عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

بقلم: دامون غالغوت

ترجمة: صالح الرزوق

***

لم نكن لا نحبه (المقصود بهذا الكلام رجال تحترمهم: يمكننا أن نكون أشرارا، ودجالين وعنيفين بدون قصد، ولكن إذا دعت الظروف، يمكننا التفاهم مع بعضنا البعض). كان صبيا برأس أحمر واضح، وسن أمامي فقد لونه. اسمه دانييلز، وجاء من بارل Paarl. كنا اثني عشر شخصا في تلك الخيمة ولشهرين. وانتشرنا هنا، بعد تدريبات أساسية، كما هو حال الحياة العسكرية في كل أرجاء العالم، في قواعد ومواضع تشمل كل البلد، وأصبحنا سكانا مؤقتين في أكواخ للحراسة، وغرف خشبية للمراقبة، وثكنات، وتجمعات. وأخبرونا أن فترة سنتين مدة قصيرة لخدمة بلدنا. ولكنها تكفي لتتجول خلالها بين الكثير من الأماكن وأنت بحالة انتظار. (وهي كافية لتموت، ولكن هذا موضوع آخر). تم نقلي بين ثلاث معسكرات مختلفة قبل هذا الموضع: فالابوروا في ترانسفال الشرقية، وبيت لحم في البلاد الحرة، ويوبينغتون في كيب. وفي آخر عامي الأول انتقلت مجددا: في هذه المرة إلى الشمال بالقرب من الحدود. وطبعا هي حدود جنوب غربي إفريقيا، وكانت مشهورة في السابق بأنها مكان الحروب الحقيقية، وسبقها ملايين الحدود الأخرى التي ترتسم الآن داخل البلد (وطبعا أنا أشير للعلاقات المحلية، ولكن ذلك أيضا موضوع آخر). لا يزال الناس يموتون هنا، ولكن موتهم بعيد عنا. أقمنا في معسكر صغير، بعيدا عن القواعد الكبيرة التي تتخلل الغابة. ونمنا في خيم وتبرزنا في حفر حفرناها. كان هناك شيء بدائي حول وجودنا، كما لو أننا اقتربنا من الطبيعة. حتى ملابسنا - البنية المعهودة - مموهة. وكنا لبعض الوقت ننتشر في طبيعة صعبة. ولو أخذنا الكلمة بمنحاها الغريب، كنا بعيدين جدا عن الحضارة، كانت محنتنا ميتافيزيقية: وأصبحت أشعر بالمسافة والوقت. ولكن كنت أعلم سبب وجودي، أنا وجميعنا. وهو الحرب، والموت والألم. وهذا يعطينا هدفا ما في النهاية. نام دانييلز في سرير يفصله عني سريران. وقد أرسل من معسكر قرب بلومفونتين. وكما أخبرني مجددا، كان نقله عقوبة على مخالفة افتراضية. كان حضوره في الخيمة صامتا: يحيط به الهدوء والحياد. والنشاط الوحيد الذي يعزله عن البقية هو هوسه بالشطرنج، وعلى ما يبدو أنه يلعب ضد نفسه، دون أي غاية، وذلك على رقعة شطرنج باهتة. ذهبت إليه وسألته: "هل تريد أن تشاركني اللعب؟". رفع نظرته الجامدة وسألني: "هل ترغب بذلك؟". قلت له: "نعم. قليلا. كان أخي ماهرا به". جهز الرقعة. وخسرت.

بعد ذلك لعبنا مرارا. كان لاعبا أفضل مني، وغالبا ما هزمني. وبطبيعتي لم أكن خاسرا طيبا. ولكنني لا أحقد بعد الخسارة. الهدف أن نلعب. لحقنا الضجر هناك، في مملكتنا هذه ذات السهول المترامية الأطراف. لم يكن هناك شيء يخفف من الملل، من المعنى الغامض لأن تكون حيا. كنا نحرس بين وقت وآخر. ونشارك بالدوريات. ولكن بنظر البقية كنا جنودا نؤدي الواجب، وأنفقنا وقتتا كما ينفقه الجنود: نسكر، ونتبادل النكات، وكانت لدي أشياء أخرى تشغلني. إذ أنه لدي طموحات شعرية: أردت أن أكتب قصيدة. كل ليلة أتحدى جمود زملائي الأميين (بعضهم يبتعدون صامتين في رهانهم للتهرب من الكلام)، أدون الشعر على دفتر بنابض صغير أحتفظ به لهذه الغاية في خزانتي. لم تكن قصيدتي جيدة. وكنت أنا والقصيدة نعرف ذلك عن ظهر قلب: وفي تلك الأيام لم أكن وحيدا تماما. كنت أنا ودانييلز رفيقين. وأستعمل الكلمة بمعناها غير المباشر. لا توجد صداقات عند الحدود، ولم نتشارك بالأسرار. (حتى أنني نسيت اسمه الأول، إذا كنت أعرفه جدلا). ولكننا ترافقنا في المهمات الصغيرة الكثيرة ومنها الاستمرار بالحياة في ظروف الغابة: غسيل الملابس، والحراسة. وفي إحدى المرات سمح لي برؤية صورة عشيقته، بنت طويلة ونحيفة بمقوم أسنان. وكانت لا تزال في المدرسة الثانوية. لم نكن نرفضه. فقد كان في الخيمة أشخاص أغرب منه، ولكن حتى تجاه أولئك لم نظهر العداء. القوانين الطبيعية لا تعمل في الغابة. كلنا تم إرسالنا إلى هنا لفترات مختلفة بغاية العقوبة، ولم يكن لدينا خيار غير تحمل بعضنا البعض. لم يكن هناك حب، ولكن هناك تفاهم. وهكذا كنا جميعا شهودا على معركة غير محتملة. حينما وصلت إلى المعسكر أول الأمر، كانت خيمتنا تحت أمرة رجل بدين وبدون بطن، اسمه حينها ريتيف. العريف ريتيف كان على وشك أن ينهي عقدا مدته أربع سنوات (في القوات الدائمة)، فقد بقي له شهر واحد. لم يكن لديه اهتمام بالانضباط، وكان ينظر للعالم من خلال عينين صغيرتين يخيم عليهما الغموض. لم نتحمل التفتيش. في الليل يتسلل العريف ريتيف المخمور إلى الخيمة. ويوازن نفسه على ساقين مرتجفتين، ويحني جسمه المترنح على سرير قريب وينعم علينا بقصص من ماضيه. ومع أنها غالبا كئيبة أيضا، تذكرنا بعالم غير هذا العالم، حيث يرتدي الناس ثيابا مدنية ولا يحملون البواريد. وقد ارتفعت معنوياتنا في ظل هيمنة بدون هدف. تراكم الغبار في خزاناتنا. وكنا ننام في أسرتنا، وفي الصباح نعيد ترتيبها، بلامبالاة كما لو أننا في بيوتنا. ولم نتصور أنه سيأتي يوم ويرحل. ولكنه غادرنا: في أحد الأيام رحل العريف ريتيف وهو محمل بعلب من الويسكي، وأخلى المعسكر بسيارة داكوتا مضعضعة وثقيلة ولا تسر النظر مثله. وفي الليلة التالية وصل بمكانه العريف كلوت. واسمحوا لي بوصف هذا الرجل. له بنية صغيرة، ونحيلة، وعلى خده ندبة براقة. عيناه متقاربتان جدا، وغائرتان في جمجمته. وشعره المحمر مصفف إلى الخلف ابتداء من جبينه. أسنانه مزدحمة وكبيرة وكاملة، وحينما يبتسم، تسطع في وجهه. أما يداه - ولسبب ما فهي ما يبقى من ملامحه في الذاكرة - رقيقة وصغيرة، وكأنها يدا عازف بيانو. ولكنه لم يكن عازفا. وكان على الحدود لعدة سنوات مضت، وخلال تلك الفترة، تسلل إلى روحه جزء من الغابة المظلمة، ولم يتركه أبدا. يمكنك رؤية ذلك على وجهه. تلك العينان المتقاربتان تحدقان بنظرة واحدة لا تطرف، وكأنهما عين سيكلوب. كان يزدرينا، على ما أظن. ليس لأننا تبعيته، ولكن لأننا أحياء. ومنذ لحظة وصوله، أصبحت خيمتنا مكانا آخر. كل صباح في الخامسة فجرا، نقف للتفتيش. يبرز في الوقت المحدد متنبها ومتيقظا كرجل أفاق منذ ساعات. وبقدرات شيطانية ومتأهبة يمر من بين صفوفنا، وهو يتمعن بكل شيء حتى أصغر ذرة غبار. وبواريدنا المنظفة حديثا، مفكوكة ومرتبة على أسرتنا. ومع أن أبواطنا نظيفة، وقمصاننا منشاة، يحرص على أن يجد، في شق لا تصل إليه أصابعنا، أثر حبة غبار لتكون خطأنا القاتل. حينها يرفع صوته العالي والصافي ليصيح: "رياضة". فنسرع جميعا في العتمة نصف المطبقة لنتخبط ونرتدي الشورت والقميص. وتحت الشمس الصاعدة نتجمع متسائلين باضطراب شديد عما سنعاني منه. سوف نكون طيلة ساعتين متواصلتين بدون انقطاع تحت أمره: نجري حول الخيم، نتدحرج على الأرض، نؤدي تمرينات الدفع. وهو واقف بجوارنا بدون حراك، ليراقب كدحنا البائس وكأنه إله. وفي الختام يسمح لنا، بعد أن نلنا كفايتنا من الرضوض والخدوش، ونحن نسبح بالعرق، بالعودة إلى خيمتنا. كان يعرف دانييلز من قبل. في أول ليلة له - ليلة وصوله- جاء يمشي على طول ممر الخيمة، بين الأسرة، حيث وقفنا بانتباه واستعداد، ثم توقف أمام دانييلز. مرت لحظة صامتة قبل أن يضحك، بنعومة، لنفسه.

قال له: "أنت. أنت".

"نعم أيها العريف".

"ماذا أتى بك إلى هنا؟".

"تمت تعبئتي هنا أيها العريف".

قال كلوت: "آه. آها". ثم اقترب مني، وهو يمتص أسنانه الجميلة. وبعد أن غادر، واختفى في سواد الليل مثل شبح، اجتمعنا حول دانييلز لنسأله: "من أين تعرفه؟ كيف هي شخصيته". لكن لم يرد علينا. واكتفى بأن قال: "كان يعيش مثلي في بال، وانكفأ على رقعة شطرنجه، ليلعب بمفرده في هذه الليلة. وبعد ذلك بقليل حينما قمنا بالحراسة معا عند بوابة المعسكر، ركل دانييلز حجرة كانت في الطريق وقال:" أريد أن أسألك سؤالا".

"نعم؟".

"هل تؤمن بالانتقام؟".

قلت له: "ماذا تعني بكلمة تؤمن؟".

"هل تعتقد أنه شيء له علاقة بالسماء؟".

قلت له: "لا. لا".

لم أفهم ماذا يقصد. كان القمر في تلك الليلة مكتملا (لأن نوبتنا متأخرة). وسطع علينا، بلون أبيض بارد ونقي. كانت الغابة حولنا: لا تنام وسوداء، فهي جلد القارة الهامس. كان كلوت يمقت دانييلز. المقت الذي يحمله لنا من النوع العام: النفور الجماعي الذي يحمله تجاه كل الجنس البشري كشكل من أشكال الرحمة. ولكنه كره دانييلز كراهية خاصة وذاتية جدا. كان يصيح أثناء التدريبات: "دانييلز يرتخي يا أولاد". أو: "دانييلز لا يتمرن بطريقة مناسبة يا رجال. عليكم جميعا القيام بدورة جريا حول المعسكر". ولم يوجه كلامه لدانييلز بشكل مباشر. والعقوبات التي طبقها عليه طبقها علينا جميعا. وكلما أشار له، يفعل ذلك بصيغة الغائب، كما لو أنه غير موجود. مثلا: "دانييلز لا يجهز نفسه للتفتيش". أو: "دانييلز لم يحلق كما يجب. سأفرض عشر قفزات عالية لكل شعرة أجدها على ذقنه". وحينها بدأنا ننظر إلى دانييلز على أنه مصدر سوء حظنا. في الخيمة ليلا، حينما يأوي كلوت إلى غرفته، نناغيه قائلين: "هيا يا دانييلز... حرك نفسك يا رجل. لا تطمرنا بالبراز يا دانييلز". وحتى أنا، شريكه في الشطرنج، أشارك بالحفلة. وأقول له: "عليك أن تحسن أداءك". نظر لي بمرارة وقال: "سأحاول".

قلت له بصوت ضعيف: "أعلم. ولكن عليك أن تحاول جهدك. انظر. نحن نعلم جميعا أنك لست السبب. هو يحمل عليك، ويمكننا رؤية ذلك. ولكن عليك أن تكون أفضل منا كي لا يتمكن من إلقاء اللوم عليك".

قال دانييلز: "ولكنه سيلقي اللوم علي. وسيحاول أن يلقي علي اللوم بكل طاقاته". لا بد أن دانييلز أضر به في السابق. وهذا واضح للجميع. شيء فظيع وقع بينهما ولذلك يريد العريف كلوت أن ينتقم منه. حاولت أن أتخيل ماذا وقع بينهما. دانييلز تسبب بشلل أخيه. دانييلز سرق سيارته. كلما جاءت هذه الأفكار في ذهني، أنظر عبر الخيمة إلى دانييلز - أراه جالسا على سريره، وحده مع أفكاره، وأقرر أن ذلك غير ممكن. فأتخيل دهشتي حينما أكتشف أن سبب انتقامه المتواصل مجرد فتاة نحيلة وشاحبة رأيتها في صورة عرضها علي. اعترف لي في إحدى الليالي ونحن نعود من البار: " إنها ليانا. هي المشكلة". قبل ثلاث سنوات، سرق دانييلز ليانا من بين براثن العريف كلوت - وحينها لم يكن عريفا، ولكن مجرد صبي في الشارع، وبعمر دانييلز نفسه. ولم ينس ستيفان، وهو الاسم الأول لكلوت، كما علمت منه، ذلك. كان أمرا عبثيا: اثنا عشر رجلا منا، تورطوا هنا في هذا القفر، وعانوا من اضطهاد بلا نهاية، فقط لأجل بنت المدرسة الثانوية هذه، والتي لم نتشرف بمقابلتها. وناح دانييلز يقول: "حتى أنني لم أكن أحبها". تابعنا مشينا معا في الظلام. ثم حان موعد الدورية. قمنا بجولة معا. وهي السبب الطبيعي لوجودنا في المعسكر. انطلقنا محملين بجعبة وجهاز لاسلكي وكيس نوم وبارودة وبمجموعات صغيرة لنمشط المرج. مشينا بصمت وبرتل جانبي ولأميال عبر أعشاب وصلت إلى خصرنا. في الليل نمنا بدوائر، والعريف في نقطة المركز. وتلك كانت المهمات الطويلة - استغرقت أسبوعا في بعض الأحيان - وكنا نعود دوما، إلى المعسكر مرهقين، ومضعضعين، ومجوفين ولكن يملأنا الخوف. وحتى القيادة اللطيفة للعريف ريتيف لم تخفف من أثقالنا: لو قابلناهم ونحن نقوم بالدورية، ليس أمامنا غير أن تقتل أو تكون قتيلا. فجأة أصبح العدو موجودا، وله وجه، وبذة تشبه ما لدينا. في الواقع شاهدت وجه هذا العدو عدة مرات: بين حين وآخر تعود دورية يتقدمها سجناء تدفعهم بالحراب. هؤلاء -السجناء - شباب سود، يتعرقون كما كان يحصل معنا تحت وهج الشمس. أياديهم مرفوعة إلى الأعلى، ووجوههم فارغة، ويكونون بطريقهم إلى زنزانة في قلب المعسكر. وهناك وراء جدران من حديد بارد، يخضعون للاستجواب الواحد بعد الآخر. ويمكن سماع الصراخ من الزنزانة، حين يتردد صداه المكتوم عبر الفولاذ. لم يكن مكانا طيبا. وأحيانا كان هؤلاء الرجال يأتون وهم جثث هامدة. تحوم الحوامات فوق الأشجار كالطيور، تأتي وتذهب بشحنتها المقبضة. وقد رأيت هذا أيضا: جثث ممزقة، جمدها الموت، تهبط من المروحية كالخنازير. وتعبأ بأكياس سود وتنقل بعيدا، ولم أعرف إلى أين. لم أتصل بأحد أثناء الدورية. وكنت أبغض هذا: تبادل الإطلاق مع مجهولين في الظلام. كنت شاعرا، ولكن لم أحب الاقتراب من الموت.

في أول دورية لكلوت. قال وهو يقطب وجهه بمرح: "ليرافقني ستة منكم". بعد يومين صعدنا على متن مروحية، وتوجهنا جوا إلى الشمال الغربي. وعبرنا الحدود إلى بلد غريب. وطبعا كان دانييلز معنا. جلس بجانبي في الطائرة، وركبته بملامسة ركبتي. أعتقد أنه كان يرتجف. صاح كلوت: "هل أنت jy bang * يا دانييلز خائف؟ هل أنت خائف؟".

همهم دانييلز: "كلا أيها العريف". تابعنا الطيران. هبطنا بالطائرة على بعد عشرين كيلو مترا في أنغولا، في منطقة شهدت معارك عشوائية في الأسبوع الماضي. ما أن أقلعت المروحية، وصوتها يتبعها، انفتح العالم الواسع من حولنا، وهو ينبض بصوت الحشرات والحر. استلقيت حيث كنت أختبئ بين الأعشاب بعد الهبوط، ضغطت خدا واحدا على بيت نمل. وفكرت: من فضلك يا ربي. لا تدعني أفقد حياتي. قال كلوت: "حسنا أيها الصبيان. لنتحرك". بطابور واحد وبأقدام ترتدي البوط، تقدمنا على أطراف أصابعنا في المروج مثل راقصات.

بعد ثلاثة أيام وقبل عدة ساعات من موعد عودتنا المقررة: رفعت بصري إلى الأفق، رأيت فوقه خيطا صاعدا من الدخان مثل بخار من فرن ساحرة. ثم زمجر جهاز اللاسلكي. مخيم أعداء فاجأته خططنا. حصل ذلك قبل عشر دقائق تقريبا. كنا متجهين جنوبا، نحو البلد والأمان. ولكن لم يكن من المقرر أن يحصل هذا الآن. وكان ذلك بعد الفجر مباشرة. كان الهواء باردا. والقمر مشرقا، كأنه بصمة إبهام في السماء. بواريدنا ملتصقة بصدورنا. جرينا من أيكة إلى أيكة. وانحنينا حتى انطوينا على أنفسنا. ونحن نحمل على ظهورنا وزن الموت غير المرئي. وكان دانييلز بجواري. ومثل اجتماعنا الليلي، كانوا على هيئة دائرية. بهذا الشكل كأنهم في ذروة طقس غامض ما، حينما ماتوا. وكما ذكرت لم يكن هذا أول منظر جثث بالنسبة لي. ولكنه أول لقاء لي مع الموت أواجهه مؤخرا، كانت الأرض لا تزال تطلق الدخان. استلقوا بين الأشجار، مكومين ومتخشبين كما يبدو، كأنهم فحم خرج من باطن الأرض. رجل واحد (كدت أتعثر به) ولا يزال في كيس نومه، تجمع على نفسه كجنين في وضعه الأبدي. وكان الهواء مشحونا برائحة كريهة. ارتعش صوت دانييلز في الفضاء وهو يقول: "هنا يوجد أحدهم على قيد الحياة أيها العريف".

"لا تدعه يتحرك".

وأنا أقترب من جسد مسجى آخر رأيت فيه الحياة: يد سوداء تزحف كالسرطان بين الحجارة. صرخت وأنا أرفع بارودتي: " أنت". تبادلنا النظر من وراء الفولاذ. كان ممزقا. جريحا. وجسمه محمر من الأسفل. عيناه المستديرتان نوعا ما، كانتا في رأسه مصفرتين، مثل صفار البيض. صحت أقول: "وآخر هنا".

"لا تدعه يتحرك".

وقفت كالتمثال، في الضوء القاسي، وأنا أقبض على بارودتي بين يدي. كان الرجل تحتي جامدا. وقد استلقى متكئا على ذراع واحدة. كما لو أنه يتقلب في فراشه، راقب وجهي بتلك العينين الصفراوين المدهشتين. وراء ظهري، توقفت الحركة. نظفنا المنطقة ولم نجد أحدا بالجوار. بدأت القصائد تنتعش في داخلي، وتجهز ما رأيت بشكل شبكة من الكلمات. جاء كلوت باتجاهي. ركع بجواري، ليدقق بوجه الرجل الأسود. نظر إلى أسفل يفحص ساقه. انغلقت العينان أمامي لحظة، مثل ضوء ينكسر. نهض كلوت. أخرج مسدسه من حامله. حرر الصمام. وأطلق على الرجل في وسط جبينه. (سأرى هذا دائما: الجسد يهوي إلى الخلف، والدماغ ناصع كالمرجان). وقفت مخدرا. وبارودتي غير الضرورية تسدد نحوه، تابعت النظر نحو شيء فارقنا بدون مشاعر، شيء رحل. لم يتمكن صوت الطلقة من النفاذ في جمجمتي. قال كلوت: "كان جرحه بليغا". انتقل إلى الأسير الآخر، المستلقي عند قدمي دانييلز مثل أسيري. ركع هنا أيضا. قام بالفحص الشامل. وقف مجددا. ولا يزال المسدس بيده. سدده. توقف. وخفضه مجددا. وقال: "أطلق عليه يا دانييلز".

قال دانييلز: "كلا".

كان كلوت قد استدار، مبديا اللا مبالاة. توقف بمنتصف خطوته، وظهره لدانييلز.

قال: "أطلق عليه".

"من فضلك أيها العريف".

"هذا أمر".

واجها بعضهما البعض. ووقفنا حولهما بدائرة، صامتين، نراقبهما. كرر كلوت قوله بثبات: "أطلق عليه". ضغط دانييلز بارودته على جبين الرجل. وأطلق. خرج طير من أحد الأشجار القريبة خائفا، وهو يرفرف نحو السماء. تركناهم هناك كما وجدناهم، وأسرعنا عبر الغابة. قلت لنفسي: هذا لا يهم، لا شيء يهم أبدا. حيواتنا إشارات محفورة في الفراغ. مثل ألعاب نارية نطلقها في الليل، سفينتنا تحترق وتلتهب لبعض الوقت، ثم تحتضر بسرعة، وتنطفئ. الانتقام حساب. فقد انتهى كلوت من دانييلز. بعد ذلك الحادث في أول دورية (والذي لم نتكلم عنه)، الاضطهاد انتهى. تابعنا الوقوف للتفتيش، وتابعنا المعاناة من عقوبات التمارين التدريبية. ولكن لم تكن الآن بسبب دانييلز. عدوانية العريف كلوت لم تتغير. ولكنها أصبحت غير شخصية عنجهية موجهة علينا. طبعا قمنا بدوريات متكررة بعد ذلك. وشاهدت العمل الذي أمقته، فقد كان رجلا جريحا. ولكن في هذه الحالات كنا نأسر سجاءنا أحياء، ونسوقهم أمامنا إلى المعسكر بنهايات بواريدنا. لم ألعب الشطرنج مع دانييلز ثانية. وفي الحقيقة لماما ما تكلمنا بعد ذلك. ولكن استيقظت مرة في الليل، وسمعته يبكي. الزمن هو القس الذي يستوعبنا جميعا: مرت السنة مثل فصل ووجدنا أنفسنا، مشتتين مرة أخرى، في الجنوب، وأصبحنا مدنيين في غضون ليلة. قابلت دانييلز بعد سنة أو اثنتين، في بار في بلدة ترانسفالية صغيرة، وكان يعمل فيها مساعد بائع وتوجب علي التوقف ليلا للاستراحة خلال سفرياتي. أخبرني أنه تزوج وطلق. سألته: "هل هي ليانا؟". طرف بعينيه وقال: "من؟. آه. هي. لا. لا. بل إنسانة أخرى". شربنا معا. وتكلمنا عن حياتنا في الشمال. كتبت القصائد لبعض الوقت، بعضها نشرته مجلات أدبية في جوهانسبورغ. وإحداها - أول 'قصيدة' ناجحة لي كانت عن دانييلز، وعن أول دورية لنا مع كلوت. انشرح صدري ونحن نشرب فدونتها على قفا فوطة خدمة ومررتها له. قرأها، وقطب وجهه، ثم أعادها لي وهو يقول: "لا. لم يكن الحال كذلك". كنت مخمورا ومتوترا، وافترقنا بدون أن نتفق. وكما أذكر، اختفى في الطريق تحت المطر، وتململمت في الخلف، لأخبره أن القصيدة تتجاو شخصيته لأنها شعر. ولكن أشتبه حتى حينذاك أنه كان محقا: لم يحصل ذلك كما كتبته، هناك أشياء في الحياة لا يمكن للكلمات أن تحيط بها.

***

....................

* باللغة الأفريقانية.

* دامون غالغوت Damon Galgut كاتب من جنوب إفريقيا. والقصة مترجمة من مجلة "حكايات الشتاء - وينترز تيلز". العدد الخامس. ص35-48.

 

(السيادة للذكر)

قصة: ماتيلدا مرواني

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

قال الأولاد والبنات إن أمى عاهرة، كانوا أربعة: بنتين وولدين، لم يتحدثوا الإنجليزية، فقط الفرنسية، ولذا لم أفهم جيداً الكلمة الأخيرة، الكلمة السيئة، لم تعلمنى أمى تلك الكلمة.

قال بابتيست:

- إنها تعنى سيدة لطيفة جداً جداً.

ضحك الآخرون، وقالت أليس:

- لا. عاهرة، تعنى امرأة تمارس الحب من أجل المال لأنها قذرة، عاهرة فى الشارع.

كنت فد فهمت ذلك، فى البداية جعلتنى اللغة وعمرهم أعتقد أننى قد كذبت، كنت دائما على استعداد أن يتغير العالم، لكى يكتشف شخص ما الحقيقة التى كانت مخبأة حتى ذلك الحين فى أمان تام. تخيلت الحقيقة كشئ قادم.

للحظة ظننت أننى لا أعرف وظيفة أمى. إنها تكسب لقمة العيش بدون ملابس، بل عارية.

قالوا كلمات أخرى أتبوعها بالضحك: مومس، كلبة، دائرة، قذرة، قحبة.أعرف الكلمة الأخيرة.لقد سمعت قحبات فى كلام أمى عندما تكون مستاءة أو منزعجة أو إغاضبة وهى معتقدة أنها وحدها ولا يسمعها أحد، إن الكلمات الأخرى كانت بنفس المعنى أو مثلها أيضا.

قال بابتيست:

- انظروا إلى وجهها.

فضحكوا من جديد.

قالت أليس:

- لا داعى للبكاء. والدة مييفا عاهرة أيضاً.

كنت مشوشة، ليس فقط لأن مييفا لم تبدى إنزعاجها لأن والدتها عاهرة، ولكن لأننى علمت أنه من الغريب أن تعمل عاهرة فى قرية كهذه. حيث تعيش العاهرات فى المدن وينتظرن على الأرصفة.

قلت فى هدوء وثقة:

- أمى ليست عاهرة.

قال نيكولاس:

- نعم إنها عاهرة، لقد خدعت أباك، أليس كذلك؟ مع الرجال المتزوجين مثلا والدة مييفا، هذا ما قالته أمى لى.

قالت أليس:

- لقد أخبرتنى أمى بذلك أيضاً.

قال بابتست:

- وأبى أيضاً، قال إن والدتك حضرت إلى فرنسا لأنها كانت سيئة ولا أحد يريد أن يكون صديقاً لها فى انجلترا، لأنها خدعت والدك مع كثير من الرجال.

سألت:

- كيف عرفتم أنهم كلهم لا يكذبون؟

ضحكوا من جديد.

- إنها لا تعرف حتى كيف تتحدث اللغة الفرنسية، إنها فرنسية ولا تعرف كيف تتكلم الفرنسية.

قالو لى (لقد قلنا لك كل شئ تحتاجين لمعرفته عن كل شئ).

قلت:

- لكن هناك امرأتان ورجل واحد.

قال نيكولاس:

- لا يغير ذلك من الأمر شيئاً، المذكر يسود.

قالت أليس:

- نعم، المذكر يسود.

كنا جالسين أمام الكنيسة، وجميعنا يشعر بالدفء فى الشمس قالت لى أمى أنهم أطفال صديقاتها وإنهم يودون أن يلعبوا معى.عندما كررت تلك الحقيقة، قالت مييفا: نحن لا نلعب، و لسنا أطفالاً.وقالت أليس: إذا اشتريت لنا مصاصات يمكنك أن تبقى معنا. بطعم الكوكولا واضح. لذلك ركضت عائدة إلى منزل جدتى وأخذت ورقة نقدية بخمسة يورو من بيرطمان. واشتريت لهم أربع مصاصات ثلج، وكان ذلك عندما قالوا لى أن والدتى عاهرة تقوم بمص مصاصات الثلج؟

عندما انتهوا من الحديث عن العاهرات، سألونى كم عمرى، قلت أنا فى التاسعة، كانت الفتاتان فى العاشرة، قلت لهما تبدوان أكبر منى، أنهما فى الثانية عشرة من عمرهما، وقالت الفتاتان إنهما لم يبلغا أثنى عشر عاماً أبداً، بل أحد عشر عاما فقط، وإنها دائما كاذبتان، ثم طلبوا منى أن أغنى أغنية باللغة الانجليزية، لم يسعنى إلا التفكير فى الشحوم، غنيت أغنية: ’ ليالى الصيف ‘؟

قال نيكولاس:

- أخبرينا الأن ماذا تعنى تلك؟

حاولت أن أترجم لهم يبد أنهم لم يتوقفوا عن الضحك.

قالت أليس:

- الإنجليز أغبياء جداً.

قالت بابتيست:

- نعم، والامريكان خاصة، ببنادقهم الكبيرة وسيارتهم الضخمة.

- نعم وأعلامهم؟

- نعم وجراحاتهم التجميلية.

تدربت على جملتى فى رأسى لذلك صارت لهجتى واضحة وقلت:

- هذا صحيح. فى انجلترا يقول الجميع أن الفرنسيين أذكياء، ومثيرين جنسياً.

ابتسمت أليس:

- ماذا يقولون أيضاً يا لحمة مشوية؟

قلت:

- يقولون إن الفرنسين يأكلون الضفادع.

همست أليس بشئ فى إذن مييفا، حدقت كلتاهما فى وجهى.

قالت أليس:

- يمكنك القدوم معنا إلى النهر غداً، نحن فى ورطة الأن. سترين إذا ما كنا نأكل الضفادع.

عندما عدت إلى منزل جدتى، قالت لى أمى:

- هل استمتعت بوقتك ياحبيبتى؟

أجبت أننى لم أعد أرغب فى التحدث باللغة الانجليزية، لكن فقط الفرنسية، كان لدينا سلطة كبيرة للعشاء، سألتنى أمى إذا ما كنت أريد نقانق أيضاً، فقالت جدتى: نقانق مع السلطة؟ أنت مجنونة ! أدارت أمى عينيها نحوى وقلدت جدتى من خلف ظهرها، وهى تقول: أنت مجنونة. وعندما رفعت ذرلعها لتربت على رأسها انزلق كمها وظهرت كدمات صفراء وزرقاء، عند ذلك فضحكت.

توجهت إلى الثلاجة للحصول على مكعبات ثلج لتكسيرها فى أكوابنا، طلبت منى جدتى أن أترك بعضها فى منشفة حتى تتمكن من وضعها على جبينها الدافىء. لاحظت أن أمى ترتدى سروالاً.

فى سريرى تلك الليلة. تساءلت أية ملابس سباحة أرتدى. أحضرت قطعتين من ذوات القطعة الواحدة، واحدة مرسوم عليها كلاب والأخرى مرسوم عليها زهور، لم أستطع النوم. أخذت أحدق فى صورة طويلة داخل إطار لجدى المتوفى فوق التسريحة.

***

التقيت بهم أيام الكنيسة وسرنا إلى النهر وإلى الشجرة وحبل القفز، جاريتهم فى السير، كان ذراعى الذى يحمل منشفتى مخدراً تقريبا.

قام والد بابتست بابتست بتركيب الحبل، لذلك طالب بابتست بالدفع كلما أرادات الفتيات القفز. وقف بابتست بالقرب من الحبل، إنه يعطيه فقط لمييفا وأليس بعد أن يمدا ساعديهما، قالتا: لا يؤلم. وعندما جاء دورى قلت: إنه لا يؤلمنى.

انتظرت قليلاً والحبل على جسدى، شاهدونى جميعاً من أدنى النهر. قالت أليس:

- هل أنت دجاجة متبلة؟

صاح بابتست:

- هى فتاة صغيرة.

قفزت. لعله الشئ فقط الأسوأ من أن أكون عاهرة هو فتاة صغيرة.

فى النهر كنا نحبس أنفاسنا تحت الماء، تظاهرت الفتاتان بالغرق وتظاهر الفتيان بإنقاذهما، ثم قام الفتيان بسحب الجزء السفلى من البكينى لكل من مييفا وأليس إلى أسفل، صرخت الفتاتان عليهم لكى يعيدهما، ثم حلت أليس الجزء العلوى من بكينى مييفا وصرخت ’’ انظروا ثديى مييفا، وفعلت مييفا الشئ نفسه مع أليس. وقال نيكولاس يبدوان مسطحين مثل ألواح الخبز. عندما ضحكت بدا أنهم قد تذكروا أن الهيئة الموجودة فى الماء كانت فتاة.نظروا إلى وتحدثوا بسرعة، يعلمون أننى لن أفهم إذا كانت أفواهم مغلقة والسنتهم سريعة جداً. بعد دقيقة من الكلام الخفى والضحك المكتوم. سألتنى أليس:

- ماذا يمكن ان تفعلى؟

- ماذا؟

- بالنسبة لى يمكننى الوقوف على يدى تحت الماء. أنت.ماذا يمكنك أن تفعلى؟

قلت أستطيع أن أقوم بتمرين الضغط، عند ذلك صاحوا أن بأن يروا.

قال بابتست وهو يقطع بعض الحشائش من الضفة:

- إذا بقيت أكث من عشر ثوان، سيكون عليك أن تأكلى هذا.

كنت ما أزال ألعب حتى اثنى عشرة ثانيىة، حشا بابتست العشب فى فمى.

كررنا دورة القفز بنفس الترتيب: نيكولاس ثم البنات ثم باتبيست. طلبت منى مييفا أن أغنى أغنية ’’ الشحوم ‘‘ مرة أخرى، ورقصت الفتاتان ووصفتا أنفسهما بالسباحتين المتوافقين.

- تخيلوا أن هناك جمهور. تخيلوا الأضواء.

أعطاهما الفتيان سبعة من عشرة، فقامت برشهما أليس بالماء.

لقد سئمنا من القفز، استلقينا على صخرة كبيرة وتركنا أجسادنا تجف فى الشمس، تخيلت نفسى فلفلاً وتخيلت بشرتى تتقشر وأردت أن أضحك.

سألتنى أليس:

- كيف كانت تقابل أمك عشاقها؟

كنت فى المنتصف بين مييفا وأليس، أدارت كل منهما رأسها نحوى.

قلت:

- ومع ذلك أنت تعرفين، لابد أن تكون تكونى قد رأيتهما أو سمعت مكالمة هاتفية.

قلت:

- نعم، سمعت مكالمة هاتفية.

فتحت عينيها على اتساعهما، ابتسمت جلس الصبيان ونظرا إلى، التقت نحو أليس ورأيت ابتسامتها المنتظرة.قلت:

- هى... هى تحدثت إلى رجل. من عملها، كان متزوجاً. من امرأة. وكانت المرأة غاضبة. وخربت أمى. لكمتها ثم أمسكت ذراعيها. لأن زوجها خانها مع أمى. وهى... قالت إنها عاهرة.

قال بابتست:

- ماذا عن الآخرين؟

قلت:

- نعم.كان هناك رجال آخرون. على سبيل المثال: طبيب طلب من أمى خلع ملابسها، ثم طلب منى مغادرة الحجرة والانتظار بالخارج. وقال أيضاً أنه فى حاجة إلى التقاط صور.

سألت أليس:

- وهل سمعتيها يمارسان الحب؟

- نعم. سمعتهما يمارسان الحب. لقد أحدثا ضجة كبيرة.

سأل نيكولاس:

- هل شاهدتِ؟

- نعم. كانا عاربين. وكان يواجه ظهرها وقال أنها عاهرة وصرخت.

قال بابتست:

- أمثل ذلك؟

وتأوه وضحكنا جميعا، وضحكت الشمس وضحك النهر.

ذهبنا إلى النهر كل يوم لمدة أسبوعين. اشتريت لهم الأيس كريم أو مصاصات الثلج. سرقت المال من البرطمان ومن محفظة أمى ومن درج طاولة جدتى.

فى اليوم الثالث أحضرت أليس ماكينة حلاقة والدها وحلقت ساقى. و قال الفتيان أننى جميلة.

اكتشفنا جزءاً شديد التيار من النهر، جلسنا جنبا إلى جنب والسيقان مفتوحة فى مواجهة التيار، ممسكين أيدينا بعضنا البعض، كان الهدف من ذلك الثبات ومواجهة اندفاع الماء، كنت دائماً أول من ينجرف بعيداً.

فى اليوم اليوم السابع أحضرت مييفا بيكنى قديماً لأختها وطلبت منى أن أرتديه ذهبت نحو الشجرة، فقالت أليس: لا. هنا.

فى الماء حاول بابتيست أن ينزل إلى أسفل الجزء السفلى من البكينى، فركلته وجعلته أنفه ينزف، دعانى: سالوب (عاهرة بالفرنسية). قالت مييفا:

- إذا لم تقومى بركلهم فسوف يعيدونها....

اعتذرت وقبلت بابتيست فى خده وقلت له إننى لم أدرك كنت أنت الذى فعل.

فى اليوم العاشر، سألتنى أمى إذا ما كنت أسرق. فقلت لا. فقالت إذا كنت فى حاجة إلى المال اطلبى. لكننا لا تسرق الأشياء التى ليست لنا " أردت أن أسميها منافقة لكننى لم أكن متأكدة من أنها نفس الكلمة باللغة الفرنسية.

فى اليوم الخامس عشر هطل المطر وبقيت فى المنزل، أعدت لى جدتى فطيرة تفاح بالشيكولاتة الساخنة. وقالت:

- كوبك المفضل.

عندما غادرت الحجرة، كشطت كل القلوب الوردية التى على الكوب بسكين.

أمطرت السماء لمدة أسبوع، شاهدت المطر وراقبت أمى، تساءلت ما الأجزاء منها التى كانت أجزاء عاهرة، تساءلت عما إذا كان يمكن تحديد ذلك من شكل الشفة.إذا تساءلت إذا ما كان خصرها خصر عاهرة. تساءلت إذا كانت قد أصابتنى بمرضها.

كانت مييفا قد أعطتنى رقم هاتفها. اتصلت بها.سألتها:

- كيف يمكنك معرفة إذا ما كان شخص ما عاهرة حقاً؟

قالت:

- تعرفين لو كان لديها نقرتان فى أسفل ظهرها، مثل فتحتين صغيرتين فى بشرتها. إنها علامتى قرن الشيطان.

- وماذا بعد؟

- تعرفين إذا ما كانت هناك عاهرة من خلال طريقتها فى النظر إلى للرجال.وإذا ما كانت تلعق شفتيها كثيراً، وإذا كانت تضع الكثير من المكياج وطلاء أظافر أحمر بلون الدم.وإذا كانت ترتدى حمالة الصدر المخرمة. وأيضاً فى الطريقة التى تمشى بها. وإذا حركت وركيها كثيراً.

فتشت فى حقيبة مكياج أمى.حاولت ان أنظر إلى أسفر ظهرها عندما تنحنى أمامى. راقبت شفتيها، راقبتها وهى تشاهد الممثلين الذكور على شاشة التلفزيون.

قالت:

- هذا براد بيت، إنه وسيم حقاً، ألا تعتقدين ذلك!

قلت:

- لا، إنه مقرف.

أسرعت إلى الطابق العلوى وفتشت فى درج ملابسها الداخلية.عندما استيقظت فى اليوم التالى خلعت بيجامتى ونظرت إلى أسفل ظهرى عبر المرأة.

زاد المطر وصار أكثر غزارة. جعل الأيام بطيئة والتلفزيون مزعجاً، وكان من المستحيل الرؤية خارج النافذة. اتصلت بمييفا مرة أخرى. سألتها:

- هل تعتقدين أن والدى يظن اننى عاهرة أيضاً لأننى ابنتها؟ وهل تعتقدين أن هذا هو السبب فى أنه لا يريد أن يرانى؟

قالت:

- ربما.اسأليها عن موعد قدومه، وبعد ذلك ستعرفين إذا كان هو من لا يريد رؤيتك أم أنها هى التى لا تريدك أن تريه.

تناولنا على العشاء البطاطا المقلية والمحار فى ذلك المساء.وظلت أمى تلعق شفتيها.قلت لها: كفى عن ذلك.وأخدت الفوطة من حجرها ووضعتها على فمها.فتساءلت بنصف ضحكة:

- ماذا جرى؟ هل كل شئ على ما يرام؟

سالت أنا:

- متى يأتى أبى إلى هنا؟

وقفت جدتى واعلنت أنها ذاهبة إلى النوم.

قالت أمى:

- إنه يقيم فى لندن.

- لكن متى سأراه؟

قالت بالانجيليزية:

- لقد تحدثنا عن ذلك يا حبيبتى.

حدجتها بنظرة منكرةوكررت جملتها بالفرنسية.أصبحت مثل البرغوث.

سألت:

- هل سيعيش معنا عندما نعود إلى انجلترا؟

- نحن نقضى الصيف هنا، وبعد ذلك سنرى. حسناً.

أرادت أن تمسك يدى على المائدة ولكننى سحبتها بعيداً.سألت:

- لماذا لا يريد أبى أن يعيش معنا؟

تنهدت، وقفت، نظفت المائدة، قالت:

- الأمر معقد.هل يمكنك تجهيز الحمام لى؟ أنا متعبة للغاية أخبرينى عندما تكون درجة الحرارة مناسبة.أوكيه؟

عندما ابتعدت حدقت فى ظهرها وهمست، ذلك لأنك عاهرة، لأنك عاهرة، فهذا كله خطأك، لماذا ينبغى أن تكونى عاهرة؟

صعدت إلى الطابق العلوى وقمت بتشغيل صنبور الماء الساخن فى الحمام. فقط الصنبور الساخن.صعدت فى السلم وقلت: إنه جاهز.

أغلقت على نفسى فى غرفتى.انتظرت.سمعتها تصرخ:" قحبة".وفكرت: ذلك هو تعليمها.

(تمت)

***

.........................

المؤلفة: ماتيلدا مروانى/ Mathilde Merouani كاتبة فرنسية من مدينة تولوز الفرنسية، تكتب بالانجليزية وتترجم مقالات ميشيل بوتور إلى الانجليزية، فازت قصصها القصيرة فى مسابقات دولية عديدة.تعيش الكاتبة فى باريس. يمكن الاطلاع على النص الأصلى على موقع الكاتبة من خلال الرابط التالى / https://www.mathildemerouani.com

بقلم: فرانسيس هـ. كينغ

ترجمة: صالح الرزوق

***

كان لدي كابينة مفردة في الطبقة السفلية من العبارة الأوكرانية. بينما كان لدى صاني وجوي، وهما زوجان ثريان، "جناح واسع" وهو أحد أربع أجنحة في الأعلى، كل منها مجهز بمساحة خاصة من أجل حمامات الشمس. حينما لا يكون ثلاثتنا على الشاطئ نلجأ إلى هذه المساحة.  وكان حضور جوي ملحوظا ومريحا دوما، فهي تعمل على مطرزاتها أو تقرأ فصلا من بيوغرافيا تاريخية. أما صاني فيتكلم عن الفن والسياسة أو الحياة عموما، بنفس الإتقان المسرحي، والمرتكز غالبا على معلومات غير مناسبة أو جهل تام، وقد استعمل ذلك مرة لإنهاء مقالته الأسبوعية، حينما كنا كلانا ندرس اللغة الإنكليزية، ونتشارك بمدرب واحد في أوكسفورد. حينما توقفت السفينة، اعتدنا أن ننظر إلى كل النشاطات التي تجري تحتنا وكأننا ننظر على نحو واحد من عش نسر.  غمامة من الهباب الرصاصي والحامض تعلقت فوق زابورجيا. علقنا قبالة شاطئ ضيق وطويل، من بيوت الطين، المزدحم بالمستحمين. يمكنني تذوق الهباب بلساني. وذلك جعلني أشعر بالتعب من الربو الذي أعاني منه حتى شملتني الرحمة وتحررت من الرحلة. سألني صاني بحصافة وهو يقرأ لائحة برنامجنا: "من يريد زيارة 'مهد القوزاق'؟.

سألت جوي: "هل لدينا خيار آخر؟".

أضاف صاني: "القراءة. الكلام...الشراب". وآخر شيء، الشراب، كان يقوم به على نحو مضطرد في الأسبوع الأخير.

انطلق كل المسافرين، باستثناء عدد محدود، بحافلات سياحية نحو جزيرة القوزاق، ولكن بعد احتجاج مختصر من جوي، تخلف ثلاثتنا، واستلقينا على مقاعد في مساحتنا المفضلة. التمع دلو من الجليد بجوار صاني. وحينما أوشكت أن أغط بالنوم، اشتدت ريح باردة لتنظف غمامة الهباب، حتى أصبح كل شيء متوهجا - التمع نحاس السفينة، وتلألأ البحر بسهام النور، وأصبحت السماء زرقاء صافية. بدأنا ننظر نحو الشباب في الأسفل، كان بينهم حفنة من البنات ولكنهم غالبا من الصبيان، وكانوا يغطسون في المياه القذرة، من جهة الرصيف حيث تعوم السفينة وسط المياه بجوار جسر معلق يصل الرصيف بالشاطئ مرورا بالنهر العريض والمتعرج. قالت لي جوي: "أعتقد أنهم سيصابون بالتيفوئيد".

"بالتأكيد إذا غطسنا في ذلك الوحل".

التقط صاني كاميرا الفيديو اليابانية، ومال على السور الحديدي،  وبدأ بتصوير أحد الغطاسين، ثم آخر - ذكر لي أحد المسافرين القريببن، وهو محام متقاعد، وبكثير من الحسد، إنها إحدى أغلى الأنواع في السوق. في خاتمة المطاف أدرك الغطاسون ما يفعل، وبدأوا بالتنافس فيما بينهم، وباشروا بالصعود لمسافة أعلى من قوس الجسر المعلق، قبل إلقاء أنفسهم بجرأة في الماء، المختلط بالنفط والملوث بالنفايات.

همهم صاني: "يا لها من شيء جميل في مكان قذر ". فقد برزت أمامنا شابة طويلة بشعر غسلته الشمس وجعلته أبيض تقريبا، ورمتنا بنظرة، وفي النهاية انضم إليها صبي مربوع القامة بوجه بدائي كالقردة، وساقين قصيرتين، وصدر  منتفخ. بعد ذلك تقدم صاني بخفه ودخل إلى الصالة ليبرز منها ومعه علبة نصف ممتلئة من سجائر 'كاميل' وكان مدمنا على تدخينها، حتى أنه صبغ شاربه المشذب بلون برتقالي مائل للرمادي. وبعد ذلك كلما أدى غطاس حركة مبهرة أو جريئة يترك كاميرته جانبا ويلقي علبة سجائر نحو الرصيف. ودائما يعرف الغطاسون على ما يبدو لمن هذه الجائزة. ولذلك وعلى نحو يدعو للدهشة، لم يرافق الأمر لا التدافع ولا التخبط. وكان الصبي الممتلئ ذو الوجه البدائي الأفضل بينهم. ولم يكن عمره أكثر من ثلاث أو أربع عشرة عاما. ولكن من الواضح أنه بطل وحتى بعين أصدقائه الأكبر منه. وحينما أدى حركة مبهرة حقا، صفقوا له، بدون تهكم ولكن بإعجاب بريء، فألقى صاني علبة أخرى من سجائر 'كاميل'. وبدأ الحارسان، اللذان وقفا للمراقبة بجانب الجسر حينما كنا في المرفأ، بين وقت وآخر يحدقان بنا. هل كانا يقطبان هكذا بسبب الوهج أو عدم الموافقة، أم كانا يشعران بالغيرة من كرم وهدايا صاني؟. بعد أن قام الصبي الممتلئ بغطسة من أعلى نقطة في قوس الجسر المعلق، تلقى استحسان زملائه، ثم قرر أن يجد ما هو مدعاة لقدر أكبر من المخاطرة والتحدي. أسرع على طول الرصيف استجابة لفورة مفاجئة، وبقفزة محلقة، أصبح على حافة سور السطح الرئيسي. جرى الحارسان نحوه ولكن كبحهما بصيحة منتصرة، تبعها بريق من جانب السفينة، حينما وجد موطء قدم حرج هنا وهناك، إلى أن استقر على السطح التالي. ثم أسرع على طول سطح قارب بجوارنا. وجرى نحو أحد قوارب النجاة، وتعلق بطرف رافعة فوق الماء الموحل، وكشف عن أسنانه بتكشيرة واضحة، ثم قفز عليه.  حدق بنا بما يبدو أنها نية بالتحدي. ترك صاني الكاميرا على الطاولة، والتي استقرت عليها زجاجة الفودكا والكؤوس، وأخرج محفظته من الجيب الخلفي لسرواله الكتان. سحب ورقة بخمسين دولارا ورفعها عاليا. تبادل مع الصبي نظرة تفاهم متبادل. لوح صاني بالورقة إلى الخلف والأمام. ومررها لي ثم مال على الكاميرا. أمكنني سماع صوت خطوات الحارسين على المعبر. كانا يتصايحان بصوت لم يبلغ مسامعنا، ولكنه مفهوم عند الولد، الذي استدار، وتأهب. كانت أصابع قدميه الملتوية تتمسك بطرف القارب، وذراعاه مرفوعان فوق كتلة قامته، ثم غطس. غطسة مثالية،كما أذكر، فكرت بها مهتما كعهدي دائما، وخلفي مؤهلات رياضي حتى في صباي. ثم كما يبدو أنه يد خفية وغامضة امتدت ودفعت الصبي الغطاس جانبا - وهكذا عوضا عن الهبوط كالسهم في المياه العكرة، انحنى بزاوية بسيطة وتحطم على الرصيف. صاحت جوي بقربي. وصاح الآخرون من تحتنا، أيضا.  كان كأنه خوار متألم يأتي من صاني: "يا للمسيح". التقى أول الحارسين في قمة المعبر، فدفع الرجل جانبا، وأسرع بالهبوط.

وضعت جوي، المذرعورة مثلي، يدا على ذراعي قائلة: "هل تعتقد..؟".

تنهدت باستسلام. فكرت لحظة أنني على وشك أن أتقيأ. وحسمت أمري أن الصبي مات بالفعل. حدق كلانا بالأسفل، تقاطر الحشد، الذي كان قوامه إلى جانب الغطاسين، ناس على الشاطئ، ومعهم حشد كان على الطريق الممتد خلفه، وقد تجمعوا كلهم وتزاحموا حول الجسم المستسلم والهامد على التيار. وفجأة ظهر في المشهد طبيب السفينة - طبيب نسائية روسي متقاعد بقدمين ضخمتين ولحية بيضاء كثيفة على هيئة جاروفة. قبض عليه صاني من ذراعه، وقال له شيئا. نحى الطبيب صاني، وانحنى على الصبي، ورفع ذراعه ليجس نبضه. كان وجه الصبي مضطربا بشكل غير طبيعي. والعين الظاهرة منه مغلقة. وشيء داكن ولماع يرسم بركة مثلثية على طرف واحد.  قلت لجوي: "يا لها من محاولة جنونية".

أجابت: "وشجعه صاني. آه يا إلهي. كانت غلطته. يا له من أحمق".

ثم وصلت سيارة إسعاف أثرية بجرس يرن، حمل مسعفان الجسم الممدد على نقالة، المسعفان رجل متوسط العمر ونحيل، وصبية مرهقة، وكلاهما بمعطف أبيض طويل. صعد الطبيب إلى السيارة والتفت لينحي البنت الغطاسة الطويلة - ذات الشعر المبيض من الشمس - والتي كانت تنوح ببكاء هستيري - وتحاول أن تتبعه. وأدهشني أن صاني حاول أيضا الركوب في سيارة الإسعاف. عوى الطبيب بكلام ما، فهز صاني رأسه بعنف، ورد بصياح مماثل. دخلا في جدال لبعض الوقت.  واختفى كلاهما في السيارة. رن الجرس مجددا، والتفت السيارة نحو الجسر، وانطلقت فوقه، وهي تزيد من سرعتها.

سألتني جوي: "هل يظن هذا الأحمق أن له دورا نافعا؟".

بالعادة تكون نبرتها هادئة. ولكنها أدهشتني بنغمة خشنة ممزوجة بالغضب، حينما وجهت السؤال.

تنهدت قائلا: "أفترض أنه يشعر بالمسؤولية على نحو ما".

"طبعا يشعر بالمسؤولية. عليه أن يشعر بالمسؤولية. لو أنه لم يشجع ذلك الولد... عموما هو الآن ميت. هذا واضح. لقد مات".

وفجأة انثنت على نفسها وانخرطت بالنحيب بفورة حمقاء. ثم جرت إلى الصالة وتركتني وحدي. ذهبت إلى السور وحدقت بالحشود في الأسفل. بدأ عدد منهم يأخذ بالتزايد وبالنظر لي بعدائية صامتة وراكدة. كما لو أنني أنا الذي رفع فخ ورقة الخمسين دولارا. أخيرا عاد صاني، وتوقعت أنه سيكون مصدوما ويرتعش لأنه أدرك أنه تسبب بالوفاة ولو بغير عمد. وبدواعي دهشتي صرح أن الصبي لا يعاني من شيء أسوأ من ارتجاج دماغ وكسر بعظم خده. توقعت أنه يظهر نعمة التخفف من الذنب. ولكن ما لم أتوقعه حالة الحيرة الغبية. فقد عبس أمام الشاطئ المهجور الآن، وكانت ظلال أشجار مبعثرة تتطاول خلفها بينما الشمس العملاقة تغيب، وأجاب على كل سؤال من أسئلتنا -  هل المستشفى بعيد؟ هل يحتاج خده المكسور لعمل جراحي؟ متى يتوقعون خروج الصبي من الإغماء؟- كانت ردوده بكلمتين ملتصقتين أو ثلاث.  وكأنه يحاول حل مسألة صعبة ولا يريد المقاطعة .  وفي الخاتمة رن الجرس بنعومة مؤذنا بوقت العشاء. حمل زجاجته الأنيقة المعبأة بالفودكا - لا بد أنها الرابعة أو الخامسة بعد عودته - وقال: "اذهبا كلاكما  ليس لدي شهية للطعام".

ما أن تقدمنا من بهو الإطعام حتى قالت جوي: "يا له من أمر مريح. ما كان سيعيش لو مات الولد؟".

"ولكنه أمر مذهل. كنت متأكدا أنه كسر رقبته؟".

أزمعت السفينة أن تبحر بمنتصف الليل.  مشيت برفقة صاني على طول المرفأ المهجور، ولمحت فجأة ذلك المثلث الدامي، ولكنه لم يكن يبرق جدا وتحول إلى لون أسود تقريبا.

"توقعت أنه مات. توقعت فعلا أنه مات". توقف صاني والتفت نحوي. مع أن الليل كان باردا وكنا نتقدم باتجاه واحد، رشحت قطرات من العرق على جبينه. ثم قال: "لقد مات. ولم ألاحظ ذلك. أخبرني الطبيب أنه مات. كان ميتا".

"لم يترك الطبيب عندي أي انطباع أنه متمكن".

"كان ميتا؟".

"حسنا. إنها معجزة أنه بعد سقطة من ذلك النوع..."

"نعم. نعم". وتوقف مجددا وقبض على ذراعي وأردف: "معجزة. لكن كان ما كان".

اعترفت بقولي: "ما أن نظرت إلى الأسفل. تمنيت أن لا يموت - تمنيت ذلك. تمنيت. ولكن اكتشفت أنه حينما أتمنى لا تتحقق أمنياتي".

هز رأسه وقال: "لبعض الوقت توقعت أنني أتمنى هذا أيضا - ولكن حينما جلست بقربه في سيارة الإسعاف. لم أمنع نفسي عن ذلك. توسلت - دعوت - أحدا كي لا يموت. ولكن لمن توسلت ودعوت؟ هذا شيء غريب. فمن سمعني وحقق تلك المعجزة؟".

وحينما لبيت دعوة جوي، ليس صاني، فقد زرت عدة مرات بيتها الواسع والمزدحم بالأثاث في ساحة برومبتون، لم يكن صاني حاضرا. وقررت: إما أنه اختبأ في غرفته أو غادر عمدا ليتجنبني. ارتبكت جوي وغلبها القلق، واخترعت بعض الأعذار - في آخر لحظة توجب عليه الاهتمام ببعض الأقارب القادمين بزيارة من الولايات المتحدة، أو أنه انشغل بعمل في باريس، أو فاته القطار. وفي مناسبة واحدة، تجاهلت العذر الذي اخترعته للتو، وسألتها: "هل هناك مشكلة يعاني منها؟".

خجلت وترددت وقالت: "آه. كلا. كلا. هو - حسنا...". وبدأ وجهها يحمر.  ثم فقدنا التواصل فيما بيننا. دعتني جوي مرتين، على فترتين متباعدتين، ولأسباب مشروعة تماما، كان علي أن أرفض. وتوقفت عن الزيارة، على غرار ما كنت أفعل في السابق كلما أتيت إلى المنطقة للتسوق.  ولم أوجه لهما دعوة بالمثل. للصداقة دورة طبيعية تنتهي غالبا بالذبول وبعد ذلك تذوب نهائيا. وكنت أفكر دوما، وربما بقسوة، من غير المفيد أن تحتفظ بالصداقات طيلة العمر بعد نهاية وقت صلاحيتها الطبيعي. في الأسبوع الماضي، وفي حفل العشاء، وجدت نفسي أجلس قبالة رجل مسن، كما أذكر، قابلته منذ سنوات في حفل كوكتيل صاخب ومتنوع، من النمط الذي يعقده صاني وجوي. كان هو سمسار صاني. وحكما سألته عن الزوجين. قال لي بصوته المعدني الحاسم " يبدو صاني حاليا غير مهتم بكل ما كان يهمه من قبل، لا يزور المسارح. لا يلعب الغولف، لا يشارك بالحفلات، ولا يدعو إلى حفلات. لا يصطاد النساء، ولا يقامر. هل تستطيع أن تتخيل ذلك؟. أن صاني توقف عن مطاردة ذوات التنانير، وأنه توقف عن لعب القمار. منذ قبل سنتين أو ثلاث كان يتابع هذه أو تلك، ولديه الاستعداد لخسارة عشرين ألفا على الطاولة في الليل".

سألته: "وبرأيك ما هو سبب التغيير؟".

هز الرجل كتفيه وقال: " أحيانا أتساءل إن لم يتعرض لانهيار من نوع ما".

حدقت به محتارا. كان صاني دائما يبدو لي محصنا جدا ضد الانهيار من الناحية العقلية والعاطفية.

قال: "الناس كما تعلم تنهار. والأغنياء جدا أكثر بكثير من الفقراء جدا. ولكن - وهذا ما يدهش - يبدو لي أنه سعيد. وكما لو أنه تلقى بعض الأنباء الرائعة والتي لا يمكنه إخبارنا عنها. ولذلك ربما لم يكن انهيارا عصبيا. لعله شيء آخر يمكننا أن نخمن به فقط. من يعلم؟".

وكنت للتو في نزهة بالقرب من هولاند بارك. هناك مجلس بمقعد طويل حيث يجتمع المخمورون. بالعادة أتجنب المرور من ذلك الطريق، لأنه يربكني كلما طلبوا مني النقود بصوت مرتفع. اليوم اجتمع اثنان على طرف واحد من المقعد، وهما يرتعشان، ويشربان  بوجهين محمرين. على مقعد آخر وغير بعيد، رأيت عجوزا بشعر أبيض ومشتت، وببذة رثة وحذاء مهترئ، وقد انحنى مرتكزا بيديه المنتفختين على ركبتيه، ومدد ساقيه. ربما تعتقد أنه مخمور آخر. كانت عيناه مغلقتين، ووجهه المبقع والمحفور بالأخاديد مرفوع نحو الشمس. كان يبتسم، ليس لي ولا لأي شخص آخر، وبرضا ملائكي. وفاجأني أنه صاني. توقفت، وحدقت به. استمر بإغلاق عينيه. واتسعت ابتسامته. ثم شعرت، لا أستطيع أن أقول لماذا، أنه دخل منطقة، لا يمكن، حتى لأقرب الأصدقاء، ومنهم أنا، وربما جوي، أن نتبعه إليها. لذلك هربت مسرعا.

***

.......................

* من مجموعته: ضوء الشمس على الحديقة. ص 97 -105.

* فرانسيس كينغ Francis King: روائي بريطاني.

 

بقلم: الشاعر الكبير وليام شكسبير

ترجمة: د. إسماعيل مكارم

***

هل لي أن أشبّهَ جَمالكِ بيَوم صَيفْ؟

غير أنكِ أبهى وألطفُ وأكثرُ جَمالاً،

الرّياح القوية تعصفُ ببراعم أيار الفتية.

إنّ مَوسِمَ الدّفء لدينا أيامُه قليلة،

تارة عينُ الشمس ِ تشرقُ وتمنحنا الدّفءَ والبَهجَة،

تارة يَختبئ قرصُ الشمس ِ الذهبيّ خلف الغيوم.

الرّوعَة بطبيعتها تفقدُ جَمالها يومًا ما

بسَبَب ِ الصّدفةِ، أو لأمر يَعودُ إلى أسرار الطبيعة.

ولكنَّ صَيفكِ الأبديّ لن يذوي،

أو يفقد ما لدَيهِ من الرّوعة والحسنْ

وظلالُ الموتِ لن تخفيَ هذا الجَمال،

كونك ستعيشين أبدا في سطور قصيدتي الخالدة،

وستبقين دوما بين الناس الأحياء،

ما دامت لدَيهم القدرة على الرّؤية، وعلى التنفس.

***

..............................

* كتبت هذه السطور من قبل الشاعر الكبير في القرن السادس عشر بين أعوام 1590 – 1598، وتم نشرها عام 1609. من المعروف أنه كانت لدى معاصري شكسبير قناعة تقول أن لدى الموت ظلالا، وحين يخطف الموت إنسانا ما يصبح في ظلال الموت، وهذه الفكرة وردت في الكتاب المقدس. من هنا فإنّ الشاعر في السطر الحادي عشر يحاول الإشارة إلى هذا المفهوم.

بقلم: بول بيكرنغ

ترجمة: صالح الرزوق

***

صفر مانفريد في المطبخ بينما زوجته تستلقي بجسمها الأبيض البدين على السرير الوردي في الطابق الأعلى ضمن بيت سخيف برخام أخضر مشيد على الطراز الإيطالي وعلى مقربة من غرونوولد. كان مانفريد يحب امتلاك بيت على أن يكون خلفه مباشرة الحديقة العامة. وكان يحب رؤية الأولاد يلعبون. ويحب مراقبتهم على الأرجوحة وأن يلاحظ ابتساماتهم في تلك اللحظة العابرة. السيقان تركل بسعادة، قبل أن يتراجعوا نحو القوس المثبت بالأرض بواسطة السلاسل. وكان يسعده النظر باستقامة إلى أشجار البتولا الغامضة ونرجس فصل الربيع. ولكن كان مانفريد وأولريكِ على بعد شارع منها، على بعد صف من البيوت عن الجنة، وعلى أحد الجوانب القرقعة الناجمة عن تفرعات قطار إس بهان (قطار سريع يربط المدينة بالضواحي*). وكانت توقظه كل صباح حينما تمر القطارات القذرة الملونة بالأحمر والأبيض وهي تشق طريقها من شرق برلين، لتؤدي واجبها اليومي في الغرب، ولكنها في هذه الأيام تنقل كبار المواطنين إلى غرونوولد، أو للالتقاء مع مسنين بلغوا السبعين من أعمارهم في الشرق. لكن القطارات لا توقظ أولريك. كان الصباح مشرقا. ومانفريد يصفر بصوت مرتفع. صفر بنغمة عالية جدا لكن حبسها الهواء في شاربه وجعلها تمر من بين الزوايا كما لو أنها تطير بأجنحة. في الأيام السابقة اعتاد أن يقول إنه بمقدور تلك الأجنحة أن تنقل أفكاره حيثما أراد. كانت أولريك تضحك وتبعد شعرها الصبباني المنسدل عن عينيها. وتقول له إنه صغير جدا ليكون له شارب، حتى لو سمح له بأن يحلم. كانت تضحك وتهرب من بين الأشجار، وكان يقبض عليها، ويحضن وجهها المثالي بين يديه. كان يعرف كل انحاناءاته وفتحاته. وبمرور السنوات توقف وجه أولريك عن أن يكون جميلا. كان الوجه جزءا منه، وهو يصفر في ذلك الصباح المشرق، ثم بدأ بالبكاء. سقطت دموع ما نفريد على التفاحة التي يقطعها. حينما تكون طفلا ومتفائلا تتواصل الأحلام. أحلامنا تسبقنا وتصعد إلى السماء التي تنادينا. ولكن في عمر السابعة والعشرين المخادع تخلى شباب مانفريد عنها. لم تعد أحلامه تتقافز بين الغيوم. جاء مانفريد إلى مطبخه ليحلم، بمعزل عن العالم. والآن يحلم بإغلاق أبوابه وليس فتحها. وعزاؤه الوحيد وراء باب المطبخ الخشبي الثقيل. مطبخ أحلامه. في مطبخه أحدث الأدوات التي ظهرت في الخمس سنوات الأخيرة. ومثل كل مطبخ في المدينة مطبخه معبد للغرب والسوق الحر. وأيضا تذكير لمانفريد وأولريك بيوم زفافهما. كان يضحك في حديقة بيت أمه الكائن في ووبيرتال (مدينة في ألمانيا الغربية). فقد سافرا برحلة شهر العسل إلى الكاريبي حيث هطلت أمطار حارة. قالت أولريك بعد ثلاثة أسابيع من العودة: "لم أكن أعلم أنك تحب الطهي. دعنا من العشاء ولنذهب إلى الفراش. المحاسب يطبخ السجلات (بمعنى أنه يزور ويتلاعب بها)...". صرف مانفريد نظره عنها وهي تقف عارية في عتبة الباب. ضحكت وأخبرته أن لا يتصرف كولد صغير. لماذا هو بريء لهذه الدرجة؟. ضغطت على ما بين فخذيه بيديها القويتين. قام مانفريد بمهمة الطهي. ولكنه لم يطبخ أي سجل (لم يزور في السجلات). الأحلام تأتي بالبراءة المستفزة. براءة تحمي نفسها بالرعب... من بعيد حام صقر فوق غرونوولد بحثا عن فراء رمادي متحرك أو لمحة من أنف وردي مختبئ تحت أوراق الخريف. كانت السكين في يد مانفريد. اشترى السكين من متاجر كوفهاوس دي ويستينز (متجر مشهور في أوروبا وعلامة من علامات مدينة برلين) وهو يفخر بها. والسكين مستوردة من فرنسا. القبضة سوداء وثقيلة ولها ملمس العظام. والنصل حاد ويمكنك أن تشطر به الشعرة إلى شطرين. وحينما يطبخ يخرج سكينه دوما من غمدها البلاستيكي والمطاطي، ويرتدي مريوله. المريول أزرق وأبيض، وقد نقعه مانفريد بالنشاء، وحافظ على نظافته، وكان يعلقه وراء باب ثقيل. والباب من السنديان القديم ومصدره مزرعة أم مانفريد. لكن بقية بيت مانفريد وأولريك على الطراز الحديث المجهز بسجاد بيج سميك وكروم عازل. كان البيت مثل رجل بريء في محفل سياسي. تأمل مانفريد صورته المطبوعة على نوافذ المطبخ. رأى نفسه يضع في يديه قفازات مطاطية سوداء. القفازات سميكة وثقيلة ومن النوع الذي يستعمله الصيادون في البحر القطبي البارد ليفرغوا بها صيدهم. وقد حصل على القفازات من صديقه. وأحب مانفريد استعمالها في المطبخ. قالت له أولريك في إحدى الليالي وهي تدخل إلى المطبخ: "تبدو مثل قس عالي المقام في المعبد. وتبدو كأنه عليك أن تضحي بهذه الحيوانات المسكينة والصغيرة".

انزلق طرف الكعب العالي على رخام أرض المطبخ الأبيض والأسود. كانت في الخارج تسلي الزبائن في مطعم صاخب في كيودام (زقاق مشهور في برلين. اسمه الكامل كورفوريستندام). عملت في شركة مرسيدس وبدأت تحسن من ملبسها. وأفرطت باستعمال المكياج وأكثرت من إضافة الكحل إلى رموش عينيها قبل الخروج ليلا. من قبل لم تكن تفضل الكعب العالي، وحاليا تقول إن الشباب يتوقعون هذا الزي. وأصبحت تنورتها أقصر. وارتدت الجوارب بدل السروال الضيق قائلة: "هل يضر إذا كسبت بعض العملاء؟ لن يستغرق ذلك غير وقت قصير يا عزيزي. ويمكننا توفير النقود ثم نباشر تجارة خاصة بنا. وسترى. لا تقلق. لم يلمسني أي منهم بأصبعه...". وفي تلك الأمسيات حين تقبله سيلاحظ أن نفسها مشبع بالنبيذ الغازي الحلو. وسرعان ما أصبح كعب أولريك عاليا مثل توقعاتها. أصبحت ثيابها أغلى. وقالت: أصبح لديها حساب في الشركة. وأكدت اللصاقات الموجودة على بذاتها السود الأنيقة أنها من باريس. وقد مكثت ليلة في دسلدورف. وسرعان ما بدأت بإحضار شركاء العمل إلى البيت، وكان مانفريد يطبخ بينما أولريك تجري مكالماتها الرقيقة، وهي تضع شفتيها الحمراوين أمام ضوء الشموع. وفي إحدى المرات أحضر مانفريد طبقا من الدجاج مع الكمأة - الترجمة الفرنسية الحرفية للاسم هو دجاج في نصف الطريق للعزاء - ولكنه لم يتعرف على أولريك. ولم يدعم إيمانه بتلك المرأة غير عظام وجنتيها تلك وذلك الوجه بالشعر الصبياني المنسدل، وبالطبع، تلك الطاقة والعزيمة في صوتها المرتعش، وقد ساعدته تلك العلامات للتعرف على زوجته في هذه المرأة ذات الثوب الأسود والمخمورة قليلا. قالت له: "آه يا مانفريد. تبدو مضحكا بمريولك. ألا يبدو مضحكا بمريوله؟ وذلك الشارب... شارب لرجل بني الشعر، ما هذا؟". ضحكت صديقتها، وتراجع مانفريد إلى المطبخ. مطبخ حلمه. في البداية كانت أحلامه جيدة جدا. كان يصنع كريم الكراميل بالتوت (كعكة من الكاستير المغطاة بسائل الكراميل)، وكان السائل ينساب على أصابعه. وفكر بلون عيني أولريك الأزرق. كانت عيناها تقريبا زرقاوين جدا. كانت أمها طبيبة، وجعلت البنت الصغيرة تضع عدسات في أول ثلاثين يوما من حياتها. قالت: بتلك الطريقة، لم تبدل العينان لونهما. ولم تصبحا بنيتين باهتتين، لون معاطف المتسولين. كانت أولريك تكره أمها، وتوفي أبوها في السجن. وذكرتها عيناها الزرقاوان بالجدل اللامتناهي مع أمها. بالنسبة لمانفريد كانت عيناها الزرقاوان تتبدلان إلى طيرين أزرقين، وكان يود الطيران مع أولريك فوق برلين حتى يبلغا الغابة المسحورة حيث كل البيوت مصنوعة من حلوى المرزبان (لوز وسكر)، وحيث النساء اللطيفات كبيرات السن تشوين الجبنة بشوكات طويلة وتصنعن شراب الشوكولا. ولكن كن جميعا مفتونات بجمال أولريك. حتى حيوانات الغابة البرية. جرحت السكين أصبعه. فاستيقظ مانفريد من حلمه. قال شخص ببذة رمادية وتفوح منه رائحة عطر الحلاقة نفسها: "ماذا تعمل الآن يا مانفريد؟. أنت لا تنفق كل وقتك بالطبخ. أليس كذلك؟. لا أظن أنه يشغل وقته بالطهي يا أولريك؟. أنت لا تحتفظين بالرجل المسكين مغلولا بالسلاسل في المطبخ؟. هل تسيئين معاملته يا أولريك".

ضحكوا جميعا. ولم تكن ضحكاتهم لطيفة. الصوت لم يكن بريئا ومرحا كما هو في أكواخ المرزبان داخل الغابة المسحورة. تصور مانفريد أوراق الأشجار العملاقة وهو يقطف البقدونس.

قالت له: "هو محاسب".

"محاسب في أي شركة؟".

"في مجمع الكيمياء القديم...".

قال مانفريد دفاعا عن النفس: "يصنعون فيه المواد الطبية". وضع الطبق من يده على طاولة بزجاج مدخن. كانت في يده سكين. ويداه بقفازين مطاطيين سميكين.

قال له:"ربما بمقدورك معاونتنا يا مانفريد؟".

"ربما ننتفع منه بشيء ما؟".

"أعتقد ذلك...؟".

نظرت أولريك إليه متسائلة. وكانت على وشك أن تغادر عملها بسيارة الشركة. أرادت أن تبدأ عملها الخاص. وهو ذو علاقة بهؤلاء الرجال أصحاب البذات السود والذين تلمع عيونهم حينما يرمقونها. ولكنهم لم يحضروا زوجاتهم معهم أبدا. تجادل مانفريد مع أولريك. فكسرت كوبا وأقسمت أن لا تنفق حياتها في ذلك البيت الصغير قرب غرونوولد وبجوار قعقعة خط إس بهان. حيث صوت الانحدار والهبوط. أغنية الشرق البائس. كان بوده أن يخدمها، وارتاح للفكرة قليلا. سيطبخ لها. كان مانفريد يطبخ معظم الأوقات. ولكنه لم يطبخ الكتب أبدا. كان لسانها يدور ببطء في فمها مثل عقرب الساعة. تقترب أولريك على أطراف أناملها. تتعرى. وتشعر بمرور الهواء بين ساقيها وعلى يديها. كانت ساقاها متينتين. وكان مستعدا لأداء أي خدمة لأجلها. فهي لا تنتمي للرجال أصحاب البذة... ولكنها تنتمي له. ما فائدة النقود لعصفورين أزرقين؟. حينما قابلوها أول مرة ازدرت النقود. كانت تزدري الأشياء. واجهت معه الأمريكيين، ووقفت ضد الفساد في الحكومة المحلية وضد القوة النووية. لمست وجهه ونظرت بعمق عينيه. قال لها: "سيكون المستقبل مختلفا وسترين ذلك". وها هو يرى الآن. شاهدها تفك جوربها من المشد. المستقبل مختلف أكثر مما يمكن لمانفريد، حبيبها الجميل، أن يتخيل. كانا في السابق نباتيين. التزم بالحمية النباتية قبلها بعام، وبعد قيامه بزيارة مع صديق مزارع إلى مسلخ. كان مانفريد على علم ببعض الوصفات النباتية وكان يشغل نفسه بالطبخ طيلة وقته. وسمحت له أولريك بذلك.

قالت: "أود لو تنتظرني. أود لو ينتظرني رجل عطوف ولطيف". وخططا للحياة في الريف. والآن لا تظهر قدراتها قبل منتصف الليل.

"أحبك يا أولريك...".

ولكن مؤخرا باشر بشراء اللحم الطازج. وأحب مانفريد تقطيع اللحم الأحمر بسكين مشحوذة مصنوعة خصيصا للطهاة الفرنسيين. كم يحب التقطيع الدقيق. وأحب ملمس الفولاذ الصلب وهو يخدش لوح خشب السنديان تحته. اشترى أرنبا وسلخه بنفسه، ارتدى القفاز المطاطي والمريول حينما كانت أولريك في دسلدورف برحلة عمل. بادله الرأس النظر من المغسلة. وشعر بفراء أذني المخلوق الناعم. وكان بإمكانه شم رائحة الفجر في منخريه ومشاركته طعم العشب بين أسنانه البيض الحادة. رغب مانفريد أن يحلم بعودة الأرنب إلى الحياة.

"أحبك يا أولريك. كم أحبك".

حينما قطع اللحم كان فارسا أبيض نقيا، يمتطي فرسه ويتقدم جيشا رماديا خياليا قوامه مواكب من الرجال الزاحفة. دق الأقدام، بالتزامن، يمكن سماعه من مدينة إلى مدينة تليها في هواء راكد تعلق فوق السهل الألماني. غلبته رائحة الدم والنار. ومرارا أراد أن يقذف شريحة لحم نيء في فمه كأنها حبة سكاكر. أشكال شركاء أولريك الرقيقة كانت تعصف أمامه مثل النحل ثم تسقط، الكثير من قطرات الدم. كان عليه أن يمتطي فرسه. وأن يحميها. وحينما بادلته النظر، لم تتجاوز أحلامه المطبخ. لعقت شفتيه بعد طهي الشرائح لأجلها في تلك الليلة.

"أنت تفعل كل شيء من أجلي. أليس كذلك يا مانفريد؟".

"أي شيء يا عزيزتي...".

"هل يمكن أن تأتي لي بهذا؟. أعلم أنهم يصنعونه في شركتك. أحد العملاء لدينا... لديه عيادة. ويحتاج للدواء. وهو مخدر، كما أظن. لكن الحكومة متشددة جدا تجاه هذه الأشياء. وهو غير مسجل في الرخصة الطبية. كما ترى".

كان مانفريد طباخا. ولكنه لا يستطيع التزوير. ولم يزور حتى يوم تهيئة البيانات. أشار إلى زجاجات سود على أحد الرفوف.

"ما هذه؟".

"يا إلهي يا مانفريد. هل تعلم أنك سألت سؤالا عن عقاقيري؟. هذه أول مرة في أربع سنوات. علينا أن نحتفل".

ابتسم مانفريد والصيدلي. لعبا معا في عطلة الأسبوع ضمن فريق كرة القدم قبل أن تنجب زوجة الصيدلي طفلا. أراد مانفريد من أولريك أن تنجب ولدا. سيحمل الطفل إلى غرونوولد، ليلعب بالأرجوحة.

"بجدية. ما هي؟".

"بلا مزاح؟".

"نوع من أنواع المخدر؟".

ضحك الصيدلي.

"آه، لن تشعر بأي شيء إن تناولت جرعة من ذلك. التأثير مثل جرعة مفرطة من الإنسولين. ستدخل في غيبوبة. نشاط البدن يتابع دورته. والمركب يتكون أصلا من سم يستعمله دبور المؤونة Laeder Wasp ليشل به عناكب الرتيلاء tarantula spider ليسهل على صغاره افتراسها... شيء مرعب فعلا".

"ولكن لأي غاية تستعمله؟".

"حسنا، صدق أو لا تصدق، يجربونه بكميات قليلة جدا من أجل أمراض القلب... والحقيقة يا مانفريد أنا لا أعلم...".

"لا يمكن شراؤه؟".

"لماذا يود أي إنسان شراء سم الرتيلاء؟. هيا يا مانفريد. دعنا نتابع حياتنا". كان مانفريد يطبخ، لكنه لم يطبخ السجلات. على الأقل ليس حتى ذلك اليوم الذي حمل فيه زجاجتين قديمتين سوداوين ومعهما فواتير وسجلات كومبيوتر. كان خزان السموم في الشركة الكيميائية واسعا. وبنيا في الحرب الأخيرة. هنا تمت صناعة بلورات زيكلون بي، والغاز الذي استعملوه ضد اليهود. ثماني عبوات في الشركة كانت في الطرف الآخر من الخزان. عرضها العمال المستجدون كما لو أنها من الأعاجيب. كانت الزجاجتان في جيبه وهو يبحث عن دبور المؤونة في المكتبة الأمريكية. جعلته الحقيقة يرتجف. قالت أولريك المتحمسة في تلك الليلة: "هذا بول يا مانفريد. هو رئيس مجموعتتا الصغيرة. أنا متأكدة أنه لديك الكثير من الكلام". كانت ليلتها جميلة جدا. وقد شعر بالغيرة. صافح مانفريد اليد الصغيرة وتمنى فورا تقريبا لو أنه يرتدي القفازات السود السميكة التي يستعملها في المطبخ. كانت اليد طرية وباردة. كان للرجل وجه أبيض وديع ورأس أصلع تماما. ولكن كانت عيناه تبرقان بحماس فولاذي. وهو يرتدي ثيابا رسمية أكثر من ثياب مدير مصرف. ومع ذلك لا يمكن لأحد مقابلة تلك العينين وإنكار أن ذلك الرجل قائد. وقد أرعبت العينان مانفريد. شاهدت أولريك مانفريد يعبس فقبلته قبلة خفيفة على خده. كانت لها رائحة عطر غالي الثمن.

قال بول بنغمة جازمة: "أنا بعلاقة عمل مع زوجتك". وكان يحمل سيجارة بلقان سوبراني (سجائر جاءت إلى لندن من شرق أوروبا. سوبراني كلمة روسية تعني الجماعة) كما لو أنها سهم.

"شكرا للمعروف الذي أديته لنا". ولفت أولريك بذراعها مانفريد.

سأل: "لماذا تريدها؟".

قال بول: "آه. هذا سر. نحن الأطباء نحب أن نخفي أوراق اللعب بصدورنا".

لاحقا سأل مانفريد أولريك: "ما اختصاصه الطبي؟".

"لا تكن مملا يا عزيزي. دعنا نمتع أنفسنا.. يا عزيزي قد أسافر مع بول بمهمة عمل إلى فرنسا. لا أظن أنك تمانع. أليس كذلك؟".

وحينما كانت بعيدة في فرنسا قرأ مانفريد قصصا عن زرع الخلايا. وكانت التفاصيل منشورة في بيلد زيتونغ (جريدة ألمانية) وهي عن تخدير أولاد صغار من الغجر لدرجة اقتربوا بها من مفارقة الحياة، ثم تم إلقاؤهم أمام أبواب المستشفى بدون كلية. استعمل الخاطفون عقارا نادرا لإنهاك فريستهم. وهو مركب مشابه لسم بعض الحشرات. طبخ مانفريد. ولكنه طبخ السجلات (تلاعب بها) مرة واحدة. كان يعتقد أنه فارس بريء على ظهر حصانه، ومعه سيف وامض. وكان يخسر أولريك. لدى عودتها من فرنسا علم أنها تبتعد عنه. كان يلاحظ كيف تلامس كوع جاكيت بول المصنوع من التويد. نسي كل مخاوفه... عن مقالة البيلد زيتونغ. كان بول مزمعا على السفر برحلة إلى تركيا.

قال له:"أريد من زوجتك الجميلة أن تبدل تسريحة شعرها. حينما أعود سأقنعها بتصفيفه على شكل جدائل ملفوفة. سيبدو أفضل كثيرا لو أنه أجعد. ألا تعتقد ذلك يا مانفريد..؟".

لم يكن في هذه الأيام يفعل أي شيء في المطبخ غير التفكير. التفكير والحلم. ولكنه لم يعد قادرا على أن يحلم بأولريك بعد الآن. لم تعد عيناها تتحولان إلى عصفورين أزرقين. فقد امتلكها شخص آخر. "آه يا مانفريد كل شيء ينحو نحو الاكتمال. وسريعا سيكون لدينا نقود تكفي لنغادر هذا البيت الصغير البائس. وربما نستطيع الانتقال إلى دسلدورف..".

"طالما أردت بيتا في الشارع المجاور قرب باحة ألعاب الأطفال".

"آه. لا يا عزيزي. لماذا كل هذه البراءة ولدينا خبرة أعمق. لم أفكر يوما بالثراء يا عزيزي. وكل ما نحتاجه القليل من الجسارة. يا عزيزي أنت لا تأكل وجبة السلمون المتاحة. وتكلف نفسك الكثير من المتاعب".

لكنها في اليوم التالي سقطت بغيبوبة. اتصل بطبيب العائلة فنقلها الرجل إلى المستشفى. أجروا لها الفحوص ولم يجدوا شيئا. ولم يفهموا لماذا لا تحتاج للتنفس الصناعي. سأل مانفريد إذا كان بمقدورها العودة إلى البيت فسمحوا لها. كانت الممرضة تزورها يوميا. اتصل بول ولم يخبره مانفريد عن الغيبوبة. لم يعاود بول الاتصال. فقد كان بعيدا في رحلة أخرى. وبعد أسبوعين بدأت أولريك تنزف تحت الجلد. كانا أسبوعين مجيدين. جلس مانفريد ينظر لجسمها العاري، ويحلم بالوقت الذي أمضياه معا. وكان بإمكانه أن يفتح جفنيها حتى يشبع من عينيها الزرقاوين. أمكن لمانفريد وأولريك أن يكونا عصفورين أزرقين ثانية. ولكن لم يستمر ذلك إلى الأبد. طبخ مانفريد وطبخ السجلات مرة واحدة وتوجب عليه دفع الثمن لقاء كل شيء. وقد أخبرته أمه بذلك. كانت أولريك تتنفس. أنفاسا عميقة لطفل نائم. ثم جاءت في ذهنه الفكرة. فيما مضى كان التقليد في وقت الكرنفال يقضي أن تصنع أقنعة مزيفة من قشرة معجنات حلوة قصيرة. وتكون الأقنعة وجه فطائر فواكه صغيرة يأكلها المحتفلون حينما يعودون إلى البيت من الحفلات. والعاشق يأكل قناعا على شكل محبوبته. طبخ مانفريد. ولكنه في هذه المرة لن يطبخ السجلات. مزج السكر مع الزبدة والطحين وبسطه على لوح من الخشب. اليوم لم يحلم. ارتدى قفازه الأسود، وصنع شكل قلب من العجين بواسطة سكين ذات قبضة سوداء، مصنوعة في باريس. حمل مانفريد العجينة أمامه وهو يصعد على الدرج ببطء. لآخر مرة نظر إلى الوجه الجميل. رأى هنا خطوطا تبدو ناعمة في الجامعة. ولكن الآن لن تكبر. في إحدى المرات توسلت إليه ليقتلها إذا غدرت بالقيم والمثل. وقدمت له برعم وردة. وهو منحها زهرة ليلك. بهدوء غطى الوجه بالعجين وسقطت دمعة وهو يتمسك بالعجين فوق الأنف والفم. تمسك بالعجين حتى خمدت الأنفاس. ارتجف جفنا أولريك وهي تموت. بالنسبة لمانفريد هذا يعني أن العصفورين الأزرقين يطيران بحرية. لن تكون بعد الآن تحت رحمة الرجال الذين يدخنون الشيروت السويسري (سيجار بدون فلتر)، وتنبعث منهم رائحة عطر الحلاقة نفسه الذي اشترياه من السوق الحرة في المطارات الدولية. ستكون له ثانية. سيكون بمقدورهما الحلم حتى الأبد. خارج نافذة المطبخ شاهد صقرا يحوم ثم يبتعد فوق غرونوولد. غيوم بيض كالصوف اندفعت نحو الأعلى. أغلق باب السنديان المتين خلفه بعد أن وضع قناع العجين بحذر على قشرة الموبيليا. كان قد جهز العجينة قبل يومين وطبخها بدون عينين في فرن حار، ووضع عليها البقوليات كي لا تنتفخ. والآن قلبها مع التوت. أصبح طعمها طازجا. ذكرته بعينيها. كانت حلوة المذاق كشفتيها. وكانت تسبقه على طول زقاق كورفيرستيندام (شارع معروف في برلين) وهي تضحك. المستقبل بين أيدبهما. ببطء انتزع فلينة السم. مقدار ملعقة يتسبب بالشلل. سكب باقي الزجاجة على الفطيرة. طبخ ما نفريد. ولكنه في هذه المرة لم يزمع على طهي السجلات. لبعض الوقت اضطرب من العمل الشرير برفقة أولاد الغجر ثم محا من ذهنه الرؤية المخزية. فكر بالعصافير الزرق فقط. كانت الفطيرة في الفرن. حسب الدقائق بساعة الفرن. بقي لديه وقت لترتيب وثائقهما. سيترك بطاقتي التطوع بالأعضاء للشرطة. وسبق لمانفريد أن أرسل رسالة يخبرهم فيها ماذا سوف يفعل. شعر ببالغ الهدوء. أخيرا الفطيرة جاهزة. حقق بها النجاح. يمكنه رؤية ملامحها بها كاملة. كان مانفريد مهتما بالعينين خشية أن ينقصهما التفاصيل. كان خداها بمحلهما. وكل ما ينقص خصلة صبيانية من الشعر. كان أكل الفطيرة تدنيسا لها تقريبا. ولكنه أكلها. ومع كل لقمة حلوة رأى وجهها. شاهد وجهها وتذوق المرارة مع طعم التوت. وبعد أن انتهى من آخر لقمة رن الهاتف.

 "آه أنت مانفريد. معك بول".

"اعتقدت أنك لا تزال مسافرا...".

شعر مانفريد بتوتر في قفا يده. وضع السكين الثقيلة على طاولة الهاتف وتخلص من أحد القفازين، وهو يقبض على السماعة تحت ذقنه. لسعته شفتاه. كأنه طفل ويجرب لأول مرة المثلجات الأمريكية. كان بول متحمسا.

قال: "توقعت أنني أول من سيخبرك".

"عن زراعة الخلايا؟".

لم يكن هناك هدف من الكتمان.

"أي زراعة خلايا؟ لا. أردت أن أكون أول من يبلغ أولريك عن نجاح مشروعنا. هل هي معك؟ الكيميائيات التي حصلت عليها. هل تتذكر..؟. وجدنا شفاء للصلع. لا تخبر أحدا أن السم هو أحد المكونات. بكميات صغيرة وآمنة، انتبه. الأمر لا يهم بالنهاية. الشخص الوحيد الذي بعرف كامل الصيغة هو أولريك. وهي في رأسها الصغير والجميل. يا لها من بنت ذكية. شعري ينمو. ولا أحتاج لزراعة شعر. فهو ينمو حقا. وسنكون جميعا أثرياء... يمكنك أن تطبخ الآن ما تريد يا مانفريد. ويمكنك أن تشتري أشياء أكبر من أحلامك الواسعة. لدينا قناعة أن الصيغة جيدة ولكننا بحاجة لتجارب في تركيا... سنصبح أغنياء...".

في تلك اللحظة أدرك مانفريد أنه يريد أولريك فقط. وستغفر له. هو يعلم أنها ستغفر له. وأنه أنقذها. لم يسمع بول وهو يتكلم حينما سقط على الأرض. مانفريد وأولريك الآن عصفورين أزرقين يحلقان عاليا فوق برلين، في حدود الغابة المسحورة، وفي سبيل كل وصفة لأطعمة مطبخ الأحلام.

***

.......................

* كل ملاحظة وردت بين قوسين هي للمترجم. ولشرح بعض المفردات غير الشائعة. والترجمة عن مجلة وينترز تيل - حكايات الشتاء. عدد 5. ص149-162.

* بول بيكرنغ Paul Pickering روائي ومسرحي بريطاني. تلقى تعليمه في ليستر. كان كاتب عمود في التايمز، والصنداي تايمز، ولندن إيفننغ ستاندارد، وبانش. يعمل بالصحافة الدولية. من أهم أعماله الروائية: الغابة تحيط بهاري 1985، بوابة بابل الزرقاء 1989، الفيل 2021، ومن مسرحياته: العودة إلى البيت 2019، وغيرها...

 

بقلم: ريموند كارفر

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

غرابي

حط غراب على الشجرة خارج نافذتي.

لم يكن غراب تد هيوز، او غراب غالوي.

او غراب فروست، او غراب باسترناك، او غراب لوركا.

او احد غربان هوميروس، محشوا بدم متخثر،

بعد المعركة. كان هذا مجرد غراب.

لم ينسجم مع أي مكان في حياته،

او يفعل شيئا يستحق الذكر.

جثم هناك على الغصن بضع دقائق.

ثم نقر شيئا وحلق خارجا من حياتي

على نحو جميل.

***

..................

ريموند كارفر (1938-1988): قاص وشاعر أميركي من مواليد كلاتسكاني بولاية اوريغون، ونشأ تلقى تعليمه في ياكيما بولاية واشنطن. يعد كارفر من ابرز كتاب القصة القصيرة في القرن العشرين. نشر ما يربو على ست مجموعات قصصية نالت استحسانا نقديا وشعبيا كبيرا وحازت على جوائز كثيرة، كما نشر عددا من المجموعات الشعرية منها "قرب كلاماث" 1968؛ "ارق الشتاء" 1970؛ "حرائق" 1983؛ "حيث يمتزج الماء بماء آخر" 1985؛ و "طريق جديد الى الشلال" 1989.

قصة قصيرة جداً لإيفان بونين

نقلها عن النص الروسي: جودت هوشيار

***

استيقظ ابن الشماس ــ وهو طالب لاهوتي جاء إلى القرية لقضاء الإجازة عند والديه ــ في ليلة حارة مظلمة وقد استبدت به إثارة جسدية عارمة. ظلّ يتقلب في فراشه، ثم أخذ يؤجج رغباته بخياله؛ فقد كان قد رأى نهارًا، قبيل العشاء، من خلال أشجار الصفصاف على ضفة النهر الساكن، الفتيات العائدات من العمل وهنّ يلقين قمصانهن فوق رؤوسهن، كاشفات عن أجساد بيضاء متعرقة، ثم يندفعن وسط الضحك والصخب إلى الماء الدافئ المتلألئ، رافعات وجوههن إلى السماء، مقوسات ظهورهن في مرح الشباب.

لم يستطع الطالب أن يقاوم نفسه. نهض من فراشه، وتسلل عبر المدخل المعتم إلى المطبخ، الذي كان خانق الحرارة كأنه فرن. مدّ يديه في الظلام وتلمّس السرير الذي تنام عليه الطاهية، وهي فتاة فقيرة بلا مأوى، كان أهل القرية يصفونها بالحمقاء. باغتها حضوره حتى إنها لم تصرخ من الخوف.

ومنذ ذلك الحين عاش معها طوال الصيف، وأنجبت له ولدًا كبر إلى جانبها في المطبخ. وكان الشماس وزوجته والكاهن نفسه، بل وأفراد أسرته جميعًا، وصاحب المتجر وزوجته، والشرطي وزوجته، يعرفون جيدًا مَن والد ذلك الطفل. أما الطالب اللاهوتي، فكان يعجز حتى عن النظر إليه خجلًا من ماضيه؛ فقد عاش يومًا مع حمقاء.

وحين أنهى دراسته ــ «بتفوّق!» كما كان الشماس يردد بفخر أمام الجميع ــ عاد إلى والديه لقضاء الصيف قبل دخوله الأكاديمية الدينية. وفي أول عطلة دعوا الأقارب والجيران إلى حفل شاي، ليعرضوا عليهم الأكاديمي المستقبلي. تحدّث الضيوف عن مستقبله الزاهر، وشربوا الشاي، وتذوقوا أصناف المربّى المختلفة، بينما كان الشماس السعيد يدير أسطوانة الجرامافون التي كانت تصدر أزيزًا حادًا قبل أن تنطلق منها الموسيقى.

ساد الصمت، وأخذ الجميع يصغون مبتسمين إلى أنغام أغنية هادئة، وفجأة اندفع ابن الطاهية إلى الغرفة، وراح يرقص رقصًا أخرق خارج الإيقاع، ضاربًا الأرض بقدميه. كانت أمه تظن أن منظره سيسرّ الحاضرين، فهتفت له بسذاجة:

ــ اركض وارقص يا حبيبي!

أُخذ الجميع على حين غرّة. أما ابن الشماس فهبّ من مكانه كالنمر، واحمرّ وجهه حتى صار أرجوانيًا، ثم أمسك بالصبي وقذفه خارج الغرفة بعنف، فتدحرج الطفل على رأسه إلى الردهة.

وفي اليوم التالي طلب من والديه طرد الطاهية. كان الشماس وزوجته طيبين رحيمين، وقد ألفا المرأة المسكينة وأحباها لتواضعها وطاعتها، وحاولا بكل وسيلة أن يستعطفا ابنهما، لكنه أصرّ على موقفه، ولم يجرآ على مخالفته.

وعند المساء غادرت الطاهية الفناء وهي تبكي بصمت، تحمل صرّتها في يد، وتمسك بيد طفلها في الأخرى.

ومنذ ذلك اليوم أخذت تجوب معه القرى والبلدات، تستجدي الصدقات باسم المسيح. كانت رثة الثياب، منهكة القوى، قد أحرقتها الشمس ولسعتها الرياح حتى لم يبق منها سوى الجلد والعظم، لكنها لم تعرف التوقف. كانت تمشي حافية القدمين، وعلى كتفها كيس من الخيش، تتوكأ على عصا طويلة، وتنحني بصمت أمام كل كوخ تمر به.

أما الصبي فكان يسير خلفها، وعلى كتفه كيس صغير هو الآخر، منتعلًا حذاءها القديم المتشقق المتصلب. كان قبيح الهيئة؛ رأسه كبير ومفلطح، تغطيه خصلات خشنة تشبه شعر الخنزير الأحمر، وأنفه عريض مفلطح، وعيناه عسليتان لامعتان على نحو لافت. ومع ذلك، فما إن كان يبتسم حتى يبدو لطيفًا إلى حد يثير الشفقة.

***

 

بقلم: أ. س. بايات

ترجمة: صالح الرزوق

***

في سالف العصر والأوان، في قرية تقع في أحد الأودية التي تحاصرها جبال شاهقة، عاشت عائلة مع ابنين، هما هاري وجاك، وابنة هي إيف. كانت القرية في أسفل جزء من المرتفعات، وكان في حوض القرية العميق بحيرة، شواطئها صافية كالكريستال، لكن وسطها الأعمق أسود كالحبر. وفي ظل جوانب الجبل غابة صنوبريات، أما القرية فهي وسط مروج وبساتين مزهرة، وحقول ذرة، وإن كانت غير كثيفة، تكفي احتياجات القرويين. أما قمم الجبال فليست مفتوحة، ويخيم عليها ظل جليد مزرق وحقول تغطيها ثلوج براقة. وكانت تتخلل جوانب الجبل قنوات طويلة متحدرة، كأنها أثلام محراث عملاق. في إنكلترا تعزى الدوائر المرسومة حول بعض التلال ليد تنانين مضمومة قديمة ذات أصابع ملتوية. وقد انتشرت حكاية في ذلك البلد أنه في وقت من الأوقات قام نسل دودة عملاقة بحفر القنوات ابتداء من الذروة. وفي الليل، وبجانب النار، يسعد الآباء أن يرعبوا أبناءهم بحكايات عن نسل تنانين هائجة تطلق اللهيب. لم يشعر هاري وجاك وإيفا بالخوف من تنانين، ولكن بطريقة مختلفة، كانوا ينفرون من الضجر. فالحياة في تلك القرية تكرر نفسها، جيلا بعد جيل. كانوا يولدون ويعشقون، ويصبحوا جدودا، ثم يموتون. كانوا، والحقيقة تقال، نسل منغلق، والعالم الخارجي بعيد عنهم، ويصعب بلوغه، ولا يأتي ويذهب غير حفنة من التجار، في أشهر الصيف، وعلى نحو غير منتظم. كان القرويون ينسجون نوعا تقليديا من السجاد بالمغزل اليدوي، وبنطاق محدود من الألوان المستخلصة من أصبغة الخضار المصنعة يدويا - أحمر دموي، وأزرق داكن مع ظل أخضر، وأصفر رملي، وأسود كالفحم. ولديهم تصاميم تقليدية معدودة، لا تتنوع إلا قليلا: شجرة متفرعة، ذات ثمار تشبه الرمان، وطيور مذكرة، تشبه التدرج قليلا، أو تصميم هندسي تجريدي، بأقراص من لون واحد تتوالى على شكل شبكة متقاطعة من أقراص متتالية على أرضية خط أقراص ثالث. والسجاد على نحو عام من صناعة النساء، اللواتي تطبخن وتغسلن أيضا. أما الرجال كانوا يهتمون بقطيع الحيوانات، ويعتنون بالحقول ويعزفون الموسيقا. كانت لديهم أداتهم الموسيقية، وهي الناي الذي ينوح، ولم يكن يوجد مثله في أي مكان آخر، مع أن معظمهم لم يسافر لمسافة بعيدة كي يعرف ذلك. عمل هاري برعي الخنازير، وجاك بالفلاحة في الحقول، البذار والحصاد. صادق جاك خنزيرا ما، وهو خنزير صغير يدعى بوريس، وكان مخلوقا ناشزا، يمكر ويهرب ويجد أنواعا غير متوقعة من الفطور. ولكن لم يكن عبث بوريس يكفي للتأثير بضجر هاري المتصاعد. حلم بمدن عظيمة وراء الجبال، يتدفق عليها حشد من الناس المتعجلين على اختلاف مشاربهم ومشاغلهم الكثيرة. أراد جاك أن يشاهد الذرة وهي تنمو، والنباتات الخضر وهي تبرز من الأرض السوداء، وكان يعلم أين يجد الفطر الناضج والعسل الأسود، ولكن هذا النشاط لم يؤثر إلا قليلا بضجره المهيمن. وحلم بحدائق للزينة وراء جدران مرتفعة تحيط بقصور رحبة. وحلم بأطعمة شهية، كالبهارات والكحول الملتهبة غير المعروفة في الوادي. وحلم أيضا برقصات عنيفة، وأجساد تترنح حوله بحرية، على أنغام موسيقا لم يكن يعرفها إلا في غيبوبته: القانون، طبلة البونغو، والبيانو الكبير، والأجراس الإنبوبية. بالمقابل انشغلت إيفا بنسج السجاد. كانت تعتقد أنها تستطيع أن تنسج في نومها، وقد فعلت ذلك، وحين تستيقظ تجد نفسها مشغولة بتصاميم متشابة ومتنوعة، وبثني الخيوط والتبديل بين السداة واللحمة. حلمت بألوان مجهولة، البنفسجي والزئبقي والأزرق والبرتقالي، ألوان الورود والريش، والحرير الناعم، والقطن الخشن. حلمت بإيفا الكبيرة، المجللة بالأحمر والفضي. وحلمت بالبحر، والذي لم يمكنها تخيله، وحلمت بالماء المالح وتذوقت طعم دموعها المالحة والتي نفد صبرها. لم تحسن الحياكة، فقد كانت الخيوط شديدة التوتر، وتصاميمها خانقة، ولكن هذا هو عملها. فهي نساجة. غير أنها تفضل أن تكون رحالة، وبحارة، وطبيبة متدربة، ومغنية أوبرا أمام الأضواء البراقة وهدير المشاهدين. أما أول إشارة عن التغيير فقد كانت تقرير الصيادين عن انهيار الثلج في غير موعده على الجبال الشاهقة. أو ربما كان، كما زعم لاحقا بعضهم، أن الفجر كان ورديا جدا، بينما الغروب كان يلمع بلون قرمزي ساطع. ثم تناهى لسمعهم زمجرة غريبة وتشققات تأتي من هناك، من فوق حدود المنطقة المثلجة، وناقشوا ذلك، كما ناقشوا كل صوت غريب ومعتاد، وكرروا تعليقاتهم والتي جعلت أسنان جاك وهاري تصطك من الحنق بسبب تشابهها كلها. وبعد قليل أصبح من الواضح أن ذروة الجبال المشرفة مباشرة على القرية، وفي الليل والنهار، تلمع وتتراقص بطيف ناري، ودخان له لون السلمون الوردي، الذي ينفجر هنا وهناك بطيف قرمزي وذهبي. كانت الألوان جميلة حقا، واتفقوا وهم يشاهدونها من عتبات بيتهم، أن شريط الألوان يومض من بين دخان هواء أزرق رمادي، ثم ينحسر. وتحت الذروة الملتهبة كان بياض الثلج يفسح للناظر كي يرى صخرة مبلولة رمادية رقيقة، لها لمعة، ونعم، لها بخار - المياه الجديدة. لا بد أن يخافوا من هذه البداية: كان بمقدورهم رؤية التبدلات الواسعة التي تحصل، والمترافقة مع حركة شملت كل شيء، الأرض والهواء، النار والماء. ولكن امتزج الخوف بقدر كبير من الاهتمام والإثارة، وحتى بمتعة الشيء الجديد، ومتعة الجمال، وهو ما سوف يدفع العديد منهم لاحقا للشعور بالخزي. استمر الصيادون بمتابعة هذه الظواهر، وعادوا لتقديم تقرير مفاده أن الهضبة تتحرك على ما يبدو، وهي تغلي وتحترق، ومن الصعب أن ترى من خلال سحب الرماد والدخان والبخار التي تنتشر فوقها. لكن الجبل لم يكن بركانيا، وكما يعلم الجميع، حياة الإنسان قصيرة بالمقارنة مع الصخور والحجارة، لذلك استمر الرجال بالتساؤل والمناقشة. بعد بعض الوقت شاهدوا الأفق على صورة كتل تشبه عقد سلاميات قبضة عملاقة، ست كتل، في أمكنة فارغة، كتل بعيدة قد ترمز لأشياء بحجم أكواخ كبيرة أو بيوت صغيرة، وبعد عدة أسابيع تقدمت الكتل، ومعها دخان وشرارات تتطاير، وزحفت بانتظام وبطء باتجاه أسفل السفوح، جنبا إلى جنب، بدون تلكؤ أو انحراف. وخلف كل كتلة أنبوب طويل لا ينثني، كما لو أنه حافة أخدود أو شيء من الأرض، كان يفيض من قمة الجبل، ويخرج من جوفه، وينسكب ببطء نحو الأسفل. بعض الشجعان خرجوا للاستطلاع، ولكن أجبروا على العودة بسبب غيوم البخار العنيفة ومطر النثار المحترق. صديقان وكلاهما صياد شجاع، خرجا ولم يعودا. وفي أحد الأيام قالت امرأة تقف في حديقتها: " كما لو أنه ليس انهيارا أرضيا ولكنها مخلوقات، ديدان هائلة الحجم برؤوس كبيرة، وتزحف نحونا. رؤوس صلعاء وكبيرة جدا وتهتز، وعليها قبضات وتفريعات وحلازين وطوافات، وعيون قبيحة ومبتلة وحارة ترقد في محاجر ضخمة داخل جسمها الموحل، وتلمع بلون أحمر كالدم، اثنتا عشر عينا، هل ترونها، واثنا عشر منخارا مشعرا على أنف متطاول من الطين الرمادي". بعد حوار ومقارنة وإشارات ووصف أمكن الجميع رؤية ذلك، وكانوا كما قالت، ست رؤوس كبيرة متأرجحة ومقرفة، يتبعها أجسام ثقيلة وطويلة بطول الطريق الذي يقود من قريتهم إلى القرية التالية، أجسام تتلوى بصعوبة، وبمشقة مؤلمة، كما يبدو، ولكن ببطء مميت ولا يستكين. وحينما اقتربت - وكان بطء تقدمها كالحلم، وغير واقعي - أمكن رؤية فكوكها، فكوك عريضة تشبه ما للحيتان ومسلحة بمنجل متقرن أو حافة مشحوذة كمنقار مرعب، وبه تحفر وتبتلع طبقة من الأرض وكل ما عليها - الأدغال والأسوار والقش وأشجار الفاكهة وزوجا من الماعز وديكا أبيض وأسود وبركة بط وما يعيش فيها. حلبوا وحصدوا مع ضجة مسموعة، وبصقوا الرماد الناعم، أو أنه انحدر من شفاه محفورة في فكوك مضطربة، واستقر على كل شيء. وهم يقتربون، ظهرت غمامة من الرماد أمامهم، وحطت على كل موجودات البيوت والحدائق، وغلفت النوافذ، وغطت الجدران بطبقة رقيقة. انتشرت من الرماد رائحة كريهة، وكانت خانقة لدرجة يصعب وصفها. في البداية دمدموا ونظفوا الغبار، ثم يئسوا من مسح الغبار، لعدم تحقيق الغاية المرجوة، وجللهم الخوف. كل شيء تم ببطء شديد ومرت مرحلة من خوف خرافي ونصف غامر، قبل تمكن الخوف المرضي والحقيقي والذي يشل الحركة، وحينها اقتربت المخلوقات من الرجال والنساء ورأوا عيونها، وكانت تحيط بها إفرازات صمغية، مثل مطاط ذائب، وكانت ألسنتها من اللهب. لم تكن ألسنة اللهب تشبه الرايات الحمر الشجاعة للتنانين المرسومة في الكنائس، ولا سيوف الملائكة المشتعلة. كانت منصهرة ومتأرجحة، مغطاة بجلد شفاف سميك مليء بالثآليل القرمزية وبراعم الذوق المتوهجة كالجمر، وهي بحجم الملفوف، وتسيل منها مادة لاصقة كبريتية وتفوح رائحة اليأس والتحلل الأبدي الذي لن يزول طيلة الحياة. كانت أجسادها مقززة، تنحني وتزحف وتسحق، بطيئة ورمادية وعشوائية. ووجوهها كبيرة جدا بحيث لا يمكن التعرف عليها كوجوه - فقط يمكن التعرف عليها بالتدريج من أجزاء متتالية. لكن الرائحة الكريهة أسوأ شيء، وقد أثارت الخوف، ثم الذعر، ثم رعشة مشلولة مستسلمة، مثل أرنب أمام ابن عرس، أو فأر أمام الأفاعي. ناقش القرويون لفترة طويلة احتمالات تدمير القرية. كما ناقشوا وسائل تحويل مسار الديدان أو إتلافها، لكن ذلك كان عديم الجدوى، ولم يسفر عن شيء. ناقشوا أيضا مسار تقدم المخلوقات؛ هل ستعبر القرية، أم ستمر بها من جانب أو آخر. بعد ذلك كان من السهل الاتفاق على أن القرية تقع في مسار انحدارها الرهيب، لكن الأمل يضلل، والجمود يضلل، ومن الصعب تخيل اختفاء ما يبدو كالحجر الراسخ. لذا، تأخر القرويون في وضع خطة لإخلاء قريتهم، وفي النهاية غادروها على عجل وبشكل فوضوي، وهم يركضون هنا وهناك في ظل رائحة ودخان تلك الرائحة الكريهة، ليجمعوا ممتلكاتهم، ويضعونها أرضا، ثم ليأتوا بغيرها، وكأنهم عش نمل مهتاج. ركضوا إلى الغابة حاملين أكياس الذرة وأواني المطبخ، وأسرة الريش وشرائح لحم الخنزير المقدد، والحيرة تغلبهم بسبب وجود تلك المخلوقات البغيضة. لم يكن واضحًا ما إذا كانت الديدان قد رأت البشر بالفعل. لم يكن البشر على مقياسهم، لأن المخلوقات الصغيرة التي تسكن فروة رؤوسنا، أو التي تحفر في أوراق السلطة التي نأكلها، غير مرئية، ولا نضعها في الحسبان. أصبحت حياة القرويين في الغابة رتيبة، بل مملة، فالملل لدى البشر ممكن ولا سيما في اللحظات الرتيبة التي تقع بين بذل الجهد والرعب. وعانوا من برد قارس، خاصة في الليل، وجاعوا، واضطربت بطونهم باستمرار، وخافوا من طعامهم القليل. كانوا يعلمون أنهم بعيدين عن أنفاس الديدان، ومع ذلك شموا رائحتها الكريهة، في أحلامهم، وفي دخان نيرانهم، وفي أوراق الشجر المتعفنة. وشكلوا فصيلا من المراقبين، في أماكن تمكنهم من رؤية حدود القرية من بعيد، فشاهدوا صفوف الرؤوس الضخمة تتقدم ببطء، ورأوا ألسنة اللهب المفاجئة وانفجارات الدخان الكثيف الذي لا بد أنه شرارات تأتي من المنازل. وشاهدوا عالمهم يتهدم، ومع ذلك شعروا بنوع من الضجر هو علامة على بقية الضيق الذي يعانون به. قد تتساءل: أين ذهب الفرسان؟ أين المحاربون الذين يجب أن يتصدوا على الأقل لتلك العيون الدامعة بسهم أو رصاصة؟ دار الحديث حول هذا الأمر قرب نيران المخيم، لكن لم يظهر أي بطل، وربما كان هذا دليلا على الحكمة، فالمخلوقات محصنة ضد وخزة أي سلاح بشري. قال الشيوخ من الأفضل ترك الأمور كما هي، لأن تلك الأجسام الضخمة الصاخبة والمميتة كانت حية وسط القرية. قالت العجائز إن الحكايات القديمة تروي أن أنفاس التنانين تشل الإرادة، لكن عندما طلب منهن نصيحة عملية، لم يكن لديهن ما ينفع. اكتشفت إيفا أنه قد يرغب المرء في الانتحار إذا كان ينام على جذر شجرة، أو على أرض صلبة، تضغط على جسده وتؤلمه ألاما مبرحة، يسعر بها بحاستيه. - أخيرا ذهب هاري وجاك مع بعض الشبان، باتجاه القرية، ليروا عن كثب طبيعة الدمار ومدى انتشاره. وجدوا أنهم يسيرون نحو جدار كامل من الدخان واللهب ذي الرائحة الكريهة، الذي يمتد عبر أفدنة من المراعي وحقول الذرة، وخلفه أمكنهم رؤية النتوءات الصخرية الضخمة للرؤوس، وقد تباعدت، لتتحرك مثل شلالات المياه الهادرة في مصب دلتا غزير. قال جاك لهاري هذا الانتشار في المسارات لا يترك فرصة تذكر لبقاء أي شيء في القرية، فأجاب هاري وهو مشتت الذهن أن هناك أشكالا من نوع ما تتحرك في الدخان، ثم قال إنها خنازير، تركض هنا وهناك، وتصرخ. اندفع خنزير من بين الدخان، يلهث ويصرخ، فصاح هاري: "بوريس". وبدأ يركض خلف خنزيره، الذي شخر بشراسة وانطلق عائدا إلى الظلام، وتبعه هاري. رأى جاك الخنزير والإنسان في صورة ظليلة سوداء قبل أن يسمع صوت بزل مرعب، وزفير أبخرة ساخنة، وأنفاسا نارية كثيفة خانقة جعلته يترنح ويفقد وعيه. عندما استعاد وعيه، كان جلده مغطى بطبقة سميكة من الرماد اللزج، وبدا له أنه يسمع السوائل تغلي وتحترق في بطن الدودة. للحظة، ظن أنه سيبقى مستلقيا هناك، في مسار ذلك الفك، ويجرف مع حقل الذرة والسياج. ثم قرر أن يتدحرج، وشيئا فشيئا، تدحرج وزحف وتسلق، حتى أصبحت هناك مسافات بينه وبين الدودة. استلقى لساعات عديدة، منهكا ومريضا، تحت شجرة شوك، قبل أن ينهض بصعوبة، ويعود إلى المخيم في الغابة. كان يأمل أن يعود هاري أيضا، لكنه لم يتفاجأ، لم يتفاجأ حقا، عندما لم يعد. - وهكذا استمر الأمر لأسابيع وشهور، والهواء مليء بالرماد والجمر المتساقط، وأشبعت ملابسهم وأجسادهم بتلك الرائحة الكريهة، حتى جاءت الأجساد الطويلة البغيضة وتقدمت، تدريجيا، عبر الحقول والمروج، تاركة وراءها نفس الأخاديد على السطح الصخري، بعد أن جرفت منها الحياة والنمو. ومن نقطة مرتفعة، رأوا المخلوقات، جنبا إلى جنب، تعبر الشاطئ الرملي للبحيرة، ودون تغيير أو تردد في سرعتها، تقدمت عبر المياه الضحلة، كما لو كانت مدفوعة بصورة ميكانيكية، أو تحت إلحاح حاجة عضوية مثل عودة الضفادع أو السلاحف دوريا إلى العالم المائي للتكاثر. وقد انخفضت الرؤوس الكبيرة لتلتقي بسطح البحيرة، وعندما حصل ذلك، غلى الماء وتصاعد منه البخار وتناثر مثل مرجل عظيم. ثم غرقت الرؤوس تحت السطح، الذي كان يغلي ويضطرب ويفور، بينما كانت الأجسام الطويلة والبطيئة تنحني وتنزلق، يوما بعد يوم، فوق الرمال وعبر الماء إلى الأعماق، حتى لم يتبق في النهاية سوى مؤخرات قبيحة غير حادة، تحت المياه الضحلة، ثم في يوم من الأيام، وبقدر ما كان قدومها غير مؤكد، أصبح من الواضح أن رحيلها قد انتهى، وأن الديدان قد انغمست في البحيرة، وأصبحت فيها، تحتها، ولم تترك سوى العلامات القاسية لوزن أجسامها وأنفاسها المحترقة في التربة والصخور والعالم النباتي المسحوق والذابل.

عندما عاد القرويون ليتفقدوا قريتهم من بعيد، بدا الدمار واحدا: البيوت مسواة بالأرض، والأشجار مقتلعة، والأرض مجرحة، تملأها الأخاديد، ويغطيها الرماد، وتتصاعد منها الأدخنة. تجولوا بين الأنقاض، يفتشون بين الطوب والألواح، ووجد بعضهم، كما هو الحال دائمًدا، كنوزا وأشياء تافهة مفقودة بين الرماد، كعملة معدنية، أو نصف كتاب، أو قدر طهي مشوه. وعاد بعض الذين اختفوا في الفوضى الأولى، بحواجب محترقة أو وجوه مشوهة، بينما لم يعد آخرون. عاد جاك وإيفا معا، وللحظة لم يستطيعا تحديد الاتجاه الذي يبحثان فيه عن أنقاض منزلهما السابق. ثم، عندما دارا حول كومة من الأنقاض المتساقطة، رأياه هناك، لم يمسه شيء. مر أحد هياكل التنين على مبعدة، ووازى سياج الحديقة، لكن السياج لم يسقط، وداخل السياج كانت الحديقة والشرفة والأبواب والنوافذ كما هي، باستثناء الرماد المتطاير. رفع جاك الحجر الذي كان يحفظ تحته المفتاح دائما، فوجده هناك، في مكانه المعتاد. دخل جاك وإيفا إلى المنزل، فوجدا الطاولات والكراسي، والمدفأة وخزانة الكتب، ونول إيفا، ملقى في النافذة الخلفية للمنزل، التي تشرف على المنحدرات ثم على قمم الجبال. وسمع صوت ارتطام قوي بالباب الخلفي، ففتحه جاك. وحينها وجد الخنزير بوريس، مطأطئ الرأس قليلا، تفوح منه رائحة لحم الخنزير المشوي، وجلده المتفحم خال من الشعيرات، لكن عينيه الصغيرتين الغائرتين تعكسان السرور والتعرف. ولما شاهدا أن الخنزير نجا بأعجوبة، أو بفضل الحظ، من أنفاس التنين وألسنته النارية، رغبا، بالطبع، أن يعود هاري أيضا. انتظرا عودته لأيام وشهور، بل ولسنوات، خلافا للتوقعات. لكنه لم يعد. نفضت إيفا الغبار عن سجادتها المغطاة بطبقة خفيفة من الرماد، لأنها كانت في الجزء الخلفي من المنزل، وكانت النوافذ متينة الصنع. رأت الألوان - الأحمر والأزرق والأصفر والأسود - كما لو أنها لم تر لونا من قبل، ومع ذلك شعرت بمتعة ممزوجة بالانزعاج من ألفة هذه الألوان. لو عثر عالم آثار على هذه الغرفة، وعلى هذه السجادة وهي على هذا النول، بعد ألفي عام مثلا، لربما شعر بإثارة شديدة لأن هذه الأشياء سليمة بشكل عجيب، وسيغلبه فضول شديد حيال هذه الصنعة، وحتى حول الحياة اليومية التي يمكن تخيلها وهي تتطور قرب هذه القطع الأثرية التي عثر عليها. شعرت إيفا بدهشة بالغة، تجاه عملها، وتجاه صمود الخشب والصوف والعظم ، أو حتى الشجرة غير المكتملة بطيورها الجاثمة ورمانها الممتلئ. شعرت أيضا بتأثر عميق واضطراب داخلي، من أسلوب ماضيها، وماضي والدتها وجدتها، ومن آثار لحظات كفاءتها المتدفقة، وفترات انطوائها وتوترها وقلقها وارتباكها. شعر جاك أيضا بالبهجة والدهشة، وهو يمشي مرارا وتكرارا ويعبر المنزل من خلال النوافذ التي واجهت الدمار المتصاعد، ليصل إلى تلك التي ترى من خلالها الجبال الثابتة. عانق الاثنان بوريس، الذي استعاد عافيته ونجا، وشعرا بأنفه المبلل وجوانبه الدافئة. مثل هذه الدهشة، مثل هذه الدهشة، هي عكس الملل بالضبط، وكثير من الناس لا يعرفونها إلا بعد الخوف والفقدان. بمجرد معرفتها، لن يمكنك نسيانها؛ فهي تترك لمحات وفيضانات من نور فردوسي في أماكن غريبة وفي أوقات غريبة. أعاد القرويون بناء قريتهم، ووقفت الأشياء التي تم إنقاذها بين البيوت الجديدة التي نبتت في حدائقها أزهار وخضراوات جديدة، وغرست فيها شتلات جديدة. بدأ الناس يروون حكايات عن قدوم الديدان من الجبل، وكانت تلك الحكايات نقيض الملل. فقد جعلت من الرماد ورائحة الفم الكريهة، والسحق والابتلاع، أمورا شيقة ومثيرة، بل تكاد تكون جميلة. بعض الأشياء تحولت إلى حكايات، وبعضها الآخر لم يرد ذكره. روى جاك عن شجاعة هاري وتهوره، فقد اندفع وسط الدخان المتصاعد لإنقاذ خنزيره، ولم يروِ أحد أي شيء عن البؤس اليومي المصاحب لأمل عودته الذي يتلاشى ببطء. احتفلوا بمهارة الخنزير وقدرته على التعافي، ولكن لم يحتفلوا بمصيره المحتوم في تلك الأيام العصيبة. وهذه الحكايات، التي نسجت من دهشة هؤلاء الناجين، أصبحت مع مرور الوقت تعويذات ضد الملل لأبنائهم وأحفادهم، تحمل في طياتها تلميحات غامضة عن العلاقات الحقيقية بين السلام والجمال والرعب.

س. أ. بايات A S Byatt  روائية بريطانية. حازت على البوكر عن روايتها "حيازة". تعيش في لندن. من أهم أعمالها: حكاية كاتب السيرة، كتاب الأطفال، كاحل ميدوزا. تهتم في أعمالها بالبنية النفسية للشخصيات والطبيعة المحيطة وعلاقة الذات بالعالم. وتعتبر من أبرز أدباء موجة ما بعد الحداثة في الأدب الإنكليزي المعاصر.

***

..................

* تمت الاستعانة ببرامج الترجمة الآلية جزئيا.

 

بقلم: هاربر لي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

من موقع جلوسها في باحة المدرسة، اعتقدت آبي أنها ترى سماء وحقولا محترقة تتلألأ تحت النظر. الجو حار جدا بالنسبة لحفلة راقصة. صدر عنها أنين وهي تمد ساقيها الصلبتين بين الأعشاب الصفراء، وتساءلت لماذا أصابعها الكبيرة كبيرة هكذا - ولا تتناسب مع بقية حجم قدميها. لم تكن طفلة يرغب أحد بالاقتراب منها ولمسها: أظافر أصابعها المحدبة متآكلة، وعدة ندوب حمراء على عقدها الخشنة - الجلد مثل ذلك الذي على ركبتيها. وشعرها الأشقر مبعثر على جبينها، وخصل منه طويلة جدا، وعيناها الواسعتان جدا غائرتان في جمجمتها، وبجفون ثقيلة جدا حتى أنها تبدو كأنها نصف مفتوحة. كانوا يقولون عنها ذات مظهر بليد. تحلقت حولها مجموعة كبيرة من الفتيات، بأقدام حافية وبثياب قطنية ملونة وباهتة. وكان هناك بنات الشعبة الثانية من الصف السادس، تتراوح أعمارهن بين الخامسة والسادسة عشر عاما وكنّ يقطفن القطن نصف العام ويفكرن بما يمكنهن أن يفعلن في النصف الثاني: فتيات بكواحل غليظة ووجوه محمرة، وأياد وردية لماعة وشعر متهدل. هذا العام كانت صويحبات آبي من الشعبة الثانية، وكلهن مغتربات عن بقية بنات القرية، وهذا ما فتن آبي بهن. والاغتراب من جراء خطابات وحكمة المزرعة المتعبة. قدمت آبي لهن بحماقة ما يريد لهن آباؤهن: صديقة محلية يمكنها أن تدخل إلى الجامعة وأن تتزوج في أحد الأيام من طبيب أسنان أو محام، أو على الأقل أن تعود إلى بيتها وتصبح سكرتيرة في مصرف منطقة مايبين. نفخت أضخم الفتيات أنفاسها من رئتيها وزحفت نحو آبي قائلة: "أفسحي لي. الأرض حارة جدا ولا يمكنني الجلوس عليها". جرت مايبيل نفسها على المقعد الحجري الرمادي، وشمت آبي رائحة عطر وعرق هوايت وقالت: "من الأفضل أن لا تشم الآنسة ناش رائحتك يا هوكنز". نخرت مايبيل تقول: "هي لا تريد أن نتبرج لأنها تريد ريموند والترز لنفسها". كان ريموند أطول وأكبر الأولاد في ابتدائية مقاطعة مايبين: يبلغ سبعة عشر عاما بطول ست أقدام. جاءت الشعبة الثانية إلى المدرسة في تلك السنة والبنات بشعر أجعد وقوام مكتنز، وفكرت الآنسة ناش أنه يجب أن توقف ذلك فورا. قالت في أحد تعليقاتها الكثيرة والخاصة: "كل الصغيرات تنظرن إليكن أيتها البنات الكبيرات. وسيكون لكن تأثير كبير عليهن سواء خيرا أو شرا. فليكن نحو الخير. موافقات؟".

قالت مايبيل بتشنج: "لن يمكنها أن تبدلني. سأضربها على مؤخرتها بالمذراة". وضحكت البنات.

"حسنا، من الأفضل أن تبتعدي عنها اليوم. رأيتها تأكل ذلك الطعام الأبيض مجددا، وأتوقع أن يصيبها عسر الهضم".

التمعت عينا مايبيل الزرقاوان وهي تقول: "يمكن للآنسة ناش أن تذهب وترى بنفسها. هل سمعت ما يدور حول لويس فينلي؟. الجميع كن يتكلمن عن ذلك في الحافلة صباحا".

"كلا. من هي؟".

لوحت مايبيل بأصبع زهري نحو المدرسة الثانوية وقالت: "هي في الصف التاسع. أقصد أخت ملدريد الكبيرة".

أومأت آبي. كانت ملدريد فينلي ذات عينين جاحظتين من بنات الصف الرابع ومن المكسيك، وخلقت جوا حولها منذ أول يوم لها في المدرسة لأنها لا تعرف كيف تستعمل ماء خزان دورة المياه.

سألت آبي: "نعم؟ ماذا بشأنها؟".

اقتربت ذات رداء القطن العرجاء قائلة: "حسنا - مرحبا جميعا، استيقظن. هل تود أي منكن الاستماع لأخبار لويس فينلي؟". انحنت مايبيل عليهن وقالت: "سترزق لويس فينلي بمولود. وأنا أعرف من هو الأب".

صاحت الفتيات، واطمأنت مايبيل للنتيجة. وضعت ذراعها الممتلئ على قبعات البنات المتسائلات من أخبرك وأين سمعت حتى أخمدت الأسئلة. ثم قالت: "علاوة على ذلك سترسل لويس غدا إلى بيت خاص بالأمهات غير المتزوجات في موبايل. وبالتأكيد أرسل والدها قائد الشرطة ليقبض على ابن عائلة إدوارد، فهو من فعلها. وبالمناسبة اكتشف السيد فينلي أن لويس أخبرت الدكتور سيمونز بالأمر، فنقل الخبر له، وسمعت أنا وأخي الوالد يخبر الوالدة. وأرادت الوالدة أن تحطم الجرة وقالت إن المسيحي يخجل من هذا التصرف، وعلى الدولة أن تعاقب آل فينلي، وأضافت إنه خطأ السيد فينلي، فقد سمح لتلك البنت أن تعيش على هواها في كل مكان، وقالت إن السيد فينلي لن يتمكن من رفع رأسه بعد الآن". لعقت مايبيل شفتيها وقالت ببطء: "سأخبرك بشيء. على ميلدريد ولويس فينلي أن لا يظهرا في ميكسيا* بعد الآن. فهما عار على المجتمع، وهذه هي الخلاصة".

شعرت آبي بالغثيان وقالت: "لويس بعمرك. اليس كذلك؟".

"نعم. أصغر بعدة شهور. على ما أظن".

احتارت آبي فاتسعت عيناها وحكت مؤخرة رأسها. وقالت: " لا يمكن للويس أن تلد طفلا. فهي غير متزوجة يا مايبيل".

قطبت مايبيل وجهها أمام الفتيات وقالت: " بل يمكنها أيتها الغبية". أخذت نفسا عميقا وأضافت همسا: " اسمعي يا حلوة. يمكنك إنجاب ولد في أي وقت بعد بلوغ الثانية عشرة. يا للجحيم. بمقدوري أنا الإنجاب في الحادية عشرة... أنت تفكرين بعقلية رجل متعصب - وأنت يا آبي ألم تحيضي بعد؟".

"نعم. الشهر الماضي".

"حسنا. يجب أن تعرفي كيف هو الأمر إذا".

"ماذا تعنين يا مايبيل؟ أعلم ماذا؟". ثنت يدا آبي المتعرقتان أطراف ثوبها بشكل لفة قذرة. قرقرت بطنها وزحف ثقل غامض على كتفيها. وبدت خصل شعر مايبيل الأشقر بعكس السماء على نحو ملحوظ، وتحرك قليلا مبنى المدرسة وراءها.

تأرجحت الخصل وهي تقول: "حسنا. اسمعي هذا واسمعي جيدا: إذا لمسك رجل بعد حيضك ستنجبين ولدا كاملا". ضربت مايبيل راحتها على المقعد. غار اللون من وجه آبي، وسمعت صوتها يأتي من داخل مبنى المدرسة يقول: " أنت تقصدين أنه إذا طلب منك ولد أن..؟".

اهتزت خصلات الشعر بقوة وهي تقول: "هذا صحيح. وإذا فعلت ذلك ستحملين بطفل".

“وذلك حال لويس فينلي - إه، هذا هو حال حكايتها؟".

استيقظت، وعلى وجهها غطاء مبلول، وأنفاس الآنسة ناش تهب على جفنيها. شعرت آبي أنها تنسحب عن الأرض، قالت الآنسة ناش: "سأرسلك إلى البيت في بقية اليوم". عادت النبرة لما كانت عليه وقالت: "هل يمكنك العودة إلى البيت بمفردك؟".

"نعم يا سيدتي". كانت آبي تعيش وراء المدرسة، على بعد مشوار قصير.

قالت الآنسة ناش وطقم أسنانها البيضاء والصلبة تلمع أمامها: "أخبري أمك أن حرارتك ارتفعت هنا قليلا".

انتظرت السيدة هندرسون وذراعاها على وركيها حتى صعدت آبي على الدرج ودخلت في الممر البارد والمعتم. سألتها: "هل تورطت بالعراك مجددا؟. كلمتني الآنسة ناش وقالت إنك في طريقك إلى البيت، وأنك ستخبرينني بما جرى".

وجرتها السيدة هندرسون في الممر.

"أغمي علي يا أمي".

اختفت غضون أمها. ثم قالت: "آه. من الأفضل أن آتيك بشيء ما. اذهبي وارتاحي".

بصقت معظم السائل المر والماء في الكوب، وانقلبت على بطنها واستلقت بصمت حتى غادرت السيدة هندرسون الغرفة.

حالما صر الباب وهو ينطبق أغلقت آبي عينيها. ارتجفت بعنف تحت الملاءة، وكتلة متماسكة صعدت في قصبتها الهوائية، ففتحت فمها لتسمح لها بالخروج. صلت تقول: آه يا إلهي. لا تتخل عني. لا تتخل عني. سأفعل ما تريد إن لم تتخل عني. زحف الحمل الذي يثقل على كاهلها حتى ذراعيها. فتوجعت ركبتاها وفخذاها. من فضلك يا ربي. أريد أن أموت. لم أقصد ما فعلت. لم أكن أعرف. آه يا ربي. سوف يرسلونها إلى موبايل ولن تراهم بعد الآن ثانية. كان معها ابنة إميس. لكن عائلة إميس غادرت مقاطعة مايبين ولن يعود أحد منهم أبدا. كل المقاطعة تعرف آل هندرسون. سوف يرحلون إلى باربور. كلا. العم ديك بعيش هنا بالفعل. ماذا سيكون حالهم بدونها؟. شاهدت والدها عائدا من عمله إلى البيت، يبحث في الشارع عن آبي كي تسرع إليه وتشاهد معه متجر برانتلي فقط. دخل إلى البيت وتخلى عن قبعة القش. قال: أين الوالدة. قالت: هي في المطبخ يا جيم. حينما لمسها السيد هندرسون انخرطت بالبكاء. جلسا وحيدين في غرفة المعيشة ليلة بعد ليلة يتساءلان ماذا حصل لآبي في موبايل. زمجرت آبي وأطلقت كتلة أخرى من قصبتها الهوائية. كل كلمة قذرة تعرفها رنت في ذهنها. ماذا يريدون؟ ها هي: تشرف على إنجاب ولد، حسنا. يا إلهي. ماذا سيقول أبوها وأمها؟.

وماذا عن إيد دينيس؟ لم يتعمد ذلك. لم يكن ليفعل لو لديه علم مسبق. حتى اليوم كانت قد نسيت إيد دينيس بسرواله المفتوح وهو يعانقها، مر على ذلك فترة طويلة. كلا. كان ذلك في مساء الثلاثاء الماضي. كانا يلعبان كرة القدم في الباحة الخلفية، تعبا، استلقيا على الأرض وراء غرفة السيارة. فقال لها: "آبي. دعيني أراك. أريد أن أرى كيف يكون شكل البنات".

لو اكتشفوا ما جرى سيودعه الآمر في سجن البلدة المليء بالجرذان. وهذا بسببها. مسكين إد. لا يعاني من أي خطأ. تعارفا منذ ولادتهما، وحينذاك مرر إد ساقه حتى خصر آبي فتلقته - وأعلن عن حضوره فيها. فكرت بكل شيء عن إد دينيس: والده يدير محطة كاسا لوما للوقود على أطراف البلدة، ويعاني من فقدان أصبعين في يده. أما أمه فهي من أتباع الناصري المسيح. وله أختان كبيرتان....

انحنت للخلف وحدقت بالثقوب في السقف الخشبي الأزرق. عدت الشقوق، وفكرت، مثل تلك المرة هاجمتك الحمى القرمزية. عدي الشقوق وستجدين أنها عدد الأيام. وسيولد الطفل وسيلقى القبض عليك... ستسرع السيدة دي بيفي في الطرف الآخر من الشارع لتخبر السيدة بيركيت عن عار آل هندرسون وسيرمقون والدك كلما جاء إلى البيت من المكتب... وفجأة ضحكت وجلست منتصبة.

ركلت الغطاء ونهضت: لن يحدث ذلك قبل أسبوع على الأقل، وحينها ستخبئه تحت المنزل قرب المدخنة! نادت: "أمي، أشعر بتحسن الآن، هل يمكنني النهوض؟".

قال صوت السيدة هندرسون من أعماق المطبخ: "لا، ابقي مكانك قليلا."

استلقت على السرير. توترت أطراف أصابعها، وجعلتها متعبة. لكن سرعان ما غطت في نوم عميق.غير أن طمأنينتها لم تستمر طويلا. في المدرسة، كانت المناقشات اليومية مع الشعبة الثانية تؤكد ذلك: إذا أنجبت فتاة طفلا ليس من المفترض أن تربيه، لأنه سيرسل بقوة القانون إلى دار رعاية، وسيخسر والده عمله. ولن يتمكن من الحصول على وظيفة أينما ذهب لأن ما حدث سيطارده دائما. أطفال؟ أوه، إنهم ينمون داخل بطنك ويولدون عندما تذهبين إلى الحمام. إنه مؤلم جدا. أجل، أي فتى فوق الثانية عشرة يمكنه أن ينجب لك واحدا.

أقسم والدها أنه لا يعرف ما بها. لماذا أصبحت متوعكة في غضون أسبوع؟ عندما لا تكون مكتئبة، تجلس في نهاية المرآب. وعندما يناديها باسمها، تنظر إليه وكأنها تتوقع أن يضربها.

قالت السيدة هندرسون: "أوه، أنت تعرف ما الأمر يا جيم. لم يمر على التدريب فترة طويلة، ولم تعتد عليه بعد".

"لكنك شرحت كل شيء، أليس كذلك؟". ظن جيم هندرسون أنه يعرف الفتيات، لكنه لم ير قط فتاة تتحمل الأمر مثل آبي.

قالت والدتها: "كنت أظن ذلك."

عندما حدث ذلك، الحيض، كان رد فعلها الأول هو عدم التصديق، ثم الرعب. وضعتها والدتها في السرير وأخبرتها أنها ستعاني من ذلك كل شهر. كانت آبي خائفة جدا من طرح الكثير من الأسئلة، ولم تفعل والدتها أكثر من الإجابة عليها. ضحك جيم هندرسون عندما تذكر كيف جاءت آبي إليه لتتأكد. لقد عانى كثيرا ليقنعها أن الأمر طبيعي، وأن جميع الفتيات يعانين منه، وأنها لن تضطر إلى التوقف عن لعب الكرة، بل عليها فقط أن تخفف من اللعب من الآن فصاعدا. ثم قال: "على أي حال، يا آبي، أنت تكبرين."

صرخت قائلة: "لا أريد أن أكبر إذا كان هذا ما يحدث كل الوقت!"، وركضت إلى الخارج. في ذلك المساء، وجدها جيم هندرسون جاثمة خلف المرآب، ملتصقة بالجدار. لقد كان من الصعب إقناعها بالدخول. ومما زاد الطين بلة، أن الجميع في المدرسة يعرفن سبب غيابها ليوم واحد: عندما رفضت لعب الكرة في الاستراحة، ابتسم إد دينيس وقال شيئا لريموند والترز. فضحك ريموند ونظر نحو آبي. الآن، كانت تجلس كل يوم في غرفة الدراسة تحدق بذهول في بعض القصاصات البرتقالية التي ألصقها طلاب الصف السادس على السبورة. كانت تنورتها ملطخة دائما بالتراب من كثرة احتكاكها بها، ولم تتوقف راحتا يديها عن التعرق. وفي تلك الفترة الانتقالية بين اليقظة والنوم، كانت تجد السكينة، ولكن عندما تستيقظ، تعود السكينة وتحيط بها. أحيانا خلال النهار، عندما يكون هناك درس تاريخي شيق أو مباراة كرة قدم مثيرة، تنسى الأمر لبرهة. كل سبت بعد الظهر، عندما تلعب دور هوت جيبسون، تنسى، لكن الأمر يظهر على الشاشة عندما تتلاشى اللقطات الأخيرة. قالت مايبيل يوجد طبيب في المقاطعة يضعك على طاولة المطبخ ويجري لك عملية جراحية مقابل خمسين دولارا، ولكن من هذا الذي لديه خمسون دولارا؟. تذكرت يوم الأحد الذي ألقى فيه السيد ك. و. تاتوم موعظة عن الفتيات المعروضات للبيع، وكيف قال: "أيتها الأمهات، حذرن بناتكن! أيتها البنات، أطعن أمهاتكن".

كانت آبي تطمئن على الجنين في كل صباح عند استيقاظها، وتدعو الله أن يخرج عندما تضغط على بطنها. وسرعان ما جمعت المزيد من المعلومات من الشعبة الثانية. أحيانا كانت تصلها أخبار مشجعة: البطن تنتفخ ويرافق ذلك الألم أحيانا. كانت بطن آبي مسطحة لدرجة أن عظام وركيها بارزة. وباستثناء شعور دائم بالانزعاج قرابة أضلاعها، كانت تشعر أنها بخير. وعلمت أن البنات تذهبن أحيانا إلى المستشفى لإخراج الجنين والتخلص منه، لكن الثريات فقط من تستطعن تحمل التكاليف. وقد يستغرق الأمر تسعة أو عشرة أشهر ليولد الطفل، وأحيانا سنة: وهذا أكثر شيء مشجع حتى الآن - لأن لديها متسعا من الوقت.

على حد علمها، لم يشك والداها في أي شيء. يمكنها أن تتخيل النظرة المرعبة على وجه والدها لو أخبرته - ربما يحبسها في المرآب حتى تموت، أو يخبر الشرطة أنها ضلت طريقها ولم يعثر عليها إلا بعد ثلاثة أيام. ربما يخنقها بوسادة - لا، لن يفعل ذلك. سيرسلها بعيدا.

قالت ذات ظهيرة وهي تأخذ نقودها اليومية لأجل الآيس كريم وبعد أن بحثت عنه في كتاب قانون ولاية ألاباما الموجود على رفوف المكتب: "بابا، ماذا نقول عن قتل طفل رضيع؟".

"جريمة قتل".

وأفلت جيم هندرسون الجريدة وحدق في آبي.

"وهل يسجن المرء بسببها، أليس كذلك؟".

"بالطبع، إن لم يصعق بالكهرباء". وظهر خط بين حاجبيه الكثيفين الأسودين وتابع: "أنت تعلمين ذلك يا آبي. قتل طفل كقتل رجل بالغ."

"معك حق. وردت الفكرة في ذهني..."

قال: "يبدو أنك تفكرين بأمور غريبة هذه الأيام يا آبي". ثم قرر أن يصارحها. فقال: "ولكن ما بك؟ أنت كئيبة منذ أسابيع. لا تأكلين، وتبدين كالفزاعة، ولسانك سليط مع والدتك ولا تفعلين شيئا مما تطلبه منك. إن لم تتلافي ذلك، سأدهنك بالزيت وأضربك بحزامي على مؤخرتك.". وانثنت الجريدة وهو يلتقطها، ويقول لنفسه: يا لها من طفلة غريبة الأطوار.

قالت آبي وهي تنظر إلى الأرض: "مفهوم".

"حسنا، انصرفي الآن. فأنا مشغول."

سارت عبر الساحة الخضراء الصغيرة إلى عيادة الدكتور سيمونز. وقفت عند المدخل، ولعبت بالستارة ذهابا وإيابا. ثم قالت: "مرحبا، عمي تشارلي".

استدار الدكتور سيمونز فجأة وقال: “لقد وصلت لتعتني بالعيادة في الوقت المناسب تماما يا آبي. لدي زيارة واجب مع الآنسة ميتس".

لمست آبي أنفها بأصبعها قائلة: "هل ستتأخر؟".

"لا أعرف. إذا لم نعد بحلول الخامسة أغلقي الباب". نقب الدكتور سيمونز في جيبه، ووجد ربع دولار، ألقاه على المكتب وهو يقول: "مع السلامة. لا تعبثي بأي شيء". وعندما ركب الدكتور سيمونز وممرضته السيارة، قفزت آبي من كرسي الخيزران. كانت تحب التفتيش في أدراج الضمادات البيضاء، والأدوات اللامعة، والأنابيب الموجودة في الخزانة الزجاجية، لكنها في ذلك اليوم أخذت كتابا مغلفا بالجلد الأحمر وعنوانه "أمراض النساء" وبدأت تقلب في صفحاته. شاهدت أمامها صور نساء منتفخات ملفوفات بملاءات بيض، وأشياء تشبه ملاقط الثلج، وسكاكين طويلة رفيعة، وجروحا مفتوحة تنزف. ألقت بالكتاب على الأرض، وركضت إلى الباب الخلفي، وخفضت رأسها على السلالم. مسحت فمها، ثم ركضت على طول الطريق إلى المنزل، وجلست خلف المرآب حتى حلول الظلام.

خطرت لها الفكرة في الظهيرة عندما أرسلتها السيدة هندرسون إلى مخزن الثلج. حينما كانت آبي تجر عربتها على الطريق، رفعت نظرها إلى خزان مياه البلدة، وهو أطول بناء في مقاطعة مايبن. عبست للحظة، ثم لمست بطنها. قالوا إنها تستطيع سماع نبضات قلبها - نبضها ينتفض تحت يدها. كان موجودا، لا جدوى من إنكاره. لا شيء سيزيله: وحاولت ضرب معدتها مرات عديدة، لكنها لم تأت إلا عندما أصبحت جاهزة تماما. قالت مايبيل إنه يمكنك معرفة متى تبدأ الولادة، ولكنها لن تحصل إذا...

نظرت بإمعان إلى الخزان، كان وردي اللون وفضيا تحت شمس العصر المتأخرة: كتب عليه، وهو يتمايل في السماء "شركة مايبن لخدمات المياه".  سحبت عربتها نحو قاعدته وقفزت إلى الدرجة السفلية من سلم الخزان. تشبثت بجوانبه الفولاذية الرقيقة وصعدت بسرعة؛ ستظهر علامات حمراء على قدميها إن لم تسرع، فالدرجات ساخنة. في منتصف الطريق، نظرت إلى الأسفل: كانت الأرض تتحرك. نظرت إلى الأعلى: الخزان لا يزال يتمايل. أغمضت آبي عينيها وصعدت حتى اصطدم رأسها بسور الرصيف. كانت المدينة بأكملها تحتها: قبة المحكمة البيضاء ترتفع فوق أشجار السنديان المنهكة؛ سقف مكتب عمها المصنوع من الإسمنت يتشقق ويتصدع من شدة الحرارة؛ مباني المتاجر المكللة بسقف من الصفيح تبدو بشكل مجموعة حول الساحة. كان منزلها من جهة اليسار، وأشجار التوت الصيني في الباحة الخلفية الرملية، ثم مستودع السيارات القديم وبجانبه غرفة ساعات فراغها. اعتقدت أنها تستطيع رؤية السيد بن واتس وهو يسير في الشارع، لكنها لم تكن متأكدة. جاء في ذهنها قول مايبيل إن بطنها ستؤلمها قبل أن يأتي. عندما يأتي، سيكون لدي وقت لأعود إلى هنا، ربما. سيفتقدونني، لكنني لا أطيق الذهاب إلى موبايل. ضحكت ضحكة مكتومة: جعلت دموع عينيها الساحة تبدو مشتتة ومهتزة، فمسحت عينيها. ارتطمت بخدها حشرة تطير بأقصى سرعة. فقالت: "يا للهول"، ومسحت البقايا الخضراء من كمها. ستمتلئ الكنيسة الميثودية عن آخرها في جنازتها، فآل هندرسون يعرفون الجميع. سيغطي سميلاكس جوقة الترانيم - في العلية لإخفاء الآنسة إيفا كيلباتريك والأرغن عن المصلين، وسيلقي السيد ك. و. تاتوم عظته بصوت خافت. ستسير العائلة بهدوء أمام النعش المفتوح لرؤيتها للمرة الأخيرة، وستغلق حركة تصدر من والدها غطاء النعش. كان أبناء عمومتها يحملونها من الكنيسة، ويجمع حاملو النعش المحترمون الزهور، وينهض المصلون ويغادرون، لكنهم سيتذكرونها دائما.

آبي كاثرين هندرسون

مواليد 1926

توفيت 1938

أحبها يسوع.

هل تكون ميتة وهي تسقط أم عندما ترتطم بالأرض؟.

عند ارتطامك بالأرض بالتأكيد. بدت بقايا العشب الأخضر والأصفر ناعمة كقطعة قماش ممدودة على الأرض. عجيب كيف ينمو العشب في دوائر حول حفر الرمال. بدأت السماء تعتم وهي تهبط. لم تسمع سوى أنفاسها الثقيلة وصوت خطواتها الخفيفة على كل درجة. عندما وصلت إلى الأرض، قفزت ببطء بقدم ثم بأخرى لتخفف من صدمة الأرض على أصابع قدميها وساقيها. وابتسمت وهي تتجه نحو المنزل. قالت مايبيل إنه سينبهها عندما يقترب قدومه، وسيكون لديها متسع من الوقت. التقطت بعض الحجارة الرقيقة وقذفت واحدة على الأرض. رأت كلبا بنيا فضربته بحجر. ضحكت عندما عوى، ثم تنهدت بعمق. في النهاية، لا داعي للتفكير في أي شيء وأنت تسقطين.

***

.............................

* بلدة في تكساس الأمريكية.

* تمت الاستعانة جزئيا ببرنامج الذكاء الصناعي.

* ها بر لي Harper Lee كاتبة أمريكية. مشهورة بروايتها الحائزة على البوليتزر "أن تقتل عصفورا متكلما". القصة من كتاب صدر بعد وفاتها.

بقلم: حنيف قريشي

ترجمة: صالح الرزوق

***

كانت تثلج. عاد إلى البيت، نظر في ساعته، ورأى أنه تأخر، فأسرع إلى بار  معروف في نهاية الشارع. دفع الباب فقفز  نحوه كلب ألسازي (*) مربوط بسلسلة وهو يعوي. هناك أطفال صغار، أحدهم يعاني من رض ملحوظ، يطاردون بعضهم البعض على الأرض المبلولة، ويتعثرون بأقدام الكبار. علبة الموسيقا مرتفعة الصوت، وكذلك التلفزيون وأصوات المخمورين. لم يدخل إلى هنا منذ شهور، ومع ذلك رأى نفس الأشخاص. تراجع حينما صاح الساقي: "ألان. مرحبا بك. أين كنت يا صاحبي". وسكب لأجله مكيالا من الجعة. جلس ألان على كرسي في البار، وأشعل سيجارة، وشرب نصف كأسه. إذا انتهى منها بسرعة لربما يحصل على مكيال آخر . وهذا يعني أنه بدون نقود، ولكنه لماذا يحتاج الليلة للنقود؟. كان بعمر أربعة عشر عاما حينما شارك في مسرحية مدرسية عن ولادة المسيح وأنشد مع الجوقة، وقد حضرها والد أقرب أصدقائه، وكان منقوعا بالكحول، ولم ينتبه أن ربطة عنقه مبتلة بالنبيذ الأحمر، ولا تزال تنقط. أشار الأولاد له بالبنان ضاحكين، وغمر ابنه الخجل. بإيماءة شكر ألان الساقي الذي وضع المكيال الثاني بجانب الأول. كان ابن ألان صغيرا جدا ولا يعرف الخجل. في الحقيقة بدأ مايكي يقدس أباه. واحتاج ألان أن يهدئ نفسه. أما ميلاني، خليلته الحالية، والتي يعيش برفقتها لعدة سنوات، فقد تبعته  في الشارع بعد أن غادر الشقة، وقبضت على يده وألحت أن لا يذهب. وكان قد أخبرها مرارا أنه وعد ابنه بحضور المسرحية المحلية. فقد قال له مايكي: "كل الآباء سيكونون هناك". ورد ألان: "وكذلك سيكون حال أبيك وسأحضر". وبعد الكثير من الصياح ترك ألان ميلاني واقفة في الثلج. والله يعلم بأية حال سيراها بعد عودته إلى البيت، إذا كانت موجودة أصلا. عمل ألان في المسرح، ولكن ليس بصفة ممثل. وشعر اليوم أنه يأخذ دور مجرم، دور لم يكن جاهزا لتأديته. أنهى ألان الشرابين ونهض للانصراف. ستكون أول مرة يخرج فيها مع زوجته وابنه كعائلة واحدة منذ أن رحل قبل ثمانية عشر شهرا. وربما تواصل مع ميلاني بواسطة مشاعر الخوف. لكنه غير متأكد أن كلمة خوف مفردة مناسبة. وفي الطريق حاول أن يحدد مشاعره. لم يكن النفور. وتبادر لذهنه الآن وهو يقترب من البيت أنه اللوعة. شكلت كتلة ثقيلة لم يهضمها لوعة في صدره.   كان الولد يقف على كرسي بجوار النافذة. وحينما شاهد والده قفز نحو الأعلى والأسفل، وهو يصيح: "أبي. أبي. أبي" ويطرق على الزجاج المسود. مر أسبوع منذ أن رأى ألان مايكي، واعتاد أن يتوقع تغيرات تطرأ عليه. ومع ذلك كان يجد أن زيارة ابنه أمر غريب كأنه يعرج على أحد أقاربه ليشرب الشاي معه. وأكثر شيء ارتاح له هو صحبة مايكي في المقاهي. أحيانا يترك الولد مقعده ويعدو في أرجاء المكان ليريه ارتفاع قفزاته، ولكنهما غالبا يجلسان ويعقدان محادثة مثل صديقين، وخلالها يوجه له مايكي أصعب الأسئلة.

قالت له آن عند الباب: "لقد تأخرت. وكنت تشرب". وارتجفت واتسعت عيناها بنظرة ثابتة. كان يعرف هذه التصرفات الوجيزة. نوبة الغضب المفاجئ التي انتابتها في يومها، وبالعادة حينما يتوجب عليها أن تطلب شيئا. مر ألان من جوارها وهو يقول: "شجرة عيد ميلاد جميلة". أقعى وألقى مايكي نفسه بين ذراعيه. كان يرتدي بنطالا بالدانتيلا وبلوزة تريكو. قدم لألان قبعة بنية من الصوف. ذهبت آن لتأتي بمعطفها. جر ألان القبعة لتغطي وجه مايكي، ثم حمله وهو يكافح ويصيح، ودفن وجهه في بطنه. لم يكن ألان يحب الشارع، ولا المنطقة ولا البيت. كانت تترك عليه نوعا من الإحساس بالذنب. حينما يزور المكان يشعر أن عليه أن يصعد إلى الطابق العلوي، ويستلقي على السرير، ويغلق عينيه ويتابع حياته القديمة، كما لو أنها قدر وواجب مفروض. آن لا تزال تلومه على رحيله، ولكن  لا يرى ألان لماذا لا تستوعب أن هذا أفضل لكليهما. قال مايكي حينما انضمت آن لهما: "خذ منها قبلة. قبلها".

"ماذا؟".

"قبّل ماما".

نظر ألان إلى زوجته. كانت قد خسرت بعض وزنها، وأصبح وجهها مدببا عند ذقنها لأول مرة منذ سنوات. كانت تلتزم بحمية، كما يبدو أنها تفرض الجوع على نفسها. كان وجهها ملطخا بمستحضرات أو مساحيق بيضاء. وشفتاها حمراوان. لم يسمح لها باستعمال طلاء الشفاه، فهو لا يحب أن تلوث به وجهه. لاحظ أن ثيابها أفضل، ومن المفترض أنها تنفق من نقوده. لم تكن تنام في البيت كثيرا، وهو يعلم ذلك. وكانت أمها تمكث مع مايكي، بدون أن تعرف - أو أن آن لا تقول لها - متى ستعود. ضغط شفتيه على شفتي آن لدقيقة. فلمست بعطرها ومضة من ذكريات لا يتحكم بها، ودعته للارتجاف. حاول أن يفكر بآخر مرة لمس فيها أحدهما الآخر. لا بد أن ذلك حصل قبل شهرين من رحيله. وتذكر أنه توقع حينها أنها ستكون آخر مرة. كان الجو معتما حينما غادروا. أمسك مايكي أيديهما وهما يؤرجحانه ببنهما. واستحسن ألان أنه كان يثرثر. خارج المدرسة برز الآباء المتأنقين من سياراتهم ومروا من البوابة في الطقس المثلج. لاحظ ألان بدهشة بالغة كيف كان الأطفال مبتهجين وكيف كانت تنطلق ضحكاتهم بيسر وسهولة، بينما تبادل الآباء المجاملات الضرورية فقط. هل كان شخصا كئيبا على نحو خاص؟. أكدت خليلته ذلك فرد عليها: "إذا كنت كذلك فهذا بسببك". بالتأكيد تنتابه مشاعر الكآبة. ربما نتيجة عمره. في الداخل الجو دافئ ومشرق، حتى المعلمين كانوا مبتسمين. تبسم ألان لنفسه، وتخيل كيف يفكر الآخرون، وهم يرونه برفقة آن. في هذه الأيام كان من غير المعتاد رؤية زوج وزوجة معا.  تبادل معها عدة كلمات دافئة كاستعراض أمام الحضور. أدى العرض أولاد بعمر ثماني وتسع سنوات، مع أطفال أصغر بدور الرعاة وكذلك الأشجار والنجوم. علقت سماء ملونة بين أيدي مكانس قصيرة رفعها ولدان صغيران. أما الملائكة فقد كانوا بأجنحة من الورق المقوى وبأزياء مصنوعة من شبكة من الستائر. في العام التالي سيبلغ مايكي عمرا كافيا ليشارك بالعرض.  منذ عدة أسابيع سأل المعلم ألان عن رأيه حول عرض المسرحية. كان ألان مديرا في جماعة مسرحية جوالة صغيرة. أحب التقارب العاطفي الذي ساد بين الممثلين.  ولا يزال يحب بهجة "العرض"، وذلك الترابط الدافئ بين الزملاء على الخشبة من جهة وأولئك المتحمسين الذين غادروا بيوتهم للمشاهدة من جهة. كان هناك نوع من الخوف المحسوس الذي وحدهم جميعا، والذي جعل المسرح شيئا مختلفا عن السينما. كان أجره في عمله شحيحا، بالطبع. وبعض الممثلين الذين عمل معهم ظهروا في التلفزيون: تزوج المخرج من امرأة غنية. أما ألان فلم يكن يتقاضى أجرا آخر. وكانت خليلته ميلاني ممثلة. كانت حاملا وقريبا لن تتمكن من العمل لبعض الوقت. عندما بدأ العرض فحص ألان جيبه. كان قد أحضر معه منديلا، قطعة قماش مناسبة أعطتها له آن، بدون تفسير، منذ سنوات. ولكنه لم يخرج ومنديل جيب معه منذ آخر عام له في المدرسة. وكان طيلة فترة ما بعد الظهيرة يخشى أن يسبب له صوت الأولاد الانهيار. وليحسن من معنوياته فكر بوالده، في الكنيسة في عيد الميلاد - ولكنه لم يذهب إلى الكنيسة غير مرة واحدة - وهناك أنشد بأعلى صوته ولم يهتم أنه تجاوز نغمة الآخرين. قال له الأب إنهم يحتفلون، ولا يسجلون إسطوانة لشركة دويتشي غرامافون. صاح الآباء وضحكوا خلال العرض، والصغار مثل ابن ألان هتفوا بمرح وحبور. قارن ألان نفسه مع من يعرفهم هناك. حياه عند الباب رجل قال له: "يمكنني أن أشرب كأسا أيضا، ولكنني ممنوع عنه". ثم ذكره الرجل بشخص اعتنى من أجله بسيارته مرتين، ولكنه لم يتعرف عليه، فقد كان نحيلا وضعيفا، وبرأس حليق. قال له الرجل: "على الأقل تبدو بحالة طيبة، تبدو بحالة طيبة". ابتعد ألان دون أن يشعر بالراحة، وحينما أصبح على الخشبة انتبه أن الرجل مريض. جلست هناك امرأة في الصف المجاور. وسمع ألان في وقت مبكر من السنة من أحد المعارف أنها ألقت بنفسها عارية من النافذة، وهشمت وجهها وكسرت أضلاعها، قبل أن تنقل إلى المستشفى بقميص المجانين. جلست امرأة غيرها بعدها في نفس الصف، وتجاهلته، أو لعلها لم تشاهده. وقد رافقته كثيرا في الحديقة، حينما كان أولادهما يلعبون. وأخبرته أنها ستنفصل عن زوجها. كان قرنا مجرما، ولكن هنا في هذه الزاوية المريحة من الأرض، وبمعجزة، سلم معظمهم من الأذى. وأنشد لأجل هذه المنة، وهو يتساءل، رغم كل شيء لماذا هم غير سعداء. لم تحمل ميلاني لفترة طويلة، ومع ذلك تبدل جسمها، وفقدت روحها المؤنثة البسيطة. مع خصرها البدين شعرت بالثقل وزعمت أنها مجبرة على المشي كما لو أنها 'تتبختر'. لم تكن في ذلك الوقت تعمل، ولذلك لم يكن يهم أنه عليها أن تعود إلى سريرها في الصباح. حينما لا يتخاصمان يجلس معها، ويتناول إفطاره. حصلت على موعد في اليوم التالي، لأجل الإجهاض. وعليه أن يلتقي بها ويقلها في اليوم الذي بعده. قبل وقت طويل تورط بإجهاضين آخرين. تجنب الأول بالانفصال ومرافقة امرأة أخرى. من الثاني يتذكر فقط كيف استلقت المرأة على الأرض وانخرطت بعد ذلك بالبكاء. ويذكر أنه جلس أمامها في الغرفة وعيناه مغلقتان، وهو يعد من الألف حتى الصفر. وعلى الفور انتهت العلاقة. وحياته مع ميلاني ستنتهي كذلك. يبدو أن استمرارها بلا معنى. لماذا من المهم استمرار العلاقات؟. في مساء الغد سيتحطم أمله. لا يمكنه أن ينتقل من امرأة لغيرها بعد الآن. أصبحت نقاشاتهما مريرة والمصالحة لم تعد حلوة الطعم. فطردها من الشقة، وألقت هي إلى الخارج صورة أعطته إياها زوجته. فألقى ألان بعض ممتلكاتها في الشارع. لعدة أسابيع وهما يتعاركان، ويخرجان إلى العالم كما لو أنهما هربا من النار، جلدهما مسود، عيونهما تحدق، دون معرفة بما يجري. هل سيمكثان معا إلى الأبد أم حتى الغد؟. نظر نظرة جانبية إلى زوجته، من فوق رأس الصبي الذي ربطهما معا حتى الأبد، وكان ألان يعلم أنه لن يرتكب غلطة مماثلة ثانية. خلال فترات المزاج الأفضل كان يتكلم هو وميلاني مع الطفلة التي كانت في رحمها وينتقيان أسماء لها. وعقدا العزم على إنجاب طفلة بغضون سنوات.  ولكن الطفلة ليس ثلاجة يمكنك أن تشتريها إذا أردت، أو حينما يكون لديك ثمنها. لكن للطفلة التي في بطنها وجه منذ الآن. أمام المدرسة، وحينما كان الثلاثة يمشون، شاهد ألان عربة سوبرماركت.  وعلى الفور حمل مايكي، وألقاه فيها، وجرى معه على طول الممشى. في عتمة المساء الباكر ترددت صيحات الطفل السعيد الذي جلس القرفصاء في العربة وهي تقعقع وتلتف عند المنعطفات وتقفز في الحفر، ومعها صيحات آن التي تعدو خلفهما بمحاولة للحاق بهما. وصلوا سريعا إلى البيت ضاحكين ومقطوعي الأنفاس وحرارتهم مرتفعة. أغلقت آن أغطية النوافذ وأشعلت أضواء شجرة عيد الميلاد. تبدلت الغرفة بعد زيارته الأخيرة. ليس فيها غير أشيائها. ولم يتبق شيء منه. سكبت لألان كأس براندي. ابتلع ألان عصيره. وقالت له آن إنه بإمكانه تناول لوح شوكولاتة من الشجرة بشرط أن يتقاسمه معهما. وهم يتكلمون عن مسرحية ميلاد المسيح لاحظ ألان أن ابنه قلق وغير واثق، كما لو أنه غير متأكد من عليه أن يختار من بين والديه، وشعر أنه لا يستطيع تفضيل أحدهما دون إزعاج الآخر. وفي النهاية نهض ألان ليغادر. 

قالت آن: "آه. نسيت. اشتريت بعض فطائر اللحمة وزبدة البراندي. لا أعلم لم أتعبت نفسي ولكن فعلت ذلك. أنت لا زلت تحبها. أليس كذلك؟. سأضعها في طبق واحد لتتقاسمها مع مايكي. هل يناسبك ذلك؟". ذهبت لتسخينها. أخبر ألان ميلاني أنه لن يتأخر. وتوجب عليه أن يعود إليها. كم أن آلة التخيل مرعبة. إذا كانت مزعجة اليوم قد يرتكبان غدا أمرا لا يمكن تصحيحه. وخشي أن يكون ذهنها قد عقد عزمه وانتهى الأمر. قالت آن بعد عودتها: "يبدو كأنك على عجلة". فقال: "سأنهي شرابي وأتناول واحدة من هذه الفطائر، ثم أنصرف".

قالت: "هل ستأتي في يوم عيد الميلاد؟".

هز رأسه. قالت: "ولا حتى لمدة ساعة؟ لا يمكنها أن تفترق عنك أبدا. أليس كذلك؟".

أجاب: "أنت تعلمين كيف هي".

نظرت إليه بحنق وقالت: "كيف يبدو الأمر وأنت لا تستطيع إنفاق بعض الوقت مع ابنك؟".

لم يقدر أن يقول أن ميلاني تريد منه أن يخصص يوم عيد الميلاد لها، وإلا ستنفصل عنه. لزم مايكي الهدوء، وراقبهما. قالت: "طال الوقت مع هذه المرأة. هذا وقت طويل بالنسبة لك".

"نعم. الأمور تمضي بشكل جيد. وسننجب طفلة أيضا".

قالت بعد فترة: "أفهم ذلك".

فقال: "وأنا بغاية السعادة".

أخبرت ميلاني عددا من صديقاتها أنها حامل، وتابعت الكلام عن الموضوع بالهاتف. لكن كانت آن أول من أخبرها.

قالت: "كان بمقدورك أن تتريث".

قال: "لماذا؟. للأسف لم أتمكن من التريث. وأنت تعرفين مثل هذه الظروف".

"لماذا تكرر هذا الكلام؟".

"ولكنها الحقيقة. وها أنت تتعايشين معها".

قالت: "سأفعل ذلك. شكرا". ثم أضافت: "لن ترغب بعدها برؤية مايكي كثيرا".

"بل يجب أن أراه".

"لماذا؟".

قال: "ولم لا؟".

"لأنك تركتنا. ولم يبق لي سواه. أما هي فلديها كل شيء".

"من؟".

"خليلتك".

قال: "اسمعي. سنناقش ذلك فيما بعد".

ونهض وخرج إلى الردهة. عند الباب تمسّك الولد بذيل معطف ألان قائلا: "ابق هنا معنا إلى أبد الآبدين آمين".

قبله ألان وقال: "سأعود قريبا".

قال مايكي: "يمكنك أن تنام في سرير ماما".

"افعل ذلك عوضا عني".

وضع مايكي قطعة شوكولا في يده وقال: "إذا جعت وأنا نائم ستنفعك". وأردف: "سأكلمك خلال غيابك. سأكلمك وستنقل الأرض كلامي".

قال له ألان: "وسأسمعك".

وقف ابنه وراء النافذة، وهو يلوح له ويصيح. وأمكنه رؤية زوجته واقفة خلفه في الغرفة، وكانت تراقب ابتعاده.

من البيت ذهب إلى البار. وطلب البيرة والعصير. ولم يتذكر أنه بدون نقود إلا بعد أن وضعهما الساقي أمامه. اعتذر ومع أن الساقي بدأ يهمهم استدار وانصرف. وكان الطقس باردا. كل شيء متجمد. معدن السيارة، النسغ في النباتات، الأرض بذاتها. مر من شوارع مألوفة، لكنها تبدو غير مألوفة بسبب الثلوج. العديد من البيوت مظلمة، بدأ الناس بالسفر. ومع تزايد الثلج، هبط أيضا صمت نادر وغير معتاد على المدينة. أسرع بالحركة، ملوحا بذراعيه داخل معطفه ليشعر بالدفء. فكر بالرجل المحتضر الذي قابله عند باب المدرسة، وبالحالة المزعجة بسبب عدم تعرفه عليه. وأراد أن يراه ليقول له، كلنا نتبدل ويلحق بنا التغيير، يوميا. وهذا يعني هذا فقط.  وبالتأكيد اعتقد ألان أنه فهم شيئا عن نفسه بعد تبدله. من نقطة ما أصبح العالم رمادا. ويمكنك كذلك أن تتحول إلى تراب إذا أحرقت كل أمل لك، وكل شهية ورغبة. ولكن لتحيا، بمعنى ما، يعني أن تؤمن بالمستقبل. لا يمكنك أن تستمر بالعودة إلى نفس المكان القذر. جرى على الدرج نحو البيت. كان الضوء مشعا. يعلم أن الأمور على ما يرام إذا كانت بالثوب الذي قدمه لها. في المطبخ كانت تسخن فطيرة كويشي فرنسية وتجهز السلطة. نظرت إليه بدون عداء. لكنها لم تتكلم ولم يتكلم أيضا. راقبها، ولكنه صمم أن لا يستسلم لها. اعتقد أنه إذا تخلى عن رغبته بها، يمكنه أن يعيش. وفي نفس الوقت أدرك أنه بدون رغبة لا يوجد شيء. جلس هناك، وهو يفكر أنه لم يدرك قبل الآن أنه الحياة قد تصبح مؤلمة جدا. وأدرك أيضا أنه لا يمكن لأي كمية من الشراب و لا المخدرات ولا التأمل أن تحسن الأمور إلى الأبد. وتذكر عبارة لسقراط تعلمها في الجامعة وهي: " لا يمكن للرجل الطيب أن يعاني من الشر، لا في الحياة ولا بعد الممات". وتكلم فتغنشتاين على سبيل التعقيب عن مشاعره "بالأمان التام". سيتأكد من ذلك. ربما فيها شيء له، بعض "الأمان الداخلي" النهائي. ارتديا الثياب الليلية وفي الختام وصلا إلى مكانه المفضل، سريرهما. فتح ثوبها ووضع يده على بطنها وعانقها. لبعض الوقت استسلمت لذراعيه وهو يلمسها. ثم لمسته برفق، قبل أن تستدير وتغط بالنوم. بدأ يفكر بابنه النائم، كما يفعل دائما في هذا الوقت. وتساءل إن استيقظ مايكي وهو يكلمه حاليا "ويرسل كلامه عبر الأرض". وأراد أن يذهب ويقبل ابنه قبلة تصبح على خير، كما يفعل بقية الآباء. ربما سينجب ابنا آخر، وسيكون مختلفا. تلفت في الغرفة. لم يجد فراغا يكفي خزانة، كانت ثيابهما مكومة على طرف السرير. وعلى كرسي بجانبه يضيئه نور مائل، نسخة من "آمال عظيمة"، وزجاجة زيل للتدليك يغلفها طبقة من الغبار، ونظارته الخاصة بالقراءة، وكوب فيها بقايا نبيذ، ودفتر ملاحظات. كانت حياته وذهنه مشغولين وفكرة الجلوس في السرير ليكتب يومياته، أو ليقرأ، أشبه برفاهية لا يمكن بلوغها، عبارة عن أمثولة عن الهدوء المستحيل. ولكن أيضا يبدو ذلك النوع من العزلة مثل انتظار شي سيبدأ. أراد أن يكون قلقا، وتحقق ذلك. وهو يعلم أن نفورهما عميق ويواصل التعمق. ولكن كان هو وميلاني خائفين وليسا متآمرين. وبطريقتهما الحمقاء كل منهما يقاتل ليحمي نفسه. يمكن للحب أن يتبدد في لحظة، مثل ضرب شبكة عنكبوت بعصا. ولكن الحب مزيج، ولا يمكنه أن يكون نقيا. وهو متأكد من وجود ما يكفي من الحب والدماثة بينهما، ولا يمكن لأي حب أن يضيع.

***

.......................

* كلب الراعي الألماني.

* حنيف قريشي :Hanif Kureishi كاتب بريطاني من أب باكستاني.  بدأ حياته بنقد حياة الضواحي والطبقات الشعبية واللاجئين، ثم بدأ بالتدريج يميل لموضوعات فلسفية عن مشاكل الهجونة والحضارة والسوق في الغرب. لا يزال يرفع صوته ضد السياسة الاستعمارية والتمييز بين الأعراق. من آخر أعماله "ممزق"، وهو مذكراته عن صراعه مع مرض الشلل. من أعماله المشهورة "بوذا الضواحي" رواية، "مغسلتي الجميلة" سيناريو، "جسد" نوفيلا، وغير ذلك.

 

بقلم: الكساندر بوشكين

ترجمة: الدكتور إسماعيل مكارم

***

مقطوعة

نافورة قصر بختشي سراي

***

آهٍ يا نافورة الحُب، أيتها النافورة الرائعة!

جَلبتُ لكِ وردَتيْ جوري كهدية.

آهٍ كم أحِبّ حديثك ِ الذي لا ينقطع

وأعشقُ هذه الدّموع الشاعرية.

**

أمّا رذاذك اللجيني

فهو يَرشني بهذا الندى البارد.

آهٍ أيها النبعُ، هيا رشني برذاذكَ العذب ِ.

وَدَدْتُ سَماعَ خريرك الجميل ليحدثني عن الماضي.

**

يا نافورة الحب، أيتها النافورة الحزينة !

لقد ساءلتُ حَجَرَ الرّخام هنا

قرأتُ فيه مَديحا لتلك البلادِ البعيدة،

غير أنك تلتزمين الصّمت، لا تتكلمين عن ماريا...

**

يا نجمة َ نِساء هذا القصر! (1)

ترى هل أنتِ اليومَ مَنسية هنا؟

أم أنّ ماريا وزاريما

هما صورتانِ لأمنيات ٍ سَعيدة؟

**

أو كلّ هذا حلم أوجده الخيالُ،

رَسَمه في ظلمةٍ خالية،

مُعبرا عن رؤى خاطفة

لنبراس ٍ غامض ٍ لأجل الرّوحْ؟

***

ضيعة ميخائيلوفسكويه

1824

....................

* دون الكساندر بوشكين كما نرى هذه المقطوعة أثناء إقامته في منفاه الأخير في ضيعة ميخائيلوفسكويه. ما هي حكاية هذه القصيدة؟

تعتبر هذه القصيدة من روائع الكساندر بوشكين في عالم الشعر الرومانسي، إذ تتضمن القصيدة صورا عن حكاية حب كانت بين أمير جزيرة القرم وإثنتين من ساكنات قصره من الجواري هما ماريا وزاريما.

لقد زار بوشكين قصر بختشي سراي الواقع في جزيرة القرم عام

1820، حيث توجد نافورة هذا القصر، وتعددت مسميات هذه النافورة....

إذ حسب الروايات المحلية سميت نافورة الحب، وسماها البعض نافورة الدموع، بينما في زمن حكم الأمير التتري للجزيرة سموها نافورة السلسبيل. أثناء زيارته لهذا القصر تقدم الكساندر بوشكين نحو حافة النافورة ووضع وردتي جوري كهدية ترمز الى ماريا، وزاريما، حيث تذكرهما الحكايا الشعبية، كانت زاريما المرأة المشتهاة لأمير الجزيرة، وهي من أصول قوقازية، تقول الحكايا أنها كانت من جورجيا، بينما ماريا فهي أميرة بولونية وقعت في الأسر عند غزو امير الجزيرة وزلمه لأراضي بولونيا.وفيما بعد احتلت ماريا المكانة الأولى لدى حاكم الجزيرة أمير قصر بختشي سراي.

الكساندر بوشكين طبعا لم ير القصر بابهته، وعظمته، وجماله كما ورد في الحكايا الشعبية، بل شاهد أثرا لصالات هذا القصر، وأثرا لتلك النافورة. لذا نراه من جديد من صتع خياله يعيد ذكرى هذا القصر وذكرى الجاريتين ماريا وزاريما من نساء هذا القصر، الذي أصبح تاريخا... ما لفت نظري هي التسمية القديمة لهذه النافورة (السلسبيل).

** في السادس من شهر حزيران تصادف ذكرى ولادة الشاعر الروسي الكبير الكساندر بوشكين لعام 1799 لذا في نشركم لهذه القصيدة إنما تشاركون جميع المهتمين بعالم الشعر والإبداع بإحياء هذه الذكرى الجميلة. لكم إحترامي.

هوامش ومصادر:

1. في النص الروسي يستعمل بوشكين كلمة (الحريم) إذ يقول: يا نجمة هذا الحريم...

2. تمت ترجمة القصيدة من النص الروسي الأصلي. حافظنا على عدد السطور والمقاطع، وحافظنا على روح النص الروسي.

 

 

 إيليا ليونارد فايفر (هولندا)

ترجمة مهدي النفري (هولندا)

***

في البنفسجِ كانت عروسيَ المشتهاة، وفي الأحمرِ استلقتْ على الأريكةِ يلتفُّ حولها جنونٌ غامضٌ كأنه لبلابٌ بري، وفي الأزرقِ كانت تجلسُ على الفراشِ ساكنةً كصورةٍ يُؤطّرها الغياب، وما رأيتُ ثغرَها بَاسماً بأصدقَ مما كان عليه في الأصفر، أصفرَ غازل البرتقاليَّ فاشتعلَ دفئاً، فإذا اعتمرتْ قُبّعةً غدتْ خطراً يُتقى، وإذا ارتدتْ فستانَها الأخضرَ مالتْ اتكاءً على شُرفاتِ (أمالفي)* الحجرية يرتدُّ خلفَها أزرقُ بحرٍ هو أصفى ما رأيتُ في عمري وهي تلتفتُ إليّ بنظرةٍ أُودِعتْ سرَّها وحدَها، وفي السوادِ كانتْ شفافة كأنها طيفٌ من نور، وفي جلدِ الفهدِ كانت دانيةً كفَرِيسةٍ تترقّب، وفي الأبيضِ كانت هي الصيفَ بكبريائهِ وتستحقُّ ارقى رشفة مما حَوَتهُ الكؤوس، بَخَطَواتِ تنّورتِها كانت تُثخِنُ في القلبِ جراحاً، وببنطالِها القصيرِ كانت تقفُ شَامخةً كصَرحِ مَعبد، لم ترتدِ البنيَّ قط ولكنّ الجزماتِ. يا الهي كم كان يَعلو بها البهاءُ حين تنتعلُها كأنها آنيةٌ من بلّورٍ صُبّتْ لزهرةِ أوركيد، كانت تبدو ككائنٍ رشيقٍ لم تخلقهُ إلّا مخيّلتُها، وكانتِ الريحُ تشرقُ شَقراءَ حَيثما حلَّتْ، وأنا. ما كنتُ لأرتوي ولا كان بَصري يكتفي من طُولِ التأمُّلِ في فِتْنَتِها.

***

......................

* أمالفي (Amalfi) هي بلدة ساحلية تاريخية تقع في جنوب إيطاليا(المترجم)

إيليا ليونارد فايفر (1968) هو شاعر وروائي وباحث كلاسيكي هولندي بارز ويُعد من أهم الأصوات الأدبية المعاصرة في هولندا. يشتهر بأسلوبه الغني والمكثف، وحازت روايته الشهيرة غراند الفندق الكبير (Grand Hotel Europa) على إشادة عالمية واسعة.

سوزان ويليامز

عن الإنجليزية: سوران محمد

***

أنا...

جبلٌ شامخ في الأفق البعيد،

وادٍ يعتلي ضبابه النهر الصامت،

شلالٌ يتهادى بين الصخور بعنفوانٍ ،

وجدولٌ يهمس فوق حصى النهر الملساء،

غابةٌ عتيقة، مظلمة، تختزن أسرار الزمن،

ومرجٌ ذهبي، يرقص مع أنفاس الريح.

*

لكن قبل كل شيء...

أنا

شفاهُ ضوء القمر على وجهك،

وأصابعُ نسيم الليل البارد تداعب شعرك.

*

أنا

الشمسُ التي تشرق في عينيك مع أول الفجر،

وتسكن دفءَ النهار في قلبك.

*

أنا

الفكرة التي تطوف في ذهنك بلا استئذان،

والذكرى التي تعانق أحلامك كل مساء،

والحلم الذي لا يزول، مهما طال الزمان.

بقلم: حنيف قريشي

ترجمة: صالح الرزوق

***

بدأ الأب يفتش غرفة نوم ابنه وهو بغاية التشاؤم. كان يجلس هناك ساعات، يجهد نفسه بالبحث عن أدلة فقط. ما حيره أن علي أصبح مرتبا. وعوضا عن كومة الثياب والكتب ومضارب الكريكيت وألعاب الفيديو أصبحت الغرفة أنيقة ومرتبة، وظهرت المساحات الفارغة بدل الفوضى المعتادة في السابق. أول الأمر أسعد ذلك برويز: كان ابنه يخرج من حالة مراهقته. ولكن في أحد الأيام وجد برويز بجانب علبة النفايات، حقيبة ممزقة تحتوي على الدمى القديمة، بالإضافة إلى أقراص كومبيوتر، وأشرطة فيديو، وكتب جديدة وثياب عصرية أحضرها الولد قبل عدة شهور. وبدون تفسير أيضا، انفصل علي عن صديقته الإنكليزية التي اعتادت أن تأتي مرارا إلى البيت. وتوقف أصدقاؤه القدماء عن مخابرته. لعدة أسباب لم يفهم برويز ما يجري، ولم يتمكن من فتح موضوع السلوك غير المعتاد مع علي. ولكنه أدرك أنه خائف قليلا على ابنه، والذي أصبح لسانه حادا إلى جانب فترات الصمت الطويلة. ومما قاله برويز ما يلي: "أنت لا تعزف على الغيتار منذ مدة". ونجم عن ذلك التعليق رد غامض ونهائي فقد قال له: "لدي أشياء أهم تنتظر الإنجاز".

شعر برويز بغرابة ابنه كما لو أنه ظلم مسلط عليه. كان دائما يفكر بالسقطات التي يتورط فيها أبناء الرجال الآخرين في إنكلترا. وكان يجهد نفسه من أجل علي بساعات عمل طويلة وينفق الكثير من النقود لقاء تعليمه حتى يصبح محاسبا. اشترى له بذات جيدة، وكل الكتب التي طلبها بالإضافة إلى كومبيوتر. ولكن الولد رمى كل ممتلكاته الآن في قارعة الطريق. وتبع الغيتار التلفزيون ومجموعة الموسيقا. وسرعان ما أصبحت غرفته عمليا عارية. حتى الجدران الشقية حملت ندوبا في مكان صور علي التي تمت إزالتها. امتنع النوم على برويز. وبدأ يميل لزجاجة الويسكي، حتى وهو يؤدي عمله. وأدرك أنه من غير المجدي مناقشة الموضوع مع أي شخص يتعاطف معه. كان برويز سائق سيارة أجرة لعشرين عاما. عمل نصف المدة بخدمة نفس الشركة. ومثله كان معظم السائقين من البنجاب. يفضلون العمل في الليل، فالطرق تكون أقل ازدحاما والأجر أعلى. ينامون في النهار، ويتجنبون زوجاتهم. وفي مكتب السيارات يعيشون حياة الذكور الصغار تقريبا، يلعبون الورق ويتبادلون فكاهات عادية، والقصص المستهجنة، ويأكلون من طبق واحد، ويناقشون السياسة وما يعترضهم من مشاكل. ولكن لم يكن برويز قادرا على مفاتحة أصدقائه بهذا الموضوع. فقد غلبه الخجل. والخوف أيضا من أن يلوموه على المنعطف الخاطئ الذي أخذه ابنه، مثلما انتقد الآباء الآخرين الذين اعتاد أبناؤهم على العبث مع البنات السيئات، والتخلي عن المدرسة والانضمام للعصابات. لسنوات وبرويز يفتخر أمام الآخرين بعلي وإتقانه للعبة الكريكيت، والسباحة، وكرة القدم، وكيف تفوق في علومه، وحصل على درجة (أ) طويلة في معظم المواد. والآن يبدو حصوله على عمل جيد والزواج من فتاة مناسبة لتأسيس عائلة، وكأنه طلب ثقيل؟. ما أن يتحقق ذلك سيكون برويز سعيدا. وستتحول أحلامه بالنجاح في إنكلترا إلى حقيقة واقعية.

أين الخطأ؟.

ولكنه كسر صمته في إحدى الليالي، وهو في مكتب سيارات الأجرة، جالسا على الكراسي المنهكة مع أقرب صديقين له، لمشاهدة فيلم سيلفستر ستالوني. انفجر قائلا: " لا يمكنني أن أفهم. كل شيء تلاشى من غرفته. ولا يمكنني أن أتكلم معه. لم نكن أبا وابنه - كنا أخوين!. أين ذهب ذلك؟. لماذا يعذبني هكذا؟". ثم دفن برويز رأسه بين يديه. وحتى وهو يشرح التفاصيل هز الرجلان رأسيهما ومنحاه نظرات تدل على الفهم. ومن نظراتهما المحبطة أدرك برويز أنهما استوعبا موقفه. فألح قائلا: "أخبراني بحقيقة ما يجري".

كان الجواب تقريبا مؤثرا. فقد تكهنا بوجود خطأ ما. وهو ينجلي له الآن. والخلاصة أن علي يتناول المخدرات ويبيع ممتلكاته ليسدد الثمن. ولهذا السبب تحولت غرفة نومه إلى حجرة فارغة.

قال: "ماذا يجب أن أفعل إذا؟".

نصحه صديقاه بمراقبة علي عن قرب، وأن يكون واضحا وحادا معه، قبل أن يصيب الولد الجنون، أو يتناول جرعة زائدة، أو يرتكب جناية قتل. تخبط برويز في هواء الصباح الباكر المنعش، والخوف يغمره لو صح هذا الكلام. ابنه - مدمن مخدرات وقاتل. وأراحه أن يجد بتينا جالسة في سيارته. بالعادة آخر الزبائن في الليل هم من 'السوداوات' المحليات أو العاهرات. كان السائق يعرفهن جيدا، وغالبا يقودهن إلى مواعيدهن. وفي خاتمة أعمالهن، ينقلهن إلى بيوتهن. وأحيانا تنضم النساء إلى جلسة ااشراب في المكتب. وفي بعض الأوقات يرافق السائقون البنات. وهو ما يسمى 'توصيلة مقابل توصيلة'. تعرفت باتينا على برويز منذ ثلاث سنوات. عاشت على مشارف المدينة وفي رحلتها الطويلة إلى بيتها، كانت لا تجلس في كرسي الركاب ولكن إلى جانب برويز، وكان كلاهما يتبادلان الكلام عن حياتهما وآمالهما. وكانا يتقابلان في معظم الليالي. كان يكلمها عن أشياء لا يمكنه مناقشتها مع زوجته نفسها. وبدورها تخبره باتينا دائما عن نشاطاتها الليلية. وكان يحب أن يعلم أين كانت وبرفقة من. وفي إحدى المرات أنقذها من زبون متوحش، ومنذئذ والواحد منهما يعتني بالآخر. ومع أن باتينا لم تشاهد ابنه علي، سمعت عنه باستمرار. في تلك الليلة المتأخرة، حينما أخبر باتينا أنه يشتبه بإدمان علي على المخدرات، لم تحكم لا على الابن ولا أبيه، وأصبحت مثل امرأة عملية وأخبرته كيف يجب أن يراقبه. قالت: "كل شيء موجود في العينين". قد تكونان محمرتين، والحدقتان قد تكونان واسعتين، وربما يبدو مرهقا. ويمكنه أن يكون جاهزا للتعرق، أو يتعرض لتبدل مفاجئ بالمزاج. وأنهت كلامها: "هل فهمتني؟".

بدأ برويز ينتبه وهو ممتن لها. الآن يعرف أين المشكلة، وتحسنت مشاعره. وتوقع بالتأكيد أن الأمور لا يمكنها أن تتطور كثيرا؟. وبمساعدة باتينا سيتمكن من حل الموضوع. باشر بمراقبة كل لقمة يملأ بها الولد فمه. وكان يجلس بجانبه كلما سنحت الفرصة وينظر بعينيه مباشرة. وكلما أمكنه يلتقط يد الصبي، ليقدر حرارته. وحينما لا يكون الولد في البيت يتحرر برويز من كافة قيوده، وينظر تحت السجادة، في أدراج ابنه، وخلف الخزانات، ويشم الهواء ويفحص كل زاوية وينبش في كل مكان. كان يعرف عما يبحث: فقد رسمت له باتينا شكل المضغوطات والحقن والحبوب والمساحيق والقطع الصلبة. وكانت تنتظره كل ليلة لتستمع لما لديه من أخبار ومشاهدات. بعد عدة أيام من المراقبة المستمرة، أمكن برويز أن يؤكد أن الولد تخلى عن ممارسة الرياضة، ولكنه يبدو معافى، بعينين صافيتين. ولم يكن يرتجف أمام نظرات أبيه من الشعور بالذنب حسب التوقعات. وفي الحقيقة كان مزاج الصبي حذرا ولكنه مستقر بمعنى من المعاني: بالإضافة إلى تماسكه كان متيقظا جدا. يرد على نظرة والده بشيء يتجاوز النقد، والمواجهة أيضا، وبدأ برويز يشعر أنه هو الطرف المخطئ، وليس الولد.

سألته باتينا: "ولم تلاحظ شيئا آخر مختلفا؟".

فكر برويز لحظة وقال: "كلا. عدا أنه أطلق لحيته".

في إحدى الليالي بعد جلسة استغرقت طيلة الليل برفقة باتينا في مقهى، عاد برويز إلى البيت متأخرا على غير عادته. وقد تخلى هو وباتينا قسرا عن التفسير الوحيد لما يجري، نظرية المخدرات، فبرويز لم يجد شيئا يشبه المخدرات في غرفة علي. كما أن علي لم يكن يبيع مقتنياته. ولكنه تخلى عنها ورماها في الشارع، أو تبرع بها لمتاجر النذور والإعانات. كان برويز في الصالة حينما رن صوت جرس المنبه في ساعة ابنه. أسرع إلى غرفة نومه وكانت زوجته لا تزال مستيقظة، تحيك وهي في سريرها. طلب منها أن تبقى جالسة وتلزم الهدوء، مع أنها لم تقف ولم تنطق بكلمة. من هذا الموضع وعينها تراقبه بفضول شاهد برويز ابنه من شق في الباب. رأى الولد في طريقه إلى الحمام ليغتسل. وبعد عودته إلى غرفته قفز برويز إلى الصالة ووضع أذنه على باب علي. بلغه صوت همهمة من الداخل. غلبت الحيرة برويز ولكنها كانت ممزوجة بالراحة. وبعد هذا المؤشر تابع برويز ابنه فيما بعد. وفهم أنه يصلي. حينما كان في بلاده لم يتخلف عن الصلاة، وكان يصلي خمس مرات في اليوم. عاش برويز شبابه في لاهور وهناك تعلم كل الأولاد قراءة القرآن. وليمنعه المولوي من النوم أثناء الدراسة كان يدلي حبلا من السقف ويربطه بشعر برويز، وكلما سقط رأسه نحو الأمام يستيقظ مباشرة. وبعد هذا الخزي تجنب برويز الأديان. ولم يكن لدى بقية سائقي سيارات الأجرة المزيد من الاحترام. في الحقيقة كانوا يسخرون من الملالي المحليين الذين يتجولون بعماماتهم ولحاهم، وهم يعتقدون أن بمقدورهم التحكم بحياة الناس، وفي نفس الوقت كانت تحوم عيونهم على الغلمان، ويحكمون قبضاتهم على البنات. أخبر برويز باتينا باكتشافه. ونقل الخبر لزملائه في مكتب سيارات الأجرة. لكن لزم الصمت الأصدقاء الذين يتحلون بالفضول. ولم يكونوا جاهزين لإدانة إيمان الصبي. قرر برويز أن يطلب إجازة ليلية ليرافق ابنه. ولكنهما لم يتكلما مع بعضهما البعض إلا بصعوبة. أراد أن يسمع كيف هي أحواله في الجامعة، ورغب أن يخبره بقصص من حياة عائلته في باكستان. وفوق ذلك كان مهتما بمعرفة الطريقة التي اهتدى بها علي إلى 'الجانب الروحي' كما كانت تقول باتينا. ولدهشة برويز رفض الولد مرافقته. وادعى أنه مرتبط بموعد. أصر برويز أن هذه المواعيد ليست أهم من التزام الابن بأبيه. في اليوم التالي ذهب برويز مباشرة إلى الشارع الذي وقفت فيه باتينا تحت المطر. كانت ترتدي حذاء بكعب عال، وتنورة قصيرة، ومعطفا طويلا، يمكنها أن تفتحه للسيارات المارة. قال لها: "اركبي. اركبي".

قادها عبر بقع تسبح فيها المياه، ثم توقف في موضع ينعم في الأيام الأفضل بمنظر مفتوح لعدة أميال ولا تجد فيه غير الغزالان والجياد البرية، تمددا هناك، بعيون نصف مغمضة، وهما يقولان: "هذه هي الحياة". في هذه المرة ارتعش برويز. أحاطته باتينا بذراعها. وسألته: "ماذا يجري؟".

قال: " للتو مررت بأسوأ تجربة في حياتي".

وحينما دلكت باتينا جبينه، أخبرها أنه ذهب في الأمسية السابقة مع علي إلى مطعم. وبينما هما يتأملان لائحة الطعام، أحضر له النادل الذي يعرفه الوسكي والماء كالعادة. كان برويز متوترا ولديه سؤال جاهز. كان يريد أن يسأل علي إذا كانت للامتحانات تقلقه فقد أصبحت على الأبواب. ولكن ليرتاح فك ربطة عنقه، وقضم فطيرة مقلية مع رشفة طويلة. وقبل أن تسنح الفرصة لبرويز بالكلام قطب علي وجهه وقال: "ألا تعلم أن شرب الكحول خطأ؟".

أضاف برويز لباتينا: "كان يكلمني بلسان حاد. وأوشكت أن أعنف الولد لقلة تهذيبه، ولكنني تدبرت أمري وتماسكت".

شرح لعلي بصبر أنه لسنوات وهو يعمل أكثر من عشر ساعات في اليوم، ولم يكن لديه غير القليل من المسرات والهوايات، ولم ينعم بعطلة. وبالتأكيد ليست جريمة أن يشرب حينما يرغب بذلك؟.

قال الولد: "ولكنه حرام".

قال برويز وهو يتنهد: "أعلم ذلك".

"وكذلك القمار. هل أنت معي ؟".

"نعم. ولكننا بالتأكيد نحن بشر".

في كل مرة يأخذ فيها برويز رشفة يغمز الولد، أو يدلهم وجهه كما لو أن هذا يسبب ذاك. وكان برويز يزدرد شرابه بسرعة أكبر. وكان النادل يريد أن يسعد صديقه، فأتى بكوب ويسكي آخر. وعلم برويز أنه بدأ يسكر. ولكنه لم يتمالك نفسه. ظهرت على وجه علي ملامح فظيعة، حافلة بالقرف والتيقظ كما لو أنه يكره والده. وفي منتصف الوجبة فقد برويز أعصابه فجأة وألقى طبقا على الأرض. وانتابه الشعور بالرغبة في انتزاع غطاء الطاولة، ولكن كان النادل وبقية الحاضرين ينظرون نحوه. ومع ذلك لم يحتمل أن يعلمه ابنه ما هو الفرق بين الصواب والخطأ. كان يعلم أنه ليس رجلا سيئا، ولديه ضمير. وهناك أشياء قليلة يخجل منها، ولكن بشكل عام حياته مستقيمة.

قال لعلي يسأله: "برأيك متى ارتكبت المعاصي؟".

رد الولد بصوت منغم منخفض أنه، في الواقع، عاش حياة طيبة، وكسر عددا لا يحصى من القواعد المذكورة في القرآن.

سأله برويز: "مثل ماذا؟".

لم يكن علي بحاجة لوقت للتفكير. كما لو أنه بانتظار هذه اللحظة، وسأل والده إذا لم يستمتع بفطيرة خنزير؟.

"حسنا...".

لم يتمكن برويز من إنكار حبه للنقانق المقرمشة والمرفقة بالفطر مع الخردل والمحشوة بين رقائق الخبز المشوي. وفي الحقيقة تناولها على الفطور في هذا الصباح. ثم ذكره علي أنه أمر زوجته بطهي نقانق الخنزير، قائلا لها: "أنت لست في القرية الآن. هذه إنكلترا. وعلينا أن ننسجم مع بوتقتها".

انزعج برويز واحتار من هذا الهجوم وطلب المزيد من المشروب. فقال الصبي: "المشكلة كما يلي". ومال على الطاولة. ولأول مرة في تلك الليلة اشتعلت عيناه وهو يتابع: "أنت مهتم كثيرا بالحضارة الغربية". تجشأ برويز واعتقد أنه سيختنق. ثم قال: "مهتم. ولكننا نعيش هنا".

قال علي: "الغربيون الماديون يكرهوننا. كيف يمكنك يا بابا أن تحب شيئا يكرهك؟".

قال برويز بهوان: "وما هو الجواب برأيك إذا؟".

رد علي بطلاقة على أبيه، كما لو أن برويز بين جماهير محتشدة وعليه إفهامه وإقناعه. وقال له إن الشريعة الإسلامية تحكم العالم. وسيحترق جلد الكفار مرارا وتكرارا، وستعاد تربية اليهود والمسيحيين. الغرب بلد المنافقين، والزناة، والمثليين، ومدمني المخدرات والبغايا. كان علي يتكلم، وبرويز ينظر من النافذة كما لو أنه يريد أن يتأكد أنهما لا يزالان في لندن.

قال الابن: "تحمل شعبي الكفاية. إن لم يتوقف الاضطهاد سيبدأ الجهاد. وأنا ومعي الملايين سنقدم أرواحنا بسرور في سبيل قضيتنا".

أجاب برويز: "ولكن لماذا. لماذا؟".

"بالنسبة لنا الثواب سيكون في الجنة".

"الجنة".

في النهاية امتلأت عينا برويز بالدموع. فنصحه ابنه أن يحسن طريقه.

سأله برويز: "وكيف يكون ذلك ممكنا؟".

قال علي: "صل. صل معي".

طلب برويز الفاتورة ودل ابنه على طريق الخروج من المطعم حالما أمكنه ذلك. لم يكن قادرا على سماع المزيد. وكان صوت علي كأنه ابتلع صوت شخص غيره. في طريقه إلى البيت جلس الصبي في مقعد سيارة الأجرة الخلفي، كأنه زبون.

سأله برويز وهو يشعر بالخوف من أن يقع اللوم على عاتقه: " ماذا جعلك على هذه الصورة؟ هل تأثرت بحادث معين مر بك؟".

" تأثرت بحياتي في هذا البلد".

قال برويز: " ولكنني أحب إنكلترا". وراقب ابنه بالمرآة وهو يضيف: "فهم يسمحون لك بأي شيء تريده تقريبا".

أجاب: "هذه هي المشكلة".

لأول مرة خلال سنوات لم يتمكن برويز من رؤية شيء أمامه. فقد ارتطم بجانب شاحنة، وفقد المرآة الجانبية. وحالفهما الحظ لأن الشرطة لم توقفهما: وإلا لضاعت رخصة برويز، وبالتالي مهنته. غادرا السيارة أمام البيت، وهناك تعثر برويز وسقط على الطريق، وخدش يديه ومزق سرواله. ولكنه تدبر الأمر وجر نفسه. ولم يقدم له الولد يده.

أخبر برويز باتينا أنه يرغب بأداء فريضة الصلاة، لو أن هذا يرضي ابنه، ويلغي النظرة القاسية من عينيه. وأضاف: "ولكن ما لا يريحني هو تهديد ابني لي بأن آخرتي ستكون في جهنم".

وذبح برويز أن ابنه عازم على الاستقالة من المحاسبة. وحينما سأله برويز عن السبب الموجب، قال علي ساخرا السبب واضح. وتابع: "الثقافة الغربية تحرض على الحياة ضد الدين".

وحسب مفهوم علي يمكنك، في عالم المحاسبين، أن تقابل النساء وتشرب الكحول وتعمل بالربا.

جادله برويز: "ولكنه عمل جيد الأجر. وكنت تجهز نفسك له منذ سنوات".

قال له علي إنه عازم على العمل في السجون، مع فقراء المسلمين الذين يكافحون للمحافظة على نقائهم أمام هذا الفساد. وأخيرا، في نهاية الأمسية، بينما كان علي في طريقه إلى السرير، سأل والده لماذا ليست له لحية، أو على الأقل شارب.

قال برويز لباتينا: "أشعر كأنني فقدت ابني. لا أحتمل أن ينظر أحد لي كأنني مجرم. وقد قررت كيف أتصرف".

"كيف؟".

"سأخبره أن يحمل سجادة صلاته ويغادر هذا البيت. وهو أصعب قرار اتخذته، ولكنني سأفعل ذلك الليلة".

قالت باتينا: "ولكنك لن تتخلى عنه. العديد من الشباب يتورطون مع جماعات الطقوس والروحانيات المتشائمة. وهذا لا يعني أنهم سيتابعون بهذا الأسلوب على الدوام". وطلبت من برويز أن يبقى مع ابنه، ويدعمه، حتى يخرج من هذه الأزمة.

اقتنع برويز أنها محقة، مع أنه لم يشعر أنه يربد أن يمنح ابنه المزيد من المحبة، ولا سيما أنه لم يتلق الشكر على ما قدمه له حتى الآن.

حاول برويز أن يتحمل نظرة وموقف ابنه. وحاول أن يفتح حوارا يناقش فيه إيمانه. ولكن إذا أعرب برويز عن أي انتقاد، كان علي دائما يرد بجفاء. وفي إحدى المرات أدان علي برويز أنه "يتملق" البيض. بالمقابل أكد له أنه ليس "أدنى" منهم، وفي العالم مجال أوسع من الغرب، لكن الغرب يعتقد أنه الأفضل.

قال برويز: "وكيف وصلت لهذه النتيجة؟ وأنت لم تغادر إنكلترا؟".

رد علي بنظرة اشمئزاز. في إحدى الليالي بعد أن تأكد برويز من خلو أنفاسه من رائحة الكحول، جلس مع علي على طاولة المطبخ. وتمنى لو أنه يقدر لحيته التي تنمو، لكن لم يظهر أن علي يلاحظ ذلك. في اليوم السابق كان برويز يخبر باتينا أنه يعتقد أن الناس في الغرب أحيانا يشعرون بالفراغ الداخلي، ويحتاجون لفلسفة تعينهم على الحياة. قالت باتينا: "نعم. هذا هو الحال. يجب أن تخبرهم ما هي فلسفتك في الحياة. ليفهموا أنه توجد عقائد مختلفة".

بعد بعض التفكير المؤلم، أصبح برويز جاهزا للبداية. راقبه الصبي كأنه لا يتوقع شيئا. بطريقة مؤثرة قال برويز إنه على الناس أن يعاملوا بعضهم البعض باحترام، وعلى نحو خاص أن يكونوا أولادا لآبائهم. ولبعض الوقت بدل ذلك من تفكير الولد على ما يبدو. تابع برويز قلبيا أن هذه الحياة برأيه هي كما هي، وحينما تموت تتعفن في باطن الأرض. "تخرج الأعشاب والزهور منك، ولكن شيئا مني يعيش-".

"كيف؟".

"من خلال الآخرين. سأستمر - من خلالك". وفي هذه اللحظة طرأ القليل من القلق على الصبي. فأضاف برويز للتفصيل "ومن خلال أحفادك. ولكن حينما أكون على هذه الأرض أود أن أستغلها بقدر المستطاع. وكذلك أريدك أن تستفيد أنت أيضا".

سأل الصبي: "ماذا تعني 'أن أستغلها بقدر المستطاع'؟".

قال برويز: "حسنا. في البداية... عليك أن تمتع نفسك. نعم. استمتع بدون أن تضر الآخرين".

قال علي إن المتعة "بئر بلا قرار".

قال برويز: "لكنني لا أعني هذا النوع من المتعة. ولكن أقصد جمال الحياة".

كان جواب الصبي: "في كل العالم شعبنا يتعرض للاضطهاد".

رد برويز دون أن يعرف تماما من هم شعبنا: "أعلم ذلك. لكن - الحياة موجودة لتعيشها".

قال علي: " الأخلاق الحقيقية موجودة منذ مئات السنين. حول العالم ملايين وملايين الناس الذين أشاركهم معتقداتي. هل تقول إنك على حق والجميع على خطأ؟".

نظر علي إلى والده بثبات عدائي منع برويز من إضافة المزيد لكلامه.

في إحدى الأمسيات كانت باتينا في سيارة برويز، بعد زيارة من أحد الزبائن، ومرا من جانب صبي في الشارع. قال برويز فجأة: "ذلك ابني".

كانا في الجانب الآخر من المدينة، في منطقة فقيرة، حيث يوجد مسجدان.

تصلب وجه برويز. التفتت باتينا لتراه. وقالت: "تمهل إذا. تمهل. كم هو جميل الطلعة. يذكرني بك. ولكن وجهه أوضح منك. من فضلك هل يمكنك أن تتوقف؟".

"لماذا؟".

"أود أن أكلمه".

استدار برويز بالسيارة وتوقف بجانب الصبي.

سأله برويز: "عائد إلى البيت؟. ولكن طريقك بعيد". هز الولد العنيد منكبيه وجلس في المقعد الخلفي. جلست باتينا في الأمام. انتبه برويز لتنورة باتينا القصيرة، ولخواتمها اللماعة، وظل عيونها الأزرق الجليدي. وانتبه لرائحة عطرها المحبب الذي ملأ السيارة، بعد ذلك فتح النافذة. وبينما يقود برويز السيارة بأسرع ما يمكنه، قالت باتينا بدماثة لعلي: "أين كنت؟".

قال: "في المسجد".

"وكيف أحوالك في الجامعة؟ هل تبذل قصارى جهدك؟".

قال وهو ينظر من النافذة: "ومن أنت لتسأليني هذه الأسئلة؟"

ثم بلغا زحاما مروريا فتوقفت السيارة. حينها وضعت باتينا بلا قصد يدها على كتف برويز وقالت: " أبوك رجل طيب، وشديد القلق عليك. وأنت تعلم أنه يحبك أكثر من حياته".

قال الصبي: "أنت تقولين إنه يحبني".

قالت باتينا: "نعم".

"إذا لماذا يسمح لامرأة مثلك أن تلمسه هكذا؟".

إذا كانت نظرة باتينا للصبي غاضبة، فقد كان في نظرته لها ضعف ذلك السخط البارد.

قالت له: "أي نوع من النساء أنا لأستحق أن تكلمها بهذه الطريقة؟".

قال: "أنت تعلمين. اسمحي لي بالخروج الآن".

رد برويز" أبدا".

قالت باتينا: "لا تقلق. أنا سأخرج".

قال برويز" كلا. ولا أنت". ولكن مع أن السيارة تحركت فتحت الباب، وألقت بنفسها في الخارج، وركضت عبر الطريق. صاح بها برويز عدة مرات، ولكنها كانت قد ذهبت. تابع برويز مع علي إلى البيت، بدون أن يضيف المزيد من الكلام. ذهب علي فورا إلى غرفته. لم يتمكن برويز من قراءة الجريدة، أو مشاهدة التلفزيون، أو حتى الجلوس. وتابع سكب الشراب لنفسه. أخيرا صعد إلى الطابق العلوي وذرع الفسحة أمام غرفة علي ذهابا وإيابا. وحينما فتح الباب في خاتمة المطاف كان علي يصلي. ولكن الصبي لم يطرف له جفن نحوه. ركله برويز. ثم جره من قميصه وضربه. سقط الصبي إلى الخلف. ضربه برويز مرة ثانية. لوث وجه الصبي الدم. كان برويز يلهث. وأدرك أن الولد لم يتأثر. ومع ذلك لطمه. لم يحمِ الصبي نفسه ولم ينتقم. ولم يظهر الرعب في عينيه. ولكنه قال فقط من خلال شفته المشقوقة: "من المتطرف إذا برأيك؟".

***

........................

* حنيف قريشي Hanif Kureishi: كاتب بريطاني من أب باكستاني وأم إنكليزية. من جيل الثمانينات. بدأ نشاطه برواية "بوذا الضواحي" 1990. وختم مشواره الأدبي بحادثة سقوط مروع في إيطاليا، وقد تكلم عنها في كتابه الأخير "الممزق" والذي صدر عام 2024.

 

بقلم: إيون لي

ترجمة: صالح الرزوق

***

كانت ورشة روزي لصيانة المركبات وخدمات الوقود الشاملة تعمل طيلة إقامة مورين في هذه البلدة من نيوجرسي. وهي آخر عمل لكسب الرزق في كل المكان. بعدها تجد شارعا بدون اسم، معروف باسم الطريق السريع، وحاليا يحده صف من الأبنية المعدة للسكن. ويوجد على رصيف بجوار محطة الوقود مقعد وضعه شخص لا تعرفه مورين، ويبدو أنها الوحيدة المنتفعة منه. وأضيف حاليا تمثال معدني أخضر لبروس سبرينغستين1، وهو تحية من فنان محلي لأحد أعظم النيوجرسيين، وتراه منتصبا بجوار المقعد. تذكرت مورين السنوات التي سبقت وصول بروس بوضوح أكبر من السنوات التي أعقبتها. كانت في الثامنة والثمانين، ولكنها لم تعلن ذلك. كانت تكره كلام الممرضات في كل مؤسسة صحية والذي يبدأ بطلب تأكيد يوم مولدها. ذكر التاريخ يجعلها تشعر بتقدم السن، كما لو أن أحدا يستغرب – من مظهرها المتناسق كما يبدو، أو من تواضع أخلاقها، وكانت تشعر أنها مضطرة لاستعمال كلمات مهذبة. الحماقة بعمرها ليست مقبولة ولا تكسب. فقط حين تجلس بجوار منحوتة بروس، الذي يرتدي عباءة من المحار وزبد البحر، تسمح لمشاعرها أن تعبر عن نفسها بحرية – تفصح عنها بحوار داخلي، طبعا، لأنها لا تريد أن يضبطها أحد وهي تتكلم بصوت مرتفع. وكانت تقول محولة انتباه بروس لمتسكع أجبر سيارة على التوقف فجأة: "انظر إلى ذلك الأحمق. بعض الناس لا يستطيعون انتظار حتفهم". أو أن تقول عن رجل وامرأة يدخلان في مقهى على الطرف الآخر من الشارع: " متزوجان لكن ليس من بعضهما البعض. وضع بليد. وكلاهما بدون أي مؤهلات".

 تعيش مورين في مجمع شقق قريب، ويتميز بالخدمات الراقية، التي لا تستفيد منها، ولكنها تحبذ مظهره المتميز. ليس لأن أي شقة في هذه البلدة رخيصة – يا إلهي كلا – ولكن إذا رغب أحد التقليل من شأن الآخر عليه أن لا يكون غدارا. قالت مورين في أحد الأيام لبروس: "لتعيش حسب ما تسمح به قدراتك يتطلب أن تكون ذكيا". بالنسبة لها الناس الذين يتساقطون وينجون ويتدبرون حياة وضيعة هم حمقى مثل الناس الذين يورطون أنفسهم بالديون. المبالغة بقيمة الإنسان أو التبخيس منها، مثل امتلاك أنا مضخمة أو قزمة، كلاهما حماقات متشابهة. لا تشارك مورين هذه الأفكار مع أي شخص آخر على الإطلاق في حياتها: ليس مع بنات أخواتها الثلاثة وابني أخويها، ولا مع فلورا، التي جاءت أربع مرات في أسبوع واحد لتعتني بالمنزل وتطبخ، أو هنري الذي قادها بالسيارة إلى مواعيد طبية وتسريح الشعر، أو كارل البواب الذي يعمل بالخدمات البسيطة كلما دعت الحاجة. علاقة مورين مع هؤلاء الأشخاص، مع أنها ودية، فهي وظيفية. قد يتوقع بنات وأبناء أخوتها كسب شيء بعد موتها. يا للمفاجأة!. فكرت مورين بالروايات الروسية والإنكليزية من القرن التاسع عشر، التي قرأتها منذ مليون سنة. لدى الأموات من المراتب العالية غالبا بعض الخدع المخبأة في أكمامهم. كانت مورين تحتفظ بهذه المفاجأة بعد الممات في يوم غائم من تشرين الأول، وذلك حينما شاهدت إحدى الشخصيات المألوفة تتقدم منها. كانت المرأة تبدو شبحية غالبا - ليس بسبب ثيابها ولا مكياجها ولكن لأنها تتصرف كأنها نسيت أن المرأة، في الفضاء العام، تكون نهبا للأنظار. وبعكس معظم الأيام، نسيت أن تخص بروس بنظرة للتحية.

قالت مورين: "أنت!. لا تدعي العالم يأخذ تلك الثقة من خطواتك". ويبدو أن المرأة استغرقت بعض الوقت لتلاحظ أنها المقصودة بالكلام. فقالت: "آسفة. هل قلت شيئا؟".

"قلت لا تدعي العالم يأخذ منك تلك الثقة من خطواتك".

نظرت المرأة بعين الشك لقدميها. كان هناك بطء بنظرها وهو ما لم توافق عليه مورين. مدت مورين إحدى يديها وقالت: " مرحبا. اسمي مورين". نظرت المرأة لعكاز مورين كأنها تفكر بمصاعب المصافحة. ربتت مورين على الفراغ الذي أمامها. وقالت للمرأة كجواب وهي تنظر إلى ساعة يدها: " تفضلي واجلسي قليلا. الساعة الحادية عشرة إلا عشر دقائق". من مكان جلوسها، أمكنها رؤية الساعة الموجودة خارج المصرف وقالت: "أفترض أن موعدك في الحادية عشرة؟".

في كل اثنين، تدخل هذه المرأة في بناء رمادي بجوار محطة الوقود قبل الحادية عشرة بقليل وتغادر قبل الظهيرة. علاج. لاحظت مورين وجود أربع محللين نفسيين من عدة أعمار يعملون في ذلك البناء وانتبهت لقدوم وخروج بعض مرضاهم. وفهمت بعض الأمور في الأربعين عاما المنصرمة، من العيون التي بثتها هناك، ست عيون. الأول عمل على كشف علاقات فريد (بلغت ثلاث علاقات). البقية بعد طلاقها من فريد، عملوا على مراقبة زيجاته المتلاحقة (اثنتان). لكن فريد مات قبل أحد عشر عاما - أم لعلها اثنتا عشرة؟.

لم تترك للمرأة أي خيار. جلست. وقالت: "اسمي ليليان". وصافحت يد مورين.

"أعلم. أنت واحدة منهن".

كان المقصود أن تنطق بعبارة كاملة، لكن نظرت ليليان بنظارات مورين السود وسألت: "واحدة منهن... ماذا يعني؟".

في يوم الاثنين ذاك، كان شعور ليليان خريفيا. لم يكن السبب طقس نيوجيرسي، فهو مشمس مثل يوم من أيام أواخر الصيف، وكان يكفنها بالكآبة ولكنه مزاج متنقل مصدره الأسبوع السابق، حينما كانت هي وزوجها ترحلان في أرجاء ألمانيا، لاختبار ما يقولان عنه الشرود الجغرافي. شعرت ليليان غالبا بالقلق منذ وفاة ابنها الأصغر، جودي، وهو شعور لم تمر به بعد موت ابنها الأكبر أوسكار، قبل عدة سنوات. وفي تلك الأيام كانت تمرر وقتها بدراسة خرائط غوغل. آخر مرة استفزتها الجغرافيا حينما وصلت إلى الصف الثالث، في بكين. أحضر أبوا زميلتها في الصف خريطة للعالم بحجم بوستر. من أجل ابنتهما. كان ذلك رفاهية في عام 1981. عقدت ليليان صداقة مع البنت كي تدعوها لرؤية الخريطة. ولكن صديقتها فقدت اهتمامها بالجغرافيا سريعا، وكانت ليليان أقل غراما بمجموعة البنت من الأقلام الميكانيكية والمماحي المعطرة المستوردة من اليابان. وتقطعت الصداقة، ولم تترك أثرا يؤلم أو يحرج. وعليه فكرت ليليان أنهما تتمتعان بقلة التحسس. القليل من علاقات البشر تذوب بدون أن تسبب الألم والهوان والمرارة. والأقل بعد القطيعة يضعون إحساسا بالنهاية والختام. موت الأطفال يضع الآباء في حالة ختامية - ولم يفاجئ ذلك ليليان. ولكن ماذا بعد الختام؟. هل يوجد شيء يمكنه أن يتبعه؟. كان طقس برلين قبل أسبوع مقززا، وباردا، مع رياح قوية وأمطار تجلد الأرض. حينما سافرا جنوبا إلى ميونيخ، كانت الحرارة ألطف، ولكن خيم عليهما الجو الضبابي. وفي أحد الصباحات، نظرت ليليان إلى الأسفل من شرفة الفندق نحو الباحة - كانت فارغة بسبب نهاية موسم السياحة، ورطبة، باعتبار أنها تمطر - وشعرت بالحاجة لرفع صوتها. لأن تقول شيئا، أو حتى أن تصرخ. ولكن ماذا تقول، وتصرخ على من؟. مشكلة الفورة المفاجئة، أنه ما أن توجه عدة طلبات، لا تجد الفورة أي رد فعل معقول، وتتحول إلى درب مسدود. أصغت ليليان إلى اليمامات التي تهدل على السطح، بنفس الطريقة التي كان أولاد أعمامها يهدلون في بلفاست أو بروغيس2 أو برشلونة. لا بد أنها تهدل هكذا منذ ألف عام، ولا ترفع صوتها أبدا - على الأقل لا ترفع أصواتها فوق تراجيديات بقية الأنواع، أو على موت اليمامات الأخرى. في ذلك اليوم خططت ليليان وزوجها لزيارة داشو. سألت نفسها: " هل كان ذلك المكان في يوم رمادي مماثل مؤلما جدا؟". سؤال تعلم أنه بلا معنى، لا يوجد أي مقدار من الشمس يمكنه أن يقلل من سواد الشر. تراجعت ليليان التي اعتبرت أن القوة هي طبيعتها الثانية، وأكدت على مقولة لطفل وردت في رواية ريببكا ويست: " الصفات التي تلائم حقا البالغين هي 'كبد بنفسجي بلون الزنبق' و'قلب دجاجة خائرة'". عوضا عن ذلك استقلا القطار إلى فوسين، وسارا عبر المدينة، وتنزها في الجبال. كان الأثر مغطى بأوراق متساقطة، ومنقوعة بالمطر، وملتصقة بالأرض الزلقة. ومع ذلك سارت ليليان وزوجها بسرعة وبخطوات واثقة. كانت القلاع والأديرة القريبة والبعيدة، بيضاء بسقوف حمراء كالصدأ، ونهر ليخ المتدفق بسرعة والأخضر كالزبرجد جميلا بما يكفي ليستولي على اهتمامك. لم يكن هناك العديد من الناس - فقد كان يوم عمل. ومن قابلوهم كانوا متعالين بتهذيب بالطريقة الألمانية. منح ذلك ليليان السلوان بعد مسيرة في حياة غير مألوفة وخارج السياق. ولكن السلوان كما ترى كان داعما. الرغبة في أن تكون حرا من الارتباطات تأتي دوما في ظل شعار غير متحقق، حيث توجد الحياة الحقيقية. بعد مسافة من النزهة عبرا الحدود إلى النمسا. التقطت ليليان صورة للوحة، خط عمودي يفصل حرفين كبيرين، "دي" و"أو". تذكرت الرحلة التي قامت بها مع زوجها بعد الزواج مباشرة - في بيت بأيوا، بدون ورود وبدون رفاهيات شهر العسل، فقد كانا من طلاب الجامعة ولديهما فيزا من نوع إف - 1. ولأجل الحفلة تساهلا مع ميزانية خبز الأسبوع، ورفعاها من كيس خبز أبيض بتسع وعشرين سنتا، إلى كيس خبز أبيض محسن بتسع وأربعين سنتا. واعتبرا يوم الجمعة عطلة، للقيام برحلة طويلة في السيارة في نهاية الأسبوع، وذلك عبر ويسكونسن إلى بنسلفانيا العليا. وفي الريف الشمالي، حيث لم يشاهدا سيارة أخرى على امتداد أميال، شعرا بالخطر حينما اتجهت شاحنة صغيرة نحوهما في طريق ذهاب وإياب. ثم توقفت فجأة بعد أن تجاوزتهما. بالمرآة الصغيرة أمكنهما رؤية الشاحنة تلتف. تذكرت ليليان خوفها بينما كان زوجها يسرع بسيارة نيسان سنترا المستعملة على طول طريق متعرج عبر الغابة، وكان مبتلا بعد يوم ماطر المطر، ويغلفه الضباب مع أن طقس هذا اليوم مشمس. هل كان يتعقبهما أحد؟ هل هما بخطر؟. كانت واحدة من تلك الحوادث التي يتذكرها الإنسان في حفلة عشاء مع رعشة خفيفة وضحكة عالية. تكلمت ليليان عن الغابة على كلا طرفي الحدود وعن ذكرياتها عنها.

تفحص زوجها هاتفه وهو يقول: "كما تعلمين تلك ذكريات".

قالت ليليان بدون أن تعد: "حتى هذا اليوم؟ كم سنة مضت عليها؟".

"ست وعشرون". لم يفكرا بطول فترة زواجهما أو كيف أمكنهما نسيان التاريخ: التساؤل مع الاستغراب نوع من التمثيل أو التظاهر والنفاق. بعد موت ولديهما، أصبحت الحياة أبسط. بعض المضامين أصبحت مختصرة بشكل قشور مضامين. وبعض المشاعر كانت ظلالا لمشاعر قديمة. أضف لذلك أن هذه البساطة، مثل الختام، تطلبت أن تكون مفهومة، مع أن ذلك غير ممكن. كان من السهل أن تتذوق الفرق بين خبز التسعة والعشرين سنتا وخبز التسعة والأربعين سنتا. وكان من المستحيل أن تفهم أعمتق ما أصبح حقيقة معروفة لديهما، أنهما الآن أبوان بدون أولاد.

حينما عادا إلى فوسين ذهبا إلى متجر، واشتريا من سوق المزارعين قبعة قش كبيرة ثمنها يكفي لإطعام شخصين. كانت خيارا عشوائيا للاحتفال بالذكرى، ولكن أي مشتريات غيرها ستكون عشوائية بالمثل. دونت امرأة متوسطة العمر تجلس وراء الكونتور الفاتورة يدويا، وسألت ليليان من أين هما. قالت ليليان: "من أمريكا".

شهقت المرأة وقالت وهي تضع يدها على قلبها: "أتمنى أن تمر الانتخابات لديكم بدون مشاكل".

قالت ليليان: "نتمنى ذلك أيضا".

قالت المرأة مع أنها بمفردها ولا يوجد زبائن آخرون: "لا يمكننا التنفس بحرية. ليس قبل نهاية انتخاباتكم".

كان المتجر في زقاق ومزدحما بما يمكن رؤيته في أي متجر هدايا - صابون وفوط ومناديل ودفاتر وأقلام وبطاقات معايدة وأشياء غيرها، كلها جميلة، وغير ضرورية للحياة. كانت المرأة ذات أطراف طويلة، وشعر منسدل ومكياج قليل، وتجلس قرب نافذة تشرف على باحة خلفية مغلقة، حيث تضيء مصابيح ملونة بشكل نجوم، وقناديل مشدودة فوق حديقة خريفية. ذوت أزهار الهايدرانجيا وتحولت إلى لون الغبار الأبيض أو البني النحاسي، وغطى الطحلب الممر بلون أخضر لماع، وفي النهاية البعيدة تبرعم حاجز من أزهار الخريف، وهي آخر موجة أزهار قبل الشتاء. وجدت ليليان أنه من السهل تخيل نفسها في هذه الحياة: الجلوس في متجر في بلدة بافايارية هادئة، تبيع أشياء جميلة وكمالية، ولكن ربما يريدها شخص يكلف نفسه عبء الدخول إلى المتجر. وصل هذا التخيل الذي حل فجأة إلى طريق مسدود. هناك أشخاص كثيرون يمكن أن تشغل حياتهم خيالها - وهم من التقت بهم. من ماتوا منذ مدة وبقيوا أحياء في ذاكرتها، ومن اخترعتهم - وفي النهاية ما الفرق بين التخيل والفانتازيا؟. كلاهما للصغار، غير المجربين، ولأشخاص واقعهم بليد بما يكفي وصلب بما يكفي ليجعلوا الفانتازيا والتخيل هروبا محبذا أو طريقة ضرورية. شعرت ليليان أنها تقدمت لمسافة طويلة في حياتها ووصلت نقطة تفقد فيها الأفكار والفرضيات والآمال والأحلام إغراءها كله: والبدائل الموجودة بدائل مخزية. وربما هذا هو معنى الختام. ليس هناك حاجة لتخيل القابل للتخيل أو غير المتخيل. حياتها وجود يرتكز على نقطة واحدة، وحولها ما يسميه والاس ستيفينز "هذا الألم الذي يحاصرك".

لم يمكثا في المتجر طويلا. حملت ليليان حقيبة القش، وأسرعا ليلحقا بالقطار، الذي سيعود بهما إلى ميونيخ في الثامنة. ولكن بعد دقائق من بداية الرحلة توقف القطار. وبعد فترة طويلة، اعتذر رجل بمكبر الصوت باللغة الألمانية ثم بالإنكليزية عن التأخير. كان هناك "عطل" على السكة، وكانوا بانتظار التعليمات لمتابعة المسير. ولم تكن هذه أول مرة يتأخران بها. بعد عامين من انتحار أوسكار، حينما كانا مسافرين بين أمستردام وبروكسل، ألغيت مواعيد القطارات، الواحد بعد الآخر، لخمس ساعات. لكن كان جودي حيا، وبرفقتهما في الرحلة. بحثت ليليان عن عامل في المحطة للاستعلام، وكتمت عن جودي سبب التأخير - عطل قرب نوتردام. ولكن في النهاية ما الهدف من كتمان هذه التفاصيل؟. فكرت ليليان: هذه البساطة الجديدة هو ما تحتاج له كي لا تعتمد على أي تفصيلات أو أي تفاصيل متداخلة. تابع القطار حركته المترددة - يقف جامدا، ثم يتقدم، ثم يتحرك بالاتجاه المعاكس، ثم يتوقف ثانية. لم يناقش زوج ليليان التأخير. في ذلك الصباح كانا يأملان بقلب صفحة داشو لأنه خيار حكيم. في عصر ذلك اليوم كانا ينتقيان حقائب القش التذكارية، ويستمعان لأمنية بائع ألماني عن الانتخابات الأمريكية القادمة. في مناسبتين مختلفتين، بوجود نساء ورجال آخرين في القطار في نيو جيرسي، تأخرا بسبب الأعطال، وهو أمر غير مناسب فقط. تعجبت ليليان إذا ما كانت هي وزوجها، حتى في هذه الحياة البسيطة والجديدة، يلفتان النظر بطريقة ما، ثم ضحكت على شعورها بالأهمية الشخصية. بعد عدة أسابيع من وفاة أوسكار، ذهبت ليليان إلى فرع البنك المحلي لإغلاق حسابه. نظر ت أمينة الصندوق إلى اسمه وانفجرت بالدموع - فقد قرأت خبر موته، كما قالت، وهي أم أيضا. بعد ذلك تجنبت ليليان الفرع، واختارت آخر في بلدة أخرى. غير موت جودي مشاعر ليليان. كان العالم أقل اتساعا مما تأمل، وكانت هي أقل استيعابا مما ترغب، ولكن ما أهمية أن تكون مرئية ومعروفة؟. ومن يعرف قصتها لا يعرفون شيئا أكثر من حفنة من المعلومات. ولذلك لم تستغرب ولم تنزعج حينما قالت المرأة المسنة المعروفة باسم مورين إنها تعرف من هي ليليان. لاحظت ليليان مورين من قبل، هذه المرأة التي ارتدت بشكل أفضل مما يتطلبه مقعد على طرف الطريق. كانت ببذة شانيل في بعض الأيام، وفي غيرها بثوب ينساب بشكل متناسق، مع لفاحة هيرميس التي تزين رقبتها الرقيقة. ولأنها ارتدت دائما نظارة سوداء ولأن وجهها بدون تعابير، لم تشعر ليليان بواجب إلقاء التحية. في إحدى المناسبات تساءلت ما إذا كانت المرأة عمياء وإذا كان حارس المقابر لن يأتي ليستعيدها بعد عدة ساعات من الهواء المنعش. ولكن كان فضول ليليان عائما. ولم تتوقع أن تهتم مورين بها. وحينما ذكرت مورين رتبتها الاستشارية في الجامعة وكل اسمها، اعتقدت ليليان أنها تعرفت عليها قليلا - فهي عالمة محترمة في حقل غير مألوف لليليان. واعتذرت لأنها لا تعرف عمل مورين.

قالت موربن: "آه الناس ينسون. بسهولة فائقة، أو أنهم لا يهتمون. وفي أحد الأيام ستمرين بهذه التجربة".

في يوم آخر، ابتسمت ليليان ولم تنطق بحرف. ولكن في ذلك الصباح شعرت كما لو أنها لا تزال على متن القطار البافاري، تراقب بيت المزرعة والحظائر على الهضاب، المنارة كيفما اتفق، والقمر يصعد فوق السهول. ورغبت لو أنها سألت أي شخص كان: كم مرة في حياتك وجدت نفسك جالسا في قطار يتوقف بسبب عطل قاهر؟ مرة، اثنتين، ولا أي مرة؟.

نظرت ليليان عبر النظارة السوداء إلى عيني مورين غير الملحوظتين تقريبا، بدون تركيز وقالت: "وإذا؟ لا أستطيع أن أنتظر".

قالت مورين: "لا تستطيعين انتظار ماذا. أكملي جملتك".

هزت ليليان كتفيها. فقد أكملت جملتها.

أعطت مورين يوم الاثنين التالي فلورا قائمة المشتريات - مكونات سلطة نيقوسي، نصف رغيف خبز (حبوب قديمة)، إجاصتان (زبدة فرنسية)، وثلاث زهور أقحوان. مر وقت منذ استضافت مورين زائرا، ولكن فلورا تدربت جيدا على يد مورين، ويمكن الوثوق بها لتجعل كل شيء يبدو مناسبا. حتى في الأيام التي تأكل فيها بمفردها - معظم وقتها حاليا - كانت تكوي فوطة ورقعة لتصبحا رقيقتين، فتظهر الوجبة بوضع لائق جماليا. لم تسأل مورين ليليان إذا كانت تتبع أي حمية - وقالت مورين لبروس: "لنأمل أنها لا تعاني من قلق بالطعام. في كل الأحوال هناك الأجاص. يصعب أن يسممك الأجاص".

لم تكن أول مرة تنادي فيها مورين شخصا ليتناول معها الغداء. ولم تعتبر أنها دعوة، لأن الدعوة، مثل الحب، مثل النصيحة، مثل النية الطيبة، يمكن أن ترفض. خلال لقائها الموجز مع ليليان قبل أسبوع، قالت مورين: "أرى أنك لست بالمزاج المناسب للحوار. لماذا لا أرتب غداء بسيطا لكلينا في الاثنين المقبل؟ يمكنك المجيء إلى شقتي بعد العلاج مباشرة. لا تحاولي أن تختلقي العذر. لا أعتقد أنك ستندمين على مجيئك، وأعدك أن لا ندخل بصداقة روتينية يتخللها تبادل الدعوات، إن كنت خائفة من ذلك".

السر في أن تحصلي على ما تريدين أن تكوني متطلبة، بطريقة واضحة، وأن تحرضي الأسباب للرفض. لم يفاجئ ذلك مورين - ولكنها كانت ممتنة - لأن ليليان وافقت. في إحدى المرات، رفض بعض الناس نداء مورين ميلر، في هذه الأيام من الأفضل أن لا تختبر سلطتها مرارا وتكرارا. على سبيل المثال لدى بنات وأبناء أعمامها، على ما يبدو، ودائما، برامج حافلة. ولكن كيف يمكنهم أن يكونوا مشغولين في حياتهم المتواضعة؟. قررت مورين أن تنتظر ليليان على المقعد، كي لا يوجد أي فرصة لتبديل النوايا في اللحظة الأخيرة. سيتمشيان حتى شقة مورين معا، على أن تبطئ ليليان من خطواتها لتوائم خطوات مورين. في الداخل ستسمح مورين لليليان أن تتأمل وتبدي إعجابها بمخططات مودلياني وماتيس المعلقة على الجدار قبل أن تلفت انتباه ليليان لمجموعة الكتب النادرة. وهناك القليل الذي تريد مورين معرفته عن ليليان - يا إلهي. كلا. مورين ليست فضولية فيما يتعلق بحياة الآخرين، المأساوية أو غير ذلك. ولكن هناك القليل الذي يمكنها أن تسرده عن ليليان. مورين متأكدة أنه لا توجد دعوات غداء إضافية. ولا دعوات متبادلة. الضيف المهم لا يمكث طويلا. أرادت مورين أن تبدو زائرة غير عادية، وتدخل على حياة ليليان وتقدم لها شيئا تفكر به وتتذكره. ما هو أول شيء تقوله لليليان؟. "أعلم أنك ضيعت ابناءك، ولكن يجب أن تعلمي أنك لست الوحيدة التي تعانين من هذا المصير". تصورت مورين نفسها تقول هذا وهي تفتح أول طبعة من دافيد هيوم - المجلد 1 من "مقالة عن الطبيعة البشرية"، ربما - وتعرضها على ليليان. كيف سترد؟. افترضت مورين أنه لا يوجد كلام تقوله عدا الإعراب عن الموافقة. ثم ستضع الكتاب الثمين جانبا، وتذكر بحرص شديد أنها، أيضا، فقدت ابنا. وعلى ليليان أن تقول إنها متأسفة لسماع ذلك، ولكن مهما فعلت لم تهتم مورين بالتفكير به. "مات ابني في أواخر ثلاثيناته. ولذلك القضية مختلفة عن قضيتك. هي مخدرات على ما أخشى. ولكنني لست أمه بالولادة. تبنيته حينما كان عمره أربع شهور. أمه بالولادة مدمنة على العقاقير. كانت في التاسعة عشرة حينما ولدته، ولم يكن ابنها الأول. ولا شك أنه كان مهيأ لنفس الأمر".

من المهم الكشف عن هذه الحقائق لليليان، بعد أن كشفت مورين عنها في الماضي لمستمعات أخريات. لو أن إيان من دمها لعاش حياة مختلفة. ولكن بزواجها من فريد لم تكن قادرة أن تحمل. زعم فريد أنه ليس عليهما التمسك بالتقاليد، ولكن بعد أن غطى نشاطها العلمي على عمله، بدأ بالبحث عن علاقات مع نساء أصغر بالعمر. إحداهن، طالبة تدعى هايلي، لديها جمال متوحش وحيواني حملت منه بغباء. وتسببت الفضيحة بالطلاق، وتبع ذلك نقل فريد إلى كلية من في الساحل الغربي. وهي من الطبقة الثانية - كل شيء كان متوقعا، وجامدا مثل خبز الأسبوع الماضي. لم تهتم مورين وراقبت ذلك الزواج عن مقربة بواسطة مصادر خاصة وبواسطة أخبار كانت تأتيها من المعارف المشتركين.

"فكرت: بما أنهما أنجبا ابنا لماذا أنا لا يمكنني أن أكون أما؟. كنت شابة. وامرأة قادرة وذكية. يجب أن أنجب طفلا أيضا. ويجب أن أربيه بنفسي". وخلال السنوات فكرت مورين بقرارها، وأعربت عن هذا الرأي لبروس، وكان متكتما واحتفظ بكل شيء لنفسه. هل عليها أن تخبر ليليان؟. وجاء في ذهن مورين أن هذا غير ضروري. فقد رتبت الكلمات ولكن في اللحظة المناسبة كانت الكلمات تهرب منها. ولم تلق اللوم على نفسها. الحكاية كاليدوسكوب وعليها أن تترك مجالا وفرصة لوجهات النظر، مثل خرزة فضية تسقط في المركز أو قطعة من ورق ألومنيوم ذهبي ينكمش في الزاوية. وكشأنها دوما سألت ليليان في ذلك الصباح نفسها لماذا وافقت على الغداء بحق الآلهة. يمكنها أن تزعم أنه غلبها الفضول لتلقي نظرة على حياة عالمة مشهورة بلغت سن التقاعد. (لم يكن هذا هو الحال حقا). ويمكنها القول أن نوعية مورين من النساء اللواتي ترتحن للتلاعب بليليان، لأن ليليان تبدو متساهلة. (لماذا لا تسمح للناس بالاستفادة من تجريب أبوتهم الوهمية عليها؟). بل ويمكنها القول إنها أرادت أن ترى لون عيني مورين حينما تتخلى عن نظارتها السوداء. عموما الأجوبة التي تعطى بسهولة ليست هي الأجوبة الحقيقية.

قالت مورين حينما دخلتا الشقة: "هذا المنظر ليس رائعا مثل الذي أراه من مكتب الكامبوس. وهم يعدونك بمكتب دائم ولكن بعد قليل يجدون كل الأعذار لطردك منه". كانت نافذة عريضة تشرف على موقف سيارات، وكانت وراء موقع بناء تسد فيه الرافعات والمنارات والأبراج مشهد أبنية الكامبوس. حاولت ليليان أن لا تبدو ضجرة. هؤلاء أكاديميون ومكاتبهم - النوافذ، السجاجيد، الكراسي، الإنارة، لون الجدران - خلال فترة قصيرة في دور إداري ثانوي، جمعت ما يكفي من القصص عن المتملقين الذين يمكن أن يسكنوا في "بيت موحش"3 معاصر. قادت مورين ليليان إلى المكتب، وعرضت عليها مكتبتها في الغرفة بدون فتح أي باب زجاجي. قالت مورين: "يا لها من مسؤولية مزعجة لدرجة مقلقة. في إحدى المرات - مضى على ذلك سنوات كثيرة، حينما كنت لا أزال أعيش في بيت - استضفت حفل إفطار لزميلة شابة مشرفة على الولادة. بعد ذلك لاحظت اختفاء الطبعة الأولى من كتاب عزيز علي جدا".

شهقت ليليان، بطريقة دراماتيكية أكثر مما يتطلبه الصدق. هزت مورين رأسها. وقالت: "كما ترين. ماذا يمكنني أن أفعل؟ لا يمكنني سؤال كل ضيفة إذا ما انعطفت ودخلت إلى مكتبي حينما كانت تستعمل الحمام. لكن تعلمت درسي".

تساءلت ليليان إذا كان للدرس علاقة بإضافة أقفال إلى المكتبة. غداء مع غريبة لا يكون ضارا مثل نزهة في غابة بافارية. الشجرة لا تتطلب من المارة إبداء الإعجاب. نهر وتلال على الضفة الأخرى، أثناء الرسم، لا تهتم إذا ما كان الفنان وهو أمام حامل اللوحة معلما أم هاويا. الطبيعة لا تحفل بالمشاهد، ولكنها أيضا لا تحفل باللامبالين. منطق اللامبالاة البشرية لا يريح: لدي الحق أن لا أبذل اهتماما بك، لأنني بحاجة، لكل اهتمامك وأستحق ذلك. لم يفاجئ ليليان أن مورين، وهي تمرر الزبدة، ذكرت أيضا أنها فقدت ابنا. أصبحت ليليان معتادة على سماع قصص من أمهات مفجوعات. وليس مفاجأة أن أم الولد بالولادة - ويجب أن تكون أكبر من ليليان، كما تكهنت، لو أنها حية - تعتبر مسؤولة عن حياة الرجل الضائعة الذي ربته مورين بعناية وحب. رسمت ليليان بشوكتها دوائر ببطء على طبقها بدون أن تلتقط شيئا. وهي تعلم أنه لا يهم إذا أكلت أم لا. كانت مورين عجيبة وهو ما انتبهت له ليليان: غريبة، وبحضور الأغراب لا يمكن للراوية أن تألف الماضي أو الحاضر. وربما لذلك وجدت أنه من السهل أن تتخيل نفسها مالكة متجر في فوسين - وهو شيء عار عن الصحة سواء في الماضي أو المستقبل أيضا. وعلمت ليليان أشياء عن زوج مورين السابق ("ميت الآن، كما يمكن أن تتوقعي"، و" لم تكن له سمعة بين العلماء")، وأسعدها قليلا أن تسمع أن الزوجة الشابة هايلي تعرضت للغدر أيضا، بنفس الطريقة، حينما نام معها فريد وتزوج لاحقا من طالبة أصغر منه بثلاثين عاما (" أنفقت أفضل سنوات عمرها زوجة له، غير أنها لم تكن أرملته المفجوعة"). تابعت مورين الكلام، وتذكرت ليليان خدعة قامت بها أختها في طفولتهما. كانت العائلة فقيرة، وكانت كل منهما تتلقى قطعة بسكويت على شكل حيوان كوجبة للعصر. كانت أختها يوميا تضع بحرص البسكويت في كوب من الماء. وسريعا ينتفخ الأرنب أو السمكة أو الخنزير. كان السر في أن تنتظر ما يكفي دون إطالة، لينتفخ البسكويت بقدر الإمكان، ولا يتفكك بسبب الغمر بالماء ويتحول إلى لا شيء. فكرت ليليان: عليها أن تصبر وأن لا تكون جشعة، وتأملت جفون مورين الباهتة. وتساءلت هل أخطأت مورين بالحسابات، وحصلت على كوب من الماء الضبابي، فيه بقايا بسكويت حيواني الشكل وليس له شكل صلب وملموس.

قالت مورين: " هذه القصص القديمة ليست سبب دعوتي لك. هي فقط تمهيد، ولكن بدونها لن أتمكن من أن أقول ما تحتاجين لسماعه".

وافقت ليليان. وأمكنها رؤية أختها تسكب بهدوء أرنبا بدينا بالملعقة. مثل التهام قطعتي بسكويت، كما قالت أختها، وهذا يشبعك. كانت ليليان في الثالثة وأبدت إعجابها بذكاء أختها.

"قبل أن أتابع مع القصة، دعيني أسألك: من كتب أول رسالة بقلم مسموم في التاريخ؟".

سألت ليليان: " هل هو اختراع لأجاثا كريستي؟". في السنوات ما بين موت أوسكار وجودي، اتبعت هي وزوجها عادة مشاهدة برامج مسلية عن جرائم وقعت في المملكة المتحدة. كان المفضل لدى ليليان "جرائم ميدسومير". وقد وردت فيها الكثير من رسائل الأقلام المسمومة والكثير من الجرائم، ولكن لم يكن هناك ألغاز كثيرة ورافقها النذر اليسير من الألم.

"علمت أنك ستقولين ذلك. ولكن كلا. على أجاثا كريستي وبقية كتاب قصص الجرائم أن يتعلموا من الناس الحقيقيين. الخيال محدود وآمل أن تفهمي ذلك".

"بالتأكيد".

"وقعت أول حالة رسالة بقلم مسموم في إليزابيث، نيوجرسي".

قالت ليليان: "آه". بالنسبة لها، كانت إليزابيث مجرد محطة على سكة القطار في طريقها إلى نيوجيرسي. وتلك هي ميدسومير التابعة لنيوجيرسي.

"دراما".

"متى كان ذلك؟".

قالت مورين: " في عام 1909 قبل أجاثا كريستي. مؤلفة رسائل القلم المسموم تلك ألهمت عددا من الحالات المشابهة. امرأة من إليزابيث، نيوجيرسي، قدمت للعالم طريقة جديدة لارتكاب جريمة - من يعلم. إيه؟. إحدى ضحايا رسائل القلم المسموم صديقة لجدتي. كانت حياتها عبارة عن أنقاض".

شعرت ليليان بالحاجة لتعلن أنه من المحتمل أن كاتب رسائل القلم المسموم هو جدة مورين. ولكنها عوضا عن ذلك سألت: "من كتبها؟".

"فكري بالقضية وتابعيها شخصيا. هذا لا علاقة له بما سأقول. لم أخبرك كيف أن زواج فريد وهايلي تصدع".

"لقد خدعها. أليس كذلك؟".

"آه، يمكنك أن تقولي إن ذلك نتيجة جانبية لزواجهما الفاشل. وما حصل هكذا: الولد الذي حملت به خلال زواجه مني، ذلك الولد مات وهو بعمر ثماني سنوات".

حاولت ليليان أن تحتفظ بتعابيرها سطحية. لم تحب قصص مورين. ولاحقا أدركت أن مورين تعترف بلعب دور في موت الولد.

"مأساة حقيقية. ولا يقع اللوم على أحد بها. كان الولد ينزه كلبه وأفلت الزمام. جرى الكلب بعرض الشارع. فطارده الولد ولم يشاهد السيارة القادمة من خلف المنعطف".

بما أن لدى ليليان قلب دجاجة وعزيمة وردة نرجس رقيقة، كان يجب أن تحتج، قائلة إنها حصلت على ما يكفي من الطعام وما يكفي من القصص المزعجة، وأنها تود العودة إلى البيت. ولكنها لم تحرك ساكنا. وراقبت مورين عن قرب وأدركت أن عيني العجوز زرقاوين شفافتين.

قالت مورين: " بالمناسبة لم يتعرض الكلب للضرر. إن كنت قلقة بشأنه. لكنه مات منذ فترة طويلة".

"بالطبع".

" طبعا. انفطر قلب فريد وهايلي. موت طفل، وربما انتبهت لذلك، قاد إلى الطلاق. ولكن تلك العبارة لا تصمد أمام البيانات. معدل الطلاق بين الأزواج الذين فقدوا أولادهم هو في الحقيقة أقل مما هو عليه بين العامة".

قالت ليليان: " لا أعلم". ولم تردف بقولها أنا لا أهتم. هي وزوجها يعيشان بعيدا عن البيانات. لا يمكن للبيانات أن تريحها أو تقلقها.

"في حالة فريد وهايلي كانا شابين كفاية. ويمكنهما إنجاب المزيد من الأطفال، ونظريا يمكن إنقاذ زواجهما. لماذا لم يحصل ذلك معهما؟ ربما لا تجدي أنه من الضروري أن تتساءلي عن ذلك".

" أعتقد أن الأمور لا تنجح دائما".

" واظبت على الاتصال بهما بعد المأساة. ليس بانتظام، ولكن مرة في السنة كنت أرسل لهما باقة كبيرة في عيد ميلاد الولد".

رفعت ليليان الفوطة لتلمس بها فمها، لتمرر الوقت. كانت تعلم أن مورين تأمل بسؤال أو تعليق منها. قالت: " كنت ترسلين إليهما سنويا رسائل القلم المسموم".

قالت مورين وهي تنظر لحظة بشرود: " كلا. أزهار فقط. مع ملاحظة ودية تنم عن التعاطف وأوقعها باسمي. كما ترين، يمكن تمزيق أو حرق رسالة أو بطاقة، لكن الأزهار تختلف. ولكن لم يهتما بهديتي".

احتارت ليليان. كان بمقدورها أن تقول لمورين: " يا لك من إنسانة مزعجة وشريرة"، ولكن هذا لن يصنع فرقا. وفكرت بمن سبقها من الذين سمعوا الحكاية. لا يمكن لليليان أن تكون الشخص الوحيد التي دعتها مورين لتستمتع ثانية ببهجة الانتقام، والتي هي أقل عذوبة باعتبار أنها سر بينها وبين عدوتيها. "لماذا تسألينني عن رسائل القلم المسموم ما دامت الزهور ليست كذلك؟".

" كنت اليوم صباحا أفكر بصديقة جدتي المسكينة. أتساءل ماذا فعلت لتدفع المرأة الأخرى لجريمة لا يمكن تخيلها. لا أعرف التفاصيل. ولكن يوجد درس عام".

نظرت ليليان إلى طبقها، الذي لم تلمسه إلا قليلا. هل يعتبر قلة أدب أن تقول إنها ممتلئة؟.

قالت مورين: "ما أقصده أن هناك درسا عاما يهمك.لقد تأخر الوقت بالنسبة لي. لا تقولي أبدا أنك تعرفين حقيقة القلب البشري".

قالت ليليان: " أعرف ذلك".

" أنت سمعت بمقولة هنري جيمس، ولكن هل تعرفين ماذا تعني؟".

هزت ليليان كتفيها. كانت تعيش على هدف واحد كانت تسميه نهايتها. ماذا يهم إذا بقي قلب شخص آخر غير معروف؟.

سألت مورين مع أنها لم تكن مهتمة أن تسمع من ليليان: " لماذا تعتقدين أنني أرسلت الزهور؟. حينما أرسلت الزهور أردت أن يعلما أنهما ليس وحدهما من يفكر بابنهما في عيد ميلاده. يمكنهما رؤية هديتي كعلامة تعاطف أو نية شريرة، ولكن كما ترين، إذا نظرا لإرسال الزهور كدليل ضدي، سيبقى في جزء منهم بعض الشك. ربما تصرفت بمبالغة، ولنكون عادلين ربما فقدوا توازنهم بسبب الفجيعة. فعل يتصف باللطافة وآخر بالخشونة والتوحش. من بمقدوره أن يخبرنا بالفرق؟.

وجدت ليليان أنه من الصعب عليها أن تتنفس. وفكرت لهذا السبب وافقت على الغداء. ثم قالت: " هل توقفت عن إرسال الزهور بعد الطلاق؟".

قالت مورين: " أرسلت باقتين بعد ذلك، واحدة لكل منهما، حتى مات كلاهما. كانت غير سعيدة بدون شك. وماتت قبل موت فريد".

جلست مورين والتي لم يكن لديها شخص آخر ترسل له الزهور على سبيل انتقام مهذب. وجلست ليليان التي اعتقدت أن القليل من الحياة يمكنه مفاجأتها بعد الآن. ولم تعتقد أن لدى مورين أي شيء مهم تقوله لها، ولكن كانت مورين محقة حين قالت إن ليليان لن تندم لقدومها. الختام يحمي الشخص مما لا يفهم، ومع ذلك الخشونة البشرية الحقيقية توجد في عالم ما يمكن التعبير عنه: مؤلفو رسائل القلم المسموم لا يتخبطون في أفعالهم الضارة وجلادو داشو (وتناسخاتهم في المستقبل الحافل بالرعب) يعلمون تماما ماذا يريدون أن يفعلوا.

قالت: " هل تريدين إجاصة للتحلية؟. هذا أفضل فصل للأجاص، وهي الأفضل بشكل خاص".

قالت ليليان: " أخشى أنه حان وقت انصرافي". صنعت إشارة تدل على المشاركة بالتنظيف، لكن أخبرتها مورين أن مدبرة المنزل ستعتني بذلك لاحقا. شكرت ليليان مورين، ثم قالت إنها ستجد طريقها إلى الباب. الوداع أحيانا رحمة بعد لقاء اثنين في ذروة التفهم النهائي. انتقت مورين أجاصة وشمتها، واستمتعت بالعطر الليموني - حسنا، تلك مبالغة، ولكنها كانت تستمتع بذاكرة العطر. من المؤسف أن ليليان، المنزعجة، لم تكن جاهزة لتدع غداءهما يتماشى مع الإتيكيت والرفاهية المسترخية. ستحترم مورين ليليان قليلا لو تعاملت مع الفاكهة وكأنها شيء منتظر ومن جمال الطبيعة. وفكرت مورين: لكن ليليان ستستعيد عافيتها. وحينما عادت مورين إلى بيتها، ربما بدأت البحث عن تاريخ أول حالة قلم مسموم، ثم ثاني حالة. هناك الكثير من رسائل الأقلام المسمومة المدونة في الحياة والتاريخ - وكر أرنب قد يوفر بعض النسيان لامرأة مفجوعة. عندما جاء يوم الاثنين ثانية، علمت مورين أنها ستجلس ساكنة ونظارتها السوداء على عينيها بينما ليليان تمر من أمامها. دع ليليان تبطئ وتتردد قبل أن تلقي التحية - وستتظاهر مورين أنها لم تسمعها ولم تشاهدها.

أعادت مورين الأجاصة إلى صديقتها. وفيما بعد طلبت من فلورا أن تحمل الأجاص إلى أولادها، مع أن شكلها الناعم ونكهتها لا تهم الصغار. كانت زبدة الأجاص الفرنسية مفضلة لدى أم مورين، التي تحب مورين وشقيقيها، والتي خصصت لهم حياة طويلة مليئة بالتضحيات الأمومية الخالية من الأنانية. لم تكن مورين تتصور امرأة أكمل منها، ومع ذلك، حتى هذا الكمال لم يكن خاليا من العيوب. في أواخر حياة أم مورين كانت تبكي بأوقات متقطعة، بيأس وبدون مجال للسلوان على أمها هي. في تلك الليلة وبحنق شاهدت مورين ميلر - الباحثة المرموقة، والأستاذة الجامعية، والمطلقة، وأم ابن على قيد الحياة لكنه ليس من صلبها - أمها وهي تنحدر باتجاه الموت. ستة وستون عاما من الزواج السعيد، وثماني سنوات من الترمل الهانئ، وثلاثة أحفاد محترمين، وكل ما يمكن أن يتمناه المرء من أجاص الزبدة الفرنسية لتزيين مائدة الطعام وكأنها لوحات فنية رائعة قبل تقديمها بشكل حلويات لذيذة بعد العشاء: ألا يعتقد أن هذا يكفي لحياة هانئة؟. ومع ذلك لم تكن جاهزة لمغادرة العالم دون أن تستعيد أولا قلب طفلة غير معروفة لمورين وذات قلب مفطور.

***

.............................

1 - كاتب أغنيات وموسيقي ومغن أمريكي. معروف بلقب المعلم.

2 - مدينة في بلجيكا.

3 - إشارة إلى رواية ديكنز Bleak House.

* القصة منشورة في النيويوركير عدد حزيران 23، 2025.

إيون لي Yiyun Li كاتبة أمريكية من أصل صيني. من مؤلفاتها "ابن يوم الأربعاء - قصص"، أشياء تنمو بسعادة في الطبيعة -مذكرات"، "المتشردون، رواية"، "حيث تنتهي الأسباب، رواية"، وغيرها.

​فِي خَلوةِ الضَّوءِ الشَّفيفِ..

تَتساقطُ الأَعمارُ عَن كَتفِ المدى

لا العُمرُ قيدٌ

لا التَّجاعيدُ التي رَسَمَت

خُطوطَ الشَّوقِ تَمْنَعُنا الندى

نحنُ انعتاقُ الظلِّ من جسَدِ المجازِ

ونحنُ صَحوةُ عارِفٍ

وجدَ الحقيقةَ

في المَغيبِ وما هَدى

​تَتَغاصَنُ الأَرواحُ فِينَا

دُونَ لَمْسٍ..

دُونَ قُرْبٍ يخدِشُ الطُّهرَ المُعَلَّى في

التَّرقِّي

إِنَّهُ حُبٌّ بَريءٌ من نَوايا

الرَّغام

يَسمُو ثُمَّ يَبقَى

يَشحَذُ مِنَ النَّسيمِ هُبوبَهُ

ومِن السَّحابِ عُلوَّهُ

ومِنَ المرايَا رَعشةَ المَعنى النَّقي

​يا مَن مَلأتَ الفَجوةَ الكُبرى

بِفَيضٍ مِن فُضولِ النُّورِ

هَل تَدري بأنَّ الوجدَ حَالٌ

ليسَ يدرِكُهُ سِوانا؟

مَكنونُ الرُّوحِ صَمتٌ..

واشتعالٌ ..

وفِي مِحنةِ الأشواقِ نَغدو بَحرِينا

فَلا مَوجٌ يَمَسُّ خِيامَنا

ولا سُفُنٌ تُدَنِّسُ ما بَنَاهُ صَفاؤنا..

نحنُ العُلُوُّ

إذا تهاوى الناسُ في وَهمِ اللِّقاءِ..

نحنُ اتِّحادُ النَّورِ

حينَ يَغيبُ ضوءُ المُمكِناتِ

نَتَرَفَّعُ

وانْتِظارُ العِطرِ

في جَسدِ السُّؤالِ

نَذوبُ في المَعنى

فَلا نَحتاجُ تأويلَ الوِصالِ

مَا مَسَّنا كَدَر

ولكنْ..

كُلُّما اشْتَدَّ التَّغاصنُ بَيننا

سَالَ الجَلالُ على الجَلالِ

***

مرشدة جاويش

بقلم: ماتياس ماكسيمليان غوت

Matthias Maximilian Gut

ترجمة: قاسم طلاع

***

صوت ينادي

يتبعه الآخر،

الآخر الذي يرقص، أيضا، حول القبور

يمتص دماء الاحياء،

يأكل لحومهم، ويعيش على جهلهم

إذا نادى هذا الصوت.

(1)

تريد العبور

تقف

تبقى واقفا

حتى تصل الى نقطة،

نقطة الصفر.

*

زقاق مغلق

عند نهاية السور

الجدار عاليا جدا

وشائك.

*

كيف...؟

ماذا...؟

لماذا...؟

لا يمكن الوصول إلى الجانب الآخر

هل تصدق...؟

*

انها النهاية،

في النهاية،

سوى زقاق مغلق

السور له اسلاك شائكة

الجدار عاليا جدا...؟؟؟

*

(2)

لن أبكي

أبدا، لكني سأبكي

لو كانت دموعي لازالت عندي،

سأشكي بمرارة آلامي باكيا

إلا إنها ليس عندي.

استهلكت كل قطرة...

دموعا للمعاناة والألم

ودموعا للألم أيضا

لا... أبدا

سوف لن أبكي

لكن سأبكي

إذا كان في استطاعتي أن أفعل هذا.

(3)

الحيطان

باهتة اللون، باردة، وفارغة

الحجر مطلي باللون الأبيض

بارد يقف هنا

طريق مسدود

لا يمكن تحديد نهايته

مع طرق ملتوية أخرى

لا وجود لعودة

كل شيء مظلم

في هذه الشوارع،

في الرأس.

الفم يريد الصراخ

يريد أن يزأر،

إلا إنه يبقى صامت.

لم يبق شيئا،

عدا طرق مغلوقه،

تقود إلى طرق أخرى متشابهة

مغلوقه

مغبرة

قذرة

باردة وكئيبة

مملوءة بالبشر

مملوءة بالحزن، بالغضب

لكنها معزولة

ووحيدة

قبل كل شيء.

(4)

برقة يبدأ الصباح بالظهور

لازلت أقف في الظل

اتطلع في البرد إلى المساء

دون حركة

في الظاهر لم أتأثر

في داخلي شيء من الاحساس

*

اشجار تتمايل في الريح

اشعر بالبرد

اشعر بالبرد في داخلي

الصمت يسلب مني وعي

يريني الالم

يقودني، كل مرة، الى هناك، إليك،

في رحلة فكرية.

*

صمت

صمت مطبق

صوت من الصراخ في داخلي

يبكي... يتوسل

وفمي يبقى صامتا.

*

أسير متنقلا من مكان إلى آخر

ببطء

وحيدا

مقطوعا

حشود من الناس

تمرق.

في كل وجه من وجوههم أرى فيهم عيونكِ

في خيالي

لا زالت

عيونك

ابتسامتك

ونحن كلانا

سوية

*

لا زلت اسمع صوتك ينادي

يقودني إلى الخارج

خارج خوفي

يرافقني في طريقي

حبك الأبدي

يخفف عني الألم

لكنه ليس كل الألم أبدا

*

… ونحن

فإذا كنا لا زلنا موجودين

لا تتركيني لوحدي

أنت كل ما أحتاجه

انت الضوء الذي يرافقني في طريقي

عانقيني الآن

خذي بيدي كل صباح

وسيري معي إلى الضوء

كي تكف الدموع في داخلي.

***

...................

* ماتياس ماكسيمليان غوت (Matthias Maximilian Gut) شاعر ولد في مدينة فيننا عاصمة النمسا عام ١٩٨١. لم يصدر له غير ديوان واحد يحمل عنوان أفكار تكون طليقة في عام ٢٠٠٠ وكان آنذاك لم يتجاوز عمره التاسعة عشر. لم يكتب أي شيء عن حياته، سوى إنه يشير إلى عمله كموديل (Model). أما حول نشاطاته الأدبية فيذكر أيضا، بأنه لازال يكتب وينشر نصوصا شعرية في بعض من المجلات والصحف الأدبية. 

النصوص أعلاه مأخوذة من ديوانه المذكور أعلاه.

من الأدب الكردي

بقلم: محمد البدري

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

جنون

عزيزتي.. يقولون:

إن الجنون

نوع من التمرد

إنه مرحلة ليس إلا

يقول بعضهم:

إنه الفناء

إنه الإغماء

يقول بعضهم:

إنه عنقاء العتق

والانطلاق

عندما تصالحينه بصدق

تتجلى لك الحياة

على حقيقتها

وتكتشفين كم هي دامسة

ومعتمة

وكالحة الوجه..

أنا أيضا، أقول..

أيتها الحبيبة المدللة

لو تلازمينه

عندها ستعرفين: ما لون

فردوس الجنون

في عالم الاكتشاف

بكلمة أخرى:

المحظوظ في هذا العصر

من يقال له.. مجنون!!

***

........................

محمد البدري: شاعر كردي غزير الإنتاج. ولد عام 1937 في (بدرة – واسط) . أصدر ثمانية أعمال شعرية ونثرية خلال الفترة (1969 – 1985).

- يعتبر واحدا من أبرز شعراء المرحلة الرابعة والأخيرة من مراحل الشعر الكردي بعد (بابا طاهر الهمداني) حسب تقسيمات الدكتور (نافع عقراوي) في دراسته التحليلية (جولة سريعة في رحاب الأدب الكردي) المنشورة في مجلة (الأديب الكردي) عدد خاص (1 / 1986). ومن الأسماء اللامعة التي تضمنتها: حسيب قرداغي، كاكه ى فلاح، جمال شاربازيري، لطيف هلمت، صلاح شوان، عبدالله المزوري، نوزاد رفعت، مدحت بيخو، عثمان شيدا، وأزي كوران وغيرهم.

- يقول السيد (يوسف الحيدري) في كتابه (صفحات ملونة من الأدب الكردي): (يمتاز شعر محمد البدري بالشفافية والبساطة والوضوح، وهي من سمات الشعر الجيد والأصيل... هذا الشعر الذي يدخل الأعماق دون أي تعقيد أو افتعال.. وفي شعره تتمازج الرومانسية الملونة والرمز والفلسفة أحيانا مع الشعور القومي المتدفق).

: أما أعماله المشار اليها أعلاه فهي -

رذاذ الصدأ 1969

أجنحة الصمت 1969

رباعيات باباطاهر 1969

كلمات من كردستان 1970

أه.. كم أحبك 1979

أغنية حب لنوروز 1079

حب الحياة 1985

مختارات من عادات وتقاليد الشعوب 1985

(56/ 2001) ومن شعره هذه القصيدة المترجمة عن مجلة (رامان) العدد -

- عن (من مشكاة الشعر: قصائد مختارة) للمترجم، أربيل – العراق 2002.

للشاعرة اليابانية روميكو كورا

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

يقولون إن الأمة ستحتفل

تكريما لضحايا الحرب

ويقولون أيضا إنها ستتضرع لأجلهم

في ضريح ياسوكوني*

ما هو الحدث الذي يطلبون منا

إحياء ذكراه؟

فما من ضحايا للحرب هنا

في الواقع

بل فقط توابيت خشبية خالية

و جافة، تشتكي

في مهب الريح الشتائية

و تعود بالضحايا إلى حيث ولدوا

بالقرب من ذرى الجبال

و شطوف الأنهار

حيث مواقد أسرهم

و الحارات المعتادة

و أركان الشوارع التي يعرفونها

على مقربة من الذين يفكرون بهم

دون أن توفر هذه الأمة

السفن اللازمة والوقود الضروري

لتسهيل عودتهم

لقد خذلتهم هذه الأمة

و تركتهم لمصيرهم

في الوحل والدم

على السواحل النائية

للبحار الجنوبية

***

.......................

* ضريح ياسوكوني: معبد شنتو أقيم في طوكيو عام 1869 تكريما لنحو (2،5) مليون ياباني من ضحايا المعارك من أجل الإمبراطورية اليابانية.

- روميكو كورا (1932 طوكيو – 2021)، روائية وكاتبة مقالات وشاعرة وناقدة ومترجمة يابانية معروفة من فترة ما بعد الحرب، ومن رائدات الحركة النسوية. ابنة الناشط والسياسي (تومي كورا). عاشت ظروف الكساد الكبير وحرب آسيا والمحيط الهادي والاحتلال الأمريكي. حاصلة على شهادة من جامعة (كيو). من مؤلفاتها (الصمت المكسور: أصوات الحركة النسوية اليابانية 1997) بالاشتراك مع (سايتو تشيو، أوتشياي كيكو، ناكانيشي تويوكو) وغيرهن. من أشهر قصائدها (أم تتحدث، عالم بين الأشجار، الشجرة، الخريف، صحوة، الصديق، لقاء، تأمل، وقتلى الحرب)، و(البرعم) التي تقول فيها: (لأن من يصنعون الكلمات يحكمون العالم). ترجمت إلى اللغة اليابانية العديد من القصائد لشعراء من أفريقيا وآسيا. منحت عدة جوائز. ترجمت لها إلى الإنكليزية (جودي هاليبسكي) و(أياكو تاكاهاشي) و(ميتشيكو نون تسوشيما). منحت عدة جوائز. مترجمة عن الإنكليزية.

جرت الأحداث في بلدة كبيرة من مستعمرة فرنسية، حوالي عام 1928. في بعد الظهيرة من يوم الأحد، رغبت بعض بنات مدرسة باربيه الداخلية بالخروج. تلك البنات - تلك البنات اللواتي لديهن 'أوصياء' في البلدة. وعدن أدراجهن في المساء، منتشيات بالسينما، وبحفلة الشاي في 'الباغودا'، وبالسباحة في المسبح، وبالرحلة في السيارة، وبلعبة التنس. لم يكن لي وصي. لذلك كنت أمكث مع ميلي باربيه طيلة الأسبوع وفي أيام الآحاد. وكنا نزور الحدائق النباتية. فهي بالمجان، وتسمح للآنسة باربيه أن تطلب من أمي نفقات إضافية تحت اسم "نزهات الأحد".  وكنا نحب أن نشاهد أفعى البوا وهي تبتلع دجاجات يوم الأحد. خلال أيام الأسبوع لا تتناول الأفعى وجبتها. كان يقدم لها اللحم الميت والدجاج المريض. ولكن في الآحاد كان الدجاج جيدا وحيا، لأن البقية يفضلونه بتلك الطريقة. وكنا أيضا نزور التماسيح الآسيوية. قبل عشرين عاما، تمساح آخر - عم كبير أو ربما والد أولئك الذين كانوا هناك في عام 1928 - قطع ساق ضابط في القوات الاستعمارية. قطعها من جذورها، وهكذا أفسد مستقبل هذا العسكري المسكين، الذي غامر ولمس فمه بساقه، دون أن يفهم أن التمساح إذا لعب فهو يلعب معك بدم بارد. منذئذ، تم إضافة سور حول بركة التماسيح، وبمقدور الإنسان أن يراها الآن تنعم بالأمان، نائمة بعيون نصف مغلقة وتحلم بكل جناياتها وجرائمها السابقة. كنا نحب أيضا أن نرى قرود الجيبون وهي تمارس العادة السرية، أو الفهود السود القادمة من مستنقعات المانغروف، وهي تعاني وتحترق على الأرض الإسمنتية، دون أن تنظر  من خلال السور الحديدي بوجوه الرجال المستمتعين بمعاناتها على نحو سادي، وعوضا عن ذلك تفضل رؤية دلتا الأنهار الآسيوية الخضراء التي يزيد بهاؤها بوجود القرود. وإذا وصلنا متأخرتين، نشاهد أفعى البوا نائمة على فراش من ريش الدجاج. وهكذا نقف لفترة طويلة أمام قفصها. لم يكن هناك شيء نراه، ولكننا نعلم بما حصل قبل دقيقة من الوقت، فتقف كلتانا أمام البوا، ضائعتين في زحام أفكارنا. هذا الهدوء بعد تلك الجريمة. هذه الجريمة المروعة، التي ترتكب بين الثلوج الحارة لذلك الريش، والذي يضفي لمسة حقيقية فاتنة على براءة الدجاج. جريمة بدون دم، من غير أي أثر للدم المراق، وبلا أي ندم. هذا الهدوء، بعد تلك الكارثة، يسوده سلام في غرفة الجريمة. فنرى البو ملتفة حول نفسها، سوداء، تلمع بقطر ندى أنقى من الندى المترسب على زهور الهوثورن، بشكلها الذي يأسر الإعجاب، ممتلئة ومستديرة، وناعمة لكن مدعومة بالعضلات، مثل عمود من الرخام، ثم تتدحرج فجأة بسبب الكسل والتعب، ثم تلتف أخيرا حول نفسها، قبل أن تهمل كبرياءها الثقيل، وتزحف متموجة ببطء وبقوة حلزونية، وهكذا تبتلع الدجاجة وتهضمها بيسر تتحكم به، مثلما يفعل رمل الصحراء المحترق حين يمتص الماء، شكل من أشكال تحويل المادة وهو يتحقق بهدوء إلهي. في هذا الصمت المهيب والمخيم، تدخل الدجاجة في الثعبان. وببهجة تسبب النعاس، يتدفق جسمها الأسطواني زاحفا، على شكل أنبوب طويل ومستمر. شكل لا يشبه سواه، مستدير ويسبب الحيرة، بدون قبضة مرئية على جوانبه، ومع ذلك يكون محسوسا أكثر من أي مخلب، أو يد، أو ظفر، أو قرن أو ناب، عدا أنه أعزل كالماء ولا يشبه بعريه أي نوع من بقية الأنواع. لم تهتم الآنسة باربيه بالبوا بسبب عمرها والحالة المتقدمة لعذريتها. شخصيا كان لها تأثير ملحوظ علي. أصبح مرآها شغلي الشاغل. وبما أنني أنعم بذهن نبيه ومهذب وبروح تهتم بالتفاصيل وبقلب عطوف وكبير أعتقد انها ألهمتني أن أعيد التعرف على الرب الخالق والقسمة التامة للعالم بين قوى الشر وقوى الخير، فكلاهما صفة أبدية، والتعرف على النزاع ببنهما، والذي تجده في أصل كل الأشياء. أو بالاستطراد لرفض ازدراء الجرائم وتقدير البراءة. حينما عدنا إلى المدرسة الداخلية، بأسرع مما كنت أفضل كالعادة دائما، كان بانتظارنا في غرفة نوم الآنسة باربيه كوب شاي وموزة. أكلنا بصمت. ثم ذهبنا إلى غرفتي. وبعد قليل من الوقت دعتني الآنسة باربيه إليها. لم أرد فورا. فألحت بقولها: "تعالي لحظة وشاهدي...". كنت أعقد عزمي. عليها أن تأتي لتصحبني. ولكن كنت أعود إلى غرفة نوم الآنسة باربيه. ودائما أجدها في نفس المكان، أمام نافذتها، مبتسمة، بثوب خفيف زهري، وكتفاها عاريان. فأقف قبالتها وأنظر إليها كما يفترض أن أفعل، ونتفق إذا كانت حالتها طيبة أن تأخذني لمشاهدة البوا.

قالت لي الآنسة باربيه: "كما ترين. هذا ثوب داخلي ممتاز...".

قلت: "أرى ذلك. هو ثوب داخلي فعلا. أنا أرى ذلك..".

تنهدت وقالت: "اشتريته بالأمس. أحب الثياب الداخلية الرقيقة. كلما كبرت بالعمر، زاد حبي لها...".

نصبت قامتها أمامي لأبدي إعجابي به، وخفضت نظرتها التي تفيض بالإعجاب لمرآها. كانت نصف عارية. لم تعرض نفسها هكذا أمام أحد في حياتها، باستثنائي. كان الوقت متأخرا جدا. فهي في الخامسة والسبعين من العمر، ولا يسعها أن تكشف نفسها لأي شخص آخر عداي. كانت تكشف نفسها لي في كل أرجاء المكان، ودائما بعد الظهيرة من يوم الأحد، حينما تكون جميع المقيمات في الخارج، وبعد زيارة حديقة الحيوان. وكنت أنظر إليها بقدر ما تسمح لي.

قالت: "لماذا أنا متعلقة بها هكذا. عما قريب سينفد طعامي وأجوع..".

من جسم الآنسة باربيه تفوح رائحة فظيعة.  لا يمكنك أن تخطئيها. أول مرة كشفت نفسها لي عرفت سر تلك الرائحة الفظيعة التي عمت في أرجاء المكان، وتعرفت عليها، وهي رائحة تأتي من عبير القرنفل الذي تغرق نفسها به، رائحة تجتاح الخزانة، وتختلط مع رطوبة الحمامات، والتي تلسع بعدائية وتحمل آثار روائح عشرين عاما، داخل ممرات المدرسة، وفي وقت الراحة، تتدفق كأنها تعبر من بوابات أحد السدود المفتوحة. ومن خلال بلوزة دانتيلا أسود ترتديها الآنسة باربيه، كلما سقطت بالنوم في غرفة المعيشة بعد الغداء.

"الثياب الداخلية الجيدة شيء مهم. افهمي هذا. أنا أدركت الأمر بوقت متأخر جدا".

فهمتها مباشرة. كان كل البيت يفوح برائحة الموت. العذرية المدنية للآنسة باربيه.

"لمن أعرض ثيابي الداخلية إن لم يكن عليك؟ عليك أنت التي تفهمينني؟".

"فهمت".

ناحت تقول: "لكن تأخر الوقت".

لم أرد. انتظرت لحظة، ولكن لم أتمكن من الرد.

انتظرت لحظة وأضافت: "أضعت وقتي. لأنه لم يأت أبدا...".

فتك بها ذلك الغياب، غياب الذي لم يأت أبدا. غطاها الثوب الزهري الخفيف، المدبج بدانتيلا "ثمينة"، وكأنه كفن، ونفخها كالبالون، وضغط على وسطها بالمشد. كنت الوحيدة التي كشفت لها هذا الجسم المستنزف. الأخريات ستخبرن آباءهن. بالنسبة لي، حتى لو أخبرت أمي، لن يهمها الأمر. فالآنسة باربيه قبلتني في مدرستها على سبيل المنة لأن أمي ألحت كثيرا. لن يوافق أحد في البلدة على قبول ابنة معلمة محلية خشية الإساءة لمدارسهم. لدى الآنسة باربيه قلب طيب. كنا متفاهمتين، هي وأنا. لم أنطق بكلمة. وهي لم تذكر أن والدتي كانت ترتدي نفس الثوب لعامين، وأنها ترتدي الجوارب القطنية، وأنها باعت مجوهراتها لتغطي أقساطي السنوية. وهكذا، وبما أننا لم نقابل أمي أبدا، وبما أنني لم أناقش برنامج يوم الأحد - تلك النزهات المجانية التي أصبحت مدفوعة القيمة ليوم الأحد - وبما أنني لم أكن أشتكي، أصبحت بنظر الآنسة باربيه بمكانة أعلى.

"الحمد لله أنك هنا...". 

كتمت أنفاسي. ومع ذلك كان لديها قلب طيب. انتشرت سمعتها في البلدة، وكانت مثالية على شاكلة عذرية حياتها. قلت ذلك لنفسي، وقلت لنفسي إنها عجوز. ولم يصنع ذلك أي فرق. فكتمت تنفسي.

تنهدت تقول: "يا له من وجود..".

لأنتهي من الموضوع، سأخبرها أنه رفيع المستوى، أنه ثوب داخلي رائع وبالنسبة للأخريات، قد لا يكون مهما، كما هي تظن الآن، وأنه لا يسبب الندم.. لم ترد. تنهدت بعمق وارتدت بلوزتها السوداء الدانتيلا، والتي كانت طيلة الأسبوع دليلا على الاحترام. تحركت ببطء. وعندما أكملت ارتداء أكمام بلوزتها، علمت أن الموضوع انتهى. وأنني سأعيش بسلام لمدة أسبوع. وسأعود إلى غرفة نومي. وسأجلس على الشرفة في الخارج. وسأتنفس. تتابعت هاتان المشاهدتان، زيارة حديقة الحيوان وتأملات الآنسة باربيه، وأشعلت بالضرورة في داخلي نوعا من الحماسة السلبية.

امتلأ الشارع بأشعة الشمس وألقت أشجار التمر الهندي بظلالها الضخمة على البيوت وشاحا واسعا من العبير الأخضر. مر بنا جنود من القوات الاستعمارية. ابتسمت لهم على أمل أن يميل أحدهم لي، ويأتيني، ويطلب مني أن أتبعه. لكن انتظرت هناك لفترة طويلة. أحيانا يبتسم لي جندي، ولكن لم يقترب مني أحد. وحينما يأتي المساء، أعود إلى ذلك البيت وأنا أشعر بالدوار والمرض من رائحة الندم الفاسد. هذا شيء مؤلم. لم ينجذب أي رجل لي بعد. شيء مؤلم. بلغت الثالثة عشرة، استغرقت وقتا طويلا جدا قبل أن أغادر ذلك المكان. ما أن عدت إلى غرفتي، حتى حبست نفسي فيها، وتخليت عن بلوزتي، ونظرت إلى نفسي بالمرآة. كان صدري ناعما وأبيض. وذلك هو الشيء الوحيد الذي كنت أستمتع برؤيته خلال حياتي في ذلك المنزل. خارج المنزل، استمتعت بالبوا، لكن هنا يوجد صدري. بكيت. وفكرت بجسم أمي، التي أشقت نفسها، واعتاش على تعبها أربع أولاد، وفاحت منها رائحة الفانيلا، مثل كل بوصة من أمي الملتفة بثيابها. كانت الوالدة تخبرني أنها تفضل الموت على أن تراني أعاني من طفولة مريعة مثل طفولتها، وأن تجد لي زوجا وتتفهمه، وأن أكون قادرة على عزف البيانو، وأن أتقن عدة لغات، وأن أتقن التصرف في الصالونات، لكن كانت الآنسة باربيه بوضع أفضل منها ومؤهلة لتعلمني تلك الأشياء. آمنت بوالدتي. كنت أتناول طعامي أمام الآنسة باربيه ثم أسرع بالصعود إلى غرفتي لأتفادى العودة مع بقية الطالبات. وأفكر بالبرقية التي سأرسلها في اليوم التالي للوالدة وأخبرها فيها أنني أحبها. ومع ذلك لم أرسل تلك البرقية أبدا. وهكذا مكثت في بيت الآنسة باربيه لعامين، بمحاولة للمصالحة بين ربع ما تدفعه أمي مع ظروف عذرية تلك المرأة السبعينية، حتى جاء اليوم الرائع، حينما وجدت أمي نفسها غير قادرة على المتابعة مع التكلفة الشهرية، فجاءت يدفعها اليأس، لأرافقها، وهي مقتنعة أن الانقطاع عن التعليم قد يعني البقاء معها طيلة حياتها. استمر ذلك لعامين. كل يوم أحد. ولعامين، مرة في الأسبوع، كنت أعتز أنني أول من تشاهد افتراسا عنيفا، بأطواره التي تسبب الدوار، وبتضاريسه الدقيقة، ثم الافتراس الآخر، وهذا بطيء، وبدون شكل، وأسود. كل ذلك بين عامي الثالث عشر وعامي الخامس عشر. وقد تطلب مني الأمر أن أكون موجودة في التوقيتين، كنت أشعر بالألم لأنني لا أتلقى التعليم المناسب، ولأنني "أقترب من سقوطي وسقوط أمي"، ولا سيما أنني لن أجد زوجا مناسبا، إلخ...

كانت الأفعى تفترس وتهضم الدجاجة، بينما الأسف يفترس ويهضم الآنسة باربيه، وهذان الافتراسان كان أحدهما يتبع الآخر، ويأخذ في عيني معنى جديدا، وبالضبط لأن أحدهما يلي الآخر دوما. وبما أنني كنت أواجه الأول كمشاهدة، وهو مشهد الدجاجة والبوا، اعتبرت دائما أن البوا مسؤولة بمرارة مرعبة عن العذاب الذي يجب تحمله، بخيالي، وأنا أضع نفسي بمكان الدجاجة. هذا احتمال. وبالمثل بما أنني كنت أرى الآنسة باربيه وحدها، كنت أدرك بدون شك: أن الحياة البشرية حافلة بالبؤس الثقيل، الذي لا مهرب منه، كما هي حافلة بعدم التوازن في نظام المجتمع، والأشكال المتداخلة من الهوان الناجم عن ذلك. ولكن كلا. كنت أنظر للمسألتين باستثناءات نادرة فقط، الواحد بعد الآخر، وفي نفس اليوم، ودائما بنفس الترتيب. وبسبب هذا الترتيب، مرأى الآنسة باربيه أعادني إلى ذكرى البوا، البوا الجميلة، والتي كانت برائعة النهار، وبصحة متوحشة، تفترس الدجاجة، وبالمقارنة، كانت الحادثة تجري بترتيب مدهش وبساطة ساطعة وبراعة أصلية.

تماما كما تحولت الآنسة باربيه —بعد أن رأيت البوا— إلى تجسيد للرعب المطلق؛ رعب أسود، باطني، ومخادع. لم يكن المرء يرى افتراس براءتها وهي تحدث، بل كان يرى آثارها فقط ويشم رائحتها؛ المرعبة والخبيثة، المضللة، والجبانة، وقبل كل شيء، المترعة بالغرور. كيف كان لي أن أبقى غير مبالية بتتابع هذين المشهدين اللذين ربطت بينهما بدافع قدر مجهول؟ كنت ألهث يائسة، عاجزة عن الهروب من عالم الآنسة باربيه المغلق، ذلك الوحش الليلي، ودون أن أتمكن من بلوغ العالم الذي أحسست على نحو غامض بفضل البوا، ذلك الوحش النهاري. تخيلت هذا العالم الحر والقاسي، وتصورت أنه حديقة نباتية شاسعة، وفيها وسط النافورات والبرك المنعشة، وفي ظلال أشجار التمر هندي الكثيفة التي تتخللها بقع الضوء الساطعة، تجري مبادلات جسدية لا حصر لها؛ تتراوح ببن الالتهام والهضم، مع قران يجمع بين الصخب والهدوء — ذلك الهدوء الذي يغلف الأشياء تحت الشمس وفي قلب الضوء، بهدوء وصفاء ورعشة بسيطة مذهلة.  وكنت انتظر على شرفتي، وامكث عند التقاء هذين الحدين الأخلاقيين، وأبتسم لعساكر القوات الاستعمارية الذين كانوا الرجال الوحيدين المتواجدين دوماً حول قفص البوا، لأن ذلك لم يكن يكلفهم شيئاً، هم الذين لم يكونوا يملكون أي شيء أيضاً. لذا كنت أبتسم، مثل عصفور يختبر جناحيه دون دراية، مؤمنا أن هذه هي الطريقة الصحيحة للوصول إلى الفردوس الأخضر لتلك البوا المجرمة. هكذا استطاعت تلك البوا، التي كانت ترعبني أيضا، أن تعيد لي وحدها جرأتي وجسارتي. لقد تدخلت في حياتي مثل مبدأ تربوي يطبق بانتظام، أو إذا فضلت، بدقة حاسمة تشبه "رنّة الشوكة الرنانة" حيال الرعب؛ مما جعلني لا أشعر بنفور حقيقي إلا أمام نوع معين من الرعب، يمكن وصفه بالرعب الأخلاقي: رعب الأفكار الخفية، والرذائل المستترة، وأيضا المرض غير المعترف به، وكل ما يحمل خجلا وفي عزلة. وفي المقابل، لم أشعر بالرعب تجاه القتلة مثلا؛ بل على العكس، كنت أتألم لأولئك الذين أُودعوا السجن منهم، لا من أجل كيانهم الجسدي تماما، بل من أجل طبعهم السخي المغمور الذي توقف في مساراته المهلكة. فكيف لي ألا أعزو إلى "البوا" هذا الميل الذي كان لدي للاعتراف بالجانب القاتل في الطباع، وهي التي كانت في عيني التجسيد الكامل لذلك؟ التي بدت لي جميعها كضرورة سيمفونية، لدرجة أن فقدان نوع واحد منها كان كفيلا بتشويه الكل بشكل لا يمكن إصلاحه. صرت أرتاب بالأشخاص الذين يملكون الجرأة على إطلاق أحكام على تلك الأنواع التي تعتبر "فظيعة"، وعلى الثعابين "الباردة والصامتة"، والقطط "المنافقة والقاسية"، وما إلى ذلك... فئة واحدة فقط من البشر بدت لي أنها تنتمي حقاً إلى هذا المفهوم الذي شكلته عن "النوع"، وهن بالطبع المومسات. تماما مثل القتلة، كانت المومسات (اللواتي تخيلتهن مشتتات عبر غابة العواصم الكبرى، يطاردن فرائسهن ويلتهمنها بذاك الكبرياء والتبجح اللذين يصاحبان الطبائع القدرية) يثرن في الإعجاب ذاته، وكنت أتألم لأجلهن أيضا بسبب الجهل الذي يحطن به. وعندما أعلنت أمي أنها لا تعتقد أنها ستجد من يتزوجني، مثلت "الآنسة باربيه" أمام عيني فورا، فواسيت نفسي بفكرة أنه لا يزال هناك "الماخور"، الذي ولحسن الحظ سيبقى موجوداً دائماً إذا تطلب الأمر. تخيلته كنوع من "معبد فض البكارة" حيث تذهب الفتيات اللواتي في مثل وضعي، واللواتي لم يكتب لهن الزواج، ليكشفن عن أجسادهن لغرباء، لرجال من صنفهن نفسه، وذلك بمنتهى النقاء (إذ لم أفهم الجانب التجاري للبغاء إلا لاحقا). كنوع من معبد التبجح، كان على الماخور أن يكون صامتا، لا يتحدث فيه أحد، حيث يتم ترتيب كل شيء بحيث لا يكون هناك سبب لنطق ولو كلمة واحدة؛ غمر مقدس للأسماء. وتخيلت أن الفتيات يضعن أقنعة على وجوههن للدخول إلى هناك، بلا شك لاكتساب مجهولية نوعهن، محاكاة للغياب المطلق لـ "الشخصية" لدى البوا (تلك النموذجية التي ترتدي قناعا عاريا وعذريا)، حيث يتحمل نوعهن ببراءة وحده كل مسؤولية الجريمة، تلك الجريمة التي تخرج ببساطة من الجسد كما تخرج الزهرة من النبتة. هذا الماخور، المطلي باللون الأخضر، بذات الخضرة الطبيعية التي تكتنف افتراس "البوا"، وبخضرة أشجار التمر الهندي العالية التي  تغمر شرفة يأسي بظلالها، بصفوف غرفه المتجاذبة حيث تمنح المرأة نفسها للرجال، كان يشبه نوعا من أحواض السباحة التي يذهب المرء إليها ليغتسل، ليتطهر من عذريته، وليُنزع شبح الوحدة عن جسده. يجب أن أتحدث الآن عن ذكرى من طفولتي لم تزد هذا المنظور للأمور إلا ترسيخا. حين كنت في الثامنة على ما أظن، سألني أخي، الذي كان في العاشرة، يوما أن أريه "كيف" يبدو الأمر. رفضت، فأعلن بغضب أن الفتيات "قد يمتن من عدم استخدامه، وأن إخفاءه يسبب الاختناق وأمراضا خطيرة جدا". لم أطاوعه، لكني عشت لسنوات في شكّ مضن، زاد من وطأته أني لم أفض بسري لأحد. وعندما تجلت لي "الآنسة باربيه" بحالها ذاك، رأيت فيها تأكيدا لما قاله لي أخي. صرت واثقة أن "الآنسة باربيه" لم تكن عجوزا إلا لهذا السبب، لأنها لم تكن يوما ذات نفع، لا للأطفال الذين بوسعهم الرضاعة من هناك، ولا للرجل الذي يكشف عنه. لقد كان "تآكلا للوحدة" يتجنبه المرء بلا شك عبر الكشف عن جسده. إن ما جرى استخدامه، استخدامه لأي شيء – ليكون مَحطا للأنظار مثلا – كان مصونا. ففي اللحظة التي يصبح فيها الثدي ذا نفع لرجل، حتى ولو لمجرد السماح له بالنظر إليه، وتأمل شكله واستدارته وقوامه، في اللحظة التي يشعل فيها هذا الثدي رغبة الرجل، فإنه ينجو من ذلك التحلل. ومن هنا نبع الأمل الكبير الذي علقته على "الماخور"، بوصفه المكان الأسمى لتجلي الأجساد وانكشافها. ولم تكن "البوا" لتؤكد هذا الاعتقاد بأقل من هذا الشكل الباهر. بالطبع، كانت البوا ترعبني بافتراسها، تماما كما كان يرعبني ذلك الافتراس الآخر الذي وقعت "الآنسة باربيه" فريسة له، لكن البوا لم تكن تملك إلا أن تلتهم الدجاجة بتلك الطريقة. وبالمثل، لم تكن المومسات يملكن إلا أن يكشفن عن أجسادهن. أما "الآنسة باربيه" فقد مدت بؤسها إلى حقيقة أنها تهربت من هذا القانون القاهر، وفشلت في الفهم، فشلت في – كشف – جسدها. وهكذا، انفتح العالم، ومعه حياتي، على ممر مزدوج شكل خيارا جليا: فمن جهة، كان هناك عالم "الآنسة باربيه"؛ ومن جهة أخرى، كان هناك العالم القاهر، العالم الفتاك، ذاك الذي يعتبر نوعا من القدر، وهو عالم المستقبل المشرق والمحترق، الصاخب والمنادي، ذو الجمال العسير الذي كان لزاما على المرء أن يعتاد قسوته كي يبلغه، تماما كما كان لزاما عليه أن يعتاد مشهد افتراس الأفاعي. ورأيت عالم حياتي المستقبلية يرتفع أمامي، المستقبل الوحيد الممكن لحياة ما؛ رأيته ينفتح بنغمية وطهر أفعى تنفرد طياتها، وبدا لي أنني حين أعرفه أخيرا، وف يظهر لي هكذا، في امتداد من الاستمرارية المهيبة، حيث ستقبض حياتي وتقبض من جديد، وتقاد إلى منتهاها، في نوبات من الرعب، والنشوة، بلا راحة، وبلا كلل.

***

.......................

* ترجمها إلى الإنكليزية ويل ماكموران  Will McMorran.

* مارغريت دوراس Marguerite Duras   روائية فرنسية حازت على الغونكور عن روايتها "العاشق". من أعلام الرواية الفرنسية الجديدة.

* تمت الاستعانة جزئيا ببرامج الترجمة الآلية. اقتضى التنويه.

Александр Пушкин

Зимний вечер

ترجمة: د. إسماعيل مكارم

***

مَساءٌ شتويّ

إنها العاصِفة ُ الثلجيّة ُ تحجبُ السّماءَ ببساطٍ مُعتِم،

حيثُ تشتدُّ الأعاصيرُ الثلجيّة،

تراها تارة تعوي كالوَحش ِ المُفترسْ،

تارة تبكي كأنها طِفلة،

تارة تصدِرُ الصّوتَ

مُمْسِكة بقصَلات ِ سقف ِ بيتِنا العَتيق ِ،

تارة كأنها عابر سبيل ٍ قد دَهَمَهُ الليلُ،

يَطرق شباكنا هذا المساء .

**

في هذا الكوخ المُتداعي

يلقاكَ الأسى والظلمَة.

ما بك ِ أ يا عَجوزتي

تقفين ساكتة ً قربَ النافِذة؟

ربما لشدة العاصِفةِ

أراكِ يا صَديقتي مُتعبة َ،

ربما قد أخذكِ النعاسُ

على نغم المغزل ِ بينَ يَدَيكِ .

**

يا صَديقة َ شبابي المُتعَثر، صَديقتي الخيّرة،

دعينا نشرب الخمْرَ،

دعينا نشرب، لنطرُدَ هذا الأسى، أين الكأسْ؟

فللقلبِ سَيجلب الكأسُ المَسَرّة.

غني لي عن طائر الزّمّير

كيف عاشَ بأمان، هناكَ وراءَ البَحرْ،

رددي تلك الإغنية عن تلك الصّبيةِ،

التي كانت تذهَبُ في الصّباح إلى المَنهَلْ.

**

إنها العاصِفة ُالثلجية تحجبُ السّماءَ ببساطِ مُعتِم،

حيثُ تشتدُّ الأعاصيرُ الثلجيّة،

تراها تارةً تعوي كالوَحش المُفترس،

تارةً تبكي كأنها طِفلة،

تارة تصدِرُ الصّوتَ

مُمْسِكة بقصَلات ِ سقف ِ بيتِنا العَتيق ِ*

تارة كأنها عابر سبيل قد دَهَمَهُ الليلُ،

يَطرقُ شباكنا هذا المَساءْ .

1825

***

Зимнее утро

صَباحٌ شتويّ

ما أحلى هذ الصّباح، حَيثُ الصّقيعُ والشّمسُ

لا تزالين نائمة يا صَديقتي الحَسناء،

هيا استيقظي، حان الوقتُ يا جَميلة،

إفتحي عينيكِ المُغمَضَتينِ يغمرهما الهَناء،

وانهضي لاستقبال أورورا الشّمال،*

وكوني نجمةَ الشّمال ِ الرائعة .

**

أتذكرين كيف كان المَساءُ، إذ غضبتِ العاصفة الثلجيّة،

وفي الأفقِ المعتم سادَ جوّ سَديمي

أما القمرُ فكان نقطة باهتة،

كان يلوحُ بلونِه الشاحِب من خلال ِ الغيوم السّوداء.

وكنتِ جالسة يغمركِ الحُزنُ.

والآن .. أنظري من الشباك:

**

تحت هذي السّموات ِ الزّرقاء،

تحت هذا الغطاء الجميل الرّائع

هاهو الثلجُ يشعّ بنور الشّمس،

والغابةُ بأشجارها العارية وحدها سوداءْ

أما أشجارُ الشوح، رغم الندى الثلجي، تزدادُ اخضرارا،

والنهر تحتَ الجليدِ يُرسلُ بَريقهُ الجَميل.

**

الغرفة ُ تشع بنور الكهرمان الجَميل

والموقد يكسرُ الصّمتَ

بفرقعات الحَطبِ، الذي يَشتعلْ.

أمر ممتاز أن تفكرَ وأنتَ على الأريكة !

أتدرين، هل نأمر بأن يُسخّروا لنا

الفرسَ ذات اللون الأحمر الدّاكن ِ للسير في مَركبةِ الثلج؟

**

إذ أنّ الإنزلاق على الثلج في الصّباح،

يا صديقتي يسمح لنا أن نتنزهَ

بمركبة تجرها فرسٌ غير عجول..

سَنزورُ تلك السّهول الفسيحَة،

والغاباتِ الغنية، الكثيفة،

وشاطئا عزيزا على قلبي.

1829

***

.......................

* كتبت القصيدة الأولى أثناء تواجد الشاعر ألكساندر بوشكين في منفاه الشمالي، في ضيعة ميخايلوفسكويه، في مزرعة والدته، أو في عزبة الوالدة إذا ما استعملنا التعبير المصري. في هذه الفترة كان الشاعر الروسي قد أصبح صاحب شهرة واسعة في بلاده روسيا، و كانت السلطة تراقب بحذر كل كلمة يكتبها الشاعر.

عند عودته من منفاه الجنوبي إلى العاصمة الروسية بطرس بورغ وجدت الجاندارما لديه رسالة لم تعجب السلطات، فتم نفيه من جديد، وهذه المرّة، إلى مزرعة والدته في شمال غرب روسيا – ضيعة ميخايلوفسكويه. هنا شعر الشاعر الشاب بالوحدة بعيدا عن حياة العاصمة، وعن معشر زملائه وأصدقائه.

من الجدير بالذكر إنّ تواجد الشاعر في منفاه الأخير في شمال غرب البلاد قد أنقذه من الإعتقال والسجن لمدة طويلة.نحن نعلم من التاريخ أن إنتفاضة الديسمبريين تفجرت في عام 1825 في شهر كانون الأول – ديسمبر، وكانت الجمعية السرية الشمالية هي التي نظمت هذا الإنقلاب. حدث ذلك بعد وفاة القيصر الكساندر الأول، وقبيل تنصيب نيكولاي الأول على العرش. عدد من المشاركين في الإنتفاضة قد قتل، والقسم الآخر دخل السجن ورحّل إلى سيبيريا. وكان الشاعر الكساندر بوشكين متعاطفا مع أعضاء هذه الجمعية.

مصادر وهوامش:

* في روسيا القيصرية كانت تتبع عادة صناعة القرميد الخشبي المغطى بحزم من القش او القصل لتمنع تسرب مياه المطر والثلج في فصل الشتاء، وتحجب حرارة الشمس في فصل الصيف.

أورورا هي إلهة الفجر حسب التقويم الروماني. Aurora

* تمت الترجمة من النص الروسي الأصلي. راجع

Александр Пушкин. Евгений Онегин. Стихотворения. Проза. – Москва : Эксмо. 2020 г.

للشاعر الكبير وليام شكسبير

ترجمة: د. إسماعيل مكارم إسماعيل مكارم

***

اه كم اود الرحيل الى جوار الرب، شاقة اصبحت الحياة.

ها هو الشر يسود في كل الأنحاء،

لقد اعلن حربه ضد الخير،

واصبح للساقط قول وسلطان،

ها هي الحماقة تعطينا دروسا في الأصول،

بينما نرى فاقدي الكرامة سعداء تاخذهم الغبطة.

فتحت الأبواب على مصراعيها امام الوضيع،

لا مكان عندنا للجميل وما هو رائع،

لقد امسى محاصرا، ممنوعا.

ارايتم كيف ترفع القبعات امام الكفرة، اولئك من تلاعبوا بأمور الدين.

لقد اصبح العمل الشريف في قفص الاتهام،

وقد استبيحت كل الخيرات!!!

**

سهلا علي سيكون الرحيل.

لكن كيف لي ان ارحل عمن احبته الروح.

***

تمت الترجمة عام 2014

........................

* كلام شكسبير هنا يبدو كأنه يتكلم عن ما حصل في وطني سورية في أواخر عام 2024

(بمناسبة يوم الكتاب العالمي)

بقلم: براين بيلستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

في آخر يوم خميس من كل شهر تأسس مجموعة الكتاب،

تجتمع فيها الكتب لمناقشة براين.

*

"لم يعد ثمة لهو هنا،" هكذا علق (المنزل الكئيب) مكتئبا.

"لماذا لا يقرأنا؟" انتحبت (عناقيد الغضب). "ذلك يغضبني كثيرا."

قال (يوليسيس) متذمرا، في تيار من الوعي بالذات:

"انني متأكد انه اشتراني فقط ليتباهى بي امام أصدقائه،"

*

"اراهن انه لا يستطيع حتى ان يتذكر اسمي، (الأبله)،"

هكذا همهم صوت قادم من قسم الأدب الروسي.

"ذلك لأنه يتجنبك مثل (الطاعون)،" هكذا قال آخر.

"صحيح!" انطلقت صرخة بذلك. "كأنني لست موجودا."

*

"دعونا لا نفقد ثقتنا به رغم ذلك." كان ذلك (عالم رائع جديد.)

بعد شي من (الاقناع)، قرروا ان يعطوه فرصة أخيرة واحدة.

"اهدأ!" هكذا صاح (بانتظار غودو) مع (الآمال الكبيرة).

"ها هو يأتي الآن"!

*

دخل براين الغرفة، بيده تلفونه.

جلس وشاهد بضع فيديوهات عن صغار الباندا تفقد توازنها وتسقط.

بعد ساعة او نيف، بدأ البحث في غوغل عن قطط ترتدي ملابس المشاهير.

على الرف، كانت الكتب تنتظر بظهور غير مكسورة،

صمتها ينطق بالمجلدات.

***

.......................

براين بيلستن: شاعر وكاتب بريطاني من مواليد برمنغهام لعام 1970 واسمه الحقيقي بول ميليتشيب. تلقى تعليمه في جامعة ويلز وبدأ نشر قصائده على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما وعرف بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر). ظهرت له المجموعات الشعرية الآتية: (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) 2016؛ (يا أليكسا، ماذا هنالك لنتعلمه حول الحب؟) 2021؛ (50 طريقة لتسجيل هدف) 2021؛ (أيام كهذه: دليل بديل عن العام في 366 قصيدة) 2022؛ و(واذاُ فهذا هو عيد الميلاد) 2023، كما نشر رواية بعنوان (يوميات احدهم) في عام 2019. يواظب بيلستن على نشر قصائده على مواقع التواصل على نحو شبه يومي.

بقلم: الشاعر يوهانس آنيورو

ترجمة: عبد الستار نورعلي

***

خطوط الكفين

عندما يجمعهما المرء

لكي يشربَ

من الحنفيةِ

بعيداً عنْ صالةِ الجمناستيك:

حافاتٌ

من الكريستال

*

أيُّ نوعٍ

منَ المخلوقاتِ

هو الانسانُ

في الأصل؟

2

كانَ لي صديقٌ

أوصلتُهُ معي على دراجتي

منذ زمن بعيد، كانَ يُدعى ماتياس

ويُسمّي نفسهَ بالعملاق إيفيز *

ماتَ بالسرطان منذ فترة قريبة

أفكارُه وأحلامُه

اختلطتا مثل الشاي

داخل الموجات العنيفة غير المرئية

مثل ساريةٍ

مثل الصيف

وقفْتُ عند النافذة، المطر يهطل، اسماؤنا

التصقتْ بأجسادنا لكننا

لا نمتلكها، وأسماؤنا لا تمتلكنا

3

بعد أيام من منتصف الصيف

واستوكهولم قد أُخليتْ بسبب البحر

أو بسبب حلمٍ، نمشي

*

من كارولينسكا منحدرين الى كونغسان

ونجلس عند الأسد الصخريّ، نأكل البوظة

في العالم بعد القنابل النووية خيّمَ

صمتٌ مطبقٌ، تقريباً

*

لم تكن هناك حركة مرور هل تخاف من الموت كلا بالرغم منْ

أنني أريد أنْ أعيشَ، هل قلتَ حسناً يا رأس الانسان

مع شبكة معلومات عند سمكة ماكريل

أُصطيدتْ في لؤلؤة زجاجية أيُّ نوعٍ من المخلوقات

هو الانسان في الأصل؟ كانت المرة الأخيرة التي

رأيتكَ فيها، رأيتُه، رأينا بعضنا، رأيتُ نفسي، صعدنا

باتجاه المحطة الرئيسية، هناك

بمحاذاة أشعة الشمس العالية المظلمة

لمرآة الكون الحالمة

مثل حيواتنا

المزروعة غذاءً

للنور

***

...........................

* نصّ من مجموعته الشعرية (أوميغا Omega) الصادرة عام 2005:

* يوهانس آنيورو Johannes Anyuru: شاعر وروائي وكاتب سويدي. وُلِد في 23 آذار/مارس 1979 بالسويد من أبٍ أوغندي وأم سويدية، التقيا في كينيا، حيث كان والده قد لجأ اليها بعد انقلاب عيدي أمين عام 1971، إذ كان يعمل ملاحاً في سلاح الجو الأوغندي، وكانت أمه السويدية تعمل متطوعةً في إحدى منظمات تقديم المساعدات الإنسانية في كينيا. بدأ كتابة الشعر وهو على مقاعد الدراسة الإعدادية. أثار الانتباه مع صدور مجموعته الشعرية البكر (الآلهة وحدها هي الجديدة) عام 2003. ثم توالت مجموعاته الشعرية ورواياته ومؤلفاته. نال عدداً من الجوائز الأدبية.

* العملاق ايفيز: بطل لعبة الكترونية

بقلم: باتريك موديانو

ترجمة: صالح الرزوق

***

في عمر الثامنة عشرة، اهتمت والدتي بمهنة الأفلام في مدينة أنتيب، مسقط رأسها. حتى انتقلت للعمل مع شركة وقود وحصلت على حصص دراسية تعليمية، ولكن عندما أفتتح استوديو في بيكوسترات، بمبادرة من جان فانديرهايدن، دخلت من البار وحصلت على العمل. وسريعا، تشكل فريق حول فانديرهايدن، وكان يلجأ لنفس الممثلين دائما، ونفس الطاقم. وكان يشرف على الإنتاج والإخراج معا، ويصور أفلامه بسرعة قياسية. أصبح استوديو بيكوسترات خلية نحل للصحافيين ولذلك سمي "هوليوود أنتيب de Antwerpsche Hollywood"". احتلت الوالدة فيه مكان ممثلة أساسية شابة، وظهرت في أربعة أفلام لفانديرهايدن. أول اثنين، هذا الرجل ملاك وآل جانسين ضد آل بيتر، في عام 1939. والآخران، مصالحة عائلتي جانسن وبيتر، وحظ طيب يامونيك، في عام 1941. تعتبر ثلاثة من الأفلام كوميدية مشهورة، وقد جرت أحداثها في أنتيب، وكما قال أحد النقاد آنذاك، جعلت من فانديرهايدن "بانيول نهر سخيلدي"1. أما الرابع، حظ طيب يا مونيك، فقد كان فيلما موسيقيا. بعد ذلك استولت الحكومة الألمانية على شركة إنتاج فانديرهايدن، فسافرت أمي إلى برلين لعدة أسابيع، لتأدية دور بسيط في بيل أمي بإخراج ويلي فورست. في عام 1939 وقعت أمي عقدا مع مسرح أنتيب الإمبراطوري. وأدت عمل فتاة استعراض بدءا من حزيران حتى كانون الأول، واقتبس المسرح عرضا من: كلا، كلا، يا مباركة، بمشاركة أمي. ثم، منذ كانون الثاني 1940، دخلت في برنامج منوعات "النشاطات الحالية" والذي حمل عنوان "سنكون بحال أفضل". وقد كان دورها في وسط اللوحة الأخيرة. حينما كانت بنات الاستعراض الأخريات ترقصن مع مظلات الشامبرلين، صعدت أمي في سلة، ورأسها متوج بأشعة ذهبية. كانت السلة ترتفع أعلى فأعلى، ثم توقف المطر، فأغلقت المظلات. كانت أمي ترمز للشمس المشرقة التي محت بنورها كل أشباح العام القادم. ومن سلتها في الأعالي، لوحت للجمهور، والأوركسترا تعزف ألحانها. ثم أسدلت الستارة. وفي كل مرة، وعلى سبيل الطرفة، تركها الطاقم هناك في السلة، في مكان مرتفع، وفي الظلام.

سكنت الوالدة في الطابق الثاني من بيت صغير بالقرب من كواي فان دايك بنافذة تشرف على نهر سخيلدي ورصيف ريفير سايد، وكانت في نهايته الكافتيريا الكبيرة. هناك أيضا المسرح الإمبراطوري، مع غرفة تبديل الملابس حيث تزين نفسها بالمكياج في كل أمسية. وهناك بيت الأزياء والشوارع على طول الجبهة المائية، ثم المرفأ وأرصفة الميناء. وقد رأيتها وهي تعبر الزقاق بينما عربة تقعقع، وضوؤها الأصفر يلمع في الضباب. كان المساء مخيما، والسفن البخارية تطلق أبواقها. تولع حارس الخزانة في الإمبراطورية بأمي، وعرض خدماته عليها كمدير أعمال. وهو رجل بفك بارز، وعدسات كبيرة ذات إطار من العظام ولكنه بطيء الكلام. وكان في الليل يغني ويؤدي فاصلا موسيقا ويلعب دور السيدة فراشة، وذلك في ملهى ليلي داخل الحي اليوناني المزدحم بالبحارة. وحسب كلامه أن أفلام فانديرهايم، مع أنها فاتنة وكثيرة، لا توفر مستقبلا مهنيا للممثلات. قال لها: يا عزيزتي عليك أن تفكري بعمق. وتبين أنه يعرف منتجين مهمين يعزمان على تصوير فيلم، ويبحثان عن بنت تؤدي دور البطولة الثاني. ووقع اختياره على أمي لتقابلهما. وتصادف أن المنتجين هما فيليكس أوبينفيلد ووالده، المعروف للجميع باسم أوبينفيلد الأب. وكان أوبينفيلد الأب من برلين ويعمل بالمجوهرات، ولكنه هرب إلى أنتيب حينما اغتصب هتلر السلطة في ألمانيا، وتعرضت تجارة اليهود للخطر. أما الابن، فقد كان منتجا في تيرا فيلم وهو أستوديو أفلام ألماني، وحالفه الحظ بعمل في الولايات المتحدة. وقد أعجبا بأمي. حتى أنهما لم يجريا لها اختبار الشاشة، وطلبا منها ببساطة أن تقرأ مشهدا من النص. كان للفيلم عنوان إنكليزي، وهو السباحون والمحققون، وقد كتب خصيصا لبطل السباحة الأولمبية الألماني ويلي دين أودين، والذي أحب التمثيل. ومما أخبرتني به أمي علمت أن حبكة المحقق الأعرج ألهمت عدة غواصين ورقصات باليه الماء. وتوجب على والدتي أن تؤدي دور أقرب أصدقاء ويلي دين أودين. وبحوزتي العقد الذي وقعته الوالدة في ذلك اليوم. وهو من صفحتين سميكتين من ورق سماوي بعلامة مائية مع شعار أفلام أوبينفيلد في الأعلى. كان حرف أو O في أوبنفيلد كبيرا، مع تعرجات أنيقة وبخط عريض ورفيع. وداخل الحرف رسم مصغر لبوابة براندينبورغ، بنقوش ناعمة. وأفترض أن هذا تذكير للمنتجين الاثنين أنهما بالأصل من برلين. كانت أمي مرشحة مستقبلا لجني مبلغ ثابت وقدره خمسة وسبعون فرنكا بلجيكيا، تتلقاها على دفعات في بداية كل أسبوع من التصوير. وباتفاق الطرفين لا يجوز زيادة أو نقصان هذا الأجر حتى نهاية العقد، أو تمديده قبل نهاية صلاحيته. ونص الاتفاق على اعتبار الوقت اللازم للمكياج والملابس بمثابة تحضير للعمل وليس عملا فعليا. وكانت الصفحة من الأسفل مذيلة بتوقيع أمي الواضح. وعدا ذلك هناك توقيع ممهور بقلم فيليكس أوبنفيلد. التوقيع الثالث كان بيد متعجلة وعنكبوتية وتحته كلمات مطبوعة هي: السيد أوبنفيلد الأب. وكان العقد مؤرخا في 21 نيسان 1940. وفي تلك الأمسية وجها دعوة للوالدة لتتناول معهما الطعام. وحضر الدعوة رجل الخزانة، وكاتب السيناريو، هنري بوتمان، وكانت جنسيته غير مؤكدة: بلجيكي؟ إنكليزي؟ ألماني؟. ومن المفترض أن يأتي دين أودن ليقابل أمي ولكنه اعتقل في آخر دقيقة. كان الجو مرحا جدا. كان للأوبينفيلد الاثنان - وبالأخص فيليكس - تلك الميزة، أنهما في نفس الوقت قاسيان وعابثان، وهي صفة مشهورة في برلين. علق فيليكس أوبنفيلد آمالا عظيمة على الفيلم. وأبدى استوديو أمريكي اهتمامه. ألم يلح دائما أنه عليهم إطلاق سلسلة كوميدية وبوليسية من 'زاوية مرحة'؟. ثم التقطوا صورة خلال الغداء، وهي لدي، على طاولتي. الرجل ذو الشعر الأسود المسترسل هو فيليكس أوبنفيلد. والرجلان البدينان، وراءه بمسافة بسيطة: هما بوتمان ورجل الملابس. أما العجوز ذو الوجه المخادع والعينين المستديرتين والمذهلتين - فهو أوبينفيلد الأب. والبنت التي تشبه فيفيان لي هي أمي. وكانت ستظهر بمفردها حسب خطة الفيلم. لترتب غرفة نومها، وتغني لنفسها، وترد على الهاتف. وقرر فيليكس أوبينفيلد، المخرج، أن يسجل المشاهد بترتيب متسلسل. وتقرر أن يكون أول يوم للتصوير هو الجمعة 10 أيار، 1940، في استوديو سونور في بلجيكا.

خططت والدتي أن تصل في العاشرة والنصف صباحا، وبما أنها تعيش في أنتيب، قررت أن تستقل القطار المبكر. وقد تلقت قبل يوم واحد مقدم أجرها، فاستعملته في شراء حقيبة سفر جلدية جميلة من منتوجات إليزابيث آردين. ثم ذهبت إلى البيت في نهاية ما بعد الظهيرة، لتؤدي الأعمال المتوجبة عليها، وتتناول العشاء. بعد ذلك أوت إلى السرير. وفي حوالي الساعة الرابعة صباحا، استيقظت على صوت اعتقدت أنه الرعد. غير أنه كان أعلى - زمجرة مكتومة وطويلة. أعقبه مجيء سيارات إسعاف إلى كواي فان دايك، فمد الناس رؤوسهم من النوافذ. وأعولت صفارات التنبيه في كل المدينة. قالت الجارة من الشقة التالية، وهي ترتعش، أن سلاح الجو الألماني قصف الميناء. توقفت الضجة، وعادت أمي للنوم. في السابعة انطلق المنبه عندها. أسرعت على السلالم لتنتظر العربة، في الساحة الصغيرة، وحقيبة السفر بيدها. لكن لم تظهر العربة. وتجاوزتها حلقة من الناس، وهم يتكلمون بصوت خافت. في النهاية وجدت سيارة أجرة، وكان السائق طيلة الطريق إلى المحطة يكرر، كأنه يلقي كلمة على حشود: "انتهى أمرنا.... انتهى أمرنا... انتهى أمرنا".

كانت المحطة مزدحمة، وكل ما بوسع أمي أن تشق طريقها إلى الرصيف لتلحق بقطار بروكسل. تجمع الناس حول الجابي، بغاية الاستفسار. لكنه قال: كلا. كلا. القطار لن يغادر. وهو بانتظار التعليمات. وتناقلت شفاه الجميع نفس العبارة: 'عبر الألمان الحدود... الألمان عبروا الحدود'. وأعلن المذياع، في أخبار الساعة السادسة والنصف، أن الويرماخت2 غزا للتو بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ. شعرت أمي بشخص يلمس ذراعها. التفتت - كان أوبنفيلد الأب، بقبعة قماشية سوداء. وبدون حلاقة، وكأن وجهه المخادع تقلص إلى نصف حجمه، واتسعت عيناه. عينان ضخمتان زرقاوان، في وسط رأس صغير، رأس من النوع الذي يجمعه شعب جيفارو3. وعلى الفور قادها إلى خارج المحطة وهو يقول: "علينا مقابلة فيليكس في الأستوديو - في بروكسل - لنستقل سيارة أجرة - بسرعة - سيارة أجرة".

وابتلع نصف كلماته.

لم يقبل سائق السيارة أن يذهب بهما إلى مسافة طويلة، خشية من القصف. ولكن تدبر أوبنفيلد الأب إقناع سائق آخر لقاء ورقة بمائة - فرنك. في السيارة قال أوبنفيلد الأب لأمي: "سنتقاسم الأجر". أخبرته أمي أن كل ما لديها يبلغ عشرين فرنكا.

أجاب: "حسنا. سنسوي الموضوع في الأستوديو".

ولم يتكلم إلا قليلا جدا في السيارة. وبين حين وآخر كان يستشير دفتر عناوين، وهو يفتش بشكل محموم في جيوب معطفه وسترته. ثم قال لأمي وهو يشير إلى الحقيبة الجلدية الموضوعة على ركبتيها: "أليس لديك حقيبة غيرها؟".

"حقيبة؟".

"عفوا - هذا صحيح ... الإقامة هنا..".

وهمهم بشيء غير مسموع، والتفت نحو أمي، وتابع: "لم أفكر أنهم لن يحترموا حيادية البلجيكيين".

وضغط على كل مقطع، حيا - دية - البل - جيك -يين. كان من الواضح أنه حتى ذلك اليوم تمسك بتلك الكلمتين على سبيل أمل ضعيف، وأمنية كبيرة، ولا بد أنه كررهما لنفسه مرارا وتكرارا، دون أن يصدقهما. والآن تم استبعاد ذلك، مع كل شيء آخر. الحياد البلجيكي. قادتهما السيارة إلى بروكسل ثم إلى زقاق دي تيرفورين، حيث احترقت عدة أبنية وتداعت على الأرض. وكان رجال الإطفاء يخوضون بين الأنقاض. سأل السائق ماذا جرى - الجواب قصف في حوالي الساعة الثامنة. في باحة استوديو سونور، وجدوا شاحنة وسيارة صيفية كبيرة ممتلئة بالحقائب. وعندما بلغ أوبنفيلد الأب وأمي غرفة الصوت B، كان فيليكس أوبنفيلد يلقي التعليمات على عدد من أفراد الطاقم، الذين يحزمون الكاميرات وأجهزة الإسقاط.

قال فيليكس أوبنفيلد بصوت واثق: "سنغادر إلى أمريكا".

جلست أمي على مقعد. وأخرج أوبنفيلد الأب علبة سجائر.

تابع فيليكس: "ألن تذهبي معنا؟ سنرى إن كان بمقدورنا تصوير الفيلم هناك. لن تلاقي أي مشكلة على الحدود. فأنت معك جواز سفر".

كانت خطتهما أن يصلا إلى لشبونة بأسرع ما يمكن، بعد عبور إسبانيا. وقال فيليكس أوبنفيلد إنه حصل على أوراق من القنصل البرتغالي، وهو صديق كبير له.

وعلق أوبنفيلد الأب وهو يهز رأسه: "لكن الألمان في الغد سيكونون في باريس وخلال أسبوعين سيصلون إلى لندن".

نقلت الأجهزة إلى الشاحنة. وكان هناك ثلاثة، الأوبنفيلد الاثنان وغرونباوم، وهو فني كاميرا سابق من شركة توبيس ويمكنه أن يمثل دور فيلهم الثاني، مع أنه يهودي. وكانت أمي تعرفه، لأنه قبل أسبوع، أخضعها لاختبار إضاءة من أجل اللقطات القريبة.

قال فيليكس أوبنفيلد: "اتبعني يا مارك".

وقفز في السيارة الصيفية. ضغطت أمي وأوبنفيلد الأب نفسيهما في المقعد الأمامي، بجواره، لأن المقعد الخلفي مشغول بعدة حقائب وصندوق.

ثم تمنى الطاقم لهم رحلة طيبة. قاد فيليكس أوبنفيلد السيارة بسرعة، وتبعته الشاحنة. قال أوبنفيلد الأب ثانية: "سنرى إن كنا سنصور الفيلم في أمريكا".

لم ترد أمي. كانت تشعر أنها إلى حد ما محتارة من انعطاف الأحداث. في بلايس دي بروكيري توقف فيليكس بالسيارة أمام فندق الميتروبول. فتوقفت الشاحنة أيضا.

قال: "انتظرا هنا - سأعود حالا".

وأسرع إلى الفندق جريا. ظهر بعد عدة دقائق مع زجاجتي ماء معدني وكيس كبير. وقال: "شطائر للطريق".

وحينما أوشكوا على الانطلاق، خرجت أمي من السيارة وقالت: "يجب.. يجب.. أن أبقى هنا".

نظر إليها الرجلان، مع نصف ابتسامة. ولم ينطقا بكلمة لتبديل رأيها. لا بد أنهما اعتقدا أنه ليس لديها ما تخسره. وفعلا، لماذا عليها أن تذهب؟. أبواها كانا بانتظارها في أنتيب. غادرت الشاحنة أولا. لوح لها الأوبنفيلد الاثنان تلويحة وداع. فلوحت لهما أمي أيضا. خرج فيليكس أوبنفيلد من موقف السيارات بتدوير المقود - أم أنها هبة ريح؟، لأن أوبنفيلد الأب فقد قبعته القماشية، التي تدحرجت على طول الممشى. ولكن ما قيمة قبعة. لم يكن لديهما وقت لضياع أي ثانية. التقطت أمي القبعة، وباشرت المشي، دون أن تعرف تماما إلى أين. أمام بنك "اتحاد الأرصدة" وقف طابور لانهائي من الرجال والنساء، ليسحبوا أموالهم. تابعت أمي على طول زقاق نورد حتى المحطة. وهناك وجدت نفس الفوضى، ونفس الزحام المضطرب، الذي رأته في محطة أنتيب. أخبرها الحارس أن القطار سيغادر إلى أنتيب في حوالي الثالثة بعد الظهيرة، ولكن قد لا يصل قبل وقت متأخر من الليل. في الكافتيريا غاصت في مقعد في الزاوية. تابع الناس الدخول والخروج، وكان الرجال بثياب عسكرية. سمعت شخصا يقول إنه تمت التعبئة العامة في التاسعة. ومن مذياع في نهاية الغرفة جاءت نشرة أخبار. وفي أنتيب تعرض المرفأ للقصف مرة ثانية. كان الجيش الألماني قد عبر من الحدود. واحتل الألمان روتيردام. جلست القرفصاء بقربها امرأة تعقد رباط حذاء طفل. بعض المسافرين كانوا يطلبون القهوة، آخرون يتدافعون، والبقية يجرون حقائبهم، مقطوعي الأنفاس. كان عليها أن تنتظر حتى الساعة الثالثة. شعرت بصداع خفيف. وأدركت فجأة أنها فقدت حقيبة السفر، وما تحتويها من منتجات إليزابيث آردين والنص. ربما تركتها في استوديو سونور أو في السيارة. ولكن ما حملته بيدها، ولم تلاحظه حتى تلك اللحظة، كان قبعة أوبنفيلد الأب القماشية - قبعة ذات التواءات وإطار.

***

.............................

* ترجمها إلى الإنكليزية لورين ستاين

1- بانيول: اسم مخرج أفلام بلجيكي.

2 - الويرماخت: القوات الألمانية العامة.

 3- جيفارو: شعوب لاتينية تقطع الرؤوس.

* باتريك موديانو PATRICK MODIANO روائي فرنسي حاز عام 1972 على الجائزة الأولى للأكاديمية الفرنسية، وعام 1978 جائزة الغونكور. وتوج مسيرته بجائزة نوبل عام 2014.

الشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي

ترجمة نزار سرطاوي

***

بعض الناس لا يصابون ابدًا بالجنون .

أما أنا، فأحيانًا أستلقي خلف الأريكة

لثلاثة أيامٍ أو أربعة.

وسيعثرون عليّ هناك.

يقولون يا له من ملاك، ثمّ

يسكبون النبيذَ في حلقي

ويُدلّكون صدري

ويرشونني بالزيوت.

ثم إثْر ذلك أنهض هادرًا،

مزمجرًا، أتميز من الغيظ –

ألعنهم وألعن الكون

وأقذف بهم فيتناثون فوق

بساط العشب.

حينها أحسّ بالراحة،

وأجلس لتناول الخبز المحمص والبيض،

وأدندن لحنًا قصيرًا،

وفجأة أغدو  وديعًا

مثل حوتٍ ورديٍ

مُتخَم.

بعض الناس لا يصيبهم الجنون أبدًا.

لا بدّ أنها حياة مُروِّعة حقًا

تلك التي يعيشونها.

***

.....................

Some People

Charles Bukowski

**

some people never go crazy.

me, sometimes I'll lie down behind the couch

for 3 or 4 days.

they'll find me there.

it's Cherub, they'll say, and

they pour wine down my throat

rub my chest

sprinkle me with oils.

then, I'll rise with a roar,

rant, rage -

curse them and the universe

as I send them scattering over the

lawn.

I'll feel much better,

sit down to toast and eggs,

hum a little tune,

suddenly become as lovable as a

pink

overfed whale.

some people never go crazy.

what truly horrible lives

they must lead.

***

.................

 - ولد الشاعر والروائي الأميركي تشارلز بوكوفسكي في بلدة أندرناخ الأمانية في 16 آب / أغسطس عام 1920. وحين بلغ الثالثة من عمره، هاجرت عائلته إلى لوس انجليس في ولاية كاليفورنيا، حيث عاش هناك لفترة طويلة من حياته. عاش طفولة بائسة عانى خلالها من معاملة والده القاسية. وعلى الرغم من ذلك أكمل دراسته الثانوية والتحق بكلية مدينة لوس انجليس حيث درس لمدة عامين، لكنه انقطع عن الدراسة لدى اندلاع الحرب العالمية الثانية.  

- بدأ بوكوفسكي الكتابة في سن مبكرة من حياته ونشرت أول أعماله في الأربعينيات من القرن الماضي. ثم انقطع عن الكتابة وانغمس في الشرب، وراح ينتقل من عمل إلى آخر ومن بلدة لأخرى في أنحاء الولايات المتحدة. وبعد ان قضى قرابة عشرة أعوام على ذلك الحال، عمل لدى مصلحة البريد في لوس أنجليس بصورة متقطعة حتى عام 1969.

- نشرت إعمال بوكوفسكي على نطاق واسع في مختلف المطبوعات  الأدبية الصغيرة لأكثر من ثلاثين عامًا. ومع أن هذه المطبوعات متوفرة بأعداد قليلة جدًا ويتعذر العثور عليها، فقد نجح أحد النشرين في جمع عدد كبير من القصائد والقصص القصيرة بحيث شكلت تواصلًا مع كتاباته في الثمانينيات من القرن الماضي. وقد بلغ مجموع أعماله أكثر من 60 كتابًا.

تأثرت كتابات بوكوفسكي بالأجواء الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لمدينة لوس انجليس. لذا نجد فيها تركيزًا على الحياة العادية لفقراء أمريكا، وعلى عملية الكتابة ذاتها، والكحول، والعلاقات مع النساء، وكذلك على العمل والكدح.

- توفي بوكوفسكي بسرطان الدم في 9 آذار / مارس 1994. 

بقلم: جاكلين جيانغ

ترجمة: د. عادل صالح الزبيدي

***

ان احتضر جسدي فقل لي إنك تحبني

قل لي ان العروق تحت جلدي

بمأمن داخل تابوتك.

الماهوغني والدردار الاسباني اشجاري المفضلة.

لكن بإمكانك دفني تحت شجرة النار.

سأظل احترق من الداخل ويستحيل اخمادي.

*

قل لي إنك ستشارك قصصي

مع الصغار الذين يقطفون الأزهار،

ويركضون ليعطوها الى امهاتهم وجداتهم؛

اللواتي يحتفظن بإرث الأسلاف.

*

انهم لا يزالون يتذكرونني.

سيخرج اسمي من السنتهم

ليس الا ليزحف الى داخل افواه اولئك الذين لا يستطيعون ان يتلفظوا

الأسماء المنقوشة على صليبي.

*

قل لي ان اكون هنا، معك كان يعني شيئا،

حين قلت لي إنك تحبني، كنت تعني ذلك.

في حياة اخرى، لم تنتف حتى شعرات من ذراعي.

بدلا من ذلك، اخذت زيتا وحملت رموش عينيّ الى الماء

القمر اطعمني، مارسنا الحب

وباركتك قبل ان نخلق منزلنا.

*

ان احتضر جسدي فقل لي إنك تحبني.

قل لي ان أولئك الذين في احشائي هم بمأمن، بطونهم ممتلئة

الجدران الإسمنتية ثابتة بما يكفي لحمايتهم.

لا تخبرني عن الحفارات والجرافات التي تنتظر،

مثل النسور، لتحطمني.

لا تخبرني عن العقود التي ابرمتها،

كيف ينتظر الناس كي يبنوا منازلهم فوق عظامي.

أخبرني عن الحب الذي تكنه لجسدي،

وكيف وعدت ان تؤازرني.

*

لا يمكنني ان اتخيل عالما لا اكون فيه هنا، برفقتك.

كيف سأبدو حين تكون قد فشلت؟؟

قاتل معي هنا، يا حبيبي، بينما انا ما زلت على قيد الحياة.

***

.......................

* شاعرة بورتوريكية من أصول صينية. لها مجموعة شعرية بعنوان "تموجات الماء" صدرت في عام 2023.

بقلم: الشاعرة اليابانية رين إيشيغاكي

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

هناك بيت من قصيدة

يجول في ذهني

بوضوح

ثم يتوارى سريعا

كسمكة كتبت لها النجاة

مرات لا تعود

البتة

لكن في بعض المرات

وبعد مضي عدة أيام وشهور

تعود لتتجلى أمام ناظري

على حين غرة.

و في شهر حزيران

من السنة المنصرمة

صادفت في منصة مراقبة

تحت الماء

في أوكيناوا*

سمكة بحجم سمكة ببغاء**

لقد ركزت بصرها علي

من خلف زجاج المنصة

ثم غادرت

بهدوء تام

وعاودت بعدها الظهور

و غادرت ثانية

ما هذا؟

هل هي العين التي نظرت بها إلي؟

فيما يتعلق بتلك السمكة

من بمقدوره القول

إنني لست كلمات؟!

***

.........................

* أوكيناوا: أكبر جزيرة في محافظة أوكيناوا الجنوبية المتكونة من (160) جزيرة.

** سمكة الببغاء، حريت أو حريد: سمكة تعيش حول الشعاب المرجانية، أسنانها بارزة تشبه منقار طائر الببغاء. منها أنواع كثيرة.

-  رين إيشيغاكي (1920 أكاساكا، طوكيو  – 2004): نقابية وكاتبة مقالات وشاعرة يابانية معاصرة أعتبرت من أشهر شاعرات النهضة الثقافية اليابانية وأكثرهن جرأة وموهبة. كتبت الشعر في سن مبكرة. عملت في القطاع المصرفي ونشرت قصائدها في منشوراته. عاشت وحيدة حتى مماتها. نشرت خلال 1959 – 1984 أربع مجموعات شعرية (أمامنا قدر الحساء وقدر الأرزو اللهب المشتعل الساطع 1959، لوحات الأسماء وأكثر 1968، حياتي باختصار 1979، كلمات رقيقة 1984). كتبت عن الحرب والمرأة والعمل والسعي نحو التحرر. منحت جائزة (تومورا توشيكو) وغيرها. ترجمت لها (جانين بيشمان) الحائزة على جائزة لجنة الصداقة اليابانية الأمريكية لترجمة الأدب الياباني مجموعة شعرية بعنوان (هذا الضوء المتدفق: قصائد مختارة 2022). مترجمة عن الإنكليزية.

بقلم: هاروكي موراكامي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

ما وجدته غريبا في التقدم بالسن، ليس أنني كبرت. ليس أن شبابي في الأزمنة الماضية، وبدون أن أنتبه، قد هرم. ما فاجأني على غفلة مني، هو كيف أن الناس المنتمين، لنفس الجيل الذي أنتمي له، أصبحوا طاعنين بالعمر، وكيف أن الفتيات الرائعات والجميلات اللواتي كنت أعرفهن أصبحن الآن كبيرات بما فيه الكفاية ولديهن عدة أحفاد. وهذا محبط قليلا - حتى أنه محزن. ولكنني لم أشعر بالحزن من واقعة التقدم بالعمر. وأعتقد أن ما يجعلني حزينا حيال الفتيات اللواتي عرفتهن وتقدمن بالعمر أن ذلك يجبرني على الاعتراف، مجددا، أن أحلام فترة الشباب تلاشت إلى الأبد. بطريقة من الطريق موت حلم محزن أكثر من حلم كائن حي. هناك فتاة - أقصد امرأة كانت فتاة - وأتذكرها جيدا. ولكن لا أعرف اسمها. ومن الطبيعي أنني لا أعرف أين هي الآن، أو ماذا تفعل. ما أعرفه عنها أنها كانت في نفس المدرسة الثانوية التي أنا فيها، وكانت معي بنفس الصف (لأن الشارة المثبتة على قميصها لها نفس لون شارتي)، وكانت تحب الخنافس فعلا. كان هذا في عام 1964، في ذروة الهوس بالخنافس. كان الوقت في بواكير الخريف. وقد بدأ الفصل الدراسي الجديد وبدأ الروتين يأخذ مجراه. كانت مسرعة في الصالة المعتمة والطويلة من المبنى القديم للمدرسة، وتنورتها ترفرف. وكنت أنا الشخص الآخر الوحيد هناك. وكانت تضغط على صدرها قرصا موسيقيا كاملا LP كأنه شيء ثمين. وكان القرص هو "مع الخنافس". ويحمل صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود، تمثل الخنافس الأربعة وهم في الظل تقريبا. ولسبب ما، ولا أعلم بالتأكيد لماذا، أتذكر بوضوح أنه قرص أصلي، النسخة البريطانية من الألبوم، وليس الأمريكية أو اليابانية. كانت فتاة جميلة. على الأقل، بالنسبة لي، كانت تبدو رائعة. ليست طويلة، ولها شعر أسود طويل، وساقان نحيفتان، وعبير محبب. (قد تكون ذاكرة مزيفة، لست أعلم. ربما لم يكن يفوح منها أي عبير. ولكن ذلك ما أتذكره، كما لو أنه، حينما مرت، فاح منها نحوي عطر يغوي ويفتن). وأصبحت تحت رحمة فتنتها - تلك الفتاة الجميلة المجهولة التي تضغط على صدرها "مع الخنافس". بدأ قلبي يدق، وبحثت عن أنفاسي، وبدا كأن الأصوات كلها غابت، كما لو أنني غرقت في قاع بركة. وكل ما أمكنني سماعه صوت جرس خافت يقرع، في أعماق أذني. كما لو أن أحدهم يحاول يائسا أن يرسل لي رسالة مهمة. استغرق ذلك خمسة عشر أو عشرين ثانية فقط. انتهى كل شيء قبل أن أعلم، وبقيت الرسالة الحاسمة هناك، اختفت مثل خلاصة كل الأحلام. صالة ضعيفة الإضاءة في مدرسة ثانوية، فتاة جميلة، وحفيف تنورتها يدور، "مع الخنافس". تلك هي المرة الوحيدة التي رأيت فيها تلك الفتاة. في السنتين الفاصلتين بين تلك الفترة ويوم نهاية دراستي، لم نعبر من أي ممر مجددا. وهذا شيء غريب جدا إذا فكرت فيه. كانت المدرسة التي انتسبت إليها مدرسة عامة كبيرة إلى حد معقول، وتقبع على قمة هضبة في كوبي، وتضم حوالي ستمائة وخمسين تلميذا في كل صف. (كنا ندعى جيل ذروة الإنجاب، ولذلك كان هناك الكثير منا). ولم نكن نعرف بعضنا بعضا. في الحقيقة لم أعرف أو لم أميز أسماء الغالبية العظمى من أولاد المدرسة. ومع ذلك ومنذ أن بدأت الدوام يوميا في المدرسة، وكنت غالبا أمر من ذلك الممر، لفت نظري لدرجة الاستفزاز أنني لم أشاهد تلك البنت الجميلة مرة ثانية. بحثت عنها في كل مرة عبرت فيها من ذلك الممر. هل اختفت، كالدخان؟. أم أنني في ما بعد الظهيرة من الخريف المبكر لم أشاهد شخصا حقيقيا ولكن رؤية من نوع ما؟. ربما بالغت بتصورها في عقلي لحظة أن حاذى الواحد منا الآخر، إلى درجة أنني لو قابلتها فعلا مرة ثانية لن أتعرف عليها؟. (وأعتقد أن الاحتمال الأخير هو المرجح). لاحقا، تعرفت على عدد من النساء، ورافقتهن. وفي كل مرة أقابل بها امرأة جديدة أشعر كأنني أجتهد في اللاشعور على التخلص من تلك اللحظة المذهلة التي مررت بها في ممر المدرسة ضعيف الإضاءة والتي تعود إلى خريف عام 1964. ذلك الترقب الملح والصامت في قلبي، والشعور الخانق للأنفاس في صدري، والجرس الذي يقرع بهدوء في أذني. أحيانا كنت قادرا على استعادة ذلك الشعور، في أحيان غيرها لم أنجح. وفي بعض الأوقات تمكنت من القبض عليه، فقط لأتركه ينزلق من بين أصابعي. وفي كل الحالات كانت العواطف التي اندفعت حينما حصل ذلك قد عادت لتعمل مثل صمام ما اعتدت أن أقيس به كثافة أشواقي. وحينما لا أستعيد ذلك الشعور في العالم الحقيقي، أترك ذاكرتي عن تلك المشاعر لتستيقظ في داخلي بهدوء. بهذه الطريقة، أصبحت الذاكرة واحدة من أهم الأدوات العاطفية الثمينة، وأسلوبا للبقاء. مثل هرة صغيرة دافئة، التفت بنعومة في جيب معطف كبير المقاس، وأسرعت بالنوم.

إلى الخنافس الآن.

أصبح الخنافس مشهورين إلى حد الجنون لأول مرة قبل أن أشاهد تلك الفتاة بعام. وفي نيسان 1964، حصلوا على أول خمس مراتب في القائمة الأمريكية للغناء الفردي. لم تشهد الموسيقا الشعبية شيئا مثل ذلك. وهذه هي الأغنيات الخمسة الأكثر شهرة: 1 لا يمكنك أن تشتري لي الحب 2 ارقص التويست واصرخ 3 إنها تحبك 4 أريد أن أمسك بيدك 5 من فضلك أسعدني. وحصدت الأغنية المنفردة "لا يمكنك أن تشتري لي الحب" أكثر من مليوني طلب شراء وحدها، وهو ما جعلها تكسب مرتبة بلانتيوم مزدوجة قبل توزيع الإسطوانة المسجلة في الأسواق. بالطبع كان الخنافس مشهورين على نحو واسع في اليابان أيضا. افتح المذياع وستكون لديك فرصة للاستماع لأحد أغانيهم. كنت شخصيا أحب أغانيهم وأعرف الأكثر انتشارا. واطلب مني أن أغنيها وسترى أنه يمكنني ذلك. وفي البيت حينما كنت أدرس (أو أتظاهر أنني أدرس)، أترك في معظم الأوقات الراديو تلعلع. ولكن إن شئت الحقيقة لم أكن ضمن حمى عشاق الخنافس. ولم أبحث بجدية عن أغنياتهم. بالنسبة لي كان الاستماع غير متعمد، فالموسيقا الشعبية تتدفق من مكبرات الصوت الصغيرة لراديو الترانزستور باناسونيك، وتدخل من أذن لتخرج من الأخرى، دون أن تخلف أثرا. موسيقا في خلفية أيام مراهقتي ويفاعتي. ديكور موسيقي. وفي أيام المدرسة الثانوية والجامعة، لم أشتر أي إسطوانة خنافس. وكنت أميل أكثر إلى الجاز والموسيقا الكلاسيكية، وهذا ما كنت أستمع إليه إذا ركزت على هواية الموسيقا. وكنت أدخر لشراء تسجيلات الجاز، وأتابع معزوفات مايلز دافيز وثيلونيوس مونك في بارات الجاز، وأحضر حفلات الموسيقا الكلاسيكية. وقد يبدو هذا غريبا، ولكن لم أجلس للاستماع إلى "مع الخنافس" من البداية وحتى النهاية قبل أن أصبحت في منتصف الثلاثينات. ورغم أن صورة الفتاة حاملة تلك الإسطوانة LP في ممر مدرستنا لم تفارقني، لم أشعر لفترة طويلة أنني أريد أن أستمع له فعليا. لم أكن عمليا مهتما بمعرفة أي نوع من الموسيقا محفور في أخاديد قرص الفينيل الذي تمسكت به وضغطته بقوة على صدرها. حينما كنت في منتصف ثلاثيناتي، بعد الطفولة والبلوغ بوقت ملحوظ، كان أول انطباع لي عن الألبوم أنه ليس عظيما، أو على الأقل ليس من نوع الموسيقا التي تحبس الأنفاس. من بين أربع عشرة مادة في الألبوم، كان ست منها لأعمال فنانين آخرين. كانت معزوفات "من فضلك يا ساعي البريد" لمارفيليتس و"ارقص رقصة الرول على أنغام بيتهوفن" لشاك بيري جيدة، وأثرت بي حتى إلى هذا الوقت كلما استمعت إليها، ولكنها مع ذلك هي معزوفات منسوخة. ومن بين الأغاني الأصلية الثمانية ، بغض النظر عن "كل محبتي" لبول، لم أجد شيئا مدهشا. ولم يكن بينها فرديات رائعة، وبالنسبة لسمعي كان أول ألبومات الخنافس "من فضلك أسعدني" مسجلا بنفس واحد، وهو أكثرها حيوية وجاذبية. وعلى الأرجح بفضل رغبة لا تنطفئ أبداها عشاق الخنافس للأغاني الجديدة، احتل هذا الألبوم الثاني لأول مرة المركز رقم 1 في المملكة المتحدة، وهي مرتبة احتلها لواحد وعشرين أسبوعا. (في الولايات المتحدة، تبدل عنوان الألبوم إلى "قابل الخنافس" وتضمن بعض المواد المختلفة، ولكن بقي تصميم الغلاف تقريبا نفسه). وما ورطني كان خيال تلك الفتاة التي تمسكت بالألبوم وكأنه شيء ثمين. لم يسحرني لا الصورة المطبوعة على غلاف الألبوم ولا المشهد بقدر ما فعله خيالها. كانت الموسيقا موجودة بالتأكيد. ولكن هناك شيء آخر، شيء أهم بكثير. وعلى الفور لمس ذلك التابلو قلبي - مشهد روحي لا يوجد إلا هناك، في عمر حرج، ومكان حرج، وفي لحظة معينة من الوقت. بالنسبة لي لم يكن الحادث الأبرز في السنة التالية، 1965، أمر الرئيس جونسون بقصف شمال فيتنام وشن الحرب، ولا اكتشاف نوع جديد من القطط البرية في جزيرة إيريوموتي، ولكن حصولي على صديقة. كانت مثلي في السنة الأولى، ولكن لم نبدأ بالمواعدات حتى حلول العام الثاني. لتلافي أي سوء فهم، أود أن أمهد للموضوع بالقول أننس لست حسن الطلعة، ولم أكن نجما في ألعاب القوة، وعلاماتي في المدرسة أقل من المطلوب. وصوتي في الغناء ينقصه شيء ضروري أيضا، ولا أمتلك طريقة للتعامل مع الكلمات. وحينما كنت في المدرسة، وفي السنوات اللاحقة، لم يكن لدي فتيات تتزاحمن حولي. وذلك شيء من جملة أشياء يمكن أن أقر بها بشكل جازم في هذه الحياة غير الجازمة. هناك أيضا ودائما يوجد على ما يبدو فتاة بالجوار، وتكون لسبب ما منجذبة لي. لم يكن لدي فكرة عن السبب، ولكنني كنت قادرا على الاستمتاع مع تلك الفتيات ببعض الأوقات السعيدة والدافئة. وكنت صديقا جيدا مع بعضهن، وأحيانا تتطور المسألة للمرحلة التالية. والفتاة التي أتكلم عنها هنا واحدة منهن - وهي أول فتاة أقمت معها علاقة حقيقية. أول صديقة لي كانت ناعمة وفاتنة. في ذلك الصيف، رافقتها في مواعيد غرامية، بمعدل مرة في الأسبوع. وفي إحدى الأمسيات قبلتها قبلة بسيطة على كل شفتيها، ولمست صدرها من خلال حمالة ثدييها. وكانت ترتدي ثوبا أبيض بدون أكمام وكان لشعرها شذا شامبو برائحة الحمضيات. وتقريبا لم يكن لديها اهتمام بالخنافس. وكذلك لا تهوى الجاز. وكانت تحب أن تستمع للموسيقا الهادئة، ما يمكن أن تسميه موسيقا الطبقة المتوسطة - أوركسترا مانتوفاني، وبيرسي فايث، وروجير وليامز، وأندي وليامز، ونات كنغ كول، وما شاكل ذلك (في تلك الفترة لم تكن "الطبقة المتوسطة" مصطلحا مشينا على الإطلاق). وتجد أكواما من هذه الأسطوانات في بيتها - وهو ما يصنف اليوم في عداد المعزوفات التي يستساغ سماعها. في عصر ذلك اليوم، وضعت أسطوانة على القرص الدوار في غرفة معيشتها - كان لدى عائلتها جهاز ستيريو ضخم وممتاز - جلسنا على الكنبة الكبيرة والمريحة وتبادلنا القبلات. ذهبت عائلتها إلى مكان ما ولم يبق غيرنا نحن الاثنين. وبصدق في موقف مثله لا أهتم فعليا لنوع الموسيقا التي تعزف. وما أتذكره عن صيف عام 1965 هو ثوبها الأبيض، والشامبو المعطر بنكهة الحمضيات، واللمسة الخشنة لنسيج حمالة ثدييها (حمالة صدر كانت يومها أشبه بقلعة وليس مجرد ثياب داخلية)، و"معزوفة من 'مكان صيفي'" لماكس ستاين بأداء أنيق لأوركسترا بيرسي فايث. وحتى الآن كلما استمعت لــ"معزوفة من 'مكان صيفي' تتجسد تلك الكنبة في ذهني. بالصدفة وبعد عدة سنوات - كما أذكر في 1968 وحوالي نفس توقيت اغتيال روبيرت كنيدي - علق الرجل الذي كان معلم مجموعتنا، حينما كنا في نفس السنة الدراسية، حبلا فوق إفريز الباب وشنق نفسه. كان يدرسنا علوم الاجتماع. وقيل إن مشكلة إيديولوجية هي السبب في انتحاره.

مشكلة إيديولوجية؟.

لكن هذا صحيح - كان الناس في أواخر الستينات ينتحرون أحيانا لأنهم وصلوا إلى جدار إيديولوجي. غير أن ذلك لا يحصل كثيرا. في ما بعد ظهيرة ذلك اليوم كنت أنا وصديقتي نتخبط على الكنبة بحماقة، وفي الخلفية موسيقا بيرسي فايث الجميلة، حينما انتابني شعور غريب حقا وأنا أفكر أن أستاذ الاجتماعيات كان بالتدريج يقترب من درب إيديولوجي مسدود، أو بتعبير آخر، نحو تلك العقدة الضيقة والصامتة من الحبل. حتى أنني أشعر بشيء سيء حيال ذلك أحيانا. من بين كل المعلمين الذين عرفتهم، كان الأفضل. نجاحه أو عدم نجاحه موضوع آخر، ولكنه حاول دائما أن يعامل طلابه بعدل. ومع أنني لم أتكلم معه خارج الصف أبدا، أتذكره بهذا الشكل. ومثل عام 1964 تبين أن عام 1965 سنة الخنافس. فقد أطلقوا في شباط "ثمانية أيام في الأسبوع"، وفي نيسان "تذكرة للسفر"، وفي تموز "ساعدوني"، وفي أيلول "الأمس" - ووصلت كلها إلى قمة المبيعات في الولايات المتحدة. وبدا كأننا نسمع موسيقاهم تقريبا في كل الأوقات. كانت في كل مكان، تحيط بنا، مثل ورق جدران يغطي تماما كل بوصة من الجدران. وعندما لا تعزف موسيقا الخنافس، يحل محلها "(لا أحتمل عدم) الرضا" لرولنغ ستونز، أو "رجل التامبورين" لبايرد أو "فتاتي" لتيمتايشينز، أو "فقدت ذلك الشعور بالحب" لرايتيوس براذرز، أو "ساعديني يا روندا" لبيش بويز. وكان لدايانا روس ولسوبريمز أيضا نجاحات مذهلة، الواحد بعد الآخر. وهكذا انساب تيار مستمر من الموسيقا الرائعة والمرحة من مذياع ترانزستور صغير ماركة باناسونيك أمتلكه. كانت سنة ناجحة حقا في مضمار الموسيقا الشعبية الناجحة. وسمعتها تقول إن أسعد أوقات حياتنا هي الفترة التي تعني فيها الأغاني الشعبية لنا شيئا. ربما هذا صحيح. ولكن في النهاية قد لا تكون الأغاني الشعبية أي شيء غير أنها أغان شعبية. ولعل حياتنا بالإجمال مجرد أشياء تزيينية نتلفها، أو دفقة من لون عائم لا أكثر. كان بيت صديقتي قرب محطة إذاعة كوبي والتي أضبط مؤشر المذياع عليها. وأعتقد أن والدها يستورد، أو ربما، يصدر التجهيزات الطبية. لا أعرف التفاصيل. وعلى كل حال، كان يمتلك شركته، وعلى ما يبدو أنها ناجحة. وكان بيتهم في بستان صنوبريات بجوار البحر. وسمعت أنها بالأساس فيلا صيفية لرجل أعمال وأن عائلتها اشترتها وعدلت طرازها المعماري. كانت أشجار الصنوبر تخشخش مع نسمات البحر. وهو المكان المثالي للاستماع لـــ "معزوفة 'من مكان صيفي'". بعد سنوات تصادف أنني شاهدت في التلفزيون في وقت متأخر من الليل فيلم "مكان صيفي" من إنتاج عام 1959. وهو فيلم هوليوودي نموذجي عن حب الشباب، ومع ذلك كان متماسكا بما فيه الكفاية. وفي الفيلم بستان صنوبريات على شاطئ البحر، يتهادى في نسمات الصيف بالتوقيت مع فقرة البوق في أوركسترا بيرسي فايث. لفت انتباهي مشهد أشجار الصنوبريات ذاك وهي تتهادى في الريح واعتبرته استعارة تدل على رغبة الشباب الجنسية الهائجة. وربما هذا ما فهمته، وهو رأيي الشخصي المنحاز. في الفيلم تكنس رياح جنسية عاتية تروي دوناهو وساندرا دي، وبسببها، يواجهان كل أنواع المشاكل التي يزخر بها العالم الحقيقي. ويتبع سوء التفاهم المصالحة، وتزول العقبات مثل تبدد الضباب، وفي النهاية يلتقي الاثنان ويتزوجان. في هوليوود الخمسينات، تفترض النهاية السعيدة دائما الزواج - التمهيد لجو يمكن للعشيقين أن يمارسا فيه الجنس القانوني. وطبعا لم أتزوج أنا وصديقتي. كنا في المدرسة الثانوية، وكل ما قمنا به هو العناق الأخرق والتخبط على الكنبة بينما "معزوفة من ' مكان صيفي'" تعزف في الخلفية.

قالت لي ونحن على الكنبة بصوت خافت وكأنها تعترف: "هل تعرف هذا؟ أنا من النوع الغيور فعلا".

قلت لها: "حقا؟".

"أردت أن أتأكد أنك تعرف ذلك".

"حسنا".

"أحيانا تلحق بك الغيرة ضررا جسيما".

لمست بصمت شعرها. في حينها لم أكن قادرا على تخيل الغيرة الملتهبة، وماذا يسببها، وإلى ماذا تقود. وكنت مشغولا جدا بعواطفي الشخصية. ملاحظة هامشية. لاحقا تورط تروي دوناهو، ذلك النجم الوسيم الشاب، بتعاطي الكحول والمخدرات، وتوقف عن إنتاج الأفلام، وتحول إلى متشرد لبعض الوقت. وساندرا دي، أيضا، عانت من الكحول. تزوج دوناهو من الممثلة الشعبية سوزان بليشيت عام 1964، وافترقا بالطلاق بعد ثمانية شهور. وتزوجت دي من المطرب بوبي دارين في 1960، وافترقا بالطلاق في 1967. ولكن هذا ليس له علاقة على الإطلاق بقصة "مكان صيفي"، ولا بمصير صديقتي. وكان لصديقتي أخ أكبر وأخت أصغر. الأخت الصغيرة في ثاني سنة من المدرسة الإعدادية، غير أنها أطول من أختها الكبيرة ببوصتين كاملتين. ولم تكن ظريفة المظهر. عدا أنها تستعين بنظارة سميكة. وقالت لي عنها: "إن درجاتها في المدرسة جيدة فعلا". بالمناسبة أعتقد أن درجات صديقتي معتدلة أو متوسطة. على الأغلب مثلي. في إحدى المرات سمحنا لأختها الصغيرة أن ترافقنا إلى السينما. وكان لدينا سبب لذلك. الفيلم هو "صوت الموسيقا". ازدحمت الصالة، وتوجب علينا الجلوس على مقربة من الصف الأول، وأتذكر أن شريط الفيلم كان 70 مم. فيلم ملأ الشاشة العريضة، ولذلك آلم التحديق عيني. ومع ذلك أغرمت صديقتي بأغاني الفيلم. واشترت الشريط المسجل للموسيقا التصويرية LP، وكانت تستمع إليه باستمرار. أما أنا فقد كنت أفضل النسخة السحرية من "أشيائي المفضلة" لجون كولتراين، وتوقعت أن الكلام بهذا الموضوع معها لا يجدي، ولذلك لم أذكر أي شيء عنه. ولم يكن يبدو أن أختها الصغيرة تحبني كثيرا. وكلما تقابلنا ترمقني بعينين غريبتين، محرومتين من العاطفة تماما - كما لو أنها تحكم على صلاحية سمكة مجففة موجودة في مؤخرة الثلاجة. هل تؤكل أم لا. ولسبب ما، تشعرني تلك النظرة على الدوام بالذنب. وحينما تنظر إلي، يبدو أنها تتجاهل المظهر (وبالتأكيد لم يكن هناك ما يستحق المشاهدة)، وكأنه يمكنها رؤية ما بداخلي حتى أعماقي. وربما شعرت ذلك الشعور لأنه بالفعل يتراكم في قلبي الخزي والذنب. أما شقيق صديقتي فهو أكبر منها بأربع سنوات، ولذلك كان على الأقل في العشرين من عمره. ولكنها لم تقدمه لي، ولم تذكره إلا لماما. وإذا دخلنا بالصدفة في محادثة، سرعان ما تبدل الموضوع بمهارة. ويمكنني الآن أن ألاحظ أن موقفها غير طبيعي قليلا. غير أنني لم أفكر به كثيرا. وكنت غير مهتم بعائلتها. وما جذبني إليها أقرب إلى العارض الملح. وقد قابلت أخاها وتكلمت معه لأول مرة قرابة نهاية خريف عام 1965. في ذلك الأحد، ذهبت إلى بيت صديقتي لأخرج معها. قرعت الجرس مرارا وتكرارا، ولم يرد أحد. وقفت لحظة، وعاودت قرعه، ثانية وثالثة، حتى سمعت في النهاية صوتا يتململ ببطء ويأتي نحو الباب. كان الشقيق الأكبر لصديقتي. وهو أطول مني بقليل وأكثر وزنا بقليل. ليس رشيقا ولكنه أقرب لرياضي، ولسبب ما، لم يمكنه التدرب لبعض الوقت ولذلك زاد وزنه عدة أرطال، دهون مؤقتة فقط. له كتفان عريضان، ونسبيا رقبة طويلة ونحيفة. كان شعره مشوشا، ومبعثرا، كما لو أنه استيقظ لتوه. وكان يبدو قاسيا وخشنا، وكذلك كأنه تمهل على تشذيبه لما يزيد عن أسبوعين. وكان يرتدي بلوزة ذات ياقة زرقاء من نمط عمال البحر، والرقبة مفتوحة، وتجمع عرق رمادي حول الركبتين. وكان مظهره بالعكس تماما من مظهر صديقتي - فهي متأنقة ونظيفة وجاهزة دائما. طرف بعينيه أمامي لبعض الوقت، مثل حيوان بليد زحف بعد قيلولة طويلة ليكون تحت الشمس. وقبل أن أنطق بكلمة قال: "أخمن أنك... صديق سايوكو؟". ثم نظف حنجرته. وكان صوته ناعسا، ولكن شعرت بشرارة في نغمته.

قلت: "صحيح". ثم قدمت نفسي: "كان المفروض أن أتواجد هنا في الحادية عشرة".

قال: "لكن سايوكو ليست هنا حاليا".

قلت مكررا كلماته: "ليست هنا".

"خرجت إلى مكان ما. وهي ليست في البيت".

"ولكن المفروض أن آتي ونخرج معا اليوم في الحادية عشرة".

قال: "هل اتفقتما على هذا؟". ورفع نظره إلى جدار بجواره، كأنه ينظر إلى ساعة جدارية. ولم يكن هناك ساعة، فقط طلاء الجدار الأبيض. ثم مضطرا أعاد نظرته نحوي قائلا: "ربما. ولكنها في الحقيقة ليست في البيت".

لم يكن لدي فكرة عما يجب أن أفعل. وكذلك أخوها كما هو واضح. ومنحني تثاؤبة واسعة ثم حك مؤخرة رأسه. وكل أفعاله كانت بطيئة ومخططا لها. ثم قال: "لا يبدو أنه يوجد أحد في البيت الآن. حينما استيقظت منذ قليل لم أجد أحدا في البيت. لا بد أن الجميع خرجوا. ولا أعلم إلى أين".

لم أنطق بكلمة.

"ربما خرج والدي ليلعب الغولف. ولا بد أن الأختين خرجتا بحثا عن التسلية. ولكن خروج أمي أيضا غريب قليلا. فذلك لا يتكرر كثيرا".

منعت نفسي من التكهن. فهذه ليست عائلتي.

فقال: "لكن إذا وعدتك سايوكو بالتواجد، أنا متأكد أنها ستعود سريعا. لم لا تتفضل بالدخول لتنتظر؟".

قلت له: "لا أريد أن أضايقك. سأتسكع في مكان ما لبعض الوقت ثم أعود".

قال بحزم: "كلا. أنت لا تضايقني. ما يضايقني أكثر أن يرن الجرس مجددا ويتوجب علي المجيء لأفتح الباب. هيا ادخل".

لم يكن أمامي خيار، لذلك دخلت، فقادني إلى غرفة المعيشة. غرفة المعيشة بالكنبة التي تخبطنا عليها أنا وهي في الصيف. جلست عليها، وتراخى شقيق صديقتي في مقعد بمسندين بمواجهتي. ومجددا أطلق تثاؤبة طويلة. سألني مرة ثانية كأنه يريد أن يتأكد: "أنت صديق سايوكو، أليس كذلك؟".

أعطيته نفس الجواب السابق قائلا: "هذا صحيح".

"لست صديق يوكو؟".

نفيت بهزة من رأسي. كانت يوكو أختها الصغيرة والأطول.

سألني ونظرة فضول في عينيه: "هل تستمتع بمرافقة سايوكو؟".

لم أعرف كيف أرد، لذلك لزمت الصمت. فجمد في جلسته هناك بانتظار جوابي. في النهاية وجدت ما آمل أنها الكلمات الصحيحة فقلت: "رفقتها مسلية. نعم".

"مسلية ولكنها غير ممتعة؟".

تعثرت كلماتي وأنا أقول: "لا، ليس هذا ما أعنيه...".

قال: "لا تهتم. المتعة أو التسلية - لا فرق بين الاثنين، كما أفترض. والآن هل تناولت إفطارك؟".

"تناولته، نعم".

"سأهيئ بعض الخبز المحمص. هل أنت متأكد أنك لا تريد قطعة؟".

أجبته: "كلا. أنا على ما يرام".

"ما رأيك بقهوة؟".

"أنا على ما يرام".

كان بمقدوري تقبل بعض القهوة، ولكنني ترددت بالتورط أكثر مع عائلة صديقتي، وبالأخص أنها ليست في البيت. فوقف بدون أي كلمة وغادر الغرفة. بعد فترة سمعت قرقعة الأطباق والأكواب. انتظرت هناك على الكنبة وحدي، جالسا بظهر منتصب وبتهذيب، يداي على حضني، بانتظار عودتها من المكان الذي هي فيه. وكانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وخمس عشرة دقيقة. نقبت في ذاكرتي لأرى إذا اتفقنا فعلا على المجيء في الحادية عشرة. ولكن مهما فكرت بالموضوع أتأكد أنه التاريخ والوقت الصحيح. فقد تكلمنا بالهاتف في الليلة السابقة، وأكدت المسألة. وهي ليست من النوع الذي ينسى أو يخلف وعده. وكان شيئا غريبا أن تغادر هي وعائلتها في صباح يوم الأحد، وأن يتركوا وراءهم أخاها الأكبر وحيدا. جلست هناك بصبر محتارا من كل شيء. مر الوقت ببطء موجع. سمعت الصوت القادم أحيانا من المطبخ - فتح الصنبور، قرقعة ملعقة تحرك شيئا، صوت فتح وإغلاق خزانة. كان يبدو أن الأخ من النوع الذي يتسبب بالضجة. مهما فعل تأتي أصوات مستمرة وهذا هو حاله. لم تكن الرياح تهب في الخارج، الكلاب لا تعوي. ومثل وحل غير مرئي، زحف الصمت بإصرار في أذني وأغلقهما. وتوجب علي أن أبلع عدة مرات لأفتحهما. القليل من الموسيقا تحسن الجو. "معزوفة من 'مكان صيفي'"، "نبات الإيدلويس"، "نهر القمر" - أي شيء. لم أكن انتقائيا. أي موسيقا فقط. ولكنني لم أتمكن من لمس الاستيريو في بيت شخص آخر بدون إذن. تلفت حولي بحثا عن شيء أقرأه، ولكن لم أجد أي جريدة أو مجلة. بحثت عما يوجد في حقيبة حملتها على كتفي. تقريبا أحمل في الحقيبة دائما كتابا بغلاف ورقي للقراءة، ولكن ليس في ذلك اليوم. كنت أنا وصديقتي كلما خرجنا بموعد تعارف، نتظاهر غالبا أننا في طريقنا إلى المكتبة للدراسة، ولذلك أضع في حقيبتي كتبا مدرسية لتأكيد مزاعمي. مثل مجرم مبتدئ يرتب قرينة حمقاء. والكتاب الوحيد في حقيبتي في ذلك اليوم كان كراسا داعما لكتب المدرسة وهو "اللغة والأدب اليابانيان". سحبته مضطرا وبدأت أقلب في صفحاته. لا يمكنك أن تضعني بين القراء الذين يهتمون بالكتاب على نحو ممنهج وحاذق، ولكنني أقرب إلى النوع الذي يصعب عليه تمرير الوقت بدون شيء للقراءة. ولا أستطيع الجلوس بهدوء وصمت. وعلي دائما تقليب صفحات كتاب أو الاستماع لموسيقا، هذا أو ذاك. وإذا لم أجد كتابا بمتناول اليد، أسحب أي مطبوعة كانت. أقرأ دليل الهاتف، أو دليل تعليمات مكواة بخارية. وبالمقارنة مع ذلك النوع من مواد القراءة، يكون الكراس الداعم لكتاب اللغة اليابانية خيارا أفضل. قلبت عشوائيا في قصص ومقالات الكتاب. عدة مواد كانت لكتاب أجانب، ولكن أغلبها لكتاب يابانيين حديثين ومعروفين - راينوسوك أكوتاغاوا، جونشيرو تانيزاكي، كوبو آبي، وأمثالهم. وكانتةبعض الأسئلة تأتي في عقب كل عمل - جميع المقتطفات باستثناء عدد قليل من القصص القصيرة جدا. ومعظم هذه الأسئلة بدون معنى تماما. ورغم هذه الأسئلة عديمة المعنى من الصعب (أو من المستحيل) أن تحدد على نحو منطقي إذا كان الجواب صحيحا أو لا. وأشك أن الذي وضع الأسئلة، أيا كان، يمكنه أن يحدد. يمكنك أن تقترح أي جواب على أشياء مثل "ماذا يمكنك أن تفهم من هذه الفقرة عن موقف الكاتب من الحرب؟، أو متى وصف المؤلف لصق وخفوت القمر، وما هو نوع الأثر الرمزي المعطى؟". إذا قلت إن صفة لصق وخفوت القمر ببساطة مجرد وصف للصق وخفوت القمر، ولا يوجد وراءه معنى رمزي، لا يستطيع أحد على وجه اليقين أن يقول إن إجابتك خاطئة. بالطبع يوجد جواب معقول نسبيا، ولكن لا أعتقد أن إعطاء جواب معقول نسبيا هو الهدف من دراسة الأدب. وحسب الإمكان قتلت الوقت بمحاولة التوصل إلى جواب عن كل هذه الأسئلة. وفي معظم الحالات قفز إلى الذاكرة - في دماغي، والذي لا يزال ينمو ويتطور، وهو يكافح يوميا للوصول إلى نوع من الاستقلال النفسي - نمط من الأجوبة غير المنطقية نسبيا ولكن غير الخاطئة بالضرورة. وربما بسبب ذلك الحال أتت علاماتي في المدرسة غير مدهشة. عاد شقيق صديقتي إلى غرفة المعيشة وأنا أتابع ذلك. شعره لا يزال مبعثرا بكل الاتجاهات، ولكن ربما لأنه تناول إفطاره، لم تعد عيناه ناعستين كالسابق. وبيده كوب أبيض كبير، بصورة جانبية لطائرة ألمانية ذات جناحين من أيام الحرب العالمية الأولى، ولها مدفعان أمام المقدمة. لا بد أنه كوبه الخاص، ولم يكن بمقدوري أن أتخيل صديقتي تشرب من كوب مثله.

سألني: "هل بالفعل لا ترغب بالقهوة؟".

حركت رأسي قائلا: "كلا. أنا على ما يرام. حقا".

كانت فتات الخبز ملتصقة على بلوزته، وعلى بقع متعرقة حول ركبتيه أيضا. ربما كان جائعا وابتلع الخبز المحمص بدون انتباه للفتات الذي تناثر في كل مكان. وكما أتصور ذلك يقلق صديقتي، فهي دائما شديدة الترتيب والأناقة. وكنت شخصيا أحب أن أكون مرتبا وأنيقا، وهي صفة مشتركة بيننا وأحد أسباب انسجامنا كما أظن. رمى أخوها نظرة نحو الجدار. كانت توجد ساعة عليه، وعقرباها يشيران إلى الحادية عشرة والنصف تقريبا.

قال: "لم تعد. أليس كذلك؟ إلى أي جحيم يمكنها أن تذهب؟".

لم أنطق بكلمة للرد.

"ماذا تقرأ؟".

"ملحق توضيحي لكتاب اللغة اليابانية".

قال وهو يميل برأسه قليلا: "همم. هل يسلي؟".

"ليس تماما. ليس لدي شيء آخر للقراءة".

"هل يمكنك أن تطلعني عليه؟".

قدمت له الكتاب من فوق الطاولة المنخفضة. أخذه بيمناه وكوب القهوة بيسراه، وخشيت أن تسيل القهوة عليه، وبدا أن هذا وشيك الحدوث، لكنه لم يفعل. طرق كوبه على زجاج سطح الطاولة، وقبض على الكتاب بكلتا يديه وبدأ يقلب فيه.

سألني: "ماذا كنت تقرأ فيه؟".

"حاليا كنت أقرأ قصة 'الأقراص الدوارة' لأكوتاغاوا. هناك مقطع من القصة فقط، وليس كلها".

فكر بالموضوع وقال: "' الأقراص الدوارة' لم أقرأها أبدا. ولكن قرأت قصته 'كابا' منذ فترة طويلة. ألا ترى أن 'الأقراص الدوارة' قصة قاتمة جدا؟".

"نعم. فقد كتبها قبل موته بقليل". تناول أوكوتاغاوا جرعة زائدة حينما بلغ الخامسة والثلاثين. ويذكر الدليل الإرشادي للقراء أن "الأقراص الدوارة" نشرت بعد موته عام 1927. وكانت القصة تقريبا وصيته الأخيرة وآخر اعتراف منه.

قال أخ صديقتي: "هممم. هل تعتقد أنك مستعد لتلاوتها لي".

نظرت إليه بدهشة قائلا: "هل تعني أن أقرأها بصوت جهوري؟".

"نعم. أحببت دائما أن يقرأ لي الآخرون. ولكنني لست قارئا جيدا بنفسي".

"أنا لست قارئا جيدا بصوت مسموع".

"لا بأس. لا يتوجب عليك أن تكون قارئا متمرسا. فقط اقرأها بالترتيب، وهذا شيء جيد. أقصد لا يبدو أن لدينا شيئا آخر نفعله".

قلت له: "مع ذلك هي قصة عصابية ومقلقة جدا".

"أحيانا أحب أن أستمع لذلك النوع من القصص. كأنك تقاوم الشر بالشر".

أعاد لي الكتاب، ورفع كوب القهوة مع صورة الطائرة ذات الجناحين وصلبانها الحديدية، وأخذ رشفة. ثم غاص في كرسيه ذي المساند، بانتظار بداية القراءة. وأنهيت يوم الأحد ذاك بقراءة فقرة من "الأقراص الدوارة" لأكوتاغاوا على مسمع من شقيق صديقتي الكبير والغريب. في البداية مضطرا، ولكن سريعا تحمست للمهمة. كان في ملحق القراء المقطعان الأخيران من القصة - "الأضواء الحمر" و"الطيارة" - واكتفيت بقراءة "الطيارة". وهي من حوالي ثماني صفحات، وتنتهي بسطر ورد فيه"هل يوجد شخص لديه ما يكفي من القوة ليخنقني في نومي؟". وبعد كتابة هذا السطر قتل أكوتاغاوا نفسه. حين أنهيت القراءة لم يرجع أحد إلى البيت. لم يرن الهاتف، ولم يرفع ديك صوته في الخارج. وخيم الصمت على كل الأرجاء. أضاءت شمس الخريف غرفة المعيشة من وراء دانتيل الستائر. وشق الوقت طريقه إلى الأمام ببطء ولكن بثبات. جلس شقيق صديقتي هناك، وعقد ذراعيه، وأغلق عينيه، كأنه يحفظ في ذاكرته السطور الأخيرة التي قرأتها وهي: "ليست لدي القوة لأتابع مع الكتابة. تعجز الكلمات عن وصف ما أشعر به من ألم في هذه الحياة. هل يوجد شخص لديه ما يكفي من القوة ليخنقني في نومي؟".

سواء كنت تحب الكتابة أم لا، هناك شيء واحد واضح: هذه القصة ليست مناسبة للقراءة في يوم أحد صاف ومشمس. أغلقت الكتاب، واختلست نظرة من الساعة المعلقة على الجدار. كانت الساعة قد تخطت الثانية عشرة.

قلت: "لا بد من وجود سوء تفاهم. يجدر بي أن أنصرف كما أظن". وشرعت بالنهوض عن الكنبة. فقد نقشت أمي في ذهني منذ الطفولة أنه لا يجب أن أزعج الناس في بيوتهم إذا حان وقت تناول الطعام. وفي كل الظروف والأحوال تسلل هذا في كل كياني وأصبح عادة شرطية منعكسة.

سألني أخوها: "تكبدت عناء الطريق، ألا يحسن بك أن تنتظر ثلاثين دقيقة إضافية، وإذا لم ترجع حينها يمكنك أن تنصرف؟".

كانت كلماته جازمة لحد غريب، فجلست وأسدلت يدي في حضني ثانية. فأضاف بنغمة تدل على التأثر الصادق: "أنت ماهر جدا في القراءة الجهورية. هل أخبرك أحد بذلك؟".

نفيت بحركة من رأسي.

قال: "إن لم تفهم المضمون جيدا، لا يمكنك أن تقرأ كما فعلت معي. ولا سيما الفقرة الأخيرة. كان الأداء جيدا".

أجبته كيفما اتفق: "آه". وشعرت باحمرار في خدي قليلا. وبدا الثناء كأنه موجه إلى شخص آخر، ولذلك شعرت بعدم الراحة. ولكن الرسالة التي وصلتني تفترض أنني سأتورط معه بثلاثين دقيقة من الحوار. ويبدو أنه بحاجة لشخص يتكلم معه. وضع كلتا راحتيه أمامه متلاصقتين، كأنه يصلي، ثم فجأة قال: "ربما يكون هذا سؤالا غريبا، هل توقفت ذاكرتك على الإطلاق؟".

"توقفت؟".

"ما أتكلم عنه، أقصد، أن لا تتذكر ابتداء من نقطة وما يليها، على الإطلاق، أين كنت، أو ماذا كنت تفعل".

هززت رأسي قائلا: "لا أعتقد أنني عانيت من ذلك".

"إذا أنت تتذكر تسلسل الوقت وتفاصيل ما تفعل؟".

"إذا حصل شيء في وقت قريب، نعم، يمكنني أن أقول ذلك".

قال "هممم". وحك مؤخرة رأسه دقيقة، ثم تابع: "أفترض أن ذلك طبيعي".

انتظرته ليتابع. فقال: "حقيقة عانيت من تراجع ذاكرتي عدة مرات. مثلا توقفت عن العمل في الساعة 3 بعد الظهيرة، ولم أسترجع ذاكرتي إلا في السابعة مساء. ولم أتذكر أين كنت، أو ماذا فعلت، خلال الساعات الأربعة تلك. ولم يكن ذلك بتأثير يشبه حادثة طارئة وقعت لي. مثلا بعد ضربة على الرأس أو إذا تعتعني السكر أو ما شابه ذلك. كنت أؤدي عملي العادي وبدون سابق إنذار أغلقت الذاكرة بابها وانقطعت. ولا يمكنني أن أتنبأ متى يحدث ذلك. وليس لدي أي علامة تدل على عدد ساعات المعاناة، ولا عدد الأيام، ولا حتى أن ذاكرتي ستتلاشى".

همهمت لأقنعه أنني أتابع كلامه قائلا: "أفهمك".

"تخيل أنك سجلت سمفونية لموزارت على شريط. وكلما عزفته يقفز الصوت من وسط الحركة الثانية إلى وسط الحركة الثالثة، وما يجب أن يكون في الوسط اختفى وحسب. هذا هو الحال. حينما أقول 'اختفى' لا أعني أنه يوجد مسافة صامتة في الشريط. ولكنه ذهب فقط. هل فهمت ما أقول؟".

قلت له بنبرة مترددة: "أعتقد ذلك".

"هذا أمر غير مريح بنظر الموسيقا. ولكنه لا يضر حقا. صحيح؟. وحين يحصل في الحياة الفعلية، يسبب الألم، صدقني... هل تفهم ما أقول؟".

وافقت بهز الرأس.

"تذهب إلى الوجه المظلم من القمر وتعود خاوي الوفاض".

وافقت بحركة رأس مجددا. لم أكن متأكدا تماما أنني رأيت وجه التشابه.

فتابع: "السبب هو اضطراب وراثي، والحالات الحرجة مثلي نادرة جدا. شخص واحد من عشرة آلاف يعانون من هذا الاضطراب. وحتى أنه توجد فروقات بينهم، وهذا أمر طبيعي. في العام الأخير من المدرسة الثانوية، فحصني طبيب أعصاب في مستشفى الجامعة. وقد رافقتني والدتي إلى المستشفى".

التقط أنفاسه ثم أضاف: "بكلام آخر هي حالة يرتبك فيها سياق ذاكرتك. جزء من ذاكرتك يودع في درج خاطئ. ومن المستحيل تقريبا أن تجده ثانية، أو بالفعل هو مستحيل. هكذا فسروا لي الموضوع. أنه ليس نوعا فظيعا ومميتا من الاضطرابات، وأنت لا تفقد فيه عقلك. ولكنه يتسبب بمشاكل في الحياة اليومية. وقد أخبروني باسم هذا الاضطراب وقدموا لي دواء لأتناوله، ولكن لم تفعل الحبوب شيئا. كانت خدعة نفسية".

لزم شقيق صديقتي الصمت لحظة، وهو يراقبني باهتمام ليرى إذا فهمته. كأنه كان خارج البيت ويحدق في الداخل من النافذة. أخيرا قال: "تعرضت لهذه النوبات مرة أو اثنتين منذ عام. لم تتكرر كثيرا، ولكن الموضوع ليس في تواترها. حينما تحصل تسبب مشاكل حقيقية. وحتى لو أن ذلك النوع من فقدان الذاكرة نادر الحدوث هو مزعج جدا، ولا سيما أنك لا تعرف متى يحصل. أنت تفهمني، أليس كذلك؟"

قلت بشكل عابر: "آه ..ها". وما كان بمقدوري إلا أن أتابع حكايته السريعة والغريبة.

سمعته يتابع: "حين يحصل ذلك لي يكون مثل ذاكرة تنقطع فجأة، وخلال تلك الفترة أكون كأنني أحمل مطرقة ضخمة ومستعد لأن أحطم بها رأس شخص ما، شخص لا يعجبني. ولا يمكنك غير التعبير عن ذلك بقولك 'حسنا، هذا شيء غريب'. هل أنا محق؟".

"نعم. معك حق".

"وإذا تدخل الشرطة وقلت لهم 'خلاصة الأمر أن ذاكرتي طارت بعيدا' لن يصدقوا ذلك، أليس كذلك؟".

حركت رأسي بالنفي.

"هناك في الواقع شخصان لا أحبهما أبدا. شابان أمقتهما. والدي أحدهما. ولكن حينما أكون متيقظا لن أضرب رأس والدي بالمطرقة، هل يمكن أن أفعل ذلك؟. يمكنني التحكم بنفسي. إنما حين تغيب ذاكرتي، لا يتبقى عندي إحساس بما أفعل".

قربت رأسي قليلا، دون الإعراب عن أي رأي.

"قال الأطباء إن ذلك لا يشكل أي خطر علي في حال حصوله. حينما تختفي ذاكرتي لا يكون الأمر مثل اختطاف شخص لشخصيتي. ولكنه مثل دكتور جيكل والسيد هايد. أنا نفسي دائما. فقط الجزء المسجل يقفز من وسط الحركة الثانية إلى وسط الحركة الثالثة. ودائما أستطيع التحكم بمن أكون، وأتصرف بشكل طبيعي في معظم الحالات. موزارت لا يتحول فجأة إلى سترافنسكي. موزارت يبقى موزارت - ولكن فقط جزء يختفي في مكان ما من الدرج". وهنا لزم الصمت، وأخذ رشفة من كوب قهوته بطيارته ذات الجناحين، وتمنيت لو بمقدوري الحصول على بعض القهوة.

ثم تابع: "على الأقل هذا ما أخبرني به الطبيب. ولكن عليك أن تحذر مما يخبرك به الأطباء. حينما كنت في المدرسة الثانوية أفزعني، حينما لم أعرف ماذا أفعل، وأنه من الوارد أن أضرب زميلا في الصف بمطرقة على رأسه. أعني حينما تكون في المدرسة الثانوية أنت لا تعرف على وجه الدقة من أنت، صحيح؟. لو أضفت إلى ذلك ألم فقدان الذاكرة، لن تتحمل ذلك".

حركت رأسي بصمت. فقد يكون محقا.

تابع شقيق صديقتي كلامه قائلا: "توقفت تماما عن متابعة الدراسة لتلك الأسباب. وكلما فكرت بالموضوع زادت مخاوفي، ولم أتمكن من ترويض نفسي على الذهاب إلى المدرسة. وشرحت أمي الوضع لمعلمي، ولذلك سمحوا لي بالتغيب كثيرا، واستثنوني من الدوام، وسمحوا لي بالنجاح. وأتخيل أن المدرسة أرادت التخلص من مشكلة طالب مثلي بقدر ما تستطيع. غير أنني لم أنتسب إلى الجامعة. ولم تكن درجاتي سيئة جدا، وكان بمقدوري الانتساب إلى كلية ما، مع ذلك فقدت الثقة على الخروج. ومنذئذ أرواح بمكاني في المنزل. أو أرافق الكلب بنزهة، وسوى ذلك نادرا ما أغادر البيت. في هذه الأيام لا أشعر بالفزع أو ما شيء من هذا القبيل. وإذا هدأت الأمور قليلا أعتقد أنني قد أعود للدوام في إحدى الجامعات".

ثم لزم الصمت، واستمر صامتا. ولم يكن عندي فكرة عما أقول. وأدركت الآن لماذا لم ترغب صديقتي أبدا أن تتكلم عن أخيها.

أخيرا قال: "شكرا لأنك قرأت لي تلك القصة. 'الأقراص الدوارة' ممتازة. هي قصة كئيبة بالتأكيد، لكن لمسني شيء ما في هذا النص. هل أنت متيقن أنك لا تريد أي قهوة؟ لن يحتاج إعدادها أكثر من دقيقة".

"كلا. أنا بخير. فعلا. ومن الأفضل أن أنصرف".

رمق الساعة الجدارية ثانية. وقال: "لماذا لا تنتظر حتى الواحدة. وإذا لم يرجع أحد حتى ذلك الحين، يمكنك أن تغادر. سأكون في غرفتي في الأعلى، وتستطيع أن تجد الباب بنفسك. ولا ضرورة لأن ينتابك القلق مني".

أومأت برأسي. ثم سألني مرة أخرى: "هل مرافقة سايوكو تسلي؟".

وافقت برأسي قائلا: "إنه يسليني".

"كيف؟".

أجبته: "لا أعلم كيف يوجد لديها أمور كثيرة". وأعتقد أنه جواب صادق جدا.

قال وهو يفكر بالموضوع: "هممم. أنت تلفت انتباهي لشيء لم أكن أراه. فهي أختي الصغيرة، وبيننا رابطة دم، نفس المورثات وما شابه ذلك، ونحن نعيش معا تحت نفس السقف منذ ولادتها، ولكن لا يزال حولها أطنان من الأمور التي لا أفهمها. أنا لا أستوعبها - كيف أعبر عن رأيي؟ ماذا يجعلها تلفت النظر؟ ويريحني أنك استطعت أن تفهمها بالنيابة عني. دائما تبقى أشياء من الأفضل أن لا تحاول فهمها". ونهض من الكنبة ذات المسندين وبيده كوب القهوة وهو يقول: "على كل حال ابذل معها جهدك". ولوح بيده الحرة نحوي وغادر الغرفة.

قلت له: "شكرا".

حتى الساعة الواحدة لم تكن هناك علامة تدل على عودة أحد، توجهت بمفردي إلى الباب الأمامي، ارتديت خفي، وغادرت. تجاوزت غابة الصنوبر باتجاه المحطة، وقفزت إلى القطار، وذهبت إلى البيت. كان يوم مساء أحد خريفي يخيم عليه الهدوء على نحو غريب.

تلقيت مكالمة من صديقتي بعد الساعة 2 مساء. قالت فيها: "من المفترض أن تأتي الأحد القادم". لم أقتنع تماما، ولكنها كانت واضحة جدا حيال ذلك، ولعلها محقة. اعتذرت بدماثة لأنني زرتها قبل أسبوع من الموعد المقرر. ولم أذكر لها أنني، حين انتظرت عودتها إلى البيت، دخلت مع أخيها في حوار - ربما "حوار" ليست الكلمة الصحيحة، لأنني أساسا كنت أصغي له فقط. ورأيت أنه من الأفضل أن لا أقول لها أنني قرأت له "الأقراص الدوارة" من تأليف راينوسوك أكوتاغاوا، وأنه اعترف لي بمعاناته من نوبات مرض في الذاكرة. لو أنه لم يخبرها بتلك الأمور، لا يوجد عندي أي سبب لأخبرها أنا.

بعد ثمانية عشر عاما قابلت أخاها ثانية. كان الوقت في أواسط تشرين الأول. وحينها كنت في الخامسة والثلاثين من العمر. أعيش في طوكيو مع زوجتي. وعملي يشغلني ونادرا ما أعود إلى كوبي. وكنا في وقت متأخر من بعد الظهيرة. وأنا أصعد سفوح هضبة في شيبويا لاستعادة ساعة يد تركتها للصيانة. وكنت أشق طريقي مستغرقا بالتفكير، حينما مررت برجل فالتفت نحوي وقال لي: "عذرا". كانت له لهجة كانساي لا يخطئها السامع. توقفت، والتفت إلى الخلف، فرأيت رجلا لم أعرفه. كان يبدو أكبر مني بقليل، وأطول بقليل، ويرتدي سترة سميكة من التويد الرمادي، وبلوزة من الكشمير كريمية اللون بياقة ملتفة حول رقبته، وسروالا بنيا من القطن. كان شعره قصيرا، وببنية مشدودة كرياضي وببشرة برونزية عميقة اللون (كأنها برونز الغولف). ولكن ملامحه غير نقية ومع ذلك لا تزال جذابة. أفترض أنه وسيم. تشكل عندي إحساس أنه رجل سعيد مع زوجته. حسب ظني شخص جيد النشأة. قال: "لا أتذكر اسمك. ولكن ألم تكن صديق شقيقتي الصغيرة لبعض الوقت؟".

تأملت وجهه مجددا. إنما لم أتذكره.

قلت له: "أختك الصغيرة؟".

قال: "سايوكو. أعتقد أنكما كنتما في نفس الصف في المدرسة الثانوية".

استقرت عيناي على بقعة صغيرة من معجون البندورة على بلوزته ذات اللون الكريمي من الأمام. كان متأنقا بملبسه، وأتت تلك البقعة الصغيرة كأنها من خارج السياق. ثم انبثقت الذكرى - الأخ ذو العينين الناعستين والبلوزة الزرقاء ذات القبة المرتخية المرشوشة بفتات الخبز.

قلت له: "أتذكرك الآن. أنت أخ سايوكو الأكبر. تقابلنا مرة في بيتك، أليس كذلك؟".

"أنت على صواب. وقرأت لي 'الأقراص الدوارة' لأكوتاغاوا".

ضحكت قائلا: "يدهشني أنك عرفتني في هذا الزحام. مع أننا التقينا مرة فقط منذ فترة بعيدة".

" أنا لا أنسى الوجوه ولا أعلم لماذا. أضف لذلك لا يبدو أنك تغيرت على الإطلاق".

قلت: "أما أنت فقد تبدلت كثيرا. تبدو مختلفا جدا الآن".

قال وهو يبتسم: "حسنا - يوجد الكثير من الماء تحت الجسر. كما تعلم الأمور تعقدت معي جدا لبعض الوقت".

سألته: "وكيف أحوال سايوكو".

ألقى نظرة مضطربة على أحد الجوانب، وحبس نفسه ببطء، ثم أطلق أنفاسه كأنه يقدر كثافة الهواء حوله وقال: "عوضا عن الوقوف هنا في الشارع، لماذا لا نذهب إلى مكان ما حيث يمكننا الجلوس والكلام؟. إن لم تكن مشغولا أفضل ذلك".

قلت له: "لا يوجد عندي شيء ملح".

قال بهدوء: "سايوكو رحلت". كنا بقرب مشرب قهوة، جلسنا حول طاولة متقابلين.

"رحلت؟".

"ماتت. منذ ثلاث سنوات".

لم أرد. شعرت كأن لساني انتفخ داخل فمي. حاولت أن أبتلع اللعاب الذي تراكم، ولم أستطع. آخر مرة رأيت سايوكو كانت بعمر عشرين عاما وللتو حصلت على رخصة قيادة السيارة، وقادتنا نحن الاثنين إلى قمة جبل روكو في كوبي، على متن تويوتا كراون بيضاء ذات سقف ثابت وتعود ملكيتها لوالدها. كانت قيادتها لا تزال غريبة قليلا، ولكنها ظهرت متوهجة وهي تقود. وكما هو متوقع كان المذياع يعزف أغنية للخنافس. وأتذكرها جيدا. هي أغنية "مرحبا ووداعا". أنت تقول وداعا، وأنا أقول مرحبا. كما قلت سابقا كانت موسيقاهم حينها في كل مكان. لم أتمكن من استيعاب حقيقة موتها وأنها لم تعد موجودة في هذا العالم. ولست متيقنا كيف أعبر عن ذلك - فقد كان الأمر يبدو سرياليا جدا لي.

سألت بفم جاف: "وكيف... ماتت؟".

قال كأنه ينتقي كلماته بحذر: "انتحرت. حينما بلغت السادسة والعشرين تزوجت من زميل لها عملت معه في شركة التأمينات، وأنجبا ولدين، ثم وضعت حدا لحياتها. وكانت في الثانية والثلاثين فقط".

"تركت وراءها أطفالا".

وافق شقيق صديقتي السابقة برأسه قائلا: "الطفل الأكبر صبي، والأصغر بنت. وزوجها يعتني بهما. حتى أنني أزورهما بين حين وآخر. يا لهما من ولدين رائعين".

لا زلت أواجه المصاعب وأعاني من المتاعب الحقيقية. هل حقا أن صديقتي السابقة قتلت نفسها، وتركت وراءها ولدين صغيرين؟.

سألته: "ولماذا انتحرت؟".

هز رأسه. ثم قال: "لا أحد يعلم لماذا. لم تكن تتصرف كما لو أنها مضطربة أو كئيبة. كانت موفورة الصحة، والأمور تبدو جيدة مع زوجها، وكانت تحب طفليها. كما أنها لم تترك خلفها رسالة أو أي شيء. ولكن وصف لها طبيبها حبوبا منومة، فجمعتها وتناولتها دفعة واحدة. ولذلك يبدو أنها خططت لقتل نفسها. أرادت أن تموت، ولستة شهور راكمت الدواء بالتدريج. هذا يعني أن نهايتها ليست من جراء اندفاعة مفاجئة".

لزمت الصمت لبعض الوقت. وهكذا فعل هو. وضاع كل واحد منا في أفكاره. في ذلك اليوم، في مقهى يتربع على قمة جبل روكو، انفصلنا أنا وصديقتي. كنت أداوم في جامعة طوكيو ووقعت بغرام بنت هناك. فأتيت إلى صديقتي مباشرة واعترفت لها بذلك، فلم تنطق بكلمة، وحملت حقيبتها، ونهضت، وهرولت خارج المقهى، بدون أن تنظر إلى الخلف. توجب علي أن أركب بالعربة الفضائية من الجبل بمفردي. ولا بد أنها قادت سيارة التويوتا كراون البيضاء تلك عائدة إلى البيت. كان يوم أحد مشمس ورائع، وأتذكر أنني رأيت كل كوبي من نافذة الغوندولا. كان مشهدا مذهلا. ثم انتسبت سايوكو إلى الجامعة، وحصلت على عمل في شركة تأمينات معروفة، وتزوجت من أحد زملائها، وأنجبت ولدين، وأخفت الحبوب المنومة، وأنهت حياتها. كنت سأنفصل عنها عاجلا أو آجلا. ولكن لدي ذكريات حميمة عن السنوات التي أنفقناها معا. كانت صديقتي الأولى، وقد أحببتها حبا جما. وهي من قدم لي معلوماتي عن الجسد الأنوثي. تعرفنا على الكثير من الأشياء الجديدة معا. واشتركنا بأوقات رائعة، وهي ممكنة فقط إذا كنت في سنوات مراهقتك. من الصعب أن أقول هذا الآن، غير أنها لم تلمس الجرس الخاص ولم تلمسه أبدا ليرن في أذني. أصغيت بكل ما أمكنني من قوة، ولكنه لم يرن ولو لمرة واحدة. وهذا مدعاة للأسف. أما البنت التي تعرفت عليها في طوكيو فقد نجحت بذلك أمامي. وهذا شيء لا يمكنك أن تختاره بحريتك، وفق المنطق أو الاستعدادات. إما أن يحصل أو لا يحصل. وإذا حصل، يحصل تلقائيا، في وعيك أو في بقعة عميقة داخل روحك.

قال شقيق صديقتي السابقة: "كما تعلم لم يخطر في ذهني ولا مرة واحدة أن سايوكو قد تنتحر. لو أن كل الناس في العالم مستعدون لقتل أنفسهم كنت أعتقد - وهذا خطأ كما تبين - أنها ستبقى صامدة، حية ومعافاة. لم أستطع أن أرى أنها من النوع الواهم أو من يخفي بقعة مظلمة في داخله. بصدق كنت أتوقع أنها سطحية قليلا. لم أمنحها الكثير من الاهتمام وهذا ينسحب عليها بالنسبة لي، كما أعتقد. ربما لم نكن على نفس طول الموجة. في الواقع كنت منسجما بشكل أفضل مع أختي الأخرى. ولكن الآن أشعر كأنني ارتكبت خطأ فظيعا مع سايوكو، وهذا يؤلمني. ربما لم أعرفها حقا. ولم أفهم أي شيء فيها. وربما كنت مشغولا بحياتي الخاصة. وربما لا يمتلك شخص على شاكلتي الإمكانيات ليحافظ على حياتها، مع ذلك يجب علي أن أتفهم شيئا عنها، حتى لو أنه ليس كثيرا. الآن يصعب تحمل ذلك. كنت لامباليا جدا، ومهتما بنفسي كثيرا".

لم يكن هناك شيء أقوله. وربما لم أفهمها على الإطلاق أيضا. مثله، كنت مشغولا بحياتي الشخصية.

قال شقيق صديقتي السابقة: "في تلك القصة التي قرأتها لي، 'الأقراص الدوارة' لأكوتاغاوا، توجد فقرة عن قبطان يتنفس حينما يكون محلقا في السماء، غير أنه لا يستطيع أن يتنفس الهواء بعد عودته إلى الأرض. يسمون ذلك 'مرض الطائرة'. ولا أعلم إذا كان مرضا حقيقيا أو لا، ولكنني لا زلت أتذكر تلك السطور".

سألته: "هل تغلبت على تلك الحالة التي تغيب فيها ذاكرتك أحيانا؟". أعتقد أنني رغبت بتبديل الموضوع بعيدا عن سايوكو.

قال وهو يضيق عينيه قليلا: "آه. صحيح. ذلك شيء غريب. ولكنه تلاشى بنفس الوقت. فهو اضطراب وراثي كان يتدهور مع الوقت، كما قال الطبيب، ولكنه انتهى واختفى، كما لو أنني لم أكن أعاني منه. كأنه روح شريرة وتم طردها".

قلت له: "يسعدني سماع ذلك". وبالفعل أسعدني ذلك.

قال: "حصل ما حصل بعد لقائنا في تلك المرة بقليل. بعده لم أمر بذلك النوع من فقدان الذاكرة، ولا حتى مرة. شعرت بالهدوء، وأصبحت مستعدا لعبور نصف الطريق إلى جامعة محترمة، وللتخرج، ثم للقيام بأعباء تجارة والدي. وهناك أخذت الأمور منعطفا لعدة سنوات، والآن أعيش حياة طبيعية".

كررت: "أنا سعيد لأنني أسمع ذلك. وهذا يعني أنك لم تضطر لضرب والدك على رأسه بالمطرقة".

قال وهو يضحك بصوت مرتفع: "أنت تتذكر أشياء غبية أيضا. أليس كذلك. كما تعلم لا أحضر إلى طوكيو كثيرا للتجارة، ومن العجيب أن أصادفك هكذا في هذه المدينة العملاقة. ولا يسعني إلا أن أشعر أن شيئا جمعنا معا".

قلت له: "بالتأكيد".

"وماذا عنك؟ هل كنت تعيش كل هذا الوقت في طوكيو؟".

أخبرته: "تزوجت بعد التخرج من الجامعة مباشرة. وكنت أعيش في طوكيو منذئذ. وأكسب قوتي من الكتابة الآن".

"كاتب؟".

"نعم. إلى حد ما".

قال: "حسنا. كنت رائعا بالقراءة الجهورية. ربما ما أخبرك به سيكون عبئا عليك، ولكن أعتقد أن سايوكو دائما كانت معجبة بك وتفضلك على الجميع".

لم أرد. ولم يضف شقيق صديقتي السابقة شيئا. وهكذا ألقينا تحية الوداع. ذهبت لاستعادة ساعتي، التي تمت صيانتها، وانطلق شقيق صديقتي السابقة ببطء نحو أسفل السفوح باتجاه محطة شيبويا. وابتلع قامته بسترة التويد زحام ما بعد الظهيرة. ولم ألتق به ثانية أبدا. ولكن جمعتنا الصدفة مرة ثانية. بعد قرابة عشرين عاما بين اللقائين، في مدينتين تبعد قرابة الواحدة عن الأخرى قرابة مائة ميل، وقد جلسنا، وبيننا طاولة، لنرشف القهوة ونتكلم عن بضعة أمور. ولكنها لم تكن أشياء يحسن التحدث عنها مع القهوة. كان هناك شيء أعمق في كلامنا، شيء يبدو لنا له معنى، ويأخذ مكانه في مسيرة ووقائع حياتنا. مع ذلك لا يزال كل شيء مجرد تلميحات، وفرتها الصدفة. لم يكن هناك شيء يجمعنا بطريقة منظمة وعضوية. (سؤال: ما هي العوامل التي تتوفر في حياة هذين الرجلين ولها قيمة رمزية تظهر من خلال لقائين وحوارين؟).

لم أقابل تلك الفتاة الرائعة ثانية، أيضا، أقصد التي كانت تحمل الشريط الكامل LP " مع الخنافس" . وأحيانا أتساءل - هل لا زالت تسرع بخطواتها في ذلك الممر قليل الإضاءة في المدرسة الثانوية كما حصل عام 1964، وتنورتها ترفرف في الهواء ولها حفيف وهي تسير؟. وهل هي في السادسة عشرة حتى الآن، وتحمل غلاف الألبوم الرائع بصورة نصف مضاءة لجون وبول وجورج ورينغو، وتقبض عليه بقوة كأن حياتها تعتمد عليه.

***

.............................

* ترجمها عن اليابانية فيليب غابرييل

* نشرت في النيويوركير بتاريخ 17 شباط 2020.

هاروكي موراكامي Haruki Murakami كاتب روايات وقصص معاصر من اليابان.

 

بقلم: باتريك روزال

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

اعتقدت قصيدة انها رأت

بريق فأس او نجمة نينجا

منطلقة نحوها في الظلام.

لكن القصيدة في الحقيقة

رأت رجلا يقف في زاوية

ملوحا بيديه.

القصيدة جفلت.

القصيدة خافت.

القصيدة لم تفهم ما كان

يقوله الرجل.

لو حسبت القصيدة الرجل صنبورا،

أ كانت القصيدة قد أطلقت النار؟

لو حسبت القصيدة الرجل

قمامة مكومة بارتفاع ستة اقدام،

أكانت القصيدة فكرت مرتين؟

كل قصيدة تأتي من مكان ما

--ليس صفا طويلا

من قصائد أخرى.

أحيانا تكون القصيدة أولى

افراد اسرتها تصبح قصيدة.

القصيدة التي سحبت

سلاحا يستعمل للتظاهر هكذا

حين كانت يافعة:

القصيدة اختبأت في قبو شديد الرطوبة

خلف اريكة بطاناتها ممزقة.

القصيدة برزت وأطلقت النار على المصباح

وغربان الرسوم المتحركة على الشاشة

والأسد الذي فقد نصف حشوته.

القصيدة احتفلت بالصراخ

بأعلى ما تستطيع رئتاها.

الآن ترتدي القصيدة الملابس الداخلية

والحذاء التي ترتديها القصائد الأخرى ذاتها

كي تعرف في الشارع

أي القصائد تنتمي،

واي القصائد لا تنتمي.

أحيانا تتعلم القصيدة كيف

تتكلم القصائد الأخرى.

أحيانا تتعلم القصائد

كيف تصمت القصائد الأخرى.

القصيدة ترسل رسائل على ترددات

يحتمل ان تكون قصائد أخرى مصغية اليها.

القصيدة ليست صوت قرقعة.

طق/طقة بندقية القصيدة نادرا ما

تنتقل على الأمواج الراديوية.

القصيدة تبلغ عن اطلاقها النار بعد الواقعة.

المدينة ستعقد مؤتمرا صحفيا

وسوف يتحدث رجل

بالنيابة عن القصيدة.

القصيدة فعلتها—انزلت السلاح الجانبي

وضغطت على الزناد ست مرات.

الرجل الذي يلوح بيديه

عند الزاوية عرض على القصيدة

أصابعه العشرة كلها

لكن القصيدة لم تعدها.

رصاصة رأس واحدة كانت كافية.

القصيدة فعلتها. ولم يسمع أحد.

ماذا لو حسبت القصيدة الرجل رجلا؟

من الصعب ان تحسب اليد يدا.

ولكن القصيدة يمكن ان تحسب الأعين

رصاصات تطير بشكل مستقيم نحو عنقك

والمحفظة مسدسا حين يخيم الظلام.

صعب ان تحسب الظلام

نفخة غيمة سوداء تملأ الدماغ.

أ يمكن للقصيدة ان تتخيل نفسها رجلا؟

أ يوجد العديد من القصائد من غير أجساد؟

أ لا ترى، القصيدة فعلتها.

في الليلة الماضية،

سحبت قصيدة سلاحها وأطلقت النار

على رجل يملك عشرين دولارا في جيبه

وفراغا بين سنيه الأماميين العلويين.

لم يقدم التحقيق الرسمي أي شهود.

بعد ان تسجل القصيدة حضورها

فمن الأفضل ان لا يلقى القبض عليها وهي تغني.

حين تكون القصائد المعنية

قد سألتها الأمهات أخيرا:

ماذا حدث، ماذا فعلت

فمن المعلوم ان القصائد

سوف تجيب: انا قصيدة.

الأخطاء تحصل.

كنت أؤدي عملي فحسب.

***

باتريك روزال: شاعر أميركي فيتنامي أصدر خمس مجموعات شعرية حازت على حفاوة شعبية ونقدية ونالت جوائز عديدة. من عناوين مجموعاته: (اغنيتي الشعبية الفيتنامية الأميركية) 2006؛ (ما قبل طوفان بروكلن) 2016؛ و(الشيء الأخير) 2021.

قصائد للشاعر الروسي الكبير

سيرغي يسينين

ترجمة الدكتور إسماعيل مكارم

***

«Гой ты, Русь, моя родная…»

تـألقي يا روسيا

تألقي يا روسيا، يا بلادي الغالية

هذي بُيوتكِ الريفية كأنها أيقونات...

كم أنتِ عظيمة، لا حدودَ لكِ −

وهذا البَهاءُ الأزرق يُكحّل العينين.

**

أبدو كما العابد الزائر

أنظرُ إلى سُهولك الشاسعةِ الواسعة.

وهناك في المُنحدراتِ خلفَ السّياج

تشيخ أشجارُ الصَّفصافِ النحيلة مُصوتة.

**

هنا تلقاكَ رائحة التفاح والعسل

وفي الكنائس يلقاكَ المُخلصُ الوَديعُ

هناك من دبكة الحَلقة على المروج

يُسمَعُ صَخَبُ الرّقص ِ المَرح.

**

سَأعدو على الطريق ِالمغطى بالأعشاب

إلى مُتسعات المُروج الخضر

ومثلما الأقراط الجميلة

تلقاني ضحكاتُ الصّبايا الملاح.

**

إذا ما ناد تني الحامية ُ المُقدسة يوما:

" دع ِ العيشَ في روسيا، ولكَ العَيشُ في الجَنة "

لأجبت: " لا حاجَة للعيش بالجَنّةِ

دعوني أعيش في بلديَ روسيا ".

1914

***

Пушкину

إلى بوشكين

أقف في شارع تفيرسكوي

أقف مخاطبا ذاتي

حالماً بتلك الموهبةِ العظيمة

موهبة ذلك، الذي أصبحَ يشكل وجدانَ روسيا.

**

يا أشقر الشّعر، يا ذا الشّعر القريب من البياض(1)

يا من أصبحتَ بفضل الحكايا شبيها بالضّباب،

يا الكساندر! لقد كنت شاباً طائشا

مثلما أنا اليوم إنسانٌ شقيّ.

**

غير أنّ ذلك اللعب الجميل

لم يحجبْ عننا صورَتكَ

إذ أنك اليومَ وأنتَ مَسكوبٌ ببرونز المَجد

تهزّ رأسَكَ عزة ً وكرامة.

**

أقفُ هنا، كمن يقفُ أمامَ سر عظيم

وأقولُ مُعلناً خطابي إليكَ:

لو قدّر لي أن أحظى بمصير كمصيركَ

لكان نصيبي أن أموتَ من جرّاء السّعادة.

**

غير أن قدري – التشردُ والملاحقة

سأتابعُ غنائي هذا زمنا طويلا ...

كي تستطيع أغنيتي للسّهوب

أن تسمِعَ الناسَ يوما رنينها البرونزي.

1924

***

«Мы теперь уходим понемногу…»

ها نحن نرحلُ، نرحل ...

نرحلُ إلى ذلك العالم، حيث السكينة ُوالرّحمة.

ربما يطلبُ مني القدرُ

أنّ أجمعَ حاجاتي الفانية للرحيل.

**

أيتها الأجماتُ الجميلة في غابة البتولا ! *

أنتِ أيتها الأرضُ ! وأنت أيتها السّهوبُ !

لا أستطيع أن أخفي حنيني

أمامَ مشهدِ من رَحَلوا.

**

لقد أحببتُ كثيرا في هذه الدنيا

أحببتُ كلّ ما يَغمرُ الرّوح.

سلامٌ لأشجار الحور، التي مدت أغصانها

واقفة تنظر إلى المياه الجَميلة.

**

كم خطرتْ على بالي الأفكارُ في هذه السّكينة

كم ألفتُ من الأغاني عن ذاتي،

وعلى هذه الأرض المتجهمة غمرتني السّعادة

لأني عِشتُ وتنفستُ عليها هنا.

**

تلك السعادة عانقتْ روحي من تقبيلي للنساءْ

ومن نومي على العشب، حيث الزهورُ..

أما تلك المَخلوقات من الحيوانات

فلم أقمْ بأمر يؤذي واحدا منها أبدا.

**

أعرفُ أنّ الأجمات لا تزهرُ هناك

وأعناق حبوب الجودار في الحقول لا تصدرُ حفيفا.*

لذا أمام مشهد من رحلوا

يغمرني إحساسٌ يَقشعرّ له البَدَنْ.

**

أعرف أنه في ذلك العالم

لا وجود للحقول، التي تتلوّنُ بالذهبِ أثناء الظلامْ.

من هنا فإنّ مَحبتي للناس كبيرة،

لأولئك الناس، الذين يقيمون معي على هذه الأرضْ.

1924

***

«Свищет ветер, серебряный ветер…»

ها هي الريحُ الفضيّة تصفِرُ

هاهي الرّيح الفضيّة تُصَفِرُ

ويُسمَعُ حَفيفُ الثلج كالحرير.

للمرةِ الأولى يغمرني هذا الإحساس −

ولم يَخطر هذا التفكيرُ ببالي سابقا.

**

رغم الرّطوبة الشديدة في النوافذ

فأنا لستُ نادما على شيء، ولستُ حزينا.

ورغم كلّ ما جرى فقد عَشقتُ الحَياة

أحبَبتها وكأني مازلتُ في أوّل العمر.

**

من نظرة امرأةٍ .. من إبتسامةٍ ساحرة −

تراني قلقٌ ... ما هذا القد الجَميلُ !

ومن عربة روسيةٍ تعبرُ طريقا صَعبا −

أتخيّلُ أني في تلك العربة أطيرُ بعيدا.

**

آه، يا سَعادتي... آه، أيتها الحُظوظ !

إنّ سَعادة الإنسان في محبته لأرضه.

ومن سُمِعَ بكاؤه مرة في هذه الدنيا

فهمنا أنّ الحَظ قد خانه.

**

كم نحن بحاجة إلى العيش بسهولةٍ وبساطة

راضين بكلّ شيء في هذا العالم.

لذا فإنّ الريحَ المندهشة في سَماء الغابة

نراها في ثوبها اللجيني تصيح وتصفِرُ.

1925

***

«Синий май. Заревая теплынь…»

شهرُ أيار

شهر أيار الأزرق، تندفع موجات الدفء المتوهج.

لن تدَقّ حلقة بوابة السّياج.

نبتة الشيح تمنحنا عطرها الفواح

وبطمة الشمال نائمة، يغطيها شرشفها الأبيضُ.

**

على أجنحة الشباك الخشبية

داخل الإطار، وبالستائر الناعمة

ها هو القمرُ المتهوّرُ يزركشُ

على أرض الغرفة نقوشَ الدانتِلا الجميلة.

**

غرفة الاستقبال مع أنها صغيرة

أراها نظيفة، وأنا هنا وحدي أرتاح

في هذا المساء أرى الحياة لطيفة

كأنها ذكرى صديق ٍ طيّب.

**

ها هو البستان يطلع بألوانه كالحريق

أما القمرُ فيجهدُ النفس

كأني به يريدُ أن يطال كلّ واحد مننا

الشعورُ الدافئُ من الكلمة المُؤثرة "لطيف".

**

أنا وحدي في وسط الزهور، وفي هذا المدى

على وقع أنغام هارمونيكا بشهر أيار المرح

لا أتمنى شيئا آخرَ أبدا

وأتقبلُ كلّ شيء راضيا دون تردد.

**

أجل أتقبلُ كلّ شيء .. تقدمي..

تقدمي، واظهري مع كلّ ما فيك من ألم ومسرّة

سلامٌ إليك أيتها الحَياة، التي قد انقضتْ

سلامٌ إليك أيتها البرودة الزرقاء.

1925

***

Сестре Шуре *

«Я красивых, таких не видел…»

إلى أختي شورا

ما رأيتُ هكذا جَميلات مثلك

ولكن، أتدرين أني أخفي أسَفي

غير أنّ ضَيمي هذا أبيضُ

كونك تعيشين فترة شبابي من جديد.

**

أنتِ كلمتي الزرقاءُ الجَميلة،

أنتِ الإنسانُ، الذي أحببته إلى الأبدْ.

كيفَ حال بقرتنا اليوم ؟

كيفَ تدهك ُ حُزنَ قصَل الحَشائش؟

**

أسمعُ كيف تغنينَ وتغمرني السَّعادة،

أرجوك أن تعيدي ليَ الروحَ بحلم الطفولةِ هذا.

وهل انتهى موسمُ ريابينا الحَمراء..*

وتجمعتْ أوراقها تحت شباكِنا الأبيض ؟

**

بأي العبارات تغني اليومَ أمّي مع شغلها بالكتان ؟

لقد غادرتُ الضيعة إلى الأبد،

ولكن أعرفُ أن العاصفة القرمزية

قد جمعتْ أوراقَ الشجر أمامَ السقيفة.

**

وأعرف أنّ كلبنا حزين

ها هو بدلا من المُداعبة، وبدل الدموع علينا نحن

ترينه عند البوابة يعوي حزينا لأننا تركناه

يعوي كأنّ شابا يبكي فقدانَ عروس غالية.

**

أنا لن أعودَ.. لا حاجة لذلك

لهذا لقد جاء متاخرا

مثلما الحب، مثلما الحزن، أو الفرح

وصولُ المنديل الريازاني الجميل إليكِ.

1925

***

Сестре Шуре

«Ты запой мне ту песню, что прежде…»

إلى أختي شورا

غني لي...

غني لي تلك الأغنية، التي

كانت أمّي ترددها في عمرها المُتقدم.

وأنا، غير متأسّف على الأمل الذي مات

قادرٌ أن أرددَ ذلك النغم بعدكِ.

**

أنا حقا أعرفُ ولم أنس الكلمات

لذا بإمكانك إثارة إحساسي، وتلك المشاعر

كأنني من بيتنا الغالي

أسمع ذلك الصّوتَ، وفيه تلك الرّجفات.

**

غني لي... وأنا بهذه الأغنية

فقط بهذه الأغنية، مثلك

يكفيني أن أغمضَ عيني

لأرى من جديد تلك الملامحَ الغالية.

**

غني لي... حقا إنّ سعادتي −

بكوني لست وحدي من أحبّ إلى الأبد

بوابة البستان في موسم الخريف

وأوراقَ ريابينا المتساقطة.

**

غني لي ... وأنا سأتذكرُ

ولن أكون ناسيا متجهما :

فالذكرى ستسعد ني بأن أرى

أمّي ود جاجاتها الكئيبة.

**

أنا بفضل الضّباب والندى

أحببتُ هذا القد لدى شجرة البتولا

وأحببتُ ضفائرها الذهبية

وفستانها الجميل الفضفاض.

**

لذا فالقلب مرتاح −

وبفضل الأغنية، وبفضل الخمرة

فقد بدوتِ لي أنك شجرة البتولا

الواقفة أمام شباكنا الغالي.

1925

***

«Жизнь – обман с чарующей тоскою…»

الحياة كذبٌ مزركش

ما الحياة − سوى كذب مزركش بالحنين

لذا فهي قوية، قوية جدا

كونها بيدها الخشنة

تكتب نصوصاً تحدّدُ المَصيرَ والقدَرَ.

**

أنا دائما، حين أغمض عينيّ

أقول: " إنها فقط تعرّضُ القلبَ للقلق

فالحياة – كذبٌ، غير أنّ الحياة أحيانا

تجمّلُ هذا الكذبَ بنوع من الفرحْ.

**

وَجّهْ مُحيّاكَ نحو السّماء الشائبة

وتعرّفْ على مصيرك لدى القمر

إهدأ أيها المَخلوق الفاني، لا تطلبْ

تلك الحقيقةَ.. فهي لا تلزمك".

**

جميلٌ أنك في وقت العاصفة البطمية

تفكر هكذا : ما الحياة − سوى طريق

ربما تقوم بالكذب عليك صَديقاتٌ لعاِئبُ

ربما يقوم بخيانتك فريقٌ من الأصدقاء.

**

دعوهم يداعبوني بكلمة ناعمة (2)

لتكن ألسنتهم اللئيمة − أحدّ من الشفرة

فأنا أعيشُ، ومنذ زمن مُستعدٌ

وتعودَتْ نفسي على كل أنواع القساوة.

**

هذه الأبعاد السماوية تجمّدُ روحي

لا دفءَ أبدا من نار تلك النجوم.

فمن أحبَبتهم أنا قد تخلوا عني،

ومن عشتُ لأجلهم تركوني.

**

لكني أنا المُلاحَقُ والمُضطهَدُ

أنظرُ إلى الفجر بابتسامةٍ

وأعيشُ على هذه الأرض الحبيبةِ

وأبدي شكري للحياةِ على كل شيء.

1925

***

........................

مصادر وهوامش:

1) لم يكن بوشكين أشقر الشعر، إنما كان يسينين يرى

إنعكاس الأضواء على تمثال بوشكين في شارع تفيرسكوي.

* شجرة البتولا الجميلة، هكذا يكتب إسمها، وإذا صودفت في أعمالنا دون حرف الألف - فذلك خطأ مطبعي.

* الجودار – هو نوع من الحبوب، يزرع في روسيا.

- واحدة من أخوات الشاعر. * شورا – إسم تلطيف من ألكساندرا

- ريابينا – هي ثمرة من ثمار أشجار الغابة، لونها أحمر وجميل

تسمى لدينا بالعربية – حَبة غُبيراء.

2) كان لدى الشاعر أعداء داخل أجهزة السلطة الفتية، وخارجها.

3) هذه النصوص أخذت من مجموعة أعمال سيرغي يسينين في مجلدين أشرف على جمعها وإصدارها السيد يو. ل. بروكوشيف عامي 1990-

1991 في دار النشر سوفيتسكايا روسيا.تمت أعمال الترجمة من هذه النصوص المدونة باللغة الروسية..المترجم.

......................

وجهة نظر حول أمور الترجمة:

بصدد قيام زملاء لنا بترجمة أعمال للكتاب أو الشعراء الروس من لغة ليست لغة الكاتب - أقول: نحن معشر خريجي الجامعات الروسية، الخبراء في الأدب الروسي لسنا أوصياء على الإرث الروسي في المكتبة العالمية، ولكن نظريات الترجمة تقول أن ترجمة أي نص أدبي من لغة ليست لغة الكاتب الأصلية لابد أن تنعكس سلبا على جودة النص في اللغة، التي نتوخى الترجمة إليها. في الآونة الأخيرة تكرر ظهور هكذا أعمال نقلت من الفرنسية أو الإنجليزية غابت فيها التسميات الأصلية لدى الكتاب الروس وبالنص الروسي. كيف للمحقق أو طالب الدراسات العليا، او الباحث الأستفادة من هكذا ترجمة؟ هذا هو السؤال.نحن في ترجماتنا نترك للباحث التسمية الأصلية لدى الكاتب الروسي، وبلغة هذا الكاتب. أقول ذلك كون التسمية أو (عنوان النص الأدبي الأصلي) ليس من الضروري أن تنقل حرفيا.

الشاعرة الأوكرانية آنّا أخماتوفا

ترجمة نزار سرطاوي

***

كثيرة هي الحجارة التي رُجمت بها،

حتى أنني لم اعد أخشاها أبداً،

والحفرة قد غدت برجاً راسخاً،

شاهقاً بين أبراجٍ شاهقة.

أشكر البنائين،

وأدعو لهم أن تبتعد عنهم الهموم والأحزان .

من هنا سوف أرى شروق الشمس في وقت أبكر،

هنا آخرُ شعاعٍ للشمس يغمرُه الفرح.

وعبرَ نوافذِ غرفتي

كثيراً ما تطير نسائمُ الشمال.

ومن يدي تأكل حمامةٌ حبوبَ القمح...

أما صفحتي التي لم تكتمل،

فإن اليدَ السمراءَ لعروسِ الشِّعْرِ بهدوئِها ولطفِها

السماويَّيْن، سوف تكملها.

باللطف والنور السماويَّيْن،

ستكملها يد الإلهام السمراء.

***

.........................

* ولدت الشاعرة آنا أخماتوفا في مدينة أوديسا الأوكرانية في 23 حزيران / يونيو عام 1889. في العام التالي لولادنها رحلت عائلتها شمالًا لتسكن بالقرب من مدينة سان بطرسبرج. التحقت أخماتوفا بإحدى المدارس الثانوية هناك، ثم انتقلت الى مدينة كييف (1906–1910) لتكمل دراستها هناك بعد انفصال والديها في عام 1905. بعد ذلك التحقت بجامعة كييف لدراسة القانون، لكنها لم تلبث أن تركت الجامعة وعادت إلى سان بطرسبرج لدراسة الأدب. في عام 1910 تزوجت أخماتوفا من الشاعر الروسي نيكولاي غوميليوف. وبعد ذلك بوقت قصير بدأت بنشر شعرها.  وأصبحت هي وزوجها من روّاد الحركة الأكمية التي دعت إلى الوضوح الوضوح والحِرَفية كردة فعل على على الأسلوب الفضفاض واللغة الغامضة اللذين سادا في الشعر الروسي في أواخر القرن التاسع عشر.

كان للثورة الروسية تأثيرها الكبير على حياة أخماتوفا وغوميليوف. وعلى الرغم من طلاقها منه فقد أصيبت بصدمة كبيرة عندما قام البلاشفة بإعدامه في عام 1921 بعد اتهامه بخيانة الثورة. كما أودع ابنها السجن في عام 1938، وبقي في معسكرات الاعتقال حتى وفاة ستالين.

تزوجت أخماتوفا ثانيةً وثالثةً بعد طلاقها. لكن زوجها الثالث نيكولاي بيونين سجن في عام 1949 وتوفي بعد ذلك في عام 1953 في معسكر السجن في سيبيريا. وقد تم حظر كتاباتها بصورة غير رسمية بين عامي 1925 و 1940. ثم منعت مرة أخرى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. لكنها، خلافا لكثير من معاصريها من الأدباء، لم تفكر في الرحيل إلى المنفى.

عاشت أخماتوفا حياةً قاسية عانت خلالها من الاضطهاد والحظر على يد الحكومة الستالينية التي اعتبرتها عدوًا خطيرًا. ولكن نظرًا لما كانت تتمتع به من شعبية لم يتم الاعتداء عليها مباشرة. 

في عام 1965 منحتها جامعة أكسفورد شهادة الدكتوراه الفخرية.

توفيت أخماتوفا في مدينة لينينغراد في 5 آذار / مارس عام 1966.  

للشاعر الروسي سيرغي يسينين

Сергей Есенин

ترجمة: الدكتور إسماعيل مكارم

***

Еще не высох дождь вчерашний

لا تزالُ مياهُ أمطار الأمسْ

لا تزالُ مِياهُ أمطار الأمسْ –

وعلى وريقات ِ الأعشابِ قطراتُ الماءِ الخَضراءْ !

وتلك الأراضي لا تزالُ تنتظر الفلاحة،

وها هي عشبة ُ القاقلي قد ذبُلتْ.

*

وها أنا أتسَكعُ في الطرُقاتِ بين البُرَك،

ويومُ الخريفِ هذا قاس ٍ ومُخيف.

أحدّقُ في وجوهِ الرّجال، أبحَثُ عنكْ،

يَحدوني الأملُ أن ألقى وَجهَكَ البَهيّ.

*

غير أنَّ طيفك يبدو أكثر سِرا وجَمالاً،

أراك تنظر إلى الديار البعيدة الضّبابية.

آه، أنت تفكر فقط بسَعادَتِنا

وبإخلاصي بصَداقتي مَعَك.

*

لو أنَّ الموتَ بارادة الخالق ِ

أغمضَ عَينيكَ،

أقسِمُ أني سأعدو خلفكَ في الحقل الواسِعْ،

كأني ظلكَ، رغمًا عن هذا الموتْ.

1916

***

Вьюга на 26 апреля 1912 г.

عاصفة ثلجية في 26 نيسان 1912

ماذا تريدين أيتها العاصِفة ُ الثلجيّة ؟

أسمَعُ عَويلك خلفَ الشبّاك،

أراكِ تسببينَ القلقَ لقلبيَ العَليلْ،

وتجلبينَ لي الحُزنَ والأسى.

*

امضي أيتها العاصِفة، امضي بسُرعة،

دَعيني أخلو إلى ذاتي، وأنسى،

أما تسمعينَ – فأنا أبكي،

أتوب إلى ربّي، طالباً أنْ يَغفرَ لي خطاياي.

*

دعيني في هذه الصّلاةِ الصّادقة

أجمع بينَ روحي وقواي،

إني ضيّعتُ قوةَ الرّوح ِ لدَيَّ،

بعد حين جسدي سوف يوارى في الثرى.

*

حينها يمكن لك أن تغني فوقَ قبري،

كم وَدَدتُ الآن أن ترحلي،

أو تشاركيني بهذه الصّلاةِ

لأجل ِ سَلامَة روحي.

1912

***

Брату человеку

إلى أخي الإنسان

يُؤلمُني ويَحزّ في نفسي أنْ أرى

كيفَ يَحترقُ أخي، وشقيقي الإنسانْ.

أحاول أنْ أكرَهَ أولئكَ الذين

يُعكرونَ صَفوَ حَياتِه.

*

شاهدوا كيف يكدح في ذلك الحقل،

كيف يَشقّ بسكةِ المحراث تلكَ التربَة القاسية،

واسمعوا أغانيه تلك عن مرارةِ العيش،

عندما يَمشي مُكابراً خلفَ المِحراث.

*

ربما ليس لديكم أيَّ شفقة  ورَحمَة

تجاه من يشقى ويتعَبُ خلفَ السّكة ؟

إنَّ بعضَكم يرى تلك النهاية المأساويّة ْ،

إلا أنهُ يَعبُر غير آبه بأيّ شيء.

*

إفعلْ شيئا ما لأجل الكِفاح ضدَّ هذه العُبوديّة،

الملطخة بالخمر وبالعَوَز !

أم أنكَ لا تسمع كيفَ أخوكَ يبكي هذا المَصيرَ

في أغانيه، ماشيا خلفَ السّكةِ والمِحراثْ؟

1912

***

.........................

ملاحظة: قمنا بترجمة هذه النصوص من النص الروسي الأصلي، حافظنا على حجم كل نص كما جاء في النسخة   الروسية، تبعا لأخلاقيات الترجمة.

بقلم: ألكسند بوشكين

ترجمة: نزار سرطاوي

***

أسألهم أن يأتوا بقصيدة شعرٍ

ويعرضوها أمام الضوء

مثل شريحة ملونة

أو يضعوا أُذُنًا للتنصت على خَليتها

*

أقول لهم: ألقوا بفأرٍ في قلب قصيدة

وانظروا كيف يبحث عن طريق الخروج

أو يتمشّي في حجرة القصيدة

ويتحسّس الجدرانَ بحثًا عن مفتاح النور.

*

أريدُهم أن يتزلّجوا

على سطح قصيدة

ويُلوّحوا باسم الشاعر على الشاطئ

لكن كل ما يريدون فِعله

هو أن يربطوا القصيدة إلى كرسي بحبل

ويُمعنوا في تعذيبها حتى ينتزعوا منها اعترافًا.

***

....................

* يُعدّ الشاعر والروائيّ والكاتب المسرحيً الروسي ألكسندر بوشكين رائد الأدب الروسي الحديث، بل إن الكثيرين يعتبرونه أعظم شعراء روسيا. والحقيقة أن تأثيره في الأدب الروسي كان كبيرًا، وذلك أنه جمع بين الأسلوب الأدبي الرفيع واللغة العامية السائدة.

وُلد بوشكين في السادس من حزيران/ يونيو عام 1799 في عائلة من أصول أفريقية. بدأ ينشر كتاباتِه في سن المراهقة. لكنه فيما بعد راح يكتب أشعارًا تتّسِمُ بالليبرالية وتناهض السلطة. لذا أمر القيصر ألكسندر الأول بنفيه ب إلى الجنوب الروسي ين عامي 1820 و 1826.

مات بوشكين ميتةً مأساوية في 10 شباط من عام 1937 متأثرًا بجراح أصيب بها في مبارزة خاضها دفاعًا عن شرف زوجته.

كان بوشكين غزيرًا في إنتاج الأدبي. ورغم موته المبكر، فقد ترك تراثًا أدبيًا كبيرًا. من أهم أعماله: يوجين أونجين (رواية شعرية)، ،بوريس غودونوف (مسرحية) ابنة القبطان (رواية)، و ملكة البستوني وقصص أخرى (مجموعة قصصية).

قصيد طاهر بكري

تعريب سُوف عبيد

***

ورقة

هوت على الأرض

في النّزع الأخير

اِنطرحت كغابر الأيّام

لا نرغب يوما اِستذكارها

*

ورقة

مُداسة

اِتّحدت بالأديم

حسبُك أن ذلك

من أضلاعها العجاف

وقُوت الزّمن العسير

*

ورقة

في مهبّ الريح

لا تدري أين ستهوي

فهل تُولِي اِهتمامًا حقًا

عندما تخذلك شجرة

وهي جّذلى بانتظار الموسم الجديد

***

......................

Feuille

Feuille

tombée à même le sol,

jetée comme un vieux jour

qui se meurt

dont on ne veut se souvenir

Feuille

piétinée

unie à la terre pourtant

tu le sais c'est à cause

des nervures usées

à nourrir les temps difficiles

Feuille

à la merci du vent

tu ne sais où tu attérris

mais est-ce vraiment important

quand l'arbre t'abandonne

fier d'attendre la nouvelle saison

*** 

Tahar Bekri

قصائد للشاعر الروسي الكبير سيرغي يسينين

ترجمة الدكتور إسماعيل مكارم

Сергей Есенин

День ушел, убавилась черта

***

ها هو النهار قد انقضى

ها هو النهارُ قد انقضى، وقد قصُرَ الزّمن

ها أنا قد اقترَبتُ من مَوعِدِ الرّحيل من جديدْ.

تراني بحَركةِ خاتم أبيضَ

أكشفُ أسرارَ السّنين بفلاحَة الماءْ.

**

في تيار المياه الأزرق ِ لهذا العُمر

يتدفق زَبدُ الماءِ الباردِ،

ليتركَ طابَعهُ في هذا الأسر الصّامتْ

مُشكلا خطاً جَديدًا في الشفةِ المُجعّدة.

**

بعدَ مُرورِ كلِّ يوم أشعرُ أنني غريبْ

عن ذاتي، وعن من صادفتهم، بارادةِ هذهِ الحَياة.

هناكَ، عندَ حُدود الحَقل الواسع ِ

تخَلصْتُ من ظِلي، وأبعدتهُ عن نفسي.

**

وقد ابتعَدَتْ عَني كما خَلقها الخالِقْ

آخذة ً مَعَها فقط قامتي المُنكسِرَة.

رُبما هي الآن في تلك الأبعادِ، بمكان ما

تعانق بلطف ٍ رَجُلا غريباً.

**

لرُبّما قد انحنتْ نحوه برقةٍ

وأراها قد نسيَتْ أمريْ.

يبدو لي وهي تحدِّق في الظلمَةِ الكحليه

قد نغيرت لديها تجاعيدُ ثغرها والشّفتين.

**

غير أنها تعيشُ على نغم سَنواتٍ خَلتْ

كما الصّدى يَحوم خلفَ الجِبالْ.

ها أنا اليوم، بشفتيّ الزرقاوين، أقبلُ

تلك الصّورة َ المَنقوشة في السّوادْ.

1916

***

«Гляну в поле, гляну в небо…»

أنظر إلى الحقول...

أنظرُ إلى الحُقول، أنظرُ إلى السَّماء −

أرى الجَنة بهذي الحُقول، وفي ذلك القوس.

أراضينا، التي طالما انتظرت من يفلحها

أراها من جَديد مغظاة بأكوام القمح.

**

وفي مراعينا الخَصبةِ

ترعى قِطعانُ مواشينا الكثيرة،

ومن سفوح ِ جبالنا الخضرا

تتدفق جَداول المياهِ الذهبيّة.

**

آه، إني واثق – أنَّ بعدَ بؤس ِ وشقاء

ذلك الرَّجل، البسيط، الضائع

سيكون له يومٌ

تقوم أياد خيِّرة بالإهتمام بهِ.

1917

***

Письмо к сестре

رسالة إلى أختي يكاتِرينا

لقد كتبَ الكساندر عن ديلفيغ

واختار تلك السطور بعِناية، وعن الجُمجُمة*

يا له من إنسان رائع وشخص بعيد،

ولكني أعتبرهُ قريباً إلينا

كأنّه بُستانٌ تزيّنت أشجارُه بالزهور!

*

سلامٌ يا أختي...

سلامٌ إليكِ، سلامْ!

أفلاحٌ أنا، أما أنا فلاحْ؟!

كيفَ يهتمّ جَدي اليومَ

بشجراتِ الكرز عندَنا في ريازان؟

*

آه يا شجرات الكرز!

وهل غابتْ شجراتُ الكرز عن بالِك؟

ما أكثر الهموم كانت لدى والدي،

كان يُريدُ الإستعانة

بفرسِنا الشقراء الضّعيفة وبالمحراث

لاقتلاع الغلال من أرض ِ بستاننا.

*

كان أبي يريد أن يجني مواسمَ البطاطا،

بينما نحن أردنا الحفاظ على ذلك البستان،

وأخيرا انتصر رأيُ والدي، وحطمنا البستان،

نعم، حَطمناه ُ، يا قلبي!

*

ووسادتي، التي بللتها الدّموعُ لم تنسَ ذلك،

كانَ الأمرُ قبلَ سَبع ِ ...

أو ثماني سِنين.

*

إني أذكرُ جيّداً أيامَ العيد،

أذكرُ أعيادَ أيار الزاهية،

حين زهّرت بُطمة ُ الشّمال،

وتفتحَت أزهارُ شجَيرةِ الليلك،

لقد ضَمَمتُ إلى صَدري شجراتِ البتولا

واحدة واحدة،

لقد كنت نشوانا

أكثر من نهار سَماؤه زرقاءُ صافِية.

*

آه، يا شجرات البتولا،

تلك الشجراتُ كانت تقفُ كما الصّبايا الجَميلاتْ،

من لا يحب أشجارَ البتولا مثله

كالذي يقابلُ شابا فتياً، وسيما، في مطلع العمر،

ويسألُ: من هذا الجنين؟

*

يا أختاه! يا أختاه!

أقلاء همُ الأصدقاءُ بهذه الدنيا!

ربما هو الأمرُ كما لدى الجَميع،

لقد كتِبَ على جبيني :

إذا كانَ قلبُكَ الرّقيق

قد تعِبَ،

فدَعهُ يَنسَ ويَسكتْ .

*

هل تعرفين ساشا؟ *

لقد كان ساشا جيداً .

وليرمونتوف كانَ قريباً من قامته.

غيرَ أني مريضٌ...

وبأزهار شجيرة الليلك

بهذا الوقت فقط

أداوي الروحَ.

*

كم أنا حزين عليك.

سوف تبقين وحيدة،

أما أنا فمستعد للذهاب

حتى إلى المبارزة.

"طوبى لمن لم يشرب الكأسَ حتى النهاية" (1)

طوبى لمن سمع صوت المزمار ليس إلى آخر جرسة.

*

نعم... بستاننا!

ذلك البستان

لسوف يركض على عشبه

بأيام الرّبيع

أولادُكِ المُدللين.

آه!

دعيهم

يذكروا بالخير، ولو بغير مناسبة،

أنه قد عاش في هذه الدنيا

*

أناس غريبو الأطوار.

1925

***

.........................

هوامش ومصادر:

1) هنا نجد إستعارة من أشعار بوشكين.

* في مطلع قصيدة (رسالة إلى أختي) إشارة ألى الشاعر ألكساندر بوشكين، وإلى ديلفيغ - صديق بوشكين. راجع قصيدة الكساندر بوشكين (إرسالية إلى ديلفيغ) تجد تفسيرا لذكر الجمجمة. * بمتن قصيدة (رسالة إلى أختي) يسينين يذكر الشاعر بوشكين من جديد، ويسميه ساشا، وساشا هو اسم تلطيف لالكساندر. من هو ديلفيغ؟ أنطون ديلفيغ هو شاعر وناقد روسي، درس في ذات المدرسة التي تخرج منها الكساندر بوشكين، وهي مدرسة أبناء النبلاء..المترجم.

بقلم: مارتن إسبادا

ترجمة نزار سرطاوي

***

بعد الانقلاب،

ظهر الجندُ

ذات ليلةٍ في حديقة نيرودا،

وقد حملوا الفوانيس ليستجوبوا الأشجار،

وراحوا يشتمون الصخور التي تعثّروا بها.

من نافذة غرفةِ النوم،

بدوا كما لو كانوا غزاةَ الأساطيلِ الغارقة الإسبان،

وقد عادوا من البحر ليستكملوا

نهب الساحل.

*

كان الشاعرُ يُحْتَضر؛

وقد اجتاح السرطان جسدَه كالصاعقة،

وتركه يتقلب على فراشه علّه يطفئ ألسنة اللهب.

لكنْ حين اندفع الملازم مقتحمًا الطابقَ العلوي،

واجهه نيرودا بقوله:

لا يواجهك هنا إلّا خطرٌ واحد: الشعر.

جعل الملازم خوذته على صدره،

واعتذر للسيد نيرودا،

وتقوقع عائدًا إلى أسفل الدرج.

وراحت الفوانيس تتلاشى تِباعًا من بين الأشجار

*

منذ ثلاثين عامًا

ونحن نبحث

عن رُقْيةٍ أخرى

لنجعل الجندَ

يختفون من الحديقة.

...................

Martin Espada

The Soldiers in the Garden

After the coup,

the soldiers appeared

in Neruda’s garden one night,

raising lanterns to interrogate the trees,

cursing at the rocks that tripped them.

From the bedroom window

they could have been

the conquistadores of drowned galleons,

back from the sea to finish

plundering the coast.

The poet was dying;

cancer flashed through his body

and left him rolling in the bed to kill the flames.

Still, when the lieutenant stormed upstairs,

Neruda faced him and said:

There is only one danger for you here: poetry.

The lieutenant brought his helmet to his chest,

apologized to señor Neruda

and squeezed himself back down the stairs.

The lanterns dissolved one by one from the trees.

*

For thirty years

we have been searching

for another incantation

to make the solders

vanish from the garden.

***

....................

* مارتن إسبادا، المولود في نيويورك عام 1957، شاعر ومترجم وكاتب مقالات ومحرر ومحام من أصول بورتوريكية. حصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ من جامعة ويسكنسون-ماديسون، وعلى شهادة الدكتوراه الاحتراف في القانون من جامعة نورث إيستيرن في مدينة بوسطن.

في عام 1982 أصدر إسبادا كتابه الأول في الشعر السياسي بعنوان "باليرو ولد الثلج المهاجر" ثم أتبعه بجموعات شعرية عديدة. نال العديد من الجوائز وحظي بالتكريم من عدد من المؤسسات الثقافية والأكاديمية. يعمل حاليًا أستاذًا جامعيًا في قسم اللغة الانكليزية في جامعة ماساتشوسيتس أمهرست. 

بقلم: هاروكي موراكامي

ترجمة: صالح الرزوق

***

(الأوامر الأخيرة لضابط ياباني في منشوريا، خلال اللحظات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية)

استيقظ العسكري الياباني قبل 6 صباحا. كانت معظم حيوانات حديقة حيوان هسين شينغ مستيقظة. سمحت النافذة المفتوحة بدخول صراخها والنسمات التي حملت رائحتها، وهو ما أخبره بحالة الطقس بدون أن ينظر إلى الخارج. وفيما يلي نبذة عن روتينه في منشوريا: يصغي، ثم يتنفس هواء الصباح، ويجهز نفسه لكل يوم جديد. عموما يجب أن يكون اليوم مختلفا عن الأمس. يجب أن يكون مختلفا. فقد ضاع العديد من الأصوات والروائح. النمور والفهود والذئاب والدببة: تمت تصفيتها كلها، والتخلص منها، على أيدي كتيبة يابانية في بعد ظهيرة اليوم السابق لتجنب هربها حينما كانت المدينة عرضة لهجوم روسي. والآن بعد عدة ساعات من الرقاد، تبدو له تلك الساعات مثل تململ جزء من  كابوس انتابه قبل فترة طويلة. ولكنه يعلم أنه انتابه فعليا. ولا تزال أذناه تؤلمانه على نحو مقبض بسبب هدير بنادق الجنود. وهذا ليس حلما. حصل ذلك في آب عام 1945، حينما كان في مدينة هيسين شينغ في منشوريا التي تحكمها اليابان، فقد اندفع الجنود السوفييت عبر الحدود، وكانوا يقتربون على مدار الساعة. هذا واقع - شيء واقعي مثل المغسلة وفرشاة الأسنان اللتين يراهما أمامه. أعطاه صوت نفير الفيلين بعض الإحساس بالراحة. آه. نعم. الفيلان باقيان. قال البيطري لنفسه وهو يغسل وجهه: لحسن الحظ، كان للضابط الشاب المسؤول عن مهمة الأمس ما يكفي من الحساسية البشرية، ولم يدرج الفيلين في القائمة. منذ قدومه إلى منشوريا، قابل عددا من الضباط الشباب المتعصبين والمتزمتين، وكانوا من بلده، وجعله احتكاكه معهم دائما يرتجف. معظمهم كان من أبناء المزارعين الذين أمضوا سنوات شبابهم في فترة الثلاثينيات الكئيبة، مغمورين بمآسي المجاعة وجنون المشاعر القومية تطرق في جماجمهم.  يتبعون أوامر الرؤساء بدون تفكير  مهما كانت قاسية. وإذا تلقوا أمرا باسم الإمبراطور، ليحفروا نفقا في الأرض حتى البرازيل، يحملون الرفش ويباشرون العمل. بعض الناس يسمون ذلك "نقاء"، ولكن لدى البيطري كلام آخر. باعتبار أنه ابن طبيب متحضر، وتلقى علومه في جو يابان العشرينيات الليبرالي نسبيا، لم يستوعب كلام أولئك الضباط الشباب. إطلاق النار على زوج من الأفيال مهمة أسهل من حفر الأرض حتى البرازيل، لكن ملازم الأمس، ومع أنه يتكلم بلهجة ريفية بسيطة، يبدو شخصا طبيعيا بالمقارنة مع باقي الضباط. فهو مثقف على نحو أفضل، وأكثر تعقلا. وأمكن للبيطري أن يشعر بهذا من طريقة كلام الشاب، وتصرف على هذا الأساس. في كل حال لم يقتل الفيلان، وقرر البيطري أنه ربما يجب أن يكون ممتنا لذلك. وعلى الجنود أيضا أن يفرحوا لأنهم أعفوا من هذا الواجب. لكن من الممكن أن العمال الصينيين أسفوا لإلغاء المهمة، لأنه فاتهم الكثير من اللحوم والعاج. وضع البيطري ماء في الغلاية، ونقع لحيته بمنشفة حارة، وحلقها. ثم تناول إفطاره بمفرده، شاي وخبز محمص وزبدة. كانت حصص الطعام في منشوريا غير كافية، ولكن بالمقارنة مع تلك في أماكن غيرها، لا تزال سخية. وهذه أخبار طيبة له وللحيوانات. كانت الحيوانات تبدي الاشمئزاز من حصص غذائها المقننة، ولكن الوضع هنا أفضل من حديقة الحيوانات في اليابان ذاتها، فالتموين الغذائي انخفض حتى الدرك الأسفل. ولا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل، ولكن حاليا، على الأقل، كل من البشر والحيوانات، معفيون من الجوع المفرط. تساءل كيف هي حال زوجته وابنته. فقد غادرتا إلى اليابان قبل أيام، وإذا سار كل شيء حسب الخطة، لا بد أن قطارهما بلغ الساحل الكوري في هذا التوقيت. هناك ستستقلان العبارة التي ستحملهما إلى اليابان. افتقد الطبيب رؤيتهما حين استيقظ في الصباح. وافتقد سماع صوتيهما المحببين وهما تعدان إفطارا. خيم على البيت هدوء أجوف. لم يعد هذا البيت مسكنه المحبب، ولا المكان الذي ينتمي له. وفي نفس الوقت، لم يعد بإمكانه أن لا يشعر بمتعة غريبة ما لأنه أصبح وحده في هذا المسكن الرسمي الفارغ. حاليا بمقدوره أن يشعر بقوة القدر العاتية تتسلل إلى عظامه وبدنه. والقدر ذاته هو المرض الفتاك الذي يعاني منه البيطري. منذ أيامه الأولى، كان لديه وعي غريب وواضح  "أنني كشخص وفرد أعيش تحت رحمة قوة خارجية". وفي معظم الأوقات كانت قوة القدر تلعب به مثل صوت رتيب وهادئ  يلون أطراف حياته فقط. ونادرا ما كان يتذكره. ولكن بين حين وآخر يميل الميزان وتتضاعف القوة المسيطرة، وتلقي به في حالة تقارب الشلل. ويعلم من التجربة أنه مهما فعل أو فكر لن يبدل الحال. ليس لأنه مخلوق سلبي، والحقيقة أنه ذو عزيمة أكثر من غيره، ودائما يحقق ما عزم عليه. وفي مهنته، كان متفوقا أيضا: فهو بيطري بمهارات استثنائية، كان مربيا لا ينال منه التعب. ولكنه بالتأكيد ليس ضارا، بالمعنى الذي يستعمله كل الناس. يضاف إلى ذلك أنه لم يشك أبدا باستقلال قراراته التي يتخذها. ودائما كان يشعر أن القدر دفعه لاتخاذ قرارات تلائم قناعاته. في بعض الأحيان بعد أن يرضى آنيا عن قرار اتخذه بإرادته الحرة، يلاحظ أن قوة خارجية حسمت الأمور مسبقا، متنكرة على نحو ذكي بشكل الإرادة الحرة. مجرد طعم ألقي في طريقه ليخدعه ويجره إلى السلوك المقرر والمقصود. وكان يشعر كأنه رئيس دولة فخري لا يزيد عمله عن وضع الخاتم الملكي على وثائق بأمر من بلاط يمسك بزمام السلطة الحقيقية في هذا المجال، مثل إمبراطور مانشوكو، هذه الإمبراطورية الدمية. والآن وبعد أن أصبح البيطري مهجورا في مسكنه في حديقة الحيوانات صار بمواجهة قدره بمفرده. والقدر، قوة القدر العاتية، تؤرجح هنا - لا جيش كوانتونغ فقط، ولكن الجيش السوفييتي، وقوات الشيوعيين الصينيين أو الكومينتانغ. أي شخص يسعه رؤية أن القدر هو المسيطر هنا، وأن الإرادة الفردية ليس لها اعتبار. والقدر هو الذي أنقذ الفيلين ودفن في اليوم السابق النمور والفهود والذئاب والدببة. ماذا سيدفن الآن، وماذا سينقذ؟. هذه أسئلة لا يمكن أن يجيب عليها أحد.

غادر البيطري مسكنه لتحضير وجبة الصباح. وافترض أن أحدا لن يأتي للعمل بعد الآن، ولكنه وجد صبيين صينيين بانتظاره في مكتبه. لم يتعرف عليهما. كانا بالثالثة عشرة والرابعة عشرة من العمر. ببشرة داكنة ونحيلين، وبعيون حيوانية متحركة. قال أحد الصبيين: "طلبوا منا مساعدتك". هز الطبيب رأسه. سألهما عن اسميهما، ولكن لم يردا. بقي وجهاهما بدون تعبير، كما لو أنهما لم يسمعا الجواب. من الواضح أنه أرسلهما العمال الصينيون الذين عملوا هنا حتى اليوم السابق. من المحتمل أن أولئك الأشخاص أنهوا أي تواصل مع اليابانيين، بانتظار النظام الجديد، ولكن افترضوا أن الأولاد لن يعاقبوا. وتم إرسال الصبيين كإشارة على النية الطيبة، والعمال يعلمون أنه لن يستطيع رعاية الحيوانات وحده. قدم البيطري لكل ولد منهما قطعتي بسكويت، ثم طلب منهما العمل على مساعدته في إطعام الحيوانات. قادا من قفص إلى قفص عربة يجرها بغل، وقدما لكل حيوان طعامه الخاص وبدلا ماء الأقفاص. أما تنظيف الأقفاص فقد كان خارج أي نقاش،  وأفضل ما أمكنهما القيام به هو رش ماء الخرطوم بسرعة لغسل الروث. بدآ العمل في الثامنة وانتهيا في العاشرة. وشعر البيطري بالإنهاك من العمل العضلي. فعاد إلى المكتب وأبلغ مدير الحديقة أن الحيوانات تلقت غذاءها. وقبيل الظهيرة، عاد الملازم الشاب إلى حديقة الحيوان يقود نفس العساكر الثماني الذين أتى بهم في اليوم السابق. بكامل عتادهم ثانية، ساروا والقرقعة المعدنية يمكن سماعها من مسافة بعيدة قبل وصولهم. كانت قمصانهم مسودة من العرق. والجنادب تصفر بين الأشجار، كما هو حالها في الأمس. ولكن اليوم لم يحضر الجنود لقتل الحيوانات. حيا الملازم المدير وقال له: "نريد أن نلم بواقع الحديقة الراهن وإمكانية استعمال العربات لنقل الحيوانات". أخبره المدير أن في الحديقة بغلا واحدا وعربة واحدة بالضبط. وأضاف: "قدمنا جرارنا الوحيد وحصانين منذ أسبوعين". هز الملازم رأسه وأعلن أنه يصادر حالا البغل والعربة، بأمر من قيادة جيش كوانتونغ.

تدخل البيطري بقوله: "انتظر لحظة. نحن بحاجة لها لإطعام الحيوانات مرتين في اليوم. كل العمال المحليين اختفوا. وبدون تلك العربة والبغل، ستجوع حيواناتنا حتى الموت. وحتى بهما نتدبر أمرنا بصعوبة".

قال الملازم بعينيه الحمراوين ووجهه المغطى بلحية خفيفة: "جميعنا نتدبر أمورنا بمشقة يا سيد. والأولوية للدفاع عن المدينة. يمكنك أن تحرر الحيوانات من أقفاصها إن لزم ذلك. فقد انتهينا من المفترسات الخطيرة. والبقية لا تشكل خطرا على الأمن. وهذه أوامر عسكرية يا سيد. وعليك أن تتصرف كما ترى أنه مناسب".

اختصر الملازم النقاش، وجعل رجاله يستولون على البغل والعربة. وبعد انصرافهم، تبادل المدير والبيطري نظرة. ثم رشف المدير من شايه، وهز رأسه، ولزم الصمت. بعد أربع ساعات، عاد الجنود مع البغل والعربة، وغطاء من القماش الرخيص الأسود يغطي المحتويات المكومة في العربة. كان البغل يلهث، والرغوة على عصابته بسبب حر ما بعد الظهيرة، وثقل الحمولة. قاد الجنود أربع رجال صينيين أمامهم بواسطة الحراب، وكان الرجال من الشباب، ربما في العشرينات، ويرتدون بذات بيسبول وأيديهم مكبلة وراء ظهورهم. وعلى وجوههم علامات زرق وسود ومن الواضح أنهم تلقوا الضرب المبرح. والعين اليمنى لأحدهم منتفخة وتقريبا مغلقة، والشفتان المتورمتان لدى آخر بقعت قميص البيسبول بلون أحمر ناصع. ولم تحمل صدور القمصان كلمات، ولكن عليها مستطيلات صغيرة حيث تم تمزيق رقعة الاسم. وكانت الأرقام المدونة على ظهورهم هي 1،4، 7 و9. لم يتمكن البيطري من تخيل لماذا، في وقت كارثي، يرتدي أربع رجال صينيين بذات بيسبول أو لماذا تعرضوا للضرب القاسي وجرتهم القوات اليابانية إلى هنا. كان المشهد يبدو كأنه شيء لا ينتمي إلى هذا العالم، أو لوحة رسمها مريض مختل عقليا. سأل الملازم مدير الحديقة إن كان لديه أي جاروفة أو رفش يمكن استعمالها. كان الضابط الشاب يبدو أكثر شحوبا وتعبا من قبل. قاده البيطري مع رجاله إلى كوخ الأدوات الموجود وراء المكتب. اختار الملازم لرجاله جاروفتين ورفشين. ثم طلب من البيطري أن يرافقه، وترك رجاله هناك، وسار إلى دغل وراء الطريق. تبعه البيطري. حيثما سار الملازم، كانت نطاطات تهرب. وفاحت رائحة العشب الصيفي في الجو. اختلط صوت الجنادب المصم للآذان مع نفير الفيلين، بين حين وآخر، ثم أصبح ذلك يبدو كأنه صوت تحذير  من مسافة بعيدة. تابع الملازم تقدمه بين الأشجار بدون كلام، حتى وجد فتحة ما في الغابة. كانت المنطقة ممهدة لبناء ساحة لصغار الحيوانات التي يمكن للأولاد أن يلعبوا معها. ولكن تأجلت الخطة بدون موعد نهائي، حينما ساء الوضع العسكري، وأخليت لتجهيز دائرة من الأرض العارية، وقد أضاءت الشمس هذا الجزء من الغابة كما لو أنها بقعة ضوء في مسرح. وقف الملازم في وسط الدائرة وتمعن في المنطقة. ثم ضرب الأرض بكعب بوطه وقال وهو يركع ويحفن قبضة من التراب: "سوف نعسكر هنا لبعض الوقت". رد البيطري بحركة تدل على الموافقة. لم يكن لديه فكرة لماذا عليهم أن يخيموا في حديقة حيوانات، وقرر أن لا يستفسر. هنا في هسين شينغ علمته التجارب أن لا يسأل عسكريا. الأسئلة لا تفيد وتغضبهم، وهم لا يقدمون أجوبة صريحة في كل حال. قال الملازم كأنه يكلم نفسه: "أولا نحفر حفرة كبيرة هنا". وقف وأخرج علبة سجائر من جيب قميصه. وضع سيجارة بين شفتيه، وقدم أخرى للطبيب، ثم أشعل الاثنتين بالثقاب. ركز كلاهما على التدخين لملء الصمت. ثم عاد الملازم ليحفر الأرض ببوطه. ورسم مخططا على الأرض، بعد ذلك محاه. وأخيرا سأل البيطري: "أين ولدت؟".

قال له: "في كاناغاوا. في بلدة تسمى أوفيونا، قرب البحر، على بعد ساعة أو اثنتين من طوكيو".

هز الملازم رأسه.

فسأله البيطري: "وأين ولدت؟".

بدل أن يرد، ضيق الملازم عينيه وراقب الدخان يصعد من بين أصابعه، قال البيطري لنفسه: كلا. لا يجوز أن تسأل رجلا عسكريا أسئلة. هم يحبون توجيه الأسئلة، لكنهم لا يقدمون جوابا. وحرفيا لا يتكرمون عليك بذكر الوقت.

قال الملازم: "هناك يوجد استوديو أفلام".

استغرق البيطري عدة ثوان ليفهم أن الملازم يتكلم عن أوفيونا. فقال: "صحيح. استوديو كبير. لكن لم أدخله".

ألقى الملازم بقايا سيجارته على الأرض ودهسها وقال: "أتمنى أن تنجح بالعودة. طبعا عليك عبور المحيط من هنا إلى اليابان. وربما سنموت جميعا هنا". احتفظ بعينيه على الأرض وهو يتكلم قائلا: "أخبرني يا دكتور. هل تخاف من الموت؟".

قال البيطري بعد دقيقة من التفكير: "أعتقد أنه يعتمد على طريقة الموت".

رفع الملازم عينيه، ونظر إلى البيطري كما لو أن فضوله استيقظ. كان من الواضح أنه يتوقع جوابا آخر. وقال: "أنت محق. هذا يعتمد على الطريقة التي تموت بها".

لزم الاثنان الصمت لبعض الوقت. وبدا الملازم كأنه موشك على أن يغط بالنوم هناك وهو واقف. كان من الواضح أنه منهك. طار نطاط ضخم على نحو استثنائي فوقهما كعصفور واختفى في كومة أعشاب بعيدة وهو يخفق بجناحيه. نظر الملازم لساعته وقال دون أن يوجه كلامه إلى أحد: "حان الوقت". ثم قال للبيطري: "أريد منك أن تبقى جاهزا لفترة. وربما أطلب منك أن تقدم لي صنيعا". وافق البيطري بحركة من رأسه. قاد الجنود السجناء الصينيين إلى الساحة في الغابة وفكوا وثاق أيديهم. رسم الجندي دائرة كبيرة على الأرض باستعمال عصا بيسبول، ورأى البيطري أن وجودها مع العسكري مجرد لغز آخر، ثم أمر العسكري السجناء، باليابانية، أن يحفروا حفرة عميقة بمساحة الدائرة.  بالجاروفات والرفوش بدأ الأربعة وهم بثياب البيسبول الحفر وبصمت. راقبتهم نصف الكتيبة اليابانية، بينما تمدد النصف الثاني تحت الأشجار. وبدا أنهم بحاجة ماسة للنوم، وما أن سقطوا على الأرض بكامل عتادهم حتى شرعوا بالشخير. أما الجنود الأربع الذين كانوا يقظين فقد تابعوا مراقبة عمليات الحفر بجوارهم،  والبنادق بحرابها المثبتة مرتاحة على أوراكهم، ليكونوا جاهزين لاستعمالها الفوري. وتناوب الملازم والجندي على مراقبة العمل واستراق سنة من النوم تحت الأشجار. واستغرق السجناء الصينيون الأربع أقل من ساعة في حفر حفرة بعرض اثني عشر قدما، وعميقة بما يكفي، فقد وصلت حتى أعناقهم. طلب أحد الرجال الماء، باليابانية. هز الملازم رأسه، وأتى عسكري بدلو مليء بالماء. شرب الصينيون الأربع الماء من الدلو وابتلعوه بمتعة واضحة. حتى شربوا تقريبا كل الدلو. وتبقعت ثيابهم ببقع سود من الدم والطين والعرق. وأجبر الملازم اثنين من الصينيين على جر العربة لتكون فوق الحفرة. سحب الجندي الغطاء الشمعي وبرز أربع رجال أموات مكومين فوق العربة. كانوا يرتدون نفس بذات البيسبول مثل السجناء، وكانوا أيضا صينيين بشكل واضح. وبدا أن النار أطلقت عليهم، فبذاتهم مبقعة بالدم الأسود. وشرعت ذبابات ضخمة تحوم فوق الجثث. بالنظر للدم الجاف، خمن الطبيب أنهم ماتوا من حوالي أربع وعشرين ساعة. أمر الملازم الصينيين الأربع الذين حفروا الحفرة أن يلقوا الجثث فيها. وبدون كلام، بوجوه معتمة، حمل الرجال الجثامين من العربة وألقوها في الحفرة، كل ميت على حدة. وحطت كل جثة على الأرض بصوت خبطة مكتومة. كانت الأرقام على ثياب الرجال الأموات 2 و5 و6 و8. وحفظها البيطري في ذاكرته. حالما أنهى الصينيون الأربع إلقاء الجثامين في الحفرة، ربط الجنود كل رجل بشجرة قريبة. ورفع الملازم معصمه ونظر إلى ساعته بتعبير كئيب. ثم عاود النظر ببقعة في السماء، لبعض الوقت، كأنه يبحث هناك عن شيء. وبدا مثل مدير محطة يقف على الرصيف وينتظر بلا أمل قطارا متأخرا. ولكن في الحقيقة كان لا ينظر نحو أي شيء. وكان يسمح بمرور بعض الوقت. وما أن أنجز ذلك، التفت إلى المجند وأعطاه الأوامر بطعن السجناء الأربع، رقم 1 و7 و9. واختير ثلاثة جنود فاتخذوا مواقعهم أمام ثلاثة صينيين. بدا الجنود شاحبين أكثر من الرجال المزمع قتلهم. وبدا الصينيون متعبين جدا ولا يأملون بأي شيء. قدم المجند لكل منهم سيجارة، لكن رفضوها. فأعاد سجائره إلى جيب قميصه. ذهب الملازم برفقة البيطري ليقف بعيدا عن بقية الجنود. وقال: "من الأفضل أن تشاهد هذا. فهذا أسلوب آخر للموت".

وافق البيطري بحركة من رأسه. وفكر الملازم أنه لا يقول لي ذلك. ولكنه يخبر نفسه.  بصوت هادئ شرح الملازم قائلا: "إطلاق النار عليهم أبسط وأكفأ طريقة لقتلهم، ولكن لدينا أوامر أن لا نبذر رصاصة واحدة - وبالتأكيد أن لا نهدر الرصاص على قتل الصينيين. علينا أن ندخر ذخيرتنا لقتال الروس. سنطعنهم بالحراب فقط، كما أفترض، ولكن هذا ليس سهلا كما يبدو. بالمناسبة يا دكتور هل علموك كيف تستعمل الحربة في الجيش؟".

أخبره البيطري أنه فارس بيطري ولم يتلق التدريب لاستخدام الحربة.

أشار الملازم نحو جذعه فوق المعدة قائلا: "حسنا، الطريقة الناجعة لقتل رجل بالحربة هكذا: أولا تطعن بها تحت الأضلاع هنا. ثم تحرك طرفها بدائرة كبيرة وعميقة داخله لتخلط الأعضاء. ثم تطعن بها نحو الأعلى لتثقب القلب. لا يمكنك أن تودعها فيه وتتوقع منه أن يموت. نحن الجنود تلقينا هذه التدريبات. الاشتباك يدا بيد باستعمال الحراب مكانها الهجوم الليلي وهي مفخرة الجيش الإمبراطوري، ولكنها أساسا أرخص من الدبابات والطائرات والمدافع،  وطبعا يمكنك أن تتدرب، إنما في النهاية ما تطعنه هو دمية من قش، وليس كائنا بشريا. الدمية لا تنزف ولا تصرخ أو تدلق أمعاءها على الأرض. هؤلاء الجنود لم يقتلوا عمليا كائنا واحدا بتلك الطريقة. ولا أنا".

نظر الملازم إلى المجند وأعطاه الأذن. نبح المجند بالأمر للجنود الثلاث، الذين أخذوا وضعية الانتباه. ثم تقدموا نصف خطوة ولوحوا بحرابهم، وسدد كل رجل بنصله على سجين واحد. أحد الشباب (رقم 7)، زأر بلغة صينية وبدت كأنها شتيمة، وبصق بشيء من التحدي، لكن لم تصل إلى الأرض، إنما سالت على مقدمة بذة البيسبول. ومع ثاني أمر، طعن العساكر الثلاث بحرابهم الرجال الصينيين بقوة هائلة. ثم كما قال الملازم حركوا حرابهم لبتر أعضاء الرجال الداخلية، وجروا رأس الحربة نحو الأعلى. لم تكن صرخات الصينيين مرتفعة جدا، ولكنها أقرب لبكاء عميق وليس صرخات، كما لو أنهم يلفظون بقايا الأنفاس المتبقية في أجسامهم من فتحة واحدة. سحب الجنود حرابهم وتراجعوا إلى الخلف. نبح المجند بأمره ثانية، وكرر الرجال الخطوات نفسها بالضبط كالسابق، وطعنوا، وحركوا الحراب، ودفعوها نحو الأعلى، وانسحبوا. تابع البيطري بصمت مخدر، مأخوذا بإحساس أنه ينشطر لنصفين. وأصبح بنفس الوقت، القاتل والمقتول. وأمكنه أن يشعر بكل من أثر الحربة وهي تدخل في جسم الضحية، والألم المصاحب لتقطيع أوصال أعضائه.  استغرق موت الصينيين أطول مما تخيل. نزفت أجسامهم مقطعة الأوصال على الأرض كميات كبيرة من الدم. ولكن حتى وأعضاؤهم ممزقة، تابعوا التلوي قليلا لفترة ملحوظة. استعمل المجند الأول حربته لتقطيع الحبال التي أوثقت الرجال بالأشجار، ثم طلب من الجنود الذين لم يشاركوا بالإعدام أن يساعدوا في جر الجثامين المتهاوية حتى الحفرة وإلقائها فيها. وصدرت عن هذه الجثامين طرقة كامدة، حال ارتطامها، ولكن الطبيب كان مضطرا ليشعر أن الصوت مختلف عن الذي صدر من الجثامين السابقة؟ ربما لأن هذه غير ميتة تماما. ولم يتبق الآن غير السجين الصيني الذي حمل رقم 4 على قميصه. مزق الجنود الثلاث بوجوههم الشاحبة أوراقا نباتية عريضة كانت عند أقدامهم، ونظفوا بها حرابهم الملوثة بالدم. ليس الدم فقط ولكن سوائل جسم غريبة اللون وأجزاء من اللحم الملتصق بالحراب.  احتاج الرجال لعدة أوراق لتعود الحراب إلى لمعانها المعدني الأصلي. تساءل البيطري لماذا ترك الرجل الوحيد رقم 4، حيا. ولكنه لم يزمع على توجيه أسئلة. أخرج الملازم سيجارة أخرى وأشعلها. ثم عرض سيجارة على البيطري، فقبلها بصمت، وبعد أن وضعها بين شفتيه، أشعل ثقابه. لم ترتجف يده، ولكن بدا أنها فقدت الإحساس، كما لو أنها مغلفة بقفاز سميك.

قال الملازم: "كان هؤلاء الرجال طلابا في مدرسة ضباط جيش مانشوكو. ورفضوا المشاركة في الدفاع عن هسين شينغ. وقتلوا اثنين من المدربين اليابانيين ليلة أمس وحاولوا الهرب. ألقينا القبض عليهم خلال دورية ليلية، وقتلنا أربعة منهم، وأسرنا الأربعة الآخرين. ولكن هرب اثنان في الظلام". حك الملازم لحيته براحة يده وتابع: "كانوا يحاولون الفرار  ببذات البيسبول. وأعتقد أنهم توقعوا أنه سيلقى القبض عليهم كهاربين من الخدمة إذا ارتدوا البذة العسكرية. أو لعلهم كانوا خائفين مما سيفعله بهم الشيوعيون لو وقعوا بالأسر وهم ببذة مانشوكو العسكرية. عموما كل ما توجب عليهم في ثكنتهم أن يرتدوا بالإضافة لثياب الضباط بذات فريق O.C.S للبيسبول. ولذلك مزقوا الأسماء وحاولوا الفرار مرتدين هذه. ولا أعلم إن كنت تعرف، أن للمدرسة فريقا قويا. واعتادوا أن يلعبوا مباريات ودية في تايوان وكوريا. أما ذلك الشاب" وهنا تحرك الملازم نحو الرجل المربوط بالشجرة وقال: "كان كابتن الفريق ورابع أعضاء الرمي. ونعتقد أنه الذي خطط للهروب، أيضا. كما أنه قتل المدربين بالعصا. وكان المدربان يعلمان بوجود مشاكل في الثكنات ولذلك لم يوزعا الأسلحة على الضباط التلاميذ إلا في حالة الطوارئ القصوى. غير أنهما نسيا عصي البيسبول. فتهشمت جمجمة كليهما.  ولعلهما ماتا فورا. هدفان مثاليان. وهذا هو العصا". وطلب الملازم من المجند أن يأتي بالعصا إليه. ثم قدمه للبيطري. أخذه الطبيب بيديه الاثنتين ورفعه أمام وجهه، بالطريقة التي يتقدم بها اللاعب من مربع الإطلاق. كان مضربا عاديا، ليس متقن الصنع، وخشنا ومن مادة غير مصقولة. وكان ثقيلا، ومستأنسا. والقبضة سوداء متعرقة. وهو لا يبدو كمضرب استعمل مؤخرا في قتل مخلوقين. وبعد أن قدر وزنه، أعاده إلى الملازم، فأرجحه عدة مرات بمرونة، كأنه خبير.

سأل الملازم البيطري: "هل تلعب البيسبول؟".

"طيلة أيام الطفولة".

"ولكنك كبرت الآن؟".

قال البيطري : "وتوقفت عن لعبة البيسبول". وكان على وشك أن يسأل: " وماذا عنك سيادة الملازم؟" لكنه ابتلع الكلمات.

قال الملازم بصوت جاف وهو ينقر على الأرض بطرف العصا: "أمرت أن أضرب هذا الشاب حتى الموت بنفس العصا التي استعملها. العين بالعين، والسن بالسن. بيني وبينك فقط. أعتقد أن الأمر كريه. ماذا يفيدنا قتل هؤلاء الشباب؟. لم يتبق لدينا طائرات، وليس لدينا بوارج حربية، وأفضل مقاتلينا أموات. منذ أيام وحسب نوع جديد من القنابل محت كل مدينة هيروشيما في جزء من الثانية. إما سنمحى من منشوريا أو نموت، وستعود الصين للصينيين مجددا. قتلنا ما يكفي من الصينيين، وإضافة بضعة جثث للعدد لن يصنع فرقا. غير أن الأوامر هي الأوامر. أنا جندي ويجب أن أتبع الأوامر. قتلنا البارحة النمور والفهود، واليوم علينا قتل هؤلاء الرجال. لذلك خذ نظرة جيدة يا دكتور. هذه طريقة أخرى للناس كي يموتوا. أنت دكتور وربما معتاد على السكاكين والدم والأحشاء. ولكن ربما لم تشاهد شخصا يضرب حتى الموت بعصا بيسبول".

أمر الملازم المجند الأول أن يأتي باللاعب رقم 4، الرامي الرابع، ويضعه على حافة الحفرة. مجددا قيدوا يديه وراء ظهره، ثم عصبوا عينيه، وجعلوه يركع على الأرض. كان شابا طويلا متين البنية، بذراعين ضخمتين، وهما بحجم فخذي معظم الناس. ودعا الملازم عسكريا شابا، وقدم له العصا. وقال: "اقتله بهذا". وقف العسكري بانتباه، وحيا قبل استلام العصا، ولكن ما أن أخذها بيديه حتى وقف هناك كأنه مخدر. وبدا أنه غير قادر على فهم فحوى ضرب صيني حتى الموت بعصا بيسبول.

سأل الملازم العسكري اليافع: "ألم تلعب البيسبول؟".

رد العسكري بصوت مرتفع: "كلا يا سيدي. أبدا".

كانت القرية المولود فيها وهي هوكايدو، وقرية منشوريا التي نشأ فيها، فقيرتين، ولا توجد فيهما عائلة يمكنها توفير رفاهيات البيسبول أو مضربه. وأنفق صباه يلعب في الحقول، ويصطاد ذبابة النار ويلعب لعبة المبارزة والعصي الخشبية. لكنه لم يلعب البيسبول في حياته، ولم يشاهد مباراة بيسبول. وكانت هذه أول مرة يمسك فيها بمضرب. علمه الملازم كيف يمسك المضرب، وعلمه أساسيات الأرجحة. وقدم له شرحا عمليا. وزمجر من بين أسنانه المتراصفة: "هل رأيت؟. المسألة كلها في الورك. تبدأ من الأرجحة الخلفية، وتنثني من أسفل خصرك. ثم يتبعك رأس المضرب بشكل طبيعي. هل تفهم؟ إذا ركزت كثيرا على أرجحة المضرب، ستؤدي ذراعاك كل العمل وتخسر قوتك. الأرجحة تكون من الوركين".

لم يظهر أن العسكري أدرك تماما تعليمات الملازم. ولكنه تخلى عن عتاده الثقيل، كما أمر، وجرب حركات المضرب لبعض الوقت. كان الجميع يراقبه. وضع الملازم يديه على يدي العسكري لمساعدته في ضبط قبضته. كان معلما جيدا. وقبل مرور وقت طويل، حرك العسكري يديه، بشيء من التعثر، ولكنه اخترق الهواء. ما ينقص العسكري الصغير من مهارة عوضه بقوة عضلاته، فقد أنفق أيامه في أعمال المزرعة.

قال الملازم وهو يمسح عرق جبينه بقبعته: "هذا جيد. حسنا. الآن حاول أن تفعلها بحركة قوية ونظيفة. لا تدعه يعاني".

وكان يريد أن يقول فعلا: "لا أريدك أن تفعل ذلك. مثلما أنت لا تريد. بحق الجحيم من يمكنه أن يفكر بشيء أحمق كهذا؟. قتل شاب بعصا بيسبول.. ". ولكن لا يسع الضابط أن يقول شيئا كهذا لرجل في الخدمة. اقترب العسكري من خلف الصيني معصوب العينين، الراكع على الأرض. وحينما رفع عصاه، ألقت الأشعة القوية لشمس الغروب ظله الطويل والكثيف على الأرض. فكر البيطري: هذا غريب جدا. الملازم محق: لم أشاهد رجلا يقتل بعصا بيسبول. رفع العسكري الشاب عصاه عاليا لفترة طويلة. ولاحظ البيطري طرفها يرتجف. أشار الملازم برأسه للعسكري. بنفس عميق لوح العسكري بالعصا نحو الخلف، ثم ضرب العصا بكل قواه على قفا رأس الطالب الضابط الصيني. كانت ضربة بارعة ومذهلة؛ فقد أدار وركيه تماماً كما علمه الملازم، وأصابت العصا  منطقة خلف أذن الرجل مباشرة، وتابعت الضربة مسارها حتى النهاية بدقة تامة. دوى صوت تهشم مكتوم بينما كانت الجمجمة تتفتت. أما الرجل نفسه، فلم يصدر عنه أي صوت؛  واستمر  جسده معلقاً في الهواء للحظة بوضعية غريبة، ثم سقط إلى الأمام. استلقى وخده على الأرض، والدم يتدفق من إحدى أذنيه، بلا حراك. نظر الملازم إلى ساعته، بينما واصل الجندي الشاب، وهو لا يزال ممسكاً بالمضرب، النظر في الفراغ وفمه مفتوح من الصدمة. كان الملازم شخصا يؤدي مهامه بكل حذق. انتظر دقيقة كاملة. وحينما تأكد أن الصيني لا يتحرك أبدا، قال للبيطري: "هل بمقدورك أن تخدمني وتفحصه لتتأكد أن مات حقا؟".

أومأ البيطري برأسه، ثم تقدم نحو المكان الذي يرقد فيه الشاب الصيني، وجثا على ركبتيه وأزال العصابة عن عينيه. كانت عينا الرجل مفتوحتين على وسعهما، وبؤبؤا العين متجهين نحو الأعلى، ودم أحمر قان ينزف من أذنه. وقد كشف فمه المفتوح قليلا لسانه الملتوي بالداخل. وأدى أثر الضربة إلى التواء رقبته بزاوية غريبة. وسال من منخري الرجل كتلة سميكة من الدم، وترك ذلك بقعا سوداء على الأرض الجافة. شقت ذبابة كبيرة طريقها إلى داخل أحد المنخرين لتضع بيوضها. وكانت متوترة للغاية. وللتأكد فقط، أمسك البيطري معصم الرجل وتلمس نبضه. لم يكن هناك نبض حيث يفترض أن يكون. فقد أنهى الجندي الشاب حياة هذا الرجل الضخم بضربة واحدة بالمضرب، وهي في الواقع أول ضربة له على الإطلاق. نظر البيطري نحو الملازم وأومأ برأسه، مشيراً إلى أن الرجل فارق الحياة دون أدنى شك. وبعد أن أتم المهمة الموكلة إليه، نهض ببطء واستعاد قامته الطويلة، وحينها خيل إليه أن حرارة الشمس الساطعة الكنعكسة على ظهره قد ارتفعت فجأة. في تلك اللحظة بالذات، اهتز اللاعب الصيني الشاب الذي يرتدي الزي رقم 4 وجلس كأنه استيقظ لتوه تماما. وبدون أدنى شك أو تردد ــ أو هكذا بدا الأمر لمن يشاهدونه ــ أمسك بمعصم الطبيب. حدث كل ذلك في لمحة عين. لم يستطع  البيطري أن يستوعب ذلك؛ فقد كان هذا الرجل ميتًا، وهو متأكد من ذلك. ولكن الآن، وبفضل آخر قطرة من الحياة وكانت تبدو كأنها جاءت من العدم، قبض الرجل على معصم  البيطري بقوة كماشة فولاذية. وكان جفناه مفتوحين إلى أقصى حد، وحدقتاه لا تزالان شاخصتين إلى الأعلى، ثم سقط إلى الأمام في الحفرة، وجر معه الطبيب. فسقط فوقه وسمع صوت أضلاع الرجل وهي تتحطم تحت ثقل جسده. ومع ذلك، استمر اللاعب الصيني في الإمساك بمعصمه. شاهد الجنود كل ما يحدث، لكن جمدهم الذهول فلم يفعلوا أي شيء سوى الوقوف والمشاهدة. استعاد الملازم رباطة جأشه أولا، وقفز إلى الحفرة. سحب مسدسه من جرابه، ووضع فوهته على رأس الرجل الصيني، وضغط على الزناد مرتين. دوت ضربتان حادتان متداخلتان، وانفتحت فجوة سوداء كبيرة في صدغ الرجل. فتلاشت حياته تمامًا، لكنه ظل يرفض تحرير معصم الطبيب. جثا الملازم على ركبتيه، وبدأ بيد واحدة، وهو يمسك بالمسدس، عملية مضنية لفتح أصابع الجثة واحدا بعد الآخر. استلقى البيطري في الحفرة، تحيط به ثماني جثث صينية صامتة ترتدي البيسبول. وفي أعماق الحفرة، بدا صفير الجندب مختلفًا تمامًا عما هو عليه فوق سطح الأرض. بمجرد أن تحرر البيطري من قبضة الرجل الميت، سحبه الجنود مع الملازم خارج القبر. جلس البيطري القرفصاء على العشب واستنشق عدة أنفاس عميقة، ثم نظر إلى معصمه؛ كانت أصابع الرجل قد تركت خمس علامات حمراء فاقعة. وفي ظهيرة ذلك اليوم القاسي من شهر آب، شعر البيطري ببرودة تغلغلت في أعماق جسده، وفكر قائلاً: "لن أتخلص من هذا البرد أبداً". فقد حاول ذلك الرجل حقاً، وبكل جدية، أن يأخذه معه إلى هو ذاهب. أمن الملازم المسدس وأودعه بحرص في جرابه. كانت هذه هي المرة الأولى التي يطلق فيها النار على إنسان، لكنه حاول ألا يفكر في الأمر؛ فالحرب ستستمر لفترة أطول على الأقل، والناس سيواصلون الموت، وبإمكانه تأجيل التفكير العميق حتى وقت لاحق. نظف كفه اليمنى المتعرقة ببنطاله، ثم أمر الجنود الذين لم يشاركوا في  الإعدام بردم الحفرة، بينما أسراب ضخمة من الذباب بدأت بالفعل تحوم على الجثث المكومة.  تابع الجندي اليافع الوقوف بمكانه حيث كان، وهو يقبض على المضرب. بدا وكأنه لا يمكنه السماح ليديه أن تفلته. تركه الملازم والجندي الأول لشأنه. كان كأنه يراقب تلك السلسلة الغريبة من الأحداث: الصيني «الميت» الذي أمسك فجأة بمعصم البيطري، سقوطهما في القبر، تدخل الملازم لينهي الأمر، والآن ردم الجنود الآخرين للحفرة. لكنه في الحقيقة لم يكن يراقب شيئا من ذلك؛ بل يستمع إلى طائر كان في مكان ما فوق شجرة ويصدر صوتاً يشبه «كراك! كراك!» كأنه يلف نابضا. رفع الجندي بصره محاولاً تحديد مصدر الصياح، لكنه لم يجد أي أثر للطائر الذي يلف النابض، وشعر بغثيان طفيف في مؤخرة حلقه. وبينما هو يصغي للنابض الذي يدور، رأى  صوراً ممزقة تتوالى أمامه ثم تتلاشى: فبعد أن ينزع السوفييت سلاح اليابانيين، سيسلم الملازم إلى الصينيين ويعدم شنقا لأنه مسؤول  عن هذه الإعدامات. أما الجندي الأول سيموت بالطاعون في معسكر اعتقال في سيبيريا؛ وسيحتجز في كوخ للحجر الصحي ويترك هناك حتى الموت، رغم أنه في الواقع مرض من سوء التغذية فقط، ولم يصب بالطاعون، ليس قبل احتجازه في ذلك الكوخ على الأقل. أما  البيطري سيلقى حتفه في حادث بعد عام من الآن؛ وبصفته مدنياً، سيعتقله السوفييت بتهمة التعاون مع الجيش، ويرسلونه إلى معسكر آخر في سيبيريا للأعمال الشاقة، حيث سيغرقفي بئر  عميق لمناجم الفحم الحجري رفقة جنود كثيرين بعد الفيضان. وفكر الجندي الشاب والمضرب بين يديه: "وماذا عني أنا؟"، لكنه لم يستطع رؤية مستقبله، بل لم يستطع حتى استيعاب حقيقة ما يدور أمام عينيه. فأغمض عينيه، وأنصت لصياح الطائر الذي يلف النابض. وفجأة، فكر في المحيط؛ ذلك المحيط الذي رآه وهو على متن السفينة التي أتت به من اليابان إلى منشوريا قبل ثماني سنوات. لم يكن قد رأى المحيط من قبل، ولم يره منذ ذلك الحين. كان لا يزال يتذكر رائحة الهواء المالح؛ فالمحيط من أعظم الأشياء التي رآها في حياته، أكبر وأعمق من أي شيء تخيله. كان يغير لونه وشكله وتعبيراته وفقاً للوقت والمكان والطقس، الأمر الذي أثار حزنا عميقا في قلبه، وفي الوقت نفسه منحه الطمأنينة والراحة. هل سيراه مرة أخرى؟ أرخى قبضته وترك المضرب يسقط على الأرض، فأحدث صوتاً جافاً عند ارتطامه بالتراب. وبعد أن فارق المضرب يديه، شعر بزيادة طفيفة في غثيانه. واستمر الطائر الذي يلف النابض في صياحه، لكن لم يستطع أحد آخر سماعه.

***

.......................

*ترجم القصة عن اليابانية جاي روبن. ونشرتها النيويوركير في عدد 20 كانون الثاني 1997.

*تمت الاستعانة جزئيا ببرامج الذكاء الصناعي

بقلم: شيموس هيني

ترجمة: نزار سرطاوي

***

أتعبُ من التقاء

الناس الرائعين،

تلك النفوسِ الوضيئةِ

التي تجعل من هذه الكرة الصغيرة،

مكانًا نتعلّق به.

أتعبُ من معرفة

إنجازاتهم

من شخصياتهم،

من تأثيرهم

على أولئك الذين التقوا بهم،

أولئك

الذين أحبوهم.

أتعب من التوصّلِ إلى هذه الاكتشافات،

من معرفة هذه

النفوس ذات المكانة العالية

حين يكون قد فاتتني

فرصةُ

أن أصافح أيديهم، أن أتبادل معهم الحديث،

أن أسمع أصواتهم

أن أشاهد مواهبهم،

بينما هم يستنشقون الهواء عينَهُ،

في المكان عينِهِ

الذي أقيم معهم فيه.

اتعبُ من العيش

ومعرفةِ تلك الحيوات

التي عاشوها

بعد أن توقفوا عن الكينونه.

أتعب.......

***

....................

I Tire

Seamus Heaney

I tire of meeting

Amazing people,

those luminous souls

that make this tiny ball,

a place to cherish.

I tire of learning of

their accomplishments

of their personalities,

of the effect they had

on those they met,

those

they loved.

I tire of making these discoveries,

of learning of these

treasured souls

when it is far too late

for me to ever have the chance

to shake their hands,

to share a word,

to hear their voice

to witness their gift,

while they draw in the same air,

in the same space that

I inhabit with them.

I tire of living

and learning of those lives

most lived

after they have ceased to be.

I tire.......

......................

ولد الشاعر والكاتب المسرحي والمترجم والمحاضر الأيرلندي اشيموس هيني في مقاطعة ديري، أيرلندة الشمالية في 13 نيسان / إبريل عام 1933 لعائلة تعمل في الزراعة.  حصل على منحة للدراسة قي كلية سانت كولمب في ديري، حيث بدأ بممارسة العمل الأكاديمي، مما مكّنه أن يعمل في جامعة كوينز في بلفاست، حيث كتب أولى مؤلفاته الشعرية. ومن هناك انطلق ليعمل استاذًا للبلاغة والخطابة في هارفارد وأستاذًا للشعر في أكسفورد.

تعتمد شهرة هيني إلى حد كبير على الموضوعات التي عالجها، والتي تتعلق بأيرلندا الشمالية الحديثة بمزارعها وريفها ومدنها التي يسودها الصراع، وبثقافتها واللغة التي يسيطر عليها الحكم الإنجليزي. فقد تناول هيني المشاكل أو الصراعات السياسية التي عصفت بالبلاد، إذ كانت كثيرًا ما تتسم بالعنف. وقد حاول الشاعر أن يرى هذه المشاكل في سياقها التاريخي من منظور إنساني .

أصدر هيني العديد من الدواوين الشعرية، منها موت رجل واقعيّ (1966)، باب نحو الظلام (1969)، الخروج شتاءً (1972)، الشمال (1979)، قصائد مختارة 1965 – 1975 (1980)، قصائد مختارة جديدة 1966 – 1987 (1990)، تخيُّل  أشياء (1991)، الضوء الكهربائي (2001)، المنطقة والدائرة (2006)، سلسلة بشرية (2010).

حصل هيني على العديد من الجوائز، وكان أهمها جائزة نوبل للآداب عام 1995.

توفيَّ هيني في أواخر شهر آب / أغسطس 2013

بقلم: فردريك نيتشه

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

1 - شجرة الصنوبر والبرق

سامقة أنا

أكثر من الإنسان والحيوان

ناطقة أنا

و لكن دون أن يتحدث معي

أي أحد

فقط سمقت

لأترقب في أعنان

السماء

و لكن ما الذي

أترقبه؟

قريب هو بلاط

العنان

أترقب البرق

ليمرق .

***

2 - النباهة الدنيوية

لا تظل في السهول

المنبسطة

و لا ترتفع في سيرك

كثيرا

فسوف تبدو لك الدنيا

أكثر جمالا

و أنت في المنتصف .

***

3 - نغمة

هي ذي الريح

تنقر زجاج النافذة

بخفوت

و قد ارخى الليل سدوله

وهو ذا الهطف

يسجم في حجرتي

إنه حلم سعدي

طفق يفتش في فؤادي

كالريح

إنها نسمة طلعتك

تحتل فؤادي

كالهطف .

***

....................

- فردريك نيتشه: هو الفيلسوف الألماني الكبير والشاعر المبدع، صاحب مذهب (قوة الإرادة)، والقائل بأن الحياة ليست غير تنازع البقاء وبقاء الأصلح عملا بمذهب التطور، ومن أجل الوصول إلى الإنسان الأعلى .

- ولد في مدينة (روكن) في بروسيا في 15 – 10 – 1844 وترعرع في كنف أسرة متدينة، فقرأ الإنجيل حتى أسموه (القسيس الصغير) .

- تأثر ب (شوبنهور) و(بسمارك) و(ريتشارد فجنر) -

- وافاه الأجل عام 1900 . يقول عنه (ول ديورانت) في كتابه (قصة الفلسفة): (لا تجد عبقريا دفع ثمنا غاليا لعبقريته ما دفعه نيتشه)

: من كتبه -

مولد المأساة من روح الموسيقى 1872

فجر اليوم 1881

الحكمة الفرحة 1882

هكذا تكلم زرادشت 1883

ما فوق الخير والشر 1886

تاريخ تسلسل الأخلاق 1887

- ترجم القصائد عن الفارسية السيد (فريدون أرشدي / سنة – إيران) . ونشرت الترجمة في العدد (39 / 1999) من مجلة (رامان) الصادرة باللغة الكردية .

- عن (من مشكاة الشعر: قصائد مختارة) للمترجم، دار بيشوا للطباعة والنشر، أربيل – العراق 2002 .

 

الصفحة 1 من 7

في نصوص اليوم