عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

حسن لمين: طواحين الحبر

كان اللون الرمادي يبتلع شاشة الحاسوب كما يبتلع الضباب ملامح المدن البعيدة. كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرا، فيما ظل علي جالسا أمام مكتبه الخشبي العتيق، يحدق في الصفحة الأخيرة من روايته كما لو أنه ينظر إلى مرآة عمره كله. لم تكن الغرفة تتجاوز بضعة أمتار، لكن ضيقها كان يتسع لكل ما راكمه من خيبات وأحلام مؤجلة. على الطاولة فنجان قهوة بارد فقد رائحته منذ ساعات، وأوراق مبعثرة، وأقلام استنزفها الحبر حتى آخر قطرة، ونافذة نصف مفتوحة يتسلل منها هواء الليل محملا بصمت مدينة لا تعرف أن كاتبا في أحد أحيائها يضع اللمسة الأخيرة على حلم استغرق عامين كاملين من حياته.

لم يكن يبحث عن مجد أدبي، ولا عن صورته على أغلفة المجلات، ولا عن توقيع طويل أمام طوابير القراء. كان يبحث عن شيء أكثر تواضعا وأكثر صعوبة في آن واحد؛ أن يترك أثرا، أن يضيف حجرا صغيرا إلى البناء الهائل الذي شيده الأدب عبرقرون، وأن يقول للزمن، ولو بصوت خافت، إنه مر من هنا ولم يعش عبثا.

كتب الجملة الأخيرة.

توقف.

ظل إصبعه معلقا فوق لوحة المفاتيح كمن يخشى أن يوقظ حلما هشا. ثم وضع النقطة الأخيرة.

لم تكن نقطة فقط، لكنها كانت نهاية رحلة طويلة من الشكوك والقلق والتمزيق وإعادة الكتابة. شعر بأن حملا ثقيلا انزاح عن صدره. أسند رأسه إلى ظهر الكرسي وأغمض عينيه، فخيل إليه أن شخصيات الرواية التي رافقته طوال تلك الأشهر خرجت من صفحاتها، ولوحت له مودعة قبل أن تختفي في العتمة.

ابتسم لأول مرة منذ زمن.

همس لنفسه:

"الآن... أصبحت الرواية ملك العالم."

لكن العالم، كما سيكتشف بعد أيام، لم يكن ينتظر الرواية، بل كان ينتظر شيئا آخر تماما.

دخل دار النشر الأولى وهو يحمل مخطوطته كما يحمل الأب طفله الأول. كان المبنى فخما، تزين جدرانه صور أغلفة براقة لكتب تتصدر قوائم المبيعات، وتعلو الرفوف شهادات تكريم وإطارات مذهبة توحي بأن الثقافة تقيم هنا في قصرها الأخير.

استقبله موظف أنيق قاده إلى مكتب واسع يحتله ناشر خمسيني يجلس خلف طاولة من خشب الجوز اللامع. كانت نظارته ذات الإطار الذهبي تعكس ضوء الثريا أكثر مما تعكس اهتماما بالمخطوطة الموضوعة أمامه.

تناول الأوراق بيد باردة، لكنه لم يفتحها. اكتفى بوضع راحة كفه فوقها كما يفعل تاجر ماشية يختبر وزن بضاعته قبل المساومة.

ابتسم ابتسامة محسوبة وقال:

"وصلتني بعض الصفحات التي أرسلتها بالبريد الإلكتروني... لديك لغة جميلة، والرواية تبدو عميقة."

سكت لحظة، ثم أضاف وهو يدير خاتما ثقيلا في إصبعه:

"لكن العمق لا يدفع رواتب الموظفين."

ظل علي صامتا.

واصل الرجل حديثه بنبرة من اعتاد تحويل الأحلام إلى جداول حسابية:

"نحن لا نستثمر في المغامرات. إذا أردت أن ترى كتابك مطبوعا، فعليك أن تتحمل تكاليف الطباعة والتوزيع. خمسة آلاف دولار فقط، وستحصل بعد ذلك على عشرة في المائة من الأرباح إذا نفدت الطبعة الأولى."

توقفت الكلمات في حلق علي.

خمسة آلاف دولار.

رقم بدا له أكبر من أن يكون مجرد مبلغ مالي. كان يعادل عاما كاملا من السهر خلف شاشة أخرى، يدقق نصوصا ركيكة ويصحح أخطاء لا تنتهي في مدونات تجارية لا تؤمن بالأدب، ولا تعرف من اللغة إلا ما يجلب الإعلانات.

حاول أن يخفي ارتجاف صوته وهو يسأل:

"وإذا لم تُبع الطبعة؟"

ابتسم الناشر ابتسامة باردة وقال:

"المخاطرة جزء من اللعبة."

خرج علي وهو يشعر أن الرواية لم ترفض، بل أهينت قبل أن تقرأ.

لم يستسلم.

كان يؤمن أن دور النشر ليست نسخة واحدة، وأن بين الجدران الكثيرة لا بد أن توجد نافذة.

لكن النافذة كانت في كل مرة تتحول إلى جدار.

في الدار الثانية، استقبلته مسؤولة شابة تفوح منها رائحة العطور الباهظة أكثر مما تفوح منها رائحة الكتب.

قلبت الصفحات بسرعة، ثم قالت بابتسامة مصنوعة بعناية:

"أسلوبك جميل... لكنه لا يبيع."

نظر إليها مستفهما.

قالت وهي تشير إلى شاشة حاسوب تعرض رسوما بيانية للمبيعات:

"القراء اليوم يريدون الإثارة السريعة. أضف جريمة غامضة، أو فضيحة سياسية، أو علاقة عاطفية جريئة. اجعل البطل قاتلا متسلسلا أو صاحب قوى خارقة. وبعدها سنتعاقد مع بعض المؤثرين على تيك توك، وستصبح من الأكثر مبيعا خلال أسبوع."

شعر علي أن الكلمات تتحول إلى مطارق تضرب رأسه.

هل صار الأدب وصفة تسويقية؟

هل أصبحت الرواية مشروعاً إعلانيا يدار بخوارزميات المنصات؟

حاول أن يدافع عن نصه، لكن المرأة قاطعته بلطف قاتل:

"صدقني... الفن وحده لا يكفي."

أما الدار الثالثة، فقد كانت أكثر صراحة وأقل نفاقا.

وضع المدير أمامه عقدا ضخما.

قرأ علي البنود، فشحب وجهه.

يتنازل الكاتب عن جميع حقوقه الفكرية والمادية مدى الحياة.

تؤول حقوق الترجمة، والتحويل السينمائي، وإعادة الطبع، والنشر الإلكتروني إلى الدار.

عدد النسخ المطبوعة: مائة نسخة. ولا يحصل الكاتب إلا على بضع نسخ مجانية يوزعها بنفسه.

رفع رأسه مذهولاً.

قال المدير وهو يبتسم بثقة:

"هذا هو العقد الذي يوقعه الجميع." تناول علي مخطوطته بهدوء، ونهض.

لم يغضب.

كان الغضب يحتاج إلى أمل، أما هو فقد بدأ يفقد حتى دهشته.

عاد إلى غرفته مع غروب الشمس.

فتح الباب ببطء، كأنه يخشى أن ترى الجدران انكساره.

جلس أمام مكتبته الصغيرة.

امتدت عيناه فوق أسماء طالما أحبها؛ المتنبي، والجاحظ، والمعري، وطه حسين، ونجيب محفوظ، ومحمود المسعدي، والطيب صالح، وإدوارد سعيد... أسماء لم تكن بالنسبة إليه مجرد مؤلفين، وإنما رفاق طريق علموه أن الكلمة ليست تجارة، وأن الكاتب لا يقيس نصوصه بميزان السوق.

تساءل في صمت:

كم منهم كان سيجد ناشرا لو بدأ اليوم؟

وكم رواية عظيمة كانت ستُرفض لأنها لا تصلح لحملة إعلانية؟

شعر بأن العالم تغير بسرعة مخيفة، وأن السوق لم تعد تبيع الكتب، بل تبيع الوهم المحيط بها. صار الغلاف أهم من المتن، وعدد المتابعين أهم من عدد الأفكار، وصارت الشهرة تشترى بخطط التسويق، بينما يطلب من الكاتب الحقيقي أن يدفع ثمن حقه في أن يقرأ.

في تلك اللحظة، أدرك أن معركته لم تكن مع ناشر بعينه، بل مع زمن كامل يقيس القيمة الأدبية بمؤشرات المبيعات، ويختزل الإبداع في أرقام المشاهدات والإعجابات.

نظر إلى المخطوطة الملقاة أمامه. لامس أوراقها برفق.

كانت الصفحات تحمل آثار أصابعه، وسهره، وقلقه، وأيامه التي أهدرها في مطاردة الجملة الكاملة.

لم يشعر بالرغبة في تمزيقها. ولم يبك.

البكاء، في تلك اللحظة، بدا أقل كرامة من الصمت.

فتح حاسوبه، ودخل إلى إحدى منصات النشر الحر.

رفع الرواية بصيغة إلكترونية، ثم توقف قليلاً أمام خانة الإهداء.

ظل المؤشر يومض على الشاشة، كأنه ينتظر اعترافا اًخيرا.

كتب:

"إلى الذين حرموا من الكتب لأن الحقيقة أصبحت سلعة باهظة الثمن... هذه الرواية لكم. لم أعد أملك ما أبيعه، لكنني ما زلت أملك ما أهديه."

ضغط زر النشر.

لم يسمع تصفيقا.

ولم تصله رسالة تهنئة.

ولم يتحول بين ليلة وضحاها إلى كاتب مشهور.

لكن شيئاً عميقاً حدث داخله.

للمرة الأولى، شعر أن روايته خرجت من قبضة السوق إلى فضاء القراء، وأن الكلمات استعادت حريتها بعد أن كادت تُساق إلى المزاد.

أغلق الحاسوب.

أطفأ المصباح.

استلقى على سريره المتواضع.

وخارج النافذة، كانت المدينة تواصل نومها غير عابئة بما جرى في تلك الغرفة الصغيرة.

أما علي، فقد نام أخيرا، مبتسما في هدوء.

لم يكن لأنه ربح معركة النشر، بل لأنه انتصر في معركة أشد قسوة؛ أن يبقى وفيا  للكلمة، حين صار كل شيء حولها يباع ويشترىى.

وفي مكان ما، بعيدا عن مكاتب الناشرين وحسابات الأرباح، كانت طاحونة الحبر تواصل دورانها، تطحن أوهام السوق، وتترك للكلمات النقية فرصة صغيرة كي تعبر إلى من يستحقها.

***

كاتب مغربي

في نصوص اليوم