عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

تجربة التزام وجودي وفعل حضاري مقاوم

مقدمة: في عصر الرداءة، حيث يسود السطحي والمبتذل والمصطنع، تصبح الكتابة الفلسفية ليست مجرد نشاط فكري أو مهنة أكاديمية، بل تتحول إلى تجربة وجودية عميقة تتطلب التزاماً كاملاً بالذات والعالم معاً. الرداءة هنا ليست مجرد انحطاط أخلاقي أو ثقافي عابر، بل هي حالة حضارية شاملة تتميز بسيطرة الاستهلاك على المعنى، وتحول اللغة إلى أداة دعاية، وتفريغ الفكر من قدرته على النقد والتجاوز. في هذا السياق، يصبح الكاتب الفيلسوف شاهداً ومقاوماً في آن واحد؛ إنه يختار أن يوجد من خلال الكتابة، ويحول هذا الوجود إلى فعل مقاوم يسعى إلى إعادة بناء الحضارة من داخل أنقاضها.

هذه الدراسة تتناول الكتابة الفلسفية كتجربة التزام وجودي، أي كاختيار حر يعيد تشكيل الذات في مواجهة العبث، وكفعل حضاري مقاوم يرفض الاستسلام للانهيار ويزرع بذور المستقبل. سنستكشف أبعاد هذه التجربة تفصيلاً، من خلال تحليل طبيعة زمن الرداءة، ثم جوهر الالتزام الوجودي، وأخيراً وظيفتها الحضارية المقاومة. فماهي مقومات الكتابة الفلسفية؟ هل هي التزام وجودي ام فعل حضاري مقاوم؟

طبيعة زمن الرداءة: السياق الحضاري للكتابة

الرداءة ليست مجرد نقص في الجودة، بل هي نظام كامل يعيد تشكيل الوعي الإنساني. في هذا الزمن، يصبح الإعلام والترفيه والتكنولوجيا أدوات لتصنيع الرأي العام، حيث يُفضل السريع والمبسط على العميق والمعقد. تتحول المعارف إلى محتوى استهلاكي يُقاس بمقاييس الانتشار والإعجاب، لا بقيمتها الحقيقية. اللغة نفسها تُفرغ من دلالاتها: الكلمات الكبيرة مثل الحرية والعدالة والحقيقة تُستخدم في الدعاية السياسية والتسويقية حتى تصبح فارغة. في هذا المناخ، يعاني الفكر الفلسفي من عزلة مزدوجة: عزلة عن الجمهور الذي أدمن السطحية، وعزلة داخل المؤسسات التي تحولت إلى مصانع للشهادات والأبحاث الروتينية. الكاتب الفيلسوف يواجه إغراء الانسحاب إلى برج عاجي أو الاستسلام للكتابة التوافقية التي تُرضي الجميع دون أن تؤذي أحداً. لكنه إذا اختار الطريق الأول أو الثاني، فإنه يفقد جوهره: قدرته على أن يكون صوتاً للإنسان في مواجهة آليات الرداءة.

هنا تكمن خطورة الرداءة: إنها لا تقتل الفكر مباشرة، بل تجعله غير مرغوب فيه، غير مرئي، غير قادر على الانتشار. تصبح الكتابة الفلسفية الحقيقية، إذن، عملاً شاقاً يتطلب مقاومة يومية للإغراءات: إغراء التبسيط، إغراء الشهرة السريعة، إغراء اللغة الجاهزة.

الكتابة الفلسفية كتجربة التزام وجودي

الالتزام الوجودي في الكتابة يعني أن الكاتب لا يكتب "عن" الفلسفة فحسب، بل يكتب "من" وجوده كله. إنه يختار أن يوجد ككاتب في مواجهة اللامعنى الذي تفرضه الرداءة. هذا الاختيار ليس قراراً نظرياً، بل هو مخاطرة يومية: مخاطرة التعرض للنقد، للعزلة، للفشل في الوصول إلى الآخرين.

في هذا الالتزام، يصبح الكاتب مسؤولاً عن كلماته كما لو كانت أفعالاً. كل جملة تُكتب هي إعلان عن رفض اللامبالاة. إنها تجربة تتجاوز الذات الفردية لتصل إلى الإنسانية جمعاء. الكاتب الفيلسوف في زمن الرداءة يدرك أن وجوده ليس معطىً، بل مشروعاً يُبنى بالكتابة. هو يواجه القلق الوجودي الناتج عن إدراك هشاشة المعنى، فيحوله إلى طاقة إبداعية. الكتابة هنا ليست تعبيراً عن أفكار جاهزة، بل هي عملية اكتشاف مستمر: اكتشاف الذات من خلال مواجهة العالم، واكتشاف إمكانيات العالم من خلال نقد الذات.

هذا الالتزام يتطلب صفات معينة: الصدق الراديكالي الذي يرفض التزييف، والشجاعة التي تواجه السخرية، والصبر الذي يقاوم الضغط اليومي للإنتاج السريع. الكاتب يعيش حالة توتر دائم بين الحاجة إلى الوضوح والاعتراف بتعقيد الواقع، بين الرغبة في التأثير والرفض للتبسيط. هذا التوتر هو مصدر إبداعه الحقيقي. إنه لا يكتب ليُرضي، بل ليوقظ. لا يكتب ليُكمل، بل ليخلق فجوة في جدار الرداءة.

الكتابة الفلسفية كفعل حضاري مقاوم

تتجاوز الكتابة الفلسفية الحدود الفردية لتصبح فعلاً حضارياً. في زمن يسعى فيه النظام الثقافي إلى تسطيح الوعي وتوحيد الأذواق، تصبح الكتابة مقاومة لأنها تعيد إحياء القدرة على التفكير النقدي والتخيل البديل. هي فعل مقاوم لأنها ترفض الاستسلام لـ"نهاية التاريخ" أو "نهاية الفكر"، وتؤكد على إمكانية التجاوز.

المقاومة هنا ليست مواجهة مباشرة بالعنف، بل هي مقاومة بالمعنى واللغة والرؤية. الكاتب الفيلسوف يبني عالماً موازياً داخل النص: عالماً يحتفظ فيه بالدقة والعمق والجمال الذي فقدته الحضارة. من خلال تحليل آليات الرداءة – الاستهلاك، التكنولوجيا كأيديولوجيا، فقدان الذاكرة التاريخية – يفتح الكاتب أبواباً لفهم مختلف. هو يذكر القارئ بأن الإنسان ليس مستهلكاً فقط، بل كائناً مفكراً وقادراً على الحرية.

هذا الفعل الحضاري يمتد عبر الزمن. الكتابة الفلسفية في زمن الرداءة هي زرع بذور لمستقبل قد لا يراه الكاتب. إنها تحافظ على سلسلة الحوار الحضاري الذي يمتد من القدماء إلى المعاصرين، وتضيف إليه صوتاً جديداً يناسب أزمة العصر. بهذا المعنى، هي مقاومة للنسيان: نسيان القيم الكبرى، نسيان قدرة اللغة على التحرير، نسيان إمكانية بناء حضارة أفضل.

المقاومة تظهر أيضاً في أسلوب الكتابة نفسه. اللغة الفلسفية الحقيقية ترفض الجاهز والمكرر؛ هي تبحث عن الدقة والإيحاء والإيقاع الذي ينقل الخبرة الوجودية. بهذا، تُعيد الكتابة تشكيل الوعي القارئ، وتجعله شريكاً في عملية المقاومة. كل قراءة جادة تصبح فعلاً مشتركاً في مواجهة الرداءة.

خاتمة:

في زمن الرداءة، الكتابة الفلسفية ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية وحضارية. إنها تجربة التزام كامل بالحقيقة في مواجهة الكذب المنظم، وبـالمعنى في مواجهة العبث، وبالإنسان في مواجهة الآلة. من خلال هذا الالتزام، يتحول الكاتب إلى مقاوم حضاري يرفض أن تكون رداءة عصره قدراً محتوماً. يواجه الكاتب في هذا الطريق تحديات كبيرة: الوحدة، عدم التقدير، الضغط الاقتصادي، إغراء التحول إلى "مفكر عام" يقول ما يريده الجمهور. لكن هذه التحديات هي جزء من التجربة الوجودية. الالتزام الحقيقي ينمو في مواجهتها، لا في غيابها. الآفاق تبقى مفتوحة. كل نص فلسفي جديد هو انتصار صغير على الرداءة. مع مرور الوقت، تتراكم هذه النصوص لتشكل تياراً مضاداً قادراً على إعادة تشكيل الحساسية الحضارية. الكتابة الفلسفية بهذا المعنى ليست نخبوية منعزلة، بل هي دعوة مستمرة للإنسانية لاستعادة كرامتها الفكرية. هذا الفعل يتطلب تواضعاً عميقاً وشجاعة كبيرة: تواضع الاعتراف بحدود المعرفة، وشجاعة الاستمرار رغم ذلك. في النهاية، ليست الكتابة الفلسفية مجرد إنتاج نصوص، بل هي طريقة للوجود في العالم بطريقة أصيلة، وطريقة لإنقاذ الحضارة من داخلها. كل جملة تُكتب بهذا الروح هي خطوة نحو فجر جديد، حتى لو كان الفجر بعيداً. هكذا تظل الكتابة الفلسفية، في أحلك لحظات الرداءة، نوراً مقاوماً وشهادة حية على قدرة الإنسان على تجاوز نفسه. فكيف تتشكل فلسفة المقاومة بالكتابة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

قراءة في مفهوم الإمكان وأبعاده المعرفية

يظلُّ سؤال الإمكان من أكثر الأسئلة إلحاحاً على جدار الوعي الفلسفي، ذلك السؤال الذي يتعلق بكيفية كون الشيء ممكناً قبل تحققه وبسرّ الفجوة الغامضة التي تتوسط بين العدم والوجود وبين ما لم يزل في حيز التصور وما أصبح واقعاً ملموساً. فالإمكان ليس مفهوماً منطقياً جامداً يُستخدم في تصنيف القضايا وترتيب الأحكام فحسب بل هو بؤرة الوجود ذاتها التي تنبثق منها الأسئلة المؤسسة للمعرفة والوجود معاً، وهو الينبوع الذي تفجرت منه فلسفات الوجود برمتها بدءاً من أرسطو الذي جعله مادةً للصورة وغايةً للفعل وصولاً إلى هايدغر الذي أعاد طرح مسألة الوجود بوصفه إمكاناً محضاً ثم إلى سارتر الذي جعل الإنسان ذلك الكائن الذي وجوده يسبق ماهيته، أي ذلك الموجود الذي يتعين كإمكان صرف قبل أن يتحقق بأي شكل من الأشكال.

وإذا أمعنا النظر في طبائع الأشياء أدركنا أن كل ما في الكون يحمل في طياته بذرة الإمكان قبل أن ينبثق إلى عالم التحقق. فالبذرة تحمل في جوهرها إمكان الشجرة والنطفة تحمل إمكان الإنسان والكلمة تحمل إمكان المعنى والفكرة تحمل إمكان العالم بأسره. والإمكان إذن ليس صفة عارضة تلحق بالأشياء من خارجها بل هو نسيجها الداخلي وسر تحولها وتغيرها وتجددها وهو في الآن ذاته ما يمنح الوجود غنى وامتلاء لأنه لو كان كل ما هو موجود قد تحقق مرة واحدة وإلى الأبد لما كان للزمن معنى ولما كانت للتاريخ قيمة ولما كان للتغيير أو التجدد أو الاختلاف أي أثر يذكر. وما الوجود إلا صيرورة من الإمكان إلى الفعل وما الحياة إلا رحلة شائكة بين ما يمكن أن يكون وما هو كائن بالفعل وبين ما نرجوه ونأمله وما نعيشه ونلمسه.

لقد أدرك أرسطو هذه الحقيقة العميقة حين جعل الإمكان والتحقق ثنائية محورية في فلسفته بل جعل منها مفتاحاً لفهم الحركة والطبيعة والتغير برمتها. فالإمكان عنده ليس مجرد حالة ذهنية أو فرضاً منطقياً بل هو واقع موضوعي في الأشياء، هو المادة التي تحمل في طياتها استعداداً للصورة والعدم الذي ينطوي على بذور الوجود. ولذلك كان تعبيره عن الإمكان بالقوة، ذلك المفهوم العبقري الذي يحل إشكالية التغير من دون الوقوع في مطب العدم المحض أو الوجود الجامد. فالشيء في حال القوة هو وغير هو في آن، هو من حيث إنه يحمل إمكان ما سيصير إليه وغير هو من حيث إنه لم يتحقق بعد. وفي هذه المنطقة الحدودية بين النفي والإثبات، بين العدم والوجود، يضطلع الإمكان بدوره التأسيسي في بناء الوجود برمته.

غير أن إشكالية الإمكان لا تنحصر في أفق الوجود الطبيعي أو الميتافيزيقي فحسب بل تمتد لتطال أبعاداً معرفية وأنطولوجية أعمق تتصل بطبيعة العقل نفسه وبإمكاناته المعرفية. فما العقل البشري في جوهره إلا إمكان محض للفهم والمعرفة وما المعرفة إلا تحقيق لذلك الإمكان عبر مسالك متعددة من الحس والعقل والحدس والتجربة. ونحن حين نتساءل عن إمكان المعرفة أو عن حدود العقل أو عن شروط الفهم المسبقة، فإننا إنما نعيد طرح سؤال الإمكان على المستوى المعرفي ونبحث عن الحدود التي تفصل بين الممكن والمستحيل في عالم الأفكار والمعاني. ويبرز هنا دور الفلاسفة الناقدين وعلى رأسهم كانط الذي أعاد صياغة مسألة الإمكان برمتها من خلال نقده للعقل الخالص، حيث جعل من شروط المعرفة المسبقة إطاراً إمكانياً يحدد ما يمكن أن يعرف وما لا يمكن وأقام تمييزاً حاسماً بين الوجود بوصفه مقولة من مقولات الفهم والوجود بوصفه موضوعاً للحدس والتجربة.

وإذا كانت المعرفة الإنسانية مرهونة بشروط الإمكان التي يرسمها العقل نفسه، فإن الإمكان يصبح بذلك إشكالية تتقاطع فيها الأنطولوجيا مع الإبستمولوجيا وتتداخل فيها مسألة الوجود مع مسألة المعرفة في نسيج واحد لا ينفصم. فنحن لا نعرف الشيء إلا من خلال إمكان معرفته ولا نتصور وجوده إلا ضمن حدود ما يمكن أن يتصور ويفهم، ويعود سؤال الإمكان ليطاردنا من جديد، ليس في الأشياء وحدها بل في علاقتنا بها وفي حدود أدواتنا المعرفية التي نتوسل بها لفهمها. ولعل أعظم ما خلفته الفلسفة الحديثة في هذا المضمار هو ذلك التحول الجذري الذي أوجده هايدغر بطرحه للسؤال الأكثر أصالة وهو لماذا يوجد الكائن بدلاً من أن لا يوجد؟ وهذا السؤال في عمقه الوجودي إنما يعيد صوغ مسألة الإمكان والتحقق في أفق أوسع وأكثر جرأة حيث يصبح الإمكان هو البعد الأنطولوجي الأصيل للوجود نفسه والتحقق مجرد ظهور عارض لذلك الإمكان المتدفق الذي لا ينضب.

إن الوجود هايدغريا ليس حالة جامدة أو واقعة مكتملة بل هو إمكان متجذر في الزمان، زمانية تنفتح على المستقبل من خلال مشروعية الكائن الإنساني الذي يفهم وجوده من حيث هو إمكان للوجود وليس وجوداً محققاً. والإنسان عند هايدغر هو الكائن الوحيد الذي وجوده هو سؤال عن وجوده أي كائن يتعين وجوده من خلال إمكاناته الخاصة وليس من خلال ماهية محددة سلفاً أو جوهر ثابت. ويلتقي هايدغر هنا مع سارتر في اعتبار الإنسان ذلك الموجود الذي يخلق جوهره من خلال وجوده، لكن هايدغر يذهب إلى أبعد من ذلك حين يربط الإمكان بالأصالة واليومية والموت والفناء فلا يكون الإمكان مجرد إطار نظري أو منطقي بل يصير هما وجوديا يمس صميم حياة الإنسان ومعناها.

أما في التقليد الفلسفي الإسلامي فقد احتل مفهوم الإمكان موقعاً مركزياً في النقاشات الكلامية والفلسفية، خاصة في سياق إثبات الحدوث والقدم وفي مسألة العلاقة بين الله والعالم وفي تحديد طبيعة المعرفة الإلهية وعلاقتها بالأشياء قبل وجودها. وقد قدم الفارابي وابن سينا تفريقاً دقيقاً بين الإمكان الذاتي والإمكان الوقوعي وجعلا من الإمكان صفة للوجود الممكن الذي يتوسط بين الوجود الواجب والوجود الممتنع، وهو تقسيم يحمل في طياته نظرية متكاملة في الوجود تختلف جذريا عن المقاربات الأرسطية والمحدثة على السواء. فالوجود عند ابن سينا إما واجب أو ممكن أو ممتنع، والممكن هو ما يكون وجوده وعدمه سواء بالنسبة إلى ذاته ولا يترجح أحد طرفيه إلا بفعل علة خارجية تمنحه الوجود وتحققه من حيز الإمكان إلى حيز التحقق. وهذه النظرة تجعل من الإمكان مرتبة وجودية قائمة بذاتها وليس مجرد حالة عقلية أو منطقية بل هي حالة حقيقية للشيء قبل أن يوجد، وهي ما يحتاج إلى موجد يرجح كفة وجوده على كفة عدمه. وتتخذ مسألة الإمكان في هذا السياق أبعاداً إلهية ومعرفية تتجاوز بكثير مجرد التحليل المفهومي إذ تطرح أسئلة متعالية حول علم الله بالأشياء قبل وجودها وحول إرادته لها وحول حكمته في إيجادها وتوقيتها وتقديرها. فإذا كان الشيء ممكناً في ذاته قبل أن يتحقق فما معنى أن يعلم الله به وهو في حيز العدم؟ وكيف تتعلق الإرادة الإلهية بشيء ليس له وجود؟ وهل الإمكان الأزلي للأشياء يحد من قدرة الله أو يشترط عليها؟ هذه الأسئلة التي شغلت بال المتكلمين والفلاسفة المسلمين ردحاً طويلاً من الزمن إنما تعود في نهاية المطاف إلى ذات الإشكالية الأساسية التي نعالجها هنا، إشكالية الإمكان والتحقق في أبعادها الوجودية والمعرفية وعلاقتها بفهمنا للزمان والمكان والسببية والغائية في العالم.

ولعل ما يميز المقاربة الإسلامية للإمكان أنها لم تنحصر في الجانب المنطقي المجرد ولم تقتصر على التقسيمات الصورية للأقضية والقضايا بل اتصلت مباشرة بمسألة الخلق والوجود والإرادة وبمشكلة الشر والخير والقدر والمصير وهي قضايا وجودية آنية لا تزال تلامس الحياة الإنسانية في أدق تفاصيلها. فالإنسان في هذا التصور هو كائن ممكن تحقق بفعل الخالق وهو يحمل في طياته إمكانات لا تحصى للخير والشر والكمال والنقص وهو مسؤول عن تحقيق إمكاناته على نحو أو آخر من خلال اختياراته وأفعاله وتوجهاته الوجودية. ويصير الإمكان مفهوماً خصباً ممتداً يصل بين السماء والأرض، بين الإلهي والبشري، بين الميتافيزيقي والأخلاقي وبين النظري والعملي وهو في كل ذلك يحتفظ بجوهريته الغامضة التي لا تنكشف تماماً، ذلك الغموض الذي يدفع الفكر إلى التجدد والبحث والتنقيب بلا كلل ولا ملل.

غير أن الإمكان يثير إشكالات معرفية بالغة التعقيد حين نتأمله من زاوية العلاقة بين الذهن والعالم، فكيف نعرف أن شيئاً ما ممكن قبل أن يتحقق؟ وأي معنى للإمكان في عالم لا نحيط به علماً؟ وهل الإمكان صفة موضوعية في الأشياء أم هو مجرد إسقاط من إدراكاتنا الناقصة وعقولنا المحدودة؟ هذه الأسئلة قادت الفلاسفة إلى تفريقات دقيقة بين أنواع الإمكان فحدثوا عن الإمكان الذاتي الذي لا يتنافى مع قوانين الهوية والتناقض وعن الإمكان الموضوعي الذي يرتبط بقوانين الطبيعة ونواميسها وعن الإمكان العملي الذي يتعلق بقدرات الفاعل وإمكاناته الذاتية وعن الإمكان المنطقي المحض الذي لا يعرف سوى شرط الامتناع والتناقض. لكن كل هذه التفريقات وإن كانت مفيدة منهجياً تظل عاجزة عن الوفاء بجوهر الإمكان الذي هو في حقيقته سؤال عن الوجود نفسه وليس مجرد سؤال عن الشروط المنطقية أو الفيزيائية للوجود.

وإذا كان الإمكان بهذا العمق الوجودي والمعرفي فإنه لا يلبث أن يكشف عن وجه آخر لا يقل خطراً يتصل بإشكالية الزمن وصيرورة التحقق ذاتها. فالتحقق ليس حدثاً آنياً يطرأ على الإمكان في لحظة ما بل هو عملية وجودية متدرجة تتوسط بين الماضي والمستقبل وتحمل في طياتها بعداً من البعد الزماني الذي لا يمكن إغفاله. فالشيء الممكن يظل معلقاً بين أفقين: أفق الماضي الذي يحمل إمكاناته المحققة سابقاً وأفق المستقبل الذي يحتوي إمكاناته التي لم تتحقق بعد. واللحظة الحاضرة ليست سوى تلك النقطة الرفيعة التي تتلاقى فيها أطراف الإمكان والتحقق في توتر دائم لا ينفصم. ومن هنا كان إصرار فلاسفة الوجود من كيركغور إلى هايدغر إلى سارتر على ربط الإمكان بالزمانية والتحقق بالأصالة والمشروعية. فالإنسان في كل لحظة هو كائن ممكن يحمل في ذاته أكثر مما حققه وهو كائن يتهدده العدم في كل لحظة ليس بمعنى الفناء المحض بل بمعنى أن إمكاناته غير المحققة تظل معلقة في فضاءات الزمان منتظرة الفعل والقرار والالتزام.

وتبرز إشكالية القدرة والإرادة إذ لا يكفي أن يكون الشيء ممكناً في ذاته بل لا بد من فاعل قادر على تحقيقه ولا بد من إرادة راجحة تختار هذا الإمكان على سواه من الإمكانات المتزاحمة. والإرادة الإنسانية في هذا السياق ليست مجرد قوة نفسية تندفع نحو الأشياء بل هي ذلك الأفق الذي تتحدد فيه مقادير الإمكان والتحقق وهي تلك المحك الذي تتباين فيه الوجودات الإنسانية بين راق ومتهافت بين أصيل وساقط. فالإنسان الذي يدرك إمكاناته ويسعى إلى تحقيقها إنما يحقق وجوده بمعناه الأعمق، أما الإنسان الذي يغفل عن إمكاناته أو يتردد في اقتحام آفاقها فهو كائن يتفلت من ذاته وينكمش على حدود حاضره الضيق. وكما قال سارتر في نصوصه الوجودية المكثفة، الإنسان ليس ما هو كائنا بل هو ما هو ليس كائنا وما هو كائن ليس إلا ذلك المشروع المتجه نحو تحقيق إمكاناته في كل آن، وهذه العبارة وإن بدت مفارقة لفظية فهي تكشف عن جوهر الإنساني من حيث هو وجود قائم على الإمكان وقائم بالإمكان، لا يثبت ولا يستقر ولا يكتمل.

وإذ نتأمل البعد المعرفي للإمكان على نحو أعمق وجدناه يطرح إشكالات بالغة التعقيد تتصل بطبيعة المفاهيم والتصورات الذهنية ذاتها. فأي مفهوم نحمله في أذهاننا عن شيء ما، أي معنى نمنحه للأشياء التي ندركها، إنما هو في جوهره إمكان معرفي لم يتحقق بعد بالكامل بل هو مفتوح على احتمالات متعددة التأويل والتفسير. فاللغة ذاتها ذلك النظام العجيب الذي به نفكر ونتواصل ليست إلا نظاماً من الإمكانات المفتوحة، كل كلمة فيها تحمل مدارات دلالية متشعبة وكل تركيب فيها يفتح آفاقاً تأويلية لا تنغلق. وما الفلسفة إلا ذلك الجهد المتواصل لإدراك إمكانات المعنى في اللغة والوجود، وهي سعي حثيث لتحقيق تلك الإمكانات في نصوص ومفاهيم تظل مع ذلك غير مكتملة لأن الإمكان بطبيعته لا يستنفد ولا ينضب. وفي هذا المضمار يأتي دور التأويل المعرفي الذي أرسى دعائمه مفكرون كبار أمثال غادامير وبول ريكور، حيث جعلوا من الفهم مشروعاً لا نهاية له ومن النص حقلاً للإمكانات المفتوحة على التأويلات المتعددة، فالتحقق في عالم المعرفة ليس وصولاً إلى حقيقة نهائية مكتملة بل هو عملية دائمة التجدد، تتواشج فيها الذات بالموضوع ويتداخل فيها الفهم بالانفعال والوجود بالمعرفة. وما نسميه بالحقيقة ليس سوى تحقيق مؤقت لإمكانات الفهم في لحظة تاريخية معينة وما الحقيقة بعد ذلك إلا أفق مفتوح على إمكانات أخرى تنتظر من يحققها ويكشف عنها. ويدور الفكر في فلك الإمكان والتحقق هكذا من دون أن يستقر على قرار نهائي وهذا الدوران نفسه هو ما يمنح الفلسفة حيويتها الدائمة ويجعل منها نشاطاً إنسانياً لا يمل ولا يكل ولا يرضى باليقين السهل ولا بالاستقرار الرتيب.

غير أن أهم ما يطرح في إشكالية الإمكان والتحقق يرتبط بعلاقة ذلك كله بالحرية، تلك الحرية التي تجعل من الإنسان كائناً متعالياً على كل تحديد نهائي وكائناً منفتحاً على كل الإمكانات في آن واحد. فالحرية ليست قدرة على اختيار ما هو ممكن فحسب بل هي القدرة الأعمق على خلق إمكانات جديدة، على ابتكار أفق من الممكنات لم تكن موجودة من قبل في سياق الوجود، على تجاوز المعطى والمفروض نحو المبتكر والمتجدد. وهنا تتجلى عبقرية الإنسان لا في تكرار ما هو ممكن ومتحقق بل في تفتيق إمكانات لم تخطر ببال وفي إبداع عوالم من المعاني والقيم والأفعال لا تندرج تحت أي تصور سابق عن الممكن والمستحيل. ومن ثم كان كل فعل خلاق في التاريخ الإنساني، كل اختراع أو اكتشاف، كل عمل فني عظيم أو بناء فلسفي متين، إنما هو تحقيق لإمكان غير متوقع وكسر لحاجز المستحيل على نحو يذهل العقول ويبهج النفوس.

ولعل من أعمق الأبعاد التي يطرحها الإمكان في سياق الفكر الإنساني ذلك البعد الأخلاقي، ذلك البعد الذي يمس سؤال الخير والشر والمسؤولية والمصير، فالخيارات الأخلاقية في جوهرها ليست إلا تحقيقات لإمكانات متعددة وترجيحاً لبعض الممكنات على بعضها الآخر في ضوء ما نعتقد أنه صواب أو خطأ. وكل فعل أخلاقي هو تحقيق لإمكان كان كامناً في الذات وفي الموقف وفي العلاقات الإنسانية وكل إغفال للفعل الأخلاقي هو إبقاء لتلك الإمكانات في حيز العدم وهو تضييع لفرص التحقق التي قد لا تتكرر. وتأتي خطورة الوجود الإنساني ومعها مسؤوليته الجسيمة عن إمكاناته وعن إمكانات الآخرين وعن إمكانات العالم برمته، فهو كائن مسؤول عن تحويل الإمكان إلى واقع وعن إغناء الوجود بما يحمله من خير وجمال وحق. وكلما اتسعت دائرة الإمكان في عين الإنسان ازدادت مسؤوليته وأصبح وجوده أكثر معنى وأكثر ثراءً وأصبح موقفه من العالم موقف الفاعل المبدع لا المتلقي المنفعل، موقف الصانع لا المصنوع.

ونختم هذا التأمل الفلسفي الممتد في أعماق الإمكان والتحقق بأن نؤكد على أن ما يجعل الإمكان سؤالاً فلسفياً لا ينضب هو أنه سؤال مفتوح بذاته، سؤال لا يحتمل إجابة واحدة ولا يقبل حلا نهائياً، لأن طبيعة الإمكان ذاتها هي طبيعة الانفتاح والاحتمال والتجدد، فلا وجود لإمكان نهائي يستنفد كل الإمكانات، كما لا وجود لتحقق نهائي يغلق كل آفاق الإمكان. وما الوجود برمته في أفق هذه القراءة إلا ذلك النسيج الممتد بين القوة والفعل، بين الاستعداد والتحقيق، بين النقص والكمال وبين الغياب والحضور. وكل وجود يحقق شيئاً من إمكاناته يفتح في الآن ذاته إمكانات جديدة لا تحصى وكل معرفة تكشف عن وجه من وجوه الحقيقة تترك وراءها أسئلة أكثر من التي أجابت وكل فعل خلاق ينشئ عالماً جديداً يفتح الباب أمام عوالم أخرى لم تكن لتوجد لولاه. والإنسان ذلك الكائن العجيب الذي يعيش في لحظة الإمكان والتحقق معاً، هو وحده القادر على تذوق هذه المفارقة الوجودية في أعماقه وهو وحده القادر على أن يحمل هم الإمكان في قلبه وعقله فلا يرضى بما هو كائن ولا يقنع بما قد تحقق بل يظل مشدوداً إلى ذلك الأفق البعيد حيث تنتظره إمكاناته غير المحققة، حيث ينتظره ما لم يصر بعد، حيث ينتظره هو نفسه في صور لم تتبلور وفي أشكال لم تبرز إلى النور. ويظل الوجود الإنساني في جوهره ذلك التوتر الخلاق بين الإمكان والتحقق، ذلك السعي الدؤوب نحو تحقيق ما هو ممكن من دون أن يصل أبداً إلى نقطة الاستقرار والكمال النهائي، لأن الكمال لو تحقق لانتهى الإمكان ولتوقفت الحياة ولجفت ينابيع العطاء والتجدد. إن جمال الوجود وسر قوته إنما يكمنان في عدم اكتماله وفي بقائه مفتوحاً على كل الاحتمالات وفي استمرار سؤال الإمكان يتردد في أرجائه من دون كلل ولا ملل داعياً الإنسان إلى أن يكون وإلى أن يتحقق وإلى أن يظل في آن واحد حاملاً لإمكاناته وحاجزاً لحدودها محققاً لوجود ومفتتحاً لوجود آخر يليه. وفي هذا الأفق الفلسفي المفتوح يبقى السؤال الأزلي قائماً إلى أي حد يمكننا أن نكون؟ وإلى أي مدى نستطيع أن نحقق ما نحمل من إمكانات؟ وإلى أي غد ينتظرنا ذلك الوجود الذي لم نبلغه بعد، لكنه ينادينا من أعماق إمكاننا بكل ما نملك من قوة وأمل ورجاء؟.

***

د. حمزة مولخنيف

من الإلغائية إلى الدفاع عن الخبرة الذاتية

من أكثر المواقف استفزازًا في فلسفة العقل المعاصرة ذاك الذي لا يكتفي بالتشكيك في تفسيرنا للوعي، بل يذهب أبعد من ذلك ليشكك في الوعي نفسه كما نتداوله عادة. هنا لا يعود السؤال: كيف نفسر الخبرة الذاتية؟ بل: هل ما نسميه “خبرة ذاتية” كيان حقيقي فعلًا، أم أنه بناء مفهومي مضلل نشأ من لغة الحياة اليومية ومن ميتافيزيقا قديمة ما زالت تعمل فينا دون أن نشعر؟ بهذه الصيغة يظهر الاتجاه الإلغائي، لا بوصفه مجرد تفصيل هامشي في الجدل، بل بوصفه ذروة النزعة الطبيعية حين تصبح مستعدة للتضحية حتى ببعض أكثر بداهاتنا حميمية من أجل الحفاظ على صورة منسجمة للعالم.

الإلغائية، في خطوطها الكبرى، تنطلق من فكرة حاسمة: ليس كل ما تتداوله الثقافة أو اللغة العادية عن النفس والعقل يجب أن يُحترم فلسفيًا أو علميًا. كما أننا تخلينا عن مفاهيم قديمة مثل “الأثير” أو “الأرواح الحيوانية” حين تبين أنها لا تلزم تفسير العالم، كذلك يمكن أن نتخلى عن مفاهيم مثل “الاعتقاد” و“الرغبة” و“الإحساس الداخلي” و“الكواليا” إذا اتضح أنها تنتمي إلى ما يسمى أحيانًا “علم النفس الشعبي” لا إلى بنية الواقع كما يكشفها العلم. وفق هذا المنظور، لا يكون الوعي وهمًا بمعنى أنه لا توجد أية عمليات تحدث، بل بمعنى أن تصورنا له بوصفه جوهرًا داخليًا شفافًا أو مسرحًا خاصًا للخبرة هو الوهم.

وهذا الموقف يكتسب شيئًا من قوته من تاريخ الفكر نفسه. فكم من مرة توهم الإنسان أنه يعرف نفسه معرفة مباشرة ثم تبين أن حدسه مضلل؟ لقد ظن الناس أن الشمس تدور حول الأرض لأن هذا ما يظهر لهم. وظنوا أن الحرارة مادة خفية، وأن الأنواع ثابتة، وأن الإرادة حرة بالمعنى البسيط المتداول. فلماذا لا يكون حدسنا بأن هناك “كيفيات باطنية خالصة” من النوع نفسه من الأوهام الراسخة؟ من هنا يأتي الدافع الإلغائي: لا تمنحوا التجربة الداخلية حصانة مطلقة، لأن ما يبدو بديهيًا من الداخل قد يكون بناءً لغويًا ونفسيًا هشًا.

لكن الإلغائية لا تأتي في صورة واحدة. هناك صيغة معتدلة نسبيًا تقول إن المشكلة ليست في وجود الخبرة، بل في المفاهيم التي نصفها بها. أي إننا لا ننكر أن هناك عمليات إدراكية وانفعالية ومعرفية معقدة، لكننا ننكر أن مفردات مثل “الكواليا” أو “الجوهر الداخلي” أو “المسرح الذهني” تصف هذه العمليات وصفًا صحيحًا. وهناك صيغة أشد حدة تكاد تقول إن ما نظنه “معطًى مباشرًا” ليس إلا تجميعًا لاحقًا من التقارير والتأويلات والتمييزات الوظيفية. وفق هذه الصيغة، الوعي ليس مركزًا غامضًا داخل العقل، بل اسمٌ نطلقه على نوع معين من التنظيم المعرفي والسلوكي. فإذا بدا لنا أن هناك شيئًا زائدًا على ذلك، فقد يكون هذا الزائد نتاجًا لطريقتنا في الحكي عن أنفسنا.

ولعل دانيال دينيت هو الاسم الأكثر حضورًا في هذا السياق، وإن كان لا يحب دائمًا أن يُقدَّم بوصفه “إلغائيًا” بالمعنى الفج. مشروعه لم يكن إنكار وجود التجربة ببساطة، بل تفكيك ما يراه أوهامًا موروثة عن الوعي، وبالأخص فكرة “المسرح الديكارتي”، أي وجود نقطة مركزية داخلية تُعرض فيها الحالات الذهنية على ذات متفرجة. عنده، لا يوجد هذا المسرح. ما يوجد هو عمليات متعددة موزعة، وتحريرات متنافسة، ومسارات تفسير، ونظم تقرير، دون مركز ميتافيزيقي صلب. فإذا شعرنا أن هناك “لبًا خالصًا” للوعي، فقد يكون هذا الإحساس نفسه نتيجة لاقتصاد معرفي خاص، لا كشفًا عن جوهر أنطولوجي منفصل.

غير أن هذا المسار، كلما ازداد جرأة، اقترب من حافة خطرة. لأن القول إن كثيرًا من تصوراتنا عن الوعي مضللة شيء، والقول إن الوعي نفسه وهم شيء آخر. فحتى لو سلّمنا بأن “الكواليا” مفهوم يحتاج إلى مراجعة، أو بأن الحدس الداخلي ليس معصومًا، يبقى هناك سؤال لا ينحل بسهولة: من أين جاء أصلًا هذا الوهم إن لم تكن هناك خبرة؟ الوهم نفسه ليس حجرًا ميتًا، بل نمط من الظهور. أن أخطئ في تفسير ألمي لا يعني أن الألم لا يُعاش. أن أبالغ في وصف اللون لا يعني أن الرؤية ليست خبرة. بل لعل كل مشروع إلغائي يصطدم هنا بالمفارقة الأساسية: لكي تنكر شفافية التجربة، عليك أن تتحرك داخلها. ولكي تقول إن الوعي وهم، لا بد أن يكون للوهم نفسه نمط من الحضور.

من هنا تبدأ حركة الدفاع عن الخبرة الذاتية. هذا الدفاع لا يعني العودة الساذجة إلى ثنائية تقليدية، ولا التسليم بأن كل ما نشعر به من الداخل حقيقة مكتملة الوصف، بل يعني الإصرار على أن هناك شيئًا لا يجوز شطبه من الحساب: الظهور نفسه. الخبرة ليست نظرية عن الذات، بل معطى سابق على النظرية. أنا قد لا أعرف ماذا يكون الألم من حيث بنيته النهائية، لكنني أعرف أنه يُعاش. قد أسيء فهم طبيعته العصبية أو الأنطولوجية، لكن الخطأ هنا يفترض أصلًا أن هناك ما يُخطأ في وصفه. ولهذا يبدو أن الإلغائية، حين تتطرف، تنقلب على الشرط الذي يجعلها ممكنة: فهي تستخدم الوعي لكي تنكر الوعي.

وهذه النقطة ليست مجرد اعتراض بلاغي، بل تمس صميم المسألة الفلسفية. فإذا كانت الفلسفة تسعى إلى تفسير الواقع، فلا يمكنها أن تعتبر أكثر ما هو قربًا من الوجود البشري مجرد ضباب لغوي دون حساب دقيق. صحيح أن القرب لا يضمن الحقيقة، لكن لا يجوز أيضًا أن يتحول طلب الصرامة إلى عنف مفهومي يشطب الظاهرة باسم اقتصاد النظرية. هناك فرق بين نقد التصورات الساذجة عن الخبرة، وبين نفي أن الخبرة تمثل بعدًا حقيقيًا من الواقع.

بل إن كثيرًا من الحجج الشهيرة ضد الاختزال يمكن قراءتها هنا بوصفها دفاعًا عن هذا البعد. الكواليا ليست، في جوهرها، ادعاءً بوجود أشباح داخل العقل، بل تذكير بأن ثمة كيفية معاشة لا تساوي الوصف الخارجي. حجة ماري لا تقول إن العلم باطل، بل إن معرفة الوقائع لا تساوي عيشها. والزومبي الفلسفي لا يثبت بحد ذاته وجود جوهر روحي، لكنه يكشف أن التطابق الوظيفي لا يبدو كافيًا لالتقاط ما نسميه حضورًا من الداخل. كل هذه الحجج، على اختلافها، تلتقي في مقاومة الإلغاء: لا يمكن حل المشكلة عبر محو موضوعها.

ومع ذلك، فإن الدفاع عن الخبرة الذاتية يحتاج هو أيضًا إلى تنقية. لأن خصوم الإلغائية قد يسقطون بدورهم في رومانسية فلسفية تجعل الوعي صندوقًا سريًا فوق العالم، أو تجعل كل وصف علمي له اعتداءً عليه. وهذا خطأ لا يقل بساطة عن الخطأ المضاد. الخبرة ليست معفاة من التحليل، ولا محصنة ضد إعادة الوصف، ولا دليلًا تلقائيًا على أي ميتافيزيقا بعينها. الذي ينبغي الدفاع عنه ليس كل التصورات الشعبية عن الوعي، بل حقيقة أن هناك بُعدًا ظاهراتيًا لا يذوب بالكامل في التفسير الوظيفي. أي إن الدفاع يجب أن يكون عن الواقعة الأصلية: أن هناك ما يُعاش، لا عن كل لغة موروثة نصف بها هذا المعيش.

ولهذا يمكن أن نميز بين مستويين. المستوى الأول هو مستوى النقد المشروع: هنا من حق الإلغائي أو الطبيعي أن يقول إن كثيرًا من صورنا عن الوعي متأثرة بتراث ميتافيزيقي قديم، وإن علينا أن نراجع مفاهيمنا في ضوء العلوم العصبية والمعرفية. وهذا مطلب قوي ومفيد. أما المستوى الثاني فهو مستوى الإنكار المفرط: وهنا تتحول المراجعة إلى حذف، ويصبح المطلوب ليس فقط إعادة صياغة الخبرة بل نفي وزنها الأنطولوجي. في هذا المستوى يفقد المشروع توازنه، لأنه يظن أنه كلما كان أكثر تقشفًا مفهوميًا كان أكثر علمية، مع أن العلم نفسه لا يبرر حذف المعطى بل يبرر تفسيره.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الوعي ليس وهمًا، بل ميدانًا كثيفًا من الأوهام والحقائق معًا. نحن قد نوهم أنفسنا بشأن وحدته، أو شفافيته، أو مركزه، أو بنيته، أو مدى سيطرتنا عليه، أو معنى الذات التي تعيه. لكن هذا كله لا يعني أن الظهور ذاته موهوم. إنما يعني أن الوعي ليس بسيطًا كما كنا نظن. ليس نافذة صافية تمامًا، ولا بناءً لغويًا فارغًا تمامًا. إنه حدث مركب: فيه خبرة فعلية، وفيه أيضًا تأويلات ذاتية وسرديات ومفاهيم قد تكون مضللة. ولهذا فإن الموقف الأكثر نضجًا ليس الإلغاء ولا التقديس، بل التفكيك الحافظ: أن نحلل الوعي من دون تبديده، وأن ننقد أوهامه من دون إنكار أنه المجال الذي تظهر فيه الأوهام والحقيقة معًا.

وهنا تكتسب الظاهراتية أهميتها مرة أخرى. فهي لا تدافع عن الوعي بوصفه شيئًا غامضًا ضد العلم، بل تدافع عن أولوية العالم المعيش ضد نسيانه. تقول لنا: قبل كل نظرية عن الدماغ، هناك خبرة. قبل كل خريطة عصبية، هناك ألم يُعاش، وزمن يُحس، وجسد يسكن العالم. وإذا كان علينا أن نفسر هذه الخبرة، فلا ينبغي أن نبدأ بإنكارها، بل بوصفها وصفًا أمينًا. أما الفلسفة التحليلية في أفضل صورها، فهي تذكّرنا بأن الوصف الأمين وحده لا يكفي، وأن علينا أن نختبر مفاهيمنا ونقاوم أوهام الحدس. بين هذين البعدين يمكن أن يظهر موقف لا إلغائي ولا ساذج: موقف يقرّ بأن الخبرة حقيقية، لكنه لا يمنحها حصانة أسطورية.

ولعل أدق صياغة للمسألة هي هذه: الوعي ليس وهمًا، لكن بعض ما نظنه عن الوعي وهم. ليست الذاتية اختراعًا لغويًا محضًا، لكن كثيرًا من صورنا عنها مشوّشة. ليست الخبرة الداخلية مسرحًا مفارقًا، لكنها أيضًا ليست قابلة للردّ الكامل إلى التقرير والسلوك. إنها واقع، لكنه واقع لا يمكن التفكير فيه إلا بحذر مزدوج: حذر من المبالغة الميتافيزيقية، وحذر من التقشف الإلغائي.

 يكشف الجدل بين الإلغائية والدفاع عن الخبرة الذاتية عن شيء أعمق من مجرد نزاع بين مدارس. إنه يكشف عن أزمة الفلسفة الحديثة أمام ما هو أقرب الأشياء إليها وأعصى الأشياء عليها في آن واحد. فالوعي هو ما نعيش به كل شيء، ولذلك نميل إلى اعتباره أوضح من كل شيء. لكنه أيضًا، لهذا السبب ذاته، يصعب أن نجعله موضوعًا دون أن نشوهه. الإلغائية تتولد من الرغبة في التحرر من هذا السحر، والدفاع عن الخبرة يتولد من الخوف من أن يتحول التحرر إلى نسيان للأصل. وبين هذين الحدين تبقى الحقيقة الأرجح: أن الوعي ليس وهمًا، لكنه ليس أيضًا ذلك الكيان البسيط الذي تخيله الوعي عن نفسه. إنه واقع يفرض علينا أن نفكر لا فقط في ما يوجد، بل في كيف يظهر، وكيف يُعاش، وكيف يمكن أن يُساء فهمه حتى من قِبل من لا يملك سواه مدخلًا إلى العالم.

***

عبد الله الهميلي

ثمة نوعٌ من الوعي يرى العالم كما يشتهي أنّ يكونه لا كما هو. هذا الوعي المقلوب إن جاز التعبير، لا يصعر خده علينا فيكذب علينا عمدًا، هذا الوعي يصدّق نفسه أولًا، ثم يجرّنا إلى تصديقه. إنه الوهم؛ ابنٌ شرعيٌّ للخوف والرغبة معًا، يولد في المنطقة المعتمة الفاصلة بين ما نعرفه وما نريد أنّ نعرفه. والوهم ليس كذبًا؛ فالكذب يدرك صاحبه أنّه كذب، أما الوهم فأخطر من ذلك، لأنّه اعتقادٌ صادقٌ بشيءٍ زائف. وبذلك يبدأ الانتفاخ الصامت الذي يتحول فيه الظن إلى يقين، واليقين إلى هوية، والهوية إلى قضية يُستمات من أجلها. وكما قال رينان- :" نحن لا نستشهد إِلَّا من أجل الأشياء التي ليس لنا عنها معرفة يقينية: فالناس يموتون من أجل آرائهم - وهي ظنون وليس من أجل حقائق يقينية، يموتون من أجل ما يعتقدون وليس من أجل ما يعرفون".[1] فالإنسانُ لا يخاف الحقيقةَ في ذاتها، أنّه يخاف تلك الساعةَ الرهيبةَ التي يقف فيها وحيدًا أمام نفسه، عاريًا من كل الأكاذيب التي أحبَّها. فالوهمُ ليس عدوًّا يأتي من الخارج ليخدعنا، أنّه ضيفٌ نستضيفه بأيدينا نُطعمه من خوفنا، ونُدفئه بحرارة رغبتنا، حتى يكبر فينا ويصير سيّدَ البيت. وحين يبلغ هذه المنزلة، لا يعود يحتاج إلى أنّ يدافع عن نفسه؛ إذ نصبح نحن من يتولى الدفاع عنه، والقتال باسمه، فنغضب له، ونخشى سقوطه وضياعه، لأن تهافته يعني انهيار صورةٍ كاملةٍ رسمناها لأنفسنا.

وليس الوهم طارئًا على العقل الإنسانيَّ حتى يُنظر إليه بكونه عارضًا يمكن اجتثاثه، بل لعله أحد أعمق مكوّنات بنيته. لذلك لم يكن غريبًا أنّ يشغل الفلاسفة وعلماء النفس منذ وقت مبكر. فقد تنبّه فرنسيس بيكون إلى أنّ العقل لا يرى العالم كما هو، وإنَّما من خلال "أصنام" تصنعها الطبيعة البشرية، والعادة، واللغة، والمصالح حتى يغدو الإنسان أسيرًا لما يظنه معرفة، وهو في الحقيقة لا يرى إِلَّا انعكاسًا لتحيزاته، ولذلك دعا إلى التحرر من جميع الأوهام (أوهام القبيلة، وأوهام الكهف، وأوهام السوق، وأوهام المسرح)، واعتماد التجربة منطلقًا ومعيارًا[2]. ثم جاء سيغموند فرويد ليكشف أنّ الوهم لا يولد من الجهل وحده، بقدر ما يولد من الرغبة أيضًا؛[3] فالإنسان يعيد تشكيل الواقع بما يجعله أقل قسوة وأكثر احتمالًا، فتتدخل الرغبات المكبوتة والآليات الدفاعية لتصنع سرديةً يستطيع العيش في ظلها. أمّا فريدريك نيتشه، فقد أدرك أنّ الإنسان لا يتمسك بأوهامه لأنَّها صحيحة، وإنَّما لأنّها تمنحه معنىً وقدرةً على الاحتمال، حتى ليغدو الوهم في بعض الأحيان، أكثر قابلية للحياة من الحقيقة نفسها.[4] وفي المقابل لم ير رينيه ديكارت سبيلًا إلى المعرفة إلَّا بمسح "الطاولة" والتحرر من جميع السلطات المعرفية والاعتماد على سلطة العقل، فيبدأ الإنسان بالشك في أكثر يقيناته رسوخًا، لأن الحقيقة لا تُبنى فوق يقينٍ زائف، بل فوق أنقاضه[5]. وكأن تاريخ الفكر كله لم يكن سوى محاولةٍ متكررة لتحرير العقل من أوهامه، وإن كانت تلك الأوهام تعود في كل عصر بثيابٍ جديدة ولغة ثانية.

وليس هذا الوعي المقلوب اكتشافًا للفلسفة الحديثة وحدها، وإن كانت قد منحته أدواتها التحليلية. ففي التراث الإسلاميَّ ترد صورةٌ بالغة الكثافة في التعبير عن انقلاب الوعي، حين قال الإمام علي بن أبي طالب u: " ولبس الإسلام لبس الفرو مقلوبًا"[6]. والفرو إذا لُبس مقلوبًا لا يفقد مادته لكنّه يفقد وظيفته أو فائدته، وتبقى صورته فيما تنقلب غايته. إنَّها استعارة لا تصف فساد الدين بقدر ما تصف فساد الوعي بالدين وتمظهراته؛ فالخلل يكمن في الطريقة التي تُستقبل بها الدين لا في حقيقته، وفي الزاوية أو العدسة التي يُعاد من خلالها ترتيب المعاني حتى يغدو الأصل فرعًا، والفرع أصلًا والوسيلة غاية، والغاية وسيلة. ومن ثمَّ، يمكن أنّ يُقرأ الوعي المقلوب بوصفه أحد أكثر أشكال الوهم رسوخًا إذ قد يقلب الواقع القائم حتى يبدو في هيئةٍ أخرى .

فإذا كان الوعي قادرًا على ان يلبس الحقيقة لبس الفرو مقلوبًا، فإن الوهم لا يعود مقيمًا في زاوية واحدة من العقل، فقد يتوزع كالماء المنهمر في كل شق يجد فيه منفذًا. ففي الدين قد يتحول الإيمان من علاقةٍ حيّة بالله إلى منظومةٍ من الشعارات والطقوس تُعامل كما لو كانت هي الله ذاته. وفي السياسة تتحول المبادئ إلى أدواتٍ لتبرير السلطة، بينما تُرفع شعارات العدالة لإدامة الظلم. وفي السوق يُستبدل الاحتياج بالرغبة والرغبة بالهوية حتى يظن الإنسان أنّه يشتري سلعة، بينما هو في الحقيقة يشتري صورةً عن ذاته رسمها له الآخرون. وحتى الفلسفة، التي وُلدت لتحرير العقل وتفعيله، قد تنقلب إلى قفص جديد أو قلعة مطوقة حين يتوقف صاحبها عن السؤال ويكتفي بترديد الإجابات الجاهزة أو المعلبة. وكذلك الفن قد يُستبدل فيه التعبير بالإبهار، فيُصفَّق للشكل بينما يغيب المعنى. أما في الحياة اليومية فنحن نبني عن الآخرين ما نبني عن أنفسنا أيضًا صورًا نحبها أكثر مما نعرفها، ثم نفاجأ حين يرفض الواقع أن يتواطأ مع خيالنا وميولنا وو.

والوهم لا يقتل صاحبه بضربةٍ واحدة، انه يقتله بالتراكم يأكل من جرفه شيئا فشيئا. يبدأ صغيرًا؛ عذرًا مقبولًا أو تبريرًا لطيفًا، ثم ينمو لأنّه لا يُواجَه حتى يغدو جزءًا من بنية الذات. والخطر الحقيقي ليس في أنّ يعيش الإنسان وهمًا، فذلك قدرٌ إنساني يصعب الإفلات منه، وإنما في أنّ يرفض الاعتراف بأنّه وهم عندما تبدأ إشارات الحقيقة بالظهور. عندئذٍ يتحول الوهم من مجرد خطأ في الإدراك إلى موقفٍ وجودي متصلب، يدافع عنه صاحبه كما يدافع عن نفسه، لأنّ الفكرة في تلك الساعة تكون قد امتزجت وتلبست وتعشقت بالذات حتى غدت هي الذات.

الا أن سؤالًا أشد غورًا يظل يُلاحق هذا الكشف عن الأوهام: أوَلا يكون فضح الوهم نفسه وهمًا من طبقة أعمق؟ فالوعي الذي يظن أنّه خرج من كهف الصورة الزائفة إلى ضوء الحقيقة الخالصة، قلّما يخرج إلى فضاء محايد فوق كل وهم، وربما الأصح أنّه ينتقل من وهمٍ كثيفٍ إلى وهمٍ أقل كثافة واحتدام، أو من صورةٍ بعيدة عن الواقع إلى صورةٍ أدنى منها بعدًا. وهذا لا يُسقط قيمة السؤال ولا يُبطل جدوى المساءلة، فقد يكشف أنّ غاية الحكمة ليست بلوغ يقينٍ نهائي متحرر من كل وهم - فذلك ربما يفوق طاقة الإنسان ذاته- وإنما مراكمة درجات من الوعي بالوهم وتضييق المسافة بينه وبين ما يُظن أنه الحقيقة دون ادّعاء بلوغها بلوغًا تامًا لا يقبل بعده سؤال.

ولعل أمام الإنسان طريقين لا ثالث لهما مع أوهامه: إما أن يتعايش معها حتى يحملها إلى قبره دون أن يفتح صندوقها مرةً واحدة، وليس ذلك دائمًا جبنًا، فقد يكون أحيانًا رحمةً بالنفس التي لا تحتمل الحقيقة كاملة، لكنه قد يكون أيضًا هروبًا متخفيًا بثوب السلام الداخلي أو العزاء النفسي الرحيم. وإما أنّ يمزق أوهامه ويهتكها في ساعة فاصلة؛ تجربةٍ قاسية، أو تأملٍ عميق، أو ساعة توفيق يصطف فيها الوعي مع الحقيقة. وهذا التمزيق مؤلم دائمًا، لأنّه لا يهدم فكرةً فقط، هذا التمزيق يهدم جزءًا من الذات بُني على تلك الفكرة، إِلَّا أنّه ألمٌ ولّاد، يشبه ألم كل ولادةٍ حقيقية.

وربما لا يستطيع الإنسان أنّ يعيش بلا وهم؛ فهو كائن يحتاج إلى المعنى والعزاء بقدر حاجته إلى الحقيقة، وربما أكثر في بعض اللحظات. وقد يكون الوهم، في صورته الرحيمة جسرًا مؤقتًا نعبر عليه حتى نمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة الواقع ودلالاته. لكن الخطر يبدأ حين يتحول ذلك الجسر إلى وطن، وحين يصبح الوعي المقلوب طريقةً دائمة في النظر إلى العالم. عندئذٍ لا يعود الإنسان يزوّر الحقيقة، بل يعيد ترتيبها وترسيمها حتى يطمئن إليها، تمامًا كما يُلبس الفرو مقلوبًا؛ فلا تتغير مادته، وإنما تتغير وظيفته، ويبقى الاسم فيما يضيع المعنى. وهكذا تُصنع الأيديولوجيات المغلقة، وتُولد القراءات المشوهة للنصوص، وتتغذى الأزمات النفسية التي تفضّل الوهم على مواجهة الذات، لأن الإنسان كثيرًا ما يدافع عن الصورة التي كوّنها لنفسه أكثر مما يدافع عن الحقيقة نفسها. ولذلك فإن الفرق بين الإنسان الحكيم وغيره لا يكمن في خلوّه من الأوهام، بل في شجاعته على مساءلتها كلما استقرت في نفسه، وأن يبقى قادرا على أنّ يسأل نفسه في كل يقين يطمئن إليه: هل أرى العالم كما هو أم كما أحتاج إليه؟ وهل ما أؤمن به حقيقةٌ كشفت نفسها لي أم أنني-من حيث لا أشعر- لبست الحقيقة لبس الفرو مقلوبًا؟ ففي هذه القدرة على السؤال وحدها يكمن الفرق، لا بين من يُدفن وقد استسلم لأوهامه فتوقف عن مساءلتها، ومن يُدفن وهو لا يزال يسأل نفسه حتى النَفَس الأخير.

***

د. حيدر شوكان السلطانيَّ

جامعة بابل- قسم الفقه وأصوله

.........................

[1] Reman, «Nouvelles études d'histoire religieuse, cité par: Debray, Critique de la

raison politique, р. 179.

[2] ينظر: بيكون، فرنسيس، الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة. ترجمة عادل مصطفى. (مؤسسة هنداوي)، بلا مشخصات أخرى، 20- 21.

[3] سيغموند فرويد، مستقبل وهم، ترجمة جورج طرابيشي، (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر)، الطبعة الرابعة-1998م، 39- 40 و42.

[4] ينظر: فريدريك نيتشه، ما وراء الخير والشر: توطئة لفلسفة مستقبلية. ترجمة: جيزيلا فالور حجار، (بيروت-دار الفارابي) الطبعة الأولى- 2003م، 25.

[5] ينظر: رينيه ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة وتعليق: عثمان أمين، (القاهرة: المركز القومي للترجمة)، 13- 14.

[6] نهج البلاغة، تحقيق وشرح: الشيخ محمد عبده، (إيران- دار الذخائر)، الطبعة الأولى- 1412هـ، 1/ 209.

من لغة العلامات إلى تأويل الوجود

ليس المعنى وقفاً على اللغة المنطوقة، ولا حكراً على الكلمة المكتوبة؛ بل هو الأفق الذي تتقاطع فيه جميع العلامات التي ينتجها الإنسان في مسيرته الحضارية. فكل أثرٍ إنساني، مهما بدا بسيطاً أو عابراً، إنما يحمل في جوهره رسالةً، ويختزن دلالةً، ويستدعي تأويلاً. ولئن كانت اللغة أعظم الأنظمة الرمزية التي ابتكرها العقل البشري، فإنها ليست النظام الوحيد الذي ينتج المعنى؛ فالإيماءة لغة، والصمت لغة، واللون لغة، والعمارة لغة، والرقص لغة، والموسيقى لغة، والخط العربي لغة، كما أن اللوحة التشكيلية والنحت والطقوس والأساطير جميعها نصوص مفتوحة على القراءة.

لقد أدرك الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر أن الإنسان ليس «حيواناً عاقلاً» فحسب، بل هو «حيوان رمزي»، يعيش داخل شبكة كثيفة من الرموز التي يصنعها ثم يعيد اكتشاف ذاته من خلالها. فالإنسان لا يتعامل مع العالم مباشرة، وإنما يتوسطه دائمًا نسقٌ من العلامات والرموز التي تمنح الأشياء أسماءها، وتمنح الوقائع معانيها، وتمنح الوجود قابليته للفهم.

ومن هنا نشأت السيميائية بوصفها علمًا للعلامات، لا يقتصر على دراسة اللغة، بل يتجاوزها إلى تحليل جميع الأنساق الدلالية التي تنتجها الثقافة الإنسانية. وقد أسهم فرديناند دي سوسير في ترسيخ هذا التصور حين دعا إلى إنشاء علم يدرس حياة العلامات داخل المجتمع، وعدّ اللغة أحد تجلياته الكبرى. ثم جاء الفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس ليمنح العلامة أبعادًا فلسفية أعمق، فرأى أنها علاقة ثلاثية تجمع بين العلامة وموضوعها والمؤول الذي ينجز فعل الفهم، مؤكدًا أن المعنى ليس شيئاً ثابتاً، بل سيرورة لا تنتهي من التأويل.

ومن هذا المنطلق لم تعد السيميائية علمًا لغوياً صرفاً، بل غدت مشروعاً معرفياً واسعاً يتقاطع مع الفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم النفس والنقد الأدبي وعلم الاجتماع والفنون البصرية. فالأسطورة عند كلود ليفي-شتراوس نسقٌ من العلامات يكشف البنى العميقة للعقل الإنساني، كما أن الخطاب الأدبي عند رولان بارت ليس مجرد كلمات، بل شبكة من الشفرات الثقافية والإيديولوجية التي تتخفى وراء ظاهر النص.

لقد نقل بارت القراءة من البحث عن قصد المؤلف إلى استنطاق النص ذاته، معلناً أن النص فضاءٌ تتقاطع فيه أصوات متعددة، وأن القارئ شريكٌ في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ سلبي له. وهنا يغدو المعنى حدثاً تأويلياً يتجدد مع كل قراءة، ويتحول النص إلى كائن حيّ لا يستنفد أسراره.

وفي الفلسفة التأويلية يرى هانز-غيورغ غادامير أن الفهم ليس استعادةً لمعنى جاهز، وإنما هو حوار دائم بين أفق النص وأفق القارئ، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، ويتولد المعنى من هذا اللقاء الخلاق. أما بول ريكور فقد جعل الرمز يفتح باباً على التفكير، ورأى أن كل علامة عميقة تدفع العقل إلى تجاوز ظاهرها نحو طبقاتها الدلالية المستترة.

أما في التراث العربي، فقد سبق علماء العربية كثيراً من التصورات الحديثة حين أدركوا أن العلاقة بين اللفظ والمعنى ليست علاقة سطحية. فقد قرر عبد القاهر الجرجاني في نظريته في النظم أن قيمة الكلام لا تكمن في مفرداته منفصلة، وإنما في العلاقات التي تنشأ بينها داخل السياق. فالمعنى ليس حصيلة الكلمات، بل ثمرة انتظامها في بنية دلالية متماسكة. وهذه الرؤية تلتقي بصورة مدهشة مع كثير من مبادئ اللسانيات الحديثة.

ولم يكن الجاحظ بعيداً عن هذا الفهم حين قال إن المعاني مطروحة في الطريق، وإنما الشأن في حسن الصياغة وجودة التأليف. فالعلامة لا تستمد قيمتها من ذاتها، بل من الطريقة التي تُبنى بها داخل النسق، ومن قدرتها على إثارة التأويل وإنتاج الأثر.

كما أدرك النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، أن الوظيفة الأساسية للنحو ليست مجرد ضبط أواخر الكلمات، بل صيانة المعنى من الالتباس. فالإعراب في جوهره نظام دلالي قبل أن يكون نظاماً شكلياً؛ إذ إن تغير الحركة قد يقلب المعنى رأساً على عقب، ويحوّل الفاعل إلى مفعول، والخبر إلى استفهام، والإثبات إلى نفي. ولذلك كان النحو العربي علمًا للمعنى بقدر ما كان علمًا للبنية.

إن السيميائية، في جوهرها، ليست بحثًا في العلامة وحدها، بل هي بحث في الكيفية التي يصنع بها الإنسان العالم داخل وعيه. فالأشياء لا تتكلم بذاتها، وإنما تتكلم عبر الأنظمة الرمزية التي ننسبها إليها. وما اللون الأحمر في لوحة تشكيلية، أو البياض في قصيدة، أو الصمت في مشهد مسرحي، إلا علامات تتجاوز حضورها المادي لتصبح طاقةً دلاليةً مفتوحة على احتمالات لا تنتهي.

ولهذا اتسع الحقل السيميائي ليشمل الشعر والرواية والسينما والمسرح والفن التشكيلي والعمارة والإعلان والأزياء والطقوس الاجتماعية، لأن كل واحد منها يشكّل خطاباً رمزياً يعبّر عن رؤية الإنسان إلى ذاته وإلى العالم. فاللوحة ليست ألوانًا موزعة على سطح، وإنما بناءٌ دلالي؛ والقصيدة ليست ألفاظًا موزونة، وإنما كونٌ رمزي؛ والمدينة ليست حجارةً وإسمنتاً، وإنما نصٌّ حضاريٌّ تُقرأ فيه ذاكرة الشعوب.

ولعل أعظم ما أنجزته السيميائية أنها نقلت السؤال من: «ماذا يقول النص؟» إلى: «كيف ينتج النص معناه؟». فالمعنى ليس جوهراً ساكناً ينتظر الاكتشاف، وإنما حركة مستمرة بين العلامة والسياق والقارئ والثقافة. ولذلك فإن كل قراءة حقيقية هي ولادة جديدة للنص، وكل تأويل صادق هو إضافة إلى العالم لا مجرد تفسير له.

وهكذا يتبين أن السيميائية ليست علماً للرموز فحسب، وإنما هي فلسفة للمعنى، وجسرٌ يصل بين اللغة والفكر، وبين الحس والعقل، وبين الفن والوجود. إنها تكشف أن الكون بأسره كتابٌ هائل من العلامات، وأن الإنسان لا يعيش في عالم الأشياء، بل في عالم الدلالات. ومن استطاع أن يقرأ العلامات قراءةً واعية، أدرك أن المعنى ليس نهاية الطريق، بل بدايته؛ وأن الثقافة الإنسانية ليست سوى رحلةٍ لا تنتهي في اكتشاف الدلالة، حيث تتحول العلامة إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة، والحكمة إلى رؤية أعمق للإنسان والعالم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

هل يدرك العقل العالم أم يبني صورته عنه؟

منذ أن شرع الإنسان في التفكير والمتاهة الكبرى التي تملأ فضاء تأمله هي علاقته بالعالم الذي يحيط به، ذلك العالم الذي يتراءى له في كماله المدهش ووضوحه الخادع كأنه كتاب مفتوح على مصراعيه، ولكن حين يحاول أن يقرأ حروفه يكتشف أنها ليست ثابتة الخطوط بل تتلوى في مرايا ذهنه وتتوزع في مناظير لغته، فيتساءل في دهشة لا تهدأ: هل ما أراه هو العالم حقاً أم أن ما أراه ليس سوى صورة رسمها عقلي على ضفاف التجربة، فخلط بين الأصل والظل وجعل من نفسه وسيطاً لا محيد عنه بين الوجود الواقعي وفهمه المتشكل؟ إن هذا السؤال الذي يبدو في ظاهره وكأنه لغز ذهني بارع هو في الحقيقة نبض الفلسفة ذاتها لأنه يمس جوهر قدرة الإنسان على المعرفة ويقذف به في هاوية الشك الأولى، تلك الهاوية التي لم يخرج منها أحد يوماً بجواب قاطع ولكن خروج الجميع منها بحصيلة من الأسئلة الأجمل والأعمق هو ما يبرر كل عناء الفكر.

إن التأمل في طبيعة الإدراك لا يقتصر على كونه نزعة نظرية جافة يتسلى بها الفلاسفة في أبراجهم العاجية بل هو همس يومي يرافق كل لحظة وعي، فحين تنظر إلى شجرة مثلاً وتشعر بجمالها هل تدرك جمالها لأن فيها جمالاً قائماً بذاته أم أنك تضيف إليها من روحك ومن ذاكرتك ومن تربية حواسك ما يجعلها جميلة؟ حين تسمع نغمة موسيقية فتبكي هل البكاء في النغمة أم في رد فعل ذاتك تجاهها؟ إن هذه الأمثلة البديهية تكشف لنا على مستوى عملي، وهو أن الإدراك ليس عملية سلبية بل هو حوار دائم بين ما هو خارجي وما هو داخلي، حوار لا نعرف تماماً أين تبدأ حدوده ولا أين ينتهي تأثير أحد طرفيه على الآخر. وتنبثق أمامنا إشكالية الوساطة في المعرفة كأحد أعقد الأسئلة التي واجهتها الفلسفة لأنها تجمع بين الأنطولوجيا (ما هو موجود) والإبستمولوجيا (كيف نعرفه)، لتطرح علينا سؤالاً واحداً لا ينقسم هل يمكن للعقل أن يرى العالم بعيون لا تشوبها شفافية الذات أم أن كل رؤية هي رؤية من زاوية وكل زاوية تشوه بقدر ما تكشف وكل معرفة هي بناء بقدر ما هي اكتشاف؟ وإذا كان البناء محتماً فهل يعني ذلك أننا محكومون بالعزلة المعرفية، نصنع عوالمنا الخاصة ولا نتبادلها إلا عبر أوهام مشتركة أم أن هناك أرضية صلبة مهما كانت مرنة تظل صامدة في وجه كل تأويلاتنا وتصحح أخطاءنا وتدحض تخيلاتنا كفصل أخير في محاكمة العقل أمام محكمة الواقع؟

إن السؤال عن علاقة العقل بالعالم ليس مجرد استفهام معرفي عابر بل هو الوميض الأول الذي ينبثق مع وعي الإنسان بوجوده، حينما وجد نفسه ملقى في حضرة هذا الوجود الهائل، يتلقى انطباعاته عبر نوافذ الحواس ويشعر بوميض الإدراك يتشكل في أعماقه. غير أن هذا الإدراك الذي يبدو في ظاهره فعلاً بسيطاً وآنياً يتحول حين نغوص في طبيعته إلى متاهة فلسفية إذ تتداخل فيه العناصر الذاتية مع الموضوعية بصورة تجعل من الصعب الفصل بين ما هو "معطى" من العالم وما هو "مضاف" من العقل. هذه الإشكالية التي تسمى في الفلسفة الحديثة "إشكالية الوساطة" ليست وليدة العصر بل هي امتداد لتساؤل ظل يلاحق الفكر الإنساني منذ أن شرع الإنسان في التأمل وإن كانت قد تجلت بأوضح صورها في الفلسفة النقدية التي وضعت العقل نفسه تحت مجهر التحقيق. فهل نحن حين نزعم أننا نعرف العالم نكون قد تلقينا صورة طبق الأصل عنه أم أننا قد شكلنا هذه الصورة وفق قوالب قبلية نصنع بها لأنفسنا عالماً موازياً لما هو كائن ونخلط بين الحقيقة والبناء الذهني فنظن أننا ندرك بينما نحن في الحقيقة نبتدع؟

ما من شك في أن الميل الفطري للإنسان هو النزوع إلى الاعتقاد بأن ما يراه ويلمسه ويسمعه هو العالم نفسه بكل ما فيه من ثبات واستقلال. هذا الوهم الواقعي هو الذي يمنح الحياة اليومية طابعها البديهي، حيث لا يخطر ببال الفرد العادي أن يسأل عن كيفية انتقال صورة هذا العالم إلى ذهنه أو عن مدى تطابق هذه الصورة مع الأصل. غير أن الشك الفلسفي ذلك الجرثوم الذي زرعه سقراط في روح الغرب ثم نماه ديكارت حتى صار منهجاً يأتي لينقض هذه البداهة وليكشف الهوة التي تفصل بين ما هو خارج الوعي وما يجري داخله. فإذا كان ديكارت قد انطلق من الشك في كل ما هو حسي لعدم جزمه بأن حواسه لا تخدعه واستقر به الأمر إلى يقين وجود المفكر ذاته، فإنه بذلك قد ضرب العناد في عمق العلاقة بين الذات والموضوع وجعل من العقل عالماً منغلقاً على ذاته لا يخرج منه شيء ولا يدخله إلا من خلال بوابات الحواس التي هي في الأساس غير مضمونة. لقد أمسى العالم الخارجي في هذا التصور مجرد احتمال، والإدراك ليس لقاءً مباشراً بل تأويلاً محتملاً.

غير أن هذا الموقف الشكوكي المطلق وإن كان مفيداً من الناحية المنهجية لتطهير الأفكار من الشوائب لا يمكن أن يكون محطة أخيرة للفلسفة لأن الحياة والعلم يتطلبان نوعاً من الثقة في العالم وإلا لتلاشى كل معنى للمعرفة. هذا التوتر بين ضرورة الثقة بالحواس من جهة واستحالة ضمانها من جهة أخرى، هو ما دفع الفلاسفة التجريبيين إلى محاولة رد الاعتبار للواقع من خلال التأكيد على أن مصدر المعرفة الأول والأوحد هو التجربة الحسية. فجون لوك في مقاله الشهير، شبّه العقل الإنساني بـ "الصفحة البيضاء" التي تكتب عليها الخبرات الحسية ورأى أن الأفكار ليست سوى انطباعات تنبع من العالم المادي عبر الحواس، ثم تتركب في الذهن لتشكل التصورات المعقدة. لكن هذا التصور وإن كان يبدو متماشياً مع البداهة الشائعة فإنه ينهار حين نتعمق في طبيعة "المعطى الحسي" ذاته، إذ كيف يمكننا التأكد من أن الحواس تنقل لنا ما هو موجود فعلاً وليس انعكاسات مشوهة تخضع لبنية الجهاز العصبي نفسه؟ بمعنى آخر لو كانت المعرفة مجرد انعكاس سلبي للواقع لكنا أمام مرآة جامدة فكيف نفسر إذن الاختلافات الجوهرية بين رؤية كائن وآخر للعالم نفسه وكيف نفسر ظهور العقل كقوة خلاقة تعيد تركيب المعطيات بحسب أنماطها الخاصة؟

لقد كان إيمانويل كانط هو الذي قدم تحليلاً جذرياً لهذه الإشكالية والذي يمكن اعتباره بمثابة الثورة الكوبرنيكية في ميدان المعرفة. فكانط الذي كان قد تغذى بفلسفة العقلانيين والتجريبيين معاً، أدرك أن الخلاف بينهما ناتج عن تجاهل كل منهما لدور العقل الفاعل في عملية الإدراك. بدلاً من أن يفترض كانط أن المعرفة تتطابق مع العالم، افترض العكس أو بتعبير أدق، افترض أن العالم كما نعرفه لا بد أن يتطابق مع شروط الإدراك القبلية الكامنة في العقل نفسه. إن العقل البشري في نظر كانط ليس مجرد وعاء فارغ يستقبل الأحاسيس بل هو جهاز نشيط يقوم بفرز هذه الأحاسيس وتنظيمها وتركيبها وفقاً لقالبين أساسيين لا يمكن تجاوزهما: قالبا المكان والزمان، وهما ليسا صفتين من صفات العالم الخارجي في ذاته، بل هما صورتان حدسيتان قبليتان نجعلهما شرطاً لإمكانية كل إدراك حسي. فلكي نرى شيئاً ما، لا بد لنا من أن نضعه في مكان وزمان معينين، وهذان ليسا سوى شكلين من أشكال حدسنا نحن، وليسا موجودين في الأشياء في حد ذاتها.

ولم يقف كانط عند هذا الحد بل تجاوزه إلى فئة أكثر تجريداً وأكثر أهمية وهي فئات الفهم أو المقولات، وهي بمثابة قوانين تركيبية قبلية يضفيها العقل على المعطيات الحسية لتحويلها إلى معرفة موضوعية قابلة للتعميم. فالسببية مثلاً والجوهر والكم والكيف ليست قوانين اكتشفناها في الطبيعة بالتجربة بل هي شروط العقل التي يفرضها على الطبيعة ليجعل منها عالماً مفهوماً. بتعبير واضح، نحن لا ندرك العالم كما هو في ذاته، بل ندركه كما يظهر لنا بعد أن تمت "وساطته" عبر بنية عقلنا الذاتية. العالم "في ذاته" أو "النومينون" كما يسميه كانط يبقى بعيداً عن متناولنا ولا يمكننا الادعاء بمعرفته مباشرة بل كل ما نملكه هو العالم "الظاهري" أو "الفينومينون"، وهو العالم المبني وفق قوانين العقل. ويظهر كانط كحاسم لهذه الإشكالية فهو يؤكد أن العقل لا يعكس العالم كمرآة بل يبنيه كنحات لكن هذه البناء ليس اعتباطياً أو خيالياً بل هو بناء محكوم بقوانين صارمة تجعله موضوعياً في حدود الإنسانية جمعاء.

ومع ذلك يبقى السؤال الكانطي معلقاً في الهواء لأنه يترك لنا عالماً من المعرفة، لكنه يحرمنا من الوصول إلى لب الوجود وكنهه مما يترك دائماً شعوراً بالغربة الوجودية إزاء العالم القائم بذاته. هذه النتيجة القاسية هي التي دفع الفلاسفة المثاليين الألمان، وعلى رأسهم فيشته وشيلنغ وهيغل إلى محاولة التغلب عليها بإلغاء الفصل بين الذات والموضوع من جذوره. بالنسبة لهيغل لا يوجد عالم "في ذاته" بمعزل عن العقل، لأن العقل أو الروح المطلق هو الذي يخلق الواقع وينبثق فيه في الآن نفسه. المعرفة في هذا السياق ليست عملية التقاط سلبي بل هي تطور ديالكتيكي حيث يخلق العقل العالم كشيء موضوعي ثم يعود ليدركه كشيء ذاتي من خلال عملية تاريخية معقدة. ولكن هذا الطرح رغم عمقه الفلسفي وانسجامه الداخلي اصطدم ببديهية الوجود المستقل عن الإدراك والتي تعود إلى الظهور بقوة مع تطور العلوم التجريبية التي تؤكد على أن هناك عالماً يعمل بقوانينه المستقلة عن أهوائنا الفكرية.

في القرن العشرين عادت الإشكالية لتطفو على السطح ولكن في ثياب جديدة حيث تقدم الظاهريات وبخاصة عند إدموند هوسرل بمحاولة طموحة لتجاوز الأزمة من خلال "العودة إلى الأشياء نفسها"، أي محاولة وصف الظواهر كما تظهر للوعي بشكل مباشر وقبلي وذلك بإرجاء كل الأحكام المسبقة حول الوجود الطبيعي للعالم. الظاهريات تحاول أن تكون علماً دقيقاً للخبرة الواعية، حيث يتم تحليل الإدراك كفعل قصدي أي كفعل موجه نحو شيء ما وتحليل المعطيات كما تظهر في تدفق الوعي الحي. لكن هوسرل نفسه انتهى إلى الاعتراف بأن الإدراك لا يمكن أن يكون بلا إطار وأن كل إدراك يتضمن "أفقاً" من المعاني السابقة والتوقعات التي توجهه، وهذا الأفق لا يخرج عن كونه بناءً من العقل يتوسط بين الذات والعالم. ومثلت فلسفة الوجود لدى هيدغر نقلة نوعية أخرى إذ لم تعد المعرفة مجرد عملية تمثل أو إدراك بل أصبحت نمطاً من أنماط الوجود في العالم أي أننا لا نكون في العالم كمتفرجين ننظر إليه من الخارج بل كمشاركين نتفاعل معه عملياً، وهذا "الانهمام" العملي هو الذي يعطي معنى للأشياء فالمعرفة ليست انعكاساً سلبياً بل بناء يتحدد وفقاً لمشاريعنا الوجودية.

على الجانب الآخر من الفلسفة وفي نفس الفترة تقريباً، شهدت فلسفة اللغة والتحليل الوضعي محاولة أخرى لتفكيك الإشكالية، وذلك بالقول إن المشكلة برمتها هي مشكلة لغة وليست مشكلة ميتافيزيقية حقيقية. فرودولف كارناب مثلاً، اعتبر أن الأسئلة حول "العالم في ذاته" هي أسئلة زائفة لأنها تخرج عن نطاق التحقق التجريبي وكل ما يمكننا التحدث عنه هو إطار لغوي نختار العمل به وليس الواقع من ورائه. غير أن هذه النزعة الوضعية ورغم نجاحها في تنقية الخطاب العلمي لم تقنعنا في نهاية المطاف، لأنها اختزلت الفلسفة في منطق اللغة وتجاهلت البعد الأنطولوجي الأعمق للوجود الإنساني، وهو ما دفع الفلاسفة مثل فتغنشتاين المتأخر إلى الاعتراف بأن هناك حدوداً للغة لا يمكن تخطيها، حيث تظهر إشكالية المعرفة على أنها حدود لما يمكن التعبير عنه لا حدود لما يمكن التفكير فيه. وكل محاولة للحديث عن "الإدراك المباشر" تصطدم بحقيقة أن الإدراك يتم عبر وسائط متعددة، فالحواس نفسها هي وسائط واللغة وسيطة والمفاهيم والقوالب الذهنية وسائط، وهذه الوسائط لا تنقل إلينا العالم كما هو بل تطبعه بطابعها الخاص وتصبغه بصبغتها البشرية القابلة للخطأ والتعديل.

إن العقل إذن في هذه الرحلة التأملية الطويلة يظهر وكأنه "وسيط" يجمع بين الضرورة والعجز: ضرورة بناء صورة للعالم ليتمكن من العيش فيه وعجز عن الوصول إلى ما هو خلف هذه الصورة. لكن هذا العجز بدلاً من أن يكون مأساة قد يكون الشرط الضروري للإبداع والتطور المعرفي. فالعلم نفسه الذي يبدو أكثر الممارسات الإنسانية صرامة وموضوعية هو بناءات عقلية تتطور باستمرار وإن كانت ترتكز على منهجيات رصينة. ففي العلم لا يكفي رؤية الظاهرة بل لا بد من تأويلها ضمن نموذج نظري سابق، وهذا النموذج ليس سوى عدسة يبني بها العقل العالم الفيزيائي ولكن عدسة تثبت جدارتها بتنبؤاتها الصحيحة مما يمنحها شرعية عملية وإن كانت غير مطلقة. إن الواقع العلمي كما تقول بذلك نظرية النماذج عند توماس كون، هو تاريخ من التمثلات المتعاقبة حيث تسقط النماذج القديمة لتحل محلها نماذج جديدة تقدم تفسيراً أغنى للظواهر، وهذا التعاقب لا يدل على أننا نقترب من حقيقة مطلقة بل يدل على أن قدرتنا على البناء المعرفي مرنة وقابلة للتكيف مع الاختبارات التجريبية. وهذا يعني أن العقل لا يكتفي ببناء صورة واحدة للعالم بل هو في حالة إعادة بناء مستمرة كلما اتسعت أفق التجربة أو تغيرت الأسئلة الموجهة للوجود.

والجدل حول وساطة العقل في المعرفة يبقى مفتوحاً وهو من الأسئلة التي تمنح الفلسفة حياتها حيث لا يمكن الفصل بين ما هو "موضوعي" وما هو "ذاتي" في الإدراك، لأن كل معرفة هي توليفة من معطى وخارجي وبنية داخلية. فالعقل ليس مرآة لأنه حين يعكس العالم فهو يغير زاوية الرؤية ويضيف إليها أبعاداً جديدة من المعنى والخبرة الذاتية. وهو ليس منشئاً محضاً لأنه لو كان كذلك لانهارت كل محاولات فهم الآخرين ولتفتت الواقع إلى أرخبيل من الأوهام الفردية. العقل في ضوء هذه الإشكالية هو فنان مركب، يرسم لوحة للعالم ليس بالاعتماد على انطباعات لحظية بل بمنظور متجدد يتشكل بفعل التفاعل الحيوي مع الواقع، فأدق ما في الإدراك ليس أنه يكشف لنا ما هو موجود بل يكشف لنا الوجود كما يظهر في مرآة الذات الإنسانية، تلك المرآة التي لا تخلو من انحناءات وتجاعيد لا تمنح الصورة دقتها الفوتوغرافية بقدر ما تمنحها عمقها الوجودي. والإشكالية تظل حية في نسيج الفكر دافعة إياه باستمرار إلى إعادة النظر في مكانته في هذا الكون ليس كمتلقٍ ساكن بل كطرف فاعل يؤثر ويتأثر في سيرورة أبدية من السؤال والجواب.

إن ما انتهينا إليه في تأملنا السابق من أن العقل يرسم لوحة للوجود عبر عدسات تتركب من التاريخ واللغة والبنية الذهنية، يجرنا بالضرورة إلى التساؤل الأكثر إلحاحاً: هل ثمّة مفر من هذه الوساطة؟ هل يمكن للوعي أن يمسّ جوهر الأشياء مسّاً مباشراً أو أن يبلغ نقطة صفرية من النقاء الإدراكي يتجلى فيها العالم كما هو بلا تشويه؟ إن تاريخ الفلسفة في تياراته العميقة، لم يخل قط من أحلام كهذه تلك الأحلام التي تتجلى في نزعة صوفية هنا أو في منهج حدسي هناك، ولكنها في النهاية كانت تصطدم بجدار اللغة والحس، ذلك الجدار الذي لا يمكن اختراقه لأننا نحن من بنيناه بأيدينا الذهنية، فنحن سجناء صورتنا بقدر ما نحن صانعوها. ومهما أوغلنا في التأمل أو اشتددنا في التجريد يظل السؤال قائماً على شفته الأخيرة هل المعرفة بناء أم اكتشاف؟ أم أنها ليست هذه ولا تلك بل هي فعل وجودي لا ينفصل عن كوننا في العالم، فعل لا ينشد الحقيقة المطلقة بقدر ما ينشد المعنى الممكن للحياة في ظل العجز الأبدي عن الإمساك بالشيء في ذاته؟

لعلنا إن أمعنا النظر في تجربة الفن والإبداع الإنسانيين نجد أنفسنا أمام أقرب تشبيه لحقيقة الإدراك. فالشاعر لا يصف الطبيعة وصفاً فوتوغرافياً بل يعيد بناءها في لغته الخاصة ليكشف عن معانٍ لم تكن مرئية قبل أن ينيرها شعره، ومع ذلك فما يقدمه ليس محض خيال منفصل عن الواقع بل هو رؤية جديدة تنبع من عمق المواجهة مع العالم وتستمد شرعيتها من قدرتها على إيقاظ وجداننا لما هو كامن في الأشياء. والفنان التشكيلي حين يرسم منظراً طبيعياً لا ينسخه كما هو بل يضفي عليه من روحه ومن منظوره الخاص فيخلق عالماً موازياً، لكن هذا العالم الموازي رغم ذاتيته المفرطة يظل معترفاً به كمعرفة بالعالم بل كمعرفة أشمل من معرفة العدسة الجامدة لأنه يلتقط الجوهر لا الشكل. وكذلك العقل في إدراكه اليومي والعلمي، هو شاعر ورسام في آن، يبني من المعطيات الحسية أنساقاً ذات معنى وهذه الأنساق تكون حقيقية بقدر تماسكها وقدرتها على التنبؤ وليس بقدر مطابقتها لأصل متعالٍ مجهول. إن صورة العالم التي نبنيها هي حقيقة من طراز خاص ليست أقل واقعية لأنها مبنية بل هي الواقع الوحيد المتاح لنا، ذلك الواقع الذي نعيش فيه ونموت من أجله ونتشاور حوله ونتنازع، وهذا دليل كافٍ على موضوعيته النسبية، تلك الموضوعية التي لا تنبع من خارج الذات بل من توافق البنى الذهنية بين البشر ومن تشابه شروط وجودهم في الكون.

لكن هذا التشابه وإن كان يمنحنا أرضية مشتركة للتفاهم لا يجب أن يخفي عنا التنوع الهائل في صور العالم بين الثقافات والعصور وهو التنوع الذي يمنح الإشكالية بعدها التاريخي الأكثر تعقيداً. فما يراه عقل العصر الوسيط في ظاهرة طبيعية لا يشبه ما يراه عصر النهضة وما تبنيه ثقافة شرقية من نظم للمعرفة، يختلف جوهرياً عما تبنيه ثقافة غربية، وهذا التغاير لا يعني أن أيا منها خطأ بل يعني أن كل بناء معرفي هو استجابة لأسئلة محددة ومنظومة قيم خاصة وإطار لغوي واجتماعي معين. وكما قال أورتيغا إي غاسيت: "أنا نفسي وظروفي"، فالمعرفة ليست حلماً طليقاً ينساب في الفراغ بل هي نتاج وضع بشري متكامل، يشمل الجسد والتاريخ والمجتمع واللغة. واللغة هنا ليست مجرد وعاء للمعرفة بل هي أم المعرفة نفسها لأنها التي تشكل حدود عالمنا وتفرض علينا أنماطاً معينة من التصنيف والاستدلال، فلا يمكننا التفكير في الزمن مثلاً دون إطار نحوي يحدد علاقاته ولا في المكان دون مفردات تحدد أبعاده، إذ نجد أنفسنا أمام طبقات متراكمة من الوساطة كل منها يضيف مستوى جديداً من البناء على ما قبله حتى يصبح من المستحيل العودة إلى ما كان قبلاً أو الادعاء بأننا نرى العالم بعيون بريئة غير ملوثة بالثقافة واللغة.

غير أن هذا الاعتراف بالطبيعة البنائية للإدراك ليس كما قد يتوهم البعض، دعوة إلى النسبية المطلقة أو إلى إنكار إمكانية التقدم المعرفي بل هو على العكس تنقية للفكر من وهم الحقيقة المطلقة التي تسكن خلف الظواهر وفتح للطريق أمام معرفة أكثر تواضعاً لكنها أكثر فاعلية لأنها تعي حدودها وتعمل في نطاقها الطبيعي. فالعلم حين يدرك أن نظرياته مجرد نماذج قابلة للاستبدال يصبح أكثر انفتاحاً على التجديد وأقل عرضة للجمود، والفلسفة حين تدرك أنها تبحث في شروط الإمكان لا في الجوهر المتعالي تصبح أكثر قدرة على مساءلة نفسها وتجديد أدواتها.

إن إشكالية الوساطة بدلاً من أن تكون عقبة في طريق المعرفة هي الشرط الذي يمنح المعرفة حيويتها لأنها تضمن أن يظل العقل في حالة من السؤال الدائم غير راضٍ بما يصل إليه مدركاً أن كل صورة يبنيها ليست النهاية بل بداية لصورة أخرى. إنها الوعي المؤلم بالبعد بين الذات والعالم وهو ألم يتحول في اللحظة الخصبة إلى طاقة خلاقة تدفع الإنسان إلى تجاوز ذاته وإعادة صياغة علاقته بالوجود، تماماً كما يدفعه العشق إلى تجاوز حدوده الذاتية في محاولة لا تنتهي للاتحاد بموضوع حبه مع علمه باستحالة ذلك الاتحاد التام.

وتكمن أهمية الموقف النقدي الذي لا يكتفي بتحليل شروط المعرفة بل يتجاوزها إلى دراسة كيفية تشكل هذه الشروط نفسها في التاريخ والثقافة، وهو الموقف الذي تبنته الفلسفة الجينية عند بياجيه، حيث أثبت أن البنى العقلية ليست ثابتة منذ الولادة بل تتطور عبر مراحل متعاقبة يتفاعل فيها الكائن الحي مع محيطه في جدلية مستمرة بين الاستيعاب والمطابقة. والطفل في مراحل نموه المعرفي يمر بتحولات جوهرية في فهمه للزمان والمكان والسببية، وهذه التحولات ليست مجرد زيادة في كمية المعلومات بل هي تغيرات في البنية ذاتها التي ينظم بها تلك المعلومات، وهذا يؤكد أن البناء العقلي ليس لحظة وليدة بل عملية مستمرة تمتد مدى الحياة، حيث كل مرحلة هي صورة للعالم تتفكك كي تحل محلها صورة أوسع وهكذا دواليك دون أن نبلغ مرحلة يستقر فيها الإدراك نهائياً. وهذا التطور المعرفي على المستوى الفردي يناظره تطور المعرفة على المستوى الجماعي حيث تراكم البشرية المعرفي ليس سوى سلسلة متصلة من الهدم والبناء، حيث تتحطم النظريات القديمة على صخرة التجارب الجديدة، ولكن المتروك منها لا يضيع بل يندرج وينصهر في البناء الجديد كحالة خاصة أو تقريب مقبول، تماماً كما تندرج ميكانيكا نيوتن ضمن ميكانيكا أينشتاين، وقد كان الأخير قد قال ذات مرة إن المهمة الأسمى للفيزيائي هي الإمساك بالواقع بواسطة الفكر الحر متجاوزاً الوهم بأن قوانين الطبيعة يفرضها علينا الواقع مباشرة بل هي مفاهيم حرة اختارها العقل لتتناسب مع التجارب.

إن صورة العالم التي نرسمها مع كل ما فيها من وساطات وبناءات هي أصدق ما لدينا عن الوجود ليس لأنها تعكس ما هو كائن بل لأنها تعكس تفاعلنا الحيوي مع ما هو كائن وتعبّر عن قدرتنا على إنتاج المعنى في مواجهة اللانهائي. إنها صورتنا المرئية التي لا يمكننا رؤيتها دونها وعلينا أن نرضى بها ليس رضى المستسلم بل رضى العارف بأن المعرفة ليست استحواذاً على الحقيقة بل هي عشق مستمر للحقيقة، عشق لا ينتهي بالامتلاك بل يتجدد بالبحث. وفي هذا الرضى النقدي تتجلى أعلى مراتب الحكمة الإنسانية، تلك الحكمة التي تعرف أن العقل يبني العالم لأنه لا يستطيع أن يدركه ولا يدركه لأنه لا يستطيع إلا أن يبنيه، وهذه المفارقة ليست نقصاً في العقل بل هي سر قوته، فمن لا يعرف حدود قوته لا يعرف كيف يستخدمها.

إن ما يمكن أن نطوي به هذا التأمل الممتد هو أن سؤال الوساطة ليس سؤالاً ينتظر حلا نهائياً، بل هو سؤال ينتظر من يطرحه دوماً لأنه سؤال الكائن المحدود الذي يطمح إلى اللامحدود، سؤال الإنسان الذي ألقاه الوجود في متاهة من المرايا، كل مرآة تعكس انعكاساً لانعكاس آخر، ومع ذلك فهو لا يكف عن السعي ليلمح من ورائها شيئاً ما ولو كان ذلك الشيء مجرد وهج بعيد. وهل هناك حقيقة أعمق من هذا السعي نفسه؟ أليس السعي إلى المعرفة بكبواته وانتصاراته هو أسمى تعبير عن وجودنا وأرقى شهادة على أننا لسنا مجرد كائنات تستهلك العالم بل كائنات تحاول فهمه وتفهم أنها في هذه المحاولة لا تفهمه كاملاً، وهذا الإدراك الناقص هو بالذات ما يمنحها كرامتها الإنسانية؟ فلعل جوهر المعرفة ليس في أن نمسك بالشيء بل في أن نعرف أننا لا نمسكه وأن نستمر في محاولة الإمساك به، هذا التوتر الخصب بين الرغبة والعجز هو ما يولد كل ما هو جميل ونبيل في العقل البشري، من علم وشعر ودين وفن، فكل هذه النشاطات هي صور للعالم صور لا تدّعي أنها الواقع لكنها تشع بمعاني الواقع وتضيء دروباً في غياهب الوجود لو تركنا للظلام لانطفأنا معه. ولا يهم كثيراً إن كان العقل يدرك العالم أو يبني صورته بقدر ما يهم أن العقل في الحالتين، يظل مخلصاً لمهمته الأبدية، تلك المهمة التي لا تنتهي وهي تحويل الفوضى الصامتة للوجود إلى كلمات لها وقع وإلى معانٍ لها حمولة وإلى حياة لها طعم، وكل ذلك عبر عملية التوسيط التي لا تنفك تعيد تشكيل نفسها في كل لحظة كما يعيد النهر تشكيل ضفافه دون أن يتوقف عن الجريان.

***

د حمزة مولخنيف

مقدمة: في خضم الفلسفة المعاصرة، يبرز مفهوم «الذات الجمعية» كتحدٍّ أنطولوجي وأخلاقي وسياسي في آنٍ واحد. لم تعد الذات مقتصرة على الوعي الفردي المغلق على نفسه، كما في التراث الديكارتي أو الوجودي المبكر، بل أصبحت كياناً مشتركاً يتشكل عبر التفاعلات، اللغة، الممارسات، والصراعات. الذات الجمعية ليست مجرد تجمّع لأفراد، ولا هي كياناً عضوياً فوق-فردياً يمحو الاختلاف، بل هي عملية ديناميكية مستمرة من الـ«نحن» الذي يتكوّن ويتفكك ويعيد تشكيل نفسه.

تطوير هذه الذات يعني الانتقال من حالة الجمع العشوائي أو الجماعة المفروضة إلى «ذات» قادرة على الوعي الذاتي، التصرف الإرادي، والتجاوز الإبداعي. هذا التطوير ليس حتمياً، بل يتوقف على شروط فلسفية معقدة تتجاوز علم النفس الاجتماعي أو علم الاجتماع، لتصل إلى مستوى الأنطولوجيا الاجتماعية والسياسة الوجودية. سنستكشف هذه الشروط من زوايا معاصرة ترتبط بأسئلة الهوية، الاعتراف، السلطة، والإمكان في عالم متسارع التغير. فكيف يمكن إعادة صياغة مفهوم الذات في عصر الجمعي؟

الشرط الأول: الاعتراف المتبادل والتكوين البيذاتي

يبدأ تطوير الذات الجمعية من لحظة الاعتراف. في الفلسفة المعاصرة، يُعاد صياغة مفهوم الاعتراف بعيداً عن الرومانسية الهيغلية التقليدية، ليصبح عملية مستمرة من التفاوض على الحدود بين «الأنا» و«الآخر». الذات الجمعية لا تنشأ إلا عندما يرى الفرد نفسه في الآخر ليس كمرآة مطابقة، بل كشريك في مشروع مشترك يتجاوز الذاتين.هذا الاعتراف يتطلب بناءً لـ«الفضاء العام» الذي لا يُختزل إلى سوق أو دولة، بل يصبح ميداناً للظهور المتبادل. عندما يفقد الأفراد القدرة على الاعتراف ببعضهم — بسبب اللامبالاة أو الخوف أو الاستلاب — تتحول الجماعة إلى حشد أو جمهور مستهلك. الشرط هنا هو وجود ممارسات اعترافية حقيقية: حوارات لا تهدف إلى الإقناع أو السيطرة، بل إلى الاستماع الذي يغير المتكلم نفسه. في عصر التواصل الرقمي، يصبح هذا الشرط أكثر تعقيداً، إذ يمكن للخوارزميات أن تخلق «فقاعات اعتراف» زائفة تعزز النرجسية الجماعية بدلاً من تطوير ذات حقيقية.

الشرط الثاني: السردية المشتركة والزمنية الجماعية

الذات الجمعية تحتاج إلى سردية تمنحها استمرارية ومعنى. ليست السردية أسطورة مؤسسة جامدة، بل عملية روائية مفتوحة تدمج الذاكرة الجماعية مع الإمكانيات المستقبلية. في الفلسفة المعاصرة، نرى كيف أن الزمن ليس خطياً فردياً، بل زمناً مشتركاً يتشكل عبر «الحدث» الذي يقطع التكرار ويفتح آفاقاً جديدة.

تطوير الذات يتطلب إعادة سرد التاريخ بطريقة لا تنكر الجروح ولا تُمجّدها، بل تحولها إلى مصدر للإبداع. عندما تسود السرديات المتجزئة — قومية ضيقة، أيديولوجية استهلاكية، أو سرديات ضحية دائمة — تتحول الذات الجمعية إلى كيان هش يعيش في حالة دفاعية. الشرط الفلسفي هنا هو القدرة على «السرد المضاد» الذي يسمح بالاختلاف داخل الوحدة، أي سرد يحتضن التوتر بدلاً من قمعه. هذا يعني بناء ذاكرة حية تتجدد عبر التعليم، الفن، والممارسات الرمزية التي تجعل الماضي حاضراً بطريقة إبداعية.

الشرط الثالث: الجسدية المشتركة والممارسات المادية

لا تكون الذات الجمعية مجرد فكرة أو وعي خالص؛ إنها جسدية بالأساس. الفلسفة المعاصرة، خاصة في تيارات الظاهراتية الجديدة والمادية الجديدة، تؤكد على أن الذات تتشكل عبر الأجساد المتفاعلة في الفضاء. الاحتجاج، الرقص الجماعي، العمل المشترك، وحتى الطقوس اليومية هي لحظات يتكون فيها «النحن» الجسدي.

تطوير الذات يشترط إعادة اكتشاف الجسد كموقع للسياسة والأخلاق. في عالم الرأسمالية الرقمية الذي يفصل بين الجسد والوعي (عبر الشاشات والعوالم الافتراضية)، يصبح الشرط الأساسي هو خلق ممارسات تجمع الأجساد في مواجهة مباشرة. هذه الممارسات تولد «حساسية مشتركة» — شعوراً جماعياً بالألم والفرح والمسؤولية — يتجاوز التعاطف اللفظي إلى الالتزام الوجودي. بدون هذه الجسدية، تبقى الذات الجمعية وهماً أيديولوجياً.

الشرط الرابع: مواجهة السلطة والتحرر من آليات الاستلاب

من منظور معاصر، خاصة في أعمال الفكر النقدي، تُشكّل السلطة جزءاً داخلياً من الذات نفسها. الذات الجمعية لا تتطور إلا بمواجهة آليات السيطرة التي تعيد إنتاج الخضوع داخل الجماعة ذاتها: الرقابة الذاتية، الامتثال للمعايير، والاستلاب عبر التقنية.

الشرط هنا هو بناء «قدرة على المقاومة الإبداعية». ليست المقاومة رفضاً سلبياً، بل إعادة تشكيل للعلاقات السلطوية بحيث تصبح الذات قادرة على الحكم على نفسها دون أن تتحول إلى طاغية داخلية. يتطلب ذلك توزيعاً للسلطة لا يقتصر على المؤسسات، بل يمتد إلى اللغة، الرغبة، والخيال الجماعي. عندما تفشل الجماعة في مواجهة سلطتها الداخلية، تنهار الذات الجمعية إلى مجموعة من الأنا المتنافسة أو إلى كتلة واحدة خاضعة.

الشرط الخامس: الإمكان والمستقبل المفتوح

في قلب أي فلسفة معاصرة جديرة بالاسم، يقف مفهوم «الإمكان». الذات الجمعية لا تتطور إلا إذا اعتبرت نفسها مشروعاً غير مكتمل، قادراً على الدهشة والاختراق. هذا يعني رفض الضرورة التاريخية أو البيولوجية أو الاقتصادية كمصير. كما يتطلب هذا الشرط تربية الخيال الجماعي: القدرة على تخيل أشكال حياة بديلة ليست مجرد إصلاح للواقع، بل إعادة اختراع لشروط الوجود ذاتها. في عصر الأزمات البيئية والتكنولوجية، يصبح هذا الخيال ضرورة وجودية. الذات الجمعية التي تفقد قدرة التخيل تتحول إلى آلة تكيف مع الانهيار بدلاً من أن تكون قوة للتجاوز.

الشرط السادس: الأخلاقية كأفق مشترك

أخيراً، يتوقف تطوير الذات الجمعية على وجود أفق أخلاقي يتجاوز النفعية الفردية والنسبية الثقافية. ليست هذه الأخلاق وصفاً لقواعد، بل بناءً لـ«الخير المشترك» الذي يُعاد تعريفه باستمرار عبر الحوار والتجربة. في الفلسفة المعاصرة، يرتبط هذا بالمسؤولية تجاه الآخر — سواء كان الآخر داخل الجماعة أو خارجها، أو حتى الأجيال المقبلة والكائنات غير البشرية.

الذات الجمعية الناضجة هي التي تدرك أن حريتها مرتبطة بحرية الآخرين، وأن كينونتها تتضمن التزاماً تجاه ما هو أكبر منها. هذا الالتزام ليس تضحية، بل مصدراً للمعنى العميق الذي يحمي الجماعة من الانهيار في الفراغ النيوليبرالي أو التعصب الهوياتي.

خاتمة:

تطوير الذات الجمعية ليس برنامجاً تقنياً أو سياسياً محضاً، بل مغامرة فلسفية تتطلب شجاعة وجودية. الشروط التي استعرضناها — الاعتراف، السردية، الجسدية، مواجهة السلطة، الإمكان، والأخلاق — مترابطة ومتشابكة. فشل شرط واحد يهدد البنية كلها.في عالمنا الحالي، حيث تتعرض الجماعات لضغوط التشظي والتجانس القسري في آنٍ واحد، تصبح إعادة التفكير في شروط الذات الجمعية أمراً ملحاً. ليست المهمة إحياء «نحن» رومانسياً مفقوداً، بل خلق «نحن» جديد قادر على التعايش مع الاختلاف، والتجاوب مع التحديات الكونية، والاحتفاء بالحياة المشتركة. هذا التطوير يبدأ دائماً من اللحظة الحاضرة: في الحوار الذي نجريه الآن، في الجسد الذي نحركه معاً، وفي الخيال الذي نجرؤ على مشاركته. الذات الجمعية، في نهاية المطاف، هي دعوة مستمرة لأن نصبح أكثر مما نحن عليه، معاً. فكيف نسير نحو ذات جمعية حية؟ وهل يجوز لنا تطبيق نظرية الاعتراف على الذات الجمعية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

مقاربة فلسفية في حفريات الخطاب وعنف التفاهة المعاصرة

شهدت الألفية الرابعة قبل الميلاد في جنوب وادي الرافدين تحولاً أنطولوجياً حاسماً في تاريخ البشرية، تمثل في الانتقال من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور التاريخية المدوّنة بابتكار الكتابة المسمارية. لم يكن هذا الابتكار مجرد أداة تقنية محايدة لتسجيل الأصوات، بل كان في جوهره ممارسة سلطوية ولدت من رحم الحاجة البيروقراطية والاقتصادية لمعابد ومؤسسات الدولة الناشئة في مدن مثل "الوركاء". لقد بدأت الكتابة كرسوم تصويرية تمثل الأشياء المادية يوضح هذا التحول البنيوي كيف أسست اللغة الرمزية لمفاهيم السلطة والتراتبية الاجتماعية منذ بداياتها الأولى. وتجسد هذا النظام في (مدرسة الألواح)، وهي المؤسسة التي تولت تدريب وتخريج النخبة الكاتبة في بلاد ما بين النهرين. هذا التثبيت المنهجي للتعليم أنتج طبقة مغلقة من الكتّاب الكهنة الذين ارتبطوا ببلاط الملك والمعبد، فاحتكروا المعرفة الإدارية والدينية، وأقصوا عامة الشعب عن فك رموز اللغة. وفي هذا السياق، تظهر أطروحة عالم الاقتصاد والاتصال الكندي هارولد إينيس حول انحياز وسائل الاتصال لتفسير التفاعل بين مادية الوسيط اللغوي وبنية السلطة السياسية. يرى إينيس أن الطين والحجر، بصفتهما وسائط ثقيلة ومتينة، يمثلان وسائل اتصال "منحازة للزمن"؛ مما يرسخ الاستمرارية التاريخية، التقاليد الدينية، والشرعية السلالية الحاكمة. ويساهم هذا الانحياز في إقامة إمبراطوريات ثيوقراطية مركزية ومستقرة، ولكنها تمتاز بصلابة بنيوية شديدة ومقاومة للتغيير. تثبت ملحمة جلجامش هذا التوجه؛ حيث يحرص البطل على تخليد اسمه عبر نقشه على نصب من الحجر ليبقى خالداً في ذاكرة الزمن. وبالمثل، تبرز مسلة حمورابي كأداة لتوحيد المملكة سياسياً وقانونياً من خلال تثبيت القوانين على وسيط حجري صلب يسري حكمه على الجميع.

ديمقراطية الأبجدية وتحرير العلامة

 في كنعان على أطراف الإمبراطوريات العظمى في مصر وبابل، وفي كنف المجتمعات التجارية الناشئة على الساحل السوري وفي سيناء، ولدت واحدة من أعظم الثورات التكنولوجية والمعرفية في التاريخ البشري: الأبجدية الكنعانية الأولية. كان الكنعانيون يتوزعون على ممالك ساحلية متفرقة مثل: أراود، وجبيل، وأوغاريت. وكانت هذه المدن بمثابة حقول مفتوحة للتداول التجاري واللغوي الحر، بالرغم من تأثرها باللغة الأكدية التي كانت لغة المراسلات الدبلوماسية الدولية آنذاك فرضت هذه الطبيعة العملية والتجارية حاجة ماسة لوسيلة تواصل سريعة وسهلة ومتاحة للجميع، بعيدة عن تعقيدات الكتابة المسمارية والهيروغليفية التي تتطلب سنوات من التدريب التخصصي. تمثل هذا التحول الثوري في ابتكار الأبجدية السينائية والكنعانية الأولية، التي عثر على أقدم نقوشها في معبد "سرابيط الخادم" في سيناء عام 1905، ودُوّنت بأيدي عمال مناجم كنعانيين اقتبسوا رموزاً مبسطة من الهيروغليفية المصرية وحولوها إلى أصوات حرفية ساكنة. ظهرت هذه الأبجدية بشكلها النهائي كخط أبجدي متكامل في أوغاريت، مستخدمة بعض الرموز المسمارية المبسطة لتمثيل ثلاثين صوتاً كنعانياً، قبل أن تتطور الأبجدية الفينيقية في القرن الحادي عشر قبل الميلاد وتصبح الأصل الذي اشتق منه الإغريق أبجديتهم، لتنتقل لاحقاً إلى الأبجديات الأوروبية الحديثة. تحلل سوسيولوجيا الاتصال عند هارولد إينيس هذه اللحظة التاريخية باعتبارها الانهيار الحتمي لـ ـالمونوبول المعرفي القديم. فالأبجدية الكنعانية، بخفتها وقدرتها على التدوين على وسائط خفيفة مثل البردي، تمثل وسيلة اتصال "منحازة للمجال والمكان"؛ مما يسهل الإدارة اللامركزية والتوسع التجاري الأفقي. لقد أدت ديمقراطية الحرف الكنعاني إلى كسر حصرية المعرفة التي فرضتها طبقة الكهنة والكتّاب البلاطيين. بيد أن هذا التركيز الكنعاني على التجارة والعمل الميداني أنتج مفارقة تاريخية؛ فالكنعانيون كانوا عمليين لدرجة أنهم كتبوا القليل عن أنفسهم وتاريخهم، ولم يتركوا آثاراً ملكية ضخمة تمجد أمجادهم، بل تشتت تراثهم وانتقل أثرهم الأساسي عبر نشر الحرف الأبجدي الذي حرر العقل البشري من قيود الرمز المقدس.

المقاربة الفلسفية لجدلية اللغة والسلطة

لتفكيك الكيفية التي تتحول بها اللغة من أداة تواصل بريئة إلى جهاز للهيمنة وبناء تراتبيات القوة، لا بد من استحضار المقاربات الفلسفية والسوسيولوجية الحديثة، لاسيما طروحات ميشيل فوكو وبيير بورديو. يتقاطع هذان المفكران في الكشف عن الروابط العميقة والخفية بين المعرفة والخطاب من جهة، وممارسات السلطة الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى.

1. ميشيل فوكو: الخطاب وإرادة الحقيقة يؤهل ميشيل فوكو لرؤية جذرية تعتبر أن الحقيقة والمعرفة هما ممارستان سلطويتان بحد ذاتهما. يرى فوكو أن السلطة لا تعمل بالمنع والقمع الفيزيائي المباشر فقط، بل تمتاز بكونها شبكة منتجة وحيوية تتغلغل في كافة الفعاليات الاجتماعية. وفي كتابه "نظام الخطاب"، يوضح أن إنتاج الخطاب في المجتمعات يجري تنظيمه ومراقبته عبر مجموعة من الآليات والمؤسسات التي تقصي الخطابات الهامشية. إن الخطاب عند فوكو ليس مجرد دال يعكس الصراعات الاجتماعية، بل هو موضوع الصراع بحد ذاته، والأداة التي تسعى القوى المختلفة للاستحواذ عليها لتوجيه الوعي البشري عبر آليات "إرادة الحقيقة" التي تصنع الحقائق صناعة تخدم بقاء البنية الحاكمة.

2. بيير بورديو: العنف الرمزي والسوق اللغوية على الجانب الآخر، يقدم بيير بورديو تشريحاً سوسيولوجياً دقيقاً لآليات الهيمنة اللغوية من خلال مفهوم العنف الرمزي؛ وهو عنف ناعم، خفي، وغير محسوس، يمارس ضد الفاعلين الاجتماعيين بتواطؤ وموافقة ضمنية من الضحايا أنفسهم الذين تمت تهيئتهم اجتماعياً للخضوع. يطرح بورديو مفهوم السوق اللغوية التي تمثل وضعية اجتماعية يجري فيها تداول التعبيرات اللغوية وتقييمها بناءً على موقع المتكلم في السلم الاجتماعي. في هذه السوق، لا تكتسب اللغة قوتها من خصائصها البنيوية الداخلية، بل تستمدها من المؤسسة الاجتماعية والشرعية القانونية التي تمنح المتكلم حق التعبير. ويبرز هنا مفهوم التفويض كآلية أساسية؛ حيث يقوم الأفراد بنقل سلطتهم اللغوية والتعبيرية إلى ممثل أو مؤسسة (مثل المتحدث الرسمي أو الحزب السياسي). هذا التفويض يسلب الجموع صوتهم المباشر ويمنح الممثل رأسمالاً لغوياً ورمزياً هائلاً يمكنه من إعادة إنتاج الهيمنة عليهم باسمهم ذاته. فالمؤسسات التعليمية، من منظور بورديو، تفرض لغة معيارية رسمية تجعل الأفراد المنحدرين من طبقات أدنى يشعرون بالدونية اللغوية والاستلاب النفسي.

التوحش النيوليبرالي ولغة التفاهة المعاصرة

إذا كانت رحلة اللغة من سومر إلى كنعان قد تميزت بالسير نحو فك الاحتكار ودمقرطة الحرف، فإن المشهد المعاصر يعكس ارتداداً بنيوياً حاداً تحت وطأة النظام النيوليبرالي العالمي واقتصاد السوق المتوحش. يقدم الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه "نظام التفاهة" تشريحاً كاشفاً لهذه الحالة المعاصرة؛ حيث يرى أن العالم يمر بمرحلة تاريخية تتبوأ فيها الرداءة والتفاهة مواقع السلطة. يؤسس نظام التفاهة المعاصر لبيئة اجتماعية لم يعد فيها التميز المعرفي أو الأخلاقي هو المعيار، بل أصبح الخضوع لمتطلبات السوق والاستهلاك السريع هو الشرط الأساسي للنجاح. يتحقق هذا التدجين اللغوي عبر آليات التخصص الأكاديمي والمهني الصارم، الذي حول العلماء والمثقفين إلى مجرد "خبراء" تقتصر وظيفتهم على أداء مهام تقنية محددة تخدم مصالح الشركات الكبرى، بدلاً من إنتاج معرفة نقدية حرة تخدم الفضاء العمومي. تتغذى هذه البيئة على ما يعرف بـ اللغة الخشبية؛ وهي لغة فضفاضة، معلبة، وتكنوقراطية مجوفة تعتمد على قوالب ومصطلحات جاهزة يتم تداولها بكثافة لإخفاء الكسل الفكري العميق ولأدلجة النقاش العام وحرفه عن القضايا المصيرية. يساهم هذا النمط اللغوي التبسيطي في تفتيت ثقافة المواطنة والنقاش العقلاني الرصين لصالح قيم الاستهلاك والمادية الفردانية.

المسمارية الرقمية واستعادة مونوبول الكهنوت الجديد

إن قراءة المسار التاريخي والفلسفي لتطور اللغة والخطاب تكشف عن حقيقة بنيوية بالغة الغرابة: يمثل العصر الرقمي الحالي ارتداداً دراماتيكياً نحو منطق "المونوبول المعرفي" والكهنوتي الذي ساد في الحقبة السومرية القديمة، ولكن في حلة تكنولوجية فائقة التطور وعابرة للقارات. في العصر السومري البابلي، تميز الخط المسماري بتعقيده، مما جعل حيازة المعرفة حكراً على نخبة الكهنة والكتّاب. واليوم، تكرر النيوليبرالية المعاصرة هذا النموذج ذاته من خلال لغة الخوارزميات، وشفرات البرمجة، وقواعد البيانات الضخمة التي تدير مفاصل العالم المعاصر وتتحكم فيه. إن هذه اللغات البرمجية المعقدة تمثل المسمارية الرقمية الجديد؛ فهي لا تقع في يد عامة الناس، بل تحتكر إنتاجها وإدارتها فئة ضيقة جداً من خبراء التقنية، ومطوري الذكاء الاصطناعي، ورجال الأعمال المهيمنين على الشركات التكنولوجية الكبرى. يمثل هؤلاء التقنيون "الكهنوت الجديد" للقرن الحادي والعشرين، يمتلكون وحدهم سلطة صياغة وتفسير القوانين والأنظمة المعرفية الرقمية التي تخضع لها المجتمعات مجبرة. يترافق هذا الاحتكار المعرفي للنخبة التقنية مع عملية تدجين لغوي واستلاب فكري واسع النطاق يمارس ضد عامة الناس. فبينما تحكم القوى العظمى والشركات قبضتها على البنى التحتية للمعلومات، يتم إغراق الفضاء السيبراني بطوفان من الخطاب التافه والسطحي الموجه للاستهلاك السريع. يتحول المواطن المعاصر، بالرغم من توفر أدوات النشر الافتراضي التي تبدو ديمقراطية في ظاهرها، إلى مستهلك لسلع ثقافية تافهة وموهومة تفرزها منصات التواصل الاجتماعي بدافع الربح والتفاعل الأقصى. تساهم هذه اللغة الاستهلاكية في تقليص القدرة الإنسانية على التفكير النقدي وصياغة بدائل حقيقية للنظام القائم، وتعمل على ترسيخ الصلابة الفكرية بتعبير هارولد إينيس؛ وهي الحالة التي يعجز فيها المجتمع عن التكيف فكرياً ولغوياً مع التغيرات العميقة بسبب ركونه لنظام فكري جامد ومقولب يفرضه الطرف المهيمن. بذلك تكتمل دائرة العنف الرمزي والبنيوي المعاصر؛ حيث تعمل اللغة التكنوقراطية و"لغة الخشب" الرسمية على إقصاء عامة الناس من المشاركة الحقيقية في اتخاذ القرار، مستعينة بـ "الخبرة التقنية" كغطاء علمي وأكاديمي يخفي وراءه انحيازيات مادية واقتصادية صارمة. يجد الإنسان نفسه محاصراً بين مسمارية تقنية خوارزمية مغلقة لا يفهم لغتها، وأبجدية رقمية افتراضية تبسط وتسطح تفاعلاته الإنسانية وتحولها إلى خطاب عنيف مشحون بالكراهية والاستقطاب المستمر.

***

غالب المسعودي

 

مقاربة إسكاتولوجية

مقدمة: تشكل عبارة "متغيرات الحياة وسط بين عسر البدايات ويسر النهايات" رؤية عميقة لمسار الوجود الإنساني، تربط بين الزمن والمصير، وبين الجهد والجزاء. في المقاربة الإسكاتولوجية — التي تتناول نهاية الأمور ومآلاتها النهائية — لا تُفهم الحياة كسلسلة عشوائية من الأحداث، بل كمسيرة مقصودة تبدأ بعسر وتنتهي بيسر، مع أن المتغيرات المتوسطة هي الحقل الحقيقي للاختبار والنمو والتكامل. هذه المقاربة تكشف عن حكمة إلهية أو كونية تجعل البدايات صعبة لتكون الأساس متيناً، والنهايات ميسرة لتكون الجزاء شاملاً، بينما تكون المتغيرات الوسطى ميداناً للحرية والمسؤولية. تتناول هذه الدراسة أبعاد هذه الرؤية، مستكشفة عسر البدايات، وطبيعة المتغيرات كوسط، ويسر النهايات، مع التركيز على دلالاتها الوجودية والأخلاقية والروحية. فما طبيعة متغيرات الحياة بين البدايات والوسط والنهايات؟

عسر البدايات: الأساس الصعب والضروري

تبدأ كل مسيرة وجودية بعسر ملحوظ. في بداية الخلق، أو ولادة الإنسان، أو بدء أي مشروع حياتي، تظهر الصعوبة كسمة أساسية. الولادة مصحوبة بألم، والتعلم الأولي يتطلب جهداً شاقاً، والزرع يسبقه حرث الأرض. هذا العسر ليس عقاباً، بل هو شرط للنمو الحقيقي. من منظور إسكاتولوجي، يحمل عسر البدايات حكمة مزدوجة: أولاً، يبني الصلابة والعمق. الشيء الذي يبدأ بسهولة قد ينهار بسرعة، أما ما يبدأ بعسر فيكتسب قوة داخلية تجعله قادراً على مواجهة المتغيرات. ثانياً، يذكر الإنسان بتواضعه واعتماده على قوة أعلى. البداية العسيرة تحول الإنسان من كائن متعالٍ إلى كائن يبحث عن المعنى والعون، مما يفتح الباب أمام النمو الروحي.

في حياة الأفراد، تظهر هذه العسر في تجارب الطفولة الصعبة، أو بدايات الزواج، أو تأسيس مشروع، أو حتى الدخول في مسار روحي. كلها تبدو في البداية كعقبات، لكنها في الواقع بذور للنضج. الإسكاتولوجيا ترى في هذا العسر وعداً ضمنياً: فالصعوبة الأولى ليست نهاية، بل مقدمة لتحول أكبر.

متغيرات الحياة: الوسط الاختباري والديناميكي

تقع متغيرات الحياة — التقلبات، الابتلاءات، التغييرات غير المتوقعة، الصعود والهبوط — في الوسط بين البداية والنهاية، فتصبح الحقل الحقيقي للاختبار الإنساني. هذه المتغيرات ليست فوضى، بل هي الوسيط الذي يربط العسر باليسر، ويسمح بتحقيق الغاية من الوجود.

في المقاربة الإسكاتولوجية، تؤدي المتغيرات وظائف متعددة:

وظيفة الاختبار والتمحيص: تكشف عن حقيقة الإنسان. في أوقات الرخاء قد يظهر الإيمان سطحياً، أما في المتغيرات فيظهر عمقه. هي ميدان للاختيار الحر بين الصبر واليأس، بين العدل والظلم، بين النمو والانحدار.

وظيفة النمو والتكامل: المتغيرات تحول الإنسان من حالة إلى أخرى. ما يبدو شديداً في اللحظة يصبح في ما بعد درجة في سلم الارتقاء. الفقدان يعلّم القيمة، والمرض يعلّم الشكر، والفشل يعلّم الحكمة.

وظيفة التوازن الكوني: تمنع الاستقرار الزائف. لو بقي الإنسان في حالة واحدة لفقد القدرة على تقدير النهاية. المتغيرات تحافظ على الحيوية وتذكر بالزمنية، مما يدفع نحو الاستعداد للنهاية.

وظيفة التربية الإلهية أو الكونية: تُرى المتغيرات كوسيلة حكيمة لتوجيه الإنسان نحو كماله. هي ليست عقاباً عشوائياً، بل تربية تهيئه ليسر النهاية.

في هذا الوسط، يتعلم الإنسان الصبر، والتوكل، والمرونة، والرجاء. المتغيرات هي المكان الذي يتحقق فيه الجهاد الأكبر: جهاد النفس ضد اليأس، والجهاد في العالم من أجل الخير.

يسر النهايات: الجزاء والإكمال

في مقابل عسر البدايات، يأتي يسر النهايات كوعد إسكاتولوجي أصيل. النهاية — سواء كانت نهاية مرحلة حياتية، أو نهاية العمر، أو النهاية الكونية — تحمل طابع التيسير والإنجاز. بعد الجهد يأتي الراحة، وبعد الابتلاء يأتي الفرج، وبعد الفناء المؤقت يأتي البقاء الأبدي.

هذا اليسر ليس إلغاءً للعسر، بل ثمرته. الإنسان الذي صبر على متغيرات الوسط يجد في النهاية معنى كل ما مرّ به. في الرؤية الإسكاتولوجية، تكون النهاية مكتملة: الروح تجد سلامها، والعدل يتحقق، والمعاناة تتحول إلى شهادة. هذا اليسر يمنح الحياة بأكملها معنى رجائياً؛ فالصعوبات ليست عبثية، بل هي طريق إلى التمام.

الدلالات الوجودية والأخلاقية للمقاربة

تكشف هذه المقاربة عن رؤية متفائلة للوجود دون إنكار للألم. هي تدعو إلى:

الصبر الواعي: فهم أن العسر مرحلة، والمتغيرات فرصة، واليسر آتٍ.

الرجاء الفعال: العمل في الوسط بثقة في النهاية.

التوازن: عدم اليأس من البدايات الصعبة، وعدم الغرور في المتغيرات، والاستعداد للنهاية.

الأخلاق الإسكاتولوجية: التصرف في الحاضر على ضوء المستقبل النهائي، مما يجعل كل فعل ذا وزن أبدي.

هذه الرؤية تحول النظرة إلى الحياة من نظرة تراجيدية إلى نظرة درامية ذات خاتمة مشرقة، حيث تكون المتغيرات جسراً وليست حاجزاً.

خاتمة

إن متغيرات الحياة وسط حكيم بين عسر البدايات ويسر النهايات. المقاربة الإسكاتولوجية تكشف عن نسق كوني يجعل كل مرحلة ضرورية للأخرى. البداية العسيرة تبني الأساس، والمتغيرات تُنضج الروح، والنهاية الميسرة تكمل المسار وتُظهر الحكمة الكاملة.

في عالم يغلب عليه القلق من المستقبل واليأس من الحاضر، تقدم هذه الرؤية رجاءً عميقاً: كل عسر يحمل بذرة يسر، وكل تغير يحمل إمكانية ارتقاء. الإنسان مدعو إلى أن يعيش وسطه بكل وعي وصبر وأمل، مدركاً أن النهاية ليست انقطاعاً بل إكمالاً، وليست عدلاً مجرداً بل رحمة شاملة. هكذا تتحول الحياة من سلسلة صعوبات إلى مسيرة مقدسة نحو التمام الأبدي. فما دور الشكر في تسهيل النهايات وهل للصبر وظيفة ايتيقية في تحمل عواقب التحولات وعسر البدايات؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

من الانبثاق إلى البانسايكزم

حين يصل النقاش حول الوعي إلى حدوده القصوى، لا يعود السؤال مقتصرًا على كيفية عمل الدماغ أو على طبيعة الفجوة بين التفسير الموضوعي والخبرة الذاتية، بل يتحول إلى سؤال أنطولوجي مباشر: ما موقع الوعي في نسيج الواقع نفسه؟ هل هو خاصية ناشئة تظهر عندما تبلغ المادة درجة معينة من التعقيد والتنظيم؟ أم أنه ليس طارئًا متأخرًا على الكون، بل بُعد أصيل من أبعاده، وإن كان يظهر في الكائنات الحية والعاقلة بصور أعلى وأكثر تركيبًا؟ هنا يدخل النقاش منطقة أشد عمقًا من مجرد فلسفة العقل بالمعنى الضيق، لأننا لا نعود نسأل فقط عن الوعي، بل عن طبيعة العالم الذي يسمح بوجوده.

إن الرهان على الانبثاق كان طويلًا أحد أكثر المواقف جاذبية. فهذه الفكرة تبدو، للوهلة الأولى، معقولة جدًا: ليست كل خصائص العالم موجودة على المستوى الأولي بالطريقة نفسها، بل إن بعض الخصائص تظهر حين تنتظم العناصر البسيطة في بنى أكثر تعقيدًا. السيولة مثلًا لا نجدها في جزيء الماء الواحد، بل تظهر على مستوى الجمع والتنظيم. والحياة نفسها، في بعض الصيغ، تُفهم بوصفها نمطًا من التنظيم لا يمكن اختزاله بسهولة إلى خصائص الجزيئات المفردة. ومن هنا قال كثيرون: لِمَ لا يكون الوعي كذلك؟ لِمَ لا يكون خاصية تنبثق عندما يبلغ الدماغ درجة معينة من التكامل، والتعقيد، والتفاضل الديناميكي، والتشابك الوظيفي؟

هذا التصور يمتلك قوة معينة، لأنه يسمح بالحفاظ على صورة طبيعية للعالم دون السقوط في اختزال مفرط. فالوعي، وفق هذا المنظور، ليس شبحًا مفارقًا للمادة، لكنه أيضًا ليس قابلاً للردّ البسيط إلى مجموع خواص أجزائه. إنه يظهر عندما تنتظم المادة بطريقة مخصوصة. وهنا يتكئ بعض المنظرين على تشبيهات من الفيزياء أو نظرية الأنظمة المعقدة أو البيولوجيا، ليقولوا إن الوعي ليس معجزة، بل حالة عليا من التنظيم. لكن السؤال الذي يظل يطارد هذا الموقف هو: أي نوع من الانبثاق نقصد؟

إذا كان المقصود مجرد انبثاق ضعيف، أي أن الوعي يمكن تفسيره بالكامل في النهاية من خلال قوانين الأجزاء والعلاقات بينها، وإن لم يكن ذلك واضحًا عمليًا لنا الآن، فإن المشكلة الصعبة تعود من جديد. لأن السؤال لن يكون: هل ثمة مستوى أعلى من التنظيم؟ بل: لماذا يكون لهذا المستوى خبرة؟ كيف يتحول التعقيد إلى إحساس؟ إذا كان الوعي منبثقًا بالمعنى الضعيف فقط، فقد يبدو أن كلمة “انبثاق” لا تضيف كثيرًا، بل تؤجل الصعوبة تحت اسم أكثر أناقة. كأننا نقول: نعم، الخبرة تظهر عندما تنتظم المادة، لكننا لم نشرح بعد لماذا يكون التنظيم خبرة، لا مجرد فعالية معقدة.

أما إذا كان المقصود انبثاقًا قويًا، أي أن الوعي يمثل نمطًا من الخصائص الجديدة التي لا يمكن اشتقاقها بالكامل من الخصائص الفيزيائية الأدنى حتى من حيث المبدأ، فإننا نكون قد تجاوزنا المادية الاختزالية بوضوح. هنا لا يعود الوعي مجرد نتيجة متوقعة لتعقيد البنية، بل يصبح إضافة أنطولوجية حقيقية إلى العالم. لكنه عندئذ يواجه مشكلة أخرى: كيف نفهم هذه القفزة؟ وكيف نفسر ظهور خاصية ذاتية من قلب عالم يوصف، في مستواه الأساسي، بلغة غير ذاتية؟ هل نحن هنا نفسر، أم فقط نمنح الجهل اسمًا ميتافيزيقيًا أكثر رهافة؟

لهذا السبب وجد بعض الفلاسفة أن الانبثاق، رغم جاذبيته، يبقى موقفًا غير مستقر. فهو يحاول الحفاظ على الطبيعة مع الاعتراف بفرادة الوعي، لكنه قد ينتهي إما إلى اختزال مقنع بالكلمات، أو إلى لااختزالية لا تملك تفسيرًا واضحًا لطريقة الصعود من الفيزيائي إلى الشعوري. وهنا يبدأ الطريق الآخر بالظهور: إذا كان من الصعب أن نفسر كيف يخرج الوعي من عالم غير واعٍ تمامًا، فربما يكون الافتراض الأساسي نفسه خاطئًا. ربما لا يكون العالم في أساسه خاليًا تمامًا من البعد الذاتي، بل ربما تكون أوليات الوعي أو ما يشبهه كامنة في صميم الواقع منذ البداية. وهنا ندخل إلى أفق البانسايكزم.

البانسايكزم، أو القول بشمولية البعد النفسي أو الشعوري في الكون، لا يعني بالضرورة أن كل شيء يفكر كما نفكر نحن، ولا أن الحجر يعاني أو الشجرة تتأمل أو الإلكترون يكتب الشعر. هذه صورة كاريكاتورية شائعة. المقصود، في صيغته الفلسفية الدقيقة، هو أن العناصر الأساسية للواقع قد تحمل شكلًا بدئيًا جدًا من “الداخلية” أو “الوجه الذاتي”، وأن الوعي البشري ليس خلقًا من العدم، بل تركيبًا عاليًا لشيء موجود في أصل الطبيعة بدرجات أولية للغاية. بحيث لا يكون الوعي حادثًا شاذًا في كون صامت تمامًا، بل تعبيرًا مكثفًا عن بعد أصيل في العالم.

تكمن جاذبية هذا الموقف في أنه يتجنب ما يسميه البعض “قفزة المعجزة”. فإذا كان العالم مكوَّنًا فقط من وقائع فيزيائية بلا أي بعد ذاتي، فمن الصعب فهم كيف تظهر الخبرة فجأة عند مستوى معين من التعقيد. أما إذا كان للواقع منذ البدء وجه داخلي، وإن كان بالغ البدائية، فإن الوعي المركب يصبح أقل غرابة من حيث المبدأ. نحن لا ننتقل من صفر مطلق إلى شعور كامل، بل من درجات دنيا من “الداخلية” إلى درجات عليا من التنظيم الشعوري. بذلك يبدو البانسايكزم كأنه يردم الفجوة التي عجز الاختزال عن ردمها.

لكن هذا الموقف، رغم أناقته الظاهرة، لا يمر بلا أثمان. أول هذه الأثمان هو مشكلة التركيب: إذا كانت الوحدات الأساسية تملك نوعًا بدئيًا من الذاتية، فكيف تتحد هذه الذوات الدنيا لتكوّن خبرة واحدة موحدة مثل خبرة الإنسان؟ كيف تتجمع “الداخلات” الصغرى في داخل واحد متماسك؟ كيف يصبح عدد لا يحصى من الميكرو-خبرات، إن صح التعبير، تجربة كلية واحدة؟ هذه ليست مسألة ثانوية، بل هي قلب الاعتراض على البانسايكزم. فإذا كان هذا الموقف يحل مشكلة نشأة الوعي من اللاوعي، فهو يورث نفسه مشكلة أخرى: نشأة الوحدة من التعدد.

ثم إن البانسايكزم يواجه مأزقًا إضافيًا: هل نحن بالفعل نفسر، أم فقط نعيد توزيع اللغز على الكون كله؟ قد يقول المعترض إن هذا الموقف لا يفسر لماذا يوجد وعي، بل يفترضه منذ البداية على مستوى أساسي. صحيح أنه يخفف من صدمة الظهور، لكنه قد يفعل ذلك بثمن تضخيم الأنطولوجيا وتعميم الغموض. بدل أن يكون لدينا لغز واحد هو الوعي الإنساني، يصبح لدينا كون كله مشوب بدرجات من البعد الذاتي، دون أن نعرف تمامًا ما المقصود بهذا “البعد” في مستواه الأدنى.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن البانسايكزم عاد بقوة في الفلسفة المعاصرة، لا بوصفه نزوة ميتافيزيقية، بل بوصفه محاولة جادة للخروج من مأزق الثنائية والاختزال معًا. فهو لا يجعل الوعي جوهرًا مفارقًا منفصلًا عن العالم كما في بعض الثنائيات التقليدية، ولا يذوّبه داخل المادة بطريقة تفقده فرادته كما في بعض الاختزاليات. إنه يحاول بناء أنطولوجيا أوسع، يكون فيها الوعي والمادة وجهين أو مستويين من واقع واحد أعمق. ولهذا اقتربت بعض صيغ البانسايكزم من الأحادية الحيادية، أي الفكرة القائلة إن ما نسميه “ذهنيًا” و”فيزيائيًا” ليسا جوهرين مستقلين، بل تجليين لنسيج أساسي محايد أسبق منهما معًا.

هنا يتغير شكل السؤال جذريًا. لم نعد نسأل فقط: هل الوعي منبثق أم أصيل؟ بل: هل التقسيم نفسه بين “مادة” و”وعي” تقسيم نهائي؟ أم أنه تقسيم ناتج عن مستوى معين من الوصف؟ ربما ما نعدّه نحن مادة من الخارج ووعيًا من الداخل ليس إلا وجهين لنفس البنية الأساسية. وهذا المسار، وإن بدا شديد التجريد، يحمل أهمية كبرى لأنه يحرر التفكير من البديل الساذج بين مادية صلبة وثنائية. إنه يفتح المجال لأنطولوجيا أكثر مرونة، لا ترى في الوعي زائرًا متأخرًا على الكون، ولا ترى في الكون آلة عمياء أفرزت بالصدفة كيانًا يشعر.

لكن حتى لو قبلنا بهذا الأفق الأوسع، تبقى هناك نقطة حاسمة: لماذا يبدو الوعي فينا مكثفًا، موحدًا، انعكاسيًا، وزمنيًا على نحو لا نراه في بقية الطبيعة؟ هنا يعود أنصار الانبثاق ليقولوا إن أصالة الوعي في الطبيعة لا تكفي وحدها، لأن ما يهم هو الدرجة والتركيب والتنظيم. ربما توجد أوليات بدئية، لكن الوعي كما نعرفه لا يظهر إلا حين تبلغ البنية مستوى معقدًا من التكامل. وهنا قد لا يكون الانبثاق والبنسايكزم خصمين مطلقين، بل يمكن أن يُفهم الأول بوصفه تفسيرًا لمستويات التنظيم العليا، والثاني بوصفه أطروحة عن الأساس الأنطولوجي الأعمق. أي إن العالم قد يحمل بعدًا أوليًا من”الداخلية”، لكن الوعي الشخصي الكامل يظل منبثقًا من تنظيم مخصوص لهذه الأوليات. في هذا المنظور، لا يكون الاختيار بين الانبثاق والبنسايكزم اختيارًا حديًا بالكامل، بل ربما يكون النقاش بينهما حول أي مستوى من التحليل نمنحه الأولوية.

غير أن ما يجعل هذا النقاش أكثر من مجرد جدل ميتافيزيقي هو أنه يرتبط مباشرة بمشكلة الوعي المعاصرة. فإذا قلنا إن الوعي خاصية ناشئة فقط، فنحن مطالبون بأن نشرح كيف تنبثق الخبرة من البنية. وإذا قلنا إنه بُعد أصيل في الكون، فنحن مطالبون بأن نشرح كيف تتشكل منه الوحدة الذاتية العليا. في كلا الحالين، لا يختفي اللغز، لكنه يتغير موضعه. مع الانبثاق، يتمركز اللغز في الظهور. ومع البانسايكزم، يتمركز في التركيب. وهذا يكشف أن المشكلة الصعبة للوعي ليست فقط سؤالًا عن الدماغ، بل عن ما إذا كان الواقع نفسه يحتاج إلى إعادة رسم.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن النقاش بين الانبثاق والبنسايكزم يعبر عن قلق أعمق داخل الفلسفة المعاصرة: هل نحن مستعدون لأن نراجع الصورة الحديثة للعالم بوصفه عالمًا مكوّنًا من وقائع قابلة للوصف الخارجي فقط؟ أم أننا ما زلنا نبحث عن طرق للالتفاف على هذا الميراث دون التخلي عنه كليًا؟ الانبثاق يحاول أن يحافظ على البنية الحديثة للعالم مع توسيعها قليلًا. أما البانسايكزم فيميل إلى زحزحتها من الأساس، إذ يقول ضمنًا إن العالم لم يكن يومًا صامتًا بالكامل كما توهمنا.

 لا يبدو أن أحد الموقفين يحسم المسألة بصورة نهائية. الانبثاق يحتفظ بقوة الحدس العلمي والطبيعي، لكنه يواجه سؤال: لماذا يكون التعقيد خبرة؟ والبنسايكزم يحتفظ بجدية الخبرة ويجعلها أصيلة، لكنه يواجه سؤال: كيف تتحد الذوات الدنيا في وعي واحد؟ ومع ذلك فإن قيمة هذا الجدل لا تكمن فقط في الوصول إلى جواب نهائي، بل في أنه يوضح لنا أن الوعي ليس تفصيلًا ملحقًا بصورة العالم، بل هو من تلك الظواهر التي ترغمنا على إعادة النظر في الصورة كلها. فإما أن يكون العالم قادرًا، في أعماقه، على أن يلد حضورًا منظمًا من ذاته، وإما أن يكون الحضور نفسه جزءًا من نسيجه منذ البدء. وفي كلتا الحالتين، لا يعود الإنسان حادثة جانبية بسيطة، بل موضعًا ينكشف فيه أن الكون، في بعض مستوياته على الأقل، لا يكتفي بأن يوجد، بل يملك وجهًا يمكن أن يشعر بوجوده.

***

عبد الله الهميلي

تحولات معيار الصدق في الفكر الفلسفي المعاصر

إذا كان السؤال عن الحقيقة قد ظل على امتداد تاريخ الفلسفة يشغل موقعاً محورياً في منظومة المعرفة الغربية، فإن هذا السؤال يغدو اليوم في سياق راهن تتشابك فيه الأنساق المعرفية وتتنازع فيه الخطابات وتتداعى فيه اليقينيات أكثر من مجرد إشكال منهجي؛ إنه يتحول إلى أزمة وجودية ومعرفية معاً تكشف عن عمق التحولات التي طرأت على علاقة الفكر المعاصر بمعايير الصدق والموضوعية. فما كان بالأمس معياراً جامداً للصدق يقوم على أسس المطابقة أو الانسجام المنطقي أو الكشف الأنطولوجي صار اليوم مجالاً للتداول والتفاوض والبناء المشروط حيث لا تنفصل الحقيقة عن شروط إنتاجها ولا عن السياقات التي تستقبلها ولا عن المصالح التي تشكلها. إن الانتقال من الحقيقة بوصفها جوهراً ثابتاً إلى المشروعية بوصفها اختباراً متحركاً ليس مجرد نزوة فلسفية عابرة بل هو تعبير عن وعي تاريخي جديد وعن مراجعة نقدية جذرية للإرث الميتافيزيقي الذي ظل يهيمن على العقل الغربي منذ أفلاطون حتى كانط. فالحقيقة لم تعد تُطرح بوصفها كشفاً أنطولوجياً عن ماهيات ثابتة أو انطباقاً على واقع مفروض أو حتى تناغماً منطقياً داخل منظومة مغلقة بل صارت تُختبر عبر شبكة معقدة من العلاقات القوّية والسياقات التاريخية والرهانات السياسية والأخلاقية التي تحدد ما يستحق أن يوصف بالصدق وما ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه وهماً أو تضليلاً أو خطاباً مرفوضاً.

يكمن جوهر هذا التحول في تلك اللحظة الفارقة التي انكشف فيها أن العقل نفسه ليس محايداً وأن الموضوعية ليست براءة وأن كل بناء معرفي يحمل في طياته بصمات القوة والرغبة والإقصاء. وهذا ما جعل الفلاسفة المعاصرين من نيتشه إلى فوكو ومن دريدا إلى هابرماس ومن ريكور إلى ليفيناس، يعيدون طرح الأسئلة الكبرى من زوايا مغايرة تماماً، فلا يسألون "ما هي الحقيقة؟" بل يسألون "كيف تُنتَج الحقيقة؟" و"لمن تخدم؟" و"بأي شرعية تفرض نفسها؟" و"هل يمكن لحقيقة لا تمر عبر مرايا الاعتراف والتوافق أن تدّعي الصدق في عالم يموج بالأصوات المتضاربة والخطابات المتدافعة؟" هذه الأسئلة التي تلبس ثوب الفلسفة الأكاديمية في ظاهرها تنطوي في عمقها على همّ إنساني راهن هو همّ الإنسان الذي يعيش في زمن التشتت المعرفي وانفجار المعلومات وتضاعف الأكاذيب، زمن لم تعد فيه الحقيقة تُفرض بقوة البرهان بل بفاعلية الانتشار وقدرة الخطاب على اجتذاب الأنظار واستلاب القلوب، مما يفرض على الفلسفة أن تنزل من أبراجها العاجية إلى ساحة المعترك وأن تصبح أداة للتمييز والنقد والتحرير لا مجرد لعبة لغوية أنيقة أو تمريناً عقلياً بارعاً.

لقد كان نيتشه الأكثر حدة في نقض التراث الميتافيزيقي حين أكد أن الحقيقة ليست سوى "جيشاً متنقلاً من الاستعارات والمجازات" وأن الإرادة هي التي تصوغ المعايير وتفرض التراتيب. ففي كتابه "عن الحقيقة والكذب في المعنى الأخلاقي"، يذهب نيتشه إلى أن اللغة ذاتها بوصفها نظاماً من الاستعارات لا تعكس واقعاً موضوعياً بل تخلق عوالم من المعاني التي تخدم إرادات محددة، وهذا الطرح يُحدث قطيعة معرفية عميقة إذ ينتقل السؤال عن الحقيقة إلى سؤال عن القيمة وعن العوامل التي تجعل من قول معين مقبولاً ومُعتقداً به بغض النظر عن مطابقته لواقع سابق عليه. أما دريدا فقد جاء ليكمل هذا المسار بتفكيكه لكل بنى الحضور ونقده للسجال الفلسفي الذي يظن أنه يمكنه الوصول إلى معنى نهائي أو لبّاً جامداً يتعالى عن التداول والتأويل. فالحقيقة عند دريدا ليست حقيقة بالمعنى التقليدي بل هي أثر لكتابة لا تنتهي وعلامة داخل نظام إحالات لا نهائي، لا ترسو على مرجع مطلق ولا تستقر على أصل متعالٍ وتصير المشروعية هي السؤال الملحّ كيف يمكن لفعل قوليّ أن يجد له مكاناً في فضاء من الاختلافات والتكرارات دون أن يغلق المعنى أو يحجبه؟ غير أن هذا التفكيك مهما بلغت حدته يظل محكوماً بقلق أخلاقي وسياسي واضح لأن دريدا نفسه لم يكتفِ بنقض الأسس بل سعى إلى استبدالها بفكرة العدالة التي لا يمكن اختزالها في قانون أو قاعدة والتي تبقى مفتوحة على المستقبل بوصفها شرطاً من شروط المشروعية التي لا تستكين إلى حقيقة قاطعة.

إذا كان نيتشه قد مهّد السبيل لنقد الميتافيزيقا فإن ميشيل فوكو يمثل المحطة الأكثر حسماً في تحويل مسألة الحقيقة إلى مسألة خطاب وقوة. ففي أعماله المتتالية من "تاريخ الجنون" إلى "الكلمات والأشياء" وصولاً إلى "إرادة المعرفة"، يؤكد فوكو أن كل نظام معرفي إنما يُنتج حقائقه وفق قواعد إقصاء وإدماج وآليات تصنيف وتراتب وطقوس موضوعية تمنح بعض الأقوال صفة الصدق وتحرم أخرى منها دون أن يكون لهذه العملية أي سند خارج العلاقات القوّية التي تشكلها. فالحقيقة في تحليل فوكو ليست خارج السلطة بل هي إحدى آليات السلطة الأكثر فاعلية لأنها تظهر بمظهر المحايد والعلمي بينما هي في العمق نتاج لصراعات مؤسسية ومعرفية ووسيلة لإعادة إنتاج الانضباط الاجتماعي وتثبيت حدود المقبول واللامقبول. ومن هذا المنطلق يتحول معيار الصدق إلى اختبار للمشروعية أي الأقوال يحق لها الادعاء بالصدق في ضوء القواعد السائدة وأيها يوصف بالهذيان أو الخطأ أو الأسطورة؟ إن ما يسميه فوكو "الأنظمة التكوينية للخطاب" ليست مجرد قواعد منهجية بل هي تشكيلات تاريخية تجسد علاقات القوة وتحدد شروط إنتاج الصدق في كل عصر. غير أن فوكو بذكائه النقدي لم يوقع نفسه في مطبات النسبوية المطلقة بل ظل يبحث عن إمكانية للتمرّد والمقاومة وعن أشكال جديدة للحقيقة يمكن أن تتأسس على هامش الأنظمة القائمة وعن تجارب محدودة تعيد طرح سؤال المشروعية من داخلها لا من خارجها.

وفي الجانب البراغماتي يتجلى التحول بأسلوب مختلف لكنه موازٍ في العمق حيث يمثل ويليام جيمس وجون ديوي نموذجين رائدين في اعتبار الحقيقة ما ينجح عملياً، ما يحدث فرقاً في مجرى الخبرة وما يفتح آفاقاً للفعل وللحلّ الفعّال للمشكلات. فالحقيقة عند البراغماتيين ليست نسخة مطابقة للواقع بل هي أداة للتكيف والتحكم وشرط لاستمرارية البحث والتجريب ولا معنى للسؤال عنها بمعزل عن سياقاتها العملية وعن النتائج التي تترتب عليها. والمشروعية هنا تتحدد بقدرة المعرفة على تلبية حاجات الإنسان الجماعية والفردية وبقدرتها على التأثير الإيجابي في العالم لا بانعكاسها السلبي لماهيات مفترضة. لكن هذا التوجه رغم قوته وجاذبيته يصطدم بإشكالية أساسية وهي أن الفعالية العملية ليست دائماً ضمانة للصدق الأخلاقي إذ قد تنجح بعض الأوهام في تيسير الحياة وقد تفشل بعض الحقائق العميقة في تقديم حلول سريعة مما يطرح من جديد سؤال العلاقة بين الصدق والنفع وبين الحقيقة والمنفعة، وهو سؤال ظلّ يشغل الفكر الفلسفي منذ أفلاطون إلى اليوم، غير أنه في السياق المعاصر يكتسي طابعاً أكثر إلحاحاً لأن الفعل لم يعد تابعاً للنظر بل صار النظر تابعاً لفاعلية التحول والبناء.

تأتي الإسهامات الظواهرية والتأويلية لتضيف بعداً جديداً إلى هذا التحول، فهوسرل في سعيه إلى تأسيس علم صارم للظواهر ظلّ متمسكاً بفكرة البداهة والمعطى الأصلي، غير أن تلاميذه مثل هايدغر انقلبوا على هذا الطموح جذرياً معلنين أن الحقيقة ليست مطابقة بل انكشاف وكشف للكائن في تاريخانيته وأن الصدق يرتبط بحدث الوجود نفسه لا بعملية ذهنية أو منطقية منعزلة. وتصير المشروعية عند هايدغر مسألة أصالة وانتماء، مسألة وقوف أمام الوجود بوصفه سؤالاً لا يُختزل، لا مسألة امتلاك جواب صائب ينهي الحيرة. إن الصدق في هذا السياق هو صدق الوقوف في مواجهة المجهول وصدق الاعتراف بأن الحقيقة تتوارى بقدر ما تظهر وأن الكشف لا يأتي إلا عبر الحجاب، الأمر الذي يجعل معيار الصدق ممتحناً باستمرار غير قابل للتثبيت أو الترسيم ومفتوحاً على تاريخ من التأويلات التي لا تنتهي. ثم يأتي بول ريكور في موقع وسيط بين التأويل والظواهر والتحليل النفسي ليطرح تصوراً أكثر تركيباً وتعقيداً حيث يميز بين الحقيقة بوصفها ادعاءً وإحالة والمشروعية بوصفها اعترافاً وقبولاً ويرى أن الصدق لا يمكن فصله عن مسار الاعتراف الذي يمر عبر الصراع والتسوية والتفاهم وعبر الحبكة السردية التي تجمع المتفرق وتربط المختلف وتؤسس لمعنى قابل للتداول. فالحقيقة من هذا المنظور لا تقبع في زوايا الأشياء بل تنبثق من جدلية السرد والزمن ومن التفاعل بين الذات والآخر ومن حركة الحكي التي تحوّل التجربة الفردية إلى خبرة جماعية قابلة للتبادل والنقد وتكون المشروعية هنا مرتبطة بقدرة الخطاب على بناء عوالم ممكنة، عوالم تحتمل السكن والعيش، عوالم تفتح أفقاً للرجاء دون أن تسقط في طوباوية مفرغة أو في واقعية حدّية تقطع كل سبيل إلى المعنى.

تمثل النظرية النقدية وبخاصة في مدرسة فرانكفورت، محطة جوهرية في تحليل العلاقة بين الحقيقة والإيديولوجيا وبين الصدق الواقعي والمشروعية العقلانية، حيث كان أدورنو وهوركهايمر من أبرز من نبّها إلى أن التنوير نفسه في مساره الأداتي قد أنتج أشكالاً جديدة من اللاعقلانية والهيمنة وأن الحقيقة لا يمكن أن تتحرر من تلوّثها الاجتماعي إلا بنقد دائم للعلاقة بين المعرفة والمصلحة وبين العلم والسلطة وبين الموضوعية والتاريخ. غير أن يورغن هابرماس الوريث الأبرز لهذه المدرسة قد اتخذ منحىً مختلفاً وأكثر تفاؤلاً، إذ سعى إلى إعادة تأسيس معيار للصدق في إطار نظرية الفعل التواصلي، حيث تصبح الحقيقة نتيجة لتوافق عقلاني بين فاعلين يتداولون الحجج في فضاء عمومي خالٍ من الإكراه، وتصبح المشروعية مرتبطة بإجراءات الحوار وشروط التداول لا بمحتوى مسبق أو بمرجعية متعالية. ويتحول معيار الصدق من التطابق إلى التوافق ومن الانطباق إلى التداول ومن الثبوت إلى الإجراء ومن الحقيقة الجوهرانية إلى الحقيقة الإجرائية التي لا تتحقق إلا عبر اختبار الأطراف المعنية في موقف خطابي مثالي حيث يكون الكل مسموعاً وحيث لا سلطة تعلو على قوة الحجة وحيث القبول العام هو الضمان الأخير لشرعية القول. لكن هذا التصور رغم روعته الأخلاقية والعقلانية يصطدم بإشكالات عملية ونظرية عديدة، أهمها أنه يفترض فضاءً تواصلياً شفافاً ومتكافئاً وهو أمر نادراً ما يتحقق في واقع تتشابك فيه المصالح وتتداخل القوى وتتناحر الخطابات، كما أنه يغفل إلى حدّ ما عن البعد اللاشعوري والعاطفي والجسدي في تشكيل المعتقدات والمواقف وعن أن التوافق قد يكون وليد ضغوط خفية أو نتاجاً لتسويات هشة لا تعبر عن عمق الاختلافات ولا عن حدة التناقضات.

غير أن التحول من الحقيقة إلى المشروعية لا يجد مكمن قوته في النقد وحده ولا في رفض الميتافيزيقا التقليدية فقط، بل يستمدّ عمقه من قدرته على استيعاب ما هو سياسي وأخلاقي في صميم الفعل المعرفي، إذ إن السؤال عن المشروعية ليس سؤالاً معرفياً محايداً بل هو سؤال عن العدالة في توزيع الصدق وعن الحق في التكلم والإنصات وعن الضوابط التي تجعل من القول مقبولاً في محفل البشر أو مستبعداً مهمشاً في أزقة النسيان. وهنا تبرز القيمة الحاسمة للفلسفة التفكيكية في نسختها الإيثيقية، حيث ينقلب السؤال عن الحقيقة إلى سؤال عن المسؤولية وعن العلاقة مع الآخر وعن تلك الاستجابة التي لا تخضع لمنطق البرهان ولا لقياس المطابقة بل لمنطق الضيافة والاحتمال والمخاطرة لأن الصدق الحقيقي كما يقول إيمانويل ليفيناس هو صدق الوجه الآخر، ذلك الوجه الذي يأمرنا ويستفزنا ويفتحنا على لانهائية المعنى من دون أن يمكن اختزاله في أي كلية أو شمولية. فالحقيقة عند ليفيناس ليست رؤية ولا مطابقة بل هي استجابة أخلاقية تسبق كل معرفة وتؤسس لها والمشروعية ليست إجماعاً أو انسجاماً بل هي اعتراف بالتفاوت وبالارتفاع الذي لا يمكن قياسه وبذلك يصبح معيار الصدق مرتبطاً بمدى قدرة الفكر على الإنصات للصوت المغاير وعلى استيعاب ما لا يتمثل ولا يُمثَّل وعلى البقاء مفتوحاً على المجيء. ومن ثمّ ينقلب السؤال عن الحقيقة إلى سؤال عن المسؤولية وعن العلاقة مع الآخر، مما يجعل من الفلسفة المعاصرة ممارسة حدّية تعيش على تخوم الألغاز ولا تكتفي بطرح الأسئلة المعرفية المجردة بل تمتحن نفسها في محك الواقع الإنساني المأزوم، حيث تتكاثر الأقوال وتتضارب الرؤى وتتداعى اليقينيات وتصبح الحقيقة محتاجة إلى مشروعية لا مشروعية القانون والامتثال بل مشروعية الانفتاح والقابلية للفهم، وهي مشروعية لا تمنحها هيئات أو مؤسسات بل تنبثق من إخلاص القول لمن يقوله ومن صدقه في مواجهة ذاته قبل مواجهة العالم ومن شجاعته على الاعتراف بالخطأ واحتمال التبدل وعدم التصلب في موقف نهائي يغلق الآفاق ويقطع الحوار.

وفي انعطافة أخرى لا يمكن إغفال إسهام الفكر النسوي وما بعد الكولونيالي في تعميق هذا التحول، حيث نقدت هذه الاتجاهات كل ادعاء للحقيقة العالمية باعتبارها وليدة سياقات هيمنة ذكورية واستعمارية وبيّنت كيف أن المعايير المعرفية السائدة كانت وسيلة لإقصاء أصوات بأكملها وتهميش تجارب كاملة وتبرير أشكال متعددة من الاضطهاد والاستغلال، وبالتالي فإن المطالبة بمشروعية الحقيقة ليست عملاً فلسفياً أكاديمياً فحسب بل هي عمل سياسي تحرري يعيد الاعتبار للمعارف المهمّشة وينقب عن حقائق مغيبة ويكشف عن العلاقات الخفية بين السلطة والمعرفة وبين المركز والهامش وبين الأنا والآخر وبين ما يعتبر علماً وما يوصف بخرافة أو أسطورة. هنا تتجلى المشروعية بوصفها مفهوماً مزدوجاً فهي من جهة اختبار للحقيقة من حيث قدرتها على تمثيل المختلف واحترامه ومن جهة أخرى هي طموح إلى عدالة معرفية تقوم على إعادة توزيع شرعية الكلام وتحرير العقل من قيوده المضمرة وفتح الباب أمام تنوع الأنطولوجيات والمناهج والنماذج التفسيرية التي لا يمكن اختصارها في قالب واحد مهما بلغت قوته العلمية لأن العلم نفسه ليس شيئاً فوق البشر بل هو ممارسة بشرية تخضع لتحولات التاريخ وتتغير بتغير ظروف الإنتاج والتلقي والقبول.

ومع كل هذا السيل الهائل من النقود والتفكيكات والمراجعات، يبقى السؤال المحوري الذي لا يملك الفكر المعاصر أن يتخلص منه هل يمكننا فعلاً العيش والعمل والتفكير من دون حقيقة ما، من دون معيار ما للصدق يسمح لنا بتمييز الغث من السمين والزائف من الأصيل والمنتِج من المعطل؟ الواقع أن فلسفات المشروعية مهما بلغت حدتها النسبوية أو تشاؤمها المعرفي، لا تقترح التخلي عن الحقيقة بل تقترح إعادة فهمها وفك ارتباطها بالنماذج الثابتة والمطلقات المتعالية وتدعو إلى تصورها بوصفها عملية لا نتاجاً ورحلة لا محطة وصدى لا أصلاً وإمكاناً لا نهائياً أكثر من كونه واقعاً محدداً. وبذلك تكون المشروعية هي الوسيط الذي يسمح للحقيقة بأن تكون ديمقراطية دون أن تكون فوضوية ومحلية دون أن تكون منغلقة وزمانية دون أن تكون عابرة ومفتتحة على المستقبل دون أن تتنكر للماضي، وهو ما يجعل من الفلسفة المعاصرة فنا للعيش في الظلّ، في ذلك الضوء الخافت الذي لا يبهر العيون لكنه يضيء ما يكفي لاستمرار السير والتساؤل والحلم والعمل. إن الانتقال من الحقيقة إلى المشروعية في الفكر الفلسفي المعاصر يمثل في جوهره تحولاً في نمط الوعي بالمعرفة نفسها، حيث يتجلى الصدق بوصفه قيمة مراوغة لا تعطى دفعة واحدة بل تنال عبر محكّ السؤال الدائم والمراجعة المستمرة والاعتراف الصريح بحدود كل قول وقصور كل منظور. إنها ثورة غير مدوية، لكنها أعمق من كل ثورات الفلسفة السابقة، لأنها لا تقترح بديلاً جديداً للحقيقة المطلقة بل تقترح نبذاً ممنهجاً لكل مطلق وممارسة شجاعة للتشكيك في كل حقيقة تقدم نفسها على أنها الأخيرة مع الإبقاء في الوقت نفسه على الأمل في حقيقة تأتينا من بعيد، حقيقة تلدها المحاورة والتضافر والنقد، حقيقة هي أقرب إلى الوعد منها إلى البرهان وأشد صلة بالحرية منها باليقين وأكثر انتماء إلى زمن الغد منها إلى قشور الماضي. فالمشروعية إذا ما فهمت فهماً خصباً ليست بديلاً فقيراً للحقيقة الغنية بل هي نفسها وجه الحقيقة حين تكبر وتنضج وتتعرى من وهم الاكتفاء، وحين تعي أنها لا تعني شيئاً ما لم تكن في خدمة الإنسان وما لم تكن مفتوحة على احتمالاته وما لم تكن متواضعة بما يكفي لتستمع لمن يخالفها وتستفيد ممن ينقضها وتستأنف مسيرها من حيث تنكسر. وتغدو الفلسفة المعاصرة في خضم تحولها هذا أقرب إلى فن الحياة منه إلى علم اليقين وأكثر التصاقاً بمشكلات الراهن منها بانشغالات الأزل، ولكنها في عمقها لا تتخلى عن طموحها الكلاسيكي إلى الحكمة بل تعيد تعريف الحكمة نفسها بأنها القدرة على احتمال التناقض وتحمل الغموض وإدارة الاختلاف وفتح الذات لما هو غير متوقع والإصرار على القول الصادق حتى حين تدرك أنه مؤقت وحتى حين تعلم أنه سيتجاوزه الزمان وينسفه التاريخ، لأن قيمة الصدق لا تكمن في ديمومته بل في أخلاقية لحظة إلقائه وفي تأثيره المباشر في النفوس والعقول وفي قدرته على تحفيز الآخرين على التفكير والنقد والبناء. وإذن فمعيار الصدق الجديد الذي تطرحه فلسفات المشروعية ليس هروباً من الحقيقة ولا جحوداً لها بل هو تكريم لها من جهة أخرى، هو إعلان أنها تستحق العناء وتستحق أن نبحث عنها ونحاورها ونمارسها ونتمرّد عليها حين تقسو لا أن نستسلم لغيابها أو نكتفي بظلالها. وتكون المشروعية في هذا الإطار هي الضمان الأخلاقي لاستمرار الحقيقة حية متجددة، منفتحة على جميع الاحتمالات، مخلصة لمهمتها الإنسانية في التحرير والبناء لا في القهر والإقصاء.

***

د حمزة مولخنيف

بعد عصر البعثة اتسع أفق التساؤل والنقد في التفكير الديني لدى المسلمين، وتوالدت تأويلات للآيات القرآنية ذات المضمون الاعتقادي، أثارت أسئلة عن القضاء والقدر، والحرية الإنسانية، والعدل الإلهي، وصفات الله، وعلاقة الوحي بالعقل. لم تلبث هذه الأسئلة أن تجاوزت الجدل الديني المبكر، وتحولت إلى قضايا معرفية كبرى استدعت ابتكار مناهج جديدة للفهم والاستدلال. ومع اتساع النقاش حولها نشأت المدارس الكلامية في القرون الأولى، وتبلورت اتجاهات متنوعة في النظر الاعتقادي، سعت إلى بناء رؤى عقلية لتفسير المعتقدات والدفاع عنها، وصياغة أجوبة تتناسب مع مستوى الوعي وما فرضه الواقع في تلك المرحلة.

هكذا نشأ علم الكلام استجابةً لحاجة العقل إلى فهم المعتقد الديني بما يتناسب مع مستوى وعيه والواقع الذي يعيش فيه، والبحث عن أجوبة للأسئلة التي أثارها التأمل في آيات القرآن. وتبلور هذا العلم في سياق اتساع آفاق المعرفة وتعدد التحديات، فسعى إلى بناء رؤية عقلية للعقائد، والدفاع عنها، وتفسيرها بلغة تتحدث بعقل عصرها وأسئلته ونمط الوعي المتسيّد فيه.

تكشف ولادة علم الكلام ثم الفلسفة عن حيوية العقل في مراحله التأسيسية، وحضوره الفاعل في إنتاج المعرفة. كلما واجه المسلمون أسئلة جديدة سعوا إلى الاستعانة بأدوات جديدة للفهم، وكلما تطورت خبرتهم بالعالم اتسعت حاجتهم إلى التفكير والتساؤل والنقد والتأويل. لم يكتفوا بتلقي المعارف السائدة، وإنما شاركوا في إعادة بنائها وصياغتها وتطويرها بما يستجيب لأسئلتهم وتحولات عصرهم ونمط وعيهم. أسهم علم الكلام والفلسفة معًا في إثراء الحياة المعرفية للمسلمين في القرون الأولى، وفتحا آفاقًا رحبة للحوار مع الآخر، في واحدة من أكثر مراحل الحضارة الإسلامية خصوبة وإبداعًا.

خضع العقل في الإسلام، في مراحل طويلة من تاريخه، لوصاية المتكلمين بعد انغلاق الاجتهاد في علم الكلام، وإقصاء العقلانية الاعتزالية، كما خضع لوصاية الفقهاء، فأضحى التفكير العقلي موضع ارتياب واتهام. ففي النصف الأول من القرن الخامس الهجري صدر ما عُرف بـ"الاعتقاد القادري القائمي" باسم الخليفة العباسي القادر بالله (381-422هـ)، فكان من أشد وثائق الإقصاء العقدي للتفكير العقلي في ذلك العصر. تبنى هذا الميثاق الاعتقادي رؤية الحنابلة في الاعتقاد، وانحاز إلى مواقفهم، واستهدف سائر الاتجاهات الإسلامية المخالفة، وعدَّ بعض أتباعها مستحقين للعقوبة لمجرد تمسكهم بمعتقد يخالف ما ورد فيه. مثلًا ورد فيه أن "مَنْ قال إنه [القرآن] مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر، حلال الدم بعد الاستتابة منه"[1].

أخرج القائم بأمر الله "الاعتقاد القادري" سنة 432هـ وقرئ في الديوان بحضور الفقهاء، وكان "ممن حضـر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته، قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: إن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر"[2]. وذكر ابن الجوزي أن القادر بالله استتاب المعتزلة سنة 408هـ "فأظهروا الرجوع، وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك، وامتثل يمين وأمين الملة أبو القاسم محمود أمرَ القادر باللّه، واستن بسننه في أعماله التي استخلفه عليها، من خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم ونفاهم، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإبعاد كل طائفة من أهل البدع، وطردهم من ديارهم، وصار ذلك سنةً في الإسلام"[3]. وفي سنة 460هـ تُلِي "الاعتقاد القادري" في الديوان بناءً على طلب الفقهاء وأعيان أصحاب الحديث الذين أجمعوا على أن "من لا يُكفِّر من يُكفِّرهم (الاعتقادُ) فهو كافر"[4].

لم يقتصر هذا الموقف على الفقهاء، فقد تصدى للفلسفة أيضًا أبو حامد الغزالي (450-505هـ). ففي كتابه "تهافت الفلاسفة" لم يكتف بنقد آراء الفلاسفة، وإنما حكم بكفرهم في ثلاث مسائل: القول بقدم العالم، والقول إن علم الله لا يتعلق بالجزئيات، وإنكار حشر الأجساد. لم يحرّم الغزالي الفلسفة بإطلاق، ولم يرفض المنطق، بل عدّه آلة للعلوم، وافتتح به كتابه "المستصفى". ويصف الغزالي الباحث الألماني فرانك غريفيل بأنه: "منطق الفكر السني"، إذ أدخل المنطق الأرسطي في أصول الفقه وعلم الكلام الشافعي الأشعري. وكان يسعى إلى الدفاع عن العقيدة كما يفهمها، غير أن أثر كتابه تجاوز حدود الجدل الكلامي، فأثار ريبة بالعقل الفلسفي وأضعف الثقة به، ورسخ الخوف من الأسئلة التي تتجاوز المألوف. امتلك الغزالي عقلًا منطقيًا ومعرفة عميقة بالفلسفة، ويكشف كتابه "مقاصد الفلاسفة" عن استيعاب دقيق لمباحثها، غير أن هذه المعرفة انتهت في "تهافت الفلاسفة" إلى نقد الفلسفة المشائية ومحاصرة التفكير الفلسفي، مما أسهم في إضعاف حضور الفلسفة في معاهد التعليم الديني السنية.

ومع ذلك لم تتوقف الفلسفة في الإسلام، فقد استمرت في الأندلس مع ابن رشد (520-595هـ)، الذي دافع عن العقل ورد على الغزالي في كتابه "تهافت التهافت"، كما واصلت حضورها في المشرق مع شهاب الدين السهروردي (المقتول سنة 586هـ)، ثم ملا صدرا الشيرازي (980-1050هـ). غير أن الفلسفة في المشرق اتخذت مسارًا مختلفًا عن فلسفة ابن رشد العقلانية، وإنما مزجت بين البرهان العقلي والنصوص الدينية والإشراق والكشف العرفاني، فغدت فلسفة تجمع بين العقل والنقل والذوق الروحي.

لا تكمن المشكلة في نقد الفلسفة، فالنقد شرط لحيويتها، وإنما تكمن في انتقال الخلاف المعرفي إلى إصدار أحكام على إيمان الفلاسفة، وتحويل السؤال الفلسفي إلى تهمة. لم يكن الغزالي وحده مسؤولًا عن انحسار الفلسفة، فقد تضافرت عوامل سياسية واجتماعية وثقافية وفقهية متنوعة على ذلك، غير أن مكانته العلمية والنفوذ المؤثر لكتاباته منحا هذا المسار قوة وتأثيرًا، واستند إليهما كثير من الفقهاء في التحذير من الفلسفة والتفكير العقلي، مع بقاء تيارات فلسفية لاحقة في المشرق والمغرب تؤكد أن الفلسفة لم تنقطع تمامًا في الإسلام.

ثم جاء ابن الجوزي "510-597هـ"، فخصّص في كتابه "تلبيس إبليس" فصولًا لنقد الفلاسفة والتحذير من آرائهم، وعدَّ كثيرًا منها من ضروب الضلال. وظهرت بعده مواقف وفتاوى متعددة في مناهضة التفكير الفلسفي لدى أهل الحديث والفقهاء. وأسهمت هذه الفتاوى والمواقف، على تفاوت دوافعها وحدّة أحكامها، في ترسيخ الارتياب والنفور من الفلسفة وإقصائها من أكثر مؤسسات التعليم الديني، وأفضت إلى انكماش حضور التفكير الفلسفي، وتراجع دور العقل في التفكير الديني قرونًا طويلة.

شيئًا فشيئًا حلّ تكرار الإجابات، والانشغال بالتعليقات والشروح وشروح الشروح، محل المغامرة العقلية، وغلبت الأجوبة الموروثة على إنتاج الأسئلة، فخبا التفكير النقدي، وانحسر الإبداع. وبعد انسداد آفاق العقل الكلامي، تصدى بعض الفقهاء لإصدار فتاوى تحرّم الفلسفة، وتنبذ الأسئلة، وتزدري التفكير العقلي، فضاق مجال التفكير الحر، وانحسر حضور السؤال الفلسفي. صدرت فتاوى من مختلف فقهاء المذاهب بتحريم تعاطي الفلسفة، أشهرها فتوى ابن الصلاح الشهرزوري "577 - 643 هـ" التي جاء فيها: "الفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس بها تعليمًا وتعلمًا قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان... وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين، وسائر مَن يقتدى به من أعلام الأئمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها، قد برأ الله الجميع من معرة ذلك وأدناسه وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية"[5].

عندما وقع العقل تحت وصاية فتاوى ابن الصلاح الشهرزوري وأمثاله، انغلق على نفسه، واستنزف التفكير الديني في الإسلام في التكرار والاجترار، فتراجعت روح التساؤل الحر، وانطفأت الأسئلة الكبرى التي تغذي حيوية التفكير، واضمحل حضور العقل النقدي، وحلت محله نزعة تميل إلى استعادة الأجوبة الجاهزة أكثر من إنتاج أسئلة جديدة. ولما كانت الفلسفة تقوم على استقلال العقل، وحقه في التساؤل والنقد وتمحيص المسلّمات، أفضى تحريمها إلى ضمور التفكير الفلسفي، وانكماش آفاق الاجتهاد، وتراجع قدرة العقل على مراجعة مسلّماته واختبار مقولاته، ففقد الفكر الديني رافدًا أساسيًا لحيويته الخلّاقة التي ازدهرت بها حضارة الإسلام في القرون الأولى.

هناك تخادم بين مؤسسة السلطة ومؤسسة الفتوى. الفتوى أشد التصاقًا بالسلطة، لأن وظيفتها التاريخية لم تقتصر على تنظيم شؤون العبادات والمعاملات، وإنما امتدت إلى إنتاج الشرعية، وتبرير أنماط الحكم، وتكييف الوعي العام مع مقتضياتها. منذ وقت مبكر تشكلت علاقة تخادم متبادل بين الفقيه والسلطان؛ السلطان يحتاج إلى الفقيه ليضفي على سلطته مشروعية دينية، والفقيه يحتاج إلى السلطان ليحمي حضوره ونفوذه وسلطته الروحية، ويضمن فاعلية أحكامه في المجال العام. في هذا الفضاء غدا الفقه، في كثير من تمثلاته التاريخية، حارسًا للنظام القائم أكثر من كونه أفقًا لتحرير العقل وتوسيع إمكانات التفكير.

الفلسفة تنتمي إلى نمط مختلف من التفكير، فهي لا تبدأ من الجواب، وإنما من السؤال، ولا تتعامل مع المسلّمات على أنها حقائق نهائية، وإنما تفحص أسسها وتختبر مقدماتها. يزعج السؤال الحر كل سلطة، لأنه يكشف هشاشة ما يبدو راسخًا، ويعيد النظر في المبررات التي تستند إليها السلطة. لذلك لم يكن الصراع بين بعض الفقهاء والفلسفة صراعًا معرفيًا، وإنما كان صراعًا بين عقل ينشغل بحراسة الأجوبة وإعادة إنتاجها، وعقل لا يكف عن مساءلتها ونقدها.

من هنا نظر كثير من الفقهاء إلى الفلسفة بريبة، وأصدروا فتاوى بتحريمها أو التحذير منها، بسبب ما توقظه من نقد عقلي لليقينيات الشائعة، وما تفتحه من آفاق للتفكير خارج الوصايات المغلقة. الفلسفة تدرب العقل على الشك المنهجي، وتحرره من الخضوع الأعمى لكل سلطة، سواء كانت سلطة الفقيه أو المفسّر أو الحاكم. عندما وقع العقل المسلم تحت هيمنة التخادم التاريخي بين الفقيه والسلطان، انكمشت مساحة السؤال، وتسيدت روح الامتثال، وانشغل العقل بحراسة الأجوبة أكثر من انشغاله بإنتاج المعرفة. مع انحسار الفلسفة خسر الفكر الديني في الإسلام أحد أهم منابع حيويته المبدعة، وتراجع العقل النقدي الذي أسهم، في عصور الازدهار، في إثراء مديات النظر إلى الإنسان والعالم والدين. حيثما يضيق مجال السؤال تضعف الحرية، وحيثما تخنق الفلسفة يترسخ الاستبداد السياسي والمعرفي والروحي.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

[1]  ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. ج8: ص109 – 110، دار صادر، بيروت.

[2]  المصدر السابق. ج8: ص109.

[3]  المصدر السابق. ج7: ص287.

[4]  المصدر السابق. ج9: ص124.

[5] فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٠٩ - ٢١٢).

راس المال كمصدر فخر نرجسي للفقراء ثقافيا واجتماعيا

شهد الفكر الفلسفي والمعرفي عبر التاريخ توظيفاً مستمراً لبناء أطر استدلالية تسوغ استغلال الإنسان والبيئة، وتبرر علاقات الهيمنة والوصاية. تتبدى أولى ملامح هذا التسويغ في الكيفية التي استغلت بها المنظومات العقائدية مفهوم "المباعدة في التواصل بين الثقافات"؛ إذ يرى الفيلسوفان بول ريكور وتشارلز تايلور أن الإخفاق في احترام الهويات الثقافية، والعجز عن إقامة تواصل متكافئ، يفتح الباب على مصراعيه أمام توظيف الثقافات سياسياً لتسويغ الاستغلال. إن هذا الإخفاق يفرض وصاية وتبعية تشكلان الوقود الحيوي للنزاعات والصراعات الطائفية والشعبية.

لم يقتصر هذا التوظيف على العلاقات الثقافية فحسب، بل امتد تاريخياً ليتغلغل في الفلسفة الطبيعية والعلوم التجريبية؛ فمنذ أرسطو الذي أسس لمفهوم "العبودية الطبيعية"، وصولاً إلى رينيه ديكارت الذي أعلن أن الحيوانات مجرد "آلات صماء" مجردة من الروح تبريراً لتشريحها وهي على قيد الحياة، تشكلت أرضية معرفية متكاملة تجرد الآخر من الإدراك لتبرير إخضاعه واستغلاله.

تواصل هذا المنحى العلمي النفعي في العصر الحديث؛ حيث صاغ عالم الأسماك الجنوب أفريقي ج. ل. ب. سميث في الستينيات من القرن الماضي حججاً تنكر الإدراك الحسي لدى الأسماك، وجاء ذلك استجابةً للاعتراضات الأخلاقية التي بدأت تظهر ضد الصيد الترفيهي، مبرراً بذلك استهلاك الطبيعة كأدوات خالية من المشاعر. وحديثاً، دحضت الأدلة العلمية هذه الادعاءات مؤكدةً التعقيد العصبي الفائق لكائنات لافقارية كالأخطبوط، والتي تطورت أجهزتها العصبية تطوراً تقاربياً يتشابه مع الثدييات.

إن هذا النفي المنظم للإدراك والحساسية يمثل الآلية المعرفية الأساسية التي تستخدمها قوى التسلط؛ إذ يؤكد المفكر علي شريعتي أن إحكام السيطرة على أي شعب يتطلب أولاً سلبه شعوره بإنسانيته، وتجريده من إدراكه الذاتي تسهيلاً لألحاقه وربطه بعجلة المستعمر.

في السياق القانوني والاقتصادي، تحول مبدأ "سلطان الإرادة" وحرية التعاقد، اللذان نتجا عن المذهب التحرري الكلاسيكي وشعار "دعه يعمل، دعه يمر"، إلى غطاء قانوني ووضعي زائف. يتجلى هذا بوضوح في نظام التحكيم التجاري الدولي المعاصر؛ إذ يظهر كمنظومة قضائية محايدة وفوق الدول، بينما يمثل في حقيقته قضاءً "للأثرياء النخبويين" يسوغ استغلال الشعوب المستضعفة، ونهب مواردها من خلال حماية مصالح الشركات العابرة للقارات، وتكريس تبعية الدول الضعيفة دون رقابة أخلاقية أو قانونية حقيقية.

يتناغم هذا البناء القانوني مع الإرث الاستعماري؛ إذ وظف فلاسفة التنوير الأوروبي نظرياتهم لتبرير العبودية والاستعمار. فجون لوك، الذي يُنظر إليه كفيلسوف للحرية والملكية الفردية المشروطة بالعمل، كان مستثمراً ومسؤولاً استعمارياً بارزاً في شركة "رويال أفريكان" لتجارة العبيد، مغلباً حرية الإنكليز وازدهارهم على حساب إبادة الأفارقة واسترقاقهم. وتكامل هذا التوجه مع طروحات استعمارية سافرة مثل طروحات الداعية الفرنسي جول هارمان الذي برر غزو الشعوب الأصيلة بالإيمان بتفوق العرق والحضارة الأوروبية، مدعوماً بتنظيرات بعض فلاسفة التنوير الذين صنفوا البشرية تصنيفاً تراتبياً، واضعين العرق الأبيض في قمة الكمال والقدرة على التمدن، مقابل تصنيف الزنوج والهنود في مراتب أدنى مسلوبة القدرة على الحكم والتدبير الذاتي.

بنية الاستلاب والارتداد الوجودي: رأس المال كعزاء نرجسي

يتجاوز مفهوم الاستلاب في أبعاده الفلسفية مجرد نزع الحقوق المادية، ليمثل انتزاعاً للذات من إرادتها ومسخاً لماهيتها الأصيلة. فبينما رأى الفيلسوف هيغل أن التخلص من الاستلاب السياسي يقتضي تحول الفرد الذاتي إلى مواطن فاعل داخل الدولة، أصلت المدرسة الماركسية المفهوم في "استلاب العمل"؛ حيث يصبح العامل أفقر كلما أنتج ثروة أعظم، ويتحول عمله الذي هو في الأصل نشاط وجودي خلاق إلى قوة غريبة تسيطر عليه وتخدم تملك الآخرين.

هنا يبرز تحول سيكولوجي واجتماعي خطير في بنية المجتمعات الراهنة؛ إذ لم يعد الاستلاب مقتصراً على حرمان العامل من نتاج يده، بل تحول "رأس المال المادي" وأدوات الاستهلاك المظهري إلى مصدر أساسي للفخر النرجسي الزائف، وتحديداً لدى الفئات الفقيرة ثقافياً واجتماعياً. إن الفرد الذي يعاني من قهر معرفي واجتماعي، ويفتقر إلى الوعي النقدي والمكانة الرمزية الأصيلة، يرتد نحو تملك السلع والتباهي برأس المال المادي كآلية تعويضية يستر بها عورته الثقافية. يغدو الاستهلاك هنا قناعاً وهمياً يمنح المقهور شعوراً زائفاً بالتفوق والامتياز، فيفتخر بنظام رأس المال الذي يستغله أساساً، محولاً عبوديته الاقتصادية إلى مصدر لاعتزازه النفسي.

لا يقف الاستلاب عند حدود علاقات الإنتاج والاستهلاك المظهري، بل يمتد ليشمل شلل المثقف واغترابه؛ إذ يفقد المفكر اندماجه النفسي والمعرفي مع معايير مجتمعه عندما يعجز عن إيجاد قيمة حقيقية في غايات ذلك المجتمع المستهلك. وفي المجتمعات النامية، حلل المفكر مصطفى حجازي هذا التدهور الوجودي عبر دراسة ديناميات "التخلف الاجتماعي" وسيكولوجية الإنسان المقهور. يرى حجازي أن التخلف ليس وضعاً اقتصادياً عابراً، بل هو نمط وجود مركّب ينتج "الهدر"؛ حيث يُهدر الإنسان نفسياً واجتماعياً ويُسلب قدرته على الفعل التاريخي. يتحول الإنسان المهدور في ظل الأنظمة السلطوية إلى مجرد أداة ووقود للحروب وترويج عظمة الطغاة. وفي هذا المناخ، يُستخدم الخطاب الديني كأداة توجيهية للسيطرة الاجتماعية وإخماد النزعات التحررية، بدلاً من كونه مصدراً لإنتاج المعنى والعدالة.

يتطابق هذا التحليل مع نظرية علي شريعتي حول "الاستحمار"، وهو تسخير الإنسان وحرف مسار وعيه ونباهته الاجتماعية عن القضايا المصيرية. ويرى شريعتي أن الاستحمار يتفوق على الاستعمار المباشر خطورة؛ إذ يمثل عملية إلهاء ممنهجة. وقد جادل بأن المجتمعات انتقلت من حالة "القابلية للاستعمار" التي صاغها مالك بن نبي، إلى حالة "القابلية للاستحمار"، حيث تلهى الشعوب بالرفاهية الزائفة، وبالافتخار النرجسي برأس المال، وبالجدل الفكري المعلق، عن كفاحها الحقيقي من أجل الحرية والكرامة.

"الوعي السعيد" والعبودية المختارة

يمثل "الوعي السعيد" عند هربرت ماركوزة مهادنة بين المقهور وجلاده؛ إذ يتوهم الفرد أنه حر لمجرد قدرته على شراء السلع وتلبية حاجات اصطناعية تنتجها المنظومة لترسيخ عبوديته الطوعية. يتلاقى هذا التشخيص مع رؤية إريك فروم الذي يرى أن الإنسان المغترب يعيش حالة من عدم السعادة الكامنة، ويحاول قمع إدراكه لها عبر "استهلاك المرح" المتواصل، وقتل الوقت بشتى الوسائل الترفيهية ورأس المال المظهري الذي يعوض به بؤسه الثقافي.

تتقاطع هذه الآليات لتطويع الوعي مع الأطروحة الفلسفية التاريخية لإتيان دي لا بويتي حول "العبودية المختارة". يفسر لا بويتي هذه العبودية الطوعية بنشوء أجيال تولد في ظل القهر وتعتاده كحالة طبيعية، مدعومة بإغراق الأنظمة للمجتمعات بالمسليات الترفيهية والخدع الفكرية لتدجين الوعي.

آليات عزل المجتمعات وإجهاض الوعي النقدي

تعمل المنظومات المهيمنة على ترسيخ وجودها عبر عزل المجتمعات عن صياغة وتطوير الوعي النقدي، مستخدمة شبكة من الاستراتيجيات المنسقة:

هندسة القبول وتوطين التبعية: ترتكز الهيمنة الفكرية بمفهومها الغرامشي على قدرة الطبقة المسيطرة على جعل الجماهير تقبل بهيمنتها وتسلم ببديهيتها؛ إذ يختلف مفهوم "الهيمنة" عن "السيطرة" بكون الأخيرة تعتمد القسر المادي المباشر، بينما تعتمد الأولى على صناعة عقلانية للقبول الطوعي وتشكيل الوعي الجمعي من خلال التعليم والإعلام والمؤسسات التقليدية. تمارس الدول الكبرى هيمنتها باستخدام القوة الناعمة وأساليب "الحرب غير المتكافئة" للتأثير في القناعات وتغيير القيم الثقافية الأساسية تماشياً مع مصالحها، وبتكاليف تقل بكثير عن استخدام القوة العسكرية الصلبة.

تدجين العقول عبر التعليم التلقيني: يمثل التعليم التقليدي أداة أساسية لإعادة إنتاج البنية القهرية؛ فالتعليم البنكي حسب وصف باولو فريري، يعامل الطلاب كأوعية فارغة تُملأ بالمعلومات الجاهزة دون إشراكهم في التفكير النقدي. تشجع هذه البنية الروح السلبية والاستسلام للأمر الواقع والقدرية لدى الفئات الهشة، والتي تلجأ لاحقاً إلى الاستعاضة عن فقرها المعرفي بالافتخار النرجسي برأس المال والمظاهر. وتستعين هذه العملية بلغة تقنية بالغة التعقيد بهدف إقصاء الجماهير وتضليلها وسلبها سيادتها المعرفية. وتتجلى الخطورة في الخوف غير الواعي من الحرية؛ إذ إن المستضعف لا يسعى دوماً للحرية، بل قد يرغب في التماهي مع دور السيد ليمارس بدوره القهر الذي خضع له تاريخياً.

التلاعب بسيكولوجية الجماهير وعاطفتها: يسهل التلاعب بالحشود بفضل الخصائص النفسية للجمهور؛ فالجماهير كما يرى غوستاف لوبون لا تعقل، وتتحرك بدافع المشاعر البسيطة واللاواعية. تلجأ النخب الحاكمة إلى توظيف هذه السمات من خلال أدوات الدعاية الموجهة، وتأطير الخطاب بلبوس عاطفي جاذب لتسيير الجماهير وتذويب الروح الفردية النقدية لصالح روح القطيع المستسلمة، مما يقود المجتمعات نحو الانحطاط وفقدان الحلم المحرك للحضارة.

إن مواجهة طقوس الاستهلاك المادي وتدمير الوقت تستوجب بعث البعد الجمالي والفني بوصفه حقلاً للتعبير عن حقائق ثورية قادرة على إبراز التناقضات الكامنة في المنظومة القائمة. ويؤكد التحليل السيكولوجي لتخلف البنى القهرية أن المجتمع مشروط في نهوضه بتحرير فئاته الأكثر غبناً، وتخليصها من وضعيات القهر، انطلاقاً من أن التنمية الحقيقية هي حركة جماعية شاملة تهدف لاستعادة الكرامة الإنسانية للجميع، والتمكين لقدرات الإنسان المهدور ليعود صانعاً حقيقياً للتاريخ والوعي التحرري الأصيل.

***

غالب المسعودي

في التوتر بين البناء النظري والواقع الإنساني

منذ أن وعى الإنسان ذاته واقفاً على تخوم الوجود المترامي وهو يمارس فعلين متلازمين لا ينفكان: فعل الإحساس بالعالم من حوله وفعل التفكير في ذلك الإحساس ذاته. لكنه سرعان ما اكتشف أن التفكير في طبيعته المتأصلة لا يقنع بتلك الانطباعات الأولية المتناثرة بل يتطلع إلى ما وراءها من أنساق وعلاقات وقوانين ليقيم صرحاً من المفاهيم يحميه من فوضى الحواس ويعصمه من شراهة اللحظة الآنية التي لا تبقي ولا تذر. هكذا ولدت سلطة المفهوم، ذلك الكيان المجرد الذي يمتلك من القوة ما يجعله مهيمناً على مداركنا وتجاربنا إلى حد أننا صرنا ننظر إلى الأشياء من خلاله لا إليه ونخضع واقعنا له لا منه. لكن هذه السلطة التي منحتنا القدرة على التنبؤ والسيطرة والتصنيف سرعان ما كشفت عن وجهها الآخر الأكثر إزعاجاً: أنها تحجب عنا بقدر ما تكشف وأنها تبسط النظام وتزرع الفوضى في آن لأنها تجعل من الواقع الإنساني المنساب مرآة لمقولاتها هي لا مرآة لحقيقته هو. وقد انفتحت هوة لا تردم بين ما نظن أننا نعرفه وما نعيشه فعلاً، بين البناء النظري الأنيق الذي نشيده بأدوات العقل والمنطق وبين التجربة المعاشة التي تفيض عن كل إطار وتتملص من كل ضبط وتصر على أن تكون هي الحكم الأخير على كل معرفة تدعي الشمول والاكتمال. هذا التوتر الأزلي الذي يشبه في عنفه توتر القوس قبل إطلاق السهم هو ما جعل الفلسفة منذ نشأتها الأولى تتأرجح بين قطبي المثال والواقع، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن وبين طموح العقل إلى الاستيعاب الكلي وعجز الحواس والوجدان عن التكيف مع تلك النماذج الجامدة. إنه التوتر الذي جعل أفلاطون يعلن أن عالمنا مجرد ظلال وجعل أرسطو يعيد الاعتبار للأرض بوصفها مصدر المعرفة الأولى وجعل كانط يرسم حدوداً صارمة بين ما ندركه وما لا ندركه وجعل كيركغور يصرخ في وجه المنظومات المغلقة معلناً أن الحقيقة في الفرد القلق لا في المطلق الساكن. هذا التوتر هو نبض الفلسفة ذاتها وهو ما يحيلنا في كل مرة إلى السؤال الأصعب كيف يمكن لنا ونحن كائنات مفكرة أن نمسك بالحياة من دون أن نقتلها وأن نعبر عنها من دون أن نشوهها وأن نعطيها معنى من دون أن نفرض عليها معنى مسبقاً؟ هذا السؤال هو الذي سيأخذنا في ثنايا هذا المقال في رحلة عبر أغوار هذه المعضلة القديمة المتجددة، حيث نحاول أن نرصد ملامح سلطة المفهوم وهي تمارس هيمنتها وأن نكشف حدود التجربة وهي تقاوم وتتملص وأن نبحث في خضم هذا الصراع عن إمكانية لتجاوز لا يلغي التوتر بل يخصبه ولا يسقط أحد الطرفين بل يجعلهما في حالة شد دائم يولد المعنى كما يولد النور من اصطدام الظلمات.

المفهوم في طبيعته الأولى طاغية لا يحتمل. هو سلطة قائمة بذاتها تقيم نفسها على أنقاض الفوضى الحسية التي تموج بها التجربة الإنسانية الأولى. فالإنسان حين وجد في هذا العالم لم يجد أمامه سوى فيض من الانطباعات المتنافرة وطوفان من المعطيات الحسية التي لا نظام لها ولا ترتيب، فكان لزاماً عليه لكي يبقى أن يخضع هذا الفيض لشبكة من المفاهيم التي تمنحه شكلاً وتكسبه معنىً وتنجز له هوية يمكن التعلق بها. لكن هذه الشبكة وهذه السلطة المفهومية سرعان ما تنقلب إلى سجن تظل التجربة فيه أسيرة لانتظامات قبلية تفرض نفسها على الواقع لا تنكشف عنها فيه. هكذا يتشكل التوتر الأزلي بين البناء النظري الذي يقيم صرح المعرفة على أسس من العقل والمنطق وبين الواقع الإنساني المتمفصل في حيز الوجود اليومي بما يحمله من تناقضات واستثناءات وعناد سافر لكل محاولات التصنيف والتبويب.

لم يكن الفلاسفة غافلين عن هذه الهوة التي تشق كيان المعرفة البشرية منذ أقدم عصور التفكير التأملي. لقد أدرك أفلاطون في مثاليته المتعالية أن عالم المثال أو المثل هو عالم الحقيقة الثابتة الذي لا تتغير فيه الأشياء ولا تتبدل وأن ما نعيشه في هذا العالم المحسوس ليس إلا ظلالاً متغيرة لتلك الحقائق الأبدية.

إن السلطة المفهومية عند أفلاطون هي سلطة المثل التي تسبق التجربة وتحدد مسارها وتجعل من الواقع الإنساني مجرد مرآة مشوهة لتلك الكينونات العليا. غير أن هذا الترسيم الأفلاطوني على روعته وجلاله لم يخل من إشكالية كبرى هي إشكالية التطبيق أو بالأحرى إشكالية النزول من عوالم المفاهيم النقية إلى أرض التجربة المتربة التي تعج بالاستثناءات والمفارقات التي لا تندرج تحت أي قانون كلي. فكيف لمثل العدل والخير والجمال أن تتجسد في واقع البشر الذين يخطئون ويتناقضون ويتلونون بحسب ظروفهم وأهوائهم؟ ذلك هو السؤال الذي ظل يؤرق كل بناء نظري يطمح إلى الشمول والكمال.

وفي مقابل هذه النزعة المثالية نجد أرسطو تلميذ أفلاطون الناقد، يعيد الاعتبار للتجربة بوصفها المصدر الأوحد للمعرفة، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع التخلي عن سلطة المفهوم تماماً إذ يعمد إلى بناء منطقه القياسي الذي سيبقى لقرون طويلة، الإطار الجامد الذي تفكر فيه العقول البشرية. فأرسطو وإن كان يقر بأن المفاهيم تستقى من الجزئيات المحسوسة عبر عملية التجريد فإنه يخضع هذه الجزئيات نفسها لمنطق صارم من الأجناس والأنواع والفصول التي تعيد إنتاج سلطة المفهوم ذاتها، لكن هذه المرة في ثوب أرضي أكثر قرباً من الواقع وإن ظلت هذه السلطة قائمة على استبعاد كل ما هو شاذ أو غير قابل للتصنيف. لقد أسس أرسطو بمنطقه لصورة من العالم تقوم على مبدأ الهوية وعدم التناقض، متناسياً أو متغافلاً عن أن الواقع الإنساني في كثافته وتعددياته لا يمكن اختزاله إلى أقوال محددة ولا إلى قضايا قطعية بل هو حقل من التوترات والمفارقات التي تستعصي على أي إحاطة منطقية.

لكن الإشكالية تتضاعف حدتها عندما ننتقل إلى العصر الحديث، حيث تصبح سلطة المفهوم أكثر رسوخاً بفضل الثورة العلمية التي وضعت العقل البشري في موقع المشرع الأعلى للطبيعة. فكان ديكارت، بـ "أنا أفكر إذن أنا موجود"، قد أسس لقطيعة معرفية كبرى بين الذات المفكرة والعالم الممتد وجعل من الوضوح والتمييز معيارين للحقيقة لا يقبلان الجدل. وصارت المفاهيم الرياضية والهندسية هي النموذج الأسمى لكل معرفة صحيحة وأصبح الواقع الإنساني بما فيه من تعقيدات نفسية واجتماعية وتاريخية محكوماً بهذه المعايير الصارمة التي تقصي كل ما هو غامض أو مبهم أو غير قابل للقياس. غير أن هذه السيادة المفهومية الديكارتية لم تلبث أن كشفت عن حدودها الفادحة عندما تبين أن الحياة الإنسانية في تدفقها الزمني وفي تشابك علاقاتها الداخلية لا يمكن اختزالها إلى خطوط مستقيمة وإلى كميات قابلة للحصر بل هي كما عبر عنها باسكال لاحقاً "منطق القلب" الذي لا يخضع لمنطق العقل ولا يندرج تحت قوانينه الجبارة.

وإذا كان كانط قد حاول في نقده للعقل المحض أن يوفق بين سلطة المفهوم وحدود التجربة من خلال تمييزه بين ظاهرة الشيء و"الشيء في ذاته"، فإنه في حقيقة الأمر لم يفعل سوى إعادة إنتاج التوتر ذاته بل ربما زاده حدة. فكانط حين جعل من الزمان والمكان صورتين قبلتين للحساسية ومن المقولات الفهمية قوانين قبلية للطبيعة كان قد منح الذات المتعالية سلطة مطلقة في تشكيل العالم الذي تعرفه، لكنه في الوقت نفسه أقر بأن ثمّة ما هو غير قابل للمعرفة وهو "الشيء في ذاته" الذي يظل بعيداً عن متناول العقل البشري مهما بلغت أدواته المفهومية من دقة وصرامة. ويكون كانط قد رسم حدوداً صارمة لسلطة المفهوم، لكنه في اللحظة ذاتها أعاد إنتاج الهوة بين ما نعرفه وما هو موجود في حقيقته أي بين البناء النظري والواقع الإنساني الذي يظل في عمقه الميتافيزيقي عصيا على كل محاولات الإمساك به.

غير أن أقسى اختبار واجهته سلطة المفهوم كان على يد هيغل، ذلك الفيلسوف الذي جعل من المفهوم ذاته قوة محركة للتاريخ والوجود، إذ رأى في "الروح المطلقة" الكينونة الحقيقية التي تتجلى من خلال مسيرة الوعي الإنساني صراعاً وجدلاً لا ينتهي. لكن هيغل وعلى عكس من سبقوه لم يكتف بفرض سلطة المفهوم على الواقع بل حاول أن يحلل حركة الواقع نفسها بوصفها تجسيداً جدلياً للمفهوم المتطور باستمرار. فهو لم يشيد للمفهوم صرحاً جامداً مفروضاً من الخارج بل جعله ينمو ويتمايز ويتحد مع نقيضه في مسيرة لا تتوقف مما يجعل من التوتر بين البناء النظري والواقع الإنساني توتراً ديناميكياً خلاقاً وليس قطيعة ميتة لا ترجى منها فائدة. ففي فلسفة هيغل يصبح الواقع الإنساني بكل تناقضاته وآلامه وصراعاته، اللحمة الضرورية التي ينسج منها المفهوم نفسه ويتجاوز بها حديته الأولى نحو كلية ملموسة تستوعب الجزئي دون أن تلغيه. لكن هذا الحل الهيغلي على عبقريته ظل أسيراً لنزعة مثالية تمنح المفهوم الأسبقية المطلقة على الواقع وتخضع التاريخ البشري لمنطق جدلي يبدو في كثير من الأحيان متعالياً على العبث والمعاناة اللذين يشكلان جوهر الحياة الإنسانية.

لقد كان سورين كيركغور، ذلك المفكر الوجودي المتمرد أكثر الفلاسفة حساسية لهذا التوتر الذي لا يحتمل، حين وجه نقده اللاذع إلى منظومة هيغل، متهماً إياها بأنها تبني قصراً من المفاهيم المجردة بينما تعجز عن أن تؤوي فيه إنساناً واحداً يعيش واقعها الملموس بقلقه ويأسه وإيمانه. فكيركغور الذي رأى في "الفرد" محور الوجود الحقيقي كان يدرك أن سلطة المفهوم العام لا تقتصر على تجاهل خصوصية التجربة الإنسانية بل إنها تقتلها وتجفف ينابيعها الأعمق. فالخوف الرعديد والكآبة الصامتة والعشق المستحيل والالتزام الأخلاقي الذي لا يبرره أي قانون خارجي كل هذه الأبعاد الوجودية تفلت من شباك المفاهيم وتستعصي على أي تصنيف أو تحليل موضوعي. ولهذا كان نداء كيركغور الأبدي هو العودة إلى الذات الفردة في تفردها المطلق، إلى تلك البقعة الموحشة التي لا يصلها ضوء العقل ولا تبلغها سلطة المفهوم، حيث الإنسان هناك وحده مع عدمه وقلقه في مواجهة مباشرة مع الوجود الذي لا يمكن التعبير عنه ولا إحاطته.

ومما يعزز هذا الإحساس بحدود التجربة في وجه سلطة المفهوم، ذلك السيل الجارف من الانتقادات التي وجهتها فلسفات الوجود والظواهرية إلى كل محاولة لاختزال الكينونة الإنسانية إلى بنى نظرية جاهزة. فقد كان إدموند هوسرل مؤسس الظاهريات، قد أدرك أن على الفلسفة أن "تعود إلى الأشياء نفسها"، أي إلى التجربة الحية التي تسبق كل تنظير، والتي تمنح المفاهيم معناها الأصلي. ولكن وحتى في مشروع هوسرل هذا تظل سلطة المفهوم حاضرة من خلال "الإيپوخي" أو التعليق الظاهرياتي الذي يعلق الحكم على وجود العالم الطبيعي ويعيد بناء المعنى انطلاقاً من البنية القصدية للوعي. فالظاهريات وإن كانت تضع التجربة في مركز اهتمامها فإنها لا تخلو من بناء نظري يعيد إنتاج نوع من السلطة المفهومية وإن كانت سلطة أكثر مرونة وانفتاحاً على تعددية المعاني وسيولة الدلالات. لكن هذا الانفتاح على أهميته لم يحم الظاهريات من الوقوع في شرك المثالية المتعالية ذاتها إذ ظل التركيز على البنية القصدية للوعي يخضع الواقع الإنساني لشبكة من المفاهيم التي قد لا تستوعب الجانب الجسدي واللاواعي والعاطفي الذي يشكل جزءاً كبيراً من وجودنا اليومي.

أما مارتن هايدغر تلميذ هوسرل وناقده الأكبر، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك حين وضع "الكينونة" نفسها موضع التساؤل معلناً عن أزمة المفهوم في مواجهة سؤال الوجود الأعمق. فهايدغر في "الكينونة والزمان"، يحاول أن يفكر خارج إطار الميتافيزيقا التقليدية التي أخضعت الوجود لمقولات جامدة ويسعى إلى استعادة معنى الكينونة من خلال تحليل "الدازاين"، أي الكائن الإنساني الذي يفهم وجوده والذي ينفتح على العالم عبر حالاته المزاجية ومشاريعه وتوقعاته. ويكون المفهوم هنا أداة محدودة لا تستطيع الإمساك بحقيقة الكينونة التي تظهر وتختفي في الآن نفسه والتي تتجلى في لحظات القلق والموت والملل العميق أكثر مما تتجلى في أي تأمل نظري. وكأن هايدغر يقول لنا إن سلطة المفهوم لا تنبسط على كينونة الإنسان إلا لتشوهها وتبعدها عن نفسها وأن على الفلسفة أن تتعلم الإصغاء إلى لغة الوجود قبل أن تحاول ترجمتها إلى منطوقات مفهومية تخونها دائماً.

لكن هل يعني هذا كله أن على الفكر الإنساني أن يتخلى عن سلطة المفهوم وأن يستسلم لفوضى التجربة الخام؟ كلا بل إن التوتر نفسه هو الذي ينتج المعرفة الحية والديناميكية فبدون المفهوم لا تكون هناك معرفة وبدون التجربة لا تكون هناك حقيقة. إن العلاقة بينهما هي علاقة توتر بناء، أشبه بعلاقة القوس والوتر في آلة الكمان، حيث لا ينتج النغم الجميل إلا من خلال هذا الشد المتبادل بين القوة والمرونة وبين الصلابة والانسابية. فالمفهوم من دون أن ينغمس في التجربة ويستقبل صدماتها ويعيد ترتيب نفسه باستمرار يتحجر ويصبح أيديولوجية قاتلة تعمي البصيرة وتجمد الحياة في قوالب ميتة. والتجربة من دون أن تستعير من المفهوم أدواته التنظيمية تظل فوضى عابرة لا معنى لها ولا اتجاه، كأنهار جارفة لا ضفاف لها تذوب في رمال اللاشيء. والسؤال الحق ليس كيف ننتصر لأحد الطرفين على حساب الآخر بل كيف نبقي هذا التوتر حياً خلاقاً وكيف نجعل من سلطة المفهوم سلطة ناقدة لذاتها وكيف نفتح التجربة على إمكانية تجاوز حدودها بفضل ما تستمد من المفهوم من شفافية ورؤية.

في هذا المستوى من العمق الفلسفي حيث تترنح المفاهيم على حافة الهاوية الوجودية وتنخلع التجربة من أثوابها البديهية نجد أنفسنا مضطرين إلى الاعتراف بأن سلطة المفهوم ليست مجرد أداة معرفية بل هي كينونة ثقافية وتاريخية تتشكل ضمن سياقاتها الخاصة وتفرض نفسها بوصفها "إبيستيمية" مهيمنة على نحو ما عبر ميشيل فوكو عنه حين كشف عن العلاقات الخفية بين المعرفة والسلطة وكيف أن كل عصر ينتج حقائقه وفق قواعده الداخلية التي لا علاقة لها بالضرورة بواقع الأشياء، بل بمنظومة الخطابات التي تخضع الوجود إلى شبكة من التصنيفات والإقصاءات. فالمفهوم في هذا المنظور ليس انعكاساً لتجربة ما بل هو فعل إقصاء واستبعاد ينتقي بعض الجوانب ويهمش أخرى، يؤكد حدوداً وينفي أبعاداً ويمارس عنفاً رمزياً على سيولة الواقع وتعددياته التي لا تحتمل الضبط والتحديد. وهنا تبرز مفارقة كبرى كلما ازدادت دقة المفاهيم وصرامة المنطق، ازدادت المسافة بينها وبين الحياة المعاشة وكأن محاولاتنا لفهم العالم تؤدي بالضرورة إلى إبعادنا عنه وتفقدنا القدرة على الملامسة المباشرة مع ما هو حي ومتغير ومفاجئ في كل آن.

ولعل في أعماق الأدب والشعر ما يجسد هذا التوتر بأعلى درجات الحساسية إذ أن اللغة الشعرية بما تحمله من استعارات وتكثيف، هي أقدر الفعاليات الإنسانية على كسر جمود المفهوم وإعادة بعث التجربة من جديد. فالشاعر حين يكتب لا يعمل ضمن أفق المفاهيم الجامدة بل يخلق عوالم لغوية طازجة تسبق كل تصنيف وتتجاوز كل حد وتقيم في تلك المنطقة الحدودية حيث ينتهي المعنى المقرر ويبدأ المعنى الممكن. ولهذا كان هيجل نفسه يرى في الفن وقبله شيلنغ، تعبيراً عن المطلق لا يقل سمواً عن الفلسفة بل ربما يكون أقرب إلى روح الوجود من الفلسفة ذاتها لأن الفن لا يختزل الواقع إلى قضايا وقوانين بل يظهره في كثافته المحسوسة وتفرده الذي لا يتكرر. وهنا ندرك أن التحدي الحقيقي ليس في التخلص من سلطة المفهوم فهذا محال بل في تعلم كيف نعيش في داخلها بوعي نقدي دائم، كيف نستعملها ولا نستسلم لها، كيف نخضعها للاختبار التجريبي المتواصل دون أن نمنحها قداسة أو أبدية. وهذا يتطلب منا أن نتبنى موقفاً تأويلياً على غرار ما طرحه هانز جورج غادامير، حيث لا تكون معرفتنا بالعالم مجرد تطبيق لآليات منهجية باردة بل هي حوار مستمر بين أفق النص (أو المفهوم) وأفق التجربة، حوار يغيرنا ويغير ما نعرفه حوار لا ينتهي لأن المعنى الحقيقي لا يستنفد في أي حضور.

إلا أن الحدث الأكثر هولاً في تاريخ هذا التوتر بين المفهوم والتجربة تمثل في الواقع العملي، أي في تلك الممارسات الاجتماعية والسياسية التي حاولت أن تخضع البشرية بأكملها إلى بنى نظرية كبرى، زاعمة أنها تمتلك المفتاح الأخير للسعادة والخلاص. فالتجربة التاريخية للقرن العشرين بمآسيها الهائلة من حروب وإبادات واستبدادات، كانت درساً قاسياً في حدود سلطة المفهوم حين تنفصل عن نبض الحياة اليومية، حين تصبح أيديولوجيات جامدة تقدس نفسها وتحتقر الواقع لخيانته إياها. كل تلك المشاريع العقلانية الكبرى التي وعدت بتحقيق الجنة على الأرض انتهت إلى جحيم لا يطاق، لأنها أهملت ما هو فوضوي وغير قابل للاختزال في الإنسان، ذلك العناد الميتافيزيقي الذي يجعل من الحرية في جوهرها رفضاً لأي قالب نهائي وإصراراً على أن تكون التجربة الإنسانية مفتوحة على كل الاحتمالات ومتمردة على كل تحديد نهائي. وهنا لا ننسى بصيرة إيمانويل ليفيناس الذي وضع الأخلاق قبل الوجود وجعل من "وجه الآخر" حدثاً يتجاوز كل مفهوم ويفضي إلى مسؤولية لا حد لها، مسؤولية لا تنبثق من عقد اجتماعي أو حساب نفعي، بل من تلك المواجهة المباشرة بين الذات والآخر التي تهز كيان المفهوم وتقلب موازينه وتفتح الباب أمام لانهائية المعنى التي لا تحصر في أي لغة أو نظام.

لهذا فإن خلاص الفكر الإنساني لا يكمن في اختراع مفاهيم أكثر دقة أو في بناء نظريات أكثر شمولاً بل في تنمية قدرة متواصلة على المفارقة، على أن نحمل في وعينا ما لا يستوعبه وعينا وأن نحتفظ في تجربتنا بمساحة من الغموض تظل عصية على التفسير الجازم وكأننا نراوح بين يقين العقل وشك القلب، بين نور المعرفة وظل الوجود الذي لا يشرق عليه أي نور. إن الفلسفة الحقيقية كما أدركها فيتغنشتاين في مراحله الأخيرة ليست بناء أنظمة فكرية بل هي نشاط نقدي مستمر يذيب المشاكل الوهمية التي تولدها اللغة حين تخرج عن سياقها الحيوي ويعيد الأسئلة الكبرى إلى حيث توجد فعلاً في طريقة عيشنا، في مواقفنا اليومية، في قراراتنا الصغيرة التي تبدو عابرة لكنها تحمل في طياتها أبعاداً وجودية لا تحصى. وهنا يصبح المفهوم أداة مرنة في يد التجربة لا سجناً يكبلها وتصير التجربة مادة خصبة تمنح المفهوم حياة ودلالة لا مجرد حالة استثنائية يصار إلى إلغائها أو تهميشها. ويتجلى التوتر في صورته الخلاقة كعلاقة جدلية لا تستقر على حال، وكرقصة أبدية بين الضرورة والحرية، بين الكلي والفردي، بين ما يوحدنا وما يميزنا، بين كبرياء العقل وتواضع الحواس، بين سلطة الكلمة وسلطان الصمت الذي يكمله ويعطيه عمقه الأخير.

لكنَّ الأمر ليس إعلان نصر لأحد الفريقين ولا حلا وسطاً في نسق هجين بل رؤية تجاوزية تُقرُّ بأنَّ الوجود الإنساني تعترف بأن الوجود الإنساني في جوهره المأساوي والجميل معاً، هو نتاج هذا الاحتكاك الدائم بين قوى متضاربة لا يمكن الفصل بينها ولا يمكن الجمع بينها دون بقية من ألم التناقض. إننا كبشر، مخلوقات تحيا على حافة التوتر، نستمد قوتنا بين قطبي المفهوم والتجربة، بين ما نعرفه وما نشعر به، بين ما نبني من نظريات وما تصطدم به من واقع يفضحها ويجددها في آن. وإذا كان المفهوم يعبر عن طموحنا إلى النظام والمعنى فإن التجربة تعبر عن ارتباطنا الجوهري بالحياة بكل مفاجآتها وروعتها وبكل عشوائيتها وألمها. والمهمة الأبدية للفكر هي ألا يغفل يوماً عن هذا التوازن المأساوي وأن يظل وفيا للإنسان في تفرده وأن يكرم في الوقت نفسه قوة التعميم التي جعلت منه كائناً عاقلاً متحضراً. والحكمة في آخر تحليلها هي أن نعرف كيف نسكن هذا التوتر دون أن نمرضه باليأس وكيف نعيش فيه دون أن نحوله إلى صراع عقيم بل إلى إيقاع حيوي تنتجه علاقتنا بالوجود كل يوم من جديد، كتلك الموجة التي لا توجد خارج صدامها بالصخر وكالنغمة التي لا تنشأ إلا من شد الوتر ونبض الهواء. بهذا المعنى يبقى التوتر بين سلطة المفهوم وحدود التجربة هو الضمانة الأخيرة لبقاء الإنسانية في حالة من السؤال الدائم والدهشة المتجددة، بعيداً عن يقين العقول الميتة وارتياح النفوس الخاملة لأن الحياة الحقيقية كما قال كيركغور في سياق مختلف "لا تعاش إلا إلى الأمام ولا تفهم إلا إلى الخلف"، أي في تلك اللحظة التي يتوقف فيها الزمن لكي نمسك بمعنى ما قد فاتنا في عجلة العيش اليومي ثم نعود من جديد إلى المجهول محملين بما تعلمنا غير نادمين على ما جهلنا ومدركين تماماً أن الحقيقة ليست في النهاية التي نبلغها بل في الرحلة التي لا تنتهي.

***

د حمزة مولخنيف

الفينومينولوجيا والهيرمنيوطيقا في أفق تأويل النص

لم يعد النص، في الوعي الفلسفي المعاصر، مجرد بناءٍ لغويٍّ تنتظم فيه الألفاظ والدلالات، بل غدا واقعةً أنطولوجية تتقاطع فيها اللغة مع الوجود، ويتداخل فيها التاريخ مع الوعي، وتتفاعل فيها الذات مع العالم. فالنصوص الكبرى، ولا سيما الغنوصية وشبه الغنوصية، لا تُستنفد في ظاهر عباراتها، لأنها تنطوي على بنى دلالية عميقة لا تنكشف إلا عبر ممارسة تأويلية تجعل القراءة فعلًا من أفعال الانكشاف، لا مجرد استهلاك للمعنى. ومن هنا يغدو الفهم تجربة وجودية تتجاوز حدود المعرفة إلى إعادة تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم.

لقد أدرك الفكر الفلسفي منذ بداياته أن الحقيقة لا تُعطى جاهزة، وإنما تتكشف تدريجيًا عبر جدلٍ دائم بين الظاهر والخفي، وبين الحضور والغياب، وبين ما يقوله النص وما يؤجله إلى أفق التأويل. ومن هذا الإدراك نشأت الفينومينولوجيا والهيرمنيوطيقا بوصفهما مشروعين متكاملين في مساءلة الوجود والمعنى؛ فالأولى تنشغل بكيفية انكشاف الموجود للوعي، بينما تنصرف الثانية إلى الكيفية التي يتولد بها الفهم داخل التاريخ واللغة.

مع إدموند هوسرل شهدت الفلسفة تحولًا جذريًا حين دعا إلى العودة إلى «الأشياء ذاتها»، أي إلى الخبرة كما تتبدى قبل أن تحجبها التصورات الموروثة والأحكام المسبقة. فالوعي، عنده، ليس مستودعًا سلبيًا للصور، بل هو قصدية دائمة تتجه نحو العالم، ولا يظهر الشيء إلا بقدر ما يحضر داخل هذه العلاقة القصدية. وهكذا انتقل السؤال الفلسفي من البحث عن ماهية الموجود إلى البحث عن كيفية ظهوره، فأصبحت الظاهرة ليست موضوعًا خارجيًا، بل كيفية تجلي الوجود داخل أفق الوعي.

غير أن هذا المشروع وجد امتداده الأنطولوجي مع مارتن هايدغر، الذي تجاوز وصف الظواهر إلى مساءلة معنى الوجود ذاته. فالإنسان، في تصوره، ليس ذاتًا تقف قبالة العالم، وإنما هو «الكائن-في-العالم»، ولذلك فإن الفهم ليس عملية معرفية تطرأ على الإنسان، بل هو البنية الأصلية التي يقوم عليها وجوده. إن الوجود الإنساني لا يفهم العالم فحسب، بل يفهم نفسه من خلال انخراطه فيه، فيغدو التأويل شرطًا للوجود قبل أن يكون منهجًا لتفسير النصوص.

ومن هذا المنعطف انطلقت هيرمنيوطيقا هانس-غيورغ غادامير، التي نقلت التأويل من دائرة المنهج إلى أفق الأنطولوجيا. ففي كتابه الحقيقة والمنهج بيّن أن الفهم ليس فعلًا محايدًا، بل حدثًا تاريخيًا تتلاقى فيه آفاق الماضي والحاضر، وتتشكل فيه الحقيقة عبر الحوار. فلا قارئ يقترب من النص خاليًا من مسبقاته، ولا نص يحتفظ بمعناه خارج تاريخ تلقيه؛ بل يتولد المعنى من «اندماج الآفاق»، حيث يتفاعل أفق القارئ مع أفق النص في سيرورة لا تتوقف.

ولم يقف تطور الفكر التأويلي عند غادامير، بل جاء فيلهلم دلتاي ليؤكد أن فهم النصوص الإنسانية يختلف جوهريًا عن تفسير الظواهر الطبيعية؛ إذ إن العالم الإنساني لا يُفسَّر بعلاقات سببية، بل يُفهم من خلال معايشة التجربة التاريخية التي أنتجته. أما بول ريكور فقد عمّق هذا التصور حين رأى أن النص، بعد انفصاله عن مؤلفه، يكتسب استقلاله الوجودي، ويصبح فضاءً مفتوحًا لإنتاج معانٍ جديدة، بحيث يغدو التأويل إعادة اكتشاف للذات بقدر ما هو اكتشاف للنص.

وعلى هذا الأساس، تبدو العلاقة بين الفينومينولوجيا والهيرمنيوطيقا علاقة تكامل لا تعارض؛ فالفينومينولوجيا تكشف شروط ظهور العالم في الوعي، بينما تكشف الهيرمنيوطيقا شروط انبثاق المعنى في التاريخ واللغة. الأولى تدرس انكشاف الموجود، والثانية تدرس انكشاف الدلالة، وفي اتحادهما يتحول الفهم إلى تجربة أنطولوجية يعيشها الإنسان قبل أن يصوغها في المفاهيم.

وإذا كان الفكر الغربي قد بلور هذه الرؤية في صورها الفلسفية الحديثة، فإن التراث الإسلامي قد أسس، بطريقته الخاصة، لأفق تأويلي بالغ الثراء. فقد أدرك علماء التفسير وأصول الفقه والبلاغة أن النص القرآني يتجاوز الدلالة الحرفية إلى شبكة معقدة من المقاصد والسياقات والعلاقات الداخلية. ولم يكن التفسير عند الطبري والقرطبي والبغوي والماوردي والألوسي مجرد شرح لغوي، بل كان فعلًا معرفيًا يتشابك فيه العقل مع النقل، واللغة مع التاريخ، والمقصد مع البنية النصية، ليظل النص حيًا، قادرًا على استئناف معناه مع تغير الأزمنة دون أن يفقد ثوابته.

إن النص، في ضوء هذا الأفق، ليس بنية مغلقة تستنفدها قراءة واحدة، ولا هو فضاء عبثي يبيح كل الاحتمالات، بل هو مجال حواري تتفاعل فيه إمكانات المعنى مع ضوابط البنية، بحيث تصبح كل قراءة أصيلة إعادة تأسيس للدلالة، لا إعادة إنتاج آلية لها. ومن ثم فإن التأويل الحق لا يقوم على إسقاط الأهواء، وإنما على الإصغاء العميق لمنطق النص ولأفقه الداخلي، حتى يتحول الفهم إلى مشاركة في انكشاف الحقيقة.

ومن هنا لم يعد السؤال الفلسفي: ماذا يقول النص؟ بل أصبح: كيف يتجلى معناه؟ وكيف يعيد تشكيل قارئه؟ وكيف يتغير أفق دلالته بتغير التاريخ دون أن يفقد هويته؟ إن هذه الأسئلة لا تؤسس لنسبية منفلتة، بل تؤكد أن الحقيقة ليست معطىً جامدًا، وإنما أفق يتكشف باستمرار عبر الحوار بين اللغة والوعي، وبين التاريخ والوجود.

وخلاصة الأمر أن الفينومينولوجيا والهيرمنيوطيقا تمثلان معًا مشروعًا فلسفيًا واحدًا يسعى إلى ردِّ الإنسان إلى أصالة تجربته. فالأولى تكشف الكيفية التي يحضر بها العالم في الوعي، والثانية تكشف الكيفية التي يحضر بها المعنى في الوجود الإنساني. وبين فهم الوجود ووجود الفهم يتأسس أعمق أبعاد التجربة البشرية؛ حيث لا يعود الإنسان قارئًا للنص وحده، بل يصبح النص أيضًا قارئًا للإنسان، يكشف له حدود وجوده وإمكاناته، ويفتح أمامه أفقًا لا ينتهي من الحوار مع الذات، ومع التاريخ، ومع الحقيقة التي لا تُمتلك، بل يُقترب منها على الدوام عبر التأويل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

نحو تحليل إبستمولوجي لحدود الإنتاج المفهومي

تلك اللحظة التي يتوقف فيها الفكر أمام نفسه والتي ينعطف فيها السؤال على ذاته ليتساءل عن شروط إمكانه وعن حدوده، هي اللحظة التي تولد فيها الفلسفة في أسمى تجلياتها. فما من تأمل فلسفي حقيقي إلا وهو محكوم بهذه الازدواجية المؤسسة، بين الاندفاع نحو المعرفة والوقوف المتأمل عند أبوابها، بين الرغبة في قول كل شيء والإدراك المتزايد بأن ثمّة ما يظل دائماً خارج متناول القول، خارج حدود المفهوم وخارج تلك الشبكات الدقيقة التي ننسجها لنحتوي العالم. وهذه الازدواجية ليست مجرد سمة عارضة أو مأزق منهجي طارئ بل هي البنية العميقة للفكر ذاته، هي تناقضه الخصيب، هي ذلك التوتر الذي يمنحه حيويته واستمراره ويمنعه من أن يتحول إلى نظام مغلق وإلى معبد جامد تسكنه حقائق ميتة.

غير أن هذه الإشكالية التي تطارد الفلسفة منذ وعيها الأول بنفسها تأخذ منحى أكثر حدة في لحظات التحول الإبستمولوجي الكبرى حين تتهدم الأطر المفهومية القديمة وتظهر أطر جديدة وحين يكتشف الفكر أنه ظل لزمن طويل أسير تمثلات محدودة للعالم وأن ثمّة مناطق شاسعة من التجربة الإنسانية ظلت مهمشة خارج نطاق ما يمكن التفكير فيه ضمن الأنظمة السائدة. وهنا يبرز السؤال الذي سيظل يلح بإلحاح استثنائي هل هذه المناطق المهمشة هي مجرد نتاج لعجز تاريخي قابل للتجاوز أم أنها تشكل حدا بنيوياً للفكر لا يمكن تخطيه مهما بلغت دقة آلياتنا المعرفية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال كما سنحاول في هاته المقالة، تقتضي رحلة عبر محطات الفلسفة الكبرى بدءاً من كهف أفلاطون الذي يرمز إلى الأسرى الذين لا يرون سوى الظلال مروراً بنقد كانط المتعالي الذي كشف عن قوالب قبلية تشكل إدراكنا وتحدد سلفاً ما يمكننا معرفته ووصولاً إلى المشاريع النقدية المعاصرة التي جعلت من اللامفكر فيه موضوعاً لها، سواء في صيغته الهايدغرية المرتبطة بالكشف عن الكينونة أو في صيغته التفكيكية التي تكشف عن الفائض الدلالي الذي يفلت من كل شبكة مفاهيمية. ولكن هذه الرحلة لن تكون استعراضاً تاريخياً مجرداً بل ستكون محاولة لاستنطاق هذه المقاربات لاستجوابها عن مدى قدرتها على تفسير هذه الظاهرة وعن حدودها الخاصة في التعامل مع ما يظل خارج إطارها.

إننا لا نهدف من خلال هاته الأسطر إلى تقديم حل نهائي لمشكلة اللامفكر فيه، حيث ندرك منذ البداية أن أي حل من هذا القبيل سيكون تناقضاً في المصطلحات بل سنسعى إلى رسم خريطة للمشكلة وإلى تحديد تضاريسها وإلى كشف أبعادها المختلفة وإلى اقتراح موقف فلسفي يتعامل مع هذه الحدود لا كحاجز يوقف التفكير بل كأفق يفتحه وكمحفز دائم للإبداع المفهومي وكذكرى بأن الحقيقة ليست في متناول اليد بل هي ذلك الأفق المتواري الذي نتحرك نحوه دون أن نبلغه، ذلك الصمت الذي يمنح كلامنا معناه وتلك الظلمة التي تجعل الرؤية ممكنة.

تلك الهوة السحيقة التي تتشكل بين آنية الفكر وامتداد الوجود وبين ما نستطيع قوله وما يظل معلقاً في مناطق الصمت المعتمة، هي البؤرة التي تنبثق منها الأسئلة الفلسفية في أشد صورها إيلاماً. فالفلسفة منذ وعيها الأول بذاتها في لحظة يونانية أسطورية لم تتوقف عن الانكباب على حدودها وعن استجواب مناطق العجز التي تتشكل داخل نسيجها المفهومي وعن ذلك الذي لا يمكن اختزاله إلى مقولات ولا احتواؤه داخل شبكات الدلالة. ولكن السؤال الذي يظل يلح بإزعاج استثنائي هو هل ثمّة ما هو لامفكر فيه بحسب بنية الفكر ذاتها أم أن اللامفكر فيه ليس سوى نتاج عجز تاريخي طارئ أو ربما أثر جانبي لانزياحات منهجية في آليات الإنتاج المفهومي؟

لعل أفلاطون كان أول من أدرك في كهفه الأسطوري أن الفكر يعاني من عمى بنيوي تجاه شروط إمكانه حين جعل من الخروج من الكهف استعارة للنضال ضد القيود التي تفرضها اللغة والممارسة الاجتماعية على قدرة الإنسان على التفكير في اللامفكر فيه. فظلال الكهف في تأويل أعمق من القراءات المدرسية ليست مجرد أوهام حسية بل هي بنى مفهومية قائمة بذاتها، أنسجة من المعاني الموروثة التي تشكل رؤيتنا للعالم دون أن نعيرها انتباهاً. إنها ما يمكن تسميته بـ"المسبقات الضمنية" التي تعمل في صمت وتحدد سلفاً ما يمكن التفكير فيه وما يستعصي على التمثل. ومشكلة اللامفكر فيه ليست مشكلة معرفية طارئة بل هي متأصلة في النسيج الأنطولوجي للفكر ذاته وفي علاقته الجدلية باللغة وبالتاريخ وبالذات المفكرة.

غير أن هذه المعضلة تأخذ منعطفاً أكثر حدة مع كانط الذي نقل السؤال من حقل الميتافيزيقا التقليدية إلى حقل النقد المتعالي. ففي نقد العقل المحض يكشف كانط عن أن العقل ليس صفحة بيضاء تنطبع عليها معاني العالم بل هو جهاز توليدي يعمل وفق قوالب قبلية وقواعد تركيبية تحدد سلفاً أشكال المعرفة الممكنة. وهذا يعني بعبارة أكثر جرأة أن هناك مناطق شاسعة من الواقع لا يمكن للفكر أن يبلغها ليس لأنها بعيدة أو غائبة بل لأن بنية العقل ذاتها تحجبها وتجعل من استحضارها مستحيلاً من حيث المبدأ. إن مقولة "الشيء في ذاته" عند كانط ليست حلا بقدر ما هي اعتراف صريح بوجود حد فطري للفكر وبمنطقة معتمة يتعذر اختراقها مهما بلغت دقة الآليات المعرفية. ويتجلى اللامفكر فيه كنوع من "النقيضة المتعالية" التي ترافق كل عملية إنتاج مفهومي كظلّ لازم وكتذكير دائم بأن كل ما نقوله محكوم عليه بالنقص وأن كل ما نعرفه مسكون بإمكانية جهل أعمق وأكثر بنيوية. لكن هل هذا الحد كانطياً محضاً أم أن له تاريخاً يمتد في جسد الفلسفة ذاتها؟ هنا يبرز هيغل لينقل المسألة إلى سياق جدلي مختلف. ففي ظاهريته المطلقة يرفض هيغل فكرة وجود منطقة نهائية لا يمكن للفكر بلوغها معتبراً أن كل ما هو حقيقي هو عقلاني وأن كل عقلاني لا بد أن يتحقق. لكن المفارقة أن هيغل نفسه في محاولته استيعاب كل شيء في حركة المفهوم، يكشف عن شكل آخر من اللامفكر فيه، ذلك الذي يتمثل في "الآخر" الذي يرفض الاندماج في حركة الجدل، في اللحظة التي يعجز فيها المفهوم عن احتواء الفائض الدلالي للواقع. ويمكن القول إن هيغل دون أن يقصد قد أرّخ للامفكر فيه حين جعل من السلبية محركاً للفكر، فهذه السلبية ليست مجرد لحظة مؤقتة في مسار التطور بل هي شرط دائم للإنتاج المفهومي وإلا لتحول الفكر إلى جمود مطبق. إن هيغل في نصه الأكثر غموضاً يلمح إلى أن كل مفهوم يحمل في داخله نقيضه وهذا النقيض هو الذي يمنح المفهوم حركته وحياته لكنه أيضاً ما يظل معلقاً كسؤال مفتوح وكإمكانية للتفكير في غير الممكن.

غير أن المشكلة تأخذ أبعاداً أكثر حدة مع نيتشه، ذلك المفكر الذي جعل من الشك في اللغة ذاتها منهجاً ومن كشف الاستعارات المنسية هدفاً. فنيتشه في مقاله "عن الحقيقة والكذب في المعنى الأخلاقي"، يذهب إلى أن اللغة ليست مرآة للواقع بل شبكة من الاستعارات المتجمدة التي أنشأتها حاجات عملية وأصبحت بمرور الزمن حقائق موضوعية. وإذا كان الأمر كذلك فإن اللامفكر فيه ليس مجرد حد معرفي بل هو أثر لتاريخ من الإقصاءات والتجاهلات، ما لم يقل بعد وما لم يدخل بعد في نسيج الاستعارات المسموعة. إن كل لغة وفق نيتشه تحمل في داخلها "لاوعياً" دلالياً، مجموعة من المعاني المهمشة التي لم تجد طريقها إلى التمثل المفهومي، إما لأنها لا تخدم غايات عملية وإما لأنها تهدد تماسك النظام الرمزي القائم. ويتحول اللامفكر فيه من مجرد عجز معرفي إلى موضوع للتحليل الجينيالوجي وإلى مسرح للصراع بين القوى المختلفة على فرض معانيها وإلى فضاء للتحرر من قبضة المعاني المسلطة.

غير أن ثمة مفارقة تأخذ أبعاداً مأساوية، فبقدر ما تحاول الفلسفة الحديثة كشف آليات إنتاج اللامفكر فيه بقدر ما تقع في شرك إعادة إنتاجه. ذلك أن محاولة قول اللامفكر فيه استدعائه إلى حقل اللغة، تنطوي دائماً على خطر تحويله إلى شيء آخر وإلى مفهوم جديد يخضع بدوره لمنطق الإقصاء والحدود. إنها مفارقة لازمت الفلسفة منذ محاولاتها الأولى، كيف يمكن التفكير في حدود التفكير دون تجاوزها ضمناً؟ وكيف يمكن قول الصمت دون تحويله إلى ضجيج جديد؟ هذه الإشكالية تجد صداها في مشروع فيتغنشتاين المتأخر، حيث يذهب في "أبحاث فلسفية" إلى أن المشكلات الفلسفية تنشأ أساساً من سوء فهم منطق لغتنا وأن مهمة الفلسفة ليست بناء نظريات بل تفكيك أوهام المعنى وكشف الألعاب اللغوية التي تشكل سياقاتها الخاصة. لكن فيتغنشتاين نفسه يدرك أن هناك ما لا يمكن قوله، لكنه يختلف عن كانط في أن هذا "اللامقول" ليس حدا متعالياً بل هو نتاج لتشكلات لغوية محددة، لما يمكن أن نسميه "اللاوعي اللغوي" الذي يحدد سلفاً ما يمكن التعبير عنه وما يستعصي. أما "اللامفكر فيه" في هذا السياق فهو ذلك المعنى الذي لا يمكن استخلاصه من قواعد لعبة لغوية بعينها، ذلك الفائض الذي يحيل إليه كل استخدام لكنه يظل خارج إطار القواعد. غير أن هذه المقاربات، مهما بلغت دقتها تظل محكومة بنوع من السذاجة الإبستمولوجية حين تغفل البعد التاريخي والاجتماعي لمسألة اللامفكر فيه. ذلك أن ما يعتبر "لامفكراً فيه" في حقبة تاريخية معينة قد يصبح محوراً للتفكير في حقبة لاحقة، ليس بسبب تغير في بنية العقل بل بسبب تحول في العلاقات الاجتماعية وفي طرق الإنتاج وفي أنساق القيم السائدة. يتبدى هنا دور المادية التاريخية في تقديم قراءة مغايرة تماماً حيث تتحول حدود الفكر من مسألة متعالية إلى مسألة متجذرة في البنى التحتية للمجتمع. إن اللامفكر فيه وفق هذه الرؤية ليس نتاجاً لقيود العقل المحض بل هو نتاج لعلاقات القوة التي تتحكم في إنتاج المعرفة وفي تحديد ما يستحق أن يقال وما يجب تجاهله. إنه صنيعة الأيديولوجيا بقدر ما هو صنيعة اللغة وهنا يلتقي ماركس مع نيتشه في لحظة نادرة كلاهما يكشفان عن أن ما لا نفكر فيه ليس مجرد عجز معرفي بل هو أيضاً نتاج لإرادة في الإقصاء ولرغبة في الحفاظ على نظام معين من المعاني.

غير أن هذه الرؤية الماركسية في صيغها المختزلة قد تقع في فخ آخر وهو التعامل مع اللامفكر فيه كمجرد نتاج لمرحلة تاريخية سيزول مع زوال أسبابها المادية. وهنا يظهر هايدغر ليقدم تحليلاً أكثر عمقاً وتركيباً إذ يرى أن مشكلة اللامفكر فيه ليست مرتبطة بمرحلة تاريخية معينة ولا هي مجرد وهم معرفي يمكن تجاوزه بتطوير آليات منهجية. بالنسبة لهايدغر في "الكينونة والزمان"، اللامفكر فيه متجذر في نسيج الكينونة ذاتها وفي طبيعة الوجود الإنساني الذي يكون في العالم قبل أن يفكر فيه. إن الوجود الإنساني كما يفهمه هايدغر هو "كائن في العالم" (Dasein) يمارس أفعاله ويتخذ قراراته قبل أن يطور أي وعي نقدي بشروط إمكان هذه الممارسة وهذا القرار. إن ما يسميه هايدغر "اللامفكر فيه" ليس مجرد ما لم نفكر فيه بعد بل هو ما لا يمكننا التفكير فيه طالما بقينا أسرى النزعة التمثيلية للفكر التي تسيطر على الميتافيزيقا الغربية. إنه الكينونة ذاتها التي نعيشها كل لحظة دون أن نستطيع تمثلها ودون أن تتحول إلى موضوع أمامي لأنها ليست موضوعاً بل هي أفق كل موضوعية. ويعيد هايدغر إحياء الفكرة القائلة بوجود "لامفكر فيه" في صميم التفكير، ليس كعيب أو قصور بل كشرط ضروري لأي فعل تفكير وكأرضية خصبة تنبت منها كل المعاني.

غير أن هذه الرؤية الهايدغرية وإن كانت عميقة تواجه مشكلة أخرى وهي كيف يمكن الحديث عن "لامفكر فيه" دون أن نحوله إلى مفهوم ودون أن نطويه في شبكة دلالية تخصبها وتفقره في آن؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه جيل دولوز بقوة حيث يرى أن الفلسفة ليست تأملاً ولا تواصلاً ولا حتى تأسيساً للمعرفة بل هي إبداع مفاهيمي. وفي هذا الإطار يصبح اللامفكر فيه ليس منطقة معتمة يجب تجاوزها بل مصدراً للخلق والإبداع وهو ما يدفع الفكر إلى الخروج عن مألوفه وإلى اختراع مفاهيم جديدة قادرة على التقاط ما كان مستعصياً. إن دولوز في شراكته مع غواتاري يطرح فكرة "السيولة" و"التشظي" بوصفهما صفتين جوهريتين للوجود وهما ما يظلان عادة في منطقة اللامفكر فيه لأن الميتافيزيقا التقليدية فضلت الجمود والوحدة. لكن اللامفكر فيه هنا لا يظل سلبياً بل يصبح قوة دافعة وطاقة إبداعية تدفع الفكر إلى تجاوز حدوده وإلى خلق مسارات غير متوقعة.

وهنا تكمن المفارقة الأعمق، كل محاولة لخلق مفاهيم جديدة ولتوسيع حدود اللامفكر فيه وتخلق بدورها لامفكراً فيه جديداً، حدوداً جديدة لا يمكن للفكر تخطيها في الحال. إن الأمر أشبه بمن يحاول إضاءة زوايا الغرفة، فكل زاوية تضيء تكشف عن زوايا أخرى أشد ظلاماً وهكذا إلى ما لا نهاية. هذه الحلقة المفرغة هي ما جعل أدورنو في "الجماليات السلبية" يطرح فكرة أن الفلسفة الحقيقية لا تكمن في بناء أنظمة شاملة بل في الحفاظ على التوتر بين المفهوم وغير المفهوم وبين الفكر وما يظل خارج إطاره. إن أدورنو وهو يتأمل إرث الهولوكوست وما يمثله من فشل أخلاقي ومعرفي للحضارة الغربية يصل إلى قناعة مفادها أن أي محاولة لاستيعاب المعاناة الإنسانية في شبكات مفاهيمية هي نوع من الخيانة لأن المعاناة الحقيقية هي ما لا يمكن قوله، هي الصرخة التي تقطع نسيج اللغة وتفجّر حدودها. ويكون اللامفكر فيه ليس مشكلة معرفية تحتاج إلى حل بل أخلاقية تحتاج إلى اعتراف وإلى وقوف عند حدوده دون محاولة اختزاله.

إن العودة إلى نقطة البداية ضرورية الآن، إلى ذلك السؤال الذي يلح بكل عنف: هل اللامفكر فيه حد بنيوي للفكر أم أنه مجرد عارض تاريخي؟ يبدو من خلال كل هذه المقاربات أن الإجابة لا يمكن أن تكون أحادية بل هي متشابكة ومعقدة. إن اللامفكر فيه هو في آن معاً حد بنيوي لأن أي نظام معرفي يقوم على مبادئ إقصاء لا يمكنه احتواء كل شيء وهو أيضاً تاريخي لأن ما يستبعد يتغير بتغير الظروف المادية والاجتماعية والثقافية. ولكن الأهم من ذلك أن اللامفكر فيه ليس مجرد منطقة سلبية بل هو أرضية خصبة لكل إبداع فكري حقيقي وهو ما يدفع الفلسفة إلى إعادة اختراع نفسها باستمرار وإلى التشكيك في مسلماتها وإلى الخروج عن مألوفها. إنه شريك الفكر في رحلته وظله الأبدي وتذكيره الدائم بأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد وأن المعرفة ليست تراكماً بل هي توتر دائم بين النور والظل وبين المسموع والمسكوت عنه وبين المفهومي واللامفهومي.

إن تحليل حدود الإنتاج المفهومي لا ينبغي أن يكون مجرد تمرين أكاديمي بارد بل هو تأمل في مصير العقل البشري نفسه وفي قدرته على تحمل مواجهة حدوده وفي جرأته على الاعتراف بأن ثمّة ما يبقى خارج متناوله، ليس كعيب أو نقص بل كشرط لاستمرار حركته وحياته. إن الفلسفة التي تدرك حدودها والتي تعترف بوجود لامفكر فيه في صميم مشروعها هي فلسفة أكثر تواضعاً لكنها في الوقت نفسه أكثر جرأة لأنها تستطيع أن تتساءل عن شروط إمكانها دون أن تسقط في فخ الميتافيزيقا المغلقة. وما دمنا نكتب وما دمنا نفكر فإن اللامفكر فيه سيظل رفيق دربنا، ذلك الأفق الذي نتحرك نحوه دون أن نبلغه، تلك البقعة المعتمة التي تضيء دروبنا من دون أن نتمكن من رؤيتها مباشرة، تماماً كما يحتاج العين إلى ظلمة الجفن لترى وكما تحتاج الموسيقى إلى الصمت لتسمع وكما تحتاج الحياة ذاتها إلى الموت لتكون.

إذا كان اللامفكر فيه يشكل ذلك الأفق المتواري الذي لا يغيب عن الفلسفة إلا ليظل حاضراً بوصفه شرط إمكانها الأعمق، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو كيف يمكن للفكر أن يقيم علاقة مع هذا اللامفكر فيه دون أن يخونه ودون أن يحوله إلى مجرد موضوع آخر يضاف إلى قائمة موضوعاته ودون أن يقع في شرك الاستلاب الذي حذّر منه أدورنو؟ إنها معضلة منهجية تتجاوز حدود النظرية المحضة إلى منطقة الممارسة الفلسفية ذاتها وإلى الطريقة التي يشتغل بها الفكر حين يواجه حدوده وحين يحاول أن يقول ما لا يمكن قوله دون أن يسقط في تناقضات أدائية تعطل مشروعه من الداخل.

لعل ما يُعرف بـ"المنهج السلبي" في الفلسفة المعاصرة يشكل محاولة جادة للإجابة عن هذا السؤال. فبدلاً من محاولة احتواء اللامفكر فيه ضمن شبكات مفاهيمية جامدة، يقترح هذا المنهج أن نتعامل معه بوصفه محفزاً دائماً لإعادة النظر في مسلماتنا بوصفه تلك النقطة العمياء التي تمنح الرؤية بعدها الثالث وتحررها من رتابة البعدين. إن الفلسفة السلبية كما يصوغها أدورنو في أعماله المتأخرة لا تسعى إلى بناء نظام شامل بل إلى تفكيك الأنظمة وإلى إظهار ما تخفيه من تناقضات وإلى الكشف عن أن كل مفهوم يحمل في داخله أثر ما ينفيه تماماً كما يحمل النحت في داخله رماد المادة التي أزيحت لتظهر الصورة. ويصير اللامفكر فيه ليس هدفاً يجب بلوغه بل منهجاً يجب ممارسته وأسلوباً في التفكير يحافظ على التوتر بين المعرفة واللا معرفة ولا يختزل أحدهما إلى الآخر.

هذا المنحى يأخذ شكلاً أكثر تطرفاً عند جاك دريدا، ذلك المفكر الذي جعل من التفكيك أداة لزعزعة كل يقين مفهومي وكشف أن كل نصوص الفلسفة الغربية تقوم على ثنائيات هرمية تهمّش أحد طرفيها وتحتكر الصفة المركزية للآخر. فالتفكيك كما يفهمه دريدا ليس مجرد منهج نقدي بل هو وعي بأن المعنى يتأجل باستمرار وأن كل محاولة لتثبيته تخلق في الوقت نفسه إمكانية لتأجيله وأن ثمة دائماً فائض دلالي يفلت من كل شبكة مفاهيمية مهما بلغت دقتها. وهذا الفائض هو صورة أخرى للامفكر فيه لكنها ليست منطقة سلبية يُنظر إليها بوصفها عجزاً بل هي شرط إمكان كل معنى وهي أفق التشكل الدلالي الذي لا يمكن اختزاله إلى حضور مطلق. من هنا، يتحول اللامفكر فيه عند دريدا إلى "أثر" يتعذر تمثله وإلى "كتابة" لا تخضع لمنطق الصوت والحضور وإلى ما يهز أركان الميتافيزيقا التقليدية من داخل أسسها ذاتها.

غير أن ثمّة سؤالاً لا بد من طرحه هنا، ألا يؤدي هذا الانكباب على اللامفكر فيه وهذا الوعي المتعاظم بحدود الفكر إلى شلل معرفي وإلى موقف لا تستطيع معه الفلسفة أن تقدم أي حكم عن العالم، وأن تتحول إلى مجرد لعبة لانهائية من التأويلات المتداخلة؟ هذا هو الاتهام الذي يوجهه العديد من المفكرين من مختلف المشارب إلى الفلسفات النقدية التي جعلت من اللامفكر فيه محوراً لها. لكن هذا الاتهام مهما بدا معقولاً يستند إلى فهم مغلوط لدور الفلسفة وعلاقتها بالحياة العملية. فالفلسفة التي تعترف بحدودها والتي تدرك أن ثمّة ما يبقى خارج متناولها ليست فلسفة مشلولة بل هي فلسفة أكثر قدرة على التدخل في الواقع لأنها لا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة ولا تسعى إلى فرض رؤيتها على الآخرين بل تنفتح على الحوار والاختلاف وتستمع إلى أصوات المهمشين والمقصيين وإلى تلك التجارب التي لا تجد لها مكاناً في الخطاب الرسمي.

إن الفيلسوف الذي يكتب وهو مدرك أن ثمّة لامفكراً فيه يضمر في كل جملة يكتبها، هو فيلسوف يستمع إلى صمته الخاص وإلى صمت الآخرين ويعرف أن الكتابة الفلسفية ليست مجرد تدوين للأفكار بل هي مواجهة مع ما لا يُكتب، مع المسكوت عنه ومع تلك اللحظات التي يتوقف فيها المعنى ويبدأ اللا معنى في الظهور. وهنا يتقاطع المشروع الفلسفي مع المشروع الأدبي في أسمى تجلياته حيث يتحول النص إلى فضاء للتوتر بين القول والصمت، بين المعلن والمضمر وبين ما يمكن التعبير عنه وما يظل رهين الإشارة واللمح. إن الفلسفة التي تحترف اللامفكر فيه والتي لا تسعى إلى استيعابه بقدر ما تسعى إلى الحوار معه هي فلسفة تدرك أن الحقيقة ليست مكمنة في مكان واحد بل هي موزعة بين ما نقوله وما لا نقوله بين حضورنا في اللغة وغيابنا عنها وبين ما نعرفه وما نجهله.

إن اللامفكر فيه ليس عدواً للفلسفة بل هو رفيقها الأبدي، هو تلك البقعة المعتمة التي تمنح العين قدرتها على الرؤية، هو الصمت الذي يمنح الكلام معناه وهو الموت الذي يمنح الحياة قيمتها. إن الفلسفة التي تتصالح مع هذا اللامفكر فيه والتي تعترف به كجزء من تكوينها الذاتي، هي فلسفة تنمو وتتطور، تتجاوز نفسها باستمرار ولا تستقر على نظام مغلق. إنها فلسفة تعرف أن كل إجابة تثير أسئلة جديدة وأن كل مفهوم يحجب بقدر ما يكشف وأن كل معرفة تحمل في داخلها بذور جهل جديد.

إن تحليل حدود الإنتاج المفهومي ليس مجرد ممارسة أكاديمية باردة بل هو تأمل في مصير الإنسان الحديث، في واقعه الذي يزداد تعقيداً وتشابكاً، في تلك الظواهر التي تعجز اللغة عن احتوائها وفي تلك المعاناة التي تفلت من كل شبكات التفسير. إن العقل الذي يدرك حدوده والذي يعترف بأن ثمّة ما لا يمكن قوله هو عقل أكثر إنسانية، أكثر قدرة على التعاطف مع الآخر، على الاعتراف باختلافه، على احترام غموضه. وهذا الاعتراف بالحدود ليس انكساراً أو هزيمة بل هو بداية لحكمة جديدة، لحكمة تعرف أنها لا تعرف، حكمة تدرك أن الطريق إلى الحقيقة يمر عبر متاهات الشك، عبر وديان الصمت، عبر تلك المناطق التي لا تطأها أقدام المفاهيم. وتبقى الفلسفة ذلك السؤال المفتوح الذي لا ينغلق، ذلك الحراك الدائم الذي لا يستقر وتلك الرحلة التي ليس لها محطة نهائية. واللامفكر فيه هو وقود هذه الرحلة هو ما يدفعها إلى الأمام وهو الريح التي تهب في شراعها حين توشك على الجمود. إن الفلسفة الحقة إذا جاز التعبير هي ذلك الجهد المتواصل للإبحار نحو ما لا يمكن بلوغه، هي تلك المغامرة الفكرية التي لا تضمن وصولاً لكنها تضمن حركة ونماءً. وربما كان هذا هو أعظم دروس الفلسفة أنها ليست مجموعة من الأجوبة بل هي فن طرح الأسئلة، وليس تعلماً للمعرفة بل هي تمرين على الجهل النشط، على القدرة على العيش مع الغموض، على تحمل وطأة ما لا نعرفه ولا يمكننا أن نعرفه. ويظل اللامفكر فيه ليس حدوداً توقف الفكر بل أفقاً يفتحه، ليس جداراً يحجره بل نافذة تطل منه على فضاءات لا متناهية من الإمكان، على عوالم لم تكتشف بعد، على معانٍ لم تولد بعد في رحم اللغة، على أسئلة لم يجرؤ أحد على طرحها، لكنها تنتظر في صبرها الأبدي من يوقظها من سباتها العميق.

***

د. حمزة مولخنيف

بين التنظير والفعل.. مقاربة تحليلية

مقدمة: تشكل تفاعلات اللغة والعقل والمجتمع محوراً مركزياً في الفلسفة المعاصرة، إذ لم تعد هذه العناصر الثلاثة مجرد مجالات منفصلة، بل أصبحت متشابكة في شبكة ديناميكية تعكس تحولات العصر. منذ "المنعطف اللغوي" في القرن العشرين، أصبحت اللغة ليست مجرد أداة تعبير عن العقل أو وصف للواقع الاجتماعي، بل الوسيط الأساسي الذي يشكل العقل نفسه ويبني المجتمع. في الوقت ذاته، يطرح الفكر المعاصر سؤالاً جوهرياً: كيف ننتقل من التنظير – كتأمل مفهومي وتحليلي – إلى الفعل – كممارسة اجتماعية وتحويلية؟ تتناول هذه الدراسة هذه التفاعلات بمقاربة تحليلية معمقة، تتتبع الخيوط الفكرية بين التيارات التحليلية والقارية، والبراغماتية والنقدية، مع التركيز على التوتر الإنتاجي بين التنظير والفعل. تهدف إلى إبراز كيف أن فهم هذه التفاعلات يساعد في مواجهة تحديات العصر الراهن مثل الذكاء الاصطناعي، العولمة الرقمية، وأزمات الهوية. فماهي ملامح المقاربة التحليلية في اللغة والعقل؟

أولاً: المنعطف اللغوي وإعادة تشكيل مفهوم العقل

بدأ المنعطف اللغوي مع فيتغنشتاين (المتأخر) ورسل وأوستن، حيث تحولت اللغة من مرآة للعقل إلى شرط إمكان العقل نفسه. في الفلسفة التحليلية، أصبح العقل مفهوماً من خلال "الألعاب اللغوية" و"الاستخدام". لم يعد العقل كياناً داخلياً منفصلاً، بل شبكة من القدرات اللغوية المكتسبة اجتماعياً. يبرز هنا التوتر بين التنظير والفعل: التنظير التحليلي يسعى إلى الوضوح اللغوي والدقة المفاهيمية (كما عند كواين أو ديفيدسون)، لكنه غالباً ما يبقى في دائرة التحليل النظري. أما في البراغماتية (ديوي، رورتي)، فاللغة أداة للعمل: العقل ليس جوهراً بل عملية استدلالية اجتماعية، والمعنى يتحقق في النتائج العملية. هكذا يصبح الفعل جزءاً من بنية العقل، لا نتيجة له. في التيار القاري، خاصة عند هيدغر، اللغة "بيت الوجود"، والعقل متجذر في اللغة التي تكشف العالم. أما عند دريدا فالتفكيك يظهر أن العقل يعاني من "الاختلاف" اللغوي الذي يجعله غير مستقر، مما يدفع نحو فعل نقدي مستمر يفكك البنى الاجتماعية المبنية على ثنائيات لغوية.

ثانياً: اللغة كبناء اجتماعي والعقل كمنتج مجتمعي

يؤكد الفكر المعاصر على أن اللغة ليست فردية بل اجتماعية بالأساس. عند هابرماس، تؤسس "الفعل التواصلي" العقل على أساس اللغة الموجهة نحو الفهم المشترك. هنا يلتقي التنظير بالفعل: النظرية النقدية ليست وصفاً محايداً، بل مشروعاً تحررياً يهدف إلى "الديمقراطية التداولية" من خلال شروط تواصل خالية من التشوه.

 في مقابل ذلك، يرى فوكو أن اللغة (الخطاب) هي آلية سلطة تشكل العقول والأجساد. الخطابات الطبية، التعليمية، والجنسانية لا تصف الواقع بل تخلقه. العقل هنا ليس حراً بل "منتجاً" للمجتمع السلطوي. الفعل الفلسفي يصبح إذاً مقاومة و"آركيولوجيا" للمعرفة، ثم "جينيالوجيا" للسلطة.

أما بورديو فيربط اللغة بالرأسمال الرمزي: اللغة أداة هيمنة طبقية، والعقل الفردي مشبع بـ"الهابيتوس" الاجتماعي. التحليل هنا يدعو إلى فعل اجتماعي يعيد توزيع الرأسمال اللغوي.في الفلسفة ما بعد الكولونيالية (سبيفاك، سعيد)، تكشف اللغة عن "الصمت" الذي تفرضه اللغات المهيمنة على الآخر. العقل المستعمَر يحتاج إلى "كتابة المقاومة"، مما يجعل الفعل اللغوي-السياسي أساسياً.

ثالثاً: فلسفة العقل المعاصرة في ضوء اللغة والمجتمع

في فلسفة العقل التحليلية، برزت نماذج مثل "الوظيفية" عند بوتنام وفودور، حيث يُفهم العقل كبرنامج يمكن تنفيذه في أي وسيط (دماغ أو حاسوب). لكن اللغة تظل محورية: الصلة بين المعنى والمرجع الخارجي عند بوتنام تظهر أن محتوى العقل يعتمد على البيئة الاجتماعية واللغوية. مع ظهور الذكاء الاصطناعي، يتعمق السؤال: هل يمتلك النموذج اللغوي الكبير "عقلاً"؟ هنا يلتقي التنظير (كما عند سيرل في "الغرفة الصينية") بالفعل: إذا كانت اللغة مجرد تلاعب رمزي، فهل يمكن للآلة أن تشارك في الفعل الاجتماعي الحقيقي؟

في التجسدية حسب الفينومينولوجيا ، يرفض العقل أن يكون منفصلاً عن الجسد والعالم الاجتماعي. اللغة هنا "إيمائية" و"تفاعلية"، والفعل يسبق التنظير أو يرافقه.

رابعاً: التوتر الإنتاجي بين التنظير والفعل

يمثل هذا التوتر قلب الفلسفة المعاصرة. البراغماتية تجعل التنظير أداة للفعل: "الصدق" هو ما ينجح عملياً (جيمس، ديوي). أما الماركسية النقدية (من لوكاتش إلى هابرماس) فترى أن التنظير بدون فعل هو "وعي زائف"، والفعل بدون تنظير أعمى. في الفكر ما بعد الحداثي (ليوتار)، انهيار "السرديات الكبرى" يحرر الفعل المحلي واللغوي الصغير، لكنه يهدد بتفتيت الفعل الجماعي. أما في الفلسفة النسوية والإيكولوجية، فاللغة والعقل مرتبطان بـ"المعرفة الموضعية" ( وضعية المعرفة عند هاراواي)، مما يدعو إلى فعل سياسي يعيد بناء علاقات الإنسان بالطبيعة والآخر. التحليل يكشف أن الفعل الناجح يتطلب تنظيراً يدرك حدوده اللغوية والاجتماعية، بينما التنظير العميق ينبغي أن يؤدي إلى تحويل الممارسات.

خامساً: التحديات المعاصرة والآفاق المستقبلية

في عصر الرقمنة، أصبحت اللغة خوارزمية، والعقل موزعاً على الشبكات، والمجتمع "سائل" (باومان). هذا يطرح أسئلة جديدة: كيف نحمي "الذات" اللغوية وسط الفقاعات الرقمية؟ وكيف نصوغ فعلاً أخلاقياً مشتركاً في عالم ما بعد الحقيقة؟

الفلسفة المعاصرة مدعوة إلى مقاربات هجينة تجمع الدقة التحليلية بالعمق التأويلي، والتنظير بالتدخل الاجتماعي. كما أنها تحتاج إلى دمج المعارف غير الغربية لتخصب تفاعلات اللغة والعقل والمجتمع.

خاتمة

تكشف تفاعلات اللغة والعقل والمجتمع في الفلسفة المعاصرة عن وحدة عميقة: اللغة تشكل العقل، والعقل يبني المجتمع، والمجتمع يعيد صياغة اللغة في حلقة مستمرة. بين التنظير والفعل ليس ثنائية بل شراكة ديناميكية؛ التنظير بدون فعل عقيم، والفعل بدون تنظير عشوائي. المقاربة التحليلية تؤكد أن مهمة الفلسفة اليوم هي الحفاظ على هذا التوتر الإبداعي، ليس للوصول إلى إجابات نهائية، بل لتمكين ممارسات إنسانية أكثر وعياً وعدلاً وإبداعاً. في عالم يتسارع نحو الآلية والتجزئة، تبقى الفلسفة صوتاً يذكرنا بأن اللغة يمكن أن تكون أداة تحرر، والعقل أداة تفكير مشترك، والمجتمع فضاء للوجود الأصيل. فماهي المكاسب المنجرة عن المقاربة التحليلية في دراسات المجتمع؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في إمكان بناء يقين فلسفي جديد

في البدء كانت الدهشة وتلك الدهشة التي لم تزل منذ أيام الإغريق تُمثِّل الرحم الذي يولد منه السؤال الفلسفي، كانت دائماً تسبق اليقين بل كانت هي الشرارة التي تشعل لهيب البحث عن اليقين، غير أن هذه الدهشة نفسها قد تحولت في مسار التاريخ الفلسفي الطويل إلى أداة للاستقرار وإلى مجرد بوابة نعبر منها لنصل إلى النظام، إلى البناء، إلى الصرح المكتمل الذي يبدو وكأنه يغلق على نفسه ويعلن عن نهاية الحاجة إلى التساؤل. ولكن ما الذي يحدث حين تنقلب هذه الدهشة على نفسها، حين تصبح الدهشة دهشة من الدهشة نفسها، حين لا يعود السؤال يقود إلى جواب بل يقود إلى سؤال أعمق وحين لا يعود اليقين الميتافيزيقي بكل تجلياته من أفلاطون إلى هيغل قادراً على احتواء هذا السيل الجارف من الأسئلة التي أطلقتها نهاية الميتافيزيقا؟ هنا، عند هذه النقطة الدقيقة والموجعة نقف اليوم في منتصف عتمة معرفية لم تعد ترضيها الأضواء الكاذبة، ولم تعد تأنس إلى الاستقرار الذي وفرته الأنظمة الفلسفية الكبرى لأن تلك الأنظمة مهما بلغت من عظمة قد ظهرت لنا في ضوء النقود الدائمة على أنها كانت تقوم على إغفال، على تهميش، على نسيان، على إسكات لأصوات كانت تهمس في هوامش التاريخ وتصرخ أحياناً في زوايا النصوص المهملة.

لقد كان المأزق الذي نرمي إليه منذ بداية هذا المقال ليس مأزقاً نظرياً بحتاً بل هو مأزق وجودي قبل كل شيء، لأن السؤال عن إمكان بناء يقين فلسفي جديد، بعد أن تكشفت لنا هشاشة كل يقين قديم، هو في العمق سؤال عن إمكان الحياة نفسها وعن إمكان أن نحيا دون أن تكون لنا مرجعية مطلقة نستند إليها ودون أن يكون لنا أساس متين نقف عليه ودون أن يكون لنا يقين يهدئ روعنا ويوقف ترددنا ويجعل أفعالنا ذات معنى ثابت. وهذه هي القضية الجوهرية التي ستشغل مقالنا هذا، كيف يمكن للفكر أن ينتج يقيناً وهو يعرف أن كل أسسه كانت أوهاماً وأن كل حقائقه كانت نسبية وأن كل معانيه كانت معلقة بسلسلة من الإحالات التي لا تنتهي؟ وأكثر من ذلك كيف يمكن لهذا اليقين الجديد أن يكون، ليس رجوعاً إلى الماضي الميتافيزيقي ولا انحلالاً في تيار الشك المطلق بل هو خيار ثالث، خيار يصنع من اليأس قوة ومن اللاأساس حرية ومن اللايقين يقيناً من نوع آخر، يقيناً لا يبحث عن الجمود بل يبحث عن الحركة، لا يبحث عن النهاية بل يبحث عن البداية الدائمة، لا يبحث عن المعنى النهائي بل عن إنتاج المعنى في كل لحظة من خلال الفعل ومن خلال العلاقة مع الآخر ومن خلال الالتزام الأخلاقي الذي لا يحتاج إلى سند ميتافيزيقي ليكون ملزماً.

هاته الأسطر التي نفتتح بها هذا المسير الفلسفي الطويل ليست مجرد استهلال بلاغي بل هي إعلان نية، هي إعلان أننا سنغوص في هذا المأزق بكل وعي دون أن نبحث عن مخارج سهلة ودون أن نستعير حلولاً جاهزة من تراث مضى، ولكننا سنحاول أن نفكر بقدر ما يسمح لنا الزمن واللغة والجهد في إمكان أن تقوم الفلسفة بعد كل هذه النقوضات على غير ما قامت عليه من قبل، على غير الأساس، على غير اليقين المطلق، على غير الحقيقة الكلية، بل على شيء آخر، شيء يظل اسمه معلقاً بين الكلمات، بين الشك والإيمان، بين المعرفة والحياة، بين الموت الذي ينتظرنا، والحياة التي نعيشها الآن، هنا في هذا الزمن المضطرب الذي يطلب منا أن نكون لا أن نعرف فقط وأن نسأل، لا أن نجيب وأن نبحث عن يقيننا الخاص، في صمتنا وفي حوارنا وفي قراءاتنا وفي تأملاتنا وفي كل لحظة نجرؤ فيها على مواجهة المجهول، دون أن ننتظر من أحد أن يمنحنا الخريطة أو أن يرشدنا إلى الطريق، لأن الطريق كما قال الشاعر، يصنع بالمشي واليقين.

المأزق الذي نرمي إليه هنا ليس مجرد عقبة عابرة في مسار التفكير بل هو تلك الهوة السحيقة التي تتشكل حين تنهار أرض المعرفة تحت أقدام السائل وحين تتلاشى الأسئلة الكبرى التي كانت تشغل حيزاً مقدساً في وجدان الفلسفة، فلا تعود الأجوبة عنها ممكنة بالطرق التي كانت سائدة ولا تعود الأسئلة نفسها قابلة للحياة في مناخ فكري أصبح يضج بالشكوك والتفكيكات. لقد كان التأسيس الفلسفي منذ أفلاطون حتى هيغل مشروعاً قائماً على فكرة أن ثمّة حقيقة مطلقة يمكن الوصول إليها أو على الأقل يمكن الاقتراب منها بصورة مطّردة وأن العقل البشري مزود بآليات تمكنه من بناء نظام معرفي متكامل يكون بمثابة صرح يقيني لا تتزعزع دعائمه أو على أقل تقدير يكون قادراً على تقديم مسوغات قوية لهذا الادعاء. ولكن نهاية الميتافيزيقا بتعبير هيدغر أو موت الله عند نيتشه أو نهاية الإنسان بوصفه موضوعاً للعلوم الإنسانية عند فوكو أو تفكيك الحضور عند دريدا كل هذه الإعلانات التي بدت في القرن العشرين وكأنها تنذر بفلسفة جديدة حملت في طياتها أكثر من مجرد نقض للمذاهب السابقة بل كانت أشبه بقطع الحبل الذي كانت الفلسفة تتعلق به، ذلك الحبل الذي يصل بين العقل والوجود، بين الذات والموضوع، بين اللفظ والمعنى وبين الحقيقة والتمثل.

ولعل السؤال الذي يلح الآن بإلحاح الوجع الفلسفي الذي لا يجد مسكناً هو هل يمكن بعد أن تهشمت تلك الصورة الكلاسيكية للفلسفة وأصبح كل بناء نظري مكشوفاً على هشاشته النسبية أن نؤسس بيقين جديد؟ وهل هذا اليقين الجديد هو مجرد إعادة إنتاج لليقين القديم بثياب حديثة أم أنه يقين من نوع آخر، يقين يعرف حدوده بل يستمد قوته من معرفة حدوده، يقين لا يسعى إلى تغطية الوجود بشبكة من المفاهيم الكلية بل يحاول أن يتنفس داخل الفراغ الذي خلفته انهيارات الميتافيزيقا؟ إن الوقوف على هذا السؤال ليس وقفة المتفرج أو المحلل البارد بل وقفة المغترب الذي وجد نفسه فجأة بلا وطن أنطولوجي وقد تحولت كل الأوطان التي كان يؤوي إليها وهي المذاهب الفلسفية الكبرى، إلى خرائب تستحق التأمل لا السكنى. فكيف يمكن لنا أن نفكر في بناء ونحن لم نعد نملك معاول البناء القديمة بل إننا لم نعد نعرف إن كانت الأرض التي نقف عليها صالحة لوضع أساس؟ وكيف يمكن لليقين أن يولد من رحم الشك الذي لم يعد شكا منهجياً على طريقة ديكارت بل شكا وجودياً، شكا في قدرة اللغة على الإمساك بالمعنى وفي قدرة الذات على تثبيت هويتها وفي قدرة التاريخ على إنتاج معنى متصاعد؟

لا بد من العودة إلى اللحظة التي تقمصت فيها الفلسفة دور المؤسس لنرى كم كان ذلك التأسيس مشوباً بمقدمات لم تكن يوماً محايدة. حين حاول أفلاطون أن يقيم عالم المثل بوصفه عالم الحقائق الثابتة التي تشكل نموذجاً للعالم المحسوس، كان يمارس فعل إقصاء عنيف ضد كل ما هو سيال ومتغير، وكان يضرب في عمق الميل الإنساني إلى الجمود، إلى الثبات، إلى الهروب من رعب الزمن وتقلباته. وهذه الرغبة في التثبيت في إيجاد نقطة ارتكاز ثابتة، هي التي تغذت عليها الفلسفة الميتافيزيقية في مختلف صورها، من أرسطو إلى توما الأكويني إلى ديكارت إلى كانط إلى هيغل، فكل هؤلاء كانوا يبحثون عن شيء لا يتزعزع، عن أرض صلبة يمكن للعقل أن يبني عليها صرحه. ولكن هذه الأرض التي كانت تبدو صلبة كانت في الحقيقة مجرد وهم ناتج عن خلط بين الحاجة النفسية للطمأنينة والضرورة المنطقية للبرهان. فلم يكن اليقين الذي قدموه يقيناً مطلقاً بل كان يقيناً ضمنياً يتوقف على مجموعة من المسلمات غير المبررة أو على الأقل غير المبررة بشكل كاف، مثل الإيمان بقدرة العقل على اختراق الظواهر للوصول إلى النواهي أو الإيمان بوجود نظام كلي في الوجود يمكن للفكر أن يطابقه أو الإيمان بأن التاريخ يسير نحو غاية يمكن للفلسفة أن تدركها وتعلن عنها.

ولعل كانط هو الأكثر وعياً بهذا المأزق حين حاول أن يحدث ثورة كوبرنيكية في الفلسفة وجعل الذات العارفة هي التي تفرض قوانينها على الموضوع بدلاً من أن تكون الموضوعات هي التي تملي على الذات صورها. لكنه برغم هذا التحول الجذري ظل أسير الفكرة الميتافيزيقية ذاتها، لأنه احتفظ بثنائية الظاهرة والشيء في ذاته وجعل من الشيء في ذاته حدا للعقل لكنه في الوقت نفسه أبقى على إمكان التفكير في هذا الشيء في ذاته وإن لم يكن ممكناً معرفته، وهذا التفكير في المطلق يبقى من قبيل الميتافيزيقا لأن الميتافيزيقا ليست مجرد علم بما وراء الطبيعة بل هي أصلاً ذلك الميل إلى تجاوز المعطى نحو ما هو غير معطى إلى الإيحاء بوجود طبقة أخرى من الوجود أكثر أصالة من الوجود الظاهراتي. وحتى حين حاول كانط أن يحد من ادعاءات العقل الخالص كان يمارس ميتافيزيقا حدية أو ميتافيزيقا سلبية، تظل مشغولة بالحدود وبتعيينها وهذا التعيين نفسه هو نوع من التجاوز لأن الحدود لا تحدد إلا من جهة ما يتجاوزها ومن جهة ما يتصور تجاوزها.

أما هيغل فقد ذهب إلى أقصى مدى في هذا المشروع التأسيسي فجعل من المطلق ليس مجرد فكرة مجردة بل حركة، حركة جدلية ينتقل فيها الوعي من مرحلة إلى أخرى محققاً ذاته عبر الصيرورة التاريخية، حتى يصل إلى المعرفة المطلقة التي لا تتجاوزها معرفة. وهنا في قمة هذا الصرح الهيغلي نجد اليقين الفلسفي قد بلغ أوجه أو على الأقل قد بلغ أوجه في الصياغة النظامية حيث يتطابق العقل مع الواقع والذات مع الموضوع والماهية مع الوجود. لكن هذه التطابقية وهذه المصالحة الشاملة هي التي جعلت هيغل أسهل ضحايا النقض لأن كل ما يبدو شاملاً وكلياً ومطابقاً هو أول ما يثير الشك، الشك في أن ثمّة شيئاً ما قد أغفل أو تم إسكاته أو تم تضمينه في نظام لا يترك له مجالاً للظهور. فكانت الفلسفات التي تلت هيغل وخصوصاً فلسفة كيركغور الذي رأى في هذا النظام الجبار محاولة لإلغاء الفرد ووجوده المتشظي ونيتشه الذي رأى فيه أسطورة العقل التي تخفي إرادة القوة وماركس الذي رأى فيه أيديولوجية تبرر الواقع القائم بدلاً من تغييره، كل هؤلاء كانوا يعلنون كل بطريقته أن التأسيس الهيغلي لم يكن إلا ستاراً يخفي هاوية وأن اليقين الذي أعلنه لم يكن يقيناً فلسفياً بقدر ما كان يقيناً إيمانياً مقنعاً بثياب عقلانية.

غير أن النقض الحقيقي للميتافيزيقا، النقض الذي لم يكتف بنقض مذهب معين أو نظام خاص بل نقض الفكرة نفسها أي فكرة التأسيس واليقين المطلق، لم يأت إلا مع هيدغر الذي أعلن أن مهمة الفلسفة ليست بناء أنظمة بل تفكيك تاريخ الميتافيزيقا أي كشف الطريق التي انحرفت بها الفلسفة عن السؤال الأصلي، سؤال الوجود، لتنشغل بدلاً من ذلك بالموجودات أي بالكائنات وتحاول أن تؤسس علماً للكائنات متناسية الفرق الأنطولوجي بين الوجود والموجود. هيدغر في كونه رأى أن الفلسفة الغربية كلها من أفلاطون إلى نيتشه، هي ميتافيزيقا أي أنها فكرت في الوجود بوصفه حضوراً بوصفه شيئاً حاضراً أمام الذات يمكن تمثله وضبطه متناسية أن الوجود نفسه ليس كائناً وليس شيئاً يمكن حضوره بل هو الحدث الذي يحدث فيه كل حضور. فإذا كان الأمر كذلك فإن أي محاولة لتأسيس يقين فلسفي جديد لا بد أن تنطلق من الاعتراف بأن هذا الوجود لا يمكن أن يكون موضوعاً للمعرفة بالمعنى التقليدي وأن حضور الكائنات في سياقها الزماني والمكاني يحمل في طياته غياباً لا يمكن رده وعلامة لا يمكن اختزالها إلى دال ثابت. ويصبح اليقين الجديد ممكناً لا بالبحث عن أساس مطلق بل بالغوص في هذا الغياب، بالوقوف عند الحدود التي لا يمكن تجاوزها، بالإصغاء إلى صوت الوجود الذي لا ينطق بمقولات واضحة بل يهمس في ثنايا اللغة والفن والتاريخ وفي تجارب الحدود كالموت والقلق والملل.

ثم أتى دريدا ليضرب في صميم هذه الفكرة بأداة التفكيك، تلك الآلة النقدية التي لا تكتفي بنقض الميتافيزيقا بل تحاول أن تعمل من داخلها، أن ترى كيف أن كل بناء فلسفي يقوم على إقصاء شيء ما، على تهميش طرف مقابل للطرف الذي يضعه في مركز الوجود والمعنى. إن التفكيك ليس مجرد تدمير للأنظمة، بل هو استراتيجية للقراءة، تبين أن النصوص الفلسفية تحوي في طياتها ما ينقضها، وأن الثنائيات التي تؤسس الفكر (كالحضور والغياب والذات والموضوع واللفظ والمعنى والجسد والروح) ليست ثنائيات متساوية بل هي دوماً ثنائيات هرمية، يخضع فيها أحد الطرفين للآخر ويتم إسكات الطرف الآخر أو تهميشه. وإذا أردنا أن نفكر بعد الميتافيزيقا فلا يكفي أن نقلب هذه الثنائيات أي أن نجعل الطرف المهمش مركزياً لأن ذلك سيؤدي ببساطة إلى إعادة إنتاج الآلية الإقصائية ذاتها بل المطلوب هو تفكيك الثنائية نفسها أي كشف أن المعنى ليس حضوراً مكتملاً بل هو دوماً مؤجل وأن الكتابة ليست مجرد أثر للكلام الحي بل هي الأصل الذي يسبق حتى الصوت، وأن الاختلاف بكسر الخاء وفتحها معاً هو شرط إمكان المعنى وشرط استحالته في آن. فالدال لا يشير إلى مدلول ثابت بل إلى دال آخر، وهكذا في سلسلة لا نهائية من الإحالات، مما يجعل أي معنى نهائي مستحيلاً ويجعل أي يقين قائماً على الحضور الكامل للذات مع نفسها ومع موضوعها ضرباً من الوهم. فهل هذا يعني أننا أمام استحالة مطلقة لليقين وأننا محكومون بالتشتت واللاعقلانية والعبثية؟ ليس الأمر كذلك بالضرورة لأن التفكيك ليس عدواً لليقين بل هو عدو لليقين الزائف، لليقين الذي يزعم أنه مطلق وهو في حقيقته إيديولوجي وهو أيضاً عدو لليقين الذي يغلق الأفق ويجعل الفكر أسير نسقه دون أن يتمكن من النظر فيما وراءه.

إن المأزق الذي نحن بصدده وهو مأزق التأسيس بعد الميتافيزيقا لا يكمن في عدم وجود إجابات، بل يكمن في عدم وجود سؤال واحد يمكن الاتفاق عليه وفي عدم وجود لغة واحدة يمكن أن تكون محايدة بين مختلف التيارات وفي عدم وجود معيار واحد يمكن بواسطته الحكم على صحة الأطروحات. لقد انكشفت لنا بعنف التفكيكات التي تعاقبت طوال القرن العشرين، أن كل تأسيس يقوم على إغفال شيء وأن كل يقين هو يقين بالنسبة لمنظومة معينة وأنه لا وجود لما يمكن أن نطلق عليه يقيناً مطلقاً بقدر ما هو مطلب أخلاقي أو سياسي أو وجودي قبل أن يكون إبستمولوجياً. وهذا الكشف بدلاً من أن يشل حركة الفلسفة يمكن أن يكون نقطة انطلاق جديدة، لأن الفلسفة ليست علماً ولا هي دين ولا هي أيديولوجية بل هي فعل تفكير يتجدد مع كل لحظة، فعل إشكالي بامتياز لا يبحث عن إجابات نهائية بل يبحث عن صياغة أفضل للأسئلة، وعن طرق أكثر دقة للتنبه إلى تعقيد الوجود وعن استراتيجيات للتعامل مع التناقضات والمفارقات التي تشكل نسيج الواقع.

فبدلاً من أن نبحث عن يقين مؤسس على أسس ثابتة مثلما كانت تفعل الميتافيزيقا الكلاسيكية، يمكننا أن نبحث عن يقين مضطرب، يقين يعرف أنه مضطرب، يقين لا يطمح إلى تغطية الكل بل إلى إضاءة زوايا معينة، يقين يتخذ من الخطأ مساراً ومن الفشل تجربة ومن التناقض مادة. وربما كان هذا النوع من اليقين أقرب إلى روح الفلسفة المعاصرة التي تعلمت بعد كل الانتقادات التي وجهت إليها أن التواضع المعرفي ليس رذيلة بل فضيلة وأن الاعتراف بالحدود ليس هزيمة بل بداية حكمة. فالحكمة في هذا السياق ليست امتلاك الإجابات عن كل شيء بل هي القدرة على العيش مع الأسئلة وعلى تحمل الغموض وعلى الانفتاح على ما لا يمكن توقعه وعلى الاستعداد لمراجعة كل ما نظن أننا نعرفه في كل لحظة. وهنا نعود إلى سقراط ذلك الفيلسوف الذي كان يقول إنه لا يعرف شيئاً لكنه كان في الوقت نفسه أكثر فلاسفة اليونان حكمة لأنه كان على وعي بجهله وكان هذا الوعي هو الذي يدفعه إلى التساؤل وإلى البحث وإلى عدم الرضا عن الإجابات الجاهزة. فما نحتاجه اليوم بعد أن تهشمت كل اليقينيات الكبرى ليس يقيناً جديداً شبيها باليقينيات القديمة، بل هو روح سقراطية جديدة، روح تساؤلية لا تتوقف، روح تعرف أن الحقيقة ليست شيئاً يمتلك بل شيئاً يحدث، في لحظة السؤال، في فجوة المعرفة، في توتر الاختلاف.

ويكون اليقين الجديد الذي يراد بعد انهيار الميتافيزيقا لا يقوم على جمود الأساس بل على حركة السؤال ولا على حضور المعنى بل على أفق الانتظار، ولا على انغلاق الدائرة بل على انفتاح المسار. إن العقل الذي يعي أن كل أسسه كانت ضرباً من التجميد وأن كل نظام فلسفي كان محاولة للإمساك بالوجود في شبكة مفاهيمية لا تخلو من عنف التبسيط، ذاك العقل لا يملك أمامه إلا أن يغير نمط اشتغاله، أن يتحول من عقل مؤسس إلى عقل مؤسس، من عقل يستعمر المجهول بعنف المعرفة إلى عقل يصغي إلى ما لا يعرفه، من عقل يعلن الحقيقة إلى عقل يتلمسها، من عقل يبني صروحاً شامخة إلى عقل يحفر آباراً في الصخر، لعله يبلغ الماء أو لعله لا يبلغه لكنه يستمتع بصوت الحفر نفسه. إن الوعي بالانهيار وهو في العمق وعي بالإمكان، لأن الانهيار ليس النهاية التي لا رجعة فيها بل هو الفتح الذي يسمح للرؤية بأن تتسع وللتفكير بأن يستعيد مرونته التي فقدها في الجمود الميتافيزيقي. فالفلسفة حين كانت تبحث عن أسس يقينية ثابتة كانت تشبه مهندساً يريد بناء صرح لا يتزعزع، فينسى أن الأرض التي يبني عليها ليست جامدة بل هي أرض متحركة وأن الزمن نفسه يأكل ما يبنيه وأن كل صرح مهما بلغ من إحكام هو ابن لحظته، وسيكون بالضرورة ابن لحظات قادمة تعيد النظر في كل ما بني. أما الفلسفة بعد الميتافيزيقا، فهي أشبه بالملاح الذي لا يطلب شطا ثابتاً، بل يكتفي بأن يكون في رحلة دائمة، يغير اتجاهاته بحسب الرياح والتيارات، لكنه يظل محتفظاً ببوصلة داخلية، ليس لأنها تشير إلى جهة ثابتة، بل لأنها تشير إلى ضرورة الاستمرار في المسير وإلى أن التوقف هو الموت وأن الجمود هو الخيانة الأولى للفكر.

غير أن هذا الكلام عن اليقين الجديد لا ينبغي أن يُفهم على أنه تراجع عن كل طموح معرفي أو أنه تبرير للفوضى الفكرية واللا مبالاة النظرية أو أنه احتفال بالعبثية كما قد يفهمها البعض. إنه على العكس يضع الفلسفة أمام مسؤولية أكبر، مسؤولية التفكير في حدود التفكير، مسؤولية البحث عن معايير داخلية للصدق والعمق والتماسك، من دون أن تطمح هذه المعايير إلى كونها مطلقة أو خالدة، لكنها ليست أقل قدرة على أن تميز بين القول الجاد والقول الهازل، بين التأمل العميق والتسويق الفكري، بين التفكير الجريء والتفكير الكسول. فاللاأساس الذي أعلنه بعض الفلاسفة المعاصرين بحماسة زائدة لا يعني أن كل شيء مباح ولا أن كل الأقوال متساوية ولا أن الفلسفة أصبحت مجرد لعبة لغوية بلا محتوى بل يعني أن الأساس نفسه هو ما يجب أن يكون موضوع تساؤل دائم وأن القول الفلسفي لا يستمد قوته من كونه مؤسساً على أساس بل من كونه قادراً على أن يثير فينا دهشة جديدة وأن يكشف لنا وجهاً لم نكن نراه من قبل وأن يخلخل ما استقر في عقولنا من بديهيات وهمية. إن اليقين الجديد ليس يقيناً بالجواب بل يقين بالطريق أي أن الفلسفة لم تعد معنية بإنتاج حقائق عن العالم بقدر ما هي معنية بإنتاج أسئلة عن العالم وأسئلة عن قدرتها هي نفسها على إنتاج مثل هذه الأسئلة، وبهذا يصبح السؤال عن السؤال هو أكثر الأسئلة الفلسفية إلحاحاً في زماننا بل هو اليقين الوحيد الذي يمكن أن نتمسك به من دون أن نقع في فخ الميتافيزيقا، يقين بأن السؤال سيبقى مفتوحاً وأن كل جواب مهما بدا مقنعاً ليس إلا محطة مؤقتة في رحلة لا نهاية لها.

وهنا ينبغي التوقف عند نقطة دقيقة وهي أن الاعتراف باستحالة اليقين المطلق لا يعني بالضرورة تبني موقف الشك المطلق، لأن الشك المطلق هو أيضاً نوع من اليقين، يقين بعدم اليقين، وهو بالتالي نسخة مقلوبة من الميتافيزيقا نفسها لأنه يتخذ من اللاأساس أساساً ويجعل من اللايقين يقيناً وهذا تناقض لا يمكن تجاوزه بل يمكن فقط كشفه كتناقض. إن الحكمة الحقيقية في هذا السياق لا تكمن في القفز من اليقين المطلق إلى الشك المطلق بل في إقامة حياة فكرية تتسع لهذا التوتر بين اليقين والشك، بين الحاجة إلى المعرفة والوعي بحدودها وبين الرغبة في البناء والإدراك بأن كل بناء قابل للانهيار. وربما كان هذا هو بالضبط ما عناه كانط حين ميز بين المعرفة والإيمان وجعل للإيمان مجاله الذي لا يمكن للمعرفة أن تدخله، ليس لأن الإيمان دوني بل لأن هناك أشياء في الوجود تستعصي على المعرفة المفاهيمية وتحتاج إلى موقف آخر، موقف عملي أخلاقي أو جمالي يمكنه أن يلامسها من زاوية مختلفة. ولكن كانط ظل في النهاية أسير إطار الميتافيزيقا التقليدية لأنه جعل من الإيمان مجرد بديل للمعرفة في منطقة لا تصلها المعرفة، في حين أن الموقف الذي نقترحه هنا هو موقف مغاير، يتجاوز الثنائية بين المعرفة والإيمان ويرى أن كل معرفة هي في العمق إيمان وكل إيمان هو في العمق معرفة، لأن حدود الفصل بينهما ليست حدوداً جوهرية بل حدود عملية تتحدد بحسب السياق والمعيار والغرض. فالمعرفة العلمية على سبيل المثال لا تقوم على حقائق مطلقة بل على نماذج ونظريات تتغير بتغير الأدلة والملاحظات وهي في هذا ليست أقل إيماناً، إيماناً بقوة العقل وبصلاحية المنهج، من الإيمان الديني وكلاهما يقوم على مقدمات لا يمكن إثباتها إثباتاً نهائياً. هذا لا يعني أن نخلط بين العلم والدين بل يعني أن ندرك أن كل ممارسة معرفية تتضمن عنصراً من الإيمان، من الثقة المبدئية في صحة بعض الافتراضات وأن اليقين الفلسفي الجديد هو ذلك اليقين الذي يدرك هذا العنصر ويتعامل معه كعنصر فاعل في المعرفة لا كشوائب يجب التخلص منها.

ولهذا فإن المهمة الأساسية للفلسفة اليوم ليست كما يعتقد بعض المتفائلين، إعادة بناء ميتافيزيقا جديدة تكون أكثر قدرة على الصمود من القديمة ولا هي كما يعتقد بعض المتشائمين، الاكتفاء بنقد اللغة وتحليل الألفاظ بل هي مهمة ثالثة أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً، تتمثل في محاولة التفكير في الظروف التي تجعل الفكر ممكناً من جديد، بعد أن تبين أن شروط إمكان الفكر كما صاغها كانط مثلاً، لم تكن سوى شروط نوع معين من الفكر، الفكر الميتافيزيقي وأنه قد يكون هناك فكر آخر، فكر يعمل بمنطق مختلف، منطق لا يقوم على الهوية والتناقض وحدهما بل على الاختلاف والتأجيل والتشابك. فالفلسفة المعاصرة ولا سيما في تياراتها القارية حاولت أن تفتح أبواباً لهذا الفكر الآخر، من خلال الاهتمام بالجسد، بالزمن، بالآخر، بالغريب، باللامفكر فيه، بما هو مهمش ومستبعد، وحاولت أن تنتج مفاهيم جديدة تكون أكثر قدرة على التعامل مع تعقيد الواقع المعاصر، مفاهيم كالتفكيك والاختلاف والتشريح والأثر والحدث والممكن والصيرورة وغيرها من المفاهيم التي تحاول أن تقول ما لم تقله الفلسفة التقليدية أو أن تقوله بطريقة مختلفة. ولكن هذه المفاهيم وهي في غاية الأهمية لم تقدم بعد يقيناً جديداً بالمعنى الدقيق وإنما قدمت أدوات لتفكيك اليقينيات القديمة ولرؤية العالم من منظور مختلف. واليقين الجديد الذي نبحث عنه لا يمكن أن يأتي من هذه المفاهيم وحدها بل لا بد أن يأتي من الممارسة الفلسفية ذاتها، من طريقة العيش والتفكير من الأسلوب الذي نتبعه في مواجهة الأسئلة، من الصبر الذي نمارسه على عدم الإجابة ومن الشجاعة التي نتحلى بها في مواجهة المجهول.

قد يقال إن مثل هذا اليقين الهش الذي لا يقوم على أساس ثابت بل على حركة دائمة لا يمكن أن يسمى يقيناً أصلاً وأنه يفتقد إلى الصلابة التي تجعل الفلسفة مذهباً يمكن الدفاع عنه أو نظاماً يمكن التدريس على أساسه. وهذا الاعتراض مشروع لكنه ينطلق من فهم ضيق لليقين، فهم يربطه حصراً بالثبات والاستقرار، في حين أن اليقين يمكن أن يكون في سياق آخر يقيناً بالأسلوب، يقيناً بالمنهج، يقيناً بالنزاهة الفكرية، يقيناً بالفضول المعرفي، يقيناً بأن السير على الطريق خير من الوصول إلى الغاية، يقيناً بأن قيمة الفلسفة ليست في نتائجها، بل في فعلها، في الإشعاع الذي تحدثه في العقل، في القدرة التي تمنحها على التساؤل، في الحرية التي تفتحها أمام الفكر. وهذا النوع من اليقين لا يقل عن اليقين النظري في عمقه وقوته بل قد يكون أقوى منه، لأنه لا يعتمد على افتراضات خارجية ولا يحتاج إلى مسوغات قبلية بل هو يقين يقوم على التجربة المباشرة، على الممارسة الحية، على الإحساس الداخلي بأن التفكير الفلسفي هو فعل ضروري، فعل يمنح الحياة معنى ويجعل الوجود محتملاً، حتى في ظل غياب الأجوبة النهائية. وهنا نصل إلى نقطة جوهرية، وهي أن اليقين الجديد لا يمكن فصله عن الأخلاق أي عن نمط الحياة الذي نختاره لأن الفلسفة ليست مجرد نظرية بل هي أيضاً طريقة للعيش كما كان الأمر عند الإغريق وكما حاول كثير من الفلاسفة من الرواقيين إلى الأبيقوريين إلى نيتشه وفوكو أن يذكروا به. فالسؤال عن اليقين الفلسفي هو في العمق سؤال عن كيف نعيش وكيف نواجه الموت وكيف نتعامل مع الآخر وكيف نصنع المعنى في عالم يبدو أحياناً خالياً من المعنى. وإذا كانت الميتافيزيقا التقليدية تقدم إجابات عن هذه الأسئلة من خلال بناء أنظمة كونية وأخلاقية، فإن الفلسفة بعد الميتافيزيقا لا تستطيع أن تقدم هذه الإجابات بنفس الطريقة، لكنها تستطيع أن تقدم طرقاً مختلفة للتعامل معها، طرقاً لا تعتمد على السلطة الخارجية ولا على الحقيقة المفروضة بل على الحرية الفردية والمسؤولية الذاتية والوعي النقدي.

يصبح الزمن مفهوماً محورياً في إعادة التفكير في اليقين، لأن اليقين الميتافيزيقي كان يقوم على إلغاء الزمن، على اعتبار أن الحقيقة أزلية خالدة وأن المعرفة هي اكتشاف ما هو كائن منذ الأزل وأن التغير والتحول ليسا إلا عوارض سطحية لا تمس الجوهر. أما الفلسفة بعد الميتافيزيقا ومعها الفلسفات الوجودية والهرمينوطيقية فقد أعادت الاعتبار للزمن وجعلته البعد الأساسي للوجود، ليس باعتباره مجرد إطار خارجي تحدث فيه الأحداث بل باعتباره البنية الداخلية للوجود نفسه، كما حاول هيدغر أن يبين من خلال تحليله للوجود الأصيل في الزمنية وكما حاول برغسون من خلال فلسفة الزمن الحي والمدة وكما حاول ليفيناس من خلال الزمن بوصفه علاقة مع الآخر، علاقة لا يمكن اختصارها في حضور آني، بل هي دوماً علاقة انتظار ورجاء وتذكر. وإذا كان الزمن هو لب الوجود فلا يمكن لليقين أن يكون خارج الزمن بل لا بد أن يكون يقيناً زمانياً، يقيناً يتحقق في كل لحظة ويختفي في التي تليها، يقيناً لا يستند إلى ذاكرة الماضي ولا إلى توقع المستقبل بل إلى كثافة الحاضر، إلى ما يمكن تسميته لحظة اليقين وهي لحظة لا تدوم، لكنها كافية لمنح الحياة معنى وكافية لإشباع العطش الفلسفي ولو للحظات. وهذا اليقين اللحظي وهو أقرب إلى التجربة الجمالية منه إلى التجربة النظرية، له قوته الخاصة لأنه لا يخضع لنقض الزمن، لأنه هو نفسه زمني ولا يدعي الخلود لأنه يعرف أنه سيموت مع اللحظة التي يولد فيها لكنه يعيش في هذه اللحظة بكامل حضوره ولا يحتاج إلى ما يبرره خارجها.

ثم لا بد من الاعتراف بأن هذا المأزق، مأزق التأسيس بعد نهاية الميتافيزيقا ليس مأزقاً نخبوياً يخص الفلاسفة وحدهم بل هو مأزق إنساني عام، يعاني منه كل إنسان يحاول أن يعيش حياته بوعي ويحاول أن يفهم مكانه في هذا الكون ويحاول أن يجد معنى لوجوده في زمن تتسارع فيه التحولات وتتضاعف فيه المعلومات وتتلاشى فيه الثوابت. فالإنسان المعاصر الذي يعيش في عالم ما بعد الحداثة، عالم الأزمات المتعددة، الأزمة البيئية، الأزمة السياسية، الأزمة الهوياتية، أزمة المعنى هو إنسان فقد اليقينيات الكبرى التي كانت تؤطره ولم يعد يجد في الأيديولوجيات أو الأديان أو النظريات الكبرى ما يمنحه الطمأنينة وهو في الوقت نفسه لا يستطيع أن يعيش في الفراغ المعرفي والأخلاقي لأنه يحتاج إلى بعض اليقين لكي يتحرك، ليقرر، ليحب، ليكره، ليأمل، ليخاف. وهذا الإنسان لا يبحث بالضرورة عن يقين فلسفي بالمعنى الأكاديمي بل يبحث عن يقين وجودي، يقين يساعده على النهوض صباحاً، على مواجهة يوم جديد على التصالح مع محدوديته، على قبول الموت كجزء من الحياة. وهنا تتجلى مسؤولية الفلسفة بشكلها الجديد، ليست مسؤولية تقديم عقائد جديدة ولا تأسيس مدارس فكرية بل مسؤولية أن تكون حاضنة لهذه الحاجة الإنسانية العميقة، أن تقدم أدوات للتفكير تمكن الإنسان من بناء يقينه الخاص، يقينه الذي لا يكون مفروضاً من الخارج بل منتجاً من الداخل، يقينه الذي يعكس تجربته الفريدة، يقينه الذي يتغير معه وينمو مع نمو وعيه.

وبين أنقاض الميتافيزيقا وبين صيحات التفكيك وهمسات التأسيس وبين شهوة اليقين ورعب اللايقين، نجد أنفسنا مضطرين إلى القول، ليس بالمعنى الإقفالي بل بالمعنى الافتتاحي، أن اليقين الفلسفي الجديد لا يمكن أن يكون إلا يقيناً في حركة، يقيناً لا يقر قراراً، يقيناً يتجدد مع كل تجربة، يقيناً يرتبط بالحياة أكثر من ارتباطه بالمنطق، بالجسد أكثر من بالعقل، بالآخر أكثر من بالذات، بالمستقبل أكثر من بالماضي. إنه يقين لا يمنحنا الطمأنينة الزائفة بل يمنحنا الشجاعة للعيش في القلق، لأن القلق كما علمنا هيدغر هو الحالة التي ينكشف فيها الوجود على حقيقته، كوجود ممكن، كوجود مفتوح على احتمالاته، كوجود ليس محكوماً مسبقاً بجوهر ثابت، بل هو صيرورة ومشروع ورهان. وهذا القلق بعيداً عن أن يكون مرضاً يجب شفاؤه، هو الصحة الفلسفية ذاتها لأن الفلسفة الحقة لا تنشأ إلا في رحم القلق ولا تتغذى إلا على التساؤل ولا تنمو إلا في ظل الشك الخلاق ولا تثمر إلا حين تواجه المجهول بوجه لا يخاف. فمن أجل هذا لا نبني يقيناً جديداً كصرح من الرخام بل نزرع بذور يقين تتفتح في كل ربيع وتسقط أوراقها في كل خريف وتعود لتتفتح من جديد، لأن اليقين الحقيقي كما الحياة ليس جموداً بل حركة، ليس انغلاقاً بل انفتاح، ليس إجابة بل سؤال ممتد على مدى العمر، سؤال نحمله معنا في كل خطوة، في كل لقاء، في كل قراءة، في كل كتابة وفي كل لحظة نصمت فيها أمام جمال العالم أو قسوته لنكتشف أننا برغم كل شيء ما زلنا نبحث وما زلنا نأمل وما زلنا نؤمن لا بحقيقة مطلقة بل بإمكان الحقيقة لا بيقين نهائي بل بيقين مؤقت، لا بمعنى كامل بل بمعنى يتشكل في لحظة السؤال ويختفي في لحظة الجواب، ليعود ويظهر من جديد في لعبة أزلية لا تنتهي، هي لعبة الفلسفة، لعبة العقل مع نفسه، لعبة الإنسان مع وجوده، لعبة الحياة مع الموت، تلك اللعبة الجادة التي لا يمكن أن تنتهي بانتصار أحد لأنها ليست حرباً بل هي حب، حب المعرفة، حب الحكمة، حب الغموض، حب الدهشة، حب أن نكون بشراً في عالم لا يرحم، لكنه جميل، جميل بما يكفي لجعل التساؤل عنه والتساؤل عنا فيه أسمى ما يمكن للإنسان أن يفعله وأقدس ما يمكن أن يقدمه لنفسه وللآخرين قبل أن يأتي الموت، ذلك اليقين الوحيد الذي لا شك فيه، لكنه ليس يقيناً فلسفياً بل يقيناً وجودياً، يقيناً يذكرنا بأن كل يقينياتنا مهما بلغت من عظمة هي مجرد ومضات في ليل طويل، لكن هذه الومضات مهما كانت عابرة هي التي تضيء لنا الطريق وهي التي تجعل الحياة رغم كل شيء جديرة بأن تعاش وأن تُفكر وأن تُكتب وأن تُقال في صمت الفلسفة وفي ضجيجها، في يقينها وفي شكها وفي تأسيسها وفي تفكيكها، لأن الفلسفة في النهاية ليست علماً ولا ديناً بل هي شهادة، شهادة على أن الإنسان وهو المخلوق الوحيد الذي يسأل، هو أيضاً المخلوق الوحيد الذي يعرف أنه لا يعرف، وهذا هو يقينه الوحيد، لكنه يكفي لأنه ليس يقيناً عن شيء بل يقين عن الكيفية التي يكون بها الإنسان في العالم، كيف يكون سائلاً، كيف يكون باحثاً، كيف يكون متعجباً، كيف يكون حرا ولو في حدود سؤاله، ولو في حدود قصره، ولو في حدود موته، ذلك الموت الذي هو ليس نهاية السؤال بل هو السؤال الذي يختصر كل الأسئلة ويجعل منها سؤالاً واحداً، سؤالاً لا جواب له لكن السؤال نفسه وهو يُطرح وهو يُحمل وهو يُعاش هو الجواب. 

*** 

د. حمزة مولخنيف

 

هل تتناقض الحرية مع البنيوية؟ يحصل هذا التناقض إذا فهمت البنية بقوانينها وتناقضاتها بوصفها آلة عمياء تضع حدودًا للحرية والفعل الإنساني، خصوصًا إذا ربطت البنية بالحتمية أو القدرية. حينها يصبح مستقبل المجتمع مرتبطًا بتحقق مسارات البنية و"الطبيعة" فيصبح دور الحرية هامشيًّا. أما إذا فهمت البنيويّة على أنها فضاء من الحدود والإمكانات تتقدم عبر تناقضات المجتمع والأفراد، يصبح دور الحرية لدى الفرد وفي المجتمع دورًا محوريًّا لتبلور الأفكار والحقب التاريخية بدون مصير محدد او نتيجة حتمية. سأناقش البنيوية والحرية والحتمية من خلال أفكار الفيلسوف الألماني كارل ماركس والفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي. يلتقي ماركس وتشومسكي بشكل أساسي بمعاداتهم للهيمنة؛ إن كانت هيمنة الرأسمالية والرأسماليون أو الامبريالية والبروباغاندا التابعة لها. كما أن ماركس وتشومسكي يلتقيان في كونهما شخصان بنيويّان بطريقتهم الخاصة؛ ولكن ليسا بنيويان كلاسيكيان. والمثير للاهتمام في فلسفتي ماركس وتشومسكي أنهما يصلان إلى أهمية البنية ودور الحرية من منطلقين مختلفان جدا يجعلان هذا الوصول الموازي شيئًا يستحق النقاش. ماركس يسأل: كيف تشكل العلاقات الاقتصادية المجتمع والوعي والحرية والسياسة والحياة البشرية. أما تشومسكي فيسأل: ما هي القدرات البشرية الفطرية التي تجعل اللغة والحرية والابداع والوعي ممكنة. كلاهما يفكر بالبنية التي تضع القوانين، ولكن أيًا منهما مفكر بالحتمية البسيطة.

ماركس: البنية التاريخية دون حتمية آلية

إحدى أكبر الانتقادات التي توجه إلى الماركسية هي أنها حتميًة اقتصادية. كأن ماركس يقول إن الاقتصاد يحدد كل شيء آخر تحديدًا آليًّا. إلا أن هذا الاتهام ليس دقيقًا بحد ذاته. يرى ماركس في نظريته عن الجدلية الماديّة أن العلاقات المادية والاقتصادية تقيّد حركة المجتمع بشكل كبير، لكن التاريخ يتطور ويتغيّر مع ذلك من خلال الصراع الطبقي، والسياسي والمؤسسات وغيرها من الفعل البشري.

الرأسمالية، حسب ماركس، هي ليست مجرد مجموعة من الاختيارات الفردية. الرأسمالية هي بينة مكونة من العمل المأجور والملكية الخاصة وتراكم رأس المال والتناقض الطبقي. تضع هذه البنى الحدود لما يستطيع الناس فعله وتخيّله وكيف يعيد المجتمع انتاج نفسه. بذلك لا يلغي ماركس الفاعلية البشر، فالبشر يفعلون وينظمون ويقاومون ويتمردون ضد الرأسمالية والهيمنة. الصراع الطبقي ناتج عن التفاعلات البشرية التي تولد المجتمع القادم.

لعل أبرز دحض لاتهامات ماركس بالحتمية هو جملته في الثامن عشر من برومير: يصنع البشر تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم. هذه العبارة توضح أن ماركس مفكر في القيد البنيوي التاريخي، لا في الحتمية الآلية. ويأتي دور الفعل البشري كفعل محوري لكنه داخل بنى مادية موروثة.

تشومسكي: الفطرة البشرية

نعوم تشومسكي هو مفكر بنيويّ أيضًا. لكن تشومسكي يبدأ من مكان مختلف عن ماركس. تشومسكي يبدأ من اللغة والعقل والادراك والطبيعة البشرية وليس من الطبقة والعمل أو التاريخ. بينة تشومسكي هي بيولوجية ومعرفية أكثر مما هي اقتصادية وتاريخية. بالنسبة لتشومسكي، العقل البشري ليس لوحًا فارغًا. العقل البشري يمتلك أسسًا وبنيّة فطرية تسمح باكتساب اللغة والفكر. اكتساب اللغة لدى الانسان يعتمد على القيود الداخلية الفطرية التي تضعها بيولوجيا الدماغ.

لكن هذه ليست حتمية بمعنى السلوك الثابت. تجعل البنية الفطريّة الابداع ممكنًا. يؤكد تشومسكي على هذه الفكرة من خلال طرحه لفكرة القواعد التوليدية. القواعد والقيود النحوية محدودة ومقيّدة، لكنها تسمح لمستخدم اللغة بإنتاج عدد لا نهائي من الجمل الجديدة. وكذلك لا أمر للعقل والفكر. بهذا تصبح البنية عند تشومسكي شرطًا توليديّا يضع الأسس للإبداع، وليست سجنًا يقود إلى الحتمية.

رفض تشومسكي السلوكية، التي تقضي بأن البشر يتشكلون آليًّا من خلال المثيرات الخارجية والاستجابات. وفي مواجهة ذلك، دافع عن الابداع والحريّة. يرى تشومسكي عن هناك بنية فطريّة إنسانية تدفعه لطلب الحريّة. إذا فتشومسكي يصل ايضًا للحريّة ولكن من خلال عقلانية بيولوجيّة.

البنية والحرية

 يؤسس ماركس نظريته على بينة تاريخية، بينما يعطي تشومسكي نظريته بعدًا بنيويًّا توليديًّا. بالنسبة إلى ماركس، لا يطفو الأفراد بحريّة فوق المجتمع. إنهم يفعلون داخل أنظمة موروثة من الطبقية والملكيّة والمؤسسات والأيديولوجيّا. أما بالنسبة لتشومسكي، فإن العقل لا يتشكل فقط عبر التجربة، إنه يمتلك بنى داخلية تجعل اللغة والإبداع والحكم ممكنة.

معًا، يتحدى ماركس وتشومسكي الوهم الليبرالي القائل إن البشر مجرد أفراد يصنعون أنفسهم بأنفسهم. لكنهما أيضًا الحتميّة الفجة. البنى تقيّد، لكنها لا تلغي دور الفاعلية البشرية. إنها تخلق المجال والبيئة التي تعمل داخله الفاعلية.

يرفض الاثنان التفسيرات المسطحة للحياة البشرية. لا نستطيع أن نفهم الحياة البشرية عبر أفراد معزولين. يتكون الانسان من البنى الفطرية والبيولوجية التوليدية في داخله ويعيش وتطور من خلال التناقضات الطبقيّة والمادية والتاريخية. إن الظواهر السطحية الظاهرة للجميع لا بد أنها قائمة على بنى أعمق.

البنيوية دون حتميّة أو جبرية

يبيّن كل من ماركس وتشومسكي، ومن منطلقين مختلفين، أن التفكير الجاد يجب أن يبدأ من البنيويّة. الحياة البشرية منظمة من خلال أنظمة أعمق كالعلاقات الاقتصادية والطبقية واللغة والطبيعة البشرية. لكن البنيويّة لا تعني الحتمية أو الجبريّة. البنيويّة هي شرط لفهم الحريّة فهمًا واقعيّا. إذا بالبنيويّة الناضجة تقول أن البشر يصنعون التاريخ والمعنى، لكنهم يفعلون ذلك داخل فضاءات بنيويّة تجعل الأمر ممكنًا في المقام الأول.

***

فضل فقيه – باحث

..........................

مراجع:

-Molyneux, J. The Point Is to Change It: An Introduction to Marxist Philosophy (Bookmarks, 2012).

-Chomsky, N. & Foucault, M. The Chomsky-Foucault Debate: On Human Nature (ed. Elders, F.) (The New Press, 2006).

تشريح آليات الزيف المؤسسي من الدولة الظلامية إلى السيولة الهلامية

في مأزق التحديث الصوري والارتداد الهيكلي

يُمثّل فهم آليات السلطة واستراتيجيات الهيمنة في المجتمعات المعاصرة مدخلاً إبستمولوجياً أساسياً لتفكيك البنى التحتية والفوقية التي تعيد إنتاج الزيف وتشرعنه تحت غطاء التحديث والمؤسساتية الصورية. وفي هذا السياق التحليلي، يبرز مفهوم "النكوص البنيوي" كأداة تفسيرية بالغة الأهمية لتشريح تراجع الذات الجماعية والمؤسسية عن مكتسبات التطور الهيكلي التاريخي. إن النكوص البنيوي، في أصله التحليلي الممتد من أدبيات علم النفس التطوري إلى آفاق السوسيولوجيا النقدية، يعبر عن ارتداد حتمي قسري للبنية المجتمعية والسياسية نحو مرحلة تاريخية ومؤسسية سابقة. ويفسر هذا المفهوم عمق الاغتراب وفقدان العلاقة الحقيقية مع الواقع، فضلاً عن تهدم بنية "الأنا" الجماعية التي تفتقر في هذه الحالة إلى الوجود المستقل، فلا تجد كينونتها إلا بالانتساب إلى أطر وهمية أو أيديولوجيات متجاوزة تاريخياً.

عند إسقاط هذا المنظور على الفعل الجمعي للمكونات السياسية والاجتماعية في مجتمعات الأطراف، يتجلى النكوص في تفتت الأطر التعاقدية الحديثة والارتداد المتسارع نحو الهويات الفرعية البدائية، وقوى الارتهان والارتزاق الوظيفي التي تستدعي الفترات الاستعمارية أو النماذج الكهنوتية الرجعية. إن هذا الاستدعاء النكوصي لا ينبع من نزعة غيبية أو هيام بالماضي لذاته، بل يتخذ كأداة براغماتية للابتزاز السياسي، وتحريك بيادق اللعبة المحلية لصالح برامج مركبة تتطابق فيها مصالح النخب الفاسدة مع إرادات الهيمنة الخارجية، الأمر الذي يفضي إلى إشاعة الاضطراب الكلي في منظومة الأداء الناظم للسلم والأمن الاجتماعي، ويقوض فرص الانبثاق التاريخي لدولة المواطنة.

يتوازى هذا النكوص البنيوي، تلازماً عضوياً، مع آلية إدراكية وتعبيرية مشوهة تُعرف في الفلسفة السياسية بـ "المحاكاة الشكلية". وتحدث هذه المحاكاة عندما تعمد النخب الحاكمة أو الفواعل السياسية الهامشية إلى إسقاط نموذج مؤسسي سواء كان مستلفاً من التاريخ أو وافداً من سياق حضاري مغاير على واقع مأزوم دون تمثل حقيقي لشروطه التاريخية والمادية والاجتماعية. في هذا السياق، يوجه الفيلسوف الألماني "جورج فيلهلم فريدريش هيجل" نقداً صارماً لمبدأ المحاكاة الآلية، مؤكداً أن المحاكاة الشكلية للطبيعة أو للمؤسسات التاريخية لا يمكن أن تنتج سوى "روائع صناعية آلية" تفتقر تماماً إلى روح الحرية، وتخلو من الوعي الذاتي المتعين.

يتعدى هذا التشويه البنيوي الجانب المؤسسي الإداري ليشمل الجوانب اللغوية والأسلوبية في الخطاب السياسي السائد؛ حيث تصاحب المحاكاة الشكلية مغايرة دلالية عميقة تفصل البنية الاقتباسية والمصطلحية عن غاياتها وموضوعاتها الأصلية. إن هذا الانفصال الدلالي يحول البناء المؤسسي بأكمله إلى "روح زائفة" وكيان مسخ، لا وظيفية له سوى خدمة آليات الهيمنة، وإخفاء مساقات الإخضاع والتبعية والارتهان الوجودي تحت عباءة التحديث المؤسسي الخادع.

تشريح الزيف المؤسسي ورذائل المعرفة الأكاديمية

يتأسس "الزيف المؤسسي" في جوهره التنظيري على إحلال الرموز الافتراضية والتمثيلات الصورية محل الواقع المادي والاجتماعي الحقيقي، حيث يكشف هذا التزييف الممنهج عن كيفية تحرير المعنى من قيود الحقيقة لتمرير القرارات الملتبسة وشرعنتها بيروقراطياً. ويتلاقى هذا الطرح نقديّاً مع الأطروحات المعاصرة للفيلسوف "باسكال إنجل" في دراسته لـ "رذائل المعرفة"، حيث تبرز رذائل إبستمولوجية مثل العناد الفكري، والتعصب الأعمى، والسطحية، والثرثرة كأدوات وظيفية لتقويض الحوار العقلاني الفعال في عصر التدفق الفوري للمعلومات والاتصال الشبكي السريع. إن "الثرثرة المعرفية" في هذا السياق البنيوي لا تشير إلى فائض لغوي كمي فحسب، بل هي عملية ممنهجة لتقطيع أوصال المعنى، وتفتيت التركيز الإنساني، مما يصيب العقل المعاصر بالعجز عن بناء مسار فكري متماسك، ويجعله عرضة لفقدان الانتباه المعرفي وقابلية المفاهيم للاختبار والنقد العلمي. وتتحول هذه الرذائل المعرفية تلقائياً من انحرافات أخلاقية فردية إلى سياسات زيف مؤسسي منظم يحمي أوهام الهوية والطبقات المهيمنة، ويشيطن البدائل المعرفية العقلانية والنقدية.

تتجسد هذه الأزمة البنيوية بوضوح كلي في ظاهرة "الأمية المقنعة" التي تتغلغل في البيئات الأكاديمية والإدارية المعاصرة؛ حيث تتحول الشهادة العلمية والألقاب الأكاديمية من أدوات لتحرير العقل وتنويره إلى أدوات لتمرير الأفكار السطحية والتصورات الخاطئة بثقة وثوقية مدمرة. إن حيازة اللقب العلمي دون وعي نقدي أو عمق ثقافي تؤسس لسلطة معرفية زائفة، تقود بالضرورة إلى صناعة قرارات مشوشة، وتدير الفضاء العام بمعايير الوثائق الورقية الصورية لا بمعايير الوعي الحقيقي؛ مما يعمق الفجوة التاريخية بين العلم الملتزم والزيف المؤسسي، ويحول الأكاديمي والمتخصص إلى ترس وظيفي لترسيخ البيروقراطية الرخوة وحماية مصالحها الفئوية.

 من الاستبداد الصلب إلى السيولة الهلامية للدولة الرخوة

تمثل السيادة في الفكر السياسي الحديث العصب البنيوي لوجود الدولة الوطنية، غير أن معاينة مسارات السلطة الفعلية تكشف عن تحول هيكلي خطير ينقل الدولة من طابعها المؤسسي "الصلب" إلى نماذج رخوة وسائلة وهلامية تفتقر كلياً للقدرة على احتكار العنف المشروع وضبط السيادة. تبدأ هذه الرحلة التراجعية من "الدولة الظلامية" الاستبدادية، وهي الدولة التي تتسم باحتكار قهري للحقيقة، وهندسة قسرية للمجال المعرفي، مستخدمة أدوات العنف الرمزي والمادي لتصفية التعددية الفكرية والسياسية لصالح يقين أيديولوجي مغلق. غير أن هذا التمركز المطلق والصلب للسلطة لا يلبث أن ينهار أمام الأزمات البنيوية العميقة، فيتداخل تاريخياً ووظيفياً مع نموذج "الدولة الريعية" و"الدولة الخراجية". حيث تعتاش السلطة والمجتمع على ريع الموارد الطبيعية الناضبة أو الفوائض المالية المنقولة دون أي التفات للكفاءة الإنتاجية أو العدالة التوزيعية، مما يضعف النظام الضريبي، وينتج بنية اقتصادية هشة تفتقر إلى العقلانية المؤسسية، لتتحول الدولة في نهاية المطاف إلى شظايا أنظمة سلطوية تسيطر عليها نخب عائلية أو فئات طفيلية تسخر آلة الحكم لأهدافها الضيقة على حساب الحق الإنساني في العيش الكريم.

يقود هذا الترهل البنيوي مباشرة إلى نشوء نموذج "الدولة الرخوة"، وهو المفهوم الذي صاغه عالم الاقتصاد السويدي "غونار ميردال" في مؤلفه التأسيسي "الدراما الآسيوية بحث في فقر الأمم". وتُعرَّف الدولة الرخوة إبستمولوجياً بأنها البنية السياسية التي تصدر القوانين والتشريعات الحديثة والمتقدمة لكنها تعجز أو تتغاضى عن تطبيقها إطلاقاً؛ نظراً لأن الفئات المهيمنة تمتلك من النفوذ المالي والسياسي ما يحميها من طائلة المساءلة القانونية، بينما تتوغل الرشوة والمحسوبية في الأجهزة الإدارية الدنيا لغض البصر عن التجاوزات الهيكلية. ومن أبرز سمات هذه الدولة تآكل هيبتها السيادية داخلياً وخارجياً، وتضخم هياكلها البيروقراطية المتداخلة الصلاحيات بغية توفير مناصب وظيفية للمحاسيب والأقارب، وتفشي التهرب الضريبي والجمركي، فضلاً عن الارتباط العضوي التبعي بمصالح المؤسسات المالية الدولية.

يتجلى هذا التهاوي البنيوي بوضوح حين تتحول الدولة الرخوة وظيفياً إلى "جمهورية موز" تحكمها سياسات مسمومة وتضليل إعلامي متعمد للمواطنين الذين يمثلون دائماً الحلقة الأضعف في هذه المعادلة المأزومة. هنا تحضر المقولة السياسية لرئيس وزراء سنغافورة الأسبق "لي كوان يو" الذي أكد أن تطهير البنية المؤسسية من الفساد يبدأ من أعلى الهرم الإداري صعوداً ونزولاً، موضحاً أنه حين يتحرك المفسدون في الفضاء العام آمنين من العقاب، فإن ذلك يؤشر إما إلى أن النظام السياسي نفسه يمثل راعية كبرى للفساد، أو أن غياب الوعي الجمعي قد بلغ مداه الكارثي.

إن تجارب بلدان المحيط والأزمات المتلاحقة لانخفاض قيم العملات المحلية، والصراع المستمر بين النقد الوطني والعملات الأجنبية المهيمنة، والتغيرات العشوائية المتعاقبة في إدارة البنوك المركزية، يمثل تجسيداً حياً لكيفية تدمير البنية الهيكلية للدولة الرخوة وتحويلها إلى بيئة خصبة للارتهان الخارجي. إن تفكيك الدولة وتحويلها إلى بنية هلامية ومطاطة يجري هندسته دولياً عبر دعم التفتيت الإثني والطائفي وتكريس "فلسفة المكونات" البدائية، التي تحل الهويات الفرعية كبديل عن الهوية الوطنية الجامعة، لتصبح الدولة مجرد وعاء هلامي تسيطر عليه كارتلات الفساد والمحاصصة السياسية، وتقاسم إقطاعيات الوزارات، ومزادات العملة اليومية. وفي هذه الحالة التشوهية، يصبح التدخل الإصلاحي الجزئي مستحيلاً، وتأكل البنية ذاتها نتيجة غياب السيادة المركزية العقلانية.

الهندسة الإمبريالية لتضخيم الأزمات الاقتصادية وتكريس التبعية

يتلازم نشوء الدولة الرخوة والهلامية تلازماً عضوياً مع "الهندسة الإمبريالية" التي تستهدف تضخيم الأزمات الاقتصادية في بلدان الأطراف لإعادة إنتاج هيمنة المراكز الرأسمالية العالمية. تشهد الرأسمالية الاحتكارية العالمية في مرحلتها الراهنة أزمة بنيوية مستعصية منذ سبعينيات القرن الماضي، تمثلت في انخفاض معدلات النمو في المراكز المتقدمة إلى النصف دون أي تعافٍ حقيقي مشهود. ولمواجهة هذا الركود المزمن والتخلص من كتلة الديون السيادية الهائلة التي تفوق الناتج المادي الحقيقي، يعمد النظام المالي العالمي المتشكل عقب الحرب العالمية الثانية في إطار اتفاقية "بريتون وودز" إلى تصدير أزماته الهيكلية من خلال هندسة النزاعات الإقليمية، وتوظيف الأزمات الصحية والأوبئة لإنقاذ مصالح الشركات العابرة للقارات. وتعمل هذه النزاعات كآلية قسرية لإلغاء الديون عبر التضخم، وتدمير قوى الإنتاج الفائضة، وتحويل البلدان النامية إلى مجرد أسواق استهلاك ومستعمرات اقتصادية تُنهب ثرواتها وتُصفى شركاتها الوطنية وتُسلب سيادتها بالكامل.

تتبدى هذه الهندسة الإمبريالية بوضوح جلي في تدمير القطاعات الإنتاجية الحيوية، كالقطاع الفلاحي والزراعي في دول العالم الثالث، عبر فرض سياسات "التكيف الهيكلي" الصارمة وتحرير الأسواق غير المتكافئ؛ مما يجعل هذه الدول معتمدة كلياً في أمنها الغذائي على الاستيراد الخارجي، وفاقدة للقدرة على تحقيق التراكم الأولي لرأس المال اللازم للتصنيع التنموي وتنويع مصادر الدخل. ويقود هذا الارتهان الغذائي والاقتصادي المهندس قسراً إلى إفراغ قرار الاستقلال الوطني من محتواه الفعلي، ويجعل الدولة الوطنية عاجزة تماماً عن حماية مجتمعها من الهزات الارتدادية للصدمات الرأسمالية العالمية الممنهجة.

المقاربة التفكيكية وتصميم مسارات التحرر البنيوي

يفضي التفكيك الفلسفي لآليات الزيف المؤسسي والنكوص البنيوي إلى حتمية صياغة مقاربة نظرية وعملية قادرة على كسر شروط التبعية واستعادة السيادة الفعلية للدولة الوطنية الجامعة، وهو ما يتطلب الانتقال الحاسم من سيولة "الدولة المكوناتية" الرخوة إلى نموذج الدولة الوطنية العقلانية الفاعلة. إن الخطوة الاستراتيجية الأولى لإنهاء حالة السيولة الهيكلية تكمن في استعادة الدولة لمركزية العنف المشروع، وإخضاع كافة القوى المسلحة غير النظامية لسلطة سيادية قانونية موحدة، لإنهاء تعدد مراكز القرار الفوضوية التي تغذي السلاح المنفلت وتفكك مفاصل السيادة بتشجيع وتواطؤ من القوى الخارجية.

يتلازم ذلك، تلازماً بنيوياً، مع صياغة عقد اجتماعي جديد يؤسس لدستورية فكرة المواطنة الفردية كبديل عن التخادم الطائفي والعرقي والمحاصصة الحزبية الضيقة، وتجريد المناصب السيادية والوظائف العامة من الانتماءات تحت الوطنية عبر الأتمتة المؤسسية الشاملة، واعتماد معايير الكفاءة الفكرية والعملية الفردية، لتحييد الولاءات الفرعية، وتذويب الهياكل الموازية والهشة لصالح الدولة الوطنية المتماسكة.

إن خروج بلدان المحيط من وضعية "الدولة الرخوة الهلامية" إلى وضعية "الدولة القوية والفاعلة" يرتبط ارتباطاً شرطياً بمدى قدرتها التاريخية على تعزيز حكم القانون العادل، والنفاذ المباشر للعدالة، والشفافية التامة في تدفق المعلومات، وإرساء مبدأ المساءلة والمحاسبة والمراقبة لكافة المسؤولين والموظفين مهما علت مراتبهم الإدارية، فالسيادة العقلانية هي الضمانة الوحيدة للتحرر البنيوي والوجودي.

***

غالب المسعودي

للمخرج الايراني عباس كيارستاتي*

في رابطة الفضاء الفرويدي الدولي في باريس " عيون الكلام" قسم خاص لعرض الأعمال الفنية والسينمائية ذات البعد النفسي والتي تحمل المعاني الرمزية في العمل الفني، تكون مشاركة العرض ممن يدرسون التحليل النفسي كمنهج للعلاج " تكوين محلل نفسي " فضلا عن المهتمين بدراسة التحليل النفسي بكل جوانبه من معرفة وتحليل خطاب إعلامي، سياسي، محتوى النص الروائي والقصصي وغيره من المجالات المتخصصة حصريًا في التحليل النفسي. ويدير هذا القسم الزميلة " أ. منار التيزيني ".

علمنا التخصص النفسي بمختلف مدارسه وفروعه وبخاصة تلك التي تتميز بمنظور دينامي متعمق، أعني به التحليل النفسي، حيث يقترب بشكل مباشر أقترابًا شديدًا من أعمق دوافع النفس، لأن التحليل النفسي يفطن إلى ما وراء مختلف أشكال السلوك، أو الإعراب والتعبير النفسي المباشر أو الرمزي عن تلك الدوافع ولو كانت على شكل فكرة، أو ملمح فهي تعطي معاني يمكن معرفتها واستجلاء بعضها رغم الصور المقنعه والغامضة التي تدور بها أفكار أي شخص وفي أي موقف.

نحاول هنا عرض بعض الملامح للمنظور الدينامي المتعمق والذي يدين بوجوده لنظرية التحليل النفسي من خلال قراءة النص وتحليل محتوى الأعمال الفنية والأدبية إلى مستوى الفهم والتفسير حيث تتجاوز كثيرًا مجرد الرصد الفني والصور المعروضة، رغم أن الفيلم يعطينا بنفس الوقت المحتوى الظاهر له، وهناك المحتوى الباطن الذي يحمله الفيلم كما هو في الحلم عند قراءته قراءة تحليلية نفسية.

ان دراسات التحليل النفسي لكل سلوك يصدر عن الإنسان في الحلم، أو النكتة، أو حلم اليقظة، أو عمل فني، أو عمل أدبي وهو يحمل بين ثناياه صبغة مرضية نفسية في صورتها المبسطة ولنقل الاعراض العصابية.

لم أتحدث بعد عن قراءة النص وخطاب الفيلم والرسالة الموجهة بقدر ما أريد عرض بعض الحقائق عن النفس الخافية عن أكثر الناس معرفة بعلوم التطور الحديثة أعني التطور التطور التكنولوجي والتقدم الحضاري، لكن إنساننا اليوم يصعب عليه معرفة شيء عن أعماق النفس ورمزية ما يصدر عنها.

في الفيلم الايراني الذي يحمل عنوان " طعم الكرز " قصة رجل في منتصف العمر، ربما تجاوز الخمسين من عمره بقليل، والذي تدور في خلده أفكار عن الإنتحار، ولم يحمل الشجاعة الكافية لتنفيذ قراره بصمت كما تعودنا ذلك في حالات الاكتئاب العقلي من محاولة واحدة يحقق غايته في الخلاص من حياته، أما في الاكتئاب النفسي – العصابي فتكون أكثر من محاولة وربما تصل لعدة محاولات تتحقق بعدها الغاية وبلوغ الهدف. هذا الشخص المدعو السيد بادي " استعرض صور الحياة اليومية بواقعيتها ورمزيتها بتفاصيلها وانشطتها المتنوعة من خلال جولة في المدينة، من موقف إنتظار العمال " مسطر- الدور – الطابور " الخاص بالعمال الذين يقفون بانتظار أن يجدوا فرصة عمل بالأجر اليومي.

 وفي صورة أخرى واقعية تحمل معاني رمزية عن الشخص الآخر الذي رفض أن يستقل معه السيارة لإيصاله لعمله حينما قال له أنا أعمل قريب من هذا المكان ورفض مساعدته ولم يستمع له، وتظهر صورة الابتعاد عنه والتخفي وراء حائط في مدخل عمله، لها دلالة ومعنى رمزي فضلا عن الابتعاد عنه والنظرة التي تحمل معاني الخوف من بعيد، ومن خلف الجدار الذي كان له أكثر من تعبير ودلالة، وكأنما يقول للمشاهد أنه يريد الابتعاد عنه وتقديم أي مساعدة تسبب له مشكلة.

 أما الصورة الآخرى فهي صورة الجندي الكردي الشاب - صغير السن الذي يخدم في الخدمة العسكرية في مكان يبعد عن مقاطعته بالالاف الكيلومترات، والذي دعاه لكي ينقله معه في سيارته إلى مكان وحدته العسكريه وعرض عليه عمل مقابل مبلغ كبير، كانت طبيعة العمل هي أن يقوم بمساعدته برمي حجارتين على المكان الذي يحاول فيه اسقاط السائق " السيد بادي " نفسه – الرجل الخمسيني – من منحدر عالي، ويتأكد في الصباح التالي برمي حجارتين على نفس المكان الذي ينفذ فيه السيد بادي فعله لكي يتأكد من أنه مازال حيًا، أم فارق الحياة، لكن هذا الجندي الكردي رفض المشاركة في تنفيذ أي فعل، أو مساعدة من أجل الحصول على المال وهو بحاجة إليه، ونلاحظ سير الحوار الذي يذكرنا ببعض الشخصيات المنحرفة التي تستدرج ضحاياها لفعل غير مقبول إجتماعيًا، مثل المشاركة بسرقة، أو بجريمة قتل، أو بفعل اغتصاب، أو ممارسة لواط وغيرها، حيث ترك هذا الجندي الشاب السيارة وفر هاربًا عبر رمال التلال الجرداء شديدة الانحدار.

كل فكرة يطرحها رجل الفيلم " السيد بادي " لو افترضنا أنه بطل الفيلم لها دلالة رمزية، تَجمعْ العمال في الشارع للبحث عن فرصة عمل مؤقته " هي البحث عن استمرار الحياة والعيش"، أو الجبال القاسية الجرداء بلا حياة وصور العمل بالحجارة وتصفيتها بأماكن بائسة صخرية، أو المرتفعات الملتوية، لها تعبير رمزي أيضًا عن البؤس في الحياة والعمل والقبول فيه.

 سنحاول عرض شخصيات أخرى في الفيلم وهم شخصية الشاب الافغاني الذي يعمل في معمل متهرئ لتكسير الحجارة، متوقف عن العمل ولكن وجوده بعمل الحراسة لبقايا هذه المكائن المتهرئة له دلالة رمزية أيضًا، أو الشخص المثقف الذي يدرس العلوم الدينية والفقهية في الحوزة الدينية في قم وهو من مدينة " مزار شريف" في افغانستان، وهي المدينة التي يقطن معظم سكانها من الشيعة، فالتحاقه بالدراسة كان بين خيارين هما أما الدراسة في قم المقدسة في إيران، أو النجف الاشرف في العراق حيث مركز الشيعة في العالم، وكلاهما مدرستين متخصصتين بالعلوم الدينية الشيعية، فطرح له أفكاره ومساعدته في رغبته بالخلاص والموت. شرح طالب العلوم الاسلامية معنى الحياة، وحياة ما بعد الموت، وكيف أن الله يتكفل بحل المشكلات التي تواجه الإنسان في حياته إن كان مؤمنًا، وكيف أن الجهاد من أجل الوجود يستلزم مصاعب الحياة، وإن جوهر الوجود الإنساني هو أن تؤمن، وحاول أن يبين له إن الإيمان بالدين يقلل من الاكتئاب والمحاولة للخلاص من النفس.

وتستمر محاولات " السيد بادي" صاحب فكرة الإنتحار والموت أختيارًا مع شيء من الخوف الداخلي الذي يحمله في محاولته بأن يطلب من يساعده، أن يأتي في اليوم التالي صباحًا ليرمي بحجارتين للتأكد فيمَا إذا ما قد مات، أو أنه مازال على قيد الحياة، وهذه الفكرة بحد ذاتها دعوة للحياة والاستمرار فيها رغم صراع البقاء والفناء في داخله، بنمط جديد من الشخصية وهو رجل ربما تجاوز الستين من العمر وهو من أصول تركية، لديه مشكلة أبنته المريضة والتي تحتاج للعلاج ولا يملك ثمن هذا العلاج، وهو يعمل في متحف التاريخ الطبيعي.

يبدأ حديثه عن كيفية مساعدته في فكرة الخلاص بطريقته التي طرحها السيد بادي على من قبله، إلا أن الرجل الستيني المسن ساهم بتوجيهات تحمل سمة الهذاءات الفلسفية العميقة الأبعاد، سهلة الفهم بشكل نصائح وارشاد عن أهمية مواجهة صعاب الحياة، وربما طرح له مقولة رائعة مفادها أنه ليس ما هو أعمق في اثارته للألم والشعور بالإنسحاق الكامل لدى الرجل من أن يفشل في السيطرة على معاناته، وأن تكون هذه الفكرة التي تلازمه تحرمه من استمرار حياته والإحساس بملذة الحياة واستمرارها.

أغرق الرجل المسن الموظف في متحف التاريخ الطبيعي تفكير الرجل الذي يحاول الخلاص من الحياة ويقدم مبلغ كبير لمن يساعده في مهمته وبالأخص لمن يحتاجه بعد تنفيذ خطته في الانتحار، وأوصل السائق السيد بادي أخيرًا الرجل إلى عمله ولم يفلح في تغيير اتجاهه كما يعتقد ولكم ربما ترك الأثر النفسي في هذيانه عن سمو الحياة وكيف يمكن أن يحاول ما يفكر فيه شيء بالغ العمق نحو استمراره بالمواجهة، وكيف يمكنه هذا الكلام العميق الذي تحدث عنه أن يغير تضاريس واقعه النفسي المعاش بكل أبعاده نحو رؤية جديدة، وفي الأخير ودعه وترك فيه شيء ما، كأثر المعالج النفسي في خلق الصراع بين ما يريد أن يقوم به، وبين صورة جديدة عن رؤية الحياة.

عاد صاحبنا بعد أن ترك موظف متحف التاريخ الطبيعي الذهاب إلى عمله ويدخل لمبنى عمله، لكن الأمر تغير عند صاحب المحاولة للإنتحار ورجع يبحث في مدخل بناية المتحف عن الشخص الذي لا يتذكر اسمه ولكن تعرف على ملامحه من رجل الاستعلامات وأجبر على ضرورة قطع تذكرة للدخول إلى المتحف لمقابلة هذا الشخص، حيث وجده مهتم ومنغمس في عمله وباندماج كامل فيه، فلما قابله طلب منه أن يتحدث معه، أعتذر لأنه منهمك في عمله، والمفاجأة أن الرجل المسن يعمل في قسم التحنيط – تحنيط الطيور – وسأله هل تقتل الطيور ؟ قال نعم وبتحنيطها لاستمرار وجودها لأضعها للتاريخ مع فريق متخصص معي، لم يستطع أن يكمل الحديث معه لانشغاله بعمله، وهذه الفكرة تذكرنا بعودة طالب العلاج لما تستوقفه فكرة من المعالج تحدث في داخله صراع الوجود، ورفض بما يفكر فيه من أفكار ورؤى، فكأن الاستبصار بالحالة هنا لم يبدأ من الشخص الأول الذي رفض التحدث، أو الجندي الشاب الكردي الذي هرب من السيارة، أو العامل الافغاني المغترب عن بلده ويجد الأمان في عمله الشاق بوحدته، وهو أشبه أنه بلا عمل، عمل بلا حياة اجتماعية، أو الشخص الذي ملأ عقله بالتفكير الديني السائد في مجتمعه، وهو التفكير المذهبي في الدراسة الشيعية المتخصصة، وربما نقول ان من ترك في نفسه الأثر في التغيير والتراجع هو رجل متحف التاريخ الطبيعي ذو البعد الوجودي في ممارسة حياته، لأنه تحدث بلا انتماء جغرافي، أو إغتراب عن بلده، تحدث عن واقعية سائدة عليه مواجهتها.

 تدلنا معرفتنا بالنفس البشرية ومن خلال مدخل فهم النفس بالتحليل النفسي خصوصًا إن الإنسان يلجأ إلى مثل هذا الأسلوب الملتوي المستغلق على الفهم عندما يعجز عن استخدام الأسلوب المباشر، لأن الاسلوب المباشر هو مخافة استنكار أو عقاب، داخلي أولًا، ومن المجتمع ثانيًا، فهو يلجأ بدون وعي لتلك الاساليب الملتوية فإذا به يضع العقبات دون أن يدري أمام غاية لا يرغب لاشعوريًا – لاواعيًا في تحقيقها. هذه السطور هي دراسة في محتوى نص فني – سينمائي من منظور ذي طابع دينامي شمولي يأخذ في اعتباره الأبعاد الاجتماعية والجغرافية والسياسية والدينية والحضارية والطبقية، أماكن العمل المقفرة بلا حياة اجتماعية، هي رؤية ذات بعد نفسي عميق يحمل تعبير رمزي قابل للفهم والتفسير أكثر كلما تعمقنا فيه.

***

د. اسعد الامارة

...................

* عُرض الفيلم في نادي الفلم في رابطة الفضاء الفرويدي "عيون الكلام" في باريس

من الحتمية الكلاسيكية إلى الاحتمال في الفلسفة المعاصرة

ليس من باب المصادفة أن يكون مفهوم الضرورة أكثر المفاهيم الفلسفية إثارة للجدل وأعظمها حضوراً في تاريخ العقل البشري، ذلك أنه يمثل ذلك الخط الفاصل بين يقيننا بأن للوجود نظاماً يدركه الفكر وبين هاجسنا المقلق بأن العالم قد يكون مجرد فوضى عمياء لا تخضع لأي حكمة متعالية. ولعل السؤال عن الضرورة هو السؤال الأول الذي طرحه الإنسان على نفسه حينما تأمل في السماء والأرض وحاول أن يجد للحركات التي تراها عيناه تعاقباً منتظماً وللأحداث التي يعيشها نظاماً لا يتبدل، وكأنما كانت الحاجة إلى الضرورة حاجة وجودية قبل أن تكون معرفية، حاجة إلى طمأنينة تغمر الروح بأن هذا الكون ليس ساحة عبثية بل كتاباً مسطوراً بحروف لا تخطئ وقوانين لا تتغير. غير أن هذه الرحلة الفلسفية الطويلة التي استغرقت قروناً من التفكير والمراجعة والنقد لم تكن لتستقر على حال بل كانت وكما هي طبيعة كل ما هو إنساني عرضة للاهتزاز والتغيير وإعادة التشكيل وخصوصاً حينما التقت الفلسفة بالعلم في لحظة تاريخية حاسمة، حينها لم يعد من الممكن التمسك بتلك الصورة الكلاسيكية للضرورة، تلك الصورة التي جعلت من الكون آلة دقيقة ومن الحتمية مبدأً لا يقبل النقاش بل كان لابد من فتح الباب على مصراعيه لرؤية جديدة، أكثر تواضعاً لكنها أيضاً أكثر إثارة للدهشة والإرباك.

ومن هنا ينبثق هذا المقال الذي نحن بصدده ليكون تأملاً عميقاً في رحلة مفهوم الضرورة منذ نشأته الأولى في الفكر الفلسفي اليوناني حين جعلها أرسطو أساساً للعلل الأربع التي يفسر بها الوجود مروراً بذروتها في فلسفة العصر الحديث مع نيوتن ولابلاس حيث تحولت إلى يقين رياضي مطلق وصولاً إلى اللحظة الدراماتيكية التي شكلت قطيعة معرفية لا رجعة فيها، حين كشفت فيزياء الكم وبخاصة مبدأ الريبة، حيث أن الاحتمال ليس مجرد أداة ظرفية يستخدمها العقل البشري المحدود بل هو جوهر الوجود ذاته وطابع أصيل لا يمكن تجاوزه. لكن هذه الرحلة ليست مجرد سرد تاريخي لتطور فكرة بل هي محاولة للإمساك بالتحولات المفهومية في جوهرها الفلسفي أي في تأثيراتها العميقة على فهمنا للحرية والأخلاق والمعرفة والسياسة وعلى تصورنا للإنسان نفسه في هذا الكون الذي لم يعد يضمن له أي شيء سوى أنه مطالب بأن يصنع معناه بنفسه. إن هذا المقال إذن ليس مجرد عرض فلسفي جاف، بل هو استدعاء لتلك اللحظات التاريخية التي هزت كيان الفكر الغربي وحاولت في كل مرة أن تعيد تعريف العلاقة بين العقل والواقع وبين الإنسان والعالم وبين الحتمية والصدفة، محاولاً أن يضع يده على النبض الحقيقي للفلسفة المعاصرة، ذلك النبض الذي لا يزال يبحث في خضم كل هذه التحولات عن إجابة للسؤال الأبدي: هل نحن في نهاية المطاف محكومون بقوانين لا نستطيع تغييرها أم أننا أحرار في كون لا يحكمه إلا احتمال أن نكون يوماً ما أكثر مما نحن عليه الآن؟

وليس ثمة من مفهوم في تاريخ الفكر الإنساني تبلور بهذه الدرجة من القوة والصلابة ثم تفككت نسيجه وتشظت أجزاؤه وأعيد بناؤه من جديد مثلما حدث مع مفهوم الضرورة. هذا المفهوم الذي كان بمثابة العمود الفقري للفلسفة الكلاسيكية والركيزة التي لا غنى عنها لأي بناء معرفي يزعم تقديم تفسير متماسك للوجود. فالضرورة بوصفها تلك الصلة المحكمة التي لا تقبل الانفصام بين الأسباب والنتائج والتي تجعل من الحاضر وليداً حتمياً للماضي ومن المستقبل أثراً محتماً للحاضر، كانت أشبه بالضمانة الأنطولوجية التي تحول دون انزلاق العالم إلى فوضى العبث واللا معنى. لقد تشبث بها الفلاسفة والعلماء على السواء ورأوا فيها الدليل الأسمى على قدرة العقل البشري على اختراق حجب الظواهر والوصول إلى النظام الخفي الذي يضبط إيقاع الكون، ذلك النظام الذي تغدو معه كل حادثة مهما بدت تافهة أو عابرة جزءاً لا يتجزأ من كل كوني شامل، وكأنما الوجود برمته سردية روائية واحدة لا يحتمل ثغرة أو فراغاً بل يسير وفق منطق صارم لا يترك مجالاً للصدفة أو العبث.

كان هذا التصور عن الوجود قائماً على إيمان راسخ بأن الطبيعة في أعماقها تخضع لقوانين صارمة يمكن للعقل البشري عبر الجهد المعرفي المتراكم أن يتبينها ويصوغها في معادلات وقوانين تتيح له التنبؤ بسيرورة الأحداث بدقة متناهية. وقد وجد هذا الإيمان تعبيره الأسمى في فيزياء نيوتن، ذلك البناء الهندسي الرائع الذي جعل من الكون آلة دقيقة متناهية الإحكام، قابلة للفهم والتحليل بل والتنبؤ بحركاتها قبل وقوعها. فالقوانين النيوتنية بتجريدها الرياضي البديع لم تكن مجرد أدوات وصفية بل كانت تعبيراً عن يقين ميتافيزيقي عميق بأن الضرورة هي النسيج الحقيقي للوجود. لقد رأى نيوتن في القوانين التي صاغها تجسيداً لحكمة الخالق ونظاماً أزلياً لا يتغير يجعل من الكون كتاباً مفتوحاً، كل لغز فيه قابل للحل وكل حدث قابل للتفسير في ضوء أسبابه السابقة. وتحولت الحتمية من مجرد منهج علمي إلى عقيدة فلسفية تسللت إلى كل مجالات المعرفة ورسمت صورة للإنسان والكون والعلم، صورة لا تشوبها شائبة وصار العلم في جوهره بحثاً دائماً عن الضرورة وتلمساً لخيوطها في كل مكان.

وإذا كان نيوتن قد وضع الأسس المادية لهذه الرؤية فإن بيير لابلاس، ذلك الفيلسوف الرياضي الذي كان عقلية القرن الثامن عشر بامتياز قد منحها تجسيدها الميتافيزيقي الأكثر بلاغة وأبعدها أثراً. تمثل رؤية لابلاس الكونية القمة التي بلغتها الحتمية الكلاسيكية، ذلك الموقف الذي يمكننا تسميته بـ"اليقين المطلق". ففي كتابه "العرض الفلسفي لنظرية الاحتمالات"، أطلق لابلاس فكرته الشهيرة عن عقل محتمل، هو "شيطان لابلاس"، الذي لو استطاع أن يعرف في لحظة ما مواقع وسرعات كل جسيم في الكون، لأمكنه بفضل القوانين الكلية للحركة أن يحوي في معادلاته ماضي الكون ومستقبله دفعة واحدة، فلا يغيب عن بصره شيء وتصبح كل الحوادث الماضية والمستقبلية بين يديه كأنها ماثلة أمامه. هذه الصورة البلاغية القوية لم تكن مجرد خيال علمي بل كانت التعبير الفلسفي الأكثر دقة عن روح عصر كامل، عصر رأى في العقل البشري القدرة على بلوغ اليقين التام وفي الكون نظاماً صارماً يمكن اختزاله إلى معادلات تفاضلية. لقد عبر لابلاس عن إيمانه بأن الكون يعمل كآلة ساعة دقيقة وأن دور العلم هو اكتشاف تروس هذه الآلة وعجلاتها وبمجرد أن يكتمل هذا الاكتشاف يصبح المستقبل محسوباً والماضي مفهوماً والحاضر برهاناً قاطعاً على امتداد لا يتجزأ من سلسلة الأسباب والمسببات. كان الوجود في نظر لابلاس ومن لف لفه أشبه بلعبة الشطرنج التي لا يمكن أن يشذ نقل منها عن النقل الذي يسبقه ولا يمكن أن يكون لأي وضع من أوضاعها إلا معنى واحد في سياق الوضع العام. وتحولت الصدفة إلى مجرد اسم للجهل البشري وكل ما نظنه عشوائياً ليس إلا نتيجة لقصور إدراكنا عن إحاطة بجميع العوامل المؤثرة في موقف ما. وبهذا طُرد الاحتمال من ساحة الوجود وأصبح مجرد أداة ظرفية يستخدمها العقل البشري المحدود للتغلب على نقص معلوماته ولم يعد له أي وجود موضوعي في نسيج الواقع نفسه.

غير أن هذه الصورة الكلاسيكية للعالم على ما فيها من قوة وتماسك لم تلبث أن بدأتها الشقوق تتسلل إليها من حيث لا يحتسب منظروها. لقد كان التحول الأكثر دراماتيكية والأعظم تأثيراً في مسيرة الفكر الفلسفي والعلمي معاً هو ذاك التحول الذي جاءت به فيزياء الكم، مقلبة تلك الصورة رأساً على عقب ومفككة كل تلك اليقينيات ومعلنة عن ميلاد مفهوم جديد للوجود قائم على الاحتمال واللاحتمية. هذا التحول الذي هز أركان الفلسفة والعلم وفتح باباً من الأسئلة الوجودية والمعرفية لم يكن مجرد تحديث لبعض النظريات العلمية بل كان قطيعة ابستمولوجية حادة كما وصفها غاستون باشلار مع كل التصورات الكلاسيكية للسببية والحتمية. لقد كشفت تجارب فيزياء الكم وبخاصة مبدأ الريبة الذي صاغه فيرنر هايزنبرغ عن حدود معرفية جوهرية لا يمكن تجاوزها، ليس بسبب قصور في أدواتنا بل بسبب طبيعة الواقع ذاته على المستوى الذري. فقد أثبت هايزنبرغ أن هناك علاقة عكسية بين دقة قياس موقع الجسيم ودقة قياس زخمه بحيث أن أي محاولة لقياس أحدهما بدقة متناهية تؤدي حتماً إلى زيادة عدم التيقن في قياس الآخر. وليس هذا مجرد عيب تقني يمكن تداركه بتطوير أدوات القياس بل هو خاصية أصيلة للواقع الكوانتي وكأنما الوجود في أعماقه يتحاشى أن يكشف عن كل أسراره دفعة واحدة ويظل محتفظاً بدرجة من الغموض وكأنما في طبيعة الأشياء كما عبر نيلز بور حداً للتمثل أو حاجزاً لا يمكن اختراقه نحو حقيقة مطلقة.

وقد وجد العلماء والفلاسفة أنفسهم أمام واقع جديد، واقع لا يخضع لقوانين السببية الصارمة التي سادت في الفيزياء الكلاسيكية بل لقوانين احتمالية حيث لا يمكننا التنبؤ بموقع الإلكترون أو سرعته بل فقط بحساب احتمالية وجوده في مكان معين. هذه الثورة في الفهم لم تقتصر على فيزياء الجسيمات بل امتدت لتشمل كل النظريات العلمية التي تتعامل مع أنظمة معقدة مثل علم الأحياء وعلم المناخ والاقتصاد حيث يصبح التنبؤ الدقيق مستحيلاً ويعوض عنه الحديث عن الأنماط والاحتمالات. وهنا يتجلى جليا عمق التحول المفهومي الذي أصاب فكرة "الضرورة"، لقد أصبحت هذه الأخيرة مجرد حالة خاصة، تقريبية، من حالات الكون، تنطبق على الظواهر الكبرى التي نتعامل معها في حياتنا اليومية وعلى المستوى الماكروسكوبي حيث يمكننا إهمال التأثيرات الكمية، أما على المستوى الأساسي، المستوى الذري فإن الضرورة تحل محلها "الإمكانية" بوصفها طابعاً أصيلاً للوجود وليس مجرد وصفة مؤقتة لجهلنا.

إن اللافت في هذا التحول أنه لم يلغِ الحتمية تماماً ولم يرفض فكرة النظام ولكنه أعاد تعريفها بصورة أكثر تواضعاً ومرونة. ففي الفلسفة المعاصرة وخاصة في المدرسة الوضعية المنطقية لم تعد الحتمية تُفهم بوصفها مبدأ ميتافيزيقياً مطلقاً ينبثق من طبيعة العقل أو من طبيعة الوجود بل أصبحت أداة منهجية أو مبدأ تنظيمياً للبحث العلمي يُفترض لتحقيق التقدم لكنه لا يفرض نفسه فرضاً على الواقع. وهذا يعني أن فيلسوف العلم المعاصر لم يعد يبحث عن "ضرورة" مطلقة في الأحداث بل عن "قانون" يصف بانتظام الظواهر في ظل شروط معينة بدرجة معقولة من التقريب. وهذا ما جعل ألبرت أينشتاين ذلك الفيزيائي العظيم في موقف نقدي حاد من هذه النزعة الاحتمالية معبراً عن إيمانه الراسخ بأن "الله لا يلعب النرد"، معبراً عن رفضه لتحويل اليقين العلمي إلى مجرد لعبة احتمالات ومصرا على ضرورة وجود نظام أعمق وإن كانت المعرفة البشرية غير قادرة على بلوغه. كان أينشتاين يحن إلى الحتمية الكلاسيكية ويرى في ميكانيكا الكم مجرد نظرية ناقصة تعكس قصوراً في الفهم وليست وصفاً نهائياً للواقع. لكن تطور التجارب العلمي وبخاصة في مجال المعلومات الكمية، كان يثبت يوماً بعد يوم أن الاحتمال ليس نقصاً معرفياً قابلاً للتعويض بل هو سمة بنيوية للكون مما جعل موقف أينشتاين يبدو في نظر كثيرين وكأنه دفاع عن صورة قديمة للعالم ضد ثورة لا يمكن وقفها.

غير أن هذا التحول لا يعني بأي حال من الأحوال أن مفهوم الضرورة قد انتهى تماماً وأن الفلسفة المعاصرة تخلت عنه نهائياً. بل على العكس فقد تمت إعادة صياغته وتأطيره في سياقات جديدة. ففي نظرية المعرفة مثلاً، ظل مفهوم الضرورة أساسياً في التفكير المنطقي والرياضي حيث يظل الاستدلال القائم على علاقات التضمن والاستلزام يحتفظ بقوته ولا يزال المنطق الصوري كما ورثناه من أرسطو يعتمد على فكرة أن بعض النتائج تتبع بعض المقدمات بالضرورة وهذا النوع من الضرورة لم يتزعزع بتاتاً بفعل ثورة الكم. ففي الرياضيات تظل الحقائق ضرورية بمعنى أنه من المستحيل أن تكون القضية الرياضية الصحيحة خاطئة وهذه الضرورة مستقلة عن أي نوع من الحتمية المادية أو الفيزيائية، إنها ضرورة منطقية أو ما يمكن تسميته بـ"الضرورة الشكلية"، وهي التي تبقي على تماسك النظام المعرفي. ونرى هنا أن الضرورة لم تغب بل انتقلت من مستوى الوجود (الأنطولوجيا) إلى مستوى المنطق والمعرفة (الابستمولوجيا) أو بتعبير أدق أصبحت هناك ضرورتان: ضرورة معرفية وضرورة فيزيائية، الأولى شكلية وتحليلية والثانية تركيبية واحتمالية. وهذه الثنائية في مفهوم الضرورة تعكس الثنائية نفسها في فهمنا للكون بين ما هو قابل للرياضيات الصرفة وما هو قابل للتجريب المفتوح على الاحتمال.

ونجد أنفسنا أمام إرث فلسفي ثقيل، تركته لنا الفلسفة الكلاسيكية متمثلاً في فكرة الضرورة بوصفها نظاماً حتمياً للعالم وإرث آخر حداثي تجسده فلسفة العلم المعاصرة التي ترى الضرورة مجرد أداة واليقين مجرد إمكانية نسبية. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يفرض نفسه هو كيف أثر هذا التحول المفهومي في تصورنا للإنسان نفسه وفي مفهوم الحرية والمسؤولية والأخلاق؟ إذا كان الكون في أعماقه لا يخضع لقوانين حتمية فهل يعني ذلك أن الإنسان أصبح أكثر حرية؟ أم أن هذه الحرية هي مجرد وهم آخر يختبئ وراء جهلنا بقوانين أكثر تعقيداً؟ هنا يلتقي الفيزيائي بالفيلسوف الأخلاقي ليبحثا معاً في تداعيات هذه الثورة المفهومية، ليس على طبيعة الوجود فحسب بل على طبيعة الإنسان نفسه ومصيره وقيمته في هذا الكون الاحتمالي.

وإذا كان التحول المفهومي في صلب الضرورة قد هزّ أركان الفيزياء والأنطولوجيا فإن ارتداداته كانت أشدّ عنفاً حينما بلغت مجال الفكر الأخلاقي والسياسي، ذلك المجال الذي تظل فيه مسألة الإنسان هي القضية الأولى والأخيرة. فالحتمية الكلاسيكية في صورتها القصوى لم تكن مجرد نظرية في طبيعة الأشياء بل كانت مشروعاً أنثروبولوجياً بامتياز رسمت للإنسان صورة محددة، هو جزء من آلة كونية خاضع لقوانينها كما تخضع لها الحجارة والكواكب وليس له من إرادة ذاتية إلا بمقدار ما تسمح به تلك القوانين. غير أن هذا التصور على قسوته كان يمنح الإنسان شيئاً من الطمأنينة إذ كان يجعله رغم صغره جزءاً من كل متناسق ويمنح أفعاله معنى ضمن سياق كلي ويجعل من مصيره مسألة يمكن نظرياً على الأقل التنبؤ بها وفهمها. لكن ثورة الاحتمال حين أزاحت الحتمية من عرشها لم تترك الإنسان في فراغ ميتافيزيقي بل وضعته أمام تحد جديد وأكثر إرباكاً: إذا كان الكون لا يضمن نظاماً ضرورياً وإذا كان الاحتمال هو الطبقة الأساسية للوجود فكيف يمكن للإنسان أن يبني أخلاقاً أو يمارس حرية أو يتحمل مسؤولية أفعاله في عالم يحتمل كل شيء ولا يضمن شيئاً؟

لقد أدرك الفلاسفة منذ اللحظة الأولى التي تسربت فيها أخبار فيزياء الكم إلى حيز الفلسفة أن المسألة ليست مجرد تعديل في بعض المعادلات العلمية بل هي قلبٌ للعلاقة بين الإنسان والعالم. فكانت الوجودية في صيغتها السارترية خير تعبير فلسفي عن هذه اللحظة التاريخية. لقد انطلق سارتر من أرضية أخلاقية جديدة هي أرضية لا مركزية للإنسان في الكون ولا حتمية ترسم مساره مسبقاً بل هو مشروع مفتوح يتشكل من خلال اختياراته وحين قال "الإنسان محكوم عليه أن يكون حرا"، كان يضع يده على مفارقة هذا الوجود الاحتمالي: الحرية ليست نعمة بل هي حمل ثقيل يقع على كاهل الإنسان في غياب أي ضمانات كونية أو إلهية، في عالم لا يقدم له جدول أعمال ولا خريطة طريق. هذه الحرية التي يفاخر بها الفكر الحديث هي في الحقيقة وجه آخر للقلق الذي يثيره الاحتمال، إنها القدرة على الفعل في سياق لا ضمان فيه للنتائج وهذا هو عين ما طرحته فيزياء الكم على مستوى الجسيمات، إمكانية الفعل الحر في عالم غير حتمي. غير أن سارتر لم يكن وحيداً في هذا المضمار فقد سبقه فريدريك نيتشه الفيلسوف المتمرد الذي كسر صنم الحقيقة والسببية الكلاسيكية وجعل من الإرادة والقوة مبدأين أساسيين للوجود. ففي فلسفة نيتشه نجد رفضاً صريحاً لأي حتمية مطلقة سواء كانت مادية أو إلهية ونزعة إلى الاحتفال بالصدفة وبالقوة الخلاقة التي تصنع المعنى من العبث. بالنسبة لنيتشه، العالم ليس نظاماً ضرورياً بل فوضى خصبة تنتظر من يمنحها شكلاً والإنسان ليس عبداً لقوانين بل فناناً ومشرعاً للقيم وهذا بالضبط هو ما يجعل الفعل الإنساني حاسماً في عالم لا تحكمه ضرورة بل إمكانية وتجدد دائم.

غير أن هذه الرؤية الوجودية رغم جاذبيتها الهائلة لم تخل من إشكالات عميقة، إذ إذا كانت الحرية مطلقة إلى هذا الحد وإذا كان لا وجود لأي ضرورة أخلاقية موضوعية فقد يتحول العالم إلى ساحة عبث وفوضى أخلاقية لا تحكمها إلا رغبات الأفراد ونزواتهم. هنا تظهر أهمية العودة إلى نوع من الضرورة، ليست ميتافيزيقية هذه المرة بل أخلاقية عملية، ضرورة تنبثق من طبيعة الوجود الإنساني نفسه ومن اشتراطات العيش المشترك. إيمانويل كانط الذي كان سباقاً في نقد الحتمية الميتافيزيقية حين فصل بين عالم الظواهر الذي يخضع للسببية وعالم الوجودات الذاتية الذي يخضع للحرية، قد وضع أسساً لقراءة جديدة للضرورة لا تقوم على نظام الطبيعة بل على ضرورة العقل العملي نفسه. فضرورة الأمر الأخلاقي أو ما سماه كانط بالواجب القطعي هي ضرورة لا تقبل المساومة ولكنها ضرورة مفترضة يتم وضعها من طرف العقل البشري نفسه وليس من طرف قوانين كونية خارجية. ونجد كانط يقدم لنا نموذجاً للضرورة التي تبقى محتفظة بقوتها الإلزامية دون أن تكون حتمية سببية، وهذا بالضبط هو الموقف الذي أصبح ممكناً بعد ثورة الاحتمال حيث يمكن للفكر الأخلاقي أن يبني قواعده على أسس عقلية لا على أسس فيزيائية أو ميتافيزيقية مطلقة مما يجعل الأخلاق مستقلة عن مصير الكون الطبيعي وقادرة على الصمود في وجه أي تشكيك يأتي من العلم التجريبي.

وإذا انتقلنا إلى المجال السياسي نجد أن التحول المفهومي للضرورة قد ألقى بظلاله الثقيلة على نظريات الدولة والقانون والعدالة. فالحتمية التاريخية بكل صيغها من هيغل إلى ماركس كانت تستند إلى فكرة أن التاريخ يسير وفق قوانين ضرورية وأن المجتمعات تنتقل من مرحلة إلى أخرى وفق نظام حتمي لا مفر منه. غير أن انهيار هذه الحتمية على المستوى العلمي والفلسفي جعل من الصعب الاستمرار في الإيمان بوجود "قوانين تاريخية" صارمة وفتح الباب أمام نظريات سياسية تقوم على العقد الاجتماعي والاختيار الحر والتخطيط العقلاني بدلاً من الانتظار السلبي لقطار التاريخ المحتوم. كارل بوبر في نقده الحاد للتاريخية بكل أشكالها كان واضحاً في ربطه بين رفض الحتمية العلمية ورفض الحتمية التاريخية معتبراً أن العلم الحقيقي هو علم يتعامل مع الفروض والاحتمالات وأن السياسة الحكيمة هي تلك التي تتبنى منهجاً تجريبياً قائماً على التصحيح المستمر للأخطاء بدلاً من الانقياد لقوانين وهمية تزعم أنها تملك مفتاح المستقبل. ونرى أن التحول من الضرورة إلى الاحتمال لم يكن مجرد حدث علمي بل كان ثورة في فهمنا لأنفسنا كجماعات ودفعنا إلى تصور السياسة كفن الممكن لا كعلم ضروري، وهو ما جعل الديمقراطية والمواطنة النشطة أكثر من مجرد خيارات بل صارت ضرورات عملية في عالم لا يمكن التنبؤ بمساره بيقين ويحتاج بالتالي إلى حكمة جماعية وتداول عقلاني لمواجهة ما لا يمكن توقعه.

أما في مجال الأخلاق الفردية فقد أدى هذا التحول إلى إعادة تقييم جذرية لمفاهيم الثواب والعقاب والمسؤولية. ففي إطار الحتمية الكلاسيكية كان الجاني مجرد حلقة في سلسلة أسباب أدت به إلى ارتكاب جريمته مما يجعل العقاب في أفضل الأحوال أداة وقائية أو إصلاحية وليس تعبيراً عن مسؤولية أخلاقية حقيقية. أما في الفضاء الاحتمالي الجديد حيث لا حتمية مطلقة يصبح الفرد مسؤولاً عن اختياراته بشكل أعمق، ليس لأنه يمتلك إرادة حرة مطلقة بل لأنه يعيش في عالم لا يضمن له أي شيء وعليه أن يتحمل عواقب ما يفعله مع العلم أنها لم تكن محتومة بل كانت ممكنة بين احتمالات أخرى. وهذا بالضبط ما يجعل الأخلاق الإنسانية أكثر إنسانية لأنها لم تعد قائمة على الخوف من عقاب كوني أو على إيمان بقوانين جامدة بل على إدراك أن الإنسان في عزلته ووضعه المحدود هو من يضفي على الأفعال قيمتها وهو من يوزع الثواب والعقاب في ضوء معايير يضعها بنفسه متحللاً من عبودية الضرورة المطلقة ومتشبثاً بإمكانية الفعل في فضاء مفتوح على كل الاحتمالات.

لكن هذه الحرية الجديدة التي يمنحها لنا الاحتمال ليست رفاهية فلسفية يمكن الاستمتاع بها في برج عاجي بل هي واجب ثقيل يتطلب من الإنسان أن يكون أكثر وعياً بحدوده وأكثر تواضعاً في ادعاءاته المعرفية وأكثر جرأة في تحمل مسؤولية أفعاله في عالم لا يغفر الأخطاء لكنه لا يمنع التعلم منها. إن الفلسفة المعاصرة في رحلتها من الحتمية الكلاسيكية إلى الاحتمال لم تكن مجرد تطور نظري بل كانت تأملاً في مصير الإنسان، في عالم لم يعد يضمن له أي شيء سوى أنه لا شيء مضمون. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، إن الضرورة التي بدت لنا كسجن كانت في العمق ملجأً من قسوة الحرية والاحتمال الذي بدا لنا كتحرر هو في الحقيقة اختبار لا ينتهي لقدرة الإنسان على أن يكون إنساناً أي أن يعيش في ظل الغموض وأن يختار رغم التردد وأن يأمل رغم الإحباط وأن يبني المعنى رغم هشاشته. هذا هو الدرس الفلسفي الأعمق الذي تقدمه لنا الثورة الاحتمالية، ليس أن الكون قد أصبح مكاناً عشوائياً لا معنى له بل أصبح مكاناً ندعوه نحن بفعلنا واختيارنا وأخلاقنا، إما إلى الجمال والحكمة وإما إلى الفوضى والضياع. الضرورة لم تمت بل تحولت من مبدأ كوني قاهر إلى أفق أخلاقي منشود ومن حتمية تأسر الفكر إلى إمكانية تحرر العقل ومن يقين يطمئن القلوب إلى سؤال يحرك الحياة. وربما كانت خاتمة هذا التحول هي أن ندرك أن الضرورة الحقيقية ليست تلك التي تفرضها علينا قوانين الطبيعة بل تلك التي نصنعها بأيدينا حين نختار في كل لحظة أن نكون أحراراً في عالم لا حتمية فيه إلا حتمية السؤال الذي لا ينتهي عن معنى أن نكون هنا، الآن، في هذا الكون الاحتمالي المتدفق بالأسرار والدهشة.

***

د. حمزة مولخنيف

 

يرى البروفيسور جوليان بيلارد Julien Beillard أستاذ الفلسفة في جامعة تورنتو ان لا منطق في الادّعاء بنسبية الأخلاق. ان التنوّع في العقائد وطرق الحياة هو الحقيقة المدهشة في النوع البشري. ما يجده المورمون (أتباع كتاب مورمون المقدس) صحيحا ومعقولا ربما هو مقيتا للماركسيين والماوربون (سكان ايزلندا الأصليين). شعب الازتيك مارسوا طقوس التضحية البشرية لأسباب نجدها غير مقنعة بالكامل، ولا شك ان الناس في المستقبل أيضا سيكونون حائرين او يشعرون بالاشمئزاز من بعض ممارساتنا. لهذه الأسباب، يستنتج البعض ان لا وجود هناك لحقيقة موضوعية حول الاخلاق. هم يقولون ان أحسن توضيح لعدم الاتفاق الأخلاقي يتم من خلال الفكرة بان هناك العديد من الحقائق الأخلاقية النسبية المختلفة والغير منسجمة، والتي بطريقة ما تتقرر بمعتقدات مجتمع معين، وان هذا هو النوع الوحيد الموجود للحقيقة الأخلاقية . لذا بالنسبة لشعب الايزتك يرون من الصحيح أخلاقيا ممارسة التضحية البشرية رغم انها زائفة بالنسبة لنا. اذن عموما، الادّعاء الأخلاقي (س) هو صحيح نسبيا بشرط ان يتم الايمان به من جانب افراد المجتمع (ص). نفس الفكرة الأساسية ربما جرى تطويرها بشكل مختلف نوعا ما. بعض النسبيين ربما يقولون،مثلا، ان (س) هو صحيح نسبيا بشرط انه متضمن في معايير (ص) الاخلاقية بصرف النظر عما اذا كان افراد (ص) يؤمنون حقا بها. (سوف نتجاهل هذه التفاصيل لأنها لا تغير شيئا من جوهر المسألة التي نطرحها).

الازتيك يؤدون طقوس التضحية البشرية

سنناقش هنا هذه الحجة من عدم اتفاق أخلاقي ونعرض ما نعتقد انه المشكلة الأكثر خطورة للنسبية الأخلاقية: ذلك اننا هنا لا نستطيع فهم معنى ان تكون الحقائق الأخلاقية نسبية. وطالما لا نمتلك فكرة حول ما تعنيه، فان النسبية الأخلاقية لن تكون توضيحا جيدا لحقيقة الاختلافات الأخلاقية العميقة والمستمرة – ولا يمكن أيضا دعم الأخلاقية النسبية بواسطة أي نوع من الاستدلال. لذا اذا كان عدم الاتفاق الأخلاقي دليلا ضد موضوعية الحقيقة الأخلاقية، فانه يمكن فقط ان يكون دليلا للعدمية الأخلاقية: فكرة ان لا وجود هناك لحقائق أخلاقية.

تقويض الذات

الجدال لأجل الاخلاق النسبية بسبب التنوع ألاخلاقي هو غير مقنع . اذا كان مجرد اختلاف الافراد والجماعات حول فكرة ما كافيا للتدليل على ان تلك الفكرة تفتقر الى قيمة حقيقة موضوعية، فسوف لن تكون هناك حقيقة موضوعية حول عمر الكون او أسباب مرض التوحد. أملاً في درء تلك الحجة المضادة، يدّعي النسبيون عادة ان هذه الاختلافات الأخرى لا تشبه الاختلافات الأخلاقية بطريقة ملائمة. فمثلا، الفيلسوف الامريكي جيس برنز Jesse Prinz ذكر ان الاختلافات العلمية يمكن تسويتها بالملاحظة او القياسات الجيدة، وانها عندما تُعرض بنفس الكمية من الدليل او الأسباب، فان العلماء سيتفقون، لكن لايمكن قول نفس الشيء عن المفكرين الذين يعملون بمبادئ أخلاقية مختلفة. وحتى لوسلّمنا بهذا الفرق، لايزال من المشكوك فيه ان عدم الاتفاق الأخلاقي هو سبب جيد لقبول النسبية الأخلاقية. في نهاية المطاف، هناك عدم اتفاقات عميقة وعصية على الحل في الفلسفة وفي الاخلاق أيضا. فمثلا، بعض الفلاسفة يعتقدون ان الحالات الذهنية مثل الألم او الرغبة هي فقط حالات فيزيقية، آخرون ينكرون هذا، ومع ذلك كلا المعسكرين مطّلعين على الدليل والأسباب التي تُستخدم لدعم وجهة النظر المعارضة. فهل نقول اذن لا وجود هناك لحقيقة موضوعية حول كيفية اتصال الحالات الذهنية بالعالم المادي؟ هذا يبدو غير معقول ابداً. في هذه المسألة، العديد من الفلاسفة ينكرون ادّعاء الاخلاقيين النسبي بان الحقيقة الأخلاقية هي نسبية لما يعتقده مجتمع معين. هل يتبع ذلك ان هناك فقط حقيقة نسبية ولا حقيقة موضوعية حول النسبية الأخلاقية ذاتها ؟

ربما القليل من النسبيين الاخلاقيين سيكونون راغبين لقبول هذا النوع "العالي" من النسبية. هم يعتقدون انه حتى لو لم يتفق العديد من الفلاسفة محدودي البصيرة معهم، فان الحقيقة الأخلاقية تُعد نسبية بالنسبة لمجتمع ما، اذ انها حقيقة موضوعية تتعلق بالواقع مفادها انه لا توجد حقائق أخلاقية موضوعية بل مجرد حقائق نسبية. لكن هذا سيكون موقف قلق ولا يمكن التنبؤ به، اذا كان انصار النسبية يؤمنون بنسبيتهم استنادا الى حجة تعتمد على المبدأ القائل بانه اذا وُجد نوع معين من الاختلاف حول موضوع ما، فلا توجد حقيقة موضوعية تتعلق بذلك الموضوع. اذا كان ذلك المبدأ صحيحا، فان حقيقة وجود عدم اتفاق حول استنتاجه النسبي يعني ان الاستنتاج ذاته غير صحيح موضوعيا، ولكن فقط  صحيح نسبيا. لذا اذا كانت حجة هذا النسبي جيدة، عندئذ ومن خلال معاييره الخاصة هو يجب ان لايؤمن بان استنتاجه صحيح موضوعيا، او لو كان هو مؤهلا للايمان باستنتاجه، يتبع ذلك ان الحجة ليست جيدة.

فهل نحتاج الى تقويض او هزيمة ذاتية لنؤمن ان الحقيقة الأخلاقية هي نسبية، وان تلك الحقيقة حول الحقيقة الأخلاقية هي ذاتها صحيحة نسبيا أيضا؟ من المفرح اننا لا نحتاج للنظر بهذا السؤال باهتمام كبير، طالما نعتقد ان جوهر المشكلة في النسبية الأخلاقية هو ليس انها زائفة، وغير معقولة او منهزمة ذاتيا، وانما لأنها غير مفهومة. أي، ان لا وجود هناك لمفهوم واضح عن الحقيقة يمكن استخدامه لتأطير الاطروحة بان الحقيقة الأخلاقية هي نسبية لمعايير او معتقدات مجتمع معين.

الحقيقة والعقيدة Truth& Belief

 لنحاول الان توضيح هذه المعارضة عبر ادخال بعض الحقائق البديهية حول الحقيقة. أولاً، الادّعاء هو صحيح فقط اذا كان يمثّل أشياءً كما هي حقا. الادّعاء باني ارتدي جوراب ازرق هو صحيح فقط اذا كنت حقا ارتدي جوراب ولونه ازرق حقا.

نفس المبدأ العام يصمد بالتأكيد في الادّعاءات الأخلاقية. افرض اني قلت ان الانتحار غير أخلاقي، مع ذلك في الواقع الموضوعي لا وجود لمثل هذا الشيء كخطأ أخلاقي. أي، افرض ان لا شيء مما يفعله أي شخص خاطئ أخلاقيا، رغم ان بعض الأفعال تبدو خاطئة.عندئذ ادّعائي باللااخلاقية هو زائف، لأنه ينسب لأفعال معينة خاصية لا تمتلكها. انه كالادّعاء بان جورابي صُنع بواسطة السيدة ماريا. لا شيء له خاصية في كونه صُنع بواسطة ماريا، وبالتالي فان أي تصريح يزعم ان جواربي يتميز بتلك الخاصية فهو تصريح كاذب.

أولئك المنجذبون للأخلاقية النسبية ربما يعارضون بأننا نفترض هنا مسبقا مفهوم موضوعي للحقيقة: مفهوم يربط ما يُقال او يُتصور عن العالم بالطريقة التي يكون فيها العالم حقا، بشكل مستقل عن هذه الأفكار. ما في اذهانهم هو مفهوم مختلف عن الحقيقة – مفهوم لا يستلزم أي علاقة بين وجهة النظر الذاتية او التمثيلات وشيء مستقل عن وجهة النظر تلك.

نعترف باننا نفترض سلفا تصورا موضوعيا للحقيقة، لكن ما هو البديل؟ هل لدينا أي مفهوم للحقيقة لا يستلزم ذلك النوع من العلاقة؟ للتأكيد، الناس أحيانا يقولون ان الادّعاء هو صحيح لشخص معين لكن ليس للأخر – يعني ان الادّعاء يبدو صحيحا للشخص الأول لكنه لا يبدو صحيحا للشخص الثاني. ولكن مثلما الذهب ليس نوعا من الذهب، ما يبدو صحيحا او حقيقيا ليس نوعا من الحقيقة. المقصود بهذه الطريقة من الكلام، هو مجرد عقيدة. لنقل انه صحيح لبعض الأطفال ان ماريا تعيش في القطب الشمالي، لكن اذا كان ذلك يبدو صحيحا فقط لبعض الأطفال انها تعيش هناك، فهل حقا هي فقط طريقة للقول انهم يؤمنون بها. الايمان لا يجعلها هكذا. ونفس الشيء، اذا كانت الاخلاق النسبية هي فقط ادّعاء بان ما يبدو صحيحا أخلاقيا لبعض الناس (ما يعتقدونه حول الاخلاق) يبدو زائفا للاخرين، هذا صحيح لكنه لا أهمية فلسفية له، وهو منسجم مع الموضوعية حول الحقيقة الأخلاقية. انه أيضا يجدر القول ان الاخلاق النسبية المفسرة بهذه الطريقة لايمكن دعمها بحجة من عدم الاتفاق. خلاصة تلك الحجة كانت ان الاخلاق النسبية هي توضيح جيد لعدم الاتفاقات الأخلاقية التي نلاحظها. لكن الادعاء بان بعض الادعاءات الأخلاقية تبدو صحيحة لبعض الناس وزائفة للاخرين هي فقط إعادة تأكيد حقيقة عدم الاتفاقات الأخلاقية التي يُفترض ان تُوضح من جانب النسبية، انها لا تستطيع توضيح تلك الحقيقة. (ربما بعض الأشياء واضحة بذاتها لكنها ليست عدم اتفاق أخلاقي).

لذا هناك نوع مألوف للحقيقة يعتمد على المقدار الذي يكون به الواقع جزءا من عقيدة الناس او تصوراتهم، وأيضا هناك نوع زائف للحقيقة بانه لا شيء اكثر من عقيدة. النظرية النسبية للحقيقة الأخلاقية تنكر صراحة ان الادعاءات الأخلاقية صحيحة دائما (او زائفة) بالمعنى المألوف، لكن لو فُسرت بالطريقة الثانية، فان النسبية تنهار الى سخافة او تفاهة. النسبي يحتاج نوع ثالث من الحقيقة، في المنتصف بين المألوف والزائف: ليس فقط مظهر للحقيقة، ولكن ايضا ليس حقيقة تعتمد على واقع موضوعي. لا وجود هناك لهذا الشيء. على الأقل، نحن غير قادرين على تصور ما سيكون عليه هذا النوع الخاص من الحقيقة، ومن الغريب ان النسبيين صامتون حول هذه القضية المركزية.

لا طريقة ثالثة

لنتذكر ان النسبية الأخلاقية لها مكوّنان: هناك انكار لأي حقيقة موضوعية، والادّعاء بنوع آخر من الحقيقة الأخلاقية. افرض ان عدم الاتفاق الأخلاقي يثير فعلا شكوكا حول الحقيقة الموضوعية في أي مبدأ أخلاقي. هل يتبع ذلك ان الشفرات الأخلاقية هي صحيحة بمعنى آخر؟ كلا، لأنه ربما ذلك يعني ان لا ادعاءات اخلاقية صحيحة في أي معنى. قد لا يتفق الناس هنا لأنهم اندمجوا ثقافيا في مختلف الثقافات الأخلاقية، لكن جميع العقائد والمعايير الأخلاقية لكل الثقافات هي زائفة. لذا فان الحجة من عدم الاتفاق ربما حجة لعدمية أخلاقية بدلا من نسبية أخلاقية.

كيف يأمل النسبيون تأسيس اطروحتهم الإيجابية، بان الادعاءات الأخلاقية هي أحيانا صحيحة بدون ان تكون صحيحة موضوعيا؟  نحن غير مطلعين على أي حجج مقنعة لتلك الفكرة. على العكس، النسبيون يميلون بدلا من ذلك نحو حجة بتفاصيل اكثر لأجل أطروحة سلبية، بان الاخلاق ليست صحيحة موضوعيا، كما لو ان ذلك وحده كان كافيا لاستنتاجهم النسبي. وهكذا يقول برنز ان "الاحكام الأخلاقية ترتكز على العواطف"، أي، "العقل لا يستطيع ان يخبرنا أي قيم نتبنّى"، وانه حتى لو كان هناك شيء مثل طبيعة بشرية، ذلك سيكون بلا فائدة، طالما ان مجرد الحقيقة باننا نمتلك طبيعة معينة يترك السؤال مفتوح ما اذا كان الطبيعي هو جيد أخلاقيا. دعونا نسلّم بكل هذا ونسلّم لأجل الجدال انه فعلا يثير شك حقيقي حول الحقيقة الموضوعية للمعتقدات الأخلاقية. في غياب أي تفسير لنوع معين للحقيقة التي يُفترض ان تكمن في مكان ما بين مجرد العقيدة وتمثيل دقيق للواقع الموضوعي، لماذا يجب ان نعتقد بالاحكام الأخلاقية كحقائق لأي نوع؟ لماذا لا نقول فقط ان كل الشفرات الأخلاقية هي زائفة؟ سيبدو من غير المعقول للفيلسوف الذي يعتقد بالاستدلال الأخلاقي بهذه الطريقة لينظر بالمعتقدات الأخلاقية بنفس الطريقة التي ينظر بها الملاحدة للمعتقدات الدينية – كزائفة.

هناك شك ان السبب الذي يجعل بعض الفلاسفة يرغبون بطرح هذا الاستنتاج العدمي هو ببساطة انه، كما في معظم الناس، لديهم قناعات أخلاقية راسخة خاصة بهم . هم يعتقدون انه من الخطأ الأخلاقي المتاجرة بالمخدرات او اغتصاب الاطفال، مثلا، وبهذا هم لا يريدون القول ان تلك العقيدة زائفة. لأنه كيف يمكنهم الاستمرار في الاعتقاد بها، بينما أيضا يعتقدون ان ما يعتقدون به ليس صحيحا؟ هذه التسوية الغير سعيدة لا يمكن الدفاع عنها. اذا لم تكن هناك حقيقة أخلاقية موضوعية، لا يمكن ان يكون هناك نوع آخر من الحقيقة الأخلاقية.

***

حاتم حميد محسن

.....................

Moral Relativism is Unintelligible, Philosophy Now, issue 97, July/August 2013

آليَاْتُ بَلاغةِ الجمهورِ العِرَاقيّ فِيْ نَقْدِ خِطَاْباتِ المُرشحِينَ للانتِخَابَاتِ البرلمَانيَّةِ

الخِطابُ هُوَ فِعْلٌ قوليّ إنجازيّ يَرتكزُ إلى مرجعياتٍ مَعرِفيةٍ أو أيديولوجيَّة تشكّلُ رؤيتَهُ، ويمتلكُ سُلطةً فِي التوجيه ومحاولة الهيمنة وإعادة تنميط الأفكار والتأثير في المتلقين وتوجيه مسارهم الفكريّ والعمليّ، ويستندُ في ذلك إلى مجموعةٍ من الآليات اللغويَّة تنتهجُ خططاً طويلة المدى يُصْطَلَحُ عليها في أدبيات تحليل الخطاب بـ (استراتيجية الخطاب)، وتتنوعُ تلك الاستراتيجياتُ في ضوء ظروفِ إنتاج الخطاب ومراحل تكوينه وكيفية بناء نسيجه اللغويّ، فقد تكونُ استراتيجيتُهُ تصريحيةً تعتمدُ الدلالةَ المباشرة َغيرَ الإيحائية كالخطابِ الرسميّ الإداريّ والخطاب العلميّ، وقد تكونُ استراتيجيتُهُ تلميحيةً عمادُها الكنايةُ والترميزُ لتمرير معانيه الضمنيَّة غير الصريحة كالخطاب الأدبيّ التخييليّ وخطاب التَّعمية والتَّعريض وخطاب التَّورية، وقد تكونُ استراتيجيتُهُ توجيهيةً حجاجيةً إقناعيةً كالمرافعاتِ القضائيَّةِ والتَّرويج التَّسويقيّ التجاريّ، وهذهِ الاستراتيجيةُ الأخيرةُ يرتكزُ عليها خطابُ المرشحينَ فِي الانتخاباتِ البرلمانيَّة العراقية لكسب أصوات الناخبين وإقناعهم بالتصويت من خلالِ حزمةٍ من الوعود الانتخابيَّة يتمُّ عرضُها بأسلوبٍ حجاجيّ في بلاغةٍ يومية تقدمُ حججاً شبه منطقية تمتزجُ فيها المغالطةُ بالتمويه والتلاعب العاطفيّ بالتضليل، ولأنَّها فقدتْ شرطَ النزاهةِ بعد فشل التجربة البرلمانية في الحياة السياسية العراقية، فهي فاقدة لمبدأ التعاون في ضوء مفهوم (بول غرايس) لشروط الحوار، فالوعود فاقدة للفعل التأثيري في توجيه الناخبين، والدليل عزوف نسبة تفوق الثمانين بالمئة ومقاطعتهم للانتخابات الماضية وفقدان حماستهم وعدم اكتراثهم بالمشاركة في الانتخابات لهذه الدورة الجديدة باستثناء الجمهور الحزبيّ للناخبين، وهو جمهور مُؤدلج مقتنع سلفاً بمرشحيه من دون حاجة لاستنفار أدوات البيان الخطابية لتوجيهه. وعلى الرغم من ذلك تشكل صفحات الفيس بوك منصة لخطابات المقاطعين وخطابات المرشحين والإعلان عن حملاتهم الانتخابية وعرض رؤاهم في التغيير والإصلاح وتقديم الوعود، ولا تمتلك هذه الخطابات أي فاعلية إقناعية سوى الفاعلية التنبيهية البصرية للتدليل على أيقونة الكيان الحزبي ورمزه وصورة المرشح ورقم تسلسله في القائمة، فالبوست الانتخابي بوصفه خطاباً في ضوء خُطاطة (رومان جاكوبسن) تكاد أنْ تنحصرَ وظيفتُهُ الإبلاغيةُ بإقامة الاتصال والتنبيه وتغيبُ وظيفته الندائية التأثيرية بينما يشكل خطابُ الجمهورِ خطاباً موازياً ساخراً وناقداً ومفككاً لخطاب المرشحين وينتهج استراتيجية تلميحية في الغالب، عمادُها التهكّم والسّخريَّة اللاذعة الممزوجة بالعنف اللغوي اللفظيّ الذي يجسّد اهتزاز الثقة وخيبة الأمل بالتجربة الانتخابية البرلمانية، وتحضرُ فيه المفرداتُ التقييمية المشحونة بدلالة نفسية هامشية تختزنُ الحنقَ والضّيقَ والبرم، وهي في الغالب تعليقاتٌ قصيرةٌ في بنائها الجمليّ ويمكنُ الاصطلاحُ عليها بأنها نصوص احادية الجملة، ففي لحظات الغضب والبرم أثناء المعالجة الذهنيَّة في تأويل الخطابات المُستفزة يعمدُ الذهنُ إلى إنتاجِ جملٍ قصيرةٍ نسبياً تكاد تنحصر وظيفتها اللغوية بالوظيفية التعبيريَّة التي تنفّس عن ضِيْقٍ وغضب، وتكونُ عبارةً عن ردّة فعل عفويّ صادق وسريع. وخطاباتُ الجمهورِ هذهِ تمثلُ خطابَ المُمانعةِ الذي يتحرر من قبضة خطاباتٍ سلطويةٍ تتوسلُ ببلاغةٍ لفظيةٍ عاليةٍ وحججٍ شبهِ منطقيةٍ ويوظّفُ رمزياتٍ دينية ووطنية وانجازاتٍ وهمية مشفوعة بوعود مستقبلية تستثمرُ بعوز الناس وفقرهم وضيق حياتهم، مع حشدٍ من الترهيب لما يولده الفراغ الدستوري بغياب الدورة الانتخابية من منزلق أمني خطير يهدد السّلم الأهليّ وينذر بالعنف والاقتتال والتقسيم، كلُّ ذلك يشكّل آليات الهيمنة في خطاب المرشحين، ففي ضوء المنهج النقدي لتحليل الخطاب لـ(نورمان فيركلف) وفي ضوء (بلاغة الجمهور) يمكن أنْ يُعدَّ خطابُ الجمهور العراقي خطاباً تحررياً من إرادة هيمنة خِطاب المرشحين وأحزابهم، وله آلياتُه اللغويةُ ومفرداتُهُ المعجمية المقيّمة للناخبين، وله مجازاته واستعاراته المعبّرة عن تمثلاته للتجربة الانتخابية، وله استراتيجيته في تشكيل خطابه التحرري الناقد لخطاب المرشحين، وهذه الاستراتيجية تشكل تقابلاً خطابياً يقف بوجه خطاب المرشحين ويفككه. ويستمد خطابُ الجمهور سلطته النقدية التقابلية من التجربة المرة وقيمه الاجتماعية الموروثة التي تمثل مستودعاً لتزويد الخطاب الحجاجيّ بـ (القيم) الموجهة لمساره الإقناعي في العبور من المسلمة إلى النتيجة من قنطرة تلك القيم التي غالباً ما تجسدها أمثاله وكنايته العامية الشعبية وعباراته المسكوكة ومجازاته الميتة واستعاراته غير الحية بحسب (بول ريكور).وفي مناهج تحليل الخطاب يُنظر إلى(بلاغة الجمهور) من خلال مفهوم (الاستجابة)، وهي غير (استجابة القارئ) الجمالية في نظريات القراءة الأدبية عند (ياوس) و(إيزر) التي تقوم على تلقي النَّص ضمن (أفق التوقع) وقبليات الفهم والتَّأويل، فـ (استجابة الجمهور) من منظور تحليل الخطاب تنظرُ في الموقف الذي يتخذه جمهور المتلقين من الحمولات الايديولوجية السلطوية تفاعلاً أو إذعاناً وقبولاً أو رفضاً وممانعة أو نقداً، وقد تكونُ الاستجابة فعلاً معارضاً لا فعلاً قولياً، وقد تكون الاستجابة استجابةً سلبيةً صامتةً. ونواةُ (بلاغة الجمهور) شكَّلها مفهومُ (رجع الصدى) للمرسلة اللغوية في الحقل الإعلاميّ الذي يهتم برصد ردود أفعال الجمهور إزاء بثّ محتوى إعلاميّ، ولكنَّ الفارقَ الكبيرَ أنَّ تحليل (بلاغة الجمهور) ينطلق من رصد فاعلية خطابات الهيمنة وأثرها في الجمهور واستجابة الأخير، فخطاباتُ الهيمنة تعمل على تنميط الأفكار وتشكيل المواقف وخلق الأتباع للوصول إلى السلطة، وهي أيضاً تعتمد سلطة اللغة والايديولوجيا فيْ بثِّ أفكارها.ومن الجدير بالذكر أن هذا المنهج (بلاغة الجمهور) يُعد امتداداً لتيار (البلاغة الجديدة) وقد عرف طريقه في الدراسات العربية ولا سيما في تحليل الخطاب السياسيّ منذ أكثر من عقد، ومن أبرز رواده العرب الباحث المصري (عماد عبد اللطيف) في إسهامه في الترجمة وجهوده التنظيرية في تطوير المنهج وتطبيقه في تحليل الخطاب السياسيّ للرؤساء المصريين، وتحليله لاستجابة المانعة عند الجمهور المصريّ في كتابه (لماذا يصفق المصريون)، و كتابه (بلاغة الحرية) الذي تضمن بلاغة الجمهور في الربيع العربيّ وثورة يناير المصرية.

والجديرُ بالذكر أنَّ هذا المقالَ لن يكتفي بالإفادة من منجز الباحث (عماد عبد اللطيف) في التوفيق بين المنهج النقديّ لتحليل الخطاب و البلاغة الجديدة بصورة بلاغة الجمهور والجمع بينهما، فالمقالُ سوف يوظف ـ إلى جنب ذلك ـ أدوات اللسانيات الإدراكية في تحليل الاستعارة التصوريَّة لدى الجمهور العراقيّ، ويوظف منطلقاتِ لسانيات التلفظ والأدوات التداولية في تحليل الخطاب لما يتيحه حقلُ الخطاب من تضافر منهجيّ لمعارف بينية تشفُّ عن (بلاغة الجمهور العراقيّ) وآليات خطاباته في الممانعة، وتصنيف استجاباته اللفظية المختلفة.

وغالباً ما تكونُ (بلاغة الجمهور) واحدة من أهم السبل لقياس الرأي العام واستطلاع رأيه إزاء حدث ما، ومصاديقها استجاباتهم المختلفة الموازية لخطابات السلطة السياسية والسلطة الدينية وخطابات الترويج الإعلاني التجاري وأهدافه التسويقية، ومن غير الصحيح أنْ يجري النظرُ إلى استجابة الجمهور من عينة واحدة وتلخيصه باستجابة معينة، فبلاغة الجمهور العراقي هي استجابات شتى لا استجابة واحدة، فهناك استجابة حزبية مؤيدة، وهناك استجابة انتخابية حزبية رافضة داعمة لمرشح آخر وقائمة أخرى، وهناك استجابة مقاطعة مُؤدلجة، وهناك استجابة مؤيدة غير متحزبة وهي قليلة جداً، وهناك استجابة رافضة مقاطعة غير متحزبة وغير مؤدلجة تصدر عن فقدان ثقتها بالناخبين وعدم جدوى العملية السياسية، وهذه الاستجابة الأخيرة سيتخذها هذا المقال موضوعاً في تحليله البَلاغيّ لاستجابات الجمهور وتعليقاته في صفحات الفيس بوك في شهر تشرين الأول من عام 2025. وهذا التاريخ يسبق موعد إجراء الانتخابات بشهرٍ واحد. والجديرُ بالذكر أنَّ الاستجابة المؤيدة تقوم على الثناء والمديح وتقديم سلم حجاجي تتسق فيه الحجج بروابط لتنتهي بنتيجة كون المرشح يستحق التصويت له لما قدمه، بينما الاستجابة غير المؤيدة للمرشح تنتهج عكس ذلك.

ومن تجليات بلاغة الجمهور العراقي ألفاظه واختياراته المعجمية، فالجمهورُ العراقيّ يستعمل مفردة (لاحوك) على وزن (فاعول)، وهو من أوزان اللغة السريانية الذي اقترضته اللغة العربية الفصحى في إحدى مراحلها التأريخية، ويشيع كثيراً في العامية العراقية بقلب القاف كافاً من (لحق) بالشيء واتبعه، فالأصل هو (لاحق) من اسم الفاعل التي تقابل دلالياً مفردة (سابق)، و(لاحوق) في العامية العراقية فيها معنى المبالغة، وهي من أكثر المفردات التي تشيع على لسان الجمهور في نقد وتحقير من يؤيد مرشحاً انتخابياً معيناً تزلفاً وطمعاً بوعوده النفعية غير البرامجية، وفيها معنى استعاريّ اتجاهيّ من منظور الاستعارة التصورية الفضائية(الاتجاهية) في اللسانيات الإدراكية، وكأَنَّ الانتخاباتِ تمثّلُ سباقاً، وهناك اتجاه وهناك من يسير في اتجاه ما، وهناك من يلحقه. و هذه الاستعارة استعارة تواضعية غير إبداعية في ضوء مفهوم (جورج لا يكوف) للاستعارة التصورية، ويقد يُقال عن جمهور المرشح المؤيدين (لواحيق) على وزن (فواعيل) والمفردة مشحونة بدلالة هامشية سلبية تقييمية في تحقير النفعيين والوصوليين المتملقين.

وَفيْ معرض انتقاد الجمهور لوسائلِ الجذبِ الماديَّة التي يقدمها المرشحونَ لكسبِ الأصواتِ وتنافس المرشحين في المبالغ التي يدفعونها لشراء البطاقاتِ ــ أقولُ في معرض ذلك ــ يظهرُ تعليقٌ ساخرٌ من بين تعليقات الجمهور الكثير ة، وصاحبُ التعليقِ يخاطبُ الشخصَ الذي نشرَ المنشور المتهكم بأحد المرشحين الدافعين للمبالغ الكبيرة (ما اتدليني عليه خل ايطبكلي السطح كاشي ويشتريلي زوالي للشتة والله العظيم حتى املطخ راسي بالحبر مو بس اصبعي اله)، وفي التحليل النفسيّ لسايكولوجية اللاشعور الجمعي تمثل النكات منفذاً لتنفيس الرغبات المكبوتةــ في تصور فرويد ـ وتشف عن باطن الشخصية ودوافعها الحقيقية، فهذهِ العبارةِ الأخيرةِ وإنْ كانت صورةً كاريكاتوريةً ساخرةً في رسم من يلوث ملابسه وجسده بالحبر الانتخابي ويدخل رأسه برمته في المحبرة وليس أصبعه، وهذا أمرٌ محال منطقياً إلا أنَّه يعكسُ تردي الواقع الاجتماعيّ وافتقار جملةٍ من الناس لأبسط مقوماتِ الحياة، وهو المأوى الآمن الصالح للسكن، وافتقارهم للفرش اللائق الذي يقيهم البرد، وهذا ما يدفع بعض الجمهور لتلقي رشى الناخبين. وهناك تعليق آخر على المنشور نفسه وعلى شخصية المرشح نفسه (هذا مرجان أحمد مرجان العراق) في دلالة رمزية تشبيهية موفقة ومختصرة وواضحة على أنَّ المالَ الفاسد يشتري المواقع الاجتماعية المختلفة ومن بينها المقعد البرلمانيّ، فهذه الشخصية السينمائية التي صورها أحد الأفلام السينمائية المصرية تمثل شخصية انتهازية، والفلم يحملُ اسمَ البطلِ نفسه (فلم مرجان أحمد مرجان) الذي جسّده الفنان (عادل أمام) ويصور واقع الفساد الذي ينخر في جسد المجتمع ويفتك بمؤسساته مما يتيح لرجل أعمالٍ فاسدٍ أنْ يشتري ويرشو الموظفين للحصول على الشهادة الجامعية والحصول على الاستثمارات المالية والظهور بمظهر النجومية الإعلامية والرياضية والإطلالة بوجه ثقافيّ في انتحاله للشعر والظهور بمظهر الوجاهة الاجتماعيَّة في تقديم المساعداتِ الخيريَّة للمحتاجين إلى أنْ يتمكنَ من الفوز والوصول إلى البرلمان من خلال شراء الأصوات واستغلال حاجة الناس، فالمال بوسعه شراء كل شيء! فالاسم يتضمن دلالة رمزية تستحضر حبكة الفلم وجدليتها ويجرى إسقاطها في بلاغة الجمهور على المشهد العراقيّ الحاضر، فهناك (مرجان احمد مرجان عراقيّ) مثلما هناك (مرجان أحمد مرجان المصريّ) ؛ في تهكّم واضحٍ يحقق الاختصارَ ويتيح للمتلقي فسحةً من التأويل في تَمَثُّلِ خُطاطةِ الفلمِ وإسقاطها على واقعه، فبلاغة الجمهور قائمةٌ على الإيجاز والتكثيف الشديد الذي يضمن الثراءَ في الإيحاءِ والتَّأويلِ.

ويوظفُ الجمهورُ العراقي المثل الذي يلخص تجربة اجتماعية تنطوي على حكمة وتمثل مسلمة من مسلمات الجمهور وعقله الجمعي، وتمتلك الأمثال فاعلية حجاجية في حسم الكثير من القضايا، فلنقد جدوى العملية الانتخابية يضربُ الجمهورُ مثلا للمقتنعين بالانتخابات والمرشحين (يمدح السوك من يربح به)، ولعدم جدوى الانتخابات يضرب المثل (اللي مطرت لو غيمت شمحصل العاكول)، ويُضرَبُ لعدم الجدوى أيضاً المثلُ (ذيج الطاس وذاك الحمام)، وللكناية عن سلبية الجمهور وسكوتهم المؤدي لتمادي البرلمانيين والسياسيين (سكتناله طب بحماره)، ومن يستغل الجمهور من المرشحين يُكنى عنه بالمثل (ياكل وية الذيب ويبجي وية الراعي)، وهو من الأمثال التي تضرب للنفاق السياسيّ وخداع الجمهور واستخدامه، فبعد الفوز سيصطف مع الفاسدين من الطبقة السياسية، وفي انتقاد المرشح الذي يستغل أصوات دائرته الانتخابية ولكن انجازاته تصبُّ فيْ مناطق ثانية لغير جمهور منطقته يستشهد الجمهور بالمثل الدراج (حمام الكاظم ياكل هنا ويضرك هناك). وتتنوع تعليقات الجمهور إزاء صورة مرشح معلقة على ساق نخلة مرتفعة في بوست على إحدى صفحات الفيس بوك وقد الحقت بتعليق ساخر(منو يعرف هذا المرشح خستاوي لو برحي) ؟ كناية عن انتمائه الحزبي و مدى صدق وطنيته، فتوالت التعليقات في وصفه وتسميته بأنواع التمر الرديئة مثل (شيص/ موخوش رطب/ زهدي).ومن العبارات التي تدل على البرم (منو صاح نازل)، وسياقها الوضعي الأول يُسْتعمَلُ في النزول من الباص بسب ضيق الراكب بشخص قد لا ينسجم معه، فهذه العبارة تستعمل تهكماً إزاء وعود أحد المرشحين. وهناك عبارات دالة على التحدي وتفاقم مشاكل البلد العصية على الحلول (من تفوز رجع للناس خور عبدالله)، ويتهكم الجمهور بمفردة (عالم الفضاء) إزاء تحذلق المرشح في رؤيته لحل المشاكل ومعالجاته المستقبلية المقترحة (ما ندري بهاي السالفة نشكرك يا عالم الفضاء)، وينتقد الجمهورُ تظاهرَ المرشحين بالوطنية فتلجأ إحدى التعليقات إلى استعارة إدراكية تصورية، وهي عبارة عن استعارة الوعاء والمحتوى (امفولين وطنية)، فـ (التفويل) هو امتلاء الخزان بالوقود، والاستراتيجية التلميحية في الخطاب تؤشر الى دلالة ضمنية عكسية بمعنى خلوهم من الوطنية تماماً. وفي إحدى جمل الجمهور المتهكمة (بميزان جذبك إن شاء الله) وفيها إبدال للفظ (الحسنات) ليحل محله (الكذب) فهي في الأصل من عبارات الدعاء والامتنان، واستعملت للتهكم بوعود المرشحين. ومن عبارات الجمهور المتهكمة في تكلف المرشحين للتواضع (ايباخ اشكد متواضع جيفارا)، وهناك تعبير عن برمهم في الحاح المرشحين والمبالغة في الوعود الزائفة (شخبصنا رونالدو)، ومن الصور الكاريكتورية المتهكمة بطريقة لاذعة التي تصور تخلي المرشحين حال فوزهم عن وعودهم للجمهور عبارة (انت لابس السطمبة من هسة حتى من توصل تبصم قبل الكل) 0 والسطمبة مفردة دالة على التحبير الذي هو من لوازم الختم وهي لا تلبس ولكن سياق التهكم اللاذع قد جعلها رداء يُلبس بمعنى التهيؤ والاستعداد للتخلي عن الوعود. وأبرز التعليقات الساخرة من وعود المرشحين عبارة (من يكمل البتلو) بمعنى حينما يشارف اكتمال أساس المنزل(البتلو) الظاهر؛ في دلالة على التكذيب والتهكم، فالمرحلة الأولى لبناء البيت هي من أسرع المراحل كناية عن القرب ولكن القصد التهكمي منها هو أنه أمر بعيد، ونظير ذلك عبارة (الصبح الصبح من يعوعي الديج)، فصياح الديك أمر يومي ومشهد مألوف وعادةً ما يُضرب الصبح مثلاً لقربه كقوله تعالى (إن موعدهم الصبح. أليس الصبح بقريب)، ولكن المعنى القصدي في دلالة الجمهور هو أنه أمر بعيد لعدم صدق الناخبين، ونظير ذلك (آني بالنسبة إلى أصدكك بس أشوف واقنع عمامي) فالعبارة تناسب قضية شخصية وخصاماً أسرياً ولا تناسب تعليقاً على كلام مُرشحٍ ولكن دلالتها الضمنية غير الحرفية تتضمن قصدية السخرية، ونظيرُ هذا أيضاً عبارة (غطو.. غطو) في تكرار فعل الأمر (في الطلب لدثار المرء المريض) تعليقاً على وعود تفوه بها أحد المرشحين، فسياقها التداولي الوضعي يلائم المريض أو الطفل الذي استيقظ فزعاً بسبب البرد، فإحالتها تشير إلى الشخص الذي يستحق الإشفاق كونه يهذي، فكأن كلام المرشحين ـ في ضوء مفهوم الاستلزام الحواريّ ــ هو عبارة عن هذيان فاقد للإعلامية والتأثير. وترد مفردات البناء والإعمار كثيراً في دعاية المرشحين، وواحدة من عبارات الجمهور الساخرة الناقدة على حديث البناء (اتلاثة وعشرين سنة مالكيتو خلفة يبنالكم). و في بعض استعارات الجمهور تمثل لعبة كرة القدم وفي ضوء الاستعارة التصورية الإدراكية مجالاً تصورياً مصدراً يجرى إسقاطه على المجال موضوع الخطاب الذي يتمثله الجمهورــ أي المجال الانتخابي الهدف ــ ويعكس تصورهم عن هيمنة الكتل الحاكمة وعدم جدوى المقاطعة وعدم جدوى المشاركة في الوقت نفسه (يلعبون علينا تك كول والحارس ما موجود). وفي بعض الاستعارات التصورية القائمة على إسقاط صورة على صورة ثانية في تمثيل إعادة إنتاج الطبقة السياسية الفاسدة وتكرار التجارب السابقة نفسها، يتمثل الجمهورُ الانتخاباتِ مشهداً مسرحياً خاضعاً للإنتاج في استعارةٍ تصورية نصُّها (هية هية نفس الفلم والمسرحية ماحاجة نتابعهة للنهاية). ويستعملُ الجمهورُ كثيراً من العبارات الصادمة غير اللائقة نحو : (ترة ما يصير كل عشرة مرشحين ابتيل انريد تيل ابكل مرشح)، وهذه العبارة من عبارات التورية التلميحية الخادشة للحياء العام التي تنتهك المحظور اللغوي الاجتماعي والتي تصبُّ فيْ خِطاب الكراهية فيْ نقد الجمهور لتزاحم صور المرشحين في الشوارع بنحو مبالغ فيه. والحق أنَّ منْ غيرِ الصحيحِ مساواةُ الأدبِ النخبويّ من حيث الجمالية وأساليب البلاغة ببلاغة الجمهور، فالأخيرة لا تضاهي الأدبَ النخبويّ، ففيها من الإسفافِ والابتذال والاستعاراتِ التواضعيَّة والمجازاتِ الميتة غير الحية الشيءُ الكثيرُ، صحيح أنها تشتمل على اليقظة والتحرر من هيمنة الخطابات السلطوية ولكن بلاغة الجمهور العراقي مشحونة بخطاب الكراهية والعنف الرمزي، وهذا مما يُؤسفُ لَهُ، وفيها من المعاني التي تنذرُ بالخطر في انقسام الشَّارع وتدني ذوقه بنحوٍ ملفتٍ للنظرِ، ولكن دراسة بلاغة الجمهور تبقي تمثل مَجسّاً للتعرف على استجابته للخطابات السلطوية الفوقية وقياس الرأي العام. وإذا كانت الكثير من الدراسات قد التقطتْ جمالياتٍ بلاغية عند الجمهور فيْ حِراك الرَّبيع العربيّ ولا سيما بلاغة الجمهور العراقي في ثورة تشرين إلا أنَّ منشأ ذلكَ هو وجودُ فواعل نخبويَّة مثقفة امتزجتْ بالجمهور وأَسْهمتْ فِيْ إنماءِ ذائقة الجمهور ورفعِ وعيهِ، وأَسْهمتْ في الحِراك والتَّنظيم من خلال الرموز وابتكار الاستعاراتِ والخطاباتِ المتحررة التي تبناها الجمهورُ، فمن غيرِ الصَّحيح مساوةُ النخبويّ ببلاغة الجمهور فِي المنحى الجمَاليّ والذوقيّ والرؤيويّ.

***

د. كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي في جامعة بغداد

بنية الاستثناء وتعرية الزيف الكولونيالي (غرور نقطة الصفر)

إعادة تعريف الشر سياسياً: الكذب كبنية مؤسساتية

تتداخل مفاهيم السيادة، والاستثناء، والعنف البنيوي في فضاء الفلسفة السياسية المعاصرة ونظريات ما بعد الاستعمار، لتكشف عن الآليات المعقدة التي يتسلل بها الشر إلى صلب أنظمة الحكم الحديثة عبر بوابة الكذب الممنهج. لم يعد الشر، في المنظور الفلسفي النقدي، مجرد خطيئة أخلاقية فردية أو انحراف نفسي عابر، بل غدا يُفهم بوصفه بنية استثنائية راسخة، تتغلغل في مفاصل السلطة وتُشرعن وجودها عبر الكذب المؤسساتي والتزييف القانوني. إن هذا التسلل البنيوي ليس سقطة عفوية، بل هو خيار عقلاني أداتي تفرضه متطلبات التكيف السياسي، وتمليه حاجة الأنظمة الحاكمة إلى البقاء عبر صناعة "حقيقة زائفة" تتوافق مع فضاء عالمي شديد التعقيد. يمتد هذا التأسيس ليعيد إنتاج ذاته في فضاء ما وراء الطبيعة، متحالفاً مع آليات الاستعمارية الجديدة التي تعيد صياغة الهويات، وتكريس التراتبيات العرقية، وصياغة أنماط إنتاج المعرفة؛ ليجعل من الكذب السيادي أداة لخدمة مراكز الهيمنة العالمية وتبرير سحق الآخر تحت غطاء الكونية المصنوعة.

بنية الاستثناء وزحزحة السيادة: من الضرورة إلى التسييل

تمثل أطروحة الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين حول "حالة الاستثناء" مدخلاً معرفياً رئيساً لفهم كيفية تحول التدابير غير القانونية الكاذبة إلى بنية نظامية دائمة؛ ففي اللحظات التي تستشعر فيها السلطة السيادية تهديداً حقيقياً أو متخيلاً لبقائها، تعمد إلى تعليق العمل بالقوانين الدستورية تحت ذريعة كاذبة هي "حالة الضرورة". هذا التعليق لا يهدف إلى إلغاء القانون كلياً، بل إلى خلق منطقة رمزية غامضة والتباس مقصود تذوب فيه الحدود الفاصلة بين الداخل والخارج، وبين ما هو قانوني وما هو مستباح. وهنا يتحول الكذب السيادي من مجرد إجراء مؤقت أملته الظروف، إلى تقنية حكم دائمة، وأساس خفي تستند إليه السلطة الحديثة، ديمقراطية كانت أم استبدادية. ومن خلال هذا التعليق المستمر للقاعدة القانونية، يتم إدراج حياة الأفراد الحيوية البحتة داخل الفضاء السياسي بوصفها جسداً مستباحاً يمكن إقصاؤه أو إنهاء وجوده دون اقتراف جريمة قانونية محددة، وتحت غطاء كثيف من الصمت والتبرير الزائف.

غير أن هذه القراءة التقليدية للسيادة تواجه زحزحة معرفية كبرى في السياق العالمي المعاصر؛ إذ يقدم عالم الاجتماع زيغمونت باومان نقداً حاداً لأطروحة أغامبين، كاشفاً عن قصورها في إدراك تحولات السيادة تحت وطأة العولمة. يرى باومان أن الفضاء المعولم شهد انفكاك الارتباط الوثيق بين السيادة التقليدية المقترنة بالدولة والحدود الإقليمية، وبين القدرة الفعلية على إنفاذ السيطرة. لم تعد السيادة حبيسة الحدود الوطنية، بل تمددت وتدفقت في شبكات مالية وسياسية عابرة للقارات، مما جعل آليات الاستثناء والكذب الحمائية تكتسب مرونة فائقة و"تسييلاً" يتيح لها إعادة إنتاج أدوات الإبادة والتذويب البشري بشكل دائم ومتحرك خارج الرقابة. ونتيجة لذلك، أصبحت الأنظمة الحديثة تمارس استثناءها وعنفها متخفية وراء شركات عابرة للحدود أو اتفاقيات أمنية دولية تشرعن العنف وتجرد الإنسان المحيطي من حقوقه الأساسية باسم أكاذيب "التنمية" و"الاستقرار المشترك".

النيوليبرالية والسيادة الشعبوية: قناع الديمقراطية الإجرائية

لا تقتصر بنيوية الشر الاستثنائي على الأنظمة الشمولية الكلاسيكية، بل تتعداها وتتجلى بوضوح في النظم الديمقراطية المعاصرة عبر تحالف الرأسمالية الشرسة أو "النيوليبرالية" مع الحركات الشعبوية الصاعدة، حيث يبلغ الكذب السيادي ذروته البلاغية. توظف هذه الأنظمة التبرير العقلاني الزائف للسوق لإعادة صياغة الإنسان بوصفه مجرد مورد قابل للاستهلاك والاستبدال، حيث يجري إقصاء الفئات الهشة وتهميشها تحت لوائح الكفاءة الاقتصادية الكاذبة. إن السيادة الشعبوية المعاصرة تتغذى على صناعة الخوف، وتخليق عدو وهمي داخلي أو خارجي لشرعنة حالة استثناء جديدة تتيح اختراق الحقوق الدستورية باسم حماية الأمن القومي ومصالح الهوية النخبوية.

من هنا، يصبح الشر الاستثنائي ممارسة ناعمة ومقننة بفضل ترسانة من الأكاذيب السياسية التي تمرر عبر صناديق الاقتراع والقوانين الاقتصادية الجائرة، لتنتج نظاماً يستبعد الأغلبية لحساب قوى السوق المعولمة، محولاً الديمقراطية الإجرائية إلى غطاء يستر آليات الإقصاء الصامت والتفقير الممنهج لشرائح بشرية كاملة تركت لمواجهة الفناء البطيء وسحق الوجود الإنساني.

استعمار الوعي وغرور نقطة الصفر

إن شرعنة البنية الاستثنائية للشر وتبريرها مؤسساتياً يستلزمان بالضرورة إعادة إنتاج أكاذيب كبرى في فضاء ما وراء الطبيعة، تتواطأ مع الاستعمارية الجديدة لتشكيل وعي الذوات المستعمرة وإخضاعها. تبرز هنا أطروحة "كولونيالية السلطة" التي صاغها المفكر أنيبال كيخانو، لتوضح أن زوال الاستعمار العسكري والإداري المباشر لا يعني بحال من الأحوال زوال آليات الهيمنة المتجذرة؛ إذ تظل الكولونيالية حية وفاعلة في معايير الأداء الأكاديمي، والأنماط الثقافية السائدة، والصورة الذاتية المهزومة للشعوب بفضل رواية استعمارية كاذبة تدعي التفوق التاريخي الأصيل. يعتمد هذا المخطط على "العرق" بوصفه اختراعاً كولونيالياً زائفاً لتصنيف البشر وترتيبهم وجودياً، مما يمنح المركزية الأوروبية حق السيطرة المطلقة على المعرفة وإنتاج المعنى وتعميمه كحقيقة كونية وحيدة.

لا يقتصر عمل هذه السلطة على ادوات القمع العنيفة، بل يمتد بذكاء إلى توظيف الإغراء الثقافي؛ حيث تغدو الثقافة الغربية نموذجاً براقاً يفتح الطريق نحو القوة والمكانة، مما يدفع النخب المستعَمرة إلى الاندماج طوعاً في هذا النظام، وتجريد معارفهم المحلية وتاريخهم الوطني من أي شرعية علمية أو فلسفية. يتكامل هذا التحليل مع نقد سانتياغو كاسترو غوميز لما يسميه "غرور نقطة الصفر" في كولونيالية المعرفة؛ إذ يدعي هذا المنظور المعرفي الغربي كذباً القدرة على رسم خريطة العالم وثقافاته من موقع محايد، متعال، ومنفصل عن أي سياق جسدي أو جغرافي. هذا الزيف الأبيستيمولوجي يؤدي إلى تكريس عنصرية معرفية تفترض أن العالم الأول وحده هو من يمتلك العلم والنظرية، بينما يقتصر نصيب العالم الثالث على الثقافة الشعبية والحكمة المحلية الشفوية.

تتوج هذه التراتبية الوجودية بنظرية نيلسون مالدونادو-توريس حول "كولونيالية الوجود". فبينما يركز التحليل الوجودي الغربي مع مارتن هايدغر على الاختلاف بين الوجود والموجود، يقدم مالدونادو-توريس، بالاستناد إلى أفكار فرانتز فانون، زوايا أعمق عبر مفهومي "الفارق دون الوجودي" و"الفارق الفوق وجودي" لتفسير كيفية إخراج الإنسان المستعمر من دائرة الوجود الإنساني الكامل وتصنيفه ككائن دون-بشري عبر تزييف حقيقته الإنسانية، مما يبرر ممارسة أقصى درجات العنف المادي والرمزي ضده دون شعور بالذنب الكوني.

تشمل كولونيالية الوجود تدميراً منهجيّاً عبر الحروب والاستراتيجيات الاستعمارية؛ إذ يتم استخدام العنف الجسدي كأداة لكسر إرادة الجماعة وتدنيس حرماتها الوجودية، بينما يتعرض الإنسان في المجتمعات المستعَمرة لتشييء بنيوي مستمر يحرمه من أي فاعلية سياسية أو سيادة حقيقية، تاركاً إياه في حالة هشاشة وجودية دائمة. ومن رحم هذه الكارثة الوجودية المطلقة تنبثق "الصرخة"، وهي تعبير ما قبل نظري يجسد السؤال الجوهري الحارق الذي يعري كذب المنظومة الاستعمارية وسخف ادعاءاتها الإنسانية:

 «لماذا نستمر في العيش؟»، وهو السؤال الذي يحرك مسارات التفكير النقدي المستقل والعصيان المعرفي الجذري لتحرير الوجود والوعي من ربقة الاستعمارية الجديدة وزيفها المقنع.

نحو أفق بديل: العصيان المعرفي وتفكيك الأكاذيب البنيوية

إن تفكيك بنيوية الشر الاستثنائي يكشف في محطته الأخيرة عن حقيقة صارخة:

 إن الجور الذي يقع على مجتمعات الجنوب ليس عطلاً تقنياً عابراً في ماكينة الحداثة، بل هو جوهر تصميمها المرتكز بنيوياً على الكذب السيادي والتزييف المعرفي. إننا نقف هنا أمام وثيقة إدانة فلسفية وتاريخية كبرى للتحالف الاستعماري الجديد؛ هذا الحلف غير المقدس الذي وظف الفلسفة المتعالية ونظرية المعرفة الإقصائية ليجعل من إبادة وعي الشعوب، واستباحة أجسادها، خياراً تمرره الأنظمة الحاكمة تحت مسميات كاذبة كالعقلانية الإدارية والتكيف مع السوق المعولم.

لقد نجح هذا التحالف في صياغة ترسانة قانونية ومفهومية أفرغت العدالة من محتواها الأخلاقي والعدلي، لتنتج إنساناً مسلوب السيادة، ومواطناً عارياً مستقراً في قاع تراتبية عرقية واقتصادية وهمية شيدها "غرور نقطة الصفر" الغربي المعزز بكولونيالية الوجود الشرسة. إن التحرر الحقيقي يستوجب إعلان عصيان معرفي جذري كوني ينطلق من صرخة المضطهدين الوجودية؛ لا ليطالب بمقعد أو اعتراف داخل النظام الاستعماري الكاذب القائم، بل ليهدم جدرانه المعرفية وأكاذيبه البنيوية بالكامل، مستنداً إلى استرداد قداسة الحياة والجسد البشري، وبناء فضاء إنساني وجماعة سياسية بديلة، عادلة، وغير إمبريالية، متحررة من إرث الإمبراطوريات المادي والرمزي على حد سواء.

***

غالب المسعودي

هناك جدلية شائكة بين عالم الإسلام والشرق الأوسط وهو ما أشارت إليه (ليلى غاندي " لنفي الهيمنة الإمبريالية الثقافية على الواقع العربي، ومحاولة جادة لمقاومة التنميط الغربي للعقل العربي. نفس الأمر الذي أكده يحيى بن الوليد في كتابه المعنون بـ " الوعي المحلق -2010) بأن كل محاولات دراسات الشرق كانت بمثابة صور فوتوغرافية جاهزة التصنيع عن واقع العرب والتي توحي بأن العقل العربي في طرحه الديني والنقدي والتاريخي والعلمي على مشارف التيه والشتات، ومن ثم هو بحاجة ماسة إلى دراسات الغرب كبوصلة صوب شاطئ النجاة.

نستقرئ معا لحظة الثقافة العربية الراهنة لنتيقن أن ثمة صياغة حداثية لحركة التاريخ الاجتماعي المعاصر للثقافة واللغة، أبرزها التحول القهقري لإعادة إنتاج الثقافات النوعية المرتبطة بالبيئات ذات الخصوصية الثقافية وثيقة الصلة بالمكان والزمان والأرض. وجاء هذا التوجه المعاصر نتيجة التفكير مجددا في ما أفرزته الحضارة الغربية المنصرمة من أن الثقافة معادل موضوعي للحضر والتحضر مقابل الريف وثقافات الجنوب بصفة عامة.

وظن الغرب بدياناته السماوية والوضعية على وجه الاختصاص لقرون طويلة يصدر للعالم العربي أن الطرح الوافد هو بحق المعادل الموضوعي المثالي للتقدم الفكري والروحي والمادي أيضا، وهذا ما جعل الكثير من تنويري الوطن العربي يدرك على الفور أن ما يصدره الغرب تحديدا منذ أواخر القرن التاسع عشر هو بمثابة مغزى استعماريا موازيا للقوة العسكرية.

ووجدت الكتابات الغربية ذات التوجه الاستعماري الوطن العربي تربة صالحة للغرس لاسيما وأن مفهوم الثقافة تعددي يتلاءم مع طبيعة التعددية الثقافية واللغوية (اللهجات) والنزعات القومية والسياسية المتباينة وظهور زعمات وكيانات سياسية واجتماعية لا يجمع بينها الوطن الواحد سوى العلم والأرض فقط !.

فوجدنا مثلا ماثيو أرلوند يقدم ثقافة الحداثة بديلا عن المسيحية بل تطوع جاهدا في إبراز إخفاقات المسيحية في أداء وظائفها الأيديولوجية، الأمر الذي دفع عشرات المفكرين العرب آنذاك وبعده أيضا في اعتماد منهجيته لبيان إخفاقات الفكر والفلسفة الإسلامية والسعي لنقد النصوص الدينية القديمة. والمدهش هو إعلان هؤلاء المفكرين الذين لم يدركوا طرح ماثيو أرلوند المتوافق فقط مع بيئته الغربية بأن الأصولية الدينية هي عقيدة من تخلت عنهم الحداثة.

وبمنطق الطير ندرك على الفور أن مفاد تلك التوجهات الخبيثة كانت تستهدف تفكك الهوية العربية وخلق حالات مستدامة من التنافس الذي سرعان ما تحول إلى صراعات مذهبية شديدة الوطيس.

وعلى شاطئ أخر موازٍ لتفكك الهوية تبزغ كتابات النقد والتحليل الثقافي لكل من كلود ليفي شتراوس، ولويس ألتوسير، ورولان بارت، وكرستين ميتز، وجاك لاكان، انتهاء بميشيل فوكو، وهذا البزوغ القصدي والعمدي الذي لم ينتج جديدا ببيئاته انتهى لدينا بالاضطراب في مسارات التفكير والنقد نفسه، مما شكل وقتها وربما حتى لحظاتنا الراهنة لأسرى الفكر الغربي حيرة مستدامة مستمرة في تلقي النصوص العربية ؛ لأن تلك الكتابات نفسها كانت وستظل مجرد تصورات فردية عن علاقات اجتماعية وليست إبداعية ثقافية تؤمن بالتنوع الثقافي والاعتراف بهويات المهمشين والأقليات.

كل هذا العبث ألقى بظلاله لسنوات بعيدة على النقد العربي الذي سبق الإبداع بخطوات سريعة وبعيدة بعد أن كان رد فعل له، فكانت كارثة التلقي من خلال الأخذ بالتفسير الاجتماعي وإلقائه على النصوص التراثية التي لها قدر كبير من القدسية والاحترام والإجلال أيضا. 

فهذه البنيوية الشرسة كما كشف عن نياتها غير السوية (إيان كريب) في كتابه " النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس " 1999 يؤكد على أن النظرية بأصحابها ترى العالم نتاجا للأفكار، وأن هذا العالم هو نمط منطقي واحد يماثل الدال والمدلول والعلامة التي لا تقبل الاختلاف والتأويل.

وهذا ما رصده المفكر العربي المصري الكبير الدكتور (عبد الوهاب المسيري) في كتابه الماتع " رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر " 2000 من أن مشكلة من تلقى الحداثة الغربية هي عدم وعيهم بالتاريخ العربي الضارب في القدم بتفاصيله الفنية، وتساءل في هشة استنكارية بقوله " كيف تعبر الأفكار في خصوصيتها وتركيبيتها وذاتيتها عن البناء التحتي في عموميته وكيف يمكن أن نقفز من الواحد إلى الآخر؟ ".

الغريب هنا أن عبث الحداثة الغربية جعلت مفكري الوطن العربي بعضهم يستسلمون إلى تحول المقولات الغربية خبيثة التوجه إلى مرجعية ثابتة لا تقبل التناقض أو التطاحن!.

وكم من مرة حذر جغرافي العرب الدكتور جمال حمدان في كتابه " شخصية مصر " والدكتور زكي نجيب محمود في كتابه القيم والمتجدد " تجديد الفكر العربي "، وعبد الوهاب المسيري في كتابه " رحتي الفكرية " من أن هدف الحداثة هو السيطرة على العالم لا تنويره أو تثوير أفكاره، كذلك استبعاد العناصر الأخلاقية والإنسانية التي يتسم بها المواطن العربي.

واستغلت الكتابات الغربية الأزمات البيئية والحروب العالمية وفقدان الاتجاه والظهور المفاجئ للعبثية والعدمية للترويج لفكرها ورواد الحداثة المزعومة.

فوجدنا ثمة مبادئ وأفكار لاتزال تتخل النسيج الفكري لكتابات المفكرين العرب المعاصرين من مثل النسبية الأخلاقية والمعرفية، وضرورة تحرير الفرد وإفساح المجال لفرديته وتقويض الفكر الجمعي والعمل الجمعي بل تقويض الإنسان الناقد نفسه !.

هذا ما جعل المثقف العربي البسيط المتمثل في طالب الجامعة أو الموظف الذي انقطعت علاقاته بالثقافة منذ انتهاء سنوات دراسته النظامية شخصية هشة ضعيفة سهلة القنص والانقياد الأعمى للمخططات الإمبريالية.

وعقب سنوات الرفد الغربي للحداثة ببلداننا العربية اكتشفنا فجأة تآكل الشخصية العربية الرصينة وتفاقم الإحساس بالوجود الموضوعي للعالم، هذا الوجود الذي تمثل فيما بعد في مفهوم العولمة التي تتحطم عندها كل اليقينيات والمسلمات وهو الأمر الذي ظل يؤكد عليه الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته الرائدة عن اليهود والصهيونية.

وماذا تبقى إذن من العقل العربي الذي بات رهن طرح قديم وعقيم لم يفطن إليه سوى القلة من التنويريين؟ اختفاء الفرد والقيم الثقافية العربية الرصينة وقتل العقل النقدي الذي رأى ويظل في رؤاه ورؤيته أن ما قدمه الغرب منذ أواخر القرن التاسع عشر مرورا بالأحداث الكبرى في القرن العشرين لا يقبل التجاوز أو محاولة التخطي.

الأخطر اليوم رغم بعد الثقافة عن عوالمنا المعرفية نتيجة الاجتياح التكنولوجي الذي سهل مؤامرات الغرب لصيد العقل العربي المسكين أن المنتوج الغربي اليوم يشير إلى أن السردية الغربية هي خطاب تاريخي حتمي من صلاحياته تغييب البطل والسارد معا وعلينا الاكتفاء بمقعد المتفرج فقط دون المشاركة أو حق التعليل.

هذه الخطورة تجسدت في ملامح لا يمكن الغفلة عنها مثل ضرورة نتقد المنتج الثقافي العربي أولا بأول حتى لا يصبح لدينا رصيد معرفي يشكل شهودا حضاريا متميزا. وعلى نحو آخر تصدير خطاب غربي إلينا ينسف الوجود العربي لاسيما الكتابات التي تتعلق بالشأن الصهيوني في فلسطين العربية. وليس علينا سوى الاستسلام للخطاب الغربي في تفسيره المريض لواقعنا العربي!

واليوم لم تعد لدينا رفاهية مناقشة قانون الهيمنة الثقافية الغربية على العقل العربي، بل الأحرى والأجدى ليس التصدي فحسب، بل إنتاج الأفكار وإبراز ما في تراثنا الفكري من ومضات مشرقة ومحطات فكرية مزدهرة مثل طروحات ابن رشد والعبقري ابن خلدون وغيرهما.

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية.

كلية التربية ـ جامعة المنيا. مصر

يقوم المفكر اللبناني الدكتور محمود حيدر بمهمة تأسيسية مهمة للغاية، وهي إعادة ضبط مفاهيم الفلسفة الإسلامية من منطلق الثقافة الإسلامية وفي ضوء المفاهيم القرآنية الأصيلة، وبعيدًا عن التسليم والانبطاح أمام المصطلحات الفلسفية اليونانية التي أدت إلى إغفال الدور المهم والحيوي الذي لعبه فلاسفة الإسلام عندما ترجموا هذه الفلسفة، وشرحوها، وأكملوا نواقصها، وعدلوا أخطائها، وأضافوا إليها مما جعلها تنتقل من فلسفة مليئة بالضلالات المادية إلى فلسفة تنشغل بأرقى ما في الكون من واجد وموجودات، بدءًا من القرن الثالث الهجري وحتى القرن الثاني عشر الميلادي.

يقف الدكتور حيدر عند معضلة مهمة وهي المصطلحات والمفاهيم التي حملت اللفظ والمعنى اليوناني وظلت هكذا تأبى أن تثمر في البيئة الإسلامية؛ لأنها لم تنبت فيها. ومن ثم مهما أضاف إليها المسلمون من شروح وحواشي وتعليقات وتعريفات تبقى يونانية أصيلة ويبقى الفلاسفة المسلمون منذ الكندي وحتى ابن رشد مجرد شراح. ولهذا السبب رأى حيدر أن كل محاولات التوفيق بين الفلسفة والدين التي حرص عليها جلّ الفلاسفة المسلمون في العصر الذهبي للفلسفة الإسلامية قد باءت بالفشل؛ حتى محاولة ابن رشد الحفيد الشهيرة التي خصص لها كتابه الموسوم "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، ولو أنها قد نالت شيئًا من النجاح ما كانت قد حدثت نكبة ابن رشد الشهيرة، وما تم نفيه إلى جزيرة (الليسانة) معقل اليهود آنذاك، وما لهذا النفي من مدلولات سياسية ودينية وثقافية تبرهن على فشل الفيلسوف الكبير  في التوفيق بين الفلسفة والدين.

ومن أهم المفاهيم والمصطلحات التي وقف عندها الدكتور حيدر مصطلح "واجب الوجود" والذي يعني وجوبية  وجود الله أو ""الله موجود" تلك العبارة التي نرددها نحن ليلًا ونهارا، مسلمين بما تعني تسليمًا تامًا، إذ يرى الدكتور حيدر أن "الله ليس موجودًا" بل هو "واجد الموجود"، والفارق كبير بين اسم المفعول "موجود" واسم الفاعل "واجد". مرتًئيا أنه لا يصح أبدًا أن يأتي الخالق الواجد في صيغة اسم المفعول.

كما يواصل ضبط المفاهيم فيفند قول فلاسفة اليونان الذين جعلوا الله" العلة الأولى" أي أنه السبب الأول، وهو ما سار عليه أغلب فلاسفة الإسلام مثل الكندي والفارابي وابن سينا، ليضبط هذا المعنى وفقًا للثقافة الإسلامية الأصيلة فيرى أن الله ليس (العلة الأولى) ولكنه خالق جميع العلل وراعيها.

كما اشتهرت الفلسفة الإلهية اليونانية بالقول الذي ذاع فيها بأن الله هو "المحرك الأول" الذي يحرك ولا يتحرك؛ ولا شك أن هذا المعنى مرتبط بالبيئة اليونانية التي كان يجلس فيها السيد اليوناني الإقطاعي على كرسيه فقط أمام العمال الذين يعملون في مزارعه يحرك هذا القطيع الكبير من العمال دون أن يتحرك بمجرد النظرة التي يستجيب لها العمال خوفًا من بطش السيد، ومن ثم تخيل اليونانيون الإله على شاكلة هذا السيد المطاع، فضلا عن أن فكرة "المحرك الأول"- كما يرى حيدر- هي اعتقاد يهودي؛ حيث قالت اليهود إن "يد الله مغلولة" لا تتحرك. غُلّت أيديهم وخابوا وخسروا أينما وجدوا.

ثم يلتفت حيدر إلى أهم مفهوم في الفلسفة الغربية القديمة والحديثة وهو مفهوم "العقل" ذاهبًا إلى أن نقل مسميات العقل ودرجاته (العقل الهيولاني- العقل بالفعل- العقل المستفاد- العقل الفعال) كما هي في الفلسفة اليونانية أحدثت لغطًا كبيرا وابتعدت عن أن تثمر في التربة الإسلامية التي تم محاولة غرسها فيها، ومن ثم يحاول حيدر ضبط هذه المفاهيم فيستبدل العقل الهيولاني بالعقل الأدنى وهو العقل المادي والتجريبي أو العقل الدنيوي الذي إذا ما تخلص من أدران المادة وامتلأ بالأنوار الإلهية صار ذا حكمة بالغة .

ثم يتعرض حيدر في محاولة جريئة لكثير من هذه المصطلحات والمفاهيم الأصلية التي ورثتها الفلسفة الإسلامية عن الفلسفة اليونانية فأعاقت تطور الأولى وأبعدتها عن أن تثمر في البيئة الإسلامية التي هي في أمس الحاجة لهذه التنظيرات حتى نستأنف مرة أخرى بناء حضارتنا الجديدة الذي تأخر كثيرا .. لذلك أردت أن ألقي الضوء حول هذه المحاولة الجديرة بالاعتبار والنظر حول ضبط مفاهيم ومصطلحات الفلسفة الإسلامية والتي تعد خطوة أساسية نحو تصحيح طال انتظاره ونقطة بدء أساسية ظللنا قرونًا طويلة نبحث عنها، هذا فضلا عن مشروعه الفلسفي الكبير حول "الميتافيزيقا البعدية" و"فلسفة المثنى" والتي يحتاج كل منهما مقالة خاصة للحديث عن معالمهما العامة دون دخول في التفصيلات التي قطعًا تحتاج بحوثًا متخصصة وقارئ متخصص.

***

د. غيضان السيد علي

اذا كان ارسطو يدافع عن النظام ويخشى الفوضى، فان نيتشه يرحب بأي تمرد. دافع ارسطو عن حياة التوازن والفضيلة، معرّفا الخير كـ "وسط ذهبي" بين حدين.

الفلاسفة نادرا ما يلتقون على مر القرون. لكن أفكارهم أحيانا تتلاقى مع بعضها مثلما يتجادل الناس في نفس الغرفة، والمحادثة بين ارسطو وفردريك نيتشه سوف لن تكون هادئة ابدا. ارسطو اعتقد ان الناس يحتاجون الى اتّباع قوانين الطبيعة، يتصرفون بناءً على قدراتهم ، وان يكونوا فضلاء في نفس الوقت الذي هم فيه كجزء من المجتمع. من جهة أخرى، كانت لنيتشه جاذبية قوية جدا. ارسطو طور نظرية في التوازن، بينما نيتشه طور نظرية في اثارة الاضطراب .

عالم ارسطو: التوازن، الفضيلة، الاستقرار

طبقا لأفكار ارسطو، سيُعتبر نيتشه شخصا خطيرا، يحطم الأسس الأخلاقية للمجتمع وينصح الافراد بتجاهل القيم والقواعد المشتركة. لكن من وجهة نظر نيتشه، سُينظر الى ارسطو كشخص متردد وتقليدي، خبير بذل قصارى جهده للحفاظ على استقرار الأشياء. انه ليس فقط جدال فكري وانما أيضا تصادم بين رؤيتين حول كيف ينبغي ان يكون حال البشر.

ارسطو اعتقد ان الحياة الجيدة تعتمد على الفضيلة، وهو عرّف الفضيلة كشيء في الوسط. الشجاعة تقع بين التهوّر والجبن، والسخاء يقع بين الإسراف والبخل، الفضيلة دائما تجد ارضا وسطا أشار اليها بـ "golden mean" او المتوسط الذهبي. أيضا، هو اعتبر الانسان مخلوقا اجتماعيا وأعلن ان الناس يمكنهم النمو جيدا ضمن المجتمع المحيط بهم. اللوائح، نظام التعليم، ومجموعة القواعد والقيم المشتركة كلها تساهم في بناء سمات الشخصية. المجتمع القوي والمستقر ينطوي على روح إنسانية متوازنة.

الفيلسوف الكبير ارسطو ادّعى ان الفضيلة لم تُخلق من خلال خياراتنا الشخصية. الاخلاق لم تُخترع بواسطة الناس. انها تنمو من طبيعة الانسان والحياة الاجتماعية. العادات الجيدة يمكن تحقيقها فقط عبر فترة من الزمن، وهو ما يقود الى ذات مستقرة بالإضافة الى شخصية جيدة في المدى البعيد.

لو ان ارسطو قرأ بعض أعمال نيتشه، فهو سيقلق بشدة. نيتشه، وفق آرائه، لم يثن على أي شيء له علاقة بالاعتدال او التناغم بين افراد المجتمع، بدلا من ذلك، هو استجوب الاخلاق المرتكزة على عادات قديمة. هذا بدا مثيرا للغاية لقلق ارسطو. ان غياب الفضائل المقبولة عالميا في المجتمع ربما يقود لإنهياره. والسبب في هذا هو لأن ارسطو كان يحب النظام ويعتز به كثيرا.

 موقف نيتشه الرافض: كسر أخلاق القطيع

يرى نيتشه، ان الاخلاق هي نتاج لضعف الانسان. هو جادل ان النظم الأخلاقية التقليدية صُممت لحماية الضعفاء بينما تعمل كقيد على الأقوياء . نيتشه استخدم مفردة معينة لدعم فكرته وهي "اخلاق القطيع". مجتمعنا يعلّمنا الاعتدال، التواضع،والطاعة. انت قد تقول ان ذلك شيء جيد، هم يقومون بذلك لأنها أشياء جيدة. لكن في الحقيقة، عندما يكون الناس معتدلين ومتواضعين، فمن السهل جدا السيطرة عليهم.

نيتشه أعجب باولئك الذين خلقوا قيمهم الخاصة بهم. هو أيضا تحدّث عنهم كـ سوبرمين . بالنسبة له، ذلك الشخص هو الذي يستطيع تشكيل المعنى بقوته الداخلية وابداعه. ارسطو، اعتبر هذه الفكرة خطيرة. هو اعتقد ان الفضائل لم تُخلق او تُخترع. انها توجد وتُكتشف. وان طبيعة الانسان والعقل هما المصدر الرئيسي لفضائلنا. لكن نيتشه اعتقد ان الناس يجب ان يذهبوا الى ما وراء القواعد الموروثة. هو أعلن ذات مرة اننا يجب ان نخلق فوضانا الداخلية لنعطي ولادة لنجومنا المتراقصة.

ارسطو سينظر الى هذه الفكرة كاتخاذ فعل غير مسيطر عليه. الكثير من الفوضى تؤدي الى اضطراب النظام. والادّعاء الذاتي المفرط ستكون له تأثيرات سلبية على المجتمع. لكن نيتشه سوف لن يعتذر عن هذا السلوك. هو اعتقد ان النمو يتطلب تحطيم كل القيود.

الفضيلة مقابل إرادة القوة

في قلب نقاشاتهما، هناك رؤيتان مختلفتان حول ما الذي يمنح الانسان الطاقة. ارسطو رأى الانسان يكافح ليزدهر بمساعدة الذكاء. جميعنا نكافح لنتقدم بوتيرة ثابتة. السعادة تتحقق من خلال الفضيلة. من جهة أخرى، اعقد نيتشه ان البشر اندفعوا بإرادة القوة. هذا دافع داخلي قوي جدا يدفعنا الى الامام لتحقيق النجاح، نكسر الحواجز، ونتغلب عليها. بالنسبة لارسطو، من المثالي للكائن البشري السيطرة على مشاعره باستعمال العقل. يرى نيتشه، انه يجب ان يكون ممكنا تحويل مشاعر المرء الى مظاهر إيجابية قوية له. تصوّر لو برز فنان شاب . ارسطو سيتحدث له حول الانضباط، التوازن، والتقدم التدريجي، الذي يتبع أنظمة مجتمعية. لكن نيتشه يشجعه لقبول مخاطرة كبيرة باتخاذ مواقف متمردة، وأيضا يعبر عن نفسه بعدم خوف وبدون أي قلق من التوقعات المجتمعية. وبسبب هذا، ارسطو ربما يرى نيتشه مشروعا محفوفا بالمخاطر. الفلسفة التي تقود الناس للتمرد ضد المعتقدات الجمعية قد تنتهي بتعريض النظام الاجتماعي للخطر. قد يجادل نيتشه ان المجتمع، في بعض الأحيان يتطلب بعض الاضطراب.

الجماعة مقابل الفرد الاستثنائي

أخلاق ارسطو اشتبكت بعمق مع السياسة. هو يرى ان المدينة تتأسس للناس لكي يستطيعوا قيادة حياة مزدهرة. التعليم والقانون يحددان الاتجاه نحو مواطنة فاضلة. حسب رؤيته، الحياة الجيدة لا يمكن ان تُقاد بالفرد وحده. انها تحتاج عناصر من الصداقة والتعاون والروح المشتركة بين أعضاء المجتمع. لكن نيتشه كان حذرا حول التركيز على المجتمع. هو اعتقد ان الافراد المتفردين والموهوبين عادة يختلفون عن المجتمع. الاذهان المبدعة والمخترعون والمثقفون ربما لديهم حاجة لعزل انفسهم عن بقية المجتمع. هو اعتز كثيرا بالشخصيات التي تجاوزت حدود الحياة الطبيعية في تغيير الثقافة التي حولهم.

بالنسبة لارسطو، هذه الفردية تثير قضايا سوسيولوجية تؤثر على وحدة المجتمع. اذا كان كل الافراد يحاولون تطوير قانونهم الأخلاقي الخاص بهم، ما الذي يشد المجتمع؟ بالعكس، نيتشه اعتقد انه اذا كان هناك الكثير من الوحدة عندئذ سنكون فقط افراد عاديين. المجتمعات التي تقيّم الراحة على حساب العظمة تكبح التميز. هنا، تصبح المعارضة واضحة. ارسطو يدعو للاستقرار. نيتشه يدافع عن التغيير. الأول يقيّم الاستمرارية، الآخر يعجب بالاختراقات.

لماذا سيشعر ارسطو بالقلق؟

ارسطو يقترح ان نيتشه ربما يرى ضعف الانسان أقل مما هو في الواقع. ليس كل شخص يمكنه خلق قيمة بشكل مسؤول. في غياب القيم المقبولة اجتماعيا على نطاق واسع، بعض الافراد يُحتمل ان يدافعوا عن انانيتهم وقسوتهم. التاريخ يبيّن لنا ان الأفكار المتطرفة يمكن استخدامها لأغراض خاطئة. ارسطو سيدّعي ان الاخلاق قُصد بها مساعدة الأغلبية في إحداث تقدّم مطرد وليس لمطالبتهم ليكونوا خالقين أبطال بأنفسهم .

هو يمكنه أيضا القول ان فلسفة نيتشه تؤدي الى رأي يتحول فيه الطموح الى غطرسة وحيث تؤدي القوة الى هيمنة. بالنسبة لارسطو، الاعتدال أساسي في بناء الفضائل. حتى الشجاعة يجب التحكم فيها. الافراط في الشجاعة يتحول الى نزوة. غير ان نيتشه كان أكثر جرأة. الخطر كان جزءا من رؤيته للنمو. هو اعتقد ان الراحة تنتج الجمود. ارسطو سيسأل، "على حساب من؟" جواب نيتشه سيكون، بدون أخذ المخاطر سوف لن تكون هناك اية بطولة.

لماذا لا يهتم نيتشه

اذا كان ارسطو يقول ان نيتشه يشكل خطرا، فان الأخير ربما فقط يبتسم. هدف الفيلسوف ليس لكي يعطي المجتمع كلمة ناعمة، وانما هو يسعى لتغييره. هو يرى ان معظم قواعد الاخلاق تخنق طاقة الانسان. أتباع نيتشه لم يكن من الضروري ان يكون عددهم كبيرا طالما ان فلسفته كانت موجهة للافراد الذي شُجعوا بما يكفي لمسائلة عقائدهم ومعرفتهم. يمكن أيضا الجدال ان تأكيد ارسطو للحفاظ على التوازن يحمي الإنسانية، لكن من تطور استثنائي. كانت رؤية نيتشه، رغم ان هناك خطر يرافق هذا الاتجاه، لكن فرصة الكائن البشري في تحقيق أشياء عظيمة تستحق تلك المخاطرة. في وقت ما، أعلن نيتشه ان المرء يجب ان يكون مستعدا ليُساء فهمه من الاخرين. وصفه كخطير لا يمكن ان يزعجه لأنه شعر ان هذا دليلا على قوة أفكاره.

ارسطو ونيتشه: ماذا نتعلم من هذا التصادم؟

ان التوتر بين ارسطو ونيتشه لايزال حيا. هل يجب ان نقيّم الاستقرار ام الاضطراب؟ الاخلاق المشتركة او الاخلاق الشخصية؟ التوازن ام التشدد؟ ارسطو يدعونا للعودة الى أهمية المجتمع. الشخصية تُبنى تدريجيا بمرور الزمن. الفضائل المشتركة تحافظ على تماسك المجتمع. من جهة أخرى، نيتشه يخبرنا ان القواعد في الغالب هي أغلال. النمو يتطلب الخروج عن النماذج القائمة. ربما كلا الفيلسوفين صحيحان في جدالهما ولكن بوسائل مختلفة للجدال. الافراط في النظام يقود الى جمود، بينما الكثير من المعارضة يؤدي الى الفوضى. اكبر سؤال هنا هو ليس حول منْ الرابح في النقاش وانما حول كيف ندمج هذه القوى المتضادة في أنفسنا. ارسطو يقترح تنمية الفضائل الثابتة والمستقرة. نيتشه ينصحنا بحشد الشجاعة لنصبح شيئا جديدا تماما. احدهما ينظر للانسجام بينما الاخر يبحث عن التغيير والتحول. وبين هاتين الرؤيتين، يجد الانسان المعاصر نفسه في صراع مع أفكار من كلا الطرفين.

***

حاتم حميد محسن

من وحي ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي

كانت المعرفة التاريخية قبل ابن خلدون تعيش حالةً من الفوضى والاضطراب، وتفتقر إلى القواعد والأدوات المنهجية العلمية المنظمة. وكان التاريخ مرتعًا خصبًا للأوهام والخرافات والأساطير والمبالغات والأهواء والأخطاء والأباطيل، وكان الناس يتدافعون إلى مباشرة التدوين التاريخي من غير معايير أو ضوابط تُمكّنهم من التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الممكن والمستحيل. وهكذا غدا التاريخ مشاعًا لكل من هبَّ ودبَّ من غير بحثٍ ولا رؤية، حتى صار فنُّ التاريخ مختلطًا، وناظره مرتبكًا، وعُدَّ من مناحي العامة، فأصبح انتحاله سهلًا، واستخفَّ العوامُّ ومن لا رسوخ لهم في المعارف بمطالعته والخوض فيه، فاختلط المرعى بالهمل، واللباب بالقشر، والصادق بالكاذب.

هكذا يبدأ ابن خلدون في التأسيس لمشروعية عمله، وبيان الحاجة الماسّة إلى نقدٍ جديد ومنهجٍ بديل.

فمنذ الصفحة الأولى من المقدمة قدّم ابن خلدون نقدًا واسعًا للتاريخ والمؤرخين وللمعرفة التاريخية المتداولة، التي تناقلها بعض المتطفلين على التاريخ وعلومه. وهذا ما يراه الباحث علي أومليل في كتابه «الخطاب التاريخي»، إذ يقول: «إن ما يثير انتباه قارئ المقدمة هو النقد العنيف الذي يوجهه ابن خلدون إلى مجمل التاريخ العربي؛ فمنذ الصفحات الأولى من الكتاب يدخل ابن خلدون في محاسبة نقدية للمؤرخين جميعًا، حتى كبارهم».

ولعل ما أفزع ابن خلدون وحفّزه على العمل هو إدراكه الأزمة العميقة التي بلغتها المعرفة التاريخية العربية ومناهجها؛ إذ وجد أن التاريخ، بوصفه معرفةً وتدوينًا وتفسيرًا للأحداث، قد تخلف كثيرًا عن التاريخ بوصفه سياقًا واقعيًا للأحداث والمتغيرات الحضارية والثقافية والمدنية. لذا يمكن النظر إلى «المقدمة» بوصفها دفاعًا عن مشروعية التغيير في التاريخ، وعن مشروعية نقد المعرفة التاريخية وتطويرها. وهي بذلك أرادت أن تبلغ خطابًا محددًا مفاده أن التاريخ قد انقلبت أوضاعه، ومع ذلك ظل حديث المؤرخين عنه على حاله لم يتغير.

لقد صيغ التاريخ العربي وتشكلت صورته العامة في عصور مضت وانقضت، ثم تجمد في قوالب التقليد، فأصبح المقلدون يستنسخون أحاديث عن التاريخ نُسيت أصولها والعصور التي أنشأتها. وهكذا تغيّر التاريخ، ولم يتغير الحديث عنه.

لقد كان هدف «المقدمة» إحداث تغيير جذري في المعرفة التاريخية، منهجيًا ونظريًا، بما يلائم التغيير الجذري الذي حدث في مسار التاريخ وحركته الواقعية. لذلك كان لا بد من الارتقاء بالخطاب التاريخي إلى مستوى التاريخ نفسه، الذي انقلبت أوضاعه وتبدلت أحواله.

وهذا ما ميّز المنهج النقدي التاريخي عند ابن خلدون من سائر المناهج التقليدية التي لم تعد قادرة على مواكبة حركة التاريخ وتحدياته المتغيرة باستمرار.

وقد وجّه ابن خلدون نقده إلى المناهج التقليدية القديمة في الدراسات التاريخية، ثم إلى الأصول التي استند إليها التاريخ العربي الإسلامي منذ نشأته الأولى، والتي قامت على تقليدين راسخين:

الأول: التقليد السردي أو الإخباري، وهو الشكل الأصلي للتاريخ العربي الإسلامي، ويقوم على رواية الحدث عبر سلسلة من الرواة تناقلوا الخبر ابتداءً ممن شهده أو زعم شهوده، وفق منهج الإسناد والتعديل والتجريح؛ أي تصحيح الخبر بناءً على مدى الثقة بناقليه.

ومن المهم الإشارة إلى أن لفظ «الأخبار» ظل يُستعمل مدةً طويلة بمعنى «التاريخ»، حتى إننا لا نجد لفظ «التاريخ» في القرآن الكريم أو الأدب الجاهلي أو السنة النبوية بهذا المعنى الاصطلاحي.

وهكذا نُظر إلى التاريخ على أنه خبر عن الحروب والمغازي والأشخاص والأقوال والأنساب والأيام.

أما التقليد الثاني فهو التقليد الوصفي، القائم على جمع الوقائع والأحداث دون تفسيرها أو البحث في أسبابها. ومن هذين التقليدين تفرعت مثالب أخرى أعاقت انطلاقة المعرفة التاريخية العلمية، من أبرزها:

* تسخير التاريخ والمعرفة العلمية عمومًا لخدمة الأهداف والغايات اللاهوتية والدينية والمذهبية.

* شخصنة التاريخ بما أفقده النظرة الموضوعية المحايدة للأحداث؛ إذ أصبح من المتعذر الفصل بين الفاعلين والأفعال، وبين الحقب التاريخية والأشخاص الذين كان لهم الدور الفاعل فيها.

* طغيان الطابع السياسي والأيديولوجي على مسار التاريخ؛ فالتاريخ غالبًا ما يكون تاريخ المنتصر لا تاريخ الحقيقة.

* اختلاط التاريخي بالأسطوري، بحيث يصعب الفصل بين التاريخ والأسطورة في الفكر العربي الإسلامي.

* ارتباط التاريخ الإسلامي بالهويات الدينية والقومية والعصبية والقبلية والطائفية والحزبية الضيقة.

* اختزال معنى التاريخ في الزمن الماضي وحده.

* حصر قيمة التاريخ في الموعظة والاعتبار والتسلية بسماع الأخبار.

كل هذه الممارسات والتصورات والأفكار والمناهج التقليدية والغايات الأخلاقية في المعرفة التاريخية هي التي وجّه إليها ابن خلدون سهام نقده.

وكان أول ما قام به ابن خلدون هو تحديد معنى جديد للتاريخ، شكّل قاعدةً راسخةً للانطلاق في مشروعه النقدي المنهجي، القائم على الهدم والبناء، والنقد والإبداع.

فكيف فهم ابن خلدون التاريخ؟

لقد كان ابن خلدون على وعي عميق بأهمية مشروعه النقدي الجديد، وكان شديد الثقة بصواب رؤيته للتاريخ، وهو ما يظهر منذ الصفحات الأولى من «المقدمة». فبعد أن حمد الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، حدّد بدقة مدهشة المعنى الكلي للتاريخ بقوله:

«هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق».

تلخص هذه العبارة المدهشة، إلى حد بعيد، حقيقة الطفرة الخلدونية في الدراسات التاريخية، إذ تمثل واحدة من أهم الأفكار الفلسفية التي تميز بها ابن خلدون عن غيره. ومن هنا تبدأ اللحظة النقدية الكبرى في المنهج الخلدوني، إذ تشكل هذه العبارة نقطة الانطلاق الأساسية لفلسفة التاريخ عنده.

والمقصود بالحكمة هنا هو الفلسفة؛ ومن هذا التمييز بين ظاهر التاريخ وباطنه تبدأ الثورة المنهجية الخلدونية. فابن خلدون يميز نفسه عن جمهور المؤرخين التقليديين الذين اكتفوا بسرد الأخبار وجمع الروايات، دون التعمق في أسباب الوقائع وعللها.

ولهذا يضيف مباشرة بعد العبارة السابقة قوله: «وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها… ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها».

وعلى هذا النحو يبدأ ابن خلدون بنقد أسس التاريخ التقليدي من جذورها، مبينًا أن حقيقة التاريخ تكمن في باطنه، وأن ظاهره، الذي لا يزيد على أخبار الأيام والدول، لا يكشف عن ماهيته وجوهره الفعلي، بل قد يحجبهما ويشوّههما إذا اقتصر الباحث عليه دون النفاذ إلى علله وأسبابه العميقة.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

مراجعة: نادر اتاسي

ترجمة: علي حمدان

***

بعد مرور أكثر من خمسين عامًا على نشر كتاب ألبرت حوراني الرائد "الفكر العربي في العصر الليبرالي"، أبدى باحثون من مختلف التخصصات اهتمامًا متجددًا بالنهضة العربية. واستجابةً لهذا الاهتمام المتجدد، جمع ينس هانسن وماكس وايس كتابًا يضم خمسة عشرة بحثا (بما في ذلك مقدمة وخاتمة) تتناول الوضع الراهن لتاريخ الفكر العربي الحديث، فضلًا عن توسيع ومراجعة. ووضع السياق التاريخي الذي سرده حوراني. وبدلًا من تبني مصطلح حوراني "العصر الليبرالي"، يستخدم هانسن ووايس مصطلح "النهضة" لتأطير النشاط الفكري العربي خلال القرنين التاسع عشر وأوائل العشرين. ويدافعان عن استخدامهما لمصطلح "النهضة" على أساس أنه يتجنب تصوير الفكر العربي كمجرد امتداد للاتجاهات الأوروبية السابقة.

تقدم مقدمة المحررين تحليلاً بارعاً لتاريخ النهضة. ويتأمل هانسن ووايس في المفاهيم الأربعة التي يستحضرها عنوان كتاب حوراني الصادر عام 1962 - اللغة (العربية)، والعقل (الفكر)، والحرية (الليبرالية)، والزمن (العصر) - كوسيلة للتنقل. النقاشات المتعددة التي نشأت ليس فقط بين المؤرخين المعاصرين، بل أيضًا بين النهضويين أنفسهم. قبل كتاب حوراني "الفكر العربي في العصر الليبرالي"، كانت كتب مثل كتاب جورج أنطونيوس "الصحوة العربية: قصة الحركة القومية العربية" (هاميش هاملتون، 1938) تميل إلى تأطير القرن التاسع عشر باعتباره زمن نشأة القومية العربية. يصنف هانسن ووايس حوراني كمُراجع لرواية أنطونيوس، زاعمين أنه تخلى عن إطار أنطونيوس القومي، واحتفى بدلًا من ذلك بالنهضويين "كأصوات تنويرية مأساوية في صحراء الدولة العثمانية المتأخرة". بعد ثمانينيات القرن العشرين، عندما بدأ التحول اللغوي وأساليب فوكو في تحليل الخطاب في اكتساب زخم، بدأ الكثيرون في الأوساط الأكاديمية الناطقة بالإنجليزية في انتقاد أساليب التاريخ الفكري العربي باعتبارها "وضعية وتجريبية بشكل مفرط" واعتبروا النهضويين أنفسهم مسجونين داخل نمط فكري يعمل كـ "قفص غير مرئي معادٍ للتجربة العربية".

على الرغم من تعاطف المحررين إلى حد ما مع الدوافع التي أدت إلى هذه الانتقادات، إلا أنهم متشككون في القيود التي تفرضها هذه الانتقادات على دراسة التاريخ الفكري العربي. ولتجاوز هذا المأزق، قام المحررون بمراجعة بعض المفاهيم التي استخدمها حوراني. فعلى سبيل المثال، ابتعدوا عن التصوير المثالي لليبرالية الذي وصفه حوراني ببساطة بأنه الإيمان بـ"المؤسسات الديمقراطية والحقوق الفردية" - وهو وصف ندم عليه لاحقًا، إذ كتب في مقدمة إعادة إصدار كتاب "الفكر العربي في العصر الليبرالي" عام 1983 أن هذه الأفكار "تتعلق أيضًا بالسلطة الوطنية والوحدة وسلطة الحكومات" (مقتبس، ص 13). وبدلًا من ذلك، استند هانسن ووايس، مستلهمين من جيف إيلي، إلى الليبرالية باعتبارها "تشكيلًا أيديولوجيًا متنازعًا عليه" بدلًا من "نموذج مثالي"، وهو تدخل يسمح لهما بالتعامل مع حركة النهضة وفقًا لشروطها الخاصة، فضلًا عن سياقاتها العالمية والإقليمية والمحلية المختلفة (ص 13). وبهذه الطريقة، فإنهم يشيدون بجوهر عمل حوراني مع تجاوزهم له في الوقت نفسه.

بدلاً من إعادة إنتاج نموذج نشر مبسط يرى حركة أحادية الاتجاه للأفكار من الغرب إلى الشرق، يجادل هانسن ووايس بأن "ليست كل الأفكار في العالم العربي الحديث من أوروبا، وليست جميعها أفكارًا ليبرالية، كما أن تبني الأفكار الليبرالية من أوروبا لم يؤدِ إلى نسخ طبق الأصل منها في الشرق الأوسط". ومنهجيًا، يدعوان إلى تاريخ فكري "سياقي" يُزيل مركزية أوروبا ويشجع الباحثين على "تعددية وتسيس وتطوير نهضة عالمية".

"عبر وتجاوز الانقسام الاستعماري بين الغرب وبقية العالم" (37). من خلال تصوير النهضة على أنها متنوعة ومتعددة الأوجه، ينضم الكتاب إلى عدد من الأعمال الحديثة التي تعيد النظر في تاريخ الفكري العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين من أجل تحدي الافتراضات التقليدية حول استقبال الأفكار وتداولها، مثل كتاب إلهام خوري مقدسي "شرق المتوسط وصناعة الراديكالية العالمية، 1860-1914" (مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2010) وكتاب مروة الشكري "قراءة داروين باللغة العربية، 1860-1950" (مطبعة جامعة شيكاغو، 2014).

يتناول الفصلان الأولان من الكتاب الدور التاريخي الذي لعبه ألبرت حوراني في دراسات الشرق الأوسط وسياساته. الفصل الأول عبارة عن تأمل شخصي بقلم روجر أوين، يُبين كيف كان حوراني والعديد من طلابه من أوائل من قدموا "مراجعة أولية... ضد النموذج الاستشراقي" في مجال تاريخ الشرق الأوسط (57). أما الفصل الثاني، بقلم هانسن، فيُعيد سرد قصة بدايات انخراط حوراني في سياسة الشرق الأوسط ومشاركته في اللجنة الأنجلو-أمريكية للتحقيق في فلسطين عام 1946. ويتناول هانسن حوراني نفسه كشخصية تاريخية، ويرى أن انسحابه من السياسة الفلسطينية عام 1948 مؤشر على ظرف تاريخي أوسع: نهاية إيمان العرب بما يسميه هانسن "الإمبريالية الليبرالية"، بالإضافة إلى تهميش "الوسطاء السياسيين العرب" مثل حوراني (92).

تُثري بقية المساهمات دراسة حركة النهضة بثلاث طرق. أولًا، يُضيف العديد منها شخصيات جديدة إلى التراث الفكري الذي أرساه الفكر العربي في العصر الليبرالي. تُعرّفنا دينا رزق خوري على علماء الصوفية والسلفية في بغداد أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، لتُبيّن أن أحداثًا أخرى غير غزو نابليون لمصر عام 1798 - مثل الثورة الوهابية في أوائل القرن التاسع عشر - حفّزت نقاشات حول الإحياء والإصلاح. تُحلّل مارلين بوث عملين يتناولان أدوار الجنسين وعلاقاتهما: الأول نُشر عام 1899 لعبد القادر مراد وعبد الحليم محفوظ، والآخر نُشر عام 1896 لحسين فوزي. من خلال تقديم هذه الأعمال، تهدف بوث إلى وضع كتاب قاسم أمين الشهير الصادر عام 1899، "تحرير المرأة"، في سياقه التاريخي، مؤكدًا أنه "لم ينبع من فراغ فكري" بل كان جزءًا من نقاش أوسع حول النوع الاجتماعي في مصر أواخر القرن التاسع عشر (189). وتقدم أمل غزال يوسف النبهاني، وهو قاضٍ فلسطيني تلقى تعليمه في الأزهر، وكان ناشطًا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وقد عارض النبهاني الفكر السلفي.

تُركز غزال على فكر محمد عبده الحداثي، إذ اعتقد أن أفضل دفاع عن الإسلام والدولة العثمانية هو رفض نزعات التحديث والإصلاح. ومن خلال التركيز على ما تسميه غزال "الفكر غير الليبرالي" للنبهاني، تدعو إلى صورة أشمل لتاريخ الفكر العربي في أواخر العصر العثماني، تتجاوز دراسات الإصلاحيين. وتُحدد شيرين سيكالي مجموعة من الرجال في فلسطين في ثلاثينيات القرن العشرين، ممن اعتبروا أنفسهم "رجال رأس مال"، وأصدروا دورية بعنوان "الاقتصادية العربية". ويتميز منهج سيكالي بكونه يجمع بين التاريخ الفكري - من خلال دراسة الفكر الاقتصادي في المجلة - وتحليل طبقي يستكشف كيف ساهم خطاب المجلة في إضفاء الشرعية والمكانة الطبقية لرجال الأعمال.

يقدم باحثون آخرون نوعًا ثانيًا من التدخلات الموضوعية في دراسات النهضة: إذ يعيدون النظر في شخصياتها الكلاسيكية ويراجعون تحليلات حوراني. ومن الأمثلة البارزة على هذا التوجه مساهمة فواز طرابلسي حول أحمد فارس شدياق. فبينما ركز حوراني في كتابه "الفكر العربي في العصر الليبرالي" على إسهامات شدياق الثقافية والأدبية، يقرأ طرابلسي شدياق قراءةً نقدية ليقترح أنه تبنى أفكارًا عن المساواة كانت ثورية في عصره. أما مساهمة إسرائيل جرشوني، فتركز على كتابات عباس محمود العقاد، الذي لم يذكره حوراني إلا بإيجاز. وخلافًا لحوراني الذي زعم أن "العصر الليبرالي" انتهى عام 1939، يجادل جرشوني بأن كتابات العقاد المناهضة للنازية خلال الحرب العالمية الثانية تُظهر أن الأفكار الليبرالية استمرت في الانتشار وجذب جمهور في السنوات التي تلت اندلاع الحرب. يُقدّم توماس فيليب مساهمتين في هذا الكتاب. إحداهما، بعنوان "المشاركة والنقد: ردود فعل المثقفين العرب على 'الثورة العثمانية'"، تُعيد تقييم شخصيات بارزة من حركة النهضة، مثل جرجي زيدان، لاستكشاف الطرق التي احتُفي بها في البداية بـ"الثورة العثمانية" عام 1908 باعتبارها تحقيقًا لوعود بالدستور والحرية السياسية. ويُجادل فيليب بأنّ التأريخ السائد قد قلّل في كثير من الأحيان من شأن الميول العثمانية لدى العديد من أعضاء حركة النهضة.

يسعى النوع الثالث من المقالات في هذا الكتاب إلى إيجاد منهجيات للتاريخ الفكري والمفاهيمي تتجاوز نموذج "تاريخ الأفكار"، وذلك لوضع حركة النهضة وتأريخها ضمن سياقاتها الاجتماعية والسياسية الأوسع. ويُبين فصل جميل أيدين كيف أن مفهوم العالم الإسلامي كفكرة "جيوسياسية" هو مفهوم حديث نسبياً، لم يبرز إلا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، عقب الحرب الروسية العثمانية. والاحتلال البريطاني لمصر. وبذلك، يُقدّم أيدين سياقًا تاريخيًا بالغ الأهمية للمفاهيم التي وظّفتها بعض الشخصيات الرئيسية في كتاب حوراني، مثل رشيد رضا ومحمد عبده. يستخدم فصلان من الكتاب منظورًا مقارنًا صريحًا: يُقدّم أحد إسهامات توماس فيليب تاريخًا مفاهيميًا لما يُسمّيه "فكر سيادة القانون" في ألمانيا والإمبراطورية العثمانية وتونس ومصر، بينما يتتبّع سي. أ. بايلي تاريخًا مقارنًا لمفاهيم مُختارة في التاريخ الفكري الهندي والعربي (145). أخيرًا، يُقدّم إسهام ليلى دخلي تقييمًا مُستنيرًا نظريًا لمنهجيات تاريخ الفكر العربي. وعلى وجه الخصوص، تدعو إلى "إعادة صياغة مفهوم المثقفين كفاعلين اجتماعيين" لتسليط الضوء على بعض أوجه القصور في منهج حوراني "تاريخ الأفكار" (355).

لا ترقى جميع إسهامات هذا الكتاب إلى مستوى الدقة النظرية التي أظهرها المحرران في المقدمة، كما أنها لا تتبنى جميعها المنهجيات النقدية لدراسة تاريخ الفكر التي يطرحها المحرران. ومع ذلك، يقدم كتاب "الفكر العربي ما وراء العصر الليبرالي" منهجًا دقيقًا وتأمليًا ومبتكرًا للدراسات التاريخية لعصر النهضة، ويفتح آفاقًا جديدة جديرة بالاستكشاف أمام الباحثين المهتمين بهذه الفترة. عمومًا، قدّم هانسن ووايس كتابا ثريًا للغاية، يُفترض أن يكون ذا فائدة لجميع دارسي تاريخ الفكر العربي، فضلًا عن تاريخ الشرق الأوسط الحديث.

***

.............................

المصدر: بتعاون معهد الدراسات العربية مع JSTOR لرقمنة مجلة الدراسات العربية وحفضها وتوسيع نطاق الوصول اليها.

في المثقف اليوم