عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

أقلام فكرية

تحليل بنيوي في أطروحة ميشيل فوكو حول إنتاج الحقيقة

الحقيقة لم تكن يوماً عارية تخرج من بئر الزمن لتقف مكشوفة أمام العيون المتعطشة إلى اليقين بل كانت دائماً رداءً تنسجه الآليات الخفية للسلطة على نول الخطاب تخيطه بأيدي لا ترى وخيوط لا تحصى. ميشيل فوكو ذلك المفكر المتمرد على كل تصنيف والذي قضى عمره ينقب في أقبية المعرفة الغربية بحثاً عن لحظات ميلاد المفاهيم الكبرى أتى بنظرية هزت صميم ما ظنه الفلاسفة تحصيناً للحقيقة من ألاعيب القوة. فلطالما اعتادت الفلسفة منذ أفلاطون إلى نظرية المعرفة الكانطية ثم إلى الفينومينولوجيا الهوسرلية أن تنظر إلى الحقيقة كشيء يتحرر من أغلال الجسد والمجتمع والسياسة كجوهر سامق يعلو على صخب الصراعات الدنيوية. لكن فوكو قلب المعادلة رأساً على عقب ولم يعد السؤال الفلسفي "كيف نعرف الحقيقة" بل "كيف ننتج الحقيقة" و"بأي آليات تصبح بعض الأقوال حقيقة وبعضها الآخر هرطقة أو جنوناً أو مجرد خطأ عابر".

الاشتغال الفوكوي على الأرشيف التاريخي لم يكن بحثاً عن أصول براقة أو ماض مجيد بل نبشاً في تفاصيل صغيرة مهملة كوثائق السجون وتقارير الأطباء العقليين وجداول التصنيفات الإدارية وأدلة الاعتراف في المحاكم الكنسية. من هنا انبثق المشروع الجينالوجي الذي لم يهدف إلى تبرير الحاضر بسلاسل الماضي بل إلى تفكيك هذه السلاسل ذاتها ليرى كيف صيغت وكيف حُددت معالمها. الحقيقة عند فوكو ليست ما يطابق الواقع في مرآة عاكسة صافية بل ما تنتجه "إرادة المعرفة" التي هي في جوهرها إرادة سلطة. يذكر فوكو في محاضرته الشهيرة "نظام الخطاب" أن الحقيقة ترتبط بأنظمة مؤسساتية تتحكم في إنتاجها وتداولها وتقييمها فهي ليست خارج السلطة ولا ضدها بل هي إحدى أهم أدواتها وأكثرها خفاء. حين يخبرك الطبيب بأنك مريض نفسي فهو لا يصف واقعاً محايداً بقدر ما يمارس سلطة تصنيف وتهميش وإيداع. وحين يقرر القاضي براءة متهم أو إدانته فهو لا يعبر عن صوت الضمير الكوني بل عن شبكة معقدة من القوانين والإجراءات والخبرات التي صُنعت تاريخياً لتخدم نظماً معينة من الضبط والإقصاء.

لا يمكن فهم أطروحة فوكو دون العودة إلى نيتشه الذي كان أول من فضح الوهم الأفلاطوني المتمادي بحفر هوة سحيقة بين الحقيقة والوهم. نيتشه في "جينالوجيا الأخلاق" تفلسف بالقادوم لا بالمطرقة فقط فكشف أن قيم الحق والخير والجمال ليست سوى انتصارات مؤقتة لإرادات متصارعة فرضت نفسها عبر الزمن. فوكو أخذ درس نيتشه بجدية فائقة لكنه نقله من ميدان الأخلاق إلى ميدان المعرفة ذاته. السؤال الذي رافق فوكو من "تاريخ الجنون" إلى "تاريخ الجنسانية" هو كيف تمكنت بعض الخطابات من احتكار لقب "الحقيقة" بينما أُسكتت خطابات أخرى أو أُقصيت إلى هوامش النسيان. يفكر هنا فوكو في "الإرادة إلى المعرفة" باعتبارها عدم رغبة بريئة في الفهم بل إرادة للسيطرة والترتيب والتصنيف حيث هي إرادة لتحديد من يتكلم ومن يصمت ومن يستحق أن يصدق قوله ومن يستحق السجن أو العزل أو التشهير.

التحليل البنيوي الذي مارسه فوكو - وإن تحفظ هو نفسه على هذا المصطلح - يكمن في كشفه عن القوانين اللاشعورية التي تحكم تشكل الخطابات. فوكو لم يهتم بما يقوله الفلاسفة أو العلماء أو الأطباء بقدر اهتمامه بكيفية قولهم وبالشروط التي جعلت قولهم ممكناً ومقبولاً في زمن معين. هذا يتصل بما أسماه "الأركيولوجيا" البحث في الطبقات العميقة للمعرفة أي في تلك القواعد المجهولة للممارسة الخطابية التي تحدد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله في لحظة تاريخية محددة. حين قرأ فوكو كتابات أطباء القرن التاسع عشر عن الهستيريا أو عن الانحراف الجنسي لم يجد حقائق علمية تتكشف تدريجياً بل وجد بناءات خطابية تخلق الموضوع الذي تتحدث عنه. الجنون مثلاً لم يكن قبل عصر الكلاسيكية مرادفاً لاعدام العقل بل كان ظاهرة حضارية معقدة. ثم جاءت مؤسسات العزل والحجز مع العصر الكلاسيكي لتخلق كياناً اسمه "المجنون" يخضع للمراقبة والمعرفة الطبية. ويتجسد هنا قانون فوكو الأعمق للمعرفة التي ليست انعكاساً لموضوع سابق عليها بل هي منتجة للموضوع ذاته من خلال شبكات السلطة التي ترعاها.

ولم يغفل فوكو أن هذه الأطروحة قد تتعرض لسهام النقاد خاصة أولئك الذين يتهمونه بالارتيابية المطلقة أو بتحويل كل شيء إلى لعبة قوى بلا معنى أخلاقي أو إبستمولوجي. لكن فوكو كان دقيقاً حين ميز بين الحقيقة كقيمة وحقيقة كحدث تاريخي. هو لم يقل إن مفهوم الجاذبية أو نظرية الخلايا غير صحيحين بالمعنى الطبيعي بل قال إن لحظة ظهورهما وتثبتهما وانتشارهما تخضع لظروف تاريخية تخلط المعرفة بالسلطة بشكل لا يمكن فصله. ويشير فوكو في كتابه "الكلمات والأشياء" إلى أن الكليات الكبرى مثل الإنسان والعقل والتاريخ ليست حقائق أبدية بل اختراعات حديثة ستنتهي كما بدأت "يمحوها البحر من على رمال الشاطئ". هذا القول الشهير يتضمن أكثر من نبوءة أنثروبولوجية إنه يتضمن رؤية بنيوية تقول إن ما نعتبره بديهياً اليوم كان بالأمس هرطقة وسيكون غداً سذاجة.

الصلة بين السلطة والمعرفة عند فوكو ليست صلة خارجية يفرض فيها القوي تصوراته على الضعيف بشكل تعسفي بل صلة داخلية عضوية المعرفة تولد من ضمن أساليب السلطة وممارساتها والسلطة بدورها تستعين بالمعرفة لتبرير نفسها وتجديد أجهزتها. حين يقول فوكو في "المراقبة والمعاقبة- ولادة السجن-" إن السجن الحديث لم يوجد فقط لحبس المجرمين بل لخلق "معرفة بالسجين" من خلال ملفات نفسية واجتماعية وإحصائية فهو يكشف عن آلية مولدة للذات المذنبة. السجين الذي يخضع للاستجواب والمراقبة اليومية يتحول إلى حالة معرفية تُدرس وتُصنف وتُقارن وهذا بدوره يضفي شرعية علمية على مؤسسة السجن. الدائرة منغلقة بإحكام لا سلطة دون معرفة تشكلها وتنظيرها ولا معرفة دون سلطة تطبقها وتمارسها. أكثر من ذلك فوكو يشير إلى أن أشكال المعرفة الحديثة - الطب النفسي علم الجريمة علم الجنس - لم تظهر رغم مقاومة السلطات كما في الأسطورة التنويرية بل ظهرت بفضل هذه السلطات ومن داخلها. المستشفى الحديث لم يكن عائقاً أمام ممارسة السلطة الطبية بل كان رحمها الذي نضجت فيه.

يكتب بول ريكور في أكثر من موضع أن فوكو كان "فيلسوف الريبية المنهجية" لكن هذه الريبية لم تكن يوماً شكاً كارتيزياً يبدأ بامتحان اليقينيات بل كانت حفراً تاريخياً يكشف أن ما يسميه عصرنا بالمعرفة هو في الحقيقة استراتيجية للسيطرة. فوكو يأخذ بيد القارئ إلى حيث تتشكل الحقيقة في أتون الصراعات لا في هدوء التأمل. وربما كان هذا هو الدرس الأصعب الذي تقدمه الفلسفة لا أن نبحث عن حقيقة تنقذنا من التاريخ بل أن نفهم كيف يصنع التاريخ حقائقه ثم يعبدها كأصنام.

نظام الخطاب عند فوكو ليس مجرد كلام مفتوح يتدفق كالنهر دون سدود ولا حواجز، بل هو جهاز معقد من الإجراءات والضوابط التي تقرر بعناية من يحق له أن يتكلم وفي أي موضوع وتحت أي ظروف. حين نقرأ كتابه "نظام الخطاب" نجد فوكو يصدم القارئ منذ الجمل الأولى بفكرة مزعجة لكل من يؤمن بالحرية المطلقة للتفكير،  وهي أن إنتاج الخطاب في أي مجتمع يخضع لعملية انتقاء وترشيح وتوزيع تجعل البعض يتكلم والآخر يصمت. هذا ليس مؤامرة يخططها أفراد بعينهم بل منظومة لا شعورية تعمل في صميم المؤسسات التعليمية والدينية والقضائية والطبية. فوكو يقولها صراحة: "في كل مجتمع يكون إنتاج الخطاب في آن واحد مراقباً ومنتقى ومنظماً وموزعاً بواسطة عدد من الإجراءات التي تتمثل مهمتها في ردع قواها وأخطارها والتحكم في أحداثها العشوائية وتجنب ماديتها الثقيلة المخيفة."

هذه الإجراءات تتوزع على مستويات متعددة أولها وأكثرها ظهوراً هو ما يسميه فوكو "إجراءات الإقصاء الخارجية" وتشمل الخطاب المحظور والفصل بين العقل والجنون وإرادة الحقيقة. الخطاب المحظور يتعلق بما لا يجوز قوله لأن قوله يعاقب عليه فمن يتناول موضوع الجنس بطريقة صريحة في عصر الفكتوريين أو يتحدث عن نقد السلطة الحاكمة في أنظمة شمولية أو يسخر من مقدسات دينية في مجتمع متدين فإنه يخسر حقه في الكلام بل قد يخسر رأسه. لكن فوكو أعمق من هذه القراءة السطحية فهو يري أن المحظور لا يتعلق فقط بالموضوع بل بالجهة التي تتحدث وبالسياق. المرأة في مجتمع أبوي يمكنها أن تتحدث عن الجنس لكن بشكل مختلف عن الرجل، والعبد لا يملك نفس حق الحديث الذي يملكه سيده. أما الإجراء الثاني فهو الفصل بين العقل والجنون. فوكو في "تاريخ الجنون" يبين بما لا يدع مجالاً للشك أن الجنون لم يكن دائماً ذلك المفهوم الطبي المحايد الذي نعرفه اليوم بل كان كياناً خطابياً تم إنتاجه ليقابل العقل بنوع من التهميش المؤسساتي. صوت المجنون كان محكوماً بالصمت منذ العصر الكلاسيكي أو إذا سُمح له بالكلام فإن كلامه لا يؤخذ بوصفه حقيقة بل بوصفه عرضاً من أعراض مرضه. المجنون قد يقول جملة صحيحة فلسفياً لكن أحداً لا يصغي إليه لأنه ببساطة مجنون وكلام المجانين لا قيمة معرفية له.

أما ثالث الإجراءات الأكثر تعقيداً والأكثر انتشاراً فهو ما يسميه فوكو "إرادة الحقيقة". هذه الآلية أخطر من سابقاتها لأنها لا تعمل بقمع صريح أو إسكات عنيف بل بتكريس وترقية. المجتمع ينتج خطابات معينة يمنحها صفة الحق ويحوطها بهالة من الاحترام ثم يجعلها هي الأداة التي تقيس بها كل الخطابات الأخرى. التفريق بين العلم والخيال أو بين الحقيقة والإيديولوجيا أو بين المعرفة السليمة والظن الفاسد هو في جوهره عملية سلطة. فوكو هنا لا يقول إن كل الخطابات متساوية ولا يريد أن ينفي إمكان وجود تمييز بين الهندسة والكهانة لكنه يسأل سؤالاً تاريخياً، كيف تمكنت العلوم الإنسانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من فرض نفسها كخطابات حقيقية بينما أُقصيت خطابات أخرى مثل السحر أو التنجيم أو بعض أشكال الطب الشعبي؟ الجواب ليس أن العلوم الإنسانية كانت صحيحة وغيرها خطأ بل إن مؤسسات الجامعة والمختبرات والمستشفى والمجلات العلمية والأكاديميات هي التي منحت هذه الخطابات شرعيتها وحرمتها.

يعود بنا فوكو إلى لحظة تأسيس "الطب العقلي" في نهاية القرن الثامن عشر فيقول بصراحة ساخرة في "تاريخ الجنون" لم يكتشف بينيل فجأة أن المجنون إنسان مريض يستحق العناية الطبية بل هو ابتكر فضاءً جديداً هو المستشفى العقلي حيث يستطيع الطبيب أن يمارس سلطته المعرفية على جسد وروح المريض. الطبيب هنا ليس عالماً محايداً يبحث عن الحقيقة بل قاضي وحارس ومعترف ومحقق في آن واحد. المجنون لا يخرج من المستشفى إلا بعد أن يعترف بجنونه أي بعد أن يقول للطبيب أن تصنيفك لي صحيح وأن كل ما كنت أعتقده وهم ومرض. الاعتراف هنا ليس اعترافاً بدينياً بل اعترافاً طبياً يرسم الحدود بين الصحة والمرض ويخضع ذات المريض لقوانين الخطاب الطبي.

هذا يقودنا إلى النوع الثاني من إجراءات التحكم التي يسميها فوكو "إجراءات الرقابة الداخلية" وتشمل التعليق والتأويل. المبادئ التي يعمل بها العلماء داخل حقل معرفي معين ليست محايدة ولا تعبر عن العقل الخالص بل هي إجراءات تصنف الخطاب وتحدد ما هو هامشي وما هو مركزي. عالم الفيزياء اليوم لا يحتاج إلى أن يعيد اكتشاف قوانين نيوتن كل مرة لأنه يتوارث جهازاً مفاهيمياً يفرز له ترتيباً هرمياً للقضايا والأسئلة. لكن فوكو يذهب أبعد من ذلك كثيراً عندما يقول إن مفهوم "المؤلف" ليس مجرد اسم يوضع على غلاف كتاب بل هو وحدة وظيفية للخطاب تعمل على ربط عدد من النصوص بشخصية معينة ما يمنحها تماسكاً وسلطة. "أفلاطون" ليس فقط إنساناً عاش ومات بل هو جهاز خطابي يصنف وينظم كم هائل من النصوص بعضها ربما لم يكتبه هو شخصياً. وظيفة المؤلف هي أن تمنع التدفق الحر للخطاب وأن تركز المعنى حول مركز ثابت. حين تعرف أن نصا ما من تأليف ابن سينا أنت تقرأه بطريقة مختلفة تماماً عن قراءتك لنص من تأليف مجهول. وهذه الوظيفة تتغير تاريخياً فالعصور الوسطى لم تكن تعرف المؤلف بالمعنى الحديث فالآثار كانت تنسب للقديسين أو للحكمة الجماعية. المؤلف بالمعنى الحديث اختراع حديث يرتبط بالملكية الفكرية وقانون الطباعة والناشر.

أما الإجراء الثالث فهو ما يسميه فوكو "شروط الاستخدام" أو ما يمكن تسميته "الطقوس الخطابية". كل خطاب مهما بدا حرا يخضع لطقوس تحدد من يتكلم وكيف يتكلم وفي أي ظروف. الطالب في قاعة الامتحان لا يتكلم كيفما يشاء بل يخضع لطقوس صارمة من الصمت والانتظار والإجابة عن أسئلة محددة ضمن وقت محدد. العالِم في مؤتمر علمي يخضع لطقوس العرض والمناقشة والنقد. القاضي في المحكمة يلبس ثوباً معيناً ويتحدث بصيغ محددة ويجلس في مكان مرتفع. هذه الطقوس ليست زائدة أو عرضية بل هي جزء من آلية إنتاج الحقيقة ذاتها. أنت لا تصدق القاضي لأنه حكيم أو عادل فقط بل لأنه يجلس على منصة مرتفعة ويرتدي عباءة سوداء ويتحدث بلهجة الأمر والإلزام. الطبيب لا تثق به لأنه ذكي فقط بل لأنه يرتدي المعطف الأبيض ويجلس خلف المكتب الكبير ويصغي إليك بنظرة فاحصة. هذه الطقوس تمنح الخطاب قوة تنفيذية لا تأتي من محتوى الكلمات بل من موقع المتكلم وشكليات الموقف.

لكن فوكو لا يقف عند حدود وصف آليات القمع والرقابة بل يذهب إلى ما هو أعمق حين يتحدث عن المجتمعات الخطابية. المجتمعات الخطابية هي مجموعات تختص بحفظ وإعادة إنتاج خطابات معينة وتعمل في الوقت نفسه على منع غير المؤهلين من الولوج إليها. أشهر مثال هو المجتمع العلمي، فهو ليس أي شخص يستطيع أن يكتب مقالاً في فيزياء الكم أو يناقش نظرية التطور أو يصدر حكماً في تفسير نص فلسفي. أنت تحتاج إلى تدريب طويل يمنحك ترخيصاً بالانتماء إلى هذا المجتمع الخطابي حيث تصبح مؤهلاً لأن يُسمع كلامك ويؤخذ بجدية. هذا التدريب ليس مجرد نقل معلومات إنما هو تشكيل للذات وللطريقة التي ترى بها العالم. العالم الذي يخرج من الجامعة يمتلك عينين مختلفتين عن عينيه عندما دخلها، يرى الأشياء الطبيعية والاجتماعية من خلال نظارات تخصصه. فوكو في "الأركيولوجيا" يعود إلى هذه الفكرة بإلحاح شديد فيقول إن الخطاب لا يعبر عن ذات مفكرة سابقة عليه بل يبنيها بوساطة قواعد تنتج الموضوعات والمفاهيم والخيارات الاستراتيجية.

لنأخذ مثالاً ملموساً يتكرر في كتابات فوكو وهو الطب النفسي كممارسة خطابية. الطبيب النفسي لا يلتقي بمريضه كإنسان عادي بل يحضر إلى العيادة محملاً بجهاز مفاهيمي موروث وتدريب مؤسساتي يجعله يسمع ويبصر أشياء لا يسمعها عامة الناس. المريض الذي يقول إنه يشعر بثعبان يزحف تحت جلده لا يسمع كلامه العادي هذا كشكوى شعرية بل يسمعه كعرض من أعراض الذهان. الطبيب ينقل كلام المريض من فضاء الحياة اليومية إلى فضاء طبي مختلف تماماً حيث تخضع الجملة لعملية ترجمة وتأويل تحولها من مجرد تعبير شخصي إلى علامة سريرية. وغالباً ما يكون المريض نفسه غير مدرك لهذه الترجمة. حين يكتب الطبيب تقريره الطبي فهو لا يصف ما يقوله المريض بل ينتج حقيقة جديدة عن المريض هي حقيقة طبية خطابية لا تمت بصلة إلى التجربة الذاتية للمريض. المريض يجد نفسه فجأة مصنفاً ضمن فئة اسمها "فصامي" أو "هوسي" أو "وسواسي" وهذا التصنيف سيتبعه كظله طول حياته وسيحدد حقوقه وعلاقاته وإمكانياته المهنية والاجتماعية.

هذا العمل الخطابي ليس عملاً فردياً يقوم به طبيب شرير أو مؤسسة طبية متآمرة بل هو عملية بنيوية تشمل كل من يتحدث ويكتب في هذا المجال بمختلف تخصصاتهم واهتماماتهم. فكرة "التشكيل الخطابي" عند فوكو تدور حول هذا المحور بالضبط، فالتشكيل الخطابي هو منظومة من القواعد التي تنتج مجموعة من الأقوال التي تتشارك في نظام واحد من الإمكانيات وفي أفق واحد من الحقيقة. الأقوال التي ينتجها الأطباء النفسيون في القرن التاسع عشر حول الهستيريا تتشارك في مرجعية واحدة هي الجسد العصبي وفي مفاهيم أساسية هي الانعكاس والتهيج والتنويم وفي استراتيجية واحدة هي السيطرة على الأعراض. هذا التشكيل الخطابي يحدد ما يمكن للأطباء قوله وما لا يمكنهم قوله وما يعتبر مقبولاً وما يعتبر متطرفاً. طبيب في ذلك العصر لا يستطيع أن يقول إن الهستيريا مرض خيالي أو أنه نتاج ظلم اجتماعي أو أنه شكل من أشكال الاحتجاج الصامت ضد السلطة الأبوية. لو قال ذلك لما كان طبيباً ولا كان كلامه مقبولاً داخل المجتمع العلمي. وبعد مئة سنة تغير التشكيل الخطابي وأصبح من الممكن قول أشياء كانت مستحيلة من قبل وهذا التغير لا يعود إلى تراكم المعرفة فقط بل إلى تحول في علاقات القوة التي تشكل الحقل الطبي بأسره.

الحرية داخل النظام الخطابي ليست حرية مطلقة بل هي حرية محددة بشروط القبول. أنت حر في أن تقول ما تشاء لكن ضمن حدود ما يعتبر معقولا في عصرك ومجال تخصصك ومحيطك الاجتماعي. فوكو يكتب في مكان ما: "لا تتصوروا أن الخطاب شيء يمكن قوله كيفما اتفق، إنه من أكثر الأشياء تمسكاً بأسراره ومن أكثرها خضوعاً للقوانين والضوابط". هذه العبارة البسيطة تحمل ثورة كاملة في نظرتنا للفكر الإنساني. الفلسفة التقليدية كانت تسأل ما هي شروط الإمكان العقلية لكل معرفة ممكنة؟ فوكو يسأل ما هي شروط الإمكان التاريخية لخطابات معينة في عصور معينة؟ وهو بذلك يقلب كانط رأساً على عقب أو بالأحرى ينقله من السماء النيوتونية الثابتة إلى التاريخ المتغير المضطرب.

هذا يقودنا إلى عتبة سؤال أكبر إذا كانت الخطابات كلها خاضعة لهذه الضوابط والإجراءات فهل هناك أي إمكان لمقاومة هذه الآليات؟ هل يمكن للفرد أن يتكلم خارج هذه النظم أو ضدها؟ هذه هي المفارقة ستقودنا إلى أن نتعامل مع تطبيقات فوكو العملية في ثلاث مناطق حساسة: السجن والجنسانية والجسد. فوكو لا يتركنا في قبضة اليأس أو العدمية بل يفتح نافذة صغيرة نحو إمكانيات جديدة للمقاومة، ليس من خارج الخطاب بل من داخله وليس بتجاوز السلطة بل باستخدام ثغراتها وتناقضاتها.

ومن نظام الخطاب وإجراءاته الإقصائية ننتقل إلى قلب المشروع الفوكوي حيث تلتقي السلطة بالمعرفة في احتضان لا ينفصم ولا يرحم. فوكو لم يكتب عن الجنون أو السجن أو الجنسانية بدافع حب التاريخ أو شغف الأركيولوجيا بل كان كل عمل من أعماله ضربة في جدار المعرفة الغربية ليرى كيف يسيل الهراء من تحت غطاء الحقائق المقدسة. في كتابه "المراقبة والمعاقبة" الصادر عام 90 19 عن مركز الإنماء القومي ببيروت، يقدم فوكو تنظيراً صادماً لما يسميه "التقنيات السياسية للجسد". الليبراليون كانوا يحلمون بأن سجون العصر الحديث أكثر إنسانية من سجون العصور الوسطى لأنها تستبدل الإعدام والتعذيب بالسجن والعمل الإجباري. فوكو يقلب هذا الوهم رأساً على عقب، السجن الحديث ليس أكثر إنسانية بل هو أكثر فعالية وأكثر تآكلاً للروح الإنسانية. التعذيب القديم كان يستهدف الجسد لحظياً وكان يعلن عن سلطة الملك بشكل سافر ووحشي. أما العقاب الحديث فيستهدف الروح ويخترق النفس ويعيد تشكيل مجرى الحياة كلها، السجين اليوم لا يعاقب على ما فعله فقط بل يُعاد تكوينه كشخصية "إجرامية" تخضع للدراسة والتصنيف والتأهيل وهو ما يسميه فوكو "التفريد العقابي".

الهرولة نحو السجن كعقاب وحيد في القرن التاسع عشر لم تكن نتيجة اكتشاف أن السجن أفضل من الجلد أو الإعدام بل كانت نتيجة لظهور تقنية جديدة للسلطة تتوافق مع متطلبات الرأسمالية الناشئة، السجون تحتاج إلى أيدي عاملة رخيصة وإلى أجساد مرنة يسهل تدريبها ومراقبتها وإلى أفراد مستعدين للانضباط داخل المصانع كما داخل الزنازين. فوكو هنا يكتب جملته الشهيرة التي لا تغفر للحداثة: "الروح سجن الجسد" أي أن ما يسميه الإنسان المعاصر بحريته الداخلية ووعيه الفردي وضميره المستقل هو في الحقيقة نتاج تقنيات سلطوية استعمرت جسده من الداخل دون أن يشعر. السجن المبكر كان يحبس الجسد لكنه يترك الروح طليقة، والسجن الحديث يطلق الجسد لكنه يبني سجناً داخل الروح لا تخرج منه أبداً، والسجين الذي يخرج من السجن بعد عشرين سنة يحمل في داخله نظاماً كاملاً من الخوف والترقب والخضوع يجعله أكثر انضباطاً من أي عامل آخر.

لكن فوكو لا يقف عند السجن كحالة خاصة فهو ينظر إلى المجتمع الحديث بأكمله على أنه متحول إلى سجن كبير يعمل بنفس التقنيات التي وصفها جيريمي بنثام في تصميمه الشهير "البانوبتيكون" ذلك السجن الدائري الذي توجد في وسطه برج مراقبة يطل على كل الزنازين دون أن يتمكن السجناء من رؤية الحارس في أي لحظة، والسجين يعرف أنه مراقب في كل الأوقات لكنه لا يعرف متى يراقب فعلياً. هذه الآلية العبقرية تنتج في داخله استبطاناً دائما للسلطة. فوكو يقول بصراحة لا تقبل الالتباس "البانوبتيكون ليس حلماً معمارياً بل هو رسم تخطيطي لآليات السلطة في شكلها المثالي". المدارس الحديثة ومستشفيات الجيش والمصانع والإدارة كلها بنيت على نموذج بانوبتيكوني. التلميذ يشعر بمراقبة المعلم في كل لحظة رغم أن المعلم لا يستطيع مراقبة الجميع دائماً، العامل يخشى مديره حتى في غيابه والمريض في المستشفى الحديث يخضع لسؤال الممرضة والطبيب طوال الوقت، ونحن نعيش في مجتمع المراقبة الذي سماه فوكو بعناوين أخرى "مجتمع الانضباط" حيث لم تعد السلطة تقمع وتكبت فقط بل تخلق وتنتج ذاتيات مطيعة تحتاجها المنظومة الاقتصادية والبيروقراطية.

هذه التقنيات الانضباطية لا تنتج أجساداً فقط بل تنتج "معرفة بالجسد" لم تكن موجودة من قبل. فوكو هنا يصل إلى قمة تنظيره للعلاقة بين السلطة والمعرفة. فالجسد في المجتمعات التقليدية كان مفهوماً من خلال نظرية الأخلاط أو من خلال الفلسفة المدرسية، لكن الجسد الحداثي صار موضوعاً للعلم الحديث من خلال ثلاثة محاور كبرى. أولها الطب الحيوي الذي حول الجسد إلى آلة ميكانيكية قابلة للتفكيك والإصلاح. ثانيها الطب النفسي الذي حول الجسد إلى وعاء للأمراض العقلية والاضطرابات النفسجسدية. ثالثها الإحصاء والديموغرافيا التي حولت الجسد إلى رقم في جدول مواليد ووفيات ومرض. هذه الأنماط المعرفية الثلاثة لم تظهر رغم السلطة بل ظهرت بفضل السلطة. المستشفى الحديث لم يولد من رحم الحب الإنساني للمريض بل من رحم المصالح الصحية للدولة القلقة على صحة جنودها وعمالها وأمهات أطفالها. فوكو يسأل في محاضرته الشهيرة "السلطة النفسياتية" كيف كان ممكناً أن يصبح الجنون موضوعاً للمعرفة العلمية. الجواب أن مؤسسات الحجز والإيداع فرضت ممارسة يومية للسلطة على المجانين لم تكن موجودة من قبل وهذه الممارسة ذاتها ولدت أسئلة معرفية جديدة وطرقاً جديدة للملاحظة مما أفرز خطاباً طبيـاً نفسياً كاملاً كان غائباً تماماً قبل ظهور هذه المؤسسات.

من السجن والمستشفى إلى الجنسانية لا يبعد سوى خطوة واحدة عند فوكو. فثلاثيته "تاريخ الجنسانية" الذي صدر منه فقط المجلد الأول في حياته والفكرة كاملة كانت مشروعاً لتفكيك أغرب مقدسات الحداثة تلك الفكرة التي تقول إن الجنس في العصر الحديث أصبح أكثر قمعاً مما كان في العصور السابقة. وتتضح هذه الآلية بشكل أبلغ حين ننظر إلى ما فعله الخطاب الطبي والقضائي بفكرة "المجرم" ذاتها. فقبل القرن التاسع عشر كان الإنسان يرتكب فعلاً يعاقب عليه القانون فيُجلد أو يُشنق أو يُنفى ثم يعود إلى حياته وكأن شيئاً لم يكن. لكن مع ظهور علم الإجرام والطب النفسي الجنائي تحول من كان يفعل شيئاً ما إلى "مجرم" بجوهره وكينونته. صار الرجل الذي سرق خبزة ليس إنساناً جائعاً قام بفعل سرقة بل صار "لصاً مرضياً" تحدد ميوله منذ طفولته وتقاس جمجمته وتصنف غرائزه. فوكو يري في هذا تحولاً جذرياً كيف صار الفعل الإنساني العابر طبيعة ثابتة تلاحق الإنسان إلى آخر عمره. الملف القضائي لم يعد يسجل فقط الجريمة بل يسجل تاريخ الميلاد والتركيبة النفسية والظروف العائلية كلها تصبح أدلة على أن هذا الإنسان "مجرم بالفطرة". نفس المنطق ينطبق على "المجنون" الذي كان في القرون الوسطى يمر بين الناس ضاحكاً أو هاذيا فيتلقى صدقة أو حجراً ثم يمضي في طريقه. لكن مع الطب النفسي الحديث صار من كان يتصرف تصرفاً غريباً "مريضاً عقلياً" له تاريخ مرضي ومراحل تطور وأعراض ثابتة وحالة مزمنة لا تشفى بل تكتم. الفلاح الذي يسمع أصواتاً في الحقل كان يمكن أن يصير قديساً أو مجنوناً أو ساحراً حسب الظروف لكن بعد القرن التاسع عشر صار "فصامياً" محكوماً بتشخيص يلصق بجلده كما يلصق الوشم. فوكو مفتون جداً بهذا السقوط المعرفي المتكرر للإنسان حين يحول كل ما هو تاريخي إلى طبيعي وكل ما هو خطابي إلى حقيقي. الإنسان ليس لديه جوهر إجرامي ينتظر الكشف ولا جوهر جنوني ينتظر التشخيص بل لديه تاريخ من الممارسات التي اختارها أو فُرضت عليه ثم جاء الخطاب العلمي ليختزل هذا التاريخ المتدفق في قالب جامد اسمه "شخصية" أو "اضطراب" أو "استعداد". هذه الآليات لا تصنع المجرمين والمجانين فقط بل تصنع كذلك "الطفل المتأخر دراسياً" و"الأم القلقة" و"العامل الكسول" و"المسن العاجز" كلها فئات لم تكن موجودة بالمعنى الحديث قبل أن تخلقها المؤسسات والمختبرات والعيادات. المقاومة الحقيقية لهذه الآليات لا تتم بالمطالبة بالاعتراف بهذه الفئات وإضفاء الشرعية عليها بل بمقاومة عملية التصنيف ذاتها والكشف عن كيف أن كل تصنيف يحمل في جيبه سوطاً صغيراً. وهذا الطريق شاق لأنه يطلب من الإنسان أن يتخلى عن فكرة أن له هوية ثابتة تشبه شيئاً ملموساً يمكن وضعه على رف بين رفين. هوية المرء عند فوكو ليست مرساة ولا جوهراً خالداً بل شبكة متغيرة من العلاقات مع السلطة التي تشكله والمعرفة التي تسميه والرغبات التي تمزقه. وكل يوم يمكن للإنسان أن يكون غير ما كان في الأمس بشرط أن يتخلص من هوس العصور الحديثة بتثبيت كل عابر وتحنيط كل حي.

تتضح الآن الصورة الكاملة لأطروحة فوكو التي لا تقبل نصف حل ولا تكتفي بوصف جزئي بل هي في العمق نقد لإمكان المعرفة الإنسانية ذاتها كما هدم هيدجر الميتافيزيقا من جذورها. فوكو يظهر أن كل معرفة تنبثق من أرض سلطوية وأن كل حقيقة نتاج صراع وكل خطاب يحمل بصمات إقصائه لغيره. هذا لا يعني أن الحقيقة غير موجودة أو أن كل الأقوال متساوية في الصدق بل يعني أن ما نسميه حقيقة يحمل دائماً تاريخ ألم ونسيان وخضوع. فحين يقرر طبيب أن مريضاً عقلياً يحتاج إلى علاج صادم فهذا القرار ليس خطأ بالضرورة لكنه يحمل داخله تاريخ عنف المؤسسات الطبية ضد كل من يخرج عن المعيار، وحين يصدر قاضي حكماً بإدانة سارق فالحكم قد يكون صحيحاً قانونياً لكنه يحمل داخله تاريخ قوانين صُممت لحماية طبقات ضد أخرى، وهذا الوعي بالبعد التاريخي للإبستمولوجيا لا يشل الحكم ولا يوقف المعرفة بل يجعلهما أكثر تواضعاً وأقل ادعاءً.

لكن هذا الطرح الموجع لم يسلم من اعتراضات كبيرة منها تلك التي أطلقها يورغن هابرماس الذي اتهم فوكو بالوقوع في "تناقض أدائي" كيف يمكن لفوكو أن ينتقد خطاب الحقيقة بوصفه مجرد سلطة وهو يستخدم هذا النقد نفسه باعتباره حقيقة. فوكو يقول إن كل الحقائق نتاج سلطة فهل هذه الجملة نفسها حقيقة أم سلطة؟ إن كانت حقيقة فهي تنقض نفسها بنفسها وإن كانت سلطة فلا فرق بينها وبين أي خطاب آخر. هابرماس هنا يعيد طرح سؤال نقد العقل التقليدي الذي ظنه فوكو قد تجاوزه نهائياً، وفي المقابل دافع دولوز عن فوكو قائلاً إن فوكو لم يدع قط أنه خارج علاقات القوة وإنما كان يمارس نوعاً من "التحليل المعجمي" الذي يظهر آليات السلطة دون أن يدعي أنه فوقها، وهذا الدفاع مقنع جزئياً لكنه لا يرد على السؤال المحوري الذي يطرح نفسه شبحاً على كل قارئ جدي لفوكو إذا كانت كل المعرفة خاضعة للسلطة فهل هناك معيار للتفريق بين معرفة عادلة وأخرى ظالمة. فوكو نفسه تحاشى الإجابة عن هذا السؤال واكتفى بأن يقول إنه "محلي وتكتيكي وليس كونياً" لكن كثيرين شعروا أن هذه الإجابة تهرب لا تحرر.

رغم هذه الإشكاليات فإن مشروع فوكو يظل من أكثر المغامرات الفلسفية جرأة في القرن العشرين وأكثرها تدميراً للأوهام الذاتية للمثقف الحديث. فوكو لا يقدم لنا حقيقة مطمئنة يقف عندها بل يقدم لنا أداة تساؤل لا تنتهي، كل مرة نعتقد أننا وصلنا إلى معرفة محايدة أو موقف نظيف يهمس فوكو في أذننا انظر خلفك ترى سجون الجنون ومدارس الانضباط ومصانع الجسد ومحاكم الجنس. هذا الهمس المزعج هو بالضبط ما تحتاجه الفلسفة لتظل حية وناقدة لأن الفلسفة إذا لم تكن مزعجة للسلطة القائمة كانت مجرد إيديولوجيا تعزز ما هو قائم بدلاً من كشفه.

إن علاقتنا بالحقيقة لم تعد كما كانت قبل هذا الرجل العنيد، ففوكو لم يترك لنا ملاذاً نظيفاً نهرب إليه من مكائد القوة بل كشف لنا أن كل ملاذ يحمل بصمات السلطة التي بنته، وربما هذا هو إرثه الحقيقي أن نظل نائين بين شك تاريخي وحاجة عملية للمعرفة وأن نتصرف في العالم ونحن نعرف أن كل أفعالنا محكومة بأفق قوة لا يمكن الفكاك منه لكن هذا الأفق نفسه مفتوح على التغيير وعلى أشكال جديدة من المقاومة والاجتراح. فوكو مات عام 1984 وترك باب مكتبته مفتوحاً على سؤال واحد يجترحه كل قارئ بعناده الخاص كيف يمكن لإنسان أن يحيا بشرف في عالم الحقيقة فيه ليس سوى اسم آخر للقهر، الإجابة لا توجد في كتب فوكو لأنها ليست إجابة نظرية بل ممارسة يومية تبدأ بالشك في كل حقيقة ساكنة وتنتهي باكتشاف أن أكثر ما نظنه طبيعياً هو أكثر ما صُنع بأيدٍ بشرية محملة بالرغبة والنسيان والدم.

***

د. حمزة مولخنيف

لا سؤال وجودي أكبر من سؤال الأصل النهائي للكون. أخيرا قدّم العلم الإجابة. ربما أعمق الأسئلة هو من أين جئنا. ليس فقط "نحن" كأفراد او جنس بشري، وانما "نحن" ككل الكوكب، المجرة، والكون ذاته. منذ فجر التاريخ، كان هذا موضوعا رئيسيا للاساطير والأديان والفلسفات وحتى الشعر: أصلنا الكوني ألهب الخيال في محاولاتنا لفهم الوجود. لكن في القرنين العشرين والواحد والعشرين، خضعت هذه الأسئلة لتحقيقات العلم. الان، تتجسد قمة الإنجاز الإنساني في المقدرة على تقديم إجابات واقعية لأعمق الأسئلة كلها.

توسّع الكون

جميعنا مررنا بلحظة عندما بدأنا نتساءل حول أشياء اكبر من انفسنا. كيف كانت الأمور قبل ان نأتي الى الوجود؟ قبل آبائنا واجدادنا او اسلافنا الأكثر بعداً؟ قبل وجود الحياة على الأرض، وحتى قبل كوكب الأرض ذاته؟ ماذا عن الشمس؟ ماذا عن اصل الكون: مادة، طاقة، زمان، مكان، والقوانين الأساسية للطبيعة؟

من الممكن للبشر الفضوليين طرح هذه الأسئلة لطالما وُجد النوع البشري منذ (مئات الاف السنين). تقريبا في كل ذلك الوقت، معرفتنا العلمية كانت بدائية للغاية لتطرح أية استنتاجات. نحن لم نعرف عن تاريخ الحياة على الأرض، حول الأدلة الجيولوجية والاحفورية لفترات زمنية هائلة مطلوبة للتطور، او حول طبيعة الكواكب والنجوم الموجودة في الكون. علم الفيزياء الفلكية لم يكن موجودا.

لكن التقدم في القرن العشرين والواحد والعشرين جلب تلك الأسئلة الى مجال العلم، معطياً لنا أجوبة تتجذر في الواقع وليس في قناعتنا العاطفية. في مقابلة استمرت اكثر من ساعتين مع موقع Big Think حاول إيثان سيجل Ethan Siegel عالِم الفيزياء الفلكية والكاتب العلمي فك كل تلك القضايا.

بدأ الانسان يكتشف التاريخ الطويل للأرض وأشكال الحياة فيها قبل وقت طويل من البدء في فهم الكون: رجوعا الى سنوات الـ 1800 لم يكن تشارلس دارون الذي عُرف باكتشافه آلية التطور (سمات موروثة، مصحوبة بطفرات عشوائية، مع تأثيرات الاختيار الطبيعي) عالِم طبيعة ينظر في الكائنات الحية ويدرس الوراثة. هو كان عالِم طبيعي يحاول فهم العالم.

احدى الأشياء التي قام بدراستها كانت قبة ويلدن wealdn Dome في جنوب إنجلترا، وهي طبقة متآكلة من صخور رسوبية تتميز بوجود طبقة طباشيرية متميزة – رواسب غنية بالطباشير على كلا الجانبين. كانت الأحافير متضمنة داخل تلك الطبقات منذ مئات ملايين السنين. وبالارتكاز على النطاق الزمني المطلوب، والتطور البايولوجي للماضي والكائنات الحية الحالية المرئية في المتحجرات، والخلق الجيولوجي، والترسبات وتآكل الطبقات في الصخور الرسوبية، اعترف دارون ان الأرض ذاتها احتاجت ان تكون قديمة: مئات الملايين وربما بلايين السنين. وعلى الرغم من عدم وجود آلية معروفة في القرن التاسع عشر يمكنها ان تُبقي الشمس مضاءة لفترات زمنية طويلة كهذه الاّ ان الأدلة على وجود "ارض قديمة" لازالت قائمة ومن الصعب تجاهلها.

حجة دارون في العمر الجيولوجي للأرض

مقطع عرضي لقبة ويلدن في جنوب إنجلترا الذي تطلّب مئات ملايين السنين فقط لتوضيح خصائص التآكل المّلاحظة، مع أحافير الحياة الماضية التي وُجدت في مختلف الطبقات. رواسب الطباشير على كل جانب، الغائبة في المركز، يوفر دليلا لنطاق زمني جيولوجي طويل مطلوب لإنتاج هذا البناء: أكبر من أي توضيح معاصر لطاقة الشمس كان من الممكن تقديمه في أواخر القرن التاسع عشر. هذا لم يلاحظه احد الاّ تشارلس دارون في أواسط القرن 1800، وسيمثل لغزا لم يُحل الا بعد فهم عملية تغذية الشمس، الاندماج النووي.

اينشتاين طرح نظرية النسبية العامة عام 1915 فأطاح بجاذبية نيوتن معطيا لنا كونا كان فيه الزمكان نسيجا، وحيث قرر انحناء وتطور الزمكان وجود المادة والطاقة وتوزيعهما.

فيستو سليفر Vesto Slipher الذي اختبر السدم الحلزونية والاهليلجية في السماء طوال عام 1910، وجد دليلا بان ضوئها كان انزياحا احمرا بما يشير الى انها كانت تتحرك بعيدا عنا.

الاسكندر فريدمان الذي عمل في معادلات اينشتاين عام 1922، قرر ان كونا مليئا بشكل متجانس بأي نوع من أنواع الطاقة والمادة، والاشعاع، والثابت الكوني، الانحناء المكاني، او أي شيء آخر لا يمكن ان يكون ثابتا ومستقرا في ذات الوقت، ولكن سيكون مجبرا اما على التوسع او الانكماش (وبهذا يتطور) بمرور الزمن.

وبعد ذلك جاء التقدم الكبير عام 1923 عندما لاحظ ادون هابل Edwin Hubble السديم الأعظم في مجرة اندروميدا. ومضات ساطعة تظهر وتتلاشى. هو لاحظ ثلاثة مشاعل مضيئة منفصلة خلال ليلتين فقط وافترض انها كانت أحداث فلكية مصحوبة بانفجار. بعد ذلك هو وجد المشعل الرابع في نفس الموقع كالاول فأصابه الذهول. هو شطب "N" الذي كتبه في السابق للإشارة الى ذلك الحدث Nova واستبدله بـ VAR بحروف حمراء كبيرة.

صورة لثقب اسود تكشف ألغاز الكون التوسعي بعد 100 سنة. ربما اشهر لوحة فوتوغرافية في كل التاريخ، هذا الايمج من أكتوبر 1923 يصف النيبولا الكبيرة (حاليا المجرة) في اندروميدا الى جانب ثلاثة احداث فلكية لاحظها هابل ضمنها. عندما وقع حدث رابع لامع في نفس الموقع كالاول، ادرك هابل بان هذا ليس حدثا فلكيا وانما نجم متغير. الـ "VAR" كُتبت بقلم احمر تعبيرا عن ادراك هابل المذهل: هذا يعني ان مجرة اندروميدا كانت جسما سماويا خارج مجرة درب التبانة، وفي مكان بعيد جدا عنها.

ان الـ نوفا أحداث رائعة تأخذ وقتا طويلا لإعادة شحنها: سنوات، قرون، الاف السنين. لكن النجوم المتغيرة تشرق وتتلاشى بظرف أيام او حتى ساعات. الظهور السريع والاختفاء للضوء الذي رآه هابل يعني انه لم يكن نوفا ابدا، وانما نجمة متغيرة. لكي يظهر نجم متغير بهذا الخفوت، يجب ان يكون بعيد جدا: ليس فقط بمئات او الاف السنوات الضوئية وانما بملايين. (اليوم نحن نعرف ان المسافة الى اندروميدا هي حوالي 2.5 مليون سنة ضوئية). اعترف هابل ان اندروميدا يجب ان تكون جسم خارج المجرة – وهو ما عُرف في الأصل بـ "الكون الجزيرة"- وان السُدم الحلزونية والاهليلجية الأخرى كانت على الأرجح مجرات كاملة بحد ذاتها.

وبينما استمر هابل بقياس النجوم ضمن العديد من المجرات الأخرى، رابطا بياناته مع بيانات سليفر قاد الاخرين الى استنتاج ان الكون كان يتمدد، كلما كانت المسافة للشيء بعيدة، كلما بدا من منظورنا يتراجع أسرع. ان أول من وضع هذه الأجزاء مجتمعة هو جورج لومتر Georges Lemaitre عام 1927، لكن اخرين سيتبعونه حالا. وفي الثلاثينات، اقتنع هابل واينشتاين والعديد من الفلكيين المؤثرين بهذا الاستنتاج. الكون كان يتمدد ويصبح أقل كثافة والذي يعني انه قبل وقت طويل، في الماضي البعيد، كان اكثر كثافة، الأشياء كانت أقرب الى بعضها، وحجمها كان اصغر. حسنا، اذا كان الكون اصغر واكثر كثافة في الماضي، اذن يجب ان يكون اكثر حرارة في الماضي أيضا.

لماذا يحصل هذا؟ لأن الكون ليس فقط مملوء بالمادة (المادة التي تُصنع منها النجوم والكواكب) وانما أيضا يحتوي على الاشعاع او الفوتونات. هذه الجسيمات الكمية للضوء كل واحد يمتلك طاقة معينة، وان الطاقة تُعرّف بطولها الموجي. عندما يتمدد الكون، يتمدد أيضا الطول الموجي لكل فوتون يسافر عبر ذلك الكون المتمدد، ومع ازدياد طوله، فهو يخفض طاقة الفوتونات.

هذا ما يحدث عندما نذهب الى الامام في الزمن. لكن، ماذا يحدث عندما ننظر رجوعا ونسأل "ماذا كان يعمل الكون في الماضي؟"اذا كان الكون اصغر واقل كثافة في الماضي، والمسافات بين الاجسام كانت أقصر، عندئذ يجب ان يكون الطول الموجي للفوتونات في الكون أقصر أيضا. اذا كان الطول الموجي للفوتونات في الماضي اقصر، ذلك يعني انها كانت اكثر طاقة ولذلك فان الكون كان أحر. هذه الفكرة في كون أصغر وأحر وأكثف اتّسع ثم برد ليشكّل الكون الذي نعيش به اليوم هي الفكرة المركزية التي تقف خلف ما نسميه اليوم الانفجار العظيم الساخن.

هذا الكون الصغير والحار والكثيف يجب أيضا انه كان قريب جدا من التناسق التام، ولهذا، عندما اتسع وبرد بمرور الزمن لابد ان يكون انجذب وتكتّل وتجمّع الى بعضه. هذا يعني انه، عندما نعود الى الوراء في الزمن وننظر بعيدا الى الماضي البعيد:

سنجد زمنا فيه المجرات كانت اصغر واقل في الكتلة واقل تطورا مما هي عليه اليوم،

ان هناك قليل من النجوم في الماضي البعيد قياسا بما فيه اليوم،

عندما نعود الى الخلف بما يكفي، سنجد زمنا ليس فيه نجوم او مجرات لأنها لم تتشكل بعد،

وفي ما قبل ذلك، كان الكون حارا بما يكفي لمنع تكوين ذرات محايدة (عدد البروتونات مساوي لعدد الالكترونات)،

في أوقات مبكرة، كان بالإمكان خلق ثنائي المادة-المضاد للمادة تقريبا لأي نوع من الجسيمات،

وقبل ذلك، سيكون الكون شديد الحرارة والكثافة والطاقة لكل البروتونات والنيوترونات لتتشكل. تلك هي بعض التنبؤات الرئيسية للانفجار العظيم الحار.

بالإضافة الى توسّع الكون، نحن يجب ان نرى دليلا لظهور ونمو وتطور النظام. كون شاب يجب ان يكون أقل ثراءً بانواع العناصر الثقيلة التي شكلت النجوم(كاربون، اوكسجين، سيليكون، كبريت، حديد، وغيرها)، بالنهاية يكشف في الأوقات المبكرة، فقط العناصر التي تشكلت في اتون الانفجار الحار العظيم ذاته. واشارة للاشعاع المتبقي من الانفجار الكبير، او خلفية الاشعاع الكوني، تستمر حتى اليوم، فقط عدة درجات فوق الصفر المطلق.

ان الدليل على هذا جاء في ترتيب عكسي تام تقريبا. في عام 1950 اُدرك ان معظم العناصر الثقيلة في كوننا لم تكن متشكلة في المراحل الأولى للانفجار العظيم الحار وانما هي بُنيت في مراكز النجوم من خلال الاندماج النووي، حتى السبعينات من القرن الماضي لم يكن الدليل يبيّن ان العناصر الخفيفة ونظائرها فقط تشكلت في الانفجار العظيم الحار. البناء الواسع النطاق وتطور الكون من تطور المجرات الى نمو وتوزيع المجموعات المجرية وشبكة الكون الواسع، سوف يجعلنا نفشل في فهمها بأسلوب علمي حتى الثمانينات وحتى التسعينات من القرن الماضي، انها ليست مهمة سهلة.

لكن التوهج المتبقي من الانفجار العظيم – في الأصل سمي كرة النار البدائية والان يُعرف بـ خلفية الموجات الميكروية الكونية – جرى اكتشافه من جانب ارنو بينزس وروبرت ولسون بحادث غير متوقع في أواسط الستينات في نيوجرسي. ومنذ ذلك نحن قسنا:

طيف الاشعاع، التغيرات في درجة الحرارة عبر السماء لهذا الاشعاع، واعتماد هذا الاشعاع على الطول الموجي.

نحن قررنا انه في الحقيقة، جسم اسود في الطبيعة: مثلما يتنبأ الانفجار العظيم. نحن قررنا انها نفس درجة الحرارة في كل مواقع السماء، وان حالات عدم الكمال في درجة الحرارة الكلية هي جازية "نسبة الى كارل فردريك جوز" (او تتبع توزيعا عاديا) في الطبيعة. انه تماما مثل ما تنبأ به الانفجار العظيم، جرى التأكد من صحته تماما بالملاحظات.

هذه هي الكيفية التي صيغ بها الانفجار العظيم في العشرينات بواسطة جورج ليماتر، اتسع وتطور في الاربعينات بواسطة جورج جامو ومن ثم تأكّد تنبؤه الأساسي (نافيا عدة بدائل بارزة) في الستينات بواسطة بينزاس وولسون، حيث توفر لنا أول جواب علمي لسؤال (من أين جاء كل هذا؟) لأول مرة في التاريخ الإنساني، نحن امتلكنا جوابا لـ أكبر سؤال وجودي يؤثر على كل البشرية.

لكن من جهة أخرى، هناك أيضا ألغاز لم يتمكن اطار الانفجار العظيم بحد ذاته من توضيحها:

لماذا كان الكون بالضبط نفس درجة الحرارة حتى في المناطق التي لم يكن فيها وقت كاف للتأثير السببي، تنجز توازنا ديناميكيا حراريا، او تبادل معلومات؟

لماذا كان الكون مسطحا مكانيا وبشكل مثالي ولماذا كثافة المادة والطاقة تتوازن مع نسبة التوسع حتى بعد بلايين السنين من التطور الكوني.

عبر التأمل بهذه الأسئلة، وبالبحث عن آلية لتوفير حل لها بينما في نفس الوقت نعيد انتاج كل النجاحات لنموذج الانفجار العظيم الحار لكوننا المبكر، الذي توصّل اليه العلماء في أواخر السبعينات واوائل الثمانينات في توسّع نظري هام لوصفنا للتاريخ الكوني: فترة التضخم الكوني التي سبقت ومهدت الى الانفجار العظيم الحار.

التضخم، تطور نظريا في الأصل في الثمانينات، استمر في عمل سلسلة من التنبؤات العميقة حول ما يجب ان يكون في كوننا والذي اختلف كثيرا عن تنبؤات المدرسة القديمة، انفجار عظيم حار غير تضخمي. هذه التنبؤات تتضمن:

تقريبا، وليس مثاليا، طيف لتقلبات درجة حرارة غير متغيرة القياس، تتضمن تقلبات توجد في نطاقات اكبر من حجم الأفق الكوني (مثل، تقلبات عالية الأفق)، في كون بلغ درجة الحرارة القصوى التي هي دون نطاق الطاقة التي تنهار بها الفيزياء (نطاق بلانك).

تلك التنبؤات الأربعة جرى اختبارها بصرامة الان، والتضخم هو 4%، بينما الانفجار العظيم الحار غير التضخي هو صفر %. هذا يرسخ نظرية الانفجار العظيم الساخن التضخمي كأفضل نظرية لأصل الكون.

لكن الكثير من المجهول والاسئلة المفتوحة لا تزال قائمة. نحن ربما عرفنا كيف تنسجم افضل قصة اصلية مع بناء كامل للبيانات التي نمتلكها – انسجام ليس فيه فجوات كبيرة او ملاحظات غير مختبرة للقصة – لكن هناك العديد من المظاهر الكبرى لقصة الكون التي لانزال نجهلها.

على سبيل المثال: التضخم يتنبأ بوجود الموجات الجذبية البدائية المتولدة في بداية الكون tensor modes او تقلبات موجات الجاذبية مطبوعة في كل الكون. التضخم يمكن ان يخبرنا عن ماذا يجب ان يكون طيف تلك التقلبات، لكنه لا يستطيع اخبارنا بالسعة، نحن فقط لدينا حدود عليا حول مدى الحجم الذي يمكن ان تكون عليه عندما نحاول عمل تلك القياسات الحاسمة. كيف ظهرت حالة التضخم وكم تستمر؟ نحن نعرف نظريا انها لا يمكن ان تكون أبدية في الماضي لكنها بالفعل برزت من:

تفرد أصلي اعطى دفعا للتضخم، حالة غير متفردة انتقلت الى مرحلة يبدأ فيها التضخم في مكان ما، او وجود حفّز التضخم ليبدأ في وقت ما في موقع ما؟ كم من الوقت استغرق التضخم: جزء من الثانية، بمقدار عدة مرات العمر الحالي للكون، او في مكان ما بينهما؟ هل هناك أي ملاحظات نستطيع عملها يمكن ان تسلط الضوء على نوع محدد او صفة مميزة للتضخم الذي حدث في الماضي؟ هل نستطيع نمذجة التضخم بنجاح عبر حقل قياسي واحد، او هل من الضروري في النهاية لنموذج اكثر تعقيدا؟ كما هي دائما الحالة مع العلوم، الأجوبة التي وجدناها حتى الان لا تمثل نهاية القصة، بل هي أساس للخطوات القادمة التي نتخذها لكشف الأجوبة في الوقت الحاضر. لأن كل جيل قبل جيل اجدادنا في القرن العشرين، كان السؤال "من اين جاء الكون؟"يمكن الإجابة عليه فقط بقصص. فقط منذ أواسط الستينات حصلنا على جواب علمي. نحن نستطيع الان قول الكثير بما هو ذات معنى ومعلومات ثرية حول اصل الكون. الخطوات القادمة والاجابة على الأسئلة القادمة تقودنا الى حدود العلم الحديث اليوم.

Big Think, April 15,2025، ثم جرى تحديث المقال في ابريل 2026.

***

حاتم حميد محسن

دراسة في البنية والدلالة والوظيفة

لم يكن الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى حاضرنا المعيش، مجرد تتابعٍ زمني لآراء متناثرة أو مواقف متعارضة تجاه التراث والحداثة، بل كان - في عمقه - حقلًا مركبًا لتحوّلات المعنى داخل نسق المفاهيم الكبرى التي شكّلت الوعي الجمعي، وحددت نهوج التفكير في الدين، والسياسة، والمعرفة، والإنسان؛ الأمر الذي يفرض علينا منذ البدء أن نمرّر هذا الحقل عبر غرابيل منهجية صارمة، حتى لا نقع في ضرب من التجديف العلمي الذي وقع فيه بعض المجترئين الذين اكتفوا بسطح الظواهر دون النفاذ إلى بنيتها النسقية العميقة. ذلك أن ما يبدوا لأول وهلة مجرد تغير في الألفاظ أو في الاستعمالات الخطابية، هو في حقيقته تحوّل في البنية المفهومية ذاتها، أي في الطريقة التي يفكّر بها العقل الإسلامي في ذاته وفي العالم. وهنا نجد أن مفاهيم مركزية مثل: العقل، الشريعة، الحاكمية، الإرهاب، الجهاد، التجديد، الحداثة،... وغيرهم، لم تبقَ على حالها، بل دخلت في مسار طويل من إعادة التشكيل، بحيث لم تعد دلالاتها في الخطاب المعاصر مطابقة لما كانت عليه في بدايات النهضة، ناهيك عن كونها لم تعد حتى مطابقة لما استقر عليه فهم المتفقهين في لحظات تاريخية سابقة. ومن ثم، فإن الاقتصار على تتبع المدارس أو الأشخاص يقودنا إلى زيغ منهجي واضح؛ لأن المدارس تتبدل، والأسماء تتغير، أما المفهوم فيبقى ويتحول في آنٍ واحد، داخل نسق متحرك من العلاقات، الأمر الذي يجعل دراسته بوصفه وحدة تحليل مستقلة ضرورة لا خيارًا. وإذا ما حاولنا فهم الفكر الإسلامي المصري خارج هذا الاعتبار، فإننا سنعيد إنتاج نفس القراءة التي وقع فيها بعض المتأولين والمشككين، الذين تعاملوا مع المفاهيم بوصفها معطيات جاهزة لا كائنات تاريخية تتشكل وتتحول. فالمفهوم في هذا السياق ليس مجرد لفظ لغوي أو اصطلاح تقني، بل هو بنية معرفية مركبة، تنتمي إلى نسقية فكرية أوسع، وتحمل في داخلها رؤية للعالم، وتحدد ما يمكن التفكير فيه وما يُستبعد من مجال التفكير. ولهذا لم يكن تعامل علماء الإسلام مع المفاهيم تعاملًا سطحيًا، بل أدركوا منذ وقت مبكر أن فساد المفهوم يقود إلى فساد الحكم، وأن الخلط في المعاني هو أصل كثير من الأغلاط، وهو ما نبه إليه ابن خلدون حين ربط بين تبدل الأحوال وتبدل الدلالات، الأمر الذي يسد الطريق على المجتزئين الذين يقتطعون المفاهيم من سياقاتها، وعلى المتأسلمين الذين يحاولون تجميدها خارج حركة التاريخ. وإذا ما انتقلنا إلى لحظة النهضة، نجد أن استدعاء المفاهيم لم يكن مجرد استعادة تراثية، بل كان إعادة توظيف داخل سياق جديد تشكّل تحت ضغط الأغيار، سواء عبر الاحتكاك الاستعماري أو عبر الترجمة أو عبر بناء الدولة الحديثة. وهنا لم يعد المفهوم يتحرك داخل الحقل الفقهي وحده، بل بدأ يتنقل بين مجالات متعددة، الأمر الذي أدّى إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي ذاته، بحيث أصبح المفهوم يتلون بتلون الحاجات المعرفية والسياسية، ويُستخدم أحيانًا بوصفه أداة تفسير، وأحيانًا بوصفه أداة صراع. ولهذا، فإننا ننطلق من فرضية مركزية مفادها أن فهم الفكر الإسلامي خاصة في مصر لا يمكن أن يتحقق عبر تتبع الأحداث أو التيارات فحسب، بل عبر تتبع تحوّلات المفاهيم داخل نسقها التاريخي، أي عبر دراسة كيف تولدت المفاهيم، وكيف تستقر، وكيف تنزاح، وكيف تتحول - في لحظات معينة - إلى شعارات، وهو ما يستدعي منا قدرًا عاليًا من التحري حتى لا ننزلق إلى مقاربات المجتزئين أو تحليلات المجدفين الذين يخلطون بين المعنى ووظيفته. وفي هذا السياق، نجد أن التحول المفهومي لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر تراكمات دقيقة، تتشكل في الوقت المعيش قبل أن تظهر في الصياغات النظرية، الأمر الذي يجعل حاضرنا المعيش مجالًا كثيفًا لهذه التحولات، حيث تتسارع عمليات إعادة تعريف المفاهيم تحت ضغط الإعلام الرقمي وتبدل أنماط المعرفة. وإذا ما انتقلنا إلى هذا المستوى، نجد أن المفهوم لم يعد يُنتج داخل المؤسسة العلمية فقط، بل أصبح يُعاد تشكيله عبر وسائط متعددة، تشارك فيها شبيبة متحمسة، كما تشارك فيها صفوة القول داخل المؤسسات الفكرية، وهو ما يضاعف من تعقيد المسألة. وإذا ما حاولنا فهم هذا التحول من داخل بنيته، نجد أن المفهوم يمر عادة بثلاث لحظات متداخلة: لحظة التأسيس، حيث يتشكل داخل النص أو التراث؛ ثم لحظة إعادة الاكتشاف، حيث يُستدعى داخل سياق جديد؛ ثم لحظة التوظيف، حيث يتحول إلى أداة داخل الصراع الفكري أو السياسي. وهذه المراحل لا تسير دائمًا في خط مستقيم، بل قد تتداخل وتتشابك، الأمر الذي يزيد من صعوبة تحليل المفهوم ويجعل أي قراءة تبسيطية له نوعًا من التجديف العلمي.

 ولإجلاء هذا الهدف، نتناول كل مفهوم ممن وقع عليه فعل التحول والتغير من خلال تقسيم تاريخي معرفي إلى ست حقب على النحو التالي:

- مرحلة النهضة والإصلاح (1850 1918) .

- مرحلة الدولة الوطنية والفكر الأيديولوجي (1918 1950) .

- مرحلة الفلسفة العربية المعاصرة والدولة الوطنية الجديدة (1950 1967م) .

- مرحلة الانكسار الى الاعداد للانتصار (1967-2010م).

- المنطق المائي حيث لا يقين ولا ثوابت ( 1990 ل 2011 ).

- مرحلة الثورات والإعلام الرقمي وأزمة الهوية (2010 2025).

وتقسيمنا هذا لا يهدف إلى التقسيم الزمني فحسب، بل يهدف إلى رصد التحولات المفهومية في علاقتها بتحولات السلطة والمعرفة والمؤسسات، وما يطرأ عليها من أغيار وتبدلات. ولذلك فإننا لا ننطلق من سؤال ما المفهوم؟. بالمعنى التعريفي المباشر، بل من سؤال أعمق يتعلق بكيفية اشتغال المفهوم داخل النسق الذي ينتمي إليه؛ الأمر الذي يخرجنا من سطح التعريفات إلى عمق البنية التي تُنتج المعنى وتعيد تشكيله عبر الزمن. فالمفهوم - في هذا السياق - لا يُفهم بوصفه وحدة مستقلة، بل بوصفه عقدة داخل شبكة من العلاقات، تتداخل فيها مستويات الدلالة مع مستويات السلطة، وتتقاطع فيها المعرفة مع الممارسة.

وإذا ما انتقلنا إلى تفكيك هذا الإشكال، نجد أن المفهوم يتحرك داخل نسق مركب، لا داخل فراغ، وأن هذا النسق ليس ثابتًا، بل يخضع للأغيار التي تفرضها التحولات التاريخية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل المفهوم عرضة لإعادة التشكيل في كل مرحلة. ومن هنا، فإن التعامل مع المفهوم بوصفه معنى جاهزًا يقود إلى قراءة سكونية، بينما المطلوب هو قراءة حركية تكشف كيف ينتقل المفهوم من موقع إلى آخر، وكيف تتبدل علاقاته داخل النسقية التي ينتمي إليها.

وفي هذا الإطار، نجد أن كثيرًا من الدراسات قد وقعت في خطأ منهجي حين فصلت المفهوم عن شروط إنتاجه، فاكتفت بتتبع استعمالاته الظاهرة، دون النفاذ إلى البنية التي تحكم هذه الاستعمالات. مما جعلنا أمام ضرورة إعادة ترتيب العلاقة بين المفهوم وسياقه، بحيث لا يُقرأ المفهوم بوصفه نتيجة، بل بوصفه عملية مستمرة من التشكل، تتداخل فيها عناصر متعددة، من النص إلى الخطاب إلى الممارسة.

وإذا ما تأملنا في تاريخ المفاهيم داخل الفكر العربي-الإسلامي، نجد أن المفهوم لا ينتقل فقط من معنى إلى معنى، بل ينتقل من وظيفة إلى وظيفة، ومن مجال إلى مجال، الأمر الذي يجعل تتبعه عملية معقدة تتطلب المرور عبر غرابيل متعددة، تكشف ما طرأ عليه من تحولات، وما اكتسبه من دلالات جديدة، وما فقده من معانٍ كانت جزءًا من بنيته الأصلية. وهنا تظهر خطورة القراءة السطحية التي يروّج لها بعض المتأولين من المشككين، حيث يُتعامل مع المفهوم وكأنه ثابت، بينما هو في الحقيقة يتحرك داخل شبكة من التحولات.

ونؤكد ختاما أننا لا نسعى إلى تقديم سرد تاريخي تقليدي، بل إلى بناء نموذج تفسيري يكشف القوانين التي تحكم تحول المفاهيم، ويبيّن كيف تنتقل من مجال إلى آخر، وكيف تتغير وظائفها، وكيف يمكن أن تتحول من أدوات للفهم إلى أدوات للهيمنة. الأمر الذي يجعلها محاولة لإعادة بناء النظر في الفكر الإسلامي المصري عبر مفاهيمه، لا عبر شعاراته.

للحديث بقية ...

***

بقلم: د. بدر الفيومي

بالمقارنة مع الفلسفة الغربية من جهة الموضوع والمنهج والمفاهيم، مقاربة نقدية

مقدمة: تجديد الفلسفة العربية الإسلامية المعاصرة أحد من أعمق التحديات الفكرية التي تواجه الأمة في عصرها الراهن، إذ إنه ليس مجرد إحياء لتراث قديم أو استيراد لأفكار غربية، بل هو مشروع وجودي حضاري يسعى إلى إعادة بناء الفكر الفلسفي على أساس أصالة التراث الإسلامي مع القدرة على مواجهة تحديات العصر. هذا التجديد يقوم على نقد ذاتي شجاع للجمود التقليدي من جهة، وعلى حوار نقدي مع الفلسفة الغربية من جهة أخرى، دون استسلام لها أو رفضها رفضاً مطلقاً.

الفلسفة الغربية، منذ التنوير الكانطي مروراً بالفلسفة النقدية والوجودية وصولاً إلى ما بعد الحداثة، تمثل مساراً تاريخياً يعتمد على الاستقلال العقلي المطلق والقطيعة مع التراث الديني. أما الفلسفة العربية الإسلامية المعاصرة فهي تسعى إلى تجديد يحافظ على التوازن بين العقل والوحي، بين الحرية والانتماء، بين النقد والإيمان. هذه الدراسة تقدم مقاربة نقدية معمقة وموسعة وتفصيلية للتجديد من جهة ثلاثة أبعاد أساسية: الموضوع (المواضيع التي تتناولها الفلسفة)، المنهج (الطريقة في البحث والاستدلال)، والمفاهيم (الأطر المفاهيمية التي تشكل الرؤية). المقاربة النقدية تكشف نقاط القوة والضعف في كل جانب، وتستخلص الدلالات الحضارية للتجديد في مواجهة الغرب. كيف يمثل تجديد الفلسفة مشروعا وجوديا حضاريا؟

أولاً: الموضوع – بين الإنسان الكوني والإنسان المؤمن

يتميز موضوع الفلسفة العربية الإسلامية المعاصرة بتركيزه على الإنسان ككائن مؤمن يعيش في علاقة مع الله والكون والمجتمع. التجديد يركز على قضايا وجودية أصيلة مثل: علاقة التوحيد بالحرية الإنسانية، مقاصد الشريعة في عصر العولمة، أزمة الهوية في مواجهة الحداثة، والعدالة الاجتماعية كتجسيد للخلافة في الأرض. هذا الموضوع ليس فردانياً بحتاً، بل هو جماعي حضاري: الفيلسوف يبحث عن إجابة على «كيف نعيش كمسلمين في عالم حديث؟» دون أن يفقد أصالته. بالمقابل، يركز موضوع الفلسفة الغربية على الإنسان الكوني المستقل: الذات الفردية، الحرية المطلقة، الوجود في مواجهة العدم، والسلطة كعلاقة قوة (كما عند فوكو). الفلسفة الغربية تتناول قضايا مثل الوعي الذاتي، اللغة كبناء اجتماعي، والجسد كموقع للسلطة، مع التركيز على القطيعة مع الدين كمصدر معرفي. التجديد العربي الإسلامي يتفوق هنا في قدرته على دمج البعد الروحي والأخلاقي في الموضوع، بينما الفلسفة الغربية تتفوق في التعمق في التحليل النفسي والاجتماعي للذات الحديثة. النقد يكشف أن التجديد العربي غالباً ما يبقى رد فعل على الحداثة الغربية، مما يجعله يدور في فلكها، بينما الفلسفة الغربية تفرض أجندتها كأمر عالمي.

ثانياً: المنهج – بين الاجتهاد التأويلي والتحليل النقدي

يتميز منهج التجديد في الفلسفة العربية الإسلامية المعاصرة بالاجتهاد التأويلي (الهيرمينوطيقا الإسلامية): قراءة النصوص التراثية (القرآن، السنة، التراث الفلسفي) بطريقة نقدية تكشف المقاصد الكلية وتُعيد صياغتها للعصر. هذا المنهج يعتمد على النقد الداخلي للتراث ، التوفيق بين العقل والنقل، والتأويل الباطني الذي يجعل النص حياً ومتجدداً. إنه منهج تكاملي يرفض القطيعة مع الماضي ويبني عليه.أما منهج الفلسفة الغربية فهو تحليلي نقدي يعتمد على الشك المنهجي، التفكيك (كما عند دريدا)، أو التحليل اللغوي (كما عند التحليليين). يسعى إلى القطيعة مع التراث ليبني معرفة جديدة خالصة. التجديد العربي يتفوق في القدرة على التوفيق بين الاستمرارية والتجديد، مما يجعله أكثر ملاءمة للمجتمعات ذات التراث الديني العميق، بينما الفلسفة الغربية تتفوق في الدقة التحليلية والقدرة على كشف التناقضات الداخلية. النقد يظهر أن المنهج التجديدي العربي غالباً ما يعاني من الالتباس بين الاجتهاد والتقليد، بينما المنهج الغربي يعاني من الجفاف النقدي الذي يؤدي إلى الفراغ المعنوي.

ثالثاً: المفاهيم – بين التوحيد والعلمانية

تتميز مفاهيم الفلسفة العربية الإسلامية المعاصرة بمركزية مفهوم التوحيد كإطار كوني يربط الإنسان بالكون والمجتمع. مفاهيم مثل الحرية (كتحرر من العبودية للغير مع الالتزام بالله)، العدل (كمقصد شرعي واجتماعي)، الاجتهاد (كتجديد مستمر)، والخلافة (كمسؤولية الإنسان في عمارة الأرض) تشكل شبكة مفاهيمية متكاملة. التجديد يسعى إلى إعادة تفسير هذه المفاهيم لتواجه الحداثة دون أن تفقد أصالتها. بالمقابل، تركز الفلسفة الغربية على مفاهيم مثل الذات المستقلة، الحرية السلبية (كغياب القيد)، الحقوق الفردية، والعلمانية (كفصل الدين عن الدولة). التجديد العربي يتفوق في قدرته على تقديم مفاهيم كونية روحية تجمع بين الفرد والجماعة، بينما الفلسفة الغربية تتفوق في الدقة في تحليل الحقوق والحريات الفردية. النقد يكشف أن مفاهيم التجديد العربي غالباً ما تبقى نظرية دون تطبيق عملي، بينما المفاهيم الغربية تتحول إلى أدوات للهيمنة العالمية.

رابعاً: في الاجتهاد التأويلي: أساس التجديد في الفلسفة العربية الإسلامية المعاصرة

لاجتهاد التأويلي هو المنهج الأكثر حيوية وأصالة في تجديد الفلسفة العربية الإسلامية المعاصرة. إنه ليس مجرد تفسير نصوصي تقليدي، بل عملية فكرية وجودية شاملة تجمع بين الاجتهاد (الجهد العقلي المستقل لاستنباط الأحكام والمعاني) والتأويل (الكشف عن المعاني الباطنة والمقاصد الكلية للنصوص والتراث). هذا المنهج يتجاوز الحرفية الجامدة والتقليد السطحي، ويفتح الباب أمام قراءة إبداعية للتراث الإسلامي تُعيد صياغته لمواجهة تحديات العصر دون أن تفقد أصالته. في سياق تجديد الفلسفة العربية الإسلامية، يصبح الاجتهاد التأويلي الجسر الحقيقي بين الماضي والحاضر، بين الوحي والعقل، بين الثابت والمتغير. هذا التعميق يفكك مفهومه، أسسه التاريخية، آلياته المنهجية، تطبيقاته في الفلسفة المعاصرة، وأخيراً التحليل النقدي لقوته وحدوده، ليُظهر كيف أنه يمثل الطريق الأمثل لتجاوز الجمود التقليدي والتبعية للفلسفة الغربية. الاجتهاد التأويلي هو عملية مزدوجة: اجتهاد يتطلب بذل الجهد العقلي الكامل لاستنباط الحكم أو المعنى من النص، وتأويل يتجاوز المستوى الحرفي ليصل إلى المقاصد الكلية والمعاني الباطنة. التأويل هنا ليس تعسفاً ذاتياً، بل عملية منهجية تعتمد على قواعد اللغة، سياق النص، مقاصد الشريعة، ومتطلبات العصر.

أبعاده الأساسية ثلاثة:

البعد العقلي: يعتمد على البرهان والنقد العقلي لاستخراج المعاني الممكنة من النص.

البعد الروحي: يأخذ في الاعتبار البعد الباطني والتجربة الصوفية كوسيلة لفهم المعاني الوجودية.

البعد الاجتماعي: يربط التأويل باحتياجات المجتمع وتحديات العصر، فيجعل النص حياً ومتجدداً.

هذا المنهج يختلف جذرياً عن التقليد (الذي يكتفي بالنقل) وعن الاجتهاد التقليدي في الفقه (الذي يركز على الأحكام الفرعية). إنه اجتهاد فلسفي شامل يعامل التراث ككل حي يُعاد قراءته باستمرار.

ينشأ الاجتهاد التأويلي في قلب التراث الإسلامي نفسه. منذ القرون الأولى، كان التأويل ممارسة لفهم النصوص القرآنية والحديثية بطريقة تتجاوز الظاهر (كما عند المفسرين الذين فرقوا بين التفسير والتأويل). مع الفلاسفة المسلمين، تحول إلى أداة فلسفية: ابن رشد في «فصل المقال» يُمارس تأويلاً برهانياً يفصل بين الظاهر للعامة والباطن للخاصة. الصوفية أعطوه بعداً روحياً عميقاً، حيث يصبح التأويل طريقاً للكشف الوجودي. في العصر الحديث، أصبح الاجتهاد التأويلي أداة التجديد الرئيسية. المفكرون المعاصرون يستخدمونه لإعادة قراءة التراث في مواجهة الحداثة: إعادة تفسير مفاهيم الحرية، العدل، السيادة، والخلافة بما يتناسب مع تحديات العولمة، الديمقراطية، والعلمانية. هذا المنهج يسمح بقراءة النص كـ«نص مفتوح» يحتوي على إمكانيات لا تُستنفد.

يعتمد الاجتهاد التأويلي على آليات منهجية دقيقة:

التأويل المقاصدي: يبدأ من استخراج المقاصد الكلية للشريعة (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال) ثم يُعاد تفسير النصوص الفرعية في ضوئها.

التأويل النقدي: ينقد النصوص التاريخية بأدوات عقلية حديثة، فيفصل بين الثابت (النواة الأخلاقية والعقدية) والمتغير (التطبيقات التاريخية).

التأويل الحواري: يدخل في حوار مع الفلسفة الغربية، يأخذ منها أدوات التحليل النقدي دون أن يستسلم لها، ويُقدم بديلاً إسلامياً.

التأويل الوجودي: يربط النص بالتجربة الإنسانية المعاصرة، فيجعل الفلسفة أداة لحل أزمات الهوية والمعنى.

هذه الآليات تحول الفلسفة العربية الإسلامية من حالة الجمود إلى حالة الإبداع المستمر.

في الفلسفة المعاصرة، يُطبق الاجتهاد التأويلي في عدة مجالات:

فلسفة السياسة: إعادة تأويل مفهوم الشورى والخلافة ليصبح أساساً لديمقراطية إسلامية أصيلة.

فلسفة الأخلاق: تأويل المقاصد الشرعية لمواجهة قضايا الأخلاقيات الحيوية والاقتصادية المعاصرة.

فلسفة الوجود: ربط التوحيد بالوجودية المعاصرة لتقديم رؤية إسلامية لمعنى الحياة.

فلسفة العلوم: تأويل النصوص لدعم المنهج العلمي التجريبي داخل إطار توحيدي.

هذا التطبيق يجعل الفلسفة العربية الإسلامية قادرة على الإبداع الكوني دون أن تفقد هويتها.

القوة: يمنح المرونة والحيوية للتراث، يجعله قادراً على مواجهة الحداثة، ويسمح بالحوار الحضاري دون استسلام. إنه يحول النص من أرشيف إلى مصدر إلهام مستمر.

الحدود والمخاطر: خطر الذاتية: قد يتحول التأويل إلى تعسف شخصي إذا لم يلتزم بضوابط منهجية صارمة.

خطر التوفيق السطحي: بعض التطبيقات تُقدم حلولاً شكلية تجمع بين التراث والحداثة دون حل التناقضات الحقيقية.

خطر التبعية الخفية: حتى في التأويل النقدي، قد يبقى المفكر محكوماً بأجندة غربية دون أن يدري.

النقد النهائي يؤكد أن نجاح الاجتهاد التأويلي يعتمد على توازن دقيق بين الحرية العقلية والالتزام بالأصول، بين النقد والاحترام للتراث. يمكن التعامل مع الاجتهاد التأويلي كمفتاح الاستفاقة الفلسفية. الاجتهاد التأويلي ليس منهجاً فنياً فقط، بل هو روح التجديد في الفلسفة العربية الإسلامية المعاصرة. إنه يجعل التراث حياً، والفلسفة قادرة على الإجابة عن أسئلة العصر بأصالة وإبداع. في مواجهة الفلسفة الغربية التي تعتمد على القطيعة والتحليل النقدي الجذري، يقدم الاجتهاد التأويلي بديلاً متكاملاً يجمع بين الاستمرارية والتجديد. عندما يُمارس بصدق ومنهجية، يصبح مفتاح الاستفاقة الحضارية: فلسفة عربية إسلامية متجددة قادرة على الحوار الكوني والمساهمة في مصير الإنسانية. التحدي اليوم هو أن نجرؤ على الاجتهاد التأويلي بكامل حريته ومسؤوليته، لنبني فكراً فلسفياً أصيلاً يليق بعصرنا. فكيف يعتبر الاجتهاد التأويلي منهجا حيويا للتجديد؟

خامسا: التحليل النقدي الشامل – نقاط القوة والضعف والإمكانيات

من الناحية النقدية، يتميز التجديد العربي الإسلامي بقوته في الحفاظ على الهوية الحضارية والقدرة على التوفيق بين التراث والحداثة، مما يجعله أكثر ملاءمة لمجتمعات ذات تراث ديني عميق. ضعفه يكمن في الالتباس المنهجي والمفاهيمي، والاعتماد المفرط على النقد الداخلي دون القدرة على الإبداع الكوني المستقل. أما الفلسفة الغربية فتتميز بقوتها التحليلية والنقدية الجذرية، لكن ضعفها يكمن في مركزيتها الأوروبية، وفي فقدان البعد الروحي والأخلاقي الجماعي.

الإمكانيات المستقبلية للتجديد العربي تكمن في بناء فلسفة كونية إسلامية تتجاوز الرد على الغرب إلى تقديم بديل حضاري شامل: فلسفة تجمع بين البرهان العقلي والوحي، بين الحرية والمسؤولية، وبين النقد والإيمان. هذا التجديد يمكن أن يكون جسراً للحوار الحضاري الحقيقي، لا مجرد منافسة.

خاتمة:

تجديد الفلسفة العربية الإسلامية المعاصرة ليس مجرد مشروع فكري، بل هو استفاقة حضارية شاملة تتطلب إعادة النظر في الموضوع (من الإنسان المؤمن إلى الإنسان الكوني)، المنهج (من الاجتهاد التأويلي إلى المنهج التكاملي النقدي)، والمفاهيم (من التوحيد كإطار أخلاقي كوني إلى مفاهيم تُثري الحوار العالمي). بالمقارنة مع الفلسفة الغربية، يظهر التجديد العربي كمشروع أصيل قادر على تقديم بديل روحي وأخلاقي للحداثة الغربية، شريطة أن يتجاوز الرد الدفاعي نحو الإبداع المستقل. في عصرنا الذي يعاني من أزمة معنى وهوية، يصبح هذا التجديد ليس خياراً فكرياً فقط، بل ضرورة وجودية لإعادة بناء حضارة عربية إسلامية قادرة على الحوار الكوني والمساهمة في مصير الإنسانية. الطريق طويل، لكنه ممكن إذا امتلكنا الشجاعة الفلسفية لنفكر بأنفسنا، كما دعا كانط، مع الحفاظ على جذورنا الإسلامية كمصدر إلهام أصيل. فكيف يتحول التجديد الى استفاقة حضارية شاملة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ليس كافيا أن نصف أزمة الفكر الفلسفي العربي بأنها عقدة نقص، لأن هذا الوصف، رغم شيوعه، يبقى سطحيا إذا لم نغص في البنية العميقة التي أنتجته. نحن لا نتعامل فقط مع شعور بالدونية تجاه الغرب، بل مع نمط إدراكي ترسخ عبر الزمن، جعل من الفلسفة فعلا مستوردا، ومن التفكير نشاطا تابعاً، ومن المفاهيم أدوات جاهزة للاستهلاك لا للإنتاج. لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال لماذا نتأثر بالفكر الغربي، بل لماذا أصبحنا عاجزين عن التفكير إلا من خلاله أو في مواجهته. هذا الوضع يكشف خللا بنيويا في موقعنا داخل الخريطة المعرفية العالمية. فالعقل العربي، في كثير من تجلياته المعاصرة، لا يمارس الفلسفة بوصفها إنتاجا للمفاهيم، بل بوصفها تداولا لها. هناك فرق جوهري بين من يفكر ومن يعيد صياغة ما فكر فيه غيره. وفي هذا الفرق تتحدد قيمة أي مشروع فلسفي. ما نعيشه اليوم هو فائض في الشرح وقصور في الابتكار، اتساع في الاقتباس وضيق في التأسيس.

يتحرك الفكر العربي داخل ثنائية مريحة لكنها معيقة: إما انبهار غير نقدي بالمركزية الغربية، أو رفض انفعالي لها. في الحالة الاولى، يتحول المثقف إلى وسيط ثقافي ينقل المفاهيم دون أن يعيد إنتاجها، فيصبح الخطاب مشبعا بالمصطلحات لكنه فارغا من الروح. وفي الحالة الثانية، يتحول النقد إلى مجرد موقف أيديولوجي، يكتفي بإدانة الغرب دون أن يقدم بديلا معرفيا متماسكا. كلا المسارين يؤديان إلى النتيجة نفسها: غياب الفعل الفلسفي الحقيقي.لكن من الضروري أيضا أن نكون منصفين في النقد. الفلسفة الغربية ليست كيانا واحدا متجانسا، ولا يمكن اختزالها في بعدها السياسي أو الاستعماري. هي فضاء متعدد، مليء بالتناقضات والصراعات الداخلية، وقد أنتجت أدوات تحليلية هائلة لفهم السلطة والمعرفة واللغة والذات. المشكلة ليست في هذه الفلسفات بحد ذاتها، بل في كيفية تلقيها لدينا. نحن غالبا ما نستهلكها كحقائق مكتملة، أو نرفضها ككتلة واحدة، دون أن نخضعها لعملية تفكيك وإعادة تركيب. يقع بعض الخطاب العربي في وهم معاكس، يتمثل في الدعوة إلى استعادة فلسفة عربية اصيلة. هذا الطرح يبدو جذابا، لكنه يخفي تبسيطا خطيرا. الفلسفة ليست ملكية ثقافية يمكن استعادتها كما هي، بل هي نشاط تاريخي يتغير بتغير الأسئلة والسياقات. العودة إلى التراث دون مساءلة نقدية لا تنتج فلسفة، بل تعيد إنتاج خطاب تقليدي قد يكون عاجزا عن التعامل مع تعقيدات الحاضر.

الأزمة إذن ليست فقط في التبعية، بل في غياب الفعل النقدي الحقيقي. نحن نقرأ كثيرا، لكننا لا نسائل بما يكفي. نستهلك المفاهيم، لكننا لا نختبر حدودها. نستخدم المصطلحات، لكننا لا نعيد تعريفها انطلاقا من واقعنا. هذا ما يجعل الفكر العربي يبدو نشطا على مستوى اللغة، لكنه محدود على مستوى الإبداع الأخطر من ذلك هو الخلط بين الفلسفة والأخلاق. كثير من الخطابات تتوقع من الفلسفة أن تكون حارسة للقيم الإنسانية، وتدينها حين تفشل في ذلك. لكن الفلسفة، في جوهرها، ليست خطابا أخلاقيا بسيطا، بل أداة لتحليل القيم نفسها. هي لا تقدم إجابات جاهزة، بل تطرح أسئلة مزعجة. حين نطالبها بأن تكون منحازة أخلاقيا بشكل مباشر، فإننا نحولها إلى أيديولوجيا، ونفقدها قدرتها النقدية. مع ذلك، لا يمكن إنكار أن الفكر الغربي ارتبط في مراحل كثيرة بمشاريع هيمنة، وأن مفاهيم مثل الحداثة والعقلانية استعملت لتبرير السيطرة. لكن التعامل مع هذه الحقيقة لا يكون بالرفض، بل بالتفكيك. يجب أن نسأل كيف تشكلت هذه المفاهيم، ما حدودها، وما الذي يمكن إعادة استخدامه منها في سياق مختلف. الرفض السهل لا ينتج معرفة، بل يعمق العزلة.

إن الخروج من هذه الدائرة، فلا بد من إعادة تأسيس جذرية. البداية تكون بتحرير الفلسفة من وظيفتها الدعائية. لا يجب أن تكون أداة للدفاع عن الهوية، ولا وسيلة للهجوم على الآخر. الفلسفة الحقيقية تبدأ حين نسمح لأنفسنا بطرح أسئلة لا تخدم أي خطاب جاهز، بل تكشف تناقضاته. ثم تأتي ضرورة إعادة بناء العلاقة مع الفكر العالمي على أساس نقدي. أي أن نتعامل معه كمادة خام، لا كمرجعية نهائية. هذا يتطلب امتلاك أدوات تحليلية حقيقية، لا مجرد معرفة بالمصطلحات. يجب أن نفهم السياقات التي نشأت فيها الأفكار، وأن نعيد صياغتها بما يتناسب مع واقعنا، لا أن ننقلها كما هي. لكن كل ذلك يبقى نظريا ما لم تتوفر شروط الإنتاج. الفلسفة لا تنشأ في الفراغ، بل تحتاج إلى بيئة حاضنة. حرية التفكير، استقلال المؤسسات الأكاديمية، وجود فضاء للنقاش، كلها شروط أساسية. بدونها، سيظل التفكير محصورا في جهود فردية، غير قادرة على التحول إلى تيار مؤثر. هناك أيضا حاجة ملحة لتجاوز النزعة النصية التي تهيمن على الفكر العربي. الانشغال بتفسير النصوص، سواء كانت تراثية أو غربية، يجب أن يتحول إلى إنتاج مفاهيم جديدة. الفيلسوف لا يقاس بقدرته على الشرح، بل بقدرته على الإضافة. هذه النقلة هي جوهر أي نهضة فكرية.

كما يجب إعادة ربط الفلسفة بالواقع. لا معنى لفلسفة معزولة عن قضايا المجتمع. الأسئلة المتعلقة بالسلطة، العدالة، الهوية، الاقتصاد، والتقنية، ليست قضايا ثانوية، بل هي قلب الفعل الفلسفي. حين تنخرط الفلسفة في هذه القضايا، تصبح ضرورة، لا ترفا. ومن جهة أخرى، ينبغي إعادة التفكير في مفهوم الانسانية نفسه. بدلا من استخدامه كشعار، يجب تفكيكه بوصفه مفهوما تاريخيا. هذا يسمح بإنتاج تصور جديد للإنسان، لا يقوم على استنساخ نماذج جاهزة، بل على فهم التجربة المحلية في تفاعلها مع العالم. إضافة إلى ذلك، نحن بحاجة إلى ما يمكن تسميته ببناء السيادة المفهومية. أي القدرة على إنتاج مفاهيم من داخل التجربة الخاصة، لا الاكتفاء باستعارة المفاهيم الجاهزة. هذا لا يعني الانغلاق، بل يعني المشاركة الفعلية في إنتاج المعرفة العالمية. لا يمكن لأي فكر أن يكون فاعلا إذا ظل يعتمد بالكامل على أدوات غيره.

كما أن إدخال الفلسفة في التعليم بشكل جدي يمثل خطوة أساسية. ليس بوصفها مادة للحفظ، بل كتمرين على التفكير. تعليم الفلسفة يجب أن يركز على السؤال، لا الجواب، وعلى النقد، لا التلقين. بدون ذلك، سنستمر في إنتاج أجيال تعرف المصطلحات لكنها لا تفكر. ومن الحلول أيضا تشجيع الكتابة الفلسفية الحرة خارج الأطر الأكاديمية التقليدية. كثير من الأفكار تموت داخل المؤسسات لأنها تخضع لشروط بيروقراطية أو أيديولوجية. فتح المجال للنشر والنقاش يمكن أن يخلق دينامية جديدة. ولا بد كذلك من بناء جسور بين الفلسفة والعلوم الأخرى. الفلسفة لا تعيش بمعزل عن العلم أو الاقتصاد أو السياسة. كلما انفتحت على هذه المجالات، ازدادت قدرتها على التأثير. العزلة النظرية هي أحد أسباب ضعفها.

 لا يمكن تجاوز المركزية الغربية بمجرد رفضها، ولا يمكن تجاوز عقدة النقص بمجرد إنكارها. الحل يكمن في إعادة تعريف موقعنا داخل الفعل المعرفي. يجب أن ننتقل من موقع المستهلك إلى موقع المنتج، من التبعية إلى المشاركة، من رد الفعل إلى الفعل. الصدق يفرض الاعتراف بأننا لم نصل بعد إلى مرحلة الإنتاج الفلسفي المؤثر. لكن هذا الاعتراف ليس دعوة لليأس، بل شرط للبداية. الفلسفة لا تولد من الشعارات، بل من الممارسة. وحين تبدأ هذه الممارسة، لن يكون السؤال من أين تأتي الفلسفة، بل ماذا تضيف.

***

زكريا نمر

 

من ميتافيزيقا أفلاطون إلى الجماليات النقدية المعاصرة

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى تحليل التحولات الكبرى التي عرفها مفهوم الجمال داخل الفكر الفلسفي، من خلال تتبع مساره من التصور الكلاسيكي إلى الأفق النقدي المعاصر. وتنطلق من الإشكالية المركزية المتمثلة في طبيعة الجمال: هل هو حقيقة موضوعية متعالية أم تجربة ذاتية مرتبطة بالإدراك؟ وللإجابة عن ذلك، تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية-تركيبية تستند إلى استحضار نماذج فلسفية أساسية.

في هذا السياق، تتوقف الدراسة عند التصور الميتافيزيقي للجمال لدى أفلاطون، حيث يُفهم الجمال بوصفه مثالًا مطلقًا، في مقابل العالم المحسوس الذي لا يمثل سوى انعكاس ناقص له، وهو ما يفضي إلى نقد جذري للفن باعتباره محاكاة للمحاكاة. كما تعالج الدراسة إعادة تأهيل المحاكاة عند أرسطو، الذي يمنح الفن وظيفة معرفية وتطهيرية، معتبرًا إياه فعلًا إبداعيًا يكشف عن الكلي داخل الجزئي.

وتنتقل الدراسة بعد ذلك إلى الفلسفة الحديثة مع إيمانويل كانط، الذي أعاد صياغة مفهوم الجمال ضمن أفق نقدي، حيث لم يعد الجمال خاصية موضوعية، بل تجربة تأملية تتأسس في تفاعل حر بين قوى الذات. كما تتناول الدراسة التحول نحو الجماليات النقدية المعاصرة مع تيودور أدورنو وفالتر بنيامين، حيث أصبح الفن مجالًا لنقد المجتمع وإعادة تشكيل الحساسية الإنسانية.

وتخلص الدراسة إلى أن الجمال لا يمكن اختزاله في تعريف ثابت، بل يشكل أفقًا إشكاليًا مفتوحًا يتحدد في تقاطع الأبعاد الأنطولوجية والإبستمولوجية والاجتماعية، مما يجعله مفهومًا ديناميًا يعكس تحولات العلاقة بين الإنسان والعالم.

إشكالية الدراسة:

ينبني هذا البحث على إشكالية مركزية يمكن صياغتها كما يلي:

إلى أي حد يمكن اعتبار الجمال حقيقة موضوعية قائمة بذاتها، أم أنه مجرد بناء إدراكي ناتج عن تفاعل الذات مع العالم؟ وكيف أعاد التصور الأفلاطوني تحديد العلاقة بين الفن والحقيقة، وما حدود هذا التصور في ضوء التحولات التي عرفها الفكر الجمالي الحديث؟

 وتتفرج عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية لعل من أهمها ما يلي:

هل الجمال خاصية في الأشياء أم تجربة ذاتية؟

لماذا اعتبر أفلاطون الفن محاكاة بعيدة عن الحقيقة؟

هل يمكن للفن أن يكون وسيلة للمعرفة أم مجرد وهم جمالي؟

كيف أعادت الفلسفات الحديثة خاصة مع إيمانويل كانط تعريف الحكم الجمالي؟

هل ما زال التصور الأفلاطوني صالحًا لفهم الفن المعاصر فرضية الدراسة:

ينطلق البحث من فرضية مفادها أن الجمال لا يمكن اختزاله في كونه خاصية موضوعية ثابتة كما تصورها أفلاطون، ولا في كونه حكمًا ذاتيًا خالصًا، بل هو نتاج تفاعل جدلي بين الذات المدركة والبنية الرمزية للعالم، وهو ما يجعل الفن مجالًا لإنتاج المعنى لا مجرد محاكاة للواقع.

 وتتفرع عن هذه الفرضية الرئيسية عدة فرضيات فرعية لعل من اهمها:

التصور الأفلاطوني للجمال يقوم على أساس ميتافيزيقي يجعل الفن في مرتبة أدنى من الحقيقة.

الفلسفة الحديثة، خاصة مع إيمانويل كانط، أعادت الاعتبار للذات في إنتاج الحكم الجمالي.

الفن المعاصر تجاوز فكرة المحاكاة ليصبح أداة نقد وإعادة تشكيل للواقع.

على سبيل الافتتاح:

تحتل الجماليات مكانة مركزية داخل الحقل الفلسفي، لا بوصفها مجرد فرع يعنى بدراسة الجميل أو تحليل الأعمال الفنية، بل باعتبارها مجالًا تأمليًا عميقًا ينشغل بالكشف عن الشروط التي يتأسس في ظلها المعنى الجمالي داخل التجربة الإنسانية. فهي، بهذا المعنى، لا تقتصر على وصف الظواهر الفنية أو تصنيفها، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة الأسس التي تجعل من شيء ما موضوعًا للجمال أو تجربة ذات قيمة حسية متميزة. ومن هنا، تغدو الجماليات حقلًا تقاطعيًا تتداخل فيه أبعاد متعددة: أنطولوجية تتعلق بطبيعة الجمال ووجوده، وإبستمولوجية ترتبط بكيفية إدراكه، وأكسيولوجية تنشغل بقيمته ووظيفته داخل الوجود الإنساني.

وإذا كان مصطلح الجماليات قد تبلور في صيغته الحديثة مع ألكسندر بومغارتن في منتصف القرن الثامن عشر، حيث سعى إلى تأسيس علم يعنى بالمعرفة الحسية في مقابل المعرفة العقلية، فإن هذا التحديد الاصطلاحي لا ينبغي أن يحجب الامتداد التاريخي العميق للإشكال الجمالي. ذلك أن التفكير في الجمال والفن يسبق بكثير لحظة تسميته، إذ يشكل أحد الأسئلة الكبرى التي صاحبت الوعي الفلسفي منذ نشأته الأولى. فقد ظل سؤال الجمال، في جوهره، سؤالًا مزدوج الطبيعة، يتأرجح بين البحث عن حقيقة موضوعية كامنة في الأشياء، وبين استكشاف أفق ذاتي يتشكل داخل تجربة الإدراك والتذوق.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الجمال باعتباره معطى بسيطًا أو خاصية جاهزة، بل كإشكال فلسفي مركب ينفتح على توتر دائم بين الذات والموضوع، بين الحس والعقل، وبين الإدراك والوجود. ومن ثم، تتفرع عنه سلسلة من التساؤلات التأسيسية التي لا تزال تؤطر التفكير الجمالي إلى اليوم: هل الجمال حقيقة قائمة بذاتها أم بناء إدراكي؟ هل هو مطلق يتجاوز تغيرات الزمان والمكان، أم نسبي يتحدد بالسياقات الثقافية والتاريخية؟ وما الذي يمنح العمل الفني هويته كفن، ويفصله عن مجرد الإنتاج التقني أو الحرفي؟ ثم ما طبيعة التجربة الجمالية ذاتها: هل هي انفعال ذاتي صرف، أم حكم قابل للتبرير والمناقشة؟

ولا تكتسب هذه الأسئلة أهميتها من طابعها النظري المجرد فحسب، بل من كونها تمس صميم العلاقة التي يقيمها الإنسان مع العالم. فالتجربة الجمالية لا تمثل لحظة ترف أو استراحة من التفكير، بل هي نمط مخصوص من أنماط الوجود، ينكشف من خلاله العالم في صورته الحسية والرمزية في آن واحد. لذلك، فإن الجماليات، في أفقها الفلسفي العميق، تشكل مجالًا لفهم كيفية تشكّل المعنى، وكيفية انبثاق القيمة، بل وكيفية إدراك الحقيقة نفسها خارج حدود البرهان العقلي الصارم.

وقد بلغ هذا الإشكال مستوى متقدمًا من التعقيد النظري مع إيمانويل كانط، الذي أعاد صياغة مفهوم الجمال ضمن أفق نقدي جديد، حيث لم يعد الحكم الجمالي يُفهم بوصفه إدراكًا لخاصية موضوعية، ولا مجرد تعبير عن ميل ذاتي، بل باعتباره حكمًا تأمليًا يتأسس في منطقة وسطى بين الذات والموضوع. ففي كتابه نقد ملكة الحكم، سعى كانط إلى بيان أن الجمال يكشف عن انسجام حر بين قوى المعرفة، دون أن يخضع لمفاهيم محددة أو قواعد جاهزة، مما يجعل التجربة الجمالية تجربة فريدة تتجاوز ثنائية الموضوعي والذاتي.

غير أن العودة إلى هذا الأفق الحديث لا تكتمل دون استحضار الجذور اليونانية التي أرست المفاهيم الأولى للتفكير الجمالي، وعلى رأسها مفهوم المحاكاة، الذي شكل الإطار النظري لفهم الفن بوصفه تمثيلًا للواقع. فقد ارتبط الجمال، في التصور اليوناني، بفكرة النظام والانسجام، حيث اعتُبر تعبيرًا عن التناسب والتماثل والاتساق، وهي مفاهيم تعكس رؤية كونية ترى في العالم بنية منظمة يمكن إدراكها عبر الحس والعقل معًا. غير أن هذا التصور سيشهد تحولًا جذريًا مع أفلاطون، الذي نقل النقاش من مستوى الظاهر الحسي إلى أفق ميتافيزيقي، مؤسسًا تمييزًا صارمًا بين عالم المثل بوصفه مجال الحقيقة، والعالم المحسوس باعتباره مجرد انعكاس ناقص لها.

في ضوء هذا التحول، لم يعد الفن يُنظر إليه كوسيلة لبلوغ الحقيقة، بل كصورة بعيدة عنها، باعتباره محاكاة لعالم هو نفسه محاكاة، مما يضعه في مرتبة أدنى داخل سلّم الوجود والمعرفة. ومع ذلك، فإن هذا الموقف لا يلغي قيمة الجمال، بل يعيد تعريفه بوصفه حقيقة مطلقة قائمة في مستوى يتجاوز الإدراك الحسي، وهو ما سيجعل من الجمال إشكالًا أنطولوجيًا بقدر ما هو إشكال جمالي.

انطلاقًا من هذا الامتداد التاريخي والفلسفي، يسعى هذا البحث إلى مساءلة مفهوم الجمال في أبعاده المختلفة، من خلال تتبع تحوله من التصور الكلاسيكي القائم على المحاكاة والحقيقة، إلى الأفق النقدي الحديث الذي أعاد الاعتبار للذات والتجربة. وبذلك، لا يهدف هذا العمل إلى تقديم عرض تاريخي بقدر ما يسعى إلى بناء قراءة فلسفية تحاول الكشف عن البنية العميقة للإشكال الجمالي، وإبراز الرهانات المعرفية والوجودية التي ينطوي عليها، في أفق فهم أوسع للعلاقة بين الفن والحقيقة، وبين الجمال والإنسان.

الجذور اليونانية للجمال: من بنية النظام إلى منطق المحاكاة:

تشكل الفلسفة اليونانية لحظة تأسيسية حاسمة في تاريخ التفكير الجمالي، لا لأنها تمثل بداية زمنية مطلقة، بل لأنها بلورت جهازًا مفاهيميًا سيظل مؤثرًا في مختلف التحولات اللاحقة لهذا الحقل. ففي هذا الأفق، لم يكن الجمال يُفهم بوصفه مجرد إحساس ذاتي أو انطباع عابر، بل كخاصية مرتبطة ببنية العالم ذاته، حيث يُنظر إلى الكون باعتباره نظامًا منسجمًا تحكمه علاقات دقيقة من التناسب والتماثل والاتساق. وقد وجدت هذه الرؤية تعبيرها الأكثر وضوحًا في النزعة الفيثاغورية، التي رأت في العدد والهندسة المبدأ الخفي الذي ينتظم وفقه الوجود، مما جعل الجمال، في جوهره، انعكاسًا لهذا النظام الكوني، لا خاصية عرضية تنشأ عن التلقي الفردي.

ضمن هذا التصور، يغدو الجميل تعبيرًا عن انتظام داخلي يُدرك عبر الحس والعقل معًا، بحيث لا ينفصل الإدراك الجمالي عن إدراك النظام. فالعين لا ترى الجمال إلا بقدر ما تدرك العلاقات التي تؤسس توازن الشيء وانسجامه، وهو ما يجعل التجربة الجمالية، في أصلها، تجربة كشف عن بنية، لا مجرد انفعال تجاه مظهر. ومن هنا، يتحدد الجمال بوصفه قيمة موضوعية نسبياً، قائمة في الأشياء من حيث انتظامها، وقابلة للإدراك بفضل توافق قدرات الإنسان الإدراكية مع هذا النظام.

أما على مستوى الفن، فقد تبلور مفهوم المحاكاة باعتباره الإطار النظري الناظم لفهم الإنتاج الفني. فالفن، في التصور اليوناني، ليس خلقًا من عدم، ولا تعبيرًا ذاتيًا حرًا، بل هو إعادة تمثيل للواقع وفق مبدأ المطابقة، حيث تُقاس قيمة العمل الفني بمدى قدرته على استحضار موضوعه بدقة وإعادة إنتاجه في صورة حسية. غير أن هذه المحاكاة لا تُفهم بوصفها نسخًا آليًا للواقع، بل كفعل انتقاء وتنظيم، يسعى إلى إبراز ما هو نموذجي ومثالي داخل الظاهر الحسي. ولذلك، لم يكن الهدف من الفن هو مجرد تكرار الواقع، بل الارتقاء به إلى مستوى أكثر انتظامًا واتساقًا، يكشف عن بنيته المثلى.

في هذا السياق، يمكن فهم المكانة المركزية التي احتلها فن النحت داخل الثقافة اليونانية، إذ اعتُبر المجال الأكثر قدرة على تجسيد هذا التصور الجمالي، من خلال تمثيل الجسد الإنساني في صورته المثالية، حيث تتجلى قيم التناسب والانسجام بأقصى درجاتها. فالنحت لا يعيد إنتاج الجسد كما هو، بل كما ينبغي أن يكون، أي بوصفه تعبيرًا عن نموذج كلي يتجاوز الفردي والعابر.

وهكذا، يتأسس التفكير الجمالي في الأفق اليوناني على تقاطع حاسم بين مفهومين مركزيين: النظام والمحاكاة؛ حيث يشكل الأول البنية الأنطولوجية التي يقوم عليها الجمال، بينما يمثل الثاني الآلية الفنية التي يتم من خلالها تمثيل هذا النظام داخل العمل الفني. ومن هذا التلازم، ستنبثق لاحقًا إشكالات فلسفية عميقة، خاصة مع أفلاطون، الذي سيعيد النظر في قيمة المحاكاة وعلاقتها بالحقيقة، فاتحًا بذلك أفقًا نقديًا سيؤسس لتحولات جذرية في فهم الجمال والفن عبر تاريخ الفلسفة.

أفلاطون: من خداع المحاكاة إلى حقيقة المثال:

يمثل أفلاطون منعطفًا حاسمًا في تاريخ التفكير الجمالي، ليس فقط لأنه أعاد النظر في قيمة الفن، بل لأنه نقل سؤال الجمال من مستوى الإدراك الحسي إلى أفق أنطولوجي عميق، حيث لم يعد الجمال يُفهم بوصفه خاصية كامنة في الأشياء أو نتيجة لتناسقها الظاهر، بل بوصفه حقيقة متعالية تنتمي إلى نظام وجودي أسمى. ففي قلب فلسفته يقوم تمييز جذري بين عالمين: عالم المثل، باعتباره مجال الكينونة الحقيقية والثبات والكمال، والعالم المحسوس، بوصفه مجال التغير والنقص والظهور الخادع. وضمن هذا الإطار، لا يعود الواقع الحسي مرآة للحقيقة، بل مجرد ظل لها، أو بالأحرى انحدارًا عن أصل متعالٍ لا يُدرك إلا بالعقل.

انطلاقًا من هذا التصور، يكتسب الفن وضعًا إشكاليًا بالغ التعقيد، إذ يُعاد تعريفه بوصفه محاكاة لواقع هو نفسه محاكاة، مما يجعله في مرتبة ثالثة داخل سلم الوجود: فالمثال هو الأصل، والعالم المحسوس صورة ناقصة عنه، والعمل الفني بدوره ليس سوى إعادة إنتاج لهذه الصورة، أي صورة عن صورة. وبهذا المعنى، لا يكون الفن طريقًا نحو الحقيقة، بل انزياحًا عنها، إذ يضاعف المسافة بين الإنسان والمعقول، ويغرقه في عالم من التمثلات التي تفتقر إلى الأساس الوجودي الصلب. ولعل هذا ما يفسر الموقف النقدي الحاد الذي يتخذه أفلاطون تجاه الشعراء والفنانين، حيث لا ينظر إليهم بوصفهم مبدعين يكشفون عن الحقيقة، بل كمنتجين للصور التي قد تخدع النفس وتبعدها عن إدراك الجوهر.

وتتجلى هذه الرؤية في أبهى صورها المجازية في أسطورة الكهف، حيث يُصوَّر الإنسان ككائن مقيد داخل عالم من الظلال، يخلط بين المظهر والحقيقة، ولا يتحرر من هذا الوهم إلا عبر مسار شاق من المعرفة يقوده إلى نور الحقيقة. وفي هذا السياق، يغدو الفن جزءًا من هذا العالم الظلي، إذ لا يقدم إلا صورًا تحاكي ما هو ظاهر أصلًا، دون أن تنفذ إلى عمق الكينونة. ومن ثم، فإن خطورته لا تكمن في كونه وهمًا فحسب، بل في قدرته على إقناع المتلقي بواقعيته، مما يجعله أداة تضليل بقدر ما هو وسيلة تمثيل.

غير أن هذا النقد الجذري للفن لا يعني رفض الجمال في ذاته، بل على العكس، يكشف عن إعادة تأسيسه على نحو ميتافيزيقي، حيث يُفهم الجمال بوصفه مثالًا مطلقًا، ثابتًا، لا يتغير ولا يتعدد، في مقابل الأشياء الجميلة التي تظل مجرد مشاركات جزئية وعابرة في هذا المثال. وهكذا، ينفصل الجمال عن الفن، ويُعاد توجيهه نحو أفق عقلي وروحي، لا يُنال عبر الحواس، بل عبر الارتقاء المعرفي. وبذلك، يؤسس أفلاطون انقلابًا حقيقيًا في التفكير الجمالي، حيث لم يعد السؤال: ما الجميل في الأشياء؟ بل: ما حقيقة الجمال بما هو وجود مستقل عن الأشياء؟

الجمال عند أفلاطون: من إشراق الحس إلى تعالي المثال:

لا ينفصل تصور أفلاطون للجمال عن بنيته الميتافيزيقية العامة، بل يتأسس في قلبها بوصفه أحد أبرز تجليات التمييز الأنطولوجي بين عالم المثل والعالم المحسوس. فالجمال، في أفقه الفلسفي، لا يُختزل في ما تمنحه الحواس من لذة أو انطباع، ولا يُفهم باعتباره خاصية عرضية تقوم في الأشياء، بل هو حقيقة متعالية تنتمي إلى نظام الوجود الكامل والثابت، أي إلى مستوى المثال الذي يعلو على كل تغير وزوال. ومن ثم، فإن ما يُدرك في العالم الحسي من مظاهر الجمال—سواء في لوحة فنية، أو في تناغم لحن، أو في بهاء الطبيعة—لا يعدو أن يكون تمثلات جزئية وعابرة لتلك الحقيقة المطلقة، إشراقات محدودة تنبثق من أصل متعالٍ لا يُستنفد في مظاهره.

في هذا السياق، يتخذ الجمال طابعًا مفارقًا للوجود الحسي، إذ لا يكون “في” الأشياء بقدر ما تكون الأشياء “مشاركة” فيه، أي مستمدة لقيمتها من انتمائها إلى مثال سابق عليها أنطولوجيًا. فالفارق هنا ليس كميًا فحسب، بل نوعي أيضًا: فالأشياء الجميلة تتسم بالنسبية والتغير والفناء، لأنها خاضعة لشروط الزمان والمادة والإدراك، في حين أن الجمال في ذاته ثابت، كامل، لا يتعدد بتعدد موضوعاته، ولا يتبدل بتبدل الأذواق. وبذلك، ينقلب الفهم التقليدي الذي يرد الجمال إلى الانطباع الحسي، ليغدو إدراكه الحقيقي فعلًا عقليًا وروحيًا، يتطلب تجاوز مستوى الظاهر والارتقاء نحو إدراك المثال.

ومن هذا المنطلق، يكتسب الحكم الجمالي دلالة مغايرة، إذ لا يعبر عن امتلاك موضوع ما للجمال المطلق، بل عن درجة مشاركته فيه، أي عن مدى اقترابه من النموذج المثالي الذي يشكل معيارًا أعلى غير منظور. فقولنا إن شيئًا ما “جميل” لا يعني أنه يحوز الجمال في ذاته، بل يدل على انفتاحه على ذلك الأفق المتعالي الذي يمنحه قيمته. وهنا يتأسس البعد التراتبي للجمال، حيث تتفاوت الأشياء في نصيبها من المثال، دون أن تبلغ حد التطابق معه.

بهذا المعنى، لا يعود الجمال تجربة حسية خالصة، بل يصبح مسارًا أنطولوجيًا ومعرفيًا في آن واحد، ينقل الذات من إدراك المظاهر إلى تأمل الجواهر، ومن التعلق بالمتغير إلى السعي نحو الثابت. إنه ليس مجرد موضوع للتذوق، بل أفق للارتقاء، حيث يتحول الجميل من معطى يُدرك إلى حقيقة تُطلب. ومن هنا، يمكن القول إن أفلاطون لا يلغي الجمال الحسي، بل يعيد تأويله ضمن نسق أوسع، يجعله علامة على ما يتجاوزه، ودليلًا على حضور ما لا يُرى في ما يُرى، أي أثرًا للمطلق في النسبي.

من سؤال الجمال إلى نقد المحاكاة: نحو أفق جمالي مفتوح على التحول:

لا تكمن القيمة الفلسفية لتصور أفلاطون في كونه يقدم نسقًا مكتملًا من الأجوبة بقدر ما تتمثل في طابعه الإشكالي الخلاق، إذ فتح أفقًا نظريًا سيظل يؤطر التفكير الجمالي عبر مختلف مراحله التاريخية. فقد أعاد صياغة العلاقة بين الفن والحقيقة على نحو جذري، محولًا إياها من علاقة تمثيل بريء إلى علاقة إشكالية تتداخل فيها المعرفة بالوهم، والحضور بالغياب، والظهور بالحقيقة. ومن هذا التحول، انبثقت أسئلة مركزية لم تفقد راهنيتها: هل الفن سبيل إلى الكشف أم أداة للحجب؟ هل الجمال خاصية موضوعية قائمة في الأشياء أم أثر يتشكل داخل الوعي؟ وهل تمثل المحاكاة تقريبًا من الواقع أم مسافة إضافية تفصلنا عنه؟

إن هذه الأسئلة، في عمقها، لا تتعلق بالفن وحده، بل تمس بنية العلاقة التي يقيمها الإنسان مع العالم، إذ تكشف عن توتر دائم بين ما يظهر وما هو كائن، بين ما يُدرك حسّيًا وما يُفهم عقليًا. ولهذا، فإن الفكر الجمالي اللاحق لم يتعامل مع الأطروحة الأفلاطونية بوصفها موقفًا مغلقًا، بل كإشكالية مفتوحة استدعت أشكالًا متعددة من الاستجابة والتجاوز. ففي فلسفة أرسطو، ستُستعاد المحاكاة لا باعتبارها ابتعادًا عن الحقيقة، بل كفعل إبداعي يكشف عن الكلي داخل الجزئي، ويمنح الفن وظيفة معرفية وتطهيرية في آن واحد، مما يشكل أول محاولة لإعادة الاعتبار للفن داخل أفق فلسفي عقلاني.

غير أن التحول الأكثر عمقًا سيحدث مع الفلسفة الحديثة، خاصة مع إيمانويل كانط، الذي سينقل النقاش من سؤال الحقيقة إلى سؤال الحكم، ومن طبيعة الجمال في ذاته إلى شروط إدراكه. فالجمال، في أفقه النقدي، لم يعد خاصية موضوعية ولا مجرد انفعال ذاتي، بل تجربة تأملية تتأسس في تفاعل حر بين قوى الذات، مما يعيد صياغة العلاقة بين الحس والعقل ضمن أفق جديد يتجاوز التقابل التقليدي بينهما. وهنا، يتحول الفن من كونه موضوعًا للتمثيل إلى مجال لتجربة الحرية الجمالية.

ومع تطور الفلسفات المعاصرة، خاصة في أعمال تيودور أدورنو وفالتر بنيامين، سيكتسب الفن بعدًا نقديًا أكثر راديكالية، حيث لم يعد يُفهم فقط بوصفه مجالًا للجمال أو التعبير، بل كفضاء لمساءلة البنى الاجتماعية وكشف آليات الهيمنة وإعادة تشكيل الحساسية الجماعية. وبذلك، ينتقل التفكير الجمالي من البحث في ماهية الجمال إلى تحليل شروط إنتاجه وتلقيه، ومن التأمل في العمل الفني إلى تفكيك علاقته بالسلطة والتاريخ والتقنية.

انطلاقًا من هذا المسار، يتضح أن الجماليات ليست حقلًا مغلقًا على تعريفات ثابتة، بل أفقًا فكريًا مفتوحًا على التحول، يتجدد بتجدد الأسئلة التي يطرحها الإنسان حول ذاته وعلاقته بالعالم. ومن ثم، فإن الإرث الأفلاطوني، رغم طابعه النقدي الصارم تجاه الفن، يظل لحظة تأسيسية لا لكونه قدم تصورًا نهائيًا، بل لأنه أطلق دينامية تفكير ستظل تعيد تشكيل ذاتها عبر التاريخ، جاعلة من الجمال سؤالًا دائم الانفتاح، ومن الفن مجالًا لا ينفصل عن رهانات الحقيقة والمعنى والوجود.

المقاربة التركيبية:

يكشف تتبّع المسار الفلسفي للجماليات عن انتقال دلالي عميق من سؤال “ما الجمال؟” إلى سؤال “كيف يُدرَك الجمال؟” ثم إلى “في أي شروط يُنتَج ويُتلقّى الجمال؟”. هذا التحول لا يعكس مجرد تنوّع في الإجابات، بل يدل على إعادة تشكيل متواصلة لمفهوم الجمال ذاته عبر تحوّل مرجعياته: من الأنطولوجيا إلى الإبستمولوجيا، ثم إلى النقد الاجتماعي والتاريخي.

في الأفق اليوناني، كما تبلور عند أفلاطون، يتأسس الجمال على قاعدة ميتافيزيقية صارمة: إنه مثال متعالٍ، ثابت وكامل، تتشارك فيه الأشياء دون أن تستنفده. وضمن هذا النسق، يغدو الفن إشكاليًا لأنه “محاكاة للمحاكاة”، أي ابتعاد مضاعف عن الحقيقة، بما يجرّ معه شكًا معرفيًا وأخلاقيًا في قيمة التمثيل. هنا، تُفهم الجماليات انطلاقًا من تراتبية الوجود، ويُقاس الفن بمدى قربه أو بعده عن مثال الحقيقة.

غير أن أرسطو يعيد توجيه النقاش من داخل نفس الإطار الكلاسيكي، لكن عبر قلب دلالة المحاكاة: فهي ليست نسخًا ناقصًا، بل فعلًا إبداعيًا يكشف “الكلي” داخل “الجزئي”، ويمنح الفن قدرة معرفية مميزة. فالمحاكاة عنده تتضمن اختيارًا وتنظيمًا وتكثيفًا، بما يجعل العمل الفني أكثر دلالة من الواقع العيني نفسه. وبإدخال مفهوم “التطهير” (الكاثارسيس)، يمنح أرسطو للفن وظيفة وجدانية-معرفية معًا، فيرتقي من كونه ظلًا للحقيقة إلى كونه طريقة مخصوصة لقولها.

ومع الفلسفة الحديثة، يحدث التحول الحاسم: ينتقل مركز الثقل من الموضوع إلى الذات. ففي فلسفة إيمانويل كانط، لا يعود الجمال خاصية في الأشياء ولا مجرد محاكاة لها، بل يصبح حكمًا تأمليًا يتأسس في تفاعل حر بين المخيلة والفهم. الحكم الجمالي “كوني بلا مفهوم”، أي أنه يطمح إلى اشتراك الآخرين دون أن يستند إلى قاعدة معرفية محددة. هنا تُعاد صياغة الجماليات بوصفها نظرية في شروط الإمكان: كيف يكون الجمال ممكنًا كتجربة مشتركة دون أن يُختزل في موضوع أو قانون؟ بهذا، يغدو الفن مجالًا لتجربة الحرية، ويغدو الذوق وسيطًا بين الحس والعقل.

أما في الأفق المعاصر، فتتخذ الجماليات منحى نقديًا راديكاليًا، كما يتجلى لدى تيودور أدورنو وفالتر بنيامين. لم يعد السؤال منصبًا على ماهية الجمال أو شروط الحكم فقط، بل على علاقات الإنتاج والتلقي التي تُشكِّل العمل الفني داخل مجتمع حديث محكوم بالصناعة الثقافية والتقنية. عند أدورنو، يحتفظ الفن بقيمته النقدية بقدر ما يقاوم التشييء ويُفكّك أنماط الهيمنة؛ إنه “سلبٌ” للواقع أكثر منه تمثيلًا له. وعند بنيامين، تُعاد صياغة مفهوم “الهالة” في ظل الاستنساخ التقني، حيث تتغير شروط حضور العمل الفني ووظيفته، فيتحول من موضوع للتأمل النخبوي إلى عنصر فاعل في تشكيل الحساسية الجماعية والسياسة الجمالية.

بهذا المعنى، لا يظهر تاريخ الجماليات كسلسلة من القطيعات التامة، بل كسيرورة تركيبية تتراكم فيها الأسئلة وتُعاد صياغتها: من ميتافيزيقا المثال عند أفلاطون، إلى إبستمولوجيا المحاكاة المبدعة عند أرسطو، إلى نقد ملكة الحكم عند كانط، وصولًا إلى الجماليات النقدية التي تضع الفن في قلب الصراع الاجتماعي. إن ما يوحّد هذه المسارات هو توتر دائم بين الحقيقة والتمثيل، بين الموضوع والذات، وبين الجمال والقيمة، توترٌ لا يُحسم بل يُعاد إنتاجه في كل مرحلة تاريخية.

على سبيل الختام:

إن الجمال، في نهاية المطاف، لا يُختزل في تعريف جامع مانع، ولا يستقر في مقام أنطولوجي واحد؛ إنه أفق إشكالي يتغيّر بتغيّر موقع الإنسان من العالم. فإذا كان أفلاطون قد رفع الجمال إلى مرتبة المثال المتعالي، فإن أرسطو أعاده إلى قلب التجربة الفنية بوصفها كشفًا عن الكلي، بينما جعل إيمانويل كانط منه تجربة تأملية تؤسس لكونية بلا قواعد، قبل أن تعيد الجماليات النقدية، مع تيودور أدورنو وفالتر بنيامين، إدراجه ضمن شبكة العلاقات التاريخية والاجتماعية والتقنية.

ومن ثم، فإن الجمال لا يُفهم بوصفه معطًى جاهزًا، بل كحدثٍ يتولد عند تقاطع الإدراك بالمعنى، والذات بالعالم، والتاريخ بالتقنية. إنه ليس خاصية للأشياء بقدر ما هو نمط من انكشافها، وليس مجرد لذة حسية بقدر ما هو تجربة تكشف عن إمكان آخر للوجود. وعلى هذا الأساس، يغدو الفن أكثر من تمثيل أو تعبير: إنه ممارسة تأويلية تعيد تشكيل الواقع، وتفتح إمكان التفكير فيه على نحو مغاير.

نتائج الدراسة

الجمال ليس مفهومًا ثابتًا، بل بناء فلسفي متحوّل عبر التاريخ.

الانتقال من ميتافيزيقا الموضوع مع أفلاطون إلى إبستمولوجيا الذات مع كانط يمثل تحولًا جذريًا.

الفن انتقل من كونه محاكاة إلى كونه تجربة ثم أداة نقد.

الحكم الجمالي يجمع بين الذاتية والكونية في آن واحد.

الجماليات المعاصرة كشفت أن الفن مرتبط بـ السياق الاجتماعي والتقني وليس معزولًا.

توصيات الدراسة:

- ضرورة تجاوز القراءة التاريخية الوصفية نحو تحليل نقدي تركيبي لمفاهيم الجمال.

- إدماج الجماليات في دراسة التحولات الاجتماعية والثقافية المعاصرة.

- إعادة التفكير في الفن ليس فقط كجمال، بل كخطاب نقدي وفلسفي.

- ربط الجماليات بالفلسفات الحديثة مثل التفكيك، الظاهراتية، والنقد الثقافي.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ.

 

استراتيجيات الاستلاب الوجودي في الفضاء المشرقي

في مأزق الكينونة المستلبة: تتبدى إشكالية الكينونة الإنسانية المعاصرة في تأرجحها القلق بين درك "التشيؤ" وأفق "المعنى"؛ وهي معضلة لم تعد ترفاً فكرياً يقتصر على أروقة الفلسفة، بل غدت صرخة وجودية مدوية في وجه تحولات الحداثة التقنية والمادية المشوهة. إن الأزمة الراهنة للإنسان في الفضاء المشرقي لا تنبع فقط من غياب التنمية، بل من عملية "نزع القداسة" عن الكائن البشري وتحويله إلى عنصر وظيفي ضمن تروس الماكينة الرأسمالية.

إن تحليل الدور المحوري الذي تلعبه التصورات الميتافيزيقية التقليدية، حين تتحالف مع المنظومة الرأسمالية، يكشف عن عملية "هندسة أنطولوجية" تهدف إلى صياغة هوية الإنسان بوصفه كائناً مرتهناً للماديات لا حاملاً للقيم. هذا الاستلاب الوجودي يُفرغ الكائن من جوهره الروحي والعقلاني ليلقي به في سجون "الموضعة"، حيث يتم تهميش الرؤى العقلانية لصالح قوى الجمود الفكري ضماناً لديمومة هذا التشيؤ. إننا بصدد تفكيك "مثلث الهيمنة" المتمثل في: رأس المال، السلطة القمعية، والميتافيزيقيا الجامدة، وكيف يشتغل هذا المثلث على وأد الإرادة الحرة.

المرتكزات الأنطولوجية لجوهر التكوين الإنساني

يبدأ فهم الفارق الجوهري بين "الإنسان المعنى" و"الإنسان الشيء" من التمييز الفلسفي الكلاسيكي بين الوجود والماهية. في الفلسفة الوجودية (سارتر وهيدغر نموذجاً)، تُعتبر الكينونة هي فعل الوجود المحض الذي يتسم بالانفتاح والديمومة، بينما تعبر الماهية عن الخصائص التي تجعل الشيء هو ما هو عليه. بالنسبة للجمادات أو "الأشياء في ذاتها"، فإن الماهية تسبق الوجود؛ فالمطرقة محددة بخصائصها الفيزيائية ووظيفتها سلفاً قبل أن توجد في الواقع.

أما بالنسبة للإنسان، فإن جوهر التكوين يتسم بـ "السيولة الوجودية" والقدرة الدائمة على التجاوز؛ حيث "يوجد" الإنسان أولاً كإمكانية محضة، ثم "يصنع" ماهيته عبر اختياراته الواعية وأفعاله الحرة. وهنا تكمن عظمة الكائن البشري: في أنه مشروع دائم الصيرورة.

بيد أن "التشيؤ" يحدث تحديداً حين تُنتهك هذه القيمة الوجودية وتُفرض "ماهية قسرية" مغلقة على الإنسان. في الشرق الأوسط، يواجه الفرد ضغطاً مزدوجاً: ضغط الحاجة المادية الذي يختزله في وظيفة "البقاء"، وضغط الأطر السلطوية التي تعامله كـ "رقم إحصائي" أو "وحدة إنتاجية". هنا، يتم استدعاء التصورات الميتافيزيقية، لا بوصفها أفقاً للسمو الروحي، بل كأدوات "ضبط وتطويع". يُقنع الإنسان بأن فقره أو تهميشه أو حتى "شيئيته" هي قدرٌ مسبق الصنع في لوح الميتافيزيقيا، مما يقتله وجودياً عبر إلغاء قدرته على التجاوز والفعل، ليتحول من "ذات فاعلة" إلى "موضوع منفعل".

الرأسمالية كقوة لتسليع الكينونة واغتراب الذات

لا يمكن فهم سيرورة التشيؤ في المنطقة بمعزل عن تغلغل الرأسمالية الاستهلاكية في بنيتها الاجتماعية. الرأسمالية في جوهرها الفلسفي هي وهذا التي ترى ان العالم كله بما فيه الإنسان كمادة خام قابل للاستغلال، في هذا النظام، يفقد العمل صبغته كفعل خلاق لتحقيق الذات، ليصبح وسيلة للاستلاب.

يتحول الفرد في بيئة العمل الرأسمالية المشرقية إلى "قوة عمل" مجردة، قابلة للقياس الكمي والمبادلة المالية. هذا التشيؤ لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد لينتج ما نسميه "التشيؤ الذاتي". يبدأ الإنسان بتقييم كينونته بناءً على معايير السوق: مظهره، قدرته الشرائية، ومدى رضى المنظومة الاستهلاكية عنه. هذا الضغط يولد "ذاتاً زيفية" منفصلة عن جذورها الأصيلة، مما يسبب فصلاً مؤلماً بين الفرد وجوهره الإنساني.

إن الانتقال من "نمط الكينونة" (أن تكون عبر المعنى والقيمة) إلى "نمط التملك" (أن توجد بقدر ما تملك) هو ذروة الاغتراب الوجودي. الرأسمالية هنا لا تبيع السلع فحسب، بل تبيع "هويات جاهزة" ومعلبة، تحرم الفرد من عناء ولذة البحث عن معناه الخاص، محولةً إياه إلى مستهلك مستلب يعيش في وهم الحرية بينما هو مكبل بسلاسل الرغبات المصطنعة.

التحالف النفعي بين الرأسمالية وقوى التقليد

في قراءة نقدية معمقة، نجد مفارقة مدهشة في سياق الشرق الأوسط؛ فالرأسمالية العالمية حين دخلت المنطقة لم تأتِ كحاملة لقيم الأنوار أو العقلانية التحريرية، بل دخلت كقوة وظيفية تهدف إلى الاستحواذ على الموارد وضمان تدفق الأسواق. لهذا السبب، وجد رأس المال في "قوى التخلف" والمنظومات التقليدية الجامدة حليفاً استراتيجياً مثالياً.

هذا التحالف يقوم على مقايضة ضمنية: الرأسمالية توفر الأدوات التقنية والسلعية التي تضمن الرفاه المادي الشكلي للطبقات المهيمنة، وفي المقابل تقوم قوى التقليد بتوفير "الغطاء الروحي" الذي يضمن امتثال الجماهير. إن هذا التواطؤ يهدف إلى خلق إنسان "مستلب مزدوج":

عبداً لاحتياجاته المادية التي تفرضها السوق الرأسمالية

أسيراً لرؤى غيبية جامدة تعطل قدرته على المساءلة والنقد

إن تغييب الرؤية العقلانية (بمعناها الشامل الذي يضع الإنسان كمركز للقيم) هو مصلحة مشتركة لهذا التحالف. فالعقلانية تشكل خطراً داهماً لأنها تعيد تعريف الفرد بوصفه "ذاتاً حرة" تمتلك حق النقد والاعتراض. لذا، يتم إسناد خطاب "الجمود الفكري" عمداً؛ لأن التخلف الذهني هو التربة الخصبة التي ينمو فيها "الاستلاب الوجودي"، حيث يسهل قياد الشعوب حين يتم تغليف استغلالها بمسوح الميتافيزيقيا المشوهة.

دور السلطة في هندسة "الإنسان الوظيفي"

تظهر السلطة في هذا السياق كقوة هيكلية قادرة على تحويل الكينونة الحية إلى "موضوع للإدارة". في الفكر السياسي السائد في المنطقة، غدا مفهوم السلطة مرتبطاً بـ "الغنيمة" والاستحواذ بدلاً من كونه عقداً اجتماعياً لخدمة الإنسان. عندما تتضخم السلطة وتتغول، تبدأ بممارسة عملية "تشيء" ممنهجة للمواطنين.

يتم ذلك عبر إلغاء مفهوم "المواطنة الفاعلة" واستبداله بـ "الرعية الممتثلة". هنا، يُختزل وجود الإنسان في وظائف محددة سلفاً (جندي، موظف، مستهلك)، ويتم تجريده من كرامته بوصفها قيمة مطلقة لا تقبل المقايضة. تستخدم السلطة تقنيات "التزييف الواعي" لإلهاء الشعوب بمعارك جانبية أو هويات صراعية، لضمان بقائهم في حالة من "الغفلة الأنطولوجية". إن الهدف النهائي هو إنتاج "إنسان مفرغ" من الهم العام، محصور في دائرة البحث عن الأمان المادي الضيق، مما يجعله مادة خام سهلة التشكيل في يد المهيمنين.

سيكولوجية المستهلك المستلب وتفكيك الروابط

يؤدي هذا التحالف إلى تفكيك الروابط الاجتماعية العقلانية لصالح علاقات "السوق" و"المصلحة الأدائية". تتحول سيكولوجية الفرد في هذا الفضاء إلى حالة من القلق الوجودي الدائم؛ حيث يُدفع المرء للشعور بأن قيمته مستمدة حصراً من قدرته على "الاستحواذ".

وبينما تحث الرأسمالية الفرد على التخلي عن أصالته لصالح "النمطية العالمية"، تأتي قوى التقليد لملأ الفراغ الروحي بخطابات عاطفية تعزله عن واقعه العملي. والنتيجة هي ظهور "إنسان مشتت": يستهلك بشراهة ليعوض فقره المعنوي، ويتشبث بالماضي ليعوض ضياع حاضره، لكنه في الحالتين يظل "شيئاً" يتم التلاعب به، عاجزاً عن صياغة مشروع تحرري حقيقي. هذا التشتت هو الضمانة الأكيدة لبقاء المنظومة بعيدة عن أي مساءلة أو تغيير جذري.

نقد الحداثة الرثة والتبعية المعرفية

يعاني الفضاء المشرقي مما يمكن تسميته "الحداثة الرثة"؛ وهي حالة استيراد المنجز التقني والقشري للرأسمالية (الهواتف، السيارات، مراكز التسوق) مع فرض حظر صارم على "روح الحداثة" (النقد، التفكير العلمي، الحرية الفردية). إن الرأسمالية العالمية تفضل هذا النموذج الهجين؛ لأن استيراد "روح الحداثة" يعني المطالبة بالعدالة واستقلال الإرادة، وهي أمور تتعارض مع منطق النهب والهيمنة.

التشيؤ يبلغ ذروته حين يصبح الإنسان في منطقتنا مجرد "مختبر لتجارب الهيمنة" وسوقاً لتصريف الفائض المعرفي والمادي، تحت غطاء من الخطابات التي تزعم الحفاظ على "الأصالة" بينما هي في جوهرها تكرس التبعية العمياء. إن المجتمع الذي يهمش المنطق الفلسفي هو مجتمع يسهل تحويل أفراده إلى "أدوات" في صراعات لا تخدم وجودهم الحقيقي.

البحث عن المعنى كفعل مقاومة وجودية

أمام هذا التغول المادي والسلطوي، يمثل "البحث عن المعنى" المصل الواقي وفعل المقاومة الأخير. إن إرادة المعنى ليست رغبة ثانوية، بل هي القوة الدافعة التي تميز الإنسان عن "الأشياء". إن استعادة الكرامة الإنسانية تبدأ من رفض التحديد المسبق والتحرر من "سجون" التشيؤ الأربعة:

سجن الطبيعة: بالارتقاء فوق الغرائز البيولوجية المحضة

سجن التاريخ: برفض الجمود عند قوالب الماضي التي لا تخدم الحاضر

سجن المجتمع: بمقاومة التنميط القسري والقطيعية

سجن الأنا: بالخروج من التمركز حول الذات الاستهلاكية نحو آفاق القيم الإنسانية الكونية

إن استعادة المعنى تتطلب "نباهة إنسانية" تعيد للفرد قدرته على الاختيار المسؤول، وإدراك أن قيمته لا تُقاس بما يملك، بل بما "يكون" وما يقدمه من أجل الحرية والعدالة.

نحو أفق إنساني متحرر

إن تحليل تعاضد الميتافيزيقيا والسلطة والرأسمالية يكشف عن صراع وجودي عميق يهدف إلى إلغاء "الإنسان الفاعل". ويمكن تلخيص الموقف في ضرورة تبني عقلانية نقدية ترى في "الإنسان" و"كرامته" غاية الغايات، لا مجرد وسيلة لتحقيق أرباح أو تثبيت عروش.

إن العقلانية في سياقنا المشرقي ليست مجرد ترتيب سياسي أو علمانية إجرائية، بل هي "فعل تحرر وجودي" يعيد للإنسان حقه في امتلاك معناه الخاص. في الختام، يظل الإنسان هو "المعنى" الذي يعطي للعالم قيمته؛ والرحلة من "التشيؤ" إلى "الكينونة" هي المهمة الحضارية الكبرى لاستعادة إنسانية الإنسان في عصر التشيؤ الشامل. إننا مدعوون اليوم لنكون "ذواتاً" لا "أشياء"، وفاعلين لا مجرد صدى لإرادات الآخرين.

***

غالب المسعودي

قراءة في مفهوم الانفصال المعرفي عند غاستون باشلار وحدوده المنهجية

عندما يُستدعى مفهوم التقدّم في مجال المعرفة يفرض نفسه كتصور مطمئن يرى في العلم سيرورة تراكمية تتعزز فيها الحقيقة عبر تراكم النتائج وتكامل المعطيات. غير أنّ هذا التصور سرعان ما يتعرض للاهتزاز حين يُعاد النظر في تاريخ العلوم من الداخل، حيث لا يظهر التقدم كامتداد سلس بل كمسار متشظٍّ تحكمه الانقطاعات والتحولات العميقة التي تمسّ بنية التفكير ذاتها قبل أن تمسّ موضوعه. فالمعرفة العلمية لا تتشكل بإضافة مكتسبات جديدة إلى بناء ثابت، وإنما تُعاد صياغتها عبر لحظات تفكيك تمسّ الأسس التي كانت تُعدّ بديهية وغير قابلة للنقاش.

ضمن هذا الطرح تتبوأ أطروحة غاستون باشلار موقعا مركزيا في إعادة تعريف العلاقة بين الفكر العلمي وتاريخه. فباشلار لا يتعامل مع العلم بوصفه خطا متصلاً من التراكم بل باعتباره تاريخا من القطيعات الإبستمولوجية التي تفصل بين أنماط تفكير غير قابلة للاختزال إلى بعضها البعض. العقل العلمي في هذا المنظور لا يتطور وفق منطق طبيعي أو تلقائي وإنما يُعاد بناؤه باستمرار عبر صدام مع ما يسكنه من بداهات أولية تتحول في ضوء التحليل النقدي إلى عوائق معرفية. لذلك تأتي أطروحته القائلة إن “المعرفة العلمية تُبنى ضد المعرفة الأولى” بوصفها صياغة مكثفة لفكرة مركزية مفادها أن إنتاج الحقيقة لا يتم إلا عبر تفكيك ما استقر في الوعي بوصفه يقينا سابقا.

هذا التحول في فهم المعرفة لا يقتصر على إعادة رسم صورة العلم بل يطال الأساس الذي تقوم عليه العلاقة بين الفكر والواقع. فالمعرفة لا تُعطي العالم كما هو في معطاه المباشر بل تعيد إنتاجه ضمن شبكات مفهومية تُعيد تشكيل موضوعها بقدر ما تدّعي اكتشافه. ويغدو العقل العلمي ممارسة نقدية دائمة تتأسس على مسافة من التجربة المباشرة وتشتغل على تفكيك ما يبدو بديهيا داخلها. وهذا ما يجعل من المشروع الباشلاري امتدادا نقديا لتيارات فلسفية كشفت الطابع غير الشفاف للمعرفة، وهو ما يلتقي في بعض وجوهه مع ما أشار إليه فريدريك نيتشه حول كون ما يستقر في الوعي يتشكل غالبا خارج سلطة البرهان عبر ترسبات تاريخية من القناعات غير المفكَّر فيها.

غير أنّ مركزية مفهوم القطيعة رغم قوته التفسيرية تفتح سؤالا دقيقا يتعلق بحدوده المنهجية. فإذا كانت المعرفة العلمية لا تتقدم إلا عبر الانفصال عن مراحلها السابقة فكيف يمكن الحفاظ على معنى تاريخي متماسك للعلم؟ إنّ المبالغة في إبراز الانقطاعات قد تؤدي إلى تفكيك تاريخ العلم وإلى وحدات منفصلة تفقد معها إمكانية بناء سردية مفهومية قادرة على الفهم. ويبرز هنا تحليل توماس كون الذي بيّن أن التحولات العلمية الكبرى لا تحدث ضمن استمرارية تراكمية بل عبر تغيّر جذري في الأطر الإرشادية بما يجعل العلماء ينتمون إلى أنماط مختلفة من الرؤية قبل التحول وبعده دون أن ينفي ذلك وجود استمراريات وظيفية داخل فترات الاستقرار العلمي.

تتجلى أهمية باشلار في كونه يرفض التلطيف التوفيقي الذي يسعى إلى دمج التحولات العلمية داخل سردية خطية للتقدم. بيد أنّ هذا الرفض رغم ضرورته النقدية لا يمكن أن يُفهم بوصفه إطلاقا لمبدأ القطيعة إلى حدّ يصبح معه كل اتصال بين المراحل المعرفية مستحيلا. فالإبستمولوجيا الباشلارية في قوتها تكشف أن العلم يتقدم عبر هدم تمثلاته الأولى لكنها في الآن ذاته تحتاج إلى مساءلة دقيقة حتى لا تتحول القطيعة إلى مفهوم مطلق يهدد إمكانية فهم التاريخ العلمي ذاته.

من هذا التوتر بين قوة المفهوم وحدوده تتحدد الإشكالية المركزية لهذا المقال الذي يسعى إلى قراءة مفهوم الانفصال المعرفي عند باشلار قراءة نقدية مزدوجة، تُقرّ بضرورته في فهم دينامية العلم وتكشف في الوقت نفسه عن الحدود التي تمنع تحويله إلى مبدأ شمولي مغلق بما يسمح بإعادة التفكير في معنى التقدم العلمي خارج ثنائية الاستمرارية الساذجة والانفصال الكلي.

ينطلق التفكير في القطيعة الإبستمولوجية من رفضٍ حاسم للصورة المطمئنة التي تقدّم تاريخ العلم كسيرورة تراكميّة هادئة. هذه الصورة على ما فيها من جاذبية تُخفي تعقيدا لا يستقيم معه القول بتدرّجٍ خطّي تتكاثر فيه المعارف دون أن تُمسّ أسسها. فتاريخ العلوم عند الفحص يكشف عن انقلابات تزعزع ما بدا راسخا، وعن تحوّلات تُعيد صياغة شروط الفهم ذاتها قبل أن تضيف نتائج جديدة. وتُفهم القطيعة هنا لا كحدث عرضي بل كشرط داخلي لإنتاج معرفة تملك حدا من الصرامة يسمح لها بأن تُسمّى علما.

يكتسب هذا التصور صياغته الأكثر راديكالية عند غاستون باشلار الذي أعاد ترتيب العلاقة بين العقل وتاريخه وجعل من الصدام مع المعرفة الأولى لحظة تأسيسية لا يمكن تجاوزها. لا يتعامل باشلار مع العقل بوصفه جهازا يتلقّى المعطيات، بل كقوة نقدية تُعيد بناء موضوعها عبر مقاومة ما يسكنها من تمثلات أولية. تلك التمثلات لا تُدرك في الغالب بوصفها أخطاء بل تُمارَس كحقائق بديهية وتكتسب قوتها من اندماجها في التجربة اليومية وفي اللغة المشتركة. لهذا السبب لا يَعدّها عائقا خارجيا يمكن تجاوزه بسهولة بل بنية داخلية تفرض نفسها على التفكير من حيث لا يشعر.

العائق الإبستمولوجي في هذا المنحى ليس جهلا بسيطا بل معرفة مغلوطة تلبس لبوس اليقين وخطورته تكمن في أنّه يعمل من داخل الفكر ويمنح نفسه شرعية لا تُسائل. لذلك يذهب باشلار إلى أنّ “العلم يتقدّم ضد ما يعرفه الإنسان من قبل”، جاعلا من المواجهة مع المعرفة السابقة شرطا لبناء معرفة جديدة. ولا يتعلق الأمر بإضافة تصحيح جزئي بل بعملية تفكيك تطال الجهاز المفهومي الذي أفرز تلك المعرفة. هذا التصور يبدّل موقع الخطأ من الهامش إلى القلب فيغدو عنصرا بنيويا داخل تاريخ الحقيقة لا مجرد عثرة عرضية.

يُفضي هذا التحليل إلى نقد حادّ للتجربة المباشرة التي طالما اعتُبرت منطلقا طبيعيا للمعرفة. الحسّ في نظر باشلار لا يقدّم معطيات شفافة بل يُغرق الفكر في صور أولية تُخفي تعقيد الواقع. العين ترى وفق أنماط من التمثيل تسبقها واللمس لا يقدّم يقينا خالصا بل يُعيد إنتاج أوهامٍ تستمد قوتها من الألفة. لذلك لا يكفي الشك في الحواس كما فعل رينيه ديكارت بل يلزم تجاوزها عبر بناء مفاهيم تُفكّك ما تمنحه من يقين. القطيعة هنا لا تعني مجرّد احتراز بل إزاحة جذريّة لموقع التجربة الأولى داخل مسار المعرفة.

اللغة تدخل بدورها ضمن هذا النقد إذ تُحمِّل المفاهيم بتراث طويل من الاستعمالات اليومية التي تفرض حدودا خفية على التفكير. الكلمات لا تأتي بريئة بل مشحونة بتاريخ من المعاني التي قد تُربك الدقّة العلمية، لذلك يطالب باشلار بإعادة بناء الجهاز اللغوي بما يوافق متطلبات العلم لا بما ينسجم مع العادة. هذا الوعي يجد صدى عند لودفيغ فيتغنشتاين الذي نبّه إلى ارتباط المعنى بأشكال الاستعمال غير أنّ باشلار يمنح المسألة بُعدا إبستمولوجيا صارما، لأن الرهان لا يقتصر على توضيح المعنى بل يتعلّق بإنتاج معرفة دقيقة لا تسمح للالتباس بالتسرّب.

يأخذ العقل العلمي تبعا لذلك صورة فاعلية بنائية تُشيّد موضوعها بدل أن تكتفي باكتشافه. الذرّة، الحقل، الموجة، مفاهيم لا تُستمد من التجربة المباشرة بل تُنتج داخل نسق نظري معقّد. ما يُسمّى “الواقع العلمي” ليس معطى جاهزا بل حصيلة عمل مفهومي طويل يقتضي القطيعة مع تمثلات الحسّ. هذا التحوّل يتجلّى بوضوح في الفيزياء الحديثة حيث لم يعد المكان والزمان إطارين بديهيين بل بنيتين أعاد ألبرت أينشتاين صياغتهما على نحو قلب الفهم الكلاسيكي. يبين هذا أنّ القطيعة لا تخصّ مضمون المعرفة فحسب بل تمتد إلى الشروط التي تسمح بتشكّلها.

ولا تُختزل القطيعة في لحظة واحدة بل تتوزّع عبر مسار من التصحيحات المتتالية. الخطأ لا يُلغى دفعة واحدة بل يُعاد توظيفه داخل سيرورة تُقوّم نفسها باستمرار. لهذا يؤكد باشلار أنّ “الحقيقة العلمية هي تاريخ أخطائها المصحّحة” واضعا الخطأ في قلب البناء المعرفي. هذه الفكرة تمنح للمعرفة طابعا ديناميا وتُخرجها من وهم الاكتمال. كل نظرية تحمل في داخلها إمكانية تجاوزها وكل يقين يظلّ مفتوحا على مراجعة لاحقة.

إلا أنّ هذا الإلحاح على القطيعة يثير مفارقة دقيقة تتعلق بطبيعة الانفصال ذاته. فالهدم الذي يطال تمثلات سابقة لا يتم من فراغ إذ يستند إلى عناصر تُعاد صياغتها داخل أفق جديد. القطيعة لا تعني محوا تاما بل إعادة ترتيب للبنية بحيث تستمر بعض المكونات في صورة مختلفة. ويظهر هذا أن الانفصال المعرفي لا يرقى إلى انقطاع مطلق بل يتخذ شكل تحوّل يُبقي على أثر لما سبقه دون أن يخضع له.

هذا التوتر يتبدّى أكثر عند مقارنة المشروع الباشلاري بمقاربات أخرى في فلسفة العلم. توماس كون يقرّ بوجود تحوّلات جذرية عبر ما سمّاه “التحوّل النموذجي”، غير أنّه يلحظ داخل فترات الاستقرار نوعا من الاستمرارية التي تسمح بتراكم المعرفة داخل إطار معيّن. باشلار في المقابل يمنح القطيعة دورا مركزيا يجعلها المحرّك الأساسي للتاريخ العلمي. الاختلاف لا يقتصر على درجة التأكيد بل يمسّ تصور العقل ذاته: هل هو مسار يتخلّله الانقطاع أم انقطاع يتخلّله شيء من الاستمرار؟

تتأكد أهمية القطيعة من قدرتها على تحرير الفكر من سطوة البداهة. المعرفة الأولى بما تحمله من يقين قد تتحوّل إلى قيد يمنع التفكير من الانفتاح. القطيعة تفكّ هذا القيد وتُعيد للفكر حركته. مع ذلك لا يمكن تحويلها إلى مبدأ مطلق لأن الإفراط فيها قد يُفضي إلى تفكيك التاريخ العلمي إلى لحظات منفصلة لا رابط بينها. الإبستمولوجيا تحتاج إلى قدر من التوازن يسمح بفهم التحوّلات دون أن يفقد إمكان الربط بينها.

ينبغي الانتباه إلى أنّ القطيعة ليست قرارا ذاتيا يتخذه الباحث بل نتيجة لمسار من التوترات داخل الحقل العلمي نفسه. الأزمات التي تعجز فيها النظريات عن تفسير الظواهر تدفع إلى مراجعة الأسس وتفتح المجال أمام بناء جديد. هذا ما يجعل القطيعة مرتبطة بالبنية الداخلية للعلم لا بموقف خارجي منه. هي استجابة لضرورة معرفية لا مجرّد نزعة إلى التجديد.

ويتجلّى أثر القطيعة أيضا في إعادة تحديد العلاقة بين النظرية والتجربة. التجربة لا تُقدّم معطيات جاهزة تُفسَّر لاحقا بل تُصاغ داخل أفق نظري يحدّد ما يُرى وكيف يُقاس. الأجهزة العلمية نفسها تُصمَّم وفق تصوّرات مسبقة فتُنتج معطيات لا يمكن فصلها عن الإطار الذي نشأت فيه. القطيعة تقتضي مراجعة هذا الإطار وإعادة بناء العلاقة بين ما يُفكَّر فيه وما يُختبَر.

ينفتح هذا التحليل على إعادة مساءلة مفهوم الموضوعية؛ إذ لا تُفهم بوصفها مطابقةً مباشرة بين الفكر والواقع كما هو، بل بوصفها قدرةً إبستمولوجية على تشييد نماذج تفسيرية تتجاوز بداهات التجربة الأولى وأوهامها. وتصير الموضوعية حصيلةَ جهدٍ نقديّ متواصل يروم تفكيك العناصر غير المفكَّر فيها التي تتسلل إلى المعرفة دون وعي. وتؤدي القطيعة دورا حاسما بما تتيحه من إعادة توجيه للنظر نحو الشروط العميقة التي يتكوّن ضمنها المعنى. ولا يمكن فهم القطيعة خارج بعدها التاريخي، فكل لحظة علمية تحمل آثار ما سبقها حتى في لحظة الانفصال. هذا التداخل يجعل من الصعب رسم حدود فاصلة بشكل قاطع. القطيعة تُفهم كعملية لا كحدث مغلق. هي حركة انتقال تُعيد توزيع العناصر داخل بنية جديدة مع الاحتفاظ ببعض الاستمرارية التي تضمن قابلية الفهم.

هذا الطابع المركّب يفرض التعامل مع القطيعة بحذر منهجي. الإقرار بدورها لا يستدعي إطلاقها إلى حدّ إلغاء كل تواصل كما أنّ الدعوة إلى الاستمرارية لا تبرّر تجاهل الانقلابات الحاسمة. المطلوب قراءة مزدوجة تلتقط لحظات الانفصال وتفهم في الآن نفسه آليات الترابط، بهذا وحده يمكن بناء تصور متماسك لتاريخ العلم. ويظهر مشروع باشلار كدعوة إلى يقظة نقدية دائمة. فالعقل العلمي لا يركن إلى يقين ولا يطمئن إلى بداهة. وكل معرفة تظلّ عرضة للمراجعة وكل مفهوم قابل لإعادة البناء. القطيعة تمنح هذه الدينامية معناها لأنها تُبقي الفكر في حالة حركة وتمنعه من الانغلاق داخل تصوّرات نهائية. ويبقى السؤال معلقا حول حدود هذا المفهوم، إلى أي مدى يمكن الدفاع عن القطيعة دون الوقوع في تفتيت التاريخ؟ وأي شكل من الاستمرارية يمكن قبوله دون العودة إلى سذاجة التراكم؟ هذه الأسئلة لا تُضعف أطروحة باشلار بل تكشف عن خصوبتها لأنها تفتح المجال لنقاش لا ينتهي حول طبيعة المعرفة وشروط إمكانها.

ويتضح لنا أن القطيعة الإبستمولوجية لا تختزل في شعار نظري بل تشكّل أداة تحليل تكشف البنية العميقة للفكر العلمي. فقوتها تتجلى في قدرتها على تفكيك البداهات وحدودها تظهر في صعوبة ضبطها ضمن تصور شامل. بين هذين القطبين يتحرك التفكير باحثا عن توازن يسمح بفهم العلم كمسار يتشكل عبر انكسارات متتالية دون أن يفقد معناه التاريخي.

يُفضي الإقرار بقوة القطيعة الإبستمولوجية إلى ضرورة مساءلة حدودها من داخلها لا من خارجها. فالفكرة التي تمنحها قيمتها النقدية أي فكّ الارتباط مع البداهات التي قد تنقلب إلى مبدأ مفرط في الحسم إذا جرى التعامل معها كقانون شامل يفسّر كل تحوّل علمي. يظهر التوتر الذي يسكن التصور الباشلاري نفسه هنا، حيث هو توتر بين رغبة في تحرير الفكر من أثقال المعرفة الأولى وخشية من أن يتحول هذا التحرير إلى قطيعة مع كل إمكانية للفهم التاريخي المتماسك. فالمعرفة لا تولد في فراغ ولا تنشأ من عدم خالص بل تتشكل داخل سياق تتداخل فيه عناصر سابقة تُعاد صياغتها في أفق جديد.

هذا التداخل يفرض إعادة التفكير في معنى الانفصال المعرفي، لأن القطيعة مهما بلغت حدّتها لا تستطيع محو أثر سبقها. ما يحدث في التحولات العلمية الكبرى ليس انقطاعا تاما بل إعادة ترتيب للمعقولية نفسها. المفاهيم لا تختفي دفعة واحدة بل تتبدل مواقعها وتتراجع أو تُعاد صياغتها داخل شبكة دلالية مغايرة. في هذا المستوى يصير الانفصال عملية معقدة تتضمن لحظة هدم ولحظة إعادة تركيب بما يجعل من القطيعة حدثا مركبا لا يُختزل في صورة سلبية.

تُظهر قراءة تاريخ الفيزياء أن التحول من الميكانيكا الكلاسيكية إلى النسبية لم يكن مجرد رفض لمفاهيم المكان والزمان، بل إعادة تحديد لوظيفتهما داخل تصور جديد. ألبرت أينشتاين لم يُلغِ مفاهيم سابقة بقدر ما أعاد بناءها وفق علاقات مختلفة، فالمكان لم يعد إطارا مطلقا والزمان لم يعد مستقلا عن الحركة ومع ذلك ظلّ الاثنان حاضرين داخل النظرية الجديدة وإن بصورة مغايرة. هذا المثال يكشف أن القطيعة لا تعني الإلغاء الكلي بل إعادة إدراج عناصر سابقة ضمن بنية جديدة تُعيد توزيع المعنى.

هذا الفهم يضعنا أمام صعوبة منهجية دقيقة. فالإصرار على القطيعة بوصفها انفصالا جذريا قد يقود إلى تفكيك تاريخ العلم وإلى وحدات منفصلة كل منها مكتفية بذاتها، وهو ما يجعل من الصعب إدراك الترابط الذي يسمح بفهم هذا التاريخ. في المقابل فالتخفيف من حدّة القطيعة باسم الاستمرارية قد يُعيد إنتاج وهم التراكم الذي سعى غاستون باشلار إلى تقويضه. بين هذين القطبين يتحدد المجال الذي ينبغي الاشتغال فيه، مجال لا يقبل الحسم النهائي بل يستدعي تفكيرا دقيقا يوازن بين الانفصال والاتصال.

لقد حاول توماس كون أن يقدّم صيغة تسمح باستيعاب هذا التوتر عبر مفهوم “التحول النموذجي”. الانتقال من نموذج إلى آخر لا يتم عبر تراكم بسيط بل عبر انقلاب في الرؤية يجعل العلماء يرون العالم بطريقة مختلفة. مع ذلك لا ينفي كون وجود استمرارية داخل فترات الاستقرار حيث تُمارَس العلوم ضمن أطر محددة تسمح بتراكم المعارف. هذا التصور يخفّف من حدّة القطيعة دون أن يُلغيها لكنه يظلّ بدوره عرضة للنقد لأنه يحتفظ بإمكانية التوفيق بين ما يبدو غير قابل للتوفيق.

الرهان الحقيقي لا يكمن في اختيار أحد الموقفين بل في إدراك أن القطيعة نفسها تحتاج إلى تفكير في شروط إمكانها. القطيعة لا تقع إلا داخل سياق يسمح بوقوعها، وهذا السياق لا يختفي مع التحول بل يستمر في صورة آثار تظلّ حاضرة داخل البناء الجديد. لذلك فإن الحديث عن انفصال مطلق يغفل هذا البعد ويحوّل القطيعة إلى مفهوم فارغ من مضمونه التاريخي.

يدعو هذا المسار إلى مراجعة التصوّر الشائع للعقل العلمي. فالعقل لا يسير في خط مستقيم ولا يتحقق عبر قفزات معزولة بل يتشكّل ضمن حركة مركّبة تتقاطع فيها لحظات الانكسار مع أشكال من الاستمرار. ليست القطيعة محواً خالصاً لما قبلها إذ تظل آثار الماضي مندمجة في بنيتها، كما أن الاستمرارية لا تعني ثباتاً ساكناً بل تنطوي على إمكان التحوّل والانفصال. ويتبيّن مما سبق أن التفكير في العلم أكثر تعقيداً لأنه يتجاوز التقابلات المبسّطة التي تفصل فصلاً حاداً بين الانقطاع والتراكم ويفتح المجال لفهم دينامية المعرفة بوصفها سيرورة تتداخل فيها التحوّلات مع الامتدادات في آن واحد. وتكتسب فكرة العائق الإبستمولوجي دلالة أعمق، فالعائق لا يُزال نهائيا بل يُعاد إنتاجه في أشكال جديدة. وكل معرفة تحمل في داخلها إمكانية التحول إلى عائق أمام معرفة لاحقة، وهو ما يجعل من القطيعة عملية لا تنتهي. هذا الطابع اللانهائي يمنح للمعرفة طابعا ديناميا لكنه يطرح في الآن نفسه سؤالا حول حدود هذه الدينامية. إلى أي مدى يمكن للعلم أن يظلّ في حالة قطيعة دائمة دون أن يفقد استقراره الداخلي؟ ولا يمكن إغفال البعد التاريخي والمؤسساتي في هذا النقاش حيث التحولات العلمية لا تحدث داخل الذهن الفردي فقط، بل تتشكل داخل جماعات علمية لها تقاليدها وأدواتها. القطيعة في هذا الاتجاه لا تعني مجرد تغيير في الأفكار بل إعادة تنظيم للحقل العلمي نفسه. وهذا ما يجعل من الانفصال المعرفي حدثا مركبا يتداخل فيه المعرفي مع الاجتماعي دون أن يُختزل أحدهما في الآخر.

ويتضح من خلال ذلك أن مفهوم القطيعة يحتاج إلى ضبط دقيق يجنّبه السقوط في إطلاقية غير مبررة. القطيعة تملك قوة تفسيرية كبيرة حين تُستخدم للكشف عن لحظات التحول الجذري لكنها تفقد هذه القوة إذا تحولت إلى مبدأ شامل يُطبّق دون تمييز. المطلوب إذن ليس التخلي عنها بل إعادة تحديد مجالها بما يسمح باستثمارها دون الوقوع في مبالغة نظرية.

هذا التحديد يقتضي الانتباه إلى مستويات مختلفة داخل المعرفة. القطيعة قد تكون حادة على مستوى المفاهيم لكنها أقل وضوحا على مستوى التقنيات أو الممارسات. وقد يحدث تحول جذري في الإطار النظري مع استمرار أدوات البحث نفسها أو العكس. وهذا التفاوت يجعل من الصعب الحديث عن قطيعة واحدة شاملة ويستدعي مقاربة أكثر مرونة تأخذ بعين الاعتبار تعدد المستويات.

إنّ الدفاع عن القطيعة لا يعني تبنّي خطاب عدمي يقطع مع كل تاريخ، بل يعبّر عن وعي بأن المعرفة لا تتقدّم دون مراجعة جذرية لأسسها. غير أن هذا الدفاع يظلّ ناقصا إذا لم يُرفق بإدراك للحدود التي لا ينبغي تجاوزها. القطيعة في أقصى تعبيراتها تظلّ مرتبطة بإمكانية الفهم، لأن العلم لا يفقد معناه إلا إذا استحال إلى سلسلة من الانفصالات غير القابلة للربط. وتتضح الحاجة إلى تصور مركّب يسمح بفهم القطيعة كحركة داخل التاريخ لا كخروج عنه. القطيعة تُعيد تشكيل التاريخ بدل أن تلغيه وتمنح له دينامية جديدة بدل أن تفككه. هذا التصور يفتح أفقا للتفكير في العلم باعتباره مسارا يتجدد باستمرار دون أن يفقد خيطه الناظم.

تنتهي هذه القراءة المتواضعة إلى خلاصة لا تحتمل الاختزال في صيغة مبسّطة أو حكم نهائي، فالقطيعة الإبستمولوجية تمثل أحد أكثر المفاهيم قدرة على كشف دينامية العلم لأنها تضع اليد على تلك اللحظات التي ينقلب فيها التفكير على ذاته ويعيد بناء شروطه. غير أن هذه القوة نفسها تحمل خطرا إذا تحولت إلى مبدأ مطلق يُطبّق دون تمييز، لأن المعرفة في تعقيدها لا تقبل أن تُختزل في نموذج واحد يفسّر كل تحول.

ويظلّ فضل غاستون باشلار قائما في أنه أعاد للفكر العلمي توتره وأخرجه من وهم الاستمرارية المريحة وجعل من الخطأ عنصرا إيجابيا داخل بناء الحقيقة. هذا الإنجاز لا يمكن التقليل من شأنه لأنه فتح أفقا جديدا لفهم العلم خارج التصورات التقليدية. مع ذلك فإن هذا الأفق يحتاج إلى استكمال لا عبر نقضه بل عبر تعميقه وتحديد حدوده وتبيّن أن الانفصال المعرفي لا يتحقق في صورة قطيعة مطلقة بل في صورة تحول يعيد توزيع العناصر داخل بنية جديدة. هذا التحول يسمح بالحفاظ على قدر من الاستمرارية دون السقوط في وهم التراكم.

المعرفة لا تنفصل عن ماضيها بشكل تام لكنها لا تخضع له أيضا. إنها تتحرك في فضاء تتداخل فيه الذاكرة مع الابتكار والقطع مع الامتداد.

القضية لا تتعلق بإثبات القطيعة أو نفيها بل بفهمها ضمن حدودها الفعلية. هذا الفهم يقتضي التخلي عن التصورات الحدّية التي ترى في العلم إما تراكما خالصا أو انقطاعا تاما. ما يظهر من خلال التحليل أن الحقيقة العلمية تتشكل عبر توازن دقيق بين لحظات الهدم ولحظات البناء، بين الانفصال الذي يحرر الفكر والاستمرارية التي تمنحه قابلية الفهم.

ضمن هذا التشكّل المفاهيمي يصير التفكير في إبستمولوجيا القطيعة مدخلا لإعادة النظر في طبيعة العقل نفسه. العقل لا يمتلك يقينا نهائيا ولا يستقر عند حدّ بل يظلّ في حركة دائمة تُعيد صياغة أسئلته وأدواته. هذه الحركة لا يمكن اختزالها في نموذج واحد لكنها تكشف عن طابع أساسي في المعرفة: قابليتها الدائمة للتجاوز. تلك القابلية لا تعني الفوضى بل تعني الانفتاح. الانفتاح على إمكانات جديدة، على طرق أخرى للفهم وعلى مفاهيم لم تكن متصوّرة من قبل. القطيعة هنا ليست نهاية بل بداية متجددة، لحظة تتيح للعقل أن يعيد التفكير في نفسه وأن يختبر حدوده دون أن يتوقف عن البحث.

ويبقى السؤال مفتوحا لا بوصفه نقصا بل كشرط لاستمرار الحياة الفكرية. فكل محاولة لإغلاقه تعني نهاية التفكير وكل إبقاء عليه يعني استمرار الحركة. بين هذين الحدّين يتحرك العلم لا كمسار مكتمل بل كرحلة لا تنتهي نحو فهم يتجدد مع كل قطيعة ويُعاد بناؤه مع كل بداية.

*** 

حمزة مولخنيف

مقدمة: تُعد السعادة (eudaimonia عند اليونانيين، أو السعادة في التراث الإسلامي) أحد أعمق المفاهيم الأخلاقية في تاريخ الفكر الإنساني، لأنها ليست مجرد شعور ذاتي أو حالة نفسية عابرة، بل هي غاية وجودية تشمل كينونة الإنسان ككل. ومع ذلك، فإن السعادة لا تظهر إلا في صورتين متمايزتين: سعادة الفرد (السعادة الشخصية) وسعادة المدينة (السعادة الجماعية أو السياسية). هذا التمييز ليس تقسيماً شكلياً، بل هو فرق دلالي (يتعلق بطبيعة المعنى والجوهر) وإجرائي (يتعلق بالطريقة التي تُحقق بها كل سعادة عملياً).المقاربة الإيتيقية التي نتبناها هنا تتجاوز النظرة النفسية أو الاقتصادية إلى السعادة، لتركز على البُعد الأخلاقي: كيف تُشكل سعادة الفرد أخلاق الفرد، وكيف تُشكل سعادة المدينة أخلاق الجماعة؟ وما هي التوترات الأخلاقية الناشئة عن الفرق بينهما؟ هذه الدراسة تفكك الفرق الدلالي والإجرائي بينهما بشكل معمق وموسع وتفصيلي، ثم تُحلل دلالاتهما الأخلاقية، وتستخلص النتائج الوجودية والحضارية للتعارض أو التكامل بين السعادتين. فماهي الإشكالية الأخلاقية للسعادة بين الفرد والجماعة؟

أولاً: الفرق الدلالي – طبيعة السعادة في الفرد والمدينة

سعادة الفرد:

دلالياً، سعادة الفرد هي تحقيق الكمال الذاتي للإنسان ككائن عاقل وأخلاقي. هي حالة الإنسان الذي يعيش وفقاً لطبيعته الحقيقية، فيتجاوز الشهوات العابرة إلى الرضا الدائم بالذات. في التراث الأرسطي، هي الازدهار الإنساني من خلال ممارسة الفضيلة. في التراث الإسلامي، ترتبط بالرضا بالقضاء والقدر، والتقرب إلى الله، والتوازن بين النفس والجسد. دلالتها داخلية وذاتية: السعادة هنا لا تعتمد على الآخرين أو الظروف الخارجية، بل على حالة الروح والعقل. إنها سعادة «كينونية»: الإنسان سعيد لأنه «هو» في أسمى صورته.

سعادة المدينة:

دلالياً، سعادة المدينة (أو الدولة أو المجتمع) هي تحقيق الانسجام الجماعي والعدل العام. هي حالة المدينة التي تكون فيها كل طبقة أو فئة في مكانها الطبيعي، وتُحقق الخير المشترك. في جمهورية أفلاطون، سعادة المدينة هي العدل الذي يجعل كل فرد يقوم بوظيفته دون تدخل في وظيفة الآخر. في التراث الإسلامي، ترتبط بـ«المدينة الفاضلة» عند الفارابي، حيث تكون السعادة الجماعية نتيجة لتطبيق الشريعة والحكمة في إدارة المجتمع. دلالتها خارجية وجماعية: السعادة هنا لا تكتمل إلا بالانسجام بين الأفراد، وهي سعادة «علائقية» تعتمد على التوازن الاجتماعي والسياسي.

الفرق الدلالي الأساسي:

سعادة الفرد دلالتها «ذاتية-كينونية» (تركز على الكمال الشخصي)، بينما سعادة المدينة دلالتها «جماعية-علائقية» (تركز على الخير المشترك). الأولى تتعلق بـ«ما هو الإنسان» في ذاته، والثانية بـ«كيف يعيش الإنسان مع الآخرين». هذا الفرق يجعل سعادة الفرد أكثر استقلالاً، وسعادة المدينة أكثر اعتماداً على الظروف الخارجية.

ثانياً: الفرق الإجرائي – كيف تُحقق كل سعادة

إجراءات تحقيق سعادة الفرد: تعتمد على الممارسة الذاتية: التربية الذاتية، التأمل، ممارسة الفضائل الشخصية (الاعتدال، الشجاعة، الحكمة)، والتأمل في الحقائق الكبرى (الدين، الفلسفة، الفن).

إجرائياً، هي عملية فردية: الإنسان يُصلح نفسه، يُنظم شهواته، ويُحقق الرضا الداخلي بالمعرفة والعمل الصالح. لا تحتاج إلى مؤسسات خارجية، بل إلى إرادة داخلية وانضباط شخصي.

مثال: الزهد والتصوف يُعد إجراءً كلاسيكياً لسعادة الفرد، حيث يتجاوز الإنسان الدنيا ليصل إلى الرضا الروحي.

إجراءات تحقيق سعادة المدينة:

تعتمد على الممارسة الجماعية: بناء النظام السياسي العادل، التشريعات، التربية العامة، وتوزيع الوظائف والموارد بطريقة تضمن الانسجام.

إجرائياً، هي عملية مؤسسية: تحتاج إلى حاكم حكيم، قوانين عادلة، ونظام تعليمي يُربي الأفراد على الفضيلة الجماعية. سعادة المدينة لا تتحقق إلا بالتدخل السياسي والاجتماعي.

مثال: في «المدينة الفاضلة» عند الفارابي، تُحقق السعادة الجماعية من خلال تنظيم المهن والطبقات والتعليم العام.

الفرق الإجرائي الأساسي:

سعادة الفرد إجرائياً ذاتية وفردية (تعتمد على الإرادة الشخصية)، بينما سعادة المدينة إجرائياً جماعية ومؤسسية (تعتمد على النظام السياسي والاجتماعي). الأولى لا تحتاج إلى سلطة خارجية، والثانية لا تتحقق بدونها.

ثالثاً: التحليل الإيتيقي – التوتر والتكامل بين السعادتين

إيتيقياً، يثير الفرق بين سعادة الفرد وسعادة المدينة توتراً أخلاقياً عميقاً:

التوتر: هل يمكن أن تكون سعادة الفرد على حساب سعادة المدينة؟ (مثل الفيلسوف الذي يعتزل المجتمع ليحقق سعادته الذاتية). أو هل يمكن أن تُضحى سعادة الفرد من أجل سعادة المدينة؟ (مثل الدولة التي تفرض تضحيات على الأفراد باسم المصلحة العامة). هذا التوتر يُبرز أن السعادة الجماعية قد تُصبح أداة للاستبداد، بينما السعادة الفردية قد تُصبح أنانية.

التكامل: في أفضل صورها، تكون السعادتين متكاملتين. سعادة الفرد الحقيقية تتضمن الشعور بالانتماء إلى مجتمع عادل، وسعادة المدينة الحقيقية تتضمن أفراداً سعداء داخلياً. الإيتيقا الحقيقية ترفض التضحية بأحدهما لصالح الآخر، وتسعى إلى التوازن.

من الناحية الإيتيقية، سعادة الفرد أقرب إلى الأخلاق الشخصية (الفضيلة الذاتية)، بينما سعادة المدينة أقرب إلى الأخلاق السياسية (العدل الاجتماعي). التوازن بينهما هو جوهر الأخلاق الإنسانية الكاملة.

رابعاً: الدلالات المعاصرة للفرق بين السعادتين

في عصرنا، يبرز الفرق بقوة:

سعادة الفرد غالباً ما تُختزل إلى «السعادة الاستهلاكية» أو «الرضا النفسي» الفردي.

سعادة المدينة غالباً ما تُقاس بمؤشرات اقتصادية أو سياسية (الناتج المحلي، الديمقراطية) دون النظر إلى السعادة الداخلية للأفراد.

الدلالة الإيتيقية المعاصرة هي أن التوازن بين السعادتين هو مفتاح الاستقرار الحضاري: مجتمع يُهمل سعادة الفرد يؤدي إلى اغتراب جماعي، ومجتمع يُهمل سعادة المدينة يؤدي إلى فوضى أخلاقية.

خاتمة

الفرق الدلالي والإجرائي بين سعادة المدينة وسعادة الفرد يكشف عن طبيعة الإنسان المزدوجة: كائن فردي يسعى لكماله الذاتي، وكائن اجتماعي يحتاج إلى انسجام جماعي. سعادة الفرد دلالتها ذاتية وإجراؤها فردي، بينما سعادة المدينة دلالتها جماعية وإجراؤها مؤسسي. الإيتيقا الحقيقية لا تختار أحدهما، بل تسعى إلى تكاملهما: فرد سعيد داخلياً يُساهم في مدينة سعيدة، ومدينة سعيدة تُتيح للفرد تحقيق سعادته الذاتية. في النهاية، السعادة الحقيقية هي وحدة هذين البعدين: سعادة الفرد التي تُثري المدينة، وسعادة المدينة التي تُحمي سعادة الفرد. هذا التوازن هو جوهر الأخلاق الإنسانية، وهو التحدي الأكبر لكل مجتمع يسعى إلى الازدهار الحقيقي. فهل يمكن تسير البشرية نحو أخلاق سعادة متكاملة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

دراسة في انحسار الأفق الفلسفي وآليات الهدر الإنساني

تشخيص العطب الوجودي في الفضاء المعاصر

تُعد العلاقة بين الفهم والمعنى في الفضاء الفلسفي المعاصر علاقة وجودية تبادلية بامتياز؛ حيث يمثل غياب الفهم عائقاً جوهرياً يحول دون تجلي المعنى، مما يترك الوجود الإنساني في حالة من الانكشاف القيمي والعدمية التفسيرية. إن التساؤل الجوهري حول تراجع دور الفيلسوف في العصر الحديث، رغم تفاقم أزمة المعنى الكونية، يفتح الباب أمام نقد عميق للبنيات المعرفية التي تحكم إنتاج الفكر وتداوله.

في هذا السياق، تبرز إشكالية "استلاب المعرفة" كآلية يتم من خلالها إخضاع الحقيقة لإكراهات الأيديولوجيا ومنطق السلطة، وهو ما يتجسد بوضوح في نموذج "المثقف المتعالي"، الذي ينكفئ على المبادئ الكلية المجردة متجاهلاً الواقع الحسي المتغير. هذا الانفصال ليس مجرد سقطة فكرية، بل هو "تمهيد معرفي" لعملية هدر الإنسان؛ فالمجتمع الذي يفقد بوصلته الفلسفية يصبح تربة خصبة لاستباحة الكرامة البشرية.

الجذر الوجودي: التلازم الضروري بين الفهم والمعنى

ينطلق الفكر التأويلي الحديث من فرضية مفادها أن الفهم ليس مجرد عملية ذهنية ثانوية أو ترفاً فكرياً، بل هو الطريقة التي يوجد بها الإنسان في العالم. فإذا كان المعنى هو الغاية من الوجود، فإن الفهم هو الوسيلة الوحيدة لكشف هذا المعنى واستنطاقه. وعندما يتعطل الفهم بفعل عوامل العزلة أو الجمود، يغيب المعنى بالضرورة، ويصبح العالم مجرد "كتلة صماء" لا تنطق بأي دلالة، ويتحول الإنسان إلى كائن مغترب عن بيئته وعن ذاته.

 الفهم كوضع وجودي

أحدثت الفلسفة الوجودية تحولاً جذرياً في مسار الفكر التأويلي عندما نقلته من مجرد منهج لتفسير النصوص إلى "تأويلية الوجود". الفهم هنا هو "وضع وجودي" مرتبط بكينونة الإنسان؛ فالإنسان يفهم العالم من خلال كونه "ملقى" في سياقات تاريخية وثقافية تشكل أفقه المسبق. هذا الفهم المسبق ليس قيداً، بل هو المصباح الذي يضيء عالمنا المعطى ويستخرج "المعنى المتحجب" من ثنايا الوجود.

وعندما يغيب الفهم في المنظور الوجودي، فإن الإنسان يفشل في الاتصال ببنية الظواهر، مما يؤدي إلى حالة من الاغتراب الجذري. هذا الغياب ليس مجرد نقص في المعلومات، بل هو "تعطيل للكينونة"؛ فالكائن الذي لا يفهم هو كائن غير منفتح على ذاته وعلى الوجود، مما يجعل المعنى مفقوداً لعدم وجود "وعي فاهم" قادر على استحضاره وتحويله إلى تجربة معاشة.

 حوارية انصهار الآفاق وسقوط النص المتعالي

يركز الفكر الحواري على تفاعلية الفهم، معتبراً أن الفهم لا يتحقق عبر قواعد منهجية صارمة تحاول الاستحواذ على الموضوع، بل عبر "حوار" تنفتح فيه الذات على الآخر. المصطلح المفتاحي هنا هو "انصهار الآفاق"، حيث يتفاعل أفق المفسر (الحاضر) مع أفق النص أو الآخر لإنتاج معنى متجدد.

إن غياب الفهم يعني "الانغلاق داخل أفق أحادي"، وهو ما يؤدي حتماً إلى ضياع الحقيقة. إن إخضاع الواقع لقواعد مسبقة، أو محاولة "اغتصابه" معرفياً من خلال تفسيره وفق تصورات ذاتية محضة، يؤدي إلى "اغتراب تأويلي". في هذه الحالة، يغيب المعنى لأن العملية لم تعد حواراً ندياً، بل أصبحت فرضاً قسرياً لدلالات غريبة عن جوهر الشيء، وهو ما نلمسه اليوم في سطوة القراءات الأحادية للواقع التي يمارسها "المثقف المتعالي".

انحسار دور الفيلسوف: بؤس البنيات وعقم الأداء

رغم أن العالم يعيش في أزمة معنى خانقة وتخبط قيمي غير مسبوق، إلا أن الفيلسوف يبدو وكأنه انسحب من أداء دوره التاريخي. هذا الغياب ليس مجرد اعتزال اختياري، بل هو "بؤس بنيوي" أصاب الخطاب الفلسفي المعاصر، لا سيما في السياق العربي الذي يعاني من أزمات مزدوجة.

الارتهان للتأريخ وضياع الإضافة المعرفية

تشير الدراسات النقدية إلى أن العمل الفلسفي في فضاءاتنا ما زال حبيس "مرحلة الجمع والتقميش والتوليف والتأريخ". وبدلاً من إنتاج فكر فلسفي أصيل يواجه غياب المعنى الراهن، تحول المشتغل بالفلسفة إلى "مؤرخ للفلسفة"، يقضي وقته في شرح نظريات الآخرين دون تقديم إضافة معرفية حقيقية. إن حصر الفلسفة في "تاريخ الفلسفة" هو بمثابة إعلان وفاة للفكر الحي؛ فالفيلسوف هنا لا يمارس دوره كمنتج للمعنى، بل كـ "أمين مكتبة" للأفكار المستهلكة، مما يفصل الفلسفة عن نبض الشارع وهموم الكائن.

علاوة على ذلك، يبرز بؤس المنظومات التربوية والتعليمية كعامل حاسم في تغييب الفلسفة؛ فالمجتمعات التي تضيق بذرع الحرية لا تسمح بنمو الفكر الفلسفي الذي يتطلب بطبعه "خرق السياجات" و"التساؤل حول المسلمات". إن حضور الفلسفة هو علامة عافية وانفتاح مجتمعي، وغيابها هو مؤشر خطر على انغلاق المجتمع على أوهامه واكتفائه بتكرار ذاته، مما يمهد الطريق لنمو "الإنسان المهدور".

 الانتقال من سيكولوجية القهر إلى أنطولوجيا الهدر

يمثل التحول في فهم الذات العربية انتقالاً من تحليل "الإنسان المقهور" المرتبط بالتخلف الاجتماعي، إلى صياغة مفهوم "الإنسان المهدور". هذا الانتقال ليس مجرد تغيير في المصطلحات، بل هو استجابة لتحول بنيوي في طبيعة السلطة في المجتمعات العربية، من "سلطة محدودة" تمارس القمع المباشر، إلى "سلطة ممتدة" تتغلغل في كافة مفاصل الوجود الإنساني، محولة الإنسان من غاية للتنمية إلى مجرد أداة، أو عبء، أو "وقود" لحروب النفوذ.

مفهوم الهدر وبنية التسلط

لقد ركزت الدراسات المبكرة على الخصائص النفسية للقهر، والآليات الدفاعية التي يلجأ إليها الإنسان المقهور لمجابهة مأزق الوجود. إلا أن مفهوم "الهدر" جاء ليقدم تشريحاً أكثر دقة؛ حيث لا يقتصر الأمر على سلب الإرادة، بل يمتد إلى سلب "القيمة" والاعتراف الإنساني ذاته. الهدر هو نقيض بناء التمكين والاقتدار، وهو يشمل استنزاف الرأسمال البشري، والمعرفي، وتبديد القيم، والسياسات.

يُعرّف الهدر بأنه الاعتداءات غير المستحقة التي يتعرض لها الفرد، والتي تدمّر حسه بالقيمة وتجعله عالقاً في دوامة من الاكتئاب الوجودي والغضب والإحباط. يشير التحليل البنيوي إلى أن الهدر يستوعب القهر في داخله؛ فلا يصبح القهر ممكناً إلا بعد هدر قيمة الإنسان واستباحة حرمته وكيانه. حين تهدر الموارد والمؤسسات، يتم الاستفراد بالإنسان وتجريده من كافة مرجعيات القوة والحقوق، مما يجعله "عارياً أمام عاره".

تجليات الهدر في الواقع الإنساني: من الدم إلى الوجود اليومي

يتنوع الهدر ليشمل كافة مستويات الحياة، بدءاً بهدر الدم وصولاً إلى هدر الوجود اليومي والكرامة الشخصية:

يتمثل الحد الأقصى للهدر في سحب الاعتراف بإنسانية الإنسان، حيث يصبح دمه مهوراً وحياته مستباحة بلا حصانة. يُحول الإنسان إلى أداة لخدمة أغراض الاستبداد، فيُزج به في حروب النفوذ كـ "وقود" يغذي اشتعالها، أو يُستخدم للترويج لعظمة المستبد عبر "التبجيل والتطبيل". هذه الاستباحة تجعل الفرد "خارج دائرة الكيان الإنساني"؛ فمن يُسحب منه اعتراف المجتمع بكيانه يصبح مهدوراً يمكن لأي أحد الاعتداء عليه دون مساءلة

يعيش الإنسان المهدور شرطه الإنساني في حالة من "الخوف المزمن" واللاشيئية، مما يؤدي إلى تحطم ثقته بنفسه وإحساسه بالقدرة على التغيير. هذا الوضع يولد ما يسمى "الاكتئاب الوجودي"، وهو ليس مرضاً بيولوجياً بقدر ما هو رد فعل على الظلم وعدم الإنصاف.

آليات استلاب المعرفة والمثقف المتعالي: الوصاية الوهمية

تمارس المعرفة دورها التنويري عندما تكون حرة وغير مشروطة، لكنها تتعرض "للاستلاب" عندما تُحشر داخل سياج وثوقي مغلق. يمثل "المثقف المتعالي" أحد أخطر النماذج الفكرية التي تساهم في تغييب المعنى؛ وهو المثقف الذي يمارس دوراً قائماً على "الأستاذية" والوصاية المتعالية على الجماهير.

استدخال الهدر: حين يتحول الضحية إلى جلاد لذاته

من أخطر الظواهر النفسية هي انتقال الهدر من الخارج إلى الداخل (الهدر الذاتي)، حيث يبدأ المهدور بممارسة الهدر بحق نفسه وبحق من هم أقل منه مرتبة. يُصاب المجتمع بحالة من "فقدان المناعة الكيانية"، حيث يفقد الناس القدرة على النماء ويدخلون في مرحلة "التاريخ الآسن" القائم على الاجترار والتكرار.

تظهر هذه البنية بوضوح في واقع المرأة؛ فهي تجسد عسر مخاض التنوير. تتعرض المرأة لـ "استلاب عقائدي" يسلبها شخصيتها المستقلة. والمجتمع المهدور يسحب من المرأة صفتها الإنسانية إذا نبغت، فيضمها رمزياً لـ "جنس الرجال". لا يمكن للرجل أن يتحرر إلا بتحرر المرأة، فالارتقاء إما أن يكون جماعياً عاماً أو هو مجرد أوهام.

(كتاب) التخلف الاجتماعي/ مصطفى حجازي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور.

أزمة المعنى بين الوجودية وما بعد الحداثة

في الفكر الوجودي، يمثل غياب المعنى (العبث) نقطة انطلاق للحرية؛ فالإنسان هو من يصنع زمنه ويرسم ملامح مصيره. المعنى ليس معطىً جاهزاً، بل هو "صولة الإنسان" وتجسيد لإرادته الخلاقة. أما "ما بعد الحداثة"، فهي لا تهدف لاستعادة المعنى الكلي، بل تعتمد "التفكيك" و"الشك في السرديات الكبرى". هذا القبول لغياب المعنى الكلي يمثل أزمة للفلسفة التقليدية، لكنه يفتح الباب أمام "رؤى مجهرية" تحترم الخصوصية والتعدد، بعيداً عن شمولية المثقف المتعالي.

نحو استعادة المعنى وبناء الاقتدار الإنساني

إن مأزق المثقف العربي المعاصر ليس في غياب الوعي، بل في "الفجوة السحيقة بين المعرفة والمسؤولية". المعرفة التي لا تتحول إلى "قوة ضغط" تبقى معلقة في الفراغ. تتشكل الأزمة في المنطقة الرمادية بين "المعارضة الخطابية" و"الفعل التاريخي."

المعنى كمشروع فعل ومسؤولية

في الختام، إن غياب الفهم هو بالفعل غياب للمعنى، لأن الفهم هو "بيت الوجود" ووسيلة تجلي الحقيقة. والفيلسوف الذي يتخلى عن دوره في إنتاج الفهم يساهم في تعميق "تيه المعنى". أما آليات "استلاب المعرفة"، فهي الوحش الذي ينمو في فراغ الاستقلالية الفكرية.

إن مواجهة "المثقف المتعالي" وتحطيم أصنامه الذهنية هو الخطوة الأولى نحو بناء ثقافة أصيلة، قادرة على تحويل المعرفة إلى قوة تاريخية تكسر مسار الانحدار وتمنح الوجود الإنساني دلالته المفتقدة. إن المعنى ليس "قدراً" ننتظره، بل هو "مشروع" نبنيه في كل لحظة فهم صادقة، وفي كل فعل شجاع يرفض التدجين والارتهان للسلطة الممتدة. إن تحررنا يبدأ من الوعي بالذات، ومن فهم الآليات التي تُبقينا في حالة "التاريخ الآسن"، لكي ننطلق نحو مستقبل يصون كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.

***

غالب المسعودي

تحوّل سؤال الوجود من مارتن هايدغر إلى جاك دريدا

يعود سؤال الوجود في كل لحظة يظن فيها الفكر أنه استقر على أرض صلبة ليقوّض هذا الاستقرار من الداخل ويعيد فتح الأفق على ما لا يُحاط به. ذلك أن الكينونة لا تنقاد إلى تعريف نهائي ولا تستجيب لإرادة الإحكام المفهومي التي دأبت الميتافيزيقا على ممارستها عبر تاريخها الطويل. كلما حاول الفكر أن يقبض عليها بوصفها موضوعا أفلتت منه لتظهر في هيئة أفق يسبق كل تحديد ويؤسس إمكانه من حيث لا ينتبه. ومن ثمّ لا يبدو سؤال الوجود مجرد مسألة ضمن مسائل الفلسفة بل الشرط الذي يجعل التفلسف ممكنا أصلاً والجرح المفتوح الذي يمدّه بحيويته وقلقه.

ولا يمكن قراءة تاريخ الفلسفة بوصفه تراكماً لإجابات نهائية بل كسلسلة من المحاولات التي تعيد صياغة السؤال نفسه في لغات ومقاربات مختلفة. فالميتافيزيقا منذ نشأتها اليونانية انشغلت بتحديد الموجودات وترتيبها داخل أنساق عقلية تمنحها قابلية للفهم والتصنيف. غير أن هذا الانشغال على ضرورته كان يصرف النظر عن السؤال الأعمق: ما معنى أن يكون الموجود موجودا؟ أي ما معنى الكينونة التي تتيح لكل موجود أن يظهر بوصفه كذلك؟ هنا يظهر أن ما تمّ نسيانه ليس تفصيلاً عرضيا بل هو الأساس الذي كان ينبغي أن يُفكّر فيه.

وتكتسب لحظة مارتن هايدغر طابعا حاسما إذ لم يتعامل مع هذا النسيان بوصفه نقصا عابرا بل بوصفه بنية ممتدة في صلب الفكر الغربي. لقد رأى أن الميتافيزيقا منذ أفلاطون انزلقت تدريجيا نحو تثبيت الحضور فغدا الموجود يُفهم من خلال ما هو ثابت وقابل للتمثل، بينما تراجعت الكينونة إلى خلفية صامتة لم تُمنح ما تستحقه من تفكير. لذلك لم يكن مشروعه مجرد تصحيح لمسار بل إعادة توجيه جذرية للفلسفة نحو سؤالها الأول.

غير أن إعادة طرح سؤال الوجود عند هايدغر لا تعني العودة إلى أصل تاريخي يمكن استعادته كما هو بل تعني الانخراط في حركة تفكير تنبش ما توارى داخل اللغة الفلسفية ذاتها. فالمفاهيم التي ورثها الفكر ليست محايدة بل مشبعة بإرث ميتافيزيقي يجعل من الكينونة شيئا قابلاً للتمثل. من هنا جاء سعيه إلى إعادة تشكيل اللغة لا عبر استبدال مصطلحات بأخرى فحسب بل عبر الإنصات لما يتخلل القول من صمت وما يظهر فيه من انكشاف وانحجاب في آن.

لقد منح هايدغر للغة مكانة مركزية حين اعتبرها "بيت الوجود"، أي المجال الذي تنفتح فيه الكينونة على إمكان الظهور. غير أن هذا البيت ليس بناءً مكتمل الأركان بل فضاء يتحدد عبر توتر دائم بين الكشف والحجب. فالوجود لا يُعطى في حضور صافٍ بل يتجلى عبر حركة تَظهر فيها الأشياء بقدر ما تنسحب. ولا تكون الحقيقة متطابقة بين فكر وواقع بل حدثا يقع داخل اللغة حيث يتداخل الانكشاف مع الانسحاب.

هذا التحول في فهم الحقيقة يفضي إلى إعادة صياغة علاقة الفكر بالعالم. فبدلاً من أن يكون التفكير مرآة تعكس ما هو موجود، يغدو انخراطا في حدث الكينونة ذاته. ولم يعد السؤال الفلسفي بحثا عن يقين نهائي بل انفتاحا على ما يجعل اليقين ذاته ممكنا إلا أن هذا الانفتاح على عمقه لا يضع حدا للقلق بل يعمّقه، لأنه يكشف أن ما يُراد الإمساك به يظل دائم الانفلات.

ويبرز مشروع جاك دريدا بوصفه امتدادا وتحويلا في آن واحد. فهو لا ينفصل عن الإرث الهايدغري بل يتحرك داخله غير أنه يدفعه إلى تخوم لم يبلغها. فإذا كان هايدغر قد سعى إلى استعادة سؤال الوجود من نسيانه فإن دريدا يتجه إلى مساءلة البنية التي تجعل هذا النسيان ممكنا أصلاً، أي أنه لا يكتفي بإعادة طرح السؤال بل يعمل على تفكيك الشروط التي تمنحه صيغته.

وينطلق دريدا من ملاحظة دقيقة مفادها أن الميتافيزيقا الغربية قامت على مركزية الحضور أي على افتراض أن المعنى يمكن أن يُعطى في شكل مكتمل أمام الوعي. غير أن هذا الافتراض في نظره يخفي بنية أعمق تقوم على الاختلاف والتأجيل. فالمعنى لا يظهر دفعة واحدة بل يتشكل عبر سلسلة من الإحالات التي لا تنتهي حيث يحيل كل دال إلى دال آخر دون أن يبلغ نقطة استقرار نهائية.

هذا ما عبّر عنه بمفهوم "الاختلاف" الذي يجمع بين التباين والتأجيل في آن. فالمعنى يتولد من الفروق بين العلامات لكنه يتأخر دائما عن الاكتمال لأن كل علامة تشير إلى غيرها داخل شبكة لا مركز لها. والنص ليس وسيطا ينقل معنى سابقا عليه بل فضاء ينتج المعنى عبر حركته الداخلية. ولا يمكن الحديث عن حضور خالص لأن كل حضور يحمل في داخله أثر غياب يؤجله.

ويتحول مفهوم الأصل نفسه إلى إشكال، فالأصل الذي كان يُفهم بوصفه نقطة تأسيسية يظهر الآن بوصفه أثرا يتشكل داخل سلسلة من الإرجاءات. كل محاولة لتثبيته تعيد إنتاج غيابه في صورة أخرى، لذلك لا يكون الأصل ما يسبق الحضور بل ما يتولد داخله بوصفه أثرا لا يمكن الإمساك به. والتفكيك ليس هدما للأصول بل كشفا لكونها لا تستقر إلا عبر ما ينفيها.

هذا التحول يطال أيضا مفهوم الزمن فعند هايدغر يرتبط الوجود بالزمانية إذ لا يظهر إلا داخل انفتاح الكائن على إمكاناته. الحاضر ليس نقطة معزولة بل امتداد يستبقي الماضي وينفتح على المستقبل. غير أن دريدا يذهب أبعد حين يرى أن هذا الحاضر نفسه لا يتحقق إلا عبر سلسلة من التأجيلات ولا يوجد حضور صافٍ بل أثر لحضور يتشكل عبر غياب متداخل. الزمن هنا ليس إطارا للأحداث بل بنية للمعنى ذاته.

كما ينعكس هذا التحول على مفهوم الذات، فإذا كانت الفلسفة الحديثة قد أسست الذات على حضورها لذاتها فإن التفكيك يكشف أن هذا الحضور ليس شفافا بل يتوسطه خطاب لغوي. الذات لا تسبق اللغة بل تتشكل داخلها ومن ثمّ فهي ليست مركزا ثابتا بل بنية من الاختلافات. بذلك تتزعزع فكرة الهوية الصلبة لتحل محلها هوية متحركة لا تستقر عند حد.

وتتغير طبيعة الفلسفة نفسها حيث لم تعد بحثا عن جوهر ثابت بل ممارسة تحليلية تنقب في شروط إنتاج المعنى داخل النصوص. وهذا لا يعني التخلي عن السؤال الفلسفي بل إعادة صياغته في مستوى آخر حيث يغدو التفكير اشتغالا على الحدود بدلا من السعي إلى تجاوزها. فالتفكيك لا يهدم الخطاب بل يكشف ما يتخلله من توترات وما يخفيه من افتراضات.

ولا ينبغي فهم العلاقة بين هايدغر ودريدا بوصفها قطيعة بل بوصفها توترا خلاقا. فهايدغر أعاد فتح سؤال الوجود ودريدا واصل هذا الفتح عبر مساءلة شروطه. الأول سعى إلى استعادة الكينونة من نسيانها، والثاني كشف أن هذه الاستعادة لا تتم إلا داخل بنية لغوية تمنع اكتمالها. وبين المسارين يتحدد أفق الفكر المعاصر بوصفه مجالا مفتوحا لا يستقر.

في سياق يتوتر فيه هذا الفهم، ينفلت الانتقال من الأنطولوجيا إلى التفكيك مجرد تعاقب تاريخي بل تحول في نمط التفكير ذاته. الأنطولوجيا كانت تبحث عن أساس يؤسس المعنى بينما التفكيك يكشف أن هذا الأساس نفسه غير قابل للتثبيت. غير أن هذا لا يعني الوقوع في العدمية بل الانخراط في فهم أكثر تعقيدا يجعل من المعنى حدثا لا يُمتلك بل يُعاش في حركته.

هنا تحديدا يتعرّى وهم القبض النهائي على الكينونة التي ليست معطى جاهزا بل أثر يتشكل داخل شبكة من العلامات ويتأجل داخل الزمن  وكل محاولة لإحاطتها تظل مؤقتة، لأن ما يُراد القبض عليه يتجاوز كل صيغة. وما يمنح الفلسفة طابعها المفتوح هو أنها لا تصل إلى نهاية بل تستمر في إعادة طرح السؤال. فكل جواب ليس إلا لحظة داخل مسار أطول يعيد تشكيل نفسه باستمرار ولا يكون التفلسف امتلاكا للحقيقة بل مرافقة لانبثاقها والإنصات لتحولاتها.

إن ما يتكشف في ذروة هذا التشكّل هو أن القلق الذي يسكن سؤال الوجود ليس عرضا ينبغي تجاوزه بل شرطا لا غنى عنه فبدونه يتحول الفكر إلى تكرار جامد ومعه يظل في حالة يقظة دائمة. لذلك لا ينبغي النظر إلى التفكيك بوصفه نهاية للأنطولوجيا بل بوصفه استمرارا لها في مستوى أكثر راديكالية.

ويغدو تاريخ الفلسفة تاريخا لتحولات السؤال ذاته لا لتراكم الإجابات، من أفلاطون إلى هايدغر ومنه إلى دريدا، يتغير شكل السؤال لكن القلق الذي يحمله يظل قائما. غير أن هذا القلق لا يشير إلى نقص بل إلى غنى لأنه يفتح الفكر على إمكانات لا تنتهي.

إن الوجود لا يُعطى بوصفه موضوعا بل بوصفه حدثا يتكرر داخل اللغة ويتحول داخل النصوص ويتأجل داخل الزمن. لذلك فإن التفكير فيه لا ينتهي بل يستمر بوصفه حركة دائمة حيث كل اقتراب يفضي إلى ابتعاد وكل فهم يفتح أفقا جديدا للتساؤل. هنا يكمن رهان الفلسفة لا في امتلاك الحقيقة بل في البقاء داخل سؤالها حيث لا نهاية للمعنى ولا حدّ للانكشاف.

***

د. حمزة مولخنيف

 

الدعوة الى الغاء الفلسفة من المناهج التعليمية ليست مجرد راي عابر او انفعال تجاه مادة دراسية، بل هي في العمق تعبير عن ازمة اوسع تتعلق بطريقة فهمنا للمعرفة نفسها، ولحدود العقل، ولعلاقة الانسان العربي بالتفكير النقدي. حين يطرح سؤال مثل: لماذا نحتاج الفلسفة؟ فان الاجابة ليست تقنية او وظيفية فقط، بل وجودية وثقافية وحضارية في ان واحد. في كثير من السياقات التعليمية العربية، تظهر الفلسفة وكأنها مادة غريبة عن الواقع، معزولة عن الحياة اليومية، وكأنها خطاب قديم لا صلة له باسئلة الانسان المعاصر. هذا التصور هو الذي يغذي الدعوات الى الغائها. لكن المشكلة ليست في الفلسفة ذاتها، بل في طريقة تقديمها، وفي البنية العامة للتعليم التي حولت المعرفة الى حفظ، والفكر الى استظهار، والسؤال الى اجابة جاهزة.

الفلسفة في اصلها ليست مجموعة من النصوص او اسماء الفلاسفة او المذاهب الفكرية، بل هي ممارسة عقلية تقوم على الشك المنظم، وعلى تفكيك البدهيات، وعلى اعادة النظر في ما يبدو بديهيا. حين نفقد هذه الوظيفة، تتحول الفلسفة الى تاريخ جامد للافكار، وهذا ما يجعلها تبدو بلا قيمة عملية في نظر كثير من الطلاب. لكن السؤال الاعمق هو: ماذا يحدث لمجتمع يتخلى عن الفلسفة او يهمشها؟ الجواب لا يتعلق بمادة دراسية فقط، بل بنمط التفكير العام. المجتمع الذي لا يدرب افراده على السؤال، سيتحول تدريجيا الى مجتمع يعتمد على التلقين، ويخشى النقد، ويتعامل مع المعرفة باعتبارها سلطة لا مجال لمناقشتها. هنا تصبح الفلسفة ليست ترفا، بل ضرورة لحماية العقل من الانغلاق.

يجب الاعتراف بان جزءا من النقد الموجه للفلسفة في مناهجنا ليس بلا اساس. هناك بالفعل فجوة بين ما تطرحه الفلسفة في صورتها الاكاديمية وبين ما يحتاجه الطالب في حياته اليومية. كثير من الدروس الفلسفية تقدم بطريقة تجريدية مفرطة، منفصلة عن الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي، مما يجعل الطالب يشعر بانها خطاب نظري لا يضيف شيئا الى فهمه للعالم. هذه الفجوة خلقت سوء فهم مزدوج: البعض يرى الفلسفة مادة معقدة بلا فائدة، والبعض الاخر يدافع عنها بشكل مثالي يجعلها تبدو وكأنها حل سحري لكل مشاكل التعليم. الحقيقة اكثر تعقيدا من ذلك، فهي تقع بين الطرفين: الفلسفة مهمة، لكن طريقة تدريسها هي المشكلة.

عندما نتحدث عن اهمية الفلسفة، لا ينبغي ان نختزلها في كونها مادة اكاديمية، بل يجب ان ننظر اليها كالية لبناء العقل النقدي. العقل النقدي لا يعني الرفض الدائم، بل يعني القدرة على التمييز بين الحجة القوية والضعيفة، بين الفكرة المبنية على دليل وتلك المبنية على الانطباع. هذا النوع من التفكير هو اساس اي تطور علمي او اجتماعي. لا يمكن لاي مجتمع ان يحقق تقدما علميا حقيقيا دون بيئة فكرية تسمح بالسؤال والجدل. العلوم نفسها، من الفيزياء الى الاقتصاد، نشأت تاريخيا داخل فضاء فلسفي كان يسمح باعادة التفكير في المسلمات. بمعنى اخر، الفلسفة ليست منافسة للعلوم، بل هي الارضية التي سمحت للعلوم بالظهور والتطور.

لكن في الواقع العربي، غالبا ما يتم التعامل مع الفلسفة كأنها نقيض للدين او كأنها خطاب غريب عن الثقافة. هذا التصور التاريخي ساهم في خلق حالة من الحذر تجاهها. غير ان هذا الحذر في كثير من الاحيان تحول الى رفض، والرفض تحول الى دعوات للالغاء. وهنا يحدث الخلط: بين نقد بعض الاستخدامات التاريخية للفلسفة وبين رفضها ككل. المجتمعات التي تتقدم لا تلغي ادوات التفكير، بل تعيد توظيفها. المشكلة ليست في وجود الفلسفة، بل في مدى قدرتها على الاندماج في مشروع ثقافي وتعليمي شامل. حين تكون الفلسفة منفصلة عن بقية المواد، تبدو وكأنها نشاط ذهني منعزل. لكن حين ترتبط بالعلوم واللغة والتاريخ، تتحول الى طريقة في التفكير لا الى مادة فقط.

هناك ايضا بعد نفسي مهم في رفض الفلسفة. الفلسفة تزعج لانها لا تترك الانسان في راحته الفكرية. هي تطرح اسئلة قد لا تكون لها اجابات سهلة، وتضع المسلمات موضع شك. كثير من الناس يفضلون المعرفة التي تعطي اجابات واضحة ونهائية، لان هذا يمنحهم شعورا بالاستقرار. لكن الفلسفة لا تعمل بهذه الطريقة، فهي تفتح الاسئلة اكثر مما تغلقها. هذا الازعاج المعرفي هو في الحقيقة وظيفتها الاساسية. فالعقل الذي لا يزعج لا يتطور. واليقين الكامل في كل شيء غالبا ما يكون علامة على توقف التفكير لا على اكتماله. لذلك فان رفض الفلسفة لانها معقدة او غير مفيدة يعكس احيانا رغبة في تجنب هذا الازعاج الفكري. لا يمكن تجاهل ان الفلسفة حين تدرس بشكل سيئ تتحول فعلا الى عبء. الطالب الذي يطلب منه حفظ نظريات دون فهم سياقها، او تكرار اسماء فلاسفة دون ادراك اسئلتهم، لن يرى في الفلسفة اي معنى. وهنا تتحمل المؤسسات التعليمية مسؤولية كبيرة، لانها هي التي تحدد ما اذا كانت الفلسفة ستبقى حية او تتحول الى مادة ميتة.

اصلاح تدريس الفلسفة لا يعني تقليل اهميتها، بل يعني تحريرها من الشكل المدرسي الجامد. يمكن مثلا ربطها باسئلة معاصرة: العدالة، الحرية، التكنولوجيا، الهوية، السلطة، الاخلاق في العالم الرقمي. حينها تصبح الفلسفة قريبة من حياة الطالب، لا مجرد تاريخ بعيد للافكار.كما يمكن ادخال الفلسفة في اسلوب تدريس المواد الاخرى، بحيث لا تبقى محصورة في فصل واحد. التفكير النقدي يمكن ان يكون جزءا من تعليم التاريخ، والعلوم، واللغة. بهذا المعنى تصبح الفلسفة ممارسة عامة داخل النظام التعليمي، لا مادة منفصلة فقط.

الخطير في دعوات الغاء الفلسفة انها غالبا ما تأتي في سياقات تعاني اصلا من ضعف في التفكير النقدي. بمعنى اخر، نحن لا نواجه رفاهية معرفية يمكن الاستغناء عنها، بل نواجه نقصا في ادوات التفكير. الغاء الفلسفة في هذا السياق لا يحل المشكلة، بل يعمقها.قد يقال ان المجتمعات تحتاج الى مهارات عملية اكثر من الفلسفة. هذا صحيح جزئيا، لكن المهارات العملية نفسها تحتاج الى عقل قادر على الفهم والتحليل وحل المشكلات. الفلسفة لا تعطي مهارة مهنية مباشرة، لكنها تبني الاساس الذي يجعل اكتساب المهارات ممكنا وفعالا.كما ان اختزال التعليم في الجانب الوظيفي فقط يؤدي الى خلق جيل يعرف كيف يعمل، لكنه لا يعرف لماذا يعمل، ولا كيف يقيم ما يفعله. هذا النوع من التعليم ينتج كفاءات تقنية، لكنه لا ينتج مواطنين قادرين على التفكير في مستقبل مجتمعهم او مساءلة واقعه.

 ان الفلسفة ليست مادة يجب الدفاع عنها فقط، بل هي شكل من اشكال الحرية الفكرية. الغاؤها يعني تقليص هذه الحرية، واضعاف القدرة على النقد، واعادة انتاج انماط التفكير التقليدي دون مساءلة.لكن الدفاع عنها لا يعني تركها كما هي، بل يعني اعادة بناء علاقتها بالواقع. الفلسفة التي تبقى في الكتب دون ان تلامس اسئلة الانسان المعاصر تفقد جزءا كبيرا من معناها. اما الفلسفة التي تتحول الى ممارسة حية داخل التعليم والمجتمع، فهي التي يمكن ان تساهم فعلا في اي مشروع نهضوي.ان المجتمعات لا تنهض حين تكتفي بالمعرفة، بل حين تتعلم كيف تفكر في المعرفة نفسها. وهذا بالضبط هو المجال الذي تتحرك فيه الفلسفة. ولذلك فان الغاءها ليس مجرد قرار تعليمي، بل هو خيار حضاري يمس طريقة فهمنا للعقل، وللانسان، ولمستقبلنا ككل.

***

زكريا - نمر

 

ليست الفلسفة في مواقفها الكبرى تمرينًا ذهنيًا محايدًا أو باردًا، ولا لعبة مفاهيم تُمارَس في فراغٍ أكاديميٍّ معقّم أو منزوع الصلة بطين الواقع، بقدر ما هي- حين تبلغ ذروتها ودهشتها وأوجاعها وتأملاتها وتساؤلاتها الحرجة- موقفٌ وجوديٌّ من العالم، واختيارٌ أخلاقيٌّ قبل أن تكون نسقًا معرفيًا. ومن ثَمَّ، لا تُقاس قيمة الفيلسوف أو المفكّر بما ينتجه من مفاهيم وتساؤلات وتصنيفات ومقاربات فقط، وإنما بما يجرؤ على قوله ومعالجته في الظروف الحرجة، تلك اللحظات التي يصبح فيها الصمت والتواري شكلًا من أشكال التواطؤ والخذلان.

في هذا المستوى تحديدًا، لا يعود الصمت حالةً نفسية أو خيارًا فرديًا، وإنَّما يتحول- وفق منظور جينالوجي مستلهم من فوكو- إلى أثرٍ لتاريخ طويل من تشكّل السلطة داخل الخطاب، إذ يتم إنتاج الحقيقة داخل شبكة من الضوابط والاشتراطات التي تحدد من يحق له الكلام ومتى، وبأي صيغة، وما الذي يُسمح له أن يُقال بوصفه "حقيقة".

سُئل مفكّر عربي- يُقدَّم في بعض السياقات بوصفه فيلسوفًا، ومن دون ذكر اسمه- عن موقفه من احتجاجٍ ما، راح ضحيته المئات بسبب قمع السلطات وحديدها ونارها، فقال: لا موقف لي، فأيّ حديث هو خسارةٌ لجمهورٍ من السلطة أو المعارضة. وأضاف: الأهم أن نُعلّم الناس الحب والوعي من دون أن نكون في أي صفٍّ من الصفوف. لذلك نجد أن بعض كتاباته، التي تُكتب عنها دراسات جامعية، تُقدَّم أحيانًا بوصفها أقرب إلى فلسفة دين بلا دين، أو فلسفة حب لا تلامس بالضرورة الإنسان المقهور والموجوع والمهدور، أو فلسفة كمالٍ وفضيلة تتجاور مع تماهيٍ أو تغطية غير مباشرة لبعض الأحزاب المتعطشة للقدرة والنهب والاستئثار.

هنا يمكن النظر إلى هذا "الحياد" - من منظور فوكوي- شكلًا من أشكال إنتاج الذات داخل منظومة السلطة، إذ يُعاد تشكيل المثقف بوصفه ذاتًا قابلة للإدارة الرمزية، تُحسب خطاباته داخل اقتصاد الخوف والشرعية والقبول الاجتماعي. وبذلك يغدو الصمت عبارة عن إعادة تنظيم للموقف داخل شروط السلطة (بما تشمل الخطاب والمعرفة والسياسة والمثقف) ذاتها.

أتذكّر أنني قرأت في كتاب "الحل الوجودي للدين: انقلاب المعبد" لعبد الرزّاق الجبران مفارقةً لافتة: حين وصل المغول إلى أعتاب بغداد، كان هناك عددٌ كبير من الفلاسفة والمفكّرين وطلبتهم، يناقشون نظريات واجب الوجود وممكن الوجود، إلى أن دخل المغول المدينة فحدث ما هو معروف في الروايات التاريخية من قتلٍ ودمار.

هذه المفارقة ليست حدثًا تاريخيًا معزولًا، بل يمكن قراءتها- جينالوجيًا- بوصفها صورة مبكرة لانفصال الخطاب عن شروطه المادية، إذ يُنتج الفكر ذاته في عزلة عن حقل القوة الذي يهدده ويعيد هندسته في الوقت نفسه.

من هذا المعنى ومن هذا الأفق، أو من قلب هذه الإشكالية، لا أكتب مقالة أو بحثًا عن الاشتباك ولا عن المغايرة، ولكني أكتب كذات تتناوشها مفارقةٌ ثقيلة، وضغطٌ نفسيّ، وتساؤلٌ أخلاقيّ يتخلّل فعل الكتابة نفسه. أكتب في هذه اللحظة التاريخية، إذ تقف المنطقة على حافة الاشتعال والتهافت، عالمٌ يترقّب متى تنتهي الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي من عدوانهما ووعيدهما بنسف وحذف حضارة إيران الممتدة لآلاف السنين وإشعال المنطقة، تحت لافتةٍ إنسانيةٍ مُعلّبة تزعم إنقاذ المحتجّين تارة، وتحت عنوان القضاء على البرنامج النووي أحيانًا أخرى، فيما يرى كثيرون أن هذه الذرائع ليست سوى جزء من مشروعٍ أقدم لتقويض نظام الجمهورية الإسلامية بوصفه عائقًا بنيويًا في بعض السياسات الأمريكية في المنطقة. إلا أنّ هذه الأزمة في حقيقتها ليست حادثًا معزولًا، بقدر ما هي حلقةٌ في سلسلة ارتداداتٍ كبرى فجّرها ما اصطلح على تسميته بـ"طوفان الأقصى". ومع ذلك، فليس هذا هو ميدان الاشتباك الذي أقصده هنا، ولا هو موضوع هذه المقالة. ما يشدّ انتباهي هنا كعلامةٍ دالّة على اختلالٍ أعمق هو هذا الصمت المريب الذي يخيّم على شريحةٍ من الكتّاب والمفكّرين والأدباء العراقيين والعرب إزاء العدوان الأمريكي–الإسرائيلي، صمتٌ لا يمكن تبريره بالعجز ولا تأويله بالحذر، بقدر ما يكشف عن انكفاءٍ إراديّ عن لحظة تستدعي القول لا التواري.

إلا أنّ هذا الانكفاء حين يُقرأ بمنظور جينالوجي فوكوي، لا يُختزل في قرار ذاتي، وانما يُفهم بوصفه نتيجة لتراكم تاريخي في تشكيل "ذات المثقف"، حيث تتداخل وتشتبك السلطة والمعرفة في إنتاج أنماط من الخطاب تجعل من الصمت ممارسةً عقلانية داخل بنية القوة، لا انحرافًا عنها. هنا يصبح الصمت أثرًا من آثار انضباطٍ خفيّ تمارسه أنظمة السلطة الحديثة، إذ لا تُفرَض الرقابة دائمًا من الخارج، بقدر ما تتسرّب إلى داخل الذات، فتُعيد تصميم حساسيتها تجاه ما ينبغي قوله وما يجب تجنّبه. وبهذا المعنى يغدو المثقّف في كثير من الحالات، كائنًا مُدارًا بخطابات الحذر، ومحكومًا باقتصاد رمزيّ يزن الكلمة بميزان الخسارة والربح لا بميزان الحقيقة والفضيلة. ولعلّ ما يكشف عن عمق هذه الإشكالية أنّ بعض المثقّفين لا يصمتون دائمًا خوفًا من القمع المباشر، بل كثيرًا ما يصمتون اتّقاءً لفقدان موقعهم داخل الحقل: جمهورًا، أو شرعيةً، أو اعترافًا مؤسّسيًا. وهنا تتبدّى المفارقة في أقسى صورها: إذ يتحوّل الوعي الذي يُفترض أن يكون أداة تحرّر، إلى آليةٍ دقيقة لإدارة السلامة، ويغدو الفكر بدل أن يكون فعل مقاومة شكلًا من أشكال التكيّف الذكي مع موازين القوة.

من هذا الفضاء الجينالوجي، يصبح السؤال: كيف صُنِع هذا المثقف بحيث أصبح الصمت أحد شروط بقائه داخل الحقل، وليس لماذا صمت؟

ومن ثَمَّ لا يكون الصمت نقصًا في الأخلاق فقط، ولكنه نتيجةً لبنيةٍ تُكافئ الحذر وتعاقب المجازفة، وتُنتج مثقّفًا يُجيد التمركز في المنطقة الرمادية، إذ لا ينحاز تمامًا ولا ينسحب تمامًا، بل يؤجّل موقفه إلى ما لا نهاية، تحت لافتاتٍ لغويةٍ تبدو في ظاهرها حكمة، وفي باطنها اقتصادٌ دقيق للخوف.

ولعلّ أوضح تجلّيات هذه البنية أنّ بعض الذوات التي تتقن التورّط في هوامش الوقائع وتستفيض في اجترار التفاهة تنسحب فجأةً إلى ما يشبه العدم الخطابي حين يتعلّق الأمر بامتحانٍ أخلاقيّ معتبر، فتلوذ بخطاباتٍ ملتبسة عن "الفتنة" أو "مذهبية" أو "أوجاع الماضي وعقده" وما شاكلها، لا بوصفها مفاهيم تفسير، وإنما كأقنعةٍ لغوية تؤجّل الموقف وتفرّغه من مسؤوليته. هنا يتحوّل الصمت إلى بنيةٍ من التواطؤ المؤجَّل، وإلى ممارسةٍ رمزية لإعادة إنتاج العجز تحت غطاء الحكمة الزائفة.

وإذا كان هذا هو الفضاء الذي تُنتج فيه هذه الظاهرة، فإنّ المفارقة التي تفرض نفسها بإلحاح هي أن المفكّر والفيلسوف يُفترضان طليعة الوجود الأخلاقي للأمّة، ولا يقلّان- من حيث الوظيفة الرمزية- عن الأنبياء في زمن انقطاع الوحي، فإنّ ذلك يُحمّلهما واجب البيان، أو على الأقلّ المشاركة في رفع منسوب الوعي العام، بوصفه الحدّ الأدنى من الأمانة الفكرية. وليس المقصود هنا استدعاء نظرية "المثقّف العضوي" عند أنطونيو غرامشي استدعاءً عقائديًا مباشرًا، بل المقصود هو الإشارة إلى مناخها الأخلاقي: انغراس الفكر في لحم الواقع، لا تعاليه عليه، وفي طين الإنسان المقهور.

إلا أنّ ما يلفت المتأمّل ويبعث على القلق هو هذا التباعد المتزايد بين بعض أنماط الفيلسوف العربي الإسلامي المعاصر وقضايا مجتمعه المشتعلة، إن سلّمنا أصلًا بإمكان الحديث عن فلسفة عربية أو إسلامية معاصرة بالمعنى الدقيق. فثمة اتجاهات فكرية تميل إلى الإقامة في برجٍ عاجيّ، لا تهتزّ لنزيف الواقع بقدر ما تنشغل بإنتاج معرفةٍ منزّهة، معلّقة في فراغٍ تجريديّ، تخشى أن تلوّث نقاءها بأسئلة الشارع وتناقضاته. كأنّ الفكر في هذا الممر لا يكتمل إلا حين ينفصل عن الألم، ولا يكتسب شرعيته إلا بقدر ما يبتعد عن الخطر.

ولا يخلو المشهد من نماذج أشدّ فجاجة: مفكّر نفعيّ يتقن فنّ الصمت في اللحظات الحرجة، خوفًا من خسارة جمهورٍ أو موقعٍ رمزيّ لا بدافع التعقّل أو الحذر المعرفي. فيتحوّل من صاحب موقف إلى صاحب حسابات ومكاسب، ومن مفكّر إلى ما يشبه مغنّية السوق التي تخشى ضياع جمهورها إن أفصحت عن قناعاتها المغايرة لهم. لذلك يزن كلماته بميزان الرواج لا بميزان الحقيقة. هنا يصبح الصمت إستراتيجية بقاء لا فضيلة ونزاهة وعفّة وطهارة، والتريّث شكلًا من أشكال التواطؤ الناعم لا حكمة ولا فطنة.

وفي هذا الموضع تحديدًا يمكن الاستعانة بمقولة علي شريعتي في كتابه "الشهادة"، التي حفظتها على ظهر قلب في بداية شبابي، حين قال: "من لا يكون شاهدًا على عصره، شاهدًا على زمانه، لا يهمّني أن يكون جالسًا على مائدة خمر أو واقفًا في محراب عبادة؛ فالكلّ سواء."

وهذا القول يُفهم كتفكيك جذري لفكرة "الحياد" حين يتحوّل إلى ذريعة للانسحاب من مسؤولية الشهادة على الواقع. فهو يعيد تعريف قيمة المفكّر من خلال حضوره في مشهد الألم التاريخي، إذ يصبح الصمت شكلًا من أشكال التواطؤ، ويغدو الانحياز للحقيقة- لا للمواقع- هو معيار التفاضل الوحيد بين المواقف.

يُقال إن الانخراط في الموقف السياسي يُنزِل المفكّر من مقامه العلمي إلى خانة "المحلّل"، ويشوّش على سلطته المعرفية. ولعلّ في هذا القول بعض الوجاهة المنهجية، لكنه ينهار أخلاقيًا؛ فما قيمة معرفة لا تُختبر في لحظة الألم؟ وما جدوى فلسفة تخشى الواقع أكثر مما تخشى خواءها الداخلي؟ إن المفكّر الذي يرفض أن يتّسخ بالواقع وهموم الناس قد يحافظ على نقاءٍ وهميّ، لكنه يخسر إنسانيته، ويحوّل الفكر من فعلٍ نقدي إلى زينة لغوية، ومن مسؤولية تاريخية إلى ترف ثقافي.

كلّ هذا قبل أن نصل إلى ميشيل فوكو، الفيلسوف الفرنسي الذي قيل عنه إنه تناول السياسة من الخلف. لكن حين نقرأ سيرته وسجله الحافل بالمواقف واحتكاكه بتراب الأزقة الوطنية والدولية والإنسانية، نتساءل: كيف يمكن لفيلسوف بهذا الحضور أن يُقال عنه ذلك؟ هنا لا أسعى إلى حسم مسألة كونه فيلسوفًا سياسيًا أو لا، وإنما إلى عرض المسار الذي عاشه وناضل فيه.

هنا يمكن فهم فوكو بوصفه الأداة الجينالوجية التي تُفكَّك عبرها علاقة السلطة بالخطاب: أي كيف تُنتج السياسة ذاتها داخل المعرفة، وكيف تُنتج المعرفة ذاتها داخل السياسة؟

لقد كتب في قضايا الحرية الجنسية والاعتقالات السياسية، والجدل داخل الحزب الشيوعي الفرنسي، وواكب أحداثًا كبرى: الثورة الجزائرية، وأحداث مايو 1968، وحرب فيتنام، وحركات الطلاب في أوروبا، والثورة الإسلامية في إيران، وغيرها. ولم تكن هذه مجرد موضوعات دراسة، ولكنها تجارب معيشة أثّرت في تفكيره، حتى ليبدو أحيانًا ناشطًا سياسيًا قبل أن يكون فيلسوفًا.

كلّ هذه الأحداث التي عاشها عن قرب واتخذ فيها مواقف متعددة أثّرت في تفكيره وفلسفته ونضاله السياسي، حتى ليبدو للقارئ أحيانًا ناشطًا سياسيًا قبل أن يكون فيلسوفًا. ففي شهر فبراير من عام 1971م أعلن ميشيل فوكو استحداث "جماعة الإسلام حول السجون" بهدف إجراء تحقيق يتناول كل ما يطال المساجين من مظاهر الاضطهاد والإذلال والمنع. وفي شتاء 1972م تم اغتيال العامل المهاجر محمد دياب داخل مفوضية الشرطة في فرساي، وقد تم توقيف ميشيل فوكو خلال تظاهرة الاحتجاج التي نظموها، كما تمت سوء معاملتهم من قبل قوى النظام وأمضوا قسمًا من ليلهم في أقبية الشرطة.[1]

ولم يقتصر نشاط فوكو على نقد الحياة السياسية الفرنسية، وإنما امتد إلى خارج فرنسا. ويمكن القول إن ما سبق ذكره يمثل عيّنة من نشاطه واهتمامه بالقضايا العادلة، وخصوصًا حقوق المنبوذين والمهمّشين الذين لا يُسمع صوتهم.

ولذلك فإن تفكيره وفلسفته السياسية قد انصبت على السلطة ومنابعها المتكاثرة، التي لا تُطوّق بالقوة والعنف فقط، بل تمتد إلى المعرفة والحقيقة. فالرجل في تأملاته وتساؤلاته ودهشته، نشأ من رحم هذه الظروف ومن أوجاعها، فراح يتابع السلطة في مختلف تمظهراتها بغية فضح وتعرية ممارساتها القائمة على القمع والهيمنة. وبذلك فإن تفكيره في السلطة تفكيرٌ نقدي أكثر منه تحليلي، إذ إن النقد لديه قيمة وميزة أخلاقية تفوق عملية التقييم أو التقويم واستبعاد الأخطاء، وهي قيمة الفضيلة، لارتباطه بما يسميه الخلق والشجاعة في قول الحق والشأن العام.

يقول الشريف طوطاو: "ضمن الإطار السياسي النقدي ينبغي، في نظرنا، أن تتنزّل دراسته عن الصحة والمرض، وعن المعرفة والسلطة إجمالًا، فهو لم يكن مؤرخًا لمفهوم المرض (في ثلاثيته: تاريخ الجنون في العصر الوسيط، تاريخ الجنسانية، مولد العيادة)، يجري وراء حفريات هذا المفهوم وطريقة تشكّله وتطوّره عبر تاريخ الممارسة العلمية، وخاصة الطب، كما لم يكن إبستمولوجيًا يعيد إنتاج أقدم إشكالية علمية في تاريخ المعرفة العلمية: النظرية والتجربة، لحظة بحثه في الظاهرة الطبية زمن تشكّلها داخل العيادة، ولم يكن فقط باحثا في أزمة بعض العلوم وعجزها عن تفسير عدد من الظواهر الإنسانية ذات الطبيعة المرضية" المرض العقلي والسيكولوجي. "[2]

ومن ثَمَّ لم تكن فلسفته عن السلطة تأمّلًا مجرّدًا، بقدر ما هي نقدًا حيًا لممارساتها وتمظهراتها، وسعيًا لفضح آلياتها في القمع والهيمنة. فالنقد عنده ليس عملية تقنية، وإنما قيمة أخلاقية ترتبط بالشجاعة في قول الحقيقة. وهنا لا يُطرح فوكو نموذجًا يُستنسخ، وإنما معيارًا يُحتكم إليه: أن تكون الفلسفة شجاعة، وأن يكون المفكّر شاهدًا لا متفرّجًا، وأن تبقى المعرفة مشدودة إلى الألم البشري لا هاربة منه. وهكذا تتبدّى المفارقة بين مثقّف يغامر برصيده دفاعًا عن الحقيقة، وآخر يجعل من الحياد ملاذًا ومن السلامة غاية. وشتّان بين فكر يختبر صدقه في العاصفة، وفكرٍ لا يجرؤ على مغادرة مأواه الآمن.

***

د. حيدر شوكان السلطانيَّ

جامعة بابل / كلية العلوم الإسلاميَّة

............................

[1] ينظر: فردريك غرو، ميشال فوكو، ترجمة: محمد وطفه، الناشر: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر مجد، الطبعة الأولى- 2008م، 15- 16.

[2] ينظر: د. الشريف طوطاو، ميشل فوكو: جينيالوجيا السلطة، بوصفها نقدًا للخطاب السياسي الغربي، دراسة في كتاب: الفلسفة السياسية المعاصرة، إشراف وتقديم: خديجة زتلي، الناشر: دار الأمان- الرباط، الطبعة الأولى- 2014م، 76.

مقدمة: تمثل رحلة الفكر الفلسفي من «لاعقلانية العقلانية» إلى «عقلنة اللاعقلانية» تحولاً إبستيمولوجياً جذرياً في فهم طبيعة المعرفة وحدودها ومصادرها. هذا التحول ليس مجرد تطور تاريخي عرضي، بل هو مسار حضاري عميق يعكس أزمة العقل نفسه في مواجهة الواقع الإنساني. بدأت الرحلة في سياق العقلانية الحديثة التي رفعت العقل إلى مرتبة الإله الذي لا يُخطئ، ثم كشفت هذه العقلانية عن وجهها اللاعقلاني عندما تحولت إلى أداة للسيطرة والاستبعاد والتدمير. أما الوجه الثاني من الرحلة فهو عقلنة اللاعقلانية، حيث أصبحت العناصر اللاعقلانية (اللاوعي، الغريزة، اللامتناهي، التناقض، اللامعقول) جزءاً عضوياً من بناء المعرفة، لا عدواً لها. في المقاربة الإبستيمولوجية، يُفهم هذا التحول كتغير في شروط إنتاج المعرفة: من الاعتقاد بأن العقل يملك أدوات موضوعية كاملة للوصول إلى الحقيقة، إلى الإقرار بأن المعرفة تنشأ من تفاعل دائم بين العقل واللاعقلاني، حيث يصبح اللاعقلاني نفسه مصدراً إبستيمولوجياً مشروعاً. هذه الدراسة تُفكك هذه الرحلة بشكل معمق، عبر تحليل مراحلها التاريخية والمفاهيمية، وتستكشف أبعادها الإبستيمولوجية في سياق التحولات الفلسفية من العصر الحديث إلى ما بعد الحداثة، لتبين كيف أن هذا التحول ليس تراجعاً عن العقل، بل إعادة بناء له يجعله أكثر إنسانية وواقعية.

الإبستيمولوجيا كأداة لتفكيك الرحلة

في الإبستيمولوجيا، تُعتبر المعرفة عملية بناء لاكتشاف. العقلانية التقليدية اعتمدت على مبدأ «الوضوح والتمييز» كشرط أساسي للمعرفة الصادقة، بينما أدى تطور الفكر إلى إدراك أن هذا المبدأ نفسه يحمل تناقضاً داخلياً. «لاعقلانية العقلانية» تشير إلى اللحظة التي يتحول فيها العقل من أداة تحرر إلى آلية قمع، حيث يُنتج معرفة تبدو عقلانية لكنها تؤدي إلى نتائج لاعقلانية (كالشمولية، الاستعمار، أو الكوارث البيئية). أما «عقلنة اللاعقلانية» فتعني دمج اللاعقلاني (الحدس، الرغبة، اللاوعي، التناقض) داخل إطار معرفي منظم، مما يجعل المعرفة أكثر شمولاً وأقل ادعاءً بالكمال.

هذا الإطار يعتمد على فكرة أن الإبستيمولوجيا ليست محايدة، بل هي مرتبطة بالسلطة والجسد والتاريخ. الرحلة إذن هي انتقال من إبستيمولوجيا «الأساس المطلق» إلى إبستيمولوجيا «التفاعل الدائم» بين العقل واللاعقلاني.

المرحلة الأولى: ذروة العقلانية وكشف لاعقلانيتها الداخلية

بدأت الرحلة في عصر النهضة والتنوير، حيث أصبح العقل المستقل (كما عند ديكارت في «التأملات») أساس كل معرفة. كان العقل هنا أداة تحرر من الخرافة والسلطة الدينية، لكنه سرعان ما تحول إلى نظام مغلق. في فلسفة كانط، مثلاً، أصبح العقل «نقدياً» يحدد حدوده الخاصة، لكنه في الوقت نفسه أسس لعقلانية تفترض أن كل شيء يمكن فهمه وتنظيمه عبر المقولات العقلية. مع تقدم العصر الحديث، ظهرت لاعقلانية العقلانية بوضوح. العقلانية التنويرية، التي وعدت بالتقدم والحرية، أنتجت أنظمة سياسية واقتصادية تُبرر الاستعمار والرأسمالية كـ«قوانين عقلانية»، لكنها في الواقع أدت إلى استغلال وحروب وتدمير. هنا تكمن اللاعقلانية: العقل يُنتج معرفة «موضوعية» تُخفي الرغبة في السيطرة. هيغل حاول التوفيق عبر الديالكتيك، لكن ديالكتيكه نفسه أظهر كيف يتحول العقل إلى «روح مطلق» يبتلع التناقضات بدلاً من حلها. في هذه المرحلة، أصبحت العقلانية أداة لإخفاء اللاعقلاني (الغريزة، التاريخ، الجسد)، مما أدى إلى أزمة إبستيمولوجية: المعرفة تبدو كاملة لكنها فارغة من الإنسانية.

المرحلة الثانية: نقد العقلانية وتبيان لاعقلانيتها الجوهرية

مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تحول النقد إلى تفكيك. نيتشه كان الرائد في كشف لاعقلانية العقلانية: العقل ليس «نقياً» بل أداة لإرادة القوة، والحقيقة ليست موضوعية بل بناء أخلاقي-سياسي. «الموتى الله» عند نيتشه ليس مجرد إعلان ديني، بل إعلان إبستيمولوجي بأن العقل الحديث فقد أساسه. ثم جاءت المدرسة النقدية (أدورنو وهوركهايمر) لتُبرهن أن «جدل التنوير» يحول العقل إلى أسطورة جديدة: العقلانية التقنية أنتجت المحرقة والقنبلة الذرية والرأسمالية المتوحشة. هنا تظهر اللاعقلانية الجوهرية: العقل يُنظم العالم لكنه يُنتج فوضى، يسعى للسيطرة لكنه يُولّد عنفاً. كيركغورد، من جهة أخرى، أدخل «القفزة الإيمانية» كرفض للعقلانية الهيغلية، مبيناً أن الحقيقة الوجودية تكمن خارج المنطق.

المرحلة الثالثة: التحول نحو عقلنة اللاعقلانية

مع منتصف القرن العشرين، بدأ التحول الإيجابي. الفينومينولوجيا عند هوسرل حاولت أولاً «العودة إلى الأشياء ذاتها»، لكن هيدغر تجاوزها إلى «الدازاين» الذي يعيش في عالم يجمع بين الوجود والعدم، بين العقل والقلق. اللاعقلاني (الزمنية، الموت، القلق) أصبح جزءاً من بناء المعرفة. ثم جاء فرويد ليُعقلن اللاوعي: اللاوعي ليس فوضى بل نظام له قوانينه الخاصة، يمكن تحليله وفهمه عبر التحليل النفسي.

هذا كان نقلة إبستيمولوجية: المعرفة لم تعد تقتصر على الوعي بل تشمل اللاوعي كمصدر معرفي. الوجودية (سارتر، كامو) عقلنت «العبث» كشرط إنساني، فأصبح التمرد على العبث فعلاً معرفياً.

 في ما بعد الحداثة، بلغت العقلنة ذروتها: دريدا يُفكك الثنائيات العقلانية (وجود/عدم، عقل/جنون) عبر «الاختلاف»، مما يجعل اللاعقلاني (الأثر، التأجيل) جزءاً أساسياً من أي معرفة. فوكو يُظهر كيف أن العقلانية الحديثة «عقلنت» الجنون والمرض والجريمة كأدوات سلطة. دلوز وغاتاري يُعقلنان «الرغبة» والـ«صيرورة» كتدفقات غير خطية تنتج معرفة جديدة. هكذا أصبحت الإبستيمولوجيا «متعددة المراكز»: المعرفة تنشأ من تفاعل العقلاني مع اللاعقلاني (الجسد، اللغة، التاريخ، الثقافة).

الأبعاد الإبستيمولوجية للرحلة

إبستيمولوجياً، يعني التحول ثلاثة تغييرات جوهرية.

أولاً، من «الأساسية» إلى «اللاأساسية»: العقل لم يعد أساساً مطلقاً بل بناء مؤقت.

 ثانياً، من «الموضوعية» إلى «الذاتية المشتركة»: المعرفة تتضمن اللاعقلاني (العواطف، الرغبات) كعنصر مشروع.

 ثالثاً، من «الشمولية» إلى «التنوع»: المعرفة لم تعد واحدة بل متعددة، تتقبل التناقض كمصدر إبداع.

هذا التحول جعل الإبستيمولوجيا أكثر تواضعاً وإنسانية، لكنه طرح تحديات: كيف نحمي المعرفة من الفوضى اللاعقلانية الكاملة؟ الجواب يكمن في «العقلانية الناقدة» التي تُدمج اللاعقلاني دون الاستسلام له. في الحقبة المعاصرة الحالية، تظهر تداعيات الرحلة في العلوم المعرفية والذكاء الاصطناعي، حيث يُعقلن العلماء «التحيزات اللاعقلانية» كجزء من الذكاء البشري. كما تظهر في الفلسفة البيئية والنسوية والاستعمارية، التي تُعقلن «المعرفة المهمشة» (الحدس، الروحانية، الذاكرة الجماعية). هذا يُمهد لإبستيمولوجيا ما بعد الاستعمارية تجمع بين العقل واللاعقلاني لمواجهة أزمات العالم.

خاتمة

رحلة الفكر الفلسفي من لاعقلانية العقلانية إلى عقلنة اللاعقلانية ليست نهاية العقل بل إنقاذه. بدأت كأزمة كشفت تناقضات العقلانية الحديثة، ثم تحولت إلى إمكانية جديدة تجعل المعرفة أكثر عمقاً وشمولاً. في المقاربة الإبستيمولوجية، يصبح اللاعقلاني ليس عدواً بل شريكاً في بناء الحقيقة. هذا التحول يدعونا إلى عقل نقدي يعترف بحدوده، ويحتضن التناقض، ويبني معرفة إنسانية قادرة على مواجهة تعقيدات العصر. في النهاية، لم يعد العقل يسعى للسيطرة الكاملة، بل للتوازن الدائم مع ما هو أعمق منه: الإنسان نفسه في كليته اللاعقلانية والعقلانية. هكذا أصبحت الإبستيمولوجيا تواجه سؤالاً مركزياً: هل يمكن للعقل أن يعترف بلاعقلانيته دون أن ينهار؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في مأزق التحول الوجودي

تمثل التحولات المعاصرة في بنية الوعي الإنساني انعطافة دراماتيكية تتجاوز مجرد التطور التقني أو الاجتماعي، لتنال من الجوهر الوجودي للكائن البشري. إن الانتقال من مفهوم "الثغور"، بوصفها فضاءات للمواجهة المفتوحة والتبادل المعرفي واليقظة الحدودية، إلى "الجحور"، التي ترمز للتقوقع النفسي والوعي النفقي المنغلق، يعكس أزمة عميقة في مسار الحداثة.

تتبدى هذه الأزمة في ظاهرة "تشيؤ التوحش"؛ تلك العقلية البدائية الكامنة التي تلبس لبوس التقدم، حيث تحول "الإنسان المتفوق" من مشروع للتسامي الروحي إلى أداة لقرصنة القيمة الرمزية والمادية. من خلال قراءة فلسفية نقدية تستند إلى أدوات الفكر النقدي والأنثروبولوجيا البنيوية، سنحاول استكشاف كيف تهاوت قلاع الوعي من شموخ الثغور إلى ضيق الأنفاق.

فلسفة المكان ومنطق الثغور والجحور

إن الرمزية المكانية في الخطاب الفلسفي ليست مجرد استعارات بلاغية، بل هي توصيفات دقيقة لنمط حضور الإنسان في العالم. فالثغور، تاريخياً وفلسفياً، تمثل نقاط التماس والاشتباك، حيث يكون الوعي في حالة قصوى من الانتباه والمسؤولية. الثغر هو المكان الذي لا ينام فيه المرء، ليس خوفاً من الآخر، بل إدراكاً لخطورة فقدان الذات أو التنازل عن القيم.

في مقابل ذلك، يبرز "الجحر" كاستراتيجية انكسار للوعي. إذا كان الثغر يمثل المواجهة، فإن الجحر يمثل الهروب. هنا تتحول المقاومة من فعل "تثغير" (أي فتح ثقوب في جدران الجمود لإدخال الضوء) إلى فعل "تجهير" (أي الغوص في باطن الانغلاق). هذا التحول ليس جغرافياً، بل هو تبدل في ماهية "الرؤية"؛ فالإنسان الذي كان يراقب الأفق من فوق الثغور، صار يبحث عن الأمان الزائف في عتمة الأنفاق.

جدلية الانفتاح والانغلاق في الوعي المكاني

يشير التحليل الفلسفي للوعي المكاني إلى أن "الثغور" تتطلب شجاعة وجودية لسد الثقوب، ليس أمام الراحلين، بل أمام الانهيار القيمي. الوعي الحقيقي هو الذي يقدر من يبحث في الصخر لأجل موقف إنساني يطيل أمد الود والارتباط. ومع ذلك، فإن الإنسان المعاصر يميل تدريجياً نحو "الوعي النفقي".

في الوعي النفقي، يفقد الكائن قدرته على الإبصار الشمولي ويصبح أسيراً لرؤية أحادية الجانب. هذا الانغلاق يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الهوية بشكل مشوه، قائم أساساً على الخوف من "الفضاء المشترك". الهروب إلى الجحور الرقمية والأيديولوجية هو في حقيقته ذعر من مواجهة الحقيقة التي تفرضها الثغور؛ ففي الثغر أنت مكشوف أمام العالم، أما في الجحر فأنت تعيش وهم السيادة في عزلة مظلمة.

تشريح الوعي النفقي: من سجون الإدراك إلى زنازين الخوارزمية

يعد الوعي النفقي ذروة الانحدار الوجودي. إنه حالة من الضيق الإدراكي الحاد، حيث يُختزل العالم بكل تناقضاته وثرائه إلى مسار أحادي ضيق. في العصر الرقمي، تحول الوعي النفقي من حالة نفسية عارضة إلى بنية تقنية مفروضة قسراً عبر "الخوارزميات" من خلال:

 هندسة الانعزال: تعمل الأنظمة الرقمية كمهندس أنفاق بارع؛ فهي تدرس تفضيلاتك ومخاوفك، ثم تبني حولك نفقاً من المحتوى الذي يشبهك تماماً. داخل هذا النفق، يختفي "الآخر" المختلف، ويتحول الفضاء المشترك إلى "غرف صدى" لا يسمع فيها الإنسان إلا صدى صوته، مما يؤدي إلى تصلب فكري وتفتت مجتمعي.

اقتصاد الانتباه وتشيؤ النفس: تعمد الليبرالية الجديدة إلى حصر انتباه الإنسان في ممرات استهلاكية ضيقة. يُدفع الإنسان للاهتمام بـ "الآن" و"الهنا" فقط، مما يسلبه القدرة على التأمل العميق. هذا الوعي هو "وعي وظيفي" لا "وعي وجودي"؛ إنه يبحث عن المخارج السريعة واللذات اللحظية بدلاً من المعنى الرفيع.

الهروب من رعب الحرية: فلسفياً، يُختار "الجحر" لأنه يوفر جدراناً صلبة ومساراً محدداً. مواجهة العالم من فوق الثغور تتطلب شجاعة مواجهة المجهول، لذا يفر الإنسان المعاصر إلى النفق لأنه يوفر له شعوراً زائفاً بالأمان وسط قطيع رقمي يشاركه ذات الأوهام.

تحولات الإنسان المتفوق: من التسامي إلى العقلنة الأداتية

بدأت الحداثة بوعود "الإنسان المتفوق" الذي يمتلك إرادة القوة والقدرة على خلق قيمه. ومع بداية الثورة الصناعية، مضى الإنسان في صراع مستمر للانتصار على الطبيعة. إلا أن هذا المسار لم يفضِ إلى التحرر، بل أدى إلى "عقلنة" مشوهة أدت إلى سيطرة التقنية على الروح.

إن "الإنسان المتفوق" في السياق المعاصر تحول إلى كائن يهدف إلى التحكم في الأشياء والأشخاص بدلاً من التفوق الروحي. لقد أصبح الفرد ينظر إلى غيره كوسائل نفعية، مما أفقد العلاقات الإنسانية طابعها القيمي القائم على الإيثار. هذا التحول يمثل العودة إلى "العدالة الفطرية" الصراعية التي انتقدها أفلاطون، حيث يفتقر المجتمع إلى هدفه الأسمى وهو التعقل وإدراك الماهيات المجردة.

تشيؤ التوحش واستعارة الغابة في الأسواق العالمية

يشير مصطلح "تشيؤ التوحش" إلى الطريقة التي يتم بها دمج الغرائز البدائية العنيفة داخل أنظمة عقلانية وتقنية معقدة. التوحش لم يعد يمارس في "الغابة" الجيولوجية، بل في "غابة الأسواق" والبيئات الرقمية، حيث يتم تحويل العنف إلى "شيء" أو بضاعة قابلة للتداول.

في المجتمعات البدائية، كان التوحش فعلاً مرتبطاً بالبقاء الطبيعي (جمع الثمار وصيد البر). أما في الإنسان المعاصر، فقد تحول "الجمع" من جمع الثمار إلى "جمع البيانات" و"جمع السلع" عبر قرصنة البضاعة الرمزية والمادية. إن الفائض الإنتاجي تحول إلى سباق محموم على "غزو المصير" والقلق الوجودي.

إن التوحش المعاصر "متشيء" لأنه يختبئ خلف الأنظمة البيروقراطية. فالسياسة النفسية للنظام الاقتصادي المنفلت تستخدم تقنيات سلطة "ذكية" لا تمنع الفعل، بل تحفزه بشكل يخدم الهيمنة، محولةً رغبات الإنسان إلى مسارات استهلاكية ضيقة تشبه "الجحور".

العقلية البدائية في ثوب الحداثة وقانون المشاركة

على عكس الاعتقاد السائد بأن الحداثة قضت على الخرافة، يرى رواد مدرسة "نقد العقل" (أدورنو وهوركهايمر) أن العقل العلمي الحديث يمتلك جذوراً أسطورية. التمييز بين الفكر الأسطوري والفكر العلمي هو تمييز في الدرجة وليس في النوع؛ فالإنسان المعاصر يظل ربيباً لأفكار مسبقة متداخلة في نسيجه الثقافي.

في العالم المعاصر، تظهر البدائية في شكل "الأسطرة المعاصرة" في الإعلام والسياسة. فالإنسان الحديث، رغم ادعائه العقلانية، يمارس نوعاً من "السحر التقني" حيث يتعامل مع الآلات والخوارزميات كقوى غيبية تتحكم في مصيره، تماماً كما كان الإنسان القديم يتعامل مع الرموز الطوطمية. وهنا يبرز الفن بوصفه القوة التي تذكر الإنسان ببدائيته الكامنة، لا كعيب، بل كقوة تخيلية تم كبتها لصالح العقل الآلي الأداتي.

القرصنة الرمزية والسياسة النفسية

في عصر "تشيؤ التوحش"، لم تعد القرصنة فعلاً فيزيائياً يقتصر على أعالي البحار، بل أصبحت "قرصنة بضاعة" رمزية ومعلوماتية. إنها السياسة النفسية التي يتم فيها استغلال الحرية نفسها كأداة للسيطرة. الإنسان المعاصر، الذي يظن أنه يتحرر من خلال الاستهلاك، هو في الحقيقة يمارس قرصنة لذاته، محولاً تجاربه الحميمية إلى "بضائع" قابلة للعرض والبيع في جحور المنصات الرقمية.

هذا التحول يكرس "الوعي النفقي"؛ حيث يصبح الإنسان "صياد بيانات" في نفق مظلم، بدلاً من أن يكون "زارع قيم" على ثغور المجتمع. إن "الجمع" المعاصر هو جمع استلابي يفرغ الذات من محتواها لصالح الشيء المتداول.

السحر الرمزي والضحكة الفلسفية العميقة

لم يكن الإنسان الأول كائناً بدائياً بالمعنى السطحي؛ بل كان يمتلك ذكاءً وقدرة على التجريد تتجلى في فنون الكهوف. إن استثمار مئات الساعات لصنع رموز فنية في ظروف بقاء صعبة هو دليل على أن الفن "قيمة سيادية" للمجتمع. هذا التبديد للطاقة الحيوية في سبيل الرمز هو ما يمنح الإنسان سيادته على الطبيعة؛ فبينما تخضع الحيوانات للضرورة البيولوجية، يمتلك الإنسان القدرة على "إهدار" وقته وطاقته في خلق عالم من المعاني.

تأتي "الضحكة الفلسفية العميقة" كاستجابة واعية للتناقض الصارخ بين ادعاء "الإنسان المتفوق" وبين واقع "إنسان الجحر". إنها ضحكة تدرك عبثية تشيؤ التوحش، وتعري العقلية البدائية الكامنة تحت قشرة الحداثة. هذه الضحكة ليست سخرية فارغة، بل هي "فعل فلسفي" يعيد الاعتبار للإحساس والتعقل المجرد، بمسحة سقراطية تجاه إنسان يظن أنه غزا الطبيعة بينما هو عاجز عن سد ثقوب باب جحره النفسي.

استعادة الثغور ويقظة الروح

إن الرحلة من الثغور إلى الجحور، وبالعكس، هي صراع الوعي البشري الدائم مع ذاته. وفي ظل "تشيؤ التوحش" المعاصر، تظل "الضحكة الفلسفية" هي العلامة على بقاء الإنسان الحقيقي؛ ذلك الذي يجرؤ على النظر في "الجحر" دون أن يصبح جزءاً منه، والذي يدرك أن "قرصنة البضاعة" هي مجرد وهم للبقاء في عالم يتطلب "إنفاق" الروح واستعادتها من أسر الأشياء. إن العقلية البدائية ليست تاريخاً مضى، بل هي مرآة تعكس لنا كيف يمكن للتقنية أن تصبح قبيلة، وللسوق أن يصبح وثناً، وللنفق أن يصبح وطناً، ما لم نستعد شجاعة "الثغور" ويقظة الروح في مواجهة تيار التشيؤ الجارف.

***

غالب المسعودي

ترسم حدود الدولة الوطنية الحديثة خرائط الأرض التي يعيش عليها أبناؤها، غير أن كيانها لا ينهض بالجغرافيا وحدها، بل يتأسس على شبكة من المصالح المشتركة والمصائر المتضامنة، وعلى شعور حي بالانتماء إلى الوطن، بوصفه أفقًا جامعًا وملاذًا إنسانيًا يأوي إليه الجميع. تتحقق دولة المواطنة حين تتجسد المساواة الفعلية بين المواطنين في الحقوق وأمام القانون، ويتكافأ الجميع في الفرص، وتُسند المسؤوليات إلى كل مواطن وفقًا ومواهبه وإمكاناته وتكوينه العلمي وتخصصه، في إطار نظام عادل يضمن كرامة الإنسان ويصون حرياته ويحمي حقوقه، ويؤسس لعقد اجتماعي يربط بين الدولة ومواطنيها على قاعدة العدالة والإنصاف.

أما حدود الدولة الأيديولوجية فيرسمها الانتماء إلى العقيدة والولاء لها، ووحدة المصير مع مَن ينتمي إليها، بصرف النظر عن انتمائه إلى وطن آخر، حتى لو كان في أقصى أطراف الأرض، إذ تتراجع الجغرافيا في هذه الحالة إلى مرتبة ثانوية، ويغدو الرابط العقدي هو المحدد لشكل الانتماء وحدوده. في حين تحرس الحدود الوطنية سيادة الدولة وتصونها من أي نفوذ خارجي أيًا كان مصدره، ولا تسمح بتوظيف موارد الوطن وثرواته خارج مصالح أبنائه تحت أية ذريعة. حدود الدولة الوطنية ترسمها خارطة الأرض، وما تعكسه من إرادة سياسية وهوية جامعة تتجسد في حماية المجال الوطني، وضمان توجيه ثرواته لبنائه وعيش مواطنيه.

الحدود الأيديولوجية لا تحمي الأوطان، إنها تفتّت خرائطها، وتحولها إلى كيان مفتوح لا يختص بالمواطنين، يتّسع لكل من يعتنق أيديولوجيا السلطة. تكشف ذلك تجارب الأنظمة اليسارية والقومية، منذ تأسيس الاتحاد السوفياتي وما تلاه، كما يتكرر اليوم في أنظمة أصولية في بعض الدول. في هذا الواقع يُعامل الأجنبي المتبني للأيديولوجيا ذاتها بوصفه شريكًا كامل الشرعية، يتمتع بحقوق واسعة في السلطة والحكم وإدارة الدولة، وقد يفضي هذا النمط من الشراكة إلى اختلال ميزان السيادة، حين يتمادى هذا الشريك في توظيف موقعه، فيتجاوز حدود المشاركة إلى الهيمنة، ويغدو في بعض المواقف أقدر على توجيه القرار من الحاكم والمواطن معًا.

ينبغي أن يتجذر الحس الوطني في تشكل الهوية في وعي كل مواطن في مجتمعنا، على أساس أسبقية الانتماء إلى الوطن بوصفه الإطار الجامع، فيرى العراقي نفسه عراقيًا أولًا، ثم عربيًا أو كرديًا أو تركمانيًا، ثم مسلمًا أو مسيحيًا أو مندائيًا أو إيزيديًا، ثم شيعيًا أو سنيًا أو كاثوليكيًا أو بروتستانتيًا أو أرثوذكسيًا، وهكذا في تدرج يرسخ وحدة المجال الوطني من دون أن يلغي تنوع الانتماءات. في هذا الترتيب لا تذوب الهويات الفرعية، وإنما تنتظم في أفق وطني أوسع، يضمن تماسك المجتمع، ويحول دون انقسامه إلى ولاءات متنازعة تقوّض الدولة، وتبدد إمكان العيش المشترك. هذا التسلسل الهوياتي يمكننا من بناء مفهوم للوطن بمعناه الحديث، ويؤسس للمواطنة الدستورية بوصفها القاعدة التي تقوم عليها الدولة اليوم، حيث تنتظم الأديان والمذاهب والقوميات في كيان سياسي واحد، ينتمي فيه الجميع إلى أرض مشتركة، ومصائر مترابطة، وتاريخ واحد، ويتضامنون على مصالح جامعة. في سياق هذا الفهم لا يُلغى التنوع، وإنما يُعاد ترتيبه داخل إطار وطني يضمن تماسك المجتمع واستقرار الدولة. أما حين تنقلب معادلة الهوية، فتتقدم الطائفة أو القومية، ويتراجع الوطن إلى مرتبة دنيا، يتعذر تشييد دولة المواطنة بمعناها السياسي، ويخفق مشروع الدولة الحديثة، لأن الولاءات المتنازعة تستنزف المجال العام وتبدد إمكان بناء عقد وطني جامع.

اختلال سلم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يزيح الوطن لحساب الجماعة، ويحوّل المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص تحكمه العصبية، ويقيمه هاجس الدفاع عن الهوية الفرعية بدل الهوية الوطنية الجامعة. حين تتصدر القومية أو الطائفة موقع الهوية الأولى، وتتفرع عنها سائر الانتماءات، يتآكل المعنى الذي يجمع المواطنين في إطار واحد، ويضمحل أثر المصالح المشتركة والمصائر المتداخلة والتاريخ المشترك في بناء الدولة. في هذا المجتمع يتفكك المجال العام إلى ولاءات متنازعة، ويغدو العقد الوطني هشًا، عاجزًا عن تأسيس سلطة عادلة تمثل الجميع وتصون كرامتهم. عندئذ تتوارى الهوية الوطنية خلف الهوية الفرعية، وتتحول إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة لا عن مصالح الوطن، ويغدو حضور الدولة هشًا، لأن الولاء لها يظل مشروطًا بولاء سابق أو موازٍ للجماعة، ووضع كهذا لا يتيح قيام عقد اجتماعي يلتقي عليه المواطنون. حين تتسيد الهوية الطائفية والقومية وتغيب الهوية الوطنية، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بسواه ممن يعيش معه على أرضه ويلتقي معه في المصائر والمصالح، فيغدو الوطن ساحة لصراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المتضامنة.

تفشت في جيلنا والجيل السابق اضطرابات الهوية السياسية، فكان الشيوعي ينتمي إلى فضاء أيديولوجي عابر للحدود قبل انتمائه إلى وطنه، فيرى ذاته في الاتحاد السوفياتي ومحوره، أو في الصين والدول التي تدور في فلكها، يستمد منها تصوره للسياسة والدولة والمجتمع. وكان القومي العربي يقدم انتماءه إلى القومية العربية بصيغتها الأيديولوجية على انتمائه الوطني، ويرتبط رمزيًا بقيادتها وتنعكس في رؤيته ومواقفه السياسية مواقفها ورؤيتها. كما تمثلت في تجربة جمال عبد الناصر وأمثاله من القوميين، بما حملته من قدرة على تعبئة الجماهير، وصياغة خطاب تجييشي عاصف عابر للحدود. ثم اتخذ الانتماء لدى تيارات الإسلام السياسي مسارًا مماثلًا، إذ غدا الارتباط بالدول أو المرجعيات الدينية، كل بحسب موقفه المذهبي، متقدمًا على الانتماء الوطني، بما يعيد إنتاج ولاءات تتجاوز الدولة وتضعف مركزيتها في وعي المواطن.

عشتُ اضطرابات الهوية السياسية بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، حين تخيلنا أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية يمثل الهوية الأصلية، وأن العقيدة لا تحدها أرض، كما رسخته أدبياتها في وعينا. في تلك المرحلة تراجع حضور الوطن بوصفه أرضًا وتاريخًا وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة، وتوارى في وعينا، فلم نعد نرى في الانتماء إليه إطارًا جامعًا يوحّدنا مع أبناء هذه الأرض الذين نتقاسم معهم العيش على تربة العراق الطيبة. هيمنت ولاءات عابرة للحدود، تستمد معناها من خطاب أيديولوجي يعلو على الواقع ويتجاوز شروطه، فحجبت معنى الوطن، وأضعفت الشعور بالانتماء إليه.

لم تنكشف لي هويتي العراقية، وتنبعث في ضميري، ولم يترسخ انتمائي الفعلي إلى وطني، إلا في تجربة المنافي، حين عشت سنوات طويلة في أكثر من بلد.كنت أواجه في كل مرة نظرة الآخر إلي بوصفـي أجنبيًا، منزوع الحقوق قياسًا بما يتمتع به هو، ومقيد الحريات قياسًا بما يملكه. في ذلك الامتحان القاسي للغربة أخذت الهوية الوطنية تستيقظ في أعماقي، حتى استفاقت بكامل حضورها، لحظة تذوقت معنى الخلاص من اغتراب امتد عقودًا، وعشت بهجة الكرامة تحت سماء وطني العراق، إذ لا سماء كسماء وطني. منحني العيش على أرض العراق، بعد عودتي من المنفى، شعورًا بالثقة والعزة والرفعة، وأنا أستعيد صلتي بأرض انتميت إليها وجودًا وثقافة وتاريخًا، وتكونت في أفيائها هويتي الوطنية الأولى.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

في حدود الأطروحة التواصليّة عند يورغن هابرماس وإمكانات نقدها

حين تتقدّم الفلسفة خطوة نحو مساءلة الذات فإنها لا تعود إلى نقطة البدء بوصفها تكرارا بل بوصفها انزياحا في طبيعة السؤال ذاته. فكل عودة إلى الذات ليست استعادةً لما سبق بل إعادة ترتيبٍ لما كان يبدو بديهيا ومستقرا. إن الذات التي شغلت تاريخ الميتافيزيقا منذ ديكارت لم تعد قابلة للاختزال في يقينٍ شفافٍ يضمن وحدة الوعي ويؤسس للمعرفة بوصفها حضورا خالصا للفكر أمام ذاته. لقد تهاوى هذا النموذج تدريجيا مع التحولات الكبرى التي مست الفلسفة الحديثة والمعاصرة حيث أعاد كانط تشكيل سؤال المعرفة من خلال شروط إمكانها ثم جاء نيتشه ليزعزع فكرة الثبات ويكشف الطابع التأويلي للقيم قبل أن يذهب فوكو إلى حد تفكيك الذات نفسها بوصفها أثرا لخطابات وسلطات تتجاوزها وتنتجها في الآن ذاته.

ضمن هذا المسار لم تعد الذات جوهرا مكتفيا بذاته بل صارت حدثا يتشكل داخل التاريخ ونتيجة لتقاطع قوى معرفية واجتماعية ولغوية متشابكة. وهكذا انتقلنا من ذاتٍ تُفكّر العالم إلى ذاتٍ تُفكَّر داخل العالم، ومن وعيٍ مؤسس للمعنى إلى وعيٍ مُنتَج داخل شبكات من الخطاب.

غير أن التحول الأعمق في مساءلة الذات لم يكن فقط في نقد جوهرها بل في إعادة توزيع مركز الفعل نفسه. فالفعل لم يعد يُختزل في ذات سيادية تنتج المعنى من داخلها بل أصبح يتوزع داخل شبكة من العلاقات التداولية التي تتشكل عبر اللغة والتواصل. ويبرز مشروع يورغن هابرماس بوصفه محاولة لإعادة بناء العقل خارج اختزاله الأداتي وفي الآن ذاته خارج النسبية التي تفكك إمكان المعايير المشتركة. إنه مشروع يسعى إلى تأسيس عقل تواصلي يجعل من اللغة مجالا لإنتاج المعنى المشترك عبر الحجاج والتفاهم.

ضمن هذا التصور لا تكون الذات مركزا ثابتا بل تصير نتاجا للفعل التواصلي، أي أنها تتشكل داخل علاقات الاعتراف المتبادل وتكتسب هويتها من انخراطها في خطاب قابل للفحص والنقد. فالذات ليست معطى أوليا بل بناء يتحدد داخل اللغة ويتطور عبر التفاعل ويأخذ شكله من خلال المشاركة في الفضاء التداولي.

وقد سبق لغيورغ هربرت ميد أن أشار إلى هذا المعنى حين ربط تشكل الأنا بقدرتها على استبطان موقف الآخر، بحيث لا تكون الذات ممكنة إلا عبر علاقة اجتماعية-رمزية تؤسسها اللغة والتفاعل. كما أن فيتغنشتاين في تحليله للغة قد فتح المجال أمام فهم جديد للمعنى باعتباره استعمالا داخل سياقات الحياة لا مرجعا ثابتا خارجها.

لكن مشروع هابرماس رغم قوته التأسيسية لا يخلو من توتر داخلي. فهل يكفي الفعل التواصلي وحده لتأسيس ذات مستقلة وحرّة؟ أم أن هذا الفعل نفسه يخضع لشروط اجتماعية وتاريخية قد تعيد إنتاج أشكال خفية من الهيمنة؟ ثم كيف يمكن التوفيق بين مطلب الكونية الذي يسعى إليه العقل التواصلي وبين تعددية السياقات الثقافية والتاريخية التي تشكل الفعل اللغوي؟

هذه الأسئلة لا تأتي من خارج المشروع بل تنبع من داخله، إذ تكشف حدوده بقدر ما تكشف عن إمكاناته. فماركس قد نبه إلى أن الوعي لا ينفصل عن شروطه المادية بينما بيير بورديو بيّن أن الفعل اللغوي نفسه محكوم ببنيات رمزية خفية تنتج التفاوت وتعيد إنتاج السلطة داخل الخطاب. وبذلك يصبح الفعل التواصلي ذاته محاطا بشروط غير شفافة تحدد إمكاناته.

أما دريدا فقد عمّق هذا التوتر من خلال تفكيكه لمركزية الحضور، حيث أظهر أن المعنى لا يستقر أبدا في نقطة نهائية بل يتأجل باستمرار داخل سلسلة من الاختلافات. ويصير التفاهم نفسه عملية مفتوحة لا تكتمل، مما يضع فكرة الاتفاق النهائي موضع مساءلة.

إن الرهان الذي يطرحه التفكير في الذات بوصفها بناءً تداوليا لا يتعلق بوصفها فقط بل بإعادة صياغة العلاقة بين الفردي والجماعي، بين الحرية والمعيار وبين اللغة والسلطة. فالذات هنا ليست جوهرا ثابتا بل مسارا يتشكل داخل التفاعل ويتحدد داخل أفق من الاعتراف والاختلاف في آن واحد.

لقد فتح هابرماس أفقا فلسفيا يقوم على الانتقال من فلسفة الوعي إلى فلسفة اللغة. فبدل أن تكون الذات مركزا للمعرفة، أصبحت اللغة هي الوسيط الذي تتشكل داخله شروط المعنى. وهذا التحول ليس تقنيا بل هو انقلاب في بنية السؤال الفلسفي ذاته.

إبستمولوجيا، لم تعد الحقيقة تُفهم بوصفها مطابقة بين الفكر والواقع بل بوصفها نتيجة لعملية حجاجية داخل فضاء تواصلي مفتوح. فكل ادعاء بالصدق أو الصلاحية أو الشرعية يخضع للمساءلة داخل هذا الفضاء، حيث يُفترض أن جميع المشاركين قادرون على الفهم والمناقشة.

غير أن هذا التصور المثالي للتواصل يصطدم دائما بواقع اجتماعي غير متكافئ. ففوكو قد أظهر أن الخطاب ليس بريئا بل تحكمه علاقات قوة تحدد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله. وبالتالي فإن الفعل التواصلي لا يمكن فصله عن البنية السلطوية التي تحيط به.

ومع ذلك فإن مشروع هابرماس لا يتجاهل هذه الإشكالية بل يحاول تجاوزها عبر التمييز بين الفعل التواصلي والفعل الأداتي. فالأول يقوم على التفاهم بينما الثاني يقوم على السيطرة والنجاعة. غير أن هذا التمييز نفسه يظل إشكاليا لأن كل تواصل يحمل في داخله عناصر من القوة، وكل فعل أداتي يتضمن بدوره بعدا تواصليا.

إن الذات في هذا الإطار لا تتشكل في فراغ بل داخل صراع بين قوى مختلفة. وهي لذلك ليست وحدة منسجمة بل تركيب متوتر بين التفاهم والصراع، بين الاعتراف والهيمنة وبين اللغة والسلطة.

وقد أشار هيغل إلى أن الاعتراف لا يتحقق إلا عبر صراع حيث تتحدد الذات من خلال مواجهة الآخر لا من خلال التوافق السهل معه. وهذا البعد الصراعي لا يمكن تجاهله في أي نظرية للذات.

كما أن أكسل هونيث طوّر هذا المعنى حين جعل الاعتراف شرطا لبناء الهوية مؤكدا أن غياب الاعتراف يؤدي إلى تشويه الذات. لكن هذا الاعتراف نفسه لا يتم إلا داخل فضاءات اجتماعية غير متكافئة.

إن الذات إذن، ليست كيانا مغلقا بل عملية مستمرة من التشكل تتقاطع فيها اللغة مع التاريخ والسلطة مع التواصل والاختلاف مع السعي إلى التفاهم. وهذا ما يجعلها دائما في حالة انفتاح غير مكتمل.

من جهة أخرى يضيف بول ريكور بعدا مهما لهذا النقاش حين يقترح فهم الهوية بوصفها سردا أي أنها تُبنى عبر الحكاية والتأويل. فالذات لا تُعطى بل تُروى وهي لذلك قابلة لإعادة الكتابة باستمرار.

كما أن تشارلز تايلور يؤكد أن الهوية لا تنفصل عن الأطر القيمية التي تمنحها معنى واتجاها. فالإنسان لا يعيش داخل فراغ بل داخل أفق من القيم والمعايير التي تشكل اختياراته. ضمن هذا التصور، يصبح مشروع الذات بوصفها بناءً تداوليا مشروعا مفتوحا على مستويات متعددة: لغوية، اجتماعية، تاريخية، وتأويلية. ولا يمكن اختزاله في مستوى واحد دون فقدان تعقيده.

إن ما يميز هذا التصور هو أنه لا يقدم إجابة نهائية، بل يفتح سؤال الذات على إمكانات متعددة للفهم. فالذات ليست حقيقة جاهزة بل سؤال دائم يعاد طرحه مع كل تجربة جديدة.

لكن هذا الانفتاح نفسه يطرح إشكالات تتعلق بإمكان الحفاظ على وحدة الذات وبإمكان تأسيس معايير مشتركة في عالم متعدد ومتشظٍ. فكيف يمكن التوفيق بين التعدد والاتساق؟ بين الحرية والمعيار؟

إن هذا السؤال لا يجد جوابا نهائيا لكنه يكشف عن أن الذات ليست شيئا يمكن امتلاكه بل عملية مشاركة في العالم وتفاعل مع الآخرين وانخراط في شبكة من الخطابات التي تتجاوز الفرد. ويصير الفعل التواصلي ليس فقط نظرية في اللغة بل مشروعا أخلاقيا وسياسيا يسعى إلى بناء فضاء عمومي قائم على الحوار بدل الهيمنة وعلى الحجاج بدل القوة.

غير أن هذا المشروع يظل مشروطا بوجود مؤسسات ديمقراطية تضمن حرية التعبير وتمنع احتكار الخطاب وتفتح المجال أمام تعددية الأصوات. دون ذلك، يتحول التواصل إلى شكل من أشكال التزييف.

إن الذات ليست جوهرا يمكن تعريفه مرة واحدة بل هي حركة مستمرة بين القول والصمت، بين الاعتراف والنفي وبين الحضور والغياب. وهي لذلك لا تكتمل أبدا بل تظل في حالة تشكل دائم.

وهذا ما يجعل التفكير فيها تفكيرا في الإنسان ذاته، في علاقته باللغة وفي علاقته بالآخر وفي علاقته بالعالم. فكل سؤال عن الذات هو في العمق سؤال عن معنى أن نكون معا داخل عالم مشترك.

ولا تنتهي الأطروحة التواصلية إلى نتيجة مغلقة بل تظل أفقا مفتوحا يعيد طرح السؤال بدل إغلاقه. فهي لا تدّعي امتلاك الحقيقة بل تدعو إلى البحث عنها داخل الحوار.

إن الذات بوصفها بناءً تداوليا ليست مفهوما نهائيا بل مسارا يتشكل داخل الزمن ويتحول داخل التاريخ ويُعاد إنتاجه داخل اللغة. وهذا ما يجعلها دائما قابلة لإعادة التفكير وإعادة البناء وإعادة السؤال ولا يكون التفكير في الذات مجرد تمرين فلسفي بل ممارسة نقدية مستمرة تعيد النظر في شروط وجودنا المشترك وفي إمكانات عقلنا وفي حدود حريتنا.

إن التفكير في الذات بوصفها بناءً تداوليا يقود إلى إعادة صياغة جذرية لمفهوم الإنسان نفسه. فالذات لم تعد تُفهم بوصفها أصلا ثابتا بل بوصفها نتيجة لعلاقات معقدة تتشابك فيها اللغة والتاريخ والسلطة والاعتراف. إنها ليست نقطة بداية بل حصيلة مسار، وليست جوهرا بل حدثا.

لقد حاول مشروع هابرماس أن يؤسس عقلا تواصليا يعيد للغة وظيفتها التأسيسية في بناء المعنى المشترك، غير أن هذا المشروع رغم قوته يظل مفتوحا على نقد متعدد المستويات، سواء من جهة اللغة ذاتها أو من جهة السلطة أو من جهة التاريخ أو من جهة الاختلاف الثقافي.

إن القيمة الأساسية لهذا المشروع لا تكمن في اكتماله بل في قدرته على فتح أفق للتفكير يجعل من الذات سؤالا دائما بدل أن يجعلها جوابا نهائيا. فكلما حاولنا تثبيت الذات انفتحت من جديد على إمكانات أخرى للفهم والتأويل.

إن الذات ليست شيئا نملكه بل شيئا نمارسه. إنها ليست معطى بل علاقة. وليست وحدة بل تعدد داخل وحدة متحركة. وهذا ما يجعلها دائما في حالة توتر بين ما هو قائم وما يمكن أن يكون.

إن التفكير في الذات تفكير في إمكان العيش المشترك وفي شروط الحوار وفي حدود الفهم وفي إمكان العدالة داخل اللغة. إنها ليست مسألة نظرية فقط بل مسألة وجودية تمس معنى أن نكون معا داخل عالم واحد رغم اختلافاتنا العميقة.

وسؤال الذات يظل مفتوحا لا يُغلق ولا يُحسم لأنه مرتبط بطبيعة الإنسان نفسه بوصفه كائنا لغويا اجتماعيا تاريخيا متعدد الأبعاد.

***

د. حمزة مولخنيف

الفكر المغربي المعاصر بين التعدد النظري وإمكانات التركيب

يستأنف سؤال العقل داخل التجربة المغربية المعاصرة حضوره بوصفه سؤالاً قلقاً لا يطمئن إلى جواب ومتوثباً لا يستقر عند حدّ. فهو ليس مفهوماً يُستدعى لتأثيث خطاب فلسفي جاهز بل إشكالاً يتخلّق كلما ظُنّ أنه استُوعب ويعيد ترتيب الحقول المعرفية كلما بدا أنه استقر في تعريف. وتتحدد قيمته بوصفه مركز ثقل في إعادة النظر في علاقة الفكر العربي بذاته وفي مساءلة إمكاناته التاريخية وفي اختبار قدرته على إنتاج مفاهيمه خارج التبعية الصامتة أو القطيعة المتسرعة. إن ما يجعل التجربة المغربية جديرة بالانتباه هو أنها لم تتعامل مع العقل باعتباره أداة محايدة بل بوصفه بنية متورطة في اللغة والتاريخ والسلطة والمعنى، ولذلك صار التفكير فيه تفكيراً في شروط إمكان الفكر ذاته.

غير أن هذا المسار على ما فيه من جرأة لم يفض إلى بناء نظرية عربية مكتملة للعقل بقدر ما أفضى إلى تعدد مشاريع كبرى تتجاور وتتقاطع وتتنازع أحياناً دون أن تندمج في نسق واحد. وتبرز هنا ثلاثة أسماء مركزية: محمد عابد الجابري، طه عبد الرحمن وعبد الله العروي. وهم ليسوا مجرد ممثلين لاتجاهات مختلفة بل هم تعبير عن ثلاث رؤى متباينة للعقل، ثلاث طرائق في مساءلته وثلاثة أفق فلسفية تتنازع تعريفه ومجاله ووظيفته.

عند الجابري العقل بنية تاريخية وجهاز مفاهيمي تشكّل داخل الثقافة العربية الإسلامية وفق شروط مخصوصة إذ لا وجود لعقل خارج التاريخ ولا لمعقولية مفارقة للسياق الذي أنتجها. ولذلك ينصرف إلى تحليل هذه البنية من الداخل فيفككها إلى أنساق: البيان والبرهان والعرفان. البيان يحكمه اللسان والنص، البرهان تؤطره آليات المنطق الأرسطي، العرفان يتأسس على الكشف والذوق. بهذا التقسيم لا يريد الجابري وصف التاريخ بل تشريح العقل ذاته كاشفاً عن آلياته الخفية وعن مواطن القوة والاختلال فيه. غير أن هذا المشروع رغم قوته التحليلية يواجه مأزقاً مزدوجاً: من جهة يُتهم بالاختزال حين يحوّل تاريخاً معقداً إلى ثلاث بنيات، ومن جهة أخرى يظل حبيس أفق إبستمولوجي يجعل من العقل البرهاني معياراً ضمنياً للتقدم وكأن مسار العقل ينبغي أن ينتهي إليه بالضرورة.

أما طه عبد الرحمن فينقض هذا الأفق من أساسه ولا يقبل اختزال العقل في الوظيفة البرهانية ولا يرى في البرهان غاية الفكر. العقل عند طه فعل أخلاقي قبل أن يكون أداة معرفية وهو لا يشتغل إلا داخل شبكة من القيم.  وهو بهذا ينقل مركز الثقل من المعرفة إلى الفعل ومن البرهان إلى المسؤولية. العقل لا يُقاس بقدرته على الاستدلال فقط بل بقدرته على التخلق. وهنا يحدث الصدام العميق مع الجابري، فإذا كان هذا الأخير يطلب تحرير العقل من العرفان لصالح البرهان، فإن طه يعيد الاعتبار لما هو أبعد من البرهان دون أن يسقط في اللاعقل بل عبر توسيع مفهوم العقل ذاته ليشمل البعد القيمي والروحي.

غير أن هذا التوسيع يثير إشكالاً حاداً، هل ما يزال العقل مفهوماً فلسفياً قابلاً للتحليل أم يتحول إلى أفق معياري يصعب الإمساك به إبستمولوجياً؟ هنا تبدو أطروحة طه أقرب إلى بناء أخلاقي منها إلى نظرية في العقل بالمعنى الدقيق. فهي تقترح كيف ينبغي أن يكون العقل أكثر مما تفسر كيف اشتغل وكيف يتشكل.

في المقابل يأتي العروي ليقلب النقاش مرة أخرى رافضاً الانشغال بالبنية الداخلية للعقل أو بمرجعيته الأخلاقية موجهاً النظر إلى التاريخ. العقل عنده لا يُفهم إلا داخل مسار الحداثة أي داخل التحول الذي عرفته أوروبا مع نشوء الدولة الحديثة والعلم الحديث والوعي التاريخي. ولا معنى للحديث عن عقل عربي مستقل ما لم يُستوعب هذا التحول. الصدام هنا مع الجابري مزدوج، فالجابري يبحث في داخل التراث عن شروط النهضة بينما العروي يرى أن الحل خارج هذا التراث في استيعاب الحداثة كما هي. والصدام مع طه أكثر عمقاً، فطه يؤسس العقل على الأخلاق بينما العروي يؤسسه على التاريخ.

هذا التباين ليس مجرد اختلاف في التفاصيل بل هو اختلاف في طبيعة السؤال نفسه. الجابري يسأل كيف اشتغل العقل العربي تاريخياً؟ وطه يسأل كيف ينبغي أن يشتغل أخلاقياً؟ والعروي يسأل كيف يمكن أن يواكب التحول التاريخي للحداثة؟ ثلاث أسئلة وثلاث زوايا وثلاث فلسفات للعقل. ويتضح أن الحديث عن “نظرية مغربية في العقل” يصطدم بهذا التعدد الجذري.

إذا انتقلنا إلى المقارنة المباشرة يظهر التوتر بوضوح أكبر، الجابري يقيم قطيعة مع العرفان لأنه يراه عائقاً أمام العقلانية بينما طه يعيد الاعتبار للبعد الروحي ولكن بصيغة أخلاقية لا صوفية تقليدية. العروي لا ينشغل بهذه الثنائية أصلاً لأنه يرى أن الإشكال ليس في العرفان أو البرهان بل في غياب الوعي التاريخي، وكل واحد منهم يشتغل داخل أفق مختلف إلى حد يجعل الحوار بينهم أقرب إلى توازي الخطوط منه إلى تقاطعها.

إن الجابري ينتمي إلى أفق إبستمولوجي وطه إلى أفق أخلاقي والعروي إلى أفق تاريخي، وهذا التوزيع يفسر لماذا لم تتشكل نظرية موحدة لأن شروط التوحيد غير متوفرة أصلاً ما دامت المفاهيم المؤسسة نفسها تختلف جذرياً.

غير أن هذا التعدد رغم غناه يكشف أيضاً عن ضعف بنيوي داخل المشروع المغربي. فبدل أن يتحول الاختلاف إلى تركيب ظل في كثير من الأحيان اختلافاً متجاوراً. لم تُبن جسور حقيقية بين هذه المشاريع ولم تُشتغل مناطق التقاطع الممكنة بينها بعمق كافٍ. وهنا يظهر القصور ليس في غياب الأفكار بل في غياب التركيب النظري.

ويمكن مقاربة هذه المشاريع من داخل بنياتها النظرية نفسها بما يسمح بإبراز حدودها وإمكاناتها في الآن ذاته. فمشروع الجابري على الرغم من طابعه النقدي يظل مشدوداً إلى تصور معياري للعقلانية يجعل من البرهان نموذجاً أعلى، وهو ما قد يُفضي بصورة غير مباشرة إلى إعادة إنتاج نوع من المركزية ذات الخلفية الغربية. أما طه عبد الرحمن فرغم العمق الفلسفي الذي يميز مشروعه فإنه يتجه أحياناً نحو توسيع دلالة العقل توسيعاً لافتاً قد يفضي إلى تمييع حدوده المفهومية. في حين أن عبد الله العروي بقدر ما يشدد على مركزية التاريخ في فهم التحولات قد يقع في نزوع حتمي يجعل من الحداثة الأوروبية أفقاً يكاد يبدو بلا بدائل ممكنة. هاته الملاحظات المتواضعة لا تنتقص من قيمة هذه المشاريع الكبيرة بل تكشف حدودها فكل مشروع يضيء جانباً ويعتم جانباً آخر وهذا ما يجعل الصورة العامة غير مكتملة.

ثم إن ثمة إشكالاً أعمق يتعلق بطبيعة الاشتغال نفسه، فالفكر المغربي انشغل طويلاً بتفكيك التراث أو بنقد الحداثة لكنه لم ينتقل بما يكفي إلى مرحلة إنتاج مفاهيم جديدة تتجاوز هذا التقابل حيث ظل التفكير يدور حول ما هو قائم أكثر مما يغامر في بناء ما لم يتشكل بعد، وهنا يكمن أحد أسباب غياب نظرية متكاملة للعقل.

كما أن العلاقة مع الفلسفة الغربية ظلت ملتبسة، فهناك استلهام واضح لكن دون إعلان صريح أحياناً، وهناك نقد لكن دون قطيعة حقيقية. هذا الوضع الوسيط جعل الفكر المغربي معلقاً بين مرجعيتين دون أن يحسم أمره بالكامل.

إلى جانب ذلك يظهر ضعف في الاشتغال الجماعي فكل مشروع يكاد يكون فردياً مرتبطاً باسم صاحبه دون أن يتحول إلى مدرسة أو تيار متكامل. وهذا ما يحد من إمكان التراكم النظري. فالنظريات الكبرى لا تبنى بأعمال فردية معزولة بل عبر حوارات ممتدة وتراكمات جماعية.

ومع ذلك لا يمكن إنكار أن الفكر المغربي أحدث تحوّلاً عميقاً في طريقة طرح سؤال العقل، لقد أخرجه من دائرة البداهة إلى دائرة الإشكال ومن التسليم إلى النقد ومن التكرار إلى الابتكار، وهذه خطوة أساسية في أي مشروع فلسفي.

غير أن التمحيص الدقيق يكشف أن هذا التعدد الذي يُقدَّم بوصفه ثراءً نظرياً يخفي في عمقه نقصاً بنيوياً لم يُصرّح به بما يكفي. فالمشاريع المغربية على اختلاف توجهاتها اشتركت في إغفال مستوى حاسم من مستويات اشتغال العقل، يتعلق بطبيعته العملية التداولية كما تبلورت داخل تقاليد الاستدلال الفقهي. ذلك أن العقل الذي اشتغل في أصول الفقه لم يكن تابعاً للبيان وحده كما صوّره الجابري ولا قابلاً للاختزال في معيار أخلاقي كما وسّعه طه عبد الرحمن ولا رهيناً حصرياً بمنطق التاريخانية كما قرّره العروي بل كان عقلاً مركباً يشتغل داخل شبكة دقيقة من العلاقات بين النص والواقع، بين العلة والحكم وبين القاعدة والاستثناء على نحو يجعل من التعقل فعلاً سياقياً لا يقبل الانضواء تحت تصنيف أحادي.

إن تغييب هذا البعد لا يكشف فقط حدود التحليل بل يكشف أيضاً عن ميل ضمني إلى إعادة بناء العقل وفق نماذج مسبقة سواء اتخذت شكل معيار إبستمولوجي أو أفق أخلاقي أو ضرورة تاريخية. فالجابري في سعيه إلى تحرير العقل أعاد توجيهه نحو نموذج معياري يضفي على البرهان سلطة ضمنية تجعله أفقاً أعلى، وهو ما يقود إلى إقصاء أشكال أخرى من التعقل دون استيعابها من الداخل. وطه عبد الرحمن في توسيعه لمفهوم العقل لم ينجُ من تحويله إلى أفق معياري مفرط يهدد بفقدان التحديد المفهومي لصالح خطاب قيمي كثيف يصعب ضبط حدوده النظرية. أما العروي فبقدر ما شدد على التاريخ بقدر ما حوّله إلى مرجعية ضاغطة تكاد تلغي إمكان التفكير خارج مسار حداثي واحد مما يجعل العقل تابعاً لأفق جاهز بدل أن يكون قادراً على مساءلته.

لا يبدو القصور في غياب الإجابة، بل في طبيعة الأسئلة التي وُضعت أصلاً. إذ ظلت هذه المشاريع تدور حول كيفية إعادة ترتيب العقل داخل أطر محددة سلفاً بدل أن تُعيد مساءلة شروط تشكّله في تعدده وتحوّله. فالعقل لم يُتناول بما يكفي بوصفه ممارسة متحركة تتشكل داخل أوضاع مختلفة بل جرى التعامل معه غالباً كموضوع قابل لإعادة البناء النظري وفق تصور كلي. وهذا ما يفسر تعثر الانتقال من التفكيك إلى التركيب ومن النقد إلى التأسيس.

ثم إن إشكال السلطة رغم حضوره الخفي لم يُفكك بالصرامة التي يقتضيها. فالعقل الذي يُعاد بناؤه داخل خطاب نقدي قد يظل خاضعاً لبنيات سلطوية غير معلنة سواء تعلقت بسلطة النموذج الغربي أو بسلطة المرجعية التراثية أو بسلطة الإطار الإيديولوجي الذي يوجّه القراءة. هذا التوتر غير المفكك يجعل العقل يتحرك داخل حدود مرسومة سلفاً حتى وهو يعلن القطيعة معها مما يضعف من إمكان تحرره الفعلي.

كما أن التحولات المعاصرة في بنية المعرفة لم يعد العقل فيها مركزاً أوحد للإنتاج المعرفي إذ تكشف أن النقاش ظل في كثير من جوانبه أسير تصور كلاسيكي للعقل، حيث لم يستوعب بعدُ التحولات التي أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة والتقنية. وهذا ما يجعل أي محاولة لبناء نظرية في العقل دون استحضار هذه التحولات محاولة ناقصة من حيث الأفق.

إن مجموع هذه الاعتبارات يفضي إلى نتيجة أولية حاسمة وهي  أن الفكر المغربي المعاصر رغم ما أظهره من قدرة عالية على التفكيك والنقد في تقديري المتواضع لم ينجح بعد في تجاوز حدوده الداخلية نحو بناء تصور تركيبي قادر على استيعاب تعدد مستويات العقل دون إخضاعها لنموذج واحد. بل ظل في كثير من الأحيان يعيد إنتاج التوتر ذاته الذي انطلق منه وإن بصيغ أكثر تعقيداً وعمقاً.

ويُظهر هذا التناول الوجيز حجم الجهد الذي راكمه الفكر المغربي المعاصر في تجديد النظر إلى مفهوم العقل حيث انتقل النقاش من التسليم بالموروث إلى مساءلته ومن استهلاك المفاهيم إلى إعادة بنائها داخل أفق نقدي متدرّج. وقد أسهم هذا المسار في إعادة صياغة العلاقة بين التراث والحداثة بما يفتح إمكانات متعددة للتفكير ويعيد للعقل موقعه المركزي داخل الفعل الثقافي العربي.

لقد قدّمت هاته المشاريع الكبرى التي انبثقت داخل هذا السياق مقاربات متكاملة من حيث اختلافها، إذ أضاء كل واحد منها جانباً نوعياً من جوانب العقل فكان التحليل البنيوي مدخلاً إلى فهم أنساقه وكان التأصيل الأخلاقي سبيلاً إلى إبراز بعده القيمي وكان الوعي التاريخي أفقاً لتحديد موقعه داخل تحولات العصر. وبهذا التعدد تشكّل رصيد معرفي غني لا يقوم على التماثل بل على التكامل ويعكس حيوية فكرية قادرة على استيعاب التعقيد دون اختزاله.

إن هذا التراكم لا يُقاس بمدى اقترابه من صياغة نموذج نظري مغلق بل بقدرته على توسيع مجال السؤال وتعميق أدوات التحليل وفتح آفاق جديدة للنظر. فقد صار العقل بفضل هذه الجهود موضوعاً للتفكير النقدي المستمر بعد أن كان يُستحضر في كثير من الأحيان ضمن مسلمات غير مفحوصة. وهذا التحول في ذاته يمثل مكسباً نوعياً لأنه يعيد الاعتبار للفلسفة بوصفها ممارسة تسائل ولا تكتفي بالإجابات الجاهزة.

كما أن هذه المشاريع رغم تباين منطلقاتها تتقاطع في خدمة غاية أعمق، تتمثل في تحرير التفكير من الجمود وإعادة وصل المعرفة بسياقاتها الحية وربط العقل بمسؤوليته الثقافية والتاريخية. وتبرز قيمتها في كونها أسهمت في بناء وعي فلسفي جديد يتعامل مع التراث بوصفه مادة للفهم ومع الحداثة بوصفها أفقاً للحوار لا باعتبارهما مجالين متعارضين بالضرورة.

ويبدو أن أهمية هذه التجربة تكمن أيضاً في قدرتها على إبقاء المجال مفتوحاً أمام مزيد من الاجتهاد حيث لم تُغلق الأسئلة بل أُعيد طرحها بصيغ أكثر عمقاً ولم تُختزل الإشكالات بل اتسعت لتشمل أبعاداً جديدة. وهذا ما يمنح الفكر المغربي طابعه الدينامي ويجعله قابلاً للاستمرار والتجدد بما يستجيب لتحولات المعرفة وتحديات العصر.

إن ما يتشكل من خلال هذه الجهود ليس مجرد تصور نظري محدود بل أفق فكري رحب تتلاقى فيه مسارات متعددة وتتكامل في ما بينها دون أن تفقد خصوصيتها. وهو أفق يتيح إمكانات واسعة لمواصلة التفكير في العقل وتعميق فهمه وتوسيع مجالات اشتغاله داخل الثقافة العربية المعاصرة.

وفي سياق تحليل البنية المعرفية للعقل العربي الحديث يتجلى أن الفكر المغربي بوصفه تجربة ثرية أسهمت في ترسيخ تقليد فلسفي جاد قائم على النقد والحوار والانفتاح ومؤهلة لأن تواصل عطائها في بناء تصور أكثر نضجاً واتساعاً للعقل في ضوء ما تحقق من تراكم وما يُنتظر من تجديد.

***

د. حمزة مولخنيف

 

مقاربة نقدية

مقدمة: كتابة التاريخ ليست مجرد تسجيل للأحداث، بل هي فعل فلسفي يعكس رؤية المؤرخ للعالم، للإنسان، وللعلاقة بين الحقيقة والسلطة. في قلب هذا الفعل يقوم توتر أساسي: بين المؤرخ «الأحر» الذي يسعى للاستقلال الفكري والموضوعية النقدية، وبين المؤرخ «الموالي» الذي يرى نفسه ملتزماً بمشروع أيديولوجي أو سياسي أو ديني أو وطني. هذا التوتر ليس مجرد خلاف مهني، بل هو مواجهة فلسفية عميقة تتعلق بطبيعة الحقيقة التاريخية، دور المؤرخ، وعلاقة المعرفة بالسلطة. هذه الدراسة تقدم مقاربة نقدية معمقة وموسعة لهذا التوتر، محاولة تفكيك المواقف الفلسفية لكلا الفريقين، وكشف نقاط القوة والضعف في كل منهما، واستخلاص النتائج الإبستمولوجية والأخلاقية والاجتماعية المترتبة عليهما. الهدف ليس الحكم الأخلاقي المطلق، بل إبراز كيف أن كلا الموقفين يحملان في طياتهما تناقضات داخلية تجعل كتابة التاريخ دائماً عرضة للتشويه، سواء كان تشويهاً باسم «الحرية» أو باسم «الالتزام». فكيف يمكن استثمار التوتر الفلسفي الموجود في قلب كتابة التاريخ؟ وما الفرق بين كتابة المؤرخين الأحرار والموالين؟

أولاً: تعريف المصطلحين وأصولهما الفلسفية

المؤرخ الحر هو ذلك الذي يفترض استقلالاً نسبياً عن السلطة السياسية أو الأيديولوجية أو الدينية، ويعتبر مهمته البحث عن «الحقيقة التاريخية» بأدوات نقدية محايدة قدر الإمكان. فلسفياً، يستند إلى تراث يعود إلى هيرودوت وثوكيديدس، مروراً بابن خلدون الذي شدد على النقد والتحليل العقلي، وصولاً إلى المؤرخين «الليبراليين» الحديثين الذين يرون التاريخ كعملية عقلانية قابلة للفهم الموضوعي. يؤمن بأن المؤرخ يجب أن يكون «قاضياً» أو «محققاً» يفصل بين الواقع والأسطورة، حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة السلطة أو الرأي العام. أما المؤرخ الموالي فهو الذي يرى نفسه جزءاً من مشروع أكبر – سواء كان دينياً (كالمؤرخين الذين يكتبون تاريخ الخلافة بمنطق الدفاع عن الصحابة)، أو قومياً (كمن يمجد التاريخ الوطني لتعزيز الهوية)، أو أيديولوجياً (كالمؤرخين الماركسيين الملتزمين أو الموالين للنظام). فلسفياً، يستند إلى فكرة أن التاريخ ليس محايداً أبداً، بل هو أداة للصراع الاجتماعي أو الديني أو السياسي. يرى أن «الالتزام» ليس عيباً بل فضيلة، لأن التاريخ يجب أن يخدم غاية عليا: التعبئة، التبرير، أو الحفاظ على الوحدة الجماعية.

ثانياً: الموقف الفلسفي للمؤرخين الأحرار

يستند المؤرخون الأحرار إلى فلسفة «الموضوعية النسبية» أو «النقدية». يؤمنون بأن التاريخ يمكن أن يُكتب بطريقة تقترب من الحقيقة إذا تم تطبيق منهج نقدي صارم يفحص المصادر، يقارن الروايات، ويكشف التناقضات. هذا الموقف يرى أن المؤرخ ليس «خادماً» لأي سلطة، بل «حارساً» للحقيقة. فلسفياً، يعتمدون على فكرة أن الإنسان قادر على الارتفاع فوق تحيزاته الشخصية من خلال البرهان العقلي والنقد الذاتي. يرفضون «الغائية» التاريخية (أن التاريخ يسير نحو غاية مسبقة)، ويؤكدون على الصدفة، الإرادة الحرة، والعوامل المعقدة. قوتهم تكمن في القدرة على كشف الأساطير الرسمية، وتقديم روايات بديلة تُثري الوعي الجماعي. لكن ضعفهم يكمن في وهم «المحايدة الكاملة»: فالمؤرخ الحر، مهما ادعى الاستقلال، يظل محكوماً بسياقه الثقافي والطبقي والزمني، وقد يتحول نقده إلى تدمير للهوية الجماعية دون تقديم بديل إيجابي.

ثالثاً: الموقف الفلسفي للمؤرخين الموالين

يرى المؤرخون الموالون أن التاريخ ليس بحثاً عن «الحقيقة المجردة» بل عن «الحقيقة الوظيفية». يؤمنون بأن كل رواية تاريخية هي بالضرورة ملتزمة، وأن الادعاء بالحياد هو نفسه موقف أيديولوجي خفي. فلسفياً، يستلهمون فكرة أن التاريخ «سلاح» في الصراع الاجتماعي أو الديني أو الوطني. مهمة المؤرخ إذن هي صياغة السرد التاريخي بطريقة تخدم الوحدة، التعبئة، أو الدفاع عن المشروع الجماعي. قوتهم تكمن في القدرة على منح التاريخ معنى أخلاقياً وسياسياً، وفي ربط الماضي بالحاضر بطريقة تجعل التاريخ «حياً» ومؤثراً في الواقع. يستطيعون أن يحولوا التاريخ إلى أداة للبناء الوطني أو الديني. أما ضعفهم فيكمن في خطر التحول إلى «دعاية» منظمة: فالالتزام قد يؤدي إلى تشويه الوقائع، إسكات الأصوات المخالفة، وصناعة أساطير تُقدس السلطة. عندما يصبح المؤرخ «موالياً» تماماً، يفقد قدرته على النقد الذاتي، فيصبح التاريخ أداة لتبرير الاستبداد أو الجمود.

رابعاً: دور التاريخ في الدعاية السياسية: بين صناعة السرد وتشويه الذاكرة الجماعية

يمكن اعتبار التاريخ سلاح سياسي، فهو ليس مجرد سجل محايد للأحداث الماضية، بل هو بناء سردي يُعاد صياغته باستمرار ليخدم أغراضاً معاصرة. في قلب هذا البناء يقف دور التاريخ في الدعاية السياسية، حيث يتحول الماضي إلى أداة قوية لتبرير السلطة الحاضرة، تعبئة الجماهير، تشويه الخصوم، أو صناعة هوية جماعية تُعزز الولاء. الدعاية السياسية لا تكتفي باستخدام الحاضر أو المستقبل؛ إنها تستدعي الماضي لأنه يمنح الشرعية العميقة، فالتاريخ يُقدم كـ«دليل» على «حق» السلطة أو «خطأ» الخصم. هذا الدور ليس حديثاً، بل يعود إلى أقدم الحضارات، لكنه اكتسب قوة هائلة في العصر الحديث مع ظهور وسائل الإعلام الجماهيرية والدولة الحديثة. المقاربة النقدية تكشف أن التاريخ في الدعاية يتحول غالباً من بحث عن الحقيقة إلى «دعاية تاريخية» ، يُعاد فيها كتابة الأحداث أو انتقاؤها أو تفسيرها بطريقة تخدم الغاية السياسية. هذه الدراسة تفكك هذا الدور في أبعاده الفلسفية والآلية والاجتماعية، مع أمثلة تاريخية توضح كيف يُستغل التاريخ كسلاح في الصراع على السلطة والوعي الجماعي.

- الطبيعة الفلسفية للعلاقة بين التاريخ والدعاية:

فلسفياً، يقوم التوتر على سؤال أساسي: هل التاريخ يصف «ما حدث» أم يُبنى ليخدم «ما يجب أن يكون»؟ المؤرخون الأحرار يرون التاريخ بحثاً نقدياً عن الحقيقة، بينما يرى الموالون (أو الدعائيون) أنه أداة للصراع. الدعاية السياسية تستغل هذا الطابع البنائي للتاريخ لأن الماضي يمنح «الشرعية التاريخية»: السلطة الحالية تُقدم نفسها كامتداد طبيعي لمجد الماضي أو كمصحح لأخطائه. ابن خلدون في «المقدمة» يُبرز أن التاريخ غالباً ما يُكتب تحت تأثير العصبية والسلطة، فيصبح أداة لتبرير الدولة أو تشويه الخصوم. الدعاية تحول التاريخ إلى «سرد مهيمن» يُقصي الروايات البديلة. هذا التحويل يعتمد على آليات فلسفية:

الاختزال: تقليص الأحداث المعقدة إلى ثنائيات بسيطة (خير/شر، بطل/خائن).

الغائية: تقديم التاريخ كمسيرة نحو غاية مسبقة (مثل «التقدم» أو «الثورة» أو «العودة إلى المجد»).

الانتقائية: اختيار الحقائق التي تخدم الرسالة وإسكات ما يناقضها.

هكذا يصبح التاريخ ليس مرآة للماضي، بل مرآة مشوهة للحاضر.

- تستخدم الدعاية التاريخ بعدة آليات عملية وفعالة:

صناعة الأساطير والأبطال الوطنيين: يُحول التاريخ إلى قصص بطولية تبني هوية جماعية. مثال: في العديد من الدول، يُقدم التاريخ الوطني كسلسلة انتصارات وتضحيات تُبرر الولاء للنظام الحالي. الدعاية تُمجد شخصيات تاريخية وتتجاهل جوانبها المظلمة لتصنع «أيقونات» تخدم التعبئة.

التعديل التاريخي: إعادة تفسير الأحداث لتبرير سياسات حالية. مثل: تقديم حروب سابقة كـ«دفاعية» أو «تحريرية» لتبرير حروب جديدة، أو تقليل جرائم النظام السابق لتعزيز الاستمرارية. هذا يشمل إنكار أو تقليل بعض المذابح أو المجاعات إذا كانت تتعارض مع السرد الرسمي.

الدعاية السلبية ضد الخصوم: استخدام التاريخ لتشويه الآخر: تقديم الخصم كامتداد لـ«أعداء تاريخيين» (مثل ربط خصم حالي بـ«الاستعمار» أو «الخيانة التاريخية»). هذا يثير العواطف ويُبرر القمع أو الحرب.

الدعاية في زمن الحروب والأزمات: خلال الحروب، يُستخدم التاريخ لرفع الروح المعنوية («نحن شعب انتصر دائماً») أو لإثارة الخوف («العدو يريد تكرار مآسي الماضي»). في الحرب العالمية الثانية، استخدم النازيون تاريخاً مشوهاً عن «اليهود» لتبرير الاضطهاد، بينما استخدم الحلفاء تاريخ «الديمقراطية» لتعبئة الشعوب.

في العصر الرقمي: الدعاية التاريخية أصبحت أسرع وأوسع انتشاراً عبر وسائل التواصل، حيث تُنشر مقاطع فيديو أو ميمز تُعاد صياغة التاريخ بسرعة للتأثير على الرأي العام.

- أمثلة تاريخية توضح الدور:

في العصور القديمة: الفراعنة والرومان استخدموا النقوش والتماثيل لتصوير الملوك كمنتصرين أبديين، حتى لو كانت الحروب هزائم.

في العصر الحديث: النازية بنت دعايتها على رواية تاريخية عن «العرق الآري» و«الخيانة اليهودية». الاتحاد السوفييتي أعاد كتابة تاريخ الثورة ليُمجد ستالين. في بعض الدول العربية، يُستخدم التاريخ الإسلامي المبكر لتبرير أنظمة معاصرة أو لتعبئة ضد «الآخر».

في الحقبة المعاصرة: بعض الدول تستخدم روايات تاريخية عن «الاستعمار» لتبرير سياسات داخلية، أو عن «المجد الإمبراطوري» لتعزيز القومية.

- الآثار الاجتماعية والأخلاقية

دور التاريخ في الدعاية يؤدي إلى: تفكك الثقة الجماعية: عندما يُكتشف التشويه، يفقد الناس الثقة في التاريخ كمرجع مشترك.

تعميق الانقسام: روايات متضاربة تُقسم المجتمع إلى معسكرات.

خطر الاستبداد: الدعاية التاريخية تُبرر القمع باسم «الدفاع عن التاريخ» أو «الوحدة الوطنية».

إعاقة الاستفاقة: بدلاً من التعلم من الماضي، يُستخدم لتبرير الأخطاء الحالية.

دور التاريخ في الدعاية السياسية يكشف عن قوة الماضي كأداة للسيطرة على الحاضر. لكن هذا الدور ليس قدراً محتوماً. الاستفاقة تتطلب تاريخاً نقدياً يرفض الدعاية، يعتمد على البرهان العقلي، ويُقدم روايات متعددة تثري الوعي لا تُقسمه. المؤرخ الحقيقي ليس أداة دعاية ولا مدمراً للهوية، بل وسيطاً بين الماضي والمستقبل يساعد المجتمع على التعلم دون تكرار الأخطاء. في عصر الإعلام الرقمي الذي يُسرع من انتشار السرديات المشوهة، يصبح الوعي بنوعية استخدام التاريخ في الدعاية شرطاً أساسياً للحرية الفكرية والاجتماعية. التاريخ يجب أن يظل مرآة صادقة للإنسانية، لا أداة لخداعها. فكيف نصل الى كتابة تاريخ نقدي يقاوم الدعاية؟

خامسا: المقارنة النقدية – التناقضات والتداخلات

عند المقارنة النقدية، نكتشف أن الفرق بين الفريقين ليس مطلقاً بل نسبياً، وأن كلاً منهما يحمل بذور نقيضه: في قضية الموضوعية: المؤرخ الحر يدعي الموضوعية لكنه قد يخفي تحيزاته الليبرالية أو الطبقية. المؤرخ الموالي يرفض الموضوعية صراحة لكنه قد يصل إلى حقائق مهمة عندما يدافع عن مشروع يحمل قيماً إيجابية.

في قضية الالتزام: الأحرار يرون الالتزام خيانة للحقيقة، بينما الموالون يرونه واجباً أخلاقياً. النقد الحقيقي يكشف أن كل مؤرخ ملتزم بطريقة ما – حتى الأحرار ملتزمون بقيم الحرية والنقد.

في قضية السلطة: الأحرار يسعون للاستقلال عن السلطة، لكنهم قد يصبحون أدوات لسلطة «السوق» أو «الإعلام». الموالون يخدمون السلطة مباشرة، لكنهم قد يستخدمون التاريخ لمواجهة سلطة أخرى.

التناقض الأعمق يكمن في أن كلا الفريقين يفترضان أن التاريخ يمكن أن يُكتب «بشكل صحيح»، بينما الواقع يثبت أن كتابة التاريخ دائماً «بناء» جزئي، محكوم بالسياق والغاية. النقد الحقيقي إذن يرفض الثنائية الصارمة، ويدعو إلى «موقف نقدي ملتزم» يجمع بين الحرية النقدية والالتزام الأخلاقي بالحقيقة والعدالة.

سادساً: الآثار الإبستمولوجية والاجتماعية للتوتر

هذا التوتر يؤثر في ثلاثة مستويات:

إبستمولوجياً: يجعل الحقيقة التاريخية دائماً محل نزاع، مما يثري المعرفة لكنه يفتح الباب للتشكيك المطلق أو الدعاية.

أخلاقياً: يطرح سؤالاً أساسياً: هل يحق للمؤرخ أن يكذب «لصالح» مشروع أكبر؟ أم أن الكذب يفسد التاريخ نفسه؟

اجتماعياً: يؤدي إلى انقسام المجتمع بين روايات رسمية وروايات مضادة، مما يُضعف الثقة الجماعية في التاريخ كمرجع مشترك.

خاتمة:

في النهاية، لا يوجد مؤرخ «حر» تماماً ولا مؤرخ «موالٍ» تماماً. كلاهما يمثلان وجهين للتناقض الإنساني نفسه: الرغبة في الحقيقة والرغبة في المعنى. المقاربة النقدية الحقيقية ترفض الوقوف عند أحد الطرفين، وتدعو إلى موقف فلسفي يجمع بين الاستقلال النقدي والالتزام الأخلاقي: مؤرخ يعرف أن التاريخ بناء، لكنه يسعى إلى أن يكون بناءً صادقاً ومنصفاً. هذا الموقف هو الذي يحول التاريخ من أداة سلطة أو من أداة هدم إلى أداة وعي وتحرر. التوتر بين الأحرار والموالين ليس عيباً، بل هو الدليل الحي على أن كتابة التاريخ فعل إنساني حي، يتجدد باستمرار كلما سعى المؤرخ إلى التوازن بين الحرية والمسؤولية. لكن نصل الى اتخاذ موقف فلسفي نقدي متوازن في كتابة التاريخ؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

إشكالية الهيمنة الثقافية في عالم متغير

” حين تتحول الليبرالية من حارسة لحرية التعبير إلى رقيبة على الضمير، ومن فلسفة للتسامح إلى أداة للإقصاء الأخلاقي، فإنها لا تفقد مصداقيتها فحسب، بل تكشف عن وجه جديد للهيمنة الثقافية يرتدي قناع الفضيلة “.

” ليست ثقافة الإلغاء دفاعاً عن القيم، بل إعلاناً عن نهاية التسامح حين يتحول الاختلاف إلى جريمة، والحرية إلى امتياز مشروط “ (الكاتب).

- المقدمة:

شكلت الليبرالية الغربية، منذ عصر التنوير، أحد أهم الأسس الفكرية التي قامت عليها قيم الحداثة، وعلى رأسها حرية التعبير، والتعددية، واحترام الاختلاف. وقد مثلت هذه القيم مرجعية أخلاقية وفلسفية للنظام العالمي المعاصر، وأسهمت في ترسيخ صورة الغرب بوصفه حاملاً لمشروع إنساني كوني. غير أن التحولات الثقافية والسياسية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، ولا سيما في سياق العولمة الثقافية والرقمية وصعود أزمة سياسات الهوية، أفرزت مفارقة لافتة، إذ بدأت هذه القيم ذاتها تُوظف أحياناً في اتجاه مغاير لغاياتها الأصلية.

وفي هذا الإطار، برزت ظاهرة " ثقافة الإلغاء " بوصفها إحدى أبرز تجليات هذا التحول، حيث انتقل الخطاب من الدفاع عن التسامح إلى ممارسة أشكال جديدة من الإقصاء الأخلاقي والرمزي. ومن هنا تبرز إشكالية هذا المقال، التي تتمثل في تحليل التحولات السوسيولوجية التي تشهدها الليبرالية الغربية، واستشراف أثرها في إعادة تشكيل الخريطة الثقافية العالمية.

أولاً- من حرية التعبير إلى أمان التعبير (تحول المفهوم الليبرالي): شهدت المجتمعات الغربية تحولاً ملحوظاً في مفهوم حرية التعبير، حيث باتت الأولوية تمنح لما يُعرف " بأمان التعبير "، أي تجنب الخطابات التي قد تشعر الأفراد أو الجماعات بالتهديد أو الإقصاء. وقد برز هذا التحول بوضوح داخل الجامعات والمؤسسات الثقافية، التي تحولت من فضاءات للحوار الحر إلى بيئات تفرض معايير أخلاقية صارمة على الخطاب العام. وفي هذا السياق، يرى بعض النقاد أن حماية الحساسيات الاجتماعية، رغم مشروعيتها الأخلاقية، قد تتحول إلى آلية رقابية تقيد التفكير النقدي.

ومن منظور سوسيولوجي، يمكن تفسير هذه الظاهرة في إطار صعود أزمة سياسات الهوية، حيث أصبحت الاعتبارات المرتبطة بالجندر والعرق والثقافة مركزية في تشكيل المجال العام. ومع أن هذه التحولات أسهمت في تصحيح مظالم تاريخية، فإنها أفضت في بعض الحالات إلى ما يعرف " بالإقصاء الأخلاقي "، حيث يتم نزع الشرعية عن الآراء المخالفة بدلاً من مناقشتها، الأمر الذي يهدد التوازن بين الحرية والمسؤولية.

ثانياً- ازدواجية المعايير في السياسة الدولية: تتجلى إشكالية الليبرالية الغربية أيضاً في ممارساتها على المستوى الدولي، حيث يلاحظ وجود تفاوت في تطبيق مبادئ حرية التعبير وحقوق الإنسان تبعاً للاعتبارات الجيوسياسية. ففي الوقت الذي يتم فيه الدفاع عن هذه القيم بوصفها مبادئ كونية، تطبّق بصورة انتقائية عندما تتعارض مع المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى. وقد أدى هذا التناقض إلى تآكل المصداقية الأخلاقية للخطاب الليبرالي، وأثار انتقادات واسعة، لا سيما في دول الجنوب العالمي.

ويعكس هذا الواقع ما وصفه بعض منظري ما بعد الاستعمار " بالمعيار المزدوج "، حيث تتحول القيم الإنسانية إلى أدوات رمزية للهيمنة الناعمة. ونتيجة لذلك، أخذت الشعوب غير الغربية تنظر إلى الخطاب الليبرالي بوصفه خطاباً انتقائياً، يفتقر إلى الاتساق بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية.

ثالثاً- تسييس الجوائز الثقافية وإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية: لم يقتصر هذا التحول على المجال السياسي، بل امتد إلى الحقول الثقافية والفنية، حيث أصبحت الجوائز الأدبية والمعارض الفنية تعكس، في بعض الأحيان، توجهات إيديولوجية تتجاوز معايير الإبداع الفني. وقد أدى هذا التسييس إلى التشكيك في استقلالية المؤسسات الثقافية العالمية، وإلى تصاعد الانتقادات بشأن دورها في إعادة إنتاج الهيمنة الرمزية.

ويمكن قراءة هذه الظاهرة في ضوء " نظرية رأس المال الرمزي " عند الفرنسي بيير بورديو، التي تفترض أن الفعل الثقافي لا ينتج داخل فراغ محايد، بل داخل حقل اجتماعي تحكمه علاقات قوة غير مرئية تحدد من يمتلك الشرعية الرمزية ومن يُحرم منها. فالمؤسسات الثقافية ومن بينها دور النشر، الأكاديميات، والجوائز الدولية لا تمارس دوراً تقييمياً صرفاً قائماً على " القيمة الجمالية والفنية " فقط، بل تشارك في إعادة إنتاج البنية الهرمية نفسها التي توزع الاعتراف والشرعية داخل النظام الثقافي العالمي.

ومن هذا المنظور، تصبح الجوائز الدولية آليات معقدة لـتراكم وتوزيع رأس المال الرمزي، حيث لا يقاس " التميز والإبداع " بمعايير فنية خالصة فحسب، بل يتداخل مع معايير غير معلنة ترتبط باللغة، والموقع الجغرافي، والانتماء الثقافي، وحتى القابلية للاندماج داخل السردية الثقافية المهيمنة. وبذلك، تتحول هذه الجوائز إلى ما يشبه " بوابات اعتراف " تحدد من يُمنح حق الحضور في المركز ومن يترك على هامشه.

وتتجلى هنا دقة التحليل في فهم أن المركزية الثقافية الغربية لا تُمارَس بوصفها فعلاً مباشراً أو قسراً صريحاً، بل من خلال إنتاج معايير معرفية وجمالية تتخذ طابعاً كونياً مفترضاً، بينما هي في الواقع مشروطة تاريخياً بسياقات تشكل الحقل الثقافي الغربي. فهذه المعايير تقدم باعتبارها محايدة وموضوعية، في حين أنها تحمل ضمن بنيتها التكوينية أثراً ممتداً لمسارات تاريخية من التفوق الرمزي وإعادة إنتاجه داخل النظام الثقافي العالمي.

وفي هذا السياق، لا يقصى الإنتاج الثقافي القادم من فضاءات الجنوب عبر المنع، بل عبر إدخاله في شبكة من الشروط غير المعلنة للاعتراف، حيث يطلب منه أن يخضع لعمليات إعادة صياغة دلالية وجمالية تضمن قابليته للاندماج داخل الأفق المعياري للمركز. وبذلك، يصبح الاعتراف الثقافي مشروطاً بمدى توافق التجربة الإبداعية مع البنية الرمزية المهيمنة، لا بخصوصيتها الذاتية أو اختلافها الجذري.

وهكذا، لا تعكس الجوائز الدولية مجرد تقدير للإبداع، بل تجسد أيضاً آلية لفرز الرموز الثقافية وإعادة توزيع الاعتراف العالمي، بما يعزز استمرار تفاوتات رمزية بين المركز والأطراف، حتى في ظل خطاب العولمة الثقافية الذي يفترض المساواة والتعددية.

رابعاً- الفلسفة ضد الممارسة (مفارقة الأخلاق الليبرالية): تُدرّس الجامعات الغربية أعلام الفكر الأخلاقي الذين جعلوا من " الآخر " محوراً للإنسانية، إلا أن الممارسة الواقعية تكشف أحياناً عن تناقض بين المثال الفلسفي والتطبيق العملي. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الفلسفة الأخلاقية على الانفتاح والحوار، تشهد بعض المؤسسات الأكاديمية حالات من الإقصاء الرمزي أو " الاغتيال المعنوي " لمن يطرح تساؤلات نقدية حول قضايا حساسة.

ويمثل هذا التناقض مفارقة بنيوية داخل المشروع الليبرالي المعاصر، إذ تتجاذبه نزعتان متعارضتان الأولى نزعة إنسانية تسعى إلى حماية الكرامة الفردية، وأخرى إيديولوجية تميل إلى فرض معايير فكرية محددة. ونتيجة لذلك، يتقلص الفضاء النقدي الذي شكل تاريخياً جوهر الفكر الغربي الحديث.

ومن منظور (نقدي – سوسيولوجي)، يمكن لنا فهم هذه المفارقة باعتبارها تعبيراً عن تحول داخلي في بنية الليبرالية نفسها، من كونها مشروعاً لتحرير المجال العمومي من الإكراهات السلطوية، إلى كونها جهازاً ناعماً لإدارة الاختلاف وضبطه ضمن حدود معيارية جديدة. فبدل أن تُمارس الحرية بوصفها قدرة مفتوحة على مساءلة كل أشكال السلطة، يتم إعادة تعريفها ضمن إطار أخلاقي مؤسساتي يحدد مسبقاً ما يعتبر مقبولاً وما يعد انحرافاً عن " الإجماع القيمي ".

وهنا تتجلى آليات الهيمنة الرمزية، حيث لا يلغى الصوت المخالف بشكل مباشر، بل يفرغ من شرعيته عبر وصمه أخلاقياً أو تصنيفه كتهديد للفضاء العام، مما يؤدي إلى إنتاج شكل جديد من الانضباط الفكري غير المرئي. وبهذا المعنى، لا يعود تقلص الفضاء النقدي مجرد نتيجة ظرفية، بل مؤشراً على إعادة تشكيل بنيوية للعلاقة بين الحرية والمعرفة داخل الحداثة المتأخرة، حيث يتداخل الخطاب التحرري مع منطق الضبط الرمزي في صيغة تبدو متناقضة لكنها فاعلة في آن واحد.

خامساً- نحو تعددية ثقافية عالمية (صعود مراكز بديلة): إن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر أعادت طرح سؤال الريادة الثقافية في سياق تاريخي جديد، يتجاوز ثنائية المركز والهامش التي هيمنت طويلاً على المشهد المعرفي العالمي. فقد أسهمت العولمة الثقافية، بما رافقها من ثورة رقمية وتوسع في شبكات الاتصال، في تفكيك احتكار الغرب للإنتاج المعرفي، وفتحت المجال أمام ظهور فاعلين جدد في آسيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي. ولم يعد إنتاج المعرفة حكراً على المؤسسات الغربية، بل بات فضاءً كونياً تتقاطع فيه الرؤى والتجارب، بما يعكس انتقال العالم من مرحلة الهيمنة الثقافية الأحادية إلى مرحلة التعددية الحضارية.

ويمكن تفسير هذا التحول في ضوء نظرية الحقول الثقافية، التي تؤكد أن المعرفة ليست نتاجاً محايداً، بل تتشكل ضمن علاقات القوة والهيمنة الرمزية. وقد ساهمت التحولات الاقتصادية والجيوسياسية في إعادة توزيع رأس المال الثقافي والرمزي، الأمر الذي أتاح للمجتمعات غير الغربية إعادة إنتاج ذاتها معرفياً، والتحرر تدريجياً من المركزية الأوروبية. وفي هذا السياق، لم يعد " الهامش " مجرد متلقٍ للمعرفة، بل أصبح منتجاً لها وشريكاً في صياغة الخطاب العالمي، مما يعكس تحولاً بنيوياً في طبيعة النظام الثقافي الدولي.

كما يمكن قراءة هذه الظاهرة في إطار نظرية ما بعد الاستعمار، التي سعت إلى تفكيك أنماط الهيمنة المعرفية وإعادة الاعتبار لأصوات الجنوب العالمي. فقد دعا مفكرو هذا التيار إلى " تحرير المعرفة " من النزعة المركزية الغربية، وإلى الاعتراف بتعدد مصادر الحقيقة. وهكذا، لم يعد العالم يعيش ضمن نموذج معرفي واحد، بل ضمن فسيفساء حضارية تتكامل فيها الخبرات الإنسانية، بما يعزز من إمكانات الحوار والتفاعل الخلاق بين الثقافات.

وتعزز هذه التحولات أطروحة الانتقال من " العولمة " إلى " التعددية الكونية "، حيث لم تعد العولمة تعني فرض نموذج ثقافي مهيمن، بل أصبحت فضاءً لتفاعل النماذج الحضارية المختلفة. وقد أدى هذا التحول إلى نشوء ما يمكن تسميته " بالعولمة متعددة المراكز "، وهي مرحلة تاريخية تتسم بإعادة توزيع السلطة الرمزية والمعرفية على نطاق عالمي، بحيث تتقاسمها قوى ثقافية متنوعة مثل الصين وروسيا. وبهذا المعنى، يتراجع مفهوم " المركز " بوصفه سلطة مطلقة، ليحل محله مفهوم " الشبكة الحضارية " القائمة على التفاعل والتكافؤ.

وعلى المستوى المعرفي، أفضت هذه التحولات إلى بروز أنماط جديدة من إنتاج المعرفة، تقوم على التداخل بين التخصصات، وتستفيد من الإمكانات التي تتيحها الثورة الرقمية. فقد أتاحت المنصات الإلكترونية والجامعات العالمية المفتوحة ووسائل النشر الرقمية فضاءات بديلة للتعبير الفكري، مما أسهم في دمقرطة المعرفة وتحريرها من القيود الجغرافية والمؤسساتية. ونتيجة لذلك، أصبح المثقف في دول الجنوب قادراً على مخاطبة العالم مباشرة، دون الحاجة إلى المرور عبر الوسائط التقليدية التي كانت تهيمن عليها المراكز الغربية.

ومن الناحية الفلسفية، يعكس هذا التحول بروز نموذج جديد يمكن تسميته " بالإنسانية التعددية "، وهو نموذج يقوم على الاعتراف المتبادل بين الثقافات، ويرفض ادعاء التفوق الحضاري أو احتكار الحقيقة. ويمثل هذا الاتجاه امتداداً معاصراً لفكرة " حوار الحضارات "، حيث تصبح الاختلافات الثقافية مصدراً للإثراء المعرفي بدلاً من أن تكون سبباً للصراع أو الهيمنة. وهنا يتبلور أفق أخلاقي جديد يرسخ مبدأ العدالة المعرفية، ويعيد الاعتبار للتنوع بوصفه شرطاً للإبداع والتقدم الإنساني.

وإبداعياً، يمكن القول إن العالم يشهد تشكل " جغرافيا معرفية جديدة "، تتوزع فيها مراكز الإشعاع الثقافي بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. ولم تعد الريادة الثقافية امتيازاً جغرافياً ثابتاً، بل أصبحت نتاجاً لقدرة المجتمعات على إنتاج معرفة نقدية أصيلة قادرة على التفاعل مع القضايا الإنسانية الكبرى. وفي هذا الأفق، يتجه النظام الثقافي العالمي نحو نموذج تعددي قائم على التكامل والتفاعل، لا على الإقصاء أو الاحتكار.

وعليه، فإن الانتقال من أحادية المركز إلى تعددية الأقطاب الثقافية لا يمثل مجرد تحول جغرافي في مراكز الإنتاج المعرفي، بل يشكل إعادة صياغة عميقة لمفهوم الثقافة ذاته. إنه انتقال من ثقافة الهيمنة إلى ثقافة الحوار، ومن مركزية الصوت الواحد إلى تعددية الأصوات، ومن احتكار المعنى إلى ديمقراطية المعرفة. وبذلك تتشكل ملامح نظام ثقافي عالمي أكثر توازناً وإنسانية، يقوم على التفاعل الخلاق بين الحضارات، ويؤسس لعصر جديد تكون فيه المعرفة جسراً للتفاهم لا أداة للسيطرة.

- خلاصة القول: يتضح من التحليل السابق أن الغرب يعيش مفترق طرق تاريخياً، حيث تواجه الليبرالية المعاصرة تحدياً بنيوياً يتمثل في التوفيق بين حماية الحريات الفردية والحفاظ على فضاء مفتوح للنقاش النقدي. فقد تحولت، في بعض تجلياتها، من مظلة تحمي التعددية إلى أداة قد تفرض نمطية فكرية جديدة، الأمر الذي يهدد جوهرها الإنساني.

وهكذا ندرك في هذا السياق التحليلي - النقدي كيف تحولت الليبرالية من فلسفة تحمي التعددية إلى إيديولوجيا تقنن الإقصاء، ومن درع لحرية التعبير إلى محكمة أخلاقية تصادر الاختلاف، تنكشف مفارقة الحداثة الغربية في أبهى صورها، إذ يدان الفكر باسم الفضيلة، ويحاصر النقد باسم العدالة، وتعاد صياغة الهيمنة الثقافية ببلاغة إنسانية ناعمة. عندها لا تغدو ثقافة الإلغاء دفاعاً عن الكرامة بقدر ما تصبح إعلاناً عن زمن يحتفى فيه بالصمت بوصفه حكمة، وبالامتثال بوصفه فضيلة، وبالإقصاء بوصفه شكلاً جديداً من أشكال التسامح.

غير أن هذا المأزق لا يعني أفول المشروع الليبرالي بالمطلق، بل يفتح المجال لإعادة مراجعته وتطويره بما يضمن اتساقه مع مبادئه الأصلية. وفي الوقت ذاته، فإن استمرار هذه التناقضات قد يسهم في بروز مراكز ثقافية بديلة في الشرق والجنوب العالمي، تعيد تشكيل الخريطة الفكرية الدولية على أسس أكثر عدلاً وتوازناً.

لكننا بالمقابل نجد أن الليبرالية الغربية تجاوزت حدود شعاراتها المزخرفة عن الحرية والتعددية، لتصبح اليوم آلة إقصاء ممنهجة، تصادر الاختلاف باسم الفضيلة، وتقتل النقاش باسم العدالة. الأزمة السياسية الراهنة أظهرت أن من يخالف السردية الرسمية لا يجرم فكرياً فحسب، بل يلغى اجتماعياً ومؤسساتياً، ويصل هذا الإقصاء إلى كل شخص يجرؤ على طرح رأي مختلف، حتى لك أنت كمثال حي على هشاشة الحرية المزعومة.

ما يحدث اليوم ليس مجرد سوء تطبيق للقيم الليبرالية، بل انقلابها على ذاتها، لأن مؤسسات كانت حارسة للحقوق الإنسانية صارت أدوات لتكريس الهيمنة، والحرية التي يفترض أنها قيمة أساسية صارت امتيازاً مشروطاً. فمن يحيد عن الرواية الرسمية يحاصر، يسحب منه الدعم، ويسكت، بينما يكرم من ينسجم مع الأجندة السياسية. هذا الانقلاب يجعل من ثقافة الإلغاء سلاحاً سياسياً لا يقل خطورة عن أي قمع مباشر.

وبالتالي، فإن مستقبل الفكر والريادة الثقافية لن يحدد بعدد الجوائز أو سلطة المراكز الغربية، بل بقدرة المجتمعات على إنتاج فضاءات بديلة تحمي حرية التعبير، تعزز الاختلاف، وتعيد للمعرفة والإنسان قيمتهما الحقيقية. فالشرعية لن تقاس بالهيمنة أو القوة، بل بمدى قدرة الفكر على خدمة الإنسان وصون كرامته، بعيداً عن الإقصاء السياسي والفكري.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

لم تعد العلاقة بين الدين والسياسة في العالم المعاصر مجرد مسألة تاريخية أو خلاف ايديولوجي بين تيارات فكرية متنافسة، بل اصبحت اشكالية بنيوية تمس جوهر الدولة الحديثة وطبيعة الشرعية السياسية وحدود السلطة العامة. فالواقع السياسي في عدد كبير من المجتمعات يكشف عن استمرار حضور الدين ليس بوصفه منظومة روحية او اخلاقية فردية، بل بوصفه موردا رمزيا يستخدم في انتاج الشرعية السياسية وتوجيه المجال العام واعادة تشكيل الهوية الجماعية.

هذه الاشكالية لا يمكن فهمها من خلال ثنائية مبسطة من نوع “علمانية مقابل دين، لان هذه الثنائية تخفي تعقيدا اعمق يتعلق بكيفية تشكل الدولة نفسها، وكيفية توزيع السلطة داخل المجتمع، وكيف تعرف الحقيقة العامة: هل هي نتاج توافق بشري قابل للنقد؟ ام انها امتداد لحقيقة متعالية مفروضة على المجال السياسي؟ يصبح النقاش فلسفيا بالاساس، لا سياسيا فقط. اذ ان السؤال الجوهري ليس: هل يجب ان يكون الدين حاضرا في السياسة ام لا؟ بل: ما طبيعة المجال السياسي ذاته؟ وهل هو مجال للمعنى المطلق ام مجال للتدبير البشري النسبي؟

في الفلسفة السياسية الحديثة، خاصة منذ تشكل الدولة الحديثة في اوروبا، جرى التمييز تدريجيا بين مجالين: مجال الايمان بوصفه علاقة بين الانسان والمطلق، ومجال السياسة بوصفه تنظيما للعلاقات بين البشر داخل مجتمع تعددي. هذا التمييز لم يكن عدائيا تجاه الدين، بل كان محاولة لحماية المجالين معا من التداخل الذي يؤدي تاريخيا الى العنف او الاحتكار الرمزي للحقيقة. يمكن العودة هنا الى تقاليد العقد الاجتماعي عند توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، حيث يتم تصور الدولة بوصفها عقدا بشريا يقوم على التوافق، لا على التفويض الالهي المباشر. عند لوك خصوصا، يظهر مبدأ اساسي: الدولة لا تملك سلطة على الضمائر، لان الضمير مجال لا يخضع للاكراه. ومن هذا التصور تتشكل لاحقا الفكرة العلمانية عن حياد الدولة تجاه المعتقدات.

لكن العلمانية، في معناها الفلسفي الدقيق، ليست مجرد فصل ميكانيكي بين الدين والسياسة، بل هي اعادة تعريف لمصدر الشرعية: الشرعية لم تعد تأتي من السماء مباشرة، بل من المجتمع نفسه، عبر آليات التمثيل والتوافق والقانون. وهذا التحول هو الذي سمح بتأسيس مفهوم المواطنة بوصفها هوية سياسية تتجاوز الانقسامات الدينية.غير ان هذا التحول لم يكن سلسا ولا مكتملًا في كل السياقات التاريخية. فالعلاقة بين الدين والسياسة ظلت تعود باشكال مختلفة، خصوصا في المجتمعات التي لم تمر بنفس مسار الحداثة الاوروبية، او التي شهدت اختلالات في بناء الدولة الوطنية الحديثة. في هذه السياقات، غالبا ما يتم استدعاء الدين ليس فقط كمرجعية اخلاقية، بل كاداة لتثبيت السلطة او مقاومة الاستعمار او تعبئة الجماهير.

لكن هذا الاستدعاء، رغم سياقاته التاريخية، يحمل في داخله توترا بنيويا: كلما تم ادخال الدين في المجال السياسي بوصفه مصدرا مباشرا للشرعية، كلما تحول من فضاء مفتوح للتأويل الروحي الى اداة معيارية مغلقة تستخدم لتحديد من هو الداخل ومن هو الخارج” داخل الجماعة السياسية. تحديدا تظهر الاشكالية الفلسفية الاساسية: حين يتحول الدين الى معيار سياسي، فانه يفقد جزءا من طبيعته الرمزية التأويلية، ويتحول الى خطاب سلطوي. وفي المقابل، حين تتحول السياسة الى خطاب ديني، فانها تفقد طابعها التعددي وتتحول الى منظومة يقينيات مغلقة.

هذا التداخل لا يؤدي فقط الى ازمة في الحكم، بل الى ازمة في المعرفة السياسية نفسها. اذ يصبح من الصعب التمييز بين النقد بوصفه ممارسة عقلانية، وبين الاعتراض بوصفه خروجا على المقدس. وهنا يتم تعطيل المجال النقدي الذي يعد شرطا اساسيا لاي نظام سياسي حديث.في هذا الواقع يمكن استدعاء تصور ماكس فيبر للسلطة، حيث يميز بين ثلاثة انماط للشرعية: التقليدية، الكاريزمية، والقانونية العقلانية. الدولة الحديثة، في صورتها المثالية، تقوم على الشرعية القانونية العقلانية، اي على منظومة قواعد عامة غير مرتبطة بشخص او نص مقدس بعينه، بل مرتبطة باجراءات قابلة للفحص والمساءلة. اما ادخال الدين في السياسة بشكل مباشر، فيعيد انتاج انماط شرعية تقليدية او كاريزمية، حيث تصبح السلطة مرتبطة بالمقدس او بالشخص او بالتأويل الاحتكاري للحقيقة.

من جهة اخرى، فان الفلسفة السياسية الليبرالية الحديثة، خاصة عند جون رولز، حاولت معالجة هذه الاشكالية عبر مفهوم العقل العام. هذا المفهوم يفترض ان القرارات السياسية التي تمس الجميع يجب ان تبرر باسباب يمكن ان تكون مقبولة من جميع المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم الدينية او الفلسفية. بمعنى اخر، يتم ازاحة اللغة الدينية الخاصة من المجال التشريعي لصالح لغة مشتركة قابلة للتداول العام.لكن هذا لا يعني اقصاء الدين من الحياة العامة، بل يعني فقط انه لا يمكن ان يكون المصدر الوحيد او النهائي للتشريع السياسي في مجتمع تعددي. فالتعددية هنا ليست حالة طارئة، بل هي بنية دائمة للمجتمع الحديث، حيث تتعايش رؤى مختلفة للخير والحقيقة.عندما يتم تجاهل هذا البعد التعددي، ويفرض تصور واحد للحقيقة داخل المجال السياسي، تظهر انماط من الانقسام الحاد داخل المجتمع، حيث تتحول السياسة الى صراع هويات لا الى تنافس برامج. في هذه الحالة، لا يعود الاختلاف السياسي اختلافا مشروعا، بل يعاد تفسيره بوصفه انحرافا اخلاقيا او دينيا.

هذا التحول له اثار خطيرة على بنية الدولة. اولا، يؤدي الى اضعاف مفهوم المواطنة، لان الانتماء يصبح مرتبطا بالهوية الدينية او الطائفية بدل الانتماء القانوني. ثانيا، يؤدي الى تآكل فكرة المساواة، لان بعض الجماعات تعتبر اقرب الى الحقيقة او الشرعية من غيرها. ثالثا، يؤدي الى شلل المجال العام، لان النقاش يتحول الى تبادل للاتهامات بدل تبادل للحجج.اضافة الى ذلك، فان تسييس الدين يخلق ما يمكن تسميته بـ”الشرعية المحصنة”، اي شرعية لا يمكن نقدها دون التعرض للتكفير السياسي او الاخلاقي. هذه الحالة تقضي على احد اهم انجازات الحداثة السياسية: امكانية مساءلة السلطة دون خوف.

لكن المشكلة لا تتوقف عند السياسة فقط، بل تمتد الى الدين نفسه. اذ ان تحويل الدين الى اداة سياسية يؤدي الى تشويهه من الداخل، لانه ينقله من مجال المعنى والروح الى مجال الصراع والمصلحة. في هذه اللحظة، يفقد الدين جزءا من قدرته على تقديم معنى متجاوز للصراع اليومي، ويصبح جزءا من هذا الصراع نفسه.وهذا ما يجعل العلاقة بين الدين والسياسة علاقة توتر دائم، وليست علاقة انسجام طبيعي. فكل طرف يحاول اعادة تعريف الاخر وفق منطقه الخاص: السياسة تحاول تحويل الدين الى اداة شرعية، والدين في صورته المؤسسية يحاول توجيه السياسة نحو نموذج معين من النظام الاجتماعي. تظهر العلمانية ليس بوصفها موقفا عدائيا من الدين، بل بوصفها تقنية تنظيمية للسلطة تهدف الى منع الاحتكار الرمزي للحقيقة. انها ليست فلسفة ضد الدين، بل فلسفة ضد تحويل اي منظومة فكرية، دينية كانت او غير دينية، الى سلطة سياسية مطلقة.

غير ان العلمانية نفسها ليست نموذجا واحدا. فهناك العلمانية الفرنسية (اللائكية) التي تميل الى فصل صارم بين الدين والدولة، واحيانا الى تقليص حضور الدين في المجال العام. وهناك العلمانية الليبرالية الانجلوساكسونية التي تسمح بحضور الدين في المجال العام طالما لا يفرض على الاخرين. وهناك نماذج اخرى في العالم غير الغربي تحاول التوفيق بين المرجعيات الدينية والدولة الحديثة، لكنها غالبا تواجه تحديات في ضبط حدود السلطة والمعنى.

في الواقع العربي والافريقي خصوصا، تتعقد الاشكالية اكثر بسبب عوامل تاريخية تتعلق بتشكل الدولة الحديثة بعد الاستعمار، وضعف المؤسسات، واستمرار البنى الاجتماعية التقليدية. في هذه الحالة، يصبح الدين احيانا احد اهم مصادر الشرعية السياسية، ليس فقط بسبب الايمان، بل بسبب ضعف البدائل المؤسسية القادرة على انتاج شرعية عقلانية مستقرة.لكن هذا الاستخدام، رغم وظيفته السياسية، يخلق دائرة مغلقة: كلما زاد الاعتماد على الشرعية الدينية، ضعفت المؤسسات القانونية، وكلما ضعفت المؤسسات، زادت الحاجة الى الشرعية الدينية، مما يعمق الازمة بدل حلها.يمكن فهم العلمانية ليس كخيار ثقافي مستورد، بل كحل تنظيمي لمشكلة شرعية داخل الدولة الحديثة كيف يمكن ادارة مجتمع تعددي دون اللجوء الى احتكار الحقيقة؟ وكيف يمكن الحفاظ على وحدة الدولة دون الغاء اختلاف المجتمع؟

الاجابة لا تكمن في اقصاء الدين، بل في اعادة تحديد مجاله الدين كخبرة فردية وجماعية في المعنى والاخلاق، والسياسة كفضاء للتدبير المشترك القابل للمساءلة. هذا الفصل لا يعني القطيعة، بل يعني التمييز الضروري الذي يمنع التداخل المدمر.ان التوتر بين الدين والسياسة ليس خللا يمكن القضاء عليه نهائيا، بل هو توتر بنيوي ملازم للمجتمعات البشرية. لكن طريقة ادارة هذا التوتر هي ما يحدد شكل الدولة: دولة مفتوحة تقوم على التعدد والمساءلة، او دولة مغلقة تقوم على احتكار الحقيقة.كلما اقتربت الدولة من النموذج الاول، كلما اصبح الدين اكثر حرية في معناه الروحي، والسياسة اكثر عقلانية في ادواتها. وكلما اقتربت من النموذج الثاني، حدث العكس يتحول الدين الى اداة صراع، وتتحول السياسة الى عقيدة مغلقة، وتضيق مساحة الانسان بينهما.

***

زكريا - نمر

هي: العزلة، التمركز والمديح الذاتي

مقدمة: تمثل علل الحضارة الغربية المعاصرة وأمراض الإنسان الحديث محوراً فلسفياً عميقاً يكشف عن تناقضات التحديث الذي بدأ بثورة كاتيرزيسية جذرية. فمنذ أن أعلن ديكارت في «التأملات» أن «أنا أفكر إذن أنا موجود» ، أصبحت الذات الفردية المفكرة مركز الكون، وتحولت الفلسفة من تأمل في العالم إلى تأكيد مطلق للذات المستقلة. هذه المقاربة الكاتيرزيسية – التي نعتمدها هنا ليس كمدح بل كأداة تشخيصية نقدية – تكشف كيف أن الشك المنهجي الديكارتي، والثنائية بين العقل والجسد، والفردانية المطلقة، أنتجت حضارة تُمجد الذات على حساب الجماعة والمعنى والوجود المشترك. في هذه الدراسة، نركز على ثلاثة أمراض رئيسية أصبحت سمة الإنسان المعاصر في الحضارة الغربية: العزلة (الانفصال عن الآخر والعالم)، والتمركز حول الذات (الذي يجعل الفرد محور كل شيء)، والمديح الذاتي (النرجسية التي تحول الوجود إلى عرض مستمر للذات). هذه الأمراض ليست عرضية، بل هي نتاج منطقي للكاتيرزيسية التي فصلت الذات عن الواقع، وجعلتها مصدراً وحيداً للحقيقة. سنستعرض هذه العلل بتفصيل تاريخي ووجودي واجتماعي، مع التركيز على كيفية تحول المنهج الكاتيرزيسي من أداة تحرر معرفي إلى مصدر للاغتراب الإنساني. إن هذه المقاربة ليست رفضاً للحداثة الغربية برمتها، بل تشخيصاً جذرياً لأمراضها الداخلية التي تهدد الإنسانية جمعاء. فماهي علل الحضارة؟ وكيف يتخلص الانسان المعاصر من أمراضه؟

الجذور الكاتيرزيسية: من الشك المنهجي إلى عزلة الذات

تبدأ علل الحضارة الغربية في اللحظة الكاتيرزيسية الأولى، حين قرر ديكارت أن يشك في كل شيء – الحواس، العالم الخارجي، حتى الله – ليصل إلى يقين واحد: الذات المفكرة. هذا الشك لم يكن بريئاً؛ إنه فصل جذري بين «أنا» و«العالم» ، مما جعل الذات معزولة في برجه العاجي من الوعي. أصبح العالم مجرد امتداد مادي يُقاس ويُسيطر عليه، والآخر مجرد موضوع للشك أو الاستخدام. هذا المنهج أنتج حضارة تُمجد الفرد المستقل، لكنه دفع الإنسان إلى العزلة الوجودية. في عصر التنوير، تحول الكاتيرزيس إلى أساس للعلمانية والرأسمالية: الإنسان «المحرر» من التقاليد أصبح وحيداً أمام السوق والدولة.  كانط حاول تعديل هذا المنهج بـ«نقد العقل»، لكنه أبقى الذات مركزاً أخلاقياً مطلقاً. هيغل حاول الجمع بين الذات والتاريخ، لكن النيتشوية والوجودية اللاحقة أعادت التأكيد على «الإنسان الأعلى» الذي يخلق قيمه بنفسه. هكذا، أصبحت الكاتيرزيسية أساساً لأمراض العزلة والتمركز، حيث يرى الإنسان نفسه ككون صغير منفصل عن الكون الكبير.

العزلة: مرض الإنسان المعاصر في عالم التقنية والمدن

تُعتبر العزلة أول أمراض الإنسان المعاصر الذي أنتجته الحضارة الغربية. في المقاربة الكاتيرزيسية، العزلة ليست مجرد شعور شخصي بل بنية وجودية: الذات التي شككت في كل شيء أصبحت وحيدة أمام نفسها. في العصر الحديث، تتجلى هذه العزلة في المدن الكبرى التي تُحيط بالإنسان بملايين الأجساد لكنها تُفرغه من أي ارتباط حقيقي. التقنية – التي بدأت كأداة ديكارتية للسيطرة على الطبيعة – أصبحت اليوم شاشات وشبكات اجتماعية تجعل التواصل وهماً: الإنسان يتحدث مع «أصدقاء» افتراضيين لكنه يعيش في فراغ عاطفي. هذه العزلة اقتصادية أيضاً: الرأسمالية الكاتيرزيسية تحول الفرد إلى وحدة إنتاجية منفصلة، يتنافس وحده في سوق عمل لا يعرف الولاء. اجتماعياً، أدى تفكك الأسرة والمجتمعات التقليدية – نتيجة الثورة الصناعية والفردانية – إلى جيل يعاني من «الوحدة الوبائية»، حيث يشعر الملايين بالاغتراب رغم الاتصال الدائم. وجودياً، أصبح الإنسان المعاصر مثل «الرجل الطافي» عند ابن سينا، لكنه بدون يقين إلهي: معلق في فراغ يبحث عن معنى في ذاته المعزولة. هذه العزلة ليست عرضاً، بل علة حضارية تجعل الإنسان عرضة للقلق والاكتئاب، وتُفرغ الحضارة من روحها الجماعية.

التمركز حول الذات: الإنسان كمركز الكون

ثاني الأمراض هو التمركز حول الذات، الذي يجد جذوره المباشرة في الكاتيرزيس. ديكارت جعل «الأنا» نقطة البداية والنهاية لكل معرفة، فأصبح العالم تابعاً للذات. في الحضارة الغربية، تحول هذا إلى أيديولوجيا: الليبرالية تجعل الفرد مركز الحقوق، والرأسمالية تجعله مركز الاستهلاك، والثقافة الاستهلاكية تجعله مركز الرغبة. الإنسان المعاصر يرى العالم من خلال «أنا» فقط: العلاقات أداة لإشباع الذات، والطبيعة مورد للاستغلال، والآخر مجرد مرآة تعكس صورته. هذا التمركز يظهر في الأزمات البيئية (الإنسان يدمر الكوكب لأنه يراه امتداداً لاحتياجاته)، وفي الأزمات الاجتماعية (الفرد يرفض أي قيد جماعي يحد من حريته المطلقة). فلسفياً، أدى إلى «موت الآخر» في الفكر الحديث: من سارتر الذي رأى الآخر «جحيماً» إلى ما بعد الحداثة التي حللت كل هوية إلى ذات فردية. النتيجة حضارة أنانية تُنتج مجتمعات مفككة، حيث يصبح التعاون مستحيلاً لأن كل فرد يرى نفسه مركزاً مطلقاً. هذا المرض يُفرغ الإنسان من التعاطف والتضامن، ويحول الحياة إلى صراع دائم من أجل «الأنا».

المديح الذاتي: النرجسية كثقافة حضارية

أما المديح الذاتي (النرجسية)، فيُشكل الذروة المنطقية للكاتيرزيس. الذات التي أكدت وجودها بالتفكير أصبحت تحتاج إلى تأكيد مستمر من العالم. في عصر السوشيال ميديا – الذي هو امتداد تقني للكوجيتو  – أصبح الإنسان يعيش ليُصور نفسه ويُمدحها. الـ«لايك» والـ«فولو» هما اليقين الجديد: الذات لا تكتفي بأنها موجودة، بل تحتاج إلى أن تُعجب وتُحسد.

هذا المديح الذاتي حضاري: الثقافة الغربية تُروج لـ«السعادة الذاتية» والـ«تحقيق الذات» كغاية عليا، فأصبح الإنسان يُقيم نفسه بمعايير النجاح المادي والشهرة. النرجسية ليست مرضاً فردياً بل وباء حضاري ينتج مجتمعات سطحية، حيث يُفضل الظهور على الوجود، والصورة على الحقيقة. في الاقتصاد، يتحول المستهلك إلى «نرجسي» يشتري ليُثبت قيمته. في السياسة، يصبح الزعيم «نرجسياً» يرى الشعب امتداداً لذاته. هذا المرض يُدمر العلاقات الحقيقية، ويُفرغ الحياة من المعنى، ويجعل الإنسان أسيراً لصورته الذاتية.

التداعيات الحضارية: أزمة المعنى والانهيار الداخلي

تؤدي هذه الأمراض الثلاثة إلى أزمة حضارية شاملة: فقدان المعنى، انهيار الروابط الاجتماعية، وانتشار القلق الوجودي. الحضارة الغربية التي بنيت على الكاتيرزيس أصبحت تُنتج إنساناً معزولاً، متمركزاً، نرجسياً، يبحث عن السعادة في الاستهلاك والتقنية لكنه يجد الفراغ. هذا الانهيار الداخلي يظهر في ارتفاع معدلات الانتحار، الاكتئاب، والتطرف، وفي أزمات ديمقراطية حيث يرفض الأفراد أي سلطة جماعية. في النهاية، كشفت الكاتيرزيسية عن حدّها: الذات المطلقة لا تستطيع أن تحمل لوحدها عبء الوجود. الحضارة الغربية، رغم إنجازاتها التقنية، تعاني من علل داخلية تجعلها غير قادرة على تقديم نموذج إنساني كامل.

خاتمة

في ضوء المقاربة الكاتيرزيسية، تُشخص علل الحضارة الغربية وأمراض الإنسان المعاصر – العزلة، التمركز، والمديح الذاتي – كنتائج حتمية للمنهج الذي جعل الذات محور الكون. هذه الأمراض ليست نهاية التاريخ، بل دعوة لتجاوز الكاتيرزيس نحو رؤية أكثر توازناً تجمع بين الذات والآخر، والفرد والجماعة، والعقل والروح. إن تشخيص هذه العلل يفتح آفاقاً لإعادة بناء حضارة إنسانية تتجاوز الفردانية المطلقة، وتعيد الإنسان إلى عالمه المشترك. في عصرنا هذا، يظل السؤال الكاتيرزيسي قائماً: هل نستطيع أن نفكر خارج «الأنا»؟ الإجابة تكمن في قدرتنا على مواجهة أمراضنا بصدق، والبحث عن يقين يتجاوز الذات المعزولة نحو وجود مشترك أكثر إنسانية. فهل تعاني الحضارة الشرقية من نفس الأمراض والعلل؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في حدود المفاضلة بين نموذجين فلسفيين مغربيين

تنهض الكتابة الفلسفية في المغرب الحديث على توتر خفيّ لا يهدأ، توتر يتخلل طبقات القول والمعنى ويعيد تشكيل العلاقة بين الفكر ومصادره وبين الذات ومرجعياتها وبين التاريخ وأفقه الممكن. داخل هذا الأفق المضطرب تتجاذب العقلَ رؤيتان تتنازعان مشروعيته وحدوده ووظيفته، رؤية تراهن على النقد باعتباره أفقا للتحرر من سلط الإكراه الرمزي وأخرى تشدّ الفكر إلى مجال الأمان الائتماني حيث تتأسس العلاقة مع المعنى على مقتضيات الوفاء والمسؤولية. هنا تتكشف معالم مفاضلة دقيقة لا تقوم على مجرد اختلاف في المصطلح بل تنغرس في عمق تصور الإنسان لذاته ولموقعه في العالم.

لقد استقر في تقاليد الفلسفة أن العقل لا يُفهم إلا في سياق اشتغاله وأنه يتعين من خلال ما ينجزه من عمليات التفكيك والتركيب والنقد والتأسيس والهدم والبناء. غير أن التجربة المغربية المعاصرة أفرزت حساسية خاصة في التعامل مع هذا المفهوم حيث لم يعد العقل مجرد أداة محايدة بل صار موضوع مساءلة في ذاته ومجالا للصراع بين إمكانات متعارضة. في هذا السياق يلوح العقل النقدي باعتباره امتدادا لروح حداثية تؤمن بأن تحرير الفكر يمر عبر مساءلة المسلمات وتقويض البنيات التي تستبطن الهيمنة. يذكّرنا هذا الأفق بما قرره كانط حين جعل من النقد شرطا لإمكان المعرفة إذ لا قيمة لعقل لا يمتحن حدوده ولا يختبر مشروعيته. كما يستعيد صدى عبارة فوكو حين اعتبر النقد فنا لعدم الامتثال أي تمرينا دائما على خلخلة ما يبدو بديهيا.

غير أن هذا الأفق نفسه لا يخلو من توترات إذ قد ينزلق النقد إلى شكل من العدميّة المقنّعة حيث يغدو الهدم غاية في ذاته ويستحيل العقل إلى آلة تفكيك لا تنتج غير الفراغ. عند هذه العتبة يبرز التصور الائتماني بوصفه محاولة لإعادة توجيه العقل نحو أفق أخلاقي حيث لا ينفصل التفكير عن المسؤولية ولا ينفك القول عن مقتضيات الأمانة. إن هذا المنظور يستبطن تصورا مغايرا للإنسان لا باعتباره ذاتا مكتفية بذاتها بل كائنا منخرطا في شبكة من العلائق التي تؤسس وجوده وتحدد معناه. ويتردد هنا صدى قول الغزالي حين ربط العلم بالعمل وجعل المعرفة التي لا تثمر سلوكا نوعا من الغرور المعرفي. كما نجد امتدادا لهذا المعنى في التراث الصوفي حيث المعرفة الحقة تقترن بالتحقق فلا قيمة لعلم لا يتحول إلى حال.

بين هذين الأفقين يتشكل سؤال المفاضلة لا بوصفه اختيارا بسيطا بين بديلين جاهزين بل باعتباره امتحانا لقدرة الفكر على استيعاب تعقيد التجربة. فالعقل النقدي يحرر غير أن تحرره قد يفضي إلى نوع من التيه إن لم يُضبط بأفق قيمي. والعقل الائتماني يؤسس للمعنى غير أن تشديده على الوفاء قد ينقلب إلى محافظة تكبح إمكان التجديد. وتنشأ الحاجة هنا إلى تفكير يتجاوز منطق التقابل الحاد دون أن يسقط في التلفيق السهل.

إن ما يميز اللحظة الفلسفية المغربية المعاصرة هو هذا السعي الحثيث إلى إعادة بناء العلاقة مع التراث دون الوقوع في أسر التقديس أو القطيعة. ويستعاد في هذا السياق قول ابن رشد إن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له ليؤكد أن العقل في جوهره قدرة على الجمع بين ما يبدو متنافرا. كما يستحضر قول الشاطبي حين جعل مقاصد الشريعة قائمة على حفظ الكليات التي بها قوام الحياة في إشارة إلى أن التفكير لا ينفصل عن رعاية المصالح الإنسانية.

غير أن المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني تظل رهينة بمدى قدرتنا على إدراك أن كل نموذج يحمل في طياته إمكاناته وحدوده. فالنقد الذي لا يستند إلى أفق أخلاقي قد يتحول إلى ممارسة شكلية، والائتمان الذي لا يفسح المجال للمساءلة قد ينغلق على ذاته. لذلك يبدو أن الرهان الحقيقي لا يكمن في ترجيح أحدهما على الآخر بقدر ما يكمن في ابتكار صيغة فكرية قادرة على استيعاب توترهما الخلاق.

ويغدو السؤال عن العقل سؤالا عن الإنسان ذاته، عن قدرته على التوازن بين الحرية والمسؤولية وبين الجرأة في التفكير والوفاء للمعنى. وتتجدد الحاجة إلى كتابة فلسفية تنبض بقلق السؤال وتقاوم غواية الإجابات الجاهزة وتفتح الفكر على إمكانات لا تنتهي.

ويتخذ النظر في ثنائية العقل النقدي والعقل الائتماني في السياق المغربي المعاصر طابعا يتجاوز حدود الجدل الاصطلاحي إذ ينفتح على مساءلة أعمق تمس بنية الوعي العربي الحديث وتعيد طرح السؤال حول الكيفية التي يتحدد بها موقع الفكر بين مقتضيات التحرر وإكراهات الانتماء. فالعقل هنا لا يُستدعى باعتباره مفهوما مجردا أو أداة صورية بل بوصفه تجربة تاريخية متعينة تتشكل داخل شبكة من المرجعيات الثقافية والدينية والسياسية وتخضع لرهانات متعددة تتقاطع فيها إرادة الفهم مع إرادة التغيير.

إن استحضار نموذج العقل النقدي يفضي مباشرة إلى استعادة مشروع فكري راهن على إعادة بناء العلاقة مع التراث من داخل أفق حداثي حيث يصبح النقد أداة لتفكيك البنيات المعرفية التي ترسخت عبر قرون من التراكم وتحولت إلى أنماط جاهزة في التفكير والتأويل. هذا الأفق يجد جذوره في تقاليد فلسفية عميقة حيث ارتبط العقل منذ بداياته الإغريقية بفعل التساؤل وارتبطت قيمته بقدرته على خلخلة المألوف وكشف ما يتخفى وراء البداهة. يقول سقراط في محاورات أفلاطون إن الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تعاش، في إشارة إلى أن قيمة الوجود الإنساني تقاس بمدى انخراطه في فعل النقد.

غير أن هذا المعنى يكتسب في التجربة المغربية دلالة خاصة حيث يتداخل النقد مع سؤال الهوية ويغدو تحرير العقل رهانا على تحرير الذات من أشكال التبعية التي تسربت إلى بنيتها المعرفية. ويستعيد الفكر النقدي الحديث أطروحة أنطونيو غرامشي حول الهيمنة الثقافية حيث لا تفرض السلطة سيطرتها بالقوة المادية فحسب بل من خلال إنتاج أنماط من التفكير تجعل الخضوع يبدو طبيعيا. من هنا يصبح النقد فعلا تحرريا بامتياز، يسعى إلى كشف الآليات الخفية التي تُعيد إنتاج التقليد في صور جديدة.

على هذا الأساس، يتأسس العقل النقدي على جملة من المبادئ التي تمنحه طابعه الخاص، أولها مركزية السؤال، حيث لا يُقبل أي معطى دون إخضاعه للفحص والتمحيص. وثانيها النزوع إلى التفكيك، أي تحليل البنيات المعرفية إلى عناصرها الأولية من أجل الكشف عن شروط تشكلها. وثالثها الإيمان بإمكان التقدم، حيث ينظر إلى التاريخ باعتباره مسارا مفتوحا على إمكانات متعددة وليس مجرد تكرار لنماذج ماضية. في هذا الإطار يلتقي هذا التصور مع ما قرره هيغل حين اعتبر أن العقل يتجلى في التاريخ وأن مسار الروح يقوم على تجاوز أشكال الوعي السابقة نحو أشكال أكثر اكتمالا.

غير أن هذا التصور على ما فيه من قوة تفسيرية لا يخلو من إشكالات عميقة، إذ يثير سؤالا حرجا يتعلق بحدود النقد ذاته. فهل يمكن للعقل أن يمارس نقده دون أن يستند إلى مرجعية ما؟ وهل يمكن للتفكيك أن يستمر إلى ما لا نهاية دون أن يفضي إلى فراغ قيمي؟ تتكشف هنا إحدى المفارقات الكبرى التي تواجه المشروع النقدي حيث يجد نفسه مطالبا بتبرير أسسه دون أن يقع في تناقض مع منطقه الداخلي. يشير نيتشه إلى أن كل فلسفة تخفي وراءها إرادة قوة في إشارة إلى أن الادعاء بالحياد قد يخفي نوعا من التحيز غير المعلن.

في مقابل هذا يبرز نموذج العقل الائتماني باعتباره محاولة لإعادة تأسيس التفكير على قاعدة أخلاقية حيث لا ينفصل العقل عن القيم التي توجهه ولا يُفهم إلا في سياق علاقته بالغير وبالعالم. إن هذا التصور ينطلق من نقد جذري للعقل الأداتي الذي اختزل الإنسان في بعده الوظيفي وحول المعرفة إلى وسيلة للسيطرة بدل أن تكون سبيلا للفهم. هنا يتردد صدى نقد هيدغر للحداثة حين اعتبر أن التقنية الحديثة ليست مجرد أدوات بل نمط في الكشف يحول الكائن إلى مورد قابل للاستغلال.

ويتأسس العقل الائتماني على فكرة الأمانة حيث يُنظر إلى الإنسان باعتباره كائنا مؤتمنا على الوجود مسؤولا عن أفعاله ومعانيه. هذا المعنى يجد جذوره في التراث الإسلامي حيث ورد في القرآن الكريم أن الإنسان حمل الأمانة التي أبت السماوات والأرض أن يحملنها في إشارة إلى ثقل المسؤولية التي تلازم وجوده. كما يتجلى في قول الإمام علي إن قيمة كل امرئ ما يحسنه، حيث ترتبط قيمة الإنسان بما يقدمه من عمل يعكس وفاءه لمقتضيات الأمانة.

إن هذا التصور يعيد تعريف العقل بوصفه قوة أخلاقية قبل أن يكون أداة معرفية، حيث لا يكتفي بالفهم بل يسعى إلى تحقيق المعنى في الواقع. ويصير التفكير فعلا وجوديا يتجاوز حدود التأمل النظري لينخرط في بناء عالم أكثر عدلا وإنسانية. يقول كانط إن العقل العملي يمنح الإنسان كرامته إذ يجعله قادرا على الفعل وفق مبادئ يختارها بحرية. غير أن العقل الائتماني يذهب أبعد من ذلك حيث لا يكتفي بتأكيد الحرية بل يربطها بالمسؤولية فيصبح الفعل الأخلاقي تعبيرا عن وعي الإنسان بموقعه في شبكة العلاقات التي تحيط به.

ويتحدد الفرق بين النموذجين في طبيعة العلاقة التي يقيمانها مع العالم. فالعقل النقدي يميل إلى اتخاذ مسافة من موضوعه بحيث يسعى إلى تحليله من الخارج، بينما ينخرط العقل الائتماني في علاقة تفاعلية حيث يصبح الفهم جزءا من تجربة العيش. هذا الفرق ينعكس على طبيعة المعرفة التي ينتجها كل منهما وتميل المعرفة النقدية إلى الطابع التحليلي، بينما تتجه المعرفة الائتمانية نحو البعد التركيبي الذي يراعي تعقيد التجربة الإنسانية.

غير أن هذا التمايز لا ينبغي أن يُفهم في إطار تقابل تبسيطي، إذ يحمل كل نموذج في داخله عناصر قوة وضعف. فالعقل النقدي على ما فيه من قدرة على التحرر قد ينزلق إلى نوع من التعالي الذي يفصل الفكر عن الواقع، بينما قد يتحول العقل الائتماني إلى شكل من المحافظة إذا لم يفسح المجال للنقد. لذلك يبدو أن الرهان الحقيقي يكمن في استثمار التوتر بينهما بدل السعي إلى حسمه.

ويمكن استحضار تجربة الفكر الإسلامي الكلاسيكي حيث لم يكن هناك فصل حاد بين العقل والأخلاق، بل كان الفقيه والفيلسوف يجمع بين النظر والعمل وبين التأمل والممارسة. يقول الشافعي إن العلم ما نفع، في إشارة إلى أن المعرفة التي لا تثمر عملا تبقى ناقصة. كما يؤكد ابن عربي أن العلم الحقيقي هو ما يورث الخشية حيث ترتبط المعرفة بالتحول الداخلي للإنسان.

إن استعادة هذا الأفق لا تعني العودة إلى الماضي بل استلهام إمكاناته في بناء تصور جديد للعقل يتجاوز الاختزال الذي فرضته بعض القراءات الحديثة. في هذا الإطار يصبح التفكير في المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني مدخلا لإعادة طرح السؤال حول طبيعة الحداثة نفسها وحول الكيفية التي يمكن بها تحقيق توازن بين متطلبات التحرر ومقتضيات المعنى.

إن ما يميز هذه المفاضلة هو أنها لا تنحصر في المجال النظري بل تمتد إلى مختلف أبعاد الحياة، حيث تؤثر في طريقة فهمنا للسياسة والاقتصاد والثقافة. فالعقل النقدي يدفع نحو مساءلة البنيات القائمة، بينما يدعو العقل الائتماني إلى إعادة بنائها على أساس قيمي. وتتجلى هنا أهمية هذا النقاش بحيث لا يتعلق الأمر باختيار نموذج فكري فحسب بل بتحديد ملامح المشروع الحضاري الذي نسعى إلى بنائه.

على هذا النحو يتضح أن المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني ليست مسألة نظرية خالصة بل هي سؤال وجودي يتعلق بكيفية عيشنا للعالم وبالطريقة التي نفهم بها أنفسنا والآخرين. وتظل الحاجة قائمة إلى تفكير عميق قادر على استيعاب تعقيد هذه الإشكالية دون الوقوع في اختزال أو تبسيط ودون الارتهان إلى إجابات جاهزة تغلق باب السؤال.

ينكشف النظر في هذا الأفق عند مستوى أعمق حين يُستأنف السؤال عن إمكان تركيبٍ يتجاوز مجرد التنازع بين العقل النقدي والعقل الائتماني إذ يغدو الرهان منصبا على مساءلة الشروط التي تسمح بقيام عقل يملك قدرة التحرير دون أن يفقد حسّ المسؤولية ويؤسس للمعنى دون أن ينغلق داخل يقينيات مكتملة. ذلك أن التجربة الفكرية المغربية لم تتشكل في فراغ بل انبثقت من تماس حاد بين ميراث ثقيل وتراث متعدد الطبقات وبين صدمة حداثة حملت معها مفاهيم جديدة حول الذات والعالم فكان لا بد من إعادة بناء الجهاز المفهومي بما يتيح استيعاب هذا التعقيد.

إن استعادة الأفق النقدي في هذا السياق لا تعني تكرار النموذج الغربي في صيغته الكلاسيكية بقدر ما تفترض إعادة تأويله من داخل شروط مخصوصة. فالنقد الذي دعا إليه كانط لم يكن مجرد تقنية في التفكير بل كان مشروعا لتحديد حدود العقل، أي وضعه موضع مساءلة دائمة تمنعه من التحول إلى سلطة مطلقة. غير أن انتقال هذا المشروع إلى السياق العربي جرى في كثير من الأحيان عبر اختزال حيث تحول النقد إلى أداة لرفض التراث دون مساءلة الشروط التي أنتجته فوقع نوع من الانفصال بين الفكر ومرجعياته، وهو ما نبه إليه محمد عابد الجابري حين أكد أن القطيعة الإبستمولوجية لا تعني الانفصال عن الذات بل إعادة بنائها على أسس جديدة.

غير أن هذا الأفق نفسه اصطدم بمحدودية لا يمكن تجاهلها إذ إن تفكيك البنيات المعرفية لا يكفي لإنتاج بديل قادر على الاستمرار ما لم يُستند إلى رؤية تتجاوز التحليل إلى التأسيس. هنا يبرز دور العقل الائتماني باعتباره محاولة لتجاوز هذه المحدودية بحيث ينطلق من فرضية أن الإنسان لا يمكن أن يعيش داخل فراغ قيمي وأن كل فعل معرفي ينطوي بالضرورة على بعد أخلاقي سواء أُعلن عنه أم ظل كامنا. يشير طه عبد الرحمن إلى أن العقل إذا لم يُهذَّب بالأخلاق انقلب إلى أداة فساد في إشارة إلى أن المعرفة التي تنفصل عن القيم قد تتحول إلى قوة مدمرة.

إن هذا القول يعيد طرح السؤال حول طبيعة العلاقة بين العقل والقيم حيث لا يعود الأمر مقتصرا على تحديد وظيفة كل منهما بل يتجاوز ذلك إلى البحث في كيفية اندماجهما داخل تجربة واحدة. فالعقل النقدي يميل إلى الفصل ويسعى إلى تحليل الظواهر بمعزل عن سياقاتها القيمية بينما يتجه العقل الائتماني إلى الوصل ويُدرج المعرفة داخل أفق أخلاقي يمنحها معناها. غير أن هذا التمايز لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تعارضا مطلقا إذ يمكن للنقد أن يكون أخلاقيا كما يمكن للأخلاق أن تكون موضوعا للنقد.

ويكتسب مفهوم المسؤولية مركزية خاصة في هذا السياق إذ يشكل نقطة التقاء محتملة بين النموذجين. فالمسؤولية تفترض قدرة على الاختيار، وهو ما يقتضي وجود عقل نقدي قادر على التمييز كما تفترض التزاما بمعايير معينة وهو ما يستدعي حضورا للقيم. يقول بول ريكور إن الذات لا تُفهم إلا بوصفها قادرة على الفعل وتحمل تبعاته وتتحدد هويتها من خلال علاقتها بالآخرين. هذا المعنى ينسجم مع التصور الائتماني الذي يجعل من الأمانة أساسا للوجود الإنساني كما يفتح المجال أمام النقد بوصفه أداة لضبط هذه المسؤولية ومنعها من الانزلاق إلى أشكال من الاستبداد الرمزي.

غير أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تحويل هذا التركيب إلى ممارسة فكرية فعلية تتجاوز حدود التنظير إلى مجال التطبيق. فالتجربة التاريخية تكشف أن كثيرا من المشاريع الفكرية التي سعت إلى الجمع بين النقد والقيم انتهت إلى أحد طرفي النقيض، إما بسبب غلبة النزعة التحليلية التي تفرغ القيم من مضمونها أو نتيجة هيمنة البعد الأخلاقي الذي يكبح إمكان التساؤل. هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين النظر والعمل بحيث لا يُختزل أحدهما في الآخر.

إن استحضار التراث الإسلامي في هذا السياق يكشف عن إمكانات غنية يمكن استثمارها حيث لم يكن هناك فصل حاد بين العقل والأخلاق بل كان التفكير جزءا من تجربة وجودية شاملة. ابن تيمية ينبه إلى أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح في إشارة إلى إمكان التوافق بين المعرفة العقلية والمعطيات الدينية، وهو ما يفتح المجال أمام تصور للعقل يتجاوز الثنائية التقليدية بين النقل والعقل. كما يؤكد الشاطبي أن المقاصد تمثل روح الشريعة حيث تتجه الأحكام نحو تحقيق مصالح الناس وهو ما يربط التفكير الفقهي بأفق إنساني أوسع.

غير أن استلهام هذا التراث لا يمكن أن يتم عبر استعادته في صيغته الأصلية بل يتطلب إعادة تأويله بما يتلاءم مع شروط الحاضر. فالعالم المعاصر يطرح تحديات جديدة تتعلق بالتقنية والبيئة والعولمة، وهو ما يستدعي تطوير أدوات فكرية قادرة على التعامل مع هذه القضايا. ضمن هذا النسق يمكن للعقل النقدي أن يسهم في تحليل هذه الظواهر وكشف بنياتها بينما يوفر العقل الائتماني الإطار القيمي الذي يوجه هذا التحليل نحو غايات إنسانية.

إن من أبرز مظاهر هذا التحدي ما يتعلق بعلاقة الإنسان بالتقنية، ذلك أن المعرفة تحولت إلى قوة إنتاجية هائلة قادرة على إعادة تشكيل العالم بطرق غير مسبوقة. يقول هابرماس إن الحداثة لم تكتمل بعد في إشارة إلى أن المشروع العقلاني ما يزال مفتوحا على إمكانات متعددة غير أن هذا المشروع يواجه خطر الانزلاق نحو عقل أداتي يختزل الإنسان في بعده الوظيفي. ويبرز هنا دور العقل الائتماني في إعادة توجيه هذا المسار من خلال التأكيد على أن التقنية ينبغي أن تخضع لمعايير أخلاقية تضمن احترام الكرامة الإنسانية.

غير أن هذا الطرح لا يخلو من إشكالات إذ يثير سؤالا حول مصدر هذه المعايير وحول الكيفية التي يمكن بها الاتفاق عليها في عالم متعدد الثقافات. هنا يمكن للعقل النقدي أن يلعب دورا حاسما من خلال فتح المجال أمام حوار عقلاني يتيح بناء توافقات تقوم على الحجاج بدل الإكراه. يقول هابرماس إن الفعل التواصلي يشكل أساسا لإمكان التفاهم حيث يتم الوصول إلى الاتفاق عبر النقاش الحر. هذا المعنى ينسجم مع فكرة الأمانة حيث يفترض الحوار التزاما بالصدق واحترام الآخر.

في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني لا يمكن أن تُحسم لصالح أحدهما دون الآخر إذ يحمل كل نموذج عناصر ضرورية لبناء تصور متكامل للعقل. فالنقد يضمن الحرية والائتمان يؤسس للمعنى والجمع بينهما يتيح إمكانية قيام عقل مسؤول قادر على التفكير والفعل في آن واحد. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب جهدا فكريا مستمرا يشتغل على إعادة بناء المفاهيم وتطويرها بما يتلاءم مع التحولات الراهنة.

إن هذا الجهد لا يقتصر على المجال الأكاديمي بل يمتد إلى مختلف مستويات الحياة مما يستلزم ترجمة هذه الرؤية إلى ممارسات ملموسة في التعليم والسياسة والثقافة. فالتربية على النقد ينبغي أن تقترن بتربية على المسؤولية بحيث لا يتحول التفكير إلى مجرد لعبة ذهنية بل يصبح وسيلة لبناء إنسان قادر على الإسهام في تطوير مجتمعه. كما أن العمل السياسي يحتاج إلى عقل يجمع بين التحليل الأخلاقي والقدرة على اتخاذ القرار ولا ينفصل الفعل عن القيم التي توجهه.

إن السؤال عن العقل في السياق المغربي المعاصر يمثل مدخلا لإعادة التفكير في المشروع الحضاري برمته، ذلك أن الأمر لا يتعلق الأمر باختيار نموذج فكري فحسب بل بتحديد الكيفية التي نريد أن نعيش بها في هذا العالم. إن التحدي يكمن في بناء عقل يملك شجاعة التساؤل وعمق الالتزام، عقل لا يخشى النقد ولا يتخلى عن الأمانة، عقل يدرك أن الحرية دون مسؤولية قد تتحول إلى فوضى وأن المسؤولية دون حرية قد تنقلب إلى قيد.

وعليه فإن المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها صراعا بين نموذجين متعارضين بل بوصفها لحظة في مسار أوسع يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الفكر وشروط الوجود. هذا التوازن لا يُعطى جاهزا بل يُبنى عبر ممارسة مستمرة للنقد والتأمل وعبر انخراط فعلي في قضايا الواقع.

إن هذا المسار لا يفضي إلى حكمٍ فاصل بقدر ما ينفتح على أفقٍ رحب يظل فيه السؤال معلقا حول الكيفية التي يمكن بها تطوير هذا التركيب في المستقبل. ومع ذلك يمكن الجزم بأن الفكر الذي لا يمتلك جرأة النقد الذي قد يفقده طاقته على التجدد كما أن الفكر الذي يتنكر لمنظومة القيم يفقد دلالته ووجهته. وبين هذين القطبين يتشكل المجال الحيوي للممارسة الفلسفية حيث يغدو العقل فعلا حيا يتغذى من توتره الداخلي وينزع باستمرار إلى تجاوز حدوده الخاصة.

ويتضح أن الرهان الجوهري لا يتمثل في ترجيح كفة نموذج على آخر بل في استثمار هذا التوتر ذاته بوصفه قوة مولدة قادرة على فتح آفاق جديدة للتفكير والعمل. وهنا تتجلى قيمة الفلسفة لا باعتبارها نسقا مغلقا يقدم أجوبة نهائية بل بوصفها ممارسة تظل وفية لروح السؤال حارسة لإمكان المعنى ومجالا دائما لتجدد العقل في أفق لا ينغلق.

***

د. حمزة مولخنيف

تعد العلاقة الجدلية بين الوعي الفردي والبنية الاجتماعية للدولة واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في الفكر الفلسفي المعاصر؛ حيث يبرز التساؤل الجوهري حول ماهية المواطنة الحقيقية في مواجهة آليات الهيمنة الحديثة. إن الأطروحة التي تذهب إلى أن "المواطن الذي لا يملك وعياً نقدياً وفلسفة مواطنة حقيقية هو مجرد صبي صنعة تحت إمرة المستثمرين في رأس المال المعنوي والميتافيزيقي"، لا تعكس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل تعلن عن وقوع "جناية وجودية" كبرى. إنها عملية "اغتيال للذات" يتم فيها إفراغ الإنسان من ماهيته ككائن حر، مختار، ومسؤول، ليتحول إلى مجرد أداة طيعة، أو "صبي" في ورشة استهلاكية ضخمة تدار بسلطة الرموز والغيبيات.

من الدهشة السقراطية إلى تيه "الوجود الزائف"

يمثل الوعي النقدي حجر الزاوية الذي تُبنى عليه الذات الحرة. هذه العملية لا تبدأ من الرفض العبثي أو الفوضى الفكرية، بل تنبع من "الدهشة" الفلسفية الأولى؛ تلك الدهشة التي تفتح ثغرة في جدار المألوف والاعتياد. الوجودي الحقيقي هو من يرفض "الوجود الجاهز" الذي يُقدم له على طبق من التلقين. أما المواطن الذي يفتقر إلى هذا الوعي، فإنه يظل حبيس "الأوهام اللغوية الموروثة"، حيث تصبح قناعاته مجرد أصداء لسرديات كبرى لم يشارك في صياغة حرف واحد منها.

هنا يتم اغتيال الذات عبر استبدال صوتها الداخلي بأصوات القوى المهيمنة. يتحول المواطن إلى "صبي" في ورشة لإنتاج الوعي الزائف، ينفذ المهام الموكلة إليه، ويردد الشعارات التي تُلقى في روعه دون إدراك لغاياتها الكبرى أو مآلاتها النهائية. إنها حالة من "الغيبوبة الواعية" التي يُسلب فيها الفرد حقه في التساؤل، ليصبح مجرد رقم في معادلة القوة التي يديرها الآخرون.

تفكيك "الوعي المستعار": نقد الكوجيتو المستلب

في الفلسفة التقليدية، كان يُنظر إلى العبارة الشهيرة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" بوصفها ركيزة اليقين والوجود الإنساني. لكن القراءة التفكيكية والنقدية المعاصرة لهذه العبارة تكشف عن مأزق وجودي خطير في سياق المجتمعات التابعة؛ فالتفكير ليس دائماً فعلاً ذاتياً حراً. في واقع المواطنة المستلبة، تصبح العبارة الحقيقية هي: "أنا أُفكَّرُ بي، إذن أنا أداة".

هنا، يتم تفكيك مركزية الذات؛ فالمواطن الذي يتوقف عن مراجعة أفكاره وتفكيك مصادره يفقد جوهر وجوده السياسي. الوجود الحقيقي لا يتحقق بمجرد التفكير، بل بالقدرة على نقد "آلة التفكير" ذاتها. فالوعي الذي لا يراجع يقينياته هو وعي مستعار، والوجود الذي يقوم على التلقين هو وجود بالنيابة. عندما يتوقف المواطن عن إطلاق تساؤلاته الوجودية والسياسية (لماذا؟ وكيف؟ ولصالح من؟)، فإنه يدخل في حالة من "الموت الرمزي"، حيث يتم ملء فراغه الوجودي بإرادة "المستثمرين" في الوعي الجمعي. إن الوجود الحقيقي هو "قلق السؤال"، بينما الامتثال المطلق هو طمأنينة العدم.

استعارة "صبي الصنعة": الوجود كحرفة مستلبة

إن وصف المواطن بـ "صبي الصنعة" يحمل دلالات فلسفية واقتصادية مرعبة. في النظام الحرفي التقليدي، كان الصبي يمحو شخصيته تماماً ليذوب في شخصية "المعلم"، ويتعلم الصنعة عبر التقليد الأعمى دون أن يمتلك حق الابتكار أو فهم "السر الكلي" للعملية الإنتاجية. وبالمثل، فإن المواطن المستلب هو الذي يعيش "وجوداً بالنيابة"، يقلد الشعارات السياسية، ويتبنى المعارك التي لا تمثله، محولاً المواطنة من كينونة أخلاقية وكرامة إنسانية إلى مجرد "حرفة" أو دور وظيفي يؤديه للحصول على أمان موهوم أو مكاسب رمزية بسيطة.

في الإدارة الحديثة ونظم السيطرة المعاصرة، يتم "تسليع الإنسان"، حيث يُختزل المواطن في مجموعة مهارات تقنية أو ولاءات قطيعية تخدم النظام القائم، بدلاً من كونه "ذاتاً فاعلة" تساهم في صياغة الغايات الكبرى للمجتمع. هذا التشيؤ يسلب الإنسان "فرادة كينونته" ويحوله من "سيد لمصيره" إلى "ترس" في آلة ضخمة لا يملك السيطرة على حركتها ولا يعرف أين تتجه به. المواطن "الصبي" هو الذي يقبل بأن يكون "مورداً بشرياً" يُستهلك، بدلاً من أن يكون "قيمة إنسانية" تُحترم.

سدنة الميتافيزيقيا والاستثمار في "العدم"

يعد مفهوم "رأس المال الميتافيزيقي" الأداة الأكثر فتكاً في عملية اغتيال الذات. إذا كان رأس المال المادي يتمثل في العقارات والمصانع، فإن رأس المال الميتافيزيقي يتمثل في رصيد قداسة رموز السرديات التاريخية، والوعود الغيبية التي تحتكرها السلطة أو القوى الاجتماعية المهيمنة. المستثمرون في هذا المجال لا يبيعون سلعاً ملموسة، بل يبيعون "أوهاماً مقدسة" ويتاجرون بخوف الإنسان الوجودي من الفناء أو التهميش.

إنهم يديرون ما يمكن تسميته "اقتصاديات المقدس"، حيث يتم استبدال الحقوق المادية والكرامة الواقعية بوعود معنوية غيبية. تصبح "التعويذة السياسية" أو "الشعار " وسيلة لاستهلاك الطاقة الوجودية للمواطنين؛ حيث يُطلب من هؤلاء "الصبيان" التضحية بحاضرهم الملموس، ومعاناتهم الحقيقية، وحرياتهم الأساسية، من أجل مستقبل موهوم ترسمه مخيلة المستثمر الذي يجلس في برجه العاجي. هنا تظهر "المادية المتلبسة بالروحانية" كأقصى درجات الاغتراب؛ حيث يُقنع المواطن بأن فقره أو استلابه هو "قدر روحي" أو "اختبار إلهي"، مما يمنعه من رؤية آليات الاستغلال الحقيقية الكامنة في علاقات السلطة والإنتاج.

الرأسمالية كدين والممارسات الطقسية لـ "صبيان الصنعة"

إن الرأسمالية في صورتها المتوحشة لم تعد مجرد نظام اقتصادي، بل تحولت إلى "ظاهرة دينية عبادية" لا تمتلك لاهوتاً واضحاً، بل تعتمد كلياً على ممارسة "الطقس" المتمثل في الاستهلاك والتبادل والانقياد. في هذه الورشة الكبرى، يتحول "المستثمرون" إلى كهنة جدد، ويتحول "صبيان الصنعة" إلى مريدين يطاردون سراب الازدهار الذي يبتعد كلما اقتربوا منه.

يتم تسييس الرموز والحروب الرمزية لشرعنة مواقف المستثمرين، وإقصاء الخصوم عبر ثنائيات حدية مدمرة، هذا التسييس يفرغ الصراعات الحقيقية على الموارد والحقوق من مضمونها النقدي، ويحولها إلى "حروب هوية" تشتعل في وعي المواطن الصبي، بينما يجني المستثمرون ثمار هذا الحريق من أرصدة القوة والمال. إن غياب الفلسفة النقدية يجعل من المواطن وقوداً لهذه الحروب الرمزية، دون أن يدرك أنه يقاتل دفاعاً عن السلاسل التي تكبله.

استعادة الذات: نحو ثورة وجودية ومواطنة نقدية

إن الخروج من حالة "صبي الصنعة" لا يتحقق عبر تغييرات قانونية سطحية فحسب، بل يتطلب "ثورة وعي" شاملة تعيد للذات الإنسانية مركزيتها وقدرتها على الفعل. هذا التحول يبدأ برفض "الوجود المستعار" وشجاعة السؤال عن الجدوى والمعنى. الوعي النقدي هو الفعل التحرري الذي يكسر طوق "الاستلاب الميتافيزيقي"؛ حيث يبدأ الفرد في إدراك أن كرامته ليست منحة من "سادن الرموز" بل هي حق أصيل نابع من وجوده الحر.

بناء "رأس المال الاجتماعي" القائم على العلاقات الأفقية والثقة المتبادلة بين المواطنين هو البديل الحقيقي لرؤوس الأموال الميتافيزيقية التي تفرضها السلطة من أعلى. عندما يتحول الأفراد من "صبيان" متفرقين في ورشات الهيمنة إلى مواطنين فاعلين في مؤسسات المجتمع المدني، فإنهم يخلقون "فضاءً عمومياً" يحميهم من الاغتراب، ويمنحهم القدرة على التفاوض مع "المستثمرين" في السلطة والمال من موقع الند للند.

المواطنة الحقيقية هي ممارسة يومية للحرية في "الشأن العام"، وهي اعتراف بأن "الإنسان هو صاحب السيادة" على نفسه وعلى مصير وطنه. إن الاستثمار الحقيقي الذي يجب أن تسعى إليه المجتمعات التي تنشد النهضة هو الاستثمار في "العقل النقدي" وتعميق الرؤية الوجودية للكرامة. فالعقل الحر هو الثروة الوحيدة التي لا يمكن للمستثمرين الميتافيزيقيين أو سدنة الأيديولوجيات مصادرتها أو التلاعب بها.

اخيرا، يظهر الوعي النقدي كفعل تحرري يكسر طوق التبعية. إن المواطن الذي يدرك آليات استغلال "رأس المال المعنوي" هو وحده القادر على الانتقال من مرتبة "الصبي" الذي ينفذ الأوامر تحت وطأة الشعور بالذنب أو الولاء المزيف، إلى مرتبة "المواطن السيد" الذي يرفض أن يُغتال وعيه، ويصر على أن يكون هو الكاتب الوحيد لسيرة وجوده، والفاعل الحقيقي في بناء مستقبل وطنه القائم على قيم الحرية والعدل والكرامة الإنسانية الخالصة.

***

غالب المسعودي

شهد القرن الماضي نقاشا كونيا مميزا حول أصل الكون. رؤيتان اساسيتان استحوذتا على عقول وقلوب المحترفين والهواة على حد سواء: وهما نظرية الانفجار العظيم Big Bang Theory ونظرية الحالة المستقرة Steady State Theory. النظرية الأولى، وهي المهيمنة حاليا، ترى ان العالم بدأ في لحظة واحدة بانفجار هائل للمادة والفضاء، اما النظرية الثانية ترى ان العالم ليس له بداية في الزمن، وانه كان ولايزال دائما موجود. من المثير ان هناك نقاشا فلسفيا موازيا لنظريتي الانفجار العظيم والحالة المستقرة حدث في القرون الوسطى بين القديس بونافنتورا Bonaventure والقديس توما الاكويني. كلا القديسين كانا مؤيدين للإنفجار العظيم كونهما اقتنعا بصحة السطر الأول من سفر التكوين "في البداية، الله خلق السماوات والأرض". مع ذلك، كرّس توما الاكويني كل رسالته في أبدية العالم (De Aeternitate Mundi) للتأكيد على ان بداية العالم لا يمكن إثباتها منطقيا، وان الوحي وحده يجبرنا للاعتقاد ان العالم لم يكن دائم الوجود.

بالمقابل يؤكد بونافنتورا ان بداية العالم يمكن اثباتها منطقيا طالما ان النظرة المضادة – العالم كان موجودا دائما – يمكن اثبات انها سخيفة. هذا المقال يجادل ان بونافنتورا كان صحيحا، وان بداية العالم يمكن إثباتها، وان موقف توما الاكويني يفشل بفعل منطقه الخاص . ولكن في البداية، من الضروري توضيح ماذا كان يقصد كلا المفكرين بـ "العالم". بونافنتورا،مثلا، يعرّف العالم كشيء "وُجد بعد ان كان لاشيء"(اقتباسات بيتر لومبارد،الكتاب الأول،مقالة 1، سؤال 2، مقطع 6). وهكذا، هو يستبعد سلفا إمكانية ان يكون العالم وُجد دائما. ما تجدر ملاحظته، هو انه وصف العالم كشيء متطابق مع الكائن المخلوق. وكذلك، يحدد توما الاكويني الخلق كـ "انبثاق لكل الوجود"(الخلاصة اللاهوتية) ويستمر:

"لذا، اذا ما اخذنا بالاعتبار انبثاق الوجود الكوني برمته، فمن المستحيل افتراض وجود أي شيء مسبقا لهذا الانبثاق. اللاشيء هو نفسه العدم. لهذا .. فان الخلق الذي هو انبثاق لكل الوجود، يفترض سلفا اللاوجود الذي هو عدم"(المصدر السابق).

لو قبلنا بفكرة بونافنتورا وتوما الاكويني لخلق العالم كخلق للوجود، يتبع ذلك ان "الوجود" يمكن ان يُنسب لأي او لكل الأشياء. بكلمة أخرى، "شيئية" الأشياء، بما فيها الأشياء التي لا توجد حقا، تجعلها موجودات. فمثلا، وحيد القرن الخرافي لايوجد حقيقة، لكنه كائن لايزال موجودا طالما هو شيء قادر على الوجود. بونافنتورا وتوما الاكويني يشتقان هذه الفكرة للوجود من ارسطو، الذي يقول ان الوجود يشمل كل ما هو موجود"في واقع تام" او "محتمل"(الميتافيزيقا V.7.1017a.35 ) أي، الوجود هو مجمل ما هو كائن وما يمكن ان يكون. اللاوجود، بدوره، يجب ان يشتمل على كل ما ليس او لا يمكن ان يكون، وبهذا، يشير توما الى اللاوجود no being، في المقطع أعلاه، كـ "لا وجود" او "لاشيء".

لكن الفرق بين ما يمكن وما لا يمكن هو بلا معنى الاّ عندما يُنظر اليه في ضوء قوانين التفكير – والتي يشير لها توما في نقاشه للبديهية الذاتية بـ "المبادئ الأولى للإثبات": "الاقتراح هو واضح بذاته لأن المقدمة متضمنة في جوهر الموضوع: مثل الانسان حيوان لأن الحيوان موجود في جوهر الانسان. لذلك، اذا كان جوهر المقدمة والموضوع معروفين للكل، فان الافتراضات ستكون واضحة بذاتها للكل، لأن هذا واضح وفق المبادئ الأولى للإثبات، في عباراتها أفكار شائعة و محددة لا يجهلها احد، مثل الوجود واللاوجود، الكل والجزء، وما شابه".(الخلاصة اللاهوتية 1a.2.1)

الفلاسفة المعاصرون يضعون ضمن المبادئ الأولى قانون الهوية وقانون عدم التناقض والوسط المستبعد، يرى توما الاكويني ان هذه القوانين يجب افتراضها سلفا لكي يتقدم الإثبات العقلاني – وبونافتورا بلا شك يتفق في ذلك . هي "مبادئ أولى" لأنها يتم اللجوء اليها في جميع الافتراضات ذات المعنى. فمثلا، لا يكون لتأكيد "ان سقراط فان" معنى الاّ اذا كان مصحوبا بنفي متزامن لـ "سقراط ليس فانيا". كذلك، فقط بالإشارة الى هذه المبادئ الأولى ان الوجود يمكن وصفه، كما يصفه توما كوظيفة للامكانية. فمثلا، حجر واع غير ممكن، ولهذا،لا يمكن ان يكون. انه تناقض في العبارات: الحجر حسب التعريف شيء غير واع – والذي يعني ان الحجر الواعي سيكون "شيء واع، غير واع". حقيقة ان تعريفه متناقض ذاتيا، المقدمة تُعلن وتُنكر في وقت واحد، يجعل الحجر الواعي غير موجود في مكان غير مكتشف؟ ماذا لو هبط مسبار فضائي يوما ما على كوكب بعيد وكان هناك حجر يصرخ في ألم؟ الجواب هو انه في اللحظة التي تسجل بها "الصخرة" إحساسا، تكون توقفت عن ان تكون غير واعية، حسب التعريف، انها توقفت ان تكون حجرة. وبهذا، فان التناقض، لا يمكن التوفيق فيه ابدا.

طبقا للمبدأ الأول، أي شيء لايمكن ان يكون منطقيا، واي شيء لا يمكن تصوره أصلا، لا يمكن ان يكون واقعيا. هذا الربط للامكانية المنطقية والوجود الحقيقي يرسم افق العالم المفهوم على عيوننا. المقدمات المتناقضة لا يمكن ان تتأكد وتُنفى في وقت واحد، حتى عندما يرفض الذهن العقلاني التناقض، كذلك الاستمرارية العقلانية للوجود ترفضه ايضا. من الواضح، هذا ما يعتقد به توما عندما يقول ان "كل شيء قابل للمعرفة بقدر ما يكون له وجود"وان "الوجود لا يمكن فهمه الاّ لأن الوجود مفهوم"(الخلاصة اللاهوتية 1a.16.3).

كل ما لا يمكن تصوره، وكل ما ينتهك المبدأ الأول، لا يمكن ان يكون.

الله، الأبدية، واللانهائية

عندما يجادل توما الاكويني ان سؤال بداية العالم هو مسألة ايمان، "ليس إثبات او علم"، تبريره هو ان العالم ربما بعمر الله، طالما ان الخلق لم يكن فعل الحركة: "نحن يجب ان نعتبر ان السبب الفعال الذي يعمل بواسطة الحركة يسبق تأثيره في الزمن ... لكن اذا كان الفعل فوريا وغير متتاليا، فليس من الضروري للصانع ان يكون أسبق زمنيا من الشيء المصنوع، كما يبدو في حالة الإضاءة. وعليه لا يتبع بالضرورة انه اذا كان الله السبب الفعال للعالم، هو يجب ان يكون سابقا للعالم في المدة لأن الخلق،الذي بواسطته انتج العالم، ليس تغييرا متعاقبا"(الخلاصة اللاهوتية 1a.46.2).

 يرى توما انه يمكن تصور ان العالم تعايش مع الله منذ الأزل حيث ان وجوده بحد ذاته يستدعي وجود العالم المخلوق – بنفس الطريقة التي ينتج فيها وجود الضوء نورا فوريا. من المفارقة، ان توما لا يريد ان ينسب الخلود الى العالم لأن هذه صفة من صفات الله وحده. وعلى خطى بوثيوس، يؤمن توما بالأبدية كـ "امتلاك كلي وتام متزامن للحياة الأبدية " (الخلاصة اللاهوتية 1a.10.1). هكذا، الأبدية، كما وُصفت يمكن ان تُنسب فقط الى شيء ليس فيه تغيير ولا تعاقب، "لا قبل ولا بعد". لكن في العالم، من الواضح هناك "قبل وبعد"(نفس المصدر السابق). وعليه، فان العالم لا يمكن ان يكون أبديا. مع ذلك يجب ان نتذكر ان جدال توما ليس أبدية ممكنة للعالم والتي هو ينكرها (الخلاصة اللاهوتية (1a.10.3 وانما وجوده الممكن من الأبدية، وهو ما يقبله او بالأحرى يقبله كإمكانية عقلانية، وان كانت يجب رفضها بناءً على اول جملة في سفر التكوين.

اذن هنا يختلف توما الاكويني عن بونافتورا: مع انهما كلاهما ينكران إمكانية وجود العالم من الأبدية على أساس الوحي، بونافتورا ينكر أيضا الإمكانية على أساس العقل. يرى بونافتورا ان الاقتراح بان الكون وجد دائما، هو سخيف منطقيا. لأنه اذا كان العالم يفتقر للبداية، فان مدته يجب ان تكون بحكم الواقع لانهائية (اقتباسات بيتر لومبارد، d.1,p.1.a.1,q.2f.1). وفي مواجهة احتمال استمرار العالم الى ما لانهاية، يصوغ بونافتورا حججه الرئيسية الثلاث:

1- طبقا لبونافتورا: "من المستحيل الإضافة الى اللامتناهي". المدة اللامتناهية للعالم تعني عدد لا نهائي من دورات الشمس والقمر، وكل يوم جديد او شهر سيضيف دورة أخرى (نفس المصدر).

2- طبقا لبونافتورا: "من المستحيل ترتيب العدد اللامتناهي". الماضي اللامتناهي يعني لا وجود لدورة أولى، واذا لا توجد دورة أولى، عندئذ لا وجود لدورة ثانية، واذا لا توجد دورة ثانية فلا وجود لدورة ثالثة وهكذا. لانزال، في الحاضر، نلاحظ سلسلة مرتبة من الأيام والأشهر (المصدر السابق.مقطع 2).

3- طبقا لبونافتورا: "من المستحيل اجتياز ما هو لا نهائي".

نفس الشيء، الماضي اللامتناهي سيعني عدد لا متناهي من الدورات تأتي وتذهب قبل ان نصل الى الدورة الحاضرة. مع ذلك، نحن وصلنا الى الدورة الحالية، اليوم الحاضر والشهر(نفس المصدر مقطع 3).

يعالج توما الاكويني السؤالين الاولين من هذه الأسئلة في كتابه (خلاصة ضد الوثنيين) Summa contra Gentiles. طبقا لبونافتورا ان السلسلة اللامتناهية لا يمكن ترتيبها لأنها تفتقر لفترة أولى – مثلا، دورة أولى – يرد توما الاكويني بان هذه صعوبة فقط اذا نُظر الى ان اللانهائية توجد في وقت واحد، لكنها لا توجد في وقت واحد وانما بشكل تعاقبي. وبهذا الفهم، يزعم توما، "أي لا نهائي هو متناهي". أي، كل دورة قمرية متتالية تتطلب فقط استكمال الدورة السابقة لكي تأتي الى الوجود. الدورة الجديدة لا تعتمد على وجود دورة أولية، وانما فقط على الدورة السابقة. الدورة الأولية ستكون مطلوبة "لترتيب" السلسلة اللانهائية فقط عندما يوجد اجمالي الدورات بشكل متزامن (خلاصة ضد الوثنيين 2.38).

يرد توما الاكويني على حجة بونافتورا في ان اللانهائية لايمكن الإضافة لها بالقول "لاشيء هناك يمنع إضافة الى عدد لا متناهي لأن ذلك لا يغير جوهر او حجم اللانهائية". أي، ان مدة لانهائية العالم تنطوي على ماض لا نهائي، والماضي اللانهائي يتضمن لا نهائية فقط في اتجاه واحد وليس في كلاهما. ومتى ما أضيفت،على سبيل المثال، دورات جديدة للقمر الى عمر العالم، فهي تُضاف الى جانب متناهي، الى جانب ينتهي في اللحظة الحاضرة، حاضر تجربتنا (المصدر السابق).

جواب توما الاكويني للمعارضة الثالثة التي أثارها بونافتورا، في ان اللامتناهي لا يمكن تجاوزه، وُجد في الخلاصة اللاهوتية. هو يزعم ان "ممرا" "يُفهم دائما كوجود من فترة الى أخرى. مهما كان اليوم الماضي الذي نختاره،فان الفترة من ذلك اليوم لليوم الحالي محدودة ، هناك عدد محدود من الأيام يمكن اجتيازها" (الخلاصة اللاهوتية 1a.46.1). مرة أخرى، فان اللامتناهي جُعل متناهيا. جواب توما هنا هو في الجوهر ملخص لردوده على المعارضتين السابقتين، انه يتضمن رفضا قاطعا للنظر في مفهوم المدة اللانهائية برمتها. توما الاكويني رفض فكرة بونافتورا. ما اذا كان هذا الرفض مبرر منطقيا ام فقط استراتيجيا هذا ما سنراه الان.

اللانهائية وقانون عدم التناقض

افرض، لغرض الجدال، ان العالم لم تكن له بداية، وانه وُجد دائما. بالضرورة، سيكون عمر العالم لانهائيا، أي، ان عمره المقاس بوحدة محددة سواء دقيقة او ساعة او سنة او الف سنة، لا يمكن الوصول فيه الى اجمالي . بالنسبة لبونافتورا، هذا يشكل دليلا كافيا للحقيقة: الاقتراح بان عمر العالم مقسم الى وحدات محددة، لا يمكن ابدا ان يشكل الكل، أراه سخيفا. سخافة الاقتراح هي ما ترتكز عليه حجته بان اللانهائية لا يمكن الإضافة اليها، او ترتيبها او تجاوزها – ولذلك، لا يمكن ان تُنسب الى العالم. براعة توما تجاه حجج بونافتورا الثلاث هي ،بالنتيجة، تقليص اللانهائية الى حجمها الحقيقي، الإصرار باننا نعيد تصورها في أقسام متناهية ونتعامل مع الأقسام ذاتها كوحدات منفصلة. لكن بعمل كهذا، هل غيّرنا مفهوم اللانهائية؟

التبرير الذي يعتمد عليه توما هو ان الزمن لا يوجد كله دفعة واحدة وانما بشكل تعاقبي، ولهذا فان اللانهائية لا يمكن ابدا ان تتحقق في وقت واحد، لا يمكن ان يكون كل شيء هنا في ان واحد. لا زلنا، العالم له عمر – مهما كانت المدة وأيضا له عمر طالما ان العمر هو مجرد مجموع ما تُقسم عليه أي وحدات للمدة. هنا يكمن العيب في منطق توما الاكويني: في رفضه للتعامل مع مدة العالم ككل لانهائي، توما ينكر ان للعالم عمر يمكن التعبير عنه بشكل عقلاني.

السبب في انه لا يمكن اعتبار اللانهائية مقياسا كميا هو انها جمع عددي، وهي سلسلة افتراضية من القيم المتزايدة باستمرار. انها ليست مقدار منفرد ـ عدد كبير جدا، X، وانما سلسلة لامتناهية من أعداد كبيرة جدا: X,X+1,X+2,X+3 وهكذا. لكي تزعم في لانهائية الشيء كقياس كمي، هو ان تنسب له قيم X و X +1 بشكل متزامن. لكن X+1 هي أيضا حسب التعريف، ليست X-. لذلك، فان افتراض اللانهائية يصبح افتراض X و ليست X - في وقت واحد – والذي، لو تذكّرنا المبادئ الأولى، ينتهك قانون عدم التناقض. لكن ذلك لا يتم الاّ على أساس الحصانة المطلقة لهذا القانون وحيث يستطيع توما استعمال معيار الإمكانية لتمييز الوجود من اللاوجود: والذي هو ممكن مفاهيميا. توما ذاته يؤكد ان الله، "مع انه يمتلك قوة لا نهائية، لا يستطيع جعل الشيء غير مصنوع لأن هذا سيعني ان اثنين من المتناقضات صحيحان في نفس الوقت"(الخلاصة اللاهوتية 1a.7.2).

مرة أخرى، ذلك الذي صُنع لا يمكن ان يكون لم يُصنع في نفس الوقت. ما هو واع لا يمكن في نفس الوقت ان يكون ليس واع. ما هو X لا يمكن في نفس الوقت ان يكون X-. وكما يلاحظ توما، "التأكيد والإنكار لا يمكن ان يكونا صحيحين في نفس الوقت .. حتى الله لا يستطيع عمل هذا الشيء لأنه لا شيء" (حول ابدية العالم 2). واللاشيء هو نفسه العدم.

لكي نوضح هذه الفكرة بطريقة مألوفة اكثر، انظر انه من المستحيل لشخص واحد ان يكون بعمرين في نفس الوقت. حتى لو تقدم بالسن هو لا يمكنه ابدا ان يكون بعمر 32 سنة و 33 سنة بنفس الوقت وهو ما سيؤكد وينفي نفس المقدمة، وبذلك ينتهك قانون عدم التناقض. طالما ان الجمع العددي للانهائية، X و ليس X-، لا يمكن ان تُنسب الى شيء حقيقي، سيكون، كما رأينا تناقضا. تجدر ملاحظة ان توما ذاته يستبعد إمكانية حجم لا متناهي (الخلاصة اللاهوتية 1a.7.3) او عدد لا متناهي (الخلاصة اللاهوتية 1a.7.4) في وجود حقيقي في لحظة معينة، مع ان لا متناهي محتمل هو ممكن. فمثلا، الخط ممكن ان يقسم الى عدد لا متناهي من المرات، قد يتم تقسيم خط ما الى عدد لا نهائي من المرات، ولكن في أي نقطة لن يصل العدد الفعلي للتقسيمات الى ما لانهاية. ونفس الشيء قد يتم تمديد خط الى مسافة لامتناهية، ولكن في أي نقطة لن يصل الحجم الفعلي للتمدد الى ما لانهاية. ونفس الشيء، زمن المستقبل ربما يُعتقد كـ لانهائي محتمل. نحن قد نعتقد أيضا في زمن المستقبل اما كنوع من حجم محتمل (ممتد خلال وحدات زمنية وليست مكانية) او عدد لا متناهي (يُعد في وحدات متتالية وليست متزامنة).

دورات القمر مثلا، يمكن اضافتها واحدة تلو الأخرى الى ما لانهاية ولكن ليس في أي وقت في المستقبل، بصرف النظر عن مدى بُعدها، لن يصل العدد الفعلي للدورات الى ما لانهاية. لكن كيف نرد على زعم توما في ان زمن الماضي لا يجب النظر اليه كوجود متزامن لهذه الوحدات (خلاصة ضد الوثنيين 2.38)؟ الجواب هو ان تجزئة زمن الماضي يجبرنا للنظر اليه كوجود متزامن – تراكم للوحدات. تلك هي طبيعة الحساب. ان حساب المجموع يفترض دائما وجود وحدات في آن واحد. سواء كانت الوحدات زمنية (ساعات، الاف السنين) او مادية (كرات زجاجية،بطيخ، أقمار)، الفعل الذهني لإضافتها مجتمعة لغرض القياس يفترض سلفا ان الوحدات تتراكم بدلا من ان تستبدل بعضها. لذلك فان زمن الماضي يجب ان يُقاس كوجود متزامن – سواء كان امتداد زمن الماضي رجوعا الى نقطة معروفة جيدا، لنقل، آخر مرة فاز بها فريق نيويورك جيتس ببطولة السوبر بول، او ان الزمن الماضي يشمل كامل مدة العالم. واذا كنا نعارض هذا، لأن في الحالة الأخيرة، هذه المدة لايمكن "شمولها"، عندئذ نحن تُركنا مع لا نهائية حقيقية تنتهك قانون عدم التناقض. هذه المدة لا يمكن ان تكون.

المدة لا يمكن ان تكون لا نهائية اذا كانت تتألف من سلسلة من الوحدات المحددة. نفس المنطق الذي بواسطته يستبعد توما الاكويني الحجم اللانهائي والعدد اللامتناهي يمكن استخدامه لإستبعاد المدة اللانهائية. لذلك فان بداية العالم في الزمن يمكن إثباتها كما يدّعي بونافتورا ، وليس كمسألة ايمان.

***

حاتم عبد الحميد

............................

المصدر:

Did the world have a Brginning? Philosophy Now Jan/Feb 2004

يبدو أن سؤال التراث في الكتابة الفلسفية المغربية الحديثة قد خرج منذ زمن عن دائرة التداول السطحي الذي يكتفي برفع شعارات الهوية أو القطيعة ليدخل مجالا أكثر التباسا وتعقيدا حيث تتقاطع رهانات المعرفة مع هواجس الوجود التاريخي ويتداخل فيه سؤال العقل مع سؤال الانتماء في لحظة فكرية مشحونة بقلق مزدوج: قلق المحافظة على المعنى في سياق التحول وقلق إنتاج المعنى في أفق لم يعد يقبل التكرار ولا الاستنساخ. ذلك أن التراث لم يعد مجرد مادة خام للشرح أو التمجيد بل تحول إلى حقل توتر تتجاذبه قراءات متباينة تتوزع بين من يرى فيه إمكانا للنهضة المؤجلة ومن يراه عبئا يثقل حركة الفكر ومن يحاول أن ينفذ إلى أعماقه لا لاستخراج أجوبة جاهزة بل لطرح أسئلة جديدة.

في هذا الأفق يتقدم العقل لا بوصفه أداة محايدة بل باعتباره رهانا وجوديا وثقافيا، إذ إن طبيعة العلاقة التي يقيمها المفكر مع تراثه تكشف في العمق عن تصوره للعقل ذاته، أهو عقل شارح يعيد ترتيب الموروث وفق منطق داخلي مغلق أم عقل ناقد يشتبك مع النصوص قصد تفكيك بنياتها وإعادة تركيبها أم عقل مبدع يغامر بتجاوز الحدود دون أن يفقد جذوره؟ ههنا تحديدا تنعقد الإشكالية في بعدها المغربي الخاص حيث لا يمكن فصل النقاش حول التراث عن السياق التاريخي الذي عرف تماسا كثيفا مع الحداثة الأوروبية ولا عن الإرث الأندلسي والمغاربي الذي منح للفكر المغربي خصوصيته داخل المجال العربي الإسلامي.

لقد أدرك عدد من المفكرين المغاربة أن التعامل مع التراث لا يحتمل موقفا ساذجا يقوم على التقديس أو الرفض إذ إن كليهما يعطل فعل التفكير. فالتقديس يحول النصوص إلى أصنام معرفية مغلقة والرفض يقطع الصلة مع ذاكرة فكرية شكلت شروط إمكان الوعي ذاته. من هنا جاءت الدعوة إلى ما يمكن تسميته “العقلنة الداخلية للتراث”، أي استنطاقه من داخله والبحث عن آلياته المعرفية واستكشاف منطقه الخاص بدل إسقاط نماذج خارجية عليه إسقاطا تعسفيا. هذا التوجه يجد صداه في قول أحد الأصوليين إن “النظر في الدليل فرع عن تصوره” وهو ما ينسحب على التراث ذاته إذ لا يمكن الحكم عليه قبل فهم بنيته وأدواته.

غير أن هذا المسعى لم يخل من مفارقات إذ سرعان ما اصطدم بإشكال أعمق يتعلق بطبيعة العقل الذي يمارس هذا الفهم، هل هو عقل تراثي يعيد إنتاج نفس الشروط التي أنتجت التراث أم عقل حديث يستعير أدواته من فلسفات أخرى؟ هنا تتجلى لحظة التوتر القصوى حيث يصبح العقل نفسه موضوع مساءلة وتغدو الكتابة الفلسفية مجالا لصراع خفي بين أنماط متعددة من العقلانية. في هذا السياق يُستحضر قول الغزالي بأن “العقل أصل النقل”، وقول ابن رشد بأن “الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة”، لتبرز محاولة التوفيق بين مرجعيتين لا يجمعهما دائما انسجام تاريخي.

إن الكتابة الفلسفية المغربية الحديثة لم تتعامل مع التراث بوصفه موضوعا خارجيا بل بوصفه جزءا من الذات المفكرة وهو ما يفسر ذلك التوتر الأسلوبي والمعرفي الذي يطبع نصوصها. فالمفكر المغربي يكتب من داخل اللغة العربية التي تحمل آثار التراث وفي الآن ذاته يسعى إلى إدخال مفاهيم حديثة لم تنشأ في نفس السياق. هذه الازدواجية لا تعني عجزا بقدر ما تعكس وضعا تاريخيا خاصا حيث تتقاطع أنظمة دلالية مختلفة داخل نص واحد فيتحول النص إلى فضاء تفاوض بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والتجربة وبين الانتماء والسؤال.

ولعل ما يمنح هذه الإشكالية عمقها أن التراث نفسه ليس وحدة متجانسة بل هو تعدد في الأصوات والاتجاهات من فقهاء ومتكلمين وفلاسفة وصوفية لكل منهم تصوره للعقل وحدوده. فالعقل عند الأصولي يختلف عن العقل عند الفيلسوف كما أن العقل عند الصوفي يتجاوز حدود البرهان إلى أفق الذوق والكشف. هذا التعدد يجعل من كل قراءة للتراث اختيارا ضمنيا لموقف فلسفي حتى وإن ادعى صاحبه الحياد. ويمكن هنا فهم قول أحد الحكماء إن “الاختيار في الفكر قدر لا مهرب منه”، إذ لا يمكن استحضار التراث دون إعادة ترتيبه وفق أفق معين.

إن الرهان الحقيقي في الكتابة الفلسفية المغربية لا يكمن في استعادة التراث أو تجاوزه بل في القدرة على تحويله إلى مجال إنتاج أي إلى مادة تفكير قابلة لإعادة الصياغة ضمن أسئلة الحاضر. ذلك أن التراث الذي لا يتحول إلى قوة تفكير يظل مجرد ذاكرة جامدة والعقل الذي لا يشتبك مع جذوره يفقد عمقه التاريخي. وبين هذين الحدين تتحرك الكتابة الفلسفية محاولة أن تبتكر لنفسها موقعا يتيح لها أن تكون وفية لذاكرتها دون أن تقع في أسرها وأن تنفتح على الحداثة دون أن تذوب فيها.

إن إشكالية التراث والعقل في الفكر المغربي ليست مجرد موضوع نظري بل هي تعبير عن وضع وجودي وثقافي معقد حيث يتعين على المفكر أن يختار موقعه داخل شبكة من التوترات المتداخلة. وفي هذا الاختيار تتحدد ملامح الكتابة الفلسفية لا بوصفها نقلا للأفكار بل بوصفها فعلا تأويليا يخلق المعنى في منطقة تماس بين عوالم متعددة. وهنا تحديدا تكمن صعوبة المهمة وجمالها في الآن ذاته إذ إن التفكير في التراث يصبح تفكيرا في الذات، والتفكير في العقل يتحول إلى مساءلة لشروط إمكان هذا التفكير ذاته.

حين يُستأنف النظر في علاقة التراث بالعقل داخل الكتابة الفلسفية المغربية الحديثة فإننا لا نكون بإزاء موضوع قابل للاختزال في ثنائية مريحة بين ماضٍ ينبغي حفظه وحاضرٍ يفرض تجاوزه بل نكون أمام بنية إشكالية مركبة يتداخل فيها التاريخي بالمعرفي واللغوي بالأنطولوجي والسياسي بالابستمولوجي على نحو يجعل من كل مقاربة جزئية انزلاقا نحو التبسيط. ذلك أن التراث في هذا السياق ليس معطى جاهزا ولا هو كتلة صماء قابلة للتداول كما تُتداول الأشياء بل هو نسيج دلالي كثيف تشكل عبر قرون من التفاعل بين النص والواقع، بين الوحي والعقل وبين السلطة والمعرفة بحيث يغدو استحضاره استحضارا لشروط إنتاجه لا لمضامينه فحسب.

إن أول ما يستوقف النظر في هذا الأفق هو أن الكتابة الفلسفية المغربية لم تدخل إلى سؤال التراث من باب الحنين أو النوستالجيا بل من باب القلق المعرفي الذي ولدته صدمة الحداثة حيث بدا أن الأطر التقليدية للفهم لم تعد قادرة على استيعاب التحولات العميقة التي مست بنية العالم والإنسان. هذا القلق لم يتخذ شكل رفض مباشر بل ظهر في هيئة مراجعة مزدوجة: مراجعة للتراث من جهة ومراجعة للأدوات المفاهيمية المستعملة في قراءته من جهة أخرى. هكذا تحولت الكتابة الفلسفية إلى فضاء مساءلة لا يكتفي باستعادة النصوص بل يعمل على تفكيك شروط إمكانها مستحضرا في ذلك ما يشبه الوعي النقدي الذي تحدث عنه كانط حين ربط التنوير بجرأة استعمال العقل.

غير أن هذا الوعي لم يكن بريئا من التوتر إذ سرعان ما اصطدم بإشكال يتعلق بطبيعة العقل ذاته. فالعقل الذي يراد به أن يكون أداة للتحرر من سلطة التراث يجد نفسه مشدودا إلى نفس البنية التي يسعى إلى تجاوزها بحكم انتمائه اللغوي والثقافي. ويتجلى هنا ما يمكن تسميته بالمفارقة التأسيسية: إذ كيف لعقل تشكل داخل أفق تراثي أن يدعي القدرة على الحكم عليه من خارج؟ هذه المفارقة لم تكن مجرد معضلة نظرية بل كانت حاضرة في صميم الكتابة حيث يظهر التردد بين لغة تستعيد مفاهيم التراث ولغة أخرى تستعير أدواتها من الفلسفات الحديثة.

لقد حاول بعض المفكرين تجاوز هذه المفارقة عبر ما يمكن وصفه بإعادة بناء مفهوم العقل نفسه بحيث لا يُفهم بوصفه جوهرا ثابتا بل بوصفه ممارسة تاريخية تتشكل داخل شروط معينة. هذا التصور يجد جذوره في التراث ذاته، حيث لم يكن العقل مفهوما واحدا بل تعددت صوره بتعدد الحقول المعرفية. فالعقل الأصولي كما يظهر في كتب أصول الفقه عقل مقيد بقواعد الاستدلال وضوابط اللغة، يسعى إلى ضبط الفهم أكثر مما يسعى إلى ابتكار المعنى. في المقابل نجد عند الفلاسفة تصورا للعقل بوصفه قدرة على إدراك الكليات وعلى بناء نسق معرفي يتجاوز المعطى الحسي. أما عند الصوفية فإن العقل يواجه حدوده القصوى ليفسح المجال لنوع من المعرفة التي لا تُنال بالبرهان بل بالذوق.

هذا التعدد في صور العقل داخل التراث يطرح على الكتابة الفلسفية المغربية سؤالا حادا: أي عقل ينبغي استحضاره في قراءة التراث؟ هل يتم اعتماد عقل برهاني يسعى إلى إعادة بناء النسق الفلسفي أم عقل تأويلي ينفتح على تعددية المعاني أم عقل نقدي يفكك البنيات ويكشف عن شروطها التاريخية؟ إن كل اختيار من هذه الاختيارات يحمل في طياته تصورا معينا للتراث ويحدد في الآن ذاته أفق الكتابة.

إن إحدى السمات البارزة للكتابة الفلسفية المغربية هي محاولتها الجمع بين هذه الأنماط المختلفة من العقلانية دون أن تنجح دائما في تحقيق انسجام بينها. فالنص الفلسفي المغربي غالبا ما يتحرك بين رغبة في التأسيس النظري، تستلهم الفلسفة الغربية الحديثة وبين حرص على استنطاق التراث من داخله بما يفرضه ذلك من التزام بمنطقه الخاص. هذا التوتر لا ينبغي فهمه بوصفه ضعفا بل بوصفه تعبيرا عن وضعية فكرية تعيش على تخوم عالمين وتحاول أن تؤسس لنفسها موقعا داخل هذا التداخل.

إن استحضار التراث في هذا السياق لا يتم بوصفه مرجعية نهائية بل بوصفه موضوعا لإعادة القراءة. غير أن هذه القراءة لا يمكن أن تكون محايدة لأنها مشروطة بالأفق الذي تنطلق منه. من هنا يمكن فهم تعدد القراءات التي عرفها التراث داخل الفكر المغربي حيث نجد من يسعى إلى إبراز البعد العقلاني فيه معتبرا أن الأزمة لا تكمن في التراث ذاته بل في سوء فهمه. ونجد في المقابل من يرى أن التراث يحمل في بنيته عناصر تعيق تطور العقل مما يستدعي موقفا نقديا أكثر جذرية.

هذا التباين في المواقف يعكس في العمق اختلافا في تصور العلاقة بين الماضي والحاضر. فهناك من ينطلق من فرضية الاستمرارية حيث يُنظر إلى التراث باعتباره امتدادا للحاضر مما يتيح إمكانية تجديده من الداخل. في المقابل هناك من يتبنى منطق القطيعة معتبرا أن الحداثة تفرض إعادة بناء الفكر على أسس جديدة لا يمكن استخلاصها من التراث. غير أن كلا الموقفين يواجه صعوبات إذ إن الاستمرارية قد تؤدي إلى إعادة إنتاج نفس البنيات بينما القطيعة قد تفضي إلى فقدان العمق التاريخي.

في ضوء ذلك، برز اتجاه ثالث يحاول تجاوز هذا التعارض عبر تبني مقاربة تأويلية ترى في التراث نصا مفتوحا قابلا لقراءات متعددة وأن معناه لا يُستنفد في سياقه الأصلي بل يتجدد مع كل قراءة. هذا التصور يستند إلى فكرة أن النصوص لا تحمل معناها في ذاتها بل تكتسبه من خلال تفاعلها مع القارئ. هكذا يصبح التراث مجالا لإنتاج المعنى لا مجرد موضوع للفهم.

غير أن هذه المقاربة التأويلية لا تخلو من إشكالات إذ تطرح سؤالا حول حدود التأويل: إلى أي حد يمكن إعادة قراءة التراث دون الوقوع في إسقاطات تعسفية؟ وكيف يمكن التمييز بين قراءة مشروعة وأخرى متكلفة؟ هذه الأسئلة تعيدنا إلى مسألة المنهج التي تظل من أعقد القضايا في الكتابة الفلسفية المغربية. فاختيار المنهج ليس مسألة تقنية بل هو في جوهره اختيار فلسفي يحدد طبيعة العلاقة مع التراث ويؤثر في نوع الأسئلة المطروحة عليه.

إن ما يزيد من تعقيد هذه الإشكالية هو أن التراث ذاته لم يكن منفصلا عن العقل بل كان في جزء كبير منه نتاجا لممارسات عقلية متعددة. فكتب الأصول على سبيل المثال، تمثل محاولة لصياغة قواعد التفكير في النص الديني وهي بذلك تعكس وعيا منهجيا متقدما. كما أن الفلسفة الإسلامية في تجلياتها المختلفة كانت تعبيرا عن سعي إلى التوفيق بين العقل والنقل وبين الحكمة والشريعة. هذا المعطى يجعل من الصعب التعامل مع التراث بوصفه نقيضا للعقل إذ إن العلاقة بينهما أكثر تعقيدا من ذلك.

وتبرز أهمية إعادة النظر في التصنيفات التقليدية التي تقسم الفكر إلى عقلاني ولا عقلاني أو إلى تقليدي وحداثي، لأن مثل هذه التقسيمات قد تحجب أكثر مما تكشف. فالتراث يحتوي على عناصر متعددة بعضها قد يكون قابلا للتفعيل في الحاضر وبعضها الآخر قد يكون متجاوزا. وتكون الحاجة ملحة إلى قراءة تفكيكية لا تهدف إلى الهدم بل إلى الكشف عن الطبقات المختلفة للنصوص وعن التوترات التي تسكنها.

إن الكتابة الفلسفية المغربية وهي تخوض هذا المسار، تجد نفسها أمام تحد مزدوج: من جهة، ضرورة الحفاظ على الدقة العلمية، ومن جهة أخرى الحاجة إلى الإبداع المفاهيمي. هذا التحدي يظهر بوضوح في اللغة حيث تسعى الكتابة إلى إيجاد توازن بين الوفاء للمصطلح التراثي والانفتاح على المفاهيم الحديثة. هذه المهمة ليست يسيرة لأن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير بل هي حاملة لرؤية للعالم وأي تغيير فيها يستلزم إعادة بناء هذه الرؤية.

وتتكشف إشكالية التراث والعقل بوصفها إشكالية مفتوحة لا يمكن حسمها بشكل نهائي لأنها ترتبط بشروط تاريخية متغيرة. غير أن ما يمكن التأكيد عليه هو أن الكتابة الفلسفية المغربية قد نجحت في تحويل هذه الإشكالية إلى مجال للإنتاج الفكري حيث لم تعد العلاقة مع التراث علاقة تبعية بل أصبحت علاقة مساءلة. وهذا التحول يمثل في حد ذاته خطوة نحو تأسيس فكر قادر على مواجهة تحديات الحاضر دون أن يفقد صلته بجذوره.

ويمكن النظر إلى التراث لا بوصفه ماضيا منغلقا بل بوصفه إمكانا مفتوحا، شرط أن يُقرأ قراءة نقدية تستحضر سياقه وتفكك بنيته وتعيد صياغته في ضوء أسئلة جديدة. أما العقل فلا يُفهم بوصفه سلطة فوق التاريخ، بل بوصفه ممارسة تتشكل داخل هذا التاريخ وتتغير بتغير شروطه. وبين التراث والعقل تظل الكتابة الفلسفية مجالا للتوتر الخلاق حيث يولد الفكر من احتكاك الذاكرة بالسؤال ومن صراع المعنى مع ذاته.

يمتد هذا التوتر الخلاق بين التراث والعقل داخل الكتابة الفلسفية المغربية ليبلغ مستوى أكثر عمقا حين يتخذ شكل مساءلة لشروط إنتاج الحقيقة ذاتها إذ لا يعود السؤال مقتصرا على كيفية قراءة التراث بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أنماط الحقيقة التي رسخها والأنساق المعرفية التي منحته سلطة الاستمرار. هنا تحديدا تنفتح الكتابة على أفق إبستمولوجي دقيق حيث يصبح التراث حقلا لاختبار حدود المعرفة ومجالا لإعادة تعريف العلاقة بين الذات المفكرة وموضوعها.

ذلك أن التراث في أحد وجوهه لم يكن مجرد مخزون نصوص بل كان منظومة متكاملة لإنتاج الحقيقة تتداخل فيها المرجعيات الدينية واللغوية والمنطقية وتتشكل عبرها أنماط خاصة من الاستدلال والتبرير. هذه المنظومة لم تكن بريئة من سلطة إذ كانت تؤطر إمكان التفكير وتحدد مجالات القول المشروع. ومن هذا المنظور تفرض المقاربة النقدية نفسها بوصفها أفقا ضروريا للفهم حيث لا تكتفي بفهم النصوص بل تسعى إلى كشف ما يسميه بعض المفكرين بالبنية التحتية للمعرفة، أي تلك الشبكة من الافتراضات غير المعلنة التي توجه التفكير دون أن تظهر في سطح الخطاب.

وتكاد تكون الكتابة الفلسفية فعلا مزدوجا: فعل كشف وفعل بناء. فهي تكشف عن الطبقات العميقة التي تشكل التراث وتعمل في الآن ذاته على بناء أفق جديد للفهم لا ينفصل عن شروط الحاضر. غير أن هذا الفعل لا يتم في فراغ بل يمر عبر صراع مع اللغة، لأن اللغة ليست مجرد وسيط محايد بل هي حاملة لذاكرة طويلة من الدلالات التي قد تقاوم كل محاولة لإعادة تشكيلها. وتتخذ الكتابة هنا طابعا تجريبيا حيث يسعى المفكر إلى تطويع اللغة دون أن يفقدها قدرتها على الإيحاء وإلى إدخال مفاهيم جديدة دون أن يقطع صلتها بجذورها.

إن هذه العلاقة المعقدة مع اللغة تكشف عن بعد آخر في إشكالية التراث والعقل، يتمثل في كون التفكير نفسه مشروطا بالبنية اللغوية التي يتم داخلها. فالعقل الذي يكتب بالعربية يجد نفسه محكوما بتاريخ هذه اللغة بما تحمله من مفاهيم ومصطلحات تشكلت في سياقات معينة. هذا المعطى يجعل من كل محاولة للتفكير في التراث محاولة للتفكير في اللغة ذاتها أي في حدودها وإمكاناتها. ومن هنا يمكن فهم الجهد الكبير الذي بذله المفكرون المغاربة في إعادة صياغة المفاهيم وفي البحث عن مقابلات دقيقة للمصطلحات الحديثة دون الوقوع في النقل الحرفي أو الترجمة المبتسرة.

غير أن هذه الجهود لا تخلو من مفارقات، إذ إن إدخال مفاهيم حديثة داخل لغة تراثية قد يؤدي إلى نوع من التوتر الدلالي حيث تتجاور معانٍ مختلفة داخل نفس اللفظ. هذا التوتر قد يكون مصدر غنى لأنه يفتح المجال لتعدد القراءات وقد يكون أيضا مصدر التباس لأنه يجعل المعنى غير مستقر. وتتجلى هنا صعوبة الكتابة الفلسفية التي تجد نفسها مطالبة بالحفاظ على الدقة دون أن تفقد العمق وبالوضوح دون أن تسقط في التبسيط.

إن ما يمنح هذه الإشكالية بعدا أكثر تعقيدا هو أن التراث لا يحضر في الكتابة بوصفه موضوعا خارجيا فقط بل بوصفه جزءا من الوعي ذاته. فالمفكر لا يقرأ التراث من موقع خارجي بل من داخل تجربة ثقافية تشكل فيها هذا التراث أحد مكوناتها الأساسية. هذا الحضور الداخلي يجعل من عملية القراءة نوعا من الحوار مع الذات حيث تتداخل الأصوات ويصعب أحيانا التمييز بين ما ينتمي إلى الماضي وما ينتمي إلى الحاضر. وتأتي هنا تلك النبرة التأملية التي تطبع كثيرا من النصوص الفلسفية المغربية حيث لا يكون الهدف مجرد تحليل بل نوع من المصالحة أو المواجهة مع الذات التاريخية.

في هذا الأفق يكتسب مفهوم العقل دلالة خاصة إذ لا يُفهم فقط بوصفه أداة للمعرفة بل بوصفه قدرة على إعادة تشكيل العلاقة مع الذات ومع العالم. هذا التصور يجعل من العقل ممارسة حية تتجدد باستمرار ولا تقف عند حدود معينة. غير أن هذه الحيوية قد تصطدم أحيانا بسلطة التراث، خاصة حين يتحول إلى مرجعية مغلقة تفرض نفسها على التفكير. هنا تظهر الحاجة إلى نوع من الجرأة الفكرية التي تسمح بإعادة النظر في المسلمات دون الوقوع في القطيعة الجذرية.

إن هذه الجرأة لا تعني الانفصال عن التراث بل تعني القدرة على التعامل معه بوصفه مجالا مفتوحا للنقد. فالنقد في هذا السياق لا يُفهم بوصفه هدما بل بوصفه عملية تمييز تهدف إلى الكشف عن ما يمكن استثماره وما ينبغي تجاوزه. هذا الفهم للنقد يجد جذوره في التراث نفسه حيث كان العلماء يميزون بين الصحيح والضعيف وبين ما يصلح للاستدلال وما لا يصلح. غير أن النقد الفلسفي يتجاوز هذا المستوى ليصل إلى مساءلة الأسس التي يقوم عليها الخطاب ذاته.

إن هذا التحول في طبيعة النقد يعكس انتقالا من عقلية الشرح إلى عقلية التحليل ومن إعادة إنتاج المعنى إلى إنتاج معنى جديد. وهذا الانتقال لم يكن سهلا لأنه يتطلب تغييرا في طريقة التفكير وفي علاقة المفكر بالنص. فبدل أن يكون النص سلطة نهائية يصبح موضوعا للفحص وبدل أن يكون الهدف فهم ما قاله القدماء يصبح الهدف أيضا طرح أسئلة لم يطرحوها. هنا تتجلى إحدى أهم سمات الحداثة الفكرية التي لا تكتفي بتلقي التراث بل تعيد تشكيله.

غير أن هذا المسار لا يخلو من توترات خاصة حين يتعلق الأمر بالحدود بين التأويل المشروع والتأويل المتكلف. فكل قراءة جديدة تحمل في طياتها خطر الإسقاط أي فرض معانٍ لم تكن حاضرة في النص. وهذا الخطر يزداد حين يتم استعمال مفاهيم حديثة في قراءة نصوص قديمة لأن هذه المفاهيم قد تحمل دلالات لم تكن موجودة في السياق الأصلي. وتأتي الحاجة هنا إلى وعي تاريخي دقيق يسمح بفهم النصوص في سياقها دون أن يمنع من إعادة قراءتها في ضوء الحاضر.

إن هذا الوعي التاريخي لا يعني الانغلاق داخل الماضي بل يعني إدراك أن المعنى يتشكل عبر الزمن وأن كل قراءة هي في حد ذاتها لحظة في هذا التشكل. والتراث لا يوجد إلا من خلال قراءاته وأنه يتجدد مع كل قراءة جديدة. هذا التصور يمنح للكتابة الفلسفية دورا حاسما لأنها تصبح المكان الذي يتشكل فيه التراث من جديد لا بوصفه ماضيا بل بوصفه إمكانا.

ويمكن فهم اهتمام الفكر المغربي بإعادة قراءة بعض الشخصيات التراثية لا من باب التمجيد بل من باب البحث عن إمكانات جديدة للفكر. فهذه القراءات لا تهدف إلى إعادة إنتاج ما قيل بل إلى استنطاق النصوص والكشف عن ما يمكن أن تقدمه للحاضر. غير أن هذه العملية تتطلب حذرا منهجيا لأن التعامل مع التراث بوصفه مخزونا جاهزا للحلول قد يؤدي إلى إسقاطات غير مبررة.

إن الرهان الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل التراث إلى موضوع للتفكير لا إلى مصدر للإجابات الجاهزة. وهذا التحويل يتطلب نوعا من المسافة النقدية التي تسمح برؤية النصوص من زاوية جديدة دون فقدان الصلة بها. هذه المسافة لا تعني القطيعة بل تعني إعادة تحديد العلاقة بحيث لا يكون التراث سلطة مطلقة ولا يكون الحاضر منفصلا عنه.

وفي هذا الإطار تتجلى أهمية ما يمكن تسميته بالوعي المركب الذي يجمع بين الانتماء والنقد وبين الوفاء والتجاوز. هذا الوعي لا يسعى إلى حل التوتر بين التراث والعقل بل إلى استثماره لأن هذا التوتر هو الذي يولد الفكر. فحين يغيب التوتر يتحول التفكير إلى تكرار وحين يشتد دون ضابط يتحول إلى فوضى. ومن هنا تأتي أهمية التوازن الذي لا يعني التوفيق السطحي بل يعني القدرة على العيش داخل هذا التوتر.

إن الكتابة الفلسفية المغربية في سعيها إلى تحقيق هذا التوازن تواجه تحديات متعددة تتعلق بالمنهج واللغة والمرجعية. غير أن هذه التحديات تمثل في حد ذاتها فرصة لأنها تفتح المجال لإبداع أشكال جديدة من التفكير لا تكتفي باستنساخ نماذج جاهزة بل تسعى إلى إنتاج معرفة تنبع من خصوصية السياق. هذه المعرفة لا تدعي الكونية بمعناها المجرد بل تسعى إلى أن تكون كونية من خلال انطلاقها من تجربة محددة.

إن إشكالية التراث والعقل لا تخص فقط الفكر المغربي بل تطرح سؤالا أوسع يتعلق بكيفية إنتاج المعرفة في سياقات غير غربية. غير أن خصوصية الحالة المغربية تكمن في تعدد روافدها حيث يلتقي التراث الإسلامي بالعناصر الأندلسية والمغاربية ويتفاعل مع الفكر الغربي الحديث. هذا التعدد يجعل من الكتابة الفلسفية مجالا غنيا لكنه في الآن ذاته يفرض عليها مسؤولية كبيرة لأنها مطالبة بإيجاد صيغ جديدة للتفكير قادرة على استيعاب هذا التنوع.

إن هذه المسؤولية تتجلى بشكل خاص في الحاجة إلى تجاوز الثنائيات التقليدية التي كثيرا ما تعيق التفكير. فالتقابل بين التراث والحداثة أو بين العقل والنقل قد يبدو في ظاهره واضحا لكنه يخفي تعقيدات لا يمكن اختزالها في هذه الثنائيات. ومن هذا المنظور تفرض أهمية التفكير نفسها حيث تسعى إلى تفكيك هذه التقابلات وإلى الكشف عن التداخلات التي تربط بين أطرافها.

في ضوء ذلك يمكن تأويل التراث لا بوصفه نقيضا للحداثة بل بوصفه أحد شروطها لأن الحداثة نفسها لا تنشأ في فراغ بل تتشكل عبر علاقة مع الماضي. كما يمكن النظر إلى العقل لا بوصفه سلطة مطلقة بل بوصفه ممارسة تتغير بتغير السياقات. هذا الفهم يسمح بإعادة صياغة العلاقة بين التراث والعقل بحيث لا تكون علاقة صراع بل علاقة تفاعل.

إن هذا التفاعل لا يعني الانسجام الكامل بل يعني وجود توتر دائم لأن كل طرف يحمل في داخله عناصر قد تتعارض مع الآخر. غير أن هذا التعارض يمكن أن يكون مصدرا للإبداع إذا ما تم التعامل معه بطريقة نقدية. والكتابة الفلسفية المغربية في أفضل تجلياتها هي كتابة تعيش هذا التوتر وتحوله إلى قوة دافعة للتفكير.

إن إشكالية التراث والعقل ليست قضية قابلة للحسم لأنها ترتبط بأسئلة أساسية حول الهوية والمعرفة والزمان. غير أن ما يمكن تأكيده هو أن هذه الإشكالية قد شكلت أحد المحركات الأساسية للفكر المغربي الحديث حيث دفعت المفكرين إلى إعادة النظر في مسلماتهم وإلى البحث عن طرق جديدة للتفكير. هذا البحث لم يصل إلى نتائج نهائية لكنه فتح آفاقا واسعة وجعل من الكتابة الفلسفية مجالا حيا يتجدد باستمرار.

إن التراث في ضوء هذا الفهم لم يعد عبئا ينبغي التخلص منه ولا كنزا ينبغي حفظه بل أصبح مجالا للتفكير يتيح إمكانات متعددة شرط أن يتم التعامل معه بوعي نقدي. أما العقل فلم يعد مجرد أداة بل أصبح موضوعا للتفكير يتطلب إعادة تعريف مستمرة. وبين التراث والعقل تظل الكتابة الفلسفية فضاء مفتوحا حيث يتشكل المعنى في حركة دائمة لا تعرف الاستقرار ولا تقبل الانغلاق.

ينتهي القول عند حدٍّ لا يُغلق، حيث يظل السؤال قائما بوصفه أفقا للتفكير لا يُستنفد. فالفكر لا يتحقق في امتلاك الأجوبة بل في قدرته على تعميق المساءلة وإبقاء المعنى في حالة انفتاح دائم. ومن ثمّ فإن ما يُحصَّل ليس يقينا نهائيا بل وعيٌ متجدد بحدود المعرفة وإمكاناتها حيث تتجدد الفلسفة بوصفها فعلا لا ينفد.

***

د. حمزة مولخنيف

مكننة الإبادة في زمن الذوات المنفوخة

اشتباك البنية مع السيكولوجيا الوجودية: تنبثق العلاقة القائمة بين البنى الاقتصادية الكلية والحالة الوجودية للذات الإنسانية كواحدة من أكثر الإشكاليات استعصاءً في الفلسفة السياسية المعاصرة، لا سيما حينما ترتطم هذه العلاقة بآليات القمع الممنهج وتشكيلات المقاومة المنفعلة. إن مفهوم "سفه رأس المال" الذي نطرحه هنا لا يحيل إلى مجرد عجز تقني في الإدارة المالية أو تبديد للموارد، بل هو توصيف لحالة من العبثية الأنطولوجية التي تتجلى فيما يمكن تسميته "ميتافيزيقيا تعظيم الأنا الرأسمالية".

هذه النزعة التي تستنبت "الأنا" كمركز مطلق للاستحواذ، تخلق قطيعة معرفية حادة مع واقع سياسي ممعن في "تجاوز الواقع الملموس"؛ حيث تتحول الرأسمالية من نمط لتبادل السلع إلى جهاز سيادي لإنتاج "المروّع" وإعادة صياغة القوالب الإنسانية عبر التشويه الممنهج. إننا أمام بنية لا تكتفي باستغلال الجسد، بل تعمل على تفتيت الوعي بالواقع، محولةً الحرب من صراع على الأرض إلى عملية "تطهير أنطولوجي" تجتث كل ما لا يتوافق مع منطق التراكم. والمفارقة اللاهوتية-السياسية هنا تكمن في أن هذه التشوهات الرأسمالية لم تعد حكراً على مراكز القوة العالمية، بل تسربت كسمّ زعاف إلى أنسجة الهياكل المقاومة، حيث يبرز "انتفاخ الذات" كعائق وجودي يحيل المشاريع التحررية إلى مسوخ مشوهة تعيد إنتاج القمع ذاته بأسماء مقدسة.

ميتافيزيقيا تعظيم الذات واشتهاء الاستحواذ الكلي

تضرب جذور تعظيم الذات في التربة الفلسفية التي أسست للذاتية الحديثة، تلك التي نظرت إلى الوجود الخارجي بوصفه مجرد "موضوع" قيد التدجين والاستملاك. إن "سفه رأس المال" في سياقاتنا الراهنة يعكس شهوة معرفية وسلوكية لاستئصال "الآخرية"؛ فالرأسمالية في جوهرها لا تحتمل وجود "آخر" لا يخضع لمنطق السلعة.

هنا يظهر الاستحواذ الشرس كفعل لا يكتفي بنهب الموارد الجوفية، بل يمتد لتأميم المعنى وتأطير الزمان واستعباد الخيال الإنساني. تتحول الرأسمالية هنا إلى "أداة لملء الفلاء الوجودي" الناتج عن انقطاع الصلة بالقيم المتعالية؛ هذا الانقطاع هو الرحم الذي يولد "السفه" بالمعنى الفلسفي، حيث تنفصل القوة المادية عن غايتها الأخلاقية لتصبح وقوداً لتغذية "تورم الذات" لدى النخب الحاكمة. إنها إرادة القوة حينما تفقد بوصلة الوجود وتتحول إلى نرجسية تدميرية تبتلع العالم لتشعر بحضورها الزائف، محولةً الكوكب إلى مخزن للمواد الخام والضحايا المحتملين.

من العبثية المادية إلى الهدر الوجودي الشامل

يرتبط مفهوم "السفه" في الفلسفة السياسية الكلاسيكية بنقص الرشد، لكننا اليوم أمام "سفه بنيوي" يحكم مسار التاريخ المعاصر. يتجلى هذا السفه في تحييد الحكمة الوجودية لصالح حسابات التضخم الذاتي الأنانية للسياسة الرأسمالية. هذا المسار لا يؤدي إلى إفلاس مالي فحسب، بل إلى "هدر وجودي" مرعب؛ حيث تُنحر المصالح الكلية للمجتمعات على مذبح النزوات العابرة لأفراد توهموا أنهم فوق قوانين التاريخ.

وفي كنف الرأسمالية المتوحشة، يتخذ هذا السفه شكلاً سرطانياً؛ حيث يتم ضخ دماء الشعوب ومواردها في "هياكل إدارية وعسكرية متضخمة" لا وظيفة لها سوى حماية عملية التراكم المالي وتأمين الامتيازات الطبقية. هذا النمو الفائض للجهاز الاستهلاكي والقمعي يستهلك المادة الحيوية للأمة، مما يؤدي بالضرورة إلى الانهيار التام تحت وطأة قوانين "القصور الحراري" التي لا ترحم الأنظمة المغلقة. إن الرأسمالية في عماها تظن أنها تبني حصوناً، بينما هي في الحقيقة تبدد الطاقة الضرورية لاستمرار الحياة الإنسانية، مما يجعل الانفجار مسألة وقت لا أكثر.

المأزق السيكولوجي والعمى الاستراتيجي للمقاومة المنفعلة

على الضفة المقابلة لهذا السفه الرأسمالي، تعاني حركات المقاومة من داء "الانتفاخ الثوري" الذي يعد انعكاساً مشوهاً للعدو ذاته. تتشكل الهوية هنا على وهم "الطهرانية المطلقة"، حيث يرى المقاوم نفسه حاملاً وحيداً للفضيلة في عالم دنس. هذا الانتفاخ يولد "نرجسية جمعية" تحجب الرؤية وتشرعن الإقصاء وتجعل من النقد خيانة.

هذا "الاستغناء المعرفي" يورث "عمىً استراتيجياً" قاتلاً، يتبدى في التجاهل المتعمد للتطور التقني الهائل الذي تملكه الرأسمالية كبنية مادية وقوة ميكانيكية. بينما ينغمس المقاوم في ديباجات بلاغية عاطفية تمجد "الإرادة المحضة"، يكون الخصم الرأسمالي قد أتمّ "مكننة الإبادة" عبر أدوات تتجاوز الإدراك البشري التقليدي. إن إغفال الفجوة العلمية والتقنية ليس قصوراً لوجستياً فحسب، بل هو عرض لمرض "انتفاخ الذات" الذي يرفض الاعتراف بالواقع الموضوعي وموازين القوى. المقاوم هنا يعيش في "زمن موازٍ"، يحارب مسيرات القتل وخوارزميات الاستهداف بعقلية شعاراتية، ظناً منه أن "النقاء الأيديولوجي" كفيل بخرق القوانين الفيزيائية لآلة الحرب الحديثة.

 الإدارة فوق الواقعية للقمع وتدمير "الشكل" الإنساني

نحن نعيش عصر "فوق الواقعية" السياسية، حيث لم يعد العنف يهدف إلى الإخضاع الجسدي فحسب، بل إلى جعل الواقع مكاناً "غير قابل للتعرف". إن الرأسمالية كبنية قمعية تعمل على تدمير "شكل" الضحية ومحيطها بطريقة سريالية تجعل الأشلاء والأنقاض هي النص الوحيد المتاح للقراءة في مدن الشرق الأوسط.

الهدف هنا هو خلق حالة من "اللامعنى" الشامل، حيث يفقد الفعل الإنساني قيمته وتضيع الحقيقة في ركام البيانات الرقمية والصور المفبركة. في هذا الفضاء "فوق الواقعي"، يصبح القتل فعلاً إحصائياً بارداً تُديره مراكز التحكم عن بعد، وتتحول معاناة البشر إلى تدفقات بيانية في خوارزميات الربح والخسارة. إن الرأسمالية في هذه المرحلة لا تقتل الإنسان لتسود، بل تمحو أثره الأنطولوجي لتؤكد سطوة "الآلة" المطلقة على "الروح".

الصدام العدمي بين التضخم الأيديولوجي والآلة التقنية

يبلغ الصراع ذروته العدمية حين تصطدم "الإدارة فوق الواقعية للقمع الرأسمالي" بـ "التضخم الأيديولوجي" للمقاومة المنفعلة. الرأسمالية تسعى لـ "تغييب العقل" عبر تقنية فائقة تجرد الإنسان من إنسانيته وتحيله إلى هدف، بينما تواجهه المقاومة بـ "وعود غيبية ومثالية " تتعالى على الجسد المنهك والواقع المنهار.

في هذا الصدام، يُسحق "الإنسان الفرد" الذي كان من المفترض أن يكون هو موضوع التحرير. يتحول الصراع إلى اشتباك بين "وحوش مفاهيمية":

 آلة تقنية باردة لا تملك ذاكرة، وذات أيديولوجية متضخمة لا تملك بصراً، كلاهما ينظر إلى الفرد بوصفه "مادة استعمالية" أو "حطباً تاريخياً"؛ الأول يراه رقماً في كشوفات الإبادة الممنهجة، والثاني يراه وقوداً في معركة "النقاء" المتخيلة. إن قتل الإنسان "منزوع الكرامة" يصبح في نظر هذه الهياكل فعلاً مبرراً للحفاظ على تراكم رأس المال أو استمرار الأسطورة الأيديولوجية.

مأزق المثقف والانفصام الوجودي في زمن الحرب

في ظل هذا الضجيج العدمي وسفه المادة، يجد المثقف نفسه محاصراً بين مطرقة "سفه الرأسمالية" وسندان "انتفاخ المقاومة". لا مكان هنا للحياد الأكاديمي المترف؛ فإما الانخراط في "مقاومة مموهة" تقتات على الرموز لتنجو من بطش الآلة، أو السقوط في فخ "الارتهان المطلق" الذي يمحو استقلالية الفكر.

إن الحرب في الشرق الأوسط اليوم لا تترك مجالاً للمواقف الرمادية، بل تفرض انفصاماً وجودياً حاداً يختلط فيه اليقين بالوهم. المثقف الذي لا يملك أدوات تفكيك "عماء السياسة الرأسمالية" يجد نفسه إما صدى لصوت القمع أو ضحية لانتفاخ الأوهام الذاتية. إن المهمة النقدية اليوم تقتضي كشف زيف "البدائل الشكلانية" التي تقدمها الرأسمالية كحلول سياسية، بينما هي في الجوهر مجرد تقنيات جديدة لإدارة العبيد وتأبيد الصراع.

نحو حتمية المواجهة مع "العدم" والتحرر من الأوهام

إن هذا التوصيف الجدلي يضعنا أمام حتمية تاريخية لا تجدي معها البكائيات الأخلاقية أو النصائح الوعظية عن السلام والانفتاح. إن عماء السياسة الرأسمالية الذي يغذي آلة الحرب ليس انحرافاً طارئاً يمكن إصلاحه ببعض القوانين، بل هو جوهر البنية المادية التي تقتات على الصراع وتدمير "الشكل" الإنساني لصالح سيادة الآلة.

إن العالم الجديد لا يحترم إلا "القوة الراشدة" التي تجمع بين صلابة الوعي وتفوق الأداة، وما دون ذلك ليس سوى هدر وجودي في زمن المكننة العدمية التي لا تصون كرامة ولا تعترف بأي "شكل" إنساني خارج منطق الاستهلاك أو الإبادة. إن التحرر الحقيقي يبدأ بتمزيق حجاب الأوهام والاعتراف بأننا نواجه "آلة" لا "شخصاً"، وبأن المواجهة تتطلب عقولاً مصفحة بالعلم قبل أن تكون صدوراً عارية في مهب النار.

***

غالب المسعودي

 

ليس من الصدفة ان يظل التعليم الفلسفي في افريقيا والعالم العربي هامشيا، ضعيفا، ومثار شك دائم. المسألة لا تتعلق فقط بنقص في المناهج او قلة في الكفاءات، بل هي ازمة مركبة تتداخل فيها السياسة مع الثقافة، والدين مع السلطة، والاقتصاد مع الوعي الجمعي. الفلسفة في جوهرها ليست مادة دراسية يمكن احتواؤها داخل كتاب مدرسي، بل هي فعل نقدي مستمر يهدد البنى الجامدة، ويزعزع اليقين السهل، ويطرح اسئلة غير مريحة. ولهذا تحديدا يتم التعامل معها بحذر، بل احيانا بعداء صامت.

حين ننظر الى طبيعة الانظمة التعليمية في كثير من الدول الافريقية والعربية، نجد انها قائمة على مبدأ الضبط لا التحرير، وعلى انتاج الامتثال لا التفكير. الطالب لا يدرب على السؤال، بل على الاجابة النموذجية. لا يشجع على الشك، بل على اليقين الجاهز. في مثل هذا الواقع، تصبح الفلسفة جسما غريبا، لانها تتعارض مع البنية العميقة لهذا النظام. فكيف يمكن لمؤسسة تخشى التفكير النقدي ان ترعى تعليما فلسفيا حقيقيا؟ لهذا يتم ادخال الفلسفة في كثير من الاحيان كجزء من ديكور الحداثة، اي كعلامة شكلية على التقدم، دون ان يسمح لها بان تمارس دورها الحقيقي. تدرس نصوص افلاطون وارسطو وديكارت داخل الفصول، لكن بطريقة تجريدية، منفصلة عن السياق الاجتماعي والسياسي للطلاب. يتحول التفكير الفلسفي الى محفوظات، الى تعريفات جامدة، الى اسماء وتواريخ، بدلا من ان يكون اداة لفهم الواقع وتحليله.

هذا الفصل بين الفلسفة والواقع هو احد اخطر اسباب فشلها في الانتشار. الطالب لا يرى اي علاقة بين ما يدرسه وبين حياته اليومية. لا يجد في الفلسفة اجابات لاسئلته الوجودية او الاجتماعية، لان الطريقة التي تقدم بها تجعلها بعيدة، نخبوية، ومغلقة. وهكذا تتكرس صورة الفلسفة كمجال غامض لا فائدة منه، وهو تصور يعزز بدوره تهميشها. لكن الاشكالية لا تتوقف عند حدود المنهج، بل تمتد الى البنية الثقافية للمجتمع. في كثير من السياقات، ينظر الى السؤال باعتباره تشكيكا، والى الشك باعتباره تهديدا. هذا الفهم يجعل الفلسفة في موقع دفاعي دائم. يتم ربطها احيانا بالالحاد او بالتمرد غير المقبول، مما يخلق حاجزا نفسيا لدى الطلاب قبل ان يدخلوا حتى الى قاعة الدرس. هذه النظرة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية، حيث تم تأطير العلاقة بين العقل والنقل في صيغ صراعية بدل ان تكون تكاملية.ومع ذلك، فان التاريخ الفكري نفسه يقدم نماذج مختلفة. فقد حاول ابن رشد ان يؤسس لعلاقة متوازنة بين الفلسفة والدين، مؤكدا ان الحقيقة لا يمكن ان تتناقض مع نفسها، وان العقل ليس عدوا للايمان، بل وسيلة لفهمه. غير ان هذا الخط التوفيقي لم يتم تطويره بشكل كاف، بل تم تهميشه لصالح قراءات اكثر انغلاقا.

في الواقع الافريقي، تبرز مشكلة اضافية تتعلق بالهوية المعرفية. الفلسفة التي تدرس في المدارس والجامعات غالبا ما تكون امتدادا للنموذج الاوروبي، نتيجة للارث الاستعماري الذي فرض منظومة تعليمية كاملة. هذا النموذج لم يكتف بتهميش الفلسفات المحلية، بل ساهم في خلق شعور ضمني بان التفكير الفلسفي هو نشاط مستورد. وهكذا يتم تجاهل الحكمة الافريقية، والتقاليد الشفوية، وانماط التفكير المحلية، رغم انها تحتوي على عناصر فلسفية غنية. السؤال هنا ليس مجرد سؤال محتوى، بل سؤال اعتراف: هل نعترف بان لدينا فلسفة اصلا؟ ام اننا ما زلنا نرى انفسنا كمستهلكين للفكر لا كمنتجين له؟ هذه العقدة المعرفية تعيق اي محاولة لبناء تعليم فلسفي اصيل، لانها تجعل المرجعية دائما خارجية.

في العالم العربي، الصورة تختلف قليلا لكنها لا تقل تعقيدا. هناك تراث فلسفي غني، من الكندي الى الفارابي الى ابن رشد، لكن هذا التراث غالبا ما يتم التعامل معه بطريقتين متناقضتين: اما التقديس غير النقدي، حيث يتم تحويله الى نصوص جامدة لا يجوز مساءلتها، او الاهمال الكامل، حيث يتم تجاوزه لصالح الفكر الغربي المعاصر. في الحالتين، يتم فقدان الروح الفلسفية الحقيقية، التي تقوم على الحوار، والنقد، واعادة القراءة. اضافة الى ذلك، هناك ضعف واضح في تكوين المعلمين. تدريس الفلسفة يتطلب مهارات خاصة، تتجاوز نقل المعرفة الى ادارة النقاش، وتحفيز التفكير، وطرح الاسئلة المفتوحة. لكن في كثير من الاحيان، يتم تكليف معلمين غير مؤهلين فلسفيا بشكل كاف، او يتم تدريبهم وفق مناهج تقليدية لا تعترف بطبيعة الفلسفة كحوار حي. النتيجة هي دروس جافة، تقتل اي اهتمام محتمل لدى الطلاب.

العامل الاقتصادي يلعب ايضا دورا حاسما. في مجتمعات تعاني من البطالة والفقر، يتم توجيه التعليم نحو التخصصات التي توفر فرص عمل مباشرة. الفلسفة، باعتبارها تخصصا غير عملي في نظر الكثيرين، يتم تهميشها لصالح مجالات مثل الطب والهندسة. هذا التصور يعكس فهما اداتيا للتعليم، حيث يتم اختزاله في كونه وسيلة لكسب العيش، لا لبناء الانسان. لكن هذا الفهم نفسه هو جزء من المشكلة. لان المجتمعات التي تفتقر الى التفكير النقدي، تصبح اكثر عرضة للتلاعب، واكثر هشاشة امام الازمات. الفلسفة ليست بديلا عن التخصصات العلمية، بل هي مكملة لها، لانها توفر الاطار النقدي الذي يسمح بفهم اعمق للمعرفة وتطبيقاتها. من جهة اخرى، لا يمكن تجاهل دور الاعلام والثقافة العامة في تشكيل صورة الفلسفة. نادرا ما نجد محتوى اعلاميا يقدم الفلسفة بشكل مبسط وجذاب، او يربطها بالقضايا اليومية. في المقابل، تنتشر الخطابات السطحية التي تقدم اجابات جاهزة، وتختزل التعقيد. هذا المناخ لا يشجع على التفكير، بل على الاستهلاك السريع للافكار.

الازمة، في جوهرها، هي ازمة تصور: ماذا نريد من التعليم؟ هل نريده ان ينتج موظفين فقط، ام مواطنين قادرين على التفكير والمساءلة؟ طالما لم يتم حسم هذا السؤال، ستظل الفلسفة في موقع هامشي. ان اصلاح التعليم الفلسفي يتطلب رؤية شاملة، تبدأ من اعادة تعريف الفلسفة نفسها، ليس كمادة، بل كمنهج تفكير يمكن ان يتقاطع مع كل التخصصات. يجب ان يتم ادماج التفكير النقدي في جميع مراحل التعليم، لا حصره في مادة واحدة. كما يجب تطوير مناهج تربط الفلسفة بالواقع المحلي، وتطرح اسئلة تنبع من حياة الطلاب. كذلك، من الضروري الاستثمار في تكوين المعلمين، وتدريبهم على اساليب تدريس تفاعلية تقوم على الحوار، لا التلقين. يجب ان تتحول قاعة الدرس الى فضاء للنقاش، حيث يمكن للطلاب ان يعبروا عن افكارهم بحرية، دون خوف من الخطأ.

على المستوى الثقافي، نحتاج الى اعادة الاعتبار لقيمة السؤال. يجب ان يتم تفكيك الفكرة التي تربط الشك بالتهديد، واستبدالها بفهم يرى في التفكير النقدي اداة للفهم، لا للهدم. هذا يتطلب جهدا مشتركا بين التعليم، والاعلام، والمؤسسات الثقافية. في الواقع الافريقي، من المهم ايضا اعادة اكتشاف الفلسفات المحلية، ودمجها في المناهج، ليس كتراث فولكلوري، بل كمصدر حي للتفكير. هذا من شأنه ان يعزز الثقة بالذات، ويخلق ارتباطا اعمق بين الطالب ومحتوى التعليم. لا يمكن ان ينمو التعليم الفلسفي في بيئة تخاف الحرية. الفلسفة، في جوهرها، مرتبطة بالقدرة على التفكير المستقل، وهذه القدرة لا يمكن ان تزدهر دون مساحة من الحرية. لذلك، فان اي حديث عن تطوير الفلسفة دون اصلاح اوسع في البنية السياسية والثقافية، سيظل ناقصا.

المجتمعات التي لا تنتج فكرا، تستهلكه. والتي لا تسأل، تقاد. الفلسفة ليست ترفا، بل ضرورة وجودية. ليست خيارا، بل شرطا لاي نهضة حقيقية. وفي افريقيا والعالم العربي، حيث التحديات عميقة ومعقدة، يصبح غياب الفلسفة ليس مجرد نقص، بل خطر حقيقي على المستقبل.

***

زكريا - نمر

 

وبين جبل الأفكار وحقل الأشعار

مقدمة: "الشخص المستقيم قليل الكلام."

في التراث الفلسفي الإشراقي، يبرز الحكيم الشرقي كشخصية رمزية تتجاوز الحدود الزمنية والمكانية، حاملاً تعاليم تُجسِّد التوفيق بين النور والظل، بين اليقظة والمنام، بين العقل المنطقي والحدس الروحي. هذه التعاليم لا تُقدَّم كمنظومة نظرية مجردة، بل كرحلة وجودية رمزية تتجلى في ثنائيات متكاملة: أقوال النهار التي تمثل الخطاب العقلي الواضح والمنطقي، وتأملات الليل التي تمثل الغوص في أعماق النفس والتواصل مع النور الإلهي. كذلك يقف جبل الأفكار رمزاً للصعود الشاق نحو القمم العقلية، بينما يمتد حقل الأشعار كفضاء مفتوح يزهر فيه الخيال والرمز والإلهام.

المقاربة الإشراقية الرمزية، التي أسسها الحكيم الشرقي، لا ترى في هذه الثنائيات تناقضاً بل تكاملاً: النهار يُنير الجبل بالمنطق، والليل يُروي الحقل بالنور الباطني. هذه الدراسة تُفكك تعاليم الحكيم الشرقي بشكل معمق، مستكشفة كيف تتحول هذه الثنائيات إلى وحدة إشراقية تُعيد صياغة الوجود الإنساني. إنها ليست دراسة تاريخية فحسب، بل رحلة رمزية تُعيد اكتشاف الحكمة الشرقية كطريق للتحرر من قيود المادية والعقلانية الجافة، نحو نور يجمع بين اليقين العقلي والذوق الروحي.

الإشراقية كمنهج رمزي يتجاوز الثنائيات

"تدعو الحكمة الشرقية إلى التواضع والعمل العادل دون جهد والصمت والانسجام مع الطبيعة."

في المنهج الإشراقي، لا تُفهم الحقيقة كنتيجة للبرهان المنطقي وحده، بل كإشراق نوري ينبثق من داخل النفس عندما تُصفَّى من شوائب الظلام. الحكيم الشرقي يرى أن العالم مكون من درجات النور: نور الأنوار (الله) يفيض على العقول والأرواح، فتصبح اللغة الرمزية – لا الخطاب المباشر – الوسيلة الأسمى للتعبير عن هذا الفيض. أقوال النهار تمثل طور اليقظة العقلية: المنطق، البرهان، والتحليل. أما تأملات الليل فتمثل طور الرؤيا والمنام اليقظ: الحدس، الرمز، والغوص في عالم المثل العلوية. جبل الأفكار هو الصعود الشاق نحو القمة، حيث يُجَرِّب السالك صعوبة التجريد والتفكير النظري. أما حقل الأشعار فهو الفضاء الخصب حيث تنمو الأفكار كزهور، وتتحول إلى أشعار وأمثال تُعبِّر عن المعاني بطريقة غير مباشرة، تلامس القلب قبل العقل. هذه الثنائيات ليست متعارضة، بل متكاملة في الرؤية الإشراقية: النهار يُمهِّد لليل، والجبل يُطلُّ على الحقل. الرمزية الإشراقية تحول اللغة من أداة وصف إلى مرآة للنور، فتصبح الكلمة نفسها إشراقاً.

أقوال النهار وتأملات الليل: التوازن بين اليقظة والرؤيا

"الشخص الحكيم ثابت، لكنه ليس عنيدًا." - كونفوشيوس

أقوال النهار في تعاليم الحكيم الشرقي هي تلك العبارات الواضحة التي تُبنى على البرهان والمنطق: «النور يُدرَك بالنور»، أو «العقل يرى ما هو أعلى منه». هذه الأقوال تُمثِّل النهار الذهني، حيث يسود التحليل والتجريد. الإنسان في هذا الطور يصعد جبل الأفكار، يُفكِّك الظواهر، يُقيم الحجج، ويُحاول الوصول إلى اليقين العقلي. لكن الحكيم الشرقي يُحذِّر من أن النهار وحده يُولِّد جفافاً: العقل بدون قلب يصبح سيفاً بدون غمد.

أما تأملات الليل فهي الغوص في الظلام الخارجي لاستخراج النور الباطني. في الليل، تُغلق أبواب الحواس الظاهرة، وتُفتح أبواب الحدس والرؤيا. هنا يتحول الإنسان من مفكر إلى عارف: يرى المثل العلوية في صور رمزية، يسمع أصواتاً داخلية، ويذوق معاني تتجاوز الكلمات. تأملات الليل تُروي حقل الأشعار، فتصبح الأفكار أشعاراً وأمثالاً تُعبِّر عن الجمال الإلهي. الحكيم الشرقي يرى أن الليل ليس نقيصة، بل هو طور ضروري: «في الظلام يُولد النور».

التوازن بينهما هو جوهر التعاليم: أقوال النهار تُبني الجبل، وتأملات الليل تُزهر الحقل. من يعيش النهار فقط يبقى في النظرية، ومن يغرق في الليل يفقد اليقين. الحكيم الشرقي يدعو إلى «النهار المستنير بالليل» – يقظة عقلية مضيئة برؤيا روحية.

جبل الأفكار وحقل الأشعار: الصعود والانفتاح

" من يظن نفسه جاهلاً فهو جاهل، فابتعد عنه. ومن يعلم أنه يجهل فهو جاهل، فعلمه."

جبل الأفكار رمز للصعود الشاق: السالك يترك سهول الاعتياد، يتسلق بصعوبة، يواجه رياح الشك والرياضة العقلية. هنا تُسيطر أقوال النهار: المنطق، البرهان، والتجريد. الجبل يُمثِّل الطور الأرسطي-الفارابي في الفلسفة الإشراقية: بناء اليقين بالعقل. لكنه طور انتقالي، لا نهائي.

أما حقل الأشعار فهو الفضاء المفتوح بعد الصعود: بعد أن يصل السالك القمة، ينظر إلى الأفق فيرى الحقل يزهر. هنا تسود تأملات الليل: الأشعار، الأمثال، والرموز. الحقل يُمثِّل الطور السهروردي الخالص: المعرفة بالذوق والشهود. الأشعار ليست ترفاً أدبياً، بل لغة النور نفسه: كل بيت شعر إشراقي هو مرآة لمثل أعلى.

الحكيم الشرقي يُعلِّم أن الجبل يؤدي إلى الحقل، والأفكار تتحول إلى أشعار. من يبقى على الجبل يصبح حكيماً جافاً، ومن يغرق في الحقل دون صعود يصبح حالماً مضللاً. التعاليم تُوحِّد بينهما: «اصعد الجبل لترى الحقل، ثم انزل إلى الحقل لتُثمر الجبل».

الرمزية الإشراقية: لغة النور بين الثنائيات

"تتميز الحكمة الشرقية بالانفصال، وضبط النفس، واتباع المنهج الوسطي، والابتعاد عن الاضطراب."

الرمزية الإشراقية هي قلب التعاليم: اللغة الرمزية تُعبِّر عن ما لا يُعبَّر عنه بالمنطق المباشر. أقوال النهار تُستخدم كسلالم للصعود، وتأملات الليل تُستخدم كأجنحة للطيران. جبل الأفكار يُرمَز إليه بالنور الصاعد، وحقل الأشعار بالنور المنبثق. الحكيم الشرقي يرى أن كل شيء في الوجود رمز: الشمس رمز للنور الأعلى، والليل رمز للنفس المستعدة للإشراق.

في هذه الرمزية، تتحول الثنائيات إلى وحدة: النهار والليل طوران في دورة واحدة، الجبل والحقل مرحلتان في رحلة واحدة. الإنسان الإشراقي يعيش «النهار الداخلي» في الليل الخارجي، و«الحقل الروحي» على قمة جبل العقل. هذا التوحيد هو سر السعادة: ليس إلغاء الثنائية، بل تجاوزها بالنور.

التطبيقات الحضارية والروحية للتعاليم

في السياق الحضاري، تُقدِّم تعاليم الحكيم الشرقي حلاً لأزمة العصر: أزمة العقلانية الجافة (أقوال النهار فقط) والروحانية المتطرفة (تأملات الليل فقط). الإنسان المعاصر الذي يعيش في جبل الأفكار التقنية يحتاج إلى حقل الأشعار ليستعيد الجمال. والذي يغرق في حقل الاستهلاك يحتاج إلى صعود الجبل ليستعيد اليقين.

روحياً، تُعلِّم التعاليم أن الإنسان ليس عقلًا فقط ولا قلباً فقط، بل نوراً يجمع بينهما. من يتبع هذه التعاليم يصبح «حكيماً شرقياً» في حياته: يفكر بالنهار، يتأمل بالليل، يصعد جبل الأفكار، ويزرع حقل الأشعار.

خاتمة

"عندما يشير الحكيم إلى القمر، ينظر الأحمق إلى الإصبع."

تعاليم الحكيم الشرقي بين أقوال النهار وتأملات الليل، وبين جبل الأفكار وحقل الأشعار، تمثل قمة الرؤية الإشراقية الرمزية. إنها ليست فلسفة نظرية، بل طريق حياة: توازن بين العقل والحدس، بين الصعود والانفتاح، بين اليقظة والرؤيا. الحكيم الشرقي يدعونا إلى أن نكون أبناء النهار والليل معاً، سالكي الجبل ومزارعي الحقل في آن. في هذا التوازن يكمن سر الإشراق: النور الذي لا ينطفئ، والحكمة التي لا تُدرَك إلا بالقلب والعقل معاً. بهذه التعاليم، يتحول الإنسان من سجين الثنائيات إلى حر في وحدة النور، وتصبح الحياة رحلة إشراقية مستمرة بين النهار والليل، بين الجبل والحقل، نحو النور الأعلى. هذه هي الحكمة الشرقية في أبهى صورها: ليست معرفة، بل إشراق. فكيف يعتبر "من يسعى إلى الحكمة حكيما، ومن يعتقد أنه وجدها أحمقا."؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

نحو تأسيس عقلاني للدولة بين سلطة السيادة وأفق الحرية

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل المشروع السياسي لدى باروخ سبينوزا من خلال استكشاف مفاهيمه المركزية، وعلى رأسها الحق الطبيعي، والدولة، والسيادة، والحرية. وتنطلق من فرضية مفادها أن سبينوزا لا يقدّم مجرد نظرية سياسية جزئية، بل يؤسس تصوراً فلسفياً متكاملاً يعيد بناء العلاقة بين الفرد والسلطة على أسس عقلانية. كما تسعى الدراسة إلى إبراز التوتر الداخلي في هذا المشروع بين توسيع سلطة الدولة وضمان حرية الأفراد. وتعتمد الدراسة على منهج تحليلي نقدي يستند إلى نصوص سبينوزا الأساسية، مع استحضار قراءات فلسفية حديثة، وإبراز راهنية هذا الفكر في السياق العربي والمغربي.

على سبيل الافتتاح:

في لحظات التحول التاريخي الكبرى، حيث تتصدع اليقينيات التقليدية وتبرز الحاجة إلى إعادة بناء أسس العيش المشترك، يتقدم الفكر الفلسفي ليؤدي وظيفة نقدية وتأسيسية في آن واحد. وفي هذا الإطار، يبرز باروخ سبينوزا بوصفه أحد أعمدة الفلسفة الحديثة الذين سعوا إلى تحرير السياسة من هيمنة اللاهوت، دون الوقوع في العدمية أو الفوضى.

لقد عاش سبينوزا في سياق أوروبي اتسم بالصراعات الدينية والانقسامات السياسية، مما جعله يدرك أن مصدر الأزمة لا يكمن فقط في اختلاف المعتقدات، بل في غياب إطار عقلاني ينظم العلاقة بين الأفراد داخل الدولة. ومن هنا، تشكل مشروعه السياسي كاستجابة فلسفية تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي على أساس عقلاني، يضمن في الوقت ذاته حرية التفكير والتعبير.

السياق التاريخي وتشكّل الوعي السياسي:

لا يمكن فهم التصور السياسي السبينوزي دون استحضار السياق التاريخي الذي تشكّل فيه. فقد ولد سبينوزا سنة 1632 في أمستردام، داخل مجتمع متعدد الانتماءات الدينية، وعرف مبكراً تجربة الإقصاء بعد طرده من الجماعة اليهودية بسبب آرائه النقدية. وقد كان لهذا الحدث أثر عميق في توجيه تفكيره نحو مساءلة أسس السلطة، سواء كانت دينية أو سياسية.

إن تجربة النفي هذه لم تكن مجرد حادثة عرضية، بل شكلت لحظة تأسيسية دفعت سبينوزا إلى البحث عن نموذج سياسي بديل يضمن حرية الفرد داخل إطار جماعي منظم. ومن هنا، يمكن القول إن مشروعه السياسي هو استجابة فلسفية لأزمة تاريخية، تتجاوز سياقها الخاص لتطرح أسئلة ما تزال راهنة إلى اليوم .

الحق الطبيعي كأساس أنطولوجي للسياسة:

يشكل مفهوم الحق الطبيعي حجر الزاوية في البناء السياسي لدى سبينوزا. غير أن هذا المفهوم يأخذ لديه دلالة مغايرة للتصورات التقليدية، إذ لا يرتبط بالقيم الأخلاقية أو القوانين الوضعية، بل يعبر عن قدرة الكائن على الفعل. فكل موجود، بحسب سبينوزا، يمتلك من الحق بقدر ما يمتلك من القوة.

هذا التصور يفضي إلى فهم واقعي للطبيعة البشرية، حيث لا يُنظر إلى الإنسان ككائن أخلاقي بالضرورة، بل ككائن يسعى إلى الحفاظ على وجوده. ومن ثم، فإن الصراع يصبح عنصراً بنيوياً في حالة الطبيعة، مما يجعل الانتقال إلى الدولة ضرورة لا مفر منها.

غير أن هذا الربط بين الحق والقوة يثير إشكالاً فلسفياً عميقاً، يتمثل في مدى إمكانية تأسيس نظام عادل على أساس غير معياري، وهو ما يفتح المجال لنقد المشروع السبينوزي من زاوية أخلاقية.

الدولة كضرورة عقلانية لتنظيم الوجود المشترك:

ينتقل سبينوزا من تحليل حالة الطبيعة إلى تبرير قيام الدولة بوصفها ضرورة عقلانية. فحالة الطبيعة، رغم ما تتيحه من حرية، تظل غير مستقرة، لأنها تقوم على صراع دائم بين الأفراد. ومن هنا، تظهر الدولة كإطار تنظيمي يهدف إلى ضمان الأمن وتحقيق الاستقرار.

غير أن ما يميز هذا التصور هو أن الدولة لا تُفهم كقيد على الحرية، بل كشرط لتحقيقها. فهي تتيح للأفراد الانتقال من وضع تحكمه الأهواء إلى وضع تحكمه القوانين، وهو ما يعزز قدرتهم على العيش المشترك .

ومع ذلك، فإن هذا التبرير العقلاني للدولة لا يخلو من توتر، إذ يمنحها سلطة واسعة قد تتحول، في بعض السياقات، إلى أداة للهيمنة، وهو ما يستدعي إعادة التفكير في حدود السلطة السياسية.

السيادة بين المصلحة العامة وإشكال السلطة:

يمنح سبينوزا للسلطة السياسية مكانة مركزية، حيث يعتبرها الجهة الوحيدة المخولة بتنظيم الشأن العام. وتستمد هذه السيادة مشروعيتها من قدرتها على تحقيق المصلحة المشتركة، لا من أي أساس ديني أو تقليدي.

غير أن هذا التصور يطرح تساؤلات نقدية، تتعلق بمدى إمكانية ضمان التزام الدولة بهذا الهدف. فالتاريخ يبين أن السلطة، حتى حين تُبرر عقلانياً، قد تنحرف عن غاياتها، وهو ما يجعل من الضروري التفكير في آليات لضبطها.

الحرية الفكرية كشرط للاستقرار السياسي:

يُعد دفاع سبينوزا عن حرية التفكير من أبرز ملامح مشروعه السياسي، حيث يرى أن قمع الأفكار لا يؤدي إلا إلى زعزعة الاستقرار. ولذلك، يدعو إلى ضمان حرية التعبير، معتبراً أنها لا تتعارض مع سلطة الدولة، بل تعززها.

غير أن هذه الحرية لا تُفهم بمعناها المطلق، بل ضمن حدود تضمن عدم الإضرار بالنظام العام. وهنا يظهر التوازن الدقيق الذي يسعى إليه سبينوزا بين الحرية والنظام، وهو توازن يظل إشكالياً، لكنه يعكس وعياً عميقاً بتعقيد الحياة السياسية.

على سبيل الختام:

يتضح من خلال هذا التحليل أن المشروع السياسي لدى باروخ سبينوزا يمثل محاولة فلسفية متقدمة لتأسيس دولة عقلانية، قوامها تنظيم القوة وتحقيق الحرية. فقد نجح في تجاوز التبريرات اللاهوتية التقليدية، مقدماً تصوراً يقوم على فهم واقعي للطبيعة البشرية.

غير أن هذا المشروع، رغم قوته النظرية، يظل محكوماً بتوتر داخلي بين منطق السلطة ومتطلبات الحرية، وهو ما يجعله مفتوحاً على التأويل والنقد. وتكمن أهميته اليوم في كونه يتيح أفقاً للتفكير في شروط بناء دولة حديثة، خاصة في السياق العربي والمغربي، حيث تظل مسألة التوازن بين الاستقرار السياسي وضمان الحريات من أبرز التحديات.

نتائج الدراسة

يؤسس سبينوزا لنظرية سياسية عقلانية مستقلة عن اللاهوت.

الدولة ضرورة لتنظيم الحرية لا لإلغائها.

الحرية الفكرية شرط للاستقرار السياسي.

المشروع السبينوزي يتضمن توتراً بين السلطة والحرية.

توصيات الدراسة

ضرورة توظيف الفكر السبينوزي في تحليل الإشكالات السياسية المعاصرة.

تعزيز حرية التفكير كمدخل للإصلاح.

تطوير دراسات مقارنة بين سبينوزا والفكر السياسي الإسلامي

استثمار هذا التصور في بناء نموذج سياسي متوازن في الدول العربية.

***

د. منير محقق

................................

لائحة المصادر والمراجع

Spinoza, B. (2002). Ethics (Trans. Edwin Curley). Penguin Classics. (Original work published 1677)

Spinoza, B. (2020). Theological-Political Treatise (Trans. Michael Silverthorne & Jonathan Israel). Cambridge University Press. (Original work published 1670)

Strauss, L. (1952). Persecution and the Art of Writing. University of Chicago Press.

Balibar, E. (1998). Spinoza and Politics. Verso.

Zac, S. (1998). Spinoza et la politique. Presses Universitaires de France.

الهوية الوطنية بمعنى، والهوية الأيديولوجية العقائدية بمعنى آخر. نصاب الهوية الوطنية يتأسس على الانتماء إلى رقعة جغرافية، ومصير مشترك، ومصالح يلتقي فيها الجميع، وتاريخ تتوالى فيه التجارب، وذاكرة جمعية تتشكل في وعي الناس، وتتجسد في ثقافة جامعة ورموز مشتركة تتحذر في اللاشعور السياسي، لا تلغي الاختلافات الدينية والمذهبية والقومية، بل تحتضنها في أفق عيش مشترك. وتتكشف ملامح هذه الثقافة فيما يتراكم في العقل الجمعي من سرديات تستحضر منعطفات نشأة الوطن، وتؤرخ لتحولاته، وتعيد وصل الحاضر بجذوره الممتدة في الزمن، بحيث تغدو الهوية الوطنية إطارًا جامعًا يمنح المعنى للانتماء، ويصون كرامة الإنسان بوصفه مواطنًا قبل كل انتماء آخر.كما تتجلى الهوية الوطنية في الشخصيات المؤسسة، وفي كل شخصية استثنائية تركت بصمة مضيئة في بناء الوطن وتجذير الانتماء إليه عبر التاريخ، وأسهمت في تشييد كيانه السياسي والثقافي والرمزي والديني والقيمي. وتنعكس الهوية الوطنية في اللغة والآداب والفنون السمعية والبصرية، وفي الأديان والمعتقدات، والأساطير والأمثال، والعلوم والمعارف المتنوعة. كذلك يكون الشعار الرسمي للدولة مرآة لهذه الهوية، مضافًا إلى النشيد الوطني، والمناسبات والأعياد، والفلكلور، والأماكن الأثرية والمعمارية التي تستفيق فيها الذاكرة، وتستعيد ما هو جميل في الماضي حضورًا متجددًا في وعي الجماعة. وتتكشف الهوية الوطنية في المطبخ وأنواع الأطعمة، واللباس والأزياء، والأذواق، والرياضات الجماعية، مثل كرة القدم اليوم، وفي كل ما يسهم في توليد الشعور بالاستمرارية التاريخية، ويغذي الإحساس بالارتباط العاطفي العميق بالوطن، ويعيد ترميم أواصر الألفة والتضامن، في إطار كيان سياسي يلتقي فيه المواطنون بوصفهم جزءًا حيًا من نسيجه، وأمناء على ذاكرته، ومشاركين في مصيره، ومسؤولين عن تنميته وحمايته.

الهوية الوطنية هوية جامعة، لا تنغلق على مكون واحد، ولا تسمح باحتكار الوطن لهوية فرعية دينية أو طائفية أو قومية دون سواها. إنها هوية تتسع لمختلف المواطنين، بتنوع أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم ولغاتهم، وتؤمن بأن العيش المشترك لا ينهض إلا على الاعتراف بحق المواطن أن يكون مختلفًا في إطار كيان سياسي واحد، وعلى شراكة الجميع في بناء الوطن وحمايته.

تبتني هذه الهوية على المواطنة الدستورية، التي تعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتؤسس للمساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص بوصفهما شرطًا للكرامة والعيش المشترك. وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ "العدالة بوصفها إنصافًا"، كما بلوره جون رولز (1921–2002) في كتابه "نظرية في العدالة"، حيث لا تتحقق العدالة إلا حين تُصان حقوق الجميع على قدم المساواة، وتُوزع الفرص بما يضمن لكل إنسان إمكانات متكافئة في بناء حياته والمشاركة في صناعة مصيره. وتخضع الجميع لسلطة القانون، وترفض التمييز بكل أشكاله، مهما كان تبريره. إنها هوية تصغي إلى صوت العقل، وتحتكم إلى عقد وطني يضمن التعدد ويحمي السلم الأهلي، ويعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين على أسس تعيد بناء الانتماء للوطن، وتحرر الولاء من أسر الانتماءات الفرعية الضيقة التي تعزل الإنسان في مضايق القومية أو الطائفة، وتعيد توجيه بوصلته نحو الوطن بوصفه الإطار الأوسع الذي ينتظم فيه التنوع، وتتكامل فيه الخصوصيات، من دون أن تتنكر للانتماءات الدينية أو المذهبية أو القومية، بل تعيد إدماجها في أفق الهوية الوطنية الجامعة، ليغدو الانتماء للوطن أصلًا، وما عداه من انتماءات فروعًا تلتقي جميعها فيه.

أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي انتماء إلى معتقد ما، حين يتحول هذا المعتقد إلى أيديولوجيا مغلقة، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا. تتسم هذه الهوية الأيديولوجية بالانغلاق، إذ تنبني على يقين مغلق يختزل العالم في ثنائية حادة: مَن ينتمي إليها، ومَن يقع خارجها. في أفقها يتضخم وهم الاصطفاء، ويتشكل وعي متعالٍ يستمد شرعيته من شعور بالتفوق المتخيل، فتغدو الهوية الجمعية مشروطة بنفي الآخر وإقصائه، لا بالانفتاح عليه أو الاعتراف بحقه في أن يكون مختلفًا. في هذا الواقع، لا يعود الانتماء للوطن مرجعية جامعة، إذ يتراجع لصالح ولاء ضيق يستمد معناه من الجماعة العقائدية، فتتآكل فكرة الدولة بوصفها إطارًا مشتركًا، وتختزل في كيان هش لا يحتمل التعدد. ومع هذا الاختزال، تُهمَّش المصلحة الوطنية، ويعاد ترتيب سلم القيم على نحو يجعل الولاءات الفرعية مقدمة على كل أفق جامع، فينحسر المعنى الإنساني للسياسة، وتفقد الجماعة قدرتها على إنتاج معاني العيش المشترك الذي يؤسس للسلم والعدالة.

تنتج الهوية الأيديولوجية العقائدية خطابًا تعبويًا مشحونًا باليقين المغلق، لا يعترف بالتنوع، ولا يحتمل الاختلاف، ولا يقر بحق الآخر في العيش المشترك. ينظر إلى الحقيقة بوصفها ملكًا حصريًا لا يقبل القسمة، فتتحول اللغة في هذا الواقع إلى أداة تعبئة، وتغدو الهوية سورًا يحاصر المعنى ويمنع انفتاحه، فيُختزل الإنسان في انتمائه، ويُختزل العالم في صورة واحدة لا ترى إلا ذاتها. في مقابل ذلك، تمثل الهوية الوطنية مشروعًا لبناء كيان سياسي يتسع للجميع، يقوم على العيش معًا بكرامة في ظل دولة القانون، حيث تكون المواطنة أساس الانتماء، والعدالة شرط الشرعية، وأفقًا مفتوحًا تتعايش فيه الاختلافات وتتكامل فيه الخصوصيات دون أن تفقد وحدتها في إطار جامع. أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي مشروع احتكار للمعنى والسلطة والوطن والمواطن، تختزل الحقيقة في تفسير واحد، وتختطف الوطن لحساب جماعة، فتقوض وحدة المجتمع، وتزعزع أسس الدولة الوطنية، لأن الكيان السياسي لا يستقر إلا حين يقوم على الاعتراف المتبادل، لا على الإقصاء، ولا على ادعاء امتلاك الحقيقة باسم العقيدة.

 حين يتحول الدين إلى أيديولوجيا أصولية، يجري ترحيله من مجاله الروحي والأخلاقي والجمالي، ويُعاد توطينه في حقول الصراع على السلطة والثروة، كما جرى في تجارب الأيديولوجيات القومية واليسارية. في هذا التحول يفقد الدين رسالته بوصفه أفقًا للمعنى، ويتحول إلى أداة للاستحواذ، ويُختزل في تنازع النفوذ والسيطرة، وتُسخَّر لغته لتعبئة الأتباع وتجييش مشاعرهم باسم الدفاع عن العقيدة. عندئذ تهبط رسالة الدين من غايتها في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إلى وظيفة أيديولوجية مغلقة لا ترى في العالم إلا ساحة صراع. في هذا الواقع، لا تعترف الأصوليات بالهوية الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا، ولا تُقر بشرعية الدولة التي تقوم على هذه الهوية وتكفل استيعاب التنوع والاختلاف في فضاء العيش المشترك، إنما تعمل على تجاوز حدود الوطن، وتقصي كل من لا ينتمي إلى حدودها الأيديولوجية، فتفكك المجال العام، وتُقوّض إمكان بناء دولة تحتضن الجميع على أساس المساواة والعدالة والمواطنة وحق كل مواطن أن يكون مختلفًا.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

ملخص الدراسة: تتناول هذه الدراسة إشكالية النظرية السوسيولوجية من حيث طبيعتها ووظيفتها داخل الحقل المعرفي، من خلال تحليل علاقتها بالحس المشترك، وبقدرتها على تفسير الواقع الاجتماعي وكشف بنياته العميقة. وتنطلق من فرضية مركزية مفادها أن النظرية لا تقتصر على كونها أداة للفهم، بل تتجاوز ذلك لتصبح أداة نقدية تساهم في تفكيك آليات الهيمنة وإعادة إنتاج اللامساواة. وقد اعتمدت الدراسة مقاربة تحليلية تركيبية، مستحضرة نماذج فكرية بارزة مثل بيير بورديو وإمييل دوركايم وكارل ماركس وماكس فيبر، وذلك بهدف إبراز التوتر القائم بين البعد التفسيري والبعد النقدي للنظرية. وتخلص الدراسة إلى أن القيمة الحقيقية للنظرية السوسيولوجية تكمن في قدرتها على الجمع بين الفهم والتغيير، وعلى تحويل المعرفة إلى أداة لتحرير الوعي من البداهات الزائفة، وهو ما ينسجم مع ما يؤكده غاستون باشلار  حين يرى أن "العلم لا يتقدم إلا عبر القطيعة مع الرأي" (Bachelard, 1938/2004).

على سبيل الافتتاح:

ليس من المبالغة القول إن سؤال النظرية يمثل أحد أكثر الأسئلة إلحاحا في الفكر الإنساني، ذلك أنه لا يتعلق فقط بطبيعة المعرفة، بل يمتد ليشمل علاقة الإنسان بالعالم، وحدود قدرته على فهمه وتغييره. فالنظرية ليست مجرد بناء مفاهيمي معزول عن الواقع، بل هي فعل عقلي مركب يسعى إلى تنظيم التجربة الإنسانية داخل نسق من العلاقات القابلة للفهم والتحليل.

غير أن أهمية هذا السؤال تتضاعف حين يتعلق الأمر بالسوسيولوجيا، لأن موضوعها ليس مادة صامتة، بل واقع اجتماعي مشبع بالقيم والصراعات والرهانات. ومن هنا، فإن النظرية السوسيولوجية لا تختبر فقط بقدرتها على تفسير الظواهر، بل أيضًا بقدرتها على زعزعة المسلمات، وكشف ما يتخفى خلف البداهات اليومية من علاقات قوة وهيمنة، وهو ما يجعلها منخرطة في ما يشبه " الشك المنهجي" الذي دافع عنه ديكارت  حين اعتبر أن "الشك هو الطريق إلى اليقين"

 (Descartes, 1637/1998).

وعلى هذا الأساس، تطرح هذه الدراسة إشكالية مركزية مفادها:

هل تظل النظرية السوسيولوجية أداة للفهم فقط، أم أنها تنفتح على أفق النقد والتغيير؟

 النظرية كقطيعة إبستمولوجية مع الحس المشترك:

إن أول ما تكشفه القراءة المتأنية لمفهوم النظرية هو أنها تمثل قطيعة حقيقية مع الحس المشترك، لا امتدادًا له. فالرأي، مهما بدا مقنعا، يظل مرتبطًا بالتجربة المباشرة والانطباع الشخصي، في حين أن النظرية تقوم على بناء مفهومي منظم، يخضع لمنطق الاختبار والتحقق (Popper, 2002).

ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال من الرأي إلى النظرية هو انتقال من مستوى الإدراك العفوي إلى مستوى الوعي النقدي، حيث لا يعود الواقع معطى جاهزًا، بل يصبح موضوعًا للتفكيك وإعادة البناء، في انسجام مع أطروحة غاستون باشلار التي تؤكد أن المعرفة العلمية تتأسس على القطيعة مع الرأي (Bachelard, 1938/2004). وهذا ما يجعل النظرية فعلًا إبستمولوجيًا بامتياز، لأنها تعيد تشكيل العلاقة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة.

ولا تقف أهمية النظرية عند هذا الحد، بل تتجلى كذلك في قدرتها على اختزال تعقيد الواقع. فالعالم الاجتماعي، كما يشير ماكس فييبر ، لا يمكن إدراكه في شموليته دون اللجوء إلى نماذج مفهومية تساعد على تنظيم

 (Weber, 1978).

وهنا تؤدي النظرية وظيفة مركزية تتمثل في تحويل التعدد الفوضوي والعشوائي للوقائع إلى نسق من العلاقات القابلة للفهم.

غير أن هذا الاختزال لا يعني تبسيط الواقع بقدر ما يعني إعادة بنائه في صورة أكثر قابلية للإدراك، وهو ما يجعل النظرية أداة للاقتصاد في الفكر، لا اختزالا ساذجًا للواقع.

النظرية السوسيولوجية وتفكيك البداهة الاجتماعية:

إذا كانت النظرية العلمية عمومًا تفسر العالم، فإن النظرية السوسيولوجية تضطلع بوظيفة أكثر عمقا، تتمثل في نقد البداهة الاجتماعية. فالحس المشترك لا يعكس الواقع كما هو، بل يعيد إنتاجه في صورة تبدو طبيعية، بينما هي في الحقيقة نتاج تاريخي واجتماعي.

في هذا السياق، يبرز تصور بيير بورديو الذي يرى أن علم الاجتماع يمثل علما تفكيكيًا ناقدا للبداهات الاجتماعية، لأنه يكشف ما تحرص البنيات الاجتماعية على إخفائه (Bourdieu, 1990). وهذا التصور يلتقي مع طرح ميشيل فوكو الذي يؤكد أن "ليست مهمتنا أن نكتشف ما نحن عليه، بل أن نرفض ما نحن عليه" (Foucault, 1982)، مما يعني أن المعرفة الحقيقية لا تكتفي بالتشخيص، بل تنخرط في مساءلة أنماط السلطة الكامنة في المجتمع.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك تحليل بورديو للنجاح المدرسي، حيث يبين أن هذا النجاح لا يرتبط فقط بالقدرات الفردية، بل يتحدد أيضًا من خلال ما يسميه "الرأسمال الثقافي" و"الرأسمال الاجتماعي"

(Bourdieu, 1986).

وهنا تتحول النظرية إلى أداة لكشف العنف الرمزي، أي ذلك الشكل الخفي من الهيمنة الذي يمارس عبر اللغة والتصنيفات الاجتماعية.

إن القيمة الفلسفية لهذا التحليل تكمن في أنه يحرر الوعي من وهم الجدارة الفردية، ويكشف أن اللامساواة ليست قدرا طبيعيا، بل نتيجة لبنيات اجتماعية قابلة للتحليل والتغيير، وهو ما يتقاطع مع أطروحة كارل ماركس التي ترى أن " الأفكار السائدة في كل عصر ليست سوى أفكار الطبقة السائدة"

 (Marx & Engels, 1845/1970).

بين الفهم والتغيير: التوتر المؤسس للنظرية

لا تكتمل وظيفة النظرية السوسيولوجية عند حدود الفهم، بل تنفتح على سؤال التغيير. وهنا يظهر التوتر الذي أشار إليه كارل ماركس حين أكد أن تفسير العالم لا يكفي، بل يجب تغييره (Marx, 1978).

غير أن هذا الطرح لا يعني إلغاء البعد المعرفي، بل يؤكد أن المعرفة تكتسب معناها الكامل حين تنخرط في الواقع. وفي هذا الإطار، يلتقي تصور ماركس مع تصور إمييل دوركايم الذي يرى أن السوسيولوجيا يجب أن تكون مفيدة للمجتمع، وأن تساهم في فهم مشكلاته (Durkheim, 2002).

وهكذا، فإن النظرية السوسيولوجية تتحرك داخل توتر خلاق بين مطلب الفهم وأفق التغيير، وهو توتر يعكس، في عمقه، ما أشار إليه تيودور أدورنو Theodor Adorno حين أكد أن "مهمة الفكر ليست تفسير الواقع فحسب، بل مقاومة ما هو قائم فيه" (Adorno, 1966).

 إشكالية الحياد العلمي وحدود المعرفة:

من القضايا المركزية التي تطرحها النظرية السوسيولوجية مسألة الحياد العلمي. فهل يمكن للعلم أن يكون محايدًا؟

إن التحليل يكشف أن هذا الحياد يظل نسبيًا، لأن موضوع السوسيولوجيا نفسه مشحون بالقيم والصراعات. بل إن حتى العلوم الطبيعية ليست بمنأى عن هذه الإشكالية، لأن تطبيقاتها تمتد إلى مجالات تمس حياة الإنسان بشكل مباشر.

وفي هذا السياق، يؤكد ماكس فييبر أن "اختيار موضوع البحث نفسه محكوم بالقيم" (Weber, 1949)، وهو ما يعني أن العلم لا ينفصل كليًا عن رهانات العالم الاجتماعي.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد فقط: هل المعرفة صحيحة؟

بل أصبح: ما آثار هذه المعرفة؟ وكيف تُستخدم؟

وهذا ما يحول النظرية من مجرد أداة تفسير إلى أداة مسؤولية.

على سبيل الختام:

يتضح من خلال هذا التحليل أن النظرية السوسيولوجية ليست مجرد بناء مفهومي يهدف إلى تفسير الواقع، بل هي شكل من أشكال الوعي النقدي الذي يعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. فهي تكشف أن ما يبدو بديهيًا ليس كذلك، وأن ما يُقدم بوصفه طبيعيًا قد يكون نتاجا لبنيات تاريخية واجتماعية معقدة.

إن القيمة الحقيقية للنظرية تكمن في قدرتها على الجمع بين الدقة العلمية واليقظة الأخلاقية، وبين الفهم والتغيير. فهي لا تمنحنا فقط أدوات لتحليل الواقع، بل تفتح أمامنا أفقًا لتجاوزه، بما ينسجم مع التصور الذي يجعل الفكر ممارسة نقدية لا تكتفي بوصف العالم، بل تسعى إلى تغييره ومساءلته باستمرار.

نتائج الدراسة

تكشف الدراسة أن النظرية السوسيولوجية تمثل انتقالا نوعيا من الحس المشترك إلى الوعي العلمي، وأنها تؤدي وظيفة مزدوجة تجمع بين التفسير والنقد. كما تبين أن السوسيولوجيا تساهم في كشف آليات الهيمنة وإعادة إنتاج اللامساواة، وأن الحياد العلمي يظل محدودًا أمام تشابك المعرفة بالقيم. وأخيرا، تؤكد الدراسة أن النظرية تكتسب قيمتها من قدرتها على الربط بين الفهم والمسؤولية.

التوصيات

توصي الدراسة بضرورة تعزيز تدريس النظرية السوسيولوجية في بعدها النقدي، وعدم اختزالها في الجانب التقني فقط، مع تشجيع الأبحاث التي تربط بين المعرفة والواقع الاجتماعي. كما تدعو إلى تطوير وعي علمي يعترف بمسؤولية المعرفة، وإلى الانفتاح على المقاربات التي تجعل من النظرية أداة لفهم العالم وتغييره في آن واحد.

****

د. منير محقق: كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

..............................

لائحة المصادر والمراجع

Adorno, T. (1966). Negative Dialectics. Routledge.

Bachelard, G. (2004). The Formation of the Scientific Mind. (Original work 1938).

Bourdieu, P. (1986). The forms of capital.

Bourdieu, P. (1990). In Other Words.

Descartes, R. (1998). Discourse on Method. (Original work 1637).

Durkheim, É. (2002). Suicide. (Original work 1897).

Foucault, M. (1982). The Subject and Power.

Marx, K. (1978). Theses on Feuerbach.

Marx, K., & Engels, F. (1970). The German Ideology.

Popper, K. (2002). The Logic of Scientific Discovery.

Weber, M. (1949). The Methodology of the Social Sciences.

Weber, M. (1978). Economy and Society.

من دين موجه للناطقين بلغة الضاد من العرب إلى رسالة عالمية تخاطب كل الشعوب بألسنتها

مقدمة: يُشكل الإسلام، في جوهره الحضاري، رسالة عالمية منذ لحظة نزولها الأولى، إذ أعلن القرآن الكريم أنه «هدى للناس» و«رحمة للعالمين». غير أن هذه العالمية لم تتحقق تاريخياً كاملة في شكلها اللغوي والثقافي، إذ ظل الإسلام، في طوره الأول، مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بلغة الضاد – اللغة العربية – التي كانت وعاء الوحي ووسيلة نشره الأولى بين العرب. هذا الارتباط لم يكن عيباً بل ضرورة تاريخية، إلا أنه أصبح، مع مرور القرون، حاجزاً حضارياً جزئياً أمام تحقيق العالمية الكاملة التي تتطلب مخاطبة كل شعوب الأرض بلغاتها الخاصة، وفي سياقاتها الثقافية والحضارية الخاصة.

السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الدراسة هو: ما هي الشروط الحضارية الضرورية لتحول الإسلام من دين يُفهم ويُمارس أساساً من خلال اللغة العربية وتراثها العربي، إلى رسالة عالمية حقيقية تخاطب الإنسانية جمعاء بألسنتها، دون أن يفقد جوهره أو يتحول إلى دين «مُعرَّب» يُفرض على الآخرين؟ المقاربة الحضارية هنا تتجاوز الجانب اللاهوتي الضيق إلى رؤية شاملة ترى الإسلام حضارة متكاملة، قادرة على التفاعل الإيجابي مع الحضارات الأخرى، ومستعدة للاندماج العضوي مع تنوع البشرية اللغوي والثقافي. هذا التحول ليس تنازلاً عن الأصول، بل هو إكمال لرسالته الكونية، يعيد الإسلام إلى موقعه الطبيعي كقوة حضارية عابرة للحدود والأعراق واللغات.

 المقاربة الحضارية للإسلام كرسالة كونية

في المقاربة الحضارية، لا يُنظر إلى الإسلام كمجرد عقيدة فردية أو نظام تشريعي، بل كحضارة شاملة تشمل العقيدة والشريعة والثقافة والاجتماع والاقتصاد والسياسة. هذه الحضارة ليست ثابتة جامدة، بل هي ديناميكية، قادرة على الاستجابة للتحولات التاريخية دون أن تفقد هويتها. التحول المطلوب إذن هو انتقال من «عربية الإسلام» (كمرحلة تأسيسية) إلى «عالمية الإسلام» (كمرحلة إكمال حضاري). هذا الانتقال يتطلب شروطاً موضوعية حضارية، لا مجرد قرارات فردية أو فتويات، بل تغييرات بنيوية في البنية اللغوية والثقافية والاجتماعية للأمة الإسلامية.

الشرط الأساسي لهذا التحول هو الوعي الحضاري بأن اللغة العربية، رغم قدسيتها كلغة الوحي، ليست شرطاً للإيمان، بل وسيلة. القرآن نفسه أكد أنه «قرآن عربي مبين» ليُبلغ العرب أولاً، لكنه في الوقت ذاته أمر بتبليغه للناس كافة. لذا فإن التحول يعني تحرير الرسالة من قيود اللغة الواحدة، مع الحفاظ على الجوهر العقائدي والأخلاقي الذي لا يتغير.

الشرط الأول: التحول اللغوي والترجمة الحضارية الإبداعية

أول شروط التحول هو إنجاز ترجمة حضارية إبداعية للنصوص المقدسة والتراث الإسلامي إلى كل لغات العالم. ليست الترجمة الحرفية كافية؛ بل يجب أن تكون ترجمة حضارية تُعيد صياغة المعاني داخل السياق اللغوي والثقافي لكل شعب. على سبيل المثال، في اللغات الهندية أو الصينية أو الإفريقية أو اللاتينية الأمريكية، ينبغي أن تُقدم المفاهيم الإسلامية كـ«توحيد» أو «عدل» أو «رحمة» بمصطلحات تلامس الوعي المحلي، دون تشويه المعنى الأصلي.هذا الشرط يتطلب تطوير علم لغوي إسلامي جديد يدرس كيفية نقل الدلالات القرآنية إلى بنى لغوية مختلفة جذرياً (مثل اللغات غير السامية). كما يستدعي إنشاء مراكز ترجمة عالمية تعمل على إنتاج تفاسير قرآنية بلغات الشعوب، مع التركيز على الجوانب الكونية مثل العدالة الاجتماعية والأخلاق البيئية والسلام الإنساني. دون هذا التحول اللغوي، يبقى الإسلام «دين العرب» في نظر غير الناطقين به، حتى لو اعتنقوه.

الشرط الثاني: الاندماج الثقافي والتفاعل الحضاري المتبادل

ثاني الشروط هو الانتقال من «الاستيعاب» الثقافي إلى «الاندماج العضوي». في المرحلة العربية الأولى، كان الإسلام يُعرِّب الشعوب الأخرى (كالفرس والبربر). أما في مرحلة العالمية، فيجب أن يندمج الإسلام مع حضارات الشعوب الأخرى: يأخذ منها ما يتوافق مع مبادئه، ويعطيها ما يثريها. في إندونيسيا، على سبيل المثال، اندمج الإسلام مع الثقافة المحلية دون أن يفقد جوهره، وفي أفريقيا جنوب الصحراء أصبح جزءاً من التراث الشفهي والموسيقي.هذا الاندماج يتطلب قبول التنوع الثقافي كسنة إلهية («وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا»). الشرط الحضاري هنا هو إلغاء أي تفوق عرقي أو لغوي داخل الأمة الإسلامية، وتحويل الإسلام إلى إطار حضاري يحتضن اللغات والعادات المحلية طالما لم تتعارض مع الثوابت. هكذا يصبح الإسلام رسالة تخاطب الهندي بلغته وتراثه، والأوروبي بمنطقه، والأفريقي بروحانيته.

الشرط الثالث: الإصلاح الفكري والعقائدي الذي يُبرز البُعد الكوني

يتطلب التحول إصلاحاً فكرياً عميقاً يُعيد النظر في بعض التفسيرات التقليدية التي ربطت الإسلام بالعروبة ارتباطاً عضوياً. يجب أن يُبرز الفكر الإسلامي الجديد أن النبي محمداً ﷺ أُرسل «للعالمين» لا للعرب وحدهم، وأن الصحابة غير العرب (كسلمان الفارسي وبلال الحبشي) كانوا نموذجاً للعالمية المبكرة. هذا الإصلاح يشمل إعادة قراءة التاريخ الإسلامي ليُظهر كيف انتشر الإسلام عبر التجارة والتصوف والزواج المختلط، لا بالسيف فقط.كما يتطلب تطوير علم كلام جديد يؤكد على التوحيد كمبدأ كوني يخاطب كل العقول، وعلم أخلاق إسلامي يُترجم إلى قيم عالمية مشتركة مثل العدالة والرحمة والمساواة. دون هذا الإصلاح الفكري، يبقى الإسلام محصوراً في تراث عربي يصعب على غير العرب استيعابه.

الشرط الرابع: السياق الاجتماعي والسياسي المستقل

لا يمكن للتحول أن يحدث في فراغ اجتماعي. يشترط وجود مجتمعات إسلامية مستقلة سياسياً واقتصادياً، قادرة على بناء نماذج حضارية ناجحة تُقدم الإسلام كبديل حضاري للنظم المادية أو الاستهلاكية. هذه المجتمعات يجب أن تكون متعددة اللغات والأعراق داخلياً، وأن تُروج للتعليم الإسلامي باللغات المحلية، وأن تفتح أبواب الدعوة للعالم كله.

سياسياً، يتطلب الأمر رفض أي شكل من أشكال «القومية العربية» التي تجعل الإسلام أداة للهيمنة العرقية، وتبني بدلاً منها «الأممية الإسلامية» التي ترى كل مسلم – عربياً كان أم غير عربي – شريكاً متساوياً في بناء الحضارة.

الشرط الخامس: الدور التكنولوجي والتواصل العالمي في عصر المعلومات

في العصر الحديث، أصبحت التكنولوجيا شرطاً حاسماً. الإنترنت والذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية المتقدمة تتيح مخاطبة ملايين الناس بلغاتهم لحظياً. الشرط الحضاري هنا هو استثمار هذه التقنيات في إنتاج محتوى إسلامي أصيل بلغات العالم، مع الحرص على الجودة الثقافية. كما يتطلب تطوير تطبيقات ومنصات تعليمية إسلامية تُقدم الصلاة والقرآن والفقه بطريقة تفاعلية تتناسب مع كل ثقافة.

التحديات والمخاطر المحتملة

رغم ذلك، يواجه هذا التحول تحديات حضارية كبرى: خطر الذوبان الثقافي إذا أدى الاندماج إلى فقدان الثوابت، أو خطر الجمود إذا رفضت الأمة اللغوية التخلي عن احتكارها. كذلك، قد يُستغل التحول من قبل قوى خارجية لتفريغ الإسلام من محتواه الثوري والأخلاقي.

آفاق المستقبل

إذا تحققت هذه الشروط، فإن الإسلام سيتحول إلى رسالة عالمية حقيقية، تخاطب كل شعوب الأرض بلغاتها، وتصبح قوة حضارية رائدة في عالم متعدد الأقطاب. سيعود الإسلام إلى دوره التاريخي كجسر بين الحضارات، وكقوة تجمع بين الروحانية والتقدم، بين التوحيد والتنوع.

خاتمة

تحول الإسلام إلى رسالة عالمية تخاطب كل الشعوب بالسنتها ليس حلماً بعيداً، بل ضرورة حضارية تتطلب شروطاً موضوعية: لغوية وثقافية وفكرية وسياسية وتكنولوجية. هذا التحول لا يعني نهاية الدور العربي، بل إكماله؛ فالعرب سيبقون حملة اللغة الأصلية، لكنهم سيشاركون في حضارة إسلامية عالمية أوسع. بهذا التحول فقط يتحقق معنى «رحمة للعالمين» على أرض الواقع، ويصبح الإسلام ديناً للبشرية جمعاء، يخاطب كل إنسان في لغته وثقافته ووجدانه.

***

د. زهير الخويلدي

من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول

يستوقف الناظر في مسار الفكر المغربي المعاصر ذلك التوتر الخفي بين مطلب العقل بوصفه أداة للفهم والتنظيم وبين مطلب الأخلاق بوصفها أفقا للمعنى والالتزام. توتر لا يُختزل في جدل نظري صرف بل يمتد في عمق التجربة التاريخية والثقافية للمغرب الحديث، حيث تداخلت رهانات التحرر السياسي مع أسئلة الهوية وتشابكت مشاريع التحديث مع استعادة المرجعيات الروحية والفقهية. ويعد السؤال عن العقل سؤالا عن وظيفته وحدوده وعن مشروعيته داخل نسيج ثقافي لم ينفصل قط عن الوازع الأخلاقي كما يغدو السؤال عن الأخلاق بحثا في شروط إمكانها داخل عالم تتسارع فيه آليات العقلنة التقنية وتتضخم فيه سلطة الوسائط.

ذلك أن العقل كما تبلور في كثير من تمثلات الحداثة، اقترن بقدرة الإنسان على السيطرة والتحكم وانصرف إلى تدبير الوسائل وتحقيق النجاعة فغدا ما اصطلح عليه بالعقل الأداتي الذي يقيس الأشياء بمردودها ويزن الأفعال بنتائجها. غير أن هذا التحول لم يمر دون مقاومة داخل السياق المغربي حيث ظلت الذاكرة الفقهية والصوفية تستبطن تصورا للعقل يتجاوز الحساب إلى الاعتبار ويعانق الحكمة بوصفها إدراكا للغايات قبل الوسائل. وهنا تنشأ المفارقة، عقل يندفع في اتجاه التشييء والتقنين وأخلاق تستبطن معنى المسؤولية والتزكية.

وقد عبّر غير واحد من المفكرين المغاربة عن هذا القلق المعرفي والأخلاقي حين نبهوا إلى أن اختزال العقل في وظيفته الأداتية يؤدي إلى فراغ معياري خطير، إذ يغدو الفعل الإنساني قابلا للتبرير متى تحقق له النجاح أو النفع ولو على حساب القيم المؤسسة للعيش المشترك. هذا التحذير يجد صداه في التراث الإسلامي ذاته حيث اقترن العقل بالحكمة والحكمة بالإصابة في القول والعمل، حتى قيل إن “العقل ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان” في دلالة على تلازم المعرفة والالتزام وعلى أن إدراك الحقائق لا ينفصل عن تهذيب السلوك.

ضمن هذا الأفق يتبدى أن الإشكال المطروح في الفكر المغربي المعاصر لا يتعلق بمجرد المفاضلة بين العقل والأخلاق بل يرتبط بإعادة بناء العلاقة بينهما على نحو يحرر العقل من نزوعه الاختزالي ويحرر الأخلاق من انغلاقها الوعظي. فالعقل حين ينفصل عن القيم يتحول إلى قوة عمياء والأخلاق حين تنفصل عن العقل تنزلق إلى مجرد تقاليد فاقدة للفاعلية. لذلك كان البحث منصبا على تأسيس نمط من العقلانية يدمج البعد القيمي في صميم الفعل المعرفي ويجعل من المسؤولية مبدأ موجها لكل ممارسة عقلية.

إن هذا التحول من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول لا يفهم إلا في ضوء السياق الذي تشكل فيه الفكر المغربي الحديث، حيث واجهت النخب المثقفة تحديات مزدوجة، تحدي الاستعمار الذي فرض نمطا من العقلانية التقنية المرتبطة بالهيمنة وتحدي التقليد الذي سعى إلى تثبيت أنماط جاهزة من الفهم والسلوك. وبين هذين الحدين نشأ وعي نقدي حاول أن يستعيد للعقل وظيفته التحريرية دون أن يفقد صلته بالأخلاق وأن يؤسس للأخلاق على قاعدة عقلانية دون أن يسقط في النزعة النفعية.

هذا الوعي لم يتشكل دفعة واحدة بل تدرج عبر مسارات متعددة تداخل فيها الفلسفي بالكلامي والفقهي بالصوفي والسياسي بالثقافي. وفي كل هذه المسارات ظل السؤال الأخلاقي حاضرا بوصفه معيارا للحكم على مشروعية الأفكار والممارسات. فالعقل الذي لا يفضي إلى العدل ولا يسهم في ترسيخ الكرامة الإنسانية ولا يعزز قيم التضامن يظل عقلا ناقصا مهما بلغ من الدقة والصرامة. لذلك نجد أن كثيرا من المفكرين المغاربة أعادوا قراءة التراث لا بحثا عن أجوبة جاهزة بل سعيا إلى استخراج إمكاناته الأخلاقية الكامنة وإلى بناء تصور جديد للعقل يستلهم تلك الإمكانات دون أن ينغلق داخلها.

ويعد مفهوم المسؤولية مركزيا في هذا السياق إذ يمثل الجسر الذي يصل بين المعرفة والعمل وبين الفهم والالتزام. فالعقل المسؤول لا يكتفي بإنتاج الأفكار بل ينظر في آثارها ومآلاتها ويستحضر تبعاتها على الإنسان والمجتمع. وهو بهذا المعنى عقل منفتح على الآخر واعٍ بحدوده مدرك لكونه جزءا من شبكة من العلاقات التي تفرض عليه قدرا من التواضع والاحتياط. هذا الوعي بالحدود لا يعني الانكفاء بل يفتح أفقا جديدا للفعل العقلاني حيث تتكامل الحرية مع الواجب وتتداخل المعرفة مع القيم.

وتتضح أهمية تناول العلاقة بين العقل والأخلاق في الفكر المغربي المعاصر لا باعتبارها مسألة نظرية معزولة بل بوصفها مدخلا لفهم التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع ولتقييم المشاريع الفكرية التي سعت إلى توجيه تلك التحولات. فكل حديث عن التحديث أو الإصلاح يظل ناقصا ما لم يندرج ضمن تصور متكامل للعقل بوصفه قوة مسؤولة قادرة على الجمع بين الصرامة المعرفية والالتزام الأخلاقي. وهذا ما يمنح هذا الموضوع راهنيته وعمقه ويجعله جديرا بالبحث والتأمل.

يستدعي النظر في مسألة العقل داخل الفكر المغربي المعاصر استحضار ذلك التحول الدلالي العميق الذي مسّ مفهومه ووظيفته إذ لم يعد العقل مجرد ملكة إدراكية محايدة تتلقى المعطيات وتنسقها وفق قواعد منطقية بل أضحى بنية مركبة تتداخل فيها المعرفة بالقيمة وتتقاطع داخلها رهانات الفهم مع مقتضيات الفعل. هذا التحول يضعنا أمام نمطين متمايزين من العقلانية: عقل يتجه نحو الأداتية في صيغتها التقنية الحديثة وعقل يسعى إلى استعادة بعده القيمي عبر ما يمكن تسميته بالعقل المسؤول. وبين هذين النمطين يتشكل المجال النظري الذي اشتغلت فيه أبرز الأطروحات المغربية حيث جرى تفكيك آليات العقل الأداتي والكشف عن محدوديته في مقابل البحث عن أفق يؤسس لفاعلية عقلية مندمجة في نسيج أخلاقي حي.

إن العقل الأداتي كما تبلور في التجربة الحداثية الغربية ارتبط بقدرة الإنسان على تحويل العالم إلى موضوع للسيطرة والتدبير. المعرفة في هذا السياق تتحدد بقدر ما تمنحه من إمكانات التحكم والقيمة تقاس بمدى النجاعة والفعالية. وقد نبه فلاسفة النقد الاجتماعي إلى أن هذا النمط من العقلانية ينزع إلى اختزال الإنسان ذاته إلى وسيلة بحيث تغدو العلاقات الإنسانية خاضعة لمنطق المنفعة والحساب. هذا المنظور حين انتقل إلى السياق العربي والمغربي لم يأت بوصفه مفهوما مجردا بل دخل ضمن مشروع تاريخي ارتبط بالتحديث وبمحاولات اللحاق بركب الحضارة التقنية. غير أن استقباله لم يكن بريئا إذ سرعان ما برزت أسئلة تتعلق بمدى ملاءمته لخصوصية البنية الثقافية التي تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الفقه والتصوف والكلام.

إن أولى ملامح النقد الذي وُجّه إلى العقل الأداتي داخل الفكر المغربي تمثلت في التنبيه إلى طابعه الاختزالي إذ ينزع إلى إقصاء الأبعاد غير القابلة للقياس وفي مقدمتها القيم والمعاني. وقد وجد هذا النقد جذوره في التراث الإسلامي نفسه حيث ارتبط العقل بالحكمة، والحكمة لم تكن مجرد إصابة في الحكم بل كانت انضباطا بمقتضى الحق واستحضارا لمآلات الأفعال. يقول الشاطبي إن “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا”، وهي عبارة تختزن تصورا عميقا للعقل بوصفه فعلا مسؤولا يتجاوز اللحظة الراهنة إلى استشراف النتائج. كما يرد في أقوال بعض المتصوفة أن “العاقل من جمع بين علم وحال”، في إشارة إلى أن المعرفة لا تستقيم دون أثرها في السلوك.

هذا التصور التراثي لم يُستدعَ داخل الفكر المغربي المعاصر على نحو تكراري بل خضع لإعادة قراءة نقدية قصد استخراج إمكاناته في مواجهة هيمنة العقل الأداتي. فالعقل في هذا السياق لا يُرفض من حيث هو أداة تحليل وتنظيم بل يُرفض حين يتحول إلى مرجعية وحيدة تقيس بها كل القيم. لذلك نجد أن بعض المفكرين المغاربة عملوا على التمييز بين عقل برهاني يشتغل وفق قواعد الاستدلال وعقل عملي يتوجه نحو الفعل ويخضع لمعايير أخلاقية. هذا التمييز يفتح المجال أمام تصور مركب للعقل يجمع بين الصرامة المنطقية والالتزام القيمي.

غير أن الإشكال لا يتوقف عند حدود التمييز المفهومي بل يتجاوزه إلى مستوى الممارسة الفكرية. فالعقل الأداتي بحكم ارتباطه بالبنية التقنية الحديثة يميل إلى فرض منطقه على مختلف مجالات الحياة بما فيها المجال الأخلاقي. وهنا يكمن الخطر، إذ تتحول الأخلاق إلى مجرد قواعد وظيفية تخدم استقرار النظام أو تحقق الانسجام الاجتماعي دون أن تكون لها قيمة في ذاتها. وقد عبّر بعض المفكرين عن هذا الوضع بقولهم إن “القيم حين تفقد استقلالها تغدو أدوات ضمن أدوات”، وهو تعبير يكشف عن عمق الأزمة التي يطرحها هيمنة العقل الأداتي.

في مقابل ذلك برز داخل الفكر المغربي اتجاه يسعى إلى إعادة الاعتبار للأخلاق بوصفها مبدأ مؤسسا للعقل ذاته، لا مجرد نتيجة من نتائجه. هذا الاتجاه ينطلق من فكرة أن العقل لا يكتمل إلا إذا انفتح على بعد معياري يوجهه ويحد من انحرافاته. وقد نجد في بعض الكتابات إشارات إلى أن “العقل من غير خلق كالسيف من غير غمد”، في دلالة على أن القوة العقلية تحتاج إلى ضابط أخلاقي يحميها من الانفلات. هذا التصور يعيد صياغة العلاقة بين العقل والأخلاق بحيث لا تكون العلاقة علاقة إضافة خارجية بل علاقة تداخل بنيوي.

إن هذا التداخل يفرض إعادة النظر في مفهوم المعرفة ذاته. فالمعرفة وفق هذا المنظور لا تقاس فقط بمدى مطابقتها للواقع بل أيضا بقدرتها على توجيه الفعل نحو الخير. وهنا يظهر أن العقل المسؤول لا ينشغل فقط بالسؤال عما هو كائن بل يتجه أيضا نحو ما ينبغي أن يكون. هذا الانتقال من الوصف إلى التقويم يمثل لحظة حاسمة في إعادة بناء العقلانية إذ يحررها من الحياد الزائف الذي قد يخفي انحيازات غير معلنة.

وقد استند هذا التوجه إلى جملة من المرجعيات من بينها الفلسفة الأخلاقية الإسلامية التي جعلت من مقاصد الشريعة إطارا عاما لتنظيم الفعل الإنساني. فالمقاصد كما صاغها الأصوليون تقوم على حفظ الضروريات الخمس، وهي تمثل منظومة قيمية متكاملة يمكن أن تشكل أساسا لعقلانية مسؤولة. كما تم استحضار بعض أطروحات الفلسفة الحديثة التي نقدت النزعة الأداتية وأكدت على ضرورة استعادة البعد الأخلاقي في التفكير. هذا التلاقي بين المرجعيات لم يكن مجرد تجميع انتقائي بل جاء نتيجة وعي بضرورة تجاوز الانقسام بين التقليد والحداثة.

ويمكن فهم الجهد الذي بذله بعض المفكرين في تحليل بنية العقل العربي حيث حاولوا الكشف عن العوائق التي تحول دون تشكل عقلانية نقدية. وقد أشاروا إلى أن هيمنة أنماط من التفكير التقليدي إلى جانب تأثير العقل الأداتي المستورد، يخلقان وضعا مركبا يحتاج إلى معالجة دقيقة. فالعقل المسؤول لا يمكن أن يتأسس إلا عبر نقد مزدوج يستهدف البنيات التقليدية الجامدة وفي الآن ذاته يكشف حدود العقلانية التقنية.

إن هذا النقد المزدوج يفتح أفقا لتأسيس نمط جديد من التفكير يقوم على التكامل بين المعرفة والقيمة. فالعقل هنا لا يكتفي بتحليل الواقع بل يسعى إلى تغييره وفق معايير أخلاقية. وهذا ما يجعل من المسؤولية مفهوما مركزيا إذ تعني تحمل تبعات الفعل والوعي بآثاره على الذات والآخر. وقد قيل في هذا السياق إن “الحرية بلا مسؤولية عبث، والمسؤولية بلا حرية قيد”، وهو قول يلخص العلاقة الجدلية بين هذين البعدين.

ومن الممكن أيضا إعادة قراءة كثير من القضايا التي شغلت الفكر المغربي من قبيل مسألة التحديث والعلاقة بالتراث وموقع الدين في المجال العام. فكل هذه القضايا ترتبط في العمق بكيفية تصور العقل وبمدى قدرته على استيعاب البعد الأخلاقي. فالتحديث على سبيل المثال لا يمكن أن يُفهم فقط بوصفه إدخالا للتقنيات بل ينبغي أن يُنظر إليه كتحول في أنماط التفكير والسلوك، بما يقتضي إعادة بناء المنظومة القيمية. كما أن العلاقة بالتراث لا يمكن أن تختزل في موقفين متقابلين، أحدهما يدعو إلى القطيعة والآخر إلى التمسك بل تحتاج إلى قراءة نقدية تستحضر البعد الأخلاقي الكامن فيه.

إن العقل المسؤول في هذا الإطار يتطلب نوعا من اليقظة الدائمة إذ لا يكفي أن نعلن الالتزام بالقيم بل ينبغي أن نترجم هذا الالتزام إلى ممارسات فعلية. وهذا ما يجعل من التربية مسألة أساسية حيث يتشكل وعي الفرد عبر تفاعل مع محيطه الثقافي والاجتماعي. فالعقل لا ينمو في فراغ بل يتغذى من منظومة من القيم والمعاني. وإذا كانت هذه المنظومة مختلة فإن العقل نفسه يتأثر بذلك ويصبح عرضة للانحراف.

وقد أشار البعض إلى أن الأزمة التي يعيشها العالم المعاصر تعود في جانب كبير منها إلى اختلال العلاقة بين العقل والأخلاق. فالتقدم العلمي الهائل لم يصحبه تطور مماثل في الوعي الأخلاقي مما أدى إلى ظهور أشكال من العنف والاستغلال. هذا التشخيص ينسحب بدرجات متفاوتة على السياق المغربي حيث تظهر آثار هذا الاختلال في مجالات متعددة من الاقتصاد إلى السياسة إلى الثقافة. وتبرز الحاجة هنا إلى إعادة بناء العقلانية على أسس جديدة تجعل من المسؤولية مبدأ موجها.

إن هذا المشروع لا يخلو من صعوبات إذ يواجه تحديات متعددة من بينها مقاومة البنيات التقليدية وضغط النماذج العالمية المهيمنة. غير أن هذه الصعوبات لا تلغي إمكانية العمل على بلورة تصور متكامل للعقل المسؤول يستلهم من التراث ويستفيد من الحداثة دون أن يقع في أسر أي منهما. فالمطلوب ليس استنساخ نماذج جاهزة بل إنتاج فكر أصيل قادر على مواجهة التحديات الراهنة.

وهنا تحضرني  بعض الأقوال التي يمكن استحضارها حيث تعكس هذا التوجه من قبيل ما يُنسب إلى بعض الحكماء من أن “العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل”، وهي عبارة تؤكد على أن المعرفة تفقد قيمتها إذا لم تتحول إلى فعل. كما يمكن استحضار قول آخر مفاده أن “من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا”، في إشارة إلى أن العلم دون توجيه أخلاقي قد يقود إلى نتائج عكسية. هذه الأقوال على بساطتها تعكس وعيا عميقا بضرورة الربط بين العقل والأخلاق.

إن التفكير في العقل المسؤول يفتح المجال أيضا أمام إعادة النظر في مفهوم الذات حيث لا تعود الذات مجرد كيان مستقل يسعى إلى تحقيق مصالحه بل تصبح ذاتا منفتحة على الآخر واعية بترابط المصالح والمصائر. هذا التحول في تصور الذات ينعكس على طبيعة الفعل إذ يغدو الفعل موجها نحو تحقيق الخير المشترك لا مجرد إشباع الرغبات الفردية. ويمكن فهم العلاقة الوثيقة بين العقل المسؤول وفكرة العدالة حيث تشكل العدالة معيارا للحكم على الأفعال والسياسات.

وعلاقة بما سبق، يتضح أن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول يمثل مسارا معقدا يتطلب جهدا نظريا وعمليا متواصلا. فهذا الانتقال لا يتحقق عبر إعلان نوايا بل يحتاج إلى إعادة بناء عميقة للأنساق الفكرية والقيمية. كما يتطلب شجاعة نقدية تسمح بمراجعة المسلمات والانفتاح على إمكانات جديدة. وهذا ما يجعل من هذا الموضوع مجالا خصبا للبحث حيث تتقاطع فيه أسئلة الفلسفة مع رهانات الواقع وتلتقي فيه المعرفة بالفعل في أفق بناء إنسان أكثر وعيا ومسؤولية.

يستدعي استكمال النظر في هذا الأفق الانتقالي من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول تعميق النظر في الشروط التي تجعل هذا التحول ممكنا داخل السياق المغربي، ذلك أن الإقرار بضرورة هذا التحول لا يكفي في ذاته ما دام الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية تنزيله داخل بنية ثقافية مركبة تتجاذبها رواسب التقليد وضغوط الحداثة وتتحكم في مفاصلها تمثلات متباينة للعقل والقيمة والإنسان. وتكاد تكون المسألة مسألة تأسيس لا مجرد توصيف، مسألة إعادة بناء للمعايير التي توجه الفعل الفكري والاجتماعي بما يسمح بإنتاج عقلانية لا تنفصل عن أفقها الأخلاقي.

إن أول ما يلفت الانتباه في هذا السياق أن العقل الأداتي لم يترسخ في التجربة المغربية بوصفه اختيارا واعيا بقدر ما جاء نتيجة سيرورات تاريخية فرضت نفسها عبر قنوات متعددة في مقدمتها النظام التعليمي والإداري حيث جرى تكريس نمط من التفكير يقوم على الامتثال للإجراءات وتحقيق النجاعة دون مساءلة الغايات. هذا النمط أفرز ما يمكن تسميته بضمور الحس النقدي، إذ يغدو العقل مشغولا بكيفية الإنجاز أكثر من انشغاله بجدوى ما يُنجز. وقد أشار غير واحد من المفكرين إلى أن أخطر ما يهدد العقل ليس الجهل في حد ذاته بل ذلك النوع من المعرفة التي تفقد بعدها القيمي فتتحول إلى مجرد تقنية بلا روح.

وفي مقابل هذا الامتداد الصامت للعقل الأداتي تبرز الحاجة إلى استعادة البعد التأملي الذي يربط المعرفة بسؤال المعنى. هذا البعد لا ينفصل عن تقليد فلسفي عريق حيث ظل السؤال عن الغاية ملازما للسؤال عن الوسيلة وحيث كانت الحكمة تُعرّف بكونها “وضع الشيء في موضعه”، وهو تعريف يستبطن وعيا بالترتيب القيمي للأفعال. وقد أعاد بعض المفكرين المغاربة إحياء هذا الأفق من خلال نقد النزعة الاختزالية التي تحصر العقل في قدرته على الحساب والدعوة إلى توسيع مجاله ليشمل أبعادا تتصل بالوجدان والضمير.

إن هذا التوسيع لا يعني التخلي عن الصرامة المنهجية بل يقتضي إعادة توجيهها بحيث تخدم غايات إنسانية أسمى. فالعقل المسؤول لا يعادي العلم ولا يقف موقف الريبة من التقنية بل يسعى إلى تأطيرهما ضمن رؤية أخلاقية تجعل من الإنسان غاية لا وسيلة. وقد عبّر بعض الفلاسفة عن هذا المعنى بقولهم إن “العقل الذي لا يضع حدودا لقدرته ينتهي إلى تدمير نفسه”، في إشارة إلى أن الانفلات من كل قيد قيمي قد يقود إلى نتائج كارثية. وهذا ما تؤكده تجارب معاصرة حيث أدى التقدم التقني غير المؤطر أخلاقيا إلى أزمات بيئية واجتماعية عميقة.

وتتضح أهمية إدماج مفهوم المسؤولية في صلب الفعل العقلي بحيث يصبح كل إنتاج معرفي مشروطا بوعي بمآلاته. هذا الوعي لا ينشأ تلقائيا بل يتطلب تربية طويلة الأمد تقوم على ترسيخ قيم مثل الصدق والأمانة والعدل. وقد كان للتراث الإسلامي إسهام بارز في هذا المجال، حيث جرى التأكيد على أن العلم أمانة وأن العالم مسؤول عما يقول ويفعل. وكما هو مشاع أن “زلة العالم زلة عالم”، في دلالة على خطورة الكلمة حين تصدر عن سلطة معرفية.

غير أن استحضار هذا التراث لا يكفي ما لم يُقرن بقراءة نقدية تسمح بتمييز ما هو حي فيه مما هو متجاوز. فالعقل المسؤول لا يقبل التسليم المطلق بل يمارس نوعا من الفحص الدائم الذي يوازن بين الوفاء للأصول والانفتاح على المستجدات. هذا التوازن يفرض نفسه بقوة في زمن تتسارع فيه التحولات حيث لم يعد ممكنا الاكتفاء بإجابات جاهزة على أسئلة تتجدد باستمرار. وتنبع الحاجة هنا إلى عقل مرن قادر على التكيف دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.

إن هذا العقل المرن يتطلب بدوره بيئة حاضنة تسمح له بالنمو والتطور. فالمؤسسات التعليمية على سبيل المثال تلعب دورا حاسما في تشكيل أنماط التفكير، وإذا ظلت أسيرة مناهج تقليدية أو خاضعة لمنطق النفعي الضيق، فإنها تسهم في إعادة إنتاج العقل الأداتي بدل تجاوزه. لذلك دعا بعض المفكرين إلى إصلاح جذري للتعليم يقوم على تنمية القدرة النقدية وتشجيع الحوار وربط المعرفة بالقيم. وقد قيل في هذا السياق إن “التعليم الذي لا يربي الضمير يخرج أناسا أذكياء بلا أخلاق”، وهو قول يعكس عمق الإشكال.

كما أن المجال العمومي يشكل بدوره فضاء حاسما لتجلي العقل المسؤول، حيث تتقاطع فيه المصالح وتتواجه فيه الرؤى. فإذا كان هذا المجال محكوما بمنطق الصراع على النفوذ فإن العقل يتحول إلى أداة للمناورة وتغيب القيم لصالح الحسابات الضيقة. أما إذا تأسس على مبادئ الشفافية والمساءلة فإنه يتيح إمكانات واسعة لممارسة عقلانية مسؤولة تضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الفردية. وقد أكد بعض المفكرين أن “العدل أساس العمران”، وهي عبارة تختزل علاقة وثيقة بين الأخلاق واستقرار المجتمعات.

وتبرز أيضا في هذا الإطار مسألة العلاقة بين الدين والعقل وهي مسألة طالما شغلت الفكر المغربي. فالدين بما يحمله من منظومة قيمية يمكن أن يشكل سندا للعقل المسؤول شريطة أن يُفهم فهما منفتحا يتجاوز القراءات الحرفية التي تغلق باب الاجتهاد. وقد سعى بعض العلماء إلى إبراز أن الشريعة في جوهرها قائمة على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وهو تصور يفتح المجال أمام تفاعل إيجابي بين العقل والنص. غير أن هذا التفاعل يتطلب كفاءة علمية وأخلاقية تمنع الانزلاق إلى توظيف الدين لخدمة أغراض ضيقة.

ولا يمكن إغفال تأثير العولمة التي فرضت نمطا من التفكير يقوم على السرعة والاستهلاك، وهو ما يعزز من حضور العقل الأداتي. فالفرد يجد نفسه محاطا بسيل من المعلومات دون أن تتاح له دائما فرصة التأمل في معانيها. هذا الوضع يخلق نوعا من التشتت ويضعف القدرة على بناء مواقف متماسكة. وتبرز الحاجة إلى تنمية ما يمكن تسميته باليقظة الفكرية، أي القدرة على التمييز بين ما هو جوهري وما هو عابر وبين ما يخدم الإنسان وما يستنزفه.

إن هذه اليقظة لا تنفصل عن وعي بالذات وبموقعها داخل العالم. فالعقل المسؤول يفترض ذاتا قادرة على مساءلة نفسها وعلى الاعتراف بأخطائها وعلى التعلم منها. وقد أثر أن “الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها”، وهي عبارة تدعو إلى الانفتاح على التجارب المختلفة دون التفريط في المعايير. هذا الانفتاح يشكل شرطا لتجاوز الانغلاق كما يشكل في الآن ذاته حماية من الذوبان في الآخر.

إن المشروع الذي يهدف إلى تأسيس عقل مسؤول في الفكر المغربي يواجه تحديا مزدوجا: تحدي بناء نظرية متماسكة وتحدي ترجمتها إلى ممارسة اجتماعية. فالنظرية دون ممارسة تبقى حبيسة الكتب، والممارسة دون نظرية معرضة للتخبط. لذلك كان من الضروري العمل على الربط بين المجالين من خلال مبادرات فكرية وتربوية تسعى إلى تجسيد القيم في الواقع.

وقد ظهرت في هذا السياق محاولات متعددة تسعى إلى إعادة الاعتبار للأخلاق في مجالات مختلفة من الاقتصاد إلى السياسة إلى الإعلام. فاقتصاد بلا أخلاق يتحول إلى مجال للاستغلال، وسياسة بلا أخلاق تنزلق إلى الفساد، وإعلام بلا أخلاق يصبح أداة للتضليل. هذه المجالات رغم اختلافها يجمعها عنصر مشترك يتمثل في الحاجة إلى عقلانية مسؤولة تضع حدودا للممارسة وتوجهها نحو خدمة الإنسان.

إن هذا التوجيه يقتضي أيضا إعادة النظر في مفهوم النجاح الذي غالبا ما يُختزل في تحقيق المكاسب المادية أو الوصول إلى مواقع السلطة. فالعقل المسؤول يعيد تعريف النجاح بوصفه قدرة على تحقيق التوازن بين الذات والآخر وبين المصلحة الفردية والمصلحة العامة. وقد قيل إن “من عرف نفسه عرف ربه”، وهي عبارة يمكن قراءتها في هذا السياق بوصفها دعوة إلى معرفة الحدود وإلى إدراك أن الإنسان ليس مركز الكون بل جزء من نظام أوسع.

هذا الإدراك يفتح الباب أمام نوع من التواضع المعرفي الذي يشكل شرطا لأي عقلانية مسؤولة. فالعقل الذي يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة يغلق على نفسه باب الحوار ويعرض نفسه للخطأ. أما العقل الذي يعترف بنسبيته فإنه يظل منفتحا على التصحيح وقادرا على التطور. وهذا ما يجعل من الحوار قيمة أساسية ليس فقط كوسيلة للتواصل بل كآلية لإنتاج المعرفة.

ويمكننا هنا استحضار قول بعض الفلاسفة إن “الحقيقة لا تُمتلك بل تُطلب”، وهو قول يعبر عن روح البحث التي ينبغي أن تسكن العقل المسؤول. هذه الروح تتعارض مع النزعة اليقينية التي تدعي امتلاك الأجوبة النهائية كما تتعارض مع النزعة النسبية المتطرفة التي تنفي وجود أي معيار. فالعقل المسؤول يسير بين هذين الحدين باحثا عن توازن دقيق يسمح له بالتحرك دون أن يفقد الاتجاه.

إن هذا المسار يظل مفتوحا على إمكانات متعددة ولا يمكن حسمه بشكل نهائي، فكل جيل مدعو إلى إعادة طرح السؤال وإلى صياغة أجوبته الخاصة في ضوء التحديات التي يواجهها. وهذا ما يمنح الفكر المغربي حيويته حيث يتجدد عبر الحوار بين الماضي والحاضر، بين المحلي والعالمي وبين العقل والأخلاق.

وإذا كان هذا المسار قد بدأ يتشكل ملامحه في العقود الأخيرة فإنه لا يزال في حاجة إلى مزيد من التعميق والتجذير، فالتحديات التي يواجهها المجتمع المغربي من بطالة وفوارق اجتماعية وتحولات ثقافية تفرض التفكير في نماذج جديدة للتنمية تقوم على العدالة والتضامن، وهذه النماذج لا يمكن أن تنجح دون عقلانية مسؤولة تضع الإنسان في مركز الاهتمام.

إن العقل المسؤول لا يمثل مرحلة عابرة بل يشكل أفقا مفتوحا يدعو إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم. هذا الأفق يتطلب جهدا جماعيا يشارك فيه المفكرون والمربون والسياسيون، كل من موقعه من أجل ترسيخ قيم تحترم كرامة الإنسان وتعزز قدرته على العيش المشترك.

وتظل الفلسفة مدعوة إلى لعب دورها النقدي من خلال مساءلة المسلمات وكشف التناقضات وفتح آفاق جديدة للتفكير. فالفلسفة كما قيل، “تعلمنا كيف نفكر، لا ماذا نفكر”، وهي بهذا المعنى تشكل شرطا لأي عقلانية مسؤولة. كما يظل الدين حين يُفهم في عمقه الأخلاقي قادرا على إمداد هذا المشروع بالقيم التي يحتاجها دون أن يتحول إلى سلطة قمعية.

إن المستقبل الذي يلوح في الأفق يتوقف إلى حد كبير على قدرتنا على تحقيق هذا التوازن بين العقل والأخلاق. فإذا نجحنا في ذلك أمكننا أن نبني مجتمعا أكثر عدلا وإنسانية. أما إذا استمر الاختلال فإن المخاطر ستظل قائمة وقد تتفاقم. ومن هنا تبرز مسؤولية الجميع، أفرادا ومؤسسات في العمل على ترسيخ هذا الأفق.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هاته الأسطر هو تلك الحكمة التي تقول إن “العاقل من اتعظ بغيره، والسعيد من وُعظ بغيره”، فهي دعوة إلى التعلم من التجارب وإلى عدم تكرار الأخطاء. وهي في الآن ذاته تذكير بأن العقل لا يكتمل إلا إذا انفتح على الأخلاق وأن الأخلاق لا تستقيم إلا إذا استنارت بالعقل. بهذا المعنى يغدو الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل المسؤول ليس مجرد خيار فكري بل ضرورة وجودية تفرضها شروط العيش في عالم معقد يحتاج إلى قدر أكبر من الحكمة والمسؤولية.

***

د. حمزة مولخنيف

تعد اللغة هي المشترك الذي يتسم به العصابي" مريض النفس" عن الذهاني " مريض العقل" وعن السوي، فاللغة تحمل التخييل والصور التي ينقلها الفرد في السواء واللاسواء، حتى في تعامله مع الآخرين وسلوكه اليومي. يرى " المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان" أن الخبرة التحليلية النفسية تجد في اللاشعور – اللاوعي البناء اللغوي بقوته، ويمكن للعرض أن يختفي تمامًا " يحل" من خلال الكلام، فالعرض نفسه يتكون من خلال اللغة، ونعلم أن الكلام هو أداة المحلل النفسي ومن يشتغل في العلاجات النفسية، وأنه الوسيط والوسيلة الحقة في العلاج النفسي التحليلي وأن اللغة تطوع الكلام لصالحها.

يمكننا القول أن اللغة قادرة على القاء الضوء على النفس البشرية وما يعتمل في داخلها، وهذا يمنحنا الفرصة لمعرفة أكتشاف المنطق في صلب أرضه وعمقه. فالسياسي الذي يتكلم في بداية حديثه وهو يضبط مفرداته بدقه، تبرز بعد ذلك حقيقة ثرثرته من أعماق نفسه، وهذا يذكرنا ما يجري في الجلسة العلاجية التحليلية النفسية، حيث يضيع الكلام الفارغ مع الكلام الممتلئ، وقول لاكان الكلام الفارغ فهو تشتبك فيه الذات في الـ (هنا) و(الآن)، والذي يتحول في سراديب الكلام وفجواته، دون أن يحقق ذاته في الكلام، ضمن آلية اللغة التي يوفرها له السياق الاجتماعي، أو ما يريد قوله، ويضيف " لاكان" بعبارة أخرى فالفرد في الكلام الفارغ يتحدث بوصفه آخر من حيث إن أناه مغتربة في الأصل في الآخر.

أي فرد في الحياة اليومية المعاشة يتعرض لكثير من المواقف التي يحاول فيها اللف والدوران في حديثه، في كلامه، حتى تبدو لغته غير متوازنه وبالأخص حينما يصمت المستمع لما ينطق به هذا المقابل، وكأن العملية جلسة علاج تحليلية، وقول " لاكان" إن صمت المحلل يدفع المريض إلى ملء الفراغ بالحقيقة بأن ينتقل من الكلام الفارغ إلى الكلام الممتلئ الذي تتحقق فيه الذات في الكلام، فالأنا المغتربة كثيرًا ما تجد ذاتها في هذا المنولوج الفارغ غير المجدي.

الشخصية البشرية تعمل دائمًا في كل سلوكها الحركي، أو اللفظي، أو حتى التأملي في تخييل مودع في اللاشعور – اللاوعي، فهو يحوي الإحباط السابق حتى المتخيل منه في مرحلة الطفولة، وكذلك العدوانية الطفلية المتخيلة من مولود جديد أزاحه من عرش السيادة، هذا هو النكوص – الارتداد لمرحلة سابقة عشعشت كل مجرياتها في عقل الإنسان منذ طفولته الأولى.

نقول ونحن نستمد ما نقوله من علماء في التحليل النفسي واساتذة لنا تعلمنا منهم هذه الفنيات بأن اللغة تحدد مجالات الحياة برمتها وأبرزها التحليل النفسي، فتأثير " كلود ليفي شتراوس " كبير جدًا في هذا المنحى النفسي في اللغة حينما يتناول الرمز باللغة، وما تعلمناه ان جميع حياتنا تحمل الرمزية، وبالأخص في الحديث والتكلم ومنها الهفوات وزلات اللسان خير دليل على ذلك الإدغام فيما لا يريد المرء قوله صراحة، فضلا عن النكتة بكل أشكالها السياسية اللاذعة، والنكتة الجنسية اللاأخلاقية، أعني بها الجنسية، فهي تعبر عن قائلها، وقول أحد رؤساء دولة عظمى معاصر يذكر اسم شخصية في الدولة ويقرنه بلفتة غير موفقه تعبر عن عمق تأثير الجنسانية في أعماق نفسه حيث نطق أسم هذا الشخص بـ " زب "ويقول أسمه يدل على " قضيب " الرجل، فكيف تداعى في تلك اللحظة هذا المصطلح في كلامه ؟ ويقول " جاك لاكان" هذا مثالا جيدًا للتفرقة بين القصدية الشعورية – الواعية للفرد وبين مجال اللغة الذي يجد الفرد نفسه خاضعًا له. وهذا في الحقيقة تقدير كبير لما قدمه "سيجموند فرويد" مؤسس التحليل النفسي لأهمية الطبيعة اللغوية للاشعور – اللاوعي.

 تذكر لنا الدكتورة " نيفين زيور " في كتابه القيم جاك لاكان وإعادة ابتداع التحليل النفسي قولها أن كلام الذات يتضمن بين حشاياه الإجابة التي تبحث عنها الذات. وتضيف أيضًا حينما يقدم المحلل للمريض " طالب التحليل" في هذه الحالة يكون قد تحدث بما لا يعرفه عن نفسه، فهو يتحدث عن الرموز التي شيدت العرض المرضي، وهذه اللغة التي تتسم بالبدائية هي لغة الرغبة. لذا فإننا حينما نأخذ متغير اللغة لدى السوي والعصابي والذهاني إنما لنرى مدى عمق تأثيرها في كل منهم، فالكلمات تتضمن عادة ما بداخل الإنسان وتصويرها في حركة جسده فضلا عن ما ينطق به من كلام ولغة واضحة، أو مدغمة مليئة بالاستعارة والمجاز والكناية، وهذه كلها تحمل جروح رمزية لم يستطع التعبير عنها وربما تضفي عليها حركات جسدية يمكن لأي إنسان أن يلاحظها في حياته اليومية.

***

د. اسعد الامارة

كيف استُعيد ابن رشد داخل مشاريع الحداثة؟

في السياق الفكري المغربي المعاصر تبرز لحظة ابن رشد بوصفها لحظة عودة لا تنتمي إلى مجرد استعادة تاريخية لاسم فلسفي كبير بل إلى إعادة تركيب عميق لسؤال العقل داخل بنية الثقافة الإسلامية الحديثة. فالرشدية هنا لا تحضر باعتبارها أثراً ماضوياً محفوظاً في كتب الشرح والتعليق، بل باعتبارها إمكاناً نظرياً يتجدد مع كل محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين البرهان والنص، بين الحكمة والشريعة وبين العقل والتاريخ. إن هذا الحضور المتجدد لابن رشد داخل المغرب المعاصر يكشف عن توتر خصب بين مشروعين متداخلين، مشروع يسعى إلى ترسيخ الحداثة بوصفها أفقاً معرفياً ومنهجياً ومشروع آخر يشتغل على إعادة تأويل التراث بوصفه خزّاناً للمعقولية الممكنة.

لقد جرى استدعاء ابن رشد في المغرب الحديث داخل سياقات فكرية متعددة، بعضها مرتبط بإعادة قراءة التراث الفلسفي الإسلامي في ضوء أسئلة النهضة، وبعضها الآخر متصل بمشاريع نقد العقل العربي، وبعضها الثالث ينخرط في رهانات الإصلاح الديني وإعادة بناء مفهوم الاجتهاد. في كل هذه السياقات يتقدم اسم ابن رشد بوصفه علامة فارقة على إمكانية التوفيق بين البرهان العقلي والنص الشرعي أو على الأقل بوصفه لحظة توتر تكشف حدود هذا التوفيق وإمكاناته في آن واحد. فالرشدية لم تُستقبل كمنظومة مكتملة، بل كإشكال مفتوح وكأفق يفرض على الفكر أن يعيد مساءلة أدواته ومسلّماته.

ويمكن فهم كيف تحولت الرشدية إلى جزء من خطاب الحداثة في المغرب المعاصر. فحين يُستدعى ابن رشد في كتابات محمد عابد الجابري مثلاً فإن الأمر لا يتعلق باستعادة تاريخ الفلسفة بوصفه سرداً متتابعاً بل بإعادة بناء العقل العربي من داخله عبر تفكيك بنياته المعرفية وإبراز لحظاته العقلانية الكامنة. الجابري ينظر إلى ابن رشد باعتباره تتويجاً لما يسميه بالعقل البرهاني في الثقافة العربية الإسلامية وهو عقل يتأسس على الاستدلال المنطقي وعلى استقلالية النظر الفلسفي عن سلطة التأويل المغلق. غير أن هذا التوظيف لا يخلو من إعادة تشكيل للرشدية نفسها إذ تتحول من مشروع فلسفي تاريخي إلى نموذج إبستمولوجي يُستدعى في معركة نقد التراث وإعادة بنائه.

على مستوى آخر يتقدم طه عبد الرحمن بقراءة مختلفة تماماً حيث يعاد إدراج ابن رشد داخل سؤال الأخلاق لا داخل سؤال البرهان وحده. فالرشدية عنده لا تختزل في عقلانية جافة بل تنفتح على أفق روحي وأخلاقي يجعل من الفعل العقلي جزءاً من مسؤولية وجودية. ويتبدل موقع ابن رشد هنا من فيلسوف للبرهان إلى مفكر يواجه حدود البرهان نفسه حين ينفصل عن مقاصده الأخلاقية. هذا الاختلاف في التلقي يكشف أن الرشدية لم تعد ملكاً لمشروع واحد بل أصبحت مجالاً للتنازع التأويلي داخل الفكر المغربي المعاصر حيث تتعدد صور ابن رشد بتعدد المشاريع الفكرية التي تستحضره.

إن استعادة ابن رشد داخل مشاريع الحداثة المغربية تكشف أيضاً عن قلق معرفي عميق يتعلق بموقع العقل داخل الثقافة العربية الإسلامية. فالسؤال الرشدي القديم حول توافق الحكمة والشريعة يعود بصياغات جديدة تتصل بمفاهيم الدولة الحديثة وبقضايا الحرية الفكرية وبإشكالات التأويل الديني. ولا يظهر ابن رشد في سياقنا هذا كمجرد فيلسوف دافع عن الفلسفة ضد الفقه بل كمفكر فتح أفقاً لإعادة التفكير في شروط إنتاج الحقيقة نفسها سواء داخل النص أو خارجه. وقد عبّر إرنست رينان في قراءته الشهيرة لابن رشد عن هذا البعد حين رآه رمزاً للعقلانية في مواجهة الانغلاق غير أن القراءة المغربية المعاصرة تجاوزت هذا التبسيط لتعيد إدراج الرشدية داخل تعقيدها التاريخي والمعرفي.

تبدو الرشدية الجديدة إذن أقرب إلى حركة فكرية غير مكتملة تتشكل داخل التوتر بين إرث فلسفي متوسط القرون وبين أسئلة الحداثة الراهنة. فهي ليست مدرسة مغلقة لها حدودها النظرية الصارمة، بل سيرورة إعادة تأويل مستمرة تتغذى من الحاجة إلى إعادة تعريف العقل ذاته داخل فضاء ثقافي يتأرجح بين المرجعية التراثية ومتطلبات الحداثة حيث إن ابن رشد لا يُستعاد بوصفه جواباً جاهزاً بل بوصفه سؤالاً يعاد طرحه كلما أعيد التفكير في معنى العقل والحرية والمعرفة.

إن أهمية هذه الرشدية الجديدة تكمن في كونها تكشف أن الحداثة في المغرب لم تتشكل في قطيعة تامة مع التراث بل في حوار داخلي معه، حوار تتداخل فيه القراءات الفلسفية والتأويلات الدينية والمقاربات اللغوية.

إن ابن رشد يتحول إلى نقطة ارتكاز رمزية تسمح بإعادة التفكير في إمكان بناء عقل نقدي داخل الثقافة العربية الإسلامية دون الانفصال عن أفقها التاريخي، غير أن هذا الاستدعاء يظل محفوفاً بإشكال جوهري يتعلق بمدى قدرة المفاهيم الرشدية الأصلية على الاستمرار داخل سياقات معرفية مختلفة جذرياً عن سياقها الوسيط.

وتتحدد معالم الرشدية الجديدة في المغرب المعاصر كمسار تفكير مفتوح على احتمالات متعددة يتقاطع فيه الفلسفي بالتاريخي ويتداخل فيه التأويلي بالنقدي ويظل ابن رشد فيه علامة على سؤال لم يُحسم بعد حول موقع العقل في بناء المعنى وفي تشكيل الحقيقة داخل الثقافة العربية الإسلامية الحديثة.

يتجلى حضور ابن رشد في المغرب المعاصر كعودةٍ متشظية لا تستقر على معنى واحد، عودةٌ تتجاوز مجرد الاستذكار التاريخي لتلامس بنية السؤال الفلسفي ذاته، حين يُعاد طرحه داخل سياق حديث مثقل بإرث طويل من التوتر بين العقل والنص، وبين البرهان والتأويل وبين الفلسفة ومجالات التشريع. فالرشدية في هذا السياق لا تظهر كمنظومة مكتملة تُنقل كما هي من القرن السادس الهجري إلى فضاء القرن العشرين وما بعده، قدر ما تتشكل كإشكال معرفي يعاد بناؤه داخل كل قراءة جديدة، وكأن ابن رشد نفسه يتحول إلى مرآة تعكس اختلافات القرّاء أكثر مما تعكس ثبات النص الفلسفي الأصلي.

في السياق المغربي تتداخل مستويات متعددة من التلقي تتجاور فيها الرغبة في تحديث العقل الديني مع الحاجة إلى تأصيل حداثة لا تنفصل عن الذاكرة الثقافية الإسلامية. ويتقدم ابن رشد هنا باعتباره علامة مزدوجة الدلالة، فهو من جهة آخر الفلاسفة الكبار في تقليد الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية، ومن جهة أخرى أول من صاغ بصورة دقيقة سؤال استقلال العقل البرهاني داخل منظومة دينية مكتملة البنية. هذا التوتر ذاته هو ما جعل الرشدية قابلة للاستدعاء في مشاريع فكرية متباينة بل متعارضة أحياناً داخل المشهد المغربي المعاصر.

في قراءة محمد عابد الجابري يتخذ ابن رشد موقعاً مركزياً داخل مشروع نقد العقل العربي حيث يُعاد ترتيب التاريخ الفكري الإسلامي وفق ثلاث بنى كبرى: البيان والعرفان والبرهان. داخل هذا التقسيم يتحول ابن رشد إلى ذروة العقل البرهاني، إلى اللحظة التي بلغ فيها التفكير الإسلامي أقصى درجات الانسجام المنطقي والاستدلالي قبل أن ينحرف وفق هذا التصور نحو مسارات العرفان والإشراق. غير أن هذا التحديد لا يمر دون إعادة تشكيل ضمنية لشخصية ابن رشد، إذ يُختزل في وظيفة إبستمولوجية صافية تكاد تفصله عن تعقيد مشروعه الفلسفي كما تشكل في سياق جدل طويل مع المتكلمين والفقهاء والفلاسفة على السواء.

هذا التوظيف الجابري للرشدية يكشف عن رغبة في إعادة بناء العقل العربي على أساس عقلانية صلبة تستمد مرجعيتها من التراث ذاته لا من قطيعة معه. غير أن هذه العقلانية في صورتها المعاصرة تتحول إلى أداة نقدية موجهة نحو إعادة ترتيب المجال المعرفي الإسلامي بما يسمح بتأسيس حداثة داخلية لا مستوردة. ابن رشد هنا لا يحضر كفيلسوف تاريخي فحسب، إنما كأفق تنظيمي للعقل، كمعيار يُقاس عليه مقدار حضور البرهان داخل الثقافة.

في المقابل تتخذ القراءة عند طه عبد الرحمن مساراً مغايراً يعيد إدراج ابن رشد داخل أفق أخلاقي وروحي يتجاوز حدود البرهان الصوري. فالعقل عند هذا التصور لا يكتمل داخل حدود الاستدلال المنطقي المجرد، قدر ما يندمج في تجربة أخلاقية تجعل من المعرفة مسؤولية ومن النظر فعلاً مرتبطاً بمقاصد الوجود الإنساني. داخل هذا الإطار تُعاد مساءلة الرشدية نفسها، إذ يتحول السؤال من مدى قدرة العقل على إنتاج البرهان إلى مدى قدرة البرهان على إنتاج المعنى الأخلاقي للفعل الإنساني.

هذا التباين بين الجابري وطه عبد الرحمن يعكس في عمقه تعددية داخلية في تلقي ابن رشد داخل الفكر المغربي المعاصر. فالرجل ذاته يتحول إلى فضاء تأويلي تتقاطع فيه مشاريع متباينة كل منها يعيد بناء صورته وفق حاجاته النظرية. وتتحدد الرشدية هنا بوصفها حقلا للصراع المفاهيمي أكثر من كونها إرثا معرفيا مستقرا إذ لا يُستعاد ابن رشد إلا عبر قراءات متحوّلة تعيد إنتاجه في كل سياق.

غير أن هذا الحضور لا ينفصل عن سياق أوسع يتعلق بإشكالية الحداثة في المغرب والعالم العربي. فالسؤال الذي يفرض نفسه يتعلق بإمكانية بناء عقل نقدي حديث داخل فضاء ثقافي مشبع بالمرجعيات التراثية. هنا يعود ابن رشد ليشغل موقع الوسيط الرمزي بين الماضي والحاضر، بين الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية ومتطلبات الفكر الحديث. غير أن هذا الوسيط لا يعمل بوصفه جسراً محايداً، إنما بوصفه نقطة توتر تكشف صعوبة التوفيق بين نظامين معرفيين مختلفين في البنية والمرجع والغاية.

لقد شكلت أطروحة "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" إحدى أهم اللحظات المؤسسة لهذا التوتر. فابن رشد لا يسعى إلى إقصاء الشريعة لصالح الفلسفة ولا إلى تذويب الفلسفة داخل التأويل الديني، بل إلى تأسيس مشروعية مزدوجة للمعرفة تقوم على التمييز بين مستويات الخطاب دون الوقوع في القطيعة. هذا التمييز نفسه أعاد الفكر المغربي الحديث اكتشافه باعتباره إمكاناً نظرياً يسمح بإعادة التفكير في علاقة الدين بالعقل داخل الدولة الحديثة ومؤسساتها.

ويُعدّ عبد الله العروي في هذا المنحى أحد الأصوات التي أعادت طرح سؤال الحداثة من زاوية تاريخية صارمة، حيث تصبح الرشدية جزءاً من تاريخ طويل لتشكل العقلانية في الثقافة العربية الإسلامية. غير أن العروي لا يتعامل مع ابن رشد بوصفه نموذجاً مكتمل التحقق، إنما باعتباره لحظة ضمن مسار تاريخي أكبر يتحدد فيه العقل الحديث عبر مسار طويل من التراكم والانقطاع. هذا التصور التاريخي يجعل من الرشدية علامة دالة على إمكان العقلانية دون أن تتحول إلى معيار نهائي جاهز للتطبيق.

إن ما يجمع هذه القراءات رغم اختلافها هو أن ابن رشد لم يعد موضوعاً للفلسفة التاريخية فقط بل أصبح أداة لبناء تصورات حول الحداثة نفسها. فالحداثة هنا لا تُستورد كحزمة جاهزة من المفاهيم بل تُعاد صياغتها عبر تفكيك التراث وإعادة تأويله من الداخل. غير أن هذا المسار لا يخلو من مفارقة عميقة إذ كل محاولة لاستعادة ابن رشد تعيد إنتاجه بصورة جديدة تختلف عن صورته الأصلية بما يجعل الرشدية نفسها تتحول إلى مشروع لا يكتمل.

في هذا التحول تتكشف خاصية أساسية في الفكر المغربي المعاصر، وهي خاصية الاشتغال على التراث لا بوصفه ماضياً مغلقاً بل بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل. فابن رشد لا يُستعاد كمرجع نهائي بل كسؤال مفتوح حول طبيعة العقل وحدوده وإمكاناته داخل سياق حضاري متغير. وهو بهذا الميل أو المنزع يجعل حضوره طابع حركة فكرية متواصلة تتوزع بين الفلسفة والتأويل والنقد وإعادة البناء دون أن تستقر على صيغة محددة.

إن الرشدية الجديدة لا تختزل في دفاع عن الفلسفة ضد خصومها التاريخيين، بل تتحول إلى أفق تفكير في شروط إمكان الفلسفة نفسها داخل الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بما قاله ابن رشد بل بما يمكن أن يقوله حضوره اليوم داخل فضاء معرفي مختلف جذرياً عن فضائه الأصلي. هذا التحول في طبيعة السؤال يعكس انتقالاً من قراءة النصوص إلى قراءة إمكانات العقل ذاته كما تتجلى عبر هذه النصوص.

ضمن هذا التشكّل تنبني الرشدية داخل المغرب المعاصر كحقل توتر مستمر تتقاطع فيه مشاريع فلسفية متعددة، ويظل فيه ابن رشد علامة على إمكانية التفكير العقلاني داخل فضاء ثقافي مركب. غير أن هذه الإمكانية تظل مفتوحة على أسئلة لا تنتهي، لأن كل محاولة لحسم معنى الرشدية تعيد فتحها من جديد وتدفع الفكر نحو إعادة مساءلة أدواته ومفاهيمه وحدوده.

ويتعمّق حضور ابن رشد داخل الفكر المغربي المعاصر بوصفه بنية إشكالية تعيد تشكيل نفسها كلما جرى استدعاؤها داخل مشروع من مشاريع الحداثة بحيث يغدو الفيلسوف الأندلسي أقرب إلى أفق معرفي متحوّل منه إلى مرجع تاريخي ثابت. إن الرشدية هنا تتحرك داخل فضاء تتقاطع فيه الحاجة إلى تأسيس عقل برهاني حديث مع الرغبة في إعادة قراءة التراث بوصفه خزّاناً لإمكانات لم تُستنفد بعد. هذا التقاطع يولّد توتراً داخلياً يجعل من ابن رشد نقطة التقاء بين مسارين، مسار يسعى إلى عقلنة المعرفة داخل الثقافة العربية الإسلامية، ومسار آخر يشتغل على إعادة تأويل تلك الثقافة من داخل بنيتها العميقة دون مغادرتها.

ويتخذ هذا التوتر أشكالاً متعددة حين يُستدعى ابن رشد داخل مشاريع فكرية مغربية حديثة. فالفيلسوف الذي كتب "فصل المقال" و"تهافت التهافت" واشتغل على أرسطو بوصفه نموذجاً للعقل البرهاني يتحول داخل هذه المشاريع إلى علامة دالة على إمكان الجمع بين النظر العقلي والمرجعية الدينية. غير أن هذا الجمع لا يظهر بوصفه توافقاً بسيطاً بل بوصفه صيغة معقدة لإدارة الاختلاف بين مستويات الخطاب حيث تتعدد درجات الفهم وتتنوع طرائق الوصول إلى الحقيقة بحسب اختلاف القدرات الذهنية واللغوية والتأويلية.

هذا التصور الرشدي حول تعدد مستويات الخطاب أعيد توظيفه داخل الفكر المغربي الحديث باعتباره مدخلاً لفهم العلاقة بين النخبة والجمهور وبين الفلسفة والفقه وبين المعرفة المتخصصة والمعرفة العامة. غير أن هذا التوظيف الحديث لا يعيد إنتاج النص الرشدي كما هو بل يعيد تشكيله داخل سياقات معرفية جديدة تغيرت فيها طبيعة السلطة المعرفية نفسها. فالمعرفة لم تعد حكراً على فئة محددة بل أصبحت موزعة عبر مؤسسات متعددة تتداخل فيها الجامعة والإعلام والدولة والسوق الثقافية.

ضمن هذا التعيين المفهومي تتجلى الرشدية كأفق لإعادة التفكير في مفهوم العقل ذاته، فالعقل عند ابن رشد يقوم على البرهان بوصفه أعلى أشكال المعرفة حيث يتأسس اليقين على الاستدلال المنطقي المتماسك. غير أن هذا التصور حين ينتقل إلى الفكر المغربي المعاصر يتحول إلى سؤال حول إمكانية تأسيس عقل نقدي داخل ثقافة لم تعرف الانفصال الكامل بين الفلسفة وباقي أشكال المعرفة. هذا السؤال يعيد فتح النقاش حول حدود العقل البرهاني نفسه وحول قدرته على استيعاب تعقيد الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي.

ويتخذ هذا النقاش بعداً إضافياً حين يدخل في حوار مع مشاريع فكرية مختلفة أعادت قراءة التراث الفلسفي الإسلامي من زوايا متعددة. داخل هذا الأفق يظهر ابن رشد عند بعض المفكرين بوصفه ذروة العقلانية في الفكر الإسلامي، اللحظة التي بلغ فيها العقل أقصى درجات اتساقه المنطقي قبل أن تتراجع الفلسفة أمام صعود أنماط أخرى من التفكير تقوم على التأويل أو الإشراق أو التصوف.  إلا أن هذا التصور ذاته يثير سؤالاً حول مدى مشروعية اختزال تاريخ طويل ومعقد في لحظة واحدة تُعتبر معياراً لما قبلها وما بعدها.

وتتجلى أهمية هذا السؤال حين يُنظر إلى الرشدية بوصفها مشروعاً لإعادة بناء تاريخ الفكر الإسلامي وفق معيار عقلاني صارم. فالتاريخ هنا لا يُقرأ كسلسلة من الأحداث الفكرية المتجاورة بل كبنية قابلة للتصنيف وفق درجات القرب من البرهان أو البعد عنه. هذا التصور يمنح وضوحاً تفسيرياً غير أنه يثير أيضاً إشكالاً يتعلق بطبيعة التعدد داخل الثقافة الإسلامية نفسها حيث تتجاور أنماط مختلفة من إنتاج المعرفة دون أن تخضع بالضرورة لمنطق تطوري واحد.

داخل هذا التعدد يتخذ حضور ابن رشد معنى إضافياً حين يُقارن بتصورات أخرى للعقل داخل الفكر المغربي الحديث. فبعض الاتجاهات الفكرية ترى أن العقل لا يكتمل داخل البرهان الصوري وحده بل يحتاج إلى بعد قيمي وأخلاقي يحدد غاية المعرفة ويوجه استعمالها. هذا التصور يعيد إدراج العقل داخل أفق أوسع يتجاوز المنطق الصوري نحو تجربة إنسانية شاملة تتداخل فيها المعرفة بالقيمة والفهم بالفعل والنظر بالممارسة.

هذا التحول في فهم العقل يعيد تشكيل صورة ابن رشد نفسه إذ لا يُختزل في كونه فيلسوفا للبرهان فقط، بل يتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة التفكير في حدود البرهان ذاته. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بكيفية إنتاج المعرفة الصحيحة بل بكيفية ربط هذه المعرفة بسياقها الإنساني والأخلاقي. هذا التوسع في أفق السؤال يجعل الرشدية مجالاً مفتوحاً للتأويل المستمر لا نسقاً مغلقاً يمكن حصره داخل تعريف نهائي.

يتعمق هذا الطابع التأويلي للرشدية حين يُنظر إلى علاقتها بإشكال الحداثة داخل السياق المغربي. فالحداثة هنا لا تتجلى كقطيعة كاملة مع التراث ولا كاستمرارية بسيطة له بل كحركة مزدوجة تقوم على إعادة قراءة الماضي وإعادة بناء الحاضر في آن واحد. داخل هذه الحركة يتعيّن ابن رشد بوصفه علامةً على إمكان التفكير في حداثة غير منفصلة عن مرجعيتها الثقافية،  إلا أن هذا الإمكان يظل مرتهنا بإعادة تعريف المفاهيم المؤسسة للفكر.

يتضح هذا الأمر حين يُنظر إلى العلاقة بين النص والتأويل داخل المشروع الرشدي. فابن رشد يقيم تمييزاً دقيقاً بين ظاهر النص وباطنه وبين الفهم المباشر والتأويل البرهاني مع تأكيد ضرورة اللجوء إلى التأويل حين تتعارض ظواهر النص مع مقتضيات العقل. هذا التصور أعاد الفكر المغربي الحديث قراءته باعتباره محاولة مبكرة لتنظيم العلاقة بين النصوص الدينية وآليات الفهم العقلي. غير أن هذا التنظيم يطرح في السياق الحديث أسئلة جديدة تتعلق بتعدد مناهج التأويل وتغير أدوات المعرفة.

إن تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية أضاف طبقات جديدة من التعقيد إلى مسألة التأويل حيث لم يعد النص يُقرأ فقط عبر أدوات لغوية أو منطقية بل أيضاً عبر مناهج تاريخية وسوسيولوجية وأنثروبولوجية. هذا التعدد في أدوات القراءة يجعل من الرشدية مشروعاً مفتوحاً يعاد استثماره داخل كل أفق معرفي جديد دون أن يفقد قدرته على إثارة الأسئلة الأساسية حول العلاقة بين العقل والنص.

وتنكشف مفارقة أساسية داخل الرشدية الجديدة، مفارقة تقوم على التوتر بين رغبة في تأسيس نموذج عقلاني مستقر، وبين واقع تأويلي متغير يجعل من كل نموذج عرضة لإعادة التفكيك. فكل محاولة لتثبيت صورة محددة لابن رشد داخل الفكر المغربي تعيد فتح المجال لتأويلات جديدة تتجاوز تلك الصورة أو تعيد تعديلها. هذا الوضع يجعل الرشدية أقرب إلى سيرورة فكرية مستمرة منها إلى نظرية مكتملة. ويتعزز هذا الطابع السيروري حين يُنظر إلى العلاقة بين الفكر المغربي المعاصر والسياق العالمي للفلسفة. فاستعادة ابن رشد لا تتم داخل فضاء محلي مغلق بل داخل حوار غير مباشر مع تقاليد فلسفية غربية أعادت اكتشافه منذ العصور الوسطى وجعلت منه رمزاً لعبور العقل الفلسفي إلى أوروبا. بيد أن هذا الاستقبال الغربي لابن رشد عاد إلى الفكر المغربي محملاً بدلالات معقدة تتعلق بموقعه داخل تاريخ الفلسفة العالمية وبإمكان إعادة امتلاكه داخل سياق ثقافي مختلف.

هذا التداخل بين المحلي والعالمي يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الرشدية حيث لا يتعلق الأمر فقط بقراءة ابن رشد داخل التراث الإسلامي بل أيضاً بإعادة تحديد موقعه داخل تاريخ الفلسفة الكونية. هذا الموقع المزدوج يجعل من الرشدية فضاء للتفاوض بين قراءات متعددة، كل منها يعيد تشكيل صورة الفيلسوف وفق منظوره الخاص.

إن الرشدية الجديدة لا يمكن اختزالها في مشروع فكري واحد أو اتجاه محدد بل هي مجال مفتوح من الأسئلة التي تتعلق بالعقل والتاريخ والتأويل والحداثة. هذا المجال لا يستقر على جواب نهائي لأن شروطه المعرفية نفسها في تغير دائم. فكل لحظة فكرية تعيد طرح ابن رشد بطريقة مختلفة وتفتح عبره أسئلة جديدة حول إمكان الفلسفة داخل الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة.

وتكمن أهمية هذا المسار في كونه يكشف أن التراث لا يعمل ككتلة صماء من المعاني الجاهزة بل كنسيج حي من الإمكانات التي يعاد اكتشافها باستمرار كما يكشف أن الحداثة نفسها ليست حالة مكتملة بل عملية مستمرة لإعادة تعريف مفاهيم العقل والمعرفة والإنسان. بين هذين الأفقين يتشكل موقع ابن رشد داخل الفكر المغربي المعاصر بوصفه نقطة توتر دائمة لا تنتهي إلى استقرار لأنها مرتبطة بسؤال أعمق يتعلق بحدود العقل ذاته وقدرته على فهم العالم وإعادة بنائه وتصير الرشدية تجربة فكرية مفتوحة تشتغل على إعادة بناء العلاقة بين التراث والحداثة دون أن تدعي امتلاك جواب نهائي. وفي هذا الانفتاح تكمن قوتها لأنها لا تجعل من ابن رشد مجرد اسم في تاريخ الفلسفة بل سؤالاً دائماً يعيد تشكيل الفكر كلما أعيد طرحه ويضع العقل أمام مرآته الخاصة حيث يتجدد السؤال بدل أن ينغلق المعنى.

***

د. حمزة مولخنيف

أو ولادة النظرية الفلسفية الملتزمة في السياق الحضاري، مقاربة عمومية

مقدمة: تُمثّل ولادة النظرية الفلسفية الملتزمة، أو ما يُسمى «التفلسف» كممارسة وجودية ونقدية، لحظة تحول جذرية في تاريخ الفكر الإنساني. ليست هذه الولادة مجرد تطور داخلي في تاريخ الفلسفة، بل هي استجابة حضارية عميقة للتحدي النيوكولونيالي الذي يسعى إلى إعادة إنتاج الهيمنة بعد انتهاء الاستعمار الكلاسيكي. في السياق الحضاري، يتحول التفلسف من تأمل محايد إلى أفق مقاومة يرفض التبعية الفكرية ويُعيد بناء الوعي الجماعي على أسس سيادية.

النظرية الفلسفية الملتزمة هنا ليست فلسفة «عن» الواقع، بل فلسفة «في» الواقع و«لأجله»: فلسفة تُمارس كفعل تحرري يربط بين النظر والعمل، بين النقد والإبداع، بين الذات والجماعة. في مواجهة النيوكولونيالية – التي تعتمد على السيطرة الاقتصادية والثقافية والمعرفية دون احتلال مباشر – يصبح التفلسف أفقاً يُعيد صياغة مفهوم «الحضارة» نفسه، من حضارة مهيمنة إلى حضارة متعددة الأقطاب قادرة على المقاومة والإبداع. هذه الدراسة تفكك ولادة هذه النظرية بشكل معمق، ثم تُبين كيف أصبح التفلسف أداة حضارية للمقاومة في مواجهة النيوكولونيالية، مع التركيز على المقاربة العمومية التي تتجاوز السياقات الخاصة إلى الرؤية الكونية للتحرر.

الإنتقال من الفلسفة المحايدة إلى التفلسف الملتزم

في الإطار العمومي، تُولد النظرية الفلسفية الملتزمة من أزمة الفلسفة التقليدية التي ادّعت الحياد والموضوعية. كانت الفلسفة الكلاسيكية تُقدم نفسها كتأمل خالص في الحقيقة المطلقة، لكن هذا الحياد كان في الواقع غطاءً لخدمة السلطة القائمة. مع تصاعد التناقضات الحضارية في عصر الاستعمار والرأسمالية، بدأت الفلسفة تكتشف أن «الحياد» هو موقف سياسي بحد ذاته يُعيد إنتاج الهيمنة.

الولادة الحقيقية تحدث عندما يتحول التفلسف إلى فعل ملتزم: ليس مجرد نقد للواقع، بل مشاركة في تغييره. هنا يصبح التفلسف «أفقاً» – أي مجالاً مفتوحاً للإمكانيات – يرفض التبعية المعرفية ويُعيد بناء الإبستيمولوجيا على أساس الواقع المعاش والنضال الجماعي. في السياق الحضاري، يُفهم هذا التحول كاستجابة للنيوكولونيالية التي لا تكتفي باستغلال الموارد بل تسعى إلى استعمار العقول واللغات والقيم. التفلسف الملتزم إذن هو رد حضاري يُعيد السيادة إلى الشعوب المستعمَرة سابقاً، بتحويل الفكر من أداة للتبعية إلى سلاح للتحرر.

ولادة النظرية الفلسفية الملتزمة: اللحظة التاريخية والحضارية

ولدت النظرية الفلسفية الملتزمة في لحظة تاريخية مزدوجة: نهاية الاستعمار الكلاسيكي وبداية النيوكولونيالية. بعد الحربين العالميتين، عندما انهار الاستعمار المباشر تحت ضغط حركات التحرر، لم ينتهِ الاستعمار بل تحول إلى شكل أكثر دهاءً: سيطرة اقتصادية عبر الديون والشركات متعددة الجنسية، وسيطرة ثقافية عبر الإعلام والتعليم، وسيطرة معرفية عبر فرض نموذج غربي كـ«النموذج الوحيد».

في هذه اللحظة، نشأت الحاجة إلى فلسفة ملتزمة ترفض «الفلسفة الخالصة» وتُعلن أن التفلسف عمل سياسي بطبيعته. أصبح التفلسف فعلاً وجودياً يربط الفيلسوف بالواقع الاجتماعي-الحضاري، فيتحول من مراقب إلى مشارك في النضال. هذه الولادة ليست حدثاً فردياً بل حضارياً: هي استيقاظ الوعي الجماعي للشعوب التي رفضت أن تكون «موضوعاً» للفكر الغربي وأرادت أن تكون «فاعلاً» في إعادة صياغة الحضارة. في السياق العمومي، ولدت هذه النظرية من التناقض بين «الحداثة» التي وعدت بالتحرر والواقع النيوكولونيالي الذي أعاد إنتاج التبعية. أصبح التفلسف أداة لتفكيك هذا التناقض، وإعادة بناء معرفة بديلة تعتمد على الخبرة الحضارية للشعوب المقاومة.

التفلسف كأفق مقاومة للنيوكولونيالية في السياق الحضاري

في السياق الحضاري، يتحول التفلسف إلى أفق مقاومة شامل. النيوكولونيالية لا تهاجم الأرض فحسب، بل تهاجم «الكينونة» الحضارية: اللغة، الذاكرة، القيم، والتصورات عن العالم. هنا يصبح التفلسف مقاومة معرفية: يفكك الخطاب النيوكولونيالي الذي يُقدم الغرب كمركز الحضارة، ويُعيد بناء مراكز متعددة.

أولاً، يُعيد التفلسف بناء الإبستيمولوجيا:

بدلاً من قبول المعرفة الغربية كمعيار عالمي، يُنتج معرفة محلية-كونية تنبع من تجارب الشعوب في المقاومة.

ثانياً، يُحول الفلسفة إلى ممارسة جماعية:

ليست فلسفة النخب بل تفلسف الشعوب، حيث يصبح كل فرد مشاركاً في إعادة صياغة قيمه.

ثالثاً، يبني أفقاً أخلاقياً:

يرفض الأخلاق النيوكولونيالية التي تُبرر الاستغلال باسم «التنمية»، ويُقيم أخلاقاً تحررية تعتمد على العدالة والكرامة والتضامن.

في السياق الحضاري، يصبح التفلسف «أفقاً» لأنه لا يقتصر على النقد بل يفتح إمكانيات مستقبلية: حضارة جديدة متعددة الأقطاب، تعتمد على التنوع الثقافي والعدالة الاجتماعية والسيادة المعرفية. هذا الأفق يجعل المقاومة ليست رد فعل بل مشروعاً حضارياً إيجابياً.

آليات التفلسف الملتزم في المقاومة النيوكولونيالية

تعمل النظرية الفلسفية الملتزمة عبر آليات متعددة.

أولاً، آلية «التفكيك النقدي»: تفكيك الخطاب النيوكولونيالي الذي يُقدم العولمة كقدر محتوم والتبعية كتقدم. ثانياً، آلية «إعادة الملكية المعرفية»: استعادة التراث الحضاري كأساس لمعرفة جديدة، لا كتراث متحجر بل كمصدر حي للإبداع.

ثالثاً، آلية «الربط بين النظر والعمل»: يصبح التفلسف جزءاً من الحركات الاجتماعية والسياسية، فيتحول الفكر إلى قوة مادية تغير الواقع.

رابعاً، آلية «بناء التضامن الكوني»: يربط التفلسف بين مقاومات الشعوب المختلفة، مما يخلق جبهة حضارية عالمية ضد النيوكولونيالية. هذه الآليات تجعل التفلسف ليس نظرية بل ممارسة يومية تحول الوعي الفردي إلى وعي جماعي مقاوم.

كما تواجه ولادة هذه النظرية تحديات: خطر الذوبان في الخطاب الغربي نفسه، أو الجمود في التراث دون تجديد. غير أن آفاقها واعدة: في عصر الأزمات العالمية (البيئية والاقتصادية والأخلاقية)، يصبح التفلسف الملتزم أداة لإعادة بناء حضارة بديلة تعتمد على التوازن بين الروحانية والمادية وبين الفكر والعقل، بين الخصوصية والكونية.

آليات التفكيك النقدي

يُعتبر التفكيك النقدي أحد أعمق وأقوى الآليات الفلسفية التي أنتجها الفكر الحديث والمعاصر في مواجهة أشكال الهيمنة المعرفية والحضارية. ليس التفكيك مجرد أسلوب تحليلي أو قراءة نصية، بل هو ممارسة فلسفية ملتزمة تحول النقد إلى فعل تحريري يفكك بنية السلطة المخفية داخل الخطابات والمؤسسات والتصورات. في سياق النظرية الفلسفية الملتزمة، يصبح التفكيك النقدي أداة أساسية للمقاومة للنيوكولونيالية، حيث يستهدف ليس الاستعمار المباشر بل الاستعمار المعرفي والثقافي الذي يُعيد إنتاج الهيمنة بعد انتهاء الاحتلال الرسمي. المقاربة هنا عمومية، تربط بين الجذور الفلسفية والتطبيقات الحضارية في مواجهة النيوكولونيالية التي تعتمد على السيطرة غير المباشرة عبر الاقتصاد والثقافة والمعرفة. التفكيك النقدي إذن ليس تدميراً عشوائياً، بل إعادة بناء إيجابية تُحرر الإمكانيات المكبوتة داخل النصوص والواقع نفسه. في الإطار العمومي، ينبع التفكيك النقدي من إدراك أن كل خطاب – سواء فلسفياً أو سياسياً أو ثقافياً – يعتمد على بنية ثنائية تبدو طبيعية لكنها في الواقع بناء سلطوي. هذه الثنائيات (كالمركز/الهامش، الحضارة/الهمجية، العقل/الجسد، الغرب/الشرق) تخفي علاقات قوة غير متكافئة. التفكيك لا يقتصر على قلب هذه الثنائيات، بل يُظهر كيف أنها غير مستقرة داخلياً وتُنتج تناقضاتها الخاصة.

في النظرية الفلسفية الملتزمة، يتحول التفكيك من مجرد أداة أكاديمية إلى فعل وجودي: هو التزام بالواقع المعاش، يرفض الحياد ويربط النقد بالممارسة التحررية. في مواجهة النيوكولونيالية، التي تُقدم نفسها كـ«عولمة محايدة» أو «تقدم حضاري»، يصبح التفكيك النقدي سلاحاً يفضح كيف تُعاد إنتاج الهيمنة عبر الخطابات «المحايدة» (التنمية، حقوق الإنسان، السوق الحر). هكذا يصبح التفكيك ليس نهاية بل بداية لإعادة بناء معرفة بديلة.

الآلية الأولى: تفكيك الثنائيات الهرمية وكشف عدم الاستقرار الداخلي

أولى آليات التفكيك النقدي هي استهداف الثنائيات الهرمية التي يقوم عليها الخطاب النيوكولونيالي. كل ثنائية (كالمتقدم/المتخلف، العقلاني/اللاعقلاني، المركز/الهامش) تبدو متعارضة لكنها في الواقع مترابطة وغير مستقرة. التفكيك يُظهر أن «المركز» (الغرب، الحداثة، العقل) يعتمد على «الهامش» ليؤكد وجوده، وأن هذا الاعتماد يجعل الثنائية قابلة للانهيار.

عملياً، يتم ذلك عبر قراءة النص (أو الخطاب) ضد التيار: البحث عن التناقضات الداخلية، مثل كيف يستخدم خطاب «التنمية» النيوكولونيالي مصطلحات الحرية ليُبرر التبعية الاقتصادية. في السياق الحضاري، يُفكك هذا الآلية الخطاب الذي يُصور المقاومة كـ«تخلف» والتبعية كـ«تقدم»، مما يُحرر الوعي من الثنائية ويفتح إمكانية بناء مركزية متعددة.

الآلية الثانية: الكشف عن الغياب والحضور المقلب (اللعب على الحدود)

ثاني الآليات هو كشف كيف يعتمد الخطاب على «الحضور» (ما يُعلن) ليخفي «الغياب» (ما يُكبت). النيوكولونيالية تُبرز حضور «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» لتُخفي غياب السيادة الاقتصادية والثقافية. التفكيك النقدي يُقلب هذا: يُظهر أن الغياب ليس فراغاً بل عنصراً أساسياً يُشكل الحضور نفسه.

عملياً، يتم ذلك عبر تتبع «الأثر» (trace): البحث عن الكلمات المكبوتة، الصمت، أو التناقضات غير المعلنة داخل الخطاب. في السياق الحضاري، يُكشف كيف يُخفي خطاب العولمة الرأسمالية غياب العدالة الاجتماعية وراء حضور «السوق الحر»، مما يُحرر الوعي من الوهم ويُعيد بناء سردية بديلة تعتمد على حضور المقاومة والغياب المُعاد إنتاجه للهيمنة.

الآلية الثالثة: الاختلاف والتأجيل كمصدر للمعنى غير المستقر

ثالث الآليات هو مفهوم «الاختلاف والتأجيل» الذي يرى أن المعنى ليس ثابتاً بل مؤجلاً دائماً ومختلفاً عن نفسه. الكلمة أو المفهوم لا يحمل معنى كاملاً في ذاته، بل يعتمد على علاقات الاختلاف مع غيره. التفكيك يُظهر أن الخطاب النيوكولونيالي يدّعي الثبات (كـ«الحداثة» كمفهوم نهائي) بينما هو في الواقع مؤجل وغير مستقر.

عملياً، يتم ذلك عبر تتبع سلسلة الاختلافات داخل النص: كيف يتغير معنى «التنمية» حسب السياق، وكيف يُستخدم لتبرير الاستغلال في سياقات مختلفة. في السياق الحضاري، يُحول هذا الآلية المقاومة إلى عملية إبداعية: يُؤجل المعنى النيوكولونيالي ويُعيد بناءه على أساس الخبرة الحضارية للشعوب، مما يفتح أفقاً لمعانٍ جديدة للسيادة والتحرر.

الآلية الرابعة: القراءة ضد التيار والربط بالسياق الحضاري

رابع الآليات هو القراءة ضد التيار: قراءة النص أو الخطاب بطريقة تُعكس النوايا المعلنة وتُبرز ما هو مكبوت. هذا يشمل ربط النص بالسياق الحضاري الواقعي: الصراعات الاجتماعية، التاريخ المستعمر، والمقاومة اليومية.

عملياً، يتحول التفكيك إلى أداة جماعية: ليس قراءة فردية بل ممارسة مشتركة داخل الحركات الاجتماعية، حيث يُفكك الخطاب الإعلامي النيوكولونيالي ويُعاد صياغته كأداة للوعي. في مواجهة النيوكولونيالية، يُظهر هذا الآلية كيف تُستخدم «الديمقراطية» كغطاء للتبعية، مما يُحول النقد إلى قوة سياسية حقيقية.

الآلية الخامسة: إعادة البناء الإيجابي بعد التفكيك

خامس الآليات، وهي الأكثر أهمية في النظرية الملتزمة، هو أن التفكيك ليس نهاية بل بداية لإعادة البناء. بعد تفكيك الثنائيات والكشف عن الغياب، يُعاد بناء معانٍ جديدة تعتمد على التنوع الحضاري والعدالة. هذا يجعل التفكيك النقدي إيجابياً: يُحرر الإمكانيات المكبوتة ويبني أفقاً للحضارة البديلة.

خاتمة

ولادة النظرية الفلسفية الملتزمة أو التفلسف كأفق للمقاومة الوجودية للنيوكولونيالية ليست حدثاً فلسفياً عابراً، بل هي لحظة حضارية فارقة. في السياق العمومي، تحول التفلسف من تأمل خالص إلى فعل تحرري يُعيد للشعوب سيادتها المعرفية والحضارية. هذا الأفق يفتح الباب أمام عالم متعدد الأقطاب، حيث لا تكون الحضارة امتيازاً لمركز واحد بل إبداعاً مشتركاً للإنسانية جمعاء. في مواجهة النيوكولونيالية التي تسعى إلى إنهاء التاريخ باسم «النظام العالمي الجديد»، يبقى التفلسف الملتزم بوصلة تضيء طريق المقاومة والإبداع، وتؤكد أن الفكر الحقيقي هو الذي يُغير العالم لا يصفُه فحسب. في السياق الحضاري، تحول هذه الآليات التفكيك إلى أفق مقاومة شامل: يفكك الخطاب النيوكولونيالي، يُحرر الوعي، ويُعيد بناء السيادة المعرفية. يصبح التفكيك جزءاً من الممارسة اليومية للشعوب، يربط بين الفكر والنضال، ويُمهد لعالم متعدد الأقطاب يرفض المركزية الواحدة. تواجه هذه الآليات تحديات: خطر الوقوع في النسبية المطلقة، أو الاستخدام الخاطئ كأداة تدميرية دون بناء. غير أن آفاقها واسعة: في عصر الأزمات العالمية، تصبح أدوات لإعادة صياغة الحضارة ككل. على هذا النحو آليات التفكيك النقدي ليست تقنيات أكاديمية بل ممارسة فلسفية ملتزمة تحول النقد إلى قوة تحريرية. في مواجهة النيوكولونيالية، تُفكك الهيمنة المخفية وتُعيد بناء أفق حضاري جديد. هذا التفكيك هو الذي يجعل التفلسف أداة حية للمقاومة، يؤكد أن الفكر الحقيقي ليس تأملاً بل فعلاً يُغير العالم. بهذه الآليات، يصبح التفكيك النقدي بوصلة حضارية تضيء طريق السيادة والإبداع للشعوب كافة.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

ولد الشيخ أمين الخولي سنة ١٨٩٥م بمحافظة المنوفية بمصر، وتوفي سنة ١٩٦٦م. حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره، وتخرج في مدرسة القضاء الشرعي. أصبح مدرسًا في مدرسة القضاء الشرعي في ١٠ مايو عام ١٩٢٠م. وفي ١٩٢٣م، عين إمامًا للسفارة المصرية في روما، ثم نُقل إلى مفوضية مصر في برلين عام ١٩٢٦م. عاد عام ١٩٢٧م إلى وظيفته في القضاء الشرعي، وانتقل إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب ١٩٢٨م. أسس جماعة الأمناء عام ١٩٤٤م، ومجلة الأدب عام ١٩٥٦م. وأصبح عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام ١٩٦٦م. كتب الخولي مقالات متنوعة في الصحف والمجلات، وألف مجموعةً من الكتب، من أهمها: "من هدي القرآن في أموالهم: مثالية لا مذهبية"، و"فن القول"، و"الجندية والسلم: واقع ومثال"، و"دراسات إسلامية"، و"مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب"، و"المجددون في الإسلام"، و"كتاب الخير: دراسة موسعة للفلسفة الأدبية مطبقة على الحياة الشرقية والتفكير الإسلامي".

ومع أن الشيخ أمين الخولي لم يدرس في الأزهر، بل تعلم في مدرسة القضاء الشرعي، لكنه درّس في الأزهر. وكانت محاضراتُه أولَ ما يُدرس من الفلسفة رسميًّا في العهد الجديد للأزهر؛ فهو بعد عودته من ألمانيا عام ١٩٢٧م، انتُدب للتدريس في الأزهر، فألقى محاضراتٍ على طلاب كلية أصول الدين في التاريخ العام لفلسفة الأخلاق، أو كما أسماها هو "الفلسفة الأدبية". اهتم الخولي بتجديد البلاغة وأساليب البيان العربي، ودعا إلى تحريرها من حمولة الفلسفة والمنطق الصوري، واصطلح عليها "فن القول". كان هاجسُه ربط أساليب البيان والتعبير بالحياة، وتكريس الذوق الفني، والانفتاح على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، والكشف عن الأبعاد النفسية للبلاغة، ودشن أفقًا آخر في بيان أساليب تفسير النصوص، وما يشوبها من ملابسات الذات والزمان والمكان والبيئة. كان الشيخ الخولي أول رجل دينٍ مسلم حاول العبور من المناهج والمفاهيم والأدوات التراثية في فهم الدين ونصوصه، إلى استعمال مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة، وتوظيفها في بناء فهمٍ بديل ونقدِ الفهم القديم، وتميز بخبرة رصينة وشجاعة كبيرة في توظيفها. "عمل أمين الخولي في روما إمامًا للسفارة المصرية ومكث في إيطاليا عامَين، وأجاد الإيطالية، وشرع يتعرف على الحياة الدينية والثقافية وجهود المستشرقين في أوروبا، كما عمل في مفوضية مصر في برلين عام ١٩٢٦م، وتعلم اللغة الألمانية. لما ألغيت وظيفة الأئمة من السفارات والمفوضيات المصرية عام ١٩٢٧م عاد إلى مصر، واستأنف عمله في مدرسة القضاء الشرعي ثم في كلية الآداب بالجامعة المصرية مدرسًا، ثم أستاذًا مساعدًا، وأستاذًا لكرسي الأدب في عام ١٩٤٣م".2621 alkoli

اكتشف مدة إقامته في إيطاليا الأساليب الجديدة في التربية والتعليم في أوروبا، وتعرف عن قرب على نمط التعليم الديني في الفاتيكان، الذي جعله يدرك ضرورة إصلاح نظام التعليم الديني القديم في الأزهر. أشار هو إلى ذلك بقوله: "قصدت إلى دراسة الخطط والأساليب التي تُتبع في الدراسات اللاهوتية، كما نظرت فيما حولي من الدولة الدينية (الفاتيكان) القائمة في عاصمة الدولة المدنية (إيطاليا)، وخلال تتبع لهذه الدراسة اللاهوتية في أقطار أوروبا التي عشت فيها بعد ذلك، كألمانيا، أو أقطار زرتها مجرد زيارة، وعمدت بعد الدراسة والتفكير للكتابة عن قضية الأزهر وإصلاحه". كتب بيانَه لتحديث الأزهر، الموسوم ﺑ "رسالة الأزهر في القرن العشرين". نشر الأزهر عام ١٩٣٦م هذه الرسالة، ثم تكررت طبعاتُها لاحقًا، بعد أن نفدت الطبعة الأولى سريعًا.

ويعد مهدي المخزومي، الذي ولد سنة 1919 وتوفي سنة 1993، أحد أبرز أعلام الدرس اللغوي الحديث في العراق، إذ تلقى تعليمه العالي في جامعة القاهرة وتخصص في اللغة العربية وعلومها متأثرًا بمناهج البحث اللغوي الحديثة، ثم عاد إلى العراق ليعمل أستاذًا في جامعة بغداد وأسهم في تكوين أجيال من الدارسين، وانشغل بتجديد النحو العربي، فدعا إلى إعادة بنائه على أسس أقرب إلى روح اللغة واستعمالها الحي بدل الجمود على التقسيمات المدرسية الموروثة، كما اهتم بأساليب البيان العربي وسعى إلى فهمها في سياقها الأدبي والتداولي لا في حدود القوالب التقليدية، فكان مشروعه محاولة لتخليص الدرس اللغوي من التعقيد وربطه بالحياة والذوق والوظيفة التعبيرية، وقد ترك أثرًا مهمًا في تحديث الدراسات النحوية والبلاغية في العالم العربي.

حرص المخزومي على أن يستعيد النحو وظيفته، وتعامل معه بوصفه مرآة لتحولات الواقع والوعي والثقافة واللغة، لذلك دعا إلى أن يتحرر النحو من تسلط التفلسف، وأن يعاد بناؤه في ضوء ما تقوله اللغة فعلًا. النحو كما فهمه، ممارسة تتجدد بتجدد الحياة، وتصاغ من جديد كلما تغيرت سياقات الاستعمال، وتحولت الحاجات اللغوية والثقافية، وتبدلت أساليب التعبير. في ضوء هذه الرؤية، يصبح النحو تأملًا في: كيف يتكلم العربي، وكيف يُعيد تشكيل لغته، وكيف تنبثق المعاني من صميم الواقع الذي يعيشه الإنسان، وليس من قوالب جاهزة. النحو الحي يستخلص من الفضاء الذي تنبثق فيه اللغة، ومن الأصوات التي تعبّر عنها في استعمالها، ومن الواقع المتغير، والحاجات التي تفرض على اللسان أن يتغير كي يظل قادرًا على التعبير. لا يصح أن نفهم النحو إلا بوصفه مرآة للواقع اللغوي، وفضاءً للتأمل في كيفية تكلم الانسان حين يصغي الى ذاته، وحين ينصت الى الواقع، وحين يعيد بناء لغته كي تواكب ما يشعر به، وتعلن عما يريد أن يقوله. لا يستجيب النحو إلى ما يريد الإنسان أن يقوله إلا حين يتحول من قيد يكبل المتكلم الى أداة لتيسير النطق باللغة.

 رفض الخولي أن تكون اللغة خاضعة للمنطق أو لآراء الفلاسفة أو تأويلات المتكلمين، ورأى أن النحو والبلاغة يجب أن ينطلقا من الاستعمال اللغوي لا من القواعد المفروضة، تمامًا كما أكد المخزومي أن وظيفة النحوي ليست فرض القواعد بل تتبع اللغة وتسجيل ملاحظاته.كما أعاد الخولي تعريف وظيفة النحوي والبلاغي، معتبرًا أن مهمتهما هي خدمة الفهم الإنساني للنصوص، لا إنتاج أنظمة مغلقة، وربط بين تجديد النحو وتجديد الدين، مؤمنًا بأن فهم الدين لا يتم إلا بفهم اللغة في حيويتها. كذلك انتقد الطريقة المدرسية في تدريس البلاغة والنحو، ودعا إلى تجاوز تقنينات السكاكي والجرجاني والعودة إلى النصوص الحيّة كما يستعملها الناطقون باللغة، مثلما دعا المخزومي إلى استفتاء "اللغة كل اللغة" لا الاكتفاء بالقواعد. اتفق الخولي والمخزومي على أن اللغة تتطور بتطور المجتمع، وأنها ليست محكومة بعقل الفرد أو منطق النحاة، بل يجب أن تدرس في سياقات استعمالها، ولهذا رفض كلاهما أن تكون الدراسات اللغوية معيارية أو فلسفية، بل وصفية تطبيقية تنطلق من الواقع.

 في سياق هذه الدعوة لتجديد اللغة دعا أمين الخولي لتجديد مناهج التفسير، وضرورة استخدام المناهج الحديثة، وتجاوز الأدوات التراثية في تفسير النصوص الدينية. رأى الخولي أن التفسير فنًا للفهم، يخضع لرؤية المفسر وثقافته وأفقه التاريخي. تحدثت عن ذلك بالتفصيل في: "الهِرمِنيوطيقا: بوصفها منهجًا للتفسير عند أمين الخولي"، وأوضحت كيف أن الخولي لم يكتف بالإنصات إلى ما يقوله النص، بل نظر إلى المفسّر ذاته وأحكامه المسبقة وواقعه الذي عاش فيه، بوصفه فاعلًا في إنتاج المعنى، وهو ما جعله يعلن أن المفسر "يُلوّن النص" بفهمه له. أسس الخولي لمنهج جديد في تفسير القرآن، يراعي ذات المفسر والواقع الذي يعيش فيه وأفق انتظاره. وبذلك تتجلى "فرادة أمين الخولي في محاولته الرائدة لتوطين الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص داخل الدراسات الدينية بالعربية، إذ يمكن القول بعد استقراء وتتبع إنه أول هرمنيوطيقي في العربية وربما في عالم الإسلام، فلم يعرف قبله من سبقه إلى هذا المنحى حتى في بلاد الإسلام غير العربية... إن ما يقوله الخولي يحيل بوضوح إلى الهرمنيوطيقا الحديثة، فهو يتحدث عن أفق المفسر ويجعل التفسير عملية حوار وإنتاج متبادل للمعنى بين النص والقارئ، لا تلقيًا سلبيًا لما يقوله النص. التفسير عنده قراءة للقراءة وفهم للفهم، يشارك فيها المفسر بمعارفه وثقافته ومسلماته المسبقة، ليولد المعنى في ضوء أفق انتظار المفسر ورؤيته للعالم، وبذلك يصبح التفسير عند أمين الخولي مقاربة هرمنيوطيقية حيّة للنص، تعيد الاعتبار لدور المفسر وتكشف عن الطبيعة المتجددة للمعنى في كل قراءة". راجع: الرفاعي، عبد الجبار، الهِرمِنيوطيقا: بوصفها منهجًا للتفسير عند أمين الخولي، 2025، دار الشؤون الثقافية، بغداد.

دعوة أمين الخولي رأينا ثمراتها في مدرسة الأمناء التي أسسها هو بمعية الجيل الأول من تلامذته، وأبرزهم محمد أحمد خلف الله الذي كتب اطروحته الموسومة: "الفن القصصي في القرآن الكريم" لنيل شهادة الدكتوراه في العام ١٩٤٧م بإشراف أمين الخولي، لكن لجنة المناقشة رفضتها، وحجبت الدكتوراه عن كاتبها. والجيل الثاني لمدرسة الأمناء الذي تجلى في الأعمال المهمة لنصر حامد أبو زيد في الهرمنيوطيقا، وأخيرًا أعمال علي مبروك، الذي يمثل الحلقة الأخيرة من تلامذة مدرسة الأمناء.كانت سياقات الحياة الثقافية والاجتماعية في مصر أقدر على التراكم والبناء على الجديد وتطويره. مثلًا ما زالت صحيفة الأهرام، التي أصدرها الأخوان سليم وبشارة تقلا، بتاريخ 5 أغسطس 1876، تواصل الصدور، بعد أن بلغ عمرها حتى اليوم 150 عامًا؛ فقد صدر العدد 50890 بتاريخ يوم الاثنين 6 أبريل 2026. ولنا أمثلة متنوعة في مجلات ثقافية معروفة، كالهلال التي أصدرها جرجي زيدان في 1 سبتمبر 1892 ومازالت تصدر.

لم تتأسس مدرسة لغوية لمهدي المخزومي تمتد في تلامذته، كما امتدت مدرسة أمين الخولي في الأمناء وتواصلت مع تلامذته؛ لذلك لبثت دعوة المخزومي أقرب إلى تجربة فردية جسورة، لم تتشكل في تيار مدرسي فاعل. نرى هذا النمط في سياقاتنا الثقافية في العراق، إذ لا نكاد نعثر على صحيفة أو مجلة ثقافية واصلت صدورها لسنوات طويلة، على نحو ما نراه في الأهرام والهلال، حيث تتراكم الخبرة، ويتصل الجهد، وتتشكل تقاليد راسخة في الإنتاج الثقافي.

في مصر يتجلى حضورٌ واضحٌ لمصرَ الكيان في وجدان المواطن، حضورٌ يتغذى من ميراثٍ متراكم، ورموزٍ راسخة، وذاكرةِ دولةٍ حيّة تستعيد نفسها في الوعي الجمعي جيلاً بعد جيل. أمّا في العراق فيبهت حضورُ ذاكرةِ الدولة في وجدان المواطن، ويضعف معه حضورُ العراقِ الكيان، والهويةِ الوطنية، وميراثِه، ورموزِه، بسبب انقطاعٍ طويل في خبرة الدولة، وهشاشة في تراكمها التاريخي، الأمر الذي أضعف صلتها العميقة بوعي الإنسان وانتمائه.

بعد رحيل المخزومي خفت صوت دعوته شيئًا فشيئًا، لا لقصور في رؤيته أو ضعف في مشروعه، لكن بسبب سياقات الحياة الثقافية والاجتماعية في العراق التي تفرض عجزًا عن التراكم والبناء على الجديد وتطويره، إثر غياب صورة الدولة الوطنية في اللاشعور السياسي العراقي قرونًا طويلة. ولم تكن البيئة الثقافية والاجتماعية في وطننا مهيأة لاحتضان التجديد وحمايته في اللغة، وفي فهم الدين وقراءة نصوصه، في ضوء معطيات الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة، نتيجة تداخل هيمنة القيم القبلية مع الرؤية التقليدية للمؤسسة الدينية، فصاغ هذا التداخل مناخًا يتوجس من كل محاولة لإعادة التفكير في اللغة أو الدين، ويستشعر فيها تهديدًا للثابت التراثي الذي يحتمي فيه نفسيًا. في مثل هذا المناخ نشأ حذر شديد لدى كل مَن يفكر في المضي في هذا الطريق، خوفًا من ردود أفعال قاسية من المجتمع والمؤسسة الدينية، لذلك ينكفئ المشروع التجديدي قبل أن يتحول إلى مدرسة، ويظل أثره كامنًا في النصوص، أكثر مما يتجسد في امتداد حي يحضر في الوعي الجمعي والحياة المعرفية.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

لطالما كانت العلاقة بين الدين والفلسفة محور جدل عميق منذ آلاف السنين من افلاطون وارسطو الى هيوم وكانط وصولا الى المفكرين المعاصرين. السؤال الذي يثير الجدل دائما هل الفكر العقلاني والفلسفة تهدد الايمان ام انها وسيلة لفهمه وتطويره الحقيقة اكثر تعقيدا من مجرد صراع بين العقل والدين فهي تتعلق بفهم الانسان لطبيعته لطبيعة المعرفة وللغاية من وجوده.

الفلسفة ليست عدو الايمان:

اول سوء فهم شائع هو الاعتقاد ان الفلسفة تأتي لمعارضة الدين او تشويه الايمان الحقيقة مختلفة تماما الفلسفة هي بحث مستمر عن الحقيقة والمعنى من خلال العقل لا عبر الايمان الاعمى. تاريخيا الفلاسفة لم يسعوا دائما لمهاجمة الدين بل لتفسيره وتحليل مبادئه لفهم الاسباب وراء الطقوس النصوص والممارسات. الا ان التحدي يظهر عندما يخلط بعض الناس بين التساؤل النقدي والفكر العقلاني وبين الشك في الدين نفسه هذا الخلط يولد صراعات وهمية بين العقل والايمان صراعات غالبا ما تستغل من قبل انظمة تسعى للحفاظ على السيطرة او الانغلاق الفكري.

العقيدة مقابل التفكير الحر صدام طبيعي ام وهمي؟

العقائد الدينية غالبا تقدم اجابات جاهزة لكل سؤال وجودي في حين الفلسفة تحث على التساؤل المستمر هذا الاختلاف بين الاجابة الجاهزة والتساؤل الحر يولد شعور بالتهديد عند من يربطون الدين بالسلطة او بالهوية المجتمعية من ناحية اخرى الايمان الحقيقي لا يخاف التساؤل بل ينضج من خلاله. الخطر ليس في الفكر العقلاني بل في التعامل مع الدين كقواعد جامدة لا يمكن نقدها او كسلطة مطلقة تتحكم في حياة الناس.

الدين والفلسفة تجارب تاريخية:

الفلاسفة اليونانيون مثل افلاطون وارسطو لم يهدفوا لمهاجمة المعتقدات الدينية للشعوب لكنهم وضعوا اساسيات التفكير النقدي والاخلاقي. السؤال عن معنى الخير العدالة والغاية من الحياة لم يكن تهديدا للايمان بل محاولة لفهمه بعمق. في العصر الاسلامي الذهبي علماء مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد حاولوا تفسير نصوص الدين وفق العقل والمنطق كثير منهم تعرضوا للاضطهاد او النقد الشديد ليس لانهم كانوا ضد الدين بل لان السلطة الدينية خشيت ان يساء فهم العقلانية على انها تحد مباشر للنصوص المقدسة. في العصر الحديث فلاسفة مثل هيوم وكانط ونيتشه طرحوا اسئلة صادمة حول الدين لكنها كانت دعوة للتفكير النقدي وليس محاربة الايمان الشخصي اليوم نجد ان المجتمعات التي تسمح بالتساؤل العقلاني غالبا ما تمتلك دين ناضج يمكن ان يتعايش مع النقد والتطوير الفكري.

الدين كمرآة والفلسفة كمرشد

الفلسفة تساعد الدين ليصبح اكثر عمقا وواقعية تكشف التناقضات المنطقية التي يمكن ان تظهر عند التفسير الحرفي للنصوص تعزز المبادئ الاخلاقية الاساسية بدل الاكتفاء بالطقوس الشكلية وتشجع التفكير النقدي الواعي بحيث يتحول الايمان من مجرد شعور او تقليد الى تجربة مدروسة وعميقة مثال سؤال فلسفي بسيط مثل لماذا يجب ان نعامل الاخرين بالعدل يمكن ان يجعل المؤمن يعيد تفسير النصوص الدينية ويرى العدالة كقيمة اخلاقية عالمية وليس مجرد حكم ديني.

العقلانية ليست تهديدا بل اختبار للايمان:

التفكير الحر يميز الايمان الواعي عن الايمان الاعمى الفلسفة ليست سلاحا ضد الدين بل اداة لتقييم الذات وفهم العالم بطريقة اعمق المجتمعات او الافراد الذين يرفضون التفكير النقدي باسم الدين غالبا ما يعيشون في افكار جامدة وموروثات لا تسائل وتقاليد تقيد الحرية الفكرية الفكر العقلاني لا يقتل الايمان بل يقتل الاستسلام الاعمى للافكار.

الصراع المعاصر بين الدين والفلسفة يظهر في التيارات المحافظة الدينية التي ترى ان اي تساؤل فلسفي تهديد مباشر والفلاسفة والمثقفين الذين يؤكدون ان التساؤل والعقلانية ضروريان لفهم الدين بصدق ووعي امثلة معاصرة جدل حول التدريس في المدارس تعليم العلوم والفلسفة مقابل التربية الدينية التقليدية النقاش حول حرية التعبير كيف يمكن للفكر العقلاني ان يتعايش مع احترام المعتقدات الدينية الحقيقة هي ان معظم الصراعات مزيج من الخوف السلطة وعدم القدرة على الفصل بين التساؤل والنقد وبين الهجوم على الدين ذاته. الطريق الامثل التوازن بين العقل والايمان لكي تتعايش الفلسفة والدين يجب على الافراد والمجتمعات ان يدركوا التساؤل لا يعني فقدان الايمان النقد العقلي يصحح الاخطاء ويقوي الفهم والايمان الحقيقي مستعد للتامل والتطوير دون المساس بالجوهر الروحي المجتمعات التي تفشل في هذا التوازن غالبا ما تعاني من التطرف الفكري سواء دينيا او علمانيا ومن انغلاق ثقافي يمنع التطور العقلي والفكري.

 النقدية الفكر العقلاني لا يقتل الايمان بل يميز بين الايمان الواعي والناضج والايمان الاعمى الخطر الحقيقي ليس في التساؤل بل في رفض التساؤل باسم الدين الدين والفلسفة يمكن ان يتعايشا لكن التعايش الحقيقي يحتاج وعي ونضج وشجاعة فكرية القارئ الذي يسعى للتوازن بين العقل والايمان سيجد في التساؤل اداة لفهم اعمق وفي الايمان قوة للاستمرار والتوجيه الروحي في النهاية العلاقة بين الدين والفلسفة ليست صراعا بلا نهاية بل رحلة مستمرة نحو فهم الانسان لنفسه والعالم من حوله.

***

زكريا نمر

 

جان فرانسوا ليوتار

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

***

"هل يُلحق أستاذ الفلسفة اليوم بالمدرسة أم بالعالم؟" (ليوتار)

"إنّ التفلسف هو أولا فعل عصاميّ. هذا هو الذي أريد أن أعنيه أولا بدرس فلسفيّ.. ولا تعني." عصامي" أننا لا نتعلّم شيئا من الآخرين، بل فحسب لا نتعلّم منهم شيئا إذا لم يعلّمونا نسيان ما تعلّمناه.. نحن عصاميون، في معنى انه يجب أن نتفلسف حتى نتعلّم التفلسف ".ج. ف. ليوتار

"يشتغل الدرس على ما يسمّى الواقع. يصقل معاييره. ويعلّقها. وإذا كان من بين المعايير الأساسية للواقع وللواقعية هو أن نربح الوقت، وهو، فيما يبدو لي، واقع الحال اليوم، فإنّ درس الفلسفة ليس مطابقا للواقع اليوم. تتمثّل صعوباتنا كأساتذة فلسفة أساسا في اقتضاء الصبر."ليوتار

**

" لو سلمت بما جاء في الورقة العلمية لهذه اللقاءات، فإنّ الرهان المحدد لتفكيرنا هنا، هو رهان التكوين الفلسفي للمدرسين، وسنسلّم بأنّ " التربية والتعليم هما فعلان فلسفيان". لا أعرف ما يعنيه " فعل فلسفي". سأسند لكلمة " فعل فلسفي" دلالة محدّدة، تقابل القوّة puissance. وسأقول إنّ الفلسفة ليست كيانا، قوّة، حصيلة معرفية، ومهاراتية وشعورية، بل هي فحسب فعل وشغّالة en acte.وأضيف أن التربية والتعليم لا يبدوان لي أفعالا فلسفية، لا أكثر ولا أقلّ من كونهما المشاركة في مأدبة أو تسليح باخرة. ليست الفلسفة ميدانا مقسّما في جغرافية اختصاص. جميعنا يعلم ذلك. أقول" درس فلسفي" مثلما نقول" مع مرور الزمن". نحن نعلم أن قسما كبيرا من التفكير الفلسفي منذ بروتاغوراس وأفلاطون، ومنذ فيثاغورس يشتغل على كلمة تكوين، وبالتالي حول البيداغوجيا والإصلاح. وأن له كمسلمة كون عقول البشر لم تُوهب لهم على نحو ما يجب وانه لابد من إصلاحها. الطفولة هي وحش الفلاسفة. وهي أيضا شريكهم. تقول الطفولة للفلاسفة بأن الفكر ليس معطى. لكنه ممكن. وإصلاح الفكر يعني أن يأتي معلّم ليساعد الفكر الممكن في مرحلة الطفولة، بما هو في حالة انتظار، على أن يكتمل. هل تعرفون الدورة الدموية: لكنها المعلّم ذاته؟ كيف تَحرّر من وحشيته الطفولية؟ تربية المربّين، وإصلاح المُصلحين: نتّبع الإحراج l’aporie الأفلاطوني بواسطة كانط، حتى نصل إلى ماركس. هل يجب أن نقول كما يقول علم النفس التحليلي: أنه بمثل ما وجد تحليل ذاتي مؤسّس، فقد وجد أيضا تكوين ذاتي مؤسّس؟ عٍصَاميُّ التكوين أبٌ لكلّ العصاميين؟ هناك فرق بين الفلاسفة وعلماء النفس التحليلي هو أن للفلاسفة آباء كثيرون، وأكثر مما يجب للإقرار بأبوة. وفي المقابل، فإنّ التفلسف هو أولا فعل عصاميّ. هذا هوالذي أريد أن أعنيه أولا بدرس فلسفيّ. لا يمكننا أن نكون معلمين، وأن نتحكّم في الدرس. لا يمكننا أن نَعْرِض مسألة دون أن نعرض أنفسنا من خلالها. التساؤل عن " موضوع" (التكوين مثلا)، دون أن يسائلنا هذا الموضوع ذاته. إذن، يجب أن نعيد من جديد، دون أن نقيم الصلة بهذا الفصل للطفولة، الذي هو فصل ممكنات الفكر. فلا يمكن أن نكون فلاسفة فكر، بما في ذلك فكر أستاذ الفلسفة، الذي هو على استعداد لهذه المسألة، في القسم، ولا نُعيد من جديد. فمن لا يستأنف الدرس من بدايته. نحن نعلم أوّلا أنّ هذا العمل يجب أن يكون بمناسبة أية مسألة أو أيّ " موضع"، وثانيا، فإنّ البدء لا يعني الرجوع إلى الأصل الجينيالوجي (كما لو كانت الجينيالوجيا، وبالخصوص التسلسلية / التعاقبية التاريخية لا تطرح تساؤلا). إنّ الطفل الوحش ليس أبَ الإنسان، بل هو في بيئة الإنسان لادرسه non-cours، انحرافَه الممكنَ والخَطِرَ. نبدأ دائما من البيئة. من أجل ذلك، كان مشروع منهاج فلسفي، مشروعا مستمدا من العلوم الدقيقة، وآيل إلى الفشل. وبالمثل، فإنّ كلمة " عصامي" لا تعني أننا لا نتعلّم شيئا من الآخرين. بل فحسب لا نتعلّم منهم شيئا إذا لم يعلّمونا نسيان ما تعلّمناه. لا ينتشر الدرس الفلسفي مثل معرفة منقولة. بل بالتحصيل. هذا واضح في حالة القراءة الفلسفية، التي توفّر الأساسيّ في المحادثة في شأن " موضوع". ليست هذه القراءة فلسفيّةٌ لأنه لا توجد لدينا نصوصا مقروءةً، فلسفيةَ فحسب، بل يمكن أن تكون نصوصا لفنّانين، وعلماء وسياسيين فضلا عن أنه يمكن أن نقرأ نصوصا فلسفية دون أن نتفلسف- فلا تكون قراءة فلسفية إلاّ إذا كانت عصامية. إلاّ إذا كانت تمرين لاتوافق مع أو بالنسبة إلى النص، تمرين صبر. فلا يعلمّنا درس القراءة المطوّل ما يجب قراءته فحسب، بل كوننا لم ننته من القراءة، وأننا لم نفعل سوى أن نبدأ، وأننا لم نقرأ ما قرأناه. إنّ القراءة درسُ إنصاتٍ. أن نتكوّن للإنصات هو أن نتكوّن للعَوْدِ من جديد، وفقدان الحالة الحسنة. إعادة فحص المسلّمات والضمنيات، في النصّ وفي قراءة النصّ. يتمثّل الأساسيّ فيما نسمّيه بناء، الذي يرافق ويغطّي الإنصات المتأني، ويتمثل في هذا الموروث الشخصي، في البحث عمّا يتبقى غير مفكّر فيه بعدُ بينما قد وقع التفكير فيه. لأجل ذلك كان البناء الفلسفي غير ذي صلة بالنظرية، ولا بتجربة هذا البناء مع اكتساب معرفة (مبحث). وما نجده من مقاومة في الاشتغال على الإنصات والموروث الشخصي هو من طبيعة أخرى مغايرة لطبيعة ما يقد يتعارض مع نقل المعارف. يشتغل الدرس على ما يسمّى الواقع. يصقل معاييره. ويعلّقها. وإذا كان من بين المعايير الأساسية للواقع وللواقعية هو أن نربح الوقت، وهو، فيما يبدو لي، واقع الحال اليوم، فإنّ درس الفلسفة ليس مطابقا للواقع اليوم. تتمثّل صعوباتنا كأساتذة فلسفة أساسا في اقتضاء الصبر. وأنه علينا تحمّل أن لا نتقدّم (بطريقة قابلة للقيس، وظاهرة)، وأن نبدأ دائما من جديد، وهذا متناقض مع القيم السائدة للاستشراف والتطوّر والتركيز والأداء والسرعة والتعاقد والتنفيذ والاستمتاع. أتذكر، عندما كنت ادرس في المعاهد الثانوية، هذا الثابت: أننا كنّا " مُستَغْرَقين"، أنا والتلاميذ، طيلة الثلاثي الأوّل، ويبدأ الدرس، أو بالأحرى تبدأ البداية، في جانفي مع الناجين. كان يجب، ويجب تحمّل طفولة الفكر. أعلم أن" الظروف" كما يقال لم تكن هي نفسها. وسآتي على ذلك. أنا لا أعلمكم شيئا (من قبيل الافتراض). نعلم جميعا أنّ درس الفلسفة مساو في الكلفة للدرس الفلسفي. فهو على حساب نقل المعارف، وعلى الموضوعات المقررة أو لا في البرنامج، ولا فقط على أمثلة لهذا الاشتغال على استئناف البداية المستمدّة من البيليوغرافيا الفلسفية، أو علامات هذا العمل ذاته المستعارة من تاريخ العلوم والتقنيات والفنون والسياسات، - إذن، لا التعريف فحسب بهذه الأمثلة وهذه العلامات بتقديمها بوصفها ما يلزم، وبوصفها مرجعيات الخطاب المدرسي، بل الاضطلاع بالاشتغال على الإنصات، والرصيد الحياتي للشخص وبناء حتى الفصل، برجماتيا. الإضطلاع به " راهنا" في العالم الصغير لأسماء الأعلام حيث يكون رهان الدرس طيلة ساعتين في ذلك اليوم، على المحكّ. وأن يكون الرهان دوما، تحديدا، أن يكون الاشتغال الفكري قائما، مضدَار درسٍ، في القسم، الآن وهنا. هذا المقتضى ليس " بيداغوجيا ". ولا يحدّد أي منهج في التعليم. ولا يوجد علم في شأنه. بل على العكس: ينتج عن تجسيد الدرس الفلسفي في درس الفلسفة، وأن كل فصل، كل مجموع الأسماء، والتواريخ والأماكن يبني لغته، لهجته الخاصّة التي ينجز فيها هذا العمل. هناك توافق بين العصامي واللهجة الخاصّة. إنّ هذه الخصوصية لدرس الفلسفة، أريد أن أقول : إنّ في هذا الدرس، أي ما يميّز الدرس، هو نفسه الذي يميّز الدرس الفلسفي. أود أن أقول: تؤدّي كتابة نص فلسفي، وحيدا على المكتب (أو ماشيا..) تحديدا إلى نفس المفارقة. نكتب قبل أن نعرف ما الذي يمكن قوله وكيف، وحتى نعرفه، إذا أمكن. إنّ الكتابة الفلسفية متقدّمة على ما يجب أن تكون عليه. مثل طفل، سابقة لأوانها وضعيفة. نحن نعيدها إذ ليست موضع ثقة، كي ندرك الفكر، هناك، في النهاية. غير أن الفكر هنا، مشوّش باللافكر، يحاول تنظيم اللسان السيئ للطفولة. لا ندرك لأول وهلة إذن الفرق في الطبيعة بين التفلسف وتعليم الفلسفة. يقول كانط : لا نتعلّم الفلسفة بل نتعلّم في أحسن الحالات كيف نتفلسف فحسب(philosophieren) (هندسة الفكر الخالص). وسواء أكنا لوحدنا أو في كثرة، فنحن عصاميون، في معنى انه يجب أن نتفلسف حتى نتعلّم التفلسف. أصل إلى النقطة الثانية. يفرّق كانط مع ذلك بين المفهوم المدرسي (Schulbegriff) للفلسفة ومفهومها الشائع (Weltbegriff). يكون التفلسف في المدرسة هذا التمرين في الصبر الذي يسمّى عند كانط ديالكتيك كما عند أرسطو. غير أنه على الفلسفة، وقد قذف بها في هذا العالم، أن تضطلع بمسؤولية ثانية. فلا تختبر فحسب ما هو التفكير، بل إنّ تقاس بالنسبة إلى مثل أعلى، مثل أعلى للفلسفة - النموذج، الذي هو، كما كتب كانط، " مشرّع العقل البشري". للفلسفة الموجودة في العالم مهمّة أن تصل المعارف، جميع المعارف، بالغايات الجوهرية للعقل البشري. هذا هو المطلب الذي يصدر عن العالَم: ينضاف إلى الاهتمام التأملي (العمل المثابر الذي تحدثت عنه) اهتمام عملي وعمومي للعقل في الفلسفة، بالعالم. وكما تعلمون، ومثلما فسّر ذلك كانط في ديالكتيك نقد العقل الأول، فإنّ اهتماماته متناقضة. هل يُلحق أستاذ الفلسفة اليوم بالمدرسة أم بالعالم؟ لقد وضعت الحداثة والأنوار والتفكير الكانطي ذاته المدرسة في مركز الاهتمام العمومي والعملي للعقل. وكان رهان هذا الاهتمام، منذ قرنين، في فرنسا بالخصوص، وعلى نحو آخر في ألمانيا، قد سمّي بناء المواطن في الجمهورية. لقد وجدت مهمة الفلسفة نفسها في خلط مع مهمّة التحرّر. إنّ التحرر بالنسبة إلى كانط، هو بوضوح الحريّة الموكولِ للعقل نشرها وتحقيق غاياتها، بمعزل عن أيّ عاطفة. هكذا سيكون مشرع العقل البشري. توجد في هذا المنظور " الحديث" المسلمة التالية: يطلب العالم من الفلسفة أن تشرّع عمليا وسياسيا. ولا أعلمكم شيئا بقولي: لا نطلب شيئا اليوم، إذا ما كان العالم على حقّ أولا في توجيه هذا الطلب إلى أستاذ الفلسفة (الذي هو في العالَم بواسطة المدرسة الحديثة منذ قرنين)، بل نحن نتساءل إذا ما يزال العالم يوجّه إليه أي طلب من هذا النوع. لا طلَب باختصار. ولو صحّ أن درس الفلسفة يَتْبَع درسا فلسفيا، ولو صحّ أن التفلسف، بمفردنا أو في القسم، يخضع إلى مطلب العود إلى طفولة الفكر، فما الذي يحدث لو لم يكن للفكر طفولة؟ وإذا كان أولئك الذين يتظاهرون بكونهم أطفالا أو مراهقين كفّوا عن أن يكونوا البيئة غير المؤكّدة للإنسان، والإمكانية للأفكار؟ وإذا ما كانت الاهتمامات ثابتة؟ ليس لمدرسي الثانوي في فرنسا، على حدّ علمي، بالنسبة إلى الفلسفة على الأقلّ، حاجة إلى التكوين في التفلسف. هم كذلك ولن يكونوا كذلك أبدا، وهذا جيد. لكنهم لا يستطيعون جعل الدرس الفلسفي الذي يقدرون عليه ذي راهنية لأنّ التلاميذ ليسوا مهيئين للصبر والتأنّي، استحضار السوابق وللبداية من جديد. لا أرى علاجا بيداغوجيا لهذا لا يكون أسوء من الداء. تعليم الأساتذة أن يكونوا وَدُودِين والنصح بالترغيب، والإرشاد بشدّ الانتباه الأطفال بواسطة تجديدات بيداغوجية أو تقنيات جاهزة هي أسوء من الشرّ. لقد كان لدينا جميعا ألسيبياد Alcibiade يحاول أن يُغرينا من هذا الجانب، كان علينا عاجلا أم آجلا أن نُفهمه، كما سقراط، أنه يفسح المجال لتبادل للحمقى، بالرغبة في مقايضة إغرائهم بحكمتنا، وهو ما لا قيمة له. والأسوأ من ذلك هو توصية أستاذة الفلسفة بأن يكونوا " ألسيبياد" تلاميذهم. إنّ الاشتغال على استحضار السابق والبناء بالفعل في القسم، سواء أكان مَرِحًا أم شديدا لا يدين بشيء للتحفيز والاستقطاب. ليست الصعوبة الراهنة، دون التذكير بذلك، تلك التي تعترض غريب إيليا في السفسطائي (217س مقطع، ر46 س). من الأفضل الحجاج بأسئلة وأجوبة إذا لم يصنع الشريك صعوبات حتى يجيب وإذا ما كان صريحا ولا يراوغ (من قلادة إنينيوس، من إينيا، الميّت). فإذا لم يكن هذا هو الحال فمن الأفضل الحجاج لوحدنا. يمكننا التحاور مع أصدقاء الأشكال، فهم أكثر ترويضا (hémérôteroi) من المادّيين الذين يردّون كلّ شيء إلى الجسد. أما بالنسبة إلى هؤلاء، فنقوم بعمل استحضار السوابق في غيابهم، لوحدنا، وبدلا عنهم. نغلق المدرسة. يلتحق انهيار المثل العليا الحديثة بثبات المؤسسة التعليمية الجمهورية، التي تستند إليها، وأثره أن نقذف في الدرس الفلسفي عقولا لا تندمج فيه. وتبدو مقاومة هذه العقول لا تُقهر لأنها تحديدا خالية الوفاض. فهي تتحدّث بلهجة تعلمتها ويعلمها لها " العالم"، والعالم يتحدّث عن السرعة والمتعة وتحت هيمنة قاعدة التبادل الاقتصادي، المعمّمة على كلّ مظاهر الحياة، بما في ذلك الانفعالات واللذات. إنّ هذه اللهجة شيء آخر غير التي يتحدّث بها الدرس الفلسفي، فهي لا تقبل أن تقاس به. وما من حَكَمٍ كي يفصل في هذا الخلاف. فالتلميذ والأستاذ كليهما ضحية بعضهما بعضا. ولا يمكن الجدلية أو للحوار أن ينساب بينهما، فلاشيء غير النزاع. أقدم ثلاث ملاحظات حتى أنهي: أولا. لا أستخلص مما سبق استنتاج وجوب تكوين مدرسي الفلسفة من أجل الحرب(حرب الكلام وهذا مفهوم). لكن أتذكر مع ذلك أنّ السبب الرئيسي الذي أثاره أرسطو لدراسة الخطابة والديالكتيك هو أنّ من له الحقّ في فضاء المدرسة يمكن أن يُغلب في الأغورا (الساحة العامّة). غير أن الأغورا هي راهنا، إن لم أخطأ، في المدرسة. فقد تصوّر كانط الفيلسوف - لا أستاذ الفلسفة، واتفق معه في ذلك) بوصفه محاربا في يقظة مستمرة، يواجه بالحديد تجار الظاهر الترنسندنتالي (المتعالي). يجب أن نكون قادرين على مواجهة الرأي السائد سيّء النية. لكن يجب بناء قرارنا، ومحاولة معرفة من أجل ماذا نحارب. ثمّ إنه يوجد الحلّ الأفلاطوني: انتقاء العقول التي يمكن أن تُتابع الدرس الفلسفي. والحلّ الفيثاغوري: نفصل الرياضيين mathematikoi عن السياسيين. politikoi وهو اليوم القطع مع الديموقراطوية démocratisme لصالح جمهورية العقول. وترك العناية بالشعب لآخرين. تصبح الفلسفة إذن مادّة اختيارية أو هي مستبعدة في التعليم العالي أو تُدرّس في بعض المؤسسات التعليمة للثانوي. كل شيء يدفع نحو مخرج من هذا القبيل، أينما نذهب. علينا أيضا هنا بناء سلوك فكري، وتحديد الرهان. وفي النهاية لا يجب علينا عدم الاهتمام بما يلي: مطلب استحضار السوابق، والحيرة وكون البناء لم يختف. وربما أضحى نادرا. بل هو بالأحرى مختلف. نشاهد في فانسان Vincennes حضور جمهور استماع من الرجال والنساء الذين يمارسون في الحياة العملية وظائف مختلفة جدّا. وهنا أيضا تكون الأغورا، لكنها داعمة. لهذا المطلب الفلسفي مبرره لا بوصفه خنق المهنة بقدر ما غموض الغايات المهنية. يتعلق الأمر بمهن اختصاص، رفيعة الاختصاص، عملية وحقوقية وطبية وفنيّة وصُحفية. إنّ الرفع عموما من تخصّص المُهمّات يؤدّي معها إلى ضرب من طليعية، ومسائل حول ماهية النشاط المنجز، ورغبة في إعادة كتابة المؤسّسة. يجب على الفلسفة آو التفلسف أن يفتح درسه أمام هذه التساؤلات المتفرقة. هذا ما يسعى إليه مثلا معهد الدولي للفلسفة. قد يكون للفكر طفولة هي على استعداد في سنّ الخامسة والثلاثين بدل الثمانية عشرة، وخارج برامج الدراسة أكثر من داخلها. "

جان فرانسوا ليوتار " الدرس الفلسفي " ("إضراب الفلاسفة " المدرسة والفلسفة " كتاب جماعي - نشر أوزيريس" سلسلة روبار ليشنار باريس 1986" القسم الأول ص 34 -40).

***

جان فرانسوا ليوتار