أقلام فكرية

أقلام فكرية

يهدف التفكير النقدي إلى تفسير المعلومات وتحليلها وتقييمها. وهو أداة أساسية للبحث والاستقصاء، وللفهم العميق، ولتحسين موضوعية القرارات. والمفكر النقدي المثالي هو شخص فضولي بطبيعته، واسع الاطلاع، منفتح الذهن، صادق في مواجهة تحيزاته الشخصية، حكيم في إصدار الأحكام، مجتهد في البحث عن المعلومات، ومثابر في السعي لتحقيق نتائج دقيقة. كما يتميز المفكر النقدي بالوضوح في صياغة الأسئلة؛ والقدرة على تنظيم المواضيع المعقدة؛ والمثابرة في الحصول على المعلومات الأساسية؛ والمعقولية في اختيار وتطبيق المعايير؛ والالتزام بالدقة. ويجب ان نكون علي حذر من المفكر النقدي الغير اخلاقي الذي يستخدم قدراته العقليه والتحليليه لتضليل الجمهور، او تشويش الفكر، او عرقله المشاريع .

يتطلب التفكير النقدي حريه الفكر، والموضوعيه، واستخدام كيف ولماذا في تحليل جميع الامور، وتحديد اسباب الموافقه او الرفض، واستكشاف إمكانية وجود تفسيرات بديلة. ويتجنب التفكير النقدي الاعتماد على العواطف والمشاعر، أو اختيار موقف فكري لمجرد أنه أكثر قبولاً لدى الآخرين.

إن التفكير النقدي يعيقه التفكير الثنائي من منظور أبيض وأسود، والاعتقاد بوجود حل واحد فقط، ورفض آراء الآخرين، والموافقة التلقائية على تفكير المجموعة، وآراء أصحاب السلطة دون أي دراسة، والمعتقدات الدينية، والقيم العائلية، والانتماءات القبلية. يتطلب تجاوز هذه العقبات استخدام آليات التفكير النقدي، والتي تشمل: فهم الموضوع ووصفه بموضوعية، والتمييز بين الفكرة الرئيسية والأفكار الفرعية عند دراسة أي موضوع، وترتيب جميع الأفكار المطروحة بطريقة منظمة، وتحديد أسباب دعم الفكرة الرئيسية. من الضروري أيضًا التحقق من دقة المعلومات مع تقييم مصداقية مصدرها، وما إذا كانت الأدلة تدعم الاستنتاج المطروح بشكل قاطع أم أنها مجرد دليل على مستوى عالٍ من الثقة.

ينبغي شرح نتائج التفكير النقدي بأسلوب مقنع وواضح، مع تقديم شرح وافٍ للمنهجية المستخدمة في التوصل إلى هذه النتائج والمراجع التي تم الاستناد إليها. ومن الضروري أيضاً ضمان المصداقية والحيادية التامة. علاوة على ذلك، من المهم القدرة على تعديل التفكير عند اكتشاف معلومات جديدة، أو أخطاء في المنهج التحليلي، أو إغفال معلومات مهمة.

يُعدّ التفكير النقدي ضروريًا عند التعامل مع إجابات الذكاء الاصطناعي لضمان دقتها. لذا، يجب تعزيز الرقابة العلمية والثقافية على مصادر تدريب الذكاء الاصطناعي لمنع انتشار المعلومات المضللة الناتجة عن أخطاء في أنظمة الذكاء الاصطناعي، والتي لا يمكن اكتشافها إلا من قِبل ذوي المعرفة المتعمقة بموضوع البحث، القادرين على التمييز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة. كما أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي يضعف مهارات التفكير النقدي ويؤدي إلى تدهور مهارات البحث والتحليل، بالإضافة إلى خلق فجوة معرفية بين أولئك الذين يمتلكون أدوات الذكاء الاصطناعي وأولئك الذين تم استبعادهم منها، مما يؤدي إلى تعميق عدم المساواة المعرفية بين الدول والفئات الاجتماعية المختلفه.

يُعتبر التفكير النقدي منهجاً أساسياً في التعليم. لم تعد فلسفة التعليم الحديثة تركز على نقل المعلومات فحسب، بل على تنمية العادات الذهنية لخدمة المجتمع، والاهتمام بالصالح العام، وغرس الشعور بالمسؤولية الاجتماعية.

إن التعليم الجيد ينتج عنه المفكر النقدي النابه القادر على طرح الأسئلة بوضوح، وتنظيم المواضيع المعقدة، والمثابرة في اكتساب المعلومات على الرغم من الصعوبات، وممارسة العقلانية والدقة في اختيار وتطبيق المعايير. وقد اشار مارتن لوثر كينج المناضل الأمريكي العظيم في مجال الحقوق المدنية وانهاء التمييز العنصري ضد السّود، الي اهميه التعليم في إنقاذ الإنسان من مستنقع الدعاية، واكتساب القدره علي غربلة الأدلة وتقييمها، وتمييز الحق من الباطل، والواقع من الوهم، والحقائق من الخيال، لأن وظيفة التعليم هي تعليم المرء التفكير العميق وممارسه التفكير النقدي.

ختاماً، يُعدّ التفكير النقدي من أهم المهارات العقليه في العصر الحديث، إذ يمكّن الأفراد من التعامل مع سيل المعلومات بوعي، والتمييز بين الحقيقة والخيال، واتخاذ قرارات مدروسة بناءً على تحليل الأدلة بدلاً من الانجرار وراء العاطفة أو الضغوط الاجتماعية. وهو ضروري لمكافحة التضليل الإعلامي والمعلومات المغلوطة في وسائل الإعلام والفضاء الرقمي.

كما أنه يعزز الإبداع من خلال تمكين الأفراد من النظر إلى المشكلات من زوايا متعددة، ويرتقي بجودة الخطاب العام، وبناء ثقافة نقاشية صحية في المجتمع. علاوة على ذلك، يدعم التفكير النقدي التعلم المتعمق بدلاً من الحفظ عن ظهر قلب، مما يطور مهارات التفكير لدى الطلاب ويعزز استقلاليتهم الفكرية، ويمنعهم من الخضوع للسلطة أو الجماعة دون وعي.

من أقوال الكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي، الذي يُعتبر أحد أعظم الكتّاب وأكثرهم تأثيراً على مرّ العصور: "المفكرون الأحرار هم أولئك المستعدون لاستخدام عقولهم دون تحيّز أو خوف لفهم الأمور التي تتعارض مع عاداتهم أو امتيازاتهم أو معتقداتهم. هذه الحالة الذهنية ضرورية للتفكير النقدي.“ وكما قال نعوم تشومسكي، المفكر الأمريكي والناشط السياسي وعالم اللغويات: "لا تأخذوا الأمور كأمر مسلم به. ابدأوا بالتشكيك في أي شيء يعتبر حكمة تقليدية، وكونوا مستعدين لطرح أسئلة حول ما يعتبر أمراً مسلماً به، وحاولوا التفكير النقدي في الأمور بأنفسكم“.

اختتم المقال باقتباس من هوارد زين، المؤرخ والناقد الاجتماعي الأمريكي، حول مسؤولية المثقفين في نشر المعرفة ومنهج التفكير النقدي: "لدينا جميعًا مسؤولية هائلة تتمثل في لفت انتباه الآخرين إلى المعلومات التي لا يملكونها، والي اسلوب التفكير النقدي، وحثهم علي إعادة التفكير في التقاليد والأفكار التي طالما تمسكوا بها“.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

في قلب التفكير الفلسفي المعاصر حول السلطة والمعرفة، يحتل مفهوم المراقبة موقعا مركزيا، ليس بوصفه آلية تقنية لضبط السلوك فحسب، بل باعتباره بنية عميقة تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم الاجتماعي الذي ينتمي إليه. فالمراقبة كما تتجلى في المجتمعات الحديثة، لم تعد ممارسة استثنائية أو إجراءً مؤسساتيا محدودا، بل أصبحت شرطا وجوديا يرافق الفرد في تفاصيل حياته اليومية، ويؤثر في وعيه واختياراته وتمثلاته عن نفسه وعن الآخرين. الإنسان المعاصر لا يعيش تحت المراقبة فقط، بل يعيش داخلها ويشارك في إعادة إنتاجها دون وعي مباشر.

حين استعاد ميشيل فوكو نموذج البانوبتيكون الذي اقترحه جيريمي بنثام في أواخر القرن الثامن عشر، لم يكن بصدد تحليل تصميم معماري خاص بالسجون، بل كان يسعى إلى الكشف عن منطق جديد للسلطة الحديثة. يقوم البانوبتيكون على فكرة الرؤية غير المتكافئة، حيث يكون المراقب قادرا على رؤية الجميع، في حين لا يعرف الأفراد إن كانوا خاضعين للمراقبة في اللحظة نفسها. غير أن الأهمية الفلسفية لهذا النموذج لا تكمن في المراقبة الفعلية، بل في أثرها النفسي والمعرفي، لأن الإحساس الدائم بإمكانية الرصد يكفي لإنتاج الانضباط، وجعل الفرد يضبط سلوكه ذاتيا دون تدخل مباشر.

تتحول السلطة من قوة قهرية خارجية إلى قوة داخلية مستبطنة. الفرد لا يُجبر على الطاعة بالقوة، بل يتعلم كيف يراقب نفسه بنفسه، ويقيس أفعاله وفق معايير محددة سلفا. وقد أدرك فوكو أن هذا المنطق لا يقتصر على السجون، بل يمتد إلى مختلف مؤسسات المجتمع الحديث، مثل المدرسة والمصنع والمستشفى والإدارة. في هذه الفضاءات، تُمارَس السلطة عبر المراقبة والتصنيف والتقييم، وإنتاج ذوات منضبطة وقابلة للضبط المستمر.

مع التحول الرقمي، دخلت المراقبة مرحلة جديدة أكثر شمولا وتعقيدا. لم تعد محصورة في مؤسسات مرئية أو فضاءات مادية محددة، بل أصبحت شبكة غير مرئية تحيط بالإنسان في كل لحظة. الفضاء الرقمي بما يتيحه من تفاعل دائم، يُنتج كميات هائلة من البيانات حول الأفراد تشمل تفضيلاتهم وسلوكهم وميولهم وأنماط تفكيرهم. هذه البيانات تُجمع وتُحلل بواسطة خوارزميات ذكية قادرة على استخراج الأنماط السلوكية وبناء التوقعات وتوجيه السلوك بطرق غير مباشرة.

في هذا الطرح، يمكن الحديث عن بانوبتيكون رقمي لا يعتمد على الجدران والأبراج، بل على الخوارزميات والبيانات الضخمة. المراقِب هنا ليس شخصا بعينه، ولا حتى مؤسسة واضحة المعالم، بل نظام تقني معقد يعمل بصمت واستمرار. الإنسان قد يكون مراقَبا دون أن يعرف من يراقبه أو كيف تُستخدم بياناته، أو إلى أي حد يمكن أن تؤثر هذه المراقبة في قراراته ومستقبله. هذا الغموض لا يُضعف السلطة، بل يمنحها فاعلية أكبر، لأن المراقبة تصبح شاملة وغير قابلة للتحديد.

العلاقة بين السلطة والمعرفة والتي تشكل محورا أساسيا في فكر فوكو، تتجلى بوضوح في السياق الرقمي. فكل سلوك إنساني يتحول إلى بيانات، وكل بيانات تُنتج معرفة، وكل معرفة تُعاد توظيفها لإنتاج أشكال جديدة من السلطة. المعرفة هنا ليست محايدة، بل تؤدي وظيفة ضبطية وتوجيهية. الخوارزميات لا تكتفي بتسجيل ما نفعله، بل تسهم في تشكيل ما سنفعله لاحقا، عبر الاقتراح والتصفية وإعادة ترتيب الأولويات وصناعة الأذواق.

هذا الوضع يثير إشكالات فلسفية عميقة حول مفهوم الحرية. فالحرية كما ناقشها فلاسفة الوجود لا تعني غياب القيود، بل الوعي بها والقدرة على التعامل معها. غير أن المراقبة الرقمية تُنتج قيودا غير مرئية تعمل في مستوى أعمق من الوعي المباشر. الإنسان قد يعتقد أنه يختار بحرية، بينما تكون اختياراته قد صيغت مسبقا ضمن إطار خوارزمي يحدد له ما يراه وما يفكر فيه وما يعتبره ممكنا أو مرغوبا.

من منظور اجتماعي، لا يمكن فهم المراقبة الرقمية باعتبارها مجرد تطور تقني محايد. إنها امتداد لشبكات القوة التي رافقت نشأة الدولة الحديثة والاقتصاد الرأسمالي. الفضاء الرقمي ليس مجالا افتراضيا منفصلا عن الواقع، بل فضاء اجتماعي مُنتج، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية. المنصات الرقمية تعيد تنظيم العلاقات الاجتماعية، وتعيد تعريف مفاهيم الخصوصية والانتماء والفضاء العمومي.

الإنسان داخل هذا الفضاء لا يظهر فقط كمستخدم، بل ككيان قابل للقياس والتصنيف. هويته الرقمية تُختزل في أنماط سلوكية، وتتحول إلى ملف بيانات يُحدَّث باستمرار. هذا التحول يمس جوهر الهوية الإنسانية، لأن التمثيلات الرقمية للفرد قد تؤثر في فرصه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، دون أن يكون له وعي كامل بآليات هذا التأثير. هنا تبرز إشكالات أخلاقية حادة تتعلق بالخصوصية والشفافية وحق الفرد في التحكم في بياناته.

الآثار النفسية للمراقبة الرقمية لا تقل خطورة عن أبعادها الفلسفية. فالإحساس الدائم بالملاحظة يولد نوعا من القلق الوجودي ويعزز الرقابة الذاتية. الفرد يصبح أكثر حذرا في التعبير، وأكثر ميلا إلى الامتثال للمعايير السائدة، خشية التقييم أو الإقصاء. هذا الانضباط لا يُفرض بالقوة، بل يُنتج داخليا، مما يجعله أكثر رسوخا واستمرارية.

يصبح الوعي النقدي شرطا أساسيا للحفاظ على معنى الحرية الإنسانية. فكما أشار يورغن هابرماس، لا تتحقق الحرية إلا داخل فضاء للنقاش العقلاني والنقدي. المراقبة الرقمية إذا لم تُواجَه بوعي فلسفي وأخلاقي، قد تُحوّل الإنسان إلى كائن قابل للتوجيه التلقائي، دون حاجة إلى قسر مباشر. غير أن هذا الوعي نفسه يمكن أن يشكل شكلا من أشكال المقاومة الواعية.

المستقبل الرقمي مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي وتقنيات التنبؤ السلوكي، ينذر بتعميق هذه الإشكالات. فالأنظمة أصبحت قادرة على توقع الرغبات قبل أن تتبلور في وعي الفرد، وعلى التأثير في قراراته دون أن يشعر بذلك. الحرية في العصر الرقمي لم تعد معطى جاهزا، بل مشروعا أخلاقيا ومعرفيا يتطلب وعيا دائما ومساءلة مستمرة.

وإذا كان البعد المعرفي والأخلاقي للمراقبة الرقمية قد كشف عن تحولات عميقة في علاقة الإنسان بذاته، فإن البعد الزمني لهذه المراقبة لا يقل خطورة وتأثيرا. فالمراقبة في صيغتها الكلاسيكية كانت مرتبطة بالحضور الآني، باللحظة التي يُرى فيها الفرد أو يُراقَب. أما في السياق الرقمي فإن الزمن ذاته يخضع لإعادة تشكيل، حيث لا تُراقَب الأفعال فقط، بل يُعاد استحضارها باستمرار عبر الأرشفة الرقمية. كل تصرف وكل تفاعل وكل أثر رقمي يبقى محفوظا وقابلا للاستدعاء والتحليل في أي لحظة، مما يجعل الإنسان يعيش داخل زمن ممتد من المراقبة، لا ينقضي بانقضاء الفعل نفسه. الماضي الرقمي لا يمضي، بل يظل حاضرا بوصفه مادة دائمة للتقييم وإعادة التأويل.

هذا الامتداد الزمني للمراقبة يُنتج شكلا جديدا من الانضباط، حيث لا يراقب الإنسان أفعاله الراهنة فقط، بل يعيد النظر في ماضيه الرقمي، ويتحسب لتأثيره على مستقبله. وهكذا تتداخل المراقبة مع الذاكرة، وتتحول الذاكرة الرقمية إلى أداة سلطة، قادرة على إعادة تصنيف الأفراد وتحديد فرصهم وتوجيه مساراتهم الاجتماعية والمهنية. الإنسان لا يُحاسَب فقط على ما يفعل الآن، بل على ما فعله سابقا، وعلى ما قد يُستنتج من بياناته عن سلوكه المحتمل.

كما أن المراقبة الرقمية تعيد صياغة علاقة الإنسان بجسده. فالجسد الذي كان في تحليلات فوكو موقعا مركزيا لممارسة السلطة والانضباط لم يفقد أهميته، بل أُعيد ترميزه رقميا. البيانات الصحية وتتبع الحركة وأنماط النوم ومؤشرات الأداء الجسدي، كلها تُحوّل الجسد إلى مجموعة من المعطيات القابلة للقياس والتحليل. الجسد لم يعد يُضبط فقط عبر المؤسسات الطبية أو العسكرية، بل عبر تطبيقات وأجهزة يومية تُقدَّم في ظاهرها بوصفها أدوات للعناية بالذات، لكنها تساهم في إدخال الجسد ضمن منظومة مراقبة دقيقة ومستدامة.

تتقاطع المراقبة الرقمية مع منطق الاقتصاد السياسي المعاصر. فالبيانات لم تعد مجرد معلومات، بل أصبحت موردا اقتصاديا بالغ القيمة. الإنسان الرقمي يُنتج البيانات باستمرار، وغالبا دون مقابل مباشر، بينما تُستثمر هذه البيانات في بناء نماذج اقتصادية قائمة على التنبؤ والتوجيه والتأثير. هكذا يصبح الفرد في آن واحد، مستهلكا للمنتجات الرقمية، ومنتِجا غير واعٍ للقيمة التي تقوم عليها هذه المنتجات. المراقبة هنا لا تخدم فقط أغراض الضبط الاجتماعي، بل تُدرج ضمن منطق السوق، حيث تتحول الحياة اليومية ذاتها إلى مادة للربح.

هذا التداخل بين المراقبة والاقتصاد يضيف بعدا سياسيا بالغ الأهمية. فالخوارزميات التي تُحلل السلوك الفردي لا تظل محايدة في المجال السياسي، بل يمكن توظيفها للتأثير في الرأي العام وتوجيه الاختيارات وإعادة تشكيل الفضاء العمومي. النقاش العمومي الذي كان يُفترض أن يقوم على التعدد والحوار، يصبح مفلترا ومُعاد تشكيله وفق منطق الخوارزميات، حيث يُعرض على الأفراد ما يتوافق مع ميولهم السابقة، مما يعمق الاستقطاب ويحدّ من إمكان التفكير النقدي المشترك.

ومع ذلك، فإن المراقبة الرقمية رغم قوتها وانتشارها، لا تلغي تماما إمكان المقاومة. غير أن هذه المقاومة لا يمكن أن تأخذ الشكل الكلاسيكي للمواجهة المباشرة، بل تتطلب وعيا جديدا بطبيعة السلطة ذاتها. فوكو أشار إلى أن حيثما توجد السلطة، توجد إمكانات المقاومة لا خارجها، بل داخل شبكاتها. في السياق الرقمي، يمكن أن تتجسد هذه المقاومة في الوعي النقدي، وفي إعادة التفكير في أنماط الاستخدام وفي المطالبة بالشفافية وفي بناء أخلاقيات رقمية تُعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية.

المقاومة هنا ليست فعلا بطوليا معزولا، بل ممارسة يومية معرفية وأخلاقية، تسعى إلى استعادة المعنى الإنساني داخل فضاء يهدد بتحويل الإنسان إلى مجرد ملف بيانات. إنها مقاومة تسعى إلى تحويل المعرفة من أداة للضبط إلى أداة للفهم، وإلى استعادة الفلسفة لدورها النقدي في مساءلة المسلّمات التقنية التي تُقدَّم بوصفها قدرا لا مفر منه.

وتغدو المراقبة الرقمية مرآة تكشف هشاشة الإنسان المعاصر بقدر ما تكشف قوته. فهي تضعه أمام حدود حريته، لكنها تفتح له أيضا إمكان التفكير في هذه الحدود. الإنسان المراقَب ليس مجرد ضحية، بل ذات قادرة، إن امتلكت الوعي على إعادة تعريف علاقتها بالسلطة وبالتقنية وبذاتها. وهنا بالضبط تتجدد الحاجة إلى الفلسفة، لا باعتبارها خطابا تجريديا، بل ممارسة نقدية تساعد الإنسان على فهم شروط وجوده في عالم لم تعد فيه السلطة صاخبة ومرئية، بل هادئة دقيقة ومتغلغلة في أدق تفاصيل الحياة اليومية.

إن الإنسان المراقَب في العصر الرقمي يعيش حالة مزدوجة، مراقَب باستمرار، ومراقب لذاته، عالِما بأن كل فعل قد يُحوّل إلى مادة للمعرفة والسلطة. هذا الواقع يضعه أمام مسؤولية معرفية وأخلاقية عميقة، تتطلب وعيا نقديا بالبيانات والخوارزميات، وقدرة على استثمار هذا الوعي لإعادة إنتاج ذاته بحرية. المراقبة الرقمية بما هي أكثر دقة وشمولا من أي زمن سابق، لا تمحو الحرية الإنسانية، بل تطرحها في سياق جديد، تتقاطع فيه المعرفة والتقنية والاجتماع. وفي هذا الصراع بين الحرية والانضباط والخصوصية والانكشاف، يظهر دور الفلسفة بوصفها أداة لفهم الذات، وإعادة بناء الفضاء العمومي ومساءلة السلطة. ويبقى الاختيار الفلسفي والمعرفي للأفراد هو ما يحدد شكل الإنسان في العالم الرقمي، بين الاستسلام والوعي وبين الانضباط الذاتي والحرية المسؤولة، وبين أن يكون مراقَبا فقط، أو أن يكون واعيا لمراقبته، فاعلا فيها، ومعيدا تعريفها بما يعزز إنسانيته في ظل شبكة لا تنام من البيانات والخوارزميات.

***

د. حمزة مولخنيف

يشير ماثيو هامرتون أستاذ الفلسفة في جامعة سنغافورة الى ان الحياة التي هي ذات معنى والحياة التي تسير على ما يرام هي ليست نفس الشيء. لو تخيلنا شخصين على فراش الموت. الأول عاش بشكل مريح، محاطا بعائلة محبة وأصدقاء، متمتعا بمتع متنوعة وانجازات طوال حياته. الشخص الثاني كرس نفسه كليا للتصدي الى اللاعدالة، محققا تغيرا اجتماعيا رائعا، ولكن بكلفة شخصية كبيرة. منْ هو الذي عاش حياة أفضل؟

الجواب يعتمد على ما نعنيه بكلمة "افضل". الفلاسفة منذ وقت طويل اعترفوا اننا عندما نسمي الحياة "جيدة" نعني مختلف الأشياء. لذا نحن ربما نتحدث عن الخير الأخلاقي للحياة – الى أي مدى كان الشخص فاضلا – او جودتها للفرد - الى أي مدى كانت الحياة جيدة للشخص الذي عاشها. لكن هناك بُعد ثالث أحيانا نتجاهله وهو كم كانت الحياة ذات معنى. هذا يعطينا ثلاثة أسئلة مختلفة يمكننا طرحها حول أي حياة:

أولا: هل كانت الحياة جيدة من الناحية الأخلاقية؟

ثانيا: هل سارت الأمور جيدا للشخص الذي عاشها؟

ثالثا: هل هي حياة ذات معنى؟

هذه الأسئلة تسير باتجاهات مختلفة. الحياة المثالية أخلاقيا ربما تستلزم معاناة لأجل الاخرين، مما يجعلها أقل عناية بالذات. الحياة ذات معنى ربما تتطلب أيضا تضحيات تقلل من الرفاهية الشخصية. ان فهم هذه التوترات يساعدنا في التنقل بين خياراتنا حول الكيفية التي نعيش بها.

هل المعنى ليس الاّ رفاهية متنكرة؟

هنا يصبح الموضوع مثير فلسفيا. عندما نختبر الأشياء التي تجعل الحياة ذات معنى، نحن نجد تشابها ملفتا مع الأشياء التي تجعل الحياة تسير بشكل جيد. نظريات كل من المعنى والرفاهية تأتي في أنواع ذاتية تجذب خيرات متداخلة مثل الحب، المعرفة، الإنجاز، التجارب الجمالية. هذا يثير سؤالا غير مريح: هل "المعنى في الحياة" فقط طريقة أخرى للحديث عن الرفاهية؟ عندما يشكو شخص ما ان حياته تفتقر الى معنى، هو في الحقيقة فقط يقول انه يفتقر الى عنصر مهم للرفاهية.

لننظر بأوجه التشابه. النظريات الذاتية للرفاهية تقول ان حياتك تسير على ما يرام عندما انت راض، رغباتك متحققة، او انت تمارس المتعة. بعض نظريات المعنى تطرح ادعاءات مشابهه حول الهدفية. النظريات الموضوعية للرفاهية تشير الى الخير مثل المعرفة والحب والانجاز كونها ثمينة للشخص الذي يمتلكها. نظريات المعنى تشير بالضبط الى نفس الخيرات كمصدر لأهمية الحياة.

هذا التشابه محير. اذا كان المعنى والرفاهية حقا متميزين، لماذا تبدو نظرياتهما متشابهة جدا؟ اكثر التوضيحات هي انهما في الحقيقة نفس الشيء – أي "المعنى" هو فقط طريقة انيقة للحديث عن مظاهر معينة للرفاهية.

ثلاثة دفاعات فاشلة

حاول الفلاسفة طرح عدة استراتيجيات للحفاظ على المعنى كصنف متميز لكن لم ينجح أي منها.

الاستراتيجية الأولى: مختلف أنواع الخير

يرى البعض ان الرفاهية تتعلق فقط بخيرات ذاتية مثل المتعة، بينما المعنى يتعلق فقط بخيرات موضوعية مثل الإنجاز. لكن هذا يبدو لا يمكن الدفاع عنه. اذا انت تعترف ان الإنجاز ثمين، اليس من السيء ان تفتقر حياتك له؟

الاستراتيجية الثانية: المتعة لا تهم بالنسبة للمعنى

اتجاه آخر يدّعي انه بينما تساهم المتعة بالرفاهية، فهي لا تساهم ابدا بشكل مباشر بالمعنى. قارن بين حياتين كسولتين متساويتين تشاهدان مسلسلات كوميدية وتأكلان طعاما بلا قيمة غذائية. افرض ان احدى الحياتين ممتعة اكثر من الأخرى. من منظور الرفاهية، الحياة الأكثر متعة تبدو أحسن للعيش. لكن من منظور المعنى، كلا الحياتين تبدوان بلا معنى. ان المشكلة هنا هي انه حتى لو كان هذا الجدال صالحا، فهو فقط يبيّن ان المعنى يختلف عن مظاهر الرفاهية المتصلة بالمتعة. العناصر الغير مرتبطة بالمتعة لاتزال تتداخل كليا، وبهذا يكون "المعنى" فقط طريقة مؤدبة للحديث عن تلك المظاهر الأخرى للرفاهية.

الاستراتيجية الثالثة: مختلف النتائج

البعض يجادل ان أشياء معينة تضيف معنى بدون تعزيز الرفاهية. لننظر في المكافح لأجل الحرية الذي يموت شامخا لأجل الاستقلال. تضحياته تبدو ذات معنى عميق، لكن بالتأكيد انه سيكون افضل حالا لو بقي على قيد الحياة ليستمتع بمزيد من خيرات الحياة. او لنتصور فينسيت فان جوخ الذي أضافت آثاره الفنية معنى لحياته بعد موته (مع ان لوحة واحدة فقط بيعت اثناء حياته). كيف يمكن لأي حدث بعد الموت يحسّن الرفاهية الشخصية للفرد؟ هذه الحالات تبين ان المعنى والرفاهية منفصلان. مع ذلك، نظريات الرفاهية يمكن ان تستوعب كلا المثالين. اذا كانت رغبة المدافع عن الحرية التي هي أقوى من رغبته بحياة مريحة وطويلة تدعم قضيته، عندئذ فان نظريات اشباع الرغبة تقول ان التضحية بنفسه تدعم رفاهيته. والنظريات الموضوعية التي تتضمن تميز أخلاقي ستقول ان التضحية البطولية بالذات تعزز بشكل كبير التميز الأخلاقي في حياته أيضا وهكذا تعزز الرفاهية. وبالمثل، لو أراد فان كوخ التقدير لفنه، فان الاعتراف النهائي به أشبع هذه الرغبة حتى بعد وفاته، بينما يمكن للنظريات الموضوعية ان تعتبر تأثيره الفني الدائم إنجازا ساهم الاعتراف به بعد وفاته في إكتماله.

المعنى

هنا اتجاه جديد يحتفظ بالمعنى كشكل متميز حقا عن الرفاهية بينما يوضح التشابهات بينهما. كل من المعنى والرفاهية يبرزان من نفس الخيرات الأساسية – حب، معرفة، انجاز، تميز أخلاقي، تجربة جمالية، وغيرها – لكنهما يختلفان في الكيفية التي تجتمع بها هذه الخيرات لإنتاج قيمة. المقادير ربما ذاتها لكن الوصفات تختلف. بالنسبة للرفاهية، ما يهم ليس فقط الكمية الكلية للأشياء الجيدة في حياتك، وانما أيضا توازنها. انظر شخص ما يصبح قائدا أخلاقيا استثنائيا في جماعته لكنه يمتلك القليل من الوقت لعلاقات شخصية، متابعات فكرية، او تقدير جمالي. الان تصور شخص ما آخر يعيش حياة متكاملة لكن نسبيا حياة غير استثنائية، ينجز نجاحا معتدل في جميع هذه المجالات. حتى لو كلتا الحياتين تحتويان بالضبط على نفس الكمية الكلية للخير، فان الحياة المتوازنة بديهيا تبدو افضل للفرد الذي يعيشها.

نستطيع التفكير أبعد من ذلك: لو تصورنا حياة غير متوازنة ركزت كليا على انجاز فكري يحتوي على 100 وحدة من الخير، مقابل حياة متوازنة جيدا تحتوي على المعرفة، العلاقات، التقدير الجمالي، وتطور أخلاقي تشكل بمجموعها 98 وحدة. رغم ان الحياة المتوازنة تمتلك القليل نسبيا من الخير الكلي، ألا تزال افضل للفرد الذي يعيشها؟

بالنسبة للمعنى، التوازن يبدو غير ملائم. ما يجعل الحياة ذات معنى في ظل هذه الرؤية هو الكمية الهائلة من الخيرات الثمينة التي تحتويها بصرف النظر عن الكيفية التي توزع بها. الخير الكلي الأخلاقي الذي تخلقه حياتك او ترتبط به،هو الأكثر أهمية وتأثيرا، وبهذا يصبح الأكثر معنى. انظر ليوناردو دافنشي الذي شغل كل حياته بالفن والعلم والهندسة والفلسفة بتوازن ملحوظ. الآن قارنهُ بشخص آخر تركز حياته كثيرا على الفيزياء والرياضيات. كلاهما عاش حياة ذات معنى استثنائي لكن دافنشي لم يضف معنى وراء ما قدمه من انجاز كلي. إنجازاته المتكاملة جيدا ربما جعلت حياته أحسن له لكن المعنى جاء من الكمية الهائلة من الخيرات القيّمة التي احتوت عليها حياته.

هذا التمييز يساعد في توضيح الحيوات ذات المعنى المثالي. لو نظرنا الى شخصيات مثل غاندي، ماري كوري، او بيكاسو. جميعهم عاش حياة غير متوازنة، ركزوا بكثافة على نطاق ضيق من الخيرات بدلا من السعي لإنجاز متكامل. المعنى بالنسبة لهم جاء من كميات استثنائية من الخيرات – فضيلة، معرفة، او جمال فني – نالوه ليس من التوازن بين مختلف الخيرات.

مأزق دارون وخيار بارفت

قدم تشارلس دارون توضيحا هاما عن إمكانية انفصال المعنى عن الرفاهية. تركيز ذهن دارون فقط على العمل العلمي قاد الى اكتشافات استثنائية مذهلة منحت حياته معنى هائلا. لكن دارون ذاته ندم لاحقا على خياره، قائلا لبنته انه رغب لو لم يتقوقع ذهنه عبر تجاهل الشعر والاهتمامات الأخرى التي جلبت له البهجة في يوم ما. منْ هو على صواب؟ دارون ام المعجبون به الذين يشيدون بحياته المركزة؟ يمكن القول ان كلاهما على صواب، لكن بطرق مختلفة. من منظور المعنى، خيار دارون كان صحيحا. جهده المركز انتج من الخير الكلي اكبر مما كان يمكن ان يحققه نهج اكثر توازنا. لكن من منظور الرفاهية، تقييم دارون الذاتي ربما صحيح. الحياة الأكثر توازنا، مع اهتمام في البايولوجي وايضا مع مزيد من الوقت للاهتمامات الأخرى، ربما يكون أحسن له شخصيا حتى لو انجز القليل.

انظر أيضا الى الفيلسوف البريطاني ديريك بارفت Derek Parfit (1942-2017)، يمكن القول انه ابرز فيلسوف أخلاقي مؤثر في القرن العشرين. في حياته المبكرة، اظهر بارفيت موهبة استثنائية عبر مجالات متعددة – هو برع اكاديميا، حرر اشهر مجلة للطلاب في أكسفورد، عزف موسيقى الجاز، كتب الشعر، وانخرط في سياسة الطلاب. كان يمكن ان يعيش حياة متغيرة واسعة ثرية الإنجاز. لكن بدلا من ذلك، اختار بارفت التخصص الشديد، ليصبح هوسه الوحيد حول الفلسفة. هو أوقف الاجازات السياحية، تخلى عن اهتماماته الأخرى، وعاش شكلا غريب الاطوار – يقرأ الفلسفة وهو ينظف اسنانه بالفرشاة وحتى انه يأكل نفس الطعام كل يوم لكي يقلل وقت اعداد الطعام – كل ذلك لمضاعفة الوقت الذي يخصصه للفلسفة. في معظم المعايير، هذا الخيار انتج حياة ذات معنى استثنائي – أفكاره الرائدة أعادت تشكيل الفلسفة الأخلاقية، لكن هل كانت أحسن حياة لباريف ذاته؟

العديد من الناس سيجدون شيئا مزعجا حول عيش غير متوازن كهذا، حتى مع علمهم ان ذلك سيسمح لهم بترك بصمة اكبر على العالم. هذا يشير الى انه بينما خيار بارفيت ضاعف المعنى (الخير الكلي المنتج)، لكنه لم يضاعف رفاهيته الشخصية (خير متوازن). هذا النوع من المقايضة برز طوال حياة الانسان، من خيارات العمل المهني الى العلاقات وحتى الهوايات. الخير الكلي (المعنى) او توزيع متوازن بشكل جيد للخيرات (الرفاهية). ان فهم هذا التوتر يساعدنا في عمل قرارات اكثر تعقلا حول كيف ان نعيش.

العيش مع التوتر

 هذا التحليل لا يحل التوتر الأساسي بين المعنى والرفاهية، وانما هو يوضحه. أحيانا هما يصطفان: نحن لانزال بإمكاننا السعي للمعنى وفي نفس الوقت نحافظ على توازن جيد في حياتنا. لكنهما في الغالب ينفصلان فيجبراننا على الاختيار.

الفكرة الأساسية هي ان كلاهما يهم، لكن بطرق مختلفة. المعنى يتحدث الى رغباتنا بعمل تأثير هام، لنرتبط مع او نخلق قيمة حقيقية في العالم، اما الرفاهية تتحدث الى رغبتنا بحياة تسير بشكل جيد لنا كما يعيشها الناس. بعض الناس يفضلون المعنى، يقبلون التكاليف الشخصية لأجل تأثير اكبر. آخرون يفضلون الرفاهية، يبحثون عن حياة ثرية متوازنة حتى لو كان هذا يعني أقل انجاز. لكن لا طرف يبقى اوتوماتيكيا اكثر أهمية من الآخر. معظمنا يتنقل بين هذين القطبين، صانعا مختلف الخيارات في مختلف الأوقات.

ان فهم هذا الفرق سوف لن يحل لغز كيفية العيش، لكنه يساعد في التفكير بوضوح اكثر حول ما نختار من بين تلك. عندما نشعر بالتمزق بين متابعة عواطفنا بكثافة او الحفاظ على التوازن في حياتنا، نحن نشعر بجاذبية المعنى ضد الرفاهية. عندما نتساءل ما اذا كنا نعمل تضحية شخصية لسبب نؤمن به، هنا نحن ربما نوازن المعنى ضد الرفاهية.

هذا التحليل له آثار ملموسة. انه يقترح ان الناس يسألون "ماذا يجب ان أعمل بحياتي؟" هل اختار ضمنا بين نوعين مختلفين من القيمة. هل تريد تعظيم تأثيرك الإيجابي على العالم حتى لو يتطلب هذا التضحية بالتوازن وبالقناعة الشخصية؟ ام انك تريد حياة تسير على ما يرام لك حتى لو يعني هذا أقل إنجازا؟

هناك حكمة في كلا الاتجاهين. الباحث عن المعنى الذي يضحي بالراحة الشخصية لأجل تأثير أكبر يستحق احترامنا واعجابنا. لكن هذا أيضا ينطبق على الشخص الذي يختار حياة متوازنة من انجاز معتدل في عدة ميادين. كلاهما يستجيبان لمصدر حقيقي للقيمة. ربما أعمق بصيرة هنا هي ان السؤال القديم "كيف يجب ان أعيش؟" لا يمتلك جوابا منفردا لأنه في الحقيقة سؤالان: "كيف يمكن ان أعيش بمعنى؟" و "كيف يمكن ان أعيش بشكل جيد؟" أحيانا هما يشيران الى نفس الاتجاه - لكن عندما لا يشيران، نحن يجب ان نختار – وذلك الخيار يكشف أي نوع من القيمة نهتم بها بعمق.

الشيء السار هو ان فهم هذا الخيار يمكن ان يساعدنا في جعله أكثر حكمة، مع وعي كامل بما نحصل عليه وبما نتخلى عنه. في عالم غالبا ما يقدم لنا ثنائيات زائفة، فان تمييز التوتر الحقيقي بين المعنى والرفاهية وشرعية كل منهما ربما هو ذاته شكل من الحكمة.

***

حاتم حميد محسن

المعرفة لا يمكن أن تكون مجرد جمع للحقائق أو تراكم للمعلومات. إنها مسار مستمر من التساؤل والمراجعة، حيث يختبر الفكر حدود إدراكه ويواجه هشاشة اليقين. منذ باشلار الذي رأى في تاريخ العلم سجلا للأخطاء والنقد، وحتى ديكارت الذي جعل الشك شرطا للوعي، يتجلى أن كل معرفة حقيقية تقوم على قدرة العقل على مساءلة ذاته، ومراجعة أدواته ومفاهيمه. في هذا الإطار، يبرز التأويل كفضاء إبستمولوجي يتيح للمعرفة تجاوز الانغلاق على الثوابت، ويحوّل التجربة الفكرية إلى رحلة حيّة بين الذات والعالم، بين السؤال والإجابة، بين الخطأ والفهم.

إن المعرفة، في جوهرها، لا تنفصل عن نقدها. كل علم يظل معلقا في فضاء الشك حين يفقد مرآة مراجعة ذاته. وهو ما لاحظه باشلار عندما أشار إلى أن تاريخ العلم ليس سوى تاريخ أخطاء، تاريخ ملازمة النقد ومداومة المراجعة، حيث لا يتقدم الفكر إلا حين يواجه حدود فهمه ويستكشف ثغرات يقينه. ودون ضوء هذه الملازمة، يتيه العقل في متاهة المينوتور، متوهّما امتلاك الطريق، ومقفلا على سرّه الخاص، بلا مراسلة بين الحقيقة والشاهد.

فالنقد هنا لا ينفي المعرفة، بل يمنحها العمق، يحول الخطأ إلى معلم، والخطيئة إلى نقطة انطلاق. كل مراجعة للعلم، كل تأمل في زواياه المظلمة، هو صدى للحياة نفسها، حيث تصبح المعرفة فعلا حيا، يتحرك بالوعي والتأمل، متواصلا مع ذاته ومع ما هو خارجها، متجاوزا الانغلاق على الثابت، متصلا بالرحلة التي لا تنتهي نحو فهم أوسع وأشد حيادية.

في هذا الفضاء، يصبح الخطأ صديقا، والنقد وسيلة للضوء. كل إشراقة معرفية تولد من مواجهته، وكل تيه في المتاهة يُفضي إلى مسار جديد، حيث العقل يتعرف على ذاته من خلال حدود ما لا يعرفه، ويصبح البحث المستمر عن الحقيقة رحلة أبدية، ليست للامتلاك بل للمعايشة، حيث المعرفة نفسها تتجدد وتتنفس عبر مراجعتها ونقدها.

وفي أفق نظرية المعرفة، حيث تتقاطع الأسئلة المؤسسة مع قلق الفكر المعاصر، يبرز مفهوم التأويل كأحد المفاصل الحاسمة في إعادة التفكير في معنى المعرفة وحدودها وشروط إمكانها. فالتأويل لم يعد مجرّد أداة تفسيرية ملحقة بالفعل المعرفي، وإنما أضحى فضاءً إبستمولوجياً تتداخل فيه اللغة والتاريخ والذات، وتتزعزع داخله ادعاءات اليقين المستقر. ومن هذا المنظور، يتقاطع التأويل مع البراديغمات الثقافية الراهنة التي تعيد مساءلة أسس التفلسف ذاته، وتدفعه إلى مراجعة مسلّماته القديمة.

لقد ظل التصور الكلاسيكي للمعرفة مشدودا إلى ثنائية التجربة والعقل، حيث تُفهم الحقيقة باعتبارها نتيجة مطابقة بين الذهن والواقع، أو ثمرة لاستدلال منطقي قادر على اختراق الظواهر. غير أن هذا التصور سرعان ما اصطدم بحدوده التاريخية والسوسيولوجية، إذ تبيّن أن المعرفة تتشكّل داخل أنساق رمزية وسياقات ثقافية مخصوصة، وأن الفهم لا يتحقق إلا عبر وسائط لغوية وتأويلية تُحمّله آثار الزمن والموقع والذات العارفة.

وعند هذا الحد، يتخذ السؤال الإبستمولوجي طابعا أكثر راديكالية: هل في مقدور الفكر الإنساني أن يبلغ حقائق مطلقة، أم أن أقصى ما يبلغه هو أشكال نسبية من المعنى؟ فمحاولات الإحاطة بطبيعة الزمن أو الوعي تكشف عن مفارقة جوهرية. إذ كلما اقتربنا من الموضوع ازداد انفلاته، وكأن الفكر يواجه نفسه وهو يحاول أن يفكر شروطه الخاصة. فالزمن لا يدرك إلا من خلال آثاره، والوعي لا ينكشف إلا بوصفه تجربة متشظية، عصية على القبض الكلي.

في هذا المجال الرمادي، حيث تتقاطع المعرفة مع الارتياب، يستعيد الشك الفلسفي مكانته التأسيسية. فشك ديكارت لم يكن موقفاً عدميا، بل تمرينا جذريا على مساءلة البداهات، ووعيا بأن كل يقين غير ممتحَن يظل هشا. إن إعلان "أنا أشك، إذن أنا موجود" يؤسس لذات واعية بحدودها، ذات تدرك أن وجودها المعرفي يتحدد بقدرتها على مساءلة ما يبدو بديهيا

هكذا تتبدل صورة المعرفة في أفقها المعاصر، فهي لم تعد وعدا بيقين نهائي، وإنما ممارسة مفتوحة على التعدد والاختلاف. يصبح الفهم سيرورة لا تنتهي، ويغدو التأويل أفقا ضروريا لكل ادعاء بالحقيقة، حيث لا تُمتلك المعاني مرة واحدة، بل تُبنى باستمرار في حركة لا نهائية من القراءة والتأويل وإعادة الفهم.

المعرفة في جوهرها، عملية مستمرة من التوليد والتأمل، لا تستقر إلا في حركة النقد وإعادة التقييم. كل شك، وكل خطأ، يصبح أداة لاكتشاف أعماق الوعي وحدود الفكر، وحيث تتحول الحدود إلى مساحات للحرية والإبداع. فالتأويل يجعل من المعرفة ممارسة لا نهائية، ومسارا متواصلا نحو فهم أوسع وأكثر حيادية.

في النهاية، ليس المهم امتلاك الحقيقة، بل العيش في ضوئها ومراجعتها، لتظل المعرفة نفسها حية، متجددة، ومتصلة بالحياة والذات في كل لحظة من لحظات الفهم.

***

مصطفـــى غَلْمـــان

تحولات الفلسفة الحديثة والعلم المعاصر

يشهد الفكر الإنساني المعاصر منعطفاً إبستمولوجياً حاسماً، يتسم بتصدع الأسس الأنطولوجية والمعرفية التي شيدت عليها الحداثة الغربية صرحها طيلة القرون الثلاثة الماضية. يسعى هذا البحث، عبر قراءة تقاطعية لأحدث الأدبيات العلمية والفلسفية، إلى تبيان كيف أدت كشوفات فيزياء الكم إلى تقويض مفاهيم "الموضوعية المطلقة" و"الحتمية السببية". وبالتوازي، البحث في تفكيك العلوم العصبية لمفهوم "الذات الموحدة" و"الكوجيتو" الديكارتي، واستبدالهما بنماذج بيولوجية موزعة. والانتهاء بدمج رؤى علم النفس التحليلي التي أعادت الاعتبار لـ “اللاوعي" كنقيض لمفهوم "اللوح الفارغ". يخلص البحث إلى اقتراح إطار تفسيري جديد ينتقل بنا من "ثنائية" الجوهر" إلى "أحادية الجانب المزدوج"."

 تشريح النموذج الكلاسيكي وأزمة اليقين

لقد هيمن على المخيال الفلسفي والعلمي الغربي، منذ القرن السابع عشر وحتى نهايات القرن التاسع عشر، براديغم متماسك، وعد الإنسان بالقدرة المطلقة على فهم الكون والسيطرة عليه. لم يكن هذا النموذج مجرد نظريات متناثرة، بل شكّل "نسقاً مضمراً" للتفكير، قام على تقاطع ثلاث مسارات كبرى:

المسار الأنطولوجي (الميكانيكي):

 دشنه نيوتن وغاليليو، حيث الكون آلة ميكانيكية ضخمة، والمادة جوهر صلب، والزمان والمكان حاويات مطلقة. تُوج هذا المسار بفرضية "شيطان لابلاس"؛ ذلك العقل الافتراضي القادر على التنبؤ بحركة الوجود كله لو توفرت له المعطيات الأولية، مما كرس مبدأ "الحتمية الصلبة".

المسار الميتافيزيقي (الذات المتعالية):

 أسسه رينيه ديكارت عبر "الكوجيتو" (أنا أفكر، إذن أنا موجود)، مرسخاً فصلاً أنطولوجياً بين "الجوهر المفكر" (الروح/العقل) و"الجوهر الممتد" (المادة). هذا الفصل منح الإنسان مكانة "المراقب المتعالي" المستقل عن قوانين الطبيعة العمياء.

المسار الإبستمولوجي (المعرفي):

 تنازعته "التجريبية" التي رأت العقل "لوحاً فارغاً"، و"النقدية" التي رأت أن العقل يفرض قوالبه القبلية. وكلاهما افترض وجود "عقلانية عالمية موحدة".

إلا أن الاكتشافات العلمية في القرن العشرين لم تكتفِ بتعديل هذا النموذج، بل قامت بنسفه، واضعةً البشرية أمام "تحول براديغمي" جذري:

انهيار الحتمية المادية:

من اليقين إلى الاحتمال كانت الفيزياء الكلاسيكية تفترض "الواقعية المحلية".

شيطان لابلاس في مواجهة مبدأ الريبة

يرتكز مفهوم الحتمية الكلاسيكي على إمكانية التحديد الدقيق للحالة الفيزيائية. في عام 1927، وجه فيرنر هايزنبرغ ضربة قاصمة لهذا الافتراض عبر "مبدأ الريبة".

ينص المبدأ على استحالة قياس أزواج معينة من الخصائص (الموقع والزخم) بدقة تامة آنياً. التفسير الفلسفي لهذا المبدأ هو الأخطر: "الريبة" ليست ناتجة عن قصور في أدوات القياس (جهل إبستمولوجي)، بل هي خاصية متأصلة في الطبيعة (لا-تحدد أونتولوجي). الجسيم ليس له موقع محدد قبل القياس، بل هو دالة موجية من الاحتمالات. وهذا يعني أن "شيطان لابلاس" مستحيل الوجود، لأن المعلومات التي يحتاجها للتنبؤ بالمستقبل غير موجودة أصلاً في الحاضر قبل أن يتم رصدها. بذلك، سقطت الحتمية الصارمة التي حكمت فلسفة سبينوزا وكانط.

تفكيك الكوجيتو ووهم الذات الحرة

إذا كانت الفيزياء قد زعزعت ثقتنا في "الموضوع" الخارجي، فإن العلوم العصبية شنت هجوماً موازياً على "الذات" الداخلية:

"خطأ ديكارت": العقل المتجسد

بنى ديكارت فلسفته على استقلال العقل عن الجسد. يجادل عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو في كتابه خطأ ديكارت بأن هذا الفصل خطأ بيولوجي وفلسفي. أظهرت دراسات التلف الدماغي (مثل حالة إليوت وفينس غيج) أن القدرة على "التعقل" تعتمد كلياً على الأنظمة العاطفية والجسدية. العقل ليس وليس جوهراً مفارقاً، بل هو وظيفة متجسدة. بمعزل عن "الشعور"

 الدماغ المشطور ووهم الوحدة

تحدى كانط شكوك هيوم حول الذات بفرضية "وحدة الإدراك المتعالية". لكن أبحاث روجر سبيري ومايكل غازانيغا على مرضى "الدماغ المشطور “قدمت دليلاً تجريبياً ضد هذه الوحدة.

اكتشف غازانيغا ما سماه "وحدة التأويل" في النصف الأيسر للدماغ، ووظيفتها اختلاق تبريرات وقصص منطقية بأثر رجعي لتفسير سلوكيات صدرت عن عمليات لا واعية. النتيجة الفلسفية:

 شعورنا بأننا "ذات موحدة" هو وهم سردي يخلطه الدماغ للحفاظ على التماسك النفسي.

من الميتافيزيقا إلى البيولوجيا العصبية

وضعت العلوم العصبية مفهوم "الإرادة الحرة" تحت المجهر:

تجارب بنيامين ليبت: أظهرت أن النشاط الدماغي الممهد للحركة يبدأ قبل الوعي بالرغبة في الحركة بمئات المللي ثانية.

الحتمية البيولوجية:

يجادل روبرت سابولسكي بأن السلوك البشري نتاج تراكب معقد من المسببات البيولوجية والبيئية التي لا تترك فجوة لـ “إرادة سحرية"

الإدراك المتجسد:

 يوضح جورج لاكوف ومارك جونسون أن المفاهيم المجردة (كالزمن والأخلاق) هي استعارات مجازية مشتقة من خبرتنا الجسدية-الحركية، مما يقوض المشروع الكانطي لتأسيس عقل خالص ومجرد.

نقد العقلانية: منظور علم النفس التحليلي

بينما فكك العلم المادي الآليات، قام علم النفس التحليلي (مدرسة كارل يونغ) بتفكيك "المعنى"، كاشفاً عن الجذور اللاواعية للعقلانية:

الذات (Self) مقابل الأنا (Ego)

في الفلسفة الكلاسيكية، "الأنا" هي المركز. أما عند يونغ، فالأنا ليست سوى قشرة رقيقة تطفو على محيط اللاوعي. المركز الحقيقي هو "الذات" واللاوعي معاً. ونقد يونغ للعقلانية التنويرية يكمن في تحذيره من "التضخم النفسي"؛ حين تتماهى الأنا مع العقل وتقمع الجانب اللاعقلاني (الظلال)، مما يؤدي لعودة المكبوت بشكل وحشي، كما تجلى في حروب القرن العشرين.

نحو تركيب جديد: فرضية باولي-يونغ ووحدة الواقع

"لعل أعمق نقطة التقاء بين الفيزياء وعلم النفس تتمثل في التعاون الفكري الفريد بين الفيزيائي الحائز على نوبل "فولفغانغ باولي" وعالم النفس "كارل يونغ"." (“غالب المسعودي - تفكيك البراديغمات الكلاسيكية: مقاربة نقدية لتحولات ...”) لقد رأى كلاهما أن انهيار السببية في فيزياء الكم وتشابه النماذج.. في العقل البشري يشيران إلى أصل مشترك.

الإبستمولوجيا التطورية وتطبيع "القبلي":

 في سياق تمهيدي لهذا التركيب، أعاد كونراد لورنتز (1941) تفسير "القبليات" الكانطية (الزمان والمكان) تفسيراً بيولوجياً. فما هو "قبلي" بالنسبة للفرد هو "بعدي" بالنسبة للنوع؛ أي أن جهازنا العصبي تطور ليدرك العالم بهذه الطريقة لخدمة البقاء.

 من الثنائية إلى "أحادية الجانب المزدوج":

ان هذه الرحلة النقدية بفرضية "احادية الجانب المزدوج" يظهر الواقع كعمليات فيزيائية (دماغية) وتارة كخبرة ذاتية (نفسية) لا يعود الإنسان مراقباً مفصولاً عن الطبيعة، بل مشاركاً في صياغة واقع هو جزء لا يتجزأ منه، مما يعيد للوجود وحدته المفقودة بعد قرون من التشظي الديكارتي.

***

غالب المسعودي

........................

المراجع

Bell, J. S. (1964). "On the Einstein Podolsky Rosen paradox". Physics Physique Fizika, 1(3), 195.

Damasio, A. R. (1994). Descartes' Error: Emotion, Reason, and the Human Brain. New York: Putnam.

Gazzaniga, M. S. (2011). Who is in Charge? Free Will and the Science of the Brain. New York: Ecco.

Heisenberg, W. (1927). "Über den anschaulichen Inhalt der quantentheoretischen Kinematik und Mechanik". Zeitschrift für Physik, 43, 172-198. (“HEISENBERG, Werner. - Milestones of Science Books”)

Jung, C. G. (1969). The Archetypes and the Collective Unconscious (Collected Works, Vol. 9, Part 1). Princeton University Press.

Jung, C. G., & Pauli, W. (1955). The Interpretation of Nature and the Psyche. Pantheon Books.

Lakoff, G., & Johnson, M. (1999). "Philosophy in the Flesh: The Embodied Mind and Its Challenge to Western Thought." (“Philosophy in the flesh: the embodied mind and its...”) Basic Books.

Libet, B. (1985). "Unconscious cerebral initiative and the role of conscious will in voluntary action". (“Unconscious cerebral initiative and the role of conscious will in ...”) The Behavioral and Brain Sciences, 8, 529-566.

Lorenz, K. (1941). "Kants Lehre vom Apriorischen im Lichte gegenwärtiger Biologie". Blätter für Deutsche Philosophie, 15, 94-125.

McGinn, C. (1993). Problems in Philosophy: The Limits of Inquiry. Blackwell.

القلق الوجودي يشكل أحد أبرز محاور التفكير الفلسفي الحديث، إذ يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الإنسان وعلاقته بالعالم وموقعه الأخلاقي في الحياة. منذ فلسفة كيركغارد مرورا بالوجوديين أمثال سارتر وكامو، وصولا إلى التحليلات النفسية لفرويد، لم يكن القلق مجرد حالة شعورية عابرة، بل ظاهرة متصلة بالحرية وبالاختيار، وبمسؤولية الإنسان عن ذاته وعن العالم الذي يعيش فيه . وعند هذا الحدّ، يبرز التساؤل الأساسي: هل القلق علامة على مرض نفسي أو خلل في البنية الذاتية، أم أنه شرط ضروري لإمكان الحرية والوعي الأخلاقي؟.

كيركغارد في كتابه "الخوف والارتعاب"، قدم رؤية عميقة للقلق باعتباره تجربة أساسية للوجود الإنساني. القلق وفق هذا الفيلسوف الدنماركي ليس مجرد خوف من أحداث محددة أو تهديدات ملموسة، بل هو إحساس بالاحتمال، باللايقين، وبالمسافة بين الإمكان والواقع. الإنسان في مواجهة هذا الاحتمال يتعرض لحالة من التوتر الوجودي، لكنها ليست بالضرورة حالة مرضية؛ إنها بوابة للإدراك الذاتي وللتحرر من القوالب الجاهزة، بوابة تجعل الفرد واعيا بمسؤوليته وبخياراته وبالأفق الأخلاقي الذي يحدده لنفسه، إذ يظهر القلق كظاهرة أخلاقية قبل أن يكون حالة شعورية مرضية؛ فهو يضع الإنسان أمام نفسه وأمام قراراته وأمام الحرية التي لا يمكن التهرب منها.

سارتر الذي طور الفلسفة الوجودية الفرنسية، يربط بين القلق والحرية بشكل أكثر وضوحا. الحرية عند سارتر ليست مجرد القدرة على التصرف وفق الرغبات أو الرغبات الاجتماعية، بل هي محكّ متصل بالمسؤولية الوجودية، الإنسان "محكوم عليه بالحرية"، بمعنى أنه مضطر لتحمل العواقب الأخلاقية لاختياراته. القلق، هنا، هو الإشارة الدائمة إلى هذه الحرية، إلى الفراغ الذي يتركه عدم اليقين، وإلى اللايقين الأخلاقي الذي يفرضه الوجود. إنه شعور يصيب الفرد عند مواجهة إمكاناته اللامحدودة، عند إدراكه أن كل قرار يترك أثره في ذاته والآخرين. من هذا المنظور، القلق ليس مرضا يجب علاجه، بل أداة للتربية الأخلاقية، ووسيلة لتعميق الوعي الذاتي.

إن الجانب الطبي أو النفسي للقلق الذي ركز عليه فرويد وغيره من علماء النفس، ينظر إلى القلق بوصفه عرضا يحتاج للتخفيف أو العلاج. فرويد اعتبر القلق نتيجة لصراع داخلي بين الرغبات اللاواعية والقيود الواقعية المفروضة على الأنا، بحيث يظل الإنسان في حالة توتر مستمر. إلا أن التحليل الفلسفي يوسع نطاق النظر، فالقلق الوجودي ليس مجرد أعراض صراع داخلي، بل تجربة وجودية تسمح للفرد بأن يلتفت إلى ذاته وأن يعي حدود إمكاناته وأن يواجه مسؤولياته. بمعنى آخر، حتى لو كان القلق شعورا مؤلما، فإنه يمكن أن يكون شرطا لتحقيق الحرية الأخلاقية، شرطا لإدراك الإنسان أن وجوده ليس مسألة طبيعية تلقائية، بل تجربة تتطلب اختيارا واعيا ومواجهة مستمرة للذات.

ويمكن النظر أيضا إلى القلق على أنه اختبار أخلاقي قبل أن يكون شعوريا. الأخلاق هنا لا تعني مجرد الامتثال للقوانين أو الأعراف، بل وعيا بالاختيار وبالمسؤولية وبالتأثير الذي يمارسه الفرد على العالم والآخرين. القلق يجعل الإنسان يواجه نفسه بلا وسائط أو أعذار، ويجعله يعيد تقييم قراراته وأفعاله والقيم التي يعيش وفقها. وبناءً على ذلك، يصبح القلق أداة للاختبار الأخلاقي، أداة للفهم العميق للحرية، ولإدراك أن الحياة ليست مجرد تقليد للآخرين، بل خلق مستمر للذات وللعالم. كما يرى كامو في سياق فلسفته العبثية، أن التمرد على اللامعنى هو ما يمنح الحياة قيمتها. وهنا لا يظهر القلق فقط كتهديد للطمأنينة النفسية، بل كفرصة لخلق معنى يتجاوز العبثية الماثلة في العالم.

من ناحية تاريخية، شهدت المجتمعات الحديثة محاولات لتصنيف القلق كمرض نفسي أو اضطراب، خاصة في الطب النفسي العصري الذي ميّز بين القلق الطبيعي والقلق المرضي. القلق المرضي غالبا ما يظهر في شكل أعراض مستمرة من التوتر، الخوف، أو الوسواس، ويحتاج إلى تدخل علاجي. لكن القلق الوجودي حتى عندما يكون شديدا لا يمثل بالضرورة مرضا؛ إنه مؤشر على وعي الفرد باللامحدودية، على إدراكه لمحدودية تحكمه في الحياة، وعلى قدرته على مواجهة أسئلة المصير والاختيار. الفارق الجوهري هو في التفاعل مع القلق: المرضي يغرق الفرد في التكرار والهلع، أما الوجودي فيحث على إدراك الحرية وعلى التفكير الأخلاقي وعلى صقل الذات.

هذا التمييز يبرز بوضوح في النظرية الأخلاقية للوجوديين. الحرية الأخلاقية لا تتحقق إلا إذا كان الإنسان واعيا بالاختيار قادرا على مواجهة قلقه، واستخدامه كمرشد أخلاقي. والقلق من هذا المنظور، شرط للحرية وليس عائقا لها. إنه يشكّل النقطة التي يبدأ منها الفرد رحلة الصدق مع ذاته، ويصبح قادرا على اتخاذ قرارات تتجاوز الانقياد للروتين أو التقاليد أو الضغوط الاجتماعية. الإنسان الذي يتجاهل قلقه أو يحاول الهروب منه، يفقد جزءا من وعيه الأخلاقي، ويقصر قدرته على أن يكون فاعلا مسؤولا متحررا من قيود التكرار ومتصلا بمسؤوليته الذاتية.

التجربة المعاصرة للقلق تُظهر كذلك أن عالم اليوم، بتعقيداته الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، يضاعف من فرص مواجهة الإنسان للاضطراب الوجودي. سرعة المعلومات، التشتت، الفوضى الثقافية، والانشغال المستمر تجعل الإنسان يبحث عن الطمأنينة اللحظية، غالبا عبر الانغماس في العمل أو الترفيه، متجاهلا القلق العميق الذي يربطه بمعنى حياته وحرية قراراته. ويظهر الفرق بين القلق المرضي الذي يُكمّل بتجنب التفكير العميق والهروب من الذات، والقلق الأخلاقي الذي يفتح آفاق الوعي ويجعل الفرد قادرا على إعادة تقييم علاقته بالآخرين وبالعالم وبنفسه.

الفلسفة الوجودية إذن، تعلمنا أن القلق ليس مجرد شعور يجب التخلص منه، بل حقيقة إنسانية يجب مواجهتها واستثمارها كوسيلة لتحقيق الحرية والمسؤولية الأخلاقية.

كما أن القلق لا يقتصر على تجربة الفرد فحسب، بل يتجاوزها إلى البعد الاجتماعي. فالإنسان الذي يعيش قلقه بوعيٍ أخلاقي يغدو أكثر قدرة على ممارسة حريته في علاقةٍ واعية بالآخرين، وأكثر إدراكا لأثر قراراته في محيطه، وأشدّ استعدادا لتحمّل المسؤولية الاجتماعية. فالأخلاق لا تنحصر في الباطن الذاتي، بل تتجسّد في علاقة الإنسان بالعالم، وفي قدرته على الفعل بطريقة تعكس وعيه بالآخرين بقدر ما تعكس وعيه بذاته. وعليه، لا يكون القلق عامل انغلاق أو عزلة، بل أفقا لتعميق التفاعل الاجتماعي، وسلوكا أخلاقيا يجعل الحرية الفردية في تناغمٍ خلاق مع مسؤولياتها تجاه المجتمع.

الجانب الأدبي والفني للقلق يكشف أيضا عن بعد آخر من أبعاده الأخلاقية والوجودية. الأدب والفن غالبا ما ينبع من تجربة القلق، ليس بوصفه مرضا، بل كشرط للإبداع، كوسيلة لإعادة صياغة الوعي، وفهم الطبيعة العميقة للوجود. في الأدب الكلاسيكي والمعاصر، تظهر الشخصيات وهي تواجه حالة قلق عميقة، وتنتقل من حالة الخوف إلى حالة إدراك أعمق لحرية خياراتها، ولقدرتها على التأثير على العالم من حولها. هذا الانتقال يعكس ما يمكن تسميته بالتحول الأخلاقي: القلق، بدل أن يكون عائقا، يصبح محفزا للإبداع، للتفكير النقدي وللتصرف الأخلاقي الواعي.

تجربة القلق الوجودي تتداخل مع البعد الزمني للحياة الإنسانية. إنها تجربة مستمرة، لا تبدأ عند لحظة معينة ولا تنتهي بانتهاء حدث معين. القلق يرافق الإنسان في رحلة حياته، يشكّل جزءا من إدراكه للزمن، وللإمكانات المتاحة أمامه، ولحقيقة أن كل لحظة تحمل معها خيارات ومسؤوليات جديدة. الفلاسفة مثل هيجل يرون أن وعي الإنسان يتشكل في التفاعل مع العالم والآخر، والقلق هو مؤشر دائم على هذه العملية، إذ يدفع الفرد إلى إعادة النظر في قراراته ومراجعة مواقفه ومساءلة ذاته.

القلق حين يُفهم بوصفه تجربة وجودية وليس مجرد اضطراب شعوري، يظل مؤشرا على أن الإنسان لم يتخلى عن وعيه بالحرية، ولم يستسلم لجمود الروتين أو الطمأنينة الزائفة. إنه في جوهره اختبار أخلاقي دائم: هل أستسلم لما هو مفروض، أم أواجه اللايقين، وأصنع قراراتي بشكل واعٍ؟.

يصبح القلق بمثابة بوصلة داخلية، تشير إلى المسار الذي يقتضيه الوعي الأخلاقي، إلى حدود الحرية الممكنة وإلى إمكان الإنسان في أن يكون فاعلاً حقيقيا، لا مجرد متلقٍ سلبي للظروف والأحداث. حينها، يمكن فهم القلق كأداة للتمايز بين وجود أعمى وبين وجود واعٍ ومسؤول.

القلق ليس مجرد شعور مؤلم، بل هو حالة تأملية عميقة تتطلب من الإنسان أن يضع نفسه أمام مرايا الوجود. إنها تجربة تحدد العلاقة بين الفرد والآخرين والفرد والعالم، وبين الفرد وذاته الداخلية. فالقلق الوجودي كما يرى سارتر مرتبط بالحس الأخلاقي، لأنه ينبه الإنسان إلى المسؤولية اللامتناهية المرتبطة بالحرية: كل فعل وكل قرار وكل اختيار، يحمل أثره الخاص، ويترك بصمته في العالم وفي تجارب الآخرين. هذا البعد يجعل القلق أداة للفضيلة وأداة لإدراك حدود القدرة الشخصية، وأداة للارتقاء بالوعي الأخلاقي إلى مستوى أعلى من مجرد الامتثال الاجتماعي أو النفسي.

التفاعل مع القلق يتطلب معرفة دقيقة بالفرق بين القلق المرضي والقلق الأخلاقي. القلق المرضي يغرق الإنسان في الخوف والارتباك، ويقوده غالبا إلى الانسحاب أو التهرب من مواجهة الأسئلة العميقة. بينما القلق الأخلاقي الذي ينبع من إدراك الإنسان لحرية خياراته، يحوله إلى قوة دافعة نحو الفعل الواعي. الإنسان الذي يعي قلقه ويقبله كحقيقة وجودية، يصبح قادرا على اتخاذ قرارات صائبة، متسقة مع قيمه ومع فهمه للآخرين، وبالتالي يصبح القلق شرطا أساسيا للحرية الأخلاقية. إنه ليس ثقلا يجب التخلص منه، بل أداة لإعادة بناء الذات بشكل مستمر، ولتأطير القرارات ضمن وعي أخلاقي متجدد.

إن القلق يشكل مرآة تعكس التوازن الداخلي بين الحرية والمسؤولية. الإنسان القلق الذي يعيش تجربته بشكل واعٍ، ليس عالة على المجتمع، ولا عبئا على نفسه، بل يتحول إلى كيان مسؤول قادر على التأثير في محيطه بإيجابية. إن فهم القلق بهذه الطريقة يربطه مباشرة بالبعد الاجتماعي للأخلاق؛ فالقلق الذي يتم التعامل معه بشكل واعٍ يؤدي إلى اتخاذ قرارات تراعي الآخرين وتدرك الأثر المتبادل بين الذات والبيئة وبين الفرد والمجتمع. ويمتد تأثير القلق من المجال الفردي إلى البعد الجماعي، مؤكداً أن الأخلاق والحرية مترابطتان، وأن القلق هو القاعدة التي تجعل هذا الترابط ممكنا.

علاوة على ذلك، يفتح القلق أفقا جديدا للفكر الإبداعي، سواء في الأدب أو الفلسفة أو الفن. فالتاريخ الإنساني مليء بالشواهد على أن التجربة القلقة، حين تُستثمر بشكل واعٍ، تتحول إلى مصدر للإبداع والتأمل العميق. من شكسبير إلى كامو، ومن كيركغارد إلى سارتر، نرى أن القلق كان أداة لإعادة صياغة الوعي وكشف اللامعنى، وإيجاد طرق جديدة للتعبير عن الحرية. الفن والأدب هنا لا يمثلان هروبا من القلق، بل وسيلة لاستثماره، وتحويله إلى فهم أعمق للوجود، وإلى قوة دافعة للفعل الأخلاقي، وإلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم.

إن القلق الوجودي يشكل تحديا مضاعفا. لأننا نعيش في عالم سريع، معقد، متشابك، مليء بالمعلومات والاختيارات والفرص التي تبدو لانهائية. هذا الواقع يزيد من إحساس الإنسان باللايقين، ويعزز تجربة القلق، لكنه في الوقت نفسه يوفر فرصا جديدة للحرية الأخلاقية. الإنسان المعاصر الذي يعي قلقه ويستثمره في إعادة تقييم حياته وفي مواجهة المعضلات الأخلاقية، وفي صياغة قراراته بناءً على وعي حقيقي، يحقق بذلك نوعا من الحرية الفعلية، ويؤسس لوعي أخلاقي مستمر، يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويتفاعل مع تحديات الواقع بطريقة أكثر عمقا ومسؤولية.

القلق بهذا الشكل يصبح شرطا أساسيا للحرية، إذ لا يمكن لأي وعي أخلاقي كامل أن ينشأ من طمأنينة مطلقة أو غياب للاختبارات الصعبة. الحرية كما يوضح سارتر، لا تتجسد إلا عندما يواجه الإنسان خياراته، عندما يدرك حجم المسؤولية وعندما يشعر بوزن وجوده في العالم. القلق إذن، ليس فقط اختبارا للذات، بل هو مقياس لعمق وصدق الحياة الأخلاقية. كلما ازداد الإنسان وعيا بقلقه، كلما أصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة وعلى مواجهة العبثية، وعلى إنشاء معنى وجوده بطريقة واعية ومتجددة.

الأخلاق المرتبطة بالقلق لا تقتصر على الفرد وحده، بل تمتد لتشمل الآخرين والمجتمع. الإنسان الذي يواجه قلقه بوعي يصبح أكثر قدرة على التعاطف والتفاهم، وعلى اتخاذ خيارات تراعي تأثير أفعاله على الآخرين. القلق في هذا الإطار، ليس شعورا فرديا محصورا في الذات، بل حالة أخلاقية تؤثر على العلاقات الاجتماعية، وتفرض على الإنسان التفكير في أثر قراراته على محيطه، وعلى العلاقات المتبادلة بينه وبين الآخرين. إنه تذكير دائم بأن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا بالمسؤولية، وأن الأخلاق تتشكل من خلال التفاعل الواعي بين الفرد والآخرين.

في مستواه الأعمق، يضع القلق الوجودي الإنسان أمام ضرورة التأمل المستمر في معنى الحياة وفي طبيعة وجوده، وفي حدود إمكاناته. إنه اختبار دائم للوعي وحافز على تعميق الفهم الذاتي، ومصدر لتحفيز التفكير النقدي. فالإنسان الذي يتجاهل قلقه يفقد جزءا من وعيه الأخلاقي، ويغدو أسيرا للروتين أو للتقاليد أو للتلقين الاجتماعي؛ بينما الإنسان الذي يعي هذا القلق ويستثمره يتحول إلى كائن قادر على تحرير ذاته وعلى تحقيق إمكاناته، وعلى صياغة حياته وفق فهم عميق للحرية والمسؤولية.

وبناء على ما سبق، يمكننا أن نخلص إلى أن القلق على الرغم من أنه شعور مؤلم أحيانا، هو شرط ضروري للحرية الأخلاقية ووسيلة للوعي بالذات، وأداة لفهم معنى الحياة في ضوء إمكاناتها ومحدوديتها. إنه ليس مرضا بالمعنى الكامل، ولا خللاً يجب علاجه، بل هو تجربة وجودية أساسية، تجعل الإنسان أكثر قدرة على اتخاذ قرارات صائبة، وأكثر استعدادا لتحمل مسؤولياته، وأكثر وعيا بالأثر الذي يتركه في العالم وفي حياة الآخرين. القلق هنا يتحول إلى معلم ومرشد، وإلى شرط للارتقاء بالوعي الأخلاقي، لا مجرد شعور نفسي يجب التخلص منه.

يصبح القلق الوجودي جسرا بين الإمكان والواقع والفرد والمجتمع وبين الحرية والمسؤولية. إنه يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والعالم، ويؤكد أن كل تجربة للقلق هي فرصة للتفكير وللتأمل وللتحرر من الانقياد الأعمى. القلق إذن، ليس مجرد حالة شعورية ولا مرضا نفسيا يجب التخلص منه، بل شرط أساسي للحرية الأخلاقية، ووسيلة لتحقيق إدراك أعمق للذات وللعالم، وتجربة مركزية تجعل من الإنسان كيانا واعيا مسؤولا ومتصالحا مع حقيقة وجوده.

إن القلق هو أداة الأخلاق في أرقى صورها، وهو شرط الحرية في أصدق تجلياتها. إنه مؤشر على أن الإنسان ما زال واعيا، ما زال يواجه إمكاناته وما زال يتحمل مسؤولياته، وأنه قادر على خلق معنى لحياته في عالم غير مضمون، وفي مواجهة أسئلة مستمرة حول الحرية والاختيار والمسؤولية والوجود. القلق في جوهره، هو علامة على حضور الذات، وعلى وعي الإنسان بالحرية، وعلى إمكانية تحقيق الأخلاق في أعمق مستوياتها، وهو بذلك ليس عائقا، بل بوابة لتجربة الإنسان الأكثر أصالة وصدقا.

***

د. حمزة مولخنيف

كيف يُعاد تشكيل الوعي في المجتمعات المعاصرة؟

أصبح من الصعب تصور الوعي البشري في وقتنا هذا بمعزل عن القوى المؤثرة التي تشكله، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم تقنية. فالوعي لم يعد ظاهرة طبيعية تتشكل وفق الخبرة الفردية والتأمل الذاتي فقط، بل أصبح خاضعا لشبكات معقدة من المعرفة والسلطة والتقنية، حيث تتداخل هذه القوى لتعيد إنتاج الواقع الاجتماعي والفكري. إن فهم هذه العلاقة يتطلب تجاوز النظر إلى المعرفة كموضوع ثابت، والاعتراف بأن كل معرفة تحمل في طياتها إمكانيات القوة والسيطرة، كما أشار ميشيل فوكو حين قال: "السلطة ليست مجرد تقييد أو إكراه، بل هي إنتاج للمعرفة، وتحديد لما يُعتبر حقيقة". في ضوء هذا التصور، لا تعود المعرفة مجرد أداة لتفسير العالم وفهمه، بل تتحول إلى آلية للهيمنة وتوجيه الوعي والتحكم في تمثلات الأفراد والجماعات وإدراكاتهم. حيث تلعب التقنية دور الوسيط الأساسي بين المعرفة والسلطة، فهي لا تقتصر على كونها أداة لنقل المعلومات، بل تتحول إلى جهاز يعيد صياغة المحتوى المعرفي وتوجيه الانتباه الفردي والجماعي. هانز مورافياك أشار إلى أن "الأدوات التي نستخدمها لتوسيع قدراتنا المعرفية ليست محايدة، بل تمثل نمطا محددا من التفكير يفرض نفسه على المستخدم". هذا الواقع يتجلى بوضوح في استخدام الخوارزميات التي تتحكم في ترتيب الأخبار والمحتوى على شبكات التواصل الاجتماعي، إذ تحدد هذه الخوارزميات ما يصل إلى وعي المستخدم وما يُستبعد منه، وتعيد إنتاج أنماط التفكير والسلوك الجمعي وفق منطق تقني خاضع للمعايير الاقتصادية والسياسية. وهنا يبرز السؤال الفلسفي: كيف يمكن للوعي أن يظل مستقلاً في مجتمع تُسيطر فيه التقنية على إنتاج المعرفة، وتتشابك فيها السلطة السياسية والاجتماعية لإعادة تشكيل تصورات الأفراد وسلوكياتهم؟.

لا يقتصر التأثير على المحتوى المعلوماتي فحسب، بل يتعداه إلى تشكيل إدراك الإنسان للعالم والذات. الشبكات الاجتماعية، والخوارزميات التي تديرها، تفرض أنماطا من الانتباه والاعتماد النفسي، بحيث يصبح الفرد غير واعٍ تماما للتأثيرات التي يمارسها النظام الرقمي على إدراكه. هنا تتجلى نظرية فوكو حول السلطة والمعرفة في أبعادها الرقمية، إذ تتحول المعرفة إلى قوة لا يقتصر تأثيرها على ما يُعرف، بل على كيفية الإحساس والمعاملة والتفاعل مع الواقع. ويصبح الوعي الجمعي ساحة صراع مستمر بين قوى متعددة تحاول توجيه المعلومات، وتشكيل الأولويات، وتحديد ما هو مهم وما هو هامشي.

إذا تأملنا، نجد أن إعادة إنتاج الوعي في هذا السياق تخضع لثنائية مزدوجة: أولاً، هناك ضغط معرفي لتحديد ما يُعتبر حقيقة وما يُعتبر وهما أو تضليلا، وثانياً، هناك ضغط تقني لتوجيه الانتباه وتشكيل الانفعالات والممارسات. هربرت ماركوزه وصف هذا التحكم الحديث بأنه لا يعتمد على القهر المباشر فقط، بل على القدرة على تشكيل الاحتياجات والرغبات والعواطف، مما يجعل إعادة تشكيل الوعي عملية تتجاوز الفكر لتطال المشاعر والسلوكيات أيضا. ويصير الفعل الرقمي اليوم جزءا من بنية السلطة، حيث تتشابك التقنية والسياسة لإعادة إنتاج الواقع الاجتماعي والفكري، ويصبح كل فرد موضوعا ضمن شبكة علاقات معقدة تحدد إدراكه وتصرفاته.

تتجلى أهمية التأويل النقدي للمعرفة والوعي في كونه أداة لكشف المعاني المضمرة التي تنطوي عليها أشكال إنتاج المعنى المعاصرة. وقد نبّه بول ريكور إلى أن «التأويل هو ما يمنح النصوص والظواهر دلالتها»، غير أن مجال التأويل لم يعد محصورا في النصوص الكلاسيكية، بل امتد ليشمل المعطيات الرقمية والخوارزميات. ويغدو من اللازم إخضاع المعرفة الرقمية لممارسة تأويلية نقدية، ذلك أن كل خبر وكل آلية لترشيح المحتوى وكل توصية تنتجها النظم الرقمية تنطوي على إمكانات للنفوذ والتوجيه. ومن ثمّ، يصبح الوعي النقدي مطالبا بتفكيك الأبعاد الخفية للسلطة الممارسة عبر هذه الوسائط، والتمييز بين الحقيقة والمعالجة التوجيهية للبيانات.

يتحول التأمل النقدي إلى فعل مقاومة معرفية، يمكّن الوعي من استعادة قدر من استقلاليته في مواجهة الضغوط التقنية والسياسية والاجتماعية. إضافة إلى ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي يشكل مثالا واضحا على إعادة تشكيل المعرفة والوعي. فالنماذج اللغوية وأنظمة التوصية وتقنيات التعلم الآلي لا تُنقل المعلومات فقط، بل تعيد إنتاجها وفق معايير محددة، وتفرض على المستخدمين أنماطا معرفية متكررة تتفق مع أهداف النظام الاقتصادي أو السياسي. هذه الظاهرة تذكرنا بما وصفه أورويل بـ"الحقيقة المرنة"، حيث لا يتم تحديد الحقيقة بمعزل عن السلطة التي تتحكم في إنتاج المعلومات. وإذا كانت السلطة في الماضي تستخدم المعرفة لتوجيه السلوك الاجتماعي عبر التعليم أو الإعلام التقليدي، فإنها اليوم تتسلح بالقدرة التقنية على تحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بالتصرفات والتأثير في الانتباه الجمعي. ومع ذلك، لا تعني الهيمنة التقنية أن إمكان المقاومة الفكرية قد انتفى. فالوعي النقدي كما يتجلى في تقاليد التحليل الفلسفي، يظل قادرا على تفكيك الآليات التي تضبط إنتاج المعرفة وتوجيهها، واستثمار الهوامش التي تتركها التقنية لإعادة بناء المعرفة وفق معايير الحرية والاستقلالية. وقد أشار والتر بنيامين إلى أن «التاريخ ليس سوى تراكم للحظات يمكن للوعي النقدي إعادة تشكيلها»، وهي فكرة تنطبق على علاقتنا بالبيانات الرقمية والخوارزميات، حيث تغدو لحظة الهيمنة ذاتها مجالا ممكنا للتأمل والمقاومة الفكرية عبر الفهم النقدي لآلياتها.

 يتبدّى دور الفلسفة بوصفها «نور العقل» الذي يهدي الوعي وسط العتمة التي تخلّفها تداخلات السلطة والتقنية، وذلك انسجاما مع التصور الكانطي الذي يجعل من العقل النقدي شرطا لمواجهة الهيمنة والمعرفة الموجَّهة. ولقد أضافت العولمة الرقمية بُعدا جديدا إلى هذه المعادلة، إذ لم تعد المعرفة محصورة في أطر جغرافية أو ثقافية محددة، بل أصبحت خاضعة لتأثير قوى عابرة للحدود تتحكم في تدفّق المعلومات وتوجيهها. فالشبكات الرقمية، والخوارزميات التي تديرها الشركات الكبرى والمنصات التعليمية والإعلامية، باتت جميعها تحدد ما يصل إلى الفرد، وشروط تلقيه للمعرفة وأنماط تفاعله معها. ويغدو من الضروري فهم الوعي الجمعي بوصفه نتاجا لتفاعل معقّد بين الفرد والمؤسسات والتقنية والسياسة، بحيث يستحيل فصل أحد هذه العناصر عن الآخر. إذ يعيد هذا التصور إلى الأذهان أطروحة جورج زيميل القائلة بأن «الحياة الاجتماعية شبكة من التفاعلات التي تُشكِّل الوعي والمعرفة»، وهي رؤية أساسية لفهم إشكالات المعرفة في العصر الرقمي، حيث لا يمكن تحليل الوعي بمعزل عن سياقاته التقنية والاجتماعية والسياسية.

وفي ضوء كل ما سبق، يصبح من الواضح أن إعادة تشكيل الوعي ليست مجرد تأثير سلبي للسلطة والتقنية، بل هي أيضا فرصة للتأمل النقدي، ولتطوير أدوات مقاومة تمكن الأفراد من استعادة استقلاليتهم الفكرية. إن التقنية رغم ما تحمله من هيمنة، توفر إمكانيات لفهم الواقع بشكل أعمق وتحليل المعلومات، وإعادة إنتاج المعرفة وفق معايير حرية وانتقاد. هنا تتجلى أهمية الفلسفة النقدية، التي تمنح العقل أدوات التأمل والتحليل، وتمكن الوعي من مواجهة الضغوط التقنية والسياسية، واستثمار الإمكانيات التي توفرها التقنية لإعادة صياغة المعرفة وإنتاج وعي مستقل.

إن العلاقة بين المعرفة والسلطة والتقنية تتشكل اليوم كمجال مركب من التفاعلات المعرفية والاجتماعية والسياسية، حيث لا يمكن لأي دراسة للوعي أن تغفل أي عنصر من هذه العناصر. فالوعي لم يعد مجرد إدراك للمعلومات أو الخبرة، بل هو إنتاج مستمر في سياق الشبكات التقنية والسياسية والاجتماعية، وهو مشروع نقدي مستمر لإعادة التأويل والتحليل، وإعادة إنتاج المعرفة بمعايير حرية واستقلالية.

في الامتداد العميق لهذا الأفق التحليلي، يتبيّن أن الوعي المعاصر لا يُعاد تشكيله فقط من خلال مضامين المعارف التي يتلقّاها، بل أساسا عبر الشروط غير المرئية التي تُنتَج في ظلها هذه المعارف وتُنظَّم وتُكسى بطابع المعقولية والشرعية. فالمعرفة في المجتمعات الحديثة لم تعد تُقاس بقيمتها الحقيقة فحسب، بل بمدى قابليتها للاندماج داخل منظومات تقنية واقتصادية تحدد سلفا ما يُتاح للرؤية وما يُحجب، وما يُفكَّر فيه وما يُقصى. وما نشهده اليوم هو انتقال دقيق من سلطة الخطاب إلى خطاب السلطة، حيث لم تعد الهيمنة في حاجة إلى ممارسة الإكراه المباشر، لأنها تنجح في جعل أنماط معينة من التفكير تبدو بديهية وطبيعية، بينما تُهمَّش أنماط أخرى أو تُوصَم باللاعقلانية أو بعدم الواقعية. تتشكل التقنية أكثر من مجرد وسيط محايد، وتتحول إلى بنية أنطولوجية تعيد تشكيل علاقتنا بالزمن والمعنى والذات. فالخوارزميات التي تنظّم تدفّق المعلومات لا تكتفي بتسريع الوصول إلى المعرفة، بل تعمل على إعادة صياغة أفق التوقّع نفسه، دافعةً الوعي إلى الارتهان لحاضر دائم، مثقل بالتحديث المستمر، ومفتقر إلى تلك المسافة التأملية التي شكّلت شرطًا جوهريا لممارسة الفكر النقدي. وقد تنبّه هايدغر في تحليله للتقنية، إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الآلة ذاتها، بل في الكيفية التي تجعل بها التقنية العالم «موردا» والإنسان «قابلا للتوظيف»، أي عنصرا داخل منظومة حسابية شاملة. ويكتسب هذا التحليل راهنيته اليوم في عالم تُقاس فيه قيمة المعرفة بمدى قابليتها للتحليل والتنبؤ والاستثمار.ومع سيادة منطق البيانات، يتحول الوعي إلى موضوع للقياس والتوقع، لا للفهم والتأمل. فالسلوك الإنساني الذي كان يُنظَر إليه باعتباره تعبيرا عن حرية وإرادة، أصبح يُختزل في أنماط إحصائية تُغذّي أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتُستخدم في توجيه القرارات الاقتصادية والسياسية والإعلامية. هنا يتجلى شكل جديد من السلطة، سلطة لا تأمر ولا تنهى، بل “توصي” و“تقترح” و“تُفضِّل” وتنجح، عبر هذه الليونة الظاهرية في التأثير العميق في اختيارات الأفراد. إن ما يبدو حرية في الاختيار يخفي في طياته توجيها ناعما، يجعل الفرد يعتقد أنه يقرر بنفسه، بينما هو يتحرك داخل مسارات مُعدة سلفا.

هذا التحول يعيد إلى الواجهة سؤال الحرية، لا بوصفها قدرة مجردة على الاختيار، بل بوصفها وعيا بالشروط التي يُمارَس فيها هذا الاختيار. فالحرية في ظل هيمنة التقنية، لم تعد تُهدَّد بالقمع المباشر، بل بالتشبع المفرط بالمعلومات وبالتوجيه الخفي للانتباه. وقد عبّر زيغمونت باومان عن هذا الوضع حين أشار إلى أن الإنسان المعاصر يعيش في “سيولة” دائمة، حيث تختفي الثوابت، ويصبح الوعي عرضة للتشتت، فاقدا القدرة على التماسك وبناء معنى طويل الأمد. إن هذا التشتت لا يُضعف المعرفة فقط، بل يُضعف الذات ذاتها، ويجعلها عاجزة عن بناء سردية متماسكة عن نفسها وعن العالم.

غير أن هذا الوضع لا يعني نهاية الفعل النقدي، بل يفرض إعادة تعريفه. فالنقد لم يعد يقتصر على تفكيك الخطابات الأيديولوجية الصريحة، بل أصبح مطالبا بتحليل البنى التقنية التي تنتج هذه الخطابات وتُمرِّرها. إن النقد اليوم هو نقد للخوارزمية بقدر ما هو نقد للفكرة، وهو مساءلة لمنطق الترتيب والتصنيف بقدر ما هو مساءلة للمحتوى. حيث تكتسب أفكار مدرسة فرانكفورت راهنية جديدة، خصوصا في تأكيدها على أن العقل الأداتي حين ينفصل عن البعد القيمي، يتحول إلى أداة للهيمنة بدل أن يكون وسيلة للتحرر.

وتبرز أهمية الوعي التأويلي بوصفه نمطا من أنماط الوعي القادر على إبطاء الزمن، واستعادة المسافة، وطرح السؤال بدل الاكتفاء بالاستهلاك. فالتأويل كما فهمه ريكور، ليس مجرد تفسير للنصوص، بل هو فعل وجودي يُعيد للذات قدرتها على الفهم في عالم مغمور بالإشارات. إن ممارسة التأويل في العصر الرقمي تعني تفكيك ما يبدو بديهيا، والوقوف عند ما يُمرَّر بسرعة، والسؤال عن المصالح التي تقف خلف تنظيم المعرفة وتوزيعها. يغدو التأويل في هذا الأفق شكلا من أشكال المقاومة الهادئة؛ مقاومة لا ترفع صوتها، لكنها تزعزع منطق النظام بإصرارها على الفهم والتفكيك.

كما أن التعليم في سياقنا هذا لم يعد مجرد نقل للمعرفة، بل أصبح ساحة مركزية للصراع حول الوعي. فالنماذج التعليمية التي تكرس التلقي السريع، والمهارات القابلة للتوظيف فقط، تُسهم في إنتاج وعي أداتي، ينسجم مع منطق السوق والتقنية، لكنه يفتقر إلى العمق النقدي. في المقابل، يظل التعليم الفلسفي والإنساني عموما، أحد آخر الحصون التي يمكن أن تُنَمِّي القدرة على السؤال، وعلى التفكير في شروط المعرفة ذاتها. وقد كان كانط محقا حين ربط التنوير بجرأة استعمال العقل، لأن هذه الجرأة هي ما يتعرض اليوم للتآكل في ظل أنظمة معرفية تُكافئ الامتثال أكثر مما تُكافئ التساؤل.

ولا يمكن إغفال البعد السياسي لهذه التحولات، إذ إن إعادة تشكيل الوعي لا تتم في فراغ، بل في سياق صراعات على السلطة والنفوذ. فالمعرفة التي تُنتجها التقنية تُستخدم في إدارة السكان وتوجيه الرأي العام، وإعادة رسم الحدود بين المقبول والمرفوض. وهنا يعود فوكو ليذكرنا بأن السلطة الحديثة لا تعمل عبر المنع، بل عبر التنظيم، وأن أخطر أشكالها هي تلك التي تنجح في جعل الأفراد يراقبون أنفسهم بأنفسهم. وفي العالم الرقمي تتخذ هذه المراقبة شكلا داخليا، حيث يصبح الفرد شريكا في إنتاج البيانات التي تُستخدم لاحقا في توجيهه، في مفارقة تكشف عن عمق التداخل بين الحرية والسيطرة.

إن الوعي ليس صفحة بيضاء تُكتب عليها السلطة ما تشاء. فداخل كل منظومة هيمنة توجد إمكانيات للتصدع ومساحات للتفكير المختلف. إن التجارب النقدية والحركات الفكرية وحتى الممارسات الفردية البسيطة التي تُعيد الاعتبار للبطء والقراءة العميقة والحوار، كلها تشكل نقاط مقاومة في وجه التسطيح المعرفي. وقد أدرك بنيامين في تأملاته حول الحداثة، أن الخلاص لا يأتي من التقدم التقني ذاته، بل من الوعي الذي يرافقه، ومن القدرة على التقاط “اللحظة الحرجة” داخل سيرورة التاريخ.

يتضح أن السؤال عن المعرفة بين السلطة والتقنية هو في جوهره سؤال عن مصير الإنسان ذاته. فإما أن يتحول الوعي إلى مجرد وظيفة ضمن منظومة تقنية كبرى، وإما أن يستعيد دوره بوصفه قدرة على الفهم والنقد وإنتاج المعنى. وإن الرهان الفلسفي اليوم لا يكمن في رفض التقنية بل في تحرير العلاقة بها، وفي إعادة توجيه المعرفة نحو خدمة الإنسان لا اختزاله. وهنا تظل الفلسفة رغم كل شيء ممارسة ضرورية، لا لأنها تقدم أجوبة نهائية، بل لأنها تُبقي السؤال مفتوحا، وتُذكِّر الوعي بأنه لا يزال قادرا على التفكير، حتى في أكثر الأزمنة تشبعا بالسلطة والتقنية.

يتواصل هذا المسار التحليلي حين ننتبه إلى أن إعادة تشكيل الوعي لا تشتغل فقط على مستوى البنى الكبرى للمعرفة والتقنية والسلطة، بل تنفذ بعمق إلى التجربة اليومية للفرد وإلى أبسط تفاصيل العيش، حيث يتشكل الإحساس بالذات والعالم في تداخل خفي بين ما هو تقني وما هو رمزي. فالوعي المعاصر لا يُدار من فوق فقط، عبر مؤسسات أو أنظمة واضحة المعالم، بل يُعاد إنتاجه من الداخل، من خلال العادات الرقمية والإيقاعات السريعة، وأنماط الاستهلاك المعرفي التي تجعل الفرد مشاركا فعليا في إعادة إنتاج الشروط التي تُقيده. هنا تتجلى إحدى أخطر مفارقات الحداثة التقنية حيث أن السيطرة لم تعد خارجية بالكامل، بل أصبحت متجذرة في أساليب العيش نفسها، بحيث يصعب التمييز بين ما نختاره بحرية، وما يُختار لنا باسم الراحة والكفاءة والسرعة.

يكتسب مفهوم “الذات” دلالة جديدة، إذ لم تعد الذات مركزا متماسكا للوعي، كما تصورتها الفلسفات الكلاسيكية، بل أصبحت ذاتا موزعة، متشظية عبر حسابات ومنصات وفضاءات افتراضية متعددة. هذا التشظي لا يعني فقط تعدد الهويات، بل يعني أيضا فقدان العمق الزمني الذي يسمح ببناء معنى متماسك للخبرة. فالزمن الرقمي القائم على التحديث المستمر والتدفق اللامتناهي، يضعف القدرة على التراكم، ويجعل الوعي يعيش في آنٍ دائم، بلا ذاكرة عميقة ولا أفق انتظاري واضح. وقد نبّه بول فيريليو إلى أن تسارع الزمن التقني لا يغير فقط إيقاع الحياة، بل يغير بنية الإدراك ذاته، بحيث يصبح التفكير العميق عبئا والبطء نوعا من المقاومة غير المعلنة.

هذا التحول في بنية الزمن ينعكس مباشرة على المعرفة التي تفقد طابعها التكويني لتتحول إلى معلومات عابرة، قابلة للاستهلاك والنسيان السريع. المعرفة لم تعد تجربة تُغيّر الذات، بل مادة تُستخدم ثم تُستبدل، وهو ما يفرغها من بعدها الوجودي والأخلاقي. هنا يمكن استحضار نقد نيتشه للمعرفة التي لا تُهضَم، تلك التي تتراكم دون أن تتحول إلى قوة حياة، بل تثقل الوعي وتُضعف القدرة على الفعل. ففي المجتمع المعاصر لا تكمن المشكلة في نقص المعرفة، بل في فائضها غير المُؤوَّل الذي يغمر الوعي دون أن يمنحه معنى.

ومع هذا الفائض تتعزز أشكال جديدة من السلطة، سلطة لا تحتاج إلى فرض الصمت، لأنها تغرق الأصوات في الضجيج ولا تحتاج إلى إخفاء الحقيقة، لأنها تذيبها في تعدد الروايات. إن الوعي في مثل هذا السياق لا يُقمع بل يُستنزف ويُستبدل الفعل النقدي بردود أفعال سريعة وانفعالات لحظية تُدار بدقة عبر تقنيات توجيه الانتباه. وقد أشار غي ديبور في حديثه عن “مجتمع الفرجة”، إلى أن الواقع لا يُلغى، بل يُستبدل بتمثيلاته، بحيث يعيش الإنسان في عالم من الصور التي تحجب العالم بدل أن تكشفه. هذا التحليل يزداد راهنية اليوم حيث لا يعود السؤال: ماذا نعرف؟ بل: كيف نرى ما نعرف؟ ومن يحدد إطار الرؤية ذاته؟.

غير أن هذا الوضع لا يلغي إمكان بناء وعي مختلف، بل يفرض شروطه الصعبة. فالوعي النقدي في العصر التقني لا يمكن أن يكون وعيا بريئh أو بسيطا، بل هو وعي مركب يدرك أنه يتحرك داخل شبكات من السلطة والمعرفة، وأن كل موقف يتخذه مشروط بسياقات أوسع. هذا الإدراك لا يؤدي بالضرورة إلى الشلل، بل يمكن أن يكون مصدرا لتحرر نسبي، قائم على الفهم بدل الوهم. فكما أن التقنية تُستخدم للسيطرة، يمكن استخدامها أيضا للكشف، وكما أن المعرفة تُوظف للهيمنة، يمكن إعادة توجيهها نحو مساءلة هذه الهيمنة ذاتها.

يصبح الفعل الفلسفي أقرب إلى ممارسة يقظة دائمة، لا تبحث عن يقين نهائي، بل عن وضوح نقدي. الفلسفة هنا لا تنافس التقنية في السرعة أو الكفاءة، بل تقدم ما تعجز عنه وهو القدرة على التوقف، على طرح السؤال غير النافع، وعلى التفكير في ما لا يُقاس. وهذا ما يجعلها ضرورية لا بوصفها خطابا نخبويا بل كأفق مقاومة رمزية، يحفظ للإنسان حقه في ألا يُختزل إلى معطى أو رقم أو نمط سلوكي. لقد كان سقراط في محاكمته، يمثل خطرا لأنه كان يُزعج النظام عبر الأسئلة، لا عبر الشعارات، وهذا الدور يظل جوهريا اليوم، وإن تغيرت أشكال السلطة.

كما أن إعادة التفكير في الوعي تقتضي إعادة النظر في علاقتنا بالحقيقة. فالحقيقة في المجتمعات المعاصرة، لم تعد تُرفض صراحة، بل تُعاد صياغتها باستمرار، بحيث تفقد قدرتها على الإلزام. تتجاور الحقائق مع الآراء والمعرفة مع الانطباعات في فضاء واحد، دون معايير واضحة للتمييز. هذا الوضع لا ينتج تعددية صحية بالضرورة، بل قد يؤدي إلى نسبية مفرغة، تُضعف الثقة في إمكان المعرفة ذاتها. وهنا يبرز التحدي الفلسفي: كيف يمكن الدفاع عن الحقيقة دون الوقوع في الدوغمائية؟ وكيف يمكن ممارسة النقد دون السقوط في العدمية؟ إن الجواب لا يكمن في العودة إلى يقينيات مغلقة، بل في بناء عقل نقدي قادر على التمييز، وعلى تحمل مسؤولية الحكم.

وفي قلب هذا كله، تظل مسألة المعنى هي الرهان الأعمق. فإعادة تشكيل الوعي ليست فقط مسألة سلطة أو تقنية، بل مسألة معنى: معنى العيش، ومعنى المعرفة، ومعنى أن يكون الإنسان إنسانا في عالم قابل للحساب إلى أقصى حد. التقنية قادرة على الإجابة عن سؤال “كيف”، لكنها عاجزة عن الإجابة عن سؤال “لماذا”، وهنا يتحدد مجال الفلسفة، لا كبديل عن العلم، بل كفضاء يسائل غاياته وحدوده. إن الوعي الذي لا يسأل عن المعنى، حتى وهو يمتلك معلومات هائلة، يظل وعيا ناقصا قابلا للتوجيه والاستعمال.

إن إعادة تشكيل الوعي في المجتمعات المعاصرة ليست قدرا محتوما في اتجاه واحد، بل صراع مفتوح بين قوى الاختزال وقوى الفهم، بين منطق السيطرة ومنطق المعنى. هذا الصراع لا يُحسم دفعة واحدة، ولا على مستوى الخطابات الكبرى فقط، بل في التفاصيل اليومية: في طريقة القراءة وفي نوع الأسئلة المطروحة وفي القدرة على الإصغاء، وفي الشجاعة على التفكير خارج الإيقاع السائد. إن هذه الممارسات الصغيرة المتواضعة في ظاهرها، تشكل في عمقها نواة وعي مختلف، وشرطا لإمكانية الحرية. ويتبين أن المعرفة حين تنفصل عن النقد تتحول إلى أداة سلطة، وأن التقنية حين تنفصل عن المعنى تتحول إلى قدر أعمى. أما الوعي فلا يحفظ إنسانيته إلا بقدر ما يظل يقظا قلقا غير مكتفٍ بما يُقدَّم له من إجابات جاهزة. في هذا القلق، لا بوصفه ضعفا بل شرطا للفكر، يكمن أفق مقاومة هادئة طويلة النفس لا تعد بالخلاص السريع، لكنها تُبقي الإنسان في صلة حية بذاته وبالعالم.

***

د. حمزة مولخنيف

لم يكن السؤال الفلسفي في جوهره العميق، مجرد أداة معرفية لاستجلاء المجهول أو آلية ذهنية لملء فراغات الجهل، بل كان دوما علامة على قلقٍ أنطولوجيّ أصيل، وعلى توترٍ خلاق بين الإنسان والعالم وبين الوعي وما يتفلّت عنه وما يُعاش وما يُفكَّر فيه. لذلك فإن التساؤل عن إمكان السؤال الفلسفي اليوم لا يُحيل فقط إلى وضعية الفلسفة داخل منظومة المعرفة المعاصرة، بل يطال مصير الذات المفكِّرة نفسها داخل عالم يتسم بالسرعة والتشظي والانغمار الدائم في الحاضر اللحظي. فالسؤال هنا ليس تقنيا ولا بيداغوجيا، بل هو سؤال عن شروط التفلسف بوصفه نمطا في الوجود قبل أن يكون ممارسة فكرية.

لقد نشأ السؤال الفلسفي تاريخيا في فضاء التمهّل والدهشة، كما عبّر عنه أرسطو حين جعل من التعجب مبدأ التفلسف، والدهشة لا تُختزل في انفعال عابر، بل هي تعليقٌ مؤقت للمألوف، ومسافة نقدية بين الذات والعالم، حيث تسمح للرؤية بأن تتجاوز سطح الظواهر. غير أن العالم المعاصر كما يصفه هارتموت روزا هو عالم التسارع الشامل، حيث لم تعد الأشياء تُعاش بعمق بل تُستهلك بسرعة، ولم يعد الزمن فضاءً للتراكم الوجودي، بل سلسلة من اللحظات المتجاورة التي لا تترك أثرا. يبدو السؤال الفلسفي غريبا، بل معطِّلا لإيقاع الحياة السائد، لأنّه يتطلب الصمت والتريث والتردد، وكلها قيم أصبحت تُقابل بالريبة داخل منطق النجاعة والإنجاز.

ومع ذلك فإن إعلان موت السؤال الفلسفي سيكون تسرعا لا يقل سطحية عن السرعة التي ينتقدها. فالفلسفة كما يذكّرنا كانط ليست نسقا من الأجوبة الجاهزة، بل هي ممارسة دائمة للسؤال النقدي، ومساءلةٌ لحدود العقل وشروط إمكان المعرفة ومعنى الفعل وأفق الأمل. وإذا كان العالم قد تغيّر، فإن أشكال القلق الإنساني لم تختف، بل ربما ازدادت حدّة وتعقيدا. إنّ الإنسان المعاصر رغم فائض المعلومات، يعيش مفارقة الفقر المعنوي، ويعاني من اغترابٍ جديد لا ينتج عن القهر المباشر بل عن التشتت وفقدان المعنى والتماهي مع أنماط حياة لا يُسائلها.

إن السؤال الفلسفي اليوم لا يُلغى بوفرة الأجوبة التقنية، لأن هذه الأخيرة تعالج كيف نعيش لا لماذا نعيش ولا بأي معنى. وقد نبّه هايدغر إلى هذا الخلل حين فرّق بين التفكير الحِسابي والتفكير التأملي، معتبرا أن سيادة الأول لا تعني اكتمال العقل، بل ربما دلالته على نسيان السؤال عن الوجود. فالعالم السريع لا يُقصي السؤال الفلسفي فحسب، بل يُنتج نمطا من الوعي المبتور، الذي يتعامل مع الوقائع دون مساءلة أفقها، ومع المعطيات دون تفكير في دلالاتها. وهنا يبرز الفرق بين الفكر الفلسفي كعملية نشيطة وبين المعرفة كحاصل صرف، إذ الأولى تفكك الافتراضات، والثانية قد تعيد إنتاجها بطريقة تلقائية.

لكن السؤال الجوهري يظل متعلقا بإمكان نشوء السؤال الفلسفي داخل هذا السياق، لا بوصفه ترفا ثقافيا، بل كضرورة وجودية. إن الفلسفة لم تكن يوما ابنة المؤسسات وحدها، بل هي قبل ذلك انبثاقٌ فردي من تجربة العيش، من الصدمة ومن الفقد ومن الإحساس باللاجدوى أو التناقض. ولعل ما يتغير اليوم ليس الحاجة إلى السؤال بل أشكال التعبير عنه ومسالك ظهوره وفضاءات تداوله. فالسؤال الفلسفي قد يغادر المدرّجات الأكاديمية ليظهر في أشكال أدبية أو فنية أو نقدية دون أن يفقد جوهره. بل ربما يجد في هذه الأشكال الجديدة حرية أوسع للتجربة الفلسفية، إذ لم يعد مقيدا بقوالب منهجية جامدة، بل بالقدرة على إعادة صياغة المعنى في كل مرة.

غير أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في تحوّل أشكال التفلسف، بل في تطبيع اللامساءلة، وفي تحويل الفكر إلى وظيفة، واللغة إلى أداة تواصل فارغة من الكثافة الدلالية. وقد نبّه أدورنو إلى أن أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي تُمارَس بالقوة، بل تلك التي تجعل الأفراد يقبلون بالواقع كما هو، دون مقاومة فكرية. وهنا يصبح السؤال الفلسفي فعل مقاومة صامتة، لا ضد سلطة سياسية بعينها، بل ضد تسطيح الوجود، وضد اختزال الإنسان في مستهلك أو رقم أو ملف. فالفلسفة ليست فقط تأملاً نظريا، بل فعلا يوجّه النظر إلى ما يمكن تغييره في العلاقة بين الذات والعالم، بين الفرد والمجتمع والمعنى والزمان.

إنّ السؤال الفلسفي الممكن اليوم ليس هو السؤال الكلاسيكي نفسه، ولا هو استعادة حنينية لصيغ ماضية، بل هو سؤال يعيد التفكير في شروطه ويُراجع لغته ويُدرك محدوديته دون أن يتنازل عن جرأته. وقد أشار بول ريكور إلى أن الفلسفة الحيّة هي التي تقبل بالهشاشة، وتشتغل داخل التوتر بين الشكّ والإيمان بالمعنى والنقد والتأويل. فالسؤال لا يعيش إلا داخل هذا التوتر، لا في يقين مغلق ولا في نسبية عدميّة. والأهم أن هذا التوتر لا يضعف الفلسفة، بل يمنحها طاقتها الدائمة على إعادة فتح المسائل من جديد، وإعادة تشكيل الأسئلة التي تُعدُّ جوهر أي حياة فكرية نشطة. كما أنّه يسمح بمساءلة الأنظمة الفكرية والاجتماعية التي يمكن أن تُغلق إمكان التفكير، ويمنح الفيلسوف القدرة على الانتقال من السطحيات إلى الجوهر، ومن العملي إلى القيمي، ومن المعرفة إلى الوعي النقدي.

كما أن إمكان السؤال الفلسفي اليوم مرتبط بإعادة الاعتبار للذات المفكِّرة، لا باعتبارها مركزا مطلقا، بل باعتبارها كائنا متناهيا تاريخيا منخرطا في العالم. وهنا يكتسب السؤال بعدا أخلاقيا، لأنّه ليس فقط طلبا للمعرفة، بل تحمّلا لمسؤولية التفكير. وقد كتب ليفيناس أن السؤال عن الآخر يسبق السؤال عن الذات، لأن التفلسف الحقيقي يبدأ حين ينكسر الاكتفاء بالنفس، وحين يُستدعى الضمير قبل المفهوم. ومن هنا نفهم أن التفلسف المعاصر حتى في زمن الانغماس في التقنية لا يفقد أهميته، بل يصبح أكثر حساسية تجاه ما يمكن أن يُغفل في حياتنا اليومية من أبعاد أخلاقية وإنسانية. فالوعي بالآخرين وبالفضاء الاجتماعي المحيط هو ما يمنح الفلسفة أهميتها الحية، ويجعل من السؤال الفلسفي فعلا حيويا يتجاوز حدود الذات إلى العالم، إلى القيم المشتركة وإلى المعنى العميق للوجود الإنساني.

وفي عالم تُهيمن عليه الخوارزميات وتُوجَّه فيه الرغبات وتُصاغ فيه الاختيارات، يبدو السؤال الفلسفي كفعل تحرير بطيء لا يعد بالحلول، بل يفتح أفقا للتفكير المختلف. إنّه لا ينافس العلوم ولا التقنية، بل يرافقها نقديا، ويكشف افتراضاتها المضمَرة وحدودها الصامتة. وقد أكّد يورغن هابرماس أن العقل الأداتي حين ينفصل عن العقل التواصلي، يُنتج تشوهات في الفعل الاجتماعي، وهنا تتجدد وظيفة الفلسفة بوصفها حارسة للمعنى. ولم يعد التفلسف يُفهم بوصفه ترفا معرفيا، بل أضحى ضرورة فكرية لفهم العالم وإعادة مساءلة موقع الذات داخله. فالفلسفة لا تقتصر على كونها بناءً نظريا أو نسقا مفاهيميا مجردا، وإنما تتجسد كممارسة فكرية نقدية تستلزم حضور الذات ويقظة الوعي، وتنهض بمسؤولية تحليل ما يشهده المجال المجتمعي من قوى سياسية واقتصادية وثقافية.

إن مصير التفلسف داخل عالم سريع بلا تأمل ليس الزوال، بل التحوّل الصعب والمؤلم. فالسؤال الفلسفي لا يُلغى، لكنه يُحاصَر، ولا يُمنع لكنه يُهمَّش، ولا يُكذَّب لكنه يُعتبر غير نافع. غير أن الفلسفة منذ سقراط، لم تُقِم وزنا لمعيار النفع المباشر، بل جعلت من إزعاج البداهات رسالتها. ولذلك فإن السؤال الفلسفي يظل ممكنا بقدر ما يظل الإنسان قادرا على التوقف، وعلى قول لا لما يُقدَّم له كأمرٍ بديهي. بل إن المسألة تتعدى الإنسان الفرد إلى المجتمعات، لأن مجتمعات بلا سؤال، أو بلا مساحة للتفلسف، معرضة لتقليص حرية التفكير، وإضعاف قدرة الثقافة على الاستمرار في مساءلة نفسها، وفي مساءلة العالم الذي تنتمي إليه. والفلسفة هنا ليست مجرد أداة نقدية، بل هي ممارسة للحياة نفسها، إذ لا يمكن للإنسان أن يعيش حياة مكتملة إذا لم يشارك في مساءلة ما يُطرح أمامه من حقائق وأوامر وقيم.

ولعل الرهان الأكبر اليوم ليس في الدفاع عن الفلسفة كمادة أو تخصص، بل في الدفاع عن الحق في السؤال، في الشك وفي التردد وفي التفكير غير السريع. إنّ التفلسف ليس امتلاكا للحقيقة بل شجاعة في مواجهتها، وهو ما يجعل السؤال الفلسفي رغم كل شيء ممكنا وضروريا، بل مصيريا في عالم فقدَ القدرة على الإصغاء إلى ذاته. يصبح التفلسف فعل مقاومة وجدلية في آن، إذ يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وعالمه والمعرفة والحياة، وبين القيم والواقع. إن هذا الضرب من التفكير عصيٌّ على الاختزال، منفرٌ بطبيعته من الإجابات الجاهزة، إذ لا يكتفي بتفكيك السطح بل ينفذ إلى العمق، ويفرض على الفيلسوف — ومن خلاله على المجتمع بأسره — أن يقف عاريا أمام الأسئلة الكبرى، بلا مواربة وبلا التفاف وبلا احتماءٍ بحلولٍ سهلة تُسكِّن القلق بدل أن تفهمه.

إن إمكانية السؤال الفلسفي اليوم تتطلب الوعي بمحدودية أدواتنا المعرفية، وبتعقيد الواقع وبتداخل المعنى بالوجود. فحتى الفلسفة التي تبدو بعيدة عن التطبيق العملي تحمل داخلها إمكانية التحرر من الأنماط المعرفية المألوفة، وتتيح إمكانية إعادة صياغة الأسئلة الكبرى حول الإنسان والمجتمع والعالم. ومن هنا يظهر أن التفلسف في زمن السرعة ليس رفاهية فكرية بل ضرورة وجودية، لأنه يواجه تحديا لم يسبق له مثيل، وهو كيف نحافظ على عمق السؤال وإمكانيته في عالم يُغرقنا في المعلومات واللحظات العابرة، وفي تقنيات توهمنا السيطرة على الواقع بينما تقطع الصلة بين الذات والمعنى؟.

ولا يمكن فهم إمكان السؤال الفلسفي اليوم بمعزل عن التحولات الكبرى التي عرفها الوعي الإنساني منذ القرن العشرين حتى اليوم. فالحداثة وما بعدها لم تُنتج تغييرات معرفية وتقنية فحسب، بل أطلقت أيضا أزمة في العلاقة بين الإنسان والزمن والإنسان والعالم، وبين الإنسان وذاته. لقد لاحظ هايدغر منذ زمن أن الإنسان الحديث أصبح غارقا في ما سماه “العقل الأداتي”، بحيث تتراجع القدرة على التفكير التأملي والتوقف عن الانجراف وراء الأحداث. والتسارع في حياة الأفراد والمجتمعات لم يعد مجرد مسألة تنظيم أو كفاءة، بل أصبح آلية تأثير على جوهر السؤال الفلسفي نفسه. فالإنسان الذي لا يتأمل، والذي لا يترك مساحة للدهشة، والذي يختزل تجربته في فعل الإنتاج والاستهلاك، لا يترك مجالا لإمكانية التفلسف، لأن التفلسف بطبيعته يتطلب حضور الذات ووعيا بالمفارقات ومقاومة للسطحية وتقبلاً للتعقيد.

وهذا يقودنا إلى رؤية أن التفلسف لم يعد مرتبطا فقط بالمعرفة النظرية أو الفلسفة الجامعية، بل أصبح اختبارا لوجود الإنسان في زمنه. فالفيلسوف المعاصر سواء أكان أكاديميا أو كاتبا أو فنانا، مطالب بأن يكون واعيا بالمحددات التاريخية والاجتماعية، وأن يدرك أن السؤال الفلسفي لا ينشأ في فراغ بل في سياق يفرض عليه الإبداع، ويضعه أمام مسؤولية التفكير النقدي. ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في مفهوم التفلسف نفسه، فهو ليس مجرد نشاط عقلي، بل ممارسة حياتية تجمع بين الفهم والنقد والإحساس، بين ما يُعرف وما يُعاش. وفي هذا الصدد، نلاحظ أن الفلسفة المعاصرة لم تعد تقتصر على مواجهة الأفكار أو النظريات السابقة، بل تمتد إلى مساءلة الطريقة التي نعيش بها، والطريقة التي نختبر بها معنى حياتنا، والعلاقات التي نبنيها مع الآخرين.

ومن منظور آخر، نجد أن إمكان السؤال الفلسفي اليوم مرتبط أيضا بالقدرة على مواجهة تضارب المعارف، والقدرة على التشكيك في “اليقينيات” التكنولوجية والعلمية والاجتماعية. فكما أشار ميشيل فوكو أن كل معرفة تحمل في طياتها شبكة من القيم والسلطات، ومن ثم فإن السؤال الفلسفي يتطلب جرأة على تحليل هذه العلاقات، وعلى كشف الافتراضات الخفية التي تتحكم في حياتنا اليومية وفي تصورنا للواقع. يغدو السؤال الفلسفي والحال هذه، أكثر من مجرد نزوعٍ إلى المعرفة، إذ يتحول إلى أداة نقدية لتحرير الفكر والمجتمع، وإلى ممارسة تأملية تعيد مساءلة معاني الحرية والمسؤولية، والإنسانية ذاتها، كما أن التفلسف المعاصر لا يمكن أن يغفل البعد اللغوي للمعرفة. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي أداة تشكيل للواقع، وأداة للتفكير النقدي. وقد بين هيجل وسوسير وأدورنو أهمية اللغة في بناء المفاهيم وفي صياغة السؤال الفلسفي. فإعادة صياغة السؤال بلغة دقيقة ومتماسكة تسمح بفتح أفق جديد للتأمل، وتكشف عن أبعاد لم تكن واضحة في البداية. وهذا يتطلب وعيا دقيقا بالعلاقات بين الكلمات والمعاني والمفاهيم والتجارب الحياتية، وبين السؤال والجواب المحتمل.

يواجه السؤال الفلسفي اليوم تحديا مزدوجا، تحدّي التسارع التقني الذي يرهق التفكير العميق ويقصيه لصالح الاستجابة الفورية، وتحدّي اللامبالاة الاجتماعية والثقافية التي تُفرغ التساؤل من قيمته وتحوّل التأمل إلى ترفٍ هامشي. ومن ثمّ لا يعود التفلسف المعاصر مجرد ممارسة فردية منعزلة، بل يغدو فعلا جماعيا، يقاس بقدرة المجتمعات على ابتكار فضاءات للحوار والتفكير النقدي، وعلى صون السؤال بوصفه عنصرا مؤسِّسا في الحياة الثقافية والفكرية. فحين يَخبو السؤال الفلسفي في مجتمع ما، تخبو معه قدرة الإنسان على مواجهة رهاناته الكبرى، وعلى وعي أبعاد وجوده في عمقها ومعناها. تتجلى أهمية الفلسفة كفضاء للتأمل النقدي، فضاء يسمح بالعودة إلى الجوهر وبإعادة تقييم القيم، وبالتفكير في مستقبل الوجود الإنساني. فالفلسفة اليوم ليست مجرد أداة نظرية، بل ممارسة عملية تهدف إلى تحرير الفكر، وإعادة تشكيل الوعي، وتوسيع قدرة الإنسان على إدراك تعقيدات العالم وحقيقة وجوده. يتخذ السؤال الفلسفي طابع الضرورة والحيوية، لكونه السبيل إلى مجابهة السطحية المتفشية، والتحرر من الخضوع الأعمى لتراكم المعلومات، واستعادة ملكة التفكير النقدي العميق التي تمنح الوعي معناه وتحرره من الاكتفاء بالتلقي. وليس بخاف أن التفلسف في العصر الحديث يكتسب بعدا وجوديا أكثر حساسية من أي وقت مضى. فالأزمات البيئية والاجتماعية والسياسية والتكنولوجية تحتم على الفيلسوف أن يتساءل عن معنى الحياة، وعن العلاقة بين الإنسان والعالم، وعن شروط العدالة والحرية، وعن أفق القيم في مجتمع معقد ومتسارع. وهذا يجعل السؤال الفلسفي ليس فقط ممكنا، بل ضروريا للبقاء الإنساني والثقافي، لأنه يتيح لنا إدراك حدود المعرفة ومواجهة المجهول والتفكير في معاني الفعل والمسؤولية.

إن التفلسف المعاصر يتجاوز الأسئلة التقليدية ليصبح وسيلة لفهم الذات والآخر والعالم بشكل متكامل، وهو بذلك يعيد تأكيد دوره الحيوي في حياة الإنسان المعاصر.

يظل التفلسف فعلا يفرض على الإنسان التأمل في ذاته، في ماضيه وفي حاضر العالم وفي المستقبل المحتمل. فالسؤال الفلسفي لا يتوقف عند حدود المعرفة النظرية، بل يتعداها إلى مساءلة التجربة الإنسانية والتفكير في القيم وفي الغاية وفي المعنى.

يبرز السؤال الفلسفي بوصفه عملية متواصلة لا تنغلق على لحظة بعينها ولا يحدّها زمن محدد، بل تمتد لتخترق كل تجربة حياتية وكل انعطاف معرفي، وكل مواجهة مباشرة مع الواقع. إن السؤال الفلسفي رغم كل تحديات العصر الحديث، لا يزال ممكنا وضروريا، بل يمثل قلب الحياة الفكرية والمعرفية، لأنه يتيح للإنسان إعادة تقييم ذاته وعلاقته بالعالم، ومساءلة الافتراضات المهيمنة، وإعادة صياغة المعنى في زمن السرعة والانغماس. فالفلسفة ليست رفاهية فكرية، ولا مجرد معرفة نظرية، بل هي ممارسة حياتية، ونمط من التفكير النقدي، ومساحة لإعادة الاتصال بالوجود.

ينهض السؤال الفلسفي بوصفه علامة حيّة على وعي الإنسان وعلى إدراكه العميق لمحدودية المعرفة، وحاجته الدائمة إلى التأمل وإلحاح البحث عن المعنى في قلب تعقيدات الحياة المعاصرة. ورغم ما يواجهه التفلسف اليوم من تحديات غير مسبوقة، فإنه يظل فعلا ممكنا لأنه يتجاوز الظرفي والعابر، ويعيد تأسيس السؤال كركن أصيل في تجربة الوجود البشري، محوّلا التفكير إلى ممارسة للمقاومة والإبداع والمسؤولية الوجودية في آن واحد.

وبذلك يكون السؤال الفلسفي ليس مجرد قضية نظرية، بل ممارسة حية وفعلا إنسانيا متجددا قادرا على مواجهة التسارع والتشتت والانغماس وإعادة الإنسان إلى ذاته، وإعادة العالم إلى أفق التأمل، وإعادة المعنى إلى مركز التجربة الإنسانية. فمصير التفلسف ليس الزوال، بل إعادة اكتشاف القوة الداخلية للسؤال، وإعادة تأسيسه في قلب حياة الإنسان وفي قلب المجتمعات، وفي قلب كل فعل فكر يهدف إلى مواجهة الواقع وفهمه بعمق ومسؤولية

***

د. حمزة مولخنيف

من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي

مقدمة: شكّل العقل والعقلانية منذ البدايات الأولى للحداثة الأوروبية ركيزة مشروعها الفكري والحضاري إلى جانب الذات والفردية، حيث تأسس المشروع الحداثي الغربي على الإيمان بقدرة العقل الإنساني على تحرير الإنسان من الوصايات الميتافيزيقية واللاهوتية، وبناء عالم عقلاني قائم على التقدم العلمي والتنظيم الاجتماعي والسياسي. ولم تكن الحداثة معطى غيبيًا أو قدرًا مفروضًا، بل تشكّلت عبر أنساق فكرية وممارسات تاريخية استمدت مشروعيتها من العقل، بعد صراع طويل مع أنماط التفكير في العصور الوسطى، تُوِّج بانتصار العقلانية الديكارتية فلسفيًا، والمنهجية التجريبية مع فرانسيس بيكون علميًا، وانتصار قيم الأنوار سياسيًا واجتماعيًا.

غير أن هذا الانتصار لم يحقق الوعود التي بشّرت بها الحداثة، إذ اقترن بتنامي مظاهر الاستعمار والعنف والتشييء وهيمنة التقنية، ما أدى إلى انحراف العقل عن مقاصده التحررية وتحوله إلى عقل أداتي يوظَّف في خدمة السيطرة والهيمنة. وقد أفضى هذا التحول إلى أزمة عميقة وضعت العقل والحداثة موضع مساءلة جذرية، ودفعت بعديد الفلاسفة إلى إعلان إفلاس المشروع الحداثي برمته.

في مقابل هذا الخطاب النقدي الجذري، يبرز مشروع الفيلسوف الألماني "يورغن هابرماس"*، الذي دافع عن الحداثة بوصفها مشروعًا لم ينته بعد، مقترحًا نموذج «العقلانية التواصلية» أفقًا نقديًا بديلًا للعقلانية الأداتية، سعيًا إلى تجاوز الأزمة دون السقوط في نزعة عدميّة أو لا عقلانية.

على هذا الأساس، تتمحور إشكالية هذا المقال حول مدى قدرة مشروع العقلانية التواصلية، كما صاغه يورغن هابرماس، على تجاوز مأزق العقل الأداتي الذي أفضى بالحداثة إلى أزمتها. على هذا الأساس يمكننا طرحه على النحو التالي: إلى أي مدى يمكن اعتبار العقل التواصلي بديلاً عقلانيًا قادرًا على تصحيح انحرافات العقل الأداتي؟  وهل يمتلك هذا البديل القدرة على إخراج الحداثة من أزمتها الضيقة؟

أولًا: هابرماس ونقد أطروحة القول المضاد للحداثة

ظلّ العقل موضع اتهام واسع في الفلسفة المعاصرة، خاصة بعد الضربات العنيفة التي وجّهها إليه كل من "نيتشه" و"فرويد" و"هيدغر"...وغيرهم، الأمر الذي جعل العقل في عصرنا الراهن موضع شك أكثر من كونه أداة لمحو الشكوك. كما لعبت المدارس والتيارات الفكرية الحديثة دورًا كبيرًا في تعميق هذا التشكيك، مثل مدرسة فرانكفورت، وتيارات ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية...وغيرها[1]

في هذا السياق، ينصّب هابرماس نفسه مدافعًا عن العقل والحداثة، لا دفاعًا ساذجًا أو تبريريًا، بل دفاعًا نقديًا يسعى إلى إنقاذ العقل من انحرافاته. فهو يرفض السمة التشاؤمية التي طبعت خطاب فلاسفة ما بعد الحداثة، ويميّز بوضوح بين نوعين من النقد: نقد أداتي للحداثة، كما مارسه فلاسفة الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت، ونقد جذري أو كلي يستهدف الأسس العقلانية للحداثة ذاتها، كما نجده لدى نيتشه، ثم عند هيدغر، وأُعيدت صياغته لدى فلاسفة الاختلاف الفرنسيين مثل "فوكو" و"دريدا" و"دولوز".

ولهذا السبب، وجّه هابرماس نقدًا لاذعًا لفلاسفة ما بعد الحداثة في كتابه "الخطاب الفلسفي للحداثة"، معتبرًا أن خطابهم ينتهي إلى نزعة لاعقلانية لأنه يستهدف مشروع الحداثة في كليته، ويعلن نهاية الأنوار. ومن هنا، نظر إلى تيار ما بعد الحداثة باعتباره مسلكًا فلسفيًا مغلوطًا، عاملا على صوغ مفهومه المعياري للحداثة اعتمادا على نظريته حول الفاعلية التواصلية[2]

وفي السياق ذاته لم يقتصر نقد هابرماس على فلاسفة ما بعد الحداثة، بل شمل أيضًا فلاسفة الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، وخاصة "هوركهايمر" و"أدورنو"، اللذين قدّما في كتابهما المشترك "جدل التنوير" نقدًا لاذعا للعقل الأنواري. ويرى هابرماس أن هذا النقد، رغم أهميته، ينتهي إلى رؤية بائسة لا تترك للعقل أي إمكانية للتحرر أو فتح أفق للخروج من الأزمة[3].

ثانيًا: هابرماس: العقل التواصلي بوصفه بديلاً عن العقل الأداتي

على الرغم من اعترافه بالجوانب السلبية التي رافقت المشروع الحداثي، لا ينزلق هابرماس نحو المواقف الراديكالية التي تدعو إلى التخلي عن العقل. بل على العكس، ينطلق من تشخيص دقيق لأزمة العقل الحديث، معتبرًا أن لا بديل عن العقل إلا العقل وبأن أصل الداء يكمن في هيمنة العقل الأداتي، أي ذلك العقل الذي اختُزل إلى أداة حسابية وتقنية لخدمة المصالح الاقتصادية والسياسية.

وفي مواجهة هذا النموذج، يقترح هابرماس تجاوز العقل الأداتي لصالح عقل تواصلي، عقل منفتح على الحوار والتفاهم بين الذوات، يقوم على الفعل التواصلي لا على السيطرة. فالعقل، في تصوره، لم يستنفد بعد كل طاقاته وإمكاناته، ولا يزال قادرًا على ممارسة نقد ذاتي يفتح له آفاقًا جديدة للخروج من حالة الأزمة والانغلاق.

الخلاصـة:

وفي الختام، بناءً على ما سبق تحليله، يمكن القول إن هابرماس يقدّم طرحًا وجيهًا حين يؤكد أن لا بديل عن العقل إلا العقل نفسه، فالمسألة لا تتعلق باستبدال العقل بشيء آخر، بل بإصلاح طريقة عمله ونقد انحرافاته. فكيف يمكن للبشرية أن تفكر أو أن تنتقد أو تؤسس قيمها خارج إطار العقل؟ وكيف يمكن مساءلة العقل باسم شيء آخر غيره؟

فالعقل، بوصفه ملكة تفكير ومفهومًا إنسانيًا كونيًا، يتجلى في ممارساتنا السياسية والاجتماعية، ولا يمكن تصور فلسفة خارج إطاره. وعليه، فإن ما ينبغي نقده وتفكيكه هو العقل الأداتي وانحرافاته، وهو ما كرّس له هابرماس مجمل مشروعه الفلسفي.

ومن هنا، يوجّه هابرماس جهده الفلسفي لإعادة الاعتبار لمشروع الحداثة وفتح آفاق جديدة تضمن له الاستمرار والتواصل. وهذا الجهد، الذي تمخّض عنه مفهوم العقلانية التواصلية، قد حقّق الانتقال الذي عجز عنه سابقوه من الفلاسفة، سواء من المدرسة النقدية أو من فلاسفة الاختلاف وما بعد الحداثة، من فلسفة الذات والوعي la philosophie sujet et de la conscience إلى فلسفة التواصل والتذاوت la philosophie de la communication et  l’intersubjectivité  ، فالعقلانية التواصلية لا تهدف إلى إلغاء العقل أو تقويضه، بل إلى إعادة توجيه عمله نحو الفضاء العمومي، حيث يصبح التفاهم، والاعتراف المتبادل، والنقاش العقلاني أساسًا لبناء علاقات اجتماعية وسياسية أكثر عدلًا وإنسانية.

ومع ذلك، لا يمكن القبول كليًا بتوصيف هابرماس لفلاسفة ما بعد الحداثة باعتبارهم رافضين للعقل على نحو مطلق. فقد أسهم فلاسفة مثل نيتشه، فوكو، هيدغر، دريدا، ودولوز في نقد الانحرافات العقلانية للحداثة، دون أن يعني ذلك خروجهم النهائي من أفق العقلانية الإنسانية. إذ إن اعتراضهم كان موجّهًا أساسًا إلى الأداء الأداتي والتقني للعقل، لا إلى العقل بوصفه قدرة إنسانية في حد ذاته.

وهو ما يجعل من العقلانية التواصلية، في النهاية ليس حلًا نهائيًا مغلقا، بل أفقًا نقديًا مفتوحًا، يُعيد للعقل قدرته على مساءلة ذاته، مع الحفاظ على إرثه واستثماره دون وهم تجاوزه.

***

 الزهرة قني - الجزائر- جامعة باتنة1

..........................

هوامش المقال:

* يورغن هابرماس (ولد سنة 1929 في دوسلدورف بألمانيا)، فيلسوف ألماني ومن أهمّ علماء الاجتماع والسياسة في عالمنا المعاصر، كما أنَّه يُعدُّ من أهمّ مُنظّري مدرسة فرانكفورت النقديَّة، اشتهر بمشروعه النقدي للحداثة ونظريته حول الفاعلية التواصلية، التي تهدف إلى تجاوز العقل الأداتي وإعادة بناء الحوار المجتمعي.

[1] - مجدي عبد الحافظ، موقع العقل في فلسفات ما بعد الحداثة، مجلة عالم الفكر، العدد 2، المجلد 41، ص 148

[2] - محمد نور الدين أفاية، في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2014م ص ص88، 89، 90.

[3] - يورغن هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، سوريا، دراسات فلسفية وفكرية، منشورات وزارة الثقافة، 1995 ص171

 

"هل يلعب المرء لعبة السلطة ويندمج في الدولة أم لا؟"1

يُعتبر نيكولاس بولانتزاس (1936-1979) أحد أبرز المنظرين الماركسيين في القرن العشرين، وخاصة في مجال نظرية الدولة الرأسمالية. تأثر بولانتزاس بالمدرسة البنيوية الماركسية، ولا سيما أعمال لويس ألتوسير، وطور نظرية تجاوزت التصورات التقليدية للدولة كأداة طبقية محايدة أو كيان مستقل. بدلاً من ذلك، رأى الدولة كـ"تكثيف مادي" لعلاقات القوى الطبقية، حيث تكون ميداناً للصراعات الاجتماعية والاقتصادية. في كتبه الرئيسية مثل القوة السياسية والطبقات الاجتماعية (1968) والدولة، القوة، الاشتراكية (1978)، يقدم بولانتزاس تحليلاً ديناميكياً للدولة في الرأسمالية المتقدمة، مع التركيز على دورها في دعم الوظائف الاقتصادية، كشف ميزان القوى بين الطبقات، التوسع البيروقراطي اللامحدود، والإمكانيات النضالية للانتقال إلى اشتراكية ديمقراطية. تأتي أهمية بولانتزاس في سياق الأزمات الرأسمالية والتحولات السياسية في السبعينيات، مثل سقوط الدكتاتوريات في أوروبا الجنوبية وصعود اليوروكوميونيزم. يرفض بولانتزاس النظريات الاقتصادوية أو الإرادوية، مؤكداً أن الدولة ليست مجرد أداة للطبقة الحاكمة، بل هي علاقة اجتماعية مشبعة بالتناقضات الطبقية. هذه الدراسة ستستعرض هذه العناصر بشكل موسع ومسترسل، مستندة إلى أعماله الرئيسية وتحليلاته للرأسمالية الاحتكارية.فماهي نظرية الدولة عند نيكولاس بولانتزاس بين دعم الوظائف الاقتصادية والكشف عن ميزان القوى والتوسع البيروقراطي غير محدود والنضال الشعبي من اجل اشتراكية ديمقراطية؟

الأسس العامة لنظرية الدولة عند بولانتزاس

يرى بولانتزاس الدولة ككيان يتجاوز التصورات التقليدية، حيث تكون "تكثيفاً مادياً لعلاقات القوى الطبقية"، متجذرة في علاقات الإنتاج والتقسيم الاجتماعي للعمل. لا تكون الدولة مستقلة عن الاقتصاد، بل تخترقها علاقات الإنتاج، مع الحفاظ على استقلال نسبي يسمح لها بتنظيم الكتلة القوية (البرجوازية) وتفكيك الطبقات المضطهدة. هذا الاستقلال النسبي ضروري للحفاظ على مصالح البرجوازية طويلة الأمد، خاصة في مراحل الرأسمالية الاحتكارية حيث تتنافس الفصائل البرجوازية (مثل الرأس المال الاحتكاري والغير احتكاري). يعتمد بولانتزاس على ماركس وغرامشي، لكنه ينتقد الرؤى الآلية، مؤكداً أن الدولة ليست "شيئاً" بل علاقة ديناميكية تشكلها الصراعات الطبقية. في سياق الرأسمالية المتقدمة، تتغير الدولة من دولة ليبرالية محدودة إلى دولة احتكارية موسعة، حيث تتدخل مباشرة في الإنتاج والاستهلاك الجماعي. هذا التغيير يعكس تحولات في ميزان القوى، حيث تصبح الدولة ميداناً للتناقضات بين الطبقات، مما يفتح إمكانيات للنضال الشعبي. ومع ذلك، يحذر بولانتزاس من الوهم الإصلاحي أو الثوري البسيط، داعياً إلى استراتيجية تجمع بين الديمقراطية التمثيلية والمباشرة.

دعم الوظائف الاقتصادية للرأسمالية

يؤكد بولانتزاس أن الدولة الرأسمالية تلعب دوراً حاسماً في دعم الوظائف الاقتصادية الأساسية للرأسمالية، مثل تراكم الرأس المال، استخراج الفائض القيمي، وإعادة إنتاج قوة العمل، لكن هذا الدعم ليس محايداً بل موجهاً سياسياً نحو هيمنة الرأس المال الاحتكاري. في الرأسمالية الاحتكارية، تتدخل الدولة مباشرة في الإنتاج من خلال الإعانات، الاستثمارات العامة، والتخطيط الاقتصادي، مما يساعد في مواجهة انخفاض معدلات الربح وإدارة التراكم الزائد. على سبيل المثال، تقوم الدولة بإدارة الاستهلاك الجماعي مثل النقل، الإسكان، والرعاية الاجتماعية، مما يعزز الإنتاج النسبي للفائض القيمي عبر تكثيف الاستغلال، ويخفي هذا الاستغلال تحت غطاء "المصلحة العامة"، لكنه يوفر أساساً مادياً للتوافق مع الطبقات المضطهدة. في "الدولة، القوة، الاشتراكية"، يوضح بولانتزاس أن "الدولة لا تكتفي بإعادة إنتاج الشروط الخارجية العامة للإنتاج... بل تدخل في تشكيل علاقات الإنتاج نفسها"، خاصة في الرأسمالية الاحتكارية حيث تندمج مجالات هامشية سابقاً مثل تدريب قوة العمل، التخطيط الحضري، والنقل في عملية تدوير الرأس المال.  هذا الدعم الاقتصادي يخترق المجالات الاجتماعية، مما ينشر علاقات الدولة ويخفي العنف خلف القانون والإيديولوجيا، لكنه يولد تناقضات مثل صلابة السياسات الاقتصادية التي تحول دون الاستجابة السريعة للصراعات الطبقية، مما يفتح ثغرات للنضال الشعبي. كما يؤدي إلى صلابة في السياسات، مما يحد من بناء الهيمنة ويفرض تضحيات على العمال، وفي النيوليبرالية، يظهر كتراجع استراتيجي عن بعض الوظائف الاقتصادية مع الخضوع لمؤسسات دولية غير ديمقراطية، مما يزيد من تفكيك الحياة الاجتماعية ويجعل الدولة أكثر عرضة للأزمات.

كشف ميزان القوى الطبقية

تكشف الدولة، وفقاً لبولانتزاس، ميزان القوى بين الطبقات من خلال كونها "التكثيف لعلاقة قوى بين الطبقات... التناقضات الطبقية هي جوهر الدولة: إنها موجودة في إطارها المادي وتشكل تنظيمها"، حيث تنشأ السلطة من المواقع الموضوعية في تقسيم العمل وتظهر في الممارسات الطبقية داخل العلاقات بين الطبقات. كما تنظم الدولة الهيمنة عبر أجهزة إيديولوجية مثل التعليم والإعلام، وأجهزة رادعة مثل الشرطة، مركزة السلطة في الأشكال الاقتصادية حيث تسود الفصائل الهيمنة. في الرأسمالية الاحتكارية، يتحول الميزان نحو الرأس المال الاحتكاري، مع نقل السلطة من البرلمان إلى الإدارة التنفيذية، مما يعكس تغييرات في الكتلة القوية ويؤدي إلى صلابة في السياسات. يعكس القانون الرأسمالي، بمعاييره المجردة، هذا الميزان، حيث ينظم الوصول إلى الأجهزة ويخفف من الاضطرابات دون إحداث اضطرابات كبيرة، لكنه يتوقع الانتهاكات للحفاظ على التوازن. في "الدولة، القوة، الاشتراكية"، يؤكد بولانتزاس أن "الدولة هي موقع ومركز لممارسة السلطة، لكنها لا تمتلك سلطة خاصة بها"، مما يجعلها عرضة للكشف عن التناقضات في الأزمات، حيث تضعف الوحدة الطبقية الحاكمة والتماسك الإيديولوجي، مما يجعل الدولة "بظهرها إلى الجدار ووجهها أمام خندق".  هذا الكشف يحدث من خلال الشقوق الأفقية والعمودية في الأجهزة، مما يجعل الدولة غير مستقرة ويفتح إمكانيات للتغيير عبر الصراعات الطبقية، خاصة في سياق الاستبداد السلطوي الذي يعكس تحولات في السلطة نحو التنفيذي مع زيادة القمع والسيطرة البيروقراطية.

التوسع البيروقراطي غير المحدود

يصف بولانتزاس التوسع البيروقراطي كـ"مولوخ الدولة"، حيث تتوسع الإدارة بشكل لا حدود له، مدفوعة بدورها في الهيمنة الطبقية والتقسيم الاجتماعي للعمل، خاصة في الرأسمالية الاحتكارية والاستبداد السلطوي. تخترق البيروقراطية جميع المجالات مثل الاستهلاك الجماعي والحقوق الفردية، عبر هياكل هرمية مركزية، معايير عامة، وتقنيات التطبيع، مما يؤدي إلى تآكل المؤسسات التمثيلية مثل البرلمان وزيادة السيطرة التنفيذية، مع ظهور الشبكات الموازية والكوربوراتية. في "الدولة، القوة، الاشتراكية"، يوضح أن "الارتفاع اللا مقاوم للإدارة الدولية... حدود مولوش الدولة"، حيث يرتبط هذا التوسع بالاستبداد السلطوي والارتفاع المهيمن للحزب الجماهيري، مما يغزو الحياة الاجتماعية لإدارة الأزمات والحفاظ على السلطة.  يؤدي ذلك إلى فصل الدولة عن الإنتاج مع سرية كاستراتيجية تنظيمية، وانتهاكات قانونية عبر عقل دولة ، مما يعزز عدم التماسك والتغييرات المفاجئة، مع تبعية للاقتصاد. في الرأسمالية الاحتكارية، ينخفض دور البرلمان ويرتفع دور الإدارة السياسية، مما يؤدي إلى تآكل الحريات الديمقراطية ومخاطر الاستبداد، مع مركزية الخبراء وأيديولوجيا الكفاءة التي تؤدي إلى عدم اتساق وتردد بين التدخل الزائد واللامتدخل. يجسد التوسع البيروقراطي عبر الخطاب والأجهزة، حيث يبلور الفصل بين العمل الفكري واليدوي في هياكل مركزية هرمية، ويتراكم في الكتابة والخطاب، مما ينفذ في كل الواقع الاجتماعي دون أصل سابق على الطبقات، لكنه يمثل ميدان الصراعات من البداية. في الرأسمالية، يركز عبر استبعاد الجماهير، مما يحتكر المعرفة-السلطة، ويصبح التوسع تشكيلياً محدوداً بالصراعات والديمقراطية التمثيلية، مما يولد مقاومات داخلية بسبب التناقضات الطبقية.

النضال الشعبي من أجل اشتراكية ديمقراطية

يدعو بولانتزاس إلى نضال شعبي يجمع بين الداخل والخارج، رافضاً الإصلاحية النقية أو تدمير الدولة، ومؤكداً على تحويل الدولة عبر دمج الديمقراطية المباشرة مثل مجالس العمال والإدارة الذاتية مع التمثيلية، مع التركيز على تغيير علاقات القوى. ينتقد النماذج الستالينية والديمقراطية الاجتماعية، داعياً إلى "الطريق الديمقراطي" الذي يشمل الانتخابات، الإصلاحات، والابتكارات المؤسسية، حيث "ليس الأمر مجرد دخول مؤسسات الدولة لاستخدام رافعاتها لغرض جيد... بل يجب أن يعبر النضال دائماً عن نفسه في تطور الحركات الشعبية، انتشار الأعضاء الديمقراطية في القاعدة، وصعود مراكز الإدارة الذاتية". في مقالته "نحو اشتراكية ديمقراطية"، ينتقد بولانتزاس الستاتيزم في الديمقراطية الاجتماعية والستالينية، مشدداً على إعادة تقييم الطريق الديمقراطي مع دمج نقد روزا لوكسمبورغ للينين، حيث تؤكد على الانتخابات العامة، حرية الصحافة والتجمع، والنضال الحر للرأي لمنع هيمنة البيروقراطية وتعزيز الديمقراطية البروليتارية الحقيقية.  يؤكد أن الانتقال طويل الأمد، يعتمد على انتشار مراكز المقاومة وتغيير التوازنات، مع الحفاظ على الدولة القومية كميدان نضال حتى قلب أنماط الإنتاج، ويجمع بين تحول الأجهزة وتطور الديمقراطية المباشرة، مع مراحل تتدخل فيها الجماهير الشعبية في تناقضات الدولة. المخاطر تشمل رد الفعل البرجوازي، الاجتماع الديمقراطي، والاستبداد إذا فشلت التحالفات أو توازنت العمليات، كما في تشيلي، لذا يرفض السلطة المزدوجة لتجنب التوازي والمعارضة، مفضلاً التنسيق العضوي بين الأشكال البرلمانية والمباشرة.

خاتمة

" ما الحل المتاح؟ وما الجواب الذي يجب ان يعطى؟"

تكشف نظرية بولانتزاس عن الدولة كميدان تناقضي، حيث تدعم الرأسمالية اقتصادياً وتكشف ميزان القوى، لكنها تتوسع بيروقراطياً مما يفتح أبواب النضال لاشتراكية ديمقراطية. هذه النظرية تبقى حية في سياق الأزمات المعاصرة، داعية إلى استراتيجية ثورية إصلاحية تجمع بين النظرية والممارسة، مع التركيز على "الاشتراكية ستكون ديمقراطية أو لن تكون على الإطلاق". فكيف تؤدي سيطرة الحزب الجماهيري على الاجهزة الى بروز النزعات الاستبدادية والشمولية وتغول البيروقراطية واضعاف الدولة؟

***

د زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.....................

1- نيكولاس بولانتزاس، نظرية الدولة، ترجمة ميشيل كيلو، دار التنوير، بيروت، 2010، ص153،

السلطة والهوية وإشكالات التجربة المتجسدة

يَظهر الجسد في تاريخ الفكر الإنساني بوصفه أحد أكثر المفاهيم التباسا وإثارة للأسئلة، ليس لأنه مجرد كيان ماديّ يشغل حيّزا في العالم، بل لأنه الموضع الذي تتقاطع فيه التجربة الحسية مع المعنى والذات مع المجتمع، والحرية مع السلطة. فالجسد لم يكن يوما معطى طبيعيا خالصا، بل كان دوما محمّلا بالرموز ومشروطا بالخطابات، ومؤطرا بأنماط الفهم التي أنتجتها الفلسفة والدين والعلم والسياسة. إنه ليس “ما نملك”، بل “ما نكونه” بقدر ما نختبر العالم وننخرط فيه، ولذلك ظلّ الجسد مرآةً دقيقة لتحولات الوعي الإنساني، وللطرائق التي بها يفهم الإنسان ذاته وحدوده وإمكاناته.

في الفلسفة الكلاسيكية ولا سيما ضمن الحقل الديكارتي، تمّ النظر إلى الجسد باعتباره مجرد امتداد مادي، وآلة صامتة خاضعة لنواميس الطبيعة، في مقابل العقل الذي أُسندت إليه حقيقة الذات وجوهرها. ولم يكن هذا التمييز بين الجوهر المفكِّر والجوهر الممتدّ مجرد فصل أنطولوجي بين نمطين من الوجود، بل انطوى على تقريرٍ ضمني لهيمنة الوعي على الجسد، وعلى إمكان اختزال هذا الأخير في الحركة والوظيفة. وقد صاغ ديكارت هذا الموقف بوضوح حين اعتبر أن الشك يمكن أن يطال كل شيء باستثناء حقيقة التفكير ذاتها، في حين يظل الجسد قابلاً للتصوّر بوصفه شيئا خارجا عن جوهر الذات. غير أن هذا التصور على الرغم مما ينطوي عليه من صرامة منهجية وقوة تأسيسية، أفضى إلى تهميش التجربة الجسدية، وإلى إقصاء الجسد من دائرة إنتاج المعنى والمعرفة، ليغدو مجرد حاضنة للروح لا أكثر.

إلا أن الفكر الحديث والمعاصر ما لبث أن أعاد مساءلة هذا الإرث، انطلاقا من وعي متنامٍ بأن الجسد ليس عنصرا عرضيا أو هامشيا في تكوّن الذات، بل شرطا أساسا لإمكانها. فمع التحول الوجودي والظاهراتي، لم يعد الإنسان يُفهم كوعي خالص يقف بإزاء العالم من موقع علوي، بل ككائن منخرط في العالم متجسّد فيه يختبر الزمان والمكان عبر جسده. وقد بلور هايدغر هذا المنعطف حين شدّد على أن الإنسان ليس ذاتا تواجه العالم، بل هو في جوهره “كائن-في-العالم”، وأن الفهم لا يسبق التجربة الجسدية بل يتشكّل في صلبها. ولا يعود الجسد موضوعا للوعي أو تابعا له، بل يغدو أفق الوجود نفسه، والمنفذ الذي تنفتح عبره المعاني، وتُبنى من خلاله علاقة الإنسان بالعالم وبالآخرين

هذا التحول يتعمّق مع ميرلو-بونتي، الذي رأى أن الجسد ليس شيئا نمتلكه، بل هو أسلوب وجودنا في العالم. فالإدراك في نظره ليس عملية عقلية خالصة، بل تجربة جسدية متجسّدة، حيث لا نفهم الأشياء إلا بقدر ما نلمسها ونراها ونتحرّك بينها. الجسد هو “نقطة الصفر للعالم”، وهو الوسيط الذي يجعل العالم قابلا للظهور أصلا. إذ يصبح الجسد لغةً صامتة وتعبيرا قبل التعبير ودلالةً تسبق المعنى المفهومي. وقد لخّص ميرلو-بونتي هذا المعنى حين قال إن الجسد “ليس موضوعا في العالم، بل وسيلة وجودنا فيه”.

غير أن استعادة الجسد في الفلسفة لم تتوقف عند البعد الوجودي أو الظاهراتي، بل سرعان ما انتقلت إلى تحليل علاقته بالسلطة والخطاب. وهنا تبرز مساهمة ميشيل فوكو بوصفها منعطفا حاسما في فهم الجسد المعاصر. فالجسد عند فوكو ليس معطى طبيعيا بريئا بل هو نتاج تاريخي، يتشكّل عبر شبكات معقّدة من السلطة والمعرفة. فالمؤسسات الحديثة من المدرسة إلى المستشفى ومن الثكنة إلى السجن لا تكتفي بتنظيم السلوك، بل تعمل على “تطويع” الأجساد وضبطها وإنتاجها وفق معايير محددة. والسلطة لا تُمارَس فقط من الأعلى إلى الأسفل، بل تتسرّب إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، فتستقر في الحركات والإيماءات وأنماط الجلوس والمشي والنظر.

في كتابه “المراقبة والعقاب”، يبيّن فوكو كيف تحوّل الجسد في المجتمعات الحديثة، إلى هدف مباشر لتقنيات الانضباط، حيث لم تعد السلطة تعاقب الجسد علنا كما في العصور السابقة، بل صارت تُعيد تشكيله وتُدرّبه وتُخضعه لمنطق النفع والطاعة. الجسد هنا يصبح “سطحا تُكتب عليه السلطة”، ونصا يمكن قراءته بوصفه سجلا للتاريخ الاجتماعي والسياسي. وكما يقول فوكو، فإن “السلطة تُنتج الواقع، وتُنتج مجالات للموضوعات وطقوسا للحقيقة”، والجسد هو أحد أهم هذه المجالات.

هذا التحليل يفتح الباب لفهم الجسد لا بوصفه ضحية سلبية للسلطة فحسب، بل بوصفه أيضا موقعا لإنتاجها وإعادة إنتاجها. فالجسد لا يتلقى السلطة فقط، بل يشارك من خلال ممارساته اليومية في تثبيتها أو زعزعتها. حيث يصبح الجسد ساحة صراع رمزي حين تتواجه أنماط الطاعة والمقاومة والامتثال والانفلات. وهذه الرؤية تجعل من الجسد نصا اجتماعيا وسياسيا يمكن تفكيكه وتأويله تماما كما تُفكّك الخطابات والنصوص.

ويتقاطع هذا المنظور مع ما ذهب إليه بيير بورديو حين تحدّث عن “الهابيتوس”، أي تلك البنيات المتجسّدة التي تتكوّن عبر التنشئة الاجتماعية، وتترسّخ في الجسد قبل أن تُصاغ في الوعي. فالجسد يحمل آثار الطبقة والذوق والسلطة الرمزية، ويعبّر عنها من خلال أسلوب الوقوف وطريقة الكلام ونمط الحركة. ما يبدو طبيعيا وبديهيا هو في الحقيقة نتاج تاريخ اجتماعي طويل، استقرّ في الجسد حتى صار غير مرئي.

ويكشف التحليل النفسي عن بُعد إضافي للجسد حيث لا يعود مجرد سطح خارجي للسلطة الاجتماعية، بل مسرحا للصراعات الداخلية والرغبات المكبوتة. فرويد حين ربط بين الجسد واللاوعي، بيّن أن الأعراض الجسدية ليست دائما نتاج خلل عضوي، بل قد تكون تعبيرا رمزيا عن صراعات نفسية غير واعية. الجسد في هذه القراءة يتكلّم حين يعجز اللسان عن الكلام، ويُفصح عن توتّرات الذات وانقساماتها. أما لاكان فقد ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن الجسد نفسه يتشكّل داخل النظام الرمزي، وأن علاقتنا بأجسادنا ليست مباشرة، بل تمرّ عبر اللغة والصورة والآخر.

هذا التداخل بين الجسد والنفس واللغة يعمّق فكرة أن الجسد ليس معطى طبيعيا ثابتا بل بناءٌ معقّد، يتغيّر بتغيّر السياقات الثقافية والاجتماعية. وقد التقطت الفلسفة النسوية هذا المعطى واشتغلت عليه بوصفه مفتاحا لفهم علاقات الهيمنة الجندرية. فالجسد الأنثوي في تاريخ طويل من الخطابات، لم يُنظر إليه بوصفه ذاتا مكتملة، بل بوصفه موضوعا للنظر والضبط والتقويم. وقد عبّرت سيمون دي بوفوار عن هذا المعنى بقولها الشهير: “لا يُولد الإنسان امرأة، بل يُصبح كذلك”، مشيرة إلى أن الجسد لا يحدّد المصير، بل يُعاد تفسيره داخل شبكة من التوقعات والمعايير الاجتماعية.

يصبح الجسد موقعا لتقاطع السلطة بالهوية، حيث لا تُفرض المعايير من الخارج فقط بل تُستبطن ويُعاد إنتاجها من داخل الذات. جوليا كريستيفا في تحليلها للهوية والجسد، تبيّن أن الجسد يحمل آثار القلق والاختلاف والانشطار، وأنه لا يمكن فهمه دون استحضار البعد النفسي والرمزي الذي يشكّله. أما لوسي إيرغاري فقد شدّدت على أن الفكر الغربي طالما قرأ الجسد الأنثوي من منظور ذكوري، وحوّله إلى “آخر” صامت، لا يمتلك لغته الخاصة. يصبح تحرير الجسد شرطا لتحرير المعنى وإعادة التفكير في الذات والاختلاف.

ويتّسع هذا التحليل حين ننتقل إلى الفلسفة ما بعد البنيوية، حيث يُنظر إلى الجسد بوصفه نصا مفتوحا، قابلا لإعادة الكتابة والتأويل. رولان بارت في تحليله للعلامات، بيّن أن الجسد لا يخلو من الدلالة، وأنه يحمل شبكة من العلامات التي يمكن قراءتها ثقافيا وسياسيا. الجسد هنا ليس حضورا خاما، بل علامة داخل نظام من العلامات، تتغيّر دلالتها بتغيّر السياق. طريقة اللباس ونمط الحركة وحتى الصمت، كلها عناصر تشكّل خطابا جسديا، يُفصح عن موقع الفرد داخل البنية الاجتماعية.

هذا الفهم يقرّب الجسد من الأدب والفن، حيث يصبح وسيطا للتعبير لا مجرد موضوع للوصف. في الشعر والرواية والمسرح، الجسد ليس عنصرا ثانويا بل حاملا للتجربة الوجودية وللتوتر بين الرغبة والمنع والحرية والحدّ. وقد عبّر نيتشه بأسلوبه الاستفزازي، عن مركزية الجسد حين قال: “وراء أفكارك ومشاعرك، يقف سيدٌ قويّ حكيمٌ مجهول اسمه الجسد”. بحيث لا يعود الجسد عائقا أمام الفكر، بل شرطا لإمكانه، ومصدرا لقوته واندفاعه.

إن الجسد في ضوء هذه التحولات لا يمكن اختزاله في بعد واحد، ولا فهمه خارج شبكة العلاقات التي تحيط به. إنه في آنٍ واحد تجربة ذاتية وبناء اجتماعي ومجال للسلطة وموقع للمقاومة. الجسد هو المكان الذي تُختبر فيه الحرية لا بوصفها مفهوما مجردا، بل كتوتر يومي بين ما نرغب فيه وما يُسمح لنا به. وهو أيضا الذاكرة الصامتة التي تحتفظ بآثار التاريخ الشخصي والجماعي ويُفصح عنها في لحظات الانكسار أو التمرّد.

إن التفكير في الجسد مدخل أساسي لفهم الإنسان المعاصر، لا بوصفه ذاتا عقلانية مجردة، بل ككائن هشّ متجسّد محاط بالخطابات، ومشدود بين السلطة والرغبة والامتثال والاختيار. الجسد ليس جوابا جاهزا بل سؤالا مفتوحا، يُعيد طرح نفسه مع كل تجربة، ومع كل محاولة لفهم الذات والعالم. وهو قبل كل شيء المجال الذي فيه تتجسّد الفلسفة وتتحوّل من تأمل نظري إلى خبرة حيّة تُعاش وتُختبر قبل أن تُكتب أو تُفكّر.

يستمر التفكير في الجسد حين يُستكمل أفقه الفلسفي، بوصفه مجالا لا ينغلق على كونه موضع خضوع للسلطة، بل ينفتح كذلك على إمكان المقاومة وإعادة التشكيل. فالجسد وإن كان مشدودا إلى شبكات الضبط والانضباط، لا يُختزل فيها إذ يحمل في داخله قدرة على الانفلات، وعلى إنتاج معانٍ لا تستنفدها الخطابات السائدة. هذا التوتر بين الإخضاع والتحرر هو ما يمنح الجسد طابعه الإشكالي، ويجعله أحد أكثر المفاهيم خصوبة في الفلسفة المعاصرة، لأنه يكشف عن أن السلطة ليست كلية القدرة، كما أن الذات ليست بريئة أو شفافة.

فحين تُمارس السلطة حضورها على الجسد، فإنها لا تفعل ذلك فقط عبر القمع المباشر، بل من خلال إنتاج أنماط من الحياة، وصور من “الطبيعي” و”العادي” و”المرغوب فيه”. غير أن هذا الإنتاج لا يخلو من شقوق، إذ إن الجسد بحكم كونه تجربة معيشة، يظل قادرا على توليد معانٍ غير متوقعة، وعلى تحويل الطاعة نفسها إلى شكل من أشكال المفارقة. وقد تنبّه فوكو في أعماله المتأخرة، إلى هذا البعد حين انتقل من تحليل تقنيات السلطة إلى مساءلة إمكانات “تقنيات الذات”، حيث يصبح الجسد مجالا لممارسة الحرية، لا بمعناها الليبرالي الساذج، بل باعتبارها فعلا أخلاقيا وتأمليا يشتغل داخل شروط محددة، دون أن يستسلم لها كليا.

هذا التحول يسمح بفهم الجسد بوصفه موقعا للتجربة الأخلاقية، حيث لا تُختزل الأخلاق في منظومة أوامر ونواهٍ، بل تتجسد في أساليب العيش وفي العلاقة التي يقيمها الفرد مع جسده ومع رغباته الآخرين. فالعناية بالجسد في هذا المنحى لا تعني الخضوع لمعايير الجمال أو الأداء بل الانتباه إلى هشاشته وحدوده، وإلى كونه موضعا للتألم واللذة معا. وقد عبّر سبينوزا قبل الفلسفة المعاصرة عن هذا المعنى حين اعتبر أن الجسد لا يُعرف من خلال ما يجب أن يكونه، بل من خلال ما يقدر على فعله. الجسد هنا ليس معيارا أخلاقيا خارجيا بل قدرة وإمكان، وطاقة تتحدد داخل شبكة من العلاقات.

غير أن هذه القدرة لا تُمارس في فراغ، بل تتشكل داخل سياقات اجتماعية وثقافية تُحدّد أفق الممكن والممنوع. ولا يمكن فصل الجسد عن مسألة الهوية، لأن الهوية ذاتها لا تتكوّن إلا من خلال التجربة الجسدية. فالانتماء سواء كان ثقافيا أو جنسيا أو إثنيا لا يُعاش فقط على مستوى الخطاب، بل يُختبر في الجسد في مظهره وفي حركته، وفي الطريقة التي يُنظر بها إليه. الجسد يتحول إلى بطاقة هوية صامتة تسبق الكلمة وتفرض حضورها قبل أي تعريف نظري.

هذا ما جعل الفلسفة النسوية في امتداداتها المعاصرة تركّز على الجسد بوصفه موقعا لإعادة التفكير في الهوية، بعيدا عن الجوهرانية. فجوديث باتلر حين طوّرت مفهوم “الأداء الجندري”، لم تكن بصدد إنكار الجسد، بل إعادة وضعه داخل منطق الفعل والتكرار. إذ أن الهوية لا تنبع من جوهر داخلي ثابت، بل تُنتج عبر ممارسات جسدية متكررة، تُكتسب مع مرور الزمن قوة الإيهام بالطبيعة. والجسد هنا لا يكشف عن حقيقة مسبقة، بل يصنع الحقيقة عبر أدائه، ويعيد إنتاج المعايير التي يخضع لها أو يخلخلها من الداخل.

هذا الفهم يُخرج الجسد من ثنائية الطبيعة والثقافة، ويضعه في منطقة وسطى، حيث يصبح المعنى نتاج تفاعل دائم بين ما هو بيولوجي وما هو رمزي. فالجسد لا يُلغى في الخطاب ولا يذوب في اللغة، بل يحتفظ بثقله وبقدرته على المقاومة الصامتة. الألم على سبيل المثال يظل تجربة لا يمكن اختزالها كليا في التمثيل، لأنه يذكّرنا بحدود اللغة، وبأن الجسد يحتفظ دوما ببعد لا يُستوعب بالكامل. وقد أشار إيمانويل ليفيناس من زاوية أخلاقية مغايرة إلى أن الجسد المتألم وجسد الآخر تحديدا، يفرض علينا مسؤولية لا يمكن ردّها إلى قاعدة أو قانون، بل إلى نداء أخلاقي سابق على كل تنظير.

هذا النداء يتجلّى أيضا في البعد الجمالي للجسد، حيث لا يعود مجرد موضوع للنظر، بل وسيلة للإدراك وأفقا للتجربة الفنية. ففي الرقص والمسرح والفنون الأدائية، يتحوّل الجسد إلى لغة لا بمعنى التمثيل، بل بمعنى الحضور. الجسد الراقص لا يشرح ولا يبرهن بل يكشف ويضع المتلقي أمام تجربة مباشرة، تتجاوز المفهوم دون أن تنفيه. وقد أدرك نيتشه هذه الحقيقة حين رأى في الجسد مصدرا للفكر، لا عائقا أمامه معتبرا أن الفلسفة التي تنسى الجسد تنقلب إلى زهد مريض ينكر الحياة بدل أن يفهمها.

وفي الفنون البصرية يتخذ الجسد وظيفة مزدوجة، إذ يكون في آنٍ واحد موضوعا للتمثيل ووسيلة له. الصورة الجسدية سواء في الرسم أو التصوير أو السينما، لا تعكس الواقع فقط بل تُعيد تشكيله، وتنتج معايير للجمال والقبح والقوة والهشاشة. وهنا يظهر بوضوح تداخل الجسد مع الاقتصاد الرمزي، حيث تتحول الأجساد إلى سلع وإلى واجهات للنجاح وإلى نماذج يُطلب تقليدها. هذا ما دفع جان بودريار إلى القول بأن الجسد في المجتمعات الاستهلاكية لم يعد يُعاش بقدر ما يُعرَض، وأن قيمته باتت تُقاس بقدرته على الاندراج داخل منطق الصورة.

غير أن هذا التشييء لا يلغي البعد الوجودي للجسد، بل يزيده تعقيدا. فالجسد المعروض هو أيضا جسد قَلِق يعيش توترا دائما بين الرغبة في الاعتراف والخوف من التشييء. هذا التوتر يتجلّى بوضوح في التجربة المعاصرة، حيث تتكثف الخطابات حول الجسد من الصحة إلى الجمال ومن اللياقة إلى الأداء، فيتحوّل الجسد إلى مشروع دائم، لا يكتمل أبدا. ولا تعود السلطة خارجية فقط، بل تستبطنها الذات وتتحوّل إلى رقابة ذاتية، تجعل الفرد حارسا على جسده، وسجينا لمعايير لا تنتهي.

تبرز أهمية إعادة التفكير في الجسد من منظور نقدي، حيث لا يكتفى بوصف آليات السيطرة، بل يسائل شروط إمكان التحرر. فالتحرر لا يعني استعادة “جسد طبيعي” مفقود، لأن هذا الجسد لم يوجد أصلا خارج الخطاب، بل يعني الوعي بتاريخ الجسد، وبالطبقات المتراكمة التي شكّلته، وبالقدرة على إعادة تأويل هذه الطبقات. الجسد لا يتحرر بالخروج من السلطة، بل بإدراك كيف تعمل السلطة فيه، وكيف يمكن تحويل بعض آلياتها إلى أدوات للانفلات.

هذا ما يجعل الجسد موقعا مميزا للتجربة السياسية لا بمعناها المؤسسي الضيق، بل بوصفها تجربة عيش مشترك وصراعا على المعنى. فالحركات الاجتماعية والاحتجاجات والممارسات الجسدية في الفضاء العام، تكشف أن الجسد ليس مجرد فردي بل جماعي أيضا، وأنه يمكن أن يتحوّل إلى لغة احتجاج وإلى وسيلة لإعادة رسم حدود الممكن. الجسد المتظاهر والجسد الصائم والجسد الرافض، كلها أشكال من الكتابة السياسية، لا تُدوَّن بالحبر بل بالحضور والمخاطرة.

ومع ذلك لا يمكن اختزال الجسد في بعده السياسي، لأن ذلك يعيد إنتاج نوع آخر من الاختزال. الجسد هو أيضا تجربة زمنية، حيث يحمل آثار الماضي ويعيش الحاضر ويتجه نحو الفناء. الشيخوخة والمرض والموت، ليست مجرد وقائع بيولوجية، بل تجارب وجودية تعيد طرح سؤال المعنى. وقد تنبّه هايدغر إلى هذا البعد حين ربط بين الوجود والزمن، معتبرا أن الإنسان كائن نحو الموت، وأن الجسد هو ما يجعل هذا التوجّه محسوسا لا مجرد فكرة. الجسد يذكّرنا بنهايتنا لا ليشلّنا، بل ليمنح أفعالنا كثافتها.

يصبح الجسد موضعا للتفكير في الهشاشة لا بوصفها ضعفا بل شرطا للإنسانية. الهشاشة الجسدية تفتح باب التعاطف وتؤسس لإمكانية العيش المشترك، لأنها تكشف أن لا أحد مكتفٍ بذاته، وأن كل ذات محتاجة إلى الآخر. وقد شدّد بول ريكور على هذا المعنى حين ربط بين الجسد والاعتراف، معتبرا أن الاعتراف بالآخر يبدأ من الاعتراف بجسديته وبقابليته للألم. الجسد في هذا الأفق يصبح أساسا لأخلاق الرعاية، لا لأخلاق السيطرة.

كل هذه الأبعاد تجعل من الجسد مفهوما مركزيا لا يمكن تجاوزه في أي تفكير فلسفي معاصر. فهو ليس مجرد موضوع بين موضوعات، بل مفترق طرق تتقاطع فيه الأنطولوجيا والأخلاق والسياسة والجماليات وعلم النفس. الجسد يربك التصنيفات لأنه يقاوم الاختزال ويكشف حدود كل مقاربة أحادية. التفكير فيه يفرض على الفلسفة أن تنزل من تجريدها دون أن تفقد عمقها، وأن تعترف بأن المعنى لا يُنتج فقط في المفاهيم، بل في التجربة المعيشة.

ولا يعود الجسد سؤالا عن “ما هو”، بل عن “كيف يُعاش” وكيف يُكتب وكيف يُقاوَم. إنه نص مفتوح لا يكتمل، لأنه يتغير بتغير السياقات وباختلاف التجارب. وكل محاولة لإغلاق معناه هي في النهاية محاولة للهيمنة عليه. لذلك يظل الجسد فضاءً للقلق الخلّاق، ومجالا لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الذات والحرية والهوية والعيش المشترك.

إن الجسد ليس هامش الفلسفة بل أحد مراكزها الخفية. وهو ما يربط الفكر بالحياة، ويمنع الفلسفة من التحوّل إلى تأمل معزول. الجسد يذكّر الفيلسوف بأن التفكير ليس فعلا بلا ثمن، وأن كل فكرة تمرّ في النهاية عبر لحم الإنسان وتاريخه وألمه وأمله. ومن هنا فإن أي فلسفة تتجاهل الجسد، إنما تتجاهل الإنسان ذاته، أو تقدّم عنه صورة مبتورة، تفتقد إلى العمق والصدق.

***

د. حمزة مولخنيف

روجي بول- دروا

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

***

" ياموسوكرو، كوت دي فوار، 1995. اجتمع في قاعة المحاضرات في دار السلام، عشرات من الفلاسفة الأفريقيين. كان الحدث نادرا: فرانكفونيون وأنجلوفونيون مجتمعون وآتون من مالي أو كينيا من البنين أو الكونغو من السينغال أو إفريقيا الجنونية. لم أكن من بينهم بالصدفة، كنتُ في ذلك العهد، مستشارا لمدير اليونسكو في الفلسفة، وكانت مهمتي تنظيم لقاءات في مختلف بلدان العالم، في إطار برنامج" الفلسفة والديمقراطية في العالم" الذي كنت مسئولا عنه. وطيلة عام ونصف، عملتُ، بالتعاون الواسع مع ثلاث فلاسفة أفارقة بولان هونتودجي Paulin Hountondji، جان جودفروي بيديما Jean-Godefroy Bidima وسليمان بشير دياغنو Souleymane Bachir Diagne، ولكل واحد منهم مؤلفات مهمة عن الفلسفة في إفريقيا، على صياغة برامج لهذا اللقاء . لا أعرف شيئا أو تقريبا مازلت في البداية عن فلاسفة إفريقيا، وقد تعلمت، شيئا فشيئا تحديدهم. وما شدّني، طيلة هذه الأيّام للعرض والنقاش النشيط، هو النوعية المتميّزة للمداخلات. فجميعها تقريبا متينة ودقيقة جدا. كلٌّ يحمل أفقَ تحليل جديد، ويضيف عناصرَ مهمّة. فليس الأمر على هذه الحال دوما، وهذا أقلّ ما يمكن قوله، في اللقاءات الدولية الكبرى. لقد اكتشفتُ إذن، بصورة جلية، بَدَهِية، حيوية التفكير الفلسفي المعاصر في إفريقيا. فمُمَثّلوه نادرون جدا، يستندون إلى الفلسفة التحليلة أو الفينومينولوجية، وهم مابعد ماركسيين أو مابعد فرويديين، وقرّاء لفيدجنشتين أو فوكو، لحنا آرنت أو داريدا. وتندرج تحليلاتهم في تيار هابرماس وريكور أو فرانز فانون... جميعهم قرؤوا كثيرا وتأمّلوا بحقّ. وهم يعرفون ابتكار مساراتهم الخاصّة. ويتساءلون عن وسائل توظيف أدواتهم النظرية في إيضاح المسائل الخاصة بإفرقيا اليوم، وفي فهم معضلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. حتى لو أدى الأمر، وهذا بديهي، إلى تغيير الأدوات المفهومية أو نحت آخري. يوجد إذن بالفعل، فلاسفة في إفريقيا. غير معروفين غالبا. وعلى وجه العموم مقروئين قليلا، وقد تم نشر كتبهم بشكل سيء. غير أنهم واضحون نشطون ودقيقون. هذا ما اكتشفته، بغبطة، هذه السنة، التي أضحت بعيدة.

هل أن وجود فلاسفة في إفريقيا، اليوم، ينجم عنه أو يقتضي وجود فلسفة إفريقية؟

نعم، بالفعل، إذا ما أَحَلْنا إلى هذه الفورة المتعدّدة التي تظهرها حاليا المنشورات، والمجلات ومراكز البحث والتي يجدر اكتشافها.

ولا أيضا، إذا ما فكرنا في الماضي، وإذا ما سعينا إلى العثور، في تاريخ القارة الإفريقية، على مكتبات مماثلة لتلك التي لاحظنا تطورها وتناقلها لدى فلاسفة الهند والصين والتّبت واليابان والعالم العربي. إنّ مسألة المكتبات هذه، ومسألة نقل التقاليد النقدية المكتوبة مسألة مركزية. إنها تقتضي بعض التفسيرات.

المعقولية والشفوي

إذا ما سلمنا مع ديكارت بأنّ " العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس"، وإذا ما كنا نملك ضمانا بأنّ كل كائن بشري قد وهب هذا العقل، فلماذا كان الماضي الطويل لإفريقيا لا يملك فلاسفة؟ إنّ قدرة ثقافات ولغات إفريقيا على إنشاء مقولات وتصنيفات ومفاهيم مجرّدة وتأمّلات لن تكون أقلّ من ثقافات أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. لقد أسالت هذه المسألة في العشرية الأخيرة كثيرا من الحبر . ففي 1949 نشر الأب الكاهن بلاسيد تامبل" فلسفة البانتو" حيث استند على خصائص هذه المجموعة من اللغات حتى يستنبط فلسفة القوة الحيوية، لا بل نسقا سيكون فيه كل عنصر تعبيرا عن قوّة. وأعاد الفيلسوف والمنطقي البلجيكي ليو أبوستال بناء انطولوجيا البانتو حيث ستحلل كلّ مسارات فعلها في الواقع وفق مصطلحات التكثيف intensificationأو الإضعاف. affaiblissement لقوى وتراتبية وتأثير متبادل فيما بينها. هذه الأعمال التي رحّب بها الإفريقيون أنفسهم - وليس أقلهم شأنا، بما أنّ ليوبولد سنغور أو شيخ انتا ديوب قد احتفيا بهذا الاعتراف الفلسفي- قد وجدت نفسها فيما بعد تحت نيران النقد.

أدان بولان هونتوندجي Paulin Hountondji" الفلسفة الإثنية "« ethnophilosophie »، التي بنيت على منظور أبوي ومتعال لمبعوثي القوى الاستعمارية. فلا توجد بالنسبة إليه" فلسفة إفريقية" بل فحسب إفريقييون يتفلسفون .

وإذا ما شئنا النظر بوضوح في هذه المسألة، حيث تتشابك جملة من الحجج والمسلمات والجدال، فيبدو لي أنّ هناك ثلاث نقاط لابد من أخذها بعين الاعتبار.

من المناسب بادئ ذي بدء أن نضع في اعتبارنا أنّ فلسفة ما لا تختزل في "رؤية للعالم". "فالرؤية للعالم" Weltanschauung » « هي تمثّل للوجود عامّة، لدور وواجبات الإنسانية بالخصوص، للكون في مجموعه، للآلهة والأنواع الحيوانية وعلاقاتها، الخ. تحتوي كل ميثولوجيا وكلّ نسق معتقدات هذا النوع من التمثّلات، بشكل صريح أو ضمني، تبسيطي أو معقّد. لكن ليس هذا في ذاته فلسفيا. ذلك أن المسار التكويني للفلسفة يبدأ فقط عندما يعود الفكر على معتقداته وتمثّلاته، وعندما يتساءل على محتواها، وصلاحيتها، ومعناها وحقيقتها. وليس بالضروري لغاية هدمها ولا حتى لوضعها موضع تساؤل، بل لفحصها قبل كلّ شيء. فلا تتمثّل الفلسفة، بهذا المعنى، لا في الكلام ولا في التفكير، وهو ما تفعله دائما الكائنات البشرية، بل في التدقيق في كيفية كلامنا، وفي البحث في كيفية تفكيرنا. والفكر على صورته هذه كفكر مألوف ليس فلسفيا. بل يصبح فكر الفكر فلسفيا حالما يمتدّ في الوجود.

والنقطة الثانية تتعلق بالوجود الممتدّ لعود تفكّري للفكر على نفسه في ثقافة محض شفوية. بيد أنه يبدو فعلا أن ما من استحالة في هذا الباب. التفكير في طريقة النظر، وإخضاع وجهة نظر لأسئلة ونقد، ومساءلة تمثّل، كل ذلك ليس ممكنا فحسب، بل لا مفرّ منه غالبا على امتداد المناقشات والحوارات والمحادثات والمناوشات الكلامية المألوفة دائما لدى الثقافة الإفريقية . فلا شيء يمنع إذن من افتراض تطور أشكال من الفلسفات النقدية الشفوية، المماثلة مع تعديل ما يلزم، لما نجده مثلا، في التقاليد الشفوية للهند. إنّ وجود فلسفات شفوية إفريقية (فلسفية حقّا، وشفوية حقّا، وإفريقية حقّا) محتمل. ومحتمل فقط. ذلك أن النقطة الثالثة، في غياب آثار كتابية، ومكتبات ونقل يحفظها، فمن الصعب جدا ملاحظتها، إن لم نقل من المستحيل، على الأقلّ لهاوٍ مستنير. ففي كل ميدان ثقافي أثرناه سابقا، تكثر الكتب وتُبْقي خطاباتٍ سليمة وحتى تحليلات قديمة جدا. فالبانديت الهندي، والرسائل الصينية والرهبان البوذيين اليابانيين أو التايلانديين، وعلماء الإسلام هم جميعهم رجال كتابة وتدوين. بيد أن إفريقيا تفتقر لهذه المكتبات مثلما هو الشأن بالنسبة لأمريكا.

وإذا كان الفلاسفة هم بالأساس شأن مكتبات، فليس لمبرر الكتابة أن يكون الشرط الضروري لظهورهم. فالمكتوب لا يظل على الأقلّ الشرط الضروري للحفاظ عليهم، وبالتالي على معارفهم عبر القرون. ماذا نعرف عن حوارات سقراط ومحادثات كونفوشيوس وتأملات ديوجين والسهروردي، لو لم يصل إلينا لا الرق ولا الألواح ولا المخطوطات؟

تستمرّ حاليا عديد البحوث من أجل محاولة إعادة بناء هذه الفلسفات الشفوية، والوصول إلى بناء نماذج معقولة أو حتى صادقة. هذه البحوث هي بالتأكيد واعدة، لكن من المبكر جدا استخلاص نتائج منها. لأجل هذا لا نجد في هذا التاريخ الموجز فصلا بعنوان " في عقول الفلاسفة الإفريقيين".".

***

.......................

* روجي بول- دروا " رحلة في فلسفات العالم " البان ميشيل 2021 ص 270- 271 -272

 

جدلية البقاء البيولوجي والبقاء الإنساني

الجدلية الأنطولوجية بين "الحياة العارية" والوجود السياسي

تُشكل الثنائية القائمة بين الضرورة البيولوجية للبقاء والواجب الأخلاقي للحفاظ على الجوهر الإنساني، المحورَ الأساسي الذي تدور حوله مأساة الوجود البشري في ظل الأنظمة الشمولية وظروف القهر القصوى. يسعى هذا التقرير لتقديم مسح شامل وتحليل عميق لهذه الديناميكية، مستنداً إلى تقاطعات الفلسفة السياسية الحيوية، وعلم النفس التطوري، وشهادات الناجين من معسكرات الإبادة. لا تكتفي هذه الدراسة برصد الظواهر، بل تغوص في البنية التحتية لآليات السلطة التي تستهدف "الجسد الحي" لتفكيك الذات السياسية والأخلاقية.

في الفكر اليوناني القديم، كان هناك تمييز دقيق بين "زوي" حقيقة الحياة البيولوجية المجردة المشتركة بين جميع الكائنات الحية (الحيوانات، البشر، والآلهة)، وبين "بيوس" التي تشير إلى شكل الحياة اللائق والمؤهل لفرد أو جماعة ضمن السياق السياسي والاجتماعي. كانت السياسة التقليدية معنية بـالـ "بيوس"، أي الحياة المؤطرة بالقوانين والأخلاق. ومع ذلك، فإن الحداثة السياسية، كما يجادل ميشيل فوكو وجيورجيو أغامبين، قد شهدت انهياراً كارثياً لهذا التمييز، حيث تم دمج الحياة البيولوجية البحتة في صلب الحسابات السياسية.

تنطلق الفرضية المركزية لهذا التقرير من أن آليات القمع الحديثة لا تهدف ببساطة إلى قتل الخصوم، بل تسعى إلى إنتاج ما يسميه أغامبين "الحياة العارية" وهي حياة مجردة من الحقوق والحماية والقيمة الرمزية، ومختزلة في وظائفها البيولوجية الأساسية. يتم تحقيق ذلك عبر استغلال منهجي للدورة البيولوجية للإنسان (من هشاشة الطفولة إلى وهن الشيخوخة) وعبر تفعيل ضغط تطوري يضع غرائز البقاء الفوري في مواجهة صفرية مع القيم الأخلاقية بعيدة المدى.

السياسات الحيوية: من "حق الموت" إلى "إدارة الحياة"

لفهم ميكانيكيات تحويل الإنسان إلى مادة بيولوجية، يجب أولاً تفكيك التحول التاريخي في طبيعة السلطة. يوضح ميشيل فوكو في تحليلاته لتاريخ الجنسانية أن السلطة السيادية القديمة كانت تتميز بحق "الإماتة أو الإبقاء على قيد الحياة". كان السيف هو رمز السلطة، والموت هو اللحظة التي تتجلى فيها سيادة الحاكم المطلقة.

بيد أنه مع صعود الرأسمالية والدولة الحديثة، انقلبت هذه المعادلة لتصبح السلطة معنية بـ "صناعة الحياة أو ترك الموت يحدث". هذا التحول، الذي "السلطة الحيوية" يعني أن الآليات السياسية بدأت تتدخل في العمليات البيولوجية للسكان، معدلات الولادة، الوفيات، الصحة العامة، والنظافة. لم تعد السلطة تمارس حكمها على "رعايا قانونيين"، بل على سكان" ككتلة بيولوجية". في هذا السياق، لا يُبرر القمع كعقاب قانوني، بل كإجراء "طبي" أو "وقائي" لحماية الجسد الاجتماعي من "العناصر الفاسدة". هذا المنطق هو الذي مهد الطريق لما يسميه فوكو "عنصرية الدولة"، حيث يصبح إقصاء أو إبادة مجموعات معينة شرطاً لزيادة حيوية وقوة المجموعة المهيمنة.

 "هومو ساكر" وإنتاج الحياة المستباحة

يأخذ الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين تحليل فوكو إلى مستوى أنطولوجي أعمق من خلال استعادة مفهوم من القانون الروماني الغامض: "هومو ساكر" أو الإنسان المستباح. هذا الشخص هو كائن مزدوج الإقصاء: لا يمكن تقديمه كأضحية للآلهة (لأنه نجس أو فاقد للقيمة الدينية)، وفي الوقت نفسه، فإن مَن يقتله لا يُعاقب بجريمة قتل (لأنه خارج حماية القانون الوضعي). إنه حياة يمكن قتلها دون ارتكاب جريمة جنائية، هذا ليس شذوذاً تاريخياً، بل هو "نوموس" (قانون) الفضاء الذي تصبح فيه "حالة الاستثناء" هي القاعدة الدائمة. في المعسكر، يتم تجريد الأفراد من جنسيتهم وهوياتهم السياسية ليتبقوا مجرد كتل بيولوجية خاضعة لسلطة مطلقة. الهدف النهائي للمعسكر ليس الموت بحد ذاته، بل إنتاج "الحياة العارية" بكميات صناعية. هنا، يتم تعليق القانون والأخلاق، ويصبح الإنسان "مادة" قابلة للتصرف، سواء للتجريب الطبي، العمل القسري، أو الإبادة.

سيكولوجية التجريد: بين "الحيوانية" و"الميكانيكية

لإتمام التحول من "مواطن" إلى "حياة عارية"، توظف الأنظمة القمعية آليات نفسية وتطورية لتجريد الضحايا من إنسانيتهم. تشير الأبحاث في علم النفس الاجتماعي إلى نمطين رئيسيين لهذا التجريد:

التجريد الحيواني: حيث يُنظر إلى الضحايا ككائنات تفتقر إلى الخصائص البشرية الفريدة مثل المنطق والثقافة. يتم استخدام استعارات مثل "الجرذان" أو "الصراصير" لتفعيل مشاعر القرف بدلاً من التعاطف، مما يبرر العنف كإجراء تطهيري.

التجريد الميكانيكي: حيث يُعامل البشر كآلات أو أدوات تفتقر إلى الدفء العاطفي والعمق النفسي. هذا النوع شائع في السياقات البيروقراطية والصناعية للمعسكرات، حيث يُمحى الاسم ويصبح السجين "رقماً" أو "وحدة عمل".

تُظهر الدراسات أن لغة التجريد هذه لا تسهل العنف "الأدائي" فحسب، بل تعطل أيضاً كوابح الردع الأخلاقي الطبيعية لدى الجلادين؛ فعندما تُصنّف الضحية خارج "النطاق الأخلاقي"، تسقط عنها القوانين التي تحكم التعامل البشري.

المنطقة الرمادية وسيكولوجيا التواطؤ القسري

في تحليله الرائد لتجربة أوشفيتز، اجترح بريمو ليفي مفهوم "المنطقة الرمادية" لتوصيف الفضاء الأخلاقي الغامض الفاصل بين الضحايا والجلادين. يرفض ليفي التبسيط المريح الذي يصور المعسكر كعالم منقسم بوضوح بين "أخيار" مطلقين و"أشرار" مطلقين، كاشفاً عن حقيقة مرعبة: لكي تنجو بيولوجياً في بيئة مصممة للإبادة، كان على السجناء غالباً الانخراط في درجات متفاوتة من التواطؤ مع النظام.

تشمل المنطقة الرمادية السجناء الذين قبلوا أدواراً صغرى (مثل "الكابو" أو أعضاء "السوندكوماندو") مقابل امتيازات بيولوجية ضئيلة:

 حصة إضافية من الحساء أو بضعة أيام إضافية من الحياة. يرى ليفي أن "الحكم الأخلاقي" التقليدي يتعطل في هذه المنطقة؛ إذ لا يمكن تطبيق معايير العالم الطبيعي على أفراد يواجهون ضغطاً بيولوجياً ساحقاً. ومع ذلك، فإن النظام النازي تعمد خلق هذه المنطقة ليس فقط لإدارة المعسكر، بل لتحقيق هدف شيطاني أعمق:

 تدنيس الضحية وتوريطها في جريمة تدميرها الذاتي، وسلبها حتى "براءة" الضحية.

استهداف الدورة الحياتية

تمتد يد السياسات الحيوية لتعبث بمراحل الدورة البيولوجية للإنسان:

اغتراب الطفولة:

 يمثل الأطفال "رأس المال البيولوجي" للمستقبل. في الأنظمة الشمولية، يُنظر للطفل كـ “مشروع سياسي" يجب فصله عن ولائه البيولوجي (الأسرة) وربطه بالدولة. تشير الدراسات إلى أن تحريض الطفل ضد والديه عبر التعليم المؤدلج والمنظمات الشبابية هو شكل من أشكال "الإساءة النفسية" التي تكسر الرابط البيولوجي-العاطفي، وتخلق جيلاً يدين بالولاء المطلق للسلطة، مجرداً من الحماية العاطفية الأسرية. وفي حالات الإبادة، يصبح قتل الأطفال استراتيجية "إبادة مستقبلية" لقطع نسل المجموعة الضحية.

الشيخوخة كـ "عبء إنتروبي":

 في الطرف الآخر من الدورة، يواجه المسنون خطر التصنيف كـ "حياة غير جديرة بالحياة". وفق المنطق النفعي للدولة (حيث القيمة = الإنتاج)، يُعتبر المسن مستهلكاً للموارد دون مساهمة وحتى في المجتمعات الحديثة، تشير دراسات "الإقصاء الأخلاقي" إلى ميل المجتمع لعزل الشيخوخة، مما يسهل عملية "التخلص" من المسنين في أوقات الأزمات بناءً على معايير "الحيوية البيولوجية" فقط.

الإنتروبيا الأخلاقية ومقاومة التحلل النفسي

يمكن استعارة مفهوم "الإنتروبيا" من الديناميكا الحرارية لتفسير التحلل النفسي تحت القمع. فكما تميل الأنظمة الفيزيائية نحو الفوضى ما لم تُبذل طاقة للحفاظ على النظام، فإن النفس البشرية كنظام قيمي تتطلب طاقة هائلة للحفاظ على تماسكها. في البيئات القمعية، يتم قطع مصادر هذه الطاقة (عبر العزل، والحرمان الحسي، والجوع)، مما يؤدي إلى "إنتروبيا نفسية" متسارعة.

المقاومة كفعل تطوري

من منظور تطوري، لا يُعد المعنى والأخلاق نقيضين للبقاء، بل هما "تكيّفات عليا". في البيئات التي تعجز الغرائز الفردية عن التعامل معها، يصبح "العقل الجماعي" و"الهدف المشترك" أدوات البقاء الأقوى. تحاول الأنظمة القمعية إعادة الإنسان إلى مرحلة "ما قبل التطور الاجتماعي"، بينما تكمن المقاومة في الإصرار على البقاء في "المرحلة الإنسانية"، حيث التعاطف والكرامة هما آليات النجاة الحقيقية. إن الصراع بين البقاء بيولوجياً والبقاء إنساناً ليس ترفاً نظرياً، بل هو المعركة اليومية لكل من يرزح تحت وطأة القمع. تكشف لنا هذه الدراسة أن التحول إلى "حياة عارية" ليس قدراً محتوماً. فمن خلال فهم آليات السياسات الحيوية، والتمسك بما أسماه فيكتور فرانكل "الإرادة للمعنى"، يمكن للفرد ابتكار مساحات للمقاومة؛ حيث لا يكون الهدف مجرد التنفس، بل الشهادة على الحقيقة، والحفاظ على صورة الإنسان في مواجهة محاولات محوها.

***

غالب المسعودي

..........................

قائمة المراجع (References)

المصادر الفلسفية والنظرية (فكر سياسي)

Internet Encyclopedia of Philosophy (IEP). Agamben, Giorgio. Retrieved from: [iep.utm.edu]

Agamben, Giorgio. Homo Sacre: Sovereign Power and Bare Life. The Thing. Retrieved from: [thing.net]

Critical Legal Thinking. Michel Foucault: Biopolitics and Biopower. Retrieved from: [criticallegalthinking.com]

Schutz, A. The Power to Kill Life Itself: Michel Foucault, Biopolitics, and the Political Challenge of Human Extinction. Perspectives on Politics, Cambridge Core. Retrieved from: [cambridge.org]

Foucault, Michel. The Government of Living Beings. University of Warwick. Retrieved from: [warwick.ac.uk]

Hansen, Sarah K. Zoe, Bios, and the Language of Biopower. (“Zoe, Bios and the Language of Biopower - Wiki data”) Dissertation, Vanderbilt University. Retrieved from: [core.ac.uk]

دراسات الهولوكوست وعلم النفس (المنطقة الرمادية والتجريد)

Brill. Finding Man in Der Musselman: The Use & Abuse of the Walking Dead. Retrieved from: [brill.com]

Digital Commons New Haven. An Interdisciplinary Analysis of Dehumanization during the Holocaust. Retrieved from: [digitalcommons.newhaven.edu]

Starr, RJ. The Psychology of Dehumanization and Moral Disengagement. Retrieved from: [profrjstarr.com]

أبحاث علم النفس والسلوك (الضغط النفسي والعنف)

National Institutes of Health (NIH) - PMC. "Stress potentiates decision biases: A stress induced deliberation-to-intuition (SIDI) model." (“Papers by topic | yulab”) Retrieved from: [pmc.ncbi.nlm.nih.gov]

National Institutes of Health (NIH) - PMC. Dehumanization increases instrumental violence, but not moral violence. Retrieved from: [pmc.ncbi.nlm.nih.gov]

Construction of Identities. Homo Sacre: Sovereign Power and Bare Life. Retrieved from: [construcciondeidentidades.wordpress.com]

 

في واقعنا المعاصر يبدو سؤال المعنى أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، وهو سؤال لم يعد يُطرح بمعزل عن ما عرفه التاريخ من تحولات كبرى في ميدان الفكر الإنساني. فالمعنى الذي كان يتشكل في الحضارات التقليدية تحت مظلة المرجعيات الدينية أو الأسس الميتافيزيقية، أصبح اليوم يتأرجح بين فقدان الإله كما أعلن نيتشه، وبين صرخة الإنسان الباحث عن ذاته في عالم يتسم باللايقين. نيتشه لم يقصد بالموت الإلهي انقراض العقائد الدينية فحسب، بل أشار إلى انهيار منظومة القيم المطلقة التي كانت تضمن للإنسان إحساسه بالاستقرار الأخلاقي والمعرفي. في هذا السياق، يصبح السؤال عن القيم وعن المعنى سؤالا عن قدرة الإنسان على تأويل ذاته والعالم دون الاستناد إلى مطلق خارجي، أو عن إمكانية استبدال المرجعيات الميتافيزيقية بأخرى ذاتية أو اجتماعية.

المعنى لم يعد اليوم ثابتا، بل صار نسبيا ومتغيرا بحسب التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحيط بالإنسان الحديث. كما كانت القيم تقف على قواعد متينة، من الوحي إلى القانون الطبيعي، ومن التقاليد المجتمعية إلى الفلسفة الأخلاقية الكلاسيكية، غير أن الحداثة وما بعدها جلبت معها تقويضا منهجيا لكل هذه المرجعيات. فهايدغر في تأمله حول "الوجود والزمان"، يطرح الإنسان في كونه "كائنا نحو الموت"، كيانا مفتوحا على عدمية محتملة، حيث تتكشف قيمة الأشياء فقط في ضوء خبرة الفرد ومعايشته الخاصة للعالم. وهذا التحول يعيد النظر في القيم ليس كمجموع قواعد خارجية مفروضة، بل كحركة ديناميكية ترتبط بالوعي الإنساني وقدرته على التأمل والتساؤل.

الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر من جانبه، يذهب أبعد من ذلك في تأكيد أن الإنسان "محكوم بالحرية"، أي أنه مسؤول عن خلق القيم والمعنى بنفسه، إذ ليس هناك أي أساس مسبق يمنحه شرعية الأخلاق أو الغاية للوجود. في هذا السياق، يصبح السؤال عن المعنى سؤالا وجوديا قبل أن يكون أخلاقيا أو اجتماعيا، لأن أي محاولة لفرض قيم خارجية تُعَدّ تزييفا للحرية الذاتية. ويظهر الصراع الوجودي بين عبء الحرية الإنسانية وبين الرغبة العميقة في الاستقرار والاطمئنان الذي كانت توفره القيم التقليدية.

لكن هل يعني موت الإله بالضرورة فراغ المعنى؟ وهل يضطر الإنسان إلى الانغماس في الاغتراب أو اليأس؟ فلسفيو ما بعد الحداثة يقدمون رؤية أكثر تعددية ومرونة. فميشيل فوكو على سبيل المثال، يسلط الضوء على أن القيم ليست مطلقة ولا فطرية، بل هي نتاج تاريخي، محكوم بالسلطة والمعرفة. إنما القيم هنا ليست مجرد قواعد أخلاقية، بل هي أدوات تصنع الهوية وتحدد العلاقات الاجتماعية والسياسية. هذه الرؤية تقود إلى فهم المعنى كشبكة من العلاقات المؤقتة والاشتراطات التاريخية، وليس كحقيقة ثابتة تنتظر من الإنسان اكتشافها.

وفي مقابل هذا النهج، تأتي فلسفات التحليل القيمي الغربية، مثل أعمال هيربرت ماركوز في نقد الحداثة الرأسمالية، لتطرح سؤال العدالة والقيم في سياق اجتماعي وسياسي، حيث يصبح المعنى مرتبطا بالمقاومة والتحرير، لا بالوجود الفردي فقط. فالإنسان الحديث في هذه الرؤية، لا يسعى فقط إلى تأويل ذاته، بل إلى بناء عالمٍ يُمكّن القيم من التحقق في حياة اجتماعية وعملية. وهذا المعنى لا ينحصر في التجربة الفردية للوعي، بل يمتد إلى تفاعل الإنسان مع محيطه ومع جماعاته، مما يجعل السؤال عن القيم سؤالا عن إمكان التغيير وعن حدود الحرية في مجتمع مُهيمن على قواعد السلطة والمعرفة.

أما في الفلسفات الأخلاقية المعاصرة، مثل فلسفة ألبير كامو فنجد أن العبث كما يصفه، يصبح محورا لفهم المعنى. العبث يولد من التناقض بين رغبة الإنسان في إيجاد معنى مطلق للعالم وبين عالم يفتقر إلى أي غاية محددة. لكن من هنا أيضا تنبع حرية الإنسان، أي حرية قبول العبث والعمل به رغم غياب المطلق. فالمعنى في هذا الإطار، لا يُنتَزع من الخارج، بل يُصنع من الداخل، من التجربة الفردية ومن القدرة على مواجهة الفوضى دون الانكسار.

في هذا السياق، يصبح السؤال عن القيم سؤالا عن القدرة على الاجتهاد الإنساني، أي القدرة على إعادة تأويل المعايير الأخلاقية والاجتماعية بطريقة تتيح للإنسان العيش في عالم متعدد الأبعاد. فالفلسفة المعاصرة لا تقدم وصفا نهائيا للقيم، بل تحفز على التفكير النقدي في كل قيمة، وتطرح التساؤل الدائم عن شرعيتها، ومدى قابليتها للتطبيق في سياق متغير ومتسارع. إن القيم ليست عابرة فقط لأنها قابلة للتغيير، بل لأنها تتأسس على وعي الإنسان بذاته وعلاقته بالعالم وبالآخرين.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال إسهامات الفكر النسوي في إعادة طرح سؤال القيم والمعنى، حيث تشير الفلسفات النسوية المعاصرة، مثل أعمال جوليا كريستيفا وسيمون دي بوفوار، إلى أن القيم التقليدية غالبا ما تعكس بنية السلطة الأبوية وتفرض قيودا على حرية الإنسان، وخصوصا المرأة. إن إعادة التفكير في القيم الأخلاقية والاجتماعية لا تهدف فقط إلى التحرر من القيود، بل تهدف أيضا إلى توسيع أفق المعنى وإعادة توزيع القوة بما يجعل الحياة أكثر عدالة وشمولية.

إن قراءة هذه الاتجاهات الفلسفية المختلفة توضح أن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان لم يعد مفهوما ثابتا أو موضوعا يمكن تحديده بمعزل عن التاريخ والثقافة والسياق الاجتماعي. المعنى أصبح عملية مستمرة، تتشكل في الحوار بين الإنسان والعالم والذات والآخر، وبين الحرية والقيود والفعل والمعرفة. وهكذا تتلاقى تساؤلات الوجود والحرية والعدالة والعبث لتشكل نسيجا معقدا، يجعل كل محاولة لتحديد القيم نهائيا مجرد خيال مؤقت.

في هذا الفضاء الفكري، يظهر التحدي الأكبر للإنسان المعاصر، كيف يمكن أن يعيش معنى حقيقيا في عالم غاب فيه الإله أو تقلصت المرجعيات المطلقة، وكيف يمكن للقيم أن تستمر في توفير إطار للتوجيه الأخلاقي والاجتماعي دون أن تتحول إلى قيود على الحرية الفردية؟ هنا تتجلى الحاجة إلى فلسفة قادرة على استيعاب التوتر بين الحرية والالتزام والوعي الفردي والتحولات التاريخية، وبين الفعل والمرجعية، وهو التحدي الذي يشغل معظم الفلاسفة والمفكرين المعاصرين.

في السياق نفسه، تصبح مسألة المعنى مرتبطة أيضا بالتحولات الثقافية والتقنية التي عرفها العالم المعاصر. فالعولمة والانفتاح المعلوماتي والهيمنة الرقمية على مجالات الحياة، أعادت تشكيل طريقة فهم الإنسان لعلاقته بالعالم وبقيمه. وهكذا لم يعد الإنسان المعاصر يعيش فقط في إطار الواقع المادي، بل في فضاء مركب من الرموز والصور والشبكات الافتراضية التي تفرض عليها قيما جديدة، أحيانا غير مألوفة وأحيانا متناقضة. هذا التحول يجعل السؤال عن المعنى سؤالا عن التكيف مع بيئة لا تعرف الثبات، وعن القدرة على إعادة تأسيس القيم بما يتلاءم مع متغيرات هذه البيئة، دون الوقوع في الفوضى أو اليأس.

هنا يظهر الفرق الجوهري بين الفلسفات التي تبحث عن المعنى في الخارج، مثل التقاليد الدينية أو الميتافيزيقية، والفلسفات التي تعتبر المعنى إنتاجا إنسانيا، يتم إنشاؤه في عملية مستمرة من التفاعل بين الفرد والمجتمع. فكانط على سبيل المثال، قدّم مفهوم العقل العملي الذي يتيح للإنسان وضع قوانينه الأخلاقية المستقلة، بينما سارتر لاحقا جعل هذا الفعل الخلاق للمعنى أمرا مطلق الحرية. هكذا يصبح الإنسان ليس مجرد كائن يبحث عن معنى، بل كائن مسؤول عن خلقه. ومع ذلك فإن المسؤولية المصاحبة لهذه الحرية ليست سهلة، لأنها تصطدم دوما بالتناقض بين رغبة الفرد في اليقين وبين الطبيعة الغامضة وغير النهائية للوجود.

وفي هذا الإطار، تقدم الفلسفة التحليلية للأخلاق، كما عند روس وروي هارت، نوعا من التفصيل النقدي للمعنى والقيم، بحيث يتم تقييم القيم وفقا لقدرتها على توجيه السلوك في سياقات محددة، وليس وفقا لمطلقات أخلاقية غائبة عن التجربة الواقعية. إن هذه الرؤية تعزز من فكرة أن المعنى ليس كائنا في العالم بذاته، بل هو عملية مستمرة من التفسير والتأويل، تتطلب وعيا نقديا مستمرا واستعدادا لقبول تعددية القيم وتناقضاتها.

في مقابل هذا، يبرز السؤال النسوي كعامل موازن في إعادة بناء القيم. حيث تشير الدراسات النسوية إلى أن العديد من القيم التقليدية تعكس بنية السلطة وتهميش الفئات الأكثر ضعفا، وهو ما دفع نساء وفلاسفة نسويون إلى إعادة النظر في كل القيم، لتصبح أكثر شمولية وعدالة. جوليا كريستيفا وسيمون دي بوفوار على حد سواء أبرزتا أن حرية الفرد وبخاصة حرية المرأة، لا تتحقق إلا إذا تمت إعادة تشكيل القيم بما يضمن المساواة والاعتراف بالتجربة الإنسانية الكاملة، وليس فقط بتجارب النخب أو الذكور.

الفلسفات ما بعد الحداثة تسهم كذلك في فهم المعنى بوصفه عملية ديناميكية لا يمكن حصرها في منظور واحد. دراسات ميشيل فوكو حول السلطة والمعرفة تكشف أن القيم ليست مجرد أدوات أخلاقية، بل هي أدوات قوة تعكس العلاقات الاجتماعية، وبالتالي فإن إعادة التفكير في القيم يجب أن تأخذ بعين الاعتبار التوازن بين الفرد والمجتمع، وبين الحرية والقيود المفروضة من قبل الهياكل السياسية والثقافية. وهذه الرؤية تجعل من السؤال عن المعنى مشروعا مستمرا من النقد والمراجعة، يتطلب وعيا بالتحولات التاريخية والثقافية دون الانغماس في النسبية المفرطة التي تلغي أي أساس للتمييز بين الصواب والخطأ.

وبالانتقال إلى سياق أكثر وجودية، يقدم ألبير كامو نموذجا للإنسان الذي يواجه عبث العالم، لكنه لا يرضخ له، بل يسعى إلى خلق معنى في مواجهة الفراغ المطلق. إن ما يميز رؤية كامو هو أنها تقر بأن المعنى ليس مسبقا أو مفروضا، بل إنه نتيجة فعل الإنسان، وهو فعل شجاع يتطلب مواجهة القلق والاغتراب، وبالتالي تحويل العبث إلى مصدر للإبداع والمعرفة الذاتية. هكذا، يظهر المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان كعملية مستمرة من المواجهة، وليس كحقيقة جاهزة يمكن اكتشافها.

إضافة إلى ذلك، تقدم الفلسفات التحليلية النقدية كما عند هابرماس، منظور العقل التواصلي، حيث يربط المعنى بالقيم الاجتماعية المشتركة التي يتم إنتاجها من خلال الحوار. فبدلاً من البحث عن مرجعية مطلقة خارج التجربة الإنسانية، يتم بناء المعنى والقيم عبر العملية التواصلية والتفاعل بين الأفراد والجماعات، بحيث يصبح التوافق على القيم شرطًا لإمكانية وجود حياة اجتماعية متماسكة. وهذا المنهج يعزز فكرة أن المعنى ليس مسألة ذاتية فحسب، بل مسألة اجتماعية تتطلب مشاركة واعية ومسؤولية جماعية، وهو ما يوفر بدوره أسسا للتعايش في عالم متعدد الثقافات والمرجعيات.

إن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان لم يعد مجرد مسألة فلسفية نظرية، بل أصبح ضرورة عملية لحياة الإنسان في عالم معولم ومتغير. فالإنسان المعاصر مضطر إلى بناء قيمه ومعناه بنفسه، مع مراعاة السياق الاجتماعي والتاريخي، واستيعاب الاختلاف والتعددية وتقبل العبث واللاإكتمال، مع السعي في الوقت نفسه للحفاظ على أساس للتعايش العادل والمستدام. وهكذا، تظهر الحاجة إلى فلسفة قادرة على الجمع بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية، بين الإبداع الذاتي والاعتراف بالتاريخ والثقافة، والفكر النقدي والقدرة على اتخاذ القرارات الأخلاقية العملية.

إن هذه العملية المعقدة تجعل من القيم ليس مجرد قواعد ثابتة، بل أدوات للتوجيه والتفاعل، تتشكل وتتغير بحسب خبرة الإنسان وتفاعله مع العالم، وهي بذلك تمنح الإنسان القدرة على إعادة تأويل حياته ومعايشة معناه في كل لحظة. يظل السؤال عن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان سؤالا مفتوحا، يتطلب حضور العقل النقدي ووعي الإنسان بذاته، وقدرته على مواجهة التحديات المعاصرة دون فقدان الإحساس بالقيمة والغاية.

إن ما قد نصل إليه بعد هذا التأمل الفكري هو أن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان ليس حالة سلبية من الفراغ أو اليأس، بل هو فرصة لإعادة تصور العلاقة بين الإنسان والقيم والفرد والمجتمع، وبين الحرية والمسؤولية. فالحقيقة التي يسلط الضوء عليها الفلاسفة المعاصرون هي أن أي محاولة لإعادة فرض قيم خارجية أو مطلقة، سواء كانت دينية أو ميتافيزيقية، لن تحقق الهدف المنشود من حيث الإشباع الوجودي، بل قد تؤدي إلى صدام مع الحرية الفردية، وغياب الاعتراف بالاختلاف والتنوع. وهذا ما يؤكده سارتر حين يقول بأن الإنسان "محكوم بالحرية" ولكنه أيضا "محكوم بالمسؤولية"، أي أن حرية خلق القيم والمعنى مرتبطة دوما بعبء الاعتراف بالآخر واحترام تاريخه وخبرته وسياقه.

إذا عدنا إلى هيدغر، نجد أن الإنسان "كائن نحو الموت"، وهذا التذكير المستمر بالحدود النهائية للوجود هو ما يتيح للمعنى أن يتحقق في كل فعل واعٍ. المعنى هنا ليس مطلقا أو جاهزا، بل هو نتيجة التفاعل بين الإنسان وحالته الوجودية ووعيه بذاته وبالعالم، وبين قراره المستمر في مواجهة الفراغ واللاإكتمال. وهذا ما يجعل عملية بناء المعنى عملية نقدية دائمة، تتطلب التأمل والمواجهة والقدرة على إعادة تقييم القيم بحسب التغيرات التاريخية والثقافية.

إحدى القضايا الجوهرية التي تبرز في هذا السياق هي قضية العدالة والقيم الأخلاقية في المجتمعات المعاصرة. فكما يرى هابرماس، لا يمكن للمعنى أن يتحقق خارج الفضاء التواصلي الذي يسمح بالحوار العقلاني والنقدي بين الأفراد. القيم هنا ليست مجرد أدوات للسيطرة أو التنظيم الاجتماعي، بل هي شروط لتكوين مجتمع قادر على التعايش والاعتراف بالاختلاف. هذه الفكرة تتلاقى مع نقد ميشيل فوكو للسلطة والمعرفة، حيث تتضح أن القيم والمعنى مرتبطان دوما بعلاقات القوة، وأن مهمة الفلسفة هي الكشف عن هذه الديناميات وتطوير وعي نقدي يمكن الإنسان من التحرر من القيود الظالمة، دون فقدان أي إمكانية للعيش المشترك.

وفي إطار الفلسفة النسوية، يصبح السؤال عن المعنى مرتبطا أيضا بتحرير الأفراد من القيود التقليدية التي تحدد دورهم في المجتمع. فالحرية هنا ليست مجرد حرية تفكير، بل حرية في إعادة صياغة القيم بما يتيح لكل فرد وخاصة المرأة، من حيث المشاركة الكاملة في بناء العالم وفهم المعنى وفق تجربة خاصة. وإعادة تفسير القيم بما يضمن الشمولية والعدالة التي قد تضيف بعدا أخلاقيا مهما لسؤال المعنى، فهو يربطه بالمسؤولية تجاه الآخر وبالإمكانية العملية للعيش المشترك.

من جهة أخرى، يعيدنا التفكير في المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان إلى مسألة العبث التي طرحها ألبير كامو. العبث ليس نهاية الطريق، بل بداية لمشروع وجودي يمكن الإنسان من مواجهة الفراغ وإنتاج المعنى من داخله. القدرة على صناعة المعنى رغم غياب المطلق هي التي تمنح الحياة قيمتها، وليست الإشارات إلى الحقائق المطلقة أو العقائدية. هذا يتطلب وعيا بالذات وبالعالم، وقبولا بعدم اكتمال أي نظام قيمي، مع التمسك في الوقت نفسه بقدرة الإنسان على العمل والتغيير وعلى الإبداع.

إن هذا الجمع بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية، والقدرة على إنتاج المعنى في سياق متعدد الأبعاد هو ما يجعل الفلسفة المعاصرة رصينة وعملية في آن واحد. فهي لا تهدف فقط إلى تفسير الواقع أو وصفه، بل تهدف إلى تطوير أدوات الإنسان لخلق معنى قابل للعيش فيه، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. وفي هذا الإطار، تصبح القيم ليست مجرد قواعد تقليدية، بل أدوات نقدية وعمليّة، تسمح للإنسان بمواجهة التحديات المعاصرة، من العولمة إلى التحولات الرقمية، ومن الصراعات الثقافية إلى التعددية الأخلاقية.

إن الخلاصة التي يمكن استخلاصها هي أن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان ليس غيابا للقيم، بل تحولا في فهمها وفي كيفية إنتاجها. القيم لم تعد خارجة عن الإنسان، بل هي نتاج وعيه وفاعليته، وهي مرتبطة بالقدرة على الاجتهاد والتأمل النقدي والاعتراف بالآخر حيث يمكن للإنسان أن يجد معنى لحياته حتى في عالم يفتقر إلى مطلقات ميتافيزيقية، وذلك من خلال فهمه للحرية والمسؤولية، من خلال مشاركته في الحياة الاجتماعية، ومن خلال تصوره للقيم كأدوات للإبداع والتغيير.

يظل السؤال عن المعنى سؤالا مفتوحا، يتطلب من الإنسان المعاصر حضور العقل النقدي ووعي الذات والتفاعل المسؤول مع العالم، مع القدرة على مواجهة التحديات المتجددة دون فقدان القدرة على الإبداع وعلى التغيير وعلى العيش بمعنى. فالمعنى بعد الإله أو بعد الإنسان، ليس مجرد اكتشاف بل هو صناعة مستمرة وتجربة متجددة، ومسار نقدي لا ينتهي، يجعل الإنسان مسؤولا عن ذاته وعن العالم الذي يعيش فيه، مع كل تعقيداته وتناقضاته، ومع كل الفرص التي يتيحها لتجاوز حدود اليقين التقليدي وإعادة صياغة القيم والمعنى في ضوء الحرية والعدالة والوعي الإنساني.

هكذا نصل إلى رؤية فلسفية قد تكون شاملة مجملها : أن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان ليس فراغا، بل فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والقيم، وفرصة لإعادة بناء تجربة الوجود بطريقة نقدية مسؤولة ومرنة، بحيث يكون الإنسان في كل لحظة صانعا للمعنى وفاعلا فيه، لا مجرد متلقي أو مقلد، وهو بذلك يعيش الوجود بحقيقة واعية متفاعلة ومبدعة، قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة وإنتاج القيم والمعنى في كل تجربة حياتية.

***

د. حمزة مولخنيف

مقاربة استئنافية

مقدمة: في عالم يتسارع فيه التقدم التكنولوجي والتغيرات الاجتماعية، يبرز التفكير الفلسفي كأداة أساسية لفهم الوجود البشري. العبارة "التفكير الفلسفي الحاذق هو محاولة البدء من جديد" تلخص جوهر الفلسفة كعملية إعادة بناء المعرفة من أساسها، بعيدًا عن الافتراضات المسبقة والتقاليد الموروثة. هذه العبارة، التي تتردد في سياقات فلسفية عربية وغربية، تعكس فكرة أن الفلسفة ليست مجرد تكرار للأفكار القديمة، بل هي جهد حاذق – أي ذكي ومتبصر – لإعادة النظر في الواقع من نقطة الصفر.  تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذه الفكرة بشكل موسع، من خلال تحليل تاريخي ونظري. سنبدأ بتتبع أصول التفكير الفلسفي، ثم نناقش مفهوم "الحذق" في السياق الفلسفي، وأخيرًا نستعرض كيف يمثل هذا التفكير محاولة للبدء من جديد في مواجهة التحديات المعاصرة. الدراسة تعتمد على مصادر فلسفية كلاسيكية وحديثة، مع التركيز على السياق العربي-إسلامي لتعزيز الصلة الثقافية.

أصول التفكير الفلسفي: من اليونان إلى العصر العربي الإسلامي

يُعد التفكير الفلسفي نشاطًا بشريًا قديمًا، يعود إلى حضارات مثل الفراعنة واليونانيين. كما يشير بعض الباحثين، فإن الفلسفة لا بداية لها ولا تاريخ محدد، إذ كانت موجودة في أشكال أولية عند الفراعنة قبل أن تتبلور في اليونان.  في اليونان، كان سقراط (470-399 ق.م) رائدًا في هذا التفكير الحاذق، حيث اعتمد على المنهج الجدلي (المايوتيكا) لإعادة الولادة الفكرية، محاولًا استخراج الحقيقة من خلال السؤال المستمر. يرى سقراط أن التفكير الحقيقي يخاطب العقل للوصول إلى الحقيقة المجردة، بعيدًا عن الغرائز والشهوات، مما يجعله محاولة للبدء من جديد ضد التقاليد السفسطائية. في السياق العربي-إسلامي، انتقل هذا التفكير عبر الترجمات والتأليفات. الفلاسفة مثل ابن سينا (980-1037 م) وابن رشد (1126-1198 م) طوروا التفكير الفلسفي كعملية نقدية، حيث سعوا إلى التوفيق بين العقل والنقل. على سبيل المثال، في "الشفاء" لابن سينا، يُعاد بناء المعرفة من أساسها العقلي، مما يعكس فكرة البدء من جديد. هذا التفكير الحاذق في العصر الإسلامي كان خروجًا على المألوف، يبحث عن الحقيقة بعيدًا عن الاعتقادات الشائعة.  كما أن الفلسفة الإسلامية أكدت على أن التفكير العقلاني هو الأسلوب الصحيح للنقد، متجاوزًا الشك المذهبي إلى بناء معرفة جديدة.

مفهوم "الحذق" في التفكير الفلسفي

"الحذق" في اللغة العربية يعني الذكاء والتبصر، وفي السياق الفلسفي، يشير إلى التفكير النقدي الذي يتجاوز السطحي. التفكير الفلسفي الحاذق ليس حفظًا للمذاهب، بل منهج في النظر إلى الأمور، يبدأ بالتحرر من الوصايات والبداهات غير البديهية.  هذا المفهوم يتردد في الفلسفة الحديثة، كما عند رينيه ديكارت (1596-1650 م) في "تأملات في الفلسفة الأولى"، حيث يبدأ من الشك المنهجي ليصل إلى "أنا أفكر إذن أنا موجود"، محاولة لبدء من جديد بعيدًا عن الافتراضات. في الفلسفة المعاصرة، يعكس جيل دولوز (1925-1995 م) هذه الفكرة في "ما هي الفلسفة؟"، حيث يرى الفلسفة كاختراع مفاهيم جديدة، محاولة للبدء من جديد ضد الرأسمالية والاستهلاك. أما مارتن هيدجر (1889-1976 م)، فيؤكد في "الوجود والزمن" على "التفكير الأصيل" كعودة إلى الأساسيات، محذرًا من أن عصرنا يفتقر إلى التفكير الحقيقي. في السياق العربي، يواجه التفلسف تحديات مثل الاتهامات بالكفر، مما يجعل الحذق ضروريًا لإعادة بناء الفكر بعيدًا عن التقاليد الجامدة. التفكير الحاذق يتجلى أيضًا في التفريق بين التفكير الداخلي (الصامت) والخارجي (اللغوي)، حيث يعبر الثاني عن الأول ليبني واقعًا جديدًا.  هذا يجعل الفلسفة نشاطًا ديناميكيًا، لا موضوعًا ثابتًا، كما يقول برتراند راسل في "مشكلات الفلسفة".

التفكير الفلسفي كمحاولة للبدء من جديد: التحديات المعاصرة

في العصر الحديث، يمثل التفكير الفلسفي الحاذق محاولة للبدء من جديد أمام التحديات مثل العولمة والذكاء الاصطناعي. الفيلسوف الفرنسي آلان باديو يرى الفلسفة كأداة لتبيان الحقائق ومنح الشجاعة للناس، محاولة لإعادة "انوجاد" الوجود في عالم يسيطر عليه الوهم.  في السياق العربي، يواجه التفلسف مأزقًا بسبب الإرث الاستعماري والانقسامات، لكنه يظل ضروريًا لإعادة بناء الهوية. على سبيل المثال، في علم الاجتماع، يرتبط التفكير الفلسفي بفهم العلل الأولى للأشياء، محاولة لفصل الحق من الوهم.  هذا يتطلب نقدًا للأنماط السائدة، كما في فلسفة فرانكفورت، حيث يُعاد التفكير في المجتمع من جديد. مع انتشار الذكاء الاصطناعي، يصبح التفكير الحاذق ضروريًا لإعادة تعريف الإنسانية، محاولة لبدء من جديد ضد الآلة.

ديكارت واستئناف البدء

رينيه ديكارت (1596-1650 م)، الفيلسوف الفرنسي الشهير، يُعتبر أحد أعمدة الفلسفة الحديثة، وغالباً ما يُلقب بـ"أبي الفلسفة الحديثة". فلسفته تمثل تحولاً جذرياً عن الفلسفة المدرسية السائدة في العصور الوسطى، حيث سعى إلى بناء نظام معرفي قائم على العقل والشك المنهجي، بعيداً عن السلطات التقليدية مثل أرسطو أو الكنيسة. العبارة الشهيرة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" تلخص جوهر فلسفته، لكنها مجرد نقطة انطلاق في بناء معماري فلسفي يشمل المعرفة، الوجود، الله، والعلاقة بين العقل والجسد. تهدف هذه التوسعة إلى استئناف البدء في فلسفة ديكارت بشكل موسع ومسترسل، من خلال تحليل أبرز أفكاره، سياقها التاريخي، وتأثيرها على الفكر اللاحق. سنعتمد على أعماله الرئيسية مثل "خطاب في المنهج" (1637 م)، "تأملات في الفلسفة الأولى" (1641 م)، و"مبادئ الفلسفة" (1644 م)، مع التركيز على الجوانب النظرية والتطبيقية. هذا التوسع ليس مجرد سرد تاريخي، بل تحليل نقدي يبرز كيف أن فلسفة ديكارت تمثل محاولة للبدء من جديد في التفكير الفلسفي، كما في مقاربة العقلانية والشك. ولد ديكارت في فرنسا في عصر النهضة والإصلاح الديني، حيث كانت أوروبا تشهد صراعات دينية وعلمية. تأثر بتعليمه اليسوعي في كلية لا فليش، لكنه سرعان ما رفض المناهج التقليدية، معتبراً إياها غير موثوقة. خدم في الجيش الهولندي، ثم سافر إلى ألمانيا حيث رأى في عام 1619 "رؤيا" ألهمته بفكرة المنهج العلمي الموحد. استقر في هولندا ليهرب من الرقابة الكنسية، وتوفي في السويد بعد دعوة من الملكة كريستينا.في سياقه التاريخي، جاءت فلسفة ديكارت كرد فعل على الشكوكية المتطرفة لمونتاني وتأثير الثورة العلمية (غاليليو، كبلر). سعى ديكارت إلى إعادة بناء المعرفة على أسس صلبة، مستوحى من الرياضيات، حيث رأى فيها نموذجاً لليقين. هذا السياق يفسر لماذا كانت فلسفته مزيجاً بين الفلسفة والعلم، مما أثر على نيوتن وكانط لاحقاً. يبدأ ديكارت فلسفته بالشك المنهجي، وهو ليس شكاً سلبياً بل أداة للوصول إلى اليقين. في "التأملات"، يقسم الشك إلى مراحل: أولاً، شك في الحواس لأنها قد تخدع (مثل الوهم البصري)؛ ثانياً، شك في الواقع مقابل الحلم؛ ثالثاً، افتراض "شيطان خبيث" يخدعنا في كل شيء، بما في ذلك الحقائق الرياضية البسيطة مثل 2+3=5.هذا الشك ليس نهاية، بل بداية: من خلاله، يصل ديكارت إلى اليقين الأول: "أنا أفكر، إذن أنا موجود". هنا، يبرز العقل كأداة وحيدة للمعرفة، حيث أن الشك نفسه يثبت وجود الشاك (العقل). هذا الـ"كوجيتو" يمثل نقطة الصفر في الفلسفة الحديثة، محاولة للبدء من جديد بعيداً عن الافتراضات. النقاد مثل نيتشه رأوا فيه فردانية مفرطة، بينما يمدحه هيغل كأساس للفلسفة المثالية.

بعد الـ"كوجيتو"، ينتقل ديكارت إلى إثبات وجود الله كضمان للمعرفة. يقدم ثلاث براهين: الأولى أنطولوجية (مثل أنسلم)، حيث فكرة الكائن الكامل (الله) تشمل الوجود؛ الثانية كوزمولوجية، حيث يجب أن يكون هناك سبب كامل لفكرة الكمال في ذهني؛ الثالثة تعتمد على أن الله غير مخادع، لذا يضمن صدق المعرفة الواضحة والمتميزة.بهذا، يستعيد ديكارت الثقة في العالم الخارجي: الحواس موثوقة إذا استخدمناها بحذر، والرياضيات يقينية لأنها واضحة. هذا الجانب الديني في فلسفته يعكس سياقه الكاثوليكي، لكنه أثار انتقادات من الكنيسة، مما أدى إلى وضع أعماله في قائمة الكتب الممنوعة عام 1663. في التوسع، يمكن رؤية هذا كجسر بين العقلانية واللاهوت، مؤثراً على سبينوزا الذي طوره إلى بانثيسم. أحد أبرز مساهمات ديكارت هو الازدواجية (الديواليزم)، حيث يقسم الوجود إلى جوهرين: الجوهر المفكر (العقل، res cogitans) غير الممتد، والجوهر الممتد (الجسد، res extensa) المادي. العقل حر وغير خاضع للقوانين الفيزيائية، بينما الجسد آلة ميكانيكية تخضع لقوانين الطبيعة.في "العواطف النفسية" (1649 م)، يشرح ديكارت كيف يتفاعل العقل والجسد عبر الغدة الصنوبرية في الدماغ، لكن هذا أثار مشكلة "التفاعل": كيف يؤثر غير المادي على المادي؟ النقاد مثل جيلبرت رايل وصفوها بـ"الشبح في الآلة"، بينما أثرت على علم النفس الحديث، مثل فرويد. في التوسع، تظل هذه الازدواجية محور نقاشات فلسفة العقل المعاصرة، خاصة مع الذكاء الاصطناعي الذي يتحدى فكرة العقل غير المادي  لم تقتصر فلسفة ديكارت على الميتافيزيقا؛ في "خطاب في المنهج"، يقدم أربع قواعد للمنهج: عدم قبول إلا الواضح، تقسيم المشكلات، ترتيب الأفكار من البسيط إلى المعقد، والمراجعة الشاملة. هذا المنهج أثر على العلم الحديث، حيث طور ديكارت الهندسة التحليلية (الإحداثيات الديكارتية)، رابطاً الجبر بالهندسة.في الفيزياء، رأى الكون كآلة ميكانيكية، مع قوانين الحركة التي ألهمت نيوتن. هذا التوسع العلمي يجعل ديكارت فيلسوفاً متعدد التخصصات، لكنه أثار انتقادات لأنه رفض الفراغ، معتبراً الكون مليئاً بالدوامات. أثرت فلسفة ديكارت على العقلانيين مثل لايبنتز، والتجريبيين مثل لوك الذين رفضوا الأفكار الفطرية. في القرن العشرين، انتقد هوسرل الازدواجية، بينما طور سارتر الـ"كوجيتو" في الوجودية. في السياق العربي، تأثر الفلاسفة مثل محمد عابد الجابري بديكارت في نقد التراث، رابطاً الشك المنهجي بإعادة قراءة ابن رشد. النقد الرئيسي يأتي من النسوية (لأنه أهمل الجسد) والما بعد حداثيين مثل دريدا الذين رأوا فيه مركزية أوروبية. مع ذلك، تبقى فلسفته أساسية لفهم الحداثة.

خاتمة

التفكير الفلسفي الحاذق، كمحاولة للبدء من جديد، هو جوهر الفلسفة التي تخضع كل شيء لمساءلة العقل.

من سقراط إلى باديو، مرورًا بالفلاسفة العرب، يظل هذا التفكير أداة للتحرر والإبداع. في عالمنا اليوم، يدعو إلى إعادة بناء المعرفة لمواجهة التحديات، محافظًا على قدرة الإنسان على التجديد. هذه الدراسة تؤكد أن الفلسفة ليست نهاية، بل بداية مستمرة. فلسفة ديكارت تمثل توسعاً في التفكير الفلسفي، محاولة جريئة للبدء من جديد عبر الشك والعقل. رغم عيوبها، مثل مشكلة الازدواجية، فإنها أسست للعلم والفلسفة الحديثة، محفزة على النقد المستمر. في عصرنا، مع التقدم العلمي، يظل ديكارت مصدر إلهام لفهم الوعي والوجود، داعياً إلى عقلانية لا تنتهي.

فمتى تصير الفلسفة شأنا عموميا عندنا؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

قراءة فلسفية في إنسان ما بعد الحداثة

في قلب العولمة الرقمية، حيث تتقاطع تقنيات الاتصال الحديثة مع الزمان والمكان، يظهر الإنسان المعاصر في صورة ذهنية مشوشة، مقسّمة بين الانغماس في العالم الافتراضي وبين صعوبة التماس حضور حقيقي في العالم الواقعي. هذا الاغتراب الجديد ليس مجرد انعكاس لفقدان الترابط الاجتماعي التقليدي، بل هو حالة وجودية عميقة تعكس أزمة المعنى في الحياة اليومية. وقد لاحظ فلاسفة ما بعد الحداثة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، أن الإنسان لم يعد يمتلك مركزية ثابتة أو هوية مستقرة، بل أصبح موضوعا متنقلاً بين هويات متفرقة، تتنازعها صور الذات الافتراضية والمجتمعات الرقمية، في حين تفقد اللغة عمقها الرمزي لتصبح أداة للتواصل السطحي والتعابير السريعة، على حساب التأمل والتفكير الجذري.

الذات المعاصرة كما يصفها زيغمونت باومان في مفاهيمه عن "السيولة"، ليست كائنا مستقرا بقدر ما هي فضاء متحرك من العلاقات المتقطعة والمعلومات العابرة. فالانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لم تُغيّر مجرد شكل التواصل البشري، بل أعادت إنتاج العلاقة مع الذات نفسها، بحيث أصبح الأنا مسرحا للعرض والتظاهر، وخاضعا للمعايير الرقمية للقيمة الاجتماعية والاعتراف. إننا أمام ظاهرة الاغتراب الرقمي التي تتخطى الحيز الجسدي إلى الحيز النفسي والوجودي، حيث تتحول الذات إلى مجموعة من الإشارات والبيانات، يتغير معناها بتغير المنصة أو التطبيق أو حتى مزاج المتلقي، وتصبح القدرة على التجربة الوجودية المباشرة محدودة أمام جاذبية الواقع الافتراضي.

في هذا السياق، يظل فقدان المعنى علامة مميزة لعصرنا. فقد تنوعت مراجع القوة والمعرفة بشكل متسارع، وتضاعفت مصادر المعلومات لتصبح أحيانا أكثر تشويشا من كونها إثراءً، الأمر الذي يؤدي إلى حالة من التشتت الذهني، كما وصفها بيونغ-تشول هان في كتابه مجتمع الإرهاق وبول ريكور في مفهوم الهوية السردية وزيغمونت باومان في الحداثة السائلة وغاي ديبور في كتابه مجتمع الفرجة أو ما يمكن تسميته بـ"تعب الفكر الحديث". وفي مواجهة هذا التدفق الهائل للمعلومات، يفقد الفرد القدرة على بناء سردية شخصية متماسكة لحياته، إذ تتحول الخبرة اليومية إلى سلسلة من المؤثرات العابرة، لا تصل إلى مستوى التكوين الذاتي العميق. هكذا يصبح الإنسان معاصرا في الزمان، لكنه غائب في وجوده، متلقّا لا صانعا للمعنى.

تتقاطع هذه الأزمة مع التغيرات التي عرفتها مفاهيم الهوية والانتماء. ففي عالم ما بعد الحداثة، كما يلاحظ جان-فرانسوا ليونيل، لم تعد الهوية مفهوما ثابتا، بل عملية دينامية تتشكل داخل شبكة من التفاعلات الاجتماعية والثقافية. هذا الواقع يضاعف من شعور الفرد بالاغتراب، إذ إن ذاته الحقيقية تتراجع أمام النسخ الرقمية لها، كل نسخة تحاول فرض حضورها المستمر، على نحو يخلق التنافر بين الذات الداخلية والذات المعروضة للعالم الخارجي. فالفرد يصبح أسير صورته الافتراضية، ويعيش قلقا وجوديا مستمرا بين ما يعيشه وما يقدمه من تمثيل لنفسه.

أما من منظور فلسفة الوجود، فإن هذه الحالة تشبه ما وصفه هيغل في تحليله للصراع بين الوعي والآخر، أو كما يراه سارتر في مفهوم "النظرة"، حيث يصبح الوجود تحت مراقبة الآخرين محورا للأداء الاجتماعي المستمر، وهو أداء متجدد في كل منصة رقمية. لكن الفرق الآن هو أن "الآخر" ليس بالضرورة شخصا حيا، بل هو جمهور متغير غير محدد، يمكن أن يتفاعل أو يغيب، ويتحدد وجود الذات وتقديرها بناءً على هذه التجربة العابرة. بالتالي تتأرجح الذات بين الشعور بالقوة عند النجاح الرقمي والاعتراف، وبين الإحباط عند الفشل أو التجاهل، في دورة مستمرة من التقدير والرفض، الأمر الذي يولّد شعورا دائما بعدم الاستقرار النفسي والمعنوي.

إن هذه الديناميكية الجديدة للذات الرقمية تفضي إلى قطيعة مع التجربة الزمنية التقليدية للوجود. فالإنسان المعاصر يعيش في "الآن الرقمي"، حيث تصبح اللحظة الحاضرة متقطعة ومجزأة بفعل التنقل بين الشاشات والمنصات، فتتلاشى الخطابات الطويلة والمعمقة، وتنتفي القدرة على التجربة المتواصلة والتأمل العميق. كما لاحظ ميشيل فوكو في تحليله للخطابات والسلطة، أن المعرفة ليست مجرد تراكم للمعلومات، بل هي شكل من أشكال السلطة التي تحدد ما هو مسموح معرفته وما هو ممنوع، وهنا نرى أن الفضاء الرقمي لا ينقل الإنسان إلى الحرية المعرفية المطلقة، بل يضعه تحت ضغط مستمر لقواعد خفية، تحدد ما يجب أن يعرفه وما يهم الآخرون أن يراه.

وفي خضم هذا الواقع، يظهر البُعد النفسي للاغتراب الرقمي بشكل جلي. فالفرد على الرغم من ارتباطه المستمر بشبكة من العلاقات، يعيش شعورا بالوحدة العميقة، إذ تصبح العلاقات سطحية، تفتقد إلى العمق العاطفي والمشاركة الحقيقية. وقد لاحظ إريك فروم أن الإنسان المعاصر يبحث عن الانتماء والاعتراف في فضاء يتجاوز العائلة التقليدية والمجتمع المحلي، لكنه غالبا ما يجد نفسه عالقا في شبكة علاقات افتراضية تفتقر إلى الحميمية والأصالة، ما يعزز شعور الغربة النفسية والاغتراب عن الذات.

ومن زاوية فلسفة اللغة، يشير جاك دريدا إلى أن تفكك المعنى في الفضاء الرقمي يعكس انهيار القدرة على الاستدلال العميق والمفهومي، إذ تتحول الكلمات إلى رموز متقلبة تفقد سياقها، وتصبح أدوات للتفاعل اللحظي أكثر من كونها وسيلة للتفكير والتحليل. فالأنا الرقمية تتكون من رسائل قصيرة ومنشورات وتعليقات و"إيموجي"، كل منها يختصر المعنى ويجعله قابلاً للتفسير المتعدد والمتغير، ما يولّد حالة من عدم اليقين المستمر تجاه الذات والآخرين.

وفي قراءة تربط بين ما بعد الحداثة والوجود الرقمي، يمكن القول إن الإنسان المعاصر يعيش تجربة "الفراغ المعنوي"، أي فراغا ليس فقط من المرجعية الثقافية أو الدينية، بل من القدرة على صياغة فهم متكامل للوجود. ففي مجتمع المعلومات حيث تغلب الكثرة على العمق، يصبح البحث عن المعنى مهمة شبه مستحيلة، وهو ما أكده رولان بارت في تحليل النصوص والرموز، حين لاحظ أن العصر الحديث يميل إلى تحويل كل تجربة إلى نص قابل للتكرار والتفسير المتعدد، فتتلاشى القدرة على التمكين الشخصي من المعنى.

الذات إذن، في عصر ما بعد الحداثة الرقمية، ليست مجرد كيان بيولوجي أو اجتماعي، بل هي مجال للتفاعل الرمزي والمعرفي المستمر، تتبدل باستمرار وفق قوة المعلومات وقوة الانطباعات وتغيرات العلاقات الافتراضية. وهنا يظهر التحدي الفلسفي الأساسي: كيف يمكن للذات أن تحافظ على تماسكها وهويتها في ظل هذه السيولة الرقمية؟ وكيف يمكن للإنسان أن يستعيد بعده الوجودي ويعيد بناء معنى حياته في عالم يفضل السرعة والسطحية على العمق والتأمل؟

تظل هذه الأسئلة مركزية لأي تفكير فلسفي في الإنسان المعاصر. فالفلسفة منذ سقراط وحتى فلاسفة ما بعد الحداثة، لم تتوقف عن مساءلة الذات، واستكشاف حدودها، وطرح شروط وجودها الحر والمعقول. وفي زمن الرقمنة والعولمة، يبدو أن هذه المساءلة أصبحت أكثر إلحاحا، إذ إن التحديات لم تعد تتعلق بالاختلاف الاجتماعي أو الثقافي فقط، بل بتغير طبيعة الوجود نفسه، حيث يتحول الإنسان إلى كائن متفرّق، يعيش في فضاء افتراضي غير محدود، ويخضع لقوانين خفية لتفاعل الرموز، أكثر من خضوعه لقوانين الطبيعة أو المجتمع التقليدي.

إن الذات المعاصرة تتعرض لتجربة مزدوجة من الاغتراب وفقدان المعنى، اغتراب عن الواقع المادي والاجتماعي، واغتراب عن العمق النفسي والمعرفي لذاتها، بينما يُترك الإنسان في مواجهة مستمرة مع صورته الرقمية، متاهة بين الانفتاح على العالم الرقمي وفقدان القدرة على التأمل والتجربة الوجودية. هذه الأزمة ليست عابرة أو سطحية، بل هي علامة على مرحلة تاريخية جديدة في تطور الوعي البشري، حيث تصبح معرفة الذات ومعنى الوجود مرتبطين بالقدرة على مقاومة الانصهار في السيولة الرقمية واستعادة حيوية التجربة الوجودية العميقة.

في مواجهة هذه السيولة الرقمية وفقدان المعنى، يبدو أن السؤال الفلسفي المركزي ليس فقط في تحليل الأزمة، بل في البحث عن إمكانيات مقاومة هذا الاغتراب، وإعادة بناء الذات على أساس متين قادر على تجاوز ضغوط العولمة الرقمية. فالإنسان المعاصر على الرغم من ضياعه في تيار المعلومات والتمثيلات الافتراضية، يمتلك قدرات معرفية ونفسية يمكن استثمارها لإعادة تأسيس معنى الحياة وتجربة وجودية متكاملة، شرط أن يعيد التفكير في علاقته بالزمن والمكان وبالآخر. إن ما يواجهنا ليس مجرد تحدٍ تكنولوجي، بل صيرورة وجودية تتطلب إعادة تأمل في شروط الإنسانية نفسها.

من هذا المنطلق، يمكن استلهام مفاهيم الفلاسفة الوجوديين مثل مارتن هايدغر، الذي دعا إلى استعادة تجربة "الوجود في العالم" بوصفها وجودا أصيلا، لا مجرد متابعة الأحداث والانشغال بالصور الرقمية العابرة. إن هايدغر يذكرنا بأن الإنسان لكي يعيش بشكل أصيل، لا بد أن يعي موتيته ووجوده في العالم بشكل متماسك، وليس من خلال تمثلات متفرقة أو مؤثرات افتراضية. فالوعي بالموتية لا يهدف إلى خلق رعب وجودي، بل لإيقاظ القدرة على التجربة العميقة، وإعادة ترتيب الأولويات بما يجعل اللحظة الحاضرة غنية بالمعنى. في عصر الرقمنة، يصبح هذا التذكير أكثر أهمية، إذ يغري الفضاء الرقمي الإنسان بالانغماس في الترفيه اللحظي والتفاعلات السطحية، تاركا بعده الوجودي في حالة من الشلل الرمزي والمعنوي.

إضافة إلى ذلك، يمكن للذات أن تجد متنفسا في ما أسماه ميشيل فوكو "الفكر النقدي للذات"، أي القدرة على ممارسة الرقابة الذاتية على تجاربها ومعارفها، وإعادة تأسيس مساحات للتأمل والتفاعل الواقعي بعيدا عن ضغوط الشبكات الرقمية. ففوكو لم يقترح الخلاص المطلق من السلطة، بل القدرة على معرفة وتشكيل الذات ضمن حدود الحرية الممكنة. ومن هنا، فإن إعادة صياغة تجربة الذات الرقمية لا تعني رفض التكنولوجيا أو الانعزال عنها، بل استخدامها بوعي واستراتيجية تمكن الإنسان من السيطرة على إدراكه، بدل أن يصبح مجرد متلقٍ عشوائي للمؤثرات الرقمية.

وهنا يتضح دور الثقافة والمعرفة العميقة في مواجهة الفراغ المعنوي. فالإنسان الذي ينغمس في قراءة الفلسفة بحيث إن التأمل في الأدب أو فهم العلوم الإنسانية، يمتلك أدوات لخلق نسق داخلي متماسك، قادر على مقاومة التشتت الذي يولده الفضاء الرقمي. كما أشار رولان بارت في دراساته عن النص.

إن القراءة العميقة تمنح الإنسان القدرة على التماهي مع المعنى، وتطوير إدراك يمكنه من التفاعل الواعي مع العالم، بدل الاستجابة التلقائية للإشارات العابرة. في سياق الرقمنة، تصبح القراءة والتأمل والتفاعل النقدي مع المعرفة وسائل لإعادة بناء الذات، واستعادة إحساسها بالتماسك والهُوية.

إلى جانب ذلك، يمكن للذات المعاصرة أن تستثمر مفهوم "الوعي بالآخر" كما طرحه سارتر في فلسفة "النظرة". فالاعتراف بالآخر لا يقتصر على العالم الواقعي، بل يمكن أن يمتد إلى مساحات حقيقية للتفاعل الإنساني العميق، سواء في الحوار الثقافي والنشاط الاجتماعي، أو المبادرات الجماعية. إن العلاقة مع الآخر الأصيل تتيح للذات أن تتجاوز مجرد التمثيل الرقمي، وأن تعيد تأسيس وجودها في فضاء حقيقي مليء بالمسؤولية والتأثير المتبادل. وفي هذا الإطار، يصبح الوعي الاجتماعي والفكري عنصرا أساسيا لمقاومة الاغتراب، إذ يمكن للإنسان أن يستعيد قيمة أفعاله، ويعيد بناء معنى وجوده عبر التأثير الإيجابي على محيطه.

ولا يمكن أيضا إغفال بعد الاستبطان الذاتي في إعادة بناء المعنى. فالذات الرقمية في خضم ضغوط المعلومات والانطباعات العابرة، تحتاج إلى ممارسة منتظمة للانعزال الذهني، والتأمل في الخبرة الشخصية بعيدا عن وسائل التواصل. هذه الممارسة تشبه ما دعا إليه ديكارت في "تأملاته"، إذ إن الشك المنهجي والتمحيص الداخلي يشكلان طريقا لإعادة تأسيس اليقين في الذات والمعرفة. وبعيدا عن الانغماس في الفضاء الرقمي، يصبح بإمكان الفرد أن يميز بين ما هو جوهري وما هو عابر، ويعيد ترتيب تجربته الحياتية بما يخدم تكامله الوجودي، ويجنب نفسه التشتت المعنوي الناتج عن سيطرة المنصات الرقمية.

إن مقاربة الذات المعاصرة من منظور فلسفة ما بعد الحداثة لا تعني العودة إلى تقليد ثابت أو مثالية ميتافيزيقية، بل تعني إدراك التنوع والاختلاف كفرص لبناء معنى شخصي متماسك. فالفضاء الرقمي رغم ما يحمله من تشتيت، يوفر أدوات لتجربة الحرية والاختيار، شرط أن يستخدم الإنسان هذه الأدوات بوعي. كما يرى ريتشارد روف، أن الإنسان المعاصر يحتاج إلى "تكوين الذات الأخلاقية"، أي القدرة على ممارسة الحرية في سياق متغير، مع الالتزام بمبادئ أساسية تعيد توجيه التجربة نحو عمق وجداني ومعرفي، بدل الانغماس في الترفيه اللحظي والتفاعل السطحي.

من جهة أخرى، يمكن النظر إلى الفن والإبداع كوسائل لإعادة بناء الذات. فالتجربة الجمالية سواء في الموسيقى، الأدب، أو الفنون البصرية، تمنح الإنسان قدرة على التحليق خارج قيود الفضاء الرقمي، وتفتح مساحات للمعنى والوعي الذاتي. وقد لاحظ إريك فروم أن الفن يمثل نوعا من المقاومة، حيث يسمح للفرد بالتعبير عن ذاته الداخلية، واستعادة إحساسه بالقيمة والكرامة، بعيدا عن معايير القبول الرقمي والمظاهر الاجتماعية الزائفة. من هنا، يصبح الاستثمار في التجربة الجمالية فعلا فلسفيا وجوديا، يعيد التوازن بين الداخل والخارج، ويستعيد للذات بعدا إنسانيا أصيلا.

أما من زاوية فلسفة التقنية، يمكن القول إن إعادة تأسيس الذات في العالم الرقمي يتطلب ممارسة "الرقابة التقنية الواعية"، أي القدرة على اختيار المحتوى وتنظيم الوقت، وتحديد مساحات التفاعل الرقمية بما يخدم عمق التجربة الإنسانية. فالتكنولوجيا ليست عدوا بل أداة، ويمكن أن تكون وسيطا لتعزيز المعرفة والتواصل الحقيقي، والتجربة العميقة، إذا ما تم التعامل معها بوعي فلسفي، كما يرى مارشال ماكلوهان حين تحدث عن "أثر الوسائط" على الإدراك والوعي. فالوعي بالتأثيرات الرقمية يسمح للذات بأن تتحكم في أدواتها، بدل أن تصبح رهينة لتقنيات تتحكم في سلوكها ومزاجها.

كما يمكن استلهام مفهوم "الوقت النوعي" كما ناقشه هنري برجسون، إذ يشير إلى أهمية التجربة المتواصلة والعميقة للوعي، مقابل الزمن الرقمي المتقطع والمجزأ. فإعادة ترتيب العلاقة بالزمن تمثل وسيلة لمقاومة التشتت الرقمي، وإعادة إدراك الحياة بشكل متكامل. فاللحظة الحاضرة إذا ما تم استثمارها في التفكير والتأمل والتجربة الحقيقية، تصبح نواة للمعنى، وتمكن الإنسان من تجاوز العروض الرقمية العابرة، واستعادة إحساسه بالوجود العميق.

يظهر أن إعادة بناء الذات والمعنى في زمن الرقمنة يتطلب انسجاما بين الفكر والعاطفة والتجربة العملية. فالتحولات الرقمية لا تلغي القدرة على ممارسة الحرية، بل تفرض شروطا جديدة لها عبر وعي النقد والانضباط الذاتي واستثمار الفضاءات الواقعية والجمالية للعيش الكامل.

تصبح الذات المعاصرة ليست مجرد ضحية للسيولة الرقمية وفقدان المعنى، بل فاعلا قادرا على إعادة تشكيل تجربته، واستعادة تماسكه الوجودي وصياغة حياة متكاملة، تجمع بين الحاضر الرقمي والماضي الواقعي والمستقبل المحتمل، في فعل مستمر من الوعي والإبداع والمقاومة.

إن هذه القراءة الفلسفية المتواضعة للذات المعاصرة، إذ تجمع بين تحليل الأزمة الرقمية وفقدان المعنى، وبين اقتراح أدوات لإعادة البناء الوجودي، تمثل محاولة لتجاوز السطحية والانغماس اللحظي، وتعيد الفلسفة إلى مهمتها الأساسية، مساءلة الإنسان في كيانه العميق، ومساعدته على إعادة صياغة حياته بطريقة تعيد له معنى وجوده، وتعيد للزمن والوعي قيمتهما الأصيلة. فالذات الرقمية على الرغم من تشتيتها، يمكن أن تصبح فضاء للحرية وللمعنى وللتجربة الإنسانية العميقة، إذا ما تم إدارتها ووعيها بحكمة، بما يجعل الإنسان المعاصر فاعلا، متماسكا، وقادرا على مواجهة تحديات عصره بروح فلسفية نقدية، لا مجرد متلقٍ للصور الرقمية العابرة.

***

د. حمزة مولخنيف

في عصر العولمة تتلاشى الحدود الجغرافية وتتقاطع الثقافات، ليصبح العالم فضاءً مفتوحا للمعلومات والتقنيات والتبادلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. غير أن هذا الانفتاح لم يولد بالضرورة شعورا موحدا بالهوية الإنسانية، بل على العكس، أصبح الإنسان معرّضا لتقلبات مستمرة في إدراك ذاته وهويته، بين الامتداد نحو الكونية والانغلاق على الخصوصيات المحلية. الهوية هنا ليست مجرد تعريف بالانتماء الجغرافي أو العرقي أو الديني، بل هي مشروع مستمر للفهم والتمثل والتموضع في العالم، مشروع يختبره الفرد والجماعة في كل لحظة من حياته. كما يقول هانز جورج غادامير في الحقيقة والمنهج: "الفهم ليس مجرد استيعاب الأشياء، بل هو مشاركة وجودية في أفقٍ تاريخي وثقافي". في هذا السياق، يصبح سؤال الهوية سؤالا عن الموقع الوجودي للفرد بين الانفتاح والاغتراب، والتعددية الكونية والانغلاق على الخصوصيات.

الهوية في عالم معولم ليست ثابتة أو جامدة، بل هي متحولة ومصطدمة بالتيارات الثقافية المتبادلة، حيث يواجه الإنسان مأزق الاختلاف. فالاختلاف بمعناه الفلسفي، ليس مجرد التباين الظاهري بين الثقافات أو الجماعات، بل هو فعل تأسيسي للوعي بالذات وبالآخر، كما يؤكد إيمانويل ليفيناس: "الآخر هو المسؤولية التي تفرض نفسها على الذات، والاختلاف هو صيرورة الوجود في وجه الغير". عند هذا المفكر، يشكل الاختلاف مصدرا للالتزام الأخلاقي، وهو ما يجعل من الهوية ليست مجرد حماية للذات، بل مواجهة حقيقية للآخر، ووعي بالمسؤولية تجاهه. في زمن العولمة حيث تتقاطع الثقافات وتتداخل الرموز، يصبح التفاعل مع الآخر اختبارا مستمرا للهوية، فيجعلها تتحرك بين التعددية والتمركز، وبين القبول والتحدي.

ومع ذلك لا يمكن للهوية أن تتحقق في فراغ كوني مجرد، فلكل مجتمع خصوصياته التاريخية والثقافية التي تشكل أساسا لهويته. هكذا يقف الإنسان أمام جدلية دائمة بين الانفتاح على الكونية والانغلاق على الذات. فبينما يرى بعض الفلاسفة المعاصرين أن العولمة تسهم في خلق "ثقافة عالمية" تسوي الاختلافات، يؤكد آخرون على أن الانفتاح الكوني قد يؤدي إلى تهديد الخصوصيات المحلية، ومن ثم إلى أزمة وجودية للهوية. فرويد من زاوية أخرى، يلمّح إلى أن الإنسان في مواجهة التغيرات المستمرة، يختبر صراعات داخلية بين الرغبة في الانتماء والاحتفاظ بالذات، بين الطموح إلى الكونية والخوف من فقدان الجذور.

في هذا الصدد لا بد من التوقف عند مفهوم "الهوية المركبة"، الذي يشير إلى كون الهوية ليست وحدة متجانسة، بل شبكة معقدة من الانتماءات المتقاطعة والمتداخلة. فالهوية الفردية قد تشمل الانتماء إلى لغة، ثقافة، تاريخ، دين، جنس، أو حتى أسلوب حياة. كل هذه العوامل تتفاعل فيما بينها لتشكيل معنى الذات في عالم مفتوح. كما تقول مارثا نوسباوم في الحدود الإنسانية للأخلاق: "الهوية ليست حجرا ثابتا، بل هي مشروع أخلاقي مستمر، يضع الإنسان أمام مسؤولية التوازن بين ذاته والآخر". هنا يظهر البعد الأخلاقي للهوية، إذ لا يكتفي الفرد بالوعي بذاته فحسب، بل عليه أن يعي تأثير خياراته وقراراته على الآخرين في فضاء عالمي مشترك.

العولمة من جهة أخرى، لا تقدم إطارا متجانسا للتفاعلات، بل تخلق تباينات بين مراكز النفوذ الثقافي والاقتصادي، فتولد اختلالات في مستوى الاعتراف بالهوية. آلان باديو يشير إلى أن الحداثة العالمية تعني "انتشار القيم الثقافية الغربية كقالب موحد"، ما يفرض نوعا من الضغط على الخصوصيات الثقافية، ويثير التساؤل حول مصير الهويات المحلية. في هذا السياق، يصبح السؤال حول الهوية مسألة مقاومة حضارية، ليس بمعنى العزلة أو الانغلاق، بل بمعنى الدفاع عن الخصوصيات دون رفض الكونية. وهذا يقودنا إلى فهم الهوية كعملية ديناميكية، تعمل في فضاء من التوتر بين الانفتاح والتمسك والاختلاف والاعتراف، وبين التجربة الفردية والمرجعية الجماعية.

الفيلسوف شارل تاليه، في تأملاته حول "العولمة والاختلاف"، يرى أن الهوية ليست مجرد ملكية فردية، بل هي مسألة تتعلق بالعلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات. فالهوية تحتاج إلى "فضاء الاعتراف"، حيث يتم إدراك الذات من خلال النظر في وجه الآخر، ومن ثم يُستكمل معنى الوجود. هذا المفهوم يعيد إلى الذهن ما ذهب إليه هيجل في جدلية الروح، الإنسان يصبح واعيا بذاته حين يواجه الوعي بالآخر، وهكذا تتشكل الهوية ليس بمعزل عن الاختلاف، بل من خلاله. في عالم اليوم، حيث تتلاقى الثقافات وتتقاطع الحدود، يصبح التحدي هو القدرة على الحفاظ على الخصوصيات ضمن شبكة كونية تتطلب التفاعل والتفاوض المستمر.

غير أن هذا التفاعل الكوني لا يعني بالضرورة انسجاما دائما، بل قد يؤدي إلى صراعات حادة حول الرموز والهوية. هنا يتضح التوتر بين ما يمكن أن نسميه "الكونية الفلسفية" و"الخصوصيات المغلقة". الأولى تمثل الوعي بأن الإنسان جزء من مشروع كوني يتجاوز الحدود الفردية والجماعية، والثانية تمثل رغبة الإنسان أو الجماعة في حماية ما هو مميز وفريد في تراثه وثقافته. جان بودريار يرى أن العولمة قد تخلق "مجتمعًا من النسخ"، حيث تختفي الفوارق المميزة بين الثقافات، ما يولد إحساسا بالاغتراب وانعدام الجذور. يصبح الاختلاف ليس مجرد فعل ثقافي، بل فعل وجودي يثبت الإنسان في عالم متحول.

يمكننا أن نربط مسألة الهوية بالعلاقة بالزمن والتاريخ. فالهوية ليست حالة لحظة بل هي صيرورة تاريخية، كما يشير ميشيل فوكو، "الذات هي مشروع دائم التشكيل، متأثر بالقوى الاجتماعية والسياسية، وبالتاريخ الذي يعيشه الفرد". في عالم معولم، تصبح هذه الصيرورة أكثر تعقيدا، إذ يتعرض الإنسان لضغط مزدوج: ضغوط العولمة التي تفرض قيما وأنماطا جديدة، وضغوط الخصوصيات التي تحاول الحفاظ على ما هو أصيل. التحدي هنا هو أن يجد الفرد أو الجماعة موضعا وسطا، حيث يمكنهم التفاعل مع الكونية دون التنازل عن خصوصياتهم، والتعبير عن هويتهم دون الانغلاق أو التصلب.

يمكننا أيضا أن نلحظ في هذا السياق دور اللغة والرمز الثقافي في تشكيل الهوية. اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي حاملة للذاكرة الجماعية، ومخزن للخصوصيات الثقافية. كما يؤكد إدوارد سعيد في الاستشراق، الثقافة هي مشروع مستمر للمعنى، واللغة هي أداة الاحتفاظ بالذات في مواجهة الانصهار في القوالب العالمية. لذلك فإن الحفاظ على اللغة والرموز الثقافية يصبح فعل مقاومة، ليس رفضا للآخر، بل للحفاظ على عمق الذات في شبكة العلاقات الكونية. فالهوية هنا هي التوازن بين ما هو عالمي وما هو محلي، بين الانفتاح على الآخر والتمسك بالخصوصيات.

من الناحية النفسية والاجتماعية، يشير علماء الاجتماع إلى أن الهويات تتشكل في مواجهة التحديات الخارجية. بورديو على سبيل المثال، يوضح أن الهوية هي نتيجة "الموقع الاجتماعي" والحقول التي يتحرك فيها الفرد. في زمن العولمة، تتحرك هذه الهويات بين الحقول المحلية والعالمية، بين الرغبة في الانتماء إلى جماعة أصيلة والرغبة في الانخراط في فضاء كوني أوسع. هذا التحرك المتواصل يولد شعورا باللجوء المتعدد، حيث يجد الإنسان نفسه متأرجحا بين الانتماءات، ويحاول التوفيق بين متطلبات الخصوصية ومتطلبات الانفتاح الكوني.

إضافة إلى ذلك، يجب التأكيد على أن الهوية ليست مجرد مسألة شخصية، بل هي أيضا مسألة جماعية وسياسية. الهويات القومية والدينية والثقافية تتحرك في فضاءات تتقاطع فيها المصالح، وتتنازع فيها الرموز. هابرماس يشير إلى أن الحوار بين الثقافات يحتاج إلى "فضاء عام تواصلي"، حيث يمكن للأطراف المختلفة أن تتفاوض على معنى الهوية والخصوصية. بدون هذا الفضاء، تصبح الهوية معرضة للتطرف أو الانغلاق، ما يؤدي إلى صراعات تهدد استقرار المجتمعات. إن الهوية في عالم معولم هي مسألة توازن دقيق بين الاعتراف بالآخر والحفاظ على الذات والانفتاح والانغلاق، وبين الاختلاف والتماثل.

إن الهوية في زمن العولمة هي مسألة جدلية مستمرة بين الكونية والانغلاق. فهي ليست ثابتة، ولا يمكن تصورها بمعزل عن التفاعل مع الآخر، ولا يمكن اختزالها في خصوصية جامدة دون اعتبار للفضاء الكوني الذي نعيش فيه. الفيلسوف الفرنسي بول ريكور يصف الهوية بأنها "نص متواصل"، يُكتب ويُعاد كتابته باستمرار، في حوار مع الذات والآخر والتاريخ. في هذا النص، يتجلى الإنسان في مواجهته للآخر، ويُختبر معنى كينونته، وتظهر التحديات المستمرة في المحافظة على التوازن بين الانفتاح على الكونية والتمسك بالخصوصيات.

إن الهوية من حيث هي ليست مجرد إدراك ذاتي، بل مشروع فلسفي أخلاقي واجتماعي، يضع الإنسان أمام مسؤولية الوعي بالاختلاف والتفاعل مع الآخر، والحفاظ على ما يميز تراثه وثقافته. هي صيرورة مستمرة، تتشكل في فضاء العولمة بين التيارات المتعددة، وتختبر حدود الانفتاح والانغلاق، بين الاعتراف بالكونية والحفاظ على الخصوصيات. وعليه، يصبح السؤال حول الهوية في عالم معولم سؤالاً عن المشروع الإنساني ذاته: كيف نكون في عالم يتغير بسرعة دون أن نفقد عمقنا وخصوصيتنا، وكيف نتفاعل مع الآخر دون أن نبتعد عن الجذور التي شكلتنا؟.

في عالم اليوم تتفاقم تعقيدات الهوية مع التداخل المتسارع للتكنولوجيات الرقمية، حيث لم يعد الانتماء إلى جماعة معينة مقصورا على المكان أو التراث، بل أصبح مرتبطا أيضا بالفضاءات الافتراضية، والمنتديات الرقمية والشبكات الاجتماعية. هذه البيئات الجديدة تمنح الفرد إمكانية إعادة تشكيل ذاته، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليه نماذج جاهزة للانتماء، قد تصادم خصوصياته أو توجهها نحو معايير عالمية محددة. كما لاحظ زيجمونت باومان في مفهومه عن السيولة الحديثة، الإنسان المعاصر يجد نفسه في حالة تأرجح دائم بين الانفتاح والتمركز، وبين القدرة على التواصل بلا حدود والخوف من فقدان الجذور التي تمنحه شعورا بالثبات. الهوية هنا ليست ثابتة، بل هي "هوية سائلة" تحتاج إلى جهد مستمر لإعادة التشكيل والمراجعة.

تطرح هذه الانزياحات الرقمية أسئلة فلسفية عميقة حول معنى الاختلاف. ففي الماضي كان الاختلاف مرتبطا غالبا بالحدود المكانية والثقافية، أما اليوم فهو مرتبط بسرعة المعلومات والتقنيات التي تمكّن الفرد من الوصول إلى الثقافات المتعددة والتفاعل معها. ومن هنا ينبع التحدي، كيف يمكن للفرد أن يحافظ على خصوصيته وهو يختبر كونية متزايدة؟ هانز جورج غادامير يذكر أن "الفهم هو أفق يتشكل في مواجهة الآخر"، وفي عصر العولمة الرقمية، يصبح هذا الفهم عملية معقدة، إذ يتطلب موازنة دقيقة بين ما هو شخصي وما هو مشترك، بين الانفتاح على الاختلاف وحماية الخصوصية.

الهوية في هذا السياق ليست مجرد مسألة ذاتية، بل هي مشروع سياسي وثقافي في الوقت ذاته. فالفرد والجماعة يواجهان تحديات الاعتراف، ليس فقط من قبل الآخر، بل من قبل المؤسسات العالمية والثقافات المهيمنة، وأحيانا من التكنولوجيا نفسها التي تحدد من يمكنه أن يكون مرئيا، وماذا يمكن أن يعبر عنه. كما يرى تشومسكي، القوة الثقافية والسياسية تؤثر بشكل مباشر على إمكانية التعبير عن الذات، ما يجعل الحفاظ على الخصوصيات عملية مقاومة واعية، تتطلب إدراكا مستمرا للضغوط الخارجية وللتوازن بين الانفتاح والانغلاق.

في السياق الفلسفي، يمكن النظر إلى الهوية كحقل جدلي بين الذات والآخر، بين التاريخ والمستقبل، بين التقاليد والحداثة. إيمانويل كانط في تصوراته عن التنوير، يشير إلى أن "الاستنارة هي خروج الإنسان من قيود الذاتية غير الواعية"، وهي دعوة لإدراك حدود الذات والتفاعل الواعي مع الآخر. ومن ثم يصبح التحدي المعاصر هو إيجاد هوية متوازنة، تستطيع الاستفادة من الانفتاح الكوني دون أن تفقد القدرة على التمييز والحفاظ على ما هو أصيل.

تاريخيا، الهوية كانت دائما نتاج تفاعل مع القوى الخارجية، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو اقتصادية. لكن العولمة اليوم تضاعف هذا التفاعل بشكل غير مسبوق، حيث تصبح المراجع الثقافية متعددة، والخيارات المتاحة للفرد واسعة، لكنها متشابكة ومعقدة. هنا، تظهر أهمية مفهوم "الهوية المركبة"، كما أشارت إليها فيرجينيا ووولف في سياق الأدب، وطورها علماء الاجتماع لاحقا، الهوية ليست عنصرا ثابتا، بل شبكة متداخلة من الانتماءات المتعددة، تتفاعل مع بعضها البعض لتشكل تجربة الوعي بالذات في عالم متغير. هذه الشبكة المتداخلة تحتاج إلى مهارات جديدة في القراءة والتفاعل، لأنها تتطلب فهما عميقا للاختلافات الثقافية والقدرة على التفاوض بين القيم والمعتقدات المختلفة.

التحدي الآخر الذي تفرضه العولمة على الهوية يتعلق بالذاكرة الجمعية. فالهوية لا تبنى على الحاضر فحسب، بل على تفاعل مستمر مع التاريخ والتراث. والتراث الثقافي سواء كان لغويا دينيا أم اجتماعيا، يشكل العمق الذي يمكن للهوية أن ترتكز عليه. إدوارد سعيد يوضح أن الثقافة ليست مجرد تجميع للمعارف، بل هي حقل للنضال الرمزي، حيث تتجسد السلطة في القدرة على التحكم في الرموز والمعاني. لذلك، يصبح الحفاظ على الذاكرة الثقافية والحضارية أحد أهم عناصر الدفاع عن الهوية في عالم يتعرض فيه الفرد والجماعة لضغوط التوحيد الثقافي.

الجانب الأخلاقي للهوية يظهر جليا في مواجهة الاختلاف. فإيمانويل ليفيناس يشدد على أن الآخر ليس مجرد مرآة للذات، بل مسؤولية قائمة بحد ذاتها، والاختلاف هو شرط أخلاقي للحياة الإنسانية. في فضاء عالمي معولم، يصير هذا الاختلاف مشروعا عمليا لتطوير العلاقات الإنسانية، حيث يُختبر الإنسان في قدرته على احترام الخصوصيات، والاعتراف بالآخر دون فرض النماذج الجاهزة. هذه المسؤولية الأخلاقية تتحول إلى بُعد سياسي وثقافي، لأن الاعتراف بالآخر يتطلب أيضا بنية اجتماعية وسياسية تدعم هذا الاعتراف، كما يشير هابرماس في مفهومه عن الفضاء العام التواصلي.

العولمة، إذن، ليست مجرد عملية اقتصادية أو تقنية، بل هي سياق وجودي وثقافي يعيد تشكيل مفهوم الهوية. فمن جهة توفر للعقل والوعي إمكانيات واسعة للتواصل والتفاعل مع الآخر، ومن جهة أخرى تفرض قيودا جديدة، من خلال سيطرة نماذج ثقافية موحدة وضغط السوق، وتحكم التكنولوجيا في تدفق المعلومات. فالهوية هنا ليست حالة سكونية، بل هي مسار مستمر من التشكيل وإعادة التشكيل، مسار يتطلب من الفرد والجامعة إدراكا متواصلا للانفتاح والتمركز، وللقدرة على التفاعل مع التعددية دون أن يؤدي ذلك إلى ضياع الخصوصيات.

التحديات التقنية، مثل الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي، تضيف بعدا جديدا لمسألة الهوية. فالفرد المعاصر يعيش في فضاءات افتراضية تسمح له بإعادة بناء صورته، والتعبير عن ذاته بطرق غير محدودة، لكنها في الوقت نفسه تعرضه لمخاطر التزوير والسطحية. كما يرى مارشال ماكلوهان، "الوسيط هو الرسالة"، أي أن التقنيات نفسها تؤثر في شكل إدراك الإنسان لهويته وللآخر. ولذلك، فإن الحفاظ على الهوية في هذا السياق ليس مجرد مسألة اختيار، بل هو ممارسة نقدية تتطلب وعيا بالوسائط وبآثارها على النفس والمجتمع.

جانب آخر من جدلية الهوية يتعلق بالمقاومة الثقافية والسياسية. فبينما يدفع الانفتاح الكوني نحو التشابه، تدفع الخصوصيات المحلية نحو التمايز، ويظهر التوتر بين المشروع العالمي والمشروع المحلي. هنا، يظهر دور الهوية كمقاومة واعية، ليس بمعنى الانعزال، بل بمعنى الإبقاء على جذور الثقافة والتاريخ والتقاليد في مواجهة ضغوط التوحيد الثقافي. ويشير بورديو إلى أن الهوية تتشكل أيضا من خلال "المنافسة الرمزية"، أي الصراع على القيم والمعايير التي تحدد ما يُعتبر أصيلا وملائما. هذا البعد يجعل الهوية مسألة سياسية بقدر ما هي ثقافية وفلسفية.

الهوية في عالم معولم تتطلب بالتالي مزيجا من الفهم النقدي والممارسة الأخلاقية والسياسية. فهي ليست مجرد شعور بالانتماء، بل هي عملية مستمرة لإعادة التوازن بين الانفتاح الكوني والحفاظ على الخصوصيات. الفيلسوف بول ريكور يرى أن الهوية تتشكل في حوار مستمر مع الماضي والحاضر والمستقبل، وهي نص متواصل يُعاد كتابته دائما. وهذا النص يعكس تجربة الإنسان في مواجهة الآخر، ويختبر قدرته على التفاعل مع التعددية دون أن يفقد جذوره، أو يتلاشى في الفضاء الكوني المفتوح.

علاوة على ذلك، الهوية في زمن العولمة هي مسألة تتعلق بالعدالة والاعتراف المتبادل. فالاعتراف بالاختلاف ليس ترفا، بل هو شرط أساسي لبناء مجتمع كوني يحترم التنوع والخصوصيات. هابرماس يصف هذا بالفضاء العام التواصلي، حيث يمكن للأفراد والجماعات التعبير عن هوياتهم المختلفة والمفاوضة على معانيها. بدون هذا الفضاء، تصبح الهوية معرضة للانغلاق أو الطمس، وينشأ صراع بين القوى الثقافية المهيمنة والخصوصيات المحلية، مما يعقد إمكانية التفاعل الحضاري البناء.

التحدي الأكبر هو أن يجد الإنسان طريقه بين الانفتاح على الكونية والانغلاق على الخصوصيات، بين الاعتراف بالآخر والحفاظ على الذات. الهوية هنا ليست مجرد مسألة نفسية أو ثقافية، بل هي تجربة وجودية وأخلاقية وفلسفية. فالوعي بالاختلاف واحترامه والقدرة على التفاعل معه، هو ما يجعل الإنسان قادرا على الحفاظ على عمقه الذاتي في عالم مفتوح ومتغير.

يمكن اعتبار الهوية "مشروعا مستمرا" لا ينتهي، بل يتطور مع مرور الزمن، ويواجه التحديات الجديدة التي تفرضها العولمة والتقنية والسياسة، مع الحفاظ على الثوابت التي تشكل جوهر الذات.

إن الهوية في عالم معولم ليست مجرد مسألة حماية الخصوصيات، ولا مجرد انفتاح على الكونية، بل هي التوازن المستمر بين هذين القطبين. هي مشروع أخلاقي وفلسفي وسياسي، يتطلب من الإنسان والجامعة إدراكا مستمرا للتحديات، والقدرة على التفاعل مع الآخر، والحفاظ على ما هو أصيل. كما يقول هانز جورج غادامير، "الفهم هو أفق يتشكل في مواجهة الآخر"، وفي هذا التفاعل تتكشف حدود الهوية، وتتجلى مسؤولية الإنسان في عالم يتغير بسرعة ويجمع بين التنوع والتوحيد بين الانفتاح والانغلاق، وبين الكونية والخصوصية.

***

د. حمزة مولخنيف

يبدو أن الحديث عن العقل في عصرنا الراهن لا يمكن فصله عن السياق العام للحداثة، تلك اللحظة الفاصلة التي أفرزت لنا تقنيات ومعارف غير مسبوقة، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن مأزقها الأخلاقي والأنساني. فالعقل الحديث كما بلوره مفكرون كبار مثل كانط وهيجل، قد انطلق من فكرة نقدية لذاته، ومن الإيمان بقدرته على الوصول إلى المعرفة الموضوعية، لكن سرعان ما تحول هذا العقل إلى عقل أداتي، يقدّم للإنسان أدوات، ويمنحه قدرة على التحكم في الطبيعة وفي غيرها من البشر، لكنه في الوقت نفسه يغفل أبعاد التواصُل الأخلاقي والاجتماعي التي تُثري وجود الإنسان وتحقق له معنى. يشير هابرماس في هذا الصدد إن العقل الأداتي يتقوقع في المنظور العملي الفعلي، وينسحب من أفق الأسئلة الوجودية والقيمية، مشيرا إلى أن هذا الانزلاق يخلق ما سماه الحداثة المأزومة، حيث يصبح الفعل التقني والاقتصادي هو المقياس الوحيد للصواب والخطأ، بينما يضمحل الصوت الأخلاقي أو الاجتماعي في ضوضاء الإنتاج والتحكم.

إن العقل الأداتي ليس مجرد أداة معرفية، بل هو مشروع منظومي يحكم على كل شيء وفق معيار الكفاءة والفعالية. في هذا المنظور، تصبح المعرفة مجرد وسيلة لتحقيق هدف محدد، لا لاستكشاف أفق الحقيقة أو معنى الحياة. كانط نفسه أشار في كتابه "نقد العقل المحض" إلى أن العقل يحتاج إلى نقد دائم ليعرف حدوده، لكن الحداثة الحديثة أسست على فكرة أن العقل يمكن أن يصبح مستقلاً عن أي سلطة تقليدية، سواء كانت دينية أو سياسية، لتكون الكفاءة والنتائج العملية هما المقياس النهائي. ومع ذلك، فإن هذا الانحياز إلى العقل الأداتي يولّد فجوات في فهم الإنسان لنفسه وللمجتمع: فجوة أخلاقية وفجوة معرفية وفجوة وجودية. فالإنسان قد يتحكم في الطبيعة، لكنه يفقد القدرة على التواصُل الإنساني العميق، وقد يحقق المكاسب الاقتصادية والتقنية، لكنه يغفل حقيقة السؤال عن معنى هذه المكاسب أو عن القيم التي ينبغي أن تحكم استخدامها.

يتضح أن الفكر النقدي منذ هابرماس وصولاً إلى الفلاسفة المعاصرين، يتخذ موقفاً مضاداً من هذا التحول. فالعقل لا ينبغي أن يكون مجرد أداة، بل ينبغي أن يكون فضاءً للتواصل، حيث تُبنى الحقيقة عبر الحوار، وتُصان القيم عبر التفاعل الإنساني، وتُختبر النتائج وفق معايير أخلاقية وثقافية. هكذا يصبح العقل التواصلي استجابة لمأزق الحداثة، فهو يقيم بين الإنسان ومحيطه والفرد والمجتمع، وبين المعرفة والضمير. إن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي ليس مجرد تعديل منهجي، بل هو انقلاب في فهم العقل ذاته، من حيث كونه أداة للحكم والتحكم إلى كونه فضاءً للمساءلة المشتركة، حيث يلتقي الفكر مع الأخلاق، وتقترن المعرفة بالقيم، ويتحمل الإنسان مسؤولياته تجاه الآخر والعالم.

إن العقل الأداتي رغم ما أتاحه من إنجازات، لم يخل من ثمن باهظ. فالحربان العالمية والأزمات البيئية، والانحرافات الاقتصادية والاجتماعية، جميعها تعكس الأثر السلبي للعقل الذي فقد بعده التواصلي. يقول إيمانويل كانط في "السلام الدائم": "العقل وحده لا يكفي، إن لم يكن مصحوبا بالحكمة والضمير". ومن هنا، تأتي راهنية النقد الفلسفي، ليس فقط لمساءلة أدوات العقل، بل لمساءلة ما يجعل هذه الأدوات مأزومة. النقد الفلسفي في هذا الإطار، لا يعني مجرد الفحص النظري، بل الممارسة الأخلاقية التي تكشف حدود التفرد بالأدوات دون مسؤولية، وحدود المعرفة دون التزام. إنها دعوة لإعادة النظر في مشروع الحداثة ذاته، ومحاولة إعادة توازن بين الفعل والمعنى، بين الكفاءة والقيمة والتقنية والأخلاق.

يمكن النظر إلى مأزق الحداثة من خلال عدسة الفلسفة النقدية، التي ترى أن العقل الأداتي يتعامل مع العالم كما لو كان خاضعا بالكامل لسيطرته، متجاهلاً العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تشكل الإنسان. فالحداثة الحديثة بوعودها بالحرية والمساواة والتقدم، لم تتوقع أن تتسرب إلى الفرد مفاهيم الصراع والفردية المفرطة، والتغريب عن الجماعة. يقول هيغل: "الحرية المطلقة في العقل لا تتحقق إلا عندما يُنظّم العقل في إطار الدولة والمجتمع"، وهذا التوازن الاجتماعي هو ما يفتقده العقل الأداتي، ويبحث عنه العقل التواصلي. فالعقل التواصلي يعيد الاعتبار لمفهوم الحرية كعلاقة، وليس مجرد قدرة على التحكم، ويعيد الاعتبار لمفهوم المعرفة كعملية مشتركة، وليست مجرد ملكية فردية أو أداة إنتاجية.

وفي هذا السياق، يصبح النقد الفلسفي راهنا أيضا في مواجهة العولمة المعاصرة، التي غالبا ما تعزز منطق العقل الأداتي على حساب العقل التواصلي. الاقتصاد العالمي والتقنيات الرقمية والثقافة الاستهلاكية، كلها تقيس القيمة بالقدرة على الإنتاج والاستهلاك، متجاهلة الأسئلة الأخلاقية والإنسانية الأساسية. وهنا، يظهر البعد الأخلاقي للعقل التواصلي، فهو لا يرفض التقدم أو التقنية، لكنه يطالب بمرجعية أخلاقية واجتماعية توجه هذه الإمكانات. كما تقول مارثا نوسباوم: "العدالة الحقيقية لا تتحقق فقط من خلال التنظيم القانوني، بل من خلال تنمية القدرة على التعاطف والتواصل بين البشر". العقل التواصلي هو العقل الذي يجعل من المعرفة والقدرة والفعالية وسيلة لتحقيق حياة مشتركة عادلة، لا مجرد أداة للهيمنة والتفرد.

ولا يمكن أيضا إغفال البعد الثقافي والفلسفي في هذا الانتقال. فالفكر النقدي الأوروبي منذ عصر التنوير وحتى ما بعد الحداثة، مر بتطورات متسارعة، من نقد كانط للعقل المطلق، إلى نقد هابرماس للعقل الأداتي، وصولاً إلى فلسفات النسوية والنظرية ما بعد البنيوية التي تسلط الضوء على العلاقات السلطوية والمعايير المهيمنة التي يحاول العقل الأداتي فرضها على الواقع. فالنسوية على سبيل المثال، كشفت أن العقل الأداتي غالبا ما يغفل الاختلافات والتجارب الإنسانية المتنوعة، ويختزل القيم إلى مقاييس واحدة، بينما العقل التواصلي يعترف بالاختلاف، ويستند إلى الحوار والتبادل بين وجهات النظر المختلفة. تقول جوديث بتلر: "المساءلة الأخلاقية تبدأ عندما نسمع الآخر، لا عندما نحكم عليه"، وهذا بالضبط ما يميز العقل التواصلي عن العقل الأداتي، فالأول يقوم على استيعاب الآخر، بينما الثاني يقوم على السيطرة والتحكم.

إن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي ليس مفهوماً نظرياً فحسب، بل له انعكاسات عملية واضحة في الحياة السياسية والاجتماعية. فالأدوات التقنية، مهما كانت متقدمة، لا تحقق العدالة أو المشاركة أو الديمقراطية إذا لم تُدرج ضمن منظومة تواصلية تشرك الجميع في القرار والتقييم. والعقل التواصلي يفرض التفكير في شروط الشفافية والمساءلة والمشاركة، ويطرح السؤال عن الحد الفاصل بين الكفاءة والعدالة، وبين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية والمعرفة والسلطة. ومن هذا المنظور، يصبح النقد الفلسفي أداة راهنية، لأنها تجعلنا نسائل مشاريع الحداثة من الداخل، وتكشف عن التناقضات بين وعود التقدم وبين النتائج الفعلية على الإنسان والمجتمع.

أما على مستوى الوعي الذاتي، فإن العقل التواصلي يحفز الفرد على إعادة النظر في مكانه في العالم، وفي علاقته بالآخر، وفي دوره في تحقيق معنى وجوده. فالإنسان المعاصر، رغم ما يمتلكه من أدوات معرفية وتقنية، كثيراً ما يشعر بالغربة والاغتراب، وهو إحساس يراه هابرماس وميشيل فوكو نتيجة لعلاقات السلطة والمعرفة التي يغفل فيها العقل الأداتي البعد التواصلي. إن العقل التواصلي يفتح أمام الإنسان مساحة للتمكين الذاتي ليس بمعنى السيطرة، بل بمعنى الفهم والمشاركة والمسؤولية. كما يذكّرنا جان بول سارتر بأن الحرية الفردية لا تتحقق إلا من خلال الاعتراف بالآخر ومشاركته في بناء العالم، وهذا الاعتراف لا يكون إلا من خلال عقل تواصلي قادر على الحوار والمساءلة المشتركة.

إن العقل الأداتي قد أفرز إمكانات هائلة، لكنه في الوقت نفسه كشف عن مأزق الحداثة: قدرة الإنسان على التحكم في العالم الخارجي مقابل تراجع قدرته على التواصُل مع العالم الداخلي والآخرين. العقل التواصلي من جهته، يمثل محاولة نقدية لمواجهة هذا المأزق، فهو يعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والقيمة والقدرة والمسؤولية، وبين الفرد والمجتمع. النقد الفلسفي هنا ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة راهنية، لأنه يتيح للإنسان أن يعيد صياغة حداثته بما يجعلها أكثر إنسانية وأقل مأزومية، وأكثر قدرة على التفاعل مع التحديات الأخلاقية والثقافية والاجتماعية المعقدة.

إننا أمام سؤال وجودي ومعرفي في آن واحد، كيف يمكن للعقل أن يظل وسيلة للمعرفة والإبداع والتقدم، دون أن يصبح أداة للهيمنة والسيطرة والتقليص من قيم الإنسان؟ هذا السؤال ليس مجرد خاطرة فلسفية، بل هو محور نقد الحداثة بأكملها، وهو ما يجعل الفكر النقدي راهنا اليوم. فالتحول من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي يمثل ليس فقط تغييراً في الوظائف المعرفية، بل انقلاباً في فهم الإنسان لنفسه ولمجتمعه وللأفق الذي يحققه في العالم.

في مواجهة مأزق الحداثة، يبدو أن السؤال الأساسي لم يعد عن قدرة العقل على المعرفة فحسب، بل عن قدرته على توجيه هذه المعرفة بما يخدم الإنسانية، لا بما يهيمن عليها أو يحصرها في أفق الإنتاجية الفورية. العقل الأداتي، كما أشرنا سابقا، قد وفّر للبشرية أدوات هائلة للتحكم في الطبيعة وفي بعض جوانب المجتمع، لكنه في الوقت نفسه أعاد إنتاج نوع من الغربة الإنسانية: الإنسان قادر على صناعة العالم، لكنه عاجز عن فهم دوره الأخلاقي والاجتماعي في هذا العالم. هنا تتجلى أهمية العقل التواصلي، ليس فقط كتصحيح منهجي، بل كتحول وجودي وثقافي، يسمح بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والآخر، وبين الفرد والمجتمع والمعرفة والقيمة.

إن العقل التواصلي يتجاوز حدود الفعل الأداتي عبر تثبيت قيم الحوار والمساءلة والمسؤولية المشتركة. فهابرماس في كتابه "نظرية الفعل التواصلي"، يوضح أن العقل الأداتي يتسم بـ"القدرة على التنبؤ والتحكم، ولكنه مقيد بالمنطق الداخلي للأدوات"، في حين أن العقل التواصلي "يسمح بتأسيس فهم مشترك، ويقيم معايير للصواب تتجاوز الأداة لتشمل العدالة والأخلاق". وهذا يعني أن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي ليس مجرد تعديل وظيفي في استخدام العقل، بل هو إعادة توجيه للغرض ذاته، العقل ليس مجرد تقنية للسيطرة، بل فضاء لإعادة التفكير في معنى الحياة والعدالة الإنسانية.

يتضح أن الحداثة المأزومة لا يمكن معالجتها بمجرد تحديث الأدوات أو تطوير المعرفة التقنية. فهي مأزومة لأنها تتجاوز حدود العقل الأداتي نفسه، فتنتج مشكلات لا يمكن حلها بالأدوات نفسها التي أنتجتها. الفقر، التفاوت الاجتماعي، الاستهلاك المفرط والكوارث البيئية، كلها أمثلة على نتائج العقل الأداتي الذي يركز على الإنتاجية والربح والكفاءة دون التفكير في عواقب هذه الإنتاجية على الإنسان والبيئة. ومن هنا تأتي راهنية النقد الفلسفي، لأنه يوفر آلية لمساءلة العقل ذاته، ولتوجيه المعرفة إلى أفق أوسع، لا يقتصر على النتائج المادية بل يشمل الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية.

يمكننا أن نرى هذا بوضوح من خلال تطور الفكر النقدي الأوروبي منذ القرن العشرين وحتى اليوم. ففلسفة ما بعد الحداثة، رغم انتقادها للحداثة وللإجماع الكوني على العقل الأداتي لم تكتف بالرفض، بل طرحت بدائل تركز على تعددية المعايير، وعلى أهمية الحوار بين الثقافات والفلسفات المختلفة. فميشيل فوكو على سبيل المثال، كشف كيف أن العقل الأداتي يمكن أن يصبح أداة للسيطرة والمعرفة المهيمنة، وكيف أن المعرفة التقنية لا تكون حيادية أبداً، بل مرتبطة بممارسات السلطة. ومن هنا، يكتسب العقل التواصلي راهنيته، فهو العقل الذي يعيد التوازن بين المعرفة والسلطة والفرد والمجتمع، وبين القدرة والمسؤولية.

وفي عالمنا المعاصر، تتجلى أهمية العقل التواصلي أيضا في السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية. فعلى سبيل المثال، الديمقراطيات الحديثة تواجه تحديات معقدة، انتشار المعلومات الرقمية، التفاوت الاقتصادي وتصاعد خطاب التطرف، كلها أمور تتطلب عقلا قادرا على التواصُل والحوار، وعلى تأسيس فهم مشترك بين المواطنين وصناع القرار. فالعقل الأداتي وحده، مهما كان فعالا في التنظيم والإدارة، لا يكفي لضمان العدالة الاجتماعية أو التوازن الأخلاقي. وهنا تأتي أهمية ما أشارت إليه مارثا نوسباوم، عندما أكدت على ضرورة بناء "قدرة التعاطف والخيال الأخلاقي"، أي العقل الذي يرى الآخر ويقدر موقفه ويعيد صياغة القرار بناءً على قيم مشتركة، لا مجرد حسابات إنتاجية.

إن العقل التواصلي يتجاوز الحدود التقنية ليصبح مشروعا أخلاقيا وثقافيا واجتماعيا. إنه العقل الذي لا يقتصر على السؤال عن الوسائل، بل يسائل الغايات، ويعيد التفكير في العلاقة بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية. كما يشير هابرماس، فإن العقل التواصلي يخلق فضاءً عاما يتيح النقاش والمساءلة والاعتراف بالاختلافات، وهو فضاء يواجه مأزق الحداثة، ويصوغ من خلال الحوار معايير مشتركة للفعل والمعرفة. وهنا يتضح الفرق الجوهر بين العقل الأداتي والعقل التواصلي، الأول ينتج أدوات، والثاني ينتج معنى، الأول يحكم على النتائج، والثاني يحكم على العدالة، الأول يتوقع النجاح التقني، والثاني يتوقع التوافق الأخلاقي والاجتماعي.

وفي بعده العملي يمكن أن يترجم العقل التواصلي في مجالات متعددة، من التعليم إلى الاقتصاد، ومن السياسة إلى البيئة. في التعليم على سبيل المثال، العقل الأداتي يركز على تحصيل المعرفة والقدرة على الأداء، بينما العقل التواصلي يركز على الفهم النقدي والتفاعل بين المعلم والمتعلم، ويصوغ قيم المشاركة والمساءلة. في الاقتصاد، العقل الأداتي يقيس النجاح بالربح والنمو، بينما العقل التواصلي يقيس النجاح بالعدالة والتوازن الاجتماعي، ويعيد التفكير في آثار السياسات الاقتصادية على المجتمع والفرد والبيئة. في السياسة، العقل الأداتي يركز على التنظيم والإدارة والسيطرة، بينما العقل التواصلي يركز على المشاركة والحوار، ويعيد بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات.

إن العقل التواصلي بهذا المعنى، ليس فقط بديلا للعقل الأداتي، بل هو ضرورة راهنية لمواجهة تحديات الحداثة المأزومة. فهو يوفر أدوات فكرية وأخلاقية لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين الفرد والمجتمع والمعرفة والقيم. يقول جان بول سارتر: "الإنسان يصبح مسؤولا ليس فقط عن أفعاله، بل عن فهمه للعالم وللآخر"، وهذا يعني أن العقل التواصلي يربط المعرفة بالمساءلة الأخلاقية، ويعيد التفكير في الحداثة من الداخل، لا من الخارج فقط.

يمكن النظر إلى العقل التواصلي كاستجابة لثنائية التقنية والقيم التي هيمنت على الحداثة الأداتية. فالثنائية بين القدرة على الفعل والقدرة على الحكم كانت دائما مصدر مأزق الحداثة، الإنسان قادر على التحكم في الطبيعة، لكنه عاجز عن التحكم في معايير العدالة والإنصاف. العقل التواصلي يعالج هذا المأزق عبر تأسيس معيار معرفي وأخلاقي جديد، يسمح للفعل بالارتباط بالقيم، ويسمح للمعرفة بالارتباط بالمسؤولية. وهنا يتضح أن الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي ليس مجرد تعديل في أدوات التفكير، بل تحول في البنية الفلسفية للعقل نفسه، من عقل يبحث عن السيطرة إلى عقل يبحث عن الفهم والمساءلة والعدالة.

وفي هذا السياق، تظهر أهمية الفلسفة النقدية المعاصرة التي تتبنى العقل التواصلي في مواجهة تحديات العولمة والتقنيات الرقمية والثقافات المتعددة. فالعقل الأداتي، في سياق الاقتصاد الرقمي مثلاً، قد ينتج خوارزميات قوية للتحكم في البيانات واتخاذ القرارات، لكنه لا يضمن العدالة أو التوازن الاجتماعي. العقل التواصلي بالمقابل، يطرح أسئلة حول الأثر الاجتماعي لهذه الخوارزميات، ويعيد النظر في قيم الخصوصية والإنصاف والمساءلة. وهكذا يصبح العقل التواصلي أداة لتوجيه الحداثة نفسها، لا مجرد وسيلة لمواكبتها.

وعلى مستوى الوعي الفردي، يعيد العقل التواصلي الإنسان إلى دوره الإنساني الكامل. فالغربة والانفصال عن الآخر، والتفاوت بين الفرد والمجتمع، كلها مشكلات تتغذى من العقل الأداتي. العقل التواصلي يفتح أمام الإنسان أفق الحوار الداخلي والخارجي، وأفق المسؤولية الفردية والجماعية، ويتيح له إعادة بناء معنى حياته بما يتوافق مع قيم العدالة والإنسانية. يقول هابرماس: "العقل التواصلي يربط الفعل بالمعنى، ويعيد التوازن بين المعرفة والمسؤولية"، وهو ما يعكس بوضوح الفرق بين الأداتية والتواصُل.

وفي البعد الثقافي والفلسفي، فإن العقل التواصلي يعيد الاعتبار للمجتمعات الغائبة عن مراكز القرار التقليدية، وللأصوات المهمشة في السياق المعرفي والسياسي. فهو يتيح الحوار بين الثقافات، ويقيم مساحات للاختلاف، ويعيد التفكير في المعايير العالمية للحداثة، بعيدا عن أحادية المنطق الأداتي. وهذا ما أكدت عليه فلسفة النسوية وما بعد البنيوية، من خلال تسليط الضوء على ضرورة إدماج الخبرات المتنوعة والاعتراف بالاختلاف، وعدم احتكار المعرفة والمعايير من قبل المراكز التقليدية للسلطة.

ولا يمكن إغفال البعد التاريخي للمأزق، فالحداثة المأزومة ليست حادثة عابرة، بل نتاج تراكمات فلسفية علمية اجتماعية وسياسية، حيث تداخلت أدوات العقل مع مفاهيم السلطة، وأصبح الفعل التقني مرتبطا بالسيطرة أكثر منه بالخدمة الإنسانية. العقل التواصلي إذن، يقدم رؤية متقدمة تعالج هذا التداخل عبر تأسيس علاقة متوازنة بين القدرة على الفعل والمعايير الأخلاقية والسيطرة والمسؤولية، وبين المعرفة والفهم الاجتماعي.

إن العقل التواصلي ليس رفاهية نظرية، بل ضرورة راهنية لمواجهة مأزق الحداثة. إنه يمثل استجابة فلسفية وأخلاقية وعملية لمأزق الإنسان المعاصر، حيث التقدم التقني والاقتصادي لا يكفي لملء الفراغات الإنسانية والاجتماعية. النقد الفلسفي هنا يظل أداة أساسية، لأنه يوفر الإطار اللازم لمساءلة العقل ذاته، ويعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والإنسان والفعل والقيمة بين الفرد والمجتمع.

إن العقل التواصلي ليس فقط محاولة لتجاوز مأزق الحداثة، بل مشروع إنساني كامل، مشروع يجعل من العقل وسيلة لفهم العالم بعمق لفهم الآخر بصدق، ولتحقيق العدالة والقيم المشتركة في سياق متغير ومعقد. إنه العقل الذي يربط النظر بالفعل والمعرفة بالمسؤولية والحرية بالالتزام والتقنية بالقيم. ومن هنا تظل راهنيته مستمرة، لأنه يوفر للفكر المعاصر أدوات لمواجهة التحديات الكبرى، سواء كانت اجتماعية سياسية بيئية أو ثقافية، مع ضمان أن تظل الحداثة صالحة للإنسان، لا مجرد أداة للتحكم فيه.

***

د. حمزة مولخنيف

تفكيك أبعاد الهيكلية الرأسمالية والوجود المتخلخل

في مفهوم الأزمة الوجودية المركبة

لم يعد ممكناً في حقل الفلسفة السياسية المعاصرة أو الاقتصاد السياسي، مقاربة أزمات "الدول المتخلخلة" وهو التعبير الأكاديمي لما كان يُعرف بدول العالم الثالث أو الأطراف، بمعزل عن التحولات البنيوية الجوهرية في الرأسمالية العالمية. هنا لا نتحدث هنا عن مجرد "فقر" مادي أو "فساد" إداري فحسب، بل بصدد أزمة وجودية تضرب عمق الكينونة الإنسانية في هذه المجتمعات.

إن التحول من النيوليبرالية المتوحشة إلى ما يُصطلح عليه بـ "الإقطاع الرقمي"، لم يعد يكتفي بانتزاع فائض القيمة الاقتصادي (وفق التحليل الماركسي الكلاسيكي)، بل تجاوز ذلك إلى ممارسة ما يمكن تسميته "التلاعب الوجودي" أي إعادة هندسة وعي الإنسان، وزمانه، وعلاقته بذاته وبالآخر، بل وبالمقدس، بما يخدم استدامة الهيمنة، انطلاقا من فرضية مؤداها أن "الرخاوة" في بنية الدولة ليست خللاً طارئاً، بل هي الشرط الضروري لتمكين الرأسمالية المعولمة من ممارسة هذا التلاعب. في هذه البيئة "الرخوة"، تتحلل المؤسسات الصلبة (الدولة، العائلة، النقابة) لتفسح المجال أمام "سيولة" مدمرة (بتعبير زيجمونت باومان) تجعل الفرد أعزلاً أمام طغيان السوق والصور الرقمية. وهو كشف في تحولات "المواطن" إلى "مستهلك قلق" أو "منتظِر أبدي"، وكيف تتحول الهوية إلى "سلعة"، مستعينين بترسانة مفاهيمية تمتد من فينومينولوجيا ليفيناس وسارتر، مروراً بنقد الاقتصاد السياسي لسمير أمين، وصولاً إلى البدائل الأخلاقية.

ميتافيزيقا التلاعب الوجودي: من ترويض الأجساد إلى هندسة الأرواح

يُعد مفهوم "التلاعب الوجودي" حجر الزاوية في فهم آليات الهيمنة الجديدة. وخلافاً للتلاعب "الشامل" الذي تفترضه الحتميات المادية، فإن التلاعب الوجودي يستهدف نطاقاً محدداً من الفاعلية، حيث يتم التدخل في الشروط القبلية للاختيارات الحرة والمسؤولية الأخلاقية. يُنظر إلى الفاعلين الخاضعين لهذا النوع من التلاعب فلسفيًا على أنهم "منقوصو الحرية"، لا لأنهم مُجبرون قسراً، بل لأن خياراتهم تنبع من سياق صُمم مسبقاً لتوجيه "القصدية" نحو مسارات محددة.

يمكن تتبع الجذور الفلسفية لهذا المفهوم في نقد إيمانويل ليفيناس للأنظمة الشمولية. يشير ليفيناس إلى أن الهيمنة لا تعتمد فقط على القوة الغاشمة، بل على "إغراء أنطولوجي" يستغل حالة "التشرد المتعالي" للإنسان الحديث في المجتمعات المتخلخلة، حيث تتآكل الروابط التقليدية، ينشأ فراغ روحي تتدخل الرأسمالية لملئه بوعود زائفة عن "الأصالة" عبر الاستهلاك. إنها تستثمر في "العجز المجتمعي" لتقديم السوق كبديل لليقين المفقود، دافعةً الأفراد نحو "عدمية أخلاقية" تبرر الوسائل بالغايات، على حد تعبير ألبير كامو.

تسليع الذات: الفينومنولوجيا في خدمة السوق

تنتقل آليات الهيمنة من المستوى الكلي إلى الفردي عبر "تسليع الذات". في ظل النيوليبرالية، لم تعد السلعة موضوعاً منفصلاً عن الذات، بل أصبحت الذات نفسها مشروعاً استثمارياً. وتُظهر الدراسات النقدية كيف أن منطق الطبية الحيوية يحوّل الرعاية النفسية إلى سلع تهدف إلى "صيانة" الأفراد ليعودوا مستهلكين منتجين، متجاهلة الجذور الاجتماعية لمعاناتهم.

تحلّل الفينومنولوجيا هذه الظاهرة عبر مفهومي "القصدية" عند هوسرل و"نظرة الآخر" عند سارتر. في فضاءات الاستهلاك المعاصرة، يتعرض الفرد لما يمكن تسميته "الشيئية المتبادلة". يتم الحكم على الكينونة بناءً على المظهر والقدرة الشرائية، مما يضع الفرد تحت ضغط هائل لـ "تعديل" ذاته لتلائم توقعات السوق. هذا الضغط يخلق تلاعباً وجودياً يشعر فيه الفرد، وخصوصاً الأجيال الرقمية، بأنه مراقب ومحكوم عليه باستمرار، مما يدفعه للانخراط في استهلاك تفاخري قسري لحماية كينونته من التلاشي تحت "نظرة الآخر".

 الدولة الرخوة: من التخطيط إلى السمسرة

على مستوى الاقتصاد السياسي، استعار الاقتصادي المصري جلال أمين مصطلح "الدولة الرخوة"" من غونار ميردال، لتوصيف التحولات البنيوية في الدول العربية منذ حقبة الانفتاح. الدولة الرخوة هنا ليست بالضرورة "فاشلة" أمنياً، بل قد تكون قمعية، لكنها "رخوة" في التزامها بالقانون والصالح العام.

تتجلى هذه الرخاوة في:

الفجوة بين التشريع والتنفيذ: حيث يطبق القانون بانتقائية، مما يخلق بيئة من "اللايقين" تدفع المواطن للاحتماء بشبكات الزبونية.

الفساد الممنهج: حيث يتحول الفساد من انحراف سلوكي إلى "نظام" تشغيلي للدولة، مما يؤدي إلى تآكل النسيج الأخلاقي.

تآكل السيادة الاقتصادية: تخلي الدولة عن التخطيط التنموي المستقل لصالح الرأسمالية الكومبرادورية (الوسيطة).

 قانون القيمة المعولم وتعميق التخلف

يؤطر سمير أمين هذه الحالة ضمن نظريته حول "التبادل غير المتكافئ". يرى أمين أن الرأسمالية نظام استقطابي بطبيعته، يفرض عبر "قانون القيمة المعولم" استنزافاً للأطراف (الجنوب) لصالح المركز (الشمال). لا يتوقف هذا الاستنزاف عند الموارد، بل يمتد ليشمل "الاستلاب الثقافي"، حيث تُدمّر البنى الإنتاجية المحلية لصالح نمط استهلاكي مشوّه، مما يخلق نخباً معولمة تعيش في فقاعات منعزلة عن واقع الغالبية المسحوقة.

السيولة والقبائلية الجديدة

في ظل هذه "الحداثة السائلة"، يعيش مواطن الدول المتخلخلة حالة من "انعدام الأمن الوجودي". وكرد فعل دفاعي على هذه السيولة، يلجأ الأفراد إلى ما أسماه باومان ومافيزولي "القبائلية الجديدة" في سياقات متعددة، لا يُعد تصاعد الهويات الطائفية مجرد عودة للدين، بل استراتيجية بقاء في ظل "رخاوة" الدولة. تعمل الطائفة هنا كشبكة حماية بديلة توفر ما عجزت عنه الدولة، بينما يستخدم "أمراء الطوائف" هذا الانقسام كدرع ضد نشوء وعي وطني أو طبقي جامع.

الإقطاع الرقمي وتلعيب العنف

تتوج هذه البنية بظهور "الإقطاع الرقمي"، حيث تمتلك المنصات التكنولوجية "الأرض" (الخوارزميات)، بينما يعمل المستخدمون كـ “أقنان" جدد يقدمون بياناتهم مجاناً. وفي الدول المتخلخلة، يصبح "الهروب الرقمي" ملاذاً للشباب المحبط. والأخطر هو استغلال الجماعات المتطرفة لهذا الفراغ عبر تلعيب العنف"" حيث تُستخدم آليات الألعاب لتجنيد الشباب، محولة الصراعات الدموية إلى "مغامرات" تمنح إحساساً زائفاً بالبطولة والمعنى.

خاتمة

إن تحليل انعكاسات البنية الرأسمالية في الدول المتخلخلة يكشف عن نظام "كلياني" ناعم، يجمع بين صلابة الاستغلال الاقتصادي وسيولة التلاعب الوجودي. في هذا السياق، يصبح الإنسان محاصراً بين مطرقة الحاجة وسندان الاغتراب. إن المخرج من هذا المأزق يتطلب، كما تشير المقاربات الأخلاقية (مثل الائتمانية عند طه عبد الرحمن أو الفاعلية عند فانون)، مقاومة لا تكتفي بالبعد الاقتصادي، بل تؤسس لـ “ثورة في المفاهيم" تستعيد حق الإنسان في تعريف وجوده بعيداً عن إملاءات السوق.

***

غالب المسعودي

........................

قائمة المراجع

Levinas, Emmanuel. Humanism of the Other. Translated by Nidra Poller. Urbana: University of Illinois Press, 2003. (See also: Discussion on Levinas and Camus in Continuum Studies in Continental Philosophy).

Amin, Galal. Whatever Happened to the Egyptians? Changes in Egyptian Society from 1950 to the Present. Cairo: American University in Cairo Press, 2000. (Reference to "The Soft State").

Amin, Samir. The Law of Worldwide Value. Translated by Brian Pearce and Shane Mage. (“The Law of Worldwide Value – Marx & Philosophy Society”) New York: Monthly Review Press, 2010.

Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press, 2000.

Creary, M., et al. "Being-with-staff-in-a-technology-enabled-fashion-store." NTU Institutional Repository, Nottingham Trent University. Accessed December 28, 2025. http://irep.ntu.ac.uk/id/eprint/example.

Hanna, Nathan. "Defusing Existential and Universal Threats to Compatibilism: A Strawson and Dilemma for Manipulation Arguments." ResearchGate. Accessed December 28, 2025.

https://www.researchgate.net/publication/example.

Sartre, Jean-Paul. Being and Nothingness: An Essay on Phenomenological Ontology. Translated by Hazel E. Barnes. New York: Philosophical Library, 1956.

American Philosophical Association. "2022 Eastern Division Abstracts." APA Online. Accessed December 28, 2025. https://www.apaonline.org.

بوزيان، عبد القادر. "من الانغلاق إلى الانعتاق في الفلسفة الغربية: الذات

(The Self)." ASJP. Accessed December 28, 2025. https://www.asjp.cerist.dz.

مقدمة: هربرت ماركوز (1898-1979)، أحد أبرز أعضاء مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، يمثل صوتاً راديكالياً في الفلسفة الاجتماعية النقدية، حيث يجمع بين الماركسية، التحليل النفسي الفرويدي، والفينومينولوجيا لنقد الهيمنة في المجتمعات الصناعية المتقدمة. فلسفته تتركز على مواجهة "الفاشية الجديدة"، التي ليست مجرد إعادة للفاشية التاريخية (كالنازية)، بل شكل معاصر يتجلى في الإدارة الشمولية والقمع الخفي داخل الديمقراطيات الرأسمالية. في هذا السياق، يبرز التوتر بين "اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد" في الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية، كما في كتابه الشهير الإنسان ذو البعد الواحد (1964)، وبين "إيروسية البعد الجمالي" كوسيلة تحررية، مستمدة من الإيروس والحضارة (1955) ومقالة في التحرر (1969). هذه الدراسة تهدف إلى استكشاف هذا التوتر بشكل موسع، مستندة إلى النظرية النقدية لماركوز، مع التركيز على كيفية استخدام الجماليات والإيروس لمواجهة الاغتراب والفاشية. سنبدأ بالسياق الفلسفي، ثم ننتقل إلى تحليل الاغتراب، مروراً بمواجهة الفاشية، لنختم بدور البعد الجمالي والإيروس.

السياق الفلسفي: النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت

تنبع فلسفة ماركوز من مدرسة فرانكفورت، التي أسسها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، والتي تهدف إلى نقد الهيمنة الرأسمالية من خلال دمج الماركسية بالتحليل النفسي والفلسفة الهيغلية. فر ماركوز من ألمانيا النازية عام 1933، مما شكل تجربته الشخصية في مواجهة الفاشية، حيث عمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية لتحليل النزعات الفاشية. في كتابه تكنولوجيا، حرب، وفاشية (1998، نشر بعد وفاته)، يرى ماركوز الفاشية كنتيجة للرأسمالية المتأخرة، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للقمع الشمولي.  يعتمد ماركوز على مفهوم "التنوير كخدعة" من أدورنو وهوركهايمر، لكن يضيف بعدًا تحرريًا من خلال الإيروس، مستلهما فرويد، حيث يرى في الغرائز الإنسانية (الإيروس كغريزة الحياة مقابل الثاناتوس كغريزة الموت) إمكانية لمجتمع غير قمعي. هذا السياق يجعل فلسفته نقدية اجتماعية، تركز على "الرفض الكبير"ضد الواقع القمعي، خاصة في حركات الستينيات التي أثر فيها ماركوز كـ"أب اليسار الجديد".  الفاشية الجديدة، حسب ماركوز، ليست عودة للنازية بل شكل معاصر يتجلى في "التسامح القمعي" ، حيث تسمح الديمقراطية بالقمع تحت ستار الحرية.

اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد في الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية

في الإنسان ذو البعد الواحد، يصف ماركوز كيف تحول الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية الإنسان إلى كائن أحادي البعد، يفقد قدرته على التفكير النقدي والثوري. الاغتراب هنا مستمد من ماركس (في مخطوطات 1844)، حيث يصبح العمل أداة للاستلاب، لكن ماركوز يوسعه إلى الاستهلاك: "في ظل الرأسمالية المتقدمة، يصبح الإنسان يرغب في ما يُفترض أن يرغبه".  هذا الاغتراب ينتج عن "القمع الفائض"، الذي يتجاوز القمع الضروري للحضارة، مما يجعل الإنسان يتطابق مع نظام يستغله. في المجتمع الاستهلاكي، تُسوى التناقضات الاجتماعية (مثل الغنى مقابل الفقر) عبر السلع، مما يولد "حرية غير حرة، سلسة، معقولة، ديمقراطية".  الإنسان ذو البعد الواحد يفقد البعد الثاني (النقدي)، حيث تتحول الثقافة إلى صناعة تروج للاستهلاك، مما يعزز الاغتراب الاجتماعي والنفسي. هذا الاغتراب يمهد للفاشية الجديدة، حيث تصبح الإدارة الشمولية شكلاً من أشكال الهيمنة غير الشخصية: "مع عقلنة الجهاز الإنتاجي... يصبح كل هيمنة شكلاً من أشكال الإدارة". في هذا السياق، يرى ماركوز أن الرأسمالية الاستهلاكية تخلق "مجتمع مُدار بالكامل"، حيث يفقد الإنسان قدرته على التمرد، مما يشبه الفاشية في قمع الوعي النقدي.

مواجهة الفاشية الجديدة في فلسفة ماركوز

ترى فلسفة ماركوز الفاشية الجديدة كامتداد للرأسمالية، حيث تتحول التكنولوجيا والإعلام إلى أدوات للقمع الخفي. في تكنولوجيا، حرب، وفاشية، يحلل ماركوز كيف أعد النازية للفاشية من خلال الاقتصاد الآلي، لكن في العصر الحديث، تظهر الفاشية في "الديمقراطية غير الحرة"، حيث يُستغل الإحباط الشعبي لدعم أنظمة استبدادية (كما في صعود اليمين المتطرف في الولايات المتحدة أثناء عهد نيكسون).  الفاشية الجديدة تستفيد من الاغتراب ذي البعد الواحد، حيث يصبح الإنسان عرضة للدعاية، كما في "التسامح القمعي" الذي يشرعن القمع تحت ستار التسامح. يدعو ماركوز إلى "الفكر السلبي" كأداة لكشف التناقضات، حيث يرى أن الفاشية تستغل الغرائز المكبوتة لتعزيز الولاء للنظام. في نحو نظرية نقدية للمجتمع (نحو نظرية نقدية للمجتمع، 1969)، يحذر ماركوز من أن الرأسمالية تعد لفاشية جديدة من خلال الاقتصاد الآلي والإعلام، مما يجعل الثورة ضرورية لاستعادة الوعي النقدي.  هذه المواجهة تتجاوز السياسي إلى النفسي، حيث يربط ماركوز بين القمع الاجتماعي والنفسي، معتبراً أن الفاشية تحول الغرائز إلى أدوات للهيمنة.

إيروسية البعد الجمالي كوسيلة للتحرر

مقابل الاغتراب، يقدم ماركوز "البعد الجمالي" و"الإيروس" كأدوات تحررية. في الإيروس والحضارة، يرى أن الإيروس (غريزة الحياة) يُقمع في الحضارة لصالح "مبدأ الأداء"، لكن يمكن تحريره لخلق مجتمع غير قمعي. "أيديولوجيا الندرة" تخفي الوفرة، مما يفرض عملاً غير ضروري.  البعد الجمالي، في البعد الجمالي (1978)، يخلق "مساحات نقدية" حيث يعبر الفن عن حقائق ثورية: "الفن كفن يعبر عن حقيقة... ضرورية للثورة". ان الإيروسية هنا تعني دمج الرغبة بالعقل في "عقلانية الإشباع"، مما يواجه الفاشية بإعادة تشكيل الذاتية. في مقالة في التحرر، يدعو إلى "حساسية جديدة" مستلهمة من حركات الستينيات، حيث يصبح الفن أداة للرفض الكبير، محولاً التكنولوجيا نحو الإشباع الإنساني. هذا البعد يواجه الاغتراب بإعادة الاغتراب عن الواقع القمعي، مما يفتح أفقاً لمجتمع تحرري يجمع بين الإيروس واللوغوس.

الرفض الراديكالي في مواجهة المجتمع الصناعي المتقدم

يشكل مفهوم "الرفض الكبير" محوراً أساسياً في فلسفة هربرت ماركوز (1898-1979)، أحد رواد النظرية النقدية في مدرسة فرانكفورت. يُعرف الرفض الكبير كفعل ثوري راديكالي يرفض الهيمنة الشمولية للمجتمع الصناعي المتقدم، الذي يُخفي قمعه تحت ستار الديمقراطية والاستهلاك. هذا المفهوم، الذي يظهر بشكل بارز في كتاب ماركوز الإنسان ذو البعد الواحد (1964)، ليس مجرد رفض سياسي بل هو نفي شامل للقيم والاحتياجات الكاذبة التي يفرضها النظام الرأسمالي، مما يفتح أفقاً لتحرير الغرائز الإنسانية وإعادة بناء مجتمع غير قمعي.  تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مفصل لهذا المفهوم، مستندة إلى سياقه الفلسفي، تعريفه، أبعاده النفسية والاجتماعية، تطبيقاته في الحركات الاجتماعية، والنقود الموجهة إليه. سنعتمد على أعمال ماركوز الرئيسية مثل الإيروس والحضارة (1955) ومقالة في التحرر (1969)، مع التركيز على كيفية تحول الرفض الكبير إلى أداة لمواجهة "الفاشية الجديدة" في العصر الحديث. كما يأتي مفهوم الرفض الكبير ضمن إطار النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، التي أسسها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، والتي تهدف إلى نقد الهيمنة الرأسمالية من خلال دمج الماركسية بالتحليل النفسي الفرويدي والفينومينولوجيا الهيغلية. فر ماركوز من ألمانيا النازية عام 1933، مما شكل تجربته الشخصية في مواجهة الفاشية، حيث عمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية لتحليل النزعات الفاشية.  في كتابه التكنولوجيا، الحرب، والفاشية (1998)، يرى ماركوز الفاشية كنتيجة للرأسمالية المتأخرة، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للقمع الشمولي. يعتمد ماركوز على مفهوم "التنوير كخدعة" من أدورنو وهوركهايمر، لكنه يضيف بعداً تحررياً من خلال الإيروس، مستلهما فرويد، حيث يرى في الغرائز الإنسانية (الإيروس كغريزة الحياة مقابل الثاناتوس كغريزة الموت) إمكانية لمجتمع غير قمعي.  نشأ الرفض الكبير من تجارب ماركوز في ألمانيا الويمارية، حيث أدى الانهيار الاقتصادي والأخلاقي بعد الحرب العالمية الأولى إلى صعود النازية، مما يعكس فشل اليسار في مواجهة الفاشية. في الإنسان ذو البعد الواحد، يتهم ماركوز الديمقراطيات الغربية بعد الحرب بإغلاق الخيارات الإنسانية الحقيقية من خلال إخفاء الهيمنة عبر الإيديولوجيا. تأثر ماركوز بـهيغل، ماركس، فرويد، وهايدغر، حيث يجمع بين الجدل الهيغلي (النفي الجدلي للواقع) والتحليل الماركسي للاغتراب، مع التأكيد على الجانب النفسي للقمع. هذا السياق يجعل الرفض الكبير رمزاً للسياسة في الستينيات، حيث أصبح ماركوز "أب اليسار الجديد"، مستلهماً حركات الاحتجاج ضد حرب فيتنام والرأسمالية. من الناحية الدلالية، يُعرف الرفض الكبير كرفض راديكالي للهيمنة في المجتمع الصناعي المتقدم، الذي يُوصف بأنه "أكثر أنظمة الهيمنة كفاءة"، بما في ذلك الديمقراطيات. إنه نفي للاحتياجات الكاذبة التي يفرضها النظام، مع الاعتراف بالفقر الروحي والسياسي حتى في أمريكا الغنية. يعتمد ماركوز على "التفكير السلبي" لتفكيك قبضة الهيمنة والاغتراب، مما يسمح باكتشاف الاحتياجات الحقيقية وتحرير "السلاسل الذهنية المزورة".  يشمل الرفض الكبير مجموعات متنوعة مثل "المهمشين والمضطهدين، العاطلين عن العمل، شباب الطبقة الوسطى البيضاء في اليسار الجديد، والطبقة السوداء السفلى، وجبهة التحرير الوطني في فيتنام، والثوار الكوبيين". من الناحية الإجرائية، يتجاوز الرفض الكبير الرفض السلبي إلى نفي جدلي ينفي "الواقع" (الظاهر) لتأكيد "الواجب" (الجوهر)، مطالبًا بتدمير الظروف الملموسة التي تحول دون الحرية. يعتمد على "القمع الفائض"، الذي يتجاوز القمع الأساسي الضروري للحضارة، مما يجعل الإنسان يرغب فيما يُفرض عليه. في المجتمع الاستهلاكي، تُحل التناقضات الاجتماعية عبر السلع، مما يولد "حرية غير حرة، سلسة، معقولة، ديمقراطية".  يفقد الإنسان البعد الثاني (النقدي)، حيث تتحول الثقافة إلى صناعة تروج للاستهلاك، مما يعزز الاغتراب الاجتماعي والنفسي. فلسفياً، يعتمد على هايدغر (السقوط في "الآخرين" اللامجهول)، هيغل (النفي الجدلي)، ماركس (الاغتراب عن العمل)، وفرويد (الإيروس مقابل الثاناتوس). يدعو إلى "حساسية جديدة" تعتمد على الجماليات والفن لكسر الاحتياجات الكاذبة، مما يجعل الرفض الكبير عملية تغيير وعي قبل الفعل الجماعي. لقد وجد الرفض الكبير تطبيقاته في حركات الستينيات، مثل الاحتجاجات ضد حرب فيتنام والرأسمالية، حيث أثر ماركوز في اليسار الجديد. في مقالة في التحرر، يدعو إلى "مسيرة طويلة" عبر الصراع الممتد، معتمداً على التحالفات بين المثقفين والطبقات المستغلة والمهمشين. الفن يلعب دوراً رئيسياً، حيث يُعد "الأكثر فعالية في إظهار التفكير السلبي"، كما في رفض الاستهلاك والتكنوقراطية.

معاصرًا، يُطبق المفهوم في حركات مثل "أوكيوباي وال ستريت" أو "بلاك لايفز ماتر"، حيث يُرى كرفض للرأسمالية الجديدة والعنصرية. في كتاب الرفض الكبير: هربرت ماركوز والحركات الاجتماعية المعاصرة (2017)، يُحلل كيف يساعد الرفض الكبير في فهم الاحتجاجات العالمية ضد النيوليبرالية، مع التركيز على "الجديد اليسار" في أوروبا وأمريكا.  كما يرتبط بالنضال البيئي، حيث يرفض استغلال الطبيعة كامتداد للقمع الرأسمالي. ومع ذلك، يُنتقد ماركوز لعدم توقعه رد الفعل اليميني، مثل صعود رونالد ريغان أو اليمين المتطرف في أوروبا. رغم أهميته، واجه الرفض الكبير نقوداً، مثل عدم تفاعل ماركوز مع الاعتراضات أو عدم تقديره لمرونة الرأسمالية، التي لم تنهار كما توقع. يُنتقد افتراضه بأن الرأسمالية أنهت الندرة، مع تجاهل الفجوات المتزايدة في الثروة. كما يُرى تناقض بين الإيروس والحضارة (التكنولوجيا كمحررة) والإنسان ذو البعد الواحد (التكنولوجيا كقمعية).  معاصرًا، يُعتبر إرث ماركوز محدوداً، حيث تركز اليسار على تعزيز الديمقراطية بدلاً من رفضها، لكن مفهومه يظل ذا صلة في مواجهة الأزمات مثل التفاوت الاقتصادي والتغير المناخي.

الخاتمة

في الختام، تمثل فلسفة ماركوز النقدية الاجتماعية مواجهة جذرية للفاشية الجديدة، من خلال نقد اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد في الرأسمالية الاستهلاكية، مقابل تحرير الإيروس والبعد الجمالي. هذا التوتر يعكس أملاً في الثورة، لكن يحذر من مخاطر الاندماج. الدراسات المستقبلية قد تستكشف تطبيقاته في العصر الرقمي، حيث تتجدد الفاشية عبر الإعلام الاجتماعي. يمثل الرفض الكبير عند ماركوز تحولاً في النظرية النقدية، من نقد الاغتراب إلى فعل ثوري يعتمد على الإيروس والجماليات لتحرير الإنسان من البعد الواحد. رغم النقود، يظل المفهوم أداة لفهم الحركات المعاصرة، مع الحاجة إلى تكييفه مع التحديات الرقمية والعولمية. الدراسات المستقبلية قد تستكشف دوره في الذكاء الاصطناعي والفاشية الرقمية. فمتى يتم تفعيل مسيرة الرفض العربي الكبير للاجتياح الصهيوامبريالي للعمق الاستراتيجي لحضارة أقرأ؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يعدّ (لودفيغ فيورباخ) (1804–1872) أحد أبرز الفلاسفة الألمان الذين مهدوا الطريق أمام التحول من "المثالية الهيغلية" إلى "المادية الإنسانية"، وقد شكلت فلسفته لحظة تمرد كبرى في الفكر الغربي، ليس بمعنى الفوضى أو الرفض العدمي، بل كفعل وعي نقدي ضد سلطة الميتافيزيقا والدين التي كبّلت الإنسان وأبعدته عن جوهره الحقيقي.

ينطلق (فيورباخ) من فكرة أن الدين هو إسقاط الإنسان لجوهره الخاص على موجود متخيل خارجي هو "الإله"، فالله عنده ليس كائناً منفصلاً عن الإنسان، بل هو صورة مثالية لإنسانيته، انعكاس لأمنياته وكمالاته التي لم يستطع تحقيقها. هذا الاكتشاف هو أول أشكال التمرد: أن يعي الإنسان أنه هو خالق معبوده، وأن المقدس ليس سوى انعكاس لجوهره الذاتي، هنا يتحول التمرد إلى فعل تحرر معرفي؛ إذ يتمرّد الإنسان على الوهم الديني الذي صادر وجوده، ويستعيد لنفسه القدرة على التفكير والفعل دون وساطة إلهية أو سلطة كهنوتية.

والتمرد عند (فيورباخ) لا يقف عند حدود الدين، بل يمتد إلى "الفلسفة الهيغلية" نفسها. فقد رأى أن (هيغل) جعل الفكر أو الروح هو الأصل، بينما الإنسان المادي الواقعي مجرد انعكاس له. فتمرّد (فيورباخ) على هذا المنطق المثالي، معلناً أن الإنسان الملموس، بلحمه ودمه، هو البداية والنهاية. وهنا ينتقل مركز الثقل من "الوعي المطلق" إلى "الوجود الإنساني الحسي"، لتصبح الفلسفة علماً بالإنسان لا بالروح.

وإن التمرد عند (فيورباخ) ليس هدماً لكل القيم، بل إعادة تأسيس لها على قاعدة إنسانية، فالإنسان هو المقياس الأعلى لكل قيمة، والعلاقة بين البشر هي جوهر الأخلاق. ومن هنا يرى أن الحب، لا الإيمان، هو الرابط الحقيقي بين الناس، وأن الدين الحقيقي هو حب الإنسان للإنسان، وبهذا يصبح "التمرد الفيورباخي" دعوة أخلاقية أيضاً: أن نكفّ عن عبادة الغيب، وأن نحول طاقتنا الروحية نحو خدمة الإنسان، لا نحو خدمة "الماوراء".

وبهذا، فتح تمرد (فيورباخ) الباب أمام فلسفات أكثر جذرية، مثل الماركسية والوجودية. فـ(ماركس)، مثلاً، استلهم منه فكرة "إعادة الإنسان إلى الأرض"، لكنه انتقده لأنه اكتفى بالتأمل النظري ولم يترجم تمرده إلى فعل اجتماعي. أما (نيتشه)، فقد واصل خط التمرد حتى إعلان "موت الإله"، مؤسساً بذلك لعصر الإنسان الخالق للقيم.

إن فلسفة التمرد عند (فيورباخ) ليست صرخة ضد الدين فحسب، بل ثورة في الوعي الإنساني. لقد أراد أن يعيد الإنسان إلى مركز الكون، وأن يحرره من الاغتراب الميتافيزيقي الذي صنعه بنفسه، فالتمرد هنا فعل حب للعقل وللإنسان، لا رفض للوجود، لأن (فيورباخ) كان يؤمن أن الإنسان، حين يتحرر من أوهامه، لا يفقد الإيمان، بل يعيد توجيهه نحو ذاته والآخرين.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

ربما من غير المدهش (وبغض النظر عن المشككين) ان الرواقية، التي هي احدى فروع الفلسفة القديمة الأكثر انحرافا وغرابة، يجب ان تجذب انتباه مثقفي أواخر القرن العشرين. حتى افلوطين تحدث عن الرواقية باعتبارها مختلفة جدا لدرجة يجب ان لا تُعد ابداً كجزء من الفلسفة اليونانية. تقليديا اعتُبرت الفلسفة تتجسد بافلاطون وارسطو، وطبقا لافلوطين، الفلسفة اليونانية في جانب، والرواقية في الجانب الآخر.

الوجودية الرواقية: بين الخاص والعام

العديد من المفكرين الاوربيين الحديثين اثاروا السؤال حول ما اذا كانت الرواقية تقدم نموذجا معاصرا لطريقة في الحياة وبنفس الوقت حياة ذات معنى – تقود للسعادة ووعي الذات. فوكو خصيصا اهتم بردم الفجوة بين مجالي المواطنة الخاص والعام من خلال السؤال حول ما اذا كانت علاقات المرء مع ذاته (السؤال المركزي في الفلسفة الرواقية الكلاسيكية) يمكن ان تعمل في نفس الوقت كتكنيك لتحسين الذات وأيضا كممارسة سياسية للمقاومة. طريقة فوكو في الحياة سُميت parrhesia او الحديث الشجاع، والذي يشير الى بطولة فعل التحدث بالحقيقة للسلطات بالإضافة كنوع من أسلوب حياة يمكن ان يزيد سعادة المرء. انها تتضمن الاستمتاع بالذات والاهتمام بشؤون المرء اليومية. انها تنطوي على فلسفة العناية بالذات وأيضا طريقة لممارسة العدالة. يمكن للمرء العناية بذاته وبأصدقائه وعائلته من خلال المصداقية الشجاعة، ويمكن للمرء وبنفس المقدار، ان يستعمل شجاعة الحديث كشكل من التمرد ضد الوضع القائم غير العادل.

 يجادل سارتر وبموقف نقدي، ان الرواقية رغم تركيزها على "الحرية المطلقة" والانسحابات الشخصية، يمكن تسخيرها كقوة تساعد في احتضان طريقة عيش أصيلة. عمل سارتر المبكر كان اكثر تسامحا تجاه العقيدة الرواقية، لكن لاحقا اثناء عمله المهني، قرر ان معظم الفلسفة الرواقية كان أيديولوجية للإنفكاك والسلبية والايمان السيء. المبدأ الرواقي الشهير المتعلق بأهمية قول الاختلاف بين ما يعتمد علينا وما لا يعتمد هو ليس صحيحا تماما. ما يبدو من اول وهلة خارجا عن سيطرتنا، كما ينصح الرواقيون، يتبيّن انه شيء يجب ان نواجهه وننخرط به.

دولوز يخصص جزءا من انطولوجيته من خلال تأسيسه على الميتافيزيقا الرواقية. دولوز كان مولعا جدا بالأخلاق الرواقية، وبعض الباحثين اعتقد ان الموقف الأخلاقي الوحيد الجدير بالتقدير هو الموقف الرواقي. ان الموقف المادي في الفلسفة الرواقية يسمح لدولوز بصياغة "اخلاق بدون مبادئ"، أي، موقف أخلاقي نحو الحياة لا يرتكز على دوغما او أي مبادئ متعالية. الاخلاق في رواقية ديلوز الجديدة هي برجماتية مرتكزة على أحداث مباشرة وتجارب معطاة. الاخلاق ملازمة للظروف.

العديد من الباحثين يجادلون ان رواقية دولوز هي رواقية "غير منتهية الصلاحية" تختلف كليا عن الشكل الأصلي. دولوز اشتهر بقراءة الفلاسفة بطريقة تحويلية للغاية. البعض يجادل ان الفلسفات التقليدية حالما تُفسر وفق الطراز الدولوزي، ستحمل القليل من الشبه بذاتها. دولوز ذاته لم ينكر هذا ابدا. هدفه لم يكن الوصول الى "جوهر"، المركز الباطني، او معنى أساسي للعمل الفلسفي وانما ليستخلص منه شيئا جديدا وهاما مع إضافة الحياة والحيوية لأفكاره. التصور الرواقي للحرية، مع انه محدود جدا، هو مع ذلك معقد في مجاله التطبيقي. هو تصوّر حر فقط في قبول او رفض الانطباعات التي تكشفها الطبيعة والوعي. ما نستطيع التحكم به هو كيف نستجيب لما هو خارجي، وليس الخارجي ذاته. الهدف من الانضباط الرواقي هو تحقيق هدوء روحاني.

دولوز يعدّل الموقف الرواقي عبر إضافة عنصر تجريبي. تمارين دولوز الروحية، بصرف النظر عن مساعدتها للفرد في إدارة العواطف والتحكم بها، تسمح له بتكثيف وزيادة كفاءته الإيجابية. لذلك فان مختلف التقنيات تُوجّه بهدف إزاحة الفرد عن مركزيته واكتشاف طرق اخرى جديدة للوجود والتغيير. المحللة النفسانية، الكاتبة والمنظّرة الثقافية جوليا كرستيف Julia Kristeve تقدم تحليلا مقنعا ونقدا للأخلاق الرواقية. تركز كرستيف بشكل أساسي على الفلسفة الرواقية للّغة لتوضيح موقفها. طبقا للرواقية، الكلمة لا تشير الى شيء، اللغة لا تشير الى شيء حقيقي. بل، ان الشكل المكتوب، الجملة، يتم تنسيقهما مع انطباعات الذهن. ان الانطباعات التي نتلقاها من الأشياء هي بدورها تُسمى من جانب دولوز و كرستيف كأحداث. الشخص اما يقبل او يرفض الحدث، وبذلك يمارس حريته. وبالمقارنة، الإشارة المكتوبة، بشكل افتراضي، يمكن استخدامها لتؤدي تحليلات منطقية واستنتاجات، والوصول الى حقائق تفيد صحة الروح.

وبهذا فان المنطق وعلم النفس متداخلان بعمق. لكي نشعر بالراحة، نحن يجب ان نفكر بوضوح، ولكي نفكر بوضوح يجب ان نتصرف وننظّر منطقيا. الهدف هو الوصول الى توازن ذهني مفضل يمكنه إزالة القلق والتأملات غير الضرورية. نحن نستطيع تحقيق هذا عبر فصل ما نستطيع التحكم به عن ذلك الذي لا نستطيع، وبدلا من الرغبة بوقوع أحداث، نحن يجب ان نرغب في الأحداث التي تقع فعلا.

يجب على المرء ان يتماشى مع شبكة سببية عالمية وحتمية تنشأ من إله ينظّم كل الطبيعة. طبقا لعلم الكون الرواقي، ومن خلال الرغبة بوقوع الاحداث، يتعلم المرء التواضع والصمود والإمتنان. المرء يفكر ويتصرف طبقا للطبيعة، يبقى صادقا مع نفسه في الإمتثال لرغبة الله. هذا يفسر كيف يحقق الشخص الرواقي الحرية: ليس بالخروج من سلسلة الأحداث الحتمية (وهو امر مستحيل) وانما من خلال الاختيار الواعي لما لا مفر منه. لهذا، الحرية لا تتحقق عبر اختراق سلسلة الأسباب والنتائج وانما عبر رفض الانجرار وراء القدر بطريقة لا تليق به.

نظرا لتأثره الكبير بفوكو، يقدم الفيلسوف الإيطالي جورجية أغامبين Giorgio Agamben تفسيره الخاص للسياسة الحيوية biopolitics (إدارة الحكومة للناس كوحدات بايولوجية) والرواقية وعلاقتهما التاريخية. كما بالنسبة لسارتر وكرستيف، يخفي اغامبين مشاعره المتناقضة نحو المُثل الأخلاقية للرواقية. بالنسبة لأغامبين، لعبت الرواقية دورا هاما في إعادة تشكيل فكرة السيادة sovereignty .على الجانب النقدي، اغامبين يفهم النظرية الرواقية للعناية الإلهية كنوع من أداة تُستخدم لشخصنة، او بكلمة أخرى تحديد أنواع معينة من الأشخاص – وتحديدا، افراد يمكن حكمهم. الاخلاق الرواقية وعلم الكون يأتيان مجتمعان كآلية للتحكم، نموذج قديم للحوكمة. مرة أخرى، مشكلة اللغة تُجلب الى الصدارة. وجود اللغة، اللغة ذاتها، تبقى غير قابلة للتعبير عنها في اللغة. ما لايقال في اللغة هو وجود اللغة ذاتها. اللغة التي يتم التأمل فيها ككل هي مستحيلة، لغز لا يمكن قوله.

في محاولته معالجة لغز اللغة وآثاره المرعبة يلجأ اغامبين الى الرواقية. اللغز الساحق للّغة ونزعتنا الغريبة لنكون مطلعين بلا وعي على حدّها الغريب هو حسب العديد من المفكرين (فيتغنشتاين، هايدجر، اغامبين وغيرهم) يميل لإثارة قلقنا. انه المبدأ الكوني Logos بكل عظمته المتواضعة الذي يجبر العواطف على الظهور. ان وفرة اللغة تشير الى وفرة الحياة وحدودها الطبيعية: الموت. تقدم الرواقية مختلف التمارين الروحية لكي نصبح واعين بنزعة الذهن اللاعقلانية لمحاولة فهم اللغة والعالم ككل. تستخدم الرواقية اللغة ذاتها كمصحح للّغة. هذه هي الوظيفة العلاجية. إجعل الذهن ضمن حدوده الطبيعية وامنعه من الموافقة على الأهواء والعواطف اللاعقلانية الناتجة عن الوجود نفسه، والميل الغريزي لفهم هذا الوجود للّغة ذاتها. بيير هدوت Pierre Hadot باحث في الفلسفة القديمة يحظى بإشادة واسعة. هو عادة يُذكر الى جانب ميشيل فوكو نظرا لإهتمامه بالفلسفة القديمة كأسلوب حياة عملي وملموس. كل من هدوت وفوكو كانا منشغلين في دراسة التمارين الروحية او تقنيات الذات، خاصة عندما تتعلق بالرواقية القديمة. لذلك، فان الرواقية كطريقة في الحياة، احدى أهم المشاريع الرئيسية التي سخر لها هدوت كل حياته.

نقطة أخرى مشتركة بين هدوت و فوكو و دولوز أيضا، هي طريقة قراءة النصوص الفلسفية (القديمة وغيرها) التي تضمنت استيعابا راديكاليا وجوديا لمبادئها. كل من هودت وفوكو سعيا الى استخلاص تجربة من عمل فلسفي. هما سعيا لبيان كيف يمكن للمرء احياء نظام فلسفي، ليس فقط كنظام، شكلية فارغة، او مجرد بناء نظري، وانما ليبيّن كيف يمكن للمرء ان يعيش الفلسفة قيد الشأن.

كما بالنسبة لأغامبين، هودت كان متأثرا بعمق بعمل فيتغنشتاين اللاحق. عمل فيتغنشتاين اللاحق ركز على المظهر البراجماتي للّغة. اللغة كشكل من الحياة يتفوق على اللغة كنظام منطقي. فكرة هودت للتمارين الروحية كانت، بهذا المعنى، متأثرة بعمق بمفهوم فيتغنشتاين لألعاب اللغة. يقدم هودت قراءة أصلية منقطعة النظير للفلسفة القديمة عبر السعي لإنعاش وإعادة بناء الظروف المادية والبرجماتية للحياة التي سمحت بظهورها. خلافا للتحليلات الاكاديمية التقليدية، يقدم هودت للقارئ تجربة روحية وتحويلية يمكن بواسطتها للمرء تدريب نفسه ليعيش ويتصرف (بدرجة أقل او أكثر) كالرواقي. العديد من فروع علم النفس الحديث، مثل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) هي في الحقيقة تشبه التفسيرات المعاصرة لممارسات الرواقية القديمة.

The collector, Feb 18,2025

***

حاتم حميد محسن

 

البنية التحتية الرقمية كقدر تاريخي

في خضم التحولات الجيولوجية التي تشهدها البنية المعرفية للمجتمعات المعاصرة، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة "النماذج التافهة" التي باتت تتصدر المشهد، وتحديداً في مجالي الثقافة والعلم. إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل ما نراه هو مجرد تعبير مرضي عابر أم سلوكيات بنيوية متجذرة؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل سطحي للظواهر الفردية، بل يستدعي الأمر "حفرية فلسفية" عميقة وتاريخية؛ لأننا لا نقف أمام مجرد انحدار ذوقي أو فوضى معرفية عابرة، بل نقف أمام تحول جذري في نمط الإنتاج، حيث انتقلت الرأسمالية من مرحلتها الصناعية الثقيلة إلى مرحلة "الرأسمالية المعرفية"."

تنطلق فرضيتنا الأساسية من أن البنية التحتية للعصر الرقمي -المتمثلة في الخوارزميات، ومراكز البيانات، واقتصاديات المنصات- هي التي تفرز حتماً "بنية فوقية" ثقافية وعلمية تتسم بالتفاهة، والسطحية، والمحاكاة الزائفة. إن هيمنة "التافه" ليست خطأً تقنياً في النظام، بل هي شرط ضروري لعمله بكفاءة؛ ففي اقتصاد يقوم على استخلاص "القيمة الزائدة" من الانتباه البشري، يصبح العمق، والتعقيد، والجدل العلمي الرصين عوائق أمام سرعة دوران رأس المال.

وفقاً للمادية التاريخية الكلاسيكية لماركس، فإن "نمط إنتاج الحياة المادية يشترط عملية بناء الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عامة". ففي القرن التاسع عشر، تمثلت قوى الإنتاج في الآلة البخارية والمصنع، مما أنتج ثقافة الطبقة العاملة والبرجوازية الصناعية. أما اليوم، فقد تحولت قوى الإنتاج جذرياً لتصبح "رقمية". تتكون البنية التحتية الجديدة من شبكات الألياف الضوئية، والخوادم السحابية، والذكاء الاصطناعي، والأهم من ذلك: "البيانات الضخمة".

هذا التحول في "القاعدة" المادية يفرض تحولاً موازياً في "البنية الفوقية". فالخوارزميات التي تحكم منصات التواصل الاجتماعي ليست أدوات محايدة، بل هي تجسيد لأيديولوجية الربح وتراكم رأس المال، صُممت لهدف واحد: تعظيم "وقت البقاء على الجهاز" لزيادة التعرض للإعلانات واستخلاص البيانات السلوكية.

المصنع الاجتماعي والرأسمالية المعرفية

لقد توسع مفهوم "العمل" في عصر الرأسمالية المعرفية ليشمل الحياة الاجتماعية برمتها. يشير مفهوم "المصنع الاجتماعي" إلى أن الإنتاج لم يعد محصوراً في مكان العمل التقليدي، بل امتد ليشمل أوقات الفراغ والعلاقات الشخصية. عندما يقوم المستخدم بكتابة تعليق، أو مشاركة صورة، أو حتى التوقف لمشاهدة فيديو، فإنه يمارس -فعلياً- عملاً غير مأجور لصالح المنصة، حيث يولد "البيانات الخام" التي تُعد وقود هذا الاقتصاد الجديد.

اقتصاد الانتباه وندرة العمق

في ظل وفرة المعلومات، يصبح "الانتباه" هو السلعة النادرة. يعمل اقتصاد الانتباه وفق منطق الاستحواذ اللحظي؛ فالمحتوى العميق يتطلب استثماراً زمنياً وجهداً ذهنياً، وهو ما يتعارض مع سرعة التدفق المطلوبة في المنصات. لذلك، يتم "تسطيح" المحتوى ليكون قابلاً للاستهلاك الفوري دون تمحيص. يؤدي هذا إلى ما يمكن تسميته بـ "الإفقار الممنهج للمعنى"، حيث يتم تجريد المحتوى العلمي والثقافي من سياقه التاريخي والجدلي، ويُقدم كـ "كبسولات" معلوماتية معزولة، مما يحول المعرفة إلى مجرد "بيانات" فاقدة للروح.

 البنية الفوقية للتفاهة: مقاربة نقدية ثقافية

لعل أفضل توصيف لهذه الحالة هو ما صاغه الفيلسوف الكندي (آلان دونو) في كتابه "نظام التفاهة". يرى دونو أننا نعيش في مرحلة تاريخية لم تعد فيها السلطة بيد الأكفاء ولا بيد النخبة الأرستقراطية، بل بيد "التافهين" أو "متوسطي الحال". و"التفاهة" هنا لا تعني الغباء، بل تعني "الامتثال" للمعايير القياسية والابتعاد عن أي خروج إبداعي عن المألوف.

تشرح أطروحة دونو كيف أن المؤسسات الحديثة تفضل الأشخاص الذين ينجزون مهامهم دون التفكير في جوهرها أو غايتها. وفي وسائل التواصل، يتجسد هذا في "المؤثر" (Influencer) الذي يتقن أدوات المنصة وشكلياتها، لكنه يفتقر إلى أي عمق معرفي أو قيمي حقيقي. هذا النظام "الميديا قراطي" (حكم الرداءة) يقصي التفكير النقدي الجذري بشكل منهجي لأنه "مزعج" و"غير فعال" اقتصادياً؛ فالمحتوى الذي يتطلب تفكيراً عميقاً يعتبر "ضوضاء" في نظام مصمم للسلاسة، حيث يتم استبدال القضايا الجوهرية بـ "حلول سطحية" وشعارات شعبوية تداعب المشاعر بدلاً من العقل.

وفي عالم المحاكاة، تفقد العلامة ارتباطها بالواقع. فـ"العلم" على وسائل التواصل ليس تمثيلاً للعلم الحقيقي، بل هو "محاكاة" لجماليات العلم (معطف أبيض، أنابيب اختبار ملونة، موسيقى تشويقية) دون جوهر. أصبحت الصورة الرقمية (الخريطة) هي التي تحدد الواقع (الإقليم)؛ فالناس يعدلون أجسادهم وحياتهم لتشبه "فلاتر" سناب شات وإنستغرام. هذا الانفصال عن الواقع المادي يخلق بيئة خصبة لانتشار النماذج التافهة، حيث لا يوجد "واقع" صلب يمكن الاستناد إليه لدحض هذه التفاهة.

تسليع العلم والأزمة المعرفية

تحت ضغط "اقتصاد الانتباه"، يضطر العلماء والمبسطون العلميون إلى تحويل المعرفة إلى ترفيه اختزال النظريات المعقدة إلى "حقائق مدهشة" منزوع السياق، ويتم التضحية بـ "الشك العلمي" و"المنهجية" لصالح "اليقين" و"الإثارة".

 وهنا يظهر "مؤثرو العلوم" الذين يتقمصون دور الخبراء، مستخدمين لغة شبه علمية (مثل: "توازن الطاقة"، "الديتوكس"، "الترددات") لبيع أوهام ومنتجات تجارية. وأمام جمهور تم "تسطيح" وعيه النقدي، تتلاشى القدرة على التمييز بين العالِم الحقيقي والمحاكي.

مجتمع الاحتراق النفسي وفقدان السيادة على الذات

لم يعد النظام بحاجة لإجبارنا على العمل؛ لقد استبطنا نحن منطق الرأسمالية، وأصبحنا نستغل أنفسنا طواعية. كل مستخدم لوسائل التواصل هو "رائد أعمال ذاتي" يسعى لتسويق نفسه. هذا الضغط المستمر للظهور والإنجاز يؤدي إلى ما يسميه بيونغ-تشول هان "مجتمع الاحتراق النفسي". يطالب النظام بالشفافية المطلقة؛ حيث يجب أن نشارك مشاعرنا، صورنا، ولحظاتنا الخاصة، مما يجعل النفس البشرية قابلة للقياس، والتوقع، والتحكم الخوارزمي. وتأتي التفاهة هنا كـ "مخدر" ضروري لتهدئة الأعصاب المحترقة من فرط التعرض والشفافية.

يقدم (برنارد ستيغلر) التحليل المادي الأكثر دقة لهذه الحالة؛ فمثلما أدى التصنيع قديماً إلى "برلتة" العامل (تحويله إلى بروليتاريا فاقدة للمهارة)، تؤدي التكنولوجيا الرقمية اليوم إلى "برلتة الحساسية" والشعور. نحن نفقد المعرفة الحياتية والقدرة على العيش والتفكير بشكل مستقل. حلت الذاكرة الخارجية (الإنترنت) محل الذاكرة الداخلية، وحلت الخوارزميات محل الذوق الشخصي، فلم نعد نعرف كيف نختار فيلماً أو وجبة أو شريكاً دون استشارة التطبيق.

يؤدي هذا الاعتماد الكلي على الآلة إلى "بؤس رمزي" وفقر في القدرة على إنتاج الرموز والمعاني. يصبح المستخدم مجرد "مستهلك" للرموز التي تنتجها الصناعة الثقافية، وهذا هو "المرض" الحقيقي: عجز الذات عن التفرد والإنتاج الروحي.

خاتمة: نحو استعادة المعنى

إن "النماذج التافهة" ليست مجرد محتوى رديء؛ إنها السلاح الأيديولوجي للرأسمالية المتأخرة، والوسيلة التي يتم بها تدجين الوعي، وتفتيت التضامن الاجتماعي، وتحويل المواطنين إلى مستهلكين سلبيين للصور. إن مواجهة هذه التفاهة لا تكون فقط بـ "نشر الوعي"، بل بنضال سياسي وتقني لاستعادة ملكية "وسائل الإنتاج التواصلي"، وإعادة تصميم البنية التحتية الرقمية لتخدم "القيمة الاستعمالية" للإنسان، لا "القيمة التبادلية" لرأس المال. إنها معركة من أجل "إعادة سحر العالم" بالعلم الحقيقي والثقافة الحية، ضد "تصحر المعنى" الذي تفرضه الخوارزميات.

***

غالب المسعودي

........................

قائمة المراجع والمصادر المقترحة

Deneault, Alain. Mediocracy: The Politics of the Extreme Centre. (الترجمة العربية: "نظام التفاهة"، دار سؤال للنشر).

Han, Byung-Chul. The Burnout Society. (الترجمة العربية: "مجتمع الاحتراق النفسي"، دار معنى).

Stiegler, Bernard. (أعمال متفرقة حول "برلتة الحساسية" والتكنولوجيا).

Marx, Karl. Capital: A Critique of Political Economy. (رأس المال).

ثانياً: الأوراق البحثية والمقالات (References):

Busk, L. A., & Portella, E. (n.d.). "The Contradiction between Use-Value and Exchange-Value". Scholars Junction, Mississippi State University.

Columbia Law Review. (2019). "Valuing Social Data". Retrieved from columbialawreview.org.

EBSCO Research Starters. "Marx and Historical Materialism".

IDEALS (Illinois Digital Environment for Access to Learning and Scholarship). "The Power of Knowledge, Objectified: Immaterial Labor, Cognitive Capitalism, and Academic Librarianship".

Liberation School. "The base-superstructure: A model for analysis and action".

في رحاب الفكر الإنساني تتعالى أسئلة لم تفارق العقل منذ انبثاق الوعي على ذاته: ما طبيعة المعرفة؟ هل هي مجرد رصيد من المفاهيم والأفكار، أم هي مسار وجودي لحركة داخلية نحو إدراك الذات والعالم؟ لقد شغلت هذه الإشكالية عقول الفلاسفة منذ سقراط، الذي لم يرَ الحكمة في التراكم المعرفي، بل في الحوار والبحث الدائم عن الحقيقة، إذ أعلن: «أنا أعلم أني لا أعلم»، دالا على أن حدود المعرفة ليست في الكم، بل في العمق، وفي تجربة الإنسان لذاته وللوجود.

إن النظر إلى المعرفة على أنها تراكم مفاهيمي يغفل جوهرها الأعمق: فهي ليست سلّة تحفظ فيها المفاهيم كما تُجمع البضائع، ولا سجلا يُرقم فيه المعارف، بل هي حركة حية، واستجابة للوجود وتجربة دائمة تُصقل روح المتلقي وتعيد تشكيل عالمه الداخلي. إذا كان كانط قد حدَّد المعرفة ضمن أطر العقل، فإن فهمه هذا وإن كان ثاقبا يبقى محصورا بما يمكن للعقل أن يحصره ويصنّفه، متناسياً أن المعرفة في جوهرها تجاور الحس وتختبر الحياة، وتستشعر العالم ليس بالقوانين المجردة فحسب، بل من خلال نبض التجربة الإنسانية نفسها.

ها هنا يتجلى الفرق بين تراكم المفاهيم وتجربة المعرفة: فالأولى تظل في مستوى الشكل، بينما الثانية تنبني في العمق، وتفتح أفقا لا نهائيا لتفسير الذات والعالم. كما يقول هايدجر: «الوجود يسبق الفهم»، أي أن الإنسان قبل أن يحوز على أي مفاهيم، يواجه العالم بوجوده الأصيل، ويعيش التجربة كما هي، ويختبر أبعادا لا تحتمل التحليل المفاهيمي وحده. المعرفة هنا ليست جمع معلومات، بل الانفتاح على ما هو متعذر إدراكه بالكلمة، على ما يفيض من معنى الحياة خارج قوالب الفكر الجامدة.

يمكن اعتبار تجربة المعرفة نوعا من الغوص في الذات، لا كمعجم من الحقائق، بل كرحلة استكشاف دائمة، رحلة تتسم بالغموض، وتتجاوز حدود اللغة والمنطق. كما قال ميرلو بونتي: «الجسد هو المكان الأول للمعرفة»، مشيرا بذلك إلى أن تجربة المعرفة تبدأ في التجربة الحسية والوجودية في لحظات التفاعل المباشر مع العالم، قبل أن تتحول إلى مفاهيم يُعاد ترتيبها وتحليلها. هذه الرؤية تضع المعرفة في قلب الوجود، لا كشيء خارجي يُضاف للروح، بل كنبض داخلي يعيشه الإنسان لحظة بلحظة.

لقد شكّل هذا التصور تحولا جذريا في فهم الإنسان لنفسه وعلاقته بالعالم. بينما يركّز التقليد على تراكم المفاهيم، يركّز الفكر الوجودي على اختبار المعرفة أولا، ثم إعادة صياغتها دوما في ضوء التجربة. التجربة ليست مجرد وسيلة للوصول إلى الحقيقة، بل هي الجوهر ذاته، تمنح المعنى لكل مفردة ولكل مفهوم، فتتحول المعرفة من فكرة إلى فعل وإدراك حي ووجود متألق في صميم الحياة.

ولا يمكن الحديث عن هذا التحول دون الإشارة إلى سقراط مرة أخرى، فهو يجسد الإنسان الباحث عن معرفة تتجاوز المفهوم الجامد، معرفة تُحفر في النفس قبل أن تُسجَّل على الورق، معرفة تُختبر في الحوار ومواجهة الذات، وفي التساؤل المستمر عن معنى العيش والعدل والجمال وعن الخير. هكذا تصبح المعرفة تجربة متصلة بالوجود، لا مجرد حصيلة عقلية، فتغدو حياة الإنسان نفسها انعكاسا لهذه العملية، حياة تحياها الروح قبل أن يعيها العقل.

يكتسب مفهوم الحكمة بعدا آخر، فهو لا يُحصر في تراكم المعلومات، بل في القدرة على تحويلها إلى تجربة، إلى إدراك يتجاوز الشكل، وإلى تفاعل مع الذات والعالم. وكما أشار نيتشه، فإن المعرفة بلا تجربة لا تعدو أن تكون قوةً ميّتة: «ما لا يقتلنا يجعلنا أعمق»، فالخبرة الحقيقية تأتي من مواجهة الحياة، من تجربة الألم والفرح والشك والدهشة، وكل ما يجعل الإنسان حاضرا في لحظة وجوده، حاضراً في صيرورة العالم نفسه.

تتضح خيوط هذه الفكرة حين نعي أن المعرفة ليست مجرد إضافة مفاهيمية، بل عملية وجودية وحركة مستمرة، وتجربة تصوغ الإنسان والعالم معا. إنها ليست ملكا للعقل وحده، بل امتداد للجسد والروح والتجربة الحية، لكل لحظة يختبر فيها الإنسان ذاته والعالم من حوله. وهنا يظهر جوهر التباين بين المعرفة التقليدية التي تسعى لتجميع المعارف، والمعرفة الوجودية التي تسعى لتجربة الحياة نفسها. الأولى تُسجل والثانية تُعاش. الأولى ثابتة والثانية متحركة حية، تنمو في صميم الوجود، وتتغير مع تغير الإنسان والعالم.

إن هذا المنظور يعيد تعريف المعرفة كحركة مستمرة، كإرادة متجددة للمعرفة الذاتية والوجودية، لا كحافظة للمعلومات. فالإنسان الذي يسعى للمعرفة كتجربة وجودية يعيش دائما بين السؤال والبحث، والشك والتجربة، وبين العدم والإمكان، ويعرف أن كل اكتشاف جديد ليس نهاية، بل بداية لفهم أعمق ورؤية أشمل وتجربة أوسع. نستحضر هنا هيغل، الذي رأى أن الفلسفة ليست مجرد تحليل للأفكار، بل حركة الروح نحو إدراك ذاتها، حركة متواصلة نحو تحقق الوعي، حيث تتحقق الحقيقة في صيرورة التجربة، لا في تراكم الكلمات والمفاهيم.

تتضح أهمية تجاوز البنى التقليدية للمعرفة. حين تُفهم المعرفة بوصفها تراكما مفاهيميا حيث تصبح جامدة عاجزة عن التقاط لحظات الوجود الحية. أما حين تُفهم بوصفها تجربة وجودية، فإنها تنبض بالحياة وتصبح مرنة متجددة، قادرة على مواكبة تحولات الذات والعالم، قادرة على إعادة تعريف الإنسان لنفسه في كل لحظة، وفي كل مواجهة مع الواقع.

إن المعرفة ليست أداة جامدة بل فعل حي وحركة مستمرة وتجربة وجودية تتجاوز حدود العقل والمنطق، وتختبر المعنى في أعمق أبعاده. وهي بذلك تصير جزءا لا ينفصل عن حياة الإنسان، جزءا من وعيه وشعوره وإدراكه ومن صيرورته في العالم. إنها تجسيد للحياة نفسها، وعنوان لكل سؤال يتردد في عمق الوجود ولكل لحظة تأمل ولكل تجربة حقيقية، حيث يلتقي الإنسان بالذات والعالم، ويتجاوز التراكم المفاهيمي ليصل إلى جوهر الحقيقة الحية.

إذا كانت المعرفة بوصفها تجربة وجودية تتجاوز التراكم المفاهيمي، فإن أفقها يتسع ليشمل الانفتاح على اللغة والجسد والزمان والوعي الذاتي، بحيث تصبح كل لحظة تجربة فردية حلقة متصلة في سلسلة من الوعي الذي يعي ذاته والعالم في آن واحد. فاللغة هنا ليست مجرد أداة لنقل المفاهيم، بل هي مكان التقاء الوجود بالوعي، حيث ستعتبر وسيلة لتأمل التجربة وتشكيلها في صورة يمكن للعقل أن يلتقطها، دون أن تحصر جوهرها الحيوي. كما لاحظ هايدجر: «الكلمة هي منزل الوجود»، فهي تعكس البنية العميقة للتجربة، لكنها لا تحتضنها بالكامل، إذ يظل جزء منها هاربا من اللغة، متجذرا في التجربة المباشرة وفي الصيرورة الحسية والوجودية للذات.

في هذا الإطار يكتسب الجسد بعدا معرفيا فريدا. حيث يرى ميرلو بونتي أن الجسد ليس مجرد أداة مادية للتحرك أو للتفاعل مع العالم، بل هو وسيط المعرفة الأول، إذ من خلاله تعيش الذات تجاربها وتختبر حدودها وقدرتها على فهم العالم. المعرفة من هذا المنحى ليست مجرد تصور عقلي، بل تجربة تنسج بين الإدراك الحسي والوعي الداخلي، وبين الحركة والتأمل والفعل والانفعال. كل شعور وتحسس، وكل إدراك لحركة العالم، وكل حضور للذات في الزمان والمكان، يضيف بعدا جديدا لمعنى المعرفة ويؤكد أن الحقيقة الحية لا تستقر في المفاهيم وحدها، بل تنبض في التجربة الحية التي تسبقها وتفوقها.

يظهر البعد الزمني للمعرفة كخبرة وجودية بجلاء. فالوعي بالزمن ليس مجرد قياس لحظات متتالية، بل إدراك للصيرورة المستمرة للذات في مواجهة العالم. كما يرى هايدجر، فالزمن أفق الوجود الذي يمكن الإنسان من فهم ذاته ضمن التجربة الحية، ومن إدراك المعنى المتغير لكل حدث ولشعور ولحظة في صيرورة الحياة. المعرفة هنا لا تُحفظ ولا تُسجَّل كما تُسجل السجلات الزمنية، بل تُختبر وتُعاش وتتحول مع مرور الزمن، فتتغير نظرة الإنسان للعالم ولنفسه ويكتشف أن كل معرفة جديدة ليست استكمالا للسابقة فحسب، بل إعادة صياغة للحياة نفسها وتجديدا لفهم الذات.

التجربة الوجودية للمعرفة تنطوي على مواجهة مستمرة مع الشك، فالمعرفة الحقيقية لا تتحقق إلا حين تتحدى الذات نفسها، حين تعيد النظر في مفاهيمها وأحكامها السابقة وتواجه العدم والفراغ واللامعنى، لتستخلص من هذه المواجهة معنى جديدا للحياة. كما قال نيتشه: «لا توجد حقائق، بل تفسيرات»، أي أن المعرفة ليست كشفا لمعلومة ثابتة، بل عملية مستمرة لإعادة تفسير الواقع والذات، وإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم في أفق دائم من الفهم المتغير والمتحول.

تتداخل عناصر التجربة الوجودية للمعرفة: الشك، التجربة، الزمن، الجسد، واللغة، لتخلق مساحة معرفية لا يمكن للعقل وحده أن يحصرها. المعرفة ليست ملكا للمنطق الصوري، ولا للمفاهيم المجردة، بل هي ملك للوجود ذاته، تجربة تتشكل في لحظة الإدراك، وتتحرك مع الصيرورة المستمرة للوعي. محاولة حصر المعرفة في تراكم المفاهيم تشبه محاولة حصر البحر في دلو، فهي تبقيها جامدة، بينما هي في جوهرها حركة تدفق وتجربة حية لا تنقطع.

ويبرز بعد أخلاقي للمعرفة، فهي مرتبطة بالمسؤولية والحرية وبالقدرة على الاختيار. الإنسان هنا لا يكتفي بأن يكون متلقِّيا للمفاهيم، بل يصبح فاعلا في بناء فهمه للعالم، مدركا أن كل تجربة تضيف له بعدا جديدا، وأن كل لحظة إدراك هي لحظة حرية ومسؤولية ومواجهة بين الذات والوجود. وكما قال سارتر: «الإنسان محكوم بالحرية»، أي أن المعرفة الوجودية تمنح الإنسان القدرة على إعادة صياغة ذاته باستمرار، وتضعه أمام مسؤولية دائمة عن فهمه وعلاقته بالعالم.

التجربة الحسية والوجدانية تلعب دورا محوريا، فهي أساس إعادة بناء المعنى. كما قال هيغل: «الروح تتحقق في صيرورة وعيها»، أي أن الإنسان يكتشف الحقيقة في تحركه داخل العالم وفي تفاعله مع الحياة، وليس في تراكم الأفكار فقط. كل شعور وتجربة ومواجهة تشكل نسيجا جديدا للمعرفة، تخلق سياقا فريدا للوجود وتفتح أبوابا لفهم أعمق للذات والعالم معا.

الخيال هنا ليس مجرد أداة للفكر، بل وسيلة لاستكشاف ما وراء الظاهر للغوص في أعماق التجربة، وللقاء المعنى في أبعاد يرفض العقل لمسها تقليديا. وكما قال كاسيرر: «الرمز هو لغة الروح»، أي أن القدرة على تصور ما هو غير مرئي، على تجربة ما هو مستحيل أو غير ملموس، توسع حدود المعرفة الحقيقية، وتجعلها تجربة متحركة، غنية، وعميقة.

المعرفة ترتبط ارتباطا وثيقا بالحرية، فالحرية ليست مجرد اختيار بين بدائل محددة، بل القدرة على مواجهة العالم، على إعادة صياغة الذات، على تجربة الحياة بأبعادها المختلفة، على الشك في كل ما هو مفترض، والتأمل في كل ما هو مألوف، وتجاوز قيود الفكر الجامد.

المعرفة كحركة نحو اللاحدود حين تتحول إلى تجربة وجودية تتجاوز أي حدود مسبقة، أي إطار مفاهيمي محدد، بمعنى تصنيف جامد. تتوسع مع توسع الوعي وتتغير مع تغير التجربة، وتتعمق مع مواجهة الذات والوجود، وتفتح آفاقا لا نهائية للتفسير والتأمل والفهم. نيتشه يشير هنا إلى السعي الدائم لتجاوز الذات، لتوسيع حدود الإدراك، لتجربة الحياة في أعمق أبعادها بعيدا عن أي قيود مفاهيمية أو عقلية.

المعرفة الوجودية متعددة الأبعاد: جسدية زمنية عاطفية لغوية روحية جماعية وخيالية. كل بعد يضيف طبقة جديدة للوعي، وكل تجربة تضيف معنى جديدا للوجود، وكل مواجهة مع الذات أو العالم تعيد تشكيل المعرفة نفسها. المعرفة ليست مجرد فكرة أو مجموعة مفاهيم، بل صيرورة حية وعملية مستمرة وتجربة لا تنتهي، وحركة ديناميكية تتفاعل فيها الذات مع العالم وتختبر فيها الروح حدودها، وتوسع أفق إدراكها للحياة وللوجود.

في هذه الصيرورة تصبح التجربة الوجودية للمعرفة تجربة للدهشة والريبة وللمساءلة الداخلية وللاكتشاف المستمر. فهي تجعل الإنسان حاضرا يقظا مدركا أن كل معرفة جزء من رحلة، وكل تجربة نافذة على معنى أوسع، وكل لحظة إدراك تحمل إمكانات لا حصر لها. المفارقة الجوهرية هنا، أن المعرفة الحقيقية ليست ما نحصل عليه بل ما نعيشه وما نختبره وما نصنعه في التجربة نفسها.

تصل المعرفة إلى أعمق مستوياتها حين تتحول إلى تجربة وجودية وحركة مستمرة وصيرورة تعيشها الذات مع العالم، حيث تصبح كل لحظة إدراك وشعور وتجربة وفعل، جزءًا من نسيج معرفي حي متجدد، لا يمكن اختزاله في مفاهيم جامدة أو تراكم معلوماتي. إنها المعرفة التي تلتقي فيها الفلسفة بالحياة، حيث يصبح السؤال والبحث والتجربة أداة للوجود، لفهم الذات وتجاوز حدود العقل والانفتاح على الوجود كما هو.

وعلاقة بما سبق يترتب عن هذا طرح سؤالين: هل المعرفة بوصفها تجربة وجودية مجرد حركة نحو شيء لا يمكن الإمساك به، أم هي اللحظة الحية التي يُختبر فيها الوجود ذاته، حيث تذوب الذات في العالم وتصبح جزءا من صيرورة الحياة بلا نهاية؟ وهل الإنسان يكتشف الحقيقة أم أن الحقيقة تتشكل فقط في فعل البحث وفي لحظة التجربة وفي حضوره الكامل وتفاعله مع الوجود الذي لا ينتهي؟

المعرفة هنا أكثر من مفهوم وأكثر من فكرة، وأكثر من تراكم مفاهيمي، حيث تصبح نبضا حيا للوجود، ورحلة مستمرة في أعماق الذات والعالم، حركة تتجاوز الكلمات والأطر، وتجربة تتجدد مع كل لحظة وتفتح أمام الإنسان أفقا من الغموض ومن الامتداد ومن الدهشة الوجودية التي لا تنتهي. المعرفة ليست نهاية بل بداية لكل سؤال ولكل تجربة ولكل مواجهة مع الوجود وبداية لحياة الفكر ورحلة للروح في صيرورة لا متناهية.

ثم إذا كانت المعرفة تجربة وجودية تتجاوز المفهوم، فهل يمكن للإنسان أن يدرك ذاته كاملة، أم أن الذات تتحول مع كل لحظة إدراك لتبقى دائما لغزا؟ وإذا كانت الحقيقة تنكشف فقط في فعل البحث والتجربة، فهل المعرفة النهائية مجرد وهم نسعى إليه أم لحظة مستمرة من الوجود تتجاوز كل محاولة للإمساك بها؟.

***

د. حمزة مولخنيف

الكتابة الفلسفیة، هي سرد فلسفي لموضوع فكري، وتشخيص ومعالجة للمشكلات الفكرية، والتحديات التي تواجه الإنسان والمجتمع في كل مكان وزمان، إن الكتابة الفلسفية تُعلِم الإنسان كيف يفكر على الورق، وكيف يحول المعلومات من مجرد أفكار ذهنية، الى  كلمات مكتوبة، حيث أن الكتب والمقالات والأبحاث المكتوبة يقرأها العديد من القراء، وباحثي الفلسفة وعشاقها، الكتابة الفلسفية هي ليست مجرد جُمل وعبارات رنانة، ومفردات معقدة وصعبة الفهم، والهدف الأساسي من الكتابة الفلسفية هي نقل أفكار الكاتب، ونظرياته الفلسفية، ومعتقداته وأراءه الى أكبر عدد ممكن من القراء، عن طريق الكتابة، فالكتابة الفلسفية هي الناقل الأساسي لأفكار الفلاسفة والكُتّاب وباحثي الفلسفة على مر العصور، وهي المتنفس الحر للتعبير  الفكري الفلسفي، الذي يسمح للكاتب بتفريغ آراءه على شكل محتوى، مكتوب، ومطبوع، يستطيع الناس قراءته، والإطلاع من خلاله على أفكار الكاتب وآراءه، ونظرته للكون والعالم والإنسان والمجتمع، لذلك يجب أن تتسم الكتابات الفلسفية بالدقة والصدق في نقل المعلومات  الفلسفية التاريخة على سبيل المثال، ولكنها في الوقت نفسه، هي مساحة يعبر فيها الكاتب والمفكر عن ما يجول في  خاطره من هموم فكرية وقضايا فلسفية و وجودية، ومن صفات الكتابة الفلسفية الرصانة العلمية ومراعاة الدقة والأمانة الفكرية في إيصال المعلومات والتعبير الفلسفي النقدي ومناقشة الأفكار، من خلال الكلمات المكتوبة، لذلك يجب دائما العمل على مراعاة شروط الكتابة الفلسفية، ولكن هذا لايعني أبداً ان يفتقر النص الفلسفي الى إسلوب عصري مشوق يتماشى مع متطلبات الواقع الجديد، والذائقة الفلسفية للإنسان المعاصر، إن الكتابة الفلسفية تحول الفكرة من نشاط فكري وحالة ذهنية تدور في رأس الكاتب الى نص فلسفي مكتوب قابل للفهم من قبل كل من يقرأه، ولكن هنالك بعض الفروق البسيطة والعميقة في الوقت نفسه بين الكتابة الفلسفية، وباقي انواع الكتابات الأخرى، فعلى سبيل المثال في الكتابة الأدبية يغلب على النص الأدبي عنصر التعبير الأدبي، والإبهار والتشويق، إضافة الى الكلمات والمصطلحات الأدبية، وتكون المقالة ذات طابع أدبي سردي اكثر منه علمي، كالروايات مثلاُ، وفي الكتابة العاطفية تكون العاطفة هي الصفة الأساسية، والنمط الطاغي على النص الكتابي، بينما في النص الفلسفي، والكتابة الفلسفية  فإن السمة الأساسية هي التفكير بصدق.

 ويحاول الكاتب في طرحه الفلسفي أن يعبر عن رغبته في الفهم، حيث يحاول ان يفهم النص ويناقشه في الوقت نفسه، ومع ذلك يمكن للعمل الفلسفي ان يجمع بين الطرح الفلسفي في الكتابة، والإسلوب الأدبي ذو الطابع العلمي المشوق في النص، بشرط عدم الإخلال بالرصانة العلمية، والدقة في سرد المعلومات الفلسفية.

شروط الكتابة الفلسفية وتعلم التفكير الفلسفي على الورق:

- الفكرة المركزية: تحتاج الكتابة الفلسفية الى فكرة مركزية واضحة، ويشمل ذلك فهم السؤال الفلسفي الذي يحاول الكاتب الإجابة عنه في الكتاب، او المقال الفلسفي.

- النقد الفلسفي الذاتي أثناء الكتابة: يجب ان يكون الكاتب مُدركاً لضرورة إستخدام التفكير النقدي الإبداعي في كتابة أي مضمون فلسفي، لأن ذلك هو بمثابة دعم للفكرة، وإستكمال لنسيج الفهم الفلسفي الذي يعبر عنه الكاتب، كما ان مراجعة النص وتدقيقة، يزيد من رصانة النص، ويقلل من الأخطاء الفكرية والأدبية التي قد يقع الكاتب فيها من حيث طريقة الطرح، والسياق الفلسفي، والموضوع والمضمون.

-  البحث عن الحقيقة: الكتابة الفلسفية هي ليست إستعراض للمعلومات، بل هي مواجهة فلسفية بين الكاتب وذاته، والتفكير بصدق، من أجل الوصول الى الحقيقة، فالكاتب الفلسفي لا يكتب من أجل أن يوافق العالم، أو أن يتوافقع مع واقعه، بل يكتب من أجل ان يختبر صحة الأفكار، ووضوحها المنطقي، وفائدتها النظرية والعملية للإنسان والمجتمع.

طرق كتابة المقال الفلسفي

تتعدد أنواع المقالات التي تصدر حول العالم، ولكن المقالة الفلسفية لازالت تتطلب الكتابة وفق إسلوب محدد، ومنهج محدد لإثبات جدية أفكار الكاتب، وجدواها فلسفياً، وتختلف طريقة الكتابة بإختلاف شخصية الكاتب، وتوجههة الفلسفي، وطريقة تفكيره، ونوع الموضوع الذي يكتب عنه، فمنهم من يستخدم  الإسلوب السردي والحواري، من خلال عرض الرأي والرأي الآخر، ودعم هذا الرأي بالأدلة والإثباتات الواقعية والعقلية، وهنالك من الكُتاب من يُفضل الإسلوب الإستقصائي، في التعبير عن كتاباتهم، من خلال طرح الفكرة أو المشكلة، ومن ثم عرض الدلائل والآراء بين مؤيدين ومعارضين، ومن ثم نقدها جميعاً، أو بيان الأصلح منها من وجهة نظر الكاتب، وقد يفضل البعض الآخر منهج (اللامنهج)، أو مايسمى (الطريقة الحرة في الكتابة الفلسفية)، والتي تنطلق من طرح موضوع معين، أو مشكلة فلسفية ما، ومن ثم التحري عن حلول منطقية لها، من وجهة نظر الكاتب بعد خط سير طويل من إستعراض الدلائل والآراء المعارضة والمؤيدة، ولكن رغم تعدد وتنوع الأساليب والطرق في كتابة المقال الفلسفي في عصرنا الحاضر، تبقى منهجية الوضوح والأبداع الفلسفي، سمة ضرورية واساسية لكتابة المقال الفلسفي، تساعد على أن يكون للمقالات الفلسفية جمهور واسع من المتخصصين وغير المتخصصين.

عوائق الإبداع في الكتابة الفلسفية

إن الإسلوب الكلاسيكي التقليدي في الكتابة أصبح يشكل عائقاً أمام الإبداع الفكري الفلسفي في الكتابة وطرح المواضيع الفلسفية والقضايا الوجودية، لأنك حين تريد ان تكتب نصاً فلسفيا، يجب أن تراعي فيه الحقيقة والدقة، والأمانة العلمية، والمعلومات الرصينة، بالإضافة الى الإسلوب السردي المُشوق شرط أن لايفقد النص الفلسفي رصانته، وأصالته الفكرية الفلسفية، بل يضيف إليه عنصر الإبداع والتشويق. وهنا يطرح العقل سؤال وجودي مباشر، ماهو الواقع، وماهو دور الكتابة الفلسفية في الحفاظ على ما تبقى لنا  من الواقع الحقيقي في زمن هيمنة الكتابة الرقمية، للأسف المجتمع العلمي والفلسفي ما زال ينساق مع الطرق الكلاسيكية الأكاديمية المتوارثة في الكتابة الفلسفية، من دون إدراك ضرورة أن تكون الكتابة الفلسفية قادرة على الأقل على مجاراة الواقع الرقمي، وإعطاء الأفكار الفلسفية الواقعية الأفضلية على الأفكار الغير قابلة للتطبيق، فكل فكرة فلسفية وكل إسلوب فلسفي غير قادرعلى علاج الأزمات الفكرية والنفسية للإنسان المعاصر سيكون مصيرة الإستبعاد، وعدم التقبل من قبل الإنسان المعاصر ذاته،  لذلك يجب عدم الإستهانة بوعي الإنسان المعاصر وقدرته على التمييز بين الأفكار القادرة على مساعدته في حل مشكلاته، من الأفكارة العقيمة الغير قادرة على إرشاده نحو سبيل الخلاص من مشكلات الواقع وتحدياته، وأزماته، لذلك يجب على الكتابة الفلسفية أن تحترم عقل القارىء، وتاخذ في نظر الإعتبار حاجته الى حلول حقيقية، لمشكلاته الفكرية والنفسية والإجتماعية، لذلك كل فكرة أوعمل أو مقال فلسفي لا يراعي حاجة الإنسان والمجتمع الروحية، والإنسانية، والواقعية، والأخلاقية، ولا يقدم له حلول حقيقية، لن يحظى بقبول ومكان حقيقي في عالم الفكر الفلسفي المعاصر.

***

شيماء هماوندي

الإختصاص/ الفلسفة والعلاج الفلسفي

بين الكائن الثقافي بالطبيعة والكائن الطبيعي بالثقافة

"خلافاً للاعتقاد الشائع، فإن الفوضى في الطبيعة أقل منها في البشرية"

في قلب الفلسفة المعاصرة، يقدم إدغار موران (1921-)، الفيلسوف والعالم الاجتماعي الفرنسي، رؤية تعقدية للإنسان ترفض الثنائيات التقليدية بين الطبيعة والثقافة. يُلخص موران طبيعة الإنسان في عبارته الشهيرة: "الإنسان هو كائن ثقافي بالطبيعة لأنه كائن طبيعي بالثقافة".  هذه العبارة، المستمدة من كتابه "النموذج المفقود: الطبيعة الإنسانية" (، 1973)، تعبر عن مقاربة تعقدية ترى الإنسان ككائن يتجاوز الفصل بين الجانبين، بل يجسد تفاعلاً ديناميكياً ودائرياً بينهما. في هذه الدراسة، سنستكشف هذا المفهوم بشكل موسع، من خلال التمييز بين الأبعاد الدلالية والإجرائية، مع التركيز على السياق التعقدي الذي يميز فكر موران. سنعتمد على أعماله الرئيسية مثل "المنهج" (1977-2004) و"أرض الوطن" (1993)، لنكشف كيف يصبح الإنسان "كائن لامتناهي التعقيد"، أي كائن معقد يجمع بين العقلانية واللاعقلانية في سياق كوني. سنبدأ بالسياق النظري، ثم ننتقل إلى تحليل المفهوم، مروراً بتطبيقاته، لنختم بالآثار والتداخلات. فكيف يصف موران الكائن البشري؟ وما ما المقصود بالتعقيد؟ وأي دور تؤديه كل من الطبيعة والثقافة في تكوينيته؟ وما تأثير ذلك التكوين المعقد على مصيره كفرد ومجتمع ونوع؟

السياق النظري: المقاربة التعقدية ورفض الاختزال

"ينتج التقدم العلمي عموماً عن كل من المنافسة والتعاون. لكن المنافسة قد تتحول إلى تنافس حاد مما يضر بالتعاون"

تأتي رؤية موران ضمن إطار "الفكر التعقدي"، الذي يعارض النهج الاختزالي الذي يسود العلوم الحديثة، والذي يفصل بين الطبيعي (البيولوجي) والثقافي (الاجتماعي). يرى موران أن الواقع ليس خطياً أو منفصلاً، بل يتكون من تفاعلات متعددة تجمع بين النظام، الفوضى، والتنظيم، في ما يسميه "الكاوسموس". في سياق الإنسان، يرفض موران النظريات التي ترى الثقافة كإضافة خارجية على الطبيعة، أو العكس، معتبراً أن هذا الفصل هو "نمط مفقود" يعيق فهم الطبيعة الإنسانية. نشأ هذا المفهوم من مؤتمر "وحدة الإنسان" عام 1972، الذي جمع اختصاصات متنوعة لربط البيولوجيا بالأنثروبولوجيا. في "النمط المفقود"، يؤكد موران أن الإنسان ليس مجرد حيوان عاقل، بل كائن يجمع بين الجانب المضطرب، أي اللاعقلاني، والجانب الثقافي الذي ينظم الطبيعة. هذه المقاربة التعقدية تعتمد على مبادئ مثل الحلقة التكرارية، حيث تُنتج الطبيعة الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، مما يجعل الإنسان ذاتي التنظيم في بيئة متكاملة.  هذا السياق يعكس تأثره بالفلسفة الجدلية (هيغل، ماركس)، لكنه يتجاوزها نحو التعقيد، حيث يصبح الإنسان جزءاً من نظام أكبر يشمل الكون والمجتمع. على سبيل المثال، في "الطريقة"، يتحدث عن "الثالوث الإنساني": الفرد-المجتمع-النوع، حيث تكون الثقافة الوسيط الذي يربط هذه الأبعاد في حلقة تعقدية. لعل هذا المنهج يجعل العبارة أداة لفهم الأزمات المعاصرة، مثل "الأزمة المتعددة"، التي تتطلب تفكيراً يجمع بين الطبيعي (البيئي) والثقافي (الاجتماعي-السياسي).

تحليل المفهوم: بين الكائن الثقافي بالطبيعة والكائن الطبيعي بالثقافة

" لقد عرّفنا الإنسان بأنه الإنسان العاقل، أي الإنسان الذي يمتلك العقل. ولا شك أن العقلانية قد تطورت عبر التاريخ البشري. لكن الإنسان العاقل ليس سوى أحد طرفي الطيف، والطرف الآخر هو الإنسان الموهوم، الإنسان الذي يعاني من الأوهام."

من الناحية الدلالية، تعبر العبارة عن تناقض ظاهري يحل بالمقاربة التعقدية. "الكائن الثقافي بالطبيعة" يعني أن الثقافة فطرية وجزء من الطبيعة البيولوجية للإنسان، حيث يمتلك الإنسان قدرات طبيعية مثل الدماغ المعقد واللغة، التي تسمح بتطور الثقافة كامتداد عضوي. فالإنسان، كقرد علوي، يولد مع استعدادات بيولوجية تجعله ثقافياً بالفطرة، مثل القدرة على الرمزية والاجتماعية.  أما "الكائن الطبيعي بالثقافة"، فيشير إلى أن الطبيعة الإنسانية تُبنى وتُعدل من خلال الثقافة، حيث تحول الثقافة الغرائز الطبيعية (مثل الرغبة في البقاء) إلى أنظمة اجتماعية معقدة، مثل القوانين أو الفنون. هذا التفكيك يعتمد على مبدأ الحلقة التكرارية: الطبيعة تنتج الثقافة (من خلال الدماغ والجينات)، والثقافة تعيد إنتاج الطبيعة (من خلال التأثير على التطور والسلوك). يقول موران: "يجب التوقف عن فصل الطبيعة عن الثقافة: مفتاح الثقافة في طبيعتنا، ومفتاح طبيعتنا في الثقافة".

 دلالياً، يرفض هذا النهج النظريات الاختزالية، مثل الداروينية الاجتماعية التي تركز على الجانب الطبيعي فقط، أو الثقافوية النسبية التي تنكر البيولوجيا. بدلاً من ذلك، يرى الإنسان كـ"كائن لامتناهي التعقيد"، كائن يجمع بين العقلانية واللاعقلانية، حيث تكون الثقافة أداة للتوازن في سياق تعقدي. من الناحية الإجرائية، يتجلى المفهوم في عملية "التنظيم الذاتي البيئي"، حيث يتفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية من خلال أدوات ثقافية، مما يؤدي إلى تطور مشترك. إجرائياً، تبدأ العملية بالغرائز الطبيعية، التي تُعدل بالثقافة (مثل تحول الغريزة الجنسية إلى أعراف زواجية)، ثم تعود لتشكل الطبيعة (مثل التأثير الثقافي على الانتخاب الجيني). هذا الإجراء التعقدي يظهر في دراسات موران عن الثقافة الشعبية، حيث تُصبح الثقافة أداة لفهم الطبيعة الإنسانية في عصر الرأسمالية، مع التركيز على اللاعقلاني كعنصر أساسي في التعقيد.

التطبيقات في المقاربة التعقدية

"من خلال التضحية المستمرة بما هو ضروري من أجل ما هو عاجل، ينتهي بنا الأمر إلى نسيان مدى إلحاح ما هو ضروري."

تجد هذه الرؤية تطبيقات في مجالات متعددة. في الأنثروبولوجيا، يفسر موران تطور الإنسان من خلال الثقافة كعامل يحول الغريزة الطبيعية إلى نظام اقتصادي، مما يجعل الإنسان "طبيعياً بالثقافة" في مواجهة البيئة.  مثال: في "أرض الوطن"، يربط بين الأزمة البيئية والثقافية، داعياً إلى ثقافة كوكبية تضامنية تجمع بين الطبيعي والثقافي في مقاربة تعقدية لمواجهة الاحتباس الحراري. في التربية، يدعو موران إلى تعليم تعقدي يعلم الطلاب الربط بين الطبيعة والثقافة، كما في "الرؤوس المنظمة جيداً" (الدروس السبعة المعقدة في التعليم من أجل المستقبل، 1999)، حيث تكون الثقافة أداة لفهم الطبيعة الإنسانية. أما في السياسة، فيؤكد على "سياسة حضارية" تعتمد على هذا المفهوم لمواجهة البربرية الحديثة، مثل الاستهلاكية التي تفصل بين الإنسان والطبيعة.

في علم النفس، يُبرز كيف تحول الثقافة الرغبات الطبيعية إلى هويات اجتماعية، مع التركيز على "الاعتمادية" كرابط تعقدي بين الروابط الطبيعية والثقافية.  هذه التطبيقات تظهر كيف يصبح الإنسان، من خلال المقاربة التعقدية، كائناً قادراً على التكيف، لكنه معرض للأزمات إذا انفصلت الثقافة عن الطبيعة.

التشابهات والتداخلات مع مقاربات أخرى

"من الخطورة بمكان أن نُظهر للإنسان مدى مساواته بالحيوانات دون أن نُظهر له عظمته، بل والأخطر من ذلك أن نُظهر له عظمته دون أن نُظهر له دناءته. والأخطر من ذلك كله أن نتركه جاهلاً بكليهما." باسكال، ذكره ادغار موران

رغم التركيز على التعقيد، يعترف موران بتداخلات مع فلاسفة آخرين، مثل ليفي ستروس في الثقافة كبنية، أو هيغل في الجدل. لكنه يتجاوزهم بالحلقة التكرارية، حيث لا تكون الثقافة هيمنة بل تفاعل.  كما يتداخل مع الفلسفة البيئية، مثل نظرية غايا، حيث تكون الثقافة امتداداً للنظام الطبيعي في سياق تعقدي.

خاتمة

"لقد أمضيت حياتي أفكر في معنى أن تكون على قيد الحياة." ادغار موران

في نهاية المطاف، تمثل رؤية موران للإنسان بين "الكائن الثقافي بالطبيعة" و"الكائن الطبيعي بالثقافة" تحولاً في الفلسفة التعقدية، حيث يصبح الإنسان كائناً معقداً يجمع بين الجانبين في حلقة مستمرة. هذا المفهوم ليس نظرياً فقط، بل عملياً يدعو إلى فكر متعدد التخصصات لمواجهة التحديات المعاصرة. الدراسات المستقبلية قد تستكشف تطبيقه في الذكاء الاصطناعي، حيث يصبح "الثقافي" جزءاً من "الطبيعي" الرقمي، مع الحفاظ على التعقيد الإنساني. ألم يقل موران:" التضامن والمسؤولية هما من الضروريات الأساسية لمجتمع يتمتع أفراده بالحرية." فكيف يمكن توظيف الفكر المعقد في المجال العملي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

الفلسفة بين أنقاض التفكيك وإمكانات المعنى في زمن الخوارزمية

لم يكن العقل عبر تاريخه الطويل، معطى بسيطا أو جوهرا مستقرا خارج شروط الصراع والتحول، بل ظل دوما موضع توترٍ معرفي، تتنازعه أنماط متعددة من الفهم والتوجيه والتأويل. وقد لا تكون لحظتنا الراهنة إلا إحدى أكثر هذه اللحظات كثافةً وحساسية، إذ يجد العقل نفسه واقعا بين مسارين متعارضين في الظاهر، متواطئين في العمق: مسار التفكيك الفلسفي الذي زعزع يقينياته الكلاسيكية، ومسار الخوارزميات الذي يهدد باختزاله إلى وظيفة حسابية، أو إلى مجرد آلية لمعالجة المعطيات. في هذا الأفق، يفرض سؤال المعنى نفسه لا بوصفه سؤالا نظريا معزولا، بل باعتباره رهانا وجوديا يمسّ موقع الفلسفة وقدرتها على الاستمرار في عالم تحكمه السرعة والنجاعة والتنبؤ.

لقد ارتبط المشروع الفلسفي الحديث منذ ديكارت، بمحاولة إعادة تأسيس العقل بوصفه أصلا للمعرفة وضامنا لليقين. لم يكن الكوجيتو مجرد صيغة إبستمولوجية، بل كان إعلانا عن سلطة جديدة، تجعل من الذات المفكرة مركزا لإضفاء المعنى وتنظيم العالم. غير أن هذه المركزية لم تلبث أن خضعت لامتحان النقد الكانطي، الذي سعى إلى إنقاذ العقل من أوهام الميتافيزيقا، مقابل إخضاعه لشروط صارمة تحدد مجال اشتغاله وحدود فعاليته. ومع هيغل بلغ العقل ذروة ثقته بنفسه، حين تماهى الفكر مع التاريخ، وأضحت الواقعية والعقلانية وجهين لحركة واحدة، تكاد تلغي المسافة بين المفهوم والوجود.

غير أن هذه الثقة لم تصمد طويلا أمام التحولات العميقة التي شهدها الفكر الغربي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فقد جاءت قراءات نيتشه وماركس وفرويد لتقوّض التصور الكلاسيكي للعقل، وتكشف هشاشته البنيوية. ولم يعد العقل سيدا مطلقا لذاته، ولا مرآة شفافة للعالم، بل أضحى مشروطا بإرادات خفية، وبنيات اقتصادية، ودوافع لاواعية، جعلته أقرب إلى واجهة تنظيرية منه إلى سلطة تحررية. ومنذ تلك اللحظة، دخل العقل مرحلة الشبهة، ولم يعد يُستقبل باعتباره أفقا للانعتاق، بل باعتباره أداة ضبط وإنتاج للامتثال.

ومع التحولات التي عرفها الفكر المعاصر، خاصة مع البنيوية وما تلاها، بلغ هذا المسار التفكيكي مداه الأقصى. ولم يعد السؤال منصبا على مضمون المعرفة، بل على شروط إنتاجها، وآليات تشكّل الخطابات التي تمنحها شرعية الحقيقة.

أعلن فوكو أن الإنسان ليس حقيقة أنطولوجية ثابتة، بل حادثة معرفية تاريخية، نتجت عن ترتيب مخصوص للخطابات، وهي قابلة للاضمحلال متى تبدّلت شروط إنتاجها.

وذهب دريدا إلى زعزعة كل مركز دلالي، كاشفا أن المعنى لا يستقر، وأن الحضور ذاته مؤجل داخل لعبة الاختلاف. إذ لم يعد العقل ذاتا مؤسسة، بل أثرا داخل شبكة من العلامات، ولم يعد المعنى مقصدا نهائيا، بل حركة لا تنتهي من الإرجاء.

غير أن هذا التفكيك على ضرورته النقدية، انطوى على مفارقة عميقة. فبينما كان يهدف إلى تحرير الفكر من أوهام المطلقات، أسهم من حيث لا يحتسب، في تهيئة الشروط لنمط جديد من العقلانية، إذ لا يطالب بالمعنى ولا بالمساءلة، بل يكتفي بالحساب والتوقع. هنا تبرز الخوارزمية بوصفها علامة فارقة في تاريخ العقل، لا لأنها أداة تقنية فحسب، بل لأنها تمثل نموذجا جديدا للعقلنة، يقوم على تحويل الواقع إلى بيانات، والذات إلى ملف إحصائي، والفعل الإنساني إلى سلوك قابل للتنبؤ.

الخوارزمية من حيث هذا المنحى ليست بريئة ولا محايدة، بل تؤسس لنمط من التفكير يُفرغ العالم من كثافته الدلالية، ويعيد ترتيبه وفق منطق النجاعة. وقد كان هايدغر واعيا بهذا الخطر حين نبّه إلى أن جوهر التقنية لا يكمن في الآلات، بل في نمط الانكشاف الذي تفرضه، حيث يُختزل الوجود إلى مورد، ويُنظر إلى الكائنات من زاوية قابليتها للاستثمار والتحكم. وما كان تحذيرا أنطولوجيا صار اليوم واقعا معاشا، تُقاس فيه القيمة بما يُستخرج من المعطيات، وتُختزل الخبرة الإنسانية في أنماط سلوكية قابلة للقياس.

على حافة الانقلاب المعرفي الذي يفرضه زمن الخوارزميات، يبدو العقل الفلسفي وكأنه فقد وظيفته التاريخية. فما الحاجة إلى التأمل والتردد والشك، في عالم يُغري بالأجوبة الفورية؟ وما جدوى الفلسفة في زمن تُقاس فيه الحقيقة بالفعالية، والمعرفة بقدرتها على التحول إلى نموذج حسابي؟ أليس مشروعا والحال هذه، أن يُطرح السؤال الذي صاغه آلان باديو بصيغة جذرية: هل ما تزال الفلسفة ممكنة، بل هل ما تزال ذات ضرورة؟.

غير أن هذا السؤال يفترض في عمقه، تصورا اختزاليا للفلسفة، يحصرها في وظيفة معرفية تنافس العلوم أو التقنيات. والحال أن الفلسفة في تقاليدها الكبرى، لم تكن يوما علما بالمعنى الوضعي، ولا أداة لحل المشكلات، بل ممارسة نقدية تسائل البداهات، وتحرس المعنى من الابتذال. كانت عند سقراط، تمرينا على العيش الحق، وعند كانط نقدا لشروط الإمكان، وعند هابرماس دفاعا عن العقل التواصلي في مواجهة العقل الأداتي. الفلسفة لا تُقاس بسرعة إنتاجها، بل بقدرتها على إبطاء الزمن الفكري، وفتح الأسئلة التي يسعى العصر إلى إغلاقها.

في ضوء هذه التحولات الجذرية التي يفرضها زمن الخوارزميات، يمكن النظر إلى زمن الخوارزميات لا بوصفه إعلانا عن نهاية الفلسفة، بل باعتبارها اختبارا جديدًا لإمكانها. فحين يُختزل العقل إلى حساب، يصبح التفكير في ما لا يُحسب فعل مقاومة. وحين يُختزل الإنسان إلى معطى، يغدو السؤال عن الكرامة والحرية والمسؤولية سؤالا فلسفيا بامتياز. وقد أصاب هابرماس حين حذّر من استعمار العالم المعيش بمنطق النسق، حيث تُفرغ التجربة من معناها لصالح عقل لا يرى إلا ما يمكن ضبطه.

إن إعادة بناء العقل في هذا السياق، لا تعني استعادة ميتافيزيقا يقينية، ولا إعادة إنتاج أوهام الذات السيادية، بل تعني استرجاع البعد التأويلي والنقدي للعقل. عقل يعترف بتناهيه دون أن يستقيل، ويقر بتعدديته دون أن يتنازل عن مطلب الحقيقة، وينفتح على التقنية دون أن يذوب في منطقها. عقل يدرك مع بول ريكور أن الذات لا تُعطى جاهزة بل تُفهم، وأن الفهم لا ينفصل عن السرد والمعنى.

لهذا تظل الفلسفة رغم كل خطابات الأفول قادرة على إنتاج معنى، لا بمعنى تقديم أجوبة نهائية، بل بمعنى إبقاء السؤال حيا. فالمعنى لا يُستهلك، بل يُبنى داخل توتر دائم بين الواقع والممكن، وبين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وفي عالم يتسارع على نحو محموم، قد تكون الفلسفة هي الفضاء الأخير الذي يسمح للإنسان بأن يتوقف، لا ليهرب من العصر، بل ليعيد التفكير فيه ومن داخله.

ليس هذا التوقف ترفا نظريا، بل شرطا أخلاقيا ومعرفيا. فبدون فلسفة يتحول العقل إلى أداة، والتقنية إلى قدر، والإنسان إلى تابع لمنظومات لا يفهم منطقها ولا يمتلك مساءلتها. أما بالتفلسف فإن العقل يستعيد قدرته على التفكيك من أجل إعادة البناء، لا لبناء أوهام جديدة، بل لصياغة معنى قابل للعيش في عالم لم يعد يمنح المعنى مجانا.

ليس امتحان العقل في زمن الخوارزمية امتحانا تقنيا في جوهره، بل هو امتحان أخلاقي ومعرفي يمسّ صورة الإنسان عن ذاته، وحدود ما يقبل تفويضه للآلة، وما يصرّ على تحمّل مسؤوليته فيه. فحين تُدار الحياة بمنطق التنبؤ، ويُعاد تشكيل الاختيارات قبل أن تُعاش، يغدو السؤال الفلسفي ضرورة لا غنى عنها، لا بوصفه بحثا عن يقين مفقود، بل بوصفه فعل يقظة يحول دون انزلاق العقل إلى الامتثال الصامت.

إن الفلسفة لا تقف موقف الرفض ولا موقف التمجيد، بل تمارس وظيفتها النقدية في مساءلة ما يبدو بديهيا، وكشف ما يتوارى خلف خطاب الكفاءة والحياد. فهي وحدها القادرة على إعادة فتح سؤال المعنى حين يُختزل الوجود في الأداء، وعلى الدفاع عن الإنسان حين يُعاد تعريفه وفق منطق البيانات. وليست مهمتها أن تنافس الخوارزميات في السرعة أو الدقة، بل أن تذكّر بأن ما لا يُحسب هو في كثير من الأحيان ما يمنح الحياة قيمتها.

إن إعادة الاعتبار للعقل لا تعني استعادة أوهام السيادة ولا بناء مركز متعالٍ جديد، بل تستلزم الاعتراف بتناهي التفكير مع الحفاظ على قدرته النقدية، وبانفتاح المعنى دون التخلي عن مطلب الحقيقة. عقلٌ يدرك أن التقنية أفق من آفاق الوجود الإنساني، لا قدرا مغلقا، وأن الخضوع لمنطقها الشامل ليس حتمية تاريخية، بل خيارا قابلا للمساءلة.

وفي ضوء ما سبق من تأملات، نقول إن الفلسفة لا تعلن نهايتها في زمن الخوارزميات، بل تجد فيه سببا جديدا لتجديد أسئلتها، والدفاع عن حق الإنسان في المعنى وفي الصواب وفي الخطأ. فحيثما يُراد للعقل أن يتحول إلى أداة، تظل الفلسفة حارسةً لإمكان أن يظل العقل تفكيرا لا مجرد حساب.

***

د. حمزة مولخنيف

ليس العقل في الإرث الكانطي، أداةً بريئة تتقدّم بلا حدود، ولا مرآةً شفافة تعكس العالم كما هو، بل هو شرط إمكان العالم كما يظهر لنا، وحدٌّ فاصل بين ما يمكن التفكير فيه وما يستعصي على القبض المفهومي. ومن هنا فإن الحديث عن حدود العقل لا يُفهم بوصفه تقليصا لقيمته، بل باعتباره تحريرا لوظيفته من الأوهام التي علقت به عبر تاريخ طويل من الميتافيزيقا الدوغمائية. لقد كان كانط واعيا بأن أعظم أخطاء العقل لا تنبع من ضعفه، بل من ثقته المفرطة بنفسه حين يتجاوز مجال تجربته المشروعة، فيقع في تناقضاته الخاصة، ويُنتج ما سماه «أوهام العقل الخالص».

يكتب كانط في مقدمة نقد العقل المحض أن «العقل الإنساني له قدرٌ غريب، فهو يُثقل بأسئلة لا يستطيع تجاهلها، لكنه لا يستطيع أيضا الإجابة عنها». في هذه العبارة يتكثف المشروع النقدي بأكمله: العقل مُلزَم بالمساءلة، لكنه غير مخوّل بالإجابة عن كل ما يسائل فيه. إن العقل بهذا المعنى كائن حدّي، يعيش دائما عند التخوم، يفكر من داخل العالم، لكنه يطمح إلى ما يتجاوزه. وهذه الازدواجية هي مصدر عظمته ومأزقه في آن واحد.

لقد جاءت الثورة الكانطية لتقلب السؤال الفلسفي من «كيف نعرف العالم؟» إلى «كيف يكون العالم ممكنا لنا بوصفنا ذواتا عارفة؟». لم يعد العقل تابعا للأشياء، بل صارت الأشياء، كما تظهر لنا، خاضعة لشروط العقل. إن العالم، في التجربة الإنسانية، ليس معطى خاما، بل هو بناء قبلي تشارك في تشكّله الحساسية والفهم معا. الزمان والمكان ليسا خاصيتين للأشياء في ذاتها، بل هما صورتا الحس اللتان بدونهما لا يمكن لأي موضوع أن يُعطى لنا. والفهم لا يستقبل المعطيات سلبا، بل ينظمها عبر مقولاته القبلية، فيحوّل التعدد الحسي إلى تجربة ذات معنى.

غير أن هذا الانتصار المعرفي للعقل يحمل في طياته مفارقة دقيقة: فبقدر ما ينجح العقل في تأسيس عالم الظواهر، يعجز عجزا مبدئيا عن النفاذ إلى عالم الأشياء في ذاتها. وهنا يظهر الحدّ بوصفه مبدأً منهجيا، لا عيبا أنطولوجيا. فالعقل لا يُمنع من معرفة المطلق تعسفا، بل يُحجَب عنه لأن المطلق لا يُعطى في تجربة ممكنة. إن الشيء في ذاته ليس لغزا يجب حله، بل حدّا يجب الاعتراف به. وكما سيقول كانط لاحقا، فإن «العقل يرى أبعد مما يستطيع أن يمشي».

هذا التحديد الصارم لمجال العقل النظري لا يعني القضاء على الأسئلة الكبرى، بل إعادة توطينها في أفقها المشروع. فالله والحرية والخلود، لا يمكن البرهنة عليها نظريا، لكنها تظل أفكارا ضرورية بوصفها مسلمات عملية. هنا تتجلى عبقرية كانط في تفريقه بين ما يمكن معرفته وما يجب افتراضه لكي يكون للفعل الأخلاقي معنى. لقد ألغى المعرفة ليترك مجالا للإيمان، لا الإيمان اللاعقلاني، بل الإيمان العملي الذي ينبثق من مطلب الواجب. يقول كانط في نقد العقل العملي: «شيئان يملآن النفس إعجابا وإجلالا متزايدين: السماء المرصعة بالنجوم فوقي، والقانون الأخلاقي في داخلي». في هذه الجملة يلتقي حدّ العالم وحدّ العقل في تجربة مزدوجة من الدهشة والمسؤولية.

إن قراءة الإرث الكانطي في أفق معاصر تقتضي الانتباه إلى أن حدود العقل ليست جدرانا صمّاء، بل خطوط تماس بين الممكن والمستحيل، وبين القول والصمت. فالعقل حين يعترف بحدوده لا يستقيل، بل يتطهر من نزعة التسلّط الشمولي. وقد التقط فتغنشتاين هذا المعنى حين كتب في الرسالة المنطقية الفلسفية أن «حدود لغتي تعني حدود عالمي». غير أن هذا القول إذا قُرئ قراءة كانطية، لا يعني أن ما لا يُقال لا يوجد، بل أن الوجود يتجاوز دائما قدرتنا على القول. فالعالم أوسع من اللغة، والعقل أضيق من الكينونة.

لقد كانت الفلسفات اللاحقة، من الهيغلية إلى الوضعية، محاولات متفاوتة لتجاوز الحد الكانطي أو الالتفاف عليه. هيغل رأى في حدود العقل لحظة تاريخية مؤقتة، وسعى إلى رفع التناقض بين الظاهر والباطن في حركة الروح المطلقة. أما الوضعيون فقد اختزلوا العقل في وظيفته العلمية، معتبرين كل ما لا يخضع للتحقق التجريبي لغوا ميتافيزيقيا. غير أن التجربة الفكرية للقرن العشرين، بما حملته من أزمات علمية وأخلاقية، أعادت الاعتبار إلى السؤال الكانطي عن حدود العقل، لا بوصفه سؤالا مدرسيا، بل باعتباره شرطا للنجاة من العنف المعرفي والشمولي.

إن العقل الذي لا يعترف بحدوده يتحول بسهولة إلى أداة هيمنة، سواء في صورة عقل تقني يختزل الإنسان إلى مورد، أو عقل أيديولوجي يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. وقد نبه هوركهايمر وأدورنو في جدل التنوير، إلى أن العقل حين ينفصل عن نقد ذاته ينقلب إلى أسطورة جديدة. وهذا بالضبط ما حاول كانط تفاديه: عقل ينقد نفسه بنفسه، ويضع لنفسه قانونا يمنعه من التعدي على ما لا يخصه.

في السياق المعاصر، حيث تتوسع آفاق العلم وتتداخل العوالم الافتراضية والبيولوجية والتقنية، يطرح سؤال حدود العقل نفسه بإلحاح جديد. هل ما زالت المقولات الكانطية صالحة في زمن الذكاء الاصطناعي والفيزياء الكوانتية؟ أم أن العالم قد أفلت نهائيا من قبضة العقل الإنساني؟ لعل الجواب لا يكمن في تجاوز كانط، بل في تعميق درسه: كل توسع في العالم يستدعي مساءلة جديدة لشروط الفهم، وكل ادعاء بالسيطرة المعرفية يستوجب نقدا قبليا يكشف حدوده.

إن العقل ليس سيّد العالم، بل ساكنٌ فيه، يفكر من داخله، ويصطدم دائما بأفق لا يمكن اختزاله. وحدود العقل ليست علامة نقص، بل أثر انتمائه إلى عالم لا يُستنفد. وكما كتب بول ريكور، فإن «الحدود ليست ما يُغلق الفكر، بل ما يفتح فيه إمكان التأويل». من هنا تبدأ الفلسفة لا حين ندّعي امتلاك الحقيقة، بل حين نتعلم كيف نسكن السؤال.

يمتد سؤال حدود العقل حين يُعاد التفكير فيه في أفق معاصر، من الحقل المعرفي الصرف إلى المجال الأخلاقي والسياسي والتقني، حيث لا يعود العقل مجرد بنية للفهم، بل قوة تنظّم الفعل وتوجّه التاريخ. هنا يتكشّف أن الحدّ الكانطي ليس قيدا معرفيا فحسب، بل مبدأً معياريا يحمي الإنسان من ادعاء الاكتمال. فالعقل الذي يعرف أنه محدود، هو وحده القادر على أن يكون مسؤولا. أما العقل الذي يتوهّم الإحاطة، فينتهي غالبا إلى تبرير العنف باسم الضرورة أو الاستبداد باسم العقلانية.

لقد كان كانط شديد الحساسية إزاء هذا البعد العملي للعقل. فالحرية التي لا يمكن البرهنة عليها نظريا، تصبح حجر الزاوية في كل أخلاق ممكنة. إن الإنسان بوصفه كائنا عاقلا ليس مجرد جزء من الطبيعة يخضع لحتمياتها، بل ذات قادرة على أن تشرّع لنفسها قانونها. وهذا التشريع الذاتي هو جوهر الكرامة الإنسانية. يقول كانط إن «الإنسان غاية في ذاته، لا وسيلة»، وهي عبارة لم تفقد شيئا من راهنيتها، بل لعلها اليوم أكثر إلحاحا في عالم تتزايد فيه نزعات التشييء والاختزال.

غير أن هذا التصور الأخلاقي لا ينفصل عن تصور دقيق لحدود العقل. فلو كان العقل قادرا على معرفة الخير الأسمى معرفة نظرية يقينية، لتحوّلت الأخلاق إلى علم تقني، ولغاب معنى الواجب بوصفه اختيارا حرا. إن قيمة الفعل الأخلاقي لا تنبع من نتائجه، بل من احترامه للقانون الذي يفرضه العقل على نفسه. وهنا يظهر الحدّ مرة أخرى: لا يمكن للعقل أن يضمن السعادة، لكنه يستطيع أن يطالب بالاستحقاق الأخلاقي لها. هذا التوتر بين الفضيلة والسعادة، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، هو ما يمنح الأخلاق طابعها التراجيدي النبيل.

يمكن فهم السياسة الكانطية بوصفها امتدادا نقديا للأخلاق، لا بوصفها تقنية لإدارة السلطة. فالدولة العادلة ليست تلك التي تحقق السعادة لمواطنيها، بل التي تضمن حريتهم وفق قانون عام يمكن تعميمه. إن فكرة العقد الاجتماعي عند كانط ليست حدثا تاريخيا، بل مبدأً عقليا يُقاس به مشروعية السلطة. وكل سلطة لا يمكن تبريرها عقليا أمام كل مواطن بوصفه ذاتا عاقلة، هي سلطة فاقدة للشرعية، مهما ادعت من نوايا أو نتائج.

وقد بلغ هذا الأفق ذروته في مشروع «السلام الدائم»، حيث ربط كانط بين العقل العملي والتاريخ الكوني. فالسلام ليس حالة طبيعية، بل واجب أخلاقي يتطلب بناء مؤسسات قانونية تتجاوز منطق القوة. غير أن كانط مرة أخرى، لا يقع في utopia ساذجة؛ فهو يدرك أن الطبيعة الإنسانية محكومة بأنانية وميل إلى الصراع، لكن العقل العملي يفرض على التاريخ اتجاها معياريا، حتى وإن تحقق عبر مسارات ملتوية. إن التاريخ من هذه الزاوية، ليس تقدما حتميا، بل أفقا مفتوحا للواجب.

غير أن القرن العشرين، بما شهده من حروب شاملة ومعسكرات إبادة وتقنيات قتل صناعية، أعاد طرح السؤال: هل أخطأ كانط في ثقته بالعقل؟ أم أن ما انهار لم يكن العقل النقدي، بل العقل الأداتي الذي حذّر منه؟ هنا تتقاطع القراءة الكانطية مع نقد مدرسة فرانكفورت، التي رأت أن العقل حين يُختزل إلى أداة للسيطرة يفقد بعده التحرري. لقد كتب أدورنو أن «العقل الذي لا يفكر في ذاته يتحول إلى عقل همجي»، وهي صيغة معاصرة لتحذير كانط من تجاوز العقل لحدوده دون نقد.

في عالم اليوم، يتخذ هذا النقاش شكلا جديدا مع صعود العقل الخوارزمي والذكاء الاصطناعي. فالعقل وقد تلبّس في صورة أنظمة حسابية قادرة على التعلّم والتنبؤ، يطرح سؤالا مزدوجا: هل ما زال العقل الإنساني هو معيار الفهم؟ وأين تقع حدود المسؤولية حين تُفوّض القرارات إلى آلات؟. إن القراءة الكانطية لا تقدّم أجوبة تقنية، لكنها توفّر معيارا نقديا حاسما: كل فعل لا يمكن إرجاعه إلى ذات قادرة على التشريع الأخلاقي لا يمكن اعتباره فعلا مسؤولا. الآلة مهما بلغت من التعقيد، لا تعرف الواجب، لأنها لا تعرف الحرية.

وهنا يظهر مرة أخرى معنى الحدّ، لا بوصفه عجزا تقنيا، بل بوصفه فرقا أنطولوجيا وأخلاقيا. فالعقل الإنساني ليس مجرد قدرة على المعالجة، بل قدرة على السؤال عن المعنى. والعالم مهما اتسعت نماذجه الرياضية، يظل أوسع من كل تمثيل. إن الفيزياء الحديثة نفسها من النسبية إلى ميكانيكا الكم، كشفت أن الواقع لا يُعطى للعقل في صورة شفافة، بل عبر احتمالات وحدود قياس. وكأن العلم في أقصى تقدمه، عاد ليؤكد درس كانط: المعرفة مشروطة، والمطلق يتفلّت.

غير أن هذا لا يقود إلى نسبية مدمّرة، بل إلى تواضع إبستمولوجي خصب. فالعقل الذي يعترف بحدوده لا يتخلّى عن الحقيقة، بل يتحرر من وهم امتلاكها النهائي. وقد عبّر هابرماس عن هذا المعنى حين ميّز بين العقل الأداتي والعقل التواصلي، داعيا إلى عقلانية تقوم على الحوار لا على السيطرة. هذا الامتداد التداولي للعقل يمكن قراءته بوصفه تطويرا معاصرا للحدّ الكانطي: الحقيقة لا تُفرض، بل تُبنى في أفق قابل دائما للمراجعة.

 يصبح السؤال عن حدود العالم سؤالا عن حدود المعنى. فالعالم ليس فقط مجموع الوقائع، بل أفق دلالي نسكنه ونتأوّله. وقد أدركت الهرمنيوطيقا من دلتاي إلى غادامير، أن الفهم ليس عملية تقنية، بل حدث تاريخي يتشكل في تقاطع الأفقين: أفق الذات وأفق النص أو العالم. غير أن هذا الوعي التاريخي لا ينقض كانط، بل يعمّق حدّه: فالعقل لا يعمل في فراغ، بل داخل تقاليد ولغات وتواريخ تشكّل إمكاناته وحدوده في آن.

وهنا يكتسب الصمت قيمة فلسفية. فليس كل ما لا يُقال عديم المعنى، وليس كل ما يُقال قابل للاستنفاد. لقد أدرك كانط على نحو مبكر، أن ثمة أشياء يجب التفكير فيها دون ادعاء معرفتها. وهذا ما جعل فلسفته، رغم طابعها النقدي الصارم، مفتوحة على بعد رمزي وأخلاقي عميق. فالحرية ليست موضوعا للعلم، لكنها شرط لكل علم ذي معنى. والكرامة ليست واقعة تجريبية، لكنها أساس كل قيمة.

إن حدود العقل وحدود العالم، في القراءة الكانطية المعاصرة، ليستا حدّين متقابلين، بل حدّا واحدا يُرسم عند نقطة التقاء الفكر بالوجود. فالعقل لا يقف خارج العالم ليحدّه، ولا يذوب فيه ليُلغى، بل يقيم عند تخومه، حيث السؤال ممكن واليقين مستحيل. وهذه الإقامة الحدّية هي ما يمنح الفلسفة ضرورتها الدائمة. فكلما ادّعى عصر ما أنه تجاوز كانط، عاد ليصطدم بسؤاله من جديد، لأن السؤال ليس تاريخيا، بل بنيويا.

ولعل أعظم درس يقدمه الإرث الكانطي اليوم هو أن الحدّ ليس نفيا، بل شرط إمكان. فلو كان العقل غير محدود، لما كان حرا، ولو كان العالم شفافا تماما، لما كان جديرا بالتأويل. إن الإنسان بوصفه كائنا عاقلا، محكوم بأن يفكر أكثر مما يعرف، وأن يأمل أكثر مما يبرهن. وفي هذا التوتر الخلّاق بين العقل والعالم، بين القانون والحرية، والمعرفة والإيمان العملي، تتجدد الفلسفة لا كنسق مغلق، بل كيقظة دائمة عند حافة المعنى.

وهكذا، لا ينتهي الإرث الكانطي عند رسم حدود للعقل، بل يبدأ منها. فحيث يتوقف الادعاء يبتدئ المعنى، وحيث يعترف العقل بمحدوديته، يفتح العالم على أفق المسؤولية. ليست الفلسفة في هذا المقام وعدا باليقين، بل تمرينا على السكن في السؤال دون خوف. فالعقل الذي يفكّر عند حافة العالم لا يسقط في العدم، بل يتعلّم التواضع، ويكتشف أن أعظم قوته تكمن في قدرته على ألا يدّعي السيادة على ما يتجاوزه. هناك، عند هذا الحدّ بالذات، يولد الفكر بوصفه يقظة أخلاقية، لا امتلاكا للحقيقة، بل وفاء دائما لندائها.

إذا كان انكشاف العالم مشروطا بحدود العقل، فأين يتأسس المعنى في مجال ما يُدرك ويُضبط مفهوميا، أم في ما يظلّ متعاليا على الامتلاك المعرفي؟، ثم هل يتحدّد أفق الإنسان في التوسّع اللامتناهي للمعرفة، أم في تعلّم السكون الفلسفي عند تخوم ما يمتنع عن القول والتعيين؟.

***

د. حمزة مولخنيف

 

منذ قرون طويلة، ظلّ الغرب يحتل موقع “المركز” في الخريطة الفكرية للعالم، ليس فقط بوصفه قوة سياسية واقتصادية، بل باعتباره المرجعية العليا للمعرفة، والمعيار الذي تُقاس عليه الحضارات، والنموذج الذي يُفترض أن تتجه نحوه بقية الشعوب. هذا التمركز لم يكن مجرد نتيجة لتفوق مادي أو علمي، بل كان أيضاً بناءً رمزياً ومعرفياً تشكّل عبر خطاب طويل من التمثيلات، والتأويلات، والكتابات التي رسّخت صورة الغرب باعتباره “العقل” و“الحداثة” و“العالمية”، في مقابل شرق يُقدَّم غالباً كـ“آخر” تابع أو هامشي أو خارج التاريخ. في هذا السياق، ظهر مشروع الاستغراب بوصفه محاولة فكرية جريئة لإعادة النظر في هذه البنية غير المتوازنة، ولتفكيك ما يُسمّى بـ المركزية الغربية التي حكمت علاقة الشرق بالغرب عبر قرون من الهيمنة الرمزية.

إن الاستغراب، في جوهره، ليس مجرد ردّ فعل على الاستشراق، ولا هو مشروع انتقامي أو خطاب مضاد يسعى إلى قلب المعادلة فحسب، بل هو جهد معرفي يسعى إلى فهم الغرب من خارج ذاته؛ أي من منظور لا يخضع لسلطته الرمزية ولا لهيمنته الثقافية. إنه محاولة لاستعادة القدرة على النظر إلى الغرب بوصفه موضوعاً للدراسة والتحليل، تماماً كما فعل الغرب مع الشرق، ولكن دون الوقوع في فخ التعميم أو التشويه. فالاستغراب لا يهدف إلى إنتاج “غرب متخيّل” جديد، بل إلى تحرير المعرفة من أحادية المركز، وإعادة توزيع الضوء على خرائط الفكر بحيث لا يبقى الغرب هو المقياس الوحيد لما هو عقلاني، أو متقدم، أو إنساني.

تنبع أهمية هذا المشروع من كونه يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للثقافات غير الغربية أن تفهم الغرب دون أن تقع تحت تأثير خطابه عن نفسه؟ هذا السؤال يفتح الباب أمام قراءة نقدية للحداثة الغربية، وللنموذج الليبرالي، وللفكر الفلسفي والسياسي الذي شكّل العالم الحديث. لكنه في الوقت نفسه يدعو إلى تجاوز ثنائية “نحن/هم”، وإلى بناء معرفة أكثر توازناً تقوم على الحوار لا على التبعية، وعلى النقد لا على الانبهار، وعلى الفهم لا على الاستلاب.

وفي زمن العولمة الرقمية، حيث تتدفق الصور والأفكار عبر الشاشات بسرعة غير مسبوقة، يصبح تفكيك المركزية الغربية أكثر إلحاحاً. فالعالم اليوم لا يعيش فقط تحت تأثير القوة الاقتصادية أو العسكرية للغرب، بل تحت تأثير هيمنته الرمزية التي تتجلى في الإعلام، والسينما، والمناهج التعليمية، والخطاب السياسي، وحتى في اللغة التي نستخدمها لوصف العالم. وهنا يبرز الاستغراب كمشروع يسعى إلى إعادة التوازن في فضاء معرفي اختلّ طويلاً، وإلى فتح أفق جديد لفهم الغرب بعيداً عن هالته الأسطورية التي صنعها لنفسه.

بهذا المعنى، فإن قراءة مشروع الاستغراب ليست مجرد تمرين فكري، بل هي خطوة نحو إعادة بناء علاقة أكثر نضجاً بين الشرق والغرب، علاقة تقوم على الندية لا التبعية، وعلى النقد المتبادل لا على الانبهار الأحادي، وعلى الاعتراف المتبادل بالإنسانية المشتركة بعيداً عن أوهام التفوق الحضاري.

مفهوم المركزية الغربية

تُعدّ المركزية الغربية إحدى أكثر البُنى الفكرية حضوراً في تشكيل الوعي العالمي الحديث، فهي تقوم على تصور يجعل الغرب في موقع القلب الحضاري والمعرفي للعالم، ويمنحه دور المعيار الذي تُقاس عليه بقية الثقافات في العلم والفلسفة والسياسة ونماذج التطور. هذا التصور لم ينشأ صدفة، بل تبلور تاريخياً مع صعود أوروبا الحديثة التي أعادت كتابة تاريخها بوصفها الوريثة الشرعية للعقل اليوناني والنهضة والتنوير، مقدّمة نفسها باعتبارها النموذج الأرقى للتقدم الإنساني. ومع توسع الاستعمار الأوروبي، لم يقتصر الأمر على السيطرة المادية، بل امتد ليشمل إنتاج معرفة تُعيد تعريف الشعوب الأخرى من منظور غربي، فتظهر تلك الشعوب بوصفها بدائية أو غير عقلانية أو بحاجة دائمة إلى التحديث. ومع ترسخ الحداثة، تحولت التجربة الأوروبية إلى نموذج عالمي يُفترض أن تسير عليه كل المجتمعات، بينما تُقدَّم المسارات الحضارية الأخرى باعتبارها ناقصة أو متأخرة. ومع القرن العشرين، جاءت الهيمنة الثقافية عبر الإعلام والسينما والمناهج التعليمية لتعمّق هذا التمركز، فترسخت صورة الغرب كفضاء للعقلانية والتقدم، في مقابل صورة “الآخر” الذي يُنظر إليه من خلال عدسة الاختزال والتبسيط. وهكذا، أنتجت المركزية الغربية رؤية مزدوجة: رؤية تمجّد الذات الغربية وتمنحها شرعية القيادة، ورؤية تُهمّش الآخر وتجعله موضوعاً للتمثيل لا شريكاً في إنتاج المعرفة، مما خلق علاقة غير متوازنة بين الغرب وبقية العالم، علاقة تتحدث فيها جهة واحدة بينما تُصمت الأخرى أو يُعاد تعريفها من الخارج.

نشأة مشروع الاستغراب

ظهر مشروع الاستغراب في سياق فكري وثقافي معقّد، جاء كردّ معرفي على قرون طويلة من التمثيل الأحادي الذي مارسه الغرب على بقية العالم، وعلى رأسه الشرق. فبعد أن رسّخت المركزية الغربية نفسها بوصفها المرجعية العليا للمعرفة، بدأ عدد من المفكرين في العالم العربي والإسلامي وآسيا وإفريقيا يتساءلون عن إمكانية قلب زاوية النظر، وعن ضرورة فهم الغرب من خارج خطابه عن ذاته. لم يكن الاستغراب مجرد رد فعل انفعالي على الاستشراق، بل محاولة واعية لإعادة التوازن إلى العلاقة المعرفية المختلّة بين المركز والهامش. وقد تبلور هذا المشروع مع اتساع الوعي النقدي في النصف الثاني من القرن العشرين، حين أدركت المجتمعات غير الغربية أن فهم الغرب لا يمكن أن يظل محصوراً فيما يقوله عن نفسه، ولا فيما يفرضه من نماذج جاهزة للتقدم والحداثة. ومع صعود دراسات ما بعد الاستعمار، بدأ يتشكل وعي جديد يرى أن الغرب ليس كتلة واحدة متجانسة، بل تاريخ معقد من الأفكار والتجارب والتناقضات، وأن قراءته من منظور غير غربي ليست فقط حقاً معرفياً، بل ضرورة لفهم العالم المعاصر. وهكذا، جاء الاستغراب كمشروع يسعى إلى دراسة الغرب بوصفه موضوعاً للتحليل، لا باعتباره مركزاً مطلقاً، وإلى مساءلة الأساطير المؤسسة لحداثته، وإلى تحرير المعرفة من هيمنة النموذج الواحد الذي فرض نفسه على العالم. لقد كان الاستغراب، منذ بداياته، محاولة لإعادة توزيع الضوء على خرائط الفكر، بحيث لا يبقى الغرب هو المتحدث الوحيد باسم العقل والإنسانية، بل يصبح جزءاً من تعددية حضارية أوسع، يمكن النظر إليها من زوايا متعددة لا تخضع لسلطته الرمزية.

نشأة مشروع الاستغراب

نشأ مشروع الاستغراب في لحظة تاريخية اتّسمت بتصاعد الوعي النقدي في المجتمعات غير الغربية، حين بدأت هذه المجتمعات تدرك أن علاقتها بالغرب لم تكن علاقة تبادل معرفي متكافئ، بل علاقة تشكّلت داخل فضاء من الهيمنة الرمزية التي جعلت الغرب يتحدث باسم العالم، ويقدّم نفسه بوصفه النموذج الأرقى للتقدم والعقلانية. ومع تراكم التجارب الاستعمارية، وما رافقها من إنتاج معرفي ضخم صاغ صورة الآخر من منظور غربي خالص، بدأ عدد من المفكرين العرب والمسلمين والآسيويين يشعرون بالحاجة إلى قلب زاوية النظر، وإلى دراسة الغرب كما هو، لا كما يقدّم نفسه. وهكذا ظهر الاستغراب كمشروع يسعى إلى تحرير المعرفة من أحادية المركز، وإلى إعادة النظر في الأساطير المؤسسة للحداثة الغربية التي طالما قُدّمت باعتبارها مساراً كونياً لا بديل عنه.

لقد جاء هذا المشروع في لحظة كان فيها العالم يشهد تحولات كبرى: نهاية الاستعمار المباشر، صعود حركات التحرر الوطني، انتشار الجامعات الحديثة في الشرق، وتزايد الاحتكاك الثقافي بين الشعوب. في هذا السياق، لم يعد الغرب مجرد قوة سياسية أو اقتصادية، بل أصبح أيضاً قوة معرفية تفرض رؤيتها للعالم عبر المناهج، والإعلام، والعلوم الاجتماعية، والفلسفة. ومع هذا التوسع، بدأ يتشكل وعي جديد يرى أن فهم الغرب من داخله لا يكفي، وأنه لا بد من مقاربة نقدية تنظر إليه من موقع مستقل، وتفكك بنيته الفكرية، وتعيد قراءة تاريخه بعيداً عن السرديات التي كتبها لنفسه.

ومع انتشار دراسات ما بعد الاستعمار، اتسعت مساحة التفكير في الاستغراب بوصفه مشروعاً مضاداً للهيمنة المعرفية، لا بهدف إنتاج “غرب متخيل” جديد، بل بهدف إعادة التوازن إلى العلاقة بين الثقافات. فالغرب، في منظور الاستغراب، ليس كتلة واحدة متجانسة، بل تاريخ طويل من التناقضات، والنهضات، والأزمات، والاختيارات الفكرية التي تستحق أن تُقرأ بعيون غير غربية. ومن هنا، أصبح الاستغراب محاولة لإعادة تعريف الغرب خارج هالته الأسطورية، ولتحرير الذات غير الغربية من الانبهار أو الاستلاب، ولإعادة بناء علاقة معرفية تقوم على الندية لا على التبعية.

وهكذا، يمكن القول إن مشروع الاستغراب لم يولد من رغبة في مواجهة الغرب أو رفضه، بل من رغبة في فهمه فهماً حقيقياً، وفي استعادة القدرة على إنتاج معرفة مستقلة عنه، وفي إعادة كتابة العلاقة بين الشرق والغرب على أسس أكثر عدلاً وتوازناً. إنه مشروع يطمح إلى إعادة توزيع الضوء على خرائط الفكر، بحيث لا يبقى الغرب هو المتحدث الوحيد باسم العقل والإنسانية، بل يصبح جزءاً من تعددية حضارية أوسع، يمكن النظر إليها من زوايا متعددة لا تخضع لسلطته الرمزية.

أهداف مشروع الاستغراب

حين بدأ مشروع الاستغراب يتبلور في الفكر العربي والآسيوي والإفريقي، لم يكن مجرد محاولة لتقليد الاستشراق أو إنتاج خطاب مضاد له، بل كان سعياً واعياً إلى إعادة ترتيب العلاقة المعرفية بين الشرق والغرب على أسس أكثر توازناً. لقد أدرك المفكرون الذين انشغلوا بهذا المشروع أن العالم لا يمكن أن يستمر في الدوران حول مركز واحد، وأن المعرفة الإنسانية لا يمكن أن تُختزل في نموذج واحد مهما بدا قوياً أو ناجحاً. ومن هنا، أصبح الهدف الأول للاستغراب هو تحرير الوعي من تلك الهيمنة الرمزية التي جعلت الغرب يبدو وكأنه المصدر الوحيد للمعنى، والمرجع النهائي للحقيقة، والمرآة التي يجب أن تنعكس فيها كل التجارب البشرية. كان الاستغراب يسعى إلى استعادة القدرة على النظر إلى الغرب من موقع مستقل، موقع لا يخضع لسطوة النموذج الغربي ولا لسلطة خطابه عن ذاته، بل ينطلق من رؤية نقدية ترى الغرب كحضارة لها إنجازاتها وإخفاقاتها، قوتها وضعفها، تناقضاتها الداخلية وصراعاتها الفكرية.

وفي عمق هذا المشروع، كان هناك هدف آخر لا يقل أهمية، وهو إعادة الاعتبار للذات غير الغربية، وإخراجها من موقع التابع الذي يكتفي بتلقي المعرفة من الخارج. فالاستغراب لم يكن موجهاً ضد الغرب بقدر ما كان موجهاً نحو الذات، نحو تحريرها من الانبهار الأعمى، ومن الشعور بالنقص، ومن تلك الرغبة الدائمة في محاكاة الآخر دون وعي. لقد أراد الاستغراب أن يفتح أمام المجتمعات غير الغربية أفقاً جديداً لفهم العالم، أفقاً يسمح لها بأن تكون شريكاً في إنتاج المعرفة لا مجرد مستهلك لها، وأن تمتلك القدرة على مساءلة النماذج السائدة بدلاً من الخضوع لها.

كما كان الاستغراب يسعى إلى تفكيك الأساطير التي أحاطت بالحداثة الغربية، تلك الأساطير التي صُوّرت وكأنها قدر تاريخي لا بديل عنه، أو مسار واحد يجب على الجميع اتباعه. لقد حاول هذا المشروع أن يبيّن أن الحداثة ليست ملكاً حصرياً للغرب، وأن التجارب الحضارية الأخرى تمتلك إمكانات مختلفة للتطور، وأن العالم أكثر اتساعاً من أن يُختزل في نموذج واحد. ومن هنا، أصبح الاستغراب دعوة إلى التعددية المعرفية، وإلى الاعتراف بأن الحقيقة ليست حكراً على جهة واحدة، وأن الحضارات تتقدم بالحوار والتفاعل لا بالهيمنة والإقصاء.

وفي النهاية، كان هدف الاستغراب الأكبر هو إعادة بناء علاقة جديدة بين الشرق والغرب، علاقة تقوم على الندية والاحترام المتبادل، لا على التبعية أو الصراع. علاقة تسمح لكل طرف بأن يرى الآخر كما هو، لا كما تصوّره الخطابات المسبقة، وأن يشارك في صياغة مستقبل إنساني مشترك يتجاوز ثنائية المركز والهامش. وهكذا، يصبح الاستغراب مشروعاً لتحرير المعرفة، وتحرير الذات، وتحرير العلاقة بين الحضارات من كل أشكال التمركز والهيمنة.

أدوات ومنهجيات الاستغراب

لم يكن مشروع الاستغراب مجرد إعلان رغبة في فهم الغرب من منظور مختلف، بل كان أيضاً سعياً إلى تطوير أدوات معرفية جديدة تسمح بقراءة هذا الغرب قراءة نقدية لا تقع في فخ الانبهار ولا في فخ الرفض الأعمى. وقد أدرك المفكرون الذين انشغلوا بهذا المشروع أن فهم الغرب يتطلب الاقتراب من بنيته الفكرية العميقة، لا الاكتفاء بسطح الظواهر أو الانطباعات العامة. لذلك، اعتمد الاستغراب على منهجيات متعددة تتداخل فيها قراءة النصوص الفلسفية الكبرى مع تحليل الخطابات السياسية والإعلامية، ومراجعة التاريخ الأوروبي من زوايا غير مألوفة، وفهم التحولات الاجتماعية التي شكّلت التجربة الغربية الحديثة. لقد كان الهدف من هذه المنهجيات هو تفكيك الصورة التي رسمها الغرب لنفسه، تلك الصورة التي تُظهره باعتباره مركز العقلانية والتقدم، وكأن تاريخه كان سلسلة متصلة من الإنجازات الخالصة، بينما هو في الحقيقة تاريخ مليء بالصراعات، والحروب، والتناقضات، والاختيارات التي لم تكن دائماً عقلانية أو إنسانية.

ومن بين أهم أدوات الاستغراب القدرة على قراءة الغرب من الداخل، أي التعامل مع نصوصه ومفاهيمه ومؤسساته بوصفها موضوعاً للتحليل لا بوصفها مسلمات. فالفلسفة الغربية، مثلاً، لم تعد تُقرأ باعتبارها التعبير الأعلى عن العقل الإنساني، بل باعتبارها نتاجاً لسياق تاريخي وثقافي محدد، يحمل في داخله رؤى معينة للإنسان والكون والمعرفة. وكذلك الأمر بالنسبة للعلوم الاجتماعية التي صاغت مفاهيم مثل التقدم والتطور والديمقراطية، إذ أصبح من الضروري مساءلة هذه المفاهيم، وفهم كيف تحولت إلى أدوات لتبرير الهيمنة أو فرض نموذج واحد على العالم. ومن هنا، كان الاستغراب يسعى إلى كشف ما وراء الخطاب الغربي، إلى تلك الطبقات العميقة التي تُظهر كيف تُنتج المعرفة وكيف تُستخدم، وكيف تتحول أحياناً إلى أداة للسيطرة الرمزية.

كما اعتمد الاستغراب على مقارنة التجارب الحضارية دون افتراض تفوق مسبق لأي منها، وهو ما سمح بإعادة النظر في العلاقة بين الشرق والغرب بعيداً عن ثنائية المركز والهامش. فبدلاً من النظر إلى الغرب باعتباره النموذج الذي يجب أن تُقاس عليه بقية الحضارات، أصبح من الممكن النظر إليه كواحد من نماذج متعددة، لكل منها مساراته الخاصة في التطور، ولكل منها رؤيته للعالم. هذا التحول في زاوية النظر كان جوهرياً، لأنه حرّر المعرفة من هيمنة النموذج الواحد، وفتح الباب أمام التفكير في بدائل حضارية ومعرفية أكثر تنوعاً.

وفي النهاية، يمكن القول إن أدوات ومنهجيات الاستغراب لم تكن مجرد تقنيات بحثية، بل كانت جزءاً من مشروع أوسع لتحرير الوعي، ولإعادة بناء علاقة جديدة مع الغرب تقوم على الفهم النقدي لا على التبعية، وعلى الحوار لا على الاستلاب. إنها منهجيات تسعى إلى إعادة الإنسان غير الغربي إلى موقع الفاعل في إنتاج المعرفة، وإلى إعادة صياغة العلاقة بين الحضارات على أسس أكثر عدلاً وتوازناً.

الاستغراب في الفكر العربي المعاصر

حين انتقل مشروع الاستغراب من مستوى الفكرة إلى مستوى النقاش الفكري داخل العالم العربي، وجد نفسه في قلب معركة معرفية تتجاوز مجرد فهم الغرب، لتلامس أسئلة الهوية، والحداثة، والنهضة، وموقع الذات العربية في عالم يتغير بسرعة. فقد تعامل المفكرون العرب مع الاستغراب بوصفه فرصة لإعادة النظر في علاقتهم بالغرب، تلك العلاقة التي تراوحت طويلاً بين الانبهار المطلق والرفض القاطع، دون أن تنجح في بناء موقف نقدي متوازن. ومع اتساع دائرة الوعي بتاريخ الهيمنة الغربية، بدأ عدد من المفكرين العرب يلتفتون إلى ضرورة قراءة الغرب قراءة جديدة، قراءة لا تنطلق من عقدة النقص ولا من عقدة التفوق، بل من رغبة في الفهم والتحليل وإعادة التقييم.

وقد ظهر هذا الوعي في كتابات مفكرين حاولوا تفكيك الأساطير التي أحاطت بالغرب في المخيال العربي، سواء تلك التي جعلته نموذجاً مثالياً للتقدم، أو تلك التي صوّرته كقوة شر مطلقة. فبعضهم رأى أن الاستغراب هو السبيل الوحيد للخروج من أسر المركزية الغربية التي جعلت الفكر العربي يدور في فلك النموذج الأوروبي، بينما رأى آخرون أن الاستغراب هو خطوة ضرورية لفهم أسباب تعثر مشاريع النهضة العربية، لأن هذه المشاريع غالباً ما استوردت مفاهيم الحداثة الغربية دون مساءلة أو نقد. وهكذا، أصبح الاستغراب جزءاً من النقاش حول سؤال النهضة نفسه، لأنه يطرح على العرب سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن بناء مشروع حضاري مستقل إذا كانت أدوات التفكير نفسها مستعارة من الغرب؟

وفي هذا السياق، لم يكن الاستغراب مجرد نقد للغرب، بل كان أيضاً نقداً للذات العربية التي كثيراً ما تعاملت مع الغرب إما بوصفه خلاصاً أو تهديداً، دون أن تحاول فهمه كحضارة لها تاريخها وتعقيداتها. وقد ساهم هذا المشروع في كشف التناقضات داخل الخطاب العربي نفسه، إذ أظهر كيف أن بعض القراءات العربية للغرب كانت في الحقيقة امتداداً للمركزية الغربية، حتى حين كانت تتظاهر بمعارضتها. فالتبعية لا تكون دائماً في الموقف السياسي، بل قد تكون أيضاً في طريقة التفكير، وفي المفاهيم المستخدمة، وفي زاوية النظر إلى العالم.

ومع تطور وسائل الإعلام والاتصال، اكتسب الاستغراب بعداً جديداً، إذ أصبح من الضروري فهم كيف تُنتج صورة الغرب في الإعلام العربي، وكيف تُعاد صياغتها في الفضاء الرقمي. فقد أظهرت التجارب أن صورة الغرب في المخيال العربي ليست ثابتة، بل تتغير بتغير الأحداث، وتتأثر بالخطابات السياسية، وبالتحولات الاجتماعية، وبالاحتكاك المباشر عبر الهجرة والتعليم والتواصل الرقمي. وهذا ما جعل الاستغراب مشروعاً مفتوحاً، لا يقتصر على قراءة الماضي، بل يمتد إلى تحليل الحاضر، وإلى فهم كيف تتشكل صورة الغرب اليوم في زمن العولمة.

وهكذا، يمكن القول إن الاستغراب في الفكر العربي المعاصر لم يعد مجرد مشروع نظري، بل أصبح جزءاً من معركة أوسع لإعادة بناء الوعي، ولتحرير الفكر من التبعية، ولصياغة علاقة جديدة مع الغرب تقوم على الفهم النقدي لا على الاستلاب أو القطيعة. إنه مشروع يسعى إلى إعادة تعريف الذات والآخر معاً، وإلى فتح أفق جديد للتفكير في المستقبل بعيداً عن ثنائية الانبهار والرفض التي حكمت العلاقة بين الشرق والغرب طويلاً.

نقد المركزية الغربية في زمن العولمة

مع دخول العالم عصر العولمة، بدا في البداية وكأن الحدود الثقافية تنهار، وأن المعرفة أصبحت متاحة للجميع، وأن العالم يتجه نحو فضاء مفتوح تتساوى فيه الأصوات. غير أن هذا الوهم سرعان ما تلاشى حين اتضح أن العولمة لم تُلغِ المركزية الغربية، بل أعادت إنتاجها بأدوات أكثر نعومة وفاعلية. فقد تحولت الهيمنة من السيطرة العسكرية والسياسية المباشرة إلى سيطرة رمزية تُمارَس عبر الإعلام، والتكنولوجيا، والمنصّات الرقمية، والاقتصاد المعرفي. وهكذا، أصبح نقد المركزية الغربية في زمن العولمة أكثر تعقيداً، لأنه لم يعد يواجه خطاباً صريحاً عن التفوق، بل يواجه منظومة كاملة من القيم والمعايير التي تُقدَّم بوصفها “عالمية”، بينما هي في جوهرها امتداد للنموذج الغربي.

لقد كشفت العولمة عن قدرة الغرب على إعادة تشكيل العالم وفق رؤيته، ليس عبر القوة الصلبة، بل عبر القوة الناعمة التي تتسلل إلى الوعي دون مقاومة. فالإعلام العالمي، الذي تهيمن عليه مؤسسات غربية كبرى، يعيد إنتاج صورة الغرب باعتباره مركز الحداثة والتقدم، بينما يصوّر بقية العالم من خلال عدسة الانتقاء: إما مناطق أزمات، أو فضاءات غريبة، أو ثقافات تحتاج إلى “تطوير”. وحتى في الفضاء الرقمي، الذي يُفترض أنه أكثر ديمقراطية، نجد أن الخوارزميات نفسها تعمل وفق منطق يعيد إنتاج المركزية الغربية، من خلال ترتيب المحتوى، وتحديد ما يظهر وما يُخفى، وصياغة صورة العالم وفق معايير لا يشارك في وضعها سوى عدد محدود من الشركات والمؤسسات الغربية.

وفي هذا السياق، يصبح نقد المركزية الغربية ضرورة معرفية لفهم كيف تُعاد صياغة الوعي العالمي اليوم. فالعولمة لم تُلغِ التراتبية بين الثقافات، بل جعلتها أكثر خفاءً، وأكثر قدرة على التأثير. لقد أصبح الغرب حاضراً في كل تفاصيل الحياة اليومية: في اللغة التي تُستخدم في التكنولوجيا، في المعايير التي تُقاس بها جودة التعليم، في النماذج الاقتصادية التي تُفرض على الدول، وفي الصور التي تُنتج عن “الآخر” في السينما والإعلام. وهذا الحضور الكثيف يجعل من نقد المركزية الغربية عملاً لا يقتصر على الأكاديميين، بل يمتد إلى كل من يسعى إلى فهم موقعه في عالم شديد التعقيد.

ومن هنا، يكتسب مشروع الاستغراب أهمية مضاعفة في زمن العولمة، لأنه لا يكتفي بتفكيك الخطاب الغربي التقليدي، بل يسعى إلى كشف آليات الهيمنة الجديدة التي تعمل تحت غطاء “العالمية”. إنه مشروع يحاول أن يفتح أعيننا على حقيقة أن العالم لا يزال يُرى من زاوية واحدة، وأن التعددية الثقافية التي تُرفع شعاراتها في كل مكان لا تتحقق فعلياً ما دام الغرب يحتفظ بحق تعريف ما هو عالمي وما هو هامشي. ولذلك، فإن نقد المركزية الغربية اليوم ليس مجرد تمرين فكري، بل هو محاولة لاستعادة القدرة على رؤية العالم من زوايا متعددة، وعلى بناء معرفة لا تخضع لسلطة النموذج الواحد، وعلى إعادة الاعتبار للثقافات التي طالما وُضعت في موقع التابع أو المختلف أو الأقل شأناً.

إمكانات بناء معرفة بديلة

إذا كان نقد المركزية الغربية يكشف حدود النموذج المعرفي السائد، فإن الخطوة التالية تتمثل في التفكير في إمكانات بناء معرفة بديلة، معرفة لا تقوم على نفي الغرب ولا على استنساخه، بل على تجاوز الثنائية التي حكمت علاقة الشرق بالغرب طويلاً. فالعالم اليوم، رغم كل أشكال الهيمنة الرمزية، أصبح أكثر انفتاحاً على التعددية الثقافية، وأكثر استعداداً للاعتراف بأن المعرفة ليست ملكاً حصرياً لحضارة واحدة، وأن التجارب الإنسانية، مهما اختلفت، تمتلك القدرة على الإسهام في بناء فهم أوسع للعالم. ومن هنا، يصبح مشروع الاستغراب مدخلاً لإعادة التفكير في كيفية إنتاج المعرفة، وفي كيفية تحريرها من سلطة النموذج الواحد الذي فرض نفسه على العالم منذ قرون.

إن بناء معرفة بديلة يبدأ أولاً باستعادة الثقة في الذات، في قدرتها على التفكير والإبداع والتحليل، بعيداً عن عقدة النقص التي زرعتها المركزية الغربية في وعي الشعوب غير الغربية. فالمعرفة لا تُنتج فقط في الجامعات الكبرى أو المراكز البحثية الغربية، بل تُنتج أيضاً في التجارب اليومية، وفي التراث الثقافي، وفي الفلسفات المحلية، وفي طرق العيش التي طوّرتها المجتمعات عبر تاريخها. وهذا يعني أن بناء معرفة بديلة لا يتطلب قطعاً مع الغرب، بل يتطلب التحرر من هيمنته الرمزية، ومن تلك الرغبة الدائمة في قياس كل شيء بمعاييره. إنه دعوة إلى النظر إلى العالم من زوايا متعددة، وإلى الاعتراف بأن الحقيقة ليست واحدة، وأن العقل الإنساني أكثر ثراءً من أن يُختزل في نموذج واحد.

كما يتطلب بناء معرفة بديلة إعادة قراءة التراث المحلي، ليس بوصفه بديلاً عن الغرب، بل بوصفه مصدراً لإثراء التفكير، ولتقديم رؤى مختلفة للعالم. فالتراث ليس مجرد ماضٍ جامد، بل هو مخزون من التجارب والأفكار التي يمكن أن تُسهم في صياغة نماذج جديدة للتفكير، إذا ما قُرئ قراءة نقدية واعية. وفي هذا السياق، يصبح الحوار بين الثقافات ضرورة لا غنى عنها، لأنه يسمح بتبادل الخبرات، وبناء جسور معرفية، وتجاوز الانغلاق الذي يحول دون تطور الفكر.

ومن جهة أخرى، تتيح التكنولوجيا اليوم إمكانات واسعة لإنتاج معرفة بديلة، لأنها كسرت احتكار المؤسسات التقليدية للمعرفة، وفتحت المجال أمام أصوات جديدة كانت مهمّشة أو غير مرئية. فالمجتمعات غير الغربية لم تعد مضطرة إلى انتظار اعتراف الغرب بها، بل أصبحت قادرة على إنتاج خطابها الخاص، وعلى تقديم رؤيتها للعالم عبر منصات متعددة. وهذا التحول يمنح مشروع الاستغراب فرصة جديدة، لأنه يسمح له بالانتقال من مستوى النقد إلى مستوى البناء، ومن مستوى تفكيك الهيمنة إلى مستوى اقتراح نماذج معرفية جديدة.

وهكذا، فإن إمكانات بناء معرفة بديلة ليست مجرد حلم نظري، بل هي مشروع قابل للتحقق، إذا ما توفرت الإرادة الفكرية، والقدرة على التحرر من التبعية، والاستعداد للانفتاح على التعددية. إنها دعوة إلى إعادة التفكير في موقع الذات في العالم، وإلى بناء علاقة جديدة مع الغرب تقوم على الندية، وعلى الاعتراف المتبادل، وعلى الإيمان بأن المعرفة الإنسانية لا تتقدم إلا حين تتعدد أصواتها، وتتقاطع مساراتها، وتتفاعل تجاربها دون أن يهيمن أحدها على الآخر.

نحو أفق معرفي متعدد: إعادة توازن العلاقة بين الشرق والغرب

في نهاية هذا المسار التحليلي، يتضح أن مشروع الاستغراب ليس مجرد محاولة لفهم الغرب من زاوية مختلفة، بل هو خطوة أساسية نحو إعادة بناء الوعي العالمي على أسس أكثر عدلاً وتوازناً. فالعالم الذي صاغته المركزية الغربية عبر قرون من الهيمنة الرمزية لم يعد قادراً على استيعاب التعددية الثقافية التي تفرضها تحولات العصر، ولا على احتكار تعريف الحقيقة أو رسم حدود العقلانية. ومن هنا، يصبح الاستغراب مشروعاً لتحرير المعرفة من أحادية المركز، ولإعادة الاعتبار للثقافات التي طالما وُضعت في موقع الهامش، ولإعادة صياغة العلاقة بين الشرق والغرب بعيداً عن ثنائية التفوق والدونية.

إن ما يكشفه هذا المشروع هو أن الغرب، رغم قوته وتأثيره، ليس النموذج الوحيد الممكن، وأن التجارب الإنسانية الأخرى تمتلك من العمق والثراء ما يجعلها قادرة على الإسهام في بناء معرفة عالمية متعددة الأصوات. كما يكشف أن نقد المركزية الغربية لا يعني رفض الغرب أو القطيعة معه، بل يعني تحرير العلاقة معه من التبعية، وتحويلها إلى علاقة ندّية تقوم على الحوار والتفاعل لا على الاستلاب أو الانبهار.

وهكذا، فإن الاستغراب يفتح الباب أمام أفق معرفي جديد، أفق يسمح للذات غير الغربية بأن ترى العالم بعينها لا بعين الآخر، وأن تشارك في صياغة المستقبل بوصفها فاعلاً لا تابعاً. إنه دعوة إلى إعادة التفكير في موقعنا داخل العالم، وإلى بناء معرفة تتسع للجميع، وتمنح كل حضارة حقها في التعبير عن ذاتها، وفي الإسهام في تشكيل الوعي الإنساني المشترك. وفي هذا الأفق، يصبح تفكيك المركزية الغربية ليس نهاية، بل بداية لمرحلة جديدة من التفكير، مرحلة تتجاوز حدود الهيمنة نحو عالم أكثر توازناً وتعدداً وثراء.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

الحلول الهروبية في الفكر العربي

الأزمة البنيوية وجدلية الاستقالة المعرفية

يعيش الفكر العربي المعاصر حالة من الاضطراب الجذري، وهي حالة لا يمكن اختزالها في مجرد تعثرٍ للمشاريع التنموية أو توالٍ للإخفاقات السياسية؛ بل هي في جوهرها أزمة "إبستيمولوجية" عميقة، تضرب بجذورها في البنية التكوينية للعقل العربي وآليات إنتاجه للمعرفة. إن الإشكالية المركزية هنا تتجاوز السرديات التاريخية التقليدية [1]، لتبحث في التحولات البنيوية التي أفضت إلى تآكل "البعد الفلسفي" للقضية المعرفية، وذلك عبر الانزياح التدريجي والممنهج من نظام "البرهان" -القائم على العقلانية والسببية والتحليل المنطقي- إلى نظام "البيان" المرتهن كلياً لسلطة النص وسحر اللغة.

لم يكن هذا التحول خياراً ثقافياً عفوياً، بل جاء تعبيراً عن عجزٍ بنيوي في مواجهة تحديات الحداثة الغربية وتفكيك موروث التخلف. فبدلاً من تطوير "نسق فلسفي" متماسك قادر على الاشتباك النقدي مع الواقع، جنح العقل العربي -في تمظهراته الرومانسية- نحو "النزوعات الهروبية"، مستبدلاً الصرامة المنطقية بالسيولة العاطفية، والمفهوم الفلسفي الدقيق بالصورة الشعرية الضبابية. هذا النكوص المعرفي أدى إلى ما أسماه برهان غليون "اغتيال العقل" [2]، وما وصفه محمد عابد الجابري بـ "الاستقالة المعرفية"؛ وهي حالة لا تزال تداعياتها تُحكِم قبضتها على العقل العربي المعاصر، مانعةً إياه من إنتاج معرفة كونية أو تأسيس حداثة أصيلة. [3]

العقل الرومانسي: استلاب الأسطورة ونكران التاريخ

يستخدم المفكر عبد الله العروي مصطلح "العقل الرومانسي" لتوصيف تلك الذهنية العاجزة عن التعامل مع الواقع بقوانينه التاريخية والمادية، فتلجأ إلى القفز فوقه أو تجاوزه قسراً. وعوضاً عن التحليل العقلاني الموضوعي لأسباب التخلف (الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية)، يجنح العقل الرومانسي نحو تفسيرات "ماهوية"، أو "تآمرية"، أو "غيبية". إنه يهرب من "واقعية البؤس" إلى رحابة "مجال الحلم"، سواء كان حلم استعادة الماضي المجيد، أو حلم المستقبل اليوتوبي (عبر الأيديولوجيات الثورية الشعاراتية).

تشير الدراسات التحليلية لأدب الأطفال والمرويات الشعبية العربية إلى هيمنة هذه "الحلول الهروبية"؛ حيث لا يفكك البطل إشكالياته بالتخطيط والعمل التراكمي، بل عبر المصادفة أو المساعدة الميتافيزيقية [5]. يعكس هذا النمط بنية ذهنية جمعية تفضل "الخلاص الإعجازي" على الإنجاز العقلاني. وتكتمل دائرة هذا الاغتيال عبر التبعية التي تستورد منتجات الحداثة الغربية (التكنولوجيا والنظم الإدارية) دون استيراد روحها النقدية الفلسفية؛ فينتج عن ذلك "تحديث رثّ"، يخلق هياكل تبدو في ظاهرها حديثة، لكنها تُدار بعقلية تقليدية وعصبية قبلية. تؤدي هذه الدينامية حتماً إلى عزل المثقف العقلاني وتهميشه، أو تحويله إلى مجرد "موظف أيديولوجي" يبرر للسلطة أو للجماهير أوهامهم، بدلاً من ممارسة دوره النقدي.

التكفير: سلاح الإبادة المعرفية الرمزية

يمثل "التكفير" الأداة الأكثر عنفاً في عملية الاغتيال الرمزي للعقل. إنه ليس حكماً فقهياً فحسب، بل هو قرار سياسي واجتماعي بـ "الحجر على الفكر". فعندما يتم وسم أي محاولة لاستخدام البرهان أو التفلسف بأنها "زندقة" أو "غزو فكري"، يُغلق المجال العام أمام أي إمكانية للحوار العقلاني [6]. يصبح العقل "متهماً" حتى تثبت براءته عبر الانصياع والتسليم. يلغي التكفير مبدأ "النسبية" و"الاحتمالية" الذي يقوم عليه البرهان العلمي، ويكرّس مبدأ "الحقيقة المطلقة الواحدة" التي يحتكرها طرف دون غيره؛ مما يحول المجتمع من ساحة للحوار الفكري الخلاق إلى ساحة حرب باردة -أو ساخنة- تهدد السلم الأهلي والفكري.

انهيار المؤسسة الأكاديمية وصعود الشعبوية المعرفية

لم تسلم الجامعة التي تُفترض أنها الحصن الأخير للعقل، من عدوى "الاستقالة المعرفية". إذ تشير المعطيات إلى تراجع فادح في القيمة المعرفية "للشهادة العلمية" وللبحث الأكاديمي في العالم العربي. لقد تحولت الجامعات من مراكز لإنتاج المعرفة البرهانية إلى مؤسسات لمنح ألقاب وجاهة اجتماعية فارغة، في انتصار واضح لمنطق "الكم" على "الكيف"، ولمنطق "العلاقات" على "الكفاءات". [7]

وفي عصر الفضاءات الرقمية المفتوحة، تصاعدت ظاهرة "الشعبوية المعرفية"، حيث تمت مساواة الآراء الانطباعية لغير المتخصصين بالحقائق العلمية المنهجية، وبات العقل الأكاديمي الرصين يُهاجم بوصفه "منعزلاً" أو "نخبوياً". هذه البيئة الطاردة تدفع ما تبقى من العقول البرهانية إما إلى الهجرة (استقالة جغرافية) أو الصمت (استقالة وجودية).

تداعيات السيولة العاطفية واقتصاديات الخرافة

إن غياب "النسق الفلسفي البنيوي" القادر على تفكيك التخلف لم يكن بلا ثمن؛ فالفراغ الذي تركه غياب البرهان ملأته "السيولة العاطفية" و"الصور الشعرية"، مما أدى إلى نتائج كارثية ملموسة.

على المستوى التاريخي:

بسبب غياب المنهج التراكمي، لا يبني الفكر العربي على منجزاته السابقة. كل جيل يبدأ من الصفر، أو يعيد اجترار معارك الماضي دون حسم، مما يخلق زمناً عربياً "راكدًا" ودائرياً.

على المستوى السياسي:

في غياب التحليل العقلاني القائم على المصالح وتوازن القوى، تتحول السياسة إلى "وعظ أخلاقي" أو "حماسة شعرية". وكلا الخطابين يعجزان عن إدارة الدولة الحديثة، وينتهيان بكوارث يتم تبريرها لاحقاً بمنطق "المؤامرة".

على المستوى الاجتماعي:

انتشرت ما يمكن تسميته بـ "اقتصاديات الخرافة"؛ حيث تراجع الطب النفسي والعلوم الاجتماعية لصالح الممارسات الغيبية واستسهال الحلول، وهذا ليس مجرد تخلف شعبي، بل نتيجة مباشرة لاستقالة العقل النخبوي.

اللغة كحجاب للواقع

لقد أمست اللغة العربية المعاصرة، تحت وطأة البلاغة القديمة والشعرية المفرطة، أداة "للإطراب" و"الإخفاء" بدلاً من الكشف والبيان [8]. يغرق الخطاب السياسي والثقافي في الإنشاء والمحسنات البديعية للتعمية على غياب المضمون؛ فالنظام البياني لا يزال يولد ألفاظاً ضخمة لا يقابلها واقع ملموس.

نحو "رشدية جديدة" أو استمرار التيه

إن الانتقال العكسي من "البرهان" إلى "البيان"، ومن "المفهوم" إلى "الصورة"، يمثل جوهر المأساة الفكرية العربية. لقد أدى هذا "الاغتيال الرمزي" إلى تجريد الإنسان العربي من سلاحه الوحيد القادر على ترويض التاريخ: العقل النقدي. وعليه، فإن أي محاولة للتحديث تتجاهل هذا البعد الإبستمولوجي محكومٌ عليها بالفشل. فلا ديمقراطية مع عقل "بياني" يؤمن بالقطب الأوحد، ولا اقتصاد صناعي مع عقلية سحرية، ولا مجتمع معرفة مع عقل "رومانسي" يهرب من الواقع.

إن الخروج من حالة "الاستقالة المعرفية" يتطلب تدشين "ثورة إبستيمولوجية مضادة" -أو ما يمكن تسميته "رشدية جديدة"- تعيد الاعتبار لركيزتين أساسيتين:

أسبقية الواقع على الصورة: فالمفاهيم يجب أن تُنحت من صخر الواقع المعاش، لا أن تُستجلب من سحب الخيال.

أسبقية البرهان على البيان: تكريس البرهان كآلية وحيدة للحسم في المجال العام، والسياسة، والتعليم. بدون هذه العودة الشاقة والمؤلمة إلى "البرهان"، سيظل الفكر العربي يدور في حلقة مفرغة من "الحلول الهروبية"، معيداً إنتاج تخلفه بآليات حديثة، ومستقيلاً من المشاركة الفاعلة في صنع الحضارة الإنسانية المعاصرة.

***

غالب المسعودي

....................

الهوامش والمراجع

[1] للمزيد حول جذور التخلف، انظر: "لماذا تخلف العرب؟"، موقع مأرب برس (Marebpress.com). [2] يُنظر: "اغتيال العقل... والثقافة الشعبوية"، جريدة الاتحاد (Aletihad.ae). [3] حول إشكاليات الحداثة والهوية، يُنظر: "الحداثة وما بعد الحداثة وسؤال الهوية"، ICLS 2016. [4] للاستزادة حول النماذج الأدبية وعلاقتها بالوعي، يُنظر: "هيلين وتراث فاوست"، مؤسسة هنداوي (Hindawi.org). [5] دراسات حول التنشئة، يُنظر: "أدب الأطفال وثقافتهم"، منصة المنهل (Almanhal.com). [6] حول مخاطر إغلاق العقل، يُنظر: "العقل المغلق ومخاطر سياسة التكفير"، مجلة الرافد (Alraafed.com). [7] عن أزمة التعليم العالي، يُنظر: "الجامعة في زمن الشك. من يحمي العقل من الاغتيال الرمزي؟"، مدار 21 (Madar21.com). [8] حول البنية الفنية واللغوية، يُنظر: "حداثة البناء الفني"، جامعة جيجل. (dspace.univ-jijel.dz)

ليس العقل مجرّد أداة حسابية تُقاس قيمتها بقدرتها على الاستدلال، ولا هو آلة منطقية صمّاء تشتغل في فراغ، بل هو ذلك الموضع المتوتر الذي يلتقي فيه الشغف بالمعرفة مع القلق من حدودها. فمنذ أن بدأ الإنسان يتساءل، كان العقل يسير على حافة دقيقة بين اليقين الذي يعد بالطمأنينة، واللايقين الذي يوقظ القلق ويستفز السؤال.

لا يُفهم العقل إلا بوصفه تجربة وجودية قبل أن يكون جهازا معرفيا، تجربة تتقاطع فيها الرغبة في البرهان مع وعيٍ خفيّ بأن كل برهان يحمل في أعماقه بذرة الشك.

لقد ارتبط العقل في تاريخ الفلسفة، بفكرة البرهان بوصفه الطريق الملكي إلى الحقيقة. من هنا نفهم لماذا رأى أرسطو في البرهان قياسا منتجا لليقين، ولماذا جعل ديكارت الوضوح والتميّز معيارا للحقيقة، إذ كان يراهن على عقل قادر على تأسيس معرفة لا يتسرّب إليها الشك. غير أن هذا الرهان على صلابته، لم يكن بريئا من افتراضات ميتافيزيقية خفية، أهمها الاعتقاد بأن العالم قابل للشفافية الكاملة أمام العقل، وأن الفكر يستطيع إن التزم قواعده، أن يطابق الواقع مطابقة تامة. هكذا بدا العقل في هذا الأفق، سيّدًا على المعنى، مالكًا لمفاتيح اليقين، قادرا على إخضاع الوجود لقوانين البرهان.

لكن هذا التصور سرعان ما اصطدم بتجربة الفكر ذاته. فالعقل الذي يطالب باليقين المطلق يجد نفسه في لحظة ما، وجها لوجه أمام أسئلته الخاصة. كيف يمكن البرهنة على مبادئ البرهان نفسها؟ وكيف يمكن للعقل أن يؤسس ذاته بذاته دون الوقوع في الدور؟ هنا يتسلل اللايقين لا بوصفه عجزا عارضا، بل باعتباره مكوّنا بنيويا في كل ممارسة عقلية. كان ديفيد هيوم من أوائل من نبهوا إلى هذا التوتر حين بيّن أن كثيرا مما نعدّه يقينا عقليا لا يقوم إلا على العادة والتعوّد، وأن الاستقراء الذي يشكّل أساس العلم التجريبي، لا يملك برهانا عقليا صارما، بل يستند إلى توقع نفسي بأن المستقبل سيشبه الماضي.

في هذا المنعطف، لم يعد العقل فضاء للضمان المطلق، بل صار مسرحا لاحتمالات مفتوحة. ومع كانط بلغ هذا الوعي ذروته حين أعاد رسم حدود العقل، مميزا بين ما يمكن معرفته وما يجب الكفّ عن ادعاء معرفته. فالعقل في نقده، ليس مشرّعا للوجود في ذاته، بل منظّما للتجربة الممكنة. وما إن يتجاوز مجاله المشروع حتى يقع في أوهام ميتافيزيقية، يظن فيها أنه بلغ اليقين بينما هو لا يفعل سوى إسقاط بنياته على ما لا يُدرَك. في هذا السياق لا يصبح اللايقين نقيضا للعقل، بل شرطا لتواضعه، وضمانة لعدم تحوّله إلى دوغما جديدة.

غير أن اللايقين حين يُساء فهمه، قد ينقلب إلى شك عدمي ينفي إمكان المعرفة من أساسها. وهذا ما جعل الفلسفة الحديثة والمعاصرة تبحث عن توازن دقيق بين البرهان والارتياب. فالبرهان من دون وعي بحدوده، يتحول إلى عنف مفهومي يسعى إلى تطويع الواقع قسرا، واللايقين من دون أفق عقلاني، يغدو استقالة من المعنى. من هنا تأتي أهمية التفكير في العقل لا بوصفه حارسا لليقين، ولا بوصفه سجينا للشك، بل كحركة دائمة بين هذين القطبين، حركة تُنتج المعنى بقدر ما تعترف بقابليته للمراجعة.

لقد أدرك باسكال بحدسه العميق، أن للعقل حدودا لا ينبغي تجاهلها، وأن هناك «أسبابا للقلب لا يعرفها العقل». لم يكن يقصد بذلك إلغاء العقل، بل تنبيهه إلى أن الوجود الإنساني أوسع من أن يُختزل في البرهان. فالإنسان كائن يتأرجح بين معرفة لا تكتمل، وإيمان لا يخلو من مخاطرة. وفي هذا التأرجح بالذات تتجلى كرامة العقل، لا حين يدّعي الإحاطة بكل شيء، بل حين يعترف بما يعجز عن الإحاطة به.

في الفلسفة المعاصرة، تعمّق هذا الوعي مع هايدغر الذي لم ينظر إلى العقل بوصفه ملكة تمثيلية فحسب، بل بوصفه نمطا من الانكشاف الوجودي. فالحقيقة ليست مطابقة بين فكرة وشيء، بل حدث انكشاف يتخلله الحجاب بقدر ما يتخلله الظهور. من هنا يصبح اللايقين جزءا من بنية الحقيقة ذاتها، لا عيبا يجب استئصاله. فكل ظهور يحمل معه إمكانية الخفاء، وكل فهم يظل مفتوحا على سوء الفهم.

وإذا كان العلم الحديث قد حقق انتصارات هائلة بفضل العقل البرهاني، فإنه في الوقت ذاته كشف عن هشاشة اليقين. فالنظريات العلمية لم تعد تُقدَّم بوصفها حقائق نهائية، بل كنماذج تفسيرية قابلة للتعديل والنقض. وقد عبّر كارل بوبر عن هذا التحول حين جعل القابلية للتكذيب معيارًا للعلمية، مؤكدًا أن تقدم المعرفة لا يتم عبر تراكم اليقين، بل عبر تصحيح الأخطاء. في هذا السياق يغدو اللايقين محرّكا للمعرفة لا عائقا أمامها، ويصبح العقل أكثر خصوبة حين يتخلى عن وهم العصمة.

غير أن السؤال الأعمق يظل قائما: كيف يمكن للعقل أن يعيش هذا التوتر دون أن يتمزق؟ كيف يحافظ على صرامته البرهانية دون أن يفقد حساسيته إزاء الغموض؟ لعل الجواب يكمن في إعادة تعريف العقل ذاته، لا كسلطة مغلقة، بل كحوار مفتوح مع العالم ومع الذات. عقل يعترف بأن البرهان ضرورة، لكنه ليس كفاية، وأن اللايقين خطر، لكنه أيضا فرصة. ففي المسافة بين ما نبرهن عليه وما نشك فيه، يتشكل المعنى ويتجدد السؤال، وتظل الفلسفة ممكنة.

إن العقل ليس طريقا مستقيما نحو الحقيقة، بل مسارا متعرجا تتخلله الانقطاعات والمراجعات. وكل محاولة لتحويله إلى آلة يقين مطلق إنما تنتهي إلى إفقاره، كما أن كل دعوة إلى إغراقه في الشك المطلق تفضي إلى تعطيله. بين هذين الحدّين، يعيش العقل توتره الخلّاق، ويؤسس إنسانيته بوصفه كائنا يسأل لأنه لا يملك الجواب النهائي، ويبرهن لأنه يرفض الاستسلام للغموض الخالص، ويقبل اللايقين لأنه يدرك أن الحقيقة أكبر من أي صيغة نهائية.

هذا التوتر ليس مأزقا يجب تجاوزه، بل أفقا يجب السكن فيه. فالعقل لا يبلغ نضجه حين يعلن انتصاره، بل حين يتعلم كيف يفكّر في حدوده، وكيف يحوّل اللايقين من تهديد إلى إمكان. وفي هذا التحويل بالذات، تتجلى مسؤوليته الفلسفية، بوصفه عقلا لا يكف عن البحث، ولا يدّعي الوصول، عقلا يظل وفيّا للبرهان، دون أن يغلق الباب في وجه السؤال.

ومع هذا الوعي المتزايد بحدود البرهان، لا يعود السؤال هو ما إذا كان العقل قادرا على إنتاج اليقين، بل أيّ يقين هذا الذي يمكن أن ينتجه دون أن ينقلب على ذاته. فاليقين حين يُفهم بوصفه امتلاكا نهائيا للحقيقة، يتحول إلى شكل من أشكال الإغلاق، إلى قرار مسبق بإنهاء السؤال. بينما العقل في جوهره، لا يعيش إلا من السؤال، ولا يستمر إلا بقدر ما يظل مفتوحا على ما ينقضه ويقلقه. إن العقل لا يشتغل ضد اللايقين، بل من خلاله، وأن البرهان ذاته ليس سوى محاولة مؤقتة لتثبيت معنى سرعان ما يعود إلى السيولة.

إن تاريخ الفكر لا يقدّم لنا عقلا واحدا، بل عقولا متعددة، لكلّ منها طريقته في تدبير العلاقة بين البرهان والشك. فالعقل الرياضي على سبيل المثال، يبدو في ظاهره الأكثر اقترابا من اليقين الصارم، لكنه هو نفسه يكشف عند تعمّق النظر، عن مفارقات تقوّض طمأنينته. لقد أظهرت مبرهنات غودل في القرن العشرين، أن أي نسق رياضي كافٍ التعقيد لا يستطيع أن يبرهن على اتساقه من داخله، وأن هناك قضايا صادقة لا يمكن البرهنة عليها ضمن النسق ذاته. هنا، في قلب العقل الصوري، ينبثق اللايقين لا كطارئ، بل كحدّ بنيوي، وكأن العقل يُخبر نفسه بأن اكتماله مستحيل، وأن كل بناء محكم يخفي فجوة لا تُردم.

وفي شق المعرفة التاريخية، يتضاعف هذا التوتر، لأن العقل لا يواجه معطيات صمّاء، بل أحداثا مشحونة بالمعنى، ومرويات متنازعة، وزوايا نظر متعارضة. فالبرهان التاريخي لا يمكن أن يكون استنتاجا يقينيا بالمعنى الرياضي، بل هو بناء تأويلي يستند إلى الوثائق والقرائن والترجيح. وقد نبّه بول ريكور إلى أن الحقيقة التاريخية لا تُعطى، بل تُبنى عبر صراع التأويلات، وأن العقل المؤرِّخ لا يبحث عن يقين مطلق، بل عن معنى معقول داخل أفق احتمالي. يُستشف من هذا، أنه لا يكون اللايقين نقصا في المنهج، بل علامة على تعقّد الموضوع ذاته.

أما في مجال الأخلاق، فإن المسألة تزداد حساسية، لأن العقل هنا لا يكتفي بالفهم، بل يطمح إلى التوجيه والحكم. فهل يمكن تأسيس القيم على برهان عقلي صارم؟ كان كانط يعتقد ذلك حين جعل من العقل العملي مصدرا للإلزام الأخلاقي، مستندا إلى مبدأ الكلية والضرورة. غير أن هذا المشروع، على قوته، لم يمنع بروز تساؤلات عميقة حول تاريخية القيم، وتعدّد المرجعيات واختلاف السياقات. وهنا يظهر اللايقين الأخلاقي لا بوصفه فوضى قيمية، بل بوصفه وعيا بأن العقل، وهو يصدر الأحكام، يظل مشروطا بثقافة وزمان وتجربة معيشة. إن الأخلاق العقلانية حين تنسى هذا الشرط، تخاطر بالتحول إلى تجريد بارد لا يصغي إلى هشاشة الإنسان.

تتقاطع الفلسفة مع الوجود الإنساني في أكثر نقاطه حساسية. فالإنسان لا يطلب البرهان فقط ليعرف، بل ليطمئن، ليمنح لحياته معنى يمكن الاعتماد عليه. غير أن هذا المطلب الوجودي نفسه هو ما يجعل العقل عرضة للتوتر، لأن الحياة لا تُسلِّم ذاتها كاملة للبرهان. لقد عبّر كيركغارد عن هذا البعد حين رأى أن الحقيقة التي تُعاش تختلف عن الحقيقة التي تُبرهَن، وأن هناك لحظات حاسمة في الوجود لا تُحسم بالحجة، بل بالاختيار. هنا لا يُلغى العقل، لكنه يُدفع إلى أقصى حدوده، حيث يعترف بأن دوره لا يتمثل في إزالة القلق، بل في جعله واعيا بذاته.

ويتبيّن أن اللايقين ليس عدوا للعقل، بل مرآته التي يرى فيها محدوديته. فالشك حين يكون منهجيا لا يدمّر المعرفة، بل يحميها من الادعاء. وقد أدرك فلاسفة التأويل أن الفهم الإنساني لا يبدأ من نقطة الصفر، بل من أحكام مسبقة، وأن مهمة العقل ليست القضاء عليها، بل اختبارها وتعديلها. من هنا يصبح العقل ممارسة تاريخية، حوارا لا ينتهي بين ما نعتقده وما يواجهنا، بين ما نبرهن عليه وما يراوغنا.

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب العقل هو وهم الاكتفاء الذاتي، الاعتقاد بأنه قادر على الاكتفاء بقوانينه الداخلية دون حاجة إلى الإنصات لما يفلت منها. فهذا الوهم هو ما يغذّي الأيديولوجيا ويحوّل البرهان إلى أداة تبرير، واليقين إلى قناع للسلطة. وقد كشف فلاسفة مدرسة فرانكفورت كيف يمكن للعقل الأداتي حين ينفصل عن النقد الذاتي، أن يتحول من أداة تحرير إلى وسيلة هيمنة. في هذه الحالة لا يكون اللايقين خطرا، بل يكون اليقين هو الخطر، لأنه يمنع السؤال ويصادر الاختلاف. ولا يقل خطر الانزلاق إلى نسبية شاملة تُسوّي بين كل الآراء وتفرغ العقل من أي معيار. فالعقل الذي يتخلى كليا عن مطلب البرهان يفقد قدرته على التمييز، ويصبح عرضة للعبث والعدمية. من هنا تبرز الحاجة إلى عقل نقدي، لا يسلّم بسهولة، ولا يشك بلا أفق، عقل يوازن بين الالتزام بالحجة والوعي بقابليتها للنقض. هذا التوازن الدقيق هو ما يجعل العقل حيّا، غير متخشّب، وغير ذائب في السيولة المطلقة.

إن السؤال عن العقل بين البرهان واللايقين هو في جوهره سؤال عن الإنسان ذاته. فالإنسان كائن لا يستطيع العيش بلا معانٍ مستقرة نسبيا، ولا يستطيع في الوقت ذاته، الهروب من هشاشته المعرفية. إنه محكوم بأن يبرهن لأنه يسعى إلى الفهم، ومحكوم بأن يشك لأنه يعي محدوديته. وفي هذا التناقض الظاهر تتجلى فرادته. فلو كان عقلا يقينيا خالصا لفقد إنسانيته، ولو كان كائن شك مطلق، لفقد قدرته على الفعل.

إن العقل لا يُقاس بكمية اليقين الذي ينتجه، بل بقدرته على تحمّل اللايقين دون الانهيار. فالعقل الناضج هو ذاك الذي يعرف متى يطالب بالبرهان ومتى يقبل بالتعليق، ومتى يحوّل الشك إلى سؤال منتج. إنه عقل لا يهرب من الغموض ولا يستسلم له، بل يسكنه بوصفه أفقا للفكر.

وهكذا يغدو التفكير ذاته ممارسة أخلاقية، لا لأنها تقدّم قواعد جاهزة، بل لأنها تدرّب الإنسان على التواضع، وعلى الاعتراف بأن الحقيقة ليست ملكا، بل علاقة. علاقة متوترة بين الذات والعالم، بين المفهوم والتجربة، بين ما نعرفه وما يتعذّر علينا معرفته. وفي هذه العلاقة لا يكون البرهان خاتمة المطاف بل محطة، ولا يكون اللايقين سقوطا، بل دعوة إلى مواصلة السير.

إن العقل لا يختار بين البرهان واللايقين، لأنه لا يستطيع الاستغناء عن أيّ منهما. فهو يبرهن ليقاوم الفوضى، ويشك ليقاوم الاستبداد. وبين هذين القطبين، تتشكل ديناميته العميقة، بوصفه عقلا إنسانيا لا يدّعي امتلاك الحقيقة ولا يتنازل عن السعي إليها. عقل يعرف أن أقصى درجات قوته تكمن في وعيه بحدوده، وأن أعمق أشكال اليقين هو ذاك الذي يظل مصحوبا بإمكانية المراجعة.

ولا يكون العقل جسرا نحو يقين مطلق، بل أفقا مفتوحا للفهم، ولا يكون اللايقين نهاية للفلسفة، بل شرطا لاستمرارها. فطالما ظل الإنسان يسأل، سيظل العقل متأرجحا بين البرهان والقلق، وبين ما يمكن قوله وما يتعذّر قوله، وبين الحاجة إلى المعنى والاعتراف بغموضه. وفي هذا التأرجح بالذات، يكمن سرّ الفكر وشرط إمكانه، وجدواه الوجودية العميقة.

وهكذا يظلّ العقل وفيا لجوهره لا حين يَعِدُ بيقينٍ نهائي، بل حين يقيم في المسافة الفاصلة بين البرهان وما يفلت منه، بين ما يُمسَك بالحجة وما يُلامَس بالحدس. فالعقل الذي يعي حدوده لا ينكفئ بل يتّسع، ولا يتخلّى عن الحقيقة بل يحرّرها من وهم الامتلاك. وفي هذا المنحى، لا يعود اللايقين نقيضا للعقل، بل قرينا له، يحفظ حيويته ويمنع تحجّره، ويجعل التفكير فعلا مفتوحا على المراجعة والدهشة. هناك حيث لا ينغلق السؤال ولا يُستنفد المعنى، يبرهن العقل على أعمق أشكال قوّته: أن يظلّ قادرا على التفكير رغم غياب الطمأنينة، وأن يواصل البحث، لا لأن الحقيقة مضمونة، بل لأنها تستحق أن تُطلَب.

فهل يكون العقل أصدق حين يطالب بالحقيقة عبر البرهان، أم حين يعترف بأن أعمق الحقائق لا تُمنَح إلا في هيئة سؤال؟، وهل يكمن معنى التفكير في الوصول إلى اليقين، أم في القدرة على الإقامة الشجاعة داخل اللايقين دون أن نفقد الرغبة في الفهم؟.

***

د. حمزة مولخنيف

رؤية فلسفية لضرورة التحول الرقمي للفلسفة

لطالما كانت الفلسفة حاضرة في لحظات التحول الكبرى في تاريخ البشرية، ومع التطور الهائل والثورة الرقمية في عصرنا، أصبح التحول الرقمي للفلسفة ضرورة وواجب أخلاقي، لمواجهة سيل المعلومات التي يضخها الذكاء الإصطناعي والعالم الرقمي للإنسان وللمجتمع المعاصر، والتي أصبح لها تأثير مُخيف على الجيل الحالي من الشباب، رغم أن هذه المعلومات لا يكون أغلبُها صحيحاً، بل ربما تكون معلومات زائفة ومُضللة، إن المجتمع المعاصر بحاجة الى التفكير الفلسفي أكثر من أي وقتٍ مضى، فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات نستخدمها، بل أصبحت جزءاً من هويتنا، وعلاقاتنا، وطريقة فهمنا للعالم المعاصر.

دور الفلسفة الرقمية المعاصرة وتوجهاتها

إن التحول الرقمي للفلسفة هو ضرورة، وواجب أخلاقي لمواجهة مشكلات المجتمع المعاصر، والحد منها، ويمكن تحديد دور الفلسفة الرقمية المعاصرة في ما يلي:

- إعادة تأهيل العقل الإنساني وتنقيته من الشوائب الفكرية: من خلال إنشاء منصات فلسفية إلكترونية، وتوظيف هذه المنصات في نشر الفكر الفلسفي، والقيم الفلسفية، والعمل على تشخيص المشكلات الإنسانية والإجتماعية المعاصرة، وطرح حلول عملية وواقعية مناسبة لها. حيث يساهم الإنتشار الرقمي للفلسفة، في نشر القيم الفكرية والأخلاقية الإيجابية، في محاولة لإعادة ربط الإنسان بالعالم الحقيقي من جديد.

- الدور الأخلاقي والتوجيهي للفلسفة: حيث إن التطور التكنولوجي المتسارع يفرض على الفلسفة تحديات أخلاقية عميقة، يتوجب على الفلسفة التعامل معها ومعالجتها، في سبيل مساعدة المجتمع والإنسان المعاصر في فهم وتجاوز مشكلاته المعاصرة.

- الدور الإرشادي: مع إنتشار الذكاء الإصطناعي، والعوالم الإفتراضية، وروبوتات الدردشة، بدأ الإنسان يتراجع فكرياً، وأصبح وعي الإنسان بذاته، وبوجوده الحقيقي مُرتبك وغير مُنَتظّم، لقد إنصهر وجود الإنسان وماهيته الحقيقية في دهاليز ومتاهات العالم الرقمي، وقد آن الأوان أن تقوم الفلسفة بدورها الإرشادي لإستعادة الإنسان المعاصر لماهيته، وفطرته وبوصلته الوجودية المفقودة.

- الدور المعرفي التعليمي: في عصر المعلومات والأخبار والصور، والفيديوهات الإصناعية، المزيفة والمُضلِلة، أصبح دور الفلسفة الرقمية المعاصرة يتمثل في مساعدة الإنسان على التمييز بين ماهو حقيقي وماهو مزيف، من خلال إعادة تفعيل عقل الإنسان وتوازنه الوجودي، وصلته بذاته ومجتمعه، والدعوة الى التفكير النقدي والمنطقي، والعودة الى الطبيعة والعالم الحقيقي، الذي يحمي العقل من المتاهات الرقمية، حيث يقع على عاتق الفلسفة مهمة مساعدة العقل البشري على التمييز بين الحقيقة والوهم، والحفاظ على ما تبقى لنا من العلاقات الإجتماعية، والوعي الإنساني.

 مجالات الفلسفة الرقمية المعاصرة

لقد ظهرت مجالات فلسفية جديدة، تستطيع من خلالها الفلسفة بحلتها الرقمية الجديدة ممارسة الإصلاح الفكري، ونشر الوعي، ومواكبة توجهات الإنسان والمجتمع المعاصر، من خلال الولوج في مواضيع عصر التكنولوجيا، ومعالجة ازماته المعاصرة بصورة عملية، حيث أصبح دور الفلسفة ومساهماتها يشمل الجوانب الآتية:

- الفلسفة التطبيقية: وهو الجانب العملي من الفلسفة الذي يركز على تشخيص المشكلات، وإيجاد حلول عملية لها، وهو الدور الريادي الذي بدأت الفلسفة تمارسه لمد يد العون للإنسان والمجتمع المعاصر في مواجهة الأزمات الفكرية والتحديات المعاصرة.

- الأخلاق التطبيقية: حيث تقوم الفلسفة من خلال إستخدام المفاهيم الأخلاقية، بالتعامل مع المشكلات الأخلاقية المعاصرة التي رافقت التطور التكنولوجي المعاصر، مثل مشكلات الخصوصية الرقمية، وحماية المعلومات الشخصية، واخلاقيات الذكاء الإصطناعي، وتنظيم بروتوكولات التعامل في العالم الرقمي.

- فلسفة التكنولوجيا: تقوم فلسفة التكنولوجيا بدور مهم لفهم وتنظيم العلاقة بين الإنسان المعاصر والتكنولوجيا، وتقدم فلسفة التكنولوجيا العديد من الأدوات المعرفية، لتساعد الإنسان في المجتمع المعاصر على التمييز بين المعلومات الحقيقية والزائفة.

أهداف الفلسفة الرقمية المعاصرة

- مساعدة الإنسان والمجتمع المعاصر على التفريق بين الحقيقة والوهم، وبين ماهو واقع وماهو مجرد وهم وتزييف رقمي.

- إستخدام التطور التكنولوجي في خدمة الإنسانية، من خلال توظيفه في الحفاظ على القيم الإنسانية، لنشر الأفكار الفلسفية في العالم الإفتراضي، وتعزيز التفكير الفلسفي، من خلال الجمع بين حكمة الفلسفة، وقوة التأثير الرقمي.

- الحفاظ على الهوية الإنسانية، من خلال تشخيص مشكلات الإنسان والمجتمع المعاصر، وحماية العقل الإنساني من المعلومات الخاطئة، والحفاظ على القيم الإنسانية، وتعزيز الإنتماء الإنساني.

إن التحول الرقمي دخل كل مجالات الحياة المعاصرة، وأصبح واقعاً مُعاشاً، يجب على الفلسفة الإستفادة منه، وتوظيفه لصالح الإنسان والمجتمع، والعمل على توجيهه بما يخدم مصلحة الإنسان، ويحقق أهداف المجتمع، وقيَمهِ الإنسانية والأخلاقية.

***

شيماء هماوندي

 

من التراث الميتافيزيقي إلى الروحانية العلمية المعاصرة

 تمثل دراسة الوعي وحرية الاختيار الخيط الناظم لتاريخ الفكر الإنساني، وهي القضية التي لم تبارح مكانها في قلب الجدل الفلسفي والعلمي منذ فجر التاريخ وحتى عصر الذكاء الاصطناعي وميكانيكا الكم. إن الانتقال من التراث الميتافيزيقي، الذي كان ينظر إلى الوعي كجوهر روحي أو فيض إلهي، إلى الروحانية العلمية المعاصرة التي تحاول تأطير هذه المفاهيم ضمن قوانين الفيزياء العصبية والكمية، لا يمثل مجرد تطور في المناهج، بل هو إعادة تعريف لماهية الإنسان ومكانه في الوجود. إن جعل التراث معاصرًا ليس عملاً إراديًا بحتًا أو مجرد تحديث لمفاهيمه، بل هو عملية فلسفية تتطلب ما أسماه هانز جورج غادامر "امتزاج الأفقين" لنتج معرفة تشبع نهم الوجود في كليته.

يُعدُّ التصور الأرسطي (المذهب الهيوليمورفي) بمثابة الجذر التاريخي الأهم للمقاربات الطبيعانية الحديثة. إن تعريفه للنفس بأنها "صورة للجسد" يضعها ضمن إطار وظيفي يمكن للعلم دراسته. وهذا يتناقض مع التقديس الأفلاطوني الذي وضع الروح خارج متناول التحليل المادي. المقاربة الأرسطية هي التي سمحت لاحقاً للروحانية العلمية بإعادة دمج الوعي والوظائف الذهنية داخل الإطار الطبيعي دون إنكار أهميتها. وفي الفلسفة الحديثة، رسخ رينيه ديكارت الثنائية الجوهرية التي فصلت الوجود إلى جوهرين مختلفين: الروح، كوعي خالص غير ممتد، والجسد كمادة ميكانيكية ممتدة. وكان التحدي الأكبر: كيف يمكن لجوهرين مختلفين جذرياً أن يتفاعلا؟

أدت أزمة التفاعل الديكارتية إلى نتائج وجودية عميقة، إذ أصبحت هذه الأزمة السبب المباشر لظهور المادية الصارمة والطبيعانية في القرن العشرين. فإذا لم يستطِع الجوهر الروحي أن يؤثر في الجسد المادي بشكل مفهوم، فإنه يصبح وجوداً زائداً عن الحاجة. كما تُعرَّف الروحانية العلمية أو العلمانية بأنها إمكانية تحقيق التجربة الروحية دون الحاجة إلى افتراض وجود "قوة أعلى" أو "كائن خارق للطبيعة". إنها لا تُعتبر ديناً جديداً، بل مقاربة تسمح لجميع الخبرات باتخاذ صفة روحية، لا تقتصر على مجال ديني واحد أو عالم متعالٍ.

على الرغم من أن التطورات الصناعية والمادية في الغرب قد أدت إلى زيادة في النزعة الفردية، فإن الروحانية العلمانية تؤكد طابعها المجتمعي. وتُعتبر حالات الرهبة والتجربة الروحية التي يمكن اختبارها فردياً بمثابة محفزات قوية تدفع الناس للتأثير في الآخرين والطبيعة إيجابياً، مما يساهم في الجماعية؛ وهذا يبرر دورها الأخلاقي والاجتماعي يتجاوز حدود الفردانية البحتة.

الوعي كخاصية كونية إذا كانت الروحانية العلمية تهدف إلى إيجاد المعنى والقيمة دون مرجع متعالٍ، فإنها تحتاج إلى ترسيخ الوعي كجوهر مقدس ضمن الإطار الطبيعاني. وقد دفع هذا السعي إلى إحيـاء نظريات ميتافيزيقية قديمة مثل الروحية الشاملة وإعادة صياغتها في ضوء الاكتشافات العلمية المعاصرة. إن الروحية الشاملة هي آلية فلسفية تتيح "التقديس الميتافيزيقي" للوعي، حيث يصبح الوعي متأصلاً في الواقع المادي كله، لكنها لا توفر حلاً وسطاً جذاباً بين ثنائية الجوهر والمادة الصارمة.

 الوعي كعقل كوني:

تذهب بعض النظريات المعاصرة في الفيزياء وفلسفة العقل إلى ما هو أبعد من مجرد ملازمة الوعي للمادة، إذ تمنح الوعي دوراً نشطاً في تشكيل الواقع الفيزيائي. تفترض هذه المقاربات، التي تُعرف بنظريات الوعي الكمي، أن الواقع قد يكون "محاكاة ذاتية" وأن الكون هو "عقل واحد" يمثل نفسه في شكل رمزي رياضي. تشير هذه النظريات إلى دور الوعي في تشكيل الواقع، خاصة من خلال الربط بينه وبين المجال الكهرومغناطيسي وميكانيكا الكم. إذا كان للوعي دور مهم في انهيار الدالة الموجية كما تقترح بعض تفسيرات ميكانيكا الكم، فإن هذا يرفع الوعي إلى مستوى ميتافيزيقي حيث يصبح أساساً للواقع المادي نفسه. إن هذه "الفرضية الجريئة" تدعو إلى إعادة النظر في مفهوم الذات والواقع؛ وهذا هو أعلى مستوى من "التقديس الطبيعاني" للوعي، حيث يصبح الوعي الخالق أو المؤسس للقوانين الفيزيائية العميقة، بدلاً من كونه ناتجاً لها.

 الوعي الفردي بالحرية:

 إن الوعي الفردي بالحرية هو المكون الأساسي الذي يفرق التجمع الطبيعي عن المدني. وكلما ازداد وعي الفرد بحريته، ازداد وعيه بالمسؤولية عن أفعاله وحكمها الأخلاقي في المجتمع. وهكذا، تتحول الحرية إلى مسؤولية أخلاقية بالاجتماع ووجود الآخر. إن الروحانية العلمية لا تزال تعترف بالمسؤولية الأخلاقية في مستوياتها المختلفة؛ حيث يمكن التمييز بين القيم الجماعية المستمدة من التقاليد التي قد تصدر عن مرجعية دينية، والأخلاق كقوانين كلية وعامة بالمفهوم الكانطي للفضيلة، وأخلاقيات الحكمة العملية باصطلاح بول ريكور، أو الاهتمام بالذات باصطلاح ميشيل فوكو؛ وهذا الأخير يشير إلى جمالية السلوك الفردي والقدرة على إبداع بدائل متجددة. تعزز الروحانية العلمانية المسؤولية الجماعية، حيث تؤكد أن حالات الرهبة التي يتم اختبارها بشكل فردي تساهم في النهاية في الجماعية، لأنها تحفز الأفراد للتأثير الإيجابي.

 الروحانية العلمية

تمثل الروحانية العلمية مقاربة فلسفية شاملة تسعى إلى صياغة إطار جديد لإضفاء القداسة على الوجود الإنساني دون اللجوء إلى مفاهيم متعالية، وتأسيس الأخلاق من خلال "المشهد الأخلاقي"، حيث يصبح رفاه الوعي هو المعيار الأقصى للقيمة، مما يربط التقديس الميتافيزيقي للوعي بالمسؤولية الأخلاقية في العالم الطبيعي. لقد قدم هذا التوليف حلاً وسطاً جذاباً، إذ إنه يعيد تقديس الوعي والاختيار عن طريق دمجها في أساس الواقع الفيزيائي نفسه، بدلاً من وضعهما في عالم روحي منفصل. رغم ذلك، يستمر النقد الموجه للتوافقية بأنها لا تقدم الإرادة الحرة بالمعنى المطلق اللازم للمسؤولية الأخلاقية التقليدية، وأنها لا تزيد عن كونها "حتمية في ثوب آخر". هذا التحدي يظل جوهرياً للحتميين والليبراليين الذين يصرون على أن الحرية تتطلب القدرة على اختيار خلاف ما تم اختياره دون تحديد سببي كامل.

التحدي المنهجي للمعنى

التحدي المنهجي للمعنى تطور هذا المسار نحو التجريبية مع جون لوك، الذي رفض الأفكار الفطرية واعتبر الوعي نتاجًا لتراكم الانطباعات الحسية. ثم جاء ديفيد هيوم ليشير إلى أن الوعي نفسه قد يكون مجرد حزمة من الإدراك المتغير، وأن مفاهيم مثل "العلية" هي مجرد عادات ذهنية نمليها نحن على الواقع، وليست قوانين ضرورية في ذات الحقيقة. أما إيمانويل كانط، فقد أعاد صياغة الميتافيزيقا لتصبح دراسة لحدود العقل البشري، مؤكدًا أن الإرادة الحرة هي "إرادة طيبة" تنضبط بالعقل الأخلاقي، وهي ضرورة وجودية لتحقيق الواجب رغم حتمية القوانين الطبيعية في عالم الظواهر. تظل مسألة ما إذا كان العلم بأدواته التجريبية القابلة للقياس قادراً على تفسير الإحساس بالمعنى والقيمة بالكامل سؤالاً مفتوحاً.

تُعدُّ المقاربة الفلسفية التاريخية ودورها في الروحانية العلمية المعاصرة بمثابة استجابة حتمية لأزمة المعنى في عصر الطبيعانية. إن تقديس الوعي والاختيار في هذا الإطار لا يتم عبر التعالي، بل عبر الاعتراف بالقيمة الأخلاقية الكامنة في أعماق الطبيعة والكون نفسه. إن الوعي والاختيار ليسا مجرد موضوعات للدراسة، بل هما الفعل الذي نحقق من خلاله إنسانيتنا. ومن خلال الحوار الدائم بين تراثنا الفلسفي وابتكاراتنا العلمية، يمكننا أن نصل إلى فهم أعمق لسر الوجود، مؤكدين أن: "المعرفة هي الشرارة الأولى التي توقظ الوعي، والوعي هو البصيرة التي تهدي الإنسان إلى نفسه وإلى العالم".

***

غالب المسعودي

...........................

المراجع:

plato.stanford.edu

Ancient Theories of Soul - Stanford Encyclopedia of Philosophy

iasj.rdd.edu.iq

مفهوم النفس في فلسفة أرسطو

manshoor.com

مدخل إلى فلسفة العقل.. هذا إذا كان موجودًا أصلًا

pantheism.net

Naturalism and Naturalistic Pantheism: can there be a naturalistic ...

quora.com

What is the difference between spiritual pantheism and scientific pantheism? - Quora

grisda.org

A Biblical Perspective on the Philosophy of Science - Geoscience Research Institute

plato.stanford.edu

Consciousness - Stanford Encyclopedia of Philosophy

scienceworksar.wordpress.com

فلسفة العقل: المفهوم، القضايا، والتأثير في الفكر الفلسفي المعاصر - ScienceWorks Arabic

plato.stanford.edu

Compatibilism - Stanford Encyclopedia of Philosophy

qcc.cuny.edu

Compatibilism

researchgate.net

(PDF) An Emergentist's Perspective on the Problem of Free Will - ResearchGate

الحرية، المجتمع والحكم الأخلاقي.. / عبد الله البياري* - عرب 48

samharris.org

The Moral Landscape: How Science Can Determine Human Values - Sam Harris

 

مقدمة: إريك فروم (1900-1980)، الفيلسوف وعالم النفس الألماني الأمريكي، هو أحد أبرز المفكرين في القرن العشرين الذين دمجوا بين التحليل النفسي والاجتماعي لفهم طبيعة الإنسان في سياق مجتمعه. تأثر فروم بفرويد وماركس، مما أدى إلى تطوير مقاربة نفسية اجتماعية تركز على كيفية تشكل الشخصية الفردية تحت تأثير الهياكل الاجتماعية والاقتصادية.   في كتبه الرئيسية مثل "الخوف من الحرية" و"التملك أم الكينونة؟"، يناقش فروم علاقة الفرد بالمجتمع كتوتر دائم بين الاغتراب الناتج عن نمط التملك والتحرر الذي يتحقق عبر نمط الكينونة. يُعرف الاغتراب عند فروم كشعور بالانفصال عن الذات، الآخرين، والعالم، ناتج عن الرأسمالية الحديثة التي تعزز التملك الخاص كأساس للهوية.  مقابل ذلك، يقترح نمط الكينونة كطريقة للكينونة المشتركة، حيث يتحقق الإنسان من خلال الروابط الإنتاجية والحب غير التملكي. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذه العلاقة بمقاربة نفسية اجتماعية، مستندة إلى تحليل أعمال فروم، مع التركيز على الانتقال من الاستلاب إلى التحرر. سنبدأ بمناقشة الأسس النظرية، ثم نستعرض استلاب التملك، وأخيراً تحرر الكينونة، مع الإشارة إلى التقاطعات والتطبيقات المعاصرة. فماهي علاقة الفرد بالمجتمع عند ايريك فروم من استلاب التملك الخاص إلى تحرر الكينونة المشتركة؟

الأسس النظرية لعلاقة الفرد بالمجتمع عند فروم

تستند مقاربة فروم النفسية الاجتماعية إلى دمج التحليل النفسي مع النقد الاجتماعي الماركسي، حيث يرى أن الشخصية الفردية تتشكل من خلال التفاعل مع البيئة الاجتماعية. في "المجتمع السوي"، ينتقد فروم المجتمع الحديث كمصدر للاغتراب، حيث يفقد الفرد روابطها الأولية مع الطبيعة والمجتمع، مما يؤدي إلى شعور بالعزلة والقلق الوجودي.

 يعتمد فروم على مفهوم "التوجهات الشخصية"، التي تكون إما إنتاجية أو غير إنتاجية، وتتحدد بناءً على كيفية استجابة الفرد للحاجات الإنسانية الأساسية مثل الجذورية، الوحدة، والتجاوز.

من الناحية النفسية، يرى فروم أن الاغتراب ينشأ من "الخوف من الحرية"، حيث يهرب الفرد من حريته الفردية عبر آليات مثل السلطوية أو التوافق الآلي، مما يعزز التبعية للمجتمع بدلاً من الاندماج الحقيقي.

 اجتماعياً، ينتقد فروم الرأسمالية لترسيخها نمط التملك، الذي يحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات شيئية، حيث يصبح الفرد "ما يملك" بدلاً من "ما يكون".

 هذه المقاربة تؤكد أن الصحة النفسية للفرد مرتبطة بصحة المجتمع، وأن التحرر يتطلب تغييراً جذرياً في الهياكل الاجتماعية.

في سياق التملك الخاص، يرى فروم أنه يعزز التوجهات غير الإنتاجية مثل الاستغلالي والتجميعي، حيث يصبح التملك مصدراً للأمان الزائف، مما يؤدي إلى الاغتراب عن الآخرين.

 مقابل ذلك، يقترح نمط الكينونة كتوجه إنتاجي يعتمد على الحب والتضامن، مما يعيد بناء العلاقة بين الفرد والمجتمع على أساس مشترك.

استلاب التملك الخاص: الاغتراب النفسي الاجتماعي

في كتاب "التملك أم الكينونة؟"، يصف فروم نمط التملك كطريقة وجود تهيمن عليها الرغبة في الاقتناء والسيطرة، مما يؤدي إلى استلاب الفرد عن ذاته ومجتمعه. يعرف فروم هذا النمط بأنه "يحول كل شيء إلى أشياء، بما في ذلك الذات والآخرين"، حيث يصبح الإنسان "ما يملك وما يستهلك".

 نفسياً، ينشأ هذا الاستلاب من الخوف من الفقدان، مما يدفع الفرد إلى تجميع الممتلكات كدفاع ضد القلق الوجودي، لكنه يؤدي إلى الشعور بالفراغ والعزلة.

اجتماعياً، يرتبط التملك الخاص بالرأسمالية، التي تحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات سوقية، حيث يصبح الآخرون أدوات للاستغلال أو المنافسة.

 ينتقد فروم هذا النمط لأنه يعزز التوجه التسويقي، حيث يبيع الفرد نفسه كسلعة في سوق العمل، مما يفقده هويته الأصيلة ويحوله إلى كائن آلي يتوافق مع معايير المجتمع دون تفكير نقدي.

 هذا الاغتراب يتجلى في ظواهر مثل الاستهلاكية، حيث يسعى الفرد إلى ملء الفراغ الداخلي بالممتلكات، لكنه يزيد من الاغتراب عن الطبيعة والآخرين، مما يؤدي إلى تدمير البيئة والعلاقات الاجتماعية.

من منظور نفس اجتماعي، يرى فروم أن هذا الاستلاب ينشأ من فقدان الروابط الأولية في المجتمع الحديث، حيث يحل التملك محل الحب غير الشرطي، كما في الانتقال من المجتمعات الأمومية إلى الأبوية.

نتيجة لذلك، يعاني الفرد من الاكتئاب والعدوانية، حيث يصبح التملك مصدراً للصراع الاجتماعي، كما في الشوفينية والحروب.

تحرر الكينونة المشتركة: الطريق إلى الوجود الإنتاجي

مقابل نمط التملك، يقترح فروم نمط الكينونة كطريقة تحررية للوجود، حيث يركز الفرد على النشاط الإنتاجي والتفاعل الحي مع الآخرين. يعرف فروم هذا النمط بأنه "عملية حية وإنتاجية بين الذات والعالم"، حيث لا يخشى الفرد الفقدان لأنه "ما هو لا ما يملك".

 نفسياً، يتحقق التحرر من خلال تنمية التوجه الإنتاجي، الذي يعتمد على الحب، العقل، والتضامن، مما يساعد الفرد على تجاوز الاغتراب وتحقيق الوحدة مع الذات والآخرين.

اجتماعياً، تتطلب الكينونة المشتركة بناء مجتمع جديد يركز على الاحتياجات الإنسانية بدلاً من الربح، مثل ضمان الدخل الأساسي وتشجيع التعاون.

لذلك يرى فروم أن هذا التحرر يتجاوز كلاً من الرأسمالية والشيوعية السوفييتية، مقترحاً اشتراكية إنسانية تعزز الحرية والكرامة.   في هذا النمط، تتحول العلاقات إلى روابط غير تملكية، حيث يصبح الحب "إعطاء" لا "اقتناء"، مما يعيد بناء المجتمع على أساس الثقة والمشاركة.

من منظور نفس اجتماعي، يساعد نمط الكينونة في حل التناقض الوجودي بين الحاجة إلى الوحدة والحفاظ على الفرادة، من خلال النشاط الإبداعي والتفاعل الاجتماعي.  هذا التحرر يتطلب تغييراً في الشخصية، مثل تطوير الوعي النقدي والاستقلالية، ليصبح الفرد جزءاً من كينونة مشتركة دون فقدان ذاته.

التقاطعات والتطبيقات المعاصرة

يتداخل الاستلاب والتحرر في أفكار فروم كعملية ديناميكية، حيث يمكن للفرد الانتقال من التملك إلى الكينونة من خلال الوعي والتغيير الاجتماعي. في العصر الحديث، تظهر أهمية هذه المقاربة في مواجهة الاستهلاكية والعزلة الرقمية، حيث يمكن تطبيق أفكار فروم في التعليم والعلاج النفسي لتعزيز التوجهات الإنتاجية.  كذلك، يساهم في نقد السلطوية المعاصرة، كما في ظهور الشعبوية، التي تعكس الهروب من الحرية.

خاتمة

في الختام، تُبرز علاقة الفرد بالمجتمع عند إريك فروم التوتر بين استلاب التملك الخاص، الذي يعزز الاغتراب النفسي الاجتماعي، وتحرر الكينونة المشتركة، التي تعيد بناء الروابط الإنسانية. من خلال مقاربته النفسية الاجتماعية، يدعو فروم إلى مجتمع إنساني يركز على الكينونة بدلاً من التملك، مما يوفر طريقاً للصحة النفسية والاجتماعية. يظل فكره ذا أهمية معاصرة، محفزاً على التغيير نحو عالم أكثر تضامناً وإنسانية. فهل تكفي هذه المقاربة البسيكوسوسيولوجية للانتقال بالكائن البشري فردا ومجموعة من وضع غير سوي الى وضع سوي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

تجدر الإشارة ان فكرة وجوب تحطيم العقل للمجتمع ليست من ضمن الإجماع الفلسفي السائد، وانما هي مفهوم جرى استطلاعه في النظرية النقدية وما بعد البنيوية وأدبيات العالم اللاطوباوي، وتشير الى ان العقل المحض (المنطق البارد) يمكنه ان ينزع العناصر الإنسانية – التقاليد، العواطف، الايمان، الأسطورة – التي تشد الجماعات الى بعضها بحيث يقود الى العزلة والتحكم المفرط والتشظي الاجتماعي وضياع المعنى وبالتالي إضعاف النسيج الإنساني للمجتمع الذي يدّعي العقل تحسينه.

يتساءل المفكرون هل ان العقلانية الراديكالية تخلق أنظمة عقيمة وسلطوية تعطي قيمة للكفاءة بدلا من الإنسانية، بحيث تؤدي بالنتيجة الى انهيار مجتمعي من خلال تجريد الصفة الإنسانية.؟

الحجج الأساسية للتأثير المدمر للعقل

1-  الاغتراب وتجريد الناس من الإنسانية: أنظمة العقلانية المفرطة تختزل الناس الى وحدة معلوماتية تتجاهل الحاجات الإنسانية المتفردة والعواطف والأبعاد الروحية وهو ما يقود الى اغتراب عميق.

2-  ضياع التقاليد والمعنى: العقل عادة يتحدى العقائد التقليدية والطقوس والاساطير التي تمنح المجتمعات التماسك والهدف ،الامر الذي يترك فراغا يجب ملؤه من جانب العقل.

3-  الحكم الشمولي: الاندفاع نحو نظام تام وكفاءة من خلال العقل يمكن ان يبرر مراقبة صارمة وسيطرة (التكنوقراط او حوكمة الذكاء الصناعي)، وهو ما يسحق الحرية الفردية.

4-  تآكل التعاطف: التركيز فقط على الحسابات الموضوعية يمكن ان يزيل التعاطف والشفقة والحدس الأخلاقي الضروري لروابط اجتماعية صحية.

5-  القفص الحديدي (ويبر): حذّر ماكس ويبر من ان العقلانية خاصة البيروقراطية تخلق قفصا حديديا (iron cage) من القواعد والإجراءات تخنق الإبداعية والتلقائية والارتباط الإنساني الحقيقي بما يجعل الحياة بلا معنى.(1)

موقف ستيف فولر: العقل يدمر المجتمعات

حاول العديد من المفكرين تأسيس النظام الاجتماعي على العقل. لكن ستيف فولر steve fuller، بروفيسور الأبستمولوجيا الاجتماعية في جامعة وارويك Warwick البريطانية ومؤلف (الإعلام وقوة المعرفة،2025) يرى ان هذه المحاولات محكوم عليها بالفشل. العقل بطبيعته غير اجتماعي، لأنه يعامل مؤسسات المجتمع – سواء كانت نظاما سياسيا او نموذجا علميا scientific paradigm كترتيبات مؤقتة. العالم كما هو معرّض للعين النقدية للعقل، يحمل قيمة فقط كوسيلة لغايات عليا. وبهذا، فان العقل ليس أداة للاستقرار وانما محفز لثورات دائمة.

لماذا عندما يتولى الكائن العقلاني مسؤولية أي شيء، تحدث بعدها نتائج اجتماعية مدمرة؟ العالِم الأحادي الذهن وخبير الكفاءة والآلات الفائقة الذكاء يجسدون أمثلة مألوفة عن الواقع والخيال على حد سواء. في الوقت الراهن، من السهل اختزال المشكلة الى مجرد افتقار “الناس للمهارة “، والتي قد يتم تشخيصها ضمن مشاكل التفاعل الاجتماعي. لكن المشكلة تكمن في منطق العقل ذاته.

منطق العقل بالنهاية هو حول تجسيد فكرة (لو اعتمدنا على مصطلحات افلاطون) او ادراك الممكن (لو اعتمدنا على لغة ارسطو العضوية). في كلتا الحالتين، انه يتألف من جزئين: تحديد الغاية وتحديد وسائل الغاية. نقد ملكة الحكم لكانط حقق عدالة لكليهما، حيث وضع اطارا تُفهم فيه الأفكار الحديثة للتقدم. مع ذلك، نحن نستطيع ان نرى كيف يكون العقل لا اجتماعيا بقدر ما يتعامل مع النظام الاجتماعي ليس كغاية بذاته وانما كوسيلة لتحقيق غايات أخرى.

عندما استخدم عالم الاجتماع ماكس ويبر لأول مرة اتجاهه في العقل، لاحظ بسرعة ان مجتمعات ما قبل الحداثة لم تفكر بهذا ابدا. هم قبلوا في طبيعية معايير وتوقعات معينة فقط بالارتكاز على قدرتهم على البقاء بمرور الزمن. هو اطلق على هذه المجتمعات بالمجتمعات "التقليدية". علاوة على ذلك، هو اعتبر بعضا منها "غير عقلانية" حينما لم يستطع السكان الاصليون تبرير انشطتهم بما يتجاوز الاستناد على التقاليد.

وراء تمييز ويبر بين "العقلاني" و "غير العقلاني" يكمن اختلاف عميق في الكيفية التي يرتبط بها الناس بمجتمعاتهم. في المجتمعات اللاعقلانية، يتم استقبال الناس والاعتراف بهم وفقا لأدوار محددة، جميع الأعضاء يفهمونها ويقبلون بها اذا أرادوا البقاء. بالمقابل، في المجتمعات العقلانية، الناس يعتبرون انفسهم صناع للنظام الاجتماعي وبالتالي يجب تبرير ممارسات المجتمع تبعا لتعزيز مصالح أعضائه سواء الان او في المستقبل.  يرى ويبر وكذلك معظم مؤسسي علم الاجتماع ان التفاعلات تحصل عندما لم يعد القانون يجبر الافراد لتولّي وظائف آبائهم  بل يسمح لهم بهوية شخصية اكثر تفاعلية. وهكذا، انا يمكن ان أكون مختلفا امام مختلف الناس وفق اتفاق متبادل. المرء كزوج وعامل أصبح رمزا لأشياءً مختلفة قانونا. ان منطق التبادل الذي ينعكس في هذا السياق كان أساس نظرية العقد الاجتماعي التي تبقى حجر الزاوية لكل من الفكر السياسي والتعليم القانوني في المجتمعات الليبرالية. تفاصيل العقد تضمن عقلانية الاتفاق.

حتى الان كل شيء جيد، ما عدى انه حالما تتم كتابة العقد، ستُكشف تماما إمكانيات خرقه. مفاهيم ما قبل الحداثة مثل "ثقة" و "فضيلة" ربما يتم تقديمها بحسن نية لتضمن ان العقد لا يُقرأ بصرامة بحيث يصبح غير قابل للتنفيذ. متى ما حصل هذا، فهو عادة بسبب ان الناس اما لا يستطيعون القراءة جيدا او لا يقرؤون بعناية او ربما لا يريدون القراءة ابدا. السياسات الحديثة وجدت ستراتيجية الحل البديل بشكل عرض دوري للمسائلة العامة كما في الانتخابات.

مع ذلك، اذا كان الناس يُدعون بانتظام او ربما يُجبرون ليقرروا ما اذا كان الحكام أوفوا بوعودهم السياسية، هناك دائما فرصة لتغيير المسار بشكل جذري. لننظر في التغيير الجذري في المجتمع الذي نتج عن عملية اجراء انتخابات، لنقل، لأدولف هتلر او دولاند ترامب. سر نجاحهما جزئيا تطلّب تقسيم الناس ضد النظام السياسي والمؤسسات القائمة، كما في إشارة ترامب المتكررة للعاصمة الامريكية الفيدرالية بـ "مستنقع" و "الدولة العميقة". بعض الراديكاليين المنتخبين ديمقراطيا ذهبوا بعيدا ونجحوا في استبدال دساتير دولهم، وهو التمزيق النهائي للعقد الاجتماعي. لا هتلر ولا ترامب ذهبا الى هذا الحد. المسألة الأكبر هنا هي عند التفكير حول المجتمع "عقلانيا" يكمن الهدف في النظر الى اطاره المؤسسي الحالي باعتباره مجرد وسيلة لتحقيق أي غاية يرغب افراد المجتمع في السعي لتحقيقها سواء كانوا افرادا او جماعات. من الواضح، كل الخلاف بين الرأسمالية والاشتراكية يعتمد على هذا الاختلاف الأخير. مع ذلك، كل جانب يشترك بفكرة ان الناس الذين يخلقون ويحافظون على المؤسسات يأخذون أسبقية على المؤسسات التي خلقوها وحافظوا عليها. اذا كان المجتمع يُحكم عليه ليس من أعضائه الحاليين، هم يجب ان يعيشوا في المستقبل وليس في الماضي.

طرحْ الموضوع بهذه الطريقة يشير الى الإمكانات الثورية للفكر العقلاني. ماكس ويبر ذاته اعتقد ان العلوم والسياسة في العصر الحديث تميزتا بأشكال مكملة للعقلانية.

***

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) هناك حجج مضادة اعتبرت العقل ضروريا منها 1- العقل يقود العلم والطب والتكنلوجيا ويحل مشاكل العالم الواقعية مثل الامراض والجوع والفقر 2- العدالة والأخلاق: الأطر الأخلاقية العقلانية مثل حقوق الانسان تتحدى التحيّز واللامساواة والقسوة اللاعقلانية بهدف خلق مجتمع اكثر عدالة. 3- التصحيح الذاتي: العقل يسمح للمجتمعات بتشخيص العيوب، وتقديم حلول من خلال النقاش والتطور بما يمنع الجمود. لابد من ملاحظة ان النقاش أعلاه ليس حول إلغاء العقل وانما حول العقل المفرط بلا ضوابط. العديد من المفكرين يرون ان المجتمع الصحي يحتاج توازنا : عقل للبناء والتحسين والتصحيح، وأيضا عواطف وروحانية وإنسانية لتوفير المعنى والترابط والروح ومنع المنطق من ان يصبح قوة تدميرية.

 

مع كل ثورة تكنولوجية كبرى يولد الإنسان من جديد، ويعيد تعريف ذاته ومعنى وجوده. حتى لو قاوم هذه الثورة أو أوهم نفسه بالانفصال عنها، فإنها تفرض حضورها على الإنسان حيثما وأنى كان. وإن كانت آثارها تتفاوت من مجتمع لآخر، إلا أنها بوصفها قدرًا لا مهرب منه، تعيد إنتاج الواقع بكل ما فيه، وتعيد تشكيل وعي الإنسان ورؤيته للعالم ونمط عيشه، وتفرض عليه أن يصير تابعًا لها، ما لم يمتلك أدوات الفهم والتمثل والتكيف، كي يواكبها ويقطف ثمراتها. بقدر ما يمتلك الإنسان التكنولوجيا يمتلك إمكانية التحرر منها، وإن عجز عن ذلك استعبدته، وتحولت إلى سجن يصادر حريته ويبتلع وجوده. التكنولوجيا لا تهمش الإنسان، بل تتيح له فرصًا للارتقاء بذاته وتوسيع آفاق حياته، متى ما كان قادرًا على الإصغاء لتحولاتها، واستثمار هذه الفرص بما ينسجم مع ولادته الجديدة.

الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل أشد هذه الثورات عمقًا وتأثيرًا في إعادة تشكيل الحياة البشرية، وخلخلة مفاهيم الإنسان وتعريفه لذاته والعالم من حوله. مَن يستوعب هذا التحول ويدرك أبعاده الوجودية والنفسية والعاطفية والروحية والقيمية والاجتماعية والثقافية، ويتمكن من بناء مهارات تتناغم مع ايقاعه المتعجل، وقدرة على توجيهه توجيهًا خلّاقًا، يستطيع أن يحول هذا التحدي إلى إمكان للتحرر والإبداع والابتكار والتطور. أما مَن يعجز عن ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لن يكون بالنسبة له ولمجتمعه سوى قوة منفلتة، تتغذى على ضعفه، وتتحول إلى تهديد دائم لسلامه الشخصي والمجتمعي وأمنه، وتزلزل كيفية عيشه وعلاقاته ونمط حياته.

في العصر الرقمي تتغير التعريفات وتتبدل، فمثلًا يتغير تعريف الزمن ويجري اختزاله، تبعًا لما ينجزه هذا الذكاء من إنتاج اقتصادي وابتكار علمي وابداع معرفي وتطور تكنولوجي واثراء ثقافي وبناء قيمي، فلم يعد القرن يعني مائة سنة، ولا العقد يعني عشر سنوات، ولا السنة تعني اثني عشر شهرًا، ولا الشهر يعني ثلاثين يومًا، ولا اليوم يعني أربعًا وعشرين ساعة، إذ غدا الزمن مضغوطًا تتراكم فيه الأحداث والاختراعات والمعارف وتتلاحق بسرعة فائقة، كما لو أنها تتزاحم في لحظة واحدة. وصار الإنسان يعيش في تيار متعجل من التحولات لا يمنحه فسحة للتأمل أو المراجعة، بعدما انتقل الزمن من كونه وعاءً للأحداث إلى كونه طاقة خلّاقة تبتكر الإيقاع والمعنى في آن واحد، فصار الحاضر يتسع للماضي والمستقبل معًا، وصار الوجود الإنساني يقاس بما ينجزه المرء في لحظته لا بما تمضي عليه من سنوات، حتى أصبح التحدي الأكبر في هذا العصر هو استعادة المعنى الإنساني للزمن، قبل أن يتحول الإنسان إلى ظل يركض خلف سرعة الذكاء الاصطناعي وما تحققه الروبوتات.

شركات الذكاء الاصطناعي اليوم هي الأغنى رأسمالًا من كل الشركات عبر التاريخ، رأسمالها ينمو باستمرار. لم يشهد الاقتصاد تراكمًا لرأسمال بهذه الوتيرة من السرعة الفائقة وبهذه الأحجام، بنحو صار يتضاعف بمرور الزمن سريعًا، فمثلًا بلغت القيمة السوقية على وفق تقارير متعددة، لشركة إنفيديا (NVIDIA) 4.54 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025، ما جعلها الشركة الأعلى قيمة في العالم. وذلك يتماشى مع تقارير حديثة تشير إلى أن إنفيديا أصبحت أول شركة مدرجة علنًا تصل إلى هذا الإنجاز التاريخي، مدفوعة بالطلب القوي على رقائق الذكاء الاصطناعي. والقيمة السوقية لشركة أبل (Apple) تقدر بحوالي 4.20 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025، مدفوعة بالتقدم في الذكاء الاصطناعي، وزيادة الطلب على أجهزة آيفون. وبلغت القيمة السوقية لشركة مايكروسوفت (Microsoft) حوالي 3.574 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025. وفي التاريخ ذاته بلغت القيمة السوقية لشركة Amazon نحو 2.454 تريليون دولار أمريكي، بينما وصلت القيمة السوقية لشركة Alphabet (Google) إلى ما يقارب 3.84 تريليون دولار أمريكي، أما شركة Meta فكانت قيمتها السوقية في ذلك الوقت بحدود 1.54 تريليون دولار أمريكي. وهذه الأرقام تعكس موقع هذه الشركات في قمة الاقتصاد الرقمي العالمي خلال تلك الفترة.

يتضخم عاجلًا رأسمال الشركات الكبرى المنتجة للرقائق والفاعلة في الذكاء الاصطناعي حتى تخلق سلطة تخضع لها الحكومات والسلطات السياسية، إذ تتدخل في رسم صورة الدولة وتوجيه اقتصادها وسياساتها من الداخل، وتمتلك قدرة واسعة على التأثير في هندسة إدارة الحكم ومرافقه وبناء الدولة وفقًا لما يحقق أهدافها، وفي تشكيل وعي المؤسسات التي ينهض عليها تدبير الشأن العام. ويغدو رأسمالي مثل ايلان ماسك قادرًا على التأثير في سياسة بلده وسياسات بلدان أخرى بمقدار ما يتيحه رأسماله من نفوذ، وما تمنحه شركاته من فاعلية في الاقتصاد، فيتسع أثره على صناعة القرار، ويتغلغل في مسارات الاقتصاد والثقافة والتربية والاعلام، ويتحول حضوره الى قوة تتجاوز حدود السوق لتلامس حدود الدولة والمجتمع، حيث يتخذ رأس المال موقعًا مرجعيًا في توجيه الحياة العامة، وفي إعادة تشكيل شخصية الفرد وبناء الجماعة وفق ما يحقق أقصى عائد ممكن.

 تتمدد هذه الشركات من الاقتصاد والتقنية إلى بناء التربية والتعليم، والثقافة والاعلام، والقيم والسلوك، فتتدخل في صياغة العلاقات الدولية والاقليمية، وتعيد ترتيب مواقع الدول وفق مصالحها، وتشكيل المجتمع والفرد معًا، من خلال منظومات رقمية تعيد تعريف حاجات الإنسان وطريقة عيشه، وتتحكم بميول الإنسان وخياراته، وتفتعل احتياجات فائضة عن اللزوم. تقترب هذه الشركات من موقع السلطة المتسيدة بسبب حجم رأسمالها الهائل، وقوة حضورها في البنية التحتية للدول، فتعمل ببراعة على توجيه العالم نحو ما يحقق لها أعلى قيمة من الأرباح، عبر كل وسيلة تراها مناسبة، مشروعة أو غير مشروعة، من دون أن تنشغل بالأثر الروحي والاخلاقي والجمالي والقيم التي تتطلبها حياة الإنسان، كأن الإنسان يتحول بواسطتها الى مجرد رقم في سوق مفتوح تعاد صياغته باستمرار بما يخدم مصالحها الخاصة. 

وسائل التواصل وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لم تعد أدوات محايدة، بل غدت بيئات قيمية تصوغ معاييرها الخاصة، وتنتج نمطًا جديدًا من العلاقات الاجتماعية لا يشبه ما ألفته أجيال الأمس. لم تعد هذه الوسائل مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى منظومات تصوغ السلوك، وتعيد تشكيل إدراك الإنسان لذاته وللآخرين، وتؤسس لعالم مختلف في الإحساس بالعلاقة بالآخر، وتكييف منابع المعنى. وعي الآباء بهذه التحولات، وتفهمهم لما تفرضه هذه الوسائل من أنماط مختلفة في التفكير والسلوك لم يعد ترفًا أو خيارًا، بل ضرورة تمليها التحولات العميقة في العلاقة بين جيل الآباء وجيل الأبناء. المسافة بين الجيلين لا تتسع فقط بسبب العمر، بل تتعمق بفعل الفجوة الرقمية، وتباين مصادر المعرفة، وتغاير المرجعيات التي يتشكل منها الوعي. وسائل التواصل اليوم وتطبيقات الذكاء الاصطناعي تملك تأثيرًا سحريًا فائقًا، لا لأنها تحجب الواقع أو تغلفه فقط، بل لأنها تصنع واقعا موازيًا يزاحم الواقع ويتغلب عليه، ويتقدمه أحيانًا، ويغدو المصدر الأول لتشكيل رؤيتنا للعالم. في هذا الواقع المصطنع تصاغ معتقداتنا، وتعاد تعريفات مفاهيمنا، وتتشكل آراؤنا، وترسم خرائط سياساتنا، وتنتج رموزنا، وتبنى مواقفنا، وتحاك أحلامنا. نحن نعيش في عالم هجين يمتزج فيه الواقعي بالافتراضي، وتتفشى فيها المحاكاة، ويتداخل فيه الحضور الفيزيائي بالوجود الرمزي. هذا الواقع الهجين يفرض على التربية أن تعيد بناء رؤيتها، وأن تؤسس لقيم جديدة في فهم العلاقة بين الأجيال، تتلاءم مع بنية الوعي المتحولة، وتستجيب لتحولات التأثير، ومصادر تشكيل الوعي والوجدان والهوية.

 يتغير معنى القيم والدين والأخلاق والعلم والمعرفة في العصر الرقمي، لأن البيئة التي تولد فيها المفاهيم تبدلت جذريًا؛ فالقيم تنتقل من منظومات ثابتة إلى قيم تشكّلها الخوارزميات والبيانات وثقافة المنصات، فتتحول الخصوصية إلى سلعة، والوقت إلى عملة، والاعتراف الاجتماعي إلى ظهور رقمي. ويتراجع الدين المؤسسي لصالح التجارب الدينية الفردية المفتوحة على تفسيرات لا نهائية للنصوص الدينية، وتنتشر الروحانيات التي تمنح الإنسان علاقة شخصية مع الغيب تتجاوز احتكار المفسرين في المؤسسات الدينية. وتتشكل الأخلاق بوصفها مسؤولية تصميم تكنولوجي لا مجرد حكم عقل عملي بالحسن والقبح، وتتزحزح المعاني المتعارفة للحقوق والجرائم والجنايات والعقوبات، إذ تظهر أسئلة لم يعرفها التاريخ، مثل: مسؤولية السيارة الذاتية القيادة عن القتل، أو تأثير الخوارزميات الموجهة في إنتاج خطاب الكراهية، وأمثال ذلك. ويتحول العلم من التجريب المختبري إلى التجريب الحسابي عبر المحاكاة والذكاء الاصطناعي الذي يفك ألغاز البروتينات، ويكتشف ويطور أدوية أمراض السرطان وأمراض عجز الطب من قبل عن اكتشاف لقاحات وعلاجات فاعلة لها.

في هذا الواقع يغدو الإنسان محتاجًا الى فلسفة جديدة توقظ وعيه، وتمنحه قدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وتعينه على اكتشاف كيفية تشكل الحقيقة في العصر الرقمي، حيث تتدفق البيانات بلا انقطاع، وتتحول عبر الخوارزميات إلى صور ومعانٍ تعيد ترتيب وعيه ومفاهيمه الأساسية على نحو مستمر. في هذا الفضاء يتبدل إدراك الإنسان للعالم مع كل مرحلة من مراحل المعالجة الرقمية، فيحتاج ذهنه الى دربة فكرية، وشعوره إلى استعداد لإعادة بناء صلته بالمعنى، يقيه من الانجراف مع ما تصنعه الآليات الذكية من أوهام، حتى يستعيد الإنسان موقعه الفاعل، ويغدو قادرًا على أن يميز ما ينير ذهنه مما يشتته، ويميز ما يوسع أفقه الوجودي مما يصادر حريته ويطمس وعيه.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

 

بين الأسس الفلسفية والتحولات التاريخية.. مقاربة عمومية

مقدمة: تشكل فلسفة حقوق الإنسان والمواطنة محورًا أساسيًا في الفكر الإنساني، حيث تعكس تطور الوعي البشري تجاه الكرامة، الحرية، والانتماء الاجتماعي. حقوق الإنسان، كمفهوم فلسفي، ترتبط بالحقوق الأساسية التي يمتلكها كل فرد بمجرد كونه إنسانًا، مستمدة من مبادئ أخلاقية وقانونية تعبر عن الطبيعة الإنسانية المشتركة. أما المواطنة، فهي مفهوم يرتبط بالانتماء إلى دولة أو مجتمع سياسي، يمنح الأفراد حقوقًا وواجبات محددة ضمن إطار قانوني وثقافي. في هذه الدراسة، سنقارب هذين المفهومين بطريقة عمومية، مستعرضين أصولهما التاريخية من الحضارات القديمة إلى العصور الحديثة، ثم نستعرض أهميتهما المعاصرة في ظل التحديات العالمية مثل العولمة، الهجرات، والنزاعات. تعتمد الدراسة على تحليل فلسفي يبرز التقاطعات بينهما، مع الاستناد إلى مصادر تاريخية وفلسفية متنوعة، لنكشف كيف أن هذين المفهومين يعززان بعضهما البعض في بناء مجتمعات عادلة.

يُعرف مفهوم حقوق الإنسان فلسفيًا كضمانات أخلاقية أساسية يمتلكها الأفراد بصرف النظر عن جنسهم، عرقهم، أو انتمائهم، وهي غير قابلة للتجزئة أو التنازل.   أما المواطنة، فهي تطور تاريخي يعبر عن العلاقة بين الفرد والدولة، منذ اليونان القديمة حيث كانت تعني المشاركة في الحياة السياسية.    هذه المقاربة العمومية تهدف إلى فهم كيفية تكامل هذين المفهومين في مواجهة التحديات المعاصرة.

الأصول التاريخية لحقوق الإنسان

تعود أصول فلسفة حقوق الإنسان إلى جذور عميقة في الحضارات القديمة، لكنها بلورت في العصور الحديثة. في الحضارة اليونانية، طرح أفلاطون وأرسطو أفكارًا حول العدالة والحقوق الطبيعية، حيث اعتبر أرسطو الإنسان "حيوانًا سياسيًا" يحتاج إلى مجتمع عادل لتحقيق كماله.  أما في الرومانية، فقد طور سيسرون مفهوم "القانون الطبيعي" الذي يفوق القوانين البشرية، ممهدًا لفكرة حقوق متأصلة في الطبيعة الإنسانية.

في العصور الوسطى، أثرت الأديان السماوية، خاصة الإسلام والمسيحية، في تطوير هذه الفلسفة. في الإسلام، يُعتبر القرآن أساسًا لحقوق الإنسان، حيث يؤكد على الكرامة الإنسانية كما في قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم"، مما يشمل حقوق الحياة، الحرية، والعدالة.

 كذلك، في الفكر المسيحي، أكد توما الأكويني على القانون الإلهي كمصدر للحقوق، متكاملًا مع القانون الطبيعي.مع عصر النهضة والتنوير، بلورت الفلسفة الحديثة لحقوق الإنسان. جون لوك اعتبر الحقوق الطبيعية (الحياة، الحرية، الملكية) أساسًا للعقد الاجتماعي، حيث تكون الدولة حارسة لهذه الحقوق

جان جاك روسو طور فكرة الإرادة العامة، مؤكدًا أن الحقوق تنبع من الشعب. الثورة الفرنسية عام 1789 أنتجت إعلان حقوق الإنسان والمواطن، الذي جمع بين الحقوق الطبيعية والمدنية، معلنًا أن "يولد الناس أحرارًا ومتساوين في الحقوق".  في القرن العشرين، بعد الحربين العالميتين، أصبحت حقوق الإنسان إطارًا دوليًا مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، الذي يجسد فلسفة الكرامة الإنسانية كأساس للسلام العالمي.

هذا التطور يعكس انتقالًا من الحقوق الفردية إلى الحقوق الجماعية، مع التركيز على الشمولية الأخلاقية.

الأصول التاريخية للمواطنة

أما فلسفة المواطنة، فتعود إلى اليونان القديمة، حيث كانت تعني المشاركة النشطة في شؤون المدينة (البوليس). أرسطو في "السياسة" يعرف المواطن كمن يشارك في الحكم والمحاكم، لكن هذا كان مقتصرًا على الرجال الأحرار، مستبعدًا النساء والعبيد.

 في روما، تطورت المواطنة إلى مفهوم قانوني أوسع، حيث منحت الجنسية الرومانية حقوقًا مدنية مثل التصويت والملكية، وامتدت تدريجيًا إلى الشعوب المفتوحة.

في العصور الوسطى، تراجعت المواطنة أمام الولاءات الإقطاعية والدينية، لكن عصر النهضة أعاد إحياءها مع مونتسكيو الذي أكد على دور المواطن في الجمهورية، مشددًا على التوازن بين الحرية والمجتمع.

الثورة الفرنسية بلورت المواطنة الحديثة كانتماء وطني، حيث أصبحت تعني المساواة أمام القانون والمشاركة السياسية.

في القرن التاسع عشر، مع الثورة الصناعية، توسعت المواطنة لتشمل الحقوق الاجتماعية كالتعليم والرعاية، كما في نظرية تي. إتش. مارشال الذي قسمها إلى مدنية، سياسية، واجتماعية.

 في العالم الإسلامي، ارتبطت المواطنة بالأمة، حيث أكدت الشريعة على المساواة والعدالة، كما في عهد المدينة النبوية الذي جمع بين المسلمين وغيرهم في ميثاق مشترك.

 هذا التطور يعكس انتقال المواطنة من مفهوم نخبوي إلى شمولي.

التقاطعات والمقارنات بين حقوق الإنسان والمواطنة

يتداخل مفهوما حقوق الإنسان والمواطنة تداخلًا كبيرًا، حيث يُعتبر كلاهما وجهين لعملة واحدة. حقوق الإنسان عامة وكونية، تنطبق على الجميع دون تمييز، بينما المواطنة خاصة بالانتماء إلى دولة، لكنها تعزز حقوق الإنسان من خلال الإطار القانوني.

 على سبيل المثال، الإعلان الفرنسي جمع بين "حقوق الإنسان" كحقوق طبيعية و"حقوق المواطن" كحقوق مدنية

في المقارنة، تكون حقوق الإنسان أساسًا فلسفيًا للمواطنة، حيث تضمن المواطنة تطبيق هذه الحقوق عمليًا. ومع ذلك، قد يحدث تعارض، كما في حالات المهاجرين الذين يتمتعون بحقوق إنسانية لكنهم يفتقرون إلى حقوق مواطنة كاملة.

 في السياق الإسلامي، تتقاطع المواطنة مع حقوق الإنسان من خلال مبادئ الرحمة والعدالة، كما في الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان الذي يؤكد على التوافق مع الإعلان العالمي.  هذه التقاطعات تعزز الفلسفة الكونية للحقوق مع الخصوصية الثقافية.

الأهمية المعاصرة لحقوق الإنسان والمواطنة

في العصر الحديث، تكتسب حقوق الإنسان والمواطنة أهمية بالغة في مواجهة التحديات العالمية. حقوق الإنسان تحمي الأفراد من الانتهاكات، وتعزز الاستقرار الاجتماعي من خلال ضمان الحريات الأساسية مثل التعبير والتعليم.

 المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة تلعب دورًا حاسمًا في حمايتها، خاصة في النزاعات والأزمات.  أما المواطنة، فتعزز الاندماج الاجتماعي والبناء الديمقراطي، حيث تشجع على المشاركة المدنية والولاء للدولة. في ظل العولمة، تتطور المواطنة إلى "مواطنة عالمية"، تجمع بين الانتماء المحلي والكوني، كما في الاتحاد الأوروبي.   كذلك، تساهم في تعزيز حقوق الإنسان من خلال التعليم والقوانين، مما يضمن الاستقرار والتقدم.   ومع ذلك، تواجه تحديات مثل التمييز والنزعة القومية، مما يتطلب تعزيز الوعي الفلسفي بهذين المفهومين.

خاتمة

في الختام، تمثل فلسفة حقوق الإنسان والمواطنة تطورًا تاريخيًا يجسد سعي الإنسان نحو العدالة والكرامة. من الأصول القديمة إلى الأهمية المعاصرة، يتكاملان ليبنيا مجتمعات مستدامة. يتطلب الحفاظ عليهما تعزيز التعليم والحوار الدولي، ليظلا أداة للسلام في عالم متغير. هذه المقاربة العمومية تؤكد أن مستقبل الإنسانية يعتمد على توازن بين الكونية والخصوصية في هذين المفهومين.

***

د. زهير الخويلدي .. كاتب فلسفي

 

تأطير الإشكالية المعرفية للوعي والوجود

يُعدّ المثقف الإنساني، وفق التصورات النقدية والوجودية المتقدمة، كياناً أنطولوجياً وإبستمولوجياً متطوراً. تتحدد ماهيته من خلال امتلاكه وعياً ترانسندالياً يدرك حدوده ويتخذ موقفاً نقدياً ضد أوهام الميتافيزيقيا. المثقف بهذا المعنى ليس مجرد متعلم أو أكاديمي، بل هو شخصية ملتزمة تتبنى موقفاً وجودياً متجاوزاً، ينفي اليقينيات المطلقة التي تسعى إلى طمأنينة زائفة.

يرتكز تحليل هذا المفهوم على تحديد التناقض الأساسي للوجود البشري. يكمن هذا التناقض في الصدام المستمر بين الدافع الغريزي القوي والساحق للاستمرار في الحياة، وبين الوعي المعرفي اليقيني والمفاجئ بحتمية الفناء الذاتي، وهو ما نُطلق عليه "مبدأ الفناء المتناقض". هذا الصدام يُولِّد "الإرهاب الوجودي" الكامن في صميم التجربة البشرية، وهو مصدر القلق الذي يجب إدارته. إن كيفية إدارة هذا الإرهاب هي ما يفرّق بين الوعي المقموع والوعي الترانسندالي.

يتطلب بناء مفهوم "الوعي الترانسندالي" مقاربة تركيبية؛ حيث يجب تجاوز الأطر الثنائية التقليدية ونقد الوعي الخالص، وربطه بإدراك الفناء كبنية أساسية للوجود (على غرار هايدغر). هذا الإدراك الأنطولوجي لحتمية الموت هو الشرط الأساسي الذي يحرر المثقف من الحاجة إلى الماهيات المسبقة واليقينيات الميتافيزيقية، مما يؤهله لمقاومة البنى الاجتماعية التي تُستخدم كآليات دفاع ضد هذا القلق.

الوعي الترانسندالي: قفزة الوعي

يُعرَّف هذا التطور المعرفي البشري، أو ما يُسمى بـ "القفزة المعرفية"، بأنه تجاوز نوعي في القدرات العقلية مكَّن من العمليات المعرفية العليا كالتفكير المجرد واللغة. هذه القفزة شكّلت قوة مزدوجة؛ فبينما قدمت آليات متقدمة للتحرر والاستدلال، أنتجت في الوقت ذاته شروط العبودية الوجودية.

إن هذه القفزة المعرفية هي التي تُنتج ما يُسمَّى "الوعي القاتل". يُسمَّى الوعي بذلك لأنه يُمكّن قدرة التنبؤ والتفكير في المستقبل البعيد، وهي قدرة تنمو مع تطور آليات التفكير المجرد والاستنباط التي تظهر في مرحلة المراهقة النضيجة. هذا الإدراك المعرفي يسمح للوعي ببناء تمثّلات تشمل المعارف والاعتقادات، ولكنه يحمل معه إدراكاً لا مفر منه لحتمية الفناء الذاتي. يُعدّ هذا الوعي بالفناء، كظاهرة وجودية وليست بيولوجية بحتة، هو اللبنة الأساسية التي يتشكل عليها الوعي الترانسندالي.

نقد الوعي الخالص: الانخراط الفينومينولوجي

يرفض الوعي الترانسندالي المفهوم الكلاسيكي لـ "الكوجيتو الديكارتي" أو "الوعي الخالص". فالتفكير المجرد، كما تصوره ديكارت، يعتبر وهماً مثالياً لأنه لا يعترف بضرورة تعلق الذات بجدلية الموضوع والواقع. هذا الوعي النقي غير قابل للتحقق كوجود فاعل، بل يبقى وجوداً افتراضياً لا يُدرك.

لهذا، لا يُنظر إلى الوعي الترانسندالي على أنه نقاء باطني معزول، بل هو "فعل أنطولوجي" يتم اكتسابه من خلال "الانخراط المستمر في العالم". الوجود الفعلي (الانخراط) يسبق نقاء الوعي ويمنحه حقيقته الأنطولوجية. الوعي الحقيقي يكمن في ديناميكية العلاقة والتعلق بالوجود الفعلي.

تتحقق الحرية في هذا السياق كـ "انكشاف" للوجود، يتجاوز حدود العقل المقنَّن والمروّض. الوعي الترانسندالي هو القدرة على التحرر من الحاجة إلى السيطرة التي يفرضها العقل المثالي، وقبول "الصيرورة المفتوحة" والوجود كـ "مغامرة مستمرة". في هذا التجرد، يصبح المثقف واعياً بمسؤوليته عن اختياراته، متجاوزاً اليقينات الثابتة.

الميتافيزيقا: حدود المعرفة غير المشروعة

عملت الفلسفة النقدية، بدءاً من كانط، على إدراك حدود المعرفة الميتافيزيقية. اعتبر كانط الميتافيزيقا الكلاسيكية محاولة "غير مشروعة" لإنتاج معرفة يقينية تتجاوز حدود التجربة الممكنة. المثقف الإنساني يتخلى عن هذا الوهم من خلال إدراك الحدود المعرفية التي تحدد إمكانية إنتاج المعرفة الحقيقية.

وفي سياق موازٍ، اعتبر الفكر الماركسي أن الانشغال باللاهوت والميتافيزيقا هو "ضرب من العبث"، مؤكداً أن هذا الانشغال لن يقدم حلولاً لمشكلات الواقع. تركز الماركسية على أن المادة موجودة بشكل مستقل عن وعي الإنسان، وأن الوعي الاجتماعي يتغير بتغير عناصر الوجود الاجتماعي، مما يشدد على أهمية الوجود المادي في توليد الوعي وتشكيله. المثقف الإنساني يستوعب هذا النقد لإعلاء أهمية الواقع المنخرط.

انحلال المفهوم في الفلسفة المعاصرة

في الفكر الفلسفي المعاصر، واجه مفهوم الميتافيزيقا تحولاً كبيراً، حيث أصبح "مفهوماً هلامياً" يصعب الإمساك به. بل تحول في بعض الأحيان إلى وصف قدحي، أو "شتيمة في الفلسفة"، تُلقى في وجه الخصم الفلسفي، كما حدث في المناقشات بين نيتشه وهايدغر ودريدا.

كما انتقل المصطلح إلى سياقات ثقافية وأدبية واسعة، حيث صار يُستخدم لوصف كل أمر "عميق مبهم" المثقف الإنساني يرفض هذا الاستخدام التبسيطي الذي يفرغ المفهوم من حمولته النقدية الفلسفية، ويتمسك بضرورة التعامل مع الميتافيزيقا كـ "بنية فلسفية" تخضع للنقد، لا كظاهرة أدبية غامضة.

النزعة السلطوية وبيع "الغياب المنظم للقلق"

تستغل الأنظمة السلطوية الإرهاب الوجودي ببراعة كآلية دفاع وجودي. فالنزعة السلطوية لا توفّر القوة فحسب، بل "تبيع الغياب المنظَّم للقلق" عبر إعادة الفرد إلى حالة "الغفلة والتسطّح" (ما قبل الوعي) ضمن إطار اجتماعي مقبول.

يتم قمع الوعي الفردي لأنه "أقرب للصدق" ويولّد القلق الوجودي الذي تسعى الأيديولوجيا لإدارته. يغذّي قلق الموت هذا الصراع الفرويدي بين إيروس وثاناتوس، حيث يتم توجيه طاقة ثاناتوس (التي تسعى للتدمير الذاتي والرجوع إلى حالة العدم) نحو الخارج في شكل عدوان ودفاع قسري عن الحدود الثقافية، وهي الأرضية النفسية التي تتأسس عليها النزعة السلطوية.

الجمعنة كآلية دفاع ضد الوعي الفردي

تُستخدم "الجمعنة" لفرض التجانس الثقافي كآلية دفاع وجودي منظمة. يتم طمس معالم الشخصية الفردية لصالح "الأنا الجمعي المجبول على فرض التجانس". هذا التحول ضروري للسلطة لأن الوعي الجمعي يدمج الفرد في بنية "خلود رمزي" أكبر منه (الدولة، الأمة، الأيديولوجيا).

إن الوعي الترانسندالي يمنح المثقف "المنظار الكاشف" لمواجهة "عقلانية المجتمع الصناعي المتقدم" التي تنتهج التنميط وتصادر كل حظوظ التغيير. هذا التنميط هو التعبير العملي عن النزعة الميتافيزيقية التي تسعى لفرض جوهر ثابت على الوجود المتحول، والمثقف الإنساني يرفض هذه المصادرة على الحرية والتحول.

 الوعي الترانسندالي كقوة للمقاومة الأنطولوجية

تتبني الفلسفة الوجودية الحرية كـ "انكشاف للوجود"، حيث يتجاوز الإنسان حدود العقل المقنَّن. الوعي الترانسندالي هو رفض للحرية "المقنّنة" أو "المروضة" التي توفرها البنى الاجتماعية والمنطق والتوقع. إنه يمثل وعياً عميقاً بالمسؤولية الكاملة عن الاختيارات في غياب القيود الخارجية واليقينات الميتافيزيقية. هذا الموقف يجعل من وجود المثقف نفسه فعلاً مستمراً من اللقاء والتجديد، ويضعه في تناقض جوهري مع أي نظام سلطوي يسعى لفرض الثبات واليقين.

المثقف كـ "فيلسوف وجودي عامل"

يُستنتج أن المثقف الإنساني هو تجسيد للموقف الوجودي النقدي في المجال الاجتماعي. يتمركز تحققه حول قدرته على دمج الحقيقة الأنطولوجية للفناء في ممارسته اليومية، مما يمنحه حصانة لا تتزعزع ضد إغراءات اليقين والسيطرة. هذا الدمج بين الوعي الترانسندالي والتحرر الإبستمولوجي يضمن للمثقف استقلالاً مطلقاً، حيث لا يمكن استقطابه لأنه لا يبحث عن مصادر خارجية لإنهاء قلقه الوجودي.

التحديات المعاصرة

يواجه المثقف الإنساني تحدي الاندماج وبالتالي، التحول إلى خبير أو متعلم معزول، بدلاً من أن يكون صاحب موقف نقدي ملتزم، وعليه مواجهة مقاومة تنميط العقلانية التي تسعى لمصادرة الوعي. لذا إن الوعي الترانسندالي يدعو المثقف إلى الالتزام بالصدق في مواجهة القلق، والتحذير من الانخراط في الجدل الميتافيزيقي الهلامي الذي يفرغ المفهوم من محتواه النقدي، أو يبسّط الوعي المتقدم إلى مجرد وصف لكل ما هو عميق ومبهم.

تتمثل مهمة المثقف الإنساني في تحرير الوعي الإنساني عبر توظيف الوعي الترانسندالي والتحرر الإبستمولوجي. هذه العملية المزدوجة هي "شرط لإنتاج المعرفة الحقيقية التي تشبع نهم الوجود في كليته". ان قبول اللايقين الأنطولوجي والتخلي عن أوهام اليقين الميتافيزيقي، يبقي المثقف منخرطاً في صيرورة الوجود المفتوحة، ومؤسساً لمقاومة فكرية مستدامة ضد كافة أشكال القمع والعبودية الوجودية.

***

غالب المسعودي

.........................

المراجع

al-kateb.com

الوجودية والعقل والحرية: تجسيد الحرية في صيرورة الوجود - آزادي بوست

Full text of "lisanarb_sa31" - Internet Archive

الميتافيزيقا بوصفها ما وراء الطبيعية: الدلالة والمعنى – Khitab Delta

قراءة في كتاب إدوارد سعيد المثقَّف والسلطة - maaber.org

اإلنسـان والوعـي في فلسفـة ھربـرت ماركـــوز - depot.umc.edu.dz

عندما يدّعي احد انه براجماتي (عملي او وظيفي) في قضايا السياسة الاقتصادية سيلقى ترحيبا من أولئك الرافضين للأيديولوجية او التفكير الأيديولوجي الاخلاقي الذي يستلزم مبادئ أساسية غير موجودة وفقا للبرجماتي . لكن يمكن القول ان البرجماتية الأخلاقية ليست اتجاها سليما للحياة بما في ذلك السياسة الاقتصادية لأن استعمال مبادئ لتوجيه السلوك الفردي والشؤون العامة هو امر مقبول وشائع. يكفي ان ننظر الى أمثلة حول الإصرار الحاد على الصدق من جانب الآباء عندما يربّون أطفالهم، ورفض أي نوع من الإساءة للأطفال بالإضافة الى استعمال الإجراءات القانونية الواجبة في القانون الجنائي، والرفض العام الواسع الانتشار للتعذيب في مواجهة الإرهابيين، والدفاع القوي عن الموقف المؤيد للحياة او المؤيد للاختيار في النقاش حول الإجهاض، وبشكل عام، تجسيد أخلاق النزاهة.

هذه الطرق الغير برجماتية في التفكير والسلوك، تجعل الاتجاه البرجماتي يُطبق اختياريا أي، على السياسة الاقتصادية ولكن ليس على القانون الجنائي. لكن المشكلة التي تبرز هي متى يجب ان نكون برجماتيين ومتى يجب ان يتمسك المرء بمبادئه؟ لو أخذنا قضية الإجهاض مثلا هل من المبرر أيديولوجيا او مبدئيا ان يكون للمرأة حق الاستمرار في الحمل والحفاظ على حياة الجنين؟ واذا عارض احد ما جريمة الاغتصاب تحت أي ظرف هل يُعتبر أيديولوجيا او دوغمائيا اواصوليا؟ ماذا عن الآباء الذين يصرون على ان أطفالهم يقولون الحقيقة ولا يكذبون ابدا؟هل هم ناس دوغمائيين وهل تربيتهم للأطفال معيبة وخطيرة؟

لكن عندما نأتي الى مصادرة حقوق الناس لمختلف الأغراض العامة (كما في حكم المحكمة العليا الامريكية عام 2005 في قضية كيللو ضد مدينة نيو لندن)(1) بعض خبراء القانون يدّعون ان هذه "براجماتية حكيمة" رفض معقول لأصولية السوق العمياء او "تفكير أيديولوجي". لماذا مبدأ حقوق الملكية الخاصة أقل الزاما لنا في مثل هذه الحالات مقارنة بمبدأ نزاهة جسد المرأة او تلك التي تتطلب الامتناع عن التعذيب حتى في ظروف الحرب؟ وبطريقة أخرى، لماذا بعض الفلاسفة والمفكرين تحديدا ليسوا برجماتيين حول التعذيب او التحرش بالأطفال؟ لماذا هم لا يدينون أولئك الذين يصرون على انه يجوز تحت أي ظرف لأي شخص ارتكاب جريمة الاغتصاب القانوني (غير الاجباري) باعتبارهم متعصبين سيئين؟ هل البرجماتيون يجدون من الملائم لمصالحهم التقليل من أهمية بعض المبادئ مثل حقوق الملكية الخاصة او الحق في محاكمة عادلة، بينما يعتقدون ان مبادئ أخرى تستحق المناصرة؟ ام ان الانسجام المنطقي والفلسفي ذاته ضحية للبرجماتية؟

من الملفت ان البرجماتي لويس C.I.Lewis الذي جادل في كتابه (الذهن ونظام العالم،1929) ان المنطق هو شيء اخترعناه وقد نستغني عنه لو اخترنا ذلك). من المفترض لا وجود لعذر للتخلي عن التفكير المبدئي او السلوك حول الاغتصاب او التحرش بالأطفال، ولكن لبعض الأسباب يُفترض قبول انتهاك حقوق الملكية او الحرية الشخصية في حالات اعتقال الإرهابيين مثلا.

مبادئ متضاربة

يمكن القول ان البرجماتية معيبة بشكل خطير. لا يستطيع أي من المدافعين عن هذا المبدأ ان يحدد متى يكون مقبولا ان يكون المرء برجماتيا، ومتى تكون البرجماتية بغيضة أخلاقيا وغير مسموح بها. العديد من السياسيين البرجماتيين وخبراء السياسة العامة، لا يعطون إشارة متى يكون التفكير او السلوك المبدئي مطلوبا ومتى يكون من المقبول دوغمائيا وايديولوجيا الاتّباع الصارم لمثل هذه المبادئ. هذا يعطيهم المرونة في كيفية استمرارهم في السياسات العامة او حتى السلوك الفردي. الرئيس السابق بل كلنتون وبطل الغولف تايغر وود يمكنهما القول بأعلى اصواتهما، "لكن لماذا هم يلوموننا على خرق تقاليد الزواج عندما هم يخرقون كل أنواع المبادئ؟" وما هو أسوأ، ان المناصرين لعمليات الايهام بالغرق او حتى اشكال التعذيب شديدة القسوة يمكن ان يحفزوا البرجماتية، قائلين “حسنا انها تنجح في بعض الأحيان، لأنه في ضوء أهمية الحصول على معلومات من المتّهمين، سيكون من المقبول دوغمائيا وايديولوجيا السماح بذلك".

مرة أخرى، اين الخط الفاصل بين السلوك الذي يتبع اتجاها برجماتيا والسلوك الذي لا يتبع ذلك؟ متى يكون السلوك المبدئي بلا قيمة ولماذا يكون هناك وليس في مكان آخر؟ في الحقيقة، ان السياسيين والبرجماتيين الأخرين يعلّمون أطفالهم حول المبادئ- وقد يتم التخلص منها متى ما تصبح غير ملائمة وحيثما تقف في طريق انجاز اهداف معينة مرغوبة مثل الحفاظ على سرية تدخين الحشيش او تمويل البنوك وشركات السيارات بنقود ناس آخرين؟

يبدو ان المدافعين عن البراجماتية لديهم مشكلة. وهي كما لو ان البرجماتية ليست عملية أبدا طالما لا يمكن تطبيقها باستمرار او بانسجام في كل من الشؤون الشخصية او العامة.

***

حاتم حميد محسن

..................................

الهوامش

(1) في هذا الحكم عام 2005 قررت المحكمة العليا السماح للحكومة بالاستيلاء على ملكية خاصة لأغراض التنمية الاقتصادية، فقامت بتوسيع تعريف "الاستخدام العام “ليشمل اهداف عامة مثل خلق وظائف وزيادة الإيرادات الضريبية حتى لو تطلب ذلك إعطاء ارض من مالك خاص الى آخر، وهو ما اثار استياءً واسعا دفع الولايات الى سن قوانين تحمي الملكية الخاصة.

يعتبر التغير الاجتماعي من الخصائص التي ارتبطت بالظواهر الإنسانية إذ لا وجود لمجتمع ثابت مهما كانت درجة بدائيته، لذلك فإن الباحث في دراسة الظاهرة الاجتماعية يلاحظ كيف تتغير القيم من عصر إلى عصر، ومن مجتمع إلى آخر، بل في المجتمع نفسه، فمثلا خروج المرأة للعمل والذي كان يُعد خروجا عمّا هو مألوف أصبح الآن أمرا طبيعيا، ولم يقتصر التغيّر على النواحي الاجتماعية فقط، وإنما تخطاها إلى أساليب الإنتاج واستعمال التكنولوجيا الحديثة عوضا عن اليد العاملة.

بناء على ذلك يدل مفهوم التغير الاجتماعي على التبدّل الذي يطرأ البنيات في فترة زمنية محددة على الأبعاد الاجتماعية زمني ، وما يعني وجود قوى اجتماعية تدفع أو تسهم في حدوث هذا التغير في اتجاه معين وبدرجات متفاوتة الشدة (1)، وهو قد يطال بناء المجتمع بأسره، كما هو الحال في الثورات، كما قد ينحصر في حقل معين أو نظام اجتماعي خاص مثل الأسرة، الدّين، السياسة... ويعرّف معجم العلوم الاجتماعية التغير الاجتماعي على "أنه كل تحوّل يقع في التنظيم الاجتماعي سواء في بنائه أو في وظائفه خلال فترة زمنية معينة ويشمل ذلك كل تغير في التركيب السكاني للمجتمع أو في بنائه الطبقي ونظمه الاجتماعية أو في أنماط العلاقات الاجتماعية أو في القيم والمعايير التي تؤثر في سلوك الأفراد والتي تحدد مكانهم وأدوارهم في مختلف التنظيمات الاجتماعية التي ينتمون إليها (2)

و يميز علماء الاجتماع بين التغيّر الاجتماعي والتغير الثقافي، فالأول يطرأ على العلاقات بينما الثاني يعتري القيم والمعتقدات والرموز السائدة في المجتمع (3). غير أنه تطبيقيا يصعب الفصل بين نمطي التغيّر، إذ التغير الثقافي يسببه أشخاص أو مجموعة، هم جزء من البناء الاجتماعي، كما أن للتغير الاجتماعي مكونات ثقافية مهمة في تحديده، ومع ذلك فإنه يمكن فصل بعض التغيرات الثقافية كالتي لها علاقة باللغة والفن والفلسفة، عن السلوك الاجتماعي.

ويمكن القول في هذا السياق أن تبني مصطلح التغير الاجتماعي من قبل علماء الاجتماع كان للتدليل على صور التباين التاريخي في المجتمع، وقد ساهم في رواج هذا المصطلح كتاب "التغير الاجتماعي" لمؤلفه ويليام اجبرن، عام 1922، الذي بين فيه دور العناصر البيولوجية والثقافية في حدوث التغير الاجتماعي، وطرح فرضية "الهوة الثقافية" وما يسمى بالثقافة التكيفية، وهو التغير الذي يطرأ على جزء من الثقافة اللامادية ويصبح مصدرا للضغط والصراع (4). وقد اختلف علماء الاجتماع حول مفهوم التغير الاجتماعي بين من اعتبره بديلا محايدا عن فكرة التقدم ومن اعتبره تغيرا في البناء الاجتماعي وحجم المجتمع والتوازن بين أجزائه أو نمط التنظيم (Ginsberg) ويرى آخرون أنّه تعديل يحدث في المعاني والقيم التي تنشر في المجتمع أو في جماعاته النوعية (Ross) .(5) ويمكن في هذا السياق تعريف التغير الاجتماعي بأنه تبدل في النظم والأجهزة الاجتماعية من الناحية البنائية والوظيفية خلال مدة زمنية محددة.(6)، ويتجلى التغير الاجتماعي في كل تمظهرات الحياة الاجتماعية، مما جعل بعض علماء الاجتماع يقولون بأن المجتمعات هي وعاء بجملة تفاعلات وعمليات اجتماعية في تغير وتفاعل متواصلين أما الركود أو الجمود في أي مستوى من مستويات الحياة الاجتماعية فأمر لا يمكن التسليم به، إذ المجتمعات المختلفة منذ نشأتها الأولى كانت تتغير  كما لا ينحصر التغير الاجتماعي في حقل من الحقول الاجتماعية وإذا بدأ فمن الصعب إيقافه، نظرا لما بين النظر الاجتماعية والتنظيم الاجتماعي الشامل من ترابط وتفاعل وظيفي ضمن ما يسمى في علم الاجتماع بالأنساق الاجتماعية (7).

وفي بحثنا في مفهوم التغير الاجتماعي يمكن التسليم بمقولة أن "التغير هو قانون مجتمعاتنا" (8)، وأي نظرة للمجتمع تدل على أنه تغير لا يهدأ وهو لا ينفي استقرار المجتمع وثباته، بل أن حقيقة البناء الاجتماعي هي ضمن مفارقة الثابت والمتحول في آن واحد.

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الأبحاث والدراسات حول مفهوم التغير قد مثلت تقليدا في علم الاجتماع قد عرفته عديد الثقافات والمجتمعات فآبن خلدون قد حلل وأشار إلى العناصر المؤثرة في عملية التغير عندما ركز على المجتمع العربي البدوي ذي النعرة العصبية القوية والذي يقوم على الفلح والحيوان في معاشه، وهؤلاء البدو تدعوهم الضرورة "ولا بد إلى البدو لأنه متسع لما لا يتسع له الحواضر، ثم إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفاه دعاهم ذلك إلى السكون والدعة، وتعانوا في الزائد على الضرورة، واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضر" (9)، يرى ابن خلدون  أن المجتمعات تمر بمراحل تبدأ بالطفولة ثم مرحلة الشباب والنضج، ثم مرحلة الشيخوخة وهذا تغيّر دائري، يُرجع المجتمع من حيث بدأ فهو تحول من البداوة البسيطة إلى الحضارية المعقدة، هو حصيلة أساسية لتغيير موارد معاشية بدائية إلى أخرى تتميز بالثراء والترف والتأنق ومعقدة الطّبيعة (10).

و في هذا الإطار يرى بعض علماء الاجتماع على غرار ماكس فيبر أن التغير الحقيقي في المجتمع، هو تغيّر في نسق القيم عند ربطه بين الدين والرأسمالية، بينما يرى البعض الآخر أن تعدد العناصر مجتمعة هو الذي يحدث التغيّر وذلك من خلال المزج بين العناصر المادية واللامادية. (11) ويذهب "أندرسون" إلى أن تقبّل التغيّر الاجتماعي مرتبط بعناصر أساسية أهمّها: الحاجة إلى التغيّر بمعنى أن يكون المجتمع في حاجة ماسّة إلى التغير، أي في وضع تقبله، عند وجود وعي بأنه ضروري لتحقيق جملة من الأهداف بنجاعة وفاعلية ثمالتوسع في الإشباع إذا كان التغيّر أقدم وأعمق من العوامل القديمة على إشباع الحاجيات المادية والمعنوية والنفع والفائدة عند القبول الطوعي والتلقائي للتغير وبسهولة هو مؤشر على حصول المنفعة وتلبية الحاجيات.

كما يعرف التغيّر الاجتماعي بأنه "التغيّرات التي تحدث في التنظيم الاجتماعي أي في بناء المجتمع ووظائف هذا البناء المتعددة والمختلفة" (12). وهو ما يدل على أن التغير الاجتماعي تأتي على عدة أشكال منها التغير في القيم الاجتماعية، والتي تؤثر بطريقة مباشرة في مضمون الأدوار الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي والتغير في النظام الاجتماعي، أي في الأدوار والمراكز، فهو "ظاهرة تخضع لها نواميس الكون وشؤون الحياة من خلال التفاعلات والعلاقات والتبادلات الاجتماعية المستمرة والتي تفضي إلى تغير دائم" (13)، ويذهب (جنزبيرج) إلى أن التغيّر الاجتماعي "هو كل تغيّر يطرأ على البناء الاجتماعي في الكل والجزء، وفي شكل النظام الاجتماعي، ولهذا فإن الأفراد يمارسون أدوارا اجتماعية مختلفة عن تلك التي كانوا يمارسونها خلال حقبة من الزمن" (14)، ويعرّف "جي روشي" التغيّر بأنه كل تحوّل في البناء الاجتماعي يلاحظ في الزمن لا يكون مؤقتا سريع الزوال لدى فئات واسعة من المجتمع ويغير مسار حياتها (15) كما يعرّف التغيّر بكونه عملية اضطرارية ومستمرة للتحوّل أو التعديلات التي تطرأ على أنساق العلاقات الاجتماعية (16). ويعتبر "ميلز" أن التغيّر الاجتماعي هو التحول الذي يطرأ على النظم الاجتماعية، وقواعد الضبط الاجتماعي التي يتضمنها البناء الاجتماعي في مدة معينة من الزمن ، ولا يعني التغيّر أنه دائما للأفضل فقد يكون للأسوأ، وماهو سلبي لمجتمع معين قد يكون إيجابيا لآخر، لأن التغيّر ليس واحدا أو خطيا وأداتيا يعتمد نفس التوجهات والوسائل، ويكون نتيجة عوامل داخلية متراكمة عبر التاريخ الاجتماعي وعوامل أخرى قد تكون خارجية (17) بفعل التفاعل مع مجتمعات أخرى وهي عناصر داخلية وخارجية متفاعلة ومتداخلة تضع هذا التغيّر (18)، الممتدة في مرحلة زمنية معينة (19)

 ***

د. محمد الهادي حاجي - تونس

...................................................

(1) الحسيني (السيد)، مفاهيم علم الاجتماع، دار قطري بن الفجاءة الدوحة، الطبعة الثانية، 1987، ص 23.

(2) بدوي (أحمد)، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، مكتبة لبنان بيروت 1978، ص 382

(3) سعد عبد الحميد (محمود)، دراسات في علم الاجتماع الثقافي التغير والحضارة، مكتبة نهضة الشرق ، القاهرة 1982 ص 41.

(4)سعد عبد الحميد (محمود)، دراسات في علم الاجتماع الثقافي التغير والحضارة، مكتبة نهضة الشرق ، القاهرة 1982 ص 63.

(5) الجوهري (محمد) وآخرون، التغير الاجتماعي، دار المعرفة الجامعية الاسكندرية، 1995 ص 42.

(6) غيث (محمد عاطف)، قاموس علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية 1988 ص 414.

(7) الجوهري(محمد)، وآخرون، التغير الاجتماعي، مرجع سابق، ص 42.

(8) Aubin (F), "Anthropologie du Nomadisme", in cahiers de sociologie V-I vi, 1974. P 83.

(9)ابن خلدون (عبد الرحمان)، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، الكتاب الأول، المقدمة، دار التراث العربي، بيروت، الطبعة 4، ص 38.

(10) الذوادي (محمود)، أضواء جديدة على محددات العقل العمراني الخلدوني، مركز النشر الجامعي، تونس 2003، ص 208.

(11) الجوهري (محمد) وآخرون، التغير الاجتماعي، مرجع سابق، ص 56.

(12) غيث (محمد عاطف)، التغيّر الاجتماعي والتخطيط، دار المعارف، الطبعة الثانية، القاهرة، 1966، ص 25.

(13) العسل (إبراهيم)، الأسس النظرية والأساليب التطبيقية في علم الاجتماع، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1997، ص 75.

(14) النكلاوي (أحمد)، التغيّر والبناء الاجتماعي، مكتبة القاهرة الحديثة، 1968، ص 8.

(15) Rocher (Guy), le changement social, introduction à la sociologie générale, éd H.M.H. Paris 1968, p19.

(16) السيد عبد العاطي (السيد)، المجتمع والثقافة والشخصية، دار المعارف الجامعية، القاهرة، (لا- ت)، ص 83.

(17) السعيداني (منير)، مقدمات في علم الاجتماع الهوية، مكتبة علاء الدين، صفاقس، كلية العلوم الإنسانية أفريل 2005، ص 152.

(18) (جماعي)، المجتمع والدولة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1988، ص 39.

(19) غيث (محمد عاطف)، علم الاجتماع، النظم والتغير والمشاكل، الجزء2، دار المعارف الإسكندرية، (لا- ت)، ص 191.

 

في المثقف اليوم