انطفأت الجهات دفعة واحدة..
الحديقة صحراء محاصرة بالسراب..
الأشجار واقفة.. لكنها لم تعد ترفع أغصانها نحو الضوء. خذلها الأمس.. فانحنت بصمت الأنبياء..
في قاع البئر.. وجدت الخلاص.
*
النهر.. الذي كان مزهوا بخريره..
صار يعانق الضفة الأخرى.. ولا يلتفت..
أدرك أن الوفاء.. يعيق مجراه..
فمضى.. كأن المرفأ لم يكن يوما موطنه.
*
كل شيء.. تعلم الغياب دفعة واحدة..
الشرفة نزعت رداء الانتظار..
لتحفظ برودة العابرين.
الفصول خلعت مواسمها..
وتركت للريح ما تبقى من الحكاية.
المصباح.. الذي كان يسهر حتى مواويل الفجر..
أطبق انواره .. حين طال انتظار خطوات
اضاعت طريق الإياب.
*
جمعتُ ما تناثر من الحكاية:
ضحكات تشبه الضوء..
رسائل لم تصل.. مواعيد ملغاة..
وأعمار قصيرة تمددت في لحظة شرود.
في صندوق صغير وضعتها..
أغلقته برفق من يخبئ بذورا سماوية..
حين أيقنت أن الأرض القفر ..
لن تنبت معجزة.. ولو أغرقها المطر حتى آخر الغيم.
*
منذ ذلك الحين.. كلما رأيتُ عصفورا تائها..
عرفتُ أن بعض الهجرات لا تفشل لأن الطريق طويل..
بل لأنها في منتصف التحليق...
تضيع جهة السماء.
كلما مرت بي غيمة تفوح منها رائحة الأمس..
أشيح بوجهي.. بحر الحنين يجيد إغراق اليقين.
*
لم تعد في الأفق نجمة تؤجل الغياب..
لم يبق.. سوى شجرة تخفي في جذعها دوائر العمر..
كلما مرت بها الريح.. تساقط منها..
شيء يشبه الربيع..
شيء يشبه الذكرى..
وشيء يشبه الفراغ.
*
اقف الآن على أطلال ما كان..
لا أحمل في قلبي وعدا..
لا أردد بين دعواتي اسما..
ولا أفتح في روحي نافذة
يتسلل منها الحنين متنكرا في هيئة نسمة.
*
ذبلت زهرة الصبير التي كانت تقاوم الفصول..
انطفأ آخر قنديل كان يعلم العتمة معنى الضوء.
لم يبق في براح الروح إلا درس مكتوب بحبر الفقد..
علمني أن بعض الناس لا يرحلون يوم يغادرون..
بل يرحلون حقا حين يطفئون الحلم..
يكسرون مرايا الضوء.. ويتركون القلب..
خرابا يحتله الصدى.
***
مالكة حبرشيد - المغرب








