يا حبيبتي.. هل نسيتِ ذلك الزمانَ الذي كنتُ فيه أمينَ سرِّ الربيع، أوزِّعُ على صباحاتكِ ألوانَ الثياب، فلا أختارُ لكِ لونًا، بل أختارُ للضوءِ الهيئةَ التي يليقُ بها أن يجاورَ وجهكِ؟
*
أما تذكرين قميصَكِ الأخضر؟ ذلك الذي كان يشبهُ غابةً صغيرةً هربتْ من قلبِ الأرض لتسكنَ كتفيكِ. كنتُ أضمُّ أزرارَه واحدًا.. واحدًا.. كأنني أجمعُ خرزاتِ عقدٍ تناثرَ من عنقِ نجمة، وأخشى أن يضيعَ من العالمِ شيءٌ من جمالكِ. ثم أبتسم.. فما كان الزرُّ يغلقُ قميصًا، بل كان يؤجِّلُ دهشةَ قلبي ثوانيَ أخرى.
*
وحين تمتدُّ يدي إلى سحّابِ ثوبكِ، لم تكن يدي تُحرِّرُ قماشًا، بل كانت تزيحُ ستارةَ مسرحٍ سماويٍّ، ليطلَّ منه ذلك الجسدُ الذي كانت الأساطيرُ تستعيرُ منه معنى الاكتمال. كنتُ أنظرُ إليكِ كما ينظرُ الرسّامُ إلى لوحتهِ الأخيرة، خائفًا أن يعجزَ اللونُ عن ملامسةِ المعجزة.
*
وهل نسيتِ كيف كنتُ أبحثُ عن عطرٍ لا ينافسُ أنوثتَكِ، بل يركعُ أمامها؟ كنتُ أختارُ لكِ رائحةً إذا مرَّتْ في الهواء، أحسستُ أن روحي تخلعُ عنها غبارَ العالم، وتدخلُ حدائقَ الملكوت. وكان عطركِ كلما اقتربَ مني، أسمعُ الملائكةَ تتبادلُ أخبارَ الأرض.
*
وهل نسيتِ كيف كنتُ أبحثُ عن الحذاءِ الذي يليقُ بقدميكِ الصغيرتين؟ لم يكن حذاءً.. بل آلةً موسيقيةً تُترجمُ خطواتكِ إلى نغمات. وكان الرصيفُ كلما مررتِ عليه، يتحوّلُ إلى بيانو، وتصيرُ المدينةُ أوركسترا تعزفُ لأجلِكِ وحدكِ أجملَ سمفونيةٍ عرفها الوجود.
*
أما شفتاكِ.. فكانتا وردتينِ تعلّمتا من الفجر حياءَه. وكنتُ أبحثُ عن اللونِ الذي لا يزيّنهما، بل يستأذنُهما ليولدَ عليهما. فما كان أحمرُ الشفاه يزيدُهما فتنةً، بل كان يستعيرُ من ابتسامتكِ معناه.
*
ووجهُكِ.. يا معجزةَ الضوء.. كم مرّةً مررتُ عليه بأنفاسِ عشقي، لا لأمسحَ عنه غبارَ يوم، بل لأوقظَ النورَ النائمَ في مسامِّه. فكان وجهُكِ كلما لامستهُ أنفاسي، يتلألأ كما لو أن الفجرَ اتخذَ من بشرتكِ وطنًا أبديًّا، وكأن الليلَ كلما أقبل، أشعلَ في ملامحكِ قناديلَهُ السرّية.
*
يا حبيبتي.. أنا لم أكنْ أختارُ لكِ ثوبًا، ولا عطرًا، ولا حذاءً، ولا لونًا، ولا ألمسُ تفاصيلَكِ كما يفعلُ العابرون.
*
كنتُ أكتبُكِ.. قصيدةً بحروفٍ من ضوء، وأرتّبُ تفاصيلَكِ كما يرتّبُ اللهُ أجنحةَ الفراشاتِ قبل أن يهبَها نعمةَ الطيران.
*
فهل نسيتِ؟ أم أن الذاكرةَ حين تخافُ من شدّةِ الحبِّ، تتظاهرُ بالنسيان.. بينما يظلُّ العاشقُ وحده يحفظُ حتى ارتعاشةَ الضوء حين كان ينامُ على كتفيكِ؟
***
بقلم: كريم عبدالله
بغداد - العراق








