عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

بقلم: ألكسند بوشكين

ترجمة: نزار سرطاوي

***

أسألهم أن يأتوا بقصيدة شعرٍ

ويعرضوها أمام الضوء

مثل شريحة ملونة

أو يضعوا أُذُنًا للتنصت على خَليتها

*

أقول لهم: ألقوا بفأرٍ في قلب قصيدة

وانظروا كيف يبحث عن طريق الخروج

أو يتمشّي في حجرة القصيدة

ويتحسّس الجدرانَ بحثًا عن مفتاح النور.

*

أريدُهم أن يتزلّجوا

على سطح قصيدة

ويُلوّحوا باسم الشاعر على الشاطئ

لكن كل ما يريدون فِعله

هو أن يربطوا القصيدة إلى كرسي بحبل

ويُمعنوا في تعذيبها حتى ينتزعوا منها اعترافًا.

***

....................

* يُعدّ الشاعر والروائيّ والكاتب المسرحيً الروسي ألكسندر بوشكين رائد الأدب الروسي الحديث، بل إن الكثيرين يعتبرونه أعظم شعراء روسيا. والحقيقة أن تأثيره في الأدب الروسي كان كبيرًا، وذلك أنه جمع بين الأسلوب الأدبي الرفيع واللغة العامية السائدة.

وُلد بوشكين في السادس من حزيران/ يونيو عام 1799 في عائلة من أصول أفريقية. بدأ ينشر كتاباتِه في سن المراهقة. لكنه فيما بعد راح يكتب أشعارًا تتّسِمُ بالليبرالية وتناهض السلطة. لذا أمر القيصر ألكسندر الأول بنفيه ب إلى الجنوب الروسي ين عامي 1820 و 1826.

مات بوشكين ميتةً مأساوية في 10 شباط من عام 1937 متأثرًا بجراح أصيب بها في مبارزة خاضها دفاعًا عن شرف زوجته.

كان بوشكين غزيرًا في إنتاج الأدبي. ورغم موته المبكر، فقد ترك تراثًا أدبيًا كبيرًا. من أهم أعماله: يوجين أونجين (رواية شعرية)، ،بوريس غودونوف (مسرحية) ابنة القبطان (رواية)، و ملكة البستوني وقصص أخرى (مجموعة قصصية).

قصيد طاهر بكري

تعريب سُوف عبيد

***

ورقة

هوت على الأرض

في النّزع الأخير

اِنطرحت كغابر الأيّام

لا نرغب يوما اِستذكارها

*

ورقة

مُداسة

اِتّحدت بالأديم

حسبُك أن ذلك

من أضلاعها العجاف

وقُوت الزّمن العسير

*

ورقة

في مهبّ الريح

لا تدري أين ستهوي

فهل تُولِي اِهتمامًا حقًا

عندما تخذلك شجرة

وهي جّذلى بانتظار الموسم الجديد

***

......................

Feuille

Feuille

tombée à même le sol,

jetée comme un vieux jour

qui se meurt

dont on ne veut se souvenir

Feuille

piétinée

unie à la terre pourtant

tu le sais c'est à cause

des nervures usées

à nourrir les temps difficiles

Feuille

à la merci du vent

tu ne sais où tu attérris

mais est-ce vraiment important

quand l'arbre t'abandonne

fier d'attendre la nouvelle saison

*** 

Tahar Bekri

قصائد للشاعر الروسي الكبير سيرغي يسينين

ترجمة الدكتور إسماعيل مكارم

Сергей Есенин

День ушел, убавилась черта

***

ها هو النهار قد انقضى

ها هو النهارُ قد انقضى، وقد قصُرَ الزّمن

ها أنا قد اقترَبتُ من مَوعِدِ الرّحيل من جديدْ.

تراني بحَركةِ خاتم أبيضَ

أكشفُ أسرارَ السّنين بفلاحَة الماءْ.

**

في تيار المياه الأزرق ِ لهذا العُمر

يتدفق زَبدُ الماءِ الباردِ،

ليتركَ طابَعهُ في هذا الأسر الصّامتْ

مُشكلا خطاً جَديدًا في الشفةِ المُجعّدة.

**

بعدَ مُرورِ كلِّ يوم أشعرُ أنني غريبْ

عن ذاتي، وعن من صادفتهم، بارادةِ هذهِ الحَياة.

هناكَ، عندَ حُدود الحَقل الواسع ِ

تخَلصْتُ من ظِلي، وأبعدتهُ عن نفسي.

**

وقد ابتعَدَتْ عَني كما خَلقها الخالِقْ

آخذة ً مَعَها فقط قامتي المُنكسِرَة.

رُبما هي الآن في تلك الأبعادِ، بمكان ما

تعانق بلطف ٍ رَجُلا غريباً.

**

لرُبّما قد انحنتْ نحوه برقةٍ

وأراها قد نسيَتْ أمريْ.

يبدو لي وهي تحدِّق في الظلمَةِ الكحليه

قد نغيرت لديها تجاعيدُ ثغرها والشّفتين.

**

غير أنها تعيشُ على نغم سَنواتٍ خَلتْ

كما الصّدى يَحوم خلفَ الجِبالْ.

ها أنا اليوم، بشفتيّ الزرقاوين، أقبلُ

تلك الصّورة َ المَنقوشة في السّوادْ.

1916

***

«Гляну в поле, гляну в небо…»

أنظر إلى الحقول...

أنظرُ إلى الحُقول، أنظرُ إلى السَّماء −

أرى الجَنة بهذي الحُقول، وفي ذلك القوس.

أراضينا، التي طالما انتظرت من يفلحها

أراها من جَديد مغظاة بأكوام القمح.

**

وفي مراعينا الخَصبةِ

ترعى قِطعانُ مواشينا الكثيرة،

ومن سفوح ِ جبالنا الخضرا

تتدفق جَداول المياهِ الذهبيّة.

**

آه، إني واثق – أنَّ بعدَ بؤس ِ وشقاء

ذلك الرَّجل، البسيط، الضائع

سيكون له يومٌ

تقوم أياد خيِّرة بالإهتمام بهِ.

1917

***

Письмо к сестре

رسالة إلى أختي يكاتِرينا

لقد كتبَ الكساندر عن ديلفيغ

واختار تلك السطور بعِناية، وعن الجُمجُمة*

يا له من إنسان رائع وشخص بعيد،

ولكني أعتبرهُ قريباً إلينا

كأنّه بُستانٌ تزيّنت أشجارُه بالزهور!

*

سلامٌ يا أختي...

سلامٌ إليكِ، سلامْ!

أفلاحٌ أنا، أما أنا فلاحْ؟!

كيفَ يهتمّ جَدي اليومَ

بشجراتِ الكرز عندَنا في ريازان؟

*

آه يا شجرات الكرز!

وهل غابتْ شجراتُ الكرز عن بالِك؟

ما أكثر الهموم كانت لدى والدي،

كان يُريدُ الإستعانة

بفرسِنا الشقراء الضّعيفة وبالمحراث

لاقتلاع الغلال من أرض ِ بستاننا.

*

كان أبي يريد أن يجني مواسمَ البطاطا،

بينما نحن أردنا الحفاظ على ذلك البستان،

وأخيرا انتصر رأيُ والدي، وحطمنا البستان،

نعم، حَطمناه ُ، يا قلبي!

*

ووسادتي، التي بللتها الدّموعُ لم تنسَ ذلك،

كانَ الأمرُ قبلَ سَبع ِ ...

أو ثماني سِنين.

*

إني أذكرُ جيّداً أيامَ العيد،

أذكرُ أعيادَ أيار الزاهية،

حين زهّرت بُطمة ُ الشّمال،

وتفتحَت أزهارُ شجَيرةِ الليلك،

لقد ضَمَمتُ إلى صَدري شجراتِ البتولا

واحدة واحدة،

لقد كنت نشوانا

أكثر من نهار سَماؤه زرقاءُ صافِية.

*

آه، يا شجرات البتولا،

تلك الشجراتُ كانت تقفُ كما الصّبايا الجَميلاتْ،

من لا يحب أشجارَ البتولا مثله

كالذي يقابلُ شابا فتياً، وسيما، في مطلع العمر،

ويسألُ: من هذا الجنين؟

*

يا أختاه! يا أختاه!

أقلاء همُ الأصدقاءُ بهذه الدنيا!

ربما هو الأمرُ كما لدى الجَميع،

لقد كتِبَ على جبيني :

إذا كانَ قلبُكَ الرّقيق

قد تعِبَ،

فدَعهُ يَنسَ ويَسكتْ .

*

هل تعرفين ساشا؟ *

لقد كان ساشا جيداً .

وليرمونتوف كانَ قريباً من قامته.

غيرَ أني مريضٌ...

وبأزهار شجيرة الليلك

بهذا الوقت فقط

أداوي الروحَ.

*

كم أنا حزين عليك.

سوف تبقين وحيدة،

أما أنا فمستعد للذهاب

حتى إلى المبارزة.

"طوبى لمن لم يشرب الكأسَ حتى النهاية" (1)

طوبى لمن سمع صوت المزمار ليس إلى آخر جرسة.

*

نعم... بستاننا!

ذلك البستان

لسوف يركض على عشبه

بأيام الرّبيع

أولادُكِ المُدللين.

آه!

دعيهم

يذكروا بالخير، ولو بغير مناسبة،

أنه قد عاش في هذه الدنيا

*

أناس غريبو الأطوار.

1925

***

.........................

هوامش ومصادر:

1) هنا نجد إستعارة من أشعار بوشكين.

* في مطلع قصيدة (رسالة إلى أختي) إشارة ألى الشاعر ألكساندر بوشكين، وإلى ديلفيغ - صديق بوشكين. راجع قصيدة الكساندر بوشكين (إرسالية إلى ديلفيغ) تجد تفسيرا لذكر الجمجمة. * بمتن قصيدة (رسالة إلى أختي) يسينين يذكر الشاعر بوشكين من جديد، ويسميه ساشا، وساشا هو اسم تلطيف لالكساندر. من هو ديلفيغ؟ أنطون ديلفيغ هو شاعر وناقد روسي، درس في ذات المدرسة التي تخرج منها الكساندر بوشكين، وهي مدرسة أبناء النبلاء..المترجم.

بقلم: مارتن إسبادا

ترجمة نزار سرطاوي

***

بعد الانقلاب،

ظهر الجندُ

ذات ليلةٍ في حديقة نيرودا،

وقد حملوا الفوانيس ليستجوبوا الأشجار،

وراحوا يشتمون الصخور التي تعثّروا بها.

من نافذة غرفةِ النوم،

بدوا كما لو كانوا غزاةَ الأساطيلِ الغارقة الإسبان،

وقد عادوا من البحر ليستكملوا

نهب الساحل.

*

كان الشاعرُ يُحْتَضر؛

وقد اجتاح السرطان جسدَه كالصاعقة،

وتركه يتقلب على فراشه علّه يطفئ ألسنة اللهب.

لكنْ حين اندفع الملازم مقتحمًا الطابقَ العلوي،

واجهه نيرودا بقوله:

لا يواجهك هنا إلّا خطرٌ واحد: الشعر.

جعل الملازم خوذته على صدره،

واعتذر للسيد نيرودا،

وتقوقع عائدًا إلى أسفل الدرج.

وراحت الفوانيس تتلاشى تِباعًا من بين الأشجار

*

منذ ثلاثين عامًا

ونحن نبحث

عن رُقْيةٍ أخرى

لنجعل الجندَ

يختفون من الحديقة.

...................

Martin Espada

The Soldiers in the Garden

After the coup,

the soldiers appeared

in Neruda’s garden one night,

raising lanterns to interrogate the trees,

cursing at the rocks that tripped them.

From the bedroom window

they could have been

the conquistadores of drowned galleons,

back from the sea to finish

plundering the coast.

The poet was dying;

cancer flashed through his body

and left him rolling in the bed to kill the flames.

Still, when the lieutenant stormed upstairs,

Neruda faced him and said:

There is only one danger for you here: poetry.

The lieutenant brought his helmet to his chest,

apologized to señor Neruda

and squeezed himself back down the stairs.

The lanterns dissolved one by one from the trees.

*

For thirty years

we have been searching

for another incantation

to make the solders

vanish from the garden.

***

....................

* مارتن إسبادا، المولود في نيويورك عام 1957، شاعر ومترجم وكاتب مقالات ومحرر ومحام من أصول بورتوريكية. حصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ من جامعة ويسكنسون-ماديسون، وعلى شهادة الدكتوراه الاحتراف في القانون من جامعة نورث إيستيرن في مدينة بوسطن.

في عام 1982 أصدر إسبادا كتابه الأول في الشعر السياسي بعنوان "باليرو ولد الثلج المهاجر" ثم أتبعه بجموعات شعرية عديدة. نال العديد من الجوائز وحظي بالتكريم من عدد من المؤسسات الثقافية والأكاديمية. يعمل حاليًا أستاذًا جامعيًا في قسم اللغة الانكليزية في جامعة ماساتشوسيتس أمهرست. 

بقلم: هاروكي موراكامي

ترجمة: صالح الرزوق

***

(الأوامر الأخيرة لضابط ياباني في منشوريا، خلال اللحظات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية)

استيقظ العسكري الياباني قبل 6 صباحا. كانت معظم حيوانات حديقة حيوان هسين شينغ مستيقظة. سمحت النافذة المفتوحة بدخول صراخها والنسمات التي حملت رائحتها، وهو ما أخبره بحالة الطقس بدون أن ينظر إلى الخارج. وفيما يلي نبذة عن روتينه في منشوريا: يصغي، ثم يتنفس هواء الصباح، ويجهز نفسه لكل يوم جديد. عموما يجب أن يكون اليوم مختلفا عن الأمس. يجب أن يكون مختلفا. فقد ضاع العديد من الأصوات والروائح. النمور والفهود والذئاب والدببة: تمت تصفيتها كلها، والتخلص منها، على أيدي كتيبة يابانية في بعد ظهيرة اليوم السابق لتجنب هربها حينما كانت المدينة عرضة لهجوم روسي. والآن بعد عدة ساعات من الرقاد، تبدو له تلك الساعات مثل تململ جزء من  كابوس انتابه قبل فترة طويلة. ولكنه يعلم أنه انتابه فعليا. ولا تزال أذناه تؤلمانه على نحو مقبض بسبب هدير بنادق الجنود. وهذا ليس حلما. حصل ذلك في آب عام 1945، حينما كان في مدينة هيسين شينغ في منشوريا التي تحكمها اليابان، فقد اندفع الجنود السوفييت عبر الحدود، وكانوا يقتربون على مدار الساعة. هذا واقع - شيء واقعي مثل المغسلة وفرشاة الأسنان اللتين يراهما أمامه. أعطاه صوت نفير الفيلين بعض الإحساس بالراحة. آه. نعم. الفيلان باقيان. قال البيطري لنفسه وهو يغسل وجهه: لحسن الحظ، كان للضابط الشاب المسؤول عن مهمة الأمس ما يكفي من الحساسية البشرية، ولم يدرج الفيلين في القائمة. منذ قدومه إلى منشوريا، قابل عددا من الضباط الشباب المتعصبين والمتزمتين، وكانوا من بلده، وجعله احتكاكه معهم دائما يرتجف. معظمهم كان من أبناء المزارعين الذين أمضوا سنوات شبابهم في فترة الثلاثينيات الكئيبة، مغمورين بمآسي المجاعة وجنون المشاعر القومية تطرق في جماجمهم.  يتبعون أوامر الرؤساء بدون تفكير  مهما كانت قاسية. وإذا تلقوا أمرا باسم الإمبراطور، ليحفروا نفقا في الأرض حتى البرازيل، يحملون الرفش ويباشرون العمل. بعض الناس يسمون ذلك "نقاء"، ولكن لدى البيطري كلام آخر. باعتبار أنه ابن طبيب متحضر، وتلقى علومه في جو يابان العشرينيات الليبرالي نسبيا، لم يستوعب كلام أولئك الضباط الشباب. إطلاق النار على زوج من الأفيال مهمة أسهل من حفر الأرض حتى البرازيل، لكن ملازم الأمس، ومع أنه يتكلم بلهجة ريفية بسيطة، يبدو شخصا طبيعيا بالمقارنة مع باقي الضباط. فهو مثقف على نحو أفضل، وأكثر تعقلا. وأمكن للبيطري أن يشعر بهذا من طريقة كلام الشاب، وتصرف على هذا الأساس. في كل حال لم يقتل الفيلان، وقرر البيطري أنه ربما يجب أن يكون ممتنا لذلك. وعلى الجنود أيضا أن يفرحوا لأنهم أعفوا من هذا الواجب. لكن من الممكن أن العمال الصينيين أسفوا لإلغاء المهمة، لأنه فاتهم الكثير من اللحوم والعاج. وضع البيطري ماء في الغلاية، ونقع لحيته بمنشفة حارة، وحلقها. ثم تناول إفطاره بمفرده، شاي وخبز محمص وزبدة. كانت حصص الطعام في منشوريا غير كافية، ولكن بالمقارنة مع تلك في أماكن غيرها، لا تزال سخية. وهذه أخبار طيبة له وللحيوانات. كانت الحيوانات تبدي الاشمئزاز من حصص غذائها المقننة، ولكن الوضع هنا أفضل من حديقة الحيوانات في اليابان ذاتها، فالتموين الغذائي انخفض حتى الدرك الأسفل. ولا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل، ولكن حاليا، على الأقل، كل من البشر والحيوانات، معفيون من الجوع المفرط. تساءل كيف هي حال زوجته وابنته. فقد غادرتا إلى اليابان قبل أيام، وإذا سار كل شيء حسب الخطة، لا بد أن قطارهما بلغ الساحل الكوري في هذا التوقيت. هناك ستستقلان العبارة التي ستحملهما إلى اليابان. افتقد الطبيب رؤيتهما حين استيقظ في الصباح. وافتقد سماع صوتيهما المحببين وهما تعدان إفطارا. خيم على البيت هدوء أجوف. لم يعد هذا البيت مسكنه المحبب، ولا المكان الذي ينتمي له. وفي نفس الوقت، لم يعد بإمكانه أن لا يشعر بمتعة غريبة ما لأنه أصبح وحده في هذا المسكن الرسمي الفارغ. حاليا بمقدوره أن يشعر بقوة القدر العاتية تتسلل إلى عظامه وبدنه. والقدر ذاته هو المرض الفتاك الذي يعاني منه البيطري. منذ أيامه الأولى، كان لديه وعي غريب وواضح  "أنني كشخص وفرد أعيش تحت رحمة قوة خارجية". وفي معظم الأوقات كانت قوة القدر تلعب به مثل صوت رتيب وهادئ  يلون أطراف حياته فقط. ونادرا ما كان يتذكره. ولكن بين حين وآخر يميل الميزان وتتضاعف القوة المسيطرة، وتلقي به في حالة تقارب الشلل. ويعلم من التجربة أنه مهما فعل أو فكر لن يبدل الحال. ليس لأنه مخلوق سلبي، والحقيقة أنه ذو عزيمة أكثر من غيره، ودائما يحقق ما عزم عليه. وفي مهنته، كان متفوقا أيضا: فهو بيطري بمهارات استثنائية، كان مربيا لا ينال منه التعب. ولكنه بالتأكيد ليس ضارا، بالمعنى الذي يستعمله كل الناس. يضاف إلى ذلك أنه لم يشك أبدا باستقلال قراراته التي يتخذها. ودائما كان يشعر أن القدر دفعه لاتخاذ قرارات تلائم قناعاته. في بعض الأحيان بعد أن يرضى آنيا عن قرار اتخذه بإرادته الحرة، يلاحظ أن قوة خارجية حسمت الأمور مسبقا، متنكرة على نحو ذكي بشكل الإرادة الحرة. مجرد طعم ألقي في طريقه ليخدعه ويجره إلى السلوك المقرر والمقصود. وكان يشعر كأنه رئيس دولة فخري لا يزيد عمله عن وضع الخاتم الملكي على وثائق بأمر من بلاط يمسك بزمام السلطة الحقيقية في هذا المجال، مثل إمبراطور مانشوكو، هذه الإمبراطورية الدمية. والآن وبعد أن أصبح البيطري مهجورا في مسكنه في حديقة الحيوانات صار بمواجهة قدره بمفرده. والقدر، قوة القدر العاتية، تؤرجح هنا - لا جيش كوانتونغ فقط، ولكن الجيش السوفييتي، وقوات الشيوعيين الصينيين أو الكومينتانغ. أي شخص يسعه رؤية أن القدر هو المسيطر هنا، وأن الإرادة الفردية ليس لها اعتبار. والقدر هو الذي أنقذ الفيلين ودفن في اليوم السابق النمور والفهود والذئاب والدببة. ماذا سيدفن الآن، وماذا سينقذ؟. هذه أسئلة لا يمكن أن يجيب عليها أحد.

غادر البيطري مسكنه لتحضير وجبة الصباح. وافترض أن أحدا لن يأتي للعمل بعد الآن، ولكنه وجد صبيين صينيين بانتظاره في مكتبه. لم يتعرف عليهما. كانا بالثالثة عشرة والرابعة عشرة من العمر. ببشرة داكنة ونحيلين، وبعيون حيوانية متحركة. قال أحد الصبيين: "طلبوا منا مساعدتك". هز الطبيب رأسه. سألهما عن اسميهما، ولكن لم يردا. بقي وجهاهما بدون تعبير، كما لو أنهما لم يسمعا الجواب. من الواضح أنه أرسلهما العمال الصينيون الذين عملوا هنا حتى اليوم السابق. من المحتمل أن أولئك الأشخاص أنهوا أي تواصل مع اليابانيين، بانتظار النظام الجديد، ولكن افترضوا أن الأولاد لن يعاقبوا. وتم إرسال الصبيين كإشارة على النية الطيبة، والعمال يعلمون أنه لن يستطيع رعاية الحيوانات وحده. قدم البيطري لكل ولد منهما قطعتي بسكويت، ثم طلب منهما العمل على مساعدته في إطعام الحيوانات. قادا من قفص إلى قفص عربة يجرها بغل، وقدما لكل حيوان طعامه الخاص وبدلا ماء الأقفاص. أما تنظيف الأقفاص فقد كان خارج أي نقاش،  وأفضل ما أمكنهما القيام به هو رش ماء الخرطوم بسرعة لغسل الروث. بدآ العمل في الثامنة وانتهيا في العاشرة. وشعر البيطري بالإنهاك من العمل العضلي. فعاد إلى المكتب وأبلغ مدير الحديقة أن الحيوانات تلقت غذاءها. وقبيل الظهيرة، عاد الملازم الشاب إلى حديقة الحيوان يقود نفس العساكر الثماني الذين أتى بهم في اليوم السابق. بكامل عتادهم ثانية، ساروا والقرقعة المعدنية يمكن سماعها من مسافة بعيدة قبل وصولهم. كانت قمصانهم مسودة من العرق. والجنادب تصفر بين الأشجار، كما هو حالها في الأمس. ولكن اليوم لم يحضر الجنود لقتل الحيوانات. حيا الملازم المدير وقال له: "نريد أن نلم بواقع الحديقة الراهن وإمكانية استعمال العربات لنقل الحيوانات". أخبره المدير أن في الحديقة بغلا واحدا وعربة واحدة بالضبط. وأضاف: "قدمنا جرارنا الوحيد وحصانين منذ أسبوعين". هز الملازم رأسه وأعلن أنه يصادر حالا البغل والعربة، بأمر من قيادة جيش كوانتونغ.

تدخل البيطري بقوله: "انتظر لحظة. نحن بحاجة لها لإطعام الحيوانات مرتين في اليوم. كل العمال المحليين اختفوا. وبدون تلك العربة والبغل، ستجوع حيواناتنا حتى الموت. وحتى بهما نتدبر أمرنا بصعوبة".

قال الملازم بعينيه الحمراوين ووجهه المغطى بلحية خفيفة: "جميعنا نتدبر أمورنا بمشقة يا سيد. والأولوية للدفاع عن المدينة. يمكنك أن تحرر الحيوانات من أقفاصها إن لزم ذلك. فقد انتهينا من المفترسات الخطيرة. والبقية لا تشكل خطرا على الأمن. وهذه أوامر عسكرية يا سيد. وعليك أن تتصرف كما ترى أنه مناسب".

اختصر الملازم النقاش، وجعل رجاله يستولون على البغل والعربة. وبعد انصرافهم، تبادل المدير والبيطري نظرة. ثم رشف المدير من شايه، وهز رأسه، ولزم الصمت. بعد أربع ساعات، عاد الجنود مع البغل والعربة، وغطاء من القماش الرخيص الأسود يغطي المحتويات المكومة في العربة. كان البغل يلهث، والرغوة على عصابته بسبب حر ما بعد الظهيرة، وثقل الحمولة. قاد الجنود أربع رجال صينيين أمامهم بواسطة الحراب، وكان الرجال من الشباب، ربما في العشرينات، ويرتدون بذات بيسبول وأيديهم مكبلة وراء ظهورهم. وعلى وجوههم علامات زرق وسود ومن الواضح أنهم تلقوا الضرب المبرح. والعين اليمنى لأحدهم منتفخة وتقريبا مغلقة، والشفتان المتورمتان لدى آخر بقعت قميص البيسبول بلون أحمر ناصع. ولم تحمل صدور القمصان كلمات، ولكن عليها مستطيلات صغيرة حيث تم تمزيق رقعة الاسم. وكانت الأرقام المدونة على ظهورهم هي 1،4، 7 و9. لم يتمكن البيطري من تخيل لماذا، في وقت كارثي، يرتدي أربع رجال صينيين بذات بيسبول أو لماذا تعرضوا للضرب القاسي وجرتهم القوات اليابانية إلى هنا. كان المشهد يبدو كأنه شيء لا ينتمي إلى هذا العالم، أو لوحة رسمها مريض مختل عقليا. سأل الملازم مدير الحديقة إن كان لديه أي جاروفة أو رفش يمكن استعمالها. كان الضابط الشاب يبدو أكثر شحوبا وتعبا من قبل. قاده البيطري مع رجاله إلى كوخ الأدوات الموجود وراء المكتب. اختار الملازم لرجاله جاروفتين ورفشين. ثم طلب من البيطري أن يرافقه، وترك رجاله هناك، وسار إلى دغل وراء الطريق. تبعه البيطري. حيثما سار الملازم، كانت نطاطات تهرب. وفاحت رائحة العشب الصيفي في الجو. اختلط صوت الجنادب المصم للآذان مع نفير الفيلين، بين حين وآخر، ثم أصبح ذلك يبدو كأنه صوت تحذير  من مسافة بعيدة. تابع الملازم تقدمه بين الأشجار بدون كلام، حتى وجد فتحة ما في الغابة. كانت المنطقة ممهدة لبناء ساحة لصغار الحيوانات التي يمكن للأولاد أن يلعبوا معها. ولكن تأجلت الخطة بدون موعد نهائي، حينما ساء الوضع العسكري، وأخليت لتجهيز دائرة من الأرض العارية، وقد أضاءت الشمس هذا الجزء من الغابة كما لو أنها بقعة ضوء في مسرح. وقف الملازم في وسط الدائرة وتمعن في المنطقة. ثم ضرب الأرض بكعب بوطه وقال وهو يركع ويحفن قبضة من التراب: "سوف نعسكر هنا لبعض الوقت". رد البيطري بحركة تدل على الموافقة. لم يكن لديه فكرة لماذا عليهم أن يخيموا في حديقة حيوانات، وقرر أن لا يستفسر. هنا في هسين شينغ علمته التجارب أن لا يسأل عسكريا. الأسئلة لا تفيد وتغضبهم، وهم لا يقدمون أجوبة صريحة في كل حال. قال الملازم كأنه يكلم نفسه: "أولا نحفر حفرة كبيرة هنا". وقف وأخرج علبة سجائر من جيب قميصه. وضع سيجارة بين شفتيه، وقدم أخرى للطبيب، ثم أشعل الاثنتين بالثقاب. ركز كلاهما على التدخين لملء الصمت. ثم عاد الملازم ليحفر الأرض ببوطه. ورسم مخططا على الأرض، بعد ذلك محاه. وأخيرا سأل البيطري: "أين ولدت؟".

قال له: "في كاناغاوا. في بلدة تسمى أوفيونا، قرب البحر، على بعد ساعة أو اثنتين من طوكيو".

هز الملازم رأسه.

فسأله البيطري: "وأين ولدت؟".

بدل أن يرد، ضيق الملازم عينيه وراقب الدخان يصعد من بين أصابعه، قال البيطري لنفسه: كلا. لا يجوز أن تسأل رجلا عسكريا أسئلة. هم يحبون توجيه الأسئلة، لكنهم لا يقدمون جوابا. وحرفيا لا يتكرمون عليك بذكر الوقت.

قال الملازم: "هناك يوجد استوديو أفلام".

استغرق البيطري عدة ثوان ليفهم أن الملازم يتكلم عن أوفيونا. فقال: "صحيح. استوديو كبير. لكن لم أدخله".

ألقى الملازم بقايا سيجارته على الأرض ودهسها وقال: "أتمنى أن تنجح بالعودة. طبعا عليك عبور المحيط من هنا إلى اليابان. وربما سنموت جميعا هنا". احتفظ بعينيه على الأرض وهو يتكلم قائلا: "أخبرني يا دكتور. هل تخاف من الموت؟".

قال البيطري بعد دقيقة من التفكير: "أعتقد أنه يعتمد على طريقة الموت".

رفع الملازم عينيه، ونظر إلى البيطري كما لو أن فضوله استيقظ. كان من الواضح أنه يتوقع جوابا آخر. وقال: "أنت محق. هذا يعتمد على الطريقة التي تموت بها".

لزم الاثنان الصمت لبعض الوقت. وبدا الملازم كأنه موشك على أن يغط بالنوم هناك وهو واقف. كان من الواضح أنه منهك. طار نطاط ضخم على نحو استثنائي فوقهما كعصفور واختفى في كومة أعشاب بعيدة وهو يخفق بجناحيه. نظر الملازم لساعته وقال دون أن يوجه كلامه إلى أحد: "حان الوقت". ثم قال للبيطري: "أريد منك أن تبقى جاهزا لفترة. وربما أطلب منك أن تقدم لي صنيعا". وافق البيطري بحركة من رأسه. قاد الجنود السجناء الصينيين إلى الساحة في الغابة وفكوا وثاق أيديهم. رسم الجندي دائرة كبيرة على الأرض باستعمال عصا بيسبول، ورأى البيطري أن وجودها مع العسكري مجرد لغز آخر، ثم أمر العسكري السجناء، باليابانية، أن يحفروا حفرة عميقة بمساحة الدائرة.  بالجاروفات والرفوش بدأ الأربعة وهم بثياب البيسبول الحفر وبصمت. راقبتهم نصف الكتيبة اليابانية، بينما تمدد النصف الثاني تحت الأشجار. وبدا أنهم بحاجة ماسة للنوم، وما أن سقطوا على الأرض بكامل عتادهم حتى شرعوا بالشخير. أما الجنود الأربع الذين كانوا يقظين فقد تابعوا مراقبة عمليات الحفر بجوارهم،  والبنادق بحرابها المثبتة مرتاحة على أوراكهم، ليكونوا جاهزين لاستعمالها الفوري. وتناوب الملازم والجندي على مراقبة العمل واستراق سنة من النوم تحت الأشجار. واستغرق السجناء الصينيون الأربع أقل من ساعة في حفر حفرة بعرض اثني عشر قدما، وعميقة بما يكفي، فقد وصلت حتى أعناقهم. طلب أحد الرجال الماء، باليابانية. هز الملازم رأسه، وأتى عسكري بدلو مليء بالماء. شرب الصينيون الأربع الماء من الدلو وابتلعوه بمتعة واضحة. حتى شربوا تقريبا كل الدلو. وتبقعت ثيابهم ببقع سود من الدم والطين والعرق. وأجبر الملازم اثنين من الصينيين على جر العربة لتكون فوق الحفرة. سحب الجندي الغطاء الشمعي وبرز أربع رجال أموات مكومين فوق العربة. كانوا يرتدون نفس بذات البيسبول مثل السجناء، وكانوا أيضا صينيين بشكل واضح. وبدا أن النار أطلقت عليهم، فبذاتهم مبقعة بالدم الأسود. وشرعت ذبابات ضخمة تحوم فوق الجثث. بالنظر للدم الجاف، خمن الطبيب أنهم ماتوا من حوالي أربع وعشرين ساعة. أمر الملازم الصينيين الأربع الذين حفروا الحفرة أن يلقوا الجثث فيها. وبدون كلام، بوجوه معتمة، حمل الرجال الجثامين من العربة وألقوها في الحفرة، كل ميت على حدة. وحطت كل جثة على الأرض بصوت خبطة مكتومة. كانت الأرقام على ثياب الرجال الأموات 2 و5 و6 و8. وحفظها البيطري في ذاكرته. حالما أنهى الصينيون الأربع إلقاء الجثامين في الحفرة، ربط الجنود كل رجل بشجرة قريبة. ورفع الملازم معصمه ونظر إلى ساعته بتعبير كئيب. ثم عاود النظر ببقعة في السماء، لبعض الوقت، كأنه يبحث هناك عن شيء. وبدا مثل مدير محطة يقف على الرصيف وينتظر بلا أمل قطارا متأخرا. ولكن في الحقيقة كان لا ينظر نحو أي شيء. وكان يسمح بمرور بعض الوقت. وما أن أنجز ذلك، التفت إلى المجند وأعطاه الأوامر بطعن السجناء الأربع، رقم 1 و7 و9. واختير ثلاثة جنود فاتخذوا مواقعهم أمام ثلاثة صينيين. بدا الجنود شاحبين أكثر من الرجال المزمع قتلهم. وبدا الصينيون متعبين جدا ولا يأملون بأي شيء. قدم المجند لكل منهم سيجارة، لكن رفضوها. فأعاد سجائره إلى جيب قميصه. ذهب الملازم برفقة البيطري ليقف بعيدا عن بقية الجنود. وقال: "من الأفضل أن تشاهد هذا. فهذا أسلوب آخر للموت".

وافق البيطري بحركة من رأسه. وفكر الملازم أنه لا يقول لي ذلك. ولكنه يخبر نفسه.  بصوت هادئ شرح الملازم قائلا: "إطلاق النار عليهم أبسط وأكفأ طريقة لقتلهم، ولكن لدينا أوامر أن لا نبذر رصاصة واحدة - وبالتأكيد أن لا نهدر الرصاص على قتل الصينيين. علينا أن ندخر ذخيرتنا لقتال الروس. سنطعنهم بالحراب فقط، كما أفترض، ولكن هذا ليس سهلا كما يبدو. بالمناسبة يا دكتور هل علموك كيف تستعمل الحربة في الجيش؟".

أخبره البيطري أنه فارس بيطري ولم يتلق التدريب لاستخدام الحربة.

أشار الملازم نحو جذعه فوق المعدة قائلا: "حسنا، الطريقة الناجعة لقتل رجل بالحربة هكذا: أولا تطعن بها تحت الأضلاع هنا. ثم تحرك طرفها بدائرة كبيرة وعميقة داخله لتخلط الأعضاء. ثم تطعن بها نحو الأعلى لتثقب القلب. لا يمكنك أن تودعها فيه وتتوقع منه أن يموت. نحن الجنود تلقينا هذه التدريبات. الاشتباك يدا بيد باستعمال الحراب مكانها الهجوم الليلي وهي مفخرة الجيش الإمبراطوري، ولكنها أساسا أرخص من الدبابات والطائرات والمدافع،  وطبعا يمكنك أن تتدرب، إنما في النهاية ما تطعنه هو دمية من قش، وليس كائنا بشريا. الدمية لا تنزف ولا تصرخ أو تدلق أمعاءها على الأرض. هؤلاء الجنود لم يقتلوا عمليا كائنا واحدا بتلك الطريقة. ولا أنا".

نظر الملازم إلى المجند وأعطاه الأذن. نبح المجند بالأمر للجنود الثلاث، الذين أخذوا وضعية الانتباه. ثم تقدموا نصف خطوة ولوحوا بحرابهم، وسدد كل رجل بنصله على سجين واحد. أحد الشباب (رقم 7)، زأر بلغة صينية وبدت كأنها شتيمة، وبصق بشيء من التحدي، لكن لم تصل إلى الأرض، إنما سالت على مقدمة بذة البيسبول. ومع ثاني أمر، طعن العساكر الثلاث بحرابهم الرجال الصينيين بقوة هائلة. ثم كما قال الملازم حركوا حرابهم لبتر أعضاء الرجال الداخلية، وجروا رأس الحربة نحو الأعلى. لم تكن صرخات الصينيين مرتفعة جدا، ولكنها أقرب لبكاء عميق وليس صرخات، كما لو أنهم يلفظون بقايا الأنفاس المتبقية في أجسامهم من فتحة واحدة. سحب الجنود حرابهم وتراجعوا إلى الخلف. نبح المجند بأمره ثانية، وكرر الرجال الخطوات نفسها بالضبط كالسابق، وطعنوا، وحركوا الحراب، ودفعوها نحو الأعلى، وانسحبوا. تابع البيطري بصمت مخدر، مأخوذا بإحساس أنه ينشطر لنصفين. وأصبح بنفس الوقت، القاتل والمقتول. وأمكنه أن يشعر بكل من أثر الحربة وهي تدخل في جسم الضحية، والألم المصاحب لتقطيع أوصال أعضائه.  استغرق موت الصينيين أطول مما تخيل. نزفت أجسامهم مقطعة الأوصال على الأرض كميات كبيرة من الدم. ولكن حتى وأعضاؤهم ممزقة، تابعوا التلوي قليلا لفترة ملحوظة. استعمل المجند الأول حربته لتقطيع الحبال التي أوثقت الرجال بالأشجار، ثم طلب من الجنود الذين لم يشاركوا بالإعدام أن يساعدوا في جر الجثامين المتهاوية حتى الحفرة وإلقائها فيها. وصدرت عن هذه الجثامين طرقة كامدة، حال ارتطامها، ولكن الطبيب كان مضطرا ليشعر أن الصوت مختلف عن الذي صدر من الجثامين السابقة؟ ربما لأن هذه غير ميتة تماما. ولم يتبق الآن غير السجين الصيني الذي حمل رقم 4 على قميصه. مزق الجنود الثلاث بوجوههم الشاحبة أوراقا نباتية عريضة كانت عند أقدامهم، ونظفوا بها حرابهم الملوثة بالدم. ليس الدم فقط ولكن سوائل جسم غريبة اللون وأجزاء من اللحم الملتصق بالحراب.  احتاج الرجال لعدة أوراق لتعود الحراب إلى لمعانها المعدني الأصلي. تساءل البيطري لماذا ترك الرجل الوحيد رقم 4، حيا. ولكنه لم يزمع على توجيه أسئلة. أخرج الملازم سيجارة أخرى وأشعلها. ثم عرض سيجارة على البيطري، فقبلها بصمت، وبعد أن وضعها بين شفتيه، أشعل ثقابه. لم ترتجف يده، ولكن بدا أنها فقدت الإحساس، كما لو أنها مغلفة بقفاز سميك.

قال الملازم: "كان هؤلاء الرجال طلابا في مدرسة ضباط جيش مانشوكو. ورفضوا المشاركة في الدفاع عن هسين شينغ. وقتلوا اثنين من المدربين اليابانيين ليلة أمس وحاولوا الهرب. ألقينا القبض عليهم خلال دورية ليلية، وقتلنا أربعة منهم، وأسرنا الأربعة الآخرين. ولكن هرب اثنان في الظلام". حك الملازم لحيته براحة يده وتابع: "كانوا يحاولون الفرار  ببذات البيسبول. وأعتقد أنهم توقعوا أنه سيلقى القبض عليهم كهاربين من الخدمة إذا ارتدوا البذة العسكرية. أو لعلهم كانوا خائفين مما سيفعله بهم الشيوعيون لو وقعوا بالأسر وهم ببذة مانشوكو العسكرية. عموما كل ما توجب عليهم في ثكنتهم أن يرتدوا بالإضافة لثياب الضباط بذات فريق O.C.S للبيسبول. ولذلك مزقوا الأسماء وحاولوا الفرار مرتدين هذه. ولا أعلم إن كنت تعرف، أن للمدرسة فريقا قويا. واعتادوا أن يلعبوا مباريات ودية في تايوان وكوريا. أما ذلك الشاب" وهنا تحرك الملازم نحو الرجل المربوط بالشجرة وقال: "كان كابتن الفريق ورابع أعضاء الرمي. ونعتقد أنه الذي خطط للهروب، أيضا. كما أنه قتل المدربين بالعصا. وكان المدربان يعلمان بوجود مشاكل في الثكنات ولذلك لم يوزعا الأسلحة على الضباط التلاميذ إلا في حالة الطوارئ القصوى. غير أنهما نسيا عصي البيسبول. فتهشمت جمجمة كليهما.  ولعلهما ماتا فورا. هدفان مثاليان. وهذا هو العصا". وطلب الملازم من المجند أن يأتي بالعصا إليه. ثم قدمه للبيطري. أخذه الطبيب بيديه الاثنتين ورفعه أمام وجهه، بالطريقة التي يتقدم بها اللاعب من مربع الإطلاق. كان مضربا عاديا، ليس متقن الصنع، وخشنا ومن مادة غير مصقولة. وكان ثقيلا، ومستأنسا. والقبضة سوداء متعرقة. وهو لا يبدو كمضرب استعمل مؤخرا في قتل مخلوقين. وبعد أن قدر وزنه، أعاده إلى الملازم، فأرجحه عدة مرات بمرونة، كأنه خبير.

سأل الملازم البيطري: "هل تلعب البيسبول؟".

"طيلة أيام الطفولة".

"ولكنك كبرت الآن؟".

قال البيطري : "وتوقفت عن لعبة البيسبول". وكان على وشك أن يسأل: " وماذا عنك سيادة الملازم؟" لكنه ابتلع الكلمات.

قال الملازم بصوت جاف وهو ينقر على الأرض بطرف العصا: "أمرت أن أضرب هذا الشاب حتى الموت بنفس العصا التي استعملها. العين بالعين، والسن بالسن. بيني وبينك فقط. أعتقد أن الأمر كريه. ماذا يفيدنا قتل هؤلاء الشباب؟. لم يتبق لدينا طائرات، وليس لدينا بوارج حربية، وأفضل مقاتلينا أموات. منذ أيام وحسب نوع جديد من القنابل محت كل مدينة هيروشيما في جزء من الثانية. إما سنمحى من منشوريا أو نموت، وستعود الصين للصينيين مجددا. قتلنا ما يكفي من الصينيين، وإضافة بضعة جثث للعدد لن يصنع فرقا. غير أن الأوامر هي الأوامر. أنا جندي ويجب أن أتبع الأوامر. قتلنا البارحة النمور والفهود، واليوم علينا قتل هؤلاء الرجال. لذلك خذ نظرة جيدة يا دكتور. هذه طريقة أخرى للناس كي يموتوا. أنت دكتور وربما معتاد على السكاكين والدم والأحشاء. ولكن ربما لم تشاهد شخصا يضرب حتى الموت بعصا بيسبول".

أمر الملازم المجند الأول أن يأتي باللاعب رقم 4، الرامي الرابع، ويضعه على حافة الحفرة. مجددا قيدوا يديه وراء ظهره، ثم عصبوا عينيه، وجعلوه يركع على الأرض. كان شابا طويلا متين البنية، بذراعين ضخمتين، وهما بحجم فخذي معظم الناس. ودعا الملازم عسكريا شابا، وقدم له العصا. وقال: "اقتله بهذا". وقف العسكري بانتباه، وحيا قبل استلام العصا، ولكن ما أن أخذها بيديه حتى وقف هناك كأنه مخدر. وبدا أنه غير قادر على فهم فحوى ضرب صيني حتى الموت بعصا بيسبول.

سأل الملازم العسكري اليافع: "ألم تلعب البيسبول؟".

رد العسكري بصوت مرتفع: "كلا يا سيدي. أبدا".

كانت القرية المولود فيها وهي هوكايدو، وقرية منشوريا التي نشأ فيها، فقيرتين، ولا توجد فيهما عائلة يمكنها توفير رفاهيات البيسبول أو مضربه. وأنفق صباه يلعب في الحقول، ويصطاد ذبابة النار ويلعب لعبة المبارزة والعصي الخشبية. لكنه لم يلعب البيسبول في حياته، ولم يشاهد مباراة بيسبول. وكانت هذه أول مرة يمسك فيها بمضرب. علمه الملازم كيف يمسك المضرب، وعلمه أساسيات الأرجحة. وقدم له شرحا عمليا. وزمجر من بين أسنانه المتراصفة: "هل رأيت؟. المسألة كلها في الورك. تبدأ من الأرجحة الخلفية، وتنثني من أسفل خصرك. ثم يتبعك رأس المضرب بشكل طبيعي. هل تفهم؟ إذا ركزت كثيرا على أرجحة المضرب، ستؤدي ذراعاك كل العمل وتخسر قوتك. الأرجحة تكون من الوركين".

لم يظهر أن العسكري أدرك تماما تعليمات الملازم. ولكنه تخلى عن عتاده الثقيل، كما أمر، وجرب حركات المضرب لبعض الوقت. كان الجميع يراقبه. وضع الملازم يديه على يدي العسكري لمساعدته في ضبط قبضته. كان معلما جيدا. وقبل مرور وقت طويل، حرك العسكري يديه، بشيء من التعثر، ولكنه اخترق الهواء. ما ينقص العسكري الصغير من مهارة عوضه بقوة عضلاته، فقد أنفق أيامه في أعمال المزرعة.

قال الملازم وهو يمسح عرق جبينه بقبعته: "هذا جيد. حسنا. الآن حاول أن تفعلها بحركة قوية ونظيفة. لا تدعه يعاني".

وكان يريد أن يقول فعلا: "لا أريدك أن تفعل ذلك. مثلما أنت لا تريد. بحق الجحيم من يمكنه أن يفكر بشيء أحمق كهذا؟. قتل شاب بعصا بيسبول.. ". ولكن لا يسع الضابط أن يقول شيئا كهذا لرجل في الخدمة. اقترب العسكري من خلف الصيني معصوب العينين، الراكع على الأرض. وحينما رفع عصاه، ألقت الأشعة القوية لشمس الغروب ظله الطويل والكثيف على الأرض. فكر البيطري: هذا غريب جدا. الملازم محق: لم أشاهد رجلا يقتل بعصا بيسبول. رفع العسكري الشاب عصاه عاليا لفترة طويلة. ولاحظ البيطري طرفها يرتجف. أشار الملازم برأسه للعسكري. بنفس عميق لوح العسكري بالعصا نحو الخلف، ثم ضرب العصا بكل قواه على قفا رأس الطالب الضابط الصيني. كانت ضربة بارعة ومذهلة؛ فقد أدار وركيه تماماً كما علمه الملازم، وأصابت العصا  منطقة خلف أذن الرجل مباشرة، وتابعت الضربة مسارها حتى النهاية بدقة تامة. دوى صوت تهشم مكتوم بينما كانت الجمجمة تتفتت. أما الرجل نفسه، فلم يصدر عنه أي صوت؛  واستمر  جسده معلقاً في الهواء للحظة بوضعية غريبة، ثم سقط إلى الأمام. استلقى وخده على الأرض، والدم يتدفق من إحدى أذنيه، بلا حراك. نظر الملازم إلى ساعته، بينما واصل الجندي الشاب، وهو لا يزال ممسكاً بالمضرب، النظر في الفراغ وفمه مفتوح من الصدمة. كان الملازم شخصا يؤدي مهامه بكل حذق. انتظر دقيقة كاملة. وحينما تأكد أن الصيني لا يتحرك أبدا، قال للبيطري: "هل بمقدورك أن تخدمني وتفحصه لتتأكد أن مات حقا؟".

أومأ البيطري برأسه، ثم تقدم نحو المكان الذي يرقد فيه الشاب الصيني، وجثا على ركبتيه وأزال العصابة عن عينيه. كانت عينا الرجل مفتوحتين على وسعهما، وبؤبؤا العين متجهين نحو الأعلى، ودم أحمر قان ينزف من أذنه. وقد كشف فمه المفتوح قليلا لسانه الملتوي بالداخل. وأدى أثر الضربة إلى التواء رقبته بزاوية غريبة. وسال من منخري الرجل كتلة سميكة من الدم، وترك ذلك بقعا سوداء على الأرض الجافة. شقت ذبابة كبيرة طريقها إلى داخل أحد المنخرين لتضع بيوضها. وكانت متوترة للغاية. وللتأكد فقط، أمسك البيطري معصم الرجل وتلمس نبضه. لم يكن هناك نبض حيث يفترض أن يكون. فقد أنهى الجندي الشاب حياة هذا الرجل الضخم بضربة واحدة بالمضرب، وهي في الواقع أول ضربة له على الإطلاق. نظر البيطري نحو الملازم وأومأ برأسه، مشيراً إلى أن الرجل فارق الحياة دون أدنى شك. وبعد أن أتم المهمة الموكلة إليه، نهض ببطء واستعاد قامته الطويلة، وحينها خيل إليه أن حرارة الشمس الساطعة الكنعكسة على ظهره قد ارتفعت فجأة. في تلك اللحظة بالذات، اهتز اللاعب الصيني الشاب الذي يرتدي الزي رقم 4 وجلس كأنه استيقظ لتوه تماما. وبدون أدنى شك أو تردد ــ أو هكذا بدا الأمر لمن يشاهدونه ــ أمسك بمعصم الطبيب. حدث كل ذلك في لمحة عين. لم يستطع  البيطري أن يستوعب ذلك؛ فقد كان هذا الرجل ميتًا، وهو متأكد من ذلك. ولكن الآن، وبفضل آخر قطرة من الحياة وكانت تبدو كأنها جاءت من العدم، قبض الرجل على معصم  البيطري بقوة كماشة فولاذية. وكان جفناه مفتوحين إلى أقصى حد، وحدقتاه لا تزالان شاخصتين إلى الأعلى، ثم سقط إلى الأمام في الحفرة، وجر معه الطبيب. فسقط فوقه وسمع صوت أضلاع الرجل وهي تتحطم تحت ثقل جسده. ومع ذلك، استمر اللاعب الصيني في الإمساك بمعصمه. شاهد الجنود كل ما يحدث، لكن جمدهم الذهول فلم يفعلوا أي شيء سوى الوقوف والمشاهدة. استعاد الملازم رباطة جأشه أولا، وقفز إلى الحفرة. سحب مسدسه من جرابه، ووضع فوهته على رأس الرجل الصيني، وضغط على الزناد مرتين. دوت ضربتان حادتان متداخلتان، وانفتحت فجوة سوداء كبيرة في صدغ الرجل. فتلاشت حياته تمامًا، لكنه ظل يرفض تحرير معصم الطبيب. جثا الملازم على ركبتيه، وبدأ بيد واحدة، وهو يمسك بالمسدس، عملية مضنية لفتح أصابع الجثة واحدا بعد الآخر. استلقى البيطري في الحفرة، تحيط به ثماني جثث صينية صامتة ترتدي البيسبول. وفي أعماق الحفرة، بدا صفير الجندب مختلفًا تمامًا عما هو عليه فوق سطح الأرض. بمجرد أن تحرر البيطري من قبضة الرجل الميت، سحبه الجنود مع الملازم خارج القبر. جلس البيطري القرفصاء على العشب واستنشق عدة أنفاس عميقة، ثم نظر إلى معصمه؛ كانت أصابع الرجل قد تركت خمس علامات حمراء فاقعة. وفي ظهيرة ذلك اليوم القاسي من شهر آب، شعر البيطري ببرودة تغلغلت في أعماق جسده، وفكر قائلاً: "لن أتخلص من هذا البرد أبداً". فقد حاول ذلك الرجل حقاً، وبكل جدية، أن يأخذه معه إلى هو ذاهب. أمن الملازم المسدس وأودعه بحرص في جرابه. كانت هذه هي المرة الأولى التي يطلق فيها النار على إنسان، لكنه حاول ألا يفكر في الأمر؛ فالحرب ستستمر لفترة أطول على الأقل، والناس سيواصلون الموت، وبإمكانه تأجيل التفكير العميق حتى وقت لاحق. نظف كفه اليمنى المتعرقة ببنطاله، ثم أمر الجنود الذين لم يشاركوا في  الإعدام بردم الحفرة، بينما أسراب ضخمة من الذباب بدأت بالفعل تحوم على الجثث المكومة.  تابع الجندي اليافع الوقوف بمكانه حيث كان، وهو يقبض على المضرب. بدا وكأنه لا يمكنه السماح ليديه أن تفلته. تركه الملازم والجندي الأول لشأنه. كان كأنه يراقب تلك السلسلة الغريبة من الأحداث: الصيني «الميت» الذي أمسك فجأة بمعصم البيطري، سقوطهما في القبر، تدخل الملازم لينهي الأمر، والآن ردم الجنود الآخرين للحفرة. لكنه في الحقيقة لم يكن يراقب شيئا من ذلك؛ بل يستمع إلى طائر كان في مكان ما فوق شجرة ويصدر صوتاً يشبه «كراك! كراك!» كأنه يلف نابضا. رفع الجندي بصره محاولاً تحديد مصدر الصياح، لكنه لم يجد أي أثر للطائر الذي يلف النابض، وشعر بغثيان طفيف في مؤخرة حلقه. وبينما هو يصغي للنابض الذي يدور، رأى  صوراً ممزقة تتوالى أمامه ثم تتلاشى: فبعد أن ينزع السوفييت سلاح اليابانيين، سيسلم الملازم إلى الصينيين ويعدم شنقا لأنه مسؤول  عن هذه الإعدامات. أما الجندي الأول سيموت بالطاعون في معسكر اعتقال في سيبيريا؛ وسيحتجز في كوخ للحجر الصحي ويترك هناك حتى الموت، رغم أنه في الواقع مرض من سوء التغذية فقط، ولم يصب بالطاعون، ليس قبل احتجازه في ذلك الكوخ على الأقل. أما  البيطري سيلقى حتفه في حادث بعد عام من الآن؛ وبصفته مدنياً، سيعتقله السوفييت بتهمة التعاون مع الجيش، ويرسلونه إلى معسكر آخر في سيبيريا للأعمال الشاقة، حيث سيغرقفي بئر  عميق لمناجم الفحم الحجري رفقة جنود كثيرين بعد الفيضان. وفكر الجندي الشاب والمضرب بين يديه: "وماذا عني أنا؟"، لكنه لم يستطع رؤية مستقبله، بل لم يستطع حتى استيعاب حقيقة ما يدور أمام عينيه. فأغمض عينيه، وأنصت لصياح الطائر الذي يلف النابض. وفجأة، فكر في المحيط؛ ذلك المحيط الذي رآه وهو على متن السفينة التي أتت به من اليابان إلى منشوريا قبل ثماني سنوات. لم يكن قد رأى المحيط من قبل، ولم يره منذ ذلك الحين. كان لا يزال يتذكر رائحة الهواء المالح؛ فالمحيط من أعظم الأشياء التي رآها في حياته، أكبر وأعمق من أي شيء تخيله. كان يغير لونه وشكله وتعبيراته وفقاً للوقت والمكان والطقس، الأمر الذي أثار حزنا عميقا في قلبه، وفي الوقت نفسه منحه الطمأنينة والراحة. هل سيراه مرة أخرى؟ أرخى قبضته وترك المضرب يسقط على الأرض، فأحدث صوتاً جافاً عند ارتطامه بالتراب. وبعد أن فارق المضرب يديه، شعر بزيادة طفيفة في غثيانه. واستمر الطائر الذي يلف النابض في صياحه، لكن لم يستطع أحد آخر سماعه.

***

.......................

*ترجم القصة عن اليابانية جاي روبن. ونشرتها النيويوركير في عدد 20 كانون الثاني 1997.

*تمت الاستعانة جزئيا ببرامج الذكاء الصناعي

بقلم: شيموس هيني

ترجمة: نزار سرطاوي

***

أتعبُ من التقاء

الناس الرائعين،

تلك النفوسِ الوضيئةِ

التي تجعل من هذه الكرة الصغيرة،

مكانًا نتعلّق به.

أتعبُ من معرفة

إنجازاتهم

من شخصياتهم،

من تأثيرهم

على أولئك الذين التقوا بهم،

أولئك

الذين أحبوهم.

أتعب من التوصّلِ إلى هذه الاكتشافات،

من معرفة هذه

النفوس ذات المكانة العالية

حين يكون قد فاتتني

فرصةُ

أن أصافح أيديهم، أن أتبادل معهم الحديث،

أن أسمع أصواتهم

أن أشاهد مواهبهم،

بينما هم يستنشقون الهواء عينَهُ،

في المكان عينِهِ

الذي أقيم معهم فيه.

اتعبُ من العيش

ومعرفةِ تلك الحيوات

التي عاشوها

بعد أن توقفوا عن الكينونه.

أتعب.......

***

....................

I Tire

Seamus Heaney

I tire of meeting

Amazing people,

those luminous souls

that make this tiny ball,

a place to cherish.

I tire of learning of

their accomplishments

of their personalities,

of the effect they had

on those they met,

those

they loved.

I tire of making these discoveries,

of learning of these

treasured souls

when it is far too late

for me to ever have the chance

to shake their hands,

to share a word,

to hear their voice

to witness their gift,

while they draw in the same air,

in the same space that

I inhabit with them.

I tire of living

and learning of those lives

most lived

after they have ceased to be.

I tire.......

......................

ولد الشاعر والكاتب المسرحي والمترجم والمحاضر الأيرلندي اشيموس هيني في مقاطعة ديري، أيرلندة الشمالية في 13 نيسان / إبريل عام 1933 لعائلة تعمل في الزراعة.  حصل على منحة للدراسة قي كلية سانت كولمب في ديري، حيث بدأ بممارسة العمل الأكاديمي، مما مكّنه أن يعمل في جامعة كوينز في بلفاست، حيث كتب أولى مؤلفاته الشعرية. ومن هناك انطلق ليعمل استاذًا للبلاغة والخطابة في هارفارد وأستاذًا للشعر في أكسفورد.

تعتمد شهرة هيني إلى حد كبير على الموضوعات التي عالجها، والتي تتعلق بأيرلندا الشمالية الحديثة بمزارعها وريفها ومدنها التي يسودها الصراع، وبثقافتها واللغة التي يسيطر عليها الحكم الإنجليزي. فقد تناول هيني المشاكل أو الصراعات السياسية التي عصفت بالبلاد، إذ كانت كثيرًا ما تتسم بالعنف. وقد حاول الشاعر أن يرى هذه المشاكل في سياقها التاريخي من منظور إنساني .

أصدر هيني العديد من الدواوين الشعرية، منها موت رجل واقعيّ (1966)، باب نحو الظلام (1969)، الخروج شتاءً (1972)، الشمال (1979)، قصائد مختارة 1965 – 1975 (1980)، قصائد مختارة جديدة 1966 – 1987 (1990)، تخيُّل  أشياء (1991)، الضوء الكهربائي (2001)، المنطقة والدائرة (2006)، سلسلة بشرية (2010).

حصل هيني على العديد من الجوائز، وكان أهمها جائزة نوبل للآداب عام 1995.

توفيَّ هيني في أواخر شهر آب / أغسطس 2013

بقلم: فردريك نيتشه

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

1 - شجرة الصنوبر والبرق

سامقة أنا

أكثر من الإنسان والحيوان

ناطقة أنا

و لكن دون أن يتحدث معي

أي أحد

فقط سمقت

لأترقب في أعنان

السماء

و لكن ما الذي

أترقبه؟

قريب هو بلاط

العنان

أترقب البرق

ليمرق .

***

2 - النباهة الدنيوية

لا تظل في السهول

المنبسطة

و لا ترتفع في سيرك

كثيرا

فسوف تبدو لك الدنيا

أكثر جمالا

و أنت في المنتصف .

***

3 - نغمة

هي ذي الريح

تنقر زجاج النافذة

بخفوت

و قد ارخى الليل سدوله

وهو ذا الهطف

يسجم في حجرتي

إنه حلم سعدي

طفق يفتش في فؤادي

كالريح

إنها نسمة طلعتك

تحتل فؤادي

كالهطف .

***

....................

- فردريك نيتشه: هو الفيلسوف الألماني الكبير والشاعر المبدع، صاحب مذهب (قوة الإرادة)، والقائل بأن الحياة ليست غير تنازع البقاء وبقاء الأصلح عملا بمذهب التطور، ومن أجل الوصول إلى الإنسان الأعلى .

- ولد في مدينة (روكن) في بروسيا في 15 – 10 – 1844 وترعرع في كنف أسرة متدينة، فقرأ الإنجيل حتى أسموه (القسيس الصغير) .

- تأثر ب (شوبنهور) و(بسمارك) و(ريتشارد فجنر) -

- وافاه الأجل عام 1900 . يقول عنه (ول ديورانت) في كتابه (قصة الفلسفة): (لا تجد عبقريا دفع ثمنا غاليا لعبقريته ما دفعه نيتشه)

: من كتبه -

مولد المأساة من روح الموسيقى 1872

فجر اليوم 1881

الحكمة الفرحة 1882

هكذا تكلم زرادشت 1883

ما فوق الخير والشر 1886

تاريخ تسلسل الأخلاق 1887

- ترجم القصائد عن الفارسية السيد (فريدون أرشدي / سنة – إيران) . ونشرت الترجمة في العدد (39 / 1999) من مجلة (رامان) الصادرة باللغة الكردية .

- عن (من مشكاة الشعر: قصائد مختارة) للمترجم، دار بيشوا للطباعة والنشر، أربيل – العراق 2002 .

 

بقلم: هاروكي موراكامي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

قال الرجل: "تعرفت على كل أنواع النساء في حياتي. ولكن لم أقابل واحدة دميمة مثلك".

قال ذلك بعد أن تناولا الحلوى، وكانا بانتظار تقديم القهوة. استغرقت المرأة لحظة لتبتلع ذلك. ربما ثلاث أو أربع ثوان. جاءت عبارته فجأة، ولم تتمكن كاهو أن تفسر بالحال نواياه. وحينما كان الرجل ينطق بهذه الكلمات الفجة والمقلقة، كان يبتسم طيلة الوقت. ابتسامة لطيفة وصداقية على وجه العموم. ولم يكن فيما قال حتى أي لمسة من المرح. لم يكن يلقي طرفة، وكان جادا تماما. والطريقة الوحيدة التي توفرت لكاهو كي لا ترد عليه كانت بتناول الفوطة من حضنها، وإلقائها على الطاولة، والقبض على حقيبتها من الكرسي المجاور، والوقوف، وبدون كلمة، مغادرة المطعم. وعلى الأرجح كانت تلك هي أفضل طريقة للتعامل مع الموقف. ولكن لسبب ما لم يمكن كاهو أن تفعل ذلك. وأحد أسباب ذلك - وهو ما تبادر لذهنها لاحقا - أنها صدمت حقا. سبب آخر هو الفضول. كانت حانقة - طبعا عليها أن تغضب. وكيف لا تغضب؟ وأكثر من ذلك، أرادت أن تعلم بحق الجحيم ماذا أراد هذا الرجل أن يخبرها به. هل هي دميمة حقا؟. وهل يوجد شيء آخر وراء تلك الملاحظة؟.

وقد أضاف الرجل بعد لحظة صمت: "القول أنك أقبح امرأة لا يخلو من المبالغة. ولكنك امرأة سطحية لم أقابل مثلها، وهذا لا شك به".

ضمت كاهو شفتيها بصمت وتمعنت بوجه الرجل، وثبتت عيناها عليه.  لماذا يشعر هذا الرجل بالحاجة للتكلم بشيء من هذا النوع؟ إن كنت لا ترتاح كثيرا للامرأة المقابلة لك في موعد غرامي (وهذا اللقاء من هذا النوع)، يمكنك أن لا تكرر عقد لقاء معها. شيء بسيط. فلماذا يهينها علنا؟. ربما كان الرجل أكبر من كاهو بعشر سنوات أو قرابة ذلك، وهو أنيق، وثيابه نظيفة ومتناسقة.  لم يكن من النمط المثالي لكاهو، ولكن يبدو كأنه من عائلة جيدة. وجهه يتبدل بالضوء - وهذه أدق عبارة نصفه بها. ولو أضفت عدة بوصات لطوله يصبح مناسبا لأخذ دور ممثل. والمطعم الذي اختاره، أيضا، مرتب وبمستوى لائق، والأطباق طيبة المذاق، ومنتقاة. وهو ليس من النوع الذي يقال عنه ثرثار، غير أنه يعرف بما فيه الكفاية كيف يجعل الحوار مستمرا - أضف لذلك عدم وجود فراغات صامتة مزعجة (والأمر العجيب أنه كلما فكرت بما حصل، لا تتذكر ماذا كان موضوع الحديث). وخلال العشاء وجدت نفسها دافئة معه. عليها أن تقر بذلك. ثم فجأة -  حصل هذا. ماذا يجري هنا بالضبط؟.

قال بصوت هادئ بعد إحضار فنجاني إسبريسو إلى طاولتهما: "ربما تستغربين ذلك".  كما لو أنه بمقدوره قراءة تفكير كاهو. وضع مكعبا صغيرا من السكر في الإسبريسو وحركه بتؤدة. وأضاف: "لماذا أتناول العشاء حتى النهاية مع إنسانة أرى أنها دميمة - أو ربما يجب أن أقول، مع من لا يعجبني وجهها؟. بعد أن شربنا أول كأس نبيذ، كان علي اختصار الأمسية. إنه هدر للوقت، أليس كذلك، أن أستغرق ساعة ونصف الساعة بالتهام وجبة عشاء من ثلاث أطباق؟ ولماذا في نهاية الأمسية يجب علي أن أقول شيئا من هذا النوع؟".

تمسكت كاهو بأردان الصمت، وحملقت بوجه الرجل المقابل لها وراء الطاولة. والتقطت يداها فوطة حضنها بإحكام. 

فقال الرجل: "أعتقد أن السبب هو عدم قدرتي على تجاوز فضولي. ربما أردت أن أعرف كيف تفكر امرأة أليفة مثلك، وكيف أن الروح المنزلية تؤثر على حياتك".

تساءلت كاهو: وهل أرضيت فضولك. وبالطبع لم تسأل بصوت مرتفع.

سألها الرجل بعد أن رشف من القهوة: "وهل أرضيت فضولي؟". لم يعد هنا شك: أن باستطاعته قراءة أفكارها. مثل آكل نمل يلعق بيت النمل حتى ينظفه، بلسانه الرفيع والطويل. هز الرجل رأسه قليلا وأعاد فنجان القهوة إلى الطبق. ثم أجاب على سؤاله بقوله: "كلا. لم أرض فضولي". رفع يده، واستدعى  النادل، ودفع الفاتورة. والتفت نحو كاهو، وانحنى قليلا، وغادر المطعم مباشرة. حتى أنه لم ينظر إلى الخلف.

*

الحقيقة أن كاهو ومنذ صغرها لم تهتم بمظهرها. فالوجه الذي تراه بالمرآة لم يصدمها لا بجماله ولا بقبحه على وجه الخصوص. ولم يخيب أملها أو يبهجها. وعدم اهتمامها بوجهها يعود إلى أنها لم تشعر أن مظهرها يؤثر على حياتها بأي طريقة. أو ربما من الأفضل أن تقول أنه لم تسنح لها الفرصة لتعلم إن كان مظهرها مؤثرا. كانت طفلة، وأغرقها والداها دائما بعاطفة لا تضع بالحسبان إن كانت جميلة أم لا.

طيلة مراهقتها لم تبالي كاهو بمظهرها. ومعظم صديقاتها اعتنين بمظهرهن وحاولن استعمال خدع المكياجات التي تنصح بها الكتب، لتحسين أشكالهن. ولكنها لم تفهم ضرورة ذلك. وأنفقت وقتا قليلا أمام المرآة. وكان هدفها الوحيد أن تحتفظ بجسمها ووجهها نظيفين ومرتبين. ولم يكن ذلك مهمة عسيرة حقا. كانت تداوم في مدرسة ثانوية أهلية عامة ولديها عدد من المعجبين.  ولكن إذا صوّت الأولاد على الزميلة المفضلة، لن تربح أبدا - فهي ليست من ذلك النمط. ومع ذلك لسبب ما، في كل حصة حضرتها، كان هناك ولد أو اثنان اهتموا بها وعلنا. ولم تعرف كاهو ماذا يلفت انتباههم فيها. وحتى بعد أن أنهت دراستها الثانوية وبدأت بدراسة الفن في طوكيو، نادرا ما افتقدت الصديق المعجب. ولذلك لم تكن بحاجة للقلق عما إذا هي جذابة أم لا. وبذلك المعنى، يمكنك أن تقول إنها محظوظة. ودائما رأت أنه من المستغرب أن الصديقات الأجمل منها بكثير يقلقن من مظهرهن، وفي بعض الحالات يلجأن لعمليات تجميل أساسية. ولم تتفهم كاهو هذا.

ولذلك حينما تجاوزت بقليل عيد ميلادها السادس والعشرين وأخبرها هذا الرجل الذي لا تعرفه مسبقا بفظاظة أنها قبيحة، اضطربت على نحو عميق. وعوضا أن تصدمها كلماته، ببساطة تامة، قلقت واحتارت.

*

كانت محررتها، وهي امرأة تدعى ماشيدا، من قدمها للرجل. كانت ماشيدا تعمل في شركة نشر صغيرة في كاندا، وتنتج أساسا كتب الأطفال. وهي أكبر من كاهو بأربع سنوات، ولديها طفلان، وتحرر كتب الأطفال التي تكتبها كاهو. ولكن كتب كاهو لم تكن تبيع على نحو جيد، أنما بين تلك المهمة وعملها الحر الذي يتلخص بوضع رسوم لبعض المجلات، كانت تكسب ما يكفي لتعيش. وفي وقت موعد التعارف، كانت كاهو قد انفصلت عن رجل بعمرها، وقد رافقته قليلا طيلة عامين، وشعرت بالخيبة على نحو غير اعتيادي. وخلف الانفصال لديها طعما سيئا. وجزئيا لهذا السبب، لم تكن تتقدم بعملها. وقد لاحظت ماشيدا الوضع فرتبت اللقاء. وقالت لها: ربما أنت بحاجة لتبديل الجو وحسب.

وبعد ثلاثة أيام من لقاء كاهو مع الرجل، اتصلت بها ماشيدا.

ولم تضيع الوقت قبل أن تسأل: "كيف كان اللقاء؟".

ندت عن كاهو "همهمة" غامضة، لتتجنب سؤالا مباشرا، ثم سألت سؤالا من عندها: "ومن أي نوع من الرجال هو بأية حال؟".

قالت ماشيدا: "بصدق، لا أعرف الكثير عنه. صديق لصديق. شيء من هذا النوع. أعتقد أنه بحوالي الأربعين. ويعمل في استثمار عادي. وخلفياته جيدة، ويتقن عمله. ليس له سجل جنائي، كما أعلم. قابلته مرة وتكلمنا لعدة دقائق، واعتقدت أنه وسيم ومرح بما يكفي. قصير نوعا ما، وأعترف بذلك. ولكن توم كروز ليس طويلا، أيضا. مع أنني لم أقابل توم كروز شخصيا".

سألت كاهو: "ولكن لماذا رجل بالغ الوسامة ومرح ويتقن عمله يكلف نفسه عناء لقاء تعارف؟".

قالت ماشيدا: "ليس لديه الكثير من النساء ليخرج معهن؟. أفترض ذلك. وهو دقيق جدا، وكفؤ في مهنته، ولكن تصادف وسمعت أن شخصيته غريبة قليلا. وقررت أن لا أذكر ذلك. لأنني لم أرغب أن تنحازي ضده قبل أن تلتقي به".

كررت كاهو الكلمات: "غريب قليلا". وهزت رأسها. هل يمكن أن تسمي ذلك غرابة محدودة؟.

سألت ماشيدا: "هل تبادلتما أرقام الهواتف؟".

صمتت كاهو لحظة قبل أن تجيب. وفكرت: تبادلنا رقمي الهاتف؟. وقالت أخيرا: "كلا. لم نفعل".

*

بعد ثلاثة أيام من هذه المكالمة، كالمتها ماشيدا ثانية.

قالت: "خابرتك للكلام عن الوسيم السيد ساهارا. هل يمكننا الكلام؟".

كان ساهارا اسم الرجل الذي عقدت معه موعد تعارف.

لفظه مثل لفظ كلمة صحراء. تركت كاهو قلم الرسم ونقلت السماعة من طرفها الأيسر إلى الأيمن. وقالت: "بالتأكيد. تفضلي".

قالت ماشيدا: "خابرني ليلة أمس. قال إنه يريد أن يقابلك ثانية. ويتساءل عن إمكانية الدردشة. وكان صوته جادا".

لم يمكن كاهو أن تكبت شهقة، وتمسكت لحظة بالصمت. يريد أن يراني ثانية ليتمكن كلانا من تبادل الكلام؟ لم تصدق كاهو ما تسمع.

قالت ماشيدا باهتمام: "كاهو - شان. هل تسمعينني؟".

قالت كاهو: "نعم أنا أسمعك".

"يبدو أنه معجب بك. فماذا أقول له؟".

أملى عليها الحس البديهي أن ترفض. فهو في النهاية لم يذكر غير أشياء فظيعة وأمام وجهها مباشرة. فلماذا عليها رؤية هذا النوع من الأشخاص ثانية؟. ولكن لم تتخذ قرارا في هذه اللحظة. وتداخلت الشكوك في دماغها، وازدحمت كلها معا. فسألت ماشيدا: "هل يمكنني التفكير بالأمر. وسأرد عليك لاحقا".

*

قررت كاهو أن تلتقي بساهارا مرة إضافية، في يوم السبت بعد الظهيرة. واتفقا على اللقاء خلال النهار، لفترة قصيرة، بدون تقديم طعام أو كحول، في مكان يمكنهما الكلام فيه بهدوء، مع وجود آخرين حولهما بالجوار - وتلك كانت شروط كاهو، وقد نقلتها ماشيدا له. ولكنها علقت بقولها: "شروط غريبة للقاء المرة الثانية. أنت حذرة جدا".

قالت كاهو: "أفترض ذلك".

قالت ماشيدا: "لن تضعي في حقيبة يدك مفتاحا إنكليزيا أو أي شيء من هذا النوع. صحيح؟". وضحكت بسرور.

فكرت كاهو: لن يكون ذلك فكرة سيئة.

*

آخر مرة التقيا كان مظهر ساهارا يبدو فيها كأنه عائد من العمل إلى البيت، ببذة داكنة رائعة وربطة عنق، ولكنه في هذه المرة ارتدى ثيابا عادية تناسب عطلة الأسبوع - جاكيت من الجلد السميك، وجينز ضيق، وبوط عمل متهالك. مع نظارة شمسية مدسوسة في جيب صدر القميص. مظهر أناقة تامة. وصلت كاهو بعد التوقيت المقرر بقليل، وحينما وصلت إلى بهو الفندق كان ساهارا هناك، يكتب رسالة قصيرة لشخص ما. وحينما رأى كاهو، صعدت ابتسامة خفيفة على شفتيه وأغلق غطاء الهاتف الجلدي. وكانت على كرسي بجانبه خوذة سائق دراجة. قال ساهارا: "أنا أقود بي إم دبليو 1800cc. ومن بين كل البي إم دبليو لديها قوة فائقة على الحركة المرنة والمحرك يشخر بصوت قوي ورائع".

لم تقل كاهو شيئا. ودمدمت بصمت لنفسها: أنا لا أهتم بمركبتك - سواء دراجة بي إم دبليو، أو دراجة بثلاث دواليب، أو عربة يجرها ثور.

أضاف ساهارا: "أراهن أنك لست مهتمة إطلاقا بالدراجات، ولكن أردت أن أذكرها على كل حال، لمعلوماتك فقط F.Y.I" فكرت كاهو مجددا: هذا الشاب يعرف كيف يقرأ أفكاري.

جاء النادل فطلبت قهوة. وطلب ساهارا البابونج. ثم سألها: "بالمناسبة، هل ذهبت إلى أستراليا؟".

هزت كاهو رأسها. لم تذهب إلى أستراليا.

سألها ساهارا وهو يصنع مروحة في الهواء بكلتا يديه: "وهل تحبين العناكب؟ أراكنيدس؟ النوع الذي له ثماني أرجل؟".

لم ترد كاهو. فهي تكره العناكب أكثر من أي شيء، ولكنها لم تفضل أن تذكر ذلك.

قال ساهارا: "حينما ذهبت إلى أستراليا، رأيت عنكبوتا بحجم قفاز بيسبول. مجرد النظر إليه سبب لي الرعب. جعلني أرتجف. ولكن السكان المحليين يرحبون بهم في بيوتهم. هل تعلمين لماذا؟".

لزمت كاهو الصمت.

"لأنها ليلية وتأكل الصراصير. هي ما يمكن أن نقول عنه حشرات مفيدة ومساعدة. تخيلي عناكب تأكل الصراصير. دائما أدهشني كم هي بنية السلسلة الغذائية ذكية ورائعة".

جاءت القهوة وشاي الأعشاب، ولبعض الوقت جلس كلاهما أمام المشروبين بدون كلام.

قال ساهارا بعد عدة دقائق بنبرة رسمية: "أتصور أنك وجدت ذلك عجيبا. وقد أردت أن أراك ثانية هكذا".

لم ترد كاهو. ولم تجرؤ أن ترد.

فقال ساهارا: "ويجب أن أقول لك إنني مندهش حتما أنك وافقت على رؤيتي مجددا. أشعر بالامتنان، ولكنني مندهش لأنك وافقت بعد ما قلته من كلام وقح. كلا - ما قلته يتجاوز الوقاحة. كان إهانة لا تغتفر تضر بكرامة المرأة. حينما أقول ذلك للنساء، معظمهن لا يوافقن على تجديد اللقاء. وهو شيء متوقع حقا".

معظمهن - كررت كاهو كلماته في ذهنها. فقد صدمها ذلك.

ثم تكلمت لأول مرة قائلة: " معظمهن؟. هذا يعني أنك قلت نفس الشيء لكل من قابلت من النساء؟ أنت تقول...".

بسهولة اعترف ساهارا: "بالضبط. أخبر كل النساء اللواتي ألتقي بهن بالضبط ما قلته لك: 'لم أشاهد أي امرأة قبيحة مثلك'. وبالعادة حينما نستمتع بالعشاء وتكون الحلوى قد قدمت للتو. في هذا المجال التوقيت يحدد كل شيء".

سألت كاهو بصوت جاف: "لكن لماذا؟ لماذا عليك أن تفعل شيئا كذلك؟ لم أفهمك. أنت تجرح الآخرين بدون سبب. تنفق الوقت والنقود فقط لجرح الآخرين؟".

حرك ساهارا رأسه قليلا وقال: "لماذا - هذا هو السؤال الحقيقي؟. ولكن الشرح معقد. لذلك لماذا لا نتكلم عن أثر مثل هذه الأقوال. ما يفاجئني دائما هو رد فعل النساء اللواتي أكلمهن بهذا الكلام. ربما تعتقدين بعد النطق بتلك الكلمات بوجوههن، معظمهن تشتعلن بالغضب، أو بالضحك الساخر. هناك نساء من ذاك النوع. ولكن ليس كثيرات حقا. ومعظم النساء... تشعرن بالإهانة. وبعمق ولفترة طويلة. وفي بعض الحالات، تنطقن بشيء غريب. شيء يصعب فهمه". ساد الصمت لفترة. وبعد بعض الوقت، بددته كاهو قائلة: "وأنت تقر أنك تستمتع برؤية ردود الأفعال هذه؟".

"كلا. لا أستمتع به. ولكنني أجده غريبا فقط. كيف أن نساء جميلات على نحو واضح، أو على الأقل فوق المعدل كثيرا، ويقال لهن علنا أنهن قبيحات، تنتبهن على نحو ملحوظ أو تشعرن بالإهانة".

ببطء بردت القهوة التي لم تلمسها كاهو، وببخارها الذي يعلوها. ثم قالت بحزم: "أعتقد أنك مريض".

أومأ ساهارا قائلا: "أظن ذلك. ربما أنت على حق. ربما أنا مريض. لا أعذر نفسي على أي شيء، ولكن بعين المريض يبدو العالم أشد مرضا. صحيح؟ - في هذه الأيام الناس ينتقدن بشدة المظهر. ومعظم الناس ينتقدن بصوت مرتفع مسابقات الجمال. ذكر كلمة 'نساء قبيحات' في العلن تسبب الضرب. ولكن تفحصي التلفزيون والمجلات. هي حافلة بالإعلانات عن مواد التجميل، وعمليات التجميل، ومساجات السبا. ومهما نظرت بالأمر، يبدو أن المعايير مزدوجة لدرجة مضحكة وبلا معنى حقا؟".

اعترضت كاهو. فقال ساهارا: "نعم. أنت محقة. أنا مريض. هذه حقيقة لا تنكر. ولكن أن أكون مريضا أمر ممتع، وهذا يتوقف على زاوية النظر. المرضى لهم مكان خاص لا يرتاح له غير المرضى. مثل ديزني لاند للمضطربين نفسيا. ولحسن الحظ لي أيضا. ولدي الوقت والنقود لأستمتع بذلك المكان".

وقفت كاهو بدون كلام. حان وقت وضع حد لهذا. فهي ليست جاهزة للكلام مع هذا الرجل بعد الآن.

قال ساهارا لكاهو وهي تقف هناك: "انتظري ثانية. هل يمكنك منحي القليل من وقتك؟. لن أحتاج لفترة طويلة. خمس دقائق تكفي. أود منك أن تنتظري وتسمعيني".

ترددت كاهو لفترة وجيزة، ثم احتلت مقعدها ثانية. لم تكن تريد ذلك، ولكن كان هناك شيء في صوت الرجل ورأت أنه يصعب عليها مقاومته.

قال ساهارا: "ما أردت قوله لك أن ردة فعلك تختلف عن غيرك. حينما أهنتك بتلك الكلمات الفظبعة، لم تفزعي، ولم تردي بغضب، ولم تضحكي بتهكم، ولم يظهر أنك متضررة بها. ولم تسمحي لهذه العواطف المؤسفة أن تستولي عليك، واكتفيت بالنظر لي بإمعان. كما لو أنك تدرسين بكتريا تحت ميكروسكوب. وأنت الوحيدة التي تصرفت بتلك الطريقة. وقد تأثرت بها. وفكرت، لماذا لا تشعر هذه المرأة بالإهانة؟ ولو كان هناك شيء ما يجرحها بعمق، حسنا، إذا، فما هو؟".

قالت كاهو: "إذا أنت تتصرف هكذا. ترتب لهذه اللقاءات المقررة، مرارا وتكرارا، فقط لترى ردود فعل النساء؟. هل هذا هو الموضوع؟".

خفض الرجل رأسه قائلا: "لم يكن هناك كثيرات. فقط حينما تقدم الفرصة نفسها. لم ألجأ لتطبيق مواعيد أو أي شيء. الأمور المبسطة جدا مضجرة. معارفي يقدمونني، ولا أقابل غير نساء بخلفيات أعرفها. قديمات الطراز، ولقاءات يرتبها طرف ثالث  omiai-type  هي الأفضل. التعارف بطرق المدرسة القديمة. وجدت ذلك مثيرا".

قالت كاهو: "ثم تهين المرأة؟".

لم يرد ساهارا. وبصعوبة منحها ابتسامة سرعان ما تلاشت. ثم مد يديه أمام صدره، وتأملهما قليلا. كما لو أنه يفتش عن أي تبدل في خطوط راحتيه. ثم قال ونظره إلى أعلى: "كنت أتساءل إذا ما كنت توافقين على الركوب معي على الدراجة. فقد أتيت بخوذة إضافية من أجلك. والطقس اليوم جيد، وبوسعنا الاستمتاع بالتجوال. سجل العداد أنني تجاوزت خمسة آلاف كيلومتر، ومحرك بي إم دبليو غير الأفقي والذي أعتز به جاهز لدرجة مثالية".

بدأ هياج لا ينكره أحد يغلي في داخل كاهو. مرت فترة طويلة منذ شعرت بهذا الغضب. أو ربما هذه هي أول مرة. يمكننا الاستمتاع بالتجوال؟ بحق الجحيم بماذا يفكر؟. قالت كاهو محتفظة بعواطفها لنفسها، وبصوت هادئ بقدر الإمكان: "سأتجاوز ذلك. هل تعرف الشيء رقم 1 الذي سأطلبه حالا؟".

هز ساهارا رأسه. وسألها: "وماذا يكون؟".

"أن تترك مسافة بيني وبينك. مسافة قليلة. لتتمكن من تنظيف هذه القذارة التي أحملها".

قال ساهارا: "مفهوم. فعلا. أعتقد لسوء حظي أنه يجب أن أيأس من التجوال والعبث معك في هذه المرة. ولكن ما رأيك؟. هل تعتقدين أن الاحتفاظ بمسافة عني ستنفع؟".

"ماذا تعني؟".

بكى ولد في مكان ما. نظر الرجل بذلك الاتجاه، ثم عاد بنظره إلى كاهو. وقال: "ستفهمين بعد قليل. ما أن أهتم بشخص لا أفلته بسهولة. وربما يدهشك هذا، ولكننا أنا وأنت غير متباعدين جدا بمعيار المسافة. اسمعيني. الناس لا يتملصون من حلقات السلسلة. مهما حاولوا أن لا يروها، وحتى إذا لم يريدوا أن يلمسوها.  ابتلاع شيء وأن يبتلعك شيء وجهان لنفس قطعة النقود. وجه وقفا. رصيد وديون. هذا هو حال العالم. وأعتقد أنه ربما نلتقي ثانية في مكان ما.

*

فكرت كاهو: يجب أن لا أقابل هذا الرجل ثانية. كانت متأكدة من هذا وهي تغادر بسرعة باتجاه الباب. كان علي أن أخبر ماشيدا بكل وضوح عن قراري حينما اتصلت بي في تلك المرة، وأقول لها: "كلا. شكرا. لن أقابل هذا الشخص مجددا". ولكنه الفضول. الفضول قادني إلى هنا. أعتقد أنني أردت أن أجد  هدف هذا الرجل بحق السماء. ماذا يريد. أعتقد أنني أردت أن أعرف ذلك. ولكن كان ذلك خطأ. استعمل الفضول كطعم خدعني به بمهارة، مثل أفعال العنكبوت. مر تيار بارد بعمودها الفقري. وفكرت: يجب أن أذهب إلى مكان دافئ. كانت الرغبة قوية جدا. جزيرة في الجنوب، بشاطئ أبيض. أستلقي هناك، وأغمض عيني، وأغلق ذهني، وأترك ضوء الشمس يغمرني.

*

مرت عدة أسابيع. أرادت كاهو بالطبع أن تطرد من ذهنها أي فكرة عن ذلك الرجل، ساهارا، بقدر ما تستطيع. وأن تغسل هذا الجزء المجدب، والذي لا علاقة له بحياتها، وتودعه في مكان لا تراه مجددا على الإطلاق. ولكن وهي تعمل على طاولتها في الليل، كان وجه الرجل يستيقظ في ذهنها فجأة. مبتسما ومتأملا بدون أي سبب محدد في أصابعه الطويلة والرقيقة. بدأت تنفق المزيد من الوقت أمام المرآة، أكثر من قبل. كانت تقف أمام مرآة الحمام، وتتفحص بحرص تفاصيل وجهها، كأنها تتأكد من شخصيتها. وخطر لها أنها غير مهتمة بأي شيء من ذلك. هذا هو وجهها بالتأكيد، ولكنها لا ترى أي شيء يؤكد أن هذا هو وجهها. حتى أنها أصبحت تحسد رفيقاتها اللواتي أجرين عمليات تجميل. هن تعلمن - أو على الأقل تعتقدن أنهن تعلمن - أي جزء من وجوههن، تبدل بالجراحة، لتصبحن أجمل، وأكثر رضا عن مظهرهن. ولم تتمكن من أن لا تفكر: ربما تنتقم حياتي بذكاء مني. وحينما يحين الوقت، ربما تسترد حياتي ببساطة ما تدين لي به. رصيد وديون. كانت كاهو تفهم ذلك، ولو أنها لم تقابل الرجل، ساهارا، لما فكرت بهذه الطريقة. وقالت لنفسها:  ربما كان ينتظر بصبر، ولفترة طويلة، أن تظهر أمامه. مثل عنكبوت عملاق ينتظر فريسته في الظلام.

*

أحيانا تمر دراجة نارية في الشارع بجانب شقتها، في وقت متأخر من الليل، حينما يكون الجميع نياما. وكلما سمعت الهدير الجاف والمنخفض، دقات المحرك، يرتجف جسمها قليلا. وتضيق أنفاسها، ويسيل عرق بارد تحت إبطيها. قال لها الرجل: "أتيت معي بخوذة إضافية". تصورت نفسها تركب على مؤخرة تلك الدراجة البي إم دبليو. وتخيلت إلى أين يمكن أن تأخذها تلك المركبة القوية. أي نوع من الأمكنة ستأخذني إليها؟.

وقال لها الرجل: "بمعايير المسافة نحن، أنا وأنت، لسنا متباعدين".

*

بعد ست شهور من اللقاء الغريب ذاك، كتبت كاهو قصة أطفال جديدة. في إحدى الليالي، كانت تحلم أنها في قعر بحر عميق، وحينما استيقظت شعرت كما لو أنها أصبحت فجأة على السطح، طافية من أسفل البحر.  ذهبت مباشرة إلى طاولتها وكتبت قصة. لم تستغرق طويلا لتنتهي منها. كانت القصة عن فتاة تبحث عن وجهها. في لحظة ما، فقدت البنت وجهها. سرقه أحدهم وهي نائمة. وتوجب عليها أن تفعل شيئا لتسترده. ولم يمكنها أن تتذكر على الإطلاق كيف كان وجهها يبدو. حتى أنها لم تعرف إذا كان وجها جميلا أو دميما، مستديرا أم نحيفا. سألت والديها وأخوتها ولسبب ما لم يتذكر أحد نوع وجهها. أو بالأحرى لم يرغب أحد أن يخبرها بالحقيقة. فقررت الفتاة أن تخرج وحدها برحلة تفتيش عن الوجه. ولبعض الوقت وجدت وجها مناسبا، فثبتته حيث يجب أن يكون مكان وجهها. من دون وجه من أي شكل، سيجدها الناس الذين تقابلهم في طريقها غريبة. تجولت الفتاة في كل أنحاء المعمورة. صعدت الجبال العالية، عبرت الأنهار العميقة، مشت في الصحارى الواسعة، وتمكنت من شق طريقها عبر الأدغال المتوحشة. وكانت متأكدة أنها إذا مرت بوجهها ستعرفه حالا. قالت لنفسها: ما دام هذا هاما جدا لوجودها. وأثناء سفرها، قابلت العديد من الناس. وحصلت على مختلف أنواع التجارب العجيبة. وتقريبا دهسها قطيع من الفيلة، وهاجمها عنكبوت أسود عملاق، وركلتها جياد برية. مرت فترة طويلة، وهي تتجول في كل مكان، وفحصت وجوها لا تحصى في طريقها، ومع ذلك لم تجد وجهها. ما رأته دائما وجوه الأخرين. ولم تعرف ماذا تفعل. وقبل أن تقرر تحولت من فتاة إلى امرأة بالغة. هل يستحيل عليها رؤية وجهها ثانية؟. وسقطت في براثن اليأس. وحين كانت جالسة على قمة خليج في الشمال، وهي تبكي بيأس تام، ظهر رجل طويل وشاب بمعطف من الفرو، وجلس بقربها.  طار شعرها الطويل قليلا في ريح البحر. تأمل الشاب وجهها، وابتسم ابتسامة واسعة، وقال لها: "لم أشاهد امرأة بوجه جميل مثل وجهك". ثم أصبح الوجه الذي اختارته وجهها الحقيقي. كل أشكال التجارب وكل أنواع العواطف والأفكار، اندمجت معا لتشكل وجهها. هذا هو وجهها، وجهها وحدها. وتزوجت من الرجل الشاب، وعاشا بفرح في المنطقة الشمالية. لسبب ما - ولم تتأكد كاهو من السبب - بدا لها هذا الكتاب وكأنه أشعل شرارة شيء في قلوب الأطفال، ولا سيما الفتيات البالغات سن مراهقة مبكرة. وتابع هؤلاء القراء الصغار بشوق مغامرات وتجارب الفتاة وهي تنطلق في العالم الواسع بحثا عن وجهها. وفي النهاية حينما وجدت الفتاة وجهها، واكتشفت السلام الداخلي، تنفس القراء الصعداء. كان الأسلوب بسيطا، ورافقه صور رمزية توضيحية، رسمتها كاهو بلون الكروم.

وأتت تلك الحكاية - الكتابة والصور - لكاهو بنوع من الشفاء العاطفي أيضا. وأدركت: يمكنني أن أعيش في هذا العالم كما أنا، كما أنا فقط. لا شيء يدعو للخوف. والحلم الذي شاهدته في قعر البحر علمها ذلك. وتضاءل الاضطراب الذي شعرت به، في وسط الليل. ومع أنه لم يمكنها الإقرار بذلك فقد تلاشى تماما. وباع الكتاب على نحو ثابت، وشاع على الألسن، وحصل على قراءات جيدة في الصحيفة. فاهتمت ماشيدا به.

قالت لها: "أعتقد أن كتاب الأطفال هذا أصبح من لائحة المبيعات المفضلة لفترة طويلة. وقد تشكل عندي هذا الإحساس. أسلوبه مختلف كليا عن بقية كتبك، وهو ما أدهشني أول الأمر. ولكن أتساءل من أين أتيت بفكرته؟".

ردت كاهو بعد أن فكرت بالموضوع لدقيقة: "في مكان معتم وعميق جدا". 

***

....................

* ترجمها عن اللغة اليابانية فيليب غابرييل.

* نشرت القصة في النيويوركير. عدد 8 تموز 2024.

 

بقلم: أدا جعفري

ترجمة: نزار سرطاوي

***

لا، ليست هذه قرىً مفجوعة

فما يزال بعض الناس يعيشون هنا

إنهم أولئك الذين لا يسمحون أبدًا

لوجع الجمود أن يتسلل إلى السوق

ثمة بضعةُ أحلامٍ هنا

تتنفس

أحلامٍ غضّةٍ، لو اطّلعت عليها لملأتك رعبًا

السقوفُ والأبوابُ التي تومئُ إلى الجنة

لا وزنَ لها هنا

القُبّعات التي تشي بالثراء لا قيمة لها هنا

كم يبلغ عديدهم

أولئك النزيهون الذين لا أسماء لهم

الذين يسعون إلى حياة تأتي بلا استئذان

إنّهم أولئك الذين يسعون

إلى كتابةِ ما يعتمل في قلوبهم المُتعَبة

بأسلوبهم الخاص

يُحرّرون أشعةَ النور الوفيرة

من سجنها

***

....................

تعتبر الأديبة الباكسانية أدا جعفري أول شاعرة ذات شأن تكتب باللغة الأوردية. لذا يُطلق عليها "سيدة الشعر الأوردي الأولى".

اشتهرت آدا بالشعر المسمى "غزل"، وهو لونٌ قريب من شعر الغزل العربي. ويميل عمومًا إلى الرومانسية. وقد تميزت كتابتها بالحياد في مسألة الجندرية. لكن أعمالها تناولت مواضيع نسوية كالتمييز ضد المرأة والتعامل معها بصورة لا إنسانية، وكأنها مجرد جسدٍ للمتعة. وقد عبرت من خلال شعرها عن شخصية الأنثى بصورة لافتة تركت صدى قويًّا لدى شاعرات الباكستان.

صدرت لها ست مجموعات شعرية وكتاب عن سيرتها الذاتية، بالإضافة إلى العديد من الأبحاث.

نالت عددًا من الجوائز من اتحاد الكتّاب الباكستانيين وحكومة باكستان، وكذلك من الجمعيات الأدبية في أميركا الشمالية وأوروبا.

بقلم: زهرة نجاح

ترجمة: نزار سرطاوي

***

المحالُّ التجاريةُ هي ذاتُها، العامرةٌ بالثقافة،

الطرقات المزدانة بالتاريخ.

بأيدٍ ممدودة

ورؤوس مَحْنيّة

في الزوايا تقف الأشجارُ ذاتُها.

في دفق الأضواءِ المتلألئة

تتردَّد همهماتُ مدينةٍ

كنّا نعيش فيها ذات يوم.

كنتُ أحسُّ بالقلق والاضطراب،

وكان عقلُكَ ساكنًا، وكنتَ راضيًا،

ضائعًا برفقةِ ذاتِك.

وإذْ كنت أنا مُصفّدةً بالتزاماتٍ صامتة،

رحتُ أشقُّ طريقي عبرَ

غابةِ الوحدة.

ودون أن أتنبّه، تهاوت

المدينة فوقي،

بيتًا من ورق،

يتهاوي عند أدنىِ حركة.

لملمتُ شتاتَ نفسي،

وفررتُ من هنا.

*

بعد طولِ غياب

رجعتُ

إلى المدينة ذاتِها.

إلى الطرقاتِ ذاتِها التي كنتُ أذرَعُها

والحدائقِ ذاتِها التي كنتُ أسترخي في رحابها

عاداتُكُ غدتْ جزءًا مني.

عقلي ينعمُ بالسلام، أشعر بالرضا،

ضائعةً في صحبةِ ذاتي.

*

الرحلةُ بمعيةِ الآخرين

لها ثمنُها

بخلاف الدروبِ البسيطةِ المتشعبة.

***

.........................

* زهرة نجاح شاعرة وكاتبة سيناريو باكستانية برزت في خمسينيات القرن العشرين كواحدةٍ من الأصوات النسائية الرائدة في الأدب الأوردي الحديث في وقتٍ كان المشهد الأدبي فيه مقتصرًا على الرجال.

وُلدت زهرة في حيدر آباد بالهند عام 1936، وهاجرت إلى باكستان خلال التقسيم عام 1947. وكانت تنتمي إلى أسرة ذات اهتمامات أدبية وثقافية. فوالدها كان مُحبًّا للشعر، وشقيقتها الكبرى، ثريا باجيا، كاتبة، وأحد أشقائها، أنور مقصود، كاتبًا ساخرًا وخطيبًا مفوّهًا. وقد تزوجت من ماجد علي، الذي كان شغوفًا بالشعر الصوفي.

ألّفت زهرة العديد من المسلسلات التلفزيونية، وصدرت لها أربع مجموعات شعرية ونالت العديد من الجوائز.

تميّزت زهرة بأسلوبها السلس وبالعمق الوجداني، حيث تناولت في كتاباتها مواضيع الحب والانفصال والعائلة والتجارب النسائية.

تقيم زهرة في العاصمة الباكستانية كراتشي، حيث تعيش حياة هادئة، وتركز جهودها على الشعر والأدب. وعلى الرغم من حياتها البسيطة، إذ لا تستخدم الموبايل أو البريد الإلكتروني، توجّه لها الدعوات لحضور المناسبات الأدبية، كما تشاركفي مبادرات السلام.

بقلم: هاروكي موراكامي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

حينما بلغت الخامسة عشرة، ماتت أختي الصغيرة. حدث ذلك فجأة. وهي في الثانية عشرة، وفي الصف الأول من المدرسة الإعدادية. فقد كانت مولودة بعجز خلقي في القلب، ولكن منذ آخر جراحة، وهي في الصفوف العليا من المدرسة الابتدائية، لم تظهر عليها الأعراض، وشعرت عائلتنا بالثقة، وتمسكنا بأمل ضعيف أن حياتها ستتواصل بدون أحداث. غير أنه في أيار من ذلك العام، أصبحت دقات قلبها غير منتظمة، وكانت حالتها تسوء بالأخص حين تستلقي، وعانت من عدم النوم في الليل عدة مرات. خضعت لفحوصات في مستشفى الجامعة، ولكن مهما كانت الفحوص مفصلة لم يلاحظ الأطباء أي تبدل في حالتها الفيزيائية. فالمشكلة الأساسية تم علاجها ظاهريا بالجراحات، ووقع الأطباء بالحيرة. قال لها طبيبها: "تجنبي التمارين المجهدة واتبعي روتينا منتظما، وستستقر أمورك سريعا". وربما هذا كل ما أمكنه أن يقول. وكتب لها وصفة من عدة أدوية. ولكن اضطراب قلبها لم يخف. جلست أمامها على طاولة الطعام وكنت أسترق النظر مرارا من صدرها وأتخيل القلب الذي في داخله. كان صدرها قد بدأ بالنمو على شكل ملحوظ. ولكن داخل هذا الصدر كان قلب أختي عليلا. وحتى المختص لم يتمكن من تحديد المشكلة. وهذه الحقيقة وحدها جعلت دماغي باضطراب دائم. أنفقت أيام مراهقتي بحالة من القلق، مع الخوف من إمكانية فقدان أختي الصغيرة في أي لحظة. طلب مني والداي أن أعتني بها، باعتبار أن جسمها ضعيف. وحينما كنا في نفس المدرسة الابتدائية، احتفظت بعيني عليها. وإن لزم الأمر كنت جاهزا للمخاطرة بحياتي لحمايتها، وحماية قلبها الصغير. ولكن لم تسنح الفرصة. كانت في أحد الأيام في طريقها من المدرسة إلى البيت حينما انهارت. فقدت الوعي وهي تصعد السلالم في محطة سيبو شينجوكو، وأسرعت بها الإسعاف إلى أقرب غرفة طوارئ. وحينما سمعت بالخبر، جريت إلى المستشفى، ولكن خلال الوقت اللازم لوصولي كان قلبها قد توقف. كل ذلك حصل بطرفة عين. في صباح ذلك اليوم تناولنا الإفطار معا، وودعت كل منا الأخرى عند الباب الأمامي، أنا توجهت إلى المدرسة الثانوية، وهي ذهبت إلى الإعدادية. ولم أشاهدها لاحقا إلا وقلبها يمتنع عن التنفس. كانت عيناها الواسعتان مغلقتين إلى الأبد، وفمهما مفتوحان قليلا، وكأنها على وشك أن تقول شيئا.

ثم رأيتها فيما بعد وهي في التابوت. مرتدية ثوبها المخملي الأسود المفضل، مع لمسة مساحيق تجميل، وكان شعرها ممشطا بأناقة، وكانت ترتدي حذاءها الجلدي الأسود، وممددة، وجهها نحو الأعلى في تابوت متواضع الحجم. وكان للثوب ياقة بيضاء مطرزة، ويبدو بياضها غير طبيعي للناظر. وهي مستلقية هناك، كانت تبدو نائمة بسلام. وعلى ما يظهر لو حركتها قليلا تستيقظ. ولكن هذا وهم. حركها كما تشاء - لن تنهض ثانية أبدا. لم أرغب أن يحشر جسم أختي الصغيرة في ذلك الصندوق الضيق والخانق. وشعرت أنه يجب تسجية جسمها ليرتاح في مجال أوسع. في وسط المرج، على سبيل المثال. وسنزورها صامتين، ونشق طريقنا عبر العشب الأخضر الغزير ونحن نمضي. وستنوح الرياح ببطء بين الأعشاب، وستصفر الحشرات وتغرد الطيور من حولها. وستملأ الهواء رائحة الزهور البرية، وتنتشر حبات الطلع. وعندما يهبط الليل، ستلوح نقاط مضيئة لا تعد ولا تحصى في السماء، وهي النجوم الفضية. لكن في الصباح ستتشكل قطرات الندى على أنصال العشب بفعل إشراق الشمس، وستلمع كالجواهر. ومع ذلك في الحقيقة تمت تعبئتها ونقلها بعيدا بتابوت سخيف. وكانت الزينة الوحيدة حول تابوتها زهورا بيضاء لا تدعو للتفاؤل، وقد قطعت وحشرت في فازات. وكان في الغرفة الضيقة إضاءة فلوريسانت محرومة من اللون. وجاء من مكبر صوت صغير مثبت بالسقف موسيقا أورغن صناعي متوتر. ولم أتمكن من الصمود حتى رؤية حرقها. وعندما تم إغلاق غطاء التابوت وقفله، غادرت الغرفة. ويئست حينما وضعت عائلتي عظامها داخل علبة باحتفال طقوسي. غادرت إلى باحة المحرقة وبكيت بصمت ولنفسي. وخلال حياتها القصيرة جدا، لم أقدم المساعدة لأختي الصغيرة على الإطلاق، وهي فكرة طالما عذبت جوارحي. بعد وفاة أختي، تبدلت عائلتنا. أصبح الوالد أكثر عزلة، وأمي أكثر عصبية وتسرعا. أما أنا فقد احتفظت بشكل أساسي بأسلوب حياتي الدائم. انتسبت إلى نادي تسلق الجبال في المدرسة، وأصبحت مشغولا، وحينما لم أكن أفعل ذلك بدأت بالرسم الزيتي. ونصحني معلم الفنون أن أجد مدربا جيدا لأدرس الرسم. وحينما حضرت أخيرا حصص الفن أصبح اهتمامي حقيقيا. توقعت أنني أحاول أن أشغل نفسي كي لا أفكر بأختي الميتة. احتفظ والداي لفترة طويلة - لست متيقنا من عدد سنواتها - بغرفتها كما كانت بالضبط. كتب دراسية وكتب إرشاد مدرسية، أقلام، ممحايات، ودبابيس ورق مكومة على الطاولة، ملاءات، أغطية، ووسائد على سريرها، بيجاماتها المغسولة والمطوية، بذة مدرستها الإعدادية معلقة في الخزانة - وكلها لم تلمسها يد. التقويم على الجدار ويحمل ملاحظات عن خططها المبرمجة بخطها الناعم. وكان التقويم متوقفا في اليوم الذي توفيت به، كما لو أن الزمن تجمد كالجليد الصلب عند تلك النقطة. وشعرت كأن الباب يمكن أن ينفتح في أية لحظة لتدخل منه. وحينما لا يكون أحد في البيت، أدخل أحيانا إلى غرفتها، وأجلس بهدوء على السرير المرتب بأناقة، وأتلفت حولي. ولكنني لم ألمس أي شيء. لم أود أن أحرك، ولو بدرجة قليلة، أيا من الأشياء الصامتة المتروكة وراءها، لأنها المؤشر على أن أختي كانت في يوم من الأيام بين الأحياء. ومرارا حاولت أن أتخيل نوع الحياة التي ستعيشها أختي لو أنها لم تمت وهي بالثانية عشرة. ولكن لا توجد طريقة لمعرفة ذلك. لم يكن يمكنني تخيل صورة حياتي، ولذلك لم تكن عندي أي فكرة عن شكل مستقبل حياتها. ولكنني أعرف لو أنها لم تكن تعاني من مشكلة مع أحد صمامات القلب لكبرت وأصبحت إنسانة بالغة جذابة وقادرة. وأنا متيقن أن العديد من الرجال سيحبونها، وسيحضنونها بين أذرعهم. ولكن لم أتخيل أي شيء من ذلك بالتفصيل. وبالنسبة لي، كانت أختي الصغيرة إلى الأبد. أصغر مني بثلاث سنوات، وتحتاج لحمايتي. ولبعض الوقت بعد موتها، رسمت صورها مرات ومرات. وأعدت إنتاج ذاكرتي عن وجهها في دفاتر الرسم ومن عدة زوايا، كي لا أنساها. ليس لأنني كنت على وشك أن أنسى وجهها. فهو موجود، ويتململ، في ذهني حتى يوم مماتي. ما كنت أبحث عنه أن لا أنسى الوجه الذي أتذكره كما كان في آخر لحظة قبل موتها. ولأفعل ذلك، كان علي أن أمنحه شكلا بواسطة الرسم. وكنت حينها بالخامسة عشرة، وكان هناك الكثير جدا مما لا أعرفه عن الذاكرة، والرسم، وتدفق الزمن. ولكن كنت متيقنا من شيء واحد أنني بحاجة لإجراء يضمن لي الاحتفاظ بسجل دقيق عنها في ذاكرتي. ولكن إذا أهملت الأمر سيختفي. مهما كانت الذاكرة حية، ومهما قويت سلطة الزمن. وأعرف ذلك بالغريزة. كنت أجلس في غرفتها على سريرها، وأرسمها. حاولت أن أرسمها على ورق أبيض مستفيدا من هيئتها كما أراها بذهني. ولكن كنت بلا خبرة، وبلا المهارات الفنية المطلوبة، ولذلك لم يكن عملا سهلا. كنت أرسم، وأمزق عملي، أرسم وأمزق بلا نهاية. وعندما أنظر الآن إلى الرسوم التي احتفظت بها (ولا زلت أحافظ على دفاتر الرسم العائدة لتلك الفترة)، يمكنني أن أرى أنها ممتلئة بإحساس أصيل بالفجيعة. ربما هي غير ناضجة فنيا، ولكنها نتيجة جهد صادق، كانت روحي تحاول إيقاظ روح أختي. وكلما نظرت إلى تلك التخطيطات كنت أبكي. رسمت رسومات لا تحصى منذئذ، ولكن أي صورة لم تدفعني للانفجار بالدموع. ترك موت أختي أثرا آخر علي: أطلق شرارة كلوستروفوبيا حادة. منذ أن رأيتها موضوعة في ذلك التابوت الصغير المزدحم، وبعد إغلاق الغطاء وإحكام رتاجه، ونقله إلى المحرقة، لم أعد قادرا على الدخول في أمكنة مغلقة وضيقة. ولفترة طويلة، لم أتمكن من استعمال المصاعد. كنت أقف أمام المصعد، وكل ما يمكنني التفكير به، أنه قد ينهار تلقائيا من جراء هزة أرضية، وأنا محجوز في داخل ذلك المكان المحدود. ويكفي التفكير بذلك لتوليد إحساس مروع بالفزع. لم تظهر هذه الأعراض فور وفاة أختي. ولكنها احتاجت لثلاث سنوات كي تطفو على السطح. بعد الشروع بدراسة الفن تعرضت لموجة رعب لأول مرة، وحينها كنت أعمل جزئيا مع شركة نقليات. كنت مساعد سائق شاحنة مغلقة، تحمل الصناديق وتذهب بها، وفي إحدى المرات حجزت نفسي بالخطأ في شاحنة فارغة. يومها انتهى وقت العمل، ونسي السائق أن يتفقد الشاحنة، وأغلق الباب الخلفي من الخارج. ومرت ساعتان ونصف الساعة قبل فتح الباب لأزحف وأخرج منه. وطيلة وقت الاحتجاز كنت في مكان مغلق وشديد الإظلام.لم تكن شاحنة مبردة أو ما شابه ذلك، ولذلك كانت مزودة بثقوب ليتسرب منها الهواء. لو فكرت بالأمر بهدوء، لعلمت أنني لن أختنق. ومع ذلك أحكم خوف فظيع قبضته علي. كان هناك الكثير من الأوكسجين، ولكن مهما تنفست بعمق لم أكن جاهزا لاستنشاقه. وأصبح تنفسي أكثر كللا وبدأت أتنفس بسرعة. ثم شعرت بالدوار. قلت لنفسي: "حسنا. اهدأ. ستتمكن من الخروج حالا. ومن المستحيل أن تختنق هنا". ولكن لم ينفع المنطق. لم يكن في ذهني غير أختي، محشورة في تابوت ضيق ومحمولة إلى المحرقة. وبسبب الخوف طرقت على جدران الشاحنة. وكانت في باحة سيارات الشركة، والموظفون أنهوا يوم عملهم، وانصرفوا إلى بيوتهم. ولم يلاحظ أحد غيابي. طرقت كالمجنون، ولا يبدو أنني بلغت سمع أحد. وأدركت، إن خانني الحظ، أنني قد أستمر محجوزا هناك حتى الصباح. وشعرت حيال هذه الفكرة كما لو أن كل عضلاتي على وشك أن تنهار وتتفكك. ثم سمع رجل الأمن الليلي في واحدة من جولاته على موقف السيارات الضجيج الذي تسببت به، وحرر قفل الباب. وحينما لاحظ مبلغ اهتياجي وتعبي، مددني على سرير في غرفة استراحة الشركة، وقدم لي فنجان شاي. لا أعرف كم استلقيت هناك. ولكن في النهاية انتظمت أنفاسي ثانية. واقترب الفجر، فشكرت الحارس واستقليت أول قطار في ذلك اليوم لأعود إلى البيت. وتسللت إلى سريري الخاص واستلقيت هناك، وأنا أرتعش كالمجنون لفترة طويلة. ومنذ تلك اللحظة، تسبب لي ركوب المصاعد بنفس الخوف. لا بد أن الحادث أيقظ المخاوف التي تتململ في داخلي. ولدي القليل من الشكوك أنها كانت من ذكريات أختي الميتة. ولم أكن أعاني من المصاعد فقط ولكن من أي مجال مغلق. ولم يعد بمقدوري مشاهدة أفلام تعرض مشاهد عن الغواصات والدبابات. وأن أتخيل نفسي أنني محجوز في مساحات محدودة مثلها - أتخيلها فقط - جعلني غير قادر على التنفس. وغالبا ما كنت أنهض وأغادر الصالة. ولذلك نادرا ما ذهبت إلى مشاهدة الأفلام برفقة أي شخص. وعندما كنت بالثالثة عشرة وأختي بالعاشرة، سافر كلانا منفردين إلى منطقة ياماناشي في عطلة الصيف. كان شقيق الوالدة يعمل في مخبر بحوث في جامعة ياماناشي، فمكثنا لديه. وتلك هي أول رحلة نقوم بها نحن الصغيران بمفردنا. كانت أختي حينها بحالة جيدة، ولذلك سمح لنا والدانا بالسفر دون مرافقة. كان خالنا عازبا (ولا يزال أعزب، حتى الآن)، وقد بلغ الثلاثين للتو، على ما أظن. وكان مجاله بحوث الجينات (ولا يزال)، وهو هادئ وحالم، ولكنه شخص منفتح، ومستقيم. ويحب القراءة ويعرف كل شيء عن الطبيعة. ويستمتع بالمشي في الجبال أكثر من سواها، وكما قال، لهذا السبب قبل بعمل جامعي في جبال ياماناشي الريفية. وقد أحببت أنا وأختي خالنا كثيرا. ركبنا متن قطار سريع في محطة شينجوكو والحقائب على ظهورنا، متجهين إلى ماتسوموتو، وهبطنا منه في كوفو. جاء خالنا ليستقبلنا في محطة كوفو. كان طويلا بشكل مدهش، ولذلك تعرفنا عليه مباشرة حتى في المحطة المزدحمة. كان يستأجر بيتا صغيرا في كوفو ويتقاسمه مع صديق من أصدقائه، وكان شريكه غائبا، ولذلك حصلنا على غرفة خاصة بنا لننام فيها. مكثنا في ذلك البيت لمدة أسبوع. وتقريبا كنا نخرج يوميا بنزهة مع خالنا لنتجول في الجبال القريبة. وخلالها علمنا أسماء كل أنواع الزهور والحشرات. وكنا نستمتع بذكريات ذلك الصيف. في أحد الأيام ابتعدنا أكثر من المعتاد وزرنا كهف الرياح القريب من جبل فيوجي. وهو أكبر كهف من بين عدد كبير من كهوف الريح المحيطة بجبل فيوجي. أخبرنا خالنا كيف تشكلت هذه الكهوف. كانت منحوتة من البازلت، وقال: لذلك لا تسمع في داخلها أي صدى إلا بصعوبة. وحتى في الصيف تبقى الحرارة منخفضة. في الماضي كان الناس يخزنون في الكهوف الجليد الذي حصلوا عليه في الشتاء. وشرح لنا الفرق بين نوعين من الكهوف: فوكيتسو وهو الأكبر واتساعه يسمح للناس بالدخول فيه، و كازا -انا، الأصغر والذي لا يمكن للناس أن يدخلوا إليه. والكلمتان هما قراءة بالتبادل لحروف صينية واحدة، تعني "ريح" و"حفرة". توقعنا أن خالنا يعرف كل شيء. في كهف الرياح الكبير، عليك أن تدفع رسم دخول وتدخل. ولم يرافقنا خالي لزيارته. فقد شاهده مرارا، عدا أنه طويل جدا وسقف الكهف منخفض جدا ويسبب له آلام الظهر. قال: "لكنه ليس خطيرا. ويمكنكما الذهاب. وسأنتظر عند الباب وأقرأ كتابا". عند المدخل قدم الحارس لكل منا مصباحا يدويا واعتمرنا بخوذتين صفراوين. كانت توجد مصابيح في سقف الكهف ومع ذلك كان داخله مظلما جدا. وكلما تعمقنا في الكهف، انخفض السقف. ولهذا السبب لا غرابة أن خالنا الطويل بقي وراءنا. أشعلت أنا وأختي الصغيرة المصباحين وأضأنا موقع أقدامنا ونحن نتابع. كنا في منتصف الصيف - الحرارة بلغت في الخارج تسعين درجة فهرنهايت. كان داخل الكهف باردا، ودون الخمسين. تبعنا نصيحة خالنا، وارتدى كلانا دراعات قوية أتينا بها معنا. قبضت أختي على يدي بإحكام، إما لأنها تطلب حمايتي أو لأمر آخر. أنها تأمل أن تحميني (أو ربما لم ترغب أن نفترق وفقط). وكانت تلك اليد الصغيرة والدافئة طيلة وقت تواجدنا في الكهف بيدي. وكان الزوار الآخرون الوحيدون زوجا بأواسط العمر. ولكنهما غادرا حالا، وبقينا نحن كلانا فحسب.

اسم أختي الصغيرة كوميشي، ولكن كل أفراد العائلة يدعونها كومي. أما صديقاتها فينادونها ميشي أو ميشان. وحسب علمي لا يناديها أحد باسمها الكامل، كوميشي. وهي بنت صغيرة ونحيفة. لها شعر أسود بدون تجاعيد، ومقصوص بأناقة حتى كتفيها. وعيناها واسعتان بالنسبة لمساحة وجهها (بمقلتين كبيرتين)، وهو ما جعلها تشبه كائنا خرافيا. وفي ذلك اليوم كانت ترتدي قميصا أبيض بدون ياقة، وجينزا باهت اللون، وخفين زهريين. بعد أن تابعنا طريقنا إلى عمق الكهف، اكتشفت أختي كهفا صغيرا جانبيا متفرعا قليلا عن الممر المقرر. كانت فتحته مختفية في ظل الصخور. اهتمت أختي كثيرا بذلك الكهف الصغير. سألتني: "ألا تعتقد أنه يشبه وجار أرنب أليس؟". كانت أختي من أشد المعجبات بكتاب "أليس في بلاد العجائب" للويس كارول. لا أعلم كم مرة أجبرتني على تلاوة ذلك الكتاب لها. على الأقل مائة مرة. كانت قادرة على القراءة منذ صغرها، ولكنها أرادت أن أقرأه لها بصوت مسموع. وهي تحفظ القصة عن ظهر قلب، ومع ذلك كلما قرأتها لها تشعر بالتشويق. والفقرة المفضلة لديها هي القريدس الراقص. وحتى الآن أتذكر تلك الفقرة، كلمة بكلمة.

قلت لها: "مع ذلك لا توجد أرانب".

قالت: "غير أنني سأمد رأسي فيه قليلا".

قلت: "خذي حذرك".

كانت فتحة ضيقة حقا (أقرب لكازانا بتعبير خالي)، ولكن تمكنت أختي من التسلل عبرها بدون مشاكل. وأصبح معظمها في الداخل، وبقي الجزء السفلي من ساقيها في الخارج. ولاحظت أنها أشعلت مصباحها في داخل الوجار. ثم ببطء انسحبت إلى الخارج، وأخبرتني: "إنه عميق فعلا من الخلف. والأرض تنحدر بشدة. مثل وجار أرنب أليس. أنا مزمعة على تفقد نهاياته الأخيرة".

قلت: "كلا. لا تفعلي ذلك. هذا خطير جدا".

"حسنا. أنا صغيرة ويمكنني الخروج بسلام ".

تخلصت من دراعتها، واحتفظت بارتداء قميصها الخفيف، ومدت يدها لي بالجاكيت مع الخوذة. وقبل أن أحتج بكلمة واحدة، ضغطت نفسها في الكهف، والمصباح في يدها. وخلال لحظة اختفت.

مر وقت طويل، ولم تخرج. ولم يمكنني سماع أي صوت. ناديت في الحفرة: "كومي. كومي! هل أنت على ما يرام؟".

لم ترد بأي جواب. امتص الظلام صوتي بدون صدى. وبدأت بالقلق. لربما علقت في الحفرة، ولم يمكنها التحرك إلى الأمام أو الخلف. وربما تعرضت لنوبة هناك وفقدت وعيها. ولو حصل ذلك لن يكون بمقدوري مساعدتها. كل أشكال السيناريوهات المفزعة تسابقت في رأسي، وشعرت بالاختناق من العتمة المحيطة بي. إذا اختفت أختي حقا في الحفرة، ولم ترجع إلى هذا العالم، كيف سأشرح ذلك لوالدي؟. هل أجري وأخبر خالي، الذي ينتظر خارج المدخل؟. أم أجلس بمكاني بانتظار ظهورها؟. قبعت وأنا أحملق بالحفرة. ولكن حزمة نور مصباحي لم تذهب بعيدا. كانت حفرة ضيقة، مغمورة بالظلام. ناديت ثانية: "كومي". ما من إجابة. ناديت بصوت أعلى: "كومي". أيضا بدون جواب. ارتعشت حتى العظام من موجة هواء بارد. ربما فقدت أختي إلى الأبد. ربما ابتلعها وجار أليس، وأصبحت في عالم السلحفاة الساخرة، أو القطة المتبسمة، أوملكة القلوب. مكان لا ينطبق عليه المنطق. وفكرت: لم يكن علينا أن نأتي إلى هنا. في النهاية عادت أختي. لم تخرج كالسابق بنصفها السفلي وزحفت بدءا من رأسها. برز شعرها الأسود من الحفرة أولا، ثم كتفاها وذراعاها، وأخيرا خفاها الزهريان. وقفت أمامي، بدون أي كلمة، وتمطت، وأخذت نفسا عميقا وبطيئا، ونفضت التراب عن جينزها. مددت يدي ورتبت لها شعرها المبعثر. على ما يبدو هناك تراب وغبار وشوائب أخرى لم أشاهدها تماما في الضوء الضعيف داخل الكهف، والآن هي ملتصقة بقميصها الأبيض الخفيف. وضعت عليها الدراعة، وقدمت لها الخوذة الصفراء. وقلت وأنا أجرها وأحضنها: "لم أتوقع أن تعودي".

"هل قلقت؟".

"كثيرا".

قبضت على يدي بإحكام. وقالت بصوت منفعل: "تمكنت من ضغط نفسي في الجزء الضيق، وتوغلت فيه، وفجأة أصبح منخفضا، ومنذ تلك النقطة أصبح على شاكلة غرفة صغيرة. غرفة مستديرة، كالكرة. السقف دائري، والجدران دائرية، والأرض أيضا. وهناك صمت شديد، شديد، ولو فتشت كل العالم لن تجد أي مكان صامت مثله. كأنني في قاع المحيط، في حفرة عميقة. أطفأت المصباح، فساد الظلام، ولكن لم أشعر بالرعب أو الوحدة. تلك الغرفة كانت مكانا خاصا لا يسمح فيه إلا لي فقط. غرفة لي وحسب. ولا أحد يستطيع أن يصلها. ولا حتى أنت تستطيع الدخول كذلك". "لأنني ضخم الحجم".

مدت أختي الصغيرة رأسها قائلة: "حسنا. أنت أكبر من أن تدخل. وما يدهشني بذلك المكان حقا أنه مظلم أكثر من أي شيء آخر. مظلم جدا حتى أنك حينما تغلق المصباح تشعر كأنك موشك على القبض على العتمة بيديك. كأن جسمك يتمزق ويتلاشى بالتدريج. ولكن لأنه مظلم لا يسعك أن ترى ما يحصل. ولا تعلم إذا كنت لا تزال تحتفظ بجسمك أم لا. ولنقل حتى إذا اختفى كامل جسمي، سأبقى هناك. مثل قهقهة القطة الضاحكة التي تستمر ولو اختفت القطة. عجيب جدا. أليس كذلك؟. ولكن حينما كنت هناك لم أتوقع أن ذلك عجيب على الإطلاق. أريد أن أنتظر هناك إلى الأبد. ولكن توقعت أنك ستقلق. لذلك خرجت".

قلت لها: "دعينا نخرج من هنا". كانت منفعلة جدا ويبدو كأنها ستتابع الكلام دون توقف، وكان علي أن أضع نهاية لذلك. فقلت لها: "لا يمكنني أن أتنفس هنا كما يجب".

سألتني بتلهف: "هل أنت على ما يرام؟".

"أنا على ما يرام. أريد أن أخرج فقط".

تماسكنا بالأيدي وتوجهنا إلى المخرج.

قالت أختي بصوت ضعيف لا يسمعه أحد ونحن نمشي: "هل تعلم أن أليس موجودة فعلا. هي ليست محض اختلاق. ولكنها حقيقية. والقط البري مارش، وهاتير المجنون، والقط الضاحك، وجنود بطاقات اللعب - كلهم حقيقيون".

قلت: "ربما".

خرجنا من كهف الريح، عائدين إلى العالم المشرق الحقيقي. كانت هناك طبقة رقيقة من الغيوم في السماء في تلك الأمسية، ولكنني تذكرت كم كانت الشمس تبدو ساطعة جدا. كان صفير الجداجد يعلو، مثل زعيق مرتفع يغرق فيه كل شيء آخر. وكان خالي جالسا على مقعد قرب المدخل، مندمجا مع كتابه. وحينما شاهدنا، ابتسم ووقف.

بعد عامين ماتت أختي. وسجيت في تابوت ضيق وأحرقت. كنت بالخامسة عشرة، وهي بالثانية عشرة. وحينما كانت تحترق نأيت بنفسي عن بقية العائلة، وجلست على مقعد في باحة الفرن، وتذكرت ما حصل في كهف الريح ذاك: ثقل الوقت وأنا أنتظر خروج أختي الصغيرة، كثافة العتمة التي تغلفني، البرد القارس الذي شعرت به. وشعرها الأسود البارز من الحفرة، ثم كتفاها. وكل التراب والغبار العشوائي الملتصق بقميصها الأبيض الخفيف. في ذلك الوقت، واتتني فكرة: ربما قبل أن يعلن الطبيب في المستشفى موتها رسميا بعد الحادثة بسنتين، ضاعت منها حياتها وهي في أعماق الكهف. وفي النهاية اقتنعت بالفكرة. أنها ضاعت تماما في ذلك الكهف، وغادرت هذا العالم، ولكنني وعلى سببل الخطأ فكرت أنها لا تزال حية، وأنا أرافقها على متن القطار عائدين إلى طوكيو، ممسكا يدها بقوة. فقد عشنا كأخ وأخت لسنتين إضافيتين. ولكنها لم تكن سوى فترة مباركة عائمة. بعد سنتين، زحف الموت من ذلك الكهف ليقبض على روح أختي. وكأنما حان وقتها، وأصبح من الضروري أن ندفع لقاء ما وهب لنا، وجاء المالك الحقيقي ليسترد ما كان له. بعد سنين، حينما كبرت وأصبحت بالغا، أدركت أن ما قالته لي أختي بصوت هادئ في كهف الريح ذاك كان حقيقيا. أليس موجودة فعليا في العالم الحقيقي.

القط مارش، وهاتير المجنون، والقطة الضاحكة - كلها مخلوقات لها وجود حقيقي.

***

........................

* ترجمها عن اليابانية فيليب غابرييل Philip Gabriel

* هاروكي موراكامي Haruki Murakami روائي ياباني.

 

الشاعرة الباكستانية عِشرت عَفرين

ترجمة: نزار سرطاوي

***

أجساد ذهبية،

الصبايا اللواتي يكدحن في الحقول

تحولن إلى اللون الرمادي في لهيب الصيف

*

في الليل يغمرهنَّ الندى والصقيع

وفي وقت الظهيرة تلفحهنّ الشمس المشتعلة

*

هؤلاء الصبايا مختلفات

إنّهُنّ أجمل

من الصبايا الجالسات فوق المقعد الرخامي

تُكلَل رؤوسَهنَّ براعم الياسمين

ويمضغن الورود

والهستيريا حين يلمحن الألوان اللاهبة

*

الصبايا اللواتي يحصدن الشمس في الحقل

يقفن على عتبةِ حياةٍ جديدة

– تمامًا كما أولئك الأخريات –

لكن عيونهنَّ لم تبحث يومًا عن المرايا:

هؤلاء الصبايا لا يعرفن دفءَ الورود

أو لمسةَ العطر الحارقة

ملابسُهنّ تفوح منها رائحة الخردل الأخضر

وفي عيونِهنّ لمعةُ لوزات القطن.

***

.......................

تعتبر الشاعرة الباكستانية عِشرت عِفرين الناشطة في الدفاع عن حقوق المرأة، واحدة من أهم الأصوات الشعرية في اللغة الأوردية. ولعلّها تتماهى شعريًا مع الشاعرين الباكستانيين، محمد إقبال وفايز أحمد فايز. فهي تستخدم أسلوبهما التقليدي الرصين، وتعكسه في دعوتها إلى الفردية التقدمية والتمرد على التقاليد الاجتماعية الأبوية.

ولدت عِشرت في عام 1951، ونشرت أول أشعارها وعمرها 14 عامًا. وداومت بعد ذلك على الكتابة والنشر في الصحف الباكستانية والهندية. ثم عملت محررة مساعدة في مجلة أواز التي أسستها الشاعرة فهميدة رياض وفي مؤسسات إعلامية أخرى.

تزوجت عِشرت عام 1985 من محامٍ هندي، وهاجرًا إلى الولايات المتحدة عام 1990، ويقيمان حاليًا في مدينة تكساس بولاية هيوستن. وتعمل حاليًا محاضرة في برناج خاص باللغة الأوردية في جامعة تكساس في أوستن.

أصدرت عِشرت ديوانين شعريين، كما نشرت أشعارها في العديد من الأنثولوجيات الشعرية وترجمت إلى عدة لغات. وقد فازت بالعديد من الجوائز.

الشاعرة الهندية أمريتا بريتام

ترجمة نزار سرطاوي

***

ثمة الكثير من المعاصرين –

لكن "ذاتي" ليست معاصرةً لي.

*

ولادتي بدون "ذاتي"

كانت قُربانًا مُشَوّهًا في طبق الصدقات

لحظةً من لحمٍ بشري مسجونٍ في لحم بشري.

*

وحين تَرِدُ على رأس هذا اللسان اللحميّ

كلمةٌ، تقتل نفسَه.

وإن نجا من قتل نفسه،

يهبط الكلمة إلى الورق، حيث تُرتَكبُ جريمةُ قتل.

*

رصاصة –

إذا أصابتني في هانوي

تصيبني ثانيةً في براغ.

*

يطفو القليل من الدخان،

وتموت "ذاتي" مثل طفلٍ في الشهر الثامن.

فهل ستكون "ذاتي" ذاتَ يومٍ معاصرةً لي؟

***

......................

تعتبر الشاعرة والروائية أمريتا بريتام أول أديبة بنجابية بارزة، وأهم شاعرة في اللغة البنجابية في القرن العشرين ومن أشهر رموز الأدب النسوي في الهند. كتبت باللغتين البنجابية والهندية، وحظيت بحب واحترام الجانبين الباكستاني والهندي في إقليم البنجاب. نالت العديد من الجوائز تقديرًا لإبداعها الشعري والأدبي. وقد صدر لها ما يزيد عن 100 كتاب تنوعت بين الشعر والقصة والسيرة والمقالة.

ولدت أمريتا في 31 آب / أغسطس، عام 1919 . بدأت تكتب الشعر في سن مبكرة، وصدر ديوانها الأول "أمواج خالدة" عام 1936، وكان عمرها آنذاك 16 عامًا. وفي ذلك العام تزوجت من محرر صحفي يدعى بريتام سنغ، وكانت مخطوبة له منذ طفولتها. ومنذ ذلك الحين أصبح اسمها أمريتا بريتام.

نزعت أمريتا في قصائدها الأولى إلى الرومانسية، لكنها في ما بعد انجذبت إلى حركة "الكُتّاب التقدميين" التي نشأت قبل انفصال باكستان عن الهند عام 1947. وقد عاشت أمريتا تجربة الانفصال المريرة تلك وشهدت المذابح التي راح ضحيتها أكثر من مليون إنسان من المسلمين والسيخ والهندوس. وظلت التجربة تؤرقها في السنوات اللاحقة بعد أن رحلت إلى مدينة نيودلهي الهندية.

في عام 1960 انفصلت أمريتا عن زوجها بعد تجربة زوجية فاشلة امتدت قرابة ربع قرن، وذلك بعد أن وقعت في حب الشاعر ساهر لودهيانفي (1921 – 1980). لكن حين دخلت حياتَه امرأةٌ أخرى وجدت أمريتا عزاءها في علاقة جديدة مع الفنان والكاتب الشهير إمروز، الذي قضت معه السنوات الأربعين الأخيرة من حياتها.

توفيت أمريتا في 31 تشرين الأول / أكتوبر، عام 2005 بعد صراع طويل من المرض.    

بقلم: أولغا براغينا

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

في الحديقة النباتية يوم السبت رأيت شابا

ظريفا وفكرت أنه بمقدوري أن أمشي بقربه

ولكن الآن لا يمكنني ذلك طبعا.

لأنه في داخلي مادة مضادة تقلب

كل شيء. وتجعل الداخل إلى الخارج

لم أكن أعرف عن ماذا أتحدث

ولا أعرف بأي وجه من الوجوه ماذا أصنع

في هذه الحديقة

حسنا الجو هنا ساحر جدا الهواء منعش والماغنوليا

تزهر يجب أن أمشي يجب

أن ألتقط الصور

ويجب أن أكرر أننا أحياء رغم

كل شيء ويمكننا أن نحب

ولكن نظريا لأن هذه المادة بلا

مضاد -

حسنا أنا معتادة على الركوب حتى وسط البلدة

دون سماع أجراس غارات الهواء

وأنا معتادة على سماع قصص يرويها

لاجئون من خيرسون عند موقف الحافلات

وأنا معتادة أن أعتقد: هذه مدينتي هل يمكن أن هذه

مدينتي وهي حقيقية

وأنها ليست مشيدة كرمى للحرب.

***

.....................

* ترجمتها عن الروسية أولغا زلبيربورغ - عن أنومالوس بريس

* أولغا براغينا Olga Bragina  كاتبة أوكرانية. من مواليد كييف 1982. من أعمالها مجموعة استمارات 2011، إسقاط الاسم 2012، أضواء خلفية 2018.

الشاعرة الباكستانية فهميدة رياض

ترجمة: نزار سرطاوي

***

عبقُ ياسمينتي اللطيف

يطفو فوق النسيم

يداعب يد الريح

إذ يمضي باحثًا عنك.

*

عبقُ ياسمينتي اللطيف

التفّ حول رسغيَّ،

ذراعيّ، عُنقي.

نسج سلاسل من القيود حولي.

*

هو ذا يتوارى في الليل الضبابيّ.

يسري في البرد المظلم.

يهسهس عبر الغابةِ الكثيفة،

إذ يمضي باحثًا عنك.

***

......................

فهميدة رياض شاعرة وكاتبة أردية باكستانية عُرفت باتجاهها النسوي وبمعارضتها للسلطة.

ولدت فهميدة في 1945 في ميروت، بولاية أوتار براديش في الهند، وذلك قبل التقسيم. بعد انتقال والدها إلى السند – استقرت عائلتها في حيدر آباد الباكستانية. توفي والدها عندما كانت في الرابعة من عمرها، فتولت والدتها تربيتها. وبعد إتمام تعليمها، عملت مذيعةً في إذاعة باكستان. وبعد التخرج سافرت إلى بريطانيا. وهناك عملت مذيعةً لدى قسم اللغة الأردنية في البي بي سي.

بدأت الكتابة في سن مبكرة، وأدارت مطبوعة أردية خاصة بها بعنوان "آواز". لكن "آواز" أوقِفت لاحقًا بسبب كتاباتها الثورية التي تحمل وجهة نظر ليبرالية تجاه السلطات الحاكمة آنذاك. ولذا اضطرت إلى الفرار إلى الهند، حيث قضت ما يقرب من سبع سنوات في المنفى. 

شغلت فهميدا منصب المدير العام للمؤسسة الوطنية للكتاب، وعضوًا في مجلس قاموس اللغة الأردية. وقد ألّفت العديد من الكتب وأصدرت عددًا من المجموعات الشعرية. كذلك تَرجَمت المثنوي لمولانا جلال الدين الرومي من الفارسية إلى الأردية.

توفيت فهميدا في أواخر عام 2018.

الشاعرة الباكستانية بروين شاكر

ترجمة نزار سرطاوي

***

منتصف ليلِ سنواتي العابرة...

هل طرقَ أحدهم مصراعيِ الباب الأبكمين

أم أصابني الذعرُ في حلم؟

*

ما بيت الحب هذا؟

صخورٌ مرعبةٌ تتناثر من تحته،

نوافذ ما تفتأ ترتجف.

لعل الرهبة تكمن في أعماقي

أكثر من أي مكان هناك.

فَزَعي من وسامته،

ذهولي أمام عقله،

خوفي من رقصة الهُجران الجامح

أمام عينيه اللتين تلاحقانني...

مجرد تظاهر

*

لا أتمنى أن أقول: "ها هو ذا".

لِم أضيّع ما جنيت

في سنين:

الحياة الحرّة وعقلي المتحرر؟

أعلم أنني إذا وقعت في يديه

سيُحوّلني في لمح البصر إلى ذبابة.

حبيسة بين جدران رغباته،

وسأنسى أنني قد عرفت من قبلُ

مباهج النور والنسيم والعِطر.

*

نعم، أنا سعيدة أن أظلّ فراشة:

حتى وإن كانت ضرورات الحياة تتآمر عليّ

فإنّ أجنحتي على الأقل لم تزل سليمةً لم يمسسها أذى.

***

....................

تحتل الشاعرة الباكستانية بروين شاكر مكانة بارزة في الشعر الباكستاني الحديث، ويعتبرها الكثير من النقاد أهم شاعرات اللغة الأوردية على مر العصور. كما تعتبر واحدة من أبرز رائدات الحركة النسائية الباكستانية والمدافعات عن حقوق المرأة.  

ولدت بروين في 24 تشرين الثاني / نوفمبر 1952. بدأت الكتابة في سن مبكرة، فكتبت الشعر والنثر، وكانت لها مساهمات في أعمدة بعض الصحف تحت اسم مستعار هو "بينا."

بدأت بروين تكتب الشعر والنثر في سن مبكرة. وكانت لها مساهمات في أعمدة بعض الصحف تحت اسم مستعار هو "بينا." صدرت مجموعتها الشعرية الأولى "العبق" عام 1976، ونالت إعجاب القراء. بعد ذلك صدرت لها أربع مجموعات: "آذريون المستنقعات" (1980)، "مناجاة" (1990)، "إنكار" (1990)، "حافة المرآة." كما صدر لها كتاب يضم مقالاتها الصحفية بعنوان "زاوية الرؤية." كذلك صدرت أعمالها الشعرية في مجلد بعنوان "البدر" (1994). وقد حظيت أعمالها بتقدير كبير. إذ فازت مجموعتها الشعرية الأولى بجائزة آدمجي. ولاحقًا مُنحتْ جائزة "مفخرة الاداء،" التي تعتبر واحدة من أرفع الجوائز في باكستان.

تزوجت بروين من طبيب باكستاني يدعى نصير علي، ورزقا بطفل واحد. لكن زواجهما لم يدم طويلًا وانتهى بالطلاق.

في 25 كانون الأول / ديسمبر 1994، اصطدمت سيارة بروين في طريقها إلى العمل بحافلة ركاب، وأدى ذلك الحادث المروع إلى وفاتها.

الشاعرة الإيرانية فروغ فرخُزاد

ترجمة: نزار سرطاوي

***

أحسُّ بالحزن،

أحسُّ بالأسى.

*

أمضي إلى الخارجِ وأروحُ أفركُ أصابعي الباردة

على محارةِ الليلِ الصامتِ الملساء.

أرى أضواءَ التواصلِ كُلَّها مُعتِمة،

والمساراتِ التي تربطنا معًا كلَّها مسدودة.

*

لن يُعَرفّني أحدٌ إلى الشمس،

لن يأخذني أحدٌ للقاء الحمائم.

*

خلّوا رحلةَ الطيران في بالكم،

فقد يموتُ العصفور.

***

...................

تعتبر الشاعرة فروغ فرخُزاد (1935 – 1967) من أشهر شاعرات وشعراء إيران وأعظمهم تأثيرًا في القرن العشرين. فقد أسهمت إسهامًا كبيرًا في تطوير الثقافة الشعبية الإيرانية، ولعبت دورًا بارزًا في نقل الشعر الإيراني إلى الحداثة. تميزت بشجاعتها النادرة في تجاوز المحرمات الثقافية، وهذا ما منح شعرها فرادةً وتميّزًا.  كذلك عملت في الإخراج السينمائي، فكانت رائدة في الموجة الجديدة للسينما الإيرانية.

صدرت لها أربعة دواوين: الأسير  (1952)، جدار (1956)، عصيان (1958)، ولادة أخرى (1964). كما أخرجت فيلمًا وثائقيًا قصيرًا بعنوان "البيت أسود" (1962). وبعد وفاتها. ثم أصدرت بعده ديوانها الرابع ولادة أخرى (1964). وبعد وفاتها ديوانها الخامس:  لنؤمنْ ببداية الفصل البارد.

توفيت فرخُزاد في 14 كانون ثاني / يناير عام 1967 في حادث سيرٍ مريع. فقد انحرفت بسيارتها لتتجنب مركبة قادمة باتجاهها، فارتطمت بجدار. وقضت متأثرة بجراح بليغة في الرأس، ودفنت في مقبرة ظاهر الدولة في طهران. 

Samai Atoot : Two Poems

Samai Atoot

Translated by Nizar Sartawi

***

1-  A Space of Weariness

A space of weariness…

Roots driving

their feet,

their soles,

their strings

into the flesh.

Here I am

a rope of thorns

On this earth I had

a house that vanished

when I cast it

in firewood.

**

A Soothsayer

A soothsayer –

and yet she knows us not!

She only reads us in coffee cups,

but when she lays eyes on us,

she doesn’t know who we are…!

She sets for us

a place

bereft of memory,

then leaves us dead

with no address!

......................

قصيدتان

سامية العطعوط*

***

1. فَضاءٌ مِنْ تَعَب

فضاءٌ مِنْ تَعَب

جذورٌ تضربُ

أقدامَها

نعالَها

أوتارَها

في الجَسَدْ

هذا أنا

حبلٌ مِنْ مَسَد

ولي في الأرضِ

بيتٌ تلاشى

حينَ أودعتُهُ

الحَطَب

**

2. عَرّافّة

عَرّافةٌ

وَتَجْهَلُنا!

تَقرأُنا في الفنجانِ

وإذْ تَرانا

لا تَعرفُِنا.. !

تُعّدُ لَنا

مَكاناً

بِلا ذاكِرَة

وتَتْرُكُنا قَتْلى

بِلا عنوان...!

***

...................

* أديبة أردنية

 

بقلم: شارل بودلير

ترجمة: سوران محمد

***

قريباً سنغمز أنفسنا في ظلال باردة،

وستزول كل ظهيرة صيفية خلابة.

أسمع مسبقا دويّ جذوع الأشجار الميتة في الأسفل

تتساقط على حصاة الرصف والعشب.

*

سيرجع إليّ الشتاء كله:

سخرية، كراهية، ارتجاف، رعب، مشقة وسيئة،

ومنفيّ، كالشمس، إلى سجن قطبي،

ستتحجر روحي فى كتلة من الجليد الأحمر.

*

أرتجف وأنا أستمع إلى جذوع شجرة تتحطم وتصطدم:

الأصداء خافتة كطبول الجلادين.

عقلي كحصن يستسلم ببطء

لعواصف تصدم وتضرب بلاهوادة.

*

يبدو لي، وأنا أتأرجح أمام هذه الصدمات، أن أحدهم

يثبت مسامير نعش على عجل في مكان ما.

لمن؟ -- كان الصيف بالأمس؛ والآن هو الخريف

لا تزال أصداء الرحيل تتردد في الهواء.

***

............................

نبذة عن حياة الشاعر و نتاجاته:

شارل بودلير شاعر وناقد فرنسي. ١٨٢١-١٨٦٧  بدأ كتابة قصائده النثرية عام 1857 عقب نشر ديوانه أزهار الشر، الذي أثار جدلاً واسعاً عند نشره بسبب جرأة موضوعاته وتناوله للجانب المظلم من الحياة الحديثة، مدفوعا بالرغبة في شكل شعري يمكنه استيعاب العديد من تناقضات الحياة اليومية في المدن الكبري حتي يقتنص في شباكه الوجه النسبي الهارب للجمال، وجد بودلير ضالته فيما كتبه الوزيوس بيرتيران من پالادات نثرية مستوحاة من ترجمات البالادات الاسكتلندية والألمانية الي الفرنسية. والبالاد هو النص الذي يشبه الموال القصصي في العربية وهو الشكل الذي استوحاه وردزورث وكوليريدج في ثورتهما علي جمود الكلاسيكية.

وفي عام 1861 بدأ بودلير في محاولة لتدقيق اقتراحه الجمالي وتنفيذه، فكتب هذه القصائد التي تمثل المدينة أهم ملامحها، وتعتبر معينا لا ينضب من النماذج والأحلام.

يعتبر بودلير من أبرز شعراء القرن التاسع عشر ومن رموز الحداثة في العالم. ولقد كان شعر بودلير متقدما على شعر زمنه، فلم يفهم جيدا ولم يعطى حقه الا بعد وفاته سنة ١٨٧٦عن عمر ناهز ٤٦ عاما.

وكان الشاعر شارل بودلير يري ان الحياة الباريسية غنية بالموضوعات الشعرية الرائعة، وهي القصائد التي أضيفت إلي أزهار الشر في طبعته الثانية عام 1861 تحت عنوان لوحات باريسية.

لم ينشر ديوان سأم باريس في حياة بودلير، وهو الديوان الذي لم يتحمس له غوستاف لانسون وسانت ـ بيف، هذا الديوان الذي اثر تأثيرا عارما في الأجيال اللاحقة.

Poemhunter  /   المصدر

Samai Atoot

Translated by Nizar Sartawi

***

Starfish

The starfish I caught

did not light up

our darkness

but did light up my path

to you…

***

Fog Street

Like distant lamps

in the Fog Street,

we’re mere strangers

dispersed by life...

***

Mirrors

In my dream I see her as my cave

She sees me as her mirror!

Walls rise between us

and the dream loses

its mirrors!

***

A Bow

Truth has a glowing sun

and I have a sky

that has no light,

nor a bow to bend

over my corpse

and scatter colors upon it

or teach me

how to bow

***

......................

سامية العطعوط

أربع قصائد

***

نَجمةُ البَحْر

لم تضئ نجمةُ البحرِ التي اصطدتُها،

عتمتَنا

لكنّها أنارَتْ دربي إليك..

***

شارعُ الضَباب

كَضوءِ المَصابيحِ البَعيدةِ

في شارعِ الضبابِ

أغرابٌ نحنُ

تُشتّتنا الحَياة...

***

مرايا

أراها في الحلمِ لي كهفاً

تراني لها مرآة..!

تقفزُ جُدرانٌ ما بَيننا

يفقدُ الحُلُمُ

مَراياه!!!

***

انحناءَة

للحقيقةِ شمسٌ تَتَوهّج

ولي سماءٌ

بِلا ضِياء

بلا قوسٍ يَنْحني

فوقَ جثّتي

ينثرُ الألْوانَ ...

أو يُعلّمُني

كيفَ يكونُ

الانحِناء

***

شاعرة وقاصة أردنية

بقلم: جينا بيريولت

ترجمة: د. محمد غنيم

***

أخذتني أمي معها إلى تلك الحفلة لأن عيد ميلادي الثالث عشر كان بعدها بيومٍ واحد فقط، وقالت إننا نستطيع تخيلها كحفلة لي، حفلة عيد ميلاد لا يعرفها إلا نحن الاثنتان. ابتعدتُ عن أمي والأصدقاء الذين يحتضنونها، وخرجتُ وحدي إلى الغرف التي كان فيها الغرباء. كلما رفعتُ بصري، التقيتُ بنظرة، ولم يكلمني أحد مازحًا كما يفعلون مع طفل، وعندما اقترب الرجال مني، عاملوني بنوع من المعرفة، كما لو كنتُ غارقة في التجارب التي تخيلتها فحسب.

أستطيع أن أتخيل نفسي في ذاكرتي كما لو كنت أراقب فتاة أخرى من زاوية غرفة: كيف بدت في ثوب أخضر باهت يلتصق بالثديين الصغيرين والوركين المستديرين، لم يعد قماشًا مجعدًا أو مطويًا، ولا قماشًا مستقلاً بذاته، بل كان من النوع الذي يطاوع الجسد الفتي الذي كان قد بدأ للتو يعلن عن نفسه، أو رغبته، أو إرادته. وأستطيع أن أرى كيف التفت لتُغوي بنظرتها الجانبية، شعرها الأشقر قصيرًا حتى كتفيها، بلا ضفائر، ولا مشابك شعر، ويمكنني أن أسمع جزءًا من صوتها، صوتًا يتغير كصوت صبي، لكن صوتها يتغير بدافع الترقب، ليس مرتفعًا ومترددًا كصوت الطفل.

بقيتُ أنا وأمي منفصلتين. أتذكر أنني رأيتها وسط مجموعة الضيوف في غرفة أخرى بعيدة، وأتذكر أنني رغبت في أن أكون معها، لأنها، كما في طفولتي، كانت تحميني من الأشخاص الذين يربكونني، وأتذكر أيضًا أنني كنت سعيدة بتلك المسافة بيننا. وبينما تُصدر أساورها رنينًا على معصميها، كانت تُلقي التحية على المضيفة وعلى النساء وتثني على ذكاء الرجال وحكمتهم، فتُسحر الجميع.

وصل والدي متأخرًا إلى الحفلة. كنا نتشابك الأيدي ونتجول في المكان، نتناول المقبلات ونشرب ما يُقدم لنا في أكواب كثيرة ترن، وعندما شبعنا، ليس فقط من الطعام والشراب، بل من الأصوات الصاخبة ونوبات الضحك، وجدنا غرفةً خاليةً من أي أحد. جلسنا على أريكة عتيقة، ظننتُ أنها ثمينة جدًا لدرجة لا ينبغي الجلوس عليها، أريكة مخملية زرقاء داكنة، منحنية كالهلال، لكننا جلسنا هناك، ربتنا على بطوننا، وتنهدت تنهيدات طويلة من فرط المتعة. دخلت الشابة بخجل، كما لو كانت تطلب معروفًا من أشخاص لم يروها من قبل. بدت غير مستقرة على قدميها، وخمنت أن ذلك بسبب المشروبات التي تناولتها. جلست على الطرف الآخر من الأريكة، وعلى الجانب الآخر من والدي، ثم عرفت أنها لحقت بنا.

قال لها: "هذه ماري، ابنتي"

لكن كلامه كان بمثابة تحذير لا تعريف، ولم يذكر لي اسمها.

سألها: "كيف حالكِ؟"

فقالت: "أنت تعرف كيف حالي."

عند ذلك التفت والدي إليّ قائلاً، وكان في كلامه نبرة الأمر لا الرجاء: "ماري، هل ستذهبين؟ أين أمك؟"

لكنه لم يكن شخصيةً قويةً لتأمر. كان في حلقه خشونةٌ كسعالٍ مُكبوت، وعيناه مُرتعشتان. إن فقد سلطة الأب في تلك اللحظة، فقد اكتسب سلطةً أخرى، وهي سلطة الرجل الذي اكتسب خبرةً تفوق معرفة عائلته. ما كان يعرفه عن حياته ولم تكن عائلته تعرفه بدا لي وكأنه يمنحني تجاربي الخاصة التي لا تُحكى. كان الأمر كما لو أنه منحني حريةً مطلقةً في التعامل مع العالم.

لم أستطع النهوض وتركهما. ظننتُ أنني قد أفعل، لكنني لم أستطع.

لم تنتظرني حتى أرحل. قالت له بصوت خافت، ونظرتها الجانبية على يدها وهي تمسح مخمل الأريكة:

"أريد أن أسألك إن كنتَ قد أتيتَ لرؤيتي يومًا.ابتعدتُ حتى ترى عندما تأتي أنني لم أكن أنتظرك، لكن بعد أن انتقلتُ تمنيت لو بقيتُ في نفس المكان وواصلتُ الانتظار."

لم تعد تلك الشابة الخائفة التي تخشى والدي. بل كانت امرأة فاتنة، بفخذين كبيرين تحت فستانها الحريري الوردي. وعندما أدرك والدي أنني رأيتها كما رآها في الماضي، ولا بد أنه لا يزال يراها في الحاضر، نهض وابتعد عنا.

جلستُ معها لبضع دقائق، دون أن أنطق بكلمة، كما لو كنت مع صديقة أفصحت لي عن سرّها. كانت تداعب الأريكة، وتتحرك يدها في دوائر صغيرة نحو المكان الفارغ الذي كان والدي يجلس فيه.

عندما تركتها، لم أتبع والدي. أردتُ أن أجد أمي، بدلًا من ذلك، وأن أضمّها بين ذراعي طلبًا للمغفرة. شعرتُ أنني لن أستطيع النظر في عيني أمي لفترة طويلة، ولم يكن ذلك لأنني أعلم أنها تعرضت للخيانة ولم أستطع إخبارها. فبعد اكتشافي لأبي وتلك المرأة، لم أكن قد فكّرتُ فيها.

كان الضيوف يتدفّقون جماعاتٍ نحو البيانو الكبير، حيث كان الفنان يجلس ليعزف. انضممتُ إليهم، فإذا بي أُدفَع إلى الأمام قريبًا منه، شابٌّ بشعرٍ فضيّ ناعم وابتسامةٍ تكشف عن أسنانٍ صغيرة. سمعتُ أنه ابن عمّ المضيفة، مغنيٌ ذاع صيته في النوادي الليلية والحفلات الكبيرة. كانت ربطة عنقه السوداء تتمايل وهو يتبادل أطراف الحديث مع الضيوف المتجمّعين حول البيانو.

كانت الأغنية التي غناها - بصوته المتقلب كوجهه، يرتجف في لحظة، ثم يهدأ في أخرى - تدور حول ازدياد عجز العشاق عن التعبير عن رغباتهم. كان هناك خلل ما في حياة العشاق في نهاية كل مقطع، ثم كان يدق على المفاتيح ليؤكد على مآسيهم العبثية.

كانوا جميعًا متلاصقين، ثلاثة منهم في حلقة حول البيانو، وكانوا جميعًا يضحكون على كل هزيمة للحبيبين. كانت عيونهم مغمضة بشدة من شدة الضحك، أو تسبح جانبًا، وكان أحدهم يضع سيجارته بين شفتيه ليجذب الدخان جفنيه. كانوا يُشيحون بنظرهم عن أعين الآخرين.

كانت أمي بين الحشد. رأيتها على البيانو، وجهها محصور بين وجهين آخرين. كانت تُحرك عينيها وتتطقطق بلسانها وتضحك، كغيرها ممن حولها، شعرتُ بفيض من الحب والاهتمام بها. كانت تحظى بدعمٍ كبير، ولكن مهما اجتمع الناس على ذلك البيانو وفي كل مكانٍ آخر للتقليل من شأن العشاق، كنتُ أعلم أن كل المحاولات ستنتهي بالفشل.

***

.......................

الكاتبة: وُلدت جينا بيريولت/Gina Berriault في كاليفورنيا لأبوين مهاجرين يهود من روسيا. خلال مسيرتها الأدبية الطويلة، ألّفت أربع روايات وثلاث مجموعات قصصية، ونالت جوائز مرموقة، منها زمالة جوجنهايم، وجائزة بوشكارت، والعديد من جوائز أو. هنري. وحظيت بإعجاب واسع كواحدة من أعظم كاتبات القصة القصيرة الأمريكيات، وحققت نجاحًا تجاريًا في أواخر حياتها مع مجموعة "نساء في أسرّتهنّ" التي حازت على جائزة بن/فولكنر، وجائزة دائرة نقاد الكتاب الوطنية، وجائزة مؤسسة ريا. ومن بين هذه المجموعة، قصة "المرأة ذات الفستان الوردي". توفيت بيريولت في منزلها عام 1999.

* نقلا عن جريدة أخبار الأدب المصرية بتاريخ 30 نوفمبر 2025.

بقلم: ناظم حكمت

ترجمة: نزار سرطاوي

***

الإنسانية العظيمة هي التي تسافر على سطح السفينة

تركب في الدرجة الثالثة في القطار

تسير مشيًا على الأقدام فوق الجسر

الإنسانية العظيمة.

*

تذهب الإنسانية العظيمة إلى العمل في الثامنة

تتزوج في العشرين

تموت في الأربعين

الإنسانية العظيمة.

*

ثمّة ما يكفي من الخبز للجميع خَلا الإنسانية العظيمة

الأمر نفسه بالنسبة للأرزّ

للسكر

للقماش

للكتب

هناك ما يكفي للجميع خلا الإنسانية العظيمة.

*

الانسانية العظيمة ليس لا ظلَّ لها فوق ترابها

لا مصباحَ في طريقها

لا زجاجَ في نافذتها

لكن الإنسانية العظيمة لديها أمل

ليست ثمّة من يقدر أن يعيش بدون أمل.

***

...........................

* يُعدّ ناظم حكمت أول شاعر تركي حديث. ولد عام 1902 في سالونيك التي كانت في ذلك الوقت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية لكنها الآن تابعة لليونان. كان والده موظفًا في وزارة الخارجية. ولعلّ جده ناظم الذي كان شاعراً هو الذي وجهه نحو الشعر. وقد صدرت مجموعة ناظم الشعرية الأولى وهو السابعة عشر من عمره.

في تلك الفترة الزمن احتل الحلفاء وطنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فغادر ناظم مسقط رأسه في إسطنبول للالتحاق بالجامعة في موسكو. وهناك تواصل مع العديد من الكتاب والفنانين، الذين كانوا من مختلف أنحاء العالم.

في عام 1924عاد إلى تركيا بعد الاستقلال. وبدأ ينشر أشعاره ومقالاته في الصحف اليسارية وغيرها من المنشورات. غير أن ميوله اليسارية جلبت عليه الكثير من المتاعب، مما اضطره إلى العودة إلى روسيا، حيث تابع الكتابة دون الخضوع للرقابة.

في عام 1928 صدر في تركيا عفو عام، وهذا ما شجع ناظم على العودة إلى بلاده. وخلال السنوات العشر التالية ، نشر تسعة كتب شعرية منها خمس مجموعات من القصائد بالإضافة إلى أربعة قصائد مطولة أصدر كلّاَ منها في كتاب منفصل.

تعاملت الدولة التركية من ناظم بالكثير من الشكّ والعداء، ولعلّ هذا ما جعل الشعب ينظر إليه باعتباره بطلاً. وكان من بين مؤلفاته عمل بارز يدور حول أسلوب الحياة الذي التي يتمتع به رجال بلاده ونساؤها من أهل المناطق الريفية كما في البلدات والمدن، وجاء الكتاب تحت عنوان مناظر طبيعية من بلدي. ويعتبر واحداً من الأعمال الأدبية الوطنية التركية العظيمة.

تعاظمت الضغوط السياسية على ناظم مرة أخرى. إذ لم يكن تطرفه موضع ترحيب في تركيا. وكثيرا ما كان يوصف بالشيوعي الرومانسي أو الثوري رومانسي. لكن وجهات نظره كانت مخالفة للأحزاب السياسية الحاكمة في وطنه، وكثيرا ما كان يتم اعتقاله بسبب ذلك، فقضى الكثير من أيام حياته في السجن أو في المنفى حتى عام 1951، حيث غادر وطنه مرة أخرى ، ولم يعد إليه أبدًا. فقد عاش من ذلك الحين وحتى وفاته في الاتحاد السوفيتي وأجزاء متفرقة من أوروبا الشرقية.

كان ناظم متحمساً للشيوعية المثالية، وكان الجمهور يستقبل قصائده الوطنية بصورة إيجابية. إلا أنه في الفترة ألأخيرة تأثر بشكل كبير بالمدرسة المستقبلية الروسية في موسكو. وراح يتخلى عن الأشكال "التقليدية" للكتابة. وقد وحاول أن "ينزع الشعرية" عن الشعر.

كان ناظم يكتب باللغة التركية ولكن الكثير من أعماله ترجمت إلى الإنجليزية وإلى العديد من اللغات. وقد تعرض لأزمة قلبية وتوفي في موسكو عام 1963.

أنطون تشيخوف

ترجمة: نزار سرطاوي

***

ذات مساءٍ لطيف كان موظّفٌ حكومي لا يَقلُّ عن المساء لطفًا يُدعى إيفان دميتريتش تشيرفياكوف يجلس في الصف الثاني من الأكشاك مُحدّقًا من خلال نظّارته الخاصّة بالمسرح يشاهد أوبرا "أجراس كورنفيل". راح يطيلٌّ النظر وهو يحسّ أنه في ذروة النعيم. ولكن فجأةً.. وفي القصص كثيرا ما تصادفِ المرءَ عبارةُ "لكن فجأة". والمؤلفون مُحِقّون: فالحياة مليئة بالمفاجآت! لكنْ فجأة تغضّنَ وجهه، واختفت عيناه، وتوقفت أنفاسه.. انتزع النظّارة عن عينيه وانحنى و.. "أتشي !!" وعطس، كما يمكنك أن تتخيّل. ليس من المستهجن أن يعطسَ أحدٌ في أي مكان. الفلاحون يعطسون وكذلك أمناء الشرطة وحتّى المستشارون السِريّون أحيانًا. الرجال جميعًا يعطسون. لم يرتبك تشيرفياكوف على الإطلاق. مسح وجهَه بمنديله، وأجال النظر حوله، مثل أي رجل مهذّب ليرى ما إذا كان قد أزعج أحدًا بسبب عطاسه. ولكن بعد ذلك استولى عليه الارتباك. فقد رأى رجلاً عجَوزًا يجلس أمامه في الصف الأول من الأكشاك يمسح رأسَه الأصلعَ وعنقَه بقفّازِه بعناية ويغمغم شيئًا بينه وبين نفسه. عرف تشيرفياكوف الرجلَ العجوز، بريزالوف، الذي كان مديرًا عامًّا يعمل في وزارة النقل.

قال تشيرفياكوف في نفسه: "لقد رششته". هو ليس رئيس قسمي، لكنّ الأمرَ يظلُّ مُحرجًا. ينبغي أن أعتذر".

تنحنحَ تشيرفياكوف وانحنى بجسمِه كلِّه إلى الأمام، وهمس في أذن المدير العام.

"المعذرة يا صاحب السعادة. لقد رشَشْتك عن غير قصد.."

"لا يهمّ، لا يهمّ."

"بحق السماء سامحني، أنا.. أنا لم أقصد ذلك."

"أوه، رجاءً اجلس! دعني أستمع!"

شعر تشيرفياكوف بالحرج، ابتسم بغباء، وراح يحملق بالمنصة. كان يحملق بها، لكنه لم يعد يُحسّ بالبهجة. بدأ القلق يساوره. وفي فترة الاستراحة صعد إلى بريزالوف وسار بجانبه وتمتم وقد تغلب على حيائه:

"لقد رششتك، يا صاحب السعادة، سامحني.. كما ترى.. لم أفعل ذلك كي.."

"أوه، هذا يكفي.. لقد نسيتُ الأمر، وأنت لا تتوقف عن الحديث عنه!" قال المدير العام وهو يحرك شفته السفلى وقد نَفِد صبره.

قال تشيرفياكوف في نفسه وهو ينظر بعين الريبة إلى المدير العام: "لقد نسيَ، لكن ثمّةَ ضوءٌ شيطانيٌ في عينه. وهو لا يريد أن يتحدث. يتعيّن عليّ أن أشرحَ له.. أني حقًّا لم أتعمّد.. أنّ هذا هو قانون الطبيعة، وإلا فإنه سيظنّ أني قصدت أن أبصق عليه. لا يظنُّ ذلك الآن، لكنه سيظّن ذلك لاحقًا!"

عند عودة تشيرفياكوف إلى البيت، أخبر زوجته عن مخالفته للأخلاق الحميدة. وقد صدمه أن زوجتَه لم تأخذ الحادثة على محمل الجدّ. أحسّت بشئٍ من الوَجَل، لكن عندما علمت أن بريزالوف في قسم مختلف، اطمأنت.

قالت: "مع ذلك، فمن الأفضل لك أن تذهبَ وتعتذر، وإلا سيظنُّ أنك لا تعرف كيف تتصرف بصورةٍ لائقة في الأماكن العامة".

"هو ذاك! لقد اعتذرت بالفعل، لكنه تعامل مع الأمر بطريقةٍ غريبة.. لم يقل كلمة منطقية واحدة. لم يكن ثمّةَ وقتٌ للتحدث حسب الأصول".

في اليوم التالي، ارتدى تشيرفياكوف بدلةً جديدة وحلق شعره وذهب إلى مكتب بريزالوف ليشرح الأمر. دخل إلى غرفة استقبال المدير العام ورأى هناك عددًا من مُقدّمي الالتماسات وكان بينهم المدير العام نفسه، وقد شرع في مقابلتهم. بعد مقابلة عددٍ من مقدمي الالتماسات، رفع المدير العام عينيه ونظر إلى تشيرفياكوف.

"بالأمس في أركاديا، إن كنت تتذكر يا صاحب السعادة،" بدأ تشيرفياكوف، "عطست و.."

"ما هذا الهراء.. إنه فوق الاحتمال!" ثم قال المدير العام مخاطبًا مقدم الالتماس التالي: "ماذا يمكنني أن أفعل لك"،

"لن يتكلم"، قال تشرفياكوف في نفسه وقد أعتراه الشحوب. "هذا يعني أنه غاضب.. لا، لا يمكن أن يظل الأمر هكذا.. سأشرح له".

عندما أنهى الجنرال حديثه مع آخِر المُراجعين واستدار متجهًا نحو مكتبه الداخلي، تقدّم تشيرفياكوف خطوةً نحوه وتمتم:

"يا صاحب السعادة! إن جاز لي أن أزعج سعادتك، فهذا ببساطة نابعٌ من شعور بالأسف!.. لم يكن عن قصد، إن تكرّمتَ وصدقتني".

بدا الضيق على وجه المدير العام ولوّح بيده.

قال وهو يغلق الباب خلفه: "ما هذا؟ أنت ببساطة تسخر مني أيها السيد".

"أين السخرية في ذلك؟" فكّر تشيرفياكوف، "ليس هناك شيء من هذا القبيل! إنه مدير، لكنه غير قادر على الفهم. إذا كان الأمر كذلك، فلن أعتذر لهذا المُدّعي بعد الآن! فليأخذه الشيطان. سأكتب إليه رسالة، لكنني لن أذهب. لا والله، لن أذهب".

هذا ما دار في خَلَد تشيرفياكوف وهو في طريقه إلى البيت. لم يكتب رسالةً للمدير، راح يفكر ويفكر ولم يستطع أن يُؤلّف تلك الرسالة. كان لا بدّ له أن يذهب في اليوم التالي ليشرح الأمر بنفسه.

تمتم عندما رفع الجنرال عينيه المستفسرتين نحوه: "لقد غامرتُ بإزعاج سعادتك بالأمس، لا لكي أسخر، كما تفضّلت بالقول. كنت أعتذر عن رشّك بالعُطاس.. لم أفكّر بالسخرية منك حتى في الحلم. وهل أجرؤ على السخرية منك. إن اعتدنا على السخرية فلن يبقى هناك احترام للناس، سيكون هناك.."

"أخرج من هنا!" صرخ المدير العام، وتحوّل لونه بغتةً إلى الأرجواني، وراح بدنه كلّه يرتعش".

"ماذا؟" سأل تشيرفياكوف بصوت خافت.

"أخرج من هنا!" كرّرَ المدير العام وهو يضرب الارض بقدمه.

بدا أنّ شيئًا ما راح ينهار في أعماق تشيرفياكوف. لم يرَ شيئًا ولم يسمع شيئًا،. سار متمايلًا نحو الباب، وخرج إلى الشارع، ومضى مترنحًّا.. وصل إلى البيت بصورةٍ آليّة، ودون أن يخلعَ بدلته، استلقى على الأريكة ومات.

***

...............

نبذة عن الكاتب

يعتبر أنطون بافلوفيتش تشيخوف، المولود في تاغانروغ في جنوب روسيا في عام 1860، أحد كبار كُتّاب المسرح والقصة القصيرة في روسيا. كتب 17 عملًا مسرحيًا وأكثر من 500 قصة قصيرة، ورواية واحدة وسبع روايات قصيرة حظيت أربعٌ منها على الأقل بشهرة عالمية، وهي: "نورس البحر" (1895)، "العم فانيا" (1899)، "الشقيقات الثلاث" (1900)، "بستان الكرز" (1903). أما أعماله غير الأدبية فاقتصرت على عملين، أحدهما في أدبالرحلات، والثاني كتاب مذكرات. 1904 توفي في أحد فنادق مدينة بادِنْ وايلر في ألمانيا. ونُقل جثمانه إلى موسكو، حيث دفن هناك.

 

من الأدب الكردي

بقلم: شيركو بيكس

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

1 - الساعة

عندما آتيك

تنجو الساعة

من يد الزمن

و تقدم نفسها ..

و عندما نجلس معا

تقبع الساعة في يد الزمن

و تؤخر نفسها !!

***

2 - المدية

في بيروت*

خطفت المدية

حلقا ..

لانه أبى أن يشاركها

حفلتها الدموية

لانه أبى

أن يكون مسنا!!

***

.......................

* إشارة إلى الحرب الأهلية اللبنانية 1975 – 1990 

شيركو بيكس: شاعر وأديب كردي بارز. يكتب بالكردية والعربية، أبصر النور سنة 1940 في السليمانية – العراق. نذر نفسه لمذبح الشعر منذ أواسط الخمسينيات من القرن الماضيز

صدرت له في عام 1968أولى مجاميعه الشعرية، وكانت بعنوان (ضياء القصائد). ثم أصدر مجموعته الشعرية الثانية المسماة (هودج البكاء) عام 1969

من أعماله:

(كاوة الحداد – مسرحية شعرية) 1971

(أنا باللهب أرتوي) 1973

(الغزالة – مسرحية شعرية) 1978

(الغبش) 1978

(أنشودتان جبليتان) 1980

(الشيخ والبحر – ترجمة لرواية أرنست ميلر همنغواي) 1982

* عن (من الشعر الكردي الحديث: باقة قصائد) للمترجم، دار نشر كريستال، أربيل – العراق 2001 .

بقلم: لارا واس

ترجمة: صالح الرزوق

***

اقتنعت أن جدران الشقق في نيويورك رقيقة عمدا، حتى أن الحياة، مهما كانت رديئة، تبدو مثل تجربة احتفالية. في الساعتين الأخيرتين، ارتجف الجدار المجاور لطاولة ميل بضربات ملحة، كما لو أن أحدهم يعلق صورة على الطرف الآخر، ولكن المسمار يسقط، فيحمله ويعاود الكرة. كانت هذه سوزي شريكتها في المسكن. ولم تكن تعلق صورة على مسمار، ولكنها بين يدي صديقها الجديد كايل. طبعا لا تسميه سوزي بهذا الاسم. وهي لا تقول عما تفعل إنه جنس. وتسميه ممارسة الحب. التقت سوزي مع كايل مثل أي إنسان آخر، بواسطة التطبيقات. وكان حبا من أول نظرة. وهذا ما قالت عنه. أرادت ميل أن تسأل: أي نظرة؟ مرآه الرائع والمبالغ به كما يبدو في صورة ملفه، أم النسخة البليدة والحقيقية منه؟ لكنها احتفظت بهذه الفكرة لنفسها. كانت المشكلة، أن كل شخص يقوم بعمل ما في هذه الأيام. وشريكة ميل في الغرفة تمارس الحب. أما صديقتها المقربة ديانا فتنجب الأطفال. حسنا، ليس تماما، ولكنها على هذا الطريق. في آخر عطلة أسبوعية، حينما التقتا في بار قريب خارج أسوار الجامعة وترتادانه دائما، والآن سمعت به ميل، فجرت ديانا الأخبار أمامها قائلة: إنها ستتزوج ستيف. فقد تقدم إليها في أمسية ذكرى مرور سنتين على العلاقة. وهي أيضا ذكرى مرور سنتين على ليلة اقتراب ستيف من ميل في بار الجامعة وتقديم شراب لها، لكن ميل رفضت شرابه قائلة: لا. شكرا. فهي لم تكن تشعر بالعطش، أما صديقتها ديانا فأكدت امتنانها وقبلت ضيافته.

وحين كانت تخابرها أمها كل أحد لتسأل إذا ما كانت تستعيد ذكرياتها. فترد ميل: من يريد أن يتذكر إذا كان يجني النقود؟. وتضحك كلتاهما لأنها إذا كسبت النقود، لن تشارك على شقتها مهووسة بالجنس، وواهمة ومنحرفة تجمع المحنطات بالقرب من قطار رقم واحد الذي لا يتوقف عن الهدير. وإذا تابعت أمها الموضوع، تخترع ميل شيئا، وبالعادة مزيجا من الأشياء المتخيلة، وأشياء رأتها تحدث لأشخاص من حولها، وادعت بتلك الطريقة أنها قابلت بواسطة الإنترنت رجلا يدعى كايل، واعتقدت أنه حب من أول نظرة، لتكتشف بعدها حالما قابلته شخصيا أنها غير قادرة على غض نظرها عن أنفه المحني. بالفعل لكايل أنف ضخم مع عظمة كبيرة. هذا صحيح، وتخلي سوزي عن صديقها بأنفه الضخم لميل هو أقل ما يمكن أن تفعله بعد تلك الليالي المتعبة التي تخللها تعليق الصور. وربما كانت الضجة المستمرة هي التي أهابت بميل أن تقول نعم، حينما رتبت لها ديانا موعدا مع أحد أصدقاء مدرسة ستيف القدماء، وكان قد عاد مؤخرا إلى نيويورك بعد أن عاش لبعض الوقت على الساحل الغربي. قالت ديانا: إنه شاب رائع. وعلمت ميل أن هذا يعني أنه مضجر أو بشع، ولكنها أملت أن لا يصدق ذلك. وكانت قد تعلمت من جدتها الألمانية مقولة ألمانية. وهي كالتالي "الرائعة هي الأخت الأصغر لمقرفة" أو هل كانت تقول الأخ الأصغر لمقرف؟. توفيت جدتها قبل خمس سنوات، ولذلك لم تكن ميل تتكلم الألمانية، ولذلك ليس لديها طريقة لتتأكد بها. ولكنها تفترض أن الموضوع غير مهم. وأضافت ديانا: أنه أيضا لديه سيارة. وربما من الطيب أن تغادر المدينة لبعض الوقت. ولم تعترض ميل على المسألة. لساعتين وهي تكتب لصديق ستيف - تبين أن اسمه جايك. بدآ بتبادل الرسائل قرابة الوقت الذي بدأت به سوزي وكايل ممارسة الجنس.

أولا أراد أن يعرف بماذا تفكر. أرادت أن تقول: أموت من الضجر. كل دقيقة أفقد من نفسي القليل. لكن كتبت: أغسل. جعلت الإنترنت المواعيد الغرامية بلا عواطف إلى حد مقلق. يمكنها أن تلتقي بهذا الشخص ذاته، وعلى الأقل يمكنهما لاحقا التظاهر أن اللقاء طبيعي. كما لو أنهما ليسا يائسين كبيرين ضاع عمراهما في مرحلة النضج، ولم يقع اختيار أحد عليهما، وهذا فشل ذريع - كانا آخر من يقع الاختيار عليه ليكون في فريق حصة اللياقة البدنية.

ولكن. كلا في هذه الأيام عليك أن تراسل قبل أن تغادر مخبأك. ولتتأكد أنك "منسجم". أو لتتأكد أن الآخر ليس مجرما. وكانت ميل تشك أنه لا يسعها الجزم بأحد الحالتين بعد حفنة من الرسائل. كيف يكتب المجرم رسائله النصية؟.

سألها جايك: متى يكون لديها وقت فراغ ليلتقيا.

فكرت ميل بالموضوع. متى يكون لديها فراغ من أجل لقاء؟ فتحت تطبيق الروزنامة في هاتفها. رأت أمامها صفا من مقابلات عمل، ومواعيد طبيب، ومواعيد غداء مع صديقات. وكلها مرتبة مثل طابور من عساكر صغار من القصدير.

تتابع إيقاع ارتطام الجسدين المتعانقين وهز الجدار.

ما رأيك الآن حالا؟.

وصل في الموعد المحدد. في الحقيقة قبل دقيقتين. كانت ميل تنتظر في الخارج أمام بناء شقتها منذ عشر دقائق لأنها لم ترغب أن تغامر بدعوته إلى الداخل. انتابها البرد. ولم ترد أن تضع قبعة حتى لا تشوش تصفيفة شعرها، والآن لا يمكنها أن تشعر بأذنيها. توقف بسيارة قديمة مضعضعة والصدأ يزحف على أبوابها والمرآة الجانبية مثبتة بشريط لاصق. ولم يكن من السهل أن تقرر هل لونها بني أم بنفسجي بسبب ضوء الشارع الخافت. ارتجفت ميل بعد صوت قرقعة مرتفع، ثم أدركت أن المحرك ينفخ. وفكرت أن تستدير وتعود إلى غرفتها، ولكن فكرة الإصغاء لأوبرا سوزي وكايل جعلها تتردد، ثم تأخر وقت الانسحاب.

قال جايك: لا بد أن نيل العجوز ستتذمر من هذا الشخص الذي يخرج من السيارة.

صححت ميل له بقولها: اسمي ميل. وهو اختصار ميلاني.

- آه. لا نعم. أعلم. كنت أشير للسيارة. نيل هي السيارة. تيمنا باسم نيللي الذي ورد ذكره في "بيت صغير في البراري". هل تعرفينه؟.

قالت ميل: ليس تماما. أعتقد أنه سمى سيارته تيمنا بأوبريت شعبي؟.

قال جايك وهو يدور حول المقدمة وضوء المصابيح المرتفع يغسل خياله: متذمر باستمرار. وجع في المؤخرة. هذا هو نمط شخصيته. النوع الذي نحب أن نكره. أو نكره أن نحب؟. لست متأكدا.

حينما اقترب منها، مالت ميل لأجل عناق سريع، لكن ابتعد جايك ليفتح لها الباب.

سلوك قديم الطراز. سيد مع أل التعريف (وردت في الأصل: A gentleman with a capital G ) وتقريبا كادت ميل أن تضحك.

قالت: شكرا. وصعدت إلى السيارة. ازدحمت على رف السيارة الأمامي أغلفة الطعام السريع، وجعلت طيات عميقة في جلد المقاعد الكراسي تبدو مثل وجوه هرمة. وكان للهواء عطر مطر خفيف ذكرها بارتداء ثياب مبتلة لفترة طويلة. قفز جايك إلى السيارة من الطرف الآخر. ولأول مرة أخذت ميل منه نظرة كافية. لم يكن دميما. عيناه مدفونتان قليلا في عمق المحجرين، ونمش واضح يغطي أنفه مثل السمسم. وعدا ذلك ليست له ملامح وجه لافتة قد تفاقم من كراهيتها له في أحد الأيام. كانت ديانا محقة، على الأقل فيما يتعلق بمرآه. فهو يبدو مرضيا. قال جايك حينما قرقع المحرك وهو يدور: آسف لهذه الفوضى. كان علي أن أنظفها. ولكن ما ترينه كان نتيجة التعجل العفوي.

قالت ميل: أنا بنت فطرية.

ولا تعرف لماذا ادعت ذلك. فهي بدون هذه الصفة ولو بمقدار ذرة. ثم قالت: أنت توفر لشراء سيارة جديدة؟ وأشارت إلى القطع النقدية المبعثرة تحت كاحل بوطها. على الأقل وجدت المئات منها على الأقل موزعة على مفرش الأرضية، سنتات وأرباع دولارات وعشر سنتات، وكلها من نحاس وفضة تبرق بظلال مختلفة.

- كلا. كلا. كنت أضع المعادن الزائدة في كوب. ولكنه فاض بالصدفة. فتركتها كما هي. تخيلت أنها تبدو مثل قاع بئر الأمنيات. ولذلك والآن كلما وقع بيدي قطعة نقود ألقيها في هذا البئر.

ضحكت ميل. ثم كبتت ضحكتها وقالت: آه. هل أنت جاد.

- نعم، هل تريدين أن تفكري بأمنية؟.

- أعتقد أنني هكذا بحالة طيبة.

- متأكدة؟ ماذا لو نجحت الفكرة؟.

- لن تنجح.

- لن تعرفي إن لم تحاولي.

تفحصته ميل بنظرها، لتتأكد أنها ليست برفقة أحد طلابها. كان طلابها يرددون مثل هذه الأقاويل، طيلة الوقت، وينشدون شعارات يقتبسونها من روبي كوار مثل قولها "التطور يبدأ بخطوة واحدة". وقولها "الأفضل لك أن تتخبط وتتعثر من أن تقف جامدا". و"إن لم تحاول هذا يعني أنك خسرت الرهان". أقوال مأثورة فارغة. تفاهات. وقد سمعتها ميل كلها. وكانت وراء التخلف عن دروسها بحجة الأسباب النبيلة مثل الاحتجاج على تبدل المناخ واللامساواة بين الجنسين وصناعة التاريخ. وأحيانا تشعر بالدافع لتقول لهم: التاريخ الوحيد الذي يصنعونه هو تاريخ الزحام في ساعة الذروة. في الأسبوع الماضي سألتها إحدى طالباتها، وهي بنت بوجه منتظم لدرجة مقلقة، برأي ميل لا يجوز أن تكون البنت جميلة وذكية بنفس الوقت - سألتها أمام كل الصف: ما رأيها بما يجري في غزة؟. أجابت ميل: فظيع وبدلت الموضوع. الحقيقة أنها لا تعرف ماذا يجري في غزة. ولا ماذا يجري في أوكرانيا أو سوريا أو اليمن، باستثناء أن شيئا يحصل، وهو غير محبب. أنفقت ميل يوميا ساعات وهي تقرأ الأخبار لأجل مشروع بحثها الرسمي عن ردة الفعل الدولية على وباء كوفيد 19. ولكنها لا تزال عالقة في حصاد عام 2020. ولم يسعها أن تغطي أخبار هذه الأيام أيضا.

قال جايك: وإذا؟.

- وإذا ماذا؟.

- ماذا عن تلك الأمنية؟.

وببساطة تحول جايك إلى امرأة مسنة عقدت شعرها من الخلف فوق رقبتها بشكل كعكة مشدودة، وكأن ميل ترافق أمها بعد موعد مدبر. ماذا لو لم نتسرع بهذه الأمور؟ ماذا لو تبادلنا الزيارات في عطلة الأسبوع؟ ما رأيك بالتوفير؟ ما رأيك بالمواعيد المدبرة، هل من جديد؟. ماذا عن تجميد بويضاتك - لتكوني واثقة من نفسك؟. لم تسألها أمها السؤال الأخير، ولكن ميل متأكدة أنها ستفعل، عاجلا أم آجلا.

أجابت: ليس لدي نقود معدنية. وتوقعت أن هذا سينهي الموضوع.

أجاب جايك: أنت محظوظة. لدي نقود لم ألق بها من قبل. وهي كلها لك. وفتش في جيب معطفه، ويده على المقود، وأخرج قطعا معدنية. نظرت ميل إلى النقود التي في يده. ثلاث سنتات، وقطعة من عشر سنتات، وربعان. ألقى جايك العشرة على الأرض أمام مقعدها. وقال: انظري. الأمر بسيط.

تناولت ميل سنتا. إذا كان هذا سيسكته، ما الضرر منه. كان سنتا يحمل صورة لنكولن في ذكراه، وصورة إبراهام لنكولن على الوجه الأمامي، تحت عبارة: بالله نحن نؤمن.

قال جايك: عظيم. فكري بأمنية.

ألقت ميل القطعة. وسقطت على السجاد بين كعبيها بدون صوت.

- سعيد؟

- جدا.

- تهانينا. درجة أولى لهذا الحماس.

وحان الآن دور جايك للضحك. تابعا على طول جسر جورج واشنطن. في الظلام يستحيل أن تؤكد أين ينتهي الهدسون وأين تبدأ السماء. وكانت أعمدة النور على الضفة المقابلة تبدو مثل اليعاسيب. سألت ميل أين يذهبان. قال جايك: إن كانت تريد أن تعرف، عليها أن تفكر بأمنية ثانية. قالت: إذا لا أريد أن أعرف. فقال جايك: جيد. لأنه يريد أن يتركها مفاجأة. وضع شريطا في المسجلة. لا تستطيع ميل أن تتذكر آخر مرة ركبت سيارة تتوفر فيها مسجلة أشرطة كاسيت حقيقية، ربما كان أشد ما يقلقها في الماضي أن تتأكد من وجود شريط مناسب في السيارة لطريق العودة من الجامعة إلى البيت. وتعرفت على الأغنية في الحال. هاري شابن. القطة في المهد. بدأ جايك بالغناء. عرفت ميل الكلمات لكنها لم تشاركه الغناء. ليس لأنها مغنية سيئة، ولكن لأنهما ليسا طفلين، ولا حتى صديقين، وعلى كل حال، لم تكن تغني في السيارة حين تكون برفقة ديانا أيضا. ولذلك التفتت نحو النافذة وانتظرت الأغنية حتى تنتهي. ثم باشرا بالدخول في الكلام الإجباري - بدءا بالطبع من عمليهما. ولأن جايك بدأ بالسؤال باشرت ميل أولا. أخبرته أنها تدرس السياسة لطلاب المرحلة الأولى. قال جايك: إن هذا شيء محترم، فهو لا يمكنه التدريس. ويخاف من الأماكن العامة ويشغل نفسه بالشطائر في أنفاق القطار. ولذلك تحول إلى فنان بصري. سألته ميل عن الفن الذي يمتهنه. قال في معظم الأوقات لا يعرف بالضبط. ويطلب منه أخوه دائما أن يعمل بالوساطة العقارية. فهي المكان المناسب لجني النقود. وسألته ميل إن كان أخوه أصغر أم أكبر منه بالعمر. أجاب جايك بل أكبر. قالت له ميل إنها نشأت في بيت من طفل واحد، ولكن أمها مثل أختها لأن والدها رحل وهي صغيرة جدا. فرد جايك أنه يحلم أن يكون ابنا وحيدا، ولدرجة كان يتمنى فيها وقوع حادث مؤسف لشقيقه. قالت ميل هذا شيء فظيع. ووافقها جايك. فأضافت إنها كانت تحب أن يكون برفقتها إنسان يشاركها اللعب كلما ذهبت أمها إلى العمل. هز جايك رأسه. العشب دائما أشد خضارا (الناس تفضل الحالة المعاكسة). وفكرت ميل: كلا. العشب دوما ميت.

قال فجأة: لقد وصلنا. وأوقف السيارة وأطفأ المحرك وهو يقعقع كشأنه دوما. لم تشاهد ميل شيئا. كما لو أن جايك تغلغل في نفق عميق وأطفأ كل الأنوار. قال: هيا بنا.

ترددت ميل. دار جايك حول السيارة وفتح بابها. وقال: أعدك لن أقتلك.

قالت وهي تخرج: إذا صدق وعدك.

ضربت وجهها المكشوف ريح باردة. كانا في مكان مرتفع حتما، أو قرب الماء، أو الاثنين. أخذ جايك يدها وقادها عبر الباحة نحو ممر يغطيه الحصى وكان يتعرج داخل إحدى الغابات. تسلل الدفء إلى يده، وهو يحميها من الهواء. كانت هناك في نهاية أصابعه انتفاخات صغيرة. قال إنه يتعين عليه أحيانا أن يحمل أشياء من أجل تماثيله. فأجابت إنها لا تهتم للأمر. وصلا إلى مكان مفتوح. لا يزال الضوء غائم، لكن الآن لم تكن ميل بحاجة له لترى. على مبعدة، وعبر الماء، لمعت أضواء نيويورك على المياه كأنها خيط من الجواهر المعلقة على الأفق. وعكسها الهدسون بشكل متحرك ومكسور، كما لو أن ناطحات السحاب تذوب ببطء في النهر. اتخذ ميل خطوة نحو الأمام، ثم أخرى، وقدمت نفسها على نحو غريب أمام أضواء المدينة البعيدة عنها. قال جايك وهو يجر ظهرها: احذري. وحينها فقط لاحظت أنهما يقفان على حافة منحدر.

سألت: أين نحن؟.

- تسمى الأعمدة. برد شديد. أليس كذلك؟ - دعينا نجلس هنا.

جلس جايك على صخرة ذات سطح ناعم غير مريح، كما لو أنها منحوتة لتكون مقعدا مزدوجا. وتساءلت ميل كم فتاة جاء بهن إلى هنا من قبل. مد يده في جيبه، وأمكن ميل أن ترى، أنه مرت سنوات قليلة، لكن كل شيء حصل في هذه البقعة - جايك يمد يده إلى جيبه ليخرج خاتما. لكن ميل لا تريد الخاتم. وهي متأكدة لو جرت الأمور على نحو مقبول، وإذا تابعا بانسجام، ستنتهي اللعبة، أليس كذلك؟. الهدف من هذا. الالتزام. الوعد. حتى نهاية النهاية وإلى الأبد. إلى الأبد. إلى الأبد - حتى يضجر أحدهما (أو كلاهما) من العلاقة، وبعد شهور وشهور من النصائح الزوجية، ثم يقرران أنه من الأفضل لهما أن ينهيا الموضوع ويذهب كل منهما بطريقه.

قال جايك: هل يزعجك التدخين.

بدل الخاتم، أخرج علبة سجائر. لم ترد. فأشعل سيجارة. لم يكن يزعجها التدخين. في الحقيقة، والشكر لأفلام هوليود القديمة، تجد في ذلك أمرا مثيرا للغرائز. ما لا يمكنها أن تتعايش معه هو فكرة موت الناس قبلها. ولأنها امرأة وجايك رجل، فرص موته قبلها أعلى إحصائيا. ولتجعل الأمور أسوأ، كانت تعدو فقد اشتركت بالماراثون لعام. وقرأت في إحدى المرات أن من يعدو بانتظام يعيش بالمعدل ثلاث سنوات إضافية. وهو ما جعلها تقلع عن الجري.

سألها جايك: والآن أخبريني ماذا تمنيت؟.

- ماذا تمنيت؟.

- حين كنا في السيارة، ومعك النقود المعدنية.

كبتت ميل تنهيدة. ليس مجددا. وسألته: ألا يجلب هذا الكلام الحظ السيء؟.

قال جايك: بالتأكيد ستستثني سيدة الأمنيات صاحب سيارة بئر الأمنيات.

- طبعا.

- إذا؟ ورفع جايك حاجبيه كما لو أنها ماري بوبينز، وهي على وشك أن تخرج من حقيبة البساط السحري مفاجأة بمستوى المعجزات. كذبت ميل وقالت: قدمت أنا وزميلة لي ورقة بحث إلى أحد المؤتمرات. وتمنيت لو تقبل.

لم يكن هناك بحث، ولا أمنية، ولكن لسبب ما لم ترغب أن تخيب ظن جايك.

سألها: أي مؤتمر؟.

كذبت ميل مجددا: آه. مؤتمر بحوث. ولمزيد من المصداقية اخترعت اسم مؤتمر شاركت به في العام الماضي، وهو APSA.

قال جايك: رائع. حظا موفقا. وأخذ نفسا من سيجارته، وسجلت ميل في ذهنها ملاحظة، إذا التقت به ثانية بعد هذه الليلة، ستضطر لأن تقول في السياق إنهم، للأسف، لم يقبلوا البحث.

سألته: وماذا عنك؟.

قال جايك على سبيل الطرفة: لن أشارك في مؤتمر بالعلوم السياسية، ولا حتى على جثتي.

ابتسمت ميل. تعلم ماذا أقصد.

- أمنيتي؟

- نعم.

- لأكون صادقا معك لم أفكر بأمنية.

- ماذا؟.

- فعليا لا أومن بذلك، لا التمني ولا ما شابه.

- ولكن... أنت قلت في السيارة. لا أحد يعلم إن لم يجرب؟.

- لا نعلم إن لم نجرب. ولكن لا أحد يعلم حتى لو جرب أيضا. صحيح؟.

قالت ميل: في الحقيقة لست متأكدة أنني أفهمك.

- المسألة لا علاقة لها بالإيمان. وهي مجرد إلقاء قطعة نقود. هل لكلامي معنى.

فكرت ميل هل كان لكلامه معنى. في نفس الوقت تابع جايك قائلا: أعتقد أن هذا هو سبب رغبتي بالقدوم إلى هنا أحيانا. وتذكري أنني أكثر من واحد بين ثمانية ملايين. ويمكنني أن أبتعد في أي وقت. كما تعلمين؟.

حدقت به ميل، وحمل جايك السيجارة إلى فمه، وأخذ نفسا. تخيلت الدخان وهو يتحرك في أسفل بلعومه، ويمر من القصبات، ويستقر في الحويصلات الإسفنجية من رئتيه. سيكون تشييع جايك أسوأ يوم في حياتها. النعش، والزهور، والبنت الصغيرة التي تبكي. أو ربما البنت الأكبر، هذا يعتمد على فترة حياته. سيعزفون القطة في المهد في طريق الخروج من الكنيسة لأنها أغنيتهم. وبعد المراسم: تبدأ، من أشخاص لا يعرفون جايك جيدا، نغمة "التأسف" و"لا يسعني أن أتخيل" و"أخبريني حينما تحتاجين إلى شيء".

وقد يحصل العكس وترحل هي أولا. قد تصدمها سيارة غدا، صحيح؟ وسبق لميل أن أوشكت أن تسقط من حافة السفح. مالت وضغطت بشفتيها على شفتيه. تذوقت طعم التبغ والموت. تراجع جايك. هووهو، ماذا تفعلين؟.

قالت ميل: أنوي أن ألقي قطعة نقدية. وحاولت أن تقبله ثانية. لكنه ابتعد.

- تلقين قطعة نقود؟.

- رمزيا. ألم نأتي إلى هنا لأجل ذلك؟

- لا. أقصد نعم. إذا سارت الأمور على ما يرام.

- أليست كذلك؟

- أليس ماذا؟

- على ما يرام.

- آه. نعم. لكن كيف أعبر عن هذا؟ كنت، إم، آمل أن أتعرف عليك قليلا أولا.

- أنت تعلم أنني أحب هاري شابن وأدرس الفلسفة وأنا ابنة وحيدة.

- أنا متأكد أن هذا ليس كل ما يجب أن أعرف.

- وماذا لو أنه كل شيء؟.

- أنا متأكد أنه ليس كل شيء.

- وكذلك أعاني من تقرن في الجلد، وهو جلد ميت متراكم، ولا سيما في القدمين، وأحيانا أكذب بخصوص حياتي لأجد ما أخبر به أمي، ولا يهمني ما يجري في غزة.

- أنت مضحكة.

ابتلعت ميل بقسوة. وقالت: أعتقد يمكنك أن تعود بي إلى البيت الآن.

احتج جايك. لأنه لم ينافق مععا هذا لا يعني أنه عليهما أن يعودا.

أصرت ميل. فهي متعبة.

أطفأ جايك سيجارته على الصخرة، وارتفع الدخان بينهما. قاد السيارة معظم الطريق وهما صامتان. ميل تحدق من النافذة. وحينما عبرا من جسر جورج واشنطن، لاحت المدينة الواسعة ثانية. تخيلت أن البشر يبدون هكذا للنمل. قبيحون، وعمالقة، ويكبرون بالتدريج قبل أن يقضمهم المجهول. سأل جايك حالما ابتعدا عن الجسر: ومتى سأراك لاحقا؟.

قالت ميل: لن نلتقي. كانت تعلم كيف سينتهي الموضوع، وشاهدت كل شيء يجري، ثم شكرا، لا ضرورة للشكر.

- هيا. لم لا؟ كانت الأمسية جيدة حتى... لم أقصد استفزازك. ومتأسف إذا فعلت.

- الأمر ليس كذلك.

- ماذا هو إذا؟

- له علاقة بالسيارة.

- السيارة؟.

- نعم.

- ما خطب السيارة؟

- انظر إليها.

- ها أنا أنظر.

- يا لها من فوضى.

- وإذا؟

- أنت لا تعتني بها.

- ولكنها سيارة.

- بالضبط.

توقف أمام مسكنها في نفس البقعة التي حملها منها قبل ساعة فقط. شكرها على الأمسية. خرجت ميل، وبالصدفة ركلت إحدى قطع النقود. تقدمت في الممر إلى شقتها، ولكن ابتلع صوت خطواتها قعقعة المحرك وهو يدور من ورائها. كانت الغرفة من الداخل هادئة. على الأقل توقفت سوزي وكايل عن ممارسة الجنس أو الحب أو أي شيء من هذا القبيل. تفحصت ميل هاتفها. كانت قد فاتتها مكالمة من ديانا. ربما أرادت أن تسألها عن رأيها، حول شيء له علاقة بالعرس، مثل أي نوع الأفضل: بطاقات المناسبة من طراز كلاسيكي وتقليدي أم فني ومضحك؟. والأهم هل الأفضل من نوع DIY (صممه بنفسك) أم من نوع الطلبات المعدلة؟ وقررت ميل أن بإمكانها الانتظار حتى الصباح. معظم المشاغل بمقدورها أن تنتظر. لا تبدأ حصة تدريس ميل قبل العاشرة. ولكنها نهضت في السابعة. كانت بحاجة لأن تعجل بالجري قبل أن تواجه رواد التاريخ. حينئذ يمكنها على الأقل أن تقول لنفسها، حسنا، أنت تصنعين التاريخ، ولكن من قام بالجري هنا في هذا الصباح وتحدى متاعب خمسة أميال؟. جرت شمالا على طول الهدسون، كان جسر جورج واشنطن يتضخم مع كل خطوة. وفي الخلف، على الجانب الآخر من النهر، توجد الأعمدة. والآن هي مجزأة إلى شرائح بسبب هيكل الجسر. وحاولت أن تتذكر شكل المدينة من بعيد، لتنعش الصورة في خيالها، حبل من المجوهرات على عرض الأفق، والأضواء تذوب في الماء. كل ما تراه الآن فوضى من المعادن والإسمنت والسيارات. فكرت: مشهد النملة، وخفضت نظرتها إلى الرصيف. تباطأت، ثم توقفت وتمطت. وضعت يديها على السور، ومدت ذراعيها باستقامة وتراجعت إلى الوراء، خفضت نصفها الأعلى، حتى أصبح مستويا كالطاولة. ضغطت بكعبيها على الرصيف، وشدت ربلتي ساقيها وشعرت بالألم المعهود. ثم شاهدته، فقط على بعد بوصات من خلف قدميها: سنت، خامل، ملوث بالتراب، ولا يبهج الروح. كان أسفله نحو الأعلى، وتعرفت ميل على الخطوط الباهتة لتمثال لنكولن التذكاري. تلفتت حولها، كأنها تريد أن ترى الشخص الذي ألقاه، وسيكون أي شخص يفتقد إلى قطعة نقود ناشزة. لم تجد أحدا حولها باستثناء رجل ببذة، ويرافق كلبه. رفعت ميل قدما إلى الأعلى خلف ظهرها، وقبضت على كاحلها بيدها، ثم تمطت بجانبها الأيسر، وكررت ذلك بيمينها. فحصت المنطقة مجددا، ولم تجد أي شخص مهتما بالبحث عن نقوده. وبحذر شخص يعود إلى عادة قديمة بعد العديد من السنوات، حملت السنت، دسته في جيبها، وتابعت الجري.

***

........................

* لارا واس Lara Waas كاتبة قصة أمريكية. تترجم عن اللغة الألمانية. حصلت على مؤهلها العلمي من ميونيخ في ألمانيا. وعملت بتدريس اللغة الإنكليزية في غواتيمالا.

 

بقلم: أنطون تشيخوف

ترجمة: نزار سرطاوي

***

يَعبُر أوشوميلوف رئيسُ الشرطة السوقَ بمعطفه الجديد، وقد تأبطّ طردًا. يتبعه شرطيٌ أُحمرُ الشعر يحمل بين يديه بعضًا من الفاكهة المُصادَرَة. يَسودُ الصمت في الجوار. ليس ثمّة أحدٌ في السوق. أبوابُ ونوافذُ المحلاتِ التجارية والحاناتِ المفتوحة بدت وكأنها أفواهُ فاغرةٌ جائعة. لم يكن ثمّةَ أحدٌ في الجوار، ولا حتى متسوّل.

فجأة سمع أوشوميلوف شخصًا يصرخ. "إذًن أنت تعضُّ أيها الوحشُ اللعين! ليس مسموحًا للكلاب أن تعضّ في هذه الأيام. توقفْ! آهـ، آهـ!"

سُمِع نباحُ كلب. نظر شوميلوف ناحيةَ الصوت فرأى كلبًا أعرجَ بثلاثِ أرجل يعدو خارجًا من ساحة الأخشاب، يطارده رجلٌ يرتدي قميصًا أبيضَ بأزرار مفكوكة. كان الرجل يسير في إثْرِ الكلب. وفجأة تعثّر، لكنه عندما سقط وثبَ إلى الأمام وقبضَ على الكلبِ من ساقه الخلفية. سُمع نباحُ الكلب مرةً أخرى، وسُمِع الصراخ كذلك. أطلّت وجوهٌ يبدو عليها النعاس من نوافذ المحلات التجارية. وفي التوّ تجمع حشدٌ من الناس عند ساحة الأخشاب كما لو كانوا قد طلعوا من باطن الأرض.

قال الشرطي: "يبدو أنه شِجارٌ يا سيدي."

استدار أوشوميلوف وراح يخطو سريعًا نحو الحشد. على مقربةٍ من بوابة ساحة الأخشاب رأى الرجلَ ذا القميص الأبيض مفكوكِ الأزرار يحملُ يدَه اليمنى ويرفع أمام الحشد إصبعًا تنزف دمًا. بدا على وجهه الثَمِل تعبيرٌ كأنما كان يقول: "انتظرْ! سأجعلك تدفع ثمنَ هذا، أيها الشرّير!" عرف أوشوميلوف الرجل. إنه خريوكين، صائغ الذهب. وسطَ الحشد كان المجرمُ الذي تسبب بالمشكلة كلِّها يُقعي مرتعشًا من رأسه إلى أخمص قدميه، وقد مدّ رجليه الأماميتين – جروٌ أبيضُ بأنفٍ مُدبّب، وقد علت ظهرَه بقعةٌ صفراء، وبدت في عينيه الدامعتين تعابيرُ البؤس والهلع.

سأل أوشوميلوف وهو يشق طريقه وسط الحشد: "ما الامر؟ لِمَ أنت هنا؟ ماذا حدث لإصبعك؟ من الذي كان يصرخ؟"

قال خريوكين: "كنت أسير في طريقي يا سيدي، وادعًا كالحَمَل. لم أمسسْ أي إنسانٍ أو أي شيءٍ حين عضّ هذا الوحش الملعون إصبعي على حين غرة. استميحك عذرًا يا سيدي. أنا رجلٌ عامل. عليّ أن أقوم بعملٍ في غاية الدقّة، ولا بد لأحد أن يدفع لي، إذ أنني لن أتمكن من استعمال هذا الإصبع، ربما لمدة أسبوع! ليس في القانون يا سيدي ما يَنصّ على ضرورة تَحَمُّل الكلاب التي تعضّ. إذا سُمح لها بالعضّ فلن تكون للحياةُ التي نعيشها أية قيمة. "

همهم أوشوميلوف وهو يحرك حاجبيه إلى الأعلى وإلى الأسفل. "لمن يعود هذا الكلب؟ لن أدعَ هذه المسألة تمرُّ هكذا ببساطة! سأعَلّمُكم أيها الناس ألّا تتركوا كلابَكم سائبة! لقد حان الوقت لفعلِ شيءٍ بشأن أولئك الذين لا يلتزمون بالقوانين. سأعاقب صاحبَ الكلب. سأريه من أنا!" التفت إلى الشرطي. «يلديرين! أريدك أن تعرف صاحب الكلب وأن تُعِدَّ تقريرًا. سيُعْدَم الكلبُ دون إبطاء. لعلّه كلبٌ مجنون ٌعلى أيةِ حال. من هو صاحب الكلب؟"

قال أحدهم في الحشد: "إنه يشبه كلبَ الجنرال."

"الجنرال؟ آهـ! يلدرين، اخلع عني معطفي. الطقس حارٌ بصورةٍ رهيبة! سينزل المطر على الأغلب..." التفت إلى الصائغ ثم أردف: "هناك أمرٌ لا أفهمه يا خريوكين. كيف لهذا الكلب أن يعضَّك؟ فهو لا يقدر أن يصل إلى أصابعك. إنه كلبٌ صغيرٌ وأنت رجلٌ ضخم. لعلّك جرحت إصبعَك بمسمار، ثم خطرت ببالك فكرةُ الكلب والآن تحاول الحصول على بعض المال. أنا أعرف أمثالك أيها الغشاش الوغد!"

"لقد وكز وجهَ الكلب بسيجارة. ولهذا هاجمه الكلب وعضه يا سيدي."

"هذا افتراء! أنت لم ترني افعل ذلك، فَلِمَ تكذب؟ إن حضْرَتَهُ رجلٌ حكيمٌ يعرف من يقول الحقيقةَ ومن يكذب. إن كنتُ أكذب، فلندعِ المحكمة تقرر. القانون يقول إننا جميعًا في هذه الأيام متساوون. لديّ أخٌ في الشرطة. دعني أخبرك."

"توقفا عن الجدل."

قال الشرطي متفكّرًا: "لا، هذا ليس كلبَ الجنرال. ليس عند الجنرال كلاب مثل هذا. كلابه مختلفة."

"هل أنت واثقٌ من ذلك؟"

"نعم سيدي، كلّ الثقة."

"أنا نفسي أعرف ذلك أيضًا. الجنرال عنده كلاب من سلالة باهظة الثمن، أما هذا الكلب! فليس له شَعرٌ ولا شكل. لِمَ يقتني الناس كلابًا كهذا؟ هل تدري ما الذي سيحدث لو أن مثل هذا الكلب ظهر في بطرسبورغ أو موسكو؟ لن يعبأَ أحدٌ بالقانون وسيُخْنَق الكلب على الفور! أنت ضحيةٌ يا خريوكين، وقد عانيتَ كثيرًا. لن أدعَ هذه المسألة تمر هكذا ببساطة! لا بدّ أن أُلقِّنَ المالكَ درسًا!"

كان الشرطي يفكر بصوتٍ عالٍ: "ربما يكونُ كلبَ الجنرال على الرغم ذلك. قبل ايامٍ رأيت كلبًا مثلَه في ساحة بيت الجنرال."

قال صوتٌ من الحشد: "بالطبع إنه مِلك للجنرال."

"يلدرين، ساعدني في ارتداء معطفي. الطقس بارد. الريح تشتدّ. وأنا أرتعد من البرد. خذ الكلبَ إلى مقرّ الجنرال وتحرَّ عن الأمر هناك. قل إنني وجدته وأرسلته. وأخبرهم ألا يتركوا الكلبَ في الشارع. فهو على الأغلب كلبٌ باهظ الثمن، وإذا ما راح كلُ وغدٍ يكِزُه بسيجارة فسيحلُّ به الدمار عمّا قريب. الكلب مخلوقٌ رهيف. وأنت أيها الغبي أنزِلْ يدك! لا تريني إصبعك التافه هذا مرة أخرى. الخطأ خطأك.ها قد حضر طبّاخ الجنرال. فلْنسألْه. مرحبًا يا بروخور. تعال إلى هنا لحظة! انظر، هل هذا الكلب لك؟"

"أي كلب؟... لم يسبق أن كان لدينا كلبٌ كهذا أبدًا!"

قال أوشوميلوف: "لا داعي لإضاعة الوقت في السؤال. "إنه كلب ضالّ. ليس هناك ما يقال غير ذلك. إذا قلتُ إنه كلبٌ ضالّ، فهو كلبٌ ضال! لسوف يُعْدَم"

أردف بروخور: "إنه ليس كلبنا، بل يعود إلى شقيق الجنرال الذي وصل من موسكو قبل أيام. فسيّدي لا يحب هذا النوعَ من الكلاب، لكن شقيقه يحبها."

"إذًن وصل شقيقه؟" سأل أوشوميلوف وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة البهجة. "تصوّروا! ولم أكن أعلم بذلك! هل هو هنا في زيارةٍ أخرى"

"نعم سيدي، في زيارة."

"حسنا. لم أعرف بذلك أبدًا... إذًن تقول إنه كلبُه؟ رائع، كم أنا سعيد. خذه! يا له من كلبٍ صغير مليءٍ بالحيوية، كلبٍ صغيرٍ خفيفِ الحركة ينقضّ على إصبع هذا الرجل! ها ها ها ها. لِمَ ترتجف يا صغيري؟ رررر... رررر... هذا الرجل شرّير."

نادى بروخور على الكلب واصطحبه معه. ضحك الحشدُ على كريوكين.

قال أوشوميلوف متوعّدًا: "ستقع في يدي ذات يوم"، ولفَّ نفسه بمعطفه، وتابع سيره عبر السوق.

***

............................

يعتبر أنطون بافلوفيتش تشيخوف،  المولود في تاغانروغ في جنوب روسيا في عام 1860، أحد كبار كُتّاب المسرح والقصة القصيرة في روسيا. كتب 17 عملًا مسرحيًا وأكثر من 500 قصة قصيرة، ورواية واحدة وسبع روايات قصيرة  حظيت أربعٌ منها على الأقل بشهرة عالمية، وهي: نورس البحر (1895)، العم فانيا (1899)، الشقيقات الثلاث (1900)، بستان الكرز (1903). أما أعماله غير الأدبية فاقتصرت على عملين، أحدهما في أدب الرحلات، والثاني كتاب مذكرات. 1904 توفي في أحد فنادق مدينة بادِنْ وايلر في ألمانيا. ونُقل جثمانه إلى موسكو، حيث دفن هناك.

بقلم: كاترين فيبس

ترجمة: د. محمد غنيم

***

(في الدار البيضاء خلال ثلاثينيات القرن الماضي، استقطب حي مُسوَّر يُدعى بوسبير السياح الأوروبيين بوعودٍ بمتعةٍ "غريبة". لكن خلف بواباته المزخرفة، كانت مئات النساء والفتيات المغربيات مُحتجَزات من قِبل السلطات الاستعمارية الفرنسية. قصصهن محفوظة في الرسائل اليائسة للعائلات التي حاولت تحريرهن).

***

كان المساء قد حل في إحدى أمسيات سبتمبر عام 1937 عندما أدركت عائلة فاطمة أنها مفقودة. كانت الفتاة المراهقة قد انطلقت من مزرعتهم إلى السوق في "بئر الجديد"، وهي بلدة صغيرة تبعد حوالي 30 ميلاً خارج الدار البيضاء، المغرب، في وقت مبكر من اليوم ولم تعد. تخلى والدها، محمد، عن حقوله في محاولة للعثور على ابنته، متبعًا آثارها إلى الدار البيضاء، حيث بحث في الشوارع عن أي علامة لها لأيام متتالية. لكن الفتاة لم تكن في أي مكان يمكن العثور عليه. في محاولة أخيرة ويائسة، شق طريقه إلى بوابة "بوسبير"، حي بيوت الدعارة الضخم المحاط بالأسوار والذي كان يجذب الآلاف من الباحثين عن الإثارة - ومئات من الفتيات والنساء غير المدركات - إلى أزقته المتعرجة وساحاته المغطاة كل عام.

وهناك، في بيت دعارة في 26 شارع المراكشية، وجد محمد ابنته. ألقت فاطمة بنفسها على قدمي والدها، تبكي بلا حسيب وتتوسل إليه أن يغفر لها. شرحت على عجل أنها التقت بامرأة في السوق قالت إنها تعرف والدها. المرأة، التي قدمت نفسها باسم زينة، دعت فاطمة بحرارة للمجيء والبقاء معها في الدار البيضاء لبضعة أيام، وقبلت الفتاة بسذاجة. في الواقع، كانت زينة مديرة بيت دعارة، وعندما وصلتا إلى الدار البيضاء، تم اصطحاب الفتاة بسرعة إلى بوسبير وحُبست في بيت الدعارة حيث وجدها والدها.

لكن قبل أن تتمكن فاطمة من إخبار والدها ببقية القصة، اقتحمت المديرة المكان، مدركة أن الرجل ليس زبونًا، وبدأت تهدد بالاتصال بالشرطة لحبسه بتهمة اقتحام بيت الدعارة الخاص بها. خوفًا من الشرطة الاستعمارية ومما سيحدث لبقية أسرته إذا تم اعتقاله، اضطر الأب لأربعة أطفال إلى ترك ابنته في حي بيوت الدعارة حيث كانت محاصرة جنبًا إلى جنب مع مئات النساء والفتيات الأخريات. وهناك، أصبحت فاطمة البغي رقم 4921.

ولأنه أمّيّ، وغريب، ويشعر بالعجز، بحث محمد عن كاتب عرائض (ناسخ) لكتابة رسالة يتوسل فيها لإطلاق سراح فاطمة. كتب: "أنا مجرد فلاح مسكين وأعزل،" قبل أن يتضرع لطلب حريتها من المشرفين الذين سيطروا على كل عنصر من عناصر الحياة في متاهة بوسبير الكثيفة: السلطات الاستعمارية الفرنسية.

في ظل الحكم الفرنسي، سُجنت آلاف النساء والفتيات مثل فاطمة داخل بوسبير، أكبر حي دعارة في أفريقيا، والذي بنته السلطات الاستعمارية في عام 1914 كوسيلة للسيطرة على ما يُفترض أنه نظافة وصحة العاملات في الجنس وزبائنهن من خلال فحوصات دورية للأعضاء التناسلية بحثًا عن الأمراض المنقولة جنسيًا. في الواقع، أصبح بوسبير مكانًا للرقابة الاجتماعية، حيث يمكن للشرطة التي تعمل برقابة قليلة أن ترسل أو تحتجز النساء والفتيات وتجبرهن على بيع الجنس بمجرد الاشتباه في أنهن كن يمارسن الدعارة.

خافت العديد من العائلات كثيرًا من الشرطة الاستعمارية أو العار والوصم الذي يأتي مع وجود عاهرة في العائلة لدرجة أنهم لم يحاولوا إطلاق سراح زوجاتهم وبناتهم بمجرد وصولهن إلى بوسبير. لكن آخرين، مثل محمد، حاولوا لسنوات، يكتبون رسالة تلو الأخرى يناشدون السلطات الاستعمارية للإفراج عن أحبائهم. تقدم هذه الرسائل، المحفوظة في المحفوظات الفرنسية، نظرة ثاقبة وغنية على النظام الذي جعل من بوسبير عامل جذب ضخم للأجانب، ومكانًا جحيميًا للنساء والفتيات المغربيات وعائلاتهن.

جاء اسم "بوسبير" من بروسبر فيريو (Prosper Ferrieu)، وهو قنصل فرنسي كان يمتلك قطعة أرض على حافة الدار البيضاء مع عدد قليل من بيوت الدعارة عليها في حقبة ما قبل الاستعمار. في عام 1914، بعد عامين من الحماية الفرنسية، بنى المسؤولون حيًا محاطًا بالأسوار على أرض فيرييو، مما أدى إلى توسيع كبير في مساحة حي الدعارة. (تم نقل اسم بروسبر صوتيًا إلى "بروسبير"، ثم "بوسبير"، وبقي الاسم). كان الحي جزءًا من إعادة تصميم الدار البيضاء من قبل مهندسين معماريين فرنسيين مثل هنري بروست، الذي سعى لتحديث المدينة بالشوارع الواسعة والمجاري الحديثة للمقيمين الفرنسيين، بينما قام بعزل المدينة العتيقة المغربية بأسوار. كان إنشاء بوسبير جزءًا من هذا المنطق الاستعماري: الصحة والنظام للأوروبيين، والاحتواء والمراقبة للمغاربة. كانت هناك بوابة واحدة تؤدي إلى الحي وخارجه؛ وكانت تحرس على مدار الساعة من قبل الجنود الفرنسيين.

أصبح بوسبير نقطة جذب هائلة، ليس فقط للسكان المحليين في الدار البيضاء (والجنود الفرنسيين المتمركزين هناك)، ولكن للسياح الذين جاءوا من جميع أنحاء أوروبا ليخوضوا في تخيلات استشراقية. كان ما يقرب من 1000 إلى 1500 زائر يأتون يوميًا في ثلاثينيات القرن الماضي، رجال ونساء أوروبيون، وسياح وزبائن. شجعت الإدارة الفرنسية على ذلك؛ تضمنت النشرة الرسمية التي أنتجها المكتب السياحي الفرنسي في المغرب تعليمات مفصلة حول كيفية الوصول إلى حي بيوت الدعارة. كانت هناك حتى خدمة حافلات منتظمة. بطاقات بريدية لنساء عاريات الصدر مستلقيات على سجاد ووسائد تحت الأجنحة المقوسة لبوسبير تم تداولها في جميع أنحاء العالم. كانت وفيرة لدرجة أنه حتى الآن، بعد قرابة قرن من الزمان، لا يزال بإمكانك العثور على هذه "المحظيات لعلب البريد" في أسواق السلع المستعملة في باريس وروما.

لكن معظم هؤلاء الجميلات، اللاتي أثرن خيال السياح الباحثين عن الجنس الذين ترددوا على بوسبير على مدى العقود العديدة التي كان مفتوحًا فيها، إما تم استدراجهن إلى بوسبير دون علمهن أو أجبرن على التواجد فيه من قبل السلطات الاستعمارية مع القليل من الموارد للمغادرة.

ابتداءً من عام 1912 في المغرب، وقبل ذلك في الجزائر وتونس، أشرفت الدولة الاستعمارية الفرنسية على نظام صارم ومُنظّم للعمل في الجنس. كان على كل امرأة تبيع الجنس أن تكون مدرجة في سجل الدولة وتم تصنيفها رسميًا على أنها فتاة خاضعة   في المغرب وحدها، سُجِّل ما يصل إلى 5000 امرأة بحلول عام 1952. بمجرد تسجيل المرأة في السجل، يصبح ترك العمل في الجنس شبه مستحيل.

لعل رسائل محمد إلى السلطات الفرنسية تساعدنا في رسم صورة لمدى سهولة وقوع شابة في هذا النظام. كانت مديرات بيوت الدعارة - وكثيرًا ما كن عاهرات سابقات، عالقات في النظام ولكنهن تجاوزن سن العمل في الجنس - يذهبن للبحث عن مجندات جدد في البلدات والقرى الأصغر. كن يبحثن عن الفتيات والشابات اللائي يظهرن نحيفات أو قذرات، ويتسللن إليهن في الحشود التي تتجمع حول الموسيقيين ومروضي الثعابين، حيث كن يخبرنهن أنه يمكنهن تقديم حياة أفضل مع الكثير من الطعام ومكان دافئ للنوم. في إحدى رسائل محمد، يصف كيف اقتربت زينة من ابنته وتلاعبت بسذاجتها وأميتها: "وثقت ابنتي بدعوة هذه المرأة ووافقت على السفر إلى الدار البيضاء معها، لكنها صُدمت عندما وجدت أنها دخلت حي الدعارة دون أن تدرك (لعدم معرفتها بالدار البيضاء)، وبعد ذلك قامت هذه المرأة زينة على الفور باتخاذ الخطوات اللازمة للحصول على "بطاقة" ابنتي."

كان "الوضع على البطاقة" هو المصطلح المهذب للتسجيل كعاملة في الجنس، حيث كان رجال الشرطة المحليون يعطون عاملات بيوت الدعارة مثل فاطمة بطاقات هوية يحملنها تُدوّن مكان إقامة المرأة، وتحدد القواعد التي يجب أن تتبعها (بما في ذلك عدم القدرة على مغادرة بيت الدعارة دون إذن) وتسجل فحوصاتها الصحية الأسبوعية. تضمنت هذه الفحوصات عمليات تفتيش مؤلمة وتطفلية للأعضاء التناسلية باستخدام منظار مهبلي، من المفترض أنها لمنع انتشار الأمراض بين الزبائن. في الواقع، لم تقتصر على نشر الأمراض فحسب، بل جردت النساء من الكرامة والحرية.

كما لاحظ محمد، لم يتطلب الأمر الكثير لكي تقوم مديرة بيت دعارة بتسجيل فتاة: "يبدو أن هذه الإجراءات الشكلية كانت سهلة بشكل لا يصدق، مما يعني أنه ضد إرادتي بدأت ابنتي في عيش حياة الفجور من أجل مكاسب هذه المرأة." كل ما كان على المديرات فعله هو اصطحاب الفتاة إلى بيت الدعارة، وملء الأوراق مع الشرطة المحلية "لوضعها على البطاقة"، وتوقيع النموذج كذبًا الذي ينص على أنها تنضم إلى بيت الدعارة طواعية ووضع الفتاة تحت سيطرتها بموجب القانون الفرنسي. على الرغم من أنه كان من المفترض أن يكون عمر الفتيات 17 عامًا على الأقل لدخول بوسبير، إلا أن قلة قليلة من الناس في الريف كانوا يمتلكون وثائق هوية، مما سهل على المديرات تجنيد فتيات لا تتجاوز أعمارهن 12 عامًا والكذب ببساطة بشأن أعمارهن.

في بيوت الدعارة، سيطرت المديرات على تدفق الأموال. كن يأخذن حصة من الرسوم التي يدفعها الزبائن، ولكنهن كن يتقاضين أيضًا من الفتيات تحت سقفهن أسعارًا مبالغًا فيها للإيجار والطعام والملابس. إذا لم يحققن حصصهن من زيارات الزبائن أو بيع صواني الشاي، فسيتم تغريمهن. بعد عامين تقريبًا تحت سقف زينة، تعمل بدوام كامل في بيع الجنس، قيل لفاطمة إن لديها في الواقع دينًا قدره 500 فرنك يجب دفعه قبل أن يتم إطلاق سراحها. جعلت هذه الممارسة الابتزازية من المربح للغاية للمديرات إضافة المزيد من المجندات إلى المشروع، واستمر نظام خداع الفئات الأكثر ضعفًا دون هوادة.

لكن هذه لم تكن الطريقة الوحيدة التي وصلت بها الفتيات والنساء إلى بوسبير. يمكن أيضًا أن يتم اعتقالهن وإرسالهن إلى هناك من قبل الشرطة الفرنسية ضد إرادتهن.

في نظام فرنسا المهووس بتنظيم العمل في الجنس، وقعت مهمة تحديد من يبيع الجنس - وضمان السيطرة عليها بإحكام - إلى حد كبير على عاتق الشرطة الاستعمارية. كانت الشرطة الفرنسية تقوم بدوريات مستمرة في المناطق التي يُفترض أن النساء يبعن فيها الجنس بشكل غير قانوني، أي دون أن يكن مسجلات في النظام الفرنسي. لقد أجروا مراقبة مستمرة لجنسانية النساء في الشارع، وفي دور السينما، والمطاعم، والحانات، والفنادق، ويمكنهم حتى اعتقال امرأة في منزلها إذا كانت هناك شائعات بأن لديها الكثير من الضيوف الذكور. لم يكن هناك دليل مطلوب: إذا اشتبهت الشرطة فقط في أن امرأة تبيع الجنس بشكل غير قانوني، يمكن اعتقالها. بعد ثلاثة اعتقالات، ستُجبر المرأة على التسجيل كعاهرة وإرسالها إلى بيت دعارة. وجدت دراسة لحي الدعارة في عام 1951 أن ما يزيد قليلاً عن ربع جميع العاملات في الجنس في بوسبير تم إرسالهن إلى هناك من قبل الشرطة الفرنسية. وقد أدى الافتقار إلى أوراق الهوية إلى إدخال فتيات لم تتجاوز أعمارهن 12 عامًا.

يمكن اعتقال الفتيات والنساء حتى لو كن عذراوات. في الدار البيضاء عام 1935، تم اعتقال شقيقتين، فاطمة وعزة، في فندق القصر (Hotel du Palais) للاشتباه في بيعهما الجنس. فقد اقتيدتا إلى مركز الشرطة، حيث خضعتا لفحوصات حوض قسرية. وفقًا لرئيس الشرطة، "تُعرّفت عزة على أنها عذراء، وتم إطلاق سراحها على الفور ولم يتم إدخالها في السجل." ولكن كان من الواضح أنها عذراء فقط عندما تم إدخال المنظار المهبلي في جسدها، مما أضر بغشاء البكارة لديها - وآفاق زواجها المستقبلية. ولكن على الأقل سُمح لعزة بالعودة إلى المنزل. أما أختها فاطمة "فقد تم التعرف على أنها مريضة" بأمراض منقولة جنسياً "واحتُفظ بها للعلاج" في المستوصف في بوسبير، حيث أُجبرت على أن تصبح البغي رقم 4694. عملت هناك ضد إرادتها لأكثر من عامين. كتب والدها رسائل إلى السلطات الفرنسية في الدار البيضاء، تمامًا مثل محمد، لمحاولة إطلاق سراحها.

توسل والد فاطمة إليهم لإعادة النظر في سجن فاطمة. بعد أن رُفضت محاولته الأولى، حاول الرجل اليائس مرة أخرى، موضحًا أن ابنته "اعتقلت عن طريق الخطأ". في رسالته الثانية، كتب أن لديها وظيفة بأجر جيد كخادمة، بل وأرفق رسالة من رب عملها، وهو رجل أوروبي وعد بإعادة توظيفها إذا أُطلق سراحها. في محاولة لإظهار أن ابنته محترمة، قدم تفاصيل حول كيفية طلب أحد جيرانه الزواج منها، وكتب "لقد قبلت هذا العرض السعيد". وتابع موضحاً أنه في غمرة حماسه، "ذهبت لزيارة العدول [مسؤول عام، شبيه بالموثق] مع زوجها المستقبلي وأخذوا ملاحظة." لكنه سرعان ما وجد نفسه محظوراً مرة أخرى بالبيروقراطية الفرنسية، لأنه "لكتابة وثائق الزواج، يحتاج الموثقون إلى رؤية العروس ليتمكنوا من وصف وجهها"، وهي الطريقة المستخدمة قبل أن تصبح صور الهوية شائعة. لم يكن هذا ممكنًا لأن فاطمة كانت عالقة في بوسبير.

طوال محاولاته، كان والد فاطمة ثابتًا على أن كل هذا كان خطأ، ولكن ابنته ستعود قريبًا إلى الطريق الصحيح. كانت هذه الرسالة مكتوبة على الآلة الكاتبة ومهذبة باللغة الفرنسية الرسمية. لعدم قدرته على القراءة أو الكتابة، كان سيدفع لشخص يعيش في مكان قريب لترجمتها وكتابتها له، لكنه وقّعها بنفسه ببصمة إصبع حبرية. أمضى أكثر من عامين في حملة من أجل حريتها بينما رفضت السلطات الاستعمارية الفرنسية السماح لفاطمة بمغادرة بوسبير.

لا عجب أن فاطمة حاولت الهرب مرتين خلال هذين العامين، واثقةً أكثر بطريقتها في النضال من أجل حريتها من قدرة السلطات الفرنسية على إقناعها برسائل والدها. تحتوي الأرشيفات الاستعمارية على سجلاتٍ بعد اعتقالها مرتين من قبل الشرطة الفرنسية، تشير إلى أنها أُعيدت في كلتا المرتين.

على مر العقود، تظهر السجلات أن عشرات النساء حاولن الهرب من بوسبير. نظرًا لأن النساء المسجلات ببيع الجنس لم يُسمح لهن بمغادرة بيوت الدعارة دون إذن - ليس فقط إذن مديرتهن ولكن أيضًا، في حالة بوسبير، إذن الطبيب المشرف السادي الذي أجرى الفحوصات الصحية وأجرى تجارب طبية على مرضاه - فإن أولئك الذين تم العثور عليهم خارج بيت الدعارة كانوا هدفًا للشرطة وتم إعادتهم على الفور. في بعض الأحيان كن يهربن بمفردهن، وفي أوقات أخرى في مجموعات. في عام 1950، أوقفت الشرطة الفرنسية 20 امرأة حاولن الهرب من بوسبير وأُجبرن على العودة. في حادثة أخرى، ألقت دوريات الشرطة العادية في الدار البيضاء القبض على 12 امرأة يشتبه في بيعهن الجنس؛ تبين أن سبعًا منهن كن نساء فررن للتو من بوسبير. تم اعتقال هؤلاء النساء لأنه على الرغم من أنهن تمكنّ من الخروج من حي الدعارة الذي سجنهن، إلا أنهن ما زلن بحاجة إلى اللجوء إلى بيع الجنس كخيار وحيد للعثور على المال للسفر إلى مكان آخر.

في نوفمبر 1935، حاولت امرأة تبلغ من العمر 23 عامًا تدعى عائشة الهرب من بوسبير للمرة الأولى. كانت قد اعتقلت بزعم بيع الجنس في فندق البرازيل   في الدار البيضاء واقتيدت إلى بوسبير، لكنها رفضت قبول مصيرها بهدوء. فشلت محاولتاها الأوليان، في نوفمبر وديسمبر 1935. يائسة من المغادرة، حاولت تغيير اسم عائلتها لتجنب الكشف وحتى تزوجت من رجل عمل كممرض في المستشفى لإظهار أنه يمكنها بدء حياة جديدة. لم ينجح أي من ذلك. بعد ثلاث سنوات من بيع الجنس ضد إرادتها، حاولت الهرب للمرة الثالثة في أكتوبر 1938.

في ذلك اليوم من شهر أكتوبر، طلبت إجازة لبضع ساعات لزيارة والدتها، ولكن بمجرد أن غادرت بوسبير، ذهبت عائشة مباشرة إلى دار المخزن، البلاط الملكي المغربي. كانت هذه واحدة من المناطق القليلة التي كان فيها مغاربة يتمتعون ببعض النفوذ، على الرغم من أن هؤلاء البيروقراطيين كانوا لا يزالون خاضعين للدولة الاستعمارية. توسلت إليهم للقيام بأي شيء في وسعهم للمساعدة في تحريرها من نظام العمل في الجنس الاستعماري، مقدمة شكوى مفادها أنه "على الرغم من أنني متزوجة وعلى الرغم من اعتراضات زوجي والدليل الذي قدمه، أخذني مفوض الشرطة بالقوة إلى حي الدعارة." بقرار حازم، كتبت: "أطلب من المخزن [الحكومة] التدخل لتحريري من مكان الفجور هذا."

مما يبعث على الإحباط، لا توفر المحفوظات الاستعمارية أية أدلة على ما إذا كانت هذه الشكوى ناجحة أو ما إذا كانت قد أُعيدت إلى بوسبير. لا توجد وثائق تُظهر أن عائشة حاولت الهرب للمرة الرابعة؛ ومن المأمول أن يكون هذا بسبب تحريرها من بيت الدعارة، وليس لأنها ببساطة فقدت الأمل.

كان طلب إلغاء التسجيل عملية تستغرق سنوات ونادرًا ما كانت ناجحة. كانت امرأة تُدعى مسعودة على سجل العمل في الجنس بالرقم 118 لمدة 15 عامًا، تجني المال من إدارة فندق كان على الأرجح بيت دعارة، وهو فندق لوزيتانيا (Hotel Luisitania). أوضحت في رسالتها إلى السلطات المحلية: "لقد سجلت نفسي طواعية في سجل العمل في الجنس بالدار البيضاء قبل أكثر من 15 عامًا، لكن منذ ذلك الحين لم أضطر أبدًا للخضوع لأي زيارات صحية ولم أقم ببيع الجنس بنفسي". "منذ هذا التاريخ، بصفتي مالكة فندق، امتلكت العديد من الفنادق المفروشة المختلفة وأنا حاليًا مالكة مبنى في 24 شارع موكادور، حيث قمت بإنشاء فندق لوزيتانيا. لقد نسيت تمامًا أنني ما زلت في سجل العمل في الجنس، حتى ذكرتني الشرطة مؤخرًا. هل لي أن أطلب بكل لطف أن ترفعوا اسمي منه؟"

قيل لمسعودة إن هذا لن يكون ممكنًا إلا إذا باعت الفندق الذي أمضت سنوات في بنائه، على الرغم من أنه كان مصدر رزقها الوحيد. فعلت ذلك بعد أسبوع. وحتى بعد ذلك، لم تتمكن من جعل السلطات الاستعمارية تستمع إلى قضيتها إلا بعد توظيف محامٍ فرنسي لكتابة رسالة قوية بالنيابة عنها. أخيرًا، في الساعة 9 صباحًا من يوم 28 سبتمبر 1936، صوتت لجنة مكونة من ثلاثة رجال فرنسيين على أنه يجب إزالة اسمها من السجل. بعد 15 عامًا، لم تعد مسعودة البغي رقم 118. لكن نجاحات كهذه كانت الأقلية. تمكن عدد قليل جدًا من النساء من مغادرة سجن بوسبير الاستعماري، الذي أُغلق أخيرًا في عام 1955 بعد ضغط من الحركة الوطنية المغربية. وعندها فقط سُمح أخيرًا لـ 675 امرأة كن لا يزلن يعشن هناك بالمغادرة. يتلاشى الأثر مع تلاشي وجودهن في بوسبير، لأن المحفوظات صامتة عما حدث بعد تفكيك حي الدعارة. لا يمكننا إلا أن نخمن من حقيقة أن العمل في الجنس أصبح غير قانوني عند الاستقلال: كان من الصعب على النساء إما الاندماج مرة أخرى في مجتمعاتهن أو الاستمرار في بيع الجنس.

ماذا تبقى من بوسبير؟ سيجد زوار الحي في الدار البيضاء اليوم أنه لم يتغير بشكل مخيف. لا تزال هناك بوابة واحدة فقط تؤدي إلى هذه المنطقة من مرس السلطان في وسط الدار البيضاء، تمامًا كما كان عندما تم تصميمه في عشرينيات القرن الماضي. عند المشي في الشوارع الهادئة بشكل غريب لهذا الحي السكني، ستلاحظ شيئين. أولاً، العمارة لا تزال متطابقة تقريبًا مع البطاقات البريدية الاستعمارية التي تم إنتاجها قبل قرن من الزمان. يمكنك رؤية نفس السوق المركزي، ونفس الأقواس المستشرقة الجديدة التي صممها المهندسون المعماريون الفرنسيون، ونفس الخلفيات مثل البطاقات البريدية المصورة الشهيرة. ثانيًا، إذا نظرت إلى لافتات الشوارع على الحائط، ستلاحظ أن أسماء الشوارع قد تم طلاؤها بشكل رديء في محاولة لإخفاء الأسماء القديمة. شارع تازية، شارع المراكشية، شارع المكناسية: سُميت كل هذه الشوارع على اسم نساء من مدن مغربية مختلفة - تازة، مراكش، مكناس - عشن وعملن هناك. إنها تلمح إلى تاريخ هذا الجزء المسكون من الدار البيضاء، وتكشف عن الجهود المبذولة للتظاهر بأن هذه مجرد ذكرى بعيدة. آثار النساء لا تزال موجودة، محجوبة ولكن يسهل العثور عليها إذا كنت تعرف أين تبحث، تمامًا مثل مجموعة الرسائل الموجودة في المحفوظات الاستعمارية الفرنسية. تظل أصوات النساء أنفسهن غير قابلة للوصول؛ في الغالب، لا يمكن إعادة بناء حياتهن، على الأقل الأجزاء التي قضينها في بوسبير، إلا من خلال كيفية وصفهن من قبل آبائهن، أو أزواجهن، أو البيروقراطيين المستعمرين. وعما حدث لهن بعد تحريرهن، لا يُعرف شيء على الإطلاق.

(تمت)

***

....................

* الكاتبة: كاترين فيبس / مؤرخة متخصصة في النوع الاجتماعي، والجنسانية، والإمبراطورية

بقلم: أنيكا جايد ليفي

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

أخبرني أستاذ القانون أن فارق السن بيننا كان سقراطيًا: سبعة عشر عامًا. فجوة مثالية للتلقين الأيديولوجي.

كان لديه أطفال في سن المتوسطة – مُخبَّئون في مدارس داخلية على طراز القرن العشرين – وهذا جعله يبدو خبيرًا بالحياة. مع ذلك، لم أكن أنا صغيرة. فقد بدأت ثديايَّ يتدليان، لكنني كنت لا أزال أنام مع دماي المحشوة.

كان أستاذ القانون شابًا في يومٍ ما، ربما كان ماركسيًا. أخبرني أن هناك ثلاثة أنواع فقط من القصص في العالم: قصص حرب يموت فيها الرجل من أجل الشيوعية؛ وقصص حب يموت فيها الرجل من أجل الشيوعية؛ لا أستطيع أن أتذكر ما هو النوع الثالث من القصص.

أعطاني كتاب حكايات خرافية ألمانية ووجدت بداخله صورة بولارويد قديمة: كان يبدو فيها تقريباً في مثل سني، مرتديًا نفس الملابس المتعددة الطبقات المعتدلة التي كان يرتديها دائمًا – قميصٌ بقلنسوة (هودي)، ومعطفٌ بحري، وملابس من قطيفة مخططة. في الصورة، كان في منتصف الجملة وفمه مفتوح، مبتسمًا كما لو كان على وشك قول شيء مُخالف للقواعد. أردتُ أن أركض نحو هذه النسخة منه.  فجأة فهمت سبب ثقته الكبيرة بنفسه، أن سحر شبابه بقي في ثقته، وفي طريقته البسيطة في التصرف، وأن هذا كان سبب جاذبيته الجنسية التي لا يمكن تفسيرها بخلاف ذلك. بالنسبة للرجال، يبدو أن التقدم في العمر لا يتعلق كثيرًا بالضمور بقدر ما يتعلق بالتمّييع، عملية تدريجية لتخفيف هوية أساسية ما، ليصبحوا أقل من شيء ما. كان بإمكاني أن أستشعر نبرة رجعية قديمة في صوته حتى وهو يدافع عن الرئيس المسن ويتحدث عن أهمية الديمقراطية، بنفس الطريقة التي كان بإمكاني بها دائماً أن أستشعر أنه كان جذاباً بشكل مفرط في شبابه.لكنني كنت أعلم أن هذا النهج الكاريزمي في التعامل مع الشيخوخة لم ينجح مطلقًا مع النساء.

بعد أشهر من ممارسة الجنس المتقطع والمهين، وافق على أن يأخذني لتناول العشاء. التقيت به في مطعم سيء للستيك في ميدتاون، من ذلك النوع الذي ربما كان أنيقًا قبل نصف قرن. المغزى أننا لن نصادف أي أحد. دخلت من البرد وطويت معطفي الواقي من المطر على ذراعي. كنت أرتدي أحد فساتين جدتي ذات الطابع الريفي التي كانت تطلبها بالبريد، لأن مدربة حياة أسترالية على الإنترنت قالت: "عليكِ أن تُعزّزي أنوثتكِ لتجعلي الرجل يريد أن يعتني بكِ". سلمتني المضيفة إلى النادل، وسلمني النادل إلى أستاذ القانون. سأل بعد وصول أطباقنا الرئيسية. كنت في الكأس الثالثة من النبيذ.

- هل كنت تعلمين أن جي. دي. سالينجر وجويس ماينارد لم يمارسا الجنس المهبلي قط؟

قلت:

- أعتقد أنني سمعت عن هذا.

أخبرني: "لم يكن يريد أن يفسد كمال جمالها الشبابي".

فأجبت:

- إذن كانت فقط تمص قضيبه؟

أخذت قضمة من شريحة اللحم المطاطية وبصقتها في منديل قماشي.

سأل:

ما خطبك؟

قلت له:

- لا شيء خطأ بي. يبدو لي الأمر مجرد إهدار لخصوبة فتاة مراهقة.

شعرت بأنني أزداد عمراً في وجوده، أتمّيع، عملة شبابي تنهار. دون أن أستأذن، وقفت من على الطاولة وتجولت في المطعم كطفل حتى أرشدني أحد ماإلى الحمام .

جلست في الحمامات أحدق في شاشة هاتفي المكسورة. عندما مررت بإصبعي لأسفل، أحدثت شظايا زجاجية صغيرة جروحًا صغيرة في أصابعي. فتحت إنستجرام وانتظرت تحميل الإعلانات بين الصور المتلاشية لأشخاص لم أعد أعرفهم، وهم يتناولون الطعام في مطاعم أو يحضرون حفلات زفاف أو "ينفصلون بوعي". بدا المحتوى الممول أكثر واقعية من صور معارفي القدامى، الذين بدوا كإعلانات عن أنفسهم، الذين بدوا كإعلانات لأنفسهم، ولثروات الأجيال القادمة، ولصناعة الطب النفسي الأمريكية، وللإيجابية الجنسية.

أعددت قائمة في رأسي بأشياء أردتها: أردت أن أقابل شخصًا جديدًا. أردت عصا هيتاتشي السحرية ورجلاً يربطني بالسرير ويتركني أمارس العادة السرية حتى أموت. أردت كل منتج رأيته في إعلان.

أرسل لي أستاذ القانون رسالة نصية: "لا تعودي من الحمام. لقد دخل للتو شخص من قسمي."

شعرت بطبقة رقيقة من الشفقة على الذات تغطيني كجلد ثانٍ. أصبحت هذه الأنواع من الإهانات الطقسية جزءًا من روتيني. فتحت تويتر.

عندما خرجتُ من الحمام، رأيتُ أنني كنتُ أبكي، وأن دموعي قد خففت من مكياجي، وجعلته مثل عين دخانية أنيقة.

في شقته في الجانب الغربي العلوي من مانهاتن، مارسنا الجنس بشكل آلي. كنت في حالة سكر لدرجة أنني خاطرت بتوجيه يده إلى حلقي، لكنه تركها هناك بتراخٍ. كان من جيل مختلف. لم ينشأ على النوع المناسب من المواد الإباحية. على الأرجح لم يخطر بباله أنني أرغب في الاختناق لا القتل. شعرت بالغربة والوحدة بعد ذلك، وبدا وكأنه يتوق إلى زوجته.

استيقظت وأنا في حالة ضبابية، غير قادرة على تحديد الغرفة البيضاء المعقمة. لم أفهم أبداً لماذا كان أستاذ القانون يمتلك هذه الحياة الكاملة (زوجة، وأطفال، وعشيقة، ومهنة) ومع ذلك كان بيته مثل مستشفى. كل شيء كان مخزنًا في خزائن بيضاء لامعة – حتى كتبه كانت بعيدة عن الأنظار في حاوية ما. ربما كانت هذه طريقة معاصرة للإعلان عن الثراء: أن تظهر كما لو أنك لا تملك شيئًا.

استلقيت على ظهري في سرير أستاذ القانون متظاهرة بالنوم، باقية بلا حراك، لا أشعر بأي ألم، أحاول أن أقرر ما إذا كنت سأستحم قبل أن يدنسني مرة أخرى أم بعدها. تذكرت الليلة السابقة، كيف انقلب على جانبه وأمسك بهاتفه بمجرد أن انتهى، وكيف أنه بالكاد نظر إلي. صحيح أن جسدي مثالي من الناحية الشكلية، لكنني يائسة في الجنس ومحافظة في السر. عادةً ما أستلقي بلا حركة وأدرس البقع على السقف، آمله أن يشعر الرجل بالإطراء بسبب سلبيتي.

من خلف جفني، أمكنني رؤية هيئة أستاذ القانون الباهتة، منحنيًا على كرسيه المريح يقرأ من كتاب عن هتلر. مددت يدي بهدوء نحو هاتفي. كان يحب الهدوء في الصباح. كان إصبعي ينزف من التمرير على الشاشة المكسورة. كانت هناك لطخات دم صغيرة على غطاء وسادة أستاذ القانون. تساءلت إن كان أحد سيلاحظها: زوجته، مدبرة منزله، أي أحد. مصصت إبهامي حتى نظف. تذوقت مقابض الأبواب.

بدأت في الرد على بعض الرسائل النصية ثم توقفت، مددت يدي إلى حقيبتي على الأرض، ونبشت فيها بحثًا عن وعاء مصل للبشرة مكتوب على ملصقه "إعادة الـعـمـر للـخـلـف".

قال أستاذ القانون دون أن يرفع نظره عن كتاب هتلر: "ابقِ في السرير. أحبك كثيراً عندما تكونين نائمة."

خارج المبنى الحجري البني، كان الصباح أبيض قذرًا وباردًا.

***

........................

* مقتطف من رواية "الأرض المسطحة" لأنيكا جايد ليفي. ليفي كاتبة من كولورادو. وهي محررة مؤسسة لمجلة "فوريفر" وتدرِّس في برنامج الكتابة بمعهد برات. وقد نُشِرَت أعمالها القصصية والنقدية في مجلة "إنترفيو"، و"نايلون"، و"فلاونت"، و"غراند"، وغيرها. وتعد "الأرض المسطحة" روايتها الأولى.

من الأدب الكردي

ثلاث قصائد من عبد الله بشيو

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

1 - إن كنت

إن كنت تروم تعريتي

كما يفعل بالخنجر

عندما يسل..

إن كنت تريد لسمكات أسراري

غير الأليفة

أن تطفو

على سطح الماء

إن كنت تبغي

تمزيق صدري..

خذني لأقترب

من شجرة بلوط

خذني لأقترب

من ذروة جبل!!

***

2 - الامتزاج

كيف السبيل

إلى الامتزاج بك؟

قولي لي

إن كنت فردوسا

كي أسجد خاشعا

لكل الآلهة

قولي لي

إن كنت جحيما

لأملأ هذي الأرض

بالجناح

وأعيث فيها فسادا

كيف السبيل

إلى الامتزاج بك؟

افيديني..

إن كنت أرضا محتلة

لأصير جلدي بيرقا

وإن كنت غجرية

مثلي

فارسمي لي حدودي

واجعليني

وطنا.. لك!!

***

3 - الجندي المجهول

عندما يتوجه أحد الوفود

إلى مكان ما

يضع إكليلا من الورود

على ضريح

الجندي المجهول

**

غدا لو زار أحد الوفود بلادي

وسألني:

أين الجندي المجهول

لقلت لهم:

سادتي

على حافة كل ساقية

وعلى دكة كل مسجد

وبباب كل دار

كل كنيسة

كل غار

وعلى صخرة كل جبل

وعلى كل شجرة

من غابات

هذه البلاد

وعلى كل شبر من الأرض

وتحت كل بقعة

من سماء بلادي

بامكانكم أن تنحنوا

دون وجل

لتضعوا إكليلكم..

***

........................

- عبد الله بشيو: شاعر وأكاديمي. أبصر النور عام 1946 في (بيركوت) وهي قرية وادعة تقع شمال مدينة أربيل / العراق

- نذر حياته لمذبح الشعر منذ بداية الستينيات من القرن الماضي وما برح كذك

- حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب

- صدرت له في عام 1967 أولى مجاميعه الشعرية وكانت بعنوان (الدموع والجرح)

- ثم أصدر في عام 1968 مجموعته الثانية المسماة (الصنم المحطم)

- ثم المجموعة الثالثة (رسائل ليلية لشاعر ظاميء) في عام 1972

- ومن شعره هاتان القصيدتان عن مجموعته الشعرية التي وسمها ب (ما من ليلة لا أحلم فيها بكم) الصادرة عن مطبعة الأديب البغدادية عام 1980

- نشرت الترجمة في جريدة (خه بات) العراقية العدد (683) في 14 / 7 / 1993

- أما القصيدة الثالثة التي بعنوان (الجندي المجهول) فقد ترجمت من مجلة (ئه ندازيار – المهندس) عدد (صيف 2001) ويبدو انها مأخوذة من الغلاف الخلفي ل (ديوان عبدالله بشيو) الصادر في أربيل عام 2001

- عن (من الشعر الكردي الحديث: باقة قصائد) للمترجم، دار نشر كريستال، أربيل – العراق 2001

 

للشاعر النيجيري وُولي شويِنْكا

ترجمة: نزار سرطاوي

***

ثقيلةٌ يدُك أيها الليلُ على جفني.

لا أحمل قلبًا زئبقيًا كما السَحاب

حتى أقف في وجهك

محراثُكَ الماكر يمعن في تعذيبي.

ثمّةَ امرأة، تستلقي على هلال البحر كالصَدَفة.

رأيتَ عينَك الغيورةَ تُطفئُ وميضَ البحر،

ترقص على وقع الخفقان المتلاحق

للأمواج. ووقفتُ وقد استُنزفِتْ قُواي

مستسلمًا كالرمال، والدم والأُجاجُ

يشقّان طريقهما إلى الجذور. أيها الليل، لقد رحتُ تُمطرني

بظلالٍ مُسنَّنةً تنفذ من أوراقِ رطبة

فغرقْتُ في الدفق الدافئ لخلاياكَ المرقطة

حتى أوجعَتْني أحاسيسُ لا وجهً لها، صامتةٌ مثل لصوص الليل.

خَبِئْني الآن، وحين يجوبُ أطفالُ الليل الأرضَ

عليَّ ألا أسمع أحدًا! فهذه الخلايا الضبابية

ستحطّمني؛ إذ تاتي عاريةً، بلا دعوة، عند ميلاد الليل الأبكم.

.....................

Night

Your hand is heavy, Night, upon my brow.

I bear no heart mercuric like the clouds,

to dare.

Exacerbation from your subtle plough.

Woman as a clam, on the sea's crescent.

I saw your jealous eye quench the sea's

Fluorescence, dance on the pulse incessant

Of the waves. And I stood, drained

Submitting like the sands, blood and brine

Coursing to the roots. Night, you rained

Serrated shadows through dank leaves

Till, bathed in warm suffusion of your dappled cells

Sensations pained me, faceless, silent as night thieves.

Hide me now, when night children haunt the earth

I must hear none! These misted cells will yet

Undo me; naked, unbidden, at Night's muted birth.

***

..........................

* وُولي شوِينْكا: كاتبٌ مسرحي وشاعر وروائي من نيجيريا. حاز على جائزة نوبل عام 1986، فكان بذلك أول أديب أفريقي يحصل عليها.

كان من أشد المدافعين عن مسؤولية الفن والفنانين تجاه المجتمع، ومن هنا جاء نقده اللاذع للمجتمع والنظام السياسي. ونتيجة لبعض مواقفه النضالية إبّان الحرب الأهلية النيجيرية (1967 – 1970) المعروفة بحرب بيافرا، اعتُقل عام 1967 ومكث في السجن بدون محاكمة، إلى أن أفرج عنه بعد ما يقرب من عامين. 

درس اللغة الإنكليزية في جامعة إبادان في نيجيريا وجامعة ليدز في بريطانيا، التي تابع فيها دراسته العليا إلى أن حصل على الدكتوراه عام 1973. وإبّان إقامته في بريطانيا عمل لدى مسرح البلاط الملكي في لندن. وكان للخبرة التي اكتسبها في تلك الفترة أثرٌ كبير في مسرحياته.

يستلهم شوينكا أشعاره، كما مسرحياته، من الأساطير الشعبية لقبيلة اليورابا التي ينتمي إليها ومن حياته في بريطانيا وتجربته في السجن والمنفى. صدرت له عدة دواوين شعرية منها "إدانري وقصائد أخرى" (1967)، "قصائد من السجن" (1969)، "أرض مانديلا وقصائد أخرى" (1988) و "قصائد مختارة" (2001). كما صدرت له روايتان وخمسة كتب مُذكرات وعدد كبير من المسرحيات.

عمل شوينكا مُدرّسٍا في عدد من الجامعات منها جامعة كامبرج وجامعة ييل وجامعة إيموري.

يعيش سوينكا حاليًا في منزل منعزل في الغابة على مقربة من بلدة آبيوكوتا في نيجيريا.

من الجدير بالذكر أن الحكومة الأميركية أقدمت مؤخرًًا على إلغاء تأشيرته للدخول إلى الولايات المتحدة بعد أن وصف الرئيس الأميركي ترمب بأنه "عيدي أمين بوجهٍ أبيض".

في نصوص اليوم