نصوص أدبية

سنية عبد عون: الساعة الخامسة

وفي جوف الليل لم تنم. فقد تأخر موعده. أستيقظ خوفها مجددا. لم تسأل كثيرا. حينها تصبح اكثر انصاتا للصمت. تحصي دقات قلبها بدل الساعات وترتل الدعاء حيث تُختبر القلوب بالصبر. لم تنتظر عودته متأخرا فحسب. بل كانت تنتظر الطمأنينة التي خرجت ذات صباح ولم تعد.

كان الغياب يطرق بابها كل صباح بهدوء يشبه الخوف. تجلس قرب النافذة، تراقب الطريق الذي حفظ خطاه. وتؤمن ان قلب الأم لا يخطئ الاتجاه. والا ستبذل جهدا ضائعا.

حين يطول الغياب مقامه، تعرف ان طريقا آخر للحب وللأمومة، طريقا تمشيه لوحدها مهما تكن وعورته وقسوته.

اليوم انقضى شهران على اجازته العسكرية الدورية وقلبها يحترق شوقا ولوعة وخوفا عليه. غدت أيامها بلا تواريخ. وكانت تعد المساءات. وتعرف ان شيئا ما انكسر في انتظام عالمها. استبد بها اضطراب شديد. أخذت تهمهم همهمة غير مفهومة. وتهمس مع نفسها ـ: ربما مرض دون علمي. أو ربما أصابه عارض سيء. لو كان أبوه حيا لبحث عنه ولما بقي صامتا كما فعلت.

أخذت تؤنب نفسها بشدة. ارتجف جسدها وكأنها شعرت ببرودة المكان لأول مرة. ولكن ما فائدة اللوم في هذا العالم القاسي.؟؟

قالوا لها: الحدود العراقية ـ الأردنية (أج ـ 3) بعيدة جدا

قالت في سرها: البعيد هو ان لا أراه. !! وان لا أتقصى حقيقة غيابه.

شدت عباءتها، وحملت اسمه فقط. وبعضا من متاع الطريق.

ـ أم كامل ـ امرأة كبيرة لكن قلبها كان يسير أمامها بخطوتين.

شعرت ان ساقيها أصابهما الوهن ولا يقويان على حملها لكن إرادتها تدفعها لمواصلة الطريق نحو ولدها. الذي مازال فتيا.

وعند الساعة الخامسة فجرا كانت تقف ـ أم كامل ـ شامخة في مرآب العاصمة بغداد قادمة من مدينتها. تتلفع بعباءتها وتعتمر برأسها (العصّابة) وتضع فوقها (الشيلة) تتقدم نحو أحد الجنود لتسأله عن السيارات المتجهة الى مقر سرية ولدها. اندهش الجندي عما تسأل عنه وأجابها. أنه ذاهب الى هناك ولكن لماذا تسألين.؟؟.

قالت: أريد الذهاب معكم.!!

ضحك الجندي ثم أخذ نفسا عميقا من سيجارته.

وقال: أ تمزحين يا أمي.؟؟ ثم تفرس في وجهها مليا عله يفهم ما تنوي فعله. وهل ما سمعه حقيقة!!

قالت: لا أمزح. ولكن ولدي تغيب عن الحضور وعزمت على السفر اليه.!! وان كانت سيارتكم لا تكفي لا مانع ان أجلس على أرضيتها.

قال: لا توجد سيارات غير هذه (الايفا) المتعبة لنا. فكيف والحال مع امرأة كبيرة مثلك. عودي لدارك.

وفقط أعطني اسمه وسأبحث عنه وأخبره بذلك.

قالت: لن أتراجع عن مهمتي.

قال: سترين الله بهذه الرحلة.!!

قالت: وأنا أريد ان أراه.!!

في الحافلة كانت الوجوه تشبه صفرة أوراق الشجر المتساقطة في فصل الخريف والطريق يشبه قلقها وارباكها وهي ممسكة بحلمها في اللقاء. وكلما اقتربت من المعسكر، شعرت ان الأرض تضيق كي تختبر شجاعتها وصبرها.

تنفخ فوق أصابعها المتجمدة لتتقي برد شباط. تنظر اليهم بين الفينة والأخرى وكأنها تستطلع كم بقي من المسافة. لكنها تجدهم منشغلين عنها وربما تدور في رؤوسهم المتعبة الف فكرة وفكرة. تفاجأهم تنهداتها لتقطع حبل أفكارهم. وهنا تترقرق دموعهم في محاجرها.

عند البوابة، لم تسأل عن القوانين. وغدت القوانين هنا تمثل لهفة أم فقط نظرت الى الجميع نظرة تائهة حيرى. وهي تبحث عنه. علها تراه بين المصطفين أمامها وهم في لحظة اندهاش وتعجب. فربما لأول مرة تحضر امرأة مسنة لهذه الصحراء القاحلة.!!

قالت بصرامة وثبات لم تتعلمهما الا من أمومتها: جئت قاصدة كرم ضيافتكم وباحثة عن ولدي الذي لم يعد.

انبهر الجميع لصلابتها وقوة عزمها. بالرغم من ضعف جسدها وارتعاش يديها وبحة صوتها / لمعاناتها / وتعبها / وعطشها /.

كان حنانها ينتشر في القاعة كرائحة الجنة ودموعها ستورق بارضهم ورودا. هكذا كان رأي أحد الضباط معلقا وهو يسرد حكايتها لزملائه الذين لم يشهدوا لقاءها مع ولدها.

قادوها الى مكان لم يكن معسكرا كما تخيلته، بل ممرا باردا ينتهي بقضبان. هناك خلف القضبان كان ولدها. وفي تلك اللحظة

لم يكن جنديا ولا سجينا بل كان طفلها المدلل. وقفت أمامه بعينين متعبتين وصمت أطول من الغياب. وفجأة وفي تلك اللحظة اشتدت العاصفة المدوية في الأفق وكأنها تنذر باقتلاع المبنى الرطب.

لم تصرخ / لم تبك / مدت يدها حتى اصطدمت بالقضبان ضربته بقوة. وكأن الحديد هو المذنب الوحيد في الحكاية.

ثم قالت بحدة انه عالم لا تخفى مرارته. عالم لا يبث الطمأنينة في الروح. عالم تحكمه قوانين صارمة. أطرق الضابط رأسه.

نهض ولدها مفزوعا يفرك عينيه. وأخذ يتساءل من هذه المرأة.؟؟

ركبتاه ترتعشان وهو حائر بين الجلوس والنهوض. اضطربت عيناه. وكاد ان يقع مغشيا عليه. لم يفهم ماذا حدث. أخذ يفرك عينيه ويتساءل: هل هذا وجه أمي؟؟. أو كنت في لحظة من حلم.

.وعند باب القاعة كان هناك حشد من الجنود وهم يراقبون الموقف بصمت وخشوع. شعر ولدها بضيق في بلعومه. انه يلهث كأنه لم يستطع ان يكبح الصدمة التي اعترت كل حواسه.

ثم قال: سامحيني. أتعبتك. قالها وهو يحملق في وجهها غير مصدق لما يراه ويسمعه. لهذا المشهد الغريب.

قالت: رؤيتك نفضت عني غبار الرحلة، حتى عاد للنفس صفاؤها ونسي الجسد وعثاء الطريق وهنا بدأ دفء الروح.

انتقلت نظراته الى جموع رفاقه وهم يمسحون رذاذ دموعهم فانفجر الفتى ببكاء ونشيج غير منقطع. وما زال المطر ينهمر بشدة غير معهودة. والريح تصفق ابوابهم الحديدية المتآكلة.

في تلك اللحظة فهم آمر الوحدة ان الشجاعة ليست بالبنادق ولا في تواجدهم على الحدود. بل في امرأة قطعت الصحراء كي لا ينام ولدها وحيدا خلف القضبان. أكثر من تلك الأيام.

عادت وهي تحمل وجعا أثقل من الرحلة وجع حال الجميع في تلك الصحراء الموحشة.

لكنها تعرف تماما ان الأم التي وصلت الى هناك لا يمكن ان تعود خاسرة بالتأكيد.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

...................

* العصابة: قطعة من الحرير الأسود يحاك على اطرافها خيوطا تتدلى فوق جبين المرأة. ترتديها بعض النسوة المسنات.

* الشيلة: قطعة من الجرجيت الاسود توضع فوق العصّابة.

 

في نصوص اليوم