عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

جان فرانسوا ليوتار

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

***

"هل يُلحق أستاذ الفلسفة اليوم بالمدرسة أم بالعالم؟" (ليوتار)

"إنّ التفلسف هو أولا فعل عصاميّ. هذا هو الذي أريد أن أعنيه أولا بدرس فلسفيّ.. ولا تعني." عصامي" أننا لا نتعلّم شيئا من الآخرين، بل فحسب لا نتعلّم منهم شيئا إذا لم يعلّمونا نسيان ما تعلّمناه.. نحن عصاميون، في معنى انه يجب أن نتفلسف حتى نتعلّم التفلسف ".ج. ف. ليوتار

"يشتغل الدرس على ما يسمّى الواقع. يصقل معاييره. ويعلّقها. وإذا كان من بين المعايير الأساسية للواقع وللواقعية هو أن نربح الوقت، وهو، فيما يبدو لي، واقع الحال اليوم، فإنّ درس الفلسفة ليس مطابقا للواقع اليوم. تتمثّل صعوباتنا كأساتذة فلسفة أساسا في اقتضاء الصبر."ليوتار

**

" لو سلمت بما جاء في الورقة العلمية لهذه اللقاءات، فإنّ الرهان المحدد لتفكيرنا هنا، هو رهان التكوين الفلسفي للمدرسين، وسنسلّم بأنّ " التربية والتعليم هما فعلان فلسفيان". لا أعرف ما يعنيه " فعل فلسفي". سأسند لكلمة " فعل فلسفي" دلالة محدّدة، تقابل القوّة puissance. وسأقول إنّ الفلسفة ليست كيانا، قوّة، حصيلة معرفية، ومهاراتية وشعورية، بل هي فحسب فعل وشغّالة en acte.وأضيف أن التربية والتعليم لا يبدوان لي أفعالا فلسفية، لا أكثر ولا أقلّ من كونهما المشاركة في مأدبة أو تسليح باخرة. ليست الفلسفة ميدانا مقسّما في جغرافية اختصاص. جميعنا يعلم ذلك. أقول" درس فلسفي" مثلما نقول" مع مرور الزمن". نحن نعلم أن قسما كبيرا من التفكير الفلسفي منذ بروتاغوراس وأفلاطون، ومنذ فيثاغورس يشتغل على كلمة تكوين، وبالتالي حول البيداغوجيا والإصلاح. وأن له كمسلمة كون عقول البشر لم تُوهب لهم على نحو ما يجب وانه لابد من إصلاحها. الطفولة هي وحش الفلاسفة. وهي أيضا شريكهم. تقول الطفولة للفلاسفة بأن الفكر ليس معطى. لكنه ممكن. وإصلاح الفكر يعني أن يأتي معلّم ليساعد الفكر الممكن في مرحلة الطفولة، بما هو في حالة انتظار، على أن يكتمل. هل تعرفون الدورة الدموية: لكنها المعلّم ذاته؟ كيف تَحرّر من وحشيته الطفولية؟ تربية المربّين، وإصلاح المُصلحين: نتّبع الإحراج l’aporie الأفلاطوني بواسطة كانط، حتى نصل إلى ماركس. هل يجب أن نقول كما يقول علم النفس التحليلي: أنه بمثل ما وجد تحليل ذاتي مؤسّس، فقد وجد أيضا تكوين ذاتي مؤسّس؟ عٍصَاميُّ التكوين أبٌ لكلّ العصاميين؟ هناك فرق بين الفلاسفة وعلماء النفس التحليلي هو أن للفلاسفة آباء كثيرون، وأكثر مما يجب للإقرار بأبوة. وفي المقابل، فإنّ التفلسف هو أولا فعل عصاميّ. هذا هوالذي أريد أن أعنيه أولا بدرس فلسفيّ. لا يمكننا أن نكون معلمين، وأن نتحكّم في الدرس. لا يمكننا أن نَعْرِض مسألة دون أن نعرض أنفسنا من خلالها. التساؤل عن " موضوع" (التكوين مثلا)، دون أن يسائلنا هذا الموضوع ذاته. إذن، يجب أن نعيد من جديد، دون أن نقيم الصلة بهذا الفصل للطفولة، الذي هو فصل ممكنات الفكر. فلا يمكن أن نكون فلاسفة فكر، بما في ذلك فكر أستاذ الفلسفة، الذي هو على استعداد لهذه المسألة، في القسم، ولا نُعيد من جديد. فمن لا يستأنف الدرس من بدايته. نحن نعلم أوّلا أنّ هذا العمل يجب أن يكون بمناسبة أية مسألة أو أيّ " موضع"، وثانيا، فإنّ البدء لا يعني الرجوع إلى الأصل الجينيالوجي (كما لو كانت الجينيالوجيا، وبالخصوص التسلسلية / التعاقبية التاريخية لا تطرح تساؤلا). إنّ الطفل الوحش ليس أبَ الإنسان، بل هو في بيئة الإنسان لادرسه non-cours، انحرافَه الممكنَ والخَطِرَ. نبدأ دائما من البيئة. من أجل ذلك، كان مشروع منهاج فلسفي، مشروعا مستمدا من العلوم الدقيقة، وآيل إلى الفشل. وبالمثل، فإنّ كلمة " عصامي" لا تعني أننا لا نتعلّم شيئا من الآخرين. بل فحسب لا نتعلّم منهم شيئا إذا لم يعلّمونا نسيان ما تعلّمناه. لا ينتشر الدرس الفلسفي مثل معرفة منقولة. بل بالتحصيل. هذا واضح في حالة القراءة الفلسفية، التي توفّر الأساسيّ في المحادثة في شأن " موضوع". ليست هذه القراءة فلسفيّةٌ لأنه لا توجد لدينا نصوصا مقروءةً، فلسفيةَ فحسب، بل يمكن أن تكون نصوصا لفنّانين، وعلماء وسياسيين فضلا عن أنه يمكن أن نقرأ نصوصا فلسفية دون أن نتفلسف- فلا تكون قراءة فلسفية إلاّ إذا كانت عصامية. إلاّ إذا كانت تمرين لاتوافق مع أو بالنسبة إلى النص، تمرين صبر. فلا يعلمّنا درس القراءة المطوّل ما يجب قراءته فحسب، بل كوننا لم ننته من القراءة، وأننا لم نفعل سوى أن نبدأ، وأننا لم نقرأ ما قرأناه. إنّ القراءة درسُ إنصاتٍ. أن نتكوّن للإنصات هو أن نتكوّن للعَوْدِ من جديد، وفقدان الحالة الحسنة. إعادة فحص المسلّمات والضمنيات، في النصّ وفي قراءة النصّ. يتمثّل الأساسيّ فيما نسمّيه بناء، الذي يرافق ويغطّي الإنصات المتأني، ويتمثل في هذا الموروث الشخصي، في البحث عمّا يتبقى غير مفكّر فيه بعدُ بينما قد وقع التفكير فيه. لأجل ذلك كان البناء الفلسفي غير ذي صلة بالنظرية، ولا بتجربة هذا البناء مع اكتساب معرفة (مبحث). وما نجده من مقاومة في الاشتغال على الإنصات والموروث الشخصي هو من طبيعة أخرى مغايرة لطبيعة ما يقد يتعارض مع نقل المعارف. يشتغل الدرس على ما يسمّى الواقع. يصقل معاييره. ويعلّقها. وإذا كان من بين المعايير الأساسية للواقع وللواقعية هو أن نربح الوقت، وهو، فيما يبدو لي، واقع الحال اليوم، فإنّ درس الفلسفة ليس مطابقا للواقع اليوم. تتمثّل صعوباتنا كأساتذة فلسفة أساسا في اقتضاء الصبر. وأنه علينا تحمّل أن لا نتقدّم (بطريقة قابلة للقيس، وظاهرة)، وأن نبدأ دائما من جديد، وهذا متناقض مع القيم السائدة للاستشراف والتطوّر والتركيز والأداء والسرعة والتعاقد والتنفيذ والاستمتاع. أتذكر، عندما كنت ادرس في المعاهد الثانوية، هذا الثابت: أننا كنّا " مُستَغْرَقين"، أنا والتلاميذ، طيلة الثلاثي الأوّل، ويبدأ الدرس، أو بالأحرى تبدأ البداية، في جانفي مع الناجين. كان يجب، ويجب تحمّل طفولة الفكر. أعلم أن" الظروف" كما يقال لم تكن هي نفسها. وسآتي على ذلك. أنا لا أعلمكم شيئا (من قبيل الافتراض). نعلم جميعا أنّ درس الفلسفة مساو في الكلفة للدرس الفلسفي. فهو على حساب نقل المعارف، وعلى الموضوعات المقررة أو لا في البرنامج، ولا فقط على أمثلة لهذا الاشتغال على استئناف البداية المستمدّة من البيليوغرافيا الفلسفية، أو علامات هذا العمل ذاته المستعارة من تاريخ العلوم والتقنيات والفنون والسياسات، - إذن، لا التعريف فحسب بهذه الأمثلة وهذه العلامات بتقديمها بوصفها ما يلزم، وبوصفها مرجعيات الخطاب المدرسي، بل الاضطلاع بالاشتغال على الإنصات، والرصيد الحياتي للشخص وبناء حتى الفصل، برجماتيا. الإضطلاع به " راهنا" في العالم الصغير لأسماء الأعلام حيث يكون رهان الدرس طيلة ساعتين في ذلك اليوم، على المحكّ. وأن يكون الرهان دوما، تحديدا، أن يكون الاشتغال الفكري قائما، مضدَار درسٍ، في القسم، الآن وهنا. هذا المقتضى ليس " بيداغوجيا ". ولا يحدّد أي منهج في التعليم. ولا يوجد علم في شأنه. بل على العكس: ينتج عن تجسيد الدرس الفلسفي في درس الفلسفة، وأن كل فصل، كل مجموع الأسماء، والتواريخ والأماكن يبني لغته، لهجته الخاصّة التي ينجز فيها هذا العمل. هناك توافق بين العصامي واللهجة الخاصّة. إنّ هذه الخصوصية لدرس الفلسفة، أريد أن أقول : إنّ في هذا الدرس، أي ما يميّز الدرس، هو نفسه الذي يميّز الدرس الفلسفي. أود أن أقول: تؤدّي كتابة نص فلسفي، وحيدا على المكتب (أو ماشيا..) تحديدا إلى نفس المفارقة. نكتب قبل أن نعرف ما الذي يمكن قوله وكيف، وحتى نعرفه، إذا أمكن. إنّ الكتابة الفلسفية متقدّمة على ما يجب أن تكون عليه. مثل طفل، سابقة لأوانها وضعيفة. نحن نعيدها إذ ليست موضع ثقة، كي ندرك الفكر، هناك، في النهاية. غير أن الفكر هنا، مشوّش باللافكر، يحاول تنظيم اللسان السيئ للطفولة. لا ندرك لأول وهلة إذن الفرق في الطبيعة بين التفلسف وتعليم الفلسفة. يقول كانط : لا نتعلّم الفلسفة بل نتعلّم في أحسن الحالات كيف نتفلسف فحسب(philosophieren) (هندسة الفكر الخالص). وسواء أكنا لوحدنا أو في كثرة، فنحن عصاميون، في معنى انه يجب أن نتفلسف حتى نتعلّم التفلسف. أصل إلى النقطة الثانية. يفرّق كانط مع ذلك بين المفهوم المدرسي (Schulbegriff) للفلسفة ومفهومها الشائع (Weltbegriff). يكون التفلسف في المدرسة هذا التمرين في الصبر الذي يسمّى عند كانط ديالكتيك كما عند أرسطو. غير أنه على الفلسفة، وقد قذف بها في هذا العالم، أن تضطلع بمسؤولية ثانية. فلا تختبر فحسب ما هو التفكير، بل إنّ تقاس بالنسبة إلى مثل أعلى، مثل أعلى للفلسفة - النموذج، الذي هو، كما كتب كانط، " مشرّع العقل البشري". للفلسفة الموجودة في العالم مهمّة أن تصل المعارف، جميع المعارف، بالغايات الجوهرية للعقل البشري. هذا هو المطلب الذي يصدر عن العالَم: ينضاف إلى الاهتمام التأملي (العمل المثابر الذي تحدثت عنه) اهتمام عملي وعمومي للعقل في الفلسفة، بالعالم. وكما تعلمون، ومثلما فسّر ذلك كانط في ديالكتيك نقد العقل الأول، فإنّ اهتماماته متناقضة. هل يُلحق أستاذ الفلسفة اليوم بالمدرسة أم بالعالم؟ لقد وضعت الحداثة والأنوار والتفكير الكانطي ذاته المدرسة في مركز الاهتمام العمومي والعملي للعقل. وكان رهان هذا الاهتمام، منذ قرنين، في فرنسا بالخصوص، وعلى نحو آخر في ألمانيا، قد سمّي بناء المواطن في الجمهورية. لقد وجدت مهمة الفلسفة نفسها في خلط مع مهمّة التحرّر. إنّ التحرر بالنسبة إلى كانط، هو بوضوح الحريّة الموكولِ للعقل نشرها وتحقيق غاياتها، بمعزل عن أيّ عاطفة. هكذا سيكون مشرع العقل البشري. توجد في هذا المنظور " الحديث" المسلمة التالية: يطلب العالم من الفلسفة أن تشرّع عمليا وسياسيا. ولا أعلمكم شيئا بقولي: لا نطلب شيئا اليوم، إذا ما كان العالم على حقّ أولا في توجيه هذا الطلب إلى أستاذ الفلسفة (الذي هو في العالَم بواسطة المدرسة الحديثة منذ قرنين)، بل نحن نتساءل إذا ما يزال العالم يوجّه إليه أي طلب من هذا النوع. لا طلَب باختصار. ولو صحّ أن درس الفلسفة يَتْبَع درسا فلسفيا، ولو صحّ أن التفلسف، بمفردنا أو في القسم، يخضع إلى مطلب العود إلى طفولة الفكر، فما الذي يحدث لو لم يكن للفكر طفولة؟ وإذا كان أولئك الذين يتظاهرون بكونهم أطفالا أو مراهقين كفّوا عن أن يكونوا البيئة غير المؤكّدة للإنسان، والإمكانية للأفكار؟ وإذا ما كانت الاهتمامات ثابتة؟ ليس لمدرسي الثانوي في فرنسا، على حدّ علمي، بالنسبة إلى الفلسفة على الأقلّ، حاجة إلى التكوين في التفلسف. هم كذلك ولن يكونوا كذلك أبدا، وهذا جيد. لكنهم لا يستطيعون جعل الدرس الفلسفي الذي يقدرون عليه ذي راهنية لأنّ التلاميذ ليسوا مهيئين للصبر والتأنّي، استحضار السوابق وللبداية من جديد. لا أرى علاجا بيداغوجيا لهذا لا يكون أسوء من الداء. تعليم الأساتذة أن يكونوا وَدُودِين والنصح بالترغيب، والإرشاد بشدّ الانتباه الأطفال بواسطة تجديدات بيداغوجية أو تقنيات جاهزة هي أسوء من الشرّ. لقد كان لدينا جميعا ألسيبياد Alcibiade يحاول أن يُغرينا من هذا الجانب، كان علينا عاجلا أم آجلا أن نُفهمه، كما سقراط، أنه يفسح المجال لتبادل للحمقى، بالرغبة في مقايضة إغرائهم بحكمتنا، وهو ما لا قيمة له. والأسوأ من ذلك هو توصية أستاذة الفلسفة بأن يكونوا " ألسيبياد" تلاميذهم. إنّ الاشتغال على استحضار السابق والبناء بالفعل في القسم، سواء أكان مَرِحًا أم شديدا لا يدين بشيء للتحفيز والاستقطاب. ليست الصعوبة الراهنة، دون التذكير بذلك، تلك التي تعترض غريب إيليا في السفسطائي (217س مقطع، ر46 س). من الأفضل الحجاج بأسئلة وأجوبة إذا لم يصنع الشريك صعوبات حتى يجيب وإذا ما كان صريحا ولا يراوغ (من قلادة إنينيوس، من إينيا، الميّت). فإذا لم يكن هذا هو الحال فمن الأفضل الحجاج لوحدنا. يمكننا التحاور مع أصدقاء الأشكال، فهم أكثر ترويضا (hémérôteroi) من المادّيين الذين يردّون كلّ شيء إلى الجسد. أما بالنسبة إلى هؤلاء، فنقوم بعمل استحضار السوابق في غيابهم، لوحدنا، وبدلا عنهم. نغلق المدرسة. يلتحق انهيار المثل العليا الحديثة بثبات المؤسسة التعليمية الجمهورية، التي تستند إليها، وأثره أن نقذف في الدرس الفلسفي عقولا لا تندمج فيه. وتبدو مقاومة هذه العقول لا تُقهر لأنها تحديدا خالية الوفاض. فهي تتحدّث بلهجة تعلمتها ويعلمها لها " العالم"، والعالم يتحدّث عن السرعة والمتعة وتحت هيمنة قاعدة التبادل الاقتصادي، المعمّمة على كلّ مظاهر الحياة، بما في ذلك الانفعالات واللذات. إنّ هذه اللهجة شيء آخر غير التي يتحدّث بها الدرس الفلسفي، فهي لا تقبل أن تقاس به. وما من حَكَمٍ كي يفصل في هذا الخلاف. فالتلميذ والأستاذ كليهما ضحية بعضهما بعضا. ولا يمكن الجدلية أو للحوار أن ينساب بينهما، فلاشيء غير النزاع. أقدم ثلاث ملاحظات حتى أنهي: أولا. لا أستخلص مما سبق استنتاج وجوب تكوين مدرسي الفلسفة من أجل الحرب(حرب الكلام وهذا مفهوم). لكن أتذكر مع ذلك أنّ السبب الرئيسي الذي أثاره أرسطو لدراسة الخطابة والديالكتيك هو أنّ من له الحقّ في فضاء المدرسة يمكن أن يُغلب في الأغورا (الساحة العامّة). غير أن الأغورا هي راهنا، إن لم أخطأ، في المدرسة. فقد تصوّر كانط الفيلسوف - لا أستاذ الفلسفة، واتفق معه في ذلك) بوصفه محاربا في يقظة مستمرة، يواجه بالحديد تجار الظاهر الترنسندنتالي (المتعالي). يجب أن نكون قادرين على مواجهة الرأي السائد سيّء النية. لكن يجب بناء قرارنا، ومحاولة معرفة من أجل ماذا نحارب. ثمّ إنه يوجد الحلّ الأفلاطوني: انتقاء العقول التي يمكن أن تُتابع الدرس الفلسفي. والحلّ الفيثاغوري: نفصل الرياضيين mathematikoi عن السياسيين. politikoi وهو اليوم القطع مع الديموقراطوية démocratisme لصالح جمهورية العقول. وترك العناية بالشعب لآخرين. تصبح الفلسفة إذن مادّة اختيارية أو هي مستبعدة في التعليم العالي أو تُدرّس في بعض المؤسسات التعليمة للثانوي. كل شيء يدفع نحو مخرج من هذا القبيل، أينما نذهب. علينا أيضا هنا بناء سلوك فكري، وتحديد الرهان. وفي النهاية لا يجب علينا عدم الاهتمام بما يلي: مطلب استحضار السوابق، والحيرة وكون البناء لم يختف. وربما أضحى نادرا. بل هو بالأحرى مختلف. نشاهد في فانسان Vincennes حضور جمهور استماع من الرجال والنساء الذين يمارسون في الحياة العملية وظائف مختلفة جدّا. وهنا أيضا تكون الأغورا، لكنها داعمة. لهذا المطلب الفلسفي مبرره لا بوصفه خنق المهنة بقدر ما غموض الغايات المهنية. يتعلق الأمر بمهن اختصاص، رفيعة الاختصاص، عملية وحقوقية وطبية وفنيّة وصُحفية. إنّ الرفع عموما من تخصّص المُهمّات يؤدّي معها إلى ضرب من طليعية، ومسائل حول ماهية النشاط المنجز، ورغبة في إعادة كتابة المؤسّسة. يجب على الفلسفة آو التفلسف أن يفتح درسه أمام هذه التساؤلات المتفرقة. هذا ما يسعى إليه مثلا معهد الدولي للفلسفة. قد يكون للفكر طفولة هي على استعداد في سنّ الخامسة والثلاثين بدل الثمانية عشرة، وخارج برامج الدراسة أكثر من داخلها. "

جان فرانسوا ليوتار " الدرس الفلسفي " ("إضراب الفلاسفة " المدرسة والفلسفة " كتاب جماعي - نشر أوزيريس" سلسلة روبار ليشنار باريس 1986" القسم الأول ص 34 -40).

***

جان فرانسوا ليوتار

مقدمة: "الديمقراطية بحاجة إلى الدعم، وأفضل دعم للديمقراطية لا يمكن أن يأتي إلا من الفاعلين الديمقراطيين "

صارت الديمقراطية من الأمور المستحيلة في العالم العربي بعد أن كانت أن تتحول إلى مكسب مدني وتعطل القطار الذي اعتقد الكل بأن العرب قد ركبوه دون نزول بعد موجات من الحراك الاجتماعي السلمي. ربما يعود هذا التعثر إلى ضبابية المفهوم وغياب الضمانات والمؤسسات الراعية وتأخر الذهنيات وتعطل الثورة الثقافية وبروز التكالب على السلطة وانقسام النخبة بشكل لافت عن القيادة واختلاط مشاريع تحديث وتنمية.

فما هي الديمقراطية؟ كيف تعرف الديمقراطية؟ ما هي أسسها؟ وماهي مختلف أنواعها؟ وما الفرق بين المباشرة والتمثيلية والتشاركية والتداولية؟ ولماذا يعتبرها المدافعون عنها نظامًا سياسيًا محفوفًا بالمخاطر؟ ما الذي جعل الديمقراطية عندنا متعثرة وغير مالكة لوجودها القانوني؟ ومتى يتم تحصيلها بصورة تامة ونهائية لا رجعة فيها واستنباتها على أرضنا؟ ألا يجدر في البداية التربية على الديمقراطية وإعداد ديمقراطيين؟

مفهوم الديمقراطية

من الناحية اللغوية، يشير مصطلح "الديمقراطية" إلى نوع من النظام السياسي يكون فيه الناس (ديموس) هم من يمسكون بزمام السلطة (كراتوس). ومع ذلك، فإن أصل الكلمة هذا يتوافق بالتأكيد مع الديمقراطية التشاركية، وهي نادرة جدًا ودائمًا على نطاق محدود (بلدية بورتو أليجري على سبيل المثال)، ولكن ليس مع ما تفهمه عادةً الديمقراطية، الديمقراطية التمثيلية، أي لنقل نوع من نظام سياسي يكون فيه الناس هم من يحدِّد من يمسك بزمام السلطة أو من يملكها. ولكن من خلال الاكتفاء بهذا التعريف الأخير "الأدنى"، يمكن للمرء أن يصل إلى انحرافات حقيقية، وعلى وجه الخصوص تسمية الأنظمة "الديمقراطية" التي ليس لها حتى مظهر واحد. لأن الديمقراطية الحقيقية، حتى التمثيلية، تتطلب أكثر بكثير من الاقتراع العام. على وجه الخصوص، يمكننا أن نشير إلىالتعددية السياسية أو التعددية الحزبية، والتي تمنع الناخبين من الاضطرار إلى الاختيار بين مرشح واحد، وكذلك إمكانية حقيقية للجميع، دون تمييز، للترشح في الانتخابات. بعد ذلك ترتكز الديمقراطية على فصل السلطات - التشريعية والتنفيذية والقضائية - مما يجنب تركيز السلطة في أيدٍ قليلة. على سبيل المثال، لا يمكن المبالغة في التأكيد على استقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، في حالة من غير المحتمل أن يكون ممثلو هاتين السلطتين محل اهتمام القضاة لأسباب تدينها العدالة. من جهة ثالثة تقتضي فترة ولاية معقولة، والتي تتجنب التقاعس عن العمل في السنوات الأولى من السلطة مثل إنشاء أنظمة لمنع التناوب السياسي، سواء كانت هذه الأنظمة قانونية - تعيين أشخاص "موثوق بهم" في مناصب رئيسية، ومحسوبية مختلفة، كما انها تحد من انتشار الفساد والاحتكار والتمركز والاقصاء على سبيل المثال.

علاوة على ذلك تحتكم الديمقراطية الى ضوابط وتوازنات عديدة ومتنوعة وتمثيلية - نقابات، وجمعيات مختلفة، ووسائل إعلام مستقلة - لها الحق في التعبير عن نفسها بحرية، والتي يجب أن يمنع عملها الحكام من الاستسلام لإغراء خطير لحل مشاكل الأغلبية بإيذاء أقلية حتى مع الموافقة الصريحة من هذه الأغلبية، مهما كانت هذه السياسة قد تبدو ديمقراطية. لكن هذه الضوابط والتوازنات لا ينبغي أن تكون "جماعات ضغط"، أي أعداء للمصلحة العامة، وهي ليست دائما، بعيدة عنها، مصلحة الأغلبية.

زد على ذلك ان “الضمانات" الأخرى هي بالطبع ممكنة بل ومرغوبة، حيث يُظهر التاريخ، وخاصة التاريخ الحديث، أنه حتى لو تم استيفاء جميع هذه الشروط إلى حد ما، يمكن أن يصاحب ما يسمى بالنظام الديمقراطي مواقف قد تبدو غير ديمقراطية على وجه التحديد، مثل وجود شكوك قوية حول نزاهة كبار السياسيين، شكوك يستحيل تأكيدها أو نفيها من خلال حقيقة ما يسمى بالقوانين الديمقراطية. على هذا لنحو يبدو إذن أن أهم هذه "الضمانات" تكمن، من الناحية النظرية على الأقل، فيما يشكل شرعية الديمقراطية ذاتها: فكرة أن الناس، أو بشكل أدق غالبية الناس الذين يتحدثون أثناء الانتخابات (والتي في بعض البلدان وفي بعض الانتخابات قد يتوافق مع الحد الأدنى من المواطنين) أولاً، يعرف دائمًا مكان مصلحته - كشعب - وبالتالي يعرف لمن يجب أن يصوت حتى يتم أخذ هذه المصلحة في الاعتبار، وثانيًا، يصوت دائمًا في اتجاه مصالحها الفضلى - دائمًا كشعب. ومع ذلك، فيما يتعلق بالنقطة الأولى، هناك العديد من الحالات التي تظهر أن الناس يمكن أن يكونوا مخطئين بشأن أولئك الذين يجب أن يتولوا مسؤولية مصالحهم، كما يتضح من جميع "خيبات الأمل" التي يدعي الناخبون أنفسهم أنهم ضحايا لها. فيما يتعلق بالنقطة الثانية، لا يزال هناك عدد أكبر من الحالات التي لا يصوت فيها الناخبون - لم يعد بإمكان المرء أن يقول الناس، الذين لم يعد لديهم وحدة - لمصلحة الشعب، ولكن لصالح الشعب. الشعور بمصالحهم الشخصية، أو ما يعتقدون أن يكون. على وجه الخصوص، تعتبر الانتخابات المحلية فرصة لمناشدة هذه المصالح الخاصة أكثر من المصلحة العامة، في تحد للديمقراطية.  نحن نطلق على "الغوغائية" جميع الوسائل التي يمكن من خلالها للمرشحين في الانتخابات أن يحرفوا معنى الانتخابات الديمقراطية، أي تحديد المصلحة العامة وأولئك الذين سيكونون مسؤولين عن إرضاء له.

في الحالة الأولى، يعاني الناخبون من الغوغائية ("لم يتم الوفاء بالوعود").

في الحالة الثانية، يتم قبول الغوغائية بشكل أو بآخر من قبل هؤلاء الناخبين، على سبيل المثال عندما "يلعب" المرشحون على مخاوف أو تخيلات، عندما لا يهاجمون صراحة أقلية (مهنية، عرقية، مذهبية إلخ). لذلك يجب أن نسأل أنفسنا ما إذا كانت هذه الفكرة التي هي أساس أي ديمقراطية، فكرة أن الناس يتمتعون بالوضوح الكافي ويتمتعون بالكياسة الكافية حتى لا ينحرفوا، طوعا أم لا، الديمقراطية بأصواتهم، إذا كانت هذه الفكرة، بالتالي، هي شيء آخر غير الوهم. فهل تقوم الديمقراطية على الوحدة ام التعدد؟

"في مقدمة فينومينولوجيا الروح، يخبرنا هيجل بأن: "الحق هو الكل". هذه الجملة، للوهلة الأولى، ملغزة وغامضة، ومع ذلك فهي تدل على موقف وجودي رئيسي انخفض في جميع الثقافات عبر تاريخ الفلسفة. هذا الموقف يسمى الوحدانية. في حالة هيجل، أن التحرير الحقيقي يعني الكل وأن الاختلاف بين كائنات الكون والذات التي تتمثلها قد تم إلغاؤه حتى لا يصنع شيئًا أكثر من طبيعة مشتركة (التي يسميها هيجل الروح) وهذا، من خلال تاريخ طويل من المعالجة التاريخية. هذه الأحادية بالذات هي موقف فلسفي خاص بهيجل، ولكن الأحادية تراجعت في الإصدارات التي تتجدد دائمًا، على سبيل المثال موقف تلميذ هيجل، كارل ماركس، أو قبل ذلك بكثير في التاريخ البوذية، العلموية، ذرية ديموقريطس والعديد من الفلسفات الاخرى أو وجهات النظر الدينية. ولكن ما الذي يوحد كل هذه الآراء التي تبدو متنوعة للغاية؟ تشترك جميع الفلسفات والديانات الأحادية في هذا الأمر الذي يجعلهم يعتبرون كل ما هو موجود مكونًا من مبدأ واحد. يمكن أن يكون هذا المبدأ في قاعدة كل الوجود على سبيل المثال جوهر، وهذه كلها أشكال من المادية، ولكنها يمكن أن تكون أيضًا الروح، أو حتى الله، على سبيل المثال في النظرة اللاهوتية للعالم. تعني وحدة المبدأ هذه أن كل شيء موجود في الكون هو نتيجة لهذا المبدأ. على سبيل المثال، في الهيجلية، التاريخ هو العملية التي من خلالها يدرك الروح الكون على أنه من نفس الطبيعة كما هو الحال في حدس يسمى المعرفة المطلقة. في أحادية العالم، الإنسان مخلوق مادي، نتيجة لعمليات فيزيائية كيميائية معقدة. الفكر والمفاهيم يتم اختزالها في التبادل الكيميائي بين الخلايا العصبية والإنسان، تمامًا مثل الكونما هو إلا مجموعة من الذرات ذات بنية سعيدة.

الانسان او العالم

إن لمجتمع الوجود هذا بين الكون والإنسان الذي يسكنه ويمثله لنفسه نتائج فلسفية مهمة. النتيجة الأولى هي أن الفلسفة الأحادية هي دائمًا حتمية. في الواقع، إذا كان هناك استمرارية للطبيعة بين الكون والإنسان، فإن الاثنين يخضعان لنفس القوانين، قوانين الكون التي لا استثناءات لها والتي تخضع لها كل الأشياء لأن قوانين الكون هي تعبير عن المبدأ (المادي أو الروحي) من حيث هو أساس كل شيء. على سبيل المثال، إذا كان كل شيء، كما في حالة المادية، فستخضع كل ظاهرة لقوانين المادة، لأن المادة هي أساس كل الأشياء الموجودة. النتيجة الثانية هي الوضوح التام للكون. إذا كان كل شيء من نفس الطبيعة، فهذه الطبيعة مفهومة. في الواقع، الوضوح قدرة بشرية، وفي الوحدانية، الإنسان له نفس طبيعة الكون؛ وبالتالي فإن الكون نفسه مفهوم تمامًا: فالعقلانية والكون وجهان بالفعل لشيء واحد. هذا ما يقوله هيجل في مبادئ فلسفة القانون التي من أجلها: "كل ما هو عقلاني هو حقيقي، وكل ما هو حقيقي، عقلاني". العقلانية، اللغة العقلانية في كل الأحاديات، حتى اللاهوتيات، اللغة المميزة للوصول إلى الكون، والنتيجة الثالثة، والتي هي بالنسبة للعديد من الناس العاديين في الفلسفة الأكثر صعوبة في القبول، تتمثل في المكانة الممنوحة للإنسان من قبل الوحدانية. إذا كان الإنسان من نفس طبيعة الكون، فهو بطريقة ما غبار إذا قارناه بالكون، إذن، بعيدًا عن كونه مركز الكون، فإن الإنسان عبارة عن فتات سخيفة وادعاءاته سخيفة. يذوب الإنسان في المادة من أجل المادية، في الدولة، انبثاق الروح العالمي لهيجل، في إرادة الله لبعض اللاهوتيين. وبالتالي، فإن وجود الإنسان، في ظل هذه الظروف، لا لزوم له وطفلي. وبالتالي فإن كل أحادية هي معاداة إنسانية، وهذه اللاإنسانية وهذه الحتمية، المشتركة بين جميع الأحاديات، تتوج في البوذية، التي حتى الوعي هو مجرد وهم. في حين أن العلموية، التي تعتبر أن الإنسان قد اختزل إلى ظاهرة فيزيائية - كيميائية، تستبعد كل خصوصية الإنسان فيما يتعلق ببقية الكون. ومع ذلك، فإن هذه النتائج الثلاثة للوحدة، والحتمية، ومناهضة الإنسانية، والعقلانية المطلقة، هذه النتائج الثلاثة لها نتائج طبيعية، ونتائج عملية عندما يتعلق الأمر بالتفكير في العواقب الأخلاقية والسياسية لهذه النظريات. كما رأينا، فإن الأحادية لا تميز بين الكون والفرد. لذلك، يجب أن تكون قوانين المدينة من نفس طبيعة قوانين الكون وخاضعة لها. وبالمثل، يجب على المواطن داخل المدينة الخضوع لقوانين الكون لأنها نتيجة لها.لحسن الحظ، لم تعد الدول الحديثة انعكاسًا للنظام الإلهي كما كانت المدن القديمة أو الإنشاءات السياسية في العصور الوسطى. لكن الأحادية السياسية لا تزال قائمة على فكرة أن السلوك الفردي وقوانين المدينة يجب أن يخضع لقوانين وأعراف موضوعية، وواقعها الذي لا لبس فيه يتجاوز إرادة الفرد البسيطة. تتخذ الأحادية السياسية المعاصرة شكلين أساسيين: شكل الإيكولوجيا السياسية والماركسية الشعبية.

أولاً، تدعي البيئة السياسية أنها تبني سياستها على نتائج بيئية ملزمة، مثبتة من خلال البيانات والنتائج العلمية التي لا لبس فيها في موضوعيتها. وهكذا، بالنسبة لبعض علماء البيئة، فإن القوانين البيئية ليست ثمرة للتداول الحر، وليست ناتجة عن خيال ذاتي، ولكنها ضرورة قسرية ناتجة عن ملاحظة موضوعية. هذه هي الطريقة التي يدعي بها بعض دعاة حماية البيئة أنه، باسم الموضوعية البيئية، يجب أن نقصر البشرية على نصف مليار إنسان. المشكلة هي: كيف سيتم ذلك؟

ثانياً، تنوي الماركسية أن تبني برنامجها السياسي على أساس حل التناقضات الحقيقية والموضوعية للصراع الطبقي. إن الصراع الطبقي، محرك التاريخ، يولد بالضرورة المادية الديالكتيكية التي هي العلم الذي يمكّن من حل التناقضات الخاصة بالرأسمالية، مما يؤدي بالضرورة إلى دكتاتورية البروليتاريا والمجتمع اللاطبقي.

الوحدانية والحتمية

في كلتا الحالتين، نرى أن طبيعة الأشياء تعني أن سياسة المدينة ليست اختيارًا متعمدًا ولكنها مفروضة بالضرورة إما بيئية أو تاريخية بعد الملاحظات التي تدعي الموضوعية العلمية. من السهل أن نرى أن هذه النظريات الأحادية تنكر حريات الإنسان لأن الحرية تُنكر بالضرورة. في الواقع، فإن النظرية السياسية القائمة على الوحدانية هي دومًا شمولية لأن المواطن في الوحدانية يخضع دائمًا لواقع كوني وموضوعي لا يستفيد من حريته كثيرًا. إذا لم تكن كل الأنظمة الشمولية بالضرورة أحادية، فإننا نستنتج من هذه الاعتبارات أن كل الأحادية السياسية هي بالضرورة شمولية. ومع ذلك، فإن الوحدانية لها أيضًا عواقب أخلاقية: داخل المدينة (سواء كانت حرة أو دكتاتورية)، لا توجد إرادة حرة للمواطن إذا كان هذا الأخير نتيجة لنظام الكون الذي يتصرف فيه. مصير أسطورة إير في جمهورية أفلاطون، كارما البوذيين، الأقدار لجون كالفين، كلها نظريات كونية تنكر حرية الإنسان. وبالمثل، جغرافيًا ونفسيًا واجتماعيًا أو الحتمية الاقتصادية، إذا لم تكن هذه النظريات أحادية بالضرورة، فإنها تعمل كنظريات أحادية لأنها تنكر الإرادة الحرة للإنسان وتختزله إلى كونها تحديدًا بسيطًا بدون مضمون، فإنها غالبًا ما تعمل مثل النظريات الكونية للقدر المذكورة أعلاه بينما تريد بوعي أن تكون عقلانيًا وخاليًا من الخرافات اللاهوتية. ان الأحادية، هي سيف ذو حدين. إذا تصرفت بشكل جيد، فأنا أتواصل مع الكون، ولكن إذا تصرفت بشكل سيئ، فإن الكون كله يدينني ويعاقبني حتى لا أستطيع فعل أي شيء لتصحيح نفسي. تفترض الأحادية الشفافية بين الموضوع والكون وقوانين المدينة. نادراً ما تكون هذه الشفافية، في الأزمنة المعاصرة، دينية بل علمية إلى حدٍ ما: فقد حلت موضوعية العلم محل إرادة الله، ويجب على الديمقراطيات الغربية، في رأينا، أن تحذر من جعل العلم (وبياناته الموضوعية) برنامجًا سياسيًا. إنها ليست مسألة إعادة تأسيس النسبية أو القوانين التعسفية، لكن العلم يريد أن يكون موضوعيًا وينكر حرية الإنسان ليحل محله الإكراه. لذلك ينكر تنوع الآراء الذي هو أساس الديمقراطية".فكيف نجعل من النضال الديمقراطي مركز الثقل في البرنامج السياسي الذي يجدر تنزيله في زمن الموجات الثورية المتعاقبة؟

معنى الديمقراطية وشروط امكان استمرارها

"اخترعت العصور القديمة الأثينية المصطلح، والمفهوم المترابط للمواطنة، في شكل اجتماعي قائم على العبودية، بحيث يكون الرجال فقط، وليس النساء، "أحرار"، أي غير العبيد، مواطنين. من ناحية أخرى، تم تصور المثالية الديمقراطية الحديثة من خلال معارضة فكرة أن السلطة تأتي من الله - ما تقوله ملكية الحق الإلهي ؛ ولكن أيضًا فكرة أنه قائم على النسب - وهو ما يؤمن به النبلاء. يمكننا تحديد أن فكرة تحديد المصدر الذي تأتي منه السلطة السياسية في الشعب تتعارض مع عدد من المعتقدات وعدد من الممارسات: على سبيل المثال، الاقتناع بأن السلطة تستمد شرعيتها من تفوق القوة. الحق في الغزو ؛ السلطة "الغاشمة") - أو سلطة الأغنياء، والتي من شأنها أن تمنحهم "جميع الحقوق". ان أصل الكلمة: من الشعبdemos، "الجمهور" وkratos، "السلطة"، "السيادة". نظام سياسي يقوم على مبدأ أن السيادة ملك لجميع المواطنين، إما بشكل مباشر (من خلال الاستفتاءات) أو بشكل غير مباشر من خلال ممثليه المنتخبين. يجب إجراء الانتخابات بالاقتراع العام، على أساس منتظم ومتكرر. تفترض الديمقراطية وجود مجموعة من الخيارات والمقترحات، تتجسد بشكل عام في الأحزاب والقادة الذين يتمتعون بحرية معارضة وانتقاد الحكومة أو الجهات الفاعلة الأخرى في النظام السياسي. لذلك فإن الديمقراطية لا توجد إلا إذا كان هناك "تنظيم دستوري للمنافسة السلمية من أجل ممارسة السلطة" (ريموند آرون). تتطلب الديمقراطية أيضًا الاعتراف بالحريات العظيمة: حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير وحرية الصحافة. من الناحية القانونية، الديمقراطية جزء من سيادة القانون. ثقافيا، يتطلب قبول التنوع. كما تتعارض الديمقراطية مع الاستبداد: الاستبداد والأرستقراطية والملكية والديكتاتورية وجميع أشكال السلطة حيث يتم استبعاد الأغلبية من عملية صنع القرار (الأنظمة الاستبدادية والشمولية). يستخدم المصطلح أحيانًا بطريقة مسيئة أو مضللة لإخفاء الديكتاتورية (مثال: "جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية"). وتجدر الإشارة إلى أن المصطلح اليوناني demos لا يتوافق مع المجموع البسيط للمواطنين الأفراد. ميز القدماء لاوس عن العروض التوضيحية. المصطلح الأول مرتبط بحشد أو كتلة بدون تنظيم، بدون وعي واضح ؛ في الحالة الثانية، إنها مجموعة منظمة من المواطنين. نادرًا ما يُستخدم مصطلح الديمقراطية قبل القرن الثامن عشر. لم ينتشر الاستخدام الحالي للمصطلح إلا بعد الثورتين الليبرالية، الأمريكية والفرنسية. ومع ذلك، هل يكفي للديمقراطية أن يكون "صوت الشعب" "مقدسًا"، أن تستخدم المثل الروماني " صوت الشعب صوت الله "؟ يظهر التاريخ أن الانقلابيين يتمتعون بشعبية بعد مصادرة السلطة لإرساء الاستبداد أو الديكتاتورية. كان هذا هو الحال مع نابليون الثالث الذي أسس النظام الاستبدادي للإمبراطورية الثانية بعد الانقلاب الذي قام به في عام 1851. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنه إذا كان بالفعل "صوت الشعب" هو المصدر الشرعي الوحيد السلطة السياسية في ديمقراطية، هذا الصوت لا يملي أي شيء في الأمور الاقتصادية والمالية. إن المفهوم الحديث للوجود المدني الديمقراطي، كما تم تطويره في القرنين السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، يفترض استقلالية السياسي فيما يتعلق بجميع سجلات الوجود العام الأخرى - وعلى وجه الخصوص ليس فقط تلك المتعلقة بالممارسات والسلطات الدينية، ولكن أيضًا في المجال الاقتصادي. لذلك ينبغي التأكيد على أن الاقتصاد الذي تحكمه المنافسة الحرة بدون مكابح لا ترتبط بطبيعته بالديمقراطية بأي حال من الأحوال. تحتفظ الملاحظة التي أدلى بها روسو في الكتاب الأول من العقد الاجتماعي بأهميتها: "في الواقع، تكون القوانين مفيدة دائمًا لمن لديهم شيء وتؤذي أولئك الذين لا يملكون شيئًا: ومن ثم فإن الحالة الاجتماعية مفيدة للبشر فقط. طالما أنهم جميعًا لديهم شيء ما، وليس لدى أي منهم أي شيء أكثر من اللازم ". في شرح مفصل لمبادئ أي مجتمع ديمقراطي، يرفض روسو في ملاحظة ما يتعلق بمسألة الثروة ويقتنع بالتشديد على أنه من المناسب للمواطنة ألا يكون هناك أحد فقير، لدرجة القلق فقط بشأن بقائها - ولا أيضًا. غني، لدرجة الرغبة في "شراء" الآخرين. يجب أن نصر: الاستقلالية السياسية تعني أن السلطة العامة هي التي تنظم الشؤون المشتركة - لا الدين وكنائسه المختلفة (كما هو الحال مع الثيوقراطيات) - ولا الاقتصاد والتمويل (هذا هو الحال مع الأوليغارشية). لذلك نرى أهمية البدء، كما هو مُحاول هنا، بعدم ترك مستوى التعريفات والمبادئ لأننا لا نستطيع الحكم على الحقائق التاريخية الماضية والحالية دون تصورات واضحة. روسو، بلا شك الأول، رأى بوضوح أن "سلطة الشعب" يجب أن تعني ليس فقط أن الشعب وحده هو المصدر الشرعي للسلطة، ولكن، علاوة على ذلك، يجب أن يُسمح لهم وحدهم بممارسة هذه السلطة. ويؤكد أنه "إذا كان روسو قد اقتصر على التأكيد على أن السيادة كانت أصلاً في الشعب، فلن يقل شيئًا أكثر من هوبز، المدافع عن النظام الملكي المطلق، الذي يرى أن: "الملكية، مثل الأرستقراطية، تستمد أصلها من سلطة الشعب، التي تنقل حقها، أي السيادة، إلى رجل واحد". على العكس من ذلك، فإن ما "يمثل حقبة"، هو التأكيد على الطابع "غير القابل للتصرف" للسيادة الشعبية: إذا لم يكن هناك حاكم آخر غير الشعب، فيجب على الأخير ممارسة السيادة بنفسه. يمكننا أن نرى بوضوح سلسلة الصعوبات التي سببتها فكرة الديمقراطية كسلطة للشعب من قبل الشعب: كيف نسمع صوت الشعب؟ كيف يمكن للشعب ممارسة السلطة؟ من هو "الشعب"؟

تتمثل الديمقراطية في ممارسة الشعب للسلطة بشكل مباشر أو غير مباشر. يتضمن هذا التنظيم السياسي حالة اجتماعية تتميز بحقيقة أن الجميع متساوون أمام القانون، وأن الجميع لهم نفس الحقوق. الوظائف متاحة للجميع، يجب أن يُدعى المواطنون إلى الحياة الفكرية والأخلاقية، وأكثر فأكثر في وضع يسمح لهم بممارسة جزء من السلطة لهم بطريقة فعالة ومعقولة يُنسب إلى الدولة الديمقراطية واجب إقامة الأعمال الإرشادية والتعليمية وأعمال التضامن. النظام الديمقراطي لديه حق الاقتراع العام كأداة له والشكل الجمهوري كإطار أكثر ملاءمة بشكل خاص. من الذي سيعلن إعجابه وتفضيله لنظام شمولي؟ حتى الحركات الدينية تدعو إلى الديمقراطية للحصول على الجنسية في البلدان أو في الأنظمة التي تتحدىها. حتى الأحزاب الفاشية والشعبوية تعتقد أن لها الحق الكامل في التمتع بالحريات الديمقراطية في التنظيم والتعبير عن نفسها علنًا، على الرغم من أنها أعداء للديمقراطية. يقول معظمهم إنه في الديمقراطية لا ينبغي "شيطنة" أحد، ولكن على العكس من ذلك، يجب أن يكون كل شخص قادرًا على التصرف والتحدث بحرية.إذا لم نعد نعارض "الحكم المطلق" - "الثيوقراطية" - "الاستبداد"- "الملكية" إلى "الديمقراطية"، من ناحية أخرى، فإن "الديكتاتورية" و "الديكتاتور" يعودان إلى اللغة المشتركة، بينما يتراجعان "الشمولية" ؛ إن نجاح هذا المصطلح باعتباره المتناقض الوحيد لكلمة "الديمقراطية" طوال الحرب الباردة يدين بالكثير لكتابات حنة أرندت. تُفرض سلسلة مزدوجة من الشروط: من ناحية، يجب أن تجد الإرادة الشعبية تعبيرًا عنها، الأمر الذي يتطلب تنظيم الاستشارات بالاقتراع. لذلك يبدو الحق في التصويت كحق سياسي رئيسي لتحديد مكانة المواطن. لكن من ناحية أخرى، لا يمكن أن تكون هناك إرادة شعبية إذا كان المجتمع يفتقر إلى كل من المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام المحايدة. فالجاهل، كما نعلم، يقعون بسهولة فريسة للتعصب الأعمى الذي يجعلهم غير قادرين على الحكم على الصالح العام بشكل صحيح ؛ وإذا حلت الدعاية محل المعلومات من خلال التظاهر بوضوح بأنها كذلك، فكيف يمكن للجماهير الشعبية أن تتجنب، كما يظهر التاريخ الحديث، التملق بطاغيتها؟ من خلال "زعيمهم" الكاريزمي (الفوهرر) لا يشكلون شعبًا سياسيًا، حتى لو تمت استشارتهم اشادة أو الاستفتاء العام الأخير. إما أن يقرر الناس بأنفسهم مباشرة في ديمقراطية مباشرة أو يفوضون سلطتهم في ديمقراطية تمثيلية. لم تتوقف النقاشات أبدًا بين مؤيدي الديمقراطية المباشرة وأنصار "التمثيل". الديمقراطية المباشرة، أو يقرر المواطنون المجتمعون بأنفسهم، بشكل مباشر، في كل ما يتعلق بالصالح العام. لا يجب عندئذٍ استدعاؤهم بانتظام فحسب، بل يجب أيضًا "استدعاءهم" دون توقف، نظرًا للطبيعة غير المتوقعة للظروف. الديمقراطية التمثيلية أو المواطنين يقررون، ولكن بشكل غير مباشر، من خلال ممثليهم، وهو أمر يمكن تصوره لمستويات متعددة من الوجود الاجتماعي. التمثيل يؤسس الشعب كشعب سياسي، ويؤسس كلاً من الممثل، على سبيل المثال الملك، والممثل، الذي هو دائمًا الشعب. وهكذا في المسرح، من خلال التمثيل، يظهر كل من الممثل (الممثل في عملية العزف) والممثل (هاملت على سبيل المثال) إلى الوجود. ومع ذلك، يرفض روسو هذا النوع من المصطنعة ويرى في تفويض السلطة إلغاءها. على العكس من ذلك، حسب رأيه، في صفة كل فرد أن يكون في نفس الوقت "سياديًا"، أي مشرّعًا، و "خاضعًا"، أي مطيعًا للقوانين، أن الجنسية تكمن. ليست الحرية الميتافيزيقية بأي حال من الأحوال، بل الحرية المدنية والسياسية التي ينظر إليها روسو وحده عندما يعلن أن هذا يتمثل في "طاعة القانون الذي يمنحه المرء لنفسه". " في الديمقراطية المباشرة نفس "ذات سيادة" و "رعايا". في الديمقراطية النيابية، يفوض "صاحب السيادة" لممثليه السلطة التشريعية المنوطة بمجلس نواب الشعب، ويبدو أن مناشدة المواطنين المجتمعين هي أفضل طريقة لتجنب الاستيلاء على قرارات الشعب. ومع ذلك، فإن هذا المظهر يتناقض إذا فكر المرء للحظة في ظاهرة جماعية، والتي تحدث حتى في مجموعات صغيرة: المنافسات، والحيل، وظهور "القادة" - بشكل عام الأكثر فظاظة، أولئك الذين يتحدثون بصوت عال، يعرفون كيفية جذب الناس. رأي. ولأن أفلاطون تحديدًا بين كل الديمقراطية والديمقراطية المباشرة، فقد كان أكثر قتلة لها: لقد رأى بوضوح شديد أن الأكثر عنفًا والأكثر استبدادًا استحوذ على عواطف وآراء الآخرين ورأى بصعوبة. على الرغم من أنه إذا كان رأي الجميع كذلك من المفترض أن تكون شرعية، لم يعد هناك صواب أو خطأ - لا صواب أو خطأ، صواب أو خطأ. الجاهل سيكون على حق ضد المتعلمين، والأطفال ضد تجربة المسنين، والبلطجية ضد الرجال الشرفاء، وهكذا، حتى يسود ميزان القوى في النهاية. وهكذا، فإن أثينا، التي أصبحت فريسة الديماغوجيين عن طريق الديمقراطية، غرقت في الطغيان، وبالتالي ستبقى الديمقراطية التمثيلية. رأى روسو في هذا، وليس بدون سبب، الخطر الكبير المتمثل في أن ممثلي الشعب يخلطون بين مصلحتهم والمصلحة العامة، أو أنهم يطيعون مصالح مجموعات معينة. ومع ذلك، يمكن تقليل هذا الخطر بشكل كبير إذا تم انتخاب ممثلي الشعب لفترات قصيرة - وخاصة إذا تم وضع مؤسسات للتحكم في قراراتهم وأفعالهم (مع سلطة تقييد واضحة في حالة الخيانة أو الاختلاس). الخطر الرئيسي الآخر هو أن ممثلي الشعب يصبحون محترفين في السياسة، وهو ما يمكن فهمه بمعنيين مختلفين للغاية. هذا لأن التسويق الإعلاني يتطلب خبرة ومهارة بطريقة مختلفة تمامًا عن فن السياسة. لالتقاط المشاعر والمعتقدات، لا تحتاج إلى شعب بل جمهور - ليس مواطنين، ولكن مستهلكين للصور. لذلك من الضروري معرفة كيفية إثارة التخيلات المغلفة ضمنيًا بعناصر اللغة والشعارات وتسريحة الشعر ولون ربطات العنق والأزياء. من ناحية أخرى، إذا أفسحت تقنيات التقاط المشاعر المجال للعلوم السياسية، فإن إدارة الشؤون العامة لم تعد مجازفة بأن تكون ديمقراطية بل، بالمعنى الدقيق للكلمة، "أرستقراطية" كحكومة من أكثر الحكومات علمًا، "الأفضل. ومع ذلك، فإن اعتناق العقيدة الديمقراطية يسير في اتجاه معاكس تمامًا: فهو يمنح الجميع القدرة على الحكم على المصلحة العامة بشكل صحيح، والتي يتم التعبير عنها من خلال المساواة في الأصوات. سواء كنت غنيًا أم فقيرًا، قويًا أم لا، مشهورًا أو مجهولًا، فإن بطاقة اقتراعك تحسب صوتًا واحدًا، مثل صوت أي شخص آخر: لا يوجد خبير في السياسة. هذا هو السبب الذي يجعل "الناخبين"، في الديمقراطية، "مؤهلين": الوصول إلى المناصب السياسية مفتوح للمواطنين. ومع ذلك، يبقى الناس، ويمارسه الناس أنفسهم، يقول إنه من الضروري التساؤل عما هو يقصده الناس. كيف يصبح السكان شعبا سياسيا؟ هناك نوعان رئيسيان من الإجابات: من ناحية أخرى، من خلال السؤال عن معرفة ما هو أساس التماسك الذي بدونه لا يمكن أن تكون وحدة الشعب كـ "هيئة سياسية" ممكنة (الإجابة من خلال أسس المجتمع السياسي ) ؛ من ناحية أخرى من خلال مسألة أغراض الوجود المدني (الذي يسأل المجتمع "لماذا"؟) ما هو الشعب السياسي؟

السكان ليسوا شعبًا سياسيًا: هذا التمييز هو الذي يفهمه هوبز، على سبيل المثال، عندما يراعي نفسه في الفكر مع حالة الطبيعة، والتي يجب، حسب رأيه، أن تُصوَّر على أنها حالة طبيعية. الكل ضد الكل. وبالمثل، عندما تصور روسو المجتمعات الأولى على أنها تجمعات عشوائية بسيطة خالية من جميع الحقوق، فإنه ينوي الإشارة إلى أن تجاور الأفراد في منطقة ما لا يجعل هؤلاء الناس شعباً. نحن نتحدث عن "الناس" من حيث "الجسم" السياسي - أو "الجسم" المدني للإشارة إلى أن فكرة السياسيين تغلف فكرة وحدة التعددية: المصلحة العامة، في الواقع، تسمح للكميات تعيش.من مجموعات معينة مع مصالحها المتنوعة، ولكن لا يوجد تماسك اجتماعي إلا إذا كانت هذه المجموعات والمصالح الخاصة لا تتعارض مع المصلحة العامة. وبالتالي فإن العلاقة بين المصلحة العامة والتماسك ستكون بالضرورة دائرية ؛ على العكس من ذلك، نفهم كيف أنه إذا كانت النزاعات بين مجموعات معينة (التي هي أجزاء من المجتمع) هي السائدة فقط، فإن الوجود الاجتماعي يصبح مجزأًا إلى درجة تدمير أي منظور عام. عندما لا يكون هناك سوى فصائل متنافسة في السلطة، فلا يوجد شعب سياسي، ولكن ما يسميه سبينوزا العزلة، أو "الصحراء". لأغراضنا، يكفي أن نفهم فقط ما هو أساس الاحتمال. كشعب يصر على تعايش الحريات. "التعايش" وليس "القيود المتبادلة". ومع ذلك، فإن الحريات الطبيعية للأفراد لا تتعايش إلا عندما تتحول إلى حريات مدنية، أي إلى حقوق فردية يكفلها حكم القانون. وترتبط طبيعة الجسم المدني بمسألة أخرى: وهي غايات الوجود في المجتمع. في ضوء أي وجود اجتماعي؟

خاتمة

يمكن اختزال وجهات النظر في العمل في تاريخ الفكر إلى مسارين رئيسيين: إما أن تكون الاحتياجات الحيوية هي التي تتطلب ضرورة تكوين المجتمع لأنها تتطلب التعاون، الطوعي أو غير الطوعي، من جميع أنواع المهام لتطوير التقنيات المطلوبة لإنتاج وصيانة وتوزيع البضائع - وهو ما قالته الأسطورة الأفلاطونية القديمة لبروتاغوراس جيدًا. لذلك فإن الغرض من المجتمعات هو الأمن، أو ما يسمى الرفاهية. الوجود المشترك في هذه الحالة ليس له نهاية ؛ إنها فقط وسيلة لضمان البقاء. كما ترتبط هذه النظرة السياسية بفرضيتين أخريين: من ناحية، تعد البشرية نوعًا ماديًا تتميز احتياجاته الخاصة بكونها قابلة للتمدد إلى أجل غير مسمى ؛ من هذه الملكية سيتبع الافتراض الثاني الذي يدعي أن الرجال سيكونون بالضرورة فريسة لرغبات الممتلكات والمتعة والسلطة مثل المنافسات، "حرب الكل ضد الجميع" لا يمكن كبحها إلا من خلال الهيمنة الحديدية. عندما نرى أن الأنثروبولوجيا المهينة مرتبطة بآراء سياسية سلطوية، فإن المسار الذي يمكننا تسميته بالعقلانية فقط هو الذي يتوافق مع المثل الأعلى الديمقراطي. يرى كل الفكر العقلاني الكلاسيكي (أي القرنين السابع عشر والثامن عشر) في الإنسانية، ليس فقط بالطبع، الوجود المادي لنوع حي، ولكن أيضًا وجودًا يسمى "أخلاقيًا" ؛ كل ما يمس مسألة معنى وقيمة الوجود الذي يقود المرء، ينتمي إلى الإنسان "الأخلاقي". يعرّف كانط الإنسانية على أنها نوع أخلاقي من خلال القدرة على تخصيص غايات أخرى غير الطبيعية (والتي تتكون بدورها من السعي لإشباع الحاجات والرغبات.) هذه القدرة تحدد بدقة حرية الإنسان.وبالتالي يرى كيف أنه من الضروري الإيمان في الحرية من أجل تصور الديمقراطية والدفاع عنها ؛ إذا كان المرء يؤمن فقط بالاحتياجات والرغبات، فإن "الاستبداد المستنير" سيكون كافياً بشكل كبير - ولكن أيضًا، للأسف، الاستبداد والاستبداد بدون عبارات، ذلك الذي يتبنى المبدأ القديم للأباطرة الرومان، "الخبز والدوائر" - الخبز والألعاب! بهذا، يُفترض أن يسكت الجمهور ... لأن الديمقراطية تقوم على الإيمان بالحرية، لأنها تؤسس الحريات وتضمنها وتحميها، فإنها تظهر وفقًا لمفارقة تشرشل على أنها أسوأ نظام غذائي، رغم أنه لا يوجد أفضل منها. الاتصال أكثر من الانهيار في الديمقراطية بالنسبة لتوكفيل، لا يمكن ولا ينبغي إعاقة المسيرة نحو الديمقراطية. وإلا فإنها تخاطر بالتسبب في اشتباكات عنيفة بين أفراد المجتمع (دفعت عائلتها ثمناً باهظاً في الثورة الفرنسية). هو بالأحرى تعبير عن انفصال بين تطور قيم المساواة من جهة والنظام السياسي الذي لم يتطور في هذا الاتجاه من جهة أخرى. يُظهر توكفيل أن ظهور الديمقراطية لا يشكل قطيعة مع نظام القديم. وهكذا استمرت بعض المؤسسات المركزية مثل محكمة المقاطعة بعد سقوط النظام الملكي. من المفروض ان تتم عملية "معادلة الشروط" التاريخية لضمان استمرارية الديمقراطية وتفادي عودة الاستبداد ومع ذلك، لا يحلل توكفيل الديمقراطية على أنها تجديد بسيط للنظام القانوني والسياسي، حيث تكون المساواة بين المواطنين شكلية فقط. تنبع الديمقراطية السياسية مباشرة من تطور لا يمكن إصلاحه للمجتمع بأسره وقيمه: إنها عملية تاريخية يسميها "تكافؤ الشروط". توكفيل يجعلها سمة مميزة للمجتمعات. يمكننا الاحتفاظ بثلاثة أبعاد لـ "معادلة الشروط":

- حقوق متساوية: يخضع جميع المواطنين لنفس القواعد القانونية

- تكافؤ الفرص: المواقف الاجتماعية مفتوحة للجميع حسب الجدارة وبغض النظر عن أصلهم الاجتماعي

- المساواة في الاعتبار: يمثل كل مواطن نفسه على أنه مساو للآخر حتى لو اختلف وضعه الاقتصادي والاجتماعي. إذن فالأمر يتعلق بحالة ذهنية، إنها القيمة الأساسية للمجتمعات الديمقراطية.

هناك علاقة جدلية بين تكافؤ الظروف والديمقراطية، بقدر ما يكون صعود الشعور بالمساواة هو ركيزة الديمقراطية. وهذا بدوره يعمل على البحث عن مساواة اجتماعية أكبر بين أعضائها. فمتى نرى الديمقراطية صلبة العود وضامنة للأساس الوجودي لاستمرارها؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ماهي المشاكل الفلسفية المتصلة بتشريع قوانين مرتكزة على الدين؟ في الإسلام هناك تاريخ قانوني طويل ومعقد، وهذا قاد الى نقاشات هامة في العالم الإسلامي حول الأساس الذي ترتكز عليه القوانين والى أي مدى يمكن تغيير تلك القوانين. الإسلام السني انقسم الى اربع مدارس قانونية رئيسية، وهناك أيضا مدارس مختلفة في الفكر الشيعي. نجد هناك ايضا مختلف الاتجاهات للطقوس والعقوبات، وبالأخص، في كيفية الحكم في الدعاوي. بعض المدارس تقبل القياس والسوابق، مدارس أخرى لا تقبل بذلك، او على الأقل حذرة من الابتعاد عن رسالة القانون. بالنهاية، نجد في العالم الإسلامي، ان مصدر القانون هو كلمة الله كما جاءت في القرآن، وأيضا في الأقوال التقليدية للنبي وأصحابه التي سميت الحديث. مع ذلك تمييز هذه المصادر لا يخلو من الغموض. المقدس ذاته يُفسر بعدة طرق مختلفة، وان (الصيغ المتعددة) لأقوال النبي وأصحابه هي عرضة للنقاش من حيث أصالتها ونطاقها وتفسيراتها. ان أصل هذه النصوص بعيد زمنيا عن وقتنا الحالي، وكذلك ملاءمتها للعصر الحديث أيضا محل نقاش.

ان سؤال إصلاح القوانين بالطبع هو سؤال ينطبق على جميع التقاليد القانونية. عموما، القوانين تتغير مع تغير الزمن، لكن هناك قضية خاصة بالنسبة للقانون الديني، لأنه، عندما يؤسس الله القواعد، فهي لا يُفترض ان تكون مرشدا مؤقتا لكيفية العيش، وانما الله هو الخالق لنا وأيضا يعرف ما هي مصلحتنا، وعندما يؤسس قواعد للسلوك فهي تمثل قواعد لكل الازمان ولكل الأماكن. وطالما انها تأتي من الله فهي تكون قواعد مثالية، ولهذا من الصعب تغييرها عندما تبدو غير ملائمة او لا تنسجم مع العصر الحديث. لذلك فان فلاسفة القانون في العالم الإسلامي يرون بان لا شيء يمكن تغييره وان القواعد التي تأسست في البداية يجب الحفاظ عليها بصرف النظر عن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت منذ ذلك الحين. هم يبنون هذا الموقف على النقاش المبكر في العالم الإسلامي الذي بدأ في القرن الثامن الميلادي حول الموضوعية والذاتية في القانون والأخلاق. هل القانون صحيح لأن الله أسسه صحيحا، ام ان الله أسسه صحيحا لأنه صحيح بذاته وبشكل مستقل؟ (في الغرب يسمى هذا مأزق يوثيفرو، طبقا لما جاء في الحوار الافلاطوني).

الرؤية الموضوعية تقوم على ان الله يحتاج معرفة ماذا ينبغي ان يكون عليه القانون – كما لو ان قواعد الاخلاق مستقلة موضوعيا عن الله وهو مطلوب منه اتّباعها أخلاقيا. اما، الذاتيون جادلوا بان ما هو أخلاقي هو كل ما تأسس من جانب الله، ولا وجود لطريقة مستقلة لمعرفة ذلك. لا وجود لمصدر آخر لسلطة أخلاقية او قانونية. لذلك، يجب على المرء ان يطيع ما حدده الله كقانون بدون مسائلته او تغييره. هذا كان نقاشا ساخنا في الإسلام المبكر واستمر بتأثيره الهام على الفقه وفلسفة القانون في الثقافة الإسلامية. في الماضي مال الذاتيون (الاشاعرة) للفوز ضد الموضوعيون (المعتزلة)، لكن اليوم انقلبت الصورة في العديد من السلطات القضائية.

النية في القانون

هناك نقاش حي حول المدى الذي يمكن فيه تغيير القانون الإسلامي والمبدأ الذي يرتكز عليه. هذا ليس بالضرورة نقاشا قانونيا، وانما هو مسألة فلسفية، تتعلق بماهية المبادئ الأساسية للقانون ومكان وجود سلطة التشريع. الفلاسفة الذين ناقشوا رؤية القانون الإسلامي من خلال نواياه (مقاصد الشريعة) يدخل ضمنهم الشاطبي وشاه ولي الله في الماضي، وفي العصور الحديثة فضل الرحمن و ياسر عودة و طارق رمضان و اديس دوديريا. هناك أيضا وحدة بحوث لمقاصد الشريعة في العربية السعودية تسمى مركز المقاصد. من الواضح ان هذا ليس نقاشا حديثا وانما برز منذ القرون المبكرة للاسلام، وكان قد استُكشف بالتفصيل اول مرة من جانب الشاطبي (القرن الرابع عشر). هذه القضية أصبحت محل نقاش متزايد في الأوقات الحديثة، وطالما ان هناك عدد من الحكومات الحديثة تسمي نفسها إسلامية فهي تتساءل كيف يجب ان ينعكس الإسلام في تشريعاتها. هناك حكومات أخرى تسمي نفسها إسلامية في دساتيرها لكن عليها ان توازن الفقه العلماني مع عناصر دينية. هناك محاولات حديثة لتغيير القوانين القديمة المرتكزة على الدين، وتحتاج لتبرير عملها في كيفية التغيير. عندما تكون القوانين علمانية لا توجد هناك مشكلة في تغيير القانون عندما يتضح انه اصبح قديما او غير متوافق مع الرأي العام. لكن القانون الديني لا يتقادم مع الزمن ولا يحتاج تحديث، ولهذا هناك مشكلة في تغييره، لذا يحتاج المرء الى مبدأ مرتكز على الدين ذاته لإجراء التغييرات في القوانين المرتكزة على الدين. هذا يستلزم محاولة معرفة ما هو هدف القانون في المقام الأول والسؤال حول ما اذا كان تغيير تفسير القانون أفضل طريقة لإدراك ذلك الهدف في الظروف المعاصرة.

هذا قد يبدو صعبا للغاية، بسبب صعوبة فهم هدف الله؟ ومن جهة أخرى، القرآن يشير لسبب القوانين بعبارات عامة: ان القوانين هي لرفاهيتنا وسعادتنا. لهذا اذا لم يعد القانون الموجود يساهم في رفاهية الانسان وسعادته، عندئذ يمكننا استبداله بشيء آخر يحقق ذلك، وسيكون من الأفضل لنا حينها ان نلتزم بنوايا القانون.

اول شيء نحتاج قوله هو الحاجة الى سبب عندما نفكر بالغرض من القانون وطبيعة التشريع، طالما نحن لا يجب ان نعمل شيئا فقط بسبب انه تم العمل به في الماضي، او بسبب ما طُلب الينا عمله وهناك عدة آيات في القران تشجع على التفكير والجدال، وأيضا آيات أخرى تشجع العدالة وترفض الاضطهاد والاستغلال. وهكذا نحن يجب ان نفكر عقلانيا حول القواعد التي تعزز العدالة والسلام وتكافح القوانين التي تعمل العكس. القواعد الجديدة ربما تسير ضد ما موجود سلفا كجزء من التشريع، لكن لا سبب هناك للوثوق بالقوانين السارية فقط لأنها متأسسة جيدا وتقليدية. القرآن ذاته يتحدى دائما التقاليد في زمن النبي ويسعى لإستبدالها بطرق أفضل للتفكير والفعل.

لكن هذه قضية معقدة خصيصا لأن الإسلام تبنّى العرف وعادات الجماعة ان لم يكن هناك رفضا لها. أيضا في هذه الأيام، المسلمون عادة يعيشون كأقليات في دول لها طرق مختلفة في عمل الأشياء، وهم طُلب اليهم من بعض القادة لتبنّي تلك العادات اذا لم تنتهك الإسلام. هم يجب ان يسعوا للاندماج في المجتمع المدني ليصبحوا مواطنين . انهم يبقون متميزين لدرجة ما كمسلمين، لكنهم يجب ان يسعوا للارتباط بالمجتمع المدني وتبنّي قوانين وعادات ذلك المجتمع. في الحقيقة، يُعتقد ان القانون الديني قاس وغير مرن، لكن ربما العكس هو الصحيح، حقيقة انه استمر طوال هذه الفترة يجب ان يعني انه قادر على التغيير مع الزمن. والاّ سوف لن يكون موجودا اليوم.

مشكلة أخرى رئيسية في بناء التشريع على القانون الإسلامي هي انه اما عام جدا لدرجة انه لا يشير لأي اتجاه معين، او انه يرتبط بتفسير خاص للنصوص من قبل بعض الجماعات المؤثرة. لنأخذ تحريم الفائدة على القروض مثالا والذي هو واضح جدا في القرآن. ربما يراه بعض المعاصرين انه تحريم للمصالح الاستغلالية وليس للفائدة ككل، طالما ان النظام الاقتصادي العالمي الحديث يرتكز على سندات ذات فائدة، وانه لمصلحة الجميع العيش في اقتصاد حديث. هناك أيضا طرق قانونية لتجنب تحريم الفائدة مثل استبدال الفائدة بتقاسم الأرباح (وهي الطريقة التي تعمل بها العديد من البنوك الإسلامية)، لكن نسبة المشاركة بالربح دائما تحمل تشابها ملحوظا مع أسعار فائدة السوق السائدة على القروض. هذه الطريقة حظيت بموافقة لجنة خبراء القانون الإسلامي التي ترى انها لا تنتهك قاعدة تحريم الفائدة. وبهذا نحن قيل لنا ان النية من حظر الفائدة تتحقق باستخدام أداة مالية للالتفاف على الحظر، لكن هل هذا صحيح؟ أليست هذه طريقة لإعادة وصف الفائدة بحيث تبدو وكأنها ليست فائدة، مع انها في الواقع كذلك؟ لا مجال هنا لمناقشة نظام البنوك الإسلامية بالتفصيل، لكن هذا يعطي فكرة عن بعض المشاكل في فكرة النظر الى نوايا القانون كمرشد للإصلاح القانوني.

وهناك قضية أخرى أكثر خطورة وهي امكانية السؤال عن ما الذي كان يفكر به الله عندما وضع الشريعة؟ على سبيل المثال ما الذي دفعه لتحريم لحم الخنزير؟ الكثير من الناس يأكلون لحم الخنزير ولا يبدو انهم يعانون من نتائج سيئة، مع ذلك المسلمون مُنعوا من تناول هذا والعديد من الأشياء الأخرى أيضا. ربما بعض القواعد ليست هامة جدا بذاتها وانما في دورها في تمييز جماعة معينة عن غيرها. وكما يقال عادة حول القرآن، من غير اللائق ان نتوقع فهم لماذا يصر الله على أشياء معينة: هو يعرف، ولا يوجد هناك سبب للاعتقاد اننا يجب ان نعرف كل شيء .

ان اصلاح الإسلام سوف يستمر، نحن يمكننا معرفة الغاية من القانون الديني ونستخدم هذه المعرفة للنظر في إجراء تغييرات لكي ينسجم القانون الإسلامي مع العالم الحديث. الجدال هنا هو اننا يجب ان نمارس الحيطة قبل الذهاب في هذا الاتجاه. كوننا مخلوقات متناهية، ربما نكون مترددين للادّعاء اننا نعرف كيف يفكر الله.

***

حاتم حميد محسن

...........................

Islam&Philosophy: Islamic Law, Reform&Philosophy, Philosophy Now April/May2026

هل الوعي بالتاريخ شرط للعقلانية الحديثة؟

‏يُعَدّ سؤالُ العقل عند عبد الله العروي من أعقد الأسئلة التي شغلت الفكر العربي المعاصر، لأنّه لا يُطرح عنده باعتباره تمرينا ذهنيا مجرّدا أو بحثا منطقيا معزولا عن حركة المجتمعات أو مجرّد استعادة تراثية لمباحث الفلاسفة في حدودها المدرسية، وإنما ينهض في قلب المعضلة الحضارية التي تعيشها الذات العربية الحديثة تحت ضغط التأخر التاريخي ووطأة الانفصال عن منطق العصر والتردّد بين الوفاء لصور الوعي الموروث والانخراط في مقتضيات الحداثة. لذلك يغدو العقل في أفق العروي اسما لإشكال مركّب تتداخل فيه المعرفة بالزمن والقدرة على فهم التحولات والاستعداد لقبول التاريخ باعتباره سلطةً موضوعيةً تُعيد ترتيب الأفكار والقيم والمؤسسات. فالعقل هنا لا يُقاس بحدّة البرهان فحسب ولا بسلامة الاستدلال وحدها، بل يُقاس أساسا بمقدار ما يملكه الوعي من قدرة على استيعاب الصيرورة التاريخية وعلى إدراك أن الأفكار الكبرى لا تُولد في الفراغ وأن المفاهيم لا تكتسب مشروعيتها من صفائها النظري وحده وإنما من انغراسها في شروط إنتاجها ومن اتصالها العضوي بمسار المجتمعات في تحوّلها العميق.

‏لهذا السبب تحديدا اكتسب مفهوم "العقل التاريخي" عند العروي منزلةً مركزية في مجمل مشروعه الفكري لأنّه المفهوم الذي تتقاطع داخله أسئلته حول الدولة والحرية والإيديولوجيا والتحديث والسلفية والتأخر التاريخي والقطيعة المعرفية المطلوبة مع أشكال الوعي التي تعجز عن فهم العصر بلغته الداخلية. فالعروي لم يكن معنياً بإنتاج خطاب ثقافي يصف الأزمة من خارجها أو يواسي الذات العربية بتشخيصات أخلاقية رخوة أو يُراكم المرافعات العاطفية حول "الأصالة" و"الهوية" و"الخصوصية" كما لو أنّ هذه الألفاظ تمتلك قوة تفسيرية ذاتية. ما كان يعنيه في العمق، هو تفكيك البنية الذهنية التي تجعل العربي الحديث يعيش الزمن الحديث دون أن يسكنه فعلاً ويستعمل مفاهيم الحداثة دون أن يندمج في منطقها، ويطالب بثمار العقلانية السياسية والاجتماعية دون أن يمرّ عبر شروطها التاريخية الصارمة. من هنا جاءت كتاباته شديدة الحدة قاسية أحيانا، صارمة في أحكامها، لأنّها كانت تنظر إلى الفكر العربي بوصفه ساحةً يغلب عليها سوء الفهم التاريخي أكثر ممّا يغلب عليها نقص المعلومات أو ضعف النيّات.

‏إنّ العروي وهو يُلحّ على مركزية التاريخ، يضع الفكر العربي أمام امتحان عسير: هل يمكن أن تتحقق عقلانية حديثة خارج وعيٍ تاريخي حادّ؟ هل يكفي أن نترجم مفاهيم الحداثة أو نستدعي نماذجها أو نُعجب بمؤسساتها كي نُصبح عقلانيين بالمعنى الحديث؟ أم أنّ العقلانية الحديثة تقتضي تحوّلا أعمق يمسّ صورة الإنسان عن نفسه وعلاقته بالماضي وتمثّله للزمن وطريقة فهمه للشرعية والمعرفة والسلطة والتقدّم؟ هنا يخرج العروي من الدائرة الفلسفية الضيقة إلى أفق فكري أرحب، حيث يصير التاريخ معيارا للفهم ومجالا للحكم وأداةً لنقد الأوهام الثقافية التي تُلبس التأخر لبوس الفضيلة وتُحوّل العجز إلى اختيار وتُقدّم الانفصال عن العصر بوصفه حفاظا على الذات. إزاء ذلك، يتحدّد الوعي بالتاريخ شرطا للعقل، لأنّ العقل الذي يجهل تاريخيته يظلّ حبيسا في صورته الميتافيزيقية الساكنة عاجزا عن إدراك أنّ المفاهيم نفسها تخضع للتبدّل وأنّ القيم تدخل في صيرورات معقدة وأنّ المجتمعات لا تُدار بالنيات الحسنة ولا تُبنى بالحنين ولا تُصلَح بالتلفيق بين أزمنة متنافرة.

‏لقد كان هيغل يرى أنّ "العقل يحكم العالم"، غير أنّ العروي يُعيد صياغة هذه الفكرة داخل الشرط العربي الحديث على نحوٍ أشدّ واقعية، العقل لا يحكم العالم إلا إذا تشرّب منطق التاريخ وفهم أن التاريخ ليس مجرد سجلّ للحوادث بل بنيةٌ حيةٌ تتشكّل داخلها أشكال الوعي وأنماط الشرعية وأنساق القيم. وكان ماركس قد نبّه إلى أنّ البشر يصنعون تاريخهم غير أنّهم لا يصنعونه في شروط يختارونها بحرية مطلقة. أمّا العروي فقد استثمر هذا الدرس على نحو مخصوص فجعل الفكر العربي مطالبا بأن يعترف بحدود إرادته الثقافية أمام الإكراهات التاريخية الكبرى. وقد أدرك ابن خلدون في لحظة مبكرة نادرة أنّ الوقائع الاجتماعية لا تُفهم بالرغبات ولا بالأوهام وأنّ "أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونِحَلهم لا تدوم على وتيرة واحدة" وهي عبارة تكاد تصلح مفتاحا أوليا لقراءة العروي نفسه، لأنّها تُلخّص منطق التحوّل الذي ظلّ يُطارده في كتاباته ويُحاكم من خلاله كلّ خطاب يرفض أن يتعلّم من قسوة التاريخ.

‏تنبع أهمية مساءلة العروي حول "العقل التاريخي" بوصفها مساءلة تتجاوز حدود شخصه وتتجاوز حدود سجاله مع خصومه وتمسّ جوهر السؤال العربي الراهن: كيف يمكن لعقلٍ يهاب التاريخ أن يُنتج حداثة؟ كيف يمكن لوعيٍ يقدّس الماضي على نحوٍ لاهوتي أن يُدرك معنى التقدّم؟ كيف يمكن لمجتمعٍ يخلط بين الحقيقة والتراث أن يُميّز بين القيمة الرمزية للموروث والوظيفة التاريخية للمفاهيم الحديثة؟ تلك أسئلة تفتح بابا بالغ الحساسية لأنّها تمسّ بنية الوعي العربي في أعمق طبقاتها وتُجبرنا على إعادة التفكير في معنى العقلانية ذاتها: أهي ملكة منطقية خالصة أم هي نمط وجود تاريخي يتشكّل عبر تجربة جماعية طويلة وعبر مصالحة شاقة مع الزمن وعبر شجاعة فكرية تقبل بأن بعض الوفاءات قد تُصبح عائقا أمام الفهم وأن بعض الأمانات للماضي قد تنقلب في لحظة معينة إلى خيانة للمستقبل؟.

‏وإذا كان الفكر العربي الحديث قد انشغل طويلا بسؤال النهضة فإنّ عبد الله العروي نقل هذا السؤال من مستوى التمنّي الثقافي إلى مستوى المحاكمة التاريخية. تلك كانت إحدى مزاياه الكبرى بل إحدى خصائصه التي صنعت له موقعا فريدا داخل خريطة الفكر العربي المعاصر. فالرجل لم يتعامل مع النهضة باعتبارها عنوانا أدبيا جميلاً يصلح للخطابة ولا باعتبارها حنينا جماعيا إلى مجد ضائع ولا باعتبارها مجرّد مشروع أخلاقي يتأسّس على حسن النيّة وصفاء المقاصد، وإنما رآها قضيةً ترتبط ببنية الوعي ذاته وبالصورة التي يتشكّل بها العقل العربي وهو يواجه زمنا لم يصنعه ولكنه أُجبر على السكن داخله. لذلك كان العروي شديد الارتياب من كلّ خطاب يتحدّث عن الإصلاح والتجديد والبعث الحضاري من غير أن يمرّ عبر سؤال الزمن وسؤال التاريخ وسؤال الوعي الذي يتحدّد في علاقته بما مضى وبما يجري وبما يتقدّم نحوه العالم.

في هذا الأفق بالذات يبرز مفهوم "العقل التاريخي" بوصفه واحدا من أكثر المفاهيم كثافةً في مشروعه، لأنّه لا يدلّ على مجرّد اهتمام بالتاريخ ولا على نوع من التخصّص المعرفي في سرد الوقائع وتحليل المراحل، بل يدلّ على نمط مخصوص من الإدراك وعلى صورة من صور الوعي الحديث الذي لا يكتفي بمعرفة الأحداث بل يتعلّم أن يرى الأفكار نفسها كوقائع تاريخية وأن يتعامل مع القيم باعتبارها ثمرة صيرورات وأن يُخضع المفاهيم لمعيار التحوّل لا لمعيار الثبات. هنا يتبدّل معنى العقل من أساسه. فالعقل في كثير من التصوّرات التقليدية جوهرٌ مفارق أو ملكة ثابتة أو نور باطني تُقاس به الأشياء من علٍ. أمّا عند العروي فإنّ العقل يكتسب حقيقته من قدرته على فهم الضرورة التاريخية وعلى إدراك أنّ الزمن الحديث ليس حادثا عابرا يمكن التحايل عليه أو الالتفاف حوله أو اقتباس بعض نتائجه مع رفض منطقه الداخلي.

لقد كانت هذه الفكرة مؤلمة لكثيرين لأنّها تضرب في الصميم أوهاما واسعة الانتشار داخل الثقافة العربية الحديثة. فمن أسهل الأمور أن نُعلن إعجابنا بالحرية وأن نُبدي حماسة للديمقراطية وأن نُشيد بالعلم وأن نُكثر من الحديث عن الدولة والقانون والمؤسسة، ولكنّ الأصعب من ذلك كلّه أن نعترف بأن هذه المفاهيم ليست زينة فكرية تُعلّق على واجهة الخطاب ولا معاني مطلقة صالحة للاستعمال في كلّ السياقات من غير ثمن تاريخي، بل هي نتائج لمسارات طويلة متشابكة عنيفة أحيانا، سالت في مجراها دماء وصراعات وتحولات عميقة في صورة الإنسان والعالم والمجتمع. من هنا جاء إصرار العروي على أنّ الحداثة لا تُؤخذ انتقائيا ولا تُستهلك ثقافيا على طريقة الأسواق الرمزية ولا تُفهم من خارج شروطها. كان يرى في عمق المسألة أنّ كثيرا من العرب يريدون نتائج الحداثة من غير أن يدفعوا ثمنها المعرفي والسياسي ويريدون مؤسساتها من غير أن يقبلوا بمقدماتها التاريخية ويريدون لغتها من غير أن يتبنّوا منطقها.

وهذا هو الموضع الذي يصير فيه "الوعي بالتاريخ" شرطا من شروط العقلانية الحديثة. ذلك أنّ العقلانية كما فهمها العروي ليست مجرد استعمال صحيح للمنطق ولا مجرد تنظيم دقيق للحجاج ولا مجرد ميل إلى البرهنة بدل الخطابة مع أنّ كلّ ذلك مطلوب ومهم، العقلانية الحديثة أوسع من هذه الحدود. إنّها موقف من العالم وصيغة في فهم الإنسان لذاته وكيفية مخصوصة في النظر إلى المجتمع وإلى السلطة وإلى الشرعية وإلى المعرفة وإلى المستقبل. هي قبل كل شيء قدرة على التحرّر من التصوّر الساكن للوجود ومن الوهم الذي يطلب الحقيقة في ماضٍ مكتمل أو في نموذج نهائي يُراد له أن يبقى صالحا لكل الأزمنة. لذلك فإنّ الوعي التاريخي عند العروي ليس ترفا ثقافيا بل هو لحظة تأسيسية في تكوين العقل الحديث، لأنّ الإنسان لا يُصبح حديثا بمجرد دخوله عصرا حديثا كما أنّ المجتمع لا يُصبح عقلانيا بمجرد استعماله مصطلحات عقلانية وهنا تبرز قيمة العروي في كونه لم ينخدع كثيرا باللغة، لقد كان يدرك أنّ اللغة قد تُصبح أكبر مخبأ للأوهام. نستعمل الكلمات نفسها لكننا نحمّلها معاني من عصور أخرى. نردّد "الحرية" ونقصد بها رفع الحرج الأخلاقي لا بناء الذات القانونية. نردّد "الدولة" ونقصد بها السلطان أو الغلبة أو الرعاية الأبوية. نردّد "العقل" ونقصد به الحذق الخطابي أو حسن الجدل أو الذكاء العملي. نردّد "التاريخ" ونتعامل معه كخزان للعبرة أو مجال للتمجيد أو مستودع للهوية. أمّا العروي فكان يُصرّ على أنّ المفاهيم الحديثة لا تُفهم من داخل معجمنا القديم وحده لأنّها وليدة تجربة أخرى وصنيعة صراعات أخرى ومرتبطة ببنية أخرى للزمن والسلطة والمجتمع. لذلك ظلّ يُلحّ على التاريخانية لا بوصفها موضة منهجية بل بوصفها شرطا أوليا للخروج من الخلط المفهومي الذي جعل الفكر العربي يتعثر طويلا في ترجمة الحداثة إلى نفسه.

ولعلّ أخطر ما كشفه العروي أنّ الوعي العربي الحديث يعيش حالة من الانشطار الزمني. إنّه يعيش في عصر حديث من جهة الوسائل والمؤسسات والضغوط الدولية وأشكال التنظيم الاقتصادي والسياسي غير أنّه يفكّر في كثير من الأحيان بمنطق سابق على الحداثة أو بمنطق لم يهضم الحداثة بعد. وهذه الحالة لا تُنتج فقط ازدواجا ثقافيا بل تُنتج نوعا من الاضطراب العميق في العقل نفسه. فالعقل الذي يستعمل مفاهيم لا يملك شروطها التاريخية يتحوّل إلى عقل مقلِّد أو إلى عقل انتقائي أو إلى عقل تلفيقي، وقد يتحوّل أحيانا إلى عقل دفاعي يختلق المبررات كي يرفض ما لا يستطيع استيعابه. وهنا يتّضح أن العروي لم يكن يُهاجم التراث من موقع عدائي ساذج كما ظنّ بعض خصومه، وإنما كان يُهاجم الطريقة التي يُستعمل بها التراث حين يتحوّل من مادة للفهم إلى سلطة للحجب ومن ذاكرة حيّة إلى مرجعية مغلقة ومن مورد للتأويل إلى جهاز مقاومة ضد التاريخ.

لقد كان واعيا على نحو حاد بأنّ المشكلة لا تكمن في وجود الماضي، فالماضي قدر كلّ أمة ولا في الاعتزاز بالموروث فذلك حقّ ثقافي مشروع، وإنما تكمن في طبيعة العلاقة بهذا الماضي، هل نُدخله في مدار الفهم التاريخي أم نُنزله منزلة المطلق؟ هل نقرأه كنتاج بشري تشكّل داخل شروط مخصوصة أم نُحوّله إلى نموذج معياري خارج الزمان؟ هل نطلب منه الإلهام أم نطلب منه أن يُعفينا من مواجهة الحاضر؟ هنا تلتقي فلسفة العروي من بعيد مع بعض أعماق الدرس الخلدوني. فابن خلدون الذي أدرك أنّ الاجتماع البشري محكوم بالتحوّل، وأنّ الدول والأحوال والطبائع لا تثبت على حال، فتح بابا مبكّرا لوعي تاريخي نادر في ثقافتنا. غير أنّ هذا الوعي لم يتحوّل إلى بنية فكرية مستمرة بل ظلّ في كثير من الأحيان استثناءً عبقريا أكثر منه تقليدا معرفيا راسخا. أمّا العروي فقد حاول أن يستأنف هذا الحسّ التاريخي داخل شرط جديد حيث لم يعد الأمر متعلقا بدورة الدول والعصبيات فقط، بل بتبدّل العالم نفسه وبنشوء زمن كوني جديد يفرض منطقه على الجميع.

من أجل ذلك كان نقده للسلفية بمختلف أشكالها، نقدا يتجاوز البعد العقدي أو الفقهي الضيّق. السلفية عنده ليست مجرّد موقف ديني محدّد، بل هي بنية وعي وقد تتلبّس لبوسا دينيا أو قوميا أو ليبراليا أو حتى يساريا. كلّ خطاب يرفض أن يرى المفاهيم في تاريخيتها وكلّ خطاب يبحث عن خلاص جاهز في أصل سابق وكلّ خطاب يعتقد أنّ بالإمكان اختصار التاريخ أو القفز فوق مراحله أو انتقاء نتائجه دون أسبابه، فهو في العمق شكل من أشكال السلفية الذهنية. وفق هذا الفهم لا تبدو السلفية عند العروي مجرّد موقفٍ عقديّ بقدر ما تتبدّى في بعض تجلّياتها بنيةً مخصوصةً في النظر إلى التاريخ والمعرفة. واستنادا إلى هذا يتّضح فهم شدّة نقده لبعض صيغ السلفية الحديثة لا لمرجعيتها الدينية في حدّ ذاتها، وإنما لكونها تُظهر قابليةً على التكيّف اللغوي مع مفردات العصر دون أن يصاحب ذلك تحوّلٌ عميق في أنماط التفكير أو في شروط الوعي التاريخي. أمّا السلفية التقليدية فعلى الرغم من تمسّكها الواضح بأفقها المرجعي فإنّ صراحتها في حدودها المعرفية تجعل موقعها الفكري أكثر انكشافا وأقلّ التباسا.

ولذلك أيضا لا يجوز أن نقرأ دعوة العروي إلى التاريخانية على أنّها دعوة إلى استسلام جبري للتاريخ أو انبهار أعمى بالغرب أو إذعان سلبي لمسار كوني لا يترك للشعوب حقّ الاختيار. هذه قراءة سطحية بل ظالمة. العروي لم يكن يطلب من العربي أن يتخلّى عن ذاته بل كان يطالبه أن يخرج من وهم الذات المغلقة. لم يكن يطالبه أن ينسى تراثه بل أن يفهمه. لم يكن يطالبه أن يعبد الحداثة بل أن يعترف بأنّها حدث تاريخي عظيم غيّر بنية العالم وأنّ من يتعامل معه بخفّة ثقافية أو بمكر لغوي أو بانتقائية مريحة محكوم عليه أن يظلّ على هامشه. والحقّ أنّ هذا الموقف على قسوته ينطوي على قدر كبير من الأمانة الفكرية. فكم من خطاب راوغ الذات العربية بألفاظ المديح والخصوصية والتوفيق والتأصيل ثم تركها في المكان نفسه. وكم من مشروع وعد بإنتاج حداثة أصيلة، فإذا به يُنتج مفاهيم مشوّهة ومؤسسات هشة ووعيا مرتبكا ولغةً تتكلّم في اتجاهين متناقضين في اللحظة نفسها. وهنا تكتسب مسألة "العقل التاريخي" معناها الحاسم.

فالعقل الذي يعي التاريخ لا يُسلم له تسليم العاجز ولا يذوب فيه ذوبان التابع وإنما يتعلّم كيف يفهم منطقه وكيف يُدرك الضرورات التي تشتغل داخله وكيف يُميّز بين ما هو قابل للتجاوز وما هو مفروض بحكم المرحلة وكيف يفرّق بين القيم الكونية التي صارت جزءا من البناء الحديث للعالم وبين الأشكال المحلية التي يمكن التصرّف فيها. هذا العقل لا يُنكر الذات لكنّه لا يُؤلّهها. لا يقطع مع الماضي قطعا هستيريا لكنّه لا يسكن فيه. لا يُمجّد الغرب لكنّه لا يُكابر أمام دروسه. لا يستسلم للواقع لكنّه لا يُقيم مشروعه على الرغبة وحدها. تلك هي الصعوبة التي أراد العروي أن يُدخل الفكر العربي فيها: صعوبة النضج التاريخي.

ولعلّ أحد الأسباب التي جعلت مشروعه يثير كثيرا من الجدل أنّه كان يُطالب القارئ العربي بأمرين عسيرين في آنٍ واحد: أن يُمارس نقدا جذريا لمسلّماته وأن يتحمّل كلفة هذا النقد نفسيا وثقافيا. فالوعي التاريخي لا يطلب فقط تصحيح المعلومات بل يطلب إعادة ترتيب الداخل. يطلب من الإنسان أن يُراجع علاقته بالمقدّس الثقافي وبالصور التي تربّى عليها وباللغة التي كان يظنّها بريئة وبالألفاظ التي يعتقد أنّ معناها ثابت لا يتبدّل. وهذه المراجعة ليست عملية تقنية بل هي محنة وجودية للعقل. لذلك نفهم لماذا بدا العروي في أعين كثيرين مستفزا، حادا، بل مستعجلا أحيانا. لقد كان يرى أنّ الزمن لا ينتظر وأنّ الأمم التي تُضيّع وقتها في المجاملات المفهومية وفي التوفيقات البلاغية وفي إرضاء الذاكرة على حساب المستقبل تنتهي إلى استهلاك التاريخ بدل صناعته.

إنّ السؤال الذي يطرحه العروي في جوهره ليس هل نملك تراثا عظيما؟ فذلك سؤال أجابت عنه قرون من الفخر والاعتداد. ولا هو هل نستطيع أن نقتبس من الغرب؟ فذلك صار أمرا واقعا منذ بدايات الاحتكاك الحديث. السؤال الأعمق هو هل نملك من الشجاعة المعرفية ما يجعلنا نفهم أنّ العقل الحديث لا يولد من داخل الوجدان المطمئن بل من داخل القطيعة المؤلمة مع التصوّر الساكن للعالم؟ وهل نملك من الصرامة الفكرية ما يجعلنا نُدرك أنّ التاريخ ليس مجرد ماضٍ يُروى بل هو سلطة حاضرة تُحدّد إمكاناتنا وتفرض علينا نوعا من التواضع المعرفي وتُعلّمنا أنّ المفاهيم لا تُستورد كما تُستورد السلع وأنّ العقلانية ليست شعارا بل تربية طويلة على الاعتراف بالزمن؟.

ويبرز سؤال العروي حول الوعي بالتاريخ كسؤال يتجاوز حدوده النظرية إلى عمق المصير الثقافي العربي. لأنّ الأمة التي لا تُحسن فهم تاريخها ولا تُحسن فهم تاريخ غيرها ولا تُحسن قبل ذلك فهم التاريخ بوصفه قانونا للتحوّل وتبدّل المعاني والشرعيات، تبقى عرضةً لتكرار الأوهام نفسها بأسماء جديدة. قد تغيّر لغتها وقد تُبدّل شعاراتها وقد تُزيّن خطابها بمصطلحات معاصرة غير أنّ بنيتها الذهنية تبقى على حالها. وتكمن هنا مأساة كثير من مشاريعنا الفكرية، مظهر حديث وروح قديمة، ألفاظ جديدة ومخيال قديم، مؤسسات مستعارة ووعي لم يُغادر بعد منطقة السكون. والعروي في هذا الموضع تحديدا لا يقدّم مجرد تشخيص بل يضع إصبعه على الجرح المؤسّس، لا حداثة بغير تاريخ ولا عقلانية بغير وعي تاريخي ولا خروج من التأخر ما دام العقل يطلب المستقبل بوسائل تنتمي إلى عالم انقضى.

وإذا أردنا أن نمسك بمفتاح المشروع الفكري لعبد الله العروي فإنّنا لا نكاد نجد مفهوما أشدّ دلالة من مفهوم "التاريخانية". غير أنّ الخطأ الذي وقع فيه كثير من قرّائه أنّهم تعاملوا مع هذا المفهوم كما لو كان مجرّد اختيار منهجي أو نزعة تفسيرية تفضّل العامل التاريخي على غيره من العوامل. والحال أنّ التاريخانية عند العروي أعمق من ذلك بكثير وأشدّ التصاقا بجوهر المسألة العربية الحديثة. إنّها ليست مجرد أداة للقراءة بل هي في المقام الأول تربية للعقل على مغادرة وهم الثبات وعلى التحرّر من النزعة الجوهرانية التي تُحوّل المفاهيم إلى كائنات أزلية وتُعامل الأفكار كما لو كانت حقائق قائمة بذاتها منزّهة عن شروطها، متعالية على سياقاتها صالحة لكلّ زمان على الصورة نفسها. وهذا بالضبط ما أراد العروي أن يزعزعه في بنية الوعي العربي، ذلك الميل العميق إلى اختزال الفكر في المعيار واختزال التاريخ في العبرة واختزال الماضي في المثال.

ولعلّ ما ميّز العروي حقا أنّه لم يكتفِ بنقد مضامين الفكر العربي بل ذهب إلى أبعد من ذلك، إلى نقد "صورة العقل" التي تنتج هذه المضامين. كان يرى أنّ كثيرا من الأزمات التي نعانيها لا ترجع إلى نقص في النوايا أو في الشعارات أو في الرغبة في الإصلاح، بل ترجع إلى خلل أصيل في كيفية تمثّلنا للمفاهيم الكبرى. نحن نريد الحرية ولكنّنا نريدها غالبا في صورة توافقية لا تُزعج البنى القديمة. نريد الدولة ولكنّنا نريدها أحيانا من غير أن نقطع مع أنماط الولاء ما قبل السياسي. نريد العقلانية ولكنّنا نبحث عنها داخل معجم لا يزال يتغذّى من التصورات اللازمنية. نريد التقدّم ولكنّنا نريد أن نصل إليه من غير أن نمرّ عبر الجراح التي تصنعه. وقد كان العروي في كثير من كتاباته يُشعر قارئه أنّه لا يهاجم الآراء وحدها بل يهاجم الكيفية التي تتكوّن بها الآراء أصلا والبنية الذهنية التي تسمح لها أن تبدو مقنعة.

في هذا الإطار المفهومي يتحدد "العقل التاريخي" تعبيرا عن ضرب من النضج المعرفي الذي يرفض أن يفصل بين الفكرة وسيرتها وبين المفهوم وشرطه وبين القيمة ومسار تشكّلها. فالديمقراطية مثلا ليست كلمة محايدة قابلة للتبنّي الفوري. إنّها حصيلة تحوّل طويل في بنية الاجتماع السياسي وفي مفهوم الفرد وفي معنى الشرعية وفي العلاقة بين القانون والسلطة وبين الجماعة والحق. والعقل الذي يتعامل مع الديمقراطية بوصفها شعارا أخلاقيا فحسب أو بوصفها تقنية انتخابية أو بوصفها زينة دستورية هو عقل لم يدخل بعد إلى جوهر الحداثة السياسية. وكذلك الأمر في الحرية والعلمانية والدولة والحقوق والتعاقد والمؤسسة. تلك كلّها ليست معاني معلّقة في الفراغ بل هي طبقات من التاريخ متجسّدة في ألفاظ. ومن لا يفهم ذلك يظلّ أسير ما يمكن أن نسمّيه "الاستعمال اللغوي للمفاهيم الحديثة" من غير امتلاك حقيقتها التاريخية.

ويبرز عمق صلة العروي بالإيديولوجيا هنا لا بوصفها موضوعا معزولا كما عرضها في كتابه الشهير، بل بوصفها الوجه الآخر لأزمة العقل العربي. فالإيديولوجيا في أحد وجوهها هي تلك المنطقة التي تتخفّى فيها الرغبات داخل المفاهيم ويختلط فيها التبرير بالتفسير ويُستبدل فيها التحليل التاريخي بلغة مشحونة بالرغبة والانتقاء والانتقام الرمزي أحيانا. والعروي كان شديد الحساسية تجاه هذا الخلط. كان يدرك أنّ الفكر العربي الحديث في كثير من لحظاته لا يفكّر بقدر ما يتمنّى ولا يحلّل بقدر ما يدافع عن صورته عن نفسه ولا يقرأ الحداثة بقدر ما يُفاوضها من موقع نفسي مضطرب، يريد أن يأخذ منها ما يُجمّل صورته ويؤجّل ما يهزّ أسسه. لذلك جاءت كتابته عن الإيديولوجيا حاسمة لأنّها كانت في العمق فضحا لأشكال الوعي التي تتوسّل بالمفاهيم الحديثة لكي تحمي البنى القديمة وتستعير لغة التاريخ لكي تُقاوم منطقه.

ومن هنا أيضا نفهم لماذا لم يكن العروي مرتاحا إلى مشاريع "التوفيق" التي شغلت جزءا كبيرا من الفكر العربي الحديث. لقد رأى أنّ التوفيق في كثير من الأحيان ليس فعل إبداع بقدر ما هو تعبير عن عجز الوعي عن الحسم مع نفسه. إنّه محاولة لإرضاء الماضي والحاضر معا، مع أنّ بينهما في بعض المسائل قطيعة حقيقية لا تُحلّ بالمجاملة المفهومية. ولأجل هذا بدا العروي مقارنة بكثير من مجايليه أكثر ميلاً إلى الصراحة القاسية. فهو لا يطمئن إلى الحلول الوسطى حين تكون مجرّد حيلة لغوية ولا يثق كثيرا في خطاب "الخصوصية" حين يُستعمل لتمويه التأخر ولا يسلّم بخطابات "الأصالة" حين تتحوّل إلى ذريعة لتأجيل المواجهة مع مقتضيات العصر. إنّ المشكلة في نظره ليست أنّ للأمة خصوصيتها، فكلّ أمة لها خصوصيتها بل أنّ الخصوصية قد تُصبح أحيانا اسما مهذّبا للخوف من التاريخ.

على هذا المستوى تحديدا تتجلّى جرأة العروي في مساءلته لما يمكن أن نسمّيه "الضمير التراثي" داخل الثقافة العربية. فالعروي لم يكن من أولئك الذين يتوهّمون إمكان بناء حاضر من غير ذاكرة ولا من أولئك الذين يستخفّون بالقوة الرمزية للتراث في تشكيل الوجدان الجمعي. كان يعرف بحكم تكوينه العميق واطلاعه الواسع أنّ التراث ليس مجرد ركام نصوص بل هو بنية طويلة من المعاني والقيم والتمثّلات والسلطات الرمزية. لكنّه كان يعرف أيضا أنّ الخطر يبدأ حين نُخرج التراث من تاريخه ونُنزله منزلة الأصل النهائي الذي تُقاس به كلّ الأشياء، عندئذ يتحوّل من مادة للتفكير إلى سلطة تمنع التفكير. من هنا كان نقده في جوهره موجّها إلى آلية التقديس الثقافي أكثر من توجّهه إلى التراث بوصفه إرثا حضاريا. فالمشكلة لا تكمن في أنّ لنا ماضيا بل في أنّنا كثيرا ما نتعامل مع هذا الماضي كما لو كان الحاضر المؤجّل الذي ينبغي أن يعود.

وتتّضح الصلة الدقيقة بين العروي وبين بعض أسئلة الفقه والفلسفة معا. فالفقهاء الكبار حين مارسوا الاجتهاد في لحظاتهم الخصبة لم يكونوا مجرّد حافظين للنصوص بل كانوا قرّاء للواقع عارفين بتبدّل الأحوال مدركين لما يسمّيه الأصوليون "تحقيق المناط" و"تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان والأحوال". ولم يكن هذا المعنى غريبا عن روح الفكر الإسلامي في أعمق لحظاته مهما اختلفت درجات حضوره عبر العصور. لكنّ الذي وقع لاحقا أنّ الحسّ التاريخي انكمش لصالح حسّ معياري صارم يُكثر من استحضار المثال ويقلّ فيه الوعي بالحركة. ولو أردنا تقريب الفكرة لقلنا إنّ العروي في بعض وجوهه كان يطالب الفكر العربي بأن يستعيد تلك القدرة المفقودة على رؤية "الأحكام" و"المفاهيم" و"الأنظمة" داخل صيرورتها لا داخل تجميدها. إنّ العروي لم يكن خصما لفكرة الاجتهاد الحيّ بل كان خصما لكلّ عقل يرفض أن يعترف بأن الزمن شريكٌ في الفهم.

غير أنّ هذا المسلك نفسه هو الذي جرّ عليه تهما كثيرة. فقد بدا لبعضهم أنّه يُعلي من شأن التاريخ إلى حدّ يكاد يُسقط القيم أو أنّه يُضخّم العامل الغربي إلى درجة تجعل الحداثة قدرا لا فكاك منه إلا بالذوبان. وهذه القراءة على شيوعها تبقى في تقديري قراءة ناقصة. لأنّ العروي لم يكن يقول إنّ كلّ ما هو حديث حقٌّ لمجرّد أنّه حديث ولا إنّ التاريخ يبرّر ذاته كيفما كان ولا إنّ الغرب معيار أخلاقي نهائي. ما كان يقوله في العمق هو أنّ العالم دخل طورا جديدا من التنظيم المعرفي والسياسي والاجتماعي وأنّ هذا الطور يفرض لغته ويُنتج مؤسساته ويعيد تعريف الإنسان نفسه. ومن لا يقرأ هذا التحوّل قراءة تاريخية صارمة سيظلّ يواجهه بأدوات لا تكفي لفهمه فضلا عن تغييره. الفرق شاسع بين من يُسلم للغالب لأنّه غالب وبين من يعترف بأنّ العالم تغيّر وأنّ الفعل الرشيد يقتضي فهم طبيعة هذا التغيّر.

لقد كان العروي في هذا الباب قريبا في بعض ملامحه من الدرس الهيغلي مع مسافة واضحة تحفظ له خصوصيته. فالتاريخ عند هيغل ليس تتابعا عرضيا للحوادث بل مسار تتكشّف داخله الحرية. والعروي وإن لم يُعِد إنتاج هيغل فقد ورث عنه شيئا أساسيا، الإحساس بأنّ الوعي لا يكتمل خارج الزمن وأنّ العقل لا يُفهم في عزلة عن الحركة التي تُنتجه. كما أنّه أفاد بوجه آخر من الحسّ الماركسي في قراءة البنى والمؤسسات بوصفها حصيلة شروط وصراعات لا مجرّد اختيارات ذهنية معزولة. لكنه لم يتحوّل إلى تابع لأيّ من هذين الأفقين، لأنّ مشكلته كانت عربية مخصوصة، كيف يمكن لعقل يعيش بعد الصدمة الاستعمارية وبعد انكشاف الفجوة الحضارية وبعد تعثّر مشاريع النهضة أن يبني وعيا حديثا لا يقوم على التلفيق ولا على الاستلاب؟.

وتبرز قيمة القسوة في فكر العروي، ذلك أنّ بعض المشاريع الفكرية تُغري قارئها بالدفء العاطفي وبالوعود السهلة وبالقدرة على الجمع بين المتناقضات في صيغة مطمئنة. أمّا العروي فقد اختار أن يكون صادما في كثير من المواضع لأنّه كان يرى أنّ الصدمة نفسها قد تكون شرطا في اليقظة. لقد كان يقول للقارئ العربي بصيغ مختلفة، إنّك لا تستطيع أن تبقى كما أنت وتدخل العصر كما هو. لا تستطيع أن تستبقي بنية الوعي القديمة كاملة ثم تطالب بنتائج الحداثة الكاملة. لا تستطيع أن تُبقي المفاهيم في معانيها الموروثة ثم تُحمّلها وظائف حديثة. لا تستطيع أن تعيش في زمنين معا ثم تنتظر أن ينتج عن هذا الانشطار عقلٌ مستقرّ. وهذه الرسالة مهما اختلفنا مع بعض تفاصيلها تحمل قدرا كبيرا من النزاهة. إنّها رسالة تُحرج نعم، لكنها تُجبر على التفكير.

ومن أخصب ما يتيحه لنا سؤال العروي أنّه يفرض إعادة النظر في معنى "العقلانية" نفسه. فكم من مرة استُعمل هذا المفهوم عندنا في صورة ضيقة كأنّه مرادف للبرهان الصوري أو للنزعة العلمية العامة أو لرفض الخرافة فحسب. مع أنّ العقلانية الحديثة في معناها الأعمق لا تُختزل في هذه العناصر على أهميتها. إنّها ترتبط كذلك بنشوء الفرد القانوني وبفكرة التعاقد وبالتمييز بين المجالين العام والخاص وبخضوع السلطة لمبدأ الشرعية لا لمبدأ الغلبة وبالتعامل مع المعرفة بوصفها قابلة للمراجعة وبالإيمان بأنّ المستقبل ليس تكرارا للماضي، وكلّ هذه المعاني لا تنفصل عن وعي تاريخي مخصوص. فالعقلانية الحديثة ليست فقط كيف نبرهن بل كيف نسكن الزمن. وليست فقط كيف نفكّر في الأشياء بل كيف نفهم أنفسنا داخل التحوّل. ومن هنا كانت حدّة سؤال العروي: هل يملك الفكر العربي هذا الوعي فعلا أم أنّه ما يزال يطلب العقلانية بأدوات عقل لم يُصالح التاريخ بعد؟.

والواقع أنّ هذا السؤال ما يزال حيا اليوم أكثر من أيّ وقت مضى. فما نراه في كثير من ساحاتنا الثقافية والسياسية يكشف أنّ الانشطار الذي وصفه العروي لم يُحسم بعد. ما نزال نرى مفاهيم حديثة تُستعمل استعمالا تقليديا وشعارات تقدمية تُدار بعقلية ما قبل حديثة ونقدا للتراث يقع أحيانا في سلفية معكوسة وتمجيدا للهوية ينتهي إلى تعطيل الفعل واستدعاءً للخصوصية يتحوّل إلى آلية دفاعية ضد كلّ مساءلة جذرية. وما نزال نرى كذلك نزوعا واسعا إلى اختزال التاريخ في الذاكرة مع أنّ التاريخ أوسع من الذاكرة بكثير. الذاكرة تحفظ ما نحبّ أن نتذكّره، أمّا التاريخ فيُرغمنا على مواجهة ما لا نحبّ أن نعترف به. الذاكرة تُغذّي الانتماء، أمّا التاريخ فيُربّي الفهم. الذاكرة قد تمنحنا العزاء، أمّا التاريخ فيمنحنا أحيانا المرارة التي تسبق النضج.

وعند هذا الحدّ تتجلّى المفارقة الكبرى في مشروع العروي. فهو من جهة يطالب بقدر من الحسم يكاد يبدو صعب الاحتمال ثقافيا ونفسيا. وهو من جهة أخرى لا يفعل ذلك بدافع العداء للذات بل بدافع إنقاذها من أوهامها. إنّه لا يريد للعربي أن يكره نفسه بل أن يفهم حدود نفسه التاريخية. لا يريد له أن ينكر ماضيه بل أن يضع هذا الماضي في مكانه الصحيح. لا يريد له أن يتحوّل إلى نسخة مستعارة بل أن يدرك أنّ كلّ إبداع حقيقي يمرّ عبر فهم العالم كما هو لا كما نرغب أن يكون. ولهذا فإنّ قيمة العروي لا تكمن فقط في أطروحاته الجزئية بل في أخلاق فكرية كاملة تتجلّى في كتابته، أخلاق الصرامة وأخلاق عدم المجاملة المفهومية وأخلاق الامتناع عن تخدير الذات بخطابات المواساة الحضارية.

إنّ السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا كلّه ليس ما إذا كنّا نتفق مع العروي في كلّ ما قال فذلك غير لازم، بل السؤال الأهم هل استطاع أن يضع يده على عقدة مركزية في الفكر العربي الحديث؟ والجواب في تقديري المتواضع، نعم إلى حدّ بعيد. لقد أدرك أنّ الأزمة لا تكمن في مجرّد التأخر المادي ولا في مجرّد الاستبداد السياسي ولا في مجرّد الهيمنة الخارجية على خطورة هذه العوامل جميعا بل تكمن أيضا في صورة الوعي الذي يتعامل مع هذه العوامل. فإذا كان العقل عاجزا عن فهم التاريخ فإنّه سيحوّل كلّ عائق إلى قدر ميتافيزيقي وكلّ فرصة إلى شعار وكلّ مفهوم إلى قناع. أمّا إذا امتلك الوعي التاريخي فإنّه يبدأ أخيرا في رؤية العالم بوصفه مجالا للصيرورة لا مسرحا للحنين، وبوصفه ميدانا للفعل المشروط لا فضاءً للرغبة المطلقة.

إنّ الوعي بالتاريخ عند عبد الله العروي لا يَرِد بوصفه ترفا نظريا ولا بوصفه اختصاصا معرفيا منفصلا عن باقي دوائر الفكر بل بوصفه الشرط العميق الذي تُبنى عليه إمكانات العقلانية الحديثة في المجال العربي. فمن دون هذا الوعي تظلّ المفاهيم الحديثة معلّقة وتظلّ مشاريع الإصلاح مرتبكة ويظلّ الخطاب الثقافي موزّعا بين تمجيد الماضي والانبهار بالحاضر من غير أن يمتلك قدرة حقيقية على التوليد الخلّاق. أمّا حين يتكوّن العقل التاريخي فإنّ الفكر يبدأ في التحرّر من عبودية الصور الجامدة ويصبح قادرا على التمييز بين ما هو موروث بوصفه قيمة رمزية وما هو مطلوب بوصفه ضرورة تاريخية وبين ما يجوز تأويله وما ينبغي تجاوزه وبين ما يصلح للإلهام وما يصلح للبناء المؤسّسي الحديث.

إنّها في المحصّلة معركة على صورة العقل نفسه. وهذا ما يجعل العروي واحدا من أولئك المفكرين الذين لا يُقرأون لمجرّد تحصيل المعلومات، بل يُقرأون لأنّهم يُزعجون البنية العميقة للوعي ويجبرون القارئ على مراجعة منطقه الداخلي ويُدخلونه في حرجٍ فكري قد يكون في النهاية بابا إلى نضج لم يكن ممكنا من دونه.

إنّ فكر عبد الله العروي لا يُختزل في تأييد أو رفض ولا يُستوعب بمجرد تصنيف بين مناصر وخصم. بل لقد طرح على الفكر العربي أحد أكثر الأسئلة صدقا وإيلاما كيف نصبح عقلانيين حقا في عالم صار فيه التاريخ أقوى من الرغبات وأشدّ من الأماني وأعنف من البلاغات المريحة؟ لقد أدرك أنّ العقلانية الحديثة ليست امتلاكا لأدوات البرهان ولا انتماءً رمزيا إلى قيم العصر بل هي تحوّل جذري في تمثّل الزمن وفي موقع الإنسان من العالم وفي شروط بناء الشرعية والمعرفة والسلطة. وعليه يتحوّل وعيه بالتاريخ وعيا تأسيسيا، إذ يضع الفكر أمام الحقيقة المحرجة، لا يمكن بلوغ الحداثة من أبوابها الخلفية ولا تحقيق عقلانية حقيقية من دون مواجهة مؤلمة مع التاريخ نفسه.

إنّ أكبر ما يُحسب للعروي أنّه نزع عن الفكر العربي كثيرا من أوهامه اللغوية. كشف أنّ الكلمات قد تُصبح حجابا كثيفا حين نردّدها من غير أن نعيش شروطها وأنّ المفاهيم قد تتحوّل إلى تمائم ثقافية إذا استُعملت خارج سيرتها التاريخية وأنّ الأمة قد تخدع نفسها حين تظنّ أنّها تُنتج حداثتها بمجرد إعادة تسمية القديم بأسماء جديدة. لذلك فإنّ سؤاله عن العقل التاريخي لم يكن سؤالا نظريا محضا بل كان امتحانا أخلاقيا للعقل العربي، هل يملك من الصدق ما يجعله يعترف بأنّ جزءا من تأخره راجع إلى طريقة تفكيره في نفسه؟ وهل يملك من الشجاعة ما يسمح له أن يخرج من قداسة الصور إلى قسوة التحليل؟.

ومهما اختلفنا مع بعض حدّته أو مع بعض أحكامه التي قد تبدو في مواضع معينة أقرب إلى الحسم الإكراهي منها إلى الحوار التأويلي الواسع، فإنّ القيمة الكبرى لفكره تظلّ قائمة حيث أراد أن يحرّر العقل من الكسل التاريخي. أراد أن ينقله من مجرّد الاحتجاج بالماضي إلى فهم الماضي ومن مجرّد الانبهار بالحاضر إلى تحليل الحاضر ومن مجرّد الرغبة في المستقبل إلى بناء شروط المستقبل. وهذا في ذاته مكسب هائل لأنّ الأمم لا تنهض بالأماني ولا بالبلاغة ولا بتقديس ذاكرتها بل تنهض حين تتعلّم كيف تقرأ نفسها داخل الزمن وكيف تُدرك أنّ الوفاء الأعمق للذات لا يتحقق بحبسها داخل صورها القديمة بل بتمكينها من أن تُبدع صورتها القادمة.

إنّ الجواب عن السؤال الذي يوجّهه هذا المقال يكاد يتّضح في ضوء تجربة العروي نفسها: نعم، الوعي بالتاريخ شرطٌ جوهريّ للعقلانية الحديثة لا بمعنى أنّ التاريخ يُلغي القيم أو يبتلع الإنسان في حتميّات عمياء بل بمعنى أنّ العقل الذي لا يعي تاريخية المفاهيم ولا يدرك تحوّل الشرعيات ولا يقرأ تبدّل البنى والأنساق، يبقى عقلا ناقص الحداثة مهما أكثر من الحديث عنها. العقل الحديث لا يُولد من فراغ ولا يُستورد كاملا ولا يُصطنع بخطاب تلفيقي. إنّه ثمرة تربية طويلة على الاعتراف بالتحوّل وعلى فهم الصيرورة وعلى قبول أنّ بعض القطائع المؤلمة أرحم من ألف مصالحة زائفة.

ولعلّ هذا هو الدرس الأشدّ عمقا الذي يتركه لنا عبد الله العروي، أنّ التاريخ ليس خصما للهوية إلا عند من يختزل الهوية في الجمود، وأنّ العقل ليس خصما للتراث إلا عند من يُحوّل التراث إلى صنم وأنّ الحداثة ليست قدرا استلابيا إلا عند من يرفض أن يفهمها في شروطها الحقيقية. أمّا حين ينضج الوعي فإنّ التاريخ يُصبح مدرسةً لا تهديدا، ويُصبح العقل أداة تحرير لا مجرّد زينة خطابية وتُصبح الحداثة أفقا للفعل لا موضوعا للتلاسن الثقافي. وعندئذ فقط يمكن للفكر العربي أن يغادر دائرة الاجترار إلى فضاء التأسيس، وأن يخرج من التردد بين ماضٍ مؤلَّه وحاضرٍ مُرتهَن إلى قدرة أرقى، قدرة أن يصنع لنفسه موقعا داخل العصر من غير أن يفقد كرامته ومن غير أن يخون ذكاءه ومن غير أن يطلب الخلاص من خارج شروط التاريخ.

***

د. حمزة مولخنيف

مقدّمة: في سبيل رشدية مغايرة.. ابن رشد بين النص والتاريخ والراهنية

تمرُّ الأمة الإسلامية والعربية اليوم بالذكرى التاسعة لميلاد أبي الوليد ابن رشد (1126-1198م)، تلك الشخصية التي غدت علما من أعلام الفلسفة الإسلامية، وجسرا معرفيا بين الشرق والغرب، ورمزا للعقلانية في وجه التعصب. غير أن إحياء هذه الذكرى لا يعدو ان يكون طقسا احتفاليا جامدا، أو استعادة نوستالجية لماضٍ ولّى، بل فرصة لإعادة طرح سؤال جوهري: هل من رشدية مغايرة؟

إن السؤال عن "المغايرة" في الرشدية ليس سؤالا هامشيا، بل هو مدخل إبستيمولوجي لفكّ الاشتباك بين "ابن رشد الأيقونة" الذي تم تدجينه في الخطابات الرسمية والتقليدية، و"ابن رشد الفيلسوف" الذي هزّ أركان اليقينيات السائدة في عصره. فالرشدية التي نحتفي بها ليست تلك التي تُختزل في شروح أرسطو، أو تلك التي تُستعمل كشهادة حسن سلوك للعقل الإسلامي أمام الغرب، بل هي الرشدية كـ "مشروع تحرري"، وكـ "منهج نقدي"، وكـ "تجربة التزام" واجهت فيها الفلسفةُ واقعَ الدم والسلطة والتكفير.

إن القراءة السائدة لتراث ابن رشد غالباً ما وقعت في فخّ "التقديس" أو "الاستشراق"، فإما حوّلته إلى مجرد ناقل للحكمة اليونانية، أو اختزلت فكره في إشكالية التوفيق بين الدين والفلسفة بمعناها السكولاستيكي الضيق. أما "الرشدية المغايرة" التي تسعى هذه الدراسة إلى استكشافها، فهي تلك التي تنظر إلى ابن رشد كفيلسوف "مقلق"، مفكرٍ لم يرضَ بالوصاية، ورفض أن يكون الفلسفةُ مجردَ زينةٍ للنخبة، بل جعلها واجبا وجوديا وشرعياً لكل ذي عقل. إنها رشدية لا تفصل بين النظر والعمل، ولا بين النص والواقع، ولا بين الحقيقة والحياة.

إن راهنية ابن رشد اليوم لا تكمن في تكرار مقولاته، بل في استلهام "روحه النقدية" لمواجهة تحديات العصر: من صعود الخطابات التكفيرية التي تستبيح الدم باسم المقدس، إلى أزمة العقل العربي الذي يتراوح بين القطيعة مع التراث والغرق فيه، وصولا إلى الحاجة الماسة لتأسيس فلسفة حياة تدافع عن الكرامة الإنسانية والحرية الفردية في وجه الاستبداد السياسي والديني. إن ابن رشد، في قراءتنا هذه، ليس فيلسوف الماضي فقط، بل هو فيلسوف المستقبل؛ لأنه علّمنا أن "الحق لا يضاد الحق"، وأن العقل هو الكون المشترك بين البشر، وأن التكفير هو دائماً غطاء لصراعات السلطة وليس دفاعاً عن العقيدة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن فكر ابن رشد يحمل في طياته "بذرة مغايرة" لم تُستثمر بعدُ بالكامل في الوعي العربي المعاصر. ولأجل تفكيك هذه البذرة واستنطاق دلالاتها الراهنية، ستنقسم الورقة إلى ثمانية محاور متداخلة، تبدأ بتجسيد تجربة الالتزام عند ابن رشد كفعل وجودي وليس تأملا مجردا، لتنتقل بعد ذلك إلى رصد الخيط الناظم بين الرشدية وعصر الأنوار، مؤكدة أن العقلانية الحديثة مدينة لهذا الجسر المعرفي. ثم تغوص الدراسة في سوسيولوجيا النكبة والتكفير، كاشفةً الآليات السياسية وراء إقصاء المفكرين، مرورا بتأسيس الصلة بين الحكمة والشريعة.

ولا تكتفي الدراسة بالبعد التاريخي، بل تمدّ جسورا نحو الحاضر من خلال مقارنة بين منشور المنصور واغتيال الطاهر الحداد الاجتماعي، لتثبت استمرار آليات الوصاية عبر القرون. كما تتوقف عند الاستقبال الغربي للرشدية، محللةً تأثير ابن رشد في الديمقراطية والمساواة وحقوق المرأة، وهو الجانب الذي غالبا ما يتم تغيبه في القراءات المحلية. لتختم الدراسة بتأملات حول راهنية الرشدية في أفق الكونية، مؤكدة أن الإرث الرشدوي الحقيقي هو منهج مفتوح للتحرر من الأوهام، وانتصار لسيادة العقل كشرط لا غنى عنه لأي نهضة مستقبلية.

إنها، في النهاية، دعوة لقراءة "مائية" لابن رشد؛ قراءة لا تغرق في تفاصيل التاريخ الجاف، ولا تطير في تجريدات الميتافيزيقا البعيدة، بل تجري كنهر معرفي يربط بين المنبع الأندلسي والمصب الكوني، لعلنا نستعيد من خلال هذه الامكانية ل"الرشدية المغايرة" ثقتنا بأن الفلسفة ليست رفاهية، بل هي ماء الحياة، ومن منعها عن قوم كمن منع عطشان عن شرب الماء.

المحور الأول: تجربة الالتزام عند ابن رشد

تُعد تجربة ابن رشد نموذجا لـ "تجربة الالتزام"؛ فالتفكير عنده ليس تأملا مجردا، بل هو فعل مسؤول يهدف إلى تحرير المجتمع من الوصاية والاضطهاد والتمويه. ابن رشد لم يكن مجرد شارح للنصوص فقط، بل كان مفكرا ملتزما بقضايا عصره، يرى أن الفلسفة مشروع من أجل النّاس لا ضدهم، مما جعل استقلاليته في الرأي سببا في مواجهته لسلطة العوام والساسة.

فالفلسفة، في هذا السياق الرشدي، التزام وجودي واجب وهو ما يبرز من خلال قول ابن رشد في فصل المقال: "فإن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع، لأن معناه عند الشرع هو النظر في الموجودات واعتبارها من حيث هي دالة على الصانع. هذا التعريف يحول الفلسفة فعلا ضروريا و نشاطا أساسيا، فهي "واجب شرعي" ومسؤولية وجودية.

هذا القول الفلسفي الواجب بالشرع يعبّر عن الاستقلالية وله ثمنه: ابن رشد دفع ثمنا باهظا لاستقلاليته الفكرية. فقد تم نفيه وحرق كتبه، ليس لأنه هاجم الدين، بل لأنه دافع عن حق العقل في النظر الحر. هذا هو جوهر الالتزام: أن تدافع عن المبدأ حتى لو كلفك ذلك التضحية بكل شئ.

وعليه، لم يكن ابن رشد فيلسوفا في برج عاجي. لقد كان قاضيا وطبيبا وفيلسوفا، أي أنه عاش في قلب الواقع السياسي والاجتماعي. التزامه لم يكن خطابيا بل وجوديا، مارسه في كل أدواره. ليس الفيلسوف هنا مفارقا لعالم الناس متعاليا عن واقعهم وما يجول في خاطرهم ويعتمل في عقولهم من اسئلة واحراجات بل مهموم بهمومهم وهو ما يبرر هذه "الغرضانية" الفلسفية القائمة بالجوهر على "البيان والتبيين" لذلك يعتبر ابن رشد ان غرضه من الكتابة هو أن يبين أن الفلسفة ليست مخالفة للشريعة، بل هي صديقتها وأختها الرضيعة

اذن، الغرضانية الفلسفية الرشدية في خدمة النّاس عبر خدمة الحقيقة، لا في خدمة السلطة أو التقاليد. هذا ما جعله يرفض التلفيق او التوفيق السطحي بين الدين والفلسفة، ويدعو إلى فهم يقوم على التأويل بالعودة إلى الأصل تأسيسا لقول فلسفي مغاير. هذا المحور الأول يؤسس لفهم الالتزام عند ابن رشد كـ "مشروع وجودي" واجب بالشرع وليس كموقف عابر.

المحور الثاني: الرشدية وعصر الأنوار

ثمة خيط رفيع يربط بين الرشدية وعصر الأنوار الأوروبي: فالرشدية اتسمت بالعقلانية والنهج البرهاني المستند إلى التجربة الطبيعية ورفض الوثوقية، بينما قام عصر الأنوار على مفهوم "النور الطبيعي" (العقل) والاستقلالية عن كل أشكال الوصاية. يمثل هذا التقاطع امتحانا لحرية التفكير في مواجهة الظلامية، حيث مهدت الرشدية الطريق للعقلانية الحديثة التي تجلت لاحقا في فكر فولتير وروسو.

ان الرشدية اللاتينية هي جسر معرفي نحو الأنوار اي انها ليست مجرد فصل من فصول تاريخ الفلسفة الوسيطة او تاريخ الفلسفة عامة، بل كانت قوة فكرية أربكت السلطة الدينية وفتحت الطريق أمام العقل النقدي في صيغته الحديثة.

ههنا يمكن ان نلحظ علاقة ما بين فولتير والرشدية من خلال نقد التعصب باسم العقل، فإذا كان فولتير قد حارب التعصب الديني باسم العقل، فإنه يواصل المعركة التي بدأها ابن رشد قبله بستة قرون. كلاهما آمن بأن الحرية الفكرية شرط لا غنى عنه للتقدم الإنساني وان العلاج لداء التعصب هو العقل والتفكير والنظر الفكري.

هذا المحور يؤكد أن الرشدية لم تكن "مرحلة وسيطة" منسية، بل كانت مختبرا فكريا اختُبرت فيه قيم العقلانية والنقد والواقع الخ....

المحور الثالث: النكبة والتكفير

تكشف الوثائق التاريخية عن وجهين لنكبة ابن رشد: فالمنشور الرسمي (يعقوب المنصور) استعمل لغة دينية حادة (إلحاد، أوهام، سموم) لتكفير ابن رشد وإحراق كتبه، معتبرا فكره "هدما للشريعة". بينما تكشف الرواية التاريخية (المراكشي) عن أسباب "خفية" للنكبة، تتعلق بدسائس الحاشية والمنافسات السياسية، مما يثبت أن التكفير غالبا ما يكون غطاء لصراعات السلطة.

التكفير ليس حكما لاهوتيا بريئا، بل هو ممارسة للسلطة التي تهدف إلى استبعاد المنافس من حقل الإنتاج الثقافي، عبر وصمه بـالانحراف لتبرير إقصائه ماديا ورمزيا فاتهام المنصور لابن رشد بـالإلحاد لم يكن نتيجة قراءة دقيقة لنصوصه، بل كان أداة سياسية لتصفية خصم فكري أصبح ثقله المعرفي يهدد هيمنة الفقهاء المقربين من السلطة.

ويوثق عبد الواحد المراكشي في المعجب في تلخيص أخبار المغرب البعد السياسي للنكبة: "وكان سبب نكبة ابن رشد أن ملك البربر –يعني الموحدين– كان يحسده على مكانته عند الخليفة، فأوحى إليه أن في كتب ابن رشد ما يفسد عقائد الناس... فكان ذلك سببا في إحراق كتبه ونفيه"

"النكبة الرشدية" لم تكن حادثة عابرة، بل كانت تعبيرا عن تناقضات تشق الفلسفي والسياسي والديني بل يمكن القول انه عندما أحرق المنصور كتب ابن رشد، كان يحاول محو بديل معرفي ينافس الخطاب الفقهي المهيمن. هذه النكبة او مأساة ابن رشد تتكرر عبر التاريخ ذلك ان كل مفكر يمكن ان يهدد السلطة وهو ما تجلى مثلا مع الطاهر الحداد من خلال الاغتيال الاجتماعي وغيره من المفكرين.

المحور الخامس: التوفيق بين الحكمة والشريعة

في كتابه "فصل المقال"، يضع ابن رشد القاعدة الذهبية: "الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له". وبذلك يمكن القول أن التناقض الظاهري بين الفلسفة والدين ناتج عن رأي مبتدع في الشريعة (تأويل خاطئ) أو خطأ في فهم الحكمة. والحل يكمن في "فصل المقال" الذي يثبت مطابقة أصول الشريعة لنتائج العقل البرهاني.

حجر الزاوية في المنهجية الرشدية هو انه لا تناقض بين الفلسفة والدين كما يروج البعض من العامة او السياسيين، فالكون (كتاب الله المنظور) والقرآن (كتاب الله المسطور) صادران عن مصدر واحد، وبالتالي لا يمكن أن يتناقضا في جوهرهما بل لا سبيل الى الله دون تدبر ومعرفة ونظر وعقل للكون او كتاب الله المنظور. اذن، مصدر التضارب هو الخطأ البشري لا الخطأ الإلهي. وبذلك يتم نقل مشكلة التضارب من مستوى النص إلى مستوى القارئ. التضارب لا يوجد في الشريعة ولا في الحكمة، بل ينتج عن قصور في التأويل أو خلل في البرهان، وكلاهما فعل بشري قابل للخطأ. لكن هناك شروط التأويل حتّى لا يكون بابا مفتوحا للفوضى، فالتاويل ليس بابا مفتوحا على مصراعيه فهو واجب على من يمتلك أدوات البرهان (الفلاسفة والعلماء)

المحور السادس: من الخليفة المنصور ومنشوره إلى الطاهر الحداد واغتياله الاجتماعي: استمرار الوصاية والتكفير

عبر ثمانية قرون (من 1199م إلى 1934م)، نجد أن آليات القمع الفكري بقيت متشابهة: فابن رشد عوقب بالإبعاد وإحراق الكتب بتهمة الزندقة، بينما واجه الطاهر الحداد ما أسماه "القتل الاجتماعي" (التكفير، العزل، الطعن في العرض) بسبب كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع". كلاهما أكد أن "التفكير ليس جريمة"، وأن الخروج من الدين قرار فردي لا تملكه المؤسسات، محذرين من تحويل الاختلاف الفكري إلى "فتنة" اجتماعية.

لكن رغم سياسة الحرق والغزل فان ابن رشد والحداد أصرّا على الالتزام بقول الحقيقة دفاعا عن الحياة، ذلك انه "من منع الفلسفة عن قوم كمن منع عطشان عن شرب الماء" كما قال ابن رشد. وكذلك من منع المرأة من حقها كمن منع نصف المجتمع من الحياة اذا استأنسنا بروح الحداد التحررية المضادة للتعصّب والظلاميّة. هنا، ابن رشد والطاهر الحداد يعبران عن نفس الروح التحررية، نفس المعركة ضد التعصّب والاغتيال والحرق الخ...

ننتهي، إذن، إلى أن الدرس التاريخي هو أن التحرر يبدأ بكسر حاجز الخوف؛ فابن رشد كسر تابو قداسة التأويل السائد، والحداد كسر تابو قداسة الأدوار الجندرية. كلاهما علّم النّاس أن الحرية تبدأ حين نتوقف عن الخوف من التفكير

المحور السابع: في الاستقبال الغربي للرشدية

ان مشروع تجربة الالتزام من خلال محنة ابن رشد يمكن ان تقرا في اطار نقلة فكرية من "التنوير" العربي إلى الأنوار الفرنسية وهو ما يتجلّى في الاستقبال الغربي لابن رشد: كيف رأى الغرب من خلال ليون غوتيي فلسفة ابن رشد؟ وكيف اثر ابن رشد في الغرب وحداثته؟

إن أطروحة ليون جوتيه تقوم على اعتبار ابن رشد فيلسوف التوفيق بين الحكمة والشريعة

Traité Décisif (Façl el-maqâl) sur l'Accord de la Religion et de la Philosophie suivie de l'Appendice (Dhamina) (GAUTHIER, Léon)

على العكس من ذلك ذهب الاستاذ الجامعي عبد المجيد الغنوشي في دراسة له بعنوان: "التمييز بين الخطاب الفلسفي والخطاب الشرعي عند أبي الوليد بن رشد": ففصل المقال ليست القول الفصل اي الحاسم والاتصال لا تعني التوفيق والانسجام بل الصلة والنسبة، لذلك فالعنوان يعني التمييز بينهما لا التوفيق بينهما، أي التمييز بين الخطاب الشرعي والخطاب الفلسفي مع إثبات ما بينهما من صلة ونسبة ورابطة

وفي هذا السياق النقدي تتنزل قولة ابن رشد الشهيرة الواردة في كتاب الحس والمحسوس والتي رددتها أوروبا اللاتينية أيام نهضتها مشيدة بابن رشد وبعبقريته «يا قوم، لا أقول إن حكمتكم الإلاهية هذه باطلة، ولكني أقول إني إنسان أعلم علما إنسانيا»

هنا يمكن معاينة تاثير ابن رشد، ففي هذا السياق يسال اوغيست كونت ما سبب الثورة الفرنسية؟ حسب اوغيست كونت الذي رفض احتلال الفرنسي للجزائر ودافع عن استقلال الجزائر: الثورة بدأت فعلا يوم اقتحمت العقلانية العربية أوربا في القرن الثاني عشر مع بدايات الحروب الفرنسية، كما ذهب الى ذلك الاستاذ حمادي بن جاء بالله في بعض حواراته.

كما يمطم معاينة الديمقراطية في فلسفة ابن رشد كما ذهب الى ذلك الاستاذ حمادي بن جاء بالله: روسو يقول عن الديمقراطية تصلح لحكم الملائكة و يفضل الارستقراطية الكفْئة اي حكم رجال الحرفة والصناعة . ههنا يمكن ان نعاين ايضا انه منذ ارسطو وافلاطون والفارابي حتى روسو الكل يلعنون الديمقراطية يسمونها المدينة الجماعية الا ابن رشد، ابن رشد في كتابه الضروري في السياسة، الوحيد الذي تحدث فيه عنه عن افلاطون، دافع عن الديمقراطية واعتبرها حكم الأحرار وان رئيس المدينة الحرة سيد الاحرار ورئيس المدينة الظالمة هو عبد عبيده. ان الديمقراطية لا تذم مع ابن رشد، رغم انها ذمت ورفضت من هيردوت حتى روسو الذي يعتبر فيلسوف من فلاسفة الانوار والحداثة الغربية

كما يمكن ايضا ان نعاين المساواة في فلسفة ابن رشد: هذا النظام الديمقراطي يتطلب المساواة بين الجمع بما في ذالك الرجل والمراة، ففي كتاب الضروري في السياسة يقول في "هل يقتصر دور النساء على الانجاب؟ ان النساء من جهة انهن والرجال نوع واحد فانهن بالضرورة يشتركن في الاعمال الانسانية كلها فهن فيلسوفات وحاكمات وقائدات ومحاربات". اذن هناك اقرار للمساواة بين الرجل والمراة في فكر ابن رشد التحرري وفي تجربته في الالتزام بالدفاع عن الحقيقة

كما يمكن ان نعيان ايضا طبيعة العلاقة مع الآخر المختلف وخاصة من خلال ارساء مبدا ان""النظر كتب في القدماء واجب بالشرع". يقول ابن رشد في فصل المقال:"ينبغي أن نضرب بأيدينا في كتب القدماء بل ان طلب الحكمة واجبة بالشرع حتى لو كانت عند الآخر المختلف او ما يخالفنا في الملّة " ويقول ايضا "فإنه يجب علينا أن ...يستعين في ذلك المتأخر بالمتقدم، حتى تكمل المعرفة به. فإنه عسير أو غير ممكن أن يقف واحد من الناس، من تلقائه وابتدائه، على جميع ما يحتاج إليه" ويقول ايضا: " إن كان غيرنا قد فحص عن ذلك فبيّن انه يجب علينا ان نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدّمنا في ذلك، وسواء كان ذلك الغير مشارك لنا أو غير مشارك في الملة"

المحور الثامن: خاتمة - راهنية الرشدية في أفق الكونية

إن استحضار ابن رشد في مئويته التاسعة ليس مجرد استعادة لذكرى تاريخية، بل هو استدعاء لـ "روح نقدية" لا تزال تشرق في سماء الفكر الإنساني. ربّما تكمن أهمية الرشدية اليوم في ثلاثة أبعاد أساسية: العقلانية كجسر للتواصل، والتسامح القائم على البرهان، والمثقف الملتزم. إن الرشدية اليوم هي دعوة صريحة للتحرر من "الأوهام" والوثوقية، وللتأكيد على أن مستقبل المجتمعات رهين بمدى قدرتها على حماية حرية التفكير والانتصار لسيادة العقل.

الرشدية رمزية من رمزيات تجارب الالتزام التي اثّرت في المشرق والمغرب رغم المنقى . ابن رشد عاش المنفى مرتين: نفيه المادي إلى مراكش، ونفيه الرمزي عبر حرق كتبه. لكن أفكاره هاجرت إلى أوروبا لتصبح وقود نهضتها أو حداثتها.

الرشدية كـ "مشروع مفتوح:

راهنية الرشدية اليوم ليست في تطبيق نصوصه واجترارها، بل في استلهام روحها النقدية لمواجهة تحديات عصرنا: التعصب الرقمي، الاستبداد التقني، أزمة المعنى وهو ما يمكن ان يجعل من ابن رشد ليس فيلسوف الماضي، بل فيلسوف المستقبل.

بهذه المحاور نكون قد قدّمنا قراءة "مائية" لابن رشد: لا تغرق في التفاصيل التاريخية، ولا تطير في التجريدات الميتافيزيقية، بل تجري كـ "نهر معرفي" يربط بين المنبع الأندلسي والمصب الكوني. ربما يمكن القول ان الرشدية اليوم ليست تراثا يُحفظ، بل منهجا يُمارس:

عقلانية نقدية ضد الوثوقية.

تأويل منضبط ضد الفوضى التأويلية.

التزام إنساني ضد الانعزال النخبوي.

كونية منفتحة ضد الانغلاق الهوياتي.

كما قال ابن رشد في ختام فصل المقال: "والله الموفق للصواب"، لكن هذا "التوفيق" الإلهي لا يلغي مسؤولية البشر في البحث عن الحقيقة، بل يفرضها كواجب وجودي.

الدرس النهائي — إن كان للدرس الرشدي أن ينتهي — هو أنه لا حداثة دون عقل، ولا عقل دون حرية، ولا حرية دون شجاعة التفكير. هذا هو إرث ابن رشد: أن نكون "فلاسفة حياتنا" لا مجرد شُرّاح لنصوص الآخرين، وإن كان الشرح ضروريا للتعلم، وربما وسيلة لتمرير رؤى فلسفية عميقة.

***

أحمد الكافي يوسفي - باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة

 

في فضاء الفكر العربي المعاصر، يظل القرآن نصًا مركزيًا، ليس فقط في بعده الديني، بل بوصفه مادة للجدل والتأمل والفكر النقدي. ويبرز في هذا المقام اسم أدونيس كرمز للجرأة النقدية والابتكار الشعري، غير أن قراءته للقرآن تكشف، في العمق، عن مأزق مزدوج، محاولة نقد الانغلاق من جهة، واختزال النص في سردية جامدة من جهة أخرى. هذه الثنائية تكشف عن أزمة الحداثة العربية في علاقتها بالنصوص المقدسة، حيث يتحول النقد إلى شكل آخر من الانغلاق، والجرأة إلى انعزالية تختزل تاريخًا غنيًا من الاجتهادات الفكرية في صورة ضيقة. إن المشكلة ليست مجرد موقف شخصي أو اجتهاد فردي، بل انعكاس لصراع أكبر بين الاجتهاد والتبسيط، بين حرية الفكر وضغوط الإيديولوجيا، بين التاريخ والحداثة.

حين يصف أدونيس القرآن بأنه "رهين للسجون الفقهية" ويضعه في خانة النصوص الجامدة، فهو يتجاهل ما أفرزته الثقافة الإسلامية عبر قرون من جدلية عقلية ونسق متكامل من الاجتهاد والتأويل. فالقرآن لم يكن يومًا نصًا يُستسلم له بلا نقد، بل كان دائمًا متنفسًا للفكر، أداة للمجادلة العقلية، وساحة للتأمل الفلسفي والكلامي والصوفي. إن اختزاله في سردية أحادية لا يقدّم خدمة للتاريخ ولا للحاضر، بل يحجب عن المتلقي تنوع القراءات وإمكانات الاجتهاد التي جسدت العقلانية الإسلامية، كما يظهر في اجتهادات فلاسفة مثل ابن سينا، والرازي، وابن رشد، وابن طفيل، والكندي، والسهروردي، وغيرهم كثير، من الذين سعوا إلى التوفيق بين العقل والوحي، بين التجربة الفلسفية والالتزام الديني، مبدعين جسورًا بين المحلي والكوني، بين التأصيل والنقد، بحيث يظل النص مجالًا حيًا للفهم وليس مجرد مرجع ثابت أو أداة سيطرة.

يمكن استلهام نظر عميق في هذا الشأن من ميشيل فوكو، الذي يرى أن النصوص ليست محايدة، بل هي ميدان للصراع بين المعرفة والسلطة، وأن أي اختزال للنصوص في صورة جامدة هو نوع من الهيمنة الرمزية، يخفي التنوع الداخلي ويغفل الصراعات الفكرية التي أفرزتها الثقافة. فالنصوص الكبرى، وفق فوكو، لا تنفصل عن التاريخ ولا عن الحركات الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها، ولا عن علاقات القوة التي تحدد من يقرأ ومن يُقرأ، ومن يفسر ومن يُفسر. وعليه، فإن اختزال القرآن في سردية أحادية يحجب هذه الدينامية، ويحوّل النص من أفق مفتوح للتفكير إلى أداة لإعادة إنتاج الانغلاق الذي يزعم النقد ضده.

من جهة أخرى، يظهر دور جاك دريدا في توسيع الأفق التأويلي، من خلال فكرة التفكيك، التي تسمح للنص بأن يبقى مفتوحًا على قراءات لا نهائية. فالتفكيك يكشف أن النصوص الكبرى لا تُستنفد في قراءة واحدة، وأن أي ادعاء بالإحاطة الشاملة بالمعنى هو وهم معرفي. بهذا المعنى، يمكن اعتبار ما يقدمه أدونيس من اختزال للنص في سردية جامدة ضربًا من التجاهل للفرص التأويلية التي يوفرها القرآن، والتي تمثل إمكانات فكرية غنية يمكن للحداثة العربية أن تنطلق منها.

وإذا انتقلنا إلى يورغن هابرماس، نجد دعوة واضحة لفضاء تداولي، وهو أن النقد مشروع حين يكون جزءًا من حوار مستمر، لا مجرد إعلان موقف أو تأكيد أحادية الرؤية. فهابرماس يعلّمنا أن المعنى يتكون في التفاعل بين العقلاء، وأن النصوص تصبح حيّة حين تُعرض على النقد العقلاني والتداول الفكري، لا حين تُحاصر في صورة جامدة أو اختزال أحادي. وعليه، فإن موقف أدونيس، الذي يعلن رفض الانغلاق بينما يغفل الاجتهادات السابقة، يقع في نوع آخر من الانغلاق الفكري، إذ يمنع المتلقي من إعادة اكتشاف النص في ضوء إمكانات العقل.

هذه الأزمة تكشف مأزق الحداثة العربية نفسها، في السعي إلى التحرر الفكري وإعادة بناء التجربة الثقافية في ظل إرث ضخم ومعقد من الاجتهادات، حيث التحدي هو عدم الانزلاق إلى التجاهل أو التقديس الأعمى للتراث. فالتراث العربي الإسلامي، في اجتهاداته المتعددة، أتاح تجارب عقلية متنوعة، من الفلسفة إلى الكلام إلى الصوفية، كل منها يسهم في إبراز النص بوصفه أفقًا حيًا للفكر. وعليه، فإن قراءة القرآن بوصفه نصًا جامدًا تغلق عليه إمكانات الفهم والتأويل، وتغفل النقاشات العقلية التي أفرزها التراث.

الرهان على إعادة فتح القرآن يغدو كنص حي، ليس فقط كقضية دينية، بل كمسألة فلسفية ثقافية، تتيح للحداثة العربية أن تستعيد توازنها بين العقل والنص، بين التراث والابتكار، بين الاجتهاد والنقد. فالقرآن يمكن أن يكون أداة لفهم الإنسان في سياقه الاجتماعي والثقافي، لكنه يمكن أيضًا أن يصبح أرضًا للإبداع الفكري إذا ما أُعيد النظر فيه عبر فضاءات حوارية نقدية، تتيح للتراث أن يتفاعل مع أسئلة الحاضر والتحديات المعرفية الجديدة.

وعند النظر إلى التاريخ، نجد أن التوتر بين النص وتأويلاته لم يكن يومًا عيبًا في الثقافة الإسلامية، بل كان مصدر حيويتها. فقد شهدت هذه الثقافة صراعات فكرية عميقة حول طبيعة النص وحدود العقل، من ابن رشد وابن سينا إلى الغزالي وابن طفيل، وهي صراعات أفرزت نقاشات ثرية حول العلاقة بين العقل والوحي، بين الحداثة والتقليد، بين المحلي والكوني. وهذا التنوع هو ما يجعل القرآن أفقًا متجدّدًا، وليس مجرد نص جامد أو أداة لإعادة إنتاج الانغلاق الذي يُزعم نقده.

إن مأزق خطاب أدونيس يكمن في أنه، وهو يهاجم الانغلاق، يقف في مواجهة الاجتهادات العقلية والتأويلية السابقة، فيسقط في نوع آخر من الانغلاق (الانغلاق على منظور أحادي يهمّش تاريخًا كاملًا من الجدل الفلسفي والتأويلي)، إذ يصبح النقد الذكي مسؤولية، لا يكفي رفض الماضي أو الإيديولوجيا، بل يجب إعادة فتح النص إلى إمكانات التفكير المتجددة، بحيث يكون القرآن أفقًا للحوار، ووسيلة لإعادة تأسيس الفهم في زمن يتطلب قدرة على التجاوب مع التغيرات المعرفية والاجتماعية.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن القرآن ليس مجرد نص جامد أو وثيقة تاريخية، بل فضاء حيّ للتجربة الفكرية، يتيح للإنسان إعادة اكتشاف نفسه من خلاله، كما يتيح للحداثة العربية فرصة لإعادة بناء جسور بين التراث والفكر النقدي، بين العقل والتاريخ، بين الدين والثقافة. فالرهان لا يكمن في قطيعة أو تقديس، بل في الانفتاح على إمكانات التأويل المستمرة، على الجدلية بين الاجتهاد والنقد، على الحرية الفكرية المرتبطة بالمسؤولية الأخلاقية، وعلى قدرة النص على التفاعل مع أسئلة الإنسان في كل زمن ومكان.

وبهذه الطريقة، يتحول القرآن من مجرد نص تاريخي إلى أفق مستمر للمعرفة، ومن أداة للهيمنة الرمزية إلى فضاء للإبداع الفكري، ومن سلعة للخطاب الإيديولوجي إلى حقل حيّ للتفكير النقدي المستمر. إن إعادة اكتشاف النص من هذا المنظور ليست مجرد تمرين فكري، بل ضرورة استراتيجية لإعادة تأهيل العقل العربي في مواجهة التحديات المعرفية والثقافية الحديثة، وإطلاق إمكاناته في بناء فهم موسع، قادر على الجمع بين التراث والحداثة، بين الاجتهاد والفلسفة، بين العقل والوحي.

وفي هذا السياق، يصبح النقد الرؤيوي، بعيدًا عن التجني أو الاختزال، أداة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والنص، بين الفكر والدين، بين الحداثة والتراث، بحيث يمكن للتراث أن يظل حيًا، والنص أن يظل مفتوحًا، والعقل أن يظل متفاعلًا. فالقرآن، كما يُظهر التاريخ والفلاسفة الحداثيون، ليس مجرد نص للقراءة السطحية، بل مجال للفكر النقدي، وساحة للحوار المستمر، وفضاء لإعادة تأسيس الثقافة العربية الإسلامية في أفق عالمي متجدد.

وبذلك يصبح النقد الحقيقي مسؤولية معرفية، حيث لا يكتفي بتحديد الانغلاق، بل يسعى لخلق فضاء للتفاعل بين النص والعقل، بين الماضي والحاضر، بين الإنسان والتاريخ. وعندما يتحقق هذا التوازن، يتحول القرآن من إرث جامد إلى تجربة معرفية حية، قادرة على إثراء الفكر العربي المعاصر، وتجديد إمكانياته في مواجهة تحديات العصر، سواء كانت معرفية، ثقافية، فلسفية، أو اجتماعية. إنه بذلك يتحول إلى نص حيّ، متنفس للفكر، أداة لإعادة اكتشاف الإنسان في ضوء إمكانات الاجتهاد والنقد، ومفتاح لفهم أعمق للتاريخ والحضارة والحداثة في آن واحد.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

نحو تأسيس عقل أخلاقي ائتماني

إن الفكر الإنساني لم يتوقف عن البحث عن أفق يضبط العلاقة بين العقل والوجود، بين النظرية والتطبيق وبين ما هو ممكن وما هو واجب. وفي هذا السياق يبرز طه عبد الرحمن كواحد من أبرز المفكرين الذين حاولوا إعادة ترتيب العقلية الإسلامية في ضوء الرهان الأخلاقي والائتماني بعيدا عن النزوع إلى التجريد الفلسفي الخالص الذي غيب القيمية والالتزام الأخلاقي عن صيرورة المعرفة. العقل عند طه عبد الرحمن ليس آلة تحليلية باردة ولا منظومة من القوانين الصرفة بل هو خطاب حي يرتبط بالوجود الإنساني وضرورة العيش في إطار مسؤولية.

تتضح أهمية مشروعه من خلال تصديه للنزعة الحداثية الغربية التي رفعت شعار العقل المجرد كمعيار مطلق للمعرفة فتجاهلت البُعد الأخلاقي والروحي للإنسان. فالحداثة الفلسفية منذ ديكارت وهيوم كانت ترى في العقل أداة للتحقق من الواقع دون التوقف عند سؤال القيمة، ولم تدرك أن الإنسان كائن يختبر العالم وليس مجرد مراقب له. وبذلك كان من الطبيعي أن يتعرض العقل المجرد عند عبد الرحمن للنقد ليس لأنه ينكر العقل بل لأنه يحد من قدرة العقل على التواصل مع المعنى والغاية والالتزام الأخلاقي.

إن النقد الذي يقدمه طه عبد الرحمن للعقل المجرد يستند إلى رؤية تقول بأن المعرفة بلا التزام أخلاقي تظل ناقصة وأن العقل الذي يبتعد عن الروح والضمير يفقد قدرته على توجيه الفعل. وهنا يلتقي فكره مع تأملات الفلاسفة الكلاسيكيين، فمن أفلاطون إلى أرسطو كان العقل مرتبطا بالفضيلة؛ ومن ابن سينا إلى الغزالي وجد العقل طريقه في إطار الشرع والأخلاق. كما تتقاطع رؤيته مع ملاحظات الفلاسفة المعاصرين الذين رأوا أن العقل مجرد أداة تحليلية لا تكفي لفهم الإنسان ككائن قيم.

في قلب مشروع عبد الرحمن يكمن تأسيس عقل أخلاقي ائتماني يقوم على إدراك الإنسان لواجبه أمام الله وأمام المجتمع وعلاقته بما حوله من كيانات طبيعية واجتماعية. هذا العقل يرفض الفصل الصارم بين النظرية والتطبيق، بين الفكر والعمل، بين الفكر والضمير، ويؤكد على وحدة المعرفة والعمل، ويعيد للضمير مكانه المركزي في الحياة الإنسانية. العقل هنا ليس مجرد أداة تفكير بل هو مرشد للفعل ومصدر للالتزام ومعيار للتمييز بين الصواب والخطأ وبين المشروع وغير المشروع.

كما أن مشروعه النقدي يعيد الاعتبار للغة بوصفها وعاء الفكر ومصدر التعبير عن العقل الأخلاقي، فاللغة ليست مجرد رموز جامدة بل هي مرآة لوعي الإنسان ومصدر للارتباط بالقيم والمعاني. ومن هذا المنطلق نجد أن العقل عند عبد الرحمن يتشكل في حقل اللغة ويستمد قوته من القدرة على التعبير الأخلاقي والوعي بالقيم. الفكر لا يمكن أن يتحقق إلا إذا ارتبط بالمعنى، والمعنى لا يمكن أن يتجسد إلا إذا ارتبط بالالتزام الأخلاقي والالتزام الأخلاقي لا يتحقق إلا إذا أفضى العقل إلى عمل واعٍ مسؤول.

إن هذا المشروع يمثل تصحيحا لمسار العقلية الإسلامية المعاصرة، إذ يدعو إلى رفض النزوع نحو التجريد النظري البحت الذي أبعد الإنسان عن ذاته وأقصى الضمير والأخلاق عن دائرة المعرفة. إن النقد الذي يقدمه طه عبد الرحمن ليس هدما بل هو بناء، ليس رفضا للعقل بل هو إعادة له إلى موقعه الطبيعي بوصفه عقلا حيا يربط بين المعرفة والوجود، بين النظرية والفعل وبين الفكر والضمير.

إذًا ينهض المشروع ليس كمجرد نقد فلسفي بل دعوة لإعادة تأسيس عقلية ثقافية متماسكة، عقلية تدرك أن المعرفة ليست غاية في ذاتها بل كوسيلة للعيش في إطار مسؤولية ووفاء للالتزام الأخلاقي. وهذا الفهم يتقاطع مع الموروث الفلسفي والفقهي الإسلامي الذي اعتبر العقل ضابطا للمعرفة ومعيارا للتمييز بين الحق والباطل وأداة لتقويم الفعل البشري بما ينسجم مع الغاية الكبرى للوجود، أي تحقيق الخير والعدل والمصلحة.

إن طه عبد الرحمن بهذا الرهان يقدم نموذجا للعقل الذي لا ينفصل عن الحياة ولا عن القيم ولا عن الإيمان. إنه عقل يبحث عن المعنى في داخل الإنسان وفي علاقته بالآخرين، عقل يستعيد دوره كمرشد للفعل الأخلاقي كحامل للالتزام وكآلية للتفاعل البنّاء مع الواقع. ومن هذا المنطلق ينهض النقد الذي يقدمه للعقل المجرد حجر الزاوية لفهم العقلية الإسلامية المعاصرة ويشكل خطوة ضرورية في مسار إعادة صياغة الفكر العربي والإسلامي في ضوء تحديات الحداثة بحيث يكون العقل في خدمة الإنسان والوجود والقيم، وليس مجرد أداة تحليلية باردة.

بناءً على هذا التصور، يغدو المشروع الفكري لعبد الرحمن أكثر من مجرد نقد فلسفي، إنه رؤية شاملة تعيد للعقل موقعه الطبيعي وتضعه في قلب التجربة الإنسانية بوصفه وسيلة لإدراك المعنى ومصدرا للفعل الأخلاقي وأداة للالتزام القيمي وفعلا يربط بين المعرفة والوجود والغاية. إنه العقل الأخلاقي الائتماني الذي يفتح أمام الإنسان آفاقا جديدة للفكر والعمل، ويعيد الاعتبار للضمير واللغة والقيم بوصفها عناصر أساسية في بناء المعرفة الحقيقية والفعل المسؤول.

طه عبد الرحمن يمثل واحدا من أعمدة الفلسفة والفكر الإسلامي المعاصر الذي أراد للعقل أن يعود إلى جذوره الأخلاقية والإيمانية بعيدا عن نزعة التجريد والتحليل الخالص التي سيطرت على الفكر الغربي منذ عصر التنوير وما بعده. هو المفكر الذي قرر أن يضع العقل في إطار الالتزام وأن يعيد له دوره كمرشد للفعل الإنساني ومسؤول عن صياغة الوعي بالقيم والمعاني لا كآلة للتقويم النظري البارد. هذا المشروع يعكس إيمانا عميقا بأن الإنسان كائن يختبر العالم ولا يكتفي بملاحظته وأن المعرفة لا تتحقق إلا إذا ارتبطت بالمعنى وبالفعل الأخلاقي وأن العقل بلا ضمير بلا قيمة.

نقد العقل المجرد عند عبد الرحمن لا يقوم على رفض العقل أو إنكار قدراته بل على رفض اختزاله إلى مجرد أدوات تحليلية ومعايير للتأكد التجريبي أو المنطقي فقط. فهو يرى أن النزعة الغربية نحو التجريد، بدءا من ديكارت الذي جعل التفكير جوهر الوجود، مرورا بكانط الذي حصر المعرفة في حدود الإدراك العقلي المستقل عن الفعل، ووصولاً إلى هيوم ولودفيغ فيتجنشتاين في بعض قراءاته المبكرة قد غفلت عن الجانب الأخلاقي والالتزام بالقيم في تكوين المعرفة. العقل في هذه الرؤية الغربية أصبح غائبا عن الحياة الواقعية وتاهت قدرته على الربط بين النظرية والتطبيق، بين الفكر والضمير وبين الإدراك والعمل.

يمكن رؤية امتداد هذا النقد في التراث الإسلامي الذي لم يفصل العقل عن الأخلاق. من أفلاطون الذي رأى الفضيلة جزءا من المعرفة إلى أرسطو الذي ربط الفضيلة بالعمل العملي، إلى ابن سينا والغزالي الذين دمجوا بين المعرفة العقلية والشريعة، نجد أن العقل عندهم ليس مجرد أداة للتفكير المجرد بل هو مرشد للفعل وأداة للتمييز بين الصواب والخطأ وبين ما يتوافق مع الخير العام وما يخالفه. عبد الرحمن يستحضر هذا الإرث ويعيد تأكيده في سياق معاصر في عصر غلب فيه النزوع إلى الحداثة الغربية وصرامة العقلانية المجردة بما ينذر بفقدان البعد الإنساني والأخلاقي للمعرفة.

العقل الأخلاقي الإيماني الذي يقترحه طه عبد الرحمن ليس مفهوما مجردا بل هو مشروع حضاري وفكري يربط بين الإنسان وواجبه تجاه ذاته وتجاه العالم. هو عقل يجعل الضمير محورا للمعرفة ويعيد للغة دورها المركزي كمرآة للوعي ومصدر للالتزام الأخلاقي. فاللغة ليست مجرد أدوات رمزية جامدة بل وعاء للتجربة الإنسانية وقناة لتجسيد المعنى، والمعنى لا يتحقق إلا إذا ارتبط بالالتزام الأخلاقي، والالتزام الأخلاقي لا يتحقق إلا إذا أفضى العقل إلى الفعل المسؤول.

ضمن هذا الإطار يصبح نقد العقل المجرد إعادة لصياغة مفهوم العقل نفسه. فهو يرفض الفصل الصارم بين النظرية والتطبيق، بين المعرفة والعمل، بين الفكر والضمير ويؤكد على وحدة الإنسان في تكامله بين الإدراك والالتزام، بين الفكر والفعل وبين الوعي بالقيم والعيش وفقها. إن العقل عند عبد الرحمن يصبح بذلك منظومة متكاملة تحركها القيم والغايات وليس مجرد آلات تفكير باردة.

هذا المشروع يتقاطع مع رؤى فلسفية أخرى حتى في الفكر الغربي المعاصر، إذ نجد هانز جورج غادامر يشدد على أن الفهم الإنساني لا يكتفي بالتحليل النظري بل يحتاج إلى الأفق التاريخي والقيمي الذي يضبط سياق المعرفة. كذلك يظهر تشارلز تايلور في نقده للعقلانية المجردة مشيرا إلى أن الإنسان ليس مجرد كائن يحلل الواقع بل كائن يعي معاني الفعل ويعيش في إطار القيم وأن أي فصل بين العقل والفعل يؤدي إلى تشويه التجربة الإنسانية.

في العمق يقدم عبد الرحمن نموذجا للعقل يقوم على التوازن بين التفكير النقدي والالتزام الأخلاقي، بين التأمل والتجربة، بين المعرفة والفعل وبين النظرية والضمير. العقل هنا لا يكتفي بتحليل الوقائع بل يشارك في صياغة القرار والتوجيه الأخلاقي للذات والمجتمع. هو عقل يرفض العزلة عن الحياة اليومية والالتزامات العملية ويؤكد أن المعرفة الحقيقية لا تتحقق إلا إذا تمت تجربتها وتحويلها إلى فعل مسؤول.

وقد ساهمت هذه الرؤية في إعادة الاعتبار للنقد الفلسفي الإسلامي المعاصر، إذ تؤكد على أن الفكر الإسلامي يمكن أن يكون حاضرا في العالم المعاصر دون أن يفقد جذوره. فعبد الرحمن يربط بين الفكر والفعل، بين المعرفة والالتزام وبين العقل والروح ويقدم تصورا للعقلية التي يمكنها أن تواجه تحديات الحداثة من خلال إعادة إدخال القيم والأخلاق في قلب التفكير.

هذا النهج يقود إلى فهم جديد للمعرفة حيث تصبح مسؤولية الإنسان تجاه ذاته وتجاه الآخرين والوجود معيارا لتقييم كل فعل فكري. المعرفة لم تعد مجرد هدف بل وسيلة للعيش وفق معنى وقيمة، والفعل الأخلاقي يصبح معيارا للحقيقة والمعرفة ما يجعل العقل في خدمة الإنسان وليس مجرد أداة للتحليل البارد.

في هذا الإطار يتجلّى مشروع عبد الرحمن أيضا كنقد للتجربة التعليمية والفكرية المعاصرة التي عززت النزعة إلى التجريد النظري وأبعدت الإنسان عن التجربة الأخلاقية والإيمانية. فهو يدعو إلى عقلية تعليمية وفكرية تربط بين النظرية والتطبيق، بين الفكر والضمير وبين المعرفة والالتزام. ومن هنا تأتي أهمية مشروعه في إعادة صياغة العقلية الإسلامية المعاصرة، بحيث يكون العقل حاضنا للقيم، مرشدا للفعل وموجها للالتزام الأخلاقي.

إن ما يميز هذا العقل الأخلاقي الإيماني هو مرونته في التعامل مع المعرفة إذ لا يقبل بأي فصل بين العلم والعمل ولا بأي فصل بين النظرية والتطبيق، ويعيد للضمير موقعه المركزي في الحياة الإنسانية. العقل هنا ليس مجرد أداة تفكير بل مصدرا للفعل والالتزام ومعيارا للتفريق بين الصواب والخطأ وبين المشروع وغير المشروع.

إن مشروع عبد الرحمن يمكن النظر إليه على أنه استجابة لإشكالية كبرى تواجه الفكر الإسلامي والعالمي، كيف يمكن للعقل أن يكون أداة للمعرفة وفي نفس الوقت مرشدا للفعل الأخلاقي، كيف يمكن للفكر أن يكون حرا وواعياً وفي الوقت نفسه مرتبطا بالمعنى والغاية؟ الإجابة التي يقدمها المشروع تقوم على بناء عقل متكامل، عقل يعيش ويتفاعل ويقترن بالمسؤولية والالتزام والقيم، عقل يرفض الانفصال عن الحياة الواقعية وعن المعنى وعن الغاية.

اعتمادا على هذا الإطار يبرز كذلك تأثير الفقه الإسلامي في مشروع عبد الرحمن، إذ يرى في العقل أداة لا تقتصر على التحليل بل تتجاوز ذلك إلى الفعل والتطبيق. الفقهاء الكلاسيكيون من مالك والشافعي إلى الغزالي وابن رشد، وضعوا العقل في خدمة التوجيه الأخلاقي وربطوه بالمعنى والغاية، وهذا ما يستعيده عبد الرحمن بأسلوب معاصر قادر على التفاعل مع التحديات الحديثة، مع عالم تتسارع فيه الأحداث وتكثر فيه التجارب ويصبح فيه الفعل الإنساني مسؤولية كبرى.

العقل الأخلاقي الإيماني الذي يطرحه عبد الرحمن يمثل مشروعا فكريا متكاملاً يعيد الاعتبار للضمير واللغة والقيم ويضع المعرفة في خدمة الفعل ويعيد للعقل دوره الطبيعي بوصفه مرشدا ومسؤولا وموجها. هذا المشروع ليس مجرد نقد للعقل المجرد بل هو بناء لعقلية جديدة قادرة على مواجهة تحديات العصر، قادرة على توجيه الإنسان نحو حياة متوازنة، حياة تتكامل فيها المعرفة والفعل، الفكر والضمير، النظرية والتطبيق والعلم والقيم.

يبقى العقل الأخلاقي الإيماني عند طه عبد الرحمن ليس مجرد نظرية بل ممارسة مستمرة، حركة تفاعلية بين الفكر والواقع وبين الإدراك والالتزام. إن هذا العقل يعيد للإنسان موقعه كفاعل مسؤول أمام ذاته وأمام المجتمع وأمام الخالق ويرسخ مقولة أن المعرفة بلا فعل تظل ناقصة وأن الفعل بلا معرفة يصبح عشوائيا والربط بينهما هو ما يحقق التكامل الإنساني. ومن هنا يمكن فهم مقولته الجوهرية، أن العقل حين ينفصل عن القيم يتحول إلى آلة باردة، أما حين يدمج مع الأخلاق فإنه يصبح مصدر قوة وتوجيه.

وقد شهدت التجربة الغربية منذ القرن السابع عشر على بروز النزعة نحو التجريد، مع ديكارت الذي جعل العقل قاعدة اليقين محاكيا للرياضيات والمنطق الصافي، فظهرت فكرة الكوجيتو: "أنا أفكر إذن أنا موجود"، وكأن التفكير وحده يكفي لتأسيس المعرفة. غير أن هذه الرؤية أسقطت البُعد الأخلاقي للمعرفة ونسيت أن الإنسان كائن ملتزم قبل أن يكون مفكرا وأن الوعي بالقيم لا يقل أهمية عن الوعي بالمعلومة. هنا يظهر عبد الرحمن كمدافع عن الإنسان الكامل، عن العقل الذي لا يقتصر على الإدراك بل يمتد إلى التفاعل مع الواقع ومسؤولية الفعل.

يتضح تأثير التراث الإسلامي في هذا المشروع، فالفقهاء والمفسرون والأدباء المسلمون عبر التاريخ لم يروا العقل مجرد أداة للتحليل بل وسيلة لفهم الواقع وربطه بالغايات العليا. يقول الغزالي في "إحياء علوم الدين" إن العقل لا قيمة له إذا لم يكن موجها للخير، وإن المعرفة لا تثمن إلا إذا صاغت السلوك الإنساني، وهذا المنظور يلتقي مع طه عبد الرحمن في رهان العقل الأخلاقي وفي ضرورة إعادة الاعتبار للضمير والالتزام في قلب العملية المعرفية.

ولا يقتصر المشروع على إعادة الاعتبار للفكر الكلاسيكي بل يمتد إلى نقد التجربة المعاصرة التي أضعفت دور القيم والأخلاق. فالفكر الغربي الحديث منذ هيوم وكانط وحتى التحليل النفسي والفلسفة الوضعية، ركز على العقل كأداة للتمييز بين الظواهر، متجاهلا العلاقة بين المعرفة والفعل وبين النظرية والمسؤولية. وفي هذا الإطار، يتشكل مشروع عبد الرحمن كتحريك للعقل في دائرة القيم وإعادة توجيهه ليكون فاعلا في الحياة وليس مجرد مراقب صامت.

إن العقل الأخلاقي الإيماني يتطلب من الإنسان وعيا متصلا بالقيم، وكحريص على أن تكون المعرفة وسيلة لتوجيه الفعل لا غاية في ذاتها. هنا تتجلى أهمية اللغة في المشروع، فهي ليست مجرد رموز للتواصل بل وعاء للفكر ومصدر لإدراك المعنى ومعيار لربط المعرفة بالقيم، فاللغة عند عبد الرحمن مرآة للفهم الأخلاقي وأداة لصياغة الالتزام الإنساني وفعل يضبط العلاقة بين الإنسان وعالمه.

ويستند المشروع أيضا إلى رؤية فلسفية رصينة تتقاطع مع فلاسفة مثل إيمانويل كانط الذي اعتبر الواجب أساس الفعل الأخلاقي ومع غادامر الذي شدد على الأفق التاريخي والثقافي في فهم الإنسان والمعرفة ومع تشارلز تايلور الذي رأى أن الإنسان كائن معنوي يعيش في إطار القيم. طه عبد الرحمن يستفيد من هذه القراءات لكنه يتجاوزها إذ لا يقف عند مجرد النظرية بل يجعل العقل موجها للفعل ملتزما بالقيم متفاعلا مع الواقع ومتصالحا مع التراث.

كما أن المشروع يتقاطع مع الفقه الإسلامي الذي جعل العقل أداة لفهم الشريعة وضابطا للمعرفة الأخلاقية والعملية. فابن رشد والشاطبي والغزالي أكدوا أن العقل لا يمكن أن يكون منفصلا عن الفعل وأن الفقه ليس مجرد قواعد بل منظومة متكاملة تربط بين المعرفة والالتزام وبين النظرية والتطبيق وبين الواجب والحق. هذا الفهم يتجلى بوضوح في رؤية عبد الرحمن للعقل الأخلاقي الذي يرى أن المعرفة الحقيقية تتحقق حين تكون مرتبطة بالغايات العليا، بالخير، بالعدل، بالمسؤولية.

ويستحضر مشروع عبد الرحمن أيضا تجربة الفلاسفة المسلمين في نقد النزعة التجريدية في الفكر اليوناني كما فعل الفارابي وابن سينا والغزالي الذين ربطوا بين العقل والفضيلة، بين المعرفة والسلوك وبين النظرية والالتزام الأخلاقي. العقل عندهم لا يقف عند حدود المعرفة النظرية بل يمتد ليشمل الفعل والممارسة، وهذا ما يستعيده عبد الرحمن في سياق معاصر يواجه تحديات الحداثة والعلوم والتقنية والفكر العالمي.

إن مشروعه بهذا المعنى ليس مجرد نقد للعقل المجرد بل هو بناء لعقلية متكاملة تعيد للإنسان مكانته وتضع المعرفة في خدمة الفعل والفكر في خدمة الالتزام والوعي في خدمة المسؤولية. العقل هنا يصبح أداة للفهم والتوجيه، للتمييز بين الحق والباطل، بين المشروع وغير المشروع وبين الصواب والخطأ، لكنه أيضا مرشد للفعل ومصدر للالتزام وأداة للحياة الإنسانية المتوازنة.

ويظل جوهر المشروع أن العقل لا يمكن أن يكون مجرد أداة تحليلية أو معرفة نظرية بل هو عقل متفاعل، حي، مرتبط بالقيم، ملتزم بالمعنى، موجّه للفعل. هذا العقل يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والوجود، بين المعرفة والحياة، بين الفكر والضمير، بين النظرية والتطبيق وبين العلم والفعل الأخلاقي.

بهذه المعطيات، يترسخ طه عبد الرحمن كصوت فريد في الفكر الإسلامي العالمي المعاصر يعيد ترتيب العقلية الإسلامية ويعيد للعقل موقعه الطبيعي في قلب الحياة الإنسانية، عقلا حيا يربط بين المعرفة والالتزام، بين الفكر والفعل، بين النظرية والمسؤولية وبين الإنسان والقيم، عقلا أخلاقيا إيمانيا قادرا على مواجهة تحديات الحداثة والانفتاح، وفي الوقت نفسه متمسكا بجذوره التراثية والثقافية والفلسفية.

إن العقل الأخلاقي الإيماني الذي يطرحه طه عبد الرحمن يتجاوز حدود النقد النظري ليصبح مشروع حياة وفكر يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمعرفة ويعيد للضمير موقعه الطبيعي كمرشد للفعل ومصدرا للتمييز بين الصواب والخطأ. هذا العقل لا يكتفي بالتحليل أو الفهم النظري بل يفرض على صاحبه ممارسة مستمرة للوعي بالقيم ومساءلة النفس وتوجيه السلوك في ضوء الالتزام الأخلاقي والإيماني. وهنا يلتقي مع تأملات الفلاسفة الكلاسيكيين الذين ربطوا بين المعرفة والفضيلة، فكما قال أفلاطون : الفضيلة جزء من معرفة النفس، ومعرفة الخير تقود إلى الفعل الصائب، ومع أرسطو : العقل العملي لا يكتمل إلا في إطار الفضيلة والتصرف المسؤول، ومع ابن رشد : العقل مرتبط بالغاية العليا للفعل الإنساني ويظل معيارا للتمييز بين الحق والباطل.

تتجلى قوة مشروع عبد الرحمن في قدرته على دمج هذه الفلسفة مع النقد المعاصر بحيث يواجه تحديات الحداثة والانفتاح الغربي دون الانفصال عن التراث. العقل عنده ليس غريبا عن الحياة اليومية ولا منعزلا عن التجربة الإنسانية بل هو عقل حي، قادر على فهم الواقع والتفاعل معه وإصدار الأحكام الأخلاقية التي تنظم علاقة الإنسان بالآخرين وتربطه بالقيم والمعنى. وهو بذلك يقدم رؤية للعقلية الإسلامية المعاصرة تكون قادرة على مواجهة الغموض الفكري والاختلال القيمي الذي يهدد الإنسان في مجتمعات اليوم.

ويستند المشروع أيضا إلى فهم عميق للغة والمعنى، فاللغة عند عبد الرحمن ليست مجرد أدوات للتواصل بل مرآة للفكر وقناة لإدراك المعنى وأداة لربط المعرفة بالقيم. الفكر بلا لغة يصبح غير قادر على التعبير عن المعنى واللغة بلا قيم تصبح مجرد رموز فارغة. وهنا يلتقي العقل الأخلاقي مع اللغة ليشكل وحدة متكاملة توجه الفكر والسلوك وتحافظ على ارتباط الإنسان بالمعنى والغاية وتجعل من المعرفة أداة للارتقاء بالذات وبالمجتمع.

وإذا عدنا إلى الفكر الغربي المعاصر، نجد أن طه عبد الرحمن لا يبتعد عن رؤى غادامر وتايلور لكنه يتجاوزها، إذ يجعل العقل أيضا مصدرا للالتزام الإيماني والمسؤولية الأخلاقية، بينما الفكر الغربي غالبا ما يظل مقصورا على التحليل والنقد. إن مشروعه يمثل جسرا بين التراث والفكر المعاصر، بين الفلسفة الإسلامية والفكر الغربي، بين النظرية والتطبيق، بين المعرفة والالتزام، بين العقل والفضيلة وبين الإنسان والقيم.

إن مشروع عبد الرحمن يشمل أيضا النقد الذاتي للفكر الإسلامي المعاصر الذي أضعف أحيانا العلاقة بين العقل والضمير، بين المعرفة والفعل وبين النظرية والالتزام. فهو يدعو إلى عقلية متكاملة تعيد للإنسان وعيه بالقيم وتجعل من المعرفة وسيلة للفعل المسؤول ومن الفكر مرشدا للوعي الأخلاقي ومن الالتزام معيارا للتقويم والمعرفة، بحيث يصبح العقل في خدمة الإنسان والحياة والغايات العليا وليس مجرد أداة تحليلية جامدة.

العقل الأخلاقي الإيماني عنده ليس مجرد نقد للعقل المجرد بل هو بناء متكامل للعقلية الإنسانية يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمعرفة والواقع ويؤكد على دور الضمير والقيم في توجيه الفكر والفعل. إنه عقل يجعل من الالتزام الإيماني والأخلاقي أساسا للفعل ومن المعرفة وسيلة للتوجيه ومن اللغة وعاءً للفهم والمعنى. هذا المشروع يفتح آفاقا جديدة أمام الفكر الإسلامي المعاصر ليكون قادرا على مواجهة تحديات العصر الحديث دون أن يفقد صلته بالقيم والغايات العليا ودون أن يحيد عن الالتزام الأخلاقي والإيماني الذي يشكل جوهر الإنسانية.

إن مشروع طه عبد الرحمن يقدم نموذجا للعقل الحي المتفاعل، عقلا يربط بين المعرفة والالتزام، بين الفكر والفعل، بين النظرية والمسؤولية وبين الإنسان والقيم. إنه مشروع يرفض الانفصال بين العقل والحياة، بين المعرفة والغايات وبين النظرية والتجربة ويؤكد على أن الإنسان لا يمكن أن يعيش حياة متوازنة دون أن يكون عقله ملتزما بالمعنى متفاعلا مع الواقع واعيا بالمسؤولية وموجها بالفضيلة.

وتكمن قيمة المشروع أيضا في أنه يجعل من العقلية الإسلامية المعاصرة قادرة على التعامل مع مستجدات الحداثة والانفتاح الثقافي دون أن تفقد هويتها أو تتخلى عن جذورها أو تهمل القيم والأخلاق. فالعقل الأخلاقي الإيماني عند عبد الرحمن هو عقل متجذر في التراث، لكنه في الوقت نفسه متفاعل مع العصر قادر على مواجهة التعقيدات الحديثة ومرشد للإنسانية نحو سلوك مسؤول ووعي بالقيم والمعنى.

ضمن هذا التحليل تتكشف أبعاد المشروع الجوهرية ويغدو نقد العقل المجرد ضرورة فلسفية وأخلاقية لأنه يكشف عن القصور في التفكير الذي يغفل الإنسان ككائن مسؤول وعن التجربة التي تغفل العلاقة بين المعرفة والفعل. ويصبح العقل الأخلاقي الإيماني بديلاً حيا يعيد ترتيب أولويات الفكر والمعرفة ويعيد للإنسان دوره كفاعل ملتزم قادر على الربط بين النظرية والتطبيق، بين الفهم والالتزام، بين الفكر والفعل وبين المعرفة والمسؤولية. إن ذلك يعكس وحدة العقل والالتزام ويترسخ كإطار شامل للفكر الإنساني  حيث تصبح المعرفة وسيلة للفعل والفعل مرآة للفكر واللغة وعاء للمعنى والضمير معيارا للتمييز والقيم محورا لكل إدراك. طه عبد الرحمن يقدم بذلك نموذجا للعقل الذي يعيش ويتفاعل ويقود الإنسان نحو الحياة الكاملة، الحياة المسؤولة، الحياة التي تجمع بين العلم والعمل، بين النظرية والتطبيق، بين المعرفة والالتزام، بين العقل والفضيلة وبين الإنسان والغايات العليا للوجود.

إن هذا المشروع يشكل مساهمة فكرية وأخلاقية رائدة في بناء عقلية متوازنة، عقلية تحمي الإنسان من الانغماس في التجريد النظري البارد وتعيد له وعيه بالقيم والمسؤولية وتجعله قادرا على مواجهة تحديات العصر بحكمة وبصيرة. العقل الأخلاقي الإيماني هنا ليس خيارا فلسفيا فقط بل ضرورة عملية وفكرية ووسيلة لإعادة الاعتبار للمعنى وللضمير وللعقل في صيغته الأكثر شمولا وأكثر قدرة على توجيه الحياة الإنسانية نحو الخير والعدل والفضيلة والمعنى.

ويبقى مشروع طه عبد الرحمن دعوة مستمرة للتفكير النقدي البناء، ولإعادة الاعتبار للعقل كمرشد للفعل ومعيارا للوعي الأخلاقي وأداة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والمعرفة والقيم. إنه عقل حي، متفاعل، ملتزم، قادر على مواجهة الواقع وفهم المعنى وتوجيه الفعل وإعادة بناء تجربة الإنسان في ضوء الواجب والقيم، عقل يربط بين النظرية والتطبيق، بين الفكر والفعل وبين المعرفة والمسؤولية، ليصبح نموذجا رائدا للعقل الأخلاقي الإيماني في الفكر الإسلامي المعاصر.

***

مقاربة إبستمولوجية في الأسس المعرفية والبنائية للنمو اللغوي

ملخص الدراسة: لم تعد اللغة في الدراسات المعاصرة مجرد أداة للتواصل أو نسق من العلامات اللفظية، بل غدت مدخلًا أساسياً لفهم تشكّل العقل الإنساني ذاته. وفي هذا السياق يبرز مشروع جان بياجي بوصفه تحولًا إبستمولوجيًا عميقًا أعاد صياغة سؤال الاكتساب اللغوي داخل إطار معرفي بنائي يرى أن اللغة ليست أصل التفكير، بل إحدى نتائجه المتقدمة. فالطفل، وفق التصور البياجي، لا يتلقى اللغة جاهزة من محيطه، وإنما يبنيها تدريجيًا عبر تفاعله النشط مع العالم، حيث تتشكل البنيات المعرفية من خلال سيرورة دينامية تجمع بين النضج البيولوجي والخبرة الاجتماعية.

تسعى هذه الدراسة إلى تحليل الاكتساب اللغوي من منظور النظرية المعرفية لبياجي، من خلال الكشف عن روافدها الإبستمولوجية الممتدة بين البيولوجيا الداروينية، وفلسفة الأنوار، والتصور الكانطي للمعرفة، وصولًا إلى تأسيس علم النفس التكويني باعتباره علمًا لدراسة نشأة الذكاء وتطوره. كما تتناول الدراسة المفاهيم المركزية التي يقوم عليها البناء المعرفي، مثل التكيف والتوازن والاستيعاب والتلاؤم، مبرزة دورها في انتقال الطفل من الفعل الحسي إلى التفكير الرمزي الذي تتبلور داخله اللغة.

وتخلص الدراسة إلى أن الاكتساب اللغوي يمثل عملية بنائية متدرجة تجعل الطفل ذاتًا معرفية فاعلة تسهم في إنتاج المعنى، لا مجرد كائن خاضع لآليات التقليد أو الاستجابة للمثيرات، وهو ما يمنح نظرية بياجي مكانتها باعتبارها إحدى أهم المقاربات التي وحدت بين البيولوجي والنفسي والفلسفي في تفسير نشأة اللغة والفكر الإنساني.

على سبيل الافتتاح

ظلّت اللغة، عبر تاريخ الفكر الإنساني، إحدى أكثر الظواهر استعصاء على التفسير، لأنها تقع عند تقاطع البيولوجي والنفسي والاجتماعي والثقافي في آن واحد. فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل بنية رمزية تكشف عن طبيعة العقل الإنساني وآليات تشكّل المعرفة داخله. ومن هنا ارتبط سؤال اكتساب اللغة بسؤال أعمق يتعلق بكيفية نشأة التفكير ذاته: هل يولد الإنسان مزودًا باللغة؟ أم أنها تُبنى تدريجيًا داخل تجربة النمو؟

لقد هيمنت لفترة طويلة تصورات اختزلت اللغة في التعلم بالمحاكاة أو في الاستجابة للمثيرات الخارجية، غير أن التحول الحقيقي في فهم هذه الإشكالية جاء مع المشروع المعرفي للعالم السويسري جان بياجي، الذي نقل دراسة اللغة من مجال اللسانيات الوصفية إلى حقل الإبستمولوجيا التكوينية، جاعلًا من نمو الذكاء المفتاح الأساسي لفهم نشأة اللغة.

ينطلق بياجي من فرضية مركزية مفادها أن الطفل ليس كائنًا سلبيًا يتلقى المعرفة، بل ذات فاعلة تبني بنياتها الذهنية عبر التفاعل المستمر مع العالم. وبهذا المعنى تصبح اللغة نتيجة لمسار بنائي طويل تتداخل فيه عوامل النضج البيولوجي والخبرة الاجتماعية والنشاط الذاتي للطفل. ومن هنا تتحدد أهمية النظرية البياجية باعتبارها محاولة لتوحيد البيولوجيا والفلسفة وعلم النفس داخل نموذج تفسيري واحد يشرح تشكّل المعرفة الإنسانية.

انطلاقًا من هذا الأفق النظري، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل الاكتساب اللغوي من منظور بياجي المعرفي، عبر الكشف عن جذوره الإبستمولوجية ومفاهيمه المؤسسة، وبيان الكيفية التي تنتقل بها العمليات الذهنية من الفعل الحسي إلى التعبير الرمزي الذي تتبلور داخله اللغة.

أولاً: الأسس الإبستمولوجية لنظرية بياجي في اللغة

الرافد البيولوجي: المعرفة بوصفها تكيفًا

تعود الجذور الأولى للفكر البياجي إلى تكوينه المبكر في علم البيولوجيا، حيث حصل على الدكتوراه في هذا المجال سنة 1918، وهو ما انعكس بوضوح على تصوره للمعرفة باعتبارها عملية تكيف مستمرة بين الكائن الحي وبيئته (يعقوب، 1982).

وقد تأثر بياجي بنظرية التطور عند تشارلز داروين التي تؤكد أن البقاء يرتبط بقدرة الكائن على التكيف مع محيطه. غير أن بياجي نقل هذا المبدأ من المجال العضوي إلى المجال المعرفي، فاعتبر أن الطفل يبني بنياته الذهنية عبر تفاعل نشط مع البيئة، وأن ما يميز الإنسان ليس اللغة في ذاتها، بل القدرة المعرفية العليا التي تجعل اللغة ممكنة (ناصف، 1988).

وبذلك تصبح المعرفة  ومن ضمنها اللغة، نتيجة سيرورة بنائية تتشكل عبر النشاط والتجربة، لا معطى جاهزًا سابقًا على الخبرة.

الرافد الفلسفي: من فلسفة الأنوار إلى البنائية المعرفية

لا يمكن فهم مشروع بياجي دون إدراجه داخل سياقه الفلسفي. فقد استلهم من جان جاك روسو فكرة مركزية الطفولة باعتبارها مرحلة تأسيسية في تشكل الإنسان، كما عرضها في كتاب إميل، حيث جعل التربية متصلة بطبيعة نمو الطفل وتفاعله الاجتماعي (هوردي، 2009).

كما تأثر بالنزعة الوضعية عند أوغست كونت، لكنه خالفها جذريا، فبينما اعتبر كونت الرياضيات أساس العلوم، رأى بياجي أن علم النفس التكويني هو القاعدة التي تفسر نشأة التفكير المنطقي والرياضي ذاته.

أما التأثير الأكثر عمقا فكان لفلسفة إيمانويل كانط، الذي رفض فكرة العقل بوصفه صفحة بيضاء. وقد تبنّى بياجي هذا الموقف جزئيًا، مؤكدا أن المعرفة لا تنشأ من الحس وحده ولا من الفطرة وحدها، بل من تفاعل بنائي بين البنيات الذهنية والخبرة الحسية (الرافعي، 2011).

ومن هنا تبلورت البنائية باعتبارها تصورًا يرى أن الطفل يبني معرفته بنفسه عبر الفعل والاستكشاف.

الرافد النفسي: تأسيس علم النفس التكويني

يُعد بياجي مؤسس علم النفس التكويني الذي يهتم بدراسة تطور الذكاء عبر مراحل النمو. وقد تأثر بأعمال ألفرد بينيه وإدوار كلاباريد خلال عمله في معهد روسو بجنيف، حيث ركز على دراسة كيفية تفكير الأطفال بدل قياس نتائج تعلمهم فقط (يعقوب، 1982).

وقد انتقد الاتجاه السلوكي الذي اختزل التعلم في علاقة المثير والاستجابة، معتبرا أن الطفل كائن نشط يشارك في بناء معرفته، وليس مادة سلبية تتشكل بفعل البيئة.

ومن خلال أبحاثه، توصل إلى أن النمو المعرفي يمر بمراحل متدرجة تبدأ بالمرحلة الحسية الحركية وتنتهي بالتفكير المجرد، وأن اللغة تظهر كنتيجة لهذا التطور وليس كشرط سابق عليه.

ثانياً: المفاهيم الأساسية في نظرية بياجي المعرفية

التكيف (Adaptation)

يمثل التكيف المبدأ المركزي في النظرية البياجية، ويشير إلى سعي الكائن لتحقيق توازن بينه وبين محيطه. وعلى المستوى المعرفي، يعني قدرة الطفل على تعديل بنياته الذهنية لفهم الواقع والتعامل معه بفعالية (Piaget, 1970).

التوازن (Equilibration)

التوازن هو الآلية التنظيمية التي تحكم النمو العقلي. فكل اضطراب معرفي يدفع الطفل إلى البحث عن حلول جديدة تعيد الانسجام بين خبراته وبنياته الذهنية، وهو ما يجعل التعلم عملية دينامية مستمرة.

الاستيعاب (Assimilation)

يقصد به إدماج المعطيات الجديدة داخل البنيات المعرفية القائمة. فالطفل يفسر العالم انطلاقًا من خبراته السابقة، حيث يُخضع الأشياء لأنماط الفعل التي يمتلكها مسبقًا.

التلاؤم (Accommodation)

يمثل الوجه المكمل للاستيعاب، إذ يقوم الطفل بتعديل بنياته الذهنية عندما يعجز عن تفسير موقف جديد اعتمادًا على خبراته السابقة، مما يؤدي إلى بناء معرفة أكثر تعقيدًا.

ثالثاً: الاكتساب اللغوي بوصفه نتاجًا للنمو المعرفي

انطلاقًا من المفاهيم السابقة، يرى بياجي أن اللغة ليست نقطة بداية التفكير، بل نتيجة لتطور الذكاء. فالطفل يكتسب اللغة عندما يبلغ مستوى من التنظيم الرمزي يسمح له بتمثيل الواقع ذهنيًا.

وتبعًا لذلك، فإن اكتساب اللغة يحدث داخل شبكة من التفاعلات تشمل:

النشاط الحسي الحركي،

اللعب والاستكشاف،

التفاعل الاجتماعي،

نمو الوظائف الرمزية.

فاللغة، وفق هذا التصور، تعبير عن بنية معرفية بلغت درجة من التوازن تسمح بتحويل الفعل إلى رمز، والخبرة إلى معنى.

خاتمة

تكشف نظرية جان بياجي أن الاكتساب اللغوي لا يمكن فهمه خارج سياق النمو المعرفي العام للطفل. فاللغة ليست قدرة مستقلة أو فطرية خالصة، بل مظهر من مظاهر الذكاء الذي يتشكل عبر التفاعل المستمر بين البنيات البيولوجية والخبرة الاجتماعية.

وقد مكّن هذا التصور البياجي من تجاوز الثنائية التقليدية بين الفطرة والتجربة، مقدّمًا نموذجًا بنائيًا يرى المعرفة ومن ضمنها اللغة نتاجًا لسيرورة تكوينية دينامية تجعل الطفل فاعلًا أساسيًا في بناء عالمه المعرفي.

فالطفل وفق هذا التصور، ذات معرفية تبني عالمها الرمزي عبر التفاعل المستمر مع البيئة. وبذلك استطاع بياجي أن يؤسس رؤية تكاملية جمعت بين البيولوجيا والفلسفة وعلم النفس، مقدّمًا نموذجًا تفسيرياً ما يزال يشكل مرجعًا أساسياً في فهم العلاقة بين اللغة ونمو العقل الإنساني.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

الرأسمالية المعاصرة وإنتاج السيكوبوليتيكس

تاريخياً، شهد التحول من مكتسبات الديمقراطية الاجتماعية في منتصف القرن العشرين إلى الهيمنة المعاصرة تغيراً جذرياً في علاقة الفرد بالمجتمع. لقد عملت النيوليبرالية على تفكيك المؤسسات الجماعية، وإضعاف المنافع العامة، واستبدال التضامن المجتمعي بروح فردية متغلغلة لا ترى البشر كأعضاء في مجتمع متكامل، بل كفاعلين متنافسين يسعون وراء مصلحتهم الخاصة وإنجازاتهم الفردية المعزولة. إن هذا التوجه الرأسمالي المعاصر لا يقتصر على الاقتصاد، بل يتعداه ليتغلغل في الفضاءات الاجتماعية والسياسية، مما يؤدي إلى تقويض التضامن عبر تقديم الرغبات الشخصية على الاحتياجات المجتمعية، وتعزيز الشكوكية تجاه الفعل الجماعي، وتآكل صناعة القرار الديمقراطي.

إن الرأسمالية المعاصرة تبدي تفضيلاً واضحاً لما يمكن تسميته "الوعي الفردي المنعزل"، حيث تشجع الأفراد على أن يكونوا "مستنيرين" بمفردهم، ويمارسون اليوغا، ويشترون منتجات صديقة للبيئة، ويكتبون آراءً حرة على منصاتها الرقمية. والسبب الهيكلي وراء هذا التشجيع يكمن في أن الوعي الفردي بدون فعل جماعي منظم يعمل بمثابة "استهلاك للثورة" وليس ثورة فعالة قادرة على التغيير. ومن خلال تحويل الغضب السياسي والمظالم الهيكلية إلى خيارات أسلوب حياة شخصية، ينجح النظام الرأسمالي في منع هذه المظالم من تهديد مراكز القوة الفعلية. وتؤدي هذه الخصخصة للتمرد إلى تحييد الإمكانات الراديكالية للحركات الاجتماعية، واختزالها في مجرد تفضيلات جمالية واستهلاكية تخدم تراكم رأس المال بدلاً من تقويضه.

 البنية الأيديولوجية للذاتية النيوليبرالية

تعود أصول النزعة الفردية الحديثة إلى حركة الانتقال من الإقطاع نحو الرأسمالية في أوروبا، وهي الحركة التي وفرت الخلفية الأوسع لهذه التغيرات. وبينما جادل الفكر الليبرالي الكلاسيكي، كما لدى آدم سميث، بأن المجتمع التجاري هو مجرد مجموع القرارات الفردية، فإنه ظل محتفظاً بوعي معقد يرى أن الفرد يحتاج إلى أشكال من الحكومة لتحقيق الصالح العام، مثل الأمن. ولكن مع صعود الاقتصاد الكلاسيكي الجديد والمراجعات النيوليبرالية اللاحقة، جرى الترويج للفرد المجرد كمعيار مطلق، وكنقطة انطلاق أنطولوجية للتحليل.

أصبح يُنظر إلى الفرد في هذا النموذج ككائن مدفوع بأذواقه وتفضيلاته الخاصة، ويتصرف كصانع قرار عقلاني في ظل ظروف ندرة الموارد. وهذا التكريس للوعي الفردي يعبر عن الروح الأيديولوجية الجديدة للرأسمالية التي تمتلك قدرة تشبه الإسفنج في امتصاص الأفكار الجديدة لتجديد شرعيتها، مع الاستناد في الوقت نفسه إلى الأعراف والسلوكيات القديمة. ويتجلى هذا الهجوم النيوليبرالي على "الاجتماعي" في تقويض فكرة المساواة، والانتماء المجتمعي، والالتزام الاجتماعي المتبادل.

يؤدي هذا النموذج إلى تفتيت المجتمع وتحويله إلى جموع من الأفراد الباحثين عن مصالحهم الذاتية والمنخرطين فقط في معاملات سوقية أو شبيهة بالسوق، وهو ما يجسد مفهوم "الإنسان الاقتصادي". إن هذه الفردية هي في جوهرها عملية "تسليع للاجتماعي"، حيث يرفض النظام الاعتراف بأي أشكال من العلاقات أو التفاعلات البشرية التي تقع خارج نطاق التبادل المادي. إن الارتباط بين الفردية المفرطة وتراجع دور المؤسسات العامة يوفر الأساس المنطقي لتفكيك الخدمات العامة، وتأمين الإسكان، وأنظمة الرعاية الاجتماعية، وهو ما يعزز حالة العزلة الذاتية لدى الفرد.

علاوة على ذلك، فإن الرأسمالية المعاصرة، من خلال تمديد هذا المنطق الاقتصادي الفردي المفرط إلى كافة مجالات الحياة، تقوض التفاعل البشري المتبادل الذي يحتاجه الأفراد لتطوير استقلاليتهم الكاملة وتحقيق ذواتهم. ووفقاً لأطروحات الفيلسوف أكسيل هونيث حول مفهوم الاعتراف، فإن إمكانية التحول إلى فرد مستقل تعتمد كلياً على القدرة على تطوير علاقة قوية بالذات، وهي علاقة لا يمكن اكتسابها أو الحفاظ عليها إلا من خلال التفاعل البيني والعلاقات القائمة على الاعتراف المتبادل. وعندما يعجز الفرد عن تلقي هذا الاعتراف الكافي بسبب اختزال العلاقات في أطر مادية نفعية، فإنه يعاني من تطور نفسي سلبي ومن أشكال متعددة من المعاناة النفسية. لقد تم استبدال المساهمة في المنفعة الجماعية بالمسؤولية الفردية عن الاستثمار الذاتي، مما جعل وجود الفرد مرهوناً بمدى قدرته على تسويق نفسه كسلعة ناجحة.

الانتقال من السياسة الحيوية إلى السياسة النفسية

تطلبت تطورات القوة الرأسمالية تحولاً جوهرياً في الأساليب المستخدمة لحكم السكان والسيطرة عليهم. فبينما ركز ميشيل فوكو على دراسة المجتمعات الانضباطية التي تمثلت في المصانع والمدارس والمستشفيات، حيث كانت السلطة تعمل من خلال الإكراه والمنع والأوامر المحددة بحدود صارمة، يشير الفيلسوف بيونغ تشول هان إلى أن السلطة في العصر النيوليبرالي قد هاجرت من الجسد إلى النفس؛ وهو ما أطلق عليه اسم "السياسة النفسية" أو السيكوبوليتيكس.

في المجتمعات الانضباطية القديمة، كانت السلطة تمارس ضغطاً خارجياً بصيغة "يجب عليك"، وهي أوامر ذات حدود واضحة. لكن النيوليبرالية استبدلت هذه الحدود بعبارة "أنت تستطيع"، وهي صيغة لا سقف لها من الحث والتحفيز. ونتيجة لذلك، لم تعد أمراض مثل الاكتئاب والاحتراق النفسي مجرد إخفاقات في الإرادة الشخصية، بل أصبحت أعراضاً مرضية تشير إلى أن الإمكانات اللامحدودة قد انقلبت إلى إكراهات لا نهائية. يعتقد الفرد النيوليبرالي أنه تخلص من الخضوع وأصبح حراً في إعادة اختراع نفسه باستمرار كمشروع مستقل، إلا أن هذا التحرر الظاهري يمثل في الواقع شكلاً آخر من أشكال القيود الأكثر عمقاً، حيث يتخذ الإكراه والسيطرة شكل الأداء، والتحقيق الذاتي، والتحسين المستمر، والاستغلال الذاتي.

إن هذه الآلية تعمل بكفاءة بالغة على تحييد المقاومة الجماعية. فالصيغة الماركسية الكلاسيكية كانت تتطلب وجود خصم مرئي واضح، متمثلاً في الطبقة المستغِلة التي تثور ضدها الطبقة العاملة. أما في ظل السياسة النفسية المعاصرة، عندما يصبح كل فرد هو المستغِل والمستغَل في آن واحد، فإن الفرد يوجه عدوانه وسخطه نحو الداخل ضد نفسه بدلاً من توجيهه نحو الخارج ضد النظام. وبناءً على ذلك، يصبح تشكيل أي "نحن" سياسية قادرة على الانتفاض والقيام بعمل جماعي أمراً مستحيلاً من الناحية الهيكلية. وتتحول الحرية النيوليبرالية إلى حرية العزلة، وتنتفي أي إمكانية لنشوء صداقة حقيقية خالية من الأهداف النفعية بين أفراد يتصرفون كأصحاب مشاريع فردية متنافسة.

استيعاب النقد وتحويل التمرد إلى سلعة

تستمد الرأسمالية المعاصرة قدرتها الهائلة على البقاء من قابليتها المدهشة لامتصاص الحركات النقدية التي تظهر ضدها وتجييرها لصالحها. وفي دراستهما لروح الرأسمالية الجديدة، أشار لوك بولتانسكي وإيف شيابيلو إلى أن الرأسمالية تخلت منذ منتصف السبعينيات عن الهيكل الهرمي الصارم، وطورت بدلاً من ذلك شكلاً تنظيمياً شبكياً يعتمد على مبادرة الموظف والاستقلالية النسبية في العمل.

وقد انتصرت هذه الروح الرأسمالية الجديدة بفضل عملية استيعاب ذكية لما يسمى "النقد الفني" الذي اندلع بعد أحداث مايو 1968 في فرنسا، والذي هاجم اغتراب الحياة اليومية والبيروقراطية وطالب بالأصالة والتحرر. ومن خلال دمج هذه المطالب في صلب الإدارة الشبكية، منحت الشركات الرأسمالية الموظفين حرية ظاهرية، ولكنها كانت على حساب الأمن المادي والنفسي. وفي الوقت نفسه، جرى تهميش "النقد الاجتماعي" الذي كان يركز على الفقر وعدم المساواة والاستغلال، حيث ظل متمسكاً بالصيغ القديمة للإنتاج الهرمي.

تسليع الممارسات الروحية والجسدية

لقد تم تبني مفهوم "اليقظة الذهنية" بحماس من قبل الشركات الكبرى كأداة للضبط الاجتماعي والتهدئة الذاتية. فبدلاً من أن تكون وسيلة لإحداث تغيير ثوري، تحولت إلى شكل من الروحانية الرأسمالية التي تتجنب بوعي أي تحول سياسي، مما يساهم في تعزيز الوضع الراهن. يروج مدربو هذه الصناعة لسردية قائلة بأن التوتر هو أمر يُفرضه الفرد على ذاته، وأن التأمل هو العلاج الشافي لكل الأزمات الهيكلية.

إن نزع الطابع الأخلاقي والتحرري عن هذه الممارسات جعلها تخدم كأداة لمساعدة الأفراد على التكيف والانسجام مع الظروف القمعية التي أنتجت مشاكلهم في المقام الأول. لقد تم تحويل الضغوط النفسية والاجتماعية الناتجة عن اللامساواة وسعي الشركات وراء الربح إلى أمراض شخصية وخصخصة للأزمات، حيث يتم تحميل الأفراد وحدهم عبء إدارة توترهم. وعندما يركز ممارسو اليقظة الذهنية على الحاضر فقط، فإنهم يقدمون خدمة لاستقرار النظام، متجاهلين الكيفية التي يتم بها التلاعب بالانتباه وتسليعه من قبل شركات التكنولوجيا.

وينسحب هذا التحليل بصورة أعمق على ممارسة اليوغا في الغرب المعاصر؛ إذ مكنت الرأسمالية اليوغا من التغلغل في كافة مناحي الحياة لأنها تسهم في تقليص النزعة النقدية تجاه النظام، وتربط الإنسان بالعالم القائم عبر خلق واقع افتراضي داخل العقل يحجب رؤية الواقع المادي الحقيقي. ومن خلال ممارسة التأمل واليوغا بشكلها السائد، يتم تغييب وعي الإنسان بالظروف الاجتماعية الملموسة مثل الاستغلال الطبقي الصارخ. إن تحويل هذه الممارسة إلى مجرد تمارين للياقة البدنية يعكس بوضوح امتياز الطبقات المترفة التي يمكنها عزل نفسها عن آلام الآخرين. وعلى النقيض من ذلك، فإن تاريخ هذه الممارسات يزخر بالاستخدام السياسي والتحرري، كما فعل غاندي ومارتن لوثر كينغ اللذان استندا إلى هذه المفاهيم كأساس للمقاومة السلمية المنظمة ضد الاستعمار والفصل العنصري، وليس كأداة للهروب من الواقع.

أثر الخوارزميات في تفتيت الهوية الجماعية

لقد أحدث ظهور وسائل التواصل الاجتماعي في العقدين الماضيين ثورة في الطريقة التي يعبر بها الأفراد عن تطلعاتهم السياسية، اتاحت فرصاً للتعبئة السريعة. ومع ذلك، فإن الهوية الجماعية التي تتشكل عبر هذه الوسائط الرقمية تميل إلى أن تكون سائلة وعرضة للتفتيت، لكونها تقع تحت رحمة الخوارزميات التجارية للمنصات الرأسمالية.

إن بنية هذه المنصات ليست محايدة؛ فهي مدعومة بأنظمة خوارزمية معقدة مصممة لزيادة معدلات التفاعل والبقاء على المنصة، مما يؤدي إلى حبس الأفراد داخل ما يسمى "غرف الصدى" أو "فقاعات الترشيح". تتسبب هذه البيئة في تفتيت السرديات والأهداف المشتركة لأي حركة اجتماعية، حيث يميل المحتوى الأكثر إثارة والمدفوع بالعواطف اللحظية إلى الانتشار على حساب التحليل العميق. ونتيجة لغياب الهياكل القيادية الواضحة في المساحات الافتراضية، فإن الروابط التضامنية تكون ضعيفة وقابلة للزوال بسرعة، مما يحرم الحركات من الاستمرارية والمقاومة التي تميز التنظيمات على أرض الواقع.

 استنتاجات

يكشف التحليل المتكامل لواقع الرأسمالية المعاصرة عن وجود استراتيجية بالغة الدهاء تعمل على تحييد أي إمكانية للتمرد الفعلي عبر عزل الأفراد واختزال الغضب السياسي في مسارات شخصية مفرغة من المعنى التغييري. إن تشجيع الأفراد على الممارسات الروحية المستقلة، والتعبير عن الآراء الحرة غير الملزمة على المنصات الرقمية، يهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على استقرار النظام الرأسمالي وحمايته من الفعل الجماعي المنظم.

إن التحرر الحقيقي لا يمكن أن يولد من مجرد تراكم الخيارات الاستهلاكية الفردية. وكما يثبت التاريخ، فإن تجاوز الأزمة المعاصرة يتطلب الانتقال الواعي من الوعي الفردي المستهلك للثورة إلى الفعل الجماعي المنظم الذي يبني المؤسسات الموازية، ويوحد الإرادة السياسية، ويواجه القوى المهيمنة على أرض الواقع المادي، لاستعادة السيادة الحقيقية للإنسان على مصيره ومجتمعه.

***

غالب المسعودي

..........................

مراجع

- بولتانسكي، لوك وشيابيلو، إيف (2005). روح الرأسمالية الجديدة.

 - سميث، آدم (1776). ثروة الأمم.

- فوكو، ميشيل. المجتمع الانضباطي والسياسة الحيوية.

- هان، بيونغ تشول (2017). السياسة النفسية: النيوليبرالية وتقنيات السلطة الجديدة.

- هونيث، أكسيل (1995). الصراع من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقية للصراعات الاجتماعية.

قراءة في تشكّل المفهوم ونقده في الفكر العربي الحديث

مقدمة: يشكّل الفكر العربي الحديث فضاءً إشكاليًا معقدًا تداخلت فيه رهانات التاريخ والسياسة والثقافة، الأمر الذي جعل سؤال النهضة والتحديث يحتل موقعًا مركزيًا داخل الإنتاج الفكري المعاصر. وفي هذا السياق يبرز اسم المفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي باعتباره أحد أبرز المفكرين الذين سعوا إلى تشخيص إشكالية الوعي العربي من خلال تحليل البنيات الفكرية التي تحكم إدراك الواقع والتاريخ.

لقد أسّس العروي مشروعه الفكري على مساءلة المفاهيم المؤسسة للحداثة، وفي مقدمتها مفهوم الأيديولوجيا، الذي اعتبره مفتاحًا لفهم تعثر التحول التاريخي في المجتمعات العربية. فكتابه الأيديولوجيا العربية المعاصرة لم يكن مجرد دراسة فكرية، بل محاولة نقدية لإعادة بناء الوعي التاريخي العربي على أسس عقلانية حديثة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن تحليل العروي للأيديولوجيا لا يقتصر على بعدها النظري، بل يمثل مشروعًا إصلاحيًا شاملاً يروم إعادة صياغة علاقة الفكر العربي بالتاريخ والحداثة. ولذلك يسعى هذا البحث إلى تتبع تشكّل مفهوم الأيديولوجيا في الفكر الغربي والعربي كما قرأه العروي، ثم الوقوف عند الأسس الفكرية لمشروعه النقدي.

المبحث الأول: الأيديولوجيا بين الفكر الغربي والفكر العربي في قراءة عبد الله العروي

الإطار التاريخي لنشأة مفهوم الأيديولوجيا

ظهر مصطلح الأيديولوجيا في أواخر القرن الثامن عشر، وتحديدًا سنة 1796 على يد المفكر الفرنسي ديستوت دو تراسي، الذي حاول تأسيس ما سماه «علم الأفكار»، باعتباره دراسة علمية لكيفية تشكّل الأفكار الإنسانية انطلاقًا من التجربة الحسية. وقد تأثر هذا التصور بالفلسفة التجريبية الإنجليزية، خاصة أفكار جون لوك وكوندياك، حيث اعتُبر الفكر نتيجة مباشرة للإحساس وليس معطى فطريًا سابقًا للتجربة.

غير أن المفهوم لم يحظ بقبول سياسي واسع، إذ هاجمه نابليون بونابرت واعتبره خطابًا تجريديًا منفصلًا عن الواقع السياسي، واستعمل مصطلح «الأيديولوجيين» بصيغة قدحية لوصف خصومه الفكريين. ومنذ تلك اللحظة بدأ المفهوم يكتسب دلالات سلبية ارتبطت بالوهم والتجريد والانفصال عن الواقع. وهكذا انتقل مفهوم الأيديولوجيا من كونه مشروعًا معرفيًا لدراسة الأفكار إلى أداة نقدية لتحليل السلطة والمجتمع.

الأيديولوجيا في الفكر الغربي

مثّلت الماركسية لحظة حاسمة في تطور المفهوم، إذ اعتبر كارل ماركس أن الأيديولوجيا ليست معرفة محايدة، بل وعيًا زائفًا تنتجه الطبقة المهيمنة لتبرير مصالحها الاقتصادية، بحيث تصبح الأفكار انعكاسًا للبنية المادية وعلاقات الإنتاج.

أما فريدريش نيتشه فقد رأى أن الأنظمة الفكرية والأخلاقية تعبير عن إرادة القوة، وأن الأيديولوجيات تُنتج بوصفها استجابات نفسية للصراع الإنساني. في حين ربط سيغموند فرويد الأيديولوجيا بالبنية اللاواعية، معتبراً أن المعتقدات الجماعية تمثل إسقاطات رمزية لرغبات مكبوتة.

وقد قدّم كارل مانهايم تصورًا سوسيولوجيًا للأيديولوجيا باعتبارها نتاجًا للموقع الاجتماعي للفكر، مميزًا بين الأيديولوجيا المحافظة والطوباوية التغييرية. واستلهم العروي من هيغل فكرة «روح العصر»، حيث ترتبط الأفكار بسياقها التاريخي ولا يمكن فهمها خارج شروط نشأتها.

الأيديولوجيا في الفكر العربي

في قراءته لاستعمال المفهوم عربيًا، توقف العروي عند أطروحات نديم البيطار الذي دعا إلى تبني أيديولوجيا ثورية تقود التحول التاريخي. غير أن العروي اعتبر هذا الطرح تلفيقيًا لخلطه بين الفلسفة والعلم والدين دون ضبط منهجي، ليخلص إلى أن الأزمة العربية لا تكمن في غياب الأيديولوجيا، بل في سوء فهمها واستعمالها خارج شروطها التاريخية.

المبحث الثاني: الأيديولوجيا عند عبد الله العروي.. تشكّل المشروع الفكري وأفق الإصلاح التاريخي

المسار الفكري والسيرة العلمية

وُلد عبد الله العروي سنة 1933 بمدينة أزمور في سياق تصاعد الوعي الوطني المغربي. وقد أتاح له تكوينه المزدوج بين التعليم المحلي والدراسة في فرنسا الاحتكاك المباشر بالفكر الأوروبي الحديث، مما جعله يدرك مبكرًا الفجوة التاريخية بين العالم العربي والغرب.

وقد أسهمت تجربته الأكاديمية وانخراطه السياسي المبكر في تشكيل رؤية نقدية تجمع بين التحليل التاريخي والفلسفي، قبل أن يتجه إلى بناء مشروع فكري مستقل يعالج سؤال النهضة العربية من منظور تاريخاني.

تطور المشروع الفكري

شكّل كتاب الأيديولوجيا العربية المعاصرة (1967) نقطة الانطلاق لمشروع العروي، حيث اعتبر أن أزمة العالم العربي هي أساسًا أزمة وعي تاريخي. وتتابعت أعماله لاحقًا ضمن مشروع مفاهيمي متكامل يعيد بناء مفاهيم الدولة والحرية والتاريخ والعقل داخل الفكر العربي الحديث.

ولعل من أهم  وأبرز مؤلفاته التي شكّلت مشروعًا فكريًا متكاملاً ما يلي:

العرب والفكر التاريخي (1973)

أزمة المثقفين العرب (1974)

مفهوم الأيديولوجيا (1980)

مفهوم الدولة (1981)

مفهوم الحرية (1981)

ثقافتنا في ضوء التاريخ (1983)

مفهوم التاريخ (1992)

مفهوم العقل (1996)

حيث أن هذه الكتب لا تمثل أعمالًا منفصلة، بل حلقات مترابطة ضمن مشروع واحد يسعى إلى إعادة بناء المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها الفكر العربي الحديث.

مفهوم الأدلوجة

اقترح العروي تعريب مصطلح Ideology بصيغة «الأدلوجة»، مؤكدًا أن المفهوم يمثل طريقة في رؤية الواقع وتأويله لا مجرد منظومة أفكار. فالأدلوجة تنتقي عناصر الواقع وتعيد تنظيمها داخل نسق اعتقادي يمنح الفعل السياسي والاجتماعي معنى واتجاهًا.

المشروع الإصلاحي وسؤال الحداثة

ينطلق مشروع العروي من سؤال مركزي: لماذا تأخر العالم العربي بينما تقدم الغرب؟ ويرى أن تجاوز هذا الوضع يمر عبر تبني الوعي التاريخي وفهم الحداثة باعتبارها مسارًا تاريخيًا لا نموذجًا جاهزًا للاستيراد، داعيًا إلى قطيعة معرفية مع أنماط التفكير التقليدية واستيعاب منطق التاريخ الحديث.

المبحث الثالث: نقد عبد الله العروي للأيديولوجيا العربية.. محمد عبده نموذجًا

يُعد محمد عبده أحد أبرز رواد الإصلاح الديني، إذ سعى إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة عبر إعادة فتح باب الاجتهاد وإصلاح التعليم الديني. غير أن العروي رأى أن هذا المشروع ظل محكومًا بمنطق توفيقي أخلاقي أكثر منه تحليلًا تاريخيًا عميقًا.

فبينما فسّر عبده تخلف المسلمين بالابتعاد عن جوهر الدين، اعتبر العروي أن المشكلة تكمن في غياب الوعي التاريخي الذي أنتج الحداثة الأوروبية عبر تحولات اجتماعية واقتصادية طويلة.

ومن هنا انتقد العروي ما سماه «وهم الأصالة»، حيث حاول الفكر الإصلاحي تحقيق الحداثة انطلاقًا من الماضي بدل الانخراط في شروط التاريخ الحديث، داعيًا إلى تجاوز الثنائية الحضارية بين الشرق والغرب والانخراط في التاريخ الإنساني المشترك.

ويميز العروي بين «العقل المطلق» المرتبط بالجدل النظري، و«عقل العقل» المرتبط بالمنهج العلمي المنتج للمعرفة، مؤكداً أن النهضة الحقيقية تقتضي الانتقال من ترديد المفاهيم إلى ممارسة تاريخية فعلية.

خاتمة

يكشف تحليل عبد الله العروي لمفهوم الأيديولوجيا عن مشروع فكري يتجاوز حدود النقد النظري ليطرح سؤال الوعي التاريخي باعتباره شرطًا أساسياً لفهم مسار الحداثة. فالأزمة التي يشخصها لا ترتبط بنقص القيم أو غياب الإرادة الإصلاحية، بل بعدم استيعاب منطق التاريخ الحديث. ومن هنا يتحول نقد الأيديولوجيا عند العروي إلى دعوة لإعادة بناء الفكر العربي على أساس عقلانية تاريخية قادرة على تجاوز ثنائية الأصالة والحداثة والانخراط في أفق إنساني كوني.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

.............................

المصادر والمراجع

العروي، عبد الله. (1993). مفهوم الأيديولوجيا. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

العروي، عبد الله. (1995). الأيديولوجيا العربية المعاصرة. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

العروي، عبد الله. (1996). مفهوم التاريخ. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

Mannheim, K. (1936). Ideology and Utopia. London: Routledge.

Marx, K., & Engels, F. (1970). The German Ideology. New York: International Publishers.

في حركية العقل الإغريقي، حيث انبثقت الفلسفة من رحم الأسطورة كولادة أولى للعقل الإنساني، تقف القضية الأولى كسؤال وجودي مطلق: ما الوجود؟ ليس هذا السؤال مجرد فضول معرفي، بل هو اللحظة التأسيسية التي حوّلت النظر إلى الطبيعة من تسبيح أسطوري إلى تأمل أنطولوجي. فالفلسفة الإغريقية، في مشارقها الأيونية ومغاربها الأثينية، لم تبدأ بالأخلاق أو السياسة أو الجمال، بل بالكينونة نفسها: بالبحث عن الأصل (الأركي) الذي يحمل في طياته كل ما هو موجود، وبالتساؤل عن طبيعة الوجود ذاته كما يتجلى في الثبات والتغير، في الواحد والكثير، في الواقع والممكن. هذه القضايا الأولى ليست تاريخية فحسب، بل هي مبادئ تأسيسية تشكل جوهر الفكر الغربي حتى اليوم، إذ تجعل الأنطولوجيا – علم الوجود – محور كل تأمل فلسفي لاحق.

ينطلق هذا المسار الأنطولوجي مع الميليسيين في القرن السادس قبل الميلاد، حيث انتقل الفكر من عالم الآلهة إلى عالم الوجود المحسوس. فثاليس يرى في الماء الأركي الأول، ليس كعنصر مادي سطحي بل كمبدأ وجودي أولي: الماء هو الجوهر الذي يحمل إمكانية كل التغيرات، فهو يتحول إلى بخار وثلج وأرض، وبالتالي يُعلن أن الوجود ليس كثيراً متفرقاً بل واحد متصل بذاته. هنا تظهر المبدأ التأسيسي الأول: الوجود يمتلك وحدة جوهرية تكمن وراء التنوع الظاهري. ومع أناكسيماندر يتعمق هذا المبدأ: الأركي ليس شيئاً محدوداً كالماء، بل «اللامحدود» (أبيرون)، كيان أنطولوجي محايد يتجاوز كل التعيينات، يولد منه الأضداد (حار وبارد، رطب ويابس) عبر عملية انفصال أبدي. الوجود هنا ليس ثابتاً بل ديناميكياً، يحمل في ذاته مبدأ التعارض الذي يجعل الكون ممكناً. أناكسيماندر يؤسس بذلك لقضية أنطولوجية مركزية: كيف ينشأ الكثير من الواحد دون أن يفقد الواحد وحدته؟

إنها إعلان عن الوجود كعملية، لا ككتلة ساكنة.أما هيراقليطس، فيلسوف الصيرورة، فيحوّل هذه القضية إلى قلب نابض: الوجود ليس ثباتاً بل تدفقاً أبدياً. «كل شيء يتدفق» (بانتا ري) ليس شعاراً سطحياً، بل مبدأ أنطولوجياً يرى في النار الأركي الأول، لا كمادة بل كرمز للتحول المستمر الذي يحكمه اللوغوس – العقل الكوني الذي يجمع الأضداد في وحدة خفية. الوجود إذن هو صراع داخلي: الطريق صاعد والطريق نازل واحد، والحرب أبو كل شيء. هنا تبرز المبدأ التأسيسي الثاني: الوجود ليس جوهراً ساكناً بل علاقة ديناميكية، صيرورة تُدرك باللوغوس لا بالحواس وحدها. فالكينونة الحقيقية تكمن في التوتر بين الثبات الظاهري والتغير الجوهري، ومن يفهم هذا التوتر يدرك أن الموت والحياة، النهار والليل، هما وجهان لوجود واحد.

في مواجهة هذا التدفق يقف بارمينيدس كمنعطف أنطولوجي حاسم، يُعلن في قصيدته «عن الطبيعة» أن «الوجود هو، والعدم ليس». هذا ليس مجرد حكم منطقي، بل إعلان أنطولوجي مطلق: الوجود واحد، كامل، غير متغير، غير قابل للانقسام، ولا ينشأ ولا يفنى. الصيرورة التي تحدث عنها هيراقليطس هي وهم حسي، أما الوجود الحقيقي فيُدرك بالعقل وحده. هنا يتأسس المبدأ الثالث: الوجود يسبق الظاهر، والفكر والوجود متطابقان («نفس الشيء هو الفكر والوجود»). بارمينيدس يضع بذلك أساس الميتافيزيقا الغربية: الوجود ليس متعدداً بل واحد مطلق، وكل تعدد أو تغير هو نقص في الفهم. هذا التناقض بين الواحد الثابت (بارمينيدس) والكثير المتدفق (هيراقليطس) سيظل يغذي كل التأمل الأنطولوجي اللاحق، كأنه دائرة أولى تُعيد تشكيل ذاتها.

مع سقراط تتحول القضية الأنطولوجية إلى داخل الإنسان، لكنها تبقى جذرية: البحث عن الجوهر (أوسيا) في الأخلاق والمعرفة. أما أفلاطون فيبني على هذا كله بناءً أنطولوجياً شاهقاً: عالم المثل. الوجود الحقيقي ليس في المحسوسات المتغيرة بل في المثل الأبدية، في «الخير الأعلى» الذي ينير كل كينونة. المحسوسات مجرد ظلال، أما المثل فهي الوجود الكامل، غير المتغير، الذي يشارك فيه الواقع مشاركة جزئية. هنا يتجلى المبدأ التأسيسي الرابع: الوجود متدرج، هناك وجود أولي (المثل) ووجود ثانوي (المحسوس). أفلاطون يحل تناقض هيراقليطس وبارمينيدس بالتمييز بين عالم الصيرورة وعالم الكينونة، فيجعل الفلسفة طريق صعود نحو الوجود الحقيقي عبر الجدل والتذكر.

وأخيراً، يُكمل أرسطو هذا البناء بتحويل الأنطولوجيا إلى علم الجوهر (أوسيولوجيا). الوجود ليس مثالاً منفصلاً بل جوهراً في الأشياء نفسها: الجوهر الأول هو الله كمحرك غير متحرك، فعل خالص بدون قوة. أما الجواهر الأخرى فهي مركبة من مادة وصورة، من قوة وفعل. هنا يظهر المبدأ التأسيسي الخامس: الوجود ليس واحداً مطلقاً ولا تدفقاً عشوائياً، بل نظاماً هرمياً من الإمكان إلى الفعل، حيث يتحقق الوجود في الغاية (التيلوس). أرسطو يجمع بين الوحدة البارمينيدية والتعدد الهيراقليطي في مفهوم الجوهر الذي يحمل هويته في ذاته، ويؤسس بذلك لأنطولوجيا علمية تدرس الكائن بما هو كائن.

في قلب الفلسفة الإغريقية، يمثل اللقاء بين أنطولوجيا أفلاطون وأنطولوجيا أرسطو أحد أعمق المنعطفات في تاريخ التأمل حول الوجود. فكلاهما يسعى إلى الإجابة عن السؤال الأول: ما الوجود الحقيقي؟ وكيف يمكن تمييزه عن الظاهر المتغير؟ لكنهما يختلفان جذرياً في الطريق إلى هذا الجواب، مما يجعل مقارنتهما ليست مجرد مواجهة تاريخية بين معلم وتلميذ، بل صراعاً أنطولوجياً بين عالمين: عالم المثل المنفصل وعالم الجواهر المتجسدة. هذه المقارنة تكشف عن دائرة هرمينوطيقية خصبة، حيث يبني أرسطو على أفلاطون ثم يتجاوزه، محولاً الأنطولوجيا من تأمل مثالي متعالٍ إلى علم واقعي ديناميكي يدرس الكائن بما هو كائن في عالمنا المحسوس.تبدأ أنطولوجيا أفلاطون من افتراض ثنائي العوالم (نظرية المثل). الوجود الحقيقي – الكينونة الكاملة – يكمن في عالم المثل (الأفكار الأبدية)، وهو عالم منفصل عن عالم المحسوسات. المثل هي الكائنات المثالية الثابتة، غير المتغيرة، غير المادية، مثل «الجمال في ذاته» أو «العدل في ذاته» أو «الإنسان في ذاته». أما الأشياء المحسوسة في عالمنا فهي مجرد ظلال أو مشاركات ناقصة في تلك المثل. هنا يحل أفلاطون تناقض هيراقليطس (الصيرورة) وبارمينيدس (الثبات) بفصل حاد: عالم الصيرورة (المتغير، الوهمي نسبياً) مقابل عالم الكينونة (الثابت، الحقيقي تماماً). الوجود متدرج في درجة الواقعية: المثل أكثر واقعية من الأشياء المادية، لأنها كاملة وأبدية، بينما المحسوسات تتغير وتفنى. المعرفة الحقيقية إذن ليست حسية بل عقلية، عبر الجدل والتذكر، صعوداً من الظلال نحو النور في أسطورة الكهف. الأنطولوجيا الأفلاطونية مثالية ومتعالية: الوجود الأصيل خارج الزمان والمكان، والعالم المادي تابع له، ناقص ومشتق.في المقابل، ترفض أنطولوجيا أرسطو هذا الفصل الثنائي رفضاً جذرياً، وتؤسس رؤية توحيدية داخلية للوجود. يرى أرسطو أن الوجود الحقيقي يكمن في الجواهر الفردية الموجودة فعلاً في العالم المحسوس (الجوهر الأول: أوسيا بروتي)، مثل سقراط أو هذا الحصان. لا توجد المثل منفصلة في عالم آخر؛ فالصورة (المورفي أو الإيدوس) موجودة داخل الشيء نفسه، متحدة مع المادة (الهيولي). هذا هو مبدأ الهيولي-مورفيزم (الصورة-المادة): كل كائن مركب من مادة (القوة، الإمكانية الخام، اللاتعيّنة) وصورة (الفعل، التحقيق الذي يعطي الهوية والغاية). الوجود ليس مثالاً متعالياً بل متجسداً: الشيء ليس ظلاً لمثال، بل جوهراً حقيقياً يحقق صورته داخل مادته. بهذا يتجاوز أرسطو أفلاطون: المثل الأفلاطونية تصبح عند أرسطو «صوراً جوهرية» ثانوية (كليات تُقال على الجواهر الفردية)، لكن الواقعية الأولى للوجود تكمن في الفرد المحدد، لا في الكلي المنفصل.يبرز الفرق الأساسي في طبيعة الوجود ودرجته. عند أفلاطون، الوجود متدرج نحو الأعلى: المثل (خاصة «الخير الأعلى») هي الوجود الكامل، والمحسوسات أقل واقعية لأنها متغيرة وناقصة. أما عند أرسطو، فالوجود متدرج نحو الداخل والفعل: من المادة النقية (مجرد قوة، لا وجود فعلي لها) إلى الفعل النقي (الجوهر الأول: المحرك الذي لا يتحرك، الله كفكر يفكر في ذاته). كل تغير هو انتقال من القوة إلى الفعل داخل الجوهر نفسه، وليس انحداراً من عالم مثالي. الوجود هنا غائي (تيلولوجي): كل كائن يسعى نحو تمام صورته، نحو فعله الكامل. الأسباب الأربعة (المادي، الصوري، الفاعل، الغائي) تعبر عن هذه الديناميكية: لا يوجد شيء إلا بتحقيق غايته داخل وحدة المادة والصورة.رغم الاختلاف الجذري، تكشف المقارنة عن نقاط تلاقٍ عميقة. كلاهما يرفض المادية النقية (كالذرّيين) ويؤكد على دور العقل في فهم الوجود. كلاهما يرى في الوجود نظاماً مرتباً، ويجعلان الفلسفة طريقاً نحو الخير أو التمام. أفلاطون يرى الخير في المثال المتعالي، بينما أرسطو يراه في الفعل الكامل داخل الطبيعة. أرسطو، كتلميذ، ينقد أفلاطون نقداً داخلياً: فصل المثل يجعلها غير قادرة على تفسير التغير والحركة في العالم المحسوس، ويؤدي إلى مشكلة «المشاركة» غير المفهومة. في المقابل، يتهم أفلاطون (من خلال حواراته المتأخرة) الرؤى الواقعية بالعجز عن تفسير الوحدة والكلية. هكذا تكون المقارنة دائرة: أفلاطون يفتح الباب للتعالي، وأرسطو يعيد الوجود إلى الأرض دون أن يفقده معناه.

 في تاريخ الفلسفة الإغريقية، حيث بلغت الأنطولوجيا ذروتها في تأمل أرسطو، تتحول القضية الأولى – «ما الوجود؟» – من سؤال ميليسي أو هيراقليطي أو بارمينيدي إلى علم مستقل، علم الكائن بما هو كائن (تو أون هي أون). لم تعد الأنطولوجيا عند أرسطو تأملاً في الأصل المادي أو الصيرورة أو الواحد المطلق فحسب، بل هي دراسة الجوهر (أوسيا) كما يتجلى في كل كائن، في وحدته وتعدده، في ثباته وتغيره، في قوته وفعله. إنها ليست مجرد مرحلة تاريخية في تطور الفكر الإغريقي، بل هي البناء التأسيسي الذي جعل الأنطولوجيا علماً أولياً، يسبق كل العلوم الأخرى لأنه يدرس الوجود ذاته قبل أن يدرس أي وجود خاص. هكذا يصبح أرسطو ليس خاتماً للفلسفة الإغريقية فحسب، بل مؤسساً لأنطولوجيا تظل تُعاد قراءتها كلما تساءل الإنسان عن معنى كينونته.

المدخل الأنطولوجي الأساسي عند أرسطو هو التمييز بين الجوهر الأول والجواهر الثانوية. الوجود ليس كتلة واحدة كما عند بارمينيدس، ولا تدفقاً عشوائياً كما عند هيراقليطس، بل نظاماً هرمياً يتدرج فيه الكائن. الجوهر الأول (أوسيا بروتي) هو الكائن الفردي الموجود فعلاً، كسقراط أو هذا الحصان أو تلك الشجرة؛ هو الذي يحمل الهوية في ذاته، ولا يُحمَل على شيء آخر. أما الجواهر الثانوية فهي الكليات (الأنواع والأجناس) التي تُقال على الجواهر الأولى، كـ«إنسان» أو «حيوان». هذا التمييز ليس تصنيفاً منطقياً سطحياً، بل هو إعلان أنطولوجي عميق: الوجود الحقيقي يكمن في الفردية المحددة، لا في المثال الأفلاطوني المنفصل. بهذا يتجاوز أرسطو أفلاطون: المثل ليست موجودة في عالم منفصل، بل هي الصورة الفعلية التي تُحقق الجوهر داخل المادة. الوجود إذن ليس مثالياً مجرداً، بل متجسداً، متجلياً في الأشياء نفسها.من هنا ينبثق مبدأ الهيولي-مورفيزم (الصورة-المادة) كقلب الأنطولوجيا الأرسطية. كل كائن مركب من هيولي (مادة) ومورفي (صورة). المادة هي القوة (دوناميس)، الإمكانية الخام، اللاتعيّنة التي تحمل إمكان كل شيء؛ أما الصورة فهي الفعل (إنيرجيا)، التحقيق الذي يعطي المادة هويتها وغايتها. ليس هذا ثنائية ميكانيكية، بل وحدة أنطولوجية ديناميكية: الإنسان ليس جسداً + نفساً، بل نفس متجسدة تجعل الجسد إنسانياً. هكذا يحل أرسطو تناقض الثبات والتغير: التغير ليس وهماً كما عند بارمينيدس، ولا جوهراً كما عند هيراقليطس، بل انتقالاً من القوة إلى الفعل داخل الجوهر نفسه. كل صيرورة هي تحقيق لإمكانية كامنة، وكل تحقيق يظل مفتوحاً على إمكانيات أعلى. الوجود هنا ليس ساكناً ولا فوضوياً، بل غائياً: كل كائن يسعى نحو تمام صورته، نحو فعله الكامل.

في قمة هذا البناء الأنطولوجي يقف الجوهر الأول المطلق: المحرك الذي لا يتحرك (بريموس كينيتيس أكينيتوس). هذا ليس إلهاً أسطورياً، بل ذروة الوجود نفسه: فعل خالص بدون قوة، كينونة خالصة بدون مادة، فكر يفكر في ذاته (نويسيس نويسيوس). إنه السبب الأول الذي يحرك الكون لا بالقوة بل بالجذب، كما يجذب المحبوب المحب. هنا تكتمل الأنطولوجيا الأرسطية في الإلهيات: الوجود ليس متساوياً، بل متدرجاً من المادة النقية (التي لا وجود لها فعلاً) إلى الفعل النقي. كل كائن يشارك في الوجود بقدر ما يحقق فعله، وكل فعل يشير في النهاية إلى هذا الفعل الأول الذي هو سبب كل سببية. بهذا يجمع أرسطو بين الواحد البارمينيدي والكثير الهيراقليطي: الكثرة موجودة فعلاً، لكنها منظمة في نظام واحد ينتهي إلى وحدة عليا.

أما الأسباب الأربعة (المادي، الصوري، الفاعل، الغائي) فهي ليست أدوات تفسيرية خارجية، بل تعبير أنطولوجي عن كيفية وجود الكائن. لا يوجد شيء إلا بسبب هذه الأربعة مجتمعة: المادة تعطيه إمكانيته، الصورة تعطيه هويته، الفاعل يحققه، والغاية توجهه. هذا ليس تصنيفاً علمياً، بل رؤية كونية تجعل الوجود غائياً في جوهره: كل كينونة تحمل في ذاتها سبب وجودها، وتسعى نحو تمامها. هكذا تتحول الأنطولوجيا من تأمل سلبي إلى فهم نشط: الإنسان، ككائن عاقل، يستطيع أن يدرك هذا النظام ويشارك فيه بالمعرفة والفعل الأخلاقي. في تعميقنا هذا، نكتشف أن أنطولوجيا أرسطو ليست نظاماً مغلقاً بل دائرة حية: تبدأ من الجوهر الفردي، تمر بالهيولي-مورفيزم كوحدة ديناميكية، وتنتهي إلى الفعل الإلهي كمبدأ كل وجود. إنها تتجاوز كل الثنائيات السابقة – المادة والروح، الواحد والكثير، الثبات والتغير – بجعلها لحظات داخل وحدة أعلى. الوجود عند أرسطو ليس شيئاً نملكه، بل هو ما نكونه: صعود مستمر من القوة إلى الفعل، من المادة إلى الصورة، من الكثرة إلى الوحدة. وبهذا يبقى أرسطو معلماً أولياً لكل أنطولوجيا لاحقة، سواء في التراث الإسلامي الذي أعاد صياغته أو في الفكر الغربي الذي بنى عليه أو نقده. ففي أعماق كل تساؤل عن الكينونة، يتردد صدى أرسطو: الوجود ليس لغزاً يُحل، بل دعوة لأن نكون فعلاً ما نحن قادرون عليه، في عالم يسعى كله نحو تمام جوهره.

هكذا تكتمل الدائرة الأنطولوجية للفلسفة الإغريقية: من الأركي الميليسي كمبدأ مادي-وجودي، إلى اللوغوس الهيراقليطي كعقل كوني، إلى الوجود البارمينيدي كواحد مطلق، إلى المثل الأفلاطونية ككينونة مثالية، إلى الجوهر الأرسطي كفعل متدرج. هذه القضايا الأولى – الوحدة والتعدد، الثبات والتغير، الجوهر والصيرورة – ليست مجرد مراحل تاريخية بل مبادئ تأسيسية تشكل نسيج الوجود ذاته. إنها تُعلن أن الفلسفة ليست تأملاً في العالم فحسب، بل هي محاولة الإنسان لأن يفهم موقعه داخل الوجود، وأن يصعد من الظل إلى النور، من القوة إلى الفعل، من الأسطورة إلى اللوغوس.

في الختام، تمثل أنطولوجيا أفلاطون رؤية مثالية متعالية تجعل الوجود الحقيقي في عالم منفصل من الكمال الأبدي، بينما تمثل أنطولوجيا أرسطو رؤية واقعية متجسدة تجعل الوجود في وحدة المادة والصورة داخل الجواهر الفردية، كعملية صعود من القوة إلى الفعل. هذا التباين ليس تناقضاً يُلغي أحدهما الآخر، بل هو توتر خصب أثر في كل الأنطولوجيا اللاحقة: في التراث الإسلامي (ابن سينا يجمع بينهما، ابن رشد يميل إلى أرسطو)، وفي الفكر الغربي (من توما الأكويني إلى هيدجر). إنها مقارنة تذكرنا بأن الوجود يمكن أن يُدرك صعوداً نحو المثال أو غوصاً في الواقع، لكنه في كلا الحالين يدعو الإنسان إلى أن يفهم كينونته: هل نحن ظلال لكمال أعلى، أم جواهر تسعى نحو تمامها في هذا العالم؟ بهذا يظل التوتر بين أفلاطون وأرسطو سرّاً أنطولوجياً مفتوحاً، يثري كل تأمل في معنى الكينونة. وبهذا تبقى الفلسفة الإغريقية، في أنطولوجيتها الأولى، نداءً أبدياً لكل من يتأمل في سر الكينونة: ما الوجود، وكيف نكون فيه؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ليس يسيرا أن يُتناوَل مشروع محمد عابد الجابري بوصفه مجرّد اجتهاد فكري داخل سياق ثقافي مغربي أو عربي محدود لأنّ هذا المشروع قد تشكّل منذ بداياته في صورة ورش نقدي واسع أراد أن يلامس البنية العميقة للعقل العربي لا مظاهره الخطابية السطحية. فالجابري لم يقدّم قراءة جزئية لتراثٍ بعينه ولم يكتفِ بإعادة ترتيب أسماء أو مدارس أو متون بل اندفع إلى مساءلة الآلة التي اشتغل بها الفكر العربي نفسه عبر قرون طويلة أي ذلك النسق المعرفي الذي صاغ طرائق النظر والاستدلال والاحتجاج والتأويل وحدّد ما يجوز التفكير فيه وما يُقصى من مجال المشروعية المعرفية. من هنا اكتسب مشروعه قيمته الإشكالية الكبرى لأنّه نقل السؤال من مضمون الفكر إلى شروط إنتاجه ومن قضايا الثقافة إلى بنية العقل الذي يصوغ تلك القضايا ويعيد إنتاجها في كل عصر.

لقد جاء الجابري في لحظة عربية مثقلة بالخيبات حيث صار سؤال النهضة متورّطا في إعادة تكرار نفسه وصار خطاب الحداثة يستهلك مفرداته أكثر مما ينجز شروطه وصارت العودة إلى التراث، في كثير من تجلياتها أقرب إلى الاحتماء الرمزي منها إلى الفحص النقدي الصارم. داخل هذا الأفق المأزوم حاول الجابري أن يفتح ثغرة حقيقية في جدار العادة الفكرية فربط أزمة الحاضر العربي بطبيعة البناء المعرفي الذي ورثناه وجعل من نقد العقل العربي مدخلا لفهم التعثر التاريخي الذي لازم مسارات الإصلاح والتحديث. لذلك لم يكن مشروعه ترفا نظريا ولم يكن اشتغالا مدرسيا معزولا عن رهانات الواقع بل كان تعبيرا عن وعي حادّ بأنّ كل إصلاح سياسي أو اجتماعي أو تربوي يظلّ ناقصا ما لم يُسبَق بإعادة نظر جذرية في أنظمة المعرفة التي تؤطر الوعي الجماعي وتوجّه علاقته بالتراث والسلطة والحقيقة.

والحق أنّ قوة الجابري لا تُختزل في كثافة المادة التراثية التي استند إليها ولا في سعة اطلاعه على الفلسفة الحديثة ومناهج الإبستمولوجيا المعاصرة، وإنّما تُلتمس أساسا في قدرته على تحويل التراث من موضوع للتبجيل أو الخصومة إلى موضوع للتحليل البنيوي والتاريخي معا. لقد تعامل مع التراث بوصفه نظاما من العلاقات الداخلية وبوصفه كذلك حصيلة لصراعات معرفية ومذهبية وسياسية أسهمت في تشكيل صورة العقل العربي كما استقرّت في الوجدان الثقافي العام. ولهذا السبب بالذات أثار مشروعه كل ذلك الجدل؛ لأنّه مسّ مناطق ظلّ الناس يعدّونها من المسلّمات، ولامس تصوّرات رسخت طويلا تحت غطاء القداسة أو العصمة الثقافية أو التماهي الهويّاتي.

غير أنّ المشاريع الكبرى لا تُقاس بقوة حضورها فقط، بل كذلك بقدرتها على تحمّل المساءلة. ومشروع الجابري مهما بلغت مكانته ليس فوق النقد، لأنّ كل محاولة لإعادة بناء العقل العربي تظلّ محكومة بحدود أدواتها المنهجية وباختياراتها المعرفية وبما تستبعده من إمكانات تأويلية أخرى. لقد فتح الجابري أفقا واسعا للتفكير غير أنّه أغلق في مواضع غير قليلة مسالك أخرى للفهم، خصوصا حين مال إلى بناء تقابلات حادة بين أنظمة المعرفة أو حين منح بعض النماذج التراثية وظيفة تمثيلية تكاد تتجاوز حدودها التاريخية الفعلية. وتعد قراءة مشروعه اليوم ضرورة فكرية مضاعفة، ضرورة اعتراف بما أنجزه من تحرير للعقل من أوهامه الموروثة وضرورة مساءلة لما رسّخه هو نفسه من تصنيفات وأحكام ومصادرات تحتاج إلى إعادة فحص.

وعليه، فإنّ تناول محمد عابد الجابري لا ينبغي أن يصدر عن انبهارٍ يُعطّل النقد ولا عن خصومةٍ تُعمي البصيرة بل عن تقدير علمي لمفكر كبير حمل همّ العقل العربي في لحظة عسيرة وخاض معركة فكرية نادرة الجرأة والاتساع وترك نصوصا ستظلّ حاضرة في كل نقاش جادّ حول التراث والحداثة والنهضة وأزمة الوعي العربي. ذلك أنّ قيمة هذا المشروع لا تكمن فقط في أجوبته بل في نوع الأسئلة التي فرضها وفي الطريقة التي أعاد بها ترتيب علاقتنا بماضينا وفي الأثر الذي أحدثه داخل الحقل الفلسفي العربي المعاصر أثرا يجعل من قراءته اليوم مدخلا إلى فهم الجابري نفسه وفهم زمنه وفهم حدود إمكاننا الفكري الراهن.

إذا كان من السهل أن يُدرَج اسم محمد عابد الجابري ضمن كبار مفكري العرب في القرن العشرين، فإنّ الأصعب حقا هو تحديد طبيعة الرهان الذي انخرط فيه، لأنّ الرجل لم يكن يشتغل داخل حدود التأليف الفلسفي التقليدي ولم يكن يكتفي بترجمة مفاهيم الحداثة إلى العربية أو إعادة عرضها في سياق ثقافي محلّي بل كان يسعى إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، كان يشتغل على البنية المنتجة للوعي العربي نفسه، على الأرضية العميقة التي تصنع طرائق الفهم وتوجّه آليات النظر وتحدّد أنماط الاستدلال والقبول والرفض داخل الثقافة العربية الإسلامية. ولهذا السبب بالذات اكتسب مشروعه تلك المكانة المركزية داخل الفكر العربي المعاصر، لأنّه لم يتعامل مع الأزمة بوصفها اختلالا سياسيا عابرا ولا بوصفها مجرّد تأخر تاريخي يمكن تداركه ببعض الإصلاحات الجزئية بل قرأها في مستوى أعمق، أي في مستوى العقل الذي يفكّر والمعايير التي تحكم اشتغاله والمخيال المعرفي الذي يؤطّر علاقته بالعالم والتاريخ والسلطة والنص.

إنّ السؤال الذي حرّك الجابري لم يكن سؤالا ثقافيا بسيطا من قبيل لماذا تأخر العرب وتقدّم غيرهم؟ ذلك السؤال الذي استهلكه خطاب النهضة منذ الطهطاوي وخير الدين التونسي ومحمد عبده والكواكبي إلى مطالع القرن العشرين. لقد كان سؤاله أكثر تعقيدا وأشدّ جذرية كيف تشكّل العقل العربي؟ وما هي أنظمته المعرفية؟ وما الشروط التي جعلته ينتج أنماطا مخصوصة من الفهم والتأويل والمشروعية؟ وما الذي جعله في لحظات كثيرة يعيد إنتاج ماضيه بدل أن يفتح أفق مستقبله؟ هنا يتبدّى الفارق بين الإصلاحي الذي يطلب حلولا وبين الناقد الذي يعود إلى شروط إمكان المشكلة ذاتها. وقد كان الجابري بهذا المعنى أقرب إلى الناقد الإبستمولوجي منه إلى المصلح الوعظي وأقرب إلى الحفّار في طبقات الوعي منه إلى الخطيب الذي يكتفي بإدانة الواقع.

ولعلّ هذا ما يفسّر أنّ مشروعه قد انبنى منذ بداياته على وعي صارم بأنّ النهضة لا تُصنع بالشعارات وأنّ الحداثة لا تُستعار استعارة وأنّ التراث لا يُتجاوز بسبّه أو بتمجيده بل بفهم منطقه الداخلي وآلياته وطبقاته وتوتراته. وقد عبّر الجابري عن هذا الوعي في أكثر من موضع حين جعل من “العقل المستقيل” أحد عناوين الأزمة الحضارية العربية، وحين سعى إلى تفكيك بنية “اللامفكَّر فيه” داخل الثقافة العربية الإسلامية. فالمشكل عنده ليس في وجود التراث بل في طريقة حضور التراث في وعينا وليس في النصوص القديمة من حيث هي نصوص بل في كيفية اشتغالها داخل بنية السلطة المعرفية والرمزية. ذلك أنّ النص كما قال بول ريكور “ينفتح على عوالم متعددة بقدر ما تتعدد إمكانات تأويله”، لكنّ الثقافة حين تُحوّله إلى سلطة مغلقة تكفّ عن إنتاج المعنى وتشرع في إعادة إنتاج الطاعة.

من هنا نفهم لماذا لم يذهب الجابري إلى التراث كما يذهب المؤرّخ المحايد إلى أرشيفه ولا كما يذهب الفقيه إلى متونه طلبا للتقرير والتخريج بل ذهب إليه بوصفه ميدانا للصراع المعرفي وبوصفه نظاما حيا ما يزال يمارس سلطته داخل الحاضر. فالتراث عنده ليس ماضيا انقضى بل بنية متواصلة الأثر، تشتغل في المدرسة والجامعة والخطاب الديني والسياسي وفي اللغة التي نفكر بها وفي المسلمات التي نتداولها دون مساءلة. ولهذا كان نقد التراث عنده جزءا من نقد الحاضر بل هو في العمق نقد للحاضر بواسطة تفكيك آلياته الموروثة. وقد كان يدرك بوضوح أنّ “من لا يملك نقد ماضيه لا يملك بناء مستقبله”، وهي فكرة تجد صداها العميق في ما قاله هيغل: “البومة لا تبدأ طيرانها إلا عند الغسق”، أي أنّ الفهم لا يأتي إلا بعد أن تنقضي التجربة وتتحول إلى موضوع للتأمل. غير أنّ الجابري لم يرد تأملا متأخرا باردا بل أراد نقدا تاريخيا يشتبك مع الحاضر ويستثمر الماضي في معركة الوعي.

والحق أنّ هذا التوجه لم يأت من فراغ بل تشكّل داخل تربة فكرية وسياسية معقدة. فالجابري ابن لحظة عربية مأزومة عرفت انهيار الأحلام الكبرى بعد الاستقلالات الوطنية واصطدمت بفشل مشاريع التنمية وتعرّضت لهزّات قاسية كشفت هشاشة البنية السياسية والثقافية معا. لقد عاش جيل الجابري صدمة النكسة وعاين تعثّر المشروع القومي وشهد تحوّل الدولة الوطنية إلى جهاز سلطوي أكثر من كونها إطارا للتحرّر التاريخي. وفي مثل هذا السياق لم يعد السؤال عن الحداثة ترفا ثقافيا بل صار سؤالا وجوديا يخصّ مصير المجتمعات العربية ذاتها. ومن هنا يمكننا فهم انشداد الجابري إلى نقد العقل العربي بوصفه شرطا لفهم أسباب الانسداد الحضاري.

وليس من قبيل المصادفة أنّ الجابري كان شديد الوعي بأهمية المنهج. فالمشاريع الكبرى لا تنهض على النوايا الحسنة بل على الأدوات التي تتيح إعادة ترتيب الموضوع نفسه. وقد كان يصرّ على أنّ التراث لا يُقرأ بعين التراث وحدها لأنّ القراءة من الداخل إذا لم تُدعَم بأدوات تحليلية صارمة قد تنقلب إلى تواطؤ خفي مع موضوعها. لهذا استثمر الجابري جملة من الأدوات المنهجية الحديثة، من البنيوية إلى التحليل الإبستمولوجي إلى التاريخانية النقدية إلى ما استلهمه من باشلار وألتوسير وفوكو وغيرهم، مع حرص واضح على تطويع هذه الأدوات داخل سياق عربي إسلامي لا يقبل النقل الحرفي. لقد كان واعيا بأنّ “المنهج ليس حياديا تماما”، كما يقال في فلسفة العلوم وأنّ اختيار الأداة جزء من بناء الموضوع ذاته. لذلك جاءت قراءته للتراث قراءة تركيبية تجمع بين البنية والتاريخ، بين النسق والتحوّل، بين العلاقات الداخلية للنصوص وبين شروطها السياسية والاجتماعية.

وقد يكون من أخصب ما أنجزه الجابري في هذا الباب أنّه نقل النظر في التراث من مستوى التصنيف المذهبي التقليدي إلى مستوى الأنظمة المعرفية الكبرى. فهو لم يعد يكتفي بالحديث عن المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة والفقهاء والمتصوفة بوصفهم فرقا أو مدارس منفصلة بل حاول أن يستخرج من هذا التعدد الظاهري منطقا عميقا يحكم اشتغال المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية. ومن هنا جاء تقسيمه الشهير إلى البيان والعرفان والبرهان، وهو تقسيم لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تصنيف اصطلاحي بل بوصفه محاولة لإعادة رسم الخريطة المعرفية للعقل العربي. فالبيان عنده ليس مجرد بلاغة أو لغة بل هو نظام معرفي يقوم على النص والقياس والاشتقاق والاحتجاج اللغوي والفقهي. والعرفان ليس مجرد تصوف أو إشراق بل هو نمط في المعرفة يجعل الحقيقة كامنة في الباطن ويعتمد الكشف والرمز والتأويل الباطني وسلاسل التلقي السرّي. والبرهان ليس مجرد منطق صوري بل هو نظام معرفي يستند إلى السببية والاتساق العقلي والصرامة البرهانية كما تجلّت أرقى صورها في التقليد الرشدي.

إنّ هذه الثلاثية كانت في حقيقتها أداة الجابري المركزية في تفكيك العقل العربي، وقد رأى أنّ البيان ظلّ النظام الغالب في الثقافة العربية الإسلامية وأنّ العرفان تسلّل إلى بنية الوعي فأفسد كثيرا من إمكانات العقلانية بينما ظلّ البرهان رغم عظمته هامشيا أو مغلوبا أو محاصرا داخل السياق التاريخي الإسلامي. ولهذا السبب منح ابن رشد مكانة تكاد تكون محورية في مشروعه لا لكونه مجرد فيلسوف من فلاسفة الإسلام، بل لكونه يمثّل في نظره الذروة العقلانية التي كان يمكن أن تتطوّر داخل الثقافة العربية الإسلامية لو لم تُهزَم تاريخيا أمام تحالفات الفقه المغلق والكلام المحافظ والعرفان الغنوصي. إنّ ابن رشد عند الجابري ليس اسما من الماضي بل إمكانٌ تاريخي لم يكتمل. ولهذا قال في أكثر من مناسبة إنّ الحاجة إلى “روح ابن رشد” ليست حاجة إلى استعادة شخصه بل إلى استعادة منطق البرهان الذي مثّله.

ويلتقي الجابري من جهة ما هنا مع التقليد العقلاني الحديث الذي جعل من العقل معيارا للتحرّر. فديكارت حين أعلن أنّ “العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس”، لم يكن يمدح ملكة ذهنية فحسب بل كان يفتح بابا لتحرير الإنسان من سلطة الموروث غير المفحوص. وكانط حين كتب مقالته الشهيرة “ما التنوير؟”، عرّف التنوير بأنّه “خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه” وجعل شعار هذا الخروج هو “لتكن لك الجرأة على استعمال عقلك”. إنّ الجابري في عمق مشروعه يتحرك داخل هذا الأفق، أي أفق جعل العقل أداة للتحرّر من الوصايات سواء كانت وصايات مذهبية أو سياسية أو رمزية. غير أنّ خصوصيته لا تكمن في استعارة خطاب التنوير الأوروبي بل في سعيه إلى استخراج إمكانات التنوير من داخل التراث العربي الإسلامي نفسه عبر إعادة الاعتبار إلى السلالة الرشدية والعقلانية الأندلسية والمغربية.

وهذا بالذات ما يجعل مشروعه مغربيّ الملامح وعربيّ الرهان في آن واحد. فالجابري لم يكن مفكرا عربيا عاما بالمعنى المجرّد فقط، بل كان ابن تقليد مغربي خاص في النظر إلى العقل والفقه والسياسة. وليس غريبا أن يجد في الغرب الإسلامي وخصوصا في ابن رشد والشاطبي وابن خلدون، عناصرَ يمكن أن تؤسّس لما يشبه “العقلانية العملية” داخل الثقافة الإسلامية. فابن رشد يمثّل صرامة البرهان، والشاطبي يمثّل عقلانية المقاصد والنظر في المآلات، وابن خلدون يمثّل عقلانية العمران ووعي الاجتماع السياسي. وقد بدا واضحا أنّ الجابري لا يقرأ هؤلاء بوصفهم أعلاما منفصلين بل بوصفهم حلقات في سلالة معرفية بديلة عن السلالة المشرقية التي يرى أنّها كانت أكثر قابلية لتضخم العرفان وهيمنة التأويلات الغنوصية. وقد كانت قراءته للتراث قراءة انتقائية واعية تبحث عن العناصر القابلة لبناء حداثة عربية من داخل شروطنا التاريخية.

غير أنّ هذا الاختيار على قوته يكشف أيضا عن الطابع البرنامجي لمشروع الجابري. فهو لا يقرأ التراث من أجل المعرفة التاريخية الخالصة بل يقرأه من أجل تأسيس موقف معاصر. إنّه ينتقي ويعيد الترتيب ويمنح بعض اللحظات التراثية كثافة أكبر من غيرها لأنّ غايته النهائية ليست وصف الماضي كما كان بل إعادة بناء الحاضر بما يسمح به ذلك الماضي من إمكانات. وهذا ليس عيبا في ذاته لأنّ كل قراءة كبرى للتراث هي قراءة موجّهة بسؤال معاصر. وقد سبق لنيتشه أن قال إنّ “التاريخ ينبغي أن يُخدم الحياة”، أي أنّ استدعاء الماضي لا قيمة له إذا لم يمدّ الحاضر بقوة نقدية جديدة. لكنّ هذا الوعي البرنامجي نفسه يجعل مشروع الجابري معرّضا للمساءلة لأنّ الانتقاء مهما كان مشروعا قد ينقلب إلى بناء سردية جزئية تُعلي بعض العناصر وتهمّش أخرى.

ومع ذلك فإنّ الإنصاف يقتضي القول إنّ الجابري قد نجح في ما عجز عنه كثير من المفكرين العرب المعاصرين إذ استطاع أن يحوّل النقاش حول التراث من مجرّد معركة أيديولوجية بين “السلفيين” و”الحداثيين” إلى سؤال معرفي مركّب حول أنظمة إنتاج الحقيقة داخل الثقافة العربية الإسلامية، وهذه نقلة كبرى. فبدل أن يقال هل نأخذ بالتراث أو نرفضه؟ صار السؤال أيّ تراث؟ وبأيّ أدوات نقرأه؟ وما الذي ينبغي تفكيكه داخله؟ وما الذي يمكن استثماره؟ لقد انتقل الجدل من منطق الولاء والبراء الثقافي إلى منطق التحليل والنقد والتمييز، وهذه وحدها مساهمة لا يستهان بها.

لقد كان الجابري شديد الحساسية تجاه آفة الخلط، ولذلك سعى إلى تفكيك المتداخلات التي جعلت العقل العربي يشتغل في كثير من الأحيان داخل منطق التمويه المعرفي. فهو يميّز بين ما هو ديني وما هو تاريخي، بين النص المؤسِّس وبين قراءاته المتراكمة، بين العقل الفقهي بوصفه أداة اجتهاد وبين تحوّله إلى جهاز لتبرير الأمر الواقع، بين التصوف الأخلاقي المشروع وبين العرفان الباطني الذي يعلّق الحقيقة على الكشف الشخصي ويجعلها بمنأى عن المراجعة. ويمكن استحضار كلمة الشاطبي الدقيقة في هذا السياق: “المتّبع للدليل هو المتّبع للشرع، والمتّبع للهوى هو المتّبع لما سواه”. هذه العبارة على بساطتها الظاهرة تحمل في جوفها مطلبا جابريا بامتياز، أعني تحرير المعرفة من سلطان الأهواء المتلبّسة بلباس القداسة.

كما أنّ الجابري كان واعيا بأنّ معركة العقل ليست معركة ذهنية صرفة لأنّ أنظمة المعرفة لا تعيش في الفراغ بل تتغذى من البنى السياسية والاجتماعية. ولذلك لم يكن نقده للعقل العربي منفصلا عن نقده للعقل السياسي العربي ولا عن تحليله للبنية السلطانية التي حكمت تاريخ الدولة في الإسلام. فالسلطة كما قال فوكو “لا تُمارَس فقط بالقمع بل بإنتاج أنظمة الحقيقة”. وهذا المعنى حاضر بقوة في مشروع الجابري إذ لا يمكن فهم شيوع نمط معرفي دون فهم القوى التي منحته الشرعية وأقصت غيره. ومن هنا نفهم لماذا كان يعتبر أنّ إقصاء البرهان لم يكن حدثا معرفيا خالصا، بل كان له سند سياسي ومذهبي وثقافي. فالتاريخ لا يحسم لصالح الأصحّ نظريا دائما بل كثيرا ما يحسم لصالح الأقوى مؤسسيا ورمزيا.

إنّ مشروع الجابري قد أعاد الاعتبار إلى السؤال الفلسفي في الثقافة العربية من حيث هو سؤال في الشروط لا في النتائج فقط. لقد علّمنا أو حاول أن يعلّمنا أنّ الأزمة ليست في الأفكار التي نعلنها بل في البنى التي تنتج تلك الأفكار. قد نتكلم عن الحرية بعقلية استبدادية وعن الاجتهاد بعقلية تقليدية وعن الحداثة بأدوات تراثية مغلقة وعن العقل بمنطق لا عقلاني. لهذا كان لا بدّ من تفكيك “العقل الذي يفكر الحداثة” قبل الحديث عن الحداثة ذاتها. وهنا تتبدّى جدة مشروعه وعمقه.

على أنّ أهمية الجابري لا تعني التسليم المطلق بنتائجه. فالمفكر الكبير لا يُكرَّم بتحويله إلى سلطة جديدة، بل بإخضاعه للمساءلة التي دعا هو نفسه إليها. وإذا كان قد طالب بنقد التراث، فإنّ الإنصاف الفكري يقتضي أن نخضع مشروعه بدوره لنفس مقتضيات النقد. ذلك أنّ تقسيماته الكبرى على قوتها الإجرائية ليست حقائق نهائية وأنّ ترسيمه الحادّ بين البيان والعرفان والبرهان قد يفضي أحيانا إلى تبسيط مفرط لحركية التراث وتعقيداته. كما أنّ ميله إلى ردّ كثير من التوترات الفكرية إلى البنية المعرفية وحدها قد يجعل العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تبدو أحيانا في مرتبة ثانوية. ومع ذلك فإنّ هذه التحفظات لا تنقص من قيمة ما أنجزه بل تؤكد أنّه نجح في فرض نفسه بوصفه مفكرا من ذلك الطراز الذي لا يمكن المرور عليه مرورا عابرا.

لقد كان محمد عابد الجابري أحد أولئك الذين فهموا أنّ الأمة التي تعجز عن مساءلة أدوات تفكيرها تظلّ أسيرة إعادة إنتاج أزماتها وأنّ التراث الذي لا يتحول إلى موضوع للنقد يظلّ يتحول في الخفاء إلى سلطة تُدير الحاضر باسم الماضي. ومن هنا كانت معركته معركة تحرير للوعي أكثر من كونها مجرد معركة تأويلية. لقد أراد أن ينقل العقل العربي من منطق الاستظهار إلى منطق الفحص ومن التماثل مع الموروث إلى المسافة النقدية عنه ومن هيمنة البيان والعرفان إلى أفق البرهان ومن الانبهار بالماضي إلى القدرة على استعماله استعمالا تاريخيا لا عباديا.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن ننطلق منها في قراءة مشروعه لا بوصفه نصوصا متفرقة ولا بوصفه سلسلة مؤلفات فحسب، بل بوصفه محاولة كبرى لإعادة بناء شروط التفكير العربي من الداخل. إنّ الجابري لم يكن يبحث عن أجوبة جاهزة بل كان يعيد ترتيب السؤال ذاته، وهذه فضيلة الفلاسفة الكبار. فقد قال هايدغر إنّ “السؤال هو تقوى الفكر”، والجابري على اختلاف المرجعية والسياق كان من أولئك الذين أدركوا أنّ الفكر العربي لا يحتاج إلى كثرة الأجوبة بقدر ما يحتاج إلى شجاعة السؤال، سؤال العقل وسؤال التراث وسؤال المشروعية وسؤال النهضة وسؤال الممكن التاريخي.

وإذا كان هذا المشروع قد منحنا أدوات ثمينة لفهم علل الوعي العربي فإنّ قيمته القصوى تكمن في كونه أعاد إلى الفلسفة دورها النقدي داخل الثقافة العربية الحديثة بعد أن كادت تُختزل في التعليم المدرسي أو الترجمة أو الشرح. لقد جعلها أداةً لتشخيص العطب الحضاري وأداةً لإعادة ترتيب العلاقة بين النص والتاريخ والعقل. وهذا ما يفسّر أنّ حضوره ما يزال حيا لا لأنّه قال الكلمة الأخيرة بل لأنّه قال كلمات أولى لا غنى عنها لكل من يريد أن يفكر جديا في مصير العقل العربي.

غير أنّ قيمة المشاريع الفكرية الكبرى لا تُقاس فقط بما تفتحه من آفاق بل كذلك بما تثيره من اعتراضات وبما تكشفه من حدودها الداخلية حين تُعرَض على محكّ النقد الصارم. ومشروع محمد عابد الجابري على ما له من وزنٍ استثنائي في الثقافة العربية المعاصرة لا يشذّ عن هذه القاعدة. بل لعلّ من دلائل عظمته أنّه لم يمرّ في الحقل الفكري العربي مرورا هادئا ولم يُستقبل بوصفه خطابا توافقيا مطمئنا بل دخل منذ صدوره في قلب سجال حادّ لأنّه مسّ مناطق ظلّ الناس يتعاملون معها على أنّها حقائق بديهية أو مقدسات ثقافية غير قابلة للمراجعة. ومن ثمّ فإنّ الإنصاف العلمي لا يكتمل بالاحتفاء بجرأة الجابري وصرامته المنهجية بل يقتضي أيضا مساءلة اختياراته الكبرى والنظر في مواطن القوة التي رفعت مشروعه ومواطن التبسيط أو الانتقاء أو التحيّز المنهجي التي حدّت من مداه.

إنّ أوّل ما يلفت النظر في هذا السياق أنّ الجابري حين بنى تقسيمه الشهير للأنظمة المعرفية الثلاثة: البيان والعرفان والبرهان، لم يكن يصف مجرّد تيارات تاريخية متجاورة بل كان يؤسس لنموذج تفسيري واسع يجعل من هذا التقسيم مفتاحا لقراءة تاريخ العقل العربي كلّه تقريبا. وهذه هي نقطة قوته ونقطة هشاشته في آن. قوته لأنّه نجح في تحويل التعدد الفوضوي للمتون والمذاهب والفرق إلى خريطة مفهومية قابلة للفهم والمناقشة. وهشاشته لأنّ كل خريطة كبرى تنطوي بحكم طبيعتها على قدر من الاختزال. فالتراث العربي الإسلامي لم يكن في حقيقة أمره فضاءً صافياً يمكن فيه فصل البيان عن العرفان أو البرهان فصلا حاسما بل كان مجالا معقدا من التداخلات تتجاور فيه مناهج متباينة داخل النص الواحد أحيانا وداخل المفكر الواحد في أحايين كثيرة.

فالغزالي مثلا الذي لا يمكن إنكار ما مارسه من نقد حادّ للفلاسفة في تهافت الفلاسفة هو نفسه صاحب نزوع منطقي واضح في المستصفى وصاحب تمييز دقيق بين مراتب المعرفة في المنقذ من الضلال وصاحب حضور ذوقي وعرفاني لا يخفى في إحياء علوم الدين. فهل يمكن ردّه بسهولة إلى خانة واحدة؟ وابن تيمية الذي يُقدَّم عادة في صورة خصم للمنطق الأرسطي هو نفسه صاحب بناء استدلالي معقد، وصاحب اشتغال كثيف على المفاهيم والمعاني والحدود بل إنّ كتابه الرد على المنطقيين ليس نصا ضد العقل بل ضدّ نمط مخصوص من تنظيم العقل. وابن عربي رغم ما في مشروعه من عمق عرفاني لا جدال فيه لا يخلو من بناء اصطلاحي مفهومي بالغ الدقة يجعل اختزاله في “اللاعقلانية” حكما متعجلا. إنّ هذه الأمثلة وغيرها تكشف أنّ تصنيف الجابري على نجاعته الإجرائية قد يُغري أحيانا بتحويل الأنظمة المعرفية إلى جزر مغلقة، والحال أنّ التراث في كثير من صوره كان أكثر سيولة وتعقيدا.

وهنا بالضبط تظهر واحدة من أبرز الاعتراضات التي وُجّهت إلى الجابري ومفادها أنّه حوّل أدوات التحليل إلى سلطة تفسيرية تكاد تطغى على موضوعها. فبدل أن تبقى الثلاثية الجابرية أداة تقريبية لفهم التوترات المعرفية داخل التراث، تحوّلت أحيانا إلى معيار مسبق يُعاد من خلاله ترتيب النصوص والأعلام ترتيبا يخدم الفرضية أكثر مما ينصت إلى المادة التاريخية نفسها. وهذا ما تنبّه إليه جورج طرابيشي في مشروعه النقدي الضخم نقد نقد العقل العربي حيث اشتغل سنوات طويلة على تفكيك كثير من أحكام الجابري لا بدافع المناكفة بل بدافع إعادة فحص النصوص ذاتها. وقد كان طرابيشي حادا في هذا الباب حتى إنّه رأى أنّ الجابري “يقرأ التراث بعين تريد أن ترى ما قررت سلفا أن تراه”. وقد لا يصحّ التسليم المطلق بهذه العبارة لما فيها من شدّة غير أنّها تلامس مسألة حقيقية، هل كان الجابري يكتشف البنية فعلاً أم كان يعيد بناءها بما ينسجم مع رهانه الإيديولوجي والمعرفي؟.

لقد قدّم طرابيشي اعتراضات كثيرة بعضها جزئي وبعضها تأسيسي. ومن أظهرها اعتراضه على ما عدّه “المبالغة في مغربة العقلانية” و”مشرقة العرفان”، أي ذلك الميل الواضح عند الجابري إلى تقديم الغرب الإسلامي وخصوصا الأندلس والمغرب بوصفه فضاء البرهان والعقلانية العملية، مقابل المشرق الذي يكثر فيه بحسب تصوّره العرفان والتأويل الباطني وهيمنة اللامعقول. ولا ريب أنّ هذا التوزيع وإن كان يستند إلى شواهد تاريخية معتبرة لا يخلو من تعميم مفرط. فالمشرق عرف الكندي والفارابي وابن سينا وابن الهيثم والرازي والجرجاني وغيرهم من كبار العقلانيين كما عرف الغرب الإسلامي أشكالا من التصوف والرمزية والتأويل لا تقلّ كثافة عمّا في المشرق. بل إنّ الثقافة الإسلامية في مجملها كانت فضاءً للتداول والتأثير المتبادل أكثر من كونها أقاليم مغلقة ذات جوهر معرفي ثابت.

وهذا يقود إلى مسألة أعمق، هل كان الجابري في بعض مواضع مشروعه أسيرا لرهان هويّاتي مغربي غير معلن؟ ليس المقصود هنا اتهامه بنزعة جهوية ساذجة فهذا تبسيط لا يليق، بل المقصود أنّه وجد في السلسلة المغربية الأندلسية مادة خصبة لبناء سردية عقلانية مضادة فربّما بالغ في تحميلها ما لا تحتمل تاريخيا. لقد احتاج إلى ابن رشد بوصفه رمزا واحتاج إلى الشاطبي بوصفه عقلانية مقاصدية واحتاج إلى ابن خلدون بوصفه عقلانية عمرانية، لأنّ مشروعه كان يبحث عن “سلالة بديلة” داخل التراث يمكن أن تؤسس لحداثة عربية ممكنة. وهذه حاجة مفهومة من حيث البناء الفكري، لكنها تظلّ معرّضة لخطر الانتقائية لأنّ التراث لا يُستخرج منه ما نريد فقط، بل ما يفرضه هو أيضا من تعقيد وممانعة.

وقد نبّه طه عبد الرحمن من جهته إلى وجه آخر من أوجه الإشكال في المشروع الجابري. فطه على خلاف طرابيشي الذي اشتبك مع الجابري في المستوى النصّي والتاريخي على نحو واسع دخل معه في صلب الرهان الفلسفي ذاته أي في طبيعة العقل ومعنى الحداثة ومفهوم التراث. لقد رأى طه أنّ الجابري في عمق اختياره يشتغل بعقل “مجرَّد” أكثر مما يشتغل بعقل “مؤيَّد”، أي بعقل يطلب الصرامة الإجرائية والنسقية لكنه يضيق بأبعاد الإنسان الوجودية والأخلاقية والروحية. وفي نظر طه لم يكن العرفان مجرّد انحراف معرفي كما صوّره الجابري في مواضع كثيرة بل كان يمثل بعدا من أبعاد التجربة الإنسانية لا يجوز شطبه باسم البرهان. وقد عبّر عن هذا المعنى في أكثر من كتاب حين شدّد على أنّ اختزال التراث في ما يقبل المعايير العقلانية الحديثة وحدها نوعٌ من “القطيعة غير المشروعة” مع الإمكان الإبداعي الكامن في المجال التداولي الإسلامي.

إنّ اعتراض طه هنا بالغ الأهمية لأنّه لا يدافع عن العرفان دفاعا ساذجا أو شعاراتيا بل يعترض على التصور الضمني للعقل الذي يحكم مشروع الجابري. فالجابري وإن كان ناقدا للحداثة العربية الناقصة ظلّ في نظر طه متأثرا بنموذج من العقلانية الحديثة يجعل من البرهان الصوري أو الإبستمولوجي معيارا شبه مطلق للحقيقة، فيُهمَّش بذلك ما يتصل بالذوق الأخلاقي والتزكية والتجربة الوجودية والحضور العملي للقيم في بناء الإنسان. ولهذا كان طه يردّد أنّ “العقل ليس واحدا في فعله بل تتعدد وجوهه بتعدد مجالاته”، وأنّ “العمل أصل العلم” وأنّ الحقيقة لا تستكمل إلا إذا اقترنت بالتخلّق. وفي هذا المعنى يبدو الخلاف بين الرجلين أعمق من خلاف على قراءة التراث، لأنّه خلاف على معنى العقل ذاته: أهو آلة للتمييز المنطقي فحسب أم هو فعل وجودي أخلاقي روحي مركب؟.

ومع ذلك ينبغي الاحتراز من الوقوع في مقابلة سهلة بين “جابرية عقلانية” و”طهائية روحية”، لأنّ الجابري نفسه لم يكن غافلا عن البعد العملي للعقل، وقد ظهر ذلك في احتفائه بالشاطبي وفي تركيزه على المقاصد وفي حديثه عن “العقل الأخلاقي العربي” وإن على نحو أقلّ حضورا من نقده للعقل النظري والسياسي. غير أنّ الإشكال يبقى قائما، لقد كان الجابري في مجمل مشروعه يميل إلى الشكّ في كل ما يتجاوز قابلية الفحص البرهاني وهو ميل مفهوم في سياق مقاومة الخرافة والتسليم والغنوص، لكنه قد يتحول إلى استبعاد سريع لأشكال من المعرفة والتجربة لا تُختزل في النموذج البرهاني الصارم.

وهنا تظهر مسألة “العرفان” باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية في مشروعه. فقد قدّم الجابري العرفان في أغلب صوره بوصفه نمطا معرفيا مباينا للعقلانية يقوم على الكشف والسرّ والباطن وسلسلة التلقي غير القابلة للمراجعة العامة. وهذا الوصف لا يخلو من وجاهة حين يتعلق الأمر بالاتجاهات الغنوصية المغالية أو الباطنية السياسية أو التأويلات التي تنقل الحقيقة من المجال التداولي المشترك إلى حيز النخبوية المغلقة. لكنّ التعميم هنا يوقع في ظلمٍ واضح لكثير من أشكال التصوف السنّي والأخلاق الروحية التي كانت جزءا من تربية الضمير الإسلامي لا جزءا من تقويض العقل. لقد كان أبو حامد الغزالي يقول: “العقل كالبصر السليم، والقرآن كالشمس المضيئة”، وهي عبارة تكشف عن علاقة تكامل لا علاقة خصومة بين العقل والهداية. وكان الجنيد يصرّ على أنّ “طرقنا هذه مقيدة بالكتاب والسنة”، أي أنّ التجربة الروحية لا تنفصل عن معيارية الشريعة. بل إنّ كثيرا من المتصوفة الكبار لم يروا في الذوق نقيضا للعقل بل رأوا فيه درجةً من التحقق العملي بعد الاستدلال لا بديلا عنه.

إنّ اختزال العرفان في صورة واحدة يفضي من حيث لا يشعر صاحبه إلى إعادة إنتاج نوع آخر من الأحادية. فإذا كان الجابري قد حارب الأحادية البيانية والعرفانية باسم التعدد النقدي فإنّ تحويل البرهان إلى مركز شبه مطلق قد يفضي بدوره إلى اختزال آخر أقلّ صخبا لكنه لا يقلّ أثرا. فالثقافة لا تعيش بالمنطق وحده كما أنّ الإنسان لا يُختزل في كونه ذاتا استدلالية فقط. وقد سبق لباسكال أن قال عبارته الشهيرة: “للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل”، وهي عبارة أسيء استعمالها كثيرا لتبرير اللاعقلانية، لكنها في أصلها تنبّه إلى تعدد طبقات الخبرة الإنسانية. والجابري في بعض لحظات مشروعه بدا كأنّه يخشى هذا التعدد خشيةً مفرطة فيُسارع إلى تطويقه ضمن خرائط صارمة.

ومن وجوه الاعتراض أيضا أنّ الجابري رغم حديثه عن القطيعة الإبستمولوجية وحرصه على التمييز بين مستويات القراءة، لم يتحرر دائما من حضور الرهان الإيديولوجي داخل بناء المعرفة. لقد كان يكتب في زمنٍ مشحون بسؤال النهضة والحداثة والهوية والدولة وكان من الطبيعي أن يتسلل هذا السياق إلى اختياراته. لكنه أحيانا يجعل القارئ يشعر بأنّ بعض الأحكام الكبرى صيغت تحت ضغط الحاجة إلى تأسيس موقف معاصر أكثر مما صيغت تحت ضغط الإنصات الكامل للمادة التراثية. فحين يُقدَّم ابن رشد بوصفه ممثل العقل العربي الممكن، ويُقدَّم العرفان بوصفه آفةً كبرى ويُعاد ترتيب التراث كلّه تقريبا وفق هذه الثنائية الموسّعة، فإنّنا نكون إزاء “سردية إنقاذ” أكثر من كوننا إزاء تاريخ معرفي محض. ولا ضير في السرديات إذا وعَت حدودها لكنّ الإشكال يبدأ حين تُقدَّم على أنّها الوصف الأدقّ والنهائي لحقيقة التراث.

إنّ مشروع الجابري كان في جانب منه مشروع “اختيار” بقدر ما كان مشروع “تحليل”. لقد اختار من التراث ما يخدم إمكان الحداثة العقلانية التي ينشدها واختار من الحداثة ما يسمح بقراءة التراث دون الوقوع في القطيعة المطلقة معه. وهذه ميزة، لأنّ المفكر الذي لا يختار يظلّ أسير الوصف المحايد العقيم. لكنها أيضا موطن حرج لأنّ الاختيار قد ينقلب إلى اصطفاء موجّه يضيّق من ثراء الموضوع. ولذلك قال غادامير في معنى قريب، إنّ الفهم ليس نقلا بريئا للمعنى بل هو دائما لقاء بين أفق النص وأفق القارئ. والجابري كان قارئا ذا أفق قوي جدا حتى إنّ هذا الأفق كان يطبع النصوص بطابعه أحيانا.

ومع ذلك فإنّ كل هذه الاعتراضات على وجاهة كثير منها لا ينبغي أن تحجب الحقيقة الأساسية، وهي أنّ الجابري أعاد إلى الفكر العربي قيمة “البناء النظري الكبير”. ففي زمن كثرت فيه المقالات الجزئية والقراءات الانطباعية والمواقف الإيديولوجية السريعة، قدّم هو مشروعا متماسكا نسبيا له جهاز مفاهيمي وله فرضيات واضحة وله مادة تراثية واسعة وله امتداد في قضايا العقل السياسي والعقل الأخلاقي والعقل التربوي وهذه ميزة نادرة. فحتى خصومه الكبار اضطروا إلى أن يرتفعوا إلى مستواه في الجدل لأنّ الردّ على مشروع من هذا الحجم لا يكون إلا بمشروع مضاد أو بعمل نقدي ضخم، وهذا وحده دليل على أنّه نقل النقاش من سطح الخطابة إلى عمق النظر.

لقد أصاب الجابري بلا ريب حين أدرك أنّ الأزمة العربية ليست أزمة معلومات بل أزمة بنية عقلية. وأصاب حين فهم أنّ تقديس التراث أو شيطنته وجهان لعجز واحد عن قراءته قراءة تاريخية نقدية. وأصاب حين أعاد الاعتبار إلى ابن رشد لا بوصفه أثرا متحفيا بل بوصفه إمكانا عقليا يحتاج إلى بعث جديد. وأصاب حين بيّن أنّ كثيرا من أنماط التفكير السائدة ما تزال أسيرة القياس اللغوي أو الشرعي المغلق أو أسيرة سلطة الباطن والرمز غير القابلين للمناقشة العمومية، وأصاب حين جعل من الفلسفة أداة لتحرير الوعي لا مجرد درسٍ مدرسي في تاريخ الأفكار.

لكنه أخطأ أو على الأقل ضيّق أفق مشروعه حين بالغ في الثقة بصلابة تقسيماته وحين حمّل العرفان أوزارا تتجاوز حدوده الفعلية وحين جعل من الرشدية مركزا شبه خلاصِي وحين بدا في بعض المواضع كأنّه يريد أن يجد في التراث ما يبرّر حداثة سبق أن اختارها أكثر مما يريد أن يترك التراث نفسه يكشف عن تناقضاته وإمكاناته دون توجيه مفرط. وهذا لا يسقط مشروعه بل يجعله مشروعا بشريا كبيرا قابلا للتجاوز من داخل قوته لا من خارجها.

إنّ المفكر الكبير لا يخطئ لأنّه ضعيف بل لأنّه يغامر، والجابري كان من طراز المفكرين الذين غامروا على نطاق واسع. لقد وضع يده على بنية معقدة وحاول أن يعيد تركيبها فكان طبيعيا أن يُخطئ في بعض المواضع وأن يُبالغ في بعض الأحكام وأن يثير حوله اعتراضات حادّة. غير أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في أخطاء المشاريع الكبرى بل في غياب المشاريع الكبرى أصلا، فالخطأ داخل الأفق الخصب خير من الصواب داخل الفراغ.

وتبرز هنا قيمة الجابري اليوم، لا بوصفه خاتمةً للفكر العربي بل بوصفه بدايةً متجددة لأسئلة لا تزال مفتوحة. لقد علّمنا أنّ التراث ليس كتلة واحدة وأنّ العقل العربي ليس ماهية ثابتة وأنّ ما نظنه أحيانا “طبيعة ثقافية” ليس سوى تاريخ متراكم من الاختيارات والانتصارات والهزائم. وعلّمنا أنّ الحداثة لا تُبنى بالاستيراد الآلي كما لا تُبنى بالتحصّن المرضي داخل الماضي بل ببناء مسافة نقدية مزدوجة، مسافة عن التراث تسمح بفهمه ومسافة عن الحداثة تسمح بامتلاكها لا الذوبان فيها وهذه من أعسر المعادلات، وقد حاول الجابري أن ينجزها بما تيسّر له من أدوات وشروط.

إنّ الحاجة إلى قراءة الجابري اليوم أشدّ ممّا كانت عليه في زمنه، لأنّ كثيرا من الأعراض التي شخّصها لم تبرح مكانها بل لعلّ بعضها ازداد حدّة. فما زالت الثقافة العربية تعاني من التباس العلاقة بين النص والتاريخ وبين الدين والتديّن وبين العقل والسلطة وبين المعرفة والهوية. وما زالت كثير من أشكال الخطاب العام تعيد إنتاج البيان المغلق أو العرفان الشعبوي أو الأيديولوجيا المتستّرة بلباس الأصالة. وفي مقابل ذلك ما زالت محاولات التحديث تعاني من هشاشة معرفية لأنها تستعير أدوات العصر دون أن تنجح دائما في تفكيك البنية العميقة التي تعوق استقبالها. وهنا يظلّ درس الجابري قائما لا نهضة بلا نقد للعقل الذي يتلقى النهضة.

ولعلّ أبلغ ما يمكن أن نختم به أيسطرنا هاته أنّ الجابري لم يكن مجرد قارئ للتراث بل كان قارئا لشرطنا الحضاري من خلال التراث. لم يكن همه أن يقول لنا ماذا قال القدماء فقط بل أن يكشف لنا كيف نفكر نحن حين نظنّ أننا نقرأ القدماء. وهذا التحويل من موضوع التراث إلى ذات القارئ هو جوهر مشروعه. فقد جعلنا نرى أنّ المعضلة ليست في الكتب القديمة وحدها بل في الطريقة التي تُقيم بها تلك الكتب داخل وعينا الحاضر وفي نوع السلطة التي نمنحها لها وفي نوع العجز الذي نُسقِطه عليها أو نستمدّه منها.

إنّ محمد عابد الجابري يظلّ واحدا من أكبر من حملوا همّ العقل العربي بجدية فلسفية نادرة، وواحدا من أقلّ المفكرين العرب الذين اشتغلوا على مشروع متكامل بهذا القدر من الاتساع والصرامة والوضوح النسبي. لقد قدّم لنا أدوات نافعة وفرض علينا أسئلة لا مهرب منها وفتح سجالا لم يُغلق بعد وترك أثرا عميقا في طرائق قراءة التراث والحداثة معا. لكنّه في الوقت نفسه لم يقدّم كلمة نهائية ولم ينجُ من الانتقاء ولم يتحرر كليا من رهانات عصره ومقتضيات اختياره الإيديولوجي والمعرفي. ولهذا فإنّ الوفاء الحقيقي له لا يكون بتقديسه بل بمواصلة ما بدأه ضدّ ما قد يكون رسّخه هو نفسه من يقينيات جديدة.

لقد كان الجابري يريد تحرير العقل العربي من استقالته، لكنّ تحرير العقل لا يكتمل إلا إذا امتدّ هذا التحرير إلى قراءة الجابري نفسه. وهذا ليس انتقاصا منه بل هو أعلى صور الاعتراف به. فالفكر الذي لا يحتمل النقد ليس فكرا حيا والمفكر الذي يتحول إلى سلطة صامتة ينقلب من حيث لا يشعر محبّوه إلى نقيض ما دعا إليه. ومن ثمّ فإنّ الجابري الحقيقي ليس ذلك الاسم الذي نكرّره بإجلال بل ذلك السؤال الذي يظلّ يقلقنا، بأيّ عقل نفكر؟ ومن أيّ تراث ننطلق؟ وكيف نبني حداثة لا تنكر ذاكرتنا ولا تستسلم لها؟ وأيّ معنى للعقل إذا لم يكن قادرا على مساءلة أصوله وحدوده وأوهامه؟.

في هذا الأفق يبقى مشروع محمد عابد الجابري حدثا فلسفيا عربيا بامتياز، حدثا لا لأنّه أغلق باب الأسئلة بل لأنّه فتحها على مصاريعها. حدثا لا لأنّه قدّم نموذجا مكتملا بل لأنّه أعاد إلينا شجاعة المحاولة. حدثا لا لأنّه انتصر نهائيا في معركته بل لأنّه جعل المعركة ممكنة. وتلك في تاريخ الأفكار منزلة لا ينالها إلا القليل.

***

د. حمزة مولخنيف

المقدمة: في زمن تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية، وتتزاحم فيه الآراء قبل أن تنضج الأفكار، تبدو الفلسفة أكثر من مجرد حقل معرفي متخصص؛ إنها ضرورة ثقافية لإعادة ترتيب وعينا. فالفلسفة ليست تراكماً لمصطلحات معقدة، بل هي تمرين دائم على التفكير النقدي، وسعيٌ لفهم الوجود والمعرفة والقيم في سياق حياتنا اليومية. ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى المفاهيم الفلسفية الكبرى بوصفها مفاتيح لإدراك أعمق للواقع والإنسان.

أولاً: سؤال الوجود… بين الماهية والحرية

انشغل الفكر الفلسفي منذ بداياته بسؤال الوجود: ما حقيقة العالم؟ وما طبيعة الإنسان فيه؟ فالميتافيزيقا بحثت في ما وراء الظواهر، بينما سعت الأنطولوجيا إلى تحديد طبيعة الكائنات والتمييز بين الجوهر والعرض، وبين الماهية والوجود. هذه الأسئلة ليست بعيدة عن حياتنا؛ فهي تحضر حين نتساءل عن هويتنا: هل نحن ما نرثه أم ما نختاره؟

ومع تطور الفكر الحديث، أعادت الوجودية الاعتبار للفرد بوصفه كائناً حراً يصوغ معناه بنفسه، في مقابل تصورات حتمية ترى الإنسان خاضعاً لشروط صارمة. وهنا تتحدد قيمة الحرية بوصفها أساس المسؤولية، فلا معنى للمسؤولية من دون قدرة على الاختيار.

ثانياً: إشكالية المعرفة… بين العقل والتجربة

في ميدان المعرفة، انقسم الفلاسفة بين العقلانية التي جعلت العقل المصدر الأعلى للمعرفة، والتجريبية التي ربطتها بالحسّ والخبرة. وبينهما ظهر الشكّ أداةً لا لهدم اليقين بل لاختباره. فالمنطق، والقياس، والاستقراء، والاستنباط، ليست أدوات نظرية جامدة، بل وسائل لحماية التفكير من التسرع والانخداع.

وفي عصر الإعلام الرقمي، تزداد الحاجة إلى الموضوعية والتمييز بين الرأي والحقيقة. فالسؤال الفلسفي عن طبيعة الحقيقة لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة لحماية الوعي الجمعي من التضليل وسوء الفهم.

ثالثاً: سؤال القيم… العدالة بين الإطلاق والنسبية

إذا كان سؤال الوجود يتعلق بما نحن عليه، وسؤال المعرفة بما نعرفه، فإن سؤال القيم يتعلق بما ينبغي أن نكونه. وقد درست الأكسيولوجيا الخير والجمال، وظهر الجدل بين من يجعل الفضيلة معياراً أخلاقياً، ومن يربط الفعل بالمنفعة، ومن يؤكد مركزية الواجب.

وفي المجال السياسي، برز مفهوم العقد الاجتماعي لتفسير نشأة الدولة، وارتبط به البحث في العدالة والمساواة والسلطة والشرعية. وهذه المفاهيم ليست بعيدة عن واقعنا العربي، إذ يتجدد النقاش حول معنى العدالة، وحدود السلطة، وأسس الشرعية في مجتمعات تمر بتحولات عميقة.

الخاتمة

إن استحضار المفاهيم الفلسفية الكبرى اليوم ليس استعادةً للماضي، بل محاولة لإحياء روح السؤال في حاضر مضطرب. فالفلسفة لا تقدم أجوبة جاهزة، لكنها تمنحنا القدرة على التفكير قبل الحكم، وعلى الفهم قبل الرفض، وعلى الحوار بدل الإقصاء.

ولعل الحاجة الملحّة في مجتمعاتنا ليست إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مزيد من الوعي النقدي؛ ذلك الوعي الذي يجعل من الحرية مسؤولية، ومن الاختلاف ثراءً، ومن السؤال بدايةً لكل معرفة حقيقية. هكذا تظل الفلسفة دفاعاً دائماً عن إنسانية الإنسان، وعن حقه في أن يفكر… بعمق وهدوء ومسؤولية.

***

م.م. ندى صباح أسد الله

كلية الآداب/جامعة بغداد

 

قراءة في مشروع إعادة بناء الفكر العربي المعاصر

تمهيد: التراث كسؤال نهضوي في الفكر العربي الحديث

لم يعد سؤال التراث في الفكر العربي المعاصر مجرد انشغال بالماضي أو استعادةٍ لوقائع تاريخية منتهية، بل تحول إلى إشكال معرفي وحضاري يرتبط مباشرة بإمكانات النهضة العربية وحدودها. ففي سياق التحولات الفكرية التي عرفها العالم العربي منذ القرن العشرين، برز مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري باعتباره أحد أكثر المشاريع الفكرية طموحًا في إعادة التفكير في العلاقة بين التراث والحداثة، ليس عبر القطيعة مع الماضي، ولا عبر تقديسه، بل من خلال إخضاعه لقراءة نقدية عقلانية.

لقد سعى الجابري إلى تحويل التراث من عبء تاريخي إلى أداة معرفية، ومن مادة للتكرار إلى مجال للتحليل، واضعًا بذلك أسس مشروع فكري يهدف إلى إعادة بناء العقل العربي على قاعدة نقدية حديثة.

أولاً: التراث بوصفه بنية فكرية لا مخزونًا تاريخيًا

ينطلق الجابري من تصور مغاير للتراث، إذ لا يراه مجرد مجموعة نصوص موروثة، بل منظومة فكرية ما تزال فاعلة في تشكيل الوعي العربي المعاصر. فالتراث، في نظره، ليس ماضيًا منقطعًا، وإنما حاضرٌ مستمر داخل أنماط التفكير والسلوك الثقافي والسياسي.

ومن هنا انتقد الجابري المقاربات العربية التي تعاملت مع التراث تعاملاً انتقائيًا، فبعضها سعى إلى تمجيده دون نقد، بينما اتجه بعضها الآخر إلى رفضه بدعوى الحداثة. وفي الحالتين، يرى الجابري أن الفكر العربي ظل أسير موقف غير علمي، لأنه لم ينجح في تحويل التراث إلى موضوع للمعرفة النقدية.

إن القراءة التي يقترحها تقوم على إعادة بناء العلاقة مع التراث عبر فهم شروط إنتاجه التاريخية، والكشف عن بنياته المعرفية الداخلية، بما يسمح بتحرير العقل العربي من سلطة الفهم التقليدي دون الوقوع في تبعية فكرية للغرب.

ثانياً: الحداثة من داخل التراث لا من خارجه

يرفض الجابري فكرة استيراد الحداثة باعتبارها نموذجًا جاهزًا يمكن نقله من سياقه الأوروبي إلى المجال العربي. فالحداثة، حسب تصوره، ليست مجموعة مؤسسات أو تقنيات، بل نمط تفكير يتشكل تاريخيًا داخل المجتمع نفسه.

لذلك دعا إلى بناء حداثة عربية تنطلق من إعادة قراءة التراث قراءة عقلانية، تسمح باستخراج عناصره القابلة للتجديد. فالمشكلة لا تكمن في وجود التراث، بل في طريقة التعامل معه؛ إذ إن الجمود الفكري نتج عن تحويل التراث إلى مرجعية مغلقة بدل اعتباره تجربة تاريخية قابلة للنقد والمراجعة.

وبهذا المعنى، تصبح قراءة التراث خطوة تأسيسية في مشروع النهضة، لأنها تتيح فهم جذور الإشكالات الفكرية التي ما تزال تؤثر في الواقع العربي المعاصر.

ثالثاً: من نقد التراث إلى نقد العقل العربي

يمثل انتقال الجابري إلى مشروع نقد العقل العربي مرحلة متقدمة في مساره الفكري، حيث لم يعد الاهتمام منصبًا على النصوص التراثية في ذاتها، بل على البنية الذهنية التي أنتجتها واستمرت في إعادة إنتاجها.

وقد ميز الجابري بين العقل العربي والعقل الإسلامي، مركزًا على الأول باعتباره نتاجًا ثقافيًا تشكل داخل اللغة العربية ومجالاتها المعرفية. فالعقل العربي، في تصوره، ليس كيانًا بيولوجيًا أو عرقيًا، بل منظومة معرفية تشكلت تاريخيًا عبر تفاعل اللغة والسياسة والأخلاق والمعرفة.

ومن خلال هذا التحليل، حدد الجابري ثلاثة مجالات أساسية لعمل العقل العربي:

العقل المعرفي المرتبط بأنماط إنتاج المعرفة،

العقل السياسي المتصل ببنية السلطة،

العقل الأخلاقي المرتبط بمنظومات القيم.

وقد سمح هذا التفكيك بالكشف عن العلاقة الوثيقة بين المعرفة والإيديولوجيا داخل التراث، موضحًا كيف ساهمت بعض البنى الفكرية في إعاقة تشكل عقل نقدي حديث.

رابعاً: الجابري وأركون: اختلاف المنهجين واتساع الأفق النقدي

يبرز مشروع الجابري بصورة أوضح عند مقارنته بمشروع محمد أركون، الذي اتجه إلى دراسة ما سماه "العقل الإسلامي" ضمن أفق أنثروبولوجي واسع يدمج مختلف الثقافات الإسلامية.

بينما اختار الجابري مقاربة إبستيمولوجية أكثر تحديدًا، ركزت على تحليل العقل العربي من داخله اللغوي والثقافي. فهدفه لم يكن دراسة الدين بوصفه ظاهرة لاهوتية، بل فهم آليات التفكير التي حكمت إنتاج المعرفة في الحضارة العربية الإسلامية.

هذا الاختلاف يعكس تباينًا منهجيًا عميقًا:

 يسعى أركون إلى تفكيك البنية الدينية عبر أدوات العلوم الإنسانية الحديثة، في حين يعمل الجابري على إعادة تنظيم التراث العقلاني العربي لإعادة تأسيس مشروع نهضوي من الداخل.

خامساً: نحو إعادة تأسيس الوعي العربي

تكمن أهمية مشروع الجابري في كونه محاولة لإعادة بناء الوعي العربي على أساس نقدي يوازن بين الانتماء التاريخي والانفتاح الكوني. فهو لا يدعو إلى القطيعة مع الماضي، ولا إلى الذوبان في الحداثة الغربية، بل إلى ممارسة نقد مزدوج: نقد التراث ونقد آليات تلقي الحداثة معًا.

وبذلك يصبح التراث مجالًا للفهم لا للتقديس، وتصبح الحداثة مشروعًا تاريخيًا يُبنى تدريجيًا داخل المجتمع العربي نفسه. ومن هنا يمكن اعتبار مشروع الجابري أحد أهم المحاولات الفكرية التي سعت إلى تحرير العقل العربي من ثنائية الأصالة والتبعية، عبر تأسيس عقل نقدي قادر على إنتاج المعرفة لا مجرد استهلاكها.

خاتمة

إن قراءة محمد عابد الجابري للتراث لا تمثل مجرد اجتهاد فلسفي معاصر، بل مشروعًا متكاملًا لإعادة صياغة العلاقة بين الماضي والحاضر في الفكر العربي. فقد حاول من خلال نقد العقل العربي الكشف عن الشروط المعرفية التي أعاقت تشكل الحداثة العربية، واضعًا بذلك أسس رؤية فكرية تسعى إلى تحقيق نهضة تقوم على الوعي التاريخي والعقلانية النقدية.

وهكذا يتحول التراث، في أفق مشروعه، من ذاكرة ساكنة إلى قوة فاعلة في بناء المستقبل.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث مغربي

....................

لائحة المصادر والمراجع

أركون، محمد. (1984). نقد العقل الإسلامي. بيروت: مركز الإنماء القومي.

الجابري، محمد عابد. (1991). تكوين العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

الجابري، محمد عابد. (1993). بنية العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

الجابري، محمد عابد. (1999). العقل السياسي العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

الجابري، محمد عابد. (2003). الدين والدولة وتطبيق الشريعة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

بلقزيز، عبد الإله. (2011). من النهضة إلى الحداثة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

دراسة إبستمولوجية في مأزق المثقف

تشخيص الانشطار المعرفي: تشهد الساحة الفكرية في الشرق الأوسط، وتحديداً في الفضاءين العربي والإسلامي، مخاضاً فلسفياً مستمراً منذ منتصف القرن التاسع عشر؛ حيث تبلورت الاستجابة للتحدي الحضاري الغربي كبنية ذهنية "منشطرة" تحاول التوفيق بين مرجعيتين متنافرتين في الأسس والمنطلقات: مرجعية التراث (الأصالة) المتجذرة وجدانياً وتاريخياً، ومرجعية الحداثة (المعاصرة) الوافدة بأدواتها العقلانية النقدية. إن هذا الانشطار المعرفي ليس مجرد اختلاف في المناهج، بل هو تجسيد لـ "قلق حضاري" يعجز فيه العقل عن إحداث "قطيعة إبستمولوجية" تامة مع الماضي، أو الانخراط الكلي في قيم الحداثة، مما أدى إلى نشوء أزمات بنيوية جعلت الفكر الفلسفي يراوح مكانه بين "اجترار التراث" و"تغريب المعرفة."

في هذا السياق، يبرز استدعاء المفاهيم الغزالية الكلاسيكية "التهافت" و"الفيصل" ليس فقط كعناوين لكتب تاريخية، بل كآليات تحليلية لفهم "ادعاءات" المثقف المعاصر الذي يحاول ممارسة التفلسف في بيئة محاصرة بالتابوهات والوصاية الأيديولوجية.

التكوين التاريخي للانشطار المعرفي وقلق النهضة

بدأ التكوين الفكري لهذه الثنائية مع إدراك الفجوة الزمنية والحضارية التي تفصل الشرق عن الغرب، حيث حفز الإحساس بالدونية التقنية الرغبة في التغيير، إلا أن المسار انشطر إلى تيارين متصارعين: تيار سلفي يرى في استعادة "الماضي الذهبي" درعاً ضد الاستلاب، وتيار تغريبي يرى في النموذج الغربي الطريق الأوحد للخروج من الركود. إن هذا الانقسام لم يظل تنظيمياً، بل تسلل إلى داخل الذات المفكرة؛ حيث بات المثقف العربي يعاني من "ازدواجية الولاء المعرفي"، فهو يستخدم أدوات المنهج الغربي كالتفكيكية والبنيوية لتحليل نصوصه التراثية، أو يستدعي مفاهيم تراثية عتيقة لتبرير تبنيه لمنتجات الحداثة.

يعد الإمام أبو حامد الغزالي الشخصية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الفكر الإسلامي، ليس فقط بسبب تحولاته الروحية، بل لما تركه من أثر عميق في مسار العلاقة بين العقل الفلسفي والنص الديني. إن فهم موقف الغزالي من الفلاسفة لا يستقيم دون استحضار البيئة السياسية المتفجرة في ظل الدولة السلجوقية؛ حيث كانت الفلسفة تمثل "العمود الفقري" المعرفي للدعوة الباطنية التي هددت شرعية الخلافة السنية. جاء كتابه "تهافت الفلاسفة" ليمثل ذروة النقد الغزالي، حيث ناقش عشرين مسألة أظهر فيها أن الفلاسفة (الفارابي وابن سينا تحديداً) لم يلتزموا في "الإلهيات" بالبراهين التي وضعوها في المنطق، وأن كلامهم فيها هو ضرب من "التخمين والظن".

المواربة المعرفية: آليات التخفي وسيكولوجيا الخوف

تعد "المواربة المعرفية" (أو التقية الفكرية) مفهوماً مركزياً في فهم ادعاءات الفلسفة المعاصرة، وهي تعني حجب العلم أو استبداله بلغة رمزية مواربة لتمرير الأفكار دون الصدام مع السلطة أو المجتمع. هذه الممارسة ليست جديدة، فلها جذور في التاريخ الإسلامي، لكنها في العصر الحديث تعكس "عجزاً" عن المواجهة الفكرية الصريحة.

إن المواربة المعرفية هي نتاج مباشر لـ "سيكولوجيا الخوف" التي تسيطر على المثقف؛ حيث يضطر لإنتاج "نص مزدوج": ظاهر يقدم فروض الولاء للمنظومات السائدة، وباطن يحمل بذور النقد والتفكيك. هذا النهج أنتج فكراً "ضبابياً" يفتقر إلى الوضوح اللازم للمنافسة العالمية، وتحولت الممارسة الفلسفية إلى نوع من "الجمباز اللغوي" الذي يستهلك طاقة المثقف في التحايل بدلاً من الإنتاج الإبداعي. إنها ليست مجرد حذر سياسي، بل هي عائق إبستمولوجي يمنع العقل من بلوغ تخومه القصوى، مما يجعل الفلسفة المعاصرة في حالة "تهافت" مستمر بين ما تريد قوله وما تستطيع الجهر به.

إبستمولوجيا العوائق: الثالوث المحرم

لا يمكن سبر أغوار الانشطار المعرفي دون فحص "الثالوث المحرم" (الدين، السياسة، الجنس) الذي يشكل جداراً برلينياً أمام العقل النقدي. تظل الفلسفة محاصرة بتابوهات تمنع التفكير من بلوغ غاياته:

تابو الدين: يظل الدين العائق الأكثر تعقيداً؛ إذ يُنظر إليه كمنظومة ما ورائية مطلقة لا كحقل للدراسة. المفكر الذي يسعى لتشريح المنظومة العقدية يصطدم مباشرة بـ "حراس المعبد"، مما يعزز ممارسة المواربة المعرفية المذكورة آنفاً.

تابو السياسة: توظف السلطات المنظومات الذهنية التقليدية كأداة للضبط الاجتماعي، فتتحول الفلسفة من أداة للتحرر إلى وسيلة لشرعنة "الدولة العميقة" أو تبرير الطاعة.

تابو الجنس: يظل الجسد كائناً "مستتراً" لا يتم تناوله ككيان فلسفي، مما يعكس عجزاً عن مواجهة الطبيعة البشرية ويؤدي لانفصام حاد بين الممارسة والخطاب.

الرؤية الماركسية: الفلسفة كأداة للصراع وتغيير الواقع

بإدخال الرؤية الماركسية، نجد أن الفلسفة لا تُفهم كترف ذهني، بل هي "وعي بالواقع من أجل تغييره". ومن هنا، يرى المفكر الماركسي أن الانشطار بين (أصالة ومعاصرة) ليس صراعاً بين أفكار مجردة، بل هو انعكاس لصراع المصالح الطبقية.

يرى النقد المادي أن "المواربة المعرفية" هي تعبير عن ضعف الطبقة الوسطى المثقفة وعجزها عن تشكيل "كتلة تاريخية" (بتعبير غرامشي) قادرة على مواجهة القوى التقليدية. المثقف العربي يعاني من "استلاب مزدوج"؛ فهو مستلب تجاه المركزية الغربية الرأسمالية، ومستلب تجاه قوى الإنتاج المحلية المتعطلة. الماركسية هنا تتهم المثقف بأنه يعيش في "برج عاجي" من المفاهيم، بينما الواقع يتطلب انخراطاً في قضايا الجماهير. إن "تهافت" المثقفين الماركسيين أنفسهم جاء من استيراد المنهج المادي وتطبيقه حرفياً دون مراعاة لخصوصية المجتمعات الشرقية، مما حول الماركسية من أداة حية إلى "عقيدة" جامدة.

تشريح "العقل المستقيل" والجهل المقدس

في قلب أزمة المثقف برز الجابري في "بنية العقل العربي" ليصف الغزالي كرمز لـ "استقالة العقل" وانتصار العرفان على البرهان. بينما يبرز مفهوم "الجهل المقدس" الذي تناوله محمد أركون كحالة من "التفكير الرغبوي" الذي يتمنى تغيير الواقع بالخطابات الإنشائية دون الأدوات العلمية. إن أركون يرى أن التفكير محصور داخل "سياج دوغمائي مغلق"، مما يمنع المثقف من ممارسة "التعقل الإيجابي" القادر على تفكيك بنى السلطة والتقليد.

 المؤسسة الأكاديمية والوصاية الأيديولوجية

تعاني الفلسفة في الجامعات العربية من أزمة مزمنة؛ حيث غلب الفكر الأيديولوجي والولاء السياسي على التفكير المعرفي. إن تهميش الفلسفة والمنطق في المناهج هو قرار سياسي يهدف لضرب "مصنع توليد الأفكار"؛ فالفلسفة هي التي ولدت مفاهيم الديمقراطية والمواطنة، وعندما يتعطل التفكير العقلاني، تتخبط المجتمعات في أزمات الهوية والتبعية.

نحو "فيصل" جديد للعقل العربي

إن الطريق نحو "تنوير" حقيقي يبدأ بالاعتراف بأن الفلسفة ليست ترفاً، بل هي "شرط بقاء وجودي". إن كسر أغلال التابو والمواربة المعرفية هو الشرط الضروري لأي نهضة. والبديل هو استمرار حالة "التهافت" التي تجعل المثقف مجرد "صدى" لأفكار الآخرين.

يبقى الصراع بين "التهافت" و"الفيصل" هو المحرك الأساسي؛ فإما السقوط في تهافت الادعاءات الفلسفية التي لا تلامس الواقع، وإما اجتراح "فيصل" إبستمولوجي ومادي جديد يعيد للعقل كرامته وللمثقف دوره كفاعل اجتماعي قادر على صناعة المستقبل بدلاً من تبرير الحاضر أو البكاء على الماضي. إن الرحلة من الغزالي إلى الجابري وأركون والماركسية العربية تثبت أن العقل العربي يمتلك الأدوات، لكنه يحتاج إلى الشجاعة لاستخدامها بعيداً عن الوصاية.

***

غالب المسعودي

.........................

مراجع

الغزالي، أبو حامد: تهافت الفلاسفة.

الغزالي، أبو حامد: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.

الجابري، محمد عابد: بنية العقل العربي.

أركون، محمد: تحرير العقل الإسلامي.

تيزيني، طيب: من التراث إلى الثورة.

مروة، حسين: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية.

عامل، مهدي: نقد الفكر اليومي.

حرب، علي: نقد النص.

كيف تحول النظام العالمي من حلم الحرية إلى صراع القوة والعنف؟

” التاريخ لم يعد يسير نحو الحرية كما تخيل هيجل، بل صار مسرحاً لصراع هوبزي مستمر، حيث الغلبة للأقوى، والقيم تتحول إلى كلام بلا قوة. ففي هذا العالم، لا يقاس النجاح بالحق أو القانون، بل بالقدرة على فرض الإرادة، وتصبح السلطة وسيلة للبقاء أكثر من كونها أداة لتحقيق المثل العليا للإنسانية “.

” هابرماس حلم بالحوار العقلاني كأداة للعدالة، لكن السياسة الدولية أظهرت أن القوة والمصلحة المباشرة أجهضت أي محاولة للتفاهم والتواصل العقلاني “.

” في عصر الميديوقراطية، باتت السياسة لعبة صورية، تدار بالقوة والظهور، حيث تغيب الرؤية، وتصبح القيم مجرد ديكور، والفكر مجرد صدى يتبدد أمام إرادة البقاء “ (الكاتب).

لم يعد العالم اليوم يدار بالقانون، بل بمن يملك القدرة على كسره، فقد أصبح النظام العالمي المعاصر نظام إمبراطوريات وعصابات بالأخص مع إدارة البرتقالي، لذا كيف يمكننا الإيمان بفلسفة هيجل عندما خلص بأن التاريخ الإنساني تاريخ يسير نحو التقدم. الإجابة بكل صراحة لا، حيث صدق هوبز في قوله حرب الكل ضد الكل والغلبة للأقوى. أما الحديث عن القانون الدولي وحقوق الإنسان - بات أكثر من أي وقت مضى- لغة بلا قوة.

يبدو أننا في هذا السياق وضعنا إصبعنا على الجرح الفلسفي والسياسي العميق الذي يعيشه عالمنا المعاصر، خاصة مع عودة (الإدارة البرتقالية) التي تتعامل مع السياسة الدولية بعقلية      " الصفقة " والابتزاز والإكراه والقوة العارية، بعيداً عن الرتوش الدبلوماسية والمؤسساتية القانونية.

 لقد جسدت الأحداث الراهنة ما يمكن وصفه بـ " المشهد السياسي الدولي المعاصر " في الألفية الثالثة، حيث يدور الصراع حول أربع رؤى فلسفية كبرى تتقاطع مع مصالح القوى العالمية، وتعيد إنتاج التوتر بين التقدم، الفوضى، والسيادة المطلقة.

- انكسار " هيجل " (حتمية التقدم) كان هيجل يرى أن التاريخ ليس مجرد أحداث عشوائية، بل هو " سير العقل نحو الحرية ". حيث اعتقد أن البشرية تتطور من الهمجية إلى الدولة القانونية، وأن كل صراع (ديالكتيك) ينتهي بنتيجة أرقى وهي سيادة القانون والمدنية وحقوق الإنسان.

لماذا يبدو مخطئاً الآن؟ لأن ما نراه اليوم ليس " تقدماً نحو الحرية "، بل " نكوصاً " نحو القوميات والإيديولوجيات المتطرفة، وسياسات المحاور، وتفكيك المؤسسات الدولية وإفراغ القانون الدولي من مضمونه فلم يعد قادرا على تأطير النزاعات الدولية. بذلك أصبح التاريخ في هذا السياق لا يسير للأمام، بل يبدو وكأنه يدور في حلقة مفرغة من الصراعات البدائية على الموارد والنفوذ من منطلق أسياد وعبيد.

- بالمقابل صدق " هوبز " (الإنسان ذئب لأخيه الإنسان) عندما نصف النظام العالمي بـ " نظام العصابات " لكن بلباس الياقات البيضاء الحداثي، فنحن نستحضر حرفياً فلسفة توماس هوبز في كتابه " الليفايثان ". حيث يرى هوبز أن البشر (والدول) في حالتهم الطبيعية يعيشون " حرب الكل ضد الكل ".

وهذا وضع طبيعي في ظل غياب " سلطة عالمية " حقيقية قادرة على لجم القوى الكبرى، لتصبح الدول المارقة كـ " الذئاب "، القوي يلتهم الضعيف تأميناً لبقائه. في واقع الأمر جسدت الإدارة البرتقالية هذا بوضوح عبر شعار " أمريكا أولاً "، وهو ترجمة سياسية لـ " أنا ومن بعدي الطوفان "، حيث لا مكان للمبادئ الأخلاقية إذا تعارضت مع المصلحة المادية البراغماتية المباشرة.

- سيادة الميديوقراطية، أو حكم المتواضعين، تمثل إحدى أبرز مظاهر التناقض الغربي الراهن. فبدلاً من أن تظل السلطة في أيدي النخب الفكرية التي تبني سياساتها على قيم التنوير ومبادئ الحرية، نجد أن بعض القيادات الحالية أصبحت إجرائية وشعبوية، تدير الدولة بعقلية شركة أو شبكة مصالح. هذه النماذج السياسية تعتمد على مبدأ " من ليس معنا فهو ضدنا "، مما يحول المؤسسات الوطنية والدولية إلى أدوات لتحقيق المكاسب الفورية والخدمة الذاتية بدل الالتزام بالمثل العليا.

ومن الناحية النظرية، يعكس هذا التحول طبيعة الحكم المعاصر الذي يهيمن عليه البراغماتيون والشعبويون الإجرائيون، حيث تُقدّم الفعالية العملية على العمق الفكري، والمصلحة المباشرة على القيم والمبادئ. والنتيجة هي تحويل السياسة من فضاء للتفكير الأخلاقي والاجتماعي إلى ساحة إدارة مصالح وإكراه سلطوي، ما يؤدي إلى هشاشة المؤسسات وفقدان الرؤية الاستراتيجية الطويلة المدى.

وهكذا تصبح السياسة بنظرهم " بيزنس " حيث تدار الحرب والسيادة بمنطق " الحماية مقابل المال " (الخوة)، ليسقط القناع الأخلاقي للغرب، ويتحول النظام الدولي إلى " إقطاعيات    إمبريالية " معاصرة. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه علينا بناءً على متغيرات الواقع وأحداث السياق السياسي الدولي هل نحن أمام " نهاية التاريخ " أم " العودة للبدائية " ؟

إذا كان الغرب يتحدث عن حقوق الإنسان من جهة، ويمارس " بلطجة " دولية من جهة أخرى، فهو يؤكد نظرية كارل شميت (الذي كان ناقداً لهيجل) بأن " السياسي " يتحدد فقط بالعلاقة بين (الصديق والعدو)، وأن القانون الدولي ما هو إلا أداة بيد القوي والمنتصر.

- ومن زاوية سوسيولوجية معاصرة، يمكن اعتبار ما نعيشه اليوم " فشلاً عملياً " لنظرية الفعل التواصلي عند يورغن هابرماس، التي رأت أن التواصل العقلاني والحوار المؤسسي يمكن أن يوجه القرارات السياسية والاجتماعية نحو التفاهم والعدالة والاعتراف بالآخر. إلا أن الواقع المعاصر، كشف لنا عن عجز مقولات هذه النظرية في مواجهة عقلية القوة والمصلحة المباشرة، فالحوار بين الدول لم يعد مساراً للتفاهم أو ضبط النزاعات، بل أداة مسيسة، حيث تهيمن المصالح السلطوية والابتزاز والإكراه على أي محاولة للتفاهم والحوار. وهكذا، تحول الفعل التواصلي إلى مجرد فلسفة بلا قدرة على التطبيق في السياسة الدولية، ما يعكس عمق الأزمة في القيم والمؤسسات العالمية.

خلاصة القول، إن المشهد الدولي الراهن، بقيادة الإدارات الشعبوية والقوى الإمبراطورية المتصارعة، يثبت أن محرك التاريخ ليس " الروح " أو " العقل " كما توهم هيجل، بل هو " غريزة البقاء المتوحشة ". نحن نعيش في عالم لا تُصنع فيه القرارات بناءً على قيم تنويرية ذات الطابع الإنساني، بل بناءً على عقيدة الخوف الاستباقي، حيث يسعى كل قطب للسيطرة المطلقة خشية أن يُسيطر عليه. هذا " التدخل السافر " في سيادة الدول ليس إلا تجلياً لعودة الإنسان الذئب في أبهى صوره التكنولوجية، مما يحول النظام العالمي من منظومة قانونية إلى ساحة صراع لعصابات دولية لا تعترف إلا بمنطق القوة الهمجية الصرفة ليضرب بعرض الحائط كل المواثيق الدولية.

وفي الختام، ربما لم ينته التاريخ كما بشر هيجل، لكنه بالتأكيد لم يعد يتقدم كما تخيله، أو كما تصوره هابرماس قائماً على الحوار العقلاني دون نفي الآخر. ما نشهده اليوم أقرب إلى عالم توماس هوبز، حيث لا يُحسم الصراع بالقانون، بل بمن يملك القدرة على فرضه. في هذا العالم، لا يُسأل: مَنْ على حق؟ بل مَنْ الأقوى؟ تلك هي الحقيقة التي تُقال همساً… وتُمارس علناً.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

البنيوية كأداة لتفكيك هيمنة النسق

تمثل الفلسفة البنيوية في تجلياتها المعاصرة أداة معرفية بالغة الأهمية لتفكيك الأنساق الكبرى التي تحكم العالم الحديث؛ إذ لا يُنظر إلى الأحداث بوصفها وقائع معزولة، بل كناتج لتفاعلات عميقة داخل بنية تحتية شاملة تعيد صياغة الوجود الإنساني. إن المسار الفكري الذي يمتد من نقد الاقتصاد السياسي التقليدي وصولاً إلى ممارسات السيطرة الكلية في الأنظمة الحديثة يمثل رحلة معقدة لفهم آليات الهيمنة والاغتراب والهشاشة المؤسسية.

تبرز "حتمية الصدام" في هذا السياق كضرورة بنيوية ناتجة عن وحدة أسس الاستغلال؛ حيث تُختزل السلطة لتصبح أداة لإدارة الكينونة وتدجين السلوك البشري وفق منطق الربح وتراكم القوة. إن الهدف الجوهري لهذا البحث هو استقصاء الجذور الفلسفية التي سمحت لرأس المال بالتمدد وراء حدوده المادية ليصبح أداة قمعية متضامنة مع الكيانات الكلية، ورصد أثر هذا التمدد على الهويات المكانية والسيادة الوطنية، وربط ذلك بالنزاعات الراهنة حول موارد الطاقة والتهديدات النووية التي باتت تحكم مصير البشرية.

الجذور الوجودية لفلسفة رأس المال والاستلاب البنيوي

إن فلسفة رأس المال ليست مجرد نظرية اقتصادية تتناول تبادل السلع، بل هي رؤية وجودية شاملة ترى في نظام "العمل مقابل أجر" النواة الأساسية التي تشكل هوية الإنسان الحديث. في هذا الإطار، يتحول الجهد البشري من فعل إبداعي يعبر عن طاقات الكائن إلى سلعة خاضعة لقوانين السوق، مما يؤدي إلى انفصال المجالات الأخلاقية والقانونية عن المجال الاقتصادي.

هذا الانفصال البنيوي أنتج ما يعرف بـ "القيمة الاقتصادية الموضوعية"، وهي قوة تنمو كقوة طبيعية عمياء تبدو وكأنها لا تخضع للإرادة البشرية، مما يخلق بيئة من التناقضات الهيكلية التي تؤدي حتماً إلى الصراع بين قوة العمل ومراكز تراكم الثروة. تعتمد هذه البنية على تحويل العلاقات بين البشر إلى "علاقات بين أشياء"، وهو ما أصّل له الفكر النقدي تحت مسمى "صنمية السلعة".

وتعني هذه الصنمية اعتقاداً واهماً بأن للشيء قيمة متأصلة فيه بمعزل عن الجهد البشري المبذول في إنتاجه، مما يخلق حالة من الاغتراب الوجودي حيث تعمل القوانين الاقتصادية "خلف ظهور" المنتجين. إن هذا الاستلاب السلعي هو الامتداد الجوهري الأول لرأس المال، حيث يتحول الوجود من "فعل كينونة" إلى "موضوع للإدارة"، وهو ما يمهد الطريق لنشوء الأنظمة الكلية التي تستثمر هذا الاغتراب لترسيخ سلطتها.

تمدد رأس المال نحو السيطرة الكلية والمجتمع المُدار

ينتقل منطق رأس المال من مرحلة الهيمنة الاقتصادية البسيطة إلى مرحلة "السيطرة الكلية" عندما يندمج مع آليات الدولة في الأنظمة الكلية. في هذه المرحلة، لا يكون الهدف هو الحكم التقليدي فحسب، بل إقامة عالم منسجم كلياً مع العقائد الأيديولوجية؛ عالم يسعى لإرضاء حاجة النفس البشرية للاتساق والنمطية أكثر من اهتمامه بالواقع العيني المتغير. في هذا السياق، لم يعد الإنتاج يهدف إلى إشباع الحاجات الإنسانية الطبيعية، بل أصبح وسيلة لضمان تراكم القوة المطلقة، حيث يخضع الإنسان لتحكم الآلات والتنظيم الإداري (البيروقراطي) الصارم.

تشير أطروحات مدرسة فرانكفورت النقدية إلى تحول نوعي في المجتمعات الحديثة نحو ما يسمى "رأسمالية الدولة" أو "المجتمع المُدار"، حيث يتم تجاوز السوق الحر لصالح تدخلات إدارية مكثفة تحول الدولة إلى "رأسمالي جماعي". في هذا النموذج، يصبح الفرد موضوعاً للتخطيط الشامل، وتتحول دوافعه الفردية إلى بيانات مجردة قابلة للتنبؤ والتحكم. إن اعتماد الأفراد المتزايد على عطايا الدولة وخضوعهم لسطوة التقنيين والخبراء يؤدي إلى فقدان العفوية اللازمة لمقاومة القمع، مما يجعل الوجود البشري حركة آلية يغذيها الإرهاب المنظم بصوره المختلفة، سواء كان إرهاباً مادياً أو فكرياً.

 السيادة المالية وتآكل مفهوم المواطنة والهوية المكانية

أدى انتقال السيادة الفعلية من الدول الوطنية إلى رأس المال المالي وكليانية التقنيات الرقمية إلى نشوء صدام بنيوي بين "المواطن" المرتبط بحيز جغرافي وتاريخي محدد، وبين "رأس المال" العابر للحدود الذي لا وطن له. هذا الوضع أدى إلى تآكل مفهوم الدولة الوطنية التقليدية؛ إذ لم تعد الدولة تهدف إلى إنتاج التوافق الاجتماعي أو حماية العقد الاجتماعي، بل تحولت إلى كيان "ريادي" يسعى لتقليل التكاليف الاجتماعية واعتماد "ثقافة الخوف" والمراقبة لضمان الانصياع لمنطق المضاربات المالية العالمية.

في ظل هذا التحول، تعاني الهوية المكانية من حصار خانق؛ فبينما تعد الهوية المكانية ركيزة أساسية للفعل الناجز وصيرورة تعبر عن العلاقة الوجودية بين الذات والمكان، أدى تمدد رأس المال والأنظمة الكلية إلى تراجع "الجغرافيا السياسية" لصالح "الجغرافيا الاقتصادية". لقد فقدت الحدود حمايتها المنيعة أمام التدفق الحر لرؤوس الأموال والمعلومات، مما حول الأمكنة من "بيوت للسكينة" إلى "نقاط لوجستية" في شبكة الإنتاج العالمي. ومع ذلك، تبرز الهوية المكانية والثقافية هنا كملجأ أخير للمقاومة، حيث يتم تحويل "الحرمان النسبي" والفجوة بين المالكين والأجراء إلى قضية تمس الكرامة الشخصية، ويصبح الانتماء للمحلية درعاً ضد "الهوية السائلة" التي تفرضها العولمة القسرية.

جيوسياسية الموارد وحتمية الصدام النووي

تمثل موارد الطاقة العصب الحيوي للاقتصاد الحديث، وهي في الوقت ذاته أداة الهيمنة العالمية الكبرى. إن الصراع على هذه الموارد ليس مجرد تنافس اقتصادي تقني، بل هو محرك أساسي لإعادة رسم خرائط التحالفات وزعزعة استقرار الأمكنة. في سياق فلسفة رأس المال، لا يُنظر إلى الأرض ككيان هوياتي إنساني، بل كمخزن للثروات و"كنوز مدفونة"، مما يسلب المكان هويته ويحوله إلى ساحة صراع وغنيمة تتسابق عليها القوى الكلية.

هنا يظهر التناقض البنيوي في أبهى صوره عبر "الطاقة النووية" والنزاعات المرتبطة بها. فبينما تُسوق القوة النووية كأداة للتنمية، تُستخدم في الواقع كأداة نهائية للردع والسيطرة. لقد قام النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية على أساس "الردع النووي" كوسيلة لتنظيم العلاقة بين القوى العظمى، وهو ما يُعرف بـ "التدمير المتبادل المؤكد". هذا التوازن نقل الاستراتيجية العسكرية من السعي نحو النصر إلى إدارة "توازن الرعب".

من منظور فلسفي، يمكن نقد "العقل النووي" بوصفه عقلاً تجريدياً يتعامل مع المعادلات والقدرات التقنية بمعزل عن الواقع الإنساني والوجودي. إن توظيف العلم للدمار يمثل انتصاراً للميول المظلمة في النفس البشرية وتغليباً للأوهام الذهنية للسيطرة الكلية على حساب الحقائق الوجودية السامية. هذا العقل الذي ينتج الحروب هو عقل "مغترب" بذاته، لأنه استبدل الحقيقة الوجودية بأوهام القوة المطلقة.

بنية الهشاشة والدولة الرخوة في المناطق التابعة

عندما يمتد منطق رأس المال إلى بيئات تفتقر إلى مؤسسات راسخة، تظهر "الدولة الرخوة" كنموذج بنيوي للاستغلال. الدولة الرخوة هي التي تسن القوانين ولا تطبقها، حيث يسود الفساد الممنهج وتتغلغل المصالح الخاصة في مفاصل الحكم. في هذه البيئة، يتم استخدام القمع كأداة يومية لإدارة الأزمات الناتجة عن فشل التنمية، بدلاً من معالجة أسباب الفقر الجذري.

النخب المرتبطة بالخارج في هذه الدول تلجأ لتعزيز أجهزتها القمعية لحماية مصالحها، مما يؤدي إلى تآكل الهوية الوطنية والتبعية الكاملة لمراكز المال العالمية. إن هذه الهشاشة المؤسسية ليست مجرد فشل إداري، بل هي جزء من بنية الاستغلال الكلي التي تهدف إلى إبقاء مساحات شاسعة من العالم في حالة من "السيولة السياسية" التي تخدم تراكم رأس المال العالمي.

التحرر من القبضة التويلتارية وآفاق للوجود

إن مواجهة التمدد الكلي لفلسفة رأس المال تتطلب استعادة "فلسفة الوجود" الحرة وكسر شلل الإرادة أمام المثيرات المادية الفائقة. التحدي الحقيقي يكمن في بناء دولة تنموية أصيلة تنبع من حاجات المجتمع لا من إملاءات مراكز المال العالمية.

تعد التأويلية (الهرمنيوطيقا) النقدية طريقاً لإعادة بناء الهيكل الوجودي للإنسان، عبر منحه الأدوات الفلسفية اللازمة لتأويل أزماته والتمييز بين ما هو في نطاق سلطته (الأفكار والقرارات) وما هو خارجها. إن الهيكل الوجودي ليس بنية ثابتة، بل هو عملية بناء مستمرة قائمة على التعاضد بين الذات المتفهمة، والكلمة الكاشفة، والمكان الآمن الذي يسمح بالعيش الحر.

 آفاق الوجود في عالم مضطرب

تؤكد الفلسفة البنيوية أن حتمية الصدام وتآكل الهويات المكانية ليست مجرد حوادث عارضة، بل هي تجليات لبنية عميقة تحكمها فلسفة رأس المال والأنظمة الكلية. إن وحدة الأسس البنيوية للاستغلال، التي تجمع بين عنف السوق وعنف الدولة، تهدف في النهاية إلى إلغاء الفعل الحر وتحويل الإنسان إلى موضوع للإدارة الرقمية والإدارية.

ومع ذلك، فإن النقد الجذري لهذه البنى، والتمسك بالهوية المكانية كخزان للمقاومة والكرامة، يفتح الطريق أمام انبعاث تنموي جديد يستعيد السيادة على المصير. إن المعركة الحقيقية هي معركة فكرية ووجودية تهدف إلى كسر أغلال الانغلاق الذاتي والارتقاء بالإنسان ليكون فاعلاً تاريخياً حقيقياً، بعيداً عن أساطير النمو اللانهائي وواقع الحروب والنزاعات النووية. إن الرهان يظل قائماً على قدرة الوعي المنخرط في الواقع على تغيير بنية الاستغلال وصياغة مستقبل يسوده العدل والحرية والكرامة الإنسانية.

***

غالب المسعودي

.........................

مراجع مقترحة

كارل ماركس: "رأس المال" (نقد الاقتصاد السياسي - مفهوم الاغتراب وصنمية السلعة).

هيربرت ماركوز: "الإنسان ذو البعد الواحد" (نقد المجتمع المُدار والسيطرة التقنية).

تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر: "جدل التنوير" (مفهوم العقل الأدواتي والسيطرة الكلية).

ميشيل فوكو: "المراقبة والمعاقبة" (آليات السلطة وتدجين الأجساد).

مارتن هايدغر: "السؤال عن التقنية" (الوجود والتقنية كإطار للسيطرة).

زيجمونت باومان: "الحداثة السائلة" (تآكل الهويات والسيادة المالية).

ديفيد هارفي: "تاريخ موجز لليبرالية الجديدة" (الجغرافيا الاقتصادية وفلسفة المكان).

 

كان اليونانيون القدماء أول من خاضوا في التفكير العلمي العقلاني، وبذلك انتقلوا من الميثولوجيا الى التفكير المرتكز على الدليل حول العالم. ان ظهور التفكير العلمي العقلاني في اليونان القديمة غيّر الطريقة التي فهم بها الناس العالم، وابتدأ بذلك مرحلة جديدة في القطيعة الحاسمة مع التوضيحات المتجذرة في الأسطورة والتدخل الديني وهو ما وضع الحجر الأساس للحضارة الغربية.

يشير العلماء الى هذا التحول بـعبارة "من الأسطورة الى المنطق"، يصفون بها انتقالا من المعرفة الشعبية التقليدية الى الاستقصاء العقلاني، وانها ترمز كواحدة من اكثر التحولات الفكرية في التاريخ الإنساني. قبل ظهور التفكير العقلاني، كانت الظاهرة الطبيعية تُفسّر من خلال الميثولوجيا والقوى الخارقة للطبيعة والتدخّل من قبل الآلهة. لو عدنا الى هوميروس وملحمته في الالياذة والاوديسة، نجد قصصا يتقرر فيها مسار الاحداث بقوى دينية. هذه الآلهة جرى وصفها بسمات بشرية وشخصيات ونواقص تعمل كمشرف يتدخل متى ما اتخذت القصة منعطفا غير متوقع. وفي نفس الوقت، رأى الناس في اليونان القديمة الإله منعكساً في كل ظاهرة طبيعية، في تحولات الحظ، وفي نتائج المساعي البشرية. في ملحمة هيسيود Hesiod’s Theogony، كل إله يتجسد بخصائص متميزة ومجال محدد للنفوذ، سواء في الحرب ام الحكمة او الزراعة او البحر او القمر. كل إله وإلهة مسؤول ضمن مجاله الخاص ويتلقى الدعاء والشكاوي من البشر.

بدءاً من القرن السادس قبل الميلاد، استبدل المفكرون اليونانيون التوضيحات الميثولوجية بتفكير عقلاني حول العالم الطبيعي. هذا التحول الفكري وضع الأرضية للتحقيق المنهجي العلمي ومهّد الطريق لقرون من الاستكشافات والنقاشات والاكتشافات. في ورقته (من الأسطورة الى المنطق وتطور التفكير العلمي في اليونان القديمة) يجادل اندرو جريجوري Andrew Gregory بروفيسور التاريخ وفلسفة العلوم في كلية لندن الجامعية بان اليونانيون أدخلوا تقليدا فكريا جديدا سعى الى تفسيرات علمية للعالم الطبيعي. هو لاحظ ان المفكرين اليونانيين انتجوا "اول علم متميز مقابل الخلفيات الأسطورية والسحر والتدخل الثيولوجي".

قبل ظهور الفلسفة والتفكير العقلاني، فسّر اليونانيون الاحداث الطبيعية من خلال الميثولوجيا. في ملحمتي هوميروس وهيسيود، كان العالم يُحكم بآلهة مجسمة سيطرت على القوى الطبيعية وان ظواهر الرعد والعواصف والامراض والظواهر السماوية نُسبت الى رغبة الإله بدلا من أسباب مُلاحظة. هذه التوضيحات الميثولوجية لم تكن متفردة باليونان، العديد من الحضارات القديمة اعتمدت على اطر مشابهة. فمثلا، قبل هوميروس وهيسيود، وُصفت آلهة المصريين بأجسام بشرية ورؤوس حيوانات او طيور.

الاساطير أنجزت عدة وظائف هامة. انها وفرت دروسا أخلاقية وصاغت الهوية الثقافية وقدمت توضيحات للظواهر الطبيعية. مع ذلك، هي لم يُقصد بها ان تُقيّم نقديا او تُختبر تجريبيا. وكما يوضح جريجوري، الاساطير تجسدت ضمن التقاليد الدينية والثقافية وكانت محصنة ضد النقاش العقلاني. بالمقابل، شجع التفكير العقلاني في اليونان القديمة التوضيحات المرتكزة على الدليل والاستدلال. جريجوري أكّد على ان اليونانيين كان مشهودا لهم بتطوير تفسيرات نظرية للطبيعة يمكن مناقشتها وتحدّيها وتنقيحها. طبقا له، اليونانيون "أعطوا لنا اول النظريات الملائمة" حول العالم حتى لو بدت هذه الأفكار المبكرة ساذجة قياسا بالمستويات الحديثة. التمييز الأساسي بين الأسطورة والتحقيق العقلاني يكمن في اتجاه التفسير. القصص الميثولوجية تنسب الاحداث لشخصيات دينية او نوايا ما هو خارق للطبيعة، بينما التفكير العقلاني يبحث عن أسباب طبيعية وغير شخصية. هذا التحول الفكري تطلّب إعادة تصور راديكالية عن الكيفية التي يمكن بها فهم العالم.

من الأسطورة الى المنطق: مولد الفكر

اول مرحلة لهذا التحول الفكري في اليونان القديمة حدثت مع فلاسفة ما قبل سقراط في القرنين السادس والسابع قبل الميلاد. مفكرون مثل اناكسيماندر واناكسيمين سعوا لمبادئ طبيعية يمكنها توضيح هيكل وسلوك الكون. بدلا من نسبة الظاهرة الى الالهة، هم ركزوا على المادة الفيزيائية والعمليات كأساس للواقع. طاليس اعتُبر اول فيلسوف في الفكر اليوناني لأنه حاول توضيح الاحداث الطبيعية من خلال الفرضيات العقلانية بدلا من الميثولوجية. هو افترض ان الماء هو المبدأ الأساسي للكون وسعى لتفسيرات طبيعية للحوادث مثل الزلازل والكسوف. ورغم ان أفكار طاليس كانت تأملية وربما غير دقيقة أحيانا، لكن أهمية عمله تكمن في الطريقة وليس في الاستنتاجات. هو أظهر ان العالم يمكن فهمه من خلال التفكير العقلاني. الفلاسفة اللاحقون في اليونان القديمة بنوا على هذا الاتجاه في التفكير العلمي. اناكسماندر اقترح ان الكون نشأ من مادة لا محدودة تسمى apeiron، بينما اناكسمينس جادل بان الهواء هو العنصر الرئيسي. هذه النظريات مثّلت محاولات لتوضيح الطبيعة طبقا لمبادئ متسقة بدلا من التدخل الإلهي.

يؤكد اندريه جريجوري على ان مساهمات اليونانيين لم تكن فقط اكتشافا للحقائق وانما تطوير اطر نظرية. اليونانيون اعتقدوا بان المعرفة يمكن ان تتقدم من خلال النقاش العقلاني، والنظريات يمكنها ان تصف وبشكل هادف العالم الطبيعي. هذا الالتزام بالتفكير العقلاني ميّز الحياة الفكرية اليونانية عن التقاليد الميثولوجية المبكرة التي اعتمدت فيها التوضيحات على قصص مقدسة بدلا من فرضيات قابلة للاختبار.

التفكير العقلاني المبكر المرتكز على العلم في اليونان القديمة

ان التحول من الأسطورة الى التوضيح العقلاني لم ينل القبول عالميا في اليونان القديمة. الفلاسفة الذين اقترحوا توضيحات طبيعية عادة ما واجهوا الشك والكراهية. فمثلا، اناكسوغوراس اقترح ان الشمس كانت كتلة نارية وليست كائنا دينيا. هذه الأفكار تحدّت العقائد الدينية التقليدية واحيانا قادت الى اتهامات بالمعصية. المصادر التاريخية تشير بان العديد من الناس قاوموا هذه التفسيرات لأنها تجاهلت دور الوكيل الديني واخنزلته الى قوى غير مفكرة وأسباب طبيعية. هذا الموقف يوضح الطبيعة الراديكالية للتفكير العلمي المبكر. عبر اقتراح اتّباع العمليات الطبيعية لقوانين منسجمة، يكون الفلاسفة اليونانيون تحدّوا الافتراضات الثقافية الراسخة حول اشتراك الآلهة في العالم. وبالرغم من المقاومة، اكتسب الاتجاه العلمي تدريجيا نفوذا ضمن الحياة الفكرية لليونان القديمة.

هذا لا يفترض ان الفلاسفة المبكرين والعلماء كانوا ملحدين، لم يكونوا كذلك. هم طوروا اتجاها نقديا وعالميا غير مسبوق في الثقافة اليونانية. وكما لاحظ اكسينوفان، ان هوميروس و هيسود نسبا للالهة كل السلوك المخجل للناس مثل السرقة والزنا والخداع. البشر تصوروا الالهة مولود يلبس ويتحدث ويتجسد كما هم انفسهم.

ابقراط والطب في اليونان القديمة

ان الاتجاه العلمي والتفكير العقلاني في الطب كان واحدا من أوضح الأمثلة للتحول من التوضيحات الميثولوجية الى الاستدلال العلمي وهو ما حصل في الطب اليوناني القديم، وخاصة في الاعمال المرتبطة بابقراط الذي سُمي بأبوا الطب. قبل طب ابقراط، كانت الامراض تُعزى الى أسباب خارقة للطبيعة مثل العقوبة الإلهية او حيازة شيطانية، والشفاء كان يتم عبر اللجوء الى الطقوس والادعية وممارسات المعبد الموجهة الى الإله اسكليبوس. ابقراط واتباعه ادخلوا منظورا راديكاليا مختلفا. بدلا من لوم الالهة، هم جادلوا ان المرض له أسباب طبيعية يمكن فهمها من خلال الملاحظة الدقيقة والتحليل. ابقراط اكّد على الملاحظة السريرية الدقيقة والتفسير العقلاني رافضا تفسيرات الامراض المتجاوزة للطبيعة.

في رسالة شهيرة حول المرض المقدس، التي تناقش الصرع، يزعم الكتاب الايبقراطيون ان الظرف ليس الهيا وانما طبيعيا. النص ينتقد أولئك الذين يعزون المرض الى آلهة  ويصر على ان المرض له أسباب فيزيقية يمكن دراستها ومعالجتها. هذا يمثل رفضا واضحا للتفسيرات الميثولوجية. الايبقراطيون الأوائل أيضا باشروا ما اعتُبر اول هجوم مؤرخ على السحر كتفسير للمرض. هم نبذوا الأسباب الأسطورية والخارقة للطبيعة لأنها غير موجودة وان العالم يمكن فهمه كمكان طبيعي محكوم بقوانين طبيعية. في مثال مثير، هم فحصوا ماشية تعاني من مرض مشابه للصرع. عندما وجدوا رائحة كريهة للدماغ استنتجوا ان الاعراض نتجت بفعل مرض طبيعي وليس تدخلا الهيا. بعمل كهذا، هم حددوا الأساس الفيزيقي للمرض – وهو مثال مبكر وواضح للتفكير العلمي.

التفسيرات التاريخية توضح كيف ان ابقراط دمج التوضيحات الطبيعية ضمن دراسة الامراض. هو جادل ان الامراض حتى تلك التي تُعتبر الهية، لها "ظروف فيزيقية" وأسباب طبيعية يمكن ملاحظتها وفهمها. الاتجاه الايبقراطي تطور الى طريقة منهجية لدراسة الامراض. الفيزيائيون سجلوا الاعراض بدقة، وحللوا العوامل البيئية مثل المناخ والغذاء وبحثوا عن نماذج يمكنها توضيح المرض. من خلال هذا التحقيق المنهجي، طور ابقراط نظرية بان الصحة تعتمد على التوازن بين أربعة اخلاط للجسم: الدم، البلغم، الصفراء، السوداء. وبينما جرى استبدال هذه النظرية مؤخرا بعلم طب حديث لكنها جسدت خطوة حاسمة نحو الممارسة الطبية العقلانية.

ان الأهمية لطب ابقراط تكمن ليس فقط في نظرياته وانما أيضا في منهجيته. عبر التأكيد على الملاحظة الدقيقة والدليل التجريبي والتوضيح العقلاني، تمكّن الأطباء الابيقراطيون من تأسيس مبادئ للتفكير العلمي بقيت مركزية للممارسة الطبية اليوم.

التطور الواسع للعلوم

ان التحول من الأسطورة الى التحقيق العقلاني امتد ليتجاوز الفلاسفة الأوائل والاطباء. في اليونان القديمة، استمر التفكير العلمي بالتقدم في حقول علم الفلك والرياضيات والفلسفة الطبيعية. مفكرون مثل فيثاغوراس حقق في البناء الرياضي للكون، بينما الفلاسفة اللاحقون بمن فيهم افلاطون وارسطو طوروا اتجاهات منهجية للمعرفة والفهم. ارسطو بشكل خاص، لعب دورا مركزيا في تحديد الفكر العلمي. هو اجرى دراسات مفصلة في البايولوجي والفيزياء والمنطق مركزا على الملاحظة الدقيقة والتصنيف. وبالرغم من التنقيحات التي أجريت لاحقا على استنتاجاته، فان اتجاهه المنهجي أثّر بعمق على التحقيق العلمي امتد لقرون. العلم اليوناني ازدهر أيضا اثناء الفترة الهلنستية عندما أحدث علماء مثل اقليدس وارخميدس وارسطوخوس تقدما هاما في الرياضيات وعلم الفلك. هذه التطورات توضح كيف وضعت التحولات الفكرية التي بدأت مع فلاسفة ما قبل سقراط الأساس لتقاليد ثرية ودائمة للتحقيق العلمي في اليونان القديمة.

طبقا لاندريه جريجوري، أسّس المفكرون اليونانيون اول شكل متميز للعلوم عبر تطوير نظريات متماسكة سعت الى وصف العالم من خلال التفكير العقلاني. عملهم اتسم بتبنّي تفسيرات منهجية ونقاشات فكرية. جريجوري لاحظ ان اليونان القديمة كانت سبّاقة في توليد أفكار علمية ضمن ثقافة وثقت طويلا بالتفسيرات الميثولوجية. العلماء المعاصرون يستمرون بالنقاش حول المدى الذي بدأ به العلم حقا في اليونان القديمة. البعض يجادل ان الحضارات القديمة مثل المصرية وما بين النهرين صنعت مساهمات هامة للرياضيات وعلم الفلك. مع ذلك، العديد يؤكدون ان اليونانيين ادخلوا اتجاها فريدا تأسس على استدلال نظري وتحقيقات منهجية. مؤرخون مثل ديفد ليندبرج و جي أي لويد يؤكدان على أهمية الفلسفة الطبيعية اليونانية في تطور العلوم الغربية. لويد،خصيصا، يسلط الضوء على التقليد اليوناني في النقاش النقدي الذي شجع التوضيحات المتنافسة والحجج العقلية. ضمن هذه البيئة الصارمة فكريا كانت الأفكار العلمية قادرة على التطور واكتساب تأثير مستمر.

ان ميراث اليونان القديمة ليس فقط مجرد مجموعة من الاكتشافات العلمية المبكرة وانما اتجاه ثوري لفهم العالم من خلال التحقيق العقلاني. هذا الاتجاه وضع الأساس لتطوير العلم الحديث وطرح مبادئ للتحقيق تستمر في صياغة اتجاهنا الحالي في المعرفة.

***

حاتم حميد محسن

دراسة مقارنة للصراع ودور الرأسمال الرمزي

يعد مفهوم الطبقة الاجتماعية أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الفكر الاجتماعي والفلسفي المعاصر؛ إذ لا يقتصر وجوده على التصنيف المادي الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً وجودية تتعلق بالهوية البشرية، والحرية الفردية، والضرورة التاريخية. إن التباين الجوهري بين المذهب المادي التاريخي، الذي يرى الطبقة نتاجاً لعلاقات الإنتاج المادية، والمذهب الوجودي، الذي يحاول استعادة "الذات الإنسانية" داخل تلك الهياكل الصماء، والمذهب الرأسمالي، الذي يعيد صياغة الطبقة كأداة للمنافسة والكفاءة، يكشف عن صراع عميق حول ماهية التاريخ البشري ومآله.

تناقش هذه الدراسة بمنظور فلسفي واجتماعي مفهوم الطبقة في هذه المدارس الثلاث، مع التركيز على تحولات الصراع الطبقي تاريخياً، وصولاً إلى تحليل الدور الرمزي للدين، ليس فقط كمنظومة فكرية مهيمنة، بل كـ "رأسمال وهمي" يساهم في تعزيز التراتبية الطبقية الرأسمالية وتثبيتها عبر آليات القهر الرمزي.

المنظور الوجودي للطبقة وصيرورة الصراع المادي

تنطلق الفلسفة المادية من مقولة أساسية مفادها أن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي، وليس العكس. فالطبقة هنا ليست مجرد شريحة إحصائية، بل هي علاقة بنيوية ومادية تتحدد بموقع الأفراد من وسائل الإنتاج. في هذا السياق، تصبح الطبقة هي الفاعل التاريخي المحوري القادر على دفع عجلة التغيير من خلال الصراع الجدلي.

 المادية التاريخية وجدلية القوى والعلاقات

ترى المادية التاريخية أن تاريخ المجتمعات البشرية هو تاريخ الصراع الطبقي، وهو قانون موضوعي يحكم حركة التطور الاجتماعي. يبدأ هذا القانون من التناقض بين "قوى الإنتاج" و"علاقات الإنتاج". فعندما تصل قوى الإنتاج إلى مرحلة من التطور تصطدم فيها بعلاقات الإنتاج القائمة التي تتحول إلى عائق أمام تقدمها، تنفجر الثورة الاجتماعية التي تؤدي إلى تغيير نمط الإنتاج بالكامل.

تتجلى هذه الجدلية في الانتقال من المشاعية البدائية إلى العبودية، ثم الإقطاع، وصولاً إلى الرأسمالية، حيث يبرز التناقض الأكبر بين الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج والطبقة العاملة التي لا تملك سوى قوة جهدها البدني. إن الطبقة هنا هي "منتج مادي" لهذا التناقض، وصراعها ليس اختياراً ذاتياً، بل هو ضرورة تمليها شروط البقاء المادي.

فائض القيمة والوعي الطبقي

يكمن الجوهر الاقتصادي للطبقة في المجتمع الرأسمالي في آلية "القيمة الزائدة". فالرأسمالي لا يشتري "العمل" بذاته، بل يشتري "قوة العمل"، ويدفع للعامل أجراً يكفي فقط لإعادة إنتاج طاقته ليتمكن من العمل في اليوم التالي. والفرق بين القيمة التي يخلقها العامل خلال ساعات عمله والأجر الذي يتقاضاه هو "القيمة الزائدة" التي يستحوذ عليها صاحب رأس المال.

هذا الاستغلال المادي يؤدي إلى "الاغتراب"، حيث يصبح العامل غريباً عن المنتج الذي يصنعه، وعن عملية العمل نفسها، وعن ذاته الإنسانية. ولكي يتحول هذا الاغتراب إلى فعل تغييري، لا بد من انتقال الطبقة من حالة "الطبقة في ذاتها" (وجود موضوعي) إلى "الطبقة لذاتها" (وعي بالذات). فالوعي الطبقي ليس مجرد معرفة نظرية، بل هو اكتشاف للتناقضات الكامنة في صلب النظام الرأسمالي، وهو ما يوصف بالوعي الممكن للطبقة العاملة كقوة عالمية مهمتها إنهاء المجتمع الطبقي.

البنيوية مقابل النزعة الإنسانية

في منتصف القرن العشرين، برز انقسام داخل الفكر المادي حول مفهوم الطبقة. ذهب التيار البنيوي إلى رفض النزعة الإنسانية التي تركز على "الإنسان" كخالق منفرد للتاريخ، واعتبر أن التاريخ "عملية بلا ذات". فبالنسبة لهذا التيار، الأفراد هم مجرد "حمالين" لعلاقات الإنتاج، يتم توزيعهم آلياً في أدوار محددة مسبقاً بواسطة البنية الاقتصادية. الطبقة هنا هي موقع في الهيكل، وليست تجربة ذاتية.

في المقابل، دافع مفكرون آخرون عن دور الهيمنة الثقافية، معتبرين أنها تلعب دوراً لا يقل أهمية عن الاستغلال الاقتصادي في الحفاظ على التراتبية الطبقية. هذا التوتر بين "البنية" الصارمة و"الإنسان" الفاعل هو الذي مهد الطريق للحوار مع الفلسفة الوجودية.

الوجودية وإعادة اكتشاف الفاعل الطبقي داخل الضرورة

تمثل الوجودية محاولة جادة للمصالحة بين "الحرية المطلقة" للفرد و"الحتمية الاقتصادية". وبالنسبة لرواد هذا الفكر، فإن المادية كانت تعاني من "فقر إنساني" جعلها تعجز عن فهم الفرد في تجلياته الملموسة.

طرح جان بول سارتر تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن للإنسان أن يصنع التاريخ إذا كان التاريخ هو الذي يصنعه؟ الطبقة في الوجودية ليست قيداً معطى سلفاً، بل هي "ممارسة" تتم ضمن شروط مادية موروثة. الإنسان الوجودي "محكوم عليه بالحرية"، ولكنها حرية تتفاعل مع العوائق المادية التي تفرضها الرأسمالية.

الاختلاف الجوهري هنا هو رفض "الجدلية الآلية" التي ترى الثورة نتيجة حتمية لنضج قوى الإنتاج. بدلاً من ذلك، تُرى الطبقة ككيان يتشكل عبر اختيار الأفراد الالتزام بالفعل الجماعي. الطبقة هي "مشروع" يتجاوز الواقع القائم نحو مستقبل محتمل، وهي عملية مستمرة من صناعة الذات الجماعية.

مفهوم التسلسلية والعطالة المادية

أحد أعمق الإسهامات الوجودية في فهم الطبقة هو مفهوم "التسلسلية". يصف هذا المفهوم الأفراد في المجتمع الرأسمالي بأنهم "مجموعة متسلسلة"؛ يشتركون في الظروف المادية ذاتها لكنهم منعزلون وجدانياً. في حالة التسلسلية، يكون "الآخر" هو الغريب الذي يمثل تهديداً أو مجرد رقم إضافي، وهذا هو جوهر الاغتراب.

تحدث هذه الحالة بسبب سيطرة "العطالة المادية"، وهي نتاج أفعالنا البشرية السابقة التي تجمدت في شكل مؤسسات وقوانين وآلات، وأصبحت الآن هي التي تملي علينا سلوكنا. الطبقة في هذه المرحلة هي "طبقة سكونية" تخضع لقوانين الندرة، حيث تصبح الندرة هي المحرك الأول للصراع، فتجعل الإنسان في سباق محموم ضد أخيه الإنسان نحو الموارد المحدودة.

من الجماعة الساكنة إلى الجماعة المنصهرة

يرى المنظور الوجودي أن الانتقال من حالة "التسلسلية" إلى "الفعل الطبقي" يحدث عبر لحظة "الجماعة المنصهرة". تبرز هذه اللحظة عندما يدرك الأفراد أن الخطر الخارجي يهدد وجودهم الجماعي. هنا، تنصهر الذاتيات المنعزلة في ممارسة واحدة، ويتحول "الآخر" من خصم إلى شريك في الفعل. وبمجرد أن تهدأ لحظة الانصهار، تحتاج الجماعة إلى الاستدامة، فتتحول إلى "جماعة متعاهدة" يقسم أفرادها على الولاء، ثم تتطور إلى "مؤسسة". والمأساة هنا تكمن في أن المؤسسة تميل دائماً للعودة إلى حالة "العطالة" والجمود الإداري، مما يعيد خلق التسلسلية من جديد.

الرأسمالية والتراتبية الوظيفية: منظور العقلانية

خلافاً للمادية والوجودية اللتين تركزان على الصراع، تقدم الرأسمالية ومنظورها الاجتماعي (كما عند ماكس فيبر) رؤية تعتمد على "التعددية" و"الكفاءة العقلانية". في هذا المنظور، الطبقة ليست قدراً ثورياً، بل هي إطار لتوزيع الموارد والمكانة بناءً على معايير السوق.

اقترح فيبر نموذجاً ثلاثياً للتراتبية: (الطبقة، المكانة، الحزب). فالطبقة تتحدد بـ "فرص الحياة" في السوق وقدرة الوصول إلى السلع. أما المكانة، فتتعلق بالتقدير الاجتماعي والشرف ونمط الحياة، حيث قد يمتلك الفرد مكانة عالية رغم فقر حاله. هذا التقسيم يجعل الصراع الطبقي في الرأسمالية أكثر تعقيداً وأقل قابلية للانفجار، حيث يفتح باباً واسعاً لـ "الحراك الاجتماعي" الذي تروج له الرأسمالية كصمام أمان.

ومع ذلك، أدى هذا النظام إلى "العقلنة الشاملة" لجميع مناحي الحياة، مما أنتج نظاماً إدارياً (بيروقراطياً) صارماً يجعل الإنسان مجرد "ترس في آلة"، وهو ما وصفه فيبر بـ "القفص الحديدي". في هذا القفص، يتم نزع الطابع الروحي عن العالم لحساب الحسابات المادية الجافة للربح والخسارة.

 الجذور الثقافية والدور الرمزي للدين

في تحليل أعمق، جادل فيبر بأن الرأسمالية لم تكن نتاجاً للآلات الفنية فحسب، بل نتاجاً لتحول في الوعي الديني (كما في الأخلاق البروتستانتية)، حيث اعتبر النجاح المادي علامة على الرضا الإلهي. هذا يوضح كيف يمكن للبناء الفوقي (الثقافة والدين) أن يكون محركاً للاقتصاد.

يمثل الدين في المجتمعات الرأسمالية بنية معقدة تتجاوز الروحانيات لتصبح جزءاً من البناء الطبقي. فالدين يعمل كـ "رأسمال وهمي" يعزز الهيمنة عبر تصوير اللامساواة كجزء من نظام كوني، أو تقديم وعود بالسعادة المؤجلة لتثبيط المطالبة بالتغيير المادي.

الرأسمال الرمزي والقهر المستتر

قدم بيير بورديو تحليلاً جوهرياً عبر مفهوم "الرأسمال الرمزي" و"القهر الرمزي". القهر الرمزي هو الذي يمارس بموافقة الضحية؛ حيث يقبل الفقراء بالتراتبية الطبقية لأنها مغلفة بقداسة دينية أو منطق "طبيعي" يجعلها تبدو مشروعة. في المجتمع الرأسمالي، يتحول الرأسمال الرمزي إلى حليف للرأسمال الاقتصادي لضمان استقرار النظام.

واليوم، تعمل "الخوارزميات" كأدوات للقهر الرمزي المعاصر؛ فهي التي تقرر جدارة الفرد بناءً على بيانات قد تكون منحازة طبقياً، وتقدم التمييز كأنه نتيجة علمية محايدة، تماماً كما قدم الفكر القديم التفاوت كإرادة عليا.

الخاتمة والاستنتاجات

من خلال هذا المسح الشامل، نستخلص أن الطبقة ليست معطى ثابتاً، بل هي نتاج صراع مستمر بين الضرورة المادية والحرية الوجودية والفعالية العقلانية. لقد انتقل الصراع من الميدان الصناعي الملموس إلى الميدان الرقمي والرمزي، حيث أصبحت السيطرة على "المعنى" و"المعلومات" لا تقل أهمية عن السيطرة على "المصانع". إن التحرر الحقيقي يتطلب وعياً يتجاوز الاقتصاد ليشمل نقد البنى الرمزية والتقنية التي تخفي ملامح الاستغلال في العصر الحديث.

***

غالب المسعودي

.......................

مراجع

- كارل ماركس: رأس المال (تحليل فائض القيمة وعلاقات الإنتاج).

- جان بول سارتر: نقد العقل الجدلي (مفاهيم التسلسلية والجماعة المنصهرة).

- ماكس فيبر: الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية (العلاقة بين الوعي الديني والنمو الاقتصادي).

- بيير بورديو: الهيمنة الذكورية / إعادة الإنتاج (نظريات الرأسمال الرمزي والقهر الرمزي).

- جورج لوكاش: التاريخ والوعي الطبقي (تحليل الوعي الممكن والاغتراب).

- لويس ألتوسير: الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية (البنيوية المادية ودور المؤسسات في تشكيل الوعي).

من روح الحضارة اليونانية إلى تأسيس العلم الأول

مقدمة: أثينا بين الحكمة والشعر والجمال

لم تكن الحضارة اليونانية مجرد مرحلة تاريخية في تطور الإنسانية، بل كانت لحظة انبثاق الوعي العقلي الذي سعى إلى فهم العالم عبر الفكر والجمال معاً. ففي أثينا، لم تتشكل المعرفة داخل حدود العلم وحده، وإنما تداخلت الفلسفة مع الشعر والفن لتؤسس رؤية شاملة للوجود الإنساني. وإذا كان العقل اليوناني قد بلغ ذروة نضجه في التأمل الفلسفي، فإن هذا النضج لم يكن منفصلاً عن الإبداع الشعري الذي جسدته أناشيد هوميروس، ولا عن الحس الجمالي الذي خلّدته المنحوتات الإغريقية.

لقد عبّرت أغاني هوميروس عن الذاكرة الرمزية لليونان، حيث تحولت الأسطورة إلى لغة لفهم المصير الإنساني، بينما جسّد النحت الإغريقي مثال الانسجام بين المادة والصورة، فصار الجسد الإنساني مرآةً للنظام الكوني والتوازن العقلي. وفي هذا المناخ الحضاري الذي جمع بين الشعر والفن والفكر، برزت الفلسفة باعتبارها أسمى تعبير عن العقل الباحث عن الحقيقة.

ومن داخل هذا الأفق الحضاري ظهرت فلسفة أرسطو، لا بوصفها تأملاً فردياً معزولاً، بل كتتويج لمسار طويل من التساؤل اليوناني حول أصل العالم ومعناه. فكما عبّر الشعر عن روح الإنسان، وجسّد الفن مثال الجمال، سعت فلسفة أرسطو إلى الكشف عن المبادئ التي يقوم عليها الوجود ذاته، وهو ما سيجد تعبيره الأعمق في مشروعه الميتافيزيقي.

أولاً: من التساؤل الطبيعي إلى الفلسفة الأولى

لم تنشأ الميتافيزيقا فجأة مع أرسطو، بل كانت امتداداً لتاريخ من التساؤلات التي طرحها الفلاسفة السابقون حول أصل الكون ومبدأ الأشياء. فقد حاول الفلاسفة الأوائل تفسير العالم بردّه إلى عنصر أول أو مبدأ أساسي، غير أن هذه المحاولات ظلت مرتبطة بالطبيعة المادية للوجود.

وجاء أرسطو ليحوّل مسار السؤال الفلسفي من البحث عن مادة الأشياء إلى البحث عن شروط وجودها نفسها. وهنا لم يعد الهدف معرفة ممّ يتكون العالم فحسب، بل فهم لماذا يوجد أصلاً وكيف يصبح قابلاً للفهم العقلي. بهذا التحول انتقلت الفلسفة من مستوى التفسير الطبيعي إلى مستوى البحث في المبادئ الكلية، فظهرت الميتافيزيقا باعتبارها «الفلسفة الأولى»، أي العلم الذي يدرس الوجود من حيث هو وجود.

إن هذا الانتقال يمثل لحظة حاسمة في تاريخ الفكر؛ إذ لم يعد التفكير الفلسفي يكتفي بوصف الظواهر، بل أصبح يسعى إلى إدراك الأساس الذي يمنحها معناها وانتظامها.

ثانياً: مفهوم الميتافيزيقا عند أرسطو — علم الوجود ومبادئه الأولى

الميتافيزيقا عند أرسطو ليست بحثاً في عالم غيبي مفارق، كما قد يوحي الاسم المتأخر، بل هي علم يبحث في المبادئ الأولى والعلل القصوى التي يقوم عليها كل موجود. إنها محاولة عقلية للإجابة عن السؤال الأكثر جذرية: ما الذي يجعل الموجود موجوداً؟

ومن هنا تتميز الميتافيزيقا عن سائر العلوم؛ فبينما تدرس العلوم الجزئية موضوعات محددة، تتجه الفلسفة الأولى نحو الأساس المشترك بين جميع الموجودات. إنها لا تبحث في نوع خاص من الأشياء، بل في بنية الوجود ذاته، وفي القوانين العقلية التي تمنح العالم وحدته ومعقوليته.

بهذا المعنى تصبح الميتافيزيقا ذروة المعرفة، لأنها لا تضيف معرفة جديدة بقدر ما تكشف الشروط التي تجعل كل معرفة ممكنة.

ثالثاً: العلل الأربع — هندسة الفهم الأرسطي للعالم

يبلغ المشروع الميتافيزيقي عند أرسطو اكتماله في نظريته الشهيرة حول العلل الأربع، التي تمثل محاولة شاملة لتفسير الوجود تفسيراً كاملاً لا يقتصر على سبب واحد.

العلة المادية: وهي المادة التي يتكوّن منها الشيء، أي الأساس الفيزيائي لوجوده.

العلة الصورية: الصورة أو الماهية التي تمنح الشيء هويته الخاصة وتميزه عن غيره.

العلة الفاعلية: المبدأ الذي أحدث الشيء وأخرجه إلى الوجود.

العلة الغائية: الغاية أو الهدف الذي من أجله يوجد الشيء.

تكشف هذه العلل أن فهم العالم لا يتحقق عبر تفسير ميكانيكي بسيط، بل عبر شبكة من العلاقات التي تجمع بين المادة والمعنى والغاية. فالعالم عند أرسطو ليس حركة عشوائية، بل نظام عقلاني يتجه نحو تحقيق صورته وكماله.

رابعاً: الميتافيزيقا كبحث دائم عن المعنى

لا تكتسب الميتافيزيقا أهميتها لأنها أقدم فروع الفلسفة فقط، بل لأنها تعبّر عن حاجة إنسانية دائمة إلى تجاوز الظاهر. فالإنسان، منذ بدايات التفكير، لم يكتفِ بمعرفة كيف تعمل الأشياء، بل سعى إلى معرفة لماذا توجد.

ولهذا ظل التفكير الميتافيزيقي حاضراً رغم تطور العلوم؛ لأن العلوم تفسر الظواهر ضمن حدودها الخاصة، بينما تظل أسئلة الأصل والمعنى والغاية خارج نطاقها. وهكذا تحافظ الفلسفة الأولى على دورها باعتبارها المجال الذي يعيد طرح الأسئلة الجذرية حول الوجود والحقيقة.

خامساً: المحرك الأول وإمكان النظام الكوني

يقود البحث في العلل عند أرسطو إلى ضرورة وجود مبدأ أول غير متحرك، هو المحرك الأول، الذي يفسر حركة العالم دون أن يكون خاضعاً لها. ولا يظهر هذا المفهوم باعتباره تصوراً لاهوتياً بقدر ما يمثل ضرورة عقلية تفرضها استحالة التسلسل اللانهائي للعلل.

فالعالم، لكي يكون مفهوماً، يحتاج إلى أساس نهائي يمنح الحركة معناها وانتظامها، وهو ما يجعل الميتافيزيقا بحثاً في شروط إمكان النظام الكوني نفسه.

الخلاصات والاستنتاجات

يمكن استخلاص جملة من النتائج الأساسية من التصور الأرسطي للميتافيزيقا:

الميتافيزيقا تمثل ذروة التحول من تفسير الطبيعة إلى فهم الوجود ذاته.

الفلسفة الأولى تبحث في المبادئ الكلية التي تقوم عليها جميع العلوم.

العلل الأربع تشكل نموذجاً تفسيرياً شاملاً يجمع بين المادة والصورة والفاعل والغاية.

التفكير الميتافيزيقي يعبر عن حاجة عقلية دائمة لفهم معنى الوجود، وليس مجرد مرحلة تاريخية من التفكير.

مشروع أرسطو أسّس رؤية عقلانية للعالم باعتباره نظاماً قابلاً للفهم وليس فوضى عشوائية.

وعليه، فإن الميتافيزيقا الأرسطية لا تمثل مجرد فصل في تاريخ الفلسفة، بل لحظة تأسيسية جعلت العقل الإنساني يعي قدرته على مساءلة الوجود في أعمق مستوياته، حيث يلتقي التفكير بالحكمة، كما التقى في أثينا الشعر بالجمال والفلسفة في أفق حضاري واحد.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والتاريخ والفلسفة

إلى أين يمضي الإنسان وهو يغوص أكثر فأكثر في عالمٍ لا يُرى؟ كيف تحوّلت رغبته القديمة في السيطرة على الطبيعة إلى محاولة لإعادة كتابتها من الداخل؟ وهل ما يفعله اليوم في مستوى الذرة هو قمة تطوره.. أم بداية فقدانه لذاته؟ حين أصبح قادرًا على التحكم في أصغر مكونات المادة، هل صار أقرب إلى فهم الحقيقة، أم أبعد عنها لأنه لم يعد يراها كما هي بل كما يشكّلها؟ وإذا كانت النانو تكنولوجي تمنحه القدرة على إعادة بناء الأشياء بدقة غير مسبوقة، فهل سيظل الإنسان صانعًا.. أم سيتحول إلى مراقب يضغط زرًا فتحدث المعجزة دون أن يفهمها حقًا؟

كيف سيبدو الإنسان في عالم تُحل فيه المشكلات قبل أن يشعر بها؟ إذا استطاعت تقنيات النانو إصلاح الجسد من الداخل، وتعديل الخلايا، وتحسين الأداء البيولوجي، فهل سيبقى للألم معنى؟ وإذا اختفى الألم، فهل يختفي معه الدافع؟ وإذا غاب الصراع، فهل تتلاشى الإرادة التي صنعت الحضارة؟ كيف يمكن لإنسان لم يعانِ، ولم يجرب الفشل، ولم يُجبر على التفكير تحت الضغط، أن يبدع؟ وهل يولد الإبداع أصلًا في بيئة مريحة، أم في لحظات القلق والبحث والاحتياج؟

ألم يبدأ الإنسان بالفعل في فقدان مهاراته البسيطة مع كل تقنية جديدة؟ فإذا كانت الآلات قد أخذت منه الجهد العضلي، والبرمجيات أخذت منه الحساب والتذكر، فماذا ستأخذ منه النانو تكنولوجي حين تدخل إلى أعماقه؟ هل ستأخذ منه حتى “محاولة الفهم”؟ وإذا أصبح كل شيء قابلًا للإصلاح الفوري والتعديل التلقائي، فهل سيتوقف عن التعلم لأنه لم يعد بحاجة إليه؟ كيف سيبدو عقلٌ لم يعد مضطرًا للبحث، ولا مجبرًا على الخطأ، ولا محتاجًا لاكتشاف الطريق بنفسه؟

وهل يمكن أن يتحول الإنسان، دون أن يشعر، إلى كائن كسول فكريًا، يعتمد على أنظمة ذكية تدير جسده وبيئته وقراراته؟ إذا كانت التقنية تفكر بدلًا عنه، وتصحح أخطاءه، وتمنع عنه المخاطر، فهل سيبقى له دور حقيقي في حياته، أم سيعيش داخل نظام مُدار بالكامل؟ هل سيصبح “مستخدمًا” لوجوده بدل أن يكون “صانعه”؟

وماذا عن الإبداع.. هل سيظل حيًا في عالم الكمال التقني؟ إذا استطاعت تقنيات النانو تصميم مواد مثالية، وأجساد محسّنة، وبيئات خالية من العيوب، فهل سيبقى هناك دافع للابتكار؟ أليس الإبداع في جوهره محاولة لسد نقص ما؟ فإذا اختفى النقص، فماذا سيُبدع الإنسان؟ وهل يمكن أن يجف الخيال حين يصبح كل شيء ممكنًا بضغطة زر؟ أم أن الوفرة المطلقة ستقتل الحاجة التي كانت دائمًا شرارة الإبداع؟

ثم ماذا عن الهوية.. إذا أصبح بالإمكان تعديل الجسد، وربما التأثير في الدماغ على مستوى دقيق، فهل سيبقى الإنسان هو نفسه؟ أم سيتحول إلى نسخة قابلة للتحديث؟ وإذا تغيرت مكوناته الأساسية، فهل تظل روحه كما هي، أم أن “الإنسان” الذي نعرفه سيتلاشى تدريجيًا ليحل محله كائن جديد؟ هل نحن أمام تطور طبيعي.. أم أمام قطيعة وجودية مع كل ما كنا نعرفه عن أنفسنا؟

إلى أين يقودنا هذا الطريق؟ هل تقودنا النانو تكنولوجي إلى قمة السيطرة.. أم إلى قمة الاعتماد؟ هل تمنحنا حرية أكبر.. أم تسلب منا أبسط أشكال الاستقلال؟ هل نحن من نستخدمها، أم أنها ستعيد تشكيلنا وفق منطقها الخاص؟ وهل سيأتي يوم يصبح فيه الإنسان عاجزًا عن العيش دونها، كما لو أنه فقد جزءًا من ذاته؟

في النهاية، يبقى السؤال الأكبر مفتوحًا: حين ننجح في السيطرة على أصغر مكونات الوجود، هل نكون قد فهمنا الحياة.. أم أننا فقط أصبحنا أكثر قدرة على تغييرها دون أن ندرك معناها؟ وهل المستقبل الذي نبنيه بدقة الذرات.. سيبقى إنسانيًا، أم سيتحول إلى عالمٍ بلا إنسان كما نعرفه؟

***

 محمد أبو العباس الدسوقي

 

تمثل "الأنطولوجيا السياسية للهشاشة" مدخلاً فلسفياً معاصراً لإعادة قراءة أزمات الكينونة الإنسانية في ظل التحولات العنيفة للبنية الرأسمالية المعولمة، حيث لم تعد مقاربة أزمات ما يُعرف بـ "الدول المتخلخلة" أو "الهشة" ممكنة بمعزل عن التغيرات الجوهرية في الاقتصاد السياسي العالمي والتقنيات الرقمية المهيمنة. إن فحص التقاطع العميق بين المشروع النقدي ليورغن هابرماس، ولا سيما مفاهيم "استعمار عالم الحياة" و"الفعل التواصلي"، وبين أطروحة "أنطولوجيا الخيانة الوجودية" وذلك ضمن سياق أوسع. إن الفرضية المركزية تقوم على أن "الرخاوة" في بنية الدولة والمجتمع ليست مجرد خلل وظيفي، بل هي الشرط الأنطولوجي الضروري لتمكين "الإقطاع الرقمي" من ممارسة هندسة وعي الإنسان وزمانه وعلاقته بذاته وبالآخر، مما يؤدي في النهاية إلى ما يمكن تسميته "بالخيانة الوجودية" التي ينكر فيها الكائن شروطه المادية والبيولوجية لصالح بيئات اصطناعية مشوهة. 

الأسس البنيوية للأنطولوجيا السياسية للهشاشة

تتجاوز الأنطولوجيا السياسية للهشاشة التفسيرات السطحية التي تحصر أزمات المجتمعات "المتخلخلة" في نقص الموارد المادية أو الفساد الإداري، لتغوص في عمق "الأزمة الوجودية المركبة" التي تضرب الكينونة الإنسانية. في هذه البيئة، تتحلل المؤسسات "الصلبة" مثل الدولة، والعائلة، لتفسح المجال أمام "سيولة" مدمرة تجعل الفرد أعزلاً أمام طغيان السوق والصور الرقمية. هذا التحول يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالانتقال من النيو ليبرالية المتوحشة إلى ما يصطلح عليه بـ "الإقطاع الرقمي"، حيث لم يعد الاستغلال يقتصر على انتزاع "فائض القيمة" الاقتصادي وفق التحليل الماركسي الكلاسيكي، بل تجاوزه إلى ممارسة "تلاعب وجودي" يستهدف الشروط القبلية للاختيارات الحرة والمسؤولية الأخلاقية.  

من النيو ليبرالية إلى الإقطاع الرقمي

يعتبر "الإقطاع الرقمي" المرحلة الأحدث في تطور الرأسمالية المعولمة، حيث تمتلك المنصات التكنولوجية الكبرى "الأرض" الافتراضية المتمثلة في الخوارزميات، بينما يعمل المستخدمون كـ "أقنان" جدد يقدمون بياناتهم وتفاعلاتهم مجاناً. هذا النمط يعيد تعريف "المواطن" ليتحول إلى "مستهلك قلق" أو "منتظِر أبدي" في طوابير الاستهلاك الرقمي، حيث تتحول الهوية نفسها إلى "سلعة" قابلة للتداول. في هذا السياق، تصبح "الهشاشة" تقنية حوكمة تعمل على تطبيع مصالح رأس المال وجعلها جزءاً من البنية الوجودية للأفراد. 

مفاهيم هابرماس في سياق الهشاشة السياسية

يوفر المشروع الفلسفي ليورغن هابرماس، وخاصة في عمله الضخم "نظرية الفعل التواصلي"، ترسانة مفاهيمية ضرورية لتفكيك آليات الهيمنة في المجتمعات الحديثة. يرتكز تحليل هابرماس على التمييز الجوهري بين عالم الحياة والنظام يمثل عالم الحياة الفضاء الأنطولوجي الذي يتم فيه التنسيق الاجتماعي عبر "الفعل التواصلي" القائم على اللغة والتفاهم المشترك والقيم الثقافية الموروثة. أما "النظام"، فيتكون من المجالات الوظيفية مثل الاقتصاد والبيروقراطية، حيث يتم التنسيق عبر وسائط "خالية من المعنى" مثل المال والقوة. 

 استعمار عالم الحياة وتشويه التواصل

تحدث "أزمة الحداثة" عند هابرماس عندما يبدأ "النظام" في التوغل داخل "عالم الحياة" وفرض منطقه الأدائي عليه، وهو ما يسميه بـ "استعمار عالم الحياة". في ظل الأنطولوجيا السياسية للهشاشة، يأخذ هذا الاستعمار شكلاً متطرفاً؛ حيث تغلغلت معايير السوق في مجالات المعنى والعلاقات الاجتماعية وحتى المقدس. هذا التغلغل يؤدي إلى "تشويه التواصل اليومي" بالإيديولوجيا، بحيث يتحول الحوار من وسيلة للوصول إلى حقيقة أو اتفاق أخلاقي إلى أداة استراتيجية لتحقيق مصالح السوق أو السلطة الرخوة.

إن استعمار عالم الحياة في المجتمعات المتخلخلة يؤدي إلى نتائج وجودية وخيمة:

تآكل العقلانية التواصلية، حيث يتم اختزال العقل في جانبه الأدائي-التقني فقط، مما يجعل القضايا السياسية والأخلاقية تبدو كأنها "ضرورات تقنية" لا تقبل النقاش.

أزمة الشرعية عندما يعجز النظام عن توفير المعنى أو الرفاهية، فإنه يلجأ إلى "الإدارة الفعالة للتوقعات الشعبية" عبر استراتيجيات "ناعمة" مثل الترفيه الرقمي أو "السياحة الحمراء" في بعض السياقات لتبرير سلطته. 

تحول الفرد إلى مادة إدارية، يتم التعامل مع الإنسان بوصفه "رأسمالاً بشرياً" أو "منتجاً مستهلكاً"، مما يؤدي إلى ما تسميه نانسي فريزر بـ "الظلم المركب" (اقتصادي، ثقافي، وسياسي). 

الفعل التواصلي كأداة مقاومة

يرى هابرماس أن "الفعل التواصلي" يمثل أداة مقاومة لاستعادة سيادة عالم الحياة، مؤكداً أن التنسيق الاجتماعي يجب أن يبنى على الاقتناع الحر والحوار المفتوح، لا على إملاءات السوق أو سطوة الإدارة. بيد أن التحدي في "الدول الرخوة" يكمن في أن الفضاء العمومي نفسه يتعرض لعملية إعادة إقطاع حيث يتم التلاعب بالصور الرقمية والخوارزميات لتزييف الإجماع الشعبي وتوجيه الرأي العام نحو مسارات تخدم الرأسمالية الكومبرادورية. 

اغتراب الكائن في عصر "الرخاوة"

تمثل "أنطولوجيا الخيانة الوجودية" المفهوم المركزي لتوصيف الحالة التي وصل إليها الإنسان المعاصر في ظل "الفوضى الخلاقة" واغتراب الكائن. لم يعد مفهوم "الخيانة" هنا قابلاً للاختزال في سياقاته التقليدية، بل أصبح يشير إلى لحظة "إنكار الكائن لبنيته البيولوجية وظروفه الفيزيائية وقدراته المعرفية" لصالح بيئات اصطناعية تصممها المنظومات المهيمنة. 

ميتافيزيقا التلاعب الوجودي

يعتبر التلاعب الوجودي حجر الزاوية في فهم آليات الهيمنة الجديدة، وهو تلاعب يستهدف بمفهومها الفينومنولوجي عند هوسرل. يُنظر إلى الفاعلين الخاضعين لهذا النوع من التلاعب فلسفياً على أنهم "منقوصو الحرية"، لا لأنهم مجبرون قسراً، بل لأن خياراتهم تنبع من سياق صُمم مسبقاً لتوجيه إرادتهم نحو مسارات استهلاكية محددة. 

جدلية الفوضى الخلاقة واغتراب الكائن

ترتبط الخيانة الوجودية بـ "الخيانة للجسد والطبيعة"؛ حيث مفاهيم مستمدة من الفيزياء الحديثة (مثل الديناميكا الحرارية والإنتروبيا) ومن البيولوجيا نظرية عدم التطابق التطوري لتوضيح كيف أن العالم المعاصر لم يعد يناسب الأجساد البشرية أو بناها المعرفية الفطرية. إن "الخيانة الوجودية" تتجلى عندما يتماهى الإنسان مع "الفوضى الخلاقة" التي تفرضها المنظومات المتطرفة أو الرأسمالية المتوحشة، متخليا عن مسؤوليته تجاه "الآخر" وتجاه "الأصالة" الوجودية.

الدولة الرخوة وقانون القيمة المعولم

في سياق الاقتصاد السياسي، تبرز "الدولة الرخوة" كإطار هيكلي يسمح بممارسة التلاعب الوجودي وتعميق الخيانة الوجودية. استعار جلال أمين هذا المصطلح من غونار ميردال لتوصيف التحولات البنيوية التي جعلت الدولة "رخوة" في التزامها بالقانون والصالح العام، رغم قدرتها القمعية العالية. تتجلى هذه الرخاوة في الفجوة بين التشريع والتنفيذ، والفساد الممنهج، وتآكل السيادة الاقتصادية لصالح الرأسمالية الكومبرادورية. 

التبادل غير المتكافئ والاستلاب الثقافي

يؤطر سمير أمين هذه الحالة ضمن "قانون القيمة المعولم"، حيث يفرض النظام الرأسمالي استنزافاً للأطراف لصالح المركز. هذا الاستنزاف لا يتوقف عند الموارد الطبيعية، بل يمتد ليشمل "الاستلاب الثقافي"، حيث تُدمر البنى الإنتاجية والمعرفية المحلية لصالح نمط استهلاكي مشوه. هذا "الاستلاب" هو التربة الخصبة لـ "الخيانة الوجودية"، حيث تتبنى النخب والشباب في الدول المتخلخلة قيماً لا تنتمي لواقعهم، مما يخلق حالة من "اللايقين" تدفعهم للاحتماء بشبكات "القبائلية الجديدة" أو الطائفية كاستراتيجية بقاء في ظل رخاوة الدولة. 

السيولة والهروب الرقمي وتلعيب العنف

في ظل "الحداثة السائلة" (باومان) ورخاوة الدولة، يعيش الفرد حالة من "انعدام الأمن الوجودي". وكرد فعل، يلجأ الشباب في الدول المتخلخلة إلى "الهروب الرقمي" كملاذ من الواقع المحبط. الأخطر من ذلك هو العنف حيث تستغل الجماعات المتطرفة والمنظومات المهيمنة آليات الألعاب الرقمية لتجنيد الشباب، محولة الصراعات الدموية إلى "مغامرات" رقمية تمنح إحساساً زائفا بالبطولة والمعنى، وهي قمة "الخيانة الوجودية" للذات وللآخر. 

القبائلية الجديدة كاستراتيجية بقاء

عندما تتحلل المؤسسات الصلبة، لا يجد الفرد أمامه سوى "القبائلية الجديدة" تصبح الطائفة أو القبيلة هنا "شبكة حماية بديلة" تعوض عجز الدولة، لكنها في الوقت نفسه تعمل كدرع يحمي "أمراء الطوائف" من نشوء وعي وطني أو طبقي حقيقي. هذا التشرذم يغذي "الهشاشة" ويجعل المجتمع مادة طيعة لـ "قانون القيمة المعولم" وللتلاعب الوجودي العابر للحدود. 

أزمة الشرعية والفاعلية التواصلية في العصر الرقمي

يعود تحليل هابرماس لـ "أزمة الشرعية" ليضيء جوانب من "الدولة الرخوة". في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، تعتمد الشرعية على "الإدارة الفعالة للتوقعات"، ولكن في بيئة الهشاشة، حيث تفشل الدولة في تأدية أدوارها الأساسية، يصبح "احتمال الانفجار حتمياً". هنا، تتدخل الرأسمالية الرقمية لتوفير "شرعية ناعمة" عبر منصات التواصل التي توهم الأفراد بالفاعلية والمشاركة، بينما هي في الواقع تعمق استعمار عالم الحياة وتحول التواصل إلى مجرد "تدفق بيانات" يخدم النظام الاقتصادي.  

استنتاجات تحليلية حول تقاطع المفاهيم

إن دراسة مفاهيم هابرماس وانطولوجيا الخيانة الوجودية في ضوء الهشاشة السياسية تفضي إلى استنتاجات جوهرية حول طبيعة الصراع المعاصر:

إن "الهشاشة" ليست مجرد حالة ضعف وطني، بل هي "تقنية حوكمة" معولمة تهدف إلى تسييل المؤسسات الصلبة لتسهيل "التلاعب الوجودي". هذا التسييل يجعل عالم الحياة مكشوفاً تماماً أمام استعمار النظام، حيث لم يعد المال والقوة هما الوسيطان الوحيدان، بل أصبحت "المعلومة الرقمية" والـ "خوارزمية" هما أدوات الضبط الأنطولوجي. 

إن "الخيانة الوجودية" تمثل النتيجة الذاتية لهذا الاستعمار؛ حيث يتم دفع الفرد لإنكار واقعه المادي والبيولوجي والتماهي مع "المحاكاة" الرقمية هذا الإنكار يؤدي إلى حالة من "التشرد المتعالي" التي تملؤها الرأسمالية بوعود زائفة عن الهوية والاستهلاك. 

إن "الفعل التواصلي" الهابرماسي يحتاج إلى "حصانة ائتمانية" و"فاعلية تحررية" لكي يكون مؤثراً في بيئة الهشاشة. لا يكفي الحوار العقلاني إذا كانت "قصدية" المتحاورين مهندسة مسبقاً عبر التلاعب الوجودي. لذا، فإن استعادة "الأصالة" والمسؤولية الأخلاقية هي الشرط المسبق لأي فعل تواصلي حقيقي. 

إن "الدولة الرخوة" هي الشريك الضروري للإقطاع الرقمي؛ فمن خلال الفجوة بين التشريع والتنفيذ، تخلق الدولة مناخاً من "اللايقين" يدفع الأفراد نحو اليأس أو الهروب الرقمي أو القبائلية الجديدة، مما يمنع تشكل "فضاء عمومي" صلب قادر على مساءلة السلطة أو رأس المال.

***

غالب المسعودي

...........................

مرجعيات مقترحة

هابرماس، يورغن: نظرية الفعل التواصلي

باومان، زيجمونت: الحداثة السائلة

أمين، سمير: قانون القيمة المعولم ومادية التاريخ

زوبوف، سوشانا: عصر رأسمالية المراقبة

هان، بايونغ تشول: في السرب: رؤى في العالم الرقمي

سرنيتشيك، نيك: رأسمالية المنصات

هايدغر، مارتن: السؤال عن التقنية 

كما تترك الذكرى السارة في النفس حدثًا، تترك الحرب آثارًا عميقة في النفس، وكأن النفس هنا مكب لنفايات للعالم الخارجي في أنفسنا، سؤالنا كيف ندرك هذا الحدث؟ هل النفس تراه حدث عابر أم جرح نرجسي عميق ترك شرخًا مثلما تحدث الصدمة النفسية؟ وعند من؟ هل الجميع إدراكهم يتساوى لهذا الحدث النفسي المدرك من الخارج؟

أني أراك ليس كما أنت تراني، وهو الأمر بعينه ينطبق على الحرب ومجراها، سواء كنت مشارك فيها، أم مراقب خارجي يرصد أحداثها، أو منفعل بسبب المعتقد الذي تحمله وتؤمن به، أو الدفاع عن شخصية مقدسة، أو جهاد جمعي للمشاركة في الحرب للدفاع عن الدين، أو المذهب، أو الوطن. يقول سيجموند فرويد مؤسس التحليل النفسي نحن عاجزون عن إدراك مغزى ما نزخر به من أحاسيس، ولا ندري قيمة ما يصدر عنا من أحكام، ونحن مدفوعين إلى الاعتقاد أن الحرب كانت أبدًا أعتى الأحداث وأوسعها تدميرًا لكل ما له قيمة إنسانية، ولم يحدث أن ضلل أذكى العقول ولأسفه شيء أسمى ما عرفه الإنسان بقدر ما تفعل الحرب.. ويضيف " فرويد" قوله حتى العلم يفقد حياده ويتوسل به علماؤه لاختراع أسلحة تلحق الهزيمة بالأعداء.

 ونقول لا ننسى بأن هؤلاء الأعداء الذين نحاول أن ندمرهم هم بشر، وأسر، وأطفال، ونساء، لكن ننسى أن الهدف في كل هذا التدمير والفتك بالآخر هو بدافع سياسي لبس لبوس الدفاع عن المذهب – الدين، الوطن، الإنسانية من فكر متعصب، ولكن الهدف هو المال والأقتصاد وما يجنيه الساسة من نجاحات في أهدافهم مهما كانت فهي قذرة.

كلٌ منا يرى أحداث ما يجري في الحرب وهو غير مشارك فيها وفعال برؤية إدراك نفسه للحدث الخارجي، فإما دفاعًا عن الدين، أو السطوة، أو المكانة الدولية ، وما يعنينا هو إدراكه الداخلي، وهو معيار التقييم، فالإنسان معتدى عليه بدون توقف، وملاحق بهذه الأحداث، يجد نفسه مهددًا في استمرارية وجوده، هذا الإنسان منذ فجر التأريخ كان يدرك الخوف من عالمه الخارجي من الحيوانات المفترسه، من الأعاصير، من الغيوم التي تحمل الأمطار الكثيفة، ومن السحب، مع كل تلك يدرك الخطر من نظيره الإنسان في هيجانه ونزعاته العدوانية وتجسدت في حضارتنا الحالية بشكل أوضح، فالنفس تدرك الحدث الخارجي وتتعامل معه كما بنيت " بنية" النفس وتكونت، فالنفس في بناءها الداخلي تحدد مسارات استجاباتها، أما في الهلع، أو امتصاص الصدمة وكبتها، أو التعايش معها لحين زوالها حتى وإن تحققت أهدافها بالانتصار والفوز على العدو وقول المحلل النفسي " عدنان حب الله " منذ فرويد وإبراهام وفرنزي ظلت العاقبة الذاتية للصدمة غامضة وتقاوم الكشف عن سرها. فلا غرو أن نجد ضحايا الحرب ما بعد الحرب، لا ببتر السيقان، أو فقدان عين من العينين، أو جرح عميق ترك أثرًا في الجسد، بل في النفس، وما حمل من خيالات وصدمات لا تمحى، ولن تمحى أبدًا، فالإنسان قبل الحرب ليس هو الإنسان بعد الحرب، حتى وإن أغدق عليه الساسة وتجار الحروب ومن يصنع الأسلحة والعتاد ومعامل المتفجرات من أموال وعطايا ومكرمات ونياشين، تبقى النفس مجروحة.

في الحرب يدرك الفرد العالم الخارجي بنوعين هما نوع ينتظم إدراك الأفعال الحركية التي قام بها وتعامل مع المحيطين به مع أقرب الناس من أسرته وأبناءه واخوته وأنعكس ذلك بشكل واضح على ما تئن به النفس من أثقال وأحمال حيث نراه كما تعكسه، وآخر يشتمل على الإحساسات المباشرة بكل أنواعها التي تصبغ الحالة الوجدانية بما نسميه " مسحتها" الغالبة كما يقول فرويد.

في الحرب تظهر خبايا النفس لا كونها ردات فعل للذات فحسب، ولا بنتائج ما آلت إليه النفس بسبب حدث الحرب، بل ما خزنت من موضوعات " متغيرات" عميقة منذ الطفولة، فطفولة الفرد تبين لنا ما يلي : فإذا كان الخوف من كل شيء خارجي يجسمه الطفل بداخله ليتحول إلى حالة رعب ومن ثم رهاب – فوبيا، فإن هذا التكوين يقود صاحبه في حالة الحرب إلى تضخيم الحدث، وإذا كان تكوين الشخص الوساوس، أو الأوهام، أو غيرها ظهر ذلك بشكل مضخم ولا نغالي إذا قلنا أن الحرب هي كشف للبنية النفسية.. وتلميع الصدء المغمور في داخلها.

سمى علماء النفس المرضي والتحليل النفسي هذا الموقف الخارجي وإنعكاسه للعالم الداخلي للإنساني بأنه العصاب الصدمي. ويرى " فرويد" إن الحصر- القلق الطفلي لا يكاد يشترك في شيء مع الحصر – القلق الواقعي الموضوعي الخارجي، بل هو على العكس، يقترب أقترابًا كبيرًا من الحصر – القلق العصابي عند الكبار الناضجين. وهو كالحصر – القلق العصابي، ففي الحرب ينفجر ما في داخل النفس من تكوينات نفسية بُنيت بسبب التربية داخل الأسرة فضلا عن إدراك الطفل تلك التربية بأنها خوف، أو عقاب، أو شيء مسر، هنا يتفجر الموقف في البلوغ ويعود المكبوت، عودة المكبوت كانت فعلا خارجيًا بسبب إدراك خطر الحرب مثلا، أو أي صوت داخل البيت، أو صياح الأطفال ولو كان بلعب في البيت. يفسره الشخص خطر خارجي، وهو في الحقيقة قفز المكبوت وكأنه يُعرفهُ عن نفسه من تلك التربية في سنوات الطفولة، واستعدادات الطفل لإدراكها كما يعتقد.

يمكننا القول بأن العامل الداخلي وتكوين الإنسان وما ضمت النفس في عالم اللاشعور – اللاوعي من خبرات تعود وتتكلم بصوت مسموع وواضح في سلوك أي منا في مواقف الحياة المتنوعة بعد ذلك في البلوغ، فربما يتفجر ما بداخل الإنسان من الشر بأوسع معانيه، فتكون السادية هي السمة البارزة أثناء الحرب " السادية وتعني إنزال الألم بالآخرين، أو إذلالهم بقصد الحصول على الإشباع أو اللذة " ومن يرغب في الفعل العملي بها.

 تدلنا رؤيتنا النفسية التحليلية بأن من يدعو بالمشاركة الفعالة في تأجيج حمى الحرب ويطلب المشاركة فيها وهو خارج أطرها فإن هناك مكونات شبقية عظيمة داخلة في مكونات نفسه وهي غرائز الأنانية وكره الآخر مهما كان دينه أو لونه، ولا يفوتنا بأن الأمم التي تدخل الحرب هي لإهداف معلنة وغير معلنة ولديها مصالح معينة، ونقول بأن الفائز ليس شرط من يملك السلاح المتطور، والأفضل، أو من يستخدمه على نحو أبرع، فالسيادة الوحشية للأمريكان في فيتنام وافغانستان لم تحقق له النصر، أو الفوز، بل كان التفكير عند الخصم هو الذي أحدث الهزيمة في القوات الغازية. التفكير والوحدة تصنع القوة ومن ثم تصنع الهزيمة في العدو وهي مسألة سيكولوجية بحتة. 

*** 

د. اسعد الامارة

فلسفياً، وما دمنا لا نملك غير الأسطورة المتداولة، دعونا نتخيل اللحظة الأولى لوجود الإنسان على الأرض، والتي عبر عنها (الدوس هكسلي) وصورها بأجمل وأدق صور الحرية (إن الذي رآه آدم، في صبيحة اليوم الأول من خلقه، هو المعجزة، ثم تدريجياً الوجود العاري). وتعني الوجود العاري، الوجود الفطري للأشياء، بكامل مساحته ووحدته، وكامل حريته، قبل أن يُمس (قبل أن تمسه اليد البشرية). يومها كان الأمر تلقائياً يسيراً، (يمس) الإنسان ما يشاء كما يحلو له ويحتاج دون رقيب أو حساب من جهة عليا، سواء كانت أرضية أو ماورائية.

يومها، وكان النهر والأرض والبحيرة والبحر ملكاً خالصاً لكل ذات، تستخدمها كل ذات بشرية لغرض إشباع حاجاتها وخدمتها كما تشتهي. هل كان الإنسان يبحث عن معنى وهدف لحياته؟ الموروث الأسطوري والديني السحيق يقول نعم، ولذا عمد الإنسان لاختراع الأساطير والأديان الأولى، لتفسير ما حوله، والبحث عن معنى لحياته، عبر تلك التفسيرات، ولكن من دون مساس بالنظام الطبيعي أو فرض قهري تقنيني. كان كل شيء ناصعاً، بريئاً، حراً، ومتاحاً، أي خارج حدود التقنين (العقلي) والسلطوي، على حد سواء.

كم استمر زمن (المعجزة) تلك، قبل أن تبدأ مرحلة الوجود العاري؟ هل انتهى زمنها ببدء عمل العقل والإدراك، وما تبعهما من وعي ومعرفة؟ هل كان الإنسان بحال أفضل في زمن دهشة المعجزة، حيث كان كل شيء متاح له أو تحت سلطته هو، أي من دون سلطة فوقية – تقنينية، سواء كانت أرضية أو ميتافيزيقية؟

في البدء أو بدء الوجود بمعجزة الإيجاد أو الخلق، هل حدثت تلك المعجزة أو تفجرت لتنقض أو تسلب روحها بالتقنين أو (التنظيم العقلي)؟ لماذا؟ هل يعني هذا أن عقل الإنسان أنضج وأكبر من عقل الطبيعة التي حققت معجزة الوجود الأولى؟ لا بالقطع طبعاً. وكما يقول (ألبير كامي) فإن (خطوة العقل الأولى هي تمييز الصحيح من الزائف)، وللأسف فإن العقل لم يكن مؤهلاً بذاته (لوحده) لتمييز الصحيح من الزائف، فأختلط الصحيح بالزائف والتبس الأمر من تلك اللحظة، على العقل وعلى الإنسان ككل، وخاصة في جانب تحليل وفهم وتحديد أهداف الوجود العاري الذي تبع دهشة (اللحظة) الأولى.

ولكن ولكون أن تصور (هكسلي) كان محض افتراض، وإن القراءة الأكثر انسجاماً مع (التنظيم العقلي) الذي أفرزه ذهن الإنسان، ككائن عاقل، فإنه أخذ المسؤولية على عاتقه في تنظيم (فوضى ذلك الوجود العاري)، من دون التوقف أمام افتراض أن تكون تلك (الفوضى) نظاماً طبيعياً، من طبيعة الأشياء أو الوجود العاري، لا بد من نفاذه وسيرورته باتجاه ذروة أو نتيجة لم يرها أو يقدرها عقل الإنسان.

لم يتوقف الإنسان يوماً ليسأل لماذا يحق له أن يغير كل ما يريد أو يراه ضرورياً في النظام الطبيعي، وبأي قدرات وإمكانيات. هو مدفوع بغريزة البقاء للبحث وتحقيق ما يحقق وجوده ويديم بقاءه فقط، وهذا هو قانون الفطرة أو القانون الطبيعي، حيث كل شيء يجب أن يكون مسخراً لحياة الإنسان وإدامة بقائه. وهذا يعني، في المحصلة النهاية، أن القانون الطبيعي للوجود مسخر للإنسان الفرد بما يوافق نزعته الذاتية، من واقع كونه محور الوجود وركيزته الأساسية، ما دام ليس على الأرض كائن بمواصفات أعلى منه، من جميع النواحي، وهذا ما يتفق على (نفاذه) الحس الغريزي والعقل معاً.

هل يعني هذا أن الإنسان وحدة الوجود الأولى – الأساسية؟

فلسفياً نعم، أما وجودياً - طبيعياً فلا بالقطع، لأن العلم، بأغلب فروعه، أثبت عكس هذا، وإن كانت الكائنات السابقة لوجود الإنسان، لا تتمتع بميزة العقل، التي أنتجت وتربت عليها خصائص التفكير والبحث والافتراض وبناء المفاهيم والتحليل والتأويل والاستنتاج… وباقي عناصر المنظومة.

الأبواب وجدت لتغلق..

تأسيساً على افتراض هكسلي، في الوجود العاري السابق، يُمكننا العقل، بإحدى أدواته الوفيرة، من بناء المفهوم القائل بأن (الوجود العاري) لم يكن بعري مطلق، بل بعري قابل للكشف الحسي، الذي يسبق الكشف العقلي ومختبر أدواته التشريحية. وهذا يعني بطريقة ما وفي النهاية، أن الوجود الطبيعي (المحيط بالإنسان)، ما كان ليكتسب حركة وفعل الوجود (الأصيل) لولا وجود الإنسان بأدوات بحثه وفعله، عقل وحس وغرائز وحدس و… إلى باقي أدوات كشفه.

مثل هذا التصور يقودنا، بالضرورة، لمدخل جديد من مداخل الفلسفة (بمنحاها أو رؤيتها الوجودية على وجه التخصيص) وهو مدخل (أن الأبواب وجدت لتغلق) بالضرورة والقصد، ولكن ليس لغرض (إثارة الصيد للقانصين) إنما بقصد ارتكاب جرأة التحرش بسطوة الممنوع وغرز مخالب التفكير والتحليل في لحم جهامته، كباب مغلق طبعاً، ولكن لا بد من فتحه دون تحطيم… لنقل بعنف لحظة اللذة.

ومن المهم أن أؤكد (في هذه اللحظة من عمر الفكرة) أن فكرة وفرضية أن الأبواب وجدت لتغلق، أنما مقصدها (نزعة الأبواب لا أقفالها)، رغم أن هذا الفرض يعامل الأبواب كذوات فاعلة لا كجمادات خشبية أو حديدية، ولكن هذا فرض لا خيار داخل غرفة الفلسفة.

إذن فالنظام (الطبيعي - الفطري) أحد الفواعل الفطرية الواجبة الوجود، التي تُحس (يُدرك فعلها) بالفعل الغريزي للوجود الإنساني، كمستقبل محرض ودافع لفعل الحياة وعملية تطويره (تهذيبه) بتراكم الاكتشاف، الذي، وبعمره التاريخي الطويل، هذب الذائقة، كوسيلة إنضاج نقدية مكتسبة عبر الزمن وتراكمه.

وجدير أن نذكر، في هذه اللحظة من عمر هذه المقولة (زمن كتابة هذه السطور)، أن هذا النظام قائم وفاعل منذ اليوم الأول للوجود العاري، رغم أن أغلب الأديان سعت إلى ضمه لقائمة فواعلها ومكاسبها، من أجل أن تدعم به سطوتها، قبل أن تنقلب على الإنسان وتسعى لتتفيه ذاته وإقناعه بأنه ليس أكثر من كتلة من الزيف والخداع الذاتي وتنهيه في الجحيم، وكانت ضربتها السديدة التي سحبت بساط الثقة من تحت زهو الذات الإنسانية، لتتركه يتخبط في مجاهل الرعب وغربة الذات، حتى ظهور الفلسفة الوجودية وأدب الاحتجاج.

وربما لبطئه (العلماء يتحدثون عن ملايين مرهقة من السنوات) ظل النظام الطبيعي بعيداً عن متناول الاستيعاب الإنساني، ولهذا نجحت أغلب الأديان في طرح طوق نجاتها التاريخي (ألفين أو ثلاثة آلاف من السنوات)، من أجل اهالة التراب على رأس الإنسان ودفنه (مع أفكاره الثورية) ونفيه من الحياة إلى الأبد، تحت مسمى نجاة وحياة سرمدية بعدية، والأهم اختفاء أو احتراق أو تبدد النظام الطبيعي الكسول وإلى الأبد. لماذا؟ لا أحد يملك إجابة.

لا أحد يعرف سبب معاداة الأديان للنظام الطبيعي، بل وإن أغلب البشر لم يتوقفوا ليسألوا عن هذا السبب.. قبلوا الفكرة لأنها غلفت بطبقة سميكة من الخوف وتفرغوا لندب حظهم، بعد أن أفلح كهنة المعابد في إقناعهم بأن الحياة، في ظل النظام الطبيعي، أمر عقيم وهدر للوقت في صنوف من العذابات القاتلة، وعليه فإن الخروج من النظام الطبيعي (أي الموت) هو النظام الوحيد للفوز بحياة السعادة والرفاه والغبطة الأبديين، وطبعاً من دون أن يكلف أغلب الناس السؤال، لمن سنخلف النظام الذي بين أيدينا أو إذا ما كان سيحترق أو يتبخر أو يختفي بالفعل، في لحظة أو يوم لا أحد يعرف موعده.

***

د. سامي البدري

مقاربة ميتودولوجية

مقدمة: في تاريخ الفلسفة، يمثل مفهوم الجدل أحد أبرز الأدوات المنهجية التي استخدمها الفلاسفة لاستكشاف الحقيقة، وتحليل الواقع، وتجاوز التناقضات الظاهرية. الجدل، في جوهره، ليس مجرد نقاش أو مناظرة، بل هو عملية ديناميكية تتضمن التفاعل بين الأفكار المتناقضة للوصول إلى معرفة أعلى أو تركيب جديد. هذا المفهوم تطور عبر العصور، منذ الفلسفة اليونانية القديمة مع أفلاطون وأرسطو، مروراً بالفلسفة الألمانية الكلاسيكية مع كانط وهيجل. في هذه الدراسة، سنقارب الجدل والجدلية من منظور منهجي، محاولين استكشاف كيف شكل هذا المفهوم المنهج الفلسفي لكل من هؤلاء الفلاسفة، وكيف انعكس في علاقاتهم الفكرية المتبادلة. سنركز على التباينات والتداخلات المنهجية دون الغوص في تفاصيل تاريخية أو شخصية، محافظين على تدفق مسترسل يربط بين الأفكار. بدءاً من اليونانيين، كان الجدل عند أفلاطون أداة للكشف عن الحقيقة من خلال الحوار، بينما طور أرسطو نهجاً أكثر نظامية يجمع بين الجدل والمنطق التحليلي. أما في العصر الحديث، فإن كانط استخدم الجدل لنقد حدود العقل، في حين جعل هيجل من الجدلية محركاً للتاريخ والفكر. هذه المقاربة المنهجية تكشف عن تحولات في فهم الجدل من كونه أداة استكشافية إلى كونه قوة دافعة للتطور الفكري والوجودي. فكيف تم فهم الجدل كمنهج فلسفي؟

الجدل عند أفلاطون: الحوار كطريق إلى المعرفة الأبدية

يُعتبر أفلاطون أحد أوائل الفلاسفة الذين جعلوا من الجدل منهجاً أساسياً في الفلسفة. في حواراته، مثل محاورة "الجمهورية". يظهر الجدل كعملية حوارية يقودها سقراط، معلمه، لاستخراج الحقيقة من خلال السؤال والجواب. المنهج الجدلي عند أفلاطون ليس مجرد تبادل آراء، بل هو عملية تصاعدية تبدأ من الآراء الشائعة (الدوكسا) وتصل إلى المعرفة الحقيقية (الإبيستمي). يعتمد هذا المنهج على افتراض أن الحقيقة موجودة في عالم المثل الأبدي، وأن الجدل هو الوسيلة لتذكرها، أي استرجاع المعرفة الفطرية.

من الناحية المنهجية، يتكون الجدل الأفلاطوني من ثلاث مراحل أساسية: الدعوى الأولي، الذي يُقدم كرأي أو افتراض، ثم الاعتراض أو النقيض، الذي يكشف عن التناقضات في الافتراض، وأخيراً التركيب أو الوصول إلى فهم أعلى يتجاوز التناقض. هذا النهج يعكس اعتقاد أفلاطون بأن العقل البشري قادر على تجاوز الحواس والظواهر المتغيرة للوصول إلى الجوهر الثابت. الجدل هنا ليس خطياً، بل دائرياً وتفاعلياً، يعتمد على اللغة والحوار كأدوات للكشف، مما يجعله منهجاً اجتماعياً بقدر ما هو فردياً. في هذا السياق، يرى أفلاطون أن الجدل يحمي من الخطأ الدوغمائي، إذ يفرض على المشاركين في الحوار الاعتراف بجهلهم الأولي، كما في قول سقراط الشهير "أعرف أنني لا أعرف شيئاً". مع ذلك، يحمل المنهج الأفلاطوني بعض التحديات المنهجية، مثل اعتماده على الإلهام أو الرؤية الفلسفية، التي قد تبدو غير موضوعية. هذا النهج يفتح الباب للجدلية مع تلميذه أرسطو، الذي سعى إلى جعل الفلسفة أكثر علمية وتحليلية.

الجدل عند أرسطو: المنطق التحليلي كتجاوز للجدل الحواري

على عكس معلمه أفلاطون، طور أرسطو منهجاً جدلياً يجمع بين الحوار والتحليل المنطقي، محاولاً تحويل الجدل من عملية استكشافية إلى أداة علمية منظمة. في كتاباته مثل "الطوبيقا" و"الأورغانون"، يعرف أرسطو الجدل كفن المناقشة حول المواضيع المحتملة، أي تلك التي لا تكون يقينية كالعلوم الرياضية، بل تتعلق بالآراء المقبولة عامة. المنهج الجدلي عنده يبدأ من المقدمات الشائعة (الإندوكسا)، التي هي آراء معترف بها من قبل الأكثرية أو الحكماء، ثم يستخدم الاستدلال الاستقرائي والقياسي للوصول إلى استنتاجات. من المنظور المنهجي، يميز أرسطو بين الجدل والبرهان: البرهان يعتمد على مقدمات يقينية للوصول إلى حقائق علمية، بينما الجدل يتعامل مع الاحتمالات والتناقضات لكشف الحقيقة في المجالات غير اليقينية، مثل الأخلاق والسياسة. هذا التمييز يعكس انتقاد أرسطو للجدل الأفلاطوني، الذي يراه مفرطاً في الاعتماد على الحوار غير المنظم، مما قد يؤدي إلى الجدل اللفظي دون تقدم حقيقي. بدلاً من ذلك، يقترح أرسطو منهجاً تحليلياً يعتمد على تصنيف المفاهيم والأجناس، كما في نظريته عن الأسباب الأربعة (المادي، الصوري، الفاعل، الغائي)، الذي يجعل الجدل أداة للتصنيف والتحليل بدلاً من مجرد نقاش. الجدلية بين أفلاطون وأرسطو تكمن في هذا التحول المنهجي: أفلاطون يرى الجدل كطريق إلى عالم المثل المتعالي، بينما أرسطو يجعله أرضياً وتجريبياً، مرتبطاً بالواقع الحسي. هذا التباين يعكس انتقالاً من الجدل الاستكشافي إلى المنطق المنهجي، حيث يصبح الجدل لدى أرسطو مقدمة للعلوم، لا غاية في حد ذاته. ومع ذلك، يظل هناك تداخل، إذ يستخدم أرسطو الجدل لنقد أفكار أفلاطون، مثل رفضه لنظرية المثل ككيانات منفصلة، مفضلاً الجوهر كوحدة بين الصورة والمادة.

الانتقال إلى العصر الحديث: الجدل كأداة نقدية عند كانط

مع انتقالنا إلى الفلسفة الحديثة، يأخذ الجدل بعداً نقدياً أعمق عند إيمانويل كانط، الذي جعله جزءاً من مشروعه النقدي للعقل. في "نقد العقل الخالص"، يعالج كانط الجدل كمشكلة تنشأ من محاولة العقل تجاوز حدوده، مما يؤدي إلى النقائض. المنهج الجدلي عنده ليس إيجابياً كما عند اليونانيين، بل سلبياً ونقدياً: هو يكشف عن الوهم الذي يقع فيه العقل عندما يطبق مبادئه على العالم ما وراء التجربة، مثل قضايا الخلود أو وجود الله. من الناحية المنهجية، يقسم كانط الجدل إلى جدل متعالي (ترانسندنتالي)، الذي يتعامل مع التناقضات الظاهرية في العقل النظري، وجدل عملي في "نقد العقل العملي"، الذي يحل التناقضات من خلال الإرادة الأخلاقية. هذا المنهج يعتمد على التمييز بين الظاهر والشيء في ذاته. حيث يرى كانط أن الجدل ينشأ من الخلط بينهما. على سبيل المثال، في النقائض، يقدم كانط أطروحات متناقضة مثل "العالم محدود" مقابل "العالم غير محدود"، ثم يحلها بإظهار أنها تنشأ من تطبيق غير مشروع لمفاهيم الزمان والمكان. هذا المنهج النقدي يمثل تحولاً عن الجدل اليوناني، إذ يصبح الجدل أداة لتحديد حدود المعرفة بدلاً من توسيعها. كانط هنا ينقد الدوغمائية، مشابهاً لأفلاطون في الاعتماد على العقل، لكنه أقرب إلى أرسطو في التركيز على التحليل المنهجي. هذا النهج يفتح الباب للجدلية مع هيجل، الذي سيحول الجدل من نقدي إلى بنائي.

الجدلية عند هيجل: الديالكتيك كمحرك للتاريخ والفكر

في فلسفة جورج فيلهلم فريدريش هيجل، يصل الجدل إلى ذروته كجدلية ديالكتيكية شاملة، تشمل الفكر والتاريخ والوجود. في "فينومينولوجيا الروح" و"علم المنطق"، يصف هيجل الجدلية كعملية ثلاثية: الدعوى، النفي، ونفي النفي، التي تؤدي إلى تطور مستمر نحو الكمال. المنهج الجدلي عنده ليس مجرد أداة، بل هو طبيعة الواقع نفسه، إذ يرى أن التناقضات هي المحرك الأساسي للتغيير. من المنظور المنهجي، ينتقد هيجل كانط لتقييده الجدل بالنقد السلبي، مفضلاً جعله إيجابياً وبنائياً. بالنسبة لهيجل، التناقضات ليست وهماً، بل حقيقية وضرورية للتقدم، كما في تطور الروح المطلقة عبر التاريخ. هذا النهج يعتمد على المنطق الجدلي، الذي يتجاوز المنطق الرسمي الأرسطي بإدراج التناقض كعنصر بناء، مخالفاً لقانون عدم التناقض. هيجل هنا يعيد صياغة الجدل الأفلاطوني كعملية تصاعدية، لكنها تاريخية وجماعية، لا فردية فقط. ان الجدلية بين كانط وهيجل تكمن في هذا التباين: كانط يرى الجدل كحد للعقل، بينما هيجل يجعله قوة دافعة للوصول إلى المعرفة المطلقة. هذا يعكس انتقالاً من النقد التحليلي إلى التركيب الشامل، مشابهاً للجدل بين أفلاطون وأرسطو في التحول من الاستكشافي إلى المنهجي.

في سياق الفلسفة الهيجلية، يمثل الجدل أو الديالكتيك جوهر المنهج الفلسفي، ليس كأداة تحليلية فحسب، بل كقانون أساسي يحكم حركة الفكر، التاريخ، والواقع نفسه. إن الجدلية عند هيجل، كما طورها في أعماله الرئيسية مثل "فينومينولوجيا الروح" و"علم المنطق" و"مبادئ فلسفة الحق"، تتجاوز الفهم التقليدي للجدل كمجرد نقاش أو تناقض، لتصبح عملية ديناميكية ثلاثية الأبعاد: الدعوى (الوضع أو الإثبات)، النقيض (النفي أو الاعتراض)، والتأليف (التركيب أو نفي النفي). هذه العملية ليست خطية أو مصادفة، بل ضرورية ومنطقية، تعكس تطور الروح المطلقة نحو الوعي الذاتي الكامل. في هذا التوسع، سنستعرض الجدلية الهيجلية من منظور منهجي معمق، مستكشفين أبعادها المنطقية، التاريخية، والأنطولوجية، مع التركيز على كيفية تحولها من مفهوم فلسفي إلى قوة محركة للوجود البشري. بدءاً من الأساس المنطقي، يرى هيجل أن الجدلية هي المنطق الحقيقي، الذي يتجاوز المنطق الرسمي الأرسطي المبني على قوانين عدم التناقض والثالث المرفوع. في "علم المنطق"، يبدأ هيجل من مفهوم "الوجود"  كدعوى أولي، الذي ينفي نفسه ليصبح "اللاشيء" كنقيض، ثم يتركب في "الصيرورة" كتأليف. هذا الثالوث الديالكتيكي ليس مجرد مثال، بل نموذج عام ينطبق على كل المفاهيم: كل فكرة تحمل في داخلها تناقضها الخاص، الذي يدفعها نحو تطور أعلى. المنهج هنا يعتمد على "الأنوار". وهو مصطلح هيجلي يعني الرفع أو التجاوز مع الحفاظ، حيث يتم نفي العناصر السابقة دون إلغائها تماماً، بل دمجها في كلية أكبر. هذا يجعل الجدلية عملية داخلية وذاتية، لا خارجية مفروضة، مما يميزها عن الجدل الأفلاطوني الذي يعتمد على الحوار الخارجي، أو الجدل الكانطي الذي يراها كوهم يجب تجنبه. من الناحية التاريخية، تحول هيجل الجدلية إلى محرك للتاريخ البشري، كما في "محاضرات في فلسفة التاريخ". هنا، يصبح التاريخ سلسلة من التناقضات الديالكتيكية التي تؤدي إلى تقدم الروح العالمية. على سبيل المثال، يصف هيجل العصور القديمة كدعوى (حيث يسيطر الفرد على الجماعة في الشرق، ثم الجماعة على الفرد في اليونان والرومان)، ثم العصور الوسطى كنقيض (مع الصراع بين الكنيسة والدولة)، وأخيراً العصر الحديث كتأليف (مع ظهور الدولة الحديثة التي توفق بين الحرية الفردية والضرورة الاجتماعية). الجدل هنا ليس عشوائياً، بل موجهاً نحو غاية، وهي تحقيق الحرية الشاملة. هذا المنظور يجعل الجدلية أداة لفهم الصراعات الاجتماعية والسياسية، كما في نظريته عن السيد والعبد في "فينومينولوجيا الروح"، حيث ينشأ الوعي الذاتي من خلال الاعتراف المتبادل عبر التناقض: السيد يعتمد على العبد، والعبد يثور ليصبح سيداً، مما يؤدي إلى تركيب جديد في المجتمع. هذا التوسع التاريخي يبرز كيف أن الجدلية ليست مجرد نظرية، بل تفسير للحركة الإنسانية، حيث تكون الحروب، الثورات، والتغييرات الاجتماعية تعبيرات عن التناقضات الداخلية التي تدفع نحو التقدم. أما من الجانب الأنطولوجي، فإن الجدلية عند هيجل هي طبيعة الوجود نفسه. في فلسفته المثالية المطلقة، الروح هي الكلية التي تتطور ديالكتيكياً من الذاتي إلى الموضوعي، مروراً بالفن، الدين، والفلسفة كمراحل للوعي. الجدل هنا يعني أن الواقع غير ثابت، بل في حالة صيرورة مستمرة، حيث يحمل كل شيء في ذاته بذرة نفيه. هذا يتناقض مع الوجود الثابت عند أرسطو أو المثل المتعالية عند أفلاطون، إذ يرى هيجل أن التناقض ليس خطأً، بل ضرورة وجودية. على سبيل المثال، في نظريته عن الدولة، يصبح الجدل بين الفرد والمجتمع تركيباً في النظام الدستوري، الذي يمثل تحقيقاً للروح الموضوعية. هذا البعد الأنطولوجي يجعل الجدلية شاملة، تشمل الطبيعة أيضاً، كما في "فلسفة الطبيعة"، حيث تتطور المادة ديالكتيكياً من الميكانيكا إلى الكيمياء إلى الحياة، كخطوة نحو الروح.

مع ذلك، يثير المنهج الجدلي الهيجلي بعض التحديات المنهجية، مثل اتهامه بالتجريدية الزائدة أو التليولوجيا (الغائية)، حيث يبدو التاريخ موجهاً نحو نهاية محددة، مما قد يقلل من دور الصدفة أو الإرادة الحرة. كما أن اعتماده على اللغة الألمانية المعقدة يجعل الجدلية تبدو غامضة، لكن هذا الغموض جزء من المنهج نفسه، إذ يعكس تعقيد الواقع. في مواجهة نقد كانط، الذي رأى الجدل كحد للعقل، يرد هيجل بأن الجدل هو الطريق الوحيد لتجاوز هذه الحدود، محولاً التناقضات من سلبية إلى إيجابية.

ماركس ومفهوم الجدلية: الجدلية المادية كأداة تحليلية وثورية

في سياق تطور مفهوم الجدل من الفلسفة اليونانية إلى الهيجلية، يمثل كارل ماركس نقطة تحول جذرية، حيث يأخذ الجدلية الهيجلية ويعيد صياغتها جذرياً لتصبح الجدلية المادية. هذا التحول ليس مجرد تعديل فني، بل هو انقلاب منهجي ينقل الجدل من عالم الأفكار المجردة والروح المطلقة إلى عالم المادة الملموسة، الاقتصاد، والصراع الطبقي. ماركس نفسه يعترف بفضل هيجل، لكنه يؤكد أنه وجد الجدلية "واقفة على رأسها" فأعادها إلى قدميها، أي جعلها تنطلق من الواقع المادي بدلاً من الفكر المثالي.

أساس الجدلية المادية يتراوح بين نقد الهيجلية و"القلب" المنهجي. اذ يبدأ ماركس من إعجابه بالمنهج الديالكتيكي عند هيجل، الذي يرى في التناقض محركاً للتطور، وفي الثالوث عملية رفع تحفظ وتتجاوز في آن. لكن هيجل يجعل هذه العملية مثالية: الروح هي التي تتطور من خلال التناقضات، والتاريخ تعبير عن تحقق الفكرة المطلقة. بالنسبة لماركس، هذا "القلب" المثالي يقلب الواقع رأساً على عقب، إذ يجعل الفكر يحدد الوجود بدلاً من أن يعكسه. في مقدمة الطبعة الثانية من "رأس المال"، يقول ماركس صراحة: "لقد اعترفت علانية بأنني تلميذ ذلك المفكر العظيم [هيجل]، وفي الفصل الخاص بالجدل، حتى طريقة التعبير اعتمدتها منه إلى حد ما. لكن الجدل عند هيجل يقف على رأسه. يجب قلب هذا الوضع ليكشف عن النواة العقلانية داخل القشرة الصوفية". هذا "القلب" ليس مجرد تغيير اتجاه، بل هو إعادة تأسيس الجدل على أساس مادي: المادة أولى، والوعي انعكاس لها ونتاج لها. التناقضات لا تنشأ في عالم الأفكار، بل في الشروط المادية للإنتاج، وفي علاقات الإنتاج التي تولد صراعاً طبقياً. أما مبادئ الجدلية المادية الثلاثة الرئيسية فقد طورها إنجلز، الذي ساهم بشكل كبير في صياغة هذا المفهوم، ثلاث قوانين أساسية للجدلية المادية، مستمدة من قراءة ماركس للواقع: وهي وحدة وصراع الأضداد: هذا القانون الأساسي يرى أن كل شيء يحتوي على تناقض داخلي، وأن هذه الأضداد مترابطة ومتحدة في الوقت نفسه الذي تتصارع فيه. في الطبيعة: الشحنة الكهربائية الموجبة والسالبة؛ في المجتمع: البرجوازية والبروليتاريا، حيث يعتمد كل منهما على الآخر (الرأسمال يحتاج إلى العمال، والعمال يحتاجون إلى الرأسمال) لكنهما يتصارعان بسبب تضاد مصالحهما. هذا الصراع هو مصدر الحركة والتغيير، لا الانسجام أو التوازن الثابت. كذلك تحول الكم إلى كيف: أي التغييرات الكمية المتراكمة تؤدي إلى قفزات نوعية مفاجئة. مثال كلاسيكي عند إنجلز: تسخين الماء يزيد درجة الحرارة تدريجياً (كمياً) حتى يصل إلى 100 درجة فيتحول إلى بخار (قفزة نوعية). في المجتمع: تراكم التناقضات الرأسمالية (استغلال متزايد، أزمات دورية، تركيز الثروة) يؤدي إلى ثورة نوعية، أي تحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية. هذا يفسر لماذا لا تكون التغييرات تدريجية خطية دائماً، بل تحمل لحظات انفجارية. بعد ذلك نفي النفي: أي التطور لا يعود إلى نقطة البداية، بل يرتفع إلى مستوى أعلى. النفي الأول يدمر الوضع القديم، ثم نفي هذا النفي يحفظ عناصره الإيجابية في تركيب جديد. في التاريخ: الرأسمالية تنفي الإقطاع (بالثورة البرجوازية)، ثم الاشتراكية تنفي الرأسمالية، محافظة على قوى الإنتاج المتطورة لكن في إطار اجتماعي جديد يتجاوز الاستغلال. هذا ليس دورة مغلقة، بل صعود حلزوني نحو مستويات أعلى من التنظيم الاجتماعي. لكن ماركس عمل على تطبيق الجدلية المادية في التحليل الاقتصادي والتاريخي. في "رأس المال"، يطبق ماركس الجدلية بشكل منهجي على الاقتصاد الرأسمالي. السلعة نفسها تحمل تناقضاً داخلياً: قيمة الاستعمال مقابل قيمة التبادل. والعمل الخاص مقابل العمل الاجتماعي. هذا التناقض يتطور في شكل رأس المال، حيث يصبح العمل الحي (العمال) مضاداً لرأس المال الميت (الآلات والمال). الربح ينشأ من استغلال فائض القيمة، الذي هو تناقض جوهري يؤدي إلى أزمات دورية وتركيز الرأسمال، مما يمهد لثورة البروليتاريا. من الناحية التاريخية، يصبح الجدل محركاً للتاريخ عبر الصراع الطبقي: كل نمط إنتاج يحمل تناقضاته الداخلية التي تدفعه إلى زواله واستبداله بنمط أعلى. الإقطاع يولد الرأسمالية، والرأسمالية تولد الاشتراكية. هذا ليس قدراً ميكانيكياً، بل عملية تاريخية يقودها الفعل البشري الواعي، لكن ضمن شروط مادية موضوعية.

لقد تم التعامل مع الجدلية المادية كمنهج ثوري: الجدلية عند ماركس ليست نظرية تأملية، بل أداة لفهم الواقع من أجل تغييره. كما يقول في أطروحاته عن فيورباخ: "الفلاسفة فسروا العالم بطرق مختلفة، والمهم هو تغييره". الجدلية المادية تكشف التناقضات المخفية في المجتمع الرأسمالي، وتبين أن الثورة ليست خياراً أخلاقياً مجرداً، بل ضرورة تاريخية نابعة من حركة التناقضات الطبقية.

خاتمة:

في النهاية، تكشف المقاربة المنهجية للجدل والجدلية بين أفلاطون وأرسطو، وبين كانط وهيجل، عن تطور مستمر في فهم الجدل كأداة فلسفية. من الحوار الاستكشافي عند أفلاطون إلى التحليل المنطقي عند أرسطو، ثم النقد الحدي عند كانط، وأخيراً الديالكتيك البنائي عند هيجل، يظهر الجدل كعملية ديناميكية تتكيف مع احتياجات كل عصر. هذه الجدليات ليست مجرد خلافات، بل تركيبات تثري الفلسفة، مؤكدة أن الجدل نفسه هو المنهج الأسمى للفهم البشري، حيث يتجاوز التناقضات ليبني معرفة أعمق وأكثر شمولاً. الجدلية الهيجلية تمثل قمة تطور مفهوم الجدل في الفلسفة، حيث تتحول من أداة استكشافية إلى قانون كوني يفسر الوجود والتغيير. هذا التوسع يكشف عن عمقها كمنهج يربط بين الفكر والفعل، مدعواً إلى فهم التناقضات كفرص للنمو، لا عقبات. من خلالها، يصبح العالم مكاناً للصيرورة المستمرة، حيث يتحقق الإنسان في حركة الروح نحو الكمال. يمثل مفهوم الجدلية عند ماركس تتويجاً لتطور الجدل الفلسفي، حيث يحولها من أداة مثالية إلى سلاح مادي في يد الطبقة العاملة. إنها ليست مجرد منهج تحليلي، بل رؤية شاملة ترى العالم في حركته الدائمة، مليئاً بالتناقضات التي تحمل في طياتها إمكانية التجاوز نحو مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية. هذا التحول يجعل ماركس ليس تلميذاً لهيجل فحسب، بل ناقداً يتجاوزه، محولاً الجدل من تأويل للعالم إلى قوة تغييرية. فكيف تم التعامل مع الجدل كخيط منهجي متصل عبر العصور؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

يعود الاتجاه التأويلي في أصوله العميقة إلى فقه اللغة والتفسير الديني، حيث كان الهمّ منصبّاً على فهم النصوص المؤسسة واستنطاق طبقاتها الدلالية، ثم وجد امتداده الفلسفي الأخصب في الفلسفة الظواهرية المعاصرة، حتى غدا التيار الغالب في الفلسفة الألمانية بخاصة، وفي الفلسفة الأوروبية القارية بعامة. وقد تبلورت معالمه على أيدي مفكرين كبار مثل (شلايرماخر)، و(مارتن هيدغر)، و(غادامير)، و(بول ريكور)، وصولاً إلى (جان غروندين) الذي يُنظر إليه بوصفه مجدداً للدرس التأويلي بعد أفول جيل الرواد.

إن التأويلية، في جوهرها، ليست منهجاً إجرائياً فحسب، بل هي موقف أنطولوجي من الوجود والمعنى، فهي لا تتعامل مع النص بوصفه بنية مغلقة مكتفية بذاتها، بل باعتباره حدثاً دلالياً مفتوحاً على أفق الفهم الإنساني. ومن هنا منحت المتلقي مكانة مركزية، إذ لم يعد القارئ مستهلكاً سلبياً للمعنى، بل شريكاً في إنتاجه وبنائه، والنص، في ضوء هذا التصور، لا يستنفد معناه في قراءة واحدة، ولا يُختزل في قصدية مؤلفه، بل يظل قابلاً للتجدد مع كل أفق جديد للفهم. ولعل هذا ما أفضى ببعض النقاد إلى إعلان "موت المؤلف"، كما عند (رولان بارت)، حيث لم يعد المؤلف هو مصدر المعنى، بل غدت اللغة ذاتها هي التي تتكلم، وهكذا تحرر النص من سلطة النية، وانفتح على تعددية القراءات، وأصبح المعنى حصيلة التفاعل بين بنية النص وأفق القارئ.

غير أن الذروة الفلسفية لهذا المسار التأويلي تتجلى في مشروع مارتن هيدغر، الذي نقل التأويلية من حقل المنهج إلى أفق السؤال عن الوجود، لأن اللغة عنده ليست أداة تواصل، ولا وسيلة يعبر بها الإنسان عن أفكاره، بل هي الحدث الذي ينكشف فيه الوجود ذاته، إنها ليست ملكاً للإنسان، بل الإنسان هو الذي ينتمي إلى حدثها. ومن هنا رفض (هيدغر) التصور الأداتي للغة، ويرى أن فهمها بوصفها أصواتاً متمفصلة أو إشارات اصطلاحية هو فهم سطحي لا يبلغ حقيقتها.

ويتحدث (هيدغر) عن مفهوم "القولة" بوصفها وحدة حدوث اللغة، أي ذلك البيان الذي تنكشف فيه الكينونة، فقول "القولة" ليس مجرد إصدار أصوات، بل هو إبانةٌ للوجود، وإظهارٌ للموجود في أفق الانكشاف. اللغة، بهذا المعنى، هي بيت الوجود؛ فيها يسكن الإنسان، وبها ينفتح العالم أمامه، فحيث توجد لغة، يوجد عالم، لأن العالم لا يكون عالماً إلا بقدر ما يُفهم ويُسمّى ويُكشف.

ومن هنا يؤكد (هيدغر) أن الإنسان لا يتكلم إلا لأنه ينصت أولاً، فالإنصات هو الشرط الأصلي للتكلم، وهو انتماء الكائن الإنساني إلى نداء اللغة، فإننا لا نمتلك اللغة كما نمتلك أداة، بل نحن منجذبون إلى دائرتها، منتمون إلى مجالها المفتوح، لأنها هي التي تسمح بظهور الأشياء، وهي التي تهيكل المجال الذي يقيم فيه الإنسان منفتحاً على انفتاح الكون. وإن انكشاف الحقيقة لا يتم خارج اللغة، ولا بمعزل عن الكينونة الإنسانية التي تشارك في هذا الانفراج، فاللغة تتكلم حين يتكلم الإنسان، والإنسان لا يتكلم إلا لأن اللغة تتكلم فيه، إنها علاقة تضايف وجودي، حيث يصبح التكلم حدثاً أنطولوجياً لا مجرد فعل تواصلي.

وعليه، فإن التأويلية، في أفقها (الهيدغري)، ليست قراءة للنصوص فحسب، بل هي إقامة في سؤال الوجود، ووعيٌ بأن المعنى لا يُعطى جاهزاً، بل يُنجز في حدث الفهم، إنها انتقال من البحث عن المعنى إلى الإقامة في أفق انكشافه، ومن النظر إلى اللغة كأداة إلى النظر إليها كقدر وجودي يحتضن الإنسان ويكشف له العالم.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

دراسة في المخرجات الإبستمولوجية والتداعيات الحضارية في الشرق الأوسط

قلق النهضة ومأزق الهوية: تشهد الساحة الفكرية في الشرق الأوسط، وتحديداً في الفضاءين العربي والإسلامي، مخاضاً فلسفياً مستمراً منذ منتصف القرن التاسع عشر. كانت "النهضة العربية" أو "اليقظة" استجابةً صدامية للتحدي الحضاري الغربي الذي فرض هيمنته عبر مسارات عسكرية وسياسية وتقنية. لم تكن هذه الاستجابة مجرد تفاعل معرفي عابر، بل تبلورت كبنية ذهنية "منشطرة" تحاول التوفيق بين مرجعيتين متنافرتين في الأسس والمنطلقات، مرجعية التراث (الأصالة) المتجذرة وجدانياً وتاريخياً، ومرجعية الحداثة (المعاصرة) الوافدة بأدواتها العقلانية النقدية.

هذا الانشطار المعرفي ليس مجرد اختلاف في المناهج، بل هو تجسيد لـ "قلق حضاري" يعجز فيه العقل عن إحداث "قطيعة إبستمولوجية" تامة مع الماضي، أو الانخراط الكلي في قيم الحداثة. أدى هذا العجز إلى نشوء أزمات بنيوية في المخرجات التعليمية والبحثية، مما جعل الفكر الفلسفي في المنطقة يراوح مكانه بين "اجترار التراث" و"تغريب المعرفة".

التكوين التاريخي للانشطار المعرفي

بدأ التكوين الفكري لهذه الثنائية مع إدراك الفجوة الزمنية والحضارية التي تفصل الشرق عن الغرب. هذا الإحساس بالدونية التقنية حفز الرغبة في التغيير، إلا أن المسار انشطر إلى تيارين: أحدهما سلفي يرى في استعادة "الماضي الذهبي" درعاً ضد الاستلاب، والآخر تغريبي يرى في النموذج الغربي الطريق الأوحد للخروج من الركود.

إن هذا الانقسام لم يظل تنظيمياً، بل تسلل إلى داخل الذات المفكرة؛ حيث بات المثقف العربي يعاني من "ازدواجية الولاء المعرفي". فهو يستخدم أدوات المنهج الغربي (كالتفكيكية أو البنيوية) لتحليل نصوصه التراثية، أو يستدعي مفاهيم تراثية عتيقة لتبرير تبنيه لمنتجات الحداثة. هذه الحالة أنتجت ما يصفه محمد عابد الجابري بـ "العقل المستقيل"، الذي يكتفي بالتوفيق السطحي بدلاً من التوليد المعرفي الأصيل. كما ساهم المستشرقون، رغم رصانتهم المنهجية، في تعميق هذا التوتر عبر تقديم قراءات قد تتسم أحياناً بنزعة مركزية غربية، مما دفع المفكر المحلي للدفاع عن هويته بوسائل دفاعية (اعتذارية) بدلاً من الوسائل النقدية.

إبستمولوجيا العوائق.. الثالوث المحرم

لا يمكن سبر أغوار هذا الانشطار دون فحص "الثالوث المحرم" الذي يشكل جداراً برلينياً أمام العقل النقدي. إن الفلسفة في الشرق الأوسط تظل محاصرة بـ "تابوهات" تشكل خطوطاً حمراء تمنع التفكير من بلوغ تخومه القصوى.

 تابو الدين: من العقيدة إلى "الحقل الصدامي"

يظل الدين العائق الأكثر تعقيداً؛ إذ يُنظر إليه كمنظومة ما ورائية مطلقة، لا كحقل للدراسة الإبستمولوجية. المفكر الذي يسعى لتشريح المنظومة العقدية يصطدم مباشرة بـ "حراس المعبد" وبتهم الردة. هذا الضغط المجتمعي والمؤسساتي يدفع المثقف نحو "التقية المعرفية"؛ أي استخدام لغة رمزية مواربة لتمرير أفكاره، مما ينتج فكراً "ضبابياً" يفتقر إلى الوضوح اللازم للمنافسة في الإنتاج الفلسفي العالمي.

 تابو السياسة: الفلسفة في خدمة الاستبداد

توظف السلطات السياسية في المنطقة "المنظومات الذهنية" التقليدية كأداة للضبط الاجتماعي. هنا تتحول الفلسفة من أداة للتحرر إلى وسيلة لشرعنة "الدولة العميقة" أو تبرير الطاعة تحت مسميات "الاستقرار". إن غياب الديمقراطية البنيوية أدى إلى تعزيز الأصوليات؛ حيث أصبحت السلطة وسيلة للتمكين العقدي لا لخدمة المواطنة، مما جعل الفلسفة السياسية في المنطقة تراوح بين "الفقه السياسي القديم" وبين "الشعارات الحداثية الجوفاء".

تابو الجنس: تغييب الجسد وتشييئه

يظل الجسد في الفكر المعاصر كائناً "مستتراً" لا يتم تناوله ككيان فلسفي مستقل، بل كملحق بالأخلاق أو التشريع. هذا الكبت المعرفي للجسد يعكس عجزاً عن مواجهة الطبيعة البشرية، ويؤدي إلى انفصام حاد بين الممارسة الحياتية والخطاب النظري. وبينما يغرق المجتمع في "كبت بنيوي"، يظل الخطاب الفلسفي محلقاً في مثاليات لا تلامس الواقع البيولوجي والاجتماعي للإنسان.

أزمة علم الاجتماع والخصوصية الثقافية

يواجه البحث السوسيولوجي في المنطقة معوقات كبرى عند ملامسة "بنية السلطة الأبوية" أو قضايا النوع الاجتماعي. غالباً ما تُستخدم ذريعة "الخصوصية الثقافية" كمصدٍّ دفاعي لمنع النقد العالمي. هذا الانسداد أدى إلى إنتاج "بحوث شكلية" تكتفي بالوصف الخارجي للظواهر دون النفاذ إلى العمق البنيوي للأزمات، مما أفقد الجامعة دورها كمختبر لإنتاج الحلول، لتتحول إلى مجرد أداة لإعادة إنتاج الأيديولوجيا السائدة.

التداعيات الحضارية.. الركود وتآكل النسيج الاجتماعي

أدت هذه الحالة من الانشطار وعدم القدرة على تحطيم "الأصنام الذهنية" إلى نتائج حضارية وخيمة:

تشظي الهوية: ظهور النزاعات الطائفية والمذهبية كبديل للهوية الوطنية الجامعة.

نزيف العقول: نتيجة غياب بيئة الإبداع الحر، تهاجر الكفاءات نحو مراكز البحث الغربية، مما يكرس التبعية العلمية.

سيادة "التفكير الرغبوي": وهو تمني تغيير الواقع بالكلمات والخطابات الإنشائية دون العمل على تغييره بالأدوات العلمية والتقنية، وهو ما يسميه أركون "الجهل المقدس".

 مقارنة مع التنوير الأوروبي (سبينوزا وكانط)

عند إسقاط واقعنا على عصر التنوير الغربي، نجد فارقاً جوهرياً في التعامل مع التابو. فالتنوير الغربي قام على "استقلال الأخلاق عن اللاهوت".

باروخ سبينوزا: مثل "التنوير الراديكالي" الذي نقد النصوص المقدسة بجرأة، وأرسى قواعد الديمقراطية اللبرالية عبر فصل الدين عن الدولة.

إيمانويل كانط: قدم "التنوير المعتدل" الذي حاول المصالحة بين العقل والإيمان ضمن حدود العقل المحض، مطلقاً شعاره الشهير: "تجرأ على استخدام عقلك".

في الشرق الأوسط، لا نزال نمارس "تنويراً انتقائياً"؛ فنحن نستهلك ثمار العلم (التكنولوجيا) بينما نرفض جذوره (الشك المنهجي، والنقد التاريخي). إن الفشل في تحقيق "الثورة العلمية" التي سبقت النهضة الغربية جعل المنطقة تستهلك الحداثة كـ "سلعة" لا كـ "قيمة".

 الاستنتاجات والتطلعات المستقبلية

إن مأزق الانشطار المعرفي ليس قدراً تاريخياً، بل هو عائق يمكن تجاوزه عبر:

نقد الذات قبل نقد الآخر: الانتقال من "الفلسفة الدفاعية" إلى "الفلسفة النقدية".

إصلاح إبستمولوجي للمناهج: غرس روح "الشك المنهجي" في المراحل التعليمية الأولى وتحرير الجامعة من الوصاية الأيديولوجية.

تفكيك الثنائيات القاتلة: تجاوز صراع (الأصالة/المعاصرة) نحو "حداثة نابعة من احتياجات الواقع".

إن الطريق نحو "تنوير شرق أوسطي" يبدأ بالاعتراف بأن العقل لا هوية له سوى الحقيقة، وأن كسر أغلال التابو هو الشرط الضروري لأي نهضة حضارية مرتقبة.

***

غالب المسعودي

.........................

المراجع المقترحة

الجابري، محمد عابد. نقد العقل العربي (1): تكوين العقل العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

أركون، محمد. الفكر الأصولي واستحالة النقد: نحو تاريخ لاهوتي عقلاني للصراعات الدينية. دار الساقي، لندن.

طرابيشي، جورج. المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي. دار الطليعة، بيروت.

كانط، إيمانويل. ما هو التنوير؟ (ترجمات متعددة).

سبينوزا، باروخ. رسالة في اللاهوت والسياسة. ترجمة حسن حنفي، دار التنوير.

أدونيس (علي أحمد سعيد). الثابت والمتحول: بحث في الإبداع والاتباع عند العرب. دار الساقي.

الذي تراوحت مسيرته بين الحداثة التي لم يتم استكمالها وهرمينوطيقا نقد الأيديولوجيات.. مقاربة تأبينية

مقدمة: في رحيل يورغن هابرماس عن عالمنا في الرابع عشر من مارس عام 2026، عن عمر ناهز السادسة والتسعين، يفقد الفكر الإنساني أحد أعظم رموزه وأنقى أصواته. لم يكن هابرماس مجرد فيلسوف أو منظِّر اجتماعي؛ بل كان ضمير الحداثة نفسها، الذي ظل يدافع عنها بإصرار نبيل حتى آخر لحظة، ويُكملها من الداخل بما يشبه الصلاة العقلانية. بين الحداثة التي لم تُستكمل بعد وبين هرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات، رسم هابرماس مقاربة عقلانية تواصلية أصبحت اليوم إرثاً خالداً، يُضيء درب البشرية في زمن التجزئة والشعبوية والتسليع. إنه الذي آمن بأن العقل ليس أداة سيطرة فحسب، بل إمكانية تفاهم مشترك، وأن الحداثة ليست كارثة محتومة، بل مهمة تاريخية مفتوحة تستدعي منا الوفاء لها بالحوار الحر. في ذكراه، نستعيد هذه الرؤية بكل عمقها وجلالها، كما لو كنا نودّع معلماً علّمنا أن النقد ليس تدميراً، بل بناءً أبدياً. لماذا اعتبر هابرماس الحداثة الغربية مشروعا غير مكتمل؟ هل أعلن نهاية الحداثة أم دعا الى استكمالها؟ وماهي الحداثة البعدية التي انخرط فيها؟ كيف مارس النقد الهرمينوطيقي للايديولوجيات؟ على ماذا تقوم نظرية الفعل التواصلي وأخلاقيات الخطاب؟ والى أي مدى حرص على تطبيقها على نفسه وغيره؟

فكرة "الحداثة التي لم تُستكمل"

كان هابرماس يرى الحداثة مشروعاً غير مكتمل، وليس فشلاً تاريخياً كما صوّرها بعض المتشائمين أو المتحمسين لما بعد الحداثة. لقد رفض التشخيص التشاؤمي الذي قدّمه أدورنو وهوركهايمر في «جدل التنوير»، والذي يرى في العقلانية الحديثة مجرد أداة سيطرة أدت إلى البربرية. بل أعاد صياغة الحداثة كعملية تاريخية نبيلة بدأت مع التنوير، حين انفصلت المجالات الثلاثة – العلمي والأخلاقي والجمالي – عن وحدة الأسطورة والدين، فتحررت طاقات العقل البشري. لكن هذه الفصلية لم تُكتمل؛ إذ سيطرت العقلانية الأداتية على كل شيء، فاستعمر النظام (الاقتصاد والدولة) عالم الحياة (التواصل اليومي والعلاقات البشرية الحميمة). هنا يتجلى عبقرية هابرماس التأبينية: فهو لم يعلن نهاية الحداثة، بل نادى باستكمالها من الداخل، بتحرير عالم الحياة من غزو النظام، وبإعادة التوازن بين العقل الأداتي والعقل التواصلي. في رحيله، يبقى هذا النداء شاهداً على أن الحداثة ليست ماضياً، بل مستقبلاً ينتظرنا إذا أحسنّا الاستماع إليه.لم يكن دفاع هابرماس عن الحداثة غير المكتملة دفاعاً تقليدياً أو محافظاً؛ بل كان نقداً جذرياً لما بعد الحداثة نفسها. رأى في أفكار ليوتار وفوكو وديريدا محاولة يائسة للتخلص من الحداثة دون تقديم بديل إيجابي، مما يؤدي إلى نسبية تُفرغ النقد من مضمونه الأخلاقي والسياسي. كان هابرماس يؤمن بأن الحل ليس في الاحتفاء بالتعددية اللامتناهية أو في التشكيك في كل عقلانية، بل في استكمال مشروع الحداثة من خلال تطوير آليات تواصلية تسمح بإعادة بناء الإجماع العقلاني. هنا برزت عبقريته في صياغة الديمقراطية التواصلية: ليست مجرد إجراءات انتخابية، بل عملية حوار مستمر يشارك فيه الجميع بحرية وتكافؤ، يصل فيه البشر إلى إجماع لا بالقوة بل بالحجة. في زمن الشعبوية والقومية الجديدة الذي شهدناه، يظل هذا التصور شاهداً على نبوءة هابرماس، الذي كان يرى في الديمقراطية التواصلية الطريق الوحيد لاستكمال الحداثة ومنع انحدارها إلى الهمجية. تبرز فكرة «الحداثة التي لم تُستكمل» كأحد أعمق الأعمدة التي حملها طوال حياته الفكرية، وكأنها الروح النبيلة التي ربطت بين مشروعه الفلسفي كله وبين هرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات عبر المقاربة العقلانية التواصلية. لم تكن هذه الفكرة مجرد تشخيص تاريخي عابر أو رد فعل دفاعي ضد التشاؤم؛ بل كانت إيماناً عميقاً بأن الحداثة ليست كارثة محتومة كما صوّرها بعض أساتذته في مدرسة فرانكفورت، ولا نهاية سعيدة كما أعلنها بعض الليبراليين، بل مهمة تاريخية مفتوحة، مشروعاً غير مكتمل يحتاج إلى إكماله من الداخل بالعقل التواصلي نفسه. في رحيله، تصبح هذه الفكرة وصية أبدية تدعونا إلى أن نرفض نهاية الحداثة ونعيد إحياءها كل يوم، فتكشف كيف استُعمر عالم الحياة بالنظام، وكيف يمكن لهرمينوطيقا النقد أن تحررنا من الإيديولوجيا التي تعيق استكمالها.تنطلق رؤية هابرماس للحداثة غير المكتملة من نقده الجذري للتشخيصات التي تراها فشلاً تاريخياً محتوماً. فقد رفض النظرة التشاؤمية التي قدّمها أدورنو وهوركهايمر في «جدل التنوير»، والتي ترى في العقلانية الحديثة مجرد أداة سيطرة أدت إلى البربرية والدمار. كما رفض الاحتفاء اللامتناهي بالتعددية الذي طرحه ما بعد الحداثيون مثل ليوتار وفوكو وديريدا، معتبراً أنه يؤدي إلى نسبية تُفرغ النقد من مضمونه الأخلاقي والسياسي. بالنسبة لهابرماس، الحداثة هي مشروع التنوير نفسه، الذي بدأ بانفصال المجالات الثلاثة الكبرى عن وحدة الأسطورة والدين: المجال الإدراكي-الأداتي (العلم والتقنية)، والمجال الأخلاقي-العملي (القانون والأخلاق)، والمجال الجمالي-التعبيري (الفن والأدب). هذا الانفصال كان تحرراً عظيماً، أتاح للعقل البشري أن يتطور بحرية، لكنه لم يكتمل؛ إذ سيطرت العقلانية الأداتية على المجالين الآخرين، فأدت إلى «استعمار عالم الحياة» بالنظام (الاقتصاد والدولة). هنا يتجلى التشخيص الجوهري: الحداثة ليست فاشلة، بل غير مكتملة لأنها لم تسمح للعقلانية التواصلية بأن تتطور في عالم الحياة كما ينبغي، فبقيت المجالات الثلاثة غير متوازنة، والتواصل اليومي مشوهاً بالإيديولوجيا.يربط هابرماس هذه الفكرة مباشرة بهرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات، فالإيديولوجيا في عصر الحداثة ليست كذباً واعياً فحسب، بل هي النتيجة المباشرة لعدم اكتمال الحداثة: عندما يغزو النظام عالم الحياة، يتحول التواصل إلى أداة استراتيجية، فيمنع رفع ادعاءات الصلاحية (الحقيقة، الصدق، الصحة الأخلاقية) بحرية، ويُحول القضايا الأخلاقية والسياسية إلى مسائل تقنية أو إدارية. هكذا تصبح هرمينوطيقا النقد أداة لكشف هذا الاستعمار في الخطاب اليومي نفسه، لا في النصوص القديمة وحدها. النقد ليس تدميراً للحداثة، بل محاولة لإكمالها من الداخل: بتحرير عالم الحياة من غزو النظام، وبإعادة التوازن بين العقل الأداتي والعقل التواصلي. هنا يظهر العبقري في رؤية هابرماس: الحداثة لا تحتاج إلى رفض أو عودة إلى ما قبلها، بل إلى استكمالها عبر الديمقراطية التواصلية، أي عملية حوار مستمر يشارك فيه الجميع في تشكيل الرأي العام بالحجة لا بالقوة.يبلغ عمق هذه الفكرة ذروته في نقد هابرماس لما بعد الحداثة، الذي يرى فيه محاولة يائسة للتخلص من الحداثة دون تقديم بديل إيجابي. إذا كانت الحداثة قد أنتجت مشكلات مثل الرأسمالية المتأخرة والبيروقراطية والتسليع، فالحل ليس في الاحتفاء بالتجزئة أو التشكيك في كل عقلانية، بل في استكمال مشروعها من خلال تطوير آليات تواصلية تسمح بإعادة بناء الإجماع العقلاني حول القيم والمبادئ. هنا تندمج الفكرة مع نظرية الفعل التواصلي: عالم الحياة (نسيج التواصل اليومي والقيم المشتركة) يجب أن يستعيد سيطرته على النظام، لا بالثورة العنيفة أو بالعودة الأسطورية، بل بالحوار الحر الذي يُولد إجماعاً عقلانياً. هكذا تصبح الحداثة غير المكتملة مشروعاً تحررياً مفتوحاً، يتجدد باستمرار في المجال العام، ويجعل حقوق الإنسان والديمقراطية الدستورية ليست قيماً غربية جامدة، بل نتاج خطاب عالمي مشترك يشارك فيه الجميع.يمتد تطبيق فكرة الحداثة غير المكتملة إلى كل أزمات عصرنا، فيجعلها الإطار الحي لفهم العولمة والشعبوية والتجزئة الرقمية. في مواجهة الرأسمالية العالمية، يرى هابرماس الأزمة ليست اقتصادية فحسب، بل استعماراً جديداً لعالم الحياة يحول المواطنين إلى مستهلكين سلبيين، فيحتاج الأمر إلى إعادة تنشيط التواصل السياسي لاستكمال الحداثة. في زمن الشعبوية، تصبح الديمقراطية التواصلية الطريق الوحيد لمنع انحدار الحداثة إلى البربرية الجديدة. وفي مواجهة الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي، تكشف الفكرة كيف يُشوه الخوارزميات التواصل الحر ويُحولونه إلى إيديولوجيا خفية، فتدعو إلى مقاومة يومية بالحوار الحر. هكذا تتجاوز رؤية هابرماس كل النسبية الثقافية التي ترفض النقد العالمي، وكل الشمولية التي تفرض قيماً من الأعلى؛ فالحداثة غير المكتملة هي مشروع عالمي يعتمد على العقل التواصلي نفسه.

هرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات

لكن ما يجعل إرث هابرماس خالداً حقاً هو ربطه الفريد بين هذه الحداثة غير المكتملة وبين هرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات. في مرحلته المبكرة، خاصة في «المعرفة والمصالح البشرية»، أسس هابرماس هرمينوطيقا نقدية عميقة ترى كل معرفة مرتبطة بمصالح بشرية أساسية: مصلحة التحكم التقني، ومصلحة التفاهم العملي، ومصلحة التحرر. هذه المصالح ليست محايدة؛ إنها تشكل أساس النقد الذي يكشف كيف تتحول المعرفة إلى إيديولوجيا عندما تُستخدم لتبرير السيطرة. هنا التقى هابرماس بتقليد مدرسة فرانكفورت، لكنه تجاوزه ببراعة في حواره مع غادامير. رفض فكرة الهرمينوطيقا التقليدية التي ترى الفهم مجرد اندماج في التقليد، معتبراً أن هذا الاندماج قد يكون مشوهاً بالإيديولوجيا. النقد الإيديولوجي، إذن، هو هرمينوطيقا ثانية تكشف عن التشوهات في التواصل اليومي نفسه: القمع اللغوي، السلطة المخفية في الخطاب، التحويل الإداري للقضايا الأخلاقية.

كان هذا النقد ليس تدميرياً، بل بناءً، لأنه يفترض إمكانية تواصل غير مشوه. وهنا يأتي الإنجاز الأعظم لـهابرماس: العقلانية التواصلية، التي جعلت من هرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات ممارسة يومية تحررية. العقل، في نظره، ليس أحادي البعد كما في العقل الأداتي الذي يحسب الوسائل فقط؛ بل هو عقلانية ثنائية: أداتية في علاقتها بالطبيعة، وتواصلية في علاقتها بالآخرين. في كل فعل تواصلي، يرفع البشر ادعاءات صلاحية – حقيقة، صدق، صحة أخلاقية، وضوح – وهذه الادعاءات يمكن الدفاع عنها بالحجج في «وضع مثالي للخطاب». الإيديولوجيا هي بالضبط التشويه الذي يمنع رفع هذه الادعاءات بحرية أو الدفاع عنها. عندما يستعمر النظام عالم الحياة، يتحول التواصل إلى إيديولوجيا خفية، كما في الإعلانات أو البيروقراطية التي تحول المواطنين إلى عملاء. في رحيله، يترك هابرماس لنا هذه الهرمينوطيقا النقدية كأداة حية، تكشف التشوهات وتحرر التواصل، فتصبح الحداثة قابلة للاستكمال.

تبرز هرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات كأحد أعمق الإنجازات الفلسفية التي جسّدت رؤيته الفريدة، وكأنها الروح النقدية الحية التي ربطت بين الحداثة غير المكتملة والعقلانية التواصلية. لم تكن هذه الهرمينوطيقا مجرد أداة تحليلية تقليدية أو تكراراً للنقد الماركسي الكلاسيكي؛ بل كانت هرمينوطيقا ثانية عميقة، تتجاوز سطح الفهم إلى كشف التشوهات المنظّمة في التواصل البشري نفسه، وتُحرر الحداثة من الإيديولوجيا التي استعمرَت عالم الحياة. في رحيله، تصبح هذه الهرمينوطيقا وصية أبدية تدعونا إلى أن ننظر إلى كل خطاب يومي بعين نقدية تحررية، فتكشف كيف تتحول الكلمات إلى أدوات سيطرة خفية، وكيف يمكن للعقل التواصلي أن يُعيد بناء التفاهم المشترك ويُكمل بذلك مشروع الحداثة من الداخل.تنطلق هرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات عند هابرماس من أساس معرفي عميق وضعه في مرحلته المبكرة، خاصة في كتاب «المعرفة والمصالح البشرية». هناك ميّز هابرماس بين ثلاث مصالح معرفية أساسية تشكل بنية الإنسان: المصلحة التقنية (التحكم في الطبيعة عبر العلم الأداتي)، والمصلحة العملية (التفاهم المشترك عبر الهرمينوطيقا التقليدية)، والمصلحة التحررية (التي تتجاوز الاثنتين لتكشف الإيديولوجيا وتحرر الوعي). هذه المصلحة التحررية هي التي أنتجت هرمينوطيقا نقدية جديدة: فالمعرفة ليست محايدة أبداً، بل هي مرتبطة بمصالح بشرية، وعندما تُستخدم لتبرير السيطرة الاجتماعية تتحول إلى إيديولوجيا. الإيديولوجيا هنا ليست مجرد أفكار كاذبة مفروضة من الطبقة الحاكمة، كما في الماركسية التقليدية، بل هي تشويه منظم للتواصل نفسه، يمنع البشر من رفع ادعاءات الصلاحية بحرية أو الدفاع عنها بالحجج. هكذا أصبحت الهرمينوطيقا النقدية ليست تفسيراً للنصوص فحسب، بل ممارسة تحريرية تكشف كيف تُخفي اللغة اليومية علاقات القوة والسلطة.يبلغ عمق هذه الهرمينوطيقا ذروته في الحوار الشهير مع هانز غادامر، الذي جسّد الصراع بين الهرمينوطيقا الفلسفية التقليدية ونقدها النقدي. رفض هابرماس فكرة غادامر بأن الفهم هو دائماً «اندماج في الأفق» أو تواصل سلس مع التقليد، معتبراً أن هذا الاندماج قد يكون مشوهاً بالإيديولوجيا نفسها. فالتقليد ليس بريئاً؛ إنه يحمل آثار السلطة والقمع التاريخي، وبالتالي يحتاج الفهم إلى «هرمينوطيقا ثانية» أو عميقة، تتجاوز السطح لتكشف التشوهات. في هذا النقاش، أصبح نقد الإيديولوجيات هرمينوطيقيا تُطبق على التواصل اليومي نفسه: تكشف القمع اللغوي، والإقصاء الخفي للأصوات، والتحويل الإداري للقضايا الأخلاقية إلى مسائل فنية. هنا يلتقي النقد مع مشروع الحداثة غير المكتملة؛ فالحداثة انفصلت فيها المجالات الثلاثة، لكن العقلانية الأداتية غزت عالم الحياة وأنتجت إيديولوجيا جديدة: إيديولوجيا الاستهلاك، والبيروقراطية، والإعلام الذي يُحول المواطنين إلى متلقين سلبيين. هرمينوطيقا هابرماس هي التي تكشف هذا الغزو وتُحرره. في مرحلته اللاحقة، مع نظرية الفعل التواصلي، تتكامل هرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات مع العقلانية التواصلية، فتصبح ممارسة يومية حية لا تقتصر على النظرية. الإيديولوجيا هنا هي «التشويه المنهجي للتواصل»: عندما يستعمر النظام (الاقتصاد والدولة) عالم الحياة، يتحول الخطاب إلى أداة استراتيجية، فيمنع رفع ادعاءات الحقيقة والصدق والصحة الأخلاقية بحرية. هنا تُصبح الهرمينوطيقا النقدية أداة لإعادة بناء التواصل على أساس «الوضع المثالي للخطاب»، حيث يشارك الجميع بحرية تامة وتكافؤ كامل، ولا يُفرض إلا قيد الحجة الأفضل. هذا الوضع ليس يوتوبيا بعيدة؛ إنه المعيار الذي نقيس به كل تشويه إيديولوجي في الواقع: في الإعلانات التي تُحول الرغبة إلى حاجة، وفي الخطاب السياسي الذي يُحول القيم إلى إدارة، وفي الإعلام الرقمي الذي يُنتج «رأياً عاماً» مزيفاً. بهذا، تُصبح هرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات الوسيلة التي تُكمل الحداثة: فالحداثة لم تكتمل لأنها سمحت لهذا الاستعمار، والنقد الهرمينوطيقي هو الذي يُحرر عالم الحياة ويُعيد الإجماع العقلاني.يمتد تطبيق هذه الهرمينوطيقا إلى كل مجالات الحياة المعاصرة، فيجعلها أداة تحررية عالمية. في المجال العام، تكشف كيف تُفرغ الشعبوية والقومية الجديدة التواصل من محتواه الحر، وتدعو إلى إعادة بنائه عبر مناقشات ديمقراطية تواصلية. في القانون والديمقراطية، تصبح الدستور إطاراً لخطاب نقدي مستمر يُعيد تعريف الحقوق بعيداً عن الإيديولوجيات الثقافية الضيقة. أما في مواجهة العولمة والرأسمالية المتأخرة، فهي تُشخّص الأزمة كإيديولوجيا جديدة تستعمر التواصل الإنساني، وتدعو إلى مقاومة يومية بالحوار الحر. هكذا تتجاوز هرمينوطيقا هابرماس كل النسبية الثقافية التي ترفض النقد العالمي، وكل الشمولية التي تفرض قيماً من الأعلى؛ فهي تفترض إمكانية التحرر عبر العقل التواصلي نفسه.

نظرية الفعل التواصلي

في نظرية الفعل التواصلي، بلغ هذا الربط ذروته الإبداعية. ميّز هابرماس بين عالم الحياة – نسيج التواصل اليومي والقيم والتقاليد المشتركة – وبين النظام الذي يعمل بآليات أداتية (النقود والسلطة). الاستعمار الذي يمارسه النظام على عالم الحياة هو الشكل المعاصر للإيديولوجيا: يحول القضايا الأخلاقية إلى مسائل فنية، ويمنع النقاش الحر. هنا يتداخل مشروع الحداثة غير المكتملة مع نقد الإيديولوجيات: الحداثة لم تكتمل لأنها سمحت لهذا الاستعمار، والنقد الهرمينوطيقي هو الذي يكشفه ويحرره. والأداة التي تحقق ذلك هي الديمقراطية التواصلية، أي تشكيل الرأي العام من خلال مناقشات حرة في المجال العام، حيث يصل البشر إلى إجماع عقلاني بالحجة وحدها. تبرز نظرية الفعل التواصلي كإنجاز فلسفي يمثل ذروة رؤيته، وكأنه الوصية الأخيرة التي تركها للبشرية كي تُكمل الحداثة من الداخل وتُحررها من تشوهات الإيديولوجيا عبر المقاربة العقلانية التواصلية. لم تكن هذه النظرية مجرد تحليل اجتماعي أو فلسفي عادي؛ بل كانت إعادة بناء جذري للعقل نفسه، يُفرق بين ما هو أداتي وما هو تواصلي، ويُكشف كيف استُعمر عالم الحياة بالنظام في عصرنا الحديث، ويُمهد الطريق لهرمينوطيقا نقدية تُحرر التواصل اليومي من كل ما يشوهه. في رحيله، تصبح هذه النظرية شاهداً حياً على أن هابرماس لم يمت؛ إذ تستمر في كل نقاش حر، وفي كل مقاومة للسيطرة الخفية، وفي كل محاولة لاستعادة الإجماع العقلاني الذي يُنقذ الحداثة من انحدارها. تنطلق نظرية الفعل التواصلي من تمييز أساسي وعميق بين عالم الحياة والنسق ، وهو التمييز الذي يُشكل قلب تشخيص هابرماس لأزمة الحداثة غير المكتملة. عالم الحياة هو نسيج التواصل اليومي الحميم، الذي يتكون من التقاليد المشتركة والقيم والمعاني التي يتوارثها البشر عبر التفاعل اللغوي الحر؛ إنه الفضاء الذي يُبنى فيه الهوية الذاتية والعلاقات الاجتماعية والفهم المشترك. أما النظام فهو عالم الاقتصاد والدولة، الذي يعمل بآليات أداتية محضة: النقود في السوق، والسلطة في البيروقراطية. في مرحلة الحداثة، كما يرى هابرماس، لم يحدث توازن بينهما؛ بل غزا النظام عالم الحياة، فاستعمر التواصل اليومي وأخضعه لمنطق الربح والإدارة. هذا الاستعمار هو الشكل المعاصر للإيديولوجيا: ليس كذباً واعياً، بل تشويهاً منظماً يحول القضايا الأخلاقية والسياسية إلى مسائل تقنية أو اقتصادية، فيمنع البشر من التفاهم الحر ويُفرغ المجال العام من محتواه التحرري. هنا يلتقي التشخيص مع هرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات؛ فالنظرية توفر الأدوات الهرمينوطيقية لكشف هذه التشوهات في الخطاب اليومي نفسه، لا في النصوص المقدسة أو التقاليد وحدها. يُبنى هذا التشخيص على التمييز الجوهري بين الفعل التواصلي والفعل الاستراتيجي، الذي يُعيد صياغة مفهوم العقلانية ذاته. الفعل الاستراتيجي – أو الأداتي – هو الذي يهدف إلى النجاح، يحسب الوسائل للوصول إلى الغايات، ويسيطر في عالم النظام: التاجر يبيع للربح، والسياسي يدير للسلطة. أما الفعل التواصلي فهو الذي يهدف إلى التفاهم المشترك، حيث يرفع المتكلمون والمستمعون ادعاءات صلاحية ثلاثية في كل جملة يتبادلونها: ادعاء الحقيقة (صدق التصريح عن العالم الموضوعي)، وادعاء الصدق (صدق التعبير عن العالم الذاتي)، وادعاء الصحة الأخلاقية (الشرعية في العالم الاجتماعي). هذه الادعاءات ليست سطحية؛ إنها جوهر العقلانية التواصلية، التي تفترض إمكانية الدفاع عنها بالحجج في سياق حر. العقلانية، إذن، ليست أحادية كما في العقل الأداتي الذي سيطر على الحداثة؛ بل هي ثنائية: أداتية في علاقتها بالطبيعة، وتواصلية في علاقتها بالآخرين. بهذا، تُكمل النظرية مشروع الحداثة غير المكتمل؛ فالحداثة انفصلت فيها المجالات الثلاثة (العلمي والأخلاقي والجمالي)، لكن العقلانية الأداتية غزت الاثنين الأخيرين، فأدت إلى فقدان المعنى والحرية. أما الفعل التواصلي فيُعيد التوازن بتحرير عالم الحياة من هذا الغزو، ويجعل الإجماع العقلاني ممكناً دون اللجوء إلى السلطة أو التقليد الأعمى. لذلك يصل عمق النظرية إلى ذروته في مفهوم العقلانية التواصلية كأساس للنقد الاجتماعي. فالعقلانية هنا ليست مجرد حساب أو سيطرة؛ بل هي قدرة البشر على الارتقاء إلى مستوى الحجة في «وضع مثالي للخطاب»، حيث يشارك الجميع بحرية تامة وتكافؤ كامل، ولا يُفرض إلا قيد الحجة الأفضل. هذا الوضع ليس يوتوبيا بعيدة؛ إنه افتراض مضاد يُستمد من كل فعل تواصلي حقيقي، وهو الذي يُمكننا من قياس التشوهات الإيديولوجية في الواقع. عندما يستعمر النظام عالم الحياة، يتحول التواصل إلى إيديولوجيا خفية: الإعلانات تحول المواطنين إلى مستهلكين، والبيروقراطية تحولهم إلى عملاء، والإعلام يُحول النقاش السياسي إلى دعاية. هرمينوطيقا النقد هنا تصبح ممارسة يومية: تكشف التشوهات اللغوية، والقمع الخفي في الكلمات، والتحويل الإداري للقضايا الأخلاقية. وبهذا، تُصبح النظرية الجسر بين الحداثة غير المكتملة وبين النقد الإيديولوجي؛ فهي لا ترفض الحداثة، بل تُكملها بتحرير التواصل من الاستعمار، وتجعل النقد بناءً لا تدميرياً.يمتد تطبيق نظرية الفعل التواصلي إلى كل جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية، فيجعلها الإطار الحي لاستكمال الحداثة. في المجال العام، تصبح الديمقراطية ليست مجرد تصويت، بل عملية تشكيل رأي عام مستمرة عبر المناقشات الحرة، حيث يُولد الإجماع العقلاني من الحجج لا من القوة. في القانون، يصبح الدستور إطاراً لخطاب ديمقراطي مفتوح، يُعيد بناء الحقوق كنتاج تواصلي مشترك بين الثقافات. أما في مواجهة العولمة والرأسمالية المتأخرة، فالنظرية تُشخّص الأزمة كاستعمار جديد لعالم الحياة، وتدعو إلى إعادة تنشيط التواصل السياسي لاستعادة السيطرة على النظام. هكذا تتجاوز النظرية كل النسبية الثقافية والشمولية السلطوية: فهي تسمح لكل ثقافة بالمشاركة، لكنها ترفض أي تشويه يمنع رفع ادعاءات الصلاحية بحرية.في رحيله، يترك يورغن هابرماس نظرية الفعل التواصلي كمنارة أبدية في زمن الشعبوية والتجزئة والتسليع الرقمي. إنها ليست كتاباً مغلقاً، بل ممارسة حية تدعونا إلى إعادة بناء عالم الحياة كل يوم: في الحوار العائلي، في النقاش السياسي، في المقاومة للإعلانات والخوارزميات التي تُشوه تواصلنا. بها، يصبح نقد الإيديولوجيات أخلاقاً يومية، والحداثة مهمة مفتوحة لا تنتهي. إنها الإرث الذي يُحيي فينا الأمل في أن العقل البشري قادر على التفاهم المشترك إذا تحرر من التشوهات. يورغن هابرماس، بفضل هذه النظرية، يظل معلماً أبدياً يُعلمنا أن الحداثة ليست نهاية، بل بداية؛ وأن النقد ليس يأساً، بل دعوة للتواصل الحر الذي يُنقذنا جميعاً. في ذكراه، نلتزم بتطبيق هذه النظرية كطريق لاستكمال ما بدأه، فتبقى البشرية قادرة على أن تكون عقلانية حقاً، تواصلية حقاً، حرة حقاً.

أخلاقيات الخطاب

امتد هذا الإرث إلى أخلاقيات الخطاب، التي جعلها هابرماس إجراءً تواصلياً لا قواعد مفروضة. في الوضع المثالي للخطاب، يشارك الجميع بحرية، ولا يُفرض إلا قيد الحجة الأفضل. هذا يجعل نقد الإيديولوجيات أخلاقياً في جوهره، لأن كل إيديولوجيا تنتهك المساواة في المشاركة. وفي الوقت نفسه، يجعل الأخلاق الحداثة قابلة للاستكمال، لأنها تحتاج إلى أساس عالمي لا يعتمد على التقاليد المحلية وحدها، بل على إجراءات تواصلية مشتركة بين الثقافات. هكذا تجنب هابرماس كلا الطرفين: لا وقع في النسبية الثقافية، ولا في الشمولية السلطوية. في تطبيقاته اللاحقة على الديمقراطية الدستورية وحقوق الإنسان وأزمات الرأسمالية العالمية، أثبت هابرماس أن الدستور إطار للتواصل المستمر، وأن حقوق الإنسان نتاج إجراءات مشتركة، وأن الأزمة الرأسمالية استعمار جديد لعالم الحياة يحتاج إلى إعادة تنشيط التواصل السياسي. لذلك، تبرز أخلاقيات الخطاب كتتويج فلسفي رفيع، يجسد الربط العميق بين الحداثة غير المكتملة وهرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات عبر المقاربة العقلانية التواصلية. لم تكن أخلاقيات الخطاب عند هابرماس مجرد فرع أخلاقي تقليدي يقدم قواعد سلوكية أو قيمًا جوهرية ثابتة، بل كانت إجراءً تواصليًا يُعيد بناء الأساس النورمي للحداثة ذاتها، ويُحررها من تشوهات الإيديولوجيا التي تعيق التفاهم الحر. إنها اللحظة التي يتحول فيها العقل من أداة سيطرة أداتية إلى فضاء مشترك للإجماع العقلاني، حيث يصبح النقد ليس مجرد كشف للأوهام، بل ممارسة يومية لتحرير التواصل البشري من كل ما يشوهه. تنطلق أخلاقيات الخطاب من التمييز الأساسي في نظرية الفعل التواصلي بين الفعل التواصلي والفعل الاستراتيجي. فالفعل التواصلي يهدف إلى التفاهم المشترك، حيث يرفع المتكلمون والمستمعون ادعاءات صلاحية ثلاثية: ادعاء الحقيقة فيما يتعلق بالعالم الموضوعي، وادعاء الصدق فيما يتعلق بالعالم الذاتي، وادعاء الصحة الأخلاقية فيما يتعلق بالعالم الاجتماعي. هذه الادعاءات ليست مجرد كلمات؛ إنها جوهر التواصل البشري نفسه، الذي يفترض إمكانية الدفاع عنها بالحجج في سياق حر. أما الفعل الاستراتيجي فهو الذي يسعى إلى التأثير أو السيطرة، وهو الذي يسيطر في عالم النظام الرأسمالي والبيروقراطي، فيحول التواصل إلى أداة إيديولوجية. هنا يتجلى الربط مع هرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات: فالإيديولوجيا ليست كذبًا واعيًا فحسب، بل تشويهًا منظمًا للتواصل يمنع رفع هذه الادعاءات بحرية أو الرد عليها بالحجة وحدها. أخلاقيات الخطاب إذن هي النقد الهرمينوطيقي الذي يكشف هذا التشويه ويُعيد التواصل إلى طبيعته التحررية. كما يبلغ عمق أخلاقيات الخطاب في مفهوم «الوضع المثالي للخطاب"، الذي ليس يوتوبيا خيالية بل افتراضًا مضادًا للواقع يُستمد من كل فعل تواصلي حقيقي. في هذا الوضع، يشارك الجميع بحرية كاملة وتكافؤ تام، دون قيود خارجية من سلطة أو مال أو عنف، ودون أي قيد إلا قيد «قوة الحجة الأفضل». لا يُسمح هنا بالإقصاء أو التلاعب أو الإكراه الخفي؛ فكل مشارك يمكنه أن يثير أي ادعاء، ويطرح أي سؤال، ويغير أي دور. هذا الوضع ليس واقعًا حاليًا، بل هو المعيار النورمي الذي يقيس به هابرماس تشوهات التواصل الفعلي في مجتمعاتنا الحديثة. إنه الذي يجعل الحداثة قابلة للاستكمال: فالحداثة لم تكتمل لأن عالم الحياة قد استُعمر بالنظام، فتحولت المناقشات العامة إلى إدارة فنية أو دعاية إعلانية. أما أخلاقيات الخطاب فتوفر الإطار الذي يُعيد بناء المجال العام كفضاء للنقاش الحر، فيصبح الديمقراطية ليست مجرد آلية انتخابية، بل عملية تواصلية مستمرة تُولد الإجماع العقلاني.

يبلغ عمق أخلاقيات الخطاب في مفهوم «الوضع المثالي للخطاب» ، الذي ليس يوتوبيا خيالية بل افتراضًا مضادًا للواقع يُستمد من كل فعل تواصلي حقيقي. في هذا الوضع، يشارك الجميع بحرية كاملة وتكافؤ تام، دون قيود خارجية من سلطة أو مال أو عنف، ودون أي قيد إلا قيد «قوة الحجة الأفضل». لا يُسمح هنا بالإقصاء أو التلاعب أو الإكراه الخفي؛ فكل مشارك يمكنه أن يثير أي ادعاء، ويطرح أي سؤال، ويغير أي دور. هذا الوضع ليس واقعًا حاليًا، بل هو المعيار النورمي الذي يقيس به هابرماس تشوهات التواصل الفعلي في مجتمعاتنا الحديثة. إنه الذي يجعل الحداثة قابلة للاستكمال: فالحداثة لم تكتمل لأن عالم الحياة قد استُعمر بالنظام، فتحولت المناقشات العامة إلى إدارة فنية أو دعاية إعلانية. أما أخلاقيات الخطاب فتوفر الإطار الذي يُعيد بناء المجال العام كفضاء للنقاش الحر، فيصبح الديمقراطية ليست مجرد آلية انتخابية، بل عملية تواصلية مستمرة تُولد الإجماع العقلاني.يُبنى هذا الإطار على مبدأين أساسيين يشكلان جوهر الأخلاق التواصلية: مبدأ الخطاب ومبدأ التعميم. ينص مبدأ الخطاب على أن «القواعد الأخلاقية صالحة فقط إذا استطاعت أن تحظى بموافقة جميع المعنيين في خطاب عملي». أما مبدأ التعميم فيقول: «قاعدة ما تكون صالحة إذا كان بإمكان كل من يتأثر بها أن يقبل النتائج والآثار الجانبية التي تنتج عن تطبيقها العام في تلبية مصالح الجميع». هذان المبدآن ليسا قيمًا مفروضة من الأعلى كما في الأخلاق الكانطية التقليدية، بل إجراءات تواصلية تستمد شرعيتها من العملية نفسها. هكذا تتجاوز أخلاقيات الخطاب النسبية الثقافية والشمولية السلطوية معًا: فهي تسمح لكل ثقافة بالمشاركة في تعريف القيم، لكنها ترفض أي قيمة لا تستطيع الصمود أمام الحجج في خطاب حر. في هذا السياق، يصبح نقد الإيديولوجيات ممارسة أخلاقية يومية؛ فكل إيديولوجيا – سواء كانت قومية أو رأسمالية أو بيروقراطية – تنتهك مبدأ الخطاب بإقصاء بعض الأصوات أو تحويل القضايا الأخلاقية إلى مسائل تقنية. كما يمتد تطبيق أخلاقيات الخطاب إلى مجالات واسعة تجعلها الوسيلة الحية لاستكمال الحداثة. في كتاباته حول القانون والديمقراطية، يرى هابرماس أن الدستور ليس وثيقة جامدة بل إطارًا لخطاب ديمقراطي مستمر، حيث تتحول الحقوق إلى نتاج تواصلي مشترك بين المواطنين. حقوق الإنسان، على سبيل المثال، ليست قيمًا غربية مفروضة، بل مبادئ يمكن الدفاع عنها في خطاب عالمي يشارك فيه الجميع، فتصبح أساسًا لنقد الاستعمار الجديد الذي يمارسه النظام العالمي على عالم الحياة. أما في مواجهة أزمات الرأسمالية والعولمة، فأخلاقيات الخطاب توفر الأداة لتحرير التواصل السياسي من التسليع، فتعيد للمواطنين قدرتهم على تشكيل الرأي العام بالحجة لا بالقوة. إنها، في جوهرها، هرمينوطيقا نقدية تُطبق على الواقع اليومي: تكشف كيف يتحول الخطاب الإعلامي أو السياسي إلى إيديولوجيا خفية، وتدعو إلى إعادة بنائه على أساس الوضع المثالي.

خاتمة

في رحيله، يترك هابرماس أخلاقيات الخطاب كوصية أخيرة للبشرية في زمن الشعبوية والتجزئة والذكاء الاصطناعي الذي يهدد التواصل نفسه. فهي ليست نظرية أكاديمية مجردة، بل دعوة عملية للعودة إلى جوهر الحداثة: الإيمان بأن العقل البشري قادر على التفاهم المشترك إذا تحرر من التشوهات. إنها تحول النقد الإيديولوجي من سلاح تدميري إلى ممارسة بناءة، وتجعل استكمال الحداثة ليس حلمًا بل مهمة يومية في كل حوار عائلي أو سياسي أو ثقافي. بفضل هذه الأخلاقيات، يظل هابرماس حيًا في كل مرة نرفض فيها الإكراه الخفي ونصر على قوة الحجة الأفضل. إنها الضوء الذي أضاء به درب الفلسفة النقدية، وهي اليوم إرثنا المشترك: أن نعيش الحداثة كمشروع تواصلي أبدي، وأن نمارس نقد الإيديولوجيات كأخلاق حية تُحيي فينا إمكانية أن نكون بشرًا حقيقيين. في ذكراه، نلتزم بهذه الأخلاقيات كطريق لاستكمال ما بدأه، فتبقى الحداثة مشروعًا مفتوحًا، والنقد أداة تحرر، والتواصل أساس الأمل الإنساني. على هذا النحو يرسم يورغن هابرماس هرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات كمنارة أبدية في زمن التجزئة والكراهية والتسليع الرقمي. إنها ليست نظرية أكاديمية مغلقة، بل ممارسة حية تدعونا إلى أن نكون نقاداً يوميين: في كل حوار، في كل خطاب إعلامي، في كل علاقة اجتماعية، نكشف التشوه ونُعيد بناء التواصل الحر. بها، يصبح نقد الإيديولوجيات أخلاقاً يومية، والحداثة مهمة مفتوحة لا تنتهي أبداً. إنها الإرث الذي يُحيي فينا الأمل في أن العقل البشري قادر على تجاوز التشوهات واستعادة إنسانيته. يورغن هابرماس، بفضل هذه الهرمينوطيقا النقدية، يظل معلماً أبدياً يُعلمنا أن النقد ليس يأساً، بل هو الطريق الوحيد لاستكمال الحداثة وتحرير البشرية من كل ما يُشوّه تواصلها. في ذكراه، نلتزم بهذه الهرمينوطيقا كدعوة خالدة، فتبقى الكلمة حرة، والعقل تواصلياً، والحداثة مشروعاً تحررياً أبدياً. كما يشير يورغن هابرماس فكرة الحداثة التي لم تُستكمل كمنارة أبدية في زمن يتسم باليأس والتجزئة والتسليع. إنها ليست نظرية أكاديمية مجردة، بل دعوة عملية للعودة إلى جوهر التنوير: الإيمان بأن العقل البشري قادر على استكمال نفسه إذا تحرر من التشوهات الإيديولوجية. بها، يصبح نقد الإيديولوجيات بناءً يومياً، والعقلانية التواصلية أداة تحرر، والحداثة مهمة مفتوحة لا تنتهي أبداً. إنها الإرث الذي يُحيي فينا الأمل في أن نكون بشرًا حقيقيين، قادرين على التفاهم المشترك رغم كل الغزوات. يورغن هابرماس، بفضل هذه الفكرة العميقة، يظل معلماً أبدياً يُعلمنا أن الحداثة ليست ماضياً، بل مستقبل ينتظرنا إذا أحسنّا الاستماع إلى صوته الخالد. في ذكراه، نلتزم باستكمال مشروعه كل يوم، فتبقى الحداثة مشروعاً تحررياً أبدياً، والنقد طريقاً إلى الحرية، والتواصل أساس الأمل الإنساني.  في رحيله، يترك يورغن هابرماس للبشرية إرثاً لا يُقاس: عقلانية تواصلية تحول النقد إلى بناء، والحداثة إلى مهمة أبدية. لم يكن يؤمن بنهاية التاريخ أو بصعود النيوليبرالية كقدر محتوم؛ بل دعانا دائماً إلى إعادة إحياء المجال العام بالحوار الحر. في زمن يتسم بالتجزئة والكراهية والتسليع، تبقى مقاربته دعوة خالدة لاستكمال الحداثة دون التخلي عن قدرتنا على النقد. إنه لم يمت؛ فأفكاره تستمر في كل نقاش حر، في كل محاولة لفهم الآخر، في كل مقاومة للإيديولوجيا المخفية. يورغن هابرماس، بين الحداثة غير المكتملة وهرمينوطيقا نقد الإيديولوجيات، يظل معلماً أبدياً للعقل الإنساني، شاهداً على أن الفلسفة الحقيقية هي تلك التي تُحيي الأمل في التفاهم المشترك. في تأبينه، نلتزم باستكمال المشروع الهرمينوطيقي النقدي للايديولوجيات، فهو الطريق الوحيد لكي نبقى بشرًا. سلام الى روحه.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

يوضح كانان بوركاياسثا(1) كيف حوّلت ورقة هايزنبرغ عام 1925 نظرية الكم في تلك الفترة الى ميكانيكا الكم اليوم. هناك نظريتان سيطرتا على فيزياء القرن العشرين وهما النسبية وميكانيكا الكم. واذا كانت النسبية هي عمل شخص واحد (البرت اينشنتاين) فان ميكانيكا الكم لها عدة آباء من بينهم ويرنر هايزنبرغ وماكس بلانك وماكس بورن وبول ديراك وباسكال جوردن وإرفين شرودنغر. لكن ميكانيكا الكم التي نعرفها اليوم انبثقت بسبب ليلة هايزنبرغ الوحيدة في جزيرة هيليغولاند عام 1925 عندما اخترع ميكانيكا المصفوفة دون ان يعرف مفهوم المصفوفة (matrix). وطبقا لذلك، أعلنت الأمم المتحدة في 7 حزيران عام 2024 ان عام 2025 هو السنة الدولية لعلم الكم والتكنلوجيا.

في 30 حزيران 2025، أعلنت مجلة الطبيعة عن اجراء فعالية بمناسبة الذكرى المئوية لميكانيكا الكم، صرّح فيها الفيزيائي أنطون زيلينجر anton Zelinger الحائز على جائزة نوبل بان "لا وجود هناك لعالم كمي". زيلينجر أشار الى ان الحالات الكمية توجد فقط في الاذهان، وانها تصف المعلومات بدلا من الواقع.

الفيزيائي آلان اسبكت وهو المشارك لزيلنجر بجائزة نوبل عام 2022 لم يوافق على ذلك. ومن جهة أخرى، ذكر الفيزيائي جيرارد تي هوفت الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1999 في مقابلة مع مجلة العلمية الامريكية "نحن نعرف ان التراكب superposition في العالم المرئي ليس الاّ محض هراء. ذلك واضح، وانا اعتقد ان العالم المجهري هو أيضا هراء"(عدد ربيع/صيف 2025 ص 43). هذا يعكس اختلافا فلسفيا عميقا بين الفيزيائيين حول طبيعة الواقع. اذن كيف يفكر هايزنبرغ حول طبيعة الواقع الكمي؟ نال هايزنبيرغ جائزة نوبل في الفيزياء عام 1932. لخصت لجنة جائزة نوبل في السويد عمله بالتالي:

"في نظرية نيلز بور Niels Bohr في الذرة، الالكترونات تمتص وتطلق اشعاعا من اطوال موجية ثابتة عندما تقفز بين مدارات ثابتة حول النواة. النظرية قدمت وصفا جيدا للطيف الناتج بفعل ذرة الهايدروجين لكنها كانت بحاجة لتطوير لتتلائم مع ذرات وجزيئات اكثر تعقيدا. في عام 1925، صاغ ويرنر هايزنبيرغ نوعا من ميكانيكا الكم مرتكزا على المصفوفات. في عام 1927 هو افترض "علاقة عدم يقين" uncertain relation، وضع فيها حدودا لمدى الدقة التي يتقرر بها مكان وسرعة الجسيم في وقت واحد". وبهذا فان تفكير هايزنبيرغ الفلسفي حول طبيعة الواقع في ميكانيكا الكم دار حول ميكانيك مصفوفة وعلاقة عدم يقين. ولكن ما هي؟

ميكانيكا الكم

في حزيران 1925 ذهب هايزنبيرغ الى هيلغولاند جزيرة صغيرة في بحر الشمال، لكي ينال راحة من حمى القش. لاحقا هو ذكر انه وجد الجواب عند الساعة الثالثة صباحا. وكما ذكر في كتابه (الفيزياء وما ورائها، 1969)، "لدي شعور، انه من خلال سطح الظاهرة الذرية، كنت انظر الى تصميم داخلي جميل جدا وشعرت بدوار خفيف من فكرة اني سأضطر الآن الى استكشاف هذه الثروة من البُنى الرياضية التي نشرتها الطبيعة أمامي بسخاء "(ص61).

وفي 9 جولاي 1925، أرسل هايزنبيرغ ورقة بعنوان "الكم – تفسير نظري للحركية والعلاقات الميكانيكية الى ماكس بورن، الذي كان مساعدا له آنذاك، وبورن بدوره أرسل الورقة الى مجلة الفيزياء في 25 جولاي . انها حوّلت نظرية الكم في بداية القرن العشرين الى ميكانيكا كم التي نراها اليوم. فيها كتب هايزنبيرغ "الورقة الحالية تضع أساسا لميكانيكا كم نظرية تقوم خصيصا على علاقات بين كميات يمكن مشاهدتها من حيث المبدأ". ورقة بورن وجوردن بعنوان (حول ميكانيكا الكوانتم 1) نُشرت وتم استلامها في 27 سبتمبر 1925. يقول المؤلفان فيها ان "الاتجاه النظري المنشور مؤخرا لهايزنبيرغ تم تطويره هنا الى نظرية منهجية لميكانيكا الكم بمساعدة طرق مصفوفة رياضية". في 7 نوفمبر عام 1925 تسلّمت نفس المجلة ورقة من بول ديراك Paul Dirac بعنوان "المعادلات الأساسية لميكانيكا الكم". يذكر ديراك فيها انه "في ورقة جديدة، يطرح هيزنبيرغ نظرية جديدة تقترح انه لا تكمن المشكلة بأي شكل من الاشكال في معادلات الميكانيكا الكلاسيكية، بل في العمليات الرياضية التي تُستنتج منها النتائج الفيزيائية والتي تتطلب تعديلا. كل المعلومات التي تقدمها النظرية الكلاسيكية يمكن الاستفادة منها في النظرية الجديدة".

بعد ذلك في 16 نوفمبر 1925، كل من بورن وهايزنبيرغ وجوردن عرضوا ورقة أخرى بعنوان "حول ميكانيكا الكم 2" تقول ان "ميكانيكا الكم التي طُورت في الجزء الأول من هذه الورقة وفق اتجاه هايزنبيرغ يتم توسيعها هنا الى أنظمة تمتلك عشوائيا عدة درجات من الحرية" . ورقتان شهيرتان اخريان برزتا في بداية عام 1926: حول طيف الهايدروجين من وجهة نظر الميكانيكا الجديدة لفولفغانغ بول (17 جنوري) و"ميكانيكا الكم وتحقيقات أولية لذرة الهايدروجين لديراك (22 جنوري). في الورقة الأخيرة يعترف ديراك أيضا بهايزنبيرغ، قائلا ان "ورقة حديثة لهايزنبيرغ عرضت حلا لهذا السؤال وتشكل أساسا لنظرية كمية جديدة. طبقا لهايزنبيرغ، اذا كان X وY دالتان لإحداثيات وزخم لنظام ديناميكي، فان XY بشكل عام لا يساوي XY.

بعد ذلك، نحن نصل الى معادلات شرودنغر الموجية عام 1926 التي قدمت طريقة مختلفة لعمل ميكانيكا كم مساوية لميكانيكا المصفوفة. كونراد كلاينكنيشت في كتابه (اينشتاين وهايزنبيرغ: الجدل حول فيزياء الكم، 2019) قال حول ميكانيكا المصفوفة:

"الفكرة الأساسية التي عرضها هايزنبيرغ في هيلغولاند كانت: ان نتجاهل تماما مدارات الالكترون ونأخذ بالاعتبار فقط القيم المشاهدة، أي، كلّية ترددات التذبذب وشدة الضوء المنبعث بواسطة الذرات مع الخطوط الطيفية المُقاسة في جهاز قياس الطيف. في غوتنغن، هو حاول سلفا تطبيق هذا المبدأ على ابسط ذرة، لكن في ذلك الوقت بدت هذه المشكلة في غاية الصعوبة. الآن هو يبحث عن نظام أبسط يستطيع بواسطته معالجة الطريقة رياضيا. كان هذا النظام هو البندول الذي يظهر في عدة ذرات وجزيئات كنموذج للتذبذب."(ص64).

بكلمة أخرى، هايزنبيرغ يحاول حساب سلوك الالكترونات حول الذرات مستخدما كميات نستطيع ملاحظتها، خاصة، تردد وسعة الضوء المنبعث. بهذه الوسائل يلاحظ المرء تأثيرات الالكترون تقفز من أحد مدارات بوهر الذرية الى آخر. فكرة هايزنبيرغ كانت ان يكتب كل الكميات التي تصف حركة الالكترون - الموقع، السرعة، الطاقة – ليست كأرقام منفردة وانما كجدول من أرقام : وبهذا هو خلق منضدة او مصفوفة تحتوي على مدارات المغادرة في الصفوف ومدارات الوصول في الأعمدة. بهذه الطريقة تصف المنضدة/المصفوفة قفزات الاكترون من مدار الى آخر. وبدلا من امتلاك موقع منفرد للالكترون، اصبح لدينا منضدة كاملة للمواقع المحتملة: موقع لكل قفزة ممكنة. الفكرة تستمر باستعمال نفس المعادلات كما هي دائما، ببساطة تستبدل الكميات العادية (موقع، سرعة، تردد الطاقة للمدار) بهذه المنضدات. بورن وجوردن وسّعا فكرة هايزنبيرغ عبر الإشارة الى أهمية جبر المصفوفات لوصف تحولات الطاقة الذرية.

علاقات غير مؤكدة

في عام 1927 افترض هايزنبيرغ مبدأ اللايقين الشهير، واضعا قيوداً على إمكانية دقة تحديد سرعة وموقع الجسيم في وقت واحد. في الحقيقة، استعمل هايزنبيرغ في الأصل الكلمة الألمانية ungenauigkeit التي تعني "عدم صحة" او "غموض" بدلا من "لايقين". هذا هو أقرب الى المعنى الحقيقي لمبدأ هايزنبيرغ منه الى كلمة "اللايقين". كلماته الحقيقية كانت(زوج المتغيرات في ميكانيكا الكم لا يمكن تقريرهما في وقت واحد الاّ بغموض وعدم دقة indeterminacy". ذلك يعني انه كلما كانت هناك الكثير من الدقة في تحديد موقع الجسيم، كلما كانت هناك أقل دقة في تحديد زخمه وبالعكس. "تحديد" هنا تعني "تحديد نطاق القيم الممكنة"، ونطاق القيم الممكنة يشير الى اللايقين. وينطبق نفس الشيء، حسب هايزنبيرغ على أزواج أخرى من الكميات : لاسيما الطاقة – الزمن. (يجدر الذكر هنا ان تفسير بورن الاحصائي أيضا يستعمل الغموض وعدم الدقة في ميكانيكا الكم، لأننا لا نستطيع التنبؤ بدرجة من اليقين بمحصلة التجربة لقياس موقعها). هناك رؤيتان فلسفيتان متعارضتان حول مبدأ اللايقين. في كتابه (رقصة الفوتونات، 2010)، يتحدث زيلنجر عن الموقف الواقعي لأشخاص مثل اينشتاين الذي يدّعي ان مبدأ اللايقين هو :

"فقط تعبير عن حدود ما يمكن تقريره بواسطة القياس. او بلغة فلسفية، طبيعة اللايقين ستكون ابستمية. موقف فلسفي آخر هو افتراض ان مبدأ اللايقين ليس مجرد ادّعاء حول ما يمكننا معرفته، انه ادّعاء حول طبيعة الأشياء. من هذه الزاوية، مبدأ هايزبيرغ في اللايقين هو قول او بيان حول الكيفية التي تكون عليها الأشياء وأي سمات تمتلك. انه قول حول ماذا يوجد. الفيلسوف يمكنه تسمية مثل هكذا موقف حول طبيعة مبدأ اللايقين بـ موقف انطولوجي. من وجهة النظر هذه، لا يكون للالكترون موقع محدد بدقة اكبر مما يخبرنا به اللايقين في الموقع، ولا سرعة محددة بدقة اكبر مما يخبرنا به اللايقين في الزخم. هذا الموقف الانطولوجي اعتقد به بوهر، ص37-38".

لذا، هل لايقين الكوانتم إبستمي ام انطولوجي؟ هل هو حول حدود ما يمكن ان نعرف، او حول الكيفية التي تكون عليها الأشياء حقا؟

أولاً، ما يعنيه القول بمبدأ اللايقين ليس فقط حدود لما نستطيع ان نعرف، وانما هو يصف كيف هي الأشياء حقا؟ انه يعني ان الالكترون لايمكن ابدا ان يتحدد موقعه وزخمه في وقت واحد: الالكترون اما ليس مكانا محددا او انه لا يتحرك بسرعة محددة. زيلنجر ذاته يقترح انه "بمعنى ما، الالكترون يحمل إمكانات لعدة سرعات في نفس الوقت وإمكانات ان يكون في عدة أماكن في نفس الوقت"(ص38). هذا نتيجة مباشرة لفكرة دي بروغلي De Broglie بان "موجة الاحتمال" يجب ان ترتبط بكل جسيم كمي. النقطة الأساسية هنا هي ان مبدأ هايزنبيرج في اللايقين هو تصريح حول طبيعة الأشياء وليس فقط حول ما نستطيع معرفته. الغموض وعدم الدقة indeterminacy خلق المشاكل للفيزيائيين والفلاسفة أيضا. كونراد قال ان اكتشاف هايزنبيرغ لمبدأ اللايقين له نتائج بعيدة المدى لفلسفة العلوم والابستيمولوجي. وكذلك، عالِم الفيزياء البريطاني ستيفن هاوكنك كتب في كتابه تاريخ موجز للزمن ان "مبدأ اللايقين له تأثيرات عميقة على الطريقة التي ننظر بها للعالم"(ص63).

الواقع والاتجاه البرجماتي

في كتابه (الواقع ونظامه، 1941)، يحدد هايزنبيرغ مجالات مختلفة للواقع، اللغة المستخدمة لوصفه ونظامه (هو أيضا يذكر تنظيم غوته الشعري لمجالات الواقع والتي منحته الإلهام للكتابة). هايزنبيرغ يطور مخطط من ست نقاط للواقع مع ترتيبها:

الفيزياء الكلاسيكية، الكيمياء وتتضمن نظرية الكم، الحياة العضوية، الوعي، الرمز والجشطالت، والقوى الإبداعية. هو اكّد على ان الترتيب الذي اقترحته العلوم الطبيعية يتبع انماطا فكرية قديمة وجدت باستمرار أشكالا جديدة للتعبير في أوقات مختلفة. هايزنبيرغ لاحظ أيضا انه "عادة تستغرق قرنا من التجربة لإنتاج فكرة حاسمة جديدة. وبالنتيجة، لكي نجيب على السؤال ما هو الواقع، يجد المرء من الصعب الإجابة بأي شيء عدى الحكاية الخرافية القديمة: الى كم تستمر الأبدية؟ عند نهاية العالم، هناك جبل مصنوع كله من الماس، وفي كل مائة سنة يأتي طير صغير ويشحذ منقاره، وعندما يتآكل كامل الجبل، تكون قد مرت فقط ثانية واحدة من الأبدية"(ص121).

في خريف عام 1954، كان اهتمام اينشتاين منصبا على تفسير ميكانيكا الكم. في اجتماع معه، ادّعى هايزنبيرغ ان "نظرية الكم" بمفارقاتها المحيرة جدا، هي الأساس الحقيقي للفيزياء الحديثة". أجاب اينشتاين، "لكنك ألا تؤمن بان الله يلعب النرد؟" أجاب هايزنبيرغ : "في نظرية الكم، القوانين الطبيعية تتعامل مع تغيرات زمنية للمحتمل possible والمرجح probable. الخيارات التي تقود من المحتمل الى المرجح يمكن تسجيلها فقط احصائيا، لكن لم يعد بالإمكان التنبؤ بها"(ص163). لذا بالنسبة لهايزنبيرغ، الله بالفعل يبدو يلعب النرد مع الكون.

ثم في كتابه (الفيزياء والفلسفة، 1958)، كتب هايزنبيرغ ان "علينا ان نتذكر ان ما نلاحظ ليس الطبيعة بحد ذاتها وانما الطبيعة التي انكشفت لطريقتنا في التحقيق"(ص25). وفي مقاله بعنوان "تطور الأفكار الفلسفية منذ ديكارت" هو كتب:

"الاطروحة الفلسفية بان كل المعرفة تتأسس في التجربة قادت في النهاية الى فرضية تتعلق بتوضيح منطقي لأي ادّعاء حول الطبيعة. هذه الفرضية ربما بدت مبررة في فترة الفيزياء الكلاسيكية، لكنها منذ نظرية الكم بدت انها لايمكن الوفاء بها. كلمات مثل "موقع" و"سرعة" الالكترون، بدت محدّدة بشكل مثالي من حيث معناها وارتباطاتها المحتملة، وفي الحقيقة هما كانا مفهومين عُرّفا بوضوح ضمن الاطار الرياضي لميكانيكا نيوتن. لكن في الحقيقة، هما لم يُعرّفا بشكل جيد كما يُرى من علاقات اللايقين"(ص46).

من الواضح انتقل هايزنبيرغ بعيدا عن الوضعية المنطقية. هو يذكر "هذا يبيّن اننا لايمكن ابدا ان نعرف سلفا أي قيود ستوضع على قابلية تطبيق مفاهيم معينة عند توسيع معرفتنا الى الأجزاء البعيدة من الطبيعة، والتي لايمكننا اختراقها الاّ باستخدام اكثر الأدوات تطورا"(ص46). هذه هي طريقة برجماتية في التفكير حول الواقع لأن البرجماتية، بينما تقيّم الدليل التجريبي، هي تركز على النتائج التطبيقية وفائدة المعرفة، تفضل ما يثبت نجاحه في العمل في موقف معين. في (الفيزياء والفلسفة) أشار هايزنبيرغ أيضا الى معرفة كانط التحليلية والتركيبية وجادل بان الطريقة العلمية قد تغيرت حقا في هذه المسألة الأساسية منذ كانط، الذي جادل ان الاحكام التحليلية هي دائما قبلية وان جميع المعرفة التجريبية هي تركيبية (ص47). وكما كواين Quine، هو لا يبدو مناصرا لتقسيم كانط التحليلي-التركيبي.

في اطروحته "اللغة والواقع في الفيزياء الحديثة"، وكذلك في (الفيزياء والفلسفة) هو يشير للفيزيائي كارل فون فايزساكر Carl Von Welzsacker، الذي يؤكد على ان المرء يميز بين عدة أنواع مختلفة من اللغة:

"مستوى يشير الى الشيء – مثلا، الذرات او الالكترونات. المستوى الثاني يشير الى الادّعاءات او البيانات حول الأشياء. المستوى الثالث يشير الى ادّعاءات حول ادّعاءات حول الأشياء". هايزنبيرغ يتحدث عن مشاكل لغة المنطق الكلاسيكي والكمي. حيث يذكر، "في المنطق الكلاسيكي يُفترض انه، اذا كان للإدّعاء أي معنى، يجب ان يكون اما الادّعاء او رفض الادّعاء صحيحا .. الاحتمال الثالث غير موجود. في نظرية الكم يتم تعديل هذا القانون"(ص124-125). هو يقول نحن نحتاج للنظر في الاحتمال الثالث: "في نظرية الكم، يجب ان نعترف – عندما نستعمل كلمات "ذرة" و"صندوق" – بان هناك احتمالات أخرى وبطريقة غريبة تمزج الاحتمالين الاثنين السابقين . هذا ضروري لتوضيح نتائج تجاربنا"(ص125). هو يقترح ان "المنطق الكلاسيكي سيتم احتوائه كنوع من الحالات الحدية في المنطق الكمي، لكن الأخير سيشكل الشكل المنطقي العام ".

في مقاله "حول الكتب والقراءة"، يقول ارثر شوبنهاور ان "الأفكار التي توضع على الورق ليست اكثر من آثار خطى في الرمل: انت ترى الطريق الذي ذهب به الرجل، لكن لكي تعرف ماذا شاهد في مساره، ستحتاج الى عينيه"(ص3). في الحقيقة، نحن نحتاج لعيون هايزنبيرغ لكي نفهم فلسفته.

***

حاتم حميد محسن

........................

Heisenberg’s philosophy of Quantum Mechanics, philosophy Now Feb/March 2026

الهوامش

(1) كانان بوركاياسثا يحمل شهادة الدكتوراه في الكيمياء النظرية والجوية من جامعة بريستول. هذا المقال مقتبس من محاضرة القيت في جامعة جوتنجن الألمانية في 9 سبتمبر 2025 اثناء الاحتفال بالذكرى المئوية لميكانيكا الكم.

تدل القراءة لغويًّا على الجمع، والضم والتفقه، والتلفظ والإبلاغ، ويدل التلفظ على إخراج الوحدات الصوتية من الجهاز النطقي، ويشتمل على الفهم الأولي البسيط الذي نهدف إلى تحديده، غير أنَّ القراءة تخرج إلى دلالة أخرى تعني الفهم «التفقه» والتوصيل « الإبلاغ »(1)، والأخيرة تتضمن الفهم أصلًا، إذْ كيف يمكن التوصيل دون فهم ووعي لما في الخارج والذات سواء بسواء، ومن ثم فإنَّ القراءة تعني تتبع الرموز اللغوية، ووعي دلالاتها وإدراك معانيها، بعد وعي طبيعة الأنظمة اللغوية ـــ صوتية وصرفية ونحوية ودلالية ــــ التي تتضمنها أي لغة، وهذا يعني أيضًا أنَّ القارئ يكيف هذه الرموز « على نحو نسقي ليدركها في قران دون غيره، في الوقت الذي تقوم فيه الرموز بتوجيه حركة القارئ ـــ خلال فعل الإدراك ـــ إلى أحد القرانات المدركة »(2)، بمعنى أنَّ الذات تتفاعل مع النص المقروء وتقدم ناتجًا من تجادلهما .

إنَّ القراءة ليست فعلًا فيزيولوجيا يتأتى بإحداث الوحدات الصوتية عبر النطق بحسب ما تقتضيه الأنظمة اللغوية لأي لغة فحسب، وإنما القراءة، سواء أكانت قراءة للعالم بوصفه وجودًا يقع خارج الذات الإنسانية، أم نصًّا بوصفه تشكيلًا لغويًّا تعني الفهم، ومن ثم فإنّها تمثل نشاطًا معرفيًّا ذهنيًّا يختلف ويتفاوت بحسب رؤية القارئ وبحسب طبيعة النظر إلى العالم والنص، والزاوية التي يصدر عنها .

فالقراءة في ضوء هذا الفهم مُولّدٍة للمعاني وكاشفة للصور التي يتضمنها العالم والنص، ومن ثم فإنّها- بحسب علي حرب- « تعيد انتاج المقروء »(3) فكأنَّ المقروء ــــ عالمًا أو نصًّا ــــ موجود، ويصبح بعد القراءة موجودًا آخر، لأنَّ القراءة ليست نقلًا للمقروء، أو إحضارًا له، إذْ يضفي القارئ على المقروء رؤيته، وذاته، وخصوصيته، ويتولد من العلاقة بينهما مركب جديد، ليس هو المقروء تمامًا، وليس هو القارئ بما هو عليه، وإنّما هو مركب منهما معًا بكيفية خاصة، ولذلك تتفاوت القراءات لاختلاف القراء، وكأنَّ المقروء ثابت قبل القراءة، وتتغير صورته ومعانيه ودلالاته بفعل عملية القراءة التي ترتبط بخصوصية القارئ ورؤيته .

ويمكن القول تجاوزًا إنَّ النص قبل القراءة يعرف استقرارًا نسبيًّا في دلالته ومعانيه، ولكنه ـــ في الحقيقة ـــ استقرار متوهم، إذْ لا وجود حقيقي للنص إلا في أثناء قراءته، نعم هناك وجود موضوعي فيزيقي للنص خارج الذات الإنسانية ــــ متمثلًا في الكتب ــــ التي أنتجته، أو تسعى الى قراءته، ولكنه وجود هامد، وإن وجوده الفعلي يتحقق عبر قراءته .

وليست هناك قراءة صحيحة وقراءة خاطئة، وإنما هناك قراءة ممكنة يحتمل النص دلالاتها، ويعكس القارئ رؤيته ومواقفه في اثنائها، وهناك قراءة غير ممكنة، لعدم احتمال النص دلالتها، ولاسيما القراءة الإسقاطية التي سيأتي الحديث عنها .

إنَّ قراءة النص بمعنى فهمه تتضمن الأبعاد الآتية:(4)

1 ـــ الفهم المباشر دون حاجة إلى تفسير أو تأويل .

2 ـــ التفسير، حين يستعصي الفهم المباشر نشأت الحاجة إلى الانتقال إلى فهم آخر يقتضيه السياق وقرائن اللغة، فإنَّ كلمة الوحي حين ترد دون سياق أو قرينة لغوية لها دلالة تختلف عن معناها في قوله تعالى: « وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ »(5).

3 ـــ التأويل: وهو مرحلة متقدمة في فهم النص، تعني إخراج اللفظ من معناه الحقيقي الذي يدل عليه الفهم المباشر، أو سياقاته، إلى معناه المجازي، ولذلك فإنَّ التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة كتفسير الصراط بالطريق والتأويل إظهار باطن اللفظ ... فالتأويل خاص والتفسير عام فكل تأويل تفسير وليس كل تفسير تأويلًا.

وتتركب عملية القراءة من ثلاثة مكونات: القارئ، والمقروء، وناتج القراءة، وقد يوحي ترتيب هذه الأبعاد أولية القارئ، بمعنى فاعليته، وانفعالية النص، إذْ تكون القراءة مجرد نتيجة لعملية ميكانيكية تتماثل فيها النتائج والمقدمات، وليس هذا صحيحًا في الواقع، لأن ثمة جدلًا بين القارئ والمقروء، يتولد ناتج القراءة من تفاعلهما المحتدم وتصارعهما بفعل العلاقات المتشابكة والمعقدة والمتداخلة، ويشتمل كل من عنصري عملية القراءة« القارئ / المقروء» على خصائص ينماز بها، وإن إغفال هذه الخصوصية وإدراك أهميتها يقود بالضرورة إلى فهم سلبي لعملية القراءة والنتائج المتولدة منها، بمعنى أنَّ إغفال هذه الخصوصية أو التهوين من قيمتها وأهميتها، يعني هيمنة أحد طرفي عملية القراءة على الآخر، فإما أنْ تكون الذات فاعلة إزاء موضوعها، إذْ تلغي المقروء، أو تقرأه خارج دلالاته وسياقاته، وأما أنْ يهيمن المقروء على القارئ، فيتحول إلى مجرد ناقل، وكلا الأمرين يعني ناتجًا سلبيًّا، يلغي أحد طرفي المعادلة، ويقدم قراءة أقل ما يقال عنها إنّها قراءة سلبية .

وقد تكون القراءة السلبية ذاتية تتخذ من التراث وسيلة دفاعية يؤكد فيها القارئ ذاته، إذْ يستعيد المعايير النقدية التراثية ويضخم من جوانبها الإيجابية، ويحاول إسقاطها على الحاضر، والمستقبل، والهدف من ذلك الاحتماء بالتراث في مواجهة تيارات معاصرة، وعلى الرغم من سلبية هذه القراءة فإنّها في الوقت نفسه يمكن أنْ تسهم في بداية لقراءة نقدية واعية، لأنها تستبعد الجوانب السلبية في عصور الانحطاط، والأهم من هذا أنها تحذر من الانسياق وراء القراءة الشكلية والسقوط في الانجازات المستوردة، غير أنَّ التوقف عند هذه الغاية لن يحقق جديدًا، لأن التراث النقدي يمارس سلطته على الحاضر والمستقبل، وهذا ما حصل فعلًا في القراءة الإحيائية التي هيمنت فيها الأصول القديمة على النقد المعاصر، وأصبحت غاية مقصودة لذاتها .

ولا تختلف القراءة الرومانسية عن هذه القراءة السلبية، إذْ تمثل هذه القراءة قطيعة معرفية مع التراث، إذْ يعتمد الناقد اصولا نقدية مستوردة ليست من صنع حاضره، ولا من تراثه، وبذلك يستبدل حاضره وماضيه بحاضر نقدي للآخر .

ويمكن تبني قراءة تتفاعل فيها الذات بموضوعها، إذْ يدرك الناقد أنَّ لتراثه حضورًا قديمًا محددًا بسياقاته التاريخية والاجتماعية والمعرفية، وله حضور معاصر خاص بزمن القراءة الحالية وملتحم برؤية القارئ المعاصر وثقافته، ويتأسس على الوصل والفصل، إذْ يجعل « المقروء معاصرًا لنفسه على صعيد الإشكالية والمحتوى المعرفي والمضمون الأيديولوجي، و(ويجعل) المقروء معاصرًا لنا، ولكن فقط على صعيد الفهم والمعقولية »(6).

***

الدكتور كريم الوائلي

.....................

(1) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، دار صادر- بيروت، الطبعة الثالثة ،1994، مادة: قرأ، 1/128 - 133.

(2) جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، ص 18.

(3) علي حرب، هكذا اقرأ ما بعد التفكيك، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005، ص 10 وما بعدها.

(4) يُنظر بالتفصيل: كريم الوائلي، الخطاب النقدي عند المعتزلة، وزارة الثقافة، بغداد، 2001، ص 5 وما بعدها.

(5) سورة النحل، آية: 68.

(6) محمد عابد الجابري، نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الرباط، 1993، ص 11.

 

في المثقف اليوم