عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

أقلام فكرية

ليست كل الكتب التي نقرأها تترك أثرا فكريا يدفعنا إلى إعادة التفكير في قناعاتنا، لكن بعض الكتب تفعل ذلك لأنها تضع القارئ أمام أسئلة لا يمكن تجاوزها بسهولة. أثناء قراءتي لكتاب الله في الفلسفة الحديثة لجيمس كولينز، بترجمة فؤاد كامل، توقفت عند فكرة محورية في فلسفة سبينوزا مفادها أن أي بناء فلسفي متماسك يجب أن يبدأ من تعريف الله وفهم ماهيته.لم تكن هذه الفكرة مجرد رأي فلسفي عادي، بل كانت أساس مشروع كامل حاول من خلاله تفسير الوجود والطبيعة والإنسان انطلاقا من مفهوم واحد.ما يثير الاهتمام في هذا الطرح أنه ينقل سؤال الله من دائرة الإيمان والتسليم إلى دائرة التحليل العقلي. فبدلا من أن يكون الله نتيجة للتفكير، يصبح نقطة البداية التي ينبغي أن ينطلق منها التفكير نفسه. وتبرز أهمية سبينوزا بوصفه أحد أكثر فلاسفة العصر الحديث جرأة في إعادة صياغة العلاقة بين الله والعقل، وهي العلاقة التي ما زالت تمثل واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الفلسفة.

تاريخ الفلسفة يكشف أن مسألة الله لم تكن قضية دينية فقط، بل كانت أيضا قضية معرفية وفلسفية. فالسؤال عن الله كان مرتبطا بأسئلة أخرى مثل أصل الكون، وطبيعة الوجود، ومصدر القوانين التي تحكم العالم، وحدود العقل الإنساني. لهذا احتلت هذه القضية موقعا مركزيا في أعمال عدد كبير من الفلاسفة. في الفلسفة القديمة حاول الفلاسفة تقديم تصورات عقلية عن أصل الوجود. ومع تطور الفكر الديني أصبحت فكرة الله جزءا من النقاش الفلسفي. لكن الفلسفة الحديثة تعاملت مع القضية بطريقة مختلفة. فقد ظهر اتجاه يدعو إلى إخضاع جميع الأفكار للفحص العقلي، بما في ذلك فكرة الله نفسها.

في هذا الواقع برز سبينوزا بوصفه واحدا من أكثر الفلاسفة إثارة للجدل. فهو لم يقبل التصور التقليدي الذي يجعل الله منفصلا عن العالم ويتدخل فيه من الخارج. كما لم يقبل التصور الشعبي الذي ينسب إلى الله صفات بشرية مثل الغضب والرضا والانفعال. بدلا من ذلك قدم تصورا يرى أن الله هو الجوهر الذي تقوم عليه جميع الموجودات. هذا الموقف أدى إلى اتهامه بالإلحاد في عصره، رغم أن كتاباته تدور بصورة أساسية حول مفهوم الله. المشكلة لم تكن في إنكاره لله، بل في رفضه للصورة الدينية السائدة عنه. ولهذا دخل في صدام مع المؤسسات الدينية التي كانت تعتبر تصوره تهديدا للعقائد التقليدية.

يمكن النظر إلى مشروع سبينوزا باعتباره محاولة لنقل فكرة الله من المجال اللاهوتي إلى المجال الفلسفي. فهو أراد أن يجعل الحديث عن الله جزءا من البحث العقلي المنظم، لا مجرد قضية تقوم على التسليم أو الإيمان وحده. وجاءت محاولته بناء نسق فلسفي يبدأ من تعريف الله ثم ينتقل إلى تفسير الطبيعة والإنسان والمعرفة.لكن هذا المشروع يواجه عددا من المشكلات. فالله عند سبينوزا يصبح مفهوما فلسفيا شديد التجريد. وهو تصور قد يساعد على بناء نسق عقلي متماسك، لكنه يبتعد عن الفهم الديني الشائع الذي يرى في الله ذاتا تسمع وتستجيب وتتفاعل مع الإنسان. ولذلك ظل الجدل قائما حول ما إذا كان سبينوزا يقدم فهما جديدا لله أم يستبدل مفهوم الله بمفهوم آخر للطبيعة والوجود.من ناحية أخرى تكشف فلسفة سبينوزا عن مشكلة أوسع في الفلسفة الحديثة. فالفلاسفة حاولوا استخدام العقل لفهم القضايا الكبرى، لكنهم اختلفوا حول قدرة العقل نفسه. بعضهم رأى أن العقل قادر على البرهنة على وجود الله، وبعضهم رأى أن هذه المسألة تتجاوز حدود المعرفة البشرية. وهذا الخلاف استمر عبر قرون طويلة ولم يصل إلى نتيجة نهائية.

اللافت أن التطور العلمي لم يؤد إلى اختفاء السؤال. صحيح أن العلم قدم تفسيرات لعدد كبير من الظواهر الطبيعية، لكنه لم يحسم الأسئلة المتعلقة بأصل الوجود أو بمعنى الكون أو بسبب وجود القوانين الطبيعية نفسها. ولهذا بقيت مشكلة الله حاضرة في النقاشات الفلسفية حتى بعد صعود العلم الحديث. في هذا الجانب تبدو بعض المواقف الفكرية المعاصرة مبسطة أكثر مما ينبغي. فهناك من يعتقد أن التقدم العلمي يجعل السؤال عن الله غير ضروري، وهناك من يعتقد أن الإيمان وحده يكفي لإغلاق النقاش. لكن تاريخ الفلسفة يشير إلى أن القضية أكثر تعقيدا من هذين الموقفين. فالسؤال عن الله لا يتعلق فقط بإثبات الوجود أو نفيه، بل يتعلق أيضا بطبيعة الوجود والمعرفة وحدود العقل.لهذا السبب استمرت القضية في أعمال فلاسفة كبار مثل  و وغيرهما. ورغم اختلاف نتائجهم، فإنهم جميعا اعتبروا أن مسألة الله جزء أساسي من التفكير الفلسفي.

ما يجعل سبينوزا مهما ليس أنه قدم الإجابة النهائية، بل أنه أعاد صياغة المشكلة بطريقة مختلفة. فقد حاول التعامل مع مفهوم الله بوصفه موضوعا للفهم العقلي، وأجبر الفلسفة الحديثة على مواجهة أسئلة جديدة حول العلاقة بين الله والطبيعة والإنسان. لهذا كان التوقف عند اسمه أثناء قراءة كتاب "الله في الفلسفة الحديثة" أمرا طبيعيا. فسبينوزا لا يمثل مجرد فيلسوف ضمن تاريخ طويل من الفلاسفة، بل يمثل واحدة من أكثر المحاولات تنظيما في بناء فلسفة تبدأ من تعريف الله وتنتهي بتفسير العالم. وسواء اتفقنا مع نتائجه أو اختلفنا معها، فإن مشروعه يظل جزءا أساسيا من النقاش الفلسفي حول واحدة من أقدم القضايا التي شغلت العقل الإنساني.

***

زكريا نمر

 

من فيلولوجيا النص إلى جينولوجيا القيم

الجينالوجيا من فلسفة المعنى إلى فلسفة القيمة:

في الأجزاء السابقة وقفنا على أسس فلسفة نيتشه تحليلا ونقدا. في هذا الجزء الأخير سنقف مع تحليل المنهج الجينالوجي وكيف أنتقل نيتشه من فلسفة المعنى إلى فلسفة القيمة مبرزين في النهاية مظلوميته وسوء الفهم الذي طال فلسفته.

يعكس الانتقال من فلسفة المعنى إلى فلسفة القيمة جوهر الانقلاب الذي أحدثه نيتشه عبر المنهج الجينالوجي. فبدلا من البحث عما يعنيه الوجود أو النص - البحث عن الحقيقة الكامنة - انتقل البحث إلى قيمة هذا المعنى ذاته ومن أين استمد شرعيته.

نحلل ذلك بالتالي:

1. تحطيم "المعنى المتعالي":

في الفلسفات التقليدية من أفلاطون إلى هيجل كان البحث يتركز حول "المعنى الكلي" أو "الحقيقة" التي تقبع خلف الأشياء. نيتشه جاء ليقول إن هذا المعنى ليس اكتشافا لحقيقة أزلية بل هو اختراع بشري لأن فلسفة المعنى تسأل ما هي الحقيقة؟ وفلسفة القيمة (الجينالوجيا) تسأل ما هي "قيمة" الحقيقة؟ ولماذا فضلنا الحقيقة على الوهم في المقام الأول؟

2. "إرادة القوة" كمصدر للقيم:

عندما ينفي نيتشه وجود معنى موضوعي وجوهري للعالم فإنه يضع "إرادة القوة" مكان الغائية القديمة. القيمة هنا لا تشتق من صدق الفكرة بل من قدرتها على تعزيز الحياة أو إضعافها فالمعنى يصبح مجرد "قناع" تلبسه إرادة معينة لفرض قيمها.

نيتشه هنا لا يحلل الأفكار بوصفها منطقية أو غير منطقية بل بوصفها أعراضا لنمط من الحياة حياة صاعدة وقوية أو حياة منحطة وحقيرة.

3. من التفسير إلى التقييم:

الانتقال إلى فلسفة القيمة يعني أن الفيلسوف لم يعد مفسرا للعالم يبحث عن معنى باطني بل أصبح مشرعا ومقوما.

في "فلسفة المعنى" نحن خاضعون للمعنى الذي نكتشفه أما في "فلسفة القيمة" نحن الذين نمنح الأشياء قيمتها. وكما يقول نيتشه على لسان زرادشت: "الإنسان هو الذي وضع قيما للأشياء لكي يحفظ نفسه هو الذي خلق للأشياء معناها معنىً إنسانيا لذلك سمى نفسه إنسانا أي المقوم".

4. الجينالوجيا كأداة لنقد القيم:

هذا الانتقال جعل الفلسفة تتحول إلى نقد بدلا من تأمل فالبحث في "أصل" القيم هل نبعت من سيادة الأقوياء أم من استياء الضعفاء؟ هو الذي يحدد قيمتها اليوم. إذا كان "المعنى" الأخلاقي مثل الزهد أو التضحية قد نبع من إرادة تهدف إلى قمع الحياة فإن قيمته تصبح سلبية حتى لو بدا معناه ساميا.

التحول من المعنى إلى القيمة هو تحول من "الأنطولوجيا" أي البحث في الوجود إلى "الأكسيولوجيا" أي البحث في القيم بمفهومها الصراعي. هنا "المعنى" لم يعد غاية في ذاته بل أصبح وسيلة تعبر من خلالها الحياة عن قواها وتصنف بها العالم لتتمكن من السيطرة عليه.

وهذا الربط بين "أصل" القيمة وصلاحيتها يحرر الإنسان من أوهام الميتافيزيقا؟

الفيلولوجيا كأصل للجينالوجيا

في الختام نؤكد على أن نيتشه لم يغادر الفيلولوجيا (فقه اللغة) بل طورها ونقلها من "نصوص الكتب" إلى "نص الوجود". الجينالوجيا (التفكيك النقدي للقيم) في جوهرها هي فيلولوجيا كونية فكما كان يبحث عن أصل الكلمة وتطور دلالاتها أصبح يبحث عن أصل القيمة وتطور غاياتها. الفيلولوجيا هي الأداة التي علمت نيتشه "فن القراءة المتأنية" والجينالوجيا هي تطبيق هذا الفن على أخلاق البشر وتاريخهم. ونسأل ماذا بعد كشف زيف القيم؟

يجب أن نعرف أن الجينالوجيا عند نيتشه لم تكن هدفا بحد ذاتها لهدم القيم بل كانت تمهيدا لـ "إعادة تقييم كل القيم". ف"جينالوجيا القيم" هي التي تفتح الطريق أمام "الإنسان المتفوق" ليكون هو المشرع الجديد والقيمة الجديدة بعيدا عن أوهام الميتافيزيقا.

وهذا يعني فلسفيا أن "تاريخية المعنى" هي ضد الثبات الأنطولوجي. فنيتشه قد وجه ضربة قاضية لفكرة "المعنى الجوهري الثابت".

و يؤكد نيتشه أن المعنى ليس اكتشافا بل هو صيرورة وأن قيمة أي نص أو خلق تكمن في قدرته على خدمة "إرادة الحياة" في لحظة تاريخية معينة.

أن رحلة نيتشه من "فيلولوجيا النص" إلى "جينالوجيا القيم" لم تكن مجرد انتقال بين حقول معرفية بل كانت مسارا نقديا متصلا يهدف إلى تحرير الإرادة الإنسانية. فإذا كانت الفيلولوجيا قد منحت نيتشه القدرة على كشف الطبقات التاريخية للغة فإن الجينالوجيا قد مكنته من كشف الطبقات السلطوية والنفسية الكامنة خلف "المقدس" الأخلاقي. ونيتشه في نهاية المطاف لا يتركنا أمام حطام القيم بل يضعنا أمام مسؤولية "الخلق" حيث يصبح الإنسان هو النص وهو المؤلف في آن واحد ويغدو البحث في أصل القيم هو المفتاح الوحيد لامتلاك إرادة المستقبل.

تجدر الإشارة إلى أن جينالوجيا نيتشه نفسها هي "نص" يحتاج إلى "قراءة جينالوجية" تربطه بظروف عصره وتحولاته لتبقى الفلسفة دائما في حالة اشتباك مع الواقع وليست تجريدا معلقا في الفراغ. ونيتشه ليس فقط محلل لغوي بل "مؤرخ للأعماق" استطاع أن يربط بين تحولات النص وتحولات السلطة والمجتمع عبر الزمن.

"تاريخية القيم وصيرورة النص":

"في ختام هذه القراءة يتضح أن نيتشه قد نقل الفلسفة من سماء التجريد إلى أرض التاريخ. فمن خلال الانتقال من "الفيلولوجيا" كأداة لفهم النصوص القديمة إلى "الجينالوجيا" كأداة لتشريح القيم الاجتماعية أثبت نيتشه أن الأخلاق ليست حقائق أزلية بل هي منتجات تاريخية صاغتها موازين القوى وصراعات الإرادات.

و نؤكد أن نيتشه في بحثه عن أصل القيم كان يمارس نقدا اجتماعيا جذريا حيث كشف كيف يتحول النص سواء كان دينيا أو قانونيا أو فلسفيا من كونه تعبيرا عن لحظة تاريخية معينة إلى أداة للهيمنة وفرض "المعنى" على العصور اللاحقة. وبذلك تظل الجينالوجيا هي المنهج الذي يحررنا من سطوة الماضي ليس عبر نسيانه بل عبر فهم كيفية صناعته لتمكين الإنسان من استعادة دوره كصانع للتاريخ ومؤلف لقيمه الخاصة.

نيتشه كان متأثرا بالتحولات الكبرى في عصره مثل صعود الدولة القومية وتراجع سلطة الكنيسة والثورة الصناعية وكيف أن هذه البيئة التاريخية هي التي جعلت من "موت الإله" و"جينالوجيا الأخلاق" ضرورة فلسفية لفهم مآلات الإنسان الأوروبي في القرن التاسع عشر.

بيئة المؤلف وإنتاجه كيف أثرت عزلة نيتشه الشخصية وظروف ألمانيا في وقته على صياغته لهذا المنهج التاريخي الصارم؟

تأثير بيئة نيتشه على منهجه التاريخي (الجينالوجي) لم يكن تأثيرا عابرا  بل كان هو المختبر الذي ولدت فيه أفكاره. نيتشه لم يكتب من "برج عاجي" بل كانت فلسفته رد فعل مباشر على تحولات كبرى شهدها القرن التاسع عشر.

يمكن تقسيم هذا التأثير إلى ثلاثة مستويات أساسية:

1. البيئة السياسية: صعود "الرايخ" والقومية الألمانية:

عاش نيتشه فترة توحيد ألمانيا تحت قيادة "بسمارك" وبروز الروح القومية الألمانية المنتشية بالانتصارات العسكرية.

هذا الصعود للسلطة جعله يتأمل في مفهوم "إرادة القوة". رأى نيتشه في القومية الألمانية شكلا من أشكال "أخلاق القطيع" التي تذيب الفرد في الدولة. دفعه ذلك تاريخيا للبحث عن زمن كان فيه "الفرد المتفوق" هو المعيار فوجده في اليونان قبل سقراط مما عزز عنده المنهج المقارن بين عصور القوة وعصور الانحطاط.

2. البيئة الدينية والاجتماعية:  "موت الإله" كحدث تاريخي:

نشأ نيتشه في أسرة بروتستانتية عريقة فوالده وجده كانا قساوسة لكنه عاصر فترة "التنوير المتأخر" حيث بدأ العلم يهز أركان اليقين الديني.

بالنسبة لنيتشه "موت الإله" لم يكن مجرد فكرة ملحدة بل كان واقعة تاريخية واجتماعية. هذا ما دفعه لابتكار الجينالوجيا فإذا كان المصدر الإلهي للقيم قد انتهى وجب البحث عن "الأصل البشري" لهذه القيم. لقد كانت بيئته التي تفقد إيمانها تدريجيا هي المحفز لتشريح "تاريخ الأخلاق" وكشف زيفها الميتافيزيقي.

3. البيئة الثقافية والأكاديمية: أزمة "الفيلولوجيا":

بدأ نيتشه حياته أستاذا للفيلولوجيا (فقه اللغة) في جامعة بازل. في ذلك الوقت كانت الفيلولوجيا غارقة في جمع المعلومات الجافة والتدقيق النصي الممل فتمرد نيتشه على هذه البيئة "المتحفية". قرر تحويل الفيلولوجيا من أداة لخدمة الماضي إلى أداة لخدمة الحياة. ومن هنا انتقل من "نقد النصوص" إلى "نقد القيم". بيئته الأكاديمية الصارمة هي التي منحته "المشرط" الدقيق الذي استخدمه لاحقاً في الجينالوجيا لتفكيك الأنساق الفلسفية الكبرى.

خلاصة التأثير البيئي على المنهج:

يمكننا القول إن نيتشه في جينالوجيته كان يطبق "النقد التاريخي" الذي تعلمه من دراسة الكتاب المقدس في شبابه لكنه وجه هذا النقد نحو "الأخلاق" ذاتها. لقد جعل من تاريخه الشخصي وتاريخ عصره مادة خاما ليثبت أن "ليس هناك حقائق بل تأويلات فقط" وأن كل تأويل هو ابن بيئته وزمانه.

بهذا الربط تكتمل حلقة دراستنا فالعنوان "من فيلولوجيا النص إلى جينالوجيا القيم" يصبح تجسيدا لكيفية تحويل نيتشه لأدواته المعرفية التي اكتسبها من بيئته إلى سلاح لنقد تلك البيئة نفسها.

في مظلومية نيتشه

كان نيتشه يتميز بشجاعة ألهمته الصراحة والتي كشف بها عن كل أسرار وعيوب المجتمع الأوروبي وهذه الصراحة زادت في تصميمه على العمل من أجل فضح كل القيم الراسخة في المجتمع التي رسمت كي تضفي على آلامه وصراعه معنى يتخطى الشخصي والذاتي في رفضه أن يحيا حياة إنسان عادي.

قام نیتشه بأسلوب فخم وتبنى قضية كان موضوعها في نظره مقدرا له أن يتجاوز أي مصير شخصي أو عادي وكان ميالا الى أعتبار الصراع في وجه المآزق التي كان فيها رمزا لصراع أوروبا ولصراع الإنسانية. فقد تحولت آلام نيتشه العاجز وأمراضه الى موضوع ذي أهمية عامة إذ لم تعد مقاومته مقاومة عاجز عادي بل شيئا أكثر مسؤولية وبروزا. وهذا ما جعله يعتقد بأنه هو نفسه قدر تتوقف عليه نتيجة أو نتائج مأزق أو مآزق حاسمة في ذلك العصر  ومن هنا نبع تصميمه على أن يكون جديرا بدور من هذا النوع وعلى أن يكبت في نفسه كل تلك الميول التي تدعو الى مصير شخصي مختلف.

أصبح عدوا لدودا للخط القائل بالضعف لا نظريا فقط بل وفي الواقع كذلك. صار الأمر الهام أن يغدو نموذج الحياة الصاعدة وهي مهمة تابعها نيتشه الى النهاية دون  كلل أو ملل أو مهادنة بالرغم من كل آلامه.

فلسفة نيتشه بحق تضعنا أمام عالم فكري فريد يدمج الحياة بالمعرفة بطريقة تجعل من المستحيل الفصل بينهما. فنيتشه لم يكن فيلسوفا تقليديا ينظر إلى الحياة من برج عاجي بل كان يعيش فلسفته بكل تفاصيلها معتبرا إن الفكر يجب أن ينبع من نبض الحياة ذاتها. هذه الفلسفة كانت رحلة تتنقل بين مراحل مختلفة بدأت بتأثره بالرومانتيكية ثم الوضعية النقدية وانتهت بفكر مستقل يعكس عمق تجربته الشخصية.

أبرز ما في فلسفة نيتشه هو فهمه للحياة كالمطلق الأساسي وجعلها مصدرا لكل القيم والمعارف. بالنسبة له الحياة ليست فقط تجربة وجودية بل هي القوة الدافعة التي تشكل الأخلاق والمعرفة على حد سواء. هذه الرؤية أخرجت القيم الأخلاقية من المثالية المجردة ووضعتها في قلب التجربة الإنسانية مما أحدث ثورة في طريقة التفكير حول الأخلاق.

لكن هذه الفلسفة التي تهدف إلى تحرير الإنسان من القيود التقليدية لم تسلم من إساءة الفهم خاصة فكرة “إرادة القوة” عند نيتشه والتي كانت دعوة للإبداع والتجاوز تم تحريفها لاحقا لتبرير الحروب والصراعات في القرن العشرين على وجه الخصوص حيث شهد تجسيدا مشوها لهذه الفكرة تمثل في صعود الأنظمة الشمولية النازية والفاشية التي أدت إلى الحروب العالمية. فبدلا من أن تكون "إرادة القوة" تعبيرا عن قوة الإبداع الفردي أصبحت أداة للهيمنة والقمع.

هذا التحريف لفلسفة نيتشه يظهر كيف يمكن للأفكار العظيمة أن تُستخدم بطرق كارثية إذا أُخرجت من سياقها الحقيقي. فبينما كان نيتشه يسعى لتحرير الإنسان من القيود الأخلاقية الجامدة أُسقطت أفكاره في خدمة أيديولوجيات سياسية قاتلة. حيث تحولت فلسفته من وسيلة لتجاوز الذات إلى ذريعة للصراع.

فقد سرق النازيون فكره وقدموا فضاعاتهم باسمه وأتخذه الفاشيون عنوان لهم وأختبأ خلفه كل لصوص الرأسمالية والأنتهازيين والوصوليين.

كان نيتشه قد حذر من هؤلاء المنحطين وكانت فلسفته تمثل تحذيرا بقدر ما تمثل إلهاما. إنها تذكرنا بأن الأفكار مهما كانت عظيمة يمكن أن تتحول إلى كوارث إذا أُسيء فهمها أو استغلالها. إنها دعوة للتفكير النقدي والتأمل في كيفية تطبيق الأفكار وتذكير بأن القوة الحقيقية تكمن في الإبداع لا في الهيمنة.

الآن نقطع بيقين إن نيتشه هو واحد من أكثر الفلاسفة الذين تعرضوا لـ "سوء فهم منهجي" و"مظلومية تاريخية" لدرجة أن صورته الشائعة في الوعي الشعبي كفيلسوف عدمي أو محرض على العنف تكاد تكون نقيضا لما كان يرمي إليه فعليا.

هذه المظلومية لم تكن وليدة الصدفة بل نتاج تظافر عدة عوامل:

مثل التوظيف الأيديولوجي النازي وتشويه الإرث النيتشوي

وهذه هي المظلومية الأكبر في تاريخ نيتشه. حيث قامت أخته (إليزابيث فورستر)  التي كانت تميل للفكر القومي المتطرف والمعادي للسامية بالتلاعب بمسوداته بعد انهياره العقلي.

قامت بتحرير كتاب "إرادة القوة" بطريقة تخدم الأيديولوجيا النازية مما جعل هتلر يتبنى نيتشه كـ "فيلسوف الرايخ الثالث". الحقيقة نيتشه كان يحتقر القومية الألمانية ويسخر من معاداة السامية ووصف نفسه بأنه "أوروبي سامي" عابر للهويات الضيقة.

 سوء فهم آخر  تم عبر تصوير "الإنسان المتفوق" على أنه تفوق عرقي أو بيولوجي.

الحقيقة أن "الإنسان المتفوق" عند نيتشه هو مفهوم أخلاقي ونفسي.

"الإنسان المتفوق" هو الإنسان الذي يمتلك الشجاعة لخلق قيمه الخاصة وتجاوز "أخلاق القطيع" وهو تفوق على "الذات" بالدرجة الأولى وليس استعلاءً على الآخرين.

هناك أيضا سوء فهم لوصمة "العدمية".

حيث يُصنف نيتشه غالبا كفيلسوف عدمي يدعو لتحطيم كل شيء والاكتفاء باللاشيء.

 الحقيقة هي أن نيتشه كان محاربا للعدمية فهو يرى أن العدمية هي النتيجة الحتمية لانهيار القيم القديمة وحذر منها بشدة. كان منهجه الجينالوجي يهدف لتطهير الأرض من القيم المريضة البالية لبناء قيم جديدة تحتفي بالحياة.

المظلومية الأخرى هي المظلومية الأكاديمية

في بدايات عمله الأكاديمي تعرض نيتشه لتهميش (قس) من زملائه الأكاديميين أسمه "ويلومويتز" الذي اعتبر كتابه "مولد التراجيديا" عملا غير علمي وخارجا عن أصول التخصص الفيلولوجي. هذه المظلومية هي التي دفعته لترك الجامعة والعيش في عزلة مما أثر على نزعته الفلسفية وجعلها أكثر حدة وانفصالا عن المؤسسة الأكاديمية.

يمكن فهم هذه "المظلومية" كدليل على قوة وجدية وتأثير منهجه فالمجتمع والأنظمة السياسية غالبا ما تعجز عن استيعاب "الجينالوجي" الذي يفضح أصولها فتقوم إما بتهميشه أو توظيفه لصالحها فإن أبى التهميش والتوظيف فالتصفية الجسدية هي الحل الأخير. نيتشه نفسه كان يتوقع ذلك حين قال: "بعض الناس يولدون بعد وفاتهم".

حاولنا في دراستنا هذه رد الاعتبار لنيتشه عبر إعادته إلى سياقه النصي والبيئي الحقيقي. متبعين في ذلك منهج التحليل التاريخي وهو المنهج الوحيد المنتج لمواجهة التشويه الذي طال فكر نيتشه. فعندما نعيد ربط أفكاره بـ سياقها "الفيلولوجي" كأداة نقدية وبيئتها التاريخية كرد فعل على عصر محدد فإننا نسحب البساط من تحت كل التأويلات الأيديولوجية التي حاولت استغلاله.

ويمكننا التأكيد على أن رد الاعتبار لنيتشه يمر عبر ثلاث بوابات أساسية:

أولا:  تحرير "النص" من "الاستخدام" من خلال تركيزنا على "فيلولوجيا النص" بهذا نعيد الاعتبار لنيتشه ككاتب له "قصد" و"سياق" مما يفضح التلاعب الذي مارسته أخته أو الأنظمة النازية الشمولية. ونؤكد أن النص لكي يُفهم يجب أن يُقرأ بـ "أمانة فيلولوجية" قبل أن يُحاكم أخلاقيا أو سياسيا.

ثانيا: الجينالوجيا كمنهج "نقدي" لا "تحريضي":

لابد هنا أن نوضح أن نيتشه عندما تحدث عن "السادة والعبيد" لم يكن يحرض طبقة ضد أخرى بل كان يؤرخ لنشوء القيم. المظلومية هنا تُرفع عندما ندرك أن "الجينالوجيا" هي أداة للفهم وليست بيانا سياسيا للتنفيذ العسكري.

ثالثا: ربط "المعنى" بـ "البيئة":

تأكيدنا على "تاريخية القيم" يرفع المظلومية عن نيتشه بجعله "ابن زمانه". فبدلا من اعتباره "عدميا" هدم "القيم المطلقة" أظهرنا حقيقة أنه كفيلسوف أدرك قبل غيره أن بيئة القرن التاسع عشر لم تعد تحتمل القيم القديمة فكان لزاما عليه ممارسة "الجراحة التاريخية" لإنقاذ المستقبل.

ونرصع هذه الخاتمة بمقولة نيتشه الشهيرة في كتابه "هذا هو الإنسان" كشاهد على وعيه بهذه المظلومية يقول:

"أنا أعرف قدري فسوف يقترن اسمي يوما ما بذكرى شيء هائل بذكرى أزمة لم تعرف لها الأرض مثيلا من قبل."

أخيرا أقول: كنت قد ظلمت هذا المفكر الكبير -بتجاهلي لفكره متعمدا- وألبت الكثيرين ضده.

الآن برأت ذمتي من خطيئته.

***

سليم جواد الفهد

.....................

1. بيار هبير سوفرين، زرادشت نيتشه، ترجمة: أسامة الحاج، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ، بيروت، 2002.

2. جان غرانييه، نيتشه، ترجمة: علي بوملحم، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2008.

3. جمال مفرج، الفلسفة المعاصرة من المكاسب إلى الإخفاقات، الدار العربية للعلوم ناشرون،

منشورات الأختلاف، الجزائر، 2008.

4. جمال مفرج، نيتشه الفيلسوف الثائر، أفريقيا الشرق بيروت، لبنان، 2003.

5. جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ترجمة: أسامة  الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1993.

6. عبد المنعم حنفي، المعجم الشامل مصطلحات الفلسفة، مكتبة مدبولي، ميدان طلعت حرب، القاهرة، 2000.

7. فريدريك نيتشه، في جينيالوجيا الأخلاق،

ترجمة: فتحي المسكيني ، دار سيناترا، المركز الوطني.

8. فريدريك نيتشه، هذا هو الإنسان، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2009.

9. فريديرك نيتشه، هكذا تكلم زاردشت، ترجمة فليكس فارس، لبنان، مؤسسة هنداوي، 2014.

10. مارتن هايدغر، الوجود والموجود، تأليف جمال محمد أحمد سليمان دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، 2014.

11.محمد أندلسي، نيتشه وسياسةالفلسفة، إفريقيا الشرق، المغرب، دار تقبال للنشر، 2006.

 

أثر المعرفة في صياغة ملامح التحول الحضاري، وإيقاد جذوة العقل النقدي

المدخل المعرفي والأحيائي: كيف تشكّل المعرفة مادة الدماغ؟

تقف الفلسفة البشرية (الأنثروبولوجيا) ونظرية المعرفة التطورية المعاصرة اليوم عند نقطة تقاطع حاسمة، تسعى لتفكيك الكيفية التي تحولت بها المعرفة من تجريد فكري خالص إلى محرك مادي يصوغ تضاريس الدماغ البشري صياغة ملموسة. لقد تعاملت الفلسفة المعرفية الكلاسيكية، لقرون طويلة، مع المعرفة بوصفها مرآة سلبية تعكس واقعاً خارجياً مستقلاً. غير أن نظرية المعرفة التطورية الحديثة قلبت هذا التصور القديم رأساً على عقب؛ فأصبحت المعرفة والقدرات الإدراكية، وفق هذا المنظور البديل، أدوات تكيف حيوية تطورت تدريجياً عبر آلية الاصطفاء الطبيعي، لتمكين الكائن البشري من التغلب على معضلات الوجود الفعلي.

في هذا السياق، شهدت الأوساط الفلسفية محاولات جادة لإضفاء الصبغة الأحيائية على المقولات العقلية القبليّة التي صاغها الفيلسوف إيمانويل كانت. إذ تبين أن ما يُعد "قبلياً" ومسلماً به للفرد البشري عند لحظة الولادة، هو في حقيقته نتاج "بعدي" تشكّل تاريخياً للنوع الإنساني عبر اصطدامه الطويل بالواقع المادي، واصطفاء البنى العصبية الأكثر توافقاً معه.

تتضح هذه الفكرة في التشبيه الفلسفي الشهير: إن حافر الحصان متكيف سلفاً مع أرض السهوب الصلبة قبل أن يولد، وزعنفة السمكة مهيأة للتعامل مع بيئة الماء وهي لا تزال داخل البيضة. وبالمثل، يولد الدماغ الإنساني مجهزاً ببنية تصنيفية عصبية مهيأة سلفاً للتعامل مع الفضاء الخارجي وعلاقات العلة والمعلول؛ باعتبارها حلولاً نشوئية جرى اختبارها بنجاح عبر آلاف الأجيال.

الثورات الطاقية والتحولات الحيوية: وقود التوسع القشري والقفزات الحضارية

لم يكن للتوسع الهائل في حجم القشرة الدماغية الإنسانية، وتجاوز القيود الأحيائية الصارمة التي تحكم نمو أدمغة الكائنات الأخرى، أن يحدث لولا سلسلة من القفزات والمنعطفات الطاقية الكبرى التي حررت الجسد البشري من معادلة الطاقة المحدودة. ويمثل السجل الأحفوري للبشرية قفزة حاسمة بدأت قبل نحو أكثر من أربعة ملايين عام مع ظهور الإنسان المنتصب؛ إذ تظهر الأحافير تضخماً مفاجئاً في السعة الجمجمية، بالتزامن مع تراجع لافت في حجم الفكوك والأسنان وقصر طول الجهاز الهضمي.

يُفسر هذا التحول التشريحي الثوري بـ "فرضية الطهي"؛ حيث شكلت السيطرة على النار واستخدامها في إنضاج الطعام ثورة أحيائية واجتماعية غير مسبوقة. إن معالجة الطعام بالحرارة تؤدي إلى تكسير البروتينات المعقدة والنشويات الصعبة مسبقاً، مما يسهل عملية الهضم والامتصاص ويوفر سعرات حرارية هائلة بأقل مجهود بدني. وأدى هذا "الهضم الخارجي" إلى تراجع الحاجة إلى قنوات هضمية طويلة ومكلفة طاقياً، فحدثت المقايضة النشوئية الكبرى: جرى توفير الطاقة الهائلة التي كانت تستهلكها الأحشاء الضخمة، وتوجيهها مباشرة لبناء وصيانة الخلايا العصبية سريعة النمو في القشرة الدماغية الحديثة. كما وفر الطهي وقتاً ثميناً؛ فبينما تقضي الكائنات القريبة من البشر ساعات طويلة يومياً في مضغ الألياف النباتية النيئة، اختصر البشر زمن تناول الطعام إلى دقائق معدودة، مما أتاح ساعات طويلة من الفراغ اليومي المخصص للتفاعل الاجتماعي، ونشوء بدايات الرمزية واللغة، وتبادل الحكايا.

وقبل السيطرة الكاملة على النار، تشير الأبحاث الفلسفية والعلمية إلى دور حاسم لعبته "فرضية التخمير الخارجي". تفترض هذه الرؤية أن أسلاف البشر الأوائل، والذين امتلكوا أدمغة محدودة الحجم، قد اهتدوا إلى حفظ اللحوم والنباتات في بيئات تسمح بتخميرها بواسطة الكائنات الدقيقة في الغلاف الجوي والتربة. يعمل هذا التخمير الخارجي كعملية معالجة مسبقة للغذاء، حيث تحول البكتيريا والخمائر المركبات المعقدة إلى مواد سهلة الامتصاص مع التخلص من السموم النباتية. هذا التحول الدقيق قلل من الطاقة الحيوية المستهلكة في الأحشاء، وأتاح التغذية الوفيرة اللازمة لدعم البدايات الأولى لتضخم الدماغ وتنشيط القشرة الجبهية المسؤولة عن التخطيط والذاكرة الإجرائية.

مرونة الدماغ الفردي وآليات التكيّف الثقافي

يكمن السر التطوري الأكبر للجنس البشري في عدم اكتمال نمو دماغه عند الولادة؛ فالطفل الإنساني يولد بدماغ مرن ولدن للغاية، يستكمل نموه وتوصيلاته المشبكية داخل العالم الثقافي والاجتماعي المفتوح. وتُفهم هذه المرونة الواسعة كآلية تتيح استيعاب التغيرات البيئية العميقة دون الحاجة لانتظار الطفرات الجينية البطيئة. وتثبت التجارب العلمية على البيئات المحفزة أن مرونة القشرة الدماغية لا تنتهي بالبلوغ، بل تظل قادرة على الاستجابة للمؤثرات المعرفية الجديدة عبر بناء تفرعات شجيرية وزيادة سماكة الخلايا القشرية طوال الحياة، وتتحكم في هذه المرونة تغيرات محيطة بالوراثة تؤثر في التعبير الجيني وتنشط بناء نقاط تشابك عصبية جديدة كاستجابة مباشرة للتحديات المستمرة.

هندسة انتقال المعرفة في الفضاءات الاجتماعية

تعتمد ديمومة المعرفة التراكمية وقدرتها على تجنب الفناء والتراجع الحضاري على هندسة اجتماعية متقنة توزع الأدوار المعرفية عبر قنوات تواصل متباينة تحافظ على الرصيد الثقافي وتنقله بدقة بين الأجيال. ويميز علماء التطور الثقافي في هذه المنظومة بين نمطين رئيسيين لظهور الثقافة:

الثقافة المستدعاة:

 وهي السلوكيات والاستجابات والمفاهيم التي تنبثق مباشرة من تفعيل برامج جينية كامنة في الطبيعة البشرية كاستجابة فورية لمؤثرات بيئية ضاغطة ومحددة.

الثقافة المنقولة:

 وتتمثل في الأفكار، والرموز، والتقنيات، والعادات التي لا تنبثق غريزياً، بل يجري استقبالها وتبنيها حصرياً عبر قنوات التعلم الاجتماعي والمحاكاة والتعليم المنهجي.

تتحرك هذه الثقافة المنقولة، التي تشكل جوهر الهوية الحضارية، عبر مسارات تواصل متباينة: منها انتقال المعرفة الرأسي (وهو التوريث المباشر من الآباء إلى الأبناء)، والذي يتسم بالتحفظ الشديد ومقاومة الأفكار الوافدة لحفظ المهارات الأساسية، ولكنه يعاني من بطء شديد في التكيف مع الطوارئ البيئية والتغيرات المعرفية الكبرى

دراسة مقارنة: الفضاءات المفتوحة مقابل النصوص المغلقة وسجن الأسطورة

يمكن قراءة التحولات الكبرى في التاريخ الإنساني كصراع مستمر ومصيري بين تراكيب اجتماعية ومعرفية متباينة تصوغ عقول مواطنيها؛ فتكشف مقارنة الفضاءات المفتوحة بالمجتمعات البدائية والمغلقة عن تباين جوهري في البناء المعرفي والهندسة العصبية التي ينشأ عليها الأفراد.

في المجتمعات ذات "النصوص المغلقة" التي تحكمها الأسطورة التاريخية، يتحول النص والقصة الأسطورية من أداة تفسيرية بدائية إلى قيد معرفي مطلق. الأسطورة هنا ليست مجرد حكاية، بل هي بنية معرفية صلبة تقدم إجابات ناجزة ونهائية عن الكون والمجتمع والسياسة. عندما تصبح هذه الأسطورة مقدسة وغير قابلة للنقد، فإنها تمارس نوعاً من "الاغتيال الوظيفي" للعقل النقدي.

إن إدمان السرديات الأسطورية والامتثال الأعمى للنصوص المغلقة يجبر الدماغ البشري على تنشيط مناطق اليقظة الوقائية والخوف في الفص الجبهي، على حساب إخماد مناطق التفكير الجانبي والابتكاري. فالفرد في هذه البيئات يتربى على اعتبار التقاليد حواف طبيعية مقدسة لا يمكن تجاوزها.

هذا الخوف المستمر من ارتكاب "الخطيئة المعرفية" أو الخروج عن الإجماع الأسطوري يؤدي عصبياً وسلوكياً إلى جمود معرفي حاد؛ حيث تتوقف القشرة الدماغية عن بناء مسارات تشابكية جديدة قادرة على التشكيك والتجريب. قمع التباين والتنوع الفكري يحرم الدماغ من "البيئة المحفزة" التي تحدثت عنها ماريان دايموند، مما يفرض سقفا حتمياً للتطور الحضاري في هذه البيئات، ويُبقي العقل النقدي في حالة ضمور دائم.

على العكس من ذلك، تتيح الفضاءات المفتوحة سيولة معرفية تعيد هندسة الدماغ؛ حيث يحل التساؤل المستمر محل الإجابة الأسطورية الجاهزة، ويتحول النقد الذاتي إلى وقود عصبي ينشط لدونة القشرة المخية الحديثة، ويدفع بالنمو الحضاري إلى آفاق غير محدودة.

الاستنتاجات الفلسفية وتوقعات النشوء المستقبلي

يفضي هذا التحليل الفلسفي لشبكة التفاعلات القائمة بين الوعي، وإنتاج المعرفة، وتطور القشرة الدماغية إلى صياغة مجموعة من الاستنتاجات البنيوية الصادمة:

القشرة الدماغية عضو غير مكتمل حيوياً: إنها جهاز إدراكي ممتد يتطلب وجود روافع ثقافية وتكنولوجية ليكمل بناؤه الوظيفي، مما يجعل الثقافة شريكاً أحيائياً كاملاً في صياغة الجسد البشري وليست مجرد نتاج ثانوي له.

العقل الإنساني عقدة في شبكة جمعية: تعتمد كفاءة الفرد الإدراكية بشكل مطلق على مدى انفتاح هذه الشبكة وكثافتها؛ وإن انغلاق الشبكة حول نصوص مغلقة يعزل العقل ويدفعه نحو الضمور.

المقايضة الحتمية بين القطيع والحرية: تفضل البيئات الأسطورية المغلقة تفعيل آليات الامتثال والضبط الذاتي الصارم لمواجهة التهديدات على حساب الابتكار، بينما تنفرد الفضاءات المفتوحة بقدرتها على توفير البيئات المحفزة التي تطلق العنان للمرونة العصبية، وتضمن البقاء المستدام بفضل العقلانية النقدية وحرية الفكر. إن تحرير العقل البشري من ربقة الأسطورة ليس مجرد خيار سياسي أو فكري، بل هو ضرورة بيولوجية حتمية لاستمرار تطور الجنس البشري.

***

غالب المسعودي

متى يصبح الفهم شكلاً من إعادة الإنتاج لا الكشف؟

ليس الفعل التأويلي الذي يمارسه العقل البشري إزاء النصوص والظواهر والوجود الإنساني مجرد عملية منهجية محايدة يمكن ضبطها بقواعد صارمة، بل هو في جوهره مغامرة وجودية تتشابك فيها لحظات الكشف والبناء، والانفتاح على الغير والعودة إلى الذات، والإخلاص للمقصود والخيانة اللاإرادية له. هذه المفارقة التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها إشكالية تقنية هامشية سرعان ما تنكشف عن جذورها في بنية الوعي نفسه وفي طبيعة اللغة التي يتشكل بها المعنى وفي التاريخ الذي لا يحمله المفسر كعبئ خارجي يمكن خلعه عند عتبة النص بل كشرط قبلي لكل إدراك وكل حكم. ويبرز سؤال هنا لا يمكن للمعرفة الإنسانية أن تتجاوزه دون أن تنكر نفسها، متى يتحول الفهم ذلك الطموح الأسمى إلى تجاوز حدود الذات نحو معنى الآخر وإلى مجرد إعادة إنتاج مكرسة لأنماط ذهنية ورؤى ثقافية سابقة؟ ومتى يصبح التأويل عوض أن يكون لقاءً حقيقياً مع المغاير احتفالاً بالأنا في ثياب الموضوعية؟

إن هذه الإشكالية تمثل نقطة التقاء حاسمة بين تيارات فلسفية كبرى كانت تبدو متباعدة: الهرمنيوطيقا ونظرية المعرفة ونقد الأيديولوجيا وفلسفة اللغة. فبعد أن كان كانط قد أرسى حدوداً صارمة للعقل النظري مميزاً بين ما يمكن معرفته من ظواهر وما يظل في عالم الشيء في ذاته، جاءت الهرمنيوطيقا المعاصرة ممثلة بغادامير لتعلن أن الفهم ليس مجرد إجراء منهجي بل هو أسلوب وجودي للإنسان في العالم يتم عبر اندماج آفاق لا يمكن التحكم بنتائجه أو تنقية سوابق أحكامه. غير أن هذا التحول الوجودي حمل في أحشائه معضلة لم تحل بعد، إذا كان كل فهم مشروطاً بتاريخية المفسر ولغته وسلطته الرمزية فأي ضمان يبقى أن التأويل لا يتحول إلى أسر للمعنى المقروء داخل سجن المعاني القارئة؟ أليس اندماج الآفاق في تشغيله الأسوأ مجرد تمدد لآفاق الأنا على حساب أفق الآخر وتحويلاً للاختلاف إلى هوية وللغرابة إلى ألفة مميتة؟ فلقد نبّه فلاسفة الشك الجينالوجي من نيتشه إلى فوكو وإلى أن المطالبة بالفهم الموضوعي كثيراً ما تكون غطاءً لفرض إرادة القوة أو إعادة إنتاج نظم الخطاب المهيمنة.

تسعى هذه المقالة إلى استقصاء حدود العقل التفسيري من خلال تتبع مظاهر تحول الفهم إلى إعادة إنتاج في حقول معرفية متعددة، من التأويل النصي الكلاسيكي إلى فلسفة العلم ومن التربية المؤسسية إلى التجربة الجمالية وصولاً إلى المواجهة الأخلاقية مع الآخر. لن تدعي هذه المقالة أنها تمتلك مخرجاً نهائياً من هذه المتاهة المعرفية بل ستكتفي باستقصاء عمق المأزق واقتراح ملامح موقف تأويلي بديل يقوم على الوعي المزدوج بحتمية إعادة الإنتاج واستحالة التخلص منها وجعل هذا الوعي نفسه شرطاً لصدق أخلاقي ومعرفي أعمق من أوهام الكشف المطلق. فربما يكون أعلى درجات الفهم هو تلك اللحظة النادرة التي يدرك فيها العقل أنه عندما يفهم فإنه يعيد إنتاج نفسه وأن هذه المفارقة ليست عيباً قاتلاً بل هي بالضبط ما يجعله إنسانياً.

منذ اللحظة التي يحاول فيها العقل أن يقبض على معنى ما، يعيد صوغ ذلك المعنى في قوالب لا تخصه. ها نحن ذا أمام المفارقة الكبرى للتأويل: الأدات التي نتوهم أنها تفتح الأبواب على الحقائق الخارجية هي ذاتها الأداة التي تبني السجون التي نرى منها تلك الحقائق. السؤال المحوري الذي يهز أركان كل مشروع معرفي بشري ليس "هل يمكننا فهم العالم؟" بل "متى يتحول فهمنا للعالم إلى مجرد تكرار لأنماطنا الخاصة؟" متى يصبح الكشف احتفالاً بوجه المرء في المرآة بدلاً من رؤية ما وراء الزجاج؟

إن العقل التفسيري ذلك الجهاز العجيب الذي ينسج المعاني من خيوط العلامات والرموز لا يعمل في فراغ. هو مشروط مسبقاً بلغة تسبقه وبقواعد صمتت قبل أن ينطق وببنى ثقافية ونفسية تكوّن عينيه قبل أن تنفتح على النص أو الحدث أو الظاهرة. الفهم كما أشار غادامير في حلمه التأويلي المستمر ليس فعلاً منهجياً يمكن تطهيره من سوابق الأحكام وإنما هو اندماج آفاق: أفق المفسر المتلوّن بتاريخيته ولغته وأسئلته وأفق النص أو الموضوع الذي يُفسر. لكن في هذا الاندماج بالذات تكمن الخطورة، هل ندمج أفقنا مع الأفق الآخر أم نبتلع الأفق الآخر في أفقنا؟ هل نستضيف الغيرية داخل ذواتنا أم نحولها إلى صورة طبق الأصل عن ذواتنا؟

لنتأمل فعل القراءة حين نقرأ نصا قديماً أو قصيدة من ثقافة بعيدة أو حتى نظرية علمية من زمن مضى، نحن لا نستقبل المعنى كما لو كان ماءً نقيا يفيض في وعاء فارغ. بل نترجم المعنى إلى لغتنا الداخلية، إلى شبكة مفاهيمنا ومشاعرنا وتطلعاتنا. هذه الترجمة ضرورية بلا شك. بدونها لا يمكن أن يكون هناك أي فهم. لكن الضرورة ليست ضماناً للحقيقة. الترجمة التي تجعل النص الآخر مألوفاً قد تجعله في الوقت نفسه ممسوخاً، مجرد صدى لصوتنا نحن. "القارئ يخلق النص" كما يقول بعض النقاد، ولكن هل يخلقه من العدم؟ أم يعيد تركيب مادته بحيث يلغي أقصى ما كان فيه من غرابة واختلاف؟ نيتشه ببصيرته الثاقبة رأى في كل فعل تفسير إرادة قوة، نحن نفسر لكي نسيطر ولكي نضم المعنى الجديد إلى نظام معاني القديم، لكي لا نضطر إلى إعادة بناء بيوتنا المفاهيمية من الأساس. التفسير عنده ليس عملية اكتشاف لمعنى كامن، بل فرض لمعنى من الأعلى، عملية تجعل الفوضى تتحمل شكلها.

وليس الأدب وحده هو ميدان هذا الخطر. العلم نفسه أيضا، ذلك الصرح الذي يزعم أنه يقدم لنا الكشف الموضوعي المحايد، يعاني من الحدود ذاتها. إن نظرية توماس كون حول البارادايمات لم تكن مجرد إضافة إلى فلسفة العلم وإنما هزت اليقين المعرفي من جذوره مكشفة أن العالم لا يرى الطبيعة كطفل يفتح عينيه على العالم لأول مرة بل يراها من خلال عدسات باراديجمه الذي تلقنه وتدرب عليه. فكل ملاحظة محملة بنظرية وكل معطى حسي مرشح بمقولات مسبقة والعالم حين يرصد حركة كوكب أو تفاعلاً كيميائياً فإنه لا يلتقط صورة للشيء في ذاته بل يعيد إنتاج نموذجه الذهني في لحظة الرؤية نفسها. بل يرى من خلال نظارات باراديجمه الذي تعلمه في مختبرات الجامعة ومناهج الكتب أن الظاهرة التي لا تتنبأ بها نظرية ما كثيراً ما تبقى غير مرئية أو تُفسر كشاذّة تُهمل أو تُحشر بالقوة داخل الإطار القائم. الثورة العلمية عندما تأتي ليست مجرد تراكم للمعلومات الجديدة بل كسر للنظارات وتغيير في العين التي ترى. قبل كوبرنيكوس رأى الناس الشمس تدور حول الأرض. لم تكن ملاحظاتهم خاطئة تماماً في ظاهراتها اليومية لكن تأويلهم لها كان أسير تصور مركزية الأرض وهو تصور ليس نتاج الملاحظة بل نتاج خلفية ثقافية وميتافيزيقية عميقة. العقل التفسيري هنا لم يكن يكشف عن حركة الشمس وإنما كان يعيد إنتاج نموذجه الذهني في "حركة" الجرم السماوي.

هذا يقودنا إلى إشكالية اللغة، فليست اللغة أداة محايدة نعبر بها عن أفكار تشكلت قبلها وإنما هي كما قال هايدغر "بيت الكينونة": لا نستخدمها فقط، بل نسكن فيها وتشكلنا. حين نفسر لا نضيف معنى إلى معنى بل نتحرك داخل فضاء دلالي يسبقنا ويفرض علينا رؤى معينة ويحجب أخرى. إذن فكل فهم هو ترجمة من لغة إلى نفسها وإعادة ترتيب لما هو موجود أصلاً. ولهذا يصبح السؤال عن حدود العقل التفسيري سؤالاً عن حدود اللغة التي لا نستطيع تجاوزها. نحن لا نستخدم اللغة بل اللغة تستخدمنا، أن نفهم شيئاً يعني أن نضعه في كلمات. ولكن الكلمات تحمل معها تاريخاً واستعارات ميتة وترسبات من أزمنة سابقة. عندما أقول "زمن" أو "حقيقة" أو "عقل" فأنا أستدعي جيولوجيا كاملة من الاستعمالات السابقة، إرثاً من أرسطو إلى كانط إلى فرويد. الفهم بهذا المعنى هو دائماً إعادة تفعيل لنظام من الفروق اللغوية التي سبقتني. إنه أشبه براقص يظن أنه يرتجل حركات جديدة بينما هو يتحرك ضمن فضاء هندسته أقدام سابقيه. فولتير قال إن اللغة قائمة على العرف والعرف قائم على الخطأ المتكرر الذي صار قاعدة. فإذا كان فهمنا للعالم مرهوناً بلغة هي في صميمها نتاج أخطاء تاريخية واتفاقيات عرفية فهل يمكن لعملية التفسير أن تكشف عن أي شيء يتجاوز تلك الاتفاقيات؟ أم أنها محكومة بأن تكون مجرد أداء بارع على آلة مصمتة لا تعزف إلا ألحاناً كُتبت قبل زمن طويل؟

الحلم كانطيانياً قديماً، العقل يشرع قوانينه للطبيعة والطبيعة لا تعطينا نفسها كما هي في ذاتها (النومينون)، بل كما تظهر لنا عبر شبكة المقولات القبلية (الزمان والمكان والسببية). الفهم الكانطي هو فهم للظواهر لا للأشياء في ذاتها. وهذا حدود مبكرة للعقل التفسيري. غير أن كانط ظل يعتقد أن هذه الحدود عالمية وثابتة وتنطبق على كل عقل بشري سليم. لكن ما حدث بعد كانط كان سقوط هذه العالمية أيضاً. هيغل أظهر أن العقل نفسه له تاريخ وأن مقولاته تتطور. ماركس أضاف أن الوعي مشروط بالوجود الاجتماعي وبالبنية الاقتصادية والصراع الطبقي، وفرويد كشف عن أن العقل الظاهري ليس سيد بيته وأن دوافع لا واعية وغريزية تُحرك بكر التفسير من تحت الطاولة. كل واحد منهم بطريقته قوض فكرة العقل التفسيري كآلة اكتشاف شفافة وأظهر أنه آلة إعادة إنتاج معقدة تعيد إنتاج تاريخها الخاص وانحيازاتها الطبقية ورغباتها المكبوتة.

في مجال التأويل الديني أو القانوني تتضح المعضلة بوضوح حاد حين يفسر فقيه نصا مقدساً أو قاضٍ مادة قانونية، فهو لا يقرأ مجرد كلمات جامدة، هو يستنطقها ويسألها عن رأيها في قضية لم تكن موجودة حين كتبت. هذه الاستنطاق عملية ضرورية وإلا مات النص وأصبح مجرد وثيقة أثرية. لكن الخطر أن الاستنطاق يتحول بسهولة إلى تلقين، المفسر يلقي في النص ما يريد أن يسمعه ثم يعود ويستخرج منه ما ألقاه فيه، في دائرة هرمنيوطيقية مفرغة مزدوجة الحلقات. النص يصبح مرآة ناصعة لرغبات المفسر وقيم مجتمعه. وهنا يصبح الفهم ليس كشفاً عن رسالة أخرى بل إنتاجاً شرعياً للذات تحت عباءة الموضوعية. شبانوز الفيلسوف الإيطالي حذر من هذه الآفة باسم "المغالطة التأويلية"، ظن أن العثور على معنى عميق أعمق من المعنى الظاهري هو في حد ذاته فضيلة بينما قد يكون مجرد هروب من وضوح النص إلى تعقيد الذات المفسرة. كلما ازداد غموض التفسير ازدادت ثقة المفسر بأنه وجد شيئاً لم يره غيره، غير مدرك أنه وجد صورته المنعكسة على قاع بئر مظلم.

وما يضاعف المشكلة هو أن العقل التفسيري لا يملك آلية تلقائية لتمييز الكشف الحقيقي عن إعادة الإنتاج المقنعة. إنه يعيش في حالة من الدون كيشوتية لذيذة، يرى طاحونة هواء ويعتقد أنها عملاق وإذا صدق اعتقاده بما فيه الكفاية بدأت الطاحونة تتصرف كعملاق في عواقب أفعاله. كثير من النظريات الميتافيزيقية العظيمة كما بين ديفيد هيوم ليست سوى إسقاط للعادة النفسية البشرية على وجه الوجود. نحن نرى تعاقب الأحداث وبسبب اعتيادنا على التسلسل نخلق فكرة "السببية" ونسقطها خارج أذهاننا. هكذا يصبح الفهم خلقاً لوجود وهمي ثم اكتشافاً له. عمل العقل هنا أشبه بمهندس يبني بيتاً ثم ينسى أنه بناه ويجلس يتأمل عمارته المدهشة قائلاً: "ما أروع ما كشفته الطبيعة!"

إن إشكالية حدود العقل التفسيري ليست مشكلة جانبية يمكن حلها بمزيد من المنهجية أو الدقة. إنها ترتبط بطبيعة الوعي نفسه. الوعي كما يخبرنا علم الظواهر على طريقة هوسرل هو دائمًا وعيٌ بشيء أي أنه قصدية. لكن هذه القصدية تعني أن الوعي لا يقف محايداً أمام الأشياء بل يندفع نحوها، يشكلها ويعطيها معنى. العقل لا يستطيع أن يرى أي شيء بلا معنى ويستحيل عليه أن يتعامل مع العدم الدلالي. لذا فإن أول فعل للفهم هو بالضرورة فعل ترجمة للغريب إلى مألوف، للصامت إلى ناطق، للغامض إلى واضح. هذه الترجمة مشروعة بل هي واجب العقل الحي. لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد هذه الترجمة، كيف ندرك أننا لم نفقد شيئاً ذا قيمة في عملية الترجمة؟ كيف نتأكد أن المألوف الذي أنتجناه ليس مجرد تخدير لقلقنا من الغريب؟ هل يمكن للعقل أن يتذكر دائماً أن ما يراه ليس الأشياء كما هي بل الأشياء كما يراها هو؟ أن هناك فجوة ربما لا تردم أبداً بين معنى الشيء في ذاته ومعناه لنا؟

إن إشكالية الفهم كإعادة إنتاج لا تظهر فقط على مستوى الفرد المنعزل بنصوصه ونظرياته بل تتضخم وتأخذ أبعاداً جماعية وسياسية حين ننظر إلى مؤسسات المعرفة. الجامعة، الأكاديميا، المحكمة، الكنيسة، المختبر، كلها أماكن تُقدس فيها التفسيرات وتُحوّل إلى عقائد. هنا يصبح السؤال ليس "ماذا يعني النص؟" بل "من يملك السلطة ليقول ماذا يعني النص؟" ميشيل فوكو بمنقاره الأثري الجينالوجي كشف لنا أن كل نظام معرفي مرتبط بنظام سلطة. الحقيقة ليست ما هو مطابق للواقع بل ما تنتجه آليات الخطاب والاستبعاد والإقصاء. العقل التفسيري الجماعي لا يكشف عن معنى موضوعي بل يعيد إنتاج هيكل السلطة القائم تحت رداء الحياد الأكاديمي والمنهجية الصارمة. المفسر الرسمي يتحدث باسم الموضوعية بينما هو في الحقيقة يتحدث باسم جماعته، طبقته، نسقه الثقافي. فهم العالم يصبح هنا احتفالاً بفهم الأقوياء وإعادة إنتاج لرؤيتهم للعالم كأنها الرؤية الوحيدة الممكنة.

هذا يقودنا إلى إشكالية التراث الكلاسيكي، كل جيل يعيد قراءة هوميروس، أفلاطون، شكسبير، ابن عربي. لكن هذه القراءات - كما بين هانز روبرت ياوس في نظريته عن "أفق التوقع" - تتغير بحسب أسئلة كل عصر وآلامه. هل نحن نكتشف معاني جديدة كامنة في النصوص منذ الأزل؟ أم نصنع هذه المعاني وفق حاجاتنا الراهنة؟ إذا كان الجواب الثاني فما الفرق بين التفسير العظيم والتزييف العظيم؟ ليس هناك معيار خارجي حاسم. النص الكلاسيكي هو ذلك النص الذي يتحمل أن يُقرأ دوماً من جديد أي أنه يتحمل أن يعاد إنتاجه باستمرار. لكن هذا التحمل لا يضمن أبداً أننا في كل مرة نقترب منه بل يضمن فقط أننا في كل مرة نبتعد عنه بطريقة مختلفة. الحنين إلى المعنى الأصلي وإلى ما "أراده" المؤلف حقا هو حنين مشروع لكنه مستحيل التحقق، كحنين إلهي إلى جنّة مفقودة. إيريك أويباخ، في "محاكاة الواقع"، أظهر كيف أن القراءة الواقعية لنص أدبي هي في حد ذاتها قراءة تأريخية مشروطة بثقافة القارئ. لا نص شفاف ولا قارئ شفاف.

ولعل أخطر مظاهر إعادة الإنتاج المقنعة هي تلك التي تحدث في مجال التربية والتعليم. حين ننقل معرفة إلى تلميذ نظن أننا ننقل كنزاً من الكشوفات البشرية. لكن ما ننقله غالباً هو مجموعة من التفسيرات الميتة التي قُتلت مراراً حتى صارت حقائق جامدة. التلميذ الذي يتعلم أن "الماء يغلي عند مئة درجة" لا يتعلم الظروف الفيزيائية والقيود والاستثناءات التي جعلت هذه الجملة صحيحة في سياق معين. يتعلم نصا وهو نص يكرره ثم يأتي امتحان ليقيس قدرته على إعادة إنتاج هذا النص. التعليم الجماهيري كما نادى إيفان إيليتش في نقد المخفي للمدرسة، هو أعظم آلة لإعادة الإنتاج الفكري، يحول المعرفة الحية التي هي دائماً احتمالية ومشكوك فيها ومؤقتة إلى سلعة جامدة يمكن تخزينها وقياسها وتداولها. الطالب الذي يجيب بـ"الفهم الصحيح" هو الذي أعاد إنتاج التفسير الرسمي بدقة وليس الذي كشف جانباً جديداً من الظاهرة. هنا يصبح الفهم علماً للتكرار والفشل في الفهم يعني الفشل في التكرار.

ولكن هل هناك مفر؟ هل يمكن للعقل أن يمسك نفسه في لحظة فهمه فينقسم إلى فهم وفهم للفهم فيدرك حدود إعادة الإنتاج لحظة وقوعها؟ هذا هو حلم الظاهريات التأملية وموضوع ما أسماه غاستون باشلار "القطيعة الابستمولوجية". باشلار رأى أن المعرفة العلمية الحقيقية لا تبدأ من العقل الذي يعيد إنتاج بديهياته بل من العقل الذي يتعرف على أخطائه ويكسر صلته بالمعرفة العفوية اليومية. الفهم الحقيقي عنده ليس استمراراً بل قطيعة. ليس تكراراً لما تعلمته بل نسياناً له. لكن هل يمكن نسيان البنية الذهنية التي نراها بها؟ النسيان الإرادي مستحيل، لا يمكنك أن تأمر عقلك أن ينسى اللغة التي يفكر بها أو القواعد المنطقية التي ينظم بها العالم. أقصى ما يمكن هو وعي مؤلم بوجود سجن لا تستطيع مغادرته وبحدود لا يمكن تجاوزها.

وهنا تبرز أهمية اللحظة الجمالية، تلك المنطقة الحدودية حيث يتعطل فيها الفهم المفهومي لصالح خبرة أخرى. حين نقف أمام لوحة تجريدية لكاندينسكي أو نسمع مقطوعة موسيقية لشونبيرغ أو نقرأ قصيدة أدونيس فإن العقل التفسيري يحاول جاهداً أن يمسك بالمعنى أن يترجم الحسي إلى مفهومي وأن يجد "ما تريد قوله" هذه اللوحة أو هذه القطعة. لكن في الأعمال الفنية العظمى هناك فائض لا يقبل الترجمة، هناك صمت معان، هناك استعصاء على الفهم النهائي. هذا الاستعصاء ليس عيباً بل هو جوهر التجربة الجمالية. أدورنو قال إن الفن الحديث هو احتجاج على العالم المسلوق بالمعنى على العقل الذي يكلس كل شيء في مفاهيم. الفن الحقيقي هو ما يحافظ على غيرية الموضوع وعلى ما لا يمكن اختزاله إلى ذات المفسر. في المواجهة الجمالية ربما نجد أنجع نموذج للفهم الذي لا يطمح إلى الاستيعاب بل إلى الحفاظ على المسافة. ليس الفهم هنا اكتشافاً لسر خفي بل وقوفاً أمام سر يظل سراً. المفسر الذي يقول "فهمت هذه القصيدة" قد يكون أكثر المفسرين بعداً عنها. القصيدة الحقيقية هي التي تجعلك تقول "ما زلت لم أفهمها بعد ولكنها فهمتني".

هذه المفارقة الجمالية تقودنا إلى مسألة أخلاقية أعمق، إن إعادة إنتاج الذات في فهم الآخر ليست مجرد خطأ منهجي بل هي عنف رمزي. إيمانويل ليفيناس في فلسفته للوجه والغيرية حذر من أن الفهم الفلسفي التقليدي هو شكل من أشكال الامتلاك الفكري. عندما أفهم الآخر وعندما أضعه في مفاهيمي وأقحمه في إطاري فأنا أقتل غرابته وألغي تفرده. الفهم الأخلاقي الحقيقي عنده ليس فهماً بمعنى المعرفة بل هو انكشاف ومسؤولية. أن أواجه الوجه الآخر ليس أن أقول "أعرفه"، بل أن أقول "ها أنذا أمام ما لا يمكن معرفته، ما يفوق حدود عقلي التفسيري وما يأمرني بالتالي أن أستمع بدلاً من أن أتكلم". ها نحن ذا أمام انقلاب تام، الفهم لا يكون كشفاً أو إعادة إنتاج بل يكون استعداداً لأن لا نفهم، استعداداً للجهل واستعداداً للصمت. ربما أعلى درجات الفهم هي تلك اللحظة التي ندرك فيها أن كل ما فهمناه حتى الآن ليس إلا نسقاً من الأوهام الجميلة وأن الحقيقة - إن كانت ممكنة - تبدأ حيث ينتهي التفسير.

إذن، نقف هنا على أطراف هذا التأمل في حدود العقل التفسيري ونحن محمّلون بأسئلة أكثر مما بدأنا. قلنا إن الفهم بطبيعته يميل إلى تحويل الغريب إلى مألوف والاختلاف إلى هوية والآخر إلى نفس. هذا الميل ليس عيباً طارئاً بل هو شرط إمكان الفهم ذاته. لا يمكننا فهم شيء دون وضعه في إطارنا ودون مقارنته بما نعرفه ودون ترجمته إلى لغتنا. العقل يظل في حالة أبدية من الحنين السيزيفي يريد أن يعانق الحقيقة كما هي لكن كل عناق له يطبع على الحقيقة ملامحه. ربما ليست المأساة أننا نعيد الإنتاج بدلاً من أن نكتشف بل المأساة أننا نظن أنفسنا مكتشفين بينما نحن مجرد عاكسين ماهرين.

الذي نعد به هنا ليست حلا سحرياً يطوي الإشكالية بل هي موقف وجودي أمامها. ما العمل؟ هل نتخلى عن الفهم؟ لا يمكن، لأننا محكومون بالفهم كما نحن محكومون بالتنفس. هل نتبنى شكا مطلقاً يعلّق كل تأويل؟ لا يمكن، لأن الشك ذاته هو تأويل. الخيار الوحيد كما بدا في ثنايا هذا المقال هو أن نمارس الفهم مع وعي حدوده وأن نفسر مع تذكرة دائمة بأن تفسيرنا ليس الحقيقة بل قراءة محتملة وأن نسمع الآخر مع إدراك أن ما نسمعه هو صدى لنا بقدر ما هو صوته. هذا الوعي المزدوج - "أنا أفهم، وأنا أعرف أنني عندما أفهم فإنني أعيد إنتاج نفسي" - هو ما يمكن أن نسميه بالتواضع التأويلي. ليس تواضع الضعيف الذي يخاف أن يفهم بل تواضع القوي الذي يعرف قوته وحدودها.

قد نجد العزاء في فكرة أن إعادة الإنتاج ليست بالضرورة خيانة. كل إعادة إنتاج هي أيضاً ابتكار وكل تكرار هو اختلاف. العقل الذي يقرأ النص القديم أو الظاهرة الطبيعية أو الوجه الآخر ويجده شبهاً لنفسه إنما يضيف شبهاً جديداً إلى مخزون الذاتية الإنسانية. ربما لا يمكننا الخروج من متاهة الذات لكن يمكننا أن نوسع جدرانها وأن نفتح فيها نوافذ وأن نلونها بألوان لم نكن نعرفها من قبل. التأويل إذن ليس سجناً مطلقاً بل هو فضاء حرية نسبية، نختار أي الأدوات نستخدم وأي الإطارات نتبنى وأي الأسئلة نطرح. هذه الحرية هي التي تمنحنا الأمل في أن بعض التفسيرات أقرب إلى الكشف من غيرها حتى لو لم يبلغ أحدهم الكشف التام.

ويبقى العقل التفسيري ذلك المخلوق الغريب الذي يعيش على الحافة، حافة النور والظلمة، حافة الذات والعالم، حافة المعرفة والجهل. مهمته مستحيلة لكنه لا يستطيع التوقف عن محاولتها. كل تفسير هو مغامرة وكل فهم هو مجازفة. والأجمل في هذه المغامرة أنها لا تنتهي، نص واحد، ظاهرة واحدة، وجه واحد يمكن قراءتها مليون مرة وفي كل مرة نخرج بنسخة جديدة من أنفسنا ومن العالم. هذا التجدد الأبدي لإعادة الإنتاج هو بالضبط ما يجعل العقل التفسيري حياً وما يمنع المعرفة من أن تكون مقبرة للحقائق الميتة. حدود العقل التفسيري ليست سقفاً يحبسنا بل هي أفق يتحرك معنا كلما تقدمنا خطوة. وربما هذه هي الحكمة الوحيدة الممكنة أن نعرف حدودنا لا لكي نقف عندها جامدين بل لكي نحب حدودنا كشرط للحرية وكدافع لمواصلة الرحلة في متاهة المعنى دون خريطة، لكن بالعقل الذي يدرك أنه لن يصل وبالقلب الذي يرغب في الوصول رغم كل شيء.

***

د. حمزة مولخنيف

من فيلولوجيا النص إلى جينولوجيا القيم

أنتهينا في الجزء الثالث إلى مآلات "موت الإله" وفي هذا الجزء سننتقل مع نيتشه من مآلات موت "الإله" إلى "إرادة القوة" وكيف انتقل نيتشه إلى هذه الإرادة وما هي هذه الإرادة وما هي علاقتها بالأبدية.

تمهيد: تحريف كتاب "إرادة القوة"

تعد قضية تلاعب أخت نيتشه (إليزابيث فورستر) بكتابه "إرادة القوة" من أكثر المواضيع جدلا في تاريخ الفلسفة فقد تدخلت بشكل سافر في صياغة الكتاب وتبويبه بالتعاون مع المحرر هاينريش كوزيليتز وكيف أثر ذلك في سوء فهم فلسفة نيتشه و بالتالي ظلمه والإساءة إليه.

أصل الكتاب:

أول الكلام يجب أن نعرف إن "إرادة القوة" ليس كتابا أتمه نيتشه بنفسه بل هو عبارة عن مجموعة من الملاحظات والمسودات والشذرات التي كتبها في دفاتر ملاحظاته المعروفة  ب(Nachlass) خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر. وهذه الكلمة (Nachlass) هي كلمة ألمانية تُستخدم في الأوساط الأكاديمية لوصف مجموعة المخطوطات والملاحظات والمراسلات مما يُترك بعد وفاة الباحث. وهي كلمة مركبة في الألمانية: "nach " تعني "بعد"، و" lassen " تعني "يترك". أي يترك المسودات والشذرات و الملاحظات غير المنشورة بعد موته ولم ينشرها بنفسه.

والمقصود أنها ليست كتبا نهائية صاغها للنشر  بل مواد أولية أو أفكار متفرقة أو تأملات ومراجعات. فكثير من نصوصه المعروفة بعد وفاته جُمعت من هذا الـ (Nachlass).

لماذا هذا مهم؟

لأن بعض القراء يخلطون بين الأعمال المنشورة التي وافق نيتشه على نشرها والشذرات التي لم يراجعها بصيغة نهائية.

وهذا مهم جدا في تفسيره لأن أفكار الـ(Nachlass) قد تكون تجريبية أو متغيرة لا تُعامل دائما كأنها موقف نيتشه النهائي. لذلك يحذر الباحثون من الاعتماد عليها وحدها لإثبات “نظرية فلسفية” عند نيتشه.فإذا وجدت عند نيتشه فكرة عن "إرادة القوة" في دفاتره فهذا لا يعني تلقائيا أنها نظرية مكتملة ونهائية مثل كتاب منشور فقد تكون مجرد صياغة أولية أو مسار تفكير.

نيتشه نفسه كان قد تخلى عن فكرة نشر كتاب بهذا العنوان قبل انهياره الصحي في عام 1889.

كيف تم التحريف؟

بعد مرض نيتشه ثم وفاته في عام (1900م) سيطرت أخته (إليزابيث) على أرشيفه وقامت باختيار ملاحظات معينة وتجاهل أخرى لتخدم رؤيتها الخاصة. رتبت الشذرات والملاحظات في هيكل يوحي بأن نيتشه كان يضع "مبنىً فلسفيا" متكاملا بينما كان أسلوبه الحقيقي يعتمد على الشذرات غير النسقية كما ذكرنا في الجزء الأول من هذه الدراسة.

قامت أخته (إليزابيث) بتعديل بعض الجمل وحذف فقرات بل وإضافة كلمات أحيانا لتعطي للنص صبغة معادية للسامية وتمجيد بقومية ألمانية متطرفة. وهي توجهات كانت (إليزابيث) تؤمن بها بشدة بينما كان نيتشه يعارضها صراحة في حياته.

باختصار قامت إليزابيث بـتزوير وتحريف مُتعمد لأفكار نيتشه بالشكل التالي:

أولا: حذفت مقتطفات تعارض قناعاتها السياسية خاصة معاداتها للسامية.

ثانيا: أعادت ترتيب الفقرات لتُظهر نيتشه وكأنه يدعو إلى القومية الألمانية.

ثالثا: زورت بعض النصوص لتُناسب أجندتها اليمينية المتطرفة.

التبعات السياسية والفلسفية:

بسبب هذا التدخل ظهر نيتشه في النسخة التي نشرتها أخته عام (1901) ثم نسخة موسعة في (1906) كأن نيتشه هو المنظر الأول للفكر النازي. واستخدم النازيون لاحقا هذا الكتاب المحرف لتبرير أيديولوجيتهم المتطرفة مستغلين مصطلحات مثل "الإنسان الأعلى" و "إرادة القوة" بعد أن أفرغوها من مضمونها الفلسفي الجاد وأخرجوها من سياقها الأصلي ووضعها في سياق عرقي وسياسي.

التصحيح الأكاديمي الحديث:

في ستينيات القرن العشرين قام الباحثان الإيطاليان (جورجيو كولي) و(ماتزيونو مونتيناري) بعمل جبار لتنقية تراث نيتشه.

فقد قاما بالعودة إلى المخطوطات الأصلية وترتيبها زمنيا حسب تاريخ كتابتها. وقاما بإثبات أن "إرادة القوة" بشكلها المنشور من قبل (إليزابيث) كان "تزييفا شنيعا".

بعد نشر "الأعمال الكاملة" لنيتشه بناءً على المسودات الحقيقية أستطاع الفلاسفة مثل (هايدغر) و (دولوز) إعادة قراءة نيتشه بعيدا عن تشويهات إليزابيث.

(أقتبسنا هذه المعلومات بتصرف من كتاب (نيتشه وإرادة القوة لبيير مونتيبيلو، ترجمة جمال مفرج).

تجدر الإشارة إلى أن إليزابيث لم تحرف الكلمات فحسب بل حرفت "القصد الفلسفي" لنيتشه محولةً تأملاته الوجودية العميقة إلى مانيفستو سياسي يخدم أجندتها الشخصية وهذا ما تطلب عقودا من البحث الأكاديمي لتصحيحه وإعادة الاعتبار لروح النص الأصلية والبيئة التاريخية التي نبت فيها.

الطبعات الحديثة للكتاب تحاول استعادة النص الأقرب إلى نيتشه لكن السؤال يبقى: هل يمكن "إعادة بناء" كتاب لم يُكتب أصلا؟

ماهي "إرادة القوة"؟

فلسفة "إرادة القوة" عند نيتشه هي إحدى أهم وأعمق أفكاره وتُعد حجر الزاوية في فلسفته المتأخرة.

مهم في البداية أن نفهم إن "إرادة القوة" ليست مجرد رغبة في السيطرة السياسية أو العسكرية أو البدنية بل هي الدافع الأساسي الكامن وراء كل حياة فالقوة هنا تعني القدرة على التأثير والتوسع والتفوق والتعبير عن الذات تعبيرا حرا لا تحده حدود. هي إرادة في التعزيز الدائم للذات وليس فقط الحفاظ على الوجود كما عند شوبنهاور.

"فإرادة الحياة" عند شوبنهاور تعني سعي بائس للبقاء والتكاثر  فهي إرادة عمياء لا هدف و لا معنى لها.

أما "إرادة القوة" عند نيتشه فهي سعي للتفوق والتوسع والخلق  فالحياة عند نيتشه إذا كانت معاناة يجب إنكارها و إذا كانت إيجابية يجب تأكيدها. حيث يرى نيتشه أن الكائن الحي لا يريد فقط البقاء بل يريد أن يكون أقوى وأن يُعبر عن طاقاته إلى أقصى حد هكذا يختلف مع شوبنهاور.

أبعاد فكرة إرادة القوة:

لهذه الفكرة ثلاثة أبعاد:

الأول: بُعد نفسي - بيولوجي:

معناه إن كل غريزة كل رغبة كل سلوك إنساني - حتى ما يبدو "سلبيا" - هو في الحقيقة تعبير عن "إرادة القوة" فالعلم: رغبة في فهم الطبيعة للسيطرة عليها. والفن: تحويل الألم إلى جمال أي تفوق على الواقع. والأخلاق: حتى "الخير" و"الشر" هي محاولات لفرض أنماط جديدة من السيطرة.

الثاني: البُعد الميتافيزيقي:

في كتاباته المتأخرة يميل نيتشه إلى رؤية الكون نفسه كـتفاعل دائم لقوى متصارعة ليس هدفها النهائي الصراع بل التفاعل المستمر من أجل خلق الجديد.

الثالث: البُعد الأخلاقي:

يعني إعادة تقييم كل القيم: الأخلاق التقليدية (خاصة المسيحية) ويسميها نيتشه أخلاق العبيد أو أخلاق الرحمة والشفقة والرأفة و هي اختراع الضعفاء لكي يقيدون الأقوياء فالأقوياء -في نظر نيتشه- لا يعرفون الرحمة والشفقة لذلك يدعو نيتشه إلى أخلاق السادة أخلاق تُقدر القوة والشجاعة والإبداع والتفوق على الذات.

بهذا المنهج يولد "الإنسان الأعلى"  الذي يتجاوز الإنسان العادي بتحقيق "إرادة القوة" الكاملة الأبدية وهي التأكيد الأقصى للحياة.

هنا يتبرعم سؤال هو: ألا يعد هذا الطرح تبريرا للأستبداد والاستغلال؟يجيب نيتشه: أنا أرفض القسوة العبثية فالقوة عندي مرتبطة بالإبداع والتفوق الذاتي لا بالسيطرة على الآخرين بالضرورة!

ويشرح نيتشه مصطلح "إرادة القوة" قائلا هي:  الداينمو الداخلي للحياة هي رغبة كل كائن في التوسع والتفوق والتعبير عن ذاته بأقصى طاقة. "إرادة القوة" ليست دعوة للعدوان البدائي بل دعوة للتفوق الذاتي والإبداع ورفض كل ما يقيد طاقة الحياة سواء كان دينا أو أخلاقا استسلامية أو مجتمعا. لأن "الحياة ذاتها هي إرادة قوة".

نفهم من هذا إن العلاقة بين "الحياة" و"إرادة القوة" عند نيتشه ليست مجرد علاقة تشابه بل هي علاقة "تطابق ماهوي". فالحياة في جوهرها هي إرادة القوة ولا يمكن تصور إحداهما دون الأخرى.

لنحلل هذه المطابقة من زاوية فلسفية:

الحياة عند نيتشه صيرورة وليست مجرد بقاء و لذلك يرفض نيتشه التعريف البيولوجي التقليدي للحياة الذي يحصرها في "غريزة البقاء" أو الحفاظ على الذات. بالنسبة لنيتشه الكائن الحي لا يسعى فقط للعيش بل يسعى للتوسع والنمو والتفوق فالحياة هي حركة صعود مستمرة و"إرادة القوة" هي المحرك الداخلي لهذه الحركة هي "الماهية الوصفية" للحياة فالحياة هي الجانب الظاهري و"إرادة القوة" هي الجانب الباطني أو "الجوهر" لهذه العملية لأن الحياة تتميز بقدرتها الدائمة على تجاوز نفسها.

في كتابه "هكذا تكلم زرادشت" يقول نيتشه على لسان زرادشت:

(أينما وجدتُ كائناً حياً، وجدتُ إرادة القوة؛ وحتى في إرادة الخادم وجدتُ إرادة أن يكون سيداً).

هذا يعني أن الحياة كما يراها نيتشه عبارة عن صراع قوى حيث تحاول كل قوة فرض منطقها وتجاوز حدودها الحالية. هنا يتطابق "الموضوع" (الحياة) مع "المصطلح" (إرادة القوة) في كونهما تعبيراً عن "الفاعلية" وليس الاستسلام للواقع.

و وفقا لمنطق الصيرورة لا يمكن للحياة أن تكون "موضوعا" ثابتا للدراسة لأنها في حالة تدفق دائم. "إرادة القوة" تفسر هذا التدفق فهي ليست "رغبة" في امتلاك شيء بل هي

"تفريغ للطاقة" وخلق للقيم. فإذا كانت الحياة هي الفعل فإن "إرادة القوة" هي قانون هذا الفعل.

و يمكن مقارنة هذا التطابق بفكرة "وحدة الأضداد" فالحياة تتضمن الألم، الهدم، والبناء. "إرادة القوة" ليست دائما "بناء" بل قد تتجلى في الهدم من أجل خلق أشكال حياة أرقى. هذا التوتر هو ما يجعل الحياة تستمر.

فهما يتطابقان تماما في النسق النيتشوي. الحياة هي الشكل التجريبي "لإرادة القوة" و "إرادة القوة" هي التفسير الفلسفي لآلية عمل الحياة. لا توجد حياة "محايدة" ثم تضاف إليها "إرادة القوة" بل أن تحيا يعني بالضرورة أن تمارس "إرادة القوة" بأشكال ودرجات متفاوتة.

يمكن القول - إذا أردنا أن نعبر تعبيرا سياسيا- إن "إرادة القوة" هي الاسم الحركي للحياة في صراعها الأنطولوجي ضد العدم والثبات.

العلاقة بين إرادة القوة والأبدية

تتجلى هذه العلاقة عند نيتشه في مفهومين متداخلين: العود الأبدي والأبدية المقابلة.

في فكرة العود الأبدي (أظهرها في كتابه "العلم المرح" و "هكذا تكلم زرادشت" يتخيل نيتشه الكون يتكرر إلى الأبد بنفس التفاصيل الدقيقة. هنا تتجلى إرادة القوة الحقيقية فهي ليست مجرد قبول القدر بل الرغبة الفاعلة في تكرار كل شيء أي الموافقة الكاملة على الحياة بكل آلامها وفرحها.

نيتشه يميز بين نوعين من الزمن:

الزمن الخطي (الأفقي) و الزمن الدائري (العمودي)

تعد التفرقة بين "الزمن الأفقي" و"الزمن العمودي" في فلسفة فريدريك نيتشه مدخلا جوهريا لفهم رؤيته حول الوجود وبشكل أدق فهم نظريته الشهيرة عن "العود الأبدي". نيتشه لا يستخدم هذه المصطلحات دائما بشكل حرفي أكاديمي لكن شروحاته وتحليلاته اللاحقة تؤسس لهذا التمييز بوضوح:

الزمن الأفقي عنده هو الخط المستقيم الذي تسير عليه البشرية- القطيع- في وعيها التقليدي ويتميز بالآتي:

أ. الخطية والغاية:

هو زمن يمتد من ماض سحيق نحو مستقبل منشود. في هذا الزمن كل لحظة هي مجرد "وسيلة" للوصول إلى لحظة تالية (الجنة في الأديان أو "التقدم" في الأيديولوجيات الحديثة).

ب. تفتيت القيمة: في الزمن الأفقي تفقد اللحظة الحاضرة قيمتها المستقلة لأنها دائما مثقلة بالندم على الماضي أو القلق تجاه المستقبل.

ج. زمن العدمية:

يرى نيتشه أن هذا النوع من الزمن يؤدي إلى "إرادة النفي" حيث نعيش حياتنا بانتظار شيء لن يأتي أو نهرب من حقيقة الوجود إلى وعود وهمية.

أما الزمن العمودي: لحظة الـ "نون" (الآن) العظيمة الزمن العمودي هو اختراق لهذا الخط الأفقي وهو ما يظهر في كتاب "هكذا تكلم زرادشت" عبر رمزية "بوابة اللحظة".

يتميز الزمن العمودي بالعمق بدل الامتداد:

فبدلا من النظر إلى الزمن كمساحة ممتدة يُنظر إليه كعمق غائر في اللحظة الراهنة. الزمن العمودي هو تكثيف للوجود في الـ "الآن". هنا تبرز فكرة العود الأبدي ليس كنظرية فيزيائية بل كأداة لاختبار ثقل الوجود. إذا كانت كل لحظة ستتكرر للأبد فإن كل "آن" يصبح عمودا ثابتا يحمل قيمة مطلقة.

فيه يتحول "هكذا كان" إلى "هكذا أردت". في الزمن العمودي يمارس الإنسان "إرادة القوة" ليقبل بكل ما حدث وكل ما سيحدث كجزء من رغبته الخاصة مما يلغي نقمة الزمن الأفقي الذي "يمضي" ويتركنا خلفه.

الإنسان العادي يرى الزمن دائريا بشكل تبسيطي أو خطا مملا. أما "الإنسان الأعلى" فيقف عند نقطة الالتقاء (اللحظة) ليعلن أنها المركز الذي تلتقي فيه الأبدية.

الفرق إذن في التمييز عند نيتشه يكمن في الموقف الأفقي فهو يهرب من اللحظة نحو غايات خارجية (زمن الانحطاط).

أما العمودي فيغوص في اللحظة ويعتبرها غاية في ذاتها مباركا الوجود بكل تناقضاته وصراعاته (زمن الإثبات والبطولة).

هذا التحول من الأفقي إلى العمودي هو ما يسميه نيتشه "الاستحالة الثالثة" (تحول الروح إلى طفل) حيث يعيش الطفل في الحاضر بقدسية تامة دون شعور بعبء التاريخ أو غايات المستقبل.

في مقابل "إرادة الحياة" عند شوبنهاور التي تخاف الموت إرادة القوة لا تسعى للخلود كـاستمرار (الأبدية البيولوجية) بل للخلود كـكثافة (الأبدية الجمالية/الوجودية) والإنسان الأعلى هو من يعيش بلا احتياط كأن كل لحظة هي الأخيرة والأبدية معا.

النقيض المركزي:

نيتشه يرى أن الأخلاق التقليدية والديانات تُضعف إرادة القوة بربطها بـهدف خارجي (الجنة، النجاة، التقدم). بينما: العود الأبدي يُلغي الهدف الخارجي فإرادة القوة تصبح غاية في ذاتها لأن القوة تريد المزيد من القوة فالأبدية إذن ليست نهاية بل حلقة لا نهائية من التجاوز الذاتي.

مهم أن نفهم أن الأبدية عند نيتشه ليست طولا في الزمن بل عمقا في اللحظة الحاضرة.

فإرادة القوة الحقيقية لا تريد أن تدوم بل تريد أن تبلغ ذروتها والذروة بحكم تعريفها هي لحظة أبدية.

للحديث بقية.

***

سليم جواد الفهد

تشريح تاريخي واجتماعي لواقع الفكر في الشرق الأوسط وتأثيرات نظام الرداءة المعاصر

ترتبط الهوية المعرفية للفلسفة بصراع تاريخي عميق حول طبيعة غايتها القصوى؛ هل هي منهج عقلاني لتوجيه الحياة والارتقاء بكينونة الإنسان، أم تدريب وجودي مستمر على مفارقة الوجود المادي واستشراف الفناء؟ في العصور الكلاسيكية اليونانية والرومانية، لم تكن الفلسفة تعني تشييد أنساق نظرية مجردة أو الانخراط في مجادلات مدرسية معزولة، بل كانت تتطلب خياراً وجودياً حاسماً، وتحولاً كلياً في نمط الحياة اليومي يحاكي التحول الروحي أو العقدي. هذا التلازم بين الفكر والسلوك فرض على المدارس القديمة تطوير ممارسات عملية حية تُعرف بالتمارين الروحية.

وقد أعاد المؤرخ والفيلسوف الفرنسي بيير هادوت إحياء هذا المنظور الوجودي للفلسفة القديمة؛ إذ يكشف مساره الحيوي وتدريبه الديني، قبل مغادرته السلك الكهنوتي عام 1950 إثر صدور المنشور البابوي "الجنس البشري"، عن اهتمام مبكر بالتصوف وتأويل النصوص اللاتينية والأفلاطونية المحدثة. قاده هذا المسار، رفقة دراساته الدقيقة حول لودفيج فيتغنشتاين وأفلوطين، إلى تطوير منهج صارم في فقه اللغة يقوم على القراءة النقدية للنصوص وترجمتها قبل الشروع في تفسيرها وإعادة بنائها معرفياً. وخلص هادوت إلى أن إفقار الفلسفة الحديثة يعود بالدرجة الأولى إلى التخلي عن هذه التمارين الروحية وتحويل الفلسفة إلى مجرد نشاط أكاديمي معزول عن نبض الحياة.

يتجلى هذا البعد الوجودي بوضوح في شخصية سقراط، الذي كان يرى الفلسفة ممارسة شفهية حية وحواراً علاجياً يهدف إلى إيقاظ الوعي الفردي والجمعي. ففي محاورة المأدبة لأفلاطون، يُمثَّل سقراط بشخصية "إيروس"؛ ابن "بوروس" و"بينيا"، وهو تمثيل معرفي بليغ يشير إلى أن الفيلسوف كائن يعي نقصه المعرفي ويسعى باستمرار لاكتساب الحكمة التي لا يمتلكها. لقد رفض سقراط تدوين أفكاره، معتبراً التعليم الشفهي الحواري الأداة الوحيدة القادرة على إحداث تحول حقيقي في كينونة المحاور، على عكس الكتابة الجامدة. وتمثلت غايته الوجودية في دفع مواطني أثينا للالتفات إلى ما هم عليه بدلاً من الالتفات إلى ما يمتلكونه من ثروة وجاه.

تأسست الفلسفة القديمة على مبدأ السعي نحو "التحرر الذاتي" والاستقلال الداخلي، وهو المبدأ المشترك لدى السقراطيين، والكلبيين، والأرسطيين، والأبيقوريين، والرواقيين. وفي هذا السياق الوجودي الشامل، تندمج مكونات الفلسفة الكلاسيكية في فعل حياتي موحد؛ فلا يعود المنطق مجرد قواعد استدلال جافة، بل ممارسة للقول الصحيح والتفكير القويم، ولا تعود الفيزياء مجرد تفسير مادي للكون، بل تأملاً لامتناهياً في الطبيعة يحرر النفس من مخاوفها الفانية، ولا تعود الأخلاق مجرد تنظير للمبادئ، بل سلوكاً عادلاً وخيراً يُعاش في كل لحظة. ويختصر القول الأبيقوري الشهير هذه الرؤية:

"كلام ذلك الفيلسوف الذي لا يشفي أي معاناة إنسانية هو كلام أجوف لا قيمة له".

ثنائية ممارسة الحياة وتدريب الموت: المنعطفات المعرفية والقطيعة الديكارتية

في خضم الصراع بين ممارسة الحياة والتفكير في النهاية، تبرز الأطروحة السقراطية الكلاسيكية القائلة بأن "التفلسف هو تعلم الموت". وتشكل محاورة "الفيدون" الأفلاطونية المرجع الوجودي الأول لهذه الأطروحة؛ حيث يقدم سقراط قبيل إعدامه مرافعة فلسفية تبدد خوف رفاقه من فنائه الوشيك. يرى سقراط أن الفيلسوف الحقيقي يقضي حياته في السعي لإنقاذ روحه من أسر الجسد؛ فالجسد بحواسه المضللة، وشهواته العشوائية، وقلقه المستمر، يشكل عائقاً معرفياً أمام الروح في سعيها لإدراك الحقائق النقية والماهيات الخالدة. وبما أن الموت هو انفصال الروح عن الجسد، فإن التفلسف يمثل محاكاة مستمرة وتدريباً يومياً على هذا الانفصال الروحي السامي.

ينطوي مبدأ "التعلم على الموت" على مفارقة معرفية عميقة تفكك معنى الفناء والوجود:

 أولاً، إن التفلسف يفرض على الفرد مواجهة حقيقة "التناهي الوجودي"، حيث يصبح الإدراك العميق للفناء الشخصي والكوني هو الشرط الوحيد لامتلاك حياة أصيلة خالية من الوهم.

 وثانياً، إن السعي لتجاوز خوف الموت عبر فهم ماهيته يحمل محاولة للاتحاد بالخلود؛ فبالتدرب على الموت والتسامي فوق المحسوسات، يصبح الفيلسوف قادراً على تجاوز فنائه المادي واكتساب سكينة لا تتزعزع. وتتجلى هذه الرؤية في كلمات سقراط الأخيرة:

 "يا كريطون، إننا ندين بديك لأسكليبيوس"، وهي عبارة تشير رمزياً إلى أن الموت ليس فناءً أو مرضاً، بل هو شفاء للروح وبداية لولادتها الحقيقية في عالم المعقولات.

أعاد ميشيل دي مونتيني صياغة هذه الثنائية الوجودية في مقاله الشهير عام 1580: "أن تدرس الفلسفة هو أن تتعلم الموت"، حيث يربط بين التفكير المستمر في الموت واكتساب الحرية الوجودية ومقاومة العبودية؛ إذ إن الخوف من الموت هو الأداة الكبرى التي تستخدمها قوى التسلط لاستعباد البشر وإخضاعهم. ويوصي مونتيني باستحضار فكرة الموت في خضم الفرح والنشاط اليومي، لينزع عن الموت صفة الغرابة والوحشة، ويمنح الفرد هدوءاً داخلياً يجعل من ممارسة الحياة طعماً خالصاً ونقياً.

شهد الفكر الغربي قطائع تاريخية ومعرفية كبرى أدت إلى تراجع الفلسفة كطريقة عيش وتحولها إلى أداة لإنتاج الخطاب النظري. تمثلت القطيعة التاريخية الأولى في إغلاق الإمبراطور جستنيان للأكاديمية الأثينية عام 529 ميلادية، مما أنهى تدريس الفلسفة الكلاسيكية رسمياً. ومع صعود العصر المسيحي، احتُكر مفهوم "طريقة العيش" بالكامل من قبل اللاهوت الكنسي، وجرى تقليص دور الفلسفة لتصبح مجرد "خادمة للاهوت" وظيفتها توفير الأدوات اللغوية للدفاع عن العقائد. انتقلت التمارين الروحية الفلسفية القديمة لتندمج في الممارسات النسكية للمسيحية الرهبانية. ويرى هادوت أن التمارين الروحية اللاحقة لم تكن سوى محاكاة مسيحية للتمارين الفلسفية الرواقية والأفلاطونية القديمة، حيث جرى استبدال غاية السعي نحو الحكمة الوجودية بتمثل حياة التضحية بالذات.

أما القطيعة المعرفية الأكثر خطورة فقد تحققت في القرن السابع عشر مع ما يسميه ميشيل فوكو بـ "المنعطف الديكارتي" في محاضراته "تأويلية الذات" عام 1982. كشف فوكو أن الفلسفة القديمة كانت تشترط تحولاً في كينونة الفاعل المعرفي كشرط للوصول إلى الحقيقة، حيث كانت "العناية بالذات" هي الإطار الروحي والأخلاقي المسبق الذي يؤهل الفرد لمعاينة الحقيقة. قام ديكارت، ومن تبعه من الفلاسفة التجريبيين وصولاً إلى كانط، بعكس هذه الهرمية المعرفية بالكامل، مؤسساً للمبادئ الآتية:

إقرار "معرفة الذات" بديلاً عن "العناية بالذات": أصبحت المعرفة العقلانية المحضة وتطوير المنهج الفكري الصارم هما الضمان الوحيد للوصول إلى اليقين، دون حاجة إلى تحول أخلاقي في سلوك الفاعل اليومي.

مفارقة العناية بالذات في العصر الحديث: أصبح المجتمع المعاصر ينظر إلى مبدأ العناية بالذات باعتباره شكلاً من أشكال الأنانية أو الانسحاب من المسؤولية، بعد أن كان لقرون المحرك الأساسي للمنظومات الأخلاقية الأكثر التزاماً تجاه الشأن العام.

عزل الخطاب الفلسفي عن الذات الوجودية: مما أدى بالتدريج إلى اختزال الفلسفة في مجرد دراسة نقدية للمفاهيم والعلوم، وفقدان وظيفتها كأداة لتحويل نمط الكينونة البشرية.

 مأساة الوعي النقدي في الشرق الأوسط وسجالات الدم التاريخية

يمثل اضطهاد الفلاسفة من قبل المؤسسات الدينية والسياسية المتحالفة عبر التاريخ حالة درامية في تاريخ الفكر الإنساني. وفي تاريخ الشرق الأوسط، كان نصل السياسة وسيف السلطان حاضراً دوماً لمواجهة أي محاولة لاستخدام الوعي النقدي في زحزحة البنى التقليدية القائمة.

مأساة أبي الوليد بن رشد الحفيد (ت. 1198م)

شكل الفيلسوف الأندلسي ابن رشد علامة فارقة في تاريخ الاضطهاد الفكري؛ فقد عاش قاضياً بالنهار وفيلسوفاً بالليل، محاولاً التوفيق بين العقل والنقل في مشروع ضخم صاغه في كتابه "فصل المقال". ووجه في كتابه "تهافت التهافت" نقداً برهانياً صارماً لكتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة"، مفككاً حججه ومثبتاً تماسك الفلسفة. غير أن تقلب الظروف السياسية في عهد الدولة الموحدية، ورغبة الخليفة المنصور في استرضاء العامة والفقهاء لمواجهة الأخطار العسكرية، أدت إلى نكبة ابن رشد وهو في السبعين من عمره. اتهم بالزندقة والهرطقة، وحكم عليه بالنفي إلى بلدة "أليسانة"، وأُحرقت كتبه الفلسفية وسط تهليل العامة. ورغم عفو الخليفة عنه قبل وفاته بأشهر، إلا أن روحه انكسرت ومات غريباً عام 1198م، وترتب على هذه المحنة انقراض الفلسفة العقلانية في العالم الإسلامي، بينما انتقلت الرشدية لتقود النهضة الأكاديمية في الغرب الأوروبي.

 شهاب الدين السهروردي المقتول (ت. 1191م)

قدم السهروردي، "شيخ الإشراق"، مذهباً توليفياً فريداً دمج فيه بين العقلانية المشائية والذوق الصوفي، مؤسساً نظرية وجودية تعتبر "النور" هو مبدأ الوجود والجوهر المحرك للأشياء. تكمن مأساة السهروردي في اقترابه من الملك الظاهر (ابن صلاح الدين الأيوبي) في حلب، حيث مارس سطوة فكرية هائلة عليه. استشعر فقهاء حلب خطورته بعد أن عجزوا عن مجاراته في المناظرات العقلية، فدبروا له مكيدة فقهية مستغلين إجابته في مناظرة عامة حول القدرة الإلهية المطلقة في خلق نبي آخر، فصاحوا بكفره وادعائه النبوة. وكاتبوا صلاح الدين الأيوبي محذرين إياه، فأرسل أمراً صريحاً يوجب قتله. حُبس السهروردي في قلعة حلب، وتعددت الروايات حول مقتله؛ فمنهم من قال إنه خُنق، أو حُز رأسه، أو مات جوعاً باختياره منفصلاً بروحه عن كدر جسده المادي ليرتحل إلى عالم الأنوار المجردة عام 1191م.

 الحسين بن منصور الحلاج (ت. 922م)

يمثل الحلاج نموذجاً صارخاً لاصطدام الوعي العرفاني بالسلطة السياسية والفقاهة الرسمية. فقد جاهر بعقيدة "الحلول والاتحاد"، معتبراً أن الحقيقة لا تُنال من خلال النظر الظاهري، بل بسقوط الحجب الفاصلة بين الذات وموجدها. رأى الفقهاء في إسقاط الحلاج للوساطة الشرعية تهديداً مباشراً لسلطتهم الرمزية، فتحالف الوعاء الفقهي مع سيف الخلافة العباسية، وجرى اتهامه بالزندقة، وانتهت محاكمته بإعدامه بطريقة وحشية صلباً وتقطيعاً.

 عبد الله بن المقفع (ت. 756م)

كان ابن المقفع من أوائل ضحايا التصفية الفكرية والسياسية في العصر العباسي الأول. تميز بمشروعه الريادي في نقل وترجمة التراث الفلسفي والأدبي إلى العربية، وصياغة فكر سياسي نقدي تمثل في "رسالة الصحابة" التي وجه فيها نصائح نقدية مباشرة للخليفة أبي جعفر المنصور. استغلت السلطة السياسية نزعته النقدية وتحالفت مع الفقهاء لدمغه بتهمة "الزندقة" للتخلص منه سياسياً، حيث قُتل بطريقة بشعة على يد والي البصرة بطلب من المنصور.

القصور النقدي المعاصر وعوائق التأسيس الحضاري في الشرق الأوسط

يتضح من التحليل الاجتماعي والسياسي أن الفلسفة في الواقع المعاصر تعيش حالة مغترب كامل، عاجزة عن إحداث أي أثر تغييري ملموس في البنية العامة للمجتمعات، ويرجع هذا العجز إلى تشابك بنيوي معقد تصفه الفلسفة السياسية بـ "القصور النقدي" أو "عجز البنية المعرفية" المتجذر في علاقة الفكر بالسلطة.

يتجلى هذا القصور في تراجع الفلسفة السياسية المعيارية الحاضنة للقيم والعدالة أمام زحف المناهج التجريبية التقنية والتحليلات الإحصائية السطحية. وقد أدى هذا التجريد إلى حرمان العقل من قدرته على نقد "العقل الجمعي" وتفكيك بؤر الأوهام التي تصنعها الماكينات الإعلامية، مما جعل الثقافات المحلية مسامية وقابلة للاختراق والتبعية المطلقة.

ويرتبط هذا الاستلاب الفكري بـ "الاستلاب المادي" الناتج عن اندماج المنطقة المشوه في النظام الرأسمالي العالمي كمنطقة طرفية مستهلكة للمنتج المادي والمعرفي. وتستخدم الأزمات الاقتصادية والسياسية المستمرة كأداة لتحويل التناقضات الهيكلية الكبرى إلى أزمات معيشية يومية صغيرة تلتهم جهد المواطن، وتمنعه من إدراك موقعه في عملية الإنتاج. وتدار ثروات المنطقة لتعزيز نخب الريع، مما يسحق الطبقة الوسطى ويولد بيئة معادية لظهور فكر نقدي حقيقي يسعى لتغيير علاقات الملكية أو توزيع الدخل.

في خضم هذه الشروط القاسية، تبرز أعطاب التفلسف واغتراب المتفلسفة المعاصرين عبر قطائع تعوق مأسسة الوعي:

 الهجرة الرمزية والإنتاج بلا أرضية: يفر الكثير من المنتسبين للفلسفة عبر استيراد مفاهيم نظرية غربية مسبقة الصنع والتحرك داخل سياقات فكرية منقطعة الصلة بآلام مجتمعاتهم، محاكين أوهام الرفاه الغربي دون تكييف معرفي أصيل.

عزلة الدرس الفلسفي داخل المنظومة التعليمية: تعمد الأنظمة التربوية إلى ممارسة أقصى درجات المصادرة على الفكر الفلسفي لإفراغه من طاقته النقدية الصادمة، وجرى إحلال الدراسات التقليدية محل الدرس الفلسفي لإعادة إنتاج الطاعة وعزل عقول الطلاب عن منطق السؤال الحر.

تبعية الثقافة لسياسة الانفعال وغياب الحرية: تخضع الثقافة لسياسة الانفعال والتحجر، في غياب كامل لسياسة الفكر التي تمثل الاقتصاد السياسي للحرية. وكما أشار هيغل بعبارته البليغة حول بومة منيرفا التي لا تحلق إلا بعد حلول الليل، فإن الفلسفة تعبير عن اكتمال الواقع بالحرية؛ وبما أن المجتمعات تفتقر لشروط الحرية والديمقراطية، فإن الفلسفة تظل عاجزة عن الدخول في مشروع الأفق الروحي للكينونة المشتركة.

 آليات تسليع المعرفة من السطحية إلى السفاهة

يصل الاغتراب الفلسفي إلى كمال تحققه المشوه في عصرنا الراهن من خلال هيمنة النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يحلله آلان دونو في أطروحته حول "نظام الرداءة"، حيث يرى أن الرداءة تحولت إلى نظام سلطوي منظم يسعى لفرض "الوسط" كمعيار وحيد ومقدس للخضوع الإنساني، وإقصاء ذوي الكفاءة والتميز الفكريين بهدف تمكين المطيعين لأجندات الشركات الكبرى.

تسليع المعرفة الأكاديمية وصعود "الخبير"

انزلقت الجامعات المعاصرة إلى الرداءة بعد أن استبدلت المثقف الملتزم بالقيم الأخلاقية بـ "الخبير والمتخصص" المستعد لبيع عقله وكتابة تقارير تخدم الجهات المانحة والممولة. وتحولت الجامعة من حقل لتنوير الوعي الإنساني وتدريب العقول النقدية إلى مؤسسة تسوق شهادات استهلاكية لتلبية حاجات السوق المتوحش.

صعود "الرويبضة" والعبور من الرداءة إلى السفاهة

ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات التلفزيونية في ترميز التافهين والجاهلين، وتحويلهم إلى نجوم وصناع رأي عام يتحدثون في أدق شؤون السياسة والدين بلا علم ولا أخلاق. ويشير التطور الانحطاطي المعاصر للمفهوم إلى العبور من طور "الرداءة" إلى طور "السفاهة"؛ وهو رعاية مقصودة وممولة للتسطيح الفج الذي يتحول في المجتمعات المأزومة والمنقسمة إلى قنبلة موقوتة تهدد الوعي البشري.

 مسارات المقاومة الفكرية واستعادة الفعالية الوجودية

على الرغم من الحصار المعرفي الذي يفرضه نظام الرداءة وسجالات الموت المسلطة على العقل النقدي، يطرح تاريخ الفلسفة مسارات موازية وبديلة قادرة على استعادة الفعالية الوجودية للفلسفة كخيار حياتي ملتزم.

تتمثل إحدى هذه المحاولات في حركة "الفلسفة الشعبية" التي تسعى لاستعارة الجاذبية الجمالية للثقافة الشعبية واختزال الأفكار العميقة وتكثيفها لمخاطبة البنى الوجودية والاحتياجات الأساسية للجماهير، محاولةً كسر الاحتكار الأكاديمي والتعقيد اللغوي غير المبرر. ورغم اتهامها بالتسطيح والوقوع في فخ الاستهلاك السريع، إلا أنها تؤكد ضرورة ممارسة الجاذبية والتأثير كأدوات تواصلية لنشر الحقيقة والوعي الفعال.

وفي مسار أكثر عمقاً وراديكالية، يقدم لودفيج فيتغنشتاين نموذجاً ملهماً للفيلسوف الذي يحول المنطق واللغة إلى تمرين روحي وعلاج يومي مستمر لتطهير النفس من الأوهام اللغوية التي تسجن العقل وتسبب له الآلام الفكرية والوجودية. الفلسفة عند فيتغنشتاين ليست صرحاً ميتافيزيقياً، بل نشاطاً تطهيرياً يهدف لتغيير الطريقة التي نرى ونختبر بها لغتنا وعالمنا وكينونتنا اليومية، معيداً السكينة والاتزان للذات المعرفية من خلال التدريب على الوضوح التام.

تستدعي مواجهة نظام الرداءة في الشرق الأوسط إعادة صياغة العلاقة بين الفكر والعمل، والربط المتين بين التفكير الوجودي والممارسة الأخلاقية اليومية كما كان يفعل القدماء وأبو حيان التوحيدي الذي كان يرفض أي فصل بين الفكر والسلوك الأخلاقي. ويتعين على الفكر العربي المعاصر أن يستيقظ من اغترابه ويفكك هجرته الرمزية نحو المعاجم الغربية، ليعيد تأسيس عقلانية نقدية أصيلة وملتزمة بقضايا مجتمعاته وتاريخها. ولا يمكن للفلسفة أن تؤدي رسالتها التاريخية إلا بنزع لغة الإدارة الفارغة واستعادة المعاني الأخلاقية الحية للمفاهيم الكبرى؛ كالعدالة، والحرية، والمواطنة الفعالة، والخير العام، والتأكيد على أن التفلسف ممارسة حياتية وتدريباً على مواجهة الموت والانتصار للوجود الإنساني الحر في آن واحد.

***

غالب المسعودي

إعادة تعريف الكائن في الفلسفات المعاصرة

منذ تأسيس العقل الفلسفي على يد الإغريق والوجود يُقرأ من خلال شبكية الماهية، ذلك الثابت الخفي الذي يُفترض أنه يكمن وراء كل ظاهرة كالنقش في الشمع الذي لا يمحوه تعاقب الحوادث. أرسطو في لحظة فارقة من تاريخ الفكر جعل من "ما هو الشيء" سؤالاً يسبق كل سؤال آخر مؤسساً بذلك تقليداً طويلاً ظلّ لقرابة ألفين وخمسمائة عام يُعيد إنتاج نفسه في مدارس مختلفة، من المدرسية الوسيطة إلى العقلانية الحديثة، مروراً بالجدلية الهيغلية التي استعادت الجوهر بصيغة أكثر تعقيداً لكنها لم تخرج عن إطار البحث عن "حقيقة" تتخفى خلف المظاهر. غير أن زمننا ذلك الزمن الذي شهد انهيار اليقينيات الكبرى واهتزاز أسس الميتافيزيقا التقليدية أفضى إلى انقلاب هائل لم تكتمل بعد معالمه، وهو انقلاب تجسّد في تحول جذري من مركزية الماهية إلى مركزية العلاقة. ولم يعد السؤال الفلسفي "ما هو هذا الكائن في ذاته؟" بل أصبح "كيف يتشكل هذا الكائن عبر علائقه الداخلية والخارجية؟" إنه تحول لا يمس فقط نظرية المعرفة أو الأنطولوجيا بل يعيد بناء مسألة الأخلاق والسياسة والفن بل والحياة اليومية. فما معنى أن يكون الشيء موجوداً إذا لم نعُد نؤمن بجوهره؟ وكيف نفكر في الهوية دون أن نقع في فخ الثبات الميت؟ هذه الأسطر تحاول أن تفتح الأبواب أمام تفصيل دقيق لهذا التحول عبر استحضار أهم محطاته الفلسفية من نيتشه الذي أعلن موت الإله فموت الجوهر الأوحد إلى هايدغر الذي فكك حضور الحضور إلى أفق الزمان مروراً بدولوز وليفيناس وفوكو وميرلوبونتي وباتلر، أولئك الذين كرسوا الفلسفة لفعل العلاقة لا لوصف الجوهر. إنها محاولة لقراءة راهن الفكر في ضوء تحول لعلّه الأكثر جرأة في تاريخ الفلسفة الغربية، تحول يعدنا ليس بفقدان اليقين بل بكسب الحركة وليس بضياع المعنى بل بتعدد منابعه وليس بتفتت الذات بل باكتشاف أنها ليست سوى علاقاتها التي تسبقها وتتجاوزها. وإذ نكتب هذه التوطئة ندرك أننا لا نكتب عن تحول منجز بالكامل بل عن تحول ما زال يحدث وما زال وعينا به يتشكل في آن وربما كانت هذه هي بالضبط حكمة العلاقة: أننا لا نمتلكها بل نمتلكنا.

ومنذ فجر التفلسف والكائن يُختزل في ما هو عليه، في تلك الثباتات الجامدة التي سُمّيت "ماهيات"، كأن الوجود يبدأ وينتهي عند حدود الجوهر المحدد سلفاً. أرسطو الذي طوّع اللغة لمنطق الإسقاطات جعل من "ماهية الشيء" حقيقة لا تتزعزع فغدت الفلسفة سجينة البحث عن تعاريف قاطعة وعن جوهر ثابت وراء كل ظاهرة. لكن في زمننا المعاصر وفي ثنايا انهيارات التأسيسات الكبرى حدث انقلاب هائل، لم يعد الكائن يُفهم عبر عمقه الداخلي المنغلق بل عبر شبكة علاقاته المتشابكة وعبر ما يفعله وما يُفعل به لا عبر ما هو عليه في عزلة وهمية. ذلك أن العزلة الماهوية لم تكن سوى وهم نحته العقل الذي طالما اشتهى اليقين كالسكر. والآن بعد نيتشه الذي ذبح الحقيقة بخنجر التأويل وبعد هايدغر الذي فكك حضور الحضور إلى أفق الزمان صار السؤال كيف يمكن لشيء أن "يكون" دون أن يملك "ماهية"؟

ليست العلاقة هنا مجرد إضافة طارئة على ماهية مسبقة كما ظن أتباع المدرسة الأرسطية المحدثة بل هي أصل الأصول، المطرقة التي تحطم تمثال الجوهر الكاذب. حين يتحدث جيل دولوز عن "اللاواقع" أو عن التكرار بصفته قوة تمايز لا تشبه ما يعادله فهو يبشر بفلسفة لا تجد الكائن إلا في انعطافاته ووصلاته وافتراقاته. الشيء في قراءة دولوزية متأخرة وهو ما يحدث من علاقات، هو أثر من آثار القوى المتلاقية والمتصارعة لا كياناً مستقلاً يمتلك صفات قبل أن يعرف غيره. لا وجود لـ"فرد" إلا كنتاج لتداخل كائنات أخرى كوشاح في رياح هي نفسها ليست سوى حركات جزيئية لا تلبث أن تنحل. أما ميشيل فوكو فحين حفر في أركيولوجيا المعرفة لم يجد خلف الأقوال ذاتاً قائلة أو معنى باطناً بل وجد علاقات قوة وعلاقات معرفة تعج بالثغرات والتصدعات، ووجد جسماً يكتبه الخطاب قبل أن يكتب هو، ووجد وجوداً لا قوام له إلا كموضع متحرك ضمن شبكة من المراجع والإقصاءات. الكائن الفوكوي ليس ماهية تقاوم الزمن بل هو زمن نفسه ممتدا في تقاطعات القول والفعل والمؤسسة، ولذلك كان فوكو شديد الإصرار على أن الإنسان "انطباع على طين حديث العهد"، طين لا يدوم طويلاً لأنه لا جوهر له أصلاً.

ولعل أعمق تجليات هذا التحول تجدها في فلسفة إيمانويل ليفيناس، ذاك المفكر الذي جعل "الوجه" حدثاً أخلاقياً مطلقاً، حيث يتعذر رد الآخر إلى ماهية مدركة لأن الوجه يتفلت من أي تصنيف، من أي نزع للغموض. الآخر عند ليفيناس ليس موضوعاً للمعرفة ولا كائناً يمكن اختزاله إلى صفات وحدود، بل هو حضور لا يكف عن إزعاج أنا الواعية التي تطمح إلى فهم الكل واستيعابه. هذا الآخر يفرض نفسه كعلاقة لا كجوهر، كأنه يقول: لا تختزلني، لا تسبقني بمقولاتك، فأنا وجودي هو في نداء يتجدد. وتنقلب الأوليات، ما كان ثانوياً في التقليد الأرسطي (العلاقة بالآخر) يصير تأسيسياً بل يصير هو الكائن نفسه الذي لا يتجلى إلا في نداء وإجابة، في مسؤولية تسبق حتى حرية الذات. عند ليفيناس الوجود أخلاقي قبل أن يكون أنطولوجياً، أي أنه قائم على استجابة لوجه الآخر، على انكشاف للغريب يخرج الذات من عزلتها الماهوية الكاذبة. فلا وجود لـ"أنا" إلا وقد اخترقها "أنت"، ولا صلابة لوعي يقف على ذاته دون أن يزلزله طلب الأرملة واليتيم والمقهورين. إنها فلسفة تعلن أن الماهية هي مجرد هروب جبان من ثقل العلاقة ومن عناء المسؤولية التي لا تنتهي.

ولم يقتصر هذا التحول على الميتافيزيقا الأخلاقية بل امتد إلى فلسفة الطبيعة والعلوم. أقصد بذلك الفيزياء المعاصرة التي لم تعد تنظر إلى الجسيمات كجوهرات صلبة تشبه كرات البلياردو، بل كعلاقات طاقوية، كأحداث متشابكة لا تفهم إلا عبر سياقاتها. أينشتاين نفسه تنبّه إلى أن المكان والزمان ليسا ظرفين شفافين يحيطان بالكائنات بل هما بنية علائقية لا ينفصل عنها ما يُسمى "مادة". لكن الذهاب إلى أبعد مدى كان على يد الفيلسوف ألفريد نورث وايتهيد، صاحب "عملية الواقع"، حيث لم يبق شيء ثابت ولم يبق ماهية مستقرة بل أصبح كل كائن عبارة عن "كيان فعلي" لا يُعرّف بما هو عليه بل بمشاركاته في شبكة التحولات الكونية. كل كيان عند وايتهيد هو "عملية يصير فيها المتعدد واحداً"، أي أنه لقاء بين علاقات سابقة وتحضير لعلاقات لاحقة، تماماً كأن الواقع ليس مجموعة أشياء بل سلسلة حوادث متصلة لا تنقطع. في هذا السياق يصير مفهوم "الماهية" أشبه بجمود ميت، بصورة ملتقطة لشيء لا يمكن تصويره إلا وهو يتحول فتكون الصورة كذباً طيباً يرويه العقل لنفسه ليهدأ من دوار التحولات.

أما في الأنثروبولوجيا الفلسفية المعاصرة فتتجلى الفكرة بوضوح جارح، الإنسان نفسه ليس جوهراً عاقلاً أو حيواناً ناطقاً بل هو كائن يتشكل في علاقاته بالآلة، بالحيوان، بالعلامات بل بالزمن نفسه. برونو لاتور ذلك المفكر الذي أراد إعادة توزيع التمايزات بين الطبيعي والثقافي جعل من "شبكة الفاعلين" المفهوم المركزي لفهم أي وجود. لا يوجد إنسان في مواجهة عالم من الأشياء الخاملة بل تكتلات هجينة: إنسان-أداة، طقس-جينوم، مدينة-إيكولوجيا. هذه التكتلات لا تمتلك ماهيات أبدية ولا تحيل إلى جوهر واحد هو حقيقتها الخفية بل هي سيرورات قائمة بذاتها كل منها فريد كبصمة لعلاقة عابرة قد تتلاشى أو تتحول. ما يسمى "طبيعة الإنسان" ليس سوى اختصار كسول لتشابكات بالغة التعقيد وكل إعلان عن "جوهر إنساني" هو محاولة لتثبيت علاقة مؤقتة وتحويلها إلى أبدية مصطنعة. هنا يلتقي لاتور مع دولوز وليفيناس في نقد واحد، لقد انتهى زمن الماهيات وحلّ زمن التجميعات والتشكيلات والإيتيقا العلائقية.

لكن هل يعني هذا التحول نبذاً تاماً لأي ثبات؟ بالتأكيد لا، وإلا وقعنا في فخ الخلط بين النقد الهادم والعدمية الساذجة. الفلسفات العلائقية لا تنكر أن هناك تكرارات، أنماطاً، تقارباً في السلوك والتكوين، لكنها تنكر أن هذه الأنماط هي جوهر مفروض من الأزل وتعتبرها مجرد نتائج ظرفية لعلاقات سبقتها وتجاوزتها. فـ"الصخرة" التي نسميها صلبة وجامدة ليست سوى تجمع لحظي لعلاقات كهرومغناطيسية يتجمع بدوره ويتحلل ويعاد تشكيله في أزمنة كونية أطول. و"الأنا" التي يظن الفرد أنها أعز وأثمن ما يملك ليست سوى تقاطع مؤقت بين ذاكرة الجسد ولغة الجماعة وقوانين السلطة ورغبات لا تعرف مصدرها. حين ندرك هذا لا نفقد شيئاً من جزئيات العالم، بل نكسب قدرة على تتبع التحولات حيث كان السابقون يقطعون بالثباتات.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين العلاقة كإضافة خارجية والعلاقة كبنية جوهرية داخلية. فلاسفة العلاقة المعاصرون من مارتن بوبر بفلسفة "أنا-أنت" إلى موريس ميرلوبونتي بفلسفة الجسد الموصول بالعالم يصرون على أن العلاقة ليست لاحقة على طرفين مستقلين بل إن الطرفين لا يستقلان إلا بفضل العلاقة ذاتها. فـ"الوردي" ليس صفة جوهرية في زهرة موجودة مسبقاً بل هو نتيجة لتفاعل زهرة مع ضوء وعين وكيمياء حس. و"الحلو" ليس معنى كامناً في السكر بل هو علاقة بين جزيئات السكر وبراعم الذوق في كائن حي تطور ضمن بيئة تتطلب استخلاص الطاقة. كل شيء نسميه "صفة" هو في الحقيقة علاقة محجوبة، جزء من حوار أعمى لا نرى منه إلا واجهة مصمتة خادعة. ولهذا يعود بنا التفكير الفلسفي إلى ضرورة الشك في كل تعليم يحكم على شيء بأنه "كذا" أو "ليس كذا"، لأن هذه الأحكام ما هي إلا توقف مؤقت لعلاقة متحركة، توقف ضروري للحياة اليومية لكنه كارثة إذا جمدناه وجعلناه حقيقة أبدية.

وفي الفلسفة النسوية المعاصرة يظهر هذا التحول بأقصى درجات الجراح والسياسي. جوديث بتلر التي فككت منطق "الجنس" كأساس طبيعي للـ"نوع الاجتماعي"، أثبتت أن الجسد نفسه لا يمتلك ماهية قبل علاقات القوة التي تشكله بل إن المادة الجسدية تظهر كأثر لسلوكيات متكررة ولعلاقات أداء يتكرر حتى يصير طبيعة ثانية. الجنس بتعبير بتلر ليس حقيقة بيولوجية مطلقة بل هو بناء علائقي تُنتجه خطابات السلطة وتكرسه ممارسات التشريع والطب والتربية لكي يبدو وكأنه "ماهية" أزلية لا يمكن تجاوزها. لكن هذا "وكأنه" هو بالضبط نقطة الضعف التي تتيح الفعل السياسي، إذ إذا كانت الماهية مجرد وهم محدد علاقياً فإن إعادة تشكيل العلاقات تعني إعادة تعريف الكائن نفسه. فالمرأة ليست ماهية تتحدد بأعضاء أو وظائف بل هي موقع ضمن شبكة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها في أشكال تحرر لا تخضع لمنطق الهوية الجامدة.

بين كل هذه التأكيدات على العلاقة يبرز سؤال شائك كيف نفكر في الوحدة والتماسك إذا لم تعد هناك ماهيات تمنح هوية ثابتة؟ أليس هذا الانحلال في علاقات لا نهائية يؤدي إلى تجزئة لا تطاق، إلى لا شكل يعيق الفهم والفعل؟ الجواب عند هؤلاء الفلاسفة هو أن الوحدة ليست معلبة مسبقاً بل هي مكتسبة في كل لحظة مثلما تكسب الموسيقى وحدتها ليس من وجود نوتة أصلية تتحكم بكل النوتات بل من علاقات الانسجام والتنافر المتغيرة بين الأصوات. الكائن عندهم أشبه بلحن ليس موجوداً كجوهر مستقل خارج الزمن بل هو يتجدد أو يضمحل مع كل علاقة جديدة تربطه بسواه. الوحدة التي نبحث عنها لا يجب أن تكون بداية التفكير بل نهايته المؤقتة، تلك النهاية التي لا نصل إليها إلا لنمضي عنها بعد أن نكتشف أنها غير كافية. وبهذا يصير التحول من الماهية إلى العلاقة ليس خسارة لليقين بل ربحاً لحركة وتنفس لا يقدر عليها من يظل أسير الجواهر الثابتة.

وامتداداً لهذا التحول الجذري لا يقتصر الأمر على إعادة تعريف الكائن الإنساني أو الطبيعي بل يمتد ليشمل الزمن نفسه، ذلك الأفق الذي كانت الماهية تقيم فيه كحاضر دائم. فالزمن في الفلسفات العلائقية لم يعد سيّداً خارجياً تسبح فيه الجواهر بل أصبح بُعداً داخلياً للعلاقة ذاتها. هايدغر الذي هدم بناء الوجود كماهية حاضرة أعلن أن الكائن الإنساني (الدازاين) ليس جوهراً ثابتاً بل هو وجود يُعرّف بكونه "مُلقىً" في زمنية تتفتح نحو المستقبل عبر العناية والموت. ولم يبق هناك "إنسان" يسبق علاقته بزمنه فـ"ماهية" الدازاين هي بالضبط وجوده الزمني أي امتداده بين ميلاد لم يختره وميتات يختارها أو تُفرض عليه. هذا النفي للماهية لم يكن نقصاً بل كان عين الغنى لأن الإنسان الحر هو الذي يعرف أنه لا يملك جوهراً سوى ما يصنعه من علاقاته مع العالم والآخرين وفي قرارة نفسه مع مصيره. غير أن هايدغر رغم عبقريته ظل أسير نزعة فردية ما إذ جعل العلاقة الأصيلة هي علاقة الدازاين بموته مما أهمل شبكة العلاقات المتشابكة التي تعصف بالفرد من كل حدب وصوب. وهنا يأتي دور ميرلوبونتي ليعيد الاعتبار للجسد بصفته علاقة أولية بالعالم، جسداً ليس شيئاً ولا فكرة بل وسيط حي يدرك بكونه مُدرَكاً، يلمس بكونه ملموساً. هذا الجسد عند ميرلوبونتي هو مثال الكائن العلائقي بامتياز: ليس له ماهية محددة لأنه لا ينفك يتكيف مع محيطه، لأن وجوده كله هو "كونه في العالم" قبل أي تأمل. ولا يمكن فصل الجسد عن غيره من الأجساد لأن الإدراك نفسه يحدث في فضاء تشترك فيه الذوات دون أن تندمج أو تنعزل. فـ"أنا أدرك" تعني في العمق "نحن ندرك" والعلاقة بين الذوات ليست مضافة إلى إدراك منفرد بل هي بنية الإدراك نفسها. من هنا صار ممكناً القول: الكائن ليس ما هو عليه في صمته بل هو ما يفعله وما ينفعل به وما يسمعه وما يصدر عنه في حوار لا ينقطع مع جسده وعالمه.

لكن هل يمكن لهذا التحول أن يفلت من فخ النسبوية المطلقة؟ أليس في القول بأن كل شيء علاقة وليس هناك جوهر ثابت هروب إلى اللاتمايز، إلى ضبابية تمنع التمييز بين الصدق والكذب، بين العدل والظلم، بين الجميل والقبيح؟ في الحقيقة الفلسفات العلائقية لا تسقط في هذا المأزق لأنها تستبدل يقين الماهية بوضوح المسار. ليس المطلوب أن نعثر على معيار أبدي للحكم بل أن نتتبع أثر العلاقات في تشكل الأحكام ذاتها. فما نسميه "عدلاً" ليس مفهوماً مجرداً مستقلاً عن سياقه بل هو نتاج صراع قوى وعلاقات تاريخية، ولكنه مع ذلك ليس اعتباطياً لأنه يحمل في طياته إمكانية نقد ذاته عبر توسيع شبكة العلاقات لتشمل المستبعدين والمقهورين. العدالة عند إيمانويل ليفيناس مثلاً ليست قيمة كلية تسبق العلاقة بل هي بالضبط ذلك الاحتكاك بالوجه الذي يطلب مني ألا أتركه وحيداً وهو طلب لا ينضب لأنه لا يمكن اختزاله إلى قاعدة. وبالمثل، الجمال عند دولوز ليس صفة جوهرية في الشيء بل هو قوة تؤثر فينا وتجعلنا نفكر بشكل مغاير، علاقة تصدع بين الحواس والعقل. ونجد أن هذا التحول من الماهية إلى العلاقة لا يلغي المعايير بل يعيد صياغتها كمسارات متحركة، كأن نحكم على شيء ليس بمدى مطابقته لجوهر مثالي بل بمدى فتحه لإمكانيات جديدة وبمدى قدرته على إنتاج اختلافات تُثري نسيج العلاقات بدلاً من إفقاره.

تدفعنا هذه الاعتبارات إلى مراجعة جذرية لمفهوم "الهوية" التي طالما شكلت هاجس الفلسفة الغربية. الهوية الكلاسيكية بتعبير أرسطي هي كون الشيء مطابقاً لذاته لا تناقض فيه ولا تعدد. لكن في ضوء التحول العلائقي تصير الهوية مجرد وهم بصري ناتج عن سرعة التحولات أو باختصار: ليس هناك هوية إلا كعلاقة مؤقتة بين الاختلافات. هذا ما اكتشفه جيل دولوز وفليكس غاتاري حين تحدثا عن "آلة الحرب" و"السراب" و"اللاتمركز"، وأصرا على أن الوجود ليس كينونة (being) بل يصير (becoming)، يصير امرأة، يصير شيئاً، يصير غير محسوس. كل هذه التعبيرات تؤكد أن الكائن لا يثبت على ماهية بل هو سلسلة من حالات التحول، كل حالة منها هي علاقة مع شيء آخر. فالأقلية ليست هوية سلبية، بل هي علاقة مقاومة للهيمنة والحيوان ليس طبيعة أدنى بل هو علاقة تفلت من العقلانية الآسرة. ويتحرر الفكر من عقدة البحث عن الذات الثابتة ويبدأ في التفكير بـ"ما يمكن أن يكونه الكائن" بدلاً من "ما هو عليه". لعل هذا هو لب الحداثة الفلسفية، الانتقال من سؤال "ما الوجود؟" إلى سؤال "كيف يمكن للوجود أن يختلف؟"، ومن سؤال "من أنا؟" إلى سؤال "من قد أصبح؟"

تتجلى هذه الفكرة في ميدان الفن بشكل مذهل، فالفن المعاصر بخاصة في تجلياته غير التمثيلية لم يعد محاكياً لماهيات مفترضة بل أصبح مختبراً لخلق علاقات غير مسبوقة. اللوحة عند بول كلي أو فاسيلي كاندينسكي ليست صورة جوهر بل هي علاقة بين الألوان والخطوط والأشكال تنتج إحساساً لا يمكن اختزاله إلى موضوع خارجي. والموسيقا عند جون كيج لم تعد تعبيراً عن عاطفة جوهرية بل هي تنظيم للعلاقات بين الصوت والصمت وبين الآلات والصدف. حتى الأدب مع جيمس جويس وصمويل بيكيت، فكك الشخصية كجوهر ثابت وحولها إلى شبكة من العلاقات اللغوية والنفسية والزمنية المتشابكة. ليوبولد بلوم في "يوليسيس" ليس ماهية محددة، بل هو علاقات عائلية وجنسية وتجارية وثقافية، كلها تلتقي في جسد واحد لكنها لا تستقر. والفن بدوره يعلمنا أن ما نسميه "جمالاً" ليس صفة ثابتة في الشيء بل هو حدث علائقي يحدث بين العمل والمتفرج وبين الحواس والذاكرة. لذلك يمكننا القول إن الحداثة الفنية هي امتداد طبيعي للتحول الفلسفي من الماهية إلى العلاقة وأن الفنانون سبقوا الفلاسفة أحياناً في اكتشاف أن الكائن لا يُعرف إلا عبر آثاره وتشابكاته.

أما في مجال السياسة فالتحول المذكور يحمل تداعيات ثورية، الدولة القومية الحديثة قامت على فكرة المواطن كجوهر قانوني يتحدد بصفات ثابتة، الجنسية، اللغة، الأصل، الحدود. لكن الفلسفات العلائقية تكشف أن هذه الصفات ليست سوى تجميد مؤقت لعلاقات قوة تاريخية. المواطن ليس ماهية، بل هو علاقة بين الفرد ومؤسسات الدولة والسوق والنقابات والأسرة والإعلام. والمهاجر ليس جوهراً غريباً يهدد هوية وطنية مفترضة، بل هو ناتج عن علاقات اقتصادية وسياسية كونية، عن استعمار سابق وحروب راهنة وتباين في توزيع الثروات. السياسة التي تتبنى المنظور العلائقي لا تسأل "ما هو هذا الكائن؟" بل تسأل "ما هي العلاقات التي أنتجته وما هي العلاقات التي يحتاجها ليعيش كريماً؟". هذه سياسة تخلت عن منطق الهوية القاتل، منطق "نحن وهم"، وحلت محله سياسة الربط والتضامن عبر الاختلافات. ليس من قبيل المصادفة أن كبار نقاد العنصرية والتمييز في عصرنا، من إدوارد سعيد إلى أنجيلا ديفيس إلى جوديث بتلر، ينطلقون من فكرة أن الكائن البشري لا يُختزل في هوية واحدة، بل هو تقاطع علاقات متعددة، بعضها يفعله والبعض الآخر يفعله، وأن التحرر يبدأ عندما نتفهم أننا لسنا جوهراً منفرداً بل نحن "نحن" في علاقتنا مع الآخرين حتى مع الأعداء.

وقبل أن نُسدل الستار، لا بد من الإشارة إلى أن التحول من الماهية إلى العلاقة لم يكن انتصاراً سهلاً ولا مكتملاً. ما زال المنطق الماهوي يسيطر على مؤسسات التعليم والقضاء والدين والإعلام حيث تُصنف الأشياء والأشخاص وفق قوالب جامدة وحيث يُقال عن الطفل "هذا كسول" وعن المرأة "هي عاطفية" وعن الشعب "هو أصيل". هذه التعابير تحول علاقات مؤقتة إلى ماهيات أبدية وتساعد على إنتاج التبعية والقمع باسم "الطبيعة" أو "الجوهر". لكن الفلسفات العلائقية لا تدعونا إلى نبذ التصنيف تماماً بل إلى وعي حاد بأن التصنيفات هي أدوات عملية يجب أن تظل مرنة قابلة للنقد والتعديل وإلا تحولت إلى أقفاص. لذلك المطلوب هو إبقاء التوتر حياً بين حاجتنا اليومية إلى الثباتات المؤقتة وإدراكنا الفلسفي بأن هذه الثباتات ليست حقائق نهائية. هذا التوتر هو بالضبط ما يجعل التفكير ممكناً وما يجعل التغيير ممكناً. فلا حرية في عالم من الجمود الماهوي ولا إبداع في عالم من السيولة المطلقة. الحكمة تكمن في الإبحار بين هذين الخطرين معتمدين على العلاقة كبوصلة لا كمرساة.

ونعود إلى سؤال البداية: لماذا أصرت الفلسفة كل هذه القرون على الماهية؟ ولماذا يصعب علينا حتى الآن التخلي عن فكرة أن لكل شيء حقيقة باطنة ثابتة؟ الجواب كما بدا على امتداد هذا المقال يعود إلى هاجس اليقين، إلى رغبة العقل في الإمساك بالعالم دون وسائط، إلى خوف الجسد من التغير والموت. الماهية كانت درعاً ضد الزمن وكانت وعداً بأن وراء الفوضى الظاهرية نظاماً خفياً لا يتزعزع. لكن هذا الدرع تحول مع الزمن إلى قمقم أغلق على نفسه فمنع التفكير من التنفس. جاءت الفلسفات المعاصرة لكسر هذا القمقم ليس بدعوة إلى فوضى عابثة بل بدعوة إلى تواضع معرفي أكثر، وجرأة التواضع الذي يعترف بأن معرفتنا بالكائن هي جزء من علاقتنا به وأن هذه العلاقة قابلة للتغيير والتوسع. فعندما نقول إن الكائن ليس ماهية بل علاقة فإننا لا ننفي وجود العالم الخارجي بل ننفي قدرتنا على الوقوف خارجه كمراقبين متعاليين، نحن دائماً داخل العلاقة والعلاقة نفسها هي التي تشكل نظرتنا.

إن أهمية هذا التحول تتجاوز حدود الفلسفة الأكاديمية لأنها تمس الطريقة التي نعيش بها حياتنا اليومية. ففي زمن العولمة والتواصل الرقمي حيث تتكاثر العلاقات وتسارع وتتصادم لم يعد ممكناً التمسك بهويات مغلقة. الشخص الذي يقضي ساعات على الإنترنت ليس هو نفسه الشخص الذي يجلس إلى مائدة العائلة، لكن لا يمكن القول إن إحدى هاتين الصورتين هي "الجوهر" والأخرى مجرد "ظرف". الشخص هو هاتان العلاقتان معاً، مع آلاف العلاقات الأخرى. وهذا لا يعني فقدان الذات بل يعني اكتشاف أن الذات أوسع وأغنى من أي تعريف أحادي. التحول إلى الفكر العلائقي هو تحول إلى الأخلاق بمعناها العميق، أخلاق المسؤولية التي تدرك أن كل كائن هو نداء وأن الإصغاء للعلاقات يعني الإصغاء للآخر في تفرده الذي لا يُختزل. إنها أخلاق تقوم على الإنصات لا على الحكم، على الترحاب لا على التصنيف.

إن الفلسفات التي جاهرت بنبذ الماهية والاحتفاء بالعلاقة ليست مجرد نزوات فكرية بل هي استجابة لتحولات كونية وإنسانية عميقة. الفيزياء أظهرت لنا أن المادة ليست جامدة والأحياء أظهرت لنا أن الأنواع ليست ثابتة والأنثروبولوجيا أظهرت لنا أن الثقافات ليست معزولة والتاريخ أظهر لنا أن الأيدلوجيات ليست أبدية. كل هذه العلوم تلتقي عند حدود قول واحد، كل كيان هو في الحقيقة حدث وكل حدث هو شبكة من العلاقات. ربما تكون مهمة الفلسفة اليوم هي تعليمنا كيف نعيش في هذا العالم دون أوهام الجواهر، كيف نتحرك بين العلاقات دون أن نغرق فيها وكيف نخلق معاني مؤقتة دون أن نقدسها. ومن الجميل أن الفلسفة التي بدأت بحلم الإمساك بالثابت الأزلي، تصل اليوم إلى اكتشاف أن ثباتها الوحيد هو اعترافها بعدم الثبات، وأن حكمتها هي في التواضع أمام حركة العلاقات التي تسبقها وتتجاوزها. عندئذ فقط تصير الفلسفة فعل حب للعالم كما هو لا كما نتمنى أن يكون في جموده المخيف. وهذا الحب هو بالضبط ما يعيد تعريف الكائن ليس كشيء نملكه بل كعلاقة نعيشها.

***

د. حمزة مولخنيف

"إنّ التفكير في التعقيد ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وجودية في عالم لا تكفيه الأجوبة البسيطة."... إدغار موران

مفتتح: حين استهل إدغار موران مشروعه الفكري الكبير المتمثّل في "المنهج" بأجزائه السبعة الممتدة بين عامَي 1977-2023م، لم يكن يضع حجر أساس نظرية فلسفية صماء، بل كان يحفر شقوقاً واسعة في جدران المعرفة المعاصرة، حيث استلهم موران من موقعه الاستثنائي على تخوم العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية معاً، أنّ الأزمة الحقيقية للحضارة الغربية ليست أزمة موارد أو تقنيات، بل هي في جوهرها أزمة نمط تفكير، او كما عبر في الكثير من محاضراته بالقول، أزمة عجز البشر عن إدراك ما ينسجون بأيديهم من شبكات تتعقد تدريجيا.

لذلك فكرة التعقيد (la pensée complexe) لم تكن مجرّد نمط تحليلي نقدي، بل كانت نداء صريح لإعادة النظر في طريقة التفكير ذاتها؛ في العلاقة بالمعرفة، بالطبيعة، بالثقافة، بالدين، وبالإنسان بوصفه كائناً كونياً قبل أن يكون كائناً اجتماعياً.

هكذا طرح موران مفارقة جوهرية: كلّما تطور العلم وتعددت تخصّصاته، ازداد عجزنا عن فهم الكلّ، وهو عجز ليس تقنياً بل بنيوي، يسكن في عمق المنطق الذي نبني به أسئلتنا قبل أن نبني أجوبتنا.

غير أنّ موران، الذي رحل عن عالمنا بعد ان تجاوز المئة عام بأربعة سنوات وكان لا يزال يكتب ويُحاضر بنفَس لا يخبو، لا يمكن أن يقال عن سيرته نهاية مسار بل إنها نقطة انعطاف حادة وجادة في ٱن واحد، لا لشيء سوى لأن السؤال عن الأبحاث الفلسفية التي جاءت في سياق وأثر أبحاثه ومشروعه عموما، توصلنا إلى حقل خصيب، جدلي، مضطرب وحيّ، يسعى إلى استيعاب إرثه أو تجاوزه أو الحوار معه — وأحياناً الثلاثة في آنٍ واحد.

فكرة التعقيد في الفلسفة المعاصرة

لقد نال مفهوم التعقيد شرعيته داخل الدراسات الفلسفية والإنسانية من خلال إسهامات ادغار موران، بعد أن ظلّ هذا المفهوم حكراً على العلوم التجريبية ونظرية الأنظمة، بيد ان الفلسفة المعاصرة احتضنت هذا المفهوم ورامت الى توظيفه في سياقات بالغة التنوّع، بلغت درجة تجاوز -في أحيان كثيرة- ما تصوره موران ذاته حين صاغ مفاهيمه الأولى.

فبرونو لاتور الفيلسوف القاري في فرنسا صاحب مسيرة تفكيك الثنائيات الكبرى التي أرّقت موران (الطبيعة/ الثقافة، الذات/ الموضوع) ولعل أهم إضافة للاتور هي البعد السوسيولوجي والأنثروبولوجي من خلال نظريته في "الفاعلية الشبكية"، متجاوزاً الحدود التقليدية بين الإنسان وغير الإنسان، وبين المختبر والمجتمع، لأن الأشياء عند لاتور ليست خاملة، إنّها تفعل وتُشكّل وتُقاوم، تماماً كما كان موران يُلحّ على أنّ الطبيعة ليست مادة صامتة أمام مشرط العالِم.

وعلى ذات المسار، سارت إيزابيل ستانغرز نحو إعادة تأهيل العلم بوصفه ممارسةً تُشارك فيها الكائنات والبيئات لا مجرّد عقل بشري مسيطر في كتابها الجريء "إعادة تعزيز العلم"، لقد استعادت ستانغرز روح التساؤل التي جعلت موران يُصرّ على أنّ العلماء يبنون عالمَهم قبل أن يكتشفوه، لامناص ان ثمّة خيط خفيّ يصل موران بستانغرز ولاتور، الا وهو الرفض المشترك لأسطورة المراقب المحايد، والإصرار على أنّ المعرفة فعل تشابك، لا فعل استخراج، وهنا تبرز حدة فلسفة موران وٱثارها في الفلسفة المعاصرة.

حول فلسفة التربية

لايمكننا إغفال أشدّ مجالات تأثير موران في الفلسفة المعاصرة بعمق وسعة، فلسفة التربية. ومن طالع كتابه الشهير ""المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل" (2002م) ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي، صدرت عن دار توبقال للنشر (المغرب) باتفاق مع منظمة اليونيسكو، هذا الكتاب أثار موجات من الإصلاحات الفكرية والتربوية على امتداد القارات، إذ أدرك موران أنّ مشكلة التعليم الحديث ليست في نقص المعلومات، بل في وفرتها غير المُنظَّمة، في التجزيء الذي يُخرج متخصصين لا يفهمون العالَم الذي يشرحونه.

فيهذا الخطّ سار المفكر البرازيلي إنريكي ليف الذي وسّع مفهوم التعقيد ليشمل البيئة والمعرفة البيئية، معيداً صياغة سؤال التربية ضمن أزمة الحضارة الكوكبية، عند ليف التعليم الحقيقي هو ذلك الذي يُعيد ربط الإنسان ببيئته الكوكبية، ويُعلّمه قراءة ترابط الأنظمة لا استنزافها واستدمارها.

كما تشكلت في أمريكا اللاتينية حركة فكرية واسعة تُعرف بـ"الأبستيمولوجيا الجنوبية" على يد بواڤينتورا دي سوزا سانتوس، التي تُعيد طرح السؤال عن هيمنة المعرفة الغربية وتستعير من موران فكرة أنّ المعرفة المجزّأة عاجزة عن مواجهة التحديات الإنسانية الكبرى، بينما سانتوس ذهب أبعد من موران حين طالب بـ"علم اجتماع الغياب"، أي التساؤل عمّا أُسكت وأُقصي من معارف الجنوب الإنساني خارج دائرة الاعتراف الأكاديمي الغربي، وهنا تبرز إثارة فلسفة ادغار موران لدفائن العقول عبر العالم..

محاورة موران أو تجاوزه؟!

تأثير ادغار موران ليس ذو بعد واحد، كونه استنهض بعض المفكرين إلى مناقشة أطروحاته بجرأة أو إعادة بنائها على أسس مختلفة أذكر منهم:

1.  سلافوي جيجيك: على الرغم من اختلاف خلفيته الهيغلية واللاكانية، يلتقي مع موران في نقد الوعي الحداثي المتمركز حول الذات، مع اضافته لفكرة عامة جدا أنّ التعقيد وحده لا يكفي دون إعادة إدخال السياسة والتناقض الجذري في المعادلة. عند جيجيك، الفكر المعقّد دون فعل سياسي يخاطر بأن يتحوّل إلى استسلام فلسفي مُبهج.

2.  برنار ستيغلر: الفيلسوف الفرنسي الذي شيد جسراً بين التفكير التقني والتفكير في الزمن والمجتمع، تخصص في جزئية الحضارة الصناعية لدى ادغار موران ليطرح سؤال "الدواء" — كيف يمكن للتقنية ذاتها أن تحمل سُمّها وترياقها معاً.

فالرقمنة عند ستيغلر ليست قدراً محتوماً، بل هي معركة على ذاكرة الإنسانية وانتباهها. وهذا تحديدا سؤال مركزي لدى موران بامتياز: كيف نُفكّر في التقنية دون أن نستسلم لها؟

3.  دونا هاراوي: في مشروعها المتعلق بـ"الأجناس المتشابكة" وفلسفة ما بعد الإنسانية، أعادت هاراوي رسم الحدود بين الأنواع والتقنيات والبيئات بأسلوب موران مع إختلاف جذري في اللغة، شعارها الشهير: "نحن لم نكن بشراً قطّ بالمعنى النقي" هو وجه آخر لرفض موران ثنائية الإنسان/الطبيعة، لكنّه وجه أكثر تجذّراً وأعمق استفزازاً لليقينيات الإنسانوية الكلاسيكية.

التعقيد في مواجهة الأزمات الكبرى

ربّما كانت الأزمات الكبرى — أزمة المناخ، والجائحة، وأزمة الديمقراطيات الليبرالية، وثورة الذكاء الاصطناعي — هي أكثر ما أعاد إدغار موران إلى دائرة الضوء الفلسفي في العقدين الأخيرين، اذ لاحظ الكثير من المفكرين أنّ المقاربات التبسيطية عاجزة عن استيعاب عالم تتداخل فيه الأسباب والنتائج بشكل غير خطّي، عالم حيث تُنتج الحلول المشكلات وتُولّد اليقينيات أشدّ حالات الغموض، حيث انتشرت في هذا السياق دراسات ما بعد الإنسانية ودراسات الأنثروبوسين التي تتقاطع مع روح فلسفة موران في رفض الفصل بين الإنسان والطبيعة، وفي الإلحاح على أنّ الإنسانية تقف أمام منعطف حضاري لا تكفيه العلوم المتخصصة وحدها، بل يستلزم "فكراً يجمع ما يُفرَّق".

والعجيب أنّ موران نفسه، قُبيل بلوغه مئويّته، كتب بعيون فيلسوف يرى حضارته تواجه خيارها الوجودي الأصعب: "إمّا أن تتعلّم التفكير بتعقيد، وإمّا أن تُكمل انهيارها البطيء بكفاءة غير عادية".

العالم العربي شأنه شأن أمريكا الجنوبية وجنوب شرق ٱسيا أيضاً، عرف انتشار العديد من الترجمات لفكر موران الفلسفي، وكذلك قراءات له، وبدأ باحثون في توظيف مفاهيمه ضمن سياق الأزمة المعرفية العربية الراهنة، سائلين بصدق وعلى استحياء: هل يمكن لفكر التعقيد أن يكون مدخلاً لنهضة ثقافية متجدّدة؟ هل نحن قادرون على التفكير في أزماتنا بالتعقيد الذي تستحقّه، بدلاً من حشرها في قوالب أيديولوجية جاهزة؟ هذه الأسئلة لا تزال ملتهبة ولم يجَب عنها بعد، لكن الترجمة العربية لموران تبقى متفرّقة وغير منهجية مقارنةً بحجم إنتاجه الهائل، حيث تأتي دول المغرب العربي خصوصا (الجزائر والمغرب) هما الأكثر اهتماماً بنقله وتدريسه أكاديمياً، فيما لا يزال الجزء الأكبر من "المنهج" — وهو عمله المحوري بأجزائه السبعة ٱخرها منهج المنهج أو طريقة المنهج— ينتظر ترجمة عربية متكاملة ومنقّحة.

ما الذي بقي من موران؟

جدلية إرث موران لاتزال منفلتة فكلّما حاول أتباعه تحويل فكره إلى مدرسة منهجية مغلقة، ثار واستقر على طبيعته كفكر في حالة توتّر دائم مع نفسه، لأن ادغار موران لم يقدم إجابات جاهزة، بل أعاد تشكيل الأسئلة المنهجية، والفلسفة المعاصرة تُدرك ذلك جيداً، لا يمكنك محاكاة موران دون التشكيك في موران ذاته، هذه الفلسفة الخلاّقة — أي بنية الفكر التي تُولّد إمكانية نقدها الداخلي — هي ما يجعل ارث موران حيّاً وجذاباً، لأن الفيلسوف الحقيقي لا يصنع أتباعاً بل يُولّد متسائلين. وفي هذا السياق، تبدو الأجيال الفلسفية التي عايشت موران والتي سوف تكتشفه لا يمكن أن تكون وارثةً له بقدر ماهي متفاعلة مع مشروعه وشاهدة أنه كان ناجحاً تماماً بزرعه للأسئلة التي لا تموت بل تنبت في عقول مؤمنة بالمنهج في التفكير.

الإرث المفتوح

إدغار موران لم يكن شيخ طريقة فلسفية غلق باب التفلسف، بقدرما فتح نافذة على الفعل الفلسفي المستدام، حيث الدراسات الفلسفية التي تأتي بعده لا تُقدّم إجابات نهائية، بل تُصرّ على أنّ السؤال ذاته هو السبيل، خصوصا في عالم يميل نحو النهايات والحتميات والمسطحات الرقمية واختزال المعنى... سيظل تراث ادغار موران ذا حضور قلق ومُلحّ: صوت ينادي إلى التفكير بشجاعة في التشابك، في التناقض، وفي جمال اللايقين.

ما بعد موران ليس تجاوزاً له بالمعنى البزنطي، بل هو مواصلة للمشروع الإنساني الذي أعاد موران صياغته بأرقّ الكلمات وأصدقها: "أن نُفكّر معاً في عالم أصبح أكثر تعقيداً من أن يُحتمل وأجمل من أن يُختزل".

***

بقلم: مراد غريبي - الجزائر

04/06/2026

مشكلة الحظ الأخلاقي moral luck تعني اننا نحتاج الى تغيير راديكالي في طريقة تفكيرنا في الاخلاق. الأحكام الأخلاقية في الغالب تتصادم مع مبدأ ان الناس لا يجب توجيه اللوم لهم الاّ لما يستطيعون التحكم فيه.

ما الدور الذي يجب ان يلعبه الحظ في أحكامنا الأخلاقية؟ بالنسبة لمعظم الناس، الجواب هو صفر. الحظ حسب التعريف، هو شيء لا نستطيع السيطرة عليه. من غير العدل لوم شخص ما لشيء ليس له سيطرة عليه. ان مشكلة الحظ الأخلاقي تكشف ان الأشياء التي لا نملك السيطرة عليها قد تكون اكثر انتشارا في تقييماتنا الأخلاقية مما هو في الاعتقاد الشائع. اذا كان هذا هو الحال، عندئذ فان المزيد من إداناتنا الأخلاقية هي ظالمة. في هذا المقال ننظر لنرى ان كان هذا صحيح.

الثناء واللوم الأخلاقيين

في ورقة هامة حول الحظ الأخلاقي، يلاحظ الفيلسوف الأمريكي توماس ناجل Thomas Nagel: ان "الغياب الواضح للسيطرة، الناتج عن حركة غير اختيارية، قوة مادية، او جهل في الظروف، يبرر ما يتم فعله من حكم أخلاقي".  عندما نأتي الى الثناء الأخلاقي او لوم شخص ما على أفعاله، يبدو من الصواب القول انه لا يجب ان يكون للحظ أي دور في ذلك. اذا ما نجح شخص ما في الحصول على شيء بسبب الحظ، فقد نتحفز بتهنئته والمشاركة في الاحتفال، لكننا لا نمدحه عادة لأفعاله. مثلا، افرض هناك صديق يشتري بطاقة يانصيب ويربح الجائزة. سنكون سعداء ومسرورين لكونه حالفه الحظ. لكن، نحن لا نستطيع حقا مدحه على الفوز. الفوز باليانصيب هو حظ خالص ولا مهارة فيه. اللاعبون لا يتحكمون بحظهم في الفوز. مثلما لا نستطيع لوم الناس على أفعال لا يتحكمون فيها، نحن لا نستطيع مدحهم أيضا.

افرض انا كنت جالسا بجانب باب مفتوح في مكتب مزدحم وهناك زميل يشكو من تدفق تيار هواء بارد. حينها أنحني وأغلق الباب. زميلي يشكرني. هذا يشكل مقدار صغير من المديح والتقدير لأنني اخترت عمل شيء رقيق. في هذه الظروف، انا كنت في سيطرة على أفعالي وأفعالي اعتُرف بها برد مناسب. الان، تصوّر دون علمي، هناك موظف سابق ساخط مسلح وخطير، يقف في الجانب الآخر من الباب. وعندما أغلقت الباب، ضربته في الوجه وفقد وعيه. هنا، كل شخص في المكتب يمكنه القول وبشكل مشروع انه لو لم أتصرف على ذلك النحو، لكانت هناك مأساة. لكن سيكون من السخف الثناء عليّ بسبب ضرب المتسلل المسلح. انا ليست لدي فكرة عما كنت أعمل ولذلك ليست لدي سيطرة على تلك الأحداث.

مشكلة الحظ الأخلاقي

كيف يدخل الحظ في أحكامنا الأخلاقية؟ دعونا نتصور اثنين من سائقي باص يبدأ ان شفت عملهما في محطة الحافلات على بعد 20 ميلا. سوف نسميهما السائق س والسائق ص. كلا السائقين يجب ان يجريا فحص السلامة للباص قبل مغادرة المحطة وبدء عملهما. هذه الفحوصات لم تكشف أبدا في السابق عن مشكلة. اليوم، كلا السائقين يعملان متأخران لبضعة دقائق وكلاهما اختار إهمال فحص السلامة (كما يفعل معظم السائقين عندما يتأخرون عن مغادرة المحطة).

بعد مضي 20 دقيقة من عمل السائق س، حدث شيء مرعب: أحد السابلة اندفع نحو الطريق دون النظر، وأجبر السائق س للضغط على البريك. لكن لسوء الحظ لم يعمل البريك بنجاح وترتبت على ذلك مأساة. التحقيقات تكشف ان السائق س لم ينفذ إجراءات فحص السلامة الاجبارية قبل الانطلاق، وهو ادين  بالقتل غير العمد. لكن ماذا عن السائق ص؟ السائق ص أيضا بدأ العمل بدون اجراء فحص السلامة على باصه. افرض سائق باص آخر رأى ص وأخبرهم – السائق ص لم يحصل له حادث، ودعونا نقول انه لم توجد هناك مشكلة مع البريك لديه. لكن هذا هو محض صدفة. اذا أخذنا الحظ بالاعتبار، يبدو ان ص مستحق اللوم أخلاقيا كما هو س. هل نشعر بالراحة مع السائق ص وهو يتلقى نفس اللوم والعقوبة كالسائق س؟ يبدو ان س قام بشيء اسوأ بكثير من ص، أي ان س شخص سيء أخلاقيا. مع ذلك، لا توجد هنا مشكلة في الحظ الأخلاقي لو اتّهمنا السائق س بالقتل غير العمد مع فصل هذا عن اللوم الأخلاقي.

هل الحظ الأخلاقي هو حقا مشكلة؟

افرض الان ان السائق ص هو سائق محترم ولديه سنين من الخبرة، وبعد نوبة عمله استُدعي الى مدير المكتب وطُرد من عمله لعدم قيامه بالإجراءات الضرورية لفحص السلامة. هنا، نستطيع تصور غضب الناس بسبب المعاملة السيئة. هم ربما يقولون ان السائق ص لم يفعل ما لم يقم به السائقون في ظروف مماثلة ولم يحدث بالنتيجة أي شيء سيء. وبدلا من ان يُطرد ويوصف كشخص سيء، هم يقولون ان السائق ص كان يجب ان يصدر له تحذير. لنقارن هذا بالناس الذين يجدون ان عضوا محترما في الجماعة دهسته سيارة وقُتل من جانب السائق س الذي فشل في عمل إجراءات السلامة قبل الانطلاق. سيكون هناك غضب لو هم علموا ان س اُعطي فقط توبيخ لفظي.

من السهل تصور ان ردود الفعل هذه قد تكون هي الحال اذا حدث أي من السيناريوهين في الحياة الواقعية. ونحن نستطيع ان نرى الحظ بلا شك يلعب دورا في مقدار اللوم الذي يتلقاه هؤلاء السواق لنفس الفشل (عدم تنفيذ إجراءات السلامة). هذا واضح خصيصا في الحالة الثانية. لا يجب ان يكون لحجم حب الضحية أي دور في الحكم الأخلاقي على السائق. لكي نرى هذا، تصوّر سيناريو مختلف يُقتل فيه شخص على الطريق تبيّن انه قاتل يستعد للهجوم على ضحية جديدة. وبينما السائق س لا يمكن ان يُمدح عقلانيا لإنقاذ الضحية المحتملة، لكن العديد سيكونون غاضبين لو عوقب س واتُّهم بكونه سيئا أخلاقيا. في كل هذه السناريوهات نحن نتحدث عن ردود فعل عاطفية على حدوث أشياء سيئة وليس تفكير منطقي في هذا الموضوع. في هذه الحالة، نحن نسأل ان كان الحظ الأخلاقي حقا مشكلة.

المشكلة الأخلاقية يصعب حلها

اذا كان الأذى، في حالات الحظ الأخلاقي، هو في الحقيقة لوم واستياء يبرز من ردود فعل عاطفية للضحايا والجناة بما يحجب الدور الحاسم الذي يلعبه الحظ في حالات معينة، عندئذ المشكلة لا تكمن في الحظ الأخلاقي وانما في العواطف الإنسانية. ان الحل للمشكلة هو التركيز على الاستجابة العاطفية وليس على الحظ الأخلاقي. بكلمة أخرى، لا توجد مشكلة تتعلق بالحظ الأخلاقي بحد ذاته وانما في حاجتنا العاطفية للوم الناس على افعالهم. الفيلسوف برينمور براون Brynmore Browne تبنّى هذا الرد للمشكلة في مقاله عام 1992 بعنوان "حل لمشكلة الحظ الاخلاقي".

ربما يُعتقد ان سيناريوهات مثل سائق الباص الأول نادرة جدا وصُممت لتكون مفيدة. او ان المشكلة كانت مُبالغ فيها. أي ان المثال صُمم بعناية لجعل السائق س مسؤول أخلاقيا بشكل طفيف عن موت الشخص السابل، واللوم الأخلاقي الذي يتلقاه في المثال أكبر بكثير مما يحصل في الحياة الواقعية. لكن كما سنرى، مشكلة الحظ الأخلاقي سوف لن تختفي بسهولة.

أربعة أنواع مختلفة للحظ

في مقاله عام 1976 حول الحظ الأخلاقي، يحدد توماس ناجل أربعة أنواع مختلفة للحظ ملائمة للنقاش. هذه الانواع هي الحظ التكويني (فطري) والحظ الظرفي والحظ العواقبي والحظ السببي. لننظر في كل واحد من هذه الحظوظ وكيف تتلائم مع مشكلة الحظ .

الحظ التكويني constitutive luck يتعلق بهويتك وكيف أصبحت على ما انت فيه. هذا مشابه نوعا ما الى الحظ الظرفي circumstantial luck الذي يتعلق بالموقف الذي انتهى بك الامر اليه. لكي نرى الاختلاف، افرض هناك سائق ج تربّى على احترام جميع القواعد بدقة بحيث لا يمكن تصور عدم التزامه بفحص السلامة قبل بدء عمله. طبقا لذلك، هو لا يمكن ابدا ان يجد نفسه في المواقف التي وقع فيها السائقين س و ص. لايزال، هناك شيء خارج السيطرة. هم لم يختاروا الطريقة حول القواعد. في هذا الموقف نحن نستطيع أيضا القول ان س و ص كانا غير محظوظين لأنهما لم يتربيا بنفس طريقة تربية ج. عندما ننظر للظروف نستطيع ان نرى اذا لم تكن هناك إجراءات سلامة اجبارية، عندئذ سوف لن يُعتبر السائق س سيء أخلاقيا، لأن بعد الحادث، أصبحت إجراءات السلامة الزامية بسبب هذا الحادث، س لايزال لا يواجه لوما أخلاقيا. الحظ العواقبي يتعلق بما حدث حقا في السيناريو. النتيجة للسائق س كانت مأساوية ولكن ليس للسائق ص، وفي هذه الطريقة، ص حصل على حظ. الحظ السببي يستلزم سلسلة من الاحداث حدثت تقود للفعل وما يعقبه.

في حالات الحظ الأخلاقي، يبدو من غير الانصاف وضع كل اللوم الأخلاقي على الشخص الذي هو آخِر حلقة في سلسلة طويلة من الأسباب والنتائج. افرض في سيناريو سائق الباص، السائق س كان متأخرا في بدء عمله لأن مشرفه كان غير كفؤ وتسبب في تأخير غير مبرر في تحديد المسارات. افرض ان السائق ص تأخر بسبب اضطراب في المعدة نتيجة تناول قطعة من الكيك جلبها شخص دون عناية بنظافة الطعام. ربما شركة الباصات لديها هذه الثقافة في التنمر الإداري أخافت السائقين س و ص من بدء عملهما متأخرين. هنا، نحن نرى أنواع متعددة ودرجات من الفشل الأخلاقي، لكن مع كل اللوم الأخلاقي الذي وُضع على السائقين. عندما نأخذ كل أنواع الحظ الأخلاقي في الاعتبار، فان نسبة العدل ولوم معقول في كل الحالات الأخلاقية يبدو معقدا. كيف نعرف كل التفاصيل الملائمة التي نحتاج أخذها بالاعتبار في الحظ التكويني، والظرفي، والعواقبي، والسببي؟

هل هناك حل لمشكلة الحظ الأخلاقي؟

أحد الحلول للمشكلة، إقتُرح سلفا، هو ان نغير الطريقة التي نستجيب بها للناس الذين يعملون أشياءً سيئة أخلاقيا. الصعوبة في الحالات التي كنا نناقشها تنتج من القاء اللوم بدلا من الحكم على شيء ليكون خاطيء أخلاقيا. هل من الممكن الحكم أخلاقيا بدون إلقاء اللوم؟ العواطف تلعب دورا قويا في الحكم الأخلاقي، عادة تتجاوز الردود المنطقية والمعقولة. لكن عدة عوامل مختلفة تشترك عندما نأتي لحالات الحظ الأخلاقي التي تكون فيها الردود المنطقية جدا امر مستحيل. ربما أيضا غير مرغوبة. تصوّر موقف فيه سائق لم يعمل أي شيء خاطئ لكنه تورط في حادث مميت. اذا كان السائق ألقى باللوم على نفسه وعذبها، نحن سنقول له ان ذلك ليس عيبه وهو غير مُلام تماما. لكن، هناك ستكون عدم راحة وإرباك لو لم يشعر السائق  بذنب على الاطلاق. الشعور بالذنب في هذا الموقف هو غير عقلاني لكنه أيضا رد انساني . أي، من الطبيعي ان يلوم المرء نفسه حتى لو لم يكن هناك ما يمكن فعله. لكن من الإنسانية أيضا ان تلوم الاخرين عندما تحدث أشياء سيئة. ربما الحظ الاخلاقي هو ببساطة مظهر لإنسانيتنا يجب قبوله.

لحل مشكلة الحظ الأخلاقي، بينما لانزال نستجيب عاطفيا لمشكلة اخلاقية، نحن سنحتاج لتغيير راديكالي في استجاباتنا العاطفية للناس والافعال التي اعتُبرت سيئة أخلاقيا. بيرمور براون اقترح في مقاله عام 1992 اننا يجب ان نكون اكثر محبة في ردود افعالنا الأخلاقية تجاه الاخرين. هذا الحل يبدو واعدا لأننا لانزال نستطيع التفكير والتصرف عاطفيا، لكن بدون خلق اذى آخر عبر لوم الاخرين على أشياء لا سيطرة لهم عليها. مع ذلك، هذا أيضا يبدو مثل تغيير راديكالي جدا في سلوك الانسان ولا يُحتمل ان يحدث في أي وقت قريب.

***

حاتم حميد محسن

.......................

The collector, May 31,2026

من فيلولوجيا النص إلى جينولوجيا القيم

توقفنا في الجزء الثاني عند أعلان نيتشه ل"موت الإله". في هذا الجزء سنناقش تداعيات هذا الأعلان ومآلاته على الفلسفة الأوروبية والفكر الغربي عموما ومدى تأثير "مطرقة" نيتشه في تحطيم أصنام العقل الغربي.

 لافتات جديدة على أبواب قديمة

هل نجح نيتشه فعلا في "قتل مؤلف القيم الأخلاقية القديمة"

أم أن تلك القيم لا تزال تحكمنا من وراء القبر بأشكال مستترة؟

هذا السؤال يضعنا في قلب الحداثة وما بعدها فكرة أننا نعيش في "ظلال الإله الراحل" هي تحديدا ما كان نيتشه يخشاه وحاول التحذير منه.

أشير هنا إلى ما أنتهينا منه في الجزء الثاني وهو  أن "موت المؤلف" (بالمعنى اللاهوتي) لم يحرر العقل البشري بالكامل بل تركنا - كما عبر بحق أستاذنا الدكتور فؤاد زكريا عندما وصف تفكيكية "دريدا" التافهة بأنه وضع لنا نبيذ جديد في زجاجات قديمة- في صراع مع هذه القيم "المستترة" في عالمنا المعاصر.

وتجلت هذه القيم من منظور جينولوجي كالتالي:

1. "الدين بقميص علماني":

هذا يعني أن المفاهيم السياسية والاجتماعية الحديثة هي مجرد "لاهوت مُمرحل"

 كفكرة "التقدم" والتي هي النسخة العلمانية من "الخلاص الديني".

بدلا من انتظار الجنة في السماء أصبحنا ننتظر "اليوتوبيا التكنولوجية" أو "العدالة المطلقة" على الأرض. وكذلك مصطلح "حقوق الإنسان" التي يراها النيتشويون تطويرا لـ "المساواة أمام الإله" صحيح أن المصدر قد تغير من الخالق إلى "الطبيعة البشرية" لكن الجوهر الأخلاقي (القداسة والمساواة المطلقة) ظل كما هو.

2. "سلطة الحقيقة" كبديل لسلطة النص:

رغم أننا نعيش في عصر العلم والتكنولوجيا إلا أن الطريقة التي نتعامل بها مع "العلم" أحيانا تشبه التقديس القديم -اليقين المطلق- حيث الرغبة في وجود "مرجع أخير" يخبرنا بما هو صح وما هو خطأ وهي في الأصل حاجة نفسية موروثة من العصور الدينية التي كانت تحدد للإنسان ما هو حلال وما هو حرام.

3. "أخلاق الضحية" والضغينة الحديثة:

بالعودة لمفهوم نيتشه عن "الضغينة" يرى البعض أن الكثير من الحركات المعاصرة تستمد قوتها من "هوية الضحية" بدلا من السعي نحو التميز الفردي حيث يصبح الضعف أو التعرض للظلم هو المصدر الوحيد للمشروعية الأخلاقية داخل المجتمع و الدولة.

هذا بالضبط ما وصفه نيتشه بانتصار "أخلاق العبيد".

لاحظ هنا أن العبد قد ينتصر لكنه يظل عبدا. صحيح إن "البنية" الأخلاقية العميقة للمجتمع الغربي قد تغيرت فالبنية القديمة للمجتمع الغربي كانت : (إله - إنسان -خطيئة - توبة) أصبحت (قانون - دولة - مواطن - مجتمع منظم).

رغم هذا التغير يبقى السؤال: هل أن التخلص من "الظلال" أمر ممكن أصلا؟ أم أن العقل البشري مبرمج بنيويا على الحاجة إلى "مؤلف" أو "مرجع متعالٍ" لكي لا ينهار المجتمع؟

هذا السؤال يضعنا في مواجهة مباشرة مع معضلة "الفراغ الوجودي" التي تركها نيتشه خلفه. إن القول بأن العقل البشري "مبرمج بنيويا" على الحاجة لمرجع متعال هو نقد لفكرة "الإنسان الأعلى" فهو يشير إلى أن الإنسان قد لا يمتلك "الاستعداد النفسي" اللازم ليعيش في عالم بلا "مركز  مرجعي".

لنفكك هذه البنية من منظور فلسفي:

أولا: "البنية" كبديل للإله:

من المفارقات أن البنيوية نفسها قدمت إجابة على هذا التساؤل. عندما أعلن نيتشه موت "المؤلف الإلهي" لم يترك العقل الإنساني حرا تماما بل وجد الإنسان نفسه محكوما بـ "بنى" لا واعية (اللغة، الاقتصاد، القرابة).

فالإنسان استبدل "الإله الشخصي" بـ "النسق" أو "النظام". هذا الاستبدال ليس اعتباطا لأن الإنسان يحتاج دائما لشيء "خارج عنه" يعطيه المعيار مدركا أن الذاتية المحضة تؤدي إلى التيه أي عدمية قيمية مطلقة.

ثانيا: سيكولوجيا "المركز":

العقل البشري يميل دائما لخلق "مركز للعالم" يمثل مرجعا يلجأ إليه الإنسان وبدون هذا المرجع المتعالي سواء كان دينا أو دستورا مقدسا يشعر الإنسان بما يسمى "الرعب الوجودي" لأن المرجع  لا يقدم الحقيقة فحسب بل يقدم "التماسك الروحي والاجتماعي" أيضا. فالمجتمع ينهار إذا أصبح لكل فرد "حقيقته الخاصة" نحن بحاجة لـ "مؤلف واحد" للنص الاجتماعي لكي نستطيع العيش معا.

ثالثا: استحالة "إعادة التقييم الشاملة":

ربما كان نيتشه "حالما" أكثر من اللازم عندما ظن أن البشر يمكنهم ابتكار قيمهم من الصفر فالواقع التاريخي يثبت أننا دائما ما نعيد تدوير القيم القديمة. حتى الحركات الإلحادية المعاصرة تتبنى "أخلاقا" تكاد تكون نسخة طبق الأصل من الأخلاق الدينية لكن بأسماء علمانية مثل تقديس الحياة، المساواة، العدالة.

الثابت فلسفيا أن العقل الإنساني لا يحتمل الفراغ القيمي فيقوم بملئه بأي مرجع متاح يمنحه صفة "المطلق".

رابعا: نيتشه مقابل البنيوية:

هنا تظهر الفجوة فنيتشه يريد "تحطيم" كل المراجع المتعالية لكي يولد الفرد القوي فيصبح خالقا لقيمه.

لكن هذا "التحطيم" مستحيل فلسفيا لأن المرجع هو جزء من "هندسة العقل" ذاته. الإنسان "حيوان باحث عن المعنى" والمعنى يتطلب وجود نقطة ارتكاز خارج ذات الفرد وهذا يجعل "التحطيم غير مكتمل المهمة حيث نطرد الإله من الباب وندخله من الشباك.

و تأسيسا على هذا - أي أن العقل الإنساني مبرمجا على الحاجة لـ "مؤلف"- فإن صرخة نيتشه (موت الإله) قد لا تكون إعلانا للحرية بل هي توصيف لـ "يتم وجودي" لا يمكن الشفاء منه.

نحن محكومون بالبحث عن "الأب" حتى لو قتلناه.

مآلات موت الإله:

لنتوقف عند سؤال: إذا كان المجتمع لا يمكن أن يقوم بدون "مرجع متعال" (مؤلف) فهل أن العودة للقيم التقليدية لكن بوعي جديد هي الحل؟ أم أن البشر سيخلقون "آلهة جديدة" (مثل التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي) لتلعب دور المرجع المتعالي في المستقبل؟ والجواب أن البشر سيخلقون "آلهة جديدة" دائما بسبب خوفهم من "الرعب الوجودي" فالبنية الذهنية للإنسان لا تطيق "الفراغ المرجعي".

وبما أن العقل الإنساني مبرمجا على الحاجة إلى "مركز" فإنه حين يفقد المركز القديم لا يتحرر بل يسارع لبناء مركز جديد يملأ به هذا الفراغ الوجودي.

والدليل في عصرنا الحالي هذه "الآلهة الجديدة" قد بدأت تتشكل بالفعل وهي تتخذ طابعا تقنيا وعلميا بدلا من الطابع الغيبي القديم حيث بدأنا نمنح الخوارزميات والذكاء الاصطناعي صفات كانت محصورة في "الإله" مثل "كلية المعرفة" نحن نثق في " گوگل" أو "الذكاء الاصطناعي" للإجابة على أصعب أسئلتنا الأخلاقية والعملية أكثر مما نثق في حدسنا وصار "گوگل" مرجعنا فبمجرد أن نختلف على معلومة يقول أحد الأصدقاء: "گوگلها".

هذا التسليم الطوعي هو نوع من "العبادة التقنية" حيث المرجع المتعالي هنا هو "البيانات الضخمة". "فكلية المعرفة" كانت صفة للإله وصارت اليوم صفة "لگوگل".

هذا هو المسار الذي تنبأ به نيتشه "تأليه الإنسان" حيث يسعى الإنسان عبر التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي إلى امتلاك صفات إلهية:

كمطلب الخلود عبر الطب الجيني أو تحميل الوعي

"القدرة الكلية" عبر التحكم في الطبيعة والمناخ والجينات.

هنا يصبح الإنسان المستقبلي "السوبر مان" هو الإله المتعالي الذي نضحي بالحاضر من أجل الوصول إليه.

نحن نكرر نفس الدورة فالبنية لا تتغير ما يتغير فقط هو "الشكل" نحن نرى تكرارا لنفس البنية:

 مرجع متعال (سابقا: الإله / حاليا: التكنولوجيا/ البيانات).

 نص مقدس (سابقا: الكتب الدينية / حاليا: الكود/ الخوارزمية).

 وعد بالخلاص (سابقا: الجنة / حاليا: الرفاهية المطلقة/ الخلود التقني).

النتيجة الوجودية:

أعتقد لو كان نيتشه بيننا اليوم لقال: إننا لم نقتل الإله لنصبح أحرارا بل قتلناه لنصنع إلها من "سيليكون" و"أسلاك" إلها أكثر صرامة ومراقبة منا في أي وقت مضى وهذه مفارقة تراجيدية الإنسان هرب من "سلطة الغيب" ليبحث عن الحرية فوجد نفسه يسلم زمام أمره لـ"سلطة التقنية الرقمية" وهي سلطة أشد اغترابا لأنها تفتقر إلى "الوجه" أو "المعنى الإنساني".

وهذا الاغتراب الجديد في ظل "الآلهة الرقمية" يختلف عن الاغتراب القديم في ظل الإله الواحد في عدة نقاط جوهرية:

1. غياب "الذات" مقابل "البيانات":

في المنظومات القديمة كان هناك "مؤلف" (إله) يهتم بالروح البشرية ككيان فريد. أما في عصر "الإله الخوارزمي" فالإنسان لا يُنظر إليه كذات بل كـ "حزمة بيانات" الاغتراب هنا هو أن تشعر بأن أعمق رغباتك وقراراتك ليست نابعة منك بل هي نتيجة معادلة رياضية تتوقع سلوكك وتوجهه. أنت مغترب عن "إرادتك" نفسها.

2. الصمت الرقمي (برودة الآلة):

كان الإنسان القديم يستطيع "محاورة" إلهه عبر الصلاة أو التأمل وكان هناك مساحة للرحمة أو الاستثناء. أما الخوارزمية فهي "قانون بلا قلب" لا تقبل التوبة لا ولا تمنح "الغفران".

فإذا قررت الخوارزمية أنك "غير مؤهل" لقرض أو وظيفة أو حتى لظهور منشورك فلا يوجد كيان روحي يمكنك استعطافه. هذا الجمود يزيد من شعور الإنسان بأنه عبارة عن برغي في ماكينة عملاقة. كان الإنسان إذا أستوحد و أستوحش يقول: يا أُنس المستوحشين في الظُلم.

حينها يشعر بالسكينة والأمان اليوم لا أنس مع آلة صماء لا تعرف المعنى.

3. "سجن" التوقعات:

الآلهة الجديدة لا تراقب أفعالك فقط بل تستبقها. الاغتراب يزداد عندما تجد أن "الإله الجديد" يعرف ما ستطلبه قبل أن تطلبه أنت هذا يقتل "عنصر المفاجأة" و"حرية التجاوز" التي نادى بها نيتشه. الإنسان يصبح سجين "بروفايله" الرقمي فإذا قررت الآلة أنك شخص يحب الفلسفة  ستظل تحاصرك بهذا المحتوى مما يمنعك من التحول أو التغير .

4. تحول "المقدس" إلى "فعالية":

في السابق كان المرجع المتعالي يمنح "قداسة" للحياة. الآن المرجع المتعالي (التكنولوجيا) يمنح فقط "فعالية".

نحن نعيش في عالم يعمل بدقة مذهلة لكنه يفتقر إلى "الروح". وكما يقول السوسيولوجي "ماكس فيبر: " نحن نعيش في

"القفص الحديدي" للعقلانية الأداتية حيث كل شيء محسوب لكن لا شيء له معنى عميق".

الإنسان المعاصر إذن هو "يتيم مرتين" مرة لأنه فقد "الأب السماوي" الذي كان يمنحه المعنى ومرة لأنه وجد نفسه تحت رحمة "سيد آلي" يمنحه كل شيء (رفاهية، معلومات، تواصل) لكنه يسلبه "ذاته".

هذا الاغتراب هو الثمن الذي ندفعه مقابل "النظام" الذي يمنع المجتمع من الانهيار.

لقد استبدلنا "دفء المطلق" بـ"برودة النظام المطلق".

هذه هي مآلات موت الإله.

للحديث بقية.

***

سليم جواد الفهد

بين التباين اللفظي والتلاقي المعنوي في تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت

مقدمة: تمثل المجادلة الفلسفية بين أبي حامد الغزالي (450-505 هـ) وأبي الوليد ابن رشد (520-595 هـ) واحدة من أبرز اللحظات الجدلية في تاريخ الفكر الإسلامي. يأتي كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة كمحاولة نقدية حادة للفلسفة اليونانية المتمثلة في أرسطو وأفلاطون وتلامذتهما المسلمين مثل الفارابي وابن سينا، بينما يرد ابن رشد في تهافت التهافت دفاعاً عن الفلاسفة، معتبراً أن الغزالي أساء الفهم أو حمل النصوص ما لا تحتمل. يتمحور التحليل حول ثنائية "التباين اللفظي" (اختلاف في الصياغة والمصطلحات والمنهج) و"التلاقي المعنوي" (التقارب في الأهداف العميقة والالتزام بالإسلام والسعي إلى الحقيقة). يُظهر هذا التلاقي أن الخلاف ليس بين الإيمان والكفر، بل بين منهجين في التوفيق بين العقل والنقل: الكلام والتصوف عند الغزالي، والبرهان الفلسفي عند ابن رشد. سنتناول أولاً سياق كل كتاب، ثم أبرز نقاط الخلاف الرئيسية، ثم نقاط التقارب، وأخيراً دلالات هذه المجادلة. ماهي خلفية هذه المجادلة ومبرراتها؟

أولاً: سياق "تهافت الفلاسفة" عند الغزالي

كتب الغزالي تهافت الفلاسفة بعد أزمة روحية عميقة، حيث شكك في قدرة العقل وحده على الوصول إلى الحقائق الإلهية. ينتقد فيه عشرين مسألة فلسفية، ويُكفر الفلاسفة في ثلاث: قدم العالم، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وإنكار البعث الجسماني. يستخدم الغزالي أسلوباً جدلياً كلامياً، يعرض حجج الفلاسفة ثم يفندها بإظهار تناقضاتها الداخلية أو تعارضها مع النقل. في مسألة السببية، يرفض الضرورة الطبيعية ويؤكد أن الله هو السبب الحقيقي الوحيد، والعلاقات بين الأشياء عادة إلهية يمكن خرقها (المعجزات). أما قدم العالم فيراه تعطيلاً للخلق والقدرة الإلهية. يهدف الغزالي إلى حماية العقيدة من النزعة اليونانية التي قد تؤدي إلى الطعن في الوحي، مع الاعتراف بقيمة المنطق والفلسفة في مجالات محدودة.

ثانياً: "تهافت التهافت" عند ابن رشد – الرد المضاد

يرد ابن رشد بنمط حواري، يقتبس نصوص الغزالي ثم يفنده نقطة بنقطة. يدافع عن الفلسفة كطريق برهاني يتوافق مع الشريعة، معتبراً أنها "أخت" للدين. يتهم الغزالي بسوء فهم الفلاسفة أو الخلط بين مستويات الخطاب (الخاص والعام). في السببية، يدافع ابن رشد عن الضرورة الطبيعية كتعبير عن حكمة الله، معتبراً إنكارها يفضي إلى انهيار المعرفة العلمية والأخلاقية. أما قدم العالم فيفسره بطريقة أبدية الخلق من الله الذي هو علة أولى، دون أن ينفي الاعتماد على الله. وفي معرفة الله بالجزئيات، يوضح أن الفلاسفة يؤكدونها بطريقة كلية لا تنفي الجزئي. وبالنسبة للبعث، يميز بين المستويات التأويلية للنصوص. كما يؤكد ابن رشد أن البرهان العقلي لا يتعارض مع الوحي الحق، وأن التناقض الظاهر يعود إلى اختلاف الجمهور عن الخواص في فهم الرموز الدينية.

ثالثاً: نقاط التباين اللفظي والمنهجي

يظهر التباين أولاً في المنهج: الغزالي متكلم صوفي يقدم النقل والذوق على البرهان المطلق، بينما ابن رشد فيلسوف يرى في البرهان الطريق الأسمى للخواص. يستخدم الغزالي الشك المنهجي ليصل إلى حدود العقل، بينما يدافع ابن رشد عن قدرة العقل على اليقين. في السببية والطبيعة، يرى الغزالي العالم كممكن يعتمد على إرادة إلهية لحظية، مما يفتح باب المعجزات. أما ابن رشد فيؤكد النظام السببي كتعبير عن اللوغوس الإلهي، محذراً من أن الإنكار يؤدي إلى فوضى معرفية. في قدم العالم، يرفض الغزالي أي أزلية للعالم لأنها تنفي الخلق من العدم. يرد ابن رشد بتمييز بين الزمني والأزلي، معتبراً العالم "حادثاً" بمعنى اعتماده على الله، و"قديماً" بمعنى عدم سبق عدم مطلق. أما معرفة الله والبعث، فيتهم الغزالي الفلاسفة بالتقصير، بينما يرى ابن رشد أن الخلاف لفظي أو تأويلي، وأن النصوص تحتمل التأويل الفلسفي للخواص. هذا التباين لفظي وأسلوبي في كثير من جوانبه، إذ يتحدث كل منهما بلغة مختلفة: كلامية-صوفية مقابل برهانية-أرسطية.

رابعاً: التلاقي المعنوي والأهداف المشتركة

رغم التباين، يلتقي الرجلان معنوياً في نقاط جوهرية. كلاهما مؤمن ملتزم بالإسلام، يسعى إلى الدفاع عن التوحيد والنبوة. يتفقان على وجود الله، ووحدانيته، وقدرته المطلقة، وعدالته. كلاهما يرفض الإفراط في التقليد أو النزعة المادية، ويؤكدان على أهمية العقل في مجاله.

يتقاربان في التوفيق بين العقل والنقل: الغزالي يستخدم العقل ليحد منه، وابن رشد يستخدمه ليؤكد توافق الشريعة معه. كلاهما يميز بين مستويات الخطاب (عامة وخاصة). في بعض المسائل، يعترف ابن رشد بصحة بعض انتقادات الغزالي على ابن سينا تحديداً، لا على أرسطو أو الفلسفة الحقة.

يلتقيان في الغاية الإيديمونية: السعادة الحقيقية في معرفة الله والعمل الصالح. كما يشتركان في نقد بعض جوانب الفلسفة اليونانية غير المتوافقة مع الإسلام. يظهر التلاقي أيضاً في تأثيرهما: الغزالي أثر في التجديد الروحي، وابن رشد في الفكر العقلاني، وكلاهما ساهم في إثراء الفكر الإسلامي.

خاتمة

تجسد مجادلة الغزالي وابن رشد في التهافتين ديناميكية الفكر الإسلامي: تباين لفظي في المصطلحات والمناهج، وتلاقٍ معنوي في الأهداف والإيمان. ليست خاتمة للفلسفة الإسلامية، بل بداية لتجددها المستمر. في عصر يواجه تحديات العلمانية والتطرف، يبقى هذا الحوار شاهداً على قدرة التراث الإسلامي على استيعاب التنوع الفكري دون فقدان هويته. تمثل هذه المجادلة نموذجاً للحوار الفكري الراقي داخل التراث الإسلامي. ليست صراعاً بين الدين والفلسفة، بل جدلاً حول أفضل الطرق لخدمة الحقيقة. التباين اللفظي يخفي تلاقياً معنوياً في الالتزام بالوحي والسعي إلى اليقين. في عصرنا، تذكرنا هذه المجادلة بأهمية التوازن بين العقل والنقل، والحاجة إلى مناهج متعددة لفهم الوجود. لا ينتصر أحدهما على الآخر مطلقاً، بل يغني كل منهما الآخر. الغزالي يحمي الإيمان من النزعة العقلانية الجافة، وابن رشد يحمي العقل من الجمود أو الخرافة. إنها دعوة للحوار البنّاء بين التيارات المختلفة، سعياً إلى الحقيقة التي يلتقي عندها العقل والقلب والوحي. فماهي دلالات المجادلة بين الغزالي وابن رشد وأبعادها المعاصرة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

هل ما زال من الممكن بناء بدايات يقينية للفكر؟

منذ أن أعلن نيتشه موت الإله لم يقتصر الرحيل على كائن متعالٍ يضمن معنى الكون ونظامه، بل امتد ليشمل كل ضمانة ميتافيزيقية كانت الفلسفة الغربية تتوسدها في سعيها وراء يقين لا يتزعزع. فإذا كان الإله قد رحل فإن ما رحل معه هو فكرة الأساس المطلق، ذلك المركز الثابت الذي كانت تدور حوله مدارك المعرفة والقيم والحقيقة. وقد وجدت الفلسفة المعاصرة نفسها أمام سؤال يهدد كيانها من الداخل: هل ثمة بداية يمكن البناء عليها؟ أم أن كل محاولة لتأسيس يقين ما هي إلا وهم آخر من أوهام العقل الذي لم يستوعب بعد أنه لم يعد يملك ضماناً خارجياً أو داخلياً لفكراته؟ إن إشكالية التأسيس لم تعد مجرد مسألة منهجية تهم فلاسفة المعرفة فقط وإنما أصبحت جرحاً مفتوحاً في جسد التفلسف ذاته، جرحاً ينزف أسئلة حول إمكانية الحقيقة وشرعية الأحكام الأخلاقية وفاعلية الخطاب السياسي وقيمة الإبداع الفني.

إن الأزمة التي تعبر عنها الفلسفة المعاصرة ليست أزمة عابرة وإنما هي أزمة بنيوية تعكس تحولاً كوبرنيكياً آخر، لكن هذه المرة ليس باتجاه الذات المفكرة كما عند كانط بل باتجاه الاعتراف بالعجز نفسه. فبعد أن أثبتت الفلسفات الوضعية والتحليلية فشل كل محاولة لتأسيس المعرفة على حقائق ذرية غير قابلة للاختزال، وبعد أن كشفت التيارات الوجودية والتفكيكية عن أن كل يقين هو في الحقيقة بناء لغوي أو تاريخي أو نفسي، أصبح السؤال المشروع هل يمكن للفلسفة أن تستمر في لعب دورها التقليدي كحارس لليقين ومؤسس للمعرفة؟ أم أن عليها أن تتحول كما يقترح البعض إلى مجرد نشاط تأويلي يفسر ولا يؤسس أو إلى علاج لغوي يحلل ولا يبني؟

ستحاول هذه المقاربة في طياتها التالية أن تسبر أغوار هذه الإشكالية من خلال العودة إلى بعض المحاولات التأسيسية الكبرى في الفلسفة المعاصرة وانكشاف هشاشتها الداخلية ثم استشراف الإمكانات المتبقية أمام التفكير الفلسفي اليوم. ولن يكون الهدف هو تقديم حل نهائي أو وصفة سحرية لبناء يقين جديد، فهذا هو بالضبط ما أعلنت الفلسفة المعاصرة استحالته بل الهدف هو أن نتعلم كيف نفكر في غياب البديهيات وكيف نعيش مع أسئلتنا دون أن نخنقها بإجابات ميتة. لأن مفارقة الفلسفة في أعمق لحظاتها أنها تظل ممكنة فقط ما دامت تتساءل عن إمكانيتها وما دامت تبدأ من حيث لا توجد بداية يقينية وما دامت تتجرأ على الخطو على أرض لا شيء فيها ثابت سوى رغبتها في الفهم.

ثمة سؤال يهزُّ أركان التفلسف في لحظته الأكثر حميمية، سؤال يتعلق بإمكانية البدء أصلاً، بإمكانية أن نضع قدمنا على أرض صلبة قبل أن ننطلق في رحلة المعرفة. هذا السؤال الذي تصدَّع في وضح النهار القارّ، ذلك النهار الذي خيّل للعقل الأوروبي أنه قد بلغ فيه ذروة نضجه واكتماله، ليفاجأ بأن ما اعتبره أرضية راسخة لم يكن سوى وهم البدايات أو ربما رغبة خفية في البداية أكثر مما هو بداية حقيقية. فالفلسفة المعاصرة منذ أن شرع نيتشه في تحطيم أصنام اليقين وهي تعيش أزمة تأسيس حادة، بل ربما تعيش استحالة التأسيس نفسها، ذلك أن كل محاولة لبناء بداية يقينية سرعان ما تنقلب على نفسها وتكشف عن هشاشة مؤسسة لا تلبث أن تذوب بين يدي من يمسك بها.

لم تكن الفلسفة دائماً بهذه الحيرة إزاء بداياتها. كان ديكارت ذلك الجندي الذي وجد نفسه ذات مساء جالساً في "كانونشتوفين" ليقرر أن يهدم كل شيء ويعيد البناء من الصفر يمثل نموذج الرجل الواثق من إمكانية التأسيس. لم يتردد في أن يشك في كل شيء، في الحواس، في الرياضيات، في وجود العالم الخارجي، حتى في وجود الله، ليصل في النهاية إلى نقطة لا يشك فيها: "أنا أفكر، إذن أنا موجود". هنا في هذه الومضة الأولى من اليقين، ظن ديكارت أنه قد وجد الأساس الذي لا يتزعزع، الحجر الأول الذي يمكن أن تبنى عليه صروح المعرفة الإنسانية كلها. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بعنف اليوم هل كان ذلك اليقين يقيناً حقاً؟ أم كان مجرد قرار إرادي بالتوقف عن الشك لحظة من لحظات الضعف التي يخاف فيها العقل من هوة اللانهائي فيقرر أن يغلق الباب ويقول: "هنا أقف"؟

ما لبثت الفلسفة أن اكتشفت عبر مسارها التاريخي أن كل "أنا" ديكارتية هي محكومة بسياقها اللغوي والتاريخي والاجتماعي. فكانط الذي أيقظه هيوم من سباته الدوغمائي لم يبحث عن يقين خارجي بل بحث عن شروط إمكانية المعرفة نفسها. إن كان ديكارت يبحث عن حجر الأساس خارج العقل فإن كانط اكتشف أن العقل هو الذي يضع أساساته بنفسه، لكنه يضعها في عالم الظواهر لا في عالم الأشياء في ذاتها. الفعل الكانطي التأسيسي لم يمنحنا يقيناً مطلقاً بل منحنا يقيناً مشروطاً، يقيناً محكوماً بأطر قبلية هي التي تنظم خبرتنا للعالم. الزمان والمكان، فئات الفهم هذه كلها ليست حقائق عن العالم بل هي نظارات نرتديها ولا نستطيع خلعها. فكيف لنا إذن أن نزعم أننا قد وصلنا إلى بداية يقينية ونحن لا نعرف ما وراء نظاراتنا؟

ثم جاء هيغل ليقلب الطاولة كلية. بالنسبة لهذا المفكر الذي أراد أن يختصر الفلسفة بأسرها في موسوعته العملاقة لم يعد التأسيس ممكناً بالنسبة له من نقطة صفر، لأن نقطة الصفر نفسها هي نتاج مسار. الروح لا تبدأ من لا شيء، الروح تتذكر وتختزل في داخلها تاريخها بكامله. ما نعتبره بداية هو في الحقيقة نتيجة. هيغل يرى أن الفلسفة لا يمكنها أن تبدأ ببداهة كديكارت لأن البداية الحقيقية هي في نهاية المطاف. هذه الدائرة الهيغلية التي يبدو فيها كل شيء يعود إلى بدايته تعبر عن أزمة عميقة: كيف نؤسس والمعرفة التي نؤسس بها هي نفسها بحاجة إلى تأسيس؟ هذا الإشكال الذي يعبر عنه هيغل بمفهوم "البداية المباشرة" التي تتحول إلى وساطة لم يعد مشكلة نظرية بقدر ما أصبح وصفاً لحالتنا الفلسفية.

مع كيركغور ذلك الدانمركي العاصف الذي خاض معركة وحيدة ضد المنظومة الهيغلية، دخلت إشكالية التأسيس إلى منطقة أكثر قلقاً. ليس اليقين هو ما يهم بل الإيمان، لكن إيماناً لا يمكن أن يتأسس على شيء سوى القفزة النوعية. الوجودي عند كيركغور لا يحتاج إلى يقين نظري بل يحتاج إلى قرار شخصي لا يمكن تبريره. هذا يعني أن الفلسفة إن أرادت أن تكون جادة فعليها أن تتخلى عن حلم اليقين وتتقبل أن البدايات هي دائماً بدايات قفزية، بدايات لا تستند إلى أرض صلبة بل إلى قرار ذاتي مطلق. وهنا نلمح المأساة إن أردنا تأسيساً يقينياً خسرنا الوجود؛ وإن أردنا الوجود خسرنا اليقين.

ثم جاء نيتشه بمنسفه ليضرب في عمق هذه القضية. ما يسميه ديكارت "أنا أفكر" ليس أكثر من تأثير نحوي، إيمان بالجوهر حيث لا جوهر. "وراء أفكارك ومشاعرك أيها الأخ يقف قائد جبار، بطل مجهول – إنه يدعى الذات". لكن هذه الذات بالنسبة لنيتشه ليست جوهراً بل هي إرادة قوة، رغبة في التغلب على الذات والتمدد خارج حدودها. لا يوجد يقين يسبق الرغبة بل الرغبة هي التي تخلق ما يسمى باليقين. فعندما أقول "أنا أفكر"، أنا أمارس فعلاً إرادياً أريد به أن أسيطر على فوضى العالم الداخلية. اليقين ليس كشفاً بل هو اختراع. وهنا تكمن المفارقة الكبرى كل ما نبنيه من يقين هو مجرد بناء فوق رمال متحركة لكننا نظل نسميه "أساساً".

هذه الأزمة التي اكتشفتها الفلسفة القارية ووجدت لها صدى في التقليد التحليلي على يد فتغنشتاين. في "رسالة المنطق-الفلسفية"، حاول الفيلسوف النمساوي أن يرسم حدوداً للفكر والعالم معتقداً أن اللغة تمثل صورة للواقع وأنه يمكننا أن نبني نظاماً رمزياً دقيقاً يطابق بنية العالم. هنا كان هناك أمل في تأسيس يقيني، تأسيس يعتمد على التحليل المنطقي للغة، على فكرة أن هناك حقائق ذرية لا تقبل الشك ويمكنها أن تكون الأساس لكل المعرفة. لكن فتغنشتاين نفسه في "تحقيقاته الفلسفية" المتأخرة هدم هذا المشروع بأسره. لم تعد اللغة صورة للعالم وإنما أصبحت لعبة، لعبة لغوية تتعدد بتعدد السياقات. معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة. وإذا كان الأمر كذلك فأين نجد البداية اليقينية؟ إنها تختفي خلف تعدد الألعاب اللغوية، خلف اختلاف قواعد اللعبة من سياق إلى آخر. ما هو يقين في سياق الفيزياء ليس يقيناً في سياق الأخلاق، وما هو يقين في سياق الحياة اليومية ليس يقيناً في سياق التأمل الفلسفي.

مارتن هايدغر ذلك المفكر الذي حفر عميقاً في مسألة الوجود، ذهب إلى ما هو أبعد من هذا كله. بالنسبة له إشكالية التأسيس التي نعانيها ليست مجرد مشكلة نظرية بل هي تعبير عن نسيان الوجود. الفلسفة الغربية منذ أفلاطون وأرسطو وهي تفكر في الكائنات متناسية الكينونة ذاتها. عندما يحاول ديكارت أن يؤسس الفلسفة على "أنا أفكر"، إنه ينسى السؤال الأكثر جوهرية ما معنى أن أكون "أنا"؟ ما معنى أن يكون الوجود؟ الوجود ليس كائناً فلا يمكن تأسيسه عليه. الوجود هو ما يجعل كل كائن ممكناً وبالتالي هو شرط إمكانية التأسيس نفسه، لكنه لا يمكن أن يصبح موضوعاً لمعرفة يقينية لأنه يسبق كل معرفة. هذا يعني إذا ما فهمنا هايدغر بشكل صحيح أن التأسيس الوجودي يتطلب منا أن نتخلى عن حلم اليقين الموضوعي وننفتح على لغز الوجود وعلى تلك الحقيقة التي تظهر وتختبئ في آن واحد. البداية من هذا المنظور هي لحظة الانفتاح على السؤال وليس لحظة الإمساك بالجواب.

هذا النسيان الذي تحدث عنه هايدغر لم يكن مجرد سهو معرفي بل كان ضياعاً للدهشة الأصلية التي تسبق كل فلسفة. قبل أن نسأل عن اليقين يجب أن نسأل لماذا نريد اليقين أصلاً؟ أليس هذا الإلحاح على التأسيس وعلى البدء من نقطة صفر تعبيراً عن خوف وجودي أعمق؟ خوف العقل من عدم قدرته على السيطرة على العالم وخوف الإنسان من الفوضى واللاحتمية التي تحيط به من كل جانب. الفلسفة المعاصرة وبخاصة في تيارها التفكيكي لم تكتف بإشهار استحالة التأسيس بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث حللت هذه الرغبة في التأسيس ذاتها وكشفت عن خلفياتها الإيديولوجية والسلطوية.

جاك دريدا ذلك المفكر الذي قلقل أسس الفلسفة الغربية بأدواتها الخاصة وأظهر أن كل تأسيس ينطوي على فعل عنف. لنعد إلى ديكارت قليلاً: من أين جاء ديكارت باليقين؟ من عملية "مسح" كل ما هو مشكوك فيه. لكن من الذي يمسح؟ ومن الذي يقرر ما يستحق الشك وما لا يستحق؟ إنها الذات المفكرة، ذلك الكوجيتو الذي يضع نفسه كقاضٍ على كل شيء بما في ذلك على وجود الله والعالم. هنا في هذه البداية الظاهر أنها بريئة، يمارس ديكارت عنفاً تمثيلياً: هو يمثل كل شيء أمام محكمته ويصدر أحكاماً بوجودها أو عدم وجودها. هذا الفعل التأسيسي الذي يبدو أنه يمنح الحرية للعقل هو في الحقيقة فعل استعباد للآخر، للعالم، للجسد، للتاريخ. عندما نؤسس فنحن نمارس نوعاً من التمركز حول الذات، والذات دائماً تستبعد ما لا تستطيع أن تحتويه.

دريدا بمفهومه "للاختلاف" أو "التفريق" الذي يجمع بين معنى الاختلاف والتأجيل، يزعم أن المعنى لا ينبع من مصدر أصلي بل من شبكة من العلاقات المتأخرة والمؤجلة. لا توجد بداية مطلقة لأن كل بداية هي بالفعل تكرار لما سبقها وكل أصل هو بالفعل مشتق من غياب الأصل. اللغة هذه الوسيلة التي نحاول أن نبني بها يقيننا لا تعمل كمرآة صافية تعكس الواقع بل تعمل كنسيج من الإحالات التي لا تنتهي. المعنى ليس حاضراً في الكلمة بل هو غائب، مؤجل، متوقف على كلمات أخرى غائبة. فإذا كانت لغتنا نفسها لا تستطيع أن تحقق حضوراً كاملاً للمعنى فكيف لنا أن نؤسس عليها يقيناً في الوجود أو في الذات؟ هذا لا يعني أننا نقع في العبثية بل يعني أن التأسيس ليس لحظة انطلاق بل هو حركة لا تنتهي من المقاربة والمغادرة. نبدأ ولا نبدأ أبداً لأن البدء يعني الدخول في متاهة من الإحالات التي لا تؤدي إلى مركز ثابت.

من زاوية أخرى وربما أكثر حدة، تناول إيمانويل ليفيناس هذه القضية. بالنسبة لليفيناس الذي كانت تجربته الشخصية كيهودي نجا من المحرقة تشكل خلفية كل كتاباته، إن إشكالية التأسيس التي أتعبت الفلسفة الغربية هي إشكالية أنانية في جوهرها. كل السؤال عن اليقين، عن البداية الثابتة، عن "الأنا" التي تعرف وتسأل، هو سؤال يضع "الأنا" في المركز. لكن ماذا لو كان ما يسبق كل بداية ليس يقيناً معرفياً بل مسؤولية أخلاقية؟ ماذا لو أنني لا أبدأ بفعل "أنا أفكر"، بل بفعل "أنا مسؤول عن الآخر"؟ ليفيناس يقدم قلباً جذرياً: وجه الآخر، ذلك الوجه العاري الذي يطل عليّ من فقره ومن موته المحتمل، هو الذي يؤسسني وليس العكس. قبل أن أكون كائناً مفكراً، أنا كائن مرتهن للآخر. طلبه، نداؤه، أمره "لا تقتل"، هي التي تخلق فيّ الأنا الحقيقية. من هذا المنظور لم يعد السؤال "كيف أؤسس يقيني؟" بل السؤال "كيف أتحمل مسؤوليتي عن الآخر؟" وهنا يصبح التأسيس ممكناً لكن بطريقة مغايرة تماماً، التأسيس ليس بناء صرح من المبادئ الصلبة بل هو استجابة لحالة طارئة، لحضرة وجه لا يمكن اختزاله إلى موضوع معرفة. إنه تأسيس أخلاقي لا معرفي، تأسيس لا يبدأ من شك منهجي بل من حب مسبق ومن علاقة أصيلة مع الآخر تتجاوز كل حسابات العقل.

في التقليد الأنغلوسكسوني كانت الأزمة التمثيلية أكثر هدوءاً لكنها لا تقل عمقاً. فلاسفة العلم وبخاصة بعد توماس كون، كشفوا أن ما نسميه "المعرفة العلمية الموضوعية" ليس في الحقيقة سوى نتاج إجماع مجتمع علمي في فترة تاريخية معينة. النماذج العلمية أو "الباراديغمات" لا يمكن مقارنتها ببعضها البعض بسهولة لأن كلا منها يقدم معاييره الخاصة للصحة والخطأ. عندما ينتقل العلم من نموذج إلى آخر لا يمكننا القول ببساطة إن النموذج الجديد "أكثر صدقاً" من القديم، بل يمكننا القول إنه "أكثر قدرة على حل الألغاز" في إطار معين. كارل بوبر الذي عارض بشدة هذا النسبية حاول أن ينقذ فكرة الموضوعية العلمية من خلال مفهوم "القابلية للتكذيب". المعرفة العلمية لا تقوم على التحقق من الفرضيات بل على محاولة تكذيبها. ما لا يمكن تكذيبه بعد محاولات جادة نعتبره مؤقتاً صحيحاً. لكن حتى هذا الحل لا يمنحنا يقيناً مطلقاً بل يقيناً احتمالياً، يقيناً يظل مفتوحاً على إمكانية التفنيد في المستقبل. يبقى السؤال هل يمكننا أن نعيش مع يقين احتمالي؟ هل تكفي الفلسفة؟ أم أن الفلسفة تريد دائماً ما هو أكثر مما يمكن للعلم أن يقدمه؟

ثمة اتجاه آخر تجلى في أعمال ريتشارد رورتي، ذهب إلى التخلي تماماً عن فكرة التأسيس كهدف فلسفي. رورتي الذي تأثر بالبراغماتية الأمريكية وبخاصة ويليام جيمس وجون ديوي، يرى أن الفلسفة الغربية قد أنهكت نفسها بسعيها الأحمق وراء "المرآة" التي تعكس الحقيقة. ليس هناك تمثال صحيح للعالم ولا أساس مطلق للمعرفة. ما لدينا هو محادثة، حوار مستمر بين أفراد المجتمع، يضعون معاً معايير ما يعتبر مبرراً وما لا يعتبر كذلك. يذهب رورتي إلى اقتراح ما يسميه "الثقافة ما بعد الفلسفية"، وهي ثقافة لا تطلب من أي جزء من الثقافة أن يتأسس على شيء خارج نفسه. الفيزياء لا تحتاج لتأسيس على الميتافيزيقا والأخلاق لا تحتاج لتأسيس على الدين والأدب لا يحتاج لتأسيس على الفلسفة. كل هذه الألعاب اللغوية تعمل وفق قواعدها الخاصة، والتبرير هو دائماً تبرير أمام جماعة معينة وليس أمام "العقل الكوني". من هذا المنظور إشكالية التأسيس تصبح مشكلة زائفة ووهم ولد من إصرار الفلسفة على أن تكون "القاضية" على سائر الخطابات في حين أن دورها الأكثر تواضعاً والأكثر فاعلية هو دور "المحرر" الذي يساعدنا على تنسيق الحوار بين مختلف أجزاء الثقافة.

ومع ذلك لابد أن نتساءل هل يمكننا فعلاً التخلي عن حلم اليقين بهذه السهولة؟ أليس في داخل كل إنسان حتى أكثر المفكرين تفكيكاً وبراغماتية رغبة خفية في أن يجد شيئاً ثابتاً يتمسك به؟ الفيلسوف الفرنسي ألان باديو الذي كان تلميذاً لألتوسير ورفيقاً لدريدا ثم انفصل عنهما يرى أن التفكيك يقود إلى طريق مسدود وإلى لا شيئية مريحة ولكنها عقيمة. باديو يحاول في مشروعه الطموح إعادة بناء الفلسفة على أسس جديدة. أساسه ليس الذات ولا اللغة ولا الوجود، بل مفهوم "الحدث". الحدث هو ما يحدث فجأة، يخرق النظام القائم للمعرفة ويخلق إمكانيات جديدة. في السياسة الثورة حدث؛ في الفن، تحول جذري في الأسلوب حدث؛ في الحب، اللقاء الذي يغير كل شيء حدث. الفلسفة بالنسبة لباديو هي التي تفكر في هذه الأحداث وتحاول أن تستخلص منها "حقائق" كونية. لكن هذه الحقائق ليست يقيناً ديكارتياً بل هي ولاءات، التزامات بقضية. نحن لا نعرف الحقيقة من خلال البرهان المنطقي بل نكتشفها من خلال المشاركة الوجدانية في حدث يغير العالم. هل هذا "تأسيس" جديد؟ إلى حد ما، نعم، لكنه تأسيس من نوع مختلف، تأسيس لا يبدأ من شك بل من إيمان مبدئي. تأسيس لا يطلب ضماناً خارجياً بل يخلق ضمانه الداخلي من خلال مدى قدرته على تغيير حياة الذين يلتزمون به.

في خضم هذه الرحاب المتشعبة من الأجوبة والمقاربات، نعود إلى سؤالنا الأول: هل ما زال من الممكن بناء بدايات يقينية للفكر؟ لعله آن الأوان لندرك أن هذا السؤال في صياغته هذه قد يكون جزءاً من المرض الذي يدعونا إلى طرحه. ربما تكون الرغبة في البداية اليقينية هي نفسها العقبة التي تمنعنا من بداية حقيقية. لأننا نريد بداية خالية من كل شائبة، بداية تشبه نقطة هندسية لا امتداد لها، متناسين أن كل بداية في الحياة الإنسانية تكون دائماً في منتصف الطريق. نولد في سياق تاريخي لم نصنعه ونتعلم لغة لم نبتكرها ونرث قيماً وتصورات لم نشارك في بنائها. الأنا الذي يريد أن يبدأ من الصفر هو وهم نشأ من نسيان هذه الشروط المسبقة.

ربما تكمن أهمية الفلسفة المعاصرة ليس في أنها قدمت لنا بدائل عن اليقين المفقود بل في أنها علمتنا أن نعيش مع فقدان اليقين. هذه ليست هزيمة بل نضج. يقول فتغنشتاين في لحظة من لمعانه: "إن حل إشكالية الحياة يرى في اختفاء هذه الإشكالية". هذا يعني أننا عندما ندرك أن السؤال عن معنى الحياة ليس له جواب في إطار اللغة العادية فإننا نتوقف عن طرحه وبذلك نكون قد حللناه عملياً. ربما ينطبق الشيء نفسه على إشكالية التأسيس. عندما ندرك أن البحث عن بداية يقينية مطلقة هو سؤال لا معنى له في إطار ألعابنا اللغوية الحية، أي أننا نتوقف عن تعذيب أنفسنا به وننصرف إلى ما هو أهم كيف نعيش معاً، كيف نبني المعرفة خطوة خطوة رغم هشاشتها، كيف نتخذ قرارات مصيرية ونحن نعلم أنها لا تستند إلى يقين مطلق.

لكن هذا لا يعني الانحدار إلى الريبية المطلقة. بين اليقين الديكارتي القاسي والريبية الشاملة المتشائمة هناك أرضية واسعة تسميها الفلسفة بـ "اليقين العملي" أو "الإيمان المعقول". هيغل قال إن "البومة مينيرفا تبدأ طيرانها عند الغسق". بمعنى أن الفلسفة لا تأتي لتعلن مبادئ قبل أن يبدأ التاريخ بل تأتي لتفهم بعد أن يكون التاريخ قد حدث. الفهم المتأخر ليس ضعفاً بل قوة، لأنه يستطيع أن يرى العواقب والمسارات التي غابت عن الفاعلين أنفسهم. إن التأسيس في الفلسفة المعاصرة ليس حدثاً يقع في البداية بل هو مهمة تستمر مدى الحياة. كل لحظة يمكن أن تكون بداية وكل بداية تحمل في داخلها نهايتها المحتملة.

ثمة لفتة جميلة لدى هانز جورج غادامر صاحب "الحقيقة والمنهج"، حين يتحدث عن مفهوم "الاندماج الأفقي". بالنسبة لغادامر نحن لا نبدأ فهمنا لنص أو لظاهرة من نقطة صفر بل من أفق تأويلي مسبق ومن "أحكام مسبقة" ليست كلها سلبية. هذه الأحكام هي شروط إمكانية الفهم وليست عوائق أمامه. التأسيس إذن، ليس هروباً من هذه الأحكام بل هو عمل على توعيتها ومراجعتها عبر الانفتاح على أفق الآخر. الحوار ليس وسيلة لتجاوز الذات بل طريقة لبناء يقين مشترك ومؤقت وديناميكي. هكذا يمكننا أن نقرأ معنى عميقاً في الكلمة الشهيرة لفاليري: "أعمق ما في الإنسان هو جلده". ليس هناك جوهر خفي نكتشفه بل هناك سطح، تفاعل، حدث. الفلسفة المعاصرة في أعمق لحظاتها علمتنا ألا نخاف من السطح.

ليس عيبًا أن تكون معرفتنا احتمالية؛ العيب أن نطلب منها يقينًا لا تحتمله، أو نتوقف عن السؤال لمجرد أننا وجدنا جوابا مؤقتا يكون قد نضج بما فيه الكفاية ليتحمل عدم اليقين. لم يعد الطفل الذي يبكي إذا لم يجد أرضاً صلبة تحت قدميه. أصبح أو سيصبح رجل البدايات المتعددة، يقفز جزئياً، يبني جزئياً، يهدم جزئياً دون أن ينتظر أن يمنحه أحد "اليقين" كهدية من السماء. ربما يكمن جمال الفلسفة في أنها لا تمنحنا اليقين بل تمنحنا الشجاعة للعيش بدونه. ربما يكمن سحر العقل في أنه لا يخاف من الانطلاق في رحلة بلا خريطة كاملة، بلا ضمان بالوصول. لأن الرحلة نفسها هي التأسيس والطريق هو البيت والشك هو اليقين الوحيد الذي لا يخون. هكذا نقف على أعتاب القرن الحادي والعشرين ننظر إلى إشكالية التأسيس بعينين لا تبحثان عن إجابة واحدة بل عن حياة ممكنة وعن حكمة تمشي على قدمين دون عصا اليقين المطلق. وربما فقط ربما، في هذه المشية المتعثرة نجد ما هو أعمق من كل يقين: نجد الإنسان، نجد سؤاله، نجد ضحكته وهو يدخل في متاهة جديدة، عالماً تمام العلم بأنه لا مخرج منها لكنه يمشي فيها لأنه يحب المشي أكثر مما يحب المخرج.

***

د. حمزة مولخنيف

من فيلولوجيا النص إلى جينولوجيا القيم

توقفنا عند سؤال نيتشه كيف أصبحت "الحقيقة" قيمة عظمى وكيف تم تشكيلها عبر التاربخ؟ تعددت مناهج البحث عن الحقيقة في الفلسفة من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة المعاصرة.

وهذا ما تمثل مع العديد من المناهج الفلسفية المعاصرة ولعل أبرز هذه المناهج المنهج الجينالوجي مع فريديرك نيتشه الذي اتخذ من الجينالوجيا طريقا ومنهجا للكشف عن مختلف صيرورات الحقيقة وتعددها انطلاقا من أن الجينالوجيا كحقل للبحث في الحقيقة يسعى من خلال النقد الذي يمارسه على الميتافيزيقا إلى تفكيك مختلف بناها وكذلك عوامل الخطاب الميتافيزيقي ومعرفة مكوناته المتحكمة فيه والتي أنشأته أيضا من خلال بحثها في ذلك التاريخ المنسي بالاستناد إلى التحليل الحفري لمختلف خطابات الحقيقة ثم السعي إلى تأويلها وتحريرها من نمط

المطلقية إلى أنموذج النسبية والتعدد أو الصيرورة والاستمرارية. ويتم هذا بإرجاع كل القيم إلى أصل واحد هو "إرادة القوة" باعتبارها مبدءا ومصدرا لكل حقيقة كيفما كانت.

سؤال نيتشه: «كيف أصبحت "الحقيقة" قيمة عظمى وكيف تم تشكيلها عبر التاريخ؟ يمثل أحد أهم مداخل الجينولوجيا الذي اعتمده نيتشه لزعزعة اليقينيات المطلقة في الفلسفة الغربية.

نيتشه هنا لا يسأل "ما هي الحقيقة؟" -وهو سؤال فلسفي تقليدي- بل يسأل عن "قيمة" الحقيقة وعن "أصل" هذا التقدير العالي لها. وبتفكيك هذا التساؤل الجوهري:

نقع على مراد نيتشه الحقيقة كـ "إرادة" وليس كـ "اكتشاف".

نيتشه يرى أن البشر لم يتوصلوا إلى الحقيقة عبر تجرد فكري بل إن "إرادة الحقيقة" هي نتاج دافع ديني وسياسي تاريخي فهو هنا يتحدى الافتراض القائل بأن الحقيقة شيء "مقدس" أو "متعال" اكتشفناه بالصدفة ويطرح بدلا من ذلك أنها أداة صيغت لخدمة غايات معينة مثل:

أ-: الأمان والبقاء: الإنسان بحاجة إلى عالم "ثابت" ليتمكن من العيش والحقيقة في أصلها هي مجموعة من المفاهيم "المستقرة" التي تجعل العالم قابلا للتنبؤ ومن ثم التحكم.

ب-: النظام: خلف البحث عن الحقيقة غالبا ما تكمن رغبة في فرض نظام على الفوضى لأن الإنسان لا يمكن أن تستمر حياته في الفوضى ولذلك الحقيقة هنا ليست مرآة للواقع بل هي "بناء" نضعه نحن في الواقع لنتحكم فيه من أجل بقائنا والبقاء هو المصلحة العليا التي تنضوي تحته كل المصالح.

ولهذا ينبهنا نيتشه في النهاية أن الحقيقة تتحول إلى أداة هيمنة لهدف البقاء وبتتبع علة ذلك أي كيف تحولت "الحقيقة" عبر التاريخ من أداة للبقاء إلى "قيمة عظمى" فنرى ذلك في:

1.المرحلة الميتافيزيقية أفلاطون: يرى نيتشه أن أفلاطون هو الجاني الأول حيث فصل بين "عالم الحقيقة" (عالم المثل) و"عالم الظواهر" (عالمنا الحسي). وجعل الحقيقة في مكان بعيد ومثالي مما جعل عالمنا الحسي يبدو ناقصا أو كاذبا.

2.المرحلة المسيحية: ورثت المسيحية هذا التوجه حيث تحولت "الحقيقة" إلى "الله". وأصبح البحث عن الحقيقة واجبا أخلاقيا وعبادة هنا فقدت الحقيقة استقلاليتها وأصبحت خادمة للدين.

3.المرحلة العلمية: يجادل نيتشه بأن العلم الحديث لم يتخلص من هذا النزوع بل لا يزال يبحث عن "حقائق مطلقة" بنفس الطريقة التي كان يبحث بها اللاهوتيون عن "الحقيقة الإلهية".

واستكمالا للتحرر يعلن نيتشه موت الإله" كعملية تحررية - طبعا هو يقصد موت فكرة الإله في الديانة المسيحية- وعبارة "موت الإله" لا تعني بالضرورة توقف الناس عن الاعتقاد الديني بل تشير إلى تحول جذري في بنية الثقافة والحضارة الغربية ولها أبعاد وتداعيات مثل الانهيار الأخلاقي والميتافيزيقي حيث كان الإله في الفلسفة الغربية هو "المركز" الذي يمنح الأشياء معناها فهو المشرع للأخلاق ومصدر الحقيقة المطلقة والضامن للنظام الكوني.

عندما يقول نيتشه ب"موت الإله" فهو يعني إن الإيمان المطلق بهذا المركز قد تلاشى نتيجة التنوير بالعلم والعقلانية.

لم يعد الإله "حقيقة" تسيطر على توجيه مسار التاريخ أو الفرد كما كانت في السابق.

كذلك فقدان المرجعية الثابتة بما أن الإله كان المرجع الأساسي للقيم (الخير، الشر، العدالة) فإن "موته" يعني ضياع البوصلة الأخلاقية. الإنسان في هذه الحالة يجد نفسه أمام "عدمية" أي الشعور بأن العالم فقد غايته ومعناه. هذا الموقف يضع الإنسان في مأزق: إذا لم يعد هناك إله يحدد قيمنا فمن يحددها؟ والجواب هو المسؤولية الفردية (خلق القيم).

نيتشه كان يرى في هذا الموت خطرا وفرصة في آن واحد الخطر هو الانزلاق نحو العدمية واليأس فالله في ذهن الإنسان هو حامل القيم والاخلاق فإذا سقط الحامل سقط المحمول.

أما الفرصة فتكمن في أن يتحرر الإنسان من الوصاية وصاية رجال الدين المنتفعين بالدين ورجال السياسة الذين يوظفون الدين لمصالحهم الشخصية.

بـ"موت الإله" أصبح على الإنسان أن يخرج من مرحلة الإنسان "القاصر" الذي ينتظر الأوامر ليدخل مرحلة الإنسان "خالق القيم".

هذا هو جوهر مفهوم "الإنسان الأعلى" الذي يدعو إليه نيتشه وهو الفرد الذي يمتلك القوة والشجاعة ليخلق منظومته الأخلاقية الخاصة به بعيدا عن السلطات الغيبية.

في كتابه "العلم المرح"- حيث وردت العبارة لأول مرة- يصف نيتشه هذا الموت كحدث "مروع". هو يدرك أن البشرية بفقدانها لهذه المرجعية ستدخل في صراعات الهوية العنيفة بحثا عن بدائل مثل: الأيديولوجيات القومية أو السياسية المتطرفة التي تحل محل الدين لأن "العدمية" حالة يصعب على النفس البشرية البسيطة تحملها.

نيتشه هنا يقرر حقيقة تاريخية وهي أن "الميتافيزيقيا المسيحية" فقدت مصداقيتها أمام تطور العقل البشري. و"موت الإله" هو دعوة للإنسان ليتحمل مسؤولية وجوده ليصبح هو المصدر الوحيد للمعنى في عالم فقد فيه المعنى المطلق.

و ​عندما يعلن نيتشه أن "الإله قد مات" فهو لا يطرح إلحادا عاديا بل يشخص حالة حضارية هي أن الدين فقد قدرته على إعطاء معنى للوجود في العالم الحديث لأن العلم والعقل أظهرا أن العالم لا يحكمه إله يهتم بالبشر كما في الواقع وأنت ترى فوضى الكائنات وسحق القوي للضعيف والموت المجاني في الكوارث الطبيعية والحروب. ومع موت الإله تسقط المرجعية التي كانت تضبط الأخلاق.

كما قال دستوفسكي: "إذا لم يكن الله موجودا فكل شيء مباح".

الدين كان "عكازاً" للإنسان ومعيارا يمسك الاخلاق والآن بعد أن كسر نيتشه هذا العكاز يجب على الإنسان أن يقف لوحده في مواجهة الكون الصامت ويعتمد على قواه العقلية الخاصة ويصبح هو المشرع لقيمه.

الدين بالنسبة لنيتشه كان "مرحلة الطفولة" للبشرية والآن يجب أن ننتقل لمرحلة النضج.

تفكيكه التاريخي لهذا المفهوم يهدف إلى "تحرير" الإنسان من وهم بناه التاريخ. فإذا كانت الحقيقة مجرد بناء تاريخي فإننا لسنا ملزمين بعبادتها كقيمة مطلقة. نحن نملك القدرة على "خلق" قيمنا الخاصة بدلا من الانصياع لقيم موروثة.

تساؤل نيتشه هو دعوة لـ "قلب القيم". هو لا يطالبنا بترك العلم أو العقل بل يطالبنا بالتوقف عن تقديس "الحقيقة" كصنم ميتافيزيقي.

هو يدعونا إلى التأمل في التالي:

أولا: الدافع: لماذا نبحث عن هذه الحقيقة بالذات في هذا الوقت بالذات؟

ثانيا: الأثر: هل هذه الحقيقة تعزز الحياة وتدفعها نحو الإبداع أم أنها تُضعفها وتجعلنا ننتظر خلاصا في عالم آخر؟

يريد نيتشه أن يجعلنا "مبدعين" للقيم لا "مستهلكين" لحقائق فرضها علينا المتحكمون في التاريخ والمهيمنون على الميتافيزيقا.

فإذا كانت "الحقيقة" هي قناع ارتداه التاريخ لأغراض سياسية أو دينية فالمطلوب منك ليس البحث خلف القناع عن حقيقة أعمق بل خلع القناع تماما لتبدأ في ممارسة حريتك الإبداعية في تحديد ما هو "عظيم" وما هو "تافه" في حياتك حتى لو كان دين آبائك وأجدادك العظام.

إستحالة العدمية القيمية الخالصة:

عبر إعلان موت الإله وضرورة خلق الإنسان لقيمه الخاصة. نيتشه كان يدرك في هذا المجال إن الإنسان - حتى غير البسيط أحيانا - لا يمكنه العيش بلا مرجعيات عليا وأن الصراع الفكري غالبا ما يكون صراعا بين "مقدسات" قديمة ومقدسات مستجدة تلبس ثوب العقلانية أو العلمية لتحاكم التاريخ وما فيه. إن ما يظنه البعض عداءً للمقدس هو في الحقيقة انتصار لمقدس آخر فالإنسان يبحث دوما عن "يقين" يقيم من خلاله العالم وهذا اليقين يستمد قوته من كونه موضوعا "فوق تاريخي" لا يقبل النقاش لدى معتنقيه لأن الإنسان دون مقدس سوف يقف على عدمية قيمية لا تسمح له بالتقويم أصلا.

والعدمية القيمية ليست مجرد موقف فلسفي يتبناه أصحابه بوعي وحرية بل هي الهاوية التي يقف عندها كل من يظن أنه تجاوز الحاجة إلى المرجعيات العليا لأن نفي المقدس لا يُفضي إلى التحرر بل يُفضي إلى انهيار الأداة التي يقوم عليها التقييم ذاته. فالإنسان حين يعدم مرجعيته العليا لا يتحرر من القيد بل يفقد المعيار الذي يميز به الصواب من الخطأ والجميل من القبيح والعدل من الظلم إذ كل حكم قيمي مهما بدا بسيطا ينطوي في عمقه على أفتراض سابق بأن ثمة شيئا يستحق الترجيح عليه. وهذا ما جعل نيتشه حين أعلن موت الإله يُدرك قبل غيره أن الإنسان لن يجلس بعدها في سكينة بل سيقف مذهولا أمام فراغ لا يعرف كيف يملأه فالعدمية في تشخيصه ليست وجهة يُسار إليها بل مرض يُصاب به من يقطع الخيط الرابط بين وجوده وأفقه الأعلى. وهذا الفراغ لا يظل فراغا طويلا لأن الطبيعة النفسية للإنسان تأبى العدم القيمي وتسارع إلى ملئه بمرجعية بديلة سواء أكانت أمة أم طبقة أم عرقا أم علما وهي جميعاً تؤدي الوظيفة الوجودية ذاتها التي كان يؤديها المقدس التقليدي أي منح الفرد يقينا "فوق تاريخي" يقف عليه ويحاكم من موقعه الأحداث والبشر والتاريخ. ومن هنا يتضح أن العدمية القيمية الخالصة مستحيلة إنسانيا لا لضعف في الإرادة بل لأن التقييم شرط بنيوي في وجود الإنسان كموجود عاقل مفكر يعيش في زمن ويتخذ خيارات وكل خيار يفترض سلما قيميا ولو ضمنيا. وعليه فإن من يدعي العدمية لا يعيشها فعلا بل يحيا على رصيد مرجعيات لم يبنها هو أو على مقدس جديد لم يعترف به بعد لنفسه وفي كلا الحالتين يظل الإنسان على ما كان دوما عليه أي ذلك الكائن الذي لا يستطيع أن يعيش تحت سماء خالية من معنى يحمله. قد يزدري المثقف الواعي إله الأديان ولا يؤمن به ويعتبره مستحيل عقليا لكنه سيظل متعطشا إلى ذلك السر الكامن وراء هذا المستحيل.

للحديث بقية.

***

سليم جواد الفهد

 

تقديم: يمكن للعنف اللّغويّ أن يُفهم بموجب اللّسانيّات الاجتماعيّة كنوع من التّفاعلات اللّغويّة التي تحمل أبعادًا اجتماعيّة وسلطة، يمكن أن يُفهم العنف اللّغويّ بشكل مختلف بين المقامات التّواصليّة والمواقف التّفاعليّة، حيث يتمّ التّركيز على كيفيّة وجوده وتأثيره في كلّ من هذين السّياقين: المقامات التّواصليّة، والسّياقات الرّسميّة والمؤسسّيّة ويمكن أن يظهر العنف اللّغويّ في المقامات التّواصليّة الرّسميّة مثل المؤسسّات، الحكومات، والشّركات، من خلال استخدام اللّغة لتعزيز السّلطة والتّفوّق، وقد يتمثّل ذلك في توجيه انتقادات حادّة أو استخدام لفظيّات قاسية لتهييج المشاعر أو لإظهار الأفضليّة على الموظّفين أو الجمهور. ويظهر العنف اللّغويّ التّفاوض من خلال سياقات التّفاوض والتّعاون الدّوليّ، في استخدام اللّغة كأداة للتّأثير والضّغط، وقد يشمل ذلك استخدام التّهديدات اللّفظيّة أو التّجاهل المتعمد لآراء الآخرين بطريقة تسيء إلى العلاقات بين الدّول.

أمّا بشأن المواقف التّفاعليّة: فقد يظهر ذلك في المواقف التّفاعليّة، مثل العلاقات الشّخصيّة والأسريّة والاجتماعيّة، أو عبر استخدام اللّغة لتحقيق التّفوّق أو التّسلّط داخل العلاقات، كأن يتمّ استخدام الإهانات أو الانتقادات القاسية للتّحكّم في الآخرين أو لتقويض مواقفهم. وفي العصر الرّقميّ، يمكن أن يظهر العنف اللّغويّ بشكل متزايد عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ، حيث يتمّ استخدام اللّغة للتّنمّر، ونشر الشّائعات، والهجوم على الآخرين بطرق تعكس استخداماً خاطئاً ومؤذياً للسّلطة اللّغويّة.

واعتبارًا لذلك يتمّ تحليل العنف اللّغويّ في المقامات بواسطة اللّسانيّات الاجتماعيّة؛ لفهم أسبابه وآثاره الاجتماعيّة والنّفسيّة. وفي ضوء ذلك يتمّ النّظر في السّياقات السّوسيو-ثقافيّة التي تشكّل الخلفيّة لظهور العنف اللّغويّ، بما في ذلك الهويّة الثّقافيّة، والسّلطة، والتّفوّق الاجتماعيّ.

ويشمل التّحليل النّقديّ في هذا البحث اقتراح الحلول والتّوصيات للتّعامل مع العنف اللّغويّ، مثل تعزيز التّوعية والتّعليم اللّغويّ السّلميّ والمتساوي. وبهذا الشّكل، يعبّر العنف اللّغويّ عن نوع من السّلطة والتّفوّق الاجتماعيّ، ويؤثّر على الهويّة والانتماء، ويتطلّب الفهم والتّدخّل من خلال النّقد اللّسانيّ الاجتماعيّ؛ لتحليله والعمل على تخفيف أثره السّلبيّ في المجتمعات، وهو ما يمكن شرحه في مداخلة العنف اللّغويّ بين المقامات التّواصليّة والمواقف التّفاعليّة عبر التّركيز على السّياقات الاجتماعيّة التي يظهر فيها، وعلى تأثيراته وحلوله المحتملة.

العنف اللّغويّ والسّياقات السّوسيو ثقافيّة

يعدُّ العنف اللّغويّ ظاهرة معقّدة تتداخل فيها العوامل الاجتماعيّة والثّقافيّة والنّفسيّة. ولفهم هذه الظّاهرة بشكل شامل، من الضّروريّ النّظر إليها في السّياقات المختلفة التي يظهر فيها العنف اللّغويّ وكيفيّة تأثيره على الأفراد والمجتمعات. من خلال الوعي والتّثقيف، وبالمقابل يمكن تقليل آثار العنف اللّغويّ وتعزيز بيئة تواصل أكثر احترامًا وتسامحًا.

يشيرُ العنف اللّغويّ في مفهومه الشّامل إلى استخدام اللّغة بطريقة تعكس، أو تعزّز، أشكالًا من العنف النّفسيّ أو الاجتماعيّ، ويمكن أن يظهر في عدّة سياقات سوسيو ثقافيّة، يمكن أن يستخدم بشكل يسبّب الأذى للآخرين، سواء كان ذلك من خلال الإهانات، التّهديدات، أم حتّى التّعبيرات التي تهمش أو تقلّل من قيمة الأفراد أو الجماعات. وقد يتضمّن ذلك أيضًا استخدام لغة تحضّ على الكراهيّة أو التّمييز في السّياق الاجتماعيّ، من خلال في التّفاعلات اليوميّة بين الأفراد، مثل التّنمّر في المدارس أو في أماكن العمل. إذ اللّغة هنا تُستخدم كأداة للسّيطرة أو الإقصاء، ممّا يؤدّي إلى تعزيز الهياكل الاجتماعيّة غير المتكافئة، ويرى عالم الأصوات الفرنسيّ "إيفان فوناحي"[1] Ivan FONAGY أنّ اللّغة في مظهرها الكلاميّ المنجز عبارة عن تسنين مزدوج Double encodage، أي أنّها نسق تعبيريّ يعبّر عن نمطين من المعلومات: أوّلاً، معلومات ذات طبيعة لغويّة أوليّة أو أصليّة، تجسّدها العلامات اللّغويّة من خلال صلة الاعتباط القائمة بين الدّال والمدلول؛ وثانيًا، معلومات ذات طبيعة ثانويّة أو فرعيّة ملازمة ومصاحبة للأولى ولا تنسلخ عنها. وقد سمّى "فوناجي" هذا النّوع الثّاني من المعلومات: "الأساليب الصّوتيّة" phonostyles  . وهذه الأخيرة حاضرة بقوّة في كلّ تلفّظ صوتيّ، وتتكفّل بالتّعبير عن مشاعر المتكلّم وإحساساته ومواقفه الانفعاليّة الواعية واللاواعية. وبعبارة أخرى، فالمستوى الأوّل يشمل مظاهر اللّغة المعرفيّة والثّقافيّة والعلميّة، بينما يختصّ المستوى الثّاني بالجوانب النّفسيّة والشّعوريّة. وتوجد بين هذين المستويين الاثنين علاقة تحويل transformation وتحريف distorsion سيميائيّ ودلاليّ، أي أنّ المستوى الثّاني - بحكم كونه معبّرا عن المظاهر النّفسيّة والشّعوريّة لدى المتكلّم - يعمل على خلخلة وتشويش (بل تعديل) المعلومات التي يحملها المستوى الأول، فيغدو، بالتّالي، مستوى أكثر إمتاعا ومرحا (وكذلك أكثر غنى) من المستوى الآخر. كما يقوم المستوى الثّاني بوظيفة تعبيريّة تشخّص أعراض ما يتلفّظ به المتكلّم، وتفصح عن خباياه ومكنوناته الدّفينة السّليمة منها والعليلة. فمن خلال تعبيراته الصّوتيّة، نستشفّ أصله ومفصله (الجغرافيّ، واللّهجيّ، والحرفيّ، العمريّ، والجنسيّ...)، وحالاته الشّعوريّة والانفعاليّة.[2]

ويمكن أن يتجلّى العنف اللّغويّ في السّياق الثّقافيّ، من خلال الصّور النّمطيّة والتّمثيلات السّلبيّة التي تُستخدم في الأدب، الإعلام، والفنون. وقد تعزّز هذه التّمثيلات من المعتقدات السّلبيّة حول فئات معيّنة من المجتمع، ممّا يؤدّي إلى تفشّي التّمييز والعنف، على نحو ما نجده في السّياق السّياسيّ، حيث يمكن أن يُستخدم العنف اللّغويّ كأداة للتّلاعب أو التّحريض في الخطاب السّياسيّ الذي يتضمّن لغة تحريضيّة أو تمييزيّة وهو ما من شأنه أن يؤدّي إلى تفاقم النّزاعات أو تعزيز الانقسامات بين الجماعات، وفي هذا السّياق قد يبرز الخطاب السّياسيّ ضمن أنساق العنف؛ ليأتي على ما تبقى من النّزعة التّفكيكيّة؛ بفعل القوة بكلّ أشكالها، التي باتت تصنع الحروب لاستقطاب الاستثمار في إعادة الإعمار للشركات المتعددة الجنسيات على وجه الخصوص، ما يعني أن تقنيات الحروب، وصنعها، أصبح من أولويات جلب الكثير من المكاسب، سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، بوصفها ثروات ينبغي استثمارها من ثقافة الهويات المستضعفة؛ ولن يكون ذلك محقَّقًا إلا من خلال سلطة العنف بترسانته المتنوعة.[3]

وللعنف بكل أشكاله تأثير على الهوية الثقافية للأفراد، حيث يشعر البعض بأنهم مهددون أو غير مقبولين في مجتمعاتهم، كما يعزز العنف اللغوي الانقسامات الاجتماعية، مما يؤدي إلى تفشي الكراهية وعدم التسامح بين الجماعات المختلفة، فضلا عن أن العنف اللغوي من شأنه أن يؤثر على الهوية الثقافية للأفراد، حيث يرتبط بقضايا السلطة، التهميش، والإقصاء، ويمكن أن يؤدي إلى تشويه، أو تآكل الهوية الثقافية للفرد أو الجماعة؛ لأن الهوية الثقافية تتشكل وتتعزز من خلال اللغة، فهي وسيلة تعبير عن الانتماء الثقافي، والقيم، والتقاليد، ولذلك فإن أي شكل من أشكال العنف اللغوي يمكن أن يكون له تبعات عميقة على هوية الفرد والمجتمع، والعنف اللغوي بهذا الشكل يعد انفعلا طبيعيا ورديفا لسلوك البشر؛ إذ "عندما يخرج الإنسان إلى الحياة، ويتخذ له مكانا ما في الوجود، تعترض رغبتَه رغباتُ الآخرين، فيتولد بالضرورة التدافع والغيرة والحسد والعنف. وهكذا، فالعنف يسم العلاقات الإنسانية ويوجد في كل لحظة تلاق وأثناء كل تحاور بين الناس"[4]؛ لأن العنف في العلاقات الإنسانية يعدُّ ظاهرة شائعة تؤثر سلبًا على التواصل والتفاعل بين الناس. يمكن أن يتخذ أشكالًا مختلفة، سواء كان لفظيًا أو جسديًا، مباشرًا أو غير مباشر. على نحو ما يمثله العنف من معان متعددة مثل:

العنف اللفظي الذي يستخدم الإهانات، السباب، التهديدات، أو أي لغة تحط من قيمة الآخرين، أو تسبب لهم الأذى النفسي. هذا النوع من العنف شائع في المشاجرات اليومية والخلافات الأسرية والعمل.

العنف النفسي الذي يتضمن محاولات السيطرة على الآخرين وإذلالهم من خلال الابتزاز العاطفي، التجاهل المتعمد، أو إثارة الخوف والقلق لديهم. هذا النوع من العنف يترك آثارًا عميقة على الصحة النفسية للضحايا.

العنف الرمزي الذي يشير إلى الطرق التي تُفرض بها هيمنة طبقة اجتماعية أو ثقافية على أخرى من خلال تكريس علاقات القوة في الممارسات اليومية. هذا النوع من العنف قد يكون خفيًا ولكنه فعال في إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية.

العنف الهيكلي ويتجلى هذا النوع العنف في الأنظمة والمؤسسات التي تحرم بعض الفئات من الحقوق والفرص، مما يؤدي إلى تفاوتات اجتماعية واقتصادية. وقد لا يكون مقصودًا من قبل الأفراد ولكنه مركب في البنى الاجتماعية.

آثار العنف اللغوي على العلاقات الإنسانية

يؤدي العنف بجميع أشكاله إلى خلق مناخ من الخوف والشك والعدائية في العلاقات الإنسانية. الضحايا قد يصبحون متوجسين من الآخرين ويفقدون الثقة والاحترام المتبادل.

كما يؤدي العنف إلى تفاقم الصراعات وتصعيدها، مما قد يؤدي إلى انقطاع العلاقات أو حتى العنف المضاد. والعنف اللفظي، سواء كان في شكل إهانات، شتائم، أو تمييز لغوي، من شأنه أن يؤثر على تقدير الذات والهويات الشخصية للأفراد، بخاصة عندما يتم استخدام اللغة كأداة للإهانة أو التحقير بناءً على خلفية ثقافية أو لغوية، فإن هذا يؤدي إلى تشويه هوية الأفراد وتقليل قيمة ثقافتهم.

ويستخدم العنف اللفظي المرتبط بالعرق أو الجنس أو الدين لتحقير هوية الفرد الثقافية وتوجيه رسالة بأن ثقافته أدنى أو أقل قيمة، مما يؤثر على إحساسه بالانتماء والثقة في هويته؛ لذا "فإن للعنف اللفظي مظهرا صوتيا تحركه وتتحكم فيه عمليات نفسية عضوية، ثم يتجلى بعد ذلك في شكل موجات صوتية متذبذبة ومتباينة في درجة ترددها وفي حجم سعتها وشدتها وفي مداها الزمني"[5]. وهو ما من شأنه أن يخلق مشاحنات بين الناس من خلال استخدام الكلمات والتعابير التي تهدف إلى إهانة، أو تقليل شأن، أو إيذاء الطرف الآخر نفسيًا أو عاطفيًا. هذا النوع من العنف يعتمد على اللغة كأداة لفرض السيطرة، والتعبير عن العدوانية، أو التفريغ عن المشاعر السلبية. وفي سياق المشاحنات، يتخذ العنف اللفظي عدة أشكال، تختلف باختلاف طبيعة العلاقة بين المتشاحنين وطبيعة الموقف، منها:

الإهانات الشخصية: تعتبر الإهانات المباشرة أكثر أشكال العنف اللفظي شيوعًا في المشاحنات. يهاجم الشخص الآخر من خلال توجيه كلمات تستهزئ بمظهره، قدراته العقلية، أو خلفيته العائلية. وتهدف الإهانة إلى الإذلال وجعل الشخص الآخر يشعر بالنقص أو العار. ومن الأمثلة على ذلك: "أنت غبي"، "لن تنجح أبدًا"، "أنت لا تساوي شيئًا".

الاستهزاء والسخرية: تهدف السخرية والاستهزاء من الآخرين إلى التقليل من شأنهم، وجعلهم يشعرون بعدم الأهمية. خاصة عندما يستخدم المتشاحنون هذا النوع من العنف اللفظي لزعزعة ثقة الشخص الآخر بنفسه وجعله يشعر بالإحباط. ومن الأمثلة على ذلك : "أنت مضحك جدًا عندما تحاول أن تكون جدي"، "هل تعتقد حقًا أن أحدًا يهمه رأيك؟".

التنابز بالألقاب: يعتبر استخدام الألقاب المهينة أو الوصف السلبي للأشخاص نوعا من الإساءة لهم. قد تكون هذه الألقاب مرتبطة بالمظهر الخارجي، الطبقة الاجتماعية، أو الخلفية العرقية والدينية، من مثل: "يا سمين"، "يا جاهل"، "يا متخلف".

التلميحات الجارحة: إذ بدلاً من مهاجمة الشخص بشكل مباشر، يمكن أن يستخدم المتشاحنون التلميحات التي تحمل رسائل جارحة. وعادة ما تكون هذه التلميحات أقل وضوحًا من الإهانات المباشرة، لكنها تحمل في طياتها إساءة عميقة. ومن الأمثلة على ذلك: "من الواضح أنك لا تفهم الموضوع"، "لا تتوقع الكثير من شخص مثلك".

التهديدات: في بعض الحالات، قد يستخدم المتشاحنون التهديدات اللفظية كنوع من العنف، وذلك لإثارة الخوف أو الضغط على الطرف الآخر. هذه التهديدات قد تكون جسدية أو نفسية. كما قد يرد على سبيل المثال: "سأجعلك تندم على هذا"، "إذا لم تتوقف، ستكون هناك عواقب وخيمة".

التقليل من شأن الآخر: لعل التقليل من قيمة أو جهود الشخص الآخر، والتعامل معه بأسلوب من شأنه أن يُشعره بأنه غير مؤهل أو غير قادر. هذا النوع من العنف اللفظي يشمل رفض الاعتراف بإنجازات الشخص أو التشكيك في قدراته. من مثل: "لن تنجح في أي شيء"، "لا أحد يهتم بما تقول"، "أنت لا تعرف شيئًا عن هذا الموضوع".

الإذلال العلني: في بعض المشاحنات، قد يلجأ الشخص إلى إذلال الطرف الآخر أمام الآخرين، وذلك لجعله يشعر بالإحراج أو العار أمام الجمهور. وهذا النوع من العنف اللفظي له تأثير نفسي قوي، حيث يهدف إلى كسر معنويات الشخص. ومن الأمثلة على ذلك: "انظروا إلى هذا الفاشل"، "أنت لا تعرف حتى كيف تتحدث بشكل صحيح".

اللجوء إلى الشتائم والسب: تعتبر الشتائم واستخدام الألفاظ النابية من الأشكال المباشرة للعنف اللفظي، وهي تستخدم في لحظات الغضب الشديد للتعبير عن العدوانية وتوجيه إساءة شخصية للطرف الآخر. من مثل: الشتائم المباشرة أو الكلمات النابية التي تُستخدم للتقليل من احترام الشخص.

أسباب استخدام العنف اللغوي:

الغضب والانفعالات: في لحظات الغضب والانفعال، قد يفقد الأشخاص السيطرة على أنفسهم ويلجؤون إلى استخدام العنف اللفظي للتعبير عن مشاعرهم المكبوتة أو لتحقيق التفوق على الطرف الآخر، من جراء اعتداء أو إهانة ما يدفعنا إلى الرد بما يلزم من وسائل الدفاع والمقاومة؛ لأن المشاعر هي نتاج تنشيط وتفعيل عدد من البنيات الدماغية والعصبية المحددة، كما أنها تتأثر بثقافة الفرد وتطوره النفسي والمعرفي والاجتماعي الذاتي. ويلعب جهاز الإرب système limbique دورا مهما في إنتاج المشاعر والتعبير عنها، وهو يتألف من أجزاء مختلفة ومترابطة هي: اللوزة Amygdale، ونتوء الزنار Cingulum Gyrus، وقرن آمون Hyppocampus، وتحت المهاد .Hypothalamus كما تلعب فلقات الجبين lobes frontaux – وخاصة في الشق الأيسر Hémisphère gauche من الدماغ – دورا أساسا في التعبير عن المشاعر ومراقبتها. كما تحدث تقلبات كيميائية في بعض الهرمونات والأمينات البيولوجية مثل "نورادرينالين" و"سيروتونين"[6]. وفي ضوء ذلك يستخدم العنف اللغوي أحيانًا كأداة للسيطرة أو التفوق في المشاحنات، وبذلك يلحأ الشخص الذي يشعر بالضعف أو الخوف من فقدان السيطرة إلى الكلمات الجارحة كوسيلة لتأكيد هيمنته؛ وفي بعض الثقافات أو البيئات الاجتماعية، قد يكون استخدام العنف اللغوي أكثر شيوعًا في التواصل اليومي، سواء كان ذلك بين الأصدقاء أو العائلة أو زملاء العمل، أو حتى في المنظومة السياسية لدى بعض المجتمعات، إذ يمكن أن يؤدي التمييز بناءً على اللغة المشحونة بالسياسة إلى حرمان الأفراد من فرص العمل أو التعليم أو حتى المشاركة الاجتماعية والسياسية.، والحال هذه أن "أدوات العنف قد تطورت تقنيا إلى درجة لم يعد من الممكن معها القول بأن ثمة غاية سياسية تتناسب مع مقدرتها التدميرية، أو تبرر استخدامها حاليا في الصراعات"[7]. ولعل هذا النوع من العنف يجعل من الصعب على الأفراد التعبير عن هويتهم الثقافية، حيث يشعرون بالضغط لتبني لغة مهيمنة من أجل البقاء أو النجاح. كما يؤدي هذا الضغط إلى فقدان الهوية الثقافية الأصلية، حيث يتم تهميش القيم والعادات المرتبطة بتلك الهوية لصالح هوية جديدة مرتبطة باللغة المهيمنة.

 انعدام الثقة بالنفس: قد يلجأ الأشخاص الذين يعانون من انعدام الثقة بالنفس إلى العنف اللغوي كوسيلة للدفاع عن أنفسهم أو لإخفاء مشاعرهم بالضعف أو الدونية، والحال هذه أن جوهر فعل العنف نفسه إنما تسيِّره مقولة الغاية والوسيلة، التي كانت ميزتها الرئيسة إن طبقت على الشئون الإنسانية؛ لأن الغاية محاطة بخطر أن تتجاوزها الوسيلة التب تبررها والتي لا يمكن الوصول إليها من دونها[8] ومن ثم فإن جوهر فعل العنف الذي تسيّره مقولة الغاية والوسيلة يشير إلى فكرة استخدام العنف كأداة لتحقيق هدف معين، حيث يتم تبرير الوسيلة (العنف) بناءً على الغاية المنشودة. وفي هذا السياق، تصبح الغاية هي التي تمنح الوسيلة مشروعيتها، بغض النظر عن الأخلاقيات أو العواقب المرتبطة باستخدام تلك الوسيلة.

إن هذه الفكرة مستمدة من المقولة الشهيرة للفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيلي Niccolò Machiavelli ، والتي تعني أنه إذا كانت الغاية نبيلة أو ضرورية، فإنه يمكن تبرير استخدام أي وسيلة لتحقيقها، بما في ذلك العنف. وفي هذا الإطار، يتم النظر إلى العنف كأداة مشروعة لتحقيق أهداف أكبر، سواء كانت سياسية، اجتماعية، أو اقتصادية. على نحو ما تقوم به الحكومات أو الجماعات التي تستخدم العنف بحجة حماية الدولة أو تحقيق العدالة، حيث يتم تبرير العنف بأنه ضروري لتحقيق استقرار أو مصلحة عامة أكبر. وبذلك يصبح العنف كوسيلة لتحقيق السلطة أو الهيمنة في العديد من السياقات، حيث يُستخدم العنف لتحقيق الهيمنة والسيطرة على الآخرين. هنا، تصبح الغاية هي الحصول على السلطة أو الاحتفاظ بها، وتصبح الوسيلة (العنف) جزءًا من الأدوات المستخدمة لتحقيق هذه الغاية.

كما نجد ذلك في المؤسسات الديكتاتوريات والقمع السياسي حيث يتم استخدام العنف لقمع المعارضة وضمان بقاء السلطة الحاكمة في مكانها.

كما أن مقولة الغاية والوسيلة تثير مسألة التضارب الأخلاقي، حيث إن استخدام العنف، حتى لو كانت الغاية نبيلة، قد يتسبب في أضرار جسيمة. لذا فإن فعل العنف يضع أمامنا معضلة أخلاقية تتعلق بتبرير الوسيلة بناءً على الهدف. وفي ضوء ذلك هل يمكن حقًا تبرير العنف إذا كان سيؤدي إلى معاناة أو ظلم آخر؟ حتى لو كانت الغاية نبيلة (مثل تحقيق السلام أو العدالة)، فإن الوسيلة العنيفة يمكن أن تؤدي إلى تدهور العلاقات الإنسانية وزيادة الألم، وفي مقابل ذلك يستخدم العنف لغايات تدميرية (كالحروب والغزوات)، أو لبناء نظام جديد بعد إزالة القديم (الثورات أو الانقلابات). في كلتا الحالتين، يتم التعامل مع العنف كوسيلة ضرورية للوصول إلى غاية معينة. كمثال على ذلك نجد بعض الثورات تسعى لإسقاط نظام مستبد قد تستخدم العنف لتحقيق غايتها في الحرية، لكن العنف نفسه قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى والدمار.

وعلى الرغم من ذلك أن بعض الدارسين يعتبرون أن الوسيلة بحد ذاتها يجب أن تكون أخلاقية، بغض النظر عن الغاية. إذا كانت الوسيلة عنيفة أو غير أخلاقية، فإن ذلك يمكن أن يفسد الغاية حتى لو كانت الغاية جيدة. بمعنى آخر، لا يمكن تبرير الوسائل العنيفة على أساس الغايات النبيلة، على نحو ما نجده ضمن حركة مقاومة تنتهك حقوق الإنسان بحجة تحقيق الحرية، وهو ما قد تفقد مشروعيتها حتى لو كانت غايتها عادلة.

لأن استخدام العنف بهذا الشكل قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة أو غير مرغوبة، مثل تصعيد العنف أو انتشار المزيد من الظلم. في هذه الحالة، تصبح الوسيلة (العنف) أكثر ضررًا من الغاية التي كانت تسعى إلى تحقيقها، مثل الحروب التي تبدأ بهدف إحلال السلام أو القضاء على نظام استبدادي، لكنها تؤدي إلى دمار شامل ومعاناة إنسانية أكبر. إذ العنف غالبًا ما يولد عنفًا مضادًا إذا تم استخدام العنف كوسيلة، فقد يؤدي ذلك إلى ردود فعل عنيفة من الطرف الآخر، مما يدخل الجميع في دائرة مفرغة من العنف المتبادل. هذا يتناقض مع أي غاية سلمية قد يتم السعي لتحقيقها في البداية. مثال: الثأر القبلي أو الصراعات المسلحة الطويلة الأمد التي تبدأ كرد فعل على استخدام العنف، وتستمر بسبب الدافع للانتقام. ومن ثمة فإن مقولة "الغاية تبرر الوسيلة" في سياق فعل العنف تمثل إشكالية عميقة بين الأخلاق والبراغماتية ضمن جوهر العنف الذي تسيره هذه المقولة التي تعتمد على مبررات الغاية، لكن ذلك لا ينفي أن استخدام العنف قد يؤدي إلى نتائج سلبية تفسد الغاية المنشودة أو تسبب أضرارًا أكبر. لذا يجب أن يكون التفكير في العواقب الأخلاقية جزءًا من أي قرار باستخدام العنف كأداة لتحقيق الأهداف؛ وفي غمرة ذلك، فإن صناعة العنف، وتصديره، أو تمويله محليا، هو من قبيل طقوس السلطة النافذة، من خلال التخفي وراء الزيف، الذي تجسده صورة القناع، بوصفه عنصرا من مكونات العَماية، ووسيلة ضرورية لتأمين ما تحققه من مكاسب، وثروات غنية، وبأقل الأثمان، .. ومن ثم أصبح بحكم المؤكد أن صناعة العنف ـ في الثقافات والهويات ـ تستند إلى مسوغات صلبة، ... وبقناعات القوة المفرطة التي تتحكم في إدارة الأمور بسياسة [الأمر والطاعة]، والضغط على الخصوم ـ من دون إعطاء بدائل لطغيانها ـ وهو أسلوب نزق، خارج نطاق العرف الأخلاقي، والثقافي. ومن ثم فإن غريزة الخضوع، والرغبة الحادة في الطاعة، هي ماثلة في السيكولوجية البشرية، مثل الرغبة في التسلط، .. ما يشير إلى حقيقة نفسانية، تقول: بأن هناك "علاقة وثيقة تبادلية بين إرادة السيطرة ورغبة الخضوع"[9]

العنف اللّغويّ: مقاماته التّواصليّة

يعد العنف في العلاقات الإنسانية ظاهرة شائعة تؤثر سلبًا على التواصل والتفاعل بين الناس، ويمكن أن يتخذ العنف أشكالًا مختلفة، سواء كان لفظيًا أو جسديًا، مباشرًا أو غير مباشر. ويتجلى العنف في المقامات التواصلية في عدة مظاهر تؤثر على العلاقات بين الأفراد وتضعف الحوار الفعّال، وتشمل هذه المظاهر الألفاظ الجارحة، والنبرة العدوانية، السيطرة على الحوار، التهميش، وغيرها من أشكال الاعتداء اللفظي أو غير اللفظي. كما توضحه هذه المظاهر:

 استخدام الألفاظ المهينة أو العبارات الجارحة لإذلال الطرف الآخر. هذا النوع من العنف يهدف إلى التقليل من شأن الشخص المقابل وجعله يشعر بعدم الاحترام أو عدم التقدير.

التقليل من قيمة الشخص الآخر أو أفكاره من خلال السخرية أو الاستهزاء، مما يخلق جوًا من التوتر والإحباط.

عدم السماح للطرف الآخر بالتعبير عن رأيه أي مقاطعة الشخص باستمرار أو تجاهل ما يقوله، مما يؤدي إلى تهميشه وإقصائه من الحوار. هذه الطريقة تعطي رسالة ضمنية بأن الشخص الآخر ليس مهمًا أو أن أفكاره لا قيمة لها.

الاستعلاء والسيطرة أي التحدث بنبرة متعالية أو تفوقية تهدف إلى فرض السيطرة والتقليل من شأن الشخص الآخر. يظهر هذا المظهر من خلال استخدام عبارات تنم عن الاستعلاء أو التحدث بطريقة تدل على أن المتحدث يعتقد أنه يعرف كل شيء.

التلاعب العاطفي؛ أي إلقاء اللوم بشكل مفرط باستخدام الحوار كأداة للوم الطرف الآخر باستمرار على الأمور، حتى لو لم يكن المسؤول عنها، مما يؤدي إلى خلق جو من الشعور بالذنب أو الانزعاج. مثال: "كل هذا بسببك، أنت دائمًا المخطئ"، "لو كنت فقط تفعل ما أقوله، لما حدث ذلك".

التهديدات العاطفية باستخدام العواطف كأداة ضغط، مثل تهديد الشخص بالعزلة أو الانفصال العاطفي في حال عدم الامتثال لرغباته. مثال: "إذا لم تفعل ما أطلبه، لن أتحدث معك مجددًا".

التّلاعب بالمعلومات: قد يتّخذ العنف التّواصليّ شكل تضليل متعمد أو إخفاء حقائق مهمّة لإرباك الطّرف الآخر أو دفعه لاتّخاذ قرارات غير مستنيرة. مثال إعطاء معلومات ناقصة أو خاطئة في محاولة لإيقاع الشّخص الآخر في الخطأ.

التّهديدات والتّخويف؛ أي التّهديدات المباشرة أو الضّمنيّة باستخدام التّهديد كأداة لفرض السّيطرة أو إجبار الطّرف الآخر على فعل شيء ضدّ إرادته. يمكن أن تكون التّهديدات لفظيّة أو غير لفظيّة، حيث يتمّ إيصال الرّسالة عن طريق الإيماءات أو اللّغة الجسديّة. مثال: "إذا لم تفعل ما أطلب، ستكون هناك عواقب"، أو استخدام لغة جسديّة تعبّر عن العنف مثل قبض اليدين أو الاقتراب بشكل تهديديّ.

التّجاهل والتّقليل من قيمة الطّرف الآخر أي التّقليل من مشاعر أو أفكار الشّخص الآخر والاستهانة بما يقوله الطّرف الآخر أو تقليل قيمة مشاعره أو تجاربه. هذا النّوع من العنف يهدف إلى إضعاف الطّرف الآخر نفسيًّا وجعله يشعر بأنّ آراءه أو مشاعره غير مهمّة. مثال: "أنت تبالغ في ردّ فعلك"، "لماذا تهتمّ بهذا الأمر التّافه؟".

العنف الصّامت (العنف السّلبيّ) يتمّ استخدام الصّمت كأداة للعنف من خلال التّجاهل المتعمد أو رفض المشاركة في الحوار. هذا النّوع من العنف قد يؤدّي إلى إحساس الطّرف الآخر بالنّبذ أو الرّفض. مثال: شخص يرفض الرّد على المكالمات أو الرّسائل كنوع من العقاب أو لإظهار الغضب.

استخدام القوّة أو التّهديد بغير الوسائل اللّفظيّة؛ أي العنف الجسديّ أو التّلميحات العدوانيّة وقد يتضمّن العنف التّواصليّ أيضًا استخدام إشارات جسديّة عدوانيّة مثل التّهديد بالضّرب أو الاقتراب بشكل مهدّد، وهذا يخلق جوًّا من الخوف والتّرهيب. مثال: رفع اليدين بطريقة تهديديّة، أو التّحدّث بنبرة عدوانيّة مع اقتراب جسديّ.

التّناقض وإرسال رسائل مزدوجة؛ أي إرسال رسائل مختلطة بوصفها أحد أشكال العنف في التّواصل الذي يعبّر عن التّناقض بين القول والفعل أو إرسال رسائل مزدوجة تجعل الشّخص الآخر يشعر بالارتباك أو عدم الثّقة. مثال: يقول المتحدّث شيئًا إيجابيًّا، لكنّه يتصرّف بطريقة تعاكس كلماته، مثل قول "أثق بك" بينما يظهر من تصرّفاته أنّه لا يفعل ذلك.

وبذلك يؤدّي العنف اللّغويّ في المقامات التّواصليّة إلى العديد من الآثار السّلبيّة على الفرد والمجتمع. كما أنّ العنف في المقامات التّواصليّة لا يقتصر فقط على الإيذاء الجسديّ، بل يتجاوز ذلك ليشمل الأذى النّفسيّ والعاطفيّ والمعنويّ من خلال اللّغة والسّلوكيّات. التّعامل بحذر مع الآخرين وتجنّب استخدام الأساليب العدوانيّة في الحوار يعتبر أساسًا لتأسيس بيئة تواصل صحيّة قائمة على الاحترام والتّفاهم.

ويمكن أن يؤدّي العنف اللّغويّ في المقامات التّواصليّة إلى العديد من الآثار السّلبيّة، وهذا يتجلّى في عدّة جوانب منها:

تآكل الثّقة: من خلال استخدام اللّغة بشكل عدائيّ أو مهين وهو ما من شأنه أن يؤدّي إلى فقدان الثّقة بين الأفراد. عندما يشعر النّاس بأنّهم يتعرّضون للإهانة أو التّهديد، فإنّ ذلك يعيق التّواصل الفعّال ويؤدّي إلى تدهور العلاقات.

تفاقم الصراعات: من خلال تصعيد النزاعات؛ لأن الكلمات الجارحة أو التهديدات قد تثير ردود فعل عدائية، مما يزيد من حدة الصراعات ويجعل من الصعب الوصول إلى حلول سلمية.

التّأثير على الصّحة النّفسيّة: التّعرّض المستمرّ للعنف اللّغويّ يمكن أن يؤدّي إلى مشاعر القلق والاكتئاب. الأفراد الذين يتعرّضون للإهانات أو السّخريّة قد يعانون من تدني تقدير الذّات والشّعور بالانتماء؛ ممّا يؤثّر على قدرة الأفراد على التّفاعل بشكل صحّيّ مع الآخرين في المستقبل.

خلق بيئة سلبيّة: قد يسهم العنف اللّغويّ في خلق بيئة تواصل سلبيّة، حيث يصبح الخوف والعدائيّة هما السّائدين. هذا يمكن أن يؤثّر على التّفاعلات اليوميّة في العمل والمدرسة والمجتمع بشكل عامّ.

التّأثير على الثّقافة: عندما يصبح العنف اللّغويّ أمرًا شائعًا، فإنّه يمكن أن يؤثّر على الثّقافة العامّة، ممّا يؤدّي إلى تقبّل السّلوكيّات العدائيّة والتّقليل من قيمة الاحترام المتبادل.

إعاقة الحوار البناء: العنف اللّغويّ يعوق الحوار البناء ويجعل من الصّعب تبادل الأفكار بشكل فعّال. فعندما يكون هناك خوف من الإهانة أو الهجوم، فإنّ الأفراد قد يتجنّبون التّعبير عن آرائهم أو مشاعرهم.

التّأثير على الإبداع: في البيئات التي يسود فيها العنف اللّغويّ، قد يشعر الأفراد بالخوف من التّعبير عن أفكارهم الجديدة أو المبتكرة، ممّا يعيق الإبداع والتّطوير.

بشكل عامّ، نجد العنف اللّغويّ في المقامات التّواصليّة له آثار سلبيّة عميقة على الأفراد والعلاقات الاجتماعيّة. من الضّروريّ تعزيز ثقافة الحوار والاحترام المتبادل للتّقليل من هذه الآثار السّلبيّة وتحسين جودة التّواصل بين الأفراد. لأنّ الاحترام المتبادل يعني تقدير الاختلافات بين الأفراد، سواء كانت ثقافيّة، دينيّة، أم فكريّة. هذا يُعزّز من التّعايش السّلميّ؛ فضلاً عن أنَّ تعزيز ثقافة الحوار والاحترام المتبادل يعدُّ عمليّة مستمرّة تتطلّب جهودًا جماعيّة من الأفراد والمجتمعات. ومن خلال التّعليم، الإعلام، والمشاركة المجتمعيّة، يمكن بناء بيئة يسودها التّفاهم والاحترام، ممّا يسهم في تحسين العلاقات الإنسانيّة وتعزيز السّلام الاجتماعيّ.

 ***

أ.د. سعاد بسناسي - جامعة وهران1

عضو المجلس الأعلى للّغة العربيّة

........................

[1] - Fonagy, I. (1983), La vive voix : essais de psycho-phonétique, p. 14

[2] - وينظر، مراد موهوب، لغة العنف وعنف اللّغة، مقاربة لسانيّة نفسيّة، الرّابط،

https://www.philadelphia.edu.jo

[3] ينظر، عبد القادر فيدوح، تأويل المتخيل، السرد والأنساق الثقافية، دار صفحات، سوريا، 2019، ص 26

[4] Levrat, J. (2003), La force du dialogue, p.23

[5]  Aronson, A.E. (1983), Les troubles cliniques de la voix, p.10

[6]  الدر، إبراهيم. الأسس البيولوجية لسلوك الإنسان، ص. 73

[7] حنة أرندت، في العنف، ترجمة إبراهيم العريس، دار الساقي، بيروت 1992، ص 5

[8] حنة أرندت، في العنف، ترجمة إبراهيم العريس، دار الساقي، بيروت 1992، ص 6

[9] حنا أرندت، في العنف، ص35.

الدين كائن حي، يتشكل ويتحول تبعًا لتحول أنماط الفهم والعيش. يتطور حين تنبض فيه الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، ويذبل حين تنغلق آفاقه ويغدو تفسير نصوصه أسير التكرار والاجترار. ما من ديانة بقيت على صورة واحدة في التاريخ؛ فكم من ديانة انفتحت على الإنسان والعالم ثم انكمشت في قوالب مغلقة، وكم من ديانة ضاقت آفاقها في مرحلة من تاريخها ثم استعادت حيويتها وانفتاحها في مرحلة أخرى. ذلك أن مفسري النصوص الدينية لا يقرؤونها خارج شروطهم الإنسانية، وإنما تتدخل في فهمهم رؤيتهم للعالم، وثقافتهم، ونمط عيشهم، ونشأتهم، وتربيتهم، وتكوينهم المعرفي، وأحكامهم المسبقة، وآفاق انتظارهم من الدين. من هنا يتجدد فهم النصوص بتجدد الإنسان، وتتغير طرائق تفسيرها بتغير الأسئلة التي يفرضها العصر، والحاجات التي يستيقظ عليها الوعي البشري في كل زمان. من هنا تنشأ الحاجة إلى تتابع النبوات في تاريخ الأديان، وإلى ظهور المصلحين والمجددين، وتنبثق الضرورة الدائمة لإصلاح التدين، وتجديد فهم الدين، وإعادة تفسير نصوصه بما يوقظ ما تختزنه من طاقات روحية وأخلاقية وجمالية قادرة على إرواء الظمأ الأنطولوجي للإنسان، وصون كرامته، وإثراء حياته، وتجديد صلته بالمعنى الروحي والأخلاقي الذي تتطلبه حياته في كل عصر.

دراسة أثر كل دين وأنماط التدين التي تتشكل في فضائه تتطلب أن يعتمد الدارس معادلة مثلثة للفهم، إذ لا بد أن يعاين الدارس ذلك الدين بوصفه نصًا أولًا، ويتعرف ثانيًا على شخصية الإنسان المعتقد بهذا النص فردًا ومجتمعًا، ويكتشف طبيعة الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسان وكل ما يحفل به عصره ثالثًا. هذه العناصر الثلاثة تشكل توليفة متفاعلة يؤثر كل منها بالآخر ويتفاعل معه. لذلك تختلف أنماط التدين تبعًا لاختلاف الناس أفرادًا ومجتمعات، واختلاف واقعهم وعصرهم وثقافتهم، وطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، واختلاف كيفية تلقي النصوص الدينية. ربما يكون التدين دافئًا، لينًا، رقيقًا، رحيمًا، كما لدى القليل من الأشخاص الذين يولدون في واقع يستمعون فيه إلى صوت المحبة والعطف والشفقة والتراحم، ويحظون بتربية وتعليم سليمين. وربما يكون التدين شديدًا، قاسيًا، عنيفًا بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرضون إلى اضطهاد وعنف في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمين. 

تنشأ الثغرات في دراسة الأديان من إهمال إحدى أضلاع المعادلة المثلثة للفهم، لذلك تتطلب دراسة الأديان أن يتعاطى الدارس مع نصوصها وتراثها الديني بمنطق الباحث الذي يعتمد مناهج البحث العلمي، وينشد فهم المغزى العميق لهذه النصوص، ويهمه التعرف على دلالات التراث في فضاء السياقات الخاصة التي تشكل فيها، والسعي لاكتشاف الآثار الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتها نصوص هذه الأديان، وكيفيات تمثلها في الحياة البشرية. ولا أظن أن هناك جدوى من دراسة الأديان ومقارنتها وحوارها، لو كان الدارس مولعًا بالتبشير بمعتقده ولا يريد إلا ترويجه، والحرص على إدخال الآخر فيه، على وفق اعتقاده بأن معتقده هو الحق، وكل ما سواه باطل.

الواقع الذي نعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمام بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسة كيفية نشأته وأنماط حضوره وصيرورته عبر التاريخ، والانتقال في الدراسات الدينية من الرؤية التقليدية، التي كانت ترى الدين ونصوصه مرجعية نهائية في تفسير وفهم كل شيء، إلى رؤية تخضع تعبيرات الدين وتجلياته في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تمثلات بشرية، وكل ما هو بشري يقع في مدارات عقل الإنسان وعلومه ومعارفه وخبراته. وإن كانت نصوص الدين مقدسة، غير أن تفسيرها وتأويلها وفهمها يتجلى فيها الأفق التاريخي الذي يتموضع فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهم عابرًا للإطار المعرفي لذلك الإنسان.

 ليست هناك ديانة أو نص ديني خارج طرائق عيش الإنسان وأحوال العمران. الإنسان لا يعيش في فراغ، وإنما يخضع لمشروطيات تسهم في تشكيل وعيه، وتؤثر في نظرته إلى العالم، وتنعكس على فهمه للدين وتمثله لمعانيه. وتتجلى هذه المشروطيات في: العقل، واللغة، والمشاعر، والغرائز، والجسد، والتربية، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسلطة، والتاريخ، والمكان، والزمان، ولا يتجسد الدين في حياة الإنسان إلا من خلال هذه المشروطيات، إذ يتلقى الإنسان النص الديني ويفهمه ويؤول دلالاته في ضوئها. لذلك يتنوع فهم الدين وتفسير نصوصه بتنوع أنماط حياة الناس وطرائق عيشهم، واختلاف بيئاتهم وثقافاتهم وتجاربهم في الحياة. النص الديني واحد، غير أن معناه يتكشف في آفاق متعددة، تبعًا لتنوع طرائق التلقي، وتعدد الخبرات الإنسانية، وتنوع الشروط التي يتكون في سياقها وعي الإنسان ورؤيته للعالم.

الرؤية اللاتاريخية للدين ترى الأديان قارة ساكنة، وكأن الأديان تؤثر في المجتمعات وتعمل على تغييرها من دون أن تتغير هي أو تتأثر. أما الرؤية التاريخية العلمية فتذهب إلى أن الأديان تتأثر بطبيعة المجتمعات الإنسانية المتنوعة، تبعًا لتنوع الزمان والمحيط والإثنية والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة، وتشرح كيف أن هناك تأثيرًا وتأثرًا متبادلًا بين الدين والمجتمع. مثلما يؤثر الدين في المجتمع، ويسهم في إنتاج رؤيته للعالم، ويعمل على صوغ نمط حياته، يعمل المجتمع أيضًا على إنتاج صورته الخاصة للدين، وصياغة نمط التدين الذي يشبهه. لو ظهرت البوذية في الجزيرة العربية لأضحت مشابهة للمجتمع العربي، ولو ظهرت الهندوسية في اليونان لأضحت مشابهة للمجتمع اليوناني، ولو ظهرت المسيحية في الصين لأضحت مشابهة للمجتمع الصيني، وهكذا الحال في الأديان الأخرى. وكما تؤثر المجتمعات في الأديان، تؤثر الأديان في المجتمعات، فما فعلته البوذية في المجتمع الهندي ومجتمعات آسيا المعتنقة لها لا يقل عن فعل المجتمع الهندي ومجتمعات آسيا المعتنقة للبوذية فيها، وما فعله الإسلام بالأندلس لا يقل عن فعل الأندلس بالإسلام.

لا يكفي الحكم على أخلاقية وإنسانية الديانة بما تشتمل عليه مدونتها، أو بشهادات أتباعها عنها، مهما ادعوا من انحصار الأخلاق والإنسانية فيها، إنما يتم ذلك بمقارنتها بالديانات الأخرى، مضافًا إلى اكتشاف مقدار تجلي القيم الإنسانية لهذه الديانة وأخلاقياتها في سلوك معتنقيها أفرادًا وجماعات، في الماضي والحاضر.

ليس هناك دين يحتكر المحبة والحريات والحقوق واحترام كرامة الكائن البشري، وليس هناك تاريخ دين منزه عن التعصب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان.ففي ميراث الأديان السماوية مثلًا لا يصح نسيان مظالم الفتوحات الإسلامية، مثلما لا يصح نسيان مآسي الحروب الصليبية، والجرائم الشنيعة للصهيونية في فلسطين ولبنان وغيرهما.

المعروف عن البوذية أنها ديانة غير تبشيرية، وأنها من أكثر الديانات في الأرض سلمًا، فلم يتحدث لنا التاريخ عن حروب تم خوضها أو دماء أبرياء سفكت باسمها، كما هو معروف عن ديانات أخرى، لكن مع كل ذلك تناقلت وسائل الإعلام صورًا ومشاهد مريعة لأعمال عنف مأساوية ضد مسلمي الروهينغا في ميانمار عام 2017، قامت بها مجموعات بوذية بتحريض رهبان بوذيين متطرفين.

‏الموقف الأخلاقي يفرض على أتباع كل دين الكشف عن أرشيفات الماضي، وإعلان كل ما يختبئ فيها، وفضح منابع التعصب والكراهية في تراثهم مثلما يفضحونها لدى غيرهم، والاعتراف بأخطائهم كما يتحدثون عن أخطاء غيرهم.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

نظرة في المنهج وإعادة التكوين

ظاهرةُ التَّدين الشَّعبيّ ظاهرةٌ عكفت على دراستها منهجياتٌ عدة، من أبرزها علم الأديان العام وعلم الأديان المقارن وعلم النفس الديني وانثروبولوجيا الدين وعلم الاجتماع الديني، فهل يمكن للمناهج اللسانية أن تدلو بدلوها في هذا الميدان البحثي المهم؟ وما الرؤية الجديدة التي يمكن أنْ يفرزَها النظرُ اللسانيّ؟ وإذا كانت اللسانيات تختزن باراديمات مختلفة فما الباراديم المناسب للنظر في ظاهرة التَّدين الشَّعبي؟ أهو النظر النسقي أم النَّظر الذهني التوليدي أم النَّظر التواصلي التخاطبي؟ والتساؤل الثاني المهم : هل يمتلك التدين الشعبي متناً يُمكنُ أنْ يُشكلَ موضوعاً خاضعاً للفحص والتحليل والتفسير ويمكنه أنْ يُسعفَ بالعثور على بواعث التدين النفسية والاجتماعية التي تشكل بنًى عميقةً قابعةً في أغوار النُّصوص الشَّعبيَّة؟ وقبلَ هذا وذاك ما المقصود بالمتن اللغوي؟ وكيف يمكنُ أنْ يكونَ للشعبي متناً لغوياً يضاهي المتنَ الرَّسميّ؟

إنَّ المتن اللغوي في ضوء اللسانيات البنيوية هو مجموع الصور التعبيرية التي تكشف النسق العرفي الاجتماعي لنظام اللسان، وهناك شروط ينبغي أن يتوافر عليها المتن اللغوي، من أهمها أن يلبي سمة الشمول بمعنى أن يستوعب كل الظواهر والأنساق اللسانية الفرعية لنظام اللسان، وأن يكون متجانساً لا يختلط فيه المستوى الأدبي مع المستوى التداولي الاجتماعي أو المستوى العلمي إذ ينبغي أن يتم تحديد المستوى إلى جنب سمة مهمة هي سمة التزامن بمعنى وحدة الزمان والمكان تحاشياً للنظر التعاقبي، فاللغة متطور في مستواها التعاقبي الدايكروني عبر الزمن .

وتبرز صعوبة تحديد المتن الشعبي كون الشعبي هو يومي ويبتعد عن المستوى اللغوي المعياري والفصيح، وهو شفاهي غير مدون موازنة بنصوص التدين الرسمي التي هي غالباً ما تمثل أعلى مستويات الانسجام في نسيجها البنيوي ومحتواها الدلالي، وتمتلك فاعلية سلطوية تمنحها قوة تأثيرية إنجازية ناشئة عن فعل الإفتاء وخطاب الوعظ، فالتدين الرسمي هو تدين مؤسساتي مما يمنح نصوصه اهتماماً في التدوين والتلقي والدراسة وتكتسب سلطتها من كونها نصوصاً شارحة ومفسرة للنصوص المقدسة .فهي المصدر الرئيس لدراسة التدين الرسميّ بينما تمثل الطقوس الدينية الشعبية والممارسات التعبدية العامة موضوعاً لفحص ظاهرة التدين الشعبي أكثر من النصوص اللغوية الشعبية، ولعلَّ السببَ في ذلك لبروزها على السطح الاجتماعي بوصفها ظاهرةً قابلة للملاحظة والقياس وتصطبغ بالظروف الاجتماعية والبيئية للجماعات الشعبية التي تؤديها، فالطقوس العبادية التي يفترض أنْ تكونَ واحدةً من منظور التدين الرسمي تختلفُ في الأداء بَيْنَ جَماعةٍ وأخرى، فهي تتلونُ بفلكلور تلك الجماعة وتمتاح منه مما يشكل صلحاً شعبياً بين الفلكلور والتدين، ويكونُ الشَّعبيّ أكثر تسامحاً من الخطاب الدّينيّ الرّسميّ الذي يريد للعبادات وشعائرها أنْ تكون خالصةً من إضافات نوعية، فهي واحدة وعابرة للزمان والثقافات المختلفة، وهو يسم كلَّ إضافة بالبدعة والخروج عن جادة التشريع ويضعها في دائرة الحرام والإثم . لذلك فإن معظم الدراسات التي فحصت ظاهرة التدين الشعبي ترسم له صورة زاهية جميلة ومحببة، فهو أكثر تسامحاً من التدين الرَّسمي وأقلُّ تزمتاً منه ويتصالح مع بيئته ولا يعمد إلى خطاب التأثيم ويضفي على العبادة جنبة تضامنية تعزز هويةَ الجماعة في جوٍّ من الألفة والحميمية تتجاوزُ فعلَ الامتثال والطاعة وصولاً إلى الشعور بالسرور والغبطة الجمعية إلى جنب تطهير الذات، ولا يضيرها أنْ تقتبسَ بعضَ الملامح الشَّكليَّة من عاداتٍ دينيةٍ مختلفةٍ تنتمي إلى اعتقاداتٍ لدياناتٍ أخْرىْ .وعلى الرغم من ذلك إلا أَنَّ تلك الطقوس تخضع إلى مفهوم ِالمراقبةِ الاجتماعيَّةِ، فهي طقوسٌ جمعيَّة ويبقى فيها الفردُ أسيرَ نظرةِ مجتمعهِ وهو ينخرط بتلك الطقوس فلا يتصرفُ بعفوية تعكس ذاته، فـ (الأنا) في ضوء التصور الفرويدي سوف ترزح تحت سلطتين هما (الأنا العليا) و(الهو) المُرَاقَبُ من داخل الطقس الشَّعائريّ، فالرياء والتصنع قد يحضرانِ فيه فلا يمكنُ أنْ يُطْمَأنَ دائماً إلى عفوية الطقسِ وصدقهِ وتعبيره ِعن رؤية التَّصور الشَّعبي على خلاف الخطاب اللغوي الفرديّ الشعبيّ، فهو ذاتي وقد يفلت من قبضة المجموع، ومنْ هنا تبرز الحاجة الملحة لدراسة المتن اللغوي الشعبي وضرورة فحصه. واذا كانت مناهج النقد الأدبيّ ونظريات السَّردِ هي أكثرُ فاعليةً من اللسانيات في فحص الخطاب الدينيّ وتفكيك ظاهرة التَّدين الشَّعبي لا سيما بعد شيوع دراساتٍ كثيرةٍ ترتكزُ على فحص المخيال الجمعيّ لرموز دينية مقدسة مبينة كيف تحصل الإزاحة بين ما هو بشري إلى ماهو أسطوري ومنسجم مع حاجات الروح الشعبية المتجددة إلى جنب اهتمام النقد الأدبي بدراسة الفلكلور .فإن مناهج اللسانيات نظراً لاهتمامها بنسقية اللسان بقيت بعيدةً عن الشَّعبي إلى أنْ برز حقل تحليل الخطاب، فهو من الحقول البينية الذي يتيح لمنهجيات ونظريات متباعدة أن تتضافر في المعالجة لاسيما بعد أنْ احتضنت مناهج تحليل الخطاب ما يسميه (جان لوسيركل) في كتابه (عنف اللغة) بـ (المتبقي) أو المستبعد من المتن اللغوي الأدبي الفصيح المتمثل باليومي الخارج عن نسقية النظام، فنظرت في المهمش والمقصي غير المدون إذ جرى النظر إليه في ضوء اللسانيات الاجتماعية ولسانيات التلفظ وفي ضوء فاعلية العلامة السيمائية في بنية الخطاب، وتكللت تلك النظرات وانصهرت في المنهج النقدي لتحليل الخطاب لـ (نورمان فيركلوف) الذي يُعنى بدراسة سلطة الخطاب واستراتيجياته في الهيمنة كما يدرس هذا المنهج الخطابات النقدية بوصفها خطابات تحررية خارجة عن تلك السلطة وتحاول الانعتاق من هيمنتها . كما ان المنعطف التَّداولي الحديث نحو السَّرد والمعالجات اللسانيَّة الإدراكيَّة تمخَّضت عن إفراز وتدشين رؤى منهجية متطورة تمثلت بالتَّداوليَّة السَّردية في بحثها للواسمات اللفظية داخل نسيج السَّرد المشكل للهوية الجمعية استئناساً بمقولات المفكر الفرنسي (بول ريكور) . فالشعبي هو خطاب مهمش ويومي موازنة بالخطاب النخبوي فيمكن أنْ يُدْرَسَ في ضوء النظر البينيّ في لسانيات تحليل الخِطَابِ . إنَّ أنماط المتن الشعبي يمكن رصدها في الأنماط اللغوية الآتية التي يمكنها أن تعيد تكوين هذا المتن الغائب عن الاهتمام، إذ يبرز نمطه الأول في النصوص المهاجرة من الرسمي والمستوطنة في الشعبي إذ إيثار التدين الشعبي لنصوص رسمية دون غيرها إنَّما يمثل حاجة نفسية واجتماعية تشكل خصوصيته وهويته المفارقة، فقد تغادر هذه النصوص وتهاجر إلى الفضاء الشعبي كبعض مدونات قصص الأنبياء وأحاديث الثواب والنعيم وعذاب القبر وأهوال البرزخ والقيامة وأخبار الملاحم والفتن المتعلقة بأنباء آخر الزمان وتفسير الأحلام وحكايات المتصوفة وكرامات الأولياء ومناقبهم وكتب الأذكار والأدعية ويتم تبيئتها في الفضاء الشعبي بينما هناك نصوص رسمية تمثل المركز والصدارة في التدين الرسمي مثل الكتب الفقهية وكتب التفسير ومدونات علم الأخلاق وتهذيب السلوك لا يَهتم بها كثيراً التدينُ الشعبي، وكذلك كتبُ علم الكلام والعقائد بجوانبها الاستدلالية النظرية، فهي بعيدة عن المزاج الشعبي، وتحضر بدلاً منها كتب النزاعات المذهبية التي تُحرِّضُ على الكراهية وازدراء الآخر . ومعظم تلك المدونات يتخذ منها الخطاب الديني الرسمي موقفاً سلبياً ناقداً لأنَّ روافدَها ومرجعياتِها تمثلت بالمرويات الاسرائيلية والأحاديث المرسلة والضعيفة . وكأنَّ تلك المرويات بما تختزن من مُدهش ومفارق وخارق تمثل مرآة سردية لفهم الذات الشعبية لنفسها، فالسَّردُ بما يمثل من نسيج ملتحم تأتلف به الأضداد والوقائع المختلفة والشخصيات المتباينة في أبعادها الزمانية والمكانية فيتحقق فيه انسجامُ عناصره ضمن مفهوم الحبكة التي تبيح لتلك الأشتات الائتلاف في ثنائيات الخير والشر، فالآخر يمثل ضرورة مهمة لتشكل الأنا في بنية السَّرد، والإمعان بشيطنته مذهبياً سوف يغذي الكراهيَّة ويحقق الشعورَ بالطمأنينة العقائدية وكون الذات على حق والآخر على ضلال فيخفف من حدة قلقها النرجسي، فلا نعجب بعد هذا إذا وجدنا الكتب التي تتحدث عن رحلة المتحولين دينياً ومذهبياً تشكل عنصراً مشوقاً وفاعلاً ومؤثراً في تلقيات الذائقة الشعبية الدينية، إذ لم تكن الدواعي نحو التحول دواعي عقائدية صرف ناجمة عن قلق روحي محض بل ربما كان معظمها تحت وطأة قهر اجتماعي أو نفسي يمر به المتحول نفسه من داخل عقيدته الأولى فيكون تحوله انتقاماً وخروجاً على سلطة قهرية الأمر الذي يذكي الإحساس بالهوية عند القارئ وتمايز الآخر المختلف عنه مذهبياً فيشكل له هذا اللون من الكتابة خياراً مهما في القراءة . والنمط الثاني الذي يسهم في تكون هذا المتن هو (السرد الشعبي) إذ هناك سرد شعبي يتناص تناصاً خارجياً مع السرديات الرسمية المؤسسة ولكن تهيمن فيه النزعة الأسطورية وتغلب فيه سيمياء الأهواء في نظرها للشخصيات الدينية في حين النصوص الرسمية ولا سيما الفقهية منها هي نصوص في درجة الصفر من الكتابة بمفهوم (بارت) بمعنى تغيب هيمنة الذات المنشئة للنص ويغلب فيها العنصر الإعلامي الإخباري في نقل رأي الدين في وقائع وحوادث وأحكام فقهية، فهي تحرص على الموضوعية في النقل على خلاف النصوص الشعبية. وتشكل الأمثال الشعبية الدارجة نمطاً مهماً يسهم في تكون المتن اللغوي، فالأمثال أكثر الأشكال اللغوية قدرة على فحص الحسّ العقائدي الشعبي، فهي إحدى مكونات العقل الشعبي فهي ــ في الغالب ــ تظهر في الخطاب الحجاجي أو الخطاب التوجيهي لقدرتها الإقناعية وإذعان العامة لسلطتها وما تختزن من تجارب جمعية وهي تمتاح من ذاكرة مفهومية شعبية مؤسسة لواقعة المثل وسرديته، وكثير من الأمثال تمثل احتجاجاً على الشريعة وتصوراتها، وقسم منها يجسد التصورات الاعتقادية المؤمنة مما يعكس تناقضاً وازدواجاً في الرؤية، كما إن توظيف المثل في الكلام يصون المرءَ وضاربَ المثل من التبعات التي تتجرأ على الشريعة، فهو مثل متداول ومسكوك وليس من إنشائه، فالتضمين والتناص الصريح كالأمثال في أيِّ نصّ من النصوص واحدة من أهم وظائفه التبرؤ من تبعات الفكرة المتضمنة وإسنادها لغير منشئ الخطاب وإنْ كان معتقداً بها . وتمثل الرسائل التي تُلقى في المراقد وأضرحة الأولياء ومراقد الصالحين أهم أشكال المتن اللغوي الشَّعبي المدون، ويُمكن النظرُ إليها في ضوء الأسلوبية التعبيرية، فهي نصوص مليئة بالجمل الإفصاحية الإنشائية غير الإخبارية أي إنَّها تعبر عن تجارب وجدانية مؤلمة وحزينة وانكسارات يعجز عن حلها الإنسان، فهي تتضمن التوسلَّ وطلب الشفاعة في قضاء الحوائج وتصوراً إيماناً عميقاً بالقدرية واعتقاداً راسخاً بقدرة الولي على الشفاعة وقضاء الحوائج بما يصل إلى حدِّ الغلو، فهي أفعال إنجازية لغوية تعبيرية ترتكز على التوسل، وإنجازيتها في ضوء تصور أوستن تلبي الإحساس بالشعور بالأمان والطمأنينة إزاء قلق متنام بسبب عجز الذات المتوسلة عن حلِّ المشاكل التي تواجهها بنفسها كشفاء مرض أو ضيق في رزق أو مشكلة أسرية، وقسم منها يتضمن عنفاً لغوياً في ألفاظه النفسية المشحونة بانفعالات الغضب وطلب إنزال السخط والانتقام من أشخاص صدرت منهم ظلامات تجاه صاحب الرسالة . وكان عالم الاجتماع المصري (سيد عويس) قد درس اجتماعياً ونفسياً الرسائل الملقاة في مرقد الإمام الشافعي في مصر، وهي دراسة مميزة لم يسبق اليها أحدٌ من الباحثين بيد أنها لم تولِ الجوانب اللغوية أهمية، ولم توظف المناهج اللسانية أو النقدية في تحليل مضمونها بسبب اقتصار نظرها على الجوانب الاجتماعية فحسب .

ويُنْتَهَكُ المقدسُ والدين في انفعالات الغضب وما يصاحبها من عبارات سَبٍّ وشتم للمقدسات وكأنَّ الذي يُصرِّح بعبارات الكفر والجحود يبارزُ المجتمعَ بنقضه للقيم التي يؤمن بها فيثور عليها غضباً ونزقاً، وغالباً ما يحدث ذلك في لحظات الشّجار وفي يأس وإحباط ووقاحة واستهانة مفرطة في خرق المحظور اللغوي والقيمي الديني، فالسب مثال لخرق قاعدة الأدب الاجتماعي في الحوار، وفي ضوء اللسانيات الإدراكية وتصور (جورج لايكوف) عن الاستعارات التصورية التواضعية فإنَّ أغلب ألفاظ الكفر هي استعارات تصورية يكون فيها حقل المدنس مجالاً تصورياً مصدراً من خلاله يتمثل المقدَّسُ، فهناك سمات انتقائية في حقل المُدَنَّسِ يجري تبئيرها وتنشيطها وإسقاطها على المجال التصوري الهدف، وهذه السمات تمثل أعلى درجات الانحطاط القيمي في حقل المدنس إذ يتم أنسنة الذات الالهية المقدسة ونعتها بأخس الرذائل التي تسقط الإنسان من عين الإنسان الآخر مما يتبادله الأفراد في شتم بعضهم للآخر . وهذه العبارات التي تنتهك المقدس تأذن بانتهاء السجال وغلق المحاورة، فهي تمثل أعلى نوبات الغضب وانفعالاته، فالآخر سيعزف عن محادثة من يسب المقدس خشية السخط الالهي، وعلى ضوء مفهوم( قاعدة الوجه في التداولية ) يمثل شتم المقدس هجوماً وعنفاً تجاه الآخر وتهديداً لوجهه الاجتماعي ومنزلته الاعتبارية في الحوار . وفي هذه الوقائع اللغوية يتقابل خطابان هما خطاب السب وخطاب الاستغفار والحوقلة، وهذا الأخير يتبرأ من فعل الأول خشية السخط الإلهي ويتضمن احتجاجاً مباشراً ورفضاً له.

وفي ضوء المنهج النقدي لتحليل الخطاب يمكن أن تُعَدَّ النكاتُ خطاباً تحرراً مناهضاً لسلطة فوقية إذ تتضمن النكات والطرائف سخرية شديدة من المقدس وتهكماً لاذعاً قد يشمل الذات الالهية المقدسة والأنبياء والملائكة ومؤسسي المذاهب ورموزه، فهي مرآة للصراع المذهبي والخروج على المقدس ونقده، وهي متنفس للمكبوت والمقموع في اللاشعور الجمعي، وهي إحدى أهم الوسائل للكشف عن اللاشعور مثل الأحلام وزلات اللسان من منظور فرويد، فالنكتة هي المجال الوحيد الذي يخرق المحظور ويكون الخرق مقبولاً لأنه في سياق تندر ولا يشملُ الأمرُ المحظورَ الدينيّ فحسب بل حتى المحظور الجنسي أيضاً، وتخفف النكتة من حرج الراوي لها في جرأته على انتهاك المعتقد أو المحظور، فهو راو ينقل ويحكي ما ليس له من قول (فناقل الكفر ليس بكافر) كما يتردد شعبياً، وتتشابه هذه السمة مع الأمثال، فهي نصوص متداخلة تتيح لراويها أن يبرأ من تبعاتها.

وفي تسمية الشخصيات والرموز الدينية غالباً ما يلجأ العقل الشعبي إلى توليد أسماء غير الأسماء والألقاب التي ينتهجها الخطابُ الدينيّ الرسميّ، فالكثير من الأولياء يُستعاض عن ألقابهم وأسمائهم التاريخية ويُعبَّر عنهم بحادثة أو واقعة ظهرت فيها كراماتهم، وهذه الحادثة تجسد اليقين الشعبي من خلال سردية يؤمن بها وتشكل يقينه وهويته الدينية . كما ان الكثير من الأفعال الإنجازية اللغوية من دعوات وتبريكات التي ترافق الطقوس الدينية أو طقوس العبور من ولادة وزواج ومواساة وتهنئة على أداء فرض من صيام أو حج هي بحسب (أوستن) ونظريته الانجازية أفعال شعورية إفصاحية تعبر عن النواحي الوجدانية وتضطلع بوظيفة إقامة التواصل والمجاملة وتعزز روحَ التضامنِ بين الجماعة الواحدة وتعملُ على تمتين هويتهم الدينية، ويمكن تصنيفها بأنها جزء من أفعال الهوية اللغوية حسب تصور اللساني الأمريكي (وليم لابوف) .

وكلُّ ما تقدم من أنماط تعبيريَّة شعبيَّة بوسعها أنْ تعيدَ تكوينَ المتن اللغويّ الغائبِ عن دائرة الاهتمام وأن ترسم حقيقةَ التدين الشعبي التي يلوح فيها الإيمان والتسامح والقدرية إلى جنب ازدراء الآخر والغلو في الأولياء والجرأة على الذات الالهية والتسليم المطلق والاستغراق في الأساطير على حد سواء، ويلوح منها العنف اللغوي في الابتهال لإنزال اللعنات على الآخر، فهو معتقد يجمع المتنافرات والمفارقات، كلُّ ذلك يدعو إلى إعادة النَّظر في الصورة الزاهية والمتسامحة التي ترسمها المناهجُ الاجتماعية والنفسية والأنثروبولوجية إذ تبدو صورة المعتقد الشعبي من خلال مفهوم المتن اللغوي ولسانيات تحليل الخطاب صورةً مغايرةً تغيب فيها العقلانية وترفض قبول الآخر، كما يدعو أيضاً ما تقدم من تحليل إلى إعادة النظر في مفهوم وحدة العقل الشعبي الديني وانسجامه، ففي فحص المتن اللغوي لا تسلم هذه النظرية (وحدة العقل) من النقد الشَّديد الأمر الذي يبرهن على فاعلية النظر اللسانيّ البينيّ المرتكز على مفهوم تحليل الخطاب ونقده في تجلية هذه الصورة المفارقة عن ما تبنته معظم الدراسات حول التدين الشعبي.

***

كـريـم عـبيـد عـلـوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

من فيلولوجيا النص إلى جينولوجيا القيم

في عام 1986 قرأت "هكذا تكلم زرادشت: كتاب للكل وليس لأحد" لفريدريك نيتشه ترجمة فليكس فارس. وما هي إلا دقائق حتى رميت الكتاب وأنا ألعن نيتشه "فيلسوف النازية" هكذا كنت أسميه! ثم طويت كشحا عنه حتى أعادني إليه أستاذي الفاضل فؤاد زكريا (طاب ثراه) عندما قرأت كتابه "نيتشه".

ثم توالت القراءات "أصل الاخلاق وفصلها" بترجمة المترجم الفذ حسن قبيسي. ثم "ما وراء الخير والشر" فلسفة للمستقبل. ثم السفر الرائع "نيتشه وإرادة القوة" لبيير مونتيبيلو بترجمة الدكتور جمال مفرج. ووقع بيدي الكتاب الرائع "نيتشه ومهمة الفلسفة" قلب تراتب القيم والتأويل الجمالي للحياة لعبد الرزاق بلعقروز وتوالت القراءات متأنية تقترب من الموضوعية والفهم الدقيق بدون سوابق إيديولوجية تعمي البصيرة عندها أدركت إن ترك الفهم الموضوعي في أي نقد مراهقة صبيانية.

اليوم ندرس نيتشه بعقل قد تخلص من العمى الإيديولوجي والسوابق الذهنية المعيقة للفهم والتفهم.

تمهيد:

يُعد الانتقال من الفيلولوجيا (فقه اللغة) إلى الجينولوجيا (علم الأنساب) في فكر فريدريك نيتشه تحولا جذريا لا يمثل مجرد تغيير في الموضوعات البحثية بل يمثل إعادة صياغة كاملة لأدوات "التفكير" و"الحقيقة".

لإدراك هذا الانتقال يجب أن نفهم أن نيتشه لم يتخل عن الفيلولوجيا بل طورها من أداة لفهم النصوص القديمة إلى أداة لفهم "جسد" الثقافة والحضارة.

وجرت الأمور على النحو التالي:

أ-: مرحلة الفيلولوجيا (نقد النص ومصدره):

بدأ نيتشه حياته الأكاديمية كعالم "فيلولوجيا" كلاسيكي بارع حيث أنكب على دراسة النصوص الإغريقية القديمة معتمدا على منهج التحليل التاريخي اللغوي الصارم للنصوص. كان ينظر إلى النص - سواء كان كتاباً أو أسطورة - كبنية لغوية لها "أصل" يجب الكشف عنه. وأدرك نيتشه مبكراً أن الفيلولوجيا التقليدية عاجزة عن فهم "الحياة" الكامنة وراء النص. معتبرا أن النصوص -خاصة اليونانية- ليست مجرد كلمات بل هي تعبير عن صراع قوى (أبولوني) مقابل (ديونيسي). وبدلا من الأكتفاء بتصحيح الكلمات بدأ نيتشه يتساءل: ما هو نمط الحياة الذي أنتج هذه اللغة وهذا النص؟

ب-: مرحلة الجينولوجيا -نقد القيم وتفكيك الأصل.

تنحدر كلمة الجينيالوجيا (Genealogy) من أصل إغريقي. وتعني "دراسة شجرة العائلة" أي علم الأنساب أما من ناحية اشتقاقية فهي تعني "البحث عن النشأة والتكوين والوقوف عند الأصل". لكن استخدامها المعاصر تعدى للبحث في أصل الأشياء ومعظم الظواهر الإنسانية والقيم ولذلك دخلت الكلمة الى الكثير من حقول الدراسة فهناك جينيالوجيا الأخلاق والسياسة والحقيقة والعنف والدين. ‏ويعتبر الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه مؤسس الجينيالوجيا المعاصرة. وفي مقدمة كتابه "جينيالوجيا الأخلاق" (1887) يقول "إن أمر الجينيالوجيا يتعلق بأصل أحكامنا الأخلاقية ‏المسبقة" وليس القصد من الأصل العودة إلى البدايات ولكن كيف تكونت الأشياء والكيفية التي ‏ظهرت بها.‏ تأسيسا على هذا الفهم ونضوج فكر نيتشه تحولت الفيلولوجيا(فقه اللغة) إلى جينولوجيا (التفكيك النقدي للقيم) فإذا كانت الفيلولوجيا تبحث في أصل "الكلمات" فإن الجينولوجيا تبحث في أصل "القيم" (الأخلاق، الدين، الحقائق العلمية).

تجدر الإشارة إلى أن الجينولوجيا ليست تأريخا خطيا للأفكار بل هي منهج "حفر أركيولوجي" في أعماق النفس البشرية للكشف عن الدوافع الخفية التي أنتجت هذه القيم.

لم ينظر نيتشه إلى "الخير" و"الشر" كحقائق مطلقة مقدسة بل نظر إليهما كأعراض لنمط حياة معين -إما ضعف أو قوة-.

وتسائل: ما هو الثمن الذي دفعناه لنعتقد إن هذا المفهوم "حقيقي" أو "خير"؟

وآلية إنتقال نيتشه من النص إلى الحياة.

يمكن تلخيصها في ثلاثة تحولات مفصلية:

أولا: من الفيلولوجيا- البداية- إلى الجينولوجيا-النضج-.

في الفيلولوجيا كان الموضوع المبحوث هو النص المكتوب (القيم والمفاهيم والأخلاق)

وكان الهدف من البحث هو استعادة المعنى الأصلي أي كشف "إرادة القوة" وراء المعنى وكانت أداة البحث هي النقد اللغوي والتاريخي وبعبارة أكثر دقة النقد التفكيكي والتحليل النفسي.

ثانيا: من المعنى إلى "إرادة القوة": في الفيلولوجيا كان نيتشه يبحث عن "ماذا يقصد المؤلف؟" في الجينولوجيا يبحث عن "ما هي الإرادة التي تفرض هذه القيمة؟" أدرك نيتشه بثاقب بصره إن القيم ليست ثابتة بل هي نتاج صراعات وأدوار تاريخية. فبدلا من البحث التقليدي الفلسفي عن "جوهر" الأخلاق بحث في "تاريخها". أي كيف تشكلت وما هي القوى التي شكلتها.

ثالثا: التفلسف بالمطرقة:

بهذا الفهم الجديد والدقيق تحول نيتشه من قارئ ومفسر  للنصوص إلى "طبيب للحضارة" يستخدم المشرط الجينولوجي ليشرح "أوهام" الأخلاق التقليدية التي تعيق الحياة.

يُعد هذا الانتقال هو الأهم في تاريخ الفلسفة لأنه

حرر الفلسفة من سلطة "الميتافيزيقا". فالجينولوجيا النيتشوية كشفت لنا أن "الحقيقة هي خطأ مفيد للبقاء". نعم نحن لا نكتشف القيم نحن نخترعها بناءً على حاجتنا للقوة أو حاجتنا للراحة (العدمية).

بإيجاز: الفيلولوجيا علمت نيتشه كيف يقرأ ما بين السطور والجينولوجيا علمته كيف يقرأ ما بين "القيم" ليثبت أن كل ما نعتبره "حقيقة أبدية" ليس إلا "نصاً" تم تزويره بفعل صراعات القوى وأهل النفوذ والمال عبر التاريخ.

ضد النسقية: تمهيد في أسلوب نيتشه وطريقته في الكتابة.

أول الكلام يجب أن نبين ما هي الفلسفة النسقية؟

فالدلالة اللغوية للمصطلح تقول: 

يشتق “نسقي” من الفعل “نسَّق” أي نظَّم ورتّب.

(معجم المعاني).

يتضح من المعنى اللغوي أن النسق هو مجموعة من العناصر المرتبطة بعضها ببعض تتفاعل وتؤلف وحدة عضوية واحدة بحيث يُفهم كل عنصر من خلال الكل. إذن هي نوع من الفلسفة تسعى إلى بناء “نظام” أو “نسق” واحد متكامل تُفسر فيه كل مسائل الوجود والمعرفة والقيم والسياسة من داخل إطار نظري واحد مغلق شبه نهائي. أي تفسير الوجود من الذرة إلى المجرة.

و الطريقة هنا ليست جمع أفكار مبعثرة بل بناء كلي منسجم يرتبط فيها كل جزء بالكل بحيث لا تُفهم أي مسألة إلا من موقعها داخل هذا النسق الكبير.

فهي تعني: تفكيرا منظما متماسكا لا يكتفي برأي جزئي بل يبني شبكة مفاهيمية مترابطة.

و من أبرز النماذج التقليدية للفلسفة النسقية هي: فلسفة هيجل حيث يجمع في نسق واحد التطور التاريخي والمنطق والدين والأخلاق والدولة كلها كمراحل في حركة واحد لـ”الروح المطلق“.

في هذا النسق لا يُفكر في “الحرية” أو “الدولة” أو “الدين” ككيانات منفصلة بل كحلقات مترابطة داخل حركة واحدة محددة بالمنطق. ففي النقد الفلسفي المعاصر خاصة مع نيتشه  يُطرح أن “نهاية الفلسفة النسقية” تتزامن مع أزمة الميتافيزيقا وانهيار المزاعم الكلاسيكية بتحقيق “مرجعية مطلقة” أو “نسق نهائي” للحقيقة. النهاية إذن بدأت في الظهور بنهاية الهيجلية ثم ترسخت في مناهج ما بعد الحداثة التي ترفض النسق المغلق. فالفلاسفة الذين يتحدثون عن “نهاية الفلسفة النسقية” لا يقصدون اندثارها كأنها كائن حي بل تحول في المناخ الفلسفي: أي تجريد النسق المغلق من مركزه ونقله إلى موقع نقدي لا يدعي له حدود نهائية.

من هذا نفهم أن نهاية الفلسفة النسقية ليست انهيارا مفاجئا بل تجاوز طبيعي لشكل فكري لم يعد يلائم تجربة الثقافة والحياة الحديثة وفتح الطريق لأشكال فلسفية أكثر مرونة وتأويلية.

فالمشروع الذي حكم الفلسفة الغربية من أفلاطون إلى هيجل- أي بناء نسق معرفي مغلق- يُفسر كل شيء من خلاله قد استنفد إمكاناته.

وسبب هذا أن الفلسفة النسقية تأسست على مبدأ معرفي واحد هو النظر إلى الإنسان كـ”مرآة” للطبيعة يمتلك جوهرا معرفيا يمكنه من القبض على “الحقيقة”. هذا التصور تحول إلى يأس ثقافي لأن الفلاسفة المتعاقبون فشلوا في تقديم نسق نهائي يقنع الجميع. فمع الثورة العلمية في القرن العشرين واتساع رقعة الأختصاص ترسخت القناعة بأن الحياة أعقد وأعمق من أن يحيط بها نسق واحد مهما كان هذا النسق محكما ومنظما ودقيقا.

نهاية القول إذا أردنا أن نصوغ معنا تاريخيا تقريبيا: يمكن القول إن “نهاية الفلسفة النسقية” كفكرة بدأت في التشكل في مرحلة نيتشه وهايدغر أي في النصف الأول من القرن العشرين فصاعدا في سياق تحول تدريجي في تاريخ الفلسفة الأوروبية.

بهذه الروح " الضد نسقية" دون نيتشه الجزء الأكبر من مؤلفاته على هيئة شذرات أو فقرات منفصلة أو حكم تنطوي كل منها على فكرة كاملة. وهو يعرضها ويدعوك إلى اعتناقها ولا يكلف نفسه البرهنة عليها لأنه يرى "أن حقيقة تحتاج إلى برهان ليست بحقيقة". وهو إذا حاول أن يبرهن وقلما يفعل فهو لا يستقصي الدليل ولكنه يقدم المقدمات دون التثبت الكافي من صحتها ودون الالتفات إلى نتائجها.

فطريقة نيتشه في الكتابة شديدة التعبير لا يظل بعضها معزولا عن بعض بل تؤلف في تتابعها ضمن وحدة الكتاب كلا فريدا ولكل من كتبه مناخه الخاص ولهجته الخاصة التي لا تختلط مع أية لهجة أخرى.

كل مطلع واعي على فلسفة نيتشه يدرك أنها لیست نسقا بسيطا ولا تجميعا أعتباطيا لفقرات ولكنها نسق من الفقرات كل واحدة منها مسکن خاص. وقد ظلت طريقة الكتابة بالفقرات مع نيتشه طوال حياته وكانت الأفكار تأتيه وهو يمشي وهو ما يعبر عنه في كتابه "أفول الأصنام" فيقول: "إن الأفكار التي تأتيك وأنت تمشي هي التي تمتلك قيمة".

والذي يراه بعض المؤلفين أن نيتشه اختار شكل الشذرات لتأليفه بصورة واعية. ويذكر نيتشه أنها خير طريقة تلائم فكرا تلقائيا مثل فكره فأصحاب المذاهب الجامعة ينسقون أفكارهم وينمقونها قبل أن يدونوها أما هـو فكان يترك الفكرة تظهر تلقائيا ثم يدونها كما تخطر لذهنه والسبب أن هذه الطريقة- في رأيه- هي تعبير عن أمانته الفكرية وإخلاصه العقلي الذي يأبى عليه أن يترك ذهنه منطلقا ولو جر عليه ذلك بعض التناقض بين أفكاره المنفصلة.

يقول الدكتور فؤاد زكريا في كتابه نيتشه: "ومن نقاد نيتشه من يأتي بشرح لاختياره أسلوب الفقرات أو الشذرات في كتاباته بتعليل آخر يهيب بفكرة المرض عنده ويرد إليها أسلوبه التلقائي في عرض آرائه ومن هؤلاء صديقته وعشيقته "لو أندرياس سالومي" حيث تذهب في مؤلفها المشهور عن أعمال نيتشه إلى أن هذا الأسلوب في الكتابة بالشذرات -وهو أسلوب كان يعد فيه نيتشه سيدا- كان صفة لازمة لفكره. لكن هذه الطريقة ليست كافية لتضمن تواصلا منهجيا لنظرياته بل هي تعطي لفلسفته مظهر الفكر المتقطع. فقد فرض عليه مرض عينيه البقاء وفيا للكتابة بالفقرات مع أنه كان يبذل جهدا مستمرا في كتابيه "بمعزل عن الخير والشر" و"أصل الأخلاق وفصلها"

للتخلص منها وتنظيم تأملاته وفق خطة دقيقة). (فؤاد زكريا نيتشه دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية، ص20).

ومن هؤلاء أيضا "أوجان فنك" الذي يذهب في تعليله مذهب "سالومي" فيجعل من مرض عينيه سبب لجوئه إلى أسلوب

الحكم ويرى أن نيتشه صنع من الضرورة فضيلة على الرغم من أنه يحذرنا من التعجل في الأمور إذا رغبنا في تفسير أسلوب الحكم لديه: "لأن الحكمة تفسح المجال لصياغة مقتضبة وجزئية تستغني عن ذكر الأسباب. ولهذا فهو يفكر بما يشبه ومضات فكرية أكثر مما يفكر بطريقة العروض المجردة الشاقة التي تؤلفها أعداد طويلة من المفاهيم المترابطة.

ويرجع البعض من شراح نيتشه علة التجائه إلى هذا الأسلوب إلى عوامل أخرى لا علاقة لها بمرضه وهم يرون أن الأسلوب الذي يلائم مزاج نيتشه- وهو مزاج شعري- يختلف عن تفكير أصحاب الأذهان المنطقية الصارمة الذين لا يكتبون إلا بأسلوب متماسك مثل كانط الذي يفتعل التصنيف ويتكلفه في كثير من الأحيان. أما أصحاب الأذهان الأدبية أو الشعرية مثل نيتشه فأسلوبهم أشبه بالقصائد التي يعبر الشاعر في كل منها عن إحساس معين دون أن يربط بين كل قصيدة وأخرى رباط منطقي متسلسل لأنه نتيجة مزاج الشعري لديه. ولا شك في أن فكر نيتشه الفلسفي جاء لا يشبه الفلسفة في معناها المنطقي الصارم فهو أقرب إلى الفيض العفوي.

مراحل تطور فلسفته:

أولا: المرحلة الفيلولوجية (1869-1879).

بدأ نيتشه حياته العلمية كأستاذ فيلولوجيا في جامعة بازل عام 1869 مستخدما المنهج الفيلولوجي "فقه اللغة" لتحليل الثقافة اليونانية كما في كتابه "ميلاد التراجيديا" (1872) حيث ربط بين التوازن الأبولوني (النظام) والديونيسي (الغريزة) عبر قراءة نصوص هوميروس وسوفوكليس. كان الفهم الفيلولوجي أداة لاستعادة "الصحة" الحضارية من جذورها التاريخية لكنه سرعان ما تجاوزه لنقد الحاضر.

نقطة التحول (1879-1886)

مع ترك التدريس بسبب المرض عام 1879 تخلى نيتشه عن الفيلولوجيا الأكاديمية لصالح فلسفة "المطرقة" كما يسميها في أعمال مثل "العلم المرح" (1882) و"هكذا تكلم زرادشت" (1883-1885) حيث انتقل من تفسير النصوص إلى نقد القيم عبر "إرادة القوة" وإعلان "موت الإله". هنا بدأ "الحفر" الجينيالوجي كامتداد للفهم الفيلولوجي لكنه أعمق.

الجينالوجيا الناضجة (1886-1888)

بلغت الجينولوجيا ذروتها في كتابه "ما وراء الخير والشر" (1886) وكتابه "جينيالوجيا الأخلاق" (1887) حيث طبق المنهج الجينالوجي كتتبع تاريخي لنشأة الأخلاق من قيم "السادة" (القوة والنبل) إلى قيم "العبيد" (الرحمة والضعف) كاشفا النوازع النفسية الخفية بدلا من التحليل السطحي.

هنا بلغت الجينالوجيا عند نيتشه منعطفها الخطير  حيث قلبت منهج الفلسفة من البحث عن "الحقيقة" إلى تقويمها عبر تشريح "القيم" لتأكيد جينالوجيا الحقيقة كمنهج وتسائل:

كيف أصبحت "الحقيقة" قيمة عظمى وكيف تم تشكيلها عبر التاريخ؟

للحديث بقية.

***

سليم جواد الفهد

 

من الاستمرارية إلى التفكك في الفكر المعاصر

لا يكاد يخلو تأمل في شروط المعرفة الإنسانية من إحالة ضمنية أو صريحة إلى الزمن، ذلك البعد الذي يبدو في آنٍ بديهياً كالتنفس وأعصى على التحديد من أعقد المسائل الميتافيزيقية. وإذا كان السؤال الإبستمولوجي الكلاسيكي قد انصرف إلى بحث مصادر المعرفة وحدودها ومعايير الصدق فيها فإن الزمن ظل لأكثر من قرن ذلك الشرط الصامت الذي لا يفحص ولا ينقب عنه كما لو كان وعاءً شفافاً لا يؤثر في ما يحتويه. غير أن تحولات الفكر الغربي منذ مطلع القرن العشرين سواء في فيزياء النسبية التي فجرت فكرة الزمن المطلق أم في الظاهراتية التي أعادت طرح الزمن بصفته بنية للوعي أم في التفكيكية وما بعد الحداثة التي شرّحت الاستمرارية الزمنية إلى شظايا متباعدة، كل هذه التحولات قد أخرجت الزمن من قوقعته البديهية ووضعته في صلب النقاش الإبستمولوجي بصفته مشكلة كبرى بل ربما المشكلة الكبرى التي يتوقف عليها تصورنا للحقيقة والمعرفة والموضوعية ذاتها.

تتحدد إشكالية هذه المقالة في السؤال التالي، كيف انتقل الفكر الفلسفي من تصور الزمن بوصفه استمرارية متدفقة شرطاً لإمكان المعرفة وضماناً لاتساقها إلى تصوره بوصفه قوة تفكيكية تهدد وحدات المعرفة وتقوض إمكان الحكم على الصدق؟ وسنعمد إلى مقاربة هذه الإشكالية من خلال تتبع التحولات الجوهرية في مفهوم الزمن الإبستمولوجي بدءاً من تأسيس كانط للزمن بصفة حدساً قبلياً مستمراً يضمن إمكان الظواهر الطبيعية مروراً بالثورة النسبية والأينشتاينية التي جعلت الزمن نسبياً ومتداخلاً مع المكان، ثم انتهاءً بالتفكيكات المعاصرة التي تتبدى في فلسفات هايدغر ودولوز ودريدا وفوكو وليوتار حيث يتحول الزمن من إطار للمعرفة إلى موضوع للمعرفة المفككة ذاتها.

وإنما تكمن خطورة هذه المقاربة في أنها لا تكتفي بعرض تاريخ الأفكار بل تعيد طرح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمكن للمعرفة أي معرفة أن تنبني على أساس زمني إذا كان هذا الأساس نفسه يظهر بالتحليل العميق هشا متقطعاً غير قابل للضبط؟ وإذا كان الزمن في أعمق طبقاته الفيزيائية والميتافيزيقية ليس خطاً مستمراً ولا سلسلة متصلة من الآنات بل هو إما دوامة التكرار أو أقصوصة نحكيها لنخدع أنفسنا أو قوة محضة للتغير والاختلاف دون هوية ثابتة، فبأي معنى يظل الحديث عن الحقيقة المعرفية ممكناً؟ هذه المقالة محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة من خلال سبر أغوار النصوص الفلسفية والعلمية التي أسست لهذا التحول متتبعةً الصدوع التي أحدثتها في صرح الإبستمولوجيا الغربية ومستخلصةً في النهاية ما يمكن أن يعنيه هذا التفكك الزمني لعلاقتنا بالمعرفة والحقيقة في عصر بات الزمن نفسه فيه أسرع من أن يُدرَك وأكثر تشظياً من أن يُروى.

ثمة سؤال يتسلل إلى وعي المفكر كظل لا يغادر خطاه، سؤال لا يهدأ ولا يرضى بالإحالة إلى البداهات المستقرة، إنه سؤال الزمن. ليس الزمن بصفته مقياساً للحركة كما أراد أرسطو ولا بصفته امتداداً كميا قابلاً للتفاضل كما في الفيزياء الغاليليّة النيوتنية بل الزمن بصفته شرطاً مسبقاً لكل معرفة، ذلك الأفق الذي تنبثق فيه الظواهر وتتلاشى وتتشكل فيه الذوات قبل أن تنهار تحت ثقل لحظاتها. لقد ظل الزمن منذ فجر التأمل الفلسفي عقدة حيرت ألمع العقول، ولكن لم تكن إشكاليته في يوم من الأيام بهذه الحدة التي بلغها في الفكر المعاصر حيث تحول من مجرد سؤال فيزيائي أو ميتافيزيقي إلى أزمة إبستمولوجية صريحة إلى جرح مفتوح في نسيج المعرفة نفسها.

ولم يكن الفكر القديم والوسيط في مجمله ليتصور قطيعة بين الزمن والمعرفة. كان الزمن وإن اعترف بغموضه يُعتبر إما محايداً بالنسبة للحقيقة كما عند أفلاطون الذي جعل المعرفة الحقيقية تتجه نحو عالم المثل الأبدي الخالد على الزمن، وإما بعداً عضواً في بنية الوجود الطبيعي كما عند أرسطو الذي عرّف الزمن بأنه "عدد الحركة في سياق التقدم والتأخر". في كلا الحالتين كان الزمن إطاراً مستقرا شبيهاً بوعاء ممدود لا يطرأ عليه من الخرق أو التمزق ما يستعصي على الإدراك. حتى القديس أوغسطينوس ذلك المفكر الذي اكتشف بعبقرية فذة البعد النفسي للزمن في اعترافاته الشهيرة - "فما الزمن إذن؟ إذا لم يسألني أحد عنه فإني أعرفه، وإذا أردت أن أشرحه لسائل فإني لا أعرفه" - حتى هذا القديس الأفريقي لم يغادر دائرة الثقة بمطابقة الشعور الداخلي وحركة النفس مع موضوع الزمن الخارجي، وإنما أراد تثبيت هذه المطابقة بجعل الزمن امتداداً للنفس ذاتها، "امتداداً لا يزول" على حد قوله مبقياً بذلك على استمرارية الخط الزمني بوصفه شرطاً لإمكان التوبة والمعرفة الإلهية.

ولقد بلغت هذه الثقة بالزمن المستمر أوجها على يدي إيمانويل كانط، الفيلسوف الذي قلب الإبستمولوجيا رأساً على عقب، لكنه ظل في مسألة الزمن وفياً لاستمرارية الحدس القبلي. فالزمن عند كانط في كتابه "نقد العقل الخالص" ليس مفهوماً مستمداً من التجربة بل هو صورة قبلية خالصة حدساً صرفاً، يتقدم كل ظاهرة تمثل فينا، وهو بهذا المعنى شرط ضروري لكل معرفة حسية. يصير الزمن الإطار الكلي الذي لا مفر منه لأي إدراك ممكن، خطاً ممتدداً لا يقبل التجزؤ في عمله التوفيقي بين مادة الحساسة وقوانين الفهم. لكن هذه الاستمرارية الكانطية تحمل في طياتها بذرة تفككها، ذلك أن كانط حين جعل الزمن صورة قبلية ذاتية خالصة أي شيئاً لا وجود له خارج الذات المدركة يكون قد فصل الزمن عن الوجود الخارجي المستقل وأقامه على حدود الأنا المتجاوزي، هذا الأنا الذي سيكتشف ورثته من المثاليين الألمان، بزعامة فيشته وشيلنغ وهيغل، أنه ليس كياناً ثابتاً بقدر ما هو حركة ونشاط وجدل. وهيغل بالذات يذهب بعيداً في جعل الزمن تجسيداً لجدل المفهوم نفسه، فالروح المطلقة تتجلى في الزمن لا بصفته إطاراً جامداً بل بصفته تاريخاً أي استمرارية جدلية لا تتناقض مع القطيعة بل تحتويها في حركة التجاوز الأسمى. ويكون الزمن حتى في ذروة المثالية الألمانية قابلاً للاستمرار ومفهوماً من حيث هو مبدأ تركيب لا من حيث هو قوة تفكيكية.

غير أن الخرق الحقيقي سيحدث حين ينتقل السؤال من "كيف نعرف الزمن" إلى "كيف نعرف في الزمن" بل إلى "كيف يمكن أن تقوم معرفة على الإطلاق إذا كان الزمن نفسه ليس مستمراً بل متقطعاً؟" ثمة لحظة فارقة في تاريخ الفكر الغربي يمكن إرجاعها إلى تقاطع غير معلن بين فلسفة الحياة الجديدة التي بشر بها فريدريك نيتشه وآرثر شوبنهاور وبين الفيزياء التي أحدثت ثورة في مفهوم الزمن على يد أينشتاين. نيتشه باجتراحه فكرة "العود الأبدي"، لم يكن يريد مجرد إعادة تدوير لبعض الأطروحات الهرقليطية القديمة، بل كان يمارس تفكيكاً للزمن الخطي المستمر الذي تقوم عليه اللاهوت والبيان المسيحي والحداثة معاً. الزمن عند نيتشه ليس سيراً نحو غاية ولا هو تطور عضوي نحو الأكمل بل دوامة من العود المتكرر الذي يحطم إمكانية أي معنى متعال ويكشف أن ما نسميه استمرارية ليس أكثر من تكرار فارغ لا يغادر ذاته. وتبدأ هنا معالم أزمة إبستمولوجية حادة، إذا كان الزمن عوداً أبدياً فكل معرفة تصبح إعادة اكتشاف لا أكثر، وكل حقيقة تصبح نسبية لا تستند إلى تقدم تراكمي بل إلى تكرار لا يمكن الخروج منه. لم يذهب نيتشه إلى هذا الحد في صراحة لكنه زرع الشك الذي سينمو في تربة الفكر المعاصر الغنية بالتشظي.

في الجانب الفيزيائي، كان أينشتاين يجهز لانقلاب لا يقل خطورة بنظريته النسبية التي قضت على الزمن المطلق النيوتني، ذلك الزمن المستمر المنتظم الذي تتدفق فيه الأحداث على وتيرة واحدة مستقلة عن الراصد. لقد بيّن أينشتاين أن الزمن يتمدد وينكمش وأنه متداخل مع المكان في نسيج واحد لا فكاك منه بل والأكثر إزعاجاً للحس الفلسفي المشترك أن مفهوم "الآن" ليس لحظة كونية واحدة تنطبق على جميع الموجودات بل هو شأن موضعي مرتبط بإطار المرجع. هذا يعني أن خط الزمن الواحد المتصل والمستمر، ذلك الخط الذي ظل الحدس الكانطي قائماً عليه ليس سوى وهم ناتج عن محدودية مداركنا البشرية. إنه وهم مفيد للحياة اليومية بل ضروري لها لكنه وهم في التحليل النهائي. وهنا تتسع الهوة بين الزمن كما نعيشه ونختبره انسياباً مستمراً والزمن كما يصاغ في المعادلات الفيزيائية التي تقدم لنا عالماً من النقاط الزمكانية المتباعدة، عالماً لا استمرارية فيه بالمعنى الساذج بل علاقات إيحائية لا تحدد سوى ترتيب الأحداث جزئياً.

ولم تفلت هذه المفارقة من عين إدموند هوسرل الفينومينولوجي الدقيق الذي أدرك أن المعضلة ليست في وصف الزمن الفيزيائي أو الميتافيزيقي بل في وصف الزمن كما يُعاش بالفعل في الوعي. في محاضراته الشهيرة عن "ظواهر الزمن الداخلي" حاول هوسرل إنقاذ الاستمرارية من طريق مغايرة تماماً، ليس بفرضها من الخارج بل بكشفها في بنية الإدراك الزمني نفسه. فالحاضر عند هوسرل ليس نقطة حسابية متناهية في الصغر كما في الفيزياء الكلاسيكية بل هو "حاضر ممتد" يحتوي في آن واحد على احتفاظ (أي ذكرى أولية لما كان قبل اللحظة مباشرة) وانتظار (ترقب أولي لما سيأتي). من هنا تتشكل صورة الزمن كتيار متصل أبعاده ثلاث: الآن والاحتفاظ والانتظار كلها تتصاهر في وحدة لا تتجزأ. لكن هوسرل نفسه واجه صعوبة في تبرير هذا الاتصال، كيف ينتقل الوعي من احتفاظ إلى احتفاظ آخر؟ كيف يحافظ على هويته في سيلان اللحظات المتعاقبة؟ كان جوابه بفكرة "الوعي الداخلي المطلق للزمن"، وهو وعاء من الوعي ليس زمنياً بذاته قادر على استيعاب التعاقب الزمني دون أن يغرق فيه. غير أن هوسرل بكل دقته لم يستطع إقناع خلفه خاصة مارتن هايدغر بأن هذه الاستمرارية التي يبشر بها لا تعود إلى حيلة للتغلب على حقيقة أكثر قسوة أن الزمن ليس تدفقاً سلساً بل انقطاعاً وجودياً.

هايدغر في تحفته "الوجود والزمان"، دفع السؤال الإبستمولوجي إلى منحى مغاير تماماً. لم يعد يرى في الزمن مشكلة معرفية في معنى كيف ندركه أو نقيسه بل أصبح يراه مشكلة وجودية، الزمن هو أفق فهم الوجود نفسه. الكينونة البشرية التي سماها "الدازاين"، هي وجودها الخاص باعتبارها زمانية أصيلة. لكن هذه الزمانية عند هايدغر لا تعني الاستمرارية ولا التدفق السلس، بل تعني البنية الثلاثية، المستقبل بصفته الأسبق في الأهمية والماضي بصفته ما تم استعادته في شكل "كائناً ما قد كان"، والحاضر بصفته تفعيلاً للعلاقة مع الموجودات. وهذا هو موضع الدهشة، الزمانية الحقيقية عند هايدغر هي اتحاد مأساوي بين الأبعاد الثلاثة لكن هذا الاتحاد ليس استمرارية هوسرلية سلمية بل هو "تمزق" أو "انخراط في العدم" يظهر في تجربة القلق التي تهدم كل المحمولات المستقرة. فالزمن في التحليل النهائي ليس خطا ولا حلقة بل هو حركة "الطرح" التي ترمي بالدازاين في وجوده المحدود والمتجه نحو الموت. هنا يبدأ الانهيار الكبير للاستمرارية إذ مع هايدغر يصبح الزمن هشاً معلقاً بين الإمكان والاستحالة معرضاً لخطر اللاوجود في كل لحظة. وفي هذا المنعرج يتحول الزمن من إبستمولوجيا للاستمرار إلى إبستمولوجيا للتفكك.

إن ما بعد هايدغر وتحت وطأة التحولات العارمة في الفكر الفرنسي المعاصر سيتحول الزمن إلى شبح متقطع وإلى ركام من اللحظات المنفلتة وإلى زمن بلا حاضر وبلا ماض وبلا مستقبل بالمعاني المستقرة. وستكون القراءة التي قدمها جاك دريدا لهوسرل في كتابه "الصوت والظاهرة" إيذاناً بانفراط عقدة الزمن الكبرى حيث بيّن دريدا أن الاحتفاظ الهوسرلي لا يمكن أن يكون حاضراً بذاته ولا يمكن أن يضمن نقلاً متصلاً من الآن إلى الآن دون أن يخلف أثراً للغياب داخل الحضور. هنا يولد مفهوم "الأثر" الذي ليس حاضراً ولا غائباً والذي يجعل كل حضور زمنياً مشوباً بالزوال من الداخل. الزمن في هذا المنظور لا يمكن تثبيته في أي استمرارية حقيقية لأنه كلما حاولنا القبض عليه كان قد فلت وكلما حاولنا تسطيره كان قد تمزق إلى شظايا. ونحن إذ نقترب من هذا الهاوية نجد أنفسنا في حاجة ماسة لمراجعة كل ما كنا نعتقد أننا نعرفه عن المعرفة ذاتها. هل يمكن للمعرفة أن تقوم على مرجع زمني غير مستقر؟ هل يمكن للحقيقة أن تصمد إذا كان الزمن الذي يؤطرها لا يصمد؟ هذه الأسئلة ستقودنا إلى استكشاف التحولات المتطرفة في إبستمولوجيا الزمن المعاصر، من التفكك الدرامي عند دولوز وليوتار إلى تشظي الزمن في عصر وسائل التواصل مروراً بمحاولات يائسة لإعادة بناء استمرارية جديدة على أنقاض القديمة.

هكذا نقف على أعتاب ذلك التحول الجذري الذي حوّل الزمن من سَعة كونية مطمئنة إلى شرخ في صميم الوعي الحديث. وإذا كان دريدا قد أعلن في تفكيكه لهوسرل أن أي حضور زمني لا يمكن أن يكون مكتملاً بذاته لأنه يحمل في داخله أثر غيره وماضيه ومستقبله، فإن جيل دولوز وليوتار وفوكو سيمضي إلى ما هو أبعد، أي إلى إعلان موت الزمن الاستمراري بوصفه وهم المعرفة الغربية بأسرها. ففي فلسفة جيل دولوز وبخاصة في كتابيه "الاختلاف والتكرار" و"منطق المعنى"، لا يكون الزمن إطاراً أرسطيًّا يحتوي الحركة ولا سلسلة هوسرلية من الاحتفاظات والانتظارات بل يصبح قوة منفلتة من كل مركز، تكراراً فارقاً، إعادة إنتاج للاختلاف لا للهوية. دولوز يستلهم نيتشه لكنه يسبح عكس تياره، العود الأبدي ليس تكرار نفسه بل تكرار الاختلاف المحض أي أن الزمن ليس دوامة تعيد الأمور إلى مكانها بل هو قوة تمزق كل هوية وتجعل من التشظي شرطاً لكل وجود. ومن هنا قوله الشهير بأن الزمن هو "الشكل الخالص لكل ما يتغير"، أي أنه لا يوجد زمن بمعزل عن التغير والتغير نفسه لا يستند إلى شيء ثابت يتغير عنه بل هو سراب التغير فقط. وهذه معضلة إبستمولوجية كبرى، إذا كان كل ما هو موجود مجرد تيار متحول لا أصل له ولا ثبات فكيف يمكن للمعرفة أن تقبض على أي شيء؟ كيف للحقيقة أن تظهر إذا لم تكن هناك استمرارية تسمح بتثبيت الموضوع تحت أنظار العارف؟

لكن دولوز لا يرى في ذلك كارثة بل يرى فيه تحرراً من الأوهام الأفلاطونية والأرسطية التي جعلت المعرفة تستند إلى مطابقة الذهن مع موضوع ثابت. المعرفة عنده ليست محاكاة لشيء سابق بل هي إبداع ونتاج لتفاعلات زمنية لا تنتهي. والزمن في هذا السياق هو "الكرونوس" الذي يلتهم أبناءه، قوة هدامة وخلاقة معاً، لا يمكن فصل معرفتنا عنها لأن معرفتنا هي جزء من هذا التدفق. ويكمن هنا عمق الأزمة، إذا كانت المعرفة نفسها زمانية بمعنى أنها تولد وتتحول وتضمحل مع الزمن فإننا نفقد إمكان الحكم على صحة معرفة ما من خارج الزمن. لم يعد لدينا معيار متعالٍ ولا حقيقة أبدية تقاس بها ظواهرنا الزمنية بل أصبحنا في فكر دولوز غرقى في نهر الزمن لا نملك قارباً ولا شطئان. هذا هو التفكك بعينه.

في موازاة ذلك كان جان فرانسوا ليوتار يمهد الطريق لنظرته الشهيرة إلى "تفكك الروايات الكبرى"، لكن ثمة بعداً زمنياً في هذه النظرة لا يقل أهمية عن بعدها الاجتماعي السياسي. الروايات الكبرى التي تفككت حسب ليوتار، هي تلك الحكايات التي كانت تمنح الزمن اتجاهاً ومعنى، رواية التقدم الخطي للعقل، رواية تحرر الإنسانية عبر التاريخ ورواية تراكم المعرفة وصولاً إلى حقيقة نهائية. كل هذه الروايات كانت تستمد قوتها من تصور زمني مستمر، متجه إلى الأمام وقابل للقياس والتقييم. فلما انهارت هذه الروايات - بعد الحربين العالميتين، بعد الهولوكوست، بعد انكشاف عجز المشاريع التحررية الكبرى - انهار معها الإطار الزمني الذي كانت تقوم عليه. لم يعد الزمن خطا من الماضي إلى المستقبل بل صار مجرد "آنات" متفرقة ولحظات منفصلة لا رابط بينها إلا الآلية الباردة للتبادل أو العشوائية الخالية من المعنى. يصف ليوتار ذلك بأننا انتقلنا من "العصر الحديث" الذي كان يؤمن بالزمن الهادف إلى "ما بعد الحداثة" حيث الزمن هو مجرد تشتت. وفي هذا العالم الجديد كل معرفة تصبح محلية آنية مرتبطة بسياقها الزمني الضيق ولا يمكنها أن تدعي أي عمومية أو ديمومة. ويتحول السؤال الإبستمولوجي من "كيف نعرف الحقيقة" إلى "كيف نعرف في غياب أي ضمان لاستمرار الزمن" بل إلى "كيف نعرف إذا كان الزمن نفسه لا يضمن لنا حتى اتصال هذه اللحظة بالتي تليها".

ولم يغب عن ميشيل فوكو هذا التشظي الزمني بل جعله أساساً لمشروعه الأركيولوجي وجينالوجيا المعرفة. فوكو يرى أن ما نسميه تاريخ الأفكار ليس سلسلة متصلة بل هو انقطاعات جذرية، قطائع ابستمولوجية تفصل بين "تشكلات معرفية" لا تواصل بينها. في كتابه "الكلمات والأشياء" يتحدث عن "التوزيعات الزمنية" للمعرفة وكيف أن عصر النهضة والعصر الكلاسيكي والحداثة ليست مراحل متدرجة في خط الزمن بل عوالم مغايرة تماماً لكل منها نظامه الخاص في ربط الزمان والمكان وبناء الموضوعات. من هنا تهافت فكرة الاستمرارية الزمنية للمعرفة؛ فما نسميه تقدماً أو تطوراً ليس سوى تراكماً لانقطاعات لا يمكن إصلاحها. الكيفية التي عرف بها الإنسان نفسه في القرن السابع عشر تختلف جوهرياً عن الكيفية التي عرف بها نفسه في القرن التاسع عشر وليس هناك جسر زمني يصل بينهما إلا الجسر الذي نبنيه بعد فوات الأوان بأوهام الرجعيين. ومع فوكو نصل إلى ذروة التفكك الزمني، الزمن ليس مجرد إشكالي بل هو عائق للمعرفة إن تصورناه استمراراً لأن كل لحظة من لحظات المعرفة منعزلة في نظامها الخاص لا يمكن تجاوزها إلى أخرى بمجرد التراكم أو التطور. هذا يعني أننا لا نتعلم من الماضي لأن الماضي ليس ماضينا بالمعنى المتصل بل هو عالم مختلف لا يمكن الوصول إليه إلا عبر الهوة.

هذا الطريق المسدود الذي بلغته فلسفة الزمن المعاصر - حيث لا استمرارية ولا اتصال ولا أفق مستقبلي يضمن اتساق المعرفة - قاد بعض المفكرين إلى محاولات يائسة لإعادة بناء شكل ما من الاستمرارية على أنقاض التفكك. بول ريكور الفيلسوف الذي وقف في منتصف الطريق بين الظاهراتية والتأويلية، حاول في كتابه "الزمن والحكي" بناء جسر بين الزمن الفيزيائي المفكك والزمن الإنساني المتدفق من خلال فكرة "المؤامرة" (أي الحبكة السردية). فروايته أن الزمن يصبح إنسانياً بمقدار ما يصبح حكائياً وأن الحكي هو الذي يمنح الماضي والحاضر والمستقبل شكلاً من الاتصال لا يمحو الانقطاعات بل يحتويها. لكن ريكور نفسه كان يعترف بأن هذا الحل هو "حل شعري" أكثر منه حل إبستمولوجي وأن الهاوية بين الأحداث المتفرقة والحكاية المنظمة تظل هاوية لا تردم بالكامل. قوة الحكي أنها تعطي معنى مؤقتاً لكن ضعفها أنها لا تستطيع إثبات أن المعنى الذي تقدمه هو معنى موضوعي في الزمن نفسه وليس مجرد إسقاط لرغبتنا في النظام.

أما في رحاب الفكر العلمي المعاصر فإن التطورات في فيزياء الكم ونظريات الحلقات الزمنية والثقوب السوداء قد فاقمت الإشكال بدلاً من حله. إن اكتشاف أن الزمن على المستوى الكمي قد يتصرف بشكل متقطع وليس مستمراً كما في بعض نماذج الجاذبية الكمية الحلقية، يضرب عمقاً جديداً في أزمة الإبستمولوجيا. إذا كان الزمن نفسه على المستوى الأكثر أساسية للوجود المادي يتألف من "كمات" زمنية أي من وحدات غير قابلة للتجزئة ولكنها أيضاً غير متصلة ببعضها اتصالاً سلساً فإن كل تصوراتنا للمعرفة بوصفها تراكماً مستمراً للخبرات تصبح أوهاماً نشأت عن مستوى ماكروسكوبي من الواقع لا يتطابق مع الحقيقة العميقة. وهذا يقودنا إلى سؤال محرج، ألا تكون كل معرفتنا بالعالم بما فيها قوانين الفيزياء ذاتها مجرد تبسيط نفعي لزمن حقيقي لا يمكن تمثله؟ ألا تكون الحقيقة ذاتها زمنية إلى درجة أنها تضمحل قبل أن نقبض عليها؟

من الاستمرارية الكانطية الأرسطية إلى التفكك الدرامي في ما بعد الحداثة ثم إلى محاولات الحكي عند ريكور والتساؤلات الكمية المعاصرة، يظل الزمن هو العقدة الأعمى التي لا تنحل. فالزمن بوصفه مشكلة إبستمولوجية ليس مجرد صعوبة نظرية قابلة للحل بمزيد من البحث والتأمل، بل هو انعكاس لشرطنا المحدود ككائنات زمانية تحاول أن تدرك زمانيتها ذاتها. نحن أشبه بمن يحاول رؤية عينيه دون مرآة أو بمن يحاول الإمساك بظله وهو يركض. كل محاولة لتحويل الزمن إلى موضوع للمعرفة تبوء بالفشل لأننا لا نستطيع الخروج من الزمن لكي ننظر إليه من الخارج. هذا هو الدرس العميق الذي يخرج به الفكر المعاصر من مغامرته الطويلة مع الزمن، الإبستمولوجيا التي تتجاهل زمنية العارف نفسه هي إبستمولوجيا ناقصة لا بل واهمة. وكل بناء معرفي يستند إلى استمرارية زمنية مفترضة هو بناء معلق في الهواء لأن الاستمرارية نفسها هي التي يحتاج إلى إثباتها.

أما التفكك الذي يبدو مخيفاً والذي يصور الزمن على أنه مجرد شظايا متطايرة لا رابط بينها فإنه قد يكون في المفارقة الأعمق أقرب إلى الحقيقة من كل محاولات الربط والتجميع. ليس لأن الزمن فعلاً متقطع - فهذا حكم لا نملك أدوات لإثباته أو نفيه - بل لأن شرط المعرفة ذاتها أن تعترف بعجزها عن القبض على الزمن ككل. ربما كان الحكيم القديم الذي اكتفى بالسكوت عن الزمن أصدق من كل الفلاسفة الذين تكلموا فيه. ربما كان العارف الحقيقي هو من يعرف أنه لا يعرف الزمن وأن كل يقين زمني هو وهم ضروري للحياة اليومية لكنه سم قاتل للإبستمولوجيا الجادة.

ونقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نعتنق التفكك بكل ما يحمله من رعب معرفي ونقرر أن المعرفة نفسها هي لعبة زمنية لا تستند إلى أرض صلبة أو نبحث عن استمرارية جديدة من نوع مختلف، استمرارية لا تقوم على الخط الزمني ولا على الحلقة النيتشوية ولا على الكمات المنفصلة بل على شيء آخر لم نفكر فيه بعد. ربما كان الزمن في حقيقته ليس بعداً من أبعاد الوجود بل هو الوجود نفسه في صيرورته وكل كلام عن استمرارية أو تفكك هو كلام عن أوهامنا نحن لا عن حقيقة الزمن. وهذا الاعتراف في تواضعه الصارم قد يكون أكثر الفلسفات عمقاً، أن نعترف بأننا لا نستطيع أن نعرف الزمن لأننا نعيش فيه وأن كل معرفة بالزمن هي معرفة ناقصة ومشروطة لا محالة. لعله في هذا الاعتراف وحده نجد بعض السلام مع عقدة الزمن الأبدية.

***

د. حمزة مولخنيف

نقد فكرة التبسيط كآلية معرفية

بين حاجة العقل إلى النظام ورغبته في السيطرة على فوضى المعطيات الحسية تولدت النزعة الاختزالية في الفلسفة الحديثة وطغت حتى صارت عائقاً أمام ما تدّعي خدمته. فمنذ تأسيس ديكارت لليقين على بداهة الكوجيطو ومن ثم تعميم المنهج الهندسي على حقول المعرفة كلها، أخذت الفلسفة منحى جعل من الوضوح والتميز معياراً للحقيقة وما لم يخضع لهذا المعيار كان مصيره النفي أو التأويل القسري. غير أن هذا المسعى الذي يمثل طفرة نوعية في تاريخ الفكر لم يلبث أن تحول إلى آلية إقصاء صامتة، فكل ظاهرة تقاوم التفكيك إلى عناصر أولية أو ترفض الاندراج تحت قانون عام مطرد صارت تُعتبر مجرد وهم أو خطأ أو مرحلة بدائية يجب تجاوزها.

تلك هي إشكالية الاختزال المفهومي التي نريد مقاربتها نقدياً متتبعين تجلياتها في أهم محطات الفلسفة الحديثة من عقلانية القرن السابع عشر إلى فينومينولوجيا القرن العشرين، مروراً بالوضعية المنطقية ومادية العصر الفيكتوري. فليس المقصود بهذا النقد رفض التبسيط كأداة منهجية مشروعة بل الكشف عن تحوله إلى أيديولوجيا معرفية تستبقي ما يناسبها وتطرد ما يزعجها وتدعي أنها تقدم الحقيقة عارية بينما هي في واقع الأمر تعريها من أبعادها الأساسية. ويصبح السؤال عن حدود الاختزال هو نفسه سؤالاً عن حدود العقل وعن قدرة الفلسفة على أن تكون نقداً لغرورها بقدر ما هي نقد لغرور المعرفة اليومية.

سنتتبع في هذا المقال جذور النزعة الاختزالية في العقلانية الديكارتية والمادية الآلية ثم ننتقل إلى نقد تجلياتها في فلسفة العقل واللغة والتاريخ، لنخلص إلى إمكانية تصور معرفة تحترم التعقيد دون أن تستسلم للفوضى وتطلب الوضوح دون أن تصادر غنى الظواهر. إن الفلسفة الحقيقية كما سنحاول بيانه ليست علماً بالاختزالات البارعة بل فن العيش مع التناقض دون يأس والبحث عن البساطة التي تنبثق من عمق التجربة لا التي تسبقها كحصن واهن ضد دهشة الوجود.

تتلبّس المعرفة الحديثة بهاجس التبسيط كما يتلبّس الجسد العليل برداء ثقيل يظن فيه الشفاء فإذا به يزيده وهناً على وهن. منذ نشأة العقلانية الأوروبية الجديدة تسلّل إلى الفلسفة ذلك الحنين الخطير إلى اختزال التعقيد الوجودي والمعرفي إلى صور أولية قابلة للتناول السريع وكأن في طيّ هذا التبسيط خلاصاً من ثقل الأسئلة الميتافيزيقية التي راودت الإنسان منذ فجر التفلسف. بيد أن هذه النزعة التي بلغت ذروتها في مشاريع التنوير وأوجزت تجلياتها في أحلام المعرفة الكلية والأنساق الشاملة، تحمل في عمقها نقيض ما تدّعيه، فالتبسيط وهو يزعم فتح المعرفة للجميع وتقريبها من العقول، إنما يمارس عنفاً مفهومياً فظا لا يقل ضراوة عن عنف الجهل نفسه.

إن الاختزال المفهومي بتعبير دقيق ليس مجرد أداة منهجية نلجأ إليها حين نعجز عن استيعاب التعقيد بل هو موقف أنطولوجي ومعرفي في آن، يتوهم أن الكينونة في جوهرها بسيطة وأن كل تعقيد ظاهري لا يعدو كونه تمويهاً سطحيّاً يجب كشفه بقوة التحليل. هذه الفرضية التي تجد جذورها البعيدة في الذرة اليونانية والجوهر الديكارتي تسيّدت مخيلة الفلسفة الحديثة بشكل لم يعد معه ممكناً التمييز بين التبسيط المشروع الذي تفرضه طبيعة العقل المحدودة وبين التشويه المتعمّد الذي يفضي إلى فقدان جوهر المسألة. فحين يختزل ديكارت ظاهرة الحياة كلها إلى آلة معقدة أو حين يختزل هوبز الرغبات الإنسانية إلى محض حركة ذرات أو حين يذهب اللاهوت العقلاني إلى اختزال الغيبيات في براهين هندسية، فإن ما يحدث ليس تنظيماً معرفياً يُقرّب البعيد بل تحويلاً جذرياً للشيء إلى غير ماهيته.

ولعل أخطر ما في آلة التبسيط هذه أنها تعمل دوماً تحت راية الوضوح والتميز، ذلك الشعار الديكارتي الذي حوّل الغموض والالتباس إلى رذائل معرفية تستوجب الطرد من مملكة العقل. لكن السؤال الذي ترفض الفلسفة الحديثة طرحه على نفسها بصدق هو أليس في طبيعة الوجود والوعي والتاريخ واللغة من الظلال والغموض والتناقض الداخلي ما لا يمكن بل لا ينبغي ردّه إلى خطوط مستقيمة وأفكار متميزة بوضوح؟ أليس في جوهر التجربة الإنسانية من التشابك والتداخل ما يجعل أي محاولة لتبسيطه كمن يحاول أن يرسم شلالاً متدفقاً بخطوط مستقيمة جامدة؟

هذا النقد ليس موجهاً ضد الرغبة في الفهم بل ضد الخلط بين الفهم والاختزال. إن الفهم الحقيقي للظاهرة هو كما علّمنا غوته في علمه بالموازاة، قدرة على إدراك الكل في جزئه والجزء في كله، دون التضحية بأي من المستويين لصالح الآخر. أما الاختزال فيمضي في الاتجاه المعاكس، فهو يعلن أن الكل ليس إلا مجموع أجزائه وأن البنية لا تضيف شيئاً جوهرياً إلى المواد المكوّنة وأن المعنى لا يزيد عن كونه إسقاطاً ذاتياً على واقع محايد. هذه الافتراضات التي توجت في الوضعية المنطقية وبلغت أوج كبريائها المعرفي في مبدأ التحقق ساقت الفلسفة إلى مأزق مزدوج، من جهة صارت غير قادرة على تناول الظواهر التي تمتنع على التفكيك الآلي كالوعي والزمن والجمال والخير؛ ومن جهة أخرى وجدت نفسها مضطرة إلى إنكار وجود هذه الظواهر أو اعتبارها مجرد أوهام لغوية لا تستحق عناء التفلسف.

لكن الطريف الممضّ أن الفلسفة الحديثة وهي تظن أنها تتحرر من سطوة الميتافيزيقا التقليدية بأسلحة التبسيط والتحليل، لم تكن قط أكثر ميتافيزيقائية منها في لحظة انتصار هذه الآليات. فاختزال الظواهر النفسية إلى فيزيولوجيا أو الاجتماعية إلى فردية منهجية أو التاريخ إلى سلسلة حتمية من الأسباب والنتائج أو اللغة إلى مجرد أداة للإشارة إلى وقائع العالم، كل هذه الاختزالات لا تستند إلى أدلة تجريبية قاطعة بل إلى إيمان مسبق ببساطة الوجود وانتظامه وهو إيمان لا يقل تسلّطاً وغرابة عن أي عقيدة دينية قديمة. لقد آمن الوضعيون بتبسيط العالم كما آمن أسلافهم اللاهوتيون بوحدانية الخالق وكلاهما لم يقدم برهاناً على يقينه بل أسّسه على رغبة عميقة في النظام والنظافة المفهومية.

إنّ ما يسميه بول ريكور "هرمونية الشك" لم يعد أداة نقدية حادة بقدر ما صار سكيناً عشوائياً يقطّع الجسد المعرفي إلى أجزاء لا تستطيع أن تجتمع بعدها. فماركس عندما اختزل البنى الفوقية إلى البنية التحتية الاقتصادية وفرويد عندما اختزل كل السلوك الإنساني إلى صراعات غريزية مكبوتة ونيتشه عندما اختزل كل القيم إلى إرادة قوة، قدموا جميعاً آليات تبسيطية مدهشة في قوتها التفسيرية، لكن ثمن هذه القوة كان باهظاً، وهو فقدان القدرة على التمييز بين التنوع الغني للتجربة البشرية وتوحيدها القسري تحت سقف واحد. لقد وقع هؤلاء المفكرون الكبار في فخ عبقري، كل واحد منهم اكتشف بعداً حقيقياً من أبعاد الوجود لكنه حوّل هذا البعد إلى كل الوجود فصار ما كان أداة جزئية للفهم آلية للإلغاء والإقصاء.

وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى، فالفلسفة التي انطلقت من شعار "اعرف نفسك" وحضّت على الشجاعة في استخدام العقل، انتهت إلى إنتاج أدوات تبسيط تمنح الإنسان أوهاماً بالسيطرة والمعرفة الكلية، بينما تسلبه القدرة على مواجهة التعقيد الفعلي لحياته وللعالم. إن الإنسان المختزل الذي يراد له أن يفهم نفسه ووجوده عبر قوالب جاهزة ومبسطة، هو في الحقيقة إنسان مهدور القدرة على الدهشة والحيرة وهما الشرطان الأساسيان لأي تفلسف حقيقي. فالفلسفة في أصلها السقراطي لم تكن أبداً علماً بإعطاء الأجوبة السريعة والاختزالات البارعة بل كانت فنا في طرح الأسئلة وتعميق الحيرة بدلاً من تبديدها بالعجلة.

إن خطورة التبسيط كآلية معرفية لا تكمن فقط في تشويهه لموضوع المعرفة بل في إعادة تشكيله لذات المعرفة نفسها. فالعقل الذي يعتاد على الاختزالات يصير عاجزاً عن الاحتمال لا يحتمل الغموض ولا التأجيل ولا التعدد ويريد تحويل كل معضلة إلى معادلة وكل مفارقة إلى تناقض مزعوم يجب حله. هذا العقل المختزل هو عكس العقل الفلسفي بامتياز، لأن الفلسفة كما عرفها هيجل ليست قطيعة مع التناقض بل هي تعلم العيش معه وتحويله إلى محرك للتسامي الجدلي. حين نختزل الجدل الهيغلي إلى مجرد "أطروحة-نقيض-تركيب" نصبح قد فقدنا كل ما هو حي ومتحرك في فلسفته، ذلك أن الجدل الحقيقي لا يقدم وصفة جاهزة، بل يكشف عن حركة الكائن في ذاته وعن معاناته من تناقضاته الداخلية ونضجه من خلالها.

ربما كان شوبنهاور من أكثر الفلاسفة حدساً لخطر التبسيط حين كتب في أجزاء من نقد فلسفته أن "أسهل شيء في العالم هو إصدار أحكام عامة وأصعبه هو أن تصل إلى معنى ما". فالتعميم المختزل هو وجه الكسل الفكري وهو الهروب من التفصيل المتعب والمضجر إلى العبارات الجامعة الفارغة التي لا تضيء شيئاً لكنها تغطي كل شيء. وهنا يلتقي النقد المعرفي بالفضيلة الأخلاقية، فالتبسيط ليس مجرد خطأ في الحكم بل هو نوع من الجبن أمام ثقل الوجود وتعقيده.

ولئن كان المسعى الفلسفي الحديث من ديكارت إلى هوسرل قد ارتبط بمشروع إعادة تأسيس المعرفة على أسس يقينية لا تقبل الشك، فإن هذا المسعى بذاته حمل في رحمه نقيضه، فكلما اشتد الحرص على الوضوح والتميز، ازدادت مساحة ما يستعصي على هذا الوضوح ويرفض التميز. هوسرل نفسه الذي انطلق من شعار "إلى الأشياء ذاتها" وأعلن الحرب على كل الاختزالات العلمية والطبيعية، انتهى إلى ابتكار منهج "الاختزال الفينومينولوجي" الذي يشبه في تعقيده وإجراءاته التفصيلية نقيض التبسيط الذي ننقده هنا. إن فينومينولوجيا هوسرل في أعماقها اعتراف ضمني باستحالة الاختزال لأنها تريد تعليق كل الأحكام المسبقة والرجوع إلى الظواهر كما تظهر لذواتها أي كما هي في تعقيدها الحي المباشر قبل أي تبسيط نظري.

أمكننا القول إذن دون مبالغة، إن تاريخ الفلسفة الحديثة هو تاريخ معركة مستمرة بين نزعة التبسيط التي تستمد قوتها من الحلم الكوجيطاني ونزعة التعقيد التي تعيدنا دوماً إلى عجرفة العقل محدودية قدراته. هذه المعركة لم تحسم بعد ولن تحسم لأنها تعبر عن توتر أصيل في طبيعة التفلسف نفسه، فمن جهة نحن كبشر بحاجة إلى التبسيط كي نعيش ونفهم ونتخذ قرارات، ومن جهة أخرى كل تبسيط ناجح يكشف لنا عن آفاق جديدة من التعقيد كانت مخبأة تحت الطبقة الأولى من الغطاء المفهومي. هكذا هو طريق المعرفة، كل إجابة تولد أسئلة أكثر وكل اختزال يكشف عن اختزالات جديدة كان ينوي تجاوزها.

ضمن مقاربتنا النقدية هاته للاختزال المفهومي نكون قد مهدنا للكشف عن أن فكرة التبسيط ليست أداة معرفية محايدة بل هي دوماً أيديولوجية تعبر عن خيارات أنطولوجية وأخلاقية عميقة. وسنرى كيف تجلت هذه النزعة في مجالات محددة كفلسفة العقل وفلسفة اللغة وفلسفة التاريخ وكيف قاومتها تيارات معاكسة كالبنيوية والتفكيك والفينومينولوجيا التأويلية وصولاً إلى إمكانية تخيل معرفة تحترم التعقيد دون أن تغرق في فوضاه وتطلب الوضوح دون أن تفقد ظلال الحقيقة وسحرها. لأن الحقيقة كما كان يعلم هيراقليطس تحب أن تختبئ وكثيراً مما نظنه تبسيطاً لها ليس إلا تكشيفاً يفضح عريها بدل أن يكشف عن جمالها المختفي في ثنايا الغموض.

وسنمضي الآن إلى تتبع آليات الاختزال المفهومي من مقاربتنا حيث يتعين علينا تتبع آليات الاختزال المفهومي في حقول بعينها لا لنحصي مظاهرها بل لنكشف عن البنية الخفية التي تجعلها تبدو مقنعة بل ضرورية للوعي الحديث. ولعل فلسفة العقل كانت الميدان الأكثر احتداماً في هذه المعركة منذ أن أعلن ديكارت انفصال الجوهر المفكر عن الجوهر الممتد ثم جاء من بعده من حاول ردّ أحدهما إلى الآخر فكانت المادية الآلية التي اختزلت الشعور إلى حركة المادة ثم المثالية المطلقة التي اختزلت المادة إلى روح وصولاً إلى التيارات المعاصرة التي تريد أن تجعل من الوعي مجرد وصف وظيفي يمكن محاكاته آلياً. في كل هذه المحاولات ثمّة رغبة عميقة في التخلص من الغموض الوجودي الذي يرافق ظاهرة الوعي، ذلك الغموض الذي صاغه توماس ناغل بعبارته الشهيرة عن "كيف يكون أن تكون خفاشاً"، مشيراً إلى أن هناك دائماً ما هو ذاتي في التجربة لا يمكن اختزاله إلى أوصاف موضوعية مهما بلغت دقتها.

ليس المقصود من هذا الدفاع عن خصوصية الوعي رفضاً للبحث العلمي بل تأكيداً على أن التبسيط المفرط لا يعلّمنا عن الظاهرة أكثر مما يعلّمنا عن حدود أدواتنا. فالفيزيائي الذي يختزل الحب إلى تفاعلات كيميائية في الدماغ لم يفسر الحب أصلاً بل وضع له بديلاً فقراً لا يشبهه في شيء ثم نسي أن هذا البديل نفسه يحتاج إلى تفسير، لماذا تلك التفاعلات الكيميائية تحديداً تصاحب الشعور بالحب وليس شعوراً آخر؟ وأين موقع الشعور ذاته في هذه السلسلة المادية؟ أسئلة كهذه تظل معلقة كالغراب الأسود في سماء التبسيط الأبيض لا تطردها اليقينيات الزائفة ولا تذيبها الاستعارات الآلية الجامدة.

يمتد هذا النقد إلى فلسفة اللغة حيث اختزلت النزعة الوضعية اللغة إلى مجرد نظام من العلامات التي تشير إلى حقائق في العالم متجاهلة أبعاداً جوهرية كالأداء والتضمين والسياق والجانب الإنجازي للأقوال. حين قال لودفيغ فيتغنشتاين في "رسالته المنطقية الفلسفية" إن حدود لغتي هي حدود عالمي، كان يمارس اختزالاً منتجاً في سياقه لكنه نفسه تراجع عنه في فلسفته المتأخرة عندما أدرك أن اللغة لا تعمل كصورة للعالم بل كلعبة متعددة الأشكال وأن المعنى لا ينبع من الإشارة إلى الأشياء بل من الاستخدام في سياقات الحياة الحية. إن صورة اللغة كمرآة بسيطة للعالم هي اختزال أنيق لكنه كذب جميل، فاللغة في حقيقتها مزرعة من الغموض والالتباس والتعدد وهي بالضبط تلك الآلة التي تمكننا من الكذب والحلم والافتراض والتأجيل، وجميعها أفعال لا يمكن ردها إلى مجرد الإخبار عن وقائع.

وفي فلسفة التاريخ كان الاختزال أكثر وضوحاً وأكثر تدميراً حين حاولت مذاهب كالهيغلية والماركسية أن تختزل المسار التاريخي بأكمله إلى جدلية واحدة أو صراع طبقي واحد. لا ينكر أحد العبقرية التفسيرية لهذه المذاهب ولا قيمتها في كشف خفيات لم تكن مرئية من قبل، لكن الطامة الكبرى أنها حوّلت أدواتها إلى أقفاص فلم يعد التاريخ يُقرأ بعيون مفتوحة على فوضاه وعبثيته وتشعباته بل يُقسر على أن يتوافق مع قالب مسبق وكل حدث يشذ عن القالب إما يُهمش أو يُعاد تفسيره بحيث يبدو تأكيداً للقالب نفسه. هذه هي ديكتاتورية التبسيط، أن تجعل من نفسك سجين تفسيرك ثم تظن أنك تحررت من الأوهام.

إن من العبث أن نتصور أن هناك "قانوناً" بسيطاً لتطور التاريخ كما تتصور الفيزياء قوانينها لأن التاريخ من صنع بشر أحرار (وإن كانوا مقيدين بالظروف)، وهو مجال للصدف والعبقرية والغباء والحب والكراهية، وكل هذه ظواهر تعاند الحصر في معادلات. لقد أدرك فيلهلم دلتاي هذا باكراً حين فرق بين تفسير الطبيعة وفهم الحياة النفسية والتاريخية داعياً إلى منهج تأويلي يحترم خصوصية الظواهر الإنسانية ولا يُخضعها لعنف المناهج الطبيعية التي أفلحت في مجالاتها لكنها تفشل فشلاً ذريعاً حين تواجه روح الإنسان وتاريخه. وربما لهذا السبب بالذات كانت النزعة الاختزالية في الفلسفة الحديثة معادية للتاريخ بقدر ما هي معادية للجسد لأن التاريخ والجسد يمثلان تعقيداً عصبياً لا يطيق العقل المنظّم احتماله، فآثر حرقه بالتبسيط على معاناة حمله.

لكن ألا يمكن القول دفاعاً عن التبسيط إنه ضرورة حياتية لا غنى عنها؟ فلو أننا لم نبسط العالم في أذهاننا لما استطعنا أن نعبر الشارع أو نطلب قهوة أو نعقد صداقة. هذا صحيح بلا شك، والجنون بعينه هو أن نتعامل مع كل موقف وكأنه فريد تماماً ولا يحتمل أي قالب مسبق. لكن الفارق جوهري بين التبسيط العملي الذي يسمح لنا بالتنقل في الحياة والتبسيط المعرفي الذي يدعي أنه يقدّم لنا الحقيقة الكاملة عن الأشياء. الأول وسيلة والثاني غاية، والأول يجوز تعديله وتصحيحه باستمرار بخبرة الواقع بينما الثاني يتحول إلى أيديولوجيا تمنع التصحيح لأنها تظن نفسها قد أمسكت بجوهر الحقيقة. التبسيط العملي يتواضع أمام التعقيد فيقول: لنتظاهر أن الأمور أبسط مما هي عليه حتى نتمكن من الفعل ولكننا مستعدون لتعديل تظاهرنا كلما دعت الحاجة. أما التبسيط المعرفي فيقول: الأمور هي في الواقع بهذه البساطة وكل من يظن غير ذلك فهو واهم أو غير عقلاني، بين التواضع والغرور تقوم مأساة الفكر الحديث.

وهنا بالضبط يبرز دور الفلسفة الحقيقية، ليست كجهاز تبسيط بديل بل كنقد دائم لكل تبسيط يدعي الحقيقة المطلقة. الفلسفة بالمعنى الكانطي ليست علماً يضيف معرفة جديدة عن العالم بل هي ذلك النشاط الذي يفحص حدود المعرفة ويضبط ادعاءات العلوم والمناهج. إن فعل التفلسف هو أن تطرح على كل اختزال سؤال الحد إلى أي مدى يصح هذا الاختزال؟ وماذا يبقى خارجه؟ وأي تشويه يلحق بالظاهرة إذا أصررنا على اختزالها إلى هذا الإطار بالذات؟ هذه الأسئلة النقدية هي التي حافظت على الفلسفة حية رغم كل الإعلانات المتكررة بموتها وهي التي تجعل منها مقاومة أخلاقية ضد فخامة التبسيط وعظمته الكاذبة.

إن من أشد مظاهر الاختزال خطراً وأكثرها خبثاً تلك التي تتخذ صورة العلم وأدواته. فالتبسيط العلمي وهو في مختبراته شرط للدقة والتكرار يتحول إلى سم قاتل حين يُصدر إلى حقول ليست حقله، حين يصبح النموذج الفيزيائي هو العقل والمعيار لكل معرفة صادقة. كثيراً ما سخر إدموند هوسرل من وهم "الفلسفة كعلم صارم"، مبيناً أن ما ينتجه هذا الوهم ليس فلسفة أعمق بل فيزياء وشيئاً فحسب. والعجيب أن العلم نفسه في أعلى مستوياته النظرية أدرك حدود التبسيط الميكانيكي فلم يعد الفيزيائي المعاصر يحلم بجسيمات أولية بسيطة وخاضعة لقوانين خطية بل يتحدث عن تشابك كمومي وعلاقات غير محلية واحتمالات متشعبة وحتى عن حاجة الملاحظة إلى وعي. إن أوهام التبسيط التي ورثتها الفلسفة عن فيزياء نيوتن وقوانينه السهلة قد تخلى عنها الفيزيائيون أنفسهم منذ قرن لكن الفلسفة تمسكت بها كطفل بدميته البالية خوفاً من مواجهة الدهشة والتعقيد.

وعلى هذا النحو نطوي هذه المقاربة التي حاولنا فيها تشريح نزعة الاختزال المفهومي في الفلسفة الحديثة ليس بدافع عداء لليدوية أو العقلنة بل بدافع ولاء للحقيقة التي لا تستوي على عرش من الكسل. ما أردنا بيانه هو أن التبسيط حين يرتقي إلى مرتبة الآلية المعرفية الجامعة والمطلقة يحول بيننا وبين ما هو أعمق في الأشياء يسرق من العالم تناقضاته الخصبة ومن البشر غموضهم الثمين. الفلسفة التي ترضى بالاختزالات ليست فلسفة بل هي هندسة اجتماعية للعقل تريد أن تجعلنا متفقين على الكذب بدل أن تتركنا مختلفين على احتمال الحقيقة.

لم يدع هذا المقال إلى فوضى المعرفة أو إلى تمجيد التعقيد من أجل التعقيد، فالتعقيد العقيم ليس أفضل من التبسيط السطحي. إن ما ننادي به هو "عقل مركب" كما عبر إدغار موران، عقل لا يرفض التبسيط كأداة ولكن يدرك دوماً أنه أداة، عقل يتقن فن الانتقال من مستوى إلى آخر، من البسيط إلى المعقد ومن المعقد إلى البسيط دون أن يتوقف عند أي منهما. وهذا هو عين ما كان يعنيه باسكال حين ميز بين "روح الهندسة" و"روح الدقة"، فالأولى تتعامل مع المتغيرات القابلة للقياس والأخير مع تلك التي لا تخضع للتعريف بل للإحساس والحدس. في عالم باتت فيه روح الهندسة تسحق كل شيء تحت جنازيرها، صار من واجب الفلسفة أن تذكّر بأن روح الدقة هي التي تمنع الهندسة من التحول إلى جبروت.

والخلاصة التي نرمي إليها بعد طول تنقيب، هي أن مهمة الفلسفة في عصرنا ليست اختراع اختزالات جديدة أكثر أناقة بل أن تعلمنا كيف نعيش مع التعقيد دون جزع، كيف نقرأ ظلال الأشياء كما نقرأ أشياءها، كيف نسمح للأسئلة بأن تظل مفتوحة بدل أن نعدمها بأجوبة كاذبة. كل اختزال كبير في تاريخ الفكر كان مفيداً بل ضرورياً، لكن كل اختزال كبير تحول بمرور الزمن إلى سجن يحتاج إلى ثورة جديدة لتكسير جدرانه. وهذه هي دورة الفلسفة، أن تولد من رحم التبسيط ثم تكبر على نقده لا لكي تلغي ضرورته بل لكي تذكّره بأنه مجرد بداية وليس نهاية.

ربما كان الحل الأعمق إذا جاز لنا أن نلمح إليه هو في تبني موقف "التبسيط التعددي" أو "البساطة المنظمة" وهي تعابير تحمل في داخلها تناقضاً ظاهرياً لكنها تعبّر عن حاجة إنسانية حقيقية. فنحن بحاجة إلى تبسيط كي لا نصاب بالشلل أمام تعقيد العالم، لكننا بحاجة في الوقت نفسه إلى أن يكون تبسيطنا قابلاً للتعدد، أي أن نعترف بوجود تبسيطات أخرى مغايرة ومتنافسة وأن ننظر إليها ليس كأخطاء يجب تصحيحها بل كآفاق يجب استكشافها. من هذه الزاوية يصبح التعدد المنهجي هو الضمانة الوحيدة ضد استبداد الاختزال الواحد وتصبح الفلسفة هي الحارس الأمين لهذا التعدد كما كان سقراط حارساً للسؤال ضد إغراءات الجواب النهائي.

في زمن اختزلت فيه وسائل التواصل المعنى إلى مشاعر وتغريدة، واختزلت فيه السياسة الإنسان إلى رقم انتخابي واختزلت فيه التكنولوجيا الوجود إلى بيانات قابلة للاستهلاك، تبقى الفلسفة تلك الممارسة العتيقة التي تعيد الاعتبار لما لا يُختزل، ما لا يُبسط، ما لا يُسدل عليه ستار اليقين الزائف. الفلسفة هي فن قول "نعم، لكن..." حين يصرخ الجميع "نعم أو لا". هي فن إبطاء التفكير في حضارة تريد الإجابة قبل أن يفهم السؤال. هي الوقوف على حافة الهاوية والنظر في العمق بدل أن نغطي الهاوية بورق ملون نبسط تحته ارتجالنا الواهن.

ونعود إلى هيراقليطس مجدداً: الحقيقة تحب أن تختبئ وكل تبسيط يدعي أنه أخرجها من مخبئها ليس إلا دليلاً على أنه لم يمسها بعد. من يعتقد أن المعرفة تنتهي إلى قول بسيط فليتذكر أن البساطة الحقيقية كما يقول الفلاسفة الصينيون القدماء، هي تلك التي تأتي بعد استيعاب التعقيد الكامل لا قبله. البساطة التي تسبق التجربة هي بساطة الجهل، والبساطة التي تغشى التجربة هي بساطة الكسل، أما البساطة التي تنبثق من صميم التجربة بعد أن مرت بكل أتون التعقيد فهي وحدها الجديرة باسم الحكمة. في سبيل هذه الحكمة يظل النقد الفلسفي للاختزال واجباً متجدداً كما يظل التبسيط المفهومي خصماً لا يُهزم نهائياً لأن معركته هي معركة العقل مع كسله ومعركة الروح مع رغبتها في الاستقرار قبل الأوان. ولعل في هذا التوتر الدائم سر بقاء الفلسفة حية وسر بقاء الإنسان إنساناً.

***

د. حمزة مولخنيف

جدلية النفس والمجتمع في ولادة العبقرية

من يتتبّع المسيرة الإنسانية في شمولها، ويستقرئ صيرورة الحضارات وسيرورتها، يدركُ بيقينٍ أن الأمم التي خلّدها التاريخ، وارتسم لها حضورٌ باهر في مجراه الطويل، إنما كانت شعوبًا اعتنقت الإبداع عقيدةً وجودية، وتمثّلتهُ في الفكر والفلسفة، وفي العلم والفن على حدّ سواء. ولئن كان للإبداع هذا الدور الجوهري في نهضة الأمم واستمرارها، فقد غدا موضوعًا لأبحاث الفلاسفة والعلماء والمفكرين، سعيًا إلى فكّ طلاسمه، وتفسير جوهره، والوقوف على الأسباب والدوافع التي تدفع المبدعين إلى اجتراح عوالمهم الخاصة، وصياغة بصماتهم في مختلف ميادين الإبداع.

وفي خضم هذا التناول العميق، أُثيرت جملةٌ من الإشكاليات المحورية حول ماهية الإبداع، منها ما تجلّى على هيئة تساؤلات مقلقة: أهو عمليةٌ غامضة أشبه بالسحر، لا يحوز مفاتيحها سوى قلة من البشر تلامسهم نفحات الإلهام؟ أم أنّه ظاهرة وضعية لها شروطها الاجتماعية والأخلاقية، وتخضع لمعايير موضوعية قابلة للدرس؟ وبصيغةٍ أكثر تعقيدًا: هل ينبع الإبداع من أعماق النفس الإنسانية، أم أنّ جذوره ضاربة في التربة الاجتماعية التي ينشأ فيها الإنسان؟

لقد ذهبت طائفة من الباحثين إلى اعتبار الإبداع ظاهرة نفسية خالصة، تنبثق من خصوصيات الذات الفردية لا من المعايير الاجتماعية. فوفقًا لهذه الرؤية، يتجلّى الإبداع عند بعض الأفراد دون غيرهم، ويبرهن التاريخ على ذلك من خلال النماذج العبقرية التي بدّلت وجه الحضارة، والتي تمتّعت بسمات نفسية فريدة، وطاقات عقلية خارقة، وذكاء وقّاد، إضافة إلى شحنة انفعالية هائلة، سواء كانت حزناً أم فرحاً، تُلهب النفس وتدفعها إلى العمل الخلّاق. وقد عبّر عن هذا المعنى بجلاء "حجّة الإسلام" أبو حامد الغزالي حين قال: «إنّ الإلهام كالنور من سراج الغيب، يهبط على قلبٍ صافٍ لطيفٍ فارغ»، وهي رؤية موغلة في التأمل الصوفي والعرفان النفسي، جاءت وليدة تجربة روحية وعقلية عميقة.

وما عبّر عنه الغزالي لم يكن استثناءً، بل وجد صداه لدى عالم الطبيعة الفرنسي فيليب هنري غوس، الذي قال في لحظة انكشاف معرفي: «لقد نجحت، لا لأنني اجتهدتُ كثيرًا، بل كأنّ هبةً إلهية سطعت فجأةً وحلّت اللغز». تلك اللحظات البرقية التي يسمّيها البعض بالإشراق، هي لحظاتٌ خاطفة ينقدح فيها الإبداع خارج منطق العقل الصارم، لكنها تُحدث أثراً لا يُقاس بمقاييس زمنية أو عقلية.

وقد صوّر أفلاطون في محاورته الشهيرة "أيون" طبيعة الإبداع الشعري بوصفه هبةً ربانية، حيث قال: «إنّ الشاعر كائن أثيري، ذو جناحين، لا يمكنه أن يبدع قبل أن يُمسّ بالإلهام، فإذا حلّ به، سُلب عقله». ومثل ذلك ما نُقل عن الموسيقي ريتشارد فاغنر، الذي سمع في منامه اللحن الافتتاحي لعمله "ذهب الراين"، أو ما جرى للشاعر الإنجليزي كولردج، الذي استيقظ من حلم وراح يدوّن بإلحاح قصيدته "قبلاي خان"، حتى وصل إلى البيت الرابع والخمسين، فانطفأ وهج الإلهام فجأة، وتوقّف عن الكتابة ولم يعد للقصيدة أبدًا. وقد وصفها الناقد ستوبفورد بروك بأنها لا تضاهيها قصائد في سحر الإيقاع وعبقرية الصياغة.

لكن، ومهما بلغ الإلهام من سطوعٍ وغرابة، فإنّه لا يكفي وحده، بل لا بدّ له من مثابرةٍ وجهدٍ وتراكم معرفي. فالعالم الرياضي والفيزيائي الفرنسي جول هنري بوانكريه أشار إلى أنّ لحظات الكشف الرياضي لم تكن وليدة فراغ، بل جاءت بعد سنواتٍ من الاشتغال، لكنها تومض في لحظة دون سابق تخطيط. قال ببلاغة: «إن الحظ لا يواتي إلا النفس المهيّأة». ويؤكد الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون أن الإبداع هو انفجار داخلي يحدث في جوٍّ دافقٍ، محموم، لا في لحظات الهدوء والركود، فالعظماء والقديسون والعباقرة، حسب قوله، لا يبدعون مفاهيمهم السامية في لحظاتٍ باردة، بل في تيارات فكرية تتلاطم فيها الانفعالات والمفاهيم.

أما التحليل النفسي، لا سيّما في مدرسة فرويد، فقد انطلقت من فرضية مفادها أن الإبداع نتاجٌ للاشعور، وأنه تعبير عن صراعات نفسية مكبوتة تتخذ شكل sublimation أو "التسامي"، وهو المسار الذي يبدع من خلاله الفرد استجابات سامية لصراعات داخلية، هي نفسها التي قد تؤدي إلى العصاب في حال عدم حلّها. قال فرويد: «إنّ الرغبات الجنسية والعدوانية التي تتسبب في الأمراض النفسية، تتحوّل عند المبدع إلى طاقة خلاقة تثمر إنتاجًا إبداعيًا».

غير أن هذه المقاربات النفسية، رغم سحرها، لا تشكّل برهانًا حاسمًا على أنّ الإبداع هو فقط ظاهرة ذاتية، فالموهبة والذكاء وحدهما، إن لم يجدا بيئة خصبة تحتضنهما، فإنهما سرعان ما يذويان. كما أن الإلهام ليس محض خيال، بل يتغذّى من الواقع ويتجاوزه، فهو انعكاس لاحتكاك المبدع بالحياة، حتى وإن اتّخذ صورةً خيالية.

من جهة أخرى، ثمة رأيٌ موازٍ لا يقل وجاهة، يرى أنّ الإبداع ظاهرة اجتماعية، وأن المبدع لا يستقي مادته من ذاته وحدها، بل من واقعه الاجتماعي، وأنّ عمله هو في جوهره انعكاسٌ لحاجة المجتمع وتطوره. وقد ذهب إلى هذا الرأي عالم الاجتماع الفرنسي الكبير إميل دوركايم، الذي وضع للبناء السوسيولوجي منهجية دقيقة تمزج بين النظرية والتجريب. فهو يرى أنّ شروط الإبداع تتحكّم فيها عوامل اجتماعية موضوعية، تبدأ من الحاجة الجماعية، وتمتدّ إلى ما يتيحه المجتمع من فضاءاتٍ ومساحاتٍ للتعبير.

فالفرد، بحسب هذه النظرة، ليس كائنًا معزولًا، بل هو نتاج بيئته وتاريخه الجمعي، وكل إبداع يصدر عنه إنما هو مرآةٌ تعكس روح المجتمع وتطلعاته. فكما أنّ أدب الفروسية يُجسّد القيم القبلية من شجاعة وكرامة، فإنّ الابتكارات التقنية، كاختراع إديسون للمصباح الكهربائي أو مسجّل الصوت، لم تكن لتحدث لولا الحاجة المجتمعية التي فرضتها شروط العصر.

وهكذا، نخلص إلى أنّ الإبداع لا ينبثق من العدم، بل يتأسّس على معطيات واقعية تُشكّل مادته الأولى، ثم تُصاغ عبر خيالٍ خصب، وذهنٍ وقّاد، وموهبةٍ فطرية تُجيد الالتقاط والتركيب. إنه تلاقحٌ بين الذاتي والموضوعي، بين النفس والعالم، بين الحلم والواقع. والمبدع، في نهاية المطاف، هو من ينهل من هذا الواقع، لكنه لا يقف عنده، بل يسمو عليه، ويعيد خلقه في صورٍ جديدة، مدهشة، ومديدة الأثر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

المأساة العظيمة التي رافقت الإنسان منذ خطوته الأولى على هذه الأرض، ولم تزل تلاحقه حتى الآن، ليست عجزه وقصوره عن فهم العالم وتطويعه، بقدر ما هي عجزه عن النجاة من نفسه. فهو يحمل في أعماقه كهفًا معتمًا لم تستطع الحضارات، ولا القوانين ولا العلوم، ولا حتى الأديان، أن تُطفئ ظلامه بالكامل. هناك في الطبقات السحيقة من روحه، يقيم ذلك الكائن الغامض، نصفه ملاك ونصفه وحش. وكل حضارة لم تكن سوى قناع جديد يضعه هذا التناقض القديم على وجهه المتعب، لا لتغييره أو ترويضه أو تهذيبه، وإنما لتجميله مؤقتًا قبل أنّ ينكشف مجددًا.

غير أن هذا " القناع الحضاري "لا يُفهم إلّا حين ندرك أنّ الحضارة ليست تخطيًا وتفتيتًا للوحش، الحضارة هي إعادة توزيع لطاقته وتنظيم لاندفاعاته داخل شروط تاريخية جديدة. فالوحش لم يُروَّض، الوحش تعلّم كيف يرتدي ثيابًا أنيقة.

لقد استطاع الإنسان الحديث أن يُخضع الطبيعة لإرادته بصورة تكاد تبدو معجزة؛ اخترق الفضاء، ونزل إلى ظلمات البحار وشقّ الجبال، وابتكر عقلًا صناعيًا يحاكيه، وما يزال يندفع في فتوحه كأنَّه يريد أنّ ينتزع من الكون سرّ الإلوهية نفسه. لكنّه وسط هذه الانتصارات المدوّية بقي مهزومًا ومتهافتًا أمام أكثر الأشياء قربًا إليه: قلبه وروحه.

وهنا تحديدًا يلتقي هذا المشهد مع ما أشار إليه توماس هوبز، إذ رأى في"اللفياثان (ذلك الوحش الأسطوري البحري الذي جعله هوبز رمزًا للدولة المطلقة) أنّ الإنسان في حالته الطبيعية محكوم بصراع دائم، صراع الكل ضد الكل، وأنّ الحياة في غياب السلطة تكون "حيدة، فقيرة، بغيضة، قاسية، وقصيرة." والمقولة الشهيرة الإنسان ذئب للإنسان" التي استعادها هوبز من الكاتب اللاتيني بلاوتس، تؤكد أنَّ العنف احتمال أصيل داخل الاجتماع البشري وليس انحرافًا طارئًا، لا تُلغيه الدولة بقدر ما تُعيد تنظيمه وتحتكر ممارسته.[1]

فغرائز الإنسان هي ذاتها، وحقده هو ذاته، وميوله هي ذاتها، وشهوته إلى الهيمنة والخوف والعنف لم تتبدل، ولعلها ازدادت مكرًا وتخفيًا. إذ لم تعد تظهر في صورتها البدائية المكشوفة، فقد  تظهر أشكال عقلانية قانونية مؤسساتية، وأحيانا "أخلاقية"، وقد رأى سبينوزا في"رسالته السياسية" أنّ البشر في حالة الطبيعة يحيون وفق انفعالاتهم وغرائزهم، وأن أغلبهم مرتعٌ لإحساسات تجعلهم يتجاوزون في مكائدهم وقوتهم سائر الحيوانات الأخرى.[2]

إن الإنسان البدائي كان يقتل بحجر وقوس، أما الإنسان الحديث فيقتل بفكرة، بقانون، بعِلم أو بجهل، بعَلَمٍ أو أيديولوجيا، أو بزرّ صغير لا يرى الدم الذي يريقه، لكنه يوسّع أثره إلى مدى كوني. تغيّرت الأدوات فقط، أما الوحش الجاثم فلم يمت؛ الوحش تعلّم كيف يتكلم لغة الحضارة فحسب.

وهذا التحول في شكل العنف وهيئته لا يُفهم دون المرور عبر تحليل السلطة كما قدّمه ميشيل فوكو. فالسلطة عنده لم تعد جهاز قمع خارجيًا يقع على الإنسان من فوق، السلطة عنده هي شبكة دقيقة تتغلغل في الجسد والرغبة والمعرفة، إذ يصبح الإنسان نفسه حاملًا لآليات ضبطه وإنتاج خضوعه. فالعنف لم يعد يُمارَس على الإنسان من الخارج، بل صار يُمارَس عبره وبه ومن خلاله[3]. وهنا يتعمق السؤال: هل السجن الحقيقي جدران خارجية أم وعي داخلي مُعاد تشكيله وترسيمه؟

وفي السياق ذاته، يرى برتراند راسل أنّ الدافع إلى النشاط البشري هو إما رغبة أو نزعة.[4] والرغبة تستهلك صاحبها لأنها شبيهة بالخط اللامتناهي، كلما سار عليه الإنسان ابتعدت عنه نقطة النهاية. فالإشباع لا يُنهي الرغبة، الإشباع يُعيد إنتاجها في هيئة جديدة ولغة ثانية. وهكذا تصبح الرغبة بنيةً دائمة لإعادة هندسة القلق الإنساني، يصبح فيها السعي أهمَّ من الوصول، والطلب أهمَّ من الامتلاك.

ولو تأملنا هذا التحليل وجدناه يقترب في عمقه من تصور سيغموند فرويد، الذي رأى أن الإنسان بنية منقسمة تحكمها قوى لاواعية، تتصارع فيها الرغبة (الليبيدو) مع الكبح، والحياة مع الموت، والعقل مع ما يختبئ تحته من اندفاعات لا تخضع للمنطق الأخلاقي. فالإنسان ليس وحدة عقلانية تختار بوعي تام، الإنسان هو ميدان معركة بين ما يعرفه من نفسه وما لا يعرفه. والرغبات التي تسعى إلى الإشباع تحركها دوافع دفينة، واعية أو غير واعية، ثابتة أو متغيّرة، لكنّها في كل الأحوال تعمل كقوى تأسيسية للسلوك البشري. ومن أبرز هذه الدوافع الثانوية التي رصدها راسل:" حب التملك، والتنافس، والخيلاء، وحب القوة."[5] فحب التملك ينبع من خوف وجودي عميق من الفقد والعدم، كأن الإنسان يحاول أنّ يُثبت ذاته عبر الأشياء التي يسيطر عليها. أمّا التنافس فهو شكل من أشكال تعريف الذات في مواجهة الآخر، إذ لا يكتمل "الأنا" إلا عبر موقعه في الصراع. أما الخيلاء فتدفع الإنسان إلى طلب الشهرة والمجد والخلود، وهو ما يُفسر نزوع كثير من القادة عبر التاريخ إلى الحروب بوصفها مسرحًا لإنتاج صورة العظمة. وحب القوة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثروة، إذ يصبح امتلاكها دافعًا لمزيد من السيطرة والتوسع، فتغدو السلطة تعبيرًا عن ميل نفسي متجذر في الطبيعة البشرية، لا وظيفة سياسية أو بنية إدارية وحسب. كما يبيّن راسل أنّ الخوف يتحول إلى حقد يولّد الكراهية والعنف تجاه الآخر المختلف، وهو ما يزداد خطورة في العصر الحديث مع تطور الأسلحة وتعقد البنى الاجتماعية وصراع الأيديولوجيات. وفي هذا المعنى تصبح الحرب إمكانية كامنة في البنية النفسية والاجتماعية للإنسان، وليست حدثًا طارئًا على الإنسانية. فهي نتيجة تداخل معقد بين غرائز عدوانية ورغبات مكبوتة وتربية ثقافية ناقصة ومؤسسات قادرة على تحويل الانفعال الفردي إلى عنف جماعي منظم.[6]  ولعل من أكثر الأمور إثارة للرعب أنّ الخير والشر لا يسكنان عالمَين منفصلَين، وإنما يسكنان الروح الواحدة ذاتها. فقد ترى الإنسان الزاهد الورع الذي يفيض لسانه بالحكمة واللطف، ثم تخرج منه في لحظة ضعف أو حسد أفعالٌ تكشف تهافت هذا البناء الأخلاقي، حتى تبدو المسافة بينه وبين الوحش مسافةً لا تكاد تُلحظ. وفي المقابل قد تجد في أشد الناس قسوةً، في ذلك العفريت المتعطش للاعتداء ومضةَ رحمة عابرة، كأنها أثر لبنية إنسانية لا تموت بالكامل مهما انحرفت.

وهنا يتعمق التحليل الفرويدي ويتجذر، إذ لا يمكن فصل الأخلاق عن البنية النفسية اللاواعية؛ فـ"الخير" ليس حالة راسخة بل نتيجة صراع دائم بين الدوافع والرقابة الداخلية. وكما يرى نيكولا ماكيافيلي، فالبشر في سلوكهم العملي "ناكرون للجميل، متقلبون، مراؤون، وميالون إلى تجنب الأخطار وشديدو الطمع"[7]، وعلاقاتهم لا تقوم على الثقة الأخلاقية بقدر ما تقوم على الحساب والمصلحة وإدارة الخوف. الا أن هذه الرؤية رغم قوتها التفسيرية لا تُغلق الإنسان داخل شرّ مطلق، لأنّها تجعل الأخلاق مجالَ صراع بين المصلحة والضمير، وبين الخوف من الآخر والحاجة إليه، وهو ما يُبقي بابًا مفتوحًا. وهنا لا بد أنّ أقف عند ما يغيب عادةً في مثل هذه الاستعراضات الفلسفية الغربية، وهو السؤال عن المخرج لا مجرد التشخيص. فما تقدّمه هذه الفلسفات هو توصيف هام للإنسان المنفصل عن وحيه ومرجعيته الإلهية، إنسان يُحكم على نفسه من داخلها فحسب. أما ما تُقرره الرؤية الدينية ولا سيما الإسلامية/ الروحانية فهو أنّ هذا" الكهف الداخلي" لا يُروَّض بالقانون والتشريع وحده، ولا بالتحليل النفسي وحده، ولا بالمؤسسة وحدها، بل بالتزكية؛ أي بذلك العمل الصبور المتواصل على النفس حتى تتحول الرغبةُ إلى إرادة، والاندفاعُ إلى فضيلة، والخوفُ إلى خشية. وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[8]، إذ جُعل الفلاح مرتبطًا بتزكية النفس لا بضبطها خارجيًا. وليس هذا تهربًا من التحليل الفلسفي، بقدر ما هو إضافة بُعد مفقود: بُعد الإرادة الحرة المسؤولة في مواجهة بنيتها المعطوبة الخربة.

وهكذا لا يعود الإنسان عبارة عن كائن أخلاقي أو سياسي أو عقلاني، الإنسان بتأمل بسيط هو ساحة حرب لا تنتهي، تتصارع فيها القوى المتناقضة دون أنّ تلغي بعضها. وفي داخله يقف الملاك والجلاد جنبًا إلى جنب، يتبادلان الوجه ذاته والصوت ذاته والدموع ذاتها، كأنهما ليسا طرفين بل تعبيران عن بنية واحدة تتشكل حسب السياق واللحظة. ولعل هذا ما يُفسر أنّ التاريخ يُعيد مآسيه باستمرار، لأن الإنسان مهما ارتفعت حضارته يحمل معه دائمًا ذلك الكهف القديم في أعماقه. والغرابة ليست في وجود هذا الكهف، الغرابة الحقيقية في أنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف أنّه يحمله، ومع ذلك يتساءل إن كانت المعرفة وحدها تكفي لتغييره. فهل يكفي أنّ يرى الإنسان وحشه ليروّضه؟ أم أنّ الرؤية ذاتها قد تكون فخًا آخر يمنحه وهم الوعي بدلًا من فعل التخطي والعبور؟ لا يبدو أنّ التاريخ يملك جوابًا نهائيًا. بيد أنّ ما تُقرره الحكمة الإنسانية والوحي معًا هو أنّ الوعي بالمرض شرط ضروري للشفاء، وإن لم يكن كافيًا وحده. ولعل الإنسانية لم تُحسم بعد ما إذا كانت تريد فعلًا أنّ تنجو من نفسها، أم أنّها تُفضّل في سرّها العميق أنّ تبقى على هذا التناقض المُضني الجميل.

***

أ. م. د. حيدر شوكان السلطاني

جامعة بابل / قسم الفقه وأصوله

.......................

[1] ينظر: توماس هوبز، اللفياثان، ترجمة: ديانا حبيب حجار، (بيروت: دار الفكر اللبناني)، الطبعة الأولى، 1993م، ص 154-160. وأصل المقولة "homo homini lupus" لدى الكاتب اللاتيني بلاوتس، استعادها هوبز في مقدمة اللفياثان.

[2] ينظر: سبينوزا، رسالة في السياسة، ترجمة: عمر مهيبل، (الجزائر: موفم للنشر)، طبعة 1995م، ص 42.

[3] ينظر: جان كلود مونو، "ميشال فوكو: ميكروفيزياء السلطة"، ضمن: في الترجمة والفلسفة السياسية والأخلاقية، ترجمة: عز الدين الخطابي، (المغرب: منشورات عالم التربية)، الطبعة الأولى، 2004م، ص 113. وينظر: عبد العزيز العيادي، المعرفة والسلطة، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر)، الطبعة الأولى، 1994م، ص62.

[4] ينظر: راسل، هل للإنسان مستقبل، ترجمة: سمير عبده، (بيروت: دار المسيرة)، الطبعة الثانية، ص 13.

[5] راسل، المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة، ترجمة: عبد الكريم أحمد، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية)، طبعة 1960م، ص 142.

[6] ينظر: د. آمال علاوشيش، "برتراند راسل، فيلسوف السلم"، ضمن كتاب: الفلسفة السياسة المعاصرة - قضايا وإشكاليات، إشراف: خديجة زتيلي، (الجزائر: منشورات الاختلاف)، الطبعة الأولى، 2014م، ص 34.

[7] نيكولا ماكيافيلي، الأمير، ترجمة: خيري حماد، (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع)، الطبعة الأولى، 2008م، ص 105.

[8] سورة الشمس، 9.

 

التجديد جوهر الفلسفة ومضمارها بوصفها الفكر الذي يفكر في العالم وفي ذاتية باستمرار فهي البحث الدائم فيما وراء الظواهر وفيما ما ينبغي أن يكون وليس ماهو كائن. والتجديد والتغيير والتطور والتقدم والنمو والارتقاء خاصية جوهرية من خصائص الحياة والتاريخ والزمان والمكان، ففي عالم ما تحت فلك القمر، عالم الأرض والإنسان والحاس والمحسوس والفعل والانفعال لاشئ يدوم على حال من الأخوال، فكل شيء في حركة وتحول وتبدل ونمو وتجدد باستمرار وهذه سنة من سنن الكون وقانون من قوانين الحياة والتاريخ. فالنمو هو جوهر الحياة وكل الكائنات الحية تنمو وتنضج وتكبر وتشيخ وتموت وتعود من جديد وتتبدل من حال إلى حال ولا يستطيع المرء أن يستحم بمياه النهر مرتين!

وطالما أن الواقع يتغير ويتجدد باستمرار فمن الضروري للفكر أن يتجدد باستمرار. والفلسفة بوصفها أكثر اشكال الفكر تجريدا هي أولى بالتجديد نظرية ومنهجا. إذا هي مثلها مثل أنساق المعرفة الانسانية والاجتماعية والطبيعية بحث في مشكلات العالم وتجاوزها. وقد ارتبطت الفلسفة منذ نشأتها الباكرة في السؤال المتجاوز لذاته باستمرار فهي صبوة العقل الذي لا يكف عن التساؤل في معنى العالم فماذا أكون وماذا أعرف وكيف أعيش؟ أنها الميتافيزيقا أي مابعد الطبيعية والمابعد نزوع تجديد أصيل في صميم أم العلوم. وهي بذلك تقع على الطرف النقيض للاهوت المقدس الذي يكتفي بالنقل والتكرار والتأكيد ففي عالم المقدس ليس هناك اسئلة بل أجوبة وحمدا وشكرا أما في عالم الأنسان فتحضر الأسئلة والتأمل والقلق والتفكير والحوار والانفعال.

لأن هدف الفلسفة هو معرفة الحقيقة من خلال فهم للواقع وتملكه. أداتـها في هذا البحث عن الحقيقة هو هذا الذي نسميه عقلا. هـذا الذي يسترشد ببوصلة الحدس . لكن ماذا نعني بالعقل؟ إنه “قدرة الفكر البشري على ملاحظة ومعرفة الأحداث بشرية كانت أو طبيعية في ماضيها أو حاضرها والقدرة، بعد ذلك، على التنبؤ بـها”. إذا كان يلاحظ ليعرف ويعرف لكي يكون قادرا على التنبؤ، فمعنى هذا أنه ينطلق، منذ البدء، من الجهل.

فحينما ظهرت الفلسفة في اليونان القديم كانت قطيعة ابستمولوجية مع الأسطورة. وحينما ظهرت الفلسفة الحديثة كانت قطيعة ابستمولوجية مع المنطق الصوري الارسطي. وتجديد الفلسفة ارتبط مع حركة الواقع والتاريخ وايقاعاته فكلما تغيرت الحياة والتاريخ كلما زادت الحاجة إلى تجديد الفكر والمعرفة وبهذا المعنى نفهم مسعى الفيلسوف البراجماتي جون دوي في كتابه تجديد الفلسفة ونفهم مسعى الفيلسوف العربي زكي نجيب محمود في دعوته إلى تجديد الفكر العربي. إذ أن حاجة الفكر الدائمة إلى التجديد هي حاجة حيوية

حاسمة في كل زمان ومكان. أن الحاجة إلى تجديد العقل تنبع من السؤال التالي" ما الذي يحدث للعقل عندما ينطلق في حركة سهمية في رحلته لاكتشاف الحقيقة؟ هل، بقدر ما ينتهي به الأمر إلى اكتشاف “حقيقة” الأشياء، يجهل، بالمقابل، ذاته أي يخسرها في شكل ذوبان في تمظهرات الأشياء المادية، أو أنه يعود إلينا بغنيمة الاكتشاف مضاعفا بوعي ذاتي بضرورة التعمق في معرفة ذاته أكثر؟ والجواب هو أن العقل وهو يتأمل ويكتشف المعنى في هذا العالم لا يعود كما بدا سالما غانما بل يغترب في دروب رحلته التعقلية في مجموعة من المفاهيم الكلية هي حصيلة رحلته التأملية تتحول من طول الاستخدام ومرور الزمان إلى أوثان واوهام تكبل حركته وتعيق استئناف دهشته.

والدهشة ليست مُجَرَّد تعجُّب، بل هي أشبه بالكشف والانكشاف، وهي بحسب (جان جرش) في كتابه "الدهشة الفلسفية" لحظة مفارقة في حياة الكائن يتفتح عقله لاستقبال إشارات الحقيقة سواء كانت تلك الحقيقة مرتبطة بالماديات أو بالإلهيات، فالإنسان العارف هو الذي يكون مندهشًا من أبسط وأقل الأشياء الموجودة في العالم، لأنه يرى الأشياء بمنظار الاندهاش، وهذا الاندهاش هو الذي يلهمنا لعبة التساؤل وسط غموض المعنى وصخب الحياة وتمظهراتها الحسية الانفعالية. وهكذا تعاود الفلسفة الحضور في كل عصر من العصور. فما الذي بمقدور الفلسفة أن تفعله اليوم في عالم اضحى بفضل الثورة العلمية والتقنية جديدا ومتغيرا بايقاع متسارع فلم يعد الوجود هو الوجود الذي ادهش افلاطون بل صار وجودا افتراضيا أكثر منه واقعيا ولم يعد العالم منقسما إلى ما تحت فلك القمر وما فوق فلك القمر بل صار وجودا متصلا. ولم تعد الثنائيات الميتافيزيقية التقليدية قائمة (الذات والموضوع والروح والجسد والفكر والواقع والمادي والروحي والمنطقي والتاريخي الخ) في عالم انكمش في الزمان والمكان وبات شديد التداخل والتواصل والاتصال. شهد العالم المعاصر منذ منتصف القرن العشرين أحداثاً عاصفة ومتغيرات متسارعة على مختلف الأصعدة (الحضارية والثقافية والمدنية)، متغيرات لم يشهد لها التاريخ مثيلاً؛ من حيث جدتها وسرعتها وأثرها وقوتها الصادمة، ووسط تلك الأحداث والمتغيرات العاصفة أخذ العلماء والمفكرون يبحثون عن تفسير معقول لما يعتمل في الواقع ويدور في عالم جُنَّ جنونه وأصاب الناس جميعاً بالدهشة والذهول. (ينظر، جورج بالانديبة، في الطريق إلى القرن الواحد والعشرين .. التيه،2000م)

أن الفلسفة اليوم مدعوة إلى تجديد ذاتها ومناهجها واساليب تدريسها بما يجعلها قادرة على استئناف دهشته وقول كلمتها. فاذا كانت بوما ميرفا اليونانية تطلق جناحيها للريح مع مقدم الأصيل بحسب هيجل ويقصد أن الفلسفة لا تحضر الا في آخر النهار بعد اكمال مسار العالم لتتعقله وتمنحه المعنى فإنها اليوم مدعوة للاستيقاظ منذ بزوغ الفجر لترى ما يحدث في عالم سريع الايقاع والتغيير. فالأمس غير اليوم وغدًا غير الأمس، وحوادث الزمان والناس والمعرفة هي جديدة وفريدة ونوعية في كل لحظة من لحظات السيرورة التاريخية. ونحن نعيش التاريخ كما تعيش الأسماك بالماء وليس بمقدورنا الخروج منه أو مغالطة استحقاقاته الفورية المباشرة فأما أن نستجيب إلى تحدياتها ونتدبر أمرنا في كيفية تجاوزها وأما سحقتنا بعجلاتها وتجاوزتنا. ولا شيء يأتي إلى التاريخ من خارجه ولا شيء يخرج منه. التاريخ هو التاريخ يمضي إلى سبيله من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل وليس بمقدور أحد إيقافه.

أن تجديد الفلسفة يعني فيما يعنيه تجديد اسئلتها وطريقة نظرها واساليب تدريسها بروح فلسفية جديدة كتب الزهيدي مصطفى" إن ما يجعلنا في حاجة إلى إعادة النظر في تعريف الفلسفة، وقيمتها، هو تشكيكنا في الطرح الذي يعتقد في كون كل من ولج إلى المدرسة / المؤسسة قد تعلم الفلسفة. وهذا التشكيك نابع من شهادات الواقع، التي تجعلنا نصادف، يوميا، وفي وضعيات مختلفة، طلابا درسوا الفلسفة في المرحلة الثانوية أو الجامعية، لكنهم في كل مناحي حياتهم وسلوكهم، لا يزالون يسلكون ويتصرفون، كما يتصرف بادئ الرأي - الإنسان البسيط في التفكير الذي يسلّم لانطباعاته. وهذا ما يجعل المسلمة، التي تقدم إلينا، بأن تعريف الفلسفة بات واضحا بمجرد ما نقول إنها محبة / عشق / إيثار، ونزوع نحو الحذق، والمهارة، والحقيقة، والحكمة، لا يفي بالغرض. من هنا نكون دائما في حاجة إلى البحث عن تعريف للفلسفة خارج التعريفات الايتيمولوجية والمعجمية والتاريخية الشائعة. بل نكون هنا، في حاجة إلى استيعاب «روح الفلسفة» (ينظر، الزهيدي مصطفى، تجديد النظر إلى الفلسفة بمناسبة يومها العالمي، صحيفة الشرق الأوسط)

أننا إذ نتفق مع تلك الدعوة لتجديد الفلسفة نرى أن مقومات التجديد لا تقتصر على تجديد الدرس الفلسفي الأكاديمي ومساقاته التقليدية بل وتجديد الموقف الفلسفي برمته.

واذا ما اتفقنا أن الفلسفة ليست معرفة مكتسبة بل هي بالأحرى فن تعليم التفكير بالعقل والشعور في مشكلات الواقع المباشر فمن المهم إعادة تجديدها بتجديد اسئلتها بما يشبع مشكلات الواقع الجديد.

فما قيمة أن يعرف الطالب أن الفلسفة هي (حب الحكمة) فيلو سوفيا) إذا كان عاجزا عن مباشرة الدخول في مضمارها.

وبهذا المعنى كتب مقالي عن البرقاوي من نقد الفلسفة إلى فلسفة النقد إذ أن الفلسفة عنده هي حكمة العقل ودهشة الانفعال هي المعنية دائما بتحطيم الأوثان؛ اوثان العقل ذات وذلك بنقدها وبيان تارخانيتها وهذا هو معناها بوصفها قدرة الأنا الواعية على وعي ذاتها إي العقل الذي يعقل ذاته. قدرة الفكر على المزاوجة بين ملاحظة سلوكاته الذاتية ووعي ذلك السلوك اثناء الانهماك في تأمل الموضوعات الخارجية” السلوكات الذاتية للعقل هي عاداته وأعرافه أي، بكلمة، آليات اشتغاله. لكن لمعرفة هذه السلوكات لا بد من الإحاطة علما بصيرورة تطورها، وهو ما دفع إلى نشوء الجينيالوجيا (علم نسابة الفكر البشري) وحدها الفلسفة هي من ستنطق الكلمات والمفاهيم والمصطلحات والافكار من أين جاءت؟ وكيف ولدت وازهرت في سياقاتها الاجتماعية والتاريخية؟ ولا يمكن فهم العقل بدون فهم اللغة إذ لا تفكير الا بالكلمات والصور الذهنية حتى في الأحلام. ولكل مفهوم مكان وزمان ولادة وسياق نمو وازدهار وعلاقة قوة وسلطة وحقل دلالة وفضاء تلقي وحساسية ثقافة وابتسمية خطاب. (ينظر، قاسم المحبشي، أحمد برقاوي من نقد الفلسفة إلى فلسفة النقد، الحوار المتمدن) أننا بحاجة إلى فلسفة تشتبك مع مشكلات الوقع لا فلسفة تعيد وتكرار ما قاله الفلاسفة في الماضي. فلسفة تستلهم التاريخ وتتقحم الحاضر وتستشرف المستقبل.

كتب المفكر الأيطالي الجنسية لوتشيانو فلوريدي أستاذ فلسفة وأخلاقيات المعلومات في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة ورئيس مجلة الفلسفة والتكنولوجيا. أستهل مقدمته لكتاب الثورة الرابعة؛ كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني. الذي قال في مستهل الكتاب ما يلي: " نحن بحاجة الى فلسفة جديدة للمعلوماتية.. فلسفة تمكننا من فهم واستيعاب التحولات العميقة والواسعة النطاق التي أحدثتها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وفهم طبيعة المعلوماتية ذاتها.. نحن في حاجة الى الفلسفة لنترقب ونوجه الأثر الأخلاقي لتكنولوجيات المعلومات والاتصالات علينا وعلى بيئتنا. نحن بحاجة الى الفلسفة لبناء الإطار الفكري المناسب الذي يمكن أن يساعدنا على إدراك الدلالات والمعاني العقلية لمأزقنا الجديد، وباختصار، نحن في حاجة الى فلسفة المعلومات بوصفها فلسفة تخص عصرنا، من أجل عصرنا"ففي كل عصر من العصور يختار الإنسان نفسه ويضع اسئلته من جديد فالتفلسف هو استئناس البدء يسمي هوسرل كبار الفلاسفة ب ” البادئون الكبار”. أمسكوا الأشياء من بداياتها وهو ما مكنهم من فهم الأخطاء من خلال جينيالوجيتها (نسابتها) التفلسف معناه الدخول إلى بداية كل بداية إذ أن استنارة الفكر لا يمر من الطريق الملكية لمعرفة واثقة دائما من ذاتـها بل يمر من طريق التواضع الفكري والشك المنهجي ونقد الجهل المكابر.

والخلاص أننا بحاجة إلى تجديد الفلسفة في النظرية والمنهج؛ تجديد فكري وجداني وتجديد مؤسسي أكاديمي وتجديد ثقافي اجتماعي تنويري. وربما كانت الفلسفة اليوم مدعوة إلى جمع شمل المعنى أكثر من أي وقت مضى معنى الوجود ومعنى الحياة ومعنى التاريخ ومعنى الخير والشر والعدالة والحرية والإنسان والزمان. فرغم ما حققه العلم من انجازات حاسمة في عصرنا الراهن الا أنه يظل عاجزا عن الإجابة بإزاء تلك الأسئلة الفلسفية المتصلة بحياة الإنسان في كل زمان ومكان.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

هل التفكير العقلاني هو الذي يعرّف الإنسانية؟ ام هو الدوافع اللاواعية او الرموز الثقافية او البحث الدائم عن معنى وجودي؟ الرحلة لإيجاد جواب لسؤال "ماهو الكائن البشري؟" ليست شيئا جديدا. طوال تاريخ البشرية، كان هناك مئات المؤلفين الذين سعوا لإعطاء تعريف دقيق كجواب للسؤال. كل واحد منهم اتخذ اتجاها مختلفا ووجهة نظر وصفت الكائن البشري على افضل وجه. ربما التعريف الأكثر شهرة في العصور القديمة هو تعريف ارسطو. هو رأى الانسان كمخلوق سياسي، بمعنى ان الانسان جزء من المجتمع ويعيش ضمنه، مقيدا بالمعتقدات الاجتماعية والقوانين التي يطيعها. هو أيضا ذهب بعيدا في القول ان أي شخص منعزل عن المجتمع سيكون اما متوحشا او إلها. سنرى الان التعريفات الأخرى.

1- انسان عاقل Homo Sapiens

ان افضل نقطة بدء في تعريف انفسنا هي المصطح البايولوجي Homo Sapiens. في الفهم المبسط له، هذا يحدد الانسان ككائن يفكر، يحوز على وعي وذكاء للابحار في العالم. ومن الملفت، ان مفردة عاقل تنبثق من الكلمة اللاتينية sapere، وهي فعل يعني اكثر من مجرد "يعرف"، لأنها أيضا تحمل وزنا حسيا من "تذوق" او "يلاحظ".

غير ان التاريخ الإنساني يبدو عادة يفضح فكرة العاقل نفسها. نحن باستمرار قادرين على الأفعال التي هي في تناقض كلي مع الذكاء او الحكمة، نحن نعرض سلوكا فقيرا بنفس السهولة التي نعمل بها حكمة، نخلق أشياءً قبيحة وعديمة الذوق وغير عادلة. عندما ننظر الى خراب الحروب سنُجبر على السؤال: هل الكائن البشري حقا انسان عاقل، او هل ان ذكائنا المتصور هو مجرد وهم؟ العديد من المفكرين تحدّوا اللقب الذي خصصناه لأنفسنا، وعرضوا خيارات مثيرة تقترح ان قوى اكثر ظلاما وفوضوية تحكمنا.

2- انسان أحمق Homo Insapiens

فرويد وكارل ماركس شخصيتان عارضتا نظرية الانسان العاقل. فرويد في نظريته اللاوعي، كان واحدا من المفكرين الذين كشفوا الجانب المظلم من النفس الإنسانية. هو لاحظ انه، الى جانب كل الرغبات والاشياء الجميلة التي يستطيع الانسان عملها، هو أيضا قادر على فعل أشياء سيئة جدا ومدمرة.

الدوافع، الغرائز، والحوافز لهذه الأفعال المدمرة تكمن في اللاوعي، حسب فرويد. هي أشياء كُبحت واعيقت لكنها لاتزال قادرة على الظهور والمجيء الى الحياة. فرويد ذهب بعيدا بالقول ان البشر ليس لديهم إرادة حرة ابدا. كل شيء فينا يتحفز باللاوعي، والمحتوى المكبوت يتحكم في كل خيار نقوم به. كارل ماركس يعرض نوعا من وعي مشوّه مشابه جدا لمفهوم فرويد في اللاوعي . من المهم ملاحظة ان ماركس يأخذ اتجاها مختلفا عندما يفصّل نظريته، متبنّيا نظرة ذات تركيز ثقافي واجتماعي اكثر لدرجة هو يدمجها لاحقا في ايديولوجيته السياسية.

فمثلا، الرأسمالي قد يرى ان افعاله وسلوكياته هي إنسانية وانه يعزز الرفاهية العامة للبشرية. لكنه لايزال، في الحقيقة، تكشف دوافعه وافعاله فقط عن رغبته المحضة لرأس المال ورغبته اللاواعية (القذرة) للتمايز الطبقي بين الناس، طبقا لماركس.

لذا، بطريقة ما، نحن نستطيع القول انه، طبقا لماركس وفرويد، ان اللاوعي والجانب اللاعقلاني للإنسان هو الذي يقود افعاله وسلوكه، وانه ليس حكيما او ذكيا. الاختلاف الوحيد بين الاثنين هو ان ماركس يناقش اللاوعي الجمعي، بينما فرويد يناقش اللاوعي الفردي. لذا، نظريات مثل فرويد وماركس تضع نظرية الانسان العاقل امام تساؤل لأنها تبيّن ان البشر ليسوا دائما اذكياء وانما هم بشر غير عاقلين homo insapiens.

أول من استعمل عبارة الانسان غير العاقل هو هربرت جورج ويلس في كتابه (42-44)(1). هو كان محبطاً من القوة التدميرية والمجنونة للحرب العالمية الثانية، يستنتج ويلس ان البشر ليسوا اكثر من مخلوقات حمقى. عبارة الانسان غير العاقل تأتي من الكلمة اللاتينية homo وتعني انسان، و insapientia وتعني غير حكيم او "يفتقر للحكمة". لذا، في الترجمة، عبارة homo insapiens تعني انسان غير الحكيم أو احمق وجاهل.

3- الانسان المحارب Homo Beligerans

استمراراً بنفس السردية، يمكننا أيضا ان نصادف التعريف بان الكائن البشري هو الانسان المحارب. العبارة استُعملت اول مرة من جانب المؤرخ الإنجليزي النولد جيه توينبي في عمله الضخم (دراسة التاريخ، عام 1934). المصطلح له جذوره في الكلمة اللاتينية bellum وتعني الحرب، و gerare وتعني يقود او ينفذ، وهكذا فان homo belligerans تعني الانسان المتشدد او العدواني، أي الانسان الذي يقود الحرب. ونحن نستطيع بدون شك القول ان التاريخ يؤكد ذلك. الحروب ليس فيها فقط سمة طبقية كما قال انجلس، وانما أيضا تتخذ عدة اشكال أخرى: تعدد اثني، ديني، حروب أهلية وغيرها، ومن المشكوك ان كان بالإمكان اعتبارها مبررة.

4 – الانسان اللاعب Homo Ludens

الى جانب طبيعة الحروب طوال التاريخ البشري، من الصعب اختزال الانسان الى انسان محارب. في الحقيقة، هناك عدة حالات يشعر فيها الانسان بسعادة ومرح خالصين، وفيها هو يلعب العابا معينة. بسبب هذا، يعتقد العديد من المؤلفين ان جوهر الانسان هو اللعب والألعاب. انه من خلال اللعب يوجد الانسان حقا ككائن بشري. لذا، هم يستنتجون ان الانسان كائن مرح: كائن قادر على اللعب وهو الكائن الوحيد الذي يمكنه الابتهاج في اللعب لأنه يلعب لأجل اللعب.

هذه النظرية تقترح ان اللعب هو حقل مستقل وأصيل يعيش فيه الانسان ويشيخ طوال حياته. لذا، عندما هو يلعب، هو لا ينهي اللعبة لأنه لو فعل ذلك، سوف ينهي ذاته، وهو ما يعني الموت. بدلا من ذلك، هو يلعب مبتدئاً من بداية حياته وحتى النهاية. وبسبب هذا، يقول بعض المؤلفين ان الناس ليسوا اكثر من أناس لاهين.

5- الانسان الاقتصادي والصانع Homo oeconomicus&Homo faber

طبقا لمفكرين آخرين، الانسان ببساطة ليس مخلوقا لاعبا وانما في جوهره هو انسان اقتصادي. هذا يعني ان الانسان كائن اقتصادي او كائن يعرف حول الاقتصاد وبالتالي يعرف كيف يعالج ويدير اقتصاده الخاص. هذا لا يعني فقط المظهر المالي لموارده وانما أيضا يتضمن موارد أخرى. لذلك، الانسان لايدير فقط أمواله وانما أيضا لديه منزل يعتني به ويستمر يعتني به في المستقبل. مع ذلك، عندما ننظر الى عالم الحيوانات، نستطيع بسهولة ملاحظة شيء مشابه لطريقة حياتهم: هم يعتنون ببيوتهم وذريتهم ويستعدون للمستقبل عبر جمع الطعام. العديد من الحيوانات، مثلا، تستعد للشتاء بتخزين الطعام وتعديل بيوتها لتضمن البقاء بطريقة افضل. لذا هي يمكن أيضا تصنيفها كأعضاء في هذه الجماعة من الكائنات. لذلك، السؤال الذي يبرز هو ما اذا كان هذا التوصيف للإنسان كاقتصادي دقيق بما يكفي.

بسبب هذا، أدخل العديد من المؤلفين فكرة الانسان الصانع . كلمة faber لها اصل لاتيني تعني "الخالق"، او "الصانع" او الحرفي. بنيامين فراكلن وصف الانسان كحيوان صانع الأدوات. هذا يعني ان الانسان قادر على صناعة الأدوات واستعمالها. هذا التعريف استُخدم لاحقا من جانب الفيلسوف الفرنسي هنري بريجسون أيضا.

6- الانسان المسافر Homo Viator

مفكرون آخرون يصفون الانسان ككائن مسافر. اول من استخدم هذه العبارة هو الفيلسوف الفرنسي الوجودي غاربيل مارسيل في واحدة من اشهر مقالاته بعنوان الانسان المسافر. مفردة viator لها جذورها في الكلمة اللاتينية viaticus والتي يمكن ترجمتها الى "شخص يستعد للسفر". وهكذا فان homo viator تعني ان الكائن البشري هو كائن مسافر، كائن مستعد للاستمرار في مسار والسفر الى مكان ما. يستعمل مرسيل العبارة ضمن سياق فلسفته الوجودية لأنه رأى طبيعة البشر غير ثابتة وانما مرنة ويمكنها اتخاذ عدة اشكال، لأن الانسان في بحث دائم عن المعنى في حياته. وبسبب ان طبيعته ليست مقررة سلفا، فان الانسان محكوم عليه باتباع مسار والبحث المستمر عن المعنى لذاته.

7- الانسان الجالس Homo sedens

حتى عندما يمتلك الناس الرغبة والحاجة للسفر، نحن أيضا نلاحظ رغبة قوية بالبقاء في مكان واحد. الناس عادة يريدون البقاء في مكان واحد وبدون الحاجة للسفر الى مكان آخر. هذا يصح خصيصا في عالم اليوم، الذي يمكن فيه للناس السفر افتراضيا بفضل التطور التكنلوجي والاختراعات المستمرة.

لهذا عرّف الفيلسوف الكندي وخبير الاتصالات مارشال ماكلوهان عام 1962 الكائن البشري كانسان جالس. مفردة جالس تعود الى الأصل اللاتيني sedere وتعني "يجلس". لذا، طبقا لهذا التوصيف، نحن نستطيع تعريف الانسان كونه جالسا، او ملتصق بكرسيه، او في منزله.

8- تعريفات أخرى

يقدم لنا تاريخ الفكر معرضا واسعا جدا من الناس، حيث كل واحد يحاول السعي لالتقاط جوهر مختلف لطبيعتنا. البعض يرى اننا في الأساس بشر دينيين homo religious وهو المصطلح الذي صاغه المؤرخ ميرسيا الياد لوصف الانسان المحدد بدافع فطري نحو المقدس والطقسي. وبارتباط وثيق مع هذا هو مفهوم الانسان الميتافيزيقي homo metaphysicus، وهو المصطلح الذي يصف الانسان كمخلوق مهوس بالنظر في ما وراء القناع المادي لإستكشاف ما وراء الطبيعية والغير مرئي. ارثر شوبنهاور جادل بان الانسان هوالحيوان الوحيد الذي يتساءل عن وجوده، بما يجعل الميتافيزيقا ضرورة بايولوجية.

***

حاتم حميد محسن

.............................

(1) العنوان الكامل لكتاب"42 to 44"الذي صدر عام 1944 هو "42-44" : مذكرات معاصرة عن السلوك الإنساني اثناء أزمة الثورة العالمية.

 

مقاربة فلسفية تفكيكية في إدارة المعنى

إزاحة الذات وسلطة الخطاب الفوكوي

تتأسس الفلسفة التفكيكية والبعد البنيوي للمعرفة على أطروحة راديكالية تزيح الذات الإنسانية عن عرش السيادة المطلقة على لغتها وفكرها. ففي حين ألح الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر على البعد الأنطولوجي للغة بوصفها بيتاً للوجود، معتبراً أن "الإنسان لا يتكلم إلا بمقدار ما يتطابق مع الكلام، والكلام هو الذي يتكلم عبرنا"، نقل الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو هذا المفهوم إلى حقل جينالوجيا القوة والخطاب التاريخي. لقد أعلن فوكو "موت الإنسان" في الأبستمية الحديثة، معارضاً بذلك النزعة الإنسانية التقليدية التي تعامل الفرد كذات واعية ومستقلة تصنع حقيقتها الخاصة. في هذا الفضاء الفلسفي المعاصر، لم يعد الخطاب مجرد أداة بريئة لوصف الواقع أو التعبير عن كينونة الذات، بل غدا نظاماً معقداً ينتج المعرفة ويحدد شروط الحقيقة والسلطة داخل المجتمع.

إن الخطاب عند فوكو ممارسة مادية محددة تملك قواعدها الصارمة التي تتشكل بمعزل عن وعي الذوات المنتجة له. ولأن المعرفة لا تُنتج بشكل محايد، فإن التشكيلات الخطابية وقواعدها الضمنية هي التي ترسم حدود الممكن والمستحيل، وتحدد من يملك حق الكلام ومن يُستبعد صوته. ويتعارض هذا الطرح جلياً مع نظرية السيادة الكلاسيكية التي صاغها توماس هوبز، والتي توكل للسلطة مهمة إنهاء حالة "الحرب الطبيعية" عبر تعاقد اجتماعي يرتكز على وحدة السيادة والقانون. يرى فوكو أن أطروحة هوبز تقدم تبريراً أيديولوجياً لحماية السيادة وتجعل الأفراد رعايا خاضعين بشكل شرعي، بينما تتجاوز السلطة الفعلية هذا المركز الفوقي لتنبث كاستراتيجية محايثة وإجرائية تخترق الجسد الاجتماعي بأكمله.

يتجانس هذا التفكيك الفوكوي مع رؤية تيودور أدورنو حول "القوة الخفية" للنظام البرجوازي ومراقبة الذات الداخلية؛ حيث تتحول القوة إلى انضباط ذاتي يستبطنه الفرد طوعاً خوفاً من الانفصال عن الواقع السائد. كما يتقاطع مع طروحات لودفيغ فتجنشتاين المتأخرة حول "ألعاب اللغة"؛ حيث يتضح أن الكلمات لا تملك جواهر ثابته مستقلة عن استعمالاتها العملية والسياسية، بل تُشحن بمعانيها عبر موازين القوى وصراعات الهيمنة.

جينالوجيا الإقصاء: الجنون، البلاغة، وحظر الفاعلية الفكرية

لكي نفهم كيف تتكلم السلطة نيابة عن الإنسان، يجب تتبع البنية العميقة لآليات الإقصاء والتقسيم التاريخي. اختار فوكو دراسة تاريخ الجنون ليفضح بنية القوة الحديثة؛ فالجنون ليس مجرد عارض طبي أو مرض بيولوجي، بل هو وظيفة وموقف سوسيولوجي يرسم من خلاله العقل حدوده الخاصة عبر نفي نقيضه وتصنيفه كـ "آخر مطلق". إن المجنون في العصر الحديث لا يُحظر كلامه بالقوة الصريحة فحسب، بل يُحرم أصلاً من الحق في أن يُعترف بكلامه كـ "حقيقة" أو "معنى"، ويتم إسكاته عبر وسيط طبي يعيد ترجمة كلماته إلى أعراض بيولوجية خالية من المضمون السياسي. السلطة هنا لا تمنع الكلام فقط، بل تحدد مسبقاً ما يمكن أن يُسمع ويُقبل كخطاب عقلاني.

ترتبط هذه الجينالوجيا الإقصائية بمفهوم "البلاغة السياسية" وإدارة الكلام في الفضاء العام. فالبلاغة سابقة على السياسة الإجرائية؛ وهي إما أن تكون أداة تشاور وتصالح تضع الكلمة موضع السيف، أو أداة شريرة تعتليها السلطة للسيطرة على العقول وفرض الصمت واحتكار أدوات التوجيه. تعود جذور هذا الصراع إلى محاورة "جورجياس" لأفلاطون، حيث شُن هجوم حاد على البلاغة السفسطائية لكونها أداة تمكن المتملقين والبلاغيين من العيش في كنف السلطة بوصفهم لسانها وصوتها المطيع. إن توظيف السلطة للبلاغة يهدف بالضرورة إلى خفض تلقائية الخطاب البشري، وتحويل الكلام النقدي الحاد إلى "تعليق" رتيب يعيد تكرار ما قيل مسبقاً في صمت المؤسسة وبمباركتها.

أزمة المثقف المعاصر في الشرق الأوسط: تآكل المعنى ووهم البراءة

عند نقل هذه المقاربة التفكيكية للخطاب والقوة إلى جغرافيا الشرق الأوسط، تتبدى أزمة المثقف العربي كفقدان تام للقدرة على تحويل المعرفة إلى فعل مؤثر، وانهيار كامل للوساطة بين الفكر والمجتمع. لم تعد الأزمة مجرد قمع سياسي مباشر أو تبعية اقتصادية مفروضة، بل هي تآكل لمعنى الفعل الثقافي ذاته؛ حيث ينكفئ المثقف العضوي نحو الامتثال الصامت أو المعارضة الخطابية الرمزية الجوفاء التي لا تترك أي أثر حقيقي في الواقع.

وفقاً لأنطونيو غرامشي، ينقسم الفاعلون المعرفيون إلى مثقفين تقليديين مرتبطين بالبنى الإدارية والتاريخية القائمة لحمايتها، ومثقفين عضويين يرتبطون بطبقات اجتماعية صاعدة ويسعون لتغيير البنية التاريخية. أما جوليان بندا، فيرى في كتابه "خيانات المثقفين" أن المثقف الحقيقي هو الذي ينشد متعة الأفكار الكونية ويرفض الكسب المادي أو المراكز السلطوية. ومع ذلك، تعمل النظم السلطوية في المنطقة على تجريف هذه التمايزات عبر تكريس ثقافة الجمود، والقطيع، والاتكالية، واللامبالاة، مما يصيب الفكر بمرض التكلس ويحول المعرفة من أداة تحررية إلى أداة لشرعنة واستمرار الأمر الواقع.

وقد كشفت التحولات التاريخية والانتفاضات الكبرى في الشرق الأوسط عن أزمة وجودية عاصفة، تمثلت في سقوط مثقفين كثر في أول اختبار حقيقي لإيمانهم بما يبشرون به من قيم الحرية والعدالة والكرامة. لقد تحول بعضهم سريعا إلى أبواق لتبرير الفظائع والانتصار للأنظمة الدكتاتورية، ساقطين في الخواء القيمي والأخلاقي، ومظهرين تناقضاً حاداً بين الشعارات الفضفاضة والذات المشوهة داخلياً. يتعارض هذا المسار تماماً مع إرث إميل زولا في رسالته الشهيرة "إني أتهم"، حيث جعل من قول الحقيقة شغفاً والتزاماً يعيد للإنسانية كرامتها وللعدالة معناها الأخلاقي العابر للمصالح الضيقة.

إدارات السعادة المفقودة والمهادنة النفعية

يرتبط مفهوم السعادة فلسفياً بغاية وجودية وأخلاقية يسعى الفرد لبلوغها. فبينما يرى أفلاطون في "الجمهورية" أن السعادة الحقيقية تنبع من العدالة الاجتماعية الناتجة عن قيام الفرد بوظيفته الأخلاقية داخل المدينة الفاضلة، مستبعداً الثراء والمتع الحسية كقيم زائفة، يربطها أرسطو بالفضيلة العقلية والسلوكية (اليودايمونيا). وتتدرج الرؤى الفلسفية للسعادة من المذهب الإبيقوري الذي ينشد طمأنينة الروح وغياب الألم الجسدي عبر نمط حياة زاهد واجتناب تام للسياسة وصراعاتها المدمرة، مروراً بالفلسفة البيرونية الشكوكية التي تسعى للتحرر من الاضطراب النفسي عبر تعليق الأحكام ورفض الإيمان بدوغماوات لا دليل عليها، وصولاً إلى بوثيوس في كتابه "عزاء الفلسفة" حيث يرى أن السعادة الحقيقية هي بلوغ الخير الأكمل المتمثل في الاندماج بالعدالة الإلهية وحكم الكون بالمحبة.

لكن في سياق الواقع المعاصر، جرى تفريغ السعادة من حمولتها الأخلاقية والوجودية، لتتحول إلى أداة تكنوقراطية لإدارة التدجين. إن مفهوم البراغماتية في حقل العلوم السياسية بالشرق الأوسط يتجاوز فكرة ازدواجية المعايير أو التناقض الأخلاقي البسيط، ليقف بوصفه قيمة مركزية وسلوكاً سياسياً استراتيجياً يهدف لتحقيق منافع مادية وأمنية للنخب الحاكمة. وتنقسم هذه البراغماتية إلى مستويات متعددة تشرعن ممارسات القوة أو تبرر تنازلات الضعف. فعلى صعيد الحركات الدينية والسياسية، تتبدى براغماتية نفعية ترتبط بأنماط القيادة الأوتوقراطية؛ حيث تنعدم التراتبية التشاركية ويتركز اتخاذ القرار في يد القائد المطلق، كما هو حال بعض التنظيمات الأيديولوجية التي توظف طاعة الأتباع لخدمة قراءة جيوسياسية متقلبة تتبع موازين القوى والتغيرات الطارئة التي خلفتها التحولات السياسية المعاصرة.

وفي مواجهة تركيز السلطة السياسية والاقتصادية المفرط في يد نخب حاكمة صغيرة، واستشراء الفساد وغياب سيادة القانون، تسلك حتى جمعيات المجتمع المدني مسارات براغماتية تتمثل في بناء تحالفات محلية لتوفير الموارد ومشاركة الكفاءات واكتساب مصداقية شكلية. ومع ذلك، تواجه هذه الكيانات قيوداً تفرضها الدولة تحت وهم تحصين السيادة، مما يدفع المثقفين والناشطين -تحت إغراء البقاء والتمويل الخارجي- للوقوع في فخ التبعية لأجندات دولية مشروطة تضعف الحصانة الفكرية وتفكك ارتباط المثقف بقضايا مجتمعه البنيوية. هنا يمارس المثقف "البراغماتية الضعيفة" كميكانيزم عملياتي للتكيف الشخصي والبقاء الفردي؛ تحت وطأة التهديد والترهيب أو إغراء الترغيب والامتياز الوظيفي، يتخلى الفاعل المعرفي عن سعادته الأصيلة القائمة على الحرية والكرامة الإنسانية، منخرطاً في تملق القوي والاستسلام للواقع مقابل الحصول على منافع وظيفية ومكانة اجتماعية تمنحه وهم الاستقرار والرفاه الشخصي، مما يسقط البراغماتية في انتهازية مفرطة تمس شرف الكلمة وتبعات الفهم.

النتيجة الحتمية: النكوص الحضاري وازدواجية القلق

يفضي هذا التحليل الفلسفي المركب إلى خلاصة أساسية مفادها أن أزمة الفضاء العام في الشرق الأوسط ليست نتاج شروط القمع الخارجي فحسب، بل هي نتاج استبطان ألعاب السلطة اللغوية واستسلام النخب لشروط الخطاب المهيمن. عندما تتكلم السلطة عبر حنجرة المثقف والناشط، يفقد الحوار معناه وتتحول الكتابة إلى صياغة بائسة لخدمة الأقوياء.

إن النتيجة الحتمية لهذا التآكل الهيكلي والمهادنة النفعية تتبدى في نكوص حضاري شامل يعيد المجتمع خطوات إلى الوراء على مستويات التنمية والفكر والسيادة الدلالية. وفي ظل هذا الانسداد، يُحكم على المواطن العادي بأن يعيش مغترباً في وطنه، ممزقاً بين نوعين من المعاناة: قلق معيشي يومي حاد يطحن تفاصيله لتأمين أساسيات البقاء البيولوجي في ظل تدهور الموارد والفساد، ومضاعف بـ قلق وجودي عميق ينبع من العبثية وفقدان الأمل في أي تغيير مستقبلي، وشعوره التام بالهوان وحظر فاعليته الإنسانية.

في المقابل من هذا البؤس الساحق للمغيبين، تبرز النخب البراغماتية والنفعية الجديدة كطبقة طفيلية مستفيدة، تستأثر بالمكاسب السياسية والمادية، وتحتكر الثروات والمكانة الاجتماعية عبر شرعنة الاستبداد وإعادة إنتاج خطاب السلطة الكلمة. إن استمرار هذا الوضع يعني تكريس السيادة اللغوية والدلالية للسلطة وحلفائها، ليظل الإنسان مغترباً، لا يتكلم، بل تُنتج السلطة حقيقته وتدير صمته وعذابه.

***

غالب المسعودي

 

"الخَلاصُ لا يَأْتي مِنَ المُسْتَقْبَلِ فَقَطْ، بَلْ مِنَ الِاسْتِجابَةِ لِنِداءِ الماضي"

" إِنَّ مَهَمَّةَ النَّقْدِ هِيَ تَفْجيرُ الِاسْتِمْرارِ الوَهْمِيِّ لِلتّاريخِ"

فالتر بنيامين

***

يخصص فالتر بنْيامين (Walter Benjamin 1892-1940) (1) في نظريته النقدية فسحة واسعة للبحث عن الخلاص الإنْسانيّ والمصالحة الربانية، ويتّسم فكْره بالطّابع الخلاصيّ الّذي يتمثّل في البحْث عنْ طريقةٍ للخلاص الوجوديّ الّذي يحرّر الإنْسانيّة منْ أزماتها الوجوديّة الّتي تتمثّل في مظاهر الحرْب والظّلْم والبؤْس والقمْع والقهْر والاغْتراب. وفي هذه الرّؤْية الخلاصيّة يرى في الفنّ طريقًا مهمًّا لخلاص الإنْسان.

وليس سرّاً أن بنْيامين استوحي فكرة الخلاص من التصورات المسّيانيّة الدينيّة اليهوديّة (Jewish Messianism)(2)، ومع ذلك لم يبق أسير هذه الرؤية الدينية إذ قدّر له أنْ يتجاوز هذه المسّيانيّة ليبْني نظريّةً عميقةً حوْل فكْرة الخلاص الإنْسانيّ. وتخْتلف رّؤْيته هذه للخلاص عنْ فكْرة الخلاص اليهوديّ الّتي تضع أملها في عودة المسيح المنْتظر (Messiah) لينشر الحقّ والخيْر والسّلام؛ وغنيٌّ عن البيان أنّ الخلاص اليهوديّ يدْعو إلى الصّبْر وتحمّل المعاناة بصمْتٍ وأناةٍ بانْتظار المخلّص الكوْنيّ الموعود؛ وهي بذلك تخْتلف عن اليوتوبْيا الثّوْريّة الخلاصية عند كارل ماركس وإرنست بلوخ (E. Bloch) وهربرت ماركوز، الّذين قاموا بعلْمنة فكْرة الخلاص المسيحي فاعتمدا الفكْرة الّتي تقول بأنّ البشريّة يمْكن أنْ تتحرّر عبْر قوّة الثّوْرة، وليْس بقوّة المسيح المنْتظر (3).

وممّا لا شكّ فيه أنّ فكْرة الخلاص متجذّرةٌ في الدّين، وخصوصًا في اليهوديّة والمسيحيّة. فالخلاص يقوم على تحرير العالم والمجْتمع والإنْسان من الخطيئة والضعف والنّقْص أو اللّااكْتمال. وهٰذا يعْني، منْ منْظورٍ دينيٍّ، أنّ البشر والأشْياء في الواقع «آثمون» أمام الله، وأنّ الخطيئة هي خرْقٌ للأمانة الإلٰهيّة ورفْضٌ آثمٌ لتعاليم الله المقدّسة (4).

ويمْكن تقْسيم الخلاص الدّينيّ إلى خلاصٍ دنْيويٍّ في هٰذا العالم، وخلاصٍ أخْرويٍّ في العالم الآخر. فكلٌّ من المسيحيّة والبوذيّة تعْتقدان أنه لا يمْكن للإنْسانيّة أنْ تنْتزع نفْسها من الخطيئة إلّا في ملكوت السّماء. أمّا اليهوديّة، فترى أنّ البشريّة يجب أنْ تجد خلاصها في هٰذا العالم، منْ خلال «مخلّصٍ» أوْ «مسيحٍ منْتظرٍ». ولذا فهي تعْتبر المعاناة عقابًا إلٰهيًّا للْمذْنبين وتكْفيرًا عنْ خطاياهمْ (5).

ومع عصْر التّنْوير (Enlightenment)، بدأ الإيمان الدّينيّ يتفكّك تدْريجيًّا، وقدْ تغيّر مفْهوم البشر عن الخطيئة ومآلاتها تدْريجيًّا. فقدْ نظر المفكّرون إلى الخطيئة بوصْفها نوْعًا من النّقْص والتّناقض، ورسموها على صورة بنْيةٍ فكْريّةٍ واجْتماعيّةٍ لا عقْلانيّةٍ، بدلًا منْ كوْنها شرًّا أخْلاقيًّا. وهذه الفكْرة عن الخلاص تنْبع أكْثر من الحيْرة والتّأمّل في العالم الخارجيّ، وهو الأمْر الّذي دعا النّاس إلى فهْم العالم بصورةٍ مخْتلفةٍ تمامًا عن المنْظور الدّينيّ (6).

فالعالم، بعْد إزالة السّحْر عنْه (Disenchantment)، فقد معانيه الإنْسانيّة، ولمْ يبْق فيه سوى الوجود المجرّد، ومنْ ثمّ أصْبح بحاجةٍ إلى نظامٍ آخر يمْنحه المعْنى. وهٰذا الصّراع بيْن الطّلب على المعْنى وبيْن التّجْربة الحياتيّة الفعْليّة جعل المفكّرين يبْحثون عنْ مهْربٍ أوْ خلاصٍ. فالجذْر الاجْتماعيّ لفكْرة الخطيئة هذه يأْتي من الاضْطهاد الطّبقيّ الّذي يتمثّل في عمليّة السّيْطرة الّتي تمارسها الطّبقة السّائدة على الطّبقات المحْرومة. وهٰذا يعْني أنّ المحْرومين يحْتاجون إلى التّحرّر من المعاناة. وهمْ غالبًا يبْحثون عن الخلاص هذه المرّة، ليْس في صورةٍ دينيّةٍ مسيحيّةٍ، بلْ في طبيعة النّضال ضدّ القهْر الطّبقيّ، وفي خضمّ الصّراع بيْن الطّبقات المضْطهدة والطّبقات المضْطهدة، وقدْ أصْبح المبْدأ الثّوْريّ ضدّ الظّلْم والقهْر، إلى حدٍّ كبيرٍ، المصْدر الأساسيّ لفكْرة الخلاص (7).

في النّظريّة اليهوديّة للخلاص، يميل تاريخ العالم نحْو الدّمار، ويبْعث منْ جديدٍ عبْر الدّمار، ولٰكنْ لا أحد يدْري ما هي طبيعة هٰذا الانْبعاث منْ جديدٍ، إذْ هلْ سيكون مضيئًا أمْ مظْلمًا، فذٰلك أمْرٌ غيْر معْروفٍ. وهٰذا يعْني أنّ الخلاص يأْتي في لحْظةٍ معيّنةٍ منْ لحظات الانْقطاع التّاريخيّ، والشّيْء الوحيد الّذي ينْبغي فعْله هو اغْتنام فرْصة الخلاص هذه، ويتّضح هنا أنّ الرّؤْية اليهوديّة للخلاص تنْطوي على منْظورٍ مخْتلفٍ للتّاريخ التّقدّميّ.

يعْتقد بنْيامين أنّ البنى الفكْريّة والاجْتماعيّة والثّقافيّة للإنْسان جميعها تعاني منْ أزماتٍ خانقةٍ، وأنّ الجذْر الأساسيّ لهذه الأزْمة يكْمن في التّطوّر اللّاعقْلانيّ للْعقْلانيّة الإنْسانيّة نفْسها. ولذٰلك، نحْن بحاجةٍ إلى وضْع حدٍّ خلاصيٍّ للأزمات الّتي أوْجدتْها العقْلانيّة الأداتيّة. ويرى، في هٰذا السّياق، أنّ ما يجْعل الفعْل «مسّيانيًّا» مسيحيًّا خلاصيًّا لا يكون في تحْقيق العدالة بيْن الطّبقات وإلْغاء التّقْسيم الطّبقيّ للْمجْتمع، بلْ يكون في الانْفتاح على الذّاكرة الفنّيّة الحيّة للإنْسانيّة. غيْر أنّ هٰذا التّصوّر للخلاص الفنّيّ لا يعارض الماضي بالمسْتقْبل وفْق تصوّرٍ خطّيٍّ للزّمن، وذٰلك هو التّصوّر الّذي يرْفضه بنْيامين صراحةً، بوصْفه الأساس الكامن وراء نظريّة التّقدّم (8). وهنا يقيم بنْيامين تصوره عن الفعْل «المسّيانيّ» أو الخلاصيّ بطريقةٍ تخْتلف عن التّصوّرات المارْكْسيّة التّقْليديّة الّتي ترْبط الخلاص بالمسْتقْبل فقطْ، أيْ منْ خلال العمل على تحْقيق المجْتمع الشّيوعيّ في نهاية التّاريخ. وهٰذا يعْني أنّ الفعْل الخلاصيّ الحقيقيّ عند بنيامين لا يسْتمدّ معْناه منْ كوْنه خطْوةً نحْو «يوتوبْيا مسْتقْبليّةٍ»، بلْ منْ كوْنه فعْلًا يسْتجيب لنداءات الماضي وذكْراه. فالخلاص البنْيامينيّ ليْس انْتظارًا لمسْتقْبلٍ مثاليٍّ، بلْ هو إنْصافٌ للْمقْهورين والمنْسيّين وضحايا التّاريخ الّذين جرى قمْعهمْ وإسْكاتهمْ تحْت مطارق ضرْب السّيوف وطعْن الخناجر وومض البنادق. فالتّاريخ لا يكْتبه إلّا المنْتصرون الّذين يدْفنون معهم معاناة المهْزومين تحْت سرْديّة «التّقدّم». ولذٰلك يصْبح الوعْد المسّيانيّ بالخلاص فعْل تذكّرٍ واسْتعادةٍ لحقوق الضّحايا، ومحاولةً جادّةً لإنْقاذ ما تمّ طمْسه أوْ تشْويهه في الماضي. وعلى هذه الصّورة ينْفتح الفعْل «المسّيانيّ» (الوعْد بالخلاص) على «الذّاكرة التّاريخيّة». فالذّاكرة هنا ليْستْ مجرّد تذكّرٍ عاديٍّ للْمعْلومات والأحْداث، بلْ هي موْقفٌ نقْديٌّ وأخْلاقيٌّ من التّاريخ؛ إنّها اسْتحْضارٌ للْمعاناة المكْبوتة الّتي تجاهلتْها الحضارة الحديثة. ومن الواضح أنّ بنْيامين يرْفض العلاقة الخطّيّة بيْن الماضي والحاضر والمسْتقْبل، أيْ وفْق الفكْرة القائلة إنّ الإنْسانيّة تتقدّم باسْتمْرارٍ منْ مرْحلةٍ أدْنى إلى مرْحلةٍ أعْلى. فهو يرْفض هٰذا التّصوّر «الخطّيّ» للزّمن؛ لأنّ نظريّة التّقدّم، في رأْيه، تخْفي الكوارث والعنْف الّذي قامتْ عليْه الحضارة الحديثة. فكلّ انْتصارٍ حضاريٍّ يخْفي وراءه ركامًا من الضّحايا.

لذٰلك لا يكون الماضي عنْد بنيامين شيْئًا انْتهى، ولا المسْتقْبل مرْحلةً منْفصلةً عنْه، بلْ يتداخل الماضي بالحاضر في «لحْظةٍ خاطفةٍ» يمْكن فيها اسْتعادة إمْكانات التّحرّر المنْسيّة. ومنْ هنا تأْتي فكْرته الشّهيرة عنْ «التّاريخ ضدّ فكْرة التّقدّم»: فالْمهمّة ليْست السّيْر بثقةٍ نحْو المسْتقْبل، بلْ إيقاظ الوعْي بالمظالم الماضية وإنْقاذ ذكْراها. وبهٰذا المعْنى، تصْبح المسّيانيّة عنْد بنْيامين خلاصًا للذّاكرة لا وعْدًا بالتّقدّم، وإنْصافًا للضّحايا لا احْتفاءً بانْتصار التّاريخ، وهي إذ ذاك تأتي قطْعًا مع الزّمن الخطّيّ الّذي يأخذ مسارًا تصاعديًّا دائمًا نحْو الأفْضل. وقدْ لا تتحقّق اليوتوبْيا أبدًا، لٰكنْ ما يمْكن تحْقيقه هو التّذكّر المسْتمرّ للْقمْع الماضي، والتّأمّل الدّائم في وحْشيّة الإنْسان.

وتعْكس عبارة «التّاريخ ليْس متّصلًا» رؤْية بنْيامين النّقْديّة لفكْرة التّاريخ التّقْليديّة، ولا سيّما الفكْرة الّتي ترى أنّ التّاريخ يسير بصورةٍ متّصلةٍ ومتدرّجةٍ نحْو التّقدّم. ولٰكنّ بنْيامين يرْفض النّظر إلى التّاريخ بوصْفه خطًّا مسْتقيمًا ومتجانسًا، تنْتقل فيه البشريّة باسْتمْرارٍ منْ مرْحلةٍ أدْنى إلى مرْحلةٍ أعْلى. وحين يقول إنّ «التّاريخ ليْس متّصلًا»، فهو يقْصد أنّ التّاريخ مليءٌ بالانْقطاعات والكوارث والهزائم والعنْف، وليْس مسارًا هادئًا ومتراكمًا للتّقدّم. فالتّاريخ الرّسْميّ غالبًا ما يخْفي معاناة المهْزومين والمقْموعين، وهو التّاريخ الّذي يشكّل سرْديّة المنْتصرين. وعلى هٰذا الأساس يرى بنْيامين أنّ التّعامل مع التّاريخ بوصْفه سلْسلةً متّصلةً تقدمية يؤدّي إلى تبْرير القمْع والقهْر والظّلْم والإبادات والمذابح التّاريخيّة والهزائم الثّوْريّة. وتتضمن هذه الرؤيا تصورا يجْعل كلّ ما حدث في التاريخ من مآسي كان ضروريًّا وطبيعيًّا في سبيل «التّقدّم». وهنا تصْبح الحروب والاسْتعْمار والاسْتغْلال والقهْر، وحتّى المذابح، مجرّد مراحل في مسيرة الحضارة، بدلًا منْ أنْ تكون كوارث إنْسانيّةً. وممّا لا شكّ فيه أنّ نقْد بنيامين موجّهٌ إلى الفكْر التّاريخيّ الحديث الّذي يؤْمن بفكْرة «التّقدّم الخطّيّ»؛ أيْ الاعْتقاد بأنّ الزّمن يتحرّك دائمًا نحْو الأفْضل. وعلى خلاف ذٰلك، يرى بنيامين أنّ هٰذا التّصوّر يخْدم الطّبقات المهيْمنة؛ لأنّه يجْعل النّظام القائم يبْدو نتيجةً طبيعيّةً للتّاريخ، لا نتيجة صراعاتٍ وهيْمنةٍ. ويبْني على ذٰلك أنّ الطّبقات المهيْمنة في الماضي لا تزال تهيْمن في الحاضر. فالقوّة المسيْطرة لا تكْتفي بالسّيْطرة الاقْتصاديّة والسّياسيّة، بلْ تفْرض أيْضًا طريقةً معيّنةً لفهْم التّاريخ. ومنْ ثمّ، فإنّ كتابة التّاريخ التّقْليديّة تصْبح أداةً أيْديولوجيّةً تخْفي أصْوات الضّحايا والمهمّشين. ويؤسّس بنْيامين دعْوته الصّريحة إلى قراءةٍ مخْتلفةٍ للتّاريخ تقوم على قراءةٍ جديدةٍ تنْظر إلى الماضي منْ زاوية المنْكوبين والخاسرين والمهْزومين والمعذّبين والقابعين ظلْمًا في مدافن القهْر والظّلْم والاسْتبْداد؛ وهي قراءةٌ تكْشف ما تمّ قمْعه أوْ نسْيانه.

ويظْهر كتاب «جدل التّنْوير" (Dialektik der Aufklärung) أنّ أدورنو قدْ تبنّى رؤْية بنْيامين للتّاريخ الخلاصيّ. فالحضارة الإنْسانيّة لمْ تكنْ دائمًا تقدّميّةً، والرّؤْية الّتي تفْهم التّاريخ فهما ميكانيكيًّا بوصْفه تقدّمًا تتجاهل، في الواقع، الجانب الجدليّ للثّقافة. فالتّاريخ يتطوّر عبْر التّناوب والتّناقض بيْن الحضارة والهمجيّة. والتّاريخ ليْس متّصلًا، والتّعامل معه بوصْفه كذٰلك لا يؤدّي إلّا إلى تبْرير نوْعٍ معيّنٍ منْ تاريخ القمْع. وينْتقد بنْيامين الوضْع القائم آنذاك بقوْله إنّ الطّبقات الحاكمة لا تزال تهيْمن في الحاضر كما هيْمنتْ في الماضي، وهٰذا الأمْر ينْعكس في البناء الخطّيّ، وغالبًا التّقدّميّ، للْفكْر التّاريخيّ والزّمن (9).

في اليهوديّة، تتمّ المصالحة بيْن الإنْسان والإنْسان، وبيْن الإنْسان والشّيْء في الله، ويكون هدف الخلاص تحْقيق هذه المصالحة الأبديّة المنْتظرة. وفي نظريّة اللّغة عنْد بنْيامين، تشكّل لغة الله الأساس لكلٍّ من اللّغة الإنْسانيّة ولغة الأشْياء. ويظْهر التّعارض بيْن الإنْسان والشّيْء عنْدما يحاول الإنْسان تجاوز الله وتسْمية الأشْياء مباشرةً، ومنْ أجْل إزالة هٰذا التّعارض وردْم الهوّة اللّغويّة، ينْبغي أنْ يعود الإنْسان والشّيْء معًا إلى الله. وعلى الرّغْم منْ تأثّر أدورنو بفكْرة الخلاص عنْد بنْيامين، فإنّه لا يقْبل بصورةٍ كاملةٍ بأن الله يشكل منطلقا للمصالحة، بلْ على خلاف ذلك يرى أن اللّغة والفنّ هما العنصران الأساسيان في تحقيق المصالحة الوجودية بين الإنسان والطبيعية كما بين الإنسان والإنسان والله. وتعني المصالحة بيْن الإنْسان والإنْسان، وبيْن الإنْسان والشّيْء، في الله أنّ الله هو المبْدأ الأعْلى للْوحْدة والانْسجام الكامل الّذي تزول فيه الانْقسامات والصّراعات الموْجودة في العالم التّاريخيّ. وهٰذا لا يعْني أنّ الله يقوم بالمصالحة بصورةٍ خارجيّةٍ، بلْ يعْني أنّ الحقيقة الإلٰهيّة نفْسها تمثّل الحالة الّتي تتجاوز فيها التّناقضات والاغْترابات البشريّة. أيْ إنّ البشر، الّذين يعيشون في الواقع داخل علاقات صراعٍ وهيْمنةٍ واسْتغْلالٍ وعداءٍ، يبْلغون في الخلاص حالةً من العدالة والوحْدة والتّآلف. فوجود الله هنا يشير إلى أفقٍ أخْلاقيٍّ وروحيٍّ تنْتهي فيه الانْقسامات البشريّة والصراعات الوجودية. أمّا المصالحة بيْن الإنْسان والشّيْء، فتتمثّل في تجاوز العلاقة القائمة على السّيْطرة والاسْتعْمال. ففي العالم الحديث يتعامل الإنْسان مع الطّبيعة والأشْياء بوصْفها أدواتٍ للْهيْمنة والمنْفعة فقطْ. أمّا في فكْرة الخلاص، فتصْبح العلاقة مع العالم علاقة انْسجامٍ واحْترامٍ وتوافقٍ، لا علاقة إخْضاعٍ واسْتغْلالٍ.

وفي الخلْفيّة اليهوديّة والفلْسفيّة الّتي تأثّر بها بنْيامين وأدورنو، لا يفْهم الله هنا دائمًا بصورةٍ لاهوتيّةٍ تقْليديّةٍ فقطْ، بلْ أيْضًا بوصْفه رمْزًا لإمْكان المصالحة الكاملة الّتي يفْتقدها التّاريخ الواقعيّ. فعنْدما يكون العالم منْقسمًا، في صورةٍ يكون فيها الإنْسان ضدّ الإنْسان، والإنْسان ضدّ الطّبيعة، والذّات ضدّ العالم، فإنّ «الخلاص» سيكون في اسْتعادة وحْدةٍ مفْقودةٍ، ويعبّر عنْها دينيًّا بأنّها تتحقّق في الله. والمقْصود بأنّ المصالحة «تتحقّق في الله» هو أنّ الله هو القوّة العلْيا الّتي ترْفض الانْقسامات الحادثة في العالم البشريّ. فالعالم التّاريخيّ، بحسب هٰذا التّصوّر، عالمٌ ناقصٌ وممزّقٌ: فيه صراعٌ، وهيْمنةٌ، واغْترابٌ، وانْفصالٌ بيْن الإنْسان والآخرين، وبيْن الإنْسان والطّبيعة. أمّا الله، فيمثّل الكمال والوحْدة الّتي ترْفع فيها هذه التّناقضات.

وفي الفكْر الدّينيّ اليهوديّ، لا تتحقّق المصالحة لأنّ البشر ينْجحون وحْدهمْ في صنْع مجْتمعٍ مثاليٍّ، بلْ لأنّ الخلاص الإلٰهيّ يعيد النّظام الأخْلاقيّ والعدالة إلى العالم. أيْ إنّ الله هو مصْدر الحقيقة والعدالة والوحْدة، ولذٰلك تكون المصالحة النّهائيّة مرْتبطةً به. ويمْكن توْضيح ذٰلك على النّحْو الآتي: في الواقع العاديّ يعادي الإنْسان، والإنْسان يسيْطر على الطّبيعة والأشْياء، والعالم قائمٌ على الانْقسام والقوّة. أمّا في الله، فترْفع حالة العداء، ويعود الانْسجام بيْن البشر، وتصْبح العلاقة مع العالم علاقة سلامٍ لا سيْطرةٍ، وهٰذا هو ما يمْكن التّعْبير عنْه بأنّه الحقيقة الإلٰهيّة الّتي تتجلّى في حالة الخلاص الإلٰهيّ أوْ في النّظام الكوْنيّ الّذي تزول فيه التّناقضات التّاريخيّة. وفكْرة الله تأْخذ بعْدًا فلْسفيًّا في فلْسفة بنْيامين وأدورنو، وذٰلك أنّ الله في هذه الفلْسفة لا يفْهم دائمًا بصورةٍ دينيّةٍ تقْليديّةٍ، بلْ يصْبح رمْزًا لإمْكان «المصالحة» الّتي يفْتقدها الواقع. ولهٰذا تبْقى المصالحة الحقيقيّة شيْئًا لمْ يتحقّقْ بعْد داخل التّاريخ، بلْ تظْهر فقطْ كتلْميحٍ أوْ أملٍ أوْ وعْدٍ بالخلاص.

***

د. علي أسعد وطفة

........................

الهوامش والمراجع

(1) - فالتر بنْيامين (Walter Benjamin 1892-1940): فيْلسوفٌ وناقدٌ ثقافيٌّ ألْمانيٌّ، يعدّ منْ أبْرز مفكّري القرْن العشْرين، وارْتبط اسْمه بالنّظريّة النّقْديّة (Critical Theory) ومدْرسة فرانكفورت (Frankfurt School)، رغْم أنّه لمْ يكنْ عضْوًا رسْميًّا فيها. ولد في برْلين (Berlin) سنة 1892، واهْتمّ بالفلْسفة، والنّقْد الأدبيّ، وعلْم الجمال، وفلْسفة التّاريخ، والثّقافة الحديثة. امْتاز فكْره بمحاولة الجمْع بيْن المارْكْسيّة (Marxism)، والتّصوّف اليهوديّ (Jewish Mysticism)، والنّقْد الثّقافيّ، ممّا جعل كتاباته ذات طابعٍ فلْسفيٍّ وتأْويليٍّ عميقٍ. ومنْ أهمّ مؤلّفاته: "العمل الفنّيّ في عصْر إعادة الإنْتاج الآليّ"  (The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction)، و"أطْروحاتٌ حوْل فلْسفة التّاريخ» (Theses on the Philosophy of History)" ، و«مشْروع الأرْوقة"  (The Arcades Project). انْتحر سنة 1940 أثْناء محاولته الهروب من النّازيّة (Nazism) على الحدود الإسْبانيّة الفرنْسيّة، وأصْبح بعْد وفاته واحدًا منْ أكْثر المفكّرين تأْثيرًا في الفلْسفة المعاصرة والنّقْد الثّقافيّ.

(2)-  المسّيانيّة اليهوديّة (Jewish Messianism): التّصوّر الدّينيّ والفلْسفيّ في التّراث اليهوديّ القائم على انْتظار «المسيح المخلّص» (Messiah) الّذي سيأْتي في نهاية الأزْمنة ليحقّق الخلاص والعدالة، وينْهي المعاناة التّاريخيّة. وكلمة «مسّيانيٍّ» مشْتقّةٌ منْ «المسيح» أو "الماشيح" » (Mashiach) في التّقْليد اليهوديّ، وتسْتخْدم فلْسفيًّا للإشارة إلى: الأمل بالخلاص التّاريخيّ، وانْتظار التّحوّل الجذْريّ للْعالم، ثمّ الإيمان بإمْكانيّة العدالة النّهائيّة.

(3)- TAO Feng. “The Redemptive Dimension in Adorno’s Thought.” Cultural and Religious Studies, Vol. 10, No. 8, August 2022, pp. 401-408. David Publishing. DOI: 10.17265/2328-2177/2022.08.001. Accessed May 25, 2026. https://www.davidpublisher.com/Public/uploads/Contribute/631050bd1f2a8.pdf

(4)- Max Weber. The Sociology of Religion. (Boston: Beacon Press, 1965).

(5) - ibid.

(6)- TAO Feng. “The Redemptive Dimension , Op. cit.

(7)- ibid.

(8)- Matthias Fritsch. The Promise of Memory: History and Politics in Marx, Benjamin, and Derrida. (Albany: SUNY Press, 2005), p. 37.

(9)- ibid , p. 52.

مقدمة: مثّل تبني "نموذج الليبرالية الجديدة" محاولة للخروج من الأزمات الاقتصادية والمالية الدورية التي تمر بها الأنظمة الرأسمالية، خصوصا في الدول المتقدمة، والتي سبق لكارل ماركس أن حللها بعمق وتوقع حدوثها وفسر أسبابها. وقد رسم المنظرون والقادة السياسيون الذين تبنوا هذا النموذج صورة زاهية للتنمية الاقتصادية وازدهار المجتمعات اللذين ينتجان من تطبيقه بداية في الولايات المتحدة وبريطانيا. ولم يقتصر الأمر على هذه الدول، بل فُرض هذا النموذج على العديد من البلدان النامية تحت ضغط شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتزويدها بالقروض، شريطة إعادة هيكلة اقتصاداتها والتنازل عن سيادة الدولة على ترابها الوطني. وقد رافق تطبيق الليبرالية الجديدة تبني العولمة - على الرغم من أنها لم تكن جديدة وتُعد جوانب منها مفيدة -، التي تضمنت فتح الحدود لحركة السلع ورؤوس الأموال. وقد جاءت الأزمة المالية والاقتصادية لعام 2008 وما مثّلته من تداعيات واسعة النطاق على الاقتصادات العالمية، منها فقدان ملايين فرص العمل؛ لتمثّل الفشل المدوي لليبرالية الجديدة. وهذا ما دفع الحكومات التي طبقتها ودافعت عنها خصوصا في الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية للتدخل لإنقاذ البنوك والشركات المتضررة، وليتحمل المواطن عبء هذه التكاليف. ولكن هذا التدخل لا يعني التخلي على نحو كامل عن الليبرالية الجديدة؛ لأن هذا يتعارض مع مصالح الشركات الاحتكارية الكبرى، بل محاولة للتخفيف من آثارها.

كانت النتائج الاقتصادية والاجتماعية في البلدان النامية التي طبقت الليبرالية الجديدة كارثية؛ فقد تزايد الفقر والتفاوت الطبقي والاجتماعي وتراجع النمو الاقتصادي وكثرت المشكلات الاجتماعية، وانعكس ذلك على الواقع السياسي، حيث انخرطت فئات واسعة من الجماهير تناضل ضد الأنظمة التي طبقت هذا النموذج. وفي البلدان العربية كانت هذه السياسات أحد الأسباب الرئيسة في اندلاع انتفاضات عام 2011 التي اسقطت عدة أنظمة، ومثّلت تمرينا ثوريا لما هو قادم من انتفاضات وثورات والتي ستكون أنضج إعدادا، تنظيميا وسياسيا بحكم الخبرات النضالية المتراكمة.

وإذا عدنا إلى الوراء، وارتباطا بهذه النتائج، نجد أن صندوق النقد الدولي ما كان بحاجة إلى مساندة الحكومات فحسب، بل ومؤازرة الأجهزة القمعية لهذه الدول، وذلك لأن كل تصعيد في شروط الصندوق يدفع الجماهير إلى تصعيد مقاومتها ضد الإجراءات الحكومية الرامية إلى تطبيق تقشف مالي صارم. فعلى سبيل المثال، بعدما نفذ الجنرال بينوشيه عام 1973 انقلابا عسكريا جعل شيلي تسبح في "حمام دم" باعتراف بينوشيه نفسه، اندلعت في الأرجنتين عام 1976 احتجاجات جماهيرية ضد مطالبة صندوق النقد الدولي الأرجنتين تجميد الأجور لفترة 180 يوما، لمواجهة التضخم وتخفيض الدين الخارجي. وكما حدث في شيلي، استولى الجيش هنا أيضا، على السلطة وشرع في فرض نظام إرهابي، كان قد عرض البلاد، لمذابح رهيبة، راح ضحيتها ثلاثون ألف مواطن، كان غالبيتهم من النقابيين وطلبة الجامعات(1). وهذان الانقلابان وغيرهما من الانقلابات العسكرية، جرت كما هو معروف بدعم وتحريض مكشوفين من الولايات المتحدة.

وفي إفريقيا وباقي أنحاء العالم كان بركان الثورة يتصاعد من يوم لآخر، ففي كانون الثاني| يناير 1977 اندلعت في كبرى المدن المصرية احتجاجات انصب جام غضبها على مطالبة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الحكومة بضرورة شطب الأموال التي تخصصها كل عام لدعم أسعار المواد الغذائية الأساسية. وفي سياق هذه الاحتجاجات قتل 79 متظاهرا وجرح أكثر من 550 مواطنا. وفي المغرب، كانت النقابات العمالية قد أعلنت في عام 1981 إضرابا عاما، لأن الصندوق كان هنا أيضا، قد ربط منح قرض قيمته 1,2 مليار دولار بالتزام الحكومة بإلغاء الإنفاق الحكومي المخصص لدعم أسعار المواد الغذائية الأساسية. وفي سياق هذا الإضراب احتج آلاف الشباب من سكان الأحياء الفقيرة، المحيطة بمدينة الدار البيضاء، وقتلت الشرطة أكثر من 600 منهم(2).

يأتي المقال هذا لإلقاء الضوء بشكل مكثف على تناقضات الليبرالية الجديدة في التطبيق العملي لأفكارها ونتائج ذلك؛ لذا سيتضمن خلفية نظرية لليبرالية الجديدة تساعدنا في تفسير مآلات تطبيقاتها، وتوجهات الليبرالية الجديدة، كذلك يتطرق لتزايد التفاوت الذي نتج عن سياساتها، ويفحص انعكاساتها على الجانب الاجتماعي وأخيرا يعالج تناقضاتها.

خلفية نظرية

في معظم النواحي، يُعد القليل جدا من أفكار ما يسمى بـ "نموذج الليبرالية الجديدة" جديدا. لقد روّج مؤيدوها لأفكارها الأساسية على نطاق واسع لأكثر من قرنين. وهذه الأفكار تدعي بأن التقدم الاقتصادي سيكون أعظم؛ فكلما زادت الأسواق الحرة (بدل آليات أخرى) زادت قدرة المجتمع على توزيع موارده وانتاجه. شريطة أن تكون الموارد الأكثر إنتاجية والإنتاج ذات ملكية خاصة للأفراد أو الشركات بدلا من الدولة(3). وهذا يعني عمليا التخلي عن السياسات الكنزية التي تسمح بتدخل الدولة في الاقتصاد والتي طبقت لفترة غير قليلة في العديد من البلدان الرأسمالية المتطورة.

كانت أفكار الليبرالية الجديدة منتشرة، وانتعشت خلال فترة التاريخ الإنكليزي، حيث كانت الأيديولوجيا مهمة على نحو غير عادي. يبدو أن الليبراليين الجدد هم الناشطون والمجددون الأيديولوجيون لليبرالية أمر لا جدال فيه. وفي الواقع، نجحوا في جعل العديد من أفكارهم المركزية وأنماط تفكيرهم معتمدة في النقاش السياسي، أن لم تكن قد أصبحت بالفعل أفكارا عامة(4)، خصوصا على صعيد بريطانيا.

في نظر الليبرالية الجديدة، فإن الحرية الفردية في السوق مضمونة، إلا أن كل فرد يُعد مسؤولا، وعرضه للمساءلة، عن أفعاله وعن سعادته. وهذا المبدأ يمتد ليشمل مجالات الرفاه والتعليم والرعاية الصحية وحتى الراتب التقاعدي (تمت خصخصة الضمان الاجتماعي في شيلي وسلوفاكيا). أما نجاح الفرد أو فشله فيفسر عادة بعبارات مثل فضائل المبادرات الخاصة أو العجز الشخصي، مثل عدم الاستثمار الكافي في رأس المال البشري للشخص عينه من خلال التعليم، ولا يُفسر قط بإرجاع الفشل لأي خاصية أخرى مثل الإقصاء الطبقي الذي يُنسب عادة إلى الرأسمالية(5) ، ويقر بوجوده العديد من مفكريها.

سبق لعدد من المفكرين السياسيين نقد فكرة السوق الذاتي التسيير ومن أهمهم جون جراي، الذي يذهب إلى أن إنشاء السوق الحرة في إنكلترا في القرن التاسع عشر تطلب سن عدد من القوانين أهمها قانون الفقراء عام 1834، الذي حدد مستوى الراتب التقاعدي بأقل من أدنى أجر يحدده السوق، وأضعف الأسرة وأقر نظام "دعه يعمل" الذي كان الأفراد فيه يتحملون وحدهم المسؤولية عن أمانهم المعيشي. وترجع أهمية نقد جراي للسوق الحرة في إنكلترا إلى أن هذا السوق كان النموذج لجميع السياسات الليبرالية الجديدة التي ظهرت منذ سبعينيات القرن العشرين. والملاحظ أن ماركس هو الآخر قد نقد عملية تكوين السوق الحرة هذه، إذ كان معاصرا لها ومتابعا لوقائعها يوميا(6). وانعكس ذلك بتفصيل دقيق في مؤلفه الضخم رأس المال.

يذكر الباحث الاقتصادي صالح ياسر، "إن النقد الماركسي الجديد لدولة الرفاه قد تبلور أساسا وبقوة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، بعد الأزمة التي واجهتها دولة الرفاه ذاتها. يرى بعض الباحثين أن المسار الفكري الذي كان شائعا في وقت سابق في أوساط الماركسيين هو رؤية دولة الرفاه باعتبارها (رشوة) من الدولة لتهدئة تطلعات العمال الاشتراكية والثورية. في السابق كان يُنظر إلى دولة الرفاه على أنها (أفيون) مهدئ للناس"، ما قلل من نشاطهم الثوري في التغيير. تعتمد هذه الفكرة على نحو كبير على تطور الحركة العمالية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية(7)، حيث شهدت بلدان أوروبا الغربية ازدهارا اقتصاديا ساهم في تبني نموذج دولة الرفاه الاجتماعي، إضافة إلى محاولة محاكاة نموذج الضمان الاقتصادي والاجتماعي في البلدان الاشتراكية السابقة.

بعض توجهات الليبرالية الجديدة

استنادا للفكر الليبرالي الجديدة، يُعد الحراك الحر لرأس المال بين القطاعات والأقاليم والبلدان بالغ الأهمية وحاسما، لذلك ينبغي إزالة جميع الحواجز المعوقة لهذا الحراك، مثل التعرفة الجمركية أو الترتيبات الضريبية العقابية أو التخطيط والرقابة البيئية، باستثناء تلك الموجدة في مناطق تُعد شديدة الأهمية "للمصلحة الوطنية" مهما كان تعرفيها. ويجري التنازل عن سيادة الدولة على حركة السلع ورأس المال طوعا وعن طيب خاطر للسوق العالمية. فالتنافس الدولي أمر صحي ذلك أنه يحسّن الفاعلية الإنتاجية ويخفّض الأسعار، وبالتالي يسيطر على النزعات التضخمية. لكن السؤال عما إذا كان ذلك ينطبق على العمالة أم لا فهذا لا يزال موضع جدل(8). والإجابة على هذا السؤال شكلت أحد تناقضات الليبرالية الجديدة والتي سنتطرق إليها فيما بعد.

في الثمانينيات، في عهد الرئيس رونالد ريغان، أصبحت أفكار الليبرالية الجديدة بالفعل مهيمنة في واشنطن. لقد قلَّص ريغان سلطة الحكومة وخفَّض الضرائب بوتيرة قياسية، ما أفاد الشركات والأثرياء على وجه الخصوص. وكان ريغان قد استوحى توجهاته هذه على نحو مباشر من المنظرين الأيديولوجيين فريدريش هايك وميلتون فريدمان ومراكز الفكر التي تبنت أفكارهم منذ أواخر الستينيات. كما نجح في دمج هذه الأفكار مع أفكار الحركة المسيحية المحافظة(9) والتي استند إليها أيضا رونالد ترامب لكسب قطاعات من السكان البيض المسيحيين - الذين لديهم شعور بتراجع نسبتهم، نتيجة التعدد الثقافي-، لدعم فوزه في الانتخابات الرئاسية.

ويتساءل نعوم تشومسكي، كيف تصدر الولايات المتحدة قيم السوق الحرة من خلال منظمة التجارة العالمية، حيث احتفلت بتوقيع اتفاقية الاتصالات لهذه المنظمة. ومن آثارها توفير أداة جديدة للسياسة الخارجية لواشنطن. فالاتفاقية تُمكن منظمة التجارة العالمية من الدخول إلى داخل حدود الدول الموقعة على الاتفاقية، وليس سراً أن المؤسسات الدولية لا تستطيع العمل إلا بقدر ما تلتزم بمطالب الأقوياء، خصوصا الولايات المتحدة. وفي الواقع، تسمح "الأداة الجديدة" هذه للولايات المتحدة بالتدخل بعمق في الشؤون الداخلية للأخرين، وإجبارهم على تغيير قوانينهم وممارساتهم. وستحرص منظمة التجارة العالمية على أن تلتزم الدول الأخرى بتعهداتها بالسماح للأجانب بالاستثمار دون قيود في القطاعات المركزية من اقتصاداتها. ومن الواضح، سيكون المستفيدون من هذا العهد الجديد الشركات الأمريكية، التي تتمتع بأفضل وضعية للسيطرة في هذا الميدان(10)، لهذا نرى أن لهذه الشركات مواقع قوية حتى في البلدان الأوروبية المتطورة، وتخشى هذه البلدان من أن يؤدي توتر علاقاتها السياسية والتجارية مع الولايات المتحدة خصوصا في عهد ترامب الى مغادرة هذه الشركات التي تهيمن على قطاعات مهمة خصوصا قطاع التكنولوجيا.

تحولت أسواق المال إلى خطر يتهدد الاقتصاد الحقيقي، الاقتصاد الإنتاجي. فهي تحولت إلى كازينو للقمار جذاب فعلا بأضوائه المتوهجة. إن اللاعبين في هذا الكازينو يمكن أن يقوضوا أركان شركات عملاقة ومتوسطة، إذا ما خسروا الرهان، لا بل قد يتسببون في زعزعة الاستقرار في دول بأكملها. وكان آرثر برونز محافظ البنك المركزي في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون قد تنبأ في السبعينيات باندلاع هذه المخاطر. فوفق تنبؤاته "يؤدي تحرير أسواق المال إلى شقاء الإنسانية بكل تأكيد". وبعد ثلاثين عاما من التاريخ المذكور، ما كان بوسع خليفته باول فولكر غير التأكيد على صدقية هذا التنبؤ، علماً أن فولكر أمسى واحدا من أهم المستشارين الاقتصاديين في إدارة الرئيس باراك أوباما. وكان قد هاجم النظام المالي في نيسان| أبريل عام 2008، أمام النادي الاقتصادي في نيويورك، قائلا "إنه لمن الصعب جدا الزعم بأن النظام الجديد قد حقق منافع ذات بال"(11). وقد أكدت الأزمة المالية الأخيرة أن هذا النظام تسبب بحدوث كوارث مالية، منها الانهيارات الضخمة التي حدثت في البنوك الكبيرة وأزمة العقارات.

تزايد التفاوت

يقرّ مفكرو الليبرالية باستمرار التفاوت في ظل الرأسمالية، ولكنهم يعتقدون أنه في حال تطبيق الليبرالية الجديدة سيتراجع التفاوت، نتيجة استمرار النمو الاقتصادي والازدهار الذي سيعم المجتمع، لكن الحصيلة كانت عكس ذلك. فقد قالت فوكودا بار التي صاغت تقرير التنمية البشرية لعام 1999 الذي يصدر عن الأمم المتحدة في حديث لها حول النتائج التي توصلت إليها: "للعولمة منافع كثيرة بالنسبة إلى البعض ولكن بالنسبة إلى أغلبية سكان العالم تعني فقط مزيداً من الفقر"(12)، خصوصا في البلدان النامية، ونحن نعرف أن العولمة تعززت أكثر في ظل الليبرالية الجديدة.

قدر التقرير العالمي لمنظمة التنمية الصناعية التابعة للأمم المتحدة لعام 1996، بأن التباين بين أغنى وأفقر 20 في المئة من سكان العالم ارتفع أكثر من 50 في المئة خلال الفترة 1960 - 1989، وتوقع تزايد التفاوت العالمي الناتج من عملية العولمة. وحصل أيضا تزايد في التفاوت في المجتمعات الغنية، والولايات المتحدة لها الريادة في ذلك، وبريطانيا ليست بعيدة عنها في هذا الجانب، وتُشيد الصحافة الاقتصادية بالنمو "المذهل" و"الرائع" للأرباح، وتُثني على التركيز غير العادي للثروة بين أعلى نسبة قليلة من السكان، بينما تستمر ظروف غالبية السكان في الركود أو التراجع(13).

ولاحظ الاقتصادي برنك ليندسي "بأنه بين 1973 - 2001، كان متوسط النمو السنوي للدخول الفعلية فقط 0,3 بالمائة بالنسبة إلى الأشخاص في خمس الجزء السفلي من توزيع الدخل في الولايات المتحدة، مقارنة مع 0,8 بالمائة بالنسبة إلى الأشخاص في الخمس المتوسط، و1,8 بالمائة بالنسبة إلى أولئك الأشخاص في الخمس الأعلى من توزيع الدخل. وتسود أيضا، أنماط مشابهة إلى حد ما في الكثير من الاقتصادات المتقدمة الأخرى"(14)، خصوصا في البلدان الأوروبية وأستراليا.

يشير باتريك دينين الى أن المجتمع الأمريكي يُحَّدد بنحو متزايد من خلال الرابحين والخاسرين اقتصاديا، حيث يحتشد الرابحون في المدن الغنية والمقاطعات المحيطة بها، بينما يظل الخاسرون إلى حد كبير في أماكنهم ويغمرهم اقتصاد عالمي يكافئ النخبة المعرفية راقية التعليم، بينما يقدم فتات الخبز لأولئك المنسيين في "الولايات المنسية" التي تقع بين الشرق والساحل الغربي للولايات المتحدة. هذه الاتجاهات التي لاحظها روبرت رايش وكريستوفر لاش منذ عقود مضت، واللذان انتقدا بقسوة "انشقاق الناجحين" و"ثورة النخبة"، أصبحت في الوقت الحالي ذات طابع مؤسسي من خلال الأسرة، والحي السكني، والمدارس، وتُستنسخ من خلال التعاقب الجيلي؛ إذ يتلقى أطفال أولئك الناجحين إعدادا للدخول إلى الطبقة الحاكمة، بينما يكون أولئك الذين يفتقرون إلى تلك المؤهلات أقل قدرة على توفير الشروط الأساسية اللازمة لدفع أطفالهم إلى المستويات العُليا وأقل معرفة بها(15). وهذه الحالة تنطبق بدرجات متفاوتة على البلدان المتطورة خصوصا الأوروبية منها.

بالإضافة إلى مواجهة تناقص احتمالات أن تخلق رأسمالية السوق رخاء متزايدا لكل المجتمع. أثبتت السنوات الأخيرة، منطقا مدعاة للمفارقة داخل رأسمالية السوق – بالتحديد الجهود الدائمة لكبح الأجور إما من خلال إيجاد أسواق جديدة منخفضة الأجور وإما استبدال البشر بالآلات - سوف يختزل بنحو متزايد كل أنماط العمل ما عدا القليل منها إلى الأعمال الشاقة والمهينة. وقد أدى هذا الاعتراف إلى العودة إلى الرهان الأساسي لجون لوك القائل بأن النظام الذي يوفر الراحة المادية، بغض النظر عن اتساع حجم عدم المساواة، وغياب احتمالات النمو والحراك والتنقل بين الطبقات، من شأنه مع كل ذلك أن يرضي معظم أفراد المجتمع. وأحدث التأملات عن المذهب الليبرالي عند لوك هو للاقتصادي تايلر كوين، الذي يعكس كتابه "الوسط قد انتهى" الخطوط الأساسية لحجة لوك. إذ يشير إلى أن الليبرالية والرأسمالية تديمان أشكالا ضخمة ودائمة من عدم المساواة، والتي يمكن أن تجعل أدوقة العصور الماضية يشعرون بالخجل أمامها، فإن كوين يحاج بأننا في نهاية حقبة فريدة من نوعها في التاريخ الأمريكي، زمن يسود فيه إيمان على نطاق واسع بالمساواة النسبية ومصير مدني مشترك، ودخول عصر نرى فيه بشكل فاعل كيف تُخلق أمتان منفصلتان(16). وهذا القول هو من أدق التعبيرات لحالة تنامي التفاوت الطبقي والاجتماعي في المجتمع الأمريكي، الذي عمقته الليبرالية الجديدة.

الجانب الاجتماعي

ركزت الليبرالية الجديدة على الجدارة والكفاءة لضمان توزيع فاعل لعناصر الإنتاج ومكافأتها على دورها في العملية الإنتاجية، إلا إنها أغفلت إلى حدّ بعيد التفاوت في فرص الحصول على التعليم النوعي والخدمات الصحية والظروف المعيشية، وحتى المشاركة السياسية التي لها دور كبير في تحديد ماهية الجدارة. وهناك تباين كبير في هذه المسألة في مجتمعات الدول النامية والمتقدمة، وإن كانت في الثانية أقل حدة. وهذا ما تؤكده دراسة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ إذ بيّنت أن الوضع الاجتماعي - الاقتصادي هو عامل محوري في تشكيل الفروق في مهارات القرن الحادي والعشرين؛ ذلك لأن الأطفال والبالغين المنحدرين من أسر أكثر امتيازا يميلون باستمرار إلى امتلاك مستويات أعلى في مهارات القراءة والكتابة والحساب وحل المشكلات، وهي مهارات لها دور حاسم في تحديد آفاق الدخل مستقبلا. وعليه، فالوصول إلى تعليم عالي الجودة والتعلّم المستمر يظل متباينا اجتماعيا؛ ما يعني أن نظم التعليم وأسواق العمل تميل، في ظل غياب سياسات موجّهة، إلى إعادة إنتاج عدم المساواة في المهارات القائمة على الوضع الاجتماعي - الاقتصادي عبر الأجيال بدلا من تقليصها(17). وهنا يكون دور الدولة أساسيا لتصحيح هذا الاختلال من خلال توفير التعليم لكل شرائح المجتمع، وعدم جعله وسيلة للتربح.

ووفقا لدراسة أعدّها صندوق النقد الدولي، لمجموعة من الدول النامية والناشئة، فإن تحسن المخرجات الصحية وتوسع فرص الوصول إلى التعليم، إضافة إلى السياسات الاجتماعية، تسهم بصفة ملحوظة في تعزيز عدالة توزيع الدخل وضمان فرص دخل أفضل للفئات الفقيرة والطبقة المتوسطة في هذه المجتمعات. وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن مرونة سوق العمل والعولمة المالية والتطورات التكنولوجية كان لها أثر سلبي في عدالة توزيع الدخل، وهي اعتبارات تُعدّ من السمات الملازمة للنموذج الليبرالي الاقتصادي(18) الذي قاد تطبيقه إلى كوارث اقتصادية واجتماعية في البلدان النامية خصوصا.

قد تشكّل سياسات الحماية الاجتماعية أدوات مهمة للتخفيف من اختلالات العدالة في التوزيع، فإنها تبقى بفردها، عاجزة عن تحقيق الكفاية والاستدامة المنشودتين. ومن ثم، فإن الخروج من مفارقة العدالة والجدارة يقتضي بالضرورة أن تعمل الدول على الارتقاء بالتعليم، وضمان الوصول العادل إلى الخدمات الصحية وغيرها من الممكنات الأساسية، بما يرسّخ تكافؤ الفرص ويرفع مستواها على نحو مستدام(19)، ومن ثم يقلل من التفاوت الاجتماعي.

قادت إعادة الهيكلة استنادا إلى الليبرالية الجديدة إلى وضيعة دعمت فيها النخب السياسية والاقتصادية التكامل الاقتصادي والنقدي في الاتحاد الأوروبي، في حين شككت أقسام كبيرة من السكان في التأثيرات الإيجابية للاتحاد الاقتصادي والنقدي. ومنذ نهاية الثمانينيات، ليس من المبالغة الحديث عن انتهاء "الإجماع المتسامح" السابق. وقد استبدلت على نحو كبير المواقف المؤيدة لتكامل الاتحاد الأوروبي إلى شعور بالتشاؤم، حيث ارتفاع البطالة ومشكلات الميزانية العامة وتراجع المنافع الاجتماعية، باختصار انعدام الأمن الاجتماعي. يشير هذا التحول في الوعي العام إلى أن هيمنة الليبرالية الجديدة فقدت قدرتها في تنظيم الإجماع. وعلى عكس السنوات السابقة، بات الليبراليون الجدد من النادر أن يركزوا على المميزات المتوقعة لمبادراتهم. وبدلا من ذلك، ركزوا على عبارة مارغريت تاتشر الأصلية "لا يوجد بديل" عن تعليمات السياسة النقدية المتشددة وسياسات إلغاء القيود(20).

لا يرغب الناس والنقابات العمالية والأجنحة اليسارية في الأحزاب، على الأقل في عدد من البلدان، بتقبل وجهة النظر الدوغمائية هذه والتسامح معها. ويؤكد توسع المقاومة الاجتماعية - على سبيل المثال، الإضرابات في فرنسا، وبشكل رئيس المقاومة النسائية ضد تراجع دولة الرفاه الاجتماعي في البدان الإسكندنافية، وإضرابات الفلاحين في اليونان، والتظاهرات الكبيرة للاتحادات العمالية الألمانية - بأن التأثيرات الاجتماعية السلبية للاستراتيجيات الاقتصادية المسيطرة باتت ممكنة التحقق على نحو متزايد. من دون ريب، تتسم هذه الحملات والتظاهرات بالتشظي بدرجة كبيرة وذات طبيعة دفاعية. ومع ذلك، تبدو الأشكال الحديثة للمقامة الاجتماعية كتعبير منطقي عميق بشأن التطور الرأسمالي(21)، وما يفرزه من تبعات اقتصادية واجتماعية ونفسية لشرائح واسعة من السكان.

تؤكد كثير من الأمثلة تفاقم إرهاق المجتمعات. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: أولا، هناك خصخصة وإعادة هيكلة القطاع العام. وفي البحث عن كفاءة اقتصادية أكثر، يجري تفويض الكثير من المهام الاجتماعية والخدمات إلى الأسر أو قطاعات أعمال الخدمات. هذا التوجه يؤثر في البنية التحتية، خصوصا في الحقول التي ليست لها صلة مباشرة بالمنافسة الاقتصادية (بعض المدارس، نوادي الترفيه العامة، أقسام من النظام التعليمي، مراكز الاستشارات، الوقاية الطبية... إلخ). المثال الثاني يعود إلى العلاقات الصناعية التي تتسم بمرونة أكثر؛ إذ يحد هذا الجانب عموما من قوة النقابات العمالية، الأمر الذي بدوره يعزز انتشار الأجور المنخفضة، والعمل غير النظامي مع معايير اجتماعية وأمنية متدنية. المثال الثالث، يتعلق بتفكيك أنظمة الضمان الاجتماعي، أي خفض أو إلغاء الحقوق الاجتماعية، مع معايير اجتماعية منخفضة (الحد من الوصول إلى المنافع الاجتماعية وتقليل عددها). بالإضافة إلى ذلك، توفر هذه التوجهات وسيلة لاستراتيجيات العمل الاجتماعي الجديدة، حيث يُجبر العاطلون عن العمل بالقبول بأي عمل(22)، وهذا ما يؤثر على مستوى الأجور التي يقاضونها ومن ثم على مستواهم المعيشي والاجتماعي.

على الرغم من أن مبدأ "الحق في العمل" لم يكن منشؤه الفكر الليبرالي، لكن الليبراليين الجدد لديهم الكثير ليقولوه بشأن هذا المبدأ، ويوضح النقاش الذي دار بشأنه اتجاها جديدا في الفكر الليبرالي. وقد تحدد الموقف الليبرالي التقليدي من حق العمل باعتباره حق العاطلين عن العمل في الحصول على عمل في مهنهم الخاصة بأجور جيدة أو بالمعدلات السائدة للأجور(23). وهذا يعني إن لم يستطيعوا الحصول على عمل في هذه المهن فتنتظرهم البطالة.

وفي العراق وبحسب صالح ياسر، يسمح التأمل العميق في الأصول الفكرية التي ترتكز عليها أيديولوجية ليبرالية التكييف وقراءة ما طرحه بول بريمر الحاكم المدني للعراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، أن من بين الأهداف الفعلية للمشروع الاقتصادي الذي طرحه التأثير في العلاقات الاجتماعية المحلية من خلال العمل على خلق فئات اجتماعية تستفيد من السياسات التي تتضمنها برامج التكييف الهيكلي؛ إذ يستحث على تفكيك التحالفات الاجتماعية التقليدية والعمل على خلق الشروط لنشوء وتطور تحالفات اجتماعية جديدة، تتضمن تلك القوى التي تدافع عن السياسات الجديدة وتكون أساسا أو قاعدة متينة لسلطة الدولة ولها مصلحة فعلية في استمرار تنفيذ برامج التكييف الهيكلي(24). وهذا ما ساهم في توسع صفوف البرجوازية الطفيلية التي تشابكت مصالحها مع القوى الحاكمة المتنفذة، نتيجة ضعف الاقتصادي الوطني من الناحية الإنتاجية واعتماده على النفط، وتوجهها نحو القطاعات التي تحقق الربح السريع.

تناقضات الليبرالية الجديدة

استنادا إلى الفكر الليبرالي، يُفترض بأن الأفراد أحرار في خياراتهم إلا أنهم لا يفترض بهم أن يكون لديهم الخيار في تفسير أن المؤسسات الجمعية، مثل النقابات تتعارض مع الجمعيات الطوعية الضعيفة. وبالتأكيد لا ينبغي أن يختاروا التجمع بغية تأسيس أحزاب سياسية تهدف إلى إجبار الدولة على التدخل في السوق. وبغية حماية أنفسهم من أعظم مخاوفهم - ألا وهي الشيوعية والاشتراكية والشعبوية الشمولية، وحتى حكم الأكثرية - يتعين على الليبراليين الجدد أن يضعوا حدودا قوية للحكم الديمقراطي، معتمدين عوضا منه على مؤسسات لا ديمقراطية ولا تخضع للمساءلة مثل بنك الاحتياط الفدرالي أو صندوق النقد الدولي، لصنع القرارات الهامة. وهذا الوضع يؤسس لمفارقة تتمثّل بتدخلات للحكومة بالغة الشدة من قبل النخب و"الخبراء" في عالم يفترض أن الدولة لا تتدخل فيه. لذلك تجد الدولة النيوليبرالية نفسها عندما تواجه حركات اجتماعية تطالب بالتدخل تكون في هذه الحالة مجبرة على التدخل، واحيانا بأسلوب قمعي، وعلى هذا النحو ترفض الحريات التي يفترض أنها تؤمن بها. وهذا هو الخوف الذي تحدث عنه بولانيي القائل بأن المشروع الطوباوي الليبرالي (واستطرادا النيوليبرالي) قد لا يطول بقاؤه في نهاية المطاف إلا باللجوء إلى السلطة الشمولية. وهذا يعني تقييد حرية الجماهير الشعبية لصالح حريات القلة القليلة(25). وهذه النزعة تكون أكثر وضوحا في البلدان النامية التي تبنت الليبرالية الجديدة وذات أنظمة مستبدة.

كان الهدف المعلن من الخصخصة وسياسات التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي، التحول إلى اقتصاد يقوم على حرية السوق والاحتكام إلى آلياته، إلا أن النتائج المحققة في الدول التي اضطرت إلى انتهاج هذه السياسة (البلدان النامية والدول الاشتراكية السابقة)، أدت باعتراف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى "انكماش الناتج الوطني بصورة حادة" وإلى مجموعة من الاختلالات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية والتوترات السياسية، كما أدت الإصلاحات الاقتصادية في البلدان الصناعية المتطورة إلى تراجع ما كان يُدعى بنموذج دولة الرفاه الاجتماعي(26) والذي كانت تتفاخر به هذه الدول على اعتبار أنه يحقق العدالة الاجتماعية.

تفشل المجتمعات المتقدمة في حماية نفسها من الأثر المدمر للأسواق غير المنظمة. يؤكد ذلك مثال أستراليا في الثمانينيات؛ إذ نجحت تجارة السوق الحرة التي طبقتها حكومة حزب العمال بخفض الدخل القومي بأكثر من 5 في المائة سنويا بحلول نهاية العقد، وانخفضت الأجور الحقيقية، وسقطت المشاريع الأسترالية تحت التحكم الأجنبي. وتقدمت البلاد نحو قاعدة للموارد في خدمة منطقة رأسمالية الدولة المتمركزة حول اليابان. وهي المنطقة التي حافظت على نمو ديناميكي بفضل ابتعادها الجذري عن العقيدة الليبرالية الجديدة، هذا الابتعاد الذي حفز التطور في المقام الأول(27). وهو خلاف ما يدعيه منظرو الليبرالية الجديدة بأن تدخل الدولة يمثّل عائقا أمام النمو الاقتصادي المستدام.

يلاحظ آثر ماك إيوان، في مراجعته للسجل الموحّد للتنمية الصناعية والزراعية في الولايات المتحدة المحققة من خلال السياسات الحمائية وغيرها من إجراءات تدخل الدولة، إن "بإمكان الأمم عالية التطور استخدام التجارة الحرة لبسط سلطانها وسيطرتها على ثروات العالم. وبإمكان التجارة الحرة أن تحد من الجهود الهادفة لإعادة توزيع الدخل بشكل أكثر مساواة، وأن تقوض البرامج الاجتماعية التقدمية، وأن تمنع الناس من التحكم ديمقراطيا بحياتهم الخاصة"(28). وهذا ما جرى طيلة عقود؛ إذ دعمت الولايات المتحدة الأنظمة المستبدة، ونفذت انقلابات عسكرية دموية أو قامت بغزو عسكري مباشر لعدد من البلدان، كما حدث للعراق من أجل تأمين مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية.

تتخذ المجتمعات الصناعية الغنية شيئا من هيئة العالم الثالث، بوجود جزر من الغنى الفاحش يحيطها بحر متلاطم من الفقر. يصح هذا خصوصا في الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين خضعتا لتعاليم ريغان وتاتشر. ولا تختلف أوروبا عنهما كثيرا، على الرغم مما بقي فيها من قوة الطبقة العاملة والعقد الاجتماعي الذي دافعت عنه. رغم قدرتها على صنع أحياء الفقر عبر "العمال الضيوف"(29). وهذا ما نجده على سبيل المثال أكثر وضوحا في حالة سكن عدد غير قليل من العمالة المهاجرة في فرنسا.

وفي جانب الهجرة أيضا، تتميز الرأسمالية النيوليبرالية بنزعتين متناقضتين تجاه الهجرة الوافدة – هما زيادة الهجرة وفي الوقت نفسه تقييدها. ومن الأمثلة التي تُبرز هذا التناقض هي أعمال إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في تقييد الهجرة الوافدة، مستهدفة على نحو محدد، بلدانا فقيرة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وأماكن أخرى. والدعوة في الوقت نفسه إلى زيادة الهجرة المنظمة، وهناك مجموعة معقدة من المؤسسات الدولية والأكاديميين والبرامج البحثية والتقارير والوصفات السياسية وصانعي السياسات. هذه المجموعة مكرسة أيضا لتسهيل تدفقات رأس المال دون عوائق على الصعيد العالمي في خدمة الرأسمالية النيوليبرالية. وهناك بُعد آخر للتناقض وهو أن الرأسمالية النيوليبرالية تعزز الهجرة المنظمة، بحيث يجري تفضيل فقط المهاجرين الذين يتوفرون على المال والمهارات العالية للقبول في البلدان الغنية (30).

ومن ناحية أخرى، يعكس هذا التناقض انفصالا بين السياسة والاقتصاد في ظل العولمة النيوليبرالية. إذ يبدو أن هناك فارقا زمنيا بين القاعدة الاقتصادية والنظام السياسي بشأن مسألة الهجرة الوافدة. بينما تتطلب المنفعة الاقتصادية النيوليبرالية توظيف العمالة المهاجرة الرخيصة لتخفيض تكاليف الإنتاج وتحفيز الربح، نجد النظام السياسي الذي أقيم لتسهيل سير عمل القاعدة الاقتصادية بسلاسة، يقوم بإقامة الحواجز أمام دخول المهاجرين(31). وهذا التوجه يكون مدفوعا من الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تحمّل المهاجرين سبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر فيها البلدان الرأسمالية المتطورة، لكن واقع هذه البلدان يشير إلى حاجتها الماسة للمهاجرين في ضوء تزايد شيخوخة السكان.

وبحسب نعوم تشومسكي لا تقبل أي من مجتمعات رأسمالية الدولة الحركة الحرة لقوة العمل التي هي شرط ضروري لنظرية السوق الحرة؛ وبالتالي على أوروبا الشرقية، أو معظم أجزائها على الأقل، أن تعود إلى الدور الخدمي الخاص بالعالم الثالث(32). وهذا الموقف ينطبق أكثر على العمالة المهاجرة الوافدة من البلدان النامية.

وهناك واقع آخر لم تستطع الليبرالية الجديدة تجاوزه، فعلى الرغم من الأزمة المالية العالمية الأخيرة لعام 2008، لا تزال شركات النفط الوطنية تسيطر على ثلاثة أرباع الموارد الأولية الإستراتيجية في العالم، ولا تزال الشركات العائدة للدولة والشركات الوطنية المملوكة للقطاع الخاص والنصيرة للدولة تتمتع بميزات تنافسية أساسية على منافسيها من القطاع الخاص، ولا تزال صناديق الثروة السيادية تفيض بالسيولة النقدية. هذه الشركات والمؤسسات، حقاً، أكبر من أن تتعرض للفشل. هذا يعني أن "هذه الاتجاهات تعيد تشكيل السياسة الدولية والاقتصاد العالمي بواسطة تحويل وعلى نحو متزايد مفاصل القوة الاقتصادية الكبيرة والتأثير أو النفوذ إلى السلطة المركزية للدولة. وبهذا فهي تغذي ظاهرة كبيرة ومعقدة لرأسمالية الدولة"(33). وهذا المنحى ازداد أكثر بعد تداعيات الأزمة الأخيرة وما رافقها من تدخل الدولة في الجانب المالي والاقتصادي، وفي المعاقل التي انطلقت منها الليبرالية الجديدة مثل الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية.

***

د. هاشم نعمة

....................

الهوامش

1 - أرنست فولف، صندوق النقد الدولي قوة عظمى في الساحة العالمية، ترجمة عدنان عباس علي، الكويت: عالم المعرفة، 435، أبريل 2016، ص 61 - 62.

2- المصدر نفسه، ص 62.

3- Andrian Vlachou, (ed.), Contemporary Economic Theory: Radical Critiques of Neoliberalism, London: Macmillan Press, 1999, p.72.

4- Michael Freeden, The New Liberalism: An ideology of social reform, Oxford: Clarendon Press, 1978, pp.195-196.

5- ديفيد هارفي، الوجيز في تاريخ النيوليبرالية، ترجمة وليد شحادة، دمشق: وزارة الثقافة، 2013، ص 95.

6- اشرف منصور، الليبرالية الجديدة: جذورها الفكرية وأبعادها الاقتصادية، القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2008، ص 323.

7- صالح ياسر، "الرفاهية الاجتماعية .. "تعاون طبقي" أم "صراع طبقي"! جدل الثنائيات"، الثقافة الجديدة، العدد 435، كانون الثاني 2023، ص 12.

8 - هارفي، ص 95.

9- NRC Handelsblad, 25 November 2022.

10- Noam Chomsky, Profit over People: New liberalism and Global Order, New York: Seven Storis Press, 1999, p. 69.

11- أولريش شيفر، انهيار الرأسمالية، ترجمة: عدنان عباس علي، الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 371، يناير 2010، ص 63-64.

12- NRC Handlesblad, 12 Juli 1999.

13- Chomsky, p. 112.

14- جيري مولر، "الرأسمالية وعدم المساواة"، ترجمة: هاشم نعمة، "الثقافة الجديدة"، العدد 373، أيار 2015، ص 85.

15- باتريك دينين، لماذا فشلت الليبرالية، ترجمة يعقوب عبد الرحمن، الكويت: عالم المعرفة، 483، أبريل 2020، ص 158.

16- المصدر نفسه، ص 149-151.

17- عمر الرزاز وحازم رحاحلة، "تقهقر النيوليبرالية: الدروس والسياسات المستخلصة"، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، شباط 2026، ص 7-8.

18- المصدر نفسه، ص 8.

19- المصدر نفسه، ص 12.

20- Hans-Jurgen Bieling, New – Liberalism and Communitarianism: towards a new type of employment policy in Western Europe, Amsterdam: University of Amsterdam, 1998, p. 12.

21- Ibid., pp. 12-13.

22- Ibid., pp. 13-14.

23- Michael Freeden, p. 212.

24- صالح ياسر حسن، الخصخصة و"الإصلاحات الاقتصادية" بين خيبات العقيدة ورهانات الواقع - محاولة في نقد الخطاب والممارسة -، بغداد: دار الرواد المزدهرة، 2016، ص 437.

25- هارفي، ص 99-100.

26- صالح ياسر حسن، الخصخصة، ص 132-133.

27- نعوم تشومسكي، سنة 501 الغزو مستمر، ترجمة مي النبهان، دمشق: دار المدى للثقافة والنشر، 1996، ص 99.

28-المصدر نفسه، ص 187.

29- المصدر نفسه، ص 99-100.

30- Dennis C. Canterbury, Capital Accumulation and Migration (Leiden/ Boston: Brill, 2012), p. 173.

31- Ibid., p. 173.

32- تشومسكي، ص 145.

33- إيان بريمر، "رأسمالية الدولة عصر يتشكل، هل هو نهاية السوق الحرة؟"، ترجمة: هاشم نعمة، الثقافة الجديدة، العدد 339، السنة 2010، ص 74.

تنامى منذ عدة سنوات عدد المؤتمرات والندوات والمحاضرات التي تهتم بالتسامح والتعايش وقبول الآخر والحوار بين الأديان، وهي ظاهرة صحية في فضاء تتفاقم فيه أزمات التدين، وتستحوذ فيه الجماعات المتشددة على صدارة المشهد الإعلامي. غير أننا قلما نستمع في مثل هذه الملتقيات إلى حديثٍ واقعي يلامس الجذور العميقة للعنف والكراهية، لأن معظم المتحدثين يكررون عباراتٍ أضحت أقرب إلى لافتاتٍ للمجاملات في العلاقات العامة، لغةً تحتشد بالثناء والتمجيد، وتفتقر إلى مساءلةٍ صريحةٍ للبنى المغلقة التي تنتج الإقصاء، وتعيد إنتاج الخوف من المختلف، وتعطل إمكان التفاهم الإنساني العميق بين أتباع الأديان والثقافات.

كل الكلمات والعبارات تتفق على أن تراثات الأديان ومواقفها وأفعالها وممارساتها منزّهةٌ من هذا العنف المتوحش المتفشي، وكل متحدث ينزع إلى تبرئة دينه ومذهبه وتراثه من كل ما يمكن أن يسيء إلى الإنسان وحقه في أن يكون مختلفًا، على الرغم من أن الممارسات المتشددة تصدر عن أفرادٍ متدينين ينتمون إلى جماعاتٍ دينيةٍ معروفة، وتستند إلى مدوناتٍ كلاميةٍ وفقهيةٍ وتراثيةٍ راسخةٍ في الذاكرة الدينية، تغذّي أحيانًا رؤيةً مغلقةً للعالم والإنسان، وتمنح العنف مشروعيةً رمزيةً حين يوظف الدين خارج أفقه الأخلاقي والروحي والجمالي.

إن تبرئة تراث الدين وممارسات أتباعه لم تعد ذات جدوى اليوم، المشكلة لا تكمن في الإنكار، وإنما في العجز عن الاعتراف الصريح بما يجري في الواقع. الضروري هو امتلاك شجاعة النظر إلى الحضور الطاغي لنمطٍ من التدين المتشدد الذي يستقي منابعه من تدينٍ مولعٍ بالموت، وتغذّيه مؤسسات التربية والتعليم والتثقيف والإعلام والمنابر الدينية، عبر إعادة إنتاج مفاهيم مغلقة في فهم الإنسان والعالم والحقيقة، وترسيخها في الوعي الجمعي بوصفها التعبير الوحيد عن الحق والحقيقة، الأمر الذي يفضي إلى إقصاء المختلف، وإضعاف قيم التعاطف والرحمة والمحبة والعيش المشترك.

لا يمكن فرض دينٍ واحدٍ على البشرية، البشر لم يتوحدوا عبر التاريخ في معتقدٍ واحد، ولم تتطابق تجاربهم الروحية ورؤاهم للعالم وإجاباتهم عن الأسئلة الميتافيزيقية. كل محاولةٍ لاحتكار تمثيل الله في الأرض، وفرض حضور دينٍ بعينه عبر العنف والإقصاء وإبادة المختلف، تنتهي إلى إنتاج المزيد من الكراهية والعنف. الإيمان لا يولد بالإكراه، ولا تنبثق التجربة الروحية من الخوف، لأن الصلة بالله لا تتحقق بالقوة، وإنما تنمو في فضاء الحرية والاقتناع والتعاطف والرحمة.

كل وقائع الحروب تكذّب الوهم القائل بإمكان إفناء الأديان أو اقتلاعها من حياة البشر. لم تستطع الإبادات الجماعية، ولا حملات الاضطهاد، ولا العنف المنظم، أن تمحو مكونًا دينيًا من الوجود. ذلك ما تشهد عليه بوضوح حياة دياناتٍ غير تبشيرية، ودياناتٍ قديمةٍ تعود نشأتها إلى ما قبل الميلاد، ظل حضورها الديموغرافي محدودًا، غير أنها واصلت البقاء، وعاندت عذاباتها، وفرضت حضورها في التاريخ الإنساني، على الرغم مما تعرضت له من تعسفٍ واضطهادٍ وقتلٍ مريعٍ في محطاتٍ متعددةٍ من مسيرتها. الدين حاجةٌ متجذرةٌ في البنية الوجودية للإنسان، تتجدد كلما بحث الإنسان عن معنى لحياته، وملاذٍ يبدد قلقه، وأفقٍ يروي ظمأه إلى الطمأنينة والسكينة والمعنى.

لم نجد ديانةً يتنازل عنها جميع المعتنقين لها، إثر اقتناعهم بحجج ديانةٍ أخرى على بطلانها. قد يقتنع بعض الأفراد أحيانًا، غير أنه يتعذر أن يقتنع كل أتباع دينٍ بحجج أتباع دينٍ آخر، مهما بدت تلك الحجج مقنعةً لأصحابها. ذلك أن الجدل بين تصورين مختلفين للحقيقة، ورؤيتين مختلفتين لله والإنسان والعالم، لا ينتهي إلى نتيجةٍ منطقيةٍ حاسمة، لأن كل رؤيةٍ تنبثق من شعورٍ نفسي، وأفقٍ إيماني، وتجربةٍ روحية، وتاريخٍ طويلٍ خاص من التفسير والتأويل.

مضافًا إلى أنه لا يمكن إعادة بناء كل تفاصيل نشأة الأديان في ضوء أفقٍ تاريخيٍّ متأخرٍ كثيرًا عن عصر مؤسسيها، ولا التعرف على جميع ظروف نشأتها وتحولاتها عبر الزمان. تاريخ كل ديانةٍ تعيد الجماعة المؤمنة تكوينه باستمرارٍ في ضوء مخيلتها، وتغذيه بما تختزنه من أحلامٍ ومطامحَ وصورٍ مثاليةٍ عن ذاتها وماضيها. تظل الجماعة أسيرةَ الصور الخلّابة التي رسمتها لمعتقداتها ورسختها في وعيها الجمعي، وما لم تقرأ تاريخها خارج الأطر المغلقة لمعتقداتها، فإنها تلبث تبالغ في الإعلاء بتميّز دينها، وتصر على تفوقه على سواه، حتى تتحول هذه الرؤية إلى عنصرٍ عميقٍ في اللاوعي الجمعي، ويشتد حضورها إلى الحد الذي يؤثر في اختيارات الجماعة ومساراتها التاريخية ومصائرها. الأديان التي استفاقت راجعت الصور الخلّابة التي تملأ مخيلتها التاريخية، فدرستها بعناية، وغربلتها ومحصتها في ضوء المناهج الحديثة في دراسة الأديان، وتأملت بدقةٍ سردياتها، وفتشت عن منابع إلهامها وكيفية تشكلها عبر الزمان، وامتلكت شجاعة الاعتراف بما اكتنف مسيرتها من انتهاكاتٍ لكرامة الغير، وحاولت أن تستبعد ما تراكم في تراثها من أحكامٍ تنبذ كل مَن لا يعتنقها.

أدركت بعض الأديان متأخرةً ضرورة احترام كل إنسان بوصفه إنسانًا، وأنه لا يمكن إدارة الاختلاف والتنوع في المجتمعات إلا عندما يُحترم المختلف بما أنه إنسانٌ يشترك مع الجميع في إنسانيته، بالمعنى الذي تتأسس عليه حقوقه الطبيعية والمدنية كافةً. والاحترام سلوكٌ أخلاقي يتجاوز التسامح، لأن التسامح قد ينطوي أحيانًا على شعورٍ مستترٍ بالتفوق، في حين أن الاحترام اعترافٌ متبادل بكرامة الإنسان وحقه في الاختلاف. التسامح يتضمن أحيانًا إشارةً خفيةً بالعلو على المختلف، فأنت تتسامح معه كرمًا منك، وتفضلًا، وعطفًا، ورأفةً، وكأنك الأكثر إنسانيةً والأعلى مقامًا والمتفوق عليه. أما الضمير الأخلاقي اليقظ فيفرض احترام المختلف بوصفه إنسانًا لا غير، لا بوصفه منتميًا إلى قوميةٍ أو هويةٍ أو دينٍ أو معتقد. نحترم المختلف لأن الله كرّمه مثلما كرّمنا، كل إنسان يولد مكرمًا، وتسبق كرامته كل انتماءاته وهوياته واختلافاته.

ما أعنيه بالتسامح هو الشعور بمنح الغفران لإنسانٍ يُنظر إليه بوصفه مخطئًا في معتقده، إنسان لا يعرف الحقيقة كما يعرفها مَن يمنحه العفو ويغض الطرف عن خطئه. التسامح بهذا المعنى يبتني على الاعتقاد بوجود طريقٍ واحدٍ لإدراك الحقيقة، في حين أن الاحترام يبتني على تعدد الطرق إلى الحقيقة، ويحيل إلى تنوع وجوهها، والاختلاف في وسائل فهمها والتعبير عنها. يختلف المعنى الذي أقصده للتسامح عن المفهوم الشائع له، لأن نشأة مفهوم التسامح وتطوره في السياق الغربي الحديث لا تتطابق مع مفهومه في السياقات التراثية، ولا مع ما يحيل إليه مدلوله في المعجم العربي، حيث يقترن غالبًا بالعفو والصفح والتفضل، أكثر من اقترانه بالاعتراف المتبادل بكرامة الإنسان وحقه في أن يكون مختلفًا.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

تفكيك التجربة السياسية والإنسانية

التراجع الإمبراطوري والتسويغ الأخلاقي

تتقاطع في الفضاء الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط تحولات بنيوية عميقة تعيد صياغة مفاهيم السيادة، والتبعية، والأخلاق السياسية. ويكشف التتبع التاريخي والتحليلي للمنطقة عن رابط وثيق بين فكرتين جوهريتين تقعان على طرفي نقيض ظاهرياً، ولكنهما تلتقيان في عمق الممارسة الإمبريالية:

 الأولى هي طوباوية التأسيس الفكري التي تصطدم بالواقع العسكري المأزوم؛ والثانية هي تداعيات الإزاحة الأخلاقية الممنهجة التي جرت هندستها لتبرير الإخفاقات السياسية وتحييد الضمير الأخلاقي الجمعي. يسعى هذا المقال إلى تفكيك هذه العلاقة الجدلية، مستنداً إلى ركائز مادية ترتبط بالصراع على الأرض، وركائز نظرية تدرس نفسية الإمبراطورية وآليات الإزاحة الأخلاقية التي تعيد إنتاج الهيمنة عبر أدوات التقنية المعاصرة.

كيف يُبرر العنف المنظم؟

لكي تمارس القوى الإمبريالية ووكلائها الإقليميون العنف والتدمير دون إثارة غضب أخلاقي داخلي أو إدانة الذات، يتم اللجوء إلى ترسانة من الآليات النفسية والاجتماعية التي تُعرف في أدبيات علم النفس السياسي بـ "الإزاحة الأخلاقية الانتقائية". تهدف هذه الآليات إلى تعطيل عمل الرقابة الأخلاقية الفردية والجمعية، وإظهار السلوك الضار والمدمر بمظهر الفعل النبيل والضروري. ويمكن تفكيك هذا النظام النفسي والسياسي عبر مسارات عدة:

التبرير الأخلاقي والمقارنة المواتية: يتم تغليف السلوك العسكري التدميري بشعارات إنسانية وحضارية نبيلة؛ حيث تجري شرعنة النزاعات المسلحة والتدخلات الخارجية بوصفها حماية للقيم الإنسانية، ومهمة سامية للدفاع عن الحرية والتقدم. وفي السياقات الإقليمية المعاصرة، تبرر القوى المهيمنة ضرباتها العسكرية وقتل المدنيين بحماية أمنها القومي واستئصال بؤر التهديد، مستخدمة مقارنات مواتية تقلل من فظاعة فعلها مقارنة بما يرتكبه الآخرون.

استخدام اللغة المطهّرة والمقنّعة: تلعب اللغة دوراً حاسماً في إخفاء بشاعة الجريمة؛ حيث تتحول المذابح والضربات العشوائية في الإعلام الموجه إلى "عمليات دقيقة مبنية على معلومات استخباراتية"، كما يُختزل الضحايا الأبرياء في عبارات إدارية جامدة مثل "تحييد عناصر معادية" أو "خسائر جانبية". وتظهر هذه الممارسة بوضوح في التغطية الإعلامية لشرعنة الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان.

إزاحة المسؤولية ونشرها: يتم نفي المسؤولية الشخصية والمؤسسية عن الكوارث؛ فحين تتسبب السياسات الكبرى في تدمير البنى التحتية وترك المجتمعات تواجه المجاعة والفقر المدقع، تسعى النخب الحاكمة للتنصل من المسؤولية عبر إلقاء اللوم على فساد الإدارات المحلية السابقة، أو لوم الأطراف السياسية المنافسة داخلياً، لحماية مصالح المؤسسة المهيمنة من المحاسبة القانونية والأخلاقية.

تجريد الضحايا من الإنسانية وتوجيه اللوم لهم: تُصوّر المجتمعات المستهدفة بالعدوان على أنها بيئات همجية متخلفة وحاضنة للتطرف بشكل حتمي. هذا التجريد من الصفة الإنسانية يبرر فرض العقوبات القاسية، والحصار الاقتصادي، والقصف الجوي العشوائي دون إثارة تعاطف المجتمعات التي تتبنى وعياً متفوقاً واستثنائياً يضع "المواطن الإمبراطوري" فوق المساءلة القانونية والإنسانية.

تفكيك "ملكة الإخلاص" وتأسيس الواقع المفرط

لا يقتصر تفعيل الإزاحة الأخلاقية على الخطاب السياسي والعسكري المباشر؛ بل يمتد ليعيد صياغة الإدراك والوعي الإنساني عبر وسائط التقنية الحديثة وشبكات المحاكاة الافتراضية المعاصرة. ففي عالم اليوم، لم تعد الأنظمة الإمبريالية والشمولية بحاجة حتمية لاستخدام القمع العنيف المباشر فقط لفرض هيمنتها؛ بل أصبحت تعتمد على أدوات ناعمة تعيد بناء العقول واللغة والجهاز العصبي للمتلقين لضمان طاعتها الطوعية وتحييد ملكة الصدق والضمير لديهم.

ارتبطت السيرورة التاريخية للأخلاق بتحولات بنيوية عميقة في كيفية فهم الذات الإنسانية وعلاقتها بالفضاء العام والخاص. وفي هذا السياق، تبرز دراسة الناقد والمفكر "ليونيل تريلينغ" في كتابه "الإخلاص والأصالة" كأحد أهم المراجع المفسرة لمفهوم الحياة الأخلاقية في طور إعادة صياغة نفسها. تتبع تريلينغ تاريخياً كيف تشكل "الإخلاص" كركيزة للحياة الأخلاقية، حيث كان يعني "التطابق الصادق بين المشاعر الداخلية الفكرية والإقرار العلني بالموقف الأخلاقي". وتتضح هذه الفكرة في نصيحة الشخصية الشكسبيرية "بولونيوس" لابنه "لايرتيس" في مسرحية هاملت:

 "كن مخلصاً لنفسك، وسيجري ذلك كما يجري الليل بعد النهار، فلن تكون كاذباً مع أي رجل". وبحسب تريلينغ، لم يكن الصدق مع الذات هنا غاية نهائية بذاتها، بل كان وسيلة تضمن الاستقامة والصدق الأخلاقي في المعاملات البينية والاضطلاع بالدور الاجتماعي العام دون زيف.

مع نشوء مجتمعات الحداثة وتصاعد الاغتراب، تراجع هذا النموذج المتسق لصالح مثال أكثر صرامة وهو "الأصالة". ويكشف الجذر الاشتقاقي لكلمة "الأصيل" في اللغات القديمة عن معانٍ حادة تشمل فعل "المجابهة أو القطيعة المطبقة"؛ مما يوضح أن الأصالة تنطوي دائماً على طاقة كامنة تفرض على الفرد التزاماً بالتعبير عن حقيقته الداخلية المطلقة، حتى لو هدد ذلك السلم الاجتماعي وتحداه بالكامل. لقـد أضحت الأصالة تعني الانفصال والرفض والقطيعة التامة بين "الذات الحقيقية" وزيف البناء الاجتماعي والمؤسسي، وهو ما مهد لظهور المذاهب الوجودية والتحليل النفسي الحديث. وحذر تريلينغ من أن الهوس المتطرف بالأصالة قد يقود إلى إنتاج مسارات مدمرة ذاتياً ومؤدية للتفكك النفسي المطلق والوقوع في شرك العنف والانعزال.

عند مقاربة هذه التحولات التاريخية من منظور ظاهراتي عميق، يتلاقى فكر تريلينغ مع أطروحات الفيلسوف الألماني "مارتن هيدجر" والمنظر النقدي "والتر بنيامين" حول طبيعة "التجربة الإنسانية العميقة والمتراكمة تاريخياً" وتفككها في كنف التقدم التقني. يفرق هذا المنظور بين فئتين جوهريتين للتجربة الإنسانية:

التجربة التاريخية المتراكمة: وهي التجربة الروحية والمادية العميقة المتجذرة في السياق الاجتماعي والتقاليد، والتي توفر التربة الخصبة لنمو ملكة الإخلاص الإنساني، وتسمح للفرد بصياغة مواقف أخلاقية متصلة بالزمن والتاريخ وعلاقاته البينية الحية.

التجربة المعاشة العابرة: وهي عبارة عن منبهات عاطفية وحسية طارئة ومبتسرة، يتلقاها الجهاز العصبي كحدث معزول ومستهلك، دون أن يتراكم في الوعي أو يبني معرفة وجودية حقيقية.

وهنا يمثل الواقع الافتراضي ذروة تطور أنظمة المحاكاة والاصطناع؛ ففي العصر الحالي، لم تعد المنظومة تنتج سلعاً مادية فحسب، بل تفيض بأكوام من الرموز والصور ولغات الاصطناع التي فقدت أي صلة مرجعية بالواقع الخارجي الملموس. وتتحول هذه الرموز الافتراضية إلى "واقع مفرط" يصبح فيه الاصطناع أشد حضوراً وجاذبية وموثوقية من الواقع المادي المعاش.

الأنظمة الشمولية وهندسة المعرفة القسرية

بينما تسعى الشركات الاستثمارية الكبرى إلى توظيف الافتراضية والواقع المفرط لتحقيق عوائد اقتصادية وضمان الاندماج الاستهلاكي المستمر للمستخدمين، تجد الأنظمة الشمولية المعاصرة في هذه البيئة الإدراكية المشوهة فرصة ذهبية لفرض سلطتها وممارسة التحكم المعرفي الممنهج على السكان. فلم تعد الشمولية الحديثة بحاجة دائمة إلى الاكتفاء بأدوات القمع العنيف والاعتقال الجسدي والتعذيب المادي؛ بل أضحت تعتمد على أدوات ناعمة وذكية تعيد هيكلة البنية الفكرية واللغوية والعصبية للمواطن لضمان طاعته الطوعية، وتدمير ملكة الصدق لديه.

ولعل هذا الصراع الوجودي لاستعادة الحقيقة والصدق ضد طغيان الشمولية والتقنية يتجسد رمزياً في رواية "1984" لـ "جورج أورويل" من خلال تلك الأداة الصغيرة الهامشية:

"ثقالة الورق الزجاجية" التي اشتراها البطل وينستون سميث. لقد مثلت هذه الثقالة الزجاجية الشفافة والهشة، التي تحوي في جوفها قطعة مرجان صغيرة، تجسيداً مادياً ملموساً للذاكرة التاريخية المفقودة التي لم تطلها مقصات التزييف والتحريف في "وزارة الحقيقة". كانت تذكيراً دائماً بوقت مضى تميز بالعفوية الجمالية والمشاعر الإنسانية الصادقة والإخلاص الوجداني الخالص البعيد عن عيون شاشات المراقبة القمعية. وإن تحطيم شرطة الفكر لهذه الثقالة أثناء مداهمة مخبأ وينستون لم يكن مجرد تدمير لقطعة أثرية، بل كان إعلاناً درامياً عن السحق الكامل لإمكانات التمرد المعرفي والجمالي والذاكرة الفردية، وانتصاراً ساحقاً لأدوات المراقبة الشمولية والتكنولوجية على المشاعر الإنسانية النبيلة، وتدشيناً لعصر السيادة المعرفية المطلقة للدولة على عقل الفرد وروحه.

في هذا السياق المعرفي المنكوب، تجد السلطة الشمولية ضالتها؛ حيث لم تعد بحاجة دائمة لاستعراض العنف القمعي المفرط طالما أنها تمتلك القدرة على هندسة الوعي وإعادة صياغة العقول وتوجيه الإدراك عبر شبكات التحكم الرقمي المعاصر. إن تلاقي مصالح رأسمالية المراقبة مع نزعات الأنظمة الشمولية نحو السيطرة المعرفية الكاملة ينتج نظاماً عالمياً يحول الفضاء الافتراضي إلى "مقبرة إدراكية" شاملة، تصبح فيها الأصالة والصدق والإخلاص مجرد تهم فكرية مستحيلة الوجود، وتُستبعد لغوياً ونفسياً من عقول الأفراد الخاضعين لسطوة الواقع المفرط والاصطناع الكامل.

***

غالب المسعودي

 

هل ما زال العقل معيارا للضرورة الفلسفية؟

إن مسألة العقل ومعيارية الضرورة الفلسفية تمثل منذ فجر التفلسف الإغريقي ذلك الخط الفاصل الذي لم يتوقف الفلاسفة عن إعادة رسم حدوده وتفكيك أسواره، ذلك لأن العقل لم يكن قط مجرد أداة من أدوات المعرفة بل هو الحكم ذاته الذي يمنح الفلسفة شرعيتها ويميزها عن الخطاب الأسطوري أو الشعري أو الديني. غير أن تاريخ الفلسفة بحركاته النقدية الكبرى وانعطافاته الجوهرية لم يكد يمر بقرن واحد دون أن يجد نفسه مضطرا إلى مساءلة هذا الأساس الذي يقوم عليه، وكأن العقل الذي أسس الفلسفة هو نفسه ما يدفع الفلسفة إلى التشكيك فيه. فمن شكوكية بيرون إلى نقد هيوم، ومن ثورة كانط إلى تفكيك دريدا، يتجلى سؤال محوري لا يلبث أن يعيد طرح نفسه باستمرار: هل ما زال العقل بعد كل هذه النقوضات والتقويضات قادرا على أن يشكل ذلك المعيار الجامع الذي لا غنى عنه للضرورة الفلسفية أم أننا أمام ضرورة تاريخية لإعادة تعريف “المعقول” ذاته على نحو يخرج من دائرة العقلانية الضيقة إلى فضاءات أرحب لا تختزل الحقيقة في المقولات والبراهين؟

يكتسب هذا السؤال راهنية مضاعفة في اللحظة الفلسفية الراهنة حيث لم يعد ممكنا تجاهل الإرث المزدوج لنقض العقل من جهة النقض القادم من داخل التقليد العقلاني نفسه ممثلا في النقد الكانطي للعقل المحض، ومن جهة أخرى النقض القادم من خارج هذا التقليد أو من هوامشه ممثلا في فلاسفة الريب والجسد والإرادة واللاوعي. وإذا كانت الفلسفة المعاصرة في تياراتها التفكيكية وما بعد البنيوية قد بلغت ذروة هذا التشكيك حين أعلنت “موت الإنسان” و”نهاية الميتافيزيقا” و”تفكيك المركزية اللوغوسية”، فإن السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ليس هو ما إذا كان العقل قد فقد عرشه بل ما إذا كانت هناك إمكانية للحديث عن “معقول” بعد هذا التفكيك وما إذا كانت الفلسفة قادرة على أن تظل فلسفة دون أن تجعل من العقل معيارها الأخير. هذه الأسطر إذن تحاول فتح أفق هذا السؤال دون أن تبتلعها سهولة الرفض أو سذاجة القبول، بل من خلال استحضار التوتر الخصب بين ثقة العقل بنفسه وشك العقل في نفسه.

ومنذ ذلك المنعرج الأيوني حين أعلن هرقليطس أن “الفكر المشترك لدى الجميع” هو ما يفصل بين اليقظة والحلم ظل العقل يُحتلف به كالسمة الجامعة التي لا تفارق الإنسان حتى في أقصى حالات غربته عن ذاته. لكن سؤال الضرورة الفلسفية للعقل ليس مجرد استفسار عن أداة بل هو نقب في أساس الميتافيزيقا الغربية نفسها، فإذا كان العقل هو ما يمنح الفلسفة شرعيتها فكيف نفسر تلك اللحظات الكبرى التي انقلبت فيها الفلسفة على عقلانيتها الصارمة لتنحت من حدس الجمال أو من هاوية الوجود ما لا يخضع للبرهان؟ وإذا كان العقل قد توقف عن كونه المعيار الوحيد فهل يظل ممكنا الحديث عن “معقولية” ما زالت تصلح كأرضية للتداول الإنساني أم أننا أمام ضرورة استبدال العقل بما هو أوسع منه مثل الجسد أو الرغبة أو الإرادة؟

ولا يمكن الاقتراب من هذه المعضلة دون العودة إلى اللحظة الديكارتية التي أسست لسلطان العقل بوصفه “الأكثر توزيعا بالعدل بين الناس”، حيث جعل ديكارت من الشك المنهجي تطهيرا لكل ما ليس بدهي ومن “الكوجيتو” حجر زاوية لا يهتز. ذلك العقل الذي يتطابق مع الضوء الطبيعي لم يكن مجرد ملكة نفسية لأن مبدأ الصدق الميتافيزيقي الذي يحكم العلاقة بين التصور الواضح والوجود الخارجي والمفترض ضمنا في كل فعل من أفعال الإدراك الصادق لا يمكن أن يكون قد غرس فينا نظاماً للمعرفة يقودنا بالضرورة إلى الخطأ متى أحسنّا استخدامه.

 وقد صار المعقول مرادفا لما هو قابل للقياس والبرهان وأصبحت الفلسفة ملزمة بأن تكون هندسة أفكار أكثر منها حكمة كينونة. لكن هذا البناء الشامخ لم يلبث أن تكشفت فيه التصدعات فكانت نقدات فيكو للعقل الديكارتي من زاوية التاريخ، حيث أصر على أن “الرئيس”  و”المصنوع”  يتطابقان وأن العقل لا يدرك إلا ما يصنعه بينما التاريخ واللغة والمؤسسات البشرية تحتاج إلى عقل آخر، هو العقل الشعري أو العقل الفطري الذي يعمل بالرموز قبل المقولات. ثم جاء هيوم ليهز الثقة في السببية، ذلك العمود الفقري للعقلانية حين أظهر أن العلاقات بين الظواهر ليست ضرورية بل مجرد تعاقد نفسي مع العادة وأن العقل وحده لا يستطيع أن ينتج حكما أخلاقيا أو جماليا دون وساطة الانفعال. عندئذ بدأ مفهوم “المعقول” يتشقق من داخله، فإذا كان العقل عاجزا عن إثبات وجود العالم الخارجي أو عن تبرير مبادئه الخاصة دون مغالطة المصادرة فأي معنى يبقى لكونه معيارا للضرورة الفلسفية؟

لم تكن استجابة كانط مجرد تصحيح وإنما قلبا للعلاقة بين العقل والوجود، فبدلا من أن يظن العقل أنه يكتشف قوانين الواقع من خارجه أعلن كانط أن العقل هو من يشرع القوانين للطبيعة بما يحمله من صور قبلية (المكان والزمان) ومقولات (السببية والجوهر وغيرها). وتحول العقل من متلق ساذج إلى مشرّع نشط، لكن الثمن كان باهظا، ما يسمى بالمعقول لم يعد مطابقا لما هو موجود في ذاته (النومينون)، بل صار صالحا فقط لظواهر العالم (الفينومينون). وهذا يعني أن العقل لم يعد معيارا للحقيقة المطلقة وإنما أصبح مجرد أداة تنظيمية لعالم الخبرة الممكنة. ولسان حال الفيلسوف الكونيغسبرغي يقول: “لقد وجدت أنه من الضروري تعليق المعرفة لأفسح مكانا للإيمان”، فأقر بحدود العقل النظري وأعاد الاعتبار للعقل العملي حيث الأخلاق والإرادة الصالحة والأحكام التأملية. لكن هل هذا الاعتراف بالحدود يكفي للحفاظ على سلطان العقل؟ كلا؛ لأنه فتح الباب أمام سؤال أكثر إزعاجا، إذا كان العقل لا يستطيع بلوغ المطلق ولا الوصول إلى الأشياء في ذاتها فلماذا نعتبره المعيار الأسمى للضرورة الفلسفية؟ أليس في الفلسفة نفسها شيء يتجاوز “معقولية” العلاقات بين الظواهر؟

مع هوسرل وظواهرية القرن العشرين، بدا الأمر وكأن العقل يسترد عافيته لكن من باب مختلف تماما. فبدلا من العقلانية الكلاسيكية التي تبحث عن قوانين موضوعية مستقلة عن الذات، اقترح هوسرل “عودة إلى الأشياء نفسها” عبر منهج وصف دقيق للوعي المقصود . هنا لم يعد العقل مجرد ملكة استدلال وإنما صار مجالا للكشف المباشر عن المعاني التي تظهر للوعي في تجربته الحية. بهذا المعنى عاد “المعقول” ليعني “ما يمكن أن يظهر للوعي بوضوح”، لكن هذه الوضوحية هذه المرة لم تكن رياضية هندسية بل كانت وصفيّة تأويلية تحتاج إلى شهود حدسي قبل البرهان المنطقي. لكن قدر هوسرل المأساوي أنه رغم تأسيسه لفينومينولوجيا قادرة على ردم الهوة بين الذات والعالم، ظل أسيرا لنموذج الوعي التام متجاهلا أبعادا كاللاشعور والجسد والتاريخ التي تعمل في صمت قبل كل وعي. وهذا ما اكتشفه تلاميذه المنشقون خاصة هايدغر الذي قلب السؤال رأسا على عقب، "ليس العقل هو الذي يحدد معنى الوجود، بل الوجود هو الذي يسبق العقل ويفتح إمكانية العقل نفسه". فـ”الكينونة” التي يتحدث عنها هايدغر ليست موضوعا للمقولات العقلية بل هي ذلك الأفق الخفي الذي منه فقط يمكن أن يظهر شيء بوصفه “معقولا”. وبهذا الضربة يكون هايدغر قد انتحل العقل من عرشه، فنحن لا نفكر بالعقل ثم نكتشف الوجود، بل نحن مرميون في الوجود أولا والعقل إنما ينمو من هذه الرمية كإحدى إمكانياتها وليس كأساسها. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نقدس العقل بوصفه الضرورة الفلسفية القصوى؟ ألا يكون الوجود نفسه بغموضه وألمه ودهشته أولى بأن يكون معيار الفلسفة؟

أما في التقليد الأنغلوسكسوني فقد سلكت الأمور مسارا مغايرا لكنه لا يقل تمردا على العقلانية الذاتية. فمن جهة نرى فتجنشتاين المتأخر يهدم فكرة “اللغة الخاصة” ويزعم أن المعنى نتاج قواعد لعبة لغوية مشتركة داخل شكل من أشكال الحياة. ولم يعد العقل الفردي المعيار وإنما الحوار العملي الذي يحدث بين الكائنات في سياقاتها الاجتماعية والجسدية. هذا يعني أن “المعقول” هو ما يعمل داخل اللعبة اللغوية وليس ما يطابق نموذجا عقليا مسبقا. من جهة أخرى نجد جيلبرت رايل وهو يسخر من “شبح الآلة” أي الفكرة الديكارتية التي تفصل العقل كجوهر عن الجسد مؤكدا أن السلوك الذكي ليس تعبيرا عن عمليات عقلية خفية بل هو أداء عام متقن يظهر في الفعل. ويتفكك مفهوم “العقل” إلى مجموعة استعدادات وانحرافات وأفعال ولا يبقى منه ما يستحق أن يكون “معيار الضرورة الفلسفية” إلا إذا نحن قبلنا بتفكيك العقل نفسه. وهنا يكمن السؤال الجوهري إذا انحل العقل إلى أبنية لغوية وعادات جسدية وقواعد اجتماعية فأي معنى لقولنا إن الفلسفة “معقولة”؟ ألا يتحول “المعقول” عندئذ إلى مجرد ما هو متوافق مع السياق أي إلى ما هو “طبيعي” أو “مألوف” وليس إلى ما هو “ضروري” بمعنى عالمي وقبلي؟

غير أن الهجوم الأكثر شراسة على سلطان العقل جاء من زوايا لا تعترف بالعقل كمركز بل تعلن وفاته الصريحة. هناك في أعمال نيتشه الصارخة حيث العقل ليس إلا غريزة من الغرائز توارت خلف حجاب الأخلاق لكي تسيطر على الغرائز الأخرى. أليس هذا هو ما يعنيه نيتشه بـ”إعادة تقييم كل القيم”؟ إنه كشف لمؤامرة العقل التي استمرت ألفي عام، جعل الضعف فضيلة والطاعة عقلانية والقناعة حقيقة. فبدلا من أن يكون العقل “معيار الضرورة” هو نفسه يحتاج إلى مساءلة حول رغبته في السلطة. وكما يصرح نيتشه في “إرادة القوة” “العقل أداة لكنه أداة تميل إلى جعل نفسها غاية”. هذه النزعة للتموضع كهدف نهائي والتي شهدناها في المثالية الألمانية وفي الوضعية المنطقية هي برأي نيتشه شكل مقنع من أشكال الانحطاط، لأنها تسلب الحياة حيويتها وتقدس الجمود البرهاني. وهذا يقودنا مباشرة إلى فرويد الذي أعلن أن الأنا (أي العقل الواعي) ليس سيدا في بيته وأن اللاوعي هو الذي يدبر أغلب أحكامنا وقراراتنا ومعتقداتنا. فإذا كانت جذور “العقلانية” تنبع من دوافع غير عقلانية تماما فما قيمة العقل كمعيار؟ أليس مجرد قناع يخفي حقيقة أعمق وهي التوتر بين الغرائز والمجتمع؟

لكن ربما يكون أعنف نقض للعقل بوصفه معيار الضرورة الفلسفية قد أتى من حركات ما بعد البنيوية الفرنسية لا سيما عند فوكو ودريدا. ففي الحالة الأولى يعلن فوكو أن العقل لم يكن قط معيارا عالميا بل شبكة من الممارسات الخطابية والمؤسساتية التي تعمل على إقصاء “المجنون” و”المنحرف” و”الخارج عن النص”. العقل هنا ليس حقيقة أبدية، بل نتاج صراعات تاريخية على السلطة والمعرفة. تتغير “معقوليات” العصور (من عصر النهضة إلى الكلاسيكية إلى الحديثة) وكلما تغيرت تغير معنى “المعقول” نفسه. ويتبخر أي ادعاء بوجود معيار ثابت للضرورة الفلسفية اسمه العقل، إذ لا يبقى سوى أرشيف من أنظمة المعرفة المؤقتة والمحلية. أما عند دريدا فالأمر يتعلق بتفكيك “مركزية اللوغوس”، أي ذلك الحضور الذاتي الكامل الذي يظن العقل نفسه قادرا على بلوغه. كل نص وكل حقيقة وكل قول عن العقل يحمل في داخله أثره الخاص به، أثر غيره وأثر ما لا يمكن احتواؤه. وهذا يعني أن “المعقول” ليس خالصا نقيا بل هو دائما ملوث ببذور لا معقوليته الخاصة. والعقل كمعيار للضرورة الفلسفية يعاني من انشقاق أصلي، فهو يريد أن يكون وحدة متماسكة لكنه لا يستطيع التخلص من هامشه المظلم، هامش اللامعقول الذي يرافقه كظله.

هذا الانشقاق الأصلي الذي أشار إليه دريدا ليس مجرد حيلة بلاغية بل هو جوهر ما يمكن تسميته بأزمة العقل المعاصر. فإذا انتقلنا من المشهد الفلسفي المحض إلى الساحة الأنثروبولوجية والسياسية نجد أن العقل الغربي لم يعد يجرؤ على تقديم نفسه كمعيار كوني دون أن يصطدم بفضيحة التنوع الثقافي. ذلك أن ما يعتبر معقولا في تقليد كونفوشيوسي حيث التضحية بالذات من أجل الأسرة قد تكون فضيلة قصوى، وقد يبدو في المنظور الكانطي انتحارا أخلاقيا غير معقول. وإذا كانت شعوب الأمازون تعتبر أن أحلامها تكشف حقائق موضوعية عن الغابة فهل يصح لنا أن نصف معتقداتهم بأنها “غير معقولة” لمجرد أنها لا تخضع لمعايير العقل الأداتي الغربي؟ هنا يبرز درس كلود ليفي ستروس السوسيولوجي العميق، العقل ليس ملكة موحدة تضبط بها كل البشر أفكارهم وإنما هو نتاج بنى رمزية مختلفة و”العقل المتوحش” (أو العقل البري) الذي درسه ليس أقل تنظيما أو قدرة على التصنيف من العقل العلمي الحديث، إنه فقط يعمل بوسائل أخرى. ما نسميه “معقولا” هو في حقيقة الأمر مجرد اتفاق على قواعد لعبة معينة والعقل الغربي ليس سوى واحدة من آلاف القواعد الممكنة، لكنه استطاع بفضل القوة الاستعمارية أن يفرض نفسه كالأصل وكل ما عداه انحراف أو خرافة. ويتبين هنا الخطر الأخلاقي المترتب على التمسك بالعقل كمعيار للضرورة الفلسفية، إنه يتحول بسهولة إلى أداة إقصاء وعنف رمزي حيث يوصم الآخر بـ”اللاعقلانية” قبل أن يُسمع.

أما في الميدان السياسي فالقصة لا تقل إحراجا، لقد كان مشروع الأنوار الأوروبي بقيادة العقل العملي الذي أراده كانط أساسا للتشريع الكوني حلما جميلا تحول إلى كابوس في القرن العشرين. فإذا كان العقل هو الذي يفترض أن ينتج القوانين العادلة فكيف نفسر أن أرقى الأمم الأوروبية تلك التي أنجبت كانط وهيغل قد انزلقت إلى النازية والفاشية والستالينية؟ هل كان العقل غائبا عن ألمانيا هتلر؟ أم أن العقل نفسه حين يتجرد من كل مرجعية خارج ذاته يصبح قادرا على تبرير أبشع الجرائم باسم “الضرورة التاريخية” أو “القوانين العلمية للعرق”؟ هذه المعضلة هي ما عبر عنها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو في كتابهما “جدل التنوير” حيث أظهرا أن العقل الأداتي الذي يهتم فقط بحساب الوسائل وأكثر الوسائل فعالية لتحقيق الأهداف دون مساءلة الأهداف نفسها هو نفسه الذي أنتج أوشفيتز. فبمجرد أن يتحول العقل إلى مجرد تقنية حسابية يصبح أي هدف ممكنا حتى لو كان إبادة جماعية. إن العقل لم يعد معيار الضرورة الفلسفية بل أصبح مشكلة تحتاج إلى علاج، كيف يمكننا إنقاذ العقل من نفسه؟ هل نعود إلى العقل الجوهري التقليدي؟ لكن هذا العقل لم يعد ممكنا بعد نقد نيتشه وفوكو أم نبحث عن “عقل تواصلي” كما اقترح يورغن هابرماس أي عقل لا يعمل في رأس فرد مغلق بل في فضاء التداول العام بين الأفراد حيث تكون القوة الوحيدة هي قوة الحجة الأفضل والحقيقة هي ما يتفق عليه المجتمع التواصلي الشامل؟ لكن هذا الحل وإن كان جذابا يظل أسيرا للمثالية، فهل يمكن حقا تطهير التداول العام من تشوهات السلطة والمال والإعلام؟ وهل “الاتفاق” مرادف للحقيقة أم مجرد تسوية سياسية؟

لعل المحاولة الأكثر جرأة لتجاوز العقل دون التخلي عن إمكانية الفلسفة تأتي من اتجاهات الفكر النسوي وما بعد الكولونيالي. هنا لا يُطلب إلغاء العقل بل تفكيك ذلك القناع الذكوري والأوروبي الذي ارتداه عبر التاريخ. تقول لوس إيريغاراي مثلا، إن عقلانية الغرب بنيت على الإقصاء الأنوثي وعلى جعل المرأة “اللامعقول” الذي لا يدخل في المقولات. وبنفس التصور يرى إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” أن العقل الأوروبي لم يبن نفسه إلا عبر اختراع “الشرق” كمرآة مظلمة للاعقلانية والغرابة والانحطاط. فإذا تخلصنا من هذا الإرث هل يبقى للعقل معنى؟ أم أن معنى العقل ذاته هو ذلك النضال المستمر ضد نزعته الخاصة للهيمنة؟ ربما هنا تكمن إجابة ممكنة، العقل ليس معيارا جاهزا بل هو مهمة لا تنتهي، نقد دائم لذاته وشك في يقينياته وانفتاح على ما لا يقبل البرهان دون خيانة للبرهان. الفلسفة التي تريد أن تظل حية لا يمكنها أن تتخلى عن العقل ولكنها أيضا لا يمكنها أن تجعله صنما. الضرورة الفلسفية اليوم قد لا تكون في معيارية العقل بقدر ما هي في فضح معيارية العقل نفسها في إظهار كيف أن ما يبدو معقولا ليس إلا عرفا مؤقتا، اتفاقية محلية، شبكة قوة متوارية.

إذا عدنا إلى السؤال الذي افتتحنا به هذا التأمل، هل ما زال العقل معيارا للضرورة الفلسفية؟ فإن الجواب الذي يلوح في الأفق ليس بنعم ولا بلا، بل هو ما يمكن تسميته بضرورة ما بعد نقدية. فالعقل بهذا المعنى يشبه ذلك الملك الذي خلعه شعبه ثم أعاد انتخابه بعد أن تعلم ألا يثق به تماما. ولم يعد ممكنا اليوم أن ننادي بعقلانية ساذجة ترى في العقل أداة مسطحة لقياس الحقيقة كما يمسح الحاكم طول القماش. التاريخ الفلسفي بأكمله - من هيوم إلى نيتشه ومن هايدغر إلى فوكو - علمنا أن العقل له ظل وأنه في كل لحظة يبني فيها معقولا ينتج أيضا لا معقولا وكلما أضاء منطقة أسدل ستارا على أخرى. لكن السقوط في نقيض العقلانية أي في التمجيد الرومانسي للاعقلانية والحدس والغريزة ليس أقل خطورة. فبدون العقل تصبح الفلسفة مجرد خطاب بلا معايير حيث كل رأي صحيح بقدر ما هو قوي وحيث تصبح الحقيقة مرادفة للعنف. أليس ما فعله بعض فلاسفة ما بعد الحداثة من تطرف في نقد العقل قد قادهم دون قصد إلى تبني مواقف لا تستطيع التمييز بين البرهان والدعاية وبين الحجة والإغراء؟ هذا هو المأزق الحقيقي من جهة العقل الذي يدعي البراءة المطلقة هو عقل قاتل ومنافق؛ ومن جهة أخرى رفض العقل بشكل كامل هو انتحار الفلسفة نفسها.

لذلك ربما تكمن ضرورة الفلسفة المعاصرة في مفهوم ثالث، ليس العقل كمعيار بل العقل كأفق وكممارسة. كأفق لأنه لا يمكننا أبدا أن نقول إننا وصلنا إلى العقل الكامل بل نحن دائما في الطريق إليه، نرسمه كفكرة تنظيمية كما قال كانط لكن دون أن نتملكه. وكممارسة لأنه ليس شيئا نمتلكه بل شيئا نفعله ننقد، نناقش، نفحص الأسباب، نعطي الحجج، نستمع للآخر ونغير رأينا عندما تقتضي الحجة. هذه الممارسة لا تحتاج إلى أن يكون العقل معيارا جامدا بل تحتاج فقط إلى الالتزام بقواعد أولية متواضعة، الصدق الفكري واحترام التناقض وعدم المصادرة على المطلوب والقدرة على الاستماع. هذه القواعد لا تشكل عقلانية كبرى لكنها كافية للحفاظ على الفلسفة حية.

إن إعادة مساءلة مفهوم “المعقول” ليست إذن دعوة للتخلي عن العقل بل هي دعوة لتوسيع مفهومه ولتنقيته من ادعاءات الألوهية ولفتحه على ما ليس هو وعلى ذلك الغير الذي لا يختزل إلى هويته، على الجسد الذي يشعر قبل أن يفكر وعلى اللاوعي الذي يحلم قبل أن يحسب وعلى التاريخ الذي يثقل كل تفكير بثقل الأموات وعلى اللغة التي تتكلمنا أكثر مما نتكلمها وعلى الآخر الذي يختلف عنا قبل أن يتفق. هذه العناصر جميعها ليست “لاعقلانية”، بل هي ما يسبق العقل ويجعله ممكنا وهي ما ينبغي للفلسفة أن تأخذه على محمل الجد إذا أرادت ألا تصبح مجرد تمرين عقيم في المنطق الصوري أو تعبيرا عن سلطة ثقافية معينة.

العقل الذي يمكن للفلسفة أن تظل مخلصة له هو العقل المتواضع، العقل الذي يعترف بأنه محدود وأنه ليس كل شيء وأن هناك مناطق من الوجود لا تختزل إلى مقولاته دون أن تفقد غناها. هذا العقل لا يفرض نفسه كمعيار بل يعرض نفسه كاقتراح متواضع، لنحاول أن نفكر معا، لنعط أسبابنا، ولنستمع لأسباب الآخرين ولنغير رأينا إذا لزم الأمر. هذه هي “الضرورة الفلسفية” اليوم، ليس أن نقدس العقل بل أن نمارسه بتواضع، عالمين أن كل معقولية هي مؤقتة ومهددة، لكنها مع ذلك أفضل ما لدينا لنتفادى التعصب والعنف والجهل. ويكون العقل ضروريا لكنه لم يعد كافيا ولم يعد معيارا وإنما أصبح رفيقا في الرحلة نحو حقيقة لا ندركها تماما لكننا نستطيع أن نقترب منها عبر حوار لا ينقطع بين المعقول وغير المعقول، بين البرهان والحدس وبين الحلم والحساب. عندئذ فقط تكون الفلسفة قد أنقذت عقلها من عقلانيته الزائفة وأعادته إلى موضعه الأصلي، أداة للتحرر لا سجنا للروح.

***

د. حمزة مولخنيف

أدخل الفيلسوف اليوناني اناكساغوراس مفهوم العقل الكوني Nous كقوة عقلانية لا محدودة تنظّم الكون وتخلق النظام من الفوضى . عند مراجعة أي كتاب في تاريخ الفلسفة، من الشائع جدا ان نرى استبعاد أناكساغوراس. مع ذلك، يبقى اناكساغوراس من أهم المفكرين القدامى ذوي الإنتاج الغزير. كان اناكساغوراس من فلاسفة ما قبل سقراط. هو كما بالنسبة لأسلافه ومعاصريه، كان لديه الكثير من القول حول الكون والعالم الذي نعيش فيه، وساهم كثيرا في ذلك. أفكاره الكبرى برزت كرد فعل على عمل الفيلسوف برمنديس لأنه لم يتفق معه حول ما قاله.

الحياة المبكرة

وُلد اناكساغوراس في كلازوميني Clazomenae التي كانت جزءا من الإمبراطورية الفارسية. تقول الأسطورة انه كان من بين الفلاسفة النادرين ان لم يكن الوحيد الذي تلقى رسالة صوتية توحي له ان يصبح فيلسوفا. طبقا للاسطورة، هو كان بعمر 17 عاما عندما سمع بذلك، وكان أخبر امه التي اعتقدت بصدق في قوى خارقة للطبيعة. هي نصحته في البدء بان لا يهتم في الرسالة، لأنها ربما كانت روحا سيئة تحاول استدراجه الى عالم الظلام. لكنها أيضا نصحته بانه لو سمعها مرة ثانية، يجب عليه الوثوق بها. مع ذلك، وقبل مرور يومين سمع اناكساغوراس نفس الصوت مرة أخرى. لذا، هو قرر اتّباعها.

عندما بلغ العشرين عاما، قرر الذهاب الى أثينا لتحقيق حلمه ونبوئته. بعض الكتاب يقولون انه بالرغم من ان الفلسفة موجودة سلفا في أثينا في ذلك الوقت، لكن اناكساغوراس ألهم رغبة الناس في تعلّمها، وبهذا، هو ساهم لتصبح أثينا مركزا للحكمة الفلسفية. وقبل الوصول الى أثينا، هو قرر التخلي عن أملاكه من الأرض ورأس المال التي ورثها من ابيه الى أقاربه لكي يتمكن من تسخير نفسه بالكامل للفلسفة. افلاطون ذاته شهد بذلك في كتابه هيبياس الاصغر Hippias Minor.

هو أيضا لم يتزوج طوال حياته ولم يرغب التعامل مع أي نوع من السياسة. في البدء، كان هذا غريبا للعديد من الناس لأن الكثير من الاثنيين اهتموا فقط بامتلاك وقت جيد محاطين بالنساء والكحول. وفي كتاب آخر، يعلن افلاطون أيضا ان اناكساغوراس كان معلما للسياسي والعسكري اليوناني الشهير بريكلس اثناء العصر الذهبي لاثينا. كانت هناك مصادر أخرى تؤكد ذلك أيضا. لكن علاقته مع بريكلس خلقت له الكثير من المشاكل. وبعد ان أمضى 30 عاما في أثينا، اتُهم بنشر تعاليم الهرطقة، أي ان الشمس ليست إله وانما صخرة محترقة عائمة. بريكلس كان له الكثير من الأعداء في ذلك الوقت، وبسبب هذا، وُجد اناكساغوراس مذنبا الى جانب تلامذته. في النهاية، ساعدته صداقته مع بريكلس في الهروب من السجن حيث غادر بعدها أثينا. وبعد ان عاش في أثينا، انتقل اناكساغوراس الى لامبساكوس Lampsacus حيث أسس مدرسته الخاصة. كانت امنيته الأخيرة ان يعلن شهر وفاته عطلة رسمية لجميع التلاميذ والطلاب، وقد تم احترام هذه الأمنية لاحقا كما يذكر المؤرخ ديوجين.

مبدأ النوس

كان اناكساغوراس اول فيلسوف سعى لتوضيح الكون ليس من خلال الأسطورة او المنظور الديني وانما من خلال المبادئ الطبيعية والتفكير العقلاني. وبسبب هذا، هو اعتُبر شخصية محورية في التحول من الميثولوجيا الى علم الكون العلمي.

خلافا لأسلافه الذين أكدوا على مادة أساسية واحدة، مثل الماء (طاليس) او الهواء (اناكسمينس)، افترض اناكساغوراس رؤية اكثر تعقيدا ودينامية للواقع، احتضنت التنوع والتعقيدية اللامحدودة. ان مفهوم النوس هو في قلب فلسفة اناكساغوراس، وهو يفسر لماذا هو مفهوم أساسي ويحاول من خلاله توضيح فلسفته هنا. نحن نستطيع القول ان مفهوم النوس كان من بين المحاولات الفلسفية المبكرة لتحديد قوة مجردة ذكية كأصل للنظام الكوني. اناكساغوراس رأى النوس كمبدأ منظِّم وتأسيسي للكون. انه وجود محض لا محدود ومستقل ومتميز عن المادة. النوس هو خالص وغير ممتزج مع أي مادة أخرى ، وهو ما يسمح له ليبقى متميزا ويمارس التحكم. هو غير متغلغل في كل مكان، بل هو الأفضل والأكثر استقلالية من بين كل الأشياء. يبدأ الحركة بدون ان تمتزج ذاته مع أي شيء آخر. انه عقلاني، لكن اناكساغوراس لا ينسب له بشكل واضح أي هدف او نية بالمعنى التيتولوجي التام.

وبما ان النوس هو المبدأ العقلاني الذي يحكم نظام وحركة الكون، فان انكساغوروس يصفه بـ "ذهن"، والعديد من المفسرين يتبعونه في هذا. لكن هذا لا يجب ان يُفهم كمساوي لمفهوم ذهن او وعي كامل التطور في التقاليد الفلسفية اللاحقة.

 قيل أيضا ان النوس حاضر في الكائنات الحية وخاصة تلك القادرة على التصور، لكن اناكساغوراس لا يدّعي بوضوح انه مسؤول مباشرة عن الحياة او الوعي. دوره الرئيسي هو كوني: يبتدأ ويتحكم بالدوران الأصلي الذي يشكل الكون. بهذا المعنى، من الصواب وصف النوس كمبدأ كوني منظِّم بدلا من ان يكون مبدأ بايولوجي. الآن دعونا نرى كيف يتلائم هذا مع البناء الواسع لفلسفة اناكساغوراس.

كيف خُلق الكون؟

من المهم ملاحظة ان اناكساغوراس كان مهتما أساسا بتوضيح كيفية خلق الكون. بسبب هذا، نحن نستطيع عادة ان نجده يُصنف كفيلسوف كوني. هو اعتقد ان الكون بدأ كمزيج فوضوي من الجسيمات، وهو يعني بـ "فوضوي" يفتقر لأي نظام او تحكّم. في البداية، كتب اناكساغوراس، ان الكون كان لا يمكن تمييزه، مزيج بلا حركة حيث كل الأشياء (عناصر، مواد، سمات) وُجدت مجتمعة في حالة غير متمايزة. لم يكن هناك فصل او نظام. كل العناصر التي تحتوي على المادة كانت مجتمعة في كتلة واحدة.

سمى اناكساغوراس العناصر "بذور". لذا السؤال يبرز: كيف بدأت هذه الحالة غير المتميزة بالانفصال وكيف جاءت الأشياء الى الوجود؟ حسنا، هنا يأتي مبدأ النوس ليدخل اللعبة.

بفضل مبدأ النوس، كل هذه الجسيمات المنفصلة او "البذور" وُضعت بانتظام، ولاحقا وُضعت في حركة. هذا، حسب اناكسوغوراس، أدى الى خلق الكون من خلال عملية الدوران والفصل. الدوران سبّب الاختلاف، لأن الجسيمات بدأت تنفصل طبقا لخصائصها. ولهذا، فان الجسيمات ذات الخصائص المتشابهة بدأت تتجمع الى بعضها مكونة مواد وأشياء متميزة. كذلك، من المهم التنويه الى ان هذه العملية مستمرة ودائمة لأن مجموعات وأشكال جديدة تظهر باستمرار.

اناكساغوراس مقابل برمنديس: الوجود، التغيير، الحركة

كما ذكرنا في البداية، تقف فلسفة اناكساغوراس في تضاد مباشر مع فلسفة بارمنديس او زينون. نظرياتهما اعتبرتا في تناقض حاد . ولكن لماذا هذا؟ للإجابة على هذا السؤال، سنحتاج الى نظرة موجزة لفلاسفة آخرين لما قبل سقراط. كان بارمنديس مؤسس المدرسة الايلية. تماما مثل اناكساغوراس، هو كان أيضا مهتما باستطلاع الكون ومحاولة الوصول الى المبدأ الأساسي للعالم. هو اعتقد ان الواقع هو وجود واحد فقط، وهو في الحقيقة الواحد. الواحد هو الكائن النهائي الموجود، وكل شيء في العالم هو ضمن الواحد. الواحد هو أيضا يتم تصوره كمتجانس، بدون أي أجزاء او تمايزات. بارمنديس رفض بشدة وجود التعددية مدعيا ان أي فكرة للتعدد في العالم هي وهم. اما اناكساغوراس فقد ادّعى ان الواقع متعدد في الأساس. وكما بيّنا، الكون طبقا لاكساغوراس يتألف من جسيمات لا متناهية، وكدليل على ذلك، نحن لدينا تعددية في الأشياء في العالم المحيط بنا.

فلسفة زينون الايلي

تختلف تعليمات الفيلسوفين ايضا حول رؤيتهما للتغيير والحركة. برمنديس أنكر حقيقة التغيير. هو اعتقد ان التغيير لا يوجد في العالم وان الأشياء هي على حالها من الولادة حتى الموت. هو أعلن ان "ما هو كائن، كائن ، ولا يمكن ان يكون غير كائن ". يعني بذلك ان الواقع منفرد، غير متغير، و"وجود" أبدي.

من جهة أخرى، اناكساغوراس اعتنق أفكار التغيير والحركة في فلسفته عبر رؤيته لهما كدوافع واقعية واساسية في الكون. بهذا المعنى، نحن نستطيع القول ان اناكساغوراس لديه تصور مشابه لهيرقليطس، الذي اشير اليه عادة كفيلسوف التغيير.

نقطة أخرى هامة هي ان برمنديس رفض فكرة الحركة مدّعيا ان الحركة مستحيلة لأنها تستلزم وجود "العدم"(1) وهو امر لا يمكن ان يوجد. هذه جرى تفصيله لاحقا في فلسفة زينون، تلميذ برمنديس. لكن اناكساغوراس يعارض هذه الرؤية أيضا، معلنا ان الحركة هي واقعية وضرورية للكون. هو أدخل النوس كقوة تبدأ الحركة وتحافظ عليها، بما يؤدي الى فصل وتنظيم المزيج الاولي.

***

حاتم حميد محسن

....................

(1) تتطلب الحركة من الشيء ان يسافر الى عدم، ينتقل من حالته الراهنة الى ما لم يصبح عليه بعد. فاذا كان الوجود مطلقا وثابتا، ستكون كل حالة ثابتة في مكانها، ولأصبح مفهوم الحركة او مرور الزمن غير منطقي.

 

منذ أن وعى الإنسان هشاشته الأولى أمام الكون، ورفع رأسه متسائلًا عن معنى الحياة والموت والزمن، وُلدت الفلسفة بوصفها قلقًا إنسانيًا عميقًا، لا بوصفها علمًا للنخبة أو ترفًا ذهنيًا معزولًا عن الحياة. لقد كانت الفلسفة، في جوهرها الأول، محاولة الإنسان لفهم ذاته والعالم، وكانت في الوقت نفسه فعل حبٍّ للحكمة، لذلك لم يكن غريبًا أن تحمل كلمة “فلسفة” في أصلها اليوناني معنى “محبة الحكمة”. فالفلسفة ليست معرفة باردة، بل علاقة حميمة بين الإنسان والحقيقة، بين العقل والوجود، بين السؤال والدهشة، هي اقتران العقل بالوجدان؛ إنها ثمرة ذلك الزواج المقدّس بين الحكمة والحب. فالحكمة دون حسٍّ إنساني تتحول إلى جفاف ذهني، والحب دون بصيرة يتحول إلى اندفاع أعمى، أما الفلسفة فهي تلك المنطقة التي يتعانق فيها القلب والعقل معًا. ولهذا ظل الإنسان، منذ بداياته الأولى، كائنًا فلسفيًا حتى قبل أن يعرف الكتب أو المدارس أو النظريات. فكل سؤال عن المصير، وكل خوف من الموت، وكل تأمل في العدالة أو الحرية أو الخير، هو في جوهره فعل فلسفي.

إذ إن الإنسان لا يعيش داخل العالم بوصفه كائنًا بيولوجيًا فحسب، بل بوصفه كائنًا يتجاوز ذاته باستمرار. إنه الكائن الوحيد الذي يقلقه معنى وجوده، والذي يشعر دائمًا بأن ثمة شيئًا ناقصًا في داخله، شيئًا يدفعه إلى السؤال والتجاوز والبحث عن المعنى. ولهذا كانت الفلسفة قلقًا دائمًا، لا يهدأ عند إجابة نهائية، لأنها لا تبحث عن يقين مغلق بقدر ما تبحث عن أفق مفتوح للتفكير. إنها تعلم الإنسان أن يسكن السؤال بدل أن يتحصن بالإجابات الجاهزة، وأن يرى العالم باعتباره حوارًا لا ينتهي. وكلمة "الحب" حينما ينطق بها تعني وجود رابطة حميمة بين كائنين وتعني الألفة والاتحاد والعيش معاً. وأنا أحبك كما يقول هيدجر ليس مجرد تعبير عن ذاتي.. بل هو الوجود يعلن ذاته ويتجاوزها إلى الآخر إنها تعني أن الفرد الموجود يتجاوز انغلاقه طلباً للآخر ويؤسس الحب في الخارج خارج الذات المنعزلة وأنا أحبك هي شمولية الوجود الذي لا يعي نفسه إلا شاملاً إنها الجزئي ظاهرياً والكلي جوهرياً.

عند هذا النبع الأعمق (الكينونة واللغة) تلتقي الفلسفة بالشعر فإذا كانت الفلسفة تفكر في الوجود، فإن الشعر يشعر به. وإذا كانت الفلسفة تسعى إلى القبض على المعنى بالمفهوم، فإن الشعر يحاول ملامسته بالحدس والصورة والإيقاع. كلاهما محاولة لفهم العالم، لكن أحدهما يسلك طريق العقل، والآخر يسلك طريق الوجدان. ومع ذلك، فهما لا يتناقضان، بل يتكاملان؛ إذ كثيرًا ما تعجز الفلسفة عن قول ما يستطيع الشعر أن يلمحه في ومضة، وكثيرًا ما يمنح الشعر للفلسفة روحها الإنسانية العميقة.

فالإنسان لا يسكن العالم فقط، بل يسكن اللغة أيضًا، ومن خلالها يعلن وجوده ويعيد تشكيل العالم من حوله. ولهذا فإن الكلمات ليست أشياء محايدة؛ إنها تحمل في داخلها تاريخ الإنسان وخوفه وأحلامه وحنينه. الكلمة ليست الشيء ذاته، بل ظله وإشارته وغيابه في آنٍ معًا. إنها محاولة دائمة لاستحضار ما يفلت من القبض، ولذلك تظل اللغة فضاءً سحريًا يختلط فيه الحضور بالغياب. هذا معناه أن الكلمة ليست تعبيراً عن ذاتها، بل هي حاملاً لمحمول، هي صوت الجسد، هي رمز لشيء موجود، ولكنها ليست الشيء ذاته أبداً بل كما يقول موريس بلانشو، أن الكلمة في اللغات الأصيلة ليست تعبيراً عن شيء بل هي غياب هذا الشيء.. إن الكلمة تخفي الأشياء وتفرض علينا إحساساً بغياب شامل بل بغيابها هي ذاتها، وإذا أمعنا النظر في مملكة الرموز هذه أي اللغة سنكتشف أشياء مثيرة للدهشة بل أن فيها من السحر والإثارة ما يأسر اللب ويلهب الوجدان، فما معنى الكلمات التي نقولها ونعيدها كل لحظة، ما أصل الأسماء وما معناها، من أين جاءت هذه الرموز والإشارات التي نستدل بها عن الأشياء وهل مازالت تعبر عنها بالفعل أم لا؟ وبهذا المعنى تتصل حياة الكائن

بالفلسفة كما تتصل بالشعر والعلم والدين، منذ صيرورته كائناً عاقلاً، إذ هي موقف الإنسان الكلي إزاء الكون والحياة والتاريخ والذات والآخرين، (ميتافيزيقا) بمعنى تجاوز الحالة البيولوجية للكينونة وتجاوز الإنسان الدائم لذاته أو بحسب الكباص هذا الكائن الذي لا يناسب طبيعته ويستطيع أكثر مما ينتظره من نفسه، تَشكلَ شرط إمكانه من تدمير طبيعته وتحويلها إلى مجهول دائم يتساءل حوله. فما لا يناسبه هو أن ينتسب إلى نفسه وما يناسبه هو أن ينتسب إلى العالم، إلى القوى البرانية، قوى التحول والحدث»

ولما كانت اللغة هي بيت الكينونة بحسب هيدجر فان الشعر هو محاولة الكائن للتعبير عن كينونته بالخيال الجميل كما إن الفلسفة محاولة لفهم غموض الكون بالتفكير المنطقي كلاهما ينتميان إلى الكائن الذي يكلم الكينونة ويعيد خلقها باستمرار. في الحقيقة لا يوجد شعب من شعوب الدنيا بلا رؤية ميتافيزيقية مهما كان بسيطاً، أقصد موقف كلي من العالم والحياة والموت والزمان والمكان والخير والشر والجمال والقبح والذات والأخر واللذة والآلم وكل ما يتصل بحياة الكائن الإنساني من فعل وانفعال ومشاعر وإحساس ووعي وادراك وحلم وتخييل. وتلك هي ما نسميها فلسفة بوصفها اقتران الفكر والشعور. وبسبب الموقف المعادي الفلسفة في التاريخ العربي الإسلامي اضطر الكثير من الفلاسفة والمبدعين إلى لغة الطير تجنبا للتكفير

والتهم الذي لم ينزل الله بها من سلطان!

والشعر هو أكثر أشكال اللغة قدرةً على كشف هذا السر.إنه اللغة حين تتجاوز وظيفتها النفعية لتصبح انفعالًا ورؤيا وكشفًا. فالشاعر لا يصف العالم كما هو، بل يعيد خلقه من جديد. إنه يرى في الأشياء العادية ما لا يراه الآخرون، ويمنح التفاصيل اليومية حياةً أخرى تتجاوز ظاهرها. ولذلك كان الشعر دائمًا مرتبطًا بالدهشة، لأن الشاعر هو الكائن الذي لا يتوقف عن الاندهاش بالعالم مهما بدا مألوفًا ففي المجتمعات الشفاهية القديمة، اختلط الشعر بالغناء والرقص والأسطورة والدين والسحر، وكان الإنسان يعبر عن رؤيته للعالم عبر الإيقاع والصورة والإنشاد. ولهذا جاءت النصوص الكبرى في الحضارات القديمة مشبعةً بالنَّفَس الشعري؛ من ملحمة جلجامش إلى الإلياذة والأوديسة، ومن الفيدا الهندية إلى النصوص الصوفية والأسطورية المختلفة. كان الشعر آنذاك هو الذاكرة الجماعية والوعي الكوني واللغة الأولى للروح.

لما كانت تلك النظرة الاستشراقية الغربية الكتابية تنظرإلى الشعر والشاعرية نظرة تحقير وازدراء، إذ تعد اكتشافات النظرية الشفاهية هذا النمط من فنون القول" بمثابة نتائج مزعجة للثقافة الغربية التي كانت تنظر إلى هوموريس على أنه جزء من ثقافة يونانية قديمة ظل الغربيون ينظرون إليها بتقدير وافتخار . ذلك أن هذه النتائج تدل على أن اليونان الهومرية كانت تحبذ سلوكاً شعرياً وفكرياً اعتقادنا دائماً أنه عيب "(أونج،1994: 79) ولعل الإحساس بهذا العيب هو الذي دفع أفلاطون – كما يرى هافلوك – "إلى طرد الشعراء من جمهوريته الفاضلة حينما وجد نفسه في عالم جديد ذي ملكةٍ عقليةٍ كتابية أصبحت فيه الصيغ أو الرواسم " الكليشيهات " المفضلة لدى جمهور الشعراء التقليديين، قديمة و ضارة ". (أونج،1994: 80).وربما لهذا السبب لا تزال ثقافتنا العربية الإسلامية الشفاهية تثير دهشة الدارسين الغربيين واهتمامهم حينما تجعل من موضوع ازدرائهم _ أي الشعر والشاعرية_ موضوعاً للافتخار والتميز، فما نزال - بعد قرابة ألفين وست مائة سنة من طرد أفلاطون للشعراء ورفضه لذلك النمط من التعبير الشعري البدائي التراكمي التجميعي اللفظي الشفاهي – نردد مقولة " الشعر ديوان العرب "

والشعر هو لغة الوجود الأولى، وهو راسخ الجذور، في البنية الشفاهية لمختلف الثقافات الإنسانية، وعندما وصف فيلسوف التاريخ الايطالي باتيستافيكو "أقدم مرحلة من التطور الإنساني بأنها عصر الشعر كان قد سبق وصفه هذا ما قاله (جسبرسن) من أنها عصر الغناء، غير أن الصحيح هو عصر اختلط فيه الرقص والغناء والشعر والنثر والأسطورة والاحتفالية والسحر والعبادة"(ممفورد، 1980: 45).

وحينما نقول إن الشعر هو شكل التعبير الجمالي والنفعي الأول في الثقافات الإنسانية الشفاهية، فنحن نعني أنه كان النموذج الإرشادي (البارادايم) الثقافي المهيمن في الفضاء التواصلي العام لكل فنون القول والتفكير والأداء والتعبير في المجتمعات البدائية، كما أن العلم هو البارادايم المهيمن في الثقافة المعاصرة، وقد أضفت اللغة الشعرية روحها الشاعرية على كل أنماط التعبيرالبدائية المختلفة، الأسطورية واللاهوتية والفنية والفلسفية، فكل النصوص المكتشفة في الحضارات القديمة مثل (ملحمة جلجامش وأسطورة الخلق والتكوّن والآداب الفرعونية والفيداء الهندية والكونفوشستية الصينية وملحمتا الإلياذة والأوديسة اليونانيتان والتوراة والإنجيل.. الخ) جميعها صيغت بحسب نموذج الثقافة الشفاهية وهي التي تعطي للتشكيل الموسيقي للغة الاهتمام الكبير الذي يستغرق سمع المتلقي بما يحعل القول متساميا عن القول المعتاد (عبد الكريم،2014: 33). وفي هذا السياق كتب بول زومتور قائلاً" لا سبيل إلى الشك في أن التاريخ قد عرف يوماً ثقافة بلا شعر شعبي" (زومتور،1999: 57)

لقد ظل الشعر حيًا حتى في أكثر العصور تقنية وعقلانية، لأن الإنسان ليس عقلًا فقط، بل هو أيضًا ذاكرة وخيال وعاطفة وحنين وخوف ورغبة في الت transcendence. إن في داخل كل إنسان منطقة عصية على الحسابات والمنطق، منطقة لا يهدئها سوى الفن والحب والتأمل والشعر.

والشعر، حين يُستعاد في أفقه الميتافيزيقي، لا يعود فنًا من فنون القول، بل نمطًا من أنماط الوجود؛ طريقةً في السكن داخل العالم، لا بوصفه موضوعًا للمعرفة، بل بوصفه لغزًا للمعايشة. إنّه دعوةٌ إلى أن نرى ما وراء ما نرى، وأن نسمع ما يتوارى في صمت الأشياء، وأن نُدرك—في لحظة خاطفة—أنّ الجمال الحقيقي ليس فيما يُقال، بل في ذلك الذي يظلّ، دومًا، على حافة القول. من هذا السر العميق أنبثقت الصوفية بوصفها تجربة وجودية تتصل بما هو خفي وغيبي وعميق بحسب اودنيس والاتجاه الى الصوفية أملاه عجز العقل والشريعة الدينية"عن الجواب عن كثيرمن الاسئلة العميقة عند الإنسان، وأملاه كذلك عجز العلم، فالانسان يشعر أن ثمة مشكلات تؤرقه، حتى عندما تحل جميع المشكلات العقلية والشرعية- الدينية والعلمية يظل هناك شيء في أعماق الإنسان غير مشبع، متقد ملتهب متعطش للإشباع هذا معناه:

أن في الوجود جانباً باطناً، لا مرئياً، مجهولاً، وأن معرفته لا تتم بالطرق المنطقية- العقلانية، وأن الانسان دونه دون محاولة الوصول إليه، كائن ناقص الوجود والمعرفة، وأن الطرق إليه خاصة وشخصية وفريدة وحميمة ولهذا سنجد أن هناك قرابات وتآلفات بين جميع الاتجاهات التي تحاول أن تستشرف هذا الغيب. فالتجارب الكبرى في معرفة الجانب الخفي من الوجود تتلاقى بشكل أو بآخر فيما وراء اللغات وفيما وراء العصور، وفيما وراء الثقافات.ويرى أندريه بريتون:

"إن التجربة الصوفي هي سفر لا يقتضي أن تخرج من الوجود ومن نفوسنا. وإنما يقتضي على العكس أن ندخل أكثر فأكثر في الوجود وفي أنفسنا. واللانهاية ليست خارج المادة، بل هي داخل المادة اللانهاية هي الإنسان نفسه".

والشاعر الحقيقي لا يكتب بإرادة كاملة، بل يعيش ما يشبه “الحالة الشعرية” التي تهبط عليه فجأة كالوحي أو البرق. إنها لحظة انفصال عن العادي واليومي، لحظة يشعر فيها الشاعر بأنه مسكون بقوة أكبر منه، قوة تدفع اللغة إلى الانفجار وتحرر الكلمات من معناها المألوف. وفي تلك اللحظة، لا يعود الشعر مجرد صناعة لغوية أو مهارة تقنية، بل يتحول إلى تجربة وجودية كاملة فجوهر الشعر يكمن في تلك القدرة الغامضة على تحويل الألم إلى جمال، والقلق إلى رؤيا، واللغة إلى موسيقى داخلية توقظ الإنسان من سباته الروحي. إنه ليس مجرد كلام جميل، بل طريقة أخرى لرؤية العالم.

وقد شبّه هايدغر الشعر والفلسفة بقمتين متقابلتين تلتقيان في العمق الوجودي للكائن الإنساني رغم اختلاف الطريق. فالفلسفة تبحث عن المعنى، بينما الشعر يعيش التجربة. الفلسفة تبني المفاهيم، أما الشعر فيفتح شقوقًا في جدار الواقع لكي يتسرّب منها ضوء الكينونة. ولذلك لا يكون الشعر نقيضًا للفلسفة، بل امتدادًا لها في أفق أكثر حرية وإنسانية وهذا ما يفسر ارتباط الشعر بالحرية أيضًا. فالشاعر، في لحظة الكتابة، يتحرر من اللغة العادية ومن الزمن اليومي ومن القيود الاجتماعية الصارمة. إنه يعيد اختراع العالم بالكلمات، ويمنح الإنسان إمكانية أن يرى نفسه بطريقة أخرى. ولذلك كان الشعر دائمًا فعل مقاومة ضد التكرار والابتذال والقبح.

وفي الثقافة العربية، ظل الشعر يحتل مكانة استثنائية لأنه كان الوعاء الأعمق للهوية والذاكرة والرؤية إلى العالم وتسريب الأفكار الفلسفية عبر المجاز والاستعارة التي تحيا بها . فالعرب لم يعتبروا الشعر مجرد فن، بل جعلوه “ديوانهم” الذي يحفظ تاريخهم وقيمهم وأحلامهم. وربما لهذا السبب بقيت الثقافة العربية منحازة إلى البيان والبلاغة والإيقاع حتى بعد قرون طويلة من الكتابة. فثمة جذور شفاهية عميقة ما تزال تسكن الوعي العربي وتمنحه حساسيته الخاصة تجاه اللغة والشعر فحين يلتقي الشعر بالفلسفة، لا يعود الإنسان مجرد كائن يفكر أو يشعر، بل يصبح كائنًا يسعى إلى اكتشاف ذاته عبر اللغة والدهشة والحب. فالفلسفة تمنحه شجاعة السؤال، والشعر يمنحه حساسية الرؤية، وبينهما يولد ذلك الكائن القادر على تحويل القلق الوجودي إلى طاقة خلاقة.

إن أعظم ما يمنحه الشعر والفلسفة للإنسان ليس الحقيقة النهائية، بل القدرة على مواصلة البحث عنها. فالحياة ليست جوابًا جاهزًا، بل تجربة مفتوحة على التأويل والاحتمال. وربما لهذا السبب سيظل الإنسان، مهما بلغ من العلم والتقدم، محتاجًا إلى الشعر كما يحتاج إلى الفلسفة؛ لأنهما معًا يذكرانه بأنه أكثر من مجرد كائن عابر في هذا العالم، وأن داخله دائمًا شرارة تبحث عن المعنى والجمال والخلود.

وعند مفترقُ الطُّرُق ننشد مع البردوني

يَا شِعْرُ يَا تَارِيخُ يَا فَلْسَفَةُ

مِنْ أَيْنَ يَأْتِي، قَلَقُ المَعْرِفَةِ؟

مِنْ أَيْنَ يَأْتِي؟ كُلَّ يَوْمٍ لَهُ

غَرَابَةُ رَائِحَةٍ مُرْجِفَةٍ

*

نَأْلَفُهُ شَيْئًا فَيَبْدُو لَنَا

غَيْرَ الَّذِي نَعْتَادُ كَيْ نَأْلَفَهُ

لَكِنْ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَمٌ

ثَانٍ، يَدٌ ثَالِثَةٌ مُرْهَفَةٌ

*

حِينًا لَهُ كِبْرٌ وَحِينًا لَهُ

تَوَاضُعٌ أَغْبَى مِنَ العَجْرَفَةِ

وَتَارَةً تَعْلُو وَتَهْوِي بِهِ

أَجْنِحَةٌ غَيْمِيَّةُ الرَّفْرَفَةِ

*

أَصَمُّ كَالأَحْجَارِ لَكِنَّهُ يَدْوِي،

وَلَا صَوْتَ لَهُ، لَا شَفَةٌ

يَنْوِي كَفَنَّانٍ، بِلَا فِكْرَةٍ يَغْلِي

كَطَيْشِ الفِكْرَةِ المُلحَفَةِ

*

نَحِسُّ أَنَّا مَأْسَوِيُّونَ لَا نَمْلِكُ

لِلْمَأْسَاةِ غَيْرَ الصِّفَةِ

يَجْتَرُّنَا الخُبْزُ، فَتَقْتَاتُنَا

مِنْ قَبْلِ أَنْ نَشْتَمَّها الأَرْغِفَةُ

*

نَمُوتُ أَلْفَيْ مَرَّةٍ كَيْ نَرَى

كُلَّ يَدٍ مَشْبُوهَةٍ، مُسْعِفَةٍ

*

يَا دُورُ يَا أَسْوَاقُ، مَاذَا هُنَا

مَوْتٌ تُغَاوِي، وَجْهُهُ الزُّخْرُفَةُ

رُعْبٌ صَلِيبِيٌّ، لَهُ أَعْيُنٌ

خُضْرٌ وَأَيْدٍ بَضَّةٌ مُتْلِفَةٌ

*

يَا فُنْدُقَ الزَّهْرَا، مَحَالٌ تَعِي

قَضِيَّةَ المَنْصُورَةِ المُؤْسِفَةِ

وَيَا مُخَا، مَاذَا سَيَبْدُو إِذَا

تَقَيَّأَتْ أَسْرَارُهَا الأَغْلِفَةُ؟

*

تَفَنَّنَ المَوْتُ فَأَضْحَى لَهُ

جِلْدٌ أَنِيقٌ، مِدْيَةٌ مُتْرَفَةٌ

يَمْتَصُّ بِالقَتْلِ الحَرِيرِيِّ كَمَا

يَحْتَاجُ، بِالوَحْشَةِ المُسْرِفَةِ

*

يَلْمَعُ الأَوْبَاءُ، كَيْ تَرْتَدِي

بَرَاءَةَ أَظْفَارِهَا المُجْحِفَةِ

مِنْ أَيْنَ نَمْشِي يَا طَوَابِيرُ

يَا سُوقًا مِنَ الأَنْيَابِ وَالهَفْهَفَةِ؟

*

مِنْ أَيْنَ يَا جُدْرَانُ يَا خِبْرَةً

تُزَوِّقُ التَّمْوِيتَ، وَالسَّفْسَفَةَ؟

مِنْ هَا هُنَا أَوْ مِنْ… وَتَجْتَازُنَا

مِنْ قَبْلِ أَنْ نَجْتَازَهَا الأَرْصِفَةُ

*

هَلْ نَنْثَنِي يَا شَوْطُ؟ هَلْ يَنْثَنِي

نَهْرٌ يُرِيدُ العُشْبَ أَنْ يُوقِفَهُ؟

هُنَا طَرِيقٌ لَا يُؤَدِّي هُنَا

دَرْبٌ إِلَى الرَّابِيَةِ المُشْرِفَةِ

*

هَذَا عَنِيفٌ، وَلَهُ غَايَةٌ

وَذَا بِلَا قَصْدٍ، وَمَا أَعْنَفَهُ!

 

سيكولوجيا الإزاحة في استبداد الدول الرخوة

إنَّ مفهوم "الدولة الرخوة"، كما سكَّه الاقتصادي غونار ميردال، لا يمثل مجرد عجزٍ إداري أو قصورٍ في آليات التنفيذ، بل هو توصيفٌ بنيويٌّ لحالةٍ من السيولة الوجودية التي تفتقر إلى صلبِ القانون. في هذه الدول، يغدو الفساد هو "القاعدة" لا الاستثناء، ويتحول غياب المؤسسات إلى إستراتيجية بقاءٍ تتبناها السلطة لتجنب المساءلة. إن الدولة هنا ليست كياناً ينظم المجتمع وفق عقدٍ اجتماعي، بل هي "ثقب أسود" يبتلع الحقوق ويُفرغ الرموز من دلالاتها، لتصبح المؤسسات مجرد هياكل ورقية لا وظيفة لها سوى إخفاء خواء الدولة الداخلي. إننا أمام كيانٍ لا يحكم، بل يتواجد فقط ليتعطل، محولاً إدارة الشأن العام إلى عملية إفراغٍ مستمرة للمعنى.

سياسة الإزاحة.. فيزياء الهروب من الذات

عندما تبلغ الدولة الرخوة حافة تناقضاتها الوجودية، لا تلجأ إلى الحل -لأن الحل يعني نهاية تبرير وجودها- بل تلجأ إلى "الإزاحة". هذه الإزاحة ليست تكتيكاً إدارياً، بل هي خديعةٌ فلسفية؛ إذ يتم ترحيل التوتر المتولد عن الفشل الداخلي نحو "آخرٍ مُتخيل". في الفلسفة السياسية لهذا النمط، يُعد إنتاج "العدو" ضرورةً وجودية. وبغيابِ عدوٍ حقيقي، تُخترع الدولةُ أعداءً وهميين من صميم المكونات الاجتماعية، لتتحول السياسة من تدبيرٍ للشأن العام إلى "إدارةٍ للأزمات" المتوالدة.

هنا نستحضر "ميشيل فوكو" في تحليله للسلطة؛ فالدولة الرخوة تمارس "سلطةً هشة" تفتقر إلى القوة الحقيقية، فتستعيض عنها بخلق "فضاء مراقبة" وهمي. إنها تحكم بـ "الاستثناء"؛ فهي تعيش في حالة طوارئ دائمة، لأن الطوارئ هي الفضاء الوحيد الذي يمكنها فيه ممارسة سلطتها دون رقابة، ودون الحاجة لتبرير فشلها. إن الإزاحة هي محاولة يائسة لاستعادة "الهيبة المفقودة" عبر وصم الآخر بالخيانة، وهي تطبيقٌ صارخ لـ "إرادة القوة" المشوهة عند نيتشه؛ حيث يعجز الضعيف عن الإبداع، فيلجأ إلى "الخديعة" و"الارتياب" كأدواتٍ للبقاء على قيد الحياة.

التضامن الشمولي.. تواطؤ الرخاوة والصلابة

ينشأ هنا تحالفٌ بين رخاوة الدولة وصرامة رأس المال الشمولي. إن هذا التضامن يتجاوز كونه مؤامرة مركزية؛ إنه منظومة مغلقة تتشكل من شبكات مصالح عابرة، تفرض منطقاً لا بديل له:

 احتواء كل شيء تحت مِطرقة الربح. في هذا الفضاء، تضمن النخب المحلية للمستثمرين استقراراً قسرياً يمنع أي فورة شعبية، وفي المقابل، يُغدق رأس المال على هذه النخب امتيازاتٍ تضمن بقاءها.

إن هذا التضامن الشمولي يعمل كآلة طحنٍ للهوية؛ فهو يربط مصير السلطة بمدى قدرتها على تقديم "تسهيلات استغلالية" للقوى العالمية، على حساب كرامة الفرد. الدولة هنا هي "شركة أمنية" تحمي استثمارات رأس المال مقابل عمولاتٍ سياسية للنخبة، مما يكرس بقاء الدولة "رخوة" بما يكفي لنهبها، و"شمولية" بما يكفي لقمع أي محاولةٍ للتحرر. إنه "تواطؤ وجودي" حيث تُباع الدولة قطعةً قطعة، ويتم استبدال السياسة الوطنية بمصالح عابرة للحدود، مما يحول المجتمع إلى ساحةٍ للمنافع بدلاً من كونه مساحةً للحقوق.

 سيكولوجيا الارتياب.. صناعة الإنسان المضطهد

إن ما نسميه "هوس الاضطهاد الجمعي" ليس مرضاً نفسياً، بل هو سياسة حكمٍ مُمنهجة. عندما تعجز الدولة عن منح مواطنيها الكرامة، تمنحهم "المظلومية الوجودية". يتم تحويل الإحباط الفردي الناتج عن الفشل التنموي إلى شعورٍ بالاضطهاد الجماعي. إن الارتياب ليس طارئاً، بل هو "بنية معرفية" تفرضها السلطة.

وظيفة الارتياب الفلسفية:

 حجب الحقيقة وقلب الحقائق؛ حيث يُصبح الفشل نجاحاً، ويُصبح الفقر زهداً وطنياً. الارتياب يحول الأنظار عن المسؤول الفعلي نحو "عدوٍ وهمي".

حين يسود الشك الجميع، يتفكك المجتمع إلى ذراتٍ منعزلة. الدولة الرخوة هي العدو الأول للعمل الجماعي لأنها تدرك أن الوعي الجمعي هو مقصلتها.

إن تغذية الشعوب بأن "الأسوأ لم يأت بعد" تضع المجتمع في حالة جمود عاطفي، تجعل من "البقاء في الحاضر البائس" غايةً قصوى، مما يمنع انبثاق أي أفقٍ للمستقبل.

في فلسفة اللغة.. تعرية آليات السلطة اللغوية

في الدول الرخوة، لا يتم فقط استغلال الموارد، بل يتم "احتلال اللغة". الكلمات تُفرغ من دلالاتها الأخلاقية لتصبح أدواتٍ لترسيخ الارتياب. إن اللغة هنا ليست وسيلة للتواصل، بل هي "قيدٌ إدراكي". عندما يتم توظيف مصطلحات مثل "الخيانة"، "الوطنية"، "الأجندات"، بشكلٍ مفرط، فإنها تفقد معناها وتتحول إلى أسلحةٍ سيميائية لقتل أي تفكير نقدي.

الدولة الرخوة تغتصب اللغة؛ فـ"القانون" يُستخدم لقمع الحقوق، و"السيادة" تُستخدم لتبرير العزلة. حين  لا تعود الكلمات قادرة على وصف الواقع، يموت العقل الجمعي. الصمت في هذه البيئة ليس عجزاً، بل هو فعلُ "احتجاجٍ أخلاقي" ضد تلوث المعنى. إن استعادة الكلمات من قبضة السلطة هي أول خطوة في طريق التحرر الفكري، إذ يجب أن نكف عن استعمال لغة الجلاد لنصف حالتنا.

الهروب الفلسفي.. التحلل من سطوة القطيع

تطرح الفلسفة التفكيكية هنا "الهروب" ليس كضعف، بل كفعلٍ وجوديٍ جذري. إنه "تأميم للذات"؛ حين تسترد الفردانية سيادتها من فضاءات عامة لوثتها سياسة الإزاحة. إن رفض المشاركة في "لعبة الارتياب" هو صمتٌ مقصود؛ أنت ترفض أن تُحشر في "كتلة" تطالبك بالهتاف للعدم.

هنا نجد "جان بول سارتر" في نقده لـ "سوء النية"؛ فالفرد الذي يختار الانخراط في بارانويا الدولة يمارس "سوء نية" تجاه حريته، لأنه يقبل أن يُصاغ وجوده من قِبل الآخرين. إن الهروب هنا ليس جبناً، بل هو "موقف وجودي" يرفض أن يكون الفرد موضوعاً في يد السلطة. إنه استراتيجية للنجاة بالعقل من صخب التضليل الشمولي. إن هذا الانسحاب هو فعلٌ استباقي لمنع الذات من الانخراط في "تضامنٍ كاذب" يُطيل عمر الاستبداد، وهو اعترافٌ بأن الفرد لا يجد ذاته إلا بعيداً عن ضجيج الأوهام.

العدمية الوجودية.. أفق التحرر الفردي

إذا كان العالم يتجه نحو العدم، فإن الانسحاب الجمالي والفكري يمثل الطريق الوحيد للحفاظ على ما تبقى من إنسانية الفرد. إن "التحلل الفردي" لا يعني الاستسلام، بل يعني نزع الشرعية عن المسرحية السياسية برمتها. الفرد الذي يرفض أن يكون "بيدقاً" هو التهديد الحقيقي؛ لأن الشمولية تبحث عن الكتلة الصماء، بينما الحرية لا تُولد إلا في الفرد الواعي.

في هذا السياق، تصبح العدمية أداةً نقدية؛ فهي تنظر إلى هياكل الدولة الرخوة وتراها على حقيقتها:

إنَّ التحرر يبدأ عندما يدرك الفرد أن "النظام" ليس قدراً، بل هو بناء هش يقتات على إيمان الناس بقدسيته. إنَّ "الهروب نحو الداخل" هو محاولة لبناء "لغة جديدة" و"منطق جديد" لا يخضع لمعايير الرخاوة. إنَّ التحرر الفردي هو اللبنة الأولى في تفكيك الصرح الشمولي، وهو الطريق الوحيد الذي يجعل السلطة تواجه فراغها الخاص بعد أن يرحل عنها الممثلون، ولا يتبقى إلا الواقع العاري من أقنعة الإزاحة والبارانويا.

إن الإنسان في الدول الرخوة هو مسجونٌ في "عدميّةٍ مفروضة"، والخروج منها لا يتم عبر ثورةٍ جماعية قد تُختطف، بل عبر "ثورة الفرد على عدَمِيَّته". أن الوعي بالعدم هو بداية الوجود، وأن السلطة الرخوة التي تقتات على خوفنا، ستموت فور أن نكف عن الخوف منها، وفور أن ندرك أننا لسنا "جزءاً" من رخاوتها، بل نحن "الكل" الذي لا يكتمل إلا بحريتنا الفردية المطلقة. إن الوجود الذي لا يُمارس كفعلِ تحررٍ، هو مجرد استمرارٍ للعدم، ونحن هنا لنختار الوجود.

هذا النقد يشير إلى أن التحرر من هذه الحلقة لا يتطلب "تقوية" الدولة بالمعنى القمعي، بل يتطلب استعادة "الفعل العام" وإعادة توطين القرار السياسي والاقتصادي داخل النسيج الاجتماعي الأصيل، بعيداً عن منطق "التضامن الرأسمالي" الذي يرى الشعوب مجرد كتل بشرية للإزاحة أو الاستهلاك الاستلاب هنا هو استلاب عن "الذات الحقيقية". فعندما تذوب الحدود بين الفرد والمجموع، وبين الوطن والسلعة، يفقد الفرد القدرة على التمييز بين ما يريده هو وبين ما يمليه عليه النظام القائم إن التحرر من هذا يبدأ لحظة إدراك الفرد أنه ليس مجرد "أداة" في دورة الإنتاج، بل هو "ذات" تملك حقاً أصيلاً في صياغة معنى وجودها خارج إطار السوق، وخارج منطق الإزاحة.

***

غالب المسعودي

 

حدود التفكير البنيوي في الفلسفة المعاصرة

تُعَد إشكالية التوتر بين طموح النسق إلى الامتلاء وضرورة الانفتاح على الخارج من أكثر الإشكاليات إلحاحاً في الفلسفة المعاصرة، ذلك أن التفكير البنيوي منذ انبثاقه في اللسانيات السوسيرية ثم امتداده إلى الأنثروبولوجيا والنقد الأدبي والتحليل النفسي لم يكف عن المناورة بين رغبتين متعارضتين: الرغبة في بناء شبكة مفاهيمية قادرة على تفسير الظواهر انطلاقاً من علاقات داخلية متوازنة والرغبة في البقاء ملامساً لكثافة الواقع وتدفق الزمن وفرادى الأحداث. وإذ كان فرديناند دو سوسير قد أسس مفهوم اللغة كنظام من الاختلافات الخالصة حيث لا إيجابيات إلا بالعلاقة، فإن هذا التأسيس نفسه أفضى إلى معضلة كبرى، وإذا كانت كل هوية لغوية مشروطة بغيرها فأين يمكن للنسق أن يجد نقطة ارتكاز خارج نفسه؟ وإذا كان كل معنى يتحدد سلبياً بالاختلاف فكيف يمكن للكلام الحي أن يشير إلى عالم خارجي دون أن يختزل إلى مجرد لعبة دالات؟

هذه المعضلة التي ظلت كامنة في جذور البنيوية تفجرت مع موجات ما بعد البنيوية حين أظهر مفكرون مثل جاك دريدا وميشال فوكو وجيل دولوز أن الحدود التي ترسمها البنية ليست حواجز طبيعية بقدر ما هي عوارض تاريخية وتمثلات سلطوية تخفي مركزاً غائباً أو إقصاءً مؤسساً. فإذا كان كل نسق يحتاج إلى مؤسس لكي يقوم فإن هذا المؤسس لا يمكن أن يكون داخل النسق دون أن يحيل إلى تسلسل لا نهائي ولا يمكن أن يكون خارجه دون أن يتحول إلى ميتافيزيقا غيبيّة تعيد إنتاج ما كانت البنيوية قد حاولت تجاوزه أي "حضور" متعال يضمن النظام. ومن هنا ينشأ سؤال جوهري يهز أركان المشروع البنيوي برمته، هل يمكن لفلسفة أن تقوم على نسق مغلق دون أن تغتال الحياة والزمن والتاريخ؟ وهل يمكن لها بالمقابل أن تنفتح كلية على السيولة دون أن تذوب في لا شكلية لا تحتمل؟

هذه التوطئة ترمي إلى وضع حدود السؤال الذي سيتناوله المقال بالتفصيل مركزاً على الكيفية التي واجهت بها الفلسفة المعاصرة هذا التوتر بين النسق والانفتاح وعلى البدائل التي اقترحتها للخروج من المأزق الثنائي. وسنحلل في ثنايا المقال كيف حاولت البنيوية بتياراتها المختلفة الإمساك بالعالم من خلال أنساق أفقية شاملة ثم كيف انقلب هذا الطموح على نفسه مكشفاً عن آلياته القمعية وحدوده البنيوية. وسنناقش أيضاً محاولات تجاوز هذا التوتر عبر مفاهيم مثل الاختلاف والتفكيك والريزوم معرجين على طروحات الفلاسفة والمفكرين الذين عايشوا هذه الإشكالية بأبعادها الابستمولوجية والوجودية والسياسية. والغاية ليست الحسم لمذهب على حساب مذهب بل استكناه طبيعة التوتر نفسه بصفته شرطاً للتفكير الحي وإظهار أن الفلسفة حين تدرك حدود أنساقها تكون عندئذ فقط قادرة على أن تظل مخلصة لرسالتها الأولى وهي التساؤل بلا هوادة.

حين تُفتح أبواب الفلسفة على سطوح النسق المتراص وتُغلق في الوقت نفسه على أزقة الانفتاح المتشعبة، نجد أنفسنا أمام توتر أصيل لا محيد عنه: توتر بين رغبة النسق في الامتلاء والانغلاق وبين نداء الانفتاح الذي لا يكف عن تذكير التفكير بحدوده الجوهرية. هذا التوتر في صميم المشروع البنيوي المعاصر ليس مجرد إشكالية عابرة أو أزمة منهجية قابلة للحل بل هو شرط وجود الفلسفة نفسها، ذلك أن التفكير البنيوي في طموحه إلى صوغ شبكة مفاهيمية قادرة على استيعاب الكل يصطدم دائماً بذلك الباقي الفائض الخارج عن النظام بما هو ثغرة في النسيج المنطقي للبنية. وإذا كان فرناندو دي سوسير قد أرسى قواعد اللسانيات البنيوية على مبدأ "اللغة نظام من الاختلافات الخالصة" فإن هذا النظام على بديع تماسكه الداخلي يظل مفتقراً إلى أي إيجابية جوهرية أي إلى تلك اللحظة الحيَّة التي تمنح الكلمات دفئها الوجودي خارج شبكة العلاقات الشكلية. وينشأ هنا السؤال المحرج هل يمكن للبنية أي بنية أن تمسك بنفسها دون أن تترك بقيةً ما دون أن تخون شيئاً من كثافة الواقع؟

إن الفلسفة البنيوية في ذروة عنفوانها كانت حلماً قديماً متجدِّداً، حلم الرياضيات الكونية أو حلم القواعد التوليدية التي تفسر كل الظواهر انطلاقاً من عدد محدود من العناصر وقوانين التركيب. نقف هنا على أعتاب كلود ليفي شتراوس ذلك الإنسان الذي جعل من الأنثروبولوجيا البنيوية مختبراً للعقل الإنساني معتقداً أن الأنساق الأسطورية والقرابية تعمل وفق منطق محكم لا يختلف كثيراً عن منطق الشطرنج. لكن حتى في لعبة الشطرنج يظل الحقل مفتوحاً على ما لا يحصى من التحركات الممكنة وعلى فائض من الإمكان الذي لا يمكن اختزاله إلى القوانين الجامدة. وإذا كان ليفي شتراوس يرد في "الفكر المتوحش" أساطير الشعوب البدائية إلى بنى ذهنية تتوسط بين الحسي والعقلي فإن هذا الرد يظل أسير معضلة مركزية، من أين يستمد النظام البنيوي سلطته التفسيرية إن لم يكن من مؤسس خارجي ومن خارج البنية؟ أليس هذا التأسيس نفسه يعيد إنتاج ما حاول تفاديه أي فكرة "المعنى القبلي" أو "الأصل الثابت"؟ هنا يتدخل جاك دريدا بمشروعه التفكيكي الحاد ليكشف عن أن البنيوية في لحظة تأسيسها تحتاج إلى "مركز" يثبتها وإلى "حضور" يؤسس اللعبة الاختلافية لكن هذا المركز سرعان ما يتبدّى على أنه ليس مركزاً بالمعنى الكلاسيكي بل هو فراغ، أثر، اختلاف يعود إلى ما لا نهاية. يقول دريدا في "الكتابة والاختلاف": "لقد عشنا دائماً في علاقة مركز – غائب، لأن البنية تتطلب مركزاً يوقف اللعب لكن هذا المركز هو نفسه لاعب في اللعبة أو هو خارجها". تلك هي المفارقة البنيوية القاتلة لا يمكن للنسق أن يغلق نفسه دون أن يترك فرجة ولا يمكن أن ينفتح دون أن يهدد تماسكه.

ما يبدو هنا هو أن التوتر بين النسق والانفتاح ليس مجرد خلاف مدرسي بين تيارات فكرية بل هو تجسيد لمعضلة أعمق، معضلة الزمان. فالبنية بفعلها نزوعاً طبيعياً إلى التزامن وإلى القبض على العلاقات كما هي متعايشة في لحظة واحدة حيث تصادف أن الزمن بوصفه بعداً كوناً لا يردّ وهو الذي يضخ في الشرايين البنيوية النبض الحيوي للتحول. وكيف يمكن لبنية أن تفسر التغير دون أن تتحول إلى ما ليس بنية؟ لقد حاول جان بياجيه في نظريته البنيوية التكوينية، التوفيق بين البنية والتاريخ معتبراً أن البنيات تتوالد وتبنى عبر آليات التوازن والتكيف، لكن هذا الحل يظل برأي العديد من النقاد هروباً إلى الأمام لأنه لا يفسر اللحظة المفاجئة والحدث الذي لا يسبقه أي قانون والثورة المفاجئة التي تُفجِّر كل الترقبات. أما ميشال فوكو في "الكلمات والأشياء" فقد ذهب أبعد من ذلك حين أعلن أن العصور المعرفية (الإبستيميات) منغلقة على نفسها وأن القطيعة المعرفية هي التي تفصل بين بنية وأخرى. لكن هذا الموقف نفسه يوقع فوكو في تناقض لافت، فبينما يصر على نسبية كل إبستيمية ويحلل أنظمتها الخطابية الداخلية فإنه لا يستطيع أن يفسر كيف يمكن للمرء أن يعرف إبستيمية ماضية دون أن يقحم فيها شيئاً من إبستيمية الحاضر. أليست مقولته عن "القطيعة" نفسها نتاجاً لنسق معرفي معاصر؟ ألم يظل فوكو بفضل حساسيته المفرطة تجاه الانغلاق أسيراً لبنية ضمنية هي بنية "اللافواصل" بين الفواصل؟

ليس الهدف هنا تصفية الحساب مع البنيوية بل النبش في مكمن عذابها، أي أنها تريد أن تكون شاملة ومكتفية ذاتياً لكنها لا تستطيع الاستغناء عن "الآخر" الذي ترفضه. ذلك الآخر يمكن أن يكون التاريخ أو الفاعل الإنساني بوعيه وإرادته أو الجسد بغرائزيته ودلالاته المفرطة أو اللغة بثنياتها وإيحاءاتها التي تتفلت من شبكة العلاقات الفارقة. لهذا السبب يظل الموروث الهوسرلي من خلال مفهوم "العالم الحي" (الليبنزويلت)، ناقوس خطر في أذن كل بناء بنيوي. فإذا كانت البنيوية تتوهم أنها تستطيع تعليق الواقع ووضعه بين قوسين فإن هوسرل يذكرنا بأن كل نظام دلالي يفترض أفقاً معاشاً، سياقاً غير موضوعي، يجعل الدلالة ممكناً أصلاً. هذا الأفق يسبق البنية ويتجاوزها؛ إنه التربة التي تنبت منها كل الأنساق، لكنه لا ينضوي تحت أي نسق. وهذا ما عبّر عنه موريس ميرلوبونتي حين تحدث عن "الجسد الحي" كوسيط بين الذات والعالم، جسد لا يمكن اختزاله إلى علاقات مكانية وزمانية موضوعية بل هو بنية مفتوحة أساساً ومشرعة على الآخر وهي تتشكل في الحوار والتعبير أكثر مما تتشكل في الحسابات الجبرية.

ومع ذلك ينبغي أن ننصف البنيوية، إن إصرارها على النسق ليس مجرد جنون العظمة النظري بل هو إجابة مشروعة على فوضى المعنى وتشتت الدلالات. العالم المعاصر يفيض بالعلامات المنفلتة وبالأصوات المتصارعة وبالصور العائمة ولا مناص من إعادة بناء تماسك ما ومن فرض نظام على هذا الانهمار السيالي. لكن الثمن هو التضحية بفائض الحضور، بذلك البريق الوحيد الذي يجعل الكلمات تشير إلى أشياء لا إلى كلمات أخرى فحسب. إن فلسفة جيل دولوز وفيليكس غوتاري في "ألف هضبة" تجسد محاولة يائسة جميلة للخروج من هذا المأزق، لا بالعودة إلى البنية المغلقة ولا بالاستسلام للفوضى الكاملة بل بابتكار مفهوم "الريزوم" (الجذمور) الذي لا مركز له ولا بداية ولا نهاية ولا نظام هرمي، وإنما هو اتصالات وتشعبات وتحولات متساوقة. الريزوم هو ضد البنية لكنه أيضاً ليس ضد النظام، إنه نظام الفوضى المنظَّمة أو الفوضى التي تخلق نسقها الخاص أثناء سيرها. ورغم أن هذا المفهوم بديع في إيحاءاته إلا أنه يظل عرضة لنفس السؤال النقدي، أليس الريزوم نفسه بنية؟ ألا ينطوي على قواعد ضمنية تحكم تشكيله؟ عند هذه النقطة يتضح أن الهروب من البنية مستحيل وأن الدخول فيها هو شرط الفكر نفسه.

يبقى أن نعرج على الصلة بين هذا التوتر ومشكلة السلطة، فالأنساق البنيوية ليست محايدة أبداً؛ بل تحمل في طياتها نزعة إلى التثبيت وإلى الحفاظ على الوضع القائم وإلى جعل ما هو عابر أبدياً. ليس من قبيل المصادفة أن نقاد البنيوية من مدرسة فرانكفورت إلى ميشيل دو سيرتو، ربطوا بين "النسق" و"الكلية" المطلقة وبين "الكلية" و"العنف". فكل نسق بفعل تعطشه إلى الشمول يميل إلى قمع المختلف وإلى جعل الشاذ خارجاً عن القاعدة وإلى محو الفردي واللحظي لمصلحة القوانين الكلية. لكن التفكير الحي كما فهمه تيودور أدورنو في "نظرية جمالية"، هو الذي يحافظ على التوتر ولا يذيب التناقض في تركيب سلمي بل يجعله يعمل ويعيش داخل المفهوم. المفهوم عند أدورنو لا يطابق الشيء بل يشير إليه مشيراً إلى عجزه عن احتوائه كلياً؛ وهذا العجز هو بالضبط ما يسميه "غير المتطابق". وبالتالي فإن الفلسفة الأصيلة ليست تلك التي تصوغ بنية مبرهنة خالية من الثغرات بل التي تجرؤ على الوقوف في الثغرة نفسها وعلى العيش في التوتر بين ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله وبين المنسجم والمتنافر وبين النظام والفائض.

وفي خضم هذا كله تبرز العودة إلى اللغة ليس كموضوع للتحليل البنيوي فحسب بل كحقل معركة حيث يتجلى التوتر بأقسى صوره. فاللغة كما علّمنا إميل بنفنيست هي ذلك النظام العجيب الذي يمكنه أن يحكي عن نفسه وأن يذكر شروطه الخاصة وأن ينطق بحدوده. في هذه الآلية الانعكاسية تظهر اللغة وهي تنقض ذاتها، إنها بوصفها بنية تُعلن عن عجزها عن البقاء بنية خالصة لأنها مضطرة إلى استعمال ألفاظ وعبارات تشير إلى خارجها. كل جملة نحوية صحيحة تحمل في طياتها إمكانية التجاوز وإمكانية العبث بالقواعد وإمكانية الإبداع. وهذا ما جعل رومان ياكوبسون في نظريته عن وظائف اللغة يميز بين الوظيفة الشعرية التي تركز على رسالة اللغة ذاتها وبين الوظائف المرجعية والعاطفية والدالاتية التي تفتح اللغة على العالم وعلى المتكلم وعلى المخاطب. إن التوازن بين هذه الوظائف هو الذي يحول اللغة من آلة صماء إلى فضاء حي ومن جدول الضرب إلى قصيدة ومن البنية الجامدة إلى الأسلوب الفريد.

إن ما نستشفه من كل هذا السجال هو أن التوتر بين النسق والانفتاح ليس أزمة عابرة وإنما هو بنيوي بالمعنى الأعمق، إنه جزء لا يتجزأ من فعل التفكير نفسه. فالتفكير إما أن يكون نسقياً فيستقر في هوامشه فائض لا يفسر وإما أن يكون منفتحاً فيذوب في سيولة لا ضابط لها. الفيلسوف البارع هو الذي لا يختار أحد الطرفين بل الذي يصبح وصياً على علاقتهما المتوترة وحارساً للفجوة التي تجعل الفلسفة ممكناً. هكذا نرى أن حدود التفكير البنيوي ليست نقصاً فيه بل هي طبيعته تماماً كما أن حدود النظر لا تعني عمى العين بل هي شرط رؤيتها. هذه الحدود هي الجدران التي يضرب بها الفكر ليعلن عن نفسه وهي النوافذ التي منها ينفتح على ما لا يحد ولا يحصر. وفي هذه المنطقة الهامشية بين الجدار والنافذة وبين الإغلاق والإبحار تعيش الفلسفة المعاصرة عذابها ولذتها معاً، عذاب العجز عن الامتلاء الكلي ولذة الحركة الدائمة نحو أفق لا يقبض عليه.

غير أن هذا التوتر الذي يشبه في كوامنه توتر القوس بين طرفيه ليطلق السهم لا يمكن اختزاله إلى مجرد مشكلة معرفية قابلة للحل البرهاني إذ إنه يتصل بأعمق طبقات الوجود الإنساني في العالم وبعلاقة الإنسان بالزمن، بجسده، بموته بل وبالآخر الذي لا يشبهه. فإذا كانت البنية في انغلاقها الجميل تحلم بزمن دائري أو متزامن فإن الانفتاح يفضي بنا إلى زمن خطي متشظٍ وإلى زمن الحدث الذي لا يتكرر وإلى زمن المفاجأة والصدفة الخلاقة. وتعيد فلسفة هنري برغسون رغم سبقها للبنائية طرح نفسها كمنبه حي، فالزمن الحقيقي عند برغسون ليس توالياً كمياً للنقاط المتجانسة بل هو "المدة" النوعية، التدفق الحي الذي لا يخضع للتقطيع المفاهيمي. والبنية بتركيزها على العلاقات الثابتة لا تستطيع الإمساك بالمدة إلا بعد تحويلها إلى فضاء بعد قتلها تجريدياً. إن ما تخسره البنيوية في لحظة انتصارها التصنيفي هو بالضبط ذلك البعد النوعي للحياة وتلك النغمة الفريدة التي تجعل من كل لحظة حدثاً لا يعوض. وإذا كان كلود ليفي شتراوس قد أعلن أن الأنثروبولوجي يحب أسطورته كما يحب الموسيقي سمفونيته في إشارة إلى الإمكانية اللانهائية لإعادة تركيب العناصر المحدودة، فإن هذا الحب يظل حباً كمنظومة من العلاقات لا حباً كتجربة عابرة للحياة والموت.

على الجانب المقابل نجد أن الانفتاح المطلق إذا أصر عليه الفكر بغير تحفظ لا يؤدي إلى الخصب بل إلى الذوبان وإلى فقدان كل معيار تمييزي وإلى تلك الحالة التي وصفها فيلسوف الوجود كارل ياسبرز بـ"الانحلال" أمام لا محدودية الاحتمالات. فالتفكير لا يمكنه أن يستغني كلياً عن لجام النسق تماماً كما لا يمكن للرائي أن يرى بلا شبكية تلتقط الضوء وتنظمه. البنية بمثابة الشبكية التي تسمح للعالم الظاهر بالظهور بالذات ولكنها تظل شرطاً سالباً أكثر منه شرطاً موجباً، إنها تحدد ما يمكن رؤيته بتحديد ما لا يمكن رؤيته. هذه المفارقة هي جوهر الفكر البشري وهي التي تجعل من الفلسفة المعاصرة بكل تياراتها المتنازعة ساحة يعاد فيها اختراع التوازن بين الجاذبية نحو النظام والطرد نحو اللانظام.

ولعل من أكثر التجليات عمقاً لهذا التوتر هو ما يحدث داخل التحليل النفسي وتحديداً في مدرسة جاك لاكان التي جمعت بين البنيوية اللسانية والنظرية الفرويدية. لاكان في عزمه على إرجاع العقل اللاواعي إلى "بنية اللغة" قدّم أداة قوية لفهم الأعراض والهواجس والأحلام باعتبارها نصوصاً تخضع لقوانين التحول والإزاحة والتكثيف. اللاواعي عند لاكان "منظم كاللغة"؛ إنه يخضع لنظام الفارق ولإيقاع الدال ولانزلاق المعنى الذي لا يتوقف. لكن هذه البنيوية اللكانية في عنفوانها النظري تصطدم بذلك "الحقيقي" الذي يرفض الرمزة بذلك الأثر الجسدي الصامت الذي لا يقبل الترجمة إلى خطاب. "الحقيقي" عند لاكان هو المستحيل وهو ما يعجز الرمز عن احتوائه وما يظل خارجاً مثل بقعة عمياء في شبكة الدوال. وهنا تجسيد بالغ للتوتر، البنية الرمزية تحاول أن تغلف كل شيء لكن الحقيقي يعود ليثقبها ولينتج الصدمة والصدمة بعد الصدمة. هذا "الحقيقي" ليس شيئاً مادياً بسيطاً بل هو حدود البنية نفسها وهو ما يكشف أن البنية ليست كل شيء وأن هناك فائضاً لا يرد على الإطلاق.

من جهة أخرى يمثل السجال مع الظاهريات نقطة ارتكاز حاسمة في هذا السياق. فالظاهريات منذ هوسرل وحتى ميرلوبونتي لم يرفض البنية جملة وتفصيلاً وإنما أعاد وضعها ضمن أفق أوسع هو أفق "العالم المعاش". كل بنية عند الظاهريات مشروطة بقصدية سابقة عليها وبحضور يعيشه الجسد والوعي قبل أي تنظيم مفهومي. لكن الظاهريات نفسها لا تخلو من توترها الخاص، فهي حين تتحدث عن "القصدية" و"التوجّه نحو" فإنها تميل إلى تفكيك الجمود البنيوي لكنها تظل بحاجة إلى نوع من "البنية المتعالية" التي تنظم الإدراك. وهكذا نجد أن الظاهريات والبنيوية ليستا طرفين متقابلين تماماً وإنما هما وجهان لعملة واحدة، عملة الرغبة الفلسفية في السيطرة على المعنى مع الاعتراف الدائم باستعصائه.

ولابد هنا من استحضار صوت آخر، صوت النقد النسوي الذي فضح البنى الأبوية الكامنة في أنساق الفكر الغربي. نسويات مثل جوليا كريستيفا ولوس إيريغاراي أظهرتا كيف أن البنى الفلسفية التقليدية منذ أفلاطون إلى هيجل إلى فرويد، بنيت على الإقصاء الأنثوي وعلى جعله "الآخر" غير القابل للتمثيل داخل النظام الذكوري المغلق. البنية الأبوية والتي تزعم الكلية والعقلانية تعيش على استبعاد الصوت الأنثوي وعلى طمس الاختلاف الجنسي الحقيقي تحت ستار الحياد المزعوم. ومن هنا فالانفتاح على "النسوي" ليس مجرد تنويع في قائمة المواضيع وإنما هو اختبار لصدقية كل بنية، هل تستطيع أن تقبل المختلف دون أن تدمجه وأن تترك له مساحة لا تقل عن مساحة المطابق؟ إن الإجابة في معظم الفلسفات البنيوية الكلاسيكية كانت سلبية مما عرّضها لاتهامات مشروعة بالعمى عن النوع الاجتماعي وعن كل ما هو "آخر" بصفة عامة.

لا يخرج من هذا المأزق إلا فلسفة لا تدّعي أنّها فوق التوتر بل تحيا فيه وتتنفس منه. فلسفة تعترف بأن النسق ضروري لكنه ضرورة مؤقتة وقابلة للنقض ومهددة باستمرار من الداخل والخارج. هذه الفلسفة تكون أشبه ما تكون بنسيج عنكبوتي ممتد بين أغصان شجرة، النسيج منظم وله مركز وأطراف وقواعد، لكن الأغصان تتحرك بالريح والحشرات تمزقه هنا وهناك، والمطر يبلله وهو نفسه يُعاد نسجه كل يوم. هذا التشبيه المتواضع، قد يكون أقرب إلى حقيقة التفكير الحي من تلك القصور البلورية التي شيدتها البنيويات العظمى.

إن ما يتوصل إليه هذا التأمل لا يمكنه أن يعلن نصراً نهائياً لأي طرف بل يجب أن يرسم أفقاً ثالثاً: أفق 'التفكير في الحدود'. فالحدود هي ما يجعل الشيء موجوداً وليس غيره؛ إنها مبدأ التعيين والتميز.

لكن الحدود هي أيضاً ما يُفتَرض تجاوزه وما يُعاش كحاجز ودعوة في آن. التفكير البنيوي يذكّرنا بأننا لا نفكر خارج أشكال وقوالب وقواعد – وإلا وقعنا في الفوضى الطائشة. والتفكير بالانفتاح يذكّرنا بأن هذه الأشكال والقوالب لا تمسك بكل شيء وأن هناك دائماً بقية صدى وأثر، نزفاً لا يلتئم. الفيلسوف الحقيقي إذا جاز التعبير هو من يبقى على حافة هذا التوتر، متوازناً على شفا السكين لا يطمئن إلى بناء مهما بلغت متانته ولا ينساق وراء هدمه مهما كان مُغرياً. لأن الفلسفة في العمق ليست بناءً ولا هدماً بل هي السؤال المتواصل عن إمكانية البناء وإمكانية الهدم في آن. هي شهود على أن كل نسق ينطوي على تفكيكه المحتمل وأن كل انفتاح يحمل في جعبته بذور نظام جديد. وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة فهي أن حدود التفكير البنيوي ليست عيباً بل هي مصدر قوته الحقيقية، فبواسطة هذه الحدود فقط يمكن للفكر أن يلمس ما وراءها وأن يعرف أنه حين يعرف فإنه لا يعرف إلا في ظل الجهل الذي لا يفارقه. بتلك المفارقة وحدها تبقى الفلسفة حية تتنفس في التوتر الخصب بين أضلاع البنية وفضاء الانفتاح.

***

د. حمزة مولخنيف

مقاربة فلسفية شرقية

مقدمة: "لكي تعيش الحياة على أكمل وجه، ليس من الضروري أن تتصرف. لكي تعيش الحياة على أكمل وجه، من الضروري أن تكون." - لاو تسي

الطاوية حكمة صينية قديمة تقوم على الانسجام مع الطبيعة، والتخلي، ومفهوم وو وي (اللا فعل). نصوصها المقدسة، المنسوبة في المقام الأول إلى الفيلسوفين لاو تزو وتشوانغ تزو، مليئة بالحكم الخالدة للعيش وفقًا لتدفق الكون. في التقاليد الفلسفية الشرقية، خاصة الصينية، لا تُفهم الحكمة كمجرد تراكم معرفي أو قدرة تحليلية منطقية، بل كحالة وجودية عميقة تتعلق بالانسجام مع النظام الكوني الأساسي. من هذا المنطلق، تختلف هذه المقاربة جذرياً عن الرؤى الغربية التي غالباً ما تربط الحكمة بالعقلانية، الاستدلال المنطقي، أو البحث عن الحقائق المطلقة من خلال الجدل والتحليل. في الشرق الصيني، الحكمة هي فن العيش في تدفق الوجود الطبيعي، بعيداً عن التدخل الإرادي المفرط، وهي تتجسد في القدرة على التوافق مع التغيرات الدائمة للواقع دون مقاومة. كما تشكل الفلسفة الصينية ثالوثاً أساسياً يجمع بين الكونفوشيوسية (التركيز على النظام الاجتماعي والأخلاق) والبوذية (التركيز على التحرر من المعاناة) والطاوية (التركيز على الانسجام الكوني). ومع ذلك، يبرز مفهوم الطاو كأحد أعمق تجليات الحكمة الصينية، إذ يمثل الطريق الأبدي، المبدأ الكوني الذي ينظم الكون بأكمله بطريقة عفوية وغير قسرية. هذه الدراسة تتناول مفهوم الحكمة الصينية من خلال نموذج الطاو، مستكشفة أبعاده الوجودية والمعرفية والأخلاقية والعملية، ضمن مقاربة فلسفية شرقية تؤكد على الخبرة الحية أكثر من النظرية المجردة. فكيف تبلورت الحكمة في السياق الشرقي الصيني؟ وماهي خصوصية فلسفة الطاو؟

أصول الحكمة الصينية ومكانة الطاو

"رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة." - لاو تسي

تعود جذور الحكمة الصينية إلى آلاف السنين، متأثرة بملاحظة الطبيعة والتغيرات الموسمية والكونية. كان الصينيون القدماء يرون الكون ككيان حيّ ديناميكي، يتسم بالتوازن بين قوتين متكاملتين: الين واليانغ. الين يمثل الظلام، اللين، الاستقبال، والأنثوي؛ بينما اليانغ يمثل النور، القوة، النشاط، والذكوري. الحكمة تكمن في إدراك أن هذين القطبين ليسا متعارضين بل متكاملين، يتدفقان في دورة أبدية تشكل نسيج الوجود. على هذا النحو يأتي مفهوم الطاو كتتويج لهذا التصور. الطاو ليس "شيئاً" يمكن تحديده أو وصفه بالكلمات، بل هو الطريق الأصلي، المصدر غير المنظور لكل ما هو موجود.

كما يُعبّر عنه في النصوص الكلاسيكية، "الطاو الذي يمكن النطق به ليس الطاو الأبدي"، مما يشير إلى أن الحكمة الحقيقية تتجاوز اللغة والمفاهيم، وتتطلب خبرة مباشرة وتجربة وجودية. الطاو هو العملية الذاتية للواقع ( الطبيعي التلقائي)، حيث ينشأ كل شيء عفوياً دون تدخل خارجي.  في هذا السياق، الحكيم الصيني (الذي غالباً ما يُرمز له بالـ"شنغ رن" أو الإنسان الكامل) ليس من يمتلك معرفة نظرية واسعة، بل من يعيش في وئام تام مع الطاو. يتجلى ذلك في شخصية لاو تسي، الذي يُنسب إليه كتاب "التاو تي تشينغ" ، الذي يُعد مرجعاً أساسياً للحكمة الطاوية. هذا الكتاب لا يقدم تعاليم دوغمائية، بل تأملات شعرية ومفارقات تدعو إلى العودة إلى البساطة الأصلية.

الأبعاد الفلسفية للحكمة الطاوية

"الرضا بما لديك هو الغنى." - لاو تسي

تُعلّم الطاوية أنه بالتوقف عن مقاومة مجرى الأمور بشكل مصطنع، يسمح المرء للأمور بأن تُحلّ من تلقاء نفسها. بهذا المعنى"الحكيم يقود باللا فعل." – كما يرى لاو تسي في كتابه تاو تي تشينغ

1. البعد الوجودي

يُرى الطاو كمبدأ أولي سابق على السماء والأرض، مصدر كل الأشياء العشرة آلاف. ليس خالقاً شخصياً، بل قوة كونية محايدة وشاملة تنظم التغيير الدائم. الحكمة هنا هي إدراك أن الوجود ليس ثابتاً، بل تدفق مستمر. مقاومة هذا التدفق تؤدي إلى الاضطراب، بينما التوافق معه يحقق الانسجام. يُشبه الطاو الماء: لين، يتدفق إلى أدنى المستويات، لكنه يقدر على نحت الصخور بمرور الزمن. الحكيم يقلد الماء في لينه وقدرته على التكيف، مدركاً أن الضعف يحتوي على قوة هائلة. هذا البعد يؤكد على الوحدة الأساسية للكون، حيث لا فصل بين الإنسان والطبيعة؛ الإنسان جزء من نسيج واحد.

2. البعد المعرفي

تختلف الحكمة الصينية عن المعرفة الغربية التي تعتمد على التمييز والتحليل. في الطاوية، المعرفة الحقيقية هي "غير معرفة"، أي التخلي عن المفاهيم المسبقة والتحيزات. اللغة محدودة، والمسميات تخلق تمييزات مصطنعة تبتعد عن الطاو. لذا، يدعو الطاو إلى "المعرفة الصامتة" التي تأتي من التأمل والملاحظة الهادئة للطبيعة.

غني عن البيان أن الحكيم يعرف من خلال "الكون" مع الطاو، لا من خلال الاستدلال. هذا يشبه حالة الفعل غير القسري أو الفعل الخالي من الجهد)، حيث يتصرف الإنسان بتلقائية تتناسب مع الظروف دون تدخل إرادي مفرط. الفعل غير القسري ليس كسلاً، بل ذروة الفعالية: كالنهر الذي يتبع مساره الطبيعي دون مقاومة.

3. البعد الأخلاقي والقيمي

في الطاوية، الأخلاق ليست قواعد خارجية مفروضة، بل تعبير طبيعي عن الطاو. الفضيلة تنبع تلقائياً من التوافق مع الطريق. الحكيم يمارس التواضع، اللين، والرحمة دون إعلان أو تباهٍ. يرفض الطموح الاجتماعي المفرط والسلطة القسرية، معتبراً أن الحكم الجيد هو الذي يترك الشعب يعيش عفوياً.

كما يُنتقد التصنع والطقوس الاجتماعية الجامدة (مقابلة مع بعض جوانب الكونفوشيوسية)، ويُدعى إلى العودة إلى البساطة. الحكمة الأخلاقية تكمن في "اللامبالاة" بالتمييزات البشرية مثل الخير والشر المطلقين، إذ يرى الحكيم كل شيء في سياقه الكوني المتوازن.

4. البعد العملي: الحياة اليومية والممارسة

تمتد الحكمة الطاوية إلى كل جوانب الحياة: الطب (كالإبر الصينية التي تعتمد على توازن الطاقة)، الفنون القتالية (الذي يعتمد على اللين)، والحكم. في السياسة، يُفضل الحاكم الحكيم التدخل الأقل، تاركاً الأمور تسير وفق طبيعتها. يشجع الطاو على ممارسات مثل التأمل، التنفس، والعيش في الريف بعيداً عن تعقيدات المدن. الهدف هو تحقيق "الخلود" الروحي، لا بالمعنى الحرفي دائماً، بل بالاندماج في الطاو الأبدي.

الطاو كنموذج للحكمة الشرقية: مقارنة وأهمية

"لا شيء تحت السماء أطرى وأضعف من الماء. ومع ذلك، لا شيء يضاهيه في اختراق ما هو صلب وقوي." - لاو تسي

يمثل الطاو نموذجاً مثالياً للحكمة الشرقية لأنه يؤكد على الشمولية، الديناميكية، والانسجام بدلاً من الثنائيات الجامدة. بينما قد تركز بعض التقاليد الغربية على السيطرة على الطبيعة أو البحث عن الحقيقة المطلقة، يدعو الطاو إلى الاستسلام الواعي لتدفق الكون. هذا لا يعني سلبية، بل ذكاء عميق يرى القوة في الليونة. في عصرنا الحالي، الذي يتسم بالتسارع التكنولوجي والأزمات البيئية، تقدم الحكمة الطاوية رؤية بديلة: العودة إلى التوازن مع الطبيعة، التخفيف من السيطرة، واحتضان التغيير. إنها تدعو إلى حياة أكثر بساطة وأصالة، حيث تكون الحكمة ليست في الامتلاك أو السيطرة، بل في الوجود الكامل في اللحظة.

خاتمة

"العقول العظيمة ترى الصورة الكبيرة، والعقول الصغيرة ترى الصورة الصغيرة؛ الخطابات العظيمة تحتضن، والخطابات الصغيرة تستبعد." - تشوانغ تزو

مفهوم الحكمة الصينية، متجسداً في الطاو، هو دعوة عميقة لإعادة اكتشاف الوحدة الأصلية بين الإنسان والكون. إنه ليس نظاماً فلسفياً مغلقاً، بل طريق حياة مفتوح يتطلب ممارسة مستمرة وتخلياً عن الأنا المفرط. من خلال الخوف والتوافق مع الطبيعة، يصل الحكيم إلى حالة من السلام الداخلي والفعالية الخارجية التي تتجاوز الصراعات البشرية. في عالم يبحث عن حلول مستدامة، تبقى الطاوية مصدر إلهام حياً، تذكرنا بأن الحكمة الحقيقية هي فن الرقص مع تدفق الوجود، لا محاربته. هذه المقاربة الشرقية تفتح آفاقاً لفهم أعمق للوجود البشري، داعية كل فرد إلى أن يصبح، ببساطة، جزءاً متناغماً من الطاو الأبدي. فكيف تجلت الحكمة الصينية عند كونفيشيوس؟ وما الفرق بين الطاوية والكونفوشيوسية والماوية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

دور الغريزةِ والعدالةِ البدائيةِ في تأصيلُ التوتاليتارياتِ الحديثة

تُشكّلُ الأخلاقُ الإنسانيةُ نقطةَ التقاءٍ فريدةً بين قوانينِ الطبيعةِ الحتميةِ والإنشاءاتِ الثقافيةِ المتعالية. فالإنسانُ، في جوهرِهِ، كائنٌ ذو "وجودٍ مزدوج"؛ فهو عضويّةٌ ماديةٌ خاضعةٌ للتطور، وذاتٌ رمزيةٌ تُعيدُ صياغةَ محيطِها عبر الفكر. إنَّ هذا التداخلَ يفرضُ ضرورةَ إجراءِ مقاربةٍ تفكيكيةٍ تكشفُ التوترَ الكامنَ بين الأخلاقِ التطوريةِ والأخلاقِ الثقافية، وتستقصي الصراعَ الأزليَّ بين الغرائزِ البدائيةِ ومتطلباتِ الارتقاءِ الحضاري. إنَّ هذا المسارَ الجدليَّ ليس مجردَ تأريخٍ للسلوك، بل هو كشفٌ عن كيفيةِ توظيفِ هذه البُنى الأخلاقيةِ لتأسيسِ الأنظمةِ الشموليةِ المعاصرة، حيثُ يتمُّ استحضارُ "العدالةِ البدائية" لخدمةِ غاياتٍ سلطويةٍ مطلقة.

التوتر الأنطولوجي بين الأخلاق التطورية والأخلاق الثقافية

تتأسسُ "الأخلاقُ التطوريةُ" على حتميةٍ ماديةٍ تجعلُ من السلوكِ القيميِّ انعكاساً آلياً لعملياتِ الانتقاءِ الطبيعي؛ إذ يُنظرُ للفضائلِ -كالإيثارِ والتعاونِ- كاستراتيجياتٍ نفعيةٍ تهدفُ إلى تأمينِ ديمومةِ المادةِ الوراثية. وفي هذا النسقِ، يغدو الفردُ مجردَ "أداةٍ وظيفيةٍ" تنتهي قيمتُها بانقضاءِ مهمتِها التكاثرية. هذه الرؤيةُ ليست مجردَ تفسيرٍ علمي، بل هي انزياحٌ أيديولوجيٌّ يختزلُ الوجودَ الإنسانيَّ في حلبةِ صراعٍ حيويّ، حيثُ يُشرعنُ التطفلُ والاستحواذُ وإقصاءُ الضعيفِ كضروراتٍ وجوديةٍ لضمانِ "بقاءِ الأصلح". إنَّ الأخلاقَ هنا تفقدُ قدسيتَها لتصبحَ مجردَ "ميكانيكا للبقاء".

في مقابلِ هذا الحتمِ البيولوجيِّ المتوحش، تبرزُ "الأخلاقُ الثقافيةُ" بوصفِها الترياقَ الوجوديَّ الوحيد؛ فهي منظومةٌ تنبثقُ من التوريثِ الرمزيِّ والمعرفةِ العابرةِ للأجيال، مما يسمحُ للإنسانِ بتشييدِ "مكانةٍ بيئيةٍ ثقافيةٍ" تتسامى على غريزةِ البقاءِ المباشر. إنَّ الرعايةَ الإنسانيةَ للمُسِنِّ أو العاجزِ، والتي تفتقرُ لأيِّ منطقٍ بيولوجيٍ نفعيّ، تُعدُّ البرهانَ الساطعَ على أنَّ الإنسانَ كائنٌ "يخلقُ قيمتَهُ" ضدَّ تدفقِ الطبيعةِ الخام. ومع ذلك، فإنَّ هذا الصراعَ بين "البيولوجيِّ" كحتميةٍ صلبة، و"الثقافيِّ" كإرادةٍ متسامية، يظلُّ هو المولدَ الأولَ للاغترابِ الإنساني؛ إذ تظلُّ النفسُ البشريةُ ممزقةً بين نزوعِها الغريزيِّ نحو الاستحواذِ، وتوقِها الروحيِّ نحو العدالةِ المطلقة، وهو ما يخلقُ فجوةً تتسللُ منها السلطويةُ لتقديمِ حلولٍ زائفة.

قراءة في الأيديولوجيا السيكولوجية والبيولوجية

لا يمكنُ فهمُ نزوعِ المنظوماتِ السلطويةِ نحو الشموليةِ دون الغوصِ في أيديولوجيا "القمعِ السيكولوجي". ففي أطروحتِهِ "قلقٌ في الحضارة"، يضعُ سيجموند فرويد يدَهُ على الجرحِ الوجوديِّ الأول: إنَّ الحضارةَ لا تقومُ إلا على حسابِ غريزةِ الإنسان. هذا "الاغترابُ القسريُّ" الذي يُجبرُ الفردَ على التنازلِ عن إشباعِهِ الحرِّ مقابلَ الأمنِ الموعود، يُولّدُ توتراً نفسياً مزمناً. إنَّ الدولةَ الشموليةَ تستثمرُ في هذا التوتر؛ فهي لا تكتفي بكبحِ الغريزة، بل تُعيدُ توجيهَ طاقاتِ الفردِ لخدمةِ "صنمِ السلطة"، محولةً "الأنا الأعلى" من رقيبٍ أخلاقيٍّ داخليٍّ إلى سلطةٍ خارجيةٍ مطلقةٍ تتغلغلُ في أدقِّ تفاصيلِ الوجودِ الإنساني.

في هذا السياق، يطرح المفكر مالك بن نبي رؤية مكملة تبين أن التجديد الحضاري يصطدم دائماً بموانع ذات طابع حيوي ونفساني واجتماعي والذي يُشخِّصُ تعثرَ التجديدِ الحضاريِّ بكونِهِ ناشئاً عن عجزِ الفردِ عن التوفيقِ بين "الغرائزِ الحيويةِ" و"مستلزماتِ البناءِ الفكريّ"، وتلتقي هذه الرؤية مع نقد فريدريش نيتشه للأخلاق التقليدية، حيث هاجم القيم السائدة واعتبرها عوائق تقمع إرادة القوة وتمنع الإنسان من عيش تجربته الوجودية الكاملة والثرية. مع نقدِ نيتشه للأخلاقِ السائدةِ بوصفِها "أخلاقَ عبيدٍ" تئدُ إرادةَ القوة. إنَّ الشموليةَ هنا لم تأتِ من فراغ؛ بل استغلت هذا الفراغَ الروحيَّ والارتباك السيكولوجيَّ لتنصيبِ نفسِها بديلاً وجودياً، يمنحُ الفردَ شعوراً كاذباً بالانتماء، بينما تسلبهُ في الواقعِ جوهرَ إنسانيتِهِ وتُحيلُ وجودَهُ إلى مجردِ ترسٍ في آلةِ الدولةِ العظيمة التي لا تعترفُ بالفردِ إلا كقيمةٍ نفعيةٍ خاضعةٍ لرقابةِ المركز.

العدالة البدائية وتطور الأحكام

تُمثل "العدالةُ البدائيةُ" الطورَ الجنينيَّ لِما نسميه اليومَ بالقانون؛ حيثُ تماهت مع الانتقامِ الفرديِّ والثأرِ الدمويِّ وسيلةً وحيدةً لاستعادةِ "توازنِ الشرفِ" المفقود. كان العنفُ حينها هو المعيارَ الوحيدَ لفضِّ النزاعاتِ وحمايةِ الامتيازاتِ القبلية، تحركُها سيكولوجيةٌ بدائيةٌ تتغذى على وهمِ "العالمِ العادل"، حيثُ يُفترضُ أنَّ تدميرَ الخصمِ هو السبيلُ الوحيدُ لإعادةِ ضبطِ الميزانِ الكوني.

مع تعقّدِ البنى الاجتماعيةِ وتطورِ الحياةِ الحضرية، باتَ نظامُ الثأرِ المفتوحِ خطراً يهددُ المجتمعاتِ بالانحلال. هنا، حدثَ التحولُ النوعيُّ؛ إذ فوّضت القبائلُ سلطةَ العقابِ إلى زعماءَ وقضاة، لتتحولَ العقوبةُ من "فعلِ انتقامٍ ماضويّ" يرضي نزواتِ الضحيةِ إلى "إجراءٍ عقلانيّ" يستهدفُ الاستقرارَ العام. هذا الانتقالُ المفصليُّ يتجلى بوضوحٍ في "أوريستيا" إيسخيلوس؛ حيثُ استُبدلت "إيرينيات" الثأرِ بمحكمةٍ مدنيةٍ تُعلي صوتَ العقلِ على صوتِ الدم. إلا أنَّ هذا التطورَ -رغمَ طابعِهِ الحضاريِّ- حملَ في طياتِهِ بذورَ نكوصٍ جديد: فقد أعادت الأنظمةُ الشموليةُ لاحقاً استدعاءَ جوهرِ العدالةِ البدائية، لكنّها ألبستها رداءَ المؤسساتِ القانونيةِ لتكونَ أداةً طيعةً في يدِ السلطة، محولةً الدولةَ إلى "منتقمٍ مطلقٍ" لا يهدفُ للحقِّ بقدرِ ما يهدفُ إلى إخضاعِ الفردِ تحت طائلةِ قانونٍ وُضع أصلاً لتصفيةِ المخالفين وقمعِ كلِّ خروجٍ عن الرؤيةِ الرسمية.

استلابُ الحق: من "الداروينية الاجتماعية" إلى هندسةِ الشمولية

لقد انحدرتِ الرأسماليةُ الصناعيةُ في لحظةِ تأزمِها نحو "الداروينيةِ الاجتماعيةِ" لِهربرت سبنسر، باحثةً عن غطاءٍ علميٍّ زائفٍ لتبريرِ التفاوتِ الطبقيِّ الصارخ. لم تكن هذه الأطروحةُ مجردَ تفسيرٍ اقتصادي، بل كانت عقيدةً أخلاقيةً تُؤلّهُ "قانونَ الغابة"؛ حيثُ صارَ تركُ الفقراءِ والمستضعفين لمصيرِهم "ضرورةً طبيعيةً" لارتقاءِ النوع. هذا الإطارُ المعرفيُّ لم يكتفِ بتبريرِ الاستغلالِ الداخلي، بل وفّر المرجعيةَ الأخلاقيةَ الأبرزَ لحركاتِ التوسعِ الاستعماريِّ وإبادةِ الشعوب، بوصفِها "أعراقاً أدنى" لا تستحقُّ البقاءَ أمامَ سطوةِ "الأعراقِ المتفوقة".

هنا نصلُ إلى ذروةِ التفكيكِ السياسيّ؛ إذ لم تقفِ الشموليةُ عند حدودِ التبريرِ الرأسمالي، بل انتقلت مع الفاشيةِ والنازيةِ إلى مستوى "هندسةِ المجتمع". لقد استلهمت هذه الأنظمةُ الداروينيةَ الاجتماعيةَ لا لتبريرِ المنافسةِ الفردية، بل لصياغةِ "دولةٍ بيولوجيةٍ" تُمارسُ العنفَ باسمِ الطهارةِ العرقية. إنَّ تحويلَ المجتمعِ إلى مختبرٍ لـ "تحسينِ النسل" والقتلِ الممنهجِ للمرضى وأصحابِ الإعاقات، لم يكن مجردَ انحرافٍ أخلاقيّ، بل كان التجسيدَ الأقصى لـ "الأخلاقِ البدائية" التي استعادتها السلطةُ لتُشرعنَ تصفيةَ "العناصرِ غيرِ الصالحة". لقد دمجت الأنظمةُ الشموليةُ بين "عقلانيةِ المؤسسة" و"وحشيةِ الغريزة"، مستندةً إلى تنظيراتِ كارل شميت وجيوفاني جينتيلي، التي جعلت من الدولةِ "تجسيداً مطلقاً للحق". بهذا، أصبحتِ الدولةُ هي "المحتكرُ الحصريُّ للسيادة"، تمارسُ القمعَ ليس كفعلٍ إجراميّ، بل كـ "واجبٍ وجوديٍّ" لحمايةِ نقاءِ الجماعة.

 الخاتمة - النقد السياقي المنهجي

إنَّ هذا المسارَ الجدليَّ الذي تتبعناه؛ من فوضى العدالةِ البدائيةِ إلى مأسسةِ العنفِ في التوتاليتارياتِ الحديثة، يكشفُ عن حقيقةٍ مفزعة: إنَّ الشموليةَ ليست "عرضاً طارئاً" في مسارِ الحضارة، بل هي التعبيرُ الأكثرُ توحشاً عن نزوعِ السلطةِ لإعادةِ تفعيلِ الغريزةِ القمعيةِ تحتَ غطاءِ القانون. إنَّ الرأسماليةَ المعرفيةَ المعاصرةَ، التي تختزلُ الإنسانَ في "بياناتٍ رقميةٍ" وتخضعُ وجودَهُ لمنطقِ "الخوارزميةِ والربح"، لا تختلفُ في جوهرِها عن النازيةِ في نظرتِها للفردِ كمجردِ "مادةٍ خامٍ" قابلةٍ للاستبدالِ أو الإلغاء. إنَّنا نعيشُ اليومَ عصرَ "الشموليةِ الناعمة"؛ حيثُ لم تعدِ الدولةُ بحاجةٍ إلى معسكراتِ الاعتقالِ الماديةِ لفرضِ هيمنتِها، بل أصبحت تمارسُ الإخضاعَ عبرَ "برمجةِ الرغبة" وتدجينِ الوعي، حيثُ صارَ الإنسانُ مراقباً ومستلباً داخلَ فضاءٍ رقميٍ لا يرحم.

إنَّ نقدَنا هذا ليس مجردَ تمرينٍ فكريٍّ في الفلسفةِ السياسية، بل هو دعوةٌ ملحةٌ لفكِّ الاشتباكِ بين الإنسانِ كذاتٍ حرةٍ وبين النسقِ الذي يسعى لابتلاعه. إنَّ استعادةَ إنسانيةِ الإنسانِ تبدأُ من رفضِ اختزالِ الوجودِ في حتمياتٍ بيولوجيةٍ أو رقمية، ومن الإيمانِ بأنَّ العدالةَ الحقيقيةَ لا تولدُ من "توازنِ القوى" أو "قوانينِ الغابة"، بل تولدُ من لحظةِ اعترافِنا بأنَّ الآخرَ ليس عدواً بيولوجياً يجبُ استئصالُه، بل هو شريكٌ وجوديٌّ في حقلِ الحريةِ الذي نحاولُ، بكلِّ ما أوتينا من فكرٍ ومقاومة، أن نحميه من التآكلِ المستمر، ومن صقيعِ الشمولياتِ التي لا تكفُّ عن التجددِ تحتَ مسمياتٍ جديدة.

***

غالب المسعودي

 

قراءة في مقالة المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي الموسومة بـ: “لا محرَّم في التفكير الفلسفي”

ليس كل ما يُنشَر يستحقُّ القراءةَ والاهتمام، ناهيك عن التعقيب بالكتابة عنه، ومقالات الأستاذ عبد الجبار الرفاعي، ممّا أحرُصُ على قراءتها؛ لأهميّة المحتوى الفكري الذي ينشغل الرفاعي فيه منذ سنوات بتدشين مشروعه الفكري القائم على قراءة التجربة الدينية بما ينسجم والرؤية الإنسانية المعاصرة، وهو مشروعٌ لا أُخفي إعجابي به؛ لكونه – بحسب ما أراه – أقربَ لواقع ما نعيشه من تحدّياتٍ وظروف ألمّت بالعالم الإسلامي بخاصة والعالم بصورة عامة، بعد أنْ صارتِ المجتمعات العربية والإسلامية مختبرًا لتنفيذ برامج وتجارب أعدّها مفكّرون أرادوا للإسلام أنْ يُطبّقَ بأفضل صورة، ولكن لم يُكتَب النجاح لواحدةٍ من تلك التجارب؛ لما في مخرَجات تلك التجارب من مآلات مؤسِفة على مختلف الصُعُد، الأمر الذي أدّت إليه تلك التجارب أنْ تكون عاملاً يُضاف إلى عوامل سابقة تزيد في قتامة الصورة النمطية عن الإسلام في المتخيل العام للعالم.

وما أثارني من تلك المقالات "الرفاعية" ما كتبَه مؤخَّرا منشورًا على إحدى صفحات جريدة الزوراء العراقية، بعنوان «لا محرَّم في التفكير الفلسفي» إذ تشكل نموذجًا واضحًا لاتجاهٍ فكري معاصر يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين العقل والدين، وبين الفلسفة والمقدّس، ضمن أفقٍ حداثي يمنح العقل سلطةً عليا في النظر والحكم والمساءلة. ولا يمكن اختزال أهمية هذه المقالة من جرأتها في طرح فكرة “حرية التفكير” فحسب، بل من محاولتها بناء تصوّرٍ شاملٍ للفلسفة بوصفها فعلًا تحرريًا يتجاوز الحدود العقدية والأيديولوجية والهويات المغلقة.

تقوم الأطروحة المركزية في المقالة على أن التفكير الفلسفي لا يتحقق إلا في فضاء الحرية المطلقة، وذلك في قوله: "لا ممنوع ولا محرّم ولا مقدّسَ في التفكير الفلسفي" باعتبار أنَّ هذه اللاءات بيان شديد اللهجة بوجه المتشدّدين في مواقفهم من الفلسفة باعتبارها تفكيرًا حُرًّا ينأى بصاحبه عن النمطيّة والتحفّظ على الأفكار التي تمثّل الإطار العام المُجمَع عليه، وأنَّ أي تفكير لا يتجاوز النمطيّ المُعتاد عند السَلف، لا يصحُّ أن نطلق عليه تفكيرًا فلسفيًّا، وأن أيّ سقفٍ مسبق يفرضه الدين أو اللاهوت أو السلطة أو الموروث يُفقد التفكيرَ طبيعته الفلسفية. ومن هنا يميز الرفاعي بين الفلسفة وعلم الكلام، فالأول — بحسب تصوره — لا يعترف بالمحرّمات الفكرية، بينما يتحرك الثاني داخل حدودٍ عقدية نهائية. وإنْ كنتُ لا أخفي تساؤلي عن الحدود التي نضعها لمفهوم "الحرية" لذلك الفضاء الذي ينتعش فيه التفكير الفلسفي السليم، فهي – أي الحرية – تمثّل بُعدًا إشكاليًا هي الآخر، فقد تكون عند قوم حرية، وقد تكون عند آخرين استبدادًا أو خروجًا عن نطاق التفكير الحر السليم الذي يُفضي إلى نتائج سليمة، وقد تكون ضربًا من الوهم الذي يصطنعه المفكّر لأجل أنْ يُضفي على أفكاره سمة التحرر، ومنطلقاته هي هي لم يُصبها شيءٌ من التحرر، وهذا ما نجدهُ كثيرًا فيما كتبه المفكرون السابقون الذين ناقشوا من قبلهم فوجدوا أنّهم لم يتحرّروا من رِبْقة الاستعباد الفكري الذي تغلغل إليهم من حيث لا يشعرون فيما توصلوا إليه من نتائج وطروحات أو توصيات، وهذا ما أشار إليه العلامة المظفر في كتابه "المنطق" منتقدًا بعض من استثمر اتساع دلالة بعض المفردات مثل الحرية بالقول: "ومن هذه الألفاظ كلمة "الحرية" التي أخذت مفعولها من الثورة الفرنسية، وأحدثت الانقلابات الجبارة في الدولة العثمانية والفارسية، والتأثير كله لإجمالها وجمالها السطحي الفاتن، وإلا فلا يستطيع العلم أنْ يحدّها بحدٍّ معقول يُتَّفقُ عليه".

ويُحسب للكاتب أنه قدّم لفكرته هذه بلغةٍ تمتلك كثافة تأملية وإيقاعًا فلسفيًا واضحًا، إذ تتحول المقالة أحيانًا إلى ما يشبه البيان الفكري المدافع عن حرية العقل. وإيمانه بذلك العقل في قدرته على الخروج من أنساقه التي نشأ فيها، كما أن استدعاءه لفلسفة "إيمانويل كانط" لم يكن استدعاءً زخرفيًا، بل جاء منسجمًا مع رؤيته لحدود العقل النظري، وإشكالية البرهنة على وجود الله، بما يعزز دعوته إلى تحرير التفكير من يقينياته المغلقة. باعتبار أن كانط لم يكن مثل أي فيلسوف من فلاسفة الغرب، بل كان منجزه يُشكِّل انعطافة مهمة حتى أنَّ كثيرًا من مؤرخي الفلسفة يقسمون تاريخ الفلسفة الحديث إلى ما قبل كانط وما بعد كانط؛ لما أحدثه من تحوّلٍ عميق في طريقة التفكير الفلسفي نفسها. وكلُّ ما توصّل إليه كانط، لم يُمكنه من نفي أو إثبات وجود الله في حدود العقل النظري، بل كل ما قدر عليه أنّ إثبات الإيمان بالله ضرورة أخلاقية باعتبار أنّ "اكتمال معنى الواجب يفترض وجود إله يحقق الانسجام بين القانون الأخلاقي والمصير الإنساني"  

ومن أبرز مواطن القوة في المقالة أيضًا محاولتها التمييز بين “الإيمان” بوصفه تجربة روحية، وبين “الوصاية على التفكير” بوصفها ممارسة سلطوية. فالكاتب لا يدعو بصورة مباشرة إلى إلغاء الدين، بل إلى تحرير العقل من هيمنة القراءة الأحادية للدين. وهذه نقطة مهمة؛ لأن بعض القراءات المتسرعة قد تتوهم أن المقالة دعوة إلى القطيعة مع الإيمان، بينما هي — في عمقها — أقرب إلى الدعوة لإعادة تأويل العلاقة بين العقل والمقدّس.

غير أن المقالة، على ما فيها من عمقٍ وتحريضٍ على التفكير، لا تخلو من إشكالات تستحق التوقف عندها نقديًا. فمن أكثر القضايا إثارةً للنقاش فيها قول الكاتب إن التفكير الفلسفي لا يتحقق إلا إذا فكّر الإنسان “خارج دينه”. وهذه العبارة، وإن كانت مفهومة في سياق الدعوة إلى التحرر من التحيزات المسبقة، تبدو حادّةً ومطلقة إلى حدّ بعيد؛ لأن تاريخ الفلسفة نفسه يكشف عن فلاسفة كبار مارسوا التفكير الفلسفي من داخل أفقهم الديني لا من خارجه، كما نجد عند ابن رشد أو توما الأكويني أو ملا صدرا.

ولذلك ربما كان الأدق القول إن التفكير الفلسفي يقتضي القدرة على “تعليق” الانحيازات المسبقة مؤقتًا، لا الخروج الكامل من الهوية الدينية أو الثقافية. كما أن المقالة تبدو أحيانًا واقعةً في نوع من “المثالية العقلانية”، حين تتحدث عن العقل بوصفه مرجعية قادرة على التحرر من التحيزات الواعية. ذلك أن الفلسفات الحديثة والمعاصرة — منذ نيتشه وحتى فوكو وغادامير — كشفت أن الإنسان لا يفكر خارج شروطه التاريخية والثقافية واللغوية، وأن العقل نفسه ليس كيانًا محايدًا بصورة مطلقة.

ومن جهة أخرى، فإن النبرة الإنشائية العالية في بعض المقاطع تطغى أحيانًا على البرهنة الفلسفية الدقيقة. فالمقالة تعتمد كثيرًا على اللغة التأملية المكثفة، وهو ما يمنحها جمالًا تعبيريًا، من شأنه أنْ يؤثّر في المتلقّي ويترك لديه مساحة للانسياح في لغة صاحب المقالة، من قبيل قوله: " الإنسانُ واحدٌ بالرغم من أنه متعدّد، متعدّدٌ بالرغم من أنه واحد" وغير ذلك من عبارات، لكنه قد يقلل من صرامتها التحليلية في بعض المواضع. وقد لا يقلل باعتبار أن الرفاعي الآن ليس في معرض البحث فيستدلّ علميا ويحتدم سجاليا مع مقولات يستدعيها وينشغل في نقدها وتفنيد محتواها. فهو في معرض تقديم خلاصات يراها تمثّل متبنّياته التي يحرص على تقديمها للقارئ بكلِّ يسرٍ وسهولة. وخير ما يتوسّل به من طريق لإيصال تلك الخلاصات هي اللغة التي صارت مطواعةً لديه بأسلوبه المميز.

ومع ذلك، تبقى هذه المقالة نصًا فكريًا مهمًا؛ لأنها لا تقدم أجوبة جاهزة بقدر ما تستفز وعي القارئ لإعادة التفكير في المسلمات، وهذه واحدة من أهم وظائف الكتابة الفلسفية الحقيقية. فهي مقالة تثير الأسئلة الكبرى حول: حدود العقل، وحدود المقدّس، وإمكان الحرية الفكرية، وطبيعة العلاقة بين الإيمان والنقد.

ولعل القيمة الأبرز للنص تكمن في أنه يحاول الدفاع عن حق العقل في السؤال، حتى وإن اختلفنا مع بعض نتائجه أو مقدماته. فالفكر الحيّ ليس ذلك الذي يفرض اليقين، بل الذي يوقظ الوعي، ويمنح الإنسان شجاعة النظر والمساءلة.

***

د. وسام حسين العبيدي

.......................

للاطلاع:

عبد الجبار الرفاعي: لا محرم في التفكير الفلسفي

مقاربة في ضوء مقولات نظرية باريتو

في المقولات النظرية، عند الانتقال إلى تصور باريتو للصراع الاجتماعي، نغادر الإطار التفسيري الأحادي الذي تمثله الحتمية الاقتصادية عند ماركس، لنلج إلى أفق أكثر تركيباً تتداخل فيه الأبعاد النفسية مع البنية الاجتماعية في تفسير ديناميات السلطة والتغير. فالصراع عند باريتو لا يختزل في تناقض المصالح المادية بين الطبقات، بل يتجذر في الطبيعة الإنسانية ذاتها، حيث تتقاطع الدوافع الغريزية مع أنماط التنظيم الاجتماعي لتُنتج بنية قائمة على التنافس المستمر.

ينطلق باريتو من مسلمة أساسية مفادها أن المجتمع لا يعرف حالة توازن نهائي، بل يعيش في حالة توتر دائم، تحركه صراعات غير مرئية بالضرورة، تتمحور أساساً حول السيطرة والنفوذ. غير أن هذه الصراعات لا تدار فقط بين طبقات اقتصادية، بل بين نخب تتداول مواقع القوة داخل البناء الاجتماعي.

فالمجتمع، في تصوره، ينقسم إلى ثلاث فئات كبرى: نخبة حاكمة تحتكر أدوات السلطة، ونخبة غير حاكمة تسعى إلى اختراق هذا الاحتكار، وكتلة واسعة من العامة تظل في موقع التلقي والتأثر أكثر من الفعل.

ضمن هذا الإطار، تتبلور فكرة " تداول النخب " بوصفها القانون الحاكم للتاريخ الاجتماعي. فالتاريخ، عند باريتو، ليس مساراً خطياً للتقدم، ولا تعبيراً عن حتمية ثورية، بل هو سلسلة من عمليات الإحلال والاستبدال بين نخب تصعد وأخرى تتآكل. وتتم هذه العملية عبر آليات معقدة، قد تتخذ شكل العنف المباشر، أو المناورة الرمزية، أو إعادة تشكيل الشرعية. وهنا تتبدى ديناميكية السلطة بوصفها عملية مرنة، تتجاوز الانقلابات الحادة لتشمل أيضاً أشكالاً ناعمة من التحول.

غير أن الإسهام الأعمق لباريتو يتجلى في تمييزه بين " الرواسب " و" المشتقات "، وهو تمييز يكشف عن نقد جذري للعقلانية الإنسانية. فالرواسب تمثل البنية العميقة للدوافع الإنسانية، أي تلك الميول شبه الثابتة التي تحرك السلوك، مثل النزوع إلى الهيمنة أو الحاجة إلى الاستقرار. أما " المشتقات "، فهي الخطابات التبريرية التي يصوغها الأفراد والجماعات لإضفاء طابع منطقي أو أخلاقي على أفعالهم. وبهذا المعنى، فإن الفكر لا يسبق الفعل، بل يتبعه، إذ يأتي كأداة لتبرير ما تمليه الدوافع اللاواعية، لا لتوجيهه.

وفي سياق تحليله لبنية النخبة، يقدم باريتو ثنائية دالة بين " نخبة الثعالب " و" نخبة الأسود ". فالأولى تعتمد على الدهاء، والمرونة، والقدرة على التلاعب بالرموز والخطابات، بينما تستند الثانية إلى القوة، والانضباط، والتمسك بالتقاليد. ولا يكمن استقرار النظام الاجتماعي في هيمنة أحد النمطين، بل في التوازن الدقيق بينهما، إذ إن طغيان " الثعالب " يقود إلى التفكك، في حين أن سيطرة " الأسود " المفرطة تفضي إلى الجمود والانغلاق.

منهجياً، يعكس مشروع باريتو نزوعاً تركيبياً، حيث يزاوج بين تحليل البنى الاجتماعية وتحليل الدوافع النفسية، في محاولة لتجاوز الاختزالات السوسيولوجية الصارمة. وهو، في هذا السياق، يرفض الافتراض الكلاسيكي الذي يرى في الإنسان كائناً عقلانياً بالكامل، ليؤكد بدلاً من ذلك أن السلوك الإنساني محكوم بمنطق غير عقلاني في جوهره، وأن العقل لا يؤدي سوى وظيفة تبريرية لاحقة.

بناءً على ذلك، تتشكل رؤية باريتو للواقع الاجتماعي بوصفه فضاء غير مستقر، تديره صراعات خفية بين نخب تتنافس على إعادة إنتاج السيطرة. والتغير، في هذا الإطار، لا يحدث بالضرورة عبر القطيعة الثورية الشاملة، بل غالباً ما يتحقق من خلال إعادة توزيع مواقع القوة داخل البنية نفسها. وهكذا، يغدو التاريخ عند باريتو تاريخاً لتداول النخب أكثر مما هو تاريخ لتحرر الجماهير، وتتحول السلطة إلى ظاهرة ديناميكية تتجدد عبر التبدل المستمر في الفاعلين، لا عبر تحول جذري في القواعد.

- توظيف المقولات النظرية في الصراع على السلطة الأسرية: تتمثل إحدى الإشكاليات الاجتماعية الدقيقة داخل الأسرة في الصراع على مركز القيادة واتخاذ القرار بين الزوجين، حيث لا يظهر هذا الصراع دائماً في صورة مباشرة أو معلنة، بل يتخذ أشكالاً ضمنية تتخفى خلف خطاب عقلاني وأخلاقي. فالعلاقة الزوجية، التي يفترض أن تقوم على التوافق والتكامل، تتحول في كثير من الحالات إلى مجال تنافس خفي حول من يمتلك سلطة التوجيه والحسم داخل الوحدة الأسرية.

التطبيق... من منظور باريتو، لا يمكن اختزال هذا الصراع في كونه خلافاً عرضياً حول قضايا يومية، بل هو تعبير عن صراع على النفوذ داخل بنية اجتماعية مصغرة. إذ يميل أحد الطرفين إلى ترسيخ موقعه بوصفه مركز القرار، في حين يسعى الطرف الآخر إلى إعادة توزيع هذا النفوذ أو مقاومته. وهنا لا يكون التوتر ناتجاً عن موضوع الخلاف ذاته، بل عن الرهان الكامن خلفه: من يقود؟ ومن يحدد مسار الأسرة؟

يتعمق هذا الفهم عند استحضار مفهوم " الرواسب " لدى باريتو، حيث تكشف هذه الصراعات عن دوافع نفسية عميقة لا تعبر عنها بشكل صريح، فقد يحمل أحد الزوجين نزوعاً داخلياً نحو السيطرة والتنظيم، بينما يميل الآخر إلى الاستقلال أو رفض الهيمنة. غير أن هذه الدوافع لا تظهر في صورتها الخام، بل تعاد صياغتها عبر ما يسميه باريتو " المشتقات "، أي الخطابات التبريرية التي تضفي على السلوك طابعاً عقلانياً أو أخلاقياً. فتتحول عبارات مثل: " أنا أبحث عن مصلحة الأسرة " أو " أنت لا تتحمل المسؤولية " إلى أدوات رمزية تستخدم لإضفاء الشرعية على مواقف نابعة في جوهرها من صراع على السلطة.

كما يمكن قراءة هذا الصراع من خلال ثنائية " الثعالب " و " الأسود "، حيث قد يلجأ أحد الزوجين إلى المرونة والإقناع والمناورة في إدارة العلاقة، بينما يعتمد الآخر على الحزم وفرض الرأي بوصفه وسيلة لضبط التوازن. ولا يؤدي اختلاف هذه الأساليب إلى إنهاء الصراع، بل يعيد إنتاجه في أشكال متجددة، تتغير فيها موازين القوة بمرور الوقت.

وفي هذا السياق، يظهر ما يشبه " تداولاً للسلطة " داخل الأسرة، إذ لا تبقى الهيمنة ثابتة لطرف واحد، بل قد تنتقل بصورة ظرفية تبعاً لتغير الموارد أو الأدوار أو الظروف. إلا أن هذا التداول لا يعني بالضرورة تحقيق توازن عادل، بل يعكس استمرار دينامية الصراع في صورة أكثر مرونة وأقل صدامية.

وعليه، فإن الصراع الأسري بين الزوجين، في ضوء تصور باريتو، لا يفهم بوصفه خللاً طارئاً يمكن تجاوزه بسهولة، بل كجزء من بنية اجتماعية ونفسية أعمق، تتداخل فيها الرغبة في الهيمنة مع الحاجة إلى الاستقرار، وتعاد صياغتها عبر خطاب يبدو عقلانياً بينما يخفي في جوهره تنافساً مستمراً على مراكز القوة داخل الحياة اليومية.

خلاصة القول: إن الصراع بين الزوجين على القيادة ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو صراع رمزي على السلطة، تحركه دوافع نفسية عميقة، وتغلفه تبريرات عقلانية، ويخضع لمنطق تداول النفوذ داخل أصغر وحدة اجتماعية: الأسرة.

بناءً على ذلك، تتشكل رؤية باريتو للواقع الاجتماعي بوصفه فضاء غير مستقر، تديره صراعات خفية بين نخب تتنافس على إعادة إنتاج السيطرة. والتغير، في هذا الإطار، لا يحدث بالضرورة عبر القطيعة الثورية الشاملة، بل غالباً ما يتحقق من خلال إعادة توزيع مواقع القوة داخل البنية نفسها. وهكذا، يغدو التاريخ عند باريتو تاريخاً لتداول النخب أكثر مما هو تاريخ لتحرر الجماهير، وتتحول السلطة إلى ظاهرة ديناميكية تتجدد عبر التبدل المستمر في الفاعلين، لا عبر تحول جذري في القواعد.

***

د. حسام الدين فياض / باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

إعادة تعريف المعرفة في الفلسفات المعاصرة

لا يخفى على كثير أن مسألة الحقيقة مثلت منذ فجر التفلسف اليوناني القلب النابض للميتافيزيقا الغربية، ذلك القلب الذي ظل ينبض على إيقاع ثنائيات صارمة: الظاهر والباطن، الحسي والمعقول، الرأي والعلم، الزائل والثابت. فمنذ أن أعلن بارمينيدس أن الوجود هو والتفكير شيء واحد وأشاد أفلاطون بعالم المثل الذي لا يتغير فوق أطلال الكهف الموحل، اتخذت الحقيقة صفة القداسة والسكون وصارت مطابقة بين اللفظ والعين، بين الذهن والعالم وبين الفكرة والموضوع الخارجي. هذا المفهوم الذي بلغ ذروته في مشروع ديكارت الذي جعل "أنا أفكر" ملاذاً مطلقاً لليقين وفي كانط الذي تتبع الشروط القبلية لإمكان المعرفة الصادقة، ظل مهيمناً حتى اللحظة التي بدأت فيها أصوات متمرّدة تتساءل أليس في هذا التصور الأسير لمرآة الحقيقة انسداد للأفق وتجميد للحياة وإنكار للبعد الفاعل والمبدع في صميم الإنساني؟

على هذه الخلفية يبرز التحوّل الذي تسعى هذه المقالة إلى مقاربته، ذلك التحوّل الجذري الذي حوّل مركز الثقل الفلسفي من سؤال الحقيقة بوصفها انطباعاً سلبياً إلى سؤال الفاعلية بوصفها إبداعاً إيجابياً. ففي سياق فلسفات نيتشه الذي أعلن أن الحقائق أوهام بالية والبراغماتية الأميركية التي جعلت المعيار نجاعة الفعل والظاهريات الوجودية التي أعادت تعريف الحقيقة انكشافاً وحدثاً وما بعد البنيوية التي فضحت علاقات القوة الكامنة وراء كل نظام معرفي، يتشكل مفهوم جديد للمعرفة، ليس مطابقة للعالم بل تعديل له وليست اكتشافاً لما هو كائن بل بناء لما يمكن أن يكون؛ ليست قطيعة مع الماضي وإنما انفتاح على المستقبل.

إن ما تسعى هذه المقالة إلى تحليله يتجاوز مجرد سرد تاريخي للأفكار ليغوص في البنى العميقة التي تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والوجود. في عصر تتداخل فيه التكنولوجيا بالحياة اليومية وتتبخر فيه الثوابت تحت وطأة التسارع التاريخي وتصبح المعرفة مرادفة للقدرة على التكيف والإبداع لا للحفظ والاستظهار، ويصير من الضروري بمكان أن نعيد النظر في أسئلة الفلسفة الأولى ما معنى أن نعرف؟ وأين تتجلى قيمة الحقيقة إن لم تكن في الجمود بل في الحركة وإن لم تكن في الثبات بل في التحول وإن لم تكن في امتلاك اليقين بل في إنتاج الاحتمالات؟ هذه الأسئلة بالذات هي التي تواجهنا بوجه جديد للفلسفة، فلسفة لا تكتفي بتأمل العالم وإنما تسعى إلى تغييره؛ فلسفة لا ترى في الحقيقة هدفاً نهائياً، بل أداةً مؤقتة في ديمومة البحث؛ فلسفة تضع أخيراً الفعل الإنساني بمشاريعه وأخطائه وآماله في مركز الكون المعرفي مستبدلة بذلك النظرة السكونية القديمة برؤية دينامية حية تليق بإنسان العصر الذي لم يعد ضيفاً على عالم جاهز بل مهندساً حقيقياً لواقعه الذي لا يكتمل إلا من خلاله وبه.

ومنذ البدء والميتافيزيقا الغربية تؤسّس نفسها على أرضية صلبة من التمثّل والثبات، حيث صارت الحقيقة كائنا مستقرا حد التطابق بين الفهم والعالم الخارجي، بين الذهن والعين وبين اللفظ والمعنى. أفلاطون يبني صرحه الشامخ على مثال الخير الذي لا يتغيّر وأرسطو يصوغ نظرية المطابقة التي طالما هيمنت على العقل الأوروبي ثم توالت القرون والعلم الحديث يمنح الحقيقة لباساً رياضياً دقيقاً وكأن المعرفة لم تكن إلا مرآة عاكسة لنظام الطبيعة العميق. غير أن هذا البناء المتين أخذ يتصدّع منذ أواخر القرن التاسع عشر حين بدأ بعض العقول القلقة تتساءل ماذا لو كانت الحقيقة ليست شيئاً نكتشفه بل شيئاً نصنعه؟ ماذا لو كانت المعرفة ليست انطباعاً عن واقع مستقلّ وإنما أداةً في صراع البقاء أو فعلاً في تيار الحياة المتدفق؟

فريدريك نيتشه ذلك المتمرّد الذي كسر الأصنام بلا رحمة كان أول من أطلق السهم المسموم على فكرة الحقيقة الثابتة. في مقالته الشهيرة "عن الحقيقة والكذب في المعنى الخارج عن الأخلاقي"، يكشف النقاب عن أن ما نسميه "حقيقة" ليس سوى جيش متنقل من الاستعارات والمجازات والتشبيهات، تصلب بفعل الاستعمال والنسيان فتصبح حقائق بعد أن كانت ابتكارات لغوية محضة. يقول نيتشه: "الحقائق هي أوهام نسي المرء أنها كذلك واستعارات بالية فقدت قوتها الحسية". وتبدأ هنا رحلة التحوّل، الحقيقة لم تعد مرآة بل مطرقة. لم تعد انطباعاً سلبياً بل إبداعاً نشطاً. هكذا يسقط نيتشه حجر الأساس لإعادة تعريف المعرفة، ليس كتمثّل صادق لواقع منفصل بل كتفسير قائم على الحاجة وكإرادة قوة تفرض أشكالها على الفوضى.

لكن نيتشه لم يكن وحيداً في هذا الطريق الوعر. قبل أن ينشر نيتشه أفكاره الصادمة كان تشارلز داروين قد أطلق ثورته الهادئة، تلك التي حوّلت الإنسان من كائن مفكّر منفصل عن الطبيعة إلى حلقة في سلسلة التطوّر البيولوجي. وانبثق من هنا التيار البراغماتي الأمريكي الذي أخذ الداروينية بجدية فلسفية مطلقة. وليام جيمس ذلك الطبيب النفسي الذي تحول إلى فيلسوف يعلن بوضوح لم يعهد من قبل: "الحقيقة هي اسم لكل ما يثبت أنه نافع في مجال الاعتقاد". هكذا أصبحت المعرفة تُعرّف بفاعليتها وبقدرتها على ربط التجارب وتوجيه الأفعال وحل المشكلات العملية. لقد قلَب جيمس المعادلة رأساً على عقب، ليس المعيار هو مطابقة الفكرة للواقع بل قدرة الفكرة على أن تقودنا في تيار الخبرة بنجاح. الحقيقة تصير "مالاً دائماً" في الحياة كالنقود التي لا قيمة لها في حد ذاتها وإنما بقدر ما تشتري بها.

ثم يأتي جون ديوي أكثر فلاسفة البراغماتية عمقاً واتساقاً ليُكمِل بناء هذا الصرح الجديد. ديوي يعلن الحرب على ما يسميه "نظرية المشاهدة" في المعرفة، تلك النظرية التي تتصور العقل كمتفرج سلبي على مسرح الوجود. بدلاً من ذلك يطرح "نظرية الممارسة" حيث المعرفة ليست انعكاساً بل تدخلاً، ليست رؤية بل تعديلاً، ليست اكتشافاً بل بناءً لسياقات جديدة. في كتابه "البحث عن اليقين" ينطلق ديوي من أطروحة عميقة حيث يقول: لقد أوهمتنا الفلسفة التقليدية بأن مهمة المعرفة هي الهروب من حالة عدم اليقين عبر الوصول إلى حقائق ثابتة خالدة بينما الحقيقة أن البحث الإنساني لا ينشد إلا سيطرة مؤقتة على الظروف وتنظيمات عملية للبيئة وتوازنات تتحطم ويعاد تركيبها في حركة لا تنتهي. يقول ديوي: "المعرفة ليست شيئاً متوسطاً بين العقل والعالم وإنما هي الفعل نفسه في لحظة تحوّله إلى توجيه واعٍ لما سيأتي". يصير الوجود هنا عينه فاعلية وتصبح الحقيقة هي ما ينجح في إعادة بناء الموقف وليس ما يتطابق مع صورة ما.

لكن التحوّل من الحقيقة إلى الفاعلية لم يقتصر على المدرسة البراغماتية بل امتد بقوة إلى تيارات أخرى أكثر جذرية ربما. فلننظر إلى مارتن هايدغر ذلك الفيلسوف الذي قضى عمره في الحفر أسفل الميتافيزيقا لعلّه يصل إلى التربة الأكثر أصالة. هايدغر يعلن في "الكينونة والزمان" أن السؤال الأساسي ليس "ما هي الحقيقة؟" بل "ما معنى الكينونة؟". وفي سياق إجابته يحوّل الحقيقة من مجرد خاصية للحكم إلى حدث وجودي أصيل. الحقيقة عنده ليست مطابقة بل انكشاف وانفتاح الكائن الحي على العالم، كشف لا يتوقف عند حدود التصور الذهني بل يتعداه إلى الفعل وإلى الاهتمام وإلى الاعتناء. يكشف هايدغر أن الجذر الإغريقي للفظ "الحقيقة" هو "أليثيا" (aletheia)، الذي يعني حرفياً "لا-نسيان"، "لا-خفاء"، فالحق يعني المكشوف/ الظاهر. وهذا الكشف ليس سكونياً بل هو حدث يتحقق في مقاربة الكائن الحي للأدوات في استخدامه المطرقة وفي كتابته القلم وفي إقامته مسكناً. أن تعرف الشيء عند هايدغر يعني أن تتقن التعامل معه وأن تكون قادراً على استعماله في سياقه الملائم. إنه القِدَم اليوناني الذي أعاد الفلسفة إلى جذورها ما قبل سقراط حيث الحكمة لم تكن معرفة نظرية بل فن الحياة ومهارة الوجود، ثم تتداخل الأصوات وتتشابك.

ميشال فوكو أرغن النقد الفرنسي وصار يأخذ هذه الفكرة إلى أقصى حدودها السياسية. يعلن فوكو أن الحقيقة ليست كائناً عابثاً وإنما نتاجاً لشبكات القوة والمعرفة التي تخترق المجتمع بأكمله. في "الكلمة والأشياء" و"حفريات المعرفة"، يفكك فوكو الآليات التي تنتج بها المؤسسات التعليمية والمستشفيات والسجون "حقائق" لا تخضع إلا لمنطق السلطة ذاته. كل نظام معرفي عند فوكو يحدد ما يمكن قوله وما يستحق أن يقال ومن يحق له أن يقول. الحقيقة هنا فعلٌ خطابي وفاعلية تتخذ شكل إقصاء وإدماج وتصنيف واستبعاد وتأديب وتشكيل. إنها ليست بوابة تطل على واقع ما وراء اللغة بل هي اللغة ذاتها وقد تحولت إلى قانون وسلطان. لذلك يذهب فوكو إلى أن كل عصر يمتلك "إبيستيمي" خاصاً به أي تشكلاً تاريخياً للشرط الذي يجعل المعرفة ممكنة وهذا التشكل لا ينكشف إلا عبر آثاره لا عبر أصوله الميتافيزيقية. المعرفة إذن ليست ما نملكه بل ما نصبحه حين تخضع آلياتنا لخطابات معينة. وكما قال ذات مرة في محاضرة بمعهد كوليج دو فرانس: "الحقيقة هي نظام من الإجراءات المنظمة لإنتاج وتوزيع وتنظيم وتشغيل وإعادة توزيع الأقوال".

وهنا لا بد من العبور إلى صورة جديدة تماماً للمعرفة؛ صورة اقترحها جان فرانسوا ليوتار في كتابه الهام "الوضع ما بعد الحديث". ليوتار يُعلن نهاية "الروايات الكبرى" أي الحكايات الجامعة التي تمنح الشرعية للمعرفة من خلال غاياتها النهائية. المسيحية تبرر المعرفة لخلاص الروح والماركسية تبررها لتحرير البروليتاريا والتنوير تبررها لإسعاد البشرية. كل هذه الروايات سقطت بحسب ليوتار فلم يعد للمعرفة أساس متعالٍ يضمن صدقها. بدلاً من ذلك تعود المعرفة إلى مجرد "ألعاب لغوية" كما عند فيتغنشتاين، كل لعبة تخضع لقواعدها الخاصة وكلها غير قابلة للترجمة النهائية. ليوتار يكتب بعبارة صارمة: "المعرفة بعد الآن ليست سوى كفاءة أدائية قدرة على إنتاج براهين وأدلة قابلة للنقض والإعادة". المعرفة هنا تتحول بالكامل إلى فاعلية، لم يعد السؤال "هل هذا صحيح؟" بل "هل هذا يعمل في اللغة التي أمارسها؟". وهذه النتيجة ليست يائسة كما قد تبدو بل مفرحة عند ليوتار لأنها تحرر الأقليات وتسمح بظهور أنماط معرفية متعددة وتزيح الطغيان المعرفي للمركز على الهامش، للسمي على الشفوي وللنظري على العملي.

غير أن تحول المعرفة من الحقيقة إلى الفاعلية بلغ ذروة تشكلية جديدة لدى عديد من الفلاسفة المعاصرين الذين مزجوا بين الظاهريات والبراغماتية والتفسيرية. نذكر هنا دون أن نغفل ريتشارد رورتي، ذلك الفيلسوف الأمريكي الذي مزق تاريخ الفلسفة إلى نصفين: نصف يبحث عن "المرآة" التي تعكس الطبيعة ونصف آخر يتخلى عن هذا الحلم القديم. رورتي يعلن صراحة: "الحقيقة لا تحدث لأن عبارة ما مطابقة للواقع بل لأنها تسمح لنا بأن نفعل ما نريد فعله". في كتابه الشهير "الفلسفة ومرآة الطبيعة"، يفحص رورتي بعمق كيف ساد استعارة الذهن كمرآة للعالم منذ ديكارت حتى العصر الحديث ثم يظهر أن هذه الاستعارة أسقطت الفلسفة في أزمة لا حل لها. الحل حسب رورتي ليس في تحسين دقة المرآة بل في كسرها. أن نتوقف عن طرح سؤال "هل هذه المعرفة صحيحة؟" وأن نستعيض عنه بسؤال "هل هذه المعرفة مفيدة لتحقيق غاياتنا المجتمعية المعلنة؟". الفلسفة عند رورتي ليست محكمة تقضي على صحة المعرفة بل محادثة مستمرة بين أفراد مجتمع مفتوح لا سقف لاحتمالاته. يكتب رورتي: "لكي ننصف الفاعلية المعرفية علينا ألا نسأل عما إذا كانت الأوصاف تتطابق مع عالم مستقل عن الأوصاف بل كيف تساعدنا هذه الأوصاف على خلق مستقبل مختلف وأفضل".

ويبدو لنا جليا أن التحول من الحقيقة إلى الفاعلية ليس مجرد هوس أكاديمي عابر وإنما هو استجابة لتحولات عميقة في العلاقة بين الإنسان والعالم. في عصر الطفرات التكنولوجية والثورات الرقمية لم تعد المعرفة تُختزن في الموسوعات والمكتبات فحسب وإنما تُنتج آنياً عبر التطبيقات والخوارزميات. ولم يعد السؤال "ما هو الشيء في ذاته" بل "كيف يمكن تسخيره هنا والآن". هذا الوضع يحتم علينا التفكير مرة أخرى كيف يمكن للفلسفة أن تواكب هذه النقلة النوعية من عالم الموجودات الثابتة إلى عالم الإمكانات المفتوحة ومن مكان العرض إلى مسرح الفعل؟

هذا التحوّل الجذري من الحقيقة كائنا إلى الفاعلية حدثا لم يبق حبيس الأروقة الفلسفية بل تسرب بقوة إلى صميم المناهج العلمية نفسها. فحين ننظر إلى علماء الفيزياء المعاصرين نجدهم قد تخلوا منذ زمن عن حلم الوصف المحايد للعالم كما هو في ذاته وانخرطوا بدلاً من ذلك في مشاريع بناء نماذج رياضية لا تسأل عن حقيقة ما وراء الظواهر بل عن قدرتها على التنبؤ والتأثير. نيلز بور أحد آباء ميكانيكا الكم صاغ مبدأ التكامل الذي يعلن أن المعرفة لا تبلغ الموضوعية عبر تجاهل الذات وإنما عبر الاعتراف بأن الفعل الملاحظ يُحدث تغييراً لا يمكن إزاحته في ما يُلاحظ. هكذا يصبح القياس العلمي فاعلية محضة والجسيم دون الذري ليس كائناً مسبقاً يُكتشف وإنما نتيجة مجموعة من الإجراءات والتفاعلات بين الآلة والعالم والإنسان. فيرنر هايزنبرغ أعلن صراحة أن ما نسميه "قوانين الطبيعة" ليست أكثر من استعارات ناجحة، أطراً رياضية سمحت لنا بالتعامل مع الظواهر بنجاح دون أن تدّعي أنها تطابق عالماً قائماً بذاته. العلم هنا لم يعد يبحث عن حقائق خالدة بل عن فاعليات محدودة وقدرات على ضبط المستقبل وتوجيهه.

وفي مجال الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تتجلى هذه النقلة بأبلغ صورة، النظم الذكية اليوم لا تُبرمج على حقائق ثابتة بل تُدرّب على أنماط من العلاقات وتُعلَّم كيفية تحسين أدائها عبر الاختبار والتغذية الراجعة، مثلها مثل الكائن الحي في نظرية التطور. الشبكات العصبونية الاصطناعية تتعلم تماماً كما يتعلم الطفل لا عبر استيعاب صور مسبقة عن العالم بل عبر تجربة الأفعال ومراقبة النتائج وتعديل السلوك. الحقيقة هنا إجرائية بالأساس، ليست الخوارزمية صادقة لأنها تعكس منطقاً متعالياً بل لأنها تؤدي المطلوب بأقل تكلفة وأكبر نجاعة. هذا ما يعبّر عنه لوسيان فلوريدي، فيلسوف المعلومات المعاصر حين يكتب أن عصرنا هو عصر "الثورة المعلوماتية الرابعة" حيث تصبح المعرفة مرادفة للقدرة على معالجة المعلومات وليس على تخزينها. أن تعرف يعني أن تكون قادراً على الربط والترجمة والتحويل والإعادة والتشكيل، وليست المعرفة شيئاً نملكه بل شيئاً نفعله، والأخلاق بدورها لم تسلم من هذا التحول الوجودي.

وإذا كانت الحقيقة القديمة تفصل بين الواقع والقيمة وبين الحقيقة الواقعية والحكم الأخلاقي، فإن الفلسفات المعاصرة تمحو هذا الحد. الفاعلية المعرفية تتقاطع هنا مع المسؤولية الأخلاقية. هانز جورج غادامر في "الحقيقة والمنهج"، يعلن أن الفهم ليس أبداً عملية بريئة لنقل معنى من مؤلف إلى قارئ، بل هو اندماج آفاق، حدث ندمج فيه نحن بما نفهمه فنتحول ونحوله. المعرفة عند غادامر ليست ملكية خاصة بل تقاليد حيّة تتوارثها الجماعات وتعيد تشكيلها في كل جيل. المسؤولية الأخلاقية إذن تكمن في تواضعنا أمام النص والتقليد وإخلاصنا للفعل الذي لا يكتمل إلا بالاستماع والتجاوب. إنه موقف عملي وجودي، أن تعرف يعني أن تكون أهلاً للاستماع وجديراً بالرد ومستعداً للتغيير. أما في ميدان التربية فتتجلى نتائج هذا التحول بشكل لا يحتمل التأويل. المدارس والجامعات لم تعد قادرة على أن تكون مستودعات للحقائق الجاهزة لأن الحقيقة ذاتها صارت فاعلية متجددة. التربية الفاعلة التي نادى بها جون ديوي منذ قرن مضى تحقق الآن ما كان يحلم به، التعليم ليس إعداداً للحياة بل هو الحياة ذاتها. الطالب لا يستهلك معارف بل يشارك في بنائها. الصف الدراسي لم يعد مكاناً للتلقين بل ورشة لاكتشاف المشكلات وحلهاحيث يصير مختبراً لتجريب الفرضيات ومسرحاً للتنافس والتعاون. المعرفة الحقة هنا هي القدرة على العمل الجماعي وإعادة تعريف المشكلة في منتصف الطريق وتصميم حلول غير متوقعة والاحتفاء بالفشل كتجربة تعلم لا كعار. وكما يقول باولو فريري فيلسوف التربية الناقد في كتابه "تربية المقهورين": "التعليم البنكي الذي يودع المعرفة في عقول فارغة هو تعليم القمع والموت. التعليم الحقيقي هو التعليم المشكل القائم على الحوار، حيث يتعلم الجميع من الجميع وحيث تصبح المعرفة قوة للتغيير لا أداة للتكيف".

ونعود إلى السؤال الأول الذي أطل منذ بداية هذا التأمل الممتد، ماذا يبقى من الحقيقة بعد هذا التحول العنيف إلى الفاعلية؟ هل نحن أمام نهاية الحقيقة كما عرفتها الفلسفة طوال ألفين وخمسمائة عام؟ ربما لا. ربما نحن أمام نهاية نهمة واحدة للحقيقة وأمام تفكيك ادعاء امتلاك المعرفة المطلقة وأمام تواضع صحي يدرك أن كل معرفة مؤقتة وقابلة للخطأ ومشروطة بالسياق. الحقيقة الجديدة إن جاز تسميتها كذلك هي حقيقة مفتوحة، ناقصة، متحركة تقاس بقدرتها على إطلاق الإمكانات لا على سجنها في قوالب نهائية. إنها حقيقة أشبه بالجسر منه بالتمثال وأشبه بالنهر منه بالحجر. إنها ما يسمح لنا بالعبور إلى ضفة أخرى وبالتحول وبالانفتاح على المغايرة والمفاجأة.

لقد جرّدت الفلسفات المعاصرة الإنسان من وهم الموقع الثابت ومن مركز المراقبة الساكن وألقت به في تيار الفعل المحض. لكنها في المقابل منحته عوضاً لا يقدر بثمن، حرية أن يكون خالقاً للحقيقة لا مجرد متلق سلبي لها. لأن الحقيقة في أعمق أعماقها لم تكن يوماً انطباعاً بل افتراقاً ولم تكن تكراراً بل ابتكاراً  ولم تكن ماضياً يُستعاد بل مستقبلاً يُقام. من قال إن الحقيقة بيت دافئ للإقامة والحال أنها ريح عاتية لا تسكن، صحراء لا حدود لها ومعركة لا هدنة فيها. لكن في هذه المعركة تحديداً في هذا الفعل الخالص المتجدد، يجد الإنسان معناه الأعمق. ليس كمن يعرف بل كمن يُصبح بالمعرفة ما لم يكن ليكون بدونه. وتظل الحقيقة مهما تحولت إلى فاعلية أقرب إلى الصلاة منها إلى البرهان، فعل وجود كامل يتجاوز كل ادعاء بالامتلاك وينفتح على رحابة الكون التي لا تحدها حدود.

***

د. حمزة مولخنيف

كيف تُعيد المنصات إنتاج الثقافة

في هذا العالمٍ الذي تتقاطع فيه الأزمنة وتذوب فيه الحدود، لم يعد الإنسان محصورًا في القبيلة أو القرية أو المدينة، بل وجد نفسه في فضاء جديد تُعيد فيه الشبكات والمنصات صياغة معنى الجماعة والثقافة. هنا، لا تُقاس العلاقات بالدم أو الأرض، بل بالرموز الرقمية والاهتمامات المشتركة؛ ولا تُمارس الطقوس في ساحات ملموسة، بل عبر أزرار صغيرة تحمل دلالات عميقة. إن الأنثروبولوجيا الرقمية تفتح أمامنا نافذة لفهم هذا التحول الجذري، حيث يصبح "الهاشتاغ" معادلًا للشعار القبلي، وتتحول المشاركة الافتراضية إلى طقس جماعي يعكس الانتماء ويعيد إنتاج الثقافة في أشكال جديدة.

لم يعد هذا العالم ينقسم إلى جغرافيا ملموسة وحدود سياسية مرسومة، برز فضاء جديد يفرض نفسه كحقلٍ اجتماعي وثقافي لا يقل أهمية عن القرى والمدن والأسواق التقليدية التي طالما كانت موضوعًا للأنثروبولوجيا الكلاسيكية. هذا الفضاء هو العالم الرقمي، حيث تتحول الشاشات إلى ساحات، والمنصات إلى مجتمعات، والتفاعلات الافتراضية إلى طقوس يومية تحمل في طياتها دلالات عميقة عن الهوية والسلطة والذاكرة الجمعية. إن الأنثروبولوجيا الرقمية لا تدرس مجرد تقنيات أو أدوات، بل تنفذ إلى قلب التحولات التي يعيشها الإنسان حين يعيد تشكيل ذاته وصورته وعلاقاته داخل فضاء غير مادي، لكنه شديد التأثير في الواقع الملموس.

لقد أصبح "الإعجاب" و"المشاركة" و"التعليق" أفعالًا تحمل وزنًا اجتماعيًا يشبه الطقوس الجماعية القديمة، وأضحى بناء الهوية الرقمية عملية معقدة تتداخل فيها الرغبة في الظهور مع الحاجة إلى الانتماء. وفي هذا السياق، لم يعد السؤال مقتصرًا على كيف يعيش الإنسان في بيئته الطبيعية أو الثقافية، بل كيف يعيش في بيئة رقمية تُعيد صياغة مفاهيم الزمن والمكان والعلاقات الإنسانية. إن دراسة هذه الظاهرة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم كيف يتشكل الوعي الجمعي في عصر تتحكم فيه الخوارزميات بقدر ما تتحكم فيه الأعراف والتقاليد.

الأنثروبولوجيا تتحول

لم يعد العالم الرقمي مجرد امتداد تقني لحياتنا اليومية، بل تحوّل إلى فضاء اجتماعي قائم بذاته، يفرض على الباحثين في العلوم الإنسانية إعادة النظر في أدواتهم ومفاهيمهم. فالأنثروبولوجيا التي نشأت لدراسة المجتمعات التقليدية، والعلاقات داخل القبائل والقرى، تجد نفسها اليوم أمام مجتمعات جديدة تتشكل على منصات التواصل، حيث تُبنى الهوية وتُمارس الطقوس وتُعاد صياغة السلطة والمعرفة في سياق غير مادي لكنه شديد التأثير. إننا أمام انتقال نوعي من دراسة الإنسان في بيئته الطبيعية إلى دراسة الإنسان في بيئة رقمية، حيث تختلط الواقعية بالافتراضية، ويصبح "الوجود" نفسه موضوعًا للتحليل.

في هذا الفضاء، لا تُقاس العلاقات بالمسافة الجغرافية، بل بالقدرة على الوصول والتفاعل، ولا تُبنى الجماعات على الدم أو الأرض، بل على الاهتمامات المشتركة والرموز الرقمية. هنا، يصبح "الهاشتاغ" معادلًا للشعار القبلي، وتتحول "المشاركة" إلى طقس جماعي يعكس الانتماء، بينما تُعيد الصور والملفات الشخصية إنتاج مفهوم الهوية في أشكال جديدة. هذه التحولات تضع الأنثروبولوجيا أمام تحدٍ مزدوج: كيف يمكنها أن تحافظ على أدواتها التحليلية التقليدية، وفي الوقت نفسه أن تطوّر مقاربات جديدة لفهم الإنسان في عصر الخوارزميات والبيانات الضخمة؟

إن الأنثروبولوجيا الرقمية ليست مجرد فرع حديث، بل هي استجابة علمية لواقع يفرض نفسه بقوة، واقع تتشكل فيه المجتمعات عبر الشاشات، وتُمارس فيه السلطة عبر المنصات، وتُبنى فيه الذاكرة الجمعية عبر أرشيف رقمي لا يزول. ومن هنا، يصبح البحث في هذا المجال ضرورة لفهم كيف يُعاد إنتاج الثقافة، وكيف يُعاد تشكيل الوعي الجمعي، وكيف يُعاد تعريف الإنسان ذاته في زمن لم يعد فيه الافتراضي مجرد انعكاس للواقع، بل واقعًا موازيًا يتقاطع معه ويؤثر فيه بعمق.

الفضاء الرقمي كحقل أنثروبولوجي جديد

حين ننظر إلى الأنثروبولوجيا في جذورها الأولى، نجد أنها ارتبطت بدراسة المجتمعات التقليدية، القبائل، الطقوس، والعلاقات الإنسانية في سياقاتها الطبيعية. لكن مع التحولات التكنولوجية الهائلة، ظهر فضاء جديد لا يقل أهمية عن أي قرية أو مدينة أو سوق قديم: الفضاء الرقمي. هذا الفضاء لم يعد مجرد وسيلة للتواصل أو أداة تقنية، بل أصبح بيئة اجتماعية وثقافية قائمة بذاتها، تُمارس فيها الطقوس، وتُبنى فيها الهويات، وتُعاد صياغة العلاقات الإنسانية في أشكال غير مسبوقة.

في هذا العالم، تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات عامة، أشبه بالأسواق القديمة حيث يلتقي الناس ويتبادلون الأفكار والسلع، لكن هنا السلعة الأساسية هي المعلومات والرموز والصور. يصبح "الهاشتاغ" بمثابة شعار جماعي يوحّد آلاف الأفراد حول قضية أو فكرة، ويتحول "الإعجاب" إلى فعل رمزي يعكس الانتماء أو الموافقة، بينما يُعاد إنتاج مفهوم الجماعة عبر مجموعات افتراضية تتجاوز الحدود الجغرافية والعرقية والدينية. هذه الظواهر تجعل من الفضاء الرقمي حقلًا أنثروبولوجيًا غنيًا، يستحق الدراسة بنفس الجدية التي كانت تُمنح للمجتمعات التقليدية.

الأنثروبولوجيا الرقمية تكشف لنا أن الإنسان لم يتخلَّ عن حاجته إلى الطقوس والرموز، بل نقلها إلى بيئة جديدة. فكما كان الإنسان القديم يجتمع حول النار أو في الساحات ليشارك في طقوس جماعية، يجتمع الإنسان المعاصر حول شاشة الهاتف أو الحاسوب ليشارك في طقوس رقمية: بث مباشر، حملة تضامن، أو حتى موجة من التعليقات الساخرة التي تتحول إلى ظاهرة اجتماعية. هذه الطقوس الرقمية ليست سطحية كما قد يُظن، بل تحمل دلالات عميقة عن كيفية بناء الهوية والانتماء في عصر العولمة الرقمية.

إن الفضاء الرقمي يفرض على الباحثين إعادة النظر في مفاهيم أساسية مثل "المجتمع"، "الهوية"، و"السلطة". فالمجتمع لم يعد مرتبطًا بالمكان، بل بالاهتمام المشترك؛ والهوية لم تعد ثابتة، بل تُبنى وتُعاد صياغتها عبر الصور والكلمات والرموز الرقمية؛ أما السلطة، فلم تعد حكرًا على المؤسسات التقليدية، بل أصبحت موزعة بين المنصات والخوارزميات التي تتحكم في تدفق المعلومات وتشكيل الرأي العام. بهذا المعنى، يصبح الفضاء الرقمي مختبرًا حيًا لفهم الإنسان في لحظة تاريخية تتجاوز الحدود التقليدية للأنثروبولوجيا.

إعادة تشكيل الهوية عبر الإنترنت

في الفضاء الرقمي، لم تعد الهوية مجرد انعكاس مباشر للواقع الاجتماعي أو الثقافي، بل أصبحت عملية معقدة من البناء وإعادة التشكيل المستمر. فالمستخدم حين يدخل إلى منصات التواصل لا يقدّم ذاته كما هي في الحياة اليومية، بل يختار بعناية صورًا وكلمات ورموزًا ليصوغ هوية رقمية قد تتقاطع مع هويته الواقعية أو تنفصل عنها تمامًا. هذه الهوية ليست ثابتة، بل ديناميكية، تتغير وفق السياق، الجمهور، واللحظة، مما يجعلها موضوعًا أنثروبولوجيًا بالغ الأهمية لفهم الإنسان المعاصر.

إن الهوية الرقمية تُبنى عبر طبقات متعددة: الصورة الشخصية، طريقة الكتابة، نوعية المحتوى، وحتى التفاعل مع الآخرين. كل هذه العناصر تتحول إلى رموز ثقافية تعكس اختيارات الفرد وتصوراته عن ذاته. فالشاب الذي يضع صورة رمزية بدلاً من صورته الحقيقية يرسل رسالة عن رغبته في التخفي أو في التعبير عن هوية بديلة، والناشط الذي يشارك باستمرار في قضايا سياسية أو اجتماعية يبني لنفسه هوية نضالية رقمية قد تمنحه مكانة وتأثيرًا يتجاوز ما يملكه في الواقع المادي. بهذا المعنى، يصبح الفضاء الرقمي مختبرًا لإعادة إنتاج الذات، حيث يمكن للفرد أن يجرب هويات متعددة، وأن يعيش أكثر من "حياة" في آن واحد.

لكن هذه العملية ليست مجرد حرية فردية، بل تخضع أيضًا لقوانين غير مرئية تفرضها المنصات والخوارزميات. فالهوية التي يختارها الفرد تُقاس بمدى انتشارها، بعدد المتابعين، وبقوة التفاعل الذي تحققه. هنا تتدخل السلطة الرقمية لتحدد أي هوية تُبرز وأي هوية تُهمّش، مما يجعل إعادة تشكيل الهوية عبر الإنترنت عملية مشروطة بآليات القوة والسيطرة. إن الأنثروبولوجيا الرقمية تكشف لنا أن الهوية لم تعد شأنًا شخصيًا فقط، بل أصبحت نتاجًا لتفاعل معقد بين الفرد والمنصة والجمهور، حيث تتداخل الرغبة في التعبير مع الحاجة إلى القبول والاعتراف.

وإذا كان الإنسان في المجتمعات التقليدية يُعرّف من خلال العائلة، القبيلة، أو المكان، فإن الإنسان الرقمي يُعرّف من خلال ملفه الشخصي، محتواه، وشبكة علاقاته الافتراضية. هذه الهوية الجديدة قد تمنح الفرد فرصًا غير مسبوقة للتأثير والانتشار، لكنها في الوقت نفسه قد تضعه تحت ضغط دائم للحفاظ على صورة معينة أو لتلبية توقعات الجمهور. وهنا يظهر البعد النفسي والاجتماعي لإعادة تشكيل الهوية، حيث يعيش الفرد بين واقع ملموس وهوية رقمية قد تكون أكثر بريقًا أو أكثر هشاشة.

الطقوس الرقمية والتفاعل الاجتماعي

إذا كانت الطقوس في المجتمعات التقليدية تُمارس حول النار، في ساحات القرية، أو في المعابد، فإن الطقوس في العصر الرقمي تُمارس حول الشاشة، عبر أزرار صغيرة تحمل دلالات رمزية عميقة. إن الضغط على زر "إعجاب"، أو المشاركة في حملة رقمية، أو الانضمام إلى هاشتاغ جماعي، ليست مجرد أفعال تقنية، بل هي طقوس اجتماعية تعكس الانتماء، وتعيد إنتاج الجماعة في شكل جديد. هنا، يصبح الفعل الرقمي امتدادًا للطقس التقليدي، لكنه يتجاوز حدود المكان والزمان، ليجمع آلاف الأفراد في لحظة واحدة حول قضية أو فكرة أو حتى مزحة عابرة.

الطقوس الرقمية تكشف لنا أن الإنسان لم يتخلَّ عن حاجته إلى المشاركة الجماعية، بل وجد لها فضاءً جديدًا أكثر سرعة وانتشارًا. فكما كان الناس يتجمعون للاحتفال أو للتظاهر أو للصلاة، يتجمعون اليوم عبر المنصات الرقمية ليؤدوا طقوسًا جماعية: بث مباشر يتابعه الملايين، حملة تضامن تُترجم إلى آلاف المشاركات، أو موجة من التعليقات الساخرة التي تتحول إلى ظاهرة ثقافية. هذه الطقوس الرقمية تحمل في طياتها رموزًا جديدة: الرموز التعبيرية، الصور، الفيديوهات القصيرة، كلها أدوات للتعبير الجماعي، تُعيد صياغة لغة التواصل وتمنحها أبعادًا أنثروبولوجية تستحق الدراسة.

لكن الطقوس الرقمية ليست مجرد تعبير عن الانتماء، بل هي أيضًا وسيلة لإعادة إنتاج السلطة والمعنى. فالمشاركة في حملة رقمية قد تمنح الفرد شعورًا بالقوة والتأثير، بينما قد تتحول بعض الطقوس إلى أدوات للهيمنة أو للتلاعب بالرأي العام. هنا يظهر البعد السياسي والاجتماعي للطقوس الرقمية، حيث تتداخل الرغبة في التعبير مع آليات السيطرة التي تفرضها المنصات والخوارزميات. إن الأنثروبولوجيا الرقمية تكشف لنا أن الطقوس لم تعد مرتبطة فقط بالمقدس أو بالاحتفال، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، تُمارس بشكل مستمر، وتعيد تشكيل العلاقات بين الفرد والجماعة، وبين الإنسان والسلطة.

إن دراسة الطقوس الرقمية تفتح أمامنا أفقًا لفهم كيف يعيش الإنسان المعاصر في بيئة جديدة، وكيف يعيد إنتاج حاجته إلى الرموز والانتماء في سياق غير مادي لكنه شديد التأثير. فالطقوس الرقمية ليست سطحية كما قد يُظن، بل هي مرآة عميقة لثقافة العصر، تكشف عن كيفية تشكل الوعي الجمعي، وعن الطرق التي يعيد بها الإنسان صياغة ذاته وعلاقاته في زمن الإنترنت.

السلطة والمعرفة في العصر الرقمي

في المجتمعات التقليدية، كانت السلطة تُمارس عبر المؤسسات السياسية والدينية، وكانت المعرفة تُنتج وتُوزع من خلال المدارس والجامعات والمراكز الثقافية. لكن في العصر الرقمي، تغيّرت المعادلة جذريًا: أصبحت المنصات الرقمية والخوارزميات هي التي تتحكم في تدفق المعلومات، وتحدد أي خطاب يُبرز وأي خطاب يُهمّش، مما جعل السلطة والمعرفة تتداخلان في شكل جديد غير مسبوق. هنا، لم تعد السلطة مجرد قرار سياسي أو ديني، بل أصبحت قدرة تقنية على التحكم في البيانات، في ترتيب النتائج، وفي توجيه الانتباه الجمعي.

إن الأنثروبولوجيا الرقمية تكشف لنا أن السلطة لم تعد تُمارس فقط من أعلى إلى أسفل، بل أصبحت موزعة بين الأفراد والمنصات والشبكات. فالمستخدم الذي يملك ملايين المتابعين قد يمتلك سلطة رمزية تفوق سلطة مؤسسة تقليدية، بينما الخوارزمية التي تحدد ما يظهر في صفحة الأخبار تمارس سلطة خفية على تشكيل الرأي العام. هذه السلطة الجديدة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُمارس يوميًا عبر القرارات الصغيرة التي تحدد ما نقرأ، ما نشارك، وما نعتبره "حقيقة".

أما المعرفة، فقد فقدت احتكارها التقليدي، وأصبحت تُنتج بشكل جماعي وفوري عبر التفاعل الرقمي. لم يعد الباحث أو الصحفي وحده هو من يحدد ما يُعرف، بل أصبح الجمهور نفسه يشارك في صناعة المعرفة عبر التعليقات، المشاركات، وإعادة إنتاج المحتوى. لكن هذه المعرفة الجماعية ليست دائمًا دقيقة أو محايدة، فهي تخضع أيضًا لآليات السلطة الرقمية التي قد تبرز خطابًا معينًا وتُخفي آخر. وهنا يظهر التحدي الأكبر: كيف يمكن للأنثروبولوجيا أن تفكك هذه العلاقة المعقدة بين السلطة والمعرفة في العصر الرقمي، وأن تكشف عن الطرق التي يُعاد بها تشكيل الوعي الجمعي تحت تأثير الخوارزميات؟

إن السلطة والمعرفة في الفضاء الرقمي ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل هي واقع يومي يعيشه كل فرد. فالمستخدم حين يفتح هاتفه ويقرأ الأخبار أو يتابع حملة رقمية، يكون في الحقيقة جزءًا من شبكة معقدة تُمارس فيها السلطة وتُنتج فيها المعرفة بشكل متزامن. هذه الشبكة تُعيد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الإنسان والمؤسسة، وبين الحقيقة والوهم. ومن هنا، يصبح فهم هذه العلاقة ضرورة لفهم كيف يُعاد تشكيل العالم في زمن الإنترنت، وكيف يُعاد تعريف الإنسان ذاته في مواجهة سلطة جديدة لا تُمارس بالعنف المباشر، بل بالتحكم في الانتباه والمعنى.

الأنثروبولوجيا الرقمية وإعادة تعريف الإنسان في زمن الشبكات

إن المحاور التي تناولناها تكشف بوضوح أن الأنثروبولوجيا الرقمية ليست مجرد فرع حديث يضاف إلى قائمة العلوم الإنسانية، بل هي إعادة صياغة جذرية لطريقة فهمنا للإنسان وعلاقاته في عصرٍ لم يعد فيه الواقع منفصلًا عن الافتراضي. لقد رأينا كيف أصبح الفضاء الرقمي حقلًا أنثروبولوجيًا جديدًا، وكيف تُعاد صياغة الهوية عبر الإنترنت في صور متعددة ومتغيرة، وكيف تحولت الأفعال البسيطة إلى طقوس جماعية تحمل دلالات رمزية عميقة، وأخيرًا كيف اندمجت السلطة والمعرفة في شبكة معقدة تُمارس فيها الهيمنة عبر الخوارزميات بقدر ما تُمارس عبر المؤسسات التقليدية.

هذه التحولات تضعنا أمام حقيقة أن الإنسان المعاصر يعيش في عالم مزدوج، حيث لا يمكن الفصل بين وجوده المادي ووجوده الرقمي. فالهوية لم تعد مجرد بطاقة تعريف أو انتماء قبلي، بل أصبحت ملفًا شخصيًا يتغير باستمرار؛ والطقوس لم تعد مرتبطة بالمقدس أو بالمكان، بل أصبحت مرتبطة بالمنصة وبالرموز الرقمية؛ أما السلطة والمعرفة، فقد خرجتا من قاعات السياسة والجامعات لتستقرّا في خوارزميات تحدد ما نراه وما نعرفه. إن هذا الواقع يفرض على الأنثروبولوجيا أن تتجاوز أدواتها التقليدية، وأن تطوّر مقاربات جديدة لفهم الإنسان في زمن الشبكات، حيث تتداخل الحرية مع السيطرة، والهوية مع التمثيل، والمعرفة مع التضليل.

إن الأنثروبولوجيا الرقمية ليست مجرد دراسة للإنترنت أو للتكنولوجيا، بل هي دراسة للإنسان في لحظة تاريخية فارقة، لحظة يُعاد فيها تعريف ذاته وعلاقاته ومجتمعاته عبر فضاء غير مادي لكنه شديد الحضور. ومن هنا، فإن هذا الحقل الجديد لا يفتح فقط بابًا لفهم التحولات الراهنة، بل يضع أمامنا سؤالًا أعمق: كيف سيُعاد تشكيل الإنسان نفسه في المستقبل، حين تصبح الحدود بين الواقع والافتراضي أكثر ضبابية، وحين تتحول الخوارزميات إلى جزء من بنيته الثقافية والاجتماعية؟

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

القاسم المشترك بين الرأسمالية والميتافيزيقيا في استغلال الشعوب

تمثل صناعة الجهل وتعبئة بلاهة الجماهير إحدى الركائز الهيكلية الأساسية التي تستند إليها سلطات الهيمنة المعاصرة لإعادة إنتاج أدوات استلاب الوعي البشري وتوجيهه. في هذا السياق المعرفي، يبرز "علم إنتاج التجهيل وصناعة الجهل المعرفي" بوصفه أداة نقدية جذرية لإعادة تعريف مفهوم المعرفة وتفكيك البنى والمؤسسات المنتجة لعدم الفهم والوعي الزائف. إن هذا الحقل المعرفي الهام يطرح سؤالاً مقلقاً ومحورياً حول الكيفية التي يتم بها تصنيع غياب المعرفة وصيانته بصفة مستمرة داخل المجتمعات الحديثة، لا سيما عندما يُستخدم الجهل كأداة استراتيجية مدروسة لخدمة مصالح سياسية واقتصادية لطبقات ونخب متنفذة.

تتعدد أنماط الجهل في المجتمعات المعاصرة وتتمايز؛ حيث نجد الجهل الطبيعي الناجم أساساً عن محدودية الإمكانات المعرفية والأدوات البشرية في مرحلة تاريخية معينة، والجهل الانتقائي القائم على الاستبعاد المتعمد للحقائق والوقائع المعرفية التي لا تتوافق مع التوجهات الأيديولوجية السائدة، وأخيراً وهو الأخطر، الجهل الاستراتيجي الممنهج الذي يُنتج ويُعاد إنتاجه عمداً وبطرق علمية لحماية امتيازات النخب الحاكمة والشركات الرأسمالية الكبرى العابرة للقارات.

يتجلى هذا الجهل الاستراتيجي المنظم في مجالات اجتماعية وحياتية عينية ملموسة؛ مثل الجهل العرقي الهيكلي الذي يعمل عبر أدوات السلطة على طمس وتشويه التاريخ الثقافي والسياسي للأقليات والمستضعفين لترسيخ التفاوت الطبقي والاجتماعي، أو الجهل الطبي الذي تفرض فيه التحيزات الثقافية والمؤسسية والدينية المتزمتة رقابة صارمة على معلومات صحية وعلمية بالغة الأهمية، مثل صحة النساء العامة، والإنجابية، والوعي الغذائي ،والدوائي.

تاريخياً، وظّفت الدول الكبرى والمنظومات الاستعمارية هذا التجهيل لأغراض عسكرية وأمنية عليا، كفرض الرقابة المشددة لعشر سنوات كاملة على البيانات والمكتشفات الخاصة بالصفائح التكتونية وحركة القشور الأرضية بهدف حماية أسرار حرب الغواصات وخرائطها الصامتة خلال فترة الحرب الباردة. أما في السياق السياسي والاجتماعي اليومي، فإن صناعة الجهل ترتكز على أدوات منهجية ومؤسسية بالغة التعقيد، تشمل خلق واجهات ونخب سياسية مصطنعة تفتقر إلى العمق، وتوظيف منصات إعلامية وشبكات تواصل موجهة تبث خطاباً وحيداً ومكرراً ومسطحاً يهدف إلى ترسيخ سرديات السلطة ورأس المال في الأذهان كحقائق مطلقة لا تقبل النقاش.

تعتمد هذه الجهات المتنفذة في تمرير أجنداتها على إثارة مشاعر الخوف الغريزي المستمر من أعداء مفترضين في الداخل أو الخارج، وإلهاء الجمهور العريض بمعارك وهمية وهامشية لا تمس مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية المباشرة، مع وضع معايير استهلاكية مضللة للنجاح الفردي تربطه بالقدرة المادية على الشراء والاقتناء لا بالوعي والمساهمة الإنسانية. ويترافق هذا التجهيل المؤسسي مع تكتيكات لغوية وبيانية تعتمد بالدرجة الأولى على الإثارة العاطفية الفجة والتعميمات الفضفاضة الجوفاء؛ بهدف إخفاء التفاصيل العينية والحقائق الرقمية وتسييد الوهم والجهل المقدس. تعد الحملات الإعلامية المضللة ضد النشطاء السياسيين والمغالطات العلمية والتعتيم المحيط بالأزمات الصحية والبيئية الكبرى، كما حدث في البيئة السياسية خلال جائحة كوفيد-19، نماذج حية وشاخصة على توظيف علم التجهيل لتوجيه الرأي العام، وتفتيت قوى المعارضة النقدية، وضمان تبعية الجماهير العمياء للسلطة الحاكمة.

 التفكيك الوجودي للغباء: في مواجهة العقلنة الرقمية والبيروقراطية

يأخذ النقد الفلسفي لظاهرة الغباء وصناعة الوعي الزائف بعداً وجودياً عميقاً في الأطروحات الفلسفية المعاصرة، لا سيما مع الفلاسفة الذين رفضوا معالجة الغباء كخطأ معرفي بسيط أو كأمر عارض يمكن تجاوزه بالتعليم التقليدي، بل نظروا إليه بوصفه بعداً داخلياً أصيلاً وجزءاً من بنية الفكر الإنساني حين يستسلم لوضاعته وعجزه عن تفكيك الاختلاف وخلق المفاهيم الحرة. فالخطأ، في العرف الفلسفي، هو خلل خارجي طارئ يسهل تصحيحه وتجاوزه عبر ضخ المعلومات الصحيحة وتوفير البيانات، بينما الغباء البنيوي هو عائق متجذر يجعل الفكر عاجزاً عن التمييز بين ما هو جوهري ومصيري وبين ما هو هامشي وزائل. ومع ذلك، يمثل الغباء في الوقت نفسه الشرط الوجودي القاسي الذي يصدم الفكر ويهز جموده، ويدفعه رغماً عنه إلى ممارسة التفكير الحقيقي لتجاوز مأزقه.

التواطؤ البنيوي بين المنهج الميتافيزيقي وصنمية السلعة

يتقاطع هذا التحليل الفلسفي للتجهيل وصناعة الغباء مع مواجهة منهجية وفكرية عتيقة وجوهرية في تاريخ الفلسفة بين المنهج الميتافيزيقي السكوني والمنهج الجدلي الحي. ينظر المنهج الميتافيزيقي الكلاسيكي إلى الأشياء، والظواهر، والمفاهيم بوصفها كيانات ثابتة، جامدة، معزولة، ومستقلة تماماً عن سياقاتها التفاعلية والتاريخية؛ وهو المنطق التجزيئي الذي يتجلى بوضوح في الفلسفة العقلانية الكلاسيكية التي عزل فيها الفلاسفة الذات المفكرة والوعي الروحي عزلاً تاماً عن الامتداد المادي والجسد الفيزيائي. إن هذا المنظور السكوني والتجزيئي يخدم بنيوياً ووظيفياً المنظومة الرأسمالية التي تسعى بكل أدواتها لتقسيم الواقع الاجتماعي والعمل البشري، وعزلهما عن شروطهما المادية والطبقية الحية، مغذيةً بذلك حالة الاغتراب الإنساني الكلي من خلال الفصل الحاد والتعسفي بين القيمة التبادلية للسلع في السوق وقيمتها الاستعمالية الحقيقية في حياة البشر.

يعد مفهوم الصنمية والتقديس الأعمى حيزاً معرفياً ممتازاً لتفكيك هذا التواطؤ البنيوي بين التجريد الفكري الميتافيزيقي والاستلاب المادي المعاش. فبينما يرى بعض فلاسفة التنوير الكلاسيكيين الصنمية بوصفها مجرد موقف سحري وبائس لعقول بدائية تقوم على صناعة الأوثان المادية وإشباع رغبة اللذة المباشرة بدلاً من السمو الأخلاقي العقلاني، يرى الفلاسفة المثاليون اللاحقون الصنمية كإسقاط ذاتي منحرف يمنح الموضوع الخارجي استقلالية زائفة وصورة قدسية ليست في حقيقتها سوى انعكاس لأهواء الذات ومخاوفها الداخلية غير المحلولة.

يأتي النقد الفلسفي والاقتصادي المادي ليزاوج بين هذه الرؤى المعرفية وبين الواقع الاقتصادي الملموس عبر مفهوم "صنمية السلعة"؛ حيث يبرهن التحليل النقدي لرأس المال على أن السلعة في مجتمع التبادل الرأسمالي تفقد طابعها الإنساني البسيط كمنتج للعمل البشري المتعين، وتتحول بفعل آليات السوق والتجهيل إلى صنم لاهوتي ميتافيزيقي غامض ومقدس، تغيب فيه العلاقات الاجتماعية المباشرة والروابط الإنسانية بين المنتجين الحقيقيين، وتتحول بدلاً من ذلك إلى علاقات مادية مبهمة ومغتربة بين الأشياء، والأسعار، والسيولة النقدية الشبحية.

الاستثمار العملي في بلاهة الجماهير

يتجلى هذا البناء الميتافيزيقي واللاهوتي المعقد لصناعة الجهل والغباء البنيوي في صورة استثمار عملي وديناميكية سلوكية يومية تحكم أسواق المال، والشركات، واللعبة السياسية الانتخابية المعاصرة. ففي الأسواق المالية والمجالات الاستهلاكية، تشكل السيكولوجيا السلوكية وقوانين الغباء البشري محركات أساسية ودينامو يعتمد عليه المضاربون والنخب الاقتصادية لضمان تدفق الأرباح. وتشير هذه القوانين الاجتماعية والتحليلات السلوكية إلى حقائق صادمة:

 أولاً، أن الجميع بلا استثناء يسيء تقدير أعداد الأفراد المستعدين للانسياق الأعمى خلف الوهم والجهل في الواقع اليومي.

 ثانياً، أن الغباء والتسطيح صفة بنيوية وسلوكية مستقلة تماماً عن السمات الفكرية الأخرى أو الطبقة الاجتماعية والشهادات الأكاديمية.

 ثالثاً، أن الشخص المستلب الذي يعمل بجهل وتوجيه خارجي هو الأكثر خطورة لتسببه في تدمير ممتلكات وحقوق ومستقبل الآخرين والمجتمع دون تحقيق أي مكسب ذاتي حقيقي لنفسه، بينما يميل الأفراد العقلانيون دوماً وبشكل خاطئ إلى الاستخفاف بالقوة التدميرية الهائلة للجهل البشري المنظم ولا يحسبون لها حساباً كافياً.

يعمل "التحيز التأكيدي السلوكي" كوقود نفسي جبار للدورات الاستثمارية والاستهلاكية المتلاحقة؛ حيث يبحث المستهلكون والأفراد فقط وبصفة مستمرة عن السرديات والإعلانات التي تدعم أوهامهم الاستهلاكية وتؤكد مكانتهم الاجتماعية الزائفة، معتقدين بيقين أعمى بحتمية نجاة الأسواق الدائمة واستمرار الرخاء وهم يتجهون نحو الأزمات الاقتصادية الدورية بوعي مغيب.

من جهة أخرى، يبرز استعراض الجهل والتظاهر بالبلاهة والسطحية من قبل القوى المتنفذة كاستراتيجية مناورة سياسية وعسكرية بالغة الذكاء والدهاء في صراعات القوة والهيمنة. إذ يتيح إخفاء النيات الحقيقية والتظاهر بالطاعة العمياء للمنظومة الدولية، أو ادعاء الجهل بالحقائق والوقائع الصلبة، تحييد يقظة الخصوم والشعوب ودفعهم لإلقاء دروعهم الدفاعية الفكرية والمادية، مما يضمن للنخب المتنفذة عنصر المفاجأة الاستراتيجية وإحكام الهيمنة الكاملة عند لحظة الصفر.

تتجلى هذه الديناميكية السلوكية والنفسية بوضوح تام وكارثي في المشهد السياسي الانتخابي للشعوب والمجتمعات الحديثة؛ حيث تتخلى الأحزاب الكبرى والائتلافات والنخب السياسية الحاكمة تماماً عن دورها التاريخي والاجتماعي المفترض والمتمثل في رفع وعي المواطنين، وتثقيفهم سياسياً، وتمليكهم الحقائق الاقتصادية والاجتماعية. وبدلاً من ذلك، تعتمد هذه النخب كلياً على الاستثمار الممنهج في المنسوب المتاح والوفير من بلاهة الجماهير وعواطفها البدائية. وتصبح الساحة السياسية والانتخابية حافلة بسوق تجاري كبير لبيع الأوهام المغشوشة، والشعارات القومية أو الطائفية الجوفاء، والمشاريع الاقتصادية المستحيلة التي تناسب مستويات الجهل السائد وتدغدغ مشاعر الخوف والجهل المقدس.

كما وتستغل الأنظمة السياسية العتيقة والنيوليبرالية هذه الآليات السلوكية النفسية بدقة متناهية للحصول على شرعية انتخابية ديمقراطية زائفة وشكلية، تعيدها مرة بعد أخرى إلى سدة الحكم والسلطة بأصوات الجماهير المستلبة نفسها. إنها الجماهير التي يعاد سوقها وتوجيهها بآلات الإعلام وصناعة الجهل نحو صناديق الاقتراع؛ لتنتخب مجدداً وبمحض إرادتها المزيفة الوجوه البيروقراطية نفسها ورعاة رأس المال الذين تسببوا تاريخياً وفي الواقع في جوعها، وتفقيرها، وتشريدها، وإلغاء مستقبل أجيالها، في حلقة مفرغة تجسد الانتصار الأكبر للاستثمار في الجهل.

***

غالب المسعودي