أقلام فكرية

أقلام فكرية

رواسب الايكولوجيا الريفية في سيكولوجيا الشخصية العراقية

حين نتحدث عن أنثروبولوجيا المكان، فننا نقصد بذلك تلك الشبكة المعقدة والمتداخلة من الترسبات الأسطورية والخرافية، والانتماءات القبلية والعشائرية، والتضامنيات الأسرية والقرابية، والتواضعات العرفية والأخلاقية، والاعتقادات الدينية والمذهبية، والمرجعيات التاريخية والرمزية، والأرومات اللغوية واللهجية . وهو الأمر الذي قلما انتبه الى مراعاة أهميته وتقدير ضرورته في البحوث والدراسات من لدن الكتاب والباحثين في الشأن السوسيولوجي العراقي، لاسيما بعد تداعيات الأحداث الدراماتيكية الناجمة عن الغزو الأمريكي واحتلال العراق عام 2003، وما تمخض عنها من إشكاليات بنيوية وأزمات سياسية وصراعات سياسية وانقسامات ثقافية واستقطابات مناطقية .

ورغم كثرة التآليف – الثقافية والأكاديمية – التي تصاعدت كمياتها وتضاعفت نوعياتها في الآونة الأخيرة، والتي منحت للعوامل الايكولوجية والجغرافية والطوبوغرافية الأهمية التي تستحقها في إطار دراسة التأثيرات التي تمارسها على كينونة الشخصية الاجتماعية، لجهة تأطير وعيها وتنميط سلوكها وتأثيث مخيالها . إلاّ انه من النادر – رغم ذلك - العثور على بحث أو دراسة استطاع كاتبها التوغل بعيدا"في شعاب الذاكرة التاريخية ومتاهات اللاوعي الجمعي والجماعاتي، بغية الوصول الى الرواسب القارة والطمى المتراكمة التي خلفتها تلك العوامل، ليس فقط على تكوين التصورات وتشكيل العلاقات للأجيال التي عاصرتها واندرجت في سياقاتها فحسب، بل وكذلك للأجيال اللاحقة التي ورّثتها بدورها لمن يأتي بعدها وفقا"لأواليات وديناميات عمليات (المجايلة) بين السابقين واللاحقين .

وربما تجاسر البعض من الباحثين الجدد على الخوض في غمار مثل هذه المغامرات السوسيولوجية والانثروبولوجية والسيكولوجية، من باب إشباع الفضول المعرفي وتحدي الذات في القدرة على تحليل الظواهر وتأويل مآلاتها، بيد أنه مع ذلك لم يكن بوسع هؤلاء الوصول الى نتائج مرضية أو الحصول على إجابات شافية، تضيف للقارئ حصيلة ثقافية – معرفية الى ما يتوفر عليه من معلومات جزئية وتصورات مبتسرة حول سيرورات وديناميات الظواهر الاجتماعية المتناقضة والمتصارعة . ذلك لأن المديات المعرفية والمنهجية المتاحة أمام مساعيهم غالبا"ما اقتصرت على احتمالين لا ثالث لهما ؛ أما تناول الظاهرة قيد البحث والدراسة بمعزل عن بيئتها الحاضنة أو بعيدا"عن محيطها المؤثر، بحيث تبدو كما لو أنها خرجت من رحم العدم بلا تراكمات أو مقدمات من جهة، وأما لجوئهم الى تقطيع السيرورة التاريخية الى أجزاء متنافرة وأقسام متناثرة، ليصار من ثم حصر تركيزهم على (مرحلة) تاريخية ما أو صبّ اهتمامهم على (لحظة) زمنية ما، كان حضور / وجود الظاهرة المعنية ضمن سياقاتها المتحولة والمتبدلة طاغ أو بيّن .

وعلى إيقاع مثل هذه الضروب من البحوث والدراسات المبتسرة، فقد أضاع الكثير من الكتاب والباحثين العراقيين على أنفسهم العديد من الفرص الذهبية التي كان من المفترض اهتبالها للحصول على نتائج ابستمولوجية ومنهجية قيمة، لاسيما وان دراماتيكية الانقلابات والتحولات والانزياحات التي شهد وقائعها وتداعياتها المجتمع العراقي بعيد زمن السقوط، قدمت من وفرة المعطيات السوسيولوجية وغنى الانثيالات الانثروبولوجية، فيما لو تم الاعتماد على المنهجيات الجدلية والمقاربات التركيبية والمنظورات التفاعلية، التي من شأنها جعل الباحثين أقرب الى ماهية الظاهرة المقصودة، وأقدر على استيعاب سيرورتها وتتبع مساراتها وتوقع مآلاتها .

وفي هذا الإطار، فقد تحيّر الكثير من الكتاب والباحثين في الشأن العراقي إزاء تواتر وشيوع ظاهرة القيم والسلوكيات (القبيلة والعشائرية) في المجتمع العراقي، الذي اعتقد أن معظم جماعاته السوسيولوجية ومكوناته الانثروبولوجية قطعت شوطا"بعيدا"في مضمار التمدن العمراني والتحضر الإنساني، على خلفية التوهم أنها قد تجاوزت أصولها الريفية وتخطت مواريثها القروية منذ عدة أجيال . بحيث وقف أولئك (الكتاب والباحثين) عاجزين عن إيجاد تعليل منطقي وتفسير مقنع لاستمرار تلك القيم والسلوكيات فاعلة، ليس فقط على صعيد مظاهر (الأريفة) العمرانية التي باتت تجتاح المدن الرئيسية ومنها العاصمة بغداد، كما لو أنها تستعيد حوادث دمارها وخرابها على يد هولاكو وجنكيزخان فحسب، وإنما على صعيد استشراء مظاهر (البدونة) الحضارية التي استمرأ الانخراط في أتونها أفراد المجتمع وجماعته على حدّ سواء .

ومن هذا المنطلق، يتبين لنا ان رواسب الايكولوجيا (الريفية) في سيكولوجية الشخصية العراقية من الرسوخ والثبات، بحيث عجزت كل أنماط الميول (المدنية) والدوافع (الحضرية) اللاحقة – رغم محاولات المجاميع السكانية في المدن العراقية - عن محوها من الذاكرة التاريخية واجتثاثها من السيكولوجيا الجمعية . وبدلا"من أن يتراجع مدّ تلك الرواسب والمخلفات أمام عنفوان المدّ المديني والحضري الذي اجتاح المكونات الديموغرافية للمدن، فإذا بها تتحول الى ما يشبه الحواضن التي لم تبرح تتناسل في بيئتها كل ما له صلة بالقيم (البدوية) و(الريفية) و(القروية)، التي توهمنا – كما توهمنا في معظم توقعاتنا وتصوراتنا - في يوم ما أن مظاهر التوسع العمراني الكاسح تكفلت باندثارها وتلاشيها الى الأبد .

وهكذا، فما أن تحل نازلة – وما أكثرها - على أرض الواقع الاجتماعي، بحيث تحرك الرواكد وتثير السواكن القارة في قيعان السيكولوجيا وبين طيات المخيال، حتى تتصدر الأصول (البدوية) و(الريفية) التي كانت مضمرة شتى مجالات الفضاء العمومي للمكونات السوسيولوجية بمختلف مواقعها ومستوياتها، مقابل تراجع وانحسار الميول (المدينية) و(الحضرية) لهذه الأخيرة، والتي كانت على الدوام تعاني الهشاشة في بنيتها من جهة، والرثاثة في قيمها من جهة أخرى . ذلك لأن مواريث الايكولوجيا الريفية / القروية التي عاشت في كنفها وتغذت على قيمها أجيال متوالية من الجماعات العراقية، حفرت لها أخاديد غائرة داخل بطانة اللاوعي الجمعي وبين تلافيف الذاكرة التاريخية، بحيث ان الموقف الذي يتبناه والتصرف الذي يمارسه الإنسان العراقي المعاصر حيال الأحداث والوقائع التي تستفزّ حياته وتستثير تفكيره، لا ينبع فقط من مجرد إدراكه الآني والمباشر المبني على حيثيات المعطى المعيش فحسب، وإنما هو تمتح من معين لا ينضب من تصورات وتمثلات ورمزيات أنتجتها شبكة واسعة ومعقدة من الانتماءات الجغرافية - المكانية، التضمانيات القبلية – العشائرية، والتراكمات الاسطورية – التاريخية، والتفاعلات القيمية – العرفية، والولاءات المذهبية – الطائفية .

***

ثامر عباس

ترجمة وتعليق: عبد الوهاب البراهمي

(فالفلسفة؟ قال: كلام مترجم، وعلم مرجم، بعيد مداه، قليل جدواه، مخوف على صاحبه سطوة الملوك وعداوة العامة)... الجاحظ (أورده الثعالبي في اللطائف والظرائف)

"إن مثل من منع النظر في كتب الحكمة من هو أهل لها، من أجل أن قوماً من أراذل الناس قد يظن بهم أنهم ضلوا من قبل نظرهم فيها، مثل من منع العطشان شرب الماء البارد العذب حتى مات من العطش، لأن قوماً غرقوا به فماتوا" ابن رشد " فصل المقال .."

مدرسة أثينا - رافائييل

"لا ينحت الخطاب الفلسفي تماثيل جامدة، بل يريد أن يجعل ممّا يلامسه، شيئا نشطا فعّالا وحيّا ؛ إنّه يستثير زخما حركيا، وأحكاما لأفعال نافعة واختيارات لصالح الخير ".

بليتارخوس (Plutarque).

"جاء (ماندرات دي بريين) احد تلاميذ طاليس يوما إلى معلّمه وسأله:" أي مكافأة تريد، معلمّي، كي أعبّر لك بها عن امتناني لكل التعاليم الحسنة التي أدين لك بها؟" فأجابه:" حينما تتاح لك الفرصة لتعليم تلاميذ آخرين، عرّفهم بأنّي أنا صاحب هذا المذهب؛ فسيكون ذلك بالنسبة إليك تواضعا جديرا بالثناء، وبالنسبة إليّ، مكافأة ثمينة".

***

"ما هي المنزلة التي يحتلها الفيلسوف في المدينة؟ ستكون منزلة نحات، ينحت البشر، منزلة صانع يصنع مواطنين صالحين ومحترمين . لن يكون له إذن من مهنة، سوى تطهير نفسه وتطهير الآخرين كي يحيوا الحياة المتوافقة مع الطبيعة، تلك التي تلاؤم الإنسان. سيكون أبا مشتركا وبيداغوجيا لكل المواطنين، مُصلحهم ومرشدهم وحاميهم، يهب نفسه للجميع حتى يشارك في استكمال كل خير، فرحا مع أولئك الذين تغمرهم السعادة، متعاطفا مع أولئك الذين أصابهم الحزن ومواسيا لهم ".

" إيبكتات " الدليل المختصر" 32- سطر 154 نشر " هادو"، لايد، بريل 1996.

***

" ليس الفيلسوف وحيدا، فهو لا ينفصل عن تلاميذه وعن أتباعه وخصومه. وهو لا يتوصّل إلى الأشكال المكتوبة والقارّة لعمله إلاّ في نهاية السّباق. نحن في النهاية إزاء مسرح أكثر منه مقالة، وإزاء حوارات أكثر منه مناجاة وإلى درس أكثر منه كتابا. إنّ النموذج البدهي هو سقراط وأفلاطون، اللذان استطاعا أن يضمنا للفلسفة، بتأسيسها كحقل معرفيّ، وجوب أن تشيّد في أيّ مكان، في المتعدّد من العالم. نعم، تقريظ الفلسفة بوصفها إبداعا عموميّا لفكرٍ، بابتكاره نفسه وانتقاله إلى أيّ مكان، متحدّثا إلى أيّ كان عنّ أيّ شيء مشتغل عليه من جديد، يبتكر مَسْرَحَةَ الكائن، بما هو كائن." آلان باديو (تمهيد كتاب" تقريظ الفلسفة ") .

***

* لن يكون للفلسفة من شرعية ولا نفع ولا حتّى وجود خارج مجرّد المحافظة على شبه البقاء

الجامعي الأكاديمي، إن هي اكتفت بأن تكون محض تمرين لا طائل من وراءه للتفكير النرجسي

في ذاتها، تطرح استنادا إلى ذاتها المواضيع التابعة لتراثها الخاص، تلوكها وتجترّها بكيفيّة

غير محدودة". هابرماس "لم تصلح الفلسفة ؟" ملامح فلسفية وسياسية.

مقدّمة المترجم:

يقول برتراند رسّل بأنّ " الفلسفة لا تستطيع أن تبرّر مشروعية وجودها وقيمتها بالنسبة إلى الآخرين، وفق منطق النفع والمصلحة "، فليس لها من مشروعية سوى ما يخصّها كقول، كمعقولية مخصوصة، مشروعية داخلية بوصفها تفكيرا أو بالأحرى "استخداما شخصيا للعقل" أي حرّا يستخدم الشك والنقد والتساؤل ... في مواجهة ما يوجد. ولأنه كذلك، فمن العسير أن يقنع " الآخرين" بقيمته، بالرغم من انشغاله بوضع البشر أساسا، بالإنسان موضوعه المميّز والممتاز. من هنا فليس من الغريب أن يكون للفلسفة أعداءها وخصومها وهي التي لا تكفّ عن أن تكون " تفكيرا نقديا" في مواجهة واقع " اضطهاد البشر واستعبادهم "، تسعى إلى فضحه وكشف آلياته وصور إمكان التحرر منه . الأمر الذي يجعلها في خصومة دائمة مع " النظام القائم"، مع كلّ أشكال الهيمنة على البشر تدافع عنهم وتدافع عن وجودها من أجلها و أجلهم باعتبارها " أفقا " لخلاصهم بالرغم من علاقتهم الصعبة بينها وبينهم. ولعلّ ما تعيشه الفلسفة اليوم داخل " المؤسسة التعليمية" وخارجها وما تتعرّض له من تبخيس لبضاعتها، وسعي إلى إقصائها بدعوى " لاجدواها"... شاهد على ذلك. ولأنّ هذا" الوضع الصعب"كان دوما من قبل وإلى يوم الناس هذا من صنع " أعدائها" وهم كثير ومن كل صوب، ولأنه في جانب منه ناتج عن سوء فهم " للفلسفة لمعناها ودورها ومهمة تعليمها للناشئة ..."(والمرء عدوّ ما يجهل)، نسوق هذه النصوص إلى القارئ، نصوصا لفلاسفة يشهدوا على حقيقة قيمة الفلسفة، وهم منتحلوها وصناعها، وعلى ضرورة وجودها وضرورة تعليمها مقوما من مقومات التمدّن. ذلك وانه مثلما قال ديكارت " يقاس تمدن شعب بمقدار شيوع التفلسف فيه" .قاصدين بذلك المساهمة في تصويب آراء الناس عنها وإدراك منزلتها الحقيقية وحاجتهم الملحّة إليها.

" تقريظ الفلسفة"

شيشرون

" الفلسفة، هي وحدها القادرة على أن توجّهنا! أنتِ من يعلّمنا الفضيلة ويُخضع الشرّ ! ماذا سنفعل، وكيف سنَضْحَى من دون مساعدتك؟ أنت من يُنْشأ المدن، كي يعيش الناس في مجتمع، بعد أن كانوا شتاتا. أنت من يوحّدهم، أوّلا بقرب المُقَام، ثمّ بروابط الزواج، وأخيرا بالخضوع للغة والكتابة. اخترعتِ القوانين، وكوّنت الآداب وأسّست الشرطة. ستكونين ملاذنا؛ ولعونك سوف نلجأ؛ وإذا ما كنّا قد اكتفينا في أوقات أخرى بإتباع بعض دروسك، فنحن اليوم ننقاد لك كلك ودون تحفّظ..

إنّ يوما واحدا ننقاد فيه لتعاليمك هو أفضل من الخلود لأيّ شخص يبتعد عنها. أيّ قوّة أخرى نناشد غير قوّتك، تلك التي وهبتنا سكينة الحياة، وطمأنَتْنَا بشأن الخوف من الموت؟ ومع ذلك، فنحن أبعد عن أن نعطي للفلسفة التقدير الذي تستحقّ. لا يأبه لها كلّ الناس تقريبا: وكثير منهم يهاجمها حتّى. نُهاجم من نَدِين له بالحياة، من ذا الذي يتجرّأ على أن يلوّث يديه بجريمة قتل الآباء؟ هل بلغنا من النكران للجميل حدّا نُهِين فيه معلّمًا، وَجَبَ علينا على الأقلّ احترامه، حتى لو لم نكن قادرين على فهم دروسه؟ أعزو هذه العداوة إلى عدم استطاعة الجهلة، من خلال الظلمات التي تعمي أبصارهم، الرجوع إلى أقدم الأزمنة، كي يروا فيها أن أوّل من شيّد المجتمعات البشرية كانوا فلاسفة. أمّا عن الاسم، فهو حديث، لكن بالنسبة إلى الشيء نفسه، فنحن نرى أنّه قديم جدّا".   شيشرون "الأعمال الكاملة، الكتاب الخامس "عن الفضيلة".

- ابن رشد: ضرورة النظر العقلي

" إذا تقرّر أنّ الشّرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، وكان الاعتبار ليس شيئا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه، وهذا هو القياس أو بالقياس، فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي.

وبيّن أن هذا النحو من النظر الذي دعا إليه الشرع وحثّ عليه، هو أتمّ أنواع النظر بأتمّ أنواع القياس، وهو المسمّى برهانا...

وإذا كان هذا هكذا، فقد وجب علينا إن ألفينا لمن تقدّم من الأمم السالفة نظرا في الموجودات واعتبارا لها، بحسب ما اقتضته شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك، وما أثبتوه في كتبهم. فما كان منها موافقا للحقّ قبلناه منهم، وسررنا به، وشكرناهم عليه . وما كان غير موافق للحقّ نبهنا عليه وحذّرنا منه وعذرناهم .

... فنقول إن كان فعل الفلسفة ليس شيئاً أكثر من النظر في الموجودات، واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها. وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم، وكأن الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات، وحث على ذلك فبين أن ما يدل عليه هذا الاسم إما واجب بالشرع، وإما مندوب إليه....

....إن مثل من منع النظر في كتب الحكمة من هو أهل لها، من أجل أن قوماً من أراذل الناس قد يظن بهم أنهم ضلوا من قبل نظرهم فيها، مثل من منع العطشان شرب الماء البارد العذب حتى مات من العطش، لأن قوماً غرقوا به فماتوا. فإن الموت عن الماء بالغرق أمر عارض، وعن العطش أمر ذاتي وضروري." ابن رشد " فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من اتصال". ص23-24-25-26 دار المعارف مصر دراسة وتحقيق محمد عمارة - الطبعة الثالثة.

- كانط: وفق أيّ منهج يجب أن تدرّس الفلسفة؟

" بما أنها (أي الفلسفة) ليست في الحقيقة انشغالا للراشد، فليس من الغريب أن َتقوم صعوبات حينما نريد مواجهتها بالكفاءة الأقلّ ممارسة للشباب. فالطالب الذي قد فارق التعليم المدرسي كان معتادا على التعلّم . و يعتقد الآن بأنه سيتعلّم الفلسفة، وهو ما يستحيل مع ذلك إذ عليه من الآن فصاعدا أن يتعلّم التفلسف. وسأوضّح ما أقول أكثر: يمكن لكل العلوم التي بإمكاننا تعلّمها حرفيا أن تردّ إلى جنسين: العلوم التاريخية والرياضية . تنتمي إلى الأولى (التاريخية) بخلاف التاريخ تحديدا، وصف الطبيعة والفلسفة والحق الوضعي الخ. بيد ان التجربة الشخصية أو الشهادة الخارجية تمثّل، في كل ما تاريخي،، - وفي كل ما هو رياضي، شيئا معطى في الواقع والذي هو بالتالي كسب وليس له إذن إلاّ أن يقع استيعابه: فهو إذن ممكن حال تعلّم هذا أو تلك، أي أن يرسّخ إمّا في الذاكرة أو الفهم، ما يمكن أن يقدّم بوصفه تخصّصا مكتملا بعدُ. إذن ولكي يمكننا تعلّم الفلسفة، وجب أوّلا أن تكون موجودة فعلا بما هي كذلك. يمكننا تقديم كتاب، والقول:" انظروا، هذا من العلم و المعارف الموثوقة ؛ تعلمّوا فهمه وحفظه، وابنوا فيما بعد عليه وستكونوا فلاسفة": حتى يُقدّم لي كتاب ما لفيلسوف، أستطيع أن أعتمد عليه تقريبا مثل بوليب، لعرض حدث تاريخي، أو اوقليدس لتفسير قضية هندسية، وان يسمح لي بالقول بأننا نسيء لثقة الجمهور حينما، بدل توسيع كفاءة الذهنية للشباب الذين هم في أمانتنا، وتكوينها بغرض إكسابهم معرفة شخصية مستقبلية، في نضجها، فنحن نخدعهم بفلسفة يزعم أنها مكتملة، والتي قد وقع تخيلها لهم من آخرين، والتي يخلص منها علم وهمي، ليس له قيمة إلاّ في مواضع معينة ولدى بعض الناس، لكنها لا تتداول في مواضع أخرى لفقدانها أي قيمة.

إنّ المنهج المخصوص للتعليم في الفلسفة هوبحثي zététique، مثلما يسميه بعض القدماء (من zétein أي بحث)، بمعنى هو منهج البحث، وربما لا يكون دغمائيا في بعض المجالات إلا في استخدام عمومي، أي منهجا تقريريا . فلا يجب على المُؤلِّف الفلسفي الذي يُستند إليه في التعليم أن يعتبر بالمرة نموذجا للحكم، بل بوصفه فحسب مناسبة للحكم على الذات استنادا إليه، ويكون منهج التفكير والاستدلال الشخصي هو المنهج الذي يسعى الطالب بالأساس إلى اكتسابه".

(كانط، إعلان عن برنامج دروس منتصف الفصل الدراسي شتاء 1765-1766 ترجمة ميشيل فيشان، فران، 1973ن ص 69-70).

- هيجل: بيداغوجيا تعلّم الفلسفة

" إنّ التمشي المجسّد في الاستئناس بفلسفة غنيّة في محتواها ليس شيئا آخر سوى التعلّم. يجب على الفلسفة بالضرورة أن تدرّس وتُتعلّم، إضافة إلى كلّ علم آخر. إنّ البائس المتأكّل الذي يدعو إلى التربية بغرض التفكير بأنفسنا وبإنتاج الخاص، يكون قد قذف بهذه الحقيقة إلى الظلمة- كما لو، حينما أتعلم ما هو الجوهر، والعلّة أو أي شيء آخر، لا أفكّر بنفسي، كما لو لا أنتج بنفسي هذه التحديدات في فكري، كما لو قذف بها فيه مثل حجر!- كما لو، أيضا حينما أحدّد حقيقتها، لا اكتسب بنفسي هذا التحديد، ولا أقنع نفسي بنفسي بهذه الحقائق!- كما لو، إذا ما عرفت جيدا يوما ما نظرية فيثاغورس وبرهانها، فلن أعرف بنفسي هذه القضية ولا أبرهن بنفسي حتّى على حقيقتها!، وبالمثل فإن الدراسة الفلسفية هي في ذاتها نشاطا شخصيا، في نفس الوقت الذي هي فيه تعلّم- تعلّم علم موجود بعدُ، مُكوّن. إنّ هذا العلم هو كنز يتضمن محتوى مكتسب، مبنيّ تماما، مشكّل؛ يجب على هذه المادة الموروثة الموجودة بعدُ أن تكتسب من الفرد، أي أن تُتعلّم. المعلّم يملك هذا المحتوى، ويفكّر فيه أوّلا والتلاميذ بعد ذلك . تتضمن العلوم الفلسفية، في موضوعاتها، الأفكار الكونية الحقيقيّة ؛ وهي ثمرة إنتاج عمل العباقرة المفكّرين لكلّ الأزمنة. و تتخطّى هذه الأفكار الحقيقيّة ما يتوصّل إلى إنتاجه بفكره شاب غير مثقف، بقدر ما يتجاوز هذا الكم من الجهد العبقريّ جهد مثل هذا الشابّ . إنّ التمثّل الأصلي، والخاص الذي يملكه الشباب عن موضوعات جوهرية هو من جهة، ما يزال فقيرا وفارغا، ومن جهة أخرى ليس في جانب كبير منه، سوى رأيا ووهما، ونصف فكرة وفكر أعرج غير محدّد. وبفضل التعلّم تحلّ الحقيقة محلّ هذا الفكر الذي يتوهّم".

هيجل . رسالة إلى نيثامر بتاريخ 23 أكتوبر1812، ضمن نصوص بيداغوجية، فران 1990 ص142-143.

- نيتشه: منزلة مدرّس الفلسفة في المجال العمومي

(...) تختار الدولة بنفسها من يخدمها من الفلاسفة وتنتدب منهم قدر ما تحتاج لمؤسساتها: فتعطي الانطباع إذن بأنّها تعرف التفريق بين الحسن والسيئ من الفلاسفة، بل أكثر من ذلك إنها تفترض أنّه يجب أن يوجد ما يكفي من الفلاسفة الجيّدين كي تشغل كَراسي التدريس. (...) وتلزم أولئك الذين اختاروا الإقامة في مكان محدّد، وفي بيئة محدّدة، بأن يمارسوا فيه نشاطا محدّدا: أن يدرّسوا، كلّ يوم، في وقت محدّد، كل الطلبة الذين يرغبون في سماعهم . وإني لأسأل: هل يمكن لفيلسوف أن يلتزم عن طيبة خاطر بأن يكون له شيئا ما يدرّسه كلّ يوم ؟ وأن يدرّسه لكلّ من يريد سماعه ؟ ألا يكون مكرها على الكلام أمام حضور مجهول عن أشياء لا يمكن له الحديث عنها دون مخاطر إلاّ أمام أكثر أصدقاءه حميميّة ؟ ثمّ، ألا يتخلّى، في النهاية هكذا، عن حريّته مصدر فخره، حريّة الانقياد لعبقريته حينما تدعوه، وإتباعها إلى حيث ما تريد؟- وذلك بموجب أنّه مدعوّ إلى أن يفكّر عموميا، في ساعات محدّدة مسبقا في أشياء مقرّرة مسبقا ؟ وإذا ما شعر يوما ما بأنّه لا يمكن له يومها أن يفكّر في شيء، وأنّه لا يستحضر أيّ فكرة في ذهنه- و كان عليه مع ذلك، أن يسجّل حضوره ويتظاهر بالتفكير؟

ولكن، قد يعترض عليّ، بأنّ المدرّس ليس محمولا على التفكير، وبخاصة على التفكير في فكر إنسان آخر، أو إثراءه؛ عليه أن يكون قبل كل شيء راسخ المعرفة بكل المفكّرين السابقين، فسيحسن القول فيهم بشيء يجهله تلاميذه.(...) غير أنّ المعرفة الراسخة بماضي التاريخ لم يكن أبدا شأن الفيلسوف الحقيقيّ، لا في الهند ولا في اليونان؛ ولو اضطلع أستاذ فلسفة بهذا العمل، فهو ملزم بتحمّل ما يقال عنه بأنّه " فيلولوجي جيّد، وعالم آثار جيد وألسني جيّد ومؤرّخ جيد "، ولكنّه ليس " فيلسوفا جيّدا" بالمرّة. (...) وفي النهاية أيّ شيء في تاريخ الفلسفة قد يعني شبابنا؟ هل نريد أن نثنيهم عن أن يكون لهم رأي شخصي بأن نظهر لهم التكدّس الغامض لكلّ الآراء؟ هل نريد أن نعلّمهم أن ينضمّوا إلى جوقة المهللّين على شرف الأشياء الجميلة التي صنعناها؟ هل نريد أن يتعلمّوا كره الفلسفة وازدراءها ؟ (...) فنحن لم ندرس يوما نفس المنهج النقدي، و الشيء الوحيد الثابت، والذي يمكن أن نطبّقه على فلسفة، يتمثّل في التساؤل إذا ما كان بإمكاننا أن نعيش وفق مبادئها؛ نحن لا ندرس سوى نقد الكلمات بالكلمات. والآن ونحن نتمثّل روحا يافعة، دون خبرة كبيرة في الحياة، قد حُبس فيها خليط جنبا إلى جنب من خمسين نقد لنفس هذه الأنساق- أيّ فوضى، وأي ّ بربرية، وأيّ سخرية بالنسبة إلى أيّ تربية فلسفية! " (نيتشه، شوبنهاور مربّيا) .

- ميشيل فوكو: واقع تدريس الفلسفة ودور مدرّسيها*

"إنّ الفلسفة هي هنا في نهاية التعليم الثانوي من أجل أن تحقّق لمن استفادوا منها، الوعي بأنّ لهم الحقّ من هنا فصاعدا في رؤية الأشياء في مجموعها . نقول لهم:” لا، أنا (بوصفي مدرسا للفلسفة) لا أعلمك شيئا: ليست الفلسفة علما إنما هي تفكير، طريقة في التفكير، تسمح بوضع كل شيء موضع السؤال ومجابهته. لقد آمنتم طيلة خمس أو ستّ سنوات بجمال “إيفيجينيا” وبانقسام الخلايا الجنسية و” الإقلاع الاقتصادي économique take off ” لأنقلترا البورجوازية . كل هذه المعرفة ها أنتم أمام حقّ فحصها من جديد – لا في دقتها، بل في حدودها، وفي أسسها وأصولها. وما ستحصلونه من معرفة، حينما تصبحون أطباء ومديري تسويق أو كيميائيين، فلابدّ أن تخضعوه لنفس المَحْكمة . أنتم تتجهون إلى أن تكونوا مواطنين أحرار في جمهورية المعرفة ؛ لكم أن تمارسوا حقوقكم. ولكن بشرط: أن تستخدموا فكركم وفكركم فقط. أن تفكّروا أي أن يكون لكم حسّ سليم مؤيّد قليلا، وحكم نزيه يستمع إلى المع والضدّ، وفي النهاية حريّة. لأجل ذلك، يواصل الأستاذ، قائلا، وبغضّ النظر عن حَرْفِية برنامج لا يلزمنا تماما، سأحاول أن أعلّمكم الحكم بحريّة . الحرية والحكم- ذاك ما سيكون شكل خطابنا ؛ وهو إذن ما سيكون عليه بالطبع محتواه: فزميلي في القسم المحاذي، وهو الستيني، سيؤكّد على الحكم بالرجوع إلى آلان. بينما أريد أن أتكلّم عن الحرية خاصّة – وعن سارتر لأنّني أربعيني . لكن لا أنتم ولا رفاقكم خارجا سيخسرون في المشاركة . فسارتر و آلان، هما قسم الفلسفة وقد أصبح فكرا.”

* تعرفون أنه لا توجد الفلسفة. وما يوجد هم " فلاسفة"، أي صنف من البشر أنشطتهم وخطاباتهم تغيّرت كثيرا من مرحلة إلى أخرى. وما يميّزهم مثل جيرانهم الشعراء والمجانين هو أن التقاسم هو الذي يعزلهم وليست وحدة الجنس أو استمرارية المرض.

فهم لم يصيروا فلاسفة إلاّ منذ وقت وقصير، ربّما هي مرحلة، وربّما لن نظلّ طويلا. وعلى أيّ حال فإنّ اندماج الفيلسوف في الجامعة لم يحدث بنفس الطريقة في فرنسا و في ألمانيا. ففي ألمانيا كان الفيلسوف مرتبطا، منذ عصر فيخته وهيجل بمؤسّسة الدولة: من هنا كان معنى هذه المهمّة العميقة، ومن هنا، هذه " الجدية لـ" موظّفي التاريخ" fonctionnaires de l'histoire، ومن هنا، هذا الدور الذي لعبوه من هيجل إلى نيتشه، للناطق باسم، القادح للدولة invectiveur de l'état.

أما في فرنسا، فقد كان أستاذ الفلسفة مرتبطا بأكثر احتشام (بصورة مباشرة في المعاهد، وبصورة غير مباشرة في الكليات) بالتعليم العمومي، بالوعي الاجتماعي بشكل محسوب بدقّة من " حرية التفكير"، ولنقل، حتى نكون صرحاء: بالمؤسسة التقدمية للاقتراع المباشر. من هنا، كان هذا الأسلوب للمدير، أو الرقيب، ومن هنا دور المدافع عن الحريات الفردية وتقييد الأفكار، الذين يفضلون لعبه؛ ومن هنا كان ميلهم إلى الصحافة، وانشغالهم بالتعريف بأفكارهم وحرصهم الشديد على الإجابة في المحادثات.

....على أيّ حال، نفهم أنّه، مع الدور الذي أرادوه (أي أساتذة الفلسفة)، فإنّه يجب أن يكون ما يدرسونه فلسفة للوعي، و الحكم والحرية. ويجب أن تكون فلسفة تحافظ على حقوق الذات أمام كلّ معرفة ـ وتفوّق كل ّ وعي فردي على كلّ سياسة. بيد انّه، وتحت تأثير التطوّرات الأخيرة، ظهرت مشكلات جديدة: ليست بالمرّة ما هي حدود المعرفة (أو أسسها)، بل من هم العارفون؟ كيف يحدث تملك المعرفة وتوزيعها؟ كيف تحتلّ معرفة ما موقعها في المجتمع، وتتطوّر داخله، وتحشد مصادرها وتكون في خدمة اقتصاد؟ كيف تتكوّن المعرفة في مجتمع وكيف تتحوّل داخله؟ من هنا كانت سلسلتان من الأسئلة: بعضها نظري حول العلاقات بين المعرفة والسياسة، وبعضها الآخر، أكثر نقدية، حول ما هي الجامعة (الكليات والمعاهد)من حيث فضاء في الظاهر محايد حيث يفترض توزيع معرفة موضوعية بإنصاف .وإذا ما كانت هذه الأسئلة قد طرحت في قسم الفلسفة، فمن الواضح أن وظيفتها التقليدية لابد أن تتغيّر جذريّا. لقد تصنع السيد قيشار الدفاع عن الفلسفة ضدّ اندساس طلبة لم يكونوا قد كوّنوا للتعليم، وفي الواقع فهو يحمي شغل قسم الفلسفة القديم ضدّ طريقة في طرح الأسئلة تجعلها مستحيلة.

من محادثة مع ميشيل فوكو (حَاَدَثُه باتريك لوريو ” نوفال ابسارفاتور” فيفري 1970).

* نص من محادثة جاءت في سياق قرار وزاري (فيفري 1970) بحذف قسم الفلسفة من جامعة " فانسان" حيث يشغل فوكور ئيس خطة رئيس قسم الفلسفة فيها. (المترجم).

- فوكو: معنى الفلسفة اليوم

"ماذا تعني إذن الفلسفة اليوم- أعني النشاط الفلسفي - إذا لم يكن فعل نقد الذات لذاتها؟ وإذا لم يتمثّل، بدل تشريع ما نعرف بعدُ، في الانصراف إلى معرفة كيف وإلى أي حدّ يكون ممكنا التفكير على نحو آخر؟ يوجد دوما في الخطاب الفلسفي شيء ما سخيف، حينما يريد هذا الخطاب، من خارج، أن يملي القانون على الخطابات الأخرى، وأن يقول لها أين تكمن حقيقتها، وكيف تعثر عليها، أو حينما يظهر بمظهر الحازم في دراسة قضيتها في وضعية ساذجة ؛ غير أنّ هذا حقّه في استكشاف ما يمكن أن يتغيّر، في فكره بالذات، بالتمرين الذي يجريه على معرفة غريبة عنه. إنّ " المحاولة" التي يجب أن تُفهم بوصفها دليلَ تغيير الذات لذاتها في لعبة الحقيقة لا بوصفها تملّكا تبسيطيا للآخرين، لغايات تواصلية - هو الجسد الحيّ للفلسفة، لو ظلّت هذه على الأقلّ إلى الآن على ما كانت عليه من قبل، أي " تزهّدا" ascèse، تمرينا للذات في الفكر. "

فوكو" تاريخ الجنسانية ج 2 - استخدام المتع -غاليمار 1984 ص14-15

- جيل دولوز: صورة الفيلسوف

" إنّ صورة الفيلسوف هي أيضا أقدم الصور . إنّها صورة المفكّر الماقبل -سقراطي،" الفيزيولوجي" والفنان والمؤّول والمقيّم للعالم.. كيف نفهم التقارب بين المستقبل والماضي؟ إنّ فيلسوف المستقبل هو المستكشف للعوالم القديمة، للقمم والكهوف، والذي لا يَخْلُقُ إلاّ من حيث يتذكّر شيئا قد نُسي بالأساس.

ليكن هذا الشيء، حسب نيتشه، هو وحدة الحياة والفكر. هي وحدة مركّبة: خطوة من أجل الحياة، وخطوة من أجل التفكير . تُلْهِمُ أنماط الحياة طرائق التفكير. و تَخْلُقُ أنماطُ التفكير أنماطَ الحياة. وتُنَشِّط الحياةُ الفكرَ و يؤكّد الفكرُ بدوره الحياةَ. ليس لدينا أدنى فكرة عن هذه الوحدة الماقبل- سقراطية. فليس لنا الآن سوى حالات حيث يُلْجِمُ الفِكْرُ ويبْتُرُ الحياةَ، بجعلها بلا معنى، وحيث تنتقم الحياة لنفسها وتجعل الفكرَ مجنونا، يضلّ الطريق.

ليس لنا الآن سوى أن نختار ما بين حيوات تافهة وبين مفكّرين مجانين . حيوات منصاعة كثيرا للمفكّرين و أفكارٍ كثيرة الجنون للأحياء: إيمانيول كانط وفريديريك هولدرلين.

لكن تظلّ الوحدة الدقيقة التي يكف الجنون فيها عن أن يكون كذلك، شيئا علينا اكتشافه- وحدة تحوّل قصّة الحياة إلى قول مأثور للفكر، وتقييمَ الفكرِ إلى منظورٍ جديد للحياة".

" جيل دولوز "محض محايثة" 2002 " 66ف. Pure Immanence (2002) p. 66f)

- أندريه كونت سبونفيل: معنى التفلسف.

التفلسف هو التفكير أبعد ممّا نعرف؛ هو أن نطرح على أنفسنا أسئلة لا يمكن لأيّ علم أن يجيب عنها. مثلا:" لماذا يوجد شيء بدل لاشيء؟"، "هل يوجد الإله؟"، " ماذا يمكنني أن أعرف؟"، " ماذا يجب عليّ أن أفعل؟"، " ما العدالة؟"، " ما السعادة؟"، " كيف ندركها؟"...أو أن نطرح أيضا هذا السؤال الذي يلخّص كل الأسئلة الأخرى:" كيف نحيا؟" ولكن ما الفائدة من أن نطرح على أنفسنا أسئلة، إذا لم يكن إلا من أجل أن لا نجيب عنها؟ وعلى خلاف ما نعتقد أحيانا، يجيب الفلاسفة عن الأسئلة التي يطرحونها، و هذه الأجوبة هي التي تكوّن فلسفتهم. من هنا تظهر الحاجة إلى الثقافة بأكثر وضوح. يمكن لطفل مثلا أن يطرح أسئلة فلسفية، تقريبا مثلما يكتب السيد جوردان نثرا. لكن أجوبته، إذا ما وجدت، ستكون تقريبا لا محالة ساذجة، بالمعنى السلبي للكلمة، لا بل فعلا حمقاء، سطحيّة أو غير متناسقة. التفلسف، نتعلّمه! كيف؟ بالاحتكاك بالفلاسفة الكبار السابقين. يقول مالرو:" في المتاحف نتعلّم الرّسم" . وفي كتب الفلسفة نتعلّم التفلسف.

...والتفلسف هو البحث عن أجوبة عن الأسئلة الجوهرية التي نطرحها على أنفسنا. نحن في حاجة إذن إلى التفلسف بقدر ما يقلّ إيماننا بالأجوبة الجاهزة . وهذا ما يفسّر ما نسمّيه، منذ عدّة سنوات،" عودة الفلسفة" . أمام انهيار الأجوبة الجاهزة التي تحملها الأديان الكبرى (وبالخصوص المسيحية في بلدنا) و الايديولوجيات الكبرى (لنُفَكِّر في ثقل الماركسية، في فرنسا في السنوات 50أو 60)، يحسّ معاصرونا بشيء من الضياع. وبما أنهم قد انتهوا إلى فهم أنّ العلوم الإنسانية، مهما كانت جدارتها، لا تجيب عن السؤال:" كيف نحيا؟" (لا تقوم مقام الميتافيزيقا ولا الإيتيقا)، فهم يبحثون عن أجوبتهم الخاصّة عن الأسئلة التي يطرحونها على أنفسهم. وهذا ما يسمّى تفلسفا، وسرعان ما يكتشفون، على هذا الطريق، عددا معينا من الكتاب يمكن أن يرشدوهم وينيرون سبيلهم ويرافقوهم..   من حوار مع: أندري كونت سبونفيل- حاورته: كارولين راكابي

مجلة "لوبوان:LePointعدد2 جويلية-سبتمبر2010ص6--13

- ميشيل أونفري: نحو فلسفة خارج التقليد

" وجب على الفلسفة أن تعود إلى الشارع وتخرج إلى الناس حيث تنتمي، وحيث كانت تنتمي في العصور القديمة. لاحظ كيف تزدحم أعمال افلاطون بالناس، السمّاكين، الاسكافيين، المومسات المارات الخ. الفلسفة لا تخص مشرعين يقرأون الكتب المعينة ويتفلسفون خلال وقت دوامهم. أن تكون فيلسوفا يعني أن تتفلسف طوال الوقت: هذا هو التقليد الأنتيكي الذي أود العودة إليه والذي للأسف أخذ في التلاشي بعد صعود المسيحية. يجب القول إنني لا أعتبر أن المسيح كان شخصية تاريخية على الاطلاق- المسيح هو شخصية تبلورت في خيال الإنجيليين الذين لم يعرف كتّابها يوما المسيح، وبهذا خنق آباء الكنيسة الفلسفة التي دارت حول لحم هذا الشخص ودمه فصارت تمرينا وبحثا مجنونا في تفاصيل عجيبة، حيث تأتى عليهم إثبات تلك العجائب مثل الثالوث، القيامة والولادات العذرية. هكذا نحصل على ما يزيد عن عشرة قرون من الفلسفة رُسمت انطلاقا من الرغبة في إضفاء الشرعية على شيء لا يمكن إقراره. فلسفة الجامعات التي نعرفها هي تطوير لتقليد علم المسيحية لذا عندما تتحدث عن فيلسوف فرنسي- النظرية الفرنسية كما يقول الأمريكيون، وأعني فلاسفة مثل دولوز، غاتاري، ديريدا وليوتار الخ – فذلك له علاقة بأصحاب التنويم المغناطيسي تماما. مازلت أبحث عن زميل لي في الفلسفة او أي شخص آخر يمكنه أن يشرح لي مؤلف دولوز «آنتي أوديبوس/أوديب المضاد/الضد أوديب» . كتب فوكو عن الجنون انطلاقا من قراءاته في الأرشيف فهو لم يعرف حقيقة المجانين وواقعهم. وفي عودة أبعد إلى الوراء لدينا سارتر الذي أراد أن يحشد عمال السيارات في بيلانكور، لكن لا أحد منهم فهم ما قال هذا «المثقف الذكي صاحب النظارات» الذي لم يختلط يوما في حياته بعمال حقيقيين. إنه ليس التفكير، بل تمارين التكرار المستغلقة التي تعيد استخدام ذات الطروحات القديمة. أريد عوضا عن ذلك توفير هذه المدرسية، والتقليل من شأن النقاش بأجمله المليء بالمصطلحات الضمنية والثقيلة. لهذا أسعى في فلسفتي التاريخية القبض على التفكير الفلسفي الذي قام خارج هذا التقليد وعاداه."

ميشال أونفري ترجمة: دنى غالي (نظرات فلسفية).

***

 

مقدمة: ماكس فيبر (1864-1920) هو المؤسس الرئيسي لعلم الاجتماع الألماني، وهو مؤلف عمل كبير لا يزال يدرس في جميع أنحاء العالم اليوم (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، الاقتصاد والمجتمع، "العالم والسياسي"...). هذا الكتاب الأخير:"العالم والسياسي" عبارة عن مجموعة من محاضرتين ألقاهما عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، ألقيا على التوالي في عامي 1917 و1919. تتعلق الأولى بـ "مهنة الباحث ودعوته". والثاني، حول "مهنة السياسي ورسالته": يستخدم فيبر مصطلح بيروف، والذي يعني المهنة والحرفة معًا. تحدد "مهنة السياسي ودعوته" ماهية السياسي الجيد في ظروف السياسة الحديثة. يتم تعريفها على أنها النضال من أجل الحصول على سلطة الدولة أو الإطاحة بها أو تحويلها: وفي هذا السياق يقدم فيبر تعريفا للدولة التي أصبحت مشهورة الدولة هي سلطة احتكار العنف المشروع وتعيد توزيعه في شكل قوانين. وفي نهاية المداخلة، يركز على العلاقات المختلفة التي يمكن أن يقيمها السياسيون مع الأخلاق. وعلى هذا فإن الساسة والناشطين يواجهون معضلات أخلاقية، وهناك العديد من الإجابات المحتملة لها: هل ينبغي للسياسي الجيد أن يتبع قناعاته دون أن ينحني على الإطلاق؟ ماذا يفعل عندما تبدو العواقب أسوأ مما لو تنازل عن مبادئه؟  ألقى فيبر هذا المؤتمر في عام 1919، في سياق دولي بالغ الصعوبة: في فترة أزمة كهذه، ما هي الصفات التي يجب أن يتمتع بها السياسي لكي يرقى إلى مستوى الحدث؟

الصفات الحاسمة للسياسي الجيد

بالنسبة لماكس فيبر، يتميز السياسي الجيد بثلاث صفات "أساسية وحاسمة": وهي "العاطفة، والشعور بالمسؤولية، والبصيرة".

العاطفة والمسؤولية

من خلال العاطفة، يجب أن نفهم "الارتباط لسبب ما"، والذي يميزه فيبر عن "الإثارة العقيمة" البسيطة. إن الارتباط الحقيقي بقضية ما لا يعني أن تكون شغوفًا بها للحظة واحدة: بل بالأحرى أن تخدمها، وتشعر بمسؤوليتك تجاهها. لأن الشغف وحده، مهما كان أصيلاً، لا يكفي. إنها لا تجعل من الفرد سياسيا عندما لا تجعل من خدمة "القضية"، وبالتالي المسؤولية أيضا فيما يتعلق بهذه القضية على وجه التحديد، النجم الذي يوجه العمل بطريقة حاسمة. وبالتالي فإن العاطفة الحقيقية لا تنفصل عن الشعور بالمسؤولية. إنه ارتباط دائم بقضية ما، وهو ما لا يتضمن بالضرورة أفعالًا مذهلة، ولكنه يتضمن تحمل الفرد مسؤولياته فيما يتعلق به.

النظرة- البصيرة- الاستبصار

النظرة مرتبطة بالمسؤولية. إنه على وشك القدرة على ترك الحقائق تؤثر على النفس، في التأمل الداخلي والهدوء، وبالتالي: المسافة فيما يتعلق بالأشياء والأشخاص . المشكلة بالتحديد هي كيف يمكن أن تجتمع حرارة العاطفة وبرودة النظرة في نفس النفس. إن فكرة أن السياسة تفترض "البعد عن الأشياء والناس" تنطوي على مفارقة. على العكس من ذلك، قد يعتقد المرء أن السياسي في خضم الحدث، وأن هذا لا يسمح بمسافة حقيقية. ومع ذلك، بالنسبة لفيبر، يجب علينا أن نسعى لقطع هذه المسافة من أجل اتخاذ الخيارات الصحيحة. إن منظور السياسي الحقيقي يسمح له باتخاذ الخيارات الصحيحة وعدم الانجراف وراء الأحداث. ولذلك فإن هناك تناقضًا مع العاطفة، حيث يجب إجبارهما على التعايش: لكن هاتين الصفتين يجب أن تتواجدا معًا في السياسي. وهكذا ينتقد فيبر، من ناحية، السياسات الساخرة لأولئك الذين لا يكرسون أنفسهم لقضية ما، ومن ناحية أخرى، العاطفة العقيمة لأولئك الذين يكرسون أنفسهم لقضية دون الابتعاد عن الأحداث.

خياران ممكنان

بمجرد تحديد هذه الصفات، يحدد فيبر خيارين محتملين للسياسي فيما يتعلق بالأخلاق. بمعنى آخر، من بين طرق التفكير المختلفة حول العلاقة بين الأخلاق والسياسة، يبرز خياران رئيسيان: إن أي عمل ملهم أخلاقيا (...) يمكن توجيهه وفق "أخلاق الاقتناع" أو وفق "أخلاق المسؤولية". ليس أن أخلاق الاقتناع مطابقة لغياب المسؤولية، وأخلاق المسؤولية مطابقة لغياب الاقتناع. بالطبع ليس هناك شك في ذلك. ولكن هناك تعارضًا عميقًا بين العمل الذي تحكمه أخلاق القناعة (باللغة الدينية: "المسيحي يتصرف وفقًا للعدل، ويعتمد على الله في النتيجة")، وبين العمل الذي ينظم وفقًا لمبدأ "العدالة". أخلاقيات المسؤولية التي بموجبها يجب على المرء أن يتحمل العواقب (المتوقعة) لأفعاله. يوضح فيبر أن الخيارين لا يستبعد أحدهما الآخر: في حالات ملموسة، من الممكن أن الشخص لم يختار بوضوح بين أخلاقيات الإقتناع وأخلاقيات المسؤولية. لكن هذه المعارضة تحدد نوعين من العمل السياسي، ووفقا لفيبر، يجب على كل سياسي أن يختار بين الاثنين.

أخلاقيات القناعة

يعرّف فيبر أخلاقيات القناعة بناءً على عبارة لوثر، مؤسس البروتستانتية: "يجب على المسيحي أن يتصرف وفقًا للعدالة، ويعتمد على الله في النتيجة". بالنسبة لأخلاقيات القناعة، فإن الشيء المهم هو التصرف بطريقة تتفق مع المبادئ التي تم وضعها في البداية. ومهما كانت العواقب، يجب ألا نحيد عن مبادئنا. لذا، يشعر مؤيد أخلاقيات القناعة بأنه "مسؤول" عن شيء واحد فقط: منع شعلة القناعة الخالصة من الانطفاء، على سبيل المثال، شعلة الاحتجاج ضد ظلم النظام الاجتماعي. ولذلك فإن أخلاقيات القناعة تتطلب إبقاء المبادئ السياسية حية للتقدم نحو العدالة. ومن ناحية أخرى، يواصل أنصاره أفعالهم، حتى لو كانوا يخاطرون بحدوث عواقب كارثية: وبالتالي، فإنهم يتعارضون مع الأخلاق التي تأخذ في الاعتبار عواقب أفعالهم.

أخلاقيات المسؤولية

يتم تعريف أخلاقيات المسؤولية على أنها تتعارض مع أخلاقيات القناعة: حيث يتصرف أنصارها وفقًا للعواقب المتوقعة لأفعالهم. لا يتعلق الأمر بالتخلي عن كل قناعة - لأنه في هذه الحالة، لن تعد هذه أخلاقًا على الإطلاق - بل يتعلق الأمر بالدفاع عن مبادئ المرء مع الأخذ في الاعتبار العواقب المتوقعة للفعل: لا يمكن لأي أخلاقيات في العالم أن تتجنب حقيقة أنه من أجل تحقيق غايات "جيدة"، فإننا ملزمون، في كثير من الحالات، بقبول وسائل مشكوك فيها أو على الأقل خطيرة من وجهة نظر أخلاقية، وكذلك من وجهة نظر أخلاقية، وحتى احتمال حدوث عواقب عرضية سيئة. إن مؤيد أخلاقيات المسؤولية يدرك هذه المشكلة. ولذلك فهو يسعى إلى التأكد من أن أفعاله لها أفضل العواقب الممكنة، وأنها أقرب ما يمكن إلى ما يريد أن يراه يحدث. ومن ناحية أخرى، للقيام بذلك، يمكنه استخدام الوسائل التي تبتعد عن الغاية المطلوبة. ومع ذلك، فإنه على جانب أخلاقيات القناعة، وليس اخلاقيات المسؤولية، يشخص فيبر الفشل.

فشل أخلاقيات القناعة

إن أخلاقيات القناعة في الواقع تفشل، عند فيبر، في نقطتين، أولهما أنها تفترض أن البشر أفضل من بعضهم البعض. لذلك يدعو فيبر الى مواجهة عيوب البشر. عندما يفشل صاحب هذه الأخلاق فهو يعزو المسؤولية إلى العالم، أو إلى غباء الآخرين، أو إلى إرادة الله الذي جعلهم كما هم.  والحقيقة أن أخلاقيات القناعة توصي بالتصرف وفقاً للمبادئ: فبمجرد أن يتصرف على هذا النحو، فإن مؤيده لن يشعر بالمسؤولية عن العواقب الوخيمة المحتملة. لكن أخلاقيات المسؤولية، على العكس من ذلك، "تتناسب على وجه التحديد مع هذه العيوب المتوسطة لدى البشر"، ومؤيدها "لا يشعر بأنه في وضع يسمح له بلوم الآخرين على عواقب أفعاله، إلى الحد الذي يمكنه توقعها". ".لكن ليس هذا هو الخطر الأكبر لأخلاقيات القناعة، التي تكمن في الإشكالية الثانية التي تطرحها: "تقديس الوسيلة بالغاية".

"تقديس الوسيلة بالغاية"

هنا في الواقع يبدو أن أخلاقيات القناعة "تبدو فاشلة تمامًا": فالشخص الذي ينظم تصرفاته على هذه الأخلاقيات يجب عليه، منطقيًا، أن يمتنع عن كل الوسائل غير الأخلاقية. ومع ذلك، ليس هذا ما يحدث دائمًا: في عالم الواقع، نختبر باستمرار أن مؤيد أخلاقيات الإدانة يتحول فجأة إلى نبي ألفي وأن أولئك الذين بشروا للتو بـ "الحب ضد العنف" يدعون إلى العنف في اللحظة التالية - من أجل العنف النهائي، والذي من شأنه أن ينشئ دولة يتم فيها القضاء على كل أعمال العنف. بمعنى آخر، تفشل أخلاقيات القناعة في مواجهة لاعقلانية العالم، أي عدم تنظيمه وفق نموذج العدالة الذي يرغب فيه صاحبه. وفي مواجهة ذلك، غالبًا ما يتحول إلى مؤيد للعنف المفرط لتحقيق هذه العدالة. يشير فيبر هنا إلى دعاة السلام الثوريين، الذين يريدون إنهاء الحرب من خلال ثورة عنيفة. وهو معادٍ لهذا الخيار، إذ إن أخلاقيات قناعة من يريد رفض الحرب بأي ثمن تصبح، حسب رأيه، قبولاً لكل الوسائل العنيفة لتحقيق الهدف. ومع ذلك، يكن فيبر احترامًا أكبر لمؤيد أخلاقيات الإدانة التي تظل متماسكة تمامًا: وهكذا يمتدح تولستوي، معارض الحرب ومؤيد اللاعنف، لأنه طبق مبادئه بطريقة متماسكة تمامًا، دون أن يقبل أبدًا. أي وسيلة عنيفة. ولكن عندما لا تكون أخلاقيات الإدانة مبنية على مثل هذا المطلب الجذري للاتساق، فإن أخلاقيات الإدانة تظل خطيرة.

خاتمة

ومن خلال التمييز بين أخلاقيات القناعة وأخلاقيات المسؤولية، يساهم فيبر في مناقشة أخلاقية حول العلاقة بين الوسائل المستخدمة والغايات المطلوبة: هل من الممكن التصرف دائمًا بشكل عادل، مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يمكن أن يأتي أي شيء سيئ من العمل الجيد؟ هل ينبغي لنا في بعض الأحيان أن نقوم بأفعال تستحق التوبيخ الأخلاقي عندما تكون العواقب المباشرة جيدة؟

من الواضح أن فيبر يقف إلى جانب أخلاقيات المسؤولية: فالسياسي الحقيقي، في نظره، يعرف كيف يواجه مسؤولياته، حتى وخاصة في عالم غير كامل، في حين أن مؤيد أخلاقيات القناعة، على العكس من ذلك، لا يستطيع أن يتحمل عدم تحمل المسؤولية تجاه اللاعقلانية في العالم. فكيف يمكن التأليف بين السياسة والأخلاق وبين القوة والحق من خلال ايجاد التوازن بين القناعات والمسؤوليات؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.........................

المصدر:

Max Weber, Le Savant et le Politique,1919

عندما نذكر لفظ الإختيار، تتبادر مباشرة إلى الذهن فكرة الحرية والتي تعبر عن إحساس المرء إزاء ما يقوم به من فعل، لكن في الغالب ما نطرح سؤال حدود هذا الفعل الحر أو الإختيار الحر الذي يملكه الفرد إزاء ذاته وإزاء المجتمع الذي ينتمي إليه، لهذا في كثير من الأحايين ما نفكر في ماضينا ونتأمل في حاضرنا من أجل محاولة استشفاف مستقبلنا، وهل فعلاً حينما كنا صغاراً كنا نختار ما نريده أو فُرِضَ علينا الطريق الذي نحن متوقفين عنده نتأمله؟

هل أنا المسؤول عن إختياري فعلاً أم هناك مجتمع إختار لي ما سأفعله مسبقاً ؟ هل كل الأوامر التي تلقيتها حينما كنت صغيراً هي أوامر شقت طريقي أم عرقلت مساري وقوضته؟

كل هذه الأسئلة الساذجة، هي أسئلة تستحق أن تطرح، لا بهدف سبر أغوار الماضي، بل لمساءلته وإعادة التفكير في الحاضر كما هو ماثل أمامنا، وبالتالي مساءلة المجتمع والأسرة والآباء والأمهات وأولياء الأمور وأساتذتنا ... إلى آخره،  بل يجب مساءلة حتى سبب توقفي لهذه اللحظة لأسأل عن اختياراتي هل هي من صنعي أم من فرائض المجتمع عليَّ؟ وهل دراستي للفلسفة هي من أتاحت لي ذلك؟ أم حتى من لا يدرس الفلسفة يطرح مثل هذا السؤال؟

وتبدأ هذه الأسئلة في الإنبثاق من خلال تحديد جملة من الإختيارات التي سبق وأن إخترتها، بدءا من إختياري الدراسي، وإختياري إحترام الوالدين، وإختياري إحترام كل من يكبر عني سنَّا، وتتطور إختياراتنا بتطور ومرور الزمن، كما تتطور بتطور حياة المرء وحسب مدارج الحياة، فتبرز في كل لحظة من لحظات الحياة المريرة إختيارات جديدة كل الجدة: إختيار الإستقلال عن الأسرة، إختيار العمل/ المهنة، إختيار الزواج وتكوين أسرة، إختياراتنا الوطنية والقيمية والإنسانية.

قد نشعر في حقيقة الأمر بضغط الإختيارات وإكراهاتها، كما نقوم بإختياراتنا ونخضع لها بدون مقاومة، إنها خصيصة تنبع من صميم الطبيعة البشرية.

لهذا يجب علينا أداء هذه الإختيارات بصدق، ونية خالصة، أو إرادة خيرة، بل وأحياناً من خلال التضحية من أجل إختياراتنا، مادامت كل إختياراتنا تتأسس، في نهاية المطاف، على ضمير أخلاقي يحركها، هذا الضمير يتعالى على كل الأهواء والغرائز والشهوات والأفعال والانفعالات والنزوات والميولات والممارسات والدوافع الذاتية.

شكلت فلسفة "شوبنهاور" لحظة حاسمة في تأسيس مفهوم الإختيار، حينما اعتبر أن "نَوَاةَ وُجُودِنَا، هِيَ تِلْكَ الَّتِي لاَ تَعْرِفُ فِي قَرَارَاتِهَا غَيْرَ شَيْئَيْنِ: أَنْ تُرِيدَ أَوْ أَلاَّ تُرِيدَ." [1].

في كتابه الشهير "العالم بوصفه إرادة وتمثلاً" الذي نشر لأول مرة سنة 1813م، ينظر فيلسوفنا الألماني أرثور شوبنهاور إلى الإنسان وككل كائن عاقل بوصفه إرادةً أي إختيار في الحياة، فهو المسؤول عن كل إختياراته، وهو الموقف الذي سيتطور مع الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر صاحب "الوجودية نزعة إنسانية" حينا سيرى أن الإنسان مشروط بالحرية، كما مشروط بالوجود، والحياة والإختيارات والعلاقات. ومعنى كل هذا في حقيقة الأمر، أن الإنسان هو من يشكل ذاته بذاته ولذاته ويحقق هويته في ضوء ما يختاره لنفسه، لكونه مشروعاً، إن الإنسان إرادة حرة، يختار ما يريد أو ما لا يريد.

إن هذه الفلسفات، تتفق في تصورها للفعل الإختياري الإرادي، وتدافع على أنه فعل له غاية هي التي تحدد قيمته انطلاقا من الآثار المترتبة عنه.

إن إرجاع الفعل الإختياري إلى المجتمع والمصلحة والفائدة، لهو أمر قد يؤدي إلى هدم الإختيار ما دمنا سنجعله قيمة نسبيةً، ذاتية أو غيرية، وننفي عنه كل طابع كوني ومطلق.

إن الإنسان وككل كائن عاقل، في غير حاجة إلى مصنف في الفلسفة والعلم ليتعلم ما يريد أو ما لا يريد، أو ما يختار أو ما لا يختار، لكونه يصارع بين ضميره والأهواء، وفي الأخير ينبثق المبدأ العقلي للإختيار الذي يتعارض مع كل ميولاته.

الإختيار مرجعه الوحيد والأوحد هو العقل بوصفه ملكة الحكم والإختيار، وغايته إحترام ما أختار، لأن ما أختاره يجب أن ينبع عن الإختيار الخير، أو الإرادة الخيرة، يجب على كل إختياراتنا أن تكون فاضلة.

لا قيمة لإختياراتنا بدون فضائل وبدون إرادة خيرة، وما الذي يجعلها خيرة ؟ تكون خيرة في حالة كان مصدر تشريعها هو العقل والعقل وحده.

لكن كل إختياراتنا تحاول الخروج من قبضة العقل، وتنبثق عن الأهواء وتتمسك بخصوبة الحياة، فكل إختياراتنا هي عبارة عن قدرات فطرية يملكها كل شخص، ولهذا يجب إعادة الاعتبار للميولات الفطرية التي تجثم في كل فرد جثوم العادة.

فالحدس الذي يحمله الفكر تجاه حالاته وانفعالاته، ومن خلاله يدرك ذاته والعالم الخارجي المحيط به، لا يمكن نفيه البتة، لأنه [أي الحدس] يقدر بقدرة قادر على إصدار أحكام معيارية على كل الأفعال الإنسانية.

إن الحدس يفتح أمامنا أبواب الإمكانات للإختيار بين مختلف الأفعال الممكنة، وحتى الغير ممكنة، لهذا يضع الحدس معايير للإختيار، فيصبح بمثابة ملكة المَيْزِ أو الحكم، يحكم بين الخير والشر، بين الفضيلة والرذيلة وبين الممنوع والمباح.

والحدس هنا بمثابة وعي محايث للذات ومعطى طبيعي، إنه إحساس يدفعنا بإتجاه الخير، لكونه غريزي وتلقائي.

والإختيار الخير هو كل إختيار قصدي يحمل في طياته نية صادقة، مصدرها العقل، لكن الكائن البشري، كائن يعيش داخل المجتمع، يتأثر به ويؤثر فيه، وتقوم التربية هنا بدور ترسيخ قيم المجتمع وتشكيل إختيارات الأفراد.

ومهما يبدو من اختلاف في مسألة الإختيار، إلا أن هذه الاختلافات تعبير عن إنسانية الإنسان، وبفضل الاختلافات نتميز عن كل حيوان، وتُدْخِلُنَا الاختلافات إلى عالم القيم والحرية والإرادة.

كما تدمج الاختلافات الأفراد داخل الجماعة وتتيح لهم الاستفادة من خيرها، لهذا من أجل فهم كيفية تشكل ملكة الإختيار لدى الأفراد، لا بد من العودة إلى الشروط التاريخية والسيكولوجية والاجتماعية والثقافية والدينية والفكرية والإيديولوجية والقانونية التي ساهمت في تشكيل اختيارات الأفراد في قمة حياتهم عبر التاريخ البشري، ونحيل هنا إلى هتلر ودعواه في الاعلان لحرب عالمية ثانية، أو حتى إختيار الطالب الصربي إغتيال ولي عهد النمسا والتمهيد لحرب عالمية أولى، أو إختيار أوروبا سياسة الإمبريالية واستعمار دول شمال إفريقيا ...إلى آخره.

هناك صراعات دموية عبر التاريخ البشري من أجل إختيار فرد أو جماعة خياراً على وتفضيله على إختيار آخر، ويجب فهم الأسباب الكامنة وراء كل تلك الاختيارات.

ولا ينسينا هذا كلا من ماركس وإنجلز واهتمامها بمفهوم الصراع الطبقي، في فهم كيفية تشكل الإختيار، وكيف اختارت الطبقة البورجوازية تملك وسائل الإنتاج، وكيف فرض على البروليتاري بيع قوة عمله.

ما يعني أن إختياراتنا هي مجرد نتاج لما يعيشه الإنسان من صراع طبقي قد يدركه الفرد، أو قد يسقط فريسة الإيديولوجيا التي تجعل القيم التي نختارها بمثابة قيم زائفة وآلية من آليات التزييف والتبرير والاندماج.

لهذا نؤكد على أهمية العوامل النفسية اللاشعورية والمرتبطة بالطابوهات التي رسختها الثقافة فينا، ودورها في تشكل إختياراتنا، فالعوامل الثقافية أيضاً تشكل تهديداً للإنسان والمجتمع.

لقد عملت الحضارة الإنسانية على تدجين وتهذيب الإنسان من خلال سيرورتي الجزاء والعقاب، مما أدى إلى ممارسة الرقابة الصارمة على كل إختياراتنا الجنسية، فالجنس لا نختاره كما نريد ومع من نريد بكل حرية !!!

ولهذا ذهبت التيارات الفلسفية المعاصرة، كالوجودية، إلى القول بأن المهم أو ما ينبغي النظر إليه، هو الإنسان كمشروع أو كتجربة شخصية وفردية سيالة، تعيش التوتر والتناقض والصراع والصدام بين ما يجب عليَّ أن أفعل وما يفترضه هذا التوتر من ما نريد أن نختاره نحن نفسنا بأنفسنا ولأنفسنا، وبكل حرية ومسؤولية تجاه الذات والأغيار والمجتمع بشكل عام.

يشكل الإختيار، بوصفه إكراها إجتماعياً، تجاوزاً لكل ما يريده الأفراد، وفي نفس الوقت شرطاً لوجودهم، ومن المفيد التفكير هنا بضرورة خضوع كل كائن حي للموت، فكل نفس ذائقة الموت، لكن الإختيار لا يستقيم إلا في إطار ذات تعي وجودها كما تعي حريتها وإرادتها.

إن المجتمع إذن هو المصدر الوحيد للإختيار، لأنه وبكل بساطة يمارس سلطة على الأفراد تُرَسِّخُ في وجدانهم ما يجب القيام به من إختيارات، ويقتضي هذا التصور التقليص من هامش حرية الأفراد أمام سلطة المجتمع، باعتبارها السلطة الوحيدة المُحَدِّدَةَ لكل إختياراتنا.

غير أنه، في الحقيقة، لابد من الانفتاح على الاختيارات والارادات الكونية التي تتجاوز انغلاق المجتمع لتتجه نحو إختيارات إنسانية شمولية، أي كونية، ذلك أن الاقتصار، على ما يمليه المجتمع المحلي من اختيارات قد يؤدي إلى ممارسة محلية مغلقة تتسم بالصراع والحرب والعنف، في حين أن تركيزنا على القيم الإنسانية والكونية من شأنه أن يساهم في توطيد الأمن والأمان والاستقرار والطمأنينة والسلم بين المجتمعات، ومن هنا ضرورة انفتاح إختياراتنا الاجتماعية النسبية المحلية والخصوصية على إختياراتنا الإنسانية المطلقة والكونية والعمومية.

إن رهاننا الأساسي هو رهان المواطنة العالمية، ورهان القيم الإنسانية الذي هو رهان الكونية، ذلك أن نسبية القيم المجتمعية تطرح تساؤلات حول كيفية تجاوز محدوديتها وجعل المجتمع يفتح آفاقه الواعدة على قيم كونية إنسانية.

والغرض من كل هذا هو تعزيز قيم السلم الكوني والتسامح العالمي والتعايش بين الدول، على الفرد ألا يبقى سجين إختيارات مجتمعه، بل هناك إختيارات أخلاقية تتجاوز المحلي.

إن الإختيار الأخلاقي يفترض الإرادة والاحترام والتقدير. ويحتاج القانون والأخلاق ذاتها إلى أساس قيمي يستمد منه مشروعيته بغرض تخليق الحياة العامة، وترسيخ قيم المواطنة العالمية، هذه الأخيرة التي لا تقوم لها قائمة بدون إختيار عقلاني مسؤول.

ونقول أخيراً، أن أصعب ما في الإختيار هو القيام به، ولهذا يجب عليك أن تَخْتَارَ وَتُنَفِّذْ.

***

محمد فرَّاح – أستاذ فلسفة / المغرب

..............................

Source du dicton :

[1] - Arthur Schopenhauer, Le Monde comme volonté et représentation, traduit en français : Bordeaux, M.  C.  F., Édition 3. Date de publication : 1966, p. 943. (Adapté).

"العصاب القهري إنموذجًا"

هل يستطيع الإنسان أن يتغلب على ماضيه؟ هل يستطيع أي منا أن يكف عن استدعاء أفكاره التي تعكر مزاجه؟ هل نحن أسوياء إلى الحد الأدنى من أن نطرد الفكرة المكروهة – غير المرغوب فيها لكي لا تكبلنا في محتواها الوسواسي؟ هو حديثنا من خلال هذه السطور عن حالة الوساوس – الطقوس الحوازية - الأفعال الحوازية لدى البعض منا. وسؤالنا هل نستطيع أن نناضل ضد أفكارنا إذا ما داهمتنا هذه الأفكار الحوازية وأفعالها المزعجة؟

الحواز Compulsion هو دافع لا يمكن مقاومته مستقل عن إرادة الشخص، أو مضاد له وعندما يكون في حالة عصاب الفعل الحوازي فهو يتسم بدافع لا يستطيع التحكم فيه، أو هو لا يستطيع ذلك تماما، ومعظمنا يعرف بأن هذا الفعل تافه أو غير مقبول وحتى الفكرة التي تسيطر عليه لا يستطيع ابعادها، بل تداهمه في كل لحظة وتقول " هيلين دويتش" أن التغيير في الشخصية يمثل طورًا نموذجيًا في حياة العصابي الحوازي، أنه يمثل تكوينًا للشخصية ينشأ نتيجة ردود الأفعال نحو الدفعات الشرجية – السادية المكبوتة. وتضيف قد يحدث احيانًا أن يتوقف العصاب عند هذا الحد دون الانتقال إلى تكوين الاعراض ويظل الشخص سليمًا. ويحق لنا القول أن تلك الشخصية هي شخصية وسواسية لكنها لم تنحدر بعد نحو الاضطراب العصابي الحوازي، إلا في حالات حينما تشتد الأعراض وتتحول إلى اضطراب عصابي، وفي ذلك يرى " مخيمر" أن الأعصبة تشكيلة تباينات لنمط كيفي واحد قوامه التجنب أو العزل، ويعرض " مخيمر" فكرة هندرسون وبانكيلور " حيث يعرض هندرسون لحالة مريض " بدأت الأعراض لديه في صورة عصاب قلق، ثم تطورت إلى أعراض عصاب قهري، ثم أنتهى به الأمر إلى أعراض البرانويا.

أما " سيجموند فرويد" مؤسس التحليل النفسي يؤكد على أهمية هاتين الوسيلتين الناشئتين عن الكبت وهما إلغاء الفعل الذي حدث والعزل، وتنشأ هاتين الوسيلتين في مرحلة مبكرة جدًا من طفولة الشخص وهي عبارة عن سحر سلبي يحاول باستخدام الرمزية الحركية، أن " يقضي" لا على نتيجة واقعة معينة فقط، أو على خبرة أو إدراك فحسب، وإنما يحاول القضاء على هذه الحوادث ذاتها. ونحن ما زلنا فيما يطرحه فرويد قوله : نحن نشاهد وسيلة إلغاء الفعل في أول الأمر في العصاب القهري في الأعراض التي تظهر على مرحلتين – الأعراض ذات الوجهين – التي يقوم فيها الفعل الثاني بإلغاء الفعل الأول بحيث تصبح النتيجة كأنهما لم يحدثا، بينما هما قد حدثا في الواقع، وهذا الإلغاء هو الدافع الأساس الثاني للطقوس القهرية. أما الدافع الأول فهو عمل الاحتياطات لمنع حدوث حادث معين أو منع تكراره. ثم يبين لنا فرويد قوله: يحاول الشخص العصابي أن يلغي الماضي ذاته، كما يحاول أن يكبته بوسائل حركية، ولعل هذا الغرض بالذات يفسر الإجبار على " التكرار" الذي يشاهد كثيرًا جدًا في العصاب القهري، والذي يقوم بخدمة عدة أغراض متناقضة في وقت واحد، فإذا لم يحدث أي شيء بالطريقة المرغوبة كان من الممكن إلغاءه بتكراره بطريقة مختلفة. ويضيف " صلاح مخيمر" نقلا عن "فرويد": أنه في كل عصاب قهري توجد نواة من هستيريا التبدين. ويرى " مخيمر" في حالة العصاب القهري " أفكار وأفعال قهرية" يتم التجنب بنوع جديد من العزل، فالفكرة الحصارية " المتسلطة القهرية يتم عزلها عن الجهاز الحركي، أي التنفيذ في نفس الوقت الذي يتم عزلها عن شحنتها الانفعالية الدافعة، هذا " قص لريش" الحفزة كما سماها " صلاح مخيمر" يجعلها مجرد فكرة عاجزة ولا سبيل أمامها إلى التنفيذ الفعلي. على هذه الصورة يتحقق العزل والتجنب، وعندما يستفحل الأمر، تظهر الأفعال القهرية، والتي تشكل أساسًا تحويل "عربة التلقائية" إلى قطار يستحيل أن يخرج عن خطه المرسوم سبقًا بالقضبان، مما يعد مزيدًا من ضمانات العزل، والتجنب، وليس العد والتكرار، غير تعبير من الشك، والتردد من ثم مما يعمل في خدمة العزل والتجنب لكل تلقائية، ولكل فعل، مما يحبس الفرد على وجه الجملة داخل نفسه، وبعيدًا عن كل فعل، ويصبح معزول " محبوس داخل نفسه وضمن اطار سابق التحدد" صلاح مخيمر، تناول جديد في تصنيف الأعصبة والعلاجات النفسية، ص 19".

يعلمنا التحليل النفسي بأن القلق هو المادة الخام لكل الإضطرابات العصابية، وإن القلق هو الذي يحدث الكبت – وترى " أنا فرويد" ان الكبت ليس فقط أكثر الميكانيزمات – الحيل الدفاعية فاعلية، بل أيضًا أكثرها خطورة ، ولما كان الكبت يلعب دورًا رئيسًا في تكوين الاضطرابات العصابية استنادًا لرؤية فرويد، فالقلق إشارة تنذر بتوقع حدوث خطر، ويقوم الإنسان أمام الخطر الحقيقي ببعض المحاولات لتجنبه ووقاية نفسه منه، فهو أما يهرب من موقف الخطر، وإما يقوم بالدفاع أو الهجوم، ويؤكد " برج Berg " قوله: القلق هو المادة الخام التي تصنع منها جميع الأعراض العصابية. وعليه فالأفعال والحركات القهرية التي تشاهد في العصاب القهري هي عبارة عن أعراض الغرض منها القيام بدور الوقاية والاحتياط ضد رغبة غريزية غير مرغوب فيها. وللمزيد يمكن الرجوع لكتاب سيجموند فرويد القلق "

يبين لنا فرويد أن العزل خاصية يتميز بها العصاب القهري وهي تحدث أيضًا في المجال الحركي – القيام بالفعل فنرى الشخص إذا ما فعل شيئًا كان له مغزى بالنسبة لعصابه، أو عقب حدوث شيء بغيض غير مرغوب فيه، يمر بفترة من الوقت لا يحب أن يحدث خلالها أي شيء آخر، فهو لا يحب أن يدرك خلالها أي شيء، أو أن يفعل أي شيء وسرعان ما يتضح أن لهذا السلوك الذي يبدو غريبًا جدًا لأول وهلة، علاقة بالكبت. وعلمنا التحليل النفسي بأن العصابي – الشخص الذي يعاني من أعراض نفسية فكثير منهم لايزالون قادرين على الاحتفاظ بمراكزهم في الحياة الواقعية بالرغم من متاعبهم وما ينشأ عنها من فقدان الكفاءة، ويبدو أن هؤلاء العصابيين مستعدون لقبول مساعدتنا، فهو " الشخص العصابي" يطلب العون والمساعدة في التخلص مما يعانيه من وساوس، وحواز لسيطرة أفكار وأفعال على ما يقوم به، وتعرض " أنا فرويد" فكرة مهمة وهي أن وجود الاعراض العصابية في حد ذاته يدل على أن الأنا قد أندحرت، وكل عودة للحفزات المكبوتة تكشف بما يترتب عليها من تكوين مصالح، عن خطة الدفاع قد أخفقت، وعن أن الأنا قد اندحرت، وقول فرويد أننا لا نريد من الشخص الذي يعاني يأتي إلينا أن يكلمنا فقط عما يعرفه وعما يخفي عن الناس الآخرين، بل إننا نريد منه أن يكلمنا أيضًا عما لا يعرف، وبهذا فإن طريقة مساعدته في التخلص من هذه المعاناة هي طريقة التحليل النفسي، فإذا أستطاع أن ينجح في الامتناع عن نقد نفسه لأمكنه أن يمد هذه الأفكار لمن يقوم بمساعدته، أي بكمية من الأفكار والآراء والذكريات الموجودة في اللاشعور – اللاوعي، أو التي تكون في الغالب من مشتقاته المباشرة، ونستطيع بهذه المادة أن نستنتج طبيعة المادة اللاشعورية – اللاواعية المكبوتة في اللاشعور – اللاوعي. وهي في الحقيقة مواجهة النفس بما تحمل مواجهة تصل إلى جهاد النفس ضد ما تخبأه نفس الإنسان، ليست عملية سهلة، أو روتين، عملية عابرة، بل أنها تتناول أعماق النفس ومواجهة من خلق هذه الحالة المزعجة لمعظم الناس الذين يعانون من الحواز – سيطرة أفعال وأفكار وسواسية، فالشخص حينما يريد التخلص من هذه المعاناة ولديه الرغبة الصادقة فلابد أن يتحمل فوق طاقته حتى تتلاشى هذه الاعراض ويبدو عليه الشفاء، وإن كانت سهلة بالحديث والكلام كما تبدو، إلا إنها تحمل صعوبة جدًا ولابد من وجود شخص متخصص في فنيات العلاج بالتحليل النفسي.

***

د. اسعد شريف الامارة

بقلم: رامي جبرائيل

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

يغذي علم النفس، المشبع بالطقوس والرموز، حاجة إنسانية عميقة كانت تغذيها الأساطير في السابق

ليس علم النفس مجرد علم للعقل. إنه شكل من أشكال المعرفة المتشابكة مع فهمنا الأسطوري للأسئلة العميقة حول المعنى. في عصرنا العلماني، لم يعد الكثير من الناس يلجأون إلى الكتب المقدسة لفهم من هم وما هم عليه. في علم النفس، يجد العديدون معنى لحياتهم. بالفعل، القصص التي نرويها لأنفسنا من خلال علم النفس تؤدي العديد من الوظائف نفسها التي كانت تؤديها الممارسات الدينية التقليدية في الأساطير. يقع علم النفس في مكان ما بين العلوم الاجتماعية، والعلوم الطبيعية، والعلوم الإنسانية، ومن الصعب تحديد نوع المعرفة الذي يجب أن يسعى إليه دراسة العقل. يسعى علم النفس للوصول إلى مكانة العلوم الفيزيائية، لكنه يحاول تفسير أكثر بكثير، وينتهي به المطاف بالكشف عن أقل.

اليوم، يرتبط مصطلح "الأساطير" بالأساطير غير المؤكدة. ولكن هذا ليس دقيقاً تماماً. الأساطير هي في الواقع مجموعة من المعتقدات المدعومة بممارسات، أو طقوس، تواسي رغبتنا في التفسير. كما كتب المنظّر الروماني ميرسيا إلياد في عام 1957: "الأسطورة لا تختفي تماماً من العالم الحاضر للنفس ... بل تغير شكلها فقط." وفي عصرنا، يظهر شكلها في علم النفس.

تظل الأساطير مهمة في الثقافة الغربية. خذ مثلاً نموذج البطل، مثل هرقل وأينياس، والثوار المعاصرين والشهداء والديكتاتوريين. تجسد هذه الشخصيات المثالية نماذج للإنجاز البشري. وبالمثل، فإن مفاهيم الخلاص والتقدم والأخلاق تشكل جزءاً أساسياً من مفاهيمنا للواقع، وغالباً ما يتم التواصل عنها من خلال شكل الأساطير. هناك فائض من المنتجات الثقافية التي تؤدي وظيفة الأسطورة، حيث تمنحنا الشخصيات والقصص وسائل لفهم العالم الذي نعيش فيه. من العالم الخيالي الذي ندخله من خلال الروايات، إلى تجربة الرغبة غير الملموسة التي يمثلها الاستهلاك، نعيش في مساحات واسعة من بناء المعنى. من كتب القصص المصورة للبطل الخارق، إلى الغموض الكامن في الفن الحديث، من رؤى العطلات الجنة، إلى ألعاب الكمبيوتر وإعادة أسطرة الذات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، نسعى إلى ارتفاع أعلى يتجاوز العادي والدنيوي. لقد استبدلنا حتى تجربة الطقوس المقدسة المتألقة، ليس بالتضحيات الدموية أو رحلات الرؤية، ولكن في تعاملنا مع الفن، والمخدرات، والسينما، وموسيقى الروك، والحفلات الليلية. وأخيراً، طور الأفراد طرقهم الخاصة لخلق روايات ذاتية تشمل الانتقالات الأسطورية في الحج أو الرحلات الشخصية إلى أراضي أسلافهم. وبالمثل، يسعى البعض إلى مساحات داخلية يمكن فيها تحويل الإيمان والمعنى إلى تجربة.

للاستعداد لاستكشاف الأساطير المعاصرة، يمكننا النظر إلى الحضارات السابقة والنظر في وظيفة القصص التي روتها. قصة الطوفان، على سبيل المثال، تتكرر في المجتمعات الحضرية المبكرة، مشيرة إلى أزمة في العلاقات بين الإنسان والإله وتجربة الإنسان للاعتماد الذاتي التدريجي والانفصال عن الطبيعة. بينما خلال العصر المحوري (800-200 قبل الميلاد)، تطور الإيمان في بيئة من اقتصاديات التجارة المبكرة، حيث نلاحظ اهتماماً بالضمير الفردي والأخلاق والرحمة، وميلاً للنظر إلى الداخل. وفقاً لكارين أرمسترونغ في كتابها "تاريخ موجز للأسطورة" (2005)، تشير هذه الأساطير المحورية إلى أن الناس شعروا أنهم لم يعودوا يشاركون نفس الطبيعة مع الآلهة، وأن الحقيقة العليا أصبحت من المستحيل الوصول إليها. كانت هذه الأساطير استجابة لفقدان المفاهيم السابقة للنظام الاجتماعي، وعلم الكون، والخير البشري، ويمثل طرقاً لتصوير هذه التحولات الاجتماعية في قصص كونية. تماماً كما نعتبر كيف كانت أسطورة الطوفان أو الأساطير الداخلية انعكاسات لكيفية محاولة الناس لفهم عالمهم المتغير بسرعة، يمكن فهم اعتمادنا على علم النفس كنتيجة للتغيرات في أنماط الحياة وممارسات المعرفة في القرنين التاسع عشر والعشرين.

ما الذي يشكل الأسطورة؟ إنها قانون منظم من المعتقدات يفسر حالة العالم. كما أنها تقدم قصة أصلية - مثل قوانين مانو الهندوسية أو قصة الخلق التوراتية - التي تخلق إطاراً لكيفية تجربة العالم. في الواقع، بالنسبة لإلياد، كل الأساطير توفر تفسيراً للعالم من خلال تقديم حساب لما جاءت منه الأشياء. إذا كانت جميع الأساطير هي قصص أصلية بهذا المعنى، فما هي القصص الأصلية التي تقترحها علم النفس؟ تفسر رواياته عنصرين أصليين من الطبيعة البشرية: قصة الشخصنة - أي، ما يعني أن تكون فرداً ولديك هوية - وثانياً، قصة تكويننا الجسدي في الدماغ. الرؤية الإنسانية للفردية، وكرامة الشخص كموضوع سياسي، تعبر عن المفهوم السابق لما يعنيه أن تكون شخصاً. من ناحية أخرى، توفر علوم الأعصاب الأساس الوجودي لماديتنا.

إن علم النفس المعاصر يشكل شكلاً من أشكال الأساطير بقدر ما يشكل محاولة لإشباع حاجتنا إلى الإيمان بالقصص التي توفر إحساساً بالقيمة والدلالة في سياق الحداثة العلمانية. الطرق التي يُستخدم بها علم النفس - على سبيل المثال في التجارب أو أدب المساعدة الذاتية أو اختبارات الشخصية أو مسح الدماغ - تشكل وسائل لتوفير الطقوس اللازمة لتجسيد أساطير الشخصية والمادية.

فحص دقيق لطبيعة الإيمان ضروري لفهم لماذا نحتاج إلى الأسطورة. الإيمان هو نجمنا الهادي. أن تؤمن بشيء ما هو فعل التزام توجهه العواطف وتعززه العادة والتكرار. في عصرنا العلماني، يجب على الفرد أن يتنقل عبر مشهد ضبابي من العلم والخرافات. عندما لا توجد تقاليد مهيمنة وتتوفر العديد من التفسيرات المحتملة، كيف يتجاوز الفرد الشك ويتخذ قراره بالالتزام؟

أفعالنا مدفوعة بمجموعة من المعتقدات، من غير التأملية والغريزية إلى المعتقدات العليا المدروسة التي نصقلها باستمرار. الإيمان مبني حول المشاعر، فهو يخفف من تجربة الشك، الذي يولد مشاعر القلق وانعدام الأمان. هذا يتجلى بوضوح في فعل تعليق الاستنتاج، التوازن الشكي للشك الذي يشرع البحث عن التحقق أو دحض الإيمان. الحالة الذاتية من الارتباك التي تتحدى وتقطع هي مشبعة بالعاطفة حيث أن جوهر العقلانية هو السعي للحصول على مبرر للإيمان. واجب المفكر تجاه الحقيقة وتجنب الخطأ هو نفسه نوع من الدفع العاطفي. من خلال مطالبة بالحل من خلال تأمين تفسير، يعتبر عملية الشك عاملاً ثابتاً ومرشداً للتفكير. كما كتب الفيلسوف الأمريكي جون ديوي في عام 1910: "المشكلة تحدد نهاية الفكر، والنهاية تتحكم في عملية التفكير."

في هذه الحالة، الدقة ليست هدف الإيمان. كما يجادل الفيلسوف الأمريكي وليام جيمس في كتابه "إرادة الإيمان" (1897)، هناك ضعف بشري في ترك الإيمان على عوامل عاطفية مثل "التصور الحي" و"الإعجاب الغريزي". كما تعلمنا من علوم الأعصاب المتعلقة بالقرار، والتسويق، وعلم الاقتصاد السلوكي، فإن اتخاذ القرار نفسه يتأثر بعوامل عاطفية مثل الخوف، والأمل، والتحيز، والتقليد، ناهيك عن الضغوط الاجتماعية. كل من الإيمان التأملي وغير التأملي يخضع للتأثيرات العاطفية.

نحن نعيش في نظام شامل من الرموز، حيث نواجه باستمرار تحديات للعثور على أنماط نؤمن بها.

النهج البراجماتي تجاه الاعتقاد مناسب بشكل خاص للعلوم الإنسانية مثل علم النفس، لأن دراسة طبيعتنا الخاصة – كما أشار فريدريك نيتشه وفيلهلم ديلتاي وميشيل فوكو – ليست مجرد مغامرة غير متحيزة. في المجتمع المعاصر، حيث تكثر الحقائق والخبراء ووفرة المعلومات، يتضح تأكيد جيمس على أنه عندما يصعب اتخاذ قرار بين الخيارات بناءً على أسس فكرية، فإن مشاعرنا هي التي تقرر. الشك هو أساس كل اعتقاد، والاعتقاد بأننا قد توصلنا إلى الحقيقة هو تأكيد عاطفي يعطينا الراحة من خلال التفسير. ما يجعل التفسير مقنعًا هو توافقه مع النظام الاجتماعي الذي نعيش فيه. على سبيل المثال، في المجتمع الهندوسي، هناك علاقة تكاملية بين السمسارا (دورة الحياة) والكارما والطائفة، حيث يُفسر موقع الفرد في المجتمع بناءً على حيواته السابقة. وقد أوضح عمل عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم الرائع حول الأصول الاجتماعية للدين أن المجتمع هو الذي يمنح المعتقدات معناها.

القدرة على الاعتقاد جزء من مجموعة قدرات الرئيسيات على التعاون والالتزام والتخيل وتطوير الحس الجمالي الذي يسمح بالشعور بالرهبة والتجاوز. تعتمد الهياكل التي تشكل عالمنا الاجتماعي المدجن على تبني معتقدات معينة تمكن الفهم الأساسي والطرق العملية. الأساطير هي مجموعة من الرموز التي تشرح العالم من خلال تجارب الناس. نحن نعيش في نظام شامل من الرموز، حيث نتحدى باستمرار للعثور على الأنماط التي نؤمن بها. الرموز المشتركة التي نستخدمها لإنشاء التفسيرات تأتي لتشكل تاريخنا الاجتماعي. مجتمعة، تؤدي هذه العناصر إلى التزامات أيديولوجية. معتقدات الفرد مستمدة من هذا التخيل التعاوني للمجتمع ومشبعة بالاستثمار العاطفي الذاتي.

الإيمان هو الالتزام بمجموعة من الرموز التي تخفف الشك. الإيمان هو الالتزام العاطفي بطريقة معينة لتجربة العالم. أي مجموعة معينة من المعتقدات هي حقيقية لأي شخص يشاركها. وكما قال دوركهايم، لا توجد أديان كاذبة؛ كلها صحيحة بطريقتها الخاصة.

في عصر علماني، لا يمكن تأكيد معتقداتنا حول طبيعة العقل من قبل أي سلطة أعلى من دافعنا العاطفي نحو الإيمان. التجربة القديمة للامتلاك من قبل الآلهة، أو الضرورة الخارقة للطبيعة، تشبه النغمة العاطفية غير العقلانية للإلهام الإبداعي وتشارك بالتأكيد في كيفية تبنينا المعتقدات الميتافيزيقية. تجارب التحول واللحظات الذروة تعتمد على عناصر عاطفية مشابهة. الشعور بالرهبة تجاه العلم والتكنولوجيا في عصرنا يولد اعتقادًا عاطفيًا في علم النفس المعاصر يشبه كيف كان الناس في الماضي يتمسكون بأساطيرهم.

يبقي الدافع العاطفي للتفسير قلق الشك بعيدًا لأن الإيمان يهدف إلى إفادة المؤمن. إنه فعل تعبير واختراع فردي، حيث يكون الخيال ضروريًا لتصور المستقبل. الاعتقاد في الخيالات المؤسسة جيدًا، أو الأوهام الإيجابية، شائع. في الواقع، يتم إنتاج بعض الحقائق من خلال فعل الإيمان، أو جعلها حقيقية، مثل الحكايات الخيالية ونظريات المؤامرة والخدع. المعتقدات حول العقل، سواء كانت مصنوعة في المختبر أو في علم النفس الشعبي، تعتمد على هذه الخيالات الحسنة النية.

كيف أصبح العلم مصدرًا للمعنى والأهمية؟ كان عصر التنوير تحولًا نحو حرية الحكم من خلال تحرير الأفراد من العقيدة. أوجد هذا التحول عالمًا حيث أصبحت المساحة المخصصة للاعتقاد الديني مساحة للرأي والانتماء السياسي والاستهلاكية. أخذ الاعتقاد دورًا تأسيسيًا في تأكيد استقلالية الفرد. كما كتب الفيلسوف الأمريكي روبرت بيبين في عام 1991، أن تكون حديثًا هو أن 'تطالب بالاستقلال... حرية من... التقليد التاريخي والقدرة على التحكم في معتقداتك الخاصة'. بهذه الطريقة، تأخذ الحداثة طاقة الاعتقاد الديني وتنتج بدائل مثل الرياضة الاحترافية، الماركسية-اللينينية، العدالة الاجتماعية وعبادة المشاهير.

في وقت سابق، خفف الإصلاح البروتستانتي الفاصل بين الاعتقاد المسيحي وأساليب المعرفة العلمانية بحيث أصبح الاعتقاد الحديث قبل كل شيء شكلاً من أشكال الاستقلالية. وبالتالي، أصبح البديل الإنساني للإيمان ممكنا.. في الواقع، لا يقبل الإنسانيون المستنيرون بأي هدف يتجاوز ازدهار الإنسان. كان عصر التنوير حاسمًا في هذا الابتكار الحديث لنظام قائم بذاته في الطبيعة، حيث يمكن فهم العالم بمصطلحاته الخاصة دون اللجوء إلى وجود الآلهة. يشير العلمانية إلى هذا التفريغ من الله والمعتقدات الدينية من الفضاء العام، والانخفاض العام في المعتقدات والممارسات الدينية.

ومع ذلك، تتميز الحداثة بتكاثر المعتقدات. أن تؤمن الآن في ديمقراطية ليبرالية رأسمالية يعني أن تلتزم بإحساس استقلاليتك من خلال تشكيل الذات، أي من خلال اتخاذ قرارات واعية بين خيارات المعتقدات. الاعتقاد هو خيار، اختيار بين مجموعة من النظريات أو تفسيرات الواقع. من الشك الجذري  لميشيل دي مونتين إلى منهج الشك لرينيه ديكارت وكتاب سورين كيركيجارد "في كل شيء هناك شك" (1843) ــ الذي يروي قصة طالب فلسفة أخذ الشك إلى مستويات غير مألوفة – نلاحظ الأهمية الكبرى للإيمان في تأسيس المعرفة بشكل مستقل في إطار الحداثة.

على مدى أكثر من 100 عام من البحث، لم يكن لدى علم النفس الكثير ليظهره كما تفعل العلوم الفيزيائية

جادل ماكس فيبر بأن تراجع السحر عن الكون وما تلاه من عصر القلق جزء لا يتجزأ من هذه التغييرات. عنصر أساسي في هذا التصور للعلمانية هو أنه استبدل عالماً مسحوراً حيث لم يكن الاعتقاد في الكائنات المتعالية والقوى الأخلاقية وقوة الطقوس محل شك. في الوقت الحاضر، كما يكتب الفيلسوف تشارلز تايلور في كتابه "عصر علماني" (2007)، "المكان الوحيد للأفكار والمشاعر والدوافع الروحية هو ما نسميه العقول... والعقول محدودة، بحيث تكون هذه الأفكار والمشاعر وما إلى ذلك موجودة 'داخلها'". الآن، عالم علم النفس يجسد المجالات التي كانت مخصصة للأرواح والشياطين والآلهة. ما فقده العالم من تراجع السحر، كسبته العقول في المكانة المعرفية. ليس الأمر أننا لم نعد نؤمن بالتعالي، بل أن الكثير منا يمكنه تخيل تأثير وقوة العمليات المسحورة (وبالتالي المعنى نفسه) تحدث فقط في العقل.

لكن أليس علم النفس مختلفًا عن الأساطير من حيث أنه يمكن دحضه؟ لا شك في ذلك، فمنذ عام 1879، ابتكر علماء النفس طرقًا للتحقيق التجريبي في العقل، بدءًا من الاستبطانية إلى السلوكية، ونمذجة المعرفة، والاتصالية، وأكثر من ذلك. على سبيل المثال، كعالم نفسي معرفي، تدربت على نظرية كيفية عمل العقل واستخدام الأدوات الإحصائية لمتابعة التحقيقات في السلوك. ومع ذلك، فإن مجالنا يواجه حاليًا أزمة بسبب مشاكل التكرار، وصلاحية بيئية، والحدود الثقافية للسكان الموضوعين في التجارب، وبعض الزلات الأخلاقية. بصراحة، لأكثر من 100 عام من البحث، ليس لدينا الكثير لنقدمه كما تفعل العلوم الفيزيائية؛ حتى الآن، علم النفس ليس فعالًا جدًا في تتبع القوانين العامة. كانت نظريات سيغموند فرويد غير قابلة للدحض إلى حد كبير، والوعد بأن العقل هو الدماغ لم يتحقق بعد. قد يكون من الأفضل تصور علم النفس كمجموعة من الأساليب البراغماتية لتطوير الاستعارات المفيدة للعقل والتمسك بالأمل في أننا ببطء نؤمن مجموعة من الارتباطات الموثوقة بين علم التشريح العصبي والوظيفة.

إن تصور علم النفس كأسطورة يمكننا من إدراك أن علم النفس هو تصوير صريح لما نريد فهمه عن الواقع والأشكال البراجماتية التي اتخذتها هذه المعرفة في النهاية. الحاجة العاطفية لامتلاك تفسيرات تستحق الالتزام بالاعتقاد أكبر مما يمكننا معرفته في أي وقت مضى.

أصبح علم النفس يستخدم بلاغة التنوير الشخصي في ممارساته العلاجية وبالتالي يحاول أن يكون وسيلة للخلاص. يتجلى هذا في أدبيات المساعدة الذاتية. اكتسب مجال علم النفس شعبية من خلال الاستفادة من الاستعارات الشائعة التي شكلت الموطن البشري في المشهد الصناعي. على وجه الخصوص، أكد علم النفس على ضغط المجتمع لتحقيق الكفاءة من خلال الهدف والتكامل والإنتاجية. اجتمع الهوية والاستقلالية كخصائص رئيسية للشخصية لتدعيم الرأسمالية من خلال تمديد مفهوم قيمة التبادل على جميع العلاقات والاندماج بسلاسة مع الفتنة التكنولوجية. كانت الأساطير تقليديًا تعبيرًا عن عالم مسحور، والآن علم النفس هو محاولة لملء الفراغ المفكك بوصف غني للداخلية.

تشبع أسطورة علم النفس الاحتياجات العاطفية والمعرفية للاعتقاد. بالنسبة للاعتقاد التأملي، توفر التفسير والطريق إلى الخلاص من خلال المبادئ السببية-التنبؤية وقصص الأصل. بالنسبة للاعتقاد غير التأملي، يتم تنفيذ الأسطورة واحتضانها في مجموعة من الطقوس. على سبيل المثال، يمكن للمرء أن يعتقد أن الشخصية ناجمة عن التوازن الكيميائي (أو عدم التوازن) للناقلات العصبية، ويمكن تنفيذ هذا من خلال طقوس تناول الدواء. معًا، توفر الأسطورة وممارساتها في الطقوس المنصة لإنشاء المعنى من خلال تقديم الالتزامات في فعل الاعتقاد. تقوم بذلك من خلال التعبير عن الاعتقاد وتعزيزه وتدوينه بطريقة تعزز الأخلاق وتشهد على الأنشطة الاجتماعية المشتركة. تعزز الأسطورة الاعتقاد من خلال إحياء مفاهيمنا عن القدر والمصير، وبالتالي توفير الرموز والطرق التعبيرية للتعامل مع مخاطر الحياة. تحتاج الكائنات الباحثة عن المعنى إلى قصص للتعامل مع المجهول وتوفير التوجيه حول من أين جئنا وإلى أين نحن ذاهبون. الأساطير هي ذلك المنتج الثانوي المستمر للإيمان الحي الذي يحفز الإبداع في أعمال التفسير والتخيل. وبالتالي، فإن الأساطير هي حل مبكر للحقائق المأساوية في الحياة التي تتجاوز المعرفة العملية والمنطقية والعلمية.

في حين أن النار مقدسة عند البراهمة، فإن المنهج العلمي مقدس في الحداثة العلمانية

تقدم المخططات الأسطورية - بما في ذلك علم النفس - قصصاً عن أصول الفناء، والجنس، والمجتمع، والقواعد، والعمل. توفر هذه القصص دافعاً لفهم كيفية حدوث الأمور كما هي. يُحافظ على عالمنا المشترك من خلال ممارسة الطقوس والشعائر كما كتب الفيلسوف الفرنسي جورج باتاي، فإن الطقوس تمثل قواعد السلوك في حضور المقدس، وبالتالي تحميه وتعزله عن المدنس في الأساطير والطقوس التي تدعمه، نبحث عن إحساس مفقود بالحميمية مع المصادر المتعالية. من خلال تقديم مبادئ تفسيرية، يُعد علم النفس وسيلة لتمكين البشر من الحفاظ على ممارساتهم المتعلقة بالذات والمادية، بحيث يمكننا مواجهة العالم بثقة أكبر وطاقة كبرى.

تشتق الطبيعة المقدسة لرمز أو قصة قوتها من قوة المجتمع، التي، كما جادل دوركهايم، هي الشرط الأساسي للحضارة. بينما يُعد النار مقدسة بالنسبة للبرهمان، فإن النهج العلمي وفكرة الفرد الليبرالي يُعتبران مقدسين في الحداثة العلمانية. يُنظم هذا الواقع بشكل أخلاقي شامل. يُعرّف المنطق للمجموعة لأن القوة الأخلاقية هي المجتمع نفسه، ذلك النظام من الأفكار الذي يفهم الأفراد من خلاله أنفسهم ووجودهم نسبةً إلى شروط الحضارة التي يتجسد في المجتمع. جادل جيمس بأن المجتمع يدعم التأكيد العاطفي لرغباتنا عندما نتبنى المعتقدات السائدة. في الواقع، كما يشير الأنثروبولوجي ويليام مازاريللا في كتابه" قوة مانا في المجتمع الجماهيري (2017)،إلى  المجتمع هو كل من الخارجي والحميمي. استخدم الأنثروبولوجيون الأوائل مصطلح مانا، المشتق من الروحانية البولينيزية، لتحديد هذه القوة التي تضمن النظام الأخلاقي والرمزي والثقافي. تدير مانا، على شكل قصة أصلنا المتعلقة بالذات والمادية الميتافيزيقية، قلق الشك للحداثيين العلمانيين.

يؤسس علم النفس كأسطورة القصة الأصلية المادية والتاريخية للبشرية في علوم الأعصاب وعلم النفس التجريبي. يُجسد كونية إنسانيات عصر التنوير في طقوس الذات التي يتم تطويرها في علم النفس السريري، والأكثر غموضًا، في علم النفس الشعبي.

في حين أن المنطق والعلم أثبتا كفاءتهما بشكل أكبر في السيطرة على البيئة، فإن جانب الأسطورة الذي يحدد الأخلاقيات تم التقليل من شأنه. الإنسان العصري، كما زعم إلياد، في حالة قلق في وسط طقس ابتدائي للموت. لإيمان بأهمية الهوية والمادية، يجب عليه مواجهة فراغ من اللاشيء الذي سيجعل طقوس الحياة بلا معنى. قد تكون الحقيقة هي أنه لا توجد حقيقة لا يمكن دحضها عن طبيعة الإنسان. يقدم علم النفس كأسطورة في نفس الوقت الكثير والقليل جداً.

(تمت)

***

................................

المؤلف: رامي جبرائيل/ Rami Gabriel: أستاذ مشارك في علم النفس، كلية كولومبيا في شيكاجو. رامي جابرييل هو أستاذ مشارك في علم النفس في كلية كولومبيا في شيكاجو. وهو مؤلف كتاب "علم مشبوه: استخدامات علم النفس" (2023)، و"لماذا أشتري: الذات والذوق والمجتمع الاستهلاكي في أمريكا" (2013)، كما شارك مع ستيفن أسماء في تأليف كتاب "العقل العاطفي: العاطفي". جذور الثقافة والإدراك (2019).

الفلاسفة واللغة

يقول نيتشة رغم مقولته الجدالية الفلسفية الاستفزازية (موت الاله) ان (اللغة من ابداع الله). كما يقول غاديمير (اللغة هي احد الالغاز العظيمة في التاريخ الانساني). ويقول هيدجر(الانسان كائن لغوي وليس كائنا عاقلا). ويقول سيلارز (الوجود لغة). كما يقول فيلسوف اميركي اخر (الله لغة).

اذا اخذنا تفسير عبارة نيتشة اللغة من ابداع الله فلا معنى تسويغي تفسيري في تمرير العبارة سوى استشهادنا بعبارة شيلر قوله ان كل شيء ندركه ميتافيزيقيا كصفات مثالية يخلعها الانسان على معبوده الذي يؤلهه انما نجدها اي تلك الصفات المثالية مجتمعة بالانسان كموجود يلازم الطبيعة يتفاعل معا ويستفيد منها في تخارج انفصالي مستقل عنها.

وهي بطبيعتها الفيزيائية كموجود معطى مخلوق مستقلة انطولوجيا عن الانسان من ناحية التموضع الذاتي فيها او التجانس التكاملي تكوينيا معها.. أنسنة الطبيعة يتمثّل بالاعتياش الاحادي الجانب في علاقة الانسان بالطبيعة فهي الام المرضعة له وهي المصدر في توفير غذائه ومقوّمات حياته.

وقد سبق لفيورباخ الفيلسوف المادي التأملي الصوفي تعبيره أن الانسان بعلاقته مع ذاته ومع موجودات العالم الخارجي والطبيعة هي الاله المتكامل الذي يدركه الانسان بالموجودات التي يحتويها الوجود. الانسان بعد إختراع صناعته لالهه في تأمله الطبيعة وكائناتها وتنوعها البيئي وظواهرها الدائمية منها والمؤقتة وصل لنتيجة ربما لم يكن يدركها لكنه كان يمارسها انه هو إله ذاته كموجود ضمن وجود اكبريحتويه.. بفارق انه يؤمن ايمانا قطعيا انه الاله الانساني في داخله المجتمعة فيه كل الصفات الانسانية وليس الصفات الالهية التي لا يدركها بل تلك التي يرغبها الانسان في معبوده كخصائص نوعية يحاول الاقتداء بها سلوكا موزعا على طقوس دينية يمارسها في محاولته كسب رضى الخالق في تقليده لصفاته التي هي انسانية والتي بدورها تلعب دورا مهما في تهذيب اخلاق العبد في سلوكه المجتمعي. الصفات الالهية هي مفردات يدركها الانسان في ذاته فقط. ولا يدركها بمعبوده لأنه خالق كل شيء المدرك منه وغير المدرك. وادراك الصفات الالهية من قبل الانسان يعني ان الله اصبح موضوعا يدركه العقل بصفاته.

 اما اذا عدنا لتوضيح عبارة غادمير اللغة هي أحد الالغاز العظيمة بالتاريخ. فهي عبارة صحيحة لم تولد من فراغ ولا هي استحدثت نفسها بخصائصها الذاتية التطورية. فاللغة وإن وصفها غادمير انها لغز تاريخي فهي معطى طبيعي اخترعه الانسان كون اللغة تاريخ تطوره انثروبولوجيا عبر العصور الطويلة من عمر البشرية.

وهذا التطور الانثروبواوجي هو الذي اخترع اللغة وليس العكس فالتاريخ كوقائع انثروبولوجية قبلي على اختراع اللغة وتطورها الانثروبولوجي البعدي. الانتقالات التقدمية التاريخية التي قطعتها البشرية هي التي قادت خلفها عبر العصور اللغة في تطوراتها وتنوعاتها واختلافاتها حسب اختلاف وتنوعات الامم والشعوب.

يمكننا القول أن اللغة نتاج تاريخي انثروبولوجي لم يكن للفطرة أي دور في اختراع الانسان لغته. اننا حين نقول الانسان حيوان ناطق ليس فقط انه يمتلك عقلا مفكرا يتحسس اهمية ايجاد وسيلة تواصل مع غيره من بني جنسه. حين قام الانسان البدائي تقليد اصوات الحيوانات لم يكن يدري أن هذه الاصوات غريزية لدى الحيوان وهي محدودة الاستعمالالات الغرضية منها ابرزها تنبيه الحيوانات الاخرى من نوعه لخطر محدق يتهددهم والاصوات الاخرى تمثل الحاجة للجماع الجنسي او توافر طعام يحتاجه الافراد الذين يعيش معهم من نوعه.

عليه ليس من الغريب ان نقول اللغة خاصية بيولوجية حينما اراد الانسان ان تكون اصواته معبّرة عن اشياء أبعد من الحاجات التي تلبيها اصوات الحيوانات نجد وهذا ثابت علميا انه خلال ملايين السنين تطور تركيب حنجرة الانسان ولسانه لاطلاق اصوات ليس فقط لا تشبه اصوات الحيوانات وحاجاتها الغريزية المحدودة بل لخلق وسيلة هي اللغة طابعها ومخترعها الانسان تحاول التقليل من الاشارات واطلاق اصوات تلبي حاجات انسانية كانت تشغل تفكير الانسان بعيدة عن تفكير الحيوان بها. الانسان البدائي لا يصرخ مثل الحيوان حين تستثار عنده الغريزة الجنسية ولا يصرخ حين يجوع بل كان يشغله كيف يستطيع تكوين جماعات من نوعه يتواصلون بالصوت الذي له معنى قصدي.. الانسان كان يشعر بتقلبات الطقس وتغييرات المناخ والبيئة. وكان يعي الزمن بتاثيراته لكنه لا يدركه لا كصفات ولا ماهية وهي نفس النظرة التي يتعامل الانسان بها اليوم وهو في اوج حضارته وتقدمه العلمي.

يحضرني هنا مقولة فيلسوف رائد البنيوية الذي كرّس فلسفته بعد هجومه الكاسح على كتاب راس المال في توجهه دراسة تاريخ الاقوام البدائية التي ليس لها تاريخ. اي الاقوام البدائية التي لم تكن تعرف اللغة بمعناها التدويني لذا بقيت تلك الاقوام بلا موروث يؤرخ لها عاداتها وطبائعها وكيف كانت تعيش. اركيولوجيا التنقيبات الاثارية كانت تعتمد على ما تركته تلك الاقوام من بقايا اواني حجرية ومصنوعات بدائية من الحجر حتى الالواح الطينية لم يكن يعرف الانسان البدائي قيمتها. عصر التدوين كما يؤرخه العلماء الاختصاصيين بدأ تقريبا بين الاعوام 2500- 3000 سنة قبل الميلاد مع ظهور اللغة المكتوبة والمنطوقة عند السومريين في اختراعهم الكتابة المسمارية تلتها بفارق زمني قصير الكتابة الهيروغليفية الفرعونية بمصر وتلتها اللغات الهندية والفارسية والصينية.

ذكر ليفي شتراوس الذي كان هو ايضا يهتم باهمية اللغة بحياة الانسان مثل زملائه فلاسفة البنيوية في مقدمتهم كان دي سوسيرالذي اصدر بيان التحول اللغوي عام 1905 فقد ذهب ومعه فوكو الى مقولة (الانسان هو الانسان منذ العصور الحجرية والجليدية والى يومنا هذا وحاجاته الاساسية بالحياة هي نفسها حاجات اليوم ولم تتغير.). عبارة صحيحة تحقيبا تاريخيا لوجود الانسان لكنها ليست صحيحة في عالم اليوم الذي يتسيده العلم وتنوع الحضارات البشرية.

اللغة لا تصنع التاريخ ولا تصنع الزمن. بل التاريخ يصنع لغته الخاصة به. وبالتحديد الخاصة بتاريخ قوم من الاقوام. اما عن الملازمة الطبيعية التي تجمع انثروبولوجيا التطور التاريخي وتطور اللغة كحروف واصوات لها معنى دال معيّن فهي متلازمة لا انفكاك بينها.

هيدجر والكائن اللغوي

مقولة هيدجر الانسان كائن لغوي وليس كائنا عقليا. مقولة خاطئة من حيث التراتيبية التاريخية الانثروبولوجية- اللغوية. فالانسان كائن عقلي قبل ان يخترع اللغة. ليس بمعيارية تاريخية انثروبولوجية بل بمعيارية انثروبولوجية تطورية للانسان. فالعقل سابق على اختراع الانسان لغته ليس من واقع حقيقة علمية انه جوهر بيولوجي تحتويه الجمجمة(الدماغ) ولا يستطيع الانسان يعيش عالمه وحياته الطبيعية التفكيرية السوّية من دونه. فالعقل بخاصيته الفكرية فهم وجوده وسط عالم وطبيعة تحتويه.

ارى في عبارة سيلارز الوجود لغة هي عبارة تلخيصية اختزالية لجوهر العقل بعلاقته بالوجود. هنا من الخطأ ان نتصور الوجود لغة مثالية غير مادي. سيلارز ينطلق في مقولته الوجود لغة من حقيقة علمية ثابتة اننا لا ندرك عالمنا الخارجي وحتى عالمنا الخيالي من دون التعبير التجريدي في تمثله كل الموجودات والمدركات على انها وعي لغوي مجرّد.

سيلارز في مقولته لم يكن ينتسب الى فلاسفة القرن الثامن عشر هيوم، بيركلي، جون لوك، فهؤلاء رغم نزعتهم التجريبية الا انهم كانوا يعتقدون ان كل شيء ندركه يكون  وجوده بالفكر وليس الواقع. وينكرون هناك عالم مستقل في وجوده المادي لا يدركه العقل. وما لا يدركه العقل حسب زعمهم فهو غير موجود. والحقيقة ان الوجود المادي يسبق تفكير العقل وادراكه لموجوداته. وان العالم الخارجي لا يتوقف وجوده او عدمه في ادراك العقل له من عدمه او على رغائب الانسان وحاجاته. فالوجود عالم من الموجودات المستقلة انطولوجيا عن وجود الانسان.

فلاسفة القرن الثامن عشر هيوم ولوك وبيركلي اعتبروا كل موجود يدركه العقل بالفكر التجريبي موجود بالضرورة الادراكية عقليا. بمعنى تمثّله تجريدا لغويا.

ديكارت قبلهم في القرن السابع عشر كان اشار الى معنى جوهر العقل باعتباره تعبير لغوي وليس الدماغ البيولوجي الذي تكون خصائصه الادراكية عابرة لخاصية التفكير اللغوي المجرد حين يتعلق الامر بحاجات الجسد. وبهذا المعنى فالعقل علاقته بالجسد لا تقل اهمية عن علاقته بموجودات العالم الخارجي. ديكارت لم يكن يجهل ان طبيعة العقل البيولوجية هي خاصية لا يمكننا فصلها عن خاصية العقل جوهر ماهيته التفكيرالمعرفي المجرد.

بمعنى اكثر وضوحا ديكارت حين يقول العقل جوهر خالد خلود النفس ماهيته التفكير لم يكن يلغي ما هو اكثر واقعية علمية من ذلك ان العقل جوهر بيولوجي خاصيته التفكير ايضا.

بضوء هذا المعنى ان العقل جوهر لغوي بيولوجي نستطيع تفسير عبارة فيلسوف امريكي غير سيلارز قوله (الله لغة) بمعنى ان خاصية العقل في عجزه الادراكي للخالق لا ماهية ولا صفات جعلته الضرورة يلتجيء الى ان يجعل تفكيره بمعرفة الله هو ميتافيزيقا لغوية. وهذا التعبير يختلف تماما عن تعبير نيتشة اللغة من ابداع الله. خطأ نيتشة بعبارته هذه انه اعتبر تشييء الله حقيقة ومرجعية ثابته. عليه ليس من خصائص الخالق انه يخترع اللغات بالعالم. اختراع اللغة من عمل الانسان في خاصيته الانثروبولوجية الوجودية تاريخيا. حتى في حال ذهبنا الى ان عبارة نيتشة هي من قبيل المجاز التعبيري على ان اللغة الهام فطري غريزي بالانسان فهي ايضا خاطئة فاللغة ليست خاصية وراثية فطرية بل هي خاصية حياتية انسانية مكتسبة عن العائلة والمدرسة والمجتمع. القاسم المشترك بين العبارتين الوجود لغة وعبارة الله لغة هو الفاعلية المنتجة لتفكير العقل. كتجريد لغوي سواء في معرفة الوجود او محاولة معرفة الخصائص الالهية غير الانسانية.

الفكر والمادة

تفكير العقل صمتا لا يلغي ابجدية اللغة الصورية صوتا ومعنى كما هي في تعبير اللغة الصائتة (الصوتية) عن مدركات العقل من الاشياء والمواضيع في العالم الخارجي.

إذا كان هناك خاصية ينفرد بها الفكر تراسندتاليا (متعاليا) على الواقع فهي أنه يتطور ويتغير أسرع من التغييرات ألحادثة في واقع الحياة المادية وعالم الاشياء من حولنا في الطبيعة، بمعنى الفكر يدرك الموجودات بالوصاية العقلية عليها بما يجعل من هذا الاخير(الواقع بموجوداته) تابعا للفكر الذي يتقدمه في نفس الوقت الذي لا يمكن القفز من فوق حقيقة أن الواقع المادي للاشياء هو مصدر إلهام الفكر وسابق عليه وليس العكس.

فالفكر لا يصدر من فراغ أي بلا موضوع يدركه حسيّا او خياليا سابقا عليه .تبدو مفارقة متناقضة حين نقول الفكر يتقدم الواقع المادي في التقاطع مع/ والخروج على النظرة المادية ونسقط في تعبير مثالي حين نجد الافكار تجر الواقع وراءها على الدوام، في حين الحقيقة أن الواقع في موجوداته المستقلة أنطولوجيا هو محرك الفكر المحايث له ماديا جدليا السابق على الفكرالمنتج لاستثارة ادراكه العقلي.

والأفكار في الوقت الذي تدخل جدليا(تكامليا معرفيا) مع موجودات الاشياء فهي تسابقها من أجل تغييرها وتطويرها بعد معرفتها وإدراكها عقليا، وتتطور هي ذاتيا أيضا بعلاقتها الجدلية مع تلك الموجودات. العلاقة بين المادة والفكر علاقة تكامل معرفي لكليهما في التقدم والتطور.

والافكار التي تحاول تغيير الواقع جدليا متخارجا مع موجوداته تتطور هي الأخرى في جدليتها المتعالقة بها.فوجود الشيء أو الموضوع المستقل ماديا أو خياليا يعالج من قبل الذهن فكريا في العقل البايولوجي قبل الأفصاح عن وجوده المادي في عالم الاشياء بواسطة تعبير اللغة عنه كموجود في العالم الخارجي او موضوعا متخيّلا. الموجود يسبق الفكر لكنه لا يلزم العقل إدراكه.

الموجودات في العالم الخارجي لا قدرة لها الإفصاح عن نفسها دونما الإدراك العقلي لها والتعبير الفكري لغويا عنها. وكذا نفس الحال مع المواضيع المصنّعة خياليا. فنحن نفهم الصمت تفكيرا إستبطانيا داخليا ذاتيا ولا نفهمه تعبيرا لغويا تواصليا صوت ومعنى دلالي. صمت اللغة في ضروب الفنون والادب تواصل إيحائي تكون فيه لغة التعبير في حالة كمون بمعزل عن خاصية ملازمة الصوت للغة.

وهذا يختلف عن صمت الانسان وإمتناعه التعبير عن تفكيره باللغة المكتوبة أو بالكلام في حال إدراكه أن لا فائدة من التعبير اللغوي . وتاكيد ذلك في تعبير لوفيدج فينجشتاين قوله حين نعجز التعبير بوضوح يكون الصمت أجدى.

ليس الواقع الوجودي للاشياء هو الإنعكاس الميكانيكي في تعبير الفكر واللغة عنه، وأنما الموجود بعد إدراكه حسّيا وعقليا يتم تخليقه ثانية بالعقل بما يطلق عليه كانط مقولات العقل. والاشياء التي يعمل العقل على تطويرها ينعكس هذا التطور الواقعي على الافكارالتعبيرية عنها فتتطور هي ايضا. بمعنى أن الواقع الذي يتطور بفاعلية الفكر يقوم هو الآخر بتطوير (ذاته) واقعيا ماديا ليبقى الفكر يتقدم الواقع في تخليقه له على الدوام ولا يتقدم عليه في أسبقية وجوده على الفكر..

***

علي محمد اليوسف

في تشكل الوعي، والأيديولوجيا، والدولة، والملكية الفردية.

تشكل قراءة ماركس اليوم، قراءة ضرورية مُلِحَّةً، لماذا؟ من أجل إعادة فهم نظريته للوعي ومدى علاقتها بالمجتمع، والطبقات الاجتماعية، وكيفية تشكيل الأيديولوجيا للوعي الزائف للأفراد داخل المجتمع، وفهم كل هذا داخل سياق القرن الثامن عشر 18م، الذي حاول ماركس قراءته وفق منهجه التحليلي-التاريخي-الاقتصادي-الاجتماعي، وأكثر من ذلك فهم كيفية انصهارنا داخل النظم الرأسمالية المتوحشة، كل هذا يعيدنا إلى نظرية الدولة والسلطة وفق كل من ماركس وإنجلز، والنقاش أو السجال الحادم الذي دخلا فيه مع هيجل، لننتهي في الأخير إلى تصورهما لحرية الملكية الفردية لوسائل الإنتاج التي تشكل روح النظام الرأسمالي الخبيث.

من هو كارل ماركس؟

كارل ماركس Karl Marx  (1883-1818) : فيلسوف ألماني، وعالم اقتصاد، أو منظر اقتصادي ألماني، بدأ مشواره الفلسفي أو كارل ماركس الشاب بانتقاد وقلب تصور هيجل المثالي، ويعد عمله: "المخطوطات 1844" بمثابة دليل على انتمائه إلى "اليسار الهيجلي"، خاصة أنه كان متأثراً ووفياً لأفكار وتصورات فويرباخ والذي يعد أحد أبرز رواد "الشباب اليساريين الهيجليين"، لكن كارل ماركس سرعان ما سينقلب ويقطع بالمرة مع "اليساريين الهيجليين الشباب"، بل وسيتخلى أو يقطع مع معظم أفكار فويرباخ، خاصة بعد لقائه مع صديقه الذي تحول إلى توأمه الروحي، فريدريك أنجلز، والذي يحتاج بدوره إلى تعريف خاص به، ووقفة عند مجمل أفكاره، لأنه لا يمكن فهم ماركس بدون إنجلز، كما لا يمكن فهم هذا الأخير، بدون أفكار كارل ماركس، إنهما توأمان فلسفيان وفكريان، أي فكرَّا هما معا، بنفس الكيفية، ووفق نفس المنهج والغاية، ولهذا سيؤلف معه عملاً أو أعمالاً مشتركة، لعل أبرزها: "الأيديولوجية الألمانية" 1846م، تمحورت فلسفة كارل ماركس في الحقيقة، حول الديالكتيك (الجدل) والذي استعاره من الفيلسوف الألماني "هيجل"، لكن "كارل ماركس" استعمله كمنهج أو كطريقة عمل من أجل فهم الواقع الحقيقي للأفراد داخل المجتمع، والوعي، والمعرفة، والتاريخ، والإقتصاد، والدين، ... إلى آخره، لكن ذلك بعدما قام بتأسيسه وتأصيله على تصور مادي-جدلي، وذلك من أجل اسقاطه على جميع الميادين، ذلك أن التاريخ البشري تَشْرِطُهُ عوامل مادية صِرفَةٌ ذي طابع إنتاجي، أي اقتصادي-مالي-سياسي-اجتماعي، فالإنسان في حقيقته الثابتة، بغض النظر عن كونه كائنا عاقلا، إلا أنه كائن منتج، أي ينتج عملاً-شغلاً، هذا العمل-الشغل هو الذي ينتج شروطه المادية لواقعه وحياته المعيشة، لكن يعيش هذا الإنسان في كومة من التناقضات الاقتصادية والمالية والسياسية والاجتماعية والدينية والتاريخية، ... إلى آخره، تجعل هذا الإنسان-العامل-المنتج يعيش حالة "استيلاب" و "اغتراب" في ما ينتجه ويعمله من عمل، كل هذه الأفكار الماركسية وأخرى، جعلت من ماركس أفيون المفكرين، وألهمت أفكاره الحركة الشيوعية والثورة الروسية الأولى سنة 1905م، بل حتى الثورة البلشفية لسنة 1917م، ونقول مع كثير من التحوط والتأفف، أن كارل ماركس أصبح ملهم الثورات وأبوها الروحي، فلا نجد ثورة إلا وتحمل في طياتها أبرز أفكاره، لن نطيل الكلام عن حياته، لأننا قد نكتب كتاب دون أن ننتهي منها البتة، أما عن أبرز مؤلفاته نجد: "مساهمة في نقد فلسفة القانون عند هيجل" (1844)، "الأيديولوجية الألمانية" (عمل مشترك مع فريدريك إنجلز 1846)، "رأس المال بجميع أجزائه" (1867-1894 الأجزاء الأخيرة كتبها وعدلها ونقحها ونشرها فريدريك إنجلز)، "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" (1859).

1- نظرية الوعي عند ماركس:

بادئ ذي بدء، يشهد كل مجتمع كيفما كان نوعه علاقات مادية وواقعية وظاهرة بين جميع الأفراد الذين ينتمون إليه، هذه العلاقات المادية بين الأفراد داخل المجتمع سرعان ما تتحول إلى شروط ومحددات وموجهات وقيود تُكَبِّلُ وتَأْسِرُ فِكْرَ الأفراد داخل المجتمع، وبالتالي تحدد وتشرط أيضاً تصورات وتوجهات وآراء وأفكار ونزوات ورغبات وغرائز ومعتقدات وسلوكات وممارسات وتصرفات وأفعال وتخيلات الناس.

ولهذا لا يمكننا إنكار البتة مدى قوة هذه العلاقات الثاوية بين الأفراد، والتي كما قلنا تَشْرِطُهم، بمعنى تَدِلَّةٌ على وجودهم الإجتماعي، ولهذا نلح ونؤكد كثيراً على حياة الناس الحقيقية والواقعية والفعلية والتطبيقية، لأنها سبب كل تلك الآراء السائدة داخل المجتمع، لهذا ننطلق من فرضية أن الوعي لوح مَسْقُولٌ وصفحة بيضاء بلغة جون لوك، وأن واقع حياة الناس المادية هي التي تخطط للوعي ما يجب أن يحيط به ويدركه ويستوعبه.

ولهذا فإن الوعي لا يعي بذاته، إنه يفتقد كل مظاهر الحرية والإستقلال الذاتي، إن الوَعْيَ لا يُفَكِّرُ، أي لا يعي ذاته بذاته، لكونه غير مستقل، بل أثناء سيرورة الإنتاج المادي، ومن خلال العلاقات المادية بين الأفراد داخل المجتمع، يكتسب الوَعْيُ عن طريق الخَارِجِ [المجتمع] وَعْيَهُ وتفْكِيرَهُ واستقلاله وحَقيقَتَهُ وهُوِيَّتَهُ الحقيقية.

"ليس وعي الناس هو الذي يحدد حياتهم الاجتماعية، بل إن الحياة الاجتماعية هي التي تحدد الوعي." [1]

وخلافاً للتصور المثالي الذي يدعي تحديد الوعي من خلال الكوجيطو الديكارتي، أو ما يعرف ب الأنا أفكر، ... إلى آخره، فالوعي الصريح والجلي هو وعي من خلال عملية الإنتاج المادي، أو حتى العلاقات المادية التي تنشأ بين أعضاء المجتمع شرط ضروري في تحديد الوعي، وبمقدورنا التفكير في استكشاف أعماق المحددات-الشروط الاجتماعية السحيقة للفكر.

لا يمكننا إنكار الصلة الوثيقة بين الوعي والوجود الحياتي-الاجتماعي للأفراد، ولهذا قلنا مع ماركس أن الوعي مجرد نتاج للشروط-المحددات الاجتماعية والتاريخية، ومن هنا يصبح للوعي الاجتماعي ذلك البعد الإيديولوجي، خاصة وأن الأيديولوجيا مفهوم أساسي في الفكر الماركسي، ذلك أنها بمثابة الكل المركب من المعارف والأفكار والنظريات والمقاربات والتصورات والآراء والمنظورات والمعتقدات والقيم والمعايير والسنن والأعراف والممارسات والمقترحات والرؤى التي تشكلها وتنشؤها الذات الإنسانية لكن من خلال وعي زائف ومقلوب ومغاير تجهل مكامنه ومضمراته ودوافعه وخباياه الفعلية وقواها المادية التي تحركها. لهذا تعني الأيديولوجيا عند ماركس، وبكل بساطة، الوعي الزائف، والمغلوط، والمقلوب، الوهمي الكاذب لكن عن غير قصد.

ولهذا توجد تمفصلات حقيقية بين مفاهيم الوعي والمجتمع والأيديولوجيا في المتن الماركسي، لهذا على القارئ الراغب في التعرف على هذا المتن، أن يحدد المفاهيم الماركسية أولاً ويدرك تمفصلاتها، كي لا يتوه داخل المتن.

ولهذا لم نعد نتحدث مع ماركس عن الوعي بوصفه مجموع المعتقدات والأحاسيس والدواخل المشتركة بين أعضاء نفس المجتمع ويشكل [أي الوعي] نسقاً محدداً له كيانه الخاص به، لا، مع ماركس، أصبح الوعي أسير وسجين الحياة الاجتماعية للأفراد داخل نفس المجتمع، بل وكما قلنا سابقاً الوعي لا يفكر، الحياة الاجتماعية هي التي تحدد للوعي في ماذا يفكر وكيف يفكر أو تعلمه الحياة الاجتماعية ألا يفكر البتة!

وأطروحة ماركس الأساسية هي أنه لا يمكن تحليل ومناقشة مسألة الوعي لدى الإنسان بغض النظر عن العلاقات المادية الجاثمة في وجودهم الإجتماعي وتجاربهم الاجتماعية.

2- الأيديولوجية وَعْيٌ زَائِفٌ:

تقوم الأيديولوجيا، إذن، بوصفها مظهراً من مظاهر الوعي الزائف، بوظيفة تشويه الحياة الواقعية للأفراد، وإدماج الأفراد داخل هذه الحياة الاجتماعية والعمل على تبديدهم وتذويبهم داخلها، لهذا يعترف ماركس أن الوعي مجرد تشويه لواقع الإنسان.

لهذا اعتبر ماركس أن الطبقة البورجوازية المسيطرة المالكة لوسائل الإنتاج هي التي تحمل شعار الأيديولوجيا، وغرضها منه حماية مصالحها الطبقية وممتلاكاتها. [2]

3- إيديولوجية القرن الثامن عشر 18م:

حاول كارل ماركس من خلال منهجه التحليل التاريخي-الاجتماعي-السياسي أن يكشف عن أيديولوجيا القرن الثامن عشر، والذي شهد عدة ثورات وتحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية وإيديولوجية وفنية وثقافية ودينية وفكرية وفلسفية (عرف القرن 18م بعصر الأنوار والثورات والنقد)، هذه الثورات والتحولات والأوضاع التي عرفتها أوروبا القرن 18م، أدت إلى بروز "الطبقة البورجوازية" المالكة لوسائل الإنتاج، والتي كانت طبقة تجارية واقتصادية ومالية آنذاك، وكل هذا أدى بحسب كارل ماركس، إلى بروز ما يسميها ب"الأشكال المختلفة للارتباط الاجتماعي"، ومن بين هذه الأشكال، "المال الذي أصبح هو الرابطة التي تربط الأفراد بالحياة الإنسانية؛ وتربطه بالمجتمع، بل أيضاً تربط الأفراد بالطبيعة وبالإنسان." ومن هنا استنتج كارل ماركس قائلاً: "ألا يمكن القول: إن المال هو القوة الكيميائية للمجتمع؟" [3]

يشكل المال، إذن، رابطة أساسية من روابط المجتمع، لدرجة قول ماركس: أن المال قوة كيميائية تخترق جسم المجتمع في كليته وتهشم منه!

وسيبدو المال، إذن، هو الوسيلة الضرورية لتحقيق غايات وأهداف وطموحات وأحلام وآمال الأفراد داخل المجتمع، لكن نسي هذا الفرد أن المال مجرد ضرورة أَمْلَهَا عنا الخارج، أي ضرورة خارجية لا ذاتية وداخلية، ضرورة أملها علينا الوجود الاجتماعي، وفرض علينا العمل بها، بل لدرجة تقديسها وعبادتها.

لهذا شكلت فترة القرن الثامن عشر 18م، فترة خطيرة جدا، فترة حرجة، شملت ثورات وتحولات جذرية وانقلابا للأوضاع داخل المجتمع، لهذا اعتبرها كارل ماركس بمثابة فترة التطور الكبير والعميق للعلاقات الاجتماعية داخل طبقات المجتمع، بل شكلت هذه الفترة بروز وتوسع الطبقات الاجتماعية.

ولهذا أصبحنا نتحدث مع ماركس، عن ضرورة الحياة الاجتماعية للأفراد، فمن خلالها، كما توصلنا سابقاً، يتحقق وعيهم، وتبرز هويتهم وحقيقتهم وماهيتهم الاجتماعية.

وخلال نفس الفترة، أي القرن الثامن عشر 18م، ذاب الأفراد داخل المجتمع، وعملوا جاهدا على التأقلم داخله، والذوبان الاجتماعي فيه.

4- انصهار الأفراد داخل المجتمع الرأسمالي المتوحش:

ونتج عن كل هذا، انصهار الأفراد داخل مستنقع المجتمع، ولم نعد نتحدث عن الفرد كذات واعية حرة ومسؤولة ومستقلة، بل أصبحنا نتحدث عن "كائنات اجتماعية" تقدس وتعبد المجتمع، ولا تستطيع التحرر الذهني منه.

"داخل المجتمع، أصبحت فكرة إمكانية وجود إنتاج ملموس وواقعي صادر عن فرد معزول، يعيش خارج المجتمع، فكرةٌ واهيةٌ." [4]

إن المجتمع عبارة عن بنى خاصة تشتغل بكيفية مختلفة عن عناصرها الأولية، وذلك من خلال صهر الأفراد داخله والقضاء على فرديتهم وحريتهم واستقلالهم الذاتي.

وكما لاحظنا فالفرد مفهوم تاريخي تشكل في القرن الثامن عشر 18م، وثم توهيم الأفراد بأن فردانيتهم لا تتحقق إلا داخل المجتمع، لهذا قُضِيَ على الفرد نتيجة تطور الجماعات، واعتبر مجرد فاعل متفرد لكن داخل المجتمع.

أدى كل هذا إلى انصهار الأفراد داخل البنيات الاجتماعية المشكلة له.

5- مفهوم الدولة لدى ماركس وإنجلز:

من هنا يمكننا الانطلاق بكل اطمئنان لمقاربة مفهوم الدولة لدى كارل ماركس، لكن هذه المرة من خلاله توأمه الروحي فريدريك إنجلز، والذي طور ووسع تصور كارل ماركس، واعتبر الدولة نتاجا اجتماعيا، وبالتالي نتاجا للثورات والتحولات والأوضاع الذي شهدتها أوروبا القرن الثامن عشر، في جميع المجالات والميادين، كما أن الدولة هي بمثابة حاضنة وحاملة وحافظة التخبطات والنواقض أو التناقضات التي تهشم جسد المجتمع، ولا تنفك حتى تقضي عليه، ذلك أن المجتمع كما أشرنا سلفا، منقسم إلى تعارضات وطبقات اجتماعية، أي هناك فئوية داخل نفس المجتمع، هناك انتماءات طبقية داخل نفس المجتمع، تعود إلى المستوى الاقتصادي والمالي للأفراد، لهذا بحسب ماركس دائما، المجتمع الرأسمالي المتوحش ينقسم إلى طبقتين متواجهتين-متناقضتين-متعارضتين، هناك الطبقة البورجوازية المالكة لوسائل الإنتاج، وهناك الطبقة البروليتاريا البائعة لقوى عملها.

لهذا لا يمكننا البتة المصالحة أو التوفيق بين هاتين الطبقتين، كما أن المجتمع لا يستطيع احتوائهما معا واستيعابهما معا، أي في وحدة كلية، بل لا بد من الصراع الطبقي الذي يفيد المواجهات الدائمة التي تحدث بين طبقة العمال والطبقة البورجوازية المحتكرة لوسائل الإنتاج، ولكي لا يتفاقم هذا الصراع بين هذين الطرفين المتناقضين، خاصة الطبقة البورجوازية المالكة لوسائل الإنتاج والتي تخاف على نفسها وممتلكاتها، وتهاب تبدد المجتمع من خلال صراع عقيم بين الطرفين، فإنها تختلق سلطة عليها وعلى الطبقة البروليتاريا، هذه السلطة تدعي أنها مستقلة، أو فوق كلتا الطبقتين، بل وتقول أنها صنعت من أجل تقليل حدة الصراعات الطبقية، هذه السلطة هي الدولة، بالنسبة لماركس وصديقه إنجلز دائما.

إن نشأة الدولة، نشأة متولدة عن خوف الطبقة البورجوازية، من مصالحها الاقتصادية والمالية، وخوفها من التعارض القائم بينها وبين الطبقة البروليتاريا، إنها أي الدولة وليدة الصراع الطبقي.

لكن الدولة تخدم، حسب كل من ماركس وإنجلز، الطبقة البورجوازية، والتي كما نعلم جميعاً، طبقة قوية سائدة ومسيطرة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً ...إلى آخره، كما تفعل ما في جهدها من وسائل لاستغلال الطبقة البروليتاريا خاصة من الناحية القانونية والتشريعية.

"أصبحت الدولة ضرورية في مرحلة معينة من التطور الاقتصادي الذي كان مرتبطاً، ضرورة، بانقسام المجتمع إلى طبقات." [5].

بقي فريدريك إنجلز وفياً للتصور الذي دشنه بمعية كارل ماركس، وعمل على تطويره، من خلاله دعوته المستديمة إلى إعادة النظر في بنى المجتمع، وذلك بإعادة تنظيمه من جديد، أي إعادة موضعة تنظيم الإنتاج الاقتصادي على أساس المشاركة الحرة لجميع الأفراد داخل المجتمع، والتقسيم العادل والمتساوي للثروات بين المنتجين.

كل هذا يساهم بشكل إيجابي من أجل تقويض وتقييد وحدة ماكينة الدولة وسلطتها القاهرة على الأفراد، من هنا يدشن فريدريك إنجلز بمعية ماركس التيار الداعي إلى نهاية وموت الدولة والتخلص منها لأنها مجرد أداة ووسيلة تجسد الصراع الطبقي وتحاول تقويضه والتخلص منه، اللهم نستبقها نحن الأفراد ونطبق مكرها وخداعها من أجل التخلص منها.

لهذا كان طموح كل من ماركس وإنجلز هو اعتبار الدولة مجرد حكم يخدم مصلحة الطبقة البورجوازية المالكة لوسائل الإنتاج، كما أن غاية الدولة هو تبديد القائم والظفر بسلطة أبدية ومطلقة.

6- ماركس وإنجلز مناقشان لهيجل:

نعلم جميعاً أن ماركس وإنجلز ينتقدان من خلال المنهج التحليلي التاريخي-الاجتماعي-السياسي ويدحضان بشدة تصور هيجل ونظريته في الدولة والتي عرضها في كتابه "مبادئ فلسفة الحق" (1821)، وهو بحث فلسفي متكامل حول دولة عقلية، باعتبارها تجسد الفكرة الأخلاقية الموضوعية أو المبدأ الروحي الذي يتحقق في العالم الموضوعي والاجتماعي في صيغة: العائلة والمجتمع والدولة.

إن الدولة -حسب هيجل- هي المجال الذي تصبح فيه الحرية الفردية حرية عمومية وكونية، إنها غاية في ذاتها لأنها نظام وفكرة عقلية متجسدة في التاريخ.

لهذا صدرت طروحات ماركس وإنجلز عن خلفية ومرجعية مادية تاريخية، وتسعى إلى هدم طروحة هيجل المثالية التي ترى الدولة فكرة مثالية مجردة مجسدة للتاريخ.

وتكمن قيمة كل من ماركس وإنجلز في كونهما يتناولان فكرة الدولة بمنظار التحليل التاريخي المادي، لكن حدود فكرة كل من ماركس وإنجلز هو نسيانهما أن الدولة حالياً واقع قائم متأصل في الوجود الإنساني، وأنها زوالها مجرد وهم وتوهم وهذيان وبهتان، لكن لا أحد ينكر أن الدولة واقعة تاريخية بل وضرورة لا يمكن مجاوزتها أو حتى التفكير في ذلك حالياً.

ولا يمكن إنكار حدة التناقضات الاجتماعية المتواجدة داخل الدولة، وتعمل هذه الأخيرة ما أمكن على احتوائها واستيعابها.

7- ماركس ومسألة حرية الملكية الفردية:

ولكي لا ننسى مسألة في غاية الأهمية بالنسبة لكارل ماركس، فهو من خلال منهجه التحليلي النقدي الاقتصادي-الاجتماعي-السياسي، عمل على استقراء التاريخ واستنطاقه ما يخفيه فيما يتعلق بمفهوم الحرية وكيفية تشكلها داخل المجتمعات الغربية، خاصة في العصور الحديثة والأنوارية، ونقصد هنا القرن 18م، والتي يرى ماركس أنها مجرد حرية وهمية، خاصة وأنها تدافع عن حرية الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، والتي كما نعرف جميعاً أن الطبقة البورجوازية وحدها من تمتلك وسائل الإنتاج وبالتالي فهي من تفكر بمنطق حماية وضمان وسائل الإنتاج، وهي صاحبة فكرة "حرية الملكية الفردية" لأنها تخدم مصالحها وفصلت على مقاسها، لهذا يعترف ماركس أن ما نطلق عليه بالحريات الفردية والحقوق الفردية أو حتى حقوق الإنسان هي حقوق وهمية وضعت لتخدم مصلحة الطبقة البورجوازية وبالتالي فهي ليست حقوقاً كونية كما يدعون، إنها حقوق عينية تتعلق بأفراد وطبقة معينة.

لهذا يتساءل ماركس وبسخرية في أين تكمن حقوق الإنسان في حرية الملكية الفردية؟ خاصة المادة 16 من دستور 1839م الألماني، والذي ينص على الحق في حرية الملكية الفردية، يعلق ماركس ساخراً من هذه المادة القانونية البورجوازية:

"إن حق الإنسان في الملكية الفردية [لوسائل الإنتاج] معناه إذن الحق في التمتع والتملك للثروة بواسطة الإرادة الحرة، بدون العودة إلى الناس الآخرين وباستقلال عن المجتمع: إنه الحق في الأنانية. فهذه الحرية الفردية وكذا تطبيقها هي أساس المجتمع البورجوازي ..." [6]

إن كل حديث عن الحق في حرية الملكية الفردية لوسائل الإنتاج هو حديث وتشريع للحق في أن يكون المرء أنانيا، ويفكر في مصالحه الشخصية والذاتية والفردية بغض النظر عن الأفراد الآخرين-الأغيار، بل وباستقلال عن المجتمع الذي ينتمي إليه، إنه حق أناني في التمتع بالأموال وتملك الثروات وتكديسها تحت غطاء الإرادة الحرة، هذه ليست إرادة حرة بل استغلالا حرا للآخرين، ولهذا يصبح الحق الإنساني حقا يضمن حرية الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، ومن خلال هذا الحق نكون قد أقمنا تمييزاً شارخاً بين البورجوازي المالك لوسائل الإنتاج والبروليتاري المالك لقوى العمل، وهذا تدليل على أنانية الطبقة البورجوازية وتفكيرها في نفسها وفقط وضمان حقوقها الشخصية من خلال سن مجموعة من النصوص القانونية والتشريعية والإعلانات والمعاهدات والبروتوكولات، وتريد تطبيقها على كل كائن بشري يهدد مصالحها الخاصة ولذاتها المتميزة عن الجماعة.

وسيغالي كل من ماركس وإنجلز في مسألة الحق في الملكية أو الحرية الفردية لوسائل الإنتاج وردها إلى التشريع الأخلاقي الكانطي أو القانون الأخلاقي الكانطي الذي يقول : "يجب عليك ألا تكذب" و "يجب عليك ألا تسرق"، وما هذا النظام الأخلاقي الدوغمائي إلا انعكاس لهذه الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، ويريد هذا القانون الأخلاقي أن يكون بمثابة قانون خالد ونهائي وثابت ومطلق وكوني، يدعي أنه يُجَاوِزُ التاريخ ويشرع للمستقبل، ويعلوا على مختلف الأفراد، في حين أنه يخدم مصالح فئوية.

"فبما أن المجتمع تطور عبر [مر] الزمن من خلال تناقضات طبقية لحد الآن، فقد كانت الأخلاق على الدوام أخلاقاً طبقية، أو أنها عملت على تبرير الهيمنة ومصالح الطبقة المُسَيْطِرَةِ، أو أنها كانت تمثل مصالح الطبقة المُضْطَهَدَةُ الصَّاعِدَةُ وثورتها ضد تلك الهيمنة. وهكذا يظهر أن الأخلاق بدورها تخضع بدون شك لفكرة التقدُّم، مثلها في ذلك مثل سائر المعارف البشرية." [7].

ومن هنا نستنتج مع إنجلز أن حرية الملكية الفردية لوسائل الإنتاج أنتجت لنا مجتمعاً طبقياً متناقضاً ومتصارعاً إلى الآن، والذي أدى بالضرورة إلى أخلاق طبقية متناقضةً ومتصارعةً ومتغيرة إلى الآن بتغير المصالح الفردية، ولا حل لهذا سوى ثورة الطبقة المُضْطَهَدَةُ على الطبقة المُضْطَهِدَةِ، لأن الأخلاق كالتاريخ تصدق عليها فكرة التاريخ كما تصدق على سائر المعارف والعلوم والفنون البشرية، ويمكن أن تتغير بتغير البنى الاجتماعية.

إن العلاقة بين الحرية والضرورة علاقة جدلية بإمتياز في الفكر الماركسي، إذ لا يمكن الحديث عن الحرية إلا حينما ينتهي العمل الذي تفرضه الحاجة والضرورة الخارجية، كما يفرضه الإنتاج المادي ذاته، وهنا يبدأ الصراع بين الحرية ومضاداتها ليس فقط على مستوى السلوكات والتصرفات والأفعال والانفعالات والنزوات والميولات والممارسات والدوافع، بل أيضاً على مستوى الأفكار والعواطف، إن الحرية تناقض العمل ولا يمكن الجمع بين نقيضين من المفروض -بلغة أهل المنطق- ألا يجتمعا معاً وألا يرتفعا معاً.

ولكي لا ننسى أن مملكة الحرية لا توجد باستقلال تام عن قوانين الطبيعة.

لهذا دعى ديكارت إلى معرفة قوانين الطبيعة قصد التحكم فيها وتسخيرها من أجل غاية حفظ الصحة.

كما أن حرية الإرادة الإنسانية تدل على أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي هبته الطبيعة ملكة اتخاذ القرار، لهذا يجب استخدام هذه الملكة على أحسن وجه من أجل معرفة علل جميع الأشياء بغرض التحكم فيها وتسخيرها من أجل غايات محددة.

لكن هذا لا ينسينا الارتياب والشك الذي يحيط ملكة اتخاذ القرار حينما يكون المرء جاهلاً، مما يؤدي به إلى الخضوع لأي موضوع يأتي في طريقه، أو يختار بشكل اعتباطي بين العديد من الامكانات المتعارضة والمتناقضة مما يوقعه ضحية الاعتقاد بأنه يسلك طريقاً صائباً.

وخاتمتنا لماركس وصديقه إنجلز، أنهما أيقظانا اليوم من سباتنا الدوغمائي، خاصة عندما عرفانا على أن الأيديولوجيا ما هي سوى شكل من أشكال الوعي الزائف، تعمل من خلالها الطبقة المسيطرة على إدماجنا داخل المجتمع، وأن الفرد مفهوم تاريخي، وفردانيته لا تتحقق إلا داخل المجتمع، وأن الحرية الفردية لوسائل الإنتاج أكبر وهم يعيشه الأفراد لأنها تخلق لهم نظاما أخلاقيا على مقاس نظامنا الطبقي، مما يعني أن الأخلاق والقيم أصبحا نسبيين، أي يتغيران بتغير المصالح الاجتماعية، وكل هذا يحتاج إعادة نظر عميقة من البداية!

***

محمد فرَّاح – أستاذ فلسفة / الرباط

.........................

Bibliographie:

[1] - Karl Marx, L'idéologie allemande, édition. Sociales, Paris, 1982, p. 7.

[2]- ينصح بالعودة إلى كتاب "مفهوم الأدلوجة" للمفكر المغربي عبد الله العروي، الصادر عن دار: المركز الثقافي العربي، المغرب 1980، ص: 40 وما بعدها، نظراً لأهمية هذا المرجع في التأريخ لمفهوم الأيديولوجيا، واعتبر في كتابه هذا أن كارل ماركس، وفريدريك نيتشه، وفرويد فلاسفة ومؤسسي مذهب الأيديولوجيا بإمتياز.

[3] - Voir : Karl Marx, Manuscrits de 1844, Presses Universitaires de France, 1972, p.

[4] - Karl Marx, Introduction générale à la critique de l'économie politique, 1857, Première partie, Gallimard 1965, p. 236

[5]  - Friedrich Engels, L'origine de la famille, traduction française. J. Stern, édition. Sociales, Paris, 1983, p. 286.

[6]  - Karl Marx, La question juive, Traduction française. M. Simon, Édition. Bilingue Aubier, p. 107-108.

[7]  - Friedrich Engels, Anti-Dühring, édition. Sociales, 1973, p. 124.

 

سيرا على العادة نتاج المصادرة التغلبية الاحادية الارضوية، فان العقل البشري هو "واحد"، اخر اشكاله وتجليه الاكثر سطوعا مايسمى بالعقل "العقلاني" و "العلمي"، النافي للحيز الماورائي الميتافيزيقي، لاباعتباره منفصلا عن الاول بل بماهو حالة عقلية لعقل واحد مكتوب له المرور بمحطات ومراحل، راها هيغل متسلسه في ثلاث كبرى متتالية (اسطورية/ دينيه/ فلسفية) ومثلما هو الحال اجمالا، فان الكائن البشري هو "واحد"، العقل احد اجزائة، ان لم يكن بموضع العضو من بين اعضائه، هذا على مستوى التبلور الادراكي، عدا عن الرؤية المباشرة اليومياتيه.

ولاشك اننا نجازف هنا بالتعرض لمسالة لاشبيه لها ولاسابق، متحسبين لمايترتب على انقلابيتها المفهومية المتاخرة كثيرا، بعد رسوخ نمطية التفكيرالاوربية الحداثوية المتسيده اليوم، ووقتها كان من المستحيل التلبث امام احتمالية ان يكون العقل عقلان، ومسارات الرؤية والادراكية للوجود والعالم رؤيتان مستقلتان داخل العقل نفسه بناء للخلفية النوعية المنطلق، الامر الذي يجد تفسيره ومحفزاته "الواقعية" في المصدرين والخلفيتين الواقعيتين بصيغتهما الاكمل والاعلى المتباينتين المغيبتين، كل بحسب منطلقه الوجودي النوعي، هما مجتمعيتي: الارضوية الاعلى الاوربية، تقابلها اللاارضويه السومرية مابين النهرينيه، بمعنى الاقرار ب"الازدواج" المجتمعي كما الذاتي البشري، كشرط مخالف كليا للاحادية كما هي شائعه ومعتمدة، وهكذا نكون امام انقلاب يصل من حيث دلالته وحضورة مستوى النوع البدئي التاريخي، بما يبيح القول بان تاريخ البشرية ومجتمعاتها وجد محكوما لبدئيتين اولى احادية ناقصة هي حصيلة انتكاس نموذجيتها الاولى حالة مصر ووادي النيل، تظل مستمرة وغالبةعلى مدى الطور اليدوي المديد، قبل ان تحل البدئية الفعلية المجتمعية الاخرى المغيبه واقعا وادراكا.

ولايحدث الانتقال الى الادراكية الازدواجيه بداهة وفورا، من دون تمخضات ضرورية يتعاظم تحت وطاتها ثقل الاحادية بقوة فعالية وتحفيز الانقلابية الالية، بما يتيح تكريس وتوطيد موقع الاحادية والمصادرة التاريخيه المعتادة الى الحد الاقصى، مولدا شروطا تتعداه وتذهب الى توفير الاسباب لانطلاق الادراكية الاخرى المؤجله، ما يجعل من الانقلابية الالية فعلا ابعد من نطاق الاحادية نحو مابعدها ومايقابلها، خارج التبسيطية الايهاميه التي تشيعها مع ما يتسنى لها من الظروف الالية المنطلق المؤاتية ساعتها، تلك التي تعزز موقعها ودرجه فعاليتها على مستوى المعمورة ابتداء، الى ان يحضر اخيرا الانتقال الضروري الاعلى المقابلز وبعد الوثبة الثانيه الحداثية الغربية الارضوية اللاحقة على الاغريقية اليونانيه، ومايتنامى بمقابلها من اسباب الانبعاثية الثانيه اللاارضوية المحجوبة، مكملة الانطلاقة الابراهيمة النبوية الحدسية الاولى، لنصبح على مشارف الازدواج الاصل مع حكم آلياته التي تضع اللاارضوية، على عكس مايظن ويتصور توهما، بموقع الصدارة كحقيقة وكموئل تحولية كبرىشامل، هي الغرض الاعلى الذي تنطوي عليه المجتمعية منذ ان وجدت وصارت واقعا معاشا، ووقتها يتعدل المنظور الاعقالي البشري الاحادي، وتتراجع القصورية الاعقالية الملازمه للعقل من بدايات التبلور المجتمعي.

فالالة توفر اشتراطات الانقلابيه المزدوجه عكس ماتقوله الاحادية، وهو الجانب الاهم والاخطرالذي يستمر غائبا عن رؤية الاحادية الحداثية اليوم كما في الماضي، فلا ترى كما ينبغي احتمالية التقابلية، (ابراهيم، مقابل ارسطو)، بما هما منظوران رئيسيان لاارضوي شرق متوسطي نتاج الاصطراعية المجتمعية الارضوية اللاارضوية، سماوي مقرون بالعبقرية الحدسية النبوية، وفلسفي هو حصيلة الاصطراعية الطبقية الاوربية، حيث الاليات الاعلى ضمن نمطية الارضوية على مستوى المعمورة، ولاعلاقة من حيث التشكل واشتراطات التبلور النشوئي بين المظهرين والتعبيرين، بينما يظل يحكمهما كل من جهته وعالمه، مؤثر وفعالية اليدوية الانتاجوية ابتداء، ثم الالية المتاخرة، فيحدث وقتها الذهاب الى الطور الثاني من التعبيرية اوربيا اولا، وشرق متوسطيا رافدينيا لاحقا.

لا يسير الوعي البشري من الاسطورة الى الدين الى الفلسفة، بل يسير واقعا في عالم اللاارضوية من الاسطورة الى الصيغة الدينيه التوحيدية الاكمل الابراهيمية الحدسية، بانتظار الصيغه الثانيه العليا اللاارضوية العليّة السببيه كطور نهائي، وهو مايوافق وينجم عن اثر وفعل الاله المتاخر، ومايتبع ويلحق بانتقالية اوربا الطبقية الى الدورة الثانيه من الادراكية هناك فلسفيا علمويا عقلانيا طاغيا، لاقترانه باسباب القوة والهيمنه الاكراهية، في الوقت الذي يتعاظم فيه النفي الالغائي للمنظور الكوني اللاارضوي الاصل، والمنطوي على الحقيقة الكبرى المجتمعية الموافقه للغرض الكامن في الظاهرة المجتمعية.

يبدا العقل البشري لا ارضوي مرهونا لاشتراطات بيئية طبيعية استثنائية، اقصى مايتوفر له من ممكنات هي التعبيرية الاولى الحدسية العبقرية النبوية، وقت لاتكون كافة الاسباب الضرورية للتحقق والانتقال، وبالاخص المادية منها حاضرة كي يتم الانتقال من الجسدية الى العقلية ماينجم عنه انتكاس ارضوي طويل، من ابرز مظاهره الطرد الكلي للتعبيرية اللاارضوية خارج النمطية المجتمعية قصورا وعجزا ادراكيا، بما يزيل من الحسبان اي اعتقاد بخصوص احتمالات، لابل موجبات التطور التعبيري على الطرف اللاارضوي نتاج الاشتراطات البيئية المعاكسة، التي تضع الكائن البشري على حافة الفناء بمقدمها النهران المدمران العاتيان المخالفان للدورة الزراعية مع انفتاح الحدود شرقا وغربا وشمالا على الانصبابات البشرية باتجاه ارض الخصب من الصحاري والجبال الجرداء، بخلاف حالة مصر تماما، وبالذات احتمالية الانتقال من شروط اللاتحقق البدائية الاولى، الى توفر اسباب الانتقالية التحولية مع الاله وتحولاتها التي تبدأ اولا بالمصنعية، قبل الذهاب الى التكنولوجية العليا العقلية، المتطابقة فعالية مع اللاارضوية، بينما تخرج الاارضوية الطبقية الاوربية وقتها من مجال التفاعلية الاليه التي بدات بين ظهرانيها.

ينتقل العقل اللاارضوي وقتها من التعبيرية الحدسية النبوية الى العليّة السببية، (الابراهيميه الثانيه التحققية العليا)، وقد اكتملت ساعتها عناصر الرؤية الكونية الضرورية المطابقة لاشتراطات التحولية التاريخيه كما مقررة حتما للظاهرة والوجود البشري المجتمعي منذ الابتداء.

ومع الانتكاس الطويل اليدوي الاول، واليدوي الالي التوهمي الاخير، فان العقل الارضوي يجد موضعا هو الاعلى آليات اصطراعية، وان تكن "طبقية" دون "مجتمعية"/ الاصطراعيه/، مركزها اوربا التي تعود مع انقضاء الطور اليدوي لتصبح لعلو الديناميات والاليات منطلق وبوابة الانتقال الجديد الفاصل، ما يمنحها، وان مؤقتا موقعا مضافا لتاريخها الانتكاسي القصوري الاول، حين كانت بمثابة مركز التاريخ المجتمعي، ومنطقة تحققه التاريخي الابتدائي الانتهائي، توهما وقصورا ادراكيا.

***

عبد الاميرالركابي


عقلان بشريان"الارضي" و"المعجز"(2/2)

عبد الاميرالركابي

يبدأ الاعقال البشري الوجودي، لاارضوي، وجهته ومقاصده لاارضوية كونية سماوية محكومة لشروط الابتداء غير القابل للتحقق، يمنعه من ذلك عاملان، القصورية العقلية، وافتقاد الوسيلة المادية الضرورية، ففي المنطلق وعند بداية التبلور المجتمعي بصيغته الاستثناء اللاارضوية السومرية الرافدينيه، يكون العقل مازال وقتها مرتهنا ادراكا لممكنات الوثبة الاولى بعد الانتصاب على قائمتين واستعمال اليدين، الانقلابيه النوعية الافتتاح بعد مليارات السنين من الغلبة الكاسحة شبه المطلقة الحيوانيه، قبل ان تتسنى الشروط الضرورية لمغادرة الهيمنه الجسدية في انتقالة اولى، يصير معها العقل حاضرا ليدخل طورا اخر من اطوار تصيره وارتقائه الذي هو الجوهر ضمن عملية الارتقاء الناظمه للوجود الحي، على عكس تصورات النشوئية الارتقائية الارضية الدارونيه التي تجعل الانسان متحققا مكتملابصورة نهائية، لحظة انبلاج وحضور العقل الاول بعد طول رضوخه المديد.

ومن يومه تبدا عملية التصير والارتقاء الثانيه بعد الاولى حصيلة وحدة وتفاعلية البيئة/ الكائن الحي وتحولاته، ذهابا الى الصيغة "المجتمعية"، المحطة الاخيرة المفضية الى مابعد جسدية، وقت ينتهي دور ولزوم الجسد، ويصير ممكنا تجاوزه وتحرر العقل واستقلاله عنه، قبل انتقاله الى عالمه ومملكته الكونية الاخرى، مابعد الارضوية المؤقته الانتقالية. هذا المسار نحو ( الانسان/ العقل)، محل ( الانسايوان العقل/ جسد)، ذلك الذي يصير قائما مع الوثبة العقلية الاولى، غير المهياة، ولا القادرة على ادراك المنطوى التصيري المجتمعي وحقيقته، وما هو ذاهب اليه، فتظل القصورية لهذه الجهه تنتظر التفاعلية المجتمعية على مدى الطور اليدوي من تاريخ المجتمعية، بينما تستمر الرؤية الارضوية الحاجاتية وقتها هي الغالبة المتسيدة لدرجه الحلول بموقع البداهة.

يذهب تاريخ التعبيرية الوجودية الكونية المتوافق مع كينونة المجتمعية والوجود البشري الحي ومآلاته بين محطتين، اولى محكومة لاشتراطات اللاتحقق والقصور، وثانيه عليا هي محطة الانتقال الى "الانسان/ العقل" التحولية العقلية، تحضر بينهما وتتغلب الى حد، رؤية وتعبيرية اخرى هي الارضوية الاحادية المرتكزة الى القصورية ونقص اسباب تحقق اللاارضوية، كانتكاس طويل الامد، موافق لاجمالي الطور اليدوي من التاريخ المجتمعي على طوله، محوره واساسه المفاعيل الارضوية الحاجاتيه الجسدية، يظل يسبغ على المجتمعات وتاريخها، واجمالي الوجود والنظرة له ولدينامياته ووجهتها، مايتماشى منها مع الحدود والمتاح المنظور ارضويا، والعائد للعيانيه المعتبرة "علمية"، اي الملموساتيه المحسوسة، باغفال كلي وتام للاليات الفعليه المجتمعية ولقانون حركتها، والهدف الناظم لدينامياتها، علما بان الامر لهذه الجهة يشمل مفهوم "العلم" نفسه و "العقلانيه" المجتزاة والمحدوده ارضويا، بما يجعل هذين التوصيفين ومايدلان عليه منقسمين الى ارضويين ولا ارضويين، هما ايضا.

يصر العقل الارضوي قاطعا جازما بحكم طبيعته، على انه هو"العقل"، متجاهلا بنكران كون العقل الحالي له سابق هو الخفي غير المعلن المحتجب داخل الكينونه الحيوانيه الازدواجية، ايام كان الكائن الحي حيوانا، فهل يمكن ياترى اعتماد "العقل الحيواني" على اعتباره هو العقل النهائي ولاغيره؟ مثل هذه الرؤية مصدرها الاساس الاعتقاد بجمودية العقل، ورفض ديناميات تصيره وترقيه التصيري، وصولا لوثبته الحالية المتزامنه مع الانتصاب واستعمال اليدين على انه المنتهى والمأمول الذي لابعد له، والحال وبالمقارنه فان مانشير اليه هو نظير المفهوم العقلي الحيواني لو وجد، حين لم يكن بالمطلق التفكير باحتمالية الوثبة العقلية الراهنه واردا.

العقل بالاحرى وقطعا، ليس الذي نعيش في غمرته وتحت مفعوله الحالي، وهو سائر حكما الى مابعد، والى وثبة اخرى لايعود معها العقل الراهن الا بمستوى ومن عينة العقل ابان فترة التسيد الحيواني، مع الاختلافات التي تفرضها لحظة التصير وشروطها، ليس العلم الراهن " علما"، ولا العقلانيه " عقلانيه الا بمنطق ومفهوم الارضوية والعقلية الانسايوانيه، اما "العلم" و " الاعقال" فمايزالان واقعين تحت وطاة واشتراطات ماقبل، الى ان تاتي الوثبة الثانيه العقلية، ونصير امام مفاهيم اخرى، وطريقة نظر للاشياء لاعلاقة لها بالمعروف اليوم وماهوسائد.

وليس الامر على هذا الصعيد معزولا عن التفاعلية الواقعية، فنهضة الغرب الحديثة تلك التي حركها الانقلاب الالي، لم تكن مجرد انقلاب على مستوى الارضوية وممكنات الجسدية كما ذهب الغرب بتوهميته العائدة الى رسوخ خضوعه لمتبقيات الوعي والادراكية اليدوية، فالالة المصنعية ليست نهاية الاله شكلا ومفعولا، وهي تظل بعد ظهورها سائرة بالاصطراعية مع المجتمعية التاريخيه اليدوية، الى التكنولوجية، والتكنولوجية العليا المتجاوزة مفعولا لعالم اليدوية ومتبقياته، وبالذات ايهاميته التي تتكرس على يد الغرب ابتداء، الى ان يصير عالم الكيانيه والدول، وكل اشكال ومتبقيات الطور اليدوي وتطويراته الكيانوية القوموية والوطنيه، واشكال تنظيم الدول الداخلي، ومنها المستجده الايهامية الليبرالية والمدنيه، خارج الفعل وامكانيه الاستمرار، بينما تتعدى المتغيرات التكنولوجية ومايرافقها، ممكنات استمرار الدول الحالية، لتشيع من يومها الاضطرابيه القصوى، والفوضى التدميرية الاحترابيه الحالية، ويحل زمن "وحدة البشرية"، مع الاقرار الابتدائي بالانتقال من الارضي الى الكوني، حيث الاداة الالية العليا وسيلة تفاعلية عقلية لاجسدية، وحيث مجمل التنظيم والجهد البشري من هنا فصاعدا، ذاهب الى بناء عالم "مابعد كوكب الارض" ولزومية "مابعد جسد".

يدخل العالم والكائن البشري اليوم مرحلة عظمى من التاريخ، ينتهي معها فعل وجدوى عالم الارضوية وعيا وتنظيما، واشكال وصيغ حياتيه على المستويات المختلفة، ويبقى الاخطر متبقيات التوهمية الغربية وماتصر على التمسك به من اسباب الاعقال المتجاوزة، وسبل التعامل مع الشان المتعلق بالكائن البشري ووجوده، واحتمالية استمراره، فضلا عن عبوره مترقيا الى الطور الاخر الترقوي العقلي المنفصل عن الجسدية،مع مايتطلبه كل ذلك من مواجهة غير مسبوقة وصعبه التخيل، ناهيك عن مقتضيات التعامل الاستثنائي غير المتاحة مقاربته ماتزال.

اليوم وفي مثل هذا الحال الفريد، والمقارب لاشكالية البدئية من دون ماتقتضيه وتتطلبه من وسائل من طبيعتها، لايبقى من مدخر انقاذي امام الكائن البشري، الا الرؤية الاعقالية الاخرى الكونيه اللاارضوية، بصيغتها الثانية المكتملة العناصرالتحولية، بافتراض توفر الاسباب لها كي تتحقق بعد ان زال النقص التحولي المادي العقلي مع الاله المتحولة الى التكنولوجيا العقلية العليا، وبعدما مر العقل بالاسباب والموجبات الضرورية، بعد تفاعلية وخبرة التاريخ الفاصل بين الوثبة العقلية الاولى، والوثبة المنتظرة اليوم، تلك الثانيه الانقلابيه الانتقالية العظمى الى خارج الكوكب الارضي بعد انفصال العقل عن الجسد وتحرره من متبقيات الحيوانيه العالقة به.

انتهت الابراهيمه النبوية الحدسية، كما انتهت التوهمية الغربية الارضوية، ليغدو العالم والجنس البشري على موعد صعب وعسير غير مسبوق مع الرؤية اللاارضوية العلّية السببية المنطلقة من ارضها الاولى، ارض مابين النهرين.

...

يشكل الصمت منظومة سكونية متعددة الوظائف، فهو قدرة على إِجَادَة وحَذَاقَة ذرء الكلمات والمفردات والمصطلحات والألفاظ بقصدية، إذ في الصمت توجد الأفكار، فمن لا يعير أي إهتمام للكلمات، سنجده يتجاوز البَقْبَاقَ والتَّلْهُوقَ، أي الشخص الثَّرْثَارُ وكثير التَّقَعُّرِ فِي قَوْلِهِ، عَلَى جَميع الأصعدة.

يرتبط الصمت في دلالته المتداولة بالسكوت، فعندما يراد التعبير عن إطراق أحد من الناس للصمت يقال إنه يفضل السكوت، فالفعل الذي يستخدم للتعبير عن ذارئ الكلام لا يشتق من الصمت بل من السكوت، وكأن بالصمت اسم لا يتحقق إلا من خلال فعل السكوت.

لهذا لا يمكننا أن نقول أن السكوت أداة للتفاعل بين الناس، بل هو أداة لقتل التواصل فيما بينهم البين، لكنه يشكل في الحقيقة أداة تفكير وتأمل وإِخْفاءٌ ، وإِضْمارٌ ، وتَعْمِيَةٌ ، وتسَتُّرٌ قوي، خاصة وأن له بعداً سلطوياً وايديولوجياً نتعرف عليه فيما بعد.

ففعل السكوت فعل ساكن زمنيا بطيء الزوال والتلاشي، وغير قابل البتة للتجدد، ويتبدى بشكل ثابت وقار نسبيا، يبقى الصمت والهدوء والسكون والسكوت دائماً سيد الموقف بين الناس، فيوفر لأفراد المجتمع وسائل لذبول التواصل وإخفاء التعابير الحقيقية، ويتخذ شكل إبرة سقطت في كومة من القش، فيحمل دلالات ومعاني غير قابلة للتجاوز والفهم والتأويل.

يظل الصمت ثابتا في جوهره، منظما بدقة، وساكنا لا شيء يطابقه ويعبر عن حقيقته الثاوية خلفه، إنه وبكل بساطة، حالة سيكولوجية ووجدانية وذهنية ووجودية بإمتياز، لا يمكن التعبير عنه وتبليغه أو إيصاله للآخرين.

ذلك أن الصمت والسكوت قابل للتوظيف في حياتنا اليومية لأغراض عديدة ومختلفة، وقلنا إن ماهية وحقيقة الصمت تكمن في كونه يطابق بين الفكرة والخَافِي، أي الخَفِيّ فيها، والمَخْفِيّ، أو حتى المُخْتَفِي، والمَحْجوب، والمُتَواري، والمَسْتور، ثم المُضْمَر فيها، إن الصمت بمثابة قمة جبل الجليد يخفي كثلة ضخمة من الأفكار والتصورات والآراء والمنظورات والمعتقدات والقيم والمعايير والسنن والأعراف والممارسات والمقترحات الثقيلة على الأفراد.

إن اعتمادنا لهذا الوصف يسهل علينا القول بأن الصمت يشكل بعداً من أبعاد الإنسانية المضمرة، لكن إذا سألنا أي واحد ممن نعرف، لأي شيء يصلح الصمت؟ أكيد أن الجواب سيكون هو: الانْقِطاع عن العالم ، والإِحْجامٌ عن الأغيار، بل والإِعْراضُ عنهم، من خلال الإِمْتَناعِ عن التحدث معهم ، وإِمْساكُ الكلام مع الآخرين، وإِنْفِصالُ عن هذا العالم، وكَفٌّ عن التواصل مع البشر، ففي عالم تهيمن فيه مواقع التواصل الاجتماعي، تبدو كلمة الصمت كلمة رَهِيبة ، وشَنِيعة، إن لم نغالي فنقول أنها فَظِيعة ، وقَبِيحة ، ومُرَوِّعة ، ولا تخطر على البال لكونها مُرِيعة ، ومُرْعِبة ، ومُفْزِعة لغوغاء الناس ودهمائهم، أي أن سواد الناس لن يقبلوا هاته الفكرة بحماس، بسبب انتشار التكنولوجيات الجديدة والوسائط المتعددة في الاتصال التي شرعت التواصل وأهملت عدم التواصل أو التزام الصمت، كما نلحظ هيمنة قوية للخطابات المسترسلة، في حين ندعوا لهيمنة صَوَامِتُ مسترسلة!

وهذه المنظومة السُّكْتِيَّةُ (جمع سُكُوتٌ، سُكْتٌ.) مركبة من ثنائية الجَاثِمُ والمَجْثُومِ. من جهة أولى، لكونها حالةً أو نشاطاً سيكولوجيا وَاجِماً أو هادئاً، ومن جهة ثانية، نقول أنها حمَّالَةٌ للدلالات والمعاني، كما أنه من خلال العدد المحدود من السُّكْتِ المُحْجَمِ يستطيع الصمت أن ينشئ ما لا نهاية له من الأفكار والتصورات والآراء والمنظورات والمعتقدات والقيم والمعايير والسنن والأعراف والإمكانات المُضْمَرَّةُ والدَّالَةُ على مستوى الذهن.

لذلك فإن الصمت العقلي صمت ينظم الفكر وغير قابل للتحقق البتة في شكل خاص، لهذا يجعل من التجربة الذاتية الباطنية لِذَاتٍ ما منغلقة ومعزولة على ذات أخرى في تعبير مُلْتَحِمٍ ومُتَوَاشِجٍ، وليس يظهر إلا على شكل إنشادٍ ، وسَكينَةٍ ، وسُكُوتٍ ، وسُكُونٍ ، وشَدْوٍ ، وصَمْتٍ ، وطَرَبٍ وهَمْسَةٍ أو هُدُوءٍ محدد. خاص بفرد متميز عن غيره، ولا يشترك في صمته مع الآخرين.

إن الصمت يقدم لنا نموذج البنية القطائعية بالمعنى الأكثر حرفية للكلمة والأكثر شمولا في الآن نفسه، فهو يضع السكون في علاقة معقدة داخل الخطاب، منتجا بذلك مجالا خاصا داخل الفكر العقلي للفرد.

وأخيراً إن الصمت هو النظام السكوني الأكثر اقتصادا، فهو خلافا للثرثرة لا يتطلب أي مجهود فيزيائي أو بدني، ولا يعاني العقل-الذهن فيه شيئاً، إنه الحالة الأكثر عمقاً في وجود الإنسان.

من هنا تطرح إشكالية الصلة بين الصمت والفكر، ونجيب بدون أخذ ورد، أن الصمت محايث للفكر لا مفارق له، ذلك أن الفكر فعالية لا يقوم له قائم خارج الصمت، وقد تثبت الدراسات الدماغية وعلوم الأعصاب والإدراك وتدعم وترجح أطروحة تعالق وترابط الصمت بالفكر داخل الدماغ-الذهن.

ذلك أن الذهن هو مجموع المواصفات الضرورية المتبناة من طرف العلماء، لكي يتمكن الأفراد من إستعمال أي ملكة، لعل من بينها ملكة الصمت، والتي هي ملكة مضادة للسان، ويمكنها أن تشتغل وتُمَارَسَ بِدُونِهِ.

والصمت لا يَقْتَنِصُ من الشيء غير ملمحه المُبْتَذَلُ ويفضل ذرء الوظيفة الأكثر عمومية للشيء، لأنه يعبر عنها، ويذرئ تسللها إلى الخارج، ويَحْجُبُ صُورَتَهُ عن أنظارنا، لأن صورة الصمت عن الفكر لا تتوارى البتة، عن الصمت والسكوت وهو يقوم بعملية التفكير!

لهذا يختفي الصمت وراء الكلمات، كما تتوارى عنا حالتنا السيكولوجية المُضطربة لإجبار حمولتها من أجل الظفر بالتجربة المعاشة على نحو أصيل، فالصمت يشكل حقيقة التجربة الحميمية التي نعيشها من الداخل.

إذا كان الصمت في الحقيقة يقتضي وجود الفكر سلفا، كما أن فعل السكوت فعل يقترن بالشيء قصد معرفته وتقمصه، لأن الصمت علامة على وجود الفكر، لأنهما وُضِعَا بشكل موضوعي، فالصمت يحتوي الفكر، والفكر يَسْكُنُ الصمت، والفصل بينهما أمر غير وارد وغير مقبول البتة، لكونهما مرتبطان ومتحدان، ولا يجوز القول بأسبقية أحدهما على الآخر، لأنهما وبكل بساطة يتكونان معا وفي آن واحد.

وهذا يعني أن قيمة الصمت بالنسبة للإنسان، أنه كينونة أودع فيها الإنسان عالما خاصا به إلى جانب العالم الآخر الواقعي، وبالتالي يصبح بمثابة عالم أول متأصل في الذات البشرية وأودع كل شيء فيه، بما في ذلك إحساساته الوجدانية والعاطفية والسيكولوجية عموماً.

ونحن ضيوف هذا العالم الصامت داخلنا ونقيم عنده وننعم بالخيرات والمسرات الجمة التي يغدقها علينا بكل سخاء، وطبعا نشعر بحقيقة وجودنا خلال مقامنا في واحاته، أي طوال حياتنا، ويبدوا أن الصمت والسكوت مشاكس عنيد يتأصل فينا دون استئذان، فيتملكنا ويسكننا رغماً عنا، إننا مسكونون بالصمت، نصمت كثيراً ونتكلم قليلاً، لا أحد يستطيع إنكار صمته، من أجل جمع رمقه ونفسه، أصاب بالدهشة والذهول، حين أكتشف أن البعض منا لا يعترف بحقيقة الصمت، وأنه غير قادر من الإفلات منه، ولا شفاء يرجى منه، إنه مرض عصابي بلغة فرويد يصيب الحضارة الإنسانية.

يسود الاعتقاد أننا حينما نصمت فإننا نكون في حالة تعبير عن أفكارنا ومشاعرنا بإرادتنا الحرة وننغلق على الآخر بموضوعية ووضوح تامين، فنخرج من عالمنا الواقع، لندخل إلى عالم الصمت الأرحب والأوسع، هو عالم مسيج خاص بي، عالم محكوم بسلطة السكينة والحركة، إنه عالم متناقض!

بمعنى أن الصمت هو في نفس الوقت الشكل الوحيد لوجود الفكر، وحقيقته ونمط تحققه، وغالبا ما لا نتساءل هل يوجد صمت بدون تفكير أو تفكير بدون صمت؟ كما لا يوجد دخان بدون نار أو نار بدون دخان، لا يوجد كذلك صمت بدون تفكير، ولهذا فإن المثل الشعبي المغربي القائل: ب "أن السكوت علامة الرضى" لم يصب هذه المرة، فالخطاب الصامت أو الفكر الصامت هو فكر صَاخِبٌ قياس على حَياةٍ صَاخِبَةٍ : مُضْطَرِبَةٍ وغير مستقرَّة.

ونقلب المثل الشعبي فنقول: "السكوت علامة الحَرَدِ ، والغَضَب ،والتنافُرِ ،والحَذَرِ، والخَشْيَةِ، والخَوْفِ ، والرَفْضِ ، والعِصيانِ المتَمَرُّدِ ، والمُخالَفَةِ ، والمُعارَضَةِ ، والمُقاوَمَةِ."، نقف عند هذه الأخيرة، فنقول: "كل صمت وسكوت هو مُقَاوَمَةٌ وَإِزْعَاجٌ لِلثَّرْثَارِ.".

ونحذر هنا من قصدنا أن الصمت أداة للفكر، فالمقصود به أن الصمت يضمر، عكس أي أداة التي تظهر، أي شيء، أو عن فكرة توجد داخله وقد تكون خارجة عنه فيتلقفها كونها بادية للعيان ويعمل على إضمارها.

حينما ننظر في حقيقة الصمت، نجده ينطوي، تبعا لبنيته الداخلية المعقدة، على علاقة استيلاب محسومة يشعر بها الكائن الصامت، فأن نلتزم الصمت، وبالأحرى أن ننتج خطابا صامتا، لا نسمعه إلا نحن مع ذواتنا، ليس معناه أن ننغلق على ذاتنا هكذا، وننطوي على قوقعتنا الداخلية، بل معناه وبكل بساطة أن نسود ونسيطر ونقاوم ونرغب ونزعج أنفسنا والآخرين، من خلال قمعهم ونكون نحن من نمتلك القوة والسيادة والهيمنة، أو وبكل وضوح نمتلك سلطة، الصمت إذن تملك للسلطة، ونقصد هنا سلطة النفي القطعي التي يمارسها الصامت بشكل روتيني، خاصة عندما يقوم بتعليق الحكم ليس بالمعنى الهوسرلي، بل تعليق الحكم بمعنى تفضيل الصمت على الكلام في كثير من الأحايين، ولهذا نفضل السكوت من خلال لم الشتات المتناثر بداخلنا وعدم الإفصاح عنه، فتعليق الحكم تَدِلَّةٌ على الشعور بالسيادة والخلود إلى راحة لا هروب عنها.

ومن ثم نخلص إلى مشكلة الصمت وعلاقتها بالشروط التي يشرطها عليه المجتمع، هذا الأخير يمارس تأثيراً جانبيا قويا على الصمت، فقد نسكت لنرضي المجتمع أو نرضاه، أي المجتمع الذي ننتمي إليه، بمعنى نتوخَّى استمالته واستدراجه لصالحنا، ذلك أن قدرة المرء على تبليغ ما بداخله للمجتمع لا يمكن أن يتحقق إلا في حالة كثمان، أي عَدَم الإِفصاح عن أمرٍ أو أحاسيس، وتفضيل إِخفاؤها، ذلك الصمت لا يعمل إلا على الإشارة إلى تلك القدرة الخفية وتمثيلها بطريقة صحيحة، فليست سلطة الصمت سوى سلطة موكولة إلى صاحبها الذي فضل الصمت والتَّأَفُّفِ وأخذ الحيطة والحذر من التلفظ لجهة معينة داخل المجتمع.

ولهذا لا يجب علينا أن ننسى أن الصمت يستمد سلطته من الخارج، أي من المجتمع والمحيط الأسري، وأقصى ما يفعله الصمت هو أن يخفي هذه السلطة ويُبْطِنها، ويضْمِرها ، ويُسِرَّها عنده في مجاله الذهني الخاص به، وهذه السلطة تتحدد بحدود التفويض الذي يسندها لها المجتمع والمحيط العائلي دائماً، فيصبح هذا المجتمع ومؤسساته بمثابة قوى ضغط تمارس على الصامت وتراقبه من خلال العديد من الإجراءات التي يكون دورها هو الحد من خطورة كل من يفضل السكون، لدرجة التحكم في تلفظه المحتمل، وإخفاء سَمْتِهِ الرَّهِيبُ والمُقْلِقُ.

لا يخفى على أحد كيف يتم استبعاد وعزل كل من يفضل الصمت، لأنه وبكل بساطة لا يقول لنا كل شيء أو بعض شيء، وهناك أشياء خاصة تعرفها الذات الصامتة تتقاطع وتتعاضد مع ما يعرفه المجتمع، فتشكل [هذه الأشياء الخاصة التي تعرفها الذات الصامتة] سياجاً معقدا يُفْسِدُ أقنعة المجتمع التنكرية باستمرار.

هناك حدود حمراء بمثابة طابوهات المجتمع تلك المتعلقة على سبيل المثال لا الحصر، بالجنس، والدين، والإله، والمرأة، والدولة، والسلطة الحاكمة، والسياسة عموماً، هي أحد المجالات التي تمارس فيها تقويضات رهيبة لا يجوز الحديث عنها، بل يُخَافُ كثيراً على الصامت عنها الذي لا يقدم موقفاً صريحاً [يتوافق ورأي المجتمع السائد] عنها.

يبدو أن الصمت في ظاهره شيء بسيط، لكن في عمقه شيء خطير جداً، لهذا يُخَافُ من أن يكون الصامت لا يتوافق والرأي السائد في المجتمع وتوجهات الدولة، ولا شيء يستغرب في هذا، ما دام الصمت ليس هو ما يظهر بل ما يتخفى ويتستر عن الظهور والتلفظ، لهذا نقول أن الصمت رغبة، لكنه رغبة مُقاوِمَةٌ ومُتَعَطِّشَةٌ ومُزْعِجَةٌ كثيراً، لأنه يترجم الصراعات وتوترات أنظمة السلطة وتناقضاتها، ولهذا فالصامت يعاني في صمت وخفاء ويصارع الغير ويتصارع مع ذاته، إن الصمت صِرَاعٌ نُحَاوِلُ دَائِماً أَنْ نَخْرُجَ مُنْتَصِرِينَ عليه، لكن ما يفتأ يهزمنا ويحبطنا دائماً .

على سبيل الخَتْمِ؛ يمكننا القول الآن أن الإنسان يتحدد أيضاً، بعد عديد من المُحَدِّدَاتِ التي تَحُدُّهُ، أنه "كائن صامت" "Être silencieuse"، ينفصل عن العالم الواقعي ويعيش عالما جديدا انعزاليا يركن فيه للصمت، لكنه صمت سَيَّالٌ، لأنه نتاج للفكر والعقل والذهن، ويتسم بالخلق والإبداع.

لهذا لا وجود للفكر في استقلال عن الصمت إنهما يتكونان ويشتغلان في آن واحد، ونستطيع في ضيافة الصمت أن نعبر بعمق عما يجري في عالم أفكارنا: إنه قادر على امتلاك عمق الفكر والوجدان، وانصات للوجود كما عبر عن ذلك هايدغر.

كما يشكل الصمت أخيراً منظومة صاخبةٌ ضاغطةٌ ومُعَبِّرَةٌ عن الخطاب الإيديولوجي السائد في المجتمع وتوجهات الدولة والمحيط الأسري.

***

محمد فرَّاح – الرباط

تخصص فلسفة

كان الفهم العلمي الجديد ومعه التقنيات الهندسية دائما مثيرا ومخيفا، ولاشك انه سيستمر. شركة open AI المتخصصة ببحوث الذكاء الصناعي أعلنت مؤخرا انها تتوقع "ذكاءّ خارقا" – للذكاء الصناعي يتجاوز قدرات الانسان خلال هذا العقد. وبناءً على ذلك قامت الشركة ببناء فريق جديد وخصصت 20% من مواردها الحوسبية لضمان الانسجام بين سلوك أنظمة الذكاء الصناعي من جهة والقيم الانسانية من جهة اخرى. انها لا تريد من الذكاء الصناعي ان يشن حربا على الانسانية.

ولذلك دعت الشركة المهندسين وكبار الباحثين في مجال التعليم الآلي لمساعدتها في حل المشكلة.

لكن ماذا عن الفلاسفة؟ هل لدى الفلاسفة ما يمكنهم المساهمة فيه؟ ماذا يمكن ان نتوقع من الفلسفة في عصر التكنلوجيا المتقدمة حاليا؟

للإجابة على ذلك، يجدر التأكيد على ان الفلسفة كانت فعّالة ومؤثرة في الذكاء الصناعي منذ أيامه الاولى. كانت اولى القصص الناجحة للذكاء الصناعي عام 1956 في برنامج كومبيوتر اُطلق عليه نظريات المنطق، اسّسه كل من الن نيويل Allen Newell وهربرت سيمون Herbert Simon. وظيفة البرنامج كانت إثبات نظريات باستعمال افتراضات من مبادئ الرياضيات. وهناك عمل من ثلاثة أجزاء في عام 1910 للفيلسوفين الفريد نورث وايتهد و برتراند رسل سعيا فيه لإعادة بناء كل الرياضيات على أساس منطقي واحد.

في الحقيقة، كان التركيز المبكر على المنطق في الذكاء الصناعي مدينا بالكثير للنقاشات التأسيسية التي سلكها الرياضيون والفلاسفة. احدى الخطوات الهامة كانت تطوير الفيلسوف الألماني جوتلب فريج Gottlob Frege للمنطق الحديث في أواخر القرن التاسع عشر. أدخل فريج في المنطق استعمال متغيرات قابلة للقياس الكمي - بدلا من أشياء مثل ناس - هذا الاتجاه جعل من الممكن القول ليس فقط، على سبيل المثال، "جو بايدن رئيسا" وانما ايضا التعبير منهجيا عن افكار عامة  مثل "هناك يوجد X كما في ان X هو رئيس"،حيث ان "هناك يوجد" هي محدد للكمية، و "X" هو متغير.

مساهمات اخرى هامة في الثلاثينات كانت للمنطقي النمساوي المولد كورت جودل Kurt Godel، الذي كانت نظرياته في الإكتمال وعدم الإكتمال حول حدود ما يمكن ان يثبته المرء، وكذلك المنطقي البولندي الفريد تارسكي في "برهان في عدم تحديدية الحقيقة". الأخير بيّن ان "الحقيقة" هي أي نظام صوري معياري لا يمكن تعريفها ضمن ذلك النظام المعين، حيث ان الحقيقة الرياضية على سبيل المثال، لا يمكن تعريفها ضمن نظام الرياضيات.

أخيرا، في عام 1936 جاءت الفكرة المجردة لماكنة حاسبة من جانب البريطاني الن تورنك معتمدا على مثل هذا التطور وكان لها تأثيرا هائلا على الذكاء الصناعي المبكر.

ربما يقال،حتى لو كان الذكاء الصناعي بنسخته القديمة مدينا للفلسفة والمنطق، فان "الموجة الثانية" من الذكاء الصناعي المرتكز على التعليم العميق، يعتمد على الكثير من مآثر الهندسة المرتبطة بمعالجة كميات هائلة من البيانات. مع ذلك، لاتزال الفلسفة تلعب دورا هاما ايضا. لو أخذنا نماذج اللغة الكبيرة، مثل تلك التي تدير دردشة ذكاء صناعي Chat GPT التي تنتج نص محادثة. هي نماذج هائلة، لها بلايين او ترليولنات العوامل، مدربة على مجموعات كبيرة (تؤلف الكثير من الانترنيت). ولكن في جوهرها، هي تتعقب وتستخدم نماذج احصائية من استعمال اللغة. شيء يشبه كثيرا هذه الفكرة جرى توضيحه بالتفصيل من جانب الفيلسوف النمساوي لودفيج فيتجنشتاين في أواسط القرن العشرين: "معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة" حسب قوله.

لكن الفلسفة المعاصرة، وليس فقط تاريخها، ملائمة للذكاء الصناعي وتطوراته. هل بامكان LLM (برنامج الذكاء الصناعي الذي يستطيع تمييز وانتاج النص) ان يفهم حقا اللغة التي يعالجها؟ وهل يمكنه ان ينجز وعيا؟ هذه اسئلة فلسفية عميقة.

العلم حتى الان غير قادر على ان يوضح بشكل كامل كيفية بروز الوعي من خلايا الدماغ البشري. بعض الفلاسفة اعتقدوا ان هذه "مشكلة صعبة"، تتعدى نطاق العلم وقد تتطلب مساعدة من الفلسفة. وفي رؤية مشابهة، نحن نستطيع ان نسأل ما اذا كانت الصورة او الايميج التي تخلق ذكاءً صناعيا هي حقا مبدعة. مارغريت بودن Margaret Boden عالمة الإدراك البريطانية والفيلسوفة في الذكاء الصناعي، تجادل اذا كان الذكاء الصناعي قادرا على انتاج افكار جديدة، فهو سوف يصارع لتقييمها مثلما يفعل الناس المبدعون.

هي ايضا تتوقع ان هندسة الرموز العصبية الهجينة – التي تستعمل كل من التقنيات المنطقية والتعليم العميق من البيانات – وحدها سوف تنجز ذكاءً صناعيا عاما.

القيم الانسانية

لكي نعود الى إعلان الذكاء الصناعي الذي تقدّم ذكره،وسؤالنا عن دور الفلسفة في عصر الذكاء الصناعي، اقترحت دردشة الذكاء الصناعي بان (من بين اشياء اخرى) انها "تساعد في التأكد من ان تطوير واستعمال الذكاء الصناعي يتماشى مع القيم الانسانية".

في هذه الروحية، ربما نستطيع الافتراض، اذا كانت موائمة الذكاء الاصطناعي هي القضية الخطيرة التي تعتقد بها شركة الذكاء الصناعي المفتوح، فهي ليست فقط مشكلة تقنية تتطلب الحل من قبل المهندسين او شركات التقنية، وانما ايضا مشكلة اجتماعية. ذلك سوف يتطلب مدخلات من الفلاسفة وايضا من علماء الاجتماع والمحامين وصناع السياسة والمواطنين المستخدمين وغيرهم.

في الحقيقة، العديد من الناس قلقون حول القوة الصاعدة وتأثير شركات التكنلوجيا على الديمقراطية. البعض يرى اننا نحتاج الى طريقة جديدة بالكامل في التفكير حول الذكاء الصناعي آخذين بالاعتبار الانظمة الاساسية الداعمة للصناعة. المحامي البريطاني والمؤلف جيمي سوسكند Jamie Susskind جادل بانه حان الوقت لبناء "جمهورية رقمية" –  ترفض بالنهاية  النظام السياسي والاقتصادي الذي أعطى لشركات التكنلوجيا المزيد من النفوذ.

اخيرا، لنسأل، كيف سيؤثر الذكاء الصناعي على الفلسفة؟ المنطق الصوري في الفلسفة  يعود تاريخيا الى ارسطو. وفي القرن السابع عشر اقترح الفيلسوف الالماني جوتفريد ليبنز اننا في يوم ما سنمتلك آلات حاسبة تساعدنا في اشتقاق أجوبة للأسئلة الفلسفية والعلمية بشكل يشبه الوحي .  نحن الان بدأنا ببلوغ تلك الرؤية، مع بعض المؤلفين الذين يدعون الى "فلسفة حوسبية" – تشفّر افتراضات وتشتق نتائج منها. هذا حتما يسمح بتقييمات واقعية او موجهة قيميا للمخرجات.

فمثلا، مشروع الرسوم البيانية يحاكي تأثيرات معلومات المشاركة على التواصل الاجتماعي. هذا يمكن ان يُستعمل لمعالجة حسابية لأسئلة حول الكيفية التي يجب ان نشكل بها افكارنا.

بالتأكيد، التقدم في الذكاء الصناعي أعطى الفلاسفة الكثير مما يُفكر به، وهو ربما بدأ في توفير بعض الأجوبة.

***

حاتم حميد محسن

 

يعد المؤرخ والفيلسوف الفرنسي (أرنست رينان 1823-1892) من الذين يركزون على التفوق الحضاري، والذي عمل على ارجاع التفوق الى العالم الغربي من خلال الصراع الحضاري بين الشعوب السامية التي يرجع لها الاسلام والشعوب والآرية التي يرجع لها بعض الاقوام الاوربية المتفوقة عرقياً،ورأى (رينان) في المحاضرة، التي القاها عن (الاسلام والعلم)، التي يستمد فيها أفكاره من (فولتير)، إذ يقول:  " أنّ العقل الشرقي غير قادر على التفكير المنطقي والفلسفة، وكان ذلك سبباً في الوقوف من دون تطور العلم والمعرفة في العالم الاسلامي. كان العلم القليل والفلسفة اللذان جاء بهما المسلمون نتاجاً لثورة على الاسلام"(1)، والذي هو - على وفق رأي (ارنست رينان)-  دين بعيد عن التفكير والابداع التي أصبح من سمات الأمم المتقدمة، لكن الإسلام أسهم في جعل الشعوب التي دخلت تحت رايته من العيش في التخلف و انحدار نحو الهاوية، والجهل والابتعاد عن المعرفة و التقدم، والإسلام على وفق تعاليم الرسول (ص) لا يتناسب مع المعرفة والعلم والتطور، بل هو دين استند الى تعاليم دينية ابعدته كل البعد عن حقيقة التقدم، لهذا السبب يرى (رينان) أنّ المسلمين "هم أول ضحايا الاسلام، تحرير المسلم من دينه هي افضل خدمة يمكن للمرء أنّ يقدمها له"(2)، وهذه الخدمة هي إبعاد المسلمين عن حضارتهم وديانتهم وانتمائهم لنبيهم . وهنا نسأل (أرنست رينان) هل هذه الاطروحة التي تقول بها معتمدة على دراسة الاسلام بشكل صحيح،ومن داخل المنظومة الاسلامية نفسها ؟، اي هل اطلع (رينان) عل (القران الكريم) ودرسه بشكل علمي سليم، دون أنّ يعتمد على اراء الاخرين فيه؟ و هل درس حياة الرسول الكريم (ص) من نفس مصادر المسلمين انفسهم ؟ أم تأثير بأقوال الآخرين، كما هو تأثيره برأي (فولتير)،أو غيره من  المنظومة المعرفية الغربية التي وضعته بالضد من الإسلام ورسوله الكريم (ص)؟، هذه التساؤلات و غيرها عادة ما تكون بعيدة عن المفكرين الغربيين، فهم فقط يدرسون الإسلام وحياة الرسول من خارج الاسلام متأثرين بآراء بعيدة عن الاسلام نفسه، لذلك كانت نظرة (ارنست رينان) عن الرسول محمد (ص) تناقض الحقيقة وبعيدة عن صفات الرسول (ص)، اذ يرى (رينان) في الرسول محمد (ص) تناقض الحقيقة و بعيدة عن صفات الرسول محمد(ص)، اذ يرى (رينان ) في الرسول وحسب رأي نسبه الى المسلمين بأنهم "اعترفوا أنّ الرسول في مناسبات عدة كان اكثر استجابة لرغباته منه الى واجبه، رينان الذي نظر الى القران الكريم كثورة ادبية بقدر ما هو ثورة دينية، خلص الى أنّ الحركة الاسلامية حصلت دون إيمان ديني، وأنّ النبي لم يقنع سوى أناس قليلين في الجزيرة العربية(. . .)، يقول رينان (ايضا): كل أنسان يتمتع بالحد الأدنى من الاطلاع على شؤون العصر يرى بوضوح الدونية الحالية للبلدان الاسلامية و الانحطاط الذي يميز الدول التي يحكمها الاسلام و البؤس الفكري للأعراق التي لا تقتبس ثقافتها و تعليمها الا من هذه الديانة" (3) .

إنّ آراء (رينان) تكشف عن عدد من النقاط التي يراها في الاسلام و رسوله الكريم (ص) وهي كالاتي:-

اولاً- إنّ الاسلام هو دين يبعد العقل و يعتمد فقط  على الطقس الديني، وهذا ما يجعل الشعوب التي تعيش تحت  سلطته هي شعوب متخلفة بعيدة عن التطور والعلم و المعرفة.

ثانياً- إنّ هذه الديانة تأتي على وفق ترتيب (رينان) المؤدلج في المراتب الدونية وهي منحطة وتعيش في بؤس فكري، مما انعكس ذلك على الأعراق التي عاشت في ظلها، فهذه الأعراق هي الصورة الطبيعية للدين الاسلامي وافكار الرسول (ص)، و خير دليل يراه (رينان) البلدان الاسلامية و ثقافتها المستمدة من هذه الديانة.

ثالثاً- إنّ هذه الافكار والثقافة الاسلامية التي أوجدها الرسول (ص)،يراها (رينان) ما هي الا إستجابة لرغبات الرسول (ص) فقط وليست مستمدة من رسالة سماوية، وهذا ما ينقله (رينان) عن المسلمين و رأيهم برسوله وكما يزعم، وفي هذه الصورة تَجني كبير، كون (رينان) نفسه قد تأثر بآراء غربية صورت  الرسول (ص)  في صورة مشوه قائمة على الرؤية من خارج الاسلام، أي نظرة غربية بعيدة عن الموضوعية في هذا المجال .

و ننتقل الى كاتبين أخرين هما (واشنطن ايرفينج 1783- 1859) و (مارتن توين 1835-1910)، فالكاتب الأول نشر كتاب بعنوان (محمد وخلفائه)(Mohamet and his Successors)، اراد فيه أنّ يقدم صورة عن انظمة الحكم في الاسلام والتي تتميز بحكم الرجل الواحد المتسلط (الاوتوقراطي)، وتشكيل سلطة دينية (تيوقراطية) بعيدة عن الديمقراطية،وحسب المفهوم الغربي، وهذه الطريقة في الحكم صنعت شعوب بعيدة عن الحرية، وهذا السياق من الحكم يبقى في نفس التصورات السابقة، بأنه حكم الرجل الواحد الذي يسيرهم بحسب اهوائه، وهذه الشعوب تبقى تعيش في فترة العبيد الذين لا يستطيعون تغيير،أي شيء في حياتهم .أما الكاتب الثاني (مارتن توين)، ففي كتابه عن الشرق الذي يحمل عنوان (السذج خارج الوطن) قدم فيه نقد للمسلمين على أنهم شعوب همجية قذرة وجاهلة ومتخلفة، يؤمنون بالخرافات التي اتتهم من طبيعة حياتهم وطريقة حكمهم وطريقة دينهم، ففي زياراته الى فلسطين يصفهم بأنهم يعيشون في مستنقع قذر لا يعباؤن بالجهل ولا الوحشية، أما في زيارته لمصر رأي بأنهم  لا يستحقون التقدير .إنّ كتاب (السذج خارج الوطن)  مليء بصور ذهنية لكاتبة عن شرق اوسط مسكون بالقراصنة والانبياء والمعوزين على محمل الجد، وبالتالي فأن عدم التفريق بين هؤلاء وأوصافهم،وأوصاف الشعوب في الشرق الاوسط، يجعل من (توين)  يعيش في صورة تحمل النمطية  ذاتها عن هذه المنطقة، كون دينهم لم يرتقي بهم الى مستوى الحياة، وكل هذه الاوصاف المنحازة في ذهنية (توين) يتحملها الاسلام و نبيه الذي لم يرتقي بهم الى مستوى الشعوب والامم الاخرى كالشعوب التي تعيش تحت سلطة المسيحية في الغرب (4).

وكان لبعض رجال الدين من الأمريكيين مواقف من الرسول محمد(ص) والإسلام مبنية على تصورات سابقة لمفكرين وكتَاب ووعاظ، لكن هذه التصريحات للأمريكيين المعاصرين كان لها الدور في رسم و تأكيد العداء ضد الاسلام ورسوله الكريم في الولايات المتحدة الامريكية، وهذه الاوصاف تتناغم مع السياسات الحالية في وصف العرب والمسلمين بأنهم أرهابيين، وهم شعوب بعيدة عن الحياة والتحضر، واذا استعرضنا بعض أقوال هؤلاء الكتّاب الذين يمثلون الشريحة الدينية في أمريكا الذين يعدون العالم الاسلامي تهديداً و يدعون الى عدم احترام مقدساته و هذا يجعل الكراهية تزداد للمسلمين في أمريكا،ويجعل المسلمين يزدادون كرهاً ايضاً لأمريكا، و من هذه الاقوال: "يقول (بات روبرتسون): لقد كان (أودلف هتلر) إنساناً سيئاً لكن ما يفعله المسلمون باليهود هو اسوأ مما فعله (هتلر)، وعندما يشير (الاب جيري فالويل) في كلامه عن النبي محمد(ص) أنه (ارهابي)، و ندما يقول (جيمي سواغارت) في صلاته (ليبارك الله اولئك الذين يباركون اسرائيل و يحفظونها ويلعن اولئك الذين يلعنونها ). و عندما يقول الاب (فرانكلين غراهام) عن الاسلام أنه (دين شرير)كما يقول أن المسيحية والاسلام (يختلفان عن بعضهما اختلاف النور والظلام) "(5). وهذه الاقوال الأربعة هي خطاب مكرر يرجع الى ازمان سابقة، وهذا الخطاب الذي أنتجه هؤلاء الكتاب دون أنّ يقع تحت مبدا المسائلة والاساءة للأخرين، كما هي الطريقة التي يحارب بها كل شخص يتناول اليهودية بالأقوال،أو الافعال، وهذه الاساءات للإسلام ورسوله الكريم (ص) لم تواجه من قبل الساسة في الغرب لأنها حسب زعمهم  تقع تحت بند حرية التعبير في العالم الغربي .

ونستنتج من هذه الاقوال الاربعة ما يأتي:-

اولاً- إنّ تهمة الإرهاب التي اصبحت في الوقت الحاضر الصيغة المهمة لاتهام الاخر، هي صفة من صفات الرسول (ص) حسب راي (جيري فالويل) الذي - على وفق قوله هذا فأنه - يجيز الاساءة للرسول (ص) واتهام دين الاسلام بأنه دين إرهابي أوجد الارهاب بصيغته الحالية في العالم.

ثانياً- إنّ الاسلام هو الاسوأ في الوقت الحاضر، اسوأ حتى من (هتلر) و ما فعله في اوربا وهذا يعطي الحق للدعوة في الصلاة (جيمي سواغارت) ضد الاسلام لأنهم يلعنون اليهود، وبالتالي فأن الاسلام دين شر.

ثالثاً- الإسلام دين الشر والظلام يختلف عن الديانات الاخرى (اليهودية والمسيحية) كاختلاف النور والظلام، والخير والشر، والمسامحة والارهاب، وهذه الثنائيات هي ليست جديدة بل هي تقسيمات قديمة ترجع الى الحروب الصليبية و ما قبلها من ثنائيات كانت تستخدم للتفريق بين الاسلام و الغرب.

***

أ.د محمد كريم الساعدي

.....................

الهامش

1. ساردار، ضياء الدين: الاستشراق، صورة الشرق في الآداب و المعارف الغربية، ترجمة، ترجمة:فخري صالح، ابو ظبي: كلمة،2011. ص97.

2. مقال: هل حقاً العظماء يعرفون محمد؟، انترنيت: مجلة مصر المدنية، مجلة مصرية علمانية ليبرالية اجتماعية (الشهر السادس 2015).

3. فرج، ريتا: الساميون والاسلام في الاستشراق العنصري عند رينان، جريدة الحياة، في 18/7/2014.

4. ينظر: ليتل، دوجلاس: الاستشراق الامريكي، ترجمة: طلعت الشايب، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009، ص63-64.

5. شوير، مايكل: الفوقية الامبريالية الامريكية،ترجمة: سيمة عبد ربه، بيروت: الدار العربية للعلوم،2005، ص31.

 

حين تريد الثقافة أنْ تحكي مسيرتها غير المُعلنة، تصنع من أدق الأشياء مسرحاً لتداعياتها الحرة. فهي كـ" الجينات المتوارثة " تكمنُ في أصغر الأشياء بُعداً عن النظر بدرجة مساوية للأشياء الأكثر قرباً. وعندما تصر الثقافة على الهمس إلى متلقيها، تجعلهم ناطقين بخصائصها دون الشعور بقوة الفعل. ففي بعض القول العام قصداً إلى نفسها، تُلقي الثقافة كلّ القول إلى فاعليها. ومن ثمَّ، فإنّه دائماً وخلال تلك المناطق الرخوة وغير المأهولة، يمكننا مراقبة: ماذا يحدث من أعمالٍّ ثقافيةٍ في نوم ويقظة المجتمعات؟، وماذا يقع من آثارٍ بعيدةٍ لدى الأفراد؟! لتقول الثقافة أشياء وموضوعات يصعبُ قولها عادةً بصورة واضحةٍ.

لا نعرف ماذا يحدث تحديداً إلّا أنْ تكون الثقافة هناك بوافر سطوتها. بالطبع هي تظهر فاعلة وممسكة بكل الخيوط الممكنة لوعينا الإنساني. لا توجد مساحات ثقافية فارغة، لأنَّ الفراغ وضع غير محتمل ولا يُسمى فراغاً. فالنعال - وهي مفردة لا تلقى قبولاً لدى الناس - تعد من أهم المفردات والعلامات السيميائية في مجتمعاتنا العربية. تذهب المعاني هنا أو هنالك مع دلالتها، وتتوالد الأفكار مع حركة العلامات التي لا تتوقف عن المزيد.

على مسرح (المنامات)، تواصل الثقافة العربية إبراز جوانب العلاقة بين المرأة والنعال. لم يأتِ الأمرُ ضرباً من المصادفة، لكن ثمة محددات تأويلية تحكم القضية برمتها. ومحمد بن سيرين يعد مؤلفاً للحوار والسناريوهات، وكيف تطرح الثقافة موضوعاتها الأساسية عبر الأشخاص؟! فالمثقف- رغم أعماق الثقافة- قد يكون لساناً ناطقاً بهذه الأعماق عفواً أو قصداً.

هكذا تجسد الثقافة لونين من الأعماق

اللون الأول: هو العمق الذي يُكوّن نظام الثقافة العام. لون يحققق الامتداد والاستمرارية، إذ يحدد آفاق التفكير ويربط بين الأطراف وأساليب العيش. بحيث تُظهر الثقافة قدرة أفقية على التجوال في جوانب المجتمعات. وبإمكانها أن تضم إليها الأفراد والجماعات المختلفين، طالما يحيون في كنفها. وتبقى تلك الأعماق مثل الخيط الناظم الذي يخيط الممارسات والأفعال والخطابات إلى بعضها البعض. وقد لا يدرك الإنسان هذا العمق بسهولة، لكونه مترامي الأطراف. كما أنه قد يبدو واهنا هنا أو هناك ليظهر في اتجاهات أخرى أكثر قوة.

يتجلى هذا اللون من الأعماق بصورة جماعية لدى أفراد المجتمع. لأن الامتداد هو الفضاء العام الذي يؤازر جوانبه بحثاً عن الترابط والتحقق. وليس ثمة لون أكثر ظهوراً من هذا العمق، حتى أن أفراداً لا يستطيعون بسهوله الانفصال عن جسد الثقافة. لكونها توفر كافة العلاقات والمبررات التي تجعل انعزالهم غير قابل للتبرير سواء سراً أم علانية. والثقافة في هذا، تشبه خطوط الطول وخطوط العرض في مجال الجغرافيا، حيث توجد عبر النقاط الافتراضية التي لا يشعر بها أحد، ولكنها توجد بقوة وتترك آثاراً بارزة هنا أو هناك.

اللون الثاني: هو العمق الذي يؤسس مركزيتها والمحور الرأس لوجودها. إنه العمق التاريخي الموروث عادة والذي يحمل وجهه الماضي والحاضر على الدوام. فليست الثقافة – أية ثقافة- بقادرة على العيش مستقبلاً دون هذا المحور. ومن مفارقاته: أنك لا تشعر به كثيراً ولا قليلاً. فهو ذات حركة شاملة، ويستثمر قدرات العمق الأول بأن يوجد خلال كل مكان وخلال اللامكان أيضاً. بمعنى أنه في الوقت الذي لا نشعر فيه بوجود الثقافة، ستكون حاضرة بقوة في التفاصيل وفي كافة التجليات وإن غابت عن المتابعة.

والدليل هو هيمنة الثقافة العربية على تفسير المنامات كما طرحها ابن سيرين وغيره من كتاب السير والرؤى والأحلام. فالمنامات في عرف الناس فراغ من الحياة عند الانقطاع عنها. حتى أنها توازي الموت على الصعيد العام، لأن الموت مثل النوم، والحياة مثل الاستيقاظ في الثقافة العربية الاسلامية. بينما الثقافة ترى في المنامات مناطق حاسمة، تحسم العلاقة المفترضة بين كيفية التفكير وما يعيشه الناس. دوماً تعد تأويلات ابن سيرين مغلّفة ببلاغة الحياة. وهي ستاره خفيفة القوام والنسيج لمعانً ثقافية معيشة.

غير أنَّ ابن سيرين يطيل الأمد لتأويلات الحلم، معتبراً أن النعال (كلمة وصورة). لكنها بمثابة الكلمة المفتاح Key word والصورة هي ممارسة الحياة. أما معاني الحلم المتناثرة، فهي إثارة الخيال لدى المتلقى حتى يُصدّق ما يقول. وهي معان يجعلها ابن سيرين طوع الأفهام حتى يتم التفاعل معها. وبخاصة أنَّ مسألة النساء من المسائل الشائكة التي تتميز بحساسيتها لدى الثقافة الجارية. وتحاول الأخيرة أن تجعلها موضوعاً للإسقاط لا المباشرة، موضوعاً للتلميح لا التصريح.

وبناء عليه، سيواصل ابن سيرين إشارة النعال في الحلم إلى المرأة بصور مختلفة... " وإنْ كانت النعال من نعال الماء، فإنَّها زوجة، أو أمة يستفيدها، أو يطؤها. وأمَّا نِعال الطائف، أو ما يتصرف به التجار في الأسواق، في المنام فهي دالة على الأموال، والاكتساب والمعاش. وقد تدل النعال في المنام على الزوجة أيضاً، إذا مشى بها في خلال الدور، أو اشتراها، أو أهديت إليه. فإن كانت النعال جديدة، فهي تدل على امرأة بكر، أو حرَّةً، أو جارية، وإنْ كانت قديمة ملبوسةً، فهي تدل على امرأة ثيب" (محمد بن سيرين، منتخب الكلام في تفسير الأحلام، ص ص 366- 367).

أخذ ابن سيرين يطلق الخيال لمتلقي التأويل، مثيراً قدرة الأفراد على اقتناص المعاني كلما عن لهم ذلك. فالنعال التي من الماء تشير إلى الزوجة أو الأمَة أو المرأة التي يستفاد منها حسياً أو علاقياً. والإشارة لا تذهبل بعيداً في عقد الصلة المعروفة بين الماء والحياة. فالماء هي أصل الحياة إذ جعل الله منها كل شيء حي. والحلم يلتصق بتلك الإستعارة التي تقول إن الماء دالة على العلاقة الحميمة بالوجود الإنساني ومنها يأتي العطش والإرتواء والحرمان وإزهار الحياة والأمل والاقبال على العالم.

أشارت النعال – الماء إلى الزوجة، نظراً لتقارب الرغبات الحسية، فالطعام والشراب ليس يوجد منها غير اللقاء الحسي بالعالم والأشياء. لأن الماء تحيينا وتحيي الكائنات الأخرى، فمابلنا بعلاقات الحب والشهوة بالأنثى؟ ولكن بما أن الماء سهل وحميم في وجوده لدينا، فالنعال المقترنة به هي الزوجة.  هي التي يقبل عليها الذكور بشكل شرعي واخلاقي واضح. والثقافة تريد إبلاغ فاعليها بكل ما يجعلهم ملتصقين بالحياة تلقائياً. وليس ألصق بالحياة من الكائنات الحية والحلم يرمز إلى الاشياء الثقافية بصور مستعارة من الطبيعة. لأن حركة الثقافة قد تكون تدخلاً وعنفاً على طبيعة الإنسان التلقائية. ولكن عندما تستبدل الأحلام الشفرات الثقافية (علاقة النعال بالنساء) برموز طبيعية (الماء والرغبات)، فإن الثقافة ترجع إلى الأصل. أي تعيد تأصيل ما تقوم به لإقناع ذاتها وإعادة ترسيخ توجهاتها لدى الناس.

لئن كانت حالة النساء أحدى التيمات المسكوت عنها، فلتواصل الثقافة اعتبارها كذلك، لكونها الغطاء الذي أخفى ذلك ابتداء، أي أن الثقافة العربية هي التي وضعت النساء تحت الوصاية. إذن فلن يضيرها شيئاً: إذا اعتبرتهن مجرد نعال أو يأتين إلى لاوعي الذكور على هيئة استعارات حذائية بالمعنى نفسه.

فالنعال تشترى وتهدى إلي الإنسان مثل النساء في واقع المجتمعات العربية خلال مراحلها التاريخية. حين كانت تبتاع النساء على خلفية أسواق الجواري والعبيد. وكذلك كانت تهدى إلى الأصحاب الشأن كنوع من استطراق الرغبات الحسية بالمزيد من التجارب ومعاقرة الشهوات. إذْ كانت النساء علامة على التبادل الذي يلف الجنس بنوع من الغطاء الثقافي العام. كان يتم ذلك تحت عين الأشخاص حتى يمكن حيازة المرأة للتمتع ورواج الأفعال الحسية. من هنا كانت النساء كعلامات مرغوبة تدور مع النعال دوران الفعل والأثر، دوران الجوهر والوظيفة. فالطرفان يُلبسان بشتى المواصفات الحسية، ثم سرعان ما تتواتر المعاني الاجتماعية لتلك العملية في ذهنية الإنسان العربي.

ربما ذلك يمس المعنى الوارد في القرآن الكريم "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" (البقرة/ 147). أي أنه لما كان الرجل والمرأة يتعانقان إلى بعضهما البعض، فيضم كل واحد منهما جانبه إلى جانب صاحبه، حتى يصير كلُّ واحد لقرينه كالثوب الذي يلبسه، سُمي كل واحد منهما لباساً. حتى قال بعض المفسرين عن النساء والرجال: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن. القرآن كان دقيقاً في نفي التحقير من المرأة، فاللباس لا يعني الحطَّ من القدر. بدليل أن اللباس فعل يسري على الطرفين المرأة والرجل بالتوازي. وتستدعي اللغة مناطقها الغامضة من جهة كون اللباس هو الستر والمداراة والحفظ والعناية.

كأنَّ القرآن الكريم يرد على تداعي المعاني بصدد استعارة النعال في عالم النساء، فإذا كان الإنسان يرتدي النعل، فهو للحفظ والوقاية. ولا فرق هنالك بين (اللابس والملبوس) من واقع العلاقة بين الذكر والأنثى. ولئن كان القرآن قد وضعهما على خط واحد وما يجري على أحدهما سيجري على الآخر، فإن المعنى مشترك بين الطرفين ويستحيل التقليل من شأن المرأة دون التقليل من مكانة الرجل.

وفي هذا الجانب قد ظهر القرآن متقدماً عن البيئة التي ظهر فيها. حيث مازالت العقول متحجزة تحجر الصخر، وليست هناك ليونة بصدد هذا، حتى ولو في المنامات التي لم يسلم منها الإنسان. ولعل مطلق لنعال إزاء النساء- كما جاء على لسان ابن سيرين- كان حفاظاً على لباس ثقافي موروث. والقرآن أراد أن يحطم هذا اللباس، بل يمزقه بالمعنى الهادئ لكون المرأة لباس الرجل والعكس.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الفلاسفة في مساعدتنا على تجاوز الأزمات التي يعيشها مجتمعنا حاليًا؟ ما هو دور التعليم والثقافة في مواجهة هذه القضايا؟ لماذا دراسة الفلسفة؟ ما هي الدروس التي تقدمها الفلسفة  للناس ويمكنهم أن يعملوا بها في حياتهم اليومية زمن الصراعات وانتشار اللايقين والتوحش؟

هذه أسئلة يجب على كل معلم الإجابة عليها في بعض الأحيان. وحتى لو لم تتم صياغتها بشكل صريح، فإننا نشعر بها معلقة في هواء العصر، وأحياناً فوق رؤوس بعض صناع القرار الذين يرغبون في تخفيف التعليم العام، من أجل تخفيفه أو جعله أكثر جاذبية. ومع ذلك، بدرجات متفاوتة، كل شخص يتفلسف، ويحتاج إلى القيام بذلك. وهذا مطلب ضروري للغاية لأنه لا يمكن للعلم ولا للأديان أن تحل محل التفكير الفلسفي. ولذلك يهدف هذا العمل إلى تسليط الضوء على معنى الفلسفة وأهميتها اليوم. ومن خلال محاولته فهم طبيعة ودور الأخير، فهو يسعى جاهداً للرد بشكل واضح ومباشر على هذه الأسئلة، وفي الوقت نفسه يقدم نداءً حيويًا لهذا النشاط الإنساني الحقيقي الذي هو التفلسف. إن السعي لمعرفة ما إذا كان ينبغي للمرء أن يمارس الفلسفة أم لا هو بالفعل فلسفة، لأنه بحث. علاوة على ذلك، فإننا نضطر سريعًا إلى ملاحظة أنه حتى الجدال ضد الفلسفة هو فلسفة بالمعنى الحقيقي للكلمة، كما لاحظ أرسطو في وقت مبكر جدًا. لأنك تجادل وبالتالي تدعي بعض الحقيقة؛ وإلا لماذا يجادل؟ وإذا تبين أن المشاكل الاجتماعية والمشاكل السياسية أصبحت أكثر تعقيدا، بمعنى "المنسوجة معا"، فإن نشر المعرفة يسير في الاتجاه المعاكس، في أعقاب متاهات أصبحت على نحو متزايد متخصصة، ومجزأة، ومنفصلة عن الكل. وهذا يكفي لإظهار الأهمية المتزايدة للفلسفة، التي كانت دائما تتعلق بالواقع برمته. الفلسفة عديمة الفائدة، بمعنى أنها لا تخدم شيئًا محددًا. إنها حرة ومستقلة. فماهي الفلسفة ان كانت بلا فائدة ؟ إذن ما فائدة الموسيقى؟ أو بمعنى آخر ما فائدة الصحة؟ وكلها تخدم الإنسان. والفرق هو أنهم يخدمون كل ذلك. وفي حالة الفلسفة، فإن الحياة الإنسانية بكل أبعادها هي التي تخدمها حقًا.  فهل الفلسفة مفيدة للمجتمع أم أنها ترف معرفي خاص بالقلة؟

إن "معركة الفلسفة" التي أثارها المكان المخصص لهذا التخصص في المشروع الإصلاحي لا تزال تبهر قرائنا. كتب لنا العديد من الأشخاص، بعد المقالات ليشاركونا ردود أفعالهم، وتدور العديد من رسائلهم حول مشكلة "الفائدة" - أو "عدم الجدوى" - لتدريس الفلسفة. هناك أيضًا أسئلة حول محتوى وطبيعة هذا التدريس، فضلاً عن أصوله التربوية. كل هذه الأسئلة ليست جديدة إذا حكمنا من خلال الدراسة الممتازة التي أجراها السيد بول جربود "الجامعة والفلسفة من 1789 إلى يومنا هذا". أليست الفلسفة معرفة مثل أي معرفة أخرى؟

الفلسفة هي المعرفة التي تسمح لنا بفهم واستخدام "كل المعرفة". وهذا يعني أنها ليست مجرد معرفة نقدية ولا مجرد معرفة بتاريخها الخاص (وهو ما يجعلها، على هذا النحو، مجرد ثقافة)، ولكنها توفر هذه الفائدة التي تتمثل في فهم الأشياء والعالم. لا يعني ذلك أن الفلسفة هي ما نسميه "تصورًا للعالم"، وهو ما من شأنه أن يضعها - من خلال ارتباك متكرر بلا شك، ولكن غير مقبول - بين جميع المنتجات الوهمية إلى حد ما للفكر الإنساني؛ على العكس من ذلك، بقدر ما تكون عقلانية بشكل حازم، فهي وحدها القادرة على جعلنا نفهم، من خلال التحليلات الدقيقة، أن ما تجعلنا نعرفه العلوم الوضعية المختلفة، تجعلنا نعرفه حقًا. لا يعني ذلك أن الفلسفة، بأي حال من الأحوال، قد "أسست" العلوم، وهو عملها الحصري. لكن الفلسفة وحدها هي القادرة على إظهار أن العلوم الحقيقية هي التي تجيب على الأسئلة التي يمكن أن نطرحها حول العالم، وهي الأسئلة التي تؤدي في أغلب الأحيان إلى الإسراف والاختراع الاعتباطي. ومن المفيد، بالمعنى الحقيقي، لطلابنا أن يعرفوا أن علم التنجيم خاطئ. وليس من اختصاص علم الفلك أن يعلم ذلك، بل من اختصاص الفلسفة، أي العقل المسلح بعلم الفلك، أي المعرفة الإيجابية التي يشرحها بشكل محدد، والتي لا تتمثل فائدتها النهائية في تنوير نفسها، بل في تنوير أنفسهم. أي تنوير العقل. وبهذا المعنى تكون الفلسفة مفيدة للغاية: فهي تعلمنا استخدام كل المعرفة التي قد تكون تحت تصرفنا، والتي بدونها ستكون معرفة لا تعلمنا شيئًا. علم التنجيم ليس سوى مثال هنا، ولكن بشكل عام يجب أن نرى كل شيء مفيد يمكن أن تجلبه إمكانية المعرفة - وليس فقط من أجل متعة الفهم ولكن أيضًا من أجل ضرورة العيش، التي تقدمها لنا العلوم، والإمكانية من المعرفة الحقيقية أننا نعرفها حقًا، ما هي الفلسفة التي تقدمها لنا، وهي هذه المعرفة. لقد تم دائمًا الاعتراف بأهمية الفيلسوف في المدينة بشكل أو بآخر. فحين تدين أثينا، على سبيل المثال، سقراط بشرب مشروب الشوكران، فإن قضاتها يريدون حماية الجسد الاجتماعي ضد تأثيرات الروح النقدية للفيلسوف. ونتفق أيضًا على إعلان أن روسو وهيغل هما آباء العالم الحديث، وأن القديس أوغسطين هو أب الحضارة المسيحية في العصور الوسطى. من ينكر أن فلاسفة مثل كيركجارد وماركس ونيتشه كان لهم تأثير عميق على قرننا هذا؟ أخيرًا، يؤكد مسح أجرته اليونسكو بهذه المصطلحات على الأهمية التي توليها هذه المنظمة الدولية لتدريس الفلسفة: "إن المكانة الخاصة جدًا التي أعطتها هذه الدراسة لتدريس الفلسفة تفسر من خلال الدور الذي تلعبه الأفكار الفلسفية في سلوك الناس ورأيهم... لقد كان لتطور الأفكار الفلسفية في التاريخ، ولا يزال حتى اليوم، أهمية كبيرة - سواء بشكل مباشر أو غير مباشر - في تأسيس الديمقراطية، وتعزيز حقوق الإنسان، والحفاظ على السلام العادل. " فمتى يعود للفلسفة دورها الريادي في المجال الأكسيولوجي بغية التمييز بين اللاانساني البشع والانساني النافع؟.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

اللغة هي ما نريد قوله بأسلوب كل منا، وهناك فروق فردية بين الأفراد في طريقة إيصال الكلمة أو الفكرة ونحن نعرف أن الكلمة تبقى هي الوسيط بين البشر وكما علمنا التحليل النفسي بأن الإنسان بما هو إنسان بقدر ما يتكلم ، وهناك فروق في الفرد نفسه في اللغة التي يتكلم بها، وهي أسلوبه في كيفية طرح ما يريد قوله، من حيث نغمة الفرح أو الحزن في الكلام، وهي بنفس الوقت تعبر عن لحظات الموقف الذي يتكلم به الشخص وهي كيفية استخراج أصوات الكلمة، أو الكلمات والجمل التي تكون مرتبطة بعضها البعض، فهي نمط شخصياتنا، نريد إيصاله لمن نتحدث معه، هي التي تجمعت وتراكمت وغدت لغة اللاشعور – اللاوعي، تعطي الاحترام لمن نتحدث معهم تارة، وتارة أخرى تعطي عدم الرضا، آه.. عندما نُجبر على قول ما لا نريد قوله، نرفضه ونخاف من هذا الرفض، فيداهمنا شيء من أعماق اللاشعور – اللاوعي هي الهفوات، أو ربما زلات اللسان والقلم، إذن لغتنا هي لاشعورنا – لاوعينا، وما نَكَنهُ للمقابل، في فرحٍ أو لحظة حزن، هو تمثيل نجاري به المواقف الحياتية، هي شخصياتنا.. علمنا بذلك، أم تغافلنا عن هذه المعرفة.

اللغة تكشف عما يدور في دواخلنا حتى وإن تم كبت ما نكرهه وما يؤلمنا، وما أحدث فينا شرخ في النفس، لابد وأن يعود، عودة المكبوت بسلوك آخر، لا كما كُبتَ، لؤم، أنانية، حقد دفين، كره لا يطاق لمن نتعامل معهم في الخفاء وتكشفه الهفوة في العلن، إنها النفس التي تخبئ بين حناياها ما لا نريد قوله، ولكنه يظهر، حتمًا سيظهر وإن كنا مع أقرب الناس معنا وهن زوجاتنا، إذا ما أصبحت موطن أسرارنا، وهو بالتأكيد لأنها تسمع تآوهاتنا في اللحظات الحميمة خلال العلاقة، وهي كذلك. أنه أمر محير أننا نعرف أنفسنا ولا نريد معرفتها !! هي اللغة الوسيط الذي به نستعين، وبه يكشف المضموم، المتخبأ لكل ما في أنفسنا. ويزودنا " فريدناند دي سوسير" عالم اللغة السويسري بأن الكلام الحقيقي والكلام الكامن بقوله: نسمي مقطعًا ما كان كلامًا حقيقيًا، وهو التوليفة من العناصر المحتواة في قطعة من كلام متحقق، أو هو أيضًا النظام الذي ترتبط بموجبه العناصر فيما بينها، من خلال ما يليها وما يسبقها، وهو مقابل للتوازي، أو الكلام الكامن " سوسير، في جوهري اللغة، ص 210" ويضيف " سوسير " إن التوازي أحادي الطرف للماضي غير المحدد هو ذلك الذي يجمع بين، من خلال استحضار وحدة فكرة ما. واستعراضها في الإبدال، وعلى رأي "سوسير" أن نستخرج مباشرة في كل لسان، وفي كل فترة من فترات وجوده، فضلا عن أننا نستطيع في بعض الأحيان التعرف على الظروف الموسومة بـ الصوتية، التي ينشأ فيها عنصري الإبدال، أو أحدهما على الأقل.. أنه اللاشعور – اللاوعي الذي يتحكم في لغتنا، وكان محقًا المحلل النفسي الفرنسي " جاك لاكان " قوله بأن للاشعور – للاوعي لغة خاصة. وقوله " نحن مسؤولون عن لاوعينا – لاشعورنا " وقوله أيضًا: الذات مسؤولة عن لاوعيها – لاشعورها. لذا فهو على حق حينما يقول أن اللاوعي – اللاشعور مبنيًا مثل لغة. واللغة عند "جاك لاكان" هو الواقعي الذي يرتبط به الرمزي والخيالي عن طريق هذه اللغة والخيالات – التخييل " دون أن يستنفذاه، بحيث يبقى الواقعي في مكانه، ويكتفي الخيالي وضع حجاب عليه، ويحاول الرمزي إيجاد وجهة له مقصيًا إياه حتى يصبح الواقعي ممكنًا، أي يتحول إلى واقع، وبذلك فالهذيان ناجم عن انبثاق الواقعي مستحيل، وهو في الوقت نفسه محاولة لدرء عنف هذا الواقعي المستحيل " النص منقول".

ولو عدنا إلى أن اللاشعور – اللاوعي باعتباره حامل خبايا اللغة ونقول عبر التخييل حيث أورده "سيجموند فرويد" في كتابه الشهير تفسير الأحلام حيث يشير إلى التخييلات بوصفها أبنية Structures  كذلك يشير إلى وجود عدد وفير من التخييلات في النطاق اللاشعوري – اللاواعي كما تدونها " د. نيفين في كتابها التخييل" ويحق لنا القول بأن للاحلام

لغة، وما نتحدث عنه من لغةٍ هي من بقايا تم خزنها في اللاشعور – اللاوعي، وأزاء ذلك فإن الكبت يظل مطلق القوى، إنه يسبب الكف للأفكار في لحظة تولدها، وقبل أن يفطن لها الشعور، ذلك إذا كان من شأن شحنتها أن تستثير اللا - لذة " نيفين زيور – التخييل ص24" ولذلك حينما نتكلم بلغة ونحاول إيصال فكرة، أو موضوع فإننا نتهيب " رهبة " الكلمات، ونوع الخطاب في الحديث أمام المقابل الذي يستمع لنا، ويتدخل الكف في أحيان كثيرة، وَيُستدرج الكبت بلغة اللاشعور – اللاوعي مهابة الحديث، فتفلت الكلمات وتحضر بهفوة، أو زلة لسان، هذا هو تأثير خبايا اللاشعور – اللاوعي في ما نريد قوله. إذن أن الحقيقة لا تقال كلها في لغة الكلام والتحدث، تظهر مُجَملةٌ – محسنة قدر المستطاع، ويكون حديثنا إلى من هو، إلى هو؟

ولو عدنا مرة أخرى لرؤية "جاك لاكان" عن اللغة وجدنا أن اللاوعي – اللاشعور مبني مثل لغة كما ذكرنا في السطور الماضية، ويذكر "جان ميشال بالميي" قوله: لقد أظهرت لنا الملاحظات السالفة كيف يمكن التعبير عن آليات الدفاع من خلال عمليات لسانية، صيغ بلاغية تضيء تُشكل العرض العصابي، إلا أن كل ذلك لا يكتسب معناه إلا عبر الاقرار بهذه الأطروحة الأساس: إن اللاوعي – اللاشعور يشاغل اشتغال لغة مَبنية " جان ميشال بالميي، تشكلات اللاوعي.

 " ويفترض " Meringer  " أن الأصوات المنطوقة المختلفة لها تكافؤ نفسي مختلف، فعندما ننطق الصوت الأول في الكلمة أو في الجملة بتعصيب فإن عملية الإثارة تمتد بالفعل إلى الأصوات اللاحقة والكلمات التالية، ويضيف أيضًا قوله إذا أردنا معرفة أي صوت في شدة أعلى، يجب أن نلاحظ أنفسنا عندما نبحث عن كلمة منسية، أو أسم شخص، فأول أسم يعود إلى الوعي هو من له أكبر كثافة قبل نسيان الكلمة، كما أن الأصوات ذات التكافؤ الأعلى هي الصوت الأول في المقاطع، والصوت الأول في الكلمة وأحرف العلة، هذه الرؤية يختلف معها "سيجموند فرويد" مؤسس التحليل النفسي قوله: لا يسعني سوى معارضته فسواء كان الصوت الأول أحد عناصر التكافؤ الأعلى لكلمة أم لا، فمن غير الصحيح بالتأكيد أنه أول من يعود إلى الوعي في كلمة منسية، لذلك فإن القاعدة المذكورة أعلاه غير قابلة للتطبيق" فرويد، علم النفس المرضي، ص 52" وخلاصة القول نستعير هذا النص: إن ما يقبع في اللاشعور – اللاوعي هو ما تنحني أمام سلطانه رقاب الناس.

***

د. اسعد شريف الامارة

جليان روز

ترجمة: علي حمدان

***

كارل ماركس

رغم أن مفهوم الأشكال المختلفة للثقافة التي تتعاقب على مر التاريخ يشكل محوراً أساسياً في فكر هيجل، فإن في فكر ماركس يتلخص في الأشكال الاجتماعية المختلفة التي تحددها أنماط الإنتاج المتعاقبة. ولم يكن لدى ماركس نظرية للثقافة بحد ذاتها. وكما قلت، كان لدى هيجل نظرية للثقافة، وكانت هذه النظرية هي الأساس لفلسفته للتاريخ. وفي أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت وجهة نظر ماركس جامدة في التمييز الثابت والميكانيكي والحتمي بين القاعدة الاقتصادية والبنية الفوقية الإيديولوجية والقانونية والسياسية.

وعادت مدرسة فرانكفورت إلى التمييز الديناميكي بين العمليات الاجتماعية والأشكال الاجتماعية الناتجة عن ذلك من خلال تبني نظرية ماركس في تقديس السلع وليس التمييز بين القاعدة والبنية الفوقية كنموذج للثقافة والإيديولوجية، وقد تلقت هذه النظرية بيانها الكلاسيكي في المجلد الأول من كتاب رأس المال، الفصل الأول، وفي جميع أنحاء كتاب "الاطروحة الأولى، الغروندريسة".

سأحاول الآن أن أعرض بشكل تقريبي  للغاية. نظرية ماركس في تقديس السلع. وإذا كنت لا تعرفها، فإنني أنصحك بإلقاء نظرة على هذه الصفحات القليلة من كتاب رأس المال، المجلد الأول. فوفقاً لماركس، يتم إنتاج السلع في مجتمع تُباع فيه قوة العمل مقابل أجر، وتتحقق القيمة الزائدة عندما يتم بيع منتج هذا العمل، ليس من قبل العامل، بل من قبل رجل الأعمال أو صاحب العمل مقابل ربح.

وهذا على النقيض من المجتمع ما قبل الرأسمالي أو المجتمع غير الرأسمالي حيث يقوم المنتج المباشر أو العامل إما باستهلاك أو بيع منتج عمله بنفسه. فهو لن يبيع قوة عمله، بل سيحقق مباشرة القيمة المضمنة في المنتج. وعلى هذا فإن السلعة، أي المنتج الذي يتم إنتاجه في ظل الظروف الرأسمالية، تتألف من عنصرين: قيمتها الاستعمالية، وقيمتها التبادلية.

إن القيمة الاستعمالية للسلعة، والتي يسميها ماركس أيضاً القيمة الاستعمالية، تعني صفاتها المحددة. على سبيل المثال، طعم التفاحة، أو دفء المعطف الذي ترتديه. أما القيمة التبادلية، على النقيض من ذلك، فهي ما يعادله سلعة ما كنسبة إلى سلعة أخرى، والتي يتم التعبير عنها عادة بالنقود. لذا فإن القيمة التبادلية هي نسبة، والقيمة الاستعمالية هي الصفات الملموسة للمنتج.

إن من نتائج هذا الانفصال بين الاستخدام والتبادل أن قيمة التبادل تبدو وكأنها سمة من سمات المنتج نفسه ـ أي سعره. والناس يعتقدون أن القيمة متأصلة في المنتج نفسه، وهم لا يدركون أنها في واقع الأمر تعبير عن علاقات اجتماعية وأنشطة محددة بين الناس. يقول ماركس:  "إن الطابع الاجتماعي للنشاط، وكذلك الشكل الاجتماعي للمنتج، وحصة الأفراد في الإنتاج، تظهر هنا في السلعة كشيء غريب وموضوعي". "إن العلاقة الاجتماعية المحددة بين البشر تتخذ الشكل الخيالي للعلاقة بين الأشياء". هذه هي الجملة الحاسمة. هذا ما يسميه ماركس بالصنمية ـ أي عندما تعامل شيئاً ما باعتباره شيئاً في حد ذاته، بينما هو في الواقع تعبير عن علاقات اجتماعية محددة بين الناس.

رأت مدرسة فرانكفورت أن فكرة تحويل العلاقات الاجتماعية الحقيقية بين الناس إلى علاقات بين الأشياء وسوء فهمها، قدمت نموذجًا للعلاقة بين العمليات الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية والوعي.

إن هذا النموذج، على النقيض من التمييز بين القاعدة الاقتصادية والبنية الفوقية الإيديولوجية، لن يختزل التكوينات المؤسسية والإيديولوجية إلى مجرد ظواهر ثانوية أو مجرد انعكاسات بسيطة لقاعدة. بل إنه من شأنه أن يقدم تفسيراً اجتماعياً للتحديد الاجتماعي والاستقلال النسبي للأشكال الاجتماعية الأخرى، مثل الثقافة. كما قدم وسيلة للقول بأن شيئاً ما محدد اجتماعياً ولكنه أيضاً يتمتع باستقلال جزئي.

إن ماركس لا يقول، على سبيل المثال، إن الأوهام التي تنشأ عن تقديس السلع خاطئة؛ بل يقول إن هذه الأوهام ضرورية وحقيقية، ولكنها مع ذلك مجرد أوهام. وهذا ما أطلقت عليه مدرسة فرانكفورت منذ جورج لوكاش فصاعداً "التشيء" ـ وهو المصطلح الذي لم يستخدمه ماركس نفسه، وإن كان لأسباب مختلفة قد ارتبط بماركس نفسه.

في واقع الأمر، كان تبنيهم لمفهوم التشيء هذا سبباً في منح أعضاء مدرسة فرانكفورت المختلفين حرية هائلة في تفسير ماركس على نحو مختلف. وحتى نظرية تقديس السلع أصبحت تدعم فلسفات مختلفة تمام الاختلاف للتاريخ ومواقف سياسية ونظريات ثقافية مختلفة تمام الاختلاف. وهذا كل ما سأقوله عن تكييفهم العام لماركس في الوقت الحالي.

فريدريك نيتشه

والآن سأتحدث عن اهتمام مدرسة فرانكفورت بنيتشه. فمن الشائع أن يستغل منظرو الاجتماع والسياسيون اليمينيون في القرن العشرين أفكار نيتشه استغلالاً سيئاً. على سبيل المثال، ربما سمعتم عن أوزوالد شبنجلر أو إرنست يونجر. ولكن ليس من المعروف على نطاق واسع أن نيتشه كان له تأثير هائل على منظري اليسار في القرن العشرين.

ومن بين هؤلاء الذين نهتم بهم  بشكل خاص، ينطبق هذا على بلوخ وهوركهايمر وبنيامين وأدورنو. لماذا اهتموا بنيتشه؟ لقد اهتموا بنيتشه لعدد من الأسباب، وسأذكرها بإيجاز شديد:

لقد رفض نيتشه فلسفة التاريخ التي تقوم على فكرة هيجل عن غاية نهائية أو هدف في التاريخ، أو مجتمع مثالي في المستقبل، أو التوفيق بين كل التناقضات. لقد رفض نيتشه هذا الموقف. لقد طبق مفهوم التناقض على فلسفة التاريخ المتفائلة ذاتها ـ على سبيل المثال، أن عملية التغيير التاريخي قد تتحول إلى نقيض لجميع القيم المثالية. وهذا ما أطلق عليه هوركهايمر وأدورنو فيما بعد "جدلية التنوير".

لقد اهتموا بنيتشه لأنه انتقد المفهوم الفلسفي التقليدي للذات. هذا المفهوم الفلسفي التقليدي للذات، والذي تبنته أيضًا بعض أشكال الماركسية، على سبيل المثال التفسير الوجودي للماركسية، هو أن وحدة الوعي هي أساس كل الواقع. على العكس من ذلك، اعتقدت مدرسة فرانكفورت أن الواقع الاجتماعي لا يمكن اختزاله في مجموع حقائق الوعي. لقد استخدمت هذه النقطة للتأكيد على أن الواقع الاجتماعي لا يمكن اختزاله في وعي الناس به، ولكن أيضًا على أن تحليل التحديد الاجتماعي لأشكال الذاتية أمر ضروري: أن الذاتية هي فئة اجتماعية.

والسبب الثالث وراء اهتمامهم بنيتشه هو أن فكر نيتشه يقوم على فكرة "إرادة القوة". وكانت مدرسة فرانكفورت مهتمة أيضاً بتحليل أشكال جديدة من الهيمنة السياسية والثقافية المجهولة والعالمية التي تؤثر على الجميع على قدم المساواة، والتي تمنع تشكيل وعي طبقي بروليتاري تحرري.

رابعاً، اهتموا بنيتشه لأنه شن هجوماً على الثقافة البرجوازية في عصره. ومثله كمثل ماركس، أشار إلى "التفاهة البرجوازية". وكانت مدرسة فرانكفورت أيضاً راغبة في إظهار عودة التناقضات الاجتماعية في كل من ما يسمى بالثقافة الشعبية وما يسمى بالثقافة الجادة . وكانت المدرسة تنتقد على حد سواء الثقافة الراقية والثقافات الشعبية، إذا صح التعبير. بل إنها رفضت هذا التمييز.

والسبب الأخير وراء اهتمام مدرسة فرانكفورت بنيتشه هو أن نيتشه أنتج تحليلاً لولادة التراجيديا في المجتمع اليوناني، وهو تحليل كان راديكالياً اجتماعياً، وعلى النقيض من التقليد الأقدم في الفكر الألماني، لم يقم بإضفاء المثالية على المجتمع اليوناني. وقد وفر هذا نموذجاً لتحليلات مدرسة فرانكفورت للأجناس الأدبية في المجتمع الرأسمالي المتقدم. وقد ركزت مدرسة فرانكفورت على الشكل الأدبي، وليس المحتوى.

سيغموند فرويد

وأخيرا، أود أن أقول بضع كلمات عن اهتمام مدرسة فرانكفورت بفرويد. فإذا كان المفهوم التقليدي للذات غير مقبول، فما الذي كان ليحل محله؟ لقد استخدمت مدرسة فرانكفورت النظرية الفرويدية لتفسير التكوين الاجتماعي للذاتية وتناقضاتها في المجتمع الرأسمالي المتقدم. واعتقدت أن النظرية التحليلية النفسية من شأنها أن توفر الصلة بين العمليات الاقتصادية والسياسية والأشكال الثقافية الناتجة عنها.

ولكن هذا الاتجاه لم يتجه إلى أعمال فرويد اللاحقة الأكثر وضوحاً ومباشرة في علم الاجتماع، مثل كتاب " قلق الحضارة". بل استند في تفسيره إلى تحليل المفاهيم التحليلية النفسية الأكثر مركزية التي طرحها فرويد. وقد انجذب بشكل خاص إلى موقف فرويد القائل بأن الفردية تشكل إنجازاً، وليست مطلقة أو مسلماً بها. وكان الاتجاه يتمنى تطوير نظرية لفقدان الاستقلال أو انحدار الفرد في المجتمع الرأسمالي المتقدم لا تهدف إلى إضفاء المثالية على ما كان يعتبر في المقام الأول استقلالاً أو فردية.

وقد استخدم هذا المنهج النظرية الفرويدية في العديد من دراساته الرئيسية: في دراساته حول قبول السلطة وإعادة إنتاجها في المجتمع الرأسمالي المتأخر؛ وفي فحصه ومحاولاته لتفسير نجاح الفاشية؛ وفي تطويره لمفهوم صناعة الثقافة، وتأثيرها على وعي الناس ولاوعيهم؛ وأخيراً في التحقيق العام في إمكانية أو استحالة التجربة الثقافية والجمالية في المجتمع الرأسمالي المتأخر.

***

.............................

* Marxist Modernism: Introductory Lectures  on Frankfurt School Critical Theory by Gillian Rose.

 

يقول الشعراء خذوا وقتا لتشمّوا رائحة الورود، لا تعيشوا فقط في الحاضر. عندما يكون الماضي ممتلئاً بالأسى والمستقبل يدعو الى القلق، فربما يبدو من المعقول ان الحاضر وحده يقدم السعادة. لكننا في هذا المقال نجادل بما يعاكس ذلك، اي ان الحاضر لا يعني كل ما يتعلق بالسعادة – خاصة عندما نعني بالحاضر اللحظة الحاضرة المباشرة المنفصلة عن الماضي والمستقبل.

مع ان السعادة يحيط بها الغموض ويصعب تعريفها، لكننا نقول دون شك ان السعادة يجب على الأقل ان تتضمن استجابة محسوسة من جانب الكائن الواعي نحو أشياء جيدة في حياته. لذا فان السعادة هي دائما حول الحياة ولا تُعرّف أبدا وفق لحظات مختزلة ومباشرة من المتعة تؤخذ بشكل منعزل، وانما طبقا للعديد من مظاهر الحياة الجيدة التي هي ذاتها معقدة ومؤلفة من عدة أجزاء. دعونا نسمي تلك المظاهر بـ  الكليات "wholes". "كليات" الحياة نعني بها الأحداث والعمليات التطورية المستمرة بدلا من ان تكون حالات ساكنة  وهي تتضمن، مكونات من الحاضر المعاش، الماضي المعاش وكذلك المستقبل الذي سيُعاش. هي ايضا تدمج أحداثا لحيوات اخرى لا تُعد تؤخذ مجتمعة لتشكل نوعا من "مجموعة من الأحداث". الحياة وفق هذا المعنى مرتبطة بشكل لا ينفصم، بأحداث تمتد مؤقتا لتدمج الماضي والحاضر والمستقبل، وهي ليست مجرد سلسلة من اللحظات مثلما السمفونية ليست مجرد سلسلة من النغمات. الماضي والحاضر والمستقبل يشكلون كليات أحداث الحياة وهم المادة الاساسية للتجربة. بالضد من الكثير من الفكر المعاصر، ان لحظات الحاضر المعزولة يتم تجريدها من الكليات الملموسة التي تشكل التجربة الحقيقية لأغراض التحقيق الفلسفي بنفس الطريقة التي يتم بها تجريد الأعضاء الحية المنعزلة من الكائن الكلي لأغراض التحقيق البايولوجي. التجريد هو دائما مسألة تفكيك ما تم العثور عليه في الواقع التجريبي من خلال الفصل التأملي لما لا يمكن فصله في الواقع. ومع ان هذا قد يقوم بمهمة التحقيق فقط عبر توجيه التركيز، لكن المرء يجب ان لا ينتابه قصر النظر تجاه العنف الذي يلحقه بالحقيقة الملموسة.

تعبير واضح عن الموقف المعاصر المهيمن في هذا الموضوع يمكن العثور عليه في مقالة أخيرة نُشرت من جانب معهد الفن والافكار لإستاذ الفلسفة ستيفن كامبيل هاريس Campbell Harris بعنوان "الحاضر هو كل السعادة". يشير كامبيل الى الشكوك في الفرق الذي يطرحه علماء النفس عادة بين السعادة كـ "حكم حول شعور المرء بالقناعة او عدمها اثناء حياة المرء الكلية ، والسعادة كاستجابة شعورية فورية لّلحظة الحاضرة. كما هو يوضح، "القناعة بالحياة، ليست منفصلة عن الرفاهية العاطفية وانما جزء منها". كذلك، هو صائب في القول، ان الانفصال المفترض بين التجربة المعاشة والذكريات المسجلة، التي تؤخذ لدعم الفرق بين الرفاهية العاطفية الفورية والقناعة الكلية للحياة، هو ايضا ضعيف. الذكريات تدخل الى معظم او كل ما نسميه "التجربة الحاضرة"، بحيث لا يمكن فصلها. هذا الزواج الذي لا يمكن فصله يتم توضيحه بشكل جميل من جانب الروائي الفرنسي مرسيل بروست مؤلف رواية (البحث عن الزمن المفقود) الذي يعبر عنه شعريا  في عمله الشهير "سلسلة مادلين". بينما هو يستمتع بواحدة من الكعكات الصغيرة مع الشاي هو فجأة يستحضر ذاكرته الطفولية، حين استمتع قبل عدة سنوات بتلك الفتات التي اُعطيت له من جانب عمته صباح يوم الاحد .

وفق هذه الرؤية، ولكن في سياق فلسفي، البروفيسورة ماريا شيختمان Marya schehtman في تفسيرها لنظرية جون لوك ترى ان الذاكرة تشكل استمرارية الذات او الهوية الفردية، تقول:  "انها خاصية حاسمة ومميزة لذاكرة ذواتنا الماضية، حيث لا يتم اعتبار المنظور الذي يتم تذكره فيها مجرد شيء، بل يتم اعادة تجربته ايضا". (لوك والنقاش الحالي حول الهوية الفردية،2021).

توقّع المستقبل، ايضا،يلعب دورا في الحاضر المعاش – ربما كل الوقت ما عدى في لحظات صرف الانتباه او النوم العميق. وكما يحصل في حياتنا اليومية، نحن لا ننشغل ابدا فقط في لحظة حاضرة تؤخذ منعزلة وانما نحن دائما نمتد مؤقتا عندما نستخدم مخزون ماضينا في فهم الحاضر لتوقّع المستقبل. وهكذا ماضي المرء المُعاش، والحاضر والمستقبل هم (كما تقول شيختمان) في كل الحالات وُجد انهم ينمون مجتمعين  لصنع تجربة المرء المُعاشة. الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون تحدّث شعريا وفلسفيا حول هذا في عمله (مدخل الى الميتافيزيقا،1903) : "هناك تتابع في الحالات، كل حالة تعلن عن ما يليها وتحتوي على ما قبلها".

لكن ألا يصطدم هذا  مع ادّعاء كامبيل هاريس والرؤية الواسعة الانتشار التي يمثلها بان "الحاضر هو كل ما يتعلق بالسعادة"؟ اذا كان الماضي والحاضر والمستقبل ينمون مجتمعين ومترابطين بإحكام  ليشكلوا كلّ موحد ومتماسك في التجربة، وان "الكثير مما نسميه "تجربة حاضرة" مرتبط بذاكرتنا طالما نحن دائما نتوقع ما يحدث لاحقا مما حدث سابقا" (الحاضر هو كل ما يتعلق بالسعادة،2022)، عندئذ كيف يمكن القول ان الحياة "هي فقط سلسلة من اللحظات"، او ان سعادتنا تعتمد فقط على تلك اللحظات؟ الحاضر الفوري، مأخوذا كلحظة بدون أبعاد وبدون عمق ماضي- مستقبل، هو كالشكل المجرد من تجربة معاشة واقعية كتتابع فقط من هذه النقاط، والنقاط ذاتها كأشياء فعلية تُصنع منها تجربة الحياة، هي تبنّي ما يسميه الفيلسوف والرياضي الفريد نورث وايتهد (العلم والعالم الحديث،1925) مغالطة وضع الملموس في غير محله التي تخلط بين تجريداتنا وبين المادة الملموسة للواقع. وكما يتبين من خطوط المغناطيسية في الفيزياء، الكل لايتجاوز فقط الأجزاء وانما يسبقها. كذلك مع التجربة. نحن نبدأ بتجربتنا الملموسة ومن ثم في تفكيرنا حولها، نجرّد منها لحظات فردية للتجربة.

السقوط في الزمن

سوف نسلّم بالارتباط الذي لا مفر منه حسب كامبيل هاريس بين الذاكرة، توقّع المستقبل، وتجربة الحاضر، وبشكل غير مباشر الربط بين الحكم على القناعة الكلية بالحياة والعواطف الايجابية المحسوسة فوريا كالبهجة. اول خطوة نختلف عندها هي عندما  يقترح كامبيل اننا لا يجب ان "نفضل القناعة (الرضا) على العديد من العواطف الايجابية الاخرى، مثل البهجة، الاثارة، الاتصال ". بدلا من ذلك، وبينما نعترف بالدور المهم لكل واحد من تلك العواطف في الحياة الجيدة، لكننا نرى ان الإحساس بالقناعة الكلية للحياة له أهمية خاصة عندما نأخذ بالاعتبار الطبيعة الكلية للتجربة المعاشة.

يفترض كامبيل ان "غياب الحجج المقنعة يوضح سبب هذا التفوق النوعي لهذه القناعة على كل المشاعر الاخرى". الفرنسي الوجودي البير كامو (1913-1960) يؤيد هذه الفكرة. اذا كان المعنى الموضوعي غائبا تماما من العالم والحياة كانت سخيفة، كما يرى كامو، فربما يتبع ذلك اننا يجب ان نتوقف عن البحث عن المعنى وراء المتع العابرة مهما صادف ان نعمل في هذه اللحظة. لكن حتى كامو بالتأكيد وجد بعض المعنى في القناعة الكلية للحياة أمام السخافة من خلال كتاباته.

الفينومينولوجي مارتن هايدجر(1889-1976) يعرض عدة حجج حول تفوّق القناعة الكلية للحياة. في عمله الشهير (الوجود والزمن،1927)، يكتب ان الكائن البشري (الذي يسميه دازين والتي تعني بالألمانية الوجود) له تركيب ثلاثي يرسم بدقة الماضي والحاضر والمستقبل. دازين هو في العالم كوجود ملقى – بمعنى وجود اُسقط دون ان يُسأل عن عائلة، تربية، ثقافة، لحظة تاريخية، تطور طبيعي وغيره.

وليم باريت عبّر عن هذه النقطة بجدارة:

"انا لم أختر والديّ" لذا قبل ان يختبر المرء ذاته او أي شيء لأجل تلك المسألة، سيجد ذاته سلفا ضمن اسم ودور في مكان وزمان معينين. بالنسبة لنا كوجودات مُلقى بها، الماضي والحاضر بدرجة ما هما غير مختارين، لذا فان معاني النشاطات التي ننشغل بها تصبح ذات معنى فقط في ضوء تطوراتها المستقبلية. لذلك فان دازين هو دائما موجّه نحو مستقبله. فمثلا، عندما أكتب حاليا، تكمن في ذهنيتي الخلفية رؤية خام عن إستكمال ونشر ما أكتب. مع ذلك، هذا لا يجب ان يُفسر كهدف ثابت لي مرئي بالضرورة ، وان جهودي ستكون بلوغ الرؤية المذكورة. بدلا من ذلك، الرؤية هي مرنة وعرضة للتعديل في كل الأوقات. كل ما أعرفه على وجه اليقين عندما أكتب هذه الكلمات، هو اني ربما بدلا من ذلك أهمل هذه المقالة او احاول ان عمل منها منولوج صوتي .

دازين كوجود اُلقي به لتوجيه نفسه للمستقبل (الذي يسميه هايدجر اختصارا thrown projection)، هو دائما بطريقة ما منشغل مباشرة بالعالم. يجب ان يتعامل مع كائنات بشرية اخرى بالاضافة الى كل انواع المخلوقات الاخرى في بيئته عند التهيؤ نحو مستقبله المفتوح من وجهة نظر مرتكزة في ماضيها. فمثلا، أثناء كتابة هذا المقال، أحتسي شايا ساخنا أخضر واستبعد القهوة، انا اتعامل مع مراوغات جهازي اللابتوب القديم، بينما افحص ايضا الايميل والطلبات وصياغة الفواتير لفعاليات عملي في مجال الطعام . ربما لا حاجة للقول الآن ان التوسع المؤقت في التعامل مع العالم يرتبط مع الحاضر.

مع الأخذ بالإعتبار لكل ذلك، يرى هايدجر الدازين نوع من الزمانية المجسدة، ليست حاضرة فقط في مكانها وزمانها، وانما في كل الحالات الممتدة على طول زمانها لأنها تتعامل مع حاضرها لكي تتهيأ نحو مستقبلها بالإعتماد على ماضيها. في الحقيقة، في مختلف المقاطع من كتاب الوجود والزمن، يقول هايدجر ان دازين هو فقط التقدم الخطي للماضي والحاضر والمستقبل (temporality).

من أجل ماذا؟

الأساس لهذه الثلاثية الزمنية هي ما يسميه هايدجر مقتفيا اثر ارسطو الغرض for the sake of which . بالضبط كما يبدو، هذا الغرض هو لأجل وجود الدازين او الكائن البشري.

التفسيرات المعاصرة لهايدجر عادة تأخذ هذه الفكرة كما لو كانت حول مهنة الفرد. لكن لأجل ماذا  او الغرض يمكن ان يكون عدة أشياء غير المهنة، وانها ليست ثابتة ولا خاصة. يمكن ان تكون هناك عدة أغراض، وهي يمكن ان تتغير طوال حياة الفرد. يقول روب جلبرت :انه أكثر من مجرد كاتب، انا أرى نفسي كرجل أعمال في مجال الأغذية ، طباخ، موسيقي، مهرج، صديق. هذه كلها اشياء لأجل غرض ومعظمها لا استلم منها قرشا واحدا. لإجل هذا النقاش نستطيع القول ببساطة ان الغرض يسمح لنا بالحكم على القناعة الكلية بالحياة. السبب هو واضح: هذه القناعة تتماشى مع حياة تتوافق مع غرض الفرد، وفقدانها يتماشى مع حياة لا تتوافق مع غرض الفرد، او حياة لم يتحدد بها غرض الفرد في المقام الاول. الرضا العام عن الحياة هو مسالة العثور على غرض الفرد ومواءمة حياة الفرد معه.

من المهم ان غرض الفرد لا يُعطى ابدا. انه يستلزم معطيات تتضمن المواهب، التأثيرات الاجتماعية والثقافية، الضغوط، الميول الوراثية المسبقة. لكن الغرض ذاته لا يُعطى ابدا بشكل اوتاماتيكي بواسطة هذه المعطيات. استخراج المعادن من خام ظروف الفرد هو عمل ابداعي. انه حصرا بيد الفرد، وانه الأعظم أهمية في كل الأعمال طبقا لهايدجر.

ان الغرض لا يعني الإنهماك او الهوس بالشيء. انه سوف لن يحقق وظيفته المتمثلة في ارساء حياتنا، وذلك فقط لان الحياة المكرسة حصريا للتفكير في هدف الفرد بالكاد تتطور وتحتوي على القليل من الاشياء الاخرى التي يمكن ان يرتكز عليها هدف الفرد.  وبعبارة اخرى، هدفنا ليس للتفكير في هدفنا وانما، حالما يتم التفكير والاعتراف به، فان هدف الفرد سيستقر بقوة في الخلفية الذهنية، ليشير الى انخراطنا بأي شيء كان  في ذهننا. ذلك لا يعني ابدا ان دوره التأسيسي في حياتنا يمنعنا من ان نكون عفويين او في اتّباع اللحظة الحاضرة. في الحقيقة، انه فقط بعد توافق حياتنا مع الهدف، سوف لن تكون هناك حاجة للتفكير والتركيز في سؤال الهدف. تحقيق عفوية هادفة وحالات من التدفق دون اعتبار لهدفك هو كما لو ان شخصا ما ليس لديه آلة موسيقية فجأة يلتقط الغيتار ويعزف ويغني مقطوعة متقنة من موسيقى فلمنكو.

قناعة الحياة من خلال السعادة:

كامبيل – هاريس يعرض تجربة فكرية تتألف من اثنين من السيناريوهات: واحد فيه قناعة الحياة الكلية هي الحاضر، وآخر تكون فيه القناعة غائبة. كونك تأملت الاثنين، سنسأل أي سيناريو تفضل:

"في الاول، حياتك اليومية في معظمها متوترة وباعثة على القلق، مع انفجارات للبهجة والمتعة احيانا. مع ذلك، عندما تفكر بحياتك انت تجد انه – رغم صعوباتها – انت مقتنع. انت تشعر صنعت فرقا في العالم وتحكم على حياتك بانها جديرة بالاستحقاق. في السيناريو الآخر تكون حياتك اليومية معظمها ممتعة . انت نادرا ما تشعر بالحزن او عدم الراحة او الخوف. لكن عندما تاخذ وقتا لتفكر حول حياتك، انت تشعر بفراغ. انت تتمتع بحياتك، ولكن حتما ذلك لن يجعلك مقتنعا".

كامبيل هارس يستعمل هذه التجربة الفكرية لتوضيح الفرق بين السعادة من القناعة بالحياة والسعادة من المشاعر الفورية كالبهجة. في فلسفة السعادة،منذ ايام افلاطون، جرت المقارنة بين الحياة الجيدة eudaimont والمتعة على التوالي كنوعين اساسيين للسعادة يُفترض ان كامبيل يفضل النوع الاخير الذي تكون فيه الحياة اكثر متعة، طالما يبدو (على الاقل كما يعرضه) يتضمن سعادة كلية حاضرة اكثر من الاولى. لكننا نعتقد ان أغلبنا سيفضل الاولى لأن الحياة بدون أي هدف يتعدى المتعة الفورية تبدو فقيرة – في الحقيقة حياة بدون سعادة حقيقية. اذا كان ذلك هو الموقف، فان السيناريوهين  كما عُرضا هما اسيء فهمهما. الفرد في السيناريو الاول، رغم انه مرهق، سوف لن يكون تعيسا في النهاية طالما ان الرضا العام عن الحياة قائم لإرساء سعادته الدائمة. والسيناريو الأخير يتضح تعيسا نتيجة لغياب الرضا. في الحقيقة، كيف لا تشعر بالحزن اذا كنت تشعر بالفراغ بشكل غريب عندما تتأمل في حياتك؟.

يقول كامبيل هارس "نحن نخدع أنفسنا عندما نعتقد اننا عند النظر الى حياتنا ككل، نستطيع تجاوزها". لكن ذلك لا ينفي قدرتنا على النظر لحياتنا بالكامل من الداخل. بالتأكيد، نحن كبشر فانين، حياتنا بالكامل غير متجسدة لنا طالما ان رحيلنا في الموت هو وحده يشير لإكتمالها. غير ان ذلك لا يعني اننا لا نستطيع مواجهة كامل حياتنا من داخلها. في الحقيقة، هناك إحساس لا يسعنا فيه الاّ القيام بهذا أحيانا.

ربما الأكثر أهمية، هو تأسيس قناعتنا الكلية في الحياة (مهما كانت ناقصة) والتي بدورها تؤسس سعادتنا. يجب ان تتم هذه القناعة لتتناسب مع سياق حياتنا. المدرس يجب ان يجد طلابا، الفنان يجب ان يجد وسيطا،على الأقل ان يجد مشاهدين. اذا وجدنا هذا التناسب مهما كان ناقصا، سيبقى ثابتا كأساس لحياتنا ككل، يقودنا نحو رضا من خلال السعي وراء كل أنواع المرح. كل هذه الانواع من البهجة تنمو مجتمعة الى كلّ لا ينفصل من السعادة.

ان أنقى وسيلة للاعجاب باللحظة يمكن العثور عليها في فن التأمل، وهو المثال الذي يعرضه كامبيل هاريس. انه خصيصا هنا حينما ننسى حياتنا الكلية ونفقد أنفسنا في الحاضر. المعارضة للإعتقاد الشائع بان الحاضر هو كل ما يتعلق بالسعادة ليس اقتراح ان نتخلص من الوصية البوذية لنصبح اكثر التصاقا بالحاضر. بل، انه اقتراح باننا نوسّع فكرة تركيز كامل الذهن لتتضمن الماضي المتجذر الذي يجعل الحاضر ممكنا، بالاضافة للمستقبل المفتوح . بهذا المعنى، ربما الماضي والحاضر والمستقبل كلها تشبه الحاضر للتجربة.

يجادل وايتهد ان التجربة هي عملية أكثر من كونها وجودا: انها تدفق مستمر، ولا وجود هناك للحظة ثابتة نتوقف عندها. التجربة تشبه نهرا كما يذكر هيرقليطس في عدم امكانية النزول في النهر مرتين بحيث نتوقع انه في المرة الثانية كالاولى. برجسون يوضح ذلك : "خذ أبسط الإحساس، إفترض انه يستمر ... الوعي المصاحب لهذا الاحساس لا يمكن ان يبقى مشابه لذاته للحظتين متعاقبتين لأن اللحظة الثانية دائما تحتوي بالاضافة للاولى، الذكرى التي أورثتها اللحظة الاولى". (مدخل الى الميتافيزيقا،1903).

اذا قبلنا المعنى الشائع على نطاق واسع للحاضر، باعتباره دمجا للماضي والمستقبل، فسيتبيّن بشكل تافه ان الموقف المعاصر هو الصحيح. اذا كان كل ما هناك هو الحاضر، فلا يمكن ان يكون هناك شيء آخر للسعادة.

*** 

حاتم حميد محسن

تمهيد: سبق لي ونشرت مقالة بعنوان (ميرلوبونتي ونفي واقعية الحقيقة) وهذه المقالة تكملة لها.

يذهب ميرلوبونتي نحو تناول موضوعات كلاسيكية بالفلسفة بنوع من التغريب الذي يثير نوعا من الحساسية الفلسفية. فهو مثلا لا يعترف بوجود (ذات) مدخّرة في عالم الانسان الداخلي كما ذهب له القديس اوغسطين. طالما ان هذه الذات لا يمكننا التحقق منها كموجود يمتلك استقلاليته الا في مغايرتها المعاشة ضمن عالم خارجي يحتويها.

ويذهب ميرلوبونتي ابعد اكثر الى ان العالم الخارجي ليس حقيقة. وكذلك (الذات) ليست حقيقة.أعتقد انه من المتفق عليه انه بدلالة العالم الخارجي ندرك ذواتنا بمغايرة ادراكاتنا الموجودات. وليس بهذه الخاصية الادراكية المتفردة نستطيع معرفة حقيقة العالم الخارجي ايضا.الذات جوهرفردي لا وجود حقيقي له سوى بالمغايرة الادراكية العقلية للاشياء والتفكير بما حولنا من موجودات في عالمنا الخارجي والطبيعة وموضوعات الخيال الميتافيزيقي.

العالم الخارجي مفهوم وليس مصطلحا لكينونة وجودية متعيّنة ماديا محدودة بابعاد الموضوع سواء اكان الموضوع ماديا أو غير مادي يدركه العقل ويمكنه بها معالجة العالم الخارجي كموضوعات. متى يكون موضوع تفكير العقل غير مادي؟ كل مواضيع تفكير العقل المستمدة من الخيال هي غير مادية بمعنى هي تجريد صوري تتمثّل الواقع. إنها تصورات ذهنية يبتدعها العقل ويعبّر عنها لغويا او يتم التعبير عنها بأنشطة ادبية وفنية. وحتى الصمت الحركي جسديا كما في المسرح الصامت واليوغا واوضاع حركات الجسم الايحائية غير الناطقة لغويا كما في الرقص والباليه وطقوس العبادات الصوفية الوثنية منها والتوحيدية على السواء.

في الواقع ميرلوبونتي كان قريبا جدا من فلاسفة الوجودية وفينامينالوجيا هوسرل وهو محسوب فلسفيا عليهما لذا نجده يكرر المرادف الفلسفي للذات على انها وعي قصدي يحتاج العالم الخارجي لتوكيد ذاتيته الموجودية بالمغايرة في تاكيد وجوده وسط عالم يحتويه كانسان. والذات من دون وعي قصدي هادف يلازمها سلوكيا ومعرفيا لا وجود حقيقي لها على ارض الواقع.

كما انكر ميرلوبونتي مقولة القديس اوغسطين اعتباره الحقيقية – هكذا وردت في اطلاقية غير محددة في ترجمة دكتور زكريا ابراهيم لم يذكر بأي نوع من الحقيقة يقصد اوغسطين كون الحقيقة مفهوما فلسفيا مطلقا يصل احيانا حد البحث عنها يكون ضربا من الميتافيزيقا. والحقيقة ليست مصطلحا فلسفيا متفقا عليه محدود الدلالة بل هي مفهوم لا نهائي مطلق .  انكر ميرلوبونتي مقولة اوغسطين الحقيقة وجودها العالم الداخلي للانسان وهي ادانة صريحة واضحة صائبة. والذات ليست حقيقة استبطانية يدّخرها العالم الداخلي للانسان. متعللا ميرلوبونتي بالمقولة الفلسفية عن الوعي القصدي التي تذهب الى ان الذات لا تعي وتدرك نفسها الا بالمغايرة الموجودية مع محتويات العالم الخارجي الذي ايضا انكره ميرلوبونتي ان يكون وجودا تتحدد موجودية الانسان بدلالة ادراكه العالم الخارجي.

ميرلوبونتي سقط في فخ انه ليس للذات علاقة تعريفية لها لا بوجودها خالصا وهو محال ولا في ادراكاتها ولا بمعيارية علاقتها بالعالم الداخلي ولا بالعالم الخارجي. اي وضع الذات في تصور ميتافيزيقي يتارجح بين اليقينية الواقعية والغياب التام عن الوجود. بينما الذات هي جوهر معطى لا وجود لما يسمى انسان من دونها وهو لا يمتلك ذاتا تلازمه. الذات كينونة الانسان في موجوديته وليست صفة خارجية ولا داخلية  تلازمه.

الشيء الذي يمكنننا التعقيب عليه هو ان التوليفة الثلاثية (الذات والعالم الخارجي والعالم الداخلي) انما هي توليفة من الصعب الغاء التعالق الادراكي المتواشج بينها رغم أن كلا منها تحمل استقلالية موجودية كمواضيع متفردة بخصائص نوعية فيزيائية  فلسفية ومعرفية يمكن ادراكها بانفصالية واحدة عن الاخرى كمصطلحات متفق عليهما.

لا الذات ولا العالم الخارجي ولا عالم الانسان الداخلي بدون العلائقية التعالقية الادراكية بينهم ثلاثتهم ينتفي ان تعرف الذات كموضوع مستقل استقلالية  تقوم على نوع من المقايسة المغايرة لثنائية الاخريتين منفصلتين احداهما عن الاخرى العالم الخارجي والعالم الداخلي وانفصالهما عن الذات بالتخارج التكاملي المعرفي مع الذات وعن العلاقة البينية التي تجمع بين العالمين ايضا بدون وعي ادراكي ذاتي يتوسطهما.. الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها بابتذالية فلسفية قولنا اننا ندرك العلاقات البينية بين عالمي الانسان الخارجي والداخلي من دون حضور الذات كوسيط فاعل غير محايد بينهما. هذا بمنطق الفلسفة يسمى هراء.

احتفاظنا بالافتراض الخاطيء بوجود ذات مستقلة عن روابطها وعلاقاتها المتواشجة المشتبكة بمختلف امور الوجود وموجودات العالم الخارجي وأحاسيس  استشعارات الجسم الداخلية لاشباع حاجاته البيولوجية والغريزية . تكون تصوراتنا جميعها عن العالم الداخلي هو محض هراء فلسفي افتعالي من المحال ان نجد تحققه لا في منطق الفلسفة ولا في بيولوجيا وظائف اعضاء واجهزة الجسم. حتى لو وردتنا هذه التقوّلات على مستوى التنظير التجريدي الفلسفي الصرف الذي يقوم على النمط النسقي في المنطق.

الذات الانسانية لا تعرف وجودها الحقيقي الا حين تكون محتواة ضمن عالمين غير منفصلين بينهما وغير منفصلين كليهما مع الذات هما العالم الخارجي والعالم الداخلي. العالم الخارجي هو الموجودات والمواضيع والظواهر الخارجية بضمنها الطبيعة التي تعيها الذات وتدرك تعالقها بها على صعيدي المغايرة الموجودية وصعيد التخارج المعرفي معها على صعيد اكتشاف القوانين العامة الطبيعية الثابتة التي تحكمها وصعيد القوانين العامة التي يخترعها الانسان الذي يجمعها والطبيعة معا.

اما تعالق الذات مع عالم الانسان الداخلي فتحكمه جميع الاحاسيس التي مصدرها عمل وظائف الجسم البايولوجية والغرائزية الفطرية معا. اجهزة الجسم بما تصدره من استشعارات بيولوجية ونفسية تصل الدماغ عبر منظومة العقل الادراكية عن طريق الجهاز العصبي، فتكون ردود الافعال الانعكاسية الارتدادية الارادية وغير الارادية العائدة ثانية للجسم من الدماغ انما هي ايعازات يريد الجسم فيها القيام بوظيفة اشباعها كحاجات تديم الحياة في الجسم مثل حاجة الانسان للاكل او النوم او الالم والحزن والخوف والجماع الجنسي وحاجات الغرائز الفطرية المزروعة داخل جسم الانسان داخليا.

 كل ما ذكرناه هو حاجات بيولوجية وحاجات غرائزية فطرية تتداخل فيها النفس مع السلوك ومع الذات في وعيها القصدي الهادف. الذات اشمل إحتوائيا من النفس كجوهرين متلازمين بحياة الانسان في وظيفتهما اشباع جميع الحاجات البيولوجية والغريزية للانسان التي هي اشباعات ما يريده ويرغبه الجسم في نوعين من الاشباع الجسدي الاول حاجات بيولوجية والثانية حاجات غرائزية فطرية بكل ماله صلة بالنفس وليس لما ترغبه وله صلة مباشرة بالذات التي تكون جميع افصاحاتها تجريدية صورية في تعبير اللغة والنفس عنها.. وليس معنى هذا ان اشباع غرائز الجسم الفطرية وحاجاته البيولوجية الحياتية بعيدة عن وعي الذات القصدي في تحققها.

كيف ومتى يمتلك الانسان ذاته؟

ميرلوبونتي حين يطرح إمكانية امتلاك الانسان لذاته التي يرغبها مستقلة استقلالية تامة عن كل رابطة تجمعها مع موجودات العالم الخارجي تخارجيا معرفيا متبادلا ولا اقول علاقة جدلية فجدل الذات مع الواقع اي مع موجودات العالم الخارجي غير متحققة بسبب الذات لا تمتلك خاصية التجانس النوعي مع كافة الموجودات التي تجعلها تدخل بعلاقة جدلية معها.(هذا الموضوع متى يحصل الجدل الديالكتيكي في المادة والتاريخ كتبت فيه اكثر من مقال).

أن تكون الذات جوهرا مستقلا استقلالية تامة عن علاقاتها التي تربطها بكل من العالمين الخارجي والداخلي كما يرغب ميرلوبونتي أن تكون الذات هو تهويم وهراء فلسفي يتجاوز طبيعة الذات انها ليست موضوعا لغيرها بل هي موضوع لحاملها يعيها الفرد فقط. حين تقول ذاتا فانت تقصد ذلك الشيء الملازم لعقل وجسد الانسان حتى الممات ويتجلى في افصاحات كيف يعيش الانسان عالمه الخارجي وعالمه الداخلي بعلاقة ايجابية يحقق فيها امتلائه النفسي والروحاني والمادي.

ذكرنا ونعيد التذكير به أن تعالق الذات بكل من العالم الخارجي والعالم الداخلي يمنحها خاصية عمومية تخرجها عن فردانية إمتلاكها لذاتيتها في وعيها الاشياء بمغايرة كيفية وامتلاكها موضوعاتها التي بغيرها تفقد الذات خاصية ارتباطها بالعالم الخارجي. وهذا لا يتم الا بعد عبور الذات لخاصية انتسابها الانفرادي انها خاصيّة شخصانية يمتلكها العقل وتمتلكه هي بتناوب تخارجي طبيعي معرفي متبادل بينهما. وجود الذات الافصاحي عن نفسها وليس عن ماهيتها مرتبط بالجسد واللغة.

الخطأ الكبير جدا قولنا الذات هي الجوهر المّدخر في عالم الاشياء او عالم الجسد داخليا. بل لكي نخلص من هذا الاحراج الافتعالي الاعمى اين توجد الذات؟ لا يشابه بالتاكيد مقارنته بسؤال اكثر احراجا قولنا اين توجد الروح؟ الذات هي جوهر تجليّات مقولات العقل عن مدركاته ليس في التعبير التجريدي اللغوي بل من حقيقة الذات علميا هي جوهر العقل السليم الطبيعي كيف يعيش الانسان الحياة وعالم الوجود والمجتمع بسلوك نفسي عقلاني متواشج الفعالية.

وحين إعتبر سارتر الذات وعي قصدي ملتزم بمسؤولية عن حريته ضمن موجوديته كفرد يعيش مجتمعا افراده احرار مثله. إنما كان يعّبر أن الذات سلوك فردي يعيش ويتصرف في كيفية فهمه الحياة منفردا كشخص هويته هي ذاته.

رب تساؤل مشروع يردنا كيف اذن نستطيع التفريق بين الذات كهوية انفرادية والماهية الانسانية كجوهر ملازم حياة الانسان كهوية؟ من يمنح الذات هويتها؟

بشديد العبارة المختصرة جدا نقول ان الذات ممارسة سلوكية يومية استهلاكية في تعامل الفرد مع المحيط والطبيعة وموجودات العالم الذي يحيط به. لماذا قلت ان سلوك الذات في تبادل تخارجي معرفي متفاعل مع المجتمع والمحيط هو استهلاكي؟ السبب لان الذات بعلاقاتها مع مدركاتها من الموضوعات والاشياء تسنفد من تلك المدركات اهميتها البعدية المعرفية لها. فحينما تنتهي الذات بافصاحاتها التخارجية مع الموضوع لا يبقى للموضوع اهمية بعدية في عودة الذات له  ثانية . بمعنى الذات في وعيها الادراكي الاولي لموضوعها اتخذت الاجراءات العقلية تجاهه بما تنتفي الحاجة العودة له ثانية. من المعلوم البديهي الذي لا يحتاج برهانه ان الذات في وعيها لمدركاتها لا تتموضع في تكويناتها ولو جزئيا. لكن الجديد فلسفيا هو ماجاء على لسان هوسرل اننا في جميع الاشياء التي وصلتنا عبر آلاف السنين انما تحمل مسحة من معرفة قبلية ندركها فيها. هوسرل الاب الروحي للفينامينالوجيا مثالي التفكير الفلسفي وما استشهدنا به يوّضح واحدة من شطحاته الميتافيزيقية.

اما الماهية او الجوهر عند الانسان لا غيره من الكائنات الحيّة وانا بهذا اذهب لتبني وجهة نظر سارتر هي بناء تراكمي تبنيه الخبرة المكتسبة عن وجود الانسان ضمن مجتمع يعيش حريته بمسؤولية اجتماعية. اننا بناء على هذا نستطيع القول الماهية هي شخصية الانسان الانفرادية التي يعبّر عنها الفرد سلوكيا ضمن مجتمع في مواجهته اسباب الحياة السلبية منها والايجابية. اما الذات مقارنة بهذا المعنى السلوكي الذي ذكرناه عن الماهية فهي جوهر العقل في فهمه وتفسيره ومعرفته الحياة ولكل شيء يدركه العقل او يتخيله موضوعا له.

الذات هي وعي قصدي متغيّر تعي نفسها وتعي اهمية ملازمتها لمواضيعها المدركة من قبلها. اما الماهية او الجوهر فهو الثبات الذي تدور في فلكه الصفات الخارجية التي لا تعبّر عنه مباشرة ولكنها تؤثر به تكوينيا. ومقارنة ذلك بالحيوان فهو بلا ماهية والسبب انه لايعي اهمية ان تكون له هوية خاصة خارج القطيعية النوع لذا تكون صفاته الخارجية هي ماهيته الجوهرية.

هل يمكننا تصور الذات بمعزل عما تجد فيه مغايرة موجودية تؤكدها؟

انا اجد في الطرح الذي يرغب استحضار(ذات) واقصد ميرلوبونتي هنا بمعزل عن العالمين الخارجي عالم الموضوعات والمدركات . والعالم الداخلي الذي هو عالم وظائف اجهزة الجسد المكتسبة منها والغريزية هو كمن يلعب باللغة بفائض التهويم الفلسفي التجريدي الذي لا تجد له معنى ولا اهمية. سبق لي قولي أن عبارة اوغسطين الحقيقة جوهر مدّخر في العالم الداخلي للانسان لا تحتاج الوقوف عندها ولا حتى رفضها كما فعل ميرلوبونتي. فهي ولدت ميتة. لسبب مباشر هو ماهي الحقيقة التي قصدها اوغسطين؟ نحن يمكن الاستفادة من صياغة عبارة اوغسطين البالية الركيكة تساؤلات لعل ابرزها برأيي هو ماهي الحقيقة التي قصدها اوغسطين؟ الحقيقة كما هي المتداول بالفلسفة والانشطة المعرفية الابستمولوجية غير المحكومة بتجريبية التطبيق العلمي هي مفهوم فضفاض  غير محدود لا يعني شيئا كما في المصطلح المتفق عليه.

الحقيقة غير النوعية المعروفة بها هي خارج المحدودية الادراكية للعقل كموضوع من جهة. وعالم  الانسان الداخلي هو عالم اشباع رغائب الجسم البيولوجية منها والغريزية الفطرية داخل الجسم التي تتحكم به الاحاسيس الصادرة عن اجهزة الجسم الداخلية. التي تكون خارج محدودية الوجود الانطولوجي للجسم.

امام هذه الواقائع العلمية اين يقع فهمنا ان الحقيقة استبطانية داخلية من غير معرفتنا أي نوع من حقيقة نقصد؟ وماهي صفاتها؟ وماهي علاقتها بالذات وبجسم الانسان الداخلي على افتراض أن أوغسطين عندما أطلق الحقيقة موجودة في عالم الانسان الداخلي لم يكن يهذي. ونستنتج انه لا الذات ولا الحقيقة ماعدا الاستشعارات الاحساسية التي تبعثها اجهزة الجسم الداخلية عبر منظومة الجهاز العصبي ومنظومة العقل الادراكية لاشباع حاجات الجسم الغريزية الفطرية وحاجات الجسم البيولوجية هي فقط الموضوعات التي يمكننا معرفتها ويمكننا التعامل معها في عالم الانسان الداخلي.حتى العواطف والقيم والمشاعر اللاشعورية ليس فيها حقائق اكثر من ردود الافعال الانعكاسية التي تصدرها مناطق في قشرة الدماغ والفصوص المخيّة. وهذه الردود الدماغية الانعكاسية هي التي تحدد وعي الذات وافصاحات النفس بضمنها السلوك والوعي القصدي الهادف.

ميرلوبونتي بعد أن اتحفنا رفضه مقولة اوغسطين يذهب الى تطرف فلسفي مفاده أن الذات طالما تعرف نفسها في وعي وجودها المتعيّن بالمغايرة والتخارج المعرفي مع موضوعات عالمها الخارجي فلا وجود ولا معنى يبقى أن للذات أو الحقيقة علاقة تربطها بعالم داخلي للانسان غير موجود!! ولنا أن نتصور هذيان ميرلوبونتي بضوء ما اوضحناه في سطور سابقة علمية أهمية وجوب تعالق الذات مع عالم الانسان الداخلي الذي ينكره ميرلوبونتي.

الفينامينالوجيا والنفس

الفينامينالوجيا تلتقي مع علم النفس وعلماء النفس بخاصة السلوكيين منهم يرفضون كل نظرية تغلق الشعور على ذاته لكي تجعل منه حياة باطنية خالصة. (نقلا عن د. زكريا ابراهيم).هذا الاقتباس يلزمنا توضيح ما يلي:

-التفريق بين الذات والشعور على صعيدي البايولوجيا وعلم النفس السلوكي. ليس فقط في إختلاف مرجعية الذات (العقل) ومرجعية الشعور (علم النفس السلوكي). ولو اجرينا معيارية بين المرجعتين فالكفة تشير الى ذهاب الذات ومعها الشعور النفسي نحو مرجعيتهما كلاهما للعقل.

- الشعور في بديهية معرفته ومعرفة وظائفه يصبح من المحال انغلاقه على نفسه. الشعور فضاء نفسي مفتوح كلية على عوالم الانسان وظواهرها الخارجية والداخلية التي تجعل الذات الانسانية تحيش عوالمها الطبيعية وما يستتبعها من تحقيق اشباعات بايولوجية وغريزية يحتاجها الجسم والنفس على السواء.

- الشعور مفهوم غير محدود النهايات فمثلا العاطفة، الضمير، القيم، الاخلاق، العواطف، القلق، الحزن، الالم، جميعها افصاحات ترتبط بالسلوك النفسي للانسان. من المحال انغلاق تلك الافصاحات الشعورية على نفسها. والسلوكيون محقون في رفضهم مقولة الانغلاق النفسي.

- يرفض ميرلوبونتي ان تكون الذات حقييقة تسكن الداخل الانساني وهو طرح نثني على صوابه وصحته العلمية والمنطقية، فالذات مصطلح متعيّن محدود، والحقيقة مفهوم مطلق لانهائي غائم غير محدود. فالتناول اللفظي ان تكون الذات حقيقة داخلية خطأ اوضحناه. هذا اوصل تفكير نيتشة الفلسفي إنكاره التام لما يسمى الوجود.

- الذات بافصاحاتها غير المحدودة تكون جوهرا لانهائيا لكنه يختلف عن الحقيقة كمفهوم ميتافيزيقي لا يمكننا معرفته بتحليلنا مكوناته. والحقيقة بهذا المعنى تختلف عن الوجود. فالوجود وإن كان مفتوح النهايات على مطلق لا نستوعبه في كليتّه إلا أن الوجود بخلاف الحقيقة مفهوم ميتافيزيقي قابل التقسيم في موجوداته. ولو أجرينا مقايسة معيارية بين الوجود والذات لوجدنا الذات عالم من الشعور النفسي السلوكي المتعيّن يرتبط إدراكيا بالعقل في تعالق الذات مع العالمين الداخلي والخارجي للانسان. ويبقى الوجود جوهر سديمي لانهائي لكنه ايضا قابل التقسيم في تنوع محتوياته الموجودية. معنى الوجود هو في معرفتنا لموجوداته التكوينية التي يحتويها.

- اخيرا الذات جوهر مادي – روحاني مركّب متداخل تواشجيا معا. ولا يمكننا فصل هذه الثنائية الذاتية كصفة ومحتوى عن ملازمتها ذات الانسان. ففي الوقت الذي نجد فيه الذات منغمسة في عالم المادة خارجيا، وعالم الاحساسات الجسدية داخليا. الا انها اي الذات تفكر تفكيرا روحانيا ميتافيزيقيا. وتتسم الذات بقدرة الخيال في هيمنتها على الخبرة الذاكراتية في مخزونها الاستذكاري، وهيمنة الذات على المخّيلة في تصنيعها مواضيع الخيال الآنية الحاضرة. الفرق بين الذاكرة كمخزن لخبرات وقائع الحياة والتاريخ وبين ملكة المخيال الذي لا تستثيره احداث الماضي بل تستثيره الاسئلة المتعلقة حاضرا آنيا بمعنى الوجود ومعني وتفسير ظواهره التي يصادفها الانسان بحياته.

***

علي محمد اليوسف

 

الدهشة بصيرة الفلاسفة، يندهش الفيلسوف بالأشياء التي نحسها هامشيَّة وبسيطة وعابرة، ليغوص فيها ولا يخرج منها إلا بأسئلة مجهولة وإجابات ذكيَّة. تنبعث الفلسفة لحظة إيقاظ العقل وانبعاث الأسئلة العميقة في الوعي. ‏الإنسان الذي يندهش، وينقد، ويتأمل، ويتساءل أسئلة كبرى، لديه استعداد لأن يكون فيلسوفا. لا معنى للفلسفة من دون النقد العميق، والأسئلة الكبرى.  الفيلسوف يمارس النقد العقلي بلا قيود وحدود، تتوالد أسئلته في سياق النقد، كما يتوالد نقده في سياق أسئلته. يلبث الفيلسوف يفكر في جواب لا ينتهي إليه إلا بعد تأمل، وتمحيص، ونقض الإجابات المتهافتة المختلفة.

النقد بوابة الدخول للتفكير الفلسفي، نشر فيلسوف الأنوار كانط أعماله الأساسية، وهو يصدّرها بكلمة نقد: "نقد العقل الخالص" 1781، و"نقد العقل العملي" 1788، و"نقد ملكة الحكم" 1790، على التوالي، وخلص من هذه الأسفار العقلية الصبورة إلى نشر كتابه الثمين: "الدين في حدود العقل" 1793.

الفلسفةُ إيقاظٌ متواصل للعقل، وتحرير له من تسلط المعتقدات، والأيديولوجيات، والهويات، والخرافات، والأوهام، والسلطات بأنماطها المتنوعة. التفكير الفلسفي يبدأ لحظة يتحرّر العقل من أنماط الوصايات المتنوعة، والبداهات غير البديهية. تتجلى قوةُ العقل في معرفته لحدوده، وقدرته على التفكير داخل فضائه، والخلاص من أوهامه، ومما هو زائف من أحكامه.

التفكيرُ الفلسفي على الضدّ من الاعتقاد النهائي المغلق، التفكير الفلسفي متحرّر من الحدود والقيود والشروط والأسوار المغلقة.

 كلُّ شيء يخضع لمساءلة العقل ونقده وتمحيصه، العقل نفسه يخضع لمساءلة العقل، وتمحيصِ مفاهيمه، وغربلة أحكامه، وطريقة تعريفه لنفسه، وتفسيره لحقيقة معرفته، ومصادرها، وقيمتها. لا يضع الحدود للعقل إلا العقل، العقل يرسم حدوده وما هو داخل في فضائه، ويتدخل ببيان حقيقةِ ما هو خارج حدوده. لا يصدق التفكير فلسفيًّا إلا لحظةَ يكتفي العقلُ في تصديقاتِه وحججه وأحكامه بذاته، فيكون هو مرجعيَّة تمحيصِ تفكيره، ومرجعيَّة ما سواه، والحكم عليه إثباتًا أو نفيًا.

عندما يصمت العقل ويكفُّ عن وظيفته، تدخلُ الروح والعاطفة في متاهات. العقل يريد ألا نستمع منه إلا إلى صوته الخاص، من دون أن تشوّش عليه وتربكه وتنهكه أصوات خارج حدوده. العقل يحكم بعدم إمكان أن يتخلص الإنسان من تأثيرٍ خفيٍّ لذاته وعواطفه ومشاعره والمحيط الذي يعيش فيه بشكلٍ تام.

العقل يحكم بوجود الدين في الحياة ويحدّد مجالاته، ووجود المتخيّل ويحدّد مجالاته، والمثيولوجيات والأساطير ويحدّد مجالاتها، ويعلن بأنّها من الثوابت الأبديَّة في الثقافات البشريَّة. العقل هو الذي يتولى تصنيفَ وتوصيفَ هذه الموضوعات ويحكم عليها إثباتًا أو نفيًا، ويرسم خرائطَها ويضع حدودَها.

 الإنسان واحد بالرغم من أنّه متعدّد، متعدّد بالرغم من أنّه واحد. طبيعة الإنسان تتَّسع للوحدة والتفاعل الحيوي للعاطفة والروح والعقل. ‏هذه الوحدة أحيانًا يتغلب فيها أحد العناصر ويتراجع دور العناصر الأخرى.

في الفلسفة يتغلب العقل ليصير هو المرجعية في الحكم والقرار، وبتغلُّبه يتحقق التفاعل الخلّاق بين العقل والروح والعاطفة. يضع العقل الروحَ والعاطفةَ في حدودهما، وهو الذي يصحّح المسار لهما على الدوام. تنحسر مرجعية العقل في مجتمعاتٍ غير متعلّمة تتفشّى فيها العبوديّة الطوعيّة، واستعباد الوعي، والانقياد الأعمى، وتخدير الضمير الأخلاقي.

العاطفة والروح تعملان بخفاءٍ للتأثير في العقل، والتحكّم بتفسيراته وصناعة أحكامه وقراراته. يعود سوء الفهم بين الفلاسفة وطرائق فهمهم إلى تأثير الذات والعاطفة والروح في تفسيرات العقل وأحكامه، على الرغم من أن الفلاسفة هم الأكثر صرامةً في اعتماد العقل والعملِ على توظيفه في كلِّ شيء. لا خلاف في الفلسفة حول كون العقل هو الذي يرسم حدودَه، ويحدّد وظيفته، ويكتشف مصادر معرفته. الخلاف بين الفلاسفة أنفسهم حول حدود العقل، وماهية هذا العقل وتعريفه، ومجالاته، وكيفية إدراكه، ونوع مدركاته.

العقل الفلسفي هو الذي أولد العقل الحديث، تَوالد هذا العقل وتشكّل في فلسفة فرنسيس بيكون وديكارت وكانط وغيرهم من الفلاسفة، فكان العقل الفلسفي الحديث باعثًا أساسيًّا على وضع التاريخ البشري في مسار جديد، غادر فيه حالتَه الرتيبة التكرارية الطويلة، بعد أن لبثت البشريةُ آلاف السنين لم تحقّق المكاسب العلمية من الاكتشافات والاختراعات والتكنولوجيات المنجزة في القرون الثلاثة الأخيرة، وتحول عبرها الإنسانُ من الآلات اليدوية إلى المحرِّكات الحديثة، ومن وسائل النقل البدائية إلى القطار والسيارة والطائرة ووسائل النقل المتطورة.

وهكذا تواصلت هذه المكاسب بقفزات على شكل منعطفات، إلى أن وصلنا إلى هندسة الجينات، وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والروبوتات.

كانت الفلسفة وستبقى تتفاعل مع النظريات العلمية والاكتشافات، تؤثر وتتأثر بها، تستجيبُ لما يستجدّ من اكتشافات في الفلك والفيزياء والأحياء وغيرهما من العلوم. لعلم الفلك الحديث، الذي بدأ مع كوبرنيكوس (1473 – 1543) ونظريته في مركزية الشمس ودوران الأرض والأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية حولها، أثرٌ مباشر على التفكير الفلسفي والميتافيزيقي في أوروبا من بعده، وهكذا تأثر هذا التفكيرُ بقوانين الحركة والجاذبية العامة في فيزياء نيوتن (1642 – 1727)، كما تأثر لاحقًا بفيزياء الكوانتم لماكس بلانك (1858 – 1947)، والنظرية النسبية لأينشتاين (1879 – 1955)، وقبل ذلك تأثر بنظرية التطور لتشارلز داروين (1809 – 1882).

 الفلسفة لا تنتهي ولن تتوقفَ مادام الإنسان يندهش، ويفكّر، ويتساءل، ويشكّك، ‏ ويناقش، ويتحاور، ويختلف. لا تمثل الفلسفة مرحلة من مراحل تطور الوعي، الفلسفةُ تواكب الوعي ولا تتخلّف عنه، حتى لو ساد العلم الحياة. العلم يطرح على الفلسفة أسئلتَه ومشكلاته العويصة، وما يعجز عن اكتشاف طرق الخلاص منه في فضاء المادة والمحسوس والتجربة، الفلسفة لا سواها من يجيب عن ذلك. لم يولد العلم إلا ‏في أحضان الفلسفة، تظلّ الفلسفةُ تواكب العلم، تتغذّى بأسئلته الحائرة، ومشكلاتِه وأزماته خارج حدود المادة والتجربة، وترفده وتغذّيه بالأجوبة والحلول والرؤية لما تنتجه تطوراته من تساؤلات، ومشكلات معقدة، وأزمات روحيَّة وأخلاقيَّة ونفسيَّة ومعرفيَّة، سواء أكانت هذه المشكلات والأزمات فرديَّة أم مجتمعيَّة.

لن يكتفي العلمُ بذاته ويستغني عن الفلسفة، مهما بلغ تقدُّمه وتنوعت وتراكمت نتائجه. حين يفكر الفيلسوفُ يقدّم تفسيرًا يتجاوز سطح الأشياء والظواهر، يحاول أن يفسّر حقيقةَ العلم وماهيته، ويقدم إجابات لمشكلات العلم وأسئلته العميقة خارج حدوده. الفيزياء والكيمياء والعلوم المختلفة تنشغل باكتشاف قوانين الطبيعة ومعادلاتها، ولا تعرف حقيقةَ ذاتها، ولا تعرف حقيقةَ العلم وماهيته. الفيلسوف يحاول أن يفسّر حقيقةَ الوجود والظواهر والأشياء والعلوم وماهيتها، مما هو خارج حدود العلم.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

مدرسة الجشتالت Gestalt مدرسة في علم النفس تعنى بوحدة الشعوراو الوعي واستقلاليته الذاتية كموضوع. ونادت بأن الوعي ليس مكوّنا من عناصر مستقلة على غرار أن جميع مدركاتنا تتكون كموجودات من عناصر عديدة رغم أنها تتعايش جميعها ضمن وحدة كليّة كينونية مستقلة تسمى الموجود او الشيء المستقل. واعتبرت الكل ليس فقط مجموع اجزائه ولا يفهم الكل في انحلال عناصره.

والجشتالت كلمة المانية تعني الشكل او الهيئة او النمط المنظّم الذي يتعالى على مجموع الاجزاء. وظهرت حركة الجشتالت عام 1912 في نفس الوقت الذي ظهرت فيه نظرية السلوكية التي قادها ماكس فرتماير. وهي تعتبر السلوك تعلم ناتج عن مثيرات خارجية. اما رواد الجشتالت فيعتقدون التعلم هو فهم وادراك وتمييز.. ونظرية الجشتالت جاءت ايضا كرد فعل على البنيوية التي تحاول تجزئة الادراك الى مكونات. (نقلا عن ويكيبيديا الموسوعة ).

الوعي الادراكي في الفلسفة

هنا نجد الوعي بمعنى الشعورالنفسي أنه فهم مستقل ذاتيا يدرك بالممارسة الادراكية الانفرادية. صواب هذا التوصيف حين نعتبر الوعي وهو كذلك خاصية انفرادية تحكم انفراديتها الممارسة الادراكية الواحدية للشيء في كليته. حيث من المتعذر أن يمارس الوعي دوره المعرفي والادراكي بنفس طريقة واسلوب تفكير جميع أو عامة الناس. هذا يعني أن وعي الفرد الواحد لا ينوب عن وعي المجموع تجاه معرفة الشيء او الموجود الواحد. المقصود الوعي الجمعي يتوزع على عدد مدركي الشيء الواحد بتنوع كيفي بما لا حصر له كما في خاصية عمل عقول الناس كجوهر نوعي غير مبرمج جمعيا بالادراك والتفكير...فليس كل العقول تدرك الموجودات في تنميط واحد مشترك نوعيا.

الحقيقة أن خاصية الوعي من حيث امتلاك الفرد لها هي ثنائية تتالف من خاصية فردية مجمع عليها. حال الوعي يشابه تماما كما في مقولة ديكارت العقل أعدل قسمة ومساواة بين جميع الناس في امتلاكهم له. لكن كما ينطبق على ان العقل جوهر (نوعي) منفرد و ليس نموذجا متقولبا واحديا في التفكير المنمذج الذي ينوب عن العقول الاخرى. فلكل عقل تفكيره الخاص به لكنه عقل يحمل المجانسة النوعية الواحدية البيولوجية والتفكيرية المجردة مع باقي العقول الانسانية عموما.

في مفهوم مدرسة الجشتالت النفسانية ان الوعي او الشعور كليّ لا يقبل التجزئة الى عناصر كما هو حال العناصر الموجودة في تكوينات الاشياء بعالمنا الخارجي والموجودات بالطبيعة. وان مرجعية الشعور هو علم النفس وليس مرجعيته فاعلية بيولوجيا الادراك العقلي.

صحيح جدا ان نقول الوعي جوهرا ادراكيا موحدا شعوريا مصدره العقل. وصحيح ان الوعي او الشعور كليّ التكوين وكليّ الادراك معا بغض النظر عن ان تلك المدركات والموجودات والمواضيع تتكون من عناصر تشكل كينونة موجودية كليّة انطولوجية يدركها الوعي الانفرادي النوعي بواحدية تكاملها الوجودي في مدركات العالم الخارجي ولا يدركها بعناصرها التكوينية في الاشياء والموجودات.

هنا المقصود بعناصر مكونات الموجودات ليست جواهر الاشياء او الموجودات او ماهياتها التي تحتجب خلف الصفات الخارجية لتلك الموجودات انطولوجيا. فمجموع العناصر التكوينية والصفات الخارجية للشيء موضوع الادراك تمثل الموجود كيانا مستقلا ولا تمثل جوهره او ماهيته التي هي ذاتية خاصية ذلك الشيء نوعيا وليس هو مجموع عناصر مكوناته. فالذات جوهر عقلي وليست موضوعا مستقلا في الذهن.

اننا لو اخذنا الوعي من حيث وظيفته الادراكية نجده كما تقول مدرسة الجشتالت النفسية انه وحدة كليّة مستقلة فردية لا يمكننا تجزئتها لعناصر تكوينية داخليا كما هو حال وجود الاشياء انها تتالف من عناصر ايضا لا يمكن تجزئتها لأي غرض كان لأن معنى ذلك نجعل من الموجود كليّة غير متجانسة نوعيا في عناصر تكوينها القابلة للتفكك والانحلال ما يرتب عليه غياب موجودية او كينونة قائمة ادراكيا في حال إنحلت تلك الموجودات الى عناصرها التكوينية المنفصلة عنها.

هذا الاختلاف بين كليّة الوعي او الشعور غير القابل للتجزئة مع كليّة الموجودات المؤلفة من عناصر قابلة للتفكك والانحلال لا يلغي حقيقة اللاتجانس النوعي الذي يحكم الوعي ولا يحكم تكوينات المدركات في كليتها الواحدة الموجودية.

كليّة الوعي او ما يسمى الشعور النفسي الصوري في الجشتالت كما ذكرنا سابقا لا تاخذ صفتها انها ليست قابلة التفكيك لعناصر اولية تكوينية لها لأن الوعي أو الشعور مرجعيته مقولات العقل وليس مقولات علم النفس كما هي الاشياء المكونه من عناصر يمكننا تفكيكها اذا ما اقتضت الحاجة لذلك. هذا يذكرنا بما فعله سكينر في كتابه(السلوك اللفظي) حين اراد جعل توليدية اللغة فعالية ترتبط بعلم النفس السلوكي ما جعل نعوم جومسكي يعارضه معارضة شديدة في فلسفته عن اللغة التوليدية المكتسبة ولو انه اي جومسكي ايضا أيّد ما اسماه الاستعداد الفطري في تعلم واكتساب اللغة.. (لي اكثر من مقال واحد منشور بهذا الصدد).

فلاسفة السلوك اللفظي وفلسفة نعوم جومسكي التوليدية لا يعترفون بمقولة جون لوك يولد الطفل وعقله صفحة بيضاء. جون لوك فيلسوف تجريبي يفرّق بين بيولوجيا العقل الذي يتنامى معرفيا عن طريق الاسرة والمدرسة و المحيط واختلافها عن المكتسبات الفطرية الموروثة عن الجينات او الكروموسومات التي هي الصفات الخارجية لكل الموجودات وليست تمثّل ماهيتها.

الوعي والواقع

ثمة عبارات للكاردينال دي سوكا وهو فيلسوف القرون الوسطى اشار فيها:

- الوعي هو نوع من التحرر الواقعي

- الزمن يسبق الوعي الحقيقي

حسب نظرية الجشتالت النفسية وحسب الفلسفة عموما أن الوعي أو الشعور جوهر مستقل لكن هذه الاستقلالية مشروطة بتبعية الشعور او الوعي للنفس قصديا سلوكيا حسب الفينامينالوجيا. والاشمل من ذلك فالوعي مشروط بتبعيته للعقل وهو مالا تاخذ به مدرسة الوعي النفسي. اي لا تأخذ به مدرسة الجشتالت ولا الفينومينولوجيا لدى هوسرل.

الوعي او الشعور هو جوهر العقل وليس جوهر النفس في إدراكه موضوعات وموجودات عالمنا الخارجي. لذا فالوعي مستقل عن الواقع بمعنى عدم تموضع الوعي فيه تكوينيا. الوعي لا ينتج الواقع كما وليس هو نتاج ذلك الواقع. على خلاف الحواس التي هي ادراكات مصدرها موجودات الواقع او الوجود المادي منتج الاحساسات. الوعي هو فعل تجريد مقولات العقل عن الاشياء التي يدركها. والواقع الذي لا يدركه الوعي او الشعور فمن المحال ادراك العقل له. بتعبير آخر الواقع بكل تنوعاته الموجودية هي مواضيع ادراكية للعقل.

لكن الوعي ليس مستقلا عن العقل ولا هو موضوع يهم العقل أكثر من إهتمام الوعي معرفته الواقع. وهذا ينفي صدق تعبير اللغة القاصر عن موضوعات العقل تماما. فتعبير اللغة يكون احيانا وسيلة تضليل العقل. وظيفة العقل حينما لا تتجاوز مطابقة الدال مع المدلول واقعيا تصبح تضليلا للعقل ان يعي مدركاته بابعد مما تعبر عنه اللغة بايولوجيا حسيّا صرفا. لذا نجد بعض الفلاسفة كي لا يقعوا بهذا المطب اخترعوا مصطلح (ما فوق اللغة) لعل ابرزهم بول ريكور في التاويلية وجاك دريدا بالتفكيكية طبعا باختلاف جوهري بينهما في توظيفهما لمصطلح ما فوق اللغة. وكذلك نظرية السلوك الذي يقوم على المحفز والاستجابة.

بول ريكور في الهورمنطيقا اعتبر اللغة نسقا مفهوميا لا علاقة له بالواقع لا جدليا ولا تخارجا معرفيا ولا بحياة الناس فهو يوازيها بنسق لغوي مستقل.. في حين اعتبرجاك دريدا في التفكيكية ان اللغة تراكم تجريدي يستمد وجوده في التقويض والهدم. اي اللغة مادة للتفكيك المستمرالذي لا يخضع لثبات العقل ولا ثبات الانسان كجوهر مركزي..

وفي غياب موضوعات تفكير العقل المادي او موضوعات التفكير الخيالي المستمد من المخّيلة وليس من الذاكرة. الخيال توليد تفكير الشعور او اللاشعور خارج الزمن الماضي الذي يكون استذكار موضوعات الخيال مستمدة منه تحقيبا تاريخيا وليس زمنيا مستمدا من الذاكرة التي هي ثبات افتراضي تتتبع الماضي زمنيا وفي الحقيقة هي استذكار لتحقيب تاريخي بدلالة زمنية.. وليس من المخيلة وموضوعات الاستذكارالذهني التي تعود للماضي كتحقيب تاريخي فقط. فالزمن من المحال ادراك زمانيته في معرفتها ذاتيا كوعي او كموضوع. لذا نجد بدلالة نظامية المكان ينتظم الزمن ويتخلص من عشوائيته وهو ما كان ذهب له افلاطون نصا.

في غياب كما اوضحنا سابقا مواضيع تفكير العقل بشقيه المادي والخيالي فلا يوجد هناك وعي يصدره العقل. الوعي كما هو العقل خاصيته ملازمته لموضوع وعيه والتفكير به. الواقع في تفرده الوجودي المستقل ليس له تاثير مباشر ولا علاقة له بغير علاقة ادراك الوعي له. لذا فليس في مقدرة الواقع سجنه الوعي كي يسعى هذا الاخير الخلاص من هذا السجن ويطابق مقولة الكاردينال دي سوكا الوعي هو نوع من التحرر الواقعي. الوعي وموضوعه ثنائية لا وجود احدهما بغير ملازمة الاخر له.

كما الجدير ذكره أن لا توجد هناك علاقة تكاملية معرفية تجمع الوعي والواقع. أعيد تكرار العبارة التي سبق لي ذكرها. الوعي تجريد لغوي لا ينتجه الواقع لانه وسيلة تفكير العقل بمدركاته. كما لا توجد علاقة ديالكتيكية بمعنى التضاد الخارجي الذي ينتج عنه تراجع وتلاشي احد اطراف التضاد الجدلي ليعطي المجال هيمنة العامل المنتصر استحداثه الظاهرة الجديدة. أي لا جدل ديالكتيكي بين الوعي والواقع بل هو تكامل معرفي متخارج بينهما.

لماذا لا توجد علاقة جدلية بين الواقع والوعي؟ ببساطة لانهما طرفي علاقة غير تجانسية تربطهما معا. الديالكتيك يستلزم تضاد عنصرين تجمعهما المجانسة النوعية الواحدة داخل الظاهرة الواحدة أوداخل موضوع الديالكتيك الموّحد نوعيا. مثال ذلك انك لا يمكن أن تجد علاقة جدلية تربط شجرة بحيوان ولا حتى شجرة باخرى. والسبب هو انعدام المجانسة النوعية الواحدة التي تجمع بينهما فهل تستطيع الشجرة نفي وجود الحيوان جدليا؟ أو بالعكس.

الوعي صورة الذهن وصورة النفس

اصحاب مدرسة الجشتالت النفسي يرون ان الوعي (صورة) حالها حال اي موضوع. ويعتقد هوسرل ان الوعي هو الخبرة القبلية الموجودة داخل المدركات كخاصية تكوينية. ويعتبر هوسرل الوعي صنفين الاول قبلي يحدس الخبرة التراكمية بالاشياء ووعي ثان بعدي يعطي تفسير الموضوعات بدلالة مقولات العقل.

هذا التقسيم في الوعي لا صحة له اذ لا يوجد خبرة قبلية (صورة) موجودة داخل الاشياء قبل ادراكها والوعي بها. هذا الفهم كان اشار له شيلر بمصطلح ثان هو ان الاشياء والموجودات تمتلك خاصية قابلية ادراك ذاتي وليس قابلية ادراك تمتلكه الحواس والعقل تخلعه علىيها.. بتلخيص شديد الوعي هو ادراك لموضوع مستقل. كل موجود له معنى يشكل موضوعا لادراك عقلي وما ليس له معنى لا يدركه العقل.

ومن المهم التنبيه جيدا ان الوعي ليس موضوعا مستقلا صادرا عن النفس كما تذهب له مدرسة الجشتالت. دليل ذلك اننا لا نعرف ماهو الوعي من غير دلالة تعالقه بمدركاته. وهذه الخاصية تشبه تعالق الزمان بالمكان من دون ادراكنا المعرفي في وعي الزمان كموضوع مستقل. ونفس الخاصية تنطبق على الجوهر او الماهية فهو ليس موضوعا مستقلا يمكننا ادراكه....

يبدو لنا التساؤل الجدير بملاحظته اذن ما الفرق بين الزمن والوعي من حيث تعالقهما المحايد غير المدرك بالاشياء والموجودات ونحن لا نستطيع تعريفهما لا ماهويا ولا صفاتيا؟ كلاهما الزمن والوعي يعرفان حدسيا بالدلالة التعالقية مع الاشياء. الزمن معطى قبلي يتعالق بالطبيعة ايضا كمعطى لكنهما كليهما الزمن والطبيعة لا نعرف العلاقة التراتيبية ايهما اسبق على الاخر. الزمن مفهوم ميتافيزيقي يحتوي الطبيعة بالدلالة المحايدة، بينما الوعي هو ادراك يقوم به الانسان باردة قصدية ذهنية معرفية.

***

علي محمد اليوسف

مقدمة: هذا العمل الأكاديمي المسمى أسطورة الدولة المكتوب بأسلوب واضح يسهل قراءته، كُتب في سياق الحرب العالمية الثانية، التي غادر خلالها إرنست كاسيرر (1874-1945) السويد ليستقر في الولايات المتحدة. إرنست كاسيرر هو شخصية علمية، مهتمة بجميع مجالات المعرفة، سيتم إدراج عمله في تاريخ الفكر، في تقاليد أعظم الفلاسفة. وبناء على طلب زملائه وأصدقائه في جامعة ييل، كتب هذا العمل الكبير، الذي يهدف إلى فهم أصول النازية وأسبابها. كما ينظر حول دور الثقافة والعقل في مواجهة إغراءات الفكر والعنف. فما علاقة الدولة بالأسطورة؟ لماذا تستعمل الدولة الأساطير أثناء ممارستها للحكم ؟ ومتى قام الناس بأسطرة الدولة؟ وكيف تحولت الدولة نفسها الى اسطورة ينظر اليها الأفراد من منظور المخيلة والذاكرة والوجدان؟ وماذا ترتب عن ذلك في مستوى الحقوق والحريات والمواطنة والمكاسب المدنية التي دافعت عنها البشرية؟ وماهي حدود هذا الترابط غير المنطقي بين سياسة المعقول وثقافة اللامعقول؟

تأملات حول القرن العشرين

وفقا لإرنست كاسيرر، فإن الكوارث السياسية في القرن العشرين ترجع جذورها إلى النمط الأسطوري للفكر الإنساني. إن إعادة إصدار كتاب أسطورة الدولة، أحدث أعمال الفيلسوف إرنست كاسيرر، والذي نُشر لأول مرة في عام 1946، لم يكن من قبيل الصدفة. إنه يستجيب بشكل واضح، في نظر المحرر، للأحداث الجارية. والواقع أن عصرنا قد يبدو مرة أخرى فريسة لشياطين الشر، التي تعوقها إن لم تكن تزعزع استقرارها بسبب الانقسامات الاجتماعية، في حين أصبحت الأنظمة الديمقراطية محل نزاع وإضعاف. يطارد القلق البليد أذهان الناس أكثر فأكثر، وهو القلق المتعلق بالعودة إلى ثلاثينيات القرن العشرين، إلا أن كاسيرر، وهو لاجئ من عام 1933 في السويد ثم في الولايات المتحدة، ألف كتابه بتحريض من الأصدقاء الذين حثوه على تسليط الضوء على أفكاره. عين فلسفية على الأخبار المأساوية في ذلك الوقت والحرب العالمية الثانية والأنظمة الشمولية. كاسيرر، المولود عام 1874، هو فيلسوف كانطي جديد، وريث مدرسة ماربورغ لهيرمان كوهين وبول ناتورب. وبروح موسوعية، نشر العديد من المؤلفات حول تاريخ الفلسفة، المثقفة والمشهورة، التي سعت إلى دمج المعرفة العلمية الحديثة في جميع المجالات. ومع ذلك، فإن عمله الرئيسي هو فلسفة الأشكال الرمزية، حيث يطور، بروح كانطية، فلسفة الثقافة. تشكل الأفكار التي تم تطويرها هناك الخلفية النظرية لهذا المقال. كيف يتعامل الفيلسوف الأكاديمي كاسيرر مع موضوعه، الأخبار الرهيبة في عصره؟ وكما يشير عنوان الكتاب، فإن الأسطورة هي مدخله. الأطروحة الرئيسية، والتي هي أيضًا الخيط المشترك للتحقيق، هي أن الأنظمة الشمولية، وخاصة النازية التي تجذب معظم انتباه المؤلف، ترجع إلى عودة ظهور الأسطورة على نطاق واسع في مجال الأعمال التجارية. ولا بد من الاعتراف بأن هذه الفكرة مخيبة للآمال، حتى مع الأخذ في الاعتبار تاريخ الكتاب، المكتوب في حرارة اللحظة حتى قبل اكتمال التسلسل التاريخي الذي يركز عليه. إنها، قبل كل شيء، أطروحة الأنوار، الوريث المستحق لفلسفة التنوير. وعلى هذا النحو، فإن تاريخ البشرية هو موقع معركة بين الأسطورة والعقل، حيث ناضل العقل في البداية لتحرير نفسه من الأول، دون أن ينتصر تمامًا.

جنيالوجيا الأساطير السياسية الحديثة

يتمثل جوهر عمل كاسيرر في اقتراح جنيالوجيا للأساطير السياسية المعاصرة تعود إلى أصولها التاريخية البعيدة. تبدأ هذه الرحلة بالمجتمعات البدائية التي يؤكد كاسيرر، بالاعتماد على الأعمال الأنثروبولوجية المتاحة آنذاك، أن الفكر الأسطوري يهيمن عليها. ماذا يعني أن يتكون هذا الفكر الأسطوري في السياسة؟

يلخص كاسيرر هنا تحليلات الأسطورة التي خصص لها المجلد الثاني من كتابه فلسفة الأشكال الرمزية. ووفقا له، فإن الأسطورة هي شكل من أشكال الفن الذي يتعلم الإنسان من خلاله، منذ لحظة، التعبير عن غرائزه وعواطفه بوسائل رمزية. الأساطير، الاجتماعية دائمًا، وليست فردية أبدًا، تعمل على تشييء وتنظيم هذا المجال من الخبرة عن طريق تحويله إلى صور ومعاني. وهكذا، فإن بعض تجارب الحياة الفردية والجماعية، ولا سيما التجارب الأكثر إلحاحًا والتي لا تطاق، مثل الموت، يتم وضعها بعيدًا عن طريق قوة الرمزية، والتي يمكن للمرء أن يقولها تسامي بمصطلحات التحليل النفسي. لذلك يعيد كاسيرر رحلة الدفع والتراجع المتتالي للأسطورة والعقل في مجال التمثيل السياسي. هذا يؤدي إلى قصة كلاسيكية للغاية. اليونان القديمة هي الموقع الذي يخرج فيه السبب من الأسطورة ويتم تحريره منه. بعد ذلك، من مختلف المراحل المتميزة، تبرز، بعد صياغة العصور الوسطى لسلالات النظرية الأولى لسيادة القانون، وهي لحظة حاسمة، وفقًا للمؤلف، في نشأة الأساطير السياسية الحديثة. إن مكيافيلي هو مخترع العلوم السياسية الثورية التي، في قلبه، تتمثل في وضع أقواس أي اعتبار أخلاقي في الغايات، للتركيز على المعرفة التقنية لوسائل السلطة، وضعت في خدمة طموحات الأمير. ثم يصف كاسيرر كيف ظهرت، مستوحاة من الأفكار الرائعة، من القرن السادس عشر، وهي نظرية أولى للقانون الطبيعي الحديث. في الوقت نفسه، كما يشير إلى أن رجال عصر النهضة، المستنيرون في بعض النواحي، لا يزالون يعانون من جاذبية الأفكار غير المنطقية. يتذكر أن مؤسسي الثورة العلمية الحديثة في القرن السابع عشر، يتذكر، كيبلر أو جاليليو، يزرعون علم التنجيم وكذلك علم الفلك. ثم تعال إلى التنوير الذي يبدو أنه ينغمس بشكل نهائي في الأمور العملية (الأخلاقية والسياسية) وفي المسائل النظرية (العلوم والفلسفة). ومع ذلك، منذ بداية القرن التاسع عشر، عبرت الرومانسية عن رد فعل قوي على التنوير وتميزت بعودة ضار إلى الفكر الأسطوري. بعد فترة وجيزة، يفتح هذا التيار الطريق إلى الأساطير الرئيسية التي ستستلزمها شموليتها. لتوضيح ذلك، يتوقف كاسير عن عبادة البطل وفقًا لتوماس كارلايل والفكر العنصري في آرثر دي جوبينو. بعد ذلك، يتم ترتيب كل شيء بعد ذلك، بحيث يكون الوضع الأسطوري للانحدار القابل للتطبيق-الكون السياسي في القرن العشرين. ماذا عن، سوف نسأل، من أسطورة الدولة المقدمة في عنوان العمل؟ التعبير غامض، لأنه لا يجعل من الممكن أن تقرر بين فكرة أن الدولة متحركة من قبل الأسطورة، والتي نتوقعها عندما يتم إخبارنا بما هو عليه، وما هي الدولة، في نفسه، أسطورة، مثل، أعلاه، البطل أو السباق. يتم توفير الجواب في فصل طويل مكرس لفلسفة هيجل السياسية. إن أسطورة الدولة، وفقًا لكاسيرر، تصور الدولة التي طورها هذا الفيلسوف، الذي يؤكد، يقدم استراحة مع جميع النظريات السابقة. هيجل تعمت الدولة وتمجدها حقا. إنه يعاني من كل شيء، وخاصة عالمية القانون الأخلاقي، والتي، بالتالي، تتوقف عن أن تكون نداءً محتملاً ضده. معه، تصبح الأخلاق الذاتية أخلاقية، أي موضوعية الجمارك، نظيفة، في كل مرة، للشعب. هكذا يحكم إرنست كاسيرر بأن النسق الهيغلي "أصبح أحد أعظم القوى الثورية للسياسة الحديثة" وأن تأثيره الكبير كان كارثيًا في المجال السياسي.

فلسفة الأنوار عند كاسرر

تبقى رواية كاسير، في معظمها، مهمة من حيث تاريخ الأفكار، حتى لو كان من الممكن أن نفهمها كتعبير، على هذا المستوى، للتمثيل الجماعي الذي ينشط فاعلات التاريخ. يبدو، في عضوية الممتلكات في فلسفة التنوير، تقليدية للغاية. ومع ذلك، يتضمن العديد من المؤلفين، اليوم اضطرابات في الوقت الحالي مثل الهجمات، على نحو متزايد حيوي وغير مقيد، ضد روح التنوير، والتي يدعونها أمام الجبهة والمقاومة. هذه الفكرة ليست مقنعة تمامًا، لأنها تستند إلى مجموعة من التبعات (العقل مقابل الأسطورة، والعقل مقابل التأثيرات أو العواطف، والعقل مقابل الخيال، والخطاب مقابل العمل) التي تميل، بدورها، إلى أن تكون في أصل الأساطير. في الأساس، لا يزال فهم ظواهر كاسير الاستبدادية مثبتة للغاية في علم النفس. في المقابل، فإن المنهج الهيكلي لأيديولوجيات عالم الأنثروبولوجيا لويس دومونت يوفر تفاهمًا أكثر تاريخيًا. بالنسبة له، الاشتراكية الوطنية هي ظاهرة حديثة عادة. إنه يشكل "البديل الألماني للأيديولوجية الحديثة". في هذا المنظور، وهو أكثر فكريًا، يُصوَّر أنه مزيج متناقض ومتفجر للموضوع الشامل لمجتمع الناس والفرد والدارويني الاجتماعي، وهو صراع الجميع ضد الجميع. ربما تكون هذه هي الطريقة التي يتصور بها كاسير الأشكال الرمزية التي هي مشكلة. وهي تشمل، بالإضافة إلى الأسطورة واللغة والمعرفة العلمية والدين والفن. هذه ليست مسبقة بالمعنى الكانطي، ولكن أنشطة الروح التي يحاول كاسير فهمها على مستوى وسيطة بين الفئات الأساسية والبيانات التجريبية. إنه يفهمهم كوظائف ثقافية يعتزم اكتشاف الهياكل الأساسية والتي، والتي، معًا، تشكل نظامًا يجب أن يتم من خلالها إصدار الوحدة التأسيسية. في هذا الصدد، يمكننا التشكيك في أهمية القائمة المقترحة. ما هو المعيار، سوف نسأل، من الواضح أنه من الممكن التمييز بين أسطورة الدين بوضوح؟ هل يجب وضع اللغة حقًا على نفس مستوى الأشكال الأخرى عندما تكون، في حد ذاتها، في العمل مركزيًا، إلا في الفنون الجميلة؟ يجادل علماء الأنثروبولوجيا والمؤرخين في المجتمعات التقليدية بأن هذه الفروق غائبة عن العديد من الشركات التي يتم فيها تنظيم كل هذه الجوانب بشكل مختلف أو تكثيف بطريقة لا تنفصل. وهكذا، فإن فكرة الفكر الأسطوري، والتي يوضح فيها كاسيرر تحليلاته، تشكل مشاكل أساسية. تتضمن القصة المقترحة في هذا العمل جانبًا تطوريًا واضحًا عندما يبدو المؤلف وكأنه يتتبع المراحل التي يجب أن يمر بها العقل البشري بالضرورة قبل أن يفرض العقل نفسه باعتباره المرشد المهيمن لوجوده. ومع ذلك، فإن كاسيرر لا يتبع الرؤية المتفائلة لكوندورسيه. ويبدو أنه متردد، في الواقع، بين فكرتين. الأول هو معركة لا نهاية لها بين الفكر العقلاني والفكر الأسطوري، لأن الأخير قادر، اليوم كما في الماضي، على التفوق على الأول. ولكن، في مكان آخر، يتساءل عن التناقض بين الانتصار المعاصر لأكثر الأساطير غير العقلانية والتطور الهائل، في الوقت نفسه، لعقلانية العلم والتكنولوجيا، ويستنتج أن العقل قد اقتصر بشكل أساسي على التحقيق في الطبيعة وأن ويجب، من الآن فصاعدا، أن يمتد إلى مجالات الإنسان، الذي لا يزال فريسة للميول البدائية. ومهما كانت هذه النواقص، فإن إعادة إصدار أسطورة الدولة هي فرصة مناسبة لاختبار التفسير العقلاني والقانون الطبيعي للظاهرة الشمولية، والتساؤل حول معنى الظاهرة الشعبوية المعاصرة التي يعتبر الكثير منها اليوم استمرارا للظاهرة الشمولية السابقة. واحد. وسيجد القارئ أيضًا عناصر غنية لتاريخ الأفكار السياسية. وأخيرا، تجدر الإشارة إلى صدق كاسيرر الأساسي. إنه يعترف دائمًا بالصفات العظيمة للفلاسفة والكتاب الذين يعرض أفكارهم. وإذا كان يحكم بانتظام أن تأثيرهم كان ضارًا، فإنه يؤكد بالقدر نفسه على أن ذلك لم يكن بسبب نواياهم بقدر ما كان بسبب استقبالهم، والذي غالبًا ما كان أيضًا انتعاشًا أو استغلالًا. ويؤكد أكثر من ذلك أن هؤلاء المؤلفين لم يكونوا، بشكل عام، مدفوعين بحتمية العمل. وهكذا فإن أسطورة الدولة تظهر “المصير المأساوي للفلسفة الهيغلية حول دولة الحق” .

أصول الأسطورة وتحولاتها

في العلاقة مع الأسطورة يتم تسجيل المأساة. ومن خلال الاحتفال بعبادة البطل والعرق والدولة، وتشويه سمعة العقل، يبدو أن الثقافة قد ضلت طريقها، وابتعدت عن تعاليم التنوير، وانحدرت إلى الإيديولوجية والعنف. وهكذا يعود إرنست كاسيرر عبر تاريخ الفكر السياسي بأكمله من العصور القديمة إلى القرن العشرين، ليبني مجموعة من الأعمال الراسخة بعمق في فلسفة الأشكال الرمزية، والتي تتناول جميع أنماط التعبير الثقافي: اللغة، والأسطورة، والفن، والدين، والتاريخ. والعلم، من أجل محاولة الحصول على فهم أفضل للإنسان الحديث، مع الأخذ في الاعتبار كل ما هو جديد منذ لوك وكانط وجميع العقول المستنيرة في القرن الثامن عشر. ما يميز العمل، بالإضافة إلى أهميته الكبرى من حيث الأفكار، هو وضوح الكلمات، فهو موجه للجميع، وليس فقط لطلابه أو أصدقائه. كلمات وافق على تكثيفها، بهدف تنوير العقول بشكل أفضل، في وقت كان يسود فيه الالتباس الأكبر حول معنى التاريخ وطبيعة حضارتنا، التي تحافظ عليها ثقل السياسة والأيديولوجية. خصص الجزء الأول من الكتاب لتعريف الأسطورة ودراسة أسباب سيطرة الفكر الأسطوري على الفكر السياسي بشكل مثير للقلق في القرن العشرين على حساب الفكر العقلاني. في كل يوم تقريبًا، تستمر المعرفة العلمية والإتقان التقني للطبيعة في تحقيق انتصارات غير مسبوقة. ومن ناحية أخرى، عندما يتعلق الأمر بالحياة الاجتماعية أو الممارسة، يقدم الفكر العقلاني جميع جوانب الهزيمة الكاملة وغير القابلة للإلغاء. ومن المفترض أن ينسى الإنسان المعاصر كل ما تعلمه في تطور حياته الفكرية. بل إنه يحث على العودة إلى المراحل الأكثر بدائية للثقافة الإنسانية. إن الفكر العقلاني والعلمي يعترف بهزيمته ويتنازل عن كل شيء لأسوأ عدو له. وهو يدرس بطريقة رائعة بنية الفكر الأسطوري القائم على أعمال الفلاسفة وعلماء الأعراق وعلماء الأنثروبولوجيا وعلماء النفس وعلماء الاجتماع، ليس من دون الكشف عن التناقضات بين التفسيرات المختلفة والخلافات التي تثيرها. وبالعودة إلى الثقافات البدائية، يدرس أيضًا العلاقة بين الأسطورة واللغة، دون أن ينسى الدور الذي تلعبه سيكولوجية العواطف، والذي يمكن أن يفسر جزئيًا لماذا تميل المعتقدات غالبًا إلى الاعتماد على عالم من الأوهام والهلوسة والأحلام بدلاً من المحاولة. لمواجهة الواقع. ومن هنا يهتم بوظيفة الأسطورة في الحياة الاجتماعية، من خلال تنوعها اللامتناهي، باحثًا عما يشكل وحدتها وتعبيرها الرمزي. ويحدد بشكل عابر أن الأسطورة يجب أن تُفهم على أنها تجربة اجتماعية للإنسانية، وليست تجربة فردية، وبالتالي يستبعد من الميدان أساطير أفلاطون العظيمة، على سبيل المثال. الأسطورة الحقيقية لا تمتلك هذه الحرية الفلسفية؛ الصور التي يتطور فيها لا تعتبر صورًا أبدًا. ولا يتم التعامل معها كرموز، بل كحقائق. لا يمكن أن يكون هناك مجال لانتقادهم أو رفضهم؛ ويجب قبول هذه الأمور دون ظل المقاومة. لكن هذا لا يمنع الأسطورة من اتخاذ الخطوة التمهيدية المؤدية إلى إيصال معنى أكبر من الصورة. من خلاله، في الواقع، يتوقف الشعور بالعواطف. تصبح صورا. يصبحون "الحدس". هذه الصور، في الحقيقة، قديمة وغير متجانسة وخيالية تمامًا. ولكن بفضل هذا أصبحت هذه الكائنات في متناول الكائنات غير المتحضرة، مما يوفر لها تفسيرًا للطبيعة وكذلك لحياتها الداخلية.

بناء أسطورة الدولة عبر القرون

وفي الجزء الثاني من العمل، يدرس إرنست كاسيرر تطور الفكر الفلسفي في موضوع الأسطورة، ومحاربتها في تاريخ النظرية السياسية. وينطلق من الفلسفة اليونانية التي ظهرت فيها أول نظرية عن الدولة، ثم يعرض أهم المراجع الفكرية المتعلقة بها عبر القرون. لقد كان اليونانيون بالفعل رواد الفكر العقلاني. كان ثوسيديدس أول من هاجم المفهوم الأسطوري للتاريخ. طاليس، وهيراقليطس، وزينوفانيس، ثم سقراط، وأفلاطون (من خلال جمهوريته، أول نظرية حقيقية عن الدولة)، وأرسطو، دون أن ننسى بروتاجوراس والسفسطائيين وغيرهم، كل هؤلاء المؤلفين نقلوا إلينا تصورًا معينًا عن الحكمة والفلسفة. منظمة إنسانية، والتي يعلق عليها إرنست كاسيرر بشكل نقدي وبموهبة. ثم ننتقل نحو الفكر الرواقي الذي يقيم تصوره للإنسان روابط متينة بين الفكر القديم وفكر العصور الوسطى. مع شيشرون وسينيكا على وجه الخصوص، بهدف تحقيق المساواة الأساسية بين الرجال (التي سبق أن اعترف بها بعض السفسطائيين)؛ أيضًا مؤسسو الإنسانية، الأمر الذي سيؤدي في فكر العصور الوسطى إلى فكرة الحرية ومفهوم الحكمة، فضلاً عن التنافس على السلطة المطلقة، حيث يتعين على القانون أن يحد من السيادة. في حين أن العقل والتعالي، مع القديس أوغسطين، سوف يغذيان الأسس الميتافيزيقية والدينية لنظرية الدولة في العصور الوسطى، والتي تمت دراستها في فصل آخر، تشابك الحكمة (البشرية) والوحي (الإلهي). يسبقه فصل آخر مخصص لنظرية سيادة القانون في العصور الوسطى. إذا كان القديس أوغسطين يفصل نفسه عن أفلاطون في رؤيته للحياة، فإن الهلينية "ظلت دائمًا واحدة من أقوى عناصر فكر العصور الوسطى"، على الرغم من أن "ثقافة العصور الوسطى تميزت جذريًا عن الثقافة اليونانية". لقد وصلنا في العصور الوسطى ومع توما الأكويني إلى ذروة التكامل بين الفلسفة اليونانية واللاهوت. إذا كانت سلطة الأمير مستمدة من سلطة الله (بحكم القانون)، فإن توما الأكويني يقدم مع ذلك تفسيرًا سيقلب معناها، من خلال افتراض أنه إذا كان مطلوبًا من الرجال طاعة السلطات العلمانية، فمن المشروع ألا يطيعوا سلطة ظالمة. أو السلطة المغتصبة، أي سلطة الطاغية. القانون الإلهي ليس زمنيا، بل أبديا. وهكذا لم تكن الدولة سوى مؤسسة إلهية أنشأها الله لتكون مجرد علاج للخطيئة. يستمد توما الأكويني الإلهام من فكر أرسطو ليثبت الآن أن النظام الاجتماعي مستمد من مبدأ تجريبي وليس متعالٍ. وهكذا تصبح الدولة إنتاجًا عقلانيًا، يعتمد على النشاط الحر والواعي، ويقتصر الله على إعطائه دفعة. والأمر متروك للإنسان “أن يبني بجهوده الخاصة نظامًا للقانون والعدالة. ومن خلال تنظيم العالم الأخلاقي والدولة يظهر حريته. ثم يحول إرنست كاسيرر انتباهه إلى العلوم السياسية الجديدة لمكيافيلي. يبدأ بالإشارة إلى حقيقة أن سوء فهم مكيافيلي (الأمير) ناتج عن طبيعة تحليلاته التي عفا عليها الزمن. وفقًا للبعض، لم يكن نصًا ساخرًا ولا أطروحة أخلاقية، بل كان تحفة سياسية ذات توجه عملي كتبت لمعاصريه. أما إرنست كاسيرر فهو أقل ثقة، حيث يرى أن مكيافيلي كان مهتمًا أيضًا بالخصائص المتكررة “التي تجعل الأشياء تظل كما هي على مر العصور”. ووفقًا لميكيافيلي، فإن أولئك الذين يحكمون يهملون أو يتجاهلون اعتبار أن نفس الشرور تؤدي إلى نفس الثورات، حيث يتم تحريك الرجال دائمًا بنفس المشاعر. خلال عصر النهضة، انتصرت المكيافيلية، وأدت إلى نظرية جديدة للدولة فصلت نفسها عن الحياة السياسية في العصور القديمة. في الواقع، نظرًا لشكوكه في الطبيعة البشرية، يرى مكيافيلي أنه لا ينبغي احتقار الأخلاق، بل أن هناك انحرافًا أخلاقيًا عميقًا لرؤساء الدول من قبل الرجال، وهو ما يبرر إضفاء الشرعية التي يُساء فهمها في كثير من الأحيان على استخدام القوة، ولا يمكن للقوانين – الأساسية – أن تفعل ذلك. وحده علاج الفساد. تحت عقوبة الفشل، لا يمكن للأمراء الطيبين والحكماء والنبلاء أن يأملوا في الحكم وفقًا لمبادئهم الجيدة. على العكس من ذلك، ومع مراعاة عدم وجود خط واضح بين الرذيلة والفضيلة في السياسة، فإن الواقعية يجب أن تؤدي إلى مراعاتها في ممارسات السلطة. إن "الأمير" هو قبل كل شيء عمل تقني، مكتوب بهدوء ولامبالاة الباحث، وبهذه الطريقة يعارض نظريات سيادة القانون التي حاول أفلاطون وتلاميذه إنتاجها. "فنه السياسي سيتناول سيادة القانون وحالة الفوضى". وفقًا للمصطلحات التي استخدمها هيبوليت تاين في القرن التاسع عشر فيما يتعلق بالمؤرخ، فإن مكيافيلي سيعمل ككيميائي، كما يخبرنا إرنست كاسيرر: ومن الطبيعي أن تكون له مشاعره الشخصية ومثله السياسية وتطلعاته الوطنية، لكنه لن يسمح لهذه العناصر بالتأثير على أحكامه السياسية. وسيظل حكمه حكم عالم وتقني في الحياة السياسية. عندما نتوقف عن قراءة كتاب الأمير من هذا المنظور ونعتبره من عمل داعية متحمس، فإننا نفقد الهدف.

نظريات الحق الطبيعي للدولة

كشفت الروح الفلسفية الجديدة التي ظهرت خلال عصر النهضة عن أنها كانت فوضوية تمامًا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وتخللتها العديد من التناقضات. تتعايش جودة الملاحظات التجريبية مع ازدهار علوم السحر والتنجيم (السحر والكيمياء وعلم التنجيم). كان علينا أن ننتظر حتى القرن السابع عشر، قرن غاليليو وديكارت، لوضع حد لهذا الخلط. أصبحت العقلانية، والمنهج التحليلي والاستنتاجي، نقطة مشتركة بين التيارات الفلسفية بخلاف تيارات هوبز وغروتيوس، وكذلك بين الفلاسفة العظماء الذين سيتبعونهم، مثل سبينوزا أو لايبنتز. ثم نشهد ولادة جديدة للأفكار الرواقية، والتي بلغت ذروتها في القرن الثامن عشر مع إعلان توماس جيفرسون للاستقلال الأمريكي، ثم إعلان حقوق الإنسان والمواطن. وهكذا تصبح نظرية حقوق الإنسان الطبيعية مذهبًا رئيسيًا للنظرية السياسية. إن انحلال ثقافة العصور الوسطى ومركزية الشمس هما الشرطان الأساسيان اللذان سمحا بعودة الفكر الرواقي، الذي يعتمد بالكامل على الإرادة البشرية. منذ ذلك الحين، فإن نظرية العقد الاجتماعي والأساس القانوني للدولة، كما حددها هوبز بشكل خاص، سوف تعتمد ليس على مسألة التاريخ، بل على مسألة صلاحية النظام الاجتماعي والسياسي. ومع ذلك، فإن المبادئ التي حددها هوبز لتعزيز السيادة المطلقة سيتم الحكم عليها على أنها متناقضة مع مبادئ حقوق الإنسان ذاتها. وهو ما سيؤدي بشكل خاص إلى فلسفة التنوير. يخبرنا كاسيرر أن فلاسفة عصر التنوير لم يسعوا إلى الأصالة، ولا الأفكار الجديدة، ولا التجريد، في مسائل المفهوم السياسي. وقبل كل شيء، كانوا يسعون إلى تحقيق الكفاءة؛ وهو ما يهدف إلى الاعتماد على الفطرة السليمة للتحقق من بعض المبادئ البسيطة والراسخة التي تحظى بالدعم وتتجه نحو المستقبل. ولكن أيضًا، بالطبع، على الأفكار التي دافع عنها رواد الحقوق الطبيعية، وكذلك على نقد العقل الخالص، ثم العملي، لعمانويل كانط.

لكن تجاوزات الثورة الفرنسية أدت إلى بداية القرن التاسع عشر الذي كان بمثابة رد فعل على هذه الأفكار. على وجه الخصوص، من خلال انتقادات الرومانسيين الألمان، الذين يعتبر شيلينج بلا شك أفضل المتحدث باسمهم، الذين يعيدون تأهيل المنظور التاريخي - من خلال إضفاء المثالية على الماضي - ويعيدون تقديم الأسطورة، التي يجلبون عنها مفهومًا جديدًا، ذو طبيعة ميتافيزيقية. وبذلك يحدث انقلاباً كاملاً مقارنة بروح التنوير الذي اعتبر أن الفلسفة تبدأ حيث تنتهي الأسطورة. أما بالنسبة للرومانسيين، فقد أصبحت الأسطورة على العكس من ذلك المصدر الرئيسي للثقافة الإنسانية، والجوهر الشعري (وليس السياسي، كما يصر كاسيرر، الذي يرفض الاتهامات التي توجه إليهم أحيانًا بأنهم ألهموا مفاهيم الدولة الشمولية، حتى لو كانت تهدف إلى تحقيق عالمية معينة، وخاصة الدينية، تتجاوز قوميتهم الرومانسية).

الأسطورة في القرن العشرين

في هذا الجزء الثالث والأخير من العمل، يعود تاريخ إرنست كاسيرر إلى عام 1840 ومحاضرات توماس كارلايل حول عبادة الأبطال، بين ما يقرب من مائتين أو ثلاثمائة عضو من الطبقة الأرستقراطية في لندن، والتأثير غير الطوعي الذي سيمارسه هذا المفكر بعد قرن من الزمان. العقول التي من شأنها أن تلهم الأيديولوجية الاشتراكية الوطنية. كارلايل معادي بشكل أساسي لهذا القرن وفلاسفة عصر التنوير. قبل كل شيء، لقد فتح الطريق، أكثر من أي شخص آخر، كما يخبرنا كاسيرر، لمُثُل القيادة السياسية. إذا اتخذت عبادة العرق، هذه المرة عند آرثر دي غوبينو، نهجًا يتعارض جذريًا مع نهج كارلايل واستنتاجات مختلفة تمامًا، فإن كتابات هذا المؤلف أكثر من تقريبية وغير علمية للغاية مع أطروحات خيالية، ومع ذلك سيكون لها تأثير معين مكملاً لخطة كارلايل، وكلاهما ألهم تيارات الاشتراكية القومية بعد ذلك بقليل. لا يؤسس غوبينو نظرية قاسية عن العرق فحسب، بل ينتقد أيضًا الثقافة اليونانية والحضارة الرومانية بشدة، حيث يشكك بشكل جذري في مبادئ التنوير. في نهاية المطاف، كما يوضح كاسيرر، تنتهي نظريته بالعدمية الكاملة. وبعد تطورات طويلة حول هذين المؤلفين، يتناول إرنست كاسيرر، في فصل جديد، تأثير فلسفة هيجل في تطور الفكر الحديث (تذكر أن العمل الذي نعرضه قد نشر عام 1946). ويؤكد أنه لم يطرح أي فيلسوف عظيم قبله نظرية للدولة لم تفعل شيئًا سوى التأثير على الاتجاه العام للفكر السياسي، ولكن ليس على حياته العملية. والوجه الآخر للعملة هو أن فكر هيجل قد فقد جزءًا من وحدته وانسجامه الداخلي حيث انخرطت مدارس مختلفة وأحزاب مختلفة في صراع حقيقي حتى الموت للمطالبة به، في حين أنتجت تفسيرات له، متباينة تمامًا، وحتى غير متوافقة. . واستمر البلاشفة والفاشيون والاشتراكيون الوطنيون، على وجه الخصوص، في الاستيلاء على تراثها. لقد أسيء ماركس ولينين استخدام مذهب هيجل بشكل ملحوظ بعد وفاته، ومن المؤكد أن الفيلسوف كان سيرفض، وفقًا لكاسيرر، معظم العواقب. إن المفهوم الهيغلي للدولة يتماشى مع مفهومه للتاريخ. بل إنه جوهرها، ألفا وأوميغا. كما تحدث منذ البداية ضد مفاهيم القانون الطبيعي. لكنه يختلف أيضًا بشكل واضح عن الرومانسيين. في الواقع، سيتم دمج عبادة الدولة، في الداخل، مع عبادة البطل. على عكس نوفاليس، لن يهتم هيجل بجمال الدولة، بل بـ “حقيقتها”. وهذا لن يكون أخلاقيا في عينيه. بل ستكون "الحقيقة الخاصة بالسلطة". تحتوي هذه الكلمات المكتوبة من هيجل عام 1801، منذ ما يقرب من مائة وخمسين عامًا، على أوضح برنامج للفاشية وأكثرها قسوة يمكن أن يقترحه أي مفكر سياسي أو فيلسوف على الإطلاق. تبدو الهيغلية واحدة من أكثر الظواهر تناقضًا في الحياة الثقافية. لا يوجد مثال أفضل للطابع الديالكتيكي للتاريخ من مصير الهيغلية. إن المبدأ الذي دافع عنه هيغل قد تحول في الواقع إلى نقيضه. ويبدو أن منطقه وفلسفته هما انتصار العقل. إن مساهمة الفلسفة بأكملها، على وجه الخصوص، تكمن في مفهوم العقل الذي بموجبه قدم لنا تاريخ العالم نفسه في شكل عملية عقلانية. ومع ذلك، فإن المصير المأساوي للهيغلية سيكون إطلاق العنان، دون وعي، لأكثر القوى غير العقلانية التي وجدت على الإطلاق في الحياة الاجتماعية والسياسية للبشرية.

خاتمة

"إن المعجزة الحقيقية الضرورية بالنسبة له هي معجزة الحرية الإنسانية والضمير الأخلاقي كدليل على هذه الحرية. وهناك يجد الوساطة الحقيقية بين الإنسان والله."

تمكنت الأساطير السياسية الحديثة من الازدهار بعد الحرب العالمية الأولى، تحت تأثير عواقبها، وخاصة ارتفاع معدلات البطالة والتضخم المفرط الذي تطور في ألمانيا في عشرينيات القرن الماضي. بشكل عام، يصلون إلى إمكاناتهم الكاملة عندما يتعين على البشرية أن تواجه موقفًا تهديديًا وغير متوقع. "في المواقف اليائسة، يلجأ الإنسان دائمًا إلى وسائل يائسة." ومن بينها أساطير القرن العشرين. كل ما ينقص هو "انسان الموقف"، هذا "البطل" النظرية التي وضعها كارلايل (حتى لو لم يصنع لها برنامجا) لتتحقق الأسطورة... مع العواقب التي نعرفها . لكننا هنا نتعامل مع متعلمين وأذكياء وصادقين ومخلصين تخلوا فجأة عن أعظم الامتيازات الإنسانية. نراهم يتوقفون عن أن يكونوا وكلاء أحرارًا وشخصيين. ومن خلال أداء الطقوس الموصوفة، يبدؤون في الشعور والتحدث والتفكير بطريقة موحدة. قد تكون حركاتهم حية وعدوانية، لكن هذه حياة مصطنعة وزائفة. ما يحركهم يأتي من قوة خارجية. إنهم يتصرفون مثل البيادق في مسرح الدمية - متجاهلين أن خيوط هذا العرض، كما هي الحال في كل الحياة الاجتماعية أو الفردية، يتم التلاعب بها الآن من قبل القادة السياسيين. وهكذا تذوب كل القيم الأخرى في هذه الفكرة المذهلة: تغيير الإنسان. نقطة مشتركة بين جميع الشموليات. أحيانًا باسم "الحرية" ذات ملامح غريبة جدًا. فكيف السبيل المؤدي الى ازالة الأسطرة عن الدولة الشمولية وعقلنة الممارسة السياسية من اجل الديمقراطية والحرية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..........................

المصدر

Ernst Cassirer, Le mythe de l’État, édition Gallimard, Paris, 2020.

يرسم الإنسان صورة نمط حياته من خلال مجتمعة، ففي كل عصر يتجه إلى إنتاج نمط فكري يتلائم مع متطلبات عصره، علما ان الحاجة والرغبة هما من يحددان متطلبات كل عصر، وعلى ضوء ذلك رسمت ملامح التفكير الإنساني .

ففي العصر الذي احتاج الإنسان إلى التفكير اللاهوتي، اخترع الدين البدائي، ولما أحتاج إلى الاستقرار صلح الأرض وزرعها، وعندما أحتاج الآلات اعتمد التفكير العلمي، ولما انتشرت التكنولوجيا  عمد إلى الذكاء الاصطناعي، وعلى نفس النمط  تطورت المشاعر كونها مرتبطة بعلمية التفكير، واساسيات الحياة التي تتحكم  في الأفراد .

وبعد مرور كل هذه التطورات ونجاح التفكير العلمي في نهضة أوروبا وانتشالها من غياهب العصور الوسطى أو المظلمة كما يصطلح بعض المفكرين على تسميتها،  من سيطرة الفكر الكنسي، تجددت دعوات من قبل المفكرين العرب في السبعينات من القرن المنصرم، على اهمية التفكير العلمي وضرورة اعتماده في المجتمعات العربية لغرض النهوض بها . ومن هؤلاء المفكرين دعوة زكي تجيب محمود في كتابة (التفكير العلمي) والذي يميز فيه بين تفكير العلماء الصرف، والمنهج العلمي الذي يدعو الفرد العربي إلى اعتماده في حياته اليومية، وتعامله مع الأفكار سواء كانت دينية أو سياسية أو اقتصادية .

 ولا زالت هذه النوايا تتعالى في هذا الشأن من قبل العرب، فينبري عندنا السؤال عن مدى صلاحية هذا التفكير والمنهج العلمي، وهل هو يلائم كل مجتمع كونه نابع من العقل ؟ .

ان الاجابة عن أزمنة التفكير، راجع إلى صيرورة طبيعة كل عقل، فالعقل الاوربي طبيعته مختلفة عن طبيعة العقل العربي، والسبب كما صرح به جماعة من الفلاسفة اليونان والمسلمين من قبل، في تأثير المناخ والبيئة، او اختلاف الاعتقادات والثقافات، بينما أشارت جماعة أخرى من الفلاسفة في الفلسفات الحديثة، بأن لكل مجتمع أيديولوجية خاصة تدعم الجانب السلبي او الايجابي من حضارتهم ودينهم ومستقبل ابنائهم، ناهيك عن تعدد الأفكار سواء كانت الدينية أو المدنية  في البلد الواحد، فعلاً ان كل فكر علمي يصلح لكل عقل كونه عقليا، لكن صورة العقل بين الشعوب مختلفة بسبب عدة ظروف، وعوامل مادية ومعنوية وسلطوية  .

 فالمنهج العلمي هو ليس بحثا في النظرية، بقدر ما هو نظام عمل للحياة اليومية، اي بمعنى سيادة مبدأ عقلانية الموضوعات  من حيث أن لكل معلول علة، أو لكل سبب مسبب، بعيداً عن كل المعتقدات الرجعية والافكار الايديولوجية .

تقاس مدى صلاحية الحياة عند الأفراد بظروفها، فالدول التي تصاب بعدوى الحروب والفساد يصاب مجتمعها. بمرض الفوضى، ويحاولون البحث عن الاطمئنان والاستقرار ، وعن توفير لقمة العيش، اما الدول التي يعم فيها السلام مبدئا لها تعيش حالة من الاستقرار الذي يفسح لها المجال لتفهم طبيعتها ووضع نظام يلائمها .

فالإنسان كائن مكون من نفس وجسد،  فإذا استمد نظامه من العلم خسر مشاعره، واذا عكسنا تلك المعادلة يفرض علينا خسران الاطمئنان النفسي والروحي، فالتكامل الانساني يفرض علينا الجمع بين ما هو علمي وروحي، وهذا لا يتم إلا من خلال ذلك التفكير والشعور الغامض  الذي يطلق عليه الفلاسفة وعلماء الجمال بالتفكير الجمالي، إذ أنه التفكير الوحيد الذي يجمع العلمي مع الروحي، والديني مع الهندسي، والجميل مع القبيح، والخير مع الشر .

فالتركيبة الجمالية هي أعظم التركيبات التي يتصف فيها النظام بالمرونة، والتناسق بالفهم، والانسجام بالإحساس، اي بمعنى انها تركيبة كونية توفر لكل ذات في هذا العالم فهما خاصاً يصلح للكل، فالجماليات هي الموضوعات الوحيدة التي يتفق العالم على فهمها من دون لغة أو ضجيج الأفكار، لأنها تلمس أرواحنا، وتشعرنا بعظمة وجودنا .

وعليه لا يمكن قصر فهم الحياة بالتفكير العلمي والفهم المادي للأشياء، لأنه يولد كائنا متوحشا وعدوانيا، ولا يمكن قصر تفكير الإنسان بالعاطفة والمشاعر، لأنه يولد كائنا ضعيفا هشا، فالأجمل والاكمل هو الذي يجمع بينهما لأن طبيعة الإنسان خلقت هكذا، لذلك يجب مراعاة طبيعتنا لكي نتقدم .

***

كاظم لفتة جبر

الفكرة - أيًا كانت - هي ثمرةٌ لنمط التفكير الذي أُعدّت الفكرة في مختبره، والنتائج مرهونة بمقدّماتها؛ وعليه فجانب كبير من الزَّلَل الذي تقع فيه الأفكار يتحمّل مسؤوليته نمطُ التفكير الذي دفعها لتلك الخاتمة عبر قناته الحتمية؛ ولذا فتعديل نمط التفكير حتما سيدفع الفكرة صوب مَنْحى آخر، وفي هذه الحالة فإنّ التغيير في نمط التفكير أوْلى بكثير من محاولة إجراء مراجعة نقدية على الأفكار نفسها، إذْ إنّ تعديلَ نمطِ تفكيرٍ ما يتبعه بالضرورة تعديل جملة كبيرة من الآراء المتبنّاة القابعة تحت مظلّته الواسعة.

في محاولته لاستيعاب ضخامة العالم يَعْمَد الإنسان إلى تجزئته؛ لِمَا يوفّره من إطار مريح وسريع لتصوّر المفاهيم وهضم الكمّ الهائل من المعطيات الواردة إليه، ويتصدّر في هذا النطاق نمط التفكير بمنظور الثنائية (Binary Thinking) واحدا من أكثر أنماط التفكير شعبية لدى البشرية، وهو يعني بإيجاز أنّه عند محاولة السعي لتصوّر مسألة محددة، ثَمّة مَيْلٌ للتفكير فيها بعقلية ثنائية صِرْفة: خطأ أم صواب، أقصى اليمين أم أقصى اليسار، خير أم شر، حقيقة أم زَيْف، هذا أم ذاك.

وهذا تسطيحٌ مستهتر لكيفية التعاطي مع الطبيعة المعقّدة لما حولنا سواء من المفاهيم المجرّدة أو المكوّنات الماديّة، فتنحصر رؤيتنا بناء على هذه السطحيّة الفَجّة للمفردات المحيطة بنا في ثنائية تُقصي ما بينها وخارجها من الاحتمالات اللامتناهية، فنكون رهائن في قبضة منهجية تفكير ثنائية الأبعاد، وتجد الأحكام المترتبة على ذلك طريقها إلى تقسيم الناس إلى أحزاب ثنائية استنادا لمنطق النظر هذا، وتختنق المفاهيم تحت نِيْر هذه الثنائية التطرّفية في انتكاسة فكرية مريرة.

لقد تطرّقت في كتابي: (مَن اختطف عقلك؟!) (٢٠١٩م) إلى خطورة التفكير الثنائي، حيث "إنّ منطق (إمّا أو) الكلاسيكي وتقليب الأفكار لدينا على أساس أبيض وأسود، فبالإضافة إلى أنّه أثبت فشله ورجع بخُفّيّ حُنَين الكَرّة تِلْوَ الأخرى، فقد فوّت علينا العديد من الخيارات الفارقة … علينا أنْ ندرك مدى تحجيمنا أنفسنا وإعاقتنا إياها باتّباعنا هذا النهج من التفكير، فالعقلية التي نفكر بها حاليا تصوغ العالم". ص٤٦و٤٧ بتصرّف.

التفكير من منظور كنط هو "الفعل الذي يقوم على إقامة صلة بين حَدْس مُعطى وموضوع" (نقد العقل المحض، ص٢٠٨) وهذه الصلة كما عبّر عنها كنط هي التي تحدّد النتيجة التي تُفْضي إليها العملية التفكيرية، وكلما تخلّصت هذه الصلة من براثن التفكير الثنائي، انغمس العقل البشري أكثر في نسيج متنوّع في غاية الروعة من زوايا النظر المتباينة، فيكون التفكير خارج حدود المألوف قفزة صحية نوعية لحياة فكرية جديدة.

من شأن تطوير القدرة على رؤية التعقيدات من خلال وضع الرؤية النقدية على محمل الجد، أنْ يساهم في الانفتاح على رؤية أكثر تنوّعا، في حالة أشبه بالنظر في (Kaleidoscope) الذي في كل حركة طفيفة في حلقته الدائرية تنشئ مراياهُ العاكسة طبقة مختلفة من الألوان المتداخلة، هذه الحركة الدائرية تمثّل نمط التفكير الذي نسعى للوصول إليه لإنتاج طبقات ألوان مختلفة من الأفكار، وبدون هذا التعديل تبقى طبقات الألوان الراهنة هي هي.

إنّ رَجْع خطوة للوراء يُكسِبنا شمولية نظرة الطائر (Bird’s Eye View) الذي يرى من عَلٍ الشيءَ في سياقه، والجزء في كُلّه، والعنصر في تَمَوْضعه الصحيح؛ ونتيجة لذلك فإنّ نمط التفكير الثنائي في هذا الإجراء سرعان ما يَبْهُت وهَجُه، حيث تتعرّى ضآلته أمام تعقيدات ما حوله، فلا يصبح المهيمن الجاثم على المنطقة بل تتنازعُه أطيافٌ شتّى من الوجوه المحتملة، تماما كالكرة الأرضية التي هي بمقاييسنا البشرية مساحة هائلة للغاية، وقد يعيش الواحد منا عقودا من الزمن وهو محبوس في مربع جغرافي ضيّق منها لا يغادره، ولكن في مقاييس كل الجزء المرئي من الكون الذي يمثّل (٥٪) من الكون! فإنّها لا تُعدو أنْ تكون مجرد حبة رمل وسط كثبان رملية على مدّ البصر! ناهيك عن نسبة الأرض الصفرية حرفيا! بإضافة مكوّنات الكون غير المنظور الـ(٩٥٪) من المادة المظلمة والطاقة المظلمة!!

واحدةٌ من مثالب أحادية التفكير لدى المتلبِّس به هو توهّم اليقين بأنه على كفة الميزان الراجحة، ومخالِفُه يعتقد النقيض في كفة الميزان الأخرى، وكلاهما يعسُر عليه إدراك احتمال وجود كِفَفٍ أخرى للميزان، فيتوهّمان حتمية رأييهما بمجرّد تفنيد الرأي المقابل، انطلاقا من حصر النظر في زوايتين ليس إلّا، إلا أنّه ليس بالضرورة أنْ يُصار للرأي الثاني بمجرّد نقض الرأي الأوّل، فقد يقبع الصواب - وكثيرا ما يكون - خارج نطاق تجاذبهما الثنائيّ، ولعل كنط مِن أحسن ممن أشار إلى ذلك بعبارة رشيقة، حيث يقول في كتابه (نقد العقل المحض): "فحُكمان متضادّان جدليًا قد يكونان إذن خاطئين كليهما؛ لأنّ الواحد لا يقتصر على نقض الآخر، بل يقول شيئا أكثر مما هو لازم للنقض" (ص٣٢٤) ويرتّب كنط على ذلك بعض اللوازم في القضايا التي تتمحور حول ثنائية الإنكار والإثبات، من بينها: "يجب ألّا يُتّهم أحد بأنّه يريد أنْ يُنكر شيئا بسبب أنّه لا يجرؤ على إثباته". (ص٣٨٨)

فالإنكار شيء، وعدم القدرة على الإثبات شيء آخر، على أنّه ليس بالضرورة أن يكون النظر لموضوع ما إنكارا وإثباتا فحسب، فواردٌ أن يكون ثمّة نظرة تتعاطى بطريقة مختلفة تماما ومن منطلقات ذات اعتبارات مغايرة، ومن ثَمّ فإنّ قَبول التعددية خطوة عملاقة للتملّص من أغلال التفكير الثنائي، ويمكننا الادّعاء بأنّ أحادية التفكير هي أحد مُخرَجات التفكير الثنائي.

في المرة القادمة بدلا من تقليب الأمور بين الأبيض والأسود حاول اكتشاف المنطقة الرمادية، ومن الجيد وقتئذ أنْ تختبر مستوى تغوّل نمط التفكير الثنائي في دهاليز عملياتك الذهنية، وذلك عبر محاكمة إحدى مُسلّماتك، لتطرح على نفسك السؤال المشاغب الآتي بشأنها، إذا كان ثمة احتمال آخر غير ثنائية ما أعتقده ونقيضه، فماذا سيكون؟! لرُبّما لو تأمّلت بعناية لتوصّلت لإجابة صاعقة! ولو رأتْ (ربما) هذه النور، فإنك في طريقك للولوج إلى إدراكٍ يكشف لك نسخة مختلفة تماما منك ومن الحياة، وكأنّك انتقلت لتوّك إلى زمن غير زمانك المتكدّس بالنسخ المتكررة، ومَن ذاق عَرِف، ومن عرف أَدمَن!

الإجابات النهائية أسطورة بالية عفا عليها الزمن، وأسطوانة مشروخة أكل الدهر عليها وشرب! وأسوأ النهائيات هي الثنائيات! وكلّما استنارت بصيرة المرء كان أَميل للنظرة التعدديّة الرَّحبة منه للنظرة الثنائية المنغلقة، وصار أبعد عما سمّاه نيتشه (النمط القطيعي) في الغرق في التفكير الثنائي حين قال في (ما وراء الخير والشر): "وعلى المرء أنْ يستنهض طاقات مضادة هائلة كي يستطيع التصدي لهذا المضيّ الطبيعي المفرط في طبيعيّته باتجاه المشابهة وهذا المسار الذي يمضي بالإنسان نحو التماثل والنمط العادي الوسطي القطيعي نحو الرداءة!" (ص٢٤٩).

***

بقلم محمـــد سيــــف

ستيفن هوكينغ، عالم الفيزياء البريطاني (1942-2018) لطالما أربك المناخ الأكاديمي عبر تأليفة لكتاب (التصميم الكبير)، وتكراره للمقابلات مع المحاورين والصحفيين، في ان الفلسفة القائمة حاليا هي مضيعة للوقت وان الفلاسفة بلا فائدة. وبشكل أدق، هو كتب بان الفلسفة "قد ماتت" طالما هي لا تتماشى مع أحدث التطورات في العلوم وخاصة الفيزياء النظرية. في أوقات مبكرة اعترف هوكينغ بان الفلاسفة لم يحاولوا فقط مسايرة العلوم وانما أنجزوا من جانبهم احيانا مساهمات علمية هامة. مع ذلك، هم الان، ليس لهم أي تأثير وقد اصبحوا عقبة امام التقدم من خلال استمرارهم اللامتناهي في التفكير حول نفس القضايا القديمة المتعلقة بالحقيقة والمعرفة ومشكلة الإستقراء وغيرها. لو ان الفلاسفة أولوا المزيد من الاهتمام للادبيات العلمية لكانوا قد توصلوا الى ان تلك القضايا لم تعد حية لكل من يتابع آخر التطورات الفكرية. خياراتهم ستكون اما غلق المحل والتوقف عن التمثيلية الاستعراضية المسماة "فلسفة العلوم" او الاستمرار في نفس النهج المثير للسخرية في موقفهم من عدم مواجهة الحقائق وتغطية رأسهم بالرمال.

يمكن القول ان الصحفيين ذهبوا ليجدوا أنفسهم فلاسفة صديقين لوسائل الاعلام يجادلون في قضية معاكسة بطريقة قوية. وعلى العموم، اولئك في أجوبتهم بدوا قلقين للغاية من الحرص على توجيه مذكرة تصالحية، او منح اطروحة هوكينغ بعض المعيار للحقيقة كما حُكم عليها طبقا  لمعايير جماعة العلوم الطبيعية.

يمكن القول ان الموقف يحتاج الى التأكيد القوي وربما أقل لباقة طالما ذلك يشبه انسحابا اجباريا لتغطية فوضى داخلية. بالاضافة الى ذلك، هناك سبب جيد لتأسيس دفاع أقوى بكثير على اسس مبدئية. هذا له علاقة بحاجة العلماء للتفلسف وما درجوا عليه من ميل للتفلسف السيء او ارتكابهم لأخطاء معينة يمكن تجنبها لو أولوا اهتماما لما يقوله الفلاسفة.

العلم هو فلسفي

البروفيسور هوكينغ ربما كان يتحدث الى الفلاسفة الخطأ، او انه التقط افكارا خاطئة حول انواع النقاش الذي يجري الان في فلسفة العلوم. انكاره لكامل المشروع كحقل بلا جدوى وزائف علميا يفشل في حساب العديد من الحقائق الهامة حول الطريقة التي كان يطبق بها العلم منذ بدايته الحديثة (القرن السابع عشر) وحتى التطورات في القرن العشرين  مثل ميكانيكا الكوانتم والنسبية.

العلم تضمّن دائما عنصرا فلسفيا كبيرا، سواء على مستوى الإفتراضات المسبقة الأساسية المتعلقة بالدليل والسببية وبناء النظرية واستدلال صالح واختبارات الفرضيات وغيرها، او في مرحلة التأمل حين يتجاهل العلماء الإرشاد المقدم من فلاسفة ذوي اطلاع جيد لكي لا يقعوا في مختلف انواع المغالطات الخادعة او الخيال. تلك هي "أصنام المسرح" التي حذر منها فرنسيس باكون في عمله (الاورجانون الجديد عام 1620)، وهذه – وان كانت في مظهر فلسفي مختلف – الافكار المخادعة، طبقا لكانط، يمكن ان تقودنا الى ضياع الطريق نحو التحقيق الآمن او التحقيق الباحث عن الحقيقة. وبينما لا رغبة في إثقال العلم بأمتعة ميتافيزيقا كانط، نرى ان هذا التشخيص ينطبق على العديد من الافكار التأملية الحالية المطورة من جانب فيزيائيين نظريين بضمنهم مؤيدو نظرية الأوتار (هوكينغ أحدهم) وبعض التخمينات الكوانتمية الغير مألوفة. هؤلاء المفكرون يبدو غير قلقين وغير مبالين بحقيقة ان نظرياتهم غير قادرة على الإثبات او التأكيد، او التكذيب المطلوب حسب كارل بوبر وأتباعه. في النهاية، السمة الغريبة لهذه النظريات هي انها تؤكد وجود ذلك، وهي بذلك تتملص حاليا والى الابد من أي شكل من التأكيد بواسطة الملاحظة او التجربة.

نعم، العلم حقق بعض التقدم الملحوظ عبر المغامرة وراء حدود الدليل الواضح. لقد فتح في كثير من الأحيان آفاقا جديدة عبر اتّباع بعض خطوط التفكير التأملي التي تستلزم الإستعداد على الاقل حاليا للعمل بدون احترام وضمان الطريقة العلمية الجيدة. في الحقيقة، هذا الإعتماد على تبنّي نظري يتجاوز أقصى نطاق للإختبار التجريبي هو شيء ما يعزوه بعض الفلاسفة الى القوانين الفيزيائية الأساسية او الحقائق العلمية المسلّم بها على نطاق واسع. حسب رؤيتهم لا وجود هناك لدليل ذاتي تجريبي واضح طالما يتم دائما إبلاغ الملاحظات نظريا. وبنفس المقدار، النظريات العلمية هي دائما "ليست يقينية" بواسطة أفضل الأدلة المتوفرة، بما يعني ان الدليل هو دائما مفتوح للتفسيرات الاخرى العقلانية المساوية في ضوء بعض التعديلات في تلك الفرضيات المساعدة او في عنصر قابل للنقاش في العقيدة الخلفية.

رغم ذلك، لا احد يريد هنا الاندفاع بهذه الحجة بعيداً، لأنها اصبحت الآن بين بعض فلاسفة العلوم مادة للايمان،  دوغما يتم الحفاظ عليها بثبات مثل أي مبدأ من مبادئ العقيدة الوضعية القديمة التي لم تتم إعادة بنائها. علاوة على ذلك، لقد ادّى ارتفاع نطاق الاتجاهات السوسيولوجية النسبية او القوية التي تستعمل اطروحات نظرية مثقلة ومفتقرة لليقين  لإلقاء الشك على أي تمييز بين النظريات الصحيحة والزائفة، الفرضيات الصالحة وغير الصالحة، او بين العلم والعلم الزائف.

من المحتمل جدا انها افكار من هذا النوع – أفكار لها تربتها الأصلية في السوسيولوجي او الدراسات الثقافية او على العوالم الواسعة والطبيعية لفلسفة العلوم – التي شجعت البروفيسور هوكينغ لإصدار إعلانه. غير ان تلك ليست لها صلة وثيقة بالرؤية  حول العنصر التخميني القائم في العديد من حلقات التقدم العلمي الكبير وكيف لعبت الفلسفة دورها التمكيني والتنظيمي المشترك في تلك العملية. بهذا نعني دورها كمصدر للأفكار الجديدة او الفرضيات النشطة وايضا كمصدر لمبادئ توجيهية بشأن قضايا مثل دليل تجريبي، صلاحية منطقية، فعل استقرائي، تأييد، تكذيب،اختبار فرضيات، استدلال سببي، وزن احتمالي وغيره. هذه تساعد في وضع العلم تحت السيطرة وتمنعه من اتخاذ انعطاف مغري نحو تأمل خالص غير راسخ او فنتازيا من نوع الخيال العلمي. ولاشك ان قدرة العلماء على القيام بذلك بانفسهم امر صحيح بما يكفي لكنها نتيجة طويلة الأمد لعمل الفلاسفة. منذ ارسطو كانت هناك علاقة قوية وان كانت متقلبة تاريخيا بين العلوم الطبيعية وتلك الفروع من الفلسفة التي عملت لتزويد العلم بفهم اوضح للاتجاهات المنهجية الخاصة بها. كذلك، كان هناك احيانا تحولا في المنظور الفلسفي الذي أحدث بعض التغيير التاريخي في النموذج العلمي مثل تلك التي بواسطتها حسب تعبير الفيلسوف الأمريكي كواين Quine، "حلّ كبلر محل بطليموس، وأينشتاين محل نيوتن، ودارون محل ارسطو".

لا خلاف على كراهية هوكينغ لفلسفة العلوم بالقدر الذي جرى تحفيزه بواسطة نموذج النسبية الكلي الذي كان كواين يسعى للترويج له. وفقا لرأي كواين (وكذلك توماس كن) يجب ان نفكر بتغيير النظرية العلمية باعتبارها تتضمن تحولا جذريا في المخططات المفاهيمية بحيث تجعل تاريخ العلم غير قابل للمسائلة عقلانيا وتجعل فلسفة العلم علاقة ضعيفة (نظرا لأنها تعتمد كليا) على علم الاجتماع وعلم النفس السلوكي. اذا كان هذا هو الموقف الوحيد المتاح لفلاسفة الحاضر نتيجة للفشل الواسع النطاق في التيار الفكري عندئذ فان هاوكنغ سيكون مبررا كليا في شنه هجومه المضاد على الفلسفة. لكن هذا يتجاهل التحوّل القوي نحو اتجاه واقعي وتوضيح سببي كان السمة الأكثر وضوحا لفلسفة العلوم أثناء العقدين الماضيين. وبدلا من ذلك الانحراف النسبي المبكر، يدعو هؤلاء المفكرون الى تصوّر قوي لأنواع طبيعية الى جانب هياكلهم الأساسية، خصائص، وميول سببية. من المهم جدا في السياق الحاضر ان اتجاههم يوفر سيطرة قوية في قضايا مثل: ما الذي يُحسب كتحقيق علمي وما الذي يجب ان يُصنف كحدس ميتافيزيقي او انه مجرد اختراع.

لذا فان فلسفة العلوم الآن تبدو وُضعت لتشغل أرضيتها الأصلية في العودة لتكون في تماس مع الفيزياء. هذه ليست فقط مسألة دلالية تافهة نسبيا حول العلوم الطبيعية كونها جرى وصفها بالفلسفة الطبيعية حتى وقت متأخر. بل انها مسألة ان النظريات العلمية - خاصة النظريات المفرطة في التأمل التي تشغل الفيزيائيين النظريين مثل هوكينغ – تستلزم كمية كبيرة من التفلسف الخفي الذي قد يعزز او لا يعزز مصالح المعرفة والحقيقة.

كان من الأفضل ادراك هذا اذا اردنا الاّ ننخدع بالإحتكام الكاذب الى سلطة العلم كما لو انها حازت على نوع من الدليل الذاتي الكامل او أمر لا جدال فيه يمكنه الادّعاء  بنبذ الفلسفة كبقايا من ماضي ما قبل العلمي. خاصة عندما يبدي الفلاسفة احترامهم المبرر للعلم وانجازاته الهامة الى حد التخلي عن كل السلطات حول قضايا تكمن ضمن مجالهم التنافسي. وهكذا انها نتيجة مضادة لكل من يتعلق بهم الامر، فلاسفة وفيزيائيين، عندما يقترح كوين وغيره باننا يجب ان نرغب دائما بتغيير القواعد الاساسية للمنطق لكي تساعدنا بالعثور على مساحة لبعض النتائج الشاذة والمحيرة جدا. ربما يمكن ازالة مؤقتة لوخزة مفارقة ثنائية الموجة/الجسيم الكمومية عبر رفع القواعد الكلاسيكية للازدواجية او الوسط المستبعد، اي، تلك التي تتطلب قبولنا اما بالقول "الضوء ينتشر كموجات" او القول "الضوء هو تيار من الجسيمات" ولكن ليس كلاهما. غير ان الحل الإصلاحي التعديلي يؤدي الى ظهور مشاكل أكثر استعصاءً على الحل طالما تترك كل من العلماء والفلاسفة عالقين في عجز معياري كبير. بعد كل ذلك، لو انهم قبلوا اقتراح كوين عندئذ هم سوف يفتقرون الى معظم المصادر المفاهيمية الأساسية لتقييم الادّعاءات والنظريات او الفرضيات من حيث انسجامها المنطقي الداخلي او حتى فيما يتعلق بالمدى الذي تبقى فيه موحدة مع أشكال اخرى للتقاليد العلمية.

هنا مرة اخرى يسعى الفلاسفة للعمل بشكل أفضل وأيديهم على الزناد، ورفض هذا الخط المعين من المقاومة الضعيفة والتمسك بالإحترام الذي لا غنى عنه للقاعدة الكلاسيكية في ثنائية الحقيقة والزيف. ذلك لا يعني على الاطلاق انها قد تتمكن من تحقيق ما يبدو ان هاوكنغ يتصوره في الفقرة الأخيرة من كتابه عندما يندهش من فكرة كيف ان "المنطق المجرد" يمكنه طرح الوفرة الهائلة للمعرفة العلمية الحالية.هنا تحتاج المسألة الى توضيح – وهو ما يشهد عليه كتابه بشكل واضح – ان المعرفة المعنية نتجت عن مشروع تحقيق منضبط لكنه غالبا ما يكون مبتكرا للغاية حيث التفكير "المجرد" يلعب دورا حاسما منتجا مع انه بعيد عن كونه شاملا او مكتف ذاتيا.هذا المشروع يضم الاجراءات الاساسية للمنطق،مثل،الفكر الافتراضي الاستنباطي والاستدلال الاستقرائي على الدليل مع نطاق كامل من المصادر المساعدة مثل المقارنة، التجارب الفكرية، التخمين العقلاني، وإدراج كل تلك الاستدلالات في التفسير الأفضل والاكفأ.

على طول الكتاب يقدم هوكينغ أمثلة هائلة عن استعمال كل واحدة من هذه الادوات الفلسفية، الى جانب حالات اخرى يتجسد فيها العمل المشترك لتلك الادوات باعتبارها الطريقة الوحيدة التي توضح الكيفية التي استطاع بها العلم تحقيق النجاحات. ومع ذلك، هو مجبر بـ "المنطق المجرد" لعلمه العقائدي على دفع هذه الادلة مؤقتا  بعيدا عن الانظار عند اعلان عدم اهمية الفلسفة كليا لأي شخص يمتلك رؤية عالمية مناسبة (مبلغة علميا). في الحقيقة، ربما من الافضل للفلاسفة تذكير العلماء كيف ان تفكيرهم المنتج كثيرا ما يستلزم تبادل معقد للبيانات التجريبية، النظريات، الفرضيات الصالحة،التخمينات القابلة للاختبار وحتى احيانا قصص خيال تأملية. ونفس الشيء يغيب عن تفسير هوكينغ دور حارس بوابة الفلسفة في اكتشاف تلك الحالات التي يتيه فيها العلم عندما تُرفع قيود معينة واضحة وحين يفتح التخمين العقلاني التجريبي الطريق لخيال خالص.

الى جانب هذا، من المفترض هناك نظريات قاطعة يتضح منها عند الفحص الدقيق، تكرار غير مقصود للأفكار الماضية من تاريخ الفكر الذي سبق وان انتُقد وبالنهاية نحي جانبا. كتاب هوكينغ يطرح نظريتين، واحدة في "M theory"ذات العلاقة بالأبعاد المتعددة – 11 بُعد – والتي تشكل الواقع النهائي الذي ما وراء الظهور رغم ان تصوراتنا الحسية محددة بثلاثة أبعاد اضافة الى عالمنا الزماني- المكاني المألوف. وفق هذا التفسير لا يمكن ان تكون هناك "نظرية لكل شيء" شاملة وواحدة من النوع المفضل لدى المتفائلين أمثال ستيفن وينبيرغ لكننا نأمل في الحصول على نطاق كامل لنظريات مفصلة خصيصا ومحددة بمنطقة معينة تشير فيما بينها نحو طبيعة وتركيب الواقع النهائي. النظرية الاخرى وهي مرتبطة بقوة بالاولى، هي فكرة هوكينغ عن "الواقعية المعتمدة على نموذج" model-dependent realism كاتجاه يتسامح (طبقا لميكانيكا الكوانتم) مع تأثير الملاحظة على الشيء المُلاحظ والذي مع ذلك يحتفظ باحترام كافي لموضوعية الحقيقة العلمية.

هنا يبيّن هوكينغ في جداله كل علامات الانجراف غير المنضبط بين مختلف المواقف المتبناة من جانب مختلف الفلاسفة بدءا من كانط وحتى الوقت الحاضر. هو صرف المزيد من الوقت على ما يبدو في إعادة صياغة غير مقصودة لحلقات في تاريخ الفكر المثالي ، حلقات ألقت ظلا طويلا على فلسفة العلوم في مرحلة ما بعد كانط. تلك الظلال لاتزال تكمن بكثافة بفكرتي هوكينغ الأساسيتين M theory  و الواقعية المعتمدة على نموذج. هما كلاهما تبدوان وُضعا لإعادة فتح الإنقسام الكانطي القديم بين الشيء في ذاته المستقل عن الحواس "noumenal"وهو الواقع النهائي ما وراء معرفة الانسان، وعالم الظهور "phenomenal"الذي نحن مقيدين فيه بفعل حدود تصورنا وفهمنا. لذا، اذا كان هوكينغ صائبا في اتّهام بعض الفلاسفة بالجهل الجسيم بالعلم عندئذ هناك مساحة للمغالطة . لأنه وبنفس القدر من المساواة ان العداء او اللامبالاة نحو الفلسفة يمكن ان تقود احيانا العلماء، خاصة اولئك ذوي الموهبة التخمينية القوية، ليس فقط لإعادة اختراع العجلة وانما لإنتاج عجلات لاتسير بشكل مباشر وبالنتيجة تميل للإضرار بالمركبة.

ان الفهم القوي لهذه القضايا كما نوقشت من جانب الفلاسفة خلال العقود القليلة الماضية خفف من احتقار هوكينغ وايضا زاد من حدة نقده لمظاهر معينة للفيزياء النظرية الحالية. ما يجب ادراكه انه ليس الجرعة القوية من الواقعية الفلسفية ربما قصّت أجنحة التأمل هذه بل ان الفلاسفة ماهرون جدا في توجيه المسار عبر هذه المياه المتلاطمة، او في النجاح بالإبحار رغم كل الدوامات المتأثرة بإلتقاء العلم والميتافيزيقا والتأمل غير التقليدي. بعد كل ذلك، الفيزياء قد اعتمدت دائما على التفكير التأملي المنضبط الذي اخترعه الفلاسفة أساسا وطوّروه ومن ثم انتقدوه عندما تجاوزوا حدود التخمين المسؤول عقلانيا. تلك التجارب الفكرية التي تدّعي تاسيس اطروحة هامة ليست ساذجة بل تتعلق بطبيعة العالم المادي بوسائل من التفكير الصارم الذي يؤسس حقيقة (او يظهر زيف) أي ادّعاء او انكاره.

لاشك ان هناك مساحة للنقاش فيما اذا كانت هذه مواقف من اكتشاف علمي حقا يستحق الانتباه تحقق من خلال ممارسة التفكير القبلي ام انها كانت نوع من الحشو والتكرار المخفي . مع ذلك،هناك العديد من الأمثلة في تاريخ العلوم – بدءا من تجربة غاليلو الفكرية التي بيّنت خطأ ارسطو حول سقوط الاجسام الى عدد من النتائج الحاسمة المتصلة بالكوانتم – لكل من يجادل بشكل مقنع ان النتائج المتحصل عليها في "مختبر الذهن" يمكنها فقط اثارة إعجاب الفلاسفة الحريصين في الدفاع عن رقعتهم، هناك احساس يقف فيه المشروع العلمي او يسقط حول صحة الاستدلال الشرطي المضاد، أي، الاستدلال بما سيكون عليه الحال بالضرورة في حالة توفر شروط معينة او فرضيات معينة. في مظهره السلبي، هذا النوع من التفكير يستلزم تفكير في ما كان يمكن ان يحدث اذا لم تكن بعض العوامل ذات الصلة سببيا او ماديا فعالة في بعض الحالات. هوكينغ يثق باستمرار بمثل هذه المبادئ الفلسفية لكي يعرض ويبرر ادّعائاته حول التقدم الحالي وربما المستقبلي في الفيزياء. بالطبع هو مرحب به جدا لكن من الأفضل ان يعترف بمصادر لطرق التفكير وبروتوكولات حجج صالحة تستلزم أرضيات فلسفية وعلمية متميزة.

هذا يعيدنا مجددا الى النقطة التي تحفز معظم المقاومة من جانب العلماء – الفيزيائين النظريين خصيصا- الذين في الحقيقة يكسبون الكثير من أي زعم بمطالبة الفلسفة للاستماع في مثل هذه المسائل.ذلك ان العلماء يميلون للتيه عندما يبدأون التأمل بقضايا تتجاوز ليس فقط أفضل دليل حالي مُلاحَظ وانما حتى نطاق ما يمكن تصوره حاليا من حيث الاختبار. وللحديث بوضوح اكثر: احدى المهام المفيدة لفيلسوف العلوم هو معالجة الأخطاء والالتباسات التي يقع بها العلماء من الفيزيائيين النظريين عندما يُطلق لهم العنان للتأمل العقلي.

في كتاب نظرية الكوانتم والرحلة من الواقعية هناك حالات عديدة لتوضيح المسألة في أقوال منظّري الكوانتم بدءاً من نيل بوهر الى المناصرين الجدد لنظرية "تعدد الاكوان" ومنهم هاوكنغ.

استنتاج

لاشك ان هناك مقدار من الفلسفة البليدة والسيئة التعريف او ذات رؤية ايديولوجية التي اما ترفض او تحاول لكنها تفشل في الإنخراط باهتمامات العلوم الحالية. يمكن للمرء فهم عدم صبر هوكينغ او سخطه الصريح من بعض المفاهيم غير الناضجة التي طرحها الرافضون والذين سيكونن منخرطين ايضا على حد سواء. ومع ذلك، فانه من الأفضل له ان ينظر الى الدور المثبت تاريخيا والذي اصبح في الوقت الحاضر أكثر حيوية من أي وقت مضى للفلسفة باعتبارها فرعا نقديا. انها تستمر في تقديم أنواع من المحاججة التي يتطلبها العلم لكي تزيل ليس فقط أوهام اليقين الساذج او الدليل الذاتي الحدسي وانما ايضا الإلتباسات التي يقع بها الفكر التأملي عندما ينفصل عن أي مناشدة مقيدة للمبادئ التنظيمية مثل الإستدلال على أفضل تفسير. يمكن لنا الإسترشاد باقتباس من كانط من سياق مختلف لكنه ذو صلة:

فلسفة العلوم بدون مدخلات علمية تكون فارغة، بينما علم بدون توجيه فلسفي يكون أعمى.

***

حاتم حميد محسن

.....................................

المصادر

1- ستيفن هوكينغ و ليونارد ملودينو، التصميم الكبير: أجوبة جديدة لأسئلة الحياة النهائية، مطبعة بانتام،2010.

2- كرستوفر نورس، نظرية الكوانتم والرحلة من الواقعية: ردود فلسفية لميكانيكا الكوانتم (دار روتلج،2000).

3- ديفد بابينو، فلسفة العلوم،مطبوعات جامعة اكسفورد،1996.         

 

"عندما يغفو الواقع، توقظ أدمغتنا كل أحلامه التي تراقب الأشياء والكائنات  ..."

وردَ فيما قاله ابن سيرين بصدد تفسير الأحلام: " إنْ رأى أحدُكم في المنام أنّه مَلَكَ نعلاً ولم يمشِ بها، ملك مرأةً، فإنْ لبسها، وطيء المرأة. فإنْ كانت غير محذوة (غير مقطوعة)، كانت عذراء، وكذلك إنْ كانت غير محذوةٍ، لم تُلبس" (محمد بن سيرين، منتخب الكلام في تفسير الأحلام، اعتنى به ورتبه محمود طعمة حلبي، دار المعرفة بيروت- لبنان، الطبعة الخامسة 2002، ص 365).

هنا بيت القصيد وبيت التأويل في الوقت عينه، حين نستيقظ وحين ننام على إيقاع ما نعتقد. من الوهلة الأولى وبلا تفكير، يحدد ابن سيرين ارتباطاً ضرورياً بين النساء والنعال، جاءت العلاقة كأنّها علاقة شرطية دون تأخُر. نتيجة هذا الحصر التأويلي لإتيان النعل دالاً على المرأة لا غير. فالإنسان يعيش داخل التأويل أكثر مما يعيش في الواقع، الإنسان كائن يدمن التأويلات على الأصالة.

ولكن الإشارة لا تخطئُها الحقيقة، إذا ما تأملنا مكانة المرأة في الثقافة العربية مقارنةً بوضع النعال. المرأة للباس والنكاح والوطء كأمور شائعة الدلالة والفكرة. تتراوح مكانتها مع النظر إليها عذراء أو منكوحة أو مملوكة  لدى أحدهم. حتى أنّ إنساناً ينام، فيحلم، فيأتيه النعلُ إمرأةً وتأتيه المرأةُ نعلاً كما يؤكد ابن سيرين. التبادل الذي يفسر أوضاعاً اجتماعية وإنسانية كثيرة. لقد غدا الحلمُ مسرحاً ليلياً مفتوحاً للجميع، لدرجة أنَّ أصحاب الثقافة هم ممثلوه الفعليون وهم متفرجوه أيضاً. ويبدو أن المتفرجين هم الذكور والنساء معاً رغم التقليل من شأن المرأة. والحلم السابق له ثقل اجتماعي كبير كأنه " تأويل فوتوغرافي" يرسم التفاصيل الجسدية بين المرأة والنعال. فهما من جنس ثقافي واحد ومن نسيح يوضح الآثار الحسية  عليهما!!

المفارقة أنَّ حلماً بهذه الصيغة هو نوم الواقع هامساً إلى نفسه بما يريد قوله في وضح النهار. بكلمات أخرى أراد الحلم تمرير الواقع وتبريره بمجمل أوضاعه، فما كان منه إلاَّ أنْ أصبح مسرحاً للإفضاء والقول الحُر. الحلم هو تخدير للوعي إيذانا بظهوره في إطار آخر، لكيلا تحدث استفاقة بصدد مكانة المرأة. فالحلم ستارة أخيرة، قبيل انكشاف الحُجب، الحلم طيفٍ يترجم ما نفكر فيه، وما تقوم به الثقافة من أفعال رمزية.

من طرفٍ آخر، غدت الأدمغة - كحاملةٍ لشفرات الثقافة- بمثابة الصندوق الأسود، إذْ يستحيل فك شفراتها إلاَّ ليلاً. الأدمغة تتحكم في كل شيء، الإنسان والمجتمع والحقائق، حتى بالنسبة لبيولوجيا الإنسان ذكراً وأنثى. والليل حياة في غياب النظر، في غياب القوانين، في غياب الآخر، في غياب القيم، في غياب الحدود الفاصلة بين الأشياء. هل رأيتم أحدنا يدخل دماغ الآخر وهو نائم، كي يُملي إليه ما يقول إعتراضاً أو إزدواجاً أو نقداً؟!!

ليس الواقع والحلم طرفين وكفى، كأنهما يلتقيان على شرف الثقافة اعتباطاً. لكنهما يحققان ما يصبوان إليه ويرسمان أدواراً خطيرة، ليس أقلها التبادل السري بين الفكر والحقيقة. فهو أحد أشكال المقايضة الثقافية: " أنْ يكون الحلم واقعاً وأنْ يكون الواقع حلماً ". ولعلَّ تبادلاً كهذا هو أعمق ما تمَّ في تاريخ المجتمعات البشرية وليست مجتمعاتنا العربية فقط. لقد خرجت من صلبه الأساطير والخرافات، وتولدت كذلك الحقائق والأفكار التي هيمنت على عقول الناس ردحاً من الزمان.

" الحلم واقعٌ والواقع حلمٌ".. هذا يثبت كيف تعبر المجتمعات عما تهجس به إلى ذواتها التاريخية. فحين يكون الواقع معبراً بكل قسوةٍ عما يضمر، سيكون الحلم فضاءً مخففاً إلى درجة الظلال. وإلّا ... ماذا ستفعل" المرأة الإنسان"، عندما تعرف أنها نعل قابل للوطء والخلع والارتداء؟! وأيُّ مصيرٍ ستراه يناسبها مع هذا المعنى أو ذاك؟ إنها مجرد شيء فارغ لتوّه من أقدامنا التى ملت إحتذاءه. إذاً.. فليكن وصف (المرأة بالنعل) حلماً. حلم هو تأويل ممحو للواقع، وتم إلقاؤه هناك من باب فتح مناطق المجهول في دماغنا الثقافي. كيف نتصرف مع الأحلام بعد ذلك؟ الاحلام تأتي هادئة، الأحلام تتسلل في غيبة الأشياء والناس، الأحلام تدخل إلى مخادعنا دون حراسةٍ.

فوق كل ذلك، ماذا ستكون الثقافة عندئذ التي تقابلنا في جميع تفاصيل الحياة؟ إنها ستمثل فراشاً وثيراً تزور عبره الأحلام أدمغة الأفراد. الثقافة هي السرير الذي يغط في طياته الناس غطيطاً لا استفاقة منه. وهذا ِبالفعل أقرب معنى للثقافة: أنْ تمثل نوماً عميقاً دون الشعور بقبضتها وهيمنتها بين النوم واليقظة. في تأثيرها، هي أقوى من أي شيءٍ آخر، وتشكل وجود الإنسان. ومن هذه الزاوية، تعد علاقات الأشياء في الحلم قيد التأويل وقد تكون من جانب اللغة قدرتنا على القول بأسلوب يروق لفاعلي الثقافة.

أطلقت الثقافة العربية على الأحلام" المنامات".  والأخيرة تفكك- عن قصدٍ- علاقة الإنسان بالحياة مع الوهلة الأولى. المنامات تُغيّب وعينا لصالح الزائر ليلاً، كأنّه طيف لا أصل له. المنامات تتجول طليقة بطول المجتمع وعرضه، المنامات نافذة غير قابلة للاعتقال أو السجن بمكان ضيق. النوم لدينا ضد اليقظة، النوم على حافة الحياة، النوم سلطان لا خروج من هيمنته. والمنام (الحلم) مولود ما في العتمة داخل لا وعينا الجمعي.

ومن نتائج تأويل الأحلام أن كانت الأخيرة تحويلاً لكل ما يمثل قيداً في وضح النهار. لأن التأويل يخفف من وطأة الأشياء ويعطيها وسماً آخر. وسم من شأنه أن يمررها بكل أريحية.

1- المنامات ترمز إلى رفع الواقع عند الدرجة القصوى للحقائق.

2- المنامات تغيب بعض الحياة لصالح جوانب الأشياء والمعاني المتوارية.

3- المنامات لا أصل محدد لها، إنما تأتي اعتباطاً (مجهولة النسب).

4- المنامات مفعولات دون فاعل محدد.

5- المنامات مشتركة وبإمكانها أنْ تضم ما تشاء من عناصر وأشخاص.

6- المنامات أحداث وأعمال بلا آثار ولا عواقب.

7- المنامان أفعال من غير مسئولية حتى لا تكون هناك عواقب.

8- المنامات تخترق الحواجز والمحرمات أيا كانت.

9- المنامات امتداد لما يحدث في الحياة، ولكنها أحد أشكال ترويض الواقع.

10-   المنامات تعيد تمثيل الحقائق بحسب مرجعيةِ الثقافة.

إن الحلم في ثقافتنا العربية هو ظلال الحقيقة، وقد تجلت بوافر حواشيها مقلوبةً أو مُجزأّةً أو ذات طابع مجازي أو تبادلي بين عناصر وأخرى. عليك أنْ تلملم بقاياها المتناثرة هنا وهناك، فالحلم لن يقول كل شيء بوضوح. الثقافة ستعطيك من هو متاح من أجل اصطياد غير المتاح، أي ستربط دلالة المرأة بدلالة أشياء أخرى. وستعقد الصلة بين مفردات بعيدة إلى حدٍ ما، ولكنها تلتقى بفضل التشابه والاختلاف جنياً إلى جنبٍ. هي اللعبة القديمة نفسها عندما كان الإنسان يضع طُعماً في الفخ بين أشجار الغابة لإقتناص فريسة ثمينة يشبع بها رغباته وغرائزه، ويظل خياله يحوم بعيداً متطلعاً لفرائس أخرى طوال الوقت.

يواصل ابن سيرين تأويل حلم النعال والمرأة كأنّه مسلمة أو يكاد فيما نراه بصيغة العيش. " إنّ النعل في المنام يدلُ على الضروب. فإنْ كانت النعل من جُلود البقر، كانت المرأة أعجمية الأصل. وإنْ كانت من جلود الخيل، كانت من العرب، أو من موالي العرب. والنعل المصنوعة من الفضة في المنام تدل على امرأة حُرة جميلة، والنعل المصنوعة من الرصاص في المنام تدل على امرأةٌ ضعيفة. والنعل المصنوعة من النَّار في المنام تدل على امرأة سليطة، والنعل المصنوعة من الخشب في المنام تدل على امرأة منافقة خائنة. والنعل السوداء في المنام تدل على امرأة غنيّةٌ ذاتُ سؤدد. والنعل المتلونة في المنام تدل على امرأة ذات تخليط" (المرجع السابق، ص 366).

تأويل حلم النعال هو تفسير ذكوري حتى النخاع. لم يكتف ابن سيرين بإيراد المماثلة بين النعل والمرأة، بل أصر أن تكون هناك توجهات معبرة عن "ذكورية الأحلام". وقد أعطت تأويلاً للعلاقة بين مادة النعل والمرأة، وثمة كذلك حمولات ثقافية تم تفريغها عن طريق التأويل ستوضح العلاقة بين الطرفين.

البيئات التي تأتي منها جلود الحيوان لصناعة النعال ستُنسب إليها المرأة. بالإضافة إلى كونها بيئة الرغبات التي ترتبط بالنساء مع وجود الحاشية الإخلاقية التي ستكون مبرراً لربط المرأة بألوان النعال. إن جغرافيا النعال بهذا المعنى هي جغرافيا الملذات التي يضعها ابن سيرين تعبيراً عما يؤول الحلم. ويخاطب فيما يبدو الذكور، لكونهم السلطة الفعلية القابضة على الواقع. أو هم جوهر الواقع نفسه وبالتالي من السهولة بمكان تصديق الحلم.

هناك مادة الحذاء حين يكون مصنوعاً من جلود الأبقار، إذن فهو يرمز إلى المرأة الأعجمية. نظراً لعدم تربية الأبقار في البيئات الصحراوية. كما أن المرأة الأعجمية هي الشهوة الآتية من بعيد، إمّا عن طريق السماع ورحلات العرب خارج الديار أو عن طريق اختلاط الأجناس في المناطق الحدودية بين العرب والعجم. وبمجرد أن يظهر الحذاء مصنوعاً من جلود الأبقار، فإنه يطابق المرأة فوراً. والعلاقة بين النعل والمرأة هي الوطء. هذا المعنى يحضر بنفسه مباشرة. ليوضح أن الحلم إذا كان غامضاً أو ظاهراً، فليست تلك هي المسألة. المهم أنَّ الأثر أو الوظيفة تحدد ماهية الحلم وصناعة النعال.

وتصل حبكة التأويل الذكوري في الجزْم بمادة الجلد ولونه إلى ذروتها، مع أن الحلم لا يكون واضحاً إلى حد يسمح برؤية نوعية الجلد عادة. والمرأة الأعجمية هي التطلع إلى ملذات خارجة عن البيئة مع ما للعجم من مواصفات جمالية وثقافية مغايرة عن البيئات العربية. علماً بأن العجم والعرب والبربر وغيرهم كانوا هم المادة الخام التي تنتقي منهم المرأة إما للزواج أو لملك اليمين أو للخدم أو للإهداء كما في حالة سبي الحروب والغزوات.

ولكن إذا كان جلد الحذاء من جلود الخيول، فالمرأة عربية على أساس أن الخيول عربية المنشأ. ومرة أخرى، يتم تفصيل جلود البيئة على مقاس النعال والمرأة وكأن المنام هو الطاولة التي تستعرض خلالها الرغبة في التنعل والرغبة الحسية في التزاوج. وهي الطاولة ذاتها التي تمثل سوقاً لابتياع النعال واستعراض النساء أمام أنظار الذكور. وأيضاً الخيول من الحيوانات التي تُركب كرمز للشجاعة والفروسية وارتياد موارد الأصالة والقوة.

المُلاحظ أنَّ الذهنية العربية حين تحدد الاقتران بين النعل والمرأة والخيل إنما تطرح اقتراناً خاصاً بها. وهو أبرز دلالة على متصل الذكورة في المقام الأول: فالمرأة هي المفعول بها والحذاء هو كذلك والخيول بالمثل حين تستخدم كوسيلة لدلالات اجتماعية وثقافية معينة.

لم يكتف ابن سيربين بهذا، بل أعطى براحاً للثقافة التي تتكلم من وراء المنام. إذْ أن مكانة المرأة ترجع إلى معدنها على التوازي. فمعدن الفضة إذا كان معدنا للحذاء فالمرأة حرة جميلة. ويبدو المظهر حاكماً للمشهد، لأنَّ الفضة معبرة عن الإغواء ولفت النظر وإثارة الانتباه. والحلم بذلك المعنى يرسم استعارة الفضة في التطلع إلى المرأة الجميلة وتجسيد شكلها ومظهرها لدى الناس. رغم أنَّ الإنسان العربي يهتم بالذهب إهتماماً كبيراً من جهة الأموال والمعادن النفيسة، إلاَّ أن الفضة تقدم صورة جاذبة ومسيلة لصور المرأة.

تختلف المرأة المصنوعة من الرصاص مع اختلاف صنع النعل من المعدن نفسه. فإذا كان المعدن له مكانة متدنية، فالنعل له مكانة أقل لدى الناس وكذلك المرأة ستكون ضعيفة ويسهل كسرها. هي إمرأة الرصاص .. هذا المعدن الأدنى جودة وإغراءً. في المقابل فإن النعال التي تصنع من النار ترمز إلى إمرأة سليطة وليس لها مكانة بين أقرانها ولا بين الرجال. فالتعامل معها يجرى بناء على سمات النيران بتوسط النعل كوسيلة ليس أكثر. بينما النعال مصنوعة من الخشب، فهي دالة على المرأة الخائنة والمنافة. وذلك بفضل أن الخشب يقبل تشكيله بسهولة ويحتمل النقش عليه والاستعمال المتعدد والشائع.

هذا المنام هو خطاب الثقافة إلى المرأة، ولتنظر الأنثى إلى معدنها وجلدها من قريب أو بعيد. ويتعامل المنام مع الحذاء كرقائق ثقافية وافرة الكتابة لا مضمرة الترميز. لعل أخطر ما يفعله التأويل أن يكون مادة في عقولنا، ثم تعطيها الثقافة وجوداً مضاعفاً عبر وسائط الأحلام والمقولات وصور الطبيعة وأصناف الأشياء. وابن سرين- مع الشهادات التاريخية له بالورع والتقوى والفقه والزهد- إلا أنه قد سمح بوضع المرأة على خريطة الواقع كما ترسمها أنساق الثقافة آنذاك. وهي الإنساق التي مازالت سارية حتى اللحظة. واللافت أن تكون الثقافة هكذا محيطة بنا من كل جانبٍ.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

الماركسيون لا يفصلون الوجود عن المعنى لانهم يدركون تماما ان الذاتية البشرية قد اودعت دلالاتها منذ الاف السنين في صميم الاشياء. (نقلا عن د. زكريا ابراهيم).

السؤال هو هل هناك وجود يدركه العقل لا يحمل معناه معه؟ الجواب ان الادراك العقلي وتعبير اللغة لا يعبران عما ليس له معنى. والشيء الذي ليس له معنى غير موجود. ما يرتب ان يكون لكل موجود مدرك معنى. والا لما استطاعت اللغة التعبير عنه...الذاتية كجوهر انساني هي تطور رافق التطور الانثروبولوجي للانسان. والذاتية هي تراكم خبرة التاريخ في الانسان والطبيعة. فهل تاريخ الانسان هو تموضع الذات الادراكية في كل شيء وصلتنا معرفته؟ رواد تجديد الفينامينالوجيا يتقدمهم ميرلو بونتي ترى ذلك صحيحا على اعتبار مرجعية الذات النفس وليس العقل.

الذاتية حين ننظر لها بمعيارية الوعي القصدي المحكوم بالارادة الانسانية عندها تصبح الذات تموضعا تاريخيا تجريديا للارادة القصدية المفصح عنها في المتراكم الخبراتي عن المعنى المعرفي المدّخر في تاريخانية اللغة. ويذكر دكتور زكريا ابراهيم ايضا ان اتهام الماركسية لفينامينولوجيا هوسرل انها (لازمنية ولا تاريخية) ماجعل تلامذته يبحثون عن فلسفة ظاهراتية تفسح مجالا للتاريخ وابرز من قام بهذا المسعى هو الفيلسوف الفرنسي الكبير موريس ميرلوبونتي في محاضراته في الكوليج دي فرانس.

الحقيقة التي يرغب الفلاسفة الماركسيون تجاوزها هي ان تاريخ الفلسفة يشير بوضوح ان الفلسفة عبر العصور كانت لاتاريخية وغير زمنية على الدوام وهذه هي طبيعتها الفكرية. ولو لم يكن تاريخ الفلسفة هو قطوعات غير مترابطة ولا متسلسلة لا زمنيا ولا تاريخيا لوجدنا انفسنا امام فلسفة هي علم يقوم على تراكم خبرة تجريبية معرفيا لكن حقيقة الفلسفة كتجريد لغوي ليست علما ولا حتى تراكم خبرة ابستمولوجية معرفية. ومقولة الفلسفة هي أم كل العلوم لكنها ليست علما مستقلا بذاتها مقولة تحتاج براهين فلترتها التجريبية للتحقق من هذا الادعاء المجاني. الذات هي اقرب موضعة بالتاريخ منها بالعلم.

تموضع الذات بالاشاء

حين حاول هوسرل خلق توليفة متجانسة بين الظاهراتية وعلم النفس برزت امامه والفلاسفة الذين كانوا يبحثون عن تجديد للفينومينولوجيا في ايجاد صيغة ظاهراتية لم تكن مبحثا مطروقا بالصيغة التي جاء بها مذهب وحدة الوجود رغم الاختلاف الكبير بين الفينامينالوجيا ومذهب وحدة الوجود في تعالق وحدة الذات مع الجوهر. أن تجد الذات متموضعة كخبرة تراكمية تاريخية في وعي الاشياء وبين تموضع الجوهر الازلي الالهي في موجودات الطبيعة والعالم من حولنا فمثلا حينما يرى البوذي او متصوف الزن او افراد قبائل المايا الذين لا يعرفون اي شكل من اشكال الاديان التوحيدية انه اي الفرد هو ذاته الزهرة او هو ذاته النهر الجاري او نوع من الحيوان التي يذهب في تاملهما جماليا اعجازيا بحيث يجد في تلك الاشياء ذاته الانسانية متموضعة تصوفيا فيها لكنه لا يؤمن بجوهر خارق القدرة صانع لهذا الجمال في تلك الموجودات الطبيعة.

فهذه النظرة التصوفية الحلولية في موجودات الطبيعة بعيدة جدا عن صوفية تأملية وحدة الوجود الايمانية الاسبينوزية الميتافيزيقية التي ترى بالزهرة جوهرا الهيا وليس ذاتا انسانية غير مدركة ولا يمّثل تموضعا صوفيا للذات بالاشياء.

الظاهراتية المجددة تذهب نحو منحى تموضع الذات كخبرة تراكمية وصلتنا عبر التاريخ الطويل ايضا لا يمكن ادراكها كموضوع ويكون مرجعيتها علم النفس. اما الجوهر في تموضعه بالموجود كجوهر ازلي الهي في مذهب وحدة الوجود هو ايضا لا يدرك كموضوع للعقل لكنه ميتافيزيقا تصوفية صرف تماما.. .

وكذلك تختلف عن نظرة علم النفس الذي يرى ان الذات هي معطى غير مستقل عن الاشياء بل الذات تموضع تراكمي وخبرة تاريخية تنوجد قبليا بالاشياء تسبق وعي الذات لمدركاتها. الكثير من المدركات التي تعيها الذات في حياتنا ولم يسبق لنا ان مررنا بها يزامنها شعور نفسي ان هذه المدركات تحتوي جزءا من تكويننا النفسي. هذا يذكرنا بنظرية شيلر في ذهابه ان الاشياء في وجودها المادي المستقل انما هي تحمل خاصية انها بموجوديتها الكينونية قابلة للادراك وليست خاصية قابلية الادراك يمتلكها العقل في قدراته  خلق امكانية الادراك في تلك الاشياء والموجودات.

الذات تأمل حسّي مستقل بوعي المغايرة الموجودية والمغايرة الادراكية المتلازمتين بعلاقتها مع الطبيعة والعالم الخارجي. واضاف لها بعض الفلاسفة انها خبرة موزعة تموضعيا بالطبيعة وعالم الاشياء غير مدركة لكنها حدسية نفسية يمكننا الاحساس بها.

اننا بالحقيقة مهما حاولنا أن نجعل من الذات جوهرا مستقلا كموضوع وعي العقل تختلف عن توزعها كخبرة متموضعة بالاشياء نجد انفسنا وصلنا الى ان حقيقة هذا التجاهل هوالهروب امام حقيقة تموضع الذات في مجمل تجارب وخبرات الفرد طيلة حياته. والتي استقرت بتفكيره وعقله كخبرة بالحياة تلازمه ملازمته الموجودات في المحيط الذي يعيشه..

لذا الذات ليست هي خاصية الفرد المستقلة عن الطبيعة وموجودات العالم. نعم هذا هو الادراك الساذج لتحقق الذات بالمغايرة الموجودية. بل الذات حسب علم النفس الظاهراتي انما هي التصورات القبلية الموجودة في كل شيء تدركه الذات حدسا نفسانيا شعوريا عبر زمن تاريخي بعيد جدا.

الدارج فلسفيا هو اننا ندرك ذاتيتنا بالمغايرة الادراكية الموجودية ضمن الطبيعة والوجود ولا ندرك الذات انها خبرة تراكمية في الموجودات التي تحيط بنا ونتعامل معها. الذات المستقلة ليست ذاتا حقيقية حين تنكر الذات موضعتها الخبراتية بكل شيء حسب فلسفة التجديد في الفينامينالوجيا بارتباط الذات الوثيق بعلم النفس. دليل ذلك ان وعي الشيء ليس قبليا على وجوده المادي بل بعديا له. في الغالب يجد الوعي بمدركاته ان ذاتيته كخبرة موجودة تموضعيا غير مدركة بالاشياء انما يكون وعيا زمنيا بالحاضر فقط.

الذات والجوهر

هل الذات جوهرا موجوديا بالاشياء يوازي او يقوم مقام الجوهر الازلي الطبيعي الهيا في وجوده في كل شيء من الطبيعة. بمعنى عبارة اخرى هل الذات المتموضعة بالاشياء تغنينا عن التفكير في موضعة الذات بالاشياء كما هي في مذهب وحدة الوجود الاسبينوزي الذي يرى ان الجوهر الالهي موجود بكل شيء يدركه العقل او حتى في الذي لا يدركه. وهو ما نجده في ادبيات التصوف الديني. في مذهب وحدة الوجود نرى افتراضية الجوهر الالهي الازلي موجودا بكل شيء. فهل من المتاح المستطاع ان نقول ان ذواتنا موجودة تموضعيا بكل مدركاتنا الحسية والانفعالية الوجدانية كما هو الحال في وجود الجوهر الالهي موزعا على كل شيء في الطبيعة وفي عالمنا. هذا الافتراض تجده الفينامينولوجيا الجديدة هو المطلوب الصحيح الذي تبحث عنه. هذه المقارنة التقاربية تصطدم بجدار ان الذات هي جوهر يدركه العقل كموضوع. الذات في حقيقتها الوجودية هي ليست موضوعا مستقلا للعقل بل هي التموضع العقلي في وعي الذات لعقلانيتها الوجود والاشياء. الذات هي الوعي الكلي للعقل, والجوهر الالهي ايضا ليس موضوعا مستقلا يدركه العقل. لكن يمكن للمتصوف التعامل معه تأمليا حدسيا في مرجعية النفس وليس في مرجعية العقل.

الذات والوعي اللازمني

الذات بصفتها الادراكية لعقلانيتها الاشياء والوجود لن تكون لازمنية بخلاف اتهام الماركسية ان الذات بفلسفة الظاهراتية لدى هوسرل هي لازمنية. والمصطلح الذي خلعته الماركسية ايضا على الوعي انه لازمني ولا تاريخي فهو على العكس زمني وتاريخي معا. ولا يبقى هناك ما يسمى الوعي خارج اطار ملازمته الزمن والتاريخ.

اللاشعور لا يحتاج الزمن مقولة اكدها فرويد وهي صحيحة في علم النفس التجريبي. الذات والوعي هما حلقتان في تركيبة الشعور النفسي وبانعدام صفتي الزمنية والتاريخية عنهما يعني ذلك تعطيل فاعلية العقل بالتفكير الطبيعي السوي في فهمنا الحياة وادراكنا موجوداتها. اللاشعور اي اللاوعي هي تداعيات لازمنية ولا تاريخية لكن في حال اجرينا مقارنة هاتين الخاصيتين على الوعي او الشعور نجد انفسنا امام استحالة تعجيزية لعمل العقل.

ليس من السهل ان نصف الشعور او الوعي جوهرا لازمنيا. هذا يقودنا نحو الاقرار الذي قال به برجسون ان وعي او ادراك الزمكان وحدة ثنائية واحدة غير قابلة للتجزئة والانفصال بين الزمان وبين المكان ليست صحيحة ولا ملزمة لنا الاخذ بها اذ ان قابلية عقولنا ادراكها المكان لا يلزم عنه محايثة زمانية تلازمه يصعب البرهنة عليها. عندما نقول تعجيز العقل يكمن في اننا لا يمكن ادراكنا المكان من غير ملازمة زمنية له تحتاج فعلا الى برهنة اثبات هذه الفرضية. فحين تتعامل مع حقيقة ادراكنا العقلي للمكان في غياب زمن لا يمكنك تعريف ماهو ولا كيف يلازم ادراكاتنا فهذا شيء يستحق الوقوف عنده.

***

علي محمد اليوسف – باحث فلسفي

 

تتساءل المقاربة الفلسفية لمعنى كلمة "المجازفة": هل هذه الظاهرة تخص الإنسان من حيث المبدأ؟

يبدو أن هناك تشابهًا تاريخيًا مع سلوك سائقي الدراجات البخارية الشباب في سباق العربات في إلياذة هوميروس؛ لكن في هذا العالم اليوناني لم يكن هناك أي خطر لأن الآلهة كانت حاضرة. في ذلك الوقت، لم تكن كلمة "خطر" موجودة. تعود أصول كلمة "خطر" إلى اللغة البحرية للرومان وتعني في المقام الأول الشعاب الصخرية التي يجب تجنبها. ديكارت، مؤسس الذاتية، هو أول من تحدث عن المخاطرة بمعنى مشكلتنا: الشعور بالقوة من خلال المخاطرة. ومثل هذا الخطر ليس سوى ظاهرة في العصر الحديث. عندما يجتمع العلماء لمناقشة المخاطر التي قد يتعرض لها شباب اليوم، يمكننا أن نفترض أنهم سوف يحاولون بعد ذلك فهم، أو فهم أفضل، لمكونات هذه السلوكيات المحفوفة بالمخاطر وما ترتبط به. وعندما يجتمع العلماء من مختلف الفروع لمناقشة مثل هذا الموضوع، يكون لكل منهم منطلقه الخاص وطريقته الخاصة في الوصول إلى المعرفة بالموضوع المعني. ولكن، عندما يكون من بين هؤلاء المشاركين فيلسوف، وهو لا يرفض تمامًا الصورة غير التعسفية التي قدمها لنا ديكارت عن الفلسفة، وهي أن الفلسفة باعتبارها ميتافيزيقا ستكون أصل كل العلوم – وبالتالي فإن الميتافيزيقا ستكون أصل كل شيء. فروع العلم – ألا ينبغي لهذا الفيلسوف أن يأخذ بعين الاعتبار جذور مثل هذا المشكل الوجودي للخطر؟

لكي نبدأ في هذا الاتجاه، دعونا نطرح بعض الأسئلة ولنسترشد أولاً بعنوان الحالي من المبحث. إنه يتحدث إلينا عن الإنسان، أي عن الناس، أي الشباب أو المراهقين، وبشكل خاص، عن سلوكهم. ولا يتم ذكر ذلك على أنه أي سلوك، بل على أنه سلوك تحدده المخاطر. ولذلك فإن هؤلاء هم المراهقون الذين يكون سلوكهم مثيرًا للقلق إلى حد ما. وهذا القلق الذي يثيره المتأثرون بهذا السلوك المحفوف بالمخاطر هو الذي يمكن أن يحفز الرغبة في فهم مثل هذا السلوك بشكل جدي. بدافع من هذا الاهتمام المجازف، يمكننا، كخطوة أولى، أن نقود إلى تصنيف السلوك المعني على أنه محفوف بالمخاطر. وبهذه الطريقة نقوم بتأهيل بعض سلوكيات المراهقين والحكم عليها من أجل استيعابها وفهمها بشكل أفضل. ولكن ماذا نعرف عما يجب أن يجعل مثل هذا السلوك المثير للقلق مفهوماً؟ ماذا نعرف عن المخاطر؟ ألا ينبغي أن يكون لدينا معرفة جادة حتى نتمكن من توضيح الظاهرة لفهمها؟ هل نعرف ما هي المجازفة في حد ذاتها؟

وانطلاقًا من أننا نطرح سؤالًا عن سلوك معين للإنسان، يمكننا أن نقول، فيما يتعلق بالمجازفة، إنه لا توجد مخاطرة بدون الإنسان، الذي يأخذها، ويديرها. لا تخلو حياة الانسان من المجازفة. ولكن هل هذه العلاقة قابلة للعكس، أي أن الإنسان لن يخلو من المخاطر؟ بمعنى آخر: هل الخطر ينتمي بأي شكل من الأشكال إلى وجود الإنسان، بحيث يكون الخطر إحدى السمات الأساسية لوجودنا؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن المخاطرة تعني اغتنام إحدى إمكانيات وجودنا. على أية حال: إن إمكانية المخاطرة يجب أن تكون بالضرورة جزءًا من كيان الإنسان. لكن ألا تفترض هذه الملاحظة بالفعل أن إمكانية المخاطرة تخص كل إنسان أيضًا، أي إنسان الحاضر والماضي والمستقبل؟ هل يمكننا إذن، لكي نفهم ما هي المخاطرة بشكل أفضل، أن نلجأ إلى التاريخ ونجد أدلة هناك من شأنها أن تعلمنا عنها؟ ولكن هل هذا ممكن من دون تعريف مسبق للمجازفة، مهما كان مؤقتة؟ وما الفرق بين المجازفة والمخاطرة وكيف يتم التوقي منها؟

سنحاول ذلك من خلال التذكير بالمشكلة المركزية لهذه المساهمة وتحديدها أكثر قليلاً. السلوكيات المحفوفة بالمخاطر التي، في هذا السياق، ستهيمن على الاستجواب هي تلك المتعلقة باستخدام الشباب لما يسمى بالدراجات البخارية أو بكل بساطة الدراجات ذات العجلتين. علاوة على ذلك، فإن هذا التركيز، وحتى التقييد، هو بالفعل مؤشر على ضخامة ظاهرة الخطر الظاهرة. وما يثير القلق في سلوكهم هو أنهم يقترحون ظروف قيادة يتجاهلون فيها حدود هذا النوع من الآلات ومحدودية استخدامها في حد ذاته. ويبدو أن وصف هذا السلوك موجود بالفعل في قصة وصلت إلينا منذ بداية تاريخنا، هذا التاريخ الذي يبدأ بتاريخ اليونانيين، لأن التاريخ يبدأ من اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان في إنشاء تاريخ تاريخي له علاقة بكيانه. الحكاية المعنية والتي جزء من عمل هوميروس. هذا هو النشيد الثالث والعشرون من الإلياذة. أخيل، بعد قتل هيكتور، الذي قتل باتروكلوس، وهو صديق مقرب لأخيل، يأمر بتنظيم ثماني مسابقات رياضية على شرف صديقه. نجد ملاكمة، ومباراة مصارعة، وسباقًا، واختبارًا مسلحًا، ودفع الجلة، والرماية، ورمي الرمح، ولبدء هذه السلسلة الكاملة من المسابقات، سباق العربات، عربات ذات عجلتين، تجرها الخيول، والتي وبعد حوالي ألفي وسبعمائة عام، لا بد أنهما كانا عرابين للإشارة، في المصطلحات الهندسية، إلى قوة الآلة، أي الخيول البخارية؛ والتي يمكن اعتبارها واحدة من هذه القرائن التي تقودنا إلى الهاوية المذهلة التي تتثاءب في علاقاتنا مع التاريخ والطبيعة. ولذلك، فإن أخيل، كإعداد أولي، لديه الجوائز التي تنتظر الفائزين المقدمة. كانت هذه الجائزة تسمى أثلون، وهي الكلمة التي تأتي منها كلمتي رياضي وألعاب القوى. ثم يخاطب نيستور، الرجل الحكيم، ابنه، الأصغر بين خمسة مقاتلين وأصغر محاربي قبيلة الآخيين، ويخبره أنه على الرغم من شبابه، إلا أنه قد وُهِب بالفعل ميتيس، مع استبصار سيادي معين. وأنه لن يكون من الضروري حثه على توخي الحذر. وهذا التهجين، أي هذا المكر السيادي، سيكون ضروريًا أيضًا للبحار الذي يجب أن يعرف كيفية توجيه سفينته السريعة في البحر المظلم وفقًا للرياح. يعطي أخيل الإشارة للبدء، وينطلق المتنافسون في السباق، وقد كانت أرواحهم مليئة بالحماس للفوز بالجائزة. يحاول كل واحد منهم المضي قدمًا بأسرع ما يمكن، وجميعهم سعداء بالرغبة في التفوق على الآخرين في السرعة - ولكن بالتأكيد ليس تجاوز سرعة الآخرين. ثم اندلع نوع من المبارزة بين يوميلوس وديوميديس، الذي اقترب كثيرًا من يوميلوس لدرجة أن رقبة الأخير وأكتافه تحترق بالفعل من النفس العنيف الذي تزفره خيول مضطهده. الآن، عندما يبدأ ديوميديس في تجاوز يوميلوس، يفقد السوط من يديه، كما لو كان سوء الحظ، ولم يعد قادرًا على تحفيز خيوله كما يشاء. ولكن، رغم كل الصعاب، وجد السوط المفقود تقريبًا في نفس اللحظة التي انكسر فيها نير عربة إيوميلوس، بشكل غير متوقع تمامًا. يسقط على الأرض ويصيب مرفقيه وفمه وأنفه بجروح خطيرة، ثم ينزف بشدة من حاجبيه. فهل يؤكد هذا الحادث أن كلاً من ديوميديس وإوميلوس قد تجاوزا الحدود؟ فهل كان من الممكن تجنب هذا الحادث لو كانوا أكثر عقلانية أو حتى أكثر حكمة؟ لا يمكننا أن نطرح مثل هذه الأسئلة، لأن هذه القصة لا تزال غير مكتملة: المناقشات لكي تكون هناك مخاطرة، فمن الضروري، وفقًا لروسو، سلوكًا يهدف إلى شيء مثل الشيء، وليس تفكريًا. وبهذا المعنى يمكننا أن نقول: لا يوجد خطر بدون هدف مستهدف، هدف نريد الاستفادة منه. دعونا نميز بين المخاطرة والجرأة في المخاطرة. ولكن ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان أيضًا موضوعًا لأشخاص آخرين أو حتى موضوعًا خاصًا به؟ ألا يجب أن تتغير الذات تبعاً للذاتية المعترضة؟ من المؤكد أنه ليس من قبيل الصدفة أن أبو الفكر الحديث، رينيه ديكارت، كان من خلال الأنا الكوجيتو، ينسب الذاتية للإنسان، وبعد سنوات قليلة، يكتشف فيه هذا الشعور بالكفاية الذاتية. كلما أصبح الإنسان نفسه موضوعًا له، وكلما كان في طريقه إلى فقدان نفسه في العلاقة بين الذات والموضوع، كلما ضاعت الإمكانية التي يتصورها عن نفسه. إذا كان وجود الإنسان كذات، في العصر الحديث، وفيه فقط، مؤسسًا على ذاتيته، أي أنه أساس كل ما يمكن أن يكون بلا شك، وربما حتى، فمن المرجح أن هذه الذاتية تهم أيضًا الإنسان. الذات هي الانسان. هذه العملية، التي يصعب اكتشافها والتي ستصبح محجوبة أكثر، تقودنا إلى الاستنساخ وإلى سوق المطبوعات المثيرة؛ جهاز التشغيل الذي هو السكوتر ليس استثناءً، في حين أن قيادة السكوتر هي أيضًا تتقن قوة معينة حتى تتمكن من الشعور بالتحكم الكافي، وبالتالي، تخضع لأحاسيسك. نحن نخلق أحاسيسنا الخاصة، ونشعر بالعظمة والروعة. دعونا نلاحظ، في الختام، أن كلمة سكوتر تأتي من الفعل "يطلق النار" الذي يخبرنا عن تقصير المسافات في المكان والزمان، وأن الوقت، قبل أن نرغب في تمريره بسرعة أكبر، كان عليه بالفعل أن يكون شعرت بأنها طويلة جدًا. يبدو أن التعريف الأساسي هو أن المجازفة هو حقيقة تعريض الشخص نفسه للخطر، في حالة فقدان الاستقرار، أو التأمين. في الواقع، يبدو أن هذا يعني الرغبة في الهروب من المعلوم، من المسيطر عليه (أو المفترض)، لوضع المرء نفسه في حالة من عدم الاستقرار، والاعتماد على الوضع الخارجي. في الواقع، يعتمد مفهوم المجازفة على إدراك الشخص لفقدانه السيطرة على وضعه. كل شيء يمكن أن يكون مخاطرة: عبور الشارع، النزول على الدرج، الاستمرار في العيش على هذا الكوكب الذي يمكن أن يضربه نيزك عملاق في أي لحظة! وبالتالي فإن خطر الصفر غير موجود. العيش هو المخاطرة بحياتك. ومع ذلك، عندما يواجه الفرد الاجتماعي الغربي خطرًا غير مختار، أو تحت تهديده، يحمي الفرد الاجتماعي الغربي نفسه من خلال التأمين، إن لم يكن ضد الخطر، فعلى الأقل ضد العواقب المادية للخطر. بل إنه مجبر على ذلك بموجب القانون، حيث يشكل الإنسان خطرًا على الإنسان. يبدو أن الهدف هو أن المخاطرة الوحيدة التي يتم التسامح معها أو قبولها هي المخاطرة المقررة، "المجازفة المدروسة". في هذا المجال، من المقبول عمومًا أن يقال إن الخطر يقاس وفقًا لمعرفتنا الجماعية والفردية بالعالم من حولنا، أو على العكس من ذلك يمكن اعتباره جنونًا. ومن ثم فإن تقييم المخاطر فيما يتعلق بوضعنا الأولي هو الذي ينقلنا من المخاطر الضرورية (يجب أن نعيش بشكل جيد) إلى المخاطرة الطوعية والمقررة. إن القرار بالمجازفة أو عدم المخاطرة يوازن بين الحكمة من جهة والتهور من جهة أخرى. إن الحكمة، أم السلامة، تدعو إلى الحفاظ على الذات في كل شيء، وتجنب خسارة ما اكتسبناه في الوجود، وقبل كل شيء، من فقدان الوجود نفسه. على العكس من ذلك، يأخذ التهور في الاعتبار الإنجازات المحتملة وكذلك العواقب ويضع في المركز تأكيد الرغبة أو الميل المباشر للذات ("حيث لا يوجد تأكيد، لا يوجد " تهور"" روسو). إن تقييم المخاطر وبالتالي نسبة الحكمة والجرأة في المخاطرة أو رفضها يبدو أنه توازن عادل بين اللامبالاة القاتلة والجنون المدمر. فالحذر الزائد من شأنه أن يجعل الفرد محروماً من الاختيار، محروماً من الطاقة والحركة. وعلى العكس من ذلك، فإن الشخص المتهور بلا هوادة يخاطر بحياته في أي لحظة من أجل أدنى نزوة. لا يزال من الضروري تحديد متى يكون الخطر حقيقيًا و/أو متناسبًا. ما هي العلاقة بين المجازفة التي يتحملها متداول وول ستريت الذي يستثمر على أساس حدسه كامل رأس مال مجموعة مصرفية، بما في ذلك معاشات ومدخرات صغار المساهمين، ومخاطر الفرد الذي يقفز من جسر بروكلين إلى الإنقاذ؟ مرشح للانتحار أم شخص يمشي على حبل مشدود فاقدًا للوعي؟ سنبدأ بلا شك بالحديث عن الشجاعة بدلاً من الجرأة عندما تكون المخاطرة مبنية على قيم أخلاقية أو معنوية جماعية: إنقاذ حياة المرء أو حياة الآخرين، والمغادرة لعلاج المدنيين المصابين في قطاع غزة تحت القصف، ومن ناحية أخرى، فإن الجبان هو من يرسل، خوفاً من إثارة استياء سلطته، آخر قافلة من اليهود إلى حتفهم في أغسطس 1944. إن الحذر ورفض المخاطرة بشكل عام لا يمكن أن يصاحبهما على الأرجح إلا رؤية رجعية وخوف من أي شيء يأخذ بالموضوع إلى طريق جديد وغير معروف. إنها مبنية على تجربة الخوف والحفاظ على ما يُعتقد أنه "مكتسب بالفعل". كيف يمكننا أن نتصور بيكاسو، أو مكيافيلي، أو رامبو، مدفوعًا بالحكمة؟ ولكن في الوقت نفسه، المجازفة المتهورة، المحكوم عليها بالفشل، أو الميل إلى المخاطرة بناءً على الرغبة في وضع نفسه في موقف يكاد ينفصل عن الحياة (تسلق الجبل الشاهق بمفرده دون إمدادات؟) ، للعب كل شيء على محمل الجد. إن رمي النرد يدعو أحيانًا إلى التفكير في أن الكائن لا يخاف من نفسه حتى يشعر بأنه على قيد الحياة. لكن حسب إتيان كلاين: "لقد أصبحت المخاطر من أعراض الاضطراب العام الذي يحتاج إلى تصحيح". الخطر هو فكرة اقتصادية وسياسية ووجودية في آن واحد، وقد اتخذت نطاقها الكامل في القرن التاسع عشر. كانت تعتبر مقبولة في ذلك الوقت، لأنها مرتبطة بتطور التقدم، وأخذت المخاطرة تدريجياً لوناً سلبياً إلى حد تأهيل التعرض الذي أصبح الآن غير شرعي. إن فكرة المخاطرة هي أساس اتخاذ القرار العقلاني: فنحن نزن إيجابيات وسلبيات أي إجراء، ونقوم برهان مستنير. ولذلك فإننا نقبل المخاطرة أم لا، اعتمادا على تقييمنا للوضع. في الختام، على الرغم من أن الحكمة ورفض المخاطرة يبدو في البداية مفيدًا للحفاظ على الوجود، إلا أنها مع ذلك مخاطرة تبدو في الإبداع والطاقة والفعل، باختصار: "العيش"، ضد التبعية واللامبالاة، التخلف، المثالية للمستقبل. لذا، ألا تعني المجازفة المثالية والشجاعة والموافقة على الشك ومحاولة الوصول دائمًا إلى جوهر الأسئلة بدلاً من الاكتفاء بما يبدو ثابتًا؟ ومتى يكف المرء عن التخوف من المجازفة ويتسلح بالشجاعة على الوجود؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

(ما بينَ الدّيني والسّياسي)

ما زالتِ العلمانيةُ تثيرُ الهواجس وتطرح الأسئلة في فضائنا الثقافي والسياسي العربي لدى قطاع واسع من المفكرين ونخب الثقافة والسياسة العرب، في ظل بحثهم عن صيغة سياسية للحكم وقيادة الدولة بعيداً عن تغول السلطات وهيمنة منظومات الحكم واستحكام الفكر الطائفي والانتماءات الفرعية ما قبل وطنية.. وكثير من هؤلاء يطرحُ صيغة العلمانية –بما هي فصل للديني عن السياسي بالكامل- نفسها التي نجحت الحداثةُ الغربية في تحويلها لمناخ ثقافي وسياسي ومجتمعي عام بعد أن تم تحييد الدين وعزله، بل وإبعاده عن المجتمع الدنيوي، وإعادته لأمكنة العبادة الخاصة به التي يمارس فيها رجالاته دورهم ووظيفتهم في شرح وتبيين وتوثيق العلاقة بين الفرد وربه..

هو إذاً واقع جديد تمت من خلاله عملية إعادة ضبط للعلاقة بين الديني والدنيوي، حيث توصلت إليه حركة الأنوار الغربية بعد مماحكات وتحولات وصراعات واصطدامات اجتماعية مكلفة، انتهت وأفضت لاحقاً لنصر حاسم لها (للعلمانية وحركة الأنوار) على المسيحية التي كانت تغطي كل أوروبا، وذلك في معنى العلمانية الإجرائي العملي في اعتبارها مجرد علاقة ذاتية فردية لا أبعاداً حياتية اجتماعية سياسية لها.. الأمر الذي قادَ إلى وضع حدٍّ نهائي لحالة الصدام والصراعات والنزاعات الطائفية والمذهبية التي سادت قروناً في أوروبا، كما أعادَ تفسير وتفكيك منظومة التفكير الديني الغربي التي سادت لقرون طويلة عن الدين في كونه رؤية خاصة نسبية تندرج في سياق تأثيرات اجتماعية وطبيعية وبشرية..

لكن في بيئتنا الاجتماعية ومجالنا الثقافي والحضاري العربي والإٍسلامي، لم تتمكن العلمانيةُ حتى بصيغتها الإجرائية المحلية، وتفسيراتها الثقافية والسياسية التي حاولت تقريبها من ذهنية المجتمع، من التحول لمبدأ سياسي وآلية عمل سياسية لضبط شؤون الحكم والسلطة بعيداً عن الدين ونصوصه وأحكامه.. بل بقيت معزولة في أطرها الفكرية والسياسية النخبوية رغم كثرة الحديث عنها والجدل الكبير حولها بين الفينة والأخرى في أنها الشكل الأمثل للحكم والقيادة السياسية التي تناسبنا كمجتمعات متنوعة ومتعددة الانتماءات المذهبية وغير المذهبية، لا تتدخل العلمانية فيها، ولا تقترب بالمطلق من اعتقادات الناس ولا في عاداتهم وتقاليدهم وشرائعهم ورؤاهم التاريخية.. فالمساواة هي القانون والقاعدة فيها..

أما في السياقات العملية، فلم تكن العلمانية العربية –في تطبيقاتها السياسية السلطوية العربية- وفية لمبادئ العلمانية القارّة، لا بمعناها الغربي ولا بتفسيراتها المحلية التي جاءت في دفاتر نخبها ورموزها، إذ أنها تدخّلت في كل شيء، وهيمنت بالقوة على المجال الاجتماعي العام (وحتى الخاص)، ومنعت التداول بمختلف مقتضيات شؤون الناس، وحيّدت الدين إلا بتأويلها، وأعطت لنفسها حق التفسيرات والشروحات والتأويلات الدينية التي تتوافق مع مصالح نخبها، من خلال التحكم بالمؤسسات الدينية التقليدية، وتحويلها إلى مواقع للتهليل والتبريك والتطبيل والتزمير ليس إلا..!!.. بل وسند لسيطرة النخب التسلطية (العلمانية!) على مقاليد الأمور، وتجيير سلطتهم الروحية للتأثير (السلبي طبعاً) على الناس بهدف التمجيد والتسبيح بحمد الحكام (العلمانيين!!)..

ورغم النقاشات التي دارت حول الاختلاف بين الإسلام كدين اجتماعي لا فردي فقط (ضمن حدود معينة بطبيعة الحال)، لا يمكن فيها الفصل بين الذات والموضوع، بين النص والواقع، لم يتمكن العلمانيون العرب (خاصة ممن قفزوا للحكم وهيمنوا على السلطة)، من التفريق بين الدين المسيحي الذين هيمنت نخبه على أوروبا لقرون عديدة وتسببت في تقهقرها وارتكاسها الحضاري وعيشها في ظلمات قرون قاربت على الألف عام، وبين الإسلام الذي كان دافعاً وسبباً للانفتاح الحضاري والتفاعل الثقافي والإنساني وتوفير البيئة الاجتماعية والفكرية والسياسية للنهضة والتطور خلال قرون كثيرة اتسعت فيها رقعة دولة الإسلام لتشمل قارات عديدة، أنتجت خلالها الكثير من النتاجات العلمية والفكرية والمعرفية.. بما يجعلنا نقرر عملياً وليس فكرياً فقط أن الإسلام دين فردي واجتماعي ومؤسسي، وشريعته دنيوية أخروية، تربط الفرد بآخرته من خلال مزرعة دنياه، وشريعته تهتم بالسلوك والأخلاق والاقتصاد والسياسة والعلم، وما ترك شيئاً أو أمراً إلا وأوضحه وأبانه.. فضلاً عن وجود حالة التناغم –بحسب ما يقول رائد الوضعية زكي نجيب محمود- في الإسلام، بين العلم والإيمان، والدين والدنيا، ذلك أننا في المجتمعات الإسلامية غير معنيين بركام الجدل والصراع الذي دار في أوروبا حول العلمانية من الأساس، لأن فلسفتنا الفكرية نابعة من الدّين، الذي يهتم بالعلم، ولا يفرط بالعالَم أو الدنيا، في الوقت ذاته، كما هو معلوم من فكره بالضرورة.. وديننا لم يعرف في تاريخه أية حالة فصل فكري وثقافي واجتماعي، ولا أية حالة تعارض بين دين ودنيا، أو بين علم دين.. فهو دين لا يعارض العلم، ويدعو لإعمار الحياة والوجود وبناء الكون، والقيام بمهمة ودور ووظيفة الاستخلاف الرباني الذي يقتضي، العلم والعقل والانفتاح والتفاعل والتثاقف وووإلخ.. وهذه كلها مفردات وأفكار وقيم لها أسس وخلفيات دينية إسلامية، أي أن فلسفة القيم العلمية والعقلية نابعة من الدين، الذي يهتم بالعلم، ولا يفرط بالعالم أو الدنيا..

لكن للأسف ورغم فشل التطبيقات العلمانية العربية في بلداننا، ما زال قطاع كبير من جمهورنا الثقافي والسياسي يدعو إليها، ويصر على تمثّلها والالتزام بها كعلاج لأمراضنا السياسية والثقافية، مع أن جذر المرض عندنا غير ديني ولا ثقافي، بل هو سياسي بحت قائم ومتركز في الاستبداد والفساد..

نعم، لقد أريدَ لاجتماعنا الديني الإسلامي أنْ يقبل ويطبّق معاني وتمثُّلات العلمانية والأفكار الغربية الدائرة حولها كمشروع خلاصي تقدمي، مع أنّها غريبة عن تربته وسياقه المعرفي والحضاري التاريخي، خصوصاً وأنه جرى طرحها (ومحاولات فرضها فوقياً) من قبل كثير من نخب السياسة العربية بصورة حدية نافرة رافضة لمنطق الدين ذاته، بما رفعَ منسوب المواجهة والتوتر لدى أبناء مجتمعاتنا (المؤمنة والمتدينة) ممن رأوا فيها تهديداً جدياً للدين ولمجمل القيم والمنظومة العقدية والأخلاقية الإسلامية.

..وبنظرة واقعية -بعيداً عن سجالات الفكر والمعرفة الأكاديمية- يبرزُ الدين في وعي أبنائه والمؤمنين به والمدافعين عنه، فكراً وديناً أكمل وأتمّ بناءً على معطيات الوحي والقرآن الكريم الذي يقدم الدين الإسلامي للناس جميعاً على أساس أنه عقيدة إلهية ناظمة لحركة الواقع الروحي والمفاهيمي، ينبثقُ عنها قانونٌ ونظامٌ شامل وكامل للإنسان والحياة على مستوى الذات والموضوع.. لذلكَ فهو (أي الإسلام) ليسَ مجرّد علاقة معنوية وحالة تجلٍ روحي بين العبد وربه وحسب، (فيها شيء من الروح ونفحة من الأخلاق تنعكس على الواقع الداخلي للإنسان، كما أنه ليس جملة تصورات أو قضايا قيمية لا تخضع للعقل والعلم)، ولكنه دين حركي عملي أنزله الله من أجل إقامة العدل بين الناس، وبالتالي إيصال كل إنسان إلى كماله الممكن له.

وهكذا انطلقت الأديانُ كلها -ومنها الإسلام– منذ بداية حركة التاريخ وفجر النبوات من أجل أن تشرّع للإنسان القوانين والمبادئ التي تنظم له حياته في خط العدل بكل مساراتها وأبعادها وحالاتها، من عدل الإنسان مع ربه، إلى عدله مع نفسه، وعدله مع الناس وعناصر الحياة الأخرى من حوله؛ وجعلت له في كلّ ما يفعل وما يترك قانوناً معيناً يستمد حيويته وحركيته مما أراد الله من مصالح للإنسان ليتحصل عليها ويقوم بها، وليبتعد عن المفاسد والقبائح التي نهاه عنها.. وهذا ما نلاحظه من خلال قوله تعالى: ﴿لقَدْ أرسَلْنَا رُسُلنا بالبيّنات وأنزلْنَا مَعَهُمُ الكتابَ والميزانَ ليقومَ النّاسُ بالقسط﴾(الحديد/22)، الذي يعني أنَّ مسألة الدين تساوي مسألة العدل، فالدينُ هو العدلُ بعينه وذاته، قيمةً ومعنى.. أيّ أنّ الرسالات السماوية كلها جاءت لتمكين العدل في حركة المجتمعات البشرية، وهي (أي الأديان) تختصر حركتها بهدف واحد هو العدل.. عدل الفرد مع ذاته، عدل الحكم، عدل الحاكم، وعدل كل مفردات الحياة التي يتحرك فيها الإنسان، ويمارس فيها ومن خلالها كل فعالياته ونشاطاته.

ويمثّلُ العدلُ قيمةً عملية واقعية لا يمكنُ أن تتحقّقَ من دون آليات وهيئات ومؤسسات وإدارات، وقوى اجتماعية وسياسية متعددة ومختلفة تسعى إلى تحقيق معاني العدل وتمكين مقتضياته وإلزاماته العملية في السّير والسلوك والممارسات والتعاملات.. إنّ مسألة عدل الإنسان -وعدل الحاكم، وعدل القانون، وعدل القضاء، وعدل كل المفردات المتصلة بالإنسان- هي مسألة تختزن في داخلها المعنى الدنيوي العملي، أي المعنى والخط السياسي التنظيمي الحركي الذي يقودُ الناسَ إلى النظام الأفضل والأحسن والأكمل في حياتهم وعيشهم الدنيوي، والذي لا يمكن أن يتحقق لهم (أو يحققوه) إلا من خلال التقائه بالقيم الدينية الحقيقية الإنسانية.

من هنا لا يكونُ الإسلامُ فكرةً روحية وأخلاقية مجردة ومثالية تحلّق في عالم الخيال والمثال، أو تعيش في داخل الذات في علاقة الذات بالله دونما أدنى تجسُّد في سلوكيات البشر.. ومن هنا أيضاً يكتملُ الجانبُ الروحي للإسلام بالجانب السياسي العملي-السياسي (جانب اشتغالات البشر للكسب والعيش الدنيوي)، كونه (أي الإسلام) يمتلكُ جانباً غيبياً يتصل بالعقيدة، وجانباً اجتماعياً (مدنياً) يتصل بالحياة والوجود الخارجي في طبيعة السعي والكدح والبناء الحضاري البشري.. ولا يوجد فصلٌ أو قطيعةٌ بينهما حتى نتحدثَ عن إشكاليات إدخال السياسة في الدين أو إدخال الدين إلى عمق الحياة السياسية والاجتماعية.. لأنه من المفترض مبدئياً أنْ يمارسَ الدينُ حركته -في الواقع الاجتماعي (المدني)- من خلال الأساليب والأدوات العقلانية المتوازنة التي لا تسيء إلى خطوطه العامة، وإلى أخلاقياته وقوانينه وضوابطه ومعاييره..

وحتى لا نبدو منغلقين وغير موضوعيين، يجب الإقرار هنا أن فكرة العلمانية في مهدها الأولي الغربي كانت تعني في أحد معانيها الحرية، والإسلام والعلمانية يمكن أن يلتقيا هنا، في أصل فكرة وقيمة الحرية والاختيار الفردي، بالرغم من وجود نصوص دينية -غير محكمة- عديدة توحي بعكس ذلك عندما يتم تفسيرها وتأويلها من قبل كثير من علماء الدين على هذا النحو القدري الجبري، بهدف الإبقاء على حالة "النقاوة والأصالة الدينية" و"صفاء الهوية النقية" المزعومة، والتي لم تجد لها أصداء قوية في الواقع العربي والإسلامي المجتمعي العام.. حيث أنّ العرب والمسلمين مندمجون كلياً في حداثة العصر المادية، ولو من باب تبني حداثة الشكل دون حداثة المفهوم والنسق الثقافي والفلسفي الحضاري الذي أنتجها، فهذا الأخير يحتاج إلى وقت طويل، ودونه مراجعات نقدية وحفريات معرفية عسيرة.. المهم هنا أنّ اجتماعنا الديني بدأ يتغير سياسياً لتبني خيارات سياسية تقوم على فكرة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة (البيعة والشورى كمعادل لغوي إسلامي).. وهذا أمر حيوي وتطور نوعي كبير للغاية، يجب التأسيس الجدي عليه.. ومرده أساساً إلى حالة الانفتاح على تيارات الغرب الثقافية والسياسية المعاصرة، والتفاعل الكبير الذي نجم عن احتكاك كثير من نخب الحالة الإسلامية ومفكريها مع واقع الغرب السياسي والفكري الحديث، ورؤيتهم عن كثب للنجاحات الباهرة التي حققتها تجربة الغرب "العلماني" الأوروبي والأمريكي على صعيد العلم والتجربة والتقنية والتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مقارنةً بالطبع، مع تأخر مجتمعاتهم، وتخلفها الاجتماعي وارتكاسها الحضاري الكبير.

وهذا يجعلنا نؤكد أن الدين الإسلام (مدني) في فكره، أي إنساني.. في السبيل والتوجه والسلوك، فنحن نستند أساساً على مقولات ونصوص دينية نهائية تعتبر أنّ الحرية هي خيار الناس وحقهم الأساسي في الإيمان والكفر، وهذا الاختيار هو من أهم حالات الحرية التي لم يجبر فيها الله أحداً للإيمان به..

وأخيراً نلفت النظر إلى أن الإشكالية في فكرة العلمانية ليست مرتكزة حول علاقتها بالدولة سلباً أو إيجاباً، بقدر ما هي مرتكزة ومتمحورة حول علاقتها بالموضوع الديني والإلهي، أي بالعلاقة ما بين الإنساني النسبي والإلهي المطلق، أو العلاقة ما بين الإنسان بذاته وبالدولة، ومدى تأثير ذلك على الحراك والفاعلية البشرية في الأرض على مستوى البناء والإعمار والإنتاج والإثمار الحضاري.. وبيئتنا العربية جاهزة كثيراً لتقبل هذه الفكرة في قيمة الحرية والاختيار، خاصة مع وجود مساحات مشتركـة واسعـة بين مفاهيم العلمنـة المؤمنـة وبيـن مفاهيم وتطبيقـات الفكـر الإسلامي..

***

نبيل علي صالح

كاتب وباحث سوري

بقلم: ستيفن سيجال

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

بالنسبة للعديد من أعظم فلاسفتنا، كان  تغير حالتهم المزاجية ، من الدهشة إلى الاغتراب إلى القلق، هو ما ألهمهم فى البداية..

غالبًا ما يُعتقد أن الفلسفة تبدأ وتنتهي بالتفكير المجرد والعقلاني. مثل العلم، تُعتبر منهجية منطقية تتيح للفيلسوف أن يكون منفصلًا وغير منخرط، بعيدًا عن اللاعقلانية والذاتية العاطفية، ودقيقًا في السعي نحو الحقيقة الموضوعية. ومع ذلك، تُظهر تاريخ الفلسفة أن المشاعر والمزاجات المضطربة هي جزء أساسي من تجربة التفلسف. تعني الفلسفة حب الحكمة. وتشمل رعاية الذات، وموقفنا تجاه العالم ذو أهمية كبيرة للرفاهية.

الحيرة والعجب والمفاجأة والغربة والقلق الوجودي هي بعض من الحالات المزاجية الحادة التي تثير التفكير الفلسفي. على سبيل المثال، غالبًا ما نجد أنفسنا، في حالة الحزن الذي يعقب وفاة أحد أفراد أسرتنا، نطرح أسئلة فلسفية: ما الهدف من كل هذا؟ ماذا يعني الوجود؟

وفي حالة من "القلق" يقترب السجناء السابقون من مدخل الكهف. إنهم في انتظار مفاجأة أخرى: لقد بدأوا في رؤية أنهم كانوا في كهف طوال الوقت. عندما كانوا في الكهف، لم يتمكنوا من معرفة أن  ما كانوا فيه كهف  ولم يتضح كل شيء إلا عندما خرجوا.

هناك نمط في تاريخ الفلسفة يسمح لنا بتحديد الحالات الذهنية باعتبارها المحفز الذي يتطلب التفكير الفلسفي ويدعمه. على الرغم من أنه ليس كل الفلاسفة يستلهمون مزاجًا مضطربًا، إلا أن الكثير منهم كذلك. يتحدث سقراط عند أفلاطون عن نفسه على أنه حائر وضال. يكتب ميشيل دي مونتين عن الكآبة التي تعمقت بوفاة صديق عزيز، والتي من خلالها جاء إلى الفلسفة. لقد نشأ الشك المنهجي عند رينيه ديكارت من شعوره بعدم الأمان نتيجة لاختلال معتقداته الكاثوليكية المسلم بها. كانت سياسة كارل ماركس تعني عزله عن الطرق التقليدية للوجود في العالم. قاده قلق سورين كيركجارد إلى عالم التفكير الفلسفي (كتب ذات مرة: "كل الوجود يجعلني أشعر بالقلق". يكتب فريدريك نيتشه عن العلاقة بين ألمه العاطفي وفلسفته. في حين أن مارتن هايدجر لا يكتب عن قلقه، فإن الكثير من تفكيره نشأ استجابة لخيبة الأمل في التكنولوجيا والحداثة. لقد عانى ماكس فيبر من اكتئاب عالم محبط.

تكشف الحالات المزاجية المختلفة عن العالم وتؤطره بطرق مختلفة. وفي مزاج الحيرة، يصبح سقراط منسجمًا مع فهم الفضيلة، بينما يرى أفلاطون أن العجب هو أفق التفكير الميتافيزيقي؛ فالعجب، بالنسبة لأرسطو، هو أساس البحث في الموجود. وفي مزاج من خيبة الأمل، يطلق الرومانسيون مشروعهم العظيم لإعادة سحر العالم، ويتخذ الماركسيون من العزلة والقطيعة أساسًا ثوريًا لتحرير العمال من الطبقة الرأسمالية. يفهم كيركجارد أن قلقه العميق هو الدافع للانتقال إلى ما هو أبعد من المحدود إلى عالم الإمكانية. يُظهر لنا نيتشه أن معاناة العدمية تؤدي إلى إعادة تقييم جميع القيم، بينما يجد هايدجر درسًا مختلفًا في القلق، حيث يأخذنا إلى ما هو أبعد من طرق الوجود "اليومية العادية" إلى تناغم "أصيل" مع الوجود. بشكل عام، يرى الفلاسفة الوجوديون أن مزاج القلق من انعدام المعنى يلقي بنا في سؤال مخيف ومثير حول المعنى.

من خلال التشويش العاطفي على المألوف في عالمنا اليومي، تتيح لنا هذه الحالة المزاجية من الاضطراب التراجع والتساؤل وفهم هذا العالم بطرق جديدة. يصبح العالم المألوف واضحًا بالنسبة لنا - لم يعد مفترضًا بل مثيرًا - ويمكننا أن نتساءل عن طرق وجودنا في هذا العالم. عندما ننخرط في التساؤل الفلسفي، فإننا نتساءل عن الطريقة التي نفهم بها وجودنا، ووجود الآخرين، وعلاقاتنا بهم. عند التفكير فلسفيًا، فإن طريقتنا في الوجود في العالم تصبح على المحك.

"القلق" هو الحالة الذهنية التي يبدأ فيها التفكير الفلسفي في التبلور.

توضح قصة أفلاطون الرمزية للكهف هذا النوع من الاضطراب. يطلب منا أن نتخيل مجموعة من السجناء مقيدين بالسلاسل إلى أرضية الكهف منذ الطفولة. يمكنهم النظر إلى الأمام فقط، لأن سلاسلهم تمنعهم من الدوران. الأشياء التي تمر بمدخل الكهف خلف السجناء تلقي بظلالها على الحائط أمامهم. كل ما يعرفونه هو الظلال: فهم يفترضون، بطبيعة الحال، أن ما يرونه هو الحقيقي. هذا هو عالمهم اليومي المألوف.

تُفَك أغلال السجناء – مما يؤدي إلى الاضطراب المؤلم في حياتهم. لأول مرة، يمكنهم أن يستديروا ويروا ما وراءهم: الضوء الموجود عند مدخل الكهف. والآن يمكنهم أن يروا أن الصور التي اعتبروها ذات يوم حقيقية هي مجرد ظلال للأشياء - وليست الأشياء نفسها. يبدأون في القدرة على التمييز بين صورة الأشياء والواقع المادي للأشياء.

لقد تعطّل إحساسهم بالواقع تماما. إنهم في حيرة وارتباك، ويشعرون بعدم اليقين لعدم قدرتهم على اتخاذ طريقتهم المعتادة في رؤية العالم كأمر مسلم به .بالنسبة لبعض السجناء، هذا يخلق الكثير من القلق، ويريدون العودة إلى عاداتهم القديمة في الكهف.

ومع ذلك، فإن آخرين ليسوا خائفين فحسب، بل متحمسين أيضًا لما بدأوا يرونه خلفهم. لا يزال الأمر غير مألوف وغريب، لكنه مثير أيضًا.إنهم مستعدون لاحتضان الرحلة إلى غرابة المجهول.يمكننا أن نطلق على هذه التجربة المتزامنة من الإثارة والقلق اسم "القلق". مثل هذا "القلق" هو المزاج الذي يبدأ فيه التفكير الفلسفي في التبلور.

وفي حالة من "القلق" يقترب السجناء السابقون من مدخل الكهف. إنهم في انتظار مفاجأة أخرى: لقد بدأوا في رؤية أنهم كانوا في كهف طوال الوقت. عندما كانوا في الكهف، لم يتمكنوا من معرفة أن  ما كانوا فيه كهف  ولم يتضح كل شيء إلا عندما خرجوا.

يشير هذا إلى الطبيعة المميزة للتأمل الفلسفي: فهو لا يتعلق بملاحظة الظلال التي يتم إسقاطها على جدار الكهف بقدر ما يتعلق بالتناغم مع سياق الخلفية التي تقع فيها الظلال. إن رؤية كهفنا يعني ملاحظة الافتراضات والأعراف والعادات غير المعلنة التي تشكل ملاحظاتنا وتفاعلاتنا اليومية مع العالم.

كما يقول هايدجر، فإن السؤال "لماذا" يبرز من خلال مزاج التساؤل

لدى الفلاسفة المختلفين فهم مختلف للسياق الخلفي الذي نتناغم معه عندما نبدأ بالمغامرة خارج الكهف، من خلال احتضان حالات الاضطراب. على سبيل المثال، بالنسبة لماركس، فإن العمال في أنشطتهم اليومية لا يدركون كيف تشكل الرأسمالية والظروف المادية التاريخية للوجود طريقتهم في الوجود. الاغتراب هو المزاج الناتج عن الانفصال العاطفي عن عالم العمل بحيث يتمكن العمال من رؤية كيف تتشكل طريقة وجودهم في العمل من خلال علاقات الإنتاج في الرأسمالية. بالنسبة إلى هيدجر، عندما نكون منغمسين في طرقنا اليومية المعتادة للوجود في العالم، فإننا لا ندرك حتى أن طريقتنا في الوجود تتشكل من خلال العادات والتقاليد اليومية المتوسطة. فقط من خلال القلق الوجودي يتم تجريدنا عاطفيًا من ارتباطاتنا اليومية في العالم، حتى يتسنى لنا التكيف مع الأعراف الموضوعية وطرق القيام بالأشياء التي شكلت طريقتنا في الوجود في العالم. يكتب: "يكتب أنه فقط عندما تفرض غرابة الموجود نفسها علينا، فإنها توقظنا وتثير دهشتنا. فقط من باب العجب، … يقول “لماذا؟ الربيع على شفاهنا.

عندما تصابنا الدهشة، فإن لغة السؤال الذي يجب طرحه لم يتم صياغتها بعد. يتم صياغته عندما نبقى في مفاجأة وغموض العجب. وكما يقول هايدجر، فإن سؤال "لماذا" يبرز من خلال مزاج التساؤل.

يعرف علماء النفس والمعالجون النفسيون هذه النقطة جيدًا. يأتي العملاء إلى العلاج لأنهم يعانون من حالات مزاجية لا يمكنهم بسهولة تحديد اسم لها. يتيح العمل من خلال مشاعر القلق والاكتئاب للعملاء الفرصة لتسمية التجربة وتطوير اللغة التي يمكنهم من خلالها الاستفسار عن الذات. تتطلب عملية صياغة الأسئلة هذه مهارات التعامل مع الحالات المزاجية، وتعلم الاستماع إلى ما يسميه يوجين جيندلين "الإحساس المحسوس" بالمزاج - الإحساس بأن شيئًا ما ليس على ما يرام تمامًا، مما يزعجنا على الرغم من أننا لا نستطيع تحديد ما هو عليه تمامًا .

إن التحدي المتمثل في التفكير الفلسفي والنفسي هو تطوير الحساسية اللازمة للتعرف على الحالة المزاجية الخاصة للاضطراب والعالم الذي ينفتح من خلال الشعور بذلك المزاج. الأمزجة المختلفة تؤدي إلى عقليات مختلفة. على سبيل المثال، كطبيب نفسي، أرى العديد من العملاء الذين يعانون من القلق "العصابي"، وأرى آخرين يشعرون بالقلق من عدم جدوى الوجود وغموضه. كل شكل من أشكال القلق ينشأ من حالات مزاجية مختلفة. ومن ثم لا أتعامل مع القلق "العصابي" بنفس الطريقة التي أتعامل بها مع القلق الوجودي. في صياغتي، يتعلق القلق العصابي بالعوائق العقلية التي تمنع الشخص من تحقيق ما يريد تحقيقه، مثل الموسيقي الموهوب الذي يشعر بالإحباط بسبب خوفه الشديد من الأداء. في حالة القلق الوجودي، يفقد الشخص كل إحساس بكونه موسيقيًا. إنه ليس خائفا من الأداء، بل هناك شعور بفقدان المغزى من كونه موسيقيا. إن احتضان القلق من اللامعنى هو المفتاح للتعامل مع القلق الوجودي، في حين يتم التعامل مع القلق العصابي من خلال تحديد الصراعات داخل الذات النفسية.

ثم هناك نوع آخر من الاغتراب والقطيعة يؤدي إلى تأطير مختلف. على سبيل المثال، تكتب بيل هوكس عن تفكيرها النسوي الناشئ عن شعورها بالغربة عن التقاليد المألوفة والمسلم بها في سياقها الثقافي. وقد سمح لها هذا الاغتراب باكتشاف وانتقاد وتحرير نفسها من القيم الأبوية السائدة. في ممارستي للعلاج النفسي، أرى أيضًا رجالًا، في حيرة الاغتراب، يعيشون من خلال التشكيك في تكيفهم وسبل كونهم رجالًا، ويحاولون يائسين إنشاء طرق جديدة للوجود في العلاقات.

لعل النقطة المهمة هي أن هناك أشكالًا عديدة من اضطرابات المزاج، يكشف كل منها عن شكل مختلف من التفكير الفلسفي. ومن الأهمية بمكان تطوير "الحساسية الظاهرية" لمتابعة المسار الذي ينشأ من كل شكل من أشكال الاضطراب. يدور التفكير الفلسفي حول السماح لما يظهر في الحالات المزاجية المضطربة بأن يكون واضحًا للفكر بجميع أشكاله: التفكير العلاجي، والتفكير النقدي، والتفكير الانعكاسي، والتفكير والتأمل. ولأن التأملات الفلسفية تعمل مع الأمزجة المضطربة، فإن هذا التأمل يدمج الفكر والمزاج. إنها ليست ذاتية ولا موضوعية. التفكير يحدث دائمًا في حالة مزاجية.

***

.......................

المؤلف: ستيفن سيجال / Steven Segal  عالم نفس حاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة. فهو يجمع بين الفلسفة ومجموعة من مناهج العلاج النفسي في ممارسته الخاصة. يقع مقره في سيدني، أستراليا، ولديه عملاء من مختلف أنحاء العالم. يدير دورات التطوير المهني حول أهمية الفلسفة في العلاج النفسي.

*يقال إننا نعيش في "عصر القلق". لست وحدك أو أنا من يعاني من القلق والاكتئاب. تتحدى قضايا الصحة العقلية معظمنا في وقت ما من حياتنا. نحن بحاجة إلى تطوير المرونة والعزيمة في مواجهة الشكوك والقلق والتحديات. وهذا يمكننا من النمو والازدهار وتطوير الحكمة العملية. إن مواجهة تحديات الحياة بمفردنا أمر صعب. ومن المفيد أن ندرك أننا بحاجة إلى دعم الآخرين المهمين. باعتباري طبيبًا نفسيًا، أقوم بتوفير بيئة آمنة يمكنك من خلالها تحويل مخاوفك المتعلقة بالصحة العقلية إلى فرص لتحقيق الرفاهية. أنا طبيب نفساني ولدي أكثر من 20 عامًا من الخبرة. لقد قمت بالتدريس وإجراء الأبحاث حول القلق والاكتئاب لمدة طويلة. لدي خبرة في مجموعة من الأساليب العلاجية بما في ذلك العلاجات المعرفية والعلاج النفسي الديناميكي والعلاج الوجودي. بناءً على خبرتي كمدرب ومعلم إداري ومستشار تنظيمي، فإنني أحمل فهمًا كبيرًا للتحديات النفسية التي تحدث في سياق العمل. إن حصولي على درجة الدكتوراه في الفلسفة يمكّنني من جلب رؤى المفكرين العظماء إلى السياق العلاجي.

التضلّع في القواعد النحوية وانتقاء المفردات العويصة في نظر الكثير هو سنام امتلاك ناصية اللغة، ولكن يبدو أنّ لعلم الأعصاب اللغوي رأيًا آخر في هذه النظرة، واللغة في اعتبار شريحة واسعة من الناس مجرد قناة تواصل، ولكن لعلم الأعصاب اللغوي مراجَعة مدهشة في هذا الاعتبار.

أين تقع اللغة في العملية التواصلية؟

تجد المُدخَلات من العالَم الخارجي طريقها إلينا من خلال حواسّنا، هذه المُدخلات مقيّدة بنطاق قدرة حواسنا المحدودة، فعلى سبيل المثال يشير أهل الاختصاص إلى أنّ نطاق الترددات الصوتية التي تستطيع أجهزتنا السمعية رصدها من المُدخلات السمعية يتراوح تردّدها من ٢٠ هيرتز إلى ٢٠ كيلو هيرتز، أقلّ من ذلك (تحت صوتية) وأكثر (فوق صوتية) لا ترِدُنا أيّ مدخلات بشأنه رغم وجودها، ولكن لأن قدرتنا السمعية محدودة، فإنّ المُدخلات السمعية كذلك.

هذه المعطيات الخام المحدودة يتم معالجتها في الدماغ البشري ثم تحوّل تلك البيانات إلى تصوّرات ذهنية، وفي الداخل كل شيء يبدأ بفكرة، فكرة تتخذ من الإدراك الذهني عالما لها، عالم غير محسوس بالنسبة لنا، ودعونا في هذا السياق نعتبر أنّ مصطلح الفكرة ينسحب على الشعور كذلك إذْ هو الآخر يصول ويجول في دهاليز اللامحسوس، وهذا العالَم المجرّد من الأفكار والأحاسيس يتوسّل اللغة لتكون جسرا إلى العالَم المحسوس الواقعي؛ فننقل للآخر ما يَعِنّ في أذهاننا عبر قناة اللغة، ونفهم الآخر بالقناة نفسها، وحين تكون اللغة عَصِيّةً على الآخر وليست منطقة مشتركة، تأتي الترجمة لتسدّ هذا الفراغ، ولكن عندما نُنْعِم النظر فإنّ الترجمة لا يمكن أن تطوي مسافة اللغة؛ ولذا فالترجمة هي طبقة إضافية على اللغة الأصلية، وهي مسافة أخرى عن المعبَّر عنه من الفكرة الذهنية أو الشعور، وكلما كانت الترجمة عن لغة لا تنتمي لعائلة اللغات ذاتها كانت المسافة أكبر.

وإذا ما أحببنا أن نصوغ هذا السرد في معادلة توضيحية فإنّه يتشكّل لدينا هذا المسار:

المُدخلات من المحيط الخارجي => المعالجة الدماغية => تصوّرات ذهنية (أفكار/مشاعر) => لغة => ترجمة

والسؤال الجوهري الذي يتجلّى أمامنا هو: هل اللغة جديرة حقا بالتمثيل الدقيق للإدراك شعورًا كان أم فكرة؟

الواقع الواضح الذي ينبغي أن نعترف به ونواجهه هو أنّ اللغة لطبيعتها المحدودة لا يمكن لها استيعاب الأفكار/المشاعر كما نفكر ونشعر تماما، ولتبسيط الصورة، فالعلاقة بين اللغة وهي تعبّر عن فكرة أو إحساس يشبه مشهد القمر للناظر مِن على الأرض مقارنةً بحجمه الحقيقي في فَلَكه، فمشهد القمر يمثل اللغة، في حين يمثل حجم القمر الحقيقي الأفكار والمشاعر كما هي في إدراكنا! إنّ الكلمات تقدم طرفا متواضعا من كينونة الأفكار وماهيّة الأحاسيس كعنوان كتاب وباب قصر!

بات جليًا الآن كم هي دقيقة تلك التعبيرات التي نتداولها في لغتنا اليومية من قبيل:

مشاعري لا تستوعبها الكلمات

الكلمات عاجزة عن تجسيد ما يتلجلج في صدري من أحاسيس

لا أجد في اللغة ما يسعفني للتعبير عن الفكرة التي تَزِنُّ في رأسي

ولكن ليس لدينا سوى اللغة! فهي مع قصورها الحيلة الوحيدة التي لا يمكن للطبيعة البشرية القفز عليها.

ما تقدّم آنفا ليس سوى توطئة لا غنى عنها لصُلب موضوعنا، فإذا كنّا اتفقنا على أنّ اللغة غير قَمينةٍ بتمثيل الإدراك الذهني كما هو، فالسؤال المُلِحّ الآن:

هل اللغة العاجزة عن استيعاب ما نفكر ونحسّ به قادرة على تشكيل تفكيرنا؟!

في كتابه (The Stuff of Thought) (٢٠٠٧م) (مادّة الفكر) يقدّم الدكتور (Steven Pinker) وهو أحد أبرز المتخصصين في مجال علم اللغة النفسي والإدراك المعرفي، مقاربة لهذا التأثير، ومما أشار إليه هو أنّه لا يمكن تصوّر مفاهيم لا توجد لها مفردات في قاموس المتحدث، كما أنّ الأفكار من حيث أحد أهم روافدها الأساسية ناتجة من معارف مكتسبة، والتي بدورها تُسْتَقى عن طريق القراءة والحوار، وهي في نهاية المطاف عبارة عن لغة! وحيث إنّ اللغة في شكلها الفضفاض لا تتشكّل عن طريق لجنة محكّمة بل تخرج من التفاعل المجتمعي، فهذا يعني أنّ كل لغة تدفع الناطق بها إلى الانتباه لجوانب محددة من المفاهيم، مما يعني أنّ اللغة حين تكون عالمية تجعل البشرية تتصوّر العالم من خلالها، وفي الوقت الراهن نرى المجتمع العالمي يقرأ نفسه والكون من حوله من خلال الإنجليزية، وحتما سيختلف إدراك العالم لو كانت الصينية أو الألمانية مثلا هي من تتربّع عرش العالمية.

ولأن اللغة الأم تأتي في مرحلة البدايات حيث التشكّل البيولوجي في أَوْج مراحله، فتأثيرها الدماغي لا شك سيكون محوريا جدا من بين سائر اللغات المكتسبة لاحقا، ففي تاريخ (١٥ أبريل ٢٠٢٣م) نشرت مجلة (NeuroImage) وهي مجلة علمية محكّمة مختصّة بعلوم الأعصاب في عددها (٢٧٠) رقم المقال (١١٩٩٥٥) الرابط:

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1053811923001015?via%3Dihub

15?via%3Dihub) مقالا بعنوان (كيف يمكن للغة الأم أن تشكّل الوصلات العصبية في أدمغتنا؟!) حيث أجرى باحث الدكتوراه (Xuehu Wei) مع فريقه البحثي في معهد ماكس بلانك للعلوم الإدراكية والعصبية البشرية في لايبزيغ بألمانيا تجربة علمية بتوظيف تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي عالي الدقة، شملت عيّنة من الناطقين الأصليين بالعربية والألمانية، خلُص إلى أنّ اللغة الأم تؤثر على البِنية العصبية للدماغ؛ الأمر الذي يؤدي إلى الاختلاف في المعالجة اللغوية، حيث أشارت نتائج التجربة إلى أنّ مَن لغتهم الأم هي العربية يمتلكون اتصالا أقوى بين شقي الدماغ الأيمن والأيسر؛ نتيجة التعقيد الدلالي في اللغة العربية، في حين إنّ مَن لغتهم الأم هي الألمانية أظهروا اتصالا أقوى في شق الدماغ الأيسر؛ نظرا للتعقيد في القواعد النحوية في اللغة الألمانية.

إذن ثمّة تأثير حاسم وعميق للغة على البنية العصبية للدماغ وآلية معالجته المعلومات التي تنتهي بالأفكار، وهذا يُلقي بظلاله على نمط التفكير وما يفرزه من أفكار، فمن الطبيعي إذن حين نفكر في موضوع ما باللغة العربية فإن العمليات الدماغية/الشبكات العصبية تختلف عما إذا ما فكّرنا فيه باللغة الإنجليزية مثلا، ومما تجدر الإشارة إليه أنّ لكل لغة خصوصياتها المعقّدة (Idiosyncrasies) فبعض اللغات تأخذ حمولة ثقافية مكثفة من الطابع الديني، وهذا بطبيعة الحال له بصمته في ساحة التفكير! كاللغة العربية ما قبل العصر الحداثي، التي يكاد من المستحيل فصلها عن حاضنتها الإسلامية؛ لارتباطها المتشابك بها، حتى غَدت ثنائية بهُويّة واحدة، فلا فهم للإسلام بلا عربية، ولا لغة عربية قائمة بلا إسلام، مرة أخرى.. أعني اللغة العربية ما قبل العصر الحداثي، إذْ الناظر للغة العربية في الاستعمال المعاصر يدرك كم هو مقدار التلاقح مع اللغات المحيطة بها، مع بقاء الطابع الإسلامي - بلا ريب - في جانب كبير منها حتى الآن. كما أنّ بعض اللغات تتملّكها عقلية ثقافية محددة، ومن الأمثلة الحيّة للتأثير المتبادل بين نمط التفكير واللغة جيئةً وذهابا ما نجده في المجتمع الألماني، حيث يرددون باستمرار في مواقف عدة تراكيب مثل (Ich habe Angst) أي لدي قلق أو أنا خائف، للتعبير عن عقلية الخوف والقلق، ليختزل جذوره الضاربة في القدم في الثقافة والتاريخ الألماني، الذي شهد أوضاعا مريرة تمخّض عنها حروب عالمية ضَرُوس، بل إنّ عقلية الخوف سابقة على هذه المرحلة في المجتمع الألماني كما نلمس ذلك في أعمال أشهر الفلاسفة الذين كتبوا بالألمانية مثل كافكا ونيتشه!

على أننا في تواصلنا اللغوي اليومي - بِغضّ النظر عن اللغة - نتغاضى عن الفروق الدقيقة بين المفردات التي نسميها مرادفات (لستُ ممن يرى الترادف في اللغة بمعناه الشائع) سواء أكان هذا التغاضي عن قصد أو إفرازا طبيعيا لقصور معرفي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نحن نميل لاستخدام لغة مشوّهة لتهويل ما نشعر به، فمن يمرّ بضيق عابر يستمرئ التعبير بـ (قلبي منفطر) بدلا من (أنا منزعج قليلا)، وهذا التعبير المُهوَّل - شئنا أم أبينا - له ارتداداته النفسية خصوصا مع التكرار الذي تصاحبه كثافة شعورية، فينتقل على المستوى الشعوري من مجرد ضيق عابر إلى انفطار حقيقي يكوي القلب، فتكون اللغة عاملا مؤثرا على الشعور، ويكون الشعور محفزا على التعبير بلغة من سِنْخِها ونوعها.

اللغة لها علاقة فاعلة ومنفعلة في التفكيرِ آليّتِه ونمطِه، وإذا كانت اللغة التي يستعملها طرف ما لا تحرك شيئا في أفكار الآخر، ليس من حيث الإقناع وإنما من حيث التفاعل، فهي لغة مهملة وأجنبية، ولا تعدو أن تكون في نظر الآخر سوى تَمْتَمَات وهَمْهَمَة لا معنى لها ولا جدوى.

إذن (اللغة) منتَجٌ تفاعلي يضطلع بدور مركزي في تشكيل تصوّراتنا وانفعالاتنا الذاتية، والتي بدورها تنحت لغتنا، في عملية دائرية لا تنتهي، وتفعل الصنيع نفسه في تفاعلنا اللغوي مع الآخر!

***

بقلم محمـــد سيـــف

هي مذهب فلسفي أسسه الفيلسوف اليوناني "زينون"، عند قدومه من قبرص الى أثينا في مدرسة في رواق "ستُوي" الذي كان محل اجتماع الادباء والفنانين، فدُعي وأصحابه بالرواقيين، والتي انتشرت في إطار الثقافة اليونانية في القرن الرابع قبل الميلاد، تحت تأثير الأفكار التي تدعو إلى المواطنة العالمية، وتحت تأثير الأفكار التي تدعو إلى النزعة الفردية، وتأثير التطورات التقنية التي نتجت عن تطور المعرفة الرياضية، وقد تحدد دور المنطق والفيزياء والأخلاق عند الرواقيين بأن المنطق هو السور، والفيزياء هي التربة الخصبة، والأخلاق هي ثمرة لهما، وهي المهمة الرئيسة للفلسفة.

أكد الرواقيون على أن الحياة يجب أن تُعاش وفق الطبيعة، وهذا أنموذج الإنسان، فما يميز الإنسان هو العقل الذي يجعله قادرًا على التحكم في انفعالاته وتصرفاته، وتقوم السعادة على التحرر الانفعالي تجاه الأمور التي لا تقع ضمن سيطرة الإنسان، فلا حكم على أمر لا يمتلك سلطة تجاهه، أما مفهوم السلام فيعد مبدأ من أهم المبادئ الرواقية، فالإنسان يجب أن يعيش في حالة سلام عقلي، وداخلي، كنوع من التصالح مع الذات، فالقدر هو الذي يحدد كل شيء في الحياة، وعلى الإنسان أن يتقبله وإلا سيشقى.

إن أصحاب المذهب الرواقي يدعون الى الاندماج بالطبيعة، والتناغم معها والسير وفق قوانينها والانسان لا يستطيع ان يقدم شيئا للمجتمع الا إذا تخلص من عواطفه، والعمل هو الفيصل وهم يعتقدون ان الفلسفة ليست الا طريقة وأسلوب لفهم الحياة، وان حرية الانسان مرهونة بأدائه لواجباته في اقتفاء آثار الطبيعة وقوانينها، وهم اول من تحدث عن الإخاء الانساني العالمي، وعن القانون العالمي للطبيعة وقالوا ان القانون هو الحاكم على جميع اعمال الانسان. ونشرت الرواقية فكرة العدالة الطبيعية التي هي التعبير عن (العقل الطبيعي) وقالوا ان الناس – بحكم الطبيعة – متساوون بالرغم من الفروق في اللغة، او العنصر، او الدين، او المذهب، او المرتبة الاجتماعية.

الرواقيون يقولون ان العلم والفضيلة شيء واحد، إذا علم الانسان شيئاً، فهو بالضرورة مؤثر لهذا الشيء وفاعل له، واما الشر فمصدره الجهل، فالحكيم هو من يعرف قوانين الوجود، ويلائم شعوره الداخلي مع القوانين الطبيعية، اما الجاهل فهو لا يستطيع ان يدرك القوانين الطبيعية، فيضطرب متعارضاً في حساسيته مع ما تقتضيه القوانين العقلية، وبالتالي فهو مع القوانين الطبيعية.

يمتاز مذهب الرواقية بثلاثة مسائل رئيسية: الأولى أن الفلسفة الحقيقية هي الفلسفة العملية. والثانية أن الفلسفة العملية هي التي تقوم على العمل المطابق للعقل. والثالثة أن العمل المطابق للعقل يجري بمقتضى قوانين الطبيعة،

يقّسم مذهب الرواقية الى ثلاثة عصور:

1- الرواقية القديمة: تمتد من سنة 322ق .م الى سنة 204 ق .م ومن اقطابها : زينون وكليانتس وكروسبوس.

2- الرواقية الوسطى: انتشرت في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، ومن اقطابها: بانيتوس وبويتوس و بوزيدونيوس، وقد تسربت الى رواقية ذلك العصر آراء مشتتة من مدارس أخرى، على انها تقترب من مذهبي افلاطون (1) وارسطو(2) بوجه عام .

3- الرواقية الحديثة: تمتد من القرن الأول بعد الميلاد حتى الوقت الذي أغلقت فيه المدارس اليونانية عام 529 بعد الميلاد، ومن اقطابه من الرومان سِنِكا وإيكوتيتوس ومرقس أوربليوس، وهم يمثلون رواقية صبغت صبغة دينية ظاهرة.

من اهم رواد مذهب الرواقية:

1- زينون: ولد في كتيوم في قبرص سنة 336 ق.م، وكان ابوه تاجراً بين قبرص واثينا، فكان يحمل منها كتب السقراطيين الى قبرص، فكان يقرأها ابنه. قدم زينون سنة 312 ق.م الى أثينا التي كانت الفلسفة مزدهرة فيها واستمع الى ثاوراسطس(3) والى أقراطيس(4) تلميذ ديوجانس الكلبي(5) والى استلبون(6)، وكان ينتقل من مدرسة الى أخرى، تتلمذ على "أقراطيس" الكلبي وهو الذي أثر فيه أثراً عميقاً، الف فيه كتاباً سماه "مذكرات أقراطيس"  . أسس مدرسة في رواق "ستُوري" ذو الاعمدة الذي كان منتدى للأدباء والفنانين. كان زينون على خلق عظيم، وان حياته على بساطتها كانت دائماً قدوة طيبة ومثالاً أخلاقياً عالياً. توفي سنة 264ق.م، ودفن في مدفن العظماء.

2- كليانتس: ولد في مدينة "أسوس" سنة 331 ق.م، قدم الى أثينا لطلب المعرفة والانكباب على الفلسفة، فبدأ يحضر دروس زينون، لكونه فقير الحال فكان يعمل بالليل بأشق الاعمال لكي يكسب أجور رسوم التعليم. أوصى زينون عند وفاته ان يخلفه كليانتس في ادارة المدرسة الرواقية، فبقي في ادارتها من سنة 264 ق.م الى سنة 232 ق.م . أخذ نفوذ الرواقية يضعف في عهده لعدم امتلاكه اللباقة والمهارة في الجدل ما يمكنه إفحام الخصوم، فكان تفكيره بطيئاً وحجته غير بارعة، فكان عرضة لسخرية المشككين. ألف كليانتس نحو 50 كتاباً عن طبيعيات زينون وهرقليدس(7)ومصنفاته في المنطق الاخلاق، لم يبق من مصنفاته إلا مقتطفات صغيرة، من أهمها قصيدة "الأنشودة الى زيوس" مناجياً "زيوس" رب اليونان.

3- كروسبوس: لد في مدينة "صول" بجزيرة قبرص سنة 277 ق.م، كان تلميذ "كليانتس" وآخر ممثلي الرواقية القديمة وأكبرهم انتاجاً عقلياً. كان له قوه جدل عظيمة، وقد جعل من التعليم شغله الشاغل حين تولى الاشراف على الرواق، فأحسن ادارته وانتظام سير التدريس فيه. ان ما يميز منهج التعليم عند كروسبوس هو النظري التقريري، فكان يخالف طريقة التدريب على الخطابة وان المدرسة تتحول الى تخريج الخطباء، ولكنه لم يستنكر طريقة عرض الآراء المخالفة، إلا انه يرى فساد هذا المنهج ما دام الباحث لا يريد فناً عملياً بل علماً أخلاقياً. ألف كروسبوس في المنطق والطبيعيات، فقد ألف 119 مصنفاً في المنطق، وألف 43كتاباً في الاخلاق.

4- بنايطيوس: ولد بجزيرة "روكانس" اليونانية سنة 180 ق.م، يعد أول ممثلي الرواقية الوسطى، كان صديقاً للكثير من مشاهير الرومان، تأثر بآراء "أفلاطون" و"أرسطو"، فانحرف عن تعاليم الرواقية القديمة التي تذهب ان الألم في عداد الأشياء التي لا يؤبه لها، مال الى طلب الخيرات الخارجية كالثراء والجاه، ولم يكن من رأيه أن يخل الانسان من الانفعالات، خلافاً لما كان يريده الرواقيون الاقدمون. وقد عمد الى تزيين مصنفاته بشيء من الفصاحة والسلاسة، كان في رواقيته من اللين والعاطفة ما بعُدَ بها عن صلابة الرواقية القديمة.

5- بوزيدونيس: مؤرخ وفيلسوف سوري الأصل، عاش من سنة 153 ق.م الى سنة 51 ق.م ، سخط على تقاليد بلاده السورية حمل على عاداتها، جاب أقطاراً عديدة واستقر في "جزيرة رودس" اليونانية حيث اصبح رئيس مدرسة فلسفية، صادق الكثير من عظماء الرومان مثل "شيشرون"(8). كان مؤرخاً نابهاً وعالماً طبيعياً مرموقاً وفيلسوفاً لاهوتياً واسعاً. كان بوزيدونيس فلكياً كبيراً، أقر بالنظرية التي تذهب ان الشمس هي مركز الكون وان الأرض تدور حولها، ولكنه عارضها لأسباب دينية.

6- سنكا: ولد سنة 4 ق.م في قرطبة، وكان ابوه من سراة الرومان محباً للأدب، ذهب الى روما وحضر دروس فلاسفتها ومنهم "أطالوس"(9)الرواقي، تعلم منه الاخلاق الرواقية، فزهد في الدنيا وعاش عيشة الفيلسوف. أصدر إمبراطور الرومان "طيبروس" (42 ق .م – 37م)أمراً بحظر ممارسة الشعائر الأجنبية، فخاف والد سنكا على ابنه والح عليه ان يترك الفلسفة وان ينصرف الى الخطابة والكتابة، فاتجه الى المحاماة. حنق عليه طاغية روما "قالغولا"(37م- 41م) وأمر بقتله، ولكنه نجا من القتل بفضل امرأة، ترك المحاماة ورجع الى الفلسفة. اتهم بالزنا مع فتاة ونفي عن روما سنة 41م .

7- ابكتيتوس: ولد سنة 50م في "هيرابوليس" (في آسيا الصغرى)، وأرسل الى روما وأصبح عبداً هناك (ابكتيتوس معناها عبداً في اليونانية)، شغف بالفلسفة شغفاً كبيراً واستطاع ان يحقق: "ان يدرك المرء الخير أولاً بنوع من الحدس الفطري، ثم يسعى الى فعل ذلك الخير وتحقيقه، وبعد ذلك يعمد الى الاستدلال ليبين لم كان الخير خيراً". لما اُعتق من العبودية وأصبح حراً، عاش في روما في منزل صغير متهدم بلا باب، فعاش عيشة بسيطة وحيداً من غير اسرة حتى وجد طفلاً متروكاً، واستخدم امرأة فقيرة للعناية بالطفل. انصرف ابكتيتوس الى الفلسفة بعقله وقلبه وروحه، وتعليمها للناس. عندما تولى الامبراطور "دومتيانوس" (81م – 96م) أصدر أمره بإخراج الفلاسفة من ايطاليا سنة 91م، هاجر من روما واستقر في "نيقوبولس" ببلاد اليونان وفتح فيها مدرسة، وقد وفد اليها الشبيبة الرومانية للاستماع الى دروسه، فعلى شانه لدى رجال البلاط في روما. كان ايكتيتوس رواقياً في حياته، كما كان رواقياً في أقواله ودروسه، لم يدون آراءه الفلسفية بنفسه بل دونها تلاميذه.

8- مرقس أوريليوس: ولد سنة 121م في روما، مات ابوه وهو صبي، تعلم في صباه البلاغة والآداب والرياضيات والحقوق والفلسفة، تبناه الامبراطور "أنطونينوس" (138م – 161م). بأمر الامبراطور "ادريانوس"(96م – 138م) أصبح من امراء الرومان. ولما مات الامبراطور "أنطونينوس" (138م – 161م) سنة 161م أصبح امبراطور على الدولة الرومانية، وله من العمر 40عاماً. كانت أيام حكم الامبراطور مرقس اوريليوس (161م – 180م) مملوءة بالاضطرابات والفتن، وكانت الدولة الرومانية مهددة بالغزو فاضطر الى تعبئة الجيش الروماني، وكان على رأس الجيش لصد هجمات البرابرة الذين قدموا من جهة نهر الدانوب، كان لا يحب الحرب ولكنه اضطر الى خوض غمارها. مات بالطاعون سنة 180م وخلف بضع رسائل باللغة اللاتينية، وترك مجموعة من التأملات الفلسفية اسمها "خواطر" كتبها باللغة اليونانية اثناء حملاته الحربية بين سنتي 166م و174م.

***

صباح عكام

.....................

الهوامش:

(1) افلاطون: (427 ق.م - 347 ق.م) هو فيلسوف يوناني كلاسيكي، كاتب لعدد من الحوارات الفلسفية، ويعد مؤسس لأكاديمية أثينا التي هي أول معهد للتعليم العالي في العالم الغربي، معلمه سقراط وتلميذه أرسطو. وضع أفلاطون الأسس الأولى للفلسفة الغربية والعلوم، أوجد ما عُرِفَ من بعدُ بطريقة الحوار الافلاطوني، ظهر نبوغ أفلاطون وأسلوبه ككاتب واضح في محاوراته السقراطية (نحو ثلاثين محاورة) التي تتناول مواضيع فلسفية مختلفة، نظرية المعرفة، المنطق، اللغة، الرياضيات ، الميتافيزيقا ، الأخلاق والسياسة . (احمد أمين وزكي نجيب محمود ، قصة الفلسفة اليونانية ص137)

(2) ارسطو: هو فيلسوف يوناني، ولد سنة 384 ق.م وتوفي سنة 347 ق.م ، تلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر، وواحد من عظماء المفكرين، تغطي كتاباته مجالات عدة، منها الفيزياء والميتافيزيقيا والشعر والمسرح والموسيقى والمنطق والبلاغة واللغويات والسياسة والأخلاقيات وعلم الأحياء وعلم الحيوان. (ألمصدر نفسه ص212)

(3) ثاوراسطس: (372 – 288 ق.م) كاتب وفيلسوف يوناني، ولد في إرازوس (جزيرة ليسبوس) في اليونان، كان ينتمي الى الجيل الأول من المشائين، الجيل الذي عاش في ركاب ارسطو ، تولى قيادة اللقيون سنة 322ق .م بعد وفاة ارسطو . (جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة ، ص252) .

(4) اقراطيس: فيلسوف ونحوي يوناني من المدرسة الرواقية.، ولد في مالوس بكيليكيا في القرن الثاني قبل الميلاد، إفتتح مدرسة للفلسفة في برغاما بآسيا الصغرى، وبعث سفيرا إلى روما عام 168 ق.م. (المصدر نفسه ص80) .

(5) ديوجانس الكلبي: (421 - 323 ق م) فَيلسوف يونانِي، وأحد مؤسسي المدرسة الكلبيّة الأوائل. ولدَ في سينوب بتركيا، ودَرسَ في أثينا على يد ارسطو، عاصر الاسكندر المقدوني، نفي من سينوب عندما شارك وساعد على تدهور العملة. انتقل بعد نفيه إلى أثينا وانتقد العديد من المواثيق الثقافية للمدينة. قبض القراصنة على ديوجانس وباعوه كعبد، واستقر في نهاية المطاف في كورنثوس. هناك مرر فلسفته إلى أقراطس، والذي درسها لزينون الرواقي الذي أسس المدرسة الرواقية.  (المصدر نفسه ص309)

(6) استلبون : أحد فلاسفة المدرسة الميغارية التي أسسها "اقليدس" والتي اشتهرت بالجدل، نهج مجابهة فلسفة أفلاطون، ونقد نظرية المُثُل عن طريق برهان الخُلف، فقد عدد الحجج في أن المثال واحد لا يتعدد، نقد الحكم على الأشياء بمعانٍ محدودة ثابتة على طريقة أفلاطون وأرسطو، وذلك لأنه يرى أن ذلك يؤدي إلى تطابق ماهيتين متمايزتين، إذ بهذا يمتنع الحكم من الأساس .  (يوسف كرم ، تاريخ الفلسفة اليونانية ص167)

(7)هرقليدس: (535 – 475 ق.م) فيلسوف يوناني ولد في مدينة "أفسوس" في آسيا الصغرى في عصر ما قبل سقراط، كتب بأسلوب غامض يغلب طابع الحزن على كتاباته، ولذا عُرف بالفيلسوف الباكي، تأثر بأفكاره كل من سقراط وأفلاطون وأرسطو. قال بأن النار هي الجوهر الأول، ومنها نشأ الكون. وقال أيضاً بالتغيّر الدائم للوجود ،  باعتبار التغير هو الجوهر الأساسي في الكون . (جورج طرابيشي ، مصدر سابق ص697) .

(8) شيشرون : خطيب ومحامي روماني ولد سنة 106 ق .م ، اشترك بالحياة السياسية في بلاده، أصابه الاضطهاد في عهد الحكم الثلاثي الثاني في روما، فارسل اليه انطونيوس جماعة قتلوه سنة 43 ق.م. يعد شيشرون أفصح خطباء الرومان، لا يشق له غبار في البلاغة القانونية والسياسية. اما مذهبه الفلسفي فهو الأقرب الى التوفيق بين مختلف الآراء. كان لمؤلفات شيشرون الفضل في تعريف الأوربيين بتاريخ المذاهب اليونانية بعد ارسطو. (عثمان أمين ، الفلسفة الرواقية ص45)

(9) أطالوس الرواقي: فيلسوف روماني من فرغاموس، عاش في القرن الأول الميلادي، ودرس الرواقية كما كان يتناولها "بوزيدونيوس"، تتلمذ عليه سنيكا وعلمه ان الحكيم وجد ليكون مستشاراً للملك، وكان يعد نفسه ملكاً، لأنه ما كان يعوزه شيء، نفي في عهد طيباريوس بدون ان يعلم السبب . (جورج طرابيشي ، مصدر سابق ص43) .

المصادر:

1- أحمد امين وزكي نجيب محمود - قصة الفلسفة اليونانية – دار الكتب المصرية / القاهرة ط2 ، 1935م.

2- جورج طرابيشي – معجم الفلاسفة – دار الطليعة / بيروت، ط3، 2006م .

3- عبد الرحمن بدوي – موسوعة الفلسفة – المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت، 1984م.

4- عثمان أمين – الفلسفة الرواقية – مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر / القاهرة، 1945م.

5- يوسف كرم – تاريخ الفلسفة اليونانية – مؤسسة هنداوي / القاهرة، 2021م.

4- العقل كمفهوم ومصطلح في البحث التراثي المعاصر

العقل والعقلية: قد يبدو الفرق بين مصطلحي "العقل" و"العقلية" جزئياً وهامشياً ومتعلقا بخلاف لغوي صرفي بسيط. غير أنه، على العكس من ذلك، يكتسي أهمية فائقة من الناحية المضمونية وعليه يقوم فرق جوهري بين نظْرَتين مختلفتين إلى التراث والتاريخ. سنحاول أن نرصد هذا الفارق بين النظرتين من خلال المثال النقدي التالي:  يعترض هادي العلوي على استعمال أركون لمصطلح "العقل العربي" أو "العقل الإسلامي" عند مناقشته لموضوعة أركون القائلة بأن "العقل الإسلامي أوسع من العقل العربي وإن دراسة العقل الإسلامي تهدف إلى الإمساك بالظاهرة الدينية التي تشمل أكثر من العالم العربي كما تسمح بفهم العقل العربي نفسه وان نقد العقل العربي مرحلة ضرورية لنقد العقل الإسلامي/ ص 177 محطات في التراث والتاريخ"، فالعلوي يفضل على "العقل"  مصطلحا آخر هو "العقلية" و الفرق بين الاثنين ليس شكلياً البتة، بل هو على درجة عالية من الأهمية. العلوي يجد المصطلح الأول "العقل" ملتبساً فهو نتاج ترجمة حرفية لمصطلح أورومركزي، ولكنه ليس دقيقا ومشوشا إذا ما أريد به ما يقابل "MIND" أو "RAISON" في الإنكليزية، لكونه يحيل إلى إنثربولوجية عنصرية تقول بتعدد وتفاضل العقول البشرية على أسس تشريحية.

كما أن القول بوجود عقلية عربية بمواجهة عقلية إسلامية لا يصح أيضاً حسبما يعتقد العلوي وهو يفضل الأخذ بمصطلح "عقلية" بدلا من "عقل" ولكن بشروط. والفرق هنا – كما أسلفنا - ليس لغوياً جزئياً بل هو نوعي ومتعلق بالكيف وليس بالكم. لكنَّ العلوي لا يسهب في تبيين الفرق، ولا يعطي تعريفا أكثر تفصيلا وعمقا له، ولكنه يوضح مثلا بأن التمييز بين "عقل عربي" وعقل إسلامي" على أساس الدين خاطئ. ولتوضيح مقصوده يأتي بمثال يقول فيه إن ابن سينا مثلاً هو فيلسوف إسلامي وهذا يعني أنه فيلسوف عربي، فارسي، تركي، كردي، أما المتنبي فهو شاعر عربي فلا هو فارسي ولا تركي ولا كردي. ويخلص إلى الاستنتاج التالي: وهكذا حين نريد ان نتخيل عقلا عربيا، لفرزه عن عقل إسلامي فالفاصل ليس هو الفكر وإنما الأدب. ويضيف في موضع آخر "أن اللغة لا تكفي وحدها لتمييز فكر عن فكر آخر إلا في حدود معايير محدودة تقتصر على الخصائص القاموسية والصرفية للغة /ص 179/ محطات".

الواقع هو أن مفهوم ومصطلح العقل أوسع وأهم مما يبدو من خلال نقد الراحل العلوي على ما فيه من جِدَّةٍ وعمق. وبالمناسبة فإن مفكرا آخر هو عبد الله العروي يقترب كثيرا من فكرة العلوي في كلامه على العقل الفردي والعقلية الجماعية فهو يرى "أن العقل لا يورَث ولا يكتشَف بل يُكتسَب بالتجربة المتجددة وعقل الفرد هو حصيلة تجربة جماعية تتلخص في عقلية. ص343/ مفهوم العقل". ومع ذلك فالأمر يحتاج إلى المزيد من الفحص والتدقيق:

يمكننا أن ننحي جانبا، وفورا، احتمالات أن يكون المقصود بالعقل هو ذلك المفهوم الإنثروبولوجي العنصري القائل بتعددية وتفاضلية العقول البشرية لأنها ليست مقصودة هنا. أما إذا كان الراحل العلوي يحيل علم الإنثروبولوجيا برمته إلى هذه الأسس السلبية لأنه نشأ نشأة خاصة، لعبت فيها بعض المعطيات والعوامل التأسيسية دورا خاصا، فالأمر غير دقيق تماما. أولاً، لأنه كسائر العلوم الحديثة مرَّ بأطوار وتغيرات نوعية كبيرة ومتتابعة. وثانيا، لأننا لم نقع على ما يؤكد ان أركون كان يذهب هذا المذهب. كما يمكننا التأكيد - من خلال كتابات أركون والجابري أيضا- أن المقصود بالعقل هو المفهوم، وليس العقل الوجود الكياني "الانطولوجي" له. وسنحاول أن نوضح ذلك من خلال سلسلة من عمليات النفي التالية: إن المقصود بالعقل كمفهوم ليس العقل الأرسطي بصورتيه "العقل الهيولي" و "العقل الفعّال" بوصفهما "عقلين ثابتين خالدين مفارقين للطبيعة وللعقول الفردية معاً".

كما إنه ليس ذلك المفهوم المثالي الذي تبلور فلسفياً في تنظيرات هيغل وديكارت وكانط والذي يعتبر العقل مجموع المبادئ الصلبة المنظِّمة للمعرفة، من قبيل مبدأ عدم التناقض، والسببية، والغائية، ذات الضرورة الكلية والمستقلة عن التجربة.

وأخيرا فهو ليس ذلك المفهوم المادي البسيط، والذي يعتبر العقل عبارة صفحة بيضاء تتراكم عليها الحيثيات الحسية لتصير أفكاراً كلية بعد أن تخضع لعمليات طويلة من التركيب، لتكون في الختام انعكاسا للواقع.

العقل الفاعل والعقل السائد

وهكذا لم يعد العقل في نظر أركون، هو ذلك "المفهوم الجاري عند فلاسفة الإسلام والمسيحية والموروث عن الأفلاطونية والأرسطية، وهو القوة الخالدة المستنيرة بالعقل الفعَّال، المنيرة لسائر القـوى الإنسـانية في النشاط العرفاني، بل أقصد القوة المتطـوِّرة المتغيِّرة بتغيِّر البيئات الثقافيـة والأيديولوجية، القوة الخاضعة للتاريخية. ص 24 الإسلام، أوروبا، الغرب/ استشهد به عبد الله محمد المالكي في دراسته " بين أركون والجابري" نسخة على شبكة النت غير مرقمة".

كما أن الكلام عن العقل كمفهوم، يجرنا إلى الكلام على العقل المكوِّن " الفاعِل " والعقل المكوَّن "السائد/ المهيمن" عند أندريه لالاند، صاحب الموسوعة الفلسفية التي تحمل اسمه. ويبدو أن الجابري انتبه جيدا إلى اللبس الذي تحدث عنه العلوي الذي يثيره مصطلح "العقل"، فالمالكي الذي استشهدنا به قبل قليل، يكتب (وهذا الاستخدام المحبَّذ نجده أيضاً محبّذا عند الجابري، فهو يعترف أن مصطلح (العقل العربي) سيثير "في ذهن القارئ الفاحص لما يقرأ، أكثر من سؤال: هل هناك عقلٌ خاص بالعرب دون غيرهم؟ أو ليس العقل خاصية ذاتية للإنسان، أيّ إنسان، تميزه وتفضله عن الحيوان؟".

وخروجاً من هذه الإشكالات "يمكن تفادي مثل هذه التساؤلات لو أننا استعملنا كلمة (فكر) بدل كلمة (عقل) ليتساءل بعد ذلك "إذا كان الأمر كذلك؛ فما الذي دفع أركون والجابري إلى استعمال كلمة العقل (الإسلامي/العربي) بدلا من كلمة (الفكر)؟ الذي يبدو أن أركون والجابري وإنْ كانا يحبِّذان استخدام كلمة (الفكر)، إلا أنهما يشعران بوجود إشكالية تحيل إليها كلمة (فكر) عند استعمالها، ذلك أن كلمة (فكر) تعني – تحيل - في الاستعمال الشائع اليوم إلى مضمون هذا الفكر ومحتواه، أي إلى جملة الآراء والأفكار والمسائل المعبّر عنها في هذا الفكر. وهذا ليس موضوع أركون وليس هدفه. المالكي/ مصدر سابق".

حساب الإيجابيات

وبمقدار ما كان العلوي حادا، بل بالغ الحدة أحيانا، في نقده لمفاهيم وأفكار أركون، كان – أيضا - موضوعيا ودقيقا في إطراء وتسجيل نقاط القوة في أبحاث زميله الراحل ومن تلك النقاط والانتباهات الإيجابية التي أشار إليها العلوي نذكر الأمثلة التالية:

- يسجل العلوي نقد أركون للاستشراق الكلاسيكي السابق لظهور الحوليات والمناهج الفرنسية الحديثة، البنيوية واللسانية والتفكيكية ...الخ، المستند إلى شرعيته " شرعية الاستشراق المزعومة " مقابل نقد إدوارد سعيد للاستشراق المستند إلى شرعيته السياسية. وهنا يمكن أن نستفيض قليلا فنقول إن من نقاط الضعف والمؤاخذات المنهجية التي يسجلها أركون على الجهاز المفاهيمي الذي يدعوه بشيء من السخرية "الاستشراقي الغربي التنقيبي" يسجل إذاً، صمت هذا الجهاز والآخذين به من مستشرقين ومفكرين غربيين، على التخصصات والتفرعات والتصنيفات ذات الأبعاد والمضامين  الأيديولوجية وغير المعرفية الموروثة من العقل الإسلامي الميتافيزيقي في العصر الكلاسيكي، والتي تصادفت مع تصنيفات وتخصصات مماثلة في الغرب الأوروبي ذاته، وخصوصا في ميدانَيْ الفلسفة والثيولوجيا "علم الكلام وأصول الدين ". ولذلك دعا إلى دراسة معمقة بهدف كشف وسبر أغوار ومعرفة أسباب هذا التصادف ومعرفة ظروفه الأيديولوجية والثقافية لمعرفة وكشف التواطؤ السري. ص13 /تاريخية الفكر الإسلامي) بين علم الإسلاميات الغربي "الاستشراق " وأنماط التفكير والفرضيات والتحديدات التي رُسِخَت في الغرب من قبل الباحثين المشتغلين في علم اللاهوت والميتافيزيق المسيحي الكلاسيكي والمنهجية الفيللوجية أي "علم دراسة النصوص المقارنة" والتاريخانية، والمثال الذي ضربه أركون في هذا الميدان – لفضح النمطية المفهومية الغربية السائدة وليدة الأورومركزية - وهو الجزء الأول من كتاب "تاريخ الأدب العربي" السيئ والمعتَمَد في جامعة كمبردج يوضح مرامه بشكل دقيق وعياني.

- يسجل العلوي بأريحية أحد إنجازات أركون بقوله (الجديد في مباحث أركون دعوته للاهتمام بالثقافة الشفوية والممارسة المباشرة للإسلام أي للإسلام المعيوش والغير مكتوب فيما سماه " إسلاميات تطبيقية" ص 167 محطات)

- ويسجل أيضا (لاحظ أركون بصواب أن الإسلام كان في الماضي، أي في عصره، هو الحداثة، أما اليوم فهو تراث، إلا أنه اتجه لإلغاء مرجعية التراث. م س) والمعنى أن أركون يريد إلغاء التراث العربسلامي كمرجعية معرفية وحضارية لصالح مرجعية يسميها "غرباوية". ولكي نفهم مفردة "غرباوي/ ممالئة ومنحازة للغرب" أولى بنا مراجعة تراث العلوي المكتوب والمنشور مراجعة حية ونقدية وأبعد ما تكون عن "ذكر محاسن موتنا .." فمحاسنهم لا تحصى، ولكننا نريد أن نكون أكثر وفاء لهم فنطبق ومنهجياتهم العقلانية النقدية عليهم ونأمل أن نون قد فعلنا ذلك بشكل ما خلال محاولتنا المتواضعة في الباب الأول من هذا الكتاب.

انتهى الفصل الرابع من الباب الثالث

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

تمهيد: سادت بين هيجل وشوبنهاور علاقة عداوة وبغضاء كان الخاسر الاكبر فيها شوبنهاور في عدم إمكانيته مجاراة خصمه اللدود هيجل، وأخذ شوبنهور إستفزاز هيجل في الجامعة في محاولته تأليب الطلبة عليه في جعله توقيتات محاضراته هي في نفس مواقيت محاضرات هيجل، في مسعى تأكيد فرادته العبقرية الفلسفية وفشل بمسعاه، وأصدر كتابه الشهير (العالم إرادة وتمّثل) أراد التفلسف به، فلم يلق الكتاب أدنى إهتمام لا يستحقه أصلا إلا بعد مرور فترة طويلة من رد ألاعتبار له. وفي هذه المقالة أستكمل مناقشة بعض آراء فيلسوف الارادة شوبنهور، بعد أن تناولته بمقالة سابقة نشرت لي بعنوان (فلسفة شوبنهاور وبؤس الإرادة).

هيجل والمطلق

عندما يقول هيجل الفن والجميل هو الوجود الحسّي في المطلق. نجد كم كان هيجل عميقا في أفكاره الفلسفية الثاقبة رغم نزعته المثالية، فهو يعتبر العقل هو الروح المطلقة أو الفكرة المطلقة في إدراكها المتناهي محاولة الوصول لمرحلة أدراكها المطلق اللامتناهي، إذ يعتبر هيجل المطلق ليس مفهوما ميتافيزيقيا متواريا خلف محدودية إدراك العقل البشري أن يطاله. بل المطلق هو فكرة لا محدودة ولا متناهية في إدراكها موجودات الطبيعة بنفس آلية ممكنات إدراكها ما هو غير مادي ولا متعّين لا يدرك بالحدس الحسّي المباشر.

ولا فرق عند هيجل بين محدودية الإدراك الذاتي عن إدراك فكرة المطلق الذي لا يعتمده هيجل ولا يتعامل معه ميتافيزيقيا. ويبدو من فلسفة هيجل أنه لا يتنكر لوجهة النظر الفلسفية التي ترى الانسان وجودا وجوهرا ميتافيزيقيا لا يمكن نزعها ولا مصادرتها منه.

المطلق المدرك عقليا حسب الفهم الهيجلي هو الإمكانية غير المحدودة في إدراكها اللامتناهي في تفعيل الخيال بدلالة العقل في محاولة الوصول الى مابعد اللغة والتعالي على محدودية الادراك الحسي. وضرب هيجل مثلا على ذلك الفن والجمال بمقولته الفلسفية " أنّه الوجود الحسّي في المطلق" بمعنى الوجود الحسّي هو إدراك ذاتي ليس غايته إثبات وجود الذات الانطولوجي بالمغايرة المادية أو غير المادية الخيالية، بل هو إدراك مطلق الوجود ورغبة وصول إدراك (الانا) تخوم ما يعجز بلوغه العقل في محدوديته الإدراكية خارج بلوغ فكرة المطلق والوصول له بالعقل الخيالي لا بغيره الذي يعبر المتّعينات الكينونية التي تحّد من إنطلاقة الحس الإدراكي المحدود أنطولوجيا. فالمتصّور الخيالي للمطلق هو تحقق وجود العقل في إدراكه ألاشياء بالطبيعة وفي والكوني معا.

من المعلوم جيدا أن الوجود الحسّي لمدركات الوجود هو متناه محدود لا يتجاوز قدرة إستيعاب منظومة العقل الإدراكية للاشياء خارج أبعادها في محدودية الإدراك الحسّي لها.، وبهذه المحدودية للعقل حسّيا لا يمكنه بلوغ ما هو مطلق لا متناهي الوجود. من حيث الوجود الحسّي بحكم محدوديته الإدراكية فهو لا يأخذ منتهى مداه في فضاء اللانهائي المطلق. ولا يأخذ الوجود الحسّي منتهى إدراكه في تحققه الوجودي من غير التحليق خارج محدوديته التي تسلبه قدرة الوصول لفضاء إدراكي لامحدود.

أي حين يكون الوجود الحسّي مطلقا وجوديا لا يكون ذلك ولا يتحقق إلا في ممارسة التحليق والانطلاق خارج محدوديته الإدراكية موجودات أنطولوجية محسوسة. وبهذا تكون مقولة إسبينوزا الذي تعامل معها هيجل بمنهج إدراكيّ مفتوح تماما على جعل المطلق ممكنا حدسيا تلك هي مقولة (أن كل تحديد هو سلب)، المقولة التي تؤكد محدودية الشيء تكون سلبا في الإبقاء على بعض الصفات الإدراكية في كينونة حبيسة الإدراك المحدود على حساب تغييب جميع الصفات الايجابية التي يغتالها الوجود المحدود الذي هو سلب لا يتعايش مع الإيجاب من الصفات التي يلغيها التحديد بإعتباره سلبا. ولا يدخلان صفات السلب التي كرّستها المحدودية مع صفات الايجاب التي نزعتها نفس المحدودية من انطولوجيا الشيء المدرك في تضاد جدلي متجانس الخواص الطبيعية ليكون مبعث إستحداث حالة مستجدة..

الذات التي هي التعبير المادي لمعنى الوجود الحسّي لا يمكنها الخلاص من سجن وتقييد محدوية الوجود الإدراكي إلا عبر وسيلة التموضع في كل ماهو جميل وفي مختلف ضروب الفنون. الفنون والجمال هي مطلق وجودي إتخذ صفة الشكل والمحتوى المتعيّن إدراكيا بينما هو في حقيقته تجسيد لبلوغ الذات مراتب من تحقيق المطلق اللامتناهي غير المحدود الذي يتجاوز الحسّي الجمالي في محاولة الوصول لكل ماهو مطلق لم يدركه المحدود وجودا.

كل جميل وفن هو خلاص ناجز ل (أنا) من محدودية التعيّن الوجودي لها في بلوغها فضاءا مطلقا تحتويه ذات المتلقي التي تلازم كل معطى جمالي في الطبيعة أو مصنوعا في الفن...علما أن هيجل يعتبر الجمال الفني الابداعي المصنوع أرقى وأسمى يتجاوز المعطى الجمالي الإعجازي في نظام الطبيعة وتكويناتها التي غالبا ما تكون عابرة للخيال الفني والجمالي المصنوع.

الجمال بالفهم الهيجلي الإبداعي المصنوع ليس في محاكاة جمال الطبيعة حسب الافلاطونية القديمة، بل في الخروج على جميع تلك المواضعات المستمدة من الطبيعة، وفلسفة هيجل في خروج الجمال الفني على مواضعات جمال الطبيعة أنتجت بمرور الزمان مدارس فن التجريد الحديث. كما في أعمال كاندسكي وبراك وبيكاسو وسلفادور دالي وغيرهم.

ونستطيع القول أن هيجل بإعتباره الفن الابداعي المصنوع متجاوزا في أصالته وليس في جماليته المجردة، روح الطببيعة في إنفتاحها الفضائي غير المحدود.

هيجل إعتبر النظام الجمالي الإعجازي في الطبيعة، هو إعجازإيماني كما إعتمده سبينوزا في مذهب وحدة الوجود، الذي كان اسبينوزا يعتبر هذا الاعجاز هو الجوهر الذي يقوم عليه صانع أكبر وأكثر إفصاحا شموليا هو وجود الخالق كجوهر تعرف بدلالته الطبيعة والوجود. سبينوزا قلب مفهوم الجوهر الذي يعرف بدلالة الوجود الى أن الوجود يدرك بدلالة الجوهر.

هيجل أراد فهم مذهب وحدة الوجود فلسفيا لا دينيا ليس بدلالة الإعجاز في نظام الطبيعة كجوهر إيماني ديني بل كجوهر (مثالي) لا يكون جوهر الخالق دلالة الإعجاز فيه بل الجوهر الحقيقي في مطلق لا نهائي يدركه العقل.

الشيء الذي نستطيع البناء عليه هنا أن الطبيعة في إدراكها الحسّي هي معطى محدود بإمكانية إدراكه، بمعنى كل جمال الطبيعة في حقيقته هو سلب محدود الصفات يفقد قيمته بالتقادم الزمني خلاف الفن المصنوع الذي هو نزوع نحو بلوغ مطلق يتجدد بالاضافة واستمرار التراكم الكمي والنوعي عليه. جمال الطبيعة هو جمال إعجازي متآكل لعدم قابليته تقبّل الإضافة عليه ولا قابلية الطبيعة تجديد جمالها الإعجازي ذاتيا. جمال الطبيعة مكتف ذاتيا وثباته محكوم في محدودية السلب الادراكية لذا يكون الابداع الفني المصنوع يبقى تراكما فنيا مصنوعا عرضة دائمية في تقبّله الاضافة التجديدية النوعية عليه.. جمال الطبيعة الاعجازي يصبح ثباتا سلبيا في محدوديته الادراكية وفي تقادم الزمن عليه.

مثال ذلك اللوحة الجميلة هي وجود متعيّن وصل مراحل مطلق الوجود بدلالة ذات إدراكية تستوعبه وتتموضع ذاتيا حسّيا ونفسيا فيه خارج محدودية متعيّن اللوحة التي يشاهدها ويتأملها المتلقي بمشاعرإدراكية عابرة لمحدودية وجودها الحسّي بفهم غير متموضع في تشكيل اللوحة أو المنجز الإبداعي الجمالي التقني الفني المصنوع.

كل لوحة فنية أو متعيّن جمالي هي ذات تريد تجاوز محدوديتها الادراكية الفنية لتكون بالنسبة للمتلقي وجودا حسّيا مدركا في فضاء مطلق غير محدود. لذا نجد تأثير شيلنغ بنزعته الرومانسية، وهولدرين الشاعر الالماني الذي تقمّص حالة الجنون في محاولته كسر وجوده المحدود نحو تحقيق مرتبة متقدمة في التعالي الروحي على طريق بلوغ الوجود الحسّي في المطلق شعريا.

كان تأثير تجربة الشاعر هولدرين الفريدة هذه بعد أن تمكن منه الجنون تماما كبيرا على هيجل ومن قبله نيتشة وعلى هيدجر وفوكو فيما بعد. لقد ردد نيتشة عبارات عن الجنون متاثرا بجنون هولدرين وهو طريح الفراش في مرضه من أن حقيقة وجودنا أن نكون في قلب الجنون، وأن الجنون حقيقة وجودنا المتفق عليه مجتمعيا، وغيرها من عبارات تعتبر واقعنا المعيش وهما زائفا لا معنى له ربما يكون عالم الجنون أكثر معيارية إنسانية مغيّبة من عالمنا الذي نعيشه كوهم زائف إعتدنا عليه رغم حقيقته الاستلابية التي ينتزعها من الفرد والمجموع.

نيتشة في إنبهاره بتجربة هولدرين في تقمّصه حالة الجنون ليكون مجنونا إجتماعيا وعاقلا فيلسوفا في بحثه عن الخلاص شعريا في تجربة واقع يدركه المجنون ولا يستطيع إختباره العاقل...ما دعى نيتشة يؤمن أن عالم الجنون أكثرأصالة واقعية عقلية وصدقية من عالمنا الذي ندّعيه حقيقيا وفيه الزيف ينخره ويحكمه كل سيء وغير انساني ليتقوّض عالمنا الزائف باستمرار ألإنحدار.

شوبنهاور والمادة

حين أراد شوبنهاور قلب النزعة المادية، عمد الى الآلية الكلاسيكية المثالية في تغليب أسبقية الفكر على أسبقية المادة في محاولة توكيد فرضية إدراك الذات تسبق الوجود المادي. وعبّر عن ذلك قوله " الفيلسوف المادي يذهب بعيدا بالخطأ أن هذا العالم الخارجي هو العالم الحقيقي، ويتخيّل بصورة زائفة أن الذات التي تعرف والإرادة هما نتاج المادة، بدلا أن يفهم بصورة صحيحة أن العالم الخارجي ليس سوى تمّثل بالنسبة لذات تدين بأصلها للارادة أيضا"1.

تعقيب توضيحي

- الذات في وعيها الوجود إدراكيا لا تخلق المادة ولا تخلق أي موجود مادي بالعالم الخارجي يكون موضوع تحقق وجودها الحسّي، في محدودية ومطلق الإدراك الذي هو تجريد تصوري لغوي أخذ تموضعه في ادراكاته ليس فقط من أجل تحقيق وعي وجود الذات المدركة ، وإنما من أجل معرفة ماهيّة ما تدركه الذات من مواضيع وأشياء.

- الذات خاصّيتها الأساسية أنها تجريد يتموضع في كل الموجودات المدركة وتعي ذاتيتها تماما وتدرك الوجود من حولها ، لكنها تبقى عاجزة أن تخلق وجودا ماديا لشيء إستوفى وجوده الإدراكي تجريديا من وعي الذات.

إدراك شيء موجود باستقلالية في العالم الخارجي لا يكون موجودا في خلق الذات الادراكية المجردة لوجوده، بل الإدراك في مسعى الذات معرفته تكون من خلال علاقة تجريد إدراكي منفصلة عن الشيء المدرك كمادة.

- تموضع اللغة الإدراكية بموضوع إدراكها لا يجعل منها تكوينا ماديا ملحقا بموضوعها، ولا تخلق موضوعا مستقلا آخر نتيجة إدراكها. ماهيّة الفكر الإدراكي التجريدية لا يمكن أن تكون وتتحول في جدلية إدراكها ألمادة أن يتحول الفكر الإدراكي الى تموضع مادي يدخل تكوينه ويغادر خاصّيته التجريدية.

- تموضع الذات في المادة لا يجعل منها مادة مدركة حسّيا من غيرها كما تدرك الذات المادة في وجودها المادي المستقل في العالم الخارجي والطبيعة. الذات تبقى تجريدا إدراكيا في حال تموضعها الإدراكي في الاشياء أو في حال وعيها لذاتها وللعالم الخارجي.

- العالم الخارجي هو مصدر الإدراك ليس بسبب موجوداته المادية المتعينة إدراكيا، فعالم المخّيلة والذاكرة أيضا يكون مصدرا لإدراكات مواضيع لا حصر لها غير مادية ولا واقعية بل خيالية. ورغم تجريديته الخيالية يبقى موضوعا لإدراك يتناوله.

وإدراك الذات للعالم الخارجي لا يعني إمكانية الذات إستيلاد عالما ماديّا آخر إمتدادا له من الناحية المادية بل تبقى ذاتا منفصلة تحمل إستقلالية تامة عن موضوع إدراكها تتوخى معرفته على مستوى تعبير الفكرواللغة عنه فقط. فالإدراك العقلي غير محايد بل هو عامل جدلي لا يتوقف ولا ينتهي لكنه يبقى الإدراك جوهرا تجريديا مصدره المادة ولا ينوب هو عن المادة وجودا. ومثلما لا يحوّل الإدراك المادة الى فكر كذلك يتعذر أن تؤثر المادة بالفكر وتحويله الى مادة. العلاقة الجدلية بين الفكر والمادة هي علاقة تنتج حالة من الوجود الثالث المستحدث جدليا دونما فقدان خصائص كلا من الفكر كتجريد والمادة كوجود مادي مستقل غير عاقل.

- المادة لا تنتج أفكارا تجريدية مباشرة عنها، بل المادة في جميع تشّكلاتها وتنوعاتها وتجليّاتها إنما هي موجودات مستقلة باعثة إلادراك والتفكير بها ، والذات المدركة هي التي تنتج الافكار وليس المادة في وجودها المستقل في العالم الخارجي كما يعبّر شوبنهاور.

- الوجود المادي للاشياء في العالم الخارجي لا يعطي الإدراك أفكاره، بل المادة تكون مصدر أفكار الإدراك عن تلك المادة ويبقى الإدراك هو الإحساسات التصوّرية والتمّثلات التي تجعل من المادة موجودا يستحق الإهتمام. يبقى الإدراك تفكيرا حسّيا وتبقى المادة موجودا غير إدراكي ولا يستطيع التعبير عن نفسه.

- ماينتج عن الذات المدركة للاشياء بمغايرة صفاتية وماهوية ماديّة عنها، ليست تصورات زائفة لعالم غير حقيقي، الذات لا تكون إدراكا حقيقيا كما يرغب شوبنهور في انتاجها لعالم من التمّثلات والتصوّرات التي لا تشاكل عالم الإدراك الخارجي في وعي نعيشه حينما تكون إدراكات ذلك الوعي لا تمّثل العالم الخفي المحتجب خلف الصفات للعالم الخارجي الذي ندركه كما يرى شوبنهاور، عندها نكون بحاجة حفاظا على الإدراك العقلي أن لا يكون إنفصاما مرضيا أن نضع معايير ماهو الواقع الحقيقي الذي يمكننا إعتماده في علاقته بالذات المدركة التي أصلها إرادة كما يصفها شوبنهاور حين يكون إدراكها العالم الذي تعيشه زائفا غير حقيقي.

الفرق بين العالم المادي الحقيقي هو أنه موجودات يدركها العقل ولا تخلق وجودها الارادة، والعالم الذي يكون رديفا محايثا لعالم الواقع هو من صنع إدراك ذاتي لا يكون بالضرورة هو أفضل من عالمنا الذي نعيشه وتحكمه قوانين ثابتة.

شوبنهاور والزمان

يعبّر شوبنهاور عن علاقتنا الوجودية بالزمان على النحو التالي " إذا نحن تفحصّنا بصورة نقدية مكونات العالم الخارجي، أنظر مثلا الى الزمان ستجد كل ما يقع في العالم الخارجي يحدث في الزمان. أما الزمان فهو لا شيء سوى التعاقب، أنظر الى المكان ستجد لا شيء سوى أنه إمكانية التحديد المتبادل لأجزاء بعضها ببعض في مواضعها الخاصة، ويمكن تصور الزمان والمكان بغض النظر عن المادة، بينما لا يمكن تصور المادة بغض النظر عن الزمان والمكان"2 .

تعقيب توضيحي

-  ما هو الجديد المترتب على تعبير شوبنهاور "ستجد كل ما يحدث بالعالم يحدث بالزمان " ؟ الزمان إدراك مادي للعالم الخارجي، وليس الزمان وعاءا يحتوي موجودات العالم الخارجي كما تحتوي القربة الماء بل يلازمها بالمزامنة معها. الزمان ليس فراغا يحتوي الطبيعة وموجودات العالم، بل الزمان هو إدراك بدلالة غيره ومن غيره لا قيمة ولا فاعلية لقالبي الادراك الزمان والمكان اللذين قال بهما كانط.

- هذا العالم ندركه ماديا بدلالة الزمان - المكان ولا ندرك الزمان تجريدا منفردا إلا بدلالة مقدار حركة الموجودات مكانيا فقط. المكان ليس مدركا ماديا لا يداخله الزمان وجودا. فالمكان في كل تحولاته وإنتقالاته الحركية هو إدراك زماني. وحين أضاف انشتاين الزمن بعدا رابعا للمادة، إنما يكون تعليل ذلك المهم من الناحية الفيزيائية العلمية إثبات حقيقة أنه لا يمكن إدراكنا المادة مكانيا مجرّدة عن زمانيتها.

كل مادة أبعادها الانطولوجية ثلاث هي الطول والعرض والارتفاع. لكنما بعد إضافة أنشتاين الزمن كبعد رابع للمادة فهو بذلك يؤكد إستحالة إدراك المادة بأبعادها الثلاث الطول والعرض والارتفاع مجردة من بعدها الرابع الزمن الذي هو غير مادي ولا يدخل في تكوين المادة بل هو (إدراك) تجريدي للعقل لا يقوم إلا في تزامن زماني للمكان.

- الزمان هو حركة قياس مقدار حركة جسم وليس تعاقبات متتالية في رصدها الوجود المكاني كما عبّر عنه شوبنهاور. عندما نقول مكان يعني أننا ندرك موجودا (زمكانيا) لا يمكن الفصل بينهما. الزمان وحدة كلية تداخل كل شيء مكانيا حين نقول شجرة ، منضدة فنحن نقصد إدركنا شيئا معيّنا يداخله المكان والزمان معا. الزمان لا يدرك من غير دلالة وجود أو حركة مكانية. والمكان يدرك ماديّا بدلالة زمان غير مادي يداخل وجوده المكاني بالحركة.

بالعودة الى تعبير شوبنهاور بدلالة ماذا يتاح لنا إدراك الزمكان لوجود الشيء؟ حسب تعبير شوبنهاور " يمكننا إدراك الزمان والمكان بغض النظر عن المادة ، بينما لا يمكن تصور المادة من دونهما " الشطر الثاني من العبارة لا يمكننا إدراك الزمان والمكان من دون المادة صحيحا.

 ويبقى التساؤل (الساذج) المشروع بدلالة ماذا ندرك الزمان والمكان بغياب الإدراك المادي الحركي للاشياء،؟ حين يقول شوبنهاور" يمكننا إدراك الزمان والمكان بغض النظر عن المادة" كيف نفهم الزمكان تجريدان ندركهما بدلالة لا شيء مادي؟ الزمان والمكان إدراك مادي وليسا تجريدين لامعنى لهما ولا نستطيع إدراكهما لا منفصلين ولا متحّدين بغير دلالة تلازم وجود حركة جسم فيهما.

- لا يمكننا حدس ما هو مجرد غير مادي بإدراك لا مادي، بمعنى الإدراك لا يدرك نفسه. بل هو جدل فاعل بين مادة وفكر. الزمان والمكان قالبا إدراك مركوزان بالعقل فطريا بالولادة حسب تعبير كانط، ومن دون قالبي الزمان والمكان يتعّطل إدراك العقل نهائيا. قالبا الزمان والمكان بضوء فلسفة كانط هما قالبان تجريديان محفوظان بالعقل، ومن غير وجود موضوع مادي يدركانه لا قيمة معرفية لهما، ولا قدرة إفصاحية لهما ندركهما بها غير ملازمة وجود المادة لهما كموضوع يدركانه. فقط إرادة شوبنهاور تدرك الزمكان من غيرمقدار حركة مادة.

الادراك والارادة

فلسفة شوبنهاور في مجملها تقوم على فرضيته الانسان كينونة وجودية عاقلة تحكمها الإرادة. وليس خاصّية الانسان الفطرية النوعية أنه عقل يدرك يتساءل يفّكر. هذه الخاصّية تحكم الانسان أنه موجود يعايش الطبيعة ويتمايز عنها بخصائص عديدة لعل في مقدمتها ضرورة أن يعي وأن يعرف وأن يكون.

يعبّر شوبنهاور في دوران وجود الانسان المحكوم بالدوران المركزي حول تفعيل دور الإرادة قوله " إذا لم تكن لديك رغبات – مبعثها الارادة – فانك لا تكلف نفسك عناء إدراك أي شيء على الإطلاق"3.

ثمة العديد من مفردات فلسفية متداخلة يمكننا إشراكها برابط واحد تشكّل منظومة العقل الإدراكية، وهي حلقات تجريدية لا نفهمها منفصلة بإستقلالية، هي ألادراك ، الوعي، الفكر، اللغة ، الذاكرة ، المخيّلة، الدماغ، وأخيرا الارادة، التي هي المفردة التجريدية الوحيدة التي تكون ترجمتها التجريدية هي سلوك نفسي مهمته تنفيذ إشباع رغبات وحاجات بيولوجية نفسية. ألمهم يبقى السؤال هل الإدراك مبعثه الإرادة، أم مبعثه الإحساسات الصادرة عن موجودات العالم الخارجي التي هي مادية؟ كل تجريد إدراكي يكون مبعثه المادة في وجودها المستقل وليس رغبات الانسان النفسية التي تحركها الإرادة، وفي إنعدام أو غياب المادة كموجود مدرك لا تكون هناك عملية إدراك عقلية. وحين يعتبر شوبنهاور أسبقية الإرادة في تحقق ردود الأفعال الإدراكية، وأنه من دون الإرادة تكون هذه الحلقات الإدراكية لا معنى لها ولا تعّبر عن شيء إنما هو عين الخطأ.

الادراك الحسّي أولى خطوات المعرفة لشيء في نقله الإحساسات الصادرة عن موجودات العالم الخارجي، كتداعيات تنطبع بالذهن في طريق عبورها عبر الجملة العصبية الواصلة الى الدماغ وتحديدا المخ، الذي يتم فيه تحويل إنطباعات الذهن العشوائية الواردة الى أفكار عقلية إنعكاسية إسترجاعية تمّثل ردود أفعال الإيعازات الصادرة عن الدماغ المنقولة للذهن الذي يتوزّعه الوعي وتعبير الفكر واللغة ومخزون الذاكرة والمخّيلة. الإرادة ليست حسما عقليا في مصادرة أن تكون هي الباعث التحفيزي الاولي الأسبق لهذه الحلقات الادراكية التجريدية المرتبطة بمنظومة تفكير العقل. وبخلاف شوبنهاور نقول الإرادة ليست مصدر تحفيز حلقات الإدراك للعمل وفي غياب الإرادة تنعدم رغبة الادراك. إدراك العالم الخارجي ليست رغبة تبتدعها الإرادة، بل هي فطرة انسانية، والوجود والطبيعة وما وراءهما هي حوافز لتفعيل الإدراك وليست الإرادة بإعتبارها شعورا نفسّيا لا يحكم العقل بألإدراك.

***

علي محمد اليوسف / الموصل

...................

الهوامش:

1. وليم رايت /تاريخ الفلسفة الحديثة /ت :محمود سيد احمد / مراجعة وتقديم امام عبد الفتاح امام ص 356

2. نفسه ص 357 /3. ص 351

قانون عدم التناقض هو أحد أهم القوانين الثلاثة في المنطق. طبقا لهذا القانون، اذا كان شيئا ما صحيحا عندئذ فان النقيض له هو زائف، مثلا، اذا كان الحيوان (س) قطة، فان نفس الحيوان لا يمكن ان يكون الاّ قطة. هذا هو التعريف البسيط للقانون حيث يشير الى ان الاشياء لايمكن ان تكون ولا تكون في نفس الوقت وبنفس الطريقة.

لماذا أهمية قانون عدم التناقض؟

انه مهم لأنه الوسيلة الرئيسية التي تسمح لنا لنفكر ونتحدث بطرق ذات معنى. بدونه، سيكون من الصعب الاتفاق على أي شيء او الثقة بما نعرف، على سبيل المثال، اذا انت لا تستطيع الجزم بحقيقة ان باب غرفتك اما مفتوح او مغلق، انت ستُصاب بالحيرة كونك لا تعرف ماذا تعمل. هذا القانون يجعل محادثاتنا وتعليمنا تحت السيطرة. في تعلّم التاريخ، لو كانت الأحداث تحدث ولا تحدث في نفس الوقت وبنفس الطريقة عندئذ سوف لن نتأكد ابدا مما يحدث حقا، او اذا كانت التجربة تعطي نتائج صحيحة وغير صحيحة عندئذ نحن سوف لا نستطيع الثقة باستنتاجاتنا لعمل دواء جديد او تكنلوجيا جديدة.

لاحظ أرسطو (384-322Bc) في ميتافيزيقاه ان الفلاسفة يدرسون الوجود او الواقع على المستوى العام، ولكي يقوموا بهذا هم يحتاجون لإستعمال المنطق، ولكي يستعملوا المنطق يجب ان يكونوا واضحين جدا حول مبادئ معينة في المنطق تسمح بحدوث أي فهم. يعتقد ارسطو ان قانون عدم التناقض هو الأكثر اهمية. صيغة القانون تتعلق بالأشياء التي توجد في العالم وليس حول عقائدنا بشأن العالم او الجُمل التي نستعملها لوصفه. هذه الصيغة لقانون عدم التناقض جرى استعمالها الى جانب قانون الهوية وقانون الوسط المستبعد ليشكلوا مبادئ اساسية لم يتم إثباتها، يجادل الجميع حولها وربما تتوقف عليها أي رؤية متماسكة للواقع.

بالطبع، بعض الفلاسفة على مر التاريخ لم يوافقوا على قانون ارسطو في عدم التناقض مثل هيرقليطس وهيجل والقس غراهام الذين اعتقدوا ان هناك بعض التناقضات الصحيحة (1). لكن هناك فيلسوف شهير جرى تجاهله وهو من أشد المعارضين لقانون عدم التناقض وهو الفيلسوف الألماني شيلينغ F.W.J.Schelling (1775-1854). في كتابه (عصور العالم، ترجمة دار Suny press) يجادل شيلينغ بانه سوف لن تكون هناك حياة او واقع او حركة او تقدّم بدون تناقضات واقعية. الادّعاءات والحجج التي يعرضها شيلينغ ان كانت مقنعة ستتطلب مراجعة لتصوراتنا الأساسية للمنطق والواقع. من بين هذه الحجج:

1- يلاحظ شيلينغ ان الناس "يبدو لديهم كراهية للتناقض أكثر من أي شيء آخر في الحياة"، هو يقول، التناقض يجبر الناس على فعل معين بعد بذل الكثير من الجهد "لإخفائه عن أنفسهم ولإبعاد اللحظة التي يجب التصرف فيها في مسائل الحياة والموت". ومن الملاحظ ان شيلينغ يطبّق هذا التحليل على قانون عدم التناقض ذاته. مدّعيا بانه تم استخدام القانون دون جدوى للهروب مما يفترضه مسبقا."لقد جرى البحث عن راحة مماثلة في المعرفة من خلال تفسير قانون التناقض والذي لا ينبغي ان يكون هناك تناقضا أبدا. كيف يمكن لأحد وضع قانون لشيء ما دون ان يكون موجودا؟ عندما يُعرف ان التناقض لا يمكن ان يكون، يجب ان يُعرف انه مع ذلك يمكن ان يكون بطريقة معينة. والاّ كيف يجب ان يبدو "ما لا يمكن ان يكون" وكيف يمكن للقانون ان يثبت نفسه، أي، يثبت انه صحيح؟

2-  شيلينغ يطبّق هذه الرؤية على الله. اذا كان الله السبب الأول لكل ما موجود، والتناقض هو ما يجبر على اتخاذ فعل، عندئذ فان الله يجب ان يكون تناقضا من نوع ما. وفوق كل ذلك، اذا كان الله وحدة متناغمة عندئذ فان الله "سيبقى هكذا" طالما "لا يمكن فهم تحولا من الوحدة الى التناقض". هو يوضح: "كيف يجب لمنْ هو ذاته واحد، وكُلّي وتام يرغب بالخروج من هذا السلام؟ التحول من التناقض الى الوحدة هو طبيعي، لأن التناقض غير مريح وصعب لكل شيء، وكل شيء يجد نفسه فيه سوف لن يستقر حتى يجد الوحدة التي تتغلب عليه او تتوافق معه". وهكذا يجادل شيلينغ ان الله "ليس في تناقض بالصدفة ولا هو في تناقض يمكن نقله من الخارج (طالما لا شيء هناك خارجه). بل، انه تناقض ضروري، برز في نفس الوقت مع وجوده، وبالتالي، هو ذاته وجوده. لذا فان كل ما يتبع من الله يتبع من التناقض، وفي الحقيقة، "كل الحياة تمر من خلال نيران التناقض. التناقض هو آلية القوة والتي هي أساس الحياة وعمقها".

لذا بالنسبة لأرسطو، يجب على الفيلسوف ان يطيع قانون عدم التناقض الذي لا يمكن اثباته اذا كان يريد النجاح في البحث عن الحكمة. شيلينغ يعرض رؤية اخرى لعلاقة الفيلسوف بالتناقض. هو يكتب: "التناقض الذي نتصوره هنا هو ينبوع الحياة الأبدية. بناء هذا التناقض هو أعلى مهمة للعلم ... وبالتالي، نحن ايضا لا نرفض التناقض. في الحقيقة، نحن نسعى لفهمه جيدا بتفاصيله".

لكن كيف يمكننا "فهم" التناقضات؟ طبقا لشيلينغ نحن لدينا قدرة بواسطتها نستطيع التفكير ونربط الأشياء مع بعضها حتى تلك المتناقضة هذه القدرة تسمى الخيال" (كتابه: نظام المثالية المتعالية، مطبوعات جامعة فرجينيا، ص230).

هاتان الرؤيتان مختلفتان جدا ولذلك فان السؤال عن مدى اختلافهما او انسجامهما الجزئي لابد ان يساعدنا في التحقيق في أعماق الفلسفة ذاتها.

***

حاتم حميد محسن

...................

المصدر:

Philosophy contradiction, philosophical Eggs, Jan 4,2017

الهوامش

 (1) حتى عندما يبدو القانون صريحا وواضحا، تسائل المفكرون عبر التاريخ ان كانت هناك حالات تكون فيها الاشياء أكثر تعقيدا. مثلا، في عالم الجسيمات الدقيقة في فيزياء الكوانتم، الاشياء تبدو متناقضة، وهو ما يدفع البعض للاعتقاد بوجود قواعد خاصة لمثل هذه الحالات. وفي نوع من المنطق المتناقض paraconsistent logic تصبح بعض التناقضات سليمة.

 

لا شكّ في أن القارئ المتابع لخطاب الدكتور الرفاعي الآخذ من حيث المبدأ بأسباب العلم ومناهجه الحديثة على صعيد المقدمات قد يجد صعوبة في التوفيق بين الجانب العقلي القائم على أساس الإيمان بالعلم ومنجزاته، وبين هذا الجانب الميتافيزيقي ذي الطبيعة العقائدية الغيبية التي يراد له أن يكون جزءا أصيلًا فيها، وليس ملحقًا بها أو موازيًا لها، وعلى نحو يختلف عن الحال التي تكون فيها "الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة" في خطاب ابن رشد العقلاني، الذي يقول فيه إن هناك حقيقتين شرعية، وأخرى فلسفية، وأن "الحق لا يضادُّ الحقَّ، بل يوافقه ويشهد له"، بينما يجري التأكيد في علم كلام الدكتور الرفاعي الجديد على أن "الحقيقة واحدة، إلا أنها نسبية في معرفتها". على الرغم من الاعتراف باختلاف الحقائق العلمية عن الحقائق الميتافيزيقية الغيبية. 

ونحن نعرف ما ذكره أبو حامد الغزالي قبل ذلك في (المنقذ من الضلال) من أن "كلام الأوائل في الرياضيات برهاني، وفي الإلهيات تخميني" في حين أن الفلسفة اليونانية، ومنها فلسفة أفلاطون المثالية، التي اعتمد عليها الغزالي بشكل غير مباشر عن طريق ابن سينا والفارابي، قد أوضحت من قبل الكيفية التي تكون فيها قيمةُ العلوم بشكل عام، والرياضيات منها بشكل خاص، تكمن حصرًا في التخلص من المحسوس؛ ومن ثم فإن لها طابعًا تربويًا يعلم الفكر كيف لا يستكين إلى تناقضات الإدراك الحسي ومتطلبات اللغة العادية والتي لا يمكن للفكر أن يظل معها رهينَ القضايا الفرضية غير المبررة، بل ينبغي عليه أن يبلغ مستوى المبدأ الأول والنهائي لكل شيء.            

والطريقة التي يجري فيها حلُّ مثل هذا الإشكال عند صاحب المقدمة الفقهية الجديدة تبقى ذاتَ طبيعة عقائدية صارمة، ولكنها لا تخلو من روح شعري تصوفي في طريقة عرضها والتغني بكيفية الإحساس بها وتذوقها لدى المؤمنين بها من أمثاله.

 "كل بصيرة صافية تتذوق عذوبة صوت الله في الوحي، ويتكشف لها جمال تجليات الأسماء الإلهية. أرى الوحيَ قبسَ نور إلهي تجّلى في شخصيات أصيلة صادقة تتفرد بيقظتها الروحية، وأشرق على أرواح ساطعة كالمرآة المصقولة، فشعّ ضوؤها على الناس". وذلك نابع من فهم الدكتور الرفاعي للوحي الذي يتلخص في أنه: "حالة وجودية، إلهية بشرية / بشرية إلهية. حالة ينكشف فيها الإلهي للبشري عندما يتجلى فيه. حالةٌ لا تتحقق فيها هذه الدرجة من الانكشاف لغير النبي. حالة يصير البشري مرآة يتجلى فيها الإلهيُّ بأجلى وأجمل ما يتجلى في الوجود. حالة تمثّل طورًا وجوديا يختص به النبي، تحظى فيها روح النبي بمنزلة وجودية لا تدركها غيرها، إذ تسمو الروحُ في هذه المنزلة لتصير نورا لا يشوبه ظلام". 

والرفاعي يضع، بالحديث عن هذا النور، والمنزلة الوجودية التي تحظى بها روح النبي دون غيرها من أرواح الخلق بهذه الكيفية، برزخًا يمنع الاقتراب من المحظور المقدس الخاص بمفهوم الوحي، ومن أية محاولة لتفسيره تفسيرًا تاريخيًا. وهو، بهذا، لا يتناقض بالضرورة مع العلم قدر تجاوزه، أو تجاوز قدرتنا على فهمه. فالروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.

وروح محمد النبي هي المنطقة السريّة المختارة التي انكشف فيها الإلهي للبشري، واكتسب النص القرآني من خلالها صورتَه المقدسة وخصوصية كلماته الموجّهة للبشر مع عجزهم عن الإتيان بمثلها. وإذا أضفنا إلى ذلك صعوبة أخرى تتمثل في المسحة العرفانية أو ما يسميه الدكتور الرفاعي بـ (التصوف المعرفي) الذي "أعاد الاعتبار للذات المستلبة، والعالم الجواني المطموس للشخص البشري"، والذي يؤلف ما يشبه طبقة الحرير الرقيقة التي تغطي بعض المناطق الخشنة في نسيج هذا الخطاب تبيّن لنا جانبُه الاستثنائي الذي يريد أن يدشّن عهدًا جديدًا يدخل فيه علمُ الكلام القديم إلى قلب العالم الحديث بروح وفكر آخر قادر على تجاوز مشكلات الماضي، واستيعاب متطلبات الحاضر وقيمه المادية والميتافيزيقية، بكل ما تنطوي عليه من تركيب وتعقيد وأسئلة لا يمكن وضع إجابة نهائية للكثير منها.

 ذلك أن الاتجاه الصوفي وما يرتبط به من سلوك وممارسات خاصة يظل حلًا فرديًا لا يخلو من جوانب سلبية تترافق مع الانسحاب إلى الداخل للاهتمام بالذات والعلاقة مع الله، بصرف النظر عما يرافق ذلك من نقاء وسمو روحي وأخلاقي. وما كان يقوله ابنُ رشد عن الصوفية في كتابه (الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملّة) يؤكد هذا المعنى ويقويه: "وأما الصوفية، فطرقُهم في النظر ليست طرقًا نظرية، أعني مركبة من مقدمات وأقيسة، وإنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يلقى في النفس عند تجردها من العوارض الشهوانية وإقبالها بالفكرة على المطلوب.."؛ وهو يضيف: "إن هذه الطرق وإن سلّمنا وجودها، فإنها ليست عامة للناس بما هم ناس.."

لغة المتصوف ولغة المؤرخ ودارس الفلسفة

خطاب الدكتور الرفاعي بهذا الشأن، كما عرضنا جانبا منه، يبدو في بعض جوانبه، أقربَ إلى لغة المتصوف منه إلى دقة المؤرخ، أو الباحث في ابيستمولوجيا الدين وفلسفته الكلامية. وهو أمر طبيعي بالنسبة إلى رجل دين مثقف يحمل مشروعا دعويا منفتحا على آفاق عصره وقراءة ما ينطوي عليه من تناقضات وصعوبات لا يمكن الاقتراب منها وحلّ إشكالاتها بغير وجود الإكسير الروحي والديني الذي جرى حجبه والتعتيم عليه في كثير من المشاريع الفلسفية والفكرية السائدة، والتي زاد وجود التكنولوجيا في الحياة الاجتماعية الحديثة الوضعَ الإنساني تعقيدا واغترابا على المستويين النفسي والأنطولوجي.

وقد أشارت الباحثة التونسية الدكتورة إيمان المخينيني في الفصل الذي قرأت فيه مدونة الدكتور الرفاعي الكلامية قراءة شاملة في كتابها (في تأويلية علم الكلام، قراءة زمانية مركبة) إلى مثل هذه الصعوبة التي رأت في خلاصتها أن "هاجس روحنة التجربة العقدية يطغى في مقاربة الرفاعي على هاجس العقلنة. وهو ما يضاعف من صعوبة الاضطلاع بمهمة التأسيس النظري للمشروع اللاهوتي الجديد وبمهمة تقريبها تداوليا وتفعيلها إجرائيًا".                                                                                                               

أما فيما يتصل بالزمانية (المركّبة) لمدونة الرفاعي الكلامية في هذه القراءة، فتظهر "أن في الزمان الطبيعي – الكوزمولوجي والزمان الأنطولوجي تمييزًا بين سرديتين زمانيتين، أولاهما أداتها القيس، وثانيهما أداتها الرمز، وضمنها ينتمي الزمن الدينيّ."، والإشكال عندئذٍ لدى هذه الباحثة يتمثّل في أن "تمييز الزمن المقدس عن غيره من طبقات الزمان يتطلب تأصيلا نظريا بالغ الدقة اصطلاحيًا. وهو ما لم نقف عليه في المدونة. ولعله أن يكون مجال بحث مختص، يفتح على امتداد مفهوم الزمان وأبعاد حضوره واستحضاره في سياق المشروع الكلامي الجديد الذي هو بصدد التشكْل". 

في حين أن الدكتور الرفاعي يشير في أكثر من موضع من كتابه عن علم الكلام الجديد إلى الكيفية التي لا يصح فيها تطبيق مناهج البحث العلمي في اكتشاف ذات الحقائق الميتافيزيقية، وما هو خارج عن الطبيعة مثل الوحي بوصفه حقيقة غيبية ينتمي إلى ما بعد الطبيعة، لذلك لا يصح تطبيق مناهج وأدوات علم النفس وغيره من العلوم في الكشف عن ذات الغيب وتحليل مضمونه ومعرفة حقيقته.                    

 والدكتورة إيمان نفسها تقول، بلغتها التأويلية الزمانية المركبة، أن الأمر قد لا يكون بالسهولة، ولا بالبداهة التي نتوهمها حين يطرح سؤال الزمان بكل شحنته الإشكالية المعقّدة، "فأية زمانية تأويلية يمكن أن تحتوي الواقع في قطبيّات مفاهيمية شائكة، قد لا تؤدي فقط إلى تشويش صفاء عقلنته أو خلخلة ركائز أنسنته المنشودة، إنما إلى جانب ذلك قد يؤدي الاستكشاف الفلسفي العميق إلى التساؤل عن قدرة الخطاب الكلامي الجديد على استيعاب رهانات مطلب الزمانية المركبة والاستجابة له. فإن تعذر ذلك، بقيَ متزمّنا في لحظة إنتاجه، عاجزا عن أن يفيض عليها أو يثريها بلحظات حاضرية الماضي وحضارية المستقبل". والوحي، كما يقول الرفاعي في أكثر من مكان، وعلى نحو فيه تفصيل ووضوح يشير إلى مدى ثبات قناعته، وتسليمه الذي لا يتزعزع بحقيقته المقدسة، "صلة بين عالَم الغيب وعالَم الشهادة تصيّرُ النبي شاهدا للغيب. إنها نحو ظهور للإلهي يتجلى على مرآة البشري، وان كان النبي بوصفه بشرًا يلبث على انتمائه لعالمنا، ولا يفتقد بصلته بالغيب كونَه إنسانا يعيش في الأرض".

وهذا الوضع الإلهي والبشري المزدوج الذي يتمتع به النبي محمد (ص) دون غيره، هو ما يهمّ الدكتور الرفاعي التأكيد عليه وبيانه المرةَ بعد المرة: "النبي من جهة الوحي يشهد عالَم الغيب والشهادة، وبوصفه بشرا يحتفظ بحضوره في عالَم الشهادة، أي يحتفظ بطبيعته التي يشترك فيها مع الكل وتنعكس فيه بشريتُه. ما هو مرآة عالَم الغيب الوحيُ الإلهي، وما يعكس عالم الشهادة الطبيعةُ البشرية، وهذا ما ينكشف بوضوح في القرآن: (قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليَّ).            

وربما لزم أن نذكر هنا أيضًا أن مقدمة الشيخ الرفاعي على علم الكلام الجديد لا تدخل في تفاصيل العلم القديم، ولا تبيّن ما كان لبعض رجاله من آراء ومقالات ومصادرات على آراء معينة لخصومهم أو تطور شهدته بعض مقالاتهم نفسها، والمآلات التراجيدية الحزينة التي انتهت إليها نصوصهم مع أصحابها. مع العلم أن الباحث المعاصر في الفكر الإسلامي على العموم، وفي علم الكلام على الخصوص، يفتقد، كما يقول الدكتور محمد عابد الجابري: "المصادر الأولى، ولا يتوفر في الغالب، على فكر الرواد الأوائل سوى على ما نقلته عنهم أو نسبته إليهم كتبُ الفرق، وهي متأخرة بقرنين أو أكثر"  

  ولعلّ ما يفسر ذلك هو أن تركيز الدكتور الرفاعي في حديثه عن علم الكلام الجديد يجري على المنهج الذي يهدف إلى البرهنة على ما في الرؤية الدينية الجديدة المركبة من خصوبة وقدرة على دمج الجزئي بالكلي، والمادي بالمجرد. وهو لا يقوم بعرض هذا المنهج بطريقة مجردة، وإنما يبسط فيه، عبر مدونة كتبه وأبحاثه المختلفة، تاريخًا مجملًا للتطور الفكري الذي أدى إلى فشل علم الكلام القديم منذ نشأته الأولى، أو ما وصلنا منه، والحديث المتكئ عليه في تحقيق أغراضه الدينية والأخلاقية الخاصة بسعادة الإنسان وشعوره بالتكامل والانسجام الداخلي مع نفسه ومع خالقه في المجتمعات القديمة والحديثة.                                

قضية خلق القران في المباحث الكلامية المعاصرة

فكرة خلق القرآن المعتمدة على بعض المقولات الكلامية القديمة، واحدة من تلك الأفكار التي تعرضت مع الزمن للإفقار والتحويل. و"من يقرأ ما كتبه مؤرخو الفرق ومنظرو المذاهب، وجميعهم ينتمون إلى القرن الرابع الهجري والقرون التالية له، يجد نفسه أمام نقاش حول المسألة تطغى فيه الناحية العقدية، أي على ما يترتب عن القول بخلق القرآن أو قدمه من نتائج على مستوى تصوّر الذات الإلهية، وما يجب لله سبحانه من التوحيد والتنزيه، أما مضمونها السياسي فقد غيّب تمامًا"، كما يقول الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه عن المثقفين في الحضارة العربية الإسلامية.

وهي قضية تعرضت إلى سوء الفهم لدى توظيفها في زمنها توظيفا سياسيًا وأيديولوجيًا متعارضًا، وتشبه من بعض الوجوه قضية الوحي التي تحدثنا عنه في مقال سابق، والذي إذا تركنا جانبًا مجملَ ما كتبه المستشرقون فيها، حيث يجري الميل عندهم إلى التفسير التاريخي الذي ينفي، في غاياته البريئة أو المقصودة، التدخلَ الإلهي المباشر، فإننا نرى أن عددا متزايدا من الكتاب  العرب ينخرطون في بحث قضية الوحي، على نحو لا يختلف كثيرا عما نقرأه في المدونة الاستشراقية المتصلة بهذا الشأن، مع ما قد تتضمنه كتاباتهم من خصوصية تجعل باحثا جزائريا مثل الدكتور محمد أركون، على سبيل المثال، يذهب "إلى زحزحة مفهوم الوحي وتجاوزه، أقصد: زحزحة وتجاوز التصوّر الساذج والتقليدي الذي قدّمته الأنظمة اللاهوتية عنه. نحن نريد أن نزحزحه باتجاه فهم أكثر محسوسية وموضوعية ولكن ليس اختزاليًّا" 

في حين يرى نصر حامد أبو زيد في كتابه (مفهوم النص)، في الوحي عمليةَ اتصال (ترميزية) تعبر عن نظام لغوي بين مرسِل هو الله سبحانه وتعالى، ومستقبِل هو النبي صلوات الله عليه. وهو يتساءل عن كيفية حدوث الاتصال بينهما وهما من "مرتبة وجودية" مختلفة، ويحاول أن يسلك للإجابة على ذلك منهجا مختلفا، لسانيا، وأدبيًا، ودلاليا، باعتبار أن النص "في حقيقته وجوهره منتج ثقافي .. تشكّل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما"  

بينما انشغل الباحث التونسي الدكتور هشام جعيط ببحث العلاقة بين الإنساني والإلهي في أكثر من كتاب من كتبه ليبيّن أنّ الوحي الصائر (قرآنا) يأتي النبيَ (ص) بواسطة جبريل، وأنه ما كان ممكنا أن يتجلى الله سبحانه له. والدكتور هشام جعيط يقارن في ذلك بين الوحي لدى أنبياء بني إسرائيل، ولدى النبي محمد (ص) بواسطة جبريل، وأنه ما كان ممكنا أن يتجلى الله سبحانه بنفسه لنبيّه الكريم. وهو يقارن في ذلك بين الوحي لدى أنبياء بني إسرائيل، ولدى النبي محمد (ص)، فيلاحظ شبها بالخصوص بين النبي موسى والنبي محمد من هذه الجهة.

 وواضح لنا ما يرافق كلام الباحثين العرب المسلمين من تحرّج وحذر وتردد بين الإيمان بصدقية الوحي وقدسيته غير القابلة للنقاش، وبين التشكيك الذي يسلك بعضُ هؤلاء الباحثين فيه طرقًا ملتوية، ملتبسة، مجمجمة، على توسلها المزعوم بالموضوعية والعلم، مع أن أسبابها تبقى مفهومة، بينة؛ وهي نقض الأساس الديني الذي يقوم على حقيقة الوحي، وعدم التسليم بقدسية النص القرآني المرتبط به، والتي لا قيمة لهذا النص دون توفرها.

وكما يقول الباحث المغربي عبد الواحد أية الزين، فإن من شأن البحث عن الوحي أن "يعرض الباحثَ الجاد المحسوب على الثقافة العربية الإسلامية لغربة وجودية داخل المخيال الجماعي للأمة، في حالة قرر مساءلة تاريخه في بداهاته ومسبقاته، ولعل الوحي إحداها، إذ ما الذي يمكن أن يقوله الإنسان بصدده وهو قُتِلَ قرآنا وحديثًا وفقهًا.."

والدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي لا يكلّف نفسه مؤونة عرض كل هذه الآراء ولا مناقشة أصحابها منافشة تفصيلية، يكتفي في كتابة مقدمة في علم الكلام الجديد، بالإشارة إلى جانبي التفسير التاريخي والميتافيزيقي لمفهوم الوحي، ويعكف على إعادة تعريف جذري لمفهوم النبوة من أجل بناء مفهوم الوحي من خلالها، وليكون بالإمكان إعادة بناء صورة الله وصفاته وأفعاله، ونمط صلته بالإنسان، وصلة الإنسان به، وحدود تدخله في حرية الإنسان واختياراته في انتاج علومه ومعارفه، وتنظيم حياته، وإدارة مختلف علاقاته. والكيفية التي يمكن للتعريف الخاطئ للنبوة والوحي المرتبط بها في علم الكلام القديم أن يكون عامل إعاقة لتطور العلم والمعرفة، حين يتخطى هذا التعريف حدوده، فيستولي على المعرفة والثقافة في معاش الناس ومعادهم. (33)           

والنقطة المنهجية المفقودة في خطاب المرجفين والمشككين القدماء والجدد كليهما في هذا الشأن، تبقى هي الخلط بين الوسائل والغايات. ذلك أن دور العلم والوسائل العلمية المرتبطة به يقتصر على تهيئة العقل لما هو أرفع وأكثر سموّا في إدراك الغاية من وجود البشر على هذه الأرض، في حين أن العلم الحقيقي هو الذي يقول الوجود في كليته، ولا يقف عند حدّ ملاحظة ضبط العلم في نفسه وتكامله في ذاته. وبلوغ المؤمن مرحلة اليقين في الإسلام لا يتم إلا عبر التسليم بقدسية الوحي النبوي، والصلة الاستثنائية للبشري بالإهي، والإلهي بالبشري، على النحو الذي بيّنه الشيخُ الرفاعي في الفقرة السابقة. وما يقوله علم الكلام الجديد عند الرفاعي من أن "النبي ليس شاعرًا، ولا كاهنا، ولا متنبئا، ولا متأملا يقوده تفكيره لمقام النبوة" هو الرد المباشر والضمني على آراء من هذا النوع ذكر بعضها ولم يذكر البعض الآخر، كما يشير: "النبيُّ نبيٌّ وكفى. لا يتمثل الوحيُ بمشاهدة النبي لأحلام في النوم، أو صور ينسجها خيال النبي، أو حالة نفسية، أو محصلة ارتياض صبور، أو تأملات عقلية. التفسيرات من هذا النوع تهبط بمقامه، ولا تنتبه للتكامل الوجودي الذي تسامى إليه النبي وانفرد فيه. الوحي حقيقة أصيلة تعكس تكاملا في وجود مَن يتلقاه، وتكشف عن صلة وجودية استثنائية بالله".

 وواضح هنا أن مشاهدة "الأحلام" في النوم، والصور التي ينسجها "خيال النبي"، و"التأملات العقلية"، و"الحالة النفسية"، وما يقرب منها ويتصل بها هي الخلاصة التي يدور حولها ما يقوله المشككون من عرب وأجانب في تفسير نبوّة النبي بطرق وتعبيرات مختلفة تهدف إلى إنزال السماوي إلى الواقع التاريخي المحسوس. وهو، كما ألمعنا إلى ذلك، شرط قبلي حاسم في المدونة الكلامية الجديدة، على الرغم مما يمكن أن يثيره من مشكلات نظرية وإجرائية.  

والدكتور الرفاعي يعقد مبحثا خاصًا لعرض ومناقشة "الرؤى الرسولية" للدكتور عبد الكريم سروش، لكي يظهر مدى تهافتها وعجزها عن إدراك حقيقة النبوة التي لا يمكن أن يبلغ مرتبتها إلا من تسامت كينونته الوجودية وتحقق بكمال استثنائي يؤهله للمقام الإلهي، وأن الأحلام التي يريد هذا الباحث الإيراني أن يفسر بها ما ورد في القرآن من مشاهد القيامة وقصص الأنبياء وغيرها، لم يكن النبي محمد (ص) ناقلا لأخبار تلقاها، بل كانت أحلاما ورؤى وقعت له وشاهدها مباشرة في منامه!

و(القول الثقيل) الذي عجزت الجبال عن حمله واستطاع نبيُّ الإسلام الاطلاع به وتبليغه لا يمكن أن يتحول إلى مجرد حلم أو رؤيا يراها النائم في المنام. والمبحث الذي يعقده الرفاعي في هذا الكتاب لتفسير الآية 5 من سورة المزمل (إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلا)، يكتسب تمام معناه وتأويله لدى معرفة معنى التكليف وما فيه من مشقة، واستعداد النبي محمد وقدرته الاستثنائية غير المشكوك فيها على ذلك. إذ "الإنسان لا يبلغ مرتبة النبوة إلا إذا تسامت كينونته الوجودية وتحقق بكمال استثنائي يؤهله لهذا المقام الإلهي، فلا يمكن أن تكون الرؤى في المنام وسيلة لتكامله وبناء استعداده الوجودي لمقام يؤهله لتحمل الوحي وتلقيه".             

وأخيرا، لا أجد مندوحة من القول بعد هذا العرض السريع لكتاب (مقدمة في علم الكلام الجديد)، إنني لا أعرف تماما السبب الذي أجد فيه أن مداومة الاطلاع على شيء من مدونة الدكتور عبد الجبار الرفاعي الكلامية المتشعبة يحرّك فيّ عرقًا داخليًا نابضًا بالحب والتفاعل الذي تثيره حرارة كلماته، وصدق لهجته، والنقاء الذي يترقرق تحت الإهاب الموحد لعبارته، وما لا أعرفه من أسرار تجعل من كتاباته درسًا مؤثرًا، معلّما ومغيّرا، لا مجرد نماذج من كتابات نظرية ومعرفية قديمة ومعاصرة اعتدنا قراءتها والمرور عليها دون أن تسترعي انتباهنا للتوقف عندها والتفكّر فيها.           

 ولعلّ ما قاله الدكتور الرفاعي عن الشاعر الباكستاني محمد إقبال من أن "روحه ظلت تكتوي بآلام المسلمين في موطنه وعالم الإسلام؛ والشاعر بطبيعته الانفعالية مفرطةِ الحساسية لا يغويه العمل الفكريُّ الذي يتطلب صمتًا متأملًا وجلَدا متريثا، وصبرا طويلا. ولعلّ انهماك إقبال في تأسيس وطن قومي للمسلمين في باكستان، واختصار كل أحلامه في ذلك الوطن.."

 أقول لعلّ هذا الوصف ينطبق، في جوانب منه، على الدكتور الرفاعي نفسه، مع أنه ليس شاعرًا بغير إحساسه وكلماته وروحه المتأمل والمتكلم، الذي أرد أن يرسم لقرائه ومتابعيه خارطة طريق، ويدلهم على وطن من نوع آخر، تتسع جغرافيتُه الروحية الواهبة للأمل لكلّ المصابين بقلق العصر وأمراضه، والخائفين من نهاية وخاتمة خالية من المعنى، والمهدّدين بالموت في الحياة، وكلّ أولئك الذي كان جان بول سارتر يسميهم بالأنذال coquins من الذين يولدون ويعيشون ويموتون دون أن يطرحوا الأسئلة الخاصة بمعنى وجودهم في هذه الحياة الدنيا.

***

د. ضياء خضير - كندا

 

"إني أنا ربُك فاخْلع نعليك، إنّك بالوادي المُقدّس طُوى ... " (طه/ 12) ....

خلال هذا السياق أو ذاك من حياة الإنسان، توازي دلالة النعل أية أشياء أخرى طالما لا يصح وجودها في مقام التقديس. فالشيء غير المقدس مرةً يساوى جميع الأشياء غير المقدسة في كل المرات. وليست المساواة حسابية بلغة الرياضيات، ولكنها أمرٌ وارد منطقياً بالنسبة لتجارب الإنسان مع التقديس والايمان. إذْ هي تجارب علو وتجاوز، بحكم كونّها ليست من جنس التجارب العادية. وبخاصة أنَّ مصدر التقديس (وهو الله) قد ذَكرَ ذلك مباشرةً: (اخْلع نعليك). أي أنَّ نعلاً مُدنساً قد يُوازي بعض الملابس غير المقدسةِ، وقد يوازي مساحةَ أرض غير مقدسة، وقد يوازي غطاء رأس مدنس، وقد يوازي قدماً بوضعها التشريحي في الأسفل. ذلك لأنَّ المتعلقات (الأحوال) التي تتضاد مع الحضور المتعال أشياءٌ هامشية، وتُلحق بصاحبها بعض الدلالات غير المقبولةِ.

إنَّ الطابع المشترك بين هذه المفردات السابقة والنعل هو الإحساس. لأن النعل أحد مظاهر الحس التكميلي supplementary sense، فهو ملحق بأقدامنا ومكمل لوجودنا، نتيجة تجارب المشي والسير والحركة التي نقوم بها. ولكن: لماذا لا تصح الأشياء السابقة في حال التقديس؟! لأنَّ النعل هو ما ينتعله الفرد، وهو ما يتخذه مطيةً لشيءٍ سواه. أي ليس النعل شيئاً أصيلاً لدى الإنسان ولن يكون. فهو بالنسبة إلينا شيءٌ عرضيُ (الإرتداء) وعرضيُ (الخلع) بالوقت نفسه. وما ينطبق على النعل سينطبق على وضع اليد (اللمس) أو القدم (المشي) أو العين (الرؤية) كآلة للإحساس. فعندما تكون الأشياء وسائل لا غايات، وعندما تكون الأشياء غيرَ جوهريةٍ، لن تنال قدراً كبيراً من الوجود في ذاته.

ربما وحدُها آلات الإحساس في تاريخ البشر كانت محل ارتياب تجاه المقدس. مثل أدوات اللمس والشم والتذوق والحركة والرؤية ... فهذه تقوم بعمليات بشرية ليست واردة ضمن دائرة التقديس. ولا تتم بالإيقاع الموضوعي ذاته الذي يجري في حياتنا تجاه الأشياء المألوفة. على الأقل تقف آلات الإحساس عند مرحلة معينةٍ لا تتعداها، ذلك من باب استغلاق دلالة المقدس بما يفيده من غموضٍ وخفاءٍ، وما ينطوي عليه من أسرارٍ وإلغاز. ونتيجة أنَّ المقدس قابع في المنطقة اللاواعية من وجودنا، فهو لا يدخل إحساسنا الغُفل ولا يقفز داخل معرفتنا الواضحة بسهولة.

على سبيل المثال لا يمكننا بلوغ حقيقة المقدّس بواسطة الإدراك الحسي. كما أن الأخير مصدر تشوش واضطرات تجاه امتناع الماوراء أمام عقولنا وعجز التطلع إليه مثلما نتطلع إلى الأشياء الأخرى. والإحساس في ذاته يُعلن قصور الإنسان، طالما لم يتمكن من تحقيق تصوراته القصوى ولا ماذا يريد. حتى أنَّ كل معرفة بإمكان الإحساس تحقيقها تحتاجُ إلى درجاتٍ أخرى من الإدراك. ودوماً الدرجات الأخرى من المعرفة خارج إمكانية الإحساس، حيث لا يتمكن من بلوغها بطبيعته غير المناسبة للتقديس.

المفارقة أنَّ المعرفة الناتجة عن الحس تبرهن على فشل الحس في بلوغ المعرفة الحقيقية. ولذلك كانت دلالة الآية السابقة دافعةً بمعنى النعال إلى درجة القابلية للتأويل. فالمقدس يحدد ما نمتلكه نحن البشر بصورة مجازية، لأن ما نقول عنه كمعرفة حيال وجوده المتعال سيكون مصيره في النهاية أشباحاً أو استعارات. بالفعل الإنسان يمتلك أشباحاً معرفية وإستعارات لبناء حياته حول المقدس.

ربما ذلك هو علة أن الله - في الآية- يعبر عن ذاته مباشرة بالضمير (إني)، في إشارةٍ إلى وجوده المتعال قصداً وحضوراً. والقصد هو العلاقة التي تدل على التواجد الفريد غير القابل للتكرار. وكل تواجُد لون من الحضور على خلفية الأصل الذي يجب العمل به. ولذلك ثنى الله (أني) بضمير المتكلم (أنا)، أي أنت في معية الرب (ربُك). وكأنَّ الكلام يغلقُ كل المنافذ وأربعة أركان: الوجود والتعالي والحضور والمعنى عن دلالة السياق. إذ طالما كان موسي في معية الرب، فلا مجال لغير المقدس.

وبناءً عليه سيكون النعل مفتاحاً لما هو خارج السياق بشكل مجازي. والمجازي يعني قدرتنا نحن البشر على عملية الاستحضار لكائنات العالم، سواء أكانت استعارة أم خيالاً أم فكراً. وهو ما يجعل النعل معنى غير مباشر يجوز تأويله وإدخاله في نصوص ووجود الناس غير المقدسين بالتبعية. وحرصت الآية بهذا التمايز على مخاطبة موسى بالضمير (أنت). أي أن هناك: (إني أنا) وهناك (إنك أنت). ومتى وجد الأنا والأنت في دلالة الحضور المقدس وغير المقدس، فهناك التواجد من قبيل التأويل معرفةً وفهماً.

ومن ثمَّ، فإن كلمة النعال- على خلفية المعنى- تمارس (دور البديل) الذي يقبل وجهي (الأخذ والترك) لمتعلقات الإنسان الأخرى. فالأشياء إذا كانت قابلة للتبديل، فهي تنتمي إلى دائرة من تلك الدوائر. إذن كل تقديس هو في الحقيقة (موقع تبديل) للأشياء دون حدود. نظراً لعدم قدرتنا نحن الكائنات البشرية على ملئه. فهو متعالٍّ بطبعه وهو غير قابل للتحديد، كما أننا لا نمتلك له كياناً واضحاً. وبالتالي لا يكف الإنسان عن محاولات مواكبته والتطلع نحوه، ولكنه يظل يجرب البدائل تلو الأخرى لهذا الغرض دون جدوى. وإخلع تعني اترك وإلقِ شيئاً دخيلاً على كيانك عند حضور المقدس رغم عدم محدوديته. ونظراً لأن الإنسان لا يفهم إلاَّ بهذا الشكل الوجودي في لغة الآدميين، فالآية كانت أمراً لنبي الله موسى في الحقيقة.

لكن فعل (إخْلع) بمثابة الفعل الذي يوازي مجازية الوجود. وهذا هو موطئ التأويل فيه. الخلع هو لون من صرف الأشياء بعيداً حتى تغيب، حتى تبتعد. ولكي تكون غير مرئية وملقاة جانباً، علينا الاحتفاظ بصورتها دون كيانها الفعلي. فالتأويل أحد أشكال الغياب الحقيقي مع الحضور المجازي. أي أنني كذات إنساني ليس حاضراً على نحو كلي. وحتى عند الاعتراف بوجودي، فإنني أيضاً كيان مؤول بالنسبة للإله. فمن أكون أنا مقارنة به على صعيد ميتافيزيقي؟! لأنَّ الغياب يعني اتساع الوجود بما لا يستطيع الإنسان الحضور فيه بصورة شاملة. والحضور المجازي للإنسان واضح لكونه موجوداً مقارنة بالإله والوجود المقدس. فالإنسان غائب بالنسبة للقداسة بوصفه كائناً غير مقدس، بدليل دخول موسى بنعليه وهو لا يعلم كون النعال مدنسة. وهو كإنسان حاضر أيضاً مجازياً في حضرة المقدس الإلهي، باعتباره ليس إلهاً ولا يصح مقارنته بالإله.

وحضور الإنسان في الأديان لابد أنْ يكون حضوراً مجازياً تجاه المقدس. إنه يجسد إشكالية التواجد بحسب المواقع التي يندرج فيها وليس مساراً للوجود على الأصالة. فالإنسان يأخذ (جانبه المؤول interpreted side) من المقدس طالما يحضر في ساحة الميتافيزيقا. وبالتالي سيكون على الإنسان أن يحذر من جميع متعلقاته الهامشية كذلك. لأنَّه ما لم يأخذ التقديس بعين الاعتبار والعناية، فلن يكون كيانه إلاَّ غياباً لا قيمة له. فالقيمة الوجودية بهذا الشكل تأتي من قدرتنا نحن البشر على التقديس. ولكن: ماذا لو كان ما ننتعله غير مناسبٍ لذلك الوضع؟ هل الكينونة التي نمتلكها تأتي خالصة دون شوائب؟ ماذا يعني أن النعال قابلة للتبديل (الخلع والارتداء)؟ هل كل قداسة تحتاج إلى خلع شيءٍ ما ؟!!

إن إيراد الآية القرآنية كاملة يضعنا أمام معان أخرى: " فلما أتاها نُودي يا موسى إني أنا ربك، فاخلع نعليك، إنك بالوادي المقدس طوى، وأنا اخترتك، فاستمع لما يُوحى، إنني أنا الله لا إله إلاَّ أنا فاعبدني، وأقم الصلاة لذكري. إنَّ الساعة آتية أكادُ أخفيها لتُجزى كل نفس بما تسعى، فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى " (طه 11/ 14).

النعل مادة الأرض في الإنسان، أي يتعلق بالأديم الذي خُلق منه. والأرض رمز الشهوات، رمز الغرائز، رمز الفناء الذي يطلب البشر على حافة النهاية. وعندما يتم النداء إلى موسى، فهو نداء معبر عن العلو، نداء الله الذي جعل ارتداء النعال أمراً غير لائق. كان النداء سابقاً لما ترتبت عليه من حيثيات. وكانت أولى الحيثيات (اخلع نعليك)، فلا يجب أنْ تكون متعالياً وترتدي ما يقلل من ذلك إنسانياً وفي عرف الإله. المؤشران مرتبطان ببعضهما البعض. قد يقول قائل: إذا كانت النعال متدنية الدلالة لدى البشر، فما بال الإله يأخذ بذلك؟ الإجابة بسيطة أن تجربة التقديس موضعها الإنسان. وما يعتبره الأخير مدنساً، سيكون كذلك حتى من قبل الإله. ولذلك أشارت الآية إلى الوادي المقدس، لأنه أرض مستثناة، أرض خارج التدنيس.

لماذا النعال مُحقرة إلى هذا الحد؟ ربما لكونها تلامس الأشياء والمتعلقات غير المحببة. وأنها من ثمَّ رمز التدني، والمقدس يحيل الأشياء المحقرة إلى استعارات للنجاسة والشرور وعالم الأرواح الخبيثة. والأشياء التي يشتم منها المؤمنون نجاسة لا يحبب وجودها لديهم، بل سيكون وجودها موضع احتقار وإزدراء. هذه الفكرة قديمة قدم البشرية ومراراً أكدها الوحي في الديانات التوحيدية. لأن الأشياء النجسة مثل الدم وبعض الحيوانات كانت محل مهابة بالنسبة للناس ومحل خوف وبالوقت عينة تشعرهم بالنفور. النجاسة في غابر المعتقدات لم تكن بعيدةً عن القداسة، فالأمر بين الإثنين كان شديد التجاور بالمثل. فالمقدس قديماً كان يحمل معاني الخوف والتعالي، الرعب والقرب، المحرم والمحبوب.

في الثقافة الشعبية، كانت النعال مرتبطة بالحط من قدر الأشخاص. فرفع النعال دلالة على إزدراء وإهانة تجاه البعض. وذلك من بقايا المعتقدات القديمة التي تربط النعال بالأرض في مقابل السماء. والتدني في تضاد مع العلو.

وربما من بعض تأويل كلمة النعل في الآية أنها تساوي العقل. بمعنى أنَّ التقديس يقتضي خلع العقل كذلك، لكون الأخير لن يجدي ولن يفهم ما يجري في حضور المقدس. وأن الإنسان في حضرة الإله لن يجد العقل مسعفاً ولا قادراً على استيعاب الموقف. فالعقل لدى أغلب الناس بمثابة المطية التي يمتطيها الإنسان وصولاً إلى أهدافه، العقل بالمعنى الفردي والعقل بالمعنى الجمعي الذي يعني إقامة نظام عام لأجل تماسك المجتمع. بينما العقل في أمور التقديس لا يُجدى، وربما ينفُر منه أهل الايمان باعتباره غير قادر على التجاوز إلى أكثر مما يرى النظر أو يشتم الأنف أو يحس الجلد!!

هل يمكننا القول: اخلع عقلك إنك بالوادي المقدس طوى؟! لا ريب أن العقل لن يعرف كنه المقدس، رغم أنه مسكون بالمجهول والفضول الميتافيزيقي الأصيل. لأنَّه مصدر الأسئلة، غير أنَّ الإدراك ليس يتجاوز حدود ما يعرفه. بل قد يكرر العقل ما يستطيع عمله والوصول إليه في كل مرةٍ أخرى. إن الصوفية يرفعون شعاراً مؤداه إخلع عقلك أمام ما تعرف من فتوحات. لأن العقل حجاب كثيف في مثل تلك المعرفة. وبخاصة أن المعرفة التي قد يتوصل إليها العقل لا تنفك عنه، بل قد تشكل حوله قوقعه سميكة لا يصل إليها نور ولا هواء.

إن مقولة "اخلع عقلك " تفيد اتصالاً بذلك في مواقف الحرية والإنطلاق نحو المختلف. لأن مواطن العقل تجيد المجتمعات البشرية غلقها تماماً، تغلقها بالمنطق نفسه الذي يقبله العقل لا بعيد عنه. إن كل المجتمعات المتخلّفة تسعى إلى التشبث بالعقل لأنها تسعى جاهدة للتمسك بالواقع الذي تزعم التمسك به أيضاً. فالتخلي عن التخلف عندئذ هو تخلي عن العقل. إذن ماذا سيقول الإنسان غير (إخلع عقلك) من جذوره. ولكن الخلع في هذه الحالة ليس سهلاً، لأن من أصعب الأمور أن يدرك العقل أنه قيدٌ على ذاته، رغم أن ذلك القيد كامن في بنيته كبرت أم صغرت. فهل يمكننا أن نقول (اخلع عقلك القديم) الذي كان سبباً في تكلُس الحياة والواقع.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

تمهيد: نعني بالدولة جميع السلطات العامة (السلطة التشريعية، والعدل، والشرطة، والجيش) المنظمة في كيان هرمي ومتماسك، وتوضع تحت السلطة العليا لرئيس الدولة والحكومة. ونعني بالسلطة القدرة على الأمر والطاعة. ولما كانت الدولة مسؤولة عن مصير الكل الذي توضع على رأسه (شعب، أمة، اتحاد شعوب أو إمبراطورية تجمع الأمم)، فإنها تحول هذا الكل إلى وكيل قادر على التصرف في التاريخ (إريك فايل)، من أجل ضمان السلام والأمن داخل أراضيها، واحترام حريتها من قبل جيرانها. فماهي علاقة الدولة بالمجتمع؟ هل تقتصر على الوظيفة السياسية للقيادة والحكم أم تعمل على تربيته والارتقاء الأخلاقي به؟

1. هل تنبع سلطة الدولة من العنف؟

إذا كانت سلطة الدولة تعتمد على طاعة المواطنين فمن أين تستمد شرعيتها؟ فهل يكفي استحضار حالة من الأحوال، مثل الاستيلاء على السلطة بالعنف؟ وإذا كان الخوف من الانتقام هو السبب الوحيد للطاعة، فما الذي قد يدفع المواطنين ليس فقط إلى الطاعة، بل إلى العيش معا؟

هذه هي مفارقة لابويتي الشهيرة. لا توجد سلطة ولا قوة يمكنها أن تحافظ على وجودها إذا لم تعتمد على موافقة من يحمل نيرها. ولذلك يجب أن نفترض أن الميزة تفوق بما فيه الكفاية مساوئ العيش في دولة ما. وهذا يعني على وجه الخصوص أن سلطة الدولة لا يمكن أن تستند إلى حالة بسيطة، بل على العكس من ذلك تفترض دعم المواطنين بموافقتهم الحرة. على العكس من ذلك، بدون هذه الموافقة، لا يمكن لأي نشر للقوة أو أي نظام إرهابي أن يضمن الاحتفاظ بالسلطة بشكل مستدام، إذا لم يسعى جاهداً لتحويل حالة الواقع إلى دولة قانون (انظر روسو، العقد الاجتماعي).

2. ما هي شرعية سلطة الدولة؟

فهل إذن ستكون سلطة الدولة مبنية على حق يشرعه العرف والتقاليد؟ ولن يعد الخوف من الاضطهاد هو ما يجبر المواطن على الطاعة، لأن العنف المؤسس للدولة سيكون ينتمي إلى الماضي ويمكن أن يتخذ في هذه الأثناء مظهر الأسطورة. إن احترام الحقوق والقوانين التي تطورت خلال التاريخ المشترك هو الذي سيؤسس لسلطة الدولة. في هذه الحالة، أيًا كان ما أقره العرف والتقاليد فهو صحيح طالما أنه لا يتعارض مع المصالح المعرضة للخطر في الوقت الحاضر. ومن هذا المبدأ يمكننا استخلاص تفسيرين لشرعية الدولة. إما أننا، مع لوك، نؤكد أن «القانون هو الذي يأمر ويفرض نفسه» (انظر رسالتين حول الحكومة)؛ أو، مع هوبز، نؤكد أن “ليست الحقيقة، بل السلطة هي التي تصنع القانون” (التنين ، الفصل السادس والعشرون). الإجابة النهائية المحتملة هي إجابة روسو، الذي يعتبر أحد منظري الديمقراطية الحديثة. أساس سلطة الدولة يكمن في "الإرادة العامة" (العقد الاجتماعي). وهذه الإرادة العامة، التي لا ينبغي الخلط بينها وبين إرادة أغلبية الأصوات، هي إرادة شعب أو أمة بأكملها. إنها مؤسسة الميثاق الاجتماعي، الذي يتطلب من حيث المبدأ أن تكون حرية كل شخص متوافقة مع حرية أي شخص آخر. استمد لوك من مبدأه «الحق في الانتفاضة» عندما تتجاوز الدولة أو السلطة القائمة حقوقها. ومن ناحية أخرى، فإن أولوية الإرادة العامة تبرر، حسب روسو، استخدام القوة أو "السلطات الخاصة" (انظر دستور الجمهورية الخامسة)، عندما تكون مصلحة الدولة والمجتمع على المحك بالفعل ، لا يمكن للملك أن يخطئ، لأنه لا يستطيع إلا أن يريد مصلحته. ويؤكد روسو أن "الناس دائمًا فاضلون"، وربما تكون العواقب أكثر من الحكمة.

3. ما هي غاية الدولة؟

ومهما كان الموقف الذي يتبناه المرء في هذا النقاش حول شرعية سلطة الدولة، فإنه يظل مما لا جدال فيه أنها لا تزال تمثل قوة لا يستهان بها. بل يمكننا أن نقول إن المؤسسات التي تتكون منها الدولة منظمة بطريقة تمكنها من استخلاص أكبر تأثير ممكن من قوتها. ولكن هل تأكيد قوتها هو السبب الوحيد لوجود الدولة وهل هذه القوة لا يبررها إلا وجودها؟ ألا يمكن وضع قوة الدولة في خدمة أهداف متناقضة، سواء كانت الرغبة في التوسع أو الهدوء، العدالة أو العنف، السلام أو الحرب؟

يمكننا أن نتساءل ما إذا كانت هذه الأسئلة لا تفترض مسبقا الفصل بين الأخلاق (أو اعتبار الغايات المعترف بها على أنها جيدة في حد ذاتها) والسياسة (التي تعرف بأنها فن الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها، في تقليد مكيافيلي). والآن، ألا تقودنا هذه المعارضة إلى الاستسلام لعجز الأخلاق وتبرير اللاأخلاقية للسلطة السياسية، القوية فقط على نجاحاتها؟

هناك اتجاهان متباينان آخذان في الظهور. فإما أن تمارس الدولة سلطتها وفقا لغرض يخصها. يخضع الفرد وسلطته لإرادة الدولة؛ إنه جزء من كل، مجتمع (شعب، أمة) لا يمكن اختزال تصميماته في مجموع المصالح الخاصة؛ فهو يقود لعبته الخاصة في التاريخ العالمي. وهذا التوجه يقود بشكل لا يقاوم نحو الدولة الشمولية (انظر حنة أرندت أو ريموند آرون). إما، على العكس من ذلك، ليس للدولة غاية أخرى غير الفرد؛ وبعيدًا عن إملاء ما يجب أن يفكروا فيه على أعضائه، فمن المبرر فقط السماح لكل شخص بممارسة ما يشكل هدفه النهائي، أي استخدام عقله وحكمه (انظر سبينوزا، الرسالة اللاهوتية السياسية، الفصل العشرين). في هذه الحالة، نهاية الدولة تحدد في نفس الوقت حدها. يمكن للقوة القسرية أن تجبر الأجساد على الانحناء، لكنها لا تستطيع أن تمنعنا من التفكير في أن اثنين واثنين يساويان أربعة، وأنه من الأفضل أن يتبع المرء عقله بدلاً من قوى اليوم.

4. المجتمع و الرابطة الاجتماعية:

بشكل عام، المجتمع يعني حلقة وصل بين الأفراد مجتمعين معًا. هذا التجميع ليس تجاورًا بسيطًا (الحشد ليس مجتمعًا) ولكنه ارتباط وتمايز وتنسيق وتسلسل هرمي لأن كل فرد لديه مكان محدد، ودور محدد، مما يعني علاقات الاعتماد المتبادل. كما تشكل جميع الحيوانات مجتمعات هدفها البقاء: بقاء النوع وبقاء الفرد. ترتبط أعضاء النوع نفسه معًا بالضرورة البيولوجية. وبهذا المعنى، لا يبدو أن الإنسان يتمتع بأي امتياز. في الواقع، فهو مثل أي حيوان يخاف الموت، ويهرب من الألم، ويبحث عن المتعة، ويدخل في علاقات مع أقرانه، ويشبع غرائزه. فماهو الفرق بين المجتمعات الحيوانية والمجتمعات البشرية؟

إن علم الأخلاق – أي العلم الذي يدرس سلوك وعادات الحيوانات – يرفض تفضيل الإنسان، ويميل إلى وضع المجتمعات الحيوانية والمجتمعات البشرية على نفس المستوى، مع منح هذه الأخيرة قدرًا أكبر من التعقيد. كما يؤكد علم الأعراق البشرية - وهو التخصص الذي يدرس الأخلاق والعادات وأساليب الحياة والمؤسسات الخاصة بالمجتمعات البشرية البدائية - على الاختلاف الجذري بين المجتمعات الحيوانية والمجتمعات البشرية. يشير عالم الأعراق كلود ليفي شتراوس (1908-) إلى أن العائلات البشرية فقط هي التي تحظر العلاقات الإنجابية بين أفراد الأسرة نفسها: وهكذا فإن حظر سفاح القربى يميز المجتمع البشري. إن الفلسفة، التي ترفض اختزال الإنسان إلى حيوان، تسلط الضوء على قوة وسيادة الجنس البشري، القادر على فصل نفسه، بفضل ثقافته، عن المملكة الطبيعية البسيطة. في المجتمعات البشرية، لا يقوم الرابط الاجتماعي على الضرورة البيولوجية بقدر ما يعتمد على الرغبة في الارتباط وفقًا لأهداف مشتركة واعية. ولا تقتصر المجتمعات البشرية على إشباع الحاجات الحيوية المتعلقة بالغرائز، بل تسمح أيضًا بإشباع المصالح المادية والمصالح الروحية التي تميز الكائن الذي يتمتع بالعقل. إن الإنسان يطور كل قدراته داخل المجتمع، ويتقن هناك، كما يقول ديدرو:«قدراته ومواهبه» وينال «السعادة الحقيقية الراسخة» (الموسوعة، مقال «المجتمع»). يوفر المجتمع للإنسان إطارًا اقتصاديًا وتعليميًا وثقافيًا يساعد على تحقيق ميوله الطبيعية.

5. الطبيعة البشرية والمجتمع: الإنسان باعتباره "حيوانًا سياسيًا"؟

يؤكد الفلاسفة على تعقيد الطبيعة البشرية: فالإنسان كائن اجتماعي، أي مكوّن ومثقف ومؤنس. فالإنسان لا يصبح إنساناً كاملاً إلا داخل المجتمع. فالإنسان المحروم من الروابط الاجتماعية والمنعزل عن أقرانه لا ينمي قدراته الطبيعية. وبهذا المعنى، يمكننا أن نقول مع أرسطو (384-322 ق.م.) إن الإنسان "حيوان سياسي" (السياسة، الكتاب الأول) لأن "المدينة" فقط - في اليونانية بوليس تعني مدينة، مجتمع منظم مجهز بالمؤسسات - تقدم إنها وسيلة لتحقيق مجمل طبيعتها، أو، كما قال كانط (1724-1804)، أن "الانضباط يحول الحيوانية إلى إنسانية" (تأملات في التعليم)، لأن القيود التي يفرضها المجتمع هي وحدها التي تجعل من الممكن التغلب على الميول الغريزية. من يقول التنشئة الاجتماعية يقول التعليم ومن يقول التعليم يقول قمع الغريزة لصالح العقل. كما يحقق المجتمع ميول الإنسان الطبيعية ويتقنها بفضل الثقافة والتعليم الذي ينقله. هذا الدور القمعي والتحرري للثقافة الإنسانية سيتم تسليط الضوء عليه أيضًا من قبل المحلل النفسي فرويد (1856-1939)، الذي سيشير إلى الأهمية القصوى للتنشئة الاجتماعية للنمو العاطفي والفكري للطفل. فكيف تقوم الدولة بمهمة اختبار التنشئة الاجتماعية والتربية الأخلاقية للمجتمع؟

مهما كانت فوائد الحياة الاجتماعية، فإن البشر يجدون صعوبة في الارتباط والتعاون مع بعضهم البعض. وفي الواقع، فإن الصراعات والتنافسات والمصالح تجعل العيش معًا صعبًا وتحد من المبادرات الفردية. ومن هذا المنظور، فإن الحياة الاجتماعية، بعيدًا عن أن تكون مفضية إلى الإنجاز الشخصي، ستكون سببًا للاغتراب. وهذا ما يجادل به فلاسفة مثل شوبنهاور (1788-1860) ونيتشه (1844-1900) عندما يعلنون أن العزلة وحدها هي التي تسمح للإنسان بضمان حريته وازدهار قوته الإبداعية والروحية. ولا يمكننا، في هذه الظروف، أن نهمل التفكير المتعمق في نوعية الرابطة الاجتماعية، وفي التعليم، وفي دور وقيمة التناقضات الاجتماعية، وفي العلاقات بين الحرية والمجتمع، والتنشئة الاجتماعية والتواصل الاجتماعي. وهذا التفكير ينطوي على الأخذ بعين الاعتبار المشاريع السياسية التي عاشتها المجتمعات الإنسانية المختلفة تاريخيا.

خاتمة

لكل مجتمع دولة تنظم شؤونه وكل دولة مجتمع بمثل الإطار البشري لحكمها ولذلك تقاد المجتمعات نحو التحضر والتقدم بالدول وتزدهر الجول وتسجل حضورها في التاريخ اذا كانت المجتمعات فاعلة ومنتجة.

فكيف يتم منح المجتمعات الدول التي تستحقها؟ وهل يمكن أن تتفوق الطبقة الحاكمة الدول على وعي المجتمعات التي تحكمها؟ ولماذا تسبق الشعوب بالمطالبة بالحقوق الكونية نوايا النخب السياسية الحاكمة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية

التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم وترسيخها هي حجرُ الزاوية في كل عملية تنمية خلّاقة، النجاحُ فيها علامةُ كلِّ نجاح، والإخفاقُ فيها علامةُ كلِّ إخفاق. تتشكلُ معادلةُ التربيةِ والتعليم من ثلاثة عناصر، هي: المعلّم، التلميذ، المقرر الدراسي. لا تنجز هذه المعادلةُ وعودَها ولا يمكن قطف ثمارها من دون إعادة بناء متوازية لكل عناصرها، وإن أيَّ اختلال في أحد عناصر هذا المثلث يفضي إلى اختلال كلّ المعادلة. التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم هي مأزق التنمية في أوطاننا، ذلك هو السببُ العميق لكلِّ فشل وإخفاق في أية عملية للتنمية الشاملة.

عمليةُ بناءِ الإنسان هي البدايةُ الحقيقيةُ لكلِّ عمليةِ بناءٍ خلّاقة، وما تنشدُه أيةُ تنميةٍ شاملة. رأسُ المالِ البشري المتعلم هو ما يتكفلُ بناءَ دولة مواطنة دستورية حديثة. رأسُ المالِ البشري أثمنُ من كلِّ رأسمال، فمهما امتلكنا من بترولٍ وغيره من مصادر الثروة المادية لن نتفوقَ على مَن يمتلكُ رأسَ المالِ البشري المكوَّن من الخبراء وذوي المهارات المتنوعة. الإنسانُ المتعلم أثمن من كلِّ شيءٍ، لا شيءَ يفوقُ الإنسانَ المتعلم بقيمته في عالَمنا الذي نعيشُ فيه. الاستثمارُ في الإنسان أثمن من كلِّ استثمار، تخلُّفُ البلدان ينشأُ من الفشل في بناء الإنسان، وإدمانِ الكسل. اليابانُ مثلًا تفتقرُ للموارد الطبيعية، لكنها بارعةٌ في بناء الإنسان، تقدّمت اليابانُ بسبب تفوق إنسانها بتكوينه التربوي والقيمي والتعليمي، وتراكم خبراته المهنية، ومثابرتِه على العمل، وارتفاعِ معدل إِنْتاجيَّته كمًّا وكيفًا. سنغافوة أيضًا تفتقر للثروات المادية، لكنها تفوقت على غيرها من البلدان، وقفزت لمعدلات باهرة في التنمية، بسبب أنها وضعت تكوين رأس المال البشري أولويةً في برامجها للتنمية، واعتمدت في ذلك على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، وما أنجزه العقلُ والخبرة البشرية من مكاسبَ مهمة في التربية والتعليم.

تتفشى الأميَّةُ الثقافيةُ والرقمية بين أعضاء هيئات التدريس في الجامعات العربية بشكل مخيف، فقلّما ترى مَن يلاحق ما هو جديدٌ في تخصّصه الأكاديمي، وأقل منه مَن يهتم بمواكبة الإنتاج الفكري بالعربية فضلًا عن غيرِها من اللغات، أو يتعرّف على الأعمال الجادّة في مختلف مجالات العلوم والمعارف والفنون والآداب، وقليل جدًا مَن يبرع في استعمال التقنيات الرقمية في البحث العلمي وتطوير مهارات التلامذة من جيل الآباء.

منصَّاتُ التواصل الرقمية وتطبيقاتُها المتعدّدةُ والمتنوعةُ تجاوزت دورَ الكتاب التقليدي في التربية والتعليم والتكوين المعرفي، وتغلّبت على مركزيته في البناء المعرفي والفكري والثقافي. غير أن كثيرًا من التدريسيين من الجيل القديم لا يحضر على منصات التواصل الرقمية، ولا يعرف شيئًا عن معظم تطبيقاتها، وإن حضرَ لا يتخطّى حضورُه الإسهامَ في العلاقات العامة والمناسبات الاجتماعية، ونادرًا ما نعثر على مشاركات نوعية لتدريسيين تعكس ثقافتَهم وتكوينَهم الأكاديمي.

يجهل أغلبُ التدريسيين من جيلي الابتكاراتِ المدهشة للذكاء الاصطناعي، وما يعدُ به من مكاسب عظمى، تتغيرُ بتأثيرها أنماطُ العمل والإنتاج والتسويق، وتختفي مهنٌ مختلفة وتحل محلها مهنٌ بديلة، ويحدث تحول نوعي في وسائل تلقي العلوم والمعارف والفنون والآداب، وتتبدل طرائقُ التدريس ووسائلُ وأساليبُ التعليم، ويطال التغييرُ مختلف مجالات الحياة، فـ "عندما نتحدث عن حضور الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليوميّة، فنحن عمليًّا نتحدث عن كلِّ شيء. يشمل ذلك ظهور كومبيوتر قادر على قراءة وثائق مكتوبة بخط اليد، وروبوت يُجري بنفسه عمليات جراحيّة معقدّة وبصورة مستقلة عن التدخّل البشري، وصُنع قاعدة بيانات مكثّفة تتضمن الصفات والسلوكيّات والسجايا الشخصيّة لكل فرد منا، استنادًا إلى كل ما نقرأه أو نكتبه على الإنترنت... ومع التعمّق في تحسين أداء الذكاء الاصطناعي، ينكشف أمام أعيننا أنه لن يكتفي بمجرد الحلول بدلًا من البشر، بل يستطيع التفكيرَ بطرق يعجز الإنسان عنها. ثمة خوارزميات متطوّرة تستطيع التعامل مع كميّات هائلة من المعلومات، وتتوصّل إلى استنتاج الأنماط الموجودة فيها، ما يجعلها (= الخوارزميات) على أهبة الاستعداد لتغيير المجتمع"[1].

الذكاءُ الاصطناعي معنى جديد لرأسِ المالِ يختلفُ عن المعنى الكلاسيكي له، إنه أثمنُ ثروةٍ يمتلكها الإنسانُ في عالَمنا اليوم، مَنْ يمتلكها يمتلك حاضرَ العالَم، ويتمكن من التحكم بمصائره ومصائر مَن لا يمتلك هذا الذكاء، ومَنْ يفتقدها يفتقد القدرةَ على الحضور في العالَم، مثلما يفتقد القدرةَ على التحكم بمصائره. مهما كانت قيمةُ الثرواتِ المادية فإنها لا تساوي القيمةَ الحقيقيةَ للذكاءِ الاصطناعي، وما يمكن أن ينتجَه من سلعٍ وخدماتٍ ومعطياتٍ معرفيةٍ وماديةٍ متنوعةٍ في مجالاتِ الحياة المختلفة. بلغت القيمة السوقية في 18 – 6 – 2024، لشركة "إنفيديا" المصنعة للرقائق  3.33 تريليون و 333 مليون دولار، بسبب الطلب المتزايد لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على الرقائق. وبلغت القيمة السوقية لشركة "مايكروسوفت" 3 تريليونات و 332 مليون دولار، وشركة "أبل" 3 تريليونات و 269 مليون دولار، وشركة "غوغل" 2 تريليون و 186 مليون دولار[2]. وحسب تقديرات خبراء الاقتصاد يُقدَّر أن يصل الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 إلى 1.8 تريليون دولار، في حين سيبلغ الناتج الاقتصادي للذكاء الاصطناعي 15 تريليون دولار.

تتجلى أميّةُ أساتذة الجامعات بأجلى تمظهراتها بالجهلِ بالذكاء الاصطناعي، وما ينجزه اليوم ويعد به غدًا، والجهلَ بتوظيفِ منصات التواصل وتطبيقاتها المتنوعة، والعجز عن الإفادةِ من ذلك في التكوين المعرفي والثقافي، وعدم استثماره في التنمية العلمية والثقافية والرقمية، والغفلة عن أن مصادرَ المعرفة وطرائقَ تلقِّيها لم تعد كما كانت أمس، ولا أساليب التعليم هي ذاتها في عصر الهوية الرقمية. منصاتُ التواصل وتطبيقاتها المتنوعة كسرت احتكارَ الكتاب الورقي، وكلَّ الطرق التقليدية للتكوين المعرفي والثقافي، وتغلبت على وسائل تداولها ونشرها المتعارفة، بل أضحت موازيةً لعملية التكوين الأكاديمي في الجامعات المتوارثة منذ ما يزيد على تسعة قرون، وأراها ستتفوق عليها بعد مدة ليست بعيدة.

ابتكر الذكاءُ الاصطناعي ومنصاتُ التواصل وتطبيقاتُها المتنوعة طرائقَ تدريس بديلةً تعبّر عن عصر الهوية الرقمية، فصارت من خلالها أدقُّ المباحث وأشدُّها تعقيدًا واضحةً تُفهَم بيسر وسهولة، بأساليب بصرية وسمعية ليست رتيبة أو مملة. أزاحت الأساليبُ الجديدةُ طرائقَ تدريس ميكانيكية توارثتها عدةُ أجيال، وأقعدت معلمين متمرسين فيها عن مهنتهم، لأنها لم تعد مستساغةً للجيل الجديد.

مَن يحرص على التكوين المعرفي والثقافي واللغوي المستمر في أيّ مجال يرغب، يمكنه الظفرُ بمعلمين محترفين متطوعين في مختلف العلوم والمعارف واللغات، ولمختلف المستويات. فمثلًا لا يحتاج مَن يريد تعلّمَ لغة أخرى إلى حضور منتظم في المعاهد المعروفة لتعليم اللغات، لأن بإمكانه العودةَ إلى مواقع متخصّصة في اليوتيوب وغيرِه، تقدّم له تعليمًا ممتازًا مجانيًّا، وهو في بيته، ومن دون أن يتحمّل عناءَ الذهاب إلى مكان آخر، ودون أن ينفق شيئًا من ماله، ويبدّد وقتَه.

بلغ حجمُ الكمية المتدفّقة من البيانات، في مختلف العلوم والمعارف والفنون والآداب، حدًّا يفوق قدرةَ الإنسان على مواكبته فضلًا عن استيعابه، لذلك لا يستطيع المتخصِّصون أو الهواة الاطلاعَ إلا على مساحةٍ محدودةٍ جدًّا منه. إذ "ستتجاوز كمية البيانات الرقمية المنتجة خلال السنوات الثماني المقبلة 40 زيتا بايت، وهو ما يعادل 5200 جيجا بايت من البيانات لكلّ رجل وامرأة وطفل على وجه الأرض. ولوضع الأمور في نصابها 40 زيتا بايت هو 40 تريليون جيجابايت. وتشير التقديرات إلى أن هذه الكمية تبلغ 57 ضعفَ عدد كل حبات الرمال على جميع الشواطئ على وجه الأرض. ومن المتوقّع أن تتضاعف جميع البيانات كلّ عامين حتى عام 2020م"[3].

تستثمر اليوم ChatGPT وأمثالُها من تطبيقات الذكاءُ الاصطناعي البياناتِ Data بوصفها منجمًا ثمينًا يجيب عن أسئلة الإنسان ويثري معارفه في مجالات العلوم المتنوعة، والسياسات، والاقتصاد وإدارة الأموال واستثمارها، والحقوق والحريات، والقيم، والأديان، والثقافات والفنون والآداب، وكلِّ شيء. صارت البياناتُ مصدرًا أساسيًا للذكاء الاصطناعي، ولمختلف العلوم والمعارف، ولكلِّ شيء في حياة الإنسان ومعاشه، مَن يمتلك كميةً مذهلة من هذه البيانات ويراكمها كلَّ يوم يتفوق غدًا على مَن يفتقر إليها. "على مدى عدة عقود، كان تطور كل من الذكاء الاصطناعي التوليدي والتعلم الآلي مدفوعاً بالتطوير المستمر للخوارزميات المصممة لأداء مهام محددة. على مدار العقد الماضي، ازداد مستوى تعقيد هذه الخوارزميات بصورة كبيرة. وفي أكثر مراحل تطورها أضحى بمقدورها أن تكتسب قدرة التأدية الوظيفية من دون استمرار المدخلات البشرية. وهذه القدرة على النمو في غياب المدخلات البشرية هي جوهر الذكاء الاصطناعي، الذي هو أساس كل من الذكاء الاصطناعي التوليدي والتعلم الآلي... الذكاء الاصطناعي التوليدي عبارة عن تقنية ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي، والخوارزميات، ونماذج اللغة الكبيرة لإنتاج عدة أنواع من المحتوى، من النصوص إلى الصور إلى الفيديو. يستفيد التعلم الآلي من التعلم العميق وتقنيات الشبكة العصبية، لإنشاء المحتوى الذي يستند إلى الأنماط التي يلاحظها في مجموعة واسعة من المحتويات الأخرى... مع الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكنك القيام بمهام مثل تحليل الأعمال الكاملة لكتاب مشهورين، مثل: تشارلز ديكنز، أو جي كيه رولينغ، أو إرنست همنغواي؛ لإنتاج رواية أصلية تسعى لمحاكاة نمط هؤلاء المؤلفين وأنماط الكتابة لديهم"[4].

النمطُ الجديدُ للحياة في عصر الهوية الرقمية أضحى فيه الإنسانُ في صيرورة أبدية، لا تكفّ عن التحوّل، ولا تتوانى عن العبور، ولا تتوقف في محطة إلا لتلتقط أنفاسَها فتواصل الرحيل. لم يعد الإنسانُ كما عرفته أكثرُ الفلسفات القديمة؛ كائنًا عاقلًا يلبث حيث هو، لا يكون جزءًا من شيء أو يكون جزءًا لشيء، بل صار الإنسانُ اليوم كأنه جزءٌ من كلّ، هو محصّلةٌ لما حوله، أي إنه في "حالة المابين"، كأن الإنسانَ مسافرٌ أبدي، لا ينفكّ عن الترحال، لا يمكث بمحلٍّ إلّا ليغادرَه إلى محلٍّ غيره، تبعًا لنمطِ صيرورة الوجود السيّار المتحرّك لكلِّ ما هو حوله، فكلّ ما حوله يسير به، ويسير معه. إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي، يتلقّي مختلفَ الثقافات في الآنِ نفسِه، من دون أن يغادرَ موطنَه. إنه يعيش جغرافيا جديدة، تضاريسُها هلاميةٌ، حدودُها واهيةٌ، أمكنتُها متداخلةٌ، ثقافتُها ملوّنةٌ، هويتُها تركيبيةٌ. نمطُ حياته هو الأشدُّ غرابة منذ فجر التاريخ[5].

التعليم في عصر الهوية الرقمية

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية ليست خاصةً بكثيرٍ من التدريسيين في الجامعات العربية، بل إنها تغطي أكثرَ الجامعات التي أعرفها في المحيط الإقليمي خارج فضاء التعليم العالي العربي، كما تشير بعضُ البيانات والتقييمات في جامعات شرقية وغربية إلى أنها تعاني الأزمةَ نفسَها. ويعود ذلك إلى فقدان الرؤية الاستراتيجية لبناء التربية والتعليم والثقافة والإعلام في عصر الهوية الرقمية والذكاء الاصطناعي، والافتقار للإرادة الحازمة لتنفيذها، حتى إن كانت موجودةً في بعض البلدان فإنها غيرُ صبورةٍ وهشة، وعدم الحماس للانخراط في العصر الرقمي لدى القيادات، والافتقار للخبراء المؤهلين تأهيلًا جادًّا لإنجازها، وضعف البنية التحتية المادية والتكنولوجية والمعرفية اللازمة لولادتها وتنميتها.

هوية جيل الألفية الجديدة رقمية، هذه الهوية وُلدت في فضاء وسائل الاتصال والذكاء الاصطناعي، تواصل الهويةُ الرقمية ولاداتِها باستمرار في فضاء الذكاء الاصطناعي المتدفق كشلالٍ هادر. الهوية الرقمية لا تشبه أيّةَ هوية من الهويات الدينية والعقائدية والأيديولوجية والإثنية الموروثة، ‏الهوية الرقمية سيالة في صيرورة متعجّلة سريعة التحول، لا تستقرّ على حال أبدًا، ولا تلبث في حالةٍ واحدة لسنوات، أو حتى سنة واحدة. هذا يعني أن الجيل الجديد يتفاعل بنحو مختلِف مع الهويات الرقمية وينتمي إليها بطريقته، لا كما كان يجري في الانتماء ‏لهويات العصر ما قبل الرقمي، ما يحدث تناشزًا حادًا تزداد وتيرته وتتسع فجوته بسرعة، بين نظامِ التربية والتعليم التقليدي، والهويةِ الرقمية المتغيّرة والمتواصلةِ الولادات وإعادةِ التشكل. في عصر الهوية الرقمية يتفاقم اغترابُ الأستاذ عن التلميذ، واغترابُ التلميذ عن الأستاذ، ويُحدث ذلك تناشزًا يتضخم كلَّ يوم بينهما، وينتهي إلى المزيد من الأمية المعرفية والثقافية والرقمية، التي تنعكس في الآتي:

1. إن زمانَ التلميذ يختلف عن زمانِ الأستاذ، وأعنى الزمانَ بمعناه التربوي والتعليمي والرقمي، وليس الزمان بمعناه الفيزيائي. كلُّ زمانٍ مشتقٌّ من نمطِ وجودٍ يختلف عن زمانٍ مشتقٍّ من نمطِ وجودٍ آخر. نمطُ وجودِ التلميذ في العالَم هو واقع العالَم اليوم، ونمطُ وجودِ كثيرٍ من الأساتذة في العالَم هو ماضي العالَم. أغلبُ الأساتذةِ يعيشون اغترابًا عن حاضرهم، فينحازون بثقةٍ مفرطة للماضي، وكأن كلَّ شيء في ذلك الماضي صوابٌ أبدي. القليلُ من الأساتذة من جيل الآباء استطاعَ حضورَ واقع العالَم، ومواكبةَ الذكاء الاصطناعي والعيش في الواقع، ووعي نمط وجوده في عصر الهوية الرقمية المتغيرة، واستثمار ما تقدّمه له منصاتُ الاتصال وتطبيقاتُها المتنوعة والذكاء الاصطناعي من جديد العلوم والمعارف والثقافات يوميًا.

2. كلُّ نمطِ وجودٍ يفرض نظامَه التربوي والتعليمي المشتقَّ منه والمتناغمَ مع إيقاع صيرورته، وذلك النظامُ يفكّر بمنطقِ عقلانيةِ نمطِ ذلك الوجود، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه المتفرّدة. نمطُ الوجود في عصر الهوية الرقمية يفرض عقلانيتَه ورؤيتَه للعالم وقيمه وثقافته، لا يستطيع الإنسانُ التغلبَ عليه مهما عاند الانخراطَ في هذا العصر، أو الاحتماءَ من آثاره، والتحكمَ الكامل بحضوره الهائل. ذلك ما يدعو الإنسانَ في بلادنا لمواكبته، في سياق رؤية تتسع لاستيعاب مكاسبه، وبناء أخلاقيات تقي الإنسانَ من ارتدادته المربكة والعاصفة.

3. النظامُ التعليمي الذي يعبّر عن المتطلبات التعليمية للتلميذ في عصر الهوية الرقمية، غيرُ النظام التعليمي التقليدي الذي يعرفه الأستاذُ ويتعلّمه التلميذ، كلٌّ منهما يفكّر بمنطق عقلانية العالَم الذي ينتمي إليه، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه الخاصة. اللغةُ ليست أداةً محايدة، اللغةُ تنتمي إلى منطقِ عقلانية العصر وثقافته، وذلك يعني أن الأستاذَ يفتقر لمعرفة لغة التلميذ عصر الهوية الرقمية، والتلميذ يفتقر لمعرفة لغة الأستاذ، فيكون الحوارُ بينهما بمثابة حوار الطرشان.

4. العمليةُ التعليمية عمليةٌ ديناميكية وليست ميكانيكية، التلميذُ فيها يُعلِّم الأستاذَ، مثلما يُعلِّم الأستاذُ التلميذَ،كلٌّ منهما مُلهِم للآخر، ومكوِّنٌ لعقله، ومولِّدٌ لوعيه، ومحفزٌ لذهنه بطرح الأسئلة وابتكار الأجوبة.

5. عندما تكون العمليةُ التعليمية ميكانيكيةً تكفُّ عن أن تكون تعليمية، وتفشل في أن تظل مُلهِمةً للتلميذ والأستاذ، وتضمحل فاعليةُ الأثر والتأثير المتبادَل فيها، وغالبًا ما يصاب ذهنُ كلٍّ من المعلم والتلميذ بالوهن، ويشعران بالملل والإحباط، الذي ربما ينتهي لدى البعض لشعور بالقرف وحتى الغثيان.

6. تكرارُ الأستاذ المملُّ لكلامٍ لا يفقه أسرارَ اللغة التي ينجذب إليها التلميذُ، ولا يدرك طبيعةَ انفعالاته ومشاعره، لا يمكن أن يمنح التلميذَ علمًا ومعرفة ووعيًا بعصر الهوية الرقمية الذي يعيش فيه، ولن يؤثر في تكوين أسئلته ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية، ولا صلةَ له ببناءِ منظومةِ قيمه، وتقاليدِه الثقافية. وينتهي ذلك إلى أن يتعاطى كلٌّ من التلميذ والأستاذ مع العملية التعلمية بوصفها فرضًا، كلٌّ منهما ملزَمٌ بتأديته على شاكلته، الأستاذُ تلزمه ضروراتٌ معيشية، والتلميذُ تلزمه ضروراتٌ يفرضها تقليدٌ مكرَّسٌ لتعليمه، بغضّ النظر عن ثمراته ومآلاته.

7. الجيلُ الجديدُ يتلقى المعرفةَ والثقافةَ والقيمَ من وسائلِ الاتصال وتطبيقاتِها الكثيرة، وما تقدّمه مجانًا من موضوعاتٍ متجدّدة فاتنة جذابة، متنوعةٍ بتنوّع مراحل العمر، ومتناغمةٍ مع مختلف مستويات الإدراك والفهم والاستيعاب. تتنوع الموادُ التي تنتجها وتسوقها وسائلُ الاتصال لكلِّ مرحلةٍ عمرية حسب مستوى إدراكها وتذوقها. سميراميس بنت ابنتي د. تُقى، عندما كانت بعمر سنتين، تمضي ساعاتٍ طويلةً كلَّ يوم تشاهد أفلامّا مخصّصةً لمرحلتها العمرية، يبثها اليوتيوب، ولفرط تذوقها لها وتفاعلها معها، تصرخ فزعةً لحظةَ يمنعها أحدٌ طالبًا منها الكفَّ عن إدمان ذلك.

8. لا يهتم النظامُ التعليمي بالاختلاف بين استعدادت الأطفال ومواهبهم، وما يفرضه موقعهم الطبقي من تفاوت في تكوينهم المبكر. تكوين الأطفال يختلف تبعًا للإمكانات المتاحة لهم، كما كشفت عن ذلك دراسة في أمريكا عن الأثر الذي يحدثه تلقي الأطفال للغة في مرحلة مبكرة من حياتهم في بناء وعيهم ورؤيتهم للعالَم، وكيف يتناسب وعيهم مع ما يتلقونه من اللغة، فتبين وجود تفاوت فاحش في تلقي اللغة تبعًا للتفاوت الطبقي، إذ ان أبناء العوائل الغنية إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم يكونون قد استمعوا إلى 43 مليون كلمة، لكن أبناء العوائل الفقيرة إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم لم يستمعوا إلا إلى 13 مليون كلمة. والمعروف أن نضج الذهن ونموه يتناسب وامتلاك اللغة وحضورها وتفاعل الذهن معها في الصغر، فكلما كانت الحصيلة اللغوية أثرى نضج الذهن أسرع واتسعت آفاق الوعي أكثر.

9. مأزقُ أعضاء هيئة التدريس أنهم يعيشون في عصر الهوية الرقمية وهو لا يشبه عصرَهم أمس، عصرٌ يمضي بسرعةٍ فائقةٍ إلى الأمام، لذلك ينسى هذا العصرُ مَن لم يتكيَّف معه، بل سرعان ما يمسي حضورُه عبئًا عليه فيحذفه. أكثرُ الأساتذة عجزوا عن التكيّف مع هذا العصر، لأنهم يفتقرون للوعي العميق به، فيعجزون عن الاستجابةِ لمتطلباته ووسائله ورموزه ولغته. وأغلبُهم لا يمتلك إرادةَ التمرّد على ماضٍ شديدِ الحضورِ في وجدانهم، والسطوةِ على مشاعرهم. الماضي مكوّنٌ عميقٌ للاوعي الأساتذة من جيل الآباء، مازال عالقًا فيهم ومازالوا عالقين فيه.

10. إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في البلدان المتقدمة.كما تتطلب كلُّ الأجهزة التي تعمل على وفق أنظمة الذكاء الاصطناعي تحديثًا مستمرًّا يرتقي بكفاءة أدائها،كذلك هو النظام التعليمي في عصر الهوية الرقمية ، فما لم يتم تحديثُه تنتهي صلاحيتُه ويخرج من التداول.

11. لا غرابةَ ألا يحرص أعضاءُ هيئة التدريس على التكوين الأكاديمي والثقافي والرقمي في عصر لا يشبههم، وأكثرُهم فشلوا في التكيّف معه. ذلك أن طرائقَ ووسائلَ وأداواتِ التكوين المعرفي والثقافي في عصر الهوية الرقمية تختلف عن تلك التي عرفوها وتمرّسوا بها وأدمنوا عليها أمس حتى صارت مكوّنًا لهويتهم المعرفية، لذلك نجد أكثرَهم يفتقدون أيَّ حافزٍ لامتلاك ما هو جديد.

12. يُصاب الأستاذُ بالملل عندما تنضب منابعُ الإلهام لديه، ويفتقر للطاقة المُلهِمة للاستجابة الفاعلة من التلميذ، فيفتقد الحوافزَ العميقةَ للتعليم المستمر، وتنمية التكوين الأكاديمي، والحرص على الحضور في الفضاء الرقمي ومواكبة وتيرة تطوره الفائقة. وربما يُصاب الأستاذ بالقرف وهو يكرّر كلامًا لا ينتج علمًا لدى المتلقي ولا يكوّن معرفةً، ولا يؤثّر في بناء وعي التلميذ، ولا يوسّع متخيّله وأحلامه العلمية.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

........................

[1] المطيري، غادة، "الذكاء الاصطناعي"، اندبندت عربية 11 يونيو 2019.[1]

[2]19 جريدة الشرق الأوسط، 19 - 6 – 2024.

[3] أحمد، أبو بكر سلطان، البيانات الضخمة: خصائصها وفرصها وقوتها، الفيصل العلمية، الصادرة بتاريخ 28-11-2017.  

[4] جريدة الشرق الأوسط، 9 يوليو 2024.  

[5] الرفاعي، د. عبدالجبار، "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير، الطبعة الثانية، 2019، ص 65.

 

مثلما أنه يستحيل أن نتصور جسم الإنسان بدون عضو من الأعضاء التي تكونه في صيغة تكاملية، يستحيل – بنفس الدرجة تقريبا – أن نتصور مجتمعا مبتورة أحد أعضائه التي تدب فيه الحيوية وتمنحه الحركة، ولو أن هذه المقاربة البيولوجية المنتعشة في الأدبيات السوسيولوجية الوظيفية قد توصلت إلى فهم آخر لما يمكن أن يكون عليه المجتمع حتى ولو فقد أحد أعضائه، فكما أن الإنسان إذا فقد أحد أذنيه تتقوى عنده حاسة السمع ضعفين في الأذن التي بقيت عنده سالمة، وكما أنه يستعين بحواس أخرى لديه يعوض بها وظيفة ما فقده، فإن المجتمع كذلك إذا فقد أحد أعضائه فإنه يلوذ بالبحث عن بدائل وظيفية يسد بها الفراغ الذي خلفه العضو المفقود، وهذه القدرة الحيوية التي يتمتع بها المجتمع – أي القدرة على التعويض والتخليف Compensation– تكسبه قوة كبيرة على الحفاظ على استمراره وتحصين بقاءه من أشكال الصراع والنزاع الكفيلة بتمزيقه إلى أشلاء إذا ما لم يتم التعامل معها بطريقة عقلانية وتنظيمية ونسقية، وإننا نعني بالأعضاء هنا مختلف المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية التي تحتضن الأفراد وتضمهم إلى نسق اجتماعيSystème social يعج بالمعتقدات والمعايير والأخلاق والتمثلات الرائجة داخله، بما يحافظ على بنيته ويصون مستوى الانسجام والتناسق فيه .

ينظر إلى هذا النسق – في المقاربة الصراعية السوسيولوجية – كسجن رمزي يحتجز في داخله الأفراد ليمارس عليه قهرا ماديا تارة ورمزيا تارة أخرى، ويفهم هذا القهر على أنه سلطة تملي عليهم ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله بالترغيب والترهيب، فكل نظام، وكل نسق لا تكون له قائمة ولا تصنع فيه صانعة إلا إذا احتوى في داخله سلطة ما متمثلة في مجموعة من الضوابط والقواعد والمعايير التي ترشد السلوك وتوجه التصرف على جهة الفعل، وفي نفس الوقت توحي للأفراد وحيا يشكل – ليس أفكارهم فقط – بل الطريقة التي يجب أن يفكروا بها، والمواضيع التي تستدعي التفكير من جهة التمثل، وإن نحن هنا نتحدث عن مملكة السلط – أي المجتمع – فسيكون طوبى يتهم المؤتي بها بالزيغ والانحراف أن ننادي بالحرية والاستقلالية والإبداع والابتكار، والحق أن هذا النداء الطوباوي أشبه بوسوسة الشيطان لأن اتباعه يؤدي حتما إلى نوع من التفرقة والتشرذم داخل المجتمع بين من يتغيا أن يحقق الحرية داخل مجتمع لا يتقبل فكرتها حتى، وبين من يتشبث بترسانة القيم والمعايير التي تشربها زمانيا ومكانيا من بني مجتمعه، وهذا مما لا يؤمل حصوله في مجتمع ولا يرجى حدوثه بين أفراده .

إن الوظيفية مع دوركهايم تناشد الفرد الذي ينغمس انغماسا تاما في منظومة مجتمعه، ويطيع المجتمع – الإله ولا يحيك حياكة عشواء للخروج عن طاعته وعصيانه، وإن هو فعل، فإنه يتعرض لما يسمى ب " الضبط الاجتماعي Contrôle social " بحيث يجري إعادة إدماجه قسرا في البنية، وإن استعصى ذلك وقاوم فإنه حتما يقذف خارج البنية الاجتماعية وكأنه جرثومة اخترقت جسد المجتمع وتعين على مؤسساته أن تعمل على استئصاله .

أما الصراعية فإنها تساند الفرد الذي يدأب على النفاذ خارج النسق السلطوي، وعلى التحرر من الأغلال الاجتماعية التي تكبل نزوع الإبداع عنده ومن الأصفاد المعيارية التي تطوق ميوله الطبيعي إلى التفكير العقلاني والسلوك الأخلاقي، إنها ضد كل ألوان التعسف في استعمال السلطة لتطويع الأفراد لقوتها إن وعيا منهم وإن من دون وعي، إن علما منهم كما هو الشأن مع المؤسسات الاجتماعية التي تعمد إلى القمع كمؤسسة الأمن (الشرطة، الدرك، العسكر، القوات المساعدة) وإن جهلا منهم كما هو الشأن مع المؤسسات الاجتماعية التي تعيث الأيديولوجيات وتنفث سمومها الملوثة في كل مكان ليستنشقها الأفراد بدون أن يستشعروا ضررها ولا أن يتحسسوا أثرها عليهم، وإن فضح هذه الأيديولوجيا الثاوية خلف المؤسسات الاجتماعية التي تتكلف بشكل خفي بترويجها وإذاعتها هي مهمة اضطلعت بها المقاربة الصراعية ممثلة في مجموعة من علماء الاجتماع والفلاسفة، لعل أبرزهم هنا – ولن نجد أخير وأنسب منه في توظيفه ضمن موضوعنا – الفيلسوف الفرنسي والماركسي الكبير لوي ألتوسير .

1 . الإنتاج في البنية التحتية وإعادة الإنتاج في البنية الفوقية:

يتكون المجتمع حسب كارل ماركس من بنيتين : بنية تحتية متعلقة بالقاعدة الاقتصادية التي تحكمها علاقات الإنتاج ووسائل الإنتاج من أجل تكثيف عملية الإنتاج بغية تحقيق الأرباح، وبنية فوقية متعلقة بالقاعدة الاجتماعية التي تحكمها السياسة ممثلة في الدولة والقانون ممثلا في القضاء والمؤسسة الأمنية من جهة، والأيديولوجيات السياسية والدينية والأخلاقية والاجتماعية من جهة أخرى، وحق لنا في مستوى البنية الفوقية أن نميز طبقا لما وضحناه آنفا بين ما يظهر وما يضمر، فالظاهر هو ما يقع في الواجهة، بمعنى أنه يمكن أن نلاحظه ونستشعره، ويتجلى بشكل واضح في معتقدات الناس حول الدولة والقانون، إذ ينظرون إلى الأولى على أنها المسؤولة عن المؤسسات، إذ أن نجاعة هذه الأخيرة رهينة برصانة التخطيط التدبير السياسي، وأن فشل التدبير إنما ينذر بإخفاق المؤسسات عن تحقيق المصلحة العامة للمواطنين، وينظرون الى الثاني – أي القانون – على أنه الوسيلة الوحيدة الممكنة لبسط السلم والأمان وتخويل الحقوق لهم بما يتماشى وسياسة السلم الاجتماعي، وحتى القمع الذي يصدر من الجهاز الأمني بذريعة تطبيق القانون لا يعاب فيه شيء طالما أنه يخدم الغاية التي ترجى منه، وهي غاية الاستقرار الاجتماعي، فلا غرابة – وفق هذه المقاربة – أن يقمع كل من تجاسر وتطاول على الرموز الاجتماعية والدينية والسياسية على اعتبار أن التطاول عليها إنما هو – بالدرجة الأساس – ضرب من ضروب الانحراف والشذوذ، ذلك أنه إذا تواكف الناس جميعهم شأن المتمرد الثائر على بني مجتمعه فإن حالة من الفوضى والاختلال ستسود، فلن يكون لنا بمقتضى هذه الحالة شرعية لكي نتحدث عن مجتمع، ومنه يتعين علينا أن نقر بأن الظاهر في القانون بالنسبة إلى عامة الناس هو الحفاظ على النظام والاستبقاء على التوازن وإدامة السلام وصون الحقوق وإقرار الواجبات .

أما الضامر من البنية الفوقية فهو ما يتخفى وما يتوارى خلف ما يظهر، إن الأمر أشبه بجبل الجليد، يظهر منه جزء صغير على السطح، لكنه في الأعماق ممتد يصعب استكشافه، وهذا الجزء الخفي هو ما يسمى بالأجهزة الأيديولوجية، وعلى غرار تشبيهنا لها بجبل الجليد، فقد شبهها لوي ألتوسير بالمسرح في مقالته " الأيديولوجيا والأجهزة الأيديولوجية للدولة Idéologie et appareils idéologiques d'État "1، إذ يقول فيها : " أعتقد أنه وراء مشهد جهاز الدولة الأيديولوجي السياسي – الذي يحتل خشبة المسرح – فما أعدته البرجوازية حقا وكان أداتها الأولى – في الكواليس – هو الجهاز التعليمي، والذي حل في حقيقة الأمر محل جهاز الدولة المهيمن السابق، ألا وهو الكنيسة، وللمرء أن يضيف هنا أنه قد حلت ثنائية (المدرسة / الأسرة) محل (الكنيسة / الأسرة)"، ولا يجب أن ننسى بأن هذا الجزء الخفي يغطي ما يحلو لنا أن نسميه ب " العنف اللطيف "، وقد أطلق عليه صاحبه ومنظره السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو اسم " العنف الرمزي Violence symbolique " وذلك من أجل إحقاق وظيفة هي أشبه بالقانون الطبيعي هي إعادة الإنتاج، بينما الظاهر من البنية الفوقية تستعمل العنف المادي والقمعي وذلك قصد – كما بينا من قبل – إحقاق السلم الاجتماعي، وصح أن نقول أن الأول ينطوي على ديناميكية Dynamique بينما الثاني يحمل في ثناياه استاتيكية Statique، وهنا نعود إلى قول ألتوسير أعلاه بخصوص المدرسة لنتساءل حول موقعها ضمن هذا النسق الأيديولوجي، فهل هي تنتمي إلى الظاهر أم إلى الباطن؟ هل تسعى إلى الديناميكية أم تهدف إلى فرض الاستاتيكية؟ هل العنف فيها رمزي ناعم أم مادي قمعي؟ هل هي متحكمة أم متحكم فيها؟ هل هي عاكسة أم معكوسة؟ وماذا تكولسه (كولسة) المدرسة؟ هل يمكن اعتبار المنهاج الدراسي والتعليمي تجسيدا لهذه الكولسة؟ ثم كيف تعيد المدرسة إنتاج الطبقات الاجتماعية إذا ما افترضنا أنها تهدف إلى التحريك بدل التجميد؟

2. المدرسة.. قوة أيديولوجية ناعمة !

انطلاقا من فصلنا وتمييزنا بين الأجهزة القمعية للدولة التي تعتمد على العنف والقمع كوسيلتين أساسيتين لضمان شرعية وجودها وتقوية تماسكها الداخلي من جهة وصون حرمتها " المقدسة " من جهة ثانية، ونخص بالذكر هنا جهاز الأمن وجهاز السجن ... وبين الأجهزة الأيديولوجية للدولة والتي تعول على مؤسسات اجتماعية وسياسية لتمرير أفكار وقيم ومعتقدات كفيلة بأن تبرر وضعا قائما أو تزيفه وتشوهه، ونذكر هنا مؤسسة الأسرة ومؤسسة القانون ومؤسسة الإعلام ومؤسسة الدين ... إلا أنه – يقول ألتوسير – ضمن هذه الكوكبة من الأجهزة الأيديولوجية هناك جهاز دولة أيديولوجي واحد له الدور المهيمن، وإن كان لا يكاد لا يوجد من يعير لحنه سمعا، إنه المدرسة!

و هنا نطرح سؤالا: ما معنى أن تكون المدرسة جهازا أيديولوجيا؟

سيكون من المروع حقا أن نشاهد صورة المدرسة المنمقة أمام أعيننا تتبدد وتنفرط، خصوصا إذا علمنا مسبقا أنه ما كان للمجتمع أن يقبل نقدا ولا اتهاما يتجه رأسا إلى هذه المؤسسة التي ظلت النزاهة والمصداقية صفتان لازمتان لها إلا وكان هذا الاتهام هو المتهم نفسه، حتى أن قيم التعليم والتربية باتت متأسسة عليها، أو لنقل – على سبيل المغالاة الجائزة – ما كان ينعته إيفان إليتش ب " مأسسة القيم L'institutionnalisation des valeurs "، بمعنى حصر القيم الأخلاقية والتربوية في نطاق بناية مكونة من حجرات ومرافق، بحيث أن كل ما يقع خارجها إنما هو باعث على ما يخالف قيمها التي تروجها، فتقع في محضور النخوة الزائفة، أين تترفع عن كل نقد وتتأبه عن كل مراجعة ونظر، وهذا مرتع الأيديولوجيا الخصب، إنها تستمرئ عمل مؤسسة عبر التلميع من صورتها وربط مجموعة من القيم النبيلة بها، فلا غرابة مثلا أن نجد قيمة الصدق لصيقة بمؤسسة الإعلام، وقيمة العلم مقترنة اقتران اللزوم بدور الثقافة والجامعات، وقيمة العدل مندسة في مؤسسة القانون، وقيمة التواصل بمؤسسة السياسة، ومن ثمة تمنحها قبولا عند فئة عريضة من الناس، ومعلوم أن الإنسان إذا قبل بشيء وحضي عنده باستضافة رحبة فإنه يقبل منه بالتالي أي شيء آخر يصدر منه، وينتج عن هذا القول أن المجتمع الذي يحمل تمثلا إيجابيا عن المدرسة لابد له من أن يقبل بكل ما ينبع منها، دون أن يستشعر أو " يشم " رائحة العنف الرمزي الذي تمارسه على المنتمين إليها من جهة الميكرو، وإعادة الإنتاج الاجتماعي الذي تخدم به الطبقات المسيطرة من جهة الماكرو، ومؤدى القول هنا إلى أن من لا يستشعر الضرر الذي يلحقه ويقبل به إنما هو في حالة تنويم أو بالأحرى تسكين، ولما لا والقوة التي يتوسدها في منتهى النعومة واللطافة، فأين تتجلى هذه القوة الناعمة؟.

يشجب ألتوسير الضغط الذي يتناوب على ممارسته على التلاميذ جهازين : جهاز الدولة الأسري وجهاز الدولة التعليمي، إن الأطفال – التلاميذ يقعون موقع الوسط بين هاتين القوتين اللتان تسحقانه سحقا يصيبه بشتى أنواع الإرهاق والإنهاك النفسي والبدني، ما يخلف عنده هشاشة تكاد لا تفارقه طوال مشواره الدراسي ومساره الاجتماعي، فضلا عن الخوف الذي ينتابه في كل اختبار أو امتحان يحكم بموجبه على مستواه، فإن أفلح فيه نال التقريظ والثناء، وإن هو أخفق، يقذف بأشكال عديدة من التشنيع والإهمال، وهذا بالطبع ما يمكن أن نسميه عنفا رمزيا بلغة بورديو، وهو عنف أشبه بالمرض الذي ينخر في جسد الإنسان وهو لا يحس به .

كما استفظع لوي ألتوسير ظاهرة إعادة الإنتاج الاجتماعي والاقتصادي التي تشرف المدرسة على إشاعتها وإفشائها، وتتبدى هذه الظاهرة الخفية بشكل جلي فيما يمكن تسميته بالمنهاج المضمر، وهو منهاج يحتوي على مجموعة من التوصيات التي تنص على ما يجب تعليمه وما لا يجب تعليمه، فما يجب يندرج ضمن المحددات الرئيسية التي تضمن للمجتمع درجة عالية من التماسك والتلاحم، زيادة على الحاجيات الاقتصادية التي يتوخى سد ثغراتها، والحق أن هذه الحاجيات لا تلزم الاقتصاد في التنصيص على شيء طالما أن اليد العاملة موجودة، لكن تدخل الجانب الاقتصادي في المنهاج التعليمي المضمر كانت تستدعيه ضرورة اجتماعية أساسية، وهذه الضرورة تتحدد أساسا في الحفاظ على الطبقات والفوارق الاجتماعية الموجودة ودرء الحراك الاجتماعي، والدليل على ذلك – وعلى حسب الدراسات السوسيولوجية التي أجراها بيير بورديو – هو أن خريجي المدارس يبحثون عن وظيفة أو عمل كفيل بأن يمنح لهم العيش الكريم، لكن، من الاستثناء الضئيل أن تجد خريجا من المدرس يطمح لأن يكون وزيرا أو رجل سياسة أو يطمع في أحد المناصب الريادية في الدولة، وفي ذلك يقول ألتوسير: " وفي سن السادسة عشر تقريبا يخرج كم هائل من الأطفال إلى الإنتاج : ها هم العمال وصغار المزارعين (...) وأصحاب الياقات البيضاء من العمال والتنفيذيين الصغار والمتوسطين، والبرجوازية الرثة بأشكالها ... " .

إننا إذا لاحظنا هذه الوظائف والمهن التي ذكرها ألتوسير لا نكاد نجد فيها ما يمكن أن ندعوه بالعمل الحر، أي العمل الوحدوي الذي لا تتخلله علاقة الاستغلال الجامعة بين مستغل (بكسر الغين) ومستغل (بفتح الغين)، ومنه يمكننا أن نستنتج أن ما يتم تدريسه من معارف ومعلومات لا يرقى إلى المستوى الذي يخول للخريج أن يوظفها ويستعملها في حياته بحرية، بل هي معارف يمكن أن تستثمر فقط حين يكون الخريج منخرطا في علاقة الاستغلال تلك، لأن هذه المعارف " ملفوفة في غلاف ناعم من الأيديولوجية الخاصة بالطبقة الحاكمة، يعاد إنتاج علاقات الإنتاج في التكوين الاجتماعي الرأسمالي، أي علاقات الخاضع للاستغلال بمن يستغله، والقائم بالاستغلال بمن يستغلهم، الآليات التي تنتج هذه النتيجة المهمة للنظام الرأسمالي مغطاة ومخفية تحت طيات الأيديولوجية العالمية المهيمنة الخاصة بالمدرسة، وهي مهيمنة على الجميع لأنها من الأدوات الأساسية لأيديولوجيا البرجوازية الحاكمة: هي أيديولوجية تمثل المدرسة بصفتها بيئة محايدة تخلو تماما من الأيديولوجيا".

والواقع أن كل المآخذات التي أعقبت النقد الماركسي الذي وجهه ألتوسير الى المدرسة إلا أنه لم يطالب – شأن إفان إليتش – بإلغائها أو التخلص منها والبحث عن بدائل لها، بل بالعكس من ذلك، رأى أنها مطلب طبيعي لا غنى لنا عنه مهما ابتكرنا من أدوات ووسائل جديدة للتعليم والتربية، فالمدرسة تبقى الحضن الوحيد الذي يحتوي جميع اختلافات وتناقضات وتفاعلات المجتمع والسياسة والاقتصاد، أكثر مما تقدر أي مؤسسة أخرى على احتواءه .

***

ابراهيم ماين - باحث في الفلسفة وعلوم التربية بالمدرسة العليا للأساتذة، جامعة محمد الخامس بالرباط .

.....................

Louis ALTHUSSER, Idéologie et appareils idéologiques d’État. la revue La Pensée, no 151, juin 1970

 

1- توطئة تاريخيَّة:  إنّ الأطروحة التي تضادّ الإسلام بالمسيحيَّة، وتقول إنّ المسيحيَّة قد فصلت بين الذروتين الدينيَّة والدنيويَّة في حين أنّ الإسلام خلط بينهما منذ البداية هي أطروحة متسرّعة وسطحيَّة وغير مقبولة لأنّها لا تأخذ بعين الاعتبار الشروط التاريخيَّة لكلا الدينيْن.

فالمسيحيَّة قد نشأت في ظلّ الحكم الروماني لفلسطين وحاكمها كان يمثّل السلطة السياسيَّة والشرعيَّة والقانونيَّة للإمبراطوريَّة الرومانيَّة. وفي مثل هذا السياق وتلك الظروف فإنّ الوسيلة الوحيدة التي يتمكّن بواسطتها رجل الدين من ممارسة سلطة ما هي أن يظلّ في مجاله الروحي والديني، ولا يحشر أنفه في السياسة. فعبارة المسيح “ما لقيصر لقيصر ومالله لله” تهدف إلى استملاك السلطة الروحيَّة التي تنتمي للأنبياء أو للسلطة الكهنوتيَّة اليهوديَّة. فالمسيح إذ فعل ذلك قد حقّق عمليتين حاسمتين بضربة واحدة. فهو لم يهاجم السلطة السياسيَّة الرومانيَّة بشكل مباشر ولكنّه طرح، بشكل ضمنيّ، مسألة شرعيتها لأنّها ليست مرتكزة على السيادة العليا الروحيَّة لهذا الإله الموحي في شخص المسيح، ولكنّ التوتّر والصراع راحا يتعاظمان بين الحاخامات والسلطة الرومانيَّة في آن معا إلى أن أصبحت الكنيسة في فترة لاحقة تطالب بممارسة السيطرة على السلطة السياسيَّة متذرّعة بذروة السيادة الروحيَّة العليا الموروثة عن المسيح. ونتج عن ذلك صراعات متزايدة. إنّ الكنيسة في نسخها المتعدّدة: الكنيسة البيزنطيَّة ثم الكنيسة الكاثوليكيَّة الرومانيَّة وانتهاء باحتجاج “لوثر الكبير” في القرن السادس عشر قد مارست السيطرة على السلطة الرومانيَّة أو الملكيَّة في الوقت التي حافظت فيه على صلاحياتها بصفتها ذروة السيادة العليا الروحيَّة التي تخلع المشروعيَّة على الحكم.

وبذلك، تنتفي مقولة الفصل بين الدينيّ والدنيوي في المسيحيَّة كما يثبت التاريخ، إلا أن هذا الوضع لم يتغيّر إلاّ عندما بدأت البرجوازيَّة التجاريَّة، ثم الرأسماليَّة تقتنص شيئا فشيئا استقلاليَّة الدائرة الاقتصاديَّة وتناضل من أجل اكتساب استقلاليَّة الدائرة القانونيَّة. وكان ذلك يعني تحرير الدولة من أسر الدائرة الدينيَّة التي أصبح طابعها الأيديولوجي غير محتمل وغير مقبول في معارضة الأيديولوجيا المنافسة التي شكلتها البرجوازيَّة. لقد بلغ التوتر أشده بين الإيديولوجيين حين نشبت الثورة الأنكليزيَّة وانتهت بإعدام الملك شارل الأول عام 1649 ثم نشوب الثورة الفرنسيَّة وإعدام الملك لويس السادس عشر عام 1793. ثمّ أدّت إلى الفصل القانوني بين الكنيسة والدولة، ويعتبر المثال الفرنسي الأكثر جذريَّة في كل بلدان أوروبّا(1).

هذا بالنسبة إلى المسيحيَّة، أمّا في الإسلام لقد كانت الحالة السياسيَّة والدينيَّة في الجزيرة العربيَّة تختلف عما كان عليه الحال في فلسطين زمن المسيح. إنّ العصبيات القبليَّة في الجزيرة العربيَّة كانت تولد باستمرار سلطات متقطعة ومتبعثرة ومتنافسة ومرتبطة بالعقائد والتقاليد والآلهة المتنوعة التي تقسم المجتمع وتنهكه. فمحمّد (صلى الله عليه وسلم)، إذن، لم يكن بمواجهة سلطة مركزيَّة قويَّة عندما ظهر كما هو عليه الحال بالنسبة للمسيح إزاء الإمبراطوريَّة الرومانيَّة، وإنّما كان عليه أن يخلق نظاما سياسيا جديدا مرتكزا على رمزانيَّة دينيَّة جديدة. فالعمل التاريخي للنبيّ محمد كأعمال أنبياء التوراة الذين سبقوه وكعمل يسوع المسيح نفسه قد تمثّل في تأسيس نظام سياسي جديد بالنسبة للجزيرة العربيَّة، وذلك على قاعدة رمزانيَّة دينيَّة جديدة بالنسبة إلى العرب آنذاك، هي رمزانيَّة الميثاق أو التحالف و الذي يسمى في اللغات الأوروبية. َ   (l’alliance)  فالنبي يبلور الفضاء السياسي في الوقت الذي يبلور فيه الفضاء الديني، عندما ينقل القبلة من القدس إلى مكة وعندما يفرض يوم الجمعة يوم احتفال جماعي كنوع من المنافسة لرمزانيَّة يومي الأحد والسبت لدى المسيحيين واليهود، وعندما يقيم مسجدًا في المدينة وعندما يعود إلى مكّة ويدمج في الرمزانيَّة الإسلاميَّة الجديدة كل الطقوس والدعائم المادّيَّة لشعيرة الحجّ الوثني السائد سابقا في الجزيرة العربيَّة، وعندما يعدل ويرمّم قواعد الإرث وطرق الزواج السائدة في الوسط القبلي إلخ.

عندما يقوم بكل ذلك فإنه يؤسّس تدريجيا نظاما سيميائيا يبطل النظام السيميائي الذي ساد في “الجاهليَّة” أي في المجتمع العربي السابق ويتفوق على الأنظمة المنافسة من يهوديَّة ومسيحيَّة وصابئة ومانويَّة ويجعل أمر إقامة دولة تطبق النظام السياسي الجديد ممكنا. وسيكون هذا النظام قابلا للاستمرار بفضل قدرة النص القرآني على بلورة رمزانيَّة دينيَّة جديدة في لغة مجازيَّة تتيح توليد الدلالات الملائمة للحالات التاريخيَّة الأكثر تغيرا واختلافا.

إنّ الإخضاع الذي تعرض له العامل الديني من قبل العامل السياسي من خلال تجربة الأمويين لا يجعلنا نسلم بحتميَّة ذلك الخلط المنسوب للإسلام ما بين الروحي والزمني، لأنّه مع مجيء عهد الدولة الإمبراطوريَّة فإن تأسيس الممارسة السياسيَّة على قاعدة الإبداعيَّة الرمزيَّة قد انتهى نهائيا. فمحمّد صلى الله عليه وسلم،  كان يرسخ يوما بعد يوم ولأول مرة نظاما سياسيا محددا، ثم يركّز قواعده بشكل ناجح ومطابق لمجريات عمليَّة الترميز. فكل قرار قضائي سياسي يتّخذ من قبل النبي كان يلقى مباشرة تسويغه الديني الرمزي من خلال العلاقة المعيشة مع الله، الله الذي كان فاعلا حيا من خلال التصرفات الشعائريَّة والحكايات النموذجيَّة المضروبة للعبرة والموعظة أي القصص القرآني الذي كان يقصّ على الوعي الأسطوري الحلقات الكبرى لتاريخ النجاة في الدار الآخرة. لكن مع الأمويين، حصلت عمليَّة معاكسة لتجربة النبوة. فقد أصبحوا يستخدمون الرأسمال الرمزي المتضمن في الخطاب القرآني من أجل تشكيل إسلام أرثوذكسي وفرضه. إنّه نتاج الخيار السياسي التي اتخذته الدولة أو النظام الحاكم والذي راح يصفي معارضيه جسديا بحجّة تبنيهم لتأويل مخالف للخيار السياسي للدولة الحاكمة.

2- الذات الإنسانيَّة والمنزع العلماني:

إنّ التوترات التي تشتد أحيانا بين المنزع الديني والمنزع الدنيوي، وتخفت أحيانا أخرى، ليست إلا صدى للنفس الإنسانيَّة في مختلف اعتمالاتها.

وقد عمل محمّد أركون على تعميق مسألة العلمنة بالبحث عن جذورها في الذات البشريَّة وتشخيص تجلياتها تحت مجهر علم النفس الذي أضاء نقاطا معتمة في الإنسان. وقد نجح أركون في الإفادة من مكتسبات هذا العلم حتى يدافع عن أطروحته وهي تأصيل المنزع العلماني في الفرد. في الواقع نجد في الإنسان حاجات ودوافع متزامنة تتجه عموما في اتجاهين أساسيين مترابطين أولا مرتبة الرغبة L’instance du désir مع كل القوى الملحقة بها(2). هذه القوى الفرديَّة والتاريخيَّة هي أيضا مظلمة وعصيَّة على الوصف. لكن التحليل النفسي وحده يستطيع أن يقبض على جوانب منها ويحللها. هذه الرغبة تتأرجح ما بين الرغبة في الله مع كل القوى التي أثارتها على مر التاريخ وصولا إلى الرغبة البسيطة المتمثلة في الإنجاب أو الغنى أو الهيمنة. إننا نختزل كثيرا هذا البعد البشري، بعد الرغبة إذ نضعه ضمن الدائرة الدينيَّة فحسب كما كان قد فعل باحتكار وحيلة رجال الدين .حين أخضعوا كل الرغائب إلى أحكام فقهيَّة صارمة (المكروه/المندوب/الحرام/الحلال…) وهي نسغ الحياة وتوهجها. إن الرغائب هي المحركات الأوليَّة التي تتجسّد فيها نوازع الفرد وميولاته. وحتى لا يصبح الفرد عبدا لرغباته وأسيرا لها لا بد أن يتعلّم استبدال ميولاته اللاوعيَّة بتحكيم العقل الذي يرشد الإنسان من خلال التجربة إلى أن كل رغبة ينبغي أن تضبط. وأن يستبدل مبدأ اللذة بمبدأ الواقع حتى يحصل التوازن المنشود. ولبلوغ هذا المأرب نصل إلى الاتجاه الثاني وهو إلحاح الفهم والتعقل l’exigence de l’intelligibilité . هذا الإلحاح هو حاجة كامنة في أعمق أعماق الإنسان .هكذا كان الأمر دائما على مر العصور.لكن حدث تاريخيا أن إلحاح الفهم هذا كان قد تعرض للمقاومة وحرف عن دربه الصحيح(3).

فإيديولوجيات التبرير والتسويغ سواء في المجال الإسلامي أو المسيحي والتي كانت ترمي إلى اقتناص السلطة والاستحواذ عليها تشهد على ذلك. لقد حدثت عمليات تحريف في الماضي، تحريف للواقع وتزوير له إلى حد أن الإنسان اضطر للنضال والكفاح من أجل اكتساب حقه في المعرفة والفهم. ضمن هذا الخط النضالي من أجل الفهم والتعقل يندرج تاريخ العلمنة. لكن إلحاح الفهم والتعقل يصطدم بكل تجليات الرغبة وعليه أن يشق طريقه ويؤكد نفسه. في هذه البوتقة ينبغي موضعة ذلك التوتر الداخلي الذي يمتاز به الإنسان أيا كان الوسط الثقافي الذي ينتمي إليه. هذا التوتر يمكن أن يعاش بدرجات ووسائل ثقافيَّة مختلفة. إن الأطروحة التي يدافع عنها أركون هي أن العلمنة يمكن أن يعاش بدرجات ووسائل ثقافيَّة مختلفة و هي بالتالي لا يمكن أن تكون غائبة تماما عن التجربة التاريخيَّة لأيَّة جماعيَّة بشريَّة حتى ولو تجلت أحيانا في صور ضعيفة وغير مؤكدة، لكن يمكن لقوى الرغبة أن تتوصل في لحظة ما من لحظات التاريخ وفي وسط ثقافي معين إلى أن تخنق نهائيا إلحاح الفهم والتعقل عند الإنسان فلا يعود قادرا على التعبير عن نفسه لكن هذه الحالة يمكن أن تتغير. ذلك أنه ليس هناك من اختناق أبدي. كما يمكن في الآن نفسه أن ينقلب إلحاح الفهم والتعقل إلى عقيدة، أي أن تتحول العلمنة إلى إيديولوجيا تضبط الأمور وتحد من حريَّة التفكير كما فعلت الأديان سابقا. إن العلمنة ينبغي أن تتركز فقط في الإلحاح على الحاجة إلى الفهم والنقد داخل توتر عام في الإنسان ولا ينبغي أن تصبح سلطة عليا تحدد لنا ما ينبغي التفكير فيه وما لا ينبغي التفكير فيه.

3- نحو آفاق أرحب:

لقد أدرك العديد من المفكرين، ولا سيما علماء الإناسة، المأزق الذي آل إليه مسار العلمنة المناضلة la laïcité militante التي عرفت أوجها في القرن التاسع عشر والتي تصدّت لغطرسة الكنيسة وهيمنتها والتي نجحت في افتكاك مجالات متعددة من الحياة من براثن اللاهوت مثل مجال السياسة والثقافة والاقتصاد(4)..

وكان ذلك يعد مكاسب ثمينة للإنسان، لأنها استطاعت أن تشرع له حقه في استعمال عقله بكل حريَّة في فهم كل ما يحيط بحياته وتعقله دون وصاية من أحد ولكن بمرور الوقت، انقلبت العلمنة المناضلة إلى عقيدة إيديولوجيَّة تضبط الأمور وتحد من حريَّة التفكير، مما يجعل هذا الصنف من العلمنة المتشنجة في مرمى سهام النقد بالرغم من أن البعض يفهم دوافعها وأسباب تطرّفها ففرنسا، مثلا، عاشت كثيرا من حروب الأديان بين الكاثوليك والبروتستانت، ثم من تعصب الكاثوليك وارتباطهم بالنظام الملكي المستبد. وآن الأوان لممارسة تفكير جديد، ذي نظرة متطورة إزاء العامل الديني ولا بد من تجاوز العلمنة المناضلة إلى علمنة منفتحة .

إن رصد أركون للتطورات والمتغيرات التي تحصل في المجتمعات الأوروبيَّة قد مكّنه من اكتشاف تقارب بدأ يحدث بين الكنيسة والدولة في البلدان الغربيَّة المعلمنة. يرمي هذا التقارب إلى البحث عن صيغة جديدة ومشتركة من أجل علمنة جديدة تتيح إمكانيَّة وجود روحانيَّة جديدة. ويعبر عن هذا في فرنسا باحث في علم اجتماع الأديان هو إميل بولا في كتابه عن العلمنة:

Emile Poulat, Liberté, Laïcité la guerre de deux France et le principe de la modernité, cerf, (paris 1987)

إن هذا التوجيه الجديد يتماشى مع القناعة التي روج لها الأنتربولوجيون والتي مفادها أن الإنسان لا يعيش بالماديات فقط وإنما هو بحاجة إلى إشباع روحي أيضا مما جعل العلمانيَّة المناضلة تتهم اليوم بالسطحيَّة وذلك لأنها همشت الرمز والدلالة والمعنى. فالبحوث الأنتربولوجيَّة الحديثة كشفت عن أهميَّة المعنى في حياة الشعوب، وهو ما أهّل أصحاب تلك البحوث إلى الدعوة إلى ضرورة انفتاح الإنسيَّة العلمانيَّة على الإنسيَّة الدينيَّة، بحثا على أرضيَّة مشتركة تتكفل بإرجاع التوازن المفقود للذات الإنسانيَّة، التي ظلّت لقرون طويلة عرجاء بسبب استبداد أحد قطبي التوازن بمصير البشريَّة، وإقصائه للطرف الآخر.

لتجربة العلمنة في أوروبا رصيدها الذي بتراكمه أصبح يقتضي مراجعة نقديَّة ملحّة. ولكن ماذا عن العرب والمسلمين الذين لم يصوغوا إلى الآن تجربتهم الخاصة مع العلمنة من ناحيَّة، ومع المقدّس من ناحيَّة أخرى؟

لعل تلك مسألة أخرى تحتاج إلى بحث آخر (5)

***

رمضان بن رمضان

......................

الهوامش

1. محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، دار السافي (لندن 1990 –ص 58).

2. أركون، تاريخيَّة الفكر العربي والإسلامي، (بيروت 1986-ن م, ص293-3 ص292)

4. محمد أركون، العلمنة والدين: الإسلام –المسيحيَّة-الغرب، دار الساقي(لندن 1990-4

Voir aussi : Peter Berger, la religion dans la conscience moderne,

(Paris 1971) P174

5-أنظر الى محاولتي كل من

-68

عبد المجيد الشرفي العلمنة في المجتمعات العربيَّة الأسلاميَّة ضمن كتابه لبنات (تونس 1994) ص 53 – فتحي القاسمي، العلمانيَّة وانتشارها غربا و شرقا نشر ضمن سلسلة موافقات(تونس 1994) و لاسيما الفصل الثاني المعنون” بارهاصات العلمنة في المجتمعات العربيَّة و الأسلاميَّة قديما و حديثا صص 171-265).

في المثقف اليوم