تُعيد تعريف الشعوب الأخرى من منظور غربي، فتظهر تلك الشعوب بوصفها بدائية أو غير عقلانية أو بحاجة دائمة إلى التحديث. ومع ترسخ الحداثة، تحولت التجربة الأوروبية إلى نموذج عالمي يُفترض أن تسير عليه كل المجتمعات، بينما تُقدَّم المسارات الحضارية الأخرى باعتبارها ناقصة أو متأخرة. ومع القرن العشرين، جاءت الهيمنة الثقافية عبر الإعلام والسينما والمناهج التعليمية لتعمّق هذا التمركز، فترسخت صورة الغرب كفضاء للعقلانية والتقدم، في مقابل صورة “الآخر” الذي يُنظر إليه من خلال عدسة الاختزال والتبسيط. وهكذا، أنتجت المركزية الغربية رؤية مزدوجة: رؤية تمجّد الذات الغربية وتمنحها شرعية القيادة، ورؤية تُهمّش الآخر وتجعله موضوعاً للتمثيل لا شريكاً في إنتاج المعرفة، مما خلق علاقة غير متوازنة بين الغرب وبقية العالم، علاقة تتحدث فيها جهة واحدة بينما تُصمت الأخرى أو يُعاد تعريفها من الخارج.

نشأة مشروع الاستغراب

ظهر مشروع الاستغراب في سياق فكري وثقافي معقّد، جاء كردّ معرفي على قرون طويلة من التمثيل الأحادي الذي مارسه الغرب على بقية العالم، وعلى رأسه الشرق. فبعد أن رسّخت المركزية الغربية نفسها بوصفها المرجعية العليا للمعرفة، بدأ عدد من المفكرين في العالم العربي والإسلامي وآسيا وإفريقيا يتساءلون عن إمكانية قلب زاوية النظر، وعن ضرورة فهم الغرب من خارج خطابه عن ذاته. لم يكن الاستغراب مجرد رد فعل انفعالي على الاستشراق، بل محاولة واعية لإعادة التوازن إلى العلاقة المعرفية المختلّة بين المركز والهامش. وقد تبلور هذا المشروع مع اتساع الوعي النقدي في النصف الثاني من القرن العشرين، حين أدركت المجتمعات غير الغربية أن فهم الغرب لا يمكن أن يظل محصوراً فيما يقوله عن نفسه، ولا فيما يفرضه من نماذج جاهزة للتقدم والحداثة. ومع صعود دراسات ما بعد الاستعمار، بدأ يتشكل وعي جديد يرى أن الغرب ليس كتلة واحدة متجانسة، بل تاريخ معقد من الأفكار والتجارب والتناقضات، وأن قراءته من منظور غير غربي ليست فقط حقاً معرفياً، بل ضرورة لفهم العالم المعاصر. وهكذا، جاء الاستغراب كمشروع يسعى إلى دراسة الغرب بوصفه موضوعاً للتحليل، لا باعتباره مركزاً مطلقاً، وإلى مساءلة الأساطير المؤسسة لحداثته، وإلى تحرير المعرفة من هيمنة النموذج الواحد الذي فرض نفسه على العالم. لقد كان الاستغراب، منذ بداياته، محاولة لإعادة توزيع الضوء على خرائط الفكر، بحيث لا يبقى الغرب هو المتحدث الوحيد باسم العقل والإنسانية، بل يصبح جزءاً من تعددية حضارية أوسع، يمكن النظر إليها من زوايا متعددة لا تخضع لسلطته الرمزية.

نشأة مشروع الاستغراب

نشأ مشروع الاستغراب في لحظة تاريخية اتّسمت بتصاعد الوعي النقدي في المجتمعات غير الغربية، حين بدأت هذه المجتمعات تدرك أن علاقتها بالغرب لم تكن علاقة تبادل معرفي متكافئ، بل علاقة تشكّلت داخل فضاء من الهيمنة الرمزية التي جعلت الغرب يتحدث باسم العالم، ويقدّم نفسه بوصفه النموذج الأرقى للتقدم والعقلانية. ومع تراكم التجارب الاستعمارية، وما رافقها من إنتاج معرفي ضخم صاغ صورة الآخر من منظور غربي خالص، بدأ عدد من المفكرين العرب والمسلمين والآسيويين يشعرون بالحاجة إلى قلب زاوية النظر، وإلى دراسة الغرب كما هو، لا كما يقدّم نفسه. وهكذا ظهر الاستغراب كمشروع يسعى إلى تحرير المعرفة من أحادية المركز، وإلى إعادة النظر في الأساطير المؤسسة للحداثة الغربية التي طالما قُدّمت باعتبارها مساراً كونياً لا بديل عنه.

لقد جاء هذا المشروع في لحظة كان فيها العالم يشهد تحولات كبرى: نهاية الاستعمار المباشر، صعود حركات التحرر الوطني، انتشار الجامعات الحديثة في الشرق، وتزايد الاحتكاك الثقافي بين الشعوب. في هذا السياق، لم يعد الغرب مجرد قوة سياسية أو اقتصادية، بل أصبح أيضاً قوة معرفية تفرض رؤيتها للعالم عبر المناهج، والإعلام، والعلوم الاجتماعية، والفلسفة. ومع هذا التوسع، بدأ يتشكل وعي جديد يرى أن فهم الغرب من داخله لا يكفي، وأنه لا بد من مقاربة نقدية تنظر إليه من موقع مستقل، وتفكك بنيته الفكرية، وتعيد قراءة تاريخه بعيداً عن السرديات التي كتبها لنفسه.

ومع انتشار دراسات ما بعد الاستعمار، اتسعت مساحة التفكير في الاستغراب بوصفه مشروعاً مضاداً للهيمنة المعرفية، لا بهدف إنتاج “غرب متخيل” جديد، بل بهدف إعادة التوازن إلى العلاقة بين الثقافات. فالغرب، في منظور الاستغراب، ليس كتلة واحدة متجانسة، بل تاريخ طويل من التناقضات، والنهضات، والأزمات، والاختيارات الفكرية التي تستحق أن تُقرأ بعيون غير غربية. ومن هنا، أصبح الاستغراب محاولة لإعادة تعريف الغرب خارج هالته الأسطورية، ولتحرير الذات غير الغربية من الانبهار أو الاستلاب، ولإعادة بناء علاقة معرفية تقوم على الندية لا على التبعية.

وهكذا، يمكن القول إن مشروع الاستغراب لم يولد من رغبة في مواجهة الغرب أو رفضه، بل من رغبة في فهمه فهماً حقيقياً، وفي استعادة القدرة على إنتاج معرفة مستقلة عنه، وفي إعادة كتابة العلاقة بين الشرق والغرب على أسس أكثر عدلاً وتوازناً. إنه مشروع يطمح إلى إعادة توزيع الضوء على خرائط الفكر، بحيث لا يبقى الغرب هو المتحدث الوحيد باسم العقل والإنسانية، بل يصبح جزءاً من تعددية حضارية أوسع، يمكن النظر إليها من زوايا متعددة لا تخضع لسلطته الرمزية.

أهداف مشروع الاستغراب

حين بدأ مشروع الاستغراب يتبلور في الفكر العربي والآسيوي والإفريقي، لم يكن مجرد محاولة لتقليد الاستشراق أو إنتاج خطاب مضاد له، بل كان سعياً واعياً إلى إعادة ترتيب العلاقة المعرفية بين الشرق والغرب على أسس أكثر توازناً. لقد أدرك المفكرون الذين انشغلوا بهذا المشروع أن العالم لا يمكن أن يستمر في الدوران حول مركز واحد، وأن المعرفة الإنسانية لا يمكن أن تُختزل في نموذج واحد مهما بدا قوياً أو ناجحاً. ومن هنا، أصبح الهدف الأول للاستغراب هو تحرير الوعي من تلك الهيمنة الرمزية التي جعلت الغرب يبدو وكأنه المصدر الوحيد للمعنى، والمرجع النهائي للحقيقة، والمرآة التي يجب أن تنعكس فيها كل التجارب البشرية. كان الاستغراب يسعى إلى استعادة القدرة على النظر إلى الغرب من موقع مستقل، موقع لا يخضع لسطوة النموذج الغربي ولا لسلطة خطابه عن ذاته، بل ينطلق من رؤية نقدية ترى الغرب كحضارة لها إنجازاتها وإخفاقاتها، قوتها وضعفها، تناقضاتها الداخلية وصراعاتها الفكرية.

وفي عمق هذا المشروع، كان هناك هدف آخر لا يقل أهمية، وهو إعادة الاعتبار للذات غير الغربية، وإخراجها من موقع التابع الذي يكتفي بتلقي المعرفة من الخارج. فالاستغراب لم يكن موجهاً ضد الغرب بقدر ما كان موجهاً نحو الذات، نحو تحريرها من الانبهار الأعمى، ومن الشعور بالنقص، ومن تلك الرغبة الدائمة في محاكاة الآخر دون وعي. لقد أراد الاستغراب أن يفتح أمام المجتمعات غير الغربية أفقاً جديداً لفهم العالم، أفقاً يسمح لها بأن تكون شريكاً في إنتاج المعرفة لا مجرد مستهلك لها، وأن تمتلك القدرة على مساءلة النماذج السائدة بدلاً من الخضوع لها.

كما كان الاستغراب يسعى إلى تفكيك الأساطير التي أحاطت بالحداثة الغربية، تلك الأساطير التي صُوّرت وكأنها قدر تاريخي لا بديل عنه، أو مسار واحد يجب على الجميع اتباعه. لقد حاول هذا المشروع أن يبيّن أن الحداثة ليست ملكاً حصرياً للغرب، وأن التجارب الحضارية الأخرى تمتلك إمكانات مختلفة للتطور، وأن العالم أكثر اتساعاً من أن يُختزل في نموذج واحد. ومن هنا، أصبح الاستغراب دعوة إلى التعددية المعرفية، وإلى الاعتراف بأن الحقيقة ليست حكراً على جهة واحدة، وأن الحضارات تتقدم بالحوار والتفاعل لا بالهيمنة والإقصاء.

وفي النهاية، كان هدف الاستغراب الأكبر هو إعادة بناء علاقة جديدة بين الشرق والغرب، علاقة تقوم على الندية والاحترام المتبادل، لا على التبعية أو الصراع. علاقة تسمح لكل طرف بأن يرى الآخر كما هو، لا كما تصوّره الخطابات المسبقة، وأن يشارك في صياغة مستقبل إنساني مشترك يتجاوز ثنائية المركز والهامش. وهكذا، يصبح الاستغراب مشروعاً لتحرير المعرفة، وتحرير الذات، وتحرير العلاقة بين الحضارات من كل أشكال التمركز والهيمنة.

أدوات ومنهجيات الاستغراب

لم يكن مشروع الاستغراب مجرد إعلان رغبة في فهم الغرب من منظور مختلف، بل كان أيضاً سعياً إلى تطوير أدوات معرفية جديدة تسمح بقراءة هذا الغرب قراءة نقدية لا تقع في فخ الانبهار ولا في فخ الرفض الأعمى. وقد أدرك المفكرون الذين انشغلوا بهذا المشروع أن فهم الغرب يتطلب الاقتراب من بنيته الفكرية العميقة، لا الاكتفاء بسطح الظواهر أو الانطباعات العامة. لذلك، اعتمد الاستغراب على منهجيات متعددة تتداخل فيها قراءة النصوص الفلسفية الكبرى مع تحليل الخطابات السياسية والإعلامية، ومراجعة التاريخ الأوروبي من زوايا غير مألوفة، وفهم التحولات الاجتماعية التي شكّلت التجربة الغربية الحديثة. لقد كان الهدف من هذه المنهجيات هو تفكيك الصورة التي رسمها الغرب لنفسه، تلك الصورة التي تُظهره باعتباره مركز العقلانية والتقدم، وكأن تاريخه كان سلسلة متصلة من الإنجازات الخالصة، بينما هو في الحقيقة تاريخ مليء بالصراعات، والحروب، والتناقضات، والاختيارات التي لم تكن دائماً عقلانية أو إنسانية.

ومن بين أهم أدوات الاستغراب القدرة على قراءة الغرب من الداخل، أي التعامل مع نصوصه ومفاهيمه ومؤسساته بوصفها موضوعاً للتحليل لا بوصفها مسلمات. فالفلسفة الغربية، مثلاً، لم تعد تُقرأ باعتبارها التعبير الأعلى عن العقل الإنساني، بل باعتبارها نتاجاً لسياق تاريخي وثقافي محدد، يحمل في داخله رؤى معينة للإنسان والكون والمعرفة. وكذلك الأمر بالنسبة للعلوم الاجتماعية التي صاغت مفاهيم مثل التقدم والتطور والديمقراطية، إذ أصبح من الضروري مساءلة هذه المفاهيم، وفهم كيف تحولت إلى أدوات لتبرير الهيمنة أو فرض نموذج واحد على العالم. ومن هنا، كان الاستغراب يسعى إلى كشف ما وراء الخطاب الغربي، إلى تلك الطبقات العميقة التي تُظهر كيف تُنتج المعرفة وكيف تُستخدم، وكيف تتحول أحياناً إلى أداة للسيطرة الرمزية.

كما اعتمد الاستغراب على مقارنة التجارب الحضارية دون افتراض تفوق مسبق لأي منها، وهو ما سمح بإعادة النظر في العلاقة بين الشرق والغرب بعيداً عن ثنائية المركز والهامش. فبدلاً من النظر إلى الغرب باعتباره النموذج الذي يجب أن تُقاس عليه بقية الحضارات، أصبح من الممكن النظر إليه كواحد من نماذج متعددة، لكل منها مساراته الخاصة في التطور، ولكل منها رؤيته للعالم. هذا التحول في زاوية النظر كان جوهرياً، لأنه حرّر المعرفة من هيمنة النموذج الواحد، وفتح الباب أمام التفكير في بدائل حضارية ومعرفية أكثر تنوعاً.

وفي النهاية، يمكن القول إن أدوات ومنهجيات الاستغراب لم تكن مجرد تقنيات بحثية، بل كانت جزءاً من مشروع أوسع لتحرير الوعي، ولإعادة بناء علاقة جديدة مع الغرب تقوم على الفهم النقدي لا على التبعية، وعلى الحوار لا على الاستلاب. إنها منهجيات تسعى إلى إعادة الإنسان غير الغربي إلى موقع الفاعل في إنتاج المعرفة، وإلى إعادة صياغة العلاقة بين الحضارات على أسس أكثر عدلاً وتوازناً.

الاستغراب في الفكر العربي المعاصر

حين انتقل مشروع الاستغراب من مستوى الفكرة إلى مستوى النقاش الفكري داخل العالم العربي، وجد نفسه في قلب معركة معرفية تتجاوز مجرد فهم الغرب، لتلامس أسئلة الهوية، والحداثة، والنهضة، وموقع الذات العربية في عالم يتغير بسرعة. فقد تعامل المفكرون العرب مع الاستغراب بوصفه فرصة لإعادة النظر في علاقتهم بالغرب، تلك العلاقة التي تراوحت طويلاً بين الانبهار المطلق والرفض القاطع، دون أن تنجح في بناء موقف نقدي متوازن. ومع اتساع دائرة الوعي بتاريخ الهيمنة الغربية، بدأ عدد من المفكرين العرب يلتفتون إلى ضرورة قراءة الغرب قراءة جديدة، قراءة لا تنطلق من عقدة النقص ولا من عقدة التفوق، بل من رغبة في الفهم والتحليل وإعادة التقييم.

وقد ظهر هذا الوعي في كتابات مفكرين حاولوا تفكيك الأساطير التي أحاطت بالغرب في المخيال العربي، سواء تلك التي جعلته نموذجاً مثالياً للتقدم، أو تلك التي صوّرته كقوة شر مطلقة. فبعضهم رأى أن الاستغراب هو السبيل الوحيد للخروج من أسر المركزية الغربية التي جعلت الفكر العربي يدور في فلك النموذج الأوروبي، بينما رأى آخرون أن الاستغراب هو خطوة ضرورية لفهم أسباب تعثر مشاريع النهضة العربية، لأن هذه المشاريع غالباً ما استوردت مفاهيم الحداثة الغربية دون مساءلة أو نقد. وهكذا، أصبح الاستغراب جزءاً من النقاش حول سؤال النهضة نفسه، لأنه يطرح على العرب سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن بناء مشروع حضاري مستقل إذا كانت أدوات التفكير نفسها مستعارة من الغرب؟

وفي هذا السياق، لم يكن الاستغراب مجرد نقد للغرب، بل كان أيضاً نقداً للذات العربية التي كثيراً ما تعاملت مع الغرب إما بوصفه خلاصاً أو تهديداً، دون أن تحاول فهمه كحضارة لها تاريخها وتعقيداتها. وقد ساهم هذا المشروع في كشف التناقضات داخل الخطاب العربي نفسه، إذ أظهر كيف أن بعض القراءات العربية للغرب كانت في الحقيقة امتداداً للمركزية الغربية، حتى حين كانت تتظاهر بمعارضتها. فالتبعية لا تكون دائماً في الموقف السياسي، بل قد تكون أيضاً في طريقة التفكير، وفي المفاهيم المستخدمة، وفي زاوية النظر إلى العالم.

ومع تطور وسائل الإعلام والاتصال، اكتسب الاستغراب بعداً جديداً، إذ أصبح من الضروري فهم كيف تُنتج صورة الغرب في الإعلام العربي، وكيف تُعاد صياغتها في الفضاء الرقمي. فقد أظهرت التجارب أن صورة الغرب في المخيال العربي ليست ثابتة، بل تتغير بتغير الأحداث، وتتأثر بالخطابات السياسية، وبالتحولات الاجتماعية، وبالاحتكاك المباشر عبر الهجرة والتعليم والتواصل الرقمي. وهذا ما جعل الاستغراب مشروعاً مفتوحاً، لا يقتصر على قراءة الماضي، بل يمتد إلى تحليل الحاضر، وإلى فهم كيف تتشكل صورة الغرب اليوم في زمن العولمة.

وهكذا، يمكن القول إن الاستغراب في الفكر العربي المعاصر لم يعد مجرد مشروع نظري، بل أصبح جزءاً من معركة أوسع لإعادة بناء الوعي، ولتحرير الفكر من التبعية، ولصياغة علاقة جديدة مع الغرب تقوم على الفهم النقدي لا على الاستلاب أو القطيعة. إنه مشروع يسعى إلى إعادة تعريف الذات والآخر معاً، وإلى فتح أفق جديد للتفكير في المستقبل بعيداً عن ثنائية الانبهار والرفض التي حكمت العلاقة بين الشرق والغرب طويلاً.

نقد المركزية الغربية في زمن العولمة

مع دخول العالم عصر العولمة، بدا في البداية وكأن الحدود الثقافية تنهار، وأن المعرفة أصبحت متاحة للجميع، وأن العالم يتجه نحو فضاء مفتوح تتساوى فيه الأصوات. غير أن هذا الوهم سرعان ما تلاشى حين اتضح أن العولمة لم تُلغِ المركزية الغربية، بل أعادت إنتاجها بأدوات أكثر نعومة وفاعلية. فقد تحولت الهيمنة من السيطرة العسكرية والسياسية المباشرة إلى سيطرة رمزية تُمارَس عبر الإعلام، والتكنولوجيا، والمنصّات الرقمية، والاقتصاد المعرفي. وهكذا، أصبح نقد المركزية الغربية في زمن العولمة أكثر تعقيداً، لأنه لم يعد يواجه خطاباً صريحاً عن التفوق، بل يواجه منظومة كاملة من القيم والمعايير التي تُقدَّم بوصفها “عالمية”، بينما هي في جوهرها امتداد للنموذج الغربي.

لقد كشفت العولمة عن قدرة الغرب على إعادة تشكيل العالم وفق رؤيته، ليس عبر القوة الصلبة، بل عبر القوة الناعمة التي تتسلل إلى الوعي دون مقاومة. فالإعلام العالمي، الذي تهيمن عليه مؤسسات غربية كبرى، يعيد إنتاج صورة الغرب باعتباره مركز الحداثة والتقدم، بينما يصوّر بقية العالم من خلال عدسة الانتقاء: إما مناطق أزمات، أو فضاءات غريبة، أو ثقافات تحتاج إلى “تطوير”. وحتى في الفضاء الرقمي، الذي يُفترض أنه أكثر ديمقراطية، نجد أن الخوارزميات نفسها تعمل وفق منطق يعيد إنتاج المركزية الغربية، من خلال ترتيب المحتوى، وتحديد ما يظهر وما يُخفى، وصياغة صورة العالم وفق معايير لا يشارك في وضعها سوى عدد محدود من الشركات والمؤسسات الغربية.

وفي هذا السياق، يصبح نقد المركزية الغربية ضرورة معرفية لفهم كيف تُعاد صياغة الوعي العالمي اليوم. فالعولمة لم تُلغِ التراتبية بين الثقافات، بل جعلتها أكثر خفاءً، وأكثر قدرة على التأثير. لقد أصبح الغرب حاضراً في كل تفاصيل الحياة اليومية: في اللغة التي تُستخدم في التكنولوجيا، في المعايير التي تُقاس بها جودة التعليم، في النماذج الاقتصادية التي تُفرض على الدول، وفي الصور التي تُنتج عن “الآخر” في السينما والإعلام. وهذا الحضور الكثيف يجعل من نقد المركزية الغربية عملاً لا يقتصر على الأكاديميين، بل يمتد إلى كل من يسعى إلى فهم موقعه في عالم شديد التعقيد.

ومن هنا، يكتسب مشروع الاستغراب أهمية مضاعفة في زمن العولمة، لأنه لا يكتفي بتفكيك الخطاب الغربي التقليدي، بل يسعى إلى كشف آليات الهيمنة الجديدة التي تعمل تحت غطاء “العالمية”. إنه مشروع يحاول أن يفتح أعيننا على حقيقة أن العالم لا يزال يُرى من زاوية واحدة، وأن التعددية الثقافية التي تُرفع شعاراتها في كل مكان لا تتحقق فعلياً ما دام الغرب يحتفظ بحق تعريف ما هو عالمي وما هو هامشي. ولذلك، فإن نقد المركزية الغربية اليوم ليس مجرد تمرين فكري، بل هو محاولة لاستعادة القدرة على رؤية العالم من زوايا متعددة، وعلى بناء معرفة لا تخضع لسلطة النموذج الواحد، وعلى إعادة الاعتبار للثقافات التي طالما وُضعت في موقع التابع أو المختلف أو الأقل شأناً.

إمكانات بناء معرفة بديلة

إذا كان نقد المركزية الغربية يكشف حدود النموذج المعرفي السائد، فإن الخطوة التالية تتمثل في التفكير في إمكانات بناء معرفة بديلة، معرفة لا تقوم على نفي الغرب ولا على استنساخه، بل على تجاوز الثنائية التي حكمت علاقة الشرق بالغرب طويلاً. فالعالم اليوم، رغم كل أشكال الهيمنة الرمزية، أصبح أكثر انفتاحاً على التعددية الثقافية، وأكثر استعداداً للاعتراف بأن المعرفة ليست ملكاً حصرياً لحضارة واحدة، وأن التجارب الإنسانية، مهما اختلفت، تمتلك القدرة على الإسهام في بناء فهم أوسع للعالم. ومن هنا، يصبح مشروع الاستغراب مدخلاً لإعادة التفكير في كيفية إنتاج المعرفة، وفي كيفية تحريرها من سلطة النموذج الواحد الذي فرض نفسه على العالم منذ قرون.

إن بناء معرفة بديلة يبدأ أولاً باستعادة الثقة في الذات، في قدرتها على التفكير والإبداع والتحليل، بعيداً عن عقدة النقص التي زرعتها المركزية الغربية في وعي الشعوب غير الغربية. فالمعرفة لا تُنتج فقط في الجامعات الكبرى أو المراكز البحثية الغربية، بل تُنتج أيضاً في التجارب اليومية، وفي التراث الثقافي، وفي الفلسفات المحلية، وفي طرق العيش التي طوّرتها المجتمعات عبر تاريخها. وهذا يعني أن بناء معرفة بديلة لا يتطلب قطعاً مع الغرب، بل يتطلب التحرر من هيمنته الرمزية، ومن تلك الرغبة الدائمة في قياس كل شيء بمعاييره. إنه دعوة إلى النظر إلى العالم من زوايا متعددة، وإلى الاعتراف بأن الحقيقة ليست واحدة، وأن العقل الإنساني أكثر ثراءً من أن يُختزل في نموذج واحد.

كما يتطلب بناء معرفة بديلة إعادة قراءة التراث المحلي، ليس بوصفه بديلاً عن الغرب، بل بوصفه مصدراً لإثراء التفكير، ولتقديم رؤى مختلفة للعالم. فالتراث ليس مجرد ماضٍ جامد، بل هو مخزون من التجارب والأفكار التي يمكن أن تُسهم في صياغة نماذج جديدة للتفكير، إذا ما قُرئ قراءة نقدية واعية. وفي هذا السياق، يصبح الحوار بين الثقافات ضرورة لا غنى عنها، لأنه يسمح بتبادل الخبرات، وبناء جسور معرفية، وتجاوز الانغلاق الذي يحول دون تطور الفكر.

ومن جهة أخرى، تتيح التكنولوجيا اليوم إمكانات واسعة لإنتاج معرفة بديلة، لأنها كسرت احتكار المؤسسات التقليدية للمعرفة، وفتحت المجال أمام أصوات جديدة كانت مهمّشة أو غير مرئية. فالمجتمعات غير الغربية لم تعد مضطرة إلى انتظار اعتراف الغرب بها، بل أصبحت قادرة على إنتاج خطابها الخاص، وعلى تقديم رؤيتها للعالم عبر منصات متعددة. وهذا التحول يمنح مشروع الاستغراب فرصة جديدة، لأنه يسمح له بالانتقال من مستوى النقد إلى مستوى البناء، ومن مستوى تفكيك الهيمنة إلى مستوى اقتراح نماذج معرفية جديدة.

وهكذا، فإن إمكانات بناء معرفة بديلة ليست مجرد حلم نظري، بل هي مشروع قابل للتحقق، إذا ما توفرت الإرادة الفكرية، والقدرة على التحرر من التبعية، والاستعداد للانفتاح على التعددية. إنها دعوة إلى إعادة التفكير في موقع الذات في العالم، وإلى بناء علاقة جديدة مع الغرب تقوم على الندية، وعلى الاعتراف المتبادل، وعلى الإيمان بأن المعرفة الإنسانية لا تتقدم إلا حين تتعدد أصواتها، وتتقاطع مساراتها، وتتفاعل تجاربها دون أن يهيمن أحدها على الآخر.

نحو أفق معرفي متعدد: إعادة توازن العلاقة بين الشرق والغرب

في نهاية هذا المسار التحليلي، يتضح أن مشروع الاستغراب ليس مجرد محاولة لفهم الغرب من زاوية مختلفة، بل هو خطوة أساسية نحو إعادة بناء الوعي العالمي على أسس أكثر عدلاً وتوازناً. فالعالم الذي صاغته المركزية الغربية عبر قرون من الهيمنة الرمزية لم يعد قادراً على استيعاب التعددية الثقافية التي تفرضها تحولات العصر، ولا على احتكار تعريف الحقيقة أو رسم حدود العقلانية. ومن هنا، يصبح الاستغراب مشروعاً لتحرير المعرفة من أحادية المركز، ولإعادة الاعتبار للثقافات التي طالما وُضعت في موقع الهامش، ولإعادة صياغة العلاقة بين الشرق والغرب بعيداً عن ثنائية التفوق والدونية.

إن ما يكشفه هذا المشروع هو أن الغرب، رغم قوته وتأثيره، ليس النموذج الوحيد الممكن، وأن التجارب الإنسانية الأخرى تمتلك من العمق والثراء ما يجعلها قادرة على الإسهام في بناء معرفة عالمية متعددة الأصوات. كما يكشف أن نقد المركزية الغربية لا يعني رفض الغرب أو القطيعة معه، بل يعني تحرير العلاقة معه من التبعية، وتحويلها إلى علاقة ندّية تقوم على الحوار والتفاعل لا على الاستلاب أو الانبهار.

وهكذا، فإن الاستغراب يفتح الباب أمام أفق معرفي جديد، أفق يسمح للذات غير الغربية بأن ترى العالم بعينها لا بعين الآخر، وأن تشارك في صياغة المستقبل بوصفها فاعلاً لا تابعاً. إنه دعوة إلى إعادة التفكير في موقعنا داخل العالم، وإلى بناء معرفة تتسع للجميع، وتمنح كل حضارة حقها في التعبير عن ذاتها، وفي الإسهام في تشكيل الوعي الإنساني المشترك. وفي هذا الأفق، يصبح تفكيك المركزية الغربية ليس نهاية، بل بداية لمرحلة جديدة من التفكير، مرحلة تتجاوز حدود الهيمنة نحو عالم أكثر توازناً وتعدداً وثراء.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

الحلول الهروبية في الفكر العربي

الأزمة البنيوية وجدلية الاستقالة المعرفية

يعيش الفكر العربي المعاصر حالة من الاضطراب الجذري، وهي حالة لا يمكن اختزالها في مجرد تعثرٍ للمشاريع التنموية أو توالٍ للإخفاقات السياسية؛ بل هي في جوهرها أزمة "إبستيمولوجية" عميقة، تضرب بجذورها في البنية التكوينية للعقل العربي وآليات إنتاجه للمعرفة. إن الإشكالية المركزية هنا تتجاوز السرديات التاريخية التقليدية [1]، لتبحث في التحولات البنيوية التي أفضت إلى تآكل "البعد الفلسفي" للقضية المعرفية، وذلك عبر الانزياح التدريجي والممنهج من نظام "البرهان" -القائم على العقلانية والسببية والتحليل المنطقي- إلى نظام "البيان" المرتهن كلياً لسلطة النص وسحر اللغة.

لم يكن هذا التحول خياراً ثقافياً عفوياً، بل جاء تعبيراً عن عجزٍ بنيوي في مواجهة تحديات الحداثة الغربية وتفكيك موروث التخلف. فبدلاً من تطوير "نسق فلسفي" متماسك قادر على الاشتباك النقدي مع الواقع، جنح العقل العربي -في تمظهراته الرومانسية- نحو "النزوعات الهروبية"، مستبدلاً الصرامة المنطقية بالسيولة العاطفية، والمفهوم الفلسفي الدقيق بالصورة الشعرية الضبابية. هذا النكوص المعرفي أدى إلى ما أسماه برهان غليون "اغتيال العقل" [2]، وما وصفه محمد عابد الجابري بـ "الاستقالة المعرفية"؛ وهي حالة لا تزال تداعياتها تُحكِم قبضتها على العقل العربي المعاصر، مانعةً إياه من إنتاج معرفة كونية أو تأسيس حداثة أصيلة. [3]

العقل الرومانسي: استلاب الأسطورة ونكران التاريخ

يستخدم المفكر عبد الله العروي مصطلح "العقل الرومانسي" لتوصيف تلك الذهنية العاجزة عن التعامل مع الواقع بقوانينه التاريخية والمادية، فتلجأ إلى القفز فوقه أو تجاوزه قسراً. وعوضاً عن التحليل العقلاني الموضوعي لأسباب التخلف (الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية)، يجنح العقل الرومانسي نحو تفسيرات "ماهوية"، أو "تآمرية"، أو "غيبية". إنه يهرب من "واقعية البؤس" إلى رحابة "مجال الحلم"، سواء كان حلم استعادة الماضي المجيد، أو حلم المستقبل اليوتوبي (عبر الأيديولوجيات الثورية الشعاراتية).

تشير الدراسات التحليلية لأدب الأطفال والمرويات الشعبية العربية إلى هيمنة هذه "الحلول الهروبية"؛ حيث لا يفكك البطل إشكالياته بالتخطيط والعمل التراكمي، بل عبر المصادفة أو المساعدة الميتافيزيقية [5]. يعكس هذا النمط بنية ذهنية جمعية تفضل "الخلاص الإعجازي" على الإنجاز العقلاني. وتكتمل دائرة هذا الاغتيال عبر التبعية التي تستورد منتجات الحداثة الغربية (التكنولوجيا والنظم الإدارية) دون استيراد روحها النقدية الفلسفية؛ فينتج عن ذلك "تحديث رثّ"، يخلق هياكل تبدو في ظاهرها حديثة، لكنها تُدار بعقلية تقليدية وعصبية قبلية. تؤدي هذه الدينامية حتماً إلى عزل المثقف العقلاني وتهميشه، أو تحويله إلى مجرد "موظف أيديولوجي" يبرر للسلطة أو للجماهير أوهامهم، بدلاً من ممارسة دوره النقدي.

التكفير: سلاح الإبادة المعرفية الرمزية

يمثل "التكفير" الأداة الأكثر عنفاً في عملية الاغتيال الرمزي للعقل. إنه ليس حكماً فقهياً فحسب، بل هو قرار سياسي واجتماعي بـ "الحجر على الفكر". فعندما يتم وسم أي محاولة لاستخدام البرهان أو التفلسف بأنها "زندقة" أو "غزو فكري"، يُغلق المجال العام أمام أي إمكانية للحوار العقلاني [6]. يصبح العقل "متهماً" حتى تثبت براءته عبر الانصياع والتسليم. يلغي التكفير مبدأ "النسبية" و"الاحتمالية" الذي يقوم عليه البرهان العلمي، ويكرّس مبدأ "الحقيقة المطلقة الواحدة" التي يحتكرها طرف دون غيره؛ مما يحول المجتمع من ساحة للحوار الفكري الخلاق إلى ساحة حرب باردة -أو ساخنة- تهدد السلم الأهلي والفكري.

انهيار المؤسسة الأكاديمية وصعود الشعبوية المعرفية

لم تسلم الجامعة التي تُفترض أنها الحصن الأخير للعقل، من عدوى "الاستقالة المعرفية". إذ تشير المعطيات إلى تراجع فادح في القيمة المعرفية "للشهادة العلمية" وللبحث الأكاديمي في العالم العربي. لقد تحولت الجامعات من مراكز لإنتاج المعرفة البرهانية إلى مؤسسات لمنح ألقاب وجاهة اجتماعية فارغة، في انتصار واضح لمنطق "الكم" على "الكيف"، ولمنطق "العلاقات" على "الكفاءات". [7]

وفي عصر الفضاءات الرقمية المفتوحة، تصاعدت ظاهرة "الشعبوية المعرفية"، حيث تمت مساواة الآراء الانطباعية لغير المتخصصين بالحقائق العلمية المنهجية، وبات العقل الأكاديمي الرصين يُهاجم بوصفه "منعزلاً" أو "نخبوياً". هذه البيئة الطاردة تدفع ما تبقى من العقول البرهانية إما إلى الهجرة (استقالة جغرافية) أو الصمت (استقالة وجودية).

تداعيات السيولة العاطفية واقتصاديات الخرافة

إن غياب "النسق الفلسفي البنيوي" القادر على تفكيك التخلف لم يكن بلا ثمن؛ فالفراغ الذي تركه غياب البرهان ملأته "السيولة العاطفية" و"الصور الشعرية"، مما أدى إلى نتائج كارثية ملموسة.

على المستوى التاريخي:

بسبب غياب المنهج التراكمي، لا يبني الفكر العربي على منجزاته السابقة. كل جيل يبدأ من الصفر، أو يعيد اجترار معارك الماضي دون حسم، مما يخلق زمناً عربياً "راكدًا" ودائرياً.

على المستوى السياسي:

في غياب التحليل العقلاني القائم على المصالح وتوازن القوى، تتحول السياسة إلى "وعظ أخلاقي" أو "حماسة شعرية". وكلا الخطابين يعجزان عن إدارة الدولة الحديثة، وينتهيان بكوارث يتم تبريرها لاحقاً بمنطق "المؤامرة".

على المستوى الاجتماعي:

انتشرت ما يمكن تسميته بـ "اقتصاديات الخرافة"؛ حيث تراجع الطب النفسي والعلوم الاجتماعية لصالح الممارسات الغيبية واستسهال الحلول، وهذا ليس مجرد تخلف شعبي، بل نتيجة مباشرة لاستقالة العقل النخبوي.

اللغة كحجاب للواقع

لقد أمست اللغة العربية المعاصرة، تحت وطأة البلاغة القديمة والشعرية المفرطة، أداة "للإطراب" و"الإخفاء" بدلاً من الكشف والبيان [8]. يغرق الخطاب السياسي والثقافي في الإنشاء والمحسنات البديعية للتعمية على غياب المضمون؛ فالنظام البياني لا يزال يولد ألفاظاً ضخمة لا يقابلها واقع ملموس.

نحو "رشدية جديدة" أو استمرار التيه

إن الانتقال العكسي من "البرهان" إلى "البيان"، ومن "المفهوم" إلى "الصورة"، يمثل جوهر المأساة الفكرية العربية. لقد أدى هذا "الاغتيال الرمزي" إلى تجريد الإنسان العربي من سلاحه الوحيد القادر على ترويض التاريخ: العقل النقدي. وعليه، فإن أي محاولة للتحديث تتجاهل هذا البعد الإبستمولوجي محكومٌ عليها بالفشل. فلا ديمقراطية مع عقل "بياني" يؤمن بالقطب الأوحد، ولا اقتصاد صناعي مع عقلية سحرية، ولا مجتمع معرفة مع عقل "رومانسي" يهرب من الواقع.

إن الخروج من حالة "الاستقالة المعرفية" يتطلب تدشين "ثورة إبستيمولوجية مضادة" -أو ما يمكن تسميته "رشدية جديدة"- تعيد الاعتبار لركيزتين أساسيتين:

أسبقية الواقع على الصورة: فالمفاهيم يجب أن تُنحت من صخر الواقع المعاش، لا أن تُستجلب من سحب الخيال.

أسبقية البرهان على البيان: تكريس البرهان كآلية وحيدة للحسم في المجال العام، والسياسة، والتعليم. بدون هذه العودة الشاقة والمؤلمة إلى "البرهان"، سيظل الفكر العربي يدور في حلقة مفرغة من "الحلول الهروبية"، معيداً إنتاج تخلفه بآليات حديثة، ومستقيلاً من المشاركة الفاعلة في صنع الحضارة الإنسانية المعاصرة.

***

غالب المسعودي

....................

الهوامش والمراجع

[1] للمزيد حول جذور التخلف، انظر: "لماذا تخلف العرب؟"، موقع مأرب برس (Marebpress.com). [2] يُنظر: "اغتيال العقل... والثقافة الشعبوية"، جريدة الاتحاد (Aletihad.ae). [3] حول إشكاليات الحداثة والهوية، يُنظر: "الحداثة وما بعد الحداثة وسؤال الهوية"، ICLS 2016. [4] للاستزادة حول النماذج الأدبية وعلاقتها بالوعي، يُنظر: "هيلين وتراث فاوست"، مؤسسة هنداوي (Hindawi.org). [5] دراسات حول التنشئة، يُنظر: "أدب الأطفال وثقافتهم"، منصة المنهل (Almanhal.com). [6] حول مخاطر إغلاق العقل، يُنظر: "العقل المغلق ومخاطر سياسة التكفير"، مجلة الرافد (Alraafed.com). [7] عن أزمة التعليم العالي، يُنظر: "الجامعة في زمن الشك. من يحمي العقل من الاغتيال الرمزي؟"، مدار 21 (Madar21.com). [8] حول البنية الفنية واللغوية، يُنظر: "حداثة البناء الفني"، جامعة جيجل. (dspace.univ-jijel.dz)

ليس العقل مجرّد أداة حسابية تُقاس قيمتها بقدرتها على الاستدلال، ولا هو آلة منطقية صمّاء تشتغل في فراغ، بل هو ذلك الموضع المتوتر الذي يلتقي فيه الشغف بالمعرفة مع القلق من حدودها. فمنذ أن بدأ الإنسان يتساءل، كان العقل يسير على حافة دقيقة بين اليقين الذي يعد بالطمأنينة، واللايقين الذي يوقظ القلق ويستفز السؤال.

لا يُفهم العقل إلا بوصفه تجربة وجودية قبل أن يكون جهازا معرفيا، تجربة تتقاطع فيها الرغبة في البرهان مع وعيٍ خفيّ بأن كل برهان يحمل في أعماقه بذرة الشك.

لقد ارتبط العقل في تاريخ الفلسفة، بفكرة البرهان بوصفه الطريق الملكي إلى الحقيقة. من هنا نفهم لماذا رأى أرسطو في البرهان قياسا منتجا لليقين، ولماذا جعل ديكارت الوضوح والتميّز معيارا للحقيقة، إذ كان يراهن على عقل قادر على تأسيس معرفة لا يتسرّب إليها الشك. غير أن هذا الرهان على صلابته، لم يكن بريئا من افتراضات ميتافيزيقية خفية، أهمها الاعتقاد بأن العالم قابل للشفافية الكاملة أمام العقل، وأن الفكر يستطيع إن التزم قواعده، أن يطابق الواقع مطابقة تامة. هكذا بدا العقل في هذا الأفق، سيّدًا على المعنى، مالكًا لمفاتيح اليقين، قادرا على إخضاع الوجود لقوانين البرهان.

لكن هذا التصور سرعان ما اصطدم بتجربة الفكر ذاته. فالعقل الذي يطالب باليقين المطلق يجد نفسه في لحظة ما، وجها لوجه أمام أسئلته الخاصة. كيف يمكن البرهنة على مبادئ البرهان نفسها؟ وكيف يمكن للعقل أن يؤسس ذاته بذاته دون الوقوع في الدور؟ هنا يتسلل اللايقين لا بوصفه عجزا عارضا، بل باعتباره مكوّنا بنيويا في كل ممارسة عقلية. كان ديفيد هيوم من أوائل من نبهوا إلى هذا التوتر حين بيّن أن كثيرا مما نعدّه يقينا عقليا لا يقوم إلا على العادة والتعوّد، وأن الاستقراء الذي يشكّل أساس العلم التجريبي، لا يملك برهانا عقليا صارما، بل يستند إلى توقع نفسي بأن المستقبل سيشبه الماضي.

في هذا المنعطف، لم يعد العقل فضاء للضمان المطلق، بل صار مسرحا لاحتمالات مفتوحة. ومع كانط بلغ هذا الوعي ذروته حين أعاد رسم حدود العقل، مميزا بين ما يمكن معرفته وما يجب الكفّ عن ادعاء معرفته. فالعقل في نقده، ليس مشرّعا للوجود في ذاته، بل منظّما للتجربة الممكنة. وما إن يتجاوز مجاله المشروع حتى يقع في أوهام ميتافيزيقية، يظن فيها أنه بلغ اليقين بينما هو لا يفعل سوى إسقاط بنياته على ما لا يُدرَك. في هذا السياق لا يصبح اللايقين نقيضا للعقل، بل شرطا لتواضعه، وضمانة لعدم تحوّله إلى دوغما جديدة.

غير أن اللايقين حين يُساء فهمه، قد ينقلب إلى شك عدمي ينفي إمكان المعرفة من أساسها. وهذا ما جعل الفلسفة الحديثة والمعاصرة تبحث عن توازن دقيق بين البرهان والارتياب. فالبرهان من دون وعي بحدوده، يتحول إلى عنف مفهومي يسعى إلى تطويع الواقع قسرا، واللايقين من دون أفق عقلاني، يغدو استقالة من المعنى. من هنا تأتي أهمية التفكير في العقل لا بوصفه حارسا لليقين، ولا بوصفه سجينا للشك، بل كحركة دائمة بين هذين القطبين، حركة تُنتج المعنى بقدر ما تعترف بقابليته للمراجعة.

لقد أدرك باسكال بحدسه العميق، أن للعقل حدودا لا ينبغي تجاهلها، وأن هناك «أسبابا للقلب لا يعرفها العقل». لم يكن يقصد بذلك إلغاء العقل، بل تنبيهه إلى أن الوجود الإنساني أوسع من أن يُختزل في البرهان. فالإنسان كائن يتأرجح بين معرفة لا تكتمل، وإيمان لا يخلو من مخاطرة. وفي هذا التأرجح بالذات تتجلى كرامة العقل، لا حين يدّعي الإحاطة بكل شيء، بل حين يعترف بما يعجز عن الإحاطة به.

في الفلسفة المعاصرة، تعمّق هذا الوعي مع هايدغر الذي لم ينظر إلى العقل بوصفه ملكة تمثيلية فحسب، بل بوصفه نمطا من الانكشاف الوجودي. فالحقيقة ليست مطابقة بين فكرة وشيء، بل حدث انكشاف يتخلله الحجاب بقدر ما يتخلله الظهور. من هنا يصبح اللايقين جزءا من بنية الحقيقة ذاتها، لا عيبا يجب استئصاله. فكل ظهور يحمل معه إمكانية الخفاء، وكل فهم يظل مفتوحا على سوء الفهم.

وإذا كان العلم الحديث قد حقق انتصارات هائلة بفضل العقل البرهاني، فإنه في الوقت ذاته كشف عن هشاشة اليقين. فالنظريات العلمية لم تعد تُقدَّم بوصفها حقائق نهائية، بل كنماذج تفسيرية قابلة للتعديل والنقض. وقد عبّر كارل بوبر عن هذا التحول حين جعل القابلية للتكذيب معيارًا للعلمية، مؤكدًا أن تقدم المعرفة لا يتم عبر تراكم اليقين، بل عبر تصحيح الأخطاء. في هذا السياق يغدو اللايقين محرّكا للمعرفة لا عائقا أمامها، ويصبح العقل أكثر خصوبة حين يتخلى عن وهم العصمة.

غير أن السؤال الأعمق يظل قائما: كيف يمكن للعقل أن يعيش هذا التوتر دون أن يتمزق؟ كيف يحافظ على صرامته البرهانية دون أن يفقد حساسيته إزاء الغموض؟ لعل الجواب يكمن في إعادة تعريف العقل ذاته، لا كسلطة مغلقة، بل كحوار مفتوح مع العالم ومع الذات. عقل يعترف بأن البرهان ضرورة، لكنه ليس كفاية، وأن اللايقين خطر، لكنه أيضا فرصة. ففي المسافة بين ما نبرهن عليه وما نشك فيه، يتشكل المعنى ويتجدد السؤال، وتظل الفلسفة ممكنة.

إن العقل ليس طريقا مستقيما نحو الحقيقة، بل مسارا متعرجا تتخلله الانقطاعات والمراجعات. وكل محاولة لتحويله إلى آلة يقين مطلق إنما تنتهي إلى إفقاره، كما أن كل دعوة إلى إغراقه في الشك المطلق تفضي إلى تعطيله. بين هذين الحدّين، يعيش العقل توتره الخلّاق، ويؤسس إنسانيته بوصفه كائنا يسأل لأنه لا يملك الجواب النهائي، ويبرهن لأنه يرفض الاستسلام للغموض الخالص، ويقبل اللايقين لأنه يدرك أن الحقيقة أكبر من أي صيغة نهائية.

هذا التوتر ليس مأزقا يجب تجاوزه، بل أفقا يجب السكن فيه. فالعقل لا يبلغ نضجه حين يعلن انتصاره، بل حين يتعلم كيف يفكّر في حدوده، وكيف يحوّل اللايقين من تهديد إلى إمكان. وفي هذا التحويل بالذات، تتجلى مسؤوليته الفلسفية، بوصفه عقلا لا يكف عن البحث، ولا يدّعي الوصول، عقلا يظل وفيّا للبرهان، دون أن يغلق الباب في وجه السؤال.

ومع هذا الوعي المتزايد بحدود البرهان، لا يعود السؤال هو ما إذا كان العقل قادرا على إنتاج اليقين، بل أيّ يقين هذا الذي يمكن أن ينتجه دون أن ينقلب على ذاته. فاليقين حين يُفهم بوصفه امتلاكا نهائيا للحقيقة، يتحول إلى شكل من أشكال الإغلاق، إلى قرار مسبق بإنهاء السؤال. بينما العقل في جوهره، لا يعيش إلا من السؤال، ولا يستمر إلا بقدر ما يظل مفتوحا على ما ينقضه ويقلقه. إن العقل لا يشتغل ضد اللايقين، بل من خلاله، وأن البرهان ذاته ليس سوى محاولة مؤقتة لتثبيت معنى سرعان ما يعود إلى السيولة.

إن تاريخ الفكر لا يقدّم لنا عقلا واحدا، بل عقولا متعددة، لكلّ منها طريقته في تدبير العلاقة بين البرهان والشك. فالعقل الرياضي على سبيل المثال، يبدو في ظاهره الأكثر اقترابا من اليقين الصارم، لكنه هو نفسه يكشف عند تعمّق النظر، عن مفارقات تقوّض طمأنينته. لقد أظهرت مبرهنات غودل في القرن العشرين، أن أي نسق رياضي كافٍ التعقيد لا يستطيع أن يبرهن على اتساقه من داخله، وأن هناك قضايا صادقة لا يمكن البرهنة عليها ضمن النسق ذاته. هنا، في قلب العقل الصوري، ينبثق اللايقين لا كطارئ، بل كحدّ بنيوي، وكأن العقل يُخبر نفسه بأن اكتماله مستحيل، وأن كل بناء محكم يخفي فجوة لا تُردم.

وفي شق المعرفة التاريخية، يتضاعف هذا التوتر، لأن العقل لا يواجه معطيات صمّاء، بل أحداثا مشحونة بالمعنى، ومرويات متنازعة، وزوايا نظر متعارضة. فالبرهان التاريخي لا يمكن أن يكون استنتاجا يقينيا بالمعنى الرياضي، بل هو بناء تأويلي يستند إلى الوثائق والقرائن والترجيح. وقد نبّه بول ريكور إلى أن الحقيقة التاريخية لا تُعطى، بل تُبنى عبر صراع التأويلات، وأن العقل المؤرِّخ لا يبحث عن يقين مطلق، بل عن معنى معقول داخل أفق احتمالي. يُستشف من هذا، أنه لا يكون اللايقين نقصا في المنهج، بل علامة على تعقّد الموضوع ذاته.

أما في مجال الأخلاق، فإن المسألة تزداد حساسية، لأن العقل هنا لا يكتفي بالفهم، بل يطمح إلى التوجيه والحكم. فهل يمكن تأسيس القيم على برهان عقلي صارم؟ كان كانط يعتقد ذلك حين جعل من العقل العملي مصدرا للإلزام الأخلاقي، مستندا إلى مبدأ الكلية والضرورة. غير أن هذا المشروع، على قوته، لم يمنع بروز تساؤلات عميقة حول تاريخية القيم، وتعدّد المرجعيات واختلاف السياقات. وهنا يظهر اللايقين الأخلاقي لا بوصفه فوضى قيمية، بل بوصفه وعيا بأن العقل، وهو يصدر الأحكام، يظل مشروطا بثقافة وزمان وتجربة معيشة. إن الأخلاق العقلانية حين تنسى هذا الشرط، تخاطر بالتحول إلى تجريد بارد لا يصغي إلى هشاشة الإنسان.

تتقاطع الفلسفة مع الوجود الإنساني في أكثر نقاطه حساسية. فالإنسان لا يطلب البرهان فقط ليعرف، بل ليطمئن، ليمنح لحياته معنى يمكن الاعتماد عليه. غير أن هذا المطلب الوجودي نفسه هو ما يجعل العقل عرضة للتوتر، لأن الحياة لا تُسلِّم ذاتها كاملة للبرهان. لقد عبّر كيركغارد عن هذا البعد حين رأى أن الحقيقة التي تُعاش تختلف عن الحقيقة التي تُبرهَن، وأن هناك لحظات حاسمة في الوجود لا تُحسم بالحجة، بل بالاختيار. هنا لا يُلغى العقل، لكنه يُدفع إلى أقصى حدوده، حيث يعترف بأن دوره لا يتمثل في إزالة القلق، بل في جعله واعيا بذاته.

ويتبيّن أن اللايقين ليس عدوا للعقل، بل مرآته التي يرى فيها محدوديته. فالشك حين يكون منهجيا لا يدمّر المعرفة، بل يحميها من الادعاء. وقد أدرك فلاسفة التأويل أن الفهم الإنساني لا يبدأ من نقطة الصفر، بل من أحكام مسبقة، وأن مهمة العقل ليست القضاء عليها، بل اختبارها وتعديلها. من هنا يصبح العقل ممارسة تاريخية، حوارا لا ينتهي بين ما نعتقده وما يواجهنا، بين ما نبرهن عليه وما يراوغنا.

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب العقل هو وهم الاكتفاء الذاتي، الاعتقاد بأنه قادر على الاكتفاء بقوانينه الداخلية دون حاجة إلى الإنصات لما يفلت منها. فهذا الوهم هو ما يغذّي الأيديولوجيا ويحوّل البرهان إلى أداة تبرير، واليقين إلى قناع للسلطة. وقد كشف فلاسفة مدرسة فرانكفورت كيف يمكن للعقل الأداتي حين ينفصل عن النقد الذاتي، أن يتحول من أداة تحرير إلى وسيلة هيمنة. في هذه الحالة لا يكون اللايقين خطرا، بل يكون اليقين هو الخطر، لأنه يمنع السؤال ويصادر الاختلاف. ولا يقل خطر الانزلاق إلى نسبية شاملة تُسوّي بين كل الآراء وتفرغ العقل من أي معيار. فالعقل الذي يتخلى كليا عن مطلب البرهان يفقد قدرته على التمييز، ويصبح عرضة للعبث والعدمية. من هنا تبرز الحاجة إلى عقل نقدي، لا يسلّم بسهولة، ولا يشك بلا أفق، عقل يوازن بين الالتزام بالحجة والوعي بقابليتها للنقض. هذا التوازن الدقيق هو ما يجعل العقل حيّا، غير متخشّب، وغير ذائب في السيولة المطلقة.

إن السؤال عن العقل بين البرهان واللايقين هو في جوهره سؤال عن الإنسان ذاته. فالإنسان كائن لا يستطيع العيش بلا معانٍ مستقرة نسبيا، ولا يستطيع في الوقت ذاته، الهروب من هشاشته المعرفية. إنه محكوم بأن يبرهن لأنه يسعى إلى الفهم، ومحكوم بأن يشك لأنه يعي محدوديته. وفي هذا التناقض الظاهر تتجلى فرادته. فلو كان عقلا يقينيا خالصا لفقد إنسانيته، ولو كان كائن شك مطلق، لفقد قدرته على الفعل.

إن العقل لا يُقاس بكمية اليقين الذي ينتجه، بل بقدرته على تحمّل اللايقين دون الانهيار. فالعقل الناضج هو ذاك الذي يعرف متى يطالب بالبرهان ومتى يقبل بالتعليق، ومتى يحوّل الشك إلى سؤال منتج. إنه عقل لا يهرب من الغموض ولا يستسلم له، بل يسكنه بوصفه أفقا للفكر.

وهكذا يغدو التفكير ذاته ممارسة أخلاقية، لا لأنها تقدّم قواعد جاهزة، بل لأنها تدرّب الإنسان على التواضع، وعلى الاعتراف بأن الحقيقة ليست ملكا، بل علاقة. علاقة متوترة بين الذات والعالم، بين المفهوم والتجربة، بين ما نعرفه وما يتعذّر علينا معرفته. وفي هذه العلاقة لا يكون البرهان خاتمة المطاف بل محطة، ولا يكون اللايقين سقوطا، بل دعوة إلى مواصلة السير.

إن العقل لا يختار بين البرهان واللايقين، لأنه لا يستطيع الاستغناء عن أيّ منهما. فهو يبرهن ليقاوم الفوضى، ويشك ليقاوم الاستبداد. وبين هذين القطبين، تتشكل ديناميته العميقة، بوصفه عقلا إنسانيا لا يدّعي امتلاك الحقيقة ولا يتنازل عن السعي إليها. عقل يعرف أن أقصى درجات قوته تكمن في وعيه بحدوده، وأن أعمق أشكال اليقين هو ذاك الذي يظل مصحوبا بإمكانية المراجعة.

ولا يكون العقل جسرا نحو يقين مطلق، بل أفقا مفتوحا للفهم، ولا يكون اللايقين نهاية للفلسفة، بل شرطا لاستمرارها. فطالما ظل الإنسان يسأل، سيظل العقل متأرجحا بين البرهان والقلق، وبين ما يمكن قوله وما يتعذّر قوله، وبين الحاجة إلى المعنى والاعتراف بغموضه. وفي هذا التأرجح بالذات، يكمن سرّ الفكر وشرط إمكانه، وجدواه الوجودية العميقة.

وهكذا يظلّ العقل وفيا لجوهره لا حين يَعِدُ بيقينٍ نهائي، بل حين يقيم في المسافة الفاصلة بين البرهان وما يفلت منه، بين ما يُمسَك بالحجة وما يُلامَس بالحدس. فالعقل الذي يعي حدوده لا ينكفئ بل يتّسع، ولا يتخلّى عن الحقيقة بل يحرّرها من وهم الامتلاك. وفي هذا المنحى، لا يعود اللايقين نقيضا للعقل، بل قرينا له، يحفظ حيويته ويمنع تحجّره، ويجعل التفكير فعلا مفتوحا على المراجعة والدهشة. هناك حيث لا ينغلق السؤال ولا يُستنفد المعنى، يبرهن العقل على أعمق أشكال قوّته: أن يظلّ قادرا على التفكير رغم غياب الطمأنينة، وأن يواصل البحث، لا لأن الحقيقة مضمونة، بل لأنها تستحق أن تُطلَب.

فهل يكون العقل أصدق حين يطالب بالحقيقة عبر البرهان، أم حين يعترف بأن أعمق الحقائق لا تُمنَح إلا في هيئة سؤال؟، وهل يكمن معنى التفكير في الوصول إلى اليقين، أم في القدرة على الإقامة الشجاعة داخل اللايقين دون أن نفقد الرغبة في الفهم؟.

***

د. حمزة مولخنيف

رؤية فلسفية لضرورة التحول الرقمي للفلسفة

لطالما كانت الفلسفة حاضرة في لحظات التحول الكبرى في تاريخ البشرية، ومع التطور الهائل والثورة الرقمية في عصرنا، أصبح التحول الرقمي للفلسفة ضرورة وواجب أخلاقي، لمواجهة سيل المعلومات التي يضخها الذكاء الإصطناعي والعالم الرقمي للإنسان وللمجتمع المعاصر، والتي أصبح لها تأثير مُخيف على الجيل الحالي من الشباب، رغم أن هذه المعلومات لا يكون أغلبُها صحيحاً، بل ربما تكون معلومات زائفة ومُضللة، إن المجتمع المعاصر بحاجة الى التفكير الفلسفي أكثر من أي وقتٍ مضى، فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات نستخدمها، بل أصبحت جزءاً من هويتنا، وعلاقاتنا، وطريقة فهمنا للعالم المعاصر.

دور الفلسفة الرقمية المعاصرة وتوجهاتها

إن التحول الرقمي للفلسفة هو ضرورة، وواجب أخلاقي لمواجهة مشكلات المجتمع المعاصر، والحد منها، ويمكن تحديد دور الفلسفة الرقمية المعاصرة في ما يلي:

- إعادة تأهيل العقل الإنساني وتنقيته من الشوائب الفكرية: من خلال إنشاء منصات فلسفية إلكترونية، وتوظيف هذه المنصات في نشر الفكر الفلسفي، والقيم الفلسفية، والعمل على تشخيص المشكلات الإنسانية والإجتماعية المعاصرة، وطرح حلول عملية وواقعية مناسبة لها. حيث يساهم الإنتشار الرقمي للفلسفة، في نشر القيم الفكرية والأخلاقية الإيجابية، في محاولة لإعادة ربط الإنسان بالعالم الحقيقي من جديد.

- الدور الأخلاقي والتوجيهي للفلسفة: حيث إن التطور التكنولوجي المتسارع يفرض على الفلسفة تحديات أخلاقية عميقة، يتوجب على الفلسفة التعامل معها ومعالجتها، في سبيل مساعدة المجتمع والإنسان المعاصر في فهم وتجاوز مشكلاته المعاصرة.

- الدور الإرشادي: مع إنتشار الذكاء الإصطناعي، والعوالم الإفتراضية، وروبوتات الدردشة، بدأ الإنسان يتراجع فكرياً، وأصبح وعي الإنسان بذاته، وبوجوده الحقيقي مُرتبك وغير مُنَتظّم، لقد إنصهر وجود الإنسان وماهيته الحقيقية في دهاليز ومتاهات العالم الرقمي، وقد آن الأوان أن تقوم الفلسفة بدورها الإرشادي لإستعادة الإنسان المعاصر لماهيته، وفطرته وبوصلته الوجودية المفقودة.

- الدور المعرفي التعليمي: في عصر المعلومات والأخبار والصور، والفيديوهات الإصناعية، المزيفة والمُضلِلة، أصبح دور الفلسفة الرقمية المعاصرة يتمثل في مساعدة الإنسان على التمييز بين ماهو حقيقي وماهو مزيف، من خلال إعادة تفعيل عقل الإنسان وتوازنه الوجودي، وصلته بذاته ومجتمعه، والدعوة الى التفكير النقدي والمنطقي، والعودة الى الطبيعة والعالم الحقيقي، الذي يحمي العقل من المتاهات الرقمية، حيث يقع على عاتق الفلسفة مهمة مساعدة العقل البشري على التمييز بين الحقيقة والوهم، والحفاظ على ما تبقى لنا من العلاقات الإجتماعية، والوعي الإنساني.

 مجالات الفلسفة الرقمية المعاصرة

لقد ظهرت مجالات فلسفية جديدة، تستطيع من خلالها الفلسفة بحلتها الرقمية الجديدة ممارسة الإصلاح الفكري، ونشر الوعي، ومواكبة توجهات الإنسان والمجتمع المعاصر، من خلال الولوج في مواضيع عصر التكنولوجيا، ومعالجة ازماته المعاصرة بصورة عملية، حيث أصبح دور الفلسفة ومساهماتها يشمل الجوانب الآتية:

- الفلسفة التطبيقية: وهو الجانب العملي من الفلسفة الذي يركز على تشخيص المشكلات، وإيجاد حلول عملية لها، وهو الدور الريادي الذي بدأت الفلسفة تمارسه لمد يد العون للإنسان والمجتمع المعاصر في مواجهة الأزمات الفكرية والتحديات المعاصرة.

- الأخلاق التطبيقية: حيث تقوم الفلسفة من خلال إستخدام المفاهيم الأخلاقية، بالتعامل مع المشكلات الأخلاقية المعاصرة التي رافقت التطور التكنولوجي المعاصر، مثل مشكلات الخصوصية الرقمية، وحماية المعلومات الشخصية، واخلاقيات الذكاء الإصطناعي، وتنظيم بروتوكولات التعامل في العالم الرقمي.

- فلسفة التكنولوجيا: تقوم فلسفة التكنولوجيا بدور مهم لفهم وتنظيم العلاقة بين الإنسان المعاصر والتكنولوجيا، وتقدم فلسفة التكنولوجيا العديد من الأدوات المعرفية، لتساعد الإنسان في المجتمع المعاصر على التمييز بين المعلومات الحقيقية والزائفة.

أهداف الفلسفة الرقمية المعاصرة

- مساعدة الإنسان والمجتمع المعاصر على التفريق بين الحقيقة والوهم، وبين ماهو واقع وماهو مجرد وهم وتزييف رقمي.

- إستخدام التطور التكنولوجي في خدمة الإنسانية، من خلال توظيفه في الحفاظ على القيم الإنسانية، لنشر الأفكار الفلسفية في العالم الإفتراضي، وتعزيز التفكير الفلسفي، من خلال الجمع بين حكمة الفلسفة، وقوة التأثير الرقمي.

- الحفاظ على الهوية الإنسانية، من خلال تشخيص مشكلات الإنسان والمجتمع المعاصر، وحماية العقل الإنساني من المعلومات الخاطئة، والحفاظ على القيم الإنسانية، وتعزيز الإنتماء الإنساني.

إن التحول الرقمي دخل كل مجالات الحياة المعاصرة، وأصبح واقعاً مُعاشاً، يجب على الفلسفة الإستفادة منه، وتوظيفه لصالح الإنسان والمجتمع، والعمل على توجيهه بما يخدم مصلحة الإنسان، ويحقق أهداف المجتمع، وقيَمهِ الإنسانية والأخلاقية.

***

شيماء هماوندي

 

من التراث الميتافيزيقي إلى الروحانية العلمية المعاصرة

 تمثل دراسة الوعي وحرية الاختيار الخيط الناظم لتاريخ الفكر الإنساني، وهي القضية التي لم تبارح مكانها في قلب الجدل الفلسفي والعلمي منذ فجر التاريخ وحتى عصر الذكاء الاصطناعي وميكانيكا الكم. إن الانتقال من التراث الميتافيزيقي، الذي كان ينظر إلى الوعي كجوهر روحي أو فيض إلهي، إلى الروحانية العلمية المعاصرة التي تحاول تأطير هذه المفاهيم ضمن قوانين الفيزياء العصبية والكمية، لا يمثل مجرد تطور في المناهج، بل هو إعادة تعريف لماهية الإنسان ومكانه في الوجود. إن جعل التراث معاصرًا ليس عملاً إراديًا بحتًا أو مجرد تحديث لمفاهيمه، بل هو عملية فلسفية تتطلب ما أسماه هانز جورج غادامر "امتزاج الأفقين" لنتج معرفة تشبع نهم الوجود في كليته.

يُعدُّ التصور الأرسطي (المذهب الهيوليمورفي) بمثابة الجذر التاريخي الأهم للمقاربات الطبيعانية الحديثة. إن تعريفه للنفس بأنها "صورة للجسد" يضعها ضمن إطار وظيفي يمكن للعلم دراسته. وهذا يتناقض مع التقديس الأفلاطوني الذي وضع الروح خارج متناول التحليل المادي. المقاربة الأرسطية هي التي سمحت لاحقاً للروحانية العلمية بإعادة دمج الوعي والوظائف الذهنية داخل الإطار الطبيعي دون إنكار أهميتها. وفي الفلسفة الحديثة، رسخ رينيه ديكارت الثنائية الجوهرية التي فصلت الوجود إلى جوهرين مختلفين: الروح، كوعي خالص غير ممتد، والجسد كمادة ميكانيكية ممتدة. وكان التحدي الأكبر: كيف يمكن لجوهرين مختلفين جذرياً أن يتفاعلا؟

أدت أزمة التفاعل الديكارتية إلى نتائج وجودية عميقة، إذ أصبحت هذه الأزمة السبب المباشر لظهور المادية الصارمة والطبيعانية في القرن العشرين. فإذا لم يستطِع الجوهر الروحي أن يؤثر في الجسد المادي بشكل مفهوم، فإنه يصبح وجوداً زائداً عن الحاجة. كما تُعرَّف الروحانية العلمية أو العلمانية بأنها إمكانية تحقيق التجربة الروحية دون الحاجة إلى افتراض وجود "قوة أعلى" أو "كائن خارق للطبيعة". إنها لا تُعتبر ديناً جديداً، بل مقاربة تسمح لجميع الخبرات باتخاذ صفة روحية، لا تقتصر على مجال ديني واحد أو عالم متعالٍ.

على الرغم من أن التطورات الصناعية والمادية في الغرب قد أدت إلى زيادة في النزعة الفردية، فإن الروحانية العلمانية تؤكد طابعها المجتمعي. وتُعتبر حالات الرهبة والتجربة الروحية التي يمكن اختبارها فردياً بمثابة محفزات قوية تدفع الناس للتأثير في الآخرين والطبيعة إيجابياً، مما يساهم في الجماعية؛ وهذا يبرر دورها الأخلاقي والاجتماعي يتجاوز حدود الفردانية البحتة.

الوعي كخاصية كونية إذا كانت الروحانية العلمية تهدف إلى إيجاد المعنى والقيمة دون مرجع متعالٍ، فإنها تحتاج إلى ترسيخ الوعي كجوهر مقدس ضمن الإطار الطبيعاني. وقد دفع هذا السعي إلى إحيـاء نظريات ميتافيزيقية قديمة مثل الروحية الشاملة وإعادة صياغتها في ضوء الاكتشافات العلمية المعاصرة. إن الروحية الشاملة هي آلية فلسفية تتيح "التقديس الميتافيزيقي" للوعي، حيث يصبح الوعي متأصلاً في الواقع المادي كله، لكنها لا توفر حلاً وسطاً جذاباً بين ثنائية الجوهر والمادة الصارمة.

 الوعي كعقل كوني:

تذهب بعض النظريات المعاصرة في الفيزياء وفلسفة العقل إلى ما هو أبعد من مجرد ملازمة الوعي للمادة، إذ تمنح الوعي دوراً نشطاً في تشكيل الواقع الفيزيائي. تفترض هذه المقاربات، التي تُعرف بنظريات الوعي الكمي، أن الواقع قد يكون "محاكاة ذاتية" وأن الكون هو "عقل واحد" يمثل نفسه في شكل رمزي رياضي. تشير هذه النظريات إلى دور الوعي في تشكيل الواقع، خاصة من خلال الربط بينه وبين المجال الكهرومغناطيسي وميكانيكا الكم. إذا كان للوعي دور مهم في انهيار الدالة الموجية كما تقترح بعض تفسيرات ميكانيكا الكم، فإن هذا يرفع الوعي إلى مستوى ميتافيزيقي حيث يصبح أساساً للواقع المادي نفسه. إن هذه "الفرضية الجريئة" تدعو إلى إعادة النظر في مفهوم الذات والواقع؛ وهذا هو أعلى مستوى من "التقديس الطبيعاني" للوعي، حيث يصبح الوعي الخالق أو المؤسس للقوانين الفيزيائية العميقة، بدلاً من كونه ناتجاً لها.

 الوعي الفردي بالحرية:

 إن الوعي الفردي بالحرية هو المكون الأساسي الذي يفرق التجمع الطبيعي عن المدني. وكلما ازداد وعي الفرد بحريته، ازداد وعيه بالمسؤولية عن أفعاله وحكمها الأخلاقي في المجتمع. وهكذا، تتحول الحرية إلى مسؤولية أخلاقية بالاجتماع ووجود الآخر. إن الروحانية العلمية لا تزال تعترف بالمسؤولية الأخلاقية في مستوياتها المختلفة؛ حيث يمكن التمييز بين القيم الجماعية المستمدة من التقاليد التي قد تصدر عن مرجعية دينية، والأخلاق كقوانين كلية وعامة بالمفهوم الكانطي للفضيلة، وأخلاقيات الحكمة العملية باصطلاح بول ريكور، أو الاهتمام بالذات باصطلاح ميشيل فوكو؛ وهذا الأخير يشير إلى جمالية السلوك الفردي والقدرة على إبداع بدائل متجددة. تعزز الروحانية العلمانية المسؤولية الجماعية، حيث تؤكد أن حالات الرهبة التي يتم اختبارها بشكل فردي تساهم في النهاية في الجماعية، لأنها تحفز الأفراد للتأثير الإيجابي.

 الروحانية العلمية

تمثل الروحانية العلمية مقاربة فلسفية شاملة تسعى إلى صياغة إطار جديد لإضفاء القداسة على الوجود الإنساني دون اللجوء إلى مفاهيم متعالية، وتأسيس الأخلاق من خلال "المشهد الأخلاقي"، حيث يصبح رفاه الوعي هو المعيار الأقصى للقيمة، مما يربط التقديس الميتافيزيقي للوعي بالمسؤولية الأخلاقية في العالم الطبيعي. لقد قدم هذا التوليف حلاً وسطاً جذاباً، إذ إنه يعيد تقديس الوعي والاختيار عن طريق دمجها في أساس الواقع الفيزيائي نفسه، بدلاً من وضعهما في عالم روحي منفصل. رغم ذلك، يستمر النقد الموجه للتوافقية بأنها لا تقدم الإرادة الحرة بالمعنى المطلق اللازم للمسؤولية الأخلاقية التقليدية، وأنها لا تزيد عن كونها "حتمية في ثوب آخر". هذا التحدي يظل جوهرياً للحتميين والليبراليين الذين يصرون على أن الحرية تتطلب القدرة على اختيار خلاف ما تم اختياره دون تحديد سببي كامل.

التحدي المنهجي للمعنى

التحدي المنهجي للمعنى تطور هذا المسار نحو التجريبية مع جون لوك، الذي رفض الأفكار الفطرية واعتبر الوعي نتاجًا لتراكم الانطباعات الحسية. ثم جاء ديفيد هيوم ليشير إلى أن الوعي نفسه قد يكون مجرد حزمة من الإدراك المتغير، وأن مفاهيم مثل "العلية" هي مجرد عادات ذهنية نمليها نحن على الواقع، وليست قوانين ضرورية في ذات الحقيقة. أما إيمانويل كانط، فقد أعاد صياغة الميتافيزيقا لتصبح دراسة لحدود العقل البشري، مؤكدًا أن الإرادة الحرة هي "إرادة طيبة" تنضبط بالعقل الأخلاقي، وهي ضرورة وجودية لتحقيق الواجب رغم حتمية القوانين الطبيعية في عالم الظواهر. تظل مسألة ما إذا كان العلم بأدواته التجريبية القابلة للقياس قادراً على تفسير الإحساس بالمعنى والقيمة بالكامل سؤالاً مفتوحاً.

تُعدُّ المقاربة الفلسفية التاريخية ودورها في الروحانية العلمية المعاصرة بمثابة استجابة حتمية لأزمة المعنى في عصر الطبيعانية. إن تقديس الوعي والاختيار في هذا الإطار لا يتم عبر التعالي، بل عبر الاعتراف بالقيمة الأخلاقية الكامنة في أعماق الطبيعة والكون نفسه. إن الوعي والاختيار ليسا مجرد موضوعات للدراسة، بل هما الفعل الذي نحقق من خلاله إنسانيتنا. ومن خلال الحوار الدائم بين تراثنا الفلسفي وابتكاراتنا العلمية، يمكننا أن نصل إلى فهم أعمق لسر الوجود، مؤكدين أن: "المعرفة هي الشرارة الأولى التي توقظ الوعي، والوعي هو البصيرة التي تهدي الإنسان إلى نفسه وإلى العالم".

***

غالب المسعودي

...........................

المراجع:

plato.stanford.edu

Ancient Theories of Soul - Stanford Encyclopedia of Philosophy

iasj.rdd.edu.iq

مفهوم النفس في فلسفة أرسطو

manshoor.com

مدخل إلى فلسفة العقل.. هذا إذا كان موجودًا أصلًا

pantheism.net

Naturalism and Naturalistic Pantheism: can there be a naturalistic ...

quora.com

What is the difference between spiritual pantheism and scientific pantheism? - Quora

grisda.org

A Biblical Perspective on the Philosophy of Science - Geoscience Research Institute

plato.stanford.edu

Consciousness - Stanford Encyclopedia of Philosophy

scienceworksar.wordpress.com

فلسفة العقل: المفهوم، القضايا، والتأثير في الفكر الفلسفي المعاصر - ScienceWorks Arabic

plato.stanford.edu

Compatibilism - Stanford Encyclopedia of Philosophy

qcc.cuny.edu

Compatibilism

researchgate.net

(PDF) An Emergentist's Perspective on the Problem of Free Will - ResearchGate

الحرية، المجتمع والحكم الأخلاقي.. / عبد الله البياري* - عرب 48

samharris.org

The Moral Landscape: How Science Can Determine Human Values - Sam Harris

 

مقدمة: إريك فروم (1900-1980)، الفيلسوف وعالم النفس الألماني الأمريكي، هو أحد أبرز المفكرين في القرن العشرين الذين دمجوا بين التحليل النفسي والاجتماعي لفهم طبيعة الإنسان في سياق مجتمعه. تأثر فروم بفرويد وماركس، مما أدى إلى تطوير مقاربة نفسية اجتماعية تركز على كيفية تشكل الشخصية الفردية تحت تأثير الهياكل الاجتماعية والاقتصادية.   في كتبه الرئيسية مثل "الخوف من الحرية" و"التملك أم الكينونة؟"، يناقش فروم علاقة الفرد بالمجتمع كتوتر دائم بين الاغتراب الناتج عن نمط التملك والتحرر الذي يتحقق عبر نمط الكينونة. يُعرف الاغتراب عند فروم كشعور بالانفصال عن الذات، الآخرين، والعالم، ناتج عن الرأسمالية الحديثة التي تعزز التملك الخاص كأساس للهوية.  مقابل ذلك، يقترح نمط الكينونة كطريقة للكينونة المشتركة، حيث يتحقق الإنسان من خلال الروابط الإنتاجية والحب غير التملكي. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذه العلاقة بمقاربة نفسية اجتماعية، مستندة إلى تحليل أعمال فروم، مع التركيز على الانتقال من الاستلاب إلى التحرر. سنبدأ بمناقشة الأسس النظرية، ثم نستعرض استلاب التملك، وأخيراً تحرر الكينونة، مع الإشارة إلى التقاطعات والتطبيقات المعاصرة. فماهي علاقة الفرد بالمجتمع عند ايريك فروم من استلاب التملك الخاص إلى تحرر الكينونة المشتركة؟

الأسس النظرية لعلاقة الفرد بالمجتمع عند فروم

تستند مقاربة فروم النفسية الاجتماعية إلى دمج التحليل النفسي مع النقد الاجتماعي الماركسي، حيث يرى أن الشخصية الفردية تتشكل من خلال التفاعل مع البيئة الاجتماعية. في "المجتمع السوي"، ينتقد فروم المجتمع الحديث كمصدر للاغتراب، حيث يفقد الفرد روابطها الأولية مع الطبيعة والمجتمع، مما يؤدي إلى شعور بالعزلة والقلق الوجودي.

 يعتمد فروم على مفهوم "التوجهات الشخصية"، التي تكون إما إنتاجية أو غير إنتاجية، وتتحدد بناءً على كيفية استجابة الفرد للحاجات الإنسانية الأساسية مثل الجذورية، الوحدة، والتجاوز.

من الناحية النفسية، يرى فروم أن الاغتراب ينشأ من "الخوف من الحرية"، حيث يهرب الفرد من حريته الفردية عبر آليات مثل السلطوية أو التوافق الآلي، مما يعزز التبعية للمجتمع بدلاً من الاندماج الحقيقي.

 اجتماعياً، ينتقد فروم الرأسمالية لترسيخها نمط التملك، الذي يحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات شيئية، حيث يصبح الفرد "ما يملك" بدلاً من "ما يكون".

 هذه المقاربة تؤكد أن الصحة النفسية للفرد مرتبطة بصحة المجتمع، وأن التحرر يتطلب تغييراً جذرياً في الهياكل الاجتماعية.

في سياق التملك الخاص، يرى فروم أنه يعزز التوجهات غير الإنتاجية مثل الاستغلالي والتجميعي، حيث يصبح التملك مصدراً للأمان الزائف، مما يؤدي إلى الاغتراب عن الآخرين.

 مقابل ذلك، يقترح نمط الكينونة كتوجه إنتاجي يعتمد على الحب والتضامن، مما يعيد بناء العلاقة بين الفرد والمجتمع على أساس مشترك.

استلاب التملك الخاص: الاغتراب النفسي الاجتماعي

في كتاب "التملك أم الكينونة؟"، يصف فروم نمط التملك كطريقة وجود تهيمن عليها الرغبة في الاقتناء والسيطرة، مما يؤدي إلى استلاب الفرد عن ذاته ومجتمعه. يعرف فروم هذا النمط بأنه "يحول كل شيء إلى أشياء، بما في ذلك الذات والآخرين"، حيث يصبح الإنسان "ما يملك وما يستهلك".

 نفسياً، ينشأ هذا الاستلاب من الخوف من الفقدان، مما يدفع الفرد إلى تجميع الممتلكات كدفاع ضد القلق الوجودي، لكنه يؤدي إلى الشعور بالفراغ والعزلة.

اجتماعياً، يرتبط التملك الخاص بالرأسمالية، التي تحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات سوقية، حيث يصبح الآخرون أدوات للاستغلال أو المنافسة.

 ينتقد فروم هذا النمط لأنه يعزز التوجه التسويقي، حيث يبيع الفرد نفسه كسلعة في سوق العمل، مما يفقده هويته الأصيلة ويحوله إلى كائن آلي يتوافق مع معايير المجتمع دون تفكير نقدي.

 هذا الاغتراب يتجلى في ظواهر مثل الاستهلاكية، حيث يسعى الفرد إلى ملء الفراغ الداخلي بالممتلكات، لكنه يزيد من الاغتراب عن الطبيعة والآخرين، مما يؤدي إلى تدمير البيئة والعلاقات الاجتماعية.

من منظور نفس اجتماعي، يرى فروم أن هذا الاستلاب ينشأ من فقدان الروابط الأولية في المجتمع الحديث، حيث يحل التملك محل الحب غير الشرطي، كما في الانتقال من المجتمعات الأمومية إلى الأبوية.

نتيجة لذلك، يعاني الفرد من الاكتئاب والعدوانية، حيث يصبح التملك مصدراً للصراع الاجتماعي، كما في الشوفينية والحروب.

تحرر الكينونة المشتركة: الطريق إلى الوجود الإنتاجي

مقابل نمط التملك، يقترح فروم نمط الكينونة كطريقة تحررية للوجود، حيث يركز الفرد على النشاط الإنتاجي والتفاعل الحي مع الآخرين. يعرف فروم هذا النمط بأنه "عملية حية وإنتاجية بين الذات والعالم"، حيث لا يخشى الفرد الفقدان لأنه "ما هو لا ما يملك".

 نفسياً، يتحقق التحرر من خلال تنمية التوجه الإنتاجي، الذي يعتمد على الحب، العقل، والتضامن، مما يساعد الفرد على تجاوز الاغتراب وتحقيق الوحدة مع الذات والآخرين.

اجتماعياً، تتطلب الكينونة المشتركة بناء مجتمع جديد يركز على الاحتياجات الإنسانية بدلاً من الربح، مثل ضمان الدخل الأساسي وتشجيع التعاون.

لذلك يرى فروم أن هذا التحرر يتجاوز كلاً من الرأسمالية والشيوعية السوفييتية، مقترحاً اشتراكية إنسانية تعزز الحرية والكرامة.   في هذا النمط، تتحول العلاقات إلى روابط غير تملكية، حيث يصبح الحب "إعطاء" لا "اقتناء"، مما يعيد بناء المجتمع على أساس الثقة والمشاركة.

من منظور نفس اجتماعي، يساعد نمط الكينونة في حل التناقض الوجودي بين الحاجة إلى الوحدة والحفاظ على الفرادة، من خلال النشاط الإبداعي والتفاعل الاجتماعي.  هذا التحرر يتطلب تغييراً في الشخصية، مثل تطوير الوعي النقدي والاستقلالية، ليصبح الفرد جزءاً من كينونة مشتركة دون فقدان ذاته.

التقاطعات والتطبيقات المعاصرة

يتداخل الاستلاب والتحرر في أفكار فروم كعملية ديناميكية، حيث يمكن للفرد الانتقال من التملك إلى الكينونة من خلال الوعي والتغيير الاجتماعي. في العصر الحديث، تظهر أهمية هذه المقاربة في مواجهة الاستهلاكية والعزلة الرقمية، حيث يمكن تطبيق أفكار فروم في التعليم والعلاج النفسي لتعزيز التوجهات الإنتاجية.  كذلك، يساهم في نقد السلطوية المعاصرة، كما في ظهور الشعبوية، التي تعكس الهروب من الحرية.

خاتمة

في الختام، تُبرز علاقة الفرد بالمجتمع عند إريك فروم التوتر بين استلاب التملك الخاص، الذي يعزز الاغتراب النفسي الاجتماعي، وتحرر الكينونة المشتركة، التي تعيد بناء الروابط الإنسانية. من خلال مقاربته النفسية الاجتماعية، يدعو فروم إلى مجتمع إنساني يركز على الكينونة بدلاً من التملك، مما يوفر طريقاً للصحة النفسية والاجتماعية. يظل فكره ذا أهمية معاصرة، محفزاً على التغيير نحو عالم أكثر تضامناً وإنسانية. فهل تكفي هذه المقاربة البسيكوسوسيولوجية للانتقال بالكائن البشري فردا ومجموعة من وضع غير سوي الى وضع سوي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

تجدر الإشارة ان فكرة وجوب تحطيم العقل للمجتمع ليست من ضمن الإجماع الفلسفي السائد، وانما هي مفهوم جرى استطلاعه في النظرية النقدية وما بعد البنيوية وأدبيات العالم اللاطوباوي، وتشير الى ان العقل المحض (المنطق البارد) يمكنه ان ينزع العناصر الإنسانية – التقاليد، العواطف، الايمان، الأسطورة – التي تشد الجماعات الى بعضها بحيث يقود الى العزلة والتحكم المفرط والتشظي الاجتماعي وضياع المعنى وبالتالي إضعاف النسيج الإنساني للمجتمع الذي يدّعي العقل تحسينه.

يتساءل المفكرون هل ان العقلانية الراديكالية تخلق أنظمة عقيمة وسلطوية تعطي قيمة للكفاءة بدلا من الإنسانية، بحيث تؤدي بالنتيجة الى انهيار مجتمعي من خلال تجريد الصفة الإنسانية.؟

الحجج الأساسية للتأثير المدمر للعقل

1-  الاغتراب وتجريد الناس من الإنسانية: أنظمة العقلانية المفرطة تختزل الناس الى وحدة معلوماتية تتجاهل الحاجات الإنسانية المتفردة والعواطف والأبعاد الروحية وهو ما يقود الى اغتراب عميق.

2-  ضياع التقاليد والمعنى: العقل عادة يتحدى العقائد التقليدية والطقوس والاساطير التي تمنح المجتمعات التماسك والهدف ،الامر الذي يترك فراغا يجب ملؤه من جانب العقل.

3-  الحكم الشمولي: الاندفاع نحو نظام تام وكفاءة من خلال العقل يمكن ان يبرر مراقبة صارمة وسيطرة (التكنوقراط او حوكمة الذكاء الصناعي)، وهو ما يسحق الحرية الفردية.

4-  تآكل التعاطف: التركيز فقط على الحسابات الموضوعية يمكن ان يزيل التعاطف والشفقة والحدس الأخلاقي الضروري لروابط اجتماعية صحية.

5-  القفص الحديدي (ويبر): حذّر ماكس ويبر من ان العقلانية خاصة البيروقراطية تخلق قفصا حديديا (iron cage) من القواعد والإجراءات تخنق الإبداعية والتلقائية والارتباط الإنساني الحقيقي بما يجعل الحياة بلا معنى.(1)

موقف ستيف فولر: العقل يدمر المجتمعات

حاول العديد من المفكرين تأسيس النظام الاجتماعي على العقل. لكن ستيف فولر steve fuller، بروفيسور الأبستمولوجيا الاجتماعية في جامعة وارويك Warwick البريطانية ومؤلف (الإعلام وقوة المعرفة،2025) يرى ان هذه المحاولات محكوم عليها بالفشل. العقل بطبيعته غير اجتماعي، لأنه يعامل مؤسسات المجتمع – سواء كانت نظاما سياسيا او نموذجا علميا scientific paradigm كترتيبات مؤقتة. العالم كما هو معرّض للعين النقدية للعقل، يحمل قيمة فقط كوسيلة لغايات عليا. وبهذا، فان العقل ليس أداة للاستقرار وانما محفز لثورات دائمة.

لماذا عندما يتولى الكائن العقلاني مسؤولية أي شيء، تحدث بعدها نتائج اجتماعية مدمرة؟ العالِم الأحادي الذهن وخبير الكفاءة والآلات الفائقة الذكاء يجسدون أمثلة مألوفة عن الواقع والخيال على حد سواء. في الوقت الراهن، من السهل اختزال المشكلة الى مجرد افتقار “الناس للمهارة “، والتي قد يتم تشخيصها ضمن مشاكل التفاعل الاجتماعي. لكن المشكلة تكمن في منطق العقل ذاته.

منطق العقل بالنهاية هو حول تجسيد فكرة (لو اعتمدنا على مصطلحات افلاطون) او ادراك الممكن (لو اعتمدنا على لغة ارسطو العضوية). في كلتا الحالتين، انه يتألف من جزئين: تحديد الغاية وتحديد وسائل الغاية. نقد ملكة الحكم لكانط حقق عدالة لكليهما، حيث وضع اطارا تُفهم فيه الأفكار الحديثة للتقدم. مع ذلك، نحن نستطيع ان نرى كيف يكون العقل لا اجتماعيا بقدر ما يتعامل مع النظام الاجتماعي ليس كغاية بذاته وانما كوسيلة لتحقيق غايات أخرى.

عندما استخدم عالم الاجتماع ماكس ويبر لأول مرة اتجاهه في العقل، لاحظ بسرعة ان مجتمعات ما قبل الحداثة لم تفكر بهذا ابدا. هم قبلوا في طبيعية معايير وتوقعات معينة فقط بالارتكاز على قدرتهم على البقاء بمرور الزمن. هو اطلق على هذه المجتمعات بالمجتمعات "التقليدية". علاوة على ذلك، هو اعتبر بعضا منها "غير عقلانية" حينما لم يستطع السكان الاصليون تبرير انشطتهم بما يتجاوز الاستناد على التقاليد.

وراء تمييز ويبر بين "العقلاني" و "غير العقلاني" يكمن اختلاف عميق في الكيفية التي يرتبط بها الناس بمجتمعاتهم. في المجتمعات اللاعقلانية، يتم استقبال الناس والاعتراف بهم وفقا لأدوار محددة، جميع الأعضاء يفهمونها ويقبلون بها اذا أرادوا البقاء. بالمقابل، في المجتمعات العقلانية، الناس يعتبرون انفسهم صناع للنظام الاجتماعي وبالتالي يجب تبرير ممارسات المجتمع تبعا لتعزيز مصالح أعضائه سواء الان او في المستقبل.  يرى ويبر وكذلك معظم مؤسسي علم الاجتماع ان التفاعلات تحصل عندما لم يعد القانون يجبر الافراد لتولّي وظائف آبائهم  بل يسمح لهم بهوية شخصية اكثر تفاعلية. وهكذا، انا يمكن ان أكون مختلفا امام مختلف الناس وفق اتفاق متبادل. المرء كزوج وعامل أصبح رمزا لأشياءً مختلفة قانونا. ان منطق التبادل الذي ينعكس في هذا السياق كان أساس نظرية العقد الاجتماعي التي تبقى حجر الزاوية لكل من الفكر السياسي والتعليم القانوني في المجتمعات الليبرالية. تفاصيل العقد تضمن عقلانية الاتفاق.

حتى الان كل شيء جيد، ما عدى انه حالما تتم كتابة العقد، ستُكشف تماما إمكانيات خرقه. مفاهيم ما قبل الحداثة مثل "ثقة" و "فضيلة" ربما يتم تقديمها بحسن نية لتضمن ان العقد لا يُقرأ بصرامة بحيث يصبح غير قابل للتنفيذ. متى ما حصل هذا، فهو عادة بسبب ان الناس اما لا يستطيعون القراءة جيدا او لا يقرؤون بعناية او ربما لا يريدون القراءة ابدا. السياسات الحديثة وجدت ستراتيجية الحل البديل بشكل عرض دوري للمسائلة العامة كما في الانتخابات.

مع ذلك، اذا كان الناس يُدعون بانتظام او ربما يُجبرون ليقرروا ما اذا كان الحكام أوفوا بوعودهم السياسية، هناك دائما فرصة لتغيير المسار بشكل جذري. لننظر في التغيير الجذري في المجتمع الذي نتج عن عملية اجراء انتخابات، لنقل، لأدولف هتلر او دولاند ترامب. سر نجاحهما جزئيا تطلّب تقسيم الناس ضد النظام السياسي والمؤسسات القائمة، كما في إشارة ترامب المتكررة للعاصمة الامريكية الفيدرالية بـ "مستنقع" و "الدولة العميقة". بعض الراديكاليين المنتخبين ديمقراطيا ذهبوا بعيدا ونجحوا في استبدال دساتير دولهم، وهو التمزيق النهائي للعقد الاجتماعي. لا هتلر ولا ترامب ذهبا الى هذا الحد. المسألة الأكبر هنا هي عند التفكير حول المجتمع "عقلانيا" يكمن الهدف في النظر الى اطاره المؤسسي الحالي باعتباره مجرد وسيلة لتحقيق أي غاية يرغب افراد المجتمع في السعي لتحقيقها سواء كانوا افرادا او جماعات. من الواضح، كل الخلاف بين الرأسمالية والاشتراكية يعتمد على هذا الاختلاف الأخير. مع ذلك، كل جانب يشترك بفكرة ان الناس الذين يخلقون ويحافظون على المؤسسات يأخذون أسبقية على المؤسسات التي خلقوها وحافظوا عليها. اذا كان المجتمع يُحكم عليه ليس من أعضائه الحاليين، هم يجب ان يعيشوا في المستقبل وليس في الماضي.

طرحْ الموضوع بهذه الطريقة يشير الى الإمكانات الثورية للفكر العقلاني. ماكس ويبر ذاته اعتقد ان العلوم والسياسة في العصر الحديث تميزتا بأشكال مكملة للعقلانية.

***

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) هناك حجج مضادة اعتبرت العقل ضروريا منها 1- العقل يقود العلم والطب والتكنلوجيا ويحل مشاكل العالم الواقعية مثل الامراض والجوع والفقر 2- العدالة والأخلاق: الأطر الأخلاقية العقلانية مثل حقوق الانسان تتحدى التحيّز واللامساواة والقسوة اللاعقلانية بهدف خلق مجتمع اكثر عدالة. 3- التصحيح الذاتي: العقل يسمح للمجتمعات بتشخيص العيوب، وتقديم حلول من خلال النقاش والتطور بما يمنع الجمود. لابد من ملاحظة ان النقاش أعلاه ليس حول إلغاء العقل وانما حول العقل المفرط بلا ضوابط. العديد من المفكرين يرون ان المجتمع الصحي يحتاج توازنا : عقل للبناء والتحسين والتصحيح، وأيضا عواطف وروحانية وإنسانية لتوفير المعنى والترابط والروح ومنع المنطق من ان يصبح قوة تدميرية.

 

مع كل ثورة تكنولوجية كبرى يولد الإنسان من جديد، ويعيد تعريف ذاته ومعنى وجوده. حتى لو قاوم هذه الثورة أو أوهم نفسه بالانفصال عنها، فإنها تفرض حضورها على الإنسان حيثما وأنى كان. وإن كانت آثارها تتفاوت من مجتمع لآخر، إلا أنها بوصفها قدرًا لا مهرب منه، تعيد إنتاج الواقع بكل ما فيه، وتعيد تشكيل وعي الإنسان ورؤيته للعالم ونمط عيشه، وتفرض عليه أن يصير تابعًا لها، ما لم يمتلك أدوات الفهم والتمثل والتكيف، كي يواكبها ويقطف ثمراتها. بقدر ما يمتلك الإنسان التكنولوجيا يمتلك إمكانية التحرر منها، وإن عجز عن ذلك استعبدته، وتحولت إلى سجن يصادر حريته ويبتلع وجوده. التكنولوجيا لا تهمش الإنسان، بل تتيح له فرصًا للارتقاء بذاته وتوسيع آفاق حياته، متى ما كان قادرًا على الإصغاء لتحولاتها، واستثمار هذه الفرص بما ينسجم مع ولادته الجديدة.

الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل أشد هذه الثورات عمقًا وتأثيرًا في إعادة تشكيل الحياة البشرية، وخلخلة مفاهيم الإنسان وتعريفه لذاته والعالم من حوله. مَن يستوعب هذا التحول ويدرك أبعاده الوجودية والنفسية والعاطفية والروحية والقيمية والاجتماعية والثقافية، ويتمكن من بناء مهارات تتناغم مع ايقاعه المتعجل، وقدرة على توجيهه توجيهًا خلّاقًا، يستطيع أن يحول هذا التحدي إلى إمكان للتحرر والإبداع والابتكار والتطور. أما مَن يعجز عن ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لن يكون بالنسبة له ولمجتمعه سوى قوة منفلتة، تتغذى على ضعفه، وتتحول إلى تهديد دائم لسلامه الشخصي والمجتمعي وأمنه، وتزلزل كيفية عيشه وعلاقاته ونمط حياته.

في العصر الرقمي تتغير التعريفات وتتبدل، فمثلًا يتغير تعريف الزمن ويجري اختزاله، تبعًا لما ينجزه هذا الذكاء من إنتاج اقتصادي وابتكار علمي وابداع معرفي وتطور تكنولوجي واثراء ثقافي وبناء قيمي، فلم يعد القرن يعني مائة سنة، ولا العقد يعني عشر سنوات، ولا السنة تعني اثني عشر شهرًا، ولا الشهر يعني ثلاثين يومًا، ولا اليوم يعني أربعًا وعشرين ساعة، إذ غدا الزمن مضغوطًا تتراكم فيه الأحداث والاختراعات والمعارف وتتلاحق بسرعة فائقة، كما لو أنها تتزاحم في لحظة واحدة. وصار الإنسان يعيش في تيار متعجل من التحولات لا يمنحه فسحة للتأمل أو المراجعة، بعدما انتقل الزمن من كونه وعاءً للأحداث إلى كونه طاقة خلّاقة تبتكر الإيقاع والمعنى في آن واحد، فصار الحاضر يتسع للماضي والمستقبل معًا، وصار الوجود الإنساني يقاس بما ينجزه المرء في لحظته لا بما تمضي عليه من سنوات، حتى أصبح التحدي الأكبر في هذا العصر هو استعادة المعنى الإنساني للزمن، قبل أن يتحول الإنسان إلى ظل يركض خلف سرعة الذكاء الاصطناعي وما تحققه الروبوتات.

شركات الذكاء الاصطناعي اليوم هي الأغنى رأسمالًا من كل الشركات عبر التاريخ، رأسمالها ينمو باستمرار. لم يشهد الاقتصاد تراكمًا لرأسمال بهذه الوتيرة من السرعة الفائقة وبهذه الأحجام، بنحو صار يتضاعف بمرور الزمن سريعًا، فمثلًا بلغت القيمة السوقية على وفق تقارير متعددة، لشركة إنفيديا (NVIDIA) 4.54 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025، ما جعلها الشركة الأعلى قيمة في العالم. وذلك يتماشى مع تقارير حديثة تشير إلى أن إنفيديا أصبحت أول شركة مدرجة علنًا تصل إلى هذا الإنجاز التاريخي، مدفوعة بالطلب القوي على رقائق الذكاء الاصطناعي. والقيمة السوقية لشركة أبل (Apple) تقدر بحوالي 4.20 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025، مدفوعة بالتقدم في الذكاء الاصطناعي، وزيادة الطلب على أجهزة آيفون. وبلغت القيمة السوقية لشركة مايكروسوفت (Microsoft) حوالي 3.574 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025. وفي التاريخ ذاته بلغت القيمة السوقية لشركة Amazon نحو 2.454 تريليون دولار أمريكي، بينما وصلت القيمة السوقية لشركة Alphabet (Google) إلى ما يقارب 3.84 تريليون دولار أمريكي، أما شركة Meta فكانت قيمتها السوقية في ذلك الوقت بحدود 1.54 تريليون دولار أمريكي. وهذه الأرقام تعكس موقع هذه الشركات في قمة الاقتصاد الرقمي العالمي خلال تلك الفترة.

يتضخم عاجلًا رأسمال الشركات الكبرى المنتجة للرقائق والفاعلة في الذكاء الاصطناعي حتى تخلق سلطة تخضع لها الحكومات والسلطات السياسية، إذ تتدخل في رسم صورة الدولة وتوجيه اقتصادها وسياساتها من الداخل، وتمتلك قدرة واسعة على التأثير في هندسة إدارة الحكم ومرافقه وبناء الدولة وفقًا لما يحقق أهدافها، وفي تشكيل وعي المؤسسات التي ينهض عليها تدبير الشأن العام. ويغدو رأسمالي مثل ايلان ماسك قادرًا على التأثير في سياسة بلده وسياسات بلدان أخرى بمقدار ما يتيحه رأسماله من نفوذ، وما تمنحه شركاته من فاعلية في الاقتصاد، فيتسع أثره على صناعة القرار، ويتغلغل في مسارات الاقتصاد والثقافة والتربية والاعلام، ويتحول حضوره الى قوة تتجاوز حدود السوق لتلامس حدود الدولة والمجتمع، حيث يتخذ رأس المال موقعًا مرجعيًا في توجيه الحياة العامة، وفي إعادة تشكيل شخصية الفرد وبناء الجماعة وفق ما يحقق أقصى عائد ممكن.

 تتمدد هذه الشركات من الاقتصاد والتقنية إلى بناء التربية والتعليم، والثقافة والاعلام، والقيم والسلوك، فتتدخل في صياغة العلاقات الدولية والاقليمية، وتعيد ترتيب مواقع الدول وفق مصالحها، وتشكيل المجتمع والفرد معًا، من خلال منظومات رقمية تعيد تعريف حاجات الإنسان وطريقة عيشه، وتتحكم بميول الإنسان وخياراته، وتفتعل احتياجات فائضة عن اللزوم. تقترب هذه الشركات من موقع السلطة المتسيدة بسبب حجم رأسمالها الهائل، وقوة حضورها في البنية التحتية للدول، فتعمل ببراعة على توجيه العالم نحو ما يحقق لها أعلى قيمة من الأرباح، عبر كل وسيلة تراها مناسبة، مشروعة أو غير مشروعة، من دون أن تنشغل بالأثر الروحي والاخلاقي والجمالي والقيم التي تتطلبها حياة الإنسان، كأن الإنسان يتحول بواسطتها الى مجرد رقم في سوق مفتوح تعاد صياغته باستمرار بما يخدم مصالحها الخاصة. 

وسائل التواصل وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لم تعد أدوات محايدة، بل غدت بيئات قيمية تصوغ معاييرها الخاصة، وتنتج نمطًا جديدًا من العلاقات الاجتماعية لا يشبه ما ألفته أجيال الأمس. لم تعد هذه الوسائل مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى منظومات تصوغ السلوك، وتعيد تشكيل إدراك الإنسان لذاته وللآخرين، وتؤسس لعالم مختلف في الإحساس بالعلاقة بالآخر، وتكييف منابع المعنى. وعي الآباء بهذه التحولات، وتفهمهم لما تفرضه هذه الوسائل من أنماط مختلفة في التفكير والسلوك لم يعد ترفًا أو خيارًا، بل ضرورة تمليها التحولات العميقة في العلاقة بين جيل الآباء وجيل الأبناء. المسافة بين الجيلين لا تتسع فقط بسبب العمر، بل تتعمق بفعل الفجوة الرقمية، وتباين مصادر المعرفة، وتغاير المرجعيات التي يتشكل منها الوعي. وسائل التواصل اليوم وتطبيقات الذكاء الاصطناعي تملك تأثيرًا سحريًا فائقًا، لا لأنها تحجب الواقع أو تغلفه فقط، بل لأنها تصنع واقعا موازيًا يزاحم الواقع ويتغلب عليه، ويتقدمه أحيانًا، ويغدو المصدر الأول لتشكيل رؤيتنا للعالم. في هذا الواقع المصطنع تصاغ معتقداتنا، وتعاد تعريفات مفاهيمنا، وتتشكل آراؤنا، وترسم خرائط سياساتنا، وتنتج رموزنا، وتبنى مواقفنا، وتحاك أحلامنا. نحن نعيش في عالم هجين يمتزج فيه الواقعي بالافتراضي، وتتفشى فيها المحاكاة، ويتداخل فيه الحضور الفيزيائي بالوجود الرمزي. هذا الواقع الهجين يفرض على التربية أن تعيد بناء رؤيتها، وأن تؤسس لقيم جديدة في فهم العلاقة بين الأجيال، تتلاءم مع بنية الوعي المتحولة، وتستجيب لتحولات التأثير، ومصادر تشكيل الوعي والوجدان والهوية.

 يتغير معنى القيم والدين والأخلاق والعلم والمعرفة في العصر الرقمي، لأن البيئة التي تولد فيها المفاهيم تبدلت جذريًا؛ فالقيم تنتقل من منظومات ثابتة إلى قيم تشكّلها الخوارزميات والبيانات وثقافة المنصات، فتتحول الخصوصية إلى سلعة، والوقت إلى عملة، والاعتراف الاجتماعي إلى ظهور رقمي. ويتراجع الدين المؤسسي لصالح التجارب الدينية الفردية المفتوحة على تفسيرات لا نهائية للنصوص الدينية، وتنتشر الروحانيات التي تمنح الإنسان علاقة شخصية مع الغيب تتجاوز احتكار المفسرين في المؤسسات الدينية. وتتشكل الأخلاق بوصفها مسؤولية تصميم تكنولوجي لا مجرد حكم عقل عملي بالحسن والقبح، وتتزحزح المعاني المتعارفة للحقوق والجرائم والجنايات والعقوبات، إذ تظهر أسئلة لم يعرفها التاريخ، مثل: مسؤولية السيارة الذاتية القيادة عن القتل، أو تأثير الخوارزميات الموجهة في إنتاج خطاب الكراهية، وأمثال ذلك. ويتحول العلم من التجريب المختبري إلى التجريب الحسابي عبر المحاكاة والذكاء الاصطناعي الذي يفك ألغاز البروتينات، ويكتشف ويطور أدوية أمراض السرطان وأمراض عجز الطب من قبل عن اكتشاف لقاحات وعلاجات فاعلة لها.

في هذا الواقع يغدو الإنسان محتاجًا الى فلسفة جديدة توقظ وعيه، وتمنحه قدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وتعينه على اكتشاف كيفية تشكل الحقيقة في العصر الرقمي، حيث تتدفق البيانات بلا انقطاع، وتتحول عبر الخوارزميات إلى صور ومعانٍ تعيد ترتيب وعيه ومفاهيمه الأساسية على نحو مستمر. في هذا الفضاء يتبدل إدراك الإنسان للعالم مع كل مرحلة من مراحل المعالجة الرقمية، فيحتاج ذهنه الى دربة فكرية، وشعوره إلى استعداد لإعادة بناء صلته بالمعنى، يقيه من الانجراف مع ما تصنعه الآليات الذكية من أوهام، حتى يستعيد الإنسان موقعه الفاعل، ويغدو قادرًا على أن يميز ما ينير ذهنه مما يشتته، ويميز ما يوسع أفقه الوجودي مما يصادر حريته ويطمس وعيه.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

 

بين الأسس الفلسفية والتحولات التاريخية.. مقاربة عمومية

مقدمة: تشكل فلسفة حقوق الإنسان والمواطنة محورًا أساسيًا في الفكر الإنساني، حيث تعكس تطور الوعي البشري تجاه الكرامة، الحرية، والانتماء الاجتماعي. حقوق الإنسان، كمفهوم فلسفي، ترتبط بالحقوق الأساسية التي يمتلكها كل فرد بمجرد كونه إنسانًا، مستمدة من مبادئ أخلاقية وقانونية تعبر عن الطبيعة الإنسانية المشتركة. أما المواطنة، فهي مفهوم يرتبط بالانتماء إلى دولة أو مجتمع سياسي، يمنح الأفراد حقوقًا وواجبات محددة ضمن إطار قانوني وثقافي. في هذه الدراسة، سنقارب هذين المفهومين بطريقة عمومية، مستعرضين أصولهما التاريخية من الحضارات القديمة إلى العصور الحديثة، ثم نستعرض أهميتهما المعاصرة في ظل التحديات العالمية مثل العولمة، الهجرات، والنزاعات. تعتمد الدراسة على تحليل فلسفي يبرز التقاطعات بينهما، مع الاستناد إلى مصادر تاريخية وفلسفية متنوعة، لنكشف كيف أن هذين المفهومين يعززان بعضهما البعض في بناء مجتمعات عادلة.

يُعرف مفهوم حقوق الإنسان فلسفيًا كضمانات أخلاقية أساسية يمتلكها الأفراد بصرف النظر عن جنسهم، عرقهم، أو انتمائهم، وهي غير قابلة للتجزئة أو التنازل.   أما المواطنة، فهي تطور تاريخي يعبر عن العلاقة بين الفرد والدولة، منذ اليونان القديمة حيث كانت تعني المشاركة في الحياة السياسية.    هذه المقاربة العمومية تهدف إلى فهم كيفية تكامل هذين المفهومين في مواجهة التحديات المعاصرة.

الأصول التاريخية لحقوق الإنسان

تعود أصول فلسفة حقوق الإنسان إلى جذور عميقة في الحضارات القديمة، لكنها بلورت في العصور الحديثة. في الحضارة اليونانية، طرح أفلاطون وأرسطو أفكارًا حول العدالة والحقوق الطبيعية، حيث اعتبر أرسطو الإنسان "حيوانًا سياسيًا" يحتاج إلى مجتمع عادل لتحقيق كماله.  أما في الرومانية، فقد طور سيسرون مفهوم "القانون الطبيعي" الذي يفوق القوانين البشرية، ممهدًا لفكرة حقوق متأصلة في الطبيعة الإنسانية.

في العصور الوسطى، أثرت الأديان السماوية، خاصة الإسلام والمسيحية، في تطوير هذه الفلسفة. في الإسلام، يُعتبر القرآن أساسًا لحقوق الإنسان، حيث يؤكد على الكرامة الإنسانية كما في قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم"، مما يشمل حقوق الحياة، الحرية، والعدالة.

 كذلك، في الفكر المسيحي، أكد توما الأكويني على القانون الإلهي كمصدر للحقوق، متكاملًا مع القانون الطبيعي.مع عصر النهضة والتنوير، بلورت الفلسفة الحديثة لحقوق الإنسان. جون لوك اعتبر الحقوق الطبيعية (الحياة، الحرية، الملكية) أساسًا للعقد الاجتماعي، حيث تكون الدولة حارسة لهذه الحقوق

جان جاك روسو طور فكرة الإرادة العامة، مؤكدًا أن الحقوق تنبع من الشعب. الثورة الفرنسية عام 1789 أنتجت إعلان حقوق الإنسان والمواطن، الذي جمع بين الحقوق الطبيعية والمدنية، معلنًا أن "يولد الناس أحرارًا ومتساوين في الحقوق".  في القرن العشرين، بعد الحربين العالميتين، أصبحت حقوق الإنسان إطارًا دوليًا مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، الذي يجسد فلسفة الكرامة الإنسانية كأساس للسلام العالمي.

هذا التطور يعكس انتقالًا من الحقوق الفردية إلى الحقوق الجماعية، مع التركيز على الشمولية الأخلاقية.

الأصول التاريخية للمواطنة

أما فلسفة المواطنة، فتعود إلى اليونان القديمة، حيث كانت تعني المشاركة النشطة في شؤون المدينة (البوليس). أرسطو في "السياسة" يعرف المواطن كمن يشارك في الحكم والمحاكم، لكن هذا كان مقتصرًا على الرجال الأحرار، مستبعدًا النساء والعبيد.

 في روما، تطورت المواطنة إلى مفهوم قانوني أوسع، حيث منحت الجنسية الرومانية حقوقًا مدنية مثل التصويت والملكية، وامتدت تدريجيًا إلى الشعوب المفتوحة.

في العصور الوسطى، تراجعت المواطنة أمام الولاءات الإقطاعية والدينية، لكن عصر النهضة أعاد إحياءها مع مونتسكيو الذي أكد على دور المواطن في الجمهورية، مشددًا على التوازن بين الحرية والمجتمع.

الثورة الفرنسية بلورت المواطنة الحديثة كانتماء وطني، حيث أصبحت تعني المساواة أمام القانون والمشاركة السياسية.

في القرن التاسع عشر، مع الثورة الصناعية، توسعت المواطنة لتشمل الحقوق الاجتماعية كالتعليم والرعاية، كما في نظرية تي. إتش. مارشال الذي قسمها إلى مدنية، سياسية، واجتماعية.

 في العالم الإسلامي، ارتبطت المواطنة بالأمة، حيث أكدت الشريعة على المساواة والعدالة، كما في عهد المدينة النبوية الذي جمع بين المسلمين وغيرهم في ميثاق مشترك.

 هذا التطور يعكس انتقال المواطنة من مفهوم نخبوي إلى شمولي.

التقاطعات والمقارنات بين حقوق الإنسان والمواطنة

يتداخل مفهوما حقوق الإنسان والمواطنة تداخلًا كبيرًا، حيث يُعتبر كلاهما وجهين لعملة واحدة. حقوق الإنسان عامة وكونية، تنطبق على الجميع دون تمييز، بينما المواطنة خاصة بالانتماء إلى دولة، لكنها تعزز حقوق الإنسان من خلال الإطار القانوني.

 على سبيل المثال، الإعلان الفرنسي جمع بين "حقوق الإنسان" كحقوق طبيعية و"حقوق المواطن" كحقوق مدنية

في المقارنة، تكون حقوق الإنسان أساسًا فلسفيًا للمواطنة، حيث تضمن المواطنة تطبيق هذه الحقوق عمليًا. ومع ذلك، قد يحدث تعارض، كما في حالات المهاجرين الذين يتمتعون بحقوق إنسانية لكنهم يفتقرون إلى حقوق مواطنة كاملة.

 في السياق الإسلامي، تتقاطع المواطنة مع حقوق الإنسان من خلال مبادئ الرحمة والعدالة، كما في الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان الذي يؤكد على التوافق مع الإعلان العالمي.  هذه التقاطعات تعزز الفلسفة الكونية للحقوق مع الخصوصية الثقافية.

الأهمية المعاصرة لحقوق الإنسان والمواطنة

في العصر الحديث، تكتسب حقوق الإنسان والمواطنة أهمية بالغة في مواجهة التحديات العالمية. حقوق الإنسان تحمي الأفراد من الانتهاكات، وتعزز الاستقرار الاجتماعي من خلال ضمان الحريات الأساسية مثل التعبير والتعليم.

 المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة تلعب دورًا حاسمًا في حمايتها، خاصة في النزاعات والأزمات.  أما المواطنة، فتعزز الاندماج الاجتماعي والبناء الديمقراطي، حيث تشجع على المشاركة المدنية والولاء للدولة. في ظل العولمة، تتطور المواطنة إلى "مواطنة عالمية"، تجمع بين الانتماء المحلي والكوني، كما في الاتحاد الأوروبي.   كذلك، تساهم في تعزيز حقوق الإنسان من خلال التعليم والقوانين، مما يضمن الاستقرار والتقدم.   ومع ذلك، تواجه تحديات مثل التمييز والنزعة القومية، مما يتطلب تعزيز الوعي الفلسفي بهذين المفهومين.

خاتمة

في الختام، تمثل فلسفة حقوق الإنسان والمواطنة تطورًا تاريخيًا يجسد سعي الإنسان نحو العدالة والكرامة. من الأصول القديمة إلى الأهمية المعاصرة، يتكاملان ليبنيا مجتمعات مستدامة. يتطلب الحفاظ عليهما تعزيز التعليم والحوار الدولي، ليظلا أداة للسلام في عالم متغير. هذه المقاربة العمومية تؤكد أن مستقبل الإنسانية يعتمد على توازن بين الكونية والخصوصية في هذين المفهومين.

***

د. زهير الخويلدي .. كاتب فلسفي

 

تأطير الإشكالية المعرفية للوعي والوجود

يُعدّ المثقف الإنساني، وفق التصورات النقدية والوجودية المتقدمة، كياناً أنطولوجياً وإبستمولوجياً متطوراً. تتحدد ماهيته من خلال امتلاكه وعياً ترانسندالياً يدرك حدوده ويتخذ موقفاً نقدياً ضد أوهام الميتافيزيقيا. المثقف بهذا المعنى ليس مجرد متعلم أو أكاديمي، بل هو شخصية ملتزمة تتبنى موقفاً وجودياً متجاوزاً، ينفي اليقينيات المطلقة التي تسعى إلى طمأنينة زائفة.

يرتكز تحليل هذا المفهوم على تحديد التناقض الأساسي للوجود البشري. يكمن هذا التناقض في الصدام المستمر بين الدافع الغريزي القوي والساحق للاستمرار في الحياة، وبين الوعي المعرفي اليقيني والمفاجئ بحتمية الفناء الذاتي، وهو ما نُطلق عليه "مبدأ الفناء المتناقض". هذا الصدام يُولِّد "الإرهاب الوجودي" الكامن في صميم التجربة البشرية، وهو مصدر القلق الذي يجب إدارته. إن كيفية إدارة هذا الإرهاب هي ما يفرّق بين الوعي المقموع والوعي الترانسندالي.

يتطلب بناء مفهوم "الوعي الترانسندالي" مقاربة تركيبية؛ حيث يجب تجاوز الأطر الثنائية التقليدية ونقد الوعي الخالص، وربطه بإدراك الفناء كبنية أساسية للوجود (على غرار هايدغر). هذا الإدراك الأنطولوجي لحتمية الموت هو الشرط الأساسي الذي يحرر المثقف من الحاجة إلى الماهيات المسبقة واليقينيات الميتافيزيقية، مما يؤهله لمقاومة البنى الاجتماعية التي تُستخدم كآليات دفاع ضد هذا القلق.

الوعي الترانسندالي: قفزة الوعي

يُعرَّف هذا التطور المعرفي البشري، أو ما يُسمى بـ "القفزة المعرفية"، بأنه تجاوز نوعي في القدرات العقلية مكَّن من العمليات المعرفية العليا كالتفكير المجرد واللغة. هذه القفزة شكّلت قوة مزدوجة؛ فبينما قدمت آليات متقدمة للتحرر والاستدلال، أنتجت في الوقت ذاته شروط العبودية الوجودية.

إن هذه القفزة المعرفية هي التي تُنتج ما يُسمَّى "الوعي القاتل". يُسمَّى الوعي بذلك لأنه يُمكّن قدرة التنبؤ والتفكير في المستقبل البعيد، وهي قدرة تنمو مع تطور آليات التفكير المجرد والاستنباط التي تظهر في مرحلة المراهقة النضيجة. هذا الإدراك المعرفي يسمح للوعي ببناء تمثّلات تشمل المعارف والاعتقادات، ولكنه يحمل معه إدراكاً لا مفر منه لحتمية الفناء الذاتي. يُعدّ هذا الوعي بالفناء، كظاهرة وجودية وليست بيولوجية بحتة، هو اللبنة الأساسية التي يتشكل عليها الوعي الترانسندالي.

نقد الوعي الخالص: الانخراط الفينومينولوجي

يرفض الوعي الترانسندالي المفهوم الكلاسيكي لـ "الكوجيتو الديكارتي" أو "الوعي الخالص". فالتفكير المجرد، كما تصوره ديكارت، يعتبر وهماً مثالياً لأنه لا يعترف بضرورة تعلق الذات بجدلية الموضوع والواقع. هذا الوعي النقي غير قابل للتحقق كوجود فاعل، بل يبقى وجوداً افتراضياً لا يُدرك.

لهذا، لا يُنظر إلى الوعي الترانسندالي على أنه نقاء باطني معزول، بل هو "فعل أنطولوجي" يتم اكتسابه من خلال "الانخراط المستمر في العالم". الوجود الفعلي (الانخراط) يسبق نقاء الوعي ويمنحه حقيقته الأنطولوجية. الوعي الحقيقي يكمن في ديناميكية العلاقة والتعلق بالوجود الفعلي.

تتحقق الحرية في هذا السياق كـ "انكشاف" للوجود، يتجاوز حدود العقل المقنَّن والمروّض. الوعي الترانسندالي هو القدرة على التحرر من الحاجة إلى السيطرة التي يفرضها العقل المثالي، وقبول "الصيرورة المفتوحة" والوجود كـ "مغامرة مستمرة". في هذا التجرد، يصبح المثقف واعياً بمسؤوليته عن اختياراته، متجاوزاً اليقينات الثابتة.

الميتافيزيقا: حدود المعرفة غير المشروعة

عملت الفلسفة النقدية، بدءاً من كانط، على إدراك حدود المعرفة الميتافيزيقية. اعتبر كانط الميتافيزيقا الكلاسيكية محاولة "غير مشروعة" لإنتاج معرفة يقينية تتجاوز حدود التجربة الممكنة. المثقف الإنساني يتخلى عن هذا الوهم من خلال إدراك الحدود المعرفية التي تحدد إمكانية إنتاج المعرفة الحقيقية.

وفي سياق موازٍ، اعتبر الفكر الماركسي أن الانشغال باللاهوت والميتافيزيقا هو "ضرب من العبث"، مؤكداً أن هذا الانشغال لن يقدم حلولاً لمشكلات الواقع. تركز الماركسية على أن المادة موجودة بشكل مستقل عن وعي الإنسان، وأن الوعي الاجتماعي يتغير بتغير عناصر الوجود الاجتماعي، مما يشدد على أهمية الوجود المادي في توليد الوعي وتشكيله. المثقف الإنساني يستوعب هذا النقد لإعلاء أهمية الواقع المنخرط.

انحلال المفهوم في الفلسفة المعاصرة

في الفكر الفلسفي المعاصر، واجه مفهوم الميتافيزيقا تحولاً كبيراً، حيث أصبح "مفهوماً هلامياً" يصعب الإمساك به. بل تحول في بعض الأحيان إلى وصف قدحي، أو "شتيمة في الفلسفة"، تُلقى في وجه الخصم الفلسفي، كما حدث في المناقشات بين نيتشه وهايدغر ودريدا.

كما انتقل المصطلح إلى سياقات ثقافية وأدبية واسعة، حيث صار يُستخدم لوصف كل أمر "عميق مبهم" المثقف الإنساني يرفض هذا الاستخدام التبسيطي الذي يفرغ المفهوم من حمولته النقدية الفلسفية، ويتمسك بضرورة التعامل مع الميتافيزيقا كـ "بنية فلسفية" تخضع للنقد، لا كظاهرة أدبية غامضة.

النزعة السلطوية وبيع "الغياب المنظم للقلق"

تستغل الأنظمة السلطوية الإرهاب الوجودي ببراعة كآلية دفاع وجودي. فالنزعة السلطوية لا توفّر القوة فحسب، بل "تبيع الغياب المنظَّم للقلق" عبر إعادة الفرد إلى حالة "الغفلة والتسطّح" (ما قبل الوعي) ضمن إطار اجتماعي مقبول.

يتم قمع الوعي الفردي لأنه "أقرب للصدق" ويولّد القلق الوجودي الذي تسعى الأيديولوجيا لإدارته. يغذّي قلق الموت هذا الصراع الفرويدي بين إيروس وثاناتوس، حيث يتم توجيه طاقة ثاناتوس (التي تسعى للتدمير الذاتي والرجوع إلى حالة العدم) نحو الخارج في شكل عدوان ودفاع قسري عن الحدود الثقافية، وهي الأرضية النفسية التي تتأسس عليها النزعة السلطوية.

الجمعنة كآلية دفاع ضد الوعي الفردي

تُستخدم "الجمعنة" لفرض التجانس الثقافي كآلية دفاع وجودي منظمة. يتم طمس معالم الشخصية الفردية لصالح "الأنا الجمعي المجبول على فرض التجانس". هذا التحول ضروري للسلطة لأن الوعي الجمعي يدمج الفرد في بنية "خلود رمزي" أكبر منه (الدولة، الأمة، الأيديولوجيا).

إن الوعي الترانسندالي يمنح المثقف "المنظار الكاشف" لمواجهة "عقلانية المجتمع الصناعي المتقدم" التي تنتهج التنميط وتصادر كل حظوظ التغيير. هذا التنميط هو التعبير العملي عن النزعة الميتافيزيقية التي تسعى لفرض جوهر ثابت على الوجود المتحول، والمثقف الإنساني يرفض هذه المصادرة على الحرية والتحول.

 الوعي الترانسندالي كقوة للمقاومة الأنطولوجية

تتبني الفلسفة الوجودية الحرية كـ "انكشاف للوجود"، حيث يتجاوز الإنسان حدود العقل المقنَّن. الوعي الترانسندالي هو رفض للحرية "المقنّنة" أو "المروضة" التي توفرها البنى الاجتماعية والمنطق والتوقع. إنه يمثل وعياً عميقاً بالمسؤولية الكاملة عن الاختيارات في غياب القيود الخارجية واليقينات الميتافيزيقية. هذا الموقف يجعل من وجود المثقف نفسه فعلاً مستمراً من اللقاء والتجديد، ويضعه في تناقض جوهري مع أي نظام سلطوي يسعى لفرض الثبات واليقين.

المثقف كـ "فيلسوف وجودي عامل"

يُستنتج أن المثقف الإنساني هو تجسيد للموقف الوجودي النقدي في المجال الاجتماعي. يتمركز تحققه حول قدرته على دمج الحقيقة الأنطولوجية للفناء في ممارسته اليومية، مما يمنحه حصانة لا تتزعزع ضد إغراءات اليقين والسيطرة. هذا الدمج بين الوعي الترانسندالي والتحرر الإبستمولوجي يضمن للمثقف استقلالاً مطلقاً، حيث لا يمكن استقطابه لأنه لا يبحث عن مصادر خارجية لإنهاء قلقه الوجودي.

التحديات المعاصرة

يواجه المثقف الإنساني تحدي الاندماج وبالتالي، التحول إلى خبير أو متعلم معزول، بدلاً من أن يكون صاحب موقف نقدي ملتزم، وعليه مواجهة مقاومة تنميط العقلانية التي تسعى لمصادرة الوعي. لذا إن الوعي الترانسندالي يدعو المثقف إلى الالتزام بالصدق في مواجهة القلق، والتحذير من الانخراط في الجدل الميتافيزيقي الهلامي الذي يفرغ المفهوم من محتواه النقدي، أو يبسّط الوعي المتقدم إلى مجرد وصف لكل ما هو عميق ومبهم.

تتمثل مهمة المثقف الإنساني في تحرير الوعي الإنساني عبر توظيف الوعي الترانسندالي والتحرر الإبستمولوجي. هذه العملية المزدوجة هي "شرط لإنتاج المعرفة الحقيقية التي تشبع نهم الوجود في كليته". ان قبول اللايقين الأنطولوجي والتخلي عن أوهام اليقين الميتافيزيقي، يبقي المثقف منخرطاً في صيرورة الوجود المفتوحة، ومؤسساً لمقاومة فكرية مستدامة ضد كافة أشكال القمع والعبودية الوجودية.

***

غالب المسعودي

.........................

المراجع

al-kateb.com

الوجودية والعقل والحرية: تجسيد الحرية في صيرورة الوجود - آزادي بوست

Full text of "lisanarb_sa31" - Internet Archive

الميتافيزيقا بوصفها ما وراء الطبيعية: الدلالة والمعنى – Khitab Delta

قراءة في كتاب إدوارد سعيد المثقَّف والسلطة - maaber.org

اإلنسـان والوعـي في فلسفـة ھربـرت ماركـــوز - depot.umc.edu.dz

عندما يدّعي احد انه براجماتي (عملي او وظيفي) في قضايا السياسة الاقتصادية سيلقى ترحيبا من أولئك الرافضين للأيديولوجية او التفكير الأيديولوجي الاخلاقي الذي يستلزم مبادئ أساسية غير موجودة وفقا للبرجماتي . لكن يمكن القول ان البرجماتية الأخلاقية ليست اتجاها سليما للحياة بما في ذلك السياسة الاقتصادية لأن استعمال مبادئ لتوجيه السلوك الفردي والشؤون العامة هو امر مقبول وشائع. يكفي ان ننظر الى أمثلة حول الإصرار الحاد على الصدق من جانب الآباء عندما يربّون أطفالهم، ورفض أي نوع من الإساءة للأطفال بالإضافة الى استعمال الإجراءات القانونية الواجبة في القانون الجنائي، والرفض العام الواسع الانتشار للتعذيب في مواجهة الإرهابيين، والدفاع القوي عن الموقف المؤيد للحياة او المؤيد للاختيار في النقاش حول الإجهاض، وبشكل عام، تجسيد أخلاق النزاهة.

هذه الطرق الغير برجماتية في التفكير والسلوك، تجعل الاتجاه البرجماتي يُطبق اختياريا أي، على السياسة الاقتصادية ولكن ليس على القانون الجنائي. لكن المشكلة التي تبرز هي متى يجب ان نكون برجماتيين ومتى يجب ان يتمسك المرء بمبادئه؟ لو أخذنا قضية الإجهاض مثلا هل من المبرر أيديولوجيا او مبدئيا ان يكون للمرأة حق الاستمرار في الحمل والحفاظ على حياة الجنين؟ واذا عارض احد ما جريمة الاغتصاب تحت أي ظرف هل يُعتبر أيديولوجيا او دوغمائيا اواصوليا؟ ماذا عن الآباء الذين يصرون على ان أطفالهم يقولون الحقيقة ولا يكذبون ابدا؟هل هم ناس دوغمائيين وهل تربيتهم للأطفال معيبة وخطيرة؟

لكن عندما نأتي الى مصادرة حقوق الناس لمختلف الأغراض العامة (كما في حكم المحكمة العليا الامريكية عام 2005 في قضية كيللو ضد مدينة نيو لندن)(1) بعض خبراء القانون يدّعون ان هذه "براجماتية حكيمة" رفض معقول لأصولية السوق العمياء او "تفكير أيديولوجي". لماذا مبدأ حقوق الملكية الخاصة أقل الزاما لنا في مثل هذه الحالات مقارنة بمبدأ نزاهة جسد المرأة او تلك التي تتطلب الامتناع عن التعذيب حتى في ظروف الحرب؟ وبطريقة أخرى، لماذا بعض الفلاسفة والمفكرين تحديدا ليسوا برجماتيين حول التعذيب او التحرش بالأطفال؟ لماذا هم لا يدينون أولئك الذين يصرون على انه يجوز تحت أي ظرف لأي شخص ارتكاب جريمة الاغتصاب القانوني (غير الاجباري) باعتبارهم متعصبين سيئين؟ هل البرجماتيون يجدون من الملائم لمصالحهم التقليل من أهمية بعض المبادئ مثل حقوق الملكية الخاصة او الحق في محاكمة عادلة، بينما يعتقدون ان مبادئ أخرى تستحق المناصرة؟ ام ان الانسجام المنطقي والفلسفي ذاته ضحية للبرجماتية؟

من الملفت ان البرجماتي لويس C.I.Lewis الذي جادل في كتابه (الذهن ونظام العالم،1929) ان المنطق هو شيء اخترعناه وقد نستغني عنه لو اخترنا ذلك). من المفترض لا وجود لعذر للتخلي عن التفكير المبدئي او السلوك حول الاغتصاب او التحرش بالأطفال، ولكن لبعض الأسباب يُفترض قبول انتهاك حقوق الملكية او الحرية الشخصية في حالات اعتقال الإرهابيين مثلا.

مبادئ متضاربة

يمكن القول ان البرجماتية معيبة بشكل خطير. لا يستطيع أي من المدافعين عن هذا المبدأ ان يحدد متى يكون مقبولا ان يكون المرء برجماتيا، ومتى تكون البرجماتية بغيضة أخلاقيا وغير مسموح بها. العديد من السياسيين البرجماتيين وخبراء السياسة العامة، لا يعطون إشارة متى يكون التفكير او السلوك المبدئي مطلوبا ومتى يكون من المقبول دوغمائيا وايديولوجيا الاتّباع الصارم لمثل هذه المبادئ. هذا يعطيهم المرونة في كيفية استمرارهم في السياسات العامة او حتى السلوك الفردي. الرئيس السابق بل كلنتون وبطل الغولف تايغر وود يمكنهما القول بأعلى اصواتهما، "لكن لماذا هم يلوموننا على خرق تقاليد الزواج عندما هم يخرقون كل أنواع المبادئ؟" وما هو أسوأ، ان المناصرين لعمليات الايهام بالغرق او حتى اشكال التعذيب شديدة القسوة يمكن ان يحفزوا البرجماتية، قائلين “حسنا انها تنجح في بعض الأحيان، لأنه في ضوء أهمية الحصول على معلومات من المتّهمين، سيكون من المقبول دوغمائيا وايديولوجيا السماح بذلك".

مرة أخرى، اين الخط الفاصل بين السلوك الذي يتبع اتجاها برجماتيا والسلوك الذي لا يتبع ذلك؟ متى يكون السلوك المبدئي بلا قيمة ولماذا يكون هناك وليس في مكان آخر؟ في الحقيقة، ان السياسيين والبرجماتيين الأخرين يعلّمون أطفالهم حول المبادئ- وقد يتم التخلص منها متى ما تصبح غير ملائمة وحيثما تقف في طريق انجاز اهداف معينة مرغوبة مثل الحفاظ على سرية تدخين الحشيش او تمويل البنوك وشركات السيارات بنقود ناس آخرين؟

يبدو ان المدافعين عن البراجماتية لديهم مشكلة. وهي كما لو ان البرجماتية ليست عملية أبدا طالما لا يمكن تطبيقها باستمرار او بانسجام في كل من الشؤون الشخصية او العامة.

***

حاتم حميد محسن

..................................

الهوامش

(1) في هذا الحكم عام 2005 قررت المحكمة العليا السماح للحكومة بالاستيلاء على ملكية خاصة لأغراض التنمية الاقتصادية، فقامت بتوسيع تعريف "الاستخدام العام “ليشمل اهداف عامة مثل خلق وظائف وزيادة الإيرادات الضريبية حتى لو تطلب ذلك إعطاء ارض من مالك خاص الى آخر، وهو ما اثار استياءً واسعا دفع الولايات الى سن قوانين تحمي الملكية الخاصة.

يعتبر التغير الاجتماعي من الخصائص التي ارتبطت بالظواهر الإنسانية إذ لا وجود لمجتمع ثابت مهما كانت درجة بدائيته، لذلك فإن الباحث في دراسة الظاهرة الاجتماعية يلاحظ كيف تتغير القيم من عصر إلى عصر، ومن مجتمع إلى آخر، بل في المجتمع نفسه، فمثلا خروج المرأة للعمل والذي كان يُعد خروجا عمّا هو مألوف أصبح الآن أمرا طبيعيا، ولم يقتصر التغيّر على النواحي الاجتماعية فقط، وإنما تخطاها إلى أساليب الإنتاج واستعمال التكنولوجيا الحديثة عوضا عن اليد العاملة.

بناء على ذلك يدل مفهوم التغير الاجتماعي على التبدّل الذي يطرأ البنيات في فترة زمنية محددة على الأبعاد الاجتماعية زمني ، وما يعني وجود قوى اجتماعية تدفع أو تسهم في حدوث هذا التغير في اتجاه معين وبدرجات متفاوتة الشدة (1)، وهو قد يطال بناء المجتمع بأسره، كما هو الحال في الثورات، كما قد ينحصر في حقل معين أو نظام اجتماعي خاص مثل الأسرة، الدّين، السياسة... ويعرّف معجم العلوم الاجتماعية التغير الاجتماعي على "أنه كل تحوّل يقع في التنظيم الاجتماعي سواء في بنائه أو في وظائفه خلال فترة زمنية معينة ويشمل ذلك كل تغير في التركيب السكاني للمجتمع أو في بنائه الطبقي ونظمه الاجتماعية أو في أنماط العلاقات الاجتماعية أو في القيم والمعايير التي تؤثر في سلوك الأفراد والتي تحدد مكانهم وأدوارهم في مختلف التنظيمات الاجتماعية التي ينتمون إليها (2)

و يميز علماء الاجتماع بين التغيّر الاجتماعي والتغير الثقافي، فالأول يطرأ على العلاقات بينما الثاني يعتري القيم والمعتقدات والرموز السائدة في المجتمع (3). غير أنه تطبيقيا يصعب الفصل بين نمطي التغيّر، إذ التغير الثقافي يسببه أشخاص أو مجموعة، هم جزء من البناء الاجتماعي، كما أن للتغير الاجتماعي مكونات ثقافية مهمة في تحديده، ومع ذلك فإنه يمكن فصل بعض التغيرات الثقافية كالتي لها علاقة باللغة والفن والفلسفة، عن السلوك الاجتماعي.

ويمكن القول في هذا السياق أن تبني مصطلح التغير الاجتماعي من قبل علماء الاجتماع كان للتدليل على صور التباين التاريخي في المجتمع، وقد ساهم في رواج هذا المصطلح كتاب "التغير الاجتماعي" لمؤلفه ويليام اجبرن، عام 1922، الذي بين فيه دور العناصر البيولوجية والثقافية في حدوث التغير الاجتماعي، وطرح فرضية "الهوة الثقافية" وما يسمى بالثقافة التكيفية، وهو التغير الذي يطرأ على جزء من الثقافة اللامادية ويصبح مصدرا للضغط والصراع (4). وقد اختلف علماء الاجتماع حول مفهوم التغير الاجتماعي بين من اعتبره بديلا محايدا عن فكرة التقدم ومن اعتبره تغيرا في البناء الاجتماعي وحجم المجتمع والتوازن بين أجزائه أو نمط التنظيم (Ginsberg) ويرى آخرون أنّه تعديل يحدث في المعاني والقيم التي تنشر في المجتمع أو في جماعاته النوعية (Ross) .(5) ويمكن في هذا السياق تعريف التغير الاجتماعي بأنه تبدل في النظم والأجهزة الاجتماعية من الناحية البنائية والوظيفية خلال مدة زمنية محددة.(6)، ويتجلى التغير الاجتماعي في كل تمظهرات الحياة الاجتماعية، مما جعل بعض علماء الاجتماع يقولون بأن المجتمعات هي وعاء بجملة تفاعلات وعمليات اجتماعية في تغير وتفاعل متواصلين أما الركود أو الجمود في أي مستوى من مستويات الحياة الاجتماعية فأمر لا يمكن التسليم به، إذ المجتمعات المختلفة منذ نشأتها الأولى كانت تتغير  كما لا ينحصر التغير الاجتماعي في حقل من الحقول الاجتماعية وإذا بدأ فمن الصعب إيقافه، نظرا لما بين النظر الاجتماعية والتنظيم الاجتماعي الشامل من ترابط وتفاعل وظيفي ضمن ما يسمى في علم الاجتماع بالأنساق الاجتماعية (7).

وفي بحثنا في مفهوم التغير الاجتماعي يمكن التسليم بمقولة أن "التغير هو قانون مجتمعاتنا" (8)، وأي نظرة للمجتمع تدل على أنه تغير لا يهدأ وهو لا ينفي استقرار المجتمع وثباته، بل أن حقيقة البناء الاجتماعي هي ضمن مفارقة الثابت والمتحول في آن واحد.

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الأبحاث والدراسات حول مفهوم التغير قد مثلت تقليدا في علم الاجتماع قد عرفته عديد الثقافات والمجتمعات فآبن خلدون قد حلل وأشار إلى العناصر المؤثرة في عملية التغير عندما ركز على المجتمع العربي البدوي ذي النعرة العصبية القوية والذي يقوم على الفلح والحيوان في معاشه، وهؤلاء البدو تدعوهم الضرورة "ولا بد إلى البدو لأنه متسع لما لا يتسع له الحواضر، ثم إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفاه دعاهم ذلك إلى السكون والدعة، وتعانوا في الزائد على الضرورة، واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضر" (9)، يرى ابن خلدون  أن المجتمعات تمر بمراحل تبدأ بالطفولة ثم مرحلة الشباب والنضج، ثم مرحلة الشيخوخة وهذا تغيّر دائري، يُرجع المجتمع من حيث بدأ فهو تحول من البداوة البسيطة إلى الحضارية المعقدة، هو حصيلة أساسية لتغيير موارد معاشية بدائية إلى أخرى تتميز بالثراء والترف والتأنق ومعقدة الطّبيعة (10).

و في هذا الإطار يرى بعض علماء الاجتماع على غرار ماكس فيبر أن التغير الحقيقي في المجتمع، هو تغيّر في نسق القيم عند ربطه بين الدين والرأسمالية، بينما يرى البعض الآخر أن تعدد العناصر مجتمعة هو الذي يحدث التغيّر وذلك من خلال المزج بين العناصر المادية واللامادية. (11) ويذهب "أندرسون" إلى أن تقبّل التغيّر الاجتماعي مرتبط بعناصر أساسية أهمّها: الحاجة إلى التغيّر بمعنى أن يكون المجتمع في حاجة ماسّة إلى التغير، أي في وضع تقبله، عند وجود وعي بأنه ضروري لتحقيق جملة من الأهداف بنجاعة وفاعلية ثمالتوسع في الإشباع إذا كان التغيّر أقدم وأعمق من العوامل القديمة على إشباع الحاجيات المادية والمعنوية والنفع والفائدة عند القبول الطوعي والتلقائي للتغير وبسهولة هو مؤشر على حصول المنفعة وتلبية الحاجيات.

كما يعرف التغيّر الاجتماعي بأنه "التغيّرات التي تحدث في التنظيم الاجتماعي أي في بناء المجتمع ووظائف هذا البناء المتعددة والمختلفة" (12). وهو ما يدل على أن التغير الاجتماعي تأتي على عدة أشكال منها التغير في القيم الاجتماعية، والتي تؤثر بطريقة مباشرة في مضمون الأدوار الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي والتغير في النظام الاجتماعي، أي في الأدوار والمراكز، فهو "ظاهرة تخضع لها نواميس الكون وشؤون الحياة من خلال التفاعلات والعلاقات والتبادلات الاجتماعية المستمرة والتي تفضي إلى تغير دائم" (13)، ويذهب (جنزبيرج) إلى أن التغيّر الاجتماعي "هو كل تغيّر يطرأ على البناء الاجتماعي في الكل والجزء، وفي شكل النظام الاجتماعي، ولهذا فإن الأفراد يمارسون أدوارا اجتماعية مختلفة عن تلك التي كانوا يمارسونها خلال حقبة من الزمن" (14)، ويعرّف "جي روشي" التغيّر بأنه كل تحوّل في البناء الاجتماعي يلاحظ في الزمن لا يكون مؤقتا سريع الزوال لدى فئات واسعة من المجتمع ويغير مسار حياتها (15) كما يعرّف التغيّر بكونه عملية اضطرارية ومستمرة للتحوّل أو التعديلات التي تطرأ على أنساق العلاقات الاجتماعية (16). ويعتبر "ميلز" أن التغيّر الاجتماعي هو التحول الذي يطرأ على النظم الاجتماعية، وقواعد الضبط الاجتماعي التي يتضمنها البناء الاجتماعي في مدة معينة من الزمن ، ولا يعني التغيّر أنه دائما للأفضل فقد يكون للأسوأ، وماهو سلبي لمجتمع معين قد يكون إيجابيا لآخر، لأن التغيّر ليس واحدا أو خطيا وأداتيا يعتمد نفس التوجهات والوسائل، ويكون نتيجة عوامل داخلية متراكمة عبر التاريخ الاجتماعي وعوامل أخرى قد تكون خارجية (17) بفعل التفاعل مع مجتمعات أخرى وهي عناصر داخلية وخارجية متفاعلة ومتداخلة تضع هذا التغيّر (18)، الممتدة في مرحلة زمنية معينة (19)

 ***

د. محمد الهادي حاجي - تونس

...................................................

(1) الحسيني (السيد)، مفاهيم علم الاجتماع، دار قطري بن الفجاءة الدوحة، الطبعة الثانية، 1987، ص 23.

(2) بدوي (أحمد)، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، مكتبة لبنان بيروت 1978، ص 382

(3) سعد عبد الحميد (محمود)، دراسات في علم الاجتماع الثقافي التغير والحضارة، مكتبة نهضة الشرق ، القاهرة 1982 ص 41.

(4)سعد عبد الحميد (محمود)، دراسات في علم الاجتماع الثقافي التغير والحضارة، مكتبة نهضة الشرق ، القاهرة 1982 ص 63.

(5) الجوهري (محمد) وآخرون، التغير الاجتماعي، دار المعرفة الجامعية الاسكندرية، 1995 ص 42.

(6) غيث (محمد عاطف)، قاموس علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية 1988 ص 414.

(7) الجوهري(محمد)، وآخرون، التغير الاجتماعي، مرجع سابق، ص 42.

(8) Aubin (F), "Anthropologie du Nomadisme", in cahiers de sociologie V-I vi, 1974. P 83.

(9)ابن خلدون (عبد الرحمان)، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، الكتاب الأول، المقدمة، دار التراث العربي، بيروت، الطبعة 4، ص 38.

(10) الذوادي (محمود)، أضواء جديدة على محددات العقل العمراني الخلدوني، مركز النشر الجامعي، تونس 2003، ص 208.

(11) الجوهري (محمد) وآخرون، التغير الاجتماعي، مرجع سابق، ص 56.

(12) غيث (محمد عاطف)، التغيّر الاجتماعي والتخطيط، دار المعارف، الطبعة الثانية، القاهرة، 1966، ص 25.

(13) العسل (إبراهيم)، الأسس النظرية والأساليب التطبيقية في علم الاجتماع، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1997، ص 75.

(14) النكلاوي (أحمد)، التغيّر والبناء الاجتماعي، مكتبة القاهرة الحديثة، 1968، ص 8.

(15) Rocher (Guy), le changement social, introduction à la sociologie générale, éd H.M.H. Paris 1968, p19.

(16) السيد عبد العاطي (السيد)، المجتمع والثقافة والشخصية، دار المعارف الجامعية، القاهرة، (لا- ت)، ص 83.

(17) السعيداني (منير)، مقدمات في علم الاجتماع الهوية، مكتبة علاء الدين، صفاقس، كلية العلوم الإنسانية أفريل 2005، ص 152.

(18) (جماعي)، المجتمع والدولة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1988، ص 39.

(19) غيث (محمد عاطف)، علم الاجتماع، النظم والتغير والمشاكل، الجزء2، دار المعارف الإسكندرية، (لا- ت)، ص 191.

 

القلق الوجودي، والأسس البيولوجية للنزعة السلطوية

التناقض الأساسي للوجود البشري

يمثّل التطور المعرفي البشري، أو ما يُعرف بـ "القفزة المعرفية"، قوة مزدوجة في تاريخ الوجود الإنساني. فبينما وفّر هذا التطور آليات متقدمة للتحرر والاستدلال، فقد أنتج في الوقت ذاته شروط العبودية الوجودية. وهذه القفزة، التي مكّنت من العمليات المعرفية العليا كالتفكير المجرد واللغة، حملت معها إدراكاً لا مفر منه لحتمية الفناء الذاتي، وهو ما يشكّل مصدر "الإرهاب الوجودي" الكامن في صميم التجربة البشرية.

يكمن التناقض المركزي للوجود الإنساني في الصدام بين الدافع الغريزي القوي والساحق للاستمرار في الحياة، وبين الوعي المعرفي اليقيني والمفاجئ بضرورة وحتمية الموت الكوني، ما يُعرف بـ "مبدأ الفناء المتناقض". وهذا الصدام ينتج خزانًا من القلق يمكن أن يؤدي الى تعطيل الحركة إن لم تتم إدارته. ولأن هذا الإرهاب الكامن لا يمكن مواجهته بشكل مستمر وواعٍ، فقد تطورت آليات نفسية واجتماعية معقدة، تعمل في ميكانيزمات اللاوعي الدقيقة، بهدف إدارته وقمع وعيه المباشر.

 القفزة المعرفية والقطيعة الفلسفية

تُعرّف القفزة المعرفية بأنها تجاوز نوعي في القدرات العقلية، يسمح بالانتقال إلى التفكير النظري في القضايا الفلسفية والأخلاقية. وتُشبّه هذه القفزة بـ "القطيعة المعرفية" التي تحدث عند قلب المفاهيم السابقة، كما حدث مع نظريات كوبرنيكوس وداروين، مما يُوهم بكسر قانون التراكم. ومع ذلك، فإن هذه القفزة، في سياق التطور المعرفي البشري، هي "تجاوز إيجابي" يمتص ويتمثّل ما في القديم من إيجابيات، ممهِّدة بذلك للوعي بالفناء كظاهرة وجودية وليست بيولوجية بحتة.

 آلية اللاوعي الدقيقة

يشير هذا المفهوم إلى الآليات العصبية والنفسية الدقيقة التي تعالج إرهاب الموت قبل أن يتمكن من شل حركة الفرد. هذه الآليات تهدف إلى منع الإرهاب من الدخول إلى الوعي اليومي، وتشمل عمليات القمع البيولوجي، وتوجيه الغرائز، وتفعيل الآليات الدفاعية المعرفية المعقدة.

 الجذور الفلسفية للوعي القاتل

القفزة المعرفية تُنتج ما يُسمى "الوعي القاتل" لأنها هي التي تمكّن قدرة التنبؤ والتفكير في المستقبل البعيد. هذه القدرة تنمو مع تطور آليات التفكير المجرد والاستنباط التي تظهر في مرحلة المراهقة النضيجة. هذا الإدراك المعرفي يسمح للوعي ببناء تمثّلات تشمل المعارف والاعتقادات المبرهنة وغير المبرهنة.

هذا التجاوز المعرفي هو الذي سمح للإنسان بإدراك حدود وجوده الفاني. وعندما نقضت النظريات العلمية الأصول الفلسفية القديمة، انفتح المجال أمام الوعي الذاتي لاستكشاف الوجود بمعزل عن الماهيات المسبقة، ما دفع فلاسفة الوجودية لوضع الموت في صميم التجربة البشرية.

 الموت بنية أساسية للوجود لدى هايدغر

قدّم مارتن هايدغر تحليلاً أساسياً لدور الموت في الوجود البشري، مؤكداً أنه إذا كان هناك شيء يشكّل جوهر وجود الإنسان، فهو الموت.

يفرّق هايدغر جوهرياً بين موت الإنسان وموت الحيوان؛ فالإنسان يعي يقينًا بأنه سيموت، بينما الحيوان يفتقر إلى هذا الوعي. الحيوان يدرك الموت كحادثة أو خطر خارجي يمكن الفرار منه. أما الإنسان، فيدركه كوجهة نهائية لا مفر منها تحدث في أي وقت. هذا الوعي يشكّل الهيكل الجوهري للوجود الإنساني، ولكنه يولد قلقاً مستمراً ومفزعاً، يدفع الإنسان نحو "هروب ضخم، فردي وجماعي، من أمام هذا القلق."

إن هذا الوعي المعرفي المتقدم هو أصل الإرهاب الوجودي، إذ يضع القدرة على التنبؤ (الناتجة عن القفزة المعرفية) في صدام مع الدافع الغريزي للبقاء. وهذا الصدام هو الشرط الذي يجعل الوجود يتأثر بشكل أساسي بهذا الوعي الصادم.

التحليل النفسي الفرويدي: صراع إيروس وثاناتوس

قدّم سيغموند فرويد نموذجاً لآليات اللاوعي، مؤكداً أن السلوك البشري كما تشير عبارة التحليل النفسي الفرويدي: صراع إيروس وثاناتوس إلى نظرية أساسية في علم النفس طورها سيغموند فرويد، والتي تفترض وجود صراع دائم داخل النفس البشرية بين قوتين متعارضتين،

إيروس يمثل غريزة الحياة، الحب، والترابط. يُعرف أيضًا باسم "الليبيدو"، وهو يشمل الرغبة في البقاء، والتكاثر، والإبداع، والاتصال بالآخرين وهو القوة الدافعة وراء العلاقات الاجتماعية الإيجابية، والتنمية الشخصية، وثاناتوس يمثل غريزة الموت، التدمير، والعدوان.

يمثّل ثاناتوس الدافع الكامن للعودة إلى حالة اللاعضوية، متوافقاً مع مبدأ الإنتروبيا و"مبدأ النيرفانا". هذا الدافع هو القوة التدميرية الكامنة. يشير فرويد إلى أن الصراع المستمر بين القوتين يوجّه طاقة الموت (التي تسعى للتدمير الذاتي والرجوع إلى حالة العدم) نحو الخارج في شكل عدوان.

إن قلق الموت يغذّي هذا الصراع. بالتالي، فإن توجيه طاقة ثاناتوس إلى الخارج في شكل عدوان ودفاع عن الذات هو ميكانزيم أساسي يغذّي العنف بين المجموعات والدفاع القسري عن الحدود الثقافية، وهي الأرضية النفسية التي تتأسس عليها النزعة السلطوية.

القمع الاجتماعي للوعي الفردي

تُستخدم "الجمعنة" كآلية دفاع وجودي تفرض التجانس الثقافي على الأفراد. إن الأنظمة السلطوية تدرك أن الوعي الفردي، الذي هو أقرب للصدق، يولد القلق الوجودي الذي تسعى الأيديولوجية لإدارته.

لذلك، يتم طمس معالم الشخصية الفردية وتأجيل تطوير الوعي الفردي لصالح "الأنا الجمعي المجبول على فرض التجانس". هذا التحول ضروري للسلطة لأن الوعي الجمعي يدمج الفرد في بنية خلود رمزي أكبر منه (الدولة، الأمة، الأيديولوجيا). النزعة السلطوية، من هذا المنطلق، لا توفّر القوة فحسب، بل تبيع الغياب المنظَّم للقلق، عبر إعادة الفرد إلى حالة "الغفلة والتسطّح" (ما قبل الوعي)، ولكن ضمن إطار اجتماعي مقبول.

يُفسّر هذا على أساس الدوافع التطورية والجينية، حيث يُعد نقل الجينات والشعور بالذات إلى النسل آلية لـ "الخلود الرمزي". هذا يربط بين الدافع الجيني للنجاة وبين دعم الأيديولوجيات الثقافية. تستغل النزعة السلطوية هذا الأساس البيولوجي بتوفير نظام اجتماعي قوي يُفترض أن يضمن استمرار النسل والمجموعة، وبالتالي يُستخدم الدافع الجيني غير الواعي لتعزيز التماسك الأيديولوجي والسلطوي.

***

غالب المسعودي

.....................

المراجع

بيكر، إرنست. إنكار الموت (The Denial of Death). (مصدر أساسي لفهم الإرهاب الوجودي والخلود الرمزي)

بياجيه، جان. نشأة الذكاء عند الطفل. (لتعزيز الجزء المتعلق بالقفزة المعرفية والتفكير المجرد في المراهقة)

هايدغر، مارتن. الكينونة والزمان (Being and Time). (لتعميق تحليل دور الموت كبنية للوجود)

فروم، إريك. الهروب من الحرية. (لتحليل الجانب الاجتماعي والنزعة السلطوية كهروب من الوعي الفردي)

طرح المشكلة: تشكل مسألة الإدراك وعلاقته بالوعي واللاشعور، إشكالية فلسفية ونفسية مركزية، تعود إلى الجذور الأولى للتفكير الفلسفي وتمتد الى عصرنا هذا. فمنذ الفلسفة القديمة، اعتُبر الوعي أساس كل العمليات الفكرية والمحدد لمدركاتنا في العالم الخارجي ولأنفسنا. لكن في المقابل، تلف الغموض بعض سلوكاتنا وتصرفاتنا أثناء حالات الخوف والانفعال والقلق، وفي بعض المواقف لا يمكن تفسير الاحكام والأفعال الصادرة عنا، كما في حالات اليقظة ولحظات الأحلام المرتبطة بالنوم. هذه المفارقة تثير جدلاً بين الموقف الكلاسيكي الذي يؤكد مركزية الوعي في عملية الإدراك، والموقف التحليلي النفسي الذي يكشف عن الدور الحاسم للاشعور. هذا التناقض يثير ولا شك تساؤلاً جوهرياً:

 هل حقاً يمكن رد مدركاتنا الى فاعلية الشعور فحسب، أم أنه لا يمكن فهم العملية الادراكية إلا بردها إلى اللاشعور؟

وهل إدراكنا للعالم الخارجي وأنفسنا انعكاس للوعي، أم هو بناء نفسي تخترقه عوامل لا واعية؟

الأطروحة الأولى: الوعي كمصدر أساسي للإدراك (المذهب الظاهراتي والاتجاه الكلاسيكي)

يؤكد أنصار هذه الأطروحة، وهم أصحاب التفسير الكلاسيكي للحياة النفسية وكذا المذهب الظواهري، أن الحياة النفسية قائمة على فاعلية الوعي الذي يحدد ادراكنا لأنفسنا وللعالم الخارجي، وينطلق هذا الموقف من عدة مبادئ: ففي التقليد الفلسفي الكلاسيكي، عند ديكارت، إدراك العالم الخارجي يمر عبر الشك المنهجي واليقين العقلي. فالحكم على الأشياء في العالم الخارجي قد يكون خداعاً، لكن عملية التفكير في هذا الاحتمال هي وعي يقيني. ذلك ان الإدراك الحسي يحتاج إلى تأكيد عقلي: "أنا أرى الشمع، لكن ما يدركه عقلي من طبيعة الشمع أهم مما تدركه حواسي". ويؤكد ديكارت - مؤسس العقلانية - مركزية الوعي الذي تتجلى قيمته في سيادة الذات المفكرة بما تمتلكه من حرية اختيار وانفراد بالمسؤولية قائلا: "تستطيع الروح تأمل أفكارها كلما أرادت ومن ثمة الشعور بكل واحدة منها". وهذا ما توضحه قاعدة "أنا أفكر إذن أنا موجود" حيث يتم اثبات الوجود عبر الشعور بالتفكير الذي لا ينقطع إلا بانقطاع الوجود.

ويتطور هذا الموقف مع كانط الذي في فلسفته أكد ان إدراك العالم الخارجي ينظمه وعي قبلي عبر مقولات الزمان والمكان والسببية. هذه المقولات ليست لا شعورية، بل هي شروط إمكانية كل تجربة واعية. العالم كما ندركه هو بناء واعي ينظم الظواهر الحسية.

ويرى هوسرل أنه لفهم جوهر الإدراك، يجب تعليق الأحكام المسبقة والافتراضات الطبيعية عن العالم، والرجوع إلى "الأشياء ذاتها" كما تظهر للوعي الخالص. قائلا:" الوعي دائمًا وعي بشيء" فهو موجه نحو الموضوعات الخارجية. مما يعني أن العلاقة بين الذات والعالم علاقة واعية وقصدية. وعند ميرلوبونتي، إدراك العالم يتم عبر "الجسد الحي" الذي هو وعي مجسد. الجسد ليس موضوعاً بين المواضيع، بل هو وسيط واعي لإدراك العالم. "الجسد هو نقطة الارتكاز التي منها أستطيع إدراك العالم". وعند سارتر، الذي أسس تحليله الوجودي على فكرة الوعي، فإن "السلوك يجري دائما في مجرى الشعور". ذلك ان ميزة الإنسان هي الوعي وهو ضروري لممارسة الحرية وتحمل المسؤولية في بناء المشروع المستقبلي.

كما يمكن العودة أيضا في هذا الموقف الى مالبرانش الذي كتب: "الشعور يكسب صاحبه فضلية النظام ويبلغ به مقام الاكتمال". ويؤكد مين دوبيران أنه يستحيل أن يكون للإنسان وجود بدون الشعور. حتى في فلسفة ابن سينا، الإنسان قد يتجرد من جسده كما في الأحلام، ولكن محال أن يتجرد من شعوره.

الأطروحة الثانية: اللاشعور كمحرك خفي للإدراك (التحليل النفسي)

تقف هذه الأطروحة على النقيض من السابقة، مؤكدة أن إدراكنا محكوم بعوامل لا شعورية، وأن التفسير الكلاسيكي للحياة النفسية القائم على الشعور فقط غير مقبول يمكن الارتكاز هنا على:

1.  ثورة التحليل النفسي والبراهين التجريبية: عند فرويد، نُسقط على العالم الخارجي رغباتنا المكبوتة. ما نراه في الآخرين قد يكون انعكاساً لرغباتنا اللاشعورية. فالواقع كما ندركه هو "واقع نفسي" مشكل بالرغبات المكبوتة. مثالا: من يكبت عدوانيته قد يرى العالم مكاناً عدائياً بشكل مبالغ في، ومع فرويد، تم قلب الصورة التقليدية عن الوعي، حيث أصبح اللاشعور هو الأساس الحقيقي للحياة النفسية. استند فرويد في تبرير أطروحته إلى حجج متعددة منها: الأفكار التي لا نعرف مصدرها كالحب والكره من أول نظرة، زلات القلم وفلتات اللسان، إضاعة الأشياء، النسيان المؤقت، والأحلام. يقول فرويد: "فرضية اللاشعور لازمة ومشروعة".

2.  التشويه المرضي وآليات الدفاع: كشفت تجارب التنويم المغناطيسي للطبيب شاركو (الذي التقى به فرويد سنة 1885) عن جانب خفي لا شعوري يؤثر في أفعال الإنسان، خاصة في السلوكيات المرضية كالهستيريا. عند علاج المريضة آنا أو (بيرثا بابنهايم) التي كانت تعاني من أعراض عصابية، لاحظ بروير أن "كلما وجدنا أنفسنا أمام أحد الأعراض العصابية وجب علينا أن نستنتج لدى المريض بعض النشاطات اللاشعورية".

3.  البنية النفسية والطاقة الغريزية: قسم فرويد الجهاز النفسي إلى ثلاثة أقسام (الأنا، الهو، الأنا الأعلى) وقال: "يستمد الأنا طاقته من الهو، وقيوده من الأنا الأعلى وعقباته من العالم الخارجي". أكد دور الليبيدو المحوري في الحياة النفسية وتشكيل ادراكنا للعالم الخارجي.

4.  المعالجة المسبقة اللاواعية للمعلومات الحسية: تظهر دراسات علم الأعصاب أن 90% من المعالجة البصرية تتم قبل أن تصل إلى الوعي. العين تستقبل 10 ملايين بت في الثانية، لكن الوعي يستقبل فقط 40-50 بت. الباقي يُعالج لا شعورياً.

5.  التأثير اللاشعوري للإشارات الخفية: دراسات بارغ تظهر أن إشارات خفية (سابقة إدراكية) تغير إدراكنا وسلوكنا دون وعي. مثال: عرض صور مرتبطة بالشيخوخة يجعل الناس يمشون ببطء أكبر دون أن يدركوا السبب.

6.  الذاكرة وإعادة بناء الأحداث: إدراكنا للحوادث الماضية ليس تسجيلاً أميناً، بل إعادة بناء تحت تأثير الحالة النفسية الحالية والتوقعات الاجتماعية. دراسة لوفتس تظهر كيف يمكن زراعة ذكريات كاذبة عبر إيحاءات لا شعورية.

التوليف: تجاوز الثنائية والتكامل البنيوي

يقدم بياجي حلاً توفيقياً: "ليست الحوادث النفسية شعورية فحسب بل الحياة النفسية تكامل بين الشعور واللاشعور". فالحياة النفسية كيان معقد يتداخل فيه ما هو شعوري بما هو لاشعوري. الوعي يمكننا من فهم الجانب الواعي من الحياة النفسية، واللاشعور يمكننا من فهم الجانب اللاواعي منها.

 وذلك من خلال تأثير ارادتنا الواعية و البعد الاجتماعي والثقافي حيث يؤكد علم النفس الاجتماعي أن اللاوعي ليس فردياً فقط، بل هو جماعي أيضاً. فالأيديولوجيا والثقافة تشكلان إدراكنا دون أن نكون واعين بذلك. كما يظهر الوعي في علم النفس الجشطالتي، حيث تعمل قوانين التنظيم الإدراكي (التشابه، القرب، الاستمرارية) على مستوى واعي يمكن ملاحظته وتحليله ويؤكد أنطونيو داماسيو أن المشاعر اللاواعية توجه انتباهنا الواعي وتؤثر في قراراتنا الإدراكية.

حل المشكلة

كتخريج عام يمكن القول أن العالم كما ندركه هو "عالم مشترك البناء" بين الوعي واللاشعور. الوعي يمنحنا الإحساس بالاتصال المباشر مع الواقع والقدرة على التفكير النقدي في إدراكنا، بينما اللاشعور يوفر السرعة والكفاءة في المعالجة الأولى ويكشف عن تأثيرات تاريخنا النفسي والثقافي.

إن إدراكنا للعالم ولأنفسنا هو نتاج معقد لتفاعل ديناميكي بين الوعي واللاوعي. فإذا كان الوعي يمنحنا الإمكانية للقصدية والتفكير التأملي والحرية المسؤولة، فإن اللاشعور يظل يشكل الخلفية الخفية لهذا الوعي وحدوده. من خلال هذا التحليل الجدلي، نصل إلى حل المشكلة المطروحة: الإدراك الإنساني هو عملية مركبة حيث يتجادل ما نعرفه عن أنفسنا مع ما نجهله فيها، وما نراه في العالم مع ما نتحاشى رؤيته. الحكمة تكمن في الاعتراف بأننا ندرك العالم ليس فقط عبر ما نعيه، ولكن أيضاً عبر ما نخفيه عن أنفسنا، وأن المعرفة الحقة تتطلب جهداً مستمراً لكشف هذه الطبقات المتداخلة من الشعور واللاشعور.

***

عمرون علي - أستاذ مادة الفلسفة

مقدمة: يشكّل الوعي الذاتي ركيزة محورية في الممارسة الطبية المعاصرة، خاصة في ظل ما يشهده الحقل الطبي من تطورات متسارعة على المستويين المعرفي والتقني. وقد بات واضحًا أنّ الطبيب لا يكتفي بامتلاك المهارات التشخيصية والعلاجية فحسب، بل يحتاج كذلك إلى قدرة عميقة على فهم ذاته، وضبط انفعالاته، وتقييم أحكامه، بما يعزّز جودة قراراته الإكلينيكية ويضمن مستوى أعلى من الرعاية الصحية. ومن هنا تبرز ضرورة الفلسفة بوصفها إطارًا معرفيًّا وثقافيًّا قادرًا على صقل شخصية الطبيب وتنمية مهاراته الذهنية والأخلاقية، نظرًا لما تقدّمه من أدوات للتفكير النقدي والتحليل المنطقي، وما تثيره من أسئلة تتعلق بالقيم، والمسؤولية، وحدود المعرفة، وطبيعة الوجود الإنساني.

وتتأسس إشكالية هذا البحث على التساؤل الرئيس الآتي: كيف تسهم الفلسفة في تعزيز الوعي الذاتي لدى الأطباء، وما أثر ذلك في الممارسة الطبية من حيث جودة القرارات، والأداء المهني، والتكوين الأخلاقي؟ ويتفرع عن هذا التساؤل جملة من الأسئلة الفرعية، تتعلق بمفهوم الوعي الذاتي وأهميته للطبيب، ودور الفلسفة في تنمية التفكير النقدي وتحسين جودة المعرفة الطبية، والعلاقة بين الفلسفة والأخلاق المهنية، فضلًا عن أثر فلسفة الوعي في الحدّ من المخاطر الطبية وتعزيز التناغم الوجودي والانسجام النفسي للطبيب أثناء عمله. كما تمتد الإشكالية إلى مناقشة موقع الفلسفة والمنطق في التعليم الطبي، ومدى ضرورتها في إعداد جيل جديد من الأطباء القادرين على الربط بين العلم والقيم، وبين التقنية والمسؤولية الإنسانية.

يرتبط هذا البحث بمحاور خمسة تكمل بعضها بعضًا في رسم صورة شاملة لدور الفلسفة في تعزيز الوعي الذاتي لدى الأطباء. فالمحور الأول يركّز على فهم طبيعة الوعي الذاتي وأهميته للطبيب، باعتباره قاعدة صلبة لاتخاذ قرارات طبية رشيدة وتحقيق جودة الرعاية الصحية. ومن هذا الأساس، يتصل المحور الثاني بدور الفلسفة في تطوير مهارات التفكير النقدي والتحليلي وبناء المعرفة الطبية، بما يعزز قدرة الطبيب على معالجة المواقف المعقدة والمستجدات المهنية بوعي وحكمة. وينبثق عن ذلك المحور الثالث الذي يعالج البعد الأخلاقي للطب، حيث تساعد الفلسفة على تحديد القيم والمعايير الأخلاقية، وتنظيم العلاقة بين المعرفة الطبية والتكنولوجيا، بما يضمن ممارسة مهنية مسؤولة. أما المحور الرابع فيسلّط الضوء على أثر فلسفة الوعي في تحقيق الانسجام النفسي والتوازن الكوني للطبيب، وتقليل المخاطر في الأداء الطبي، مما ينعكس إيجابًا على جودة الحياة المهنية والشخصية. وأخيرًا، يربط المحور الخامس بين التعليم الطبي والفلسفة، من خلال دمج التفكير الفلسفي والمنطق في المناهج الأكاديمية، بما يسهم في تكوين جيل جديد من الأطباء الواعيين بذاتهم، القادرين على المزج بين المعرفة العلمية والحس الإنساني الأخلاقي. هكذا تشكّل المحاور الخمسة شبكة مترابطة من الأفكار، تنبني عليها رؤية البحث الشاملة حول ضرورة الفلسفة لتعزيز الوعي الذاتي في المجال الطبي.

وانسجامًا مع طبيعة هذه المحاور، يعتمد البحث على المنهج التحليلي–الوصفي في دراسة المفاهيم والممارسات المرتبطة بالوعي الذاتي والفلسفة الطبية، وعلى المنهج الفلسفي–الأخلاقي في تحليل القيم والمعايير المهنية، إضافة إلى المنهج المقارن عند الحاجة، خاصة في مواضع المقارنة بين التصورات الفلسفية والواقع العملي للممارسة الطبية. ومن خلال هذه الأدوات المنهجية، يسعى البحث إلى الكشف عن الدور الجوهري الذي تؤديه الفلسفة في دعم البعد الإنساني للطب، وفي تكوين طبيب أكثر وعيًا بذاته، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات رشيدة ومسؤولة.

المحور الأول: مفهوم الوعي الذاتي وأهميته للطبيب

1- تعريف الوعي الذاتي في السياق الفلسفي والنفسي.

يُعرَّف الوعي بالذات، في السياقين الفلسفي والنفسي، بأنه قدرة الفرد على جعل ذاته موضوعًا لاهتمامه من خلال نشاطٍ مقصود يهدف إلى التعرّف على المعلومات المتعلقة بالذات ومعالجتها وتخزينها. ويتميّز هذا الوعي عن الوعي العام في أن الإنسان لا يكتفي بإدراك المثيرات الخارجية ـ كاللون أو الطعم ـ بل يتأمل خبرة إدراكه لهذه المثيرات وكيفية معالجتها، كقوله: "أرى جسمًا أزرق" أو "أتناول طعامًا لذيذًا". ويمثل الوعي بالذات ظاهرة متعددة الأبعاد، تشمل مجالات مختلفة من كيان الفرد؛ إذ يستطيع الإنسان التفكير في ماضيه (السيرة الذاتية) أو استشراف مستقبله، كما ينتبه إلى انفعالاته وأفكاره وسماته وتفضيلاته وأهدافه ومواقفه وإدراكاته ونواياه. وتُميَّز الانفعالات والسمات الخاصة بالفرد عن الأبعاد العامة أو الظاهرة للذات، مثل المظهر الخارجي والسلوكيات (1).

كما يتضمن الوعي بالذات إحساسًا بالفاعلية ونظرية العقل (أي القدرة على استنتاج الحالات الذهنية لدى الآخرين)، والوصف الذاتي، والتقييم الذاتي، والتنظيم الذاتي، والوعي بالموت، والانفعالات المصاحبة للوعي بالذات، والحديث الداخلي، فضلاً عن شعور بالاستمرارية الشخصية عبر الزمن وإدراك الذات ككيان متميز عن البيئة. ويختلف مستوى الوعي بالذات بين الأفراد؛ إذ تشير مصطلحات مثل "فوق- معرفي"، و"انعكاسي"، و"تمثيلي فوق- معرفي تكراري"، و"الوعي الممدّد" إلى مستويات متفاوتة من إدراك الذات. ويمكن التمييز بين "الوعي الذاتي المفهومي"، الذي يمكّن الفرد من تمثيل ذاته وحالاته الذهنية تمثيلاً مفهوميًا، و"الوعي الذاتي فوق- التمثيلي"، الذي يشمل بناء نموذج ذهني عن الذات وعن الآخرين، وبالتالي الوصول إلى المعرفة السير- ذاتية. أما المستوى الأقصى للوعي فهو "الوعي بالوعي الذاتي"، أي إدراك المرء أنه واعٍ بذاته (2).

ويرتبط مفهوم الوعي بالذات بتجربة الاتصال الداخلي، التي تتكون من ثلاثة مكونات رئيسية: أولها الوعي بالذات، ثانيها القبول الذاتي، وثالثها توافق السلوكيات مع هذا الوعي (3). المكوّن الأول، الوعي بالذات، يُعرّف بمعرفة الفرد بحالاته الداخلية وتفضيلاته وموارده وحدسه. ويعتبر الكثيرون أن لديهم ذاتًا جوهرية خاصة لا يمكن معرفتها إلا لهم وحدهم، بينما ترى بعض النظريات النفسية، مثل نظرية تحديد الذات، أن الذات ليست ثابتة، وإنما ينبغي أن تكون ذات معنى للفرد نفسه. وبالتالي، التركيز يكون على الفهم المدرك لجوانب من الذات التي تشبه مفهوم الذات، مثل القيم المهمة، مع مساهمة اليقظة الذهنية في توضيح تصورنا للوعي بالذات، إذ تشمل ملاحظة الأحاسيس والأفكار والمشاعر في اللحظة الراهنة وإحضارها إلى دائرة الوعي، ما يؤدي إلى وضوح أكبر لتلك التجارب المتعلقة بالذات (4).

المكوّن الثاني، القبول الذاتي، يشير إلى الاستعداد الكامل لتلقي الذات كما هي، دون إنكار أو تجنب، ويوازي الموقف المتقبّل للتجارب في ممارسة اليقظة الذهنية. ويعني هذا الاعتراف بمشاعر الفرد وقيمه وجوانب ذاته الأخرى، دون الحكم عليها بأنها جيدة أو سيئة، مع التركيز على القبول الذاتي للذات كما هي، وليس بالضرورة على محبة الذات أو تقديرها (5).

أما المكوّن الثالث، توافق السلوكيات مع الذات، فيعني التصرف بما يتوافق مع الحالات الداخلية للفرد وتفضيلاته وموارده، مستفيدًا من الوعي والقبول بالذات المُدركة لتسهيل اتخاذ قرارات سلوكية أصيلة ومتوافقة مع الذات. ويعكس هذا المفهوم المفاهيم المتعلقة باتخاذ القرارات وفقًا لنظرية تحديد الذات، والسلوك الأصيل، ويعد تطوير هذا التوافق أمرًا حيويًا لتجربة الارتباط بالذات بشكل ملموس (6).

وقد تم تعريف الوعي بالذات في قاموس علم النفس التابع لجمعية علم النفس الأمريكية بأنه "انتباه موجه للذات أو معرفة بالذات"، مع التركيز على الذات كصفة شخصية تمثل القدرة على التأمل الذاتي، والوعي الذاتي كحالة ضرورية للتنظيم الذاتي، حيث يمكّن الشخص من تقييم ذاته والسعي إلى الاتساق في معتقداته وسلوكياته (7). ومن منظور علم النفس الاجتماعي، وصف ميد Mead الوعي الذاتي بأنه إدراك الشخص لنفسه ككائن، بينما اعتبر باس Buss وإيدلمان Edelmann أن الوعي بالذات له جانبان: خاص داخلي وعام يمكن ملاحظته خارجيًا، كما أكد ويكنز Wiekens أن الوعي بالذات والوعي الذاتي يُستخدمان بمعنى متقارب، مع التأكيد على أن الوعي حالة يمتلكها ويختبرها كل فرد، بينما يُنظر إلى الوعي بالذات على أنه صفة شخصية (8).

2- أهمية الوعي الذاتي في اتخاذ القرارات الطبية:

إن أهمية الوعي بالذات تتجاوز الإدراك الشخصي الداخلي لتشمل القدرة على اتخاذ القرارات العملية، لا سيما في المجال الطبي، حيث يمثل الوعي بالذات مكوّنًا أساسيًا للمهارات الاجتماعية والتواصلية. فالوعي بالذات يرتبط بالقدرة على الانخراط في نظرية العقل، أي استنتاج الحالات الذهنية للآخرين، مثل الأهداف والنوايا والمعتقدات والرغبات والأفكار والمشاعر، مما يمكّن الطبيب من التنبؤ بسلوك المرضى، وتقديم المساعدة لهم أو تجنبهم أو تعديل استراتيجيات التعامل وفقًا للظرف (9).

وقد وصف نوفاك في أواخر سبعينيات القرن الماضي الوعي الشخصي على أنه التأمل في مدى تأثير الأحاسيس، والحياة العاطفية، والأفكار، والمعتقدات، والمواقف، والقيم على تجربة الفرد الحياتية، بما في ذلك التفاعلات مع المرضى والعائلات والزملاء. وينقسم هذا الوعي إلى ثلاثة أبعاد رئيسية: الوعي بالذات، والوعي بالآخرين، والوعي بالبيئة المحيطة. فالأول يشمل إدراك المشاعر والمعتقدات والقيم الخاصة بالفرد، وهو أساس عملية بناء التساؤل الذاتي، بينما الثاني يركّز على فهم الأحاسيس والمعتقدات والقيم الخاصة بالآخرين، أي المرضى، بما يعزز العلاقة العلاجية ويضمن إدراك تجربة المريض ضمن سياقها الكامل (10).

ويُعدّ الوعي الذاتي لدى الأطباء أساسًا لتطوير القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة التي تحافظ على صحة المرضى، باعتبار أن الصحة والرعاية الصحية حق أساسي من حقوق الإنسان، وتشمل حقوق المرضى ومنها الرعاية، والدعم، والخدمات الضرورية خلال مسار العلاج (11). ولتحقيق هذا الهدف، يُنصح الأطباء باستخدام نموذج FIFE، وهو إطار يساعد على فهم تجربة المريض بشكل متكامل وتحسين التواصل معه، إذ يتألف من أربعة عناصر رئيسية:

1- F – Feelings (المشاعر): الانتباه إلى المشاعر التي يختبرها المريض مثل الخوف أو الأمل، وفهم تأثيرها على سلوكه واستجابته للعلاج.

2- I – Ideas (الأفكار): معرفة تصورات المريض الخاصة بالمرض أو الحالة، والمعاني التي ينسبها لها.

3- F – Function (الوظيفة): تقييم تأثير المرض على قدرة المريض على أداء الأنشطة اليومية ووظائفه الأساسية.

4- E – Expectations (التوقعات): فهم توقعات المريض وعائلته ومقدمي الرعاية والأطباء الآخرين، بما في ذلك توقعات الطبيب نفسه، وإدارتها بشكل واقعي.

وباستخدام هذا النموذج، يصبح الطبيب أكثر وعيًا وشمولية في التعامل مع المريض، ليس فقط من الناحية الطبية، بل أيضًا من الناحية النفسية والاجتماعية، مما يعزز العلاقة العلاجية وجودة الرعاية الصحية (12).

3- العلاقة بين الوعي الذاتي وجودة الرعاية الصحية:

يمثّل التأمل الذاتي لدى الأطباء فضولًا حقيقيًا نحو الذات، إذ يكون الفرد منشغلًا بالتعرّف على انفعالاته وقيمه وعمليات تفكيره ومواقفه، ما يؤدي غالبًا إلى نتائج إيجابية ترتبط بالصحة النفسية مثل معرفة الذات والتنظيم الذاتي. على النقيض من ذلك، يُشير اجترار الذات إلى الانتباه القلق الموجَّه نحو الذات، حيث يسيطر الخوف من الفشل والتساؤل المستمر عن قيمة الفرد على التفكير، ما يؤدي عادةً إلى اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب، إلى جانب الذنب والخجل والغيرة والأرق، ويسهم في القلق الاجتماعي والاكتئاب، وهو شائع بين الأفراد غير الأصحاء نفسيًا (13).

ويُعدّ الارتباط بالذات أسلوبًا للتفاعل مع الذات يدعم الوظائف الإيجابية والرفاهية، إذ يُفترض أن تجربة الاتصال بالذات تعزز المعنى والهدف في الحياة وتساعد على تحقيق أهداف شخصية أكبر. كما يمكن أن ينعكس هذا الارتباط في زيادة الرضا عن الحياة وتعزيز الرفاهية الإوديمونية، بالإضافة إلى تحسين الاتصال الاجتماعي، إذ يصبح الفرد قادرًا على التعبير بوضوح عن قيمه وتفضيلاته ومساعدة الآخرين على القيام بالمثل. ومن هذا المنطلق، قد يسير الاتصال بالذات والآخرين جنبًا إلى جنب، بما يعزز جودة التفاعل الاجتماعي والمهني (14).

تشير الأدلة إلى أن عدم تطوير استراتيجيات الوعي الشخصي يؤثر سلبًا على الطبيب وعلى رعاية المريض، مع انعكاسات واضحة على الممارسة السريرية وإدارة الخدمات الصحية. فقد يؤدي ذلك إلى فقدان الحكم السريري، أو الشعور بفقدان الشخصية، أو الاحتراق النفسي، أو الإحباط، أو التجرد من الإنسانية، أو فقدان التقدير المهني، وحتى الاكتئاب. أما على مستوى الرعاية، فقد ينتج عن ذلك تحديد أهداف علاجية غير واقعية، أو الاستخدام غير المناسب للموارد، أو انهيار العلاقة بين الطبيب والمريض والأسرة، مما يفضي إلى رعاية ضعيفة وزيادة عدم الكفاءة (15).

ولتلافي هذه المخاطر، يجب التعرف على عوامل الخطر التي تؤثر في موقف الطبيب أثناء تقديم الرعاية، وتشمل:

1- عوامل متعلقة بالطبيب: العمر، المظهر، الشخصية، أو تشابه حالة المريض مع أحد أقاربه أو أصدقائه، التأمل في مشاعر المريض أو الأسرة، الخوف من الخطأ، مواجهة الموت والجوانب الروحية.

2- عوامل متعلقة بالمريض: مشاعر المريض أو الأسرة مثل الاكتئاب أو الحزن أو الغضب، خلفية المريض الاجتماعية والمهنية، أو عدم اليقين بشأن التشخيص أو المستقبل الطبي.

3- العوامل الخارجية: العوامل الاقتصادية، قيود الوقت، طول فترة الاستشفاء والعلاقة الوثيقة بين الطبيب والمريض، انفجار الإنتاج الطبي والأدبيات العلمية، وظروف العمل في خدمات الطوارئ (16).

تتأسس الصلة بين الوعي الذاتي لدى الأطباء وجودة الرعاية الصحية على مفهوم "التحميل الزائد" أو "التحفيز المفرط"، وهو مفهوم لا يُعد عامل خطر بذاته، لكنه كثيرًا ما يُطلق عمليات تؤثر سلبًا في رعاية المريض. ويُقصد بالتحميل الزائد الحالة التي تتجاوز فيها المطالب المفروضة على الطبيب – سواء كانت شخصية أم مهنية – حدود قدرته على الاستجابة، نتيجة تراكم الضغوط الزمنية، وكثرة المسؤوليات، ونقص الدعم، وتوقعات مبالغ فيها يفرضها على نفسه أو يفرضها عليه الآخرون. وغالبًا ما تفضي هذه الحالة إلى الاكتئاب أو الأعراض الاكتئابية، مع صعوبة التعرّف إلى مسبباتها بسبب تكرارها واعتيادية حضورها في بيئة العمل الطبي. وعند غياب هذا التعرف، تتعطل عملية الوعي الشخصي – أي التأمل في سبب تأثير تلك العوامل في سلوك الطبيب – لتبرز علامات تحذيرية داخل العلاقة بين الطبيب والمريض، من قبيل الشعور بالضيق تجاه المريض أو أسرته (17).

تشمل العلامات التحذيرية: رفض المريض أو العائلة والتوتر عند وجودهم، الفشل في التواصل مع المهنيين الآخرين، عدم التعامل الجاد مع تفاصيل الرعاية، والمطالبة بإجراءات تشخيصية أو علاجات مفرطة أو غير مجدية (الطب الدفاعي). أما الأعراض فتتمثل في الغضب تجاه المريض أو الأسرة، الأفكار أو الأحكام المتطفلة، مشاعر الذنب والفشل والشعور بالضحية، والازدراء أو الالتزام القسري بإنقاذ المريض، أو الاعتقاد بأن شكاوى المريض تصرفات تلاعبية لجذب الانتباه (18).

ولتجنب هذه الآثار السلبية، يطوّر الأطباء وطلاب الطب آليات للتنمية الشخصية والتكيف مع المواقف الصعبة في أربعة مجالات رئيسية: الوعي بالذات، الرعاية الذاتية، مشاركة المشاعر والمسؤوليات، وتطوير فلسفة شخصية للحياة (19). ومن منظور شامل، يشمل الوعي بالذات استكشاف الطبيب لنقاط ضعفه ومشاعره وقيوده، ليس كنظرة هزيمة، بل كنقطة انطلاق لتطوير قدراته. ويتطلب هذا التأمل الشخصي الانفصال النفسي، وغالبًا ما يثير مشاعر الخجل، التي قد تؤدي على المدى الطويل إلى العزلة، الإنكار، الإحباط، الرفض، والاكتئاب. ومن استراتيجيات تعزيز الوعي بالذات: قراءة كتب محفزة، الممارسات الدينية، التعليم خارج المجال الطبي، العلاج النفسي، التأمل واليوجا، وتحليل المشاعر والأفكار التلقائية للذات (20).

كما يُعد تطوير فلسفة شخصية للحياة أمرًا مهمًا للتطور الشخصي والمهني للطبيب. فمع تسارع نمو المعرفة الطبية، قد ينسى الطبيب بسهولة هدفه من المهنة. وعادةً ما يُجادل الأطباء بأن فترة الإقامة تتطلب أولوية للتدريب على حساب الحياة الشخصية مقابل الإنجازات المستقبلية، لكن بدون فلسفة شخصية متكاملة بين الأهداف المهنية والشخصية، تصبح المهنة عرضة للتحول إلى ملاذ أو إدمان أو مجرد آلية تفاعلية بين المعرفة والسلطة والاستثمار، مع ما يترتب على ذلك من فقدان الإنسانية في الرعاية. وتشير الأدلة إلى أن الأطباء الذين طوروا فلسفة شخصية، حتى وإن كانت القرارات صعبة وخارجة عن التوقعات التقليدية، تمكنوا من اختبار معنى الحياة وزادت ثقتهم في ممارسة مهنتهم (21).

المحور الثاني: الفلسفة كأداة لتعزيز التفكير النقدي والتحليلي عند الأطباء

1- دور الفلسفة في تنمية مهارات التفكير النقدي للطبيب.

تلعب الفلسفة، إلى جانب تنمية الوعي الذاتي لدى الأطباء، دورًا محوريًا في ترسيخ مهارات التفكير النقدي التي تُعد أساسية لمواجهة تحديات الممارسة الطبية الحديثة. فمع أن التطور المتسارع في التكنولوجيا الطبية قد جلب فوائد كبيرة لصحة الإنسان، فإن توظيف هذه التقنيات بفعالية في السياق السريري يتطلب قدرًا عاليًا من التفكير الفلسفي النقدي، الذي يمكّن الأطباء من تقييم المعطيات العلمية دون التسليم بها تسليمًا غير مدروس، وبذلك يوجّه الطب الحديث نحو مسار أكثر تطورًا وفاعلية. ولا تقتصر المهارات الفلسفية على مجاراة التكنولوجيا السائدة، بل تقوم على فحصها وتمحيصها بدقة، سعياً إلى تحسين جودة الممارسة الطبية، وهو توجّه يتصدر مناهج تعليم الطب في القرن الحادي والعشرين (22).

يُعرف التفكير الناقد بأنه مهارة معرفية يمكن تعليمها وتعلمها، ويُفترض أن المفكرين الناقدين يتخذون قرارات أفضل، ويكونون أكثر كفاءة في حل المشكلات ومهنيًا. وببساطة، يعرفه باير Beyer بأنه إصدار أحكام مستندة إلى العقل والمنطق، أي أسلوب منظم لتقييم صحة المعلومات أو الحجج أو البحوث (23).

ويُعد التفكير الناقد أساسًا للكفاءة المهنية، إذ يساهم غيابه في ظهور تحيزات معرفية تؤدي إلى الأخطاء التشخيصية والعلاجية. وقد طوّرت الأدبيات في تعليم المهن الصحية مفاهيم مشابهة مثل الحكم السريري، والتفكير التشخيصي، وحل المشكلات، والتفكير من النمط الثاني، والتي تبرز العمليات الذهنية اللازمة للتفكير في المشكلات واتخاذ القرارات. ويُعرَّف التفكير الناقد أيضًا على أنه القدرة على تطبيق مهارات معرفية عليا (التصوّر، والتحليل، والتقويم) والميل إلى التفكير المتعمّد، بما يؤدي إلى سلوك منطقي وملائم، وهو ما يجعله كفاءة مستقلة بذاتها (24).

تزداد أهمية التفكير الناقد مع تسارع التقدم في العلوم الطبية، حيث لم يعد اكتساب المعرفة وحده كافيًا لتمكين الأطباء من العمل بكفاءة في البيئات السريرية المعقدة. فالخبرة الطبية التقليدية، المبنية على "المعرفة مضافًا إليها الخبرة"، لم تعد كافية، بل يتطلب الوضع معالجات ديناميكية للتفكير، تسمح بالإبداع وتوليد حلول لمشكلات جديدة، مع الاحتفاظ بالفهم المتين للمبادئ العلمية الأساسية (25).

وتؤكد "منظمة الصحة العالمية" أن التفكير الناقد والإبداع من المهارات الحياتية الأساسية، وأن الأطباء بحاجة إليه لاتخاذ قرارات دقيقة في المواقف الحرجة، ولضمان الاستدلال الصحيح وحل مشكلات المرضى، وهو ما يجعل تدريس التفكير الناقد جزءًا أساسيًا في مناهج التعليم الطبي (26).وتشمل خصائص التفكير الناقد بحسب ويد Wade طرح الأسئلة، تعريف المشكلة، فحص الأدلة، تحليل الافتراضات والتحيزات، تجنب التفكير العاطفي، تجنب التبسيط المفرط، النظر في تفسيرات أخرى، والتسامح مع الغموض، إذ يُعد الغموض والشك جزءًا ضروريًا ومثمرًا من عملية التفكير الناقد (27).

ويوضح باير (1995) الجوانب الأساسية للتفكير الناقد كما يلي:

1- المواقف الذهنية: الشك، الانفتاح الذهني، النزاهة العقلية، احترام الأدلة والمنطق، والقدرة على تغيير المواقف استنادًا إلى الأدلة.

2- المعايير: تطبيق معايير محددة لتقييم مصداقية المعلومات.

3- الحجة: تحديد الحجج، تقييمها، وبناؤها استنادًا إلى الأدلة.

4- الاستدلال: القدرة على استنتاج النتائج من مقدمات متعددة وفحص العلاقات المنطقية.

5- وجهة النظر: النظر إلى الظواهر من زوايا مختلفة لفهم المعنى بعمق.

6- إجراءات تطبيق المعايير: استخدام إجراءات متعددة تشمل طرح الأسئلة، إصدار الأحكام، وتحديد الافتراضات (28).

تعتبر مراحل التفكير الناقد امتدادًا طبيعيًا لتطوير مهارات الوعي الذاتي والفلسفة العملية لدى الأطباء، إذ يتيح هذا التطور مواجهة التعقيدات السريرية بطريقة أكثر نضجًا ووعيًا. تتوافق المحطات التطورية لتطوير الكفاءة في التفكير الناقد مع ست مراحل:

المرحلة الأولى: المفكر غير التأملي

1- القدرات فوق المعرفية: يفتقر إلى القدرة على فحص أفعاله وعملياته المعرفية، ولا يدرك طرق التفكير المختلفة.

2- الاتجاهات: يظهر الجمود في المعتقدات، ولا يتقبل الغموض أو دمج المعرفة الجديدة.

3- المهارات: يعتمد على أساليب بدائية لجمع المعلومات، مثل الحفظ عن ظهر قلب.

المرحلة الثانية: المفكر الناقد المبتدئ

1- القدرات فوق المعرفية: يبدأ بالوعي بطرق التفكير المختلفة لكنه يحتاج إلى تحفيز خارجي للحفاظ على التأمل.

2- الاتجاهات: يتقبل التغذية الراجعة لكنه نادرًا ما يسعى إليها بنفسه.

3- المهارات: يستخدم أساليب تفكير متقطعة، وقد يكتفي بالتفسيرات الأكثر احتمالًا، مع إدراك المبادئ الأساسية دون تطبيق عملي (29).

المرحلة الثالثة: المفكر الناقد الممارس

1- القدرات فوق المعرفية: يطبق نظريات التفكير فوق المعرفي بوعي.

2- الاتجاهات: منفتح على التحديات ويقبل الأساليب الجديدة.

3- المهارات: قادر على التعبير عن عدة أساليب لحل المشكلات وتوجيه القرارات بناءً على المبادئ المعمول بها.

المرحلة الرابعة: المفكر الناقد المتقدم

1- القدرات فوق المعرفية: يمتلك أساليب متعددة للتفكير ويطبقها بوعي كامل مع التنظيم الذاتي.

2- الاتجاهات: يطلب التغذية الراجعة ويظهر فضولًا تجاه الأساليب البديلة.

3- المهارات: يكيف تفكيره بحسب السياق، ويتجنب التحيزات المعرفية، ويعتمد على المبادئ الأساسية في حل المشكلات.

المرحلة الخامسة: المفكر الناقد المتمكّن

1- القدرات فوق المعرفية: يراقب ويطور أساليبه بشكل مستمر، ويستخدم التفكير لتطوير الآخرين أيضًا.

2- الاتجاهات: يعترف بانحيازاته، ويحتضن حالة عدم اليقين لتعميق الفهم، ويبتكر حلولًا جديدة.

3- المهارات: يجمع بين التحليل والحدس، ويستنتج فرضيات تفسر الظواهر، وينتج معرفة جديدة باستدلال استقرائي (29).

مرحلة متراجعة: المفكر المتحدَّى

1- قد تتسبب القوى الخارجية أو المواقف العاطفية المرهقة في تراجع التفكير الناقد. يختلف المفكر المتحدَّى عن الناقد المبتدئ بأنه يقاوم المعرفة والتفكير النقدي عن وعي أو دون وعي، لكنه يعود إلى المستوى المعتاد عند زوال الضغوط.

2- القدرات فوق المعرفية: مقاومة وجهات نظر الآخرين وتجاهل المعرفة السابقة.

3- الاتجاهات: عدم التأمل في الأفكار والأساليب، مع تكبّر فكري.

4- المهارات: التمسك بأسلوب واحد في التفكير دون تعديل (30).

وفقًا لـ (باربرا ك. شيفر Barbara K. Scheffer وم. جاي روبنفيلد M. Gaie Rubenfeld)، يُعد التفكير الناقد جسرًا بين المعلومات والفعل، ويشكل أساس اتخاذ القرارات السريرية في التمريض. يشمل التفكير الناقد عادات عقلية ومهارات معرفية، حيث تم تحديد عشر مكونات وجدانية وسبع مهارات معرفية:

1- المكونات الوجدانية: الثقة، منظور السياق، الإبداع، المرونة، الفضول، النزاهة الفكرية، الحدس، الانفتاح الذهني، المثابرة، والتأمل.

2- المهارات المعرفية: التحليل، تطبيق المعايير، التمييز، البحث عن المعلومات، الاستدلال المنطقي، التنبؤ، وتحويل المعرفة (33).

تُستخدم هذه المكونات في توضيح استخدام التفكير الناقد في العملية التشخيصية وتحديد التشخيص التمريضي الدقيق، إذ يحتاج الممرضون إلى تطبيقها جميعًا لضمان اتخاذ قرارات مهنية دقيقة.

يدعم التفكير الناقد النشاط الإبداعي والفني للعقل، مما يمكّن الممرضين من ابتكار حلول فريدة لمشكلات صحية جديدة أو غير تقليدية. فالإبداع في حل المشكلات واتخاذ القرارات يُعد القدرة على تطوير وتنفيذ حلول جديدة تحقق نتائج صحية محسّنة. ويصبح ضرورياً عند مواجهة مواقف سريرية غير مألوفة، حيث يحتاج المبدع إلى تقييم المشكلة وفهم الحقائق والمبادئ الأساسية المطبقة عليها (34).

يسهم استخدام الممرضين للتفكير الناقد في:

1- توليد العديد من الأفكار بسرعة.

2- المرونة الطبيعية في تغيير وجهات النظر أو أساليب التفكير.

3- ابتكار حلول أصلية للمشكلات.

4- الاستقلالية والثقة بالنفس تحت الضغط.

5- إظهار التفرد والشخصية (35).

يخضع المفكر النقدي في الرعاية الصحية لعدة خطوات معرفية منظمة، تهدف إلى تحليل المعلومات وتقييمها بشكل دقيق، مما يسهم في اتخاذ قرارات مدروسة وتحسين جودة الرعاية الصحية:

1- جمع المعلومات من جميع الحواس والمصادر المتاحة.

2- طرح أسئلة ومشكلات واضحة ومحددة.

3- جمع المعلومات ذات الصلة وتقييمها.

4- استخدام الأفكار المجردة بطريقة مفهومة وفعّالة.

5- التوصل إلى استنتاجات وحلول مدروسة جيدًا.

6- اختبار النتائج وفق المعايير والمقاييس ذات الصلة.

7- استخدام استراتيجيات تفكير بديلة حسب طبيعة المهمة.

8- تقييم جميع الفرضيات والنتائج العملية.

9- التواصل الفعال مع الآخرين لإيجاد حلول للمشكلات المعقدة (36).

يساعد التفكير الناقد المتخصصين في الرعاية الصحية على:

1- تجنب الأخطاء الطبية.

2- تحديد خيارات بديلة أفضل للتشخيص والعلاج.

3- زيادة الإنتاجية واتخاذ قرارات سريرية محسّنة.

4- العمل بكفاءة في بيئات محدودة الموارد.

5- إدخال الابتكار من خلال الإبداع.

6- تطوير الثقة بالنفس وفهم المواد الدراسية بشكل أفضل.

7- التدرج في سلم القيادة وتحقيق نجاح مستدام في الحياة المهنية والتعلم المستمر (37).

2- أهمية الفلسفة فى بناء المعرفة الطبية:

أ- الفلسفة والطب:

حيثما وُجد البشر، سعى الإنسان دائمًا لاستكشاف العلاقة الجوهرية بينه وبين الطبيعة. قبل اكتمال التفكير العقلاني، حاول البشر تفسير الظواهر الطبيعية وتأثيرها عليهم من خلال الأساطير والأديان البدائية، فتحوّل الخوف من الولادة والموت إلى الخوف من الأشباح، وتحول الشك من الألم إلى السعي وراء السحر. في هذا الإطار، وُلد الطب كاستجابة أولية لمعاناة الإنسان ورغبته في تخفيف الألم. ومن أجل تفسير الظواهر المختلفة، أصبح الاستكشاف المستمر أساس الفلسفة، باعتبارها وحدة نظرية ومنهجية للعرض الكوني والمنهجي، وانعكاسًا للعلاقة بين التفكير والوجود، والعقل والمادة، والتي نشأت بطريقة ما في الطب.

كان "الأطباء"، في مراحل مبكرة من تاريخ البشرية، يمارسون دورهم ضمن إطار السحر والدين، حيث كان يُعتقد أنهم يمتلكون قوى سحرية لمعالجة الأمراض. ومع مرور الزمن وتطور الفلسفة، تحرر الطب تدريجيًا من أوهام السحر والآلهة. فقد تولّى الفلاسفة دور الأطباء، مثل فيثاغورس وإمبيدوكليس، اللذين جمعا بين الطب والفلسفة في آن واحد. في الوقت ذاته، كان يُعبَّر عن لغة الطب من خلال لغة الفلسفة، كما يظهر في قول لاو تزو: "كل الأشياء تترك وراءها الغموض وتتقدم لتحتضن النور". وقد اعتمد مفهوم التوازن بين اليين (Yin) واليانج (Yang) في الطب الصيني القديم، حيث يرمز اليين إلى الجانب السلبي والداخلي والبارد، بينما يرمز اليانج إلى الجانب الإيجابي والخارجي والحار. ويُعتبر التوازن بينهما أساسًا للصحة، كما ورد في "القانون الداخلي لهوانغدي" (38).

الطب والفلسفة متشابهان ومتداخلان. فقد أشار أرسطو إلى أوجه التشابه بين عمل الفيلسوف وعمل الطبيب، وذكر أبقراط أن "الطب لا يمكن أن يوجد بدون الحقيقة الطبية، والفلسفة لا يمكن أن توجد بدون الحقائق الطبية أيضًا". وشدّد تشوانج تزو Chuang Tzu على الانسجام بين الإنسان والطبيعة، والجسد والعقل، وهو المكوّن الأساسي للطب الصيني القديم، حيث يُنظر إلى الشكل والروح كوحدة عضوية متكاملة. وفي الفلسفة اليونانية، استُلهم أبقراط من فرضية طاليس القائلة بأن المبدأ الأصلي للطبيعة هو الماء ليقترح أن "سوائل الجسم" تشكّل أساس جسم الإنسان (39).

يوفر الطب أساسًا واقعيًا للفلسفة؛ فقد اقترح إمبيدوكليس مفهوم "العناصر الأربعة" استنادًا إلى الممارسة الطبية، وتأثر به أبقراط فابتكر فكرة "الأخلاط الأربعة" (الدم، البلغم، الصفراء الصفراء، والصفراء السوداء)، التي شكّلت أساس علم الأمراض لقرون طويلة (40).

يُعدّ الطب،في إطار العلوم الحديثة،مجالا متكاملا يجمع بين المعرفة النظرية والتطبيقية، فهو "علم عملي" يدمج المعرفة بالمهارات العملية، ويتضمن القدرة على تمييز حالة الكائن الحي وتحديد ما هو الصالح لصحته. وتبرز الأسئلة الفلسفية في سياق اللقاء السريري بين الطبيب والمريض، مما يجعل تحليل هذا اللقاء أساسًا لفهم الطب وفلسفته (41).

على الرغم من اختلاف التخصصات، نشأت علاقة عميقة بين الطب والفلسفة منذ اليونان القديمة. ويُعرف اليوم حقل "فلسفة الطب" كفرع مستقل ظهر في أواخر القرن التاسع عشر، وبرز في القرن العشرين، حيث أصبح مجالًا يدرس الأبعاد الإنسانية الدقيقة في الممارسة السريرية، وما يرتبط بها من جوانب معرفية وأخلاقية ومنهجية (42).

ويمكن توجيه التأملات الفلسفية بمنهج ظاهراتي يبدأ من تحليل التفاعل السريري، للكشف عن أعمق المعاني والبُنى المكوِّنة لعلاقة الطبيب بالمريض، مع التركيز على تجربة المرض واستجابة الطبيب لطلب المساعدة. إذ يتعلّم الأطباء المستقبليون الجسد البشري قبل مواجهة المرضى، وهو ما يؤهلهم للتعامل مع اللقاءات السريرية وإدارة الرعاية، وهو الهدف النهائي للطب (43).

كما تهدف المعرفة الطبية أو التثقيف الصحي إلى تعزيز الوعي الصحي من خلال أنشطة تعليمية مخططة تساهم في تنمية المعرفة وصقل مهارات الحياة المفيدة للفرد والمجتمع، بما يشمل المشاركة، والإصلاح الطوعي، وتمكين المرضى، وصحة الإنسان. وتعتبر الفلسفة رؤية شمولية تُسهم في فهم الصحة وتوضيح المفاهيم، خصوصًا في المجال الطبي الحيوي (44).

ب- الأسس الفلسفية للمعرفة الطبية:

يمثّل السؤال المعرفي مسألة مركزية في العلوم الطبية الحيوية: "كيف يمكن تبرير الادعاءات العلاجية؟ وما الوسائل اللازمة لترسيخ الثقة بهذه الادعاءات؟" وينسحب هذا الاهتمام أيضًا على المعرفة التشخيصية: كيف يمكن للأخصائي التأكد من أن المريض يعاني من مرض معين دون غيره؟ تقليديًا، يُنظر إلى تبرير المعرفة الطبية من خلال نهجين أساسيين: العقلانية والتجريبية.يرى العقلانيون أن المعرفة مسألة عقلية ومنطقية بحتة، إذ تُعتبر الحقيقة فطرية في طبيعة الإنسان، بينما يرى التجريبيون أن المعرفة تُكتسب عبر الخبرة الحسية، فالعقل يولد كصفحة بيضاء تُكتب عليها المعرفة بالتجربة (45).

للنزاع بين العقلانيين والتجريبيين جذور طويلة في تاريخ الطب. فقد أثار النقاش بين النظرية الحديثة (العقلانية) والممارسة التقليدية (التجريبية) جدلاً واسعًا في القرن السابع عشر، كما يظهر في دعوة جورجيو باجليفي لاعتماد الطب التجريبي، قائلاً: "الركيزتان الرئيسيتان للطب هما العقل والملاحظة، لكن الملاحظة هي الخيط الذي يجب أن يشير إليه العقل. لكل مرض طبيعة خاصة، وليس خيالية، مع مبادئه ونموّه وحالته وتراجعه. ولا حاجة لأسلوب دقيق للجدل، بل تكفي الملاحظة الدقيقة والمتكررة لما يحدث للمرضى المختلفين" (46).

استغرق الأمر عدة قرون حتى أصبح الطب التجريبي هو المعيار السائد في الممارسة الطبية. ومع ذلك، تظل العقلانية مكونًا إبستيمولوجيًا مهمًا في النموذج البيوميديكالي، إذ "لا يمكن للعلاج العقلاني أن يدّعي صحته إلا إذا شملت النظرية جميع العناصر ذات الصلة بالمرض". وبناءً على ذلك، فإن الكثير من الإبستيمولوجيا الطبية الحديثة يقودها التجريب وتقنياته المصاحبة. ويعتمد اكتساب المعرفة الطبية وممارستها ضمن النموذج البيوميديكالي على التطورات التكنولوجية في العلوم الطبيعية، خاصة الفيزيائية، كما أن التجارب السريرية وإجراءات الاختبار الأخرى أصبحت أساسًا للطب القائم على البراهين (47).

ورغم التطور التجريبي، لم تحل المناقشات بين العقلانيين والتجريبيين كل الإشكالات المتعلقة بتبرير المعرفة البيوميديكالية. فقد أشار باجليفي منذ قرون إلى ضرورة الجمع بين النهجين: "أولئك الذين يعارضون العقل بالتجربة… يبدو أنهم جميعًا مجانين: فكيف يمكن للعقل أن يتحكم في جميع أجزاء العلم، الذي يُكتسب بالتجربة والاستخدام المستمر على مدى فترة طويلة؟ ومن ناحية أخرى، لماذا الاكتفاء بالتجربة وحدها وطرد العقل؟… الملكة العقل، الموضوعة فوق كل شيء، هي التي ينظر من خلالها الطبيب إلى مبادئ وأسباب الأمراض، ويتنبأ بتقدمها ونتائجها" (48).

يمكن التعبير عن التركيب بين العقلانية والتجريبية عبر الربط بين النشاط الحسي والخبراتي من جهة، والنشاط النظري من جهة أخرى، باستخدام عمليات معرفية تربط بينهما. فالمعطيات الحسية والملاحظات تُعدّ بداية المعرفة، إلا أنها لا تشكّل معرفة في حد ذاتها، بل أدلة يجب تفسيرها معرفيًا لتشكيل النظرية التي تفسر الظاهرة. ومن هذا المنطلق، تظل جميع الأدلة مشبعة بالنظرية بدرجات متفاوتة، من الدليل الشاذ إلى الدليل الموضوع لاختبار التنبؤ.

وعلى الرغم من أن النموذج الطبي- البيولوجي يوفر أدوات منهجية مهمة لاكتساب المعرفة الطبية وتطبيقها، يبقى الكثير من العمل المطلوب تجريبيًا وعقليًا وفلسفيًا لحل الإشكالات الإبستمولوجية. كما يؤكد ليبيراتي Liberati وفينيس Vineis، "لا يزال هناك الكثير لتعزيز فهم طبيعة البرهان والدليل واللايقين، ووضع أجندة بحثية أكثر توازنًا، وآليات أكثر تماسكًا لتحسين جودة الرعاية الصحية، وجهود ثقافية أعمق لتمكين المرضى والمستهلكين"، وهو ما يرتبط أيضًا بـ "منطق الطب" logic of medicine الذي ذكره إدْمُند مورفي (49).

ت- مصادر المعرفة الطبية وعلاقتها بالممارسة

يرتكز عمل الطبيب على تقديم أفضل رعاية ممكنة للمرضى، وهو ما يتطلب الجمع بين التقنيات الطبية المتقدمة، والقدرات الفكرية، والمعرفة النظرية المتينة، والمهارات السريرية العالية، إلى جانب حسن اتخاذ القرار والتفاني في الممارسة اليومية. وتسعى هذه الممارسة إلى إحداث تأثير فعلي ونافع في حياة المريض ومجتمعه، الأمر الذي يتطلب تخطيطًا واعيًا للأفعال الطبية وتنفيذها، من الفحص والتشخيص إلى العلاج والتدخل الجراحي. ويؤكد ماركس في أطروحته الشهيرة عن فويرباخ أن المهم ليس تفسير العالم بل تغييره، وأن التدخل البشري يؤثر في حركة المادة دون أن يضيف إليها أو ينقص منها.

تُكتسَب المعرفة الطبية أساسًا عبر الممارسة العملية ومواجهة المشكلات الواقعية، بينما تُصاغ الحلول النظرية اعتمادًا على الخبرة الاجتماعية والمعرفة المتراكمة، مع معالجة المعطيات الجديدة بطريقة عقلية منظمة. وهكذا، تصبح المعرفة الطبية نتاجًا اجتماعيًا مرتبطًا بمستوى التطور العلمي والمرحلة التاريخية التي تُنتَج فيها (50).

كما أن إنتاج المعرفة يتم عبر أفراد—كالطبيب والباحث الطبي—يعملون ضمن بيئة اجتماعية تشكّل خبراتهم وتتيح لهم التعاون وتبادل الأفكار والاستفادة من الأدوات والمعارف المتاحة. ومن خلال هذا التفاعل، تتوسع المعرفة وتتعمق استجابة للحاجات المستجدة، مستندة دائمًا إلى الإمكانات التي توفرها الممارسة العملية. وتُختبر المعرفة المستمدة من التجربة داخل التجربة نفسها، انسجامًا مع أطروحة ماركس الثانية عن فويرباخ، التي تؤكد أن الحقيقة لا تُبرهَن نظريًا بل عمليًا، وأن الفكر المعزول عن الممارسة يظل سؤالًا نظريًا فارغًا. ومن ثم، لا تُكتسَب المعرفة اللازمة لحل مشكلة طبية إلا عندما تتحول إلى قضية عملية واقعية؛ فالتشخيص يتم عبر الفحص والفحوص المخبرية، والدواء لا يُعتمد إلا بعد اختباره سريريًا فعليًا (51).

يعتمد الطبيب في اكتساب المعرفة على حواسه، مستقبلاً المعلومات التي تتحول لاحقًا إلى معرفة متكاملة. ويتفاعل مع المرضى والأشياء المرتبطة بعمله، لتصبح موضوعات لتدخله العملي ومعرفته. ومن خلال الملاحظة والتفاعل، يصدر الطبيب أحكامًا واستنتاجات تؤدي إلى اتخاذ قرارات علاجية أو إجراء فحوص إضافية للكشف عن عناصر غير واضحة للوهلة الأولى، مثل الفحوص السريرية أو المخبرية، ما يؤدي إلى استنتاجات جديدة. وتتميز هذه الملاحظات بكونها نشطة وليست مجرد مشاهدة سلبية، إذ تنشأ من أفعال الطبيب وتفاعله مع الموضوعات. ويتدرج الطبيب من معرفة سطحية إلى معرفة أعمق وفق مستوى التطور العلمي في بيئته العملية، كما أظهرت العلوم الطبية الحديثة العلاقة بين الأعراض الظاهرة والعمليات البيولوجية الخفية، ما أدى إلى تصنيف الأمراض وتطوير علاجات تستهدف السبب الكامن وليس المظاهر فقط. ويتطلب هذا التطور المعرفي تقدمًا موازياً في الممارسة العملية؛ فبدون المعرفة الجينية والأدوات التقنية لتطوير تقنيات التشخيص الجزيئي، لما كان بالإمكان اكتشاف العوامل المعدية في حالات الإنتان وتطبيق العلاج المناسب (52).

وتواجه المعرفة الطبية حدودًا محددة بالخبرة والأدوات المتاحة، فهي ناقصة ومؤقتة، إلا أن الجهد البشري المستمر يتجاوز هذه الحدود لتنشأ حدود جديدة، وهكذا تستمر عملية اكتساب المعرفة بلا نهاية، كما يشير إنجلز. ويعمل الطبيب مع واقع موضوعي موجود خارج وعيه، ويشترك مع زملائه في نفس الواقع—المريض وأعراضه ونتائج الفحوص—ليبنى على البيانات الموضوعية استنتاجاته. وبهذا تصبح معرفة الطبيب موضوعية لأنها ترتبط بالواقع المادي، لكنها في الوقت نفسه نسبية لأنها في حركة مستمرة، كما قال هيراقليطس: "كل شيء يتغير ويتدفق". ويؤكد الالتزام بالتشخيص الصحيح والعلاج المبني على بروتوكولات دقيقة قبول مبدأ السببية في الظواهر الطبية، ما يمكّن الطبيب من توقع تقدم المرض، والتعرف على عوامل الخطر، والتنبؤ بنتائج العلاج (53).

تنبع المعرفة الطبية من ظهور التناقضات أو الصراع بين المتضادات، مثل المرض والصحة، الطبيب والمريض، أو الحاجة إلى معرفة إضافية والجهل، والتي تتجلى في علاقة الطبيب بمريضه. يكتسب الطبيب المعرفة تدريجيًا من خلال جمع البيانات والملاحظات، وصولًا إلى نقطة حاسمة تؤدي إلى تغيّر نوعي في فهمه، أي الوصول إلى التشخيص الصحيح وإدارة علاجية أكثر فعالية. ويتكرر هذا النهج مع فهم مسببات الأمراض، حيث تتراكم المعرفة تدريجيًا حتى تؤدي إلى تغييرات نوعية في الفهم والعلاج، مثل الانتقال من معالجة الأعراض إلى معالجة السبب الأساسي للمرض. ومع حل هذه التناقضات، قد يتوقف لقب "الطبيب" مؤقتًا بالنسبة لمريض محدد، ليظهر لاحقًا مع مريض آخر أو مع نفس المريض إذا عاد للمرض، لكن مع خبرة أعلى وتطبيق أفضل للعلاج. ويستفيد الطبيب من كل تجربة سابقة لتحسين فعالية أفعاله، بما يعكس اتجاه وطبيعة تطور المعرفة، وفق القوانين الجدلية لحركة المادة عند إنجلز: وحدة وتصارع المتضادات، وتحول الكمي إلى نوعي، ونفي النفي (54).

ث- دور الفلسفة في تحسين ممارسة الأطباء

تشير تحليلات الحكم الخبير لدى الأطباء إلى أن الأداء الأمثل والنتائج الأفضل للمرضى يعتمدان على قدرة الطبيب على التعرف إلى «المناطق الملتبسة في الممارسة»، وعلى ضرورة «الإبطاء» للانتباه إلى الوضع القائم، وإعادة تأطير المشكلة المطروحة، واتخاذ الإجراء المناسب وفق ذلك. ففي حالة الجرّاحين، تظهر علامات الإبطاء في إيقاف الموسيقى الخلفية داخل غرفة العمليات، وإسكات الأحاديث الجانبية، والتوقف لالتقاط الأنفاس وإعادة تنظيم الخطوات. كما يمكن أن يكون الإبطاء مخططًا له مسبقًا، بناءً على توقع الجرّاح لخصوصيات الإجراء الجراحي وتعقيداته وما يكتنفه من درجات عدم اليقين المتعلّقة بالمريض (55).

تأتي الفلسفة هنا لتُمكّن الطبيب من أداء مهامه بجدية، فهي بوصفها المنهج الأساسي تتيح التوقف عند لحظات التعقيد وعدم اليقين، وطرح أسئلة جوهرية حول ممارسات تبدو بديهية، بما يمكّن من رؤية الأمور والقيام بها بطرق جديدة. المفاهيم الأساسية التي تُستخدم في التعليم الطبي تعود جذورها إلى الفلسفة؛ فعلى سبيل المثال، فكرة أن ما نقوم به ينبغي أن يستند إلى بحث تجريبي منهجي يُحدد فيه «الأسباب» و«النتائج» يمكن ردّها إلى هيوم ولوك، أما التفكير في المتعلمين من حيث المعرفة والمهارات والاتجاهات فيرجع إلى أفلاطون وأرسطو. كذلك، نماذج التأمل، مثل نموذج دورة التعلّم التجريبي لكولب، تستند إلى فلسفة جون ديوي، الذي استلهم بدوره من فلسفة هيجل (56).

ويمكن للأطباء مواجهة الغموض في الممارسة العملية من خلال ثلاث ممارسات فلسفية رئيسية:

1- اعتماد عقلية المبتدئ والانتباه للحظة الراهنة: تهدف هذه الممارسة إلى الاستجابة للحاجة إلى "التأنّي" عند مواجهة التعقيد أو عدم اليقين، وهي سمة من سمات الخبرة. ويتجسّد ذلك في القول الشهير المنسوب غالبًا إلى سقراط: «كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئًا» (حتى لو كان الشخص ذو خبرة)، مما يتيح النظر إلى الممارسة من منظور مفتوح.

2- إعادة المشكلة إلى جوهرها وتحليل الافتراضات: تُعيد هذه الممارسة طرح الأسئلة الأساسية لتوضيح معنى المفاهيم المستخدمة، كما يوضح ديلوز وغوتاري: «العموميات لا تفسر شيئًا، لكنها يجب أن تُفسر نفسها». على سبيل المثال، إذا كان سبب التدخل الطبي هو أنه "جيد" أو "مبني على الأدلة"، فإن الفلسفة تدفع لطرح سؤال: ماذا يعني بـ"الجيد"، و"الأدلة"، أو "التعلم"؟ ويمكن صياغة السؤال بطريقة فلسفية لتوضيح دور الطبيب أو المعلّم: من «كيف يمكنني جعل متدربيّ يتعلمون؟» إلى «كيف أرى نفسي كمربٍ، وما هي تداعيات منظوري على معنى التعلم؟».

3- تعطيل أطر المرجعية واستكشاف وجهات نظر مختلفة: النظر إلى الممارسة من منظور مختلف، سواء بتخيل كيف تبدو المشكلة عبر عيون شخص آخر أو بالتحدث مع شخص لديه رؤية مختلفة، يكشف عن الافتراضات الضمنية. مثال ذلك ما وصفه أفلاطون في محاورة سقراط مع إيوثيبرو، حيث أجبر سقراط إيوثيبرو على شرح قناعته بشأن العدالة، مما عطّل الإطار المرجعي الروتيني له (57).

يوجد اليوم إجماع متزايد على الدور الذي ينبغي أن تلعبه الفلسفة في العلوم الطبية الحيوية، لا سيما في تدريب الباحثين والممارسين المستقبليين. وتستهدف حركة العلوم الإنسانية الطبية التأمل الفلسفي في الطب البيولوجي بمعناه الأوسع، بما يشمل التفكير النقدي المطبق على العلم، والأساليب العلمية، والتأملات الأخلاقية، لتزويد الممارسين بمجموعة أدوات تساعدهم على فهم مكانة الطب، ومهامه، وتأثيراته، ونتائجه العملية. وقد ازدادت أهمية فلسفة العلوم الطبية على مدى العقود الأربعة الماضية، مع تعزيز التفاعلات المباشرة بين الفلاسفة والأطباء. وتشدد هذه التفاعلات على أهمية أن يكون الأطباء على دراية بالفلسفة، وأن يكون الفلاسفة على اطلاع على العلوم الطبية الحيوية، بما يتيح تبادل المعرفة بطريقة تعود بالفائدة على كلا المجالين. ومن هذا المنطلق، قد يتساءل الطبيب: "كيف تجعلني الفلسفة طبيبًا أفضل؟"، بينما يخوض الفلاسفة ما يشبه "تدريبًا عمليًا فكريًا في الطب". ويُعَدّ التأمل النقدي في الجوانب المفاهيمية والنظرية للطب، وليس مجرد نقل مفاهيم فلسفية جاهزة، هو جوهر فلسفة الطب، كما أكد جالينوس: «أفضل طبيب هو أيضًا فيلسوف» (58).

1- «تعامل الفيلسوف مع السؤال يشبه علاج المرض»:

تبدأ الفلسفة من الرغبة في فهم قضية مهمة للفرد، وغالبًا مع شعور بعدم الرضا أو إحباط من طرق التفكير الحالية. ومن هذا المنطلق، تُعد الفلسفة امتدادًا للصفات الإنسانية الأساسية نفسها التي تقف وراء التقدم العلمي والتقني. ورغم هذا، تحتفظ الفلسفة بقربها من الأسئلة، محافظةً على حيويتها من خلال فضول يشبه فضول الأطفال ورغبة صادقة في الفهم. على سبيل المثال، عند معالجة سؤال مثل: «ما هو التعليم الجيد؟»، قد يستعين الفيلسوف بمناظير تربوية أو نفسية أو عصبية لدراسة استراتيجيات التدريس، لكنه سرعان ما يتوسع لدراسة مصطلحي "الجيد" و"التعليمي" من مناظير سياسية وتاريخية ولغوية ومنطقية وروحية. يمكن اعتبار الفلسفة شكلًا من البحث الذي لا يلتزم بعدسة واحدة أو مجال محدد، فهي تعمل كوسيط بين المناظير المختلفة، موجهة التفكير نحو الافتراضات الأساسية وموفرة أرضية مشتركة بدلًا من تأجيج الخلاف بين وجهات النظر المتعارضة (59).

2- أسطورة الكهف لأفلاطون:

توضح أسطورة الكهف كيف يمكن للتحرر من قيود الافتراضات أن يكون مفيدًا للغاية. ففي الأسطورة، يُقيَّد السجناء داخل كهف طوال حياتهم، وهم يشاهدون الأشكال الدنيوية ترقص على جدار الكهف، معتقدين أن هذه الظلال هي الواقع نفسه. يتعلم السجناء أن عالم الظلال مجرد وهم فقط عندما يتحررون، ويستديرون لاكتشاف النار ورؤية الأشياء الحقيقية التي كانت ظلالها أمامهم. بالنسبة للمربّين الطبيين والفلاسفة، تدفعنا هذه الأسطورة إلى التوقف، والاستدارة، ورؤية أهداف التعليم الطبي بطريقة جديدة تتجاوز المظاهر الأولية (60).

3- أن تكون فلسفيًا:

الهدف من أن يكون المرء فلسفيًا ليس التوصل إلى فلسفة محددة أو نظام أخلاقي معين، بل استخدام الفلسفة كمنهج لإيجاد المشكلات وتحليلها باستمرار، وتحويل العدسات التي نرى من خلالها العالم إلى موضوعات تحليلية. أن تكون فلسفيًا يعني طرح أسئلة لا تُجاب واستكشاف طرق محتملة للإجابة عليها، وفي اللحظة التي تصل فيها العملية إلى "إجابة"، يصبح المشروع من اختصاص مجال آخر. على سبيل المثال، يمكن النظر إلى حركة الطب المبني على الأدلة على أنها إجابة علمية لسؤال إبستمولوجي: ما نوع المعرفة التي يمكن الاعتماد عليها لتوجيه أفعالنا في رعاية المرضى؟ وقد كرّس العديد من المفكرين حياتهم لتصور الفلسفة كمسار تفكير مستمر «لا يتوقف» ضمن إطار نظري أو مفاهيمي (61).

4- الأساس الأخلاقي للطب والفلسفة:

تستند ممارسة الطب اليوم إلى مبادئ أخلاقية متجذرة في مفاهيم فلسفية، مثل: «عدم إلحاق الضرر» و«فعل الخير للمريض». وتشير النصوص الطبية الكلاسيكية إلى حدود لأهداف الطب، وأوقات لا يجوز فيها استخدام الخبرة الطبية، مثل القتل الرحيم، والإجهاض، والتعذيب، أو ممارسة السلطة عبر التدخل الطبي، باعتبارها تجاوزًا للسلوك المهني. تقليديًا، ترتبط الأخلاق الطبية بالخبرة ارتباطًا وثيقًا؛ إذ لا يمكن للأخلاق أن تكون فعّالة دون خبرة، كما أن الخبرة من دون أخلاق لن تخدم غالبًا مصلحة المريض (62).

5- التحديات الحديثة والمسؤوليات الأخلاقية:

توفر إمكانات الطب الحديث القدرة على إطالة حياة بعض المرضى في وحدات الرعاية المركّزة، مما يثير تساؤلات حول مدى وجوب هذه الإطالة وفق الروح الأخلاقية للطب وتقاليده العريقة. ومن الأمثلة على المسؤوليات الأخلاقية المتزايدة الناتجة عن القدرات التقنية المتصاعدة: زرع الأعضاء، الإخصاب خارج الرحم، العناية المركّزة، الإنعاش، والصيدلة النفسية. وفي المقابل، تشير تغيّرات تنظيمية مثل العمل الجماعي، الاختصاصيون الطبيون، نظام الورديات، التأمين الصحي، وأنظمة الرعاية الصحية إلى تغيرات في جوهر العلاقة التقليدية بين الطبيب والمريض. وقد برزت مفاهيم مثل «استقلالية المريض» و«الموافقة المستنيرة» نتيجة هذه التحولات، متأثرة بنزعات نحو نمط حياة أكثر تحررًا وفهمًا ذاتيًا أوسع لدى المواطن المتعلم (63).

6- أهمية الفلسفة للممارسة التمريضية:

يشكّل التمريض أحد أكثر مجالات الممارسة الصحية التصاقًا بالتفكير الفلسفي؛ فالسؤال عن ماهية التمريض، وماهية المعرفة التمريضية، وما الذي يجعل التمريض جيدًا أو رديئًا، يمثل امتدادًا طبيعيًا للأسئلة الفلسفية الجوهرية التي تبحث في طبيعة الفعل الإنساني ومعاييره. ولهذا، فإن الممرضين يتعاملون بشكل واعٍ أو غير واعٍ مع هذه الأسئلة الفلسفية عند اتخاذ القرارات الإكلينيكية اليومية بدرجات متفاوتة (64).

ويتّسق هذا مع ما سبق طرحه حول دور الفلسفة في الطب؛ إذ تُعين الفلسفة على كشف الافتراضات الضمنية، وتوسيع مجال الرؤية، وتوفير أدوات التفكير النقدي اللازمة لفهم الممارسة ضمن سياقاتها الأخلاقية والإنسانية.

أ- الفلسفة كمحتوى في التمريض

تؤدي الفلسفة—بوصفها محتوى معرفيًا—دورًا محوريًا لكل من الممرضات والممارسين والمربين والباحثين؛ إذ تتيح لهم فهم الهدف الجوهري من الرعاية التمريضية، وتوضيح طبيعتها داخل مؤسسات الرعاية الصحية. ويستعين بعض الكتّاب بالمفاهيم الفلسفية لتحديد «غاية» الرعاية التمريضية، مما يساعد الممرضات على إدراك دورهن الحقيقي ورفض الأدوار الاختزالية التي تحوّل التمريض إلى مهمة ميكانيكية تابعة للنموذج الطبي بدل أن تكون ممارسة إنسانية متكاملة الأبعاد.

ويمكن لهذا الفهم الفلسفي أن يمكّن الممرضات من تحدي النموذج الطبي التجزيئي وتأكيد أهمية الرعاية الشمولية، مما يعزز من قدرتهن على استخدام التفكير النقدي والانعكاسي في تقييم ممارساتهن السريرية، وبالتالي دعم تطور الممارسة التمريضية نحو مستويات أعلى من الاتساق المعرفي والأخلاقي (65).

ب- الفلسفة كمنهج في التمريض

أما حين تُستخدم الفلسفة كمنهج، فإنها تتحول إلى أداة تحليلية تسمح للممرضات بفحص المواقف السريرية نقديًا، خصوصًا تلك التي قد تهدد سلامة المريض أو تضع الممرضة أمام تحديات أخلاقية حساسة. ويشير الباحثون إلى أن الفلسفة تزوّد الممرضات بالأدوات الأخلاقية واللغوية اللازمة ليكنّ «وكلاءً أخلاقيين» قادرين على التعرف على المسؤوليات الأخلاقية والتأمل فيها والعمل وفقها.

وبفضل هذه الأدوات، تستطيع الممرضات كشف الافتراضات التي تحرك الممارسات اليومية، وتوجيه النقاشات المهنية نحو إعادة النظر في المبادئ الأخلاقية للتمريض. وقد لخّصت إحدى الممرضات هذا الدور بقولها: «معرفة فلسفتي الإنسانية تمنحني القوة في ممارستي، لأنني أستطيع الجدال بشكل أقوى من أجل الرعاية المرتكزة على المريض».وهكذا، تمنح الفلسفة الممرضات قدرة أقوى على التأثير في القرارات المتعلقة بميزانيات الرعاية، وسياسات الصحة، وإجراءات تنظيم المؤسسات الصحية (66).

ت- استكشاف الأسئلة الأساسية في التمريض

ولا يقتصر دور الفلسفة على الجوانب الأخلاقية والمنهجية فحسب؛ بل تتيح أيضًا للممرضات دراسة الأسئلة غير العلمية التي تُعد مركزية لهوية التمريض نفسه، مثل:

1- ما المبادئ التي تُوجّه ممارسة التمريض؟

2- ما حدود المعرفة التمريضية؟

3- هل تتيح ظروف العمل الحالية بناء علاقة ممرضة–مريض قائمة على القرب الإنساني؟

ومن خلال التأمل النقدي والمنطق الفلسفي، تستطيع الممرضات تحديد ملامح تخصص التمريض وتطويره، والحفاظ على هويته باعتباره ممارسة إنسانية تتجاوز الإطار التقني الصرف (67).

ث- الفلسفة كأسلوب حياة وممارسة

يشكّل توظيف الفلسفة كأسلوب حياة الامتداد الطبيعي لما سبق عرضه عن دورها كمحتوى وكمنهج في الممارسة التمريضية؛ فإذا كانت الفلسفة تقدّم للممرضات أدوات تحليلية وتصورات معرفية حول طبيعة التمريض ومبادئه، فإنها—بوصفها أسلوبًا للعيش—تنتقل من مستوى الفهم النظري إلى مستوى التشكيل العملي للشخصية المهنية. فالممرضات يمارسن يوميًا نسقًا من المعتقدات الفلسفية، حتى وإن لم يسمينه كذلك، من خلال تبني موقف مهني قوامه الامتناع عن الأحكام الشخصية، وتقديم الرعاية لكل محتاج، وجعل أولوية الرعاية القيمة المركزية التي ترتكز عليها الممارسة التمريضية.

وبهذا المعنى، تتجسد الفلسفة في الممارسة اليومية باعتبارها رؤية توجه القرارات لا تنظيرًا مجردًا، وهو ما ينسجم مع تصور بيير هادوت Pierre Hadot للفلسفة بوصفها «ممارسة» تتجاوز حدود النظرية وتعيد تشكيل نمط وجود الإنسان نفسه؛ إذ تصبح الحكمة ليست مجرد معرفة، بل تحولًا في طريقة الوجود (68).

ويمثّل هذا المنظور امتدادًا لما طوّره كلٌّ من بيلينكي وكلينتشي وجولدبرجر وتارول من أن الحقيقة، والواقع، وأصول المعرفة، هي عناصر تُعيد تشكيل رؤيتنا للعالم، وعلاقتنا بذواتنا وبالآخرين، وتؤثر في إحساسنا بالتحكّم، وتصوراتنا للتعلم والأخلاق. ومن ثمّ، فإن الفلسفة—بما تتضمنه من أنطولوجيا وإبستمولوجيا وأخلاق—توفّر إطارًا لفهم أعمق للعوامل التي تؤثر في الممارسة التمريضية الفردية، وفي توجيه السلوك المهني نحو وعي نقدي بالذات وبالرسالة المهنية (69).

ولا يقف دور الفلسفة عند حدود تشكيل الرؤية، بل يمتد ليظهر عمليًا في الأفعال اليومية للممرضات والممرضين، حين يترجمون معارفهم وقيمهم إلى ممارسات ملموسة تُجسّد العناية والاحترام والالتزام الأخلاقي. وقد عبّرت إحدى الممرضات عن هذا البعد العملي بقولها: «فلسفتي الشخصية تقوم على الرعاية والاحترام للآخرين... وهذه الفلسفة تقود قراراتي المهنية والشخصية».

ويكشف هذا المثال عن عدم قابلية الفصل بين النظرية والممارسة، وبين الشخصي والمهني، مما يجعل الفلسفة مدخلًا طبيعيًا لتعميق البعد العلائقي في التمريض، وتعزيز قدرة الممرضات على تجاوز الأطر التقنية الضيقة لصالح رؤية إنسانية واسعة للمهنة (70).

وتبرز الفلسفة كأسلوب حياة أيضًا في مواقف عملية تتصل بصلب العمل التمريضي، مثل:

1- الاستجابة للامساواة النظامية عبر دعم الوصول العادل للرعاية الصحية.

2- الدفاع عن العدالة والإنصاف في مختلف مستويات تقديم الرعاية.

3- تقديم رعاية مرتكزة على الشخص تُستمد من قيم العدالة الاجتماعية والاحترام الإنساني (71).

ج- الفلسفة والتفكير الناقد في التمريض

ويمتد هذا البعد الفلسفي ليشكّل الأساس الذي تُبنى عليه مهارات التفكير الناقد، التي تُعدّ عنصرًا جوهريًا في الممارسة التمريضية اليومية. ويستخدم الممرضون التفكير الناقد من خلال الاستفادة من المعرفة المستقاة من مجالات متعددة، والتأمل في هذه المعرفة، وتطوير خصائص شخصية مثل الصدق والإنصاف والإبداع والصبر والثقة بالنفس. كما يتطلب الأمر تحمل المسؤولية، والسعي المستمر نحو تجارب تعلم جديدة، وتطوير المهارات الشخصية من عمل جماعي، وحل للنزاعات، وتلقي وإعطاء التغذية الراجعة.ويترافق ذلك مع إتقان المهارات التقنية—كالتعامل مع الأجهزة الطبية وإدارة القساطر—لتجنب الإرهاق المعرفي الذي قد يحدّ من قدرة الممرض على التركيز في مراقبة استجابات المرضى (72).

كما يستند التفكير الناقد إلى دمج المعرفة البيوفيزيائية والسلوكية والإنسانية، خصوصًا في مواقف حساسة مثل رعاية المرضى في نهاية الحياة، حيث يتطلب الأمر فهمًا ثقافيًا وروحيًا عميقًا لضمان رعاية حساسة وإنسانية.ويظهر التفكير الناقد أيضًا في قدرة الممرضين على الاستجابة للتغيرات الحادة في حالة المريض، وتعديل التدخلات وفق احتياجاته، واتخاذ قرارات فورية تتعلق بالأولويات العلاجية—مثل تقديم دواء لإنقاذ حياة مريض يعاني من أزمة ربو قبل التعامل مع قلقه العاطفي (73).

المحور الثالث: الفلسفة والأخلاق الطبية

1- العلاقة بين الفلسفة والأخلاق في ممارسة الطب.

تشكّل العلاقة بين الفلسفة والأخلاق في ممارسة الطب محورًا أساسيًا لفهم طبيعة هذا الحقل المعرفي، إذ لا يوجد تصور موحّد للطب في الوسط الأكاديمي والطبي، فهو يشمل الشفاء، والأمراض، والأدوية، وصحة الإنسان، والأخلاقيات، والكفاءات الطبية، وغيرها. ومع ذلك، يمكن النظر إلى الطب بوصفه مجموعة من ممارسات الرعاية الصحية المتطورة عبر الزمن، هدفها الوقاية من الأمراض والحفاظ على الصحة في المجتمعات الماضية والحاضرة. وتمثل ممارسة الطب كفن منظومةً من المهارات والقيم الإنسانية التي تتجلى في علاقة الطبيب بالمريض، مثل العناية والرحمة ووضع الخطط العلاجية المشتركة، وهي قيم تجعل مصلحة المريض في المقام الأول، مما يبرز دور الأخلاق بوصفها عنصرًا تأسيسيًا في العمل الطبي (74).

وقد رافقت ممارسات الطب والشفاءُ الإنسانَ منذ أقدم العصور، وشكّلت مرآةً لتطور المجتمعات في فهمها للمرض ووسائل مواجهته. ويكشف تاريخ الطب عن جذور المصطلحات الطبية في اليونانية واللاتينية، اللتين كانتا أساس الكتابة العلمية لقرون طويلة. ففي المجتمعات القديمة، فُسّرت مظاهر المرض تفسيرًا روحياً مرتبطًا بالمعتقدات السائدة، كما في الطب المصري والبابلي والصيني واليوناني والروماني. فكان الشامان والكهنة يقومون بأدوار علاجية تستند إلى مزيج من الأعشاب والطقوس التي تحمل طابعًا سحريًا، انطلاقًا من اعتقادهم بامتلاك معرفة تتجاوز الطبيعة البشرية (75).

ومع حلول القرن الخامس قبل الميلاد، جاء التحول الجذري على يد أبقراط، الذي قدّم نظرية الأخلاط وحرّر الطب من الخرافة، مؤكِّدًا ضرورة الاعتماد على الملاحظة السريرية والتفسير العقلاني. وأرجع أبقراط الأمراض الجسدية والنفسية إلى اختلال توازن الأخلاط الأربعة، واضعًا أساسًا معرفياً جديدًا يقوم على دراسة الأسباب الطبيعية للمرض. كما قدّم تصنيفات ما تزال مستخدمة حتى اليوم، مثل التمييز بين الأمراض الحادة والمزمنة والمتوطنة والوبائية، وصاغ ما يُعدّ أهم وثيقة أخلاقية في تاريخ الطب، وهو قسم أبقراط. وقد أثّرت هذه التطورات في الطب الروماني أيضًا، الذي استثمر التراث الأبقراطي وأضاف إليه ممارسات جراحية وعلاجية جديدة (76).

ومع ذلك، لم تقف العلاقة بين الفلسفة والطب عند حدود الأخلاط؛ إذ كانت الفلسفة دائمًا هي التي تضع معيار القيمة للممارسة الطبية. وقد عبّر عن ذلك التراثُ الصيني القديم الذي شدّد على الرحمة والمساواة في العناية بالمرضى. وكذلك قال أبقراط عبارته الشهيرة: «حيثما وُجد حب الإنسانية، يجب أن يوجد حب الطب»، مؤكدًا أن الطبيب لا بد أن يتحلى بصفات الفلاسفة كاللطف والتواضع والإيثار (77).

ولم يكن قسم أبقراط مجرّد وثيقة مهنية، بل كان تعبيرًا عن رؤية فلسفية للطب باعتباره ممارسة أخلاقية قبل كل شيء. فقد أكّد القسم احترام المعلّم، ومنع القتل الرحيم، والحفاظ على أسرار المرضى، وهي مبادئ تُعد حتى اليوم الركائزَ الأخلاقية للمهن الطبية (78).

ومع توسع مفاهيم الرعاية الصحية، توسّعت الفلسفة بدورها، فأصبحت العلاقة بينهما أكثر عمقًا، وهو ما يتجلّى في محاورة أفلاطون «بروتاجوراس»، حيث يربط بين «الجسم الصحي والإنسان الصالح». ويرى أفلاطون الفردَ طبيبًا لنفسه، مسؤولًا عن عناية عقله وروحه كما يعتني بجسده، مؤكدًا أن علاج الجسد لا ينفصل عن صفاء الروح، وأن الحكمة جزء من الصحة الإنسانية الشاملة. فالجسد يُعالَج بالروح، ولا يمكن لروح فاسدة أن تعالج شيئًا على نحو صحيح (79).

ومع بداية عصر النهضة، عاد الاهتمام بالتراث الطبي القديم، واستُثمر اختراع الطباعة في نشر المعارف الطبية. كما أدى صعود البحث التجريبي إلى تقدّم كبير في التشريح، والفسيولوجيا، والجراحة، والأحياء الدقيقة. وقد أسهم عمل فيزاليوس في إعادة تصور بنية الجسم البشري، وشرح هارفي للدورة الدموية في إعادة فهم وظائف القلب. ومن خلال الملاحظة والتجريب، تبنّى أطباء عصر التنوير منهجًا تجريبيًا سمح بتطبيق المعرفة العلمية على علاج المرضى (80).

أما القرن التاسع عشر، فقد شهد انفجارًا علميًا أحدث نقلة نوعية في تكوين المعرفة الطبية. فقد تطورت مجالات الأنسجة، والأمراض، والبكتيريا، والفيروسات، مما سمح بفهم الجراثيم بوصفها سببًا مباشرًا للأمراض المعدية. كما ظهرت تقنيات جديدة للتعقيم والتخدير، وتقدمت الطب الوقائي والصحة العامة. وأدى نمو الطب النفسي مع فرويد وتطور الأنظمة الصحية الوطنية إلى تنظيم المهنة الطبية ووضع معايير للتدريب والممارسة، مما جعل الطب أكثر ارتباطًا بالعلم والتقنية، دون أن يفقد جذوره الأخلاقية والفلسفية (81).

أما القرن العشرون، فقد شهد قفزة غير مسبوقة في التطورات الطبية بفضل التخصص المتزايد، واكتشاف المضادات الحيوية، والتقدّم الهائل في مجالات الكيمياء الحيوية والغدد الوراثية والمناعة، وصولًا إلى زراعة الأعضاء. كما أتاح اختراع وسائل التشخيص غير الجراحية — مثل الأشعة السينية، والتصوير المقطعي، والرنين المغناطيسي — نظرة أعمق داخل الجسد دون تدخّل. وقد أدى ذلك إلى نشوء «الطب المبني على الأدلة» الذي يجمع بين الخبرة العلمية والقيم الإنسانية في اتخاذ القرارات السريرية (82).

ومع تزايد الاعتماد على النظم الصحية الحديثة، برزت الحاجة إلى الفلسفة الطبية لتحديد الأطر الأخلاقية التي تنظّم علاقة الطبيب بالمريض وقرارات العلاج. فالمعرفة العلمية وحدها لا تكفي، ما لم تُفسَّر وتطبَّق في ضوء مبادئ فلسفية موجِّهة. ولهذا، يعدّ الطب اليوم مزيجًا بين العلم والفن، يستهدف تخفيف معاناة الإنسان من خلال موازنة الحقائق العلمية بالقيم الأخلاقية (83). ومن هنا، اكتسب تعليم الفلسفة الطبية أهمية قصوى، لأنها تساعد المتخصصين على تحويل المبادئ النظرية إلى ممارسات سريرية مسؤولة تستجيب لحاجات المرضى والمجتمع (84).

وتعتمد النظرية الأخلاقية في جذورها على أربعة مصادر أساسية: الدين، والعلم، والثقافة، والفلسفة، ويتفاعل كل منها في تشكيل معايير السلوك الأخلاقي داخل المجتمعات. فالدين قدّم نماذج للسلوك الصالح، والعلم قدّم معرفة جديدة تتحدّى التصورات التقليدية، والثقافة تحمل بقايا الخبرات الجماعية، بينما توفر الفلسفة التحليل التجريدي والمبادئ العامة التي تتجاوز الإطار الديني والثقافي (85).

وانطلاقًا من هذا الأساس، تتفرّع الأخلاقيات الطبية الحديثة إلى ثلاثة مستويات: أخلاقيات السياسات العامة (Macro)، والأخلاقيات التطبيقية (Meso)، والأخلاقيات السريرية (Micro)، وكلها تتعامل مع قضايا حساسة مثل الإجهاض، والقتل الرحيم، واختيار المرضى عند نقص الموارد، والتلقيح الصناعي، والتلاعب الجيني، وقرارات إنهاء العلاج، وغيرها من المسائل التي توازن بين قيم الفرد والمجتمع والمهنة (86). كما تتناول الأخلاقيات الحيوية موضوعات جوهرية مثل تعريف الصحة والمرض، وعلاقة الطبيب بالمريض، ومفهوم التطبيب بوصفه طريقة حياة (87).

ولمواجهة تنوع المجتمعات وتعارض الرؤى الأخلاقية، طورت الأخلاقيات الحيوية عددًا من المبادئ العملية، من أهمها: احترام أولويات الفرد، تشجيع اللامركزية الأخلاقية، تقديم احتياجات المريض الفرد على الاعتبارات العامة، تعزيز التضامن الإنساني، وتطبيق مبادئ الموافقة المستنيرة والخير وعدم الإضرار وفقًا لتعقيد كل حالة. وتستلزم بعض الحالات مزيجًا من أكثر من مبدأ، مثل محاولة التوفيق بين استقلالية المريض وبين الرعاية الأبوية في آن واحد (88).

2- القيم والمعرفة الطبية

بعد أن اتّضح أنّ الممارسة الطبية عبر تاريخها لم تكن نشاطًا تقنيًا فحسب، بل ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالمعايير الأخلاقية والإنسانية التي توجه فعل العلاج، يعود مفهوم القيم في الرعاية الصحية ليحتل موقعًا مركزيًا في النقاشات المعاصرة حول إصلاح نظم الصحة. ومع أنّ الحديث المكثّف عن «القيمة» في الرعاية الصحية يبدو حديثًا، إلا أنّ جذوره قديمة؛ فقد عبّر ويليام مايوWilliam Mayo عام 1908 عن هذا المبدأ بقوله: «المصلحة الفضلى للمريض هي المصلحة الوحيدة التي يجب أخذها في الاعتبار…»، مؤكدًا أن قيمة الرعاية تنبع من فهم مشترك وجهد تعاوني بين جميع العاملين في القطاع الصحي (89). وهكذا يتّضح أنّ القيمة ليست عنصرًا طارئًا على الممارسة الطبية، بل هي معيار توجيهي يحدّد غاياتها ويضبط آلياتها.

وانطلاقًا من هذا الفهم، يقدّم كاسيلCassell خريطة مفاهيمية للقيم التي تُعدّ ضرورية للمعرفة الطبية والممارسة السريرية. فهو يحدّد خمسة مصادر أساسية للقيم:

1- القيم التي يمنحها المجتمع لمفهومي الصحة والمرض،

2- الأهداف العامة للرعاية الطبية،

3- القيم الشخصية والمهنية للأطباء،

4- القيم الفردية للمرضى،

5- والقيم المنظمة لعمل النظام الصحي بوصفه بنية معقّدة.

ويرى كاسيل أن القيم، تمامًا كالحقائق العلمية، جزء لا يتجزأ من المعرفة الإكلينيكية؛ فلا يمكن للطبيب أن يفهم المريض فهمًا صحيحًا دون إطار قيمي ينظم عملية الإدراك الإكلينيكي. ويشارك تاوبر Tauberهذا التصور، إذ يؤكد أنّ «القيم تُشكِّل جميع الوقائع»، لأنها تمنحها المعنى والدلالة عبر عملية الفرز والترتيب ومنح الأولوية التي يقوم عليها اتخاذ القرار العلاجي (90). وبهذا يصبح الفصل التقليدي بين «الوقائع» و«القيم» ثنائية مضلّلة، لأن الوقائع ذاتها لا تُفهم إلا داخل بنية من القيم التي تعطيها غايتها.

وفي ضوء هذا الفهم، يقدّم تاوبر إطارًا إبستمولوجيًا جديدًا يقوم على دمج الوقائع بالقيم ضمن ما يسميه الإبستمولوجيا الأخلاقية. ولتفسير ذلك، يميّز بين نوعين من القيم:

1- القيم الوضعية: وهي موضوعية ومحايدة، تمنح المعرفة الطبية صفتها العلمية،

2- والقيم غير الوضعية: وهي قيم ذاتية وإنسانية تعبّر عن الأهداف الشخصية للمريض والطبيب على حدّ سواء.

وعلى الرغم من أن القيم الوضعية ضرورية لضبط المعرفة الطبية وإكسابها طابعها العلمي، إلا أنّ الاعتماد عليها وحدها يؤدي إلى تجريد الممارسة الطبية من جوهرها الإنساني؛ ذلك أن ما «يلحم مختلف الخيوط الإبستمولوجية للطب المعاصر» هو البعد الأخلاقي الشخصي الذي تتيحه القيم غير الوضعية. ومن هنا، يصبح هذا البعد الأخلاقي هو الذي يمنح الطب معناه الحقيقي بوصفه ممارسة إنسانية وليست مجرد تقنية تطبيقية (91).

3- أخلاقيات الطب والتكنولوجيا

بعد بيان مركزية القيم في المعرفة الطبية، يتّضح أن التحوّلات التكنولوجية المعاصرة قد أصبحت عاملاً حاسمًا في إعادة تشكيل الممارسة الإكلينيكية. ففي عصرنا الراهن، لم تعد التكنولوجيا مجرّد أداة مساعدة، بل غدت جزءًا لا ينفصل عن بنية الطب والرعاية الصحية؛ إذ تتوزّع تطبيقاتها بين الأجهزة المتطوّرة والبرمجيات المتقدّمة التي تدير العيادات والمستشفيات. وقد أحدث هذا التطوّر ثورة حقيقية في طرائق التشخيص والعلاج، غير أنّ هذه الثورة، على الرغم من فوائدها الهائلة، حملت معها أيضًا مخاطر وثغرات تستدعي وعيًا أخلاقيًا يقظًا؛ فالتكنولوجيا قادرة على أن تكون بنّاءة ومدمّرة في آن واحد داخل المجال الطبي (92).

ومن هنا أخذ التقدّم التقني يطرح تحدّيًا متزايدًا للعديد من جوانب الحياة الإنسانية، بما في ذلك المبادئ الطبية الراسخة المتعلقة بقيمة الإنسان وقدسية الحياة. ومع توسّع التكنولوجيا الطبية بين الحربين العالميتين، برزت مشكلات أخلاقية هددت البنية الهيبقراطية التقليدية التي تطورت عبر قرون، وظهر ما يُسمّى بـ"الغرباء عند السرير"، أي دخول أطراف مؤسسية وقانونية وتقنية إلى صميم العلاقة الثنائية بين الطبيب والمريض. وقد دفع ذلك الكثير من المرضى والأطباء إلى اللجوء إلى الأخلاقيين والمحامين والمحاكم لتحديد حدود الواجبات الطبية. وإزاء هذا التعقيد، شاع الاعتقاد بأنّ كثيرًا من المعضلات الأخلاقية لا حلّ لها أو أنّه «لا يوجد صواب أو خطأ» في مثل هذه القضايا (93).

وعلى الرغم من هذا المشهد المربك، فإنّ التكنولوجيا تظلّ تحمل جوانب إيجابية وسلبية معًا، إذ تفوق فوائدها—وفق التحليل العملي—ما قد تسبّبه من أضرار. فالابتكارات الطبية الحديثة قادرة على إنقاذ الأرواح، وتخفيف الألم، وتقديم حلول علاجية لملايين البشر حول العالم. ولذلك يبقى السعي إلى تطوير التكنولوجيا ضرورة إنسانية، بشرط أن يُضبط بقيم الرعاية والتضامن والالتزام الأخلاقي تجاه الإنسان. فطالما كانت التكنولوجيا وسيلةً لخدمة المحتاجين ودعم كرامة الإنسان، أمكن التعامل مع سلبياتها وتجاوزها بصورة مسؤولة (94).

وفي هذا السياق، يتّجه مستقبل الرعاية الصحية سريعًا نحو الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات، حيث تَعِد الابتكارات الصحية—من الذكاء الاصطناعي إلى الحوسبة السحابية—بتحقيق معرفة أوسع وقدرة أكبر على مواجهة التحديات الصحية. وتتجه الأنظمة الصحية الحديثة إلى توظيف الأدوات الرقمية لتحسين جودة الرعاية، وإدارة الموارد، وتقليل التكلفة، وتخفيف ضغط العمل على الطواقم الطبية. وتشمل الاتجاهات الراهنة الذكاء الاصطناعي، الرعاية الافتراضية، الطبّ عن بُعد، الصحة المتنقّلة، والاجتماعات الافتراضية، إضافة إلى إنترنت الأشياء الطبية، بما يمهّد لدمجٍ أوسع لتقنيات التعلّم الآلي والحوسبة المتقدّمة في مختلف جوانب العمل الإكلينيكي والإداري خلال العقد القادم، بشرط تعزيز ثقافة مؤسسية داعمة لهذا التحوّل (95).

ويُعَدّ الذكاء الاصطناعي أحد أهم محركات هذا التحوّل؛ إذ بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي بتطوير خوارزميات للتشخيص، كما حدث في تطبيقه عام 1976 لتحديد أسباب آلام البطن. واليوم أصبح عنصرًا مركزيًا في الروبوتات الطبية وفي مختلف مراحل التشخيص والعلاج (96). ويضم الذكاء الاصطناعي فرعين رئيسين: الأول «افتراضي» يقوم على التحليل المعلوماتي المتقدّم—وخاصة التعلّم الآلي والتعلّم العميق—الذي يعتمد على معالجة البيانات السريرية والمخبرية والنسجية وبيانات شركات الدواء وغيرها، بهدف صياغة خوارزميات دقيقة للتشخيص والعلاج. ويعمل هذا الفرع عبر ثلاثة أنماط من الخوارزميات: النمط غير المُراقَب، والنمط المُراقَب، ونظام التعلّم التعزيزي. أمّا الفرع الثاني فهو «فيزيائي» يشمل الروبوتات المستخدمة في إعادة التأهيل ورعاية المُسنّين والجراحة الدقيقة (97).

وما يمنح الذكاء الاصطناعي قوّته هو قدرته على معالجة كمّ هائل من البيانات يعجز الإنسان عن إدارتها بفاعلية مماثلة؛ فالجمع بين السجلات السريرية والبيانات المخبرية والمراجع العلمية والسياقات الاجتماعية والبيئية يشكّل مهمة مرهقة للعقل البشري. ومع ذلك يظلّ الطب ممارسة إنسانية في جوهره، لا يمكن اختزالها في تحليل البيانات وحده؛ إذ يبقى فهم المعاناة فعلًا إنسانيًا يتطلب التعاطف والحضور الأخلاقي. ولا يمكن للتعلّم الآلي أو التعلّم العميق استنساخ الوعي أو الإحساس الإنساني، ما يجعل الحديث عن «آلة بشرية» أمرًا سابقًا لأوانه (98).

وتتفق الأدبيات الحديثة على أن الذكاء الاصطناعي يمثّل فرصة واعدة للطب، كما يشير خان إلى أنّ ظهوره يعيد تعريف حدود الممارسة الطبية ويوفّر مسارات جديدة لتحسين نتائج المرضى. ويذهب أورتيجا Ortega وآخرون إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يشكّل «لحظة جوتنبرج» جديدة للطب، نظرًا لقدراته على دعم استقلالية الطبيب وتقليل الأعباء الإدارية والمساعدة في تقديم رعاية مراقبة في المناطق النائية (99).

ولا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على المجالات التقليدية، بل يمتد إلى الطب التكميلي والبيولوجي والوراثي والطب الأورثوموليكولي. كما تعدّد الدراسات مجموعة من الفوائد المحتملة، من بينها: التشخيص الدقيق، المتابعة الدقيقة للأورام والأمراض القلبية، مراقبة الأعراض النفسية، الجراحات الروبوتية عالية الدقة، زراعة الرقائق الإلكترونية لمتابعة الأمراض، تجديد الخلايا، الشبكات العصبية الاصطناعية وربطها بالخوارزميات الجينية، إلى جانب برمجيات متقدّمة لإدارة الرعاية الطبية (100).

وتشير التحليلات المستقبلية إلى أنّ الذكاء الاصطناعي سيواصل التأثير العميق في الطب الوقائي والعلاجي، وسيوسّع نطاق استخدامه في مراقبة الأمراض، والوقاية من النوبات القلبية، والكشف المبكر عن السرطان، وإدارة العمليات الجراحية بدقة متناهية، مع تسريع خدمات الإمداد وتحسين كفاءة الأنظمة الصحية (101).

المحور الرابع: أثر فلسفة الوعى فى تحقيق التناغم الكونى لدى الأطباء

1- فلسفة الوعي وتقليل المخاطر في الأداء الطبي

يبدو أنّ الموضوع الأكثر جوهرية في العلاقة بين الفلسفة والطب هو الفناء؛ إذ إن الأسئلة التي تتقاطع مع مفاهيم الحياة والموت والمعنى—وهي أسئلة يُضطر كل إنسان لمواجهتها يومًا ما—تنشأ في الغالب داخل سياق طبي. ويُنظر إلى الفناء بوصفه «التربة» التي يقوم عليها التعليم الطبي؛ فلو لم نكن معرضين للفناء، لما احتجنا إلى الرعاية الصحية أصلًا. ومن هذا الإدراك الوجودي ينبثق التساؤل الجوهري: كيف يمكن دعم المتدرّبين الطبيين في التوفيق بين طرائق التفكير التقنية/المهنية، وطرائق التفكير التعاطفية/الإنسانية؟

وقد عبّر كالانيثي Kalanithi، جرّاح الأعصاب والكاتب المعروف، عن هذا المأزق تعبيرًا مؤثرًا عند حديثه عن تشريح الجثث؛ فالممارسة الطبية—في رأيه—تتضمّن دائمًا انتهاكًا لـ«عوالم مقدّسة»، إذ يرى الأطباءُ البشرَ في أشد لحظاتهم ضعفًا وخوفًا وخصوصية. والنظر إلى الجسد على أنّه مادة وآلية يشكّل وجهًا آخر لمهمة الطب النبيلة في التخفيف من أعظم المعاناة البشرية؛ غير أنّ هذه المعاناة نفسها تتحوّل أحيانًا إلى «أداة تعليمية». وهنا يبرز السؤال الفلسفي: كيف يمكن للفلسفة أن تساعد المتدرّبين (ومدرِّبيهم) على صون إنسانيتهم في مواجهة الأسئلة الوجودية والرموز والمحرمات الطبية؟ (102)

وتكشف هذه الإشكالات أن الطب والفلسفة لم يكونا يومًا مجالين غريبين عن بعضهما؛ فالقضايا المرتبطة بالميلاد والحياة والمعاناة والألم والسعادة والموت هي قضايا جوهرية في الوجود الإنساني، وتتقاطع فيها المقاربات الطبية والفلسفية بعمق. فالفلسفة الطبية الكلاسيكية تدرس مفاهيم ميتافيزيقية تتعلق بموقع الإنسان في الطبيعة، وعلاقته بالمقدّس، وطبيعة الصحة والمرض، إضافةً إلى الأسس الإبستمولوجية والمنهجية للتشخيص والتصنيف وتقدير المخاطر والعلاج. أما الأخلاقيات الطبية التقليدية فتركّز على علاقة الطبيب بالمريض، ومبدأ «المصلحة الفضلى»، والفضائل المهنية التي يجب أن يتحلّى بها الطبيب الجيّد (103).

وكانت مفاهيم الانسجام والتوازن حاضرة في معظم النُّظُم الطبية القديمة؛ إذ فُهِمت الصحة والسعادة بوصفهما حالة من التوازن الكوني أو انسجام الحياة، بينما ينشأ المرض من اختلال هذا التوازن. وهكذا تمثّلت مهمة الطبيب في إعادة هذا الانسجام، والتعامل مع مظاهر فقدانه، مع الاعتراف في الوقت نفسه بحدود الخبرة الطبية باعتبارها حدودًا طبيعية لقدرة الإنسان. وقد شددت مدرسة أبقراط، وكذلك التقاليد الطبية الآسيوية المبكرة مثل سون سِيمياؤو في الصين، على ضرورة الدراسة الفلسفية لتحقيق الإتقان الطبي (104).

ورغم أنّ الطب والفلسفة قد يظهران كحقلين مستقلين، إلا أنّهما في الواقع متداخلان عبر «تقسيمات متشابكة للعمل». فالفلسفة تقدم أدوات تحليلية ومنهجية تساعد على فحص القضايا الطبية، بينما يوفر الطب مادةً خصبة للتأمل الفلسفي. وتظهر أسئلة الميتافيزيقا والإبستمولوجيا والمنطق والأخلاق بشكل مباشر في الممارسة السريرية اليومية، سواء في التشخيص أو العلاج. كما يشترك المجالان في السعي إلى تحقيق رفاه الإنسان؛ فالمفاهيم الخاطئة أو المتحيزة حول الصحة والمرض يمكن أن تُحدث اضطرابات ذهنية تؤثر في الرعاية الصحية، بينما يهدف الطب إلى مكافحة الاضطرابات الجسدية. وإذا كانت الفلسفة تبحث عن الحقيقة والطمأنينة—أي عن «شفاء الروح»—فإن الطب يسعى إلى تحقيق السعادة من خلال «شفاء الجسد»، ومن هنا يملك المجالان غايةً علاجية مشتركة (105).

وفي هذا الإطار، يرى بيلجرينو Pellegrino وتوماسما Thomasma أنّ «الفلسفة في الطب» تعني توظيف الأدوات الفلسفية التقليدية—مثل التأمل النقدي، والحجاج الجدلي، وكشف القيم، وطرح الأسئلة الأساسية—في معالجة المشكلات الطبية المحددة. وقد تكون هذه المشكلات منطقية أو معرفية، لكن معظمها يتعلق بالأسئلة الأخلاقية. وهنا يعمل الفلاسفة «داخل المجال الطبي» بوصفهم معلمين ومفكرين مهنيين يوضّحون كيف يمكن للفلسفة تحليل الممارسة الطبية ونقدها وتطويرها. ويشير بيلجرينو إلى أنّ الفينومينولوجيا والوجودية تُعدّ من أكثر المقاربات الفلسفية ثراءً في تحليل الطب وفهمه (106).

2- دور فلسفة الطب في تحقيق جودة الحياة

بدأ استخدام مصطلح جودة الحياة (Quality of Life – QoL) في أوائل الستينيات، تزامنًا مع التحولات التي طرأت على الصحة والبنية الديموغرافية في المجتمعات الحديثة المتأخرة. فقد كانت الصحة العامة تركز تقليديًا على الوفيات، وتم تطوير الأطر الصحية في النصف الأول من القرن العشرين لمواجهة الأنماط المعقدة للوفيات المبكرة، وبدرجة أقل لمتابعة انتشار الأمراض ومعدلاتها، أي ركّز الطب اهتمامه على كمية الحياة. وقد ذكر إلكينجتون (Elkington) مصطلح "جودة الحياة" لأول مرة في المجال الطبي عام 1966، مشيرًا إلى أن التقنيات الجديدة، وخصوصًا الغسيل الكلوي المزمن وزراعة الأعضاء، أثارت تساؤلات جديدة: كيف يحافظ الطبيب على جودة حياة المريض الفرد؟ وكيف يمكن تحسين جودة حياة مرضى آخرين دون المساس بجودة حياة المريض الحالي؟ وإلى أي برامج وقائية أو علاجية ينبغي توجيه موارد المجتمع لتحقيق أكبر قدر من الصحة وجودة الحياة لجميع أعضائه.(107)

وفي السبعينيات، أصبح مصطلح "جودة الحياة" كلمة مفتاحية ضمن موضوعات البحث الطبية في مكتبة الولايات المتحدة الوطنية للطب، وقد تم تعريفه بأنه «مفهوم عام يعكس الاهتمام بتعديل وتعزيز خصائص الحياة، مثل البيئة الفيزيائية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية، والحالة العامة للحياة البشرية» (108).

دخل مصطلح جودة الحياة النقاش الفلسفي في الثمانينيات عبر الفلاسفة الذين يقيمون الأفعال الأخلاقية بالاعتماد على نتائجها، مع التركيز على بعدي اللذة (Hedonism) والرفاهية (Welfarism)، وربطوا ذلك بمسائل الصحة ورفاهية الإنسان والحيوان، في مقابل التركيز على الفلسفة السياسية التقليدية. وقد أثارت هيلجا كوز (Helga Kuhse) جدلاً حول عقيدة قدسية الحياة، ورفضها الفارق الأخلاقي بين وقف العلاج الطبي العادي وغير العادي عمدًا، معتبرة أن القرارات الطبية يجب أن تستند إلى جودة الحياة، إذ أن التمييز بين الوسائل العادية وغير العادية لا يزيل التناقضات الأخلاقية المرتبطة بها (109).

كما ناقش كل من هيلجا كوز وبيتر سينجر (Peter Singer) مسألة إنهاء حياة الأطفال ذوي الإعاقات الشديدة، مؤكدين أنه في بعض الحالات يمكن تبرير إنهاء الحياة على أساس جودة الحياة. ويشير هذا إلى أن تجاهل اعتبارات جودة الحياة يقلل من أهمية التعاطف، ويختزل دور الطبيب إلى مجرد تقني يُعنى بتنفيذ العلاج الحديث دون مراعاة العواقب الإنسانية المحتملة، ويُعدّ اختيار الموت مبرّرًا في الحالات التي تكون فيها الحياة مليئة بالألم والمعاناة، باعتباره يحقق مصلحة المريض الفضلى (110).

في منتصف الثمانينيات، اهتم هوجو تريسترام إنجلهاردت الابن (Hugo Tristram Engelhardt Jr.) بمفهوم جودة الحياة بوصفه أداة لتقييم حقوق الفرد والحرية في اتخاذ قراراته، مثل السماح بالولادة أو استخدام وحدات الرعاية الحرجة، بهدف وضع خوارزمية لتقييم الواجبات العلمانية تجاه الأفراد المحتاجين للرعاية بطريقة موضوعية. ومع دخول التسعينيات، استخدم أصحاب مذهب اللذة هذا المفهوم لتبرير القرارات المتعلقة بالقتل الرحيم أو إيقاف العلاجات الداعمة للحياة، في ظل انتشار الموت في المستشفيات ودور الرعاية، واعتماد التكنولوجيا على تأخير الموت حتى في الحالات الحرجة جدًا (111).

اعتمدت هذه النقاشات على مفهوم سنوات الحياة المعدلة حسب الجودة لتحديد ما إذا كان تقديم العلاج أو التوقف عنه يصبّ في مصلحة الشخص الفضلى، مع التركيز على نوعية الحياة المستقبلية التي يريدها الفرد. وفي هذا السياق، ربط الفلاسفة الرفاهيون جودة الحياة بمفهومي الصحة والسعادة، إذ يرى نوردنفلت (Nordenfelt) أن السعادة تتحقق بتحقيق أهداف الفرد الحيوية، وأن جودة الحياة الجيدة تتحقق عندما يتمكن الشخص من متابعة هذه الأهداف في الظروف الطبيعية، ما يعادل الصحة الكاملة عند القدرة على تحقيق جميع الأهداف الحيوية الضرورية (112).

الخلاصة: خلال العقود الأربعة الماضية، أصبح استخدام مفهوم جودة الحياة متزايدًا في البحوث الطبية والتمريضية، رغم عدم وجود توافق حول تعريفه وطرائق قياسه. فقد استخدم الأطباء والممرضون جودة الحياة كأساس لاتخاذ القرارات الصحية، فيما استند الفلاسفة إلى هذا المفهوم لتشكيل الأحكام الأخلاقية المتعلقة بالقتل الرحيم أو إنهاء العلاجات الداعمة للحياة. ومع تطور أدوات قياس جودة الحياة، ظهرت تحديات مفهومية ومنهجية في التطبيق العملي، لكنها أسهمت في إدخال منظور المريض في الممارسة السريرية، وتعزيز الربط بين الصحة والسعادة، وتأكيد جودة الحياة بوصفها مفهومًا ذاتيًا مركزيًا في الطب والفلسفة (113).

المحور الخامس: تعزيز الوعي الذاتي بالفلسفة والمنطق في التعليم الطبي

1- دمج التفكير الفلسفي في مناهج كليات الطب

تُبرز الحكاية المنسوبة إلى فولتير أن "الأطباء هم رجال يصفون أدوية لا يعرفون عنها الكثير ، لعلاج أمراض يعرفون عنها أقل، في بشر لا يعرفون عنهم شيئًا"، الدور الأساسي للتعليم الطبي في إعداد الأطباء المستقبليين من خلال نهج شامل، قابل للتكيف، ومستشرف للمستقبل (114). ومع توسع المعرفة الطبية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، بدأ التعليم الطبي بالاعتراف بالطابع متعدد الأبعاد للصحة، حيث أعاد تطوير المبادئ الأخلاقية، ومهارات التواصل، والتعاطف، والرعاية المتمحورة حول المريض، مؤكدًا على ضرورة اعتماد منظور شامل في الممارسة السريرية (115).

بالرغم من الطابع العملي للطب، إلا أنه مشبع بالتزامات مفهومية وافتراضات نظرية؛ فالأدوات الطبية الأساسية تعتمد على فرضيات سببية واستدلالات استقرائية، كما أن البحث الطبي يتأثر بالسياقات السياسية والاقتصادية. ومن ثم، أصبح الطب مجالًا بارزًا للتحليل الفلسفي ودمجه ضمن مناهج كليات الطب (116). ويظل توسيع التعليم في العلوم الإنسانية والأخلاقيات ضرورة لتعزيز التعاطف، والإبداع، والتفكير الأخلاقي لدى المهنيين الطبيين، حيث يشكّل الدمج المتوازن بين الخبرة التقنية والقيم الإنسانية أساسًا لتدريب أطباء متكاملين قادرين على تقديم رعاية رحيمة ومتمحورة حول المريض (117).

يهدف تعليم العلوم الإنسانية الطبية إلى تشكيل أطباء يرون المرضى أكثر من مجرد مجموعة من الأعراض، إذ تسهم تخصصات مثل الأنثروبولوجيا، والفنون، والفلسفة، والأدب في تعزيز مفاهيم الغموض والدقة وعدم اليقين، بما يعكس طبيعة الإنسان ويشجع على التفكير النقدي في تفاعلاتهم مع نظام الرعاية الصحية، ويعزز تطويرهم المهني والشخصي (118). ولعل هناك طريقين لمعالجة المشكلات الصحية المتعلقة بالفلسفة: الطريقة الأولى تطبيق الميتافيزيقا أو المنطق أو نظرية المعرفة أو الجماليات على الطب، أما الثانية فهي دمج فروع الفلسفة المختلفة وفق طبيعة المشكلات المراد حلها والمراحل المعرفية التي تتقاطع مع الرعاية العلاجية والوقائية (119).

لطالما ارتبط التعليم الطبي بالفلسفة، إذ يساهم النهج الفلسفي في تطوير التعليم الطبي من خلال التأنّي عند مواجهة التعقيدات وعدم اليقين، ورؤية المشكلات القديمة بطرق جديدة، واتخاذ إجراءات منتجة. فالفلسفة ليست مجرد إنشاء إطار مفاهيمي، بل هي "مسار" للتفكير المستمر، يهدف إلى التحرر من طرق التفكير الاعتيادية والافتراضات المسبقة، وإثارة الفضول والبحث داخل النفس (120).

يلعب التعليم الطبي دورًا محوريًا في إعداد الأطباء لمواجهة تحديات الممارسة المعقدة والمتنوعة، ومع زيادة التركيز على المعرفة العلمية والتقنية، يظهر الحاجة الملحة لإدماج الفلسفة، بما في ذلك الأخلاقيات والفكر النقدي، في المناهج الطبية. فالطب ليس مجرد إجراءات تشخيصية وعلاجية، بل ممارسة إنسانية تتطلب فهم المرضى كأفراد كاملين، والتفاعل معهم بمسؤولية، وتعاطف، ووعي بالقيم الأخلاقية والاجتماعية (121).

تشير الدراسات إلى أن إدخال الفلسفة في التعليم الطبي ينمي التفكير النقدي لدى الطلاب ويحفزهم على التساؤل والتحليل بدل الاكتفاء بالحفظ الصم للمعرفة العلمية، إذ أظهرت دراسة بعنوان "الفلسفة والتعليم الطبي" أن الطلاب الذين تعرضوا لمناهج فلسفية وأخلاقية طوروا قدرة أكبر على التعامل مع المعضلات السريرية المعقدة (122). ويمكن دمج الفلسفة عمليًا في مناهج الطب عبر دراسة الأخلاقيات الطبية، التفكير النقدي، فلسفة المعرفة الطبية، وأسس العدالة الصحية، كما يُبرز نموذج "الفضيلة والتعليم في أخلاقيات الطب" تعزيز الفضائل المهنية مثل الرحمة، التعاطف، والمسؤولية (123).

تشير التجارب الدولية إلى أن إدماج الأخلاقيات والفلسفة يمتد ليشمل تطبيقات عملية عبر مناقشات الحالات الواقعية، المحاكاة، والتقييم المستمر لمواقف الطلاب، إذ أظهرت دراسة في نيبال أن الطلاب الذين تلقوا تدريبًا أخلاقيًا كانوا أكثر استعدادًا لمواجهة المعضلات السريرية وأكثر التزامًا بخدمة المجتمعات الضعيفة (124). إضافةً إلى ذلك، تعزز الفلسفة الوعي بالقيم الإنسانية والاجتماعية والثقافية المؤثرة في الصحة، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل العولمة وتنوع خلفيات المرضى، مما يتيح للطلاب القدرة على التعامل مع تحديات الصحة العالمية مثل الأمراض المعدية وصحة الأم والتغيرات البيئية (125).

وهكذا يظهر بوضوح أن إدراج الفلسفة ضمن مناهج كليات الطب يعزز قدرة الطبيب على اتخاذ قرارات مدروسة ومتوازنة وإنسانية، ويُعدّ الطلاب لممارسة الطب ليس فقط كعلم، بل كفن قائم على القيم الأخلاقية والإنسانية. ويجب أن تكون هذه المواد جزءًا من المنهج الدراسي المستمر، متدرجة من المفاهيم الأساسية إلى التطبيقات العملية، لضمان تطوير أطباء يمتلكون المعرفة التقنية والفكر النقدي، وقادرين على مواجهة تحديات العصر الحديث بكفاءة ومسؤولية.

2- الأسس المنطقية للطب

أ- الطب والمنطق: علاقة جوهرية

الطب يُعدّ من الحقول التي تتقاطع فيها المعرفة النظرية والممارسة العملية. فالطبيب ليس مجرد خبير في وظائف الأعضاء والأنسجة، بل هو مستدل منطقي قادر على المقارنة والترجيح بين الفروض واتخاذ القرار الأمثل في ظروف غامضة وغير مؤكدة. ومن ثمّ، فإن المنطق ليس علمًا منفصلًا عن الطب، بل يشكّل الهيكل البنيوي الذي ينظم عمليات التشخيص والعلاج ويضمن اتساقها وسلامة نتائجها (126).

ب- أهمية التفكير المنطقي في التشخيص الطبي

يلعب المنطق دورًا أساسيًا في تحقيق تشخيص دقيق وموثوق. فزيادة المعلومات الطبية المعقدة تستلزم قدرة الطبيب على معالجة هذه البيانات بشكل منطقي، بحيث يكون التشخيص دقيقًا وواضحًا. ويؤكد التاريخ الطبي على هذا الدور: أبقراط أشاد بالاستنتاجات المنهجية، وجالين انتقد من لا يعرفون مبادئ التفكير المنطقي، وابن سينا درس المنطق وطور منهجه بما يخدم الممارسة الطبية (127).

ت- المنهج العلمي والتفكير النقدي في الطب الحديث

الطب الحديث لا يقتصر على الخبرة والأدلة، بل يعتمد على المنهج العلمي، والمنطق، والتفكير النقدي لفهم المشكلات الصحية والتعامل معها بفعالية. تطور التفكير الطبي عبر القرون من خلال فلسفة اليونان القديمة وفلسفات أخرى، وأصبح اليوم عملية معرفية أكثر وضوحًا ودقة، مدعومة بعلم الأوبئة الإكلينيكي والطب المبني على الأدلة ودراسات الحالات (128).

ث- مشكلات المصطلحات الطبية والحاجة للتصنيف المنطقي

تواجه الممارسة الطبية مشكلة غموض المصطلحات؛ فمصطلحات مثل "اعتلال القلب"، أو "متلازمة اللوزة والقلب" قد تشمل أمراضًا متعددة ذات أسباب ومسارات مختلفة. هذا يفرض على الطبيب فهمًا دقيقًا للقواعد المنطقية في تصنيف وتفسير الأمراض، لضمان تشخيص موثوق وفعّال (129).

ج- المنطق كأساس للفهم السليم واتخاذ القرارات

الالتزام بقوانين المنطق يمكّن الطبيب من التفكير الصحيح في جميع مراحل التشخيص والعلاج. فهم المفاهيم الطبية واستيعاب معاني المصطلحات الحديثة يضمن اتساق المعرفة الطبية مع إنجازات الطب الحديث، ويعزز القدرة على اتخاذ قرارات دقيقة وعلاجية سليمة (130).

ح- منطق الطب وتحليل البيانات التجريبية

النموذج الطبي- البيولوجي يعتمد على العلاقة المنطقية بين القضايا المستخلصة من التجارب والدراسات السريرية. فالاستدلال المنطقي يمكّن الطبيب من سد الثغرات التي تتركها التجارب المختبرية، وتحليل الملاحظات الطبية بشكل منهجي. وفقًا لمورفي، "منطق الطب" يعنى بعلاقات البيانات والملاحظات وليس مجرد القضايا المنطقية، ويضع قواعد الدليل كأساس للتفسير وإضفاء المعنى على الوقائع (131).

توجد أمثلة كثيرة تؤكد عمق العلاقة بين المنطق والطب منها:

أولًا: فلسفة الطب والمنطق

1- تتداخل "فلسفة الطب" و"فلسفة في الطب" مع النماذج الأساسية للطب والتجريبية والمنهج العلمي والهرمنوطيقا والأخلاقيات، ويُدمج معها مفاهيم علم الأوبئة والإحصاء الحيوي مثل الاحتمالية، وعدم اليقين، والسببية.

2- ساهم الفلاسفة المتميزون بإثراء هذه الحقول بخبرات ومعارف تتجاوز العلوم الصحية.

3- تظل مجالات الجراحة النظرية والطب النظري منفصلة إلى حد الآن عن التطبيق العملي، ما يبرز طبيعة الطب كعلم قائم على أساس فلسفي ومنطقي، وليس مجرد ممارسة تقنية (132).

ثانيًا: المنطق والتفكير النقدي في الطب

1- بدأ استخدام التفكير النقدي والمنطق في الطب بالارتباط مع علم الأوبئة الحديث والإحصاء الحيوي، ثم أصبحا عناصر أساسية لفهم واتخاذ القرارات في علوم الصحة وتحليل المعلومات الطبية.

2- يشمل الاستدلال السريري الآن التشخيص، واتخاذ القرارات العلاجية، وحل المشكلات السريرية، ومعالجة الأخطاء المعرفية.

3- الإدراك وعلوم المعرفة تساعد على تطوير فهم طبيب أفضل للعمليات العقلية التي تقود إلى التفكير والعمل، وتكشف عن مصادر الأخطاء الطبية التي قد لا تنتج عن النشاط الحسي وحده.

4- الحكم السريري يعتمد على "ملاءمة المريض/الأدلة/السياق"، ويستند إلى التفكير الاحتمالي، وتقييم القيم، والفلسفة العامة، ويغطي البحث، والصحة العامة، والإدارة، والتواصل المهني (133).

ثالثًا: منطق التشخيص الطبي

1- يقوم التشخيص على عمليات استدلالية متسلسلة: من ملاحظة الأعراض، جمع البيانات، إلى تكوين الفرضيات الأولية.

2- الاستدلالات الاستبعادية تعتمد على استبعاد الفروض غير المتسقة مع المعطيات للوصول إلى الفرض الأكثر ترجيحًا، وهو مشابه للقياس الأرسطي، لكن مع إدخال الاحتمالية المتعلقة بتواتر المرض وشدة الأعراض (134).

3- يعتمد التشخيص الحديث على المنطق البايزي Bayesian Logic ( وهو نسبة الى العالم الرياضي توماس بايز Thomas Bayes ) لتحديث الاحتمالات عند ظهور معطيات جديدة، مثل نتائج التحاليل أو استجابة العلاج، وهو أساس التفكير الطبي الحديث، خصوصًا مع الذكاء الاصطناعي والخوارزميات (135).

رابعًا: العلاقة بين البرهان العلمي والممارسة السريرية

1- الممارسة الطبية تجمع بين المعرفة النظرية والخبرة العملية؛ التجارب العيادية تساعد على قراءة الأعراض واقعيًا، بينما يضمن البرهان العلمي التناسق مع المبادئ البيولوجية والدوائية.

2- المنطق يربط بين هذين المستويين ويمنع الانخداع بالقرائن الجزئية أو الانطباعات الشخصية غير المبنية على دليل (136).

3- الطب القائم على الدليل (Evidence- Based Medicine) يضمن التمييز بين قوة الأدلة المختلفة، ويستلزم فهم مبادئ مثل العشوائية، المقارنة، والتعمية لضمان الصدق المنهجي ومنع التحيز (137).

خامسًا: منطق اتخاذ القرار الطبي

1- القرار الطبي مزيج من الاستدلال العلمي والحكم القيمي، ويوازن الطبيب بين منافع العلاج ومخاطره واحتمالات النجاح والفشل.

2- المنطق يلعب دورًا مزدوجًا:

- منطق تجريبي: تحديد ما إذا كان التدخل مدعومًا بالأدلة ويحقق الهدف.

- منطق معياري: توجيه القرار وفق مبادئ الأخلاق الطبية (احترام المريض، عدم الإضرار، تحقيق أكبر منفعة) (138).

سادسًا: المنطق في تصميم البحوث الطبية

1- البحث الطبي عملية منظمة منطقيًا تبدأ بمشكلة، ثم فرضيات، تصميم منهجي، اختبار، وتفسير النتائج.

2- المبادئ المنطقية تشمل:

- الاتساق الداخلي: التأكد أن النتائج ناتجة عن المتغيرات المدروسة فقط.

 - الاستدلال السببي: إثبات العلاقة الزمنية، الترابط الإحصائي، والاتساق.

 - قابلية التكرار: ضمان تجريد النتائج من الصدفة.

3- المنطق الإحصائي ضروري لتحليل البيانات، حساب الدلالة، تقييم قوة الارتباط، وتحديد حجم العينة المناس(139).

سابعًا: دور المنطق في التواصل الطبي واتخاذ القرار الجماعي

1- المنطق أساسي في التواصل بين الأطباء وبناء الإرشادات الطبية، التي تعتمد على مراجعة منهجية للأدلة وتصنيف قوتها.

2- الحوار الاستدلالي بين أعضاء الفريق الطبي يتيح اتخاذ القرار الأمثل، خاصة في الحالات المعقدة متعددة التخصصات.

3- المنطق يدخل أيضًا في الممارسة العملية للتمريض، وتحليل الدراسات، وقراءة المجلات الطبية بشكل نقدي (140).

الخاتمة

خلال هذا البحث، اتضح أن الفلسفة تشكّل أداة أساسية لتعزيز الوعي الذاتي لدى الأطباء، وذلك من خلال تطوير التفكير النقدي والتحليلي، وتنمية الحس الأخلاقي، وبناء القدرة على اتخاذ قرارات طبية مسؤولة ومستنيرة. فقد بيّن البحث أن فهم الوعي الذاتي في السياق الفلسفي والنفسي يسهم في تحسين جودة الرعاية الصحية، ويحد من الأخطاء المهنية، بينما يتيح دمج الفلسفة في التعليم الطبي للطلاب فرصة لتكوين عقلية نقدية، ومهارات تحليلية دقيقة، وفهم أعمق لأبعاد الممارسة الطبية الإنسانية. كما أظهر البحث أن الفلسفة لا تقتصر على تعزيز المعرفة النظرية، بل تتعداها إلى التأثير على السلوك المهني والأخلاقي، وإرساء أسس للتناغم النفسي وتقليل المخاطر في الأداء الطبي، بما يضمن توازنًا بين التقنية والإنسانية، وبين العلم والقيم.

إن النتيجة الرئيسة التي يمكن استخلاصها من هذا البحث هي أن تعزيز الوعي الذاتي لدى الأطباء لا يتحقق من خلال التدريب المهني والتقني وحده، بل يحتاج إلى منهج معرفي يربط بين الفلسفة، والمنطق، والأخلاق، والطب. ومن هنا تنبع أهمية إدراج الفلسفة والمنطق في المناهج الأكاديمية الطبية، ليس فقط لتعميق المعرفة، بل لتشكيل طبيب واعٍ بذاته، قادر على الموازنة بين المهارات التقنية والمسؤولية الإنسانية، وبالتالي تحقيق ممارسة طبية أكثر فعالية وإنسانية.ويمكن فهم ضرورة الفلسفة للأطباء فى ضوء النتائج التالية:

1- الوعي الذاتي ضرورة أساسية للطبيب: يتضح أن فهم الطبيب لذاته ولانفعالاته وقدراته العقلية يسهم في تحسين جودة القرارات الطبية والحد من الأخطاء المهنية.

2- الفلسفة أداة لتعزيز التفكير النقدي والتحليلي: تساعد الفلسفة الأطباء على تطوير مهارات التحليل والتفكير النقدي، بما يمكنهم من التعامل مع الحالات الطبية المعقدة بطريقة واعية ومنهجية.

3- الفلسفة والبعد الأخلاقي في الطب: تُمكّن الفلسفة الأطباء من فهم القيم والمعايير الأخلاقية، وتنظيم العلاقة بين المعرفة الطبية والتكنولوجيا، ما يعزز الممارسة الطبية المسؤولة والإنسانية.

4- فلسفة الوعي والتناغم النفسي: تؤدي الفلسفة إلى تعزيز التوازن النفسي للطبيب وتقليل المخاطر المهنية، مما يسهم في جودة الحياة المهنية والشخصية للطبيب.

5- أهمية دمج الفلسفة والمنطق في التعليم الطبي: يشير البحث إلى ضرورة إدراج التفكير الفلسفي والمنطق في المناهج الأكاديمية، لتكوين جيل من الأطباء الواعيين بذاتهم، القادرين على مزج المعرفة العلمية مع الحس الإنساني والأخلاقي.

6- التكامل بين المعرفة والفلسفة: تُظهر النتائج أن تعزيز الوعي الذاتي لا يقتصر على المعرفة التقنية أو التدريب العملي، بل يتطلب منهجًا فلسفيًا متكاملًا يجمع بين التفكير النقدي، الأخلاق، والفهم الذاتي.

***

دكتور ابراهيم طلبه سلكها

2025

.........................

الهوامش

1.  Morin, Alain. “Self- Awareness Part 1: Definition, Measures, Effects, Functions, and Antecedents.” Social and Personality Psychology Compass, vol. 5, no. 10, 2011, pp. 807–823. DOI: 10.1111/j.1751- 9004.2011.00387.x, p. 808.

2.  Loc- Cit.

3.  Klussman, Kristine and others. "The Importance of Awareness, Acceptance, and Alignment with the Self: A Framework for Understanding Self- Connection." Europe's Journal of Psychology 18, no. 1 (2022): 120–131. https://doi.org/10.5964/ejop.3707, p. 121.

4.  Ibid, pp. 121–122.

5.  Ibid, p. 122.

6.  Loc- Cit.

7.  Yılmaz, Hanzade Aslan. "Self- Awareness and Self- Consciousness: A Review from a Social Psychology Perspective." Psikiyatride Güncel Yaklaşımlar – Current Approaches in Psychiatry 14, no. 4 (2022): 437–445, p. 438.

8.  Loc- Cit.

9.  Morin, Alain. “Self- Awareness Part 1: Definition, Measures, Effects, Functions, and Antecedents.” Social and Personality Psychology Compass, vol. 5, no. 10, 2011, pp. 807–823. DOI: 10.1111/j.1751- 9004.2011.00387.x, p. 814.

10.   Jorge Manuel Castro and others. Self Awareness among Doctors: The Importance of Reflecting on Medical Practice / Self- Awareness nos Médicos: A Importância da Reflexão na Prática Médica. Pontos de Vista / Points of View, 24(1), 56–65, pp. 56–57.

11.   Roth- Cohen, O., Levy, S., and Zigdon, A. (2021). “The mediated role of credibility on information sources and patient awareness toward patient rights.” International Journal of Environmental Research and Public Health, 18(16), p. 8628. doi: 10.3390/ijerph18168628, p. 1.

12.   Jorge Manuel Castro and others, Op- Cit, p. 57.

13.   Morin, Alain, Op- Cit, p. 809.

14.   Klussman, Kristine and others. "The Importance of Awareness, Acceptance, and Alignment with the Self: A Framework for Understanding Self- Connection." Europe's Journal of Psychology 18, no. 1 (2022): 120–131. https://doi.org/10.5964/ejop.3707, p. 124.

15.   Jorge Manuel Castro and others, Op- Cit, p. 57.

16.   Loc- Cit.

17.   Loc- Cit.

18.   Loc- Cit.

19.   Ibid, p. 58.

20.   Loc- Cit.

21.   Ibid, p. 59.

22.   Du, Y., X. Zhang, J. Zhang, and G. Wang. 2021. "The Application of the Philosophical Thinking of 'Three' From I Ching to Medical Education." Frontiers in Medicine 8: 759282. https://doi.org/10.3389/fmed.2021.759282, p. 3.

23.   Zayabalaradjane, Zayapragassarazan, and others. “Understanding Critical Thinking to Create Better Doctors.” Journal of Advances in Medical Education and Research 1, no. 3 (April–December 2016), p. 10.

24.   Papp, Klara K., and others. “Milestones of Critical Thinking: A Developmental Model for Medicine and Nursing.” Academic Medicine 89, no. 5 (May 2014), p. 1.

25.   Loc- Cit.

26.   Sharifinia, Reza, and Abdolhussein Shakurnia. “Critical Thinking of Medical Students: Does It Change during the Study in Medical School?” Journal of Medical Education Development 15, no. 45 (2022): 26–33, p. 26.

27.   Zayabalaradjane, Zayapragassarazan, and others, Op- Cit, p. 10.

28.   Loc- Cit.

29.   Papp, Klara K., and others, Op- Cit, pp. 2–3.

30.   Ibid, p. 3.

31.   Ibid, p. 4.

32.   Alfaro LeFevre, Rosalinda. “Critical Thinking and Clinical Reasoning.” In Critical Thinking, Clinical Reasoning, and Clinical Judgment: A Practical Approach, 7th ed., pp. 144–153. St. Louis, MO: Elsevier, 2019, p. 144.

33.   Loc- Cit.

34.   Ibid, p. 145.

35.   Loc- Cit.

36.   Zayabalaradjane, Zayapragassarazan, and others, Op- Cit, pp. 10–11.

37.   Ibid, p. 11.

38.   He, Z.- X., & Lang, J.- H. (2017). “Our thoughts on medicine and philosophy.” Chinese Medical Journal, 130(3), p. 253.

39.   Loc- Cit.

40.   Ibid, p. 254.

41.   Karaboue, M., and G. V. Lacasella. 2025. “Philosophy and Medicine: An Aristotelian Reflection.” Clin Ter 176, no. 1: 114–117. https://doi.org/10.7417/CT.2025.5174, p. 114.

42.   Loc- Cit.

43.   Ibid, pp. 114–115.

44.   G. C., K. B., & Rajbhandari, E. (2024). Philosophical perspective on health: A review paper. (Received March 18, 2024; Reviewed June 25, 2024; Revised July 15, 2024; Accepted August 26, 2024), pp. 14–20.

45.   Marcum, James A. 2012. An Introductory Philosophy of Medicine: Humanizing Modern Medicine. New York: Springer, pp. 101–102.

46.   Loc- Cit.

47.   Loc- Cit.

48.   Ibid, p. 103.

49.   Vasileiadis, Ioannis. Medicine, Epistemology and Constructional Paradoxes. Princeton University Press, 1995, p. 2.

50.   Ibid, pp. 2–3.

51.   Ibid, p. 3.

52.   Ibid, pp. 3–4.

53.   Ibid, p. 4.

54.   Boniolo, Giovanni, and Raffaella Campaner. "What Philosophy for Medical Education? Theoretical Issues in Practice." Journal of History of Medicine and Medical Humanities 35, no. 1 (2023): 17–32, p. 1.

55.   Ibid, p. 2.

56.   Ibid, pp. 4–5.

57.   Ibid, p. 18.

58.   Veen, Mario, and Anna T. Cianciolo. 2020. "Problems No One Looked For: Philosophical Expeditions into Medical Education." Teaching and Learning in Medicine. https://doi.org/10.1080/10401334.2020.1748634, p. 5.

59.   Loc- Cit.

60.   Loc- Cit.

61.   Hans- Martin Sass. “Bioethics: Its Philosophical Basis and Application.” Bulletin of PAHO 24(4), 1990, pp. 372–373.

62.   Loc- Cit.

63.   Anne Bruce and others. Understanding Philosophy in a Nurse’s World: What, Where and Why? Horizon Research Publishing, 2014, p. 68.

64.   Ibid, p. 69.

65.   Ibid, pp. 68–69.

66.   Ibid, p. 69.

67.   Loc- Cit.

68.   Loc- Cit.

69.   Loc- Cit.

70.   Ibid, pp. 69–70.

71.   Alfaro LeFevre, Rosalinda. “Critical Thinking and Clinical Reasoning.” In Critical Thinking, Clinical Reasoning, and Clinical Judgment: A Practical Approach, 7th ed., pp. 144–153. St. Louis, MO: Elsevier, 2019, p. 145.

72.   Loc- Cit

73.   Tessuto, Girolamo. English for Medicine: A Toolkit for Discourse and Genre- Based Approaches to ESP. Language, 2021, pp. 1–3.

74.   Ibid, pp. 3–4.

75.   Ibid, p. 5.

76.   He, Z.- X., & Lang, J.- H. (2017). “Our thoughts on medicine and philosophy.” Chinese Medical Journal 130(3), 253, p. 254.

77.   Chrousos, George P., et al. “The Role of Philosophy in Medical Practice.” Received July 22, 2019; Accepted August 26, 2019, p. 3215.

78.   Borchers, Hannah. 2019. The Role of Compassion in Medical Ethics and Its Reintegration in Modern Practice. Liberty University, Spring 2019, p. 6.

79.   Tessuto, Girolamo. English for Medicine: A Toolkit for Discourse and Genre- Based Approaches to ESP. Language, 2021, p. 6.

80.   Loc- Cit.

81.   Ibid, pp. 6–7.

82.   Chrousos, George P., et al. “The Role of Philosophy in Medical Practice.” Received July 22, 2019; Accepted August 26, 2019, p. 3215.

83.   Loc- Cit.

84.   Thomasma, David C. 2003. “Theories of Medical Ethics: The Philosophical Structure.” In Military Medical Ethics, vol. 1, edited by Thomas E. Beam and Linette R. Sparacino, pp. 23–53. Washington, DC: Office of the Surgeon General; Borden Institute; Uniformed Services University of the Health Sciences, pp. 27–28.

85.   Ibid, p. 34.

86.   Hans- Martin Sass. “Bioethics: Its Philosophical Basis and Application.” Bulletin of PAHO 24(4), 1990, p. 373.

87.   Ibid, pp. 375–376.

88.   Sturmberg, Joachim P., and Sara Taher. “What We Mean By ‘Values in Healthcare’: The Importance of Reaching a Consensus.” Cureus 17, no. 2 (February 15, 2025): e79034, p. 2.

89- Marcum, James A. 2012. An Introductory Philosophy of Medicine: Humanizing Modern Medicine. New York: Springer, p. 114.

90- Ibid, p. 115.

91- Anthony Velladao. Technology from a Medical Perspective. Oxford Scholars, March 27, 2023, p. 1.

92- Thomasma, David C., Op- Cit, p. 4.

93- Anthony Velladao, Op- Cit, p. 3.

94- Mhatre, Saujanya Pradeep. “The Importance of Medical Technology in Next Few Years.” International Journal of Advanced Research in Science, Communication and Technology (IJARSCT) 3, no. 5 (June 2023), p. 679.

95- Jiménez- Ponce, Fiacro. "Artificial Intelligence in Medicine." Revista Médica del Hospital General de México, 2024, p. 39.

96- Jiménez- Ponce, Fiacro. "Artificial Intelligence in Medicine." Revista Médica del Hospital General de México, 2024, p. 39.

97- Jiménez- Ponce, Fiacro. "Artificial Intelligence in Medicine." Revista Médica del Hospital General de México, 2024, p. 40.

98- Quissanga, Fernando Cassinda, and Ataúlfo Malé Arsénio de Fontes Pereira. "The Future of Artificial Intelligence (AI) in Medicine." Biomedical Journal of Scientific & Technical Research, August 20, 2025, p. 161.

99- Ibid, p. 163.

100- Loc- Cit.

101- Veen, Mario, and Anna T. Cianciolo. 2020. "Problems No One Looked For: Philosophical Expeditions into Medical Education." Teaching and Learning in Medicine. https://doi.org/10.1080/10401334.2020.1748634, p. 6.

102- Hans- Martin Sass. “Bioethics: Its Philosophical Basis and Application.” Bulletin of PAHO 24(4), 1990, p. 372.

103- Loc- Cit.

104- Loc- Cit.

105- Chib, S., & Chib, S. “Metaphysics and its relation with medicines: A descriptive review.” International Journal of Innovative Science and Research Technology. ISSN 2456- 2165, p. 75.

106- Marcum, James A., Op- Cit, p. 2.

107- Pennacchin, M., and others. "A Brief History of the Quality of Life: Its Use in Medicine and in Philosophy." Medical Humanities Clin Ter 162, no. 3 (2011): e99–e103, p. 99.

108- Loc- Cit.

109- Ibid, p. 100.

110- Loc- Cit

111- Loc- Cit

112- Ibid, p. 101.

113- Loc- Cit.

114- Miguez- Pinto, João P., and others. "The Medical Student of the Future: Redefining Competencies in a Transformative Era." Frontiers in Medicine, June 16, 2025. https://doi.org/10.3389/fmed.2025.1593685, p. 2.

115- Ibid, p. 3.

116- Stegenga, Jacob. Philosophy of Medicine: Lower- Level Undergraduate Course, Sample Syllabus. Oxford University Press, 2011, p. 1.

117- Loc- Cit.

118- Melhem M., et al. “Teaching and learning medical humanities in medical school: a student’s perspective on Professional Practice curriculum in Australia.” Monash Bioethics Review, 2025. https://doi.org/10.1007/s40592- 025- 00258- x, p. 1.

119- Jenicek, Milos. How to Think in Medicine: Reasoning, Decision Making, and Communication in Health Sciences and Professions. London: Taylor & Francis, 2018, p. xiii.

120- Veen, Mario, and Anna T. Cianciolo. 2020. "Problems No One Looked For: Philosophical Expeditions into Medical Education." Teaching and Learning in Medicine. https://doi.org/10.1080/10401334.2020.1748634, pp. 6–7.

121- Miguez- Pinto, J. P., and others. “The Medical Student of the Future: Redefining Competencies in a Transformative Era.” Frontiers in Medicine, 16 June 2025. https://doi.org/10.3389/fmed.2025.1593685.

122- Kopelman, L. M. (1995). “Philosophy and medical education.” Academic Medicine, 70(9), 795–805. https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/7669156/, pp. 798–800.

123- Lyon, W. (2021). “Virtue and medical ethics education.” Philosophy, Ethics, and Humanities in Medicine, 16, 12. https://peh- med.biomedcentral.com/articles/10.1186/s13010- 021- 00100- 2

124- Loc- Cit.

125- Loc- Cit.

126- Norman, Geoffrey. “Research in Clinical Reasoning: Past History and Current Trends.” Medical Education, 2005, p. 280.

127- Abilov, O`rol. "Logic and Its Significance for Medical Field." Web of Journals, Volume 1, Issue 8, November 2023, pp. 54–56.

128- Jenicek, Milos. How to Think in Medicine: Reasoning, Decision Making, and Communication in Health Sciences and Professions. London: Taylor & Francis, 2018, pp. 3–4.

129- Abilov, O`rol, Op- Cit, pp. 56–57.

130- Ibid, pp. 57–58.

131- Marcum, James A. 2012. An Introductory Philosophy of Medicine: Humanizing Modern Medicine. New York: Springer, pp. 103–104

132- Jenicek, Milos, Op- Cit, pp. 11–12.

133- Eva, Kevin W., & Norman, Geoffrey. “Advances in Clinical Reasoning.” Academic Medicine, 2007, p. 100.

134- Elstein, Arthur. “Clinical Reasoning in Medicine.” In Clinical Reasoning in the Health Professions, 3rd ed., 2007, pp. 99–101.

135- Kassirer, Jerome. “Teaching Clinical Reasoning: Bayesian Logic and Diagnostic Errors.” New England Journal of Medicine, 2010, p. 185.

136- Gigerenzer, Gerd. Calculated Risks: How to Know When Numbers Deceive You. Penguin, 2003, pp. 70–75.

137- Sackett, David, et al. Evidence- Based Medicine: How to Practice and Teach It. Churchill Livingstone, 2000, p. 21.

See Also:

- Guyatt, Gordon, et al. User’s Guide to the Medical Literature. JAMA Press, 2015, pp. 3–4.

138- Friedman, Charles, et al. Fundamentals of Clinical Data Science. Springer, 2019, pp. 40–42.

See Also:

- Rothman, Kenneth. Epidemiology: An Introduction. Oxford University Press, 2012, pp. 18–19.

139- Hill, A. Bradford. “The Environment and Disease: Association or Causation?” Proceedings of the Royal Society of Medicine, 1965, p. 299.

140- Berner, Eta. Clinical Decision Support Systems: Theory and Practice. Springer, 2016.

يمثل توسع "اقتصاد القرافة" في المدن العربية الكبرى إحدى أبرز المعضلات الاجتماعية والاقتصادية. تتطلب هذه الظاهرة مقاربة تحليلية تتجاوز الوصف السطحي للفقر. إن دراسة هذه الظاهرة، بوصفها "تقنية" إدارية اضطرارية، تمثل أداة نقدية جذرية للفكر الاقتصادي السائد وللسياسات الكلية المعتمدة في الإدارة الحضرية والاجتماعية. نسعى هنا لتقديم تشريح هيكلي ومقاربة فلسفية لاقتصاديات الهامش الأقصى، بهدف استخلاص الدروس حول آليات البقاء والإنتاج في ظل الإقصاء المؤسساتي.

المفهوم التأسيسي: المقبرة كـ "هامش أقصى"

لطالما تم التعامل مع المجالات المخصصة لدفن الأموات ضمن إطار الثاناتولوجيا (علم دراسة الموت) أو العلوم الاجتماعية التقليدية (كعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ). إلا أن الجغرافيا، بوصفها علماً يركز على العلاقة التفاعلية بين المجتمع والمجال، لم تُعطِ هذه الظاهرة ما تستحقه من اهتمام، على الرغم من حضورها القوي في المشهد الجغرافي، سواء في الأرياف أو المدن.

إن المقبرة، خاصةً في السياق الحضري المكتظ، ليست مجرد مشكلة اجتماعية ناتجة عن الفقر، بل هي تعبير مكاني لفشل إدارة الندرة:

 ندرة السكن الرسمي وندرة القيمة القانونية للوجود. يمثل هذا المجال "الهامش الأقصى"، لكونه منطقة مُستبعدة قانونياً (مخصصة للأموات) ولكنه مأهول بأجيال متعاقبة من الأحياء. هذا التناقض يولد صراعاً حاداً بسبب الازدواجية في القيمة؛ فالمقبرة لها قيمة ودلالات روحانية في مختلف المجتمعات، لكنها تخضع أيضاً لرهانات عقارية متسارعة في محيطها.

تُبرز هذه الظاهرة قصور فكرة مركزية الدولة والسلطة التي تتخذ من العاصمة مقراً لها، لتصبح البيئات المحيطة بمثابة أطراف أو "هوامش" مُهملة. عندما يتحول هذا الهامش إلى مكان مأهول بشكل دائم، يدفعنا ذلك إلى التساؤل الفلسفي الذي طرحه جاك دريدا: "هل يمكن لهذا النصّ الذي بين أيدينا أن يصبح هامشاً لهامش؟". أي، هل يمكن لهذا المجال المستبعد (المقبرة) أن يصبح مستودعاً لا ينضب للنقد الوجودي والفلسفي، بدلاً من كونه مجرد أمر ثانوي؟ هذا التحول من "اللامكان" إلى "مكان البقاء" يمثل أول تقنية إدارية اضطرارية؛ فالسكان "يغزون" مجال الموت لحل مشكلة الندرة الوجودية للحياة.

التشريح الهيكلي لـ "تقنيات سكان المقابر" الاقتصادية

تُعرّف "تقنيات سكان المقابر" بأنها مجموعة من الاستراتيجيات اللامركزية والأنشطة الاقتصادية غير الرسمية التي يتبناها السكان للبقاء على قيد الحياة. تتحول هذه التقنيات مع الوقت إلى نظم إدارية موازية تدير شؤون الأمن والخدمات والعقار في منطقة المقابر.

يمثل اقتصاد الظل مجموعة الأنشطة الاقتصادية التي تتم خارج الإطار القانوني والتنظيمي للدولة، ويكون الهدف الأساسي منها غالباً هو تجنب الالتزامات القانونية والضريبية والبيروقراطية. بالنسبة لسكان المقابر، يمثل هذا الاقتصاد ملاذاً اضطرارياً ناتجاً عن الاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي من الأطر والسياسات الرسمية.

نقد مركزية الدولة ورأسمالية النخبة

إن المقاربة الفلسفية تتطلب هنا تحويل تقنية البقاء إلى أداة نقدية ضد المركزية الفكرية. فالاقتصاد الكلي يرى الفقر كعجز في الأرقام، لكن اقتصاديات المقابر تكشف أن الفقر المدقع هو نتاج إدارة سياسية للمجال؛ حيث يُسمح للمتنفذين بالاستيلاء على الأراضي، ويقتصر دور الدولة على الإدارة الأمنية/البوليسية لتنظيم الحياة في الشقين الرسمي وغير الرسمي. هذه الإدارة تغذي أسباب الاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي وتثبت أن النماذج الاقتصادية السائدة تنتج الهامش.

يعد مفهوم الملكية الخاصة حجر الزاوية في النظام الرأسمالي، ويُنظر إليه على أنه أساس وجود القوانين لاحتواء الصراع الناتج عن الندرة. إلا أن تقنية "وضع اليد" في "القرافة" تقلب هذا المفهوم رأساً على عقب. ففي هذا الهامش، لم تعد القوانين موجودة لتنظيم الندرة بين الجميع، بل لحماية التراكم الرأسمالي الذي أدى إلى طرد الفقراء من الأراضي.

عندما يضطر الفقير للعيش في مكان مخصص للأموات، ويجد أن "أرض الله الواسعة" مملوكة، ويقوم المنفذون بإزالة بيته إذا أقامه عليها، فإن هذا يمثل إخفاقاً جذرياً للقانون كنظام عادل لتوزيع الموارد. إن الصراع الذي ينشأ في "القرافة" ليس صراعاً تقليدياً على موارد محدودة، بل هو صراع هيكلي بين الدولة والنخبة المالكة والأفراد المستبعدين الذين يمارسون "وضع اليد" كشكل من أشكال المقاومة الاقتصادية والحق في الوجود.

بالتوازي مع النقد القانوني، هناك نقد أخلاقي وديني لظاهرة السكن في المقابر، حيث يرى الفقهاء أن سكن الحارس أو العمال داخل المقبرة "منكر وإهانة للقبور" لما يترتب عليه من استيحاء وبطلان للصلاة. إلا أن هذا النقد الشرعي، على أهميته، يجب موازنته بالتبرير الوجودي للسكن؛ وهو الحق في الحياة الذي أُغلق أمامه الباب القانوني والاجتماعي.

 اقتصاد الوجود والقيمة غير المكتسبة

تفرض المقاربة الفلسفية لـ "اقتصاديات المقابر" إعادة التفكير في قيمة الإنسان. يمكن تطبيق المفهوم الفلسفي للقيمة، حيث يواجه الإنسان صراعاً بين قيمته الوجودية المجرّدة وقيمته المكتسبة (الاقتصادية). العيش في المقبرة هو الدليل القاطع على تجاهل النظام الاقتصادي للقيمة الوجودية المجرّدة للإنسان، إذ يُنظر إليهم على أنهم "أحياء بدرجة أموات".

إن "تقنيات سكان المقابر" (البقاء والتكيف والتكافل غير الرسمي) تشكل مقاومة عملية لنبوءة فوكو حول "موت الإنسان". على الرغم من الظروف القاسية التي تزيد من معدلات الوفيات والأمراض، فإن استمرارهم في الحياة وتشكيل شبكات تكافل داخلية هو إعلان لقيمة البقاء والكرامة الإنسانية ورفض للاستبعاد القصري. هذه المقاربة النقدية تستلزم تحليلاً مقارناً لمرتكزات الفكر الاقتصادي السائد في مواجهة واقع الهامش.

استخلاص المبادئ الجديدة للإدارة الاقتصادية النقدية

تستوجب "اقتصاديات المقابر" تبني مبادئ جديدة للإدارة الاقتصادية النقدية، خارجة عن التيار الرئيسي، ترتكز على ما يلي:

مبدأ الاعتراف الوجودي أولاً: يجب أن تبدأ أي سياسة اقتصادية للحد من الفقر بالاعتراف بالقيمة الوجودية المجرّدة للإنسان. يجب التوقف عن التعامل مع الفقراء كأرقام أو كـ "مستبعدين طوعياً أو قصرياً"، بل ككيانات اقتصادية تحتاج إلى إطار قانوني وخدمي يسمح لها بالإنتاج والعيش بكرامة.

مبدأ الجغرافيا الاقتصادية الشاملة: يجب دمج قضايا الرهان العقاري حول مناطق الدفن ضمن التخطيط الاقتصادي الكلي للمدن. هذا يضمن عدم إهمال أي مجال جغرافي، ويعالج التناقض القائم بين القيمة الروحانية للمقابر والضغط الاستثماري العقاري المتزايد عليها. يجب أن يُنظر إلى المساحات العمرانية من منظور التنمية الشاملة بدلاً من مجرد التركيز على المناطق المُدِرّة للربح.

إن تحليل "اقتصاديات سكان المقابر" يكشف أن الظاهرة ليست فقط نتيجة لارتفاع معدلات الفقر، بل هي انعكاس جذري لفشل الإدارة الاقتصادية المركزية في تحقيق العدالة التوزيعية والاجتماعية.

"اقتصاديات المقابر" كمرآة للفساد المؤسساتي

تُعد "تقنيات سكان المقابر" (المرونة في إدارة الموارد) أنظمة اقتصادية اضطرارية. هذه الأنظمة أنتجها الظلم، وتستمد شرعيتها الوجودية من إهمال الدولة وتجاهل الفكر الاقتصادي السائد لمعيار القيمة الوجودية للإنسان. إن استمرار هذه الظاهرة على مدى عقود، مع تعاقب الأجيال داخلها، ليس دليلاً على مجرد فقر عابر، بل هو مرآة تعكس الفشل الهيكلي العميق في تطبيق العدالة في الإدارة الاقتصادية الكلية، وفشل الدولة في حماية مواطنيها من الرأسمالية المتوحشة والاستيلاء على الموارد. لا يمكن علاج هذه الظاهرة إلا بتبني مقاربة نقدية تضع قيمة الإنسان الوجودية قبل قيمة الناتج المكتسب.

***

كتابة غالب المسعودي

..........................

المراجع

اﻟﻣﻘﺎﺑر اﻟﻣﺟﺎﻻت اﻟﻣﺧﺻﺻﺔ ﻣن ﻣﻧظور ﺟﻐراﻓﻲ دراﺳﺔ ﺑﺑﻟﯾوﻏ revues.imist.ma)

عياد، هاني جرجس. "في عالم خارج نطاق الحياة: سكان القبور أحياء بدرجة أموات" ahewar.org

أرشيف مجلة القافلة. "الهامش" (متاح على: qafilaharchive.com)

منصة المستثمر. "اقتصاد الظل: مدخل شامل" investor.com)

شبكة الألوكة. "سكن حارس وعمال المقبرة" (متاح على: alukah.net)

ويكيبيديا. "مدارس الفكر الاقتصادي" (متاح على: ar.wikipedia.org)

منظمة الأمم المتحدة (UN). "سياسات الاقتصاد الكلى والنمو في المنطقة العربية" un.org

 

في عالمنا اليوم، يبدو أن ظواهر مثل الحقيقة والواقع تغمرنا باستمرار في سياق الحياة اليومية. لكن لا بأس إذا تداخلا، تماماً، في بعضهما بعضاً. يبدو أنه لا يوجد تعارض أو التباس أو أي سوء فهم بينهما. فما نسمعه ونراه ليس أكثر ولا أقل مما هو موجود. ولا يوجد شيء سوى ما ندركه. لكن هل كل ما نلاحظه، هو فعلاً واقع أو حقيقة أو كليهما؟ حسب الفيلسوفة الألمانية حنه آرندت، لا حقيقة ولا واقع، وأن كليهما لم يظهرا كما هما. إن الفكر، حسبها، يدعو إلى عدم اللجوء للتأمل فقط، بل إلى العمل على تغيير الحياة العامة والأحداث، مؤكدة على ضرورة أن يكون الفكر حراً ومسؤولاً في الوقت نفسه. وبهذا فهي تحث الفلاسفة على العمل. وتثمن مقولة كارل ماركس الشهيرة، التي جاءت في الأطروحات الإحدى عشرة، رداً على فيورباخ، والتي تقول: «لقد اكتفى الفلاسفة حتى الآن بتفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المهم هو تغييره».

اليوم، ونحن نعيش في عالم الخوارزميات، نتساءل؛ هل تسونامي المعلومات الذي يتجاوزنا وبشكل وفير ومباشر، يغنينا عن التفكير والتفكر؟ يبدو أن كتاب حنّه آرندت «حياة العقل» (1978)، مازال آنياً. وفيه تتناول «ماذا يحدث عندما نفكر؟» وهو السؤال الذي ركزت عليه في كتابها المنشور بعد ثلاث سنوات من وفاتها، والذي نستكشف فيه ماهية التفكير، وأين ومتى بالفعل، يحدث ذلك.

بدايةً، فالتفكير يختلف عن المعرفة، إذ تُركز المعرفة على الحقائق أو الظواهر التي سبقت مواجهتها في الواقع، بينما يُركز التفكير على ما لم يُكتشف أو يُبرهن عليه بعد. في اللوحة الشهيرة لرودان المسماة «المفكر»، يبدو لنا فيها، في وضعية نموذجية، يده تحت ذقنه، وهو يحدق في المشهد الضبابي غير المحدد بعد، إذ يبدو لنا أن المشهد المُفكَّر به مغطى، دائماً، بطبقة من الثلج. ونلاحظ أن شيئاً يبرز هنا وهناك؛ تماماً كما بعض الكلمات أو بعض الذكريات التي تقفز إلى الذاكرة على شكل شظايا.

يوحي هذا التمثال أنه من دون التحلي بالصبر وسعة الخيال والمسح البديهي لأفق الفكر، لا يمكن القبض على أي فكرة، وإن التفكير يتطلب عقلاً ترابطياً منفتحاً وحيوياً.

ثم تطرح آرندت السؤال المحير حول «أين» و«متى» نكون عندما نفكر. ولكن هل للتفكير زمن محدد؟

تلاحظ آرندت أن التفكير «يبقى دائماً مشوشاً، خارج النظام. وذلك، لأنه يقاطع جميع الأنشطة العادية». التفكير ينقلنا إلى مكان آخر، يمكن فهمه كنوع من «العالم الوسيط» - بين العالَم والشخص المُفكر - حيث تتوقف عقارب الساعة، التي تعدّ تحسب الزمن وترتب الأحداث ترتيباً زمنياً.

بينما ونحن نفكر، نجد أنفسنا في «زمنٍ بيْني»، كما كتبت آرندت، «يُنشئ فجوةً بين الماضي والمستقبل». هذه الفجوة، كما في زرادشت نيتشه، تُخلق تحت البوابة التي كُتبت عليها «اللحظة»، والتي تتصادم تحتها مسارات المستقبل والماضي. من هذا التصادم تنشأ «اللحظة الدائمة»، أو الآن الدائم، الذي كان يُطلق عليه في فلسفة أواخر العصور الوسطى اسم «nunc stans نونك ستانس».

من الناحية اللغوية، يُعدّ المصطلح اللاتيني «نونك ستانس» تناقضاً لفظياً لأنه يجمع بين مفهومين متعارضين - طبيعة اللحظة العابرة وديمومة الوقوف - مما يخلق معنى جديداً. ويشير هذا «الوقوف الآن» - من بين أمور أخرى - إلى مصطلح «nunc aeternitates نونك أتيرنيتيس» أي (الآن وإلى الأبد)، الذي كان يُعتبر «استعارة للزمن المقدس أو الإلهي والأبدي» في فلسفة العصور الوسطى. ويمكن فهمه على أنه التقاء محورين زمنيين متعارضين في لحظة «أبدية». تصف آرندت الخرق الذي يُحدثه الفكر في الزمن الكرونولوجي بأنه «الأثر الصغير غير الملحوظ للَّازمن». وتتابع: «فقط في خرق (نونك ستانس) يمكن للوجود الإنساني المراوغ أن يكشف عن نفسه كاستمرارية خالصة لـ(أنا)».

كما أنها توضح حالة غامضة إلى حد ما، من خلال مثل معروف عن كافكا: يدخل شخص مفكر في معركة مع خصمين خائفين، أحدهما «يدفعه من الخلف والثاني يمنعه من التقدم إلى الأمام». وكان على المفكر أن يقاتل مع كليهما مراراً وتكراراً، لكن حلمه هو أن «يتمكن، في يوم من الأيام، وفي لحظة غفلة، من القفز من خط المعركة، لكي يصبح حكَما على خصميه المتقاتلين مع بعضهما البعض».

التفكير ينقلنا إلى مكان آخر، يمكن فهمه كنوع من «العالم الوسيط»

بمعنى آخر، من يقف في «اللحظة» يواجه كلا الزمنين في آنٍ واحد. وهكذا، من خلال الوقوف بانتباه في «المنتصف»، يمكن لـ«الجديد»، الجديد غير المتوقع، أن يأتي إلينا من الماضي. لذا، لا يمكن لأي شخص يقف في اللحظة الراهنة أن يتجنب أي شيء أو يختبئ وراء أي عذر. لهذا السبب، يرى نيتشه أن الإنسان الشجاع المُتشبث بالحياة هو وحده من يُدرك الخلود في هذه اللحظة. إنها مقولة رائعة، خلدها العديد من الفلاسفة، ويدركها كل من فكر أو أبدع في تلك الأثناء. نقول إن الزمن توقف للحظة، لأننا لا نملك كلمات لوصف هذه اللحظة، لكن الزمن، بالطبع، استمر ببساطة. لقد حررنا أنفسنا إلى أجل غير مسمى من التجربة التي، عادة، يسجننا فيها الزمن - تجربة المحدودية والاضطراب والزوال - ودخلنا في اتصال مع بُعد زمني أغنى وأوسع وأكثر خصوبة بكثير.

ولهذا السبب فإن «الذات المفكرة لا عمر لها»، كما لاحظت آرندت، وهي في سن السبعين تقريباً؛ لأنه كم يجب أن يكون عمرك إذا كنت خارج الزمن أثناء اللحظة غير المحروسة؟

ليس للتفكير مكان إقامة ثابت

الآن بعد أن تعرفنا على الإجابة التي تخص «متى» نفكر، تحاول آرندت أيضاً الإجابة على سؤال «أين». حسب قولها، فإن مساحة الفكر هي في الواقع «لا مكان» أو «يتوبيا». وذلك «لأن التفكير لا يملك وطناً؛ فهو يتمثل على شكل غياب وينسحب من وجود الأشياء».

وفقاً لمبدأ «المايوتك maieutic» السقراطي، ينشأ التفكير هنا. هذا المصطلح اليوناني الذي يشير إلى «قابلة - مولدة» - وصف به سقراط طريقته، التي كانت تهدف إلى مساعدة العقل على «ولادة» الأفكار.

إنه حوار يجري بين الناس وداخل الموضوع نفسه، ويحرك كل ما هو ثابت في داخلنا. إن الذات المفكرة هي متجولة أو «بدوية»، لا تتجه نحو معتقدات أو أفكار ثابتة، بل «تتجه نحو ما لم يتم التفكير فيه بعد».

ليس للتفكير مسكن ثابت؛ ولأنه بلا مأوى، يمكنك ممارسته في أي مكان في العالم، ويُفضل أن تكون متجولاً مغترباً. هذا ما كتبته آرندت عندما كانت تعيش في باريس: «طوبى لأولئك الذين ليس لديهم وطن، لأنهم ما زالوا يرونه في أحلامهم».

إنها نسختها لمقولة بول فاليري الشهيرة: «Je pense donc je ne suis pas» «أنا أفكر، إذن أنا لستُ موجوداً». في التفكير، لا بدّ من اختراق حضور الأشياء والذات من أجل إلقاء الضوء على شيء ما، في طي الغياب. فمن دون ساعة على معصمه وسقف دائم فوق رأسه، يحاول المُفكِّر مراراً وتكراراً الدخول في حوار داخلي مع نفسه ومع العالم.

***

نجاة تميم

 

مقدمة: تشكل السفسطة، كمذهب فلسفي يعود إلى العصر اليوناني الكلاسيكي، محورًا أساسيًا في تاريخ الفكر الغربي. السوفسطائيون، مثل بروتاغوراس وغورجياس وأنتيفون، كانوا معلمين جوالين يركزون على فن الخطابة (الريطوريقا)، والنسبية في الحقيقة، والتعليم العملي للنجاح في الحياة العامة. إلا أن صورتهم التاريخية غالبًا ما تُشوه بفعل نقد أفلاطون وسقراط، الذين وصفوهم بالمحتالين الذين يبيعون الحكمة مقابل المال، ويستخدمون الجدل للخداع بدلاً من البحث عن الحقيقة المطلقة. في هذه الدراسة، سنستعرض وجاهة العودة إلى السفسطة في الفلسفة المعاصرة، أي ما إذا كانت هذه العودة مبررة فلسفيًا وأخلاقيًا في سياق التحديات الحديثة مثل ما بعد الحداثة، النسبوية الثقافية، والسياسة الرقمية. سنعتمد على تحليل تاريخي وفلسفي، مع الاستناد إلى أفكار مفكرين معاصرين، لنقيم الحجج المؤيدة والمعارضة، مستخلصين أن العودة إلى السفسطة ليست مجرد إحياء تاريخي، بل استجابة ضرورية لعالم يغلب فيه الخطاب على الحقيقة الموضوعية. فماهي القيمة التي تم منحها للسفسطة في المقاربات الفلسفية المعاصرة؟

الخلفية التاريخية للسفسطة ونقدها الأفلاطون

بدأت السفسطة في القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا، حيث كان السوفسطائيون يُعتبرون "حكماء" يدرسون فنون الإقناع والجدل. بروتاغوراس، على سبيل المثال، أعلن أن "الإنسان مقياس كل شيء"، مما يعني أن الحقيقة نسبية وتعتمد على الإدراك البشري والسياق الاجتماعي. أما غورجياس، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك في رسالته "عن اللاوجود"، محاججًا بأن الوجود غير موجود، وإن وُجد فهو غير قابل للمعرفة، وإن عُرف فهو غير قابل للتواصل. هذه الأفكار كانت تهدف إلى تعزيز الديمقراطية من خلال تدريب المواطنين على المناظرة والإقناع، لكنها أثارت غضب أفلاطون الذي رآها تهديدًا للفلسفة كبحث عن الحقيقة الأبدية.في حوارات أفلاطون مثل "غورغياس" و"السوفسطائي"، يُصور السوفسطائيون كمحتالين يستخدمون الريطوريقا للإغراء بدلاً من الوصول إلى العدل والحق. يقارن أفلاطون الريطوريقا بالطبخ أو التجميل، أي فنون سطحية تخدع الحواس دون فائدة حقيقية. هذا النقد شكل النظرة السائدة للسفسطة كـ"سوفسطائية" بمعنى الجدل الخادع، واستمر حتى القرن التاسع عشر حين بدأ إعادة تقييمها من قبل هيغل وجورج غروت، اللذين رأيا فيها دفعة للتعليم العالي والحراك الاجتماعي. في الفلسفة المعاصرة، يُعاد اكتشاف هذا التراث كأداة لنقد الأنطولوجيا التقليدية، كما يظهر في أعمال باربارا كاسين التي تتحدث عن "تأثير السوفسطائي" كعنصر هيكلي في الفلسفة.

العودة إلى السفسطة في الفلسفة المعاصرة: السياقات والمفكرون

في القرن العشرين والحادي والعشرين، شهدت الفلسفة عودة ملحوظة إلى الأفكار السوفسطائية، خاصة في سياق ما بعد الحداثة والبراغماتية. يُرى هذا في رفض الحقيقة المطلقة لصالح النسبية والخطاب. نيتشه، على سبيل المثال، أشاد بالسوفسطائيين كحاملي "طاقة فلسفية"، معتبرًا اللغة مفاوضة للمعنى بدلاً من كشف الحقيقة. هيدغر، رغم تأثره بالبريسقراطيين مثل بارمينيدس، يتردد صدى نسبيته في الأعمال اللاحقة، حيث يُنقد الأنطولوجيا ككشف للوجود. أما ريتشارد رورتي، البراغماتي، فيعيد صياغة السفسطة كنقد للفلسفة كعلم، مفضلاً الإقناع الاجتماعي على البحث عن أساسات مطلقة.

في النسوية، تستعيد باحثات مثل شارون كراولي وسوزان جارات السفسطة لتحدي المنطق الأبوي، مستخدمات "مديح هيلين" لغورغياس كأداة لقلب الروايات الذكورية. كذلك، يرتبط فوكو وليوتار ودريدا بالنسبية السوفسطائية، حيث يركزون على القوة والخطاب كبناة للواقع. في مقالة "العودة إلى السوفسطائيين"، يُبرز الكاتب كيف تساعد السفسطة في مواجهة الفوضى المعلوماتية الحديثة، من خلال تدريب على الجدل المضاد لكسر الغرف الصدى وفك الخرافات الثقافية.

 كما في "تراث السوفسطائيين القدماء والثقافة الحديثة"، يُظهر التأثير في الإنسانيات الحديثة، مثل التربية التفاعلية والعقد الاجتماعي، الذي يعود إلى أنتيفون ويظهر في حقوق الإنسان المعاصرة. في السياسة، تظهر "السفسطة الجديدة" في عصر ما بعد الحقيقة، كما في مقالة "السوفسطائي قد سجل الدخول"، حيث ترتبط الريطوريقا بالإعلام الاجتماعي والسياسة، محذرة من سوء الاستخدام الأخلاقي.

هذا الاتجاه يعكس تحولاً من الفلسفة كعلم إلى أداة عملية، كما يناقش ريتشارد شوت في "السوفسطة الحديثة"، مستلهماً هانا أرندت في ربطها بالتوتاليتارية.

حجج وجاهة العودة إلى السفسطة

تكمن وجاهة العودة في قدرتها على مواجهة تحديات العصر.

 أولاً، في عالم ما بعد الحداثة، حيث تُفقد الحقيقة موضوعيتها، توفر السفسطة أدوات لفهم الخطاب كبناء اجتماعي. كما يقول غورجياس، اللغة ليست مجرد نقل للحقيقة، بل قوة إقناعية تشكل الواقع، مما يساعد في نقد السلطة كما عند فوكو.

 ثانيًا، تعزز الديمقراطية من خلال التربية على المناظرة، كما في "الجدل المضاد" الذي يرفض اليقين الأحادي ويشجع على التسامح. في "إذا الأنطولوجيا، فالسياسة"، يُظهر أندرو غوفي كيف تنقد السفسطة الأنطولوجيا كعنف خطابي، مفضلة "اللوغولوجيا" كممارسة لغوية تؤسس السياسة كتوافق أدائي دون أساس متعالي.   هذا يتناسب مع هابرماس في التواصل التبادلي، ومع لكلاو وموف في الخصومة الديمقراطية.

ثالثًا، في التربية الحديثة، كما في "فلسفة التربية السوفسطائية الجديدة"، تُعزز السفسطة الضوء المعرفي والحكمة كضوء لا يريد الجميع رؤيته، محفزة على التنافس والتكيف.  كذلك، في "دعوة لإحياء السفسطة"، يُدافع عن استعادتها في الخطاب العام والأدبي لاستعادة فلسفة الحكمة.  هذه الحجج تجعل العودة وجيهة لأنها تحول الفلسفة من تأمل مجرد إلى أداة عملية في عصر الرقمنة والتعددية.

حجج ضد وجاهة العودة إلى السفسطة

مع ذلك، توجد حجج قوية ضد العودة، تركز على مخاطر الخداع والفقدان الأخلاقي. أفلاطون حذر من أن السفسطة تحول الفلسفة إلى تجارة، وفي العصر الحديث، ترتبط بـ"السفسطة الحديثة" كما في السياسيين والكتب الذاتية، حيث يُستخدم العقل للمصلحة الشخصية بدلاً من المعرفة.

 في "تسييس الحقيقة: السفسطة الجديدة"، يرى آر. سي. سبرول أنها تحول الحقيقة إلى إقناع سياسي، مما يفقد الأخلاق.

كذلك، في عصر ما بعد الحقيقة، كما عند دونالد ترامب، تُرى السفسطة كأداة لـ"الحقائق البديلة"، مما يهدد الديمقراطية بدلاً من تعزيزها.

 في مناقشات على منصات رقمية، يُنقد البعض السفسطة كتبرير للتناقضات، كما عند أرسطو الذي حد منها بمبدأ عدم التناقض.

 هذه الحجج ترى العودة غير وجيهة لأنها قد تؤدي إلى نيتشوية سلبية أو توتاليتارية، كما عند أرندت.

خاتمة:

في الختام، تبدو العودة إلى السفسطة في الفلسفة المعاصرة وجيهة إلى حد كبير، لأنها توفر أدوات لنقد اليقينيات الزائفة وتعزيز الديمقراطية في عالم متعدد. ومع ذلك، يجب أن تكون مدعومة بأخلاقيات لتجنب الخداع. كما يقول نيتشه، السوفسطائيون يحملون طاقة فلسفية، وفي عصرنا، يمكن أن تكون هذه العودة خطوة نحو فلسفة عملية تتجاوز الأنطولوجيا التقليدية نحو سياسة أدائية. إن التوازن بين الإقناع والحقيقة هو مفتاح الوجاهة، مما يجعل السفسطة ليست نهاية الفلسفة، بل بداية جديدة لها. فهل تمثل السفسطة المعاصرة انطلاقة ثانية للفلسفة على نحو مختلف؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

بين الانغلاق الضروري والكشف القسري

 إن العبارة الفلسفية "الذات هي جسد عارٍ في عصر النسبية التكنولوجية للخصوصية" لا تمثل مجرد وصف عابر لتناقص الخصوصية، بل تشير إلى تحول وجودي عميق أعاد تعريف الذات في العصر الرقمي. لقد أصبحت الهوية الفردية، بجوهرها النفسي والسلوكي، خاضعة لعقد اجتماعي رقمي ضمني يفرض الانكشاف كشرط للمشاركة الفعالة.

يجب تفكيك مجاز "الذات العارية"؛ فهو لا يشير إلى التعرّي المادي، بل يرمز إلى فقدان الحصانة والحدود الشخصية، والتعرض الدائم لآليات المعاينة والتصنيف والحكم. تؤدي هذه الحالة إلى هشاشة قصوى. فالهشاشة، في هذا السياق، تنشأ من التفاعل بين الخصائص الفردية والظروف الخارجية، داخل سياق يتم فيه إعاقة الأهداف الشخصية وتتأثر فيه التصورات الذاتية والاجتماعية للهوية. تكمن الخطورة في أن الظروف الخارجية، ممثلة في البنى التحتية التكنولوجية واقتصاديات المراقبة، مصممة بطريقة هيكلية لتعظيم استخراج البيانات، مما يجعل "التعرية" حالة سياسية واقتصادية مفروضة، حيث يصبح ثمن عدم المشاركة في المجال الرقمي باهظاً.

أما الجزء الثاني من المقولة، "النسبية التكنولوجية للخصوصية"، فيشير إلى كيف أدت التكنولوجيا إلى إزاحة القيمة الثابتة والمطلقة للخصوصية، لتحل محلها قيمة متغيرة تحددها سياقات الاستخدام والتفاعل. لقد أصبح مفهوم الخصوصية، تماماً كما في الفيزياء الحديثة حيث تعتمد القياسات على الإطار المرجعي للمراقب، بات يعتمد على متغيرات تتجاوز إرادة الفرد. هذا التحول الفلسفي يفرض دراسة متعمقة لـجذور قياس الذات المستمدة من علم الجريمة والطب النفسي، وتحليل القوى الاقتصادية الدافعة للانكشاف (رأسمالية المراقبة لشوشانا زوبوف)، ونظام السيطرة النفسية الذي يصفه بيونغ تشول هان.

الجذور المعرفية للانكشاف الذاتي

إن تمثيل الذات في العصر الرقمي، كما يحلله الكاتب الألماني أندرياس برنارد في كتابه "نهاية عصر الخصوصية: انكشاف الذات في الثقافة الرقمية"، يقوم على بنية تحتية معرفية مظلمة. إن "الملف الشخصي" على وسائل التواصل الاجتماعي هو الشكل السائد لعرض الهوية الشخصية على الإنترنت، وهو مركز تتجمع فيه البيانات الشخصية والنصوص والصور ومقاطع الفيديو.

إن أساليب تمثيل الذات في أيامنا، سواء في الملفات الشخصية، أو وظائف تحديد المواقع في الهواتف الذكية، أو قياسات الجسم (القياس الكمي للذات)، ترجع في أصلها جميعاً إلى طرق اُبتُكرت وطُوِّرت في علم البحث الجنائي وعلم النفس والطب النفسي منذ نهاية القرن التاسع عشر. هذه الأوصاف الشخصية المتعلقة بالمظهر الخارجي والمرتبطة ببيانات السيرة الذاتية تُستخدم اليوم بمفهوم تواصلي ويتم استلهامها اقتصادياً أو عاطفياً.

يُفهم من هذا التأصيل التاريخي أن جوهر بناء الهوية الرقمية الحديثة ليس التواصل أو التعبير عن الذات بالمعنى الوجودي الحر، بل التصنيف والمعايرة الجنائية. أي أن البنية التحتية للذات الرقمية تستند إلى أنظمة مصممة في الأصل لـتشخيص الانحرافات، وتحديد المخاطر، وإثبات الهوية لأغراض المراقبة والسيطرة. بالتالي، فإن الوظيفة الجوهرية للذات الرقمية ليست الوكالة الحرة، بل التقييم المسبق للمخاطر. المستخدم يعتقد أنه يبني هويته، بينما التكنولوجيا تبني نموذجاً احتماليًا لسلوكه ونقاط ضعفه المحتملة. الذات المنكشفة هي بالضرورة "دليل إدانة" محتمل، تخضع باستمرار للتصنيف من قبل أنظمة بُنيت أساساً لمنطق التدخل أو العقوبة.

التحدي الاقتصادي: رأسمالية المراقبة واستغلال النسبية

تُستغل هذه النسبية التكنولوجية بطريقة منهجية من قبل رأسمالية المراقبة. إذا كانت قيمة الخصوصية نسبية وتعتمد على سياق-الزمن، فإن الجهة التي تتحكم في السياق الذي تُحلل فيه البيانات وتُتداول، تمتلك قوة هائلة. يتم تعمية هذا السياق عن المستخدم (كما لاحظت زوبوف بخصوص غياب الوعي الكامل أو الموافقة)، مما يسمح للنظام الاقتصادي بتقليل القيمة المتصورة للخصوصية لدى المستخدم (جعله يرى بياناته رخيصة أو بلا قيمة) بينما يزيد قيمتها التنبؤية القصوى للشركات. إن الذات العارية ليست فقط مكشوفة، بل إن قيمتها الحقيقية مخفية ضمن تحول سياقي نسبي يتم التحكم فيه خارج إطار وعي الفرد.

 اقتصاد استخراج الفائض السلوكي

تقدم شوشانا زوبوف تحليلاً مفصلاً لكيفية تحويل العصر الرقمي إلى نظام قائم على اقتصاد استخدام التجربة الشخصية كـ "مادة خام" للتحويل إلى سلع ذات قيمة يمكن التداول فيها.

الآلية الرئيسية التي تفرض "التعري القسري" هي استخراج ما يسمى "الفائض السلوكي". وهو البيانات التي تتخطى الحدود المطلوبة للخدمة ويتم جمعها وتجميعها في ملفات شاملة، مثل سرعة الكتابة وحركة الماوس والأماكن التي نقرأ عنها. يتم هذا الاستخراج دون وعي كامل أو موافقة من الجمهور، وتتخطى تداعياته مجرد استهداف الإعلانات، بل تؤثر على مفاهيم الاستقلالية والخصوصية في ظل الديمقراطية.

تكتمل قسرية هذا الاقتصاد بما تسميه زوبوف "التبعية والاستئثار بالبدائل". حيث أصبح من المستحيل تقريباً المشاركة بفعالية في الحياة اليومية (مثل التوظيف، التعليم، الرعاية الصحية) دون استخدام قنوات الإنترنت التي هي في الأساس سلاسل التوريد لرأسمالية المراقبة. هذا الاعتماد الضروري يُنشئ حالة لا يمكن فيها "تسجيل الخروج"، مما يرسخ حالة "الجسد العاري" كشرط لا مفر منه للمشاركة الاجتماعية.

في هذا النموذج، يصبح التعري الذاتي عملية يطلبها الفرد للحصول على مكافأة. فمن ينشئون ملفات شخصية مبتكرة يتمتعون بقدر كبير من الاستقلالية في عرض ذواتهم على الملأ، وكلما زاد الابتكار في بناء شكل الملف، زادت قوة ردود أفعال المستخدمين الآخرين. يصبح الكشف الذاتي استثماراً في الهوية الرقمية يسعى للقبول الاجتماعي، ولكنه يخدم بالضرورة منطق النظام الاستغلالي.

إن التهديد الأعمق للذات العارية، سواء من منظور زوبوف أو هان، هو تآكل الاستقلالية الديمقراطية. إذا كانت سلوكياتنا وتفضيلاتنا تخضع باستمرار للتنبؤ والتعديل لأغراض اقتصادية أو سياسية (عبر التخصيص أو الاستهداف)، فإن قدرتنا على اتخاذ قرار سياسي أو اجتماعي حقيقي وغير مشروط تتضاءل. يتم تحريك الذات الرقمية نحو استهلاك أو تصرف يخدم منطق المنصة الاقتصادي، مما يحوّل البيانات المكشوفة إلى آلية للسيطرة الاجتماعية، حتى في سياق الحركات الاحتجاجية، حيث تُعرّى من التنظيم المستدام وتوضع تحت رحمة الخوارزميات.

 الحماية القانونية للجسد العاري

إن الذات العارية التي تعيش حالة الهشاشة الهيكلية تضع النظم القانونية التقليدية أمام تحدٍ يتمثل في موازنة الكشف التكنولوجي الضروري لحركة الاقتصاد مع حق الحماية.

يعد مبدأ الطرف الثالث (Third-Party Doctrine) في القانون الأمريكي أحد أبرز الأمثلة على قصور الأطر التقليدية. ينص هذا المبدأ، الذي أُرسيت قواعده في سبعينيات القرن الماضي، على أنه عندما يسلم شخص معلومات طواعية لطرف ثالث (كشركة اتصالات أو مزود خدمة)، فإنه يخاطر بفقدان الحماية الدستورية لتلك المعلومات، وبموجبه يُسمح للحكومة بالوصول إلى هذه البيانات دون الحاجة إلى مذكرة تفتيش في حالات معينة.

في عالم الحوسبة الشبكية اليوم، التي تنتج كميات هائلة من البيانات المخزنة والمدارة بواسطة مزودي خدمات طرف ثالث، فإن هذا المبدأ يحمل آثاراً كارثية. القراءة الصريحة للمبدأ تعني أن الغالبية العظمى من بيانات الذات العارية، مهما كانت حساسة وكاشفة (الفائض السلوكي)، لا تحصل على الحماية الكافية بموجب التعديل الرابع للدستور. هذا المبدأ يشرعن حالة التعري القانوني للذات أمام سلطة الدولة والشركات.

 الهشاشة ذاتية المنشأ وتحديات المسؤولية

غالباً ما تعزز السردية القانونية فكرة "التنازل الطوعي" أو "الوكالة الفردية المطلقة"، حيث ترى أن الفرد ليس لديه "توقع مشروع للخصوصية في المعلومات التي يسلمها طواعية لأطراف ثالثة". هذا يضع عبء حماية الخصوصية بالكامل على الفرد المكره على المشاركة الرقمية، ويهمل الدور الهيكلي للنظام الاقتصادي في إجبار هذا الكشف.

إن مقولة "الذات هي جسد عارٍ" تصف تحولاً بنيوياً حيث تم تجريد الذات من حدودها التقليدية ومن استقلاليتها الكاملة. إن انكشاف الذات المستمر، المدعوم بالأساليب التي تعود في أصلها إلى علم الجريمة، وإخضاعها لمنطق رأسمالية المراقبة (استخراج الفائض السلوكي)، وتحويلها إلى الأداء السطحي الذي يفتقر إلى العمق، يؤدي إلى تآكل الهوية الوجودية.

 المجتمعات والتحديات الخطيرة:

فقدان العمق: تصبح الذات "أكثر واقعية وحيوية لكنها فارغة من المحتوى"، حيث تركز على المظهر والقياس على حساب التجربة العاطفية والحياة الواقعية.

السيطرة الخوارزمية: حتى الحركات الاجتماعية والاحتجاجات، التي يمكن أن تكتسب زخماً وانتشاراً في البيئة الرقمية، تُعرّى من التنظيم المستدام وتُخضع للخوارزميات وأدوات الرقابة، مما يحد من قدرتها على التحول إلى قوة تغييرية فعلية.

***

غالب المسعودي

.........................

المراجع

جودت شاكر محمود. رأسمالية المراقبة وآفاق حضارة رقيق المعلومات. الحوار المتمدن.

برنارد، أندرياس. عصر نهاية الخصوصية: انكشاف الذات في الثقافة الرقمية. ترجمة غير مذكورة. مكتبة بنيان (binyanbooks.com).

"Choice Architectures in the Digital Economy: Towards a New Understanding of Digital Vulnerability." (“Behavioral Economics in The Era of Digital Subscriptions: Choice or ...”) PMC - PubMed Central (pmc.ncbi.nlm.nih.gov).

THE GENERAL RELATIVITY OF PRIVACY. (idw-online.de).

The Case for Logging Off (And Back on Again). Transdisciplinary Design (sds.parsons.edu).

ورﻗﺔ ﺗﺄﻣﻠﯾﺔ ﺣول ﻣﻔﮭوم ﺷوﺷﺎﻧﺎ زوﺑوف ﻟرأﺳﻣﺎﻟﯾﺔ اﻟﻣراﻗﺑﺔ. ResearchGate (researchgate.net).

يتساءل البعض ان كان سي اس لويس C.S.Lewis صائبا في قوله ان العقل يثبت ما فوق الطبيعة supernatural . الكاتب والثيولوجي البريطاني C.S.Lewis(1898-1963) كان من ابرز الكتاب المفكرين في عصره، وكما قيل عنه كـ "مفكر عملاق". كان ولايزال لديه مشاهدين لروايته حول الأطفال (سجلات نارنيا) وللعديد من كتبه التي كتبها لمواجهة معارضات العقيدة الدينية (كتاب المسيحية المجردة) Mere Christianity. درّس لويس الادب في جامعتي أكسفورد وكامبردج في الشطر الأكبر من حياته، واصبح بروفيسور في كامبردج عام 1954. هو كان أيضا فيلسوفا عميقا وواضحا يتضح ذلك في كتابه (المعجزات،1947). هنا هو يبني اول حجة سليمة ومقنعة منطقيا على وجود شيء ما بالإضافة للطبيعة، "والتي يسميها الكثيرون بـ فوق الطبيعة" supernatural. سنحلل حجته في هذا المقال. هل ستقنعنا؟ اذا كانت مقنعة، عندئذ ستكون لها مضامين خطيرة لأولئك المعارضين مثل ريتشارد ديكنز الذي ينكر بشدة أي شيء مضاف للطبيعة.

التفكير في ما وراء الطبيعة

هل يمكن توضيح الظاهرة الطبيعية بواسطة العلم – وتوضيح الضرورة المادية التي نلاحظها تتحكم بسلوك كل الأشياء الطبيعية في كل مكان؟ هل سيكتشف العلم في يوم ما لماذا الجاذبية وسرعة الضوء وغيرها من الثوابت الفيزيائية الأساسية (1) ثابتة، وهي أيضا مصممة بدقة لأجل حياة ذكية؟ لا أحد يعرف حتى الان كيف جاءت الثوابت الاساسية الى الوجود او لماذا هي كما هي عليه، ولهذا فان قوانين الطبيعة تبدو تفتقر الى أساس يمكن الوصول اليه. لو كانت قيم تلك الثوابت مختلفة، فسوف لن يكون ممكنا وجود لا عالمنا ولا الحياة التي نعرفها. لذا فان الثوابت الأساسية هي معطيات "givens" وضعت اطارا للطبيعة تبدو فيه كل الأحداث تمتلك أسبابا طبيعية، وحيث يتم عمل العلم. هذا هو الميدان الذي تسود فيه الطبيعية.

عرّف لويس الطبيعية naturalism " بـ العقيدة بانه لا يوجد شيء غير الطبيعة – نظام متشابك بالكامل – . واذا كان ذلك صحيحا، فان كل شيء وكل حدث، لو عرفنا ما يكفي، سيكون قابلا للتوضيح بالكامل .. كنتاج ضروري للنظام" ص18. كتب لويس هذه الكلمات في كتابه (المعجزات،1947). هنا هو يعترف بانه يمكن ان لا تكون هناك معجزات لو لم يوجد شيء آخر إضافي للطبيعة “نسميه فوق الطبيعة". هذا التمييز كما يوضح، ليس بين الذهن والمادة، ولا بين الروح والجسم، وانما بين الطبيعة و "شيء آخر" – شيء حسب لويس يجب ان يوجد بالإضافة للطبيعة وهو ما يسعى لتحديده. يرى لويس ان المعجزة ستكون "تدخلا في الطبيعة من قبل قوة خارقة للطبيعة"ص5. يختلف تعريف لويس جذريا عن تعريف ديفيد هيوم الذي استخدمه في عمله (مقال في المعجزة،1777) الذي اعتبر فيه المعجزة ستكون "انتهاكا لقوانين الطبيعة". هذه لاتزال الفكرة الشائعة عن المعجزة: في انها حدوث تتوقف فيه قوانين الفيزياء والبايولوجي.

لويس ينكر بوضوح هذا في (المعجزات ص93). "نحن معتادون على الحديث كما لو ان قوانين الطبيعة هي التي تقف وراء حدوث الاحداث، لكنها لم تسبب ابدا أي حدث .. انها تحدد الشكل الذي يجب ان يمتثل له كل حدث. لذا فان المعجزة سوف لن تخالف او توقف قوانين الطبيعة بل هي تغذي احداثا جديدة في الطبيعة. المعجزة تحدث عندما يتم ادخال سبب فوق طبيعي ودمجه في الطبيعة بطريقة ما – تماما مثل أي سبب آخر – بواسطة قانون طبيعي – كنظام.

يرى لويس ان الطبيعية سوف تتضمن الحتمية determinism. رؤيته للطبيعة هي كنظام كل شيء يحدث فيه معتمدا على شيء آخر يحدث ضمن النظام، وفي النهاية في كامل النظام من الاحداث المتشابكة. لكي يبيّن ان المعجزات ممكنة، يحتاج لويس اثبات ان شيئا ما موجود لا يعتمد على النظام المتشابك للطبيعة ولايمكن توضيحه كنتاج ضروري له. هذا الشيء المنفرد الاستثنائي هو تفكير عقلاني "ليس جزءا من نظام الطبيعة":

(أفعال التفكير هي ليست متشابكة بإحكام مع النظام الكلي المتشابك للطبيعة كما تتشابك جميع عناصره الأخرى مع بعضها. هي مرتبطة معه بطريقة مختلفة، لأن فهم الماكنة مرتبط حتما بماكنة، لكن ليس بالطريقة التي تترابط بها أجزاء الماكنة مع بعضها. المعرفة بالشيء ليست من أجزائه.) ص37،38.

وبهذا هو يقرر ان الفرق بين ما فوق الطبيعي والطبيعي هو في الحقيقة بين العقل والطبيعة، "الحد الفاصل يأتي ليس من المكان الذي ينتهي به "العالم الخارجي" و ما تبدأ به "ذاتي"، وانما بين العقل وكامل كتلة الأحداث غير العقلانية سواء كانت مادية او نفسية (ص38).

لكي يبرر هذا الاستنتاج، يحتاج لويس إثبات انه اذا كانت كل الاحداث، بما فيها الاحداث الذهنية (أفعال التفكير) هي في الحقيقة كانت مقررة سببيا (محكومة بقوانين الطبيعة)، عندئذ نحن لا نستطيع ابدا ان نقرر أي شيء عبر التفكير المنطقي. نحن لا نستطيع ذلك ابدا لأن الأحكام العقلانية لا تعتمد على علاقة سببية بين الأسباب ونتائجها وانما على علاقة منطقية بين المقدمات والاستنتاجات التي نستنبطها منها. سيحتاج لويس الى حجة أخرى لإثبات ان التفكير المنطقي هو ذاته ليس قدرة طبيعية بنفس الطريقة التي تكون فيها الرؤية البصرية والسمع طبيعيان، لأنه لو كان الاستدلال طبيعيا بنفس الطريقة، فانه سيكون خاضعا للأسباب الطبيعية بنفس الطريقة التي تخضع بها حواسنا للأسباب الطبيعية. هو يعتقد ان قوتنا في التفكير لا تحدث بنفس الطريقة كما في حواسنا الخمس: انها لم تتطور فينا بواسطة عملية الاختيار الطبيعي. لكن لماذا يجب على كل شخص ان يعتقد بان قوة العقل ليست نتاجا للاختيار الطبيعي؟

التفكير الخارق للطبيعة

يبدأ لويس جداله بالادّعاء ان كل المعرفة الممكنة بما هو صحيح تعتمد على صلاحية التفكير: "مالم يكن التفكير الإنساني صالحا سوف لن يكون هناك علم صحيح" كما يقول في المعجزات ص21. الان لدينا سلسلة صالحة من التفكير، أي، لها قيمة كوسيلة للعثور على الحقيقة فقط عندما تكون كل خطوة مرتبطة بما حصل من قبل في علاقة سبب – نتيجة ground-consequent relation. يقترح لويس ان أسهل طريقة لتوضيح هذه العلاقة، هي ان نلاحظ معنيين اثنين متميزين عن العالم. نحن نستطيع القول "جدّي مريض اليوم لأنه تناول سرطان البحر يوم امس". نستطيع أيضا القول “جدي يجب ان يكون مريضا اليوم لأنه لم يستيقظ بعد (ونحن نعرف انه عادة يستيقظ مبكرا عندما تكون صحته جيدة)". في العبارة الأولى تشير (لأن) الى علاقة سببية من سبب ونتيجة: تناول الطعام جعله مريضا. في الجملة الثانية، تشير (لأن) الى علاقة منطقية من سبب ونتيجة: تأخير الرجل الكبير في الاستيقاظ هو السبب الذي يجعلنا نعتقد انه مريض. الحالة الاولى تشير الى ارتباط بين أحداث، اما الثانية تشير الى علاقة منطقية بين العقائد او الادّعاءات. مالم يكن الاستنتاج نتيجة منطقية من السبب، سيكون بلا قيمة وربما يكون صحيحا فقط بالحظ. وهكذا، الاستنتاجات تعتمد على أسباب منطقية لصلاحيتها بدلا من أسباب مادية حتى عندما تكون تلك الأسباب المادية،مثلا، حالات سابقة للدماغ.

ورغم ان لويس لم يشر ابدا له، طور عمانويل كانط بالضبط هذه الحجة قبل 160 عاما في كتابه (تأسيس ميتافيزيقا الاخلاق،1785). هناك كتب كانط "نحن لا نستطيع ان نتصور عقلا يتم توجيهه من الخارج بشأن أحكامه. اذا كان الكائن العقلاني واعيا بأي تأثير خارجي، هو سوف يعتبر أحكامه مقررة ليس بواسطة العقل وانما بواسطة الحافز impulse. العقل يجب – اذا كان عليه ان يفكر – بان يعتبر ذاته كمؤلف لمبادئه الخاصة به بشكل مستقل عن المؤثرات الخارجية"(ص448). اذا كان كل حكم والذي هو استنتاج لحجة نتج فقط بواسطة احداث ذهنية سابقة و لم يكن رؤية عقلانية للارتباط بين المقدمات والاستنتاج، عندئذ سوف لن يكون هناك فرقا بين استدلال صالح وغير صالح، وبالنهاية سوف لن تكون هناك حقيقة. في تلك الحالة سوف لن تُقبل صلاحية العقيدة بالطبيعية والتي تتضمن حتمية سببية. ومن هنا يأتي ادّعاء لويس بانه "مالم يكن التفكير الإنساني صالحا فلا علم صحيح". لكنه اعتبر الامر واضحا بذاته (كما يُفترض ان نعمل جميعنا) بان الكائن البشري قادر على عمل استدلالات عقلانية صالحة ويشكل عقائد صحيحة.

تسير حجة لويس على النحو التالي:

1-  الطبيعية (تُعرّف كعقيدة بان الطبيعة وحدها موجودة ) تتضمن الحتمية.

2-  اذا كانت الطبيعية صحيحة فان عقائدنا تقوم على أساس من اسباب غير عقلانية (مقررة)، وسوف لن نكون قادرين لعمل استدلال.

3-  في تلك الحالة نحن غير قادرين على ذكر الأسباب لتبرير التمسك بعقائدنا.

4-  لكن مما لا شك فيه اننا في الحقيقة نتوصل الى الحقائق عبر الاستدلالات المنطقية.

5-  لذلك نحن يجب اما ان نرفض الطبيعية كزائفة او نتوقف عن التسليم باننا نصل الى عقائد صحيحة عبر الاستدلال المنطقي.

6-  نحن لا نستطيع التوقف عن التسليم بان عقائدنا هي صحيحة حقا .

7-  لذلك يجب ان نستنتج بان الطبيعية زائفة وان هناك شيء آخر يوجد الى جانب الطبيعة.

تطوّر غير سليم

اعتقد لويس ان هذه الحجة نفت الطبيعية وأثبتت حقيقة ما فوق الطبيعة. لكن، وكما ادرك كانط، انه رغم ان هذه الحجة صالحة منطقيا، هي مع ذلك ربما غير سليمة. المقدمة الثانية هي زائفة. ذلك انه حتى لو كانت الطبيعية صحيحة، وكل افكارنا ومعتقداتنا مقررة سببيا بأحداث سابقة، نحن لانزال قادرين على عمل استدلالات. التفكير العقلاني بالتأكيد فتح الطريق لبقاء اسلافنا على قيد الحياة وتكاثرهم، وهي ممارسة مُلزم الاختيار الطبيعي بالحفاظ عليها وصقلها. اذا لم يكن هناك شيء سوى الطبيعة، سيتوقع المرء عقلا يأتي للوجود عبر عملية تاريخية. لذا، رأى لويس ان عليه دحض الادّعاء بان "نوع السلوك الذهني الذي نسميه الان التفكير العقلاني او استدلال يجب ان يكون "تطور " عبر الاختيار الطبيعي، عبر إزالة تدريجية للأنواع الأقل لياقة للبقاء"(ص28).

الاختيار الطبيعي يعمل من خلال إزالة الاستجابات البيولوجية المؤذية والحفاظ على الاستجابات التي تميل للمساعدة على البقاء. لكن كيف يمكن لأي تحسين بايولوجي في الاستجابة ان يحوّلها الى أفعال لرؤية منطقية – الى قوة في رؤية الكيفية التي يجب ان يتبع بها إستنتاج حجة صالحة من مقدمتها؟ العلاقة بين الاستجابة والمحفز stimulus تختلف في الصنف عن العلاقة بين المعرفة والحقيقة المعروفة: "رؤيتنا الجسدية هي استجابة للضوء اكثر فائدة من رؤية الكائنات البدائية التي فيها فقط نقطة حساسة للضوء. لكن لا هذا التحسين ولا أي تحسينات ممكنة مفترضة ان تجعلها أقرب بمقدار بوصة واحدة لتكون معرفة بالضوء. انه من المؤكد هناك شيء ما بدونه لا نستطيع امتلاك تلك المعرفة. لكن المعرفة تتحقق عبر التجارب والاستدلال منها وليس من خلال تحسين الاستجابة. انه ليس الناس ذوي العيون الجيدة يستطيعون المعرفة حول الضوء وانما الناس الذين درسوا العلوم ذات الصلة"(المعجزات ص29).

الرؤية هي استجابة جسدية او مادية، لكن استجاباتنا السايكولوجية لبيئتنا – فضولنا، نفورنا، فرحنا، توقعاتنا – قد يتم تحسينها أيضا الى فترات غير محددة بدون ان تصبح أي شيء عدى استجابات. اذا كانت استجاباتنا السايكولوجية (مقابل رؤيتنا المنطقية) تم تحسينها ببطء عبر الاختيار الطبيعي، عندئذ ذلك ربما تعد كطريقة مختلفة لتحقيق البقاء – كـ "بديل للعقل": "عملية التعلم وتغيير السلوك تبعا للبيئة التي ضمنت اننا لن نشعر ابدا بالفرح عدى في المفيد او النفور من الخطر، وان درجات كل منهما كانت متناسبة بشكل رائع مع درجة المنفعة الواقعية او الخطر الواقعي في الشيء، ربما يخدمنا بالإضافة للعقل او افضل في بعض الظروف"(ص29). لكن حتى لو حدثت فعلا هذه التحسينات في استجاباتنا السايكولوجية غير العقلانية، انها لن تحوّلها ابدا من كونها مجرد ردود أفعال الى سبب لتكون استدلالات صالحة.

أخيرا ينظر لويس في إمكانية ان العقل بالرغم من كونه لم يتطور من خلال الاختيار الطبيعي، هو ربما كان اُنتج بشكل طبيعي من خلال التجربة – تجربة فردية اصلية، لكن النتائج انتقلت عبر التقاليد والتعليمات. فمثلا، لو من خلال تجربتنا نجد نارا (او بقايا نار) حيثما نشاهد دخانا، هذا من شأنه ان يجعلنا نتوقع نارا متى ما شاهدنا دخانا. هذا التوقع، المعبر عنه "اذا كان هناك دخان، هناك نار" اصبح ما نسميه استدلال. "هذا الاقتران في التجارب على مدى الاف السنين، يمكن ان يخلق السلوك الذهني الذي نسميه تفكير او عقل – بكلمة أخرى، ممارسة الاستدلال – من سلوك ذهني لم يكن في الأصل عقلانيا" (لويس،ص29). وهكذا فان التجربة تنتج التوقعات: تحفزنا لنتوقع النار عندما نرى الدخان تماما مثلما تحفزنا لنتوقع كل البجع سيكون ابيض (الى ان شاهدنا واحدة سوداء)، او ان الماء سيسخن دائما في درجة حرارة 100 مئوية (الى ان خرجنا في نزهة على جبل). مع ذلك، هذه التوقعات لم تكن استدلالات صالحة لأنها اتضح انها زائفة:

"الافتراض بان الأشياء التي كانت مترابطة في الماضي سوف تكون مترابطة دائما في المستقبل هو المبدأ المرشد ليس للسلوك العقلاني وانما للحيواني. العقل يأتي بالضبط عندما انت تعمل استدلالا. عندما تكتشف ما هو الدخان، انت ستكون قادرا على استبدال التوقع باستدلال حقيقي. وحتى يتم هذا، يعترف العقل ان التوقعات مجرد توقعات"(المعجزات، ص30).

استنتاج

 لاحظنا مبكرا ان حجة لويس الرئيسية هي صالحة منطقيا، لكن شككنا بصحة مقدمته الثانية. نحن سألنا هل من الممكن، حتى لو كانت الطبيعية صحيحة، تكون القدرة على التفكير العقلاني نتاج اختيار طبيعي، او حتى تجربة؟ جواب لويس هو بالنفي الحازم. التطور او التجربة سهّلا لنا التنبؤ بالارتباطات السببية بين الاحداث، لكن ليس لنرى كيف "يجب" منطقيا ان تكون الأشياء التي خارج أذهاننا. لذلك فان قوة العقل ليست جزءا من نظام الطبيعة.

هل نجح لويس في انتاج اول برهان صالح منطقيا لمافوق الطبيعة – "شيء وراء الطبيعة" والذي يعمل متى ما نفكر؟ حسب التعريف، الحجة السليمة هي تلك التي تقنعك للأيمان بان استنتاجها صحيح. فهل اقتنعنا؟ الامر بالنهاية يعود الى حكم شخصي.

اذا كان لويس صائبا في رؤيته بان العقل البشري لم يُصنع بواسطة الاختيار الطبيعي او التجربة، عندئذ هل هو "معطى"، كما في الثوابت الفيزيائية الأساسية التي هي معطيات؟ كل من الثوابت والعقل يبدوان متميزان عن الطبيعة. وكما في حالة الثوابت، العقل هو شرط أساسي للعلوم: انه اداتها الأساسية – لأنه بدون الاستدلال العقلاني سوف لن تكون هناك حقائق، وبالتالي لا علم صحيح، والعقل ليس فقط ضروريا مثل الثوابت الفيزيائية، انه أيضا مثلها – عالمي وثابت. بالتأكيد صحيح انه بدون الجمع بين الثوابت الفيزيائية والعقل البشري، لا يمكن ان تظهر الحياة التي نعرفها الى الوجود.

***

حاتم حميد محسن

.................................

الهوامش

(1) الثوابت الفيزيائية هي كميات بقيم عددية ثابتة لا تتغير عبر الزمان والمكان وتُستعمل في معادلات الفيزياء والكيمياء. هي تُكتشف من خلال المشاهدة والتجربة وجرى اعتبارها من الخواص الأساسية للطبيعة. مثال على ذلك، سرعة الضوء في الفراغ وثابت الجاذبية وثابت بلانك. هذه الثوابت هامة جدا في فحص مدى صحة النظريات والتطبيقات العملية المرتكزة عليها.

 

من الإخضاع البيولوجي إلى الترويض الاجتماعي

مفهوم التدجين، الذي يتضمن العملية البيولوجية التي تزامن تاريخياً مع الثورة النيوليثية، نُقِل لاحقاً في الفكر النقدي والفلسفي ليصف آليات السيطرة الاجتماعية والسياسية. في هذا السياق، يُعرَّف التدجين بأنه عملية سياسية واجتماعية تهدف إلى تدجين الشعوب. يسعى هذا التدجين الاجتماعي والفكري إلى تركيع إرادة الشعوب وسلب حريتهم وقهر إرادتهم ضمن إطار الإذلال والاستضعاف، لخدمة مصالح الحاكم وحاشيته.

الهدف من هذا التحليل هو تتبع هذه السيرورة التاريخية والفلسفية، وكشف كيف تحوَّل التدجين من تقنية بيولوجية لاستخراج المنفعة المادية، إلى تقنية سلطوية لاستخراج المنفعة الإدارية والخضوع السياسي.

الأبولوجيا: الخطاب التبريري للسلطة

تعمل الأبولوجيا (أي الخطاب التبريري) كآلية فكرية تُشرعن الهيمنة وتُغلِّفها بقيم عليا، سواء كانت إنسانية، دينية، أو وطنية. جوهر هذه الآلية هو تحويل فعل الإخضاع القسري إلى "قيمة أخلاقية وضرورة إيديولوجية" في علاقة الإنسان بالنظام السياسي وبالسلطة.

في المجتمعات التي تتبنى هذا الخطاب، يتم تبجيل الطاعة واعتبارها الحالة المثالية والحل الصالح لنجاح هذه العلاقات، بينما يُنظر إلى الفكر النقدي على أنه "فكراً هدّاماً". يضمن هذا التشويه للمفاهيم أن أي مطلب تغييري يصبح موصوماً بـ "روح سلبية وأهداف مشبوهة". هذه الاستراتيجية التبريرية هي الركيزة المعرفية التي تقوم عليها السلطة التدجينية، حيث تتولى الأيديولوجيا صناعة، أو إعادة صناعة، الواقع المعاش لسلوكيات الجماعات الخاضعة.

أهمية الاشتباك النقدي

يعتمد هذا التحليل على المنهج النقدي، المستمد من مقاربات فلسفية مثل مدرسة فرانكفورت والفلسفة الفوكوية، لتفكيك بنية هذه الأبولوجيا وكشف خطاباتها المتسترة. إن تبجيل الطاعة وغياب الحرية النقدية يؤديان حتماً إلى ازدياد التشدد والتطرف والانحياز لشخص أو فكرة، نتيجة غياب الحرية النقدية والرقابة الاجتماعية.

يشير التحليل النقدي إلى أن بناء مجتمع سليم يستحيل إذا حارب هذا المجتمع الحرية والفكر النقدي وقدَّس الطاعة. فالحرية والديمقراطية شرطان أساسيان لبناء الإنسان السليم عقلاً وجسداً، ولا مجتمع أخلاقي بدون حرية. لقد تجاوزت المجتمعات الإنسانية المتحضرة مفهوم الطاعة بهذا الشكل المَرَضي منذ عقود طويلة، واعتمدت النقد كقيمة فكرية وإنسانية وحاجة للتقدم والارتقاء بالبشرية. لذلك، فإن الاشتباك النقدي ضروري ليس فقط لفهم آليات التدجين، بل لإعادة تأسيس القيم الإنسانية للتحرر.

الجذور التاريخية للتدجين والسلطة

إن فهم آليات التدجين الاجتماعي يبدأ بالثورة النيوليثية، التي لم تكن مجرد ثورة زراعية، بل تحولاً عميقاً في التنظيم البشري. فالتدجين البيولوجي تزامن مع تغييرات في التنظيم الاجتماعي. وقد تميزت عملية التدجين البيولوجي بدور الإنسان كعامل تشتيت وإدارة لتكاثر الكائنات، وعامل اختيار (واعٍ أو لاواعٍ) لصفات معينة، ومُعدِّل للنظام البيئي. أنتج هذا التحكم في الطبيعة نموذجاً للهيمنة، يقوم على اختيار الصفات التي ستؤدي إلى إنتاج أفضل.

في هذه الحقبة، بدأت تظهر أقدم أشكال التنظيم الاجتماعي والسلطة. المكتشفات تشير إلى أن القرى المبكرة، مثل مرمدة بني سلامة، عرفت تخطيطاً معيناً للمساكن، حيث التزمت صفوفاً شبه مستقيمة يفصل بينها طريق ضيق. يمثل هذا التخطيط المُنظَّم أقدم دليل على نشأة نوع من التفاهم الاجتماعي ووجود سلطة في القرية استلزمت التنظيم وعملت على تنفيذه.

هنا يتضح أن التدجين، في جوهره، هو تقنية لاستخراج المنفعة والسيطرة. تاريخياً، كانت المنفعة اقتصادية (غذاء، عمل)، ونشأة السلطة كانت في البداية ضرورة لوجستية وتنسيقية لخدمة هذه المنفعة. إلا أن هذا النموذج الأولي للتحكم في التكاثر والصفات سيتم استعارته لاحقاً وتطبيقه على الأفراد لإنتاج مجتمع منظم ومفيد.

السلطة الميكروفيزيائية والتدجين الانضباطي

يمثل ميشيل فوكو مرجعية أساسية في تحليل آليات التدجين الحديثة، مركزاً على تفكيك شبكة العلاقات الدقيقة للقوة التي تخترق الجسد والوعي. أكد فوكو على أن تاريخ المجتمعات الإنسانية يتأسس على علاقات القوة وإرادة الإخضاع. لكنه رفض اختزال مفهوم السلطة في جهاز الدولة. ويرى فوكو أن الفلسفات التقليدية وقعت في السؤال الماهوي "ما هي السلطة؟". ولذلك، قام بنقلة نوعية ليسأل: "كيف نُمارس السلطة"؟

يكشف هذا التحول أن السلطة ليست "ماهية" يمكن امتلاكها، بل هي "ممارسة" وعلاقات قوى متمددة. يصفها فوكو بالسلطة الميكروفيزيائية، وهي شبيهة بالذرات التي لا نراها إلا بالمجهر، وهي نتيجة لعلاقات قوى تأبى إلا أن تنفذ على الواقع الفعلي وتتستر وتختبئ في انثناءاته. يوضح هذا الفهم أن التدجين ليس عملية قمع كبرى، بل شبكة دقيقة من الإخضاع تتغلغل في الخطاب والمعرفة.

الطاعة كتقنية للسيطرة الأيديولوجية

في المجتمعات التي يتم تدجينها، يتم تبجيل الطاعة على أنها "قيمة أخلاقية وضرورة إيديولوجية". يعمل هذا التقديس للطاعة على تحويل الإخضاع السياسي إلى قناعة ذاتية، حيث يُعتبر الفكر النقدي في موضع الفكر الهدّام. هذه الاستراتيجية الأيديولوجية خطيرة لأنها تمنع أي تحول مجتمعي حقيقي، حيث يصبح أي مطلب تغييري موصوماً بالروح السلبية والأهداف المشبوهة.

هذا هو الجوهر الفلسفي للأبولوجيا: قلب الموازين الأخلاقية. إن المجتمعات التي تحارب الحرية والفكر النقدي وتقدس الطاعة لا يمكن أن تنجح في بناء إنسان سليم أو مجتمع أخلاقي. إن غياب الحرية النقدية والحرية الفكرية، والتي تُعتبر شرطاً للإنسانية، يؤدي إلى زيادة الرقابة الاجتماعية والسياسية والدينية، مما يزيد من التشدد.

التدجين في العصر الحديث والمجتمع أحادي البعد

شهد العصر الحديث تحولاً في آليات التدجين، حيث أصبحت أكثر تغلغلاً ونعومة، مستفيدة من التقنية المتقدمة وشمولية النظام الرأسمالي.

قدم هربرت ماركيوز نقداً جذرياً للهيمنة التقنية والعقل المنغلق، معتبراً أن هذا العقل يستلب الإنسان ويحوله إلى آلة إنتاجية، مما يؤدي إلى "التشيؤ". يُشكِّل التدجين في هذه المرحلة تدجيناً اقتصادياً يفقِد الإنسان كينونته ووجوده، وهي نزعة تشاؤمية نابعة من اغتراب الإنسان في المجتمع الصناعي الحديث الذي تغلب عليه التقنية، أو ما أسماه ماركيوز "المجتمع أحادي البعد".

يُعد هذا التشيؤ أبولوجيا اقتصادية قوية تبرر النظام بكونه فعالاً ومنتجاً. لقد سعى ماركيوز إلى نظرية اجتماعية جدلية مناقضة للعلم الاجتماعي الوضعي الذي كان يماثل بين دراسة المجتمع ودراسة الطبيعة. ومنظوره يؤكد أن التدجين ليس مجرد قمع سياسي، بل هو فقدان للذاتية في خضم الإغراءات التقنية والإنتاجية.

فلسفة المقاومة ونزع التدجين

إن مقاومة التدجين تتطلب رفض الانصهار في نظام اجتماعي واحد (التجانس القسري) والمساهمة في خلق فضاءات اجتماعية مستقلة وحرة. يجب أن يتجه هذا النضال نحو تحرير الحياة الروحية للبشر من كل الإكراهات والالزامات الأيديولوجية باسم "الهوية".

نزع التدجين هو عملية تفكيك معرفية (أركيولوجية/جينيالوجية) لخطاب السلطة. يجب كشف الخطاب الإيديولوجي الذي يحاول تدجين المواطنين ضمن إطار سياسي وفكري واحد، ورفض الأفكار التي تحول الإخضاع إلى جعل الطاعة كقيمة دوغمائية ورفض النقد.

إن المقاومة لا يجب أن تقتصر على معارضة السلطة السياسية المباشرة، بل يجب أن تمتد إلى تفكيك "السلطة المعنوية" أو غيرها من أشكال السلطة التي تمثل ارتداداً في الوعي الجمعي نحو انتماءات ما قبل الدولة، خاصة في حالة فراغ الدولة الوطنية. إن التدجين ليس مجرد ظاهرة سياسية عابرة، بل هو عملية تاريخية متطورة، تسعى فيها السلطة بشكل متزايد إلى تحقيق سيطرة أكثر عمقاً وشمولاً على الكينونة الإنسانية.

لقد تطور التدجين من الإخضاع المادي (النيوليث) إلى الإخضاع الاجتماعي والإداري (الدولة الحديثة)، ثم إلى الإخضاع الانضباطي (فوكو). وتكمن الأبولوجيا في تحويل هذه الممارسات إلى مبررات عقلانية وأخلاقية، مثل تقديس الطاعة أو تبرير السيطرة باسم التنمية. تستثمر هذه الأبولوجيا في "التدجين النفسي" عبر بث الخوف والأزمات لانتزاع التنازلات الطوعية عن الحريات.

إن الصراع النقدي ضد هذه الأبولوجيا المتجددة هو صراع من أجل استعادة جوهر الأنسنة. فالحرية هي شرط للإنسانية، و"لا يوجد خَلْق حيث لا توجد حرية". تتطلب مقاومة التدجين نزع الشرعية عن الخطابات التبريرية، وتفكيك الأجهزة الناعمة للسلطة، والنضال من أجل بناء فضاءات حرة ومستقلة تتجاوز حدود النظام السائد. إن مستقبل الكينونة البشرية مرهون بقدرتها على التحرر من أغلال التدجين، بجميع أشكاله، عبر استعادة الفكر النقدي كمبدأ مرشد للعمل والتحرر.

***

غالب المسعودي

...................

المراجع

PMC.ncbi.nlm.nih.gov. (Current perspectives and the future of domestication studies - PMC - PubMed Central - NIH).

ronahi.net. (سياسة تدجين الشعوب وأثرها بين تعزيز السلام والتعايش السلمي - صحيفة روناهي).

elaph.com. (سياسة التدجين في المجتمعات الشرقية - Elaph).

meijournals.com. (الانثروبولوجيا السياسية للجماعات الدينية العراقية – صناعة الأيديولوجيا).

mail.arab-ency.com.sy.

تحليل العلاقة التعاضدية في بناء الهيكل الأنطولوجي للوجود وتقويض البيوسياسة المعاصرة

إشكالية الهيكل الأنطولوجي للوجود

يسعى الفكر الفلسفي المعاصر إلى فهم الوجود من خلال تجاوز الأطر الميتافيزيقية التقليدية التي تفصل بين الجوهر والوجود، أو بين الذات والموضوع. يتطلب بناء "الهيكل الأنطولوجي للوجود" الانتقال من الفهم السكوني للوجود كـ "ماهية مسبقة" إلى الوجود كـ "كينونة منفتحة ومؤوّلة."لقد تأسس هذا التحول على المبدأ الوجودي المحوري: "الوجود يسبق الماهية" ومن بعده التعاضد الانطولوجي بين الوجود والماهية، الذي يفرض أن الذات تبني هويتها من خلال الأفعال والقرارات التي تتخذها. يشكّل التعاضد محور هذا التحليل، وهو علاقة وجودية ثلاثية الأبعاد لا يمكن فيها عزل الذات أو المكان أو الكلمة دون انهيار المعنى الأنطولوجي الكلي. إن الذات، في سياق كينونتها المنفتحة، هي نقطة التماس والاشتباك بين المكان (كعالم دلالي) واللغة (كأفق للفهم). هذا التضافر يؤكد أن العلاقة بين العناصر الثلاثة هي علاقة تأسيس أنطولوجي نشط، وليست مجرد وصف لعناصر منفصلة. إن هذا الهيكل الأنطولوجي هو في جوهره هيكل للحرية، يقاوم محاولات التشييء التي تسعى لتقييد الذات داخل ماهية محددة أو "تنميط".

 اللغة كشرط للوجود: الكلمة بوصفها بيت الكينونة

تتصدّر الكلمة (اللغة) الثالوث الأنطولوجي بوصفها "بيت الكينونة"، وهي ليست مجرد أداة للتعبير أو التواصل، بل هي الشرط الأساسي لإمكانية الفهم والوجود. يرى هايدغر أن اللغة هي الملكة المتميزة التي يستطيع الكائن من خلالها أن يفكر في الوجود، مما يجعل العلاقة بين اللغة والكينونة علاقة جوهرية وليست عرضية.

تتمتع الكلمة بقوة كشف أنطولوجية؛ فهي التي تُجلّي الموجود أمام الناس، وتُمكّن الأسماء من الاحتفاظ بالرؤى والخبرات الوجودية وتنميتها. إذا كانت الكلمة مفقودة فلا جدوى للخبرة ولا قيمة لها، وربما لا يكون لها "وجود على الإطلاق". وهذا يرفع اللغة إلى مستوى وسيط للبقاء الأنطولوجي في مواجهة الفناء. إن النضال للحفاظ على الكلمة هو في جوهره نضال لضمان بقاء الخبرة الوجودية قابلة للفهم والتواصل. وقد أكّد غادامير، من خلال الهرمنيوطيقا، هذا الدور الأنطولوجي عبر مقولته الشهيرة: "الوجود الذي يمكن فهمه هو اللغة".

بناء الدائرة التأويلية والانتقال إلى أنطولوجيا الفعل

يتطلب الفهم وجود الكلمة كوسيط لتأسيس الدائرة الهرمنيوطيقية. فـ لا يوجد فهم بدون تفسير توقعي، ولا تفسير بدون فهم. إن الفهم المسبق، وهو جزء لا يتجزأ من تكوين المعنى، يعتمد على الافتراض المسبق للمعنى وينطلق في الوقت ذاته من توقعه. وهذا يثبت أن الكلمة هي جوهر عملية الفهم التي تمكّن الذات من تأويل العالم والمكان.

إن الأحكام المسبقة تشكّل عناصر أساسية في الفهم، وهي مرهونة ومتوقفة بشكل وثيق على أفقنا وسياقنا التاريخي. هذا الارتباط التاريخي يؤكد أن اللغة متجذرة في العالم المعيش، كما تلعب دوراً حاسماً في تشكيل الفضاء الأخلاقي والاجتماعي. على سبيل المثال، كانت الفلسفة القديمة شفاهية في الصميم، ترتكز على الكلمة المنطوقة، وكان هدفها ليس مجرد إيصال المعلومة، بل يهدف إلى "إحداث أثر وتحوّل " (التكوين لا التلقين). هذا الدور العملي للكلمة المنطوقة يبرزها كفعل وجودي وممارسة علاجية، مما يؤكد تعاضدها مع الذات في بناء فن العيش.

من هرمينيوطيقا النص إلى أنطولوجيا الفعل (ريكور)

وسّع بول ريكور نطاق التأويل من حصرية النص إلى مجال أوسع يشمل الفعل والممارسة، ليؤسس بذلك "أنطولوجيا الفعل". يؤكد ريكور على جدلية مزدوجة: يمكن فهم الفعل بوصفه نصاً، وفي المقابل يمكن للنص أن يُفهم بوصفه فعلاً وممارسة. هذا التحول يعني أن الذات لا تكتشف وجودها فقط من خلال تأويل النصوص، بل أيضاً من خلال تأويل أفعالها وممارساتها في العالم.

تظهر أهمية الكلمة من خلال هذا التوسع بوصفها أداة لا غنى عنها، ليس فقط للتعبير عن الوجود، بل كذلك لتشكيل الوجود نفسه عبر الممارسة العملية.

المكان والعالم المعيش

بالنسبة لهايدغر، المكان ليس مجرد إحداثيات هندسية فارغة، بل هو "العالم".

أو "الوجود في العالم". إنّ العالم شبكة من العلاقات والأدوات التي يتم اكتشافها في الراهن، وهو شرط مُقدَّم على وجود الذات والموضوع. هذا العالم هو فضاء دلالي أولاً، إذ ينفتح الوعي عليه عبر القصدية.

في الفينومينولوجيا، تتأصّل الذات في المكان، والمكان يكتسب معناه من خلال ممارسة الذات لحياتها فيه. وهذا المكان المعيش هو الذي يحدد أفق الدلالة للذات.

حروب المناعة وتفكيك الرابطة الأخلاقية

تتضاعف زعزعة الهيكل الأنطولوجي عندما تفقد الكلمة دورها الكاشف. في هذا السياق، تظهر العلاقة العكسية بين الخوف وفاعلية الكلمة الأنطولوجية؛ فالخوف يُستخدَم "كأداة حكم مركزية" لترويض الشعوب. هذا الخضوع يتعارض بشكل مباشر مع دور الكلمة كشرط للحوار والتكوين الفلسفي (الذي يهدف إلى إحداث تحول في الشخصية). عندما يسيطر الخوف، تفقد الكلمة قوّتها.

دعوة للهرمنيوطيقا النقدية كطريق للبناء الوجودي

إن الهيكل الأنطولوجي ليس بنية ثابتة، بل هو عملية بناء مستمرة قائمة على التعاضد الحيوي بين الذات المتفهمة، والكلمة الكاشفة، والمكان الآمن الذي يسمح بالعيش الحر. الهرمنيوطيقا النقدية هي الطريق لإعادة بناء هذا الهيكل، إذ إنها تمنح الذات الأدوات الفلسفية اللازمة لتأويل أزماتها، والتمييز بين ما "هو في نطاق سلطتنا" (أفكارنا وقراراتنا) وما "ليس في نطاق سلطتنا" وذلك لتأكيد الحرية الإنسانية في وجه السيطرة البيوسياسية الشاملة.

***

غالب المسعودي

.........................

المراجع

مؤمنون بلا حدود. "فيورباخ في الفلسفة العربية المعاصرة: مشكلة الإنسان". (رابط إلكتروني: mominoun.com)

هنداوي. "هيدجر | فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر". (رابط إلكتروني: hindawi.org)

ASJP. "ألاساس الأنطولوجي لهرمينوطيقا الوجود عند مارتن هيدغر: ملخص". (رابط إلكتروني: asjp.cerist.dz)

الجابري، عابد. "الفينومينولوجيا وفن التأويل". (رابط إلكتروني aljabriabed.net)

مصطفى، عادل. "كيف طوّر هيدجر منهجاً تأويلياً فينومينولوجيا Hermeneutic Phenomenology في سياق بحثه الأوسع عن أنطولوجيا أكثر أساسية". (مدونة modernitysite.wordpress.com)

بريمي، عبد الله. "السيرورة التأويلية في هرمينوسيا هانز جورج غادامير وبول ريكور". (رابط إلكتروني: abdellahberrimi.com)

الخويلدي، زهير. "فلسفة الفهم عند غادامير والقراءة الهرمينوطيقية للتراث". (رابط إلكتروني: anfasse.org)

مجلة "بحوث". "Biopolitics of Michel Foucault and Giorgio Agamben". مجلد 3، عدد 5 (2023). (رابط إلكتروني: buhuth.journals.ekb.eg)

هايدغر، مارتن. الوجود والزمان. (لأن النص يستند بشكل كبير إلى مفهوم الكينونة/الوجود في العالم).

غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج. (المصدر الأساسي لمفهوم الهرمنيوطيقا والأفق التاريخي).

ريكور، بول. صراع التأويلات أو الذات عينها كآخر. (لأن النص يتناول الانتقال من تأويل النص إلى أنطولوجيا الفعل).

أغامبين، جورجيو. الإنسان السيرة. (كمرجع أساسي لمفهوم البيوسياسة الذي تم تقويضه في النص)

 

يمثّل الوعي النسوي في المجتمع العراقي أحد أكثر التحولات الاجتماعية والثقافية عمقًا وتعقيدًا في العقود الأخيرة. فالتحليل السوسيولوجي للوعي النسوي لا يقتصر على رصد مظاهر التغيير في أدوار النساء، بل يتجاوز ذلك إلى فحص آليات تشكّل الوعي نفسه، وكيف يتحول من إدراك فردي إلى وعي جمعي قادر على إعادة إنتاج الواقع وإحداث التحول فيه. تأتي أهمية تناول هذا الموضوع من خصوصية السياق العراقي الذي واجه تراكمات من الحروب، والهيمنة التقليدية، والتقلبات السياسية، مما جعل مسألة الوعي النسوي ليست مجرد قضية عدالة بين الجنسين، بل قضية وجود اجتماعي ومعرفي تسعى المرأة من خلالها إلى استعادة ذاتها وموقعها في التاريخ والمجتمع. ومن هنا تنطلق التساؤولات الجوهرية: كيف يمكن للوعي النسوي العراقي أن يعبّر عن ذاته في ظل هذه التناقضات البنيوية دون أن يتحول إلى وعي زائف أو استنساخ للخطابات الغربية؟ هل الوعي الثائر يظل محدودًا بالأطر القانونية والمجتمعية، أم أنه قادر على إحداث تغييرات أعمق في تصور المجتمع للمرأة ودورها؟ إلى أي مدى يمكن للوعي النسوي العراقي أن يتجاوز حدود التقليد الاجتماعي والثقافي ليصبح قوة فاعلة في إعادة تشكيل البنى المجتمعية؟ كيف يمكن للمرأة أن تعيد تعريف موقعها في المجتمع دون أن تصطدم بالقيود الاجتماعية والثقافية المتجذرة؟ إلى أي مدى يمكن للخطاب المدني الذي يستند إلى مبادئ حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية أن يمثل المرأة بشكل شامل؟ هل يمكن للفضاء الرقمي أن يكون ساحة حقيقية للتحرر، أم أنه يظل محصورًا في الرمزية الافتراضية؟

يمثل الوعي النسوي في المجتمع العراقي ظاهرة ديناميكية تتشكل من تفاعل المرأة مع القمع الاجتماعي والثقافي والسياسي، ومن مواجهتها للهيمنة الرمزية والعنف الرمزي كما يسميها عالم الاجتماع "بورديو"، الذي غالبًا ما يتخذ أشكالًا غير جسدية، مثل اللغة والخطاب والمؤسسات الاجتماعية والدينية. فالوعي النسوي لا يقتصر على إدراك الذات، بل يتجاوز ذلك ليصبح فعلًا معرفيًا تحويليًا يسعى إلى إعادة إنتاج الواقع الاجتماعي والثقافي بطريقة أكثر عدالة وشمولًا.

لتبدأ عملية تكوين الوعي النسوي لدى المرأة العراقية بالتحول من الخضوع إلى المقاومة، أي من الاستجابة السلبية للهيمنة إلى وعي نقدي قادر على مواجهة القمع بالمعرفة والفعل. هذا التحول ليس مجرد تمرد عاطفي أو فردي، بل هو بناء مستمر للذات، حيث تصبح الممارسة الفعلية انعكاسًا للأفكار، دون الإساءة للآخر، مع السعي لتغيير الواقع عبر آليات قانونية واجتماعية.  فيمتد الوعي النسوي ليشمل بعدين متكاملين: البعد النفسي/ الإدراكي، المتعلق بفهم الذات وقدرتها على التعامل مع الواقع، والبعد الاجتماعي/ الثقافي، المرتبط بالبنى التقليدية للسلطة والمعرفة وكيفية تحديد المجتمع لأدوار المرأة.

إن هذا البعد النفسي والاجتماعي لا ينفصل عن التجارب المعاشة والتفاعل اليومي، فهو عملية مستمرة لصياغة أدوات معرفية وممارسات عملية تستطيع المرأة من خلالها مواجهة الهيمنة المستبدة وتحويلها إلى فعل تحرري.

لاسيما ان المجتمع العراقي شهد حروبًا متتالية وأزمات سياسية واجتماعية واقتصادية أثرت على البنى التقليدية، مما فرض على المرأة أدوارًا جديدة في المجالين العام والخاص. بعد عام 2003، وفي ظل التحولات السياسية والدعوات للحرية والديمقراطية الظاهرية، بدأ الوعي النسوي يظهر في صورة وعي نقدي متأرجح بين الإرث التقليدي والمطالب الحديثة.

إن هذا الانقسام بين الخطاب المدني والديني يعكس جدلية أعمق حول تمثيل المرأة: من يمتلك الحق في ذلك، وما هي المرجعية الفكرية التي تحدد موقفها وممارساتها؟ وهل يمكن للمرأة أن تحدد سياساتها الخاصة في الحياة العامة دون أن تُقيّدها القيم الاجتماعية والدينية؟ تتفاعل المرأة مع هذه الأسئلة عبر التعليم والعمل البحثي والمشاركة المجتمعية، فتتحول من متلقية للواقع إلى منتجة للممارسات الواعية التي تعيد صياغة صورها في الفضاء العام.

يمكن تصنيف الوعي النسوي العراقي إلى عدة مستويات، منها الوعي التقليدي المحافظ المستمد من البنية الأبوية والعشائرية، والوعي الانتقالي الذي يجمع بين المحافظة والرغبة في التغيير التدريجي، والوعي النقدي الحديث الذي يسعى لإعادة بناء المفاهيم المرتبطة بالجسد والحرية والعدالة الاجتماعية، وصولًا إلى الوعي الرقمي الجديد الذي يتشكل عبر الفضاء الافتراضي ويتيح للمرأة أن تكون فاعلة في إنتاج الخطاب الثقافي والاجتماعي.

يمثل الوعي النسوي مقاومة نقدية متعددة الأبعاد ضد السلطات السياسية والاجتماعية والدينية والأكاديمية التي تهمش دور المرأة وتحد من مشاركتها. فالوعي النسوي هو فعل معرفي يواجه التمييز والتهميش ويعيد الاعتبار للمرأة كفاعل تاريخي ومعرفي.

اذ إن تحولات الوعي النسوي في العراق لا تعكس فقط مقاومة الفرد للهيمنة، بل تعكس مشروعًا تحرريًا مستمرًا يسعى لإعادة تعريف الذات والمكانة الاجتماعية للمرأة. وفي ظل التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، يصبح الوعي النقدي النسوي أداة لإنتاج معرفة أكثر عدالة وشمولًا، وكشف آليات العنف الرمزي التي تمارسها الثقافة الذكورية، وإعادة صياغة صورة المرأة من مجرد موضوع صامت إلى ذات ناطقة وفاعلة.

فإن تحولات الوعي النسوي اليوم تعكس صراعًا مستمرًا بين الموروث التقليدي الذي يعيد إنتاج التبعية، وبين واقع جديد يسعى نحو التحرر وإعادة تعريف الذات. فالوعي النسوي ليس حالة ثابتة، بل هو عملية مستمرة من النقد الذاتي والاجتماعي، والتفاعل مع البنى الثقافية والسياسية، بهدف إعادة توزيع القوة والمعرفة والسلطة لصالح المرأة كفاعل معرفي واجتماعي.

لقد شهدت المرأة العراقية في السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا في وعيها الاجتماعي ودورها العملي، إذ لم تعد تكتفي بالأدوار التقليدية التي حُصرت فيها لقرون، بل اتجهت نحو التعليم والعمل بوصفهما مسارين للتحرر الذاتي وتحقيق الكينونة الاجتماعية. لقد أصبحت العديد من النساء اليوم فاعلات في المجال الاقتصادي والاجتماعي، يسعين لتأسيس مشاريع خاصة بهن تعكس استقلاليتهن وإصرارهن على كسر البنى التقليدية التي طالما قيدت إمكاناتهن.

ومع ذلك، فإن هذا الوعي المتقدم لا يشمل جميع النساء؛ فثمة فئة ما زالت أسيرة الوعي الشكلي، الذي يُختزل في المظهر الخارجي والاهتمام بالمظاهر الاستهلاكية من لباس وزينة، وهو ما يعكس سطحية في إدراك الذات ومحدودية في الوعي النقدي بالواقع. فهنا يبدو الفعل الاجتماعي للمرأة محكومًا بمعايير رمزية تفرضها الثقافة الاستهلاكية لا بمعايير الوعي التحرري.

من جهة أخرى، تواجه المرأة العاملة تحديًا مزدوجًا بين إثبات الكفاءة المهنية وبين مواجهة البنى السلطوية التي تشكك في قدراتها. فحين تتولى منصبًا إداريًا أو موقعًا قياديًا، غالبًا ما يرافق ذلك خوف داخلي من خسارته أو من نظرة المجتمع المشككة. وهذا الخوف يعكس استمرار أثر الهيمنة الرمزية، والتي تجعل المرأة في موقع الدفاع المستمر عن شرعيتها داخل المجال المؤسسي.

إن التحرر الحقيقي للمرأة لا يتحقق فقط بالوصول إلى مواقع القوة، بل في إعادة بناء الوعي النسوي ذاته على أسس نقدية وتضامنية، تُعيد للمرأة ثقتها بذاتها وبقدرة جنسها على التغيير الجماعي. فالوعي المقاوم يبدأ من الداخل، من تفكيك الصور النمطية المزروعة في اللاوعي الجمعي، ومن تحويل التجربة الفردية إلى فعل اجتماعي مشترك يسهم في إنتاج ثقافة مساواة وعدالة حقيقية

وعلى الرغم من هذا التحول في الوعي النسوي، فإن المرأة لا تُعنى بتقويض هوية الرجل أو منازعته موقعه في الفضاء الاجتماعي، بل تسعى إلى ترسيخ وعي متوازن يحقق إنسانيتها دون أن يتنكر لجوهر أنوثتها. فالحفاظ على الذات لا يعني نفي الصفات الأنثوية أو التنصل من الخصوصية الانثوية، بل هو تأكيد على كينونة المرأة بوصفها ذاتًا فاعلة ومتحررة، قادرة على الجمع بين الوعي النقدي والسمات الإنسانية والوجدانية التي تشكل جوهر الأنوثة.

إن الوعي النسوي الواعي لا يقوم على الصراع بين الجنسين، بل على التكامل والتساند، إذ يبقى الرجل شريكًا في الفعل الاجتماعي وداعمًا لعملية تحرر المرأة من القيود الثقافية والاجتماعية. فالرجل الذي يمتلك وعيًا إنسانيًا نقديًا يسهم في إعادة بناء العلاقة بين الجنسين على أسس المشاركة والاحترام المتبادل، لا على مبدأ السيطرة أو الخضوع. بذلك يصبح الوعي المقاوم لدى المرأة مشروعًا اجتماعيًا مشتركًا، لا ينغلق على ذاته، بل ينفتح على الآخر بوصفه عنصر دعم لا تهديد.

وفي هذا السياق، ليس كل تحرر يُعد وعيًا، ولا كل تمردٍ يمثل إدراكًا ذاتيًا ناضجًا، فثمة نساء ينجرفن وراء تقليدٍ سطحيٍ لصورٍ نمطية تُروَّج عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ظنًّا منهن أن ذلك تعبير عن الحرية أو الاستقلالية، بينما هو في الحقيقة شكل من أشكال العبثية الثقافية أو الاغتراب.

إن المرأة الواعية هي التي تصنع وعيها بعقلها وحكمتها، لا بانفعالها أو تقليدها للآخرين. فهي تدرك أن مشروعها الذاتي لا يقوم على الصدام، بل على التوازن بين الوعي الفردي والمسؤولية الاجتماعية، لتصبح نموذجًا في النضج والتبصر، لا في الانقياد وراء الشعارات والمظاهر

إنّ الوعي النسوي الحقيقي هو وعي مسؤول، يسعى إلى تحقيق العدالة ضمن إطار من العقلانية والتفاهم الأسري، لا إلى القطيعة أو الصدام. فالمرأة الواعية لا تستخدم مثلا الطلاق كأداة للانتقام أو لإثبات الذات، بل كخيار أخير حين تستنفد سبل الإصلاح، وبوعيٍ ناضجٍ يهدف إلى حماية كرامتها دون تدمير كيان الأسرة. وهنا يتبدّى الفرق الجوهري بين التحرر الواعي والتهديد الاجتماعي المقنّع بشعارات الحرية.  فالوعي التحويلي لا يُنتج الفوضى بل يُعيد ترتيب منظومة القيم لتكون الحرية وسيلة للبناء لا للهدم.

في هذا السياق، يبدو أن بعض النساء يتبنّين شعارات التحرر والمساواة بوصفها ردود فعل انفعالية على التسلط الذكوري، دون أن يدركن أن هذا التمرد غير المؤطر بالوعي النقدي قد يقود إلى نتائج معاكسة لمقاصده، مثل تفكك الروابط الأسرية وفقدان الاستقرار النفسي والاجتماعي.

وهنا تتحول الحرية إلى قناع للاغتراب، وتُختزل النسوية إلى ممارسات رمزية أو إعلامية لا تمتّ بصلة إلى الوعي النقدي التحويلي الذي يُعيد بناء العلاقة بين المرأة والرجل على أسس معرفية وإنسانية متوازنة

إنّ الوعي النسوي الناضج، بخلاف ذلك، يقاوم الوعي الزائف بالتحليل والنقد لا بالقطيعة والانفصال، فهو يسعى إلى إعادة ترتيب القيم الاجتماعية بحيث لا تكون الحرية أداة هدم بل وسيلة بناء. ومن هذا المنطلق، لا يُقاس تحرر المرأة بقدرتها على الانفصال، بل بقدرتها على الوعي بحدود حريتها ومسؤوليتها في آن واحد، وهذا هو الوعي الحقيقي.

وبذلك، يتجلى الوعي النسوي الناضج بوصفه مشروعًا إنسانيًا يسعى لإعادة التوازن إلى العلاقة بين الرجل والمرأة على أسس معرفية وأخلاقية واجتماعية متكاملة، قوامها الاحترام والمشاركة لا السيطرة أو التبعية. هذا الوعي لا يقف عند حدود المطالبة بالحقوق، بل يتجاوزها إلى بناء ثقافة جديدة للعدالة ، تُعيد تعريف الحرية في بعدها الإنساني والاجتماعي، وتجعل من المرأة ذاتًا فاعلة وشريكة في صناعة الوعي الجمعي وتوجيه التحولات الثقافية القادمة.

***

د. نور خالد علي - باحثة وأكاديمية

مفكرو التنوير كانوا متفائلين. هم اعتقدوا ان تطبيق الطريقة العلمية على مظاهر الحياة سوف لن تحرر الإنسانية فقط من عبودية الطبيعة، وانما أيضا افتتحت عصرا جديدا من السعادة والعدالة والانعتاق. صرح جين دي كوندرسيه، "في يوم ما، ستشرق الشمس على البشر الذين يعترفون بعدم وجود سّيد سوى عقلهم الخاص بهم".

وبعد اكثر من قرنين من ذلك التصريح لكوندرسيه لازال الفلاسفة يتأملون بقيمة مشروع التنوير، او ما سمي بـ "مشروع الحداثة" – في جعل كل شيء خاضع للعقل البشري. من الواضح، ان المعرفة العلمية جلبت الكثير من المنافع مثل التطور الصناعي والاقتصادي، وتحسين التعليم، الصحة، الاتصالات وغيرها. لكن من المفارقة، طبقا لنقاد الحداثة، ان التعاسة التي يُفترض ان يضع التنوير حدا لها لم تستمر فقط وانما تكثفت بطرق عديدة: بدلا من الحرية، انتج التنوير الاغتراب، والعجز وإخضاع كل مظاهر الحياة للمتطلبات الاقتصادية والبيروقراطية للتحكم والفاعلية. الانسان الحديث لا يبدو لديه أي مرشد ثابت وقوي حول كيفية التصرف نحو الآخرين. هو يشعر منفصلا عن العالم الذي يعيش به، ولديه انطباع بان حياته تُدار بقوى غير شخصية لا يستطيع التحكم فيها. بالنسبة لنقاد الحداثة، بدا كأن محاولة تطبيق مشروع التنوير أدت الى كابوس.

هل ان المشاكل متأصلة في الحداثة ذاتها، بحيث ان مشروع التنوير يجب التخلي عنه، ام انها فقط حالات شاذة وان المشروع يستحق الاستمرار فيه؟ هذا هو السؤال الذي في اول وهلة يعارضه هابرمس وريث مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، و جين يوتار Jean Francois Lyotard، احد الممثلين الكبار لمابعد الحداثة. اذا كان يوتار (1924-1998) يؤكد ان مشروع الحداثة والفلسفة التي تؤطره معيبان في الأساس ويجب رفضهما، فان هابرمس (1929) يؤكد ان "امراض الحداثة" ليست بسبب مشروع الحداثة ذاته وانما بسبب انه لم يُنفذ بالشكل الصحيح. بالنسبة له، الحداثة لم تفشل وانما فقط لم تنته ولم تبلغ بعد طاقتها التحررية. هابرمس ويوتار لديهما ما يتفقان عليه أيضا. هما كلاهما حزنا على حقيقة ان الهياكل التجارية والإدارية استحوذت على كل مظاهر الحياة. هما أيضا يتفقان على ان الفلسفات التأسيسية – فلسفات بُنيت على مبادئ ميتافيزيقية عالمية مطلقة ومتجاوزة ولازمنية – فقدت مصداقيتها. وأخيرا، هما كلاهما اهتما بالعدالة وكلاهما أرادا إعطاء صوت لكل شخص.

الغرض من هذه المقالة هو وصف فلسفتي هابرمس ويوتار وتقييم قابليتهما لتوليد تصورات وتطبيقات للسياسة تكون تقدمية ومنسجمة مع رفضهما للفلسفات التأسيسية. بعد طرح افكارهما، والتركيز على رؤاهما حول ازمة الحداثة وكيف افترضا علاجا لها، سوف نفحص هنا الى أي مدى نجحا في هذا الهدف. سوف نجادل بانه بينما فلسفة يوتار كانت ملائمة لإعطاء صوت للجماعات المهمشة والافراد، ومنسجمة مع رفضه للتفكير التأسيسي، فان فلسفة هابرمس ناقضت هدفها في تجنب التأسيسية و فشلت في تحرير المهمشين .

العالم الحي Lifeworld والنظام (1)

لكي يبيّن كيف اصبح المجتمع الحديث على ما هو عليه، يعتمد هابرمس على فلسفة المفكرين الأوائل في مدرسة فرانكفورت ثيودور ادرنو وماكس هوركهايمر. مثلهما، هابرمس يوضح الوضع الحالي للعالم بالنسبة لمحاولة توسيع العقلانية العلمية والتقنية لكل مظاهر الحياة.

لكن هابرمس يجادل ان تصوراتهما للعقلانية هي أحادية الجانب ومتشائمة. التوجّه الرئيسي لفلسفته هو الايمان بانه بالإضافة الى العقل الأداتي instrumental reason، الذي يتألف من إيجاد وسائل لغايات، والعقل الاستراتيجي الذي يسعى الى نجاحات تطبيقية، هناك أيضا عقل تواصلي communicative reason (2) يسعى للوصول الى اتفاق من خلال عرض حجج صالحة. بالنسبة لهابرمس، حالما يُفهم ان العقل التواصلي لازال يعمل في التاريخ، سيصبح واضحا ان امراض العالم المعاصر ليست ضرورية، وان التشويه الحاصل في الحداثة لا يمثل التطور الطبيعي لها.

لكي يوضح كيف منع تطور العقل الاداتي بلوغ العقل لطاقته التحررية، يبني هابرمس نظرية اجتماعية بمستويين: المستوى الأول، المجتمع يشترك بمجموعة من العقائد المشتركة والأفكار والتوقعات المسلّم بها والتي على أساسها يفهم الافراد العالم، وينسقون افعالهم ويحددون هوياتهم. وعلى المستوى الثاني، المجتمع أيضا مؤلف من منظمات غير شخصية مثل الحكومة والاقتصاد. هذه لها ديناميكية ومنطق خاص بها وتسترشد باعتبارات الفاعلية.

هابرمس يسمي القيم والعقائد المفروغ منها بـ (العالم الحي)، ويسمي الحكومة والاقتصاد بـ (النظام). هو يرى ان المجتمع الحديث لا يستطيع ان يعمل بشكل صحيح بدونهما. مع ذلك، يختلف العالم الحي عن النظام جوهريا. أولا، بينما العالم الحي يُحافظ عليه ويعاد انتاجه من خلال الاتصالات، نجد النظام يعمل من خلال استخدام النقود والسلطة. ثانيا، بينما في العالم الحي هناك إحساس مشترك بان الأفعال الإنسانية والتجارب هي ذات معنى، نجد النظام يعمل طبقا لنماذج ليس لها عمق انساني طبيعي. أخيرا، خلافا للنظام، الذي فيه الافراد "موجهين أساسا لنجاحاتهم الفردية الخاصة" في عالم الحياة، "هم يتابعون أهدافهم الفردية في ظل ظروف يستطيعون فيها تنسيق خططهم في العمل على أساس تعريفات مشتركة".(نظرية الفعل الاتصالي، مجلد 1،ص 286، 1984). باختصار، بينما النظام هو مجال السيطرة والكفاءة، عالم الحياة هو مجال الفهم المتبادل.

مع استيعاب هاتين الفكرتين يرسم هابرمس تاريخ الحداثة. هو يقول انه في القرن السابع عشر بدأ المجتمع يتغير دراماتيكيا. أولا، "كان هناك فصل بين النظام وعالم الحياة" – أي، ان الأنظمة السياسية والاقتصادية انفصلت عن الثقافة العامة التي اعتادوا فيها ليكونوا موحدين، يتخذون حياتهم الخاصة واصبحوا باستمرار لاتهمهم المعتقدات والقيم والمعاني والانشغالات اليومية للأفراد. حالما لم يعد النظام مرتبطا بعالم الحياة، فهو تميّز الى أنظمة فرعية – الدولة والاقتصاد – جرى تنظيمها وفق مبادئ الحساب والتنبؤ.

تغيرات هامة حدثت ايضا في مجال الاخلاق التطبيقية، بدأت في القرن السابع عشر. أولا، الدين فقد الهيبة والسلطة والقوة. ثانيا، هناك تطور في الوعي يتعلق بعدد من التصورات المتنافسة للخير، لا احد منها متفوق بشكل لا جدال فيه. وبالتالي كان هناك تحولا من اعتبارات الحياة الجيدة الى اعتبارات الشيء الأفضل للعمل وكيفية تخفيف الاختلافات والتنوع. ثالثا، مجالات الحياة الفكرية والأخلاقية والفنية التي كانت مرتبطة مع بعضها في رؤية شمولية تحت هيمنة الدين والمبادئ الميتافيزيقية الأخرى، أصبحت مستقلة كل واحدة تطور معيارها الخاص بها للصلاحية. بالنهاية اصبح كل واحد مجالا خاصا للخبراء . ربما التطور الأكثر أهمية في الاخلاق الحديثة والسياسة، طبقا لهابرمس، هو تبنّي الموقف النقدي نحو الدين والتقاليد، والقناعة بان القاعدة هي مشروعة فقط اذا كانت نتيجة النقاش العقلاني الحر من الهيمنة والاستغلال. وكما يقول هو، "عندما تتهشم قوة التقاليد .. يجب على العقل الحديث ان يخلق معيارية من ذاته عبر الاعتماد على قوة الحجة الأفضل لا غير". (نفس المصدر، مجلد 2 ص 40). ينظر هابرمس في هذه التطورات المحددة بمجملها كتحسينات. الحداثة حررت الإنسانية من الدين والتقاليد الخانقة، انها زادت الاستقلالية الفردية وجعلت بالإمكان ظهور كامل للديمقراطية.

خصص هابرمس كتابه الأول (التحول الهيكلي للمجال العام،1962) الى اختبار نمو وانحدار المجال العام بشكل مستقل عن الدولة والاقتصاد.

هذا المجال العام، كما يقول، ازدهر في المانيا وفرنسا وبريطانيا في القرن الثامن عشر، بيوت القهوة، الصالونات، النوادي، والصحف في تلك الفترة كانت منتديات ديمقراطية ناقش فيها المواطنون علنا وبشكل حر قضايا ذات مصلحة عامة وطبقا لمعايير العقل النقدي. مع ذلك، هو يجادل بان تطور الرأسمالية قضى تماما على المجال العام والديمقراطية الصحيحة. وعلى خطى ماكس ويبر والجيل الأول من مفكري مدرسة فرانكفورت ادرنو وهوركهايمر. يدّعي هابرمس ان طلبات السوق والإنتاج الصناعي والبيروقراطية – الكفاءة والأداء – استحوذت على كل مظاهر الحياة. هو يوضح ان الأسئلة الأخلاقية أصبحت أسئلة تكاليف وربح، والاسئلة السياسية التي ينبغي ان تُحل من خلال جدال عقلاني عام، أصبحت مسائل تقنية وبيروقراطية تُعالج بواسطة الخبراء. هذا التعدي للنظام على عالم الحياة، الذي يصفه هابرمس بالاستعمار، أدى الى استغلال اغلبية السكان والسيطرة عليهم من جانب النخب التقنية والبيروقراطية. يقول هابرمس انها جعلت "المجتمعات المتقدمة صناعيا تبدو تقترب من نموذج التحكّم السلوكي الذي يتم توجيهه بمحفزات خارجية بدلا من الاسترشاد بالقيم". (نحو مجتمع عقلاني، ص107، 1970).

طبقا لهابرمس، استعمار عالم الحياة من جانب النظام أيضا يوضح امراض الحداثة مثل الاغتراب، كراهية الأجانب والادمان على المخدرات. لايزال، هابرمس يعتقد انه بالإمكان انقاذ العالم الحي من النظام وبلوغ المُثل التحررية للحداثة. هو يجادل ان هذا يتطلب استبدال العقل الأداتي بعقل تواصلي في المجالين الأخلاقي والسياسي.

اذن كيف يمكن حل الاختلافات السياسية والأخلاقية بشكل منصف بواسطة قوة الحجة الأفضل؟ يجادل هابارمس ان هذا يتطلب ظروفا معينة او قواعد يسميها أخلاق الخطاب discourse ethics. متّبعاً روبرت الكسي Robert Alexy، يحدد هابرمس ثلاثة أنواع من هذه القواعد:

القواعد الدلالية المنطقية، والقواعد الإجرائية، والقواعد المتبادلة. القواعد الدلالية المنطقية تتطلب من المتحدث ان لا يناقض ذاته، ومنسجم باستعماله للكلمات، وان يستعمل جميع اطراف النقاش نفس الكلمات لتعني نفس الشيء.

القواعد الإجرائية تتطلب من الناس المنخرطين في الجدال ان يكونوا صادقين، وكل منْ يجلب قضية خارجة عن النقاش يجب ان يعطي أسبابا تبرر هذا.

أخيرا، القواعد المتبادلة تتطلب التالي:

1-  كل منْ يستطيع المساهمة يُسمح له بالمشاركة في النقاش.

2-  كل شخص يُسمح له بمسائلة أي ادّعاء يطرحه الآخرون، وإدخال أي زعم او اقتراح الى النقاش، ويُسمح له في التعبير عن رغباته وحاجاته.

3-  لا احد يُجبر على التخلي عن حقوقه التواصلية المضمونة بموجب الشرطين الآخرين.

من هذه القواعد، يستنتج هابرمس مبدأين اثنين: مبدأ العالمية universalization،الذي يقول "كل المتأثرين يمكنهم قبول النتائج وتوقّع الآثار الجانبية عند الالتزام بها بشكل عام ."، ومبدأ اخلاق الخطاب الذي يقول "لا يمكن الزعم بصحة الادعاءات الاّ تلك التي تلبّي او يمكن ان تلبّي موافقة جميع الأطراف المتأثرة بصفتهم مشاركين في خطاب عملي "

هابرمس، لكي يبطل استعمار العالم الحي بواسطة العقل التواصلي نظر أولا الى الحركات الاجتماعية الجديدة في ذلك الوقت – النسوية، البيئية، الطالب، حركات السلام والمضادة للسلاح النووي. هذه، كما يعتقد، تحفزت بمُثل أخلاقية وهي أساليب للاتصالات غير المشوهة. في هذه الكتابة المبكرة هو لم يتعامل مع آلية إنهاء الاستعمار. ولاحقا، في (بين الحقائق والقواعد،1996)، يدّعي هابرمس ان عملية النقاش والمحاججة بواسطة أعضاء مجتمع مدني احرار ومتساوون "تحولت الى سلطة قابلة للاستخدام إداريا" من خلال التشريع. هو يعتقد ان المشاورات في كل من هيئات صنع القرار الرسمية والمنظمات غير الرسمية كتلك التي أعلاه سوف تؤدي الى قوانين تكبح سلطة البيروقراطية والسوق.

محدوديات فلسفة هابرمس

تواجه فلسفة هابرمس على الأقل اثنين من المعارضات الرئيسية. واحدة تتمثل في صعوبة تنفيذ اخلاق الخطاب لخلق إجماع حول المسائل الأخلاقية والسياسية بهدف توسيع عدد المشاركين في عمل القرار الجمعي. الاخرى تتعلق بفشله في انجاز هدف تجنب المؤسسية.

المعارضة الأولى واضحة جدا. اخلاق الخطاب لهابرمس تفترض انه اذا كان الناس مخلصين ويرغبون بالتسوية، كل الصراعات ستُحل. وبينما هذه الرغبة هي بالتأكيد مقنعة عندما يكون المشاركون في النقاش من نفس الخلفية السوشيواقتصادية، ويشتركون بنفس القيم بدرجة اقل او اكثر، والمخاطر ليست عالية، لكن لا يمكن افتراضها في معظم حالات الصراع. لكي نبدأ، من المستحيل امتلاك نوع خطاب متساوي ولا لبس فيه يصفه هابرمس خارج الوحدات الصغرى للمنظمات السياسية والاجتماعية، وحيث الناس يمكنهم الاتصال مباشرة. حتى ضمن تلك الوحدات، مفهوم موقف لكلام مثالي امر مدهش لكن يصعب تطبيقه. أولا، ليس كل شخص قادر بنفس المقدار في النقاش بفاعلية، بعض الناس اكثر معرفة ومهارة من الاخرين، وربما لهذا السبب يحولون النقاش لمصلحتهم. إضافة الى ذلك، الناس لا يرغبون دائما بإعادة النظر بادعاءاتهم وبدلا من ذلك يناقشون لكي يدافعوا عن مصالحهم بدلا من الوصول الى اتفاق، كما يرغب هابرمس. وهكذا، النقاشات في قضايا مثل الإجهاض والقتل الرحيم هي عادة ليست اكثر من سباق بين رؤى متنافسة، ودون أمل في الاتفاق. في (بين الحقائق والقواعد،1996)، يمدد هابرمس الفعل التواصلي (أي، فعل مرتكز على عقل تواصلي) لهيئات تشريعية وقضائية، ولكن بعمل كهذا هو فقط ينقل مشكلة نقص الاتصال من اللارسمي الى الهياكل الرسمية للمجتمع: ما يبدو كنتيجة للمشاورات الاتصالية في تلك المؤسسات هو في اغلب الاحيان محصلة لتحالفات انتهازية. مشكلة واضحة أخرى في هذا التحول الى هياكل رسمية للمجتمع هي انه حتى لو كان متوقعا ان يدافع المندوبون عن مصالح جماعاتهم، هم لديهم القوة للتصرف بطرق لم تُفوّض من جانب أولئك الذين يمثلونهم. علاوة على ذلك، الصراعات تبرز ليس فقط من نزاعات واقعية وانما أيضا من اختلافات مفاهيمية حول ما تعنيه القواعد الأخلاقية – على سبيل المثال، ما اذا كان القتل الرحيم شكلا من الجريمة. هذه الأنواع من عدم الاتفاق لا يمكن حلها نهائيا .

فيما يتعلق بهدف تجنب التأسيسية foundationalism، ينوي هابرمس ان تكون فلسفته إجرائية خالصة، بمعنى ان القواعد المقبولة هي فقط تلك التي يتم التوصل اليها من خلال المشاورات عبر مواطنين متساوين في ظروف حرة من الهيمنة. مع ذلك حتى عند تأسيس هذه الظروف هابرمس كان يفضل الديمقراطية الليبرالية – مجموعة من الأفكار تؤكد على حقوق الفرد وحرية الاختيار والتحرر من التدخل وحرية الانتماء - ليس فقط في الكيفية التي يبني بها القواعد ومبادئ اخلاق الخطاب وانما أيضا في الطريقة التي هو يعتقد ان القرارات التي يتم التوصل اليها في مستوى المجال العام تُترجم الى سياسات. في الحقيقة، في صياغة موقف الحديث المثالي، هابرمس، مثل المفكرين الليبراليين، يضع جانبا اللامساواة في السلطة والثروة التي تنتج صراعا اجتماعيا مزمنا وتديم الترتيبات الاجتماعية الغير عادلة. كذلك، في كتاباته اللاحقة، يرى هابرمس ان نوع القواعد التي يجب ان تتأسس لحماية المجتمع المدني هي الأنواع المألوفة للديمقراطية الليبرالية - قوانين جرى تبنيها لمنع الأغلبية من إساءة استعمال السلطة تجاه الأقليات: 1- حقوق بأعظم حرية ممكنة منسجمة مع حقوق متساوية للآخرين 2- حقوق بالانتماء لدولة تُحكم مؤسساتها بحكم القانون 3- حقوق الحماية في ظل القانون 4 - حقوق للمشاركة في تشكيل إرادة جماعية 5- حقوق رفاهية بمستوى معاشي يجعل تقرير الحقوق الأخرى ممكنا. أخيرا، مثل الليبراليين، يعتقد هابرمس ان تأثير الجماعات الاجتماعية اللارسمية ومبادرات المواطنين تتحول الى قوة إدارية قانونية من خلال الانتخابات وصنع القوانين. باختصار، هابرمس ينتهي بإعادة صياغة لديمقراطية ليبرالية وفلسفة تحافظ عليها بكل ما فيها من مشاكل.

الدعاوي القضائية والخلافات differends

يوتار وفي شبه كثير لهابرمس، الذي ينتقد هيمنة عالم الحياة عبر العقل الاداتي على حساب الاتصالات الحقيقية، يحذر من اختزال العقل ولغة التعبير الى استخدامات أداتيه. أيضا كما هابرمس، يوتار يهمل الأيديولوجيات الكبرى والتوضيحات التي تجعل السياسات تعتمد على امتثال المجتمع لأهداف قبلية او فكرة معينة عن الحياة الجيدة. يوتار لايزال مثل هابرمس، يرفض الايمان بان المعنى والحقيقة اما ظاهرة ذاتية او كذب في عالم موضوعي يُفترض ان تعكس لغته ذلك. أخيرا، مثل هابرمس، يوتار مهتم بالعدالة وإعطاء صوت للجماعات المهمشة ووجهات النظر. مع ذلك، فحصْ يوتار لهذه الأسئلة هو مختلف جدا عن هابرمس لدرجة يتعارض معه. من المفارقة ان القضايا التي ينقسمان حولها تتعلق بإمكانية حل الصراعات وهدف التأمل السياسي والأخلاقي. بينما يعتقد هابرمس بإمكانية الفصل بين المنظورات المتنافسة من خلال الحوار المفتوح، يجادل يوتار بان لا وجود لوجهة نظر محايدة بواسطتها يقوم المرء بهذا، وبينما هابرمس مهتم بحل الصراعات، يوتار مهتم في الإشارة الى حالات مختبئة وصراعات لا يمكن حلها.

لكي نبدأ بقضية المقاضاة بين المنظورات، في (Le Differend،1984) يميز يوتار بين نوعين من الصراع: الدعاوي القضائية والخلافات الشاذة (ان صح التعبير) differends(3). هناك دعاوي قضائية فيها يتفق الخصوم على نوع الخطاب – لغة، قواعد، إجراءات وقضاء – يستخدمونها لحل خلافهم (هنا النوع genre طريقة متميزة من التفكير والكلام). وكنتيجة لهذا الاتفاق الأساسي، يمكن للمرء اثبات انه عانى ضررا وربما يعوض لقاء ذلك الضرر. فمثلا، لو كانت هناك دعوة يبحث فيها الشخص الضحية بسبب حادث عن تعويض من صاحب العمل بسبب الإهمال ويحصل عليه، تكون هي دعوة قضائية: المدّعي يمكن ان يثبت انه عانى ضرا ويوجد هناك اجراء متفق عليه لحل الخلاف. المدّعي والمدافع يقبلان بسلطة المحكمة للفصل في الصراع وهما يتفقان على ما يعنيه "الإهمال" حتى عندما لا يتفقان على ان الحدث نتج عن اهمال. هما أيضا يتفقان على ان الشخص المذنب في الإهمال، يجب ان يدفع مقدارا معينا من النقود نتيجة الضرر.

مقابل الدعاوي القضائية، هناك حالة من الخلافات الشاذة تقع بين طرفين فيها تخدم الإجراءات القضائية احد الطرفين وتهمل الاخر، وبالتالي يُختزل الطرف المظلوم الى صمت ويُحرم من وسائل الجدال. هذا يمكن ان يحدث بعدة طرق: 1- الفرد الذي عانى من الضرر غير مفوض بالكلام، او انه يُعتبر لا يستحق الاستماع اليه 2- الأذى الذي يشتكي منه لا يمكن تمثيله كأذى ضمن النظام السائد للخطاب، ولذلك يُعتبر غير موجود، او اذا كان ممثلا والتمثيل لا يكفي للتعامل مع القضية 3- قواعد الخطاب المهيمن لا تسمح بنوع الادّعاء المعلن لأن شهادته تُرفض كهراء 4 - لا احد هناك لديه سلطة او رغبة للاستماع للشكوى. يصف يوتار هذه الطرق المختلفة من اختزال المرء الى صمت بـ "صمت الشهود، صمم القضاة، وجنون الشهادة". هو يسمي الشخص الذي يُختزل الى صمت بـ "ضحية" ويسمي الأذى الذي تعاني منه الضحية بـ "ظلم" – وهو "ضرر مصحوب بخسارة وسائل اثبات الضرر".

لتوضيح ما يعنيه بالخلافات الشاذة، يصف يوتار الخلاف بين روبرت فوريسون Robert Faurisson والناجون من الهليكوست. يوضح يوتار ان البرهان الوحيد المقبول حسب فورسيون هو الشهادة من شهود عيان رأوا غرف الغاز تعمل. لكن يوتار يعارض بان لا أولئك الذين ماتوا في الغاز ولا المبعدين الذين نجوا يمكنهم اثبات عملية أفران الغاز لأن فوريسون يرى: الأول لا يمكن لأنهم ماتوا والأخير لا يمكن ان يكونوا احياء، ومع ذلك فان رؤية غرف الغاز اثناء عملها يعني الموت فيها. بالنسبة ليوتار، المبعدين هم ضحايا ظلم: هم اختزلوا الى صمت جُردوا من وسائل الجدال.

مثال آخر يُستعمل عادة لتوضيح فكرة يوتار للخلاف الشاذ غير القابل للحل، هو المواجهة بين مجموعة من الاستراليين الأصليين وشركة تعدين يورانيوم في فيلم فيرنر هرتزوغ (اين يحلم النمل الأخضر،1984). السكان الاصليون يدّعون ان الأرض التي تريد الشركة الحفر فيها هي مقدسة لأنها فيها يحلم النمل الأخضر، واذا حصل ازعاج لبيت النمل لم يعد يحلمون، كل العالم سوف ينتهي. أولا، شركة التعدين تحاول رشوة رجال القبيلة لكنهم لن يتزحزحوا. مدير الشركة المنزعج يقود المجموعة الى المحكمة. من غير المدهش، المحكمة تحكم ضد السكان الأصليين، رافضة قصة النمل الأخضر باعتبارها هراء تام. من وجهة نظر يوتار، اذا بقي السكان الأصليون صامتون سيصبحون ضحايا – لكن اذا هم يعودون للمحكمة سيصبحون مدّعين في خلاف يُختزل الى دعوة قضائية بسيطة. في كلتا الحالتين، عقيدتهم، الألم، الاحباطات، التوقعات تبقى غير معترف بها. في مواجهة قضايا خلافية يصعب حلها، يكون الميل لتنظيمها وتحويلها الى دعاوي قضائية، اما عبر تبنّي معيار احد اطراف النزاع او عبر فرض لغة متعالية عليهم metalanguage (لغة حصرية عالية) .

بالنسبة ليوتار، لكي تمارس سياسة بالمعنى التقليدي هو ان تضع إجراءات لحل الصراعات وتنسيق المصالح التي تؤدي الى إخفاء الصراعات الشاذة عبر تحويلها الى دعاوي قضائية – وبهذا تديم اللاعدالة. لكن، لكي تمارس الفلسفة هو ان تكتشف الخلافات الشاذة: لعرضها، وكشف عدم إمكانية حلها، وإزالة النزعة بإبقائها مختفية. لكي تعرض الخلافات المستعصية يتطلب أيضا تصوّر تعبيرات جديدة.

أفضلية يوتار

يعترف يوتار بانتشار الصراعات اكثر من هابرمس، وهو أيضا يجلب المزيد من مجالات الحياة ومشاكلها تحت الدراسة. بالنسبة ليوتار، بقدر ما يتعلق الامر بالممارسات الاجتماعية هي بالنهاية تجليات لأنواع من الخطاب تسعى لفرض نفسها على الاخرين، وأيضا بمقدار ما تكون اللغة قاطرة للسلطة وموقع للصراع، تسبب العنف، وتفرض استبعادا وتحافظ على علاقات اللاعدالة، يتبع ذلك ان الخلافات المستعصية ولا عدالتها يمكن ان تحدث متى ما أعلن شخص ما عن ادّعاء بالمعرفة، او يطرح أسئلة او وصفا ما . لذا اللاعدالة لا تتألف فقط من حرمان حق التصويت السياسي او أفعال صارخة للاضطهاد والعنف – انها أيضا تتضمن الأفعال الحياتية اليومية للتمييز والإساءة والقهر الاقتصادي الذي يقع خارج القانون والسياسة. وفق تصور يوتار لعدم العدالة، ليس بالتحديد ذلك المُمارس علنا من جانب الافراد والجماعات، رغم انه يتضمن هذا. بدلا من ذلك انه نوع من اللاعدالة التي تنتج من آراء سلبية ومواقف وايديولوجيات مختفية لكنها منتشرة .

يوتار أيضا نجح اكثر من هابرمس عندما نأتي الى تجنب التأسيسية. بالنسبة له، مسألة التأمل الفلسفي ليس ان نبني مخططات او إجراءات لحل الصراعات وتنسيق المصالح وانما لتحدّي ادّعاءات أي أيديولوجية او برنامج نظري يكون طريقة شاملة في التفكير، وإعطاء دليل على وجود لاعدالة غير معترف بها، وشن الحرب على الكلية، وصقل حساسيتنا للاختلاف. في الحقيقة، يوتار يزعم ان البحث عن سلطة يمكنها السيطرة على الأنواع ليس فقط خاطئا ولكن غير مرغوب فيه ايضا. ويستمر في القول في كتابه حالة ما بعد الحداثة (La condition postmoderne,1979) – ان النظريات الكبرى والايديولوجيات - لم تعد ذات مصداقية، ويكتب ياتوار في (مجرد لعب،1985) ان "لا وجود هناك لمابعد اللغة metalanguage الخطاب النظري الشهير الذي يُفترض ان يكون أساسا للقرارات السياسية والأخلاقية". هو يجادل ان فكرة شمولية التفكير هي متناقضة: اما ان يكون النوع الذي يزعم احد انه فوق النوع metagenre هو جزء من مجموعة أنواع، وبهذا ليس شموليا، او انه ليس عضوا في المجموعة وبهذا لن يكون نوعا. يوتار يكتب انه لكي تدّعي ان أي نوع للخطاب يمكن ان يكون شموليا سيكون مثل القول: اللعبة الهامة الوحيدة، الصحيحة، هي شطرنج. هذا سخيف. وكذلك بالنسبة ليوتار، العالم مثير للجدل ومكان متنازع عليه ليس فيه نوع او عبارة او منظور يمتلك مكانة متميزة. بدلا من ذلك، أساليب الخطاب تكافح لأجل الهيمنة، ولا توجد وجهة نظر محايدة يمكن من خلالها الحكم على الاخرين. كذلك، يجادل يوتار ان السعي الى ميتا اللغة للسيطرة على القضايا الشائكة هو غير مرغوب لأن أية معايير يتبناها المرء للتحكيم بين مختلف المنظورات، ستقابلها معايير أخرى مستبعدة ويُترك شخص ما بالتأكيد ضحية. هو يقول ان "لا وجود هناك لشكل من الاتصالات تكون هيمنته على الاخرين عادلة". في الحقيقة، يدّعي يوتار انه "بالضبط في محاولة وضع نهاية للمشاكل المستعصية، وتحويل الحرب الى دعاوي قضائية والتصريح بحكم لتسوية الخلافات، تكون المشاكل المستعصية قد جسدت ذاتها"، وان "ما كُبح سيعود دائما ويعود حقا". مثال على ذلك هو التصور الليبرالي غير الدقيق للعدالة الذي يخفي صراعا طبقيا ولامساواة في السلطة بين الغني والفقير وهكذا يشرعن ضمنا الهيمنة واستغلال الأخير من قبل الأول. حالة مقابلة هي التركيز الماركسي على صراع طبقة حصرا على حساب تجاهل الصراعات الجندرية، العرقية، الدينية، القومية، او اثنية الامر الذي يضفي الشرعية على هذه الاشكال الأخرى للقمع.

وهكذا بالنسبة ليوتار، كل نظريات العدالة وكل المشاريع السياسية هي طارئة، قابلة للطعن وهي حتما غير عادلة. لذا هو لا يطرح نظرية سياسية إيجابية. لايزال، هو يعتقد ان ممارسته للشهادة في المشاكل المستعصية ينبع من شعور بالعدالة. مع ذلك هذا لا يجعل فلسفته غير متسقة لأن فكرة العدالة التي تشكل اساس هذه الممارسة المتمثلة في الشهادة في المشاكل الشاذة عادة لا توجد في كتب الفلسفة السياسية، وانما،هي ما اسماه كانط بفكرة العقل – مثل فكرة الله وفكرة العالم ككلية – ويجب النظر اليها كمعنى تنظيمي وليس تأسيسي، الفكرة تضيف وحدة وتماسكا لتجربتنا وترشد تفكيرنا، لكنها لا ترمز ولا تستطيع ان ترمز لشيء حقيقي. في الحقيقة، يوتار يعتقد ان أي محاولة لإعطاء العدالة معنى محددا ليست فقط متناقضة وانما هي ستفترض ان هناك سردا رئيسيا، نظام معين للخطاب مفضل على الآخرين. لكن هذه الأفضلية ستجعله ايضا غير عادل بالضرورة.

باعتراف الجميع، يوتار وهابرمس منخرطان في مشروعين مختلفين: بينما هابرمس يعتقد ان هدف التفكير السياسي هو لحل الصراعات، يرى يوتار انه لإكتشاف المشاكل المستعصية. لايزال، يوتار ينجز بنجاح أكبر هدف إعطاء صوت للمزيد من الناس في غياب الأسس الفلسفية قياسا بما يفعل هابرمس. مع ذلك، كلاهما أثريا فهمنا للحداثة وعظمتها وانحطاطها.

***

حاتم حميد محسن

...........................

Political philosophy after metaphysics: Habermas&Lyotard, Philosophy Now,2010

الهوامش

(1) عالم الحياة، طبقا لهابرمس هو فهم ثقافي مشترك، او الخلفية اليومية للمعرفة الثقافية المشتركة والمعتقدات الاجتماعية والهوية الشخصية التي تجعل الفهم المتبادل ممكنا من خلال الاتصالات.

(2) هو نظرية ترى عقلانية الانسان تبرز من اتصالات ناجحة حيث الفهم والاجماع يتم الوصول اليهما من خلال حوار مفتوح غير قسري. هذا يختلف عن العقل الاداتي الذي هو موجّه خصيصا للهدف. العقل التواصلي يؤكد على الفهم المتبادل لتبرير الادّعاءات من خلال نقاش عقلاني.

(3) Differend مصطلح صاغه يوتار وهو مفهوم فلسفي وقانوني يشير الى ظلم او لاعدالة تبرز بسبب عدم وجود لغة او خطاب يعبّر عنه. انه موقف لا يستطيع فيه الضحية اثبات الضرر او الأذى الذي وقع عليه لأن النظام السائد او الخطاب المهيمن يمنع تسمية الظلم او اثباته.

تأطير تحديات الهيمنة في القرن الحادي والعشرين

يشهد النظام السياسي العالمي في الألفية الثالثة تحولات عميقة، تبرز فيها أنماط جديدة من السيطرة والهيمنة تتجذر في آليات بنيوية وفلسفية معقدة، متجاوزة الاعتماد الضروري على الاحتلال العسكري المباشر. الهدف هو تحليل العلاقة الجدلية بين ظاهرة أنوقراطيات الزومبي (الأنظمة السياسية التي فقدت فعاليتها الحيوية) وفلسفة النيوكولونيالية التي توفر الغطاء الأيديولوجي والأدوات العملية لاستدامة الهيمنة العالمية. يقوم التحليل على دمج المفاهيم النظرية في علم الأنظمة السياسية المقارن (كالأنظمة الهجينة واختطاف الدولة) مع النقد الفلسفي للأيديولوجيات الحديثة.

 تشريح أنوقراطيات الزومبي

ينبع مصطلح "أنوقراطيات الزومبي" من المفهوم الأوسع لـ "أفكار الزومبي"؛ وهي السياسات أو الأفكار غير الفعالة التي تستمر في البقاء في النظم السياسية بالرغم من إثبات فشلها الواضح في الواقع. هذا الاستمرار يمثل إشكالية عميقة في صنع القرار.

إن الدافع وراء بقاء هذه الأفكار لا يقتصر على "مكائد النخب السياسية" أو الدعاة السياسيين فحسب، بل هو نتاج للعبة معقدة يشارك فيها عدد كبير من الفاعلين، بمن فيهم "المواطنون العاديون".

عند تطبيق هذا المفهوم على النظم السياسية نفسها، فإن أنوقراطية الزومبي هي النظام الذي يحتفظ بالشكل الخارجي والمظاهر الإجرائية للديمقراطية، ولكنه فقد قدرته الجوهرية على إنتاج سياسات ناجعة تخدم المصلحة العامة، وأصبح مجرد جسد سياسي متحرك، ولكنه فاقد للروح.

الأنظمة الهجينة: الإطار المفاهيمي للأنوقراطية

الأدبيات المفاهيمية التي تدرس الأنظمة الهجينة لا تزال حديثة نسبياً، وتشير الدراسات إلى أن البحوث لم تأخذ اهتماماً كافياً بعد لبناء مفهوم مشترك ناضج بين مختلف الباحثين. على الرغم من ذلك، فإن الأنظمة الهجينة، التي تمثل حوالي 22.2% من بلدان العالم، تتميز بوجود درجات متفاوتة من الاستبداد الانتخابي.

الاستبداد الانتخابي: يتسم هذا النمط بوجود انتخابات غير تنافسية أو مُحددة سلفاً، حيث تضمن النخبة الحاكمة بقاءها عبر التحكم في العملية الديمقراطية.

الأنوقراطية: تُوصف بأنها أنظمة مختلطة وغير مستقرة، تجمع صفات استبدادية وديمقراطية، حيث قد توجد هيئات تشريعية تُنتخب عبر تصويت شعبي، لكن انتخابات المناصب فيها تكون غير تنافسية ومحددة سلفاً.

إن الأنظمة الهجينة ليست مجرد أنظمة غير مكتملة ديمقراطياً، بل إن بنيتها المفككة (الأنوقراطية) تجعلها عرضة للاختراق والفساد. يفتقر هذا النوع من الأنظمة إلى الاستقرار الذي يوفره الاستبداد الكلاسيكي وإلى الشرعية والمساءلة التي توفرها الديمقراطية الكاملة، مما يخلق بيئة من الفوضى المدارة والمستدامة التي يتم استغلالها من قبل القوى النيوكولونيالية والشركاء الداخليين.

الأصول الأيديولوجية للنيوكولونيالية

تعتمد النيوكولونيالية في الألفية الثالثة على إطار فلسفي وأيديولوجي معقد يوفر الشرعنة اللازمة للسيطرة غير المباشرة.

تقوم الكولونيالية ورديفتها النيوكولونيالية على مفارقات تنبع من التناقضات الداخلية في الأيديولوجيا الحداثية نفسها. فبينما تؤسس الحداثة مرجعياتها على المفاهيم الإنسانية النبيلة كالحرية والتنوير وحقوق الإنسان والديمقراطية، يشير واقع الحال إلى مجموعة من التناقضات التي أدت إلى صياغة شمولية للوعي الإنساني.

ان القراءة المتعمقة لمشروع الكولونيالية وما بعدياتها تجد أن الغاية الكامنة هي "الحفاظ على الأفق الاستهلاكي". تمحور هذا التحول الفلسفي حول انزلاق "كوجيتو الاستهلاك" ليحل محل "كوجيتو العقل المجرد". هذا التحول يحصر الإنسان في دروب المنفعة والمصلحة البحتة، مقدماً تبريراً هوبزياً للصراع، حيث تتربص الذوات ببعضها البعض تربصاً ذئبياً. وعليه، تجد النيوكولونيالية مبررات وجودها في هذا التركيز المفرط على المنفعة، حيث تعمل على تعديل حركة الإنسان على "عبادة التقدم"، وهو مقصد ضبابي يُستخدم لتبرير الهيمنة.وان التبعية ليست مجرد نتيجة ثانوية للاستغلال، بل هي هدف أيديولوجي محدد. يهدف "كوجيتو الاستهلاك" إلى تحويل المواطنين في أنوقراطيات الزومبي إلى مجرد مستهلكين، لضمان استمرار الطلب على التقدم الغربي ، مما يضمن التبعية المضمونة والهيمنة الثقافية والاقتصادية المستمرة.

 العولمة في الألفية الثالثة وتشرِيع السيطرة

تعتبر العولمة أبرز سمات الألفية الثالثة، وتُصوَّر كـ "قرية كونية". لكن هذا التحدي يحمل عواقب خطيرة، حيث وُصفت العولمة بأنها "حافلة دون سائق"، مما يهدد بآثار سلبية أبرزها فقدان السيادة الوطنية، وعدم الاستقرار، وعدم المساواة. إن العالم الثالث كان وما يزال يعلق الآمال على الدولة كراعٍ لمصالحه، لكن آليات العولمة عملت على تقويض الدور الاقتصادي للدولة، على الرغم من أن دعاة العولمة يبشرون بأنها ستحمل بذور التقدم.

في سياق هذه الهيمنة، تغيرت استراتيجيات السيطرة بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، حيث تم "إعادة تدوير" مناطق العالم التي خرجت منها فلول الكولونيالية عبر توحيد القانون الدولي تحت مظلة المنظمات الأممية. هذا التوحيد، الذي يسمح بهيمنة القوى الكبرى على المشهد الإنساني والاقتصادي والسياسي، هو في الواقع "ضرب من الكولونيالية الجديدة". هذا يؤكد أن النيوكولونيالية لم تعد مجرد ممارسات غير قانونية، بل هي نظام حكم عالمي مؤسس ومشرعن عبر الهياكل الدولية التي تضمن مصالح القوى المهيمنة على حساب سيادة الدول الأضعف.

يرى الكثير من المراقبين أن الفجر الذي وعدت به السوق الحرة الأمريكية دول العالم هو في النهاية فجر كاذب، وإذا استمرت العولمة في مسارها الحالي، فستكون وبالاً ليس على الأقطار النامية وحدها، بل على كامل المنظومة الاقتصادية العالمية. إن الفشل المتوقع لهذا المشروع يمثل آلية لتجريد الدول الضعيفة من قدرتها على المقاومة، مما يمهد الطريق للتدخل النيوكولونيالي باسم إنقاذ الاقتصاد أو إدارة الأزمة.

 الفكر الفلسفي في مواجهة الهيمنة

إن الفلسفة التي تتجاهل الحركة العلمية ولا تتفاعل مع التحولات الكبرى في عصرها محكوم عليها بالجمود التدريجي وبالتالي بالتلاشي. لذا، يفرض القرن الحادي والعشرون على الفلسفة أن تكون "حكمة مؤسسة على المعرفة" تستلهم وتستند إلى علوم ومعارف عصرها.

لمواجهة الهيمنة الأيديولوجية للنيوكولونيالية، يجب أن تتبنى الفلسفة دوراً نقدياً وفعالاً. هذا يتطلب الخروج من الموقف الهيغلي السلبي (بومة منيرفا) الذي يرى أن الفلسفة لا تفرد جناحيها إلا بعد أن يرخي الليل سدوله، مما يمنحها دوراً نظرياً يكتفي بفهم الواقع الذي يسبقها. هذا الموقف هو انصياع للجمود السياسي.

في المقابل، يجب التحول إلى الموقف النقدي الماركسي/الغرامشي، حيث يرى ماركس أن الفلاسفة قصروا دورهم على تفسير العالم بطرق عدة، بينما المهم هو تغييره. يتطلب هذا الموقف خروج الفلسفة من برجها العاجي لـ "تغيير ما هو كائن نحو عالم أقل ظلماً وأكثر عدالة إنسانية". في هذا التحول، ترتدي الفلسفة وجه الأيديولوجيا وتتنكر اليوتوبيا بأقنعة العلم.

 الفساد كجسر للهيمنة

تتجلى العلاقة بين أنوقراطيات الزومبي والنيوكولونيالية في آلية الفساد وهشاشة النظام. الفساد في الأنظمة الهجينة هو سمة هيكلية تضمن تضارب المصالح وإعطاء الأولوية للمصلحة الخاصة على حساب المصلحة الجماعية.

إن اختطاف الدولة يمثل عملية هادفة لإنتاج الهشاشة. هذه البيئة المثالية من الفساد المرتفع وضعف النظم القضائية ووسائل الإعلام الحرة، توفر للنخبة التابعة مساحة للاستثمار في اختطاف الدولة (الفساد المبرمج)، وفي الوقت نفسه، توفر للقوى النيوكولونيالية شريكاً موثوقاً (وإن كان فاسداً) يضمن مصالحها التجارية والسياسية طويلة الأمد. لا يوجد انفصال بين الضعف الداخلي والسيطرة الخارجية؛ بل الفساد هو الجسر البنيوي الذي يربط بينهما، مما يضمن أن الدولة الـ "زومبي" ستظل موالية للمركز العالمي.

 الخلاصة

يُظهر التحليل أن ظاهرة "أنوقراطيات الزومبي" ليست مجرد فشل داخلي في الحكم، بل هي حالة بنيوية ناتجة عن التلاقي المقصود بين الضعف المؤسسي وفلسفة النيوكولونيالية. هذه الفلسفة، المدعومة بأيديولوجيا "كوجيتو الاستهلاك" وتشرعنها المؤسسات الدولية والديون الخارجية، تستغل نقاط الضعف الداخلية لترسيخ السيطرة الاقتصادية والسياسية غير المباشرة.

***

غالب المسعودي

.......................

المصادر

بوحناش، نورة. (2020). في مداخلة للباحثة نورة بوحناش. جريدة النصر

الدواي، عبد الرزاق. (2007). عن ملامح الفكر الفلسفي في مطالع القرن 21. مجلة حكمة

الزبيدي، حسن لطيف كاظم. (2018). العولمة ومستقبل الدور الاقتصادي للدولة في العالم الثالث. شبكة الألوكة

(2023). الفيلسوف والسياسة.. بين اللفياثان والروح الجميلة. مجلة الفيصل، العدد 568

(2023). الأنظمة السياسية الهجينة: مقاربة مفهومية نظري. المجلة الجزائرية للأمن والتنمية

(2024). منظمة أوكسفام تكشف أن النخب الاقتصادية والسياسية. عربي بوست (arabicpost.net)

(2022). النخبة وتأثيرها في تكوين واستقرار المجتمعات وتشكيل نسق الحكم والفكر. (“النخبة وتأثيرها في تكوين واستقرار المجتمعات وتشكيل نسق الحكم والفكر”) ديمقراطيك أكاديمي (democraticac.de)

المصادر الأجنبية/المنظمات الدولية

ASEESTANT. (n.d.). State Capture, Hybrid Regimes, and Security Sector Reform. [المصدر: aseestant.ceon.rs]

IPPA Public Policy. (2019). Zombie Ideas: Why Failed Policy Ideas Persist. [المصدر: ippapublicpolicy.org].

UNODC. (n.d.). Anti-Corruption Module 3 Key Issues. [المصدر: unodc.org].

 

مقدمة: في ظلّ التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتسارعة، تواجه الوظائف العامة تحدياتٍ متزايدة تتعلّق بمستوى النزاهة، والالتزام بالقيم الأخلاقية، وتحقيق الصالح العام. فمع ازدياد الاعتماد على المؤسسات الحكومية لتنظيم شؤون الحياة العامة وتقديم الخدمات الأساسية، تتجلّى أحيانًا مظاهر الفساد الإداري وتعارض المصالح وضعف الأداء الوظيفي، الأمر الذي يُضعف الثقة بين المواطن والدولة، ويؤثر سلبًا في فعالية الخدمات العامة. ومن هنا تنبع مشكلة البحث، والمتمثلة في غياب إطارٍ فلسفي شامل يربط بين أخلاقيات المهنة والقيم الإنسانية من جهة، وبين الضوابط القانونية والإدارية التي تحكم سلوك الموظف العام من جهة أخرى.

وتتطلب معالجة هذه المشكلة دراسة العلاقة بين الأخلاق الفردية والأخلاق المؤسسية، وتحليل الأسس الفلسفية التي تحدد مفاهيم الواجب والمسؤولية والعدالة والشفافية في ممارسة الوظائف العامة. كما يقتضي الأمر التعرف على القيم المهنية الأساسية، مثل الصدق والنزاهة والكفاءة والخدمة العامة، وبيان كيفية ترجمتها إلى ممارساتٍ عملية ضمن بيئةٍ وظيفية تتسم بالتعقيد والمساءلة.

تكمن أهمية البحث في سعيه إلى تقديم رؤيةٍ متكاملة لفلسفة أخلاقيات المهنة في الوظائف العامة، تجمع بين التحليل الفلسفي العميق والتطبيق العملي، وتوفر إطارًا نظريًا يمكن من خلاله تطوير سلوك الموظف العام وتعزيز النزاهة والمسؤولية في القطاع الحكومي. كما يسهم البحث في بناء قاعدة معرفية تساعد على صياغة السياسات العامة ووضع الأطر التنظيمية التي تراعي البعد الأخلاقي والإنساني في العمل الإداري، بما يحقق الصالح العام ويرسّخ الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة.

أما منهج البحث، فقد اعتمد على المنهج الوصفي التحليلي في دراسة المفاهيم الفلسفية والقيم الأخلاقية المرتبطة بالوظائف العامة، إلى جانب المنهج الفلسفي النقدي لتحليل الأفكار والتصورات المتصلة بأخلاقيات المهنة عبر تاريخ الفكر الغربي والحديث، بالاستناد إلى المراجع النظرية والفلسفية، ودراسة النماذج التطبيقية للوظيفة العامة في السياق المعاصر. كما تم توظيف المنهج المقارن لمقارنة المبادئ والقيم الأخلاقية في الفلسفة الكلاسيكية والمعاصرة، وربطها بالممارسات الواقعية في الخدمة العامة، بهدف تقديم توصياتٍ عملية لتطوير أخلاقيات الوظائف العامة.

وانطلاقًا من ذلك، يسعى البحث إلى الإجابة عن التساؤلات الآتية:

1- ما الأسس الفلسفية التي تحدد أخلاقيات المهنة في الوظائف العامة؟

2- كيف يمكن ترجمة القيم الأخلاقية إلى ممارساتٍ عملية في الإدارة العامة؟

3- ما الفرق بين الوظيفة العامة كمهنةٍ والوظيفة العامة كرسالةٍ أخلاقية؟

4- كيف يمكن بناء ميثاقٍ فلسفي لأخلاقيات المهنة يوازن بين المسؤولية الفردية والمؤسسية؟

تمثل هذه التساؤلات محورًا أساسيًا لفهم طبيعة الوظائف العامة، وتطوير إطارٍ أخلاقي وعملي يرسخ قيم النزاهة والكفاءة والعدالة، ويعزز الالتزام بالقيم العليا في العمل الإداري.

المحور الأول: مفهوم أخلاقيات المهنة بين الفلسفة والتطبيق

لقد لوحِظ السلوك الأخلاقي الإنساني منذ أقدم العصور المسجَّلة، وتشير الدراسات الأنثروبولوجية والأثرية إلى أن جميع القبائل البدائية امتلكت قواعد محددة وواضحة للسلوك. ويفترض كريستوفر بوهِم (Christopher Boehm) أن التطور التدريجي في بنية الأخلاق وتعقيدها على امتداد مسار تطوّر الإنسان العاقل كان نتيجة لازدياد الحاجة إلى تجنّب النزاعات والإصابات مع الانتقال إلى بيئة السافانا المفتوحة، وتزامن ذلك مع تطوّر استخدام الأدوات الحجرية كأسلحة. وعلى الرغم مما تتّسم به الأخلاق الإنسانية من تعقيد ورُقيّ يفوق ما لدى سائر الكائنات، فإنها في جوهرها ظاهرة طبيعية نشأت للحدّ من النزعة الفردية المفرطة وتعزيز روح التعاون بين البشر. أما الأخلاق الجماعية، فتنشأ من المفاهيم والمعتقدات المشتركة، وغالبًا ما يجري تقنينها لتنظيم السلوك داخل الثقافة أو الجماعة الاجتماعية.(1)

وإذا كان هذا التطوّر الطبيعي قد وضع الأساس الأولي للقواعد الأخلاقية، فإن انتقال الإنسان إلى أنماط اجتماعية أكثر تعقيدًا مهّد لمرحلة جديدة في التفكير الأخلاقي، وهي المرحلة التي برزت بوضوح في اليونان القديمة.

كانت اليونان القديمة مهد الأخلاق الفلسفية الغربية، إذ تعود أصول المبادئ الأخلاقية فيها إلى القرنين السابع والسادس قبل الميلاد. وقد أصبحت أسماء مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو رموزًا خالدة في تاريخ الفكر الإنساني. فقد انتقلت اليونان من كونها مجموعة من القبائل المتناحرة إلى مجتمع من الناس يعيشون في دولة المدينة، حيث بدأ الأفراد يقضون أوقاتهم في التأمل في مفاهيم مثل السعادة، والحياة الفاضلة، وقيمة التنظيم الاجتماعي. لقد غدت المبادئ والممارسات الأخلاقية بمثابة الإسمنت الذي يربط المجتمع ويمنحه تماسكه، بحيث يتمكّن المواطنون من السعي وراء رغباتهم وتحقيق أهدافهم ضمن إطار من التوازن والاحترام المتبادل. ويشير جرايلنج (Grayling) إلى أن:

«الآداب هي جوهر الأخلاق الحقيقية؛ فهي التي تُهذّب العلاقات الاجتماعية، وتُضفي على التفاعل الإنساني مسحة من اللطف والرقي، وتخفّف من حدّة الصراع. فبدونها يستحيل قيام المجتمع ذاته أو ضبطه. والإجابة عن سؤال: كيف يمكن لمجتمع معقّد وتعددي أن يتعامل مع ضغوط الاختلاف والتنافس الداخلي؟ يجب أن تضع التهذيب واللياقة في مركزها، إذ لا شيء آخر — ولا حتى الأداة الحادة المتمثلة في القانون — يمكنه أن يحقق ذلك بالكفاءة نفسها».(٢)

ومن الطبيعي بعد هذا التحوّل الفلسفي أن تتكامل الصورة التاريخية للأخلاق، بحيث تتّضح الصلة بين نشأتها الطبيعية الأولى وبين تطورها النظري، وهو ما يقود مباشرة إلى إدراك الوظيفة الاجتماعية التي أدّتها القواعد الأخلاقية في تنظيم الحياة البشرية عبر العصور.

ومن ثمّ، فمنذ اللحظات الأولى لتكوّن البنية الاجتماعية في المجتمعات البدائية، مرورًا بوضع القوانين الأولى التي نظّمت الحياة في المدن، وصولًا إلى انبثاق الفلسفة الأكاديمية في مراحلها المبكرة، بلغ الإنسان طورًا أدرك فيه أن المجتمع لا يقوم إلا على قواعد للسلوك تُجسّد القيم المشتركة، وتُعبَّر عنها بطرائق بسيطة ومباشرة في صورة آداب عامة وسلوك قويم، لتكون الإطار الذي تنتظم في نطاقه «الحياة الفاضلة» التي يتحقق بها خير الفرد وصلاح الجماعة معًا.(٣)

وعلى هذا الأساس، يصبح واضحًا أن المفاهيم الحديثة للمهنيّة والأخلاق المهنية ليست معزولة عن هذا الامتداد التاريخي، بل هي تطوّر طبيعي لمبدأ قديم مفاده أن السلوك المنظم هو شرط لاستقامة المجتمع وتحقيق الصالح العام.

1- تعريف المهنة من منظور فلسفي

عند البحث عن تعريفٍ لمفهوم «المهنة»، يُمكن العثور – في الغالب – على أربعة اتجاهات رئيسة في تحديدها. فالاتجاه الأول يرى أن السمة المميِّزة للمهنة هي نزعة ذهنية أو موقف نفسي، إذ إن الدافع الإيثاري قادر على أن يرقى بأي نداءٍ شريف إلى مصافّ المهن. أما الاتجاه الثاني فيعتبر المهنة نوعًا من العمل يتطلّب مهارةً خاصة تقوم على مستوى عالٍ من النشاط الفكري. ويذهب الاتجاه الثالث إلى أن المهنة مرتبة اجتماعية متميّزة، مثل مهنة القضاء أو المحاماة أو رجال الدين. بينما يؤكد الاتجاه الرابع أن أي عمل لا يُعدّ مهنةً حقيقية ما لم تتأسس فيه علاقة سرّية قوامها الثقة بين العميل ووكيله، كما هو الحال في العلاقة بين المريض وطبيبه، أو بين المتقاضي ومحاميه.(٤) وهنا يمكن ملاحظة أن الثقة المتبادلة بين الأطراف تعتبر جزءًا من التطور الأخلاقي الذي ناقشناه في الفقرات السابقة، إذ تشكّل أحد أهم عناصر الاستقرار الاجتماعي والممارسة المهنية المسؤولة.

ومن خلال هذه الاتجاهات يمكن القول إن المهنة ليست مفهومًا أحادي البعد، بل تتأسس على تداخلٍ بين البعد الأخلاقي والاجتماعي والمعرفي. ومن هنا تأتي الحاجة إلى تتبّع التعريفات الحديثة للمهنة كما وردت في القواميس والمراجع الفكرية المعاصرة.

ولا يُعَدّ أيٌّ من هذه التعريفات كافيًا بمفرده، غير أنّها جميعًا، إذا نُظِر إليها مجتمعةً — كما أرجل الطاولة — تُشكّل أساسًا متينًا تستند إليه المهنة وتستمدّ منه توازنها واستقرارها. ومع ذلك، يمكن صياغة عددٍ من التعريفات التي تُسهم في تحديد مفهوم المهنة بدقّة أكبر. يُوضّح قاموس أوكسفورد الإنجليزي (٢٠١٤) أن المهنة تشمل العمل أو الوظيفة، سواء أكانت مسارًا مهنيًا أم دعوةً رسالية، وتقوم على عناصر أساسية هي: المعرفة، والتطبيق، والتدريب، والمؤهلات الرسمية، مع الإشارة إلى أن العنصرين الأخيرين يُعدّان أمرين مألوفين، لكن غير جوهريين. أما قاموس ميريام- ويبستر (٢٠١٤) فيعرّف المهنة بأنها «دعوة أو رسالة تتطلّب معرفة متخصّصة، وغالبًا إعدادًا أكاديميًا طويلًا ومكثّفًا».(٥) ويُظهر هذا أن المهنة ليست مجرد وظيفة، بل رسالة أخلاقية واجتماعية تتطلب مستوى عالٍ من المعرفة والتدريب.

وإذا كانت القواميس الحديثة قد ركّزت على الجانب المعرفي والرسالي للمهنة، فإن بعض المفكرين المعاصرين قد وسّعوا هذا الإطار ليشمل بعدها الخدمي والاجتماعي، كما نجد عند سيدني وبياتريس ويب، اللذين شدّدا على أن المهنة لا تُمارس من أجل الربح، بل من أجل خدمة الآخرين في ضوء رسالة أخلاقية واضحة. فقد قدَّم مؤسِّسا مدرسة لندن للاقتصاد، سيدني (Sidney) وبياتريس ويب (Beatrice Webb)، تعريفًا للمهنة يُعدّ معاصرًا لتعريف فلكسنر، إذ اعتبرا أن المهنة هي: «دعوة تقوم على تدريبٍ تعليميٍّ متخصّص، غايتها تقديم النصح والخدمة الموضوعية للآخرين مقابل عِوَضٍ مباشرٍ ومحدّد، من غير توقّعٍ لأي مكسبٍ تجاريٍّ آخر».(٦) ويؤكد هذا التعريف على الطابع الخدمي للأخلاق المهنية، وهو امتداد طبيعي للفلسفة الأخلاقية التي ناقشناها في اليونان القديمة، حيث تم وضع المبادئ التنظيمية للمجتمع.

وفي الاتجاه ذاته، يضيف العالِم القانوني الأمريكي روزكو باوند (Roscoe Pound) بُعدًا جديدًا يربط بين الممارسة المهنية والالتزام بالخدمة العامة، مؤكدًا أن القيمة الأخلاقية للمهنة لا تنفصل عن قيمتها العلمية أو التقنية. فهو يرى أن المهنة هي: «جماعة تمارس فنًّا علميًّا بوصفه نداءً مشتركًا، في روحٍ من الخدمة العامة — وهي ليست أقلَّ خدمةً عامةً لمجرد أنها قد تكون في الوقت ذاته وسيلةً للعيش».(٧) ويؤكد هذا التعريف أن الالتزام الأخلاقي لا يقل أهمية عن الخبرة العلمية أو التقنية، وأن الخدمة العامة جزء لا يتجزأ من الهوية المهنية.

ومع تطوّر الفكر المهني في القرن العشرين، أخذ التعريف يزداد دقةً وشمولًا، كما في طرح كروس (Cruess) وآخرين (٢٠٠٤) الذين أبرزوا فكرة «العقد الاجتماعي» بين المهنة والمجتمع، باعتبارها الأساس الأخلاقي الذي يُبرّر استقلال المهنة وامتيازها بالثقة والتنظيم الذاتي. فقد عرّف كروس وآخرون المهنة بأنها: «عملٌ يقوم جوهره على إتقان مجموعة معقّدة من المعارف والمهارات. وهي رسالة تُوظَّف فيها المعرفة في أحد فروع العلم أو الفنون المشتقة منه لخدمة الآخرين. ويُقيَّم أعضاؤها وفق مواثيق أخلاقية يُعلِنون من خلالها التزامهم بالكفاءة، والنزاهة، والأخلاق، والإيثار، والسعي إلى تحقيق الخير العام ضمن مجالهم. وتشكل هذه الالتزامات الأساسَ لعقدٍ اجتماعيٍّ بين المهنة والمجتمع، يمنح المهنة احتكارَ استخدام معرفتها المتخصّصة، وحقَّ الاستقلالية الواسعة في الممارسة، وامتيازَ التنظيم الذاتي. وتبقى المهنة، ومن ينتمون إليها، مسؤولين أمام من يخدمونهم وأمام المجتمع بأسره».(٨)

ويُعمّق إليوت فريدسون (Eliot Freidson) هذا التصوّر من خلال تحليله للمهنة بوصفها بنيةً مؤسسية تستمد شرعيتها من الثقة العامة، ومن افتراضٍ جوهريٍّ بأن العاملين فيها يغلّبون الصالح العام على المصلحة الذاتية، ويمارسون الرقابة الذاتية بوصفها ضمانةً أخلاقية للمجتمع. فهو يرى أن المهنة «ممارسةٌ يشغلها أفراد يتمتّعون بامتيازاتٍ خاصة، من قبيل الترخيص الحصري، وهي امتيازاتٌ مبرَّرة بعدة افتراضات؛ أولها أن ممارستها تتطلّب تدريبًا فكريًا عميقًا وقدرةً على إصدار أحكامٍ معقّدة؛ وثانيها أن العملاء عاجزون عن تقييم جودة الخدمة تقييـمًا كافيًا، الأمر الذي يقتضي منهم الثقة بمن يستشيرونهم؛ وثالثها أن هذه الثقة تقوم على افتراضٍ بأن المصلحة الذاتية للممارس متوازنة — بل خاضعة — لالتزامه بخدمة مصلحة العميل والصالح العام؛ وأخيرًا أن المهنة تُنظِّم نفسها ذاتيًا، أي إنها مؤسَّسة على نحوٍ يضمن للمجتمع وللقضاء معًا أن أعضاءها أكفاء، وأمناء في ثقة عملائهم، ومتجاوزون لمصالحهم الشخصية».(٩)

ولتحديد السمات التي تجعل من أي ممارسة «مهنة» بالمعنى الدقيق، صاغ فريدسون وأرجيريس وشون (Argyris & Schön، ١٩٧٤) مجموعةً من الخصائص التي تُميّز العمل المهني عن غيره من صور الكسب أو الحرفة، ويمكن إجمالها في عشر خصائص رئيسة:

١- تدريبٌ متخصص طويل الأمد يقوم على منظومة من المعارف المجرّدة.

2- توجّهٌ خدمي يقوم على تقديم النفع للآخرين.

٣- أيديولوجيا مهنية تستند إلى عقيدة أو إيمان أصيل يعبّر عنه أعضاء المهنة.

4- منظومة أخلاقية مُلزمة لجميع الممارسين.

٥- جسم معرفي خاص يميّز أعضاء المهنة عن سواهم.

٦- مجموعة مهارات تقنية تشكّل الجانب العملي للممارسة المهنية.

7- نقابة أو هيئة مهنية تضمّ أولئك الذين يملكون حقّ ممارسة المهنة.

٨- سلطة تُمنَح من المجتمع في صورة ترخيص أو اعتماد رسمي.

٩- بيئة معترف بها تُمارَس فيها المهنة على نحوٍ رسمي ومنظّم.

١٠- نظرية في المنافع الاجتماعية تُستمدّ من الأيديولوجيا التي تقوم عليها المهنة.(١٠)

وقد لاقت هذه الخصائص صدى واسعًا في المؤسسات المهنية الحديثة، إذ تبنّاها عددٌ من المجالس والمنظمات التي تسعى إلى وضع معايير موحدة للمهن، مثل المجلس الأسترالي للمهن الذي قدّم تعريفًا مؤسسيًا أكثر شمولًا للمهنة. فقد عرّف المجلس الأسترالي للمهن المهنة على النحو الآتي: «المهنة هي جماعة منظَّمة من الأفراد يلتزمون بالمعايير الأخلاقية، ويقدّمون أنفسهم — ويُعترف بهم من قبل الجمهور — بوصفهم أشخاصًا يمتلكون معرفةً ومهاراتٍ متخصّصة ضمن مجالٍ علمي معترف به على نطاقٍ واسع، مشتقٍّ من البحث والتعليم والتدريب على مستوى عالٍ، وهم مستعدّون لتوظيف هذه المعرفة وممارسة تلك المهارات بما يخدم مصلحة الآخرين. ومن جوهر تعريف المهنة وجودُ مدوّنةٍ أخلاقية تحكم أنشطة كل مهنة، وتتطلّب من أعضائها سلوكًا وممارساتٍ تتجاوز الالتزامات الأخلاقية الفردية. فهي تُحدِّد وتُفرض من خلالها معاييرُ عاليةٌ للسلوك، سواء في تقديم الخدمات للجمهور أو في التعامل بين الزملاء المهنيين. وغالبًا ما تُطبَّق هذه المدوّنات من قِبَل المهنة نفسها، ويحظى بها المجتمع اعترافًا وقبولًا».(١١)

وإلى جانب هذا التصور المؤسسي، قدّم عدد من الباحثين تعريفات تكميلية تُبرز الجوانب التنظيمية والعملية في الممارسة المهنية، كما فعل بهرمان (Behrman, J) الذي ركّز على التعليم النظامي، والرقابة الذاتية، والالتزام بخدمة المجتمع. فقد رأى أن للمهنة خصائص أساسية أخرى، من أهمها: وجود مجال محدّد بوضوح من الخبرة، واشتراط مرحلة من التعليم أو التدريب النظامي قبل الانضمام إلى المهنة، مع قصر العضوية على المؤهَّلين وفق معايير دقيقة. وتشمل المهنة كذلك آليات للفحص والترخيص، والتزامًا بخدمة المجتمع يستند إلى توجّهٍ خدميٍّ يُقدَّم على السعي إلى الكسب المادي. كما تتضمن ممارسة العمل نشاطًا تطوّعيًا (pro bono) ورسومًا متباينة تراعي قدرة المستفيدين على الدفع، إلى جانب نظامٍ تنظيميٍّ ذاتي يقوم على مدوّنة أخلاقية تُلزم الأعضاء بمستويات عالية من الكفاءة، وتوفّر آليات للرقابة الذاتية تفرض العقوبات المناسبة في حالات سوء السلوك أو الإهمال.(١٢)

وتتفق رؤية «الجمعية الأمريكية لإداريي شؤون الأفراد» (ASPA) مع هذه الاتجاهات، غير أنها تُحدّد المهنة من زاوية عملية تنظيمية، فتجعل من التعليم النظامي، والجمعية المهنية، ومدوّنة السلوك الأخلاقي ركائز لا غنى عنها لأي ممارسة مهنية حقيقية. فهي ترى أن المهنة الحقيقية يجب أن تتّسم بالخصائص الخمس الآتية:

1- أن تكون ممارسةً بدوامٍ كامل؛

2- أن تكون هناك مدارس ومناهج تعليمية مخصّصة لتدريس المبادئ الأساسية للمهنة، وأن يتوافر جسم معرفي مشترك ومحدّد؛

3- أن تمتلك المهنة جمعية مهنية وطنية؛

4- أن يكون لها برنامج اعتماد مهني معتمد ومعروف؛

٥- وأن تتبنّى مدوّنة أخلاقية تُنظّم سلوك الممارسين وتوجّههم.(١٣)

ويُعدّ المجال الطبي نموذجًا متميّزًا لتجسيد هذه القيم في الممارسة الواقعية، إذ تتكامل فيه الكفاءة مع الإيثار والاستقلالية والمسؤولية الاجتماعية. ويذكر كروس وآخرون (1997) أن المهنيين في المجال الطبي يتميّزون بالسمات الآتية:

١- الكفاءة: القدرة على إتقان المعارف والمهارات المرتبطة بالممارسة الطبية والمحافظة على حداثتها؛

٢- الالتزام: الشعور بالواجب والدافع الداخلي للعمل بما يحقق أفضل مصلحة للمريض؛

٣- الاستقلالية: الحرية في اتخاذ القرارات المستقلة بما يخدم مصلحة المرضى والصالح العام للمجتمع؛

٤- الإيثار: الإخلاص غير الأناني في رعاية الآخرين، وتقديم احتياجات المريض على المصلحة الشخصية؛

٥- النزاهة والصدق: التمسك الثابت بمدوّنة القيم الأخلاقية، والتحلي بالاستقامة ومقاومة الفساد؛

٦- الأخلاق والمبادئ: السعي إلى الخير العام، والالتزام بالمُثُل العليا للسلوك الإنساني القويم في التعامل مع المرضى والزملاء والمجتمع؛

٧- التنظيم الذاتي: امتلاك امتياز وضع المعايير المهنية، وتحمل المسؤولية عن الأفعال والسلوكيات في الممارسة الطبية؛

٨- المسؤولية تجاه المجتمع: الالتزام بتسخير الخبرة والمعرفة لخدمة المجتمع، وتحمل المساءلة أمامه عن الأفعال الفردية أو المهنية ذات الصلة بالخير العام؛

٩- المسؤولية تجاه المهنة: الالتزام بصون نزاهة المهنة والحفاظ على طابعها الأخلاقي والتعاوني، وتحمل المسؤولية عن السلوك المهني أمام الزملاء؛

١٠- العمل الجماعي: القدرة على تقدير خبرات الآخرين واحترامها، والتعاون معهم بما يخدم المصلحة الفضلى للمريض. (14)

ومن هذا العرض تتضح الصلة الوثيقة بين المهنة والصفات التي يتحلّى بها من يمارسها، الأمر الذي يقود إلى التساؤل الجوهري: من هو المهني؟ وما المقصود بالفلسفة المهنية؟

ويُعرَّف المهني بأنه عضوٌ في مهنةٍ ما، يتميّز بامتلاكه مجموعةً من الصفات التي تُجسِّد جوهر الممارسة المهنية الرفيعة، وتتمثل في الآتي:

1- امتلاك المعرفة والمهارات الخاصة بمجال المهنة.

2- الالتزام المستمر بتطوير الذات علميًّا ومهاريًّا.

3- اتّباع نزعةٍ خدمية في أداء العمل تهدف إلى نفع الآخرين.

4- الاعتزاز بالمهنة والشعور بالانتماء إليها.

5- إقامة علاقةٍ ميثاقية قائمة على الثقة والالتزام تجاه العملاء.

6- الإبداع والابتكار في الأداء والممارسة المهنية.

7- التحلّي بالضمير المهني والجدارة بالثقة.

8- تحمّل المسؤولية الكاملة عن العمل ونتائجه.

9- اتخاذ القرارات الأخلاقية السليمة في المواقف المهنية.

10- امتلاك روح القيادة والقدرة على توجيه الآخرين مهنيًّا وأخلاقيًّا.(١٥)

وإذا كان تعريف «المهني» يُبرز البعد الشخصي في ممارسة المهنة، فإن «الفلسفة المهنية» تمثّل الإطار الفكري الذي يوجّه هذا السلوك، ويُحدّد العلاقة بين المعرفة والأخلاق والسياسة المهنية، بما يضمن اتساق الممارسة مع القيم العليا للمجتمع. فهي مجموعة من المعتقدات والمواقف تجاه الحياة تُوجِّه سلوك الأفراد الذين يمارسون مهنةً معينة، ويمكن النظر إليها بوصفها نتاجَ تفاعلٍ بين ثلاثة عناصر مترابطة، هي: معايير الممارسة المهنية، والمبادئ الأخلاقية، والسياسة المهنية التي تتضمّن عقائد المهنة. تشكل معايير الممارسة الإطار الذي يُنظّم من خلاله المهنيون أداءهم لأعمالهم، بينما تُقدِّم الأخلاق المبادئ المقبولة التي تُميِّز بين الصواب والخطأ كما يفهمها ويقبلها أعضاء المهنة، وتوضّح كيفية تطبيق هذه المبادئ في تعامل المهنة مع المجتمع وفي خدمتها له.(١٦)

2- مفهوم "الأخلاق المهنية":

وإذا كانت المهنة تقوم على منظومة من المعارف والمهارات والسلوكيات التي تخدم الصالح العام وتعبّر عن رسالة اجتماعية، فإن الأخلاق المهنية تمثّل الجانب المعياري الذي يوجّه هذه الممارسة، ويضمن اتساقها مع المبادئ الإنسانية العليا. ويأتي مفهوم "الأخلاق المهنية" ليكمل هذه الصورة، إذ إن الأخلاق هي مجموعة من المبادئ التي وُضعت للصالح العام، صاغها الحكماء استنادًا إلى خبراتهم وحكمتهم. وقد خضعت هذه المبادئ عبر العصور لعمليات تنقيح وتعديل وتطوير، لتتوافق مع خصوصية الأقاليم، وطبيعة الحُكّام أو السلالات الحاكمة، ومع التطورات التي شهدها العلم والتكنولوجيا، وتغيّر الأزمنة والظروف.

وتهتم الأخلاق المهنية بتطبيق المبادئ والممارسات الأخلاقية على واقع العمل والمهنة، فتتناول أسئلة من قبيل:

(أ) ما الذي ينبغي أو لا ينبغي فعله في موقفٍ معيَّن؟

(ب) ما الصواب أو الخطأ في طريقة التعامل مع موقفٍ ما؟

(ج) ما الخير أو الشر في الأشخاص أو السياسات أو المبادئ المتصلة بذلك الموقف؟ (١٧)

ومن المهم التمييز بين الأخلاق العملية (السلوك العملي) (Morality) وعلم الأخلاق (الدراسة النظرية) (Ethics)، إذ تختلف الأولى عن الثانية في أن الأولى تُعنى بما يفعله الإنسان فعليًا في حياته اليومية، بينما تهتم الثانية بتحليل وتفسير وتقييم تلك الأفعال من منظورٍ فلسفي معياري.ويمكن ابراز ذلك كما يلى: (١٨)2155 talba

تُسهم دراسة الأخلاق في التعرّف إلى معتقدات الناس وقيمهم ومبادئهم الأخلاقية، وفي تعلّم ما هو خير أو شرّ فيها، ثم ممارستها على نحوٍ يعزّز رفاه الإنسان وسعادته. كما تنطوي على البحث في الأوضاع القائمة، وتكوين الأحكام، ومعالجة الإشكالات الأخلاقية. وإلى جانب ذلك، تُعلِّمنا الأخلاق كيف نحيا وكيف نتعامل مع القضايا المختلفة من منظور الواجبات والحقوق والمسؤوليات والالتزامات. (١٩)

ومن هذا المنطلق، يتّضح لنا بجلاء مدى أهمية الأخلاق بوجهٍ عام، ودورها في تأطير السلوك الإنساني وتوجيهه نحو التطبيق العملي في الحياة المهنية. فالأخلاق المهنية والقيم الإنسانية تُعَدّان من أكثر الموضوعات اتصالًا بواقعنا المعاصر المفعم بالصراعات والضغوط التي تشهدها المهن المختلفة، حيث يُطالَب الفرد بأداء واجباتٍ متعدّدة في اتجاهاتٍ متنوّعة. ومن المؤكّد أن دراسة هذا الموضوع دراسةً منهجية تسهم في تنمية قدرات الفرد وصقل حُسن حكمه، وفي تهذيب سلوكه وقراراته وأفعاله أثناء قيامه بواجباته تجاه أسرته ومؤسسته ومجتمعه. (٢٠)

وبناءً على ما تقدّم، تهدف دراسة الأخلاق المهنية والقيم الإنسانية إلى ما يلي:

(أ) فهم القيم الأخلاقية التي ينبغي أن تُوجِّه الممارسة المهنية؛

(ب) معالجة القضايا الأخلاقية التي تنشأ داخل المهنة؛

(ج) تبرير الأحكام الأخلاقية المرتبطة بالممارسة المهنية. (٢١)

ويمكن النظر إلى الأخلاق المهنية بوصفها فرعًا من الأخلاقيات التطبيقية يهدف إلى تحديد العمل المهني، وتوضيحه، وانتقاده، وفهم القيم النموذجية المرتبطة به. وتتميّز المهن، من الناحية الاجتماعية، بخبرة أعضائها القائمة على أسسٍ علمية، وبمثُلهم الأعلى في الخدمة، وهو ما ينطبق على ما يُعرف بالمهن الكلاسيكية. ويمكن فهم هذا المثل الأعلى للخدمة من خلال القيم التي تحدّد أهداف العمل المهني؛ فعلى سبيل المثال، يتمثّل الهدف الأساسي للطبيب في تعزيز الصحة. فكلّ مهنةٍ كلاسيكيةٍ لها مثلها الأعلى في الخدمة، المرتبط بالقيمة النموذجية لعمل أعضائها. (٢٢)

ومن منظور فلسفي أعمق، يمكن القول إنّ العمل المهني يُجسّد الحقوق والواجبات الخاصة بكل مهنة، كما يتطلّب توافر الفضيلة الشخصية لدى الممارس ذاته. ويمكن تناول أخلاقيات الهندسة، على سبيل المثال، من خلال الإشارة إلى النظام التكنولوجي، الذي يتميّز باستقلالية قيمه، وبمفهومي وجوب التكنولوجيا وحتميّتها. ومن خلال هذه المفاهيم يمكن تحليل سياق تعليم المهندسين، وعملهم، وأهدافهم، ونقدها. وترى النظرة التقليدية أنّ قيم الهندسة تتمثّل في سلامة الجمهور وصحّته ورفاهيته، غير أنّه يمكن — من منظورٍ نقدي — الطعن في هذا التصوّر. وتختلف مهنة الهندسة عن المهن الكلاسيكية في بعض الجوانب الجوهرية، حيث يلعب مفهوم الولاءات المزدوجة دورًا محوريًا في هذا الاختلاف. (٢٣)

وبذلك يمكن القول إنّ الأخلاق المهنية تتجلّى في ثلاثة أشكال رئيسة:

أولًا، تُفهم الأخلاق المهنية بوصفها مجموعة من القيم والمعايير التي تُوجّه عمليًا القرارات عند اتخاذها من قبل المهنيين، وبذلك تكون محدِّدًا للفعل بدرجات متفاوتة من الوضوح والوعي، ويُعزى تناول هذا الجانب من الأخلاق المهنية إلى علم النفس الاجتماعي.

ثانيًا، تُدرَك الأخلاق المهنية باعتبارها منظومة مثالية من القيم، تهدف إلى توضيح أفضل عالم ممكن تمارس فيه المهنة دورها على نحوٍ مثالي. وقد وضعت مختلف المهن في الوقت الحاضر مدوّنات سلوك تعبّر عن أفضل القيم والسلوكيات والنتائج المرجوّة. ويمكن وصف هذا النمط من الأخلاق المهنية بأنه تعبيري واستعراضي، ومن ثمّ يمكن دراسته من خلال أدوات البلاغة. غير أنّ هذا الافتراض يحتاج إلى توضيح، إذ لا ينبغي فهم مصطلح البلاغة بمعناه السلبي، بل بوصفه وسيلة لإعلان وتجسيد النوايا الحسنة التي يُفترض أن تميّز المهنة.

ثالثًا، تُعدّ الأخلاق المهنية فرعًا فلسفيًا نقديًا ينتمي إلى ميدان الأخلاق التطبيقية، حيث تُطبّق المناهج الفلسفية العامة على القرارات المهنية والتخطيط والعمل بغية تقييمها ونقدها وتطويرها. وتعتمد هذه المقالة النهج الفلسفي في دراسة الأخلاق المهنية. (٢٤)

ومن ثمّ، يمكن تمييز عدة اتجاهات رئيسة في ميدان الأخلاق المهنية الفلسفية:

أولًا، يُعرف الاتجاه الأول باسم «أخلاق المعضلات» (Quandary Ethics)، وهو مصطلح استخدمه للمرة الأولى — على ما يبدو — الفيلسوف إي. بينكوفز (E. Pincoffs). وعند تطبيق هذا المنظور على الأخلاق المهنية، تُدرَس الحياة المهنية من خلال مشكلاتها الدرامية ومعضلاتها الأخلاقية. فمثلًا، قد يجد محامي الدفاع نفسه ممثلًا لشخص خطر يعلم أن تبرئته قد تسبّب ضررًا جسيمًا للمجتمع. فهل يلتزم بالدفاع عنه رغم ذلك؟ إنّ حقّ الإنسان في الدفاع عن نفسه حقٌّ أساسي، لكنه لا يمكن ممارسته دون مساعدة مختص قانوني، وهو ما يجعل هذه الحالة نموذجًا لمعضلة أخلاقية في مجال القانون.

ثانيًا، يتناول اتجاه آخر تحليل المفاهيم الأساسية للعمل المهني والمهنية بوجه عام، وذلك عبر التحليل الفلسفي المفاهيمي. ويرى كثير من الفلاسفة أنّ هذا هو النهج الفلسفي الرئيس في دراسة الأخلاق المهنية، لما يتّسم به من شرعية منهجية وفائدة تحليلية. ومن أبرز المفاهيم التي تخضع لهذا التحليل مفهوما الاستقلالية (Autonomy) والسلطة (Authority)، بوصفهما من المفاهيم النموذجية في بنية الحياة المهنية.

ثالثًا، يركّز الاتجاه الفلسفي الأخير على العالم التاريخي للحياة المهنية، باعتباره الإطار الذي تتشكّل فيه جميع الأنشطة المهنية. وقد كان ميشيل فوكو (Foucault) من الروّاد في هذا النهج، الذي يُعَدّ — في كثير من الجوانب — الأكثر خصوبة وإنتاجًا؛ لأنه يتيح تكوين صورة شاملة عن الحياة المهنية، ويسمح بوضع الاتجاهات الأخرى في سياقٍ فلسفي وتاريخي متكامل. (٢٥)

٣- العلاقة بين الأخلاق الفردية والأخلاق المؤسسية:

وبعد تناول الأسس النظرية والفلسفية للأخلاق المهنية، تنتقل الدراسة إلى مستوى أكثر تطبيقًا، يتمثل في العلاقة بين الأخلاق الفردية والأخلاق المؤسسية، إذ لا يمكن فهم السلوك الأخلاقي المهني بمعزلٍ عن البيئة التنظيمية التي يعمل فيها الفرد. فكما أنّ الأخلاق المهنية تعبّر عن التزام الفرد بقيم عامة تحكم ممارسته، فإن المؤسسات بدورها تمتلك منظومات قيمية تحدّد الإطار العام للسلوك داخلها.

وتُكمِّل هذه الرؤية أهمية الأخلاق الفردية بمفهوم الأخلاق المؤسسية، إذ تُعَدّ القيم الأساس الجوهري للسلوك الأخلاقي، ويمكن تقييمها على مستويين: الفردي والتنظيمي. ويُطلق على التوافق بين قيم الفرد وقيم المؤسسة مصطلح «الانسجام بين الفرد والمنظمة» أو «التوافق القيمي»، وهو ما يشكّل محور العلاقة الأخلاقية بين الفرد ومؤسسته.

وفي هذا السياق، أجرت ليدتكا (Liedtka) في أطروحتها مقابلات مع عدد من المديرين في منظمتين، وطلبت منهم تحديد كلٍّ من قيمهم الشخصية وقيم مؤسساتهم التنظيمية، ثم شرح كيفية توظيفهم لهذه القيم في حلّ المعضلات الأخلاقية التي واجهوها. واستخدمت الباحثة مصطلح «التوافق القيمي» للدلالة على مدى الاتساق الداخلي الذي أبداه المشاركون في توصيف منظوماتهم القيمية الشخصية، وكذلك مدى إدراكهم لقيم مؤسساتهم بوصفها منظومات متسقة داخليًا أيضًا.

وقد ركّزت ليدتكا في دراستها على حلّ صراعات القيم، سواء أكانت صراعات داخلية يعيشها المدير ذاته، أم صراعات خارجية بينه وبين المؤسسة. وتبيّن من نتائج الدراسة أن المديرين ذوي التوافق القيمي العالي كانوا أكثر قدرة على حلّ النزاعات الأخلاقية على مستوى أخلاقي أرفع مقارنةً بأولئك الذين عبّروا عن توافق أقل أو قيم أقل اتساقًا داخليًا. كما لاحظت الباحثة أن المؤسسات، من منظور هؤلاء المديرين أنفسهم، تُظهر أنساقًا قيمية تتفاوت في درجة الاتساق الداخلي. فقد كان المديرون العاملون في مؤسسات ذات منظومات قيمية عالية الاتساق أكثر ميلًا إلى اتخاذ قرارات أخلاقية متقدّمة مقارنةً بنظرائهم في مؤسسات أقلّ اتساقًا قيميًا. (٢٦)

وفي مقالٍ لاحق مستمدٍّ من أطروحتها، أكدت ليدتكا أن النظام القيمي للمؤسسة يلعب دورًا حاسمًا في تشكيل الإطار الذي تُعرض عليه المعضلات الأخلاقية التي يواجهها المديرون. وقد قارنت بين مؤسستين: إحداهما تتسم بـ «نظام قيمي غني ومتعدد الأبعاد»، والأخرى وصفتها بأنها «نفعية بحتة».

وقد قامت ليدتكا بتحليل مصادر متعددة لصراع القيم، شملت ما يلي:

1- الصراع داخل منظومة القيم الخاصة بالمؤسسة،

2- الصراع داخل منظومة القيم الخاصة بالفرد،

3- الصراع بين قيم الفرد وقيم المؤسسة،

4- وأخيرًا الصراع المزدوج الذي ينشأ داخل القيم الفردية والتنظيمية وبينهما معًا. (٢٧)

واستخدمت ليدتكا مصطلح «التوافق القيمي» للإشارة إلى الانسجام الداخلي للقيم داخل المؤسسة، وكذلك إلى الاتساق الداخلي للقيم التي يتبنّاها الفرد. وكان من أبرز ما طرحته في حجّتها أنّه كلما ارتفع مستوى التوافق القيمي داخل المؤسسة، ازدادت قدرة قيمها على التأثير في استجابات الأفراد تجاه المعضلات الأخلاقية. وبالمثل، كلما اتسقت قيم الفرد داخليًا بدرجة أكبر، ازدادت قوة تأثيرها في تشكيل استجاباته لتلك المعضلات ذاتها. وبعبارة أخرى، حين تكون قيم المؤسسة متناقضة أو غير محدَّدة بوضوح، أو حين تكون قيم الفرد متضاربة أو غامضة، فإن هذه القيم تفقد فعاليتها النسبيّة في توجيه عملية اتخاذ القرار الأخلاقي. (٢٨)

كما استخدم بوسنر وشميت (Posner & Schmidt) أيضًا مفهوم التوافق القيمي لقياس مدى ما تتّسم به القيم من انسجام سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المؤسسات — وفقًا لتقارير الأفراد أنفسهم — غير أنهما لم يركّزا على العلاقة بين قيم الأفراد وقيم مؤسساتهم. وقد خلص الباحثان إلى أنّ التوافق القيمي لدى الأفراد والتوافق القيمي لدى المؤسسات يرتبطان ارتباطًا إيجابيًا بعملية اتخاذ القرار الأخلاقي، غير أنّ التأثير الأبرز كان للتوافق القيمي على المستوى الفردي. أما أدكنز (Adkins) وآخرون، فقد درسوا التوافق القيمي بين الزملاء في بيئة العمل، وخلصوا إلى أنّ النتائج الإيجابية في العمل — مثل الرضا الوظيفي والالتزام بالحضور — كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتوافق القيمي، ولا سيّما بين الموظفين ذوي الرتب الأدنى، وفي الوظائف التي تتطلّب تعاونًا مباشرًا بين الأفراد. (٢٩)

ويشير كوينزي وشمينكه (Kuenzi & Schminke) في مراجعتهما للأدبيات الخاصة بمناخ العمل التنظيمي إلى أنّ هناك تعددًا كبيرًا في التعريفات وتداخلًا ملحوظًا بين العديد من المفاهيم ذات الصلة، مثل: المناخ التنظيمي، ومناخ العمل، والمناخ النفسي، والسياق التنظيمي. وقد حاولا التمييز بين المناخ التنظيمي والثقافة التنظيمية، مشيرين إلى أنّ الأول يتعلّق أكثر بـ «كيفية إنجاز الأمور»، في حين ترتبط الثانية بـ «الافتراضات الكامنة» أو «المستوى الأعلى من التجريد».

ويُعدّ هذا التمييز ذا أهمية خاصة في دراسة مناخ الأخلاق داخل المنظمات، إذ يركّز هذا الحقل بدوره على «كيفية إنجاز الأمور» في سياق اتخاذ القرارات الأخلاقية، بخلاف مفهوم الثقافة الأخلاقية الذي يرتبط بالافتراضات العميقة التي تحكم السلوك. وتكتمل الصورة عند النظر إلى الأخلاقيات الفردية والمؤسسية معًا، حيث أشار أحد الاتجاهات المؤثرة في هذا المجال — كما طرحه فيكتور وكالن (Victor & Cullen) — إلى أنّ المنظمات يمكن أن تُظهر أبعادًا أخلاقية تماثل مراحل النمو الأخلاقي التي اقترحها كولبرج (Kohlberg) لتطور الأخلاق عند الأفراد.

كما أشارت دراسات متعدّدة إلى وجود علاقة وثيقة بين الأخلاقيات الفردية والمناخ التنظيمي، حيث أظهرت النتائج أنّ الأفراد يفضّلون مستويات أعلى من التوافق بينهما، وأنّ هذا التوافق يرتبط إيجابيًا بارتفاع مستويات الرضا الوظيفي والالتزام بالعمل، وبانخفاض نية ترك الوظيفة. (٣٠)

المحور الثاني: الأسس الفلسفية لأخلاقيات الوظيفة العامة

١- الفضيلة العملية عند أرسطو في سياق العمل العام

تُعَدّ الفلسفة الأخلاقية لأرسطو، كما عرضها في كتابه الأخلاق النيقوماخية، من أبرز النظريات التي أولت عناية خاصة بمفهومي الفضيلة والفهم الأخلاقي بوصفهما الأساس الجوهري للحياة المُرضية والمثالية. وتتناول هذه الدراسة تصوّر أرسطو للفضيلة والمعرفة الأخلاقية، وتبحث في العلاقة التفاعلية بينهما ضمن الإطار الكلي لنظريته الأخلاقية. (٣١)

وتؤسس هذه الرؤية لفهم الدور المركزي الذي تؤديه الفضيلة والمعرفة الأخلاقية في تحقيق الحياة المزدهرة، وهو ما يقودنا مباشرة إلى شرح مفهوم السعادة (اليوذيمونيا) باعتباره الهدف الأسمى للفكر الأرسطي. ويرتكز هذا الفكر على أن السعادة تمثّل اكتمال الازدهار الإنساني، ولا تتحقق إلا من خلال تنمية الخصال الفاضلة في النفس البشرية. فالفضيلة، في نظر أرسطو، ليست مجرد التزام بالقوانين أو اتباعٍ للمبادئ، بل هي ثمرة تكوين العادات الفاضلة واكتساب الحكمة العملية عبر الخبرة والتأمل. أما المعرفة الأخلاقية، فهي إدراك المبادئ التي توجه السلوك القويم، والقدرة على تطبيقها في المواقف العملية المحددة. ومن هنا يتضح أن تحقيق السعادة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بممارسة الفضائل، وهو ما يمهد للانتقال إلى تعريف الفضيلة وأنواعها.

تُعرِّف فلسفة أرسطو الفضيلة بأنها حالة من التميّز والصلاح الأخلاقي، وهي هيئة راسخة في النفس تمكّن الإنسان من التصرّف وفقًا للعقل وتحقيق أقصى قدراته بوصفه كائنًا عاقلًا. وتتضمّن الفضيلة، عنده، ميلاً ثابتًا لاختيار الوسط بين الإفراط والتفريط في الأفعال والانفعالات، ويوجَّه هذا الاختيار بواسطة الحكمة العملية (الفرونيسيس). أما الوسط أو ما يُعرف بـ«الوسط الذهبي»، فليس قاعدة جامدة، بل يتغيّر تبعًا للظروف والملابسات الخاصة بكل موقف. ويقسّم أرسطو الفضائل إلى نوعين رئيسيين:

1- الفضائل العقلية، مثل الحكمة والفهم، وتنشأ من التعلّم والبحث العقلي.

2- الفضائل الأخلاقية، مثل الشجاعة والاعتدال والعدالة، وتُكتسَب من خلال الممارسة العملية المستمرة والالتزام بالمبادئ الأخلاقية. (٣٢)

ويرتبط الفهم النظري للفضيلة بتطبيقها العملي في حياة الفرد، وهو ما يقود إلى الحديث عن تدرّج الفهم الأخلاقي بين الأشخاص المختلفين. فوفقًا لأرسطو، يشترك الفاضل والمعتدل (المالك لزمام نفسه – إنكراتيك) وغير المعتدل (العاجز عن ضبط نفسه – أكراتيك) في امتلاك معرفة بالخير، لأن العقل الإنساني موجَّه من حيث المبدأ نحو الصواب. ومع ذلك، فإن المعرفة الأخلاقية التي يمتلكها الإنسان الفاضل أكمل وأرقى، لأن من يعجز عن ضبط نفسه يفشل في ترجمة معرفته إلى فعل، فيظل فهمه الأخلاقي ناقصًا. وهكذا يعكس التدرّج بين الشخصيات الثلاث درجات متفاوتة من الفهم الأخلاقي والمعرفة العملية بالخير. (٣٣)

ويتبيّن من ذلك أن تحقيق السعادة عند أرسطو يرتبط بممارسة الفضيلة في أبعادها النظرية والعملية معًا، مما يكشف عن الطابع الاجتماعي والسياسي للأخلاق في فلسفته. فالسعادة، في تصوره، لا تُنال إلا عبر الاعتياد والممارسة العملية، إذ تمتزج الفضيلة في جوهرها بين البعد المعرفي الذي يهتم بإدراك الخير، والبعد الأخلاقي الذي يتمثل في ممارسة هذا الخير واقعًا. وتقوم الأخلاق الأرسطية، في جوهرها، على تنمية العادات الفاضلة والسعي المستمر نحو التميّز والاعتدال، فيتحقق الاتساق الداخلي والاستقامة الأخلاقية. (٣٤)

وترتبط الفضائل الأخلاقية (Moral Virtues) بالصفات الشخصية وأنماط السلوك التي توجه أفعال الإنسان في المواقف الاجتماعية والأخلاقية. وتُكتسب هذه الفضائل من خلال الممارسة الواعية والتعوّد التدريجي على السلوك القويم، وهي تقوم على تحقيق توازن منسجم بين طرفي الإفراط والتفريط في مختلف الميول والانفعالات. ومن أبرز أمثلتها:

- الشجاعة: الوسط بين الجبن (نقص) والتهور (إفراط).

- الاعتدال: الوسط بين الإفراط في المتع (إسراف) والبلادة أو انعدام الإحساس (نقص).

- الكرم: الوسط بين التبذير (إفراط) والبخل (نقص).

- العدالة: الوسط بين الظلم أو التقصير (نقص) والإفراط في التعويض أو تجاوز الحدّ (إفراط). (٣٥)

وتوضّح هذه الأمثلة كيف يمكن للفرد أن يُجسّد التحليل النظري للفضيلة في سلوكه العملي اليومي، لتتحقق بذلك وحدة النظر والفعل. ومن ثمّ، فإن الفضيلة عند أرسطو لا تنحصر في المجال الفردي، بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية والسياسية، إذ يرى أن الغاية القصوى من الوجود الإنساني هي الازدهار الإنساني الذي يتحقق من خلال المشاركة في الحياة العامة وممارسة الفضائل في المجال السياسي. فالفضيلة ليست مجرد خلق فردي، بل هي ممارسة مدنية تشارك في تحقيق الصالح العام. (٣٦)

ومن هذا المنطلق، لا يفصل أرسطو بين الحكمة العملية (الفرونيسيس) والحرفة (التكني) أو العلم (الإبيستيمي)، لاسيما عند تأسيسه لنظريته السياسية. فكما يرى بعض الباحثين، ومنهم راشيل بارني، فإن أرسطو يصوغ مفهوم الفضيلة في إطار الحرفة، أي بوصفها مهارة تُمارس وتتقن بالتجربة والخبرة. وقد ارتبط هذا التصور في أصله بالسفسطائيين الذين زعموا أنهم قادرون على تعليم الفضيلة السياسية بوصفها فنًا يمكن اكتسابه. (٣٧)

وفي الكتاب السادس من الأخلاق النيقوماخية، يميّز أرسطو بين الحكمة العملية والحرفة. فهو يُعرّف الحِرَف بأنها «حالة عقلية تشمل العقل الصحيح وتتعلق بالإنتاج»، بينما الحكمة العملية تتعلق بالفعل الذي غايته الخير ذاته. ويصف الشخص الحكيم عمليًا بأنه «قادر على المداولة الدقيقة حول الأمور التي هي خير ونفع له»، لا في شأنٍ جزئي كالصحة أو القوة، بل في ما يعزّز الحياة الجيدة عمومًا. وهنا يتضح أن الحكمة العملية، بخلاف الحرفة، تنتمي إلى مجال الفعل لا الإنتاج، لأنها تسعى إلى الفعل الجيد ذاته. (٣٨)

وبوجهٍ عام، تُعرَّف الحرفة بأنها «تنظيم وتوحيد للممارسة يؤدي إلى القدرة على تقديم تفسيرات وفهمٍ منظّم»، وهي بذلك تقلّل من الصدفة وعدم اليقين في الحياة الاجتماعية. ويستخدم أرسطو هذا المفهوم في تطوير نظريته السياسية التي تقوم على معرفةٍ منهجية بكيفية تحقيق الغايات المرغوبة. ومن هنا يؤكد أن «الإنتاج ينتهي إلى شيءٍ آخر غير ذاته، أما الفعل فلا، لأن غايته هي الفعل الجيد ذاته»، وأن «العلم السياسي والحكمة العملية هما نفس الحالة». (٣٩)

وهكذا يتضح أن الفضيلة العملية والحكمة العملية ليستا مجرد معرفة نظرية، بل مهارة مكتسبة تتجسد بالفعل الواعي في الحياة العامة، سواء في السياسة أو في المجال الاجتماعي، حيث يتحقق التوازن بين النظرية والممارسة، وبين المعرفة والفعل، في صورة وحدة أخلاقية متكاملة تمثل جوهر الفكر الأرسطي في الأخلاق والسياسة.

٢- الواجب عند كانط ومفهوم المسؤولية الأخلاقية:

تنصّ إحدى الركائز المركزية في فلسفة كانط الأخلاقية على أنّه لكي يكون للفعل قيمةٌ أخلاقية، فلا بدّ له من أن يكون مطابقًا للواجب فحسب، بل يجب أيضًا أن يُؤدَّى بدافع الواجب. وتُطرح هنا مسألة ما إذا كان الفعل بدافع الواجب نفسه واجبًا أخلاقيًا، أي ما إذا كان كانط يرى أنّ علينا واجبًا في أن نؤدي أفعالنا بدافع الواجب ذاته. وقد ذهب عددٌ من العلماء البارزين، ومنهم هنري أليسون، وهـ. ج. باتون، وروبرت پپين، وو. د. روس، إلى أنّ كانط يرى بالفعل وجود مثل هذا الواجب (٤٠).

يُفهم دافع الواجب تقليديًا على أنه دافع أوّلي، حيث تُستخدم صفة الأوّلي لتمييز الدوافع الأوّلية عن الثانوية. وتتميّز الدوافع الأوّلية بثلاث خصائص أساسية:

١. الدوافع الأوّلية تعبّر عن نوع الاعتبارات التي يستند إليها الفاعل نفسه عادةً لتفسير سبب قيامه بالفعل الذي أتى به.

٢. الدوافع الأوّلية تمتلك قوة تحفيزية فعلية؛ فهي تُسهم في التسبّب بالفعل وتُقدّم «الدافع الرئيس للفعل، أي ما يُحرّك المرء إلى العمل».

٣. الدوافع الأوّلية هي من نوع الاعتبارات التي تظهر عادةً ضمن عملية التأمل أو المداولة العقلية، وتشكل جزءًا من أساس الاختيار لدى الفاعل؛ فهي تعبّر عن «الاهتمام أو القصد الذي حدّد سلوكه كما فعل»، أي «الدافع الذي تصرّف على أساسه» (٤١).

وفيما يخصّ تقسيم الواجبات، يُلاحظ آلن و. وود في كتابه "الأخلاق الكانطية" أنّ التقسيم الجوهري للواجبات عند إيمانويل كانط يقوم على التمييز بين الواجبات القانونية (الحقوقية) والواجبات الأخلاقية. ويشكّل هذا التقسيم الأساس البنيوي لكتاب "ميتافيزيقا الأخلاق" ، الذي ينقسم إلى قسمين رئيسيين: مذهب الحق ومذهب الفضيلة، وهو ما يسميه كانط بـ«الأخلاق».

ويمثل هذان المجالان إطارين تشريعيين متميّزين، لكلٍّ منهما مبدؤه الأساسي الخاص، ويعبّران عن القيمة الجوهرية للإنسان بطرقٍ مختلفة. يُقدّم مذهب الحق الأساس للدولة السياسية وتشريعاتها الخارجية، ويتضمّن الواجبات الحقوقية التي تُكوِّن بنية قانونية عقلانية، كثيرٌ منها قابلٌ للتطبيق القسري من خلال القوانين المدنية أو الجنائية. ومع ذلك، لا يصنّف كانط جميع الواجبات الحقوقية بوصفها قابلةً للإكراه؛ إذ يرى أنّ بعضها، مثل واجبات العدالة المستندة إلى الإنصاف، غير قابلٍ للإنفاذ القسري.

ويوضّح وود أنّ سوء الفهم لمفهوم «الحق» عند كانط يحدث حين يُختزل إلى مجرّد فلسفة قانونٍ أو سياسة دولة، بينما ينبغي فهمه باعتباره نسقًا من القواعد الأخلاقية العقلانية الهادفة إلى ضمان معاملة الإنسانية كغايةٍ في ذاتها، من خلال صون الحرية الخارجية للأشخاص وفقًا لقوانين كلية.

أمّا مجال الأخلاق، فيتناول الواجبات التي تحثّ الإنسان على معاملة الإنسانية — في ذاته وفي الآخرين — كغايةٍ في ذاتها بطرقٍ تتجاوز مجرد حماية الحرية الخارجية. وتتحقّق هذه الواجبات من خلال الانضباط الذاتي العقلاني الذي يهدف إلى تهذيب الطبيعة الإنسانية وتعزيز ازدهارها (٤٢).

وعلى خلاف الواجبات الحقوقية، لا يجوز فرض الواجبات الأخلاقية بالإكراه الخارجي، لأنّ ذلك يُخلّ بالاستقلال الذاتي للفرد وينتهك حقوقه. لذا، يجب أن تُؤدَّى الواجبات الأخلاقية بدافع الشعور الداخلي بالواجب والالتزام العقلي الأخلاقي. ويرى كانط أنّ جميع الواجبات الحقوقية هي أيضًا واجبات أخلاقية بمعناها الأوسع، لأنّ احترام القانون وحقوق الآخرين ينبع من القيمة الجوهرية للإنسانية ذاتها. ومن ثمّ، يجب أداء الواجبات الحقوقية لا لمجرّد الالتزام القانوني، بل بدافع الاحترام الأخلاقي للواجب (٤٣).

وفي نطاق الواجبات الأخلاقية، يُفرّق كانط بين الواجبات تجاه الذات والواجبات تجاه الآخرين، وتنقسم كل فئة بدورها إلى نوعين:

١. واجبات تامة: إلزامية تمامًا، وانتهاكها يستوجب اللوم الأخلاقي.

٢. واجبات غير تامة: غير إلزامية على نحو صارم، لكنها تُعدّ فاضلة ومستحقة للثناء الأخلاقي.

وفي كتابه "المبادئ الأساسية لمتافيزيقا الأخلاق" ، يصرّح كانط بأنّ الواجب هو ضرورة الفعل انطلاقًا من الاحترام للقانون الأخلاقي. ويرى أنّ القيمة الأخلاقية للفعل لا تكمن في النتائج التي يحققها، ولا في أيّ مبدأٍ يستمدّ دافعه من التوقعات المرتبطة بالعواقب، فآثار مثل الرضا الشخصي أو حتى سعادة الآخرين لا تُكوِّن في ذاتها قيمةً أخلاقية. بل إنّ الخير الأسمى — أو ما يسمّيه كانط الخير الأعلى غير المشروط — يكمن في المفهوم ذاته للقانون الأخلاقي، وهو ما لا يقدر على تصوّره إلا الكائنات العاقلة. لذلك، لا تكون للفعل قيمةٌ أخلاقية إلا عندما تكون الإرادة محدَّدة بالقانون ذاته، لا بأيّ نتائج متوقعة عنه (٤٤) وتنقسم الواجبات عند كانط كما يلي:

١. الواجبات الضرورية نحو الذات:

يؤكّد كانط أن الإنسان ليس مجرّد شيء يُستعمل كوسيلة، بل يجب دائمًا أن يُعامَل كغاية في ذاته. ويوضّح هذه الفكرة من خلال مثال الانتحار؛ إذ يرى أنّ من يُفكّر في إنهاء حياته هربًا من الألم إنما يستخدم نفسه كوسيلة لتجنّب المعاناة، وهو ما يتعارض مع المبدأ الأخلاقي القائل بوجوب معاملة الإنسانية كغاية لا كوسيلة. ومن ثمّ، لا يجوز أخلاقيًا للإنسان أن يتخلّص من ذاته بالتشويه أو التدمير الذاتي.

٢. الواجبات الضرورية نحو الآخرين:

فيما يتعلّق بالآخرين، يشرح كانط أنّ تقديم وعدٍ خادعٍ لشخصٍ ما هو نوع من معاملة ذلك الشخص كوسيلة فحسب لتحقيق غايةٍ خاصة، فالمخدوع لا يمكنه أن يوافق عقلانيًا على أن يُستغل بهذه الطريقة، وبالتالي يُخفق الفاعل الأخلاقي في احترام الآخر كغاية في ذاته. إنّ انتهاك حقوق الآخرين على هذا النحو يُعدّ إخفاقًا في الاعتراف بطبيعتهم العاقلة وكرامتهم الجوهرية.

٣. الواجبات الجديرة بالاستحقاق نحو الذات:

يرى كانط أنّه لا يكفي مجرد الامتناع عن انتهاك مبدأ الإنسانية كغاية في ذاتها، بل يجب كذلك العمل على تعزيز هذا المبدأ. فالإنسان يمتلك استعداداتٍ طبيعية نحو التطوّر الأخلاقي والفكري، وإهمال هذه الاستعدادات لا يُعتبر خرقًا مباشرًا للواجب، لكنه يُقصّر في تحقيق الغاية الأخلاقية الكاملة للإنسانية.

٤. الواجبات الجديرة بالاستحقاق نحو الآخرين:

يعتقد كانط أنّ الإنسانية يمكن أن تستمر من حيث المبدأ حتى لو لم يسعَ الأفراد إلى تعزيز سعادة الآخرين، إلا أنّ ذلك يعكس التزامًا سلبيًا فحسب بمبدأ الإنسانية. أما الالتزام الإيجابي فيقتضي أن يسعى الإنسان بقدر الإمكان إلى دعم الغايات المشروعة للآخرين. إنّ المبدأ القائل بوجوب معاملة الإنسانية كغاية في ذاتها لا يُستمد من التجربة، بل من العقل الخالص، وهو يعمل كقانونٍ أخلاقي موضوعي يضع حدودًا للأهداف الذاتية، ويدعم التشريع العملي الكوني.

٥. الضرورة العملية للعمل من منطلق الواجب:

يؤكد كانط أن ضرورة العمل من منطلق الواجب لا تنشأ عن المشاعر الذاتية أو الميول الشخصية، بل عن العلاقة العقلانية بين الفاعلين الأخلاقيين. ويجب اعتبار الإرادة العقلانية إرادة تشريعٍ ذاتي، تُلزم نفسها بالقوانين الكونية احترامًا للقانون الأخلاقي. ويتضمّن مفهوم الواجب ليس فقط الامتثال الموضوعي للقانون (الشرعية)، وإنما أيضًا الالتزام الذاتي بالقانون كدافع (الأخلاق). فالأفعال التي تُؤدّى من منطلق الواجب، لا لمجرّد الامتثال له، هي التي تمتلك قيمةً أخلاقية حقيقية.

وقد تُوصَف الأفعال التي تُنجَز بتضحياتٍ كبيرة باسم الواجب بأنها نبيلة أو سامية، غير أنّ هذا الوصف لا يصحّ إلا إذا نشأت عن شعورٍ حقيقي بالالتزام الأخلاقي، لا عن العاطفة. ويؤكد كانط أنّ كرامة الواجب مستقلة عن الإشباع الشخصي، مشددًا على أنّ الحياة الأخلاقية يجب أن تُحكم بالتشريع الذاتي العقلاني. فأيّ محاولة لدمج الواجب الأخلاقي مع السعي وراء الإشباع الشخصي تُقوِّض في النهاية الحياة الأخلاقية ذاتها (٤٥).

في ضوء هذا التحليل، يمكن القول إنّ انتشار الجريمة في المجتمع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفشل في العمل من منطلق الواجب، وهو، في نظر كانط، المعيار الوحيد للقيمة الأخلاقية. ومن ثمّ، فإنّ الوقاية من الجريمة لا تقوم على مجرد الامتثال للقوانين أو الأعراف الاجتماعية، بل على الأفعال التي تُؤدَّى بدافع الواجب الخالص.

ويتعين على القادة السياسيين، على وجه الخصوص، أن يدركوا أنّ مناصبهم ليست وسائل لتحقيق المكاسب الشخصية، بل هي مسؤوليات أخلاقية تُسهم في خدمة الصالح العام. وتؤدّي نزاهتهم الأخلاقية دورًا حاسمًا في الحفاظ على الثقة العامة وترسيخ النظام المجتمعي.

علاوة على ذلك، يجب أن يكون ضباط الاستخبارات وأجهزة إنفاذ القانون، بصفتهم كائناتٍ عقلانية، موجهين دومًا بالقانون الأخلاقي، وأن يستخدموا قدراتهم في جمع المعلومات والوقاية من الجريمة والكشف عنها في إطار منضبط بالعقل العملي. كما ينبغي أن يعمل المخبرون الذين يساهمون في هذه العمليات من منطلق الواجب الخالص، مختارين الخير بفضل إرادتهم العقلانية. وينبغي أن تتوافق أفعالهم مع قواعد يمكن تعميمها عالميًا، انسجامًا مع المبدأ الأخلاقي المطلق الذي صاغه كانط (٤٦).

ويجب أن تكون الإرادة، بوصفها قدرةً عقلانيةً تشريعيةً، هي القوة الموجِّهة لضباط الشرطة، تبعدهم عن المصالح الذاتية وتدفعهم نحو الواجب الأساسي المتمثل في الوقاية من الجريمة وخدمة العدالة. وعندما يلتزم العاملون في هذه المؤسسات بالمبدأ العقلاني للواجب، فإنهم لا يؤدّون التزاماتهم المهنية فحسب، بل يُسهمون أيضًا في تعزيز النسيج الأخلاقي للأمة.

وعلاوة على ذلك، فإنّ الانضباط الأخلاقي داخل أجهزة الشرطة والاستخبارات يُعدّ شرطًا ضروريًا لمكافحة الفساد وسائر الجرائم التي تهدّد الاستقرار الوطني. إنّ الحالة الأخلاقية الراهنة للأمة يمكن معالجتها بفاعلية من خلال عقيدة الواجب عند كانط، إذ تُعيد الاعتبار لمفهوم الاحترام العقلي للقانون الأخلاقي بوصفه أساس السلوك الإنساني الراشد. وفي النهاية، يجب أن يكون السعي نحو الأفعال النبيلة والمحمودة أخلاقيًا مستندًا لا إلى الدوافع العاطفية، بل إلى الاحترام العقلاني للواجب وحده. وعلى كل مواطنٍ أن يُدرك أنّ الفعل الأخلاقي الحقّ إنما ينبع من الواجب وحده، تأكيدًا لكرامة الكائنات العاقلة ورفعًا للقانون الأخلاقي بوصفه قوة تشريعية كونية شاملة (٤٧).

3- العدالة والمسئولية الاجتماعية عند جون رولز وهبرماس

يرى جون رولز أن أسمى مثال يمكن أن تسعى إليه الإنسانية هو العدالة، وهي تقتضي النظر إلى الإنسان بوصفه غايةً في ذاته لا وسيلةً لغيره. ورغم إقراره بأهمية مفاهيم مثل الاستقرار والإنتاج والكفاءة في المجتمع، فإن رولز يؤكد أن التركيز على العدالة، وعلى العلاقة بين المؤسسات والأسباب العادلة، يفوق كل تلك الاعتبارات أهمية. فوفقًا له، إن تحديد القيم التي تختارها البنى الاجتماعية المختلفة، وتوزيع الخيرات الأساسية بين أفراد المجتمع تبعًا لهذه القيم، هو ما يُشكّل العدالة.

ويرى رولز أن العدالة هي تقليد أخلاقي يتناول مسألة التوزيع المنصف للحاجات بين أفراد الجماعة. فالمجتمع، في نظره، يتكوّن من أفراد يعملون معًا لتكوينه، ويخضع كل عضو في المجتمع المنظم للمبادئ الأخلاقية نفسها، ويدرك أن المؤسسات الاجتماعية الكبرى عادةً ما تتمسك بهذه المبادئ. ويعتقد رولز أن العامل الأهم في إقامة العدالة هو البنية الأساسية للمجتمع، أي الكيفية التي تتفاعل بها مؤسساته الكبرى — كالأسرة والنظام السياسي والنظام الاقتصادي — لتؤثر في الفرص المتاحة للأفراد في حياتهم (٤٨).

ومن ثَمّ، تُصاغ مبادئ العدالة لتنظيم الأساس الذي يقوم عليه المجتمع. فالعدالة الاجتماعية تفرض التزامات تبعية على الأفراد: فإذا وُجدت مؤسسات عادلة، وجب عليهم الالتزام بقواعدها؛ وإن لم توجد، وجب عليهم السعي لإقامة مؤسسات عادلة، بقدر ما يكون ذلك ممكنًا ومن دون أن يفرض عبئًا مفرطًا على الفرد الساعي. ومن هنا، رأى رولز أن العدالة هي الإنصاف، لأن أي مجموعة من المبادئ التي يتفق عليها الجميع لا بد أن تكون منصفة للجميع أيضًا، إذ لا أحد سيقبل بها لو كانت جائرة عليه (٤٩).

تُعَدّ العدالة، وفقًا لجون رولز، الفضيلة الأساسية للمؤسسات الاجتماعية، والأساس الذي يقوم عليه البناء الاجتماعي. ويرى رولز أن جميع القرارات التشريعية والسياسية يجب أن تبقى ضمن الحدود التي تضعها قواعد العدالة. ويؤكد أن المجال الرئيس الذي تعمل فيه العدالة هو توزيع الخيرات، إذ يرى أن «الخيرات» هي ما يمتلكه الإنسان بعقله وإرادته، وتشمل كل ما يطمح إليه من الثروة والمكانة الاجتماعية والفرص والمواهب والاستقلال والاحترام الذاتي.

ويُعدّ رولز أبرز ممثلي الأخلاق التعاقدية المعاصرة، إذ «بحث في كيفية بناء النظام السياسي والمؤسسات على وفق مبادئ العدالة، التي اعتبرها في الأصل قيمةً أخلاقية». كما اختار رولز جانب الإيثار على حساب الأنانية، لأن مبدأه — بحسب هوفر، وهنت، وأوكهولم — يقوم على «عدم الانحياز في جانب الإيثار، إذ تُعتبر خيرية كل إنسان مساوية لغيره»، وهو المبدأ الذي طوّره رولز في كتابه نظرية في العدالة، حيث دافع عن فكرة أن العدالة هي الحقيقة (٥٠).

تندرج الأخلاق التعاقدية المعاصرة في إطار فئتين رئيسيتين. ورغم أن كلا الاتجاهين يتبنى الرؤية الكلاسيكية التي تقرّ بأن جميع البشر خُلقوا متساوين، فإنهما يتفقان أيضًا على أنه إذا اتُّفق على مبادئ معينة من الجميع، فلا يجوز التضحية بمصلحة أحد لصالح آخر. وتنطلق هذه الفكرة من أن مبادئ العدالة يجب أن تُبنى على عقدٍ افتراضي، غير أن الاتجاهين يختلفان في تفسيرهما لطبيعة المساواة الفطرية بين البشر.

فالتيار الأول، المستند إلى هوبز، يفسّر المساواة الطبيعية بأنها تفاوت في القوة الجسدية، ويرى أن هذا التفاوت يقود إلى إدراكٍ مشترك بضرورة اعتماد قواعد تحفظ حقوق الجميع. وقد تبنّى هذا التفسير فلاسفةٌ مثل ديفيد جوطييه وراسل، وهو يتعارض مع المفهوم التقليدي للعقد الاجتماعي الذي يرى أن البشر متساوون أخلاقيًا بطبيعتهم، وأن أهدافهم تخضع لاعتبارات موضوعية ومشتركة.

أما جون رولز، فهو من أنصار النظرية التعاقدية الأخلاقية التي يستند فيها إلى التصور الكانطي للمساواة الأخلاقية، لا إلى التصور الهوبزي (٥١).

يُحدِّد جون رولز مفهومين أساسيين للعدالة، يُشكِّلان جوهر نظريته في العدالة باعتبارها إنصافًا:

١- لكل فرد حقٌّ متساوٍ في أوسع نطاق ممكن من الحريات الأساسية، على أن تكون هذه الحريات متوافقة مع الحريات المماثلة للآخرين.

٢- يجب تنظيم أوجه التفاوت الاجتماعي والاقتصادي وفق مبدأين فرعيين:

(أ) مبدأ الإنصاف في الحماية، بحيث تُوجَّه التفاوتات لخدمة مصلحة الأقل حظًّا في المجتمع بأكبر قدر ممكن.

(ب) مبدأ تكافؤ الفرص العادل، بحيث تُتاح المناصب والوظائف والمراكز للجميع على قدم المساواة.

ويُطلق رولز على هذه المبادئ أسماء محددة:

الأول هو مبدأ الحرية،

والثاني هو مبدأ الاختلاف،

والثالث هو مبدأ تكافؤ الفرص العادل.

ويُبيّن رولز أن هناك ترتيبًا هرميًا صارمًا بين هذه المبادئ، إذ إن المبدأ الأول، أي مبدأ الحرية، يتقدّم على المبدأ الثاني في الأهمية، كما أن البند (ب) من المبدأ الثاني — أي تكافؤ الفرص — يتقدّم على البند (أ)، وهو مبدأ الاختلاف. وهذا يعني أن تحقيق تكافؤ الفرص شرطٌ سابق لتحقيق العدالة في توزيع الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية. ويؤكد رولز أن الالتزام بالمبدأ الأول ضروري لتأسيس البنية الاجتماعية والأفعال العادلة؛ إذ لا يمكن تطبيق المبدأ الثاني دون ضمان الحقوق والحريات الأساسية التي يحميها المبدأ الأول. ومع ذلك، يسمح المبدأ الثاني بتنظيم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ما دامت تلك التنظيمات تُسهم في تحسين أوضاع الفئات الأقل حظًّا في المجتمع (٥٢).

قدّم جون رولز أيضًا مفهوم واجب المساعدة (Duty of Assistance)، الذي يرى من خلاله أنّ الدول المتقدمة تتحمّل التزامًا أخلاقيًا تجاه الدول النامية أو المجتمعات المثقلة بالأعباء، يتمثل في مساعدتها على بناء مؤسسات عادلة وكافية من دون فرض قيمٍ أو نماذج محددة عليها، وذلك تمكينًا لها من بلوغ استقلالٍ مؤسسيٍّ حقيقي يضمن العدالة والرفاه لمواطنيها.

وفي المقابل، يتعيّن على الدول المتلقّية للمساعدة أن تُظهر التزامًا جادًّا بتطوير مؤسساتٍ تتوافق مع المبادئ الأساسية للعدالة. ومن خلال طرحه لمفاهيم مثل مجتمع الشعوب وواجب المساعدة، وضع رولز إطارًا نظريًا يوازن بين العدالة والسيادة والتضامن الدولي، ويهدف إلى بناء مجتمعٍ دولي أكثر عدالةً وانسجامًا من دون إغفال التنوّع الثقافي والسياسي بين الأمم.

وفي السياق المعاصر، أصبحت مفاهيم مثل التوافق المتداخل والعقل العمومي ذات أهمية خاصة في صياغة سياساتٍ شاملةٍ قائمةٍ على الحوار والتفاهم. أما على المستوى العالمي، فإن مبدأ واجب المساعدة يشكّل الأساس لتصميم سياسات المساعدات الدولية التي تركز ليس فقط على الرفاه الاقتصادي، بل أيضًا على بناء مؤسسات عادلة ومستدامة (٥٣).

تُعدّ العدالة الهدف الرئيس للنظام القانوني والسياسات العامة، والتي تلعب دورًا مهمًا في تحقيق المساواة والتوزيع العادل في ظل ديناميات المجتمع. وفي سياق القانون الحديث، يتمثل التحدي الأساسي في ضمان أن يكون القانون ليس مجرد أداة لتنظيم العلاقات الاجتماعية فحسب، بل قادرًا أيضًا على التكيف مع الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية المتطورة. وأحد المناهج الفلسفية التي يمكن استخدامها لمواجهة هذا التحدي هو كتاب "نظرية العدالة" لجون رولز، الذي قدّم من خلاله مفهوم العدالة باعتبارها عدالة إنصاف، وهو ما يوفر إطارًا مفاهيميًا لتقييم الهياكل الاجتماعية والمؤسسات القانونية استنادًا إلى العدالة التوزيعية. (٥٤)

وفي عالم الأعمال، وخصوصًا في عملية دمج الشركات والاستحواذ عليها، تُعتبر العدالة أحد العناصر الحاسمة، إذ تهدف عملية الدمج والاستحواذ غالبًا إلى خلق قيمة مضافة، مثل تحسين الكفاءة التشغيلية، وزيادة الحصة السوقية، أو تحقيق وفورات في التكاليف. ومع ذلك، تثير هذه العملية تحديات تتعلق بتوزيع المنافع والأعباء بين المساهمين وغيرهم من أصحاب المصلحة. وفي سياق الشركات الحديثة، أصبحت مبادئ رولز ذات صلة خاصة، ولا سيما في عملية دمج الشركات بعد الاستحواذ، التي غالبًا ما تؤثر على حقوق ومصالح المساهمين الأقلية. كما أن مبدأ رولز في العدالة التوزيعية ذو أهمية لضمان توزيع المنافع الناتجة عن إجراءات الشركات بطريقة متناسبة وعادلة. (٥٥)

ويرى جون رولز في نظريته الشهيرة "نظرية العدالة" أن الإنسان كائن أخلاقي يسعى إلى بناء مشروع حياته ضمن نظام من التعاون الاجتماعي العادل. ومن ثمّ، فإن المجتمع العادل هو الذي يوفّر للأفراد ما يُسميه «السلع الأساسية»، التي تشمل الحريات والفرص والدخل والثروة والاحترام الذاتي. (٥٦) ويُعدّ الاحترام الذاتي حجر الأساس في هذه السلع، لأنه يُعبّر عن شعور الفرد بقيمته كمواطن متكافئ داخل المجتمع. فالعمل أو المهنة التي يختارها الإنسان ليست مجرّد وسيلة للعيش، بل هي مجال لتحقيق الكرامة والمشاركة في الحياة العامة. لذلك يجب أن تكفل العدالة توزيع الفرص المهنية توزيعًا متكافئًا حتى لا تُهدر كرامة الإنسان أو يُقصى من دائرة التعاون الاجتماعي. (٥٧)

ولم يتناول رولز البطالة القسرية مباشرة، لكنه أشار إلى أن النظام الاقتصادي العادل ينبغي أن يضمن تكافؤ الفرص ويُحقق المنفعة المشتركة. فحرمان الأفراد من العمل لا يعني فقط حرمانهم من الدخل، بل من المشاركة الفعلية في الحياة العامة. ولهذا يرى عدد من الباحثين المعاصرين أن منسوب العدالة في المجتمع يُقاس بقدر ما يُوفّر من فرص عمل حقيقية لكل من يرغب في العمل. (٥٨) وتذهب بعض الدراسات إلى ضرورة إدراج مبدأ التوظيف الكامل ضمن قائمة السلع الأساسية التي يفاضل فيها الأفراد في «الموقف الأصلي»، بحيث لا يكون العمل حقًّا اختياريًا، بل مكوّنًا جوهريًا من العدالة الاجتماعية. (٥٩)

وقد أشار رولز في موضع من كتاباته إلى أن الدولة يمكن أن تؤدي دور «صاحب العمل الأخير» لضمان عدم وجود بطالة قسرية. (٦٠) إلا أن هذه الفكرة لم تُدمج رسميًا في بنية نظريته، وهو ما دفع بعض الباحثين — مثل باربرا فريد — إلى القول إن «الرد الرولزي على الليبرتارية يمثل فصلاً غير مكتوب من نظرية العدالة». (٦١) فلو تم إدراج العمل ضمن السلع الأساسية، لأصبحت العدالة ملزمة بتوفير نظام اقتصادي يضمن التوظيف الكامل لكل المواطنين القادرين والراغبين في العمل. وهذه الإضافة ستمنح النظرية بُعدًا مؤسسيًا جديدًا يربط بين العدالة الاجتماعية وسياسات التشغيل، وهي خطوة نحو دمج فلسفة رولز مع الاقتصاد العملي وقانون العمل. (٦٢)

أما يورجن هبرماس فيُعدّ أحد أبرز المفكرين الألمان في القرن العشرين، وقد قدم إسهامات مهمة في الفلسفة الاجتماعية والسياسية. وتتركز أعماله على الفعل التواصلي (Communicative Action) كأساس لفهم العدالة والمسؤولية الاجتماعية في المجتمعات الحديثة. (٦٣) ويرى هبرماس أن العدالة لا تُفهم فقط عبر توزيع الموارد، بل من خلال عملية تواصلية تشاركية تُفضي إلى توافقات معقولة بين الأفراد. ففي كتابه "نظرية الفعل التواصلي"، يشير إلى أن العدالة تتحقق عندما يتفق الأفراد على قواعد سلوكية تُحترم عالميًا وتُستند إلى التفاهم المتبادل. (٦٤)

ويربط هبرماس المسؤولية الاجتماعية بالحياة المشتركة، التي تُشكّل السياق الثقافي والاجتماعي للأفراد، إذ يتحمل الأفراد مسؤولية تجاه بعضهم البعض عبر التفاعل التواصلي الذي يؤدي إلى فهم مشترك وتوافقات أخلاقية. (٦٥) وتقوم نظرية الفعل التواصلي عنده أساسًا على تمييزٍ بين مفهومين للعقلانية يوجِّهان المعرفة ويحددان كيفية توجيه الفعل:

أولًا: العقلانية المعرفية–الأداتية، وهي التي تقوم على توجيه الفعل نحو تحقيق أهداف خاصة يحددها الفاعل مسبقًا، وتنقسم هذه الأفعال إلى نوعين:

١. الفعل الأداتي: عندما يكون الهدف هو التأثير الفعّال في حالة من حالات الواقع (كما في العمل والإنتاج).

٢. الفعل الاستراتيجي: عندما يسعى الفاعل إلى التأثير في قرارات الآخرين لتحقيق غاياته الخاصة (كما في علاقات السيطرة أو الهيمنة).

ثانيًا: العقلانية التواصلية، التي تقوم على أفعال موجَّهة نحو التفاهم المتبادل، أي تلك التي تهدف إلى تحقيق اتفاق بين الذوات المتخاطبة من أجل توحيد تفسيراتهم للعالم وتناغم رؤاهم المشتركة حوله. (٦٦)

ووفقًا لهبرماس، ترتبط عملية الشرعية بتقييمات ادعاءات الصلاحية مثل الصحة، والعدالة، والكفاية، والصدق، وقابلية الفهم المدمجة ضمن عملية الاتصال نفسها. ويشير هذا إلى مفهوم "الفعل التواصلي"، الذي يرى هبرماس أنه محوري في عملية الشرعية. فالفعل التواصلي يرتبط بكيفية تقييم الأفراد لشرعية الأفعال الكلامية باعتبارها مسألة تشكيل مواقفهم الأخلاقية، وكذلك المجتمع الأوسع الذي ينتمون إليه. وتشمل هذه التقييمات تطوير "الكفاءة التواصليّة" كأساس للتعلم الأخلاقي، ولقدرة الأفراد على التوسط بين الاهتمامات الجوهرية والداخلية في أحكامهم حول ادعاءات الصلاحية. (٦٧)

ويُبرز هبرماس مركزية الحركات الاجتماعية في عملية الشرعية، إذ يرى أن الحركات الاجتماعية: «تحاول طرح القضايا التي تهم المجتمع بأسره، وتحديد طرق جديدة لمعالجة المشكلات، واقتراح حلول ممكنة، وتوفير معلومات جديدة، وتفسير القيم بشكل مختلف، وتحفيز الأسباب الصالحة وانتقاد الأسباب السيئة». ويجادل هبرماس بأن صراع الشرعية الذي تسهم فيه الحركات الاجتماعية يُخاض عبر الفعل التواصلي في المجال العام. كما يرى أن: «التأثير المحوَّل إلى قوة تواصليّة يُشرّع القرارات السياسية». (٦٨)

٤- البعد الإنساني في الوظيفة العامة بين العقلانية والمنفعة:

إن استخدام مبدأ العقلانية في علم الاقتصاد يسبق ظهور النفعية التي كثيرًا ما يُخلَط بينهما. ففي حديث آدم سميث عن تقسيم العمل، يصف قبيلة من الصيادين يكون أحد أفرادها ماهرًا على نحوٍ خاص في صناعة الأقواس والسهام. يقول سميث: «كان هذا الرجل كثيرًا ما يُبادِل ما يصنعه من أقواس وسهامٍ بلحوم الغزلان أو الماشية مع رفاقه، ثم أدرك في نهاية الأمر أنه يستطيع بهذه الطريقة أن يحصل على كميةٍ أكبر من الغزلان والماشية مما لو خرج بنفسه إلى الحقول للصيد. ومن منطلق عنايته بمصلحته الخاصة، أصبحت صناعة الأقواس والسهام عمله الرئيسى». غير أن الانتقال من الحدس إلى التحليل يتطلّب فهمًا دقيقًا لما يعنيه «الاهتمام بالمصلحة الخاصة»، وهو ما أصبح مصدرًا لنقاشٍ لا ينتهي بين علماء الاجتماع والاقتصاد القائمين على نموذج الفاعل العقلاني. (٦٩)

ويُستمد مفهوم العقلانية القائمة على تعظيم المنفعة من النفعية التي وضع أسسها بنتام وجون ستيوارت مل، إذ يقول بنتام: «لقد وضعت الطبيعةُ البشرَ تحت سيادة سيّدين اثنين: الألم واللذة. فهما وحدهما من يُحدّدان ما ينبغي علينا فعله، كما يُحدّدان ما سنفعله بالفعل...». ورغم أنّ عددًا من المفكّرين — مثل جيفنز ومنجر وفالراس — قد جرّبوا مقاربات نفعية في التحليل الاقتصادي، فإنّ المنفعة لم تبدأ في احتلال موقعها المحوري في التحليل الاقتصادي إلا في سبعينيات القرن التاسع عشر بفضل أعمال هؤلاء الثلاثة. فقد كانت المنفعة لديهم اختصارًا نظريًّا لمفهوم القيمة، وهو ما جعلهم لا يُولون اهتمامًا كبيرًا لمسائل مثل قابليّة قياس المنفعة أو إمكان المقارنة بين منافع الأفراد. (٧٠)

ومن هذا التطور النظري، برزت الافتراضات المكوِّنة للمفهوم النيوكلاسيكي للسلوك العقلاني للفاعل الاقتصادي، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:

١- الفاعل الاقتصادي يختار من مجموعة مغلقة من البدائل المعطاة والمعلومة مسبقًا (المجموعة المسموح بها).

٢- يمتلك الفاعل جميع المعلومات ذات الصلة بكل بديل من البدائل المتاحة.

٣- تكون تفضيلات الفاعل محددة خارجيًا، وهي كاملة وانتقالية ومستقرة.

٤- تكون دالة المنفعة الخاصة بالفاعل محددة بوضوح، وتعكس بالأساس تفضيلاته.

٥- يسعى الفاعل إلى تعظيم المنفعة المتوقعة وتقليل التكاليف في ظلّ قيودٍ معيّنة (كما لو كان يحلّ مسألة رياضية للبحث عن القيمة القصوى المقيّدة لدالة المنفعة المتوقعة ضمن المجموعة المسموح بها).

٦- لا يتأثر اختيار الفاعل الاقتصادي بطريقة عرض المشكلة أو صياغتها (بما في ذلك التحيّزات أو الخرافات أو غيرها من المؤثرات).

٧- مبدأ الفردانية المنهجية: الفرد هو الوحدة الوحيدة لاتخاذ القرار.

٨- مبدأ الوضعية المنهجية: إن قدرة النموذج على إنتاج تنبؤات دقيقة هي المعيار الوحيد لصحته. (٧١)

والافتراض الرئيس في هذا النموذج هو أن الفاعل الاقتصادي يتخذ قراراته وهو على علمٍ تام بجميع البدائل الممكنة، ويدرك حدود قدراته، ويسعى — في ضوء تلك الحدود — إلى اختيار أفضل الوسائل الممكنة لتحقيق أهدافه.

أما الشروط المسبقة لاتخاذ القرار في نظرية المنفعة المتوقعة، فيمكن تلخيصها على النحو الآتي:

١- تحديد دالة المنفعة الكلية للفاعل الاقتصادي الذي يتخذ القرار تحديدًا صحيحًا.

٢- إمكانية التعبير عن مستوى المنفعة الكلية في المواقف أو الحالات المستقبلية أيضًا.

٣- معرفة الفاعل للتوزيع الذاتي (الذاتي التقدير) لاحتمالات نتائج كل بديل من البدائل الممكنة.

٤- اتخاذ القرار ضمن مجموعة مغلقة من البدائل المعطاة والمعروفة.

والغاية من الاختيار هي تعظيم القيم المتوقعة لدالة المنفعة الكلية المحددة. (٧٢)

كما أن النموذج البشري الذي هيمن على التوجه التقليدي الجديد في الاقتصاد يتألف من افتراضين جوهريين منفصلين: العقلانية والمصلحة الذاتية. يُفترض أن الفاعلين يتصرفون بعقلانية في سبيل تحقيق ما يرغبون في تحقيقه، وأن ما يرغبون في تحقيقه يُفترض أن يُحدّد بمصطلحات رفاههم الشخصي. من الناحية التقنية، تم تحديد هذا المفهوم للسلوك العقلاني والمصلحة الذاتية باعتباره افتراضًا بأن الفاعلين يعظمون دالة المنفعة مع مراعاة القيود التي يواجهونها. في هذا البناء، يتم تحديد عنصر العقلانية في النموذج الاقتصادي للإنسان من خلال افتراض التعظيم، بينما يتم تحديد عنصر المصلحة الذاتية من خلال المكونات المدرجة في دوال المنفعة. في الواقع، يُختزل الفاعلون الذين يشغلون النماذج الاقتصادية القياسية أساسًا إلى تلك الدوال. وبمجرد تحديدها للفاعلين، لا يحتاج الاقتصادي المحلل إلى معرفة المزيد عنهم من أجل التنبؤ بما سيختارونه، بالنظر إلى خيارات الاختيار والقيود التي يواجهونها. (٧٣)

أما المبادئ الأخلاقية ومعايير العدالة والإنصاف، فعادةً ما تتعلق بالأفعال نفسها لا بالنتائج. فهي تمثل قواعد للسلوك توجب على الأفراد التصرف بعدل ونزاهة وأخلاقية، مثل عدم السرقة، وعدم الكذب، والوفاء بالوعود. وهذه المبادئ تركز أكثر على الطريقة التي يسعى بها الشخص لتحقيق ما يريد، وليس فقط على ما يريد تحقيقه. وإذا كان لمفهوم "التفضيل الأخلاقي" أن يكون له معنى، فهذا يعني تفضيل التصرف وفقًا للقواعد الأخلاقية. وبمعنى آخر، فإن التفضيلات الأخلاقية هي تفضيلات على الأفعال نفسها، وليس على النتائج التي قد تنتج عنها. (٧٤)

ويمكن حساب التعاطف بسهولة ضمن إطار الاختيار العقلاني، ببساطة عن طريق توسيع مفهوم المصلحة الذاتية. «إن كون المرء مهتمًا بمصلحته لا يتطلب أن يكون أنانيًا بأي شكل، إذ يمكن للمرء أن يشعر بالمتعة والألم نتيجة التعاطف مع الآخرين، وهذه المتع والآلام هي جوهرًا ملك له». وليس فقط أن الاهتمام بالآخرين يمكن استيعابه بسهولة ضمن دالة المنفعة للأشخاص المعنيين، بل إن الاهتمام بأي نوع من الأهداف أو القيم التي قد يُفترض أن يسعى الشخص لتحقيقها يمكن أن يُؤخذ في الحسبان ضمن إطار الاختيار العقلاني، إذا عُرّف «الاختيار العقلاني» بالحد الأدنى باعتباره تعظيم مقياس قابل للتحديد. (٧٥)

إنّ ما يميز السلوك البشري في الواقع هو أن الناس يتصرفون كأتباعٍ للقواعد، لا كمنظِّمين لتحقيق الأهداف وفقًا لما تفترضه نظرية الاختيار العقلاني المعيارية. وهو ما يمكّنهم من تحقيق العديد من المنافع المتبادلة الناتجة عن التعاون، تلك التي تبدو مستحيلة المنال بالنسبة للفاعلين الاستراتيجيين الذين يسعون إلى أقصى درجات التعظيم العقلاني لمنافعهم. فالمواقف القائمة على التبعية المتبادلة في القرارات، كما يُمثَّل لها نموذجيًا في «لعبة السجين»، هي النوع الدقيق من الحالات التي لطالما أدّت فيها القواعد الأخلاقية للسلوك دورًا أساسيًا. فالمواقف المشابهة للّعبة السجينة تتكرر كثيرًا في حياتنا اليومية، وبعض القواعد التقليدية للسلوك الحسن تتخذ شكل الدعوة إلى تعليق الحسابات القائمة على العقلانية الفردية.

فالسلوك القائم على اتباع القواعد يرتبط بتفضيلاتٍ تتعلق بالأفعال ذاتها، لا بالتفضيلات العادية المرتبطة بالنتائج. وتقترب هذه المسألة من الفكرة العامة لآدم سميث، ومفادها أنّ العديد من الأنماط السلوكية يمكن تفسيرها على نحوٍ أفضل إذا فهمنا موقف الناس من الأفعال ذاتها، لا من تقييمهم للنتائج النهائية. وبالمثل، منح إيمانويل كانط مكانةً مركزية في الأخلاق الاجتماعية لمفهومه عن «الأمر المطلق». ومع أن تركيز كلٍّ من سميث وكانط هو معياريّ أكثر منه وصفيّ، فإن تحليلهما مرتبط ارتباطًا وثيقًا، إذ كلاهما رأى أنّ السلوك الفعلي للبشر يقوم جزئيًا على معايير أخلاقية. وقد تضمّنت تحليلاتهما السلوكية النظر إلى عملية الاختيار الواقعية من خلال مجموعة القواعد، لا فقط من خلال تفضيلٍ شاملٍ يأخذ كلّ شيء في الحسبان. (٧٦)

5- البعد الأخلاقي في ممارسة الوظائف العامة:

نسعى هنا إلى توضيح دور الأخلاق في الخدمة العامة بوصفها جزءًا من مفهوم الحوكمة الرشيدة، وذلك من منظور الإدارة العامة، بهدف تحديد القيم الأخلاقية التي تُتَّخذ كإرشادات معيارية، ويلتزم القائمون على الإدارة الحكومية بها من أجل تحقيق الصالح العام. إنّ الأخلاق في ممارسة الإدارة العامة يجب أن تمثّل الضوابط والمعايير التي تنظّم أنماط السلوك المؤسسي، إذ تُعَدّ المنظمات العامة مؤسساتٍ تتعامل مباشرة مع المجتمع، ولذلك ينبغي أن يتحلّى القائمون على الشأن العام فيها بالمواقف والسلوكيات التي تعكس النموذج الأخلاقي القويم. (٧٧)

وفي التطبيق العملي، إذا تمكّن المسؤولون الإداريون من تطبيق القيم والمبادئ الكامنة في أخلاقيات الإدارة العامة، أمكن لأعمالهم أن تسير بسلاسة، وأن تُسهم في تحقيق الحوكمة الرشيدة، كما يسهم ذلك في تشكيل شخصية الأفراد بحيث يتّصفون بالانضباط، واللباقة، والمسؤولية، والمهنية العالية. فالأخلاق تُعَدّ أحد العوامل الأساسية التي تحدد نجاح أهداف أنشطة منظمات الإدارة العامة، وبالتالي دعم تحقيق التحوّل نحو الحوكمة الرشيدة. (٧٨)

ومن هذا المنطلق، فإنّ المؤسسات، بوصفها فاعلين في الإدارة العامة، تسعى إلى تحقيق الحوكمة الرشيدة، ومن ثَمَّ ينبغي عليها أن تولي اهتمامًا كبيرًا بتطبيق القيم الأخلاقية للإدارة العامة، لأنّ هذه القيم ترتبط بجميع مراحل العملية الإدارية العامة، بدءًا من صياغة السياسات مرورًا بتنفيذها ووصولًا إلى تقييمها بهدف تقديم خدمات عامة جيدة ومتكاملة. ومن الضروري العمل على رفع جودة الخدمات العامة المقدَّمة للمجتمع، وهو ما يستلزم تحسين نظام الخدمة العامة ذاته لضمان تقديم أفضل خدمة ممكنة للمواطنين. إنّ التنفيذ الفعّال والكفء للخدمات العامة يُعدّ واجبًا أساسيًا على المسؤولين القائمين على الشأن العام، من أجل ضمان حقوق المواطنين في الحصول على مختلف أشكال الخدمات العامة، سواء كانت سلعًا أو خدمات، على أن يتم ذلك وفقًا للأنظمة والقوانين السارية، وبما يتوافق مع حاجات المجتمع ومصالحه العامة. وتتطلّب الحوكمة الرشيدة أن تُعطى الأولوية للقيم والمبادئ الأخلاقية التي توجه السلوك الإداري لتحقيق أفضل أداء ممكن في الخدمة العامة. (٧٩)

لقد أصبح الموظفون العموميون أكثر وعيًا أخلاقيًا مما كانوا عليه في السابق، خصوصًا في مجالات مثل مكافحة التمييز، والتنمر الإداري، وتلقّي الهدايا، والمحسوبية السياسية، والشفافية، والمساءلة. وخلال العقود الأخيرة، خصّصت الدول الأعضاء في المنظمات الدولية موارد كبيرة لوضع معايير أخلاقية واضحة. وتتفق جميع الدول الأعضاء على أنّ الأخلاقيات العامة تمثّل عنصرًا أساسيًا لعدة أسباب:

١- المؤسسات العامة تحمي الدول من التهديدات الخارجية والداخلية.

٢- الحكومات تستخدم وسائل – كالقوة أو التهديد بها – تؤثر في مصير الجميع.

٣- تتدخل السلطات العامة وبعض فئات الموظفين العموميين (مثل القضاة ورجال الشرطة والعسكريين) في الحقوق الشخصية للأفراد.

٤- يوفر الموظفون العموميون سلعًا وخدماتٍ ذات قيمة كبيرة للمواطنين، مثل الرعاية الصحية وفرص العمل.

٥- يشرف الموظفون العموميون على الأموال العامة التي يمنحها البرلمان المنتخب من قبل المواطنين، ويصبح هذا الأمر أكثر أهمية في أوقات القيود المالية، إذ تتحمّل الخدمة العامة مسؤولية إدارة تلك الأموال بكفاءة وفاعلية ونزاهة. (٨٠)

ومن ثمّ، فإنّ الموظفين العموميين والمؤسسات العامة يمتلكون تأثيرًا كبيرًا في رفاهية المجتمعات، ولهذا السبب ينبغي أن تُوجَّه أعمالهم وفقًا لقواعد وسياسات تمنعهم من التصرف بطرق غير أخلاقية. وقد سادت لفترةٍ طويلةٍ آراء مفادها أن الموظفين المدنيين مرتبطون بسلطة الدولة ولا يمكن مقارنتهم بغيرهم من الموظفين العموميين أو العاملين في القطاع الخاص، إذ مُنحوا صفةً قانونيةً عامة – على الأقل في معظم الدول – من أجل ربطهم بالدولة وبسيادة القانون، لا بمصالح الأفراد. ويعود أصل هذه الصفة القانونية العامة إلى الثورة الفرنسية التي هدفت إلى إقامة وضمان مجتمع ديمقراطي يستند إلى مبادئ الثورة.

وفي ألمانيا، استُلهم إدخال هذه الصفة القانونية العامة من الفيلسوف فريدريك هيجل، إذ تصوّر الموظف المدني والدولة ككيانٍ واحد أشبه بـ«الوحش ليفياثان» الذي يقف فوق المجتمع والمواطنين، وكان دوره الرئيس يتمثل في حماية المجتمع من خلال فرض القوانين لتحقيق العدالة وموازنة المصالح الأنانية المتعارضة داخل المجتمع. أما التعريف الأكثر تأثيرًا للبيروقراطية فيعود إلى ماكس فيبر، الذي قدّمه في محاضرته الشهيرة «السياسة بوصفها حرفة» عام ١٩١٩، حيث عرّف دور الموظفين العموميين على النحو التالي:

«يتجلّى شرف الموظف المدني في قدرته على تنفيذ أوامر السلطات العليا بضمير حيّ، تمامًا كما لو أن هذه الأوامر تتفق مع قناعته الشخصية. وينطبق ذلك حتى لو بدا له أن الأمر خاطئ، وإذا ما أصرت السلطة على تنفيذه رغم اعتراض الموظف. فبدون هذا الانضباط الأخلاقي وهذا التفاني الذاتي بأسمى معانيه، سينهار الجهاز الإداري بأكمله». (٨١)

اليوم، يتزايد الوعي بأن العمل في المجال العام أصبح أكثر تعقيدًا، ولم يعد محكومًا بمبدأ العقلانية كما تنبأ به فيبر. ففي الواقع، يرى الخبراء المعاصرون أن الموظفين المدنيين لا ينبغي النظر إليهم كعجلات في آلة ضخمة، إذ أصبح العمل في القطاع العام أكثر طابعًا فرديًا، ومحملًا بالقيم، وعاطفيًا، وتعدديًا، وغير متوقع أكثر من أي وقت مضى. فعلى سبيل المثال، يمتلك الموظفون العموميون المعاصرون قدرةً أكبر على اتخاذ القرارات الفردية مما كان يتوقعه فيبر. وقد أوضح العديد من الباحثين أن التمسك المفرط بالقواعد يمكن أن يكون مشكلة في حد ذاته. ومع ذلك، لا تزال سيادة القانون والقانون الإداري تشكلان المبادئ الجوهرية لجميع الأنظمة الإدارية في أوروبا. ومن المثير للدهشة أن النقاشات حول أهمية القانون، وخاصة القانون الإداري، والمبادئ الإدارية، لم تحظَ بدور رئيسي خلال الفترة الذهبية للإدارة العامة الجديدة، وربما يعود ذلك إلى أن القانون الإداري كان يُنظر إليه غالبًا كقيد يعرقل الخيارات السياسية وإصلاح السياسات، كما اعتُبر الإفراط في استخدامه سببًا في ضعف كفاءة القطاع العام. ونتيجة لذلك، وُصِف السلوك الإداري التقليدي بأنه جامد، ومقيّد بالقواعد، ومركزي، ومهووس بتحديد كيفية إنجاز الأمور، أي أنه يركّز على تنظيم الإجراءات والتحكم في المدخلات، بينما يتجاهل النتائج النهائية تمامًا. وهكذا، أصبحت نظريات الإدارة العامة الجديدة مهيمنة على النقاشات الاقتصادية والسياسية والتنظيمية. (٨٢)

إنّ النقاشات حول الأخلاق والنزاهة تمتلك تاريخًا طويلًا داخل شبكة الإدارة العامة الأوروبية. ففي عام ٢٠٠٤، قامت الرئاسة الأيرلندية والهولندية للاتحاد الأوروبي بتكليف دراستين حول الأخلاق والنزاهة في دول الاتحاد الأوروبي الأعضاء، تلاها في عام ٢٠٠٦ عمل الرئاسة الفنلندية على متابعة هذا الموضوع. وفي عام ٢٠٠٧، كلّفت المفوضية الأوروبية بإجراء دراسة تجريبية حول تنظيم تضارب المصالح لدى شاغلي المناصب العامة في دول الاتحاد الأوروبي، بدعم من شبكة الإدارة العامة الأوروبية. كما دعمت الرئاسة السلوفينية للاتحاد الأوروبي عام ٢٠٠٨ دراسةً حول النجاحات والإخفاقات في مجال إدارة الموارد البشرية، تضمنت فصلًا خاصًا عن الأخلاق والثقة العامة، وأعقبتها في عام ٢٠٠٩ دراسة حول تعزيز الثقة في الحكومة في إطار الحوار الاجتماعي الأوروبي غير الرسمي الخاص بالإدارات العامة المركزية. (٨٣)

نظرًا لأن مهنة التدريس تُعدّ من أسمى المهن في هذا العالم، فإنه ينبغي، من أجل بناء مهنة تعليمية قوية وفعّالة، أن يتحلى المعلم بالالتزام تجاه طلابه، وأن يضمن تحقيقهم للتعلّم المنشود. وكما هو الحال في سائر المهن الرفيعة، توجد معايير أخلاقية ضرورية لمهنة التعليم أيضًا. فوظيفة المعلم في العصر الحاضر تختلف كثيرًا عن وظيفة المعلمين في العصور القديمة الذين كانوا يعيشون حياة بسيطة ويولون أهمية كبرى لمستوى الممارسة الرفيع والتفكير السليم. أما اليوم، فيُتوقَّع من المعلمين أداء أدوار متعددة ومتنوعة لجعل المدرسة مؤسسة فعّالة ومنتجة. ولتحقيق هذه الأدوار، يحتاج المعلمون المعاصرون إلى قدر عالٍ من المهارة والكفاءة والتأهيل لتلبية متطلبات العصر الراهن، لذا ينبغي للمعلم أن يطوّر قدراته في جميع مجالات مهنته، سواء على مستوى التعلم المهني أو في خضمّ طموحاته الحياتية كافة. (٨٤)

وبما أنّ مهنة التدريس تُعدّ من أنبل المهن، فإن بناء مهنة تعليمية قوية وفعّالة يستلزم التزام المعلم تجاه طلابه وضمان تحصيلهم العلمي. وكما هو الحال في سائر المهن المرموقة، هناك قواعد وأنظمة ومعايير أخلاقية تحكم كل مهنة، سواء كانت مفروضة ذاتيًا أم من قِبل جهات مختصة. وعلى هذا النحو، تقوم مهنة التعليم على مجموعة من المعايير الأخلاقية الأساسية، وهي كما يلي:

1- الرعاية: تشمل التعاطف مع المهنة، والاهتمام بالتدريس، والبصيرة اللازمة لتطوير قدرات الطلاب. يجب على المعلمين التعبير عن التزامهم المهني تجاه طلابهم بالسعي لرفاههم وضمان تعلّمهم، من خلال أساليب التأثير الإيجابي، والقدرة المهنية، والتعاطف الإنساني في الممارسة التربوية.

2- الاحترام: يشمل شعور المعلم الداخلي بالقيمة والتقدير، الضروري لتحقيق المعايير الأخلاقية المرتبطة بالتقدير والكرامة الإنسانية، ويسهم في الحفاظ على التوازن العاطفي وتعزيز النمو المعرفي المستمر.

3- النزاهة: تقوم على الصدق، الأمانة، الشعور بالمسؤولية، والممارسات الأخلاقية السليمة، وهي عناصر جوهرية للحفاظ على النزاهة المهنية.

4- المساءلة: تهدف إلى توجيه السلوك المهني نحو الالتزام بالقيم، ومعالجة الانحرافات الأخلاقية أو التهاون في الالتزام بالمعايير المهنية.

5- الرضا الذاتي: يُعدّ شرطًا ضروريًا لحياة سعيدة وناجحة، إذ يعكس شعور المعلم بالرضا الداخلي المبني على الكرامة والاحترام الذاتي، ويُمكّنه من إسعاد الآخرين بفعالية.

6- الثقة: تعتبر الثقة أساس العلاقة بين المعلم وطلابه، وكذلك مع الزملاء وأولياء الأمور، وتشمل قيم العدالة، الانفتاح، والصدق.

7- توجيه السلوك والتصرف: يُسهم مستوى الأخلاق المهنية لدى المعلم في غرس القيم الأخلاقية في طلابه وتنمية شخصياتهم المتكاملة.

8- الشخصية المتوازنة: يُتوقع من المعلمين إظهار سلوك قويم يُعتبر نموذجًا يُحتذى به للمعلمين الآخرين والطلاب، ما يسهم في ترسيخ القيم الأخلاقية في المجتمع بأكمله.

9- أن يكون المعلم قدوة: يميل الطلاب إلى تقليد سلوك معلميهم وأعمالهم الحسنة، لذا فإن المعلم الذي يتصرف بطريقة إيجابية ومُلهمة يُحفّز طلابه على تبني نفس السلوكيات.

1- - تطوير المجتمع: يتفاعل المجتمع مع العملية التعليمية، لذلك فإن بناء مجتمع أخلاقي يتطلب معلمين قادرين على غرس المبادئ والقيم الأخلاقية في نفوس الطلاب، لمواجهة التدهور القيمي الراهن.

11- الالتزام بالمعايير والمبادئ المهنية: تُعد القواعد والمبادئ الأخلاقية ضرورية لتوجيه الرؤية والمسار المهني في أي مهنة، ويجب أن تُبنى هذه القواعد على أساس مفهوم الأخلاق المهنية لضمان تحقيق أهداف التعليم على جميع المستويات. (٨٥)

المحور الثالث: الوظيفة العامة كواجب أخلاقي

1- الالتزام بالقوانين والقيم العامة:

وفقًا لمجلس كيبيك، إحدى المقاطعات الكندية، عند النظر في تنظيم أي مهنة والإشراف عليها من قبل هيئة مهنية، يجب أخذ عدة جوانب في الاعتبار لتحديد ما إذا كانت الحاجة للتنظيم قائمة. هذه الجوانب تتعلق بطبيعة الأنشطة المهنية وخصائص الأفراد الذين يمارسونها، وتشمل ما يلي:

١- المعرفة المطلوبة لممارسة المهنة: مدى تعقيد المعلومات والخبرات الضرورية لممارسة الأنشطة المهنية بشكل كفء وفعّال.

٢- درجة الاستقلالية للممارسين: مدى قدرة الممارسين على اتخاذ قرارات مهنية مستقلة، والصعوبة التي قد يواجهها الأشخاص غير المؤهلين أو غير المدربين في تقييم هذه الأنشطة.

٣- الطابع الشخصي للعلاقات المهنية: الطبيعة التفاعلية بين الممارسين والأشخاص الذين يلجأون إلى خدماتهم، مع الأخذ في الاعتبار الثقة الخاصة التي يجب أن يضعها العملاء في الممارسين.

٤- خطورة الضرر المحتمل: مدى تأثير الإهمال أو نقص الكفاءة على الأفراد الذين يتلقون الخدمات، ومدى أهمية الإشراف لضمان حماية المستفيدين.

٥- الطبيعة السرية للمعلومات: نوعية وحساسية المعلومات التي يطلع عليها الممارسون أثناء ممارسة مهنتهم، والتي تتطلب الحفاظ على السرية المهنية. (٨٦)

تُظهر هذه المعايير مدى الترابط بين الجانب المهني والأخلاقي، إذ تمثّل الأخلاق عنصرًا حاضرًا في كل نشاط إنساني منظم. فالأخلاق موجودة في كل مكان، ولا تقتصر أهميتها على تزايد توقعات الجمهور بشأن جودة الخدمات العامة أو مصداقية الموظفين العموميين، بل تمتد إلى قضايا حديثة تشمل المسؤولية الاجتماعية للشركات العالمية، ورواتب كبار المديرين التنفيذيين، والفوائد الطبية للهندسة الوراثية، وقضايا القتل الرحيم، وأخلاقيات الاستثمار الأخضر، والتأثيرات الاجتماعية والثقافية للإعلام الجديد، والمسؤولية عن تغيّر المناخ، ومتطلبات الغذاء الصحي، وسياسات مكافحة التدخين، ومبادئ الشفافية والمساءلة، وغيرها من الموضوعات التي تعكس أهمية القيم والمبادئ في الحياة العامة. وفي مجال أخلاقيات الخدمة العامة، أصبح تحقيق روح الصدق والشفافية بمثابة "الكأس المقدسة" التي يسعى الجميع إلى بلوغها. كما يقوم مفهوما الحوكمة الرشيدة والأخلاق على فرضية أنه يمكن تحديد معنى "الإدارة الجيدة" والسلوك الأخلاقي، ويتطلّب ذلك نقاشًا حول القيم والمبادئ وما ينبغي تحقيقه ولماذا. (٨٧)

وفي هذا السياق، لا يزال مفهوم الأخلاق والسلوك الأخلاقي متأثرًا بتمييز أرسطو بين الفضائل والرذائل؛ فالفضائل تمثل الجوانب الإيجابية للسلوك الإنساني، والرذائل تمثل الجوانب السلبية منه. وتعرّف الفضيلة بأنها سلوك يعكس معيارًا أخلاقيًا رفيعًا ونمطًا من التفكير والسلوك المبني على أسس أخلاقية سامية. واليوم، تكاد لا توجد منظمة عامة تعمل دون مبادئ دستورية ومدونات أخلاقية تحدّد مجموعة الفضائل والمبادئ التي ينبغي على الموظفين العموميين الالتزام بها. وقد عرّف أرسطو الفضيلة في كتابه الأخلاق النيقوماخية بأنها نقطة الوسط بين الإفراط والتفريط في صفة معينة؛ فالشجاعة هي الحدّ الوسط بين الجبن والتهوّر، والتسامح هو التوازن بين ضيق الأفق والمبالغة في القبول، بينما الرذائل هي النقيض المباشر للفضائل. (٨٨)

وفيما بعد، شكّك الفيلسوف كانط في جدوى هذا التمييز البسيط بين الفضائل الحسنة والرذائل السيئة، مؤكدًا أن معظم الفضائل والرذائل تتسم بالغموض والالتباس، ويجب الحكم عليها ضمن سياق محدّد، وبالنظر إلى ما إذا كانت تخدم مبدأً أخلاقيًا أم لا. وفي كتابه ميتافيزيقا الأخلاق، ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال: "لا يمكن تصوّر أي شيء في العالم، أو حتى خارجه، يمكن أن يُسمّى خيرًا على وجه الإطلاق، سوى الإرادة الخيّرة." ومع ذلك، يستمر العديد من المفكرين اليوم في إعادة اكتشاف أهمية الأخلاق القائمة على الفضيلة، مستلهمين قول أرسطو: "فالفضائل لا تنشأ فينا لا بطبيعتنا ولا بخلاف طبيعتنا، بل نحن مهيّأون بطبيعتنا لتقبّلها، وتُستكمَل فينا بالممارسة. فالأشياء التي ينبغي أن نتعلّمها قبل أن نفعلها، لا نتعلّمها إلا بفعلها." وعليه، فإن تعلم الفضائل قد يكون صعبًا في البداية، لكنه يصبح أسهل مع مرور الوقت من خلال الممارسة المستمرة حتى يتحوّل إلى عادة راسخة. (٨٩)

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن لكل عصر مجموعة من الكلمات التي تجسّد رؤيته للعالم وتشكل نقاطًا مرجعية يمكن قياس كل شيء آخر في ضوئها. ففي العصور القديمة كانت الكلمات المفتاحية هي الفضائل مثل العدالة والشجاعة، وفي العصور الوسطى كانت القيم الدينية مثل الإيمان والنعمة والإله، أما في القرن الثامن عشر فقد هيمنت مفاهيم عقلانية مثل العقل والطبيعة والحقوق، بينما أصبحت اليوم هذه المفاهيم تتجسد في كلمات أكثر تعقيدًا مثل الكفاءة، والاستحقاق، والمساءلة، والمرونة، والحكم الرشيد. وبالمثل، تغيّر معنى قيم الخدمة العامة مثل الحياد، والاستقرار، والتدرج الهرمي، والسرية، والولاء، بما يعكس التحولات الاجتماعية والثقافية في العصر الحاضر. وفي الحقيقة، القيم لا تزول، بل تتغير، ولا يوجد تصور ثابت أو فهم موحّد للأخلاق العامة. واليوم، أصبح الناس أكثر تطلبًا ونقدًا تجاه القادة والسلطات، وأيضًا أكثر وعيًا بتطلعاتهم الحياتية، بينما تتزايد الشكوك حول وجود قيم عالمية ثابتة، بحيث يُطبق المواطنون معايير أكثر صرامة على أنفسهم وعلى تصوراتهم للدين والإيمان والحظ وتحقيق الذات. (٩٠)

2- الطاعة الإدارية والضمير الأخلاقي:

تُعَدّ الطاعة عنصرًا أساسيًّا في بنية الحياة الاجتماعية، ولا يمكن الإشارة إلى ما هو أعمق منها في هذا الصدد، فوجود نظام من السلطة شرطٌ لازم لكل حياة جماعية، ولا يُستثنى من ذلك سوى الإنسان الذي يعيش في عزلة تامة، إذ هو وحده الذي لا يُضطر إلى الاستجابة — سواء بالتحدّي أو بالخضوع — لأوامر الآخرين. وبالنسبة لكثير من الناس، تُعَدّ الطاعة نزعةً سلوكيةً متجذّرة بعمق، بل هي دافع قويّ أحيانًا يتغلب على ما يتلقاه الفرد من تربية أخلاقية وتعاطف وسلوك قويم.

إنّ المعضلة الكامنة في الخضوع للسلطة قديمة قِدَم قصة إبراهيم، كما أنّ السؤال عمّا إذا كان نيبغي للمرء أن يُطيع حين تتعارض الأوامر مع صوت الضمير قد نوقش في فلسفة أفلاطون، وجُسّد في مأساة أنتيجونه، إحدى أعظم المسرحيات التراجيدية في الأدب الإغريقي التي كتبها سوفوكليس (Sophocles) في القرن الخامس قبل الميلاد، وتعرّض له الفلاسفة بالتحليل في كل عصر تقريبًا. ويرى الفلاسفة المحافظون أنّ العصيان يُهدّد نسيج المجتمع ذاته، في حين يؤكد الإنسانيون على أولوية الضمير الفردي. وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة للجوانب القانونية والفلسفية للطاعة، فإنها تقول القليل عن سلوك معظم الناس في المواقف الملموسة. (٩١)

ومن أبرز المشكلات الأخلاقية المتكرّرة في تاريخ الإنسانية مسألة الطاعة للسلطة، فالطاعة عنصرٌ ضروري لبقاء المجتمعات؛ إذ يجب على المواطنين طاعة القوانين، وعلى الجنود تنفيذ الأوامر، وعلى العمّال الامتثال لتوجيهات رؤسائهم. أمّا العصيان فيهدّد البنية السلطوية التي يقوم عليها تماسك المجتمعات. غير أنّ الطاعة نفسها محفوفة بالالتباس والمآزق الأخلاقية، فعندما يتعارض صوت الضمير مع صوت السلطة، أيهما ينبغي أن يوجّه سلوكنا؟

كممرّضة، هل تلتزمين بأمر الطبيب بأن تكذبي على المريضة بشأن حالتها؟ كممثل لمصرف، هل ينفذ موظف أوامر مديره بحجز مزرعة أفلست بسبب ظروف جوية خارجة عن إرادة صاحبها؟ وكجندي في خضم المعركة، هل يطيع أوامر قائده بإطلاق النار على نساء وأطفال أبرياء؟ إنّ الوجه المظلم للطاعة يكمن في أنّها قد تُخفي وراءها الضمير الأخلاقي للفرد، وتتحوّل إلى الدعامة التي تستند إليها شبكات كاملة من القهر والسيطرة والقتل — كما حدث في ألمانيا النازية. (٩٢)

ومن هنا، يظلّ الضمير أداةً أخلاقية نافعة، إذ يقدّم إرشادًا سريعًا للفعل في المواقف التي يعجز فيها الفاعل عن التفكّر أو المداولة الواعية. وفوق ذلك، يمكن للضمير أن ينبّهنا إلى وجود قيمة أخلاقية مهدَّدة أو موضوعة على المحك، مما يحفّز مزيدًا من التأمل حين تسمح الظروف بذلك. وعليه، عند اتخاذ القرار بشأن كيفية التصرف، ينبغي للفاعل دائمًا أن ينظر في أوامر ضميره ويوازنها على نحو صحيح قبل الإقدام على الفعل.ويمكن تمييز ثلاثة مجالات مترابطة لحرية الضمير:

1- حرية تبنّي المرء لآرائه الأخلاقية الخاصة.

٢- حرية التعبير عن ضميره.

3- حرية التصرف وفقًا لضميره. (٩٣)

3- مفهوم الأمانة والنزاهة والمسؤولية:

تتعلق هذه المفاهيم (الأمانة – النزاهة – المسؤولية) بالصدق، لذا يجب أن نتّخذ من الصدق، كما يُستعمل في الحياة اليومية، استعارةً ونقطة انطلاق. فنحن نتوقّع من الآخرين أن يكونوا منفتحين إزاء ما يفكّرون فيه وما يفعلونه، وألّا يُخفوا عنا أمورًا ينبغي أن نعرفها؛ ومن ثمّ يبدو أنّ الانفتاح أحد أوجه الصدق. ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون الناس منفتحين إزاء أي شيء يفكرون فيه أو يفعلونه فحسب، بل يجب أن تكون أفكارهم وأفعالهم صادقة كذلك. وثالثًا، عادةً لا نعدّ الآخرين صادقين إلا بشرط ألا يخدعونا أو يُلحقوا بنا ضررًا؛ أي أن يكونوا مستقيمين في أفعالهم. وباختصار، يبدو أنّ الصدق يتكوّن من ثلاثة عناصر أساسية: الانفتاح، وصدق القول (قول الحقيقة)، والإنصاف. (٩٤)

وتُعنى هذه العناصر الثلاثة، بالنسبة إلى العلماء والباحثين، بضرورة الشفافية المبدئية في كل ما يقومون به وكل ما يتوصلون إليه خلال البحث العلمي. ويمكن التمييز هنا بين انفتاح العملية (أي وضوح الخطوات والمنهجيات المتّبعة) وانفتاح النتائج (أي إعلان ما تم التوصّل إليه من بيانات واستنتاجات). أما الصدق فهو جوهر العمل العلمي، لأنّ البحث عن الحقيقة يُعدّ من الاهتمامات الأساسية للعلم، ويعني التمسّك بالحقائق في الأفعال والأقوال على حد سواء. وهنا يمكن التمييز بين البحث عن الحقيقة وقول الحقيقة بوصفهما جانبين متكاملين من الصدق. أما الإنصاف، فيعني منح كل ذي حقّ حقّه، وألا يتصرّف الباحثون على نحوٍ يُلحق الضرر بأصحاب المصلحة في البحث أو ينتقص من مكانتهم. (٩٥)

ووفقًا لقاموس ويبستر، يُعرَّف الصدق بأنه التحلّي بالإنصاف والحق، وأن يكون الإنسان خاليًا من الخداع، صادقًا وأصيلًا وحقيقيًّا. ويشمل ذلك تجنّب التلاعب أو إصدار بيانات أو أفعال مضللة يقصد منها الخداع. فالصدق ليس مجرد قول الحقيقة، بل هو التحلّي بروح الصدق، أي النية الكامنة وراء الحقيقة ذاتها. إنه أكثر من مجرد مطابقة القول للواقع؛ إذ يرتبط بالدوافع والمقاصد. فعندما نحلف اليمين نقول: «أقول الحق، والحق كله، ولا شيء غير الحق». ويُعدّ الصدق، على الأرجح، أعظم القيم الإنسانية جميعًا، إذ يمنحنا فوائد شخصية عظيمة ومكاسب مجتمعية ووطنية أكبر. فهو يُقيم أساسًا متينًا للفرد والمجتمع، إذ لا يمكن فصل الحقيقة عن الصدق، لأنّ الحقيقة هي المضمون الجوهري للصدق. ومجتمعنا اليوم يتوق إلى رؤية قادة ومسؤولين يتحلّون بالصدق، لأن الصدق هو دائمًا الفعل الصائب. (٩٦)

أما النزاهة، فتشير إلى الاتساق بين الأفعال والقيم والمبادئ والأساليب، وإلى التوافق بين التوقّعات والنتائج. وفي السياق الأخلاقي، تُعدّ النزاهة صفة جوهرية تتجلّى في الفهم الفطري للصدق والإخلاص في دوافع الإنسان لأفعاله. وتستخدم الشركات والمؤسسات هذا المفهوم للدلالة على السلوك المؤسسي المسؤول المتوافق مع القواعد الأخلاقية المتعارف عليها. وبصورة أكثر تحديدًا، تُلزم الشركة نفسها بالنزاهة باعتبارها التزامًا ذاتيًا يوجّه أنشطتها وقراراتها وإجراءاتها، بحيث تُراعى القيم الأخلاقية الأساسية في جميع ممارساتها.

وتنبثق الالتزامات الأخلاقية لهذا المعيار الأدنى من الامتثال للقوانين السارية، أي أنّ النزاهة تتضمّن الخضوع الصريح للتشريعات واللوائح. لكنها في الوقت ذاته تشمل أيضًا القيم والمعايير الأساسية المعترف بها عالميًا، والتي تتجاوز حدود التشريعات الوطنية، مثل: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومبادئ الاتفاق العالمي للأمم المتحدة، والمعايير الأساسية لمنظمة العمل الدولية، وإرشادات المسؤولية الاجتماعية، وميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، ومبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للشركات متعددة الجنسيات، وغيرها من المواثيق والمبادئ الدولية ذات الصلة. (٩٧)

ويُستخدم مصطلح النزاهة المؤسسية (Corporate Integrity) للدلالة على مجموعة من المبادئ والسلوكيات التي تضمن أن تعمل المؤسسة وفق القيم الأخلاقية والقوانين والمعايير المهنية المعترف بها. ويهدف دليل الممارسات المؤسسية إلى توضيح السياسات والإجراءات التي تعزز النزاهة في بيئة العمل، وتشمل عادةً ما يلي:

1- الامتثال للقوانين والتشريعات المحلية والدولية.

2- الشفافية في اتخاذ القرارات والإفصاح عن المعلومات.

3- المساءلة في جميع المستويات الإدارية.

4- منع تضارب المصالح والتعامل معه عند حدوثه.

5- احترام حقوق الإنسان والمعايير الاجتماعية العادلة.

6- مكافحة الفساد والرشوة بجميع أشكالها.

7- تشجيع ثقافة الإبلاغ عن المخالفات وحماية المبلّغين.

٨- الالتزام بالاستدامة والمسؤولية الاجتماعية في ممارسات العمل. (٩٨)

وباختصار، تمثّل النزاهة المؤسسية الإطار الأخلاقي الذي يوجّه الشركة نحو تحقيق أهدافها بطريقة مسؤولة، شفافة، ومتسقة مع القيم الإنسانية العامة.

المحور الرابع: التحديات الأخلاقية في الواقع الإداري

1- الفساد الإداري وتعارض المصلحة:

وبالانتقال إلى أحد أخطر التحديات التي تواجه النزاهة المؤسسية، يأتي الفساد بوصفه نقيضًا مباشرًا للقيم الأخلاقية التي تقوم عليها المؤسسات. فكلمة "الفساد" مشتقة من الكلمة اللاتينية corruptus، التي تعني "الفاسد". وفي السياق القانوني، يشير هذا المصطلح إلى إساءة استخدام المنصب الموثوق به في أحد فروع السلطة (التنفيذية، التشريعية، القضائية) أو في المنظمات السياسية أو غيرها، بغرض تحقيق مكاسب مادية غير مشروعة للفرد أو للآخرين. ويُعدّ الفساد الإداري أحد أكثر أشكال الفساد شيوعًا في مختلف فروع الحكومة، وهو نوع من الفساد يحدث في معظم المؤسسات، وبخاصة مؤسسات الدولة، حيث يواجهه الأفراد والشركات وغيرها من الكيانات أثناء تعاملاتها. وغالبًا ما يُفهم مصطلح الفساد الإداري على أنه يتجسد أساسًا في رشوة الموظفين الأدنى رتبة بهدف التهرب من الالتزامات أو "تجاوز الدور" لإنجاز بعض المعاملات (٩٩).

ومن ناحية أخرى، يُعرَّف الفساد الإداري أحيانًا بشكل واسع جدًا، مما يؤدي إلى الخلط بينه وبين الفساد السياسي أو إلى اعتبار هذين الشكلين من الفساد مظهرًا واحدًا موحدًا. إلا أنّ مفهوم الفساد الإداري أوسع بلا شك، فهو لا يقتصر على الموظفين ذوي الرتب الدنيا، كما لا يقتصر على الرشوة التقليدية، إذ تشمل مظاهره أيضًا أشكالًا أخرى من القبول أو التسهيل أو منح الامتيازات غير المستحقة. ويُبرز الفساد الإداري جانبين أساسيين من الفساد:

١- الرشوة (أو أي شكل آخر من المنفعة غير المبرَّرة) لتقديم خدمات قانونية، حيث يقع الفساد لجعل الأعمال تسير بسلاسة أو لتسريع الإجراءات وما إلى ذلك، وفي هذه الحالة لا يحدث انتهاك خطير للقانون، بل يُعاد توظيفه بطريقة غير طبيعية وإن كانت الإجراءات ظاهريًا قانونية.

٢- الرشوة (أو أي شكل آخر من المنفعة غير المبرَّرة) لتقديم خدمات أو أفعال غير قانونية تنطوي على انتهاك للوائح والقوانين (١٠٠).

ويرى فيلب (Philip) أنّ حالة الفساد تتحقّق عندما تتوافر الشروط الأربعة التالية:

1- قيام موظف عام (أ) بفعلٍ لتحقيق مصلحة شخصية،

٢- انتهاكه بذلك قواعد الوظيفة العامة،

3- إلحاق الضرر بالمصلحة العامة (ب)،

٤- استفادة طرف ثالث (ج) من هذا الفعل، ومكافأة الموظف (أ) لقاء تمكينه من الحصول على سلع أو خدمات لم يكن ليتمكن من الحصول عليها بطريقة أخرى (١٠١).

ويضيف فيلب أنّ الفعل يُعدّ فاسدًا بشكل مؤكد عندما تجتمع هذه المعايير الأربعة كلها في واقعة واحدة، غير أنّ العديد من حالات الفساد لا تتضمن سوى ثلاثة معايير منها. ويمكن الإشارة إلى أنّ الموظف العام لا يضرّ بالمصلحة العامة فحسب، بل قد يُلحق الأذى أيضًا بطرفٍ رابع (د)، مثل شخصٍ يُستبعد من صفقةٍ تجارية أو يُحرم من استخدام خدماتٍ أو الحصول على سلعٍ تمكّن منها شخص آخر (ج) بوسائل غير مشروعة. فالفساد يُعدّ مرادفًا للرشوة، ويرتبط أساسًا بالمخالفات أو الأفعال غير القانونية في القطاع العام. لذلك يرى داردن (Darden) أنّ مصطلح "الفساد" ينبغي أن يُحصر في الممارسات السيئة للموظفين العموميين التي تنحرف عن التسلسل القيادي أو تُضعف نزاهته، وبالتالي تُقوّض القواعد القانونية التي تحكم عمل المنظمة، وذلك في سبيل تحقيق أهداف شخصية (وخاصة المكاسب الذاتية) (١٠٢).

ومع ذلك، فإنّ الفساد مفهوم أوسع بكثير، إذ يشمل أيضًا الأفعال المثيرة للجدل أخلاقيًا أو المنحرفة، والتي قد لا تُعدّ جرائم قانونية لكنها تستحق الإدانة على الأقل، بالإضافة إلى انتهاك المعايير الأخلاقية والسلوكية في كلٍّ من القطاعين العام والخاص. ويأخذ الفساد الإداري، ارتباطًا بالفساد السياسي، أشكالًا متعددة، ولا يكون من الطبيعي أن تكون كلّ أنماط الممارسات الفاسدة متساوية الأثر في الأداء الاقتصادي. وتشير الدراسات التجريبية الحديثة إلى أنّ كثيرًا من الدول شهدت تراجعًا في النمو الاقتصادي كنتيجة مباشرة للفساد، بينما حققت دول أخرى نموًا اقتصاديًا مرتفعًا في بعض الحالات على الرغم من وجود الفساد. ويُعزى ذلك إلى مدى تنسيق الموظفين – مرتكبي الممارسات الفاسدة – لسلوكهم. ففي غياب شبكة فساد منظمة، يجمع كل موظف الرشاوى لحسابه الخاص دون الاكتراث بتأثيرها على الأداء العام، أما عند وجود شبكة فساد منظمة، فإنّ الجهاز البيروقراطي يقلل من القيمة الإجمالية للرشوة، ما يؤدي إلى انخفاض المدفوعات غير المشروعة وزيادة الابتكار، وبالتالي تحقيق نمو اقتصادي أعلى. ويُستخدم في هذا السياق التعبير الإنجليزي "تزييت العجلات" (to oil the wheels)، في إشارة إلى الرشوة التي تُقدَّم لتسهيل الإجراءات أو تسريع المعاملات (١٠٣).

ويتضح من تحليل هذه العوامل أنّ الفساد الإداري لا ينشأ بمعزل عن البنية السياسية والمؤسسية والاقتصادية للدولة، بل يتغذّى على اختلالات متشابكة في النظام الإداري والسياسي والأخلاقي، ويمكن تلخيصها فيما يلي:

١- الخلل في القيادة السياسية والحوكمة العليا: يبدأ الفساد من القمة، حين تتحول مواقع صنع القرار إلى أدوات لمصالح شخصية أو حزبية، ويُستغل النفوذ لتوجيه المشاريع الحكومية أو منح العقود لتحقيق مكاسب خاصة. وتنتج هذه الممارسات ثقافة مؤسسية تُشرعن الفساد من الأعلى إلى الأسفل، فتفقد الإدارة العامة مصداقيتها.

٢- غياب استراتيجية شاملة لمكافحة الفساد: يُظهر تضارب السياسات الحكومية ضعف الإرادة السياسية في المواجهة، إذ تعمل بعض الهيئات على تطبيق معايير النزاهة، بينما تُضعف هيئات أخرى هذه الجهود عبر تشريعات متساهلة أو تبريرات اقتصادية، مما يؤدي إلى ازدواجية تنظيمية تقلّص فعالية أي إصلاح.

٣- ضعف منظومة المساءلة والشفافية: تؤدي قلة الإبلاغ عن الفساد وقصور الملاحقة القضائية إلى توليد بيئة آمنة للفساد، حيث يشعر الفاعلون بانعدام الخطر من العقاب. كما أن غياب السجلات الوطنية للإدانات وعدم نشر البيانات الخاصة بالقضايا يسهم في طمس الأدلة وغياب الرادع العام.

٤- الضغوط الاقتصادية وضعف الحوافز الأخلاقية: تؤدي الأجور المنخفضة وغياب الحوافز المهنية وتردّي بيئة العمل إلى جعل الموظف أكثر قابلية للانحراف الأخلاقي، خصوصًا عندما يرى نماذج فاسدة في المستويات العليا لا تُحاسَب. وبالتالي، يتحول الفساد إلى وسيلة للبقاء الاقتصادي لدى الأفراد، وليس مجرد انحراف فردي.

٥- الثغرات الإدارية والمؤسسية في إدارة المشاريع العامة: في ظل غياب آليات رقابة فعّالة على مشاريع البنية التحتية، تتزايد احتمالات الرشوة والاحتيال أثناء التخطيط أو الترسية أو التنفيذ. كما أنّ نقص البيانات الدقيقة حول الأسعار المقارنة والتكلفة الحقيقية للمشاريع يصعّب تقييم النزاهة الاقتصادية للصفقات الحكومية.

٦- ضعف تكامل المعلومات والحوكمة الرقمية: يشير نقص البيانات الوطنية حول البنى التحتية والمشروعات العامة إلى هشاشة نظم المعلومات الإدارية، وهو ما يتيح للمسؤولين التلاعب بالمشاريع أو تمرير قرارات غير مبرّرة بحجة نقص البيانات أو تعقيد الإجراءات.

٧- العدوى الهيكلية للفساد: ينتشر الفساد عبر آلية "القدوة السلبية"، إذ تُظهر الممارسات العليا في النظام الإداري أنّ النفوذ يحمي صاحبه من العقوبة، مما يدفع المستويات الأدنى إلى محاكاة السلوك نفسه. وهكذا يتحول الفساد إلى نمط إداري مستقر وهيكلي يصعب اجتثاثه دون إصلاح شامل (١٠٤).

الفساد الإداري ليس مجرد انحراف فردي عن القواعد، بل هو تعبير عن خلل متجذر في منظومة القيم والإدارة معًا. فعندما تتراجع العدالة المؤسسية والشفافية وتغيب المحاسبة، يتحوّل القانون نفسه إلى أداة للمناورة بدلًا من أن يكون أداةً للضبط، ويصبح الفساد وسيلة خفية لإعادة توزيع السلطة والثروة داخل الجهاز الإداري.

وقد تطوّرت دراسة الفساد منذ تسعينيات القرن العشرين لتصبح حقلًا علميًا متعدد التخصصات، نال اعترافًا متزايدًا باعتباره عنصرًا أساسيًا في تحقيق الحوكمة الرشيدة. وتظهر الآثار السلبية للفساد بشكل خاص في مجالات الإدارة العامة والسياسات والحوكمة، حيث يُعدّ ممارسة السلطة بعدالة وشفافية أمرًا حيويًا لضمان عمل الأنظمة الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. وفي عام ٢٠٠٣، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، والتي تُعدّ الأداة الدولية الرئيسية في هذا المجال. وتتضمن الاتفاقية العديد من الأحكام التي تؤكد أهمية إنشاء مؤسسات لمكافحة الفساد كوسائل فعّالة لتحقيق هذا الهدف. ومنذ ذلك الحين، أنشأت العديد من الدول الأعضاء في الاتفاقية مؤسسات مختلفة تحت مسميات متعددة لمكافحة الفساد. ومن منظور القانون الدولي، يزداد الاعتراف بأنّ التصدي للفساد يتطلب جهدًا جماعيًا من الدول، مستندًا إلى إطار قانوني قوي يتجاوز الحدود الوطنية (١٠٥).

وتُعدّ المعايير الأخلاقية أساسية في الممارسات الإدارية العامة واليومية، إذ إن النغمة الأخلاقية السائدة داخل المؤسسة تؤثر مباشرة على كفاءتها وفعاليتها، وعلى عمليات اتخاذ القرار، ودرجة التزام الموظفين ورضاهم الوظيفي، وكذلك على مستويات الضغوط النفسية ودوران العمالة. إن جعل الممارسات الأخلاقية أولوية لا يقتصر على العمل بنزاهة أو الحفاظ على المصداقية، بل هو أيضًا وسيلة لتحقيق الكفاءة المثلى في أداء المؤسسات العامة. والمؤسسات العامة الناجحة عادةً ما تتميّز بمعايير أخلاقية عالية، سواء في علاقاتها الخارجية مع أصحاب المصلحة أو في علاقاتها الداخلية بين الموظفين. وفي مختلف الدول الأوروبية، تختلف الأنظمة والثقافات السياسية تبعًا لعدة عوامل، مثل قوة البرلمان وحقوقه في الرقابة، ودرجة اختراق الأحزاب السياسية للأجهزة البيروقراطية، وحرية الصحافة، وحجم الإدارات العامة، وتصميم الهياكل التنظيمية وأنظمة الموارد البشرية، وغيرها من العوامل (١٠٦)

2- اللامبالاة والمسؤولية الجزئية:

يتبيّن مما سبق أنّ الفساد الإداري ليس ظاهرة معزولة، بل هو نتاج تفاعل معقّد بين خلل القيم الأخلاقية وضعف القيادة المؤسسية وغياب المساءلة الفعالة، وهو ما يُنتج بيئة عمل تتآكل فيها روح الالتزام والضمير المهني. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إنّ أحد المظاهر الخطيرة التي تُسهم في ترسيخ هذا الواقع هو تفشّي اللامبالاة والمسؤولية الجزئية داخل المؤسسات العامة والخاصة على السواء.

تُعدّ اللامبالاة في بيئة العمل من أخطر الظواهر التي تهدد الأداء المؤسسي وجودة القيادة، إذ لا تعبّر فقط عن ضعف الالتزام أو فتور الدافع، بل تكشف عن حالة أعمق من الانفصال الأخلاقي والوجداني عن الهدف المهني، مما يؤدي تدريجيًا إلى تفكك روح الفريق وتراجع معايير التميّز.

في هذا السياق، يقدّم جو روبرت ثورنتون (Joe Robert Thornton) معالجة دقيقة لهذه الظاهرة في كتابه المهم «أعماق الركاكة: القضاء على اللامبالاة» الصادر عام ٢٠٢١، حيث يربط بين مفهومي الركاكة (Mediocrity) واللامبالاة (Indifference) باعتبارهما علتين مركزيتين لانهيار فعالية القيادة وانطفاء روح المبادرة في المؤسسات. ويرى ثورنتون أن نقيض التميّز في العمل ليس الفشل كما يُظن، بل هو الركاكة، أي أداء الحد الأدنى الذي يضمن البقاء دون طموح أو إبداع. ويؤكد أن الركاكة ليست دائمًا نتيجة لضعف الكفاءة الفردية، بل غالبًا ما تكون نتاج قيادة غير فعّالة تفتقر إلى الرؤية والحافز (١٠٧).

ثم ينتقل إلى ما يعتبره الخطر الأكبر: اللامبالاة، التي يعرفها بأنها القدرة الأخلاقية والإنسانية على التغاضي عن الخطأ أو التقصير أو الظلم دون اتخاذ موقف، والاكتفاء بالصمت والرضا عن الوضع القائم. وهذه الحالة، كما يوضح، تشكّل بيئة خصبة لترسيخ الفساد الإداري وتآكل قيم العدالة والمساءلة داخل العمل (١٠٨).

ويشير ثورنتون أيضًا إلى أنّ القيادة اللامبالية تُعدّ أحد أخطر أشكال الفشل المؤسسي، فهي ليست بالضرورة قيادة ظالمة أو قاسية، بل قيادة غافلة تكتفي بفعل ما يكفي للبقاء دون السعي إلى التغيير أو التحسين. ويسميها "القيادة التي تفعل فقط ما يكفي لتستمر"، والتي تنشر عدوى اللامبالاة في جميع مستويات العمل، حيث يفقد الموظفون الشعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الجودة والخدمة العامة (١٠٩).

ويطرح ثورنتون مجموعة من المبادئ العملية لمواجهة ظاهرة اللامبالاة في بيئة العمل، من أبرزها:

١- إحياء الشعور الأخلاقي في العمل، من خلال ربط الأداء اليومي بالقيم الإنسانية والمجتمعية.

٢- تحفيز الشجاعة القيادية في مواجهة التقصير، بدلًا من سياسة "النظر إلى الجانب الآخر".

٣- بناء ثقافة المساءلة، حيث يُكافأ الالتزام الحقيقي وتُدان اللامبالاة.

٤- تحويل السلبية إلى دافع إيجابي للتغيير عبر الحوار والمشاركة (١١٠).

ويؤكد ثورنتون في خلاصة تحليله أنّ اللامبالاة ليست مجرد سلوك وظيفي، بل مشكلة ثقافية شاملة تمتد إلى المجتمع بأسره. فهي تنشأ عندما تفقد الجماعات والمؤسسات حسّها الأخلاقي الجمعي، فتفقد القدرة على الغضب من الخطأ أو الدفاع عن الصواب. ويرى أن المجتمعات التي تتسامح مع اللامبالاة "تتآكل من الداخل قبل أن تنهار من الخارج" (١١١).

ويخلص جو روبرت ثورنتون إلى أن اللامبالاة هي نقيض الحياة المهنية والأخلاقية، وأن مكافحتها تبدأ من إعادة إحياء الضمير القيادي في المؤسسات. فالعمل، في جوهره، ليس مجرد وسيلة للرزق، بل فضاء أخلاقي تُختبر فيه قيم الإنسان واستعداده لتحمّل المسؤولية تجاه الآخرين والمجتمع.

3- أخلاقيات التعامل مع المواطنين والزملاء والرؤساء:

وإذا كانت اللامبالاة تمثّل تهديدًا داخليًا لقيم الالتزام والمسؤولية داخل المؤسسة، فإنّ الأخلاقيات المهنية تمثل الوجه المقابل الذي يضبط العلاقات ويعيد بناء الثقة بين العاملين والمجتمع. ومن هنا تبرز أهمية أخلاقيات التعامل مع المواطنين والزملاء والرؤساء بوصفها الإطار السلوكي الذي يضمن انسجام الأداء الإداري مع المبادئ الإنسانية والقيم العامة.

لقد عُرفت مواثيق الأخلاقيات منذ زمن بعيد، ومن بين أقدمها وأكثرها شهرةً قسم أبقراط الذي وُضع في القرن الخامس قبل الميلاد، ولا يزال حتى اليوم يؤدي دورًا بارزًا في مهنة الرعاية الصحية. ومن الشائع أيضًا أن تمتلك المهن الأخرى مواثيق أخلاقية خاصة بها، إذ يُعد الالتزام بميثاقٍ أخلاقي وسلوكي أحد السمات الجوهرية التي تُميّز المهنة عن غيرها من الأنشطة. ورغم انتشار مواثيق الأخلاقيات في المهن التقليدية، إلا أنّ ظهورها داخل المؤسسات غير المهنية يعد ظاهرة حديثة نسبيًا. ويُعزى هذا الانتشار المتزايد إلى عوامل عدة، منها نمو حجم المؤسسات، وارتفاع توقعات المجتمع من أدائها، إضافةً إلى الطابع العالمي المتزايد لأنشطتها، ما ساهم مجتمعةً في انتشار واسع لمواثيق الأخلاقيات عبر مختلف المؤسسات (١١٢).

وتشمل فروع الأخلاقيات التطبيقية: الأخلاقيات التجارية، الأخلاقيات البيولوجية، الأخلاقيات المهنية، الأخلاقيات الاجتماعية، أخلاقيات التكنولوجيا، أخلاقيات المعلومات، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي. وتكتسب هذه الفروع أهمية كبيرة في مجال الاتصال في البحث والممارسة، لعدة أسباب تتعلق أساسًا بطبيعة الاتصال ذاته والقضايا المرتبطة به، مثل تكنولوجيا الاتصال والوساطة، بالإضافة إلى القضايا التي يتعامل معها الاتصال، بما في ذلك وساطة الرسائل. ويؤثر هذا في طبيعة ما يُنقل، وكيفية نقله، ومن يقوم بالنقل، ومن هم المستلمون—سواء كانوا المقصودين أو غير المقصودين (١١٣).

وقد أصبح الاتصال بين الأفراد ذا أهمية متزايدة، لا سيما في ظل العولمة، حيث يُعد الاتصال الشخصي ضرورةً للبقاء على تواصل مع الآخرين، بما في ذلك الأحبة والمجتمع الأوسع. عبر التاريخ، كان الانتماء إلى المجتمع وقبول الفرد فيه أمرًا بالغ الأهمية للبشر، وقد اكتسب هذا الأمر أهميةً أكبر مع التطور التقني وابتكارات الاتصال الحديثة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الاتصال اللاسلكي والإنترنت غير المحدود، بدءًا من أجهزة الكمبيوتر المكتبية وصولًا إلى الهواتف الذكية الحديثة.

ولا يقتصر البقاء على تواصل على تبادل الرسائل فحسب، بل يشمل أيضًا مراعاة طبيعة العلاقات مع من نتواصل معهم. فإرسال الرسائل يتيح تلبية الحاجة الإنسانية للانتماء، ويسهم في التخفيف من الشعور بالوحدة، ويعزز رفاهية الفرد من خلال تعزيز شعوره بالاستقلالية والرضا عن ذاته. وهكذا، أضاف القرن الحادي والعشرون بُعدًا جديدًا للاتصال بين الأفراد، لا سيما لدى الأجيال الشابة، من خلال وسائل الإعلام الرقمية الجديدة التي أصبحت جزءًا لا غنى عنه من حياتهم (١١٤).

ويُعدّ مجال الأخلاق، أو الفلسفة الأخلاقية، أي الدراسة الأكاديمية للمبادئ والقواعد الأخلاقية، مجالًا مستمرًا طوال تاريخ البشرية. وكما هو الحال مع أي مجال مرتبط بالفلسفة، لا يوجد تعريف دقيق لمفهوم "الأخلاق"، إلا أنّ الفهم العام يمكن تبسيطه باعتبار الأخلاق دراسةً لما هو "حسن وقبيح". وأكثر صلةً بالخطابات المجتمعية المعاصرة هو الفهم السلوكي للأخلاق والممارسة الأخلاقية.

وعند العودة إلى الفهم الأساسي للأخلاق على المستوى السلوكي، يمكن الإشارة إلى "القاعدة الذهبية": «في كل شيء، عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك». ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار قاعدة عامة للسلوك الأخلاقي توجيه الفرد لسلوكه بما يتوافق مع الطريقة التي يحب أن يُعامل بها. وعلى الصعيد المهني والأكاديمي، قد يكون التفكير في القضايا الأخلاقية، وتفسيرها، والالتزام بالمعايير الأخلاقية أكثر تعقيدًا مما يبدو، ما يجعل من الضروري للأفراد العاملين في مجالات الاتصال أن يفهموا طبيعة الأخلاق، وكيفية تطبيقها في سياقات محددة، والتعرف على أوجه التشابه والفروق بين هذه السياقات (١١٥).

وقد وضع سقراط ثلاثة ركائز أساسية للحوار: العقل، الضمير، والفعل الأخلاقي. وبعد محاكمته بتهمة التجديف وإفساد شباب أثينا، أُدين سقراط أمام هيئة من أقرانه وحُكم عليه بالموت، كما روى أفلاطون هذه الواقعة في محاورة الدفاع (Apology). وفي بداية محاورة كريتو، نكتشف أن صديقه المقرّب كريتو جاء إليه في السجن عارضًا عليه فرصة الهرب والنفي إلى خارج أثينا، مطمئنًا إياه إلى سهولة العملية وعدم تعريض أي طرف لمخاطرة. وبعدما كان سقراط قد رفض هذا العرض سابقًا، يقدّم كريتو هذه المرة سلسلةً من الحجج لإقناع سقراط بالموافقة على الهرب.

وفي رده على كريتو، يقدّم سقراط ملاحظات واضحة حول طريقة تعامله مع العرض، تكشف عن طبيعة مشروعه الفلسفي، أي مشروع الأخلاق العملية، حيث:

1- يؤكد أنه لن يسمح لأي محاولة تستهدف التأثير في عواطفه بأن تُؤثّر على حكمه، فهو بحاجة إلى صفاء الذهن وهدوء النفس، ولن يُصغي إلا إلى حجّة قائمة على الوقائع وتبدو الأفضل بعد التأمل.

2- على الرغم من ترحيبه بالحوار، فإنه يرفض أن يُقاد بآراء الآخرين، ويؤكد على اتباع ضميره الشخصي وحده.

3- يصرّ على أنه ما إن يتبيّن له ما هو الصواب أو الأفضل، فعليه أن يفعله دون تردّد، مختتمًا مبدأه باتفاقه مع كريتو على أنّ "الأمر المهم حقًا ليس أن نعيش، بل أن نعيش عيشًا حسنًا"، أي أن نحيا حياة شريفة وعادلة (١١٦).

4- نحو فلسفة عملية لأخلاقيات الوظيفة العامة:

في ضوء ما تقدّم من الحديث عن الأخلاق المهنية، تتجلّى الحاجة إلى بناء فلسفة عملية تُوجِّه أخلاقيات الوظيفة العامة نحو غاية عليا، هي تحقيق المصلحة العامة وصيانة كرامة الإنسان داخل بيئة العمل. ويبرز ذلك بوضوح في ميدان الخدمة العامة، حيث يُنتظر من الموظف العام أن يكون نموذجًا للالتزام والمسؤولية والقدوة في السلوك. فلكي تكون الخدمة العامة فعّالة وتتمتع بالاحترام والثقة، لا بد أن يلتزم العاملون فيها بمجموعة من السلوكيات والمعايير الأخلاقية التي تضمن الانضباط المهني، وتحفظ للمؤسسات هيبتها وفاعليتها. ومن أبرز هذه المعايير ما يلي:

1- احترام جميع حقوق الإنسان والتعامل بروح من اللياقة والاحترام مع الجميع.

2- أداء العمل بجدٍّ وانضباط، مع الالتزام بالمواعيد ومعايير الجودة في الإنجاز.

3- تعزيز روح العمل الجماعي والتعاون مع الزملاء لتحقيق أهداف المؤسسة.

4- السعي إلى التميز في تقديم الخدمة، والتطوير المستمر للأداء لتحقيق نتائج ملموسة.

5- ممارسة المسؤولية وحسن الإدارة، بما يشمل التنظيم الفعّال للموارد واتخاذ القرارات الرشيدة.

6- تعزيز الشفافية والمساءلة في جميع مستويات العمل، لضمان الثقة والمصداقية.

7- أداء الواجبات بنزاهة واستقامة، وتجنّب أي سلوك قد يضر بالمصلحة العامة.

8- الحفاظ على الحياد السياسي، وعدم السماح للتوجهات السياسية الشخصية بالتأثير على الأداء المهني أو القرارات الإدارية (١١٧).

تتواصل هنا الرؤية المتكاملة لفلسفة أخلاقيات الوظيفة العامة، حيث يتعمق التحليل من مستوى السلوكيات المهنية إلى مستوى القيم الجوهرية التي تُشكّل الأساس الأخلاقي للسلوك العام. فبعد أن تناولنا في المحور السابق المبادئ التي تضمن فعالية الخدمة العامة وثقة المجتمع بها، ننتقل الآن إلى فلسفة القيم المهنية التي تمثل الركيزة الأخلاقية لكل ممارسة في ميدان الخدمة العامة.

المحور الخامس: فلسفة القيم المهنية في الخدمة العامة

1- الصدق، العدالة، الكفاءة، الشفافية، الخدمة العامة:

تتأسس هذه الفلسفة على منظومة من القيم المركزية مثل الصدق، العدالة، الكفاءة، الشفافية، والخدمة العامة. فالقيم ليست مجرد مبادئ نظرية، بل هي موجهات عملية تضمن أن تكون المهنة أداة لخدمة الإنسان والمجتمع، لا وسيلة لمصلحة شخصية أو غاية نفعية ضيقة.

ومن ثم، تبرز الكفاءة والمهارة كشرطين أساسيين لأداء الأعمال والوظائف المختلفة بكفاءة ومسؤولية. وتُعدّ هذه المعايير المشتركة العناصر الجوهرية في تعريف الشخص "المحترف" أو ذي الكفاءة العالية، وهو الذي:

1- يتقن منظومة معقّدة من المعارف والمهارات تُستخدم في خدمة الآخرين، أي أنه بلغ مستوى متقدّمًا من الكفاءة في مجاله ويحافظ عليه باستمرار.

2- يُظهر قدرًا من المساءلة تجاه الجمهور والمهنة على حدٍّ سواء، ملتزمًا بمقاييس الأداء المهنية مثل التعليم المستمر الفعّال والحد الأدنى من معايير الكفاءة والأخلاق. وفي هذا السياق، قد تتولى الدولة ضمان الكفاءة من خلال تكليف أعضاء مهنيين بإجراء اختبارات ومنح تراخيص علنية للناجحين، أو قد تمنح المؤسسات المهنية حرية إصدار اعتمادها الخاص، ومع ذلك تبقى المهنة مسؤولة عن جدارة وثقة ممارسيها أمام المجتمع.

3- يخضع لميثاق أخلاقي يوجّه سلوكه المهني وينظّم ممارساته.

4- يُظهر التزامًا بالكفاءة والنزاهة والاستقامة الأخلاقية، ويحافظ على الطابع الأخلاقي والتعاوني للمهنة، ويتحمّل المسؤولية تجاهها عن كل سلوكه. كما يتصف بروح الإيثار، مقدمًا مصلحة الآخرين والصالح العام على مصالحه الذاتية.

5- يمارس استقلالية في الحكم والممارسة المهنية، ويتحمّل المسؤولية المترتبة على امتيازه في التنظيم الذاتي، وغالبًا ما ينضمّ إلى مؤسسات مهنية تُعنى بحماية استقلال المهنة من خلال أنظمة الاعتماد والترخيص والتصديق المهني.

6- يُظهر روحًا مهنية متجذّرة في الانتماء إلى جماعة تشترك في مثلٍ عليا مشتركة تضع الخدمة فوق المكسب، والإتقان فوق الكثرة، والتعبير الذاتي فوق الدوافع المادية، والولاء فوق المصلحة الفردية. ويعبّر هذا الالتزام عن مساهمة المهني في تطوير المهنة والنهوض بجماعته المهنية من خلال عمله ومشاركته الفعّالة في تعزيز قيمها وممارساتها (١١٨).

2- التوفيق بين الواجب الشخصي والمصلحة العامة:

يُعد هذا المحور امتدادًا طبيعيًا لما سبقه من بحثٍ في فلسفة القيم المهنية، حيث ينتقل من تحديد القيم العامة مثل الصدق والعدالة والكفاءة إلى تناول إشكالية التوفيق بين الواجب الشخصي والمصلحة العامة، وهي من أعقد المسائل الأخلاقية في ميادين العمل المهني، ولا سيّما في القطاعات الحساسة كالرعاية الصحية.

يتطلب هذا التوازن تحقيق الانسجام بين المهنية والالتزام الأخلاقي في جميع المهن، ويظهر هذا بوضوح في المجال الصحي، حيث تتقاطع القيم الإنسانية مع الضغوط الاقتصادية والتقنية.

أولاً، يشهد العالم اليوم تحولًا متزايدًا في الرعاية الصحية نحو منطق السوق؛ إذ صار المرضى يُعاملون كمستهلكين والعاملون في المجال الطبي كمزودين للخدمة، في إطار يخضع لمبدأ “ليحذر المشتري” (caveat emptor) الذي يُفترض أنه يحمي الجميع. غير أنّ هذا التحول أوجد ضغوطًا جديدة على الخريجين الطبيين الذين يرزحون تحت وطأة الديون الناتجة عن تكاليف التعليم المرتفعة، فيسعون لزيادة دخلهم ولو على حساب البعد الإنساني للمهنة، مما يُهدد بتحويل الرعاية إلى سلعة لا رسالة. ومع انتشار الإنترنت وتنامي معرفة المرضى، باتوا أكثر تشككًا في كفاية العلاج أو النصيحة الطبية، ومع تطور التكنولوجيا الطبية تزايدت مطالبهم بالعلاج، الأمر الذي أفرز تحديات أخلاقية جديدة في موازنة الواجب المهني مع الاعتبارات الاقتصادية (١١٩).

ثانيًا، رغم هذه التحولات، ثمة مكاسب أخلاقية مهمة، أبرزها تراجع نموذج “الأبوة الطبية” الذي كان يقوم على خضوع المريض الكامل لسلطة الطبيب، ليحلّ محله نموذج المشاركة واتخاذ القرار المشترك. غير أنّ هذا المكسب ترافق مع خطر تآكل المهنية، إذ صار بعض الأطباء يمارسون الطب بوصفه نشاطًا تجاريًا قائمًا على تلبية الطلب مقابل العائد المالي، بينما يسعى الأطباء الملتزمون بالضمير المهني إلى التوفيق بين رغبات المرضى ومسؤولياتهم تجاه الصالح العام وحماية الموارد الصحية (١٢٠).

ومن ثمّ، فإن المهنية لا تتحقق إلا عبر التأمل الذاتي والإصلاح المؤسسي. فلا بد أولًا من إصلاح بيئة العمل الطبي بما يضمن إزالة الحوافز المنحرفة التي تشجع السلوك غير الأخلاقي، كالإفراط في وصف الأدوية أو الفحوص غير الضرورية بهدف الربح. وثانيًا، تعتمد المهنية على القدوة والنموذج العملي، إذ لا تكفي المعرفة النظرية ما لم يجد المتدرب أمامه أمثلة حيّة تجسد الالتزام والضمير (١٢١).

في الإطار الفلسفي، ترتبط المهنية بـ أخلاقيات الفضيلة، أي بنمط الشخصية الذي يجمع بين المعرفة والعادات الأخلاقية الراسخة، أو ما يسميه أرسطو “عادات القلب”. فالمهنية ليست دهاءً تقنيًا، بل التزامًا وجدانيًا مستمرًا تجاه الإنسان. لذلك، فإن بقاء المهنة وازدهارها يعتمد على نظام صحي عادل يضمن تكافؤ الفرص وعلى وجود قدوات ملهمة تغرس في الأجيال الجديدة روح المسؤولية والفضيلة (١٢٢).

وتتسع دائرة الالتزام الأخلاقي لتشمل الاحتياجات الإنسانية العامة كما يصنفها ماسلو، بدءًا من:

1- الاحتياجات الفسيولوجية كالطعام والمأوى والراحة،

2- - مرورًا باحتياجات الأمان والحماية،

3- فالاحتياجات الاجتماعية من انتماء ومودة وقبول،

4- ثم احتياجات الأنا كالاحترام والثقة بالنفس،

5- وصولًا إلى احتياجات تحقيق الذات، أي السعي إلى تحقيق أفضل ما في الإنسان من قدرات (١٢٣).

وفي هذا الإطار، يتجلى الدور الأخلاقي للدين في ترسيخ القيم التي تحفظ توازن الفرد والمجتمع. فالأديان تحثّ على الخير وتنهى عن الكبائر، وتؤكد قاعدة أخلاقية كونية هي «عامل الآخرين كما تحب أن يُعاملوك»، أو كما عبّر جوستينيان: «أن نعيش بصدق، وألا نؤذي أحدًا، وأن نُعطي كل إنسان حقه». ويشير ليونارد سويدلر (Leonard Swidler) إلى ثلاث نتائج لهذه القاعدة:

1- معاملة البشر كغايات لا كوسائل،

2- حماية الضعفاء والعاجزين،

3- معاملة الكائنات غير البشرية باحترام لأنها جزء من خلق الله (١٢٤).

وتُبرز هذه المبادئ أساس العلاقة بين المسؤول العام والبيئة المحيطة؛ إذ يتجسد الواجب الأخلاقي في خدمة الإنسان أولًا، وضمان أمنه وسلامته ثانيًا، وصون البيئة الطبيعية ثالثًا. كما تستدعي الحاجة إلى الدين في المجتمع أن يحترم المسؤول العام حرية المعتقد ويتبنى سياسة التسامح الديني، مع التزامه بمبادئ أخلاقية عامة مستمدة من التعاليم الدينية لتكون دليلًا لسلوكه المهني. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحاجة الدينية تُعد من الاحتياجات الاجتماعية في المستوى الثاني من هرم ماسلو (١٢٥).

3- الوعي الأخلاقي كأساس للإصلاح الإداري:

يمثل هذا العنصر استكمالًا منطقيًا لما سبقه من حديثٍ عن التوفيق بين الواجب الشخصي والمصلحة العامة، إذ ينتقل إلى تناول الوعي الأخلاقي بوصفه الركيزة الأساسية لأي إصلاح إداري فعّال، وشرطًا لاستمرار القيم المهنية في الخدمة العامة.

في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، باتت أخلاقيات موظفي الخدمة العامة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، نتيجة لتعدد القيم وتضاربها في البيئات الحديثة. فالأخلاق الكلاسيكية التي كانت تقوم على الانضباط، والإخلاص، والولاء، والالتزام المؤسسي، تواجه اليوم تحديات جديدة تتطلب من الموظف العمومي إعادة النظر في علاقته بالقيم التقليدية، واستيعاب منظومة أوسع من المبادئ التي تعكس التنوع والتعدد في القيم المعاصرة.

وقد تناول ماكس فيبر في عمله الشهير «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» (19- 4) نموذجًا للمجتمعات التي جعلت من العمل قيمة أخلاقية مطلقة، فصار الإنسان يعمل لا لمجرد الكسب، بل لأن العمل ذاته يُعد غاية أخلاقية. وهكذا، أصبح العمل هو الإطار الذي تُعرض فيه الفضائل العملية مثل الاجتهاد، والانضباط، والمسؤولية. أما في عصرنا الحاضر، فقد تحوّل هذا الفهم إلى نظرةٍ مهنية أكثر براغماتية، إذ يرى كثير من موظفي الخدمة العامة وظائفهم كمسارات مهنية لا كدعوات أخلاقية أو رسالات معنوية. ومع ذلك، يظل للعمل مكانته المركزية، إذ أُضيفت إليه قيم حديثة مثل الأداء الفردي، والتعلم المستمر، وتطوير الكفاءات، وهي تحولات إيجابية تعبّر عن نضج الوعي المهني واتساع مفهوم الخدمة العامة (١٢٦).

وترافق هذا التحول مع تغيّر نموذج العمل المؤسسي ذاته؛ فبعد أن كان العمل بدوام كامل والوظيفة المستقرة حتى التقاعد هما القاعدة، صارت الحدود بين الحياة المهنية والخاصة أكثر مرونة، وظهرت أنماط جديدة من العمل الجزئي والزمن المرن. ولم تعد ساعات العمل مفهومًا جامدًا، إذ أصبح الوصول إلى الموظف ممكنًا في كل وقت عبر الوسائل الرقمية. ورغم هذه التغيّرات، لا يزال العمل الجادّ يُنظر إليه كفضيلة أخلاقية، حتى مع تزايد الضغط المهني وامتداد ساعات العمل في معظم القطاعات العامة (١٢٧).

أما من حيث تطوير المهارات والتعلّم مدى الحياة، فقد تغيّرت النظرة جذريًا؛ إذ لم يعد الموظف خبيرًا تقليديًا يعتمد على شهادة جامعية فحسب، بل أصبح مطالبًا بتجديد معارفه وصقل كفاءاته بصورة مستمرة. إنّ هذا التسارع في وتيرة التطوير الذاتي يعكس روح الأخلاق الحديثة في العمل، القائمة على المرونة والمسؤولية الفردية، والتي حلّت محل الأخلاقيات الجامدة التي كانت تهيمن في الماضي.

كذلك، صارت الخدمة العامة أكثر انفتاحًا على الثقافات التنظيمية والقيم الوافدة من القطاعين الخاص والمجتمع المدني، دون أن تفقد جوهرها القيمي الأصيل المتمثل في الاستقلالية، والاستحقاق، والاحترافية، والإنصاف، والمسؤولية. ومن ثمّ، أصبحت الحاجة ملحّة إلى تحديد القيم الأخلاقية المشتركة التي تجمع القطاع العام بسواه، حفاظًا على وحدة المعايير واستمرار الثقة المجتمعية في المؤسسات العامة (١٢٨).

ومع بروز التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال الرقمية، برزت تحديات جديدة تتصل بالاستخدام الأخلاقي للمعلومة. إذ باتت المدونات، ومنصات التواصل الاجتماعي، والمواقع الحكومية، أدواتٍ رئيسية في التواصل مع الجمهور وصياغة السياسات، لكنها في الوقت نفسه فتحت المجال أمام مخاطر الخلط بين الرأي الشخصي والموقف المؤسسي، وبين التواصل المهني والاستخدام الحزبي أو الترويجي للمعلومات. كما أتاحت هذه الوسائل للعاملين في الخدمة العامة فضاءً واسعًا للتعبير عن الذات خارج إطار العمل الرسمي، وهو ما يثير إشكالات تتعلق بحدود الحرية والمسؤولية المهنية.

ومن هنا، فإن القضايا الأخلاقية المرتبطة بالاتصال العام أصبحت أكثر تعقيدًا، تتطلب من الإدارات الحكومية صياغة أطر واضحة للسلوك الرقمي والمسؤولية الاتصالية، بما يضمن الحفاظ على الثقة العامة وحماية الحياد المؤسسي، ويحول دون استغلال الموارد العامة لأغراض شخصية أو سياسية (١٢٩).

المحور السادس: بناء ميثاق فلسفي لأخلاقيات الوظائف العامة

لقد أظهرت التحولات في أخلاقيات العمل العام أنَّ الإصلاح الإداري لا يتحقق بمجرد تطوير الأنظمة أو تحديث الإجراءات، بل يقوم أساسًا على الوعي الأخلاقي لدى العاملين في الخدمة العامة. ومن ثمّ، يصبح بناء هذا الوعي شرطًا ضروريًا لأي إصلاح إداري فعّال. فكلّ إصلاح يفتقر إلى الأساس الأخلاقي مصيره الفشل، لأن الأخلاق هي التي تمنح الفعل الإداري معناه الإنساني، وتحدّد مساره الصحيح في ضوء قيم العدالة والمسؤولية والنزاهة.

وفي هذا السياق، يتعيّن أن يُستكمَل الوعي الأخلاقي ببناء إطارٍ فلسفيٍّ مؤسَّسٍ لأخلاقيات الوظائف العامة، يقوم على التخطيط الواعي والتنظيم الرشيد. فمن خلال السير في مسار تطوّرهم ونموّهم العقلي، أدرك الإنسان تدريجيًا ضرورة التخطيط في الحياة، وبدأ ينظر إليه بوصفه أداةً تخدم إدارة النظم الاجتماعية وقيادتها. وفي عصرنا الحالي، أصبحت المنظمات والمؤسسات الإدارية بالغة التعقيد إلى حدٍّ يجعلها غير قادرة على البقاء دون تخطيطٍ تفصيلي. ويتطلّب التخطيط الوعي بالفرص والتهديدات المستقبلية، والتنبؤ بكيفية التعامل معها. ويُعدّ التخطيط – الذي يُنجز دائمًا في الإدارة قبل عملية التنظيم – عمليةً تشمل تحديد الرؤية والرسالة والأهداف، وتقدير الموارد والافتراضات البيئية، فضلًا عن وضع السياسات والإجراءات والأساليب. وتُعَدّ السياسات والإجراءات أدواتٍ لتنفيذ الرؤية التنظيمية، سواء أكانت مكتوبةً ومُعلَنة رسميًا أم ضمنيةً يتعرّف عليها المديرون والموظفون تدريجيًا مع مرور الوقت؛ ومن ثمّ، فإن غياب السياسات الموثّقة أو المكتوبة لبعض المهام لا يعني بالضرورة غياب السياسة الخاصة بها. كما تحتاج الحكومات إلى صياغة السياسات وتنفيذها تنفيذًا فعّالًا من أجل الاضطلاع بواجباتها، وتُعرف هذه السياسات عادةً باسم السياسات العامة، وإذا تم تنفيذها بشكل سليم فإنها ترفع مستوى الرفاهية والرضا العام للمواطنين، وتُسهم في تعزيز قوة الدولة (١٣٠).

إن تنفيذ السياسات يعني فعليًا تحويل الالتزامات إلى أفعال. ومن المؤكد أن فشل تنفيذ السياسات لا يعود دائمًا إلى ضعف الحكومة أو المؤسسات المنفذة، بل قد يكون نتيجة للخلل في مرحلة صياغة السياسات ذاتها. وتحدث مشكلات التنفيذ عندما لا تتحقق النتائج المرجوّة أو المصالح المطلوبة، وهذه المشكلات ليست حكرًا على الدول النامية؛ فحيثما تُفتقد العوامل الأساسية والحيوية لتنفيذ السياسات العامة – سواء في الدول النامية أو المتقدمة – تظهر صعوبات في التنفيذ. وقد أشارت دراسات متعدّدة إلى عدد من العوائق التي تؤدي إلى عدم تنفيذ السياسات أو تنفيذها بشكل غير مكتمل؛ غير أن ما هو مؤكّد هو أن السياسات لا تُنفَّذ إلا بواسطة الأفراد العاملين داخل المنظمات. لذلك، وبجانب العوامل البيئية والظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ونقائص عملية صياغة السياسات، لا يمكن تجاهل دور الموارد البشرية في المنظمات. وخاصةً مع التوسع المتزايد للمنظمات وتعقّد بيئاتها، أصبح دور الموارد البشرية في تنفيذ السياسات وتحقيق النجاح أكثر أهميةً وحسمًا.

وتتجلّى هنا أهمية حوكمة الشركات بوصفها الإطار التنظيمي الذي يُدار من خلاله العمل المؤسسي، إذ تشير إلى «النظام الذي تُدار وتُوجَّه من خلاله الشركات». ويُعدّ أحد أهداف حوكمة الشركات إنشاء مجموعة من الآليات الداخلية التي تضمن اتخاذ قرارات إدارية سليمة، مع مراعاة حقوق ومسؤوليات مختلف أصحاب المصلحة، إضافةً إلى الأعراف والمعايير الأخلاقية التي تلتزم بها الشركة. وقد جرى الاعتراف بأهمية خلق مناخ أخلاقي إيجابي والحفاظ عليه بوصفه جانبًا أساسيًا من جوانب حوكمة الشركات، إذ يُسهم في تقليل التكاليف المترتبة على وسائل الرقابة الاجتماعية الرسمية الأكثر تدخلًا وربما الأقل فاعلية، وكذلك في الحدّ من الخسائر الناجمة عن تضرر السمعة وانخفاض قيمة الأصول عند انكشاف مخالفات أخلاقية. كما أن الإخفاق في الحفاظ على ثقافة أخلاقية مناسبة، وفي تقديم نماذج سلوكية أخلاقية للموظفين، يمكن أن يُكبِّد الشركة خسائر جسيمة (١٣١).

ويكون المناخ الأخلاقي أكثر فاعلية عندما يكون أعضاء المنظمة مدفوعين داخليًا للتصرف بشكل أخلاقي. وبما أن فاعلية حوكمة الشركات تتعزّز من خلال التوافق بين الأخلاقيات التنظيمية والأخلاقيات الفردية، فإن فهم العوامل التي تُنتج هذا التوافق يُعدّ أمرًا مهمًا. ونظرًا لأن متغيرات المستوى التنظيمي ومتغيرات المستوى الفردي كليهما تؤثر في عملية اتخاذ القرار الأخلاقي، فإن نتائج البحوث التي تركز على أحد المستويين دون الآخر يجب أن تُستكمل بدراسات تتناول النوعين معًا (١٣٢).

إنّ بناء ميثاق فلسفي لأخلاقيات الوظائف العامة لا يكتمل من دون تحديد الأساس القيمي الذي يوجّه السلوك الإنساني داخل المؤسسات، وهو ما يجعل المسؤولية الأخلاقية محورًا جوهريًا في هذا البناء. فالأخلاق لا تُفهم هنا باعتبارها مجرد مجموعة من القواعد السلوكية، بل بوصفها منظومة من الفضائل الإنسانية التي تمنح الفعل الإداري روحه ومعناه.

١- المسؤولية الأخلاقية (أخلاقيات الفضيلة في السياق المعاصر):

تُعَدّ أخلاقيات الفضيلة إطارًا أخلاقيًا يركّز على تنمية الطابع الأخلاقي والفضائل بوصفها الأساس للحكم الأخلاقي والسلوك القويم. وقد جرى توظيف هذا الإطار في عصورنا الحديثة في مجالات متعددة مثل الأعمال، والرعاية الصحية، والسياسة، والتكنولوجيا. وفيما يلي عرض موجز لتجليات أخلاقيات الفضيلة في هذه المجالات:

١- أخلاقيات الأعمال:

في مجال الأعمال، تركز أخلاقيات الفضيلة على تنمية القيادة الأخلاقية وبناء ثقافة مؤسسية تقوم على القيم والمبادئ الأخلاقية. ويُطلب من القادة أن يتحلّوا بصفات مثل الصدق، والنزاهة، والعدالة، والتعاطف، لما لهذه الفضائل من أثر في اتخاذ القرارات وبناء الثقة مع الموظفين والعملاء وأصحاب المصلحة. وتُعدّ الشركة التي تتبنى هذا النهج الأخلاقي هي تلك التي تُوازن بين الربحية من جهة، ورفاه الموظفين، والاستدامة البيئية، والمسؤولية الاجتماعية من جهة أخرى.

2- أخلاقيات الرعاية الصحية:

تلعب أخلاقيات الفضيلة دورًا محوريًا في توجيه سلوك العاملين في القطاع الصحي. إذ يُشجَّع الأطباء والممرضون على تنمية فضائل مثل الرحمة، والتعاطف، والنزاهة، واحترام استقلالية المريض. ويُبرز هذا النهج أهمية العلاقة الإنسانية القائمة على الثقة والرعاية بين مقدم الخدمة والمريض، بوصفها شرطًا جوهريًا لتقديم علاج أخلاقي وفعّال.

3- الأخلاقيات السياسية:

تُقدّم أخلاقيات الفضيلة منظورًا مميزًا للقيادة السياسية ولعملية الحكم، من خلال إبراز فضائل مثل العدالة، والصدق، والحكمة العملية، والشجاعة. ويُحثّ السياسيون على تقديم الصالح العام على المصلحة الشخصية، وعلى التزام النزاهة الأخلاقية في أداء مسؤولياتهم تجاه الشعب. ويركّز هذا المنهج على أهمية الطابع الأخلاقي للسياسي ودوره في توجيه القرارات والسياسات العامة.

4- الأخلاقيات التكنولوجية:

مع التطور المتسارع للتكنولوجيا، أصبحت أخلاقيات الفضيلة ذات أهمية متزايدة في معالجة القضايا الأخلاقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والخصوصية، وأمن البيانات، والرفاه الرقمي. ويدعو الفلاسفة إلى تطوير التكنولوجيا واستخدامها بطريقة تعزز الكرامة الإنسانية والسلوك الأخلاقي. ويُشجَّع المصممون والمبرمجون على التفكير في العواقب الأخلاقية لابتكاراتهم، والسعي لدمج قيم مثل الشفافية، والمسؤولية، واحترام الإنسان في منتجاتهم التقنية (١٣٣).

وفي الظروف المعاصرة، تُعدّ أخلاقيات الفضيلة منهجًا شاملًا يتمحور حول الطابع الأخلاقي للفرد في عملية اتخاذ القرارات الأخلاقية. فهي تركّز على تنمية الفضائل الأخلاقية وتكوين العادات السلوكية الفاضلة التي تُوجّه الأفراد والمؤسسات نحو حياة الخير والازدهار المجتمعي. ومع ذلك، من الضروري الإقرار بأن تطبيق أخلاقيات الفضيلة قد يواجه تحديات معقدة وعوامل دقيقة تتطلّب حوارًا مستمرًا وتأملًا عميقًا من أجل التعامل السليم مع القضايا الأخلاقية المعاصرة (١٣٤).

وفي ضوء ما تقدّم عن أخلاقيات الفضيلة بوصفها الإطار القيمي للمسؤولية الأخلاقية، يبرز العقل العملي باعتباره الأداة التي تُترجِم القيم إلى أفعال، والفضائل إلى ممارسات مهنية ملموسة. فالأخلاق ليست مجرد مبادئ نظرية، بل مهارة مكتسبة تُمارَس ضمن سياق عملي واقعي يقتضي حكمًا رشيدًا وقدرة على الموازنة بين القيم المتعارضة. ومن ثمّ، فإنّ الفضيلة لا تكتمل إلا حين تتجلّى في العمل الحِرفي أو المهني المتقن الذي يجمع بين الكفاءة التقنية والحكمة الأخلاقية.

٢- العقل العملي والمهارة:

في وقتنا الحالي، عندما نلتقي بما يُسمّى «السبّاكين المحترفين» أو «مندوبي التأمين على الحياة المحترفين» وغيرهم ممن يدّعون الاحتراف، يصبح من الصعب تحديد معنى كلمة "محترف" بدقة. عمومًا، يقدم العديد من الباحثين والكتّاب ثلاثة تعريفات بسيطة لهذا المفهوم:

1- ما يتعلق بعمل يتطلب تعليمًا أو تدريبًا أو مهارة خاصة.

2- ما يُنجز أو يُقدَّم من قِبل شخص يعمل في مهنة محددة.

٣- ما يُمارس مقابل أجر في مجال رياضي أو نشاط معين (١٣٥).

وباختصار، يُعرف المحترف بأنه الشخص الذي يلتزم بالمعايير التقنية والأخلاقية لمهنته. غير أن مجرد الإعلان عن الذات بوصفها "محترفة" دون تقديم أداء فعلي متميّز يؤدي إلى تغير نظرة الجمهور وتآكل الثقة الممنوحة عادة لهذه الفئة المهنية. لقد كان جوهر الأخلاق في مجال الرعاية الصحية دائمًا وضع مصلحة المريض أو الصالح العام في المقام الأول، بينما وضعت الأخلاق في عالم الأعمال تاريخيًا تحقيق الربح في المرتبة الأولى. وحتى الملاحظات العابرة تكشف عن محاولات لتبرير دمج أخلاقيات الرعاية الصحية مع أخلاقيات الأعمال، أي السعي للتوفيق بين منطق المنفعة العامة ومنطق الربح الخاص (١٣٦).

وبعد تناول دور العقل العملي في توجيه السلوك المهني الفردي، تتسع دائرة النقاش لتشمل المستوى المؤسسي، حيث تصبح العدالة المؤسسية شرطًا أساسيًا لترسيخ الأخلاق في بيئة العمل وضمان اتساق القيم بين الفرد والمنظمة.

٣- العدالة المؤسسية:

في الغالب، يفضّل أصحاب العمل توظيف الأشخاص الذين يتحلّون بأخلاقيات مهنية راسخة، كما يميلون إلى الاحتفاظ بهم وترقيتهم. وتشير الدراسات إلى أن الأخلاقيات المهنية تُعدّ عنصرًا أساسيًا في عالم الأعمال. يرى هويفيك أن على المديرين التعامل مع ازدواجية الولاء لدى الموظفين الذين يعتبرون أنفسهم أعضاءً في المهنة وفي المنظمة في الوقت نفسه، مؤكدًا أن بناء قاعدة أخلاقية مستدامة أمر حاسم لاتخاذ قرارات تجارية رشيدة في المستقبل.

وقد وجد سروكا أن الشركات العاملة في مجالات الأدوية والتبغ والكحول في بولندا وجمهورية التشيك تُضمّن مبادئ الأخلاقيات في أنشطتها التشغيلية، معتبرةً الأخلاق عنصرًا جوهريًا في نجاح الشركات الحديثة وربحيتها. كما لاحظ أن معظم مديري المشاريع والمهندسين المعماريين والمقاولين في قطاع البناء يلتزمون بميثاق مهني للأخلاقيات، ويعتبرون الممارسة الأخلاقية السليمة هدفًا تنظيميًا رئيسيًا.

ويشير شفاب إلى أن الالتزام بالأخلاق قد يكون مكلفًا أحيانًا، إلا أن الحاجة إلى وجود قوانين وأنظمة واسعة النطاق لضبط السلوك تدلّ على أن السعي نحو الالتزام بالأخلاق يظلّ جديرًا بالاهتمام. وفي هذا السياق، يقدّم موراهان توجيهات للشباب المهنيين لمساعدتهم على تطوير عادات سلوكية أخلاقية مثالية، والتعامل مع السلوك غير الأخلاقي عند مواجهته في بيئة العمل. ويُعدّ الفهم العميق لمفاهيم الأخلاق وتبعات السلوك غير الأخلاقي في مجال الأعمال أمرًا ضروريًا للمهنيين الشباب في أماكن العمل الحديثة.

كما أشار مارجيريتا وبراكّيني إلى أن المؤسسات يمكنها تحقيق بيئة عمل أخلاقية متوازنة بين رأس المال ورفاه العاملين من خلال توظيف تقنيات الثورة الصناعية الرابعة بمنهج يتمحور حول الإنسان، حيث تعمل خطوط التجميع في هذا السياق على أساس تفاعل اجتماعي- تقني يجمع بين التكنولوجيا والعاملين (١٣٧).

إنّ منطق العدالة المؤسسية يقود بطبيعته إلى البحث في الأسس الفلسفية للقوانين التي تنظم العمل، إذ لا يمكن ترسيخ الممارسات الأخلاقية داخل المؤسسات من دون إطار قانوني يستند إلى قيم فلسفية واضحة. فالقانون، في هذا السياق، لا يعبّر فقط عن قواعد إلزامية للسلوك، بل عن تصوّر معياري للعدالة يحدّد علاقة الفرد بالمجتمع ويضمن كرامته داخل بيئة العمل.

٤- الأسس الفلسفية لقانون العمل:

تُعدّ الأسس الفلسفية لقانون العمل مجالًا ناشئًا ضمن البحث الأكاديمي. فقد تناولت بعض الدراسات المنعزلة، التي انخرطت في الفكر الفلسفي، جوانب متفرّقة من قانون العمل، مثل الفصل من العمل، والحدّ الأدنى القانوني للأجور، وحرية تكوين الجمعيات، والاعتراف بالنقابات العمالية لأغراض المفاوضة الجماعية، وحقّ العمل. وتهدف هذه الدراسات إلى بلورة منظور فلسفي شامل يغطي موضوع قانون العمل برمّته، إذ يقوم جوهر هذا المنظور على تحليل الأفكار والقيم والمبادئ الأخلاقية والسياسية التي تشكّل أساس التصورات المتعلقة بأغراض ونطاق هذا الفرع القانوني. ويشتمل ذلك على إضاءة هذه الأفكار والقيم والمبادئ التأسيسية وتحليلها نقديًا من حيث معناها وتطبيقها وترابطها، والكشف عن المبادئ والمثل الأخلاقية التي تمثّل الأساس أو الافتراضات التي تستند إليها الرؤى المختلفة حول أهداف قانون العمل وغاياته، ما يمنح فرصة لبناء رؤية فلسفية واسعة النطاق ومتعدّدة الاتجاهات حول أسس هذا القانون (١٣٨).

ينطوي قانون العمل على مجموعة واسعة من المفاهيم غير المحددة، والتي غالبًا ما تكون موضع نزاع. ويتجلى ذلك عند دراسة حقوق العمل المصنّفة كحقوق إنسان، بما في ذلك قانون حقوق الإنسان بشكل عام. على سبيل المثال، الحق في العمل؛ إذ تنص المادة "24" من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه: "يحق لكل شخص العمل، والاختيار الحر للعمل، وظروف عمل عادلة ومناسبة، والحماية من البطالة." فهل يعني هذا أن لكل شخص الحق في العمل الذي يختاره؟ أم أن لكل شخص الحق في العمل غير الاستغلالي؟ وقد حاولت بعض الدراسات استكشاف معنى هذا الحق، أحيانًا بالاستعانة بأفكار فلسفية مثل تحقيق الذات من خلال العمل. كما نوقشت قضية الحق في الراحة والفراغ، بما في ذلك العطلات المدفوعة، حيث يرى بعض الباحثين أنه لا ينتمي إلى قائمة حقوق الإنسان، بينما يعتقد آخرون أن إنكار هذا الحق يشكّل انتهاكًا لكرامة الإنسان (١٣٩).

أما الحق في "الأجر العادل والمناسب"، فقد ورد في المادة "33" من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "يحق لكل من يعمل الحصول على أجر عادل ومناسب يضمن له ولأسرته حياة كريمة، ويُستكمل، إذا لزم الأمر، بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية." فكيف نفهم مفهوم الأجر العادل والمناسب هذا؟ هل يعني فقط أن يتقاضى العمال الأجر السائد في السوق مقابل عملهم؟ أم أن الإشارة إلى "حياة كريمة" توجب أن يحصلوا على أجر معيشي يغطي الحد الأدنى للاحتياجات، حتى لو تجاوز الأجر السائد في السوق للوظيفة؟ أم أن المبدأ يقتصر على أن تكمل الدولة الدخل المكتسب عندما ينخفض عن خط الفقر للأسرة؟ كان فريدريك إنجلز يرى أن المطالبة بأجر عادل ليست سوى هراء، وأنها لا تعدو كونها أجر فقر يحدده السوق. ومع ذلك، يمكن إعطاء معنى أكثر تحديدًا ومبدئيًا لفكرة الأجر العادل، من خلال تطوير مفهوم متماسك يميز بين الأجر العادل والاستغلال، وهو ما يثير بالضرورة نقاشًا حول تعريف الاستغلال نفسه (١٤٠).

ومن هذا المنطلق، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات العملية التي تُسهم في تعزيز الممارسات المهنية وتطويرها، من أبرزها:

١- تعزيز برامج التعليم والتدريب المستمر لضمان اطلاع المهنيين الدائم على أحدث المعارف والتقنيات في مجالاتهم.

٢- إرساء معايير واضحة للكفاءة والأخلاق المهنية، والعمل على تحديثها بانتظام بما يتوافق مع التطورات العلمية والمجتمعية.

٣- تفعيل آليات الترخيص والاعتماد المهني لضمان جودة الأداء ومصداقية الممارسين أمام الجمهور.

٤- تشجيع البحث العلمي والتعاون المهني بوصفهما وسيلتين لتطوير المهنة وإغناء المعرفة المشتركة.

٥- ترسيخ روح الخدمة العامة والمسؤولية الاجتماعية باعتبارها جوهر الاحتراف وأساس الثقة بين المهنة والمجتمع.

٦- دعم الهيئات المهنية والمؤسسات التنظيمية للقيام بدورها في الإشراف والمساءلة، ونشر ثقافة النزاهة والالتزام.

٧- تعزيز الوعي المهني لدى الممارسين الجدد بما يتعلق بقيم المهنة وأخلاقياتها وأهميتها في خدمة الصالح العام (١٤١).

تمثل هذه التوصيات إطارًا توجيهيًا يهدف إلى تطوير بيئة مهنية تقوم على الكفاءة والنزاهة والتعلم المستمر، بما يضمن تقدّم المهنة وتعزيز دورها المؤثر في المجتمع. وإنّ تطوير الممارسات المهنية وتعزيز بيئة عمل قائمة على الكفاءة والنزاهة لا يكتمل من دون بنية مؤسسية تضمن المشاركة والمساءلة، إذ تمثل هذه الأخيرة الركيزة الأساسية لاستدامة الأخلاق في العمل العام. فالأخلاق لا تُترجم إلى سلوك واقعي إلا حين توجد منظومة تُمكّن من محاسبة المسؤولين ومشاركة المواطنين في مراقبة أداء المؤسسات.

٥- المشاركة والمساءلة:

يُعَدّ إنشاء سلطة قضائية مستقلة، تتمتّع بمؤسسات فعّالة للمساءلة مثل نظام التدقيق الداخلي، ولجان التحقيق، ومؤسسة أمين المظالم، من العوامل الأساسية لتهيئة بيئة مواتية لقطاع عام أخلاقي. وتشمل الاستقلالية في هذا السياق أن يخضع رؤساء هذه المؤسسات لإجراءات تعيين وعزل خاصة، بعيدًا عن أي تأثيرات سياسية، وأن تتمتّع إدارتها للموارد البشرية والمالية بدرجة كافية من الاستقلال.

ومع ذلك، تشير الأدبيات إلى نقطة ضعف رئيسية في عمل هذه المؤسسات، تتمثّل في تركيزها المفرط على التدقيق المالي وتقييم الأداء، مقارنة بالاهتمام المحدود بدورها في التحقيق في انتهاكات النزاهة. ومن بين المتطلبات الأساسية التي يجب أن يضمّها الإطار القانوني في هذا المجال ما يلي:

1- سلطة قضائية مستقلة وفعّالة؛

2- نيابة عامة مستقلة؛

3- هيئات رقابة وتنفيذ فعّالة، مثل الشرطة؛

4- آليات سليمة لتلقّي الشكاوى وسبل الطعن (١٤٢).

٦- تفعيل الأخلاق في السياسات العامة من منظور فلسفي

في عالمنا المعقّد والمتشابك اليوم، لا يمكن المبالغة في أهمية الأخلاقيات المهنية، فهي تُعدّ الأساس الذي يوجّه المهنيين للتصرّف بمسؤولية وأمانة، بما يخدم مصالح عملائهم والجمهور على حدّ سواء. كما تشكّل هذه الأخلاقيات قاعدة لبيئة مهنية وإدارية سليمة تقوم على الثقة، ما يعود بالنفع على الأفراد والمؤسسات والمجتمع ككل. وتظلّ الأخلاقيات المهنية ذات أهمية جوهرية في عصرنا الحالي للأسباب التالية:

١- الثقة والمصداقية: تساهم الأخلاقيات المهنية في بناء الثقة بين المهنيين وعملائهم أو الجمهور، والحفاظ عليها. فعندما يثق الناس بأن المهنيين يتصرفون بنزاهة وكفاءة، يكونون أكثر استعدادًا للتعامل معهم في الخدمات أو المعاملات المهنية.

٢- حماية المصلحة العامة: تؤثر العديد من المهن مباشرةً في رفاه الأفراد وسلامة المجتمع. وتُسهم المعايير الأخلاقية في حماية المصلحة العامة، فعلى سبيل المثال، يلتزم الأطباء بالمعايير الأخلاقية لضمان سلامة المرضى، كما يتعين على المهندسين الالتزام بالإرشادات الأخلاقية لضمان أمان البنية التحتية.

٣- المساءلة: توفّر الأخلاقيات المهنية إطارًا يُلزم المهنيين بالمساءلة عن أفعالهم وقراراتهم، ما يضمن محاسبتهم على أي سوء سلوك أو إهمال، ويعزّز الانضباط والالتزام في العمل المهني.

٤- تجنّب تضارب المصالح: تُوجّه المبادئ الأخلاقية المهنيين في إدارة تضارب المصالح والإفصاح عنها، وهو أمر بالغ الأهمية في المهن التي قد تؤدي فيها المصالح الشخصية إلى الإخلال بواجب المهني تجاه عملائه أو الصالح العام.

٥- الامتثال القانوني والتنظيمي: يساعد الالتزام بالأخلاقيات المهنية المهنيين على الامتثال للقوانين واللوائح التنظيمية، ما يقلّل من خطر التعرض للمساءلة القانونية أو التأديبية.

٦- السمعة المهنية: الحفاظ على معايير أخلاقية عالية ضروري لبناء سمعة مهنية طيبة والحفاظ عليها، إذ إن السمعة المتضرّرة قد تخلّف آثارًا طويلة الأمد على فرص العمل والثقة المهنية.

٧- القدرة على التكيّف مع المتغيرات: مع تطوّر المجتمع وتقدّم التكنولوجيا، تظهر قضايا أخلاقية جديدة. وتوفّر الأخلاقيات المهنية إطارًا لمعالجة هذه المسائل بمرونة مع الحفاظ على المبادئ الجوهرية.

٨- المسؤولية الاجتماعية: تؤثر المهن في المجتمع والبيئة على نطاق واسع، وتسهم الاعتبارات الأخلاقية في مساعدة المهنيين على اتخاذ قرارات تراعي الصالح الاجتماعي والبيئي العام.

٩- الإشباع الشخصي والرفاه: يحقّق الالتزام بالأخلاقيات المهنية شعورًا بالرضا والمعنى، إذ يجد المهني في سلوكه الأخلاقي مصدرًا للرضا الذاتي والمساهمة الإيجابية في خدمة المجتمع (١٤٣).

القيم هي المعتقدات الضمنية التي تشكّل الأساس للسلوك الأخلاقي، أي للممارسات التي يُنظر إليها في المجتمع على أنها تصرفات صحيحة وسليمة. ومن هذا المنطلق، ينبغي إدراك الأهمية الجوهرية للقيم التالية، سواء على الصعيد الشخصي أو المهني، إذ تمثل الركيزة الأساسية لأخلاقيات المهنة وممارستها بمسؤولية ونزاهة:

١- جودة الحياة: أن يشعر الأفراد بالرضا عن تجاربهم الحياتية.

٢- الصحة، والقدرات الإنسانية، والتمكين، والنمو، والتميّز: أن يتمتع الأفراد بالصحة والوعي بقدراتهم الكامنة، وأن يسعوا إلى تحقيقها وتفعيلها في حياتهم الفردية والجماعية.

٣- الحرية والمسؤولية: أن يتمتع الأفراد بالحرية في الاختيار، مقترنة بالمسؤولية في ممارسة هذه الحرية.

٤- العدالة: أن يعيش الأفراد في مجتمع تتحقق فيه نتائج عادلة وصحيحة للجميع دون تمييز.

٥- الكرامة والنزاهة والحقوق الأساسية: الاعتراف بالقيمة الجوهرية والكرامة الإنسانية والحقوق الأصيلة لكل فرد ومؤسسة ومجتمع.

٦- روح التعاون والمصلحة المشتركة: أن يعمل الأفراد بروح المشاركة لتحقيق نتائج إيجابية تعود بالنفع العام.

٧- الأصالة والانفتاح في العلاقات: التحلّي بالصدق والشفافية في التعامل الإنساني.

٨- الفاعلية والكفاءة والاتساق: السعي لتحقيق أفضل النتائج بأقل الموارد، ضمن تناغم بين الأهداف الفردية والعامة.

٩- النظرة الشمولية والنظامية: فهم السلوك الإنساني في إطار النظم الكلية المتداخلة، وتقدير المصالح المتنوعة للأطراف المختلفة بإنصاف.

١٠- المشاركة الديمقراطية واتخاذ القرار الجماعي: تشجيع المشاركة الواسعة في إدارة شؤون المجتمع واتخاذ القرارات على نحوٍ يضمن العدالة والتمثيل المتوازن (١٤٤).

لذلك، يجب الالتزام بما يلي:

أ- احترام حقوق الإنسان والتعامل بلُطفٍ ولباقة:

1- الحقوق الديمقراطية: يحق لموظف الخدمة العامة أن يكون عضوًا في أي حزب سياسي، وأن يُدلي بصوته وفقًا لمعتقداته، سواء في الانتخابات الحزبية أو العامة.

٢- الدين: يجوز لموظف الخدمة العامة الانتماء لأي طائفة دينية، شريطة ألا يخالف القوانين النافذة. ومع ذلك، وبما أن الحكومة لا تتبنّى دينًا رسميًا، يُمنع الترويج للمعتقدات الدينية داخل مكاتب الخدمة العامة.

٣- عدم التمييز: يجب على موظف الخدمة العامة عدم ممارسة أي شكل من أشكال التمييز أو المضايقة تجاه أي فرد من الجمهور أو زميل في العمل، على أساس النوع، أو القبيلة، أو الدين، أو الجنسية، أو الأصل العرقي، أو الحالة الاجتماعية، أو الإعاقة.

٤- اللباقة في التعامل: ينبغي على موظف الخدمة العامة التعامل بلباقة واحترام مع الرؤساء والزملاء، ومع جميع المواطنين، وخصوصًا العملاء المتلقين للخدمة. وإذا طُلِب منه توضيح مسألة أو تقديم توجيه يتعلق بالقوانين أو اللوائح أو الإجراءات، فعليه أن يفعل ذلك بوضوح وسرعة.

٥- احترام الآخرين وخصوصيتهم: يجب على موظف الخدمة العامة احترام حقوق زملائه وصون خصوصيتهم، لا سيما عند التعامل مع المعلومات الشخصية أو الحساسة.(145)

٦- التحرش الجنسي: يجب على موظف الخدمة العامة الامتناع عن إقامة أي علاقات جنسية داخل مكان العمل، وتجنّب جميع أشكال السلوك التي قد تُعدّ تحرشًا جنسيًا.(146)

ب- الانضباط والاجتهاد:

لضمان أداء فعّال، يجب على الموظف العام أداء واجباته باجتهاد وانضباط عالٍ، واستثمار وقته ومهاراته وخبراته لتحقيق الأهداف المنشودة. ومن المتوقع من الموظفين العموميين الالتزام بما يلي:

الانضباط:

١- الالتزام بالقانون، وعدم السماح لأي اعتبارات دينية أو عرقية أو جنسية أو مصالح شخصية أو علاقات خاصة بالتأثير على القرارات.

2- طاعة التعليمات القانونية وتنفيذها بدقة.

٣- أداء المهام المكلّف بها بكفاءة. وإذا رأى الموظف أنه يُطلب منه أداء عمل غير لائق، فعليه إبلاغ رؤسائه بالأمر وفق الإجراءات المعتمدة.

4- الاستعداد للعمل في أي موقع يُكلّف به.

5- الامتناع عن أي سلوك قد يضعف أدائه الوظيفي.

٦- الالتزام بالمواعيد فيما يخص الحضور إلى العمل أو الاجتماعات الرسمية، وعدم التغيب عن العمل دون إذن أو سبب وجيه.

7- تجنّب استخدام الألفاظ الجارحة أو المسيئة في بيئة العمل.

٨- إنجاز المهام الموكلة ضمن المدة الزمنية المحددة وبالمستوى المطلوب من الجودة.(147)

المظهر العام والنظافة الشخصية:

يجب على الموظف الحفاظ على نظافته الشخصية وارتداء لباسٍ لائق ومحترم يتوافق مع الأعراف المعمول بها في مكان العمل، وفق ما تحدده النشرات والتعليمات الإدارية الخاصة بالموظفين.

الحياة الخاصة:

يتعيّن على الموظف، أثناء تواجده خارج مقر العمل، التصرف في حياته الخاصة بما لا يؤثر سلبًا على أدائه الوظيفي أو يضر بسمعة الخدمة العامة. لذا يُحظر عليه الإفراط في تعاطي الخمور أو استخدام المواد المخدّرة، أو القيام بأي سلوك يُعد غير مقبول اجتماعيًا أو مهنيًا.

السرية والخصوصية:

يجب على الموظف العام عدم إفشاء أي معلومات سرّية أو رسمية اطلع عليها أثناء أداء مهامه، إلا بعد الحصول على الإذن اللازم. كما يُطلب الحفاظ على سرية المعلومات الرسمية حتى بعد مغادرة الخدمة العامة.

الإفصاح عن المعلومات:

١- لا يجوز للموظف العام استخدام أي وثيقة رسمية أو نسخها (سواء كانت رسالة أو مستندًا أو معلومات تم الحصول عليها أثناء أداء المهام) لأغراض شخصية.

٢- لا يجوز للموظفين العموميين التواصل مع وسائل الإعلام بشأن القضايا المتعلقة بالعمل أو سياسات الدولة الرسمية دون إذن مسبق.

٣- تُنشر المعلومات الرسمية لوسائل الإعلام فقط من قبل الموظفين المخوّلين بذلك، ووفق الإجراءات المعتمدة.(148)

ج- تضارب المصالح والنزاهة الشخصية

يُعدّ تجنّب تضارب المصالح من الركائز الجوهرية في بناء الثقة العامة والمحافظة على نزاهة الخدمة العامة. ويتطلّب ذلك من الموظف العام أن يتصرّف دائمًا بما يضمن المصلحة العامة، دون أن يسمح لأي مصالح شخصية أو مالية أو عائلية بأن تؤثّر على قراراته أو أدائه المهني. ويُعدّ تضارب المصالح قائمًا عندما تتداخل المصلحة الخاصة للموظف مع واجباته الرسمية بما قد يؤثر على حياده أو يُضعف من ثقة الجمهور في عدالة القرار.

ومن أبرز القواعد الواجبة في هذا الصدد:

١- على الموظف العام الإفصاح عن أي مصلحة مالية أو تجارية أو ارتباط عائلي قد يُحتمل أن يؤثر على نزاهة قراراته.

٢- يُمنع على الموظف قبول أي هدايا أو مكافآت أو امتيازات أو تبرعات أو خدمات من أي جهة قد تكون لها مصلحة في قراراته أو تعاملاته الرسمية.

٣- يُحظر استخدام المعلومات أو الموارد العامة لتحقيق مكاسب شخصية أو لخدمة أطراف خارجية.

٤- يتوجّب على الموظف الامتناع عن المشاركة في أي قرار أو معاملة يكون له فيها مصلحة مباشرة أو غير مباشرة.

٥- في حال وجود شك في تضارب المصالح، يجب على الموظف إحالة المسألة إلى جهة الإشراف أو لجنة الأخلاقيات للنظر فيها واتخاذ القرار المناسب.

إن الالتزام بهذه القواعد لا يحمي فقط سمعة الموظف ونزاهته الشخصية، بل يعزّز كذلك ثقة المواطنين في حياد المؤسسات العامة وعدالة أدائها.(149)

ج- العمل الجماعي

وإدراكًا لأهمية التعاون في تعزيز كفاءة الأداء داخل مؤسسات الخدمة العامة، يسعى موظفو الخدمة العامة إلى ترسيخ روح العمل الجماعي من خلال تقديم الدعم والمساندة لزملائهم كلما دعت الحاجة. فالعمل الجماعي لا يتحقق إلا في ظلّ بيئة يسودها الاحترام المتبادل، والتنسيق الفعّال، والإدراك المشترك للأهداف العامة. ويُحقَّق العمل الجماعي عندما يلتزم الموظفون بما يلي:

1- تقديم تعليمات واضحة وغير مشوّهة.

٢- إعطاء الاهتمام الواجب والاعتبار المناسب للآراء الرسمية المقدمة من الزملاء أو المرؤوسين.

٣- التأكد من أن المرؤوسين يفهمون بوضوح نطاق عملهم وتشجيعهم على تطوير مهاراتهم وكفاءتهم.

٤- منح التقدير للموظف صاحب الأداء المتميز وعدم السعي لأخذ الفضل الشخصي على حسابه.

٥- تجنّب الأفعال أو الكلمات الخبيثة التي تهدف إلى السخرية من المرؤوسين أو الرؤساء.

٦- تقديم تقارير عن المرؤوسين بعدل وموضوعية وبدون أي خوف أو تحيّز.(149)

د- السعي نحو التميّز في الخدمة

ولأن الخدمة العامة تمثل واجهة الدولة ومظهر التزامها تجاه مواطنيها، فإنها تتطلّب من موظفيها السعي الدائم نحو التميّز في الأداء، والإخلاص في تقديم الخدمات بأعلى معايير الجودة والمهنية. ومن ثم، يجب على موظفي الخدمة العامة الالتزام بما يلي:

1- السعي لتحقيق أعلى معايير الأداء.

٢- إذا كان الموظف عضوًا في هيئة مهنية (مثل الأطباء، المعلمون، الصيادلة، المهندسون، المحامون، إلخ)، فعليه الالتزام بمدوّنة السلوك المهني الخاصة بتلك الهيئة.

٣- السعي لاكتساب المعرفة والمهارات الجديدة بشكل مستمر واستخدامها بفعالية في أداء المهام.

٤- إدراك الحاجة إلى التدريب والسعي للحصول على الدورات التدريبية المناسبة لتعزيز الكفاءة.(15- )

إن هذه المبادئ لا تقتصر على تنظيم سلوك الموظف داخل بيئة العمل فحسب، بل تمتد لتشكّل إطارًا عامًا لترسيخ المسؤولية المؤسسية وحسن الإدارة، وتعزيز الشفافية والمساءلة في جميع المستويات. فالسعي نحو النزاهة والتميّز في الخدمة العامة لا ينفصل عن أداء الواجبات بروح العدالة والحياد السياسي، وبما يضمن ترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتحقيق المصلحة العامة في أسمى صورها.

المحور السابع: الفلسفة بوصفها مهنة، وبوصفها رسالة

1- هل الفلسفة مهنة أم تخصص؟

لم تكن الفلسفة، في نشأتها الأولى، مهنةً بالمعنى الأكاديمي أو الوظيفي الحديث، بل كانت سعيًا حرًّا نحو الحكمة، يزاوله المفكرون خارج جدران المؤسسات. فالفيلسوف لم يكن دائمًا أستاذًا جامعيًا أو صاحب كرسي أكاديمي، بل كان مفكرًا حرًّا يتحرك بين مجالات العلم والأدب والسياسة والدين.

وقد شهد التاريخ الحديث للفكر الغربي أمثلة بارزة على فلاسفة لم يتخذوا الفلسفة مهنة رسمية، بل عاشوا فلسفتهم ضمن مهن أخرى أو خارج الإطار المؤسسي تمامًا. فـ ديكارت درس القانون وخدم في الجيش قبل أن يتفرغ للتأمل العقلي، وسبينوزا رفض المناصب الأكاديمية ليكسب رزقه من صقل العدسات، وجون لوك عمل طبيبًا ومستشارًا سياسيًا، وبركلي وريد كانا رجلَي دين قبل أن يصيرا فلاسفة، وهيوم اشتغل موظفًا ومربّيًا ثم دبلوماسيًا، وجون ستيوارت ميل كان إداريًا في شركة الهند الشرقية قبل أن يصبح نائبًا في البرلمان، ونيتشه درّس فقه اللغة لا الفلسفة، وفريجه كان رياضيًا قبل أن يؤسس المنطق الحديث، أما بيرس فاشتغل بالعلوم التطبيقية في هيئة المسح الساحلي الأمريكية.لقد كان الفلاسفة هؤلاء يزاولون الفكر كحياة لا كمهنة، ويبرهنون أن الفلسفة ليست مقصورة على قاعات الجامعات، بل هي أسلوب وجود وبحث عن الحقيقة.(151)

أما في العصر الحديث، فقد اتخذت الفلسفة شكلًا مهنيًا مؤسسيًا واضحًا، فأغلب من يُسمَّون "فلاسفة" اليوم هم أساتذة جامعيون أو باحثون أكاديميون يتقاضون رواتبهم لقاء التدريس والبحث. ولم يَعُد من الشائع أن نجد فلاسفة يعيشون خارج الإطار الأكاديمي إلا في حالات نادرة، مثل روجر سكروتن الذي انسحب من الجامعة ليعمل مستقلًا في مراكز الأبحاث والاستشارات الفكرية. وهكذا أصبحت الفلسفة، في الغالب، مهنة أكاديمية أكثر منها نداءً فكريًا أو رسالة وجودية.(152)

2- التمييز بين الفلسفة بوصفها مهنة والفلسفة بوصفها رسالة:

تُشير سوزان هاك (Susan Haack) إلى هذا التحول الجوهري في طبيعة الفلسفة من كونها رسالة إنسانية إلى كونها مهنة أكاديمية، محاولةً أن تميّز بين الموقفين تمييزًا دقيقًا. تقول هاك:

"يتحدد موضوعي في هذا المقام في الفرق بين الفلسفة بوصفها مهنة أكاديمية، والفلسفة بوصفها نداءً أو دعوةً أو رسالة، لا بمعناها الديني، بل بالمعنى الذي نصف به مهنة التمريض مثلًا على أنها رسالة. وهذا التمييز يتجاوز الفارق التقليدي بين المحترف والهاوي، فصاحب الرسالة الفلسفية يواصل التفلسف حتى لو لم يُدفع له أجر لقاء ذلك..."(153)

فالفلسفة، بهذا المعنى، ليست مجرد حرفة فكرية أو نشاط بحثي يُكافأ عليه ماديًا، بل هي استجابة داخلية لنداء الحقيقة. والهاك هنا لا تحتقر "الهاوي"، بل تعيد الاعتبار لفكرة التفلسف الحر الذي لا يُحدَّد بالعائد المهني، بل بالإخلاص للحقيقة والسعي وراء الفهم الأعمق. ومن أبرز من جسّد هذا النموذج، كما تقول، تشارلز ساندرز بيرس، الذي واصل إنتاجه الفلسفي الكبير رغم فقره وتهميشه الأكاديمي.

غير أن هاك تلفت النظر إلى أن الفيلسوف قد يكون، في حالات نادرة، جامعًا بين الأمرين: أن يكون الفلسفة بالنسبة إليه مهنةً ورسالةً في آنٍ واحد. غير أن هذا الوضع يولّد، كما تقول، توترًا بين قيمٍ متعارضة؛ فالتقدّم الفلسفي الحقيقي يتطلب شجاعة فكرية وصبرًا وجوديًا على الخطأ والصواب، بينما النجاح المهني الأكاديمي يعتمد على الامتثال للمعايير المؤسسية والقياسات الشكلية للإنجاز. تقول هاك:

"الطموح الجوهري للفيلسوف هو اقتحام حصن المعرفة، أو على الأقل أن يكون أحد الجثث التي تتسلّق فوقها الأجيال اللاحقة في طريقها إلى الحقيقة... أما النجاح في المهنة الأكاديمية فله طموحات أخرى مختلفة تمامًا."(154)

إن الفيلسوف المهني قد ينجح في حقل التدريس والنشر والترقي الوظيفي، لكنه ليس بالضرورة ساعيًا وراء الحقيقة بالمعنى العميق الذي قصدته الفلسفة الكلاسيكية. أما من يرى الفلسفة رسالةً، فهو يخاطر أحيانًا بأن يُهمَّش أو يُخطئ الطريق، لكنه يظل أمينًا لجوهر التفلسف بوصفه بحثًا وجوديًا لا وظيفةً مؤسسية.

وتوضح هاك أن هذا التمييز لا يعني أن أصحاب الرسالة أكثر نفعًا للفكر من أصحاب المهنة، ولا العكس، إذ قد يُنتج الفيلسوف الأكاديمي فكرةً عظيمة بفضل انضباطه المنهجي، في حين قد يضيع الفيلسوف الحر في متاهة التأملات غير المثمرة. تقول:"حتى أكثر الفلاسفة إخلاصًا قد يُضيعون وقتهم في طرقٍ مسدودة، في حين قد يُصيب أكثر المحترفين برودًا فكرةً بالغة الأهمية."(155)

غير أن المعنى الأعمق الذي تقترحه هاك هو أن قيم التفلسف الأصيلة — البحث عن الحقيقة، الصدق الفكري، الجرأة في التساؤل — قد تُصاب بالوهن حين تُختزل الفلسفة إلى مجرد مهنة أكاديمية. فـ"الطبيعة الفلسفية"، كما قال أفلاطون، قابلة للفساد إذا وجدت نفسها في بيئة رديئة، أي في بيئة لا تكرّم الحقيقة لذاتها، بل للمنافع والمكانة.

خاتمة

خلال هذا البحث، تمّ استكشاف فلسفة أخلاقيات المهنة في الوظائف العامة من خلال تحليل الأسس الفلسفية، والقيم المهنية، والواجبات الأخلاقية، والعلاقات بين الفرد والمؤسسة، وذلك بهدف تقديم رؤية شاملة تربط النظرية الفلسفية بالتطبيق العملي في السياق الإداري المعاصر. وقد أظهرت الدراسة أن الوظيفة العامة ليست مجرد وظيفة تنظيمية أو دور بيروقراطي، بل هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية تتطلب النزاهة، والعدالة، والكفاءة، والشفافية، والالتزام بالقيم التي تضمن حماية الصالح العام.

وأظهرت الفصول المختلفة أن أخلاقيات المهنة ترتكز على ثلاثة مستويات مترابطة: الأخلاق الفردية للموظف، والأخلاق المؤسسية للهيئة العامة، والقيم المجتمعية التي تحكم التفاعل بينهما. كما بيّن البحث أن الفلاسفة الكلاسيكيين والمعاصرِين قدّموا نماذج مهمة لفهم الواجب، والفضيلة العملية، والمسؤولية الاجتماعية، والتي يمكن توظيفها لتوجيه سلوك الموظف العام وتحقيق بيئة عمل مهنية أخلاقية ومتوازنة.

من خلال دراسة القيم المهنية الأساسية مثل الصدق، والأمانة، والعدالة، والخدمة العامة، وتفعيل العقل العملي، والمسؤولية، والمساءلة، تبيّن أن بناء ميثاق فلسفي لأخلاقيات الوظائف العامة يُعتبر خطوة ضرورية لضمان استمرار النزاهة، وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة، وتحقيق التوازن بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة. كما أوضحت الدراسة أن الفلسفة بوصفها رسالة تتجاوز كونها مجرد مهنة، فهي تحفّز الموظف على التعامل مع عمله بروح المسؤولية العميقة والالتزام الأخلاقي المستمر، بما يجعل الوظيفة العامة أداة لتحقيق الخير العام وليس مجرد وسيلة للتقاضي أو السلطة.

وفي ضوء ما سبق، يمكن الاستنتاج بأن تعزيز أخلاقيات المهنة في الوظائف العامة يتطلب دمج القيم الفلسفية مع السياسات والإجراءات العملية، وتدريب الموظفين على الالتزام بالقيم المهنية، وبناء نظم مؤسسية داعمة للمساءلة والشفافية، وتشجيع ثقافة العمل الجماعي والسعي نحو التميز. وتشكّل هذه العناصر معًا أساسًا لإرساء بيئة إدارية متوازنة، تسهم في خدمة المجتمع بفعالية، وتضمن حماية الحقوق والمصالح العامة، وتحقق الغاية الجوهرية للوظيفة العامة كرسالة أخلاقية وإنسانية.

***

دكتور ابراهيم طلبه سلكها – أستاذ فلسفة

2- 25

......................

الهوامش

1.  Candidate Guide. CCAANNDDIIDDAATTEE GGUUIIDDEE: Professional Ethics, p. 13.

2.  Ibid., p. 14.

3.  Ibid., p. 15.

4.  Rice, Valerie J., and Jerry R. Duncan. “What Does It Mean to Be a ‘Professional’ ... and What Does It Mean to Be an Ergonomics Professional?” FPE Position Paper: Professionalism, June 2- , 2- - 6, p. 5.

5.  Tapper, Alan, and Stephan Millett. 2- 15. “Revisiting the Concept of a Profession.” Research in Ethical Issues in Organizations 13: 1–18. Emerald Group Publishing Limited, p. 3.

6.  Ibid., pp. 4–5.

7.  Ibid., p. 5.

8.  Rice, Valerie J., and Jerry R. Duncan. Op. cit., p. 3.

9.  Tapper, Alan, and Stephan Millett. Op. cit., p. 3.

1-         Rice, Valerie J., and Jerry R. Duncan. Op. cit., p. 4.

11.   Australian Council of Professions. 2- - 3. “What is a Profession,” [email protected]. Accessed 14/1- /2- 25.

12.   Tapper, Alan, and Stephan Millett. Op. cit., p. 7.

13.   Rice, Valerie J., and Jerry R. Duncan. “What Does It Mean to Be a ‘Professional’ ... and What Does It Mean to Be an Ergonomics Professional?” FPE Position Paper: Professionalism, June 2- , 2- - 6, p. 1.

14.   Ibid., p. 3.

15.   Rice, Valerie J., and Jerry R. Duncan. “What Does It Mean to Be a ‘Professional’ ... and What Does It Mean to Be an Ergonomics Professional?” FPE Position Paper: Professionalism, June 2- , 2- - 6, p. 4.

16.   Joel F. Montezinos. “On a Professional Philosophy of Polygraph,” Polygraph 45, no. 1 (2- 16), pp. 44–46.

17.   Naagarazan, R. S. Professional Ethics and Human Values. New Delhi: New Age International Publishers, 2- - 6, p. 1.

18.   Ibid., p. 2.

19.   Ibid., p. 5.

20 .   Ibid., Preface.

21.   Ibid., 1.

22.   Airaksinen, Timo. The Philosophy of Professional Ethics. In Institutional Issues Involving Ethics and Justice, Vol. I. The Philosophy of Professional Ethics, Encyclopedia of Life Support Systems (EOLSS), p. 1.

23.   Lo- Cit.

24.   Lo- Cit.

25.   Ibid., p. 2.

26.   Elango, B., et al. “Organizational Ethics, Individual Ethics, and Ethical Intentions in International Decision- Making.” Journal of Business Ethics 97, no. 4 (2- 1- ): 543–561. https://doi.org/1- .1- - 7/s1- 551- - 1- - - 524- z, p. 543.

27.   Ibid., p. 454.

28.   Lo- Cit.

29.   Ibid., pp. 454–455.

3- .   Ibid., p. 455.

31.   “An Ethical Study.” International Journal of Creative Research Thoughts (IJCRT) 12, no. 4 (April 2- 24). https://www.ijcrt.org, p. 17- .

32.   Lo- Cit.

33.   Ibid., pp. 17- –171.

34.   Ibid., p. 172.

35.   Ibid., pp. 172–173.

36.   Halper, Edward. “Aristotle’s Political Virtues.” In Proceedings of the Twentieth World Congress of Philosophy, vol. 3, 154–161. The Paideia Archive, 1998. https://doi.org/1- .584- /wcp2- - paideia1998356.

37.   Inamura, K. (2- 23). “Aristotle's political theory as a craft and science in Politics 4–6.” Polis: The Journal for Ancient Greek and Roman Political Thought, 39(3), 553–575. https://doi.org/1- .1163/2- 512996- 1234- 381, p. 4.

38.   Lo- Cit.

39.   Lo- Cit.

4- .   Walschots, Michael. “Kant and the Duty to Act from Duty.” History of Philosophy Quarterly 39, no. 1 (2- 22): 59–75. https://doi.org/1- .54- 6/21521- 26.39.1.- 4, p. 1.

41.   Isserow, Jessica (2- 22). “Doubts about Duty as a Secondary Motive.” Philosophy and Phenomenological Research, 1- 5 (2): 276–298. https://doi.org/1- .1111/phpr.12821, p. 3.

42.   Kasony, Amos Julius, and Thomas Marwa Monchena. “Ethics of Duty and Crime Prevention: Practical Applications of Kantian Philosophy in Tanzania.” International Journal of Social Science and Human Research 8, no. 7 (July 2- 25): [pages if available]. ISSN (print): 2644- - 679. ISSN (online): 2644- - 695, p. 55- 6.

43.   Lo- Cit.

44.   Lo- Cit.

45.   Ibid., p. 55- 7.

46.   Lo- Cit.

47.   Lo- Cit.

48.   Orji, Chidi Paul. "The Ethical Principles of John Rawls as a Tool for Social Justice and Peace in Contemporary Society." Socialscientia Journal 1- , no. 1 (March 2- 25). ISSN 2636- 5979, p. 64.

49.   Lo- Cit.

5- .   Ibid., p. 65.

51.   Lo- Cit.

52.   Ibid., p. 7- .

53.   Putri, Audrey Adyuta, and Elisatris Gultom. “John Rawls' Theory of Justice in the Perspective of Shareholder Rights Protection.” Inovasi: Jurnal Sosial Humaniora dan Pendidikan 4, no. 1 (January 2- 25), p. 295.

54.   Ibid., p. 289.

55.   Lo- Cit.

56.   John Rawls. A Theory of Justice, Revised Edition. Harvard University Press, 1999, p. 54.

57.   Rawls. A Theory of Justice, Revised Edition. Harvard University Press, 1999, pp. 384–386.

58.   Udell, L. “Rawls, Libertarianism, and the Employment Problem.” Philosophy & Public Affairs, Vol. 43, No. 2, 2- 15, p. 173.

59.   Ibid., pp. 176–178.

6- .   Rawls. Justice as Fairness: A Restatement. Harvard University Press, 2- - 1, p. 13- .

61.   Barbara Fried. “The Unwritten Theory of Justice.” Philosophy & Public Affairs, Vol. 41, No. 1, 2- 13, p. 46.

62.   Ibid., pp. 47–49.

63.   Habermas, J. The Theory of Communicative Action, Volume 1: Reason and the Rationalization of Society. Beacon Press, 1984, p. 45.

64.   Ibid., p. 95.

65.   Ibid., pp. 13- –132.

66.   Deflem, Mathieu. “Law in Habermas’s Theory of Communicative Action.” Vniversitas, no. 116, July–Dec. 2- - 8, pp. 267–285. Pontificia Universidad Javeriana, Bogotá, Colombia, p. 17- .

67.   Desmond, E. 2- 18. "Critical Theory and Communicative Action: The Challenge of Legitimation in a World at Risk." In Social Theory and Asian Dialogues: Cultivating Planetary Conversations, edited by A. K. Giri, 399–422. Singapore: Palgrave Macmillan, p. 8.

68.   Ibid., p. 12.

69.   Lawrence E. Blume and David Easley. Rationality, June 2- - 7, p. 1.

7- .   Ibid., pp. 1–2.

71.   Alexandr Soukup et al. “The Concept of Rationality in Neoclassical and Behavioural Economic Theory.” Modern Applied Science; Vol. 9, No. 3; 2- 15, p. 2.

72.   Ibid., p. 3.

73.   Vanberg, Viktor J. 2- - 6. Rationality, Rule- Following and Emotions: On the Economics of Moral Preferences. Papers on Economics and Evolution, No. - 621. Jena: Max Planck Institute of Economics, pp. 1–2.

74.   Ibid., p. 5.

75.   Ibid., p. 9.

76.   Ibid., p. 11.

77.   Sudrajat, A. R. (2- 23, January). “Implementation of Ethics in Public Services Towards Good Governance in the Perspective of Public Administration.” Journal of Social Science, 4(1), 4- –44, p. 4- .

78.   Ibid., p. 41.

79.   Lo- Cit.

8- .   Christoph Demmke & SNE Timo Moilanen. “Effectiveness of Good Governance and Ethics in Central Administration: Evaluating Reform Outcomes in the Context of the Financial Crisis.” European Institute of Public Administration, December 2- 11, p. 5.

81.   Ibid., pp. 5–6.

82.   Ibid., pp. 6–7.

83.   Ibid., p. 1- .

84.   Kumar, Anil. "Importance of Professional Ethics for a Teacher." International Journal of Literacy and Education 2, no. 1 (2- 22): 158–161, p. 158.

85.   Ibid., pp. 158–159.

86.   Victoria, Artur. "Characteristics of a Profession." July 2- 18. https://doi.org/1- .1314- /RG.2.2.36676.32643, p. 1.

87.   Christoph Demmke & SNE Timo Moilanen. Effectiveness of Good Governance and Ethics in Central Administration: Evaluating Reform Outcomes in the Context of the Financial Crisis. European Institute of Public Administration, December 2- 11, p. 23.

88.   Lo- Cit.

89.   Ibid., pp. 23–24.

9- .   Ibid., p. 27.

91.   Milgram, Stanley. “The Perils of Obedience.” Harper’s Magazine 248, no. 1483 (December 1973): 62–77. Abridged and adapted from Obedience to Authority by Stanley Milgram. Copyright 1974 by Stanley Milgram, p. 64.

92.   Freeman, R. Edward, and Andrew C. Wicks. A Note on Obedience to Authority. Darden Case No. UVA- E- - - 7- . Charlottesville, VA: University of Virginia Darden School of Business, 2- - 8, p. 3.

93.   Brassfield, Elizabeth R. Conscience and Its Role in Moral Life. Chapel Hill, 2- 2- , p. iii.

94.   Piet J. M. Verschuren. “The Meaning of Honesty for Research.” Quality & Quantity 37, no. 3 (2- - 3): 257–276. https://doi.org/1- .1- 23/A:1- 2447291- 729, p. 33.

95.   Ibid., pp. 33–34.

96.   La Red Business Network. The Management Principle of Honesty. Revised July 2- 13. https://lared.org/PDF/ENG/Honesty, p. 1.

97.   UN Global Compact Network Germany and Alliance for Integrity. Corporate Integrity: Catalogue of Practices. Berlin: UN Global Compact Network Germany, 2- 2- . https://www.globalcompact.de/fileadmin/user_upload/AfIn_Corporate_Integrity.pdf, p. 6.

98.   Ibid., p. 11.

99.   Šumah, Štefan, et al. “Administrative Corruption.” American Journal of Humanities and Social Sciences Research (AJHSSR) 4, no. 12: 143–149. e- ISSN 2378- 7- 3X, p. 143.

1- - . Lo- Cit.

1- 1.   Šumah, Štefan, et al. “Administrative Corruption.” American Journal of Humanities and Social Sciences Research (AJHSSR) 4, no. 12: 143–149. e- ISSN 2378- 7- 3X, p. 143.

1- 2.   Ibid., p. 144.

1- 3.   Lo- Cit.

1- 4.   Lo- Cit.

1- 5.   Ibid., p. 147.

1- 6.   Ruhollah Akrami and Mehrad Momen. “Combating Corruption in Public Administration, Policy and Governance: a Perspective on Iranian Law.” Iranian Journal of International and Comparative Law, Volume 1, Issue 2, 2- 23, p. 227.

See Also:

  • Christoph Demmke & SNE Timo Moilanen. Effectiveness of Good Governance and Ethics in Central Administration: Evaluating Reform Outcomes in the Context of the Financial Crisis. European Institute of Public Administration, December 2- 11, p. 41.

1- 7.   Thornton, Joe Robert. The Depths of Mediocrity: Eliminating Indifference. Joe Robert Thornton Publishing, 2- 21, p. 12.

1- 8.   Ibid., p. 115.

1- 9.   Ibid., p. 122.

11- .   Ibid., pp. 45–47.

111.   Ibid., p. 63.

112.   Rossouw, Deon, and Leon van Vuuren. Codes of Ethics Handbook. Pretoria: The Ethics Institute, 2- 2- , p. 2.

113.   Rebekah Rousi and Ville Vakkuri. Introduction to Ethics in the Age of Digital Communication. 2- 23, p. 4.

114.   Jorge Ferreira. Interpersonal Relationships in the Contemporary 21st Century Society. London, United Kingdom, p. 1.

115.   Rebekah Rousi and Ville Vakkuri. Introduction to Ethics in the Age of Digital Communication. 2- 23, p. 1.

116.   The United Republic of Tanzania. Code of Ethics and Conduct for the Public Service. Dar es Salaam: The Public Service Office, Government of the United Republic of Tanzania, [n.d.], p. 4.

117.   Rice, Valerie J., and Jerry R. Duncan. “What Does It Mean to Be a ‘Professional’ ... and What Does It Mean to Be an Ergonomics Professional?” FPE Position Paper: Professionalism, June 2- , 2- - 6, p. 1.

118.   Alastair Vincent Campbell and A/Prof Anita Ho. The Philosophy of Professionalism and Professional Ethics. CMEP — 15th Anniversary, SMA News June 2- 15, p. 24.

119.   Ibid., p. 25.

12- .   Loc- Cit.

121.   Loc- Cit.

122.   Gildenhuys, J. S. H. The Philosophy of Public Administration: A Holistic Approach, an Introduction for Undergraduate Students. Stellenbosch: Sun Press, a division of African Sun Media, 2- - 4, pp. 57–58.

123.   Ibid., pp. 67–68.

124.   Ibid., p. 68.

125.   Christoph Demmke & SNE Timo Moilanen. Effectiveness of Good Governance and Ethics in Central Administration: Evaluating Reform Outcomes in the Context of the Financial Crisis. European Institute of Public Administration, December 2- 11, p. 39.

126.   Loc- Cit.

127.   Loc- Cit.

128.   Ibid., p. 4- .

129.   Pourkiani, Masoud. “Evaluation of Professional Ethics Relations and the Level of Implementation of the Policies of the Organization of Natural Resources, Forests, Ranges and Watershed Management of the Country.” Ethics & Society: International Journal of Ethics & Society 4, no. 4 (2- 23): 45–52, pp. 44–45.

13- .   Elango, B., et al. “Organizational Ethics, Individual Ethics, and Ethical Intentions in International Decision- Making.” Journal of Business Ethics 97, no. 4 (2- 1- ): 543–561. https://doi.org/1- .1- - 7/s1- 551- - 1- - - 524- z, p. 543.

131.   Lo- Cit.

132.   “An Ethical Study.” International Journal of Creative Research Thoughts (IJCRT) 12, no. 4 (April 2- 24). https://www.ijcrt.org, pp. 174–175.

133.   Ibid., p. 175.

134.   Charles, M. Arockia, and Dr. Imkumnaro. “Ethics in Professional Life: Implications for Learning, Teaching and Studying.” Journal of Emerging Technologies and Innovative Research (JETIR) 9, no. 9 (September 2- 22). https://www.jetir.org, pp. 133–134.

135.   Ibid., p. 134.

136.   Chen, Che- Fei. “Importance of Professional Ethics for Learning.” International Journal of Application on Economics and Business (IJAEB) 2, no. 2 (2- 24). ISSN 2987- 1972, p. 3725.

137.   Philosophical Foundations of Labour Law, edited by Hugh Collins, Gillian Lester, and Virginia Mantouvalou. Oxford University Press, 2- 18, p. 1.

138.   Ibid., p. 21.

139.   Ibid., p. 12.

14- .   Rice, Valerie J., and Jerry R. Duncan. Op. Cit., p. 8.

141.   Christoph Demmke & SNE Timo Moilanen. Effectiveness of Good Governance and Ethics in Central Administration: Evaluating Reform Outcomes in the Context of the Financial Crisis. European Institute of Public Administration, December 2- 11, pp. 41–42.

142.   Chen, Che- Fei. “Importance of Professional Ethics for Learning.” International Journal of Application on Economics and Business (IJAEB) 2, no. 2 (2- 24). ISSN 2987- 1972, pp. 3724–3725.

143.   Candidate Guide. CCAANNDDIIDDAATTEE GGUUIIDDEE: Professional Ethics, p. 12.

144.   The United Republic of Tanzania. Code of Ethics and Conduct for the Public Service. Dar es Salaam: The Public Service Office, Government of the United Republic of Tanzania, [n.d.], pp. 4–5.

145.   Loc- Cit.

146.   Ibid., pp. 6–7.

147.   Ibid., p. 7.

148.   Ibid., pp. 8–9.

149.   Ibid., p. 9.

15- .   Loc- Cit

151.   Susan Haack. "Philosophy as a Profession, and as a Calling." Syzetesis 8 (2- 21): 33–51, pp. 34–36.

152.   Ibid., pp. 36–37.

153.   Ibid., p. 38.

154.   Lo- Cit.

155.   Ibid., pp. 38–39.

من أجْلِ الوقوف على جديد الاتِّجاهات الأساسيَّة لفلسفة العصر الحديث الأخلاقيَّة لا مَفَرَّ للباحث من التَّعرُّف إلى أبرز ما نطقت به فلسفة الأخلاق ethics السَّابقة لها في العصرين القديم والوسيط باعتبار أنَّ لا رؤية مبتكَرة إلَّا وَلَهَا سياقها الثَّقافيُّ ومقدِّماتها الفكريَّة، ولا تجديد بالقفز فوق التَّاريخ وبالقطيعة التَّامَّة مع الماضي. تتمتَّع الإطيقا القديمة، ومع كُلِّ التَّنوُّع الموسوعيِّ في محتواها والتَّغيُّرات المُهمَّة الَّتِي تعرَّضت لها على امتداد تاريخها الطَّويل، بقدر مُعَيَّن من الوحدة الدَّاخليَّة يجعلها باراديمًا paradigm أخلاقيًّا خاصًّا قُطْبُ رحاه هو الإنسان. ويمكن، على الأقَلِّ، فَرْزُ أفكار أربع تؤلِّف أساسها المشترَك والرَّاسخ: أولها هو القول بأنَّ الأخلاق عمومًا والفضائل خصوصًا هي سمة يمتاز بها الوجود الإنسانيُّ وحده؛ ثانيها- الاعتقاد الثَّابت بقدرة الإنسان الذَّاتيَّة على بلوغ كماله الأخلاقيّ وسعادته القصوى في هذا العالم الفعليِّ؛ ثالثها- القول بوحدة العقل والأخلاق، السَّعادة والفضيلة، الخير والحقيقة، وبوجود علاقة جوهريَّة عميقة بين خاصِّيَّة (مزيَّة) الإنسان وكماله وخيره الأسمى وسعادته القصوى على اعتبار أنَّ الأخلاق هي جملة فضائل الفرد والتَّطوير الأقصى لِمَلَكَاته الذَّاتيَّة وخاصِّيَّته العقليَّة الَّتِي تُمَيِّزَهُ من غيره من الكائنات؛ رابعها- القول بوحدة الإنسان والمدينة-الدَّولة. فالفرد، من وجهة نظر، الوعي القديم هو كائنٌ اجتماعيٌّ (سياسيٌّ، مدنيٌّ) يكتسب هُوِيَتَه الأخلاقيَّة بصفته، وفقط بصفته،  ممثِّلًا لِبِنْيَةٍ سياسيَّة-اجتماعيَّة مُعَيَّنة. هذا فضلًا عن أنَّ الخير الأسمى واحدٌ بالنِّسبة إلى الفرد وإلى المدينة-الدَّولة على حدٍّ سواء، وصلاح كُلِّ واحد منهما شرط صلاح الآخر. فالإنسان الفاضل هو الإنسان المُتَّزِن والمنسجم مع نفسه ومع المدينة والعالم، والمدينة الفاضلة هي المدينة الَّتِي تقوم على أساس أخلاقيّ وتصبو إلى تحقيق غاية أخلاقيَّة، وتوفر لمواطنيها كُلَّ الشُّروط الضَّروريَّة لنيل سعادتهم القصوى. فالدَّولة والسِّياسة وسيلة لا غاية، والأخلاق غاية لا وسيلة. بَيْدَ أنَّ الاعتراف بقيمة التُّراث الإطيقيِّ الإغريقيِّ الثَّمينة وتأثيره الحيويّ المستمر إلى يومنا هذا في جميع المذاهب الأخلاقيَّة ينبغي ألَّا يحجب ما استبطنه من شُبهات. ولَعَلَّ إحدى أخطر هذه الشُّبهات هي شُبهة نفي الأُسُس والمعايير الموضوعيَّة العامَّة للأخلاق. فالمقاربة الَّتِي تَرِدُّ الأخلاق إلى الفضائل وترى فيها هيئةً داخليًّة للنَّفْسِ الإنسانيَّة وظاهرة شخصيَّة-ذاتيَّة، يمكن أنْ تقع بسهولة في أحضان العدميَّة الأخلاقيَّة ethical nihilism إذا ما التبس عليها الحدُّ الدَّقيق الفاصل بين النِّسبيَّة والعدميَّة. وبخلاف الإطيقا القديمة مثَّلت الإطيقا الدِّينيَّة القروسطيَّة التَّطرُّف الآخر باندفاعها بعيدًا في النَّظر إلى الأخلاق وإلزاماتها من منظور المُفَارِق والمتعالي والثَّابت والمطلق. فالتَّصَوُّر اللاهوتيُّ للأخلاق، من جهة التَّأسيس ومن جهة الاستنتاجات المعياريَّة، يتمحوَّر حول فكرة الله، وتتسيَّدَهُ رُوح المركزيَّة-الإلهيَّة، على ما يتجلَّى ذلك في أطروحاته الرَّئيسة الآتية: ا- إنَّ الله هو القُوَّة الخلَّاقة الوحيدة، ومبدأ العالم وغايته. وهو الكائن الكُلِّيُّ القدرة والعلم والخير؛ ب- إنَّ العالم بما فيه الإنسان مجرَّد موضوعٍ للتَّقييم الأخلاقيِّ، وليس مصدرًا للأخلاق؛ ج- إنَّ ما هو خير وحسن، أو شَرٌّ وقبيح هو كذلك، لأنَّ الله وفقط، لأنَّ الله يأمر به أو ينهى عنه، وليس العكس. إذ إنَّ افتراض خلاف ذلك يضعنا أمام بديلين: إمَّا تزويد مفهوم الله بمضامين ومحمولات أخلاقيَّة أو إعطاء فكرة الخير مقامًا إلهيًّا. وفي كلتا الحالتين يبدو اللهُ مُقَيَّدًا بالخير وبالقانون الأخلاقيِّ، ومُلْزَمًا بهما، ما قد يعني، بالتَّالي، وجود معايير أخلاقيَّة خارجيَّة أعلى منه ومستقلَّة عن إرادته الحُرَّة. وَكِلا البديلين، وَفْقًا لهذا التَّصَوُّر، مرفوض لانتقاصهما من الذَّات الإلهيَّة وتَعَارُضهما الفاضح مع النَّظرة إلى الله ككائن مطلق الحُرِّيَّة وخالق لِكُلِّ شيء لا نظير يساميه ولا قريب يدانيه. فالوصايا والأوامر الإلهيَّة ينبغي قبولها والالتزام بها لا لكونها حسنة وصحيحة وإنسانويَّة بذاتها، بَلْ لأنَّها إلهيَّة. فأصلها الإلهيُّ بحدِّ ذاته هو ضمانة مصداقيَّتها ونزاهتها وحُسْنها؛ د- إنَّ فصل الأخلاق عن الله والدِّين، وتجذيرها في الإنسان يفضيان، لا محالة، إلى النِّسبيَّة والذَّاتيَّة والعدميَّة الأخلاقيَّة، ويُشَكِّلان، بالتَّالي، إيذانًا صريحًا بنفي الأخلاق ونَعْيها. ويفترض هذا الموقف أنَّ معنى المفاهيم الأخيرة ومآلها الفعليّ واحد باعتبار أنَّ تربُّع الإنسان على عرش التَّشريع الأخلاقيّ لا بدَّ أنْ يؤدِّي إلى تجريد القيم والأخلاق من كُلِّ أساس ومعيار موضوعيّ وعقلانيّ وثابت وموثوق، لأنَّ ما يحلِّله أو يحرِّمه، يستحسنه أو يستقبحه إنسان ما أو جماعة ما ليس يلزم بالضَّرورة أنْ يحلِّله أو يحرِّمه إنسان أو جماعة أُخرى. فحيث يأمر كُلُّ إنسان وينهى، يحلِّل ويحرِّم ما يشاء ووقتما يشاء وكيفما يشاء طِبْقًا لمقتضيات المصلحة والهوى والانفعال يصير كُلُّ شيء خيرًا وحلالًا وكُلُّ شيء شرًّا وحرامًا، وفي الوقت عينه، لا شيء خير وحلال ولا شيء شرٌّ وحرام. لذا، فإنَّ كُلَّ ما لا يجد أساسه الأنطولوجيّ والإبستيمولوجيّ في الله لا أمان معه ولا مصداقيَّة له ولا يُعَوَّل البتَّة عليه؛ ه- إنَّ المعرفة الأخلاقيَّة الصَّحيحة مستحيلة من دون المعرفة الدِّينيَّة، ما يعني أنَّ للأخيرة أسبقيَّة منطقيَّة ومفهوميَّة على الأُولَى؛ و- إنَّ الوصايا الإلهيَّة مطلقة، أيْ إنَّها صالحة لِكُلِّ زمان ومكان ولِكُلِّ مجتمع وظرف وإنسان؛ ز- إنَّ الإنسان عاجز عجزًا مبدئيًّا عن التَّغَلُّبِ على الخطيئة الأصليَّة والخلاص من الشُّرور والرَّذائل بقواه الذَّاتيَّة الخاصَّة. فليس ذلك متاحًا له من دون تَدَخُّلِ العناية واللُّطْف الإلهيَّين؛ ح- إنَّ بلوغ الإنسان لسعادته الحقيقيَّة القصوى ليس ممكنًا إلَّا في الحياة الأخرويَّة. وعلى الرَّغْمِ من الإسهام الإيجابيِّ للإطيقا اللاهوتيَّة القروسطيَّة في إغناء مفاهيمنا وتصوُّراتنا الأخلاقيَّة بفعل إثارتها لمسائل مهمَّة تتعلَّق بالمعايير الموضوعيَّة للتَّمييز بين الخير والشَّرِّ، وبالمقام الموضوعيِّ للأخلاق، فإنَّها لم تَسْلَم هي الأُخرى من الوقوع في شُبهات شَتَّى، ومن أهَمِّها شُبْهة تجريد الأخلاق من أخصِّ صفاتها المميِّزة لها ألَّا وهي فعاليتها العمليَّة وقابليتها التَّطبيقيَّة. زِدْ على ذلك أنَّ المبدأ الَّذِي يرى في الأخلاق ظاهرةً خارج وفوق شخصيَّة، ويضفي على معاييرها وقواعدها طابَعًا مطلقًا وبُعْدًا غيبيًّا، ويضع مصادر السُّلوك الأخلاقيِّ خارج حدود الوجود الاجتماعيِّ للإنسان هو مبدأ أحاديُّ الجانب كَمَثَلِ المبدأ الَّذِي يحصرها في الهيئة النَّفْسِيَّة للشَّخصيَّة الإنسانيَّة. وبُغْيَة الخروج من تِيه هاتين الشُّبْهتين المتطرِّفتين تسعى إطيقا العصر الحديث إلى فهم الأخلاق كناموس موضوعيّ وكظاهرة ذاتيَّة-شخصيَّة معًا، وذلك عَبْرَ إعادة قراءة تلك الجوانب الَّتِي عولجت في كُلٍّ من فلسفة الأخلاق القديمة والوسيطة، على نحوٍ أحاديٍّ ومنفصل، وصَهْرها في نسقٍ نظريٍّ واحد.

 ومع إطلالة العصر الحديث انعكست فكرة موضوعيَّة الأخلاق كظاهرة وكمعرفة في نظريات العقد الاجتماعيِّ الَّتِي يعود الفضل في صياغة أكثر نُسَخها أصالةً إلى الفيلسوف الإنجليزيّ توماس هوبز (1588 - 1679). لكن شَتَّانَ ما بين موضوعيَّة ترتكز على أساس ماورائيّ سماويّ وموضوعيَّة ترتكز على أساس طبيعيٍّ أرضيٍّ. وإذا كان الفكر الإطيقيّ اللاهوتيّ قد ربط، كما أوضحنا أعلاه، موضوعيَّة المعايير الأخلاقيَّة بالله وحده، ورَدَّ المعرفة الأخلاقيَّة الصَّحيحة إلى المعرفة الدِّينيَّة لا إلى المعرفة النَّظريَّة-العقليَّة، فإنَّ فلاسفة العصر الحديث عمومًا، وفرنسيس بيكون ورينيه ديكارت وغوتفريد لايبنتز خصوصًا، ينظرون إلى المسألة على نحوٍ مغاير جذريًّا. فقد عُرِف عنهم سعيهم إلى تطبيق تلك الرُّؤية الموضوعيَّة ذاتها إلى الأشياء الَّتِي ترسَّخت في العلوم الطَّبيعيَّة على ميدان الأخلاق. وفي ضوء هذه الرُّؤية تسقط مزاعم التَّأسيس الدِّينيّ للأخلاق، ويستعاض عنه بالتَّأسيس العقلانيّ-العلميّ الصَّارم. إذ إنَّ المسألة بالنِّسبة إليهم لم تَعُدْ تكمن في إدراج العالم تحت مفاهيم الخير والشَّرِّ، بَلْ في اشتقاق المفاهيم والتَّصَورات الأخلاقيَّة من العالم الواقعيِّ. لذا، لا يمكن للإطيقا، في رأيهم، أنْ تنفصل عن العلم والفلسفة النَّظريَّة. فهي نفسها تخضع للدِّراسة والبحث بواسطة المناهج العلميَّة وتعتمد على التَّأصيل الفلسفيِّ-النَّظريِّ. وفي هذا السِّياق تسترعي الإنتباه وجهة نظر ديكارت الَّذِي يُشَبِّه العلوم بشجرةٍ جذورها الميتافيزيقا (الفلسفة)، وجذعها الفيزياء، وأغصانها الطِّبّ والميكانيكا والإطيقا الصَّحيحة. وهذه الأخيرة هي رأس الحكمة ودرَّة تاجها وأطيب ثمارها بما تفترضه من معرفة كاملة بالعلوم الأُخرى(1). ومن مِثْلِ هذه النَّظرة الجديدة إلى العلوم وإلى مكانة الإطيقا بينها ينطلق هوبز. فهو يرى أنَّ في مقدور الإطيقا أنْ تكتسب الدِّقَّة والموضوعيَّة العلميَّين بقدر ما تَتَبنَّى المناهج المعتمَدة في الهندسة والفيزياء. وهذا يعني، طبعًا، أنَّ ما ينطبق على العلوم، الطَّبيعيَّة منها والصُّوريَّة، هو تمامًا ما ينطبق على المعرفة الأخلاقيَّة. وما لم تحذو الإطيقا حذو العلوم المذكورة، فإنَّها تحكم على نفسها بالمراوحة في دائرة الوعي السَّاذَج، والمجادلات العقيمة الَّتِي لا تَمُتُّ إلى الحقيقة بأيِّ صِلَةٍ. قصارى القول، إنَّ ميدان الأخلاق قابل للتَّفسير الطَّبيعيِّ والعلميِّ شأنه في ذلك شأن أيِّ مجال آخر من مجالات العالم الواقعيِّ. ومن الواضح أنَّ هوبز مؤمن بقدرة العقل الإنسانيِّ، وباستقلال عن الدِّين، على معرفة النُّظم السِّياسيَّة-الحقوقيَّة الصَّالحة لحياة البشر، وعلى تمييز الحقِّ من الباطل، الخطأ من الصَّواب، وكذلك هو المرجع الأعلى في مسائل الأخلاق. لكن ما هي الأخلاق؟

  تتطابق الأخلاق عند هوبز مع المعايير ذات الأهَمِّيَّة العامَّة. فلا هي ماهيَّة ميتافيزيقيَّة ثابتة ومطلقة، ولا هي ماهيَّة طبيعيَّة، بَلْ تقوم على العقل وتؤلِّف إلى جانب الحقِّ والقانون الشَّرط الضَّروريَّ لانتقال الإنسان من الحالة الطَّبيعيَّة إلى الحالة الاجتماعيَّة، من التَّوحُّش إلى المدنيَّة. وبيان ذلك أنَّ حياة البشر، وَفْقًا لهوبز، في الحالة الطَّبيعيَّة هي امتداد لفطرتهم العدوانيَّة ومرآة تعكس حقيقة ماهيَّتهم الأنانيَّة. وبسبب هذين المَيلين المتجذِّرَين في أعماق طبيعة الإنسان ما كان للحالة الطَّبيعيَّة إلَّا أن تكون شريعة غابٍ قوامها: "الحقُّ الحصريُّ لكُلِّ واحد في امتلاك الأشياء كُلِّها"؛ و"حرب الكُلِّ ضِدُّ الكُلِّ"؛ و"الإنسان ذئب على أخيه الإنسان". ويعزو هوبز ذلك إلى الطَّبيعة الَّتِي غرست الأنانيَّة في جبلة البشر، وخلقتهم، في الوقت نفسه، متساوين في قدراتهم ومَلَكَاتهم النَّفْسِيَّة والجسمانيَّة. وهو الأمر الَّذِي يجعلهم متساوين أيضًا في غاياتهم ومطامحهم(2). لكن هذا الواحد المشترك بين جميع أفراد النَّوع الإنسانيّ هو نَفْسُهُ الَّذِي يُفَرِّق جَمْعَهُم ويُشَتِّت شَمْلَهُمْ. ومعنى ذلك أنَّ هذه الأنانيَّة المقرونة بالمساواة في المَلَكَات والغايات ستدفع، حتمًا، كُلَّ واحد منهم إلى الاستئثار الحصريِّ بِكُلِّ ما يشتهيه وتطاله يداه وتطأه أخامص قدميه، ما يؤدِّي إلى شيوع المنافسة التَّناحريَّة الحادَّة وانعدام الثِّقة في ما بينهم والاحتراب. فالغايات المحكومة برُوح الأنانيَّة الفرديَّة لا تتَّسع ولا يمكن أنْ تتَّسع للجميع. فإذا ما أراد شخصان الشَّيء الواحد عينه ولم يكن في الإمكان إلَّا أنْ ينفرد أحدهما في امتلاكه، فإنَّ النَّتيجة المحتومة المترتبة على ذلك هي استحكام رُوح العداوة بينهما. وإذا كانت الأنانيَّة الفرديَّة المتفلِّتة من كُلِّ قيد ورادع، في رأي هوبز، هي الدَّافع الرَّئيس لسلوك الأفراد ومُحَرِّك الحالة الطَّبيعيَّة وعلَّة وجودها، فإنَّ الحرب الدَّائمة والشَّاملة هي خاصِّيَّتها الجوهريَّة ومَرْجِعُهَا المحتوم. وليست أنانيَّة الطَّبيعة الإنسانيَّة هرطقة فلسفيًّة، بَلْ هي واقعة وحقيقة مُعَاشَة أكيدة، حسبما يرى هوبز. فالحياة اليوميَّة مترعة بالأنانيَّة. وأينما ولَّى الإنسان وجهه فَثَمَّ أنانيَّة تنضح بها علاقات البشر وتتنفَّسها أفعالهم كافَّةً. فنحن، على ما يقول هوبز، نتسلَّح عندما ننطلق في طريق ما، ونوصد الأبواب حين نخلد إلى النَّوم حَتَّى أنَّنا نغلق الخزائن في منازلنا، ألا تعني هذه الأفعال اعترافًا ملموسًا بالأنانيَّة الحيوانيَّة لطبيعة الإنسان؟(3). وتجدر الإشارة إلى أنَّ الاعتراف بالتَّوجُّه الأنانيِّ للسُّلوك الإنسانيِّ كان بالنِّسبة إلى الفكر الأخلاقيِّ البرجوازيِّ التَّقليديِّ بمنزلة البديهة الَّتِي لا يرقى إليها أيُّ شَكٍّ. فَحَتَّى أولئك الفلاسفة الَّذِينَ أحسنوا الظَّنَّ بالإنسان وعَدُّوه كائنًا خيِّرًا ونبيلًا بالفطرة والسَّليقة نعتوا وجوده الواقعيّ بالوجود المشوب والمُلَطَّخ بِلُوثة الأنانيَّة. وبالفعل، قلَّما نجد فيلسوفًا من فلاسفة العصر الحديث، مهما كان موقفه القيميّ من الأنانيَّة، ينكر هذه الواقعة. فقد اعتقد لاروشفوكو أنَّ المصلحة الخاصَّة والأنانيَّة يتكلَّمان كُلَّ اللُّغات ويتقمَّصان أدوار جميع الشَّخصيَّات، بما فيها الشَّخصيَّة العصاميَّة والغيريَّة. فنحن لا نتقرَّب إلى النَّاس حبًّا بالخير لهم، بَلْ طمعًا بالخير الَّذِي نبتغيه لأنفسنا منهم. في حين عدَّ روسو الأنانيَّة مَسْخًا وتشويهًا لطبيعة الفرد الأصليَّة الطَّيِّبة، ونتاجًا لِتَطَوَّرِ العلوم والفنون ولظهور المِلْكِيَّة الخاصَّة واللامساواة. ورأى فيها هلفيتيوس وهولباخ أساس التَّجديد الاجتماعيِّ وقلبه النَّابض. واللافت في هذا السِّياق  أنَّ كانط أيضًا لم يستطع إنكار قُوَّة حضور الدَّوافع الأنانيَّة وتأثيرها في السُّلوك الإنسانيِّ رغم مجاهرته بنقده الجذريِّ ومعاداته لكُلِّ المذاهب الأخلاقيَّة الَّتِي تؤسِّس مُثُل الإنسان وقيمه على المنفعة واللَّذَّة والمصلحة. وقد لا نبالغ إنْ قلنا إنَّ التَّعرية القاسية لأُسُس المجتمع البرجوازيِّ الأخلاقيَّة الَّتِي نجدها في مؤلَّف ماركس وإنجلز "بيان الحزب الشُّيوعيِّ" وغيره من المؤلَّفات، في كثير من جوانبها، ما هي إلَّا استئناف وتطوير لذلك الخطِّ النَّقديّ السَّليم في وصف وتقييم سلوك الأفراد البرجوازيّين الَّذِي أرسى بداياته الأُولَى توماس هوبز.

واستكمالًا للكلام على شِرْعَةِ الحالة الطَّبيعيَّة ومآلاتها يخلص هوبز إلى التَّأكيد أنَّ العمل بها لا يعيق التَّعاون المشترك والتَّكامل المتبادل فحسب، وإنَّمَا يفضي أيضًا إلى هَرْجٍ ومَرْجٍ يطيحان بِكُلِّ الحقوق وفي مقدَّمها الحقُّ في الحياة. إذ إنَّ حالةً كهذه هي حالة لا مَنَاصَ من أنْ يواجه فيها كُلُّ فرد ما صار يُعرَف في الأدبيَّات الأخلاقيَّة بمعضلة السُّجناء Prisoner's dilemma. ومغزى هذه المعضلة هو أنَّه لو فكَّر وعمل كُلُّ فرد على تحقيق خيره الخاصِّ فقط، وبأيِّ وسيلة ممكنة، غير آبه البتَّة بمصالح الآخرين، لارتدَّ ذلك عليه وعليهم وبالًا ونكالًا مُحَقَّقَين، ولحصدوا جميعًا الخسران المُبِين. وكما أنَّ الشَّرَّ المطلق مُمْتَنَع، فكذلك الأنانيَّة المطلقة مُمْتَنَعة بدورها. وكُلٌّ منهما ينفي ذاته بذاته. فالأنانيَّة نفسها وعند أقصى درجات استفحالها تنقلب من قُوَّةٍ جامحة إلى قُوَّةٍ كابحة. فليس بعد التَّناهي في الزِّيادة سوى النُّقصان، وليس بعد القِمَّة سوى الهاوية والانحدار. فالإنسان وإنْ كان يروم التَّملُّك والمجد والغلبة والجاه، إلَّا أنَّه يرغب أيضًا في العيش والبقاء ويخشى الموت والفناء. ولا يستقيم الحَلُّ والمخرَج من هذا المأزق الوجوديِّ القاتل إلَّا بالانصياع للنَّاموس الأساسيِّ للطَّبيعة، والاقتداء بالقانون الكُلِّيِّ لقاعدة السُّلوك الَّذِي اهتدى إليه العقل. ويدعو هذا النَّاموس النَّاسَ إلى السَّعي بِكُلِّ وعي وعزم وصدق في طلب السَّلام والاستقرار، وإلى التَّخلِّي من أجْلهما عن مطمع الحقِّ الأوَّليِّ في كُلِّ الأشياء. فالأخلاق بما هي ارتقاءٌ على الحيوانيَّة وتَجَاوُزٌ للحالة الطَّبيعيَّة لا تُعقل من دون ضبط للسُّلوك وخضوع للقواعد وتقييد للحُرِّيَّات وتهذيب للأهواء والشَّهوات. وهي بهذا المعنى، كما القوانين الحقوقيَّة، تؤلِّف الصِّيغة أو الشَّكل الَّذِي يتنازل الأفراد فيه بموجب عقدٍ اجتماعيٍّ وتَوَافُقٍ عقلانيٍّ عن بعض حقوقهم الأوَّليَّة بغية خلق مقدِّمات السَّلام وتوطيد أواصر الاتِّحاد الاجتماعيِّ والحفاظ عليهما. إذ إنَّه لولا الوفاق والوِئامُ في العِشْرة والعيش لَهلَك الأنامُ. وفي حال التَّوافق العامِّ على ذلك، فإنَّه ينبغي لِكُلِّ واحد أنْ يرضى ويقتنع في علاقته مع الآخرين بالقدر نفسه من الحُرِّيَّةِ الَّذِي يسمح به للآخرين في علاقتهم معه عملًا بالقاعدة الذَّهبيَّة للأخلاق: "لا تفعل بالآخر ما لا تريد منه أنْ يفعله بك"(4). وهذه القاعدة هي المعيار الَّذِي يجيز تحديد ما إذا كان الفعل موافقًا لقانون الطَّبيعة البديهي أم لا. وإذا حصل الاتِّفاق للبشر فلا بدَّ، عندئذ، من تكوين مؤسَّسَة (جهاز، هيئة) عامَّة مستقلَّة ومحايدة تسهر على حمايته وترعى تنفيذه من مُنْطَلَقٍ مفاده أنَّه لا قيمة لعقد ولا ديمومة لحقٍّ لا تعضدهما قُوَّةٌ ولا يحرسهما وازع. وهذه المؤسَّسَة العامَّة هي الدَّولة ويرمز إليها هوبز بالوحش أو التِّنِّين. وهي السُّلْطَة الَّتِي يتنازل لها الأفراد عن جزء من أطماعهم وحُرِّيَّاتهم، ويفوضونها صلاحيات فضِّ النِّزاعات في ما بينهم والدِّفاع عنهم بما لها من بأس شديد يَفُوق قُوَّةَ المتعاقدين فرادى ومجتمعين. ناهيك بكونها صاحبة الحقِّ الحصريِّ في استخدام العنف والمبادرة إلى الحرب كلَّمَا دعت الضَّرورة إلى ذلك. وهكذا، بفضل القانون الأخلاقيِّ والعقد التَّوافقيِّ ونشوء الدَّولة يتمُّ انتقال البشر من الحالة الطَّبيعيَّة إلى الحالة الاجتماعيَّة، ومن الأنانيَّة الفرديَّة المفرطة إلى الأنانيَّة العقلانيَّة المعتدلة، ومن حقِّ القُوَّةِ إلى قُوَّةِ الحقِّ. ويتَّضح مِمَّا سبق أنَّ الأخلاق عند هوبز ترتبط ارتباطًا جدليًّا بالحقِّ والدَّولة والاجتماع. فكُلُّ واحد منهم يستدعي الآخر ويحيل إليه ويؤثِّر فيه. ومع أنَّ الأخلاق، وَفْقًا لفيلسوفنا، هي أصل الدَّولة والاجتماع وشرط إمكانهما، إلَّا أنَّها من جهة وظائفها الأساسيَّة لا تُعقل خارجهما وبمعزل عنهما. فهذان النِّصابان هُمَا، تحديدًا، من يزوِّدنا بمعيار التَّمييز بين الفضيلة والرَّذيلة، بين العدل والظُّلم. وفي الحقيقة، فقد أحدثت هذه المقولة البالغة الأهَمِّيَّة قطيعةً حادًّة مع التَّقاليد السِّياسيَّة والأخلاقيَّة الدِّينيَّة القروسطيَّة. فما عادت الدَّولة والحاكم يستمدان شرعيَّتهما من قوانين الكنيسة والحقِّ الإلهيِّ، بَلْ من الحقِّ الوضعيِّ والعقد التَّوافقيِّ-الاجتماعيِّ. وما عادت مفاهيم الخير والشَّرِّ ماهيَّات كُلِّيَّة فوق إنسانيَّة، بَلْ ضرورة مُلِحَّة محايثة للاجتماع الإنسانيِّ. وعلى وجه العموم، ينظر هوبز إلى الخير والشَّرِّ بعيون أداتيَّة رافضًا القول باستقلاليَّتهما. فَمُسَوِّغ الخير إنَّمَا يكمن في ضرورته لقيام الوحدة الاجتماعيَّة وبقائها. وبالفعل، لقد كان التَّعليلُ العقديُّ-الاجتماعيُّ للأخلاق، المأخوذ في سياق التَّطَوُّر التَّاريخيِّ الملموس، الَّذِي نزع عن المفاهيم الأخلاقيَّة رداء المُطْلَقيَّة ضربًا من ضروب التَّحرُّر من الاضطهاد الرُّوحيِّ الدِّينيّ-الكَنيسيّ، من جهة، وخطوةً متقدِّمًة على درب الانعتاق من أسر الفهم الطَّبيعانيِّ للأخلاق، من جهة أُخرى.

وعلى الرَّغْمِ من اعتراض هوبز على الادِّعاءات القائلة بمطلقيَّة الأخلاق، فإنًّه يعدُّها شرطًا أوَّليًّا وعتبةً مطلقة absolute threshold لوجود المجتمع والدَّولة. وتُشَكِّلُ القوانين الأخلاقيَّة إلى جانب القوانين الحقوقيَّة بالنِّسبة إلى الأفراد الواقعيّين ورغباتهم الحيَّة اليد الخارجيَّة القاهرة والقُوَّة الموحِّدة لهم والمُهَذِّبَة لأهوائهم والكابحة لميولهم العدوانيَّة-الأنانيَّة. وتبرز الأخلاق كمجموعة من المعايير المَدْعُوَّة إلى وضع أفعال الأفراد تحت قاسم مشترَك. وينبغي التَّأكيد أنَّ الوظيفة القمعيَّة للأخلاق لا تندثر بإنجاز سيرورة الخروج من الحالة الطَّبيعيَّة. والأصل في ذلك إنَّمَا مردُّه إلى كون الأخيرة ليست مجرَّد مرحلة عابرة سادت ثُمَّ بادت من مراحل التَّاريخ الإنسانيِّ السَّحيق، بَلْ هي سِمَة جوهريَّة من سِمَات الطَّبيعة الإنسانيَّة مستمرة عَبْرَ الأجيال. ولما كانت طبيعة الإنسان، على ما يرى هوبز، لا تتغيَّر ولا تتبدَّل جوهريًّا، بَلْ تبقى أبد الآبدين طبيعةً أنانيًّة وشريرة، كان مُقَدَّرًا للأخلاق أنْ تبقى، على الدَّوام، قُوَّةً خارجيًّة مُقَيِّدة لِحُرِّيَّةِ الأفراد.

ومع أنَّ القوانين الأخلاقيَّة تملك أساسًا عقلانيًّا ويُقْرُّها العقل، إلَّا أنَّه ينبغي لها لكي تصبح فعَّالة أنْ تترسَّخ في وجدان البشر ومشاعرهم وسلوكهم أيضًا. لذا، فإنَّ البِنْيَة الحقوقيَّة مدعُوَّة عَبْرَ نظام الثَّواب والعقاب إلى تأمين مثل هذا التَّرسيخ، وترجمة القناعات الفكريَّة والأحاسيس الأخلاقيَّة إلى نهج سلوكيٍّ وخُطَّة عمل للأفراد. ذلك أنَّ "سَنَّ القانون يعني تهيئة سبب العدل وفرض الالتزام به"(5). وكذلك "ليس الثَّناء والإدانة عديمَيِ الجدوى، بَلْ إنَّهما كالثَّواب والعقاب يكوِّنان بواسطة القدوة الحسنة وقُوَّة المثال إرادة النَّاس ويوجِّهانها إمَّا إلى الخير وإمَّا إلى الشَّرِّ"(6). فالاعتراف بالمقام الأخلاقيِّ للآليَّة الحكوميَّة-الحقوقيَّة هو الوجه الآخر للسُّمو الأخلاقيِّ عند الفرد الأنانيِّ، وبالعكس. وعلى وجه الإجمال، إنَّ التَّطلُّعات المعياريَّة لهذه النَّظريَّة تصبو إلى ربط الحُرِّيَّة الفرديَّة بالضَّرورة الاجتماعيَّة، وردم الهُوَّةِ الفاصلة بين المصالح الخاصَّة والمصالح الاجتماعيَّة على قاعدة تطوير النِّظام السِّياسيِّ-الحكوميِّ، وإيجاد المبادئ والقوانين العقلانيَّة الَّتِي يمكنها أنْ تشيع التَّناغم والانسجام في عالم الأفراد الأنانيّين الفوضويّ.

  بالطَّبع، يمكن للإجراءات الحقوقيَّة والآليَّات الحكوميَّة، وفي حدود معيَّنة، ضمان مراعاة المعايير الأخلاقيَّة، لكن يستحيل عليها تحويل هذه المعايير إلى حقيقة للطَّبيعة الإنسانيَّة. إذ إنَّ المقاربة الهوبزيَّة الَّتِي تحصر الأخلاق في الأفعال الظَّاهريَّة فقط، لا تلغي خصوصيَّة الأخلاق فحسب، وإنَّمَا تتناقض أيضًا مع حقائق السُّلوك الإنسانيِّ الواقعيَّة والَّتِي تشهد على أنَّ الأخلاق هي حالة حميمة تبحث عن مُسَوِّغها في صميم الوجدان الإنسانيِّ. والحال أنَّه لم يكن في وسع هوبز تجاهُل هذه الحقيقة الأخلاقيَّة الواضحة والسُّكوت عنها. لذا تراه يعترف بأهَمِّيَّة الفضائل الأخلاقيَّة، في معناها التَّقليديِّ، من مِثْلِ التَّواضع والوفاء والإنسانويَّة والرَّأفة والمودَّة وما شابه. غير أنَّ ذلك لم يعصمه البتَّة من الوقوع في حبائل التَّهافت النَّظريِّ: فكيف يُمْكِنُ تَجَاوُزُ التَّعارض الأصليِّ بين الفضائل المذكورة وطبيعة الإنسان الأنانيَّة، لا سِيَّمَا، وأنَّ التَّعويل على تبديل الأخيرة واستئصالها من جذورها هو رهان خاسر سلفًا مآله الفشل الذَّريع؟ وأنَّى يمكن الجمع والتَّوفيق بين شموليَّة المبادئ الأخلاقيَّة وطابعها الإنسانيّ العامِّ وبين الأنانيَّة الَّتِي لا هَمَّ لها سوى المصلحة الخاصَّة لهذا الفرد أو ذاك حَتَّى لو اقتضى ذلك فساد الكون بأسره؟!!! والحال أنَّه بالإضافة إلى هذه المعضلة الَّتِي تواجهها نظريَّة هوبز العقديَّة-الاجتماعيَّة ثَمَّةَ صعوبات أُخرى لا تَقِلُّ عنها خطورةً على غير مستوى وصعيد.

  وللإضاءة على بعض هذه الصُّعوبات سينْصَبُّ اهتمامنا على مسألتين: الأولى تتعلَّق بمفهوم الأنانيَّة الَّذِي استحال على يد هوبز مفهومًا مركزيًّا بنى عليه صَرْحَ مذهبه في السِّياسة والاجتماع والأخلاق؛ والمسألة الثَّانية تتَّصل بمزعمه القائل بوجود حالة ما قبل اجتماعيَّة pre-social للبشر. وبما أنَّ مفهوم الأنانيَّة هو مفهوم متعدِّد الدَّلالات، ومرَّ تاريخيًّا ولم يزل يمرُّ بسلسلة من الاستثمارات الإيديولوجيَّة لخدمة مآرب فئويَّة ضَيِّقة وخبيثة، فإنَّه من المناسب إبداء خمس ملاحظات تقويميَّة. الملاحظة الأُولى- ينبغي عدم مماهاة الأنانيَّة مع حبِّ الإنسان لنفسه ونزوعه إلى تحقيق مصالحه ورغبته في تأكيد سيادته ومهر العالم من حوله بختم فرادته. فهذا ما ينبغي اعتباره شأنًا طبيعيًّا ومشروعًا وحَتَّى واجبًا. لذا كان من الضَّروريِّ التَّميِيز بين الأنانيَّة وحبِّ الذَّات. وليس هذان المفهومان مترادفين ولا هُمَا الشَّيء نفسه. فالأنانيَّة، بخلاف حبِّ الذَّات، هي تحقيق الفرد لذاته وثروته وسعادته على حساب الآخرين ومقابل تعاستهم وإفقارهم وقهرهم. فالفرد الأنانيُّ هو كائن طفيليٌّ عَيال على غيره مركزيُّ التَّوجُّه واصطفائيُّ النَّزعة ونرجسيُّ الرُّؤية يعدُّ نَفْسَهُ المبتدأ والخبر، البداية والنِّهاية، وبؤرة المعنى وغاية الْخَلْقِ. وكُلُّ ما في الوجود هو له وحده ولا شيء لغيره. فهو لا يَحِبُّ موضوعات ميوله بذاتها ولذاتها، بَلْ لذاته. وهو إذ يعشق، إنَّمَا يعشق ذاته أوَّلًا وأخيرًا. أمَّا حبُّ الذَّات أو النَّفْسِ فليس فيه ما يلزم المرء بالتَّعدِّي على حقوق الآخرين وإلحاق الأذى والضَّررِ بهم. الملاحظة الثَّانية- إنَّ مقولة الأنانيَّة الفرديَّة قد تفسِّر لنا بنجاح واجبات الإنسان تجاه نفسه، لكنَّها أعجز من أنْ تفسِّر حقوق الآخرين وواجبات الإنسان تجاههم، فضلًا عن صَمْتِهَا المُطْبِق وإخفاقها التَّامِّ في تفسير وقائع حياتيَّة من مثل حالات التَّضحية والإيثار ونكران الذَّات والممارسات الغيريَّة altruism الَّتِي لا يخلو مجتمع وعصر من نماذجها المُلْهِمَة. الملاحظة الثَّالثة- لم تقتصر تجلِّيات الأنانيَّة تاريخيًّا على صورتها الفرديَّة فقط، وإنَّمَا اتَّخذت أيضًا صورًا جماعيَّة متنوِّعة (عائليَّة، عشيريَّة-قبيليَّة، طبقيَّة وقوميَّة وإلخ). الملاحظة الرَّابعة- إنَّ الإنسان لم يوجد ولا يمكن أنْ يوجد إلَّا في حالة اجتماعيَّة. ولا حالة للإنسان سابقة ومتقدِّمة تاريخيًّا على حالته الاجتماعيَّة. وهذه حقيقة أدركها الفلاسفة الإغريق قديمًا، وأسهب ابن خلدون لاحقًا، على نحوٍ خلَّاق، في تطوير رؤيتنا لها ولأنماط العمران (الاجتماع) البشريِّ وأطواره وطبائعه. فقد كان له قَصَب السَّبْقِ في التَّفريق بين طورين متميِّزَين نوعيًّا ومتعاقبين تاريخيًّا من العمران البشريِّ: العمران البدويُّ؛ والعمران الحضريُّ. والاختلاف بين هذين الشَّكلين من الاجتماع الإنسانيِّ وما يلازم أهلهما من عادات وأخلاق وطباع ومواهب إنَّمَا هو باختلاف نحلتهم من المعاش، أيْ بجملة الأساليب والصَّنائع الَّتِي يُحَصِّلُ بها النَّاس رِزْقَهُمْ وعيشهم. وقد عنى ذلك وجود قوانين اجتماعيَّة وعوامل اقتصاديَّة وطبيعيَّة موضوعيَّة تحدِّد وعيهم وتتحكَّم بِتَغَيُّرِ أنماط حياتهم. والحقُّ أنَّ تَصَوُّرَ هوبز للحالة الطَّبيعيَّة كحقبة تاريخيَّة ما قبل اجتماعيَّة يُعَدُّ خطوةً إلى الوراء بالمقارنة ليس فقط مع ما أتحفنا به ابن خلدون، وإنَّمَا مع ما فتحه الفلاسفة الإغريق القدامى أيضًا. ولكي لا نبخس هوبز حقَّه لا بدَّ من القول إنَّ فيلسوفنا كان مصيبًا تمامًا في الشِّقِّ المتعلِّق بوصف الحالة الطَّبيعيَّة كحالة ما قبل دَوْليَّة pre-state، ولكنَّه حَادَ عن الصَّواب وخانه حدسه في الشِّقِّ الآخر المتعلِّق بوصفه لها كحالة لا ترقى إلى مرتبة الاجتماع. ويُحسب له أيضًا ربطه رُوح الأنانيَّة بالنَّزعة التَّمَلُّكِيَّة الخاصَّة، لكن يؤخذ عليه، في الوقت عينه، تَوَهُّمَه وجود الأنانيَّة الفرديَّة وهيمنتها على جميع العلاقات والدَّوافع السُّلوكيَّة للبشر في عصر الحالة الطَّبيعيَّة. ففي تلك المرحلة والحالة انتفت واقعيًّا شروط إمكان "تألُّق نجم" الأنانيَّة الفرديَّة. فقد كان على الأنانيَّة الفرديَّة بصفتها استعدادًا وقابليَّة للطَّبيعة البشريَّة أنْ تخوض معارك تصاعديَّة مريرة وطويلة قبل أنْ تتمكَّن من إحكام قبضتها على الإنسان وفرض سلطان منطقها عليه. هذا ناهيك بكون وجود الأنانيَّة نفسه مرهون في الأصل بوجود إطار اجتماعيٍّ ورابطة اجتماعيَّة ما. فمن الخطأ الاعتقاد أنَّ البدائيين يعيشون في حالة ما قبل اجتماعيَّة حدَّدتها أنانيَّتهم الشَّخصيَّة المزعومة، وأنَّ استيقاظ وعيهم الأخلاقيّ من سُبَاته العميق هو من أملى ضرورة انتقالهم إلى الحالة الاجتماعيَّة. فالعامل الحاسم (ولا نقول الوحيد) في تحديد الانتقال النَّوعيِّ من النِّظام المشاعيِّ-البدائيِّ إلى الحضارة هو مستوى تطوُّر قوى المجتمع المُنْتِجَة. فالعلاقات الاجتماعيَّة للنِّظام البدائيِّ هي علاقات قائمة على صِلَةِ الرَّحم وقرابة الدَّم حيث يتأطَّر الأفراد في جماعات (بطن، عشيرة، قبيلة) يعود أصل كُلِّ واحدة منها إلى سَلَفٍ واحد. وتؤلِّف العشيرة أساس الحياة الاجتماعيَّة كُلِّها. وتنشأ هذه البِنْيَة العشيريَّة-القبيليَّة بصورة طبيعيَّة تلقائيَّة. وهي مشروطة من البداية بحالة القوى المُنْتِجَة، وتُشَكِّلُ امتدادًا لوضع هذه القوى المتدنِّي للغاية. فقد كانت الرَّابطة العشيريَّة هي الشَّكل الوحيد الممكن للعمليَّة الإنتاجيَّة في تلك المرحلة التَّاريخيَّة القاسية من مراحل تَطَوَّرِ الاجتماع الإنسانيِّ. ففي ظِلِّ وسائل العيش الشَّحيحة، وتَخَلُّف أدوات العمل، وتدنِّي الإنتاج، وافتقار البشر إلى الخبرات العمليَّة والعلميَّة الضَّروريَّة، وعجز واحدهم عن الدِّفاع الذَّاتيِّ ودرء المخاطر الطَّبيعيَّة لم يكن أمامهم بديل آخر غير التَّنظيم الشُّيوعيِّ-البدائيِّ للحياة والعمل والتَّوزيع. وبفضل هذا التَّنظيم- الَّذِي سمح بأقوى أشكال التَّعاضد والدَّعم المتبادل بين أفراد القبيلة الواحدة- استحال ضعف الأفراد المبعثَرين قُوًّةً جماعيًّة. إذ إنَّه ما كان في الإمكان تعويض عجز الفرد إلَّا بالقُوَّةِ الموحَدة والعمل التَّعاونيّ للجماعة. ففي ذلك الزَّمن الغابر لم يكن ثَمَّةَ انفكاكٌ بين جانبَيِ الإنتاج: إنتاج الإنسان؛ وإنتاج وسائل العيش. وقد كان كُلُّ ما يؤلِّف الحياة العائليَّة والشَّخصيَّة المباشرة للأفراد هو ما يُشَكِّلُ، في الوقت عينه، حياتهم الإنتاجيَّة والاجتماعيَّة العامَّة. وبالفعل، تَطَابَقََ أنذاك فضاء الشَّأن الشَّخصيّ، مضمونًا وماصدقًا، مع فضاء الشَّأن الاجتماعيِّ العامِّ. لقد كان الفرد بفكره ومشاعره وتصرُّفاته بصمةً من بصمات العشيرة ونُسْخةً مصغَّرة عنها مطابِقة لها. وكانت سلوكياته واستجاباته مُبَرْمَجة بصورة تامَّة ومحاطة بشبكة من المعايير والنَّواهي المُفَصَّلة الَّتِي تطال مناحي الحياة كافَّةً. بَيْدَ أنَّ هذه الرُّوح الجماعيَّة الَّتِي شكَّلت عصبيَّة القبيلة ومصدر قُوَّتِها الرَّئيس اتَّسمت بطابع ضروريٍّ ومَحَلِّيٍّ داخليٍّ ضَيِّق، وذلك لاقتصارها على العلاقة بين أفراد القبيلة الواحدة وعلى من تحالَف معها من القبائل الأُخرى فقط. في حين اتَّسمت العلاقة بين القبائل الَّتِي لا وشائج قرابة ولا مواثيق وتفاهمات مستقرة بينها بالعدائيَّة والنَّفي المتبادل. ولا واحدة منها حسبت أبناء القبائل الأُخرى بشرًا ونظراء في الْخَلْقِ. فالرُّوح التَّشاركيَّة-الجماعيَّة الموجَّهة نحو الدَّاخل قابلها نفيٌ موجَّهٌ نحو الخارج تُرْجِمَ فصلًا حادًّا بين ال "نحن" وال "هُم"، بين "الأقرباء" و"الغرباء"، وتمييزًا في المعاملة أسقط عن الغرباء جميع المحرَّمات والنَّواهي المعمول بها داخل القبيلة، فَجَازَ، بالتَّالي، غَزْوُهُم وسَبْيهُم وأسْرُهُم وقَتْلُهُم وحَتَّى أكْلُهُم. الملاحظة الخامسة- ليست الأنانيَّة صفةً طبيعيًّة بقدر ما هي صفة اجتماعيَّة للفرد تُعَبِّر عن نمط سلوكيٍّ نوعيّ معيَّن من أنماط علاقته بذاته وبالآخرين. بعبارة أُخرى، ليست الأنانيَّة صفةً فرديًّة فقط، وإنَّمَا هي سِمَة المجتمع القائم على المِلْكِيَّة الخاصَّة. وأيًّا تكن النَّتائج الَّتِي تسفر عنها البُحُوث العلميَّة لطبيعة الإنسان البيولوجيَّة وخريطته الجينيَّة، فإنَّها لا تستطيع إنكار الحقيقة القائلة بأنَّ المِلْكِيَّة الخاصَّة والعلاقات الاستغلاليَّة تمنحان نشاطه كيفيًّة محدَّدة تمامًا، وأنَّ الحضارة الطَّبقيَّة تولِّد حتمًا نمطًا سلوكيًّا أنانيًّا. فجوهر المسألة، على ما يقول كارل ماركس، إنَّمَا يكمن في أنَّ المصلحة الخاصَّة هي نفسها عبارة عن مصلحة محدَّدة اجتماعيًّا ويمكن تحقيقها فقط في ظروف مُعَيَّنة يخلقها المجتمع وبمساعدة وسائل يهيئها ويوفرها المجتمع، أيْ أنَّها مرتبطة بإعادة إنتاج هذه الشُّروط والوسائل. هذه المصلحة هي مصلحة أفراد جزئيّين، لكن مضمونها وصورتها ووسائل تحقيقها معطاة من قِبَلِ الشُّروط الاجتماعيَّة المستقلَّة عن الأفراد"(7). فالأنانيَّة هي نمط من السُّلوك الموجَّه نحو إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعيَّة التَّمَلُّكِيَّة الخاصَّة يُشَكِّلُ فيه السَّعي إلى الثَّروة نواته الصَّلبة وغايته القصوى. فالأساس الشَّيئيُّ للأنانيَّة هو الثَّروة. وتتجلَّى الأنانيَّة في صورتها الخالصة كشغف بالتَّمَلُّكِ والمال والهَوَس بهما. وإلى هذا المعنى يذهب فريدريك إنجلز بقوله في ختام مؤلَّفه أصل العائلة والمِلْكِيَّة الخاصَّة والدَّولة: "لقد كان الجشع الدَّنيئ هو القُوَّة المحرِّكة للحضارة منذ يومها الأوَّل إلى يومنا هذا، الثَّروة ثُمَّ الثَّروة وثالثًا الثَّروة؛ فقد كانت ثروة هذا الفرد الجزئيّ المثير للشَّفقة هي هدفه الوحيد والحاسم لا ثروة المجتمع"(8).

إضافةً إلى كُلِّ ما تقدَّم يمكن القول إنَّه حَتَّى لو افترضنا وسلَّمنا مع هوبز أنَّنا أنانيّون عقلانيّون rational egoists، فإنَّه يبقى من الواضح أنَّ المحاججة الأنانيَّة-العقلانيَّة تبدو غير مجدية في حَلِّ "معضلة السُّجناء" في مختلف بدائلها الضَّيِّقة منها أو الواسعة. فالتَّوجُّه السُّلوكيُّ الأنانيّ-العقلانيّ وإنْ كان لا يُشَكِّل عائقًا معرفيًّا في التَّمييز بين الحسن والقبيح، الصَّحيح وغير الصَّحيح من الوجهة الأخلاقيَّة إلَّا أنَّه لا يمكن أنْ يكون متحقِّقًا عمليًّا بصورة متماسكة ودائمة وشاملة ومضمونة. فهو يبدو معدوم الفائدة ولا مكان له في المواقف الَّتِي يغلب عليها تَضارب المصالح والمنافسة التَّناحريَّة. ففي أوضاع كهذه لا شيء يضمن إمكانيَّة تَجَاهُل الإنسان للمبادئ الصَّحيحة من المنظارين الأخلاقيِّ والعقليِّ، وعدم العمل بها، خصوصًا، إذا ما تيقَّن عدم افتضاح أمْرِ مخالفته لها وانتهاك حُرْمَتِها. ولا شيء، أيضًا، يردع أو يمكن أنْ يردع الإنسان الأنانيَّ عن فعل أيِّ شيء لتحقيق أكثر ما أمكن من النَّفع لذاته ما دَامَ قادرًا على ذلك، وما دَامَ اقتناص الفرصة "الذَّهبيَّة" متاحًا له.

خلاصة القول، إنَّ الأنانيَّة هي شكلٌ حتميٌّ لتأكيد الذَّات لدى الأفراد في المجتمعات القائمة على تقديس المِلْكِيَّة الخاصَّة عمومًا، وفي المجتمعات الرَّأسماليَّة المعاصرة خصوصًا الَّتِي أوصلت النَّزعةَ الأنانيَّة إلى ذروتها وأقصى مدياتها الممكنة، وقدَّمت كُلَّ قيم الإنسان ومقدَّساته قربانًا لصنم معبود واحد وهو المال. لذا، فإنَّ التَّذمُّر الأخلاقيَّ من الأنانيَّة، على أهَمِّيَّته، يبقى قليل الجدوى كالشَّكوى من سوء الأحوال الجويَّة والتَّبَرُّمِ من الكوارث الطَّبيعيَّة ما لم يصاحبه بحث في أسبابها وطُرُقِ تجاوُزها يفضي إلى بناء نمط نوعيٍّ جديد من العلاقات الاجتماعيَّة لا يضطر الأفراد فيها لتأكيد ذواتهم إلى أنْ يكونوا أنانيّين مسبقًا، ويكون التَّطَوُّرُ الحُرُّ للفرد شرطًا لِتَطَوُّرِ الآخرين، وبالعكس.

***

د. علي صغير – لبنان

...............................

المراجع:

1- اُنْظُر: رينيه ديكارت. مبادئ الفلسفة. ترجمه وقدَّم له وعلَّق عليه الدُّكتور عثمان أمين. مكتبة النَّهضة المصريَّة. 1960. ص ص 70-71.

2- توماس هوبز: مؤلَّفات مختارة في مجلَّدين. موسكو. المجلَّد الثَّاني. 1965. ص 149. (باللُّغة الرُّوسيَّة).

3- المصدر نفسه. ص 153.

4- المصدر نفسه. ص 157.

5- المصدر نفسه. الجزء الأوَّل. ص 536.

6- المصدر نفسه. ص 539.

7- كارل ماركس وفريدريك إنجلز: المؤلَّفات الكاملة. المجلَّد 46، الجزء الأوَّل. ص 99. (باللُّغة الرُّوسيَّة).

8- كارل ماركس وفريدريك إنجلز: المؤلَّفات الكاملة. المجلَّد 21. ص 176. (باللُّغة الرُّوسيَّة).

 

تأطير المعضلة الفلسفية والمقاربة الجنيالوجية

إن الأطروحة القائلة بأن "المعضلة الأصلية للحداثة تكمن في ربط المعرفة بالقوة القهرية على الآخر" تمثل تشخيصاً فلسفياً عميقاً للتحولات الإبستمولوجية التي شهدها الفكر الغربي. هذه الأطروحة ليست مجرد نقد سياسي للسلطة، بل هي إدانة للمسار المعرفي الذي جرّد المعرفة من غايتها القيمية وحوّلها إلى أداة تكنولوجية للسيطرة والهيمنة. 

المعرفة بوصفها تكنولوجيا للسيطرة والقهر

تؤكد المقاربة النقدية أن المعضلة الأصلية للحداثة تكمن في الربط المعرفي بين المعرفة والقوة القهرية على الآخر [1]. لقد أدى هذا الارتباط إلى تجريد المجال المعرفي من القيمة الأخلاقية الذاتية، فظهرت المعرفة الحديثة مرتبطة بالسيطرة والهيمنة بدلاً من الأخلاق [1]. يوضح هذا المسار تحولاً جذرياً في وظيفة المعرفة: من كونها ضامناً للعدالة والخير (في الفكر الكلاسيكي) إلى كونها أداة لإنتاج القوة والسيطرة (في العصر الحديث).

يُعد المشروع الحداثي الغربي مسؤولاً حضارياً عن إرساء إبستمولوجيا الفصل بين نظام القيم الأخلاقية ودوائر المعرفة الأخرى. هذا الفصل سمح للعلم بالنمو في نطاق ما يسمى بـ "الموضوعية العلمية" المتفاخرة بحيادها. لكن هذا "الحياد" كان في جوهره إفراغاً للقيمة، مما جعل المعرفة وعاءً مثالياً لأي قوة خارجية تسعى لتوظيفها لخدمة مصالحها الخاصة، أي السلطة.

القوة القهرية مقابل السلطة الإنتاجية

لتحليل آليات القهر في الحداثة، يجب التمييز بين مفهومي القوة والسلطة. فـ القوة القهرية هي الآلية التي تمارس بها السلطة الفعل المادي أو الرمزي المباشر.

أما في الفلسفة المعاصرة، وخاصة عند ميشيل فوكو، فلا تُفهم السلطة بوصفها قوة قمعية عليا تفرض القانون فحسب، بل هي شبكة علاقات منتشرة تُنتج الأفراد والمعرفة والحقيقة [1, 2, 3]. وهذا يعني أن المعرفة لا يمكن أن تنفصل عن علاقات القوة التي تمنحها الشرعية وتجعلها ممكنة. 

الأساس القيمي للمعرفة في الأطر الكلاسيكية

كانت النظرة الكلاسيكية للعلاقة بين المعرفة والأخلاق مختلفة جذرياً عن النظرة الحداثية. فلطالما نظرت الأطر الفلسفية القديمة إلى المعرفة بوصفها أساساً جوهرياً للأخلاق.

 المعرفة كنظام قيمي لا أداة وظيفية:

في الفلسفة الأفلاطونية، يقوم التوجه الأخلاقي بشكل أساسي على إدراك الإنسان لجوهر الخير والشر [1]. هذا التصور يؤكد أن القضايا الأخلاقية هي قضايا كلية، عامة وشاملة لجميع الظروف والشرائط، مما يجعل المعرفة هي المنشأ الأساسي للأخلاق.

المنطق الكلاسيكي يفترض اقتراناً ضرورياً بين الفعل والإدراك:

إذا أدرك إنسان الخير والشر كما هما، فإن فعله يكون دائماً متوافقاً مع الأخلاق ولا يخرج عن إطارها [1]. في هذا السياق، فإن رأس الفضيلة هو الحكمة والمعرفة [4]. فجميع الفضائل الأخرى، كالشجاعة، هي في حقيقتها أنواع من الحكمة. على سبيل المثال، تُعرّف الشجاعة بأنها "معرفة ما يجب أن يُخاف منه وما لا يُخاف"، أما العدالة فتُعرّف بأنها العلم بالأصول والضوابط التي يجب أن تراعى في تنظيم الرابطة الإنسانية.

كانت الغاية الكلاسيكية للمعرفة ضمان العدالة والخير [1, 4]. وقد تركزت المعرفة حول التأمل والتجريد وتأويل العالم توصيفاً أخلاقياً وجمالياً، ولم تكن مجرد أداة للتحكم في الطبيعة [5]. وفي هذا النموذج، كانت الأخلاق أمراً واقعياً (وجودياً)، والإنسان الأخلاقي هو من يدرك هذه الأمور الواقعية، وكان يُكتفى في التحلي بها بمعرفة الخير من الشر.

كانت المعرفة (الحكمة) تعمل كقيد داخلي. وكان القهر الوحيد الذي يُمارس هنا هو الجهل، ومن ثم فإن مكافحة الفساد الأخلاقي تتم بالقضاء عليه [4]. هذا يوضح تمايزاً جذرياً بين المعرفة الكلاسيكية التي كانت قوة تأملية تعمل على تنظيم الذات من الداخل (العدالة الباطنية)، والحداثة التي تحولت إلى قوة أداتية تعمل على تنظيم الآخر من الخارج (السيطرة القهرية).

رغم ان، هذا النموذج الكلاسيكي احتوى على نقطة ضعف تاريخية. فافتراض أفلاطون بأن "معرفة الخير تضمن فعله" فشل في تفسير سبب اختيار الإنسان الواعي للشر. هذا الفشل سمح بظهور نقد الحداثة الذي طرح بديلاً عملياً: مادامت المعرفة لا تضمن الفضيلة، فلنجعلها تضمن النجاح والسيطرة. بالتالي، لم يكن الانتقال من "المعرفة لأجل الفضيلة" إلى "المعرفة لأجل المنفعة والقوة" مجرد طفرة، بل كانت استجابة نقدية مُدمرة لعدم فعالية النموذج الكلاسيكي في السيطرة على الواقع الاجتماعي والسياسي. 

الانزياح الإبستمولوجي وآليات القوة

شهد العصر الحديث قطيعة معرفية هائلة، أدت إلى إرساء نظام إبستمولوجي يبرر القهر والسيطرة تحت ستار التقدم العلمي.

تكمن المعضلة الأصلية للحداثة في هذا الفصل الذي ربط المعرفة بالقوة القهرية على الآخر. لقد ظهرت المعرفة الحديثة مرتبطة بالسيطرة والهيمنة بدلاً من الأخلاق. هذا التجرد من القيمة الأخلاقية هو ما سمح لاحقاً لنظام القوة بملء الفراغ بـ "معرفة-قوة" وظيفية تخدم مصالحه الخاصة.

 التكميم والتشيؤ كآليات للقوة الإبستمولوجية

لقد كانت النتيجة المروّعة لهذا الارتباط بين المعرفة والقوة هي الانتهاء إلى الانتقال من مركزية الإنسان إلى مركزية التقنية. وقد تم هذا التحول عبر آليتين رئيسيتين:

التكميم (يشير الى عملية تحويل الخصائص والصفات النوعية (الكيفية) أو الظواهر المعقدة إلى مقادير رقمية أو كمّية قابلة للقياس والتحليل الإحصائي): بجعل الرياضيات قوام المعرفة، أصبح كل شيء قابلاً للـ "تكميم" والتحويل إلى رقم وقياس.

التشيؤ: أدى هذا التكميم إلى تشيؤ الكائن البشري وجعله مجرد كائن مطيع لوثن الآلة، أو موضوع يُدار كمياً.

تستند القوة القهرية الحديثة إلى "الموضوعية الزائفة" التي تفصل المنهج عن الغاية، جاعلة أي نتيجة (مهما كانت لا أخلاقية) مقبولة ما دامت مستخلصة بمنهج سليم كمّي. هذا العقل الأداتي يبرر السيطرة عبر إخفاء غاية السيطرة تحت ستار "المنفعة" و"التقدم". وقد أدركت النظرية النقدية أن العقلانية التكنولوجية، التي وُلدت للسيطرة على الطبيعة، تم نقلها وتوظيفها لاحقاً للسيطرة على الإنسان نفسه.

هذا يربط المعضلة الحداثية ليس فقط بالسيطرة التقنية، بل بالهيمنة الجغرافية والتاريخية، حيث صنعت المعقولية الاستعمارية "التوحش" نقيضاً للحالة المدنية لتبرير الغزو والاحتلال.

تحليل ميشيل فوكو لشبكة المعرفة والسلطة

قدم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو تحليلاً جينيالوجياً معمقاً لآليات القهر الحديثة، مؤكداً على أن المعرفة والسلطة مترابطتان بشكل لا ينفصل. [2]

يرفض فوكو النموذج القانوني التقليدي للسلطة التي تُفهم كقوة قمعية عليا. فالسلطة، من منظوره، هي شبكة علاقات منتشرة تُنتج الأفراد والمعرفة والحقيقة [1, 8]. لا تُمارس السلطة من الأعلى إلى الأسفل فحسب، بل تتوزع عبر العلاقات الاجتماعية. [2]

من خلال "حفريات المعرفة"، أوضح فوكو كيف تتكوّن الذاتية في خطابات وممارسات واسعة النطاق ضمن حقل السلطة والمعرفة والحقيقة. على سبيل المثال، كانت الخطابات العلمية حول الجنون أو الجنسانية آليات انضباطية تهدف إلى فرض التطبيع على الجسد والسلوك، ولم تكن خطابات محايدة. ويُبرز هذا التحليل التواطؤ العميق بين السلطة و"الحقيقة" التي تُنشر، خصوصاً في مسألة الرغبات، حيث تُجعل موضوعاً لتدخل السلطة والمصلحة العامة، مما يفرض على الفرد الكشف عن ممارساته.

إن القوة القهرية الحديثة لا تحتاج إلى العنف الدائم، بل إلى إنتاج الحقيقة التي بموجبها يرى الفرد نفسه ككائن منحرف أو غير طبيعي، فيقوم بتصحيح ذاته. تعمل شبكة المعرفة-القوة كآلية انضباطية تُخضع الأجساد عن طريق العقول. [10]

في سياق الأنظمة المستبدة، تُظهر الممارسات السياسية آليات متطورة لفرض المعايير، أو بالأحرى، لتوزيع مسؤولية انعدام الأخلاق. فالأنظمة التي تقوم على القهر تعمل على نشر الفساد (كالرشوة) في تفاصيل الحياة العامة، بهدف تحويله إلى "أخلاق شعب" بدلاً من أن يبقى أخلاق مسؤول. وهذا تكتيك إبستمولوجي يسمح للسلطة برفع المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الفساد الهيكلي، وتوجيه اللوم نحو الذات الجمعية. القهر هنا يكمن في فرض رواية زائفة للواقع الأخلاقي. 

الحاجة المستمرة لتعزيز الاستقلالية الذاتية

في ضوء هذا التحالف المتنامي بين المعرفة التقنية والسلطة الحيوية، تكمن أهمية الفلسفة النقدية اليوم في الحفاظ على اليقظة الفكرية.

بدلاً من البحث عن قوانين أخلاقية موضوعية تُفرض خارجياً، يصبح العمل الأخلاقي هو فن الوجود وممارسة الحرية من خلال "تقنيات الذات" والعناية بها. هذا يسمح للذات بإعادة تشكيل نفسها في مواجهة الإكراه.

إن تعزيز الاستقلالية الذاتية يمثل الفعل المقاوم الأساسي ضد التشيؤ والتطبيع الذي تفرضه المعرفة القهرية. يجب أن تستمر مهمة الفلسفة النقدية في فضح الأيديولوجيات التي تتستر خلف العقل الأداتي، وتذكير المجتمع بأن هدف المعرفة يجب أن يعود إلى كونه ضامناً للعدالة والخير، وليس أداة للسيطرة والتمكين القهري على الآخر.

***

غالب المسعودي

...........................

المصادر والمراجع

1: [tanwair.com] فؤاد هراجة - مفاهيم أساسية في الفلسفة الأخلاقية - مجلة نقد وتنوير.

2: [siasur.com] ميشيل فوكو: بين السلطة والمعرفة – تحليل فلسفي لتطور المفاهيم الاجتماعية والسياسية.

3: [ahewar.org] مصطفى الحسناوي - السلطة عند فوكو - الحوار المتمدن.

4: [hekmah.org] محمد سبيلا - التحولات الفكرية الكبرى للحداثة: مساراتها الإبستيمولوجية ودلالتها الفلسفية.

5: [lakome2.com] المعرفة أفقا للسيطرة: أو العلم في خدمة القوة والهيمنة! - لكم-lakome2.

6: [cp.alukah.net] النظرية النقدية أو مدرسة فرانكفورت - شبكة الألوكة.

7: [babelwad.com] الحداثة وسياسات المعرفة: جغرافيّات النقد وتخومه - باب الواد.

8: [alantologia.com] د. زهير الخويلدي - دراسة مقارنة بين أركيولوجيا المعرفة عند ميشيل فوكو وفكر الاختلاف عند جيل جولوز وغراماتولوجيا جاك دريدا | الأنطولوجيا. (“د. زهير الخويلدي - دراسة مقارنة بين أركيولوجيا المعرفة عند ميشيل فوكو ...”)

9: [nohoudh-center.com] المأزق الحداثي وفقدان البوصلة الأخلاقية في الحاجة إلى أخلاق إحسانية.

10: [marefa.org] المعرفة والسلطة.

  

في المثقف اليوم