عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

قصة: ماري جيتسكيل

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

عُقدت دورة الكتابة وأعمال السكرتارية في غرفة صغيرة تقع في قبو مبنى إدارة الأعمال بالكلية المجتمعية المحلية. كانت المُدرسة سيدة مسنّة، ينساب شعرها في هالات كالغيوم حول صدغيها، وتُخبئ منديلًا ورقيًا في كمّ فستانها لغرض مستقبلي، ربما يرتبط بالأنف. كانت تحمل ساعة توقيت في يدها المرتجفة، وتميل بوركها بينما تنظر إلينا جميعًا بعينين صارمتين جليلتين، غير مكترثة لبروز بطنها. كانت الفتاة التي تجلس أمامي ذات خصلات شعر شقراء قصيرة ومجعدة تستقر بهدوء فوق كتفيها النحيفتين. وكانت خصلات منفردة تبرز بشكل مستقيم من رأسها في الطقس البارد والجاف.

كانت الحصة تستمر لمدة ساعتين مع استراحة مدتها عشر دقائق. خلال الاستراحة، كان الجميع يخرج إلى الممر للحصول على القهوة أو الحلوى من آلات البيع. كانت الفتيات يقفن في مجموعات ويتحدثن، بينما كان الشابان المُميزان في الطباعة يتمشيان ببطء في الممر، وأكتافهما منحنية، يحملان كوبيهما المصنوعين من الستايروفوم، وينظران عبر شقوق الضوء الساطعة في أبواب فصول إدارة الأعمال وهما يمران.

أما أنا، فكنت أتوجه إلى النافذة الكبيرة التي تطل على ساحة الانتظار، وأحدق في أضواء الشارع التي تضيء على غطاء محركات السيارات.

بعد انتهاء الحصة، كنت أعود إلى المنزل وأضع كتبي على طاولة غرفة الطعام بين بقايا العشاء: المناديل الملفوفة، وأكواب الماء، وقرص من الفاصوليا الخضراء موضوع على حامل القدر. وكان طبق والدي موجودًا دائمًا، مع عظام مقضومة وفلفل حار عليه. وكان يجلس في غرفة المعيشة مرتديًا قميص النوم الخاص به، وفي حضنه طبق من الآيس كريم وشعره منسدل. وكان يسألني: "كم عدد الكلمات التي قمت بكتابتها في الدقيقة الليلة؟"

لم يكن السؤال غير منطقي، لكن الطريقة المتوقعة والمضطربة التي طرح بها كانت مزعجة. عكست أسلوبه في التمسك بالتفاصيل التافهة وخوفه المهووس من أن ألقى مصير أختي. كانت تعمل منذ ثماني سنوات في دار لرعاية الأشخاص ذوي الإعاقات العقلية. ترتدي الجينز ومعطفًا عسكريًا طويلاً يوميًا أثناء الذهاب إلى العمل. وعندما تعود إلى المنزل، تصعد إلى غرفتها وتستلقي على سريرها. بين الحين والآخر، كانت تنزل لتمازحنا أو تشاهد التلفاز، ولكن ليس كثيرًا.

كانت أمي تأخذني في جولات بالسيارة للبحث عن وظائف. كنا نبدأ بتفحص الإعلانات في الصحيفة، نرسم دوائر سوداء ونضع علامات X. كانت الصحيفة المشوهة ترقد على طاولة الطعام مطوية بلون رمادي، ونحن نتجادل.

"أنا لست ودودة ولا اجتماعية. لن أجيب على إعلان يطلب شخصاً بهذه الصفات. سيكون ذلك غباءً."

"يمكنك أن تكوني ودودة. وأنتِ اجتماعية عندما لا تكونين منشغلة بانتقاد نفسك."

"أنا لا أنتقد نفسي. أنتِ فقط تريدين أن تعتقدي ذلك لتجدي شيئاً تتحدثين عنه."

"أنتِ تحشرين نفسكِ في زاوية،يا ديبي."

"أوه، تبا."

التقطتُ غلاف حلوى وبدأتُ أضغطه بطريقة عشوائية قبيحة. كانت يداي حمراوين وخشنتين. لم يكن يهم كم المرطب الذي أستخدمه عليهما .

"هيا، نحن نبدأ بطريقة خاطئة."

"اصمتي."

عقدت والدتي ساقيها. وقالت:

"حسنًا."

التقطت قسم "الحياة" من الجريدة ونفضته لتثبيته في وضع القراءة. أمالت رأسها إلى الخلف وأسدلت جفنيها. أصبحت شفتها العليا تحمل تعبيرًا عدائيًا بينما كانت تقرأ. التقطت كوب شايها الأخضر وارتشفت منه.

"أنا جديرة بالثقة. يمكنني الرد على إعلان لشخص جدير بالثقة."

"أنت كذلك."

وجدنا أنفسنا في السيارة. كانت أصابع قدميّ متورمة داخل الكعب العالي. استخدمت والدتي وأنا علبة المناديل المزينة بالأزهار الموجودة على لوحة القيادة، ووضعت كل منا المناديل المستعملة في كيس بني يستقربجاور نتوء في وسط السيارة. كان هناك الكثير من الزحام في كلا الاتجاهين. قدنا السيارة متجاوزتين محل "إيمي جوي" للكعك، ولا يزالون لم يعيدوا الحرف Y إلى كلمة إيمي فى اللوحة.

كانت محطتنا الأولى في "وندرلاند". كان هناك وظيفة في قسم الشؤون الإدارية في متجر "سيرز". كان الرجل هناك بأنف طويل يعكس عدم الرضا، وكان يضغط على يديه المتشنجتين في وسط مكتبه. فى معظم الوقت كان ينظر إلى يديه. قال إنه سيتصل بي، لكنني كنت أعرف أنه لن يفعل.

في طريق العودة إلى موقف السيارات، مررنا بمحل للحيوانات الأليفة. لم يكن فيه سوى الهامستر والأسماك وطيور صفراء منهكة. توقفنا ونظرنا إلى شرائح الأسماك التي تسبح في حوضها المليء بالماء الأخضر الكثيف. كنت قد زرت هذا المحل عندما كنت في العاشرة من عمري. كان المركز التجاري قد افتُتح للتو، وجئنا جميعًا لنتجول فيه. أختي، دونا، أرادت الدخول إلى محل الحيوانات الأليفة. كان الجو دافئًا ورطبًا للغاية داخل المحل، ورائحته كريهة تشبه رائحة الفراء والهامستر. وعندما خرجنا، بدا الجو باردًا. قلت إنني أشعر بالبرد، وخلعت دونا سترتها البيضاء المصنوعة من الجلد الصناعي ووضعتها حول كتفي، تاركة يدها على كتفي الأيسر للحظة. لم تلمسني هكذا من قبل، ولم تفعل ذلك منذ ذلك الحين.

كانت المحطة التالية مكتبًا لمعلومات الضرائب في مبنى مربع ذي حواف خضراء. أعطوني اختبار ذكاء كان يتضمن معظم الوقت أسئلة تهجئة وأسئلة من نوع "ما الخطأ في هذه الجملة؟". خرجت المرأة من مكتبها وهي تحمل اختباري وتبتسم. قالت: "حصلت على أعلى درجة بين كل من قابلتهم." أضافت: "أنتِ فعلاً مؤهلة أكثر من اللازم لهذه الوظيفة. لا يوجد أي تحدٍ. ستشعرين بالملل حتى الموت."

قلت: "أريد أن أشعر بالملل."

ضحكت وقالت: "أوه، لا أعتقد أن هذا صحيح."

تحدثنا حديثًا لطيفًا عن ما يبحث عنه الناس في وظائفهم، ثم غادرت.

قالت أمي: "حسنًا، آمل ألا تكوني متفاجئة بحصولك على أعلى درجة."

ذهبنا إلى المخبز الفرنسي على طريق "إيت مايل" واشترينا كعكات تُسمى "آذان الفيل". أكلناها مباشرة من الكيس ونحن نقود السيارة. شعرت براحة كبيرة لدرجة أنني كنت مستعدة لقضاء اليوم كله في القيادة حول المدينة.

ثم ذهبنا إلى مكتب محامٍ يقع على طريق "تليغرف"، وهو مبنى منخفض من الطوب البرتقالي، محاط فقط بساحة انتظار وبعض أشجار التنوب التي بدت وكأنها قد تم ترتيبها بعناية. انتظرتني أمي في السيارة، مبتسمة وهي تخرج لغز الكلمات متقاطعة، والابتسامة ما تزال تزين وجهها بينما تركز عينيها على الكلمات.

أما المحامي، فقد كان رجلاً قصير القامة ذا عينين لامعتين، وكتفين ثابتتين، وكأنها لا تتحركان. عندما صافحني، كانت يده تمتد لتقبض على يدي بشكل جاف وعدواني في آن واحد، شعرت وكأن بإمكانه أن يمد يده ويخترق صدري ليمسك بقلبى، ليضغط عليه قليلاً ثم يتركه. قال بصوت هادئ:

"تعالي إلى مكتبي."

جلسنا معًا، ووجه نظره إليّ دون أن يرمش. ثم قال:

"الوظيفة ليست بالكثير. لدي مساعد قانوني يتولى الأبحاث والعمل الميداني، وأعمال التدقيق تُنجز عبر وكالة. كل ما أحتاجه هو سكرتيرة أنيقة، تستطيع الحضور في الوقت المحدد والرد على الهاتف."

قلتُ بثقة: أستطيع أن أفعل ذلك.

قال بصوت هادئ: لكنها وظيفة مملة للغاية.

أجبته بابتسامة خفيفة: "أنا أحب الأعمال المملة"

حدق في وجهي، وغامت عيناه يغلفهما تفكير عميق.قال.

" هناك شيء ما فيك. أنت منغلقة، أنت متصلبة كأنك جدار."

" أعلم ذلك."

فاجأته إجابتى فأزيلت الغلالة عن عينيه. أمال رأسه للخلف ونظر إليّ، وعيناه اللامعتان تكشفان عن اهتمام جديد.

"هل تتخففين من صرامتكِ يوماً؟"

تشنجت أطراف فمي في محاولة لانتزاع ابتسامة.

"لا أعرف."

ثم شعرت بالعرق في يديّ.

اتصلت بي سكرتيرته، التي كانت على وشك مغادرة العمل فى المكتب، في اليوم التالي وقالت إنّه يرغب في توظيفي. كان صوتها هادئًا، محايدا، وخاليًا تمامًا من أي تعبير.

قال والدي."دورة الطباعة كانت مفيدة حقًا،" "لقد قمتِ باستثمار جيد." كان يدخل ويخرج من غرفة الطعام في حالة من الفرح المترقب، وهو يحمل كأس البيرة في يده. "مكتب المحاماة قد يكون مكانًا مثيرًا للاهتمام." رفع ذقنه وحك حلقه.

حتى دونا نزلت إلى الطابق السفلي وأعدت الفشار ووضعته في وعاء أصفر كبير على الطاولة للجميع. كانت تأكل بكسل، ويدها الكبيرة تتجول في الوعاء. "قد يكون الأمر جيدًا. قد يزور المكتب أشخاص مثيرون للاهتمام. حتى وإن كان المحامي نفسه ربما يكون وغدًا."

جلست أمي بهدوء، راضية عن دورها في مشروع إيجاد الوظيفة، تلتقط حفنات من الفشار بأصابعها وتضعها في فمها.

في تلك الليلة، وضعت ملابس عملي الجديدة على كرسي وجلست أنظر إليها. تنورة بنية، بلوزة بيج. كان هناك شيء يجذبني إلى قبحها البسيط، لكنني لم أكن أعرف كم من الوقت سيستمر هذا الشعور. نظرت إلى ظلالها الرمادية في ضوء الليل ثم استدرت نحو الزاوية المظلمة من سريري.

جعلني حماس عائلتي أنظر إلى الوظيفة بسخرية، بل تجاه أي جهد لفعل أي شيء، في الحقيقة. وسط هذا الحماس، بدا أن الخيار الأكثر حكمة هو التزام الجمود والتصرف بفظاظة. لكن في الصباح، أثناء تناولي البيض المسلوق مع الخبز المحمص، لم أستطع مقاومة شعور بالفضول والحماس. ومع مرور الوقت، تضاعف هذا الشعور وأنا أركب السيارة مع أمي متجهة إلى المبنى البرتقالي الذي يتلاشى في الأفق. شعرت وكأنني أحقق شيئًا ذا قيمة. كنت أرغب في النجاح وأداء المهمة بشكل جيد.

وعندما مررنا بمحل الكعك "إيمي جوي"، رأيت، من خلال جدار زجاجي، عمال بناء متوقعين يجلسون على مقاعد دوارة مصنوعة من الفينيل، يرتدون أحذية ثقيلة وسترات، ينتظرون القهوة وأكياس الكعك. راودتني أفكار عاطفية عن العمال وكرامة العمل البسيط التلقائي. شعرت بالرضا لأنني كنت أشبههم، إلى حد ما. بادلت أمي الابتسامة، ونزلت من السيارة، وقلت "شكرًا" عندما قالت لي "حظًا موفقًا".

قال المحامي: "حسناً، ها قد وصلتِ".

صفق بيديه القصيرتين المكتنزين وأحدث صوتاً عالياً.

"في الموعد المحدد. صباح الخير!"

بدأ المحامي بتدريبي منذ ذلك الحين واستمر في ذلك طوال الأسبوع. لم يأتِ أي أشخاص مثيرين للاهتمام إلى المكتب. في الواقع، حضر قليل جدا . خلال الأسبوع الأول، جاء ثلاثة فقط.

الأولى كانت امرأة متوترة في منتصف العمر، بقصة شعر غير متساوية، ترتدي حذاءً مطاطيًا أرجوانيًا للأطفال. جلست على حافة كرسي غرفة الانتظار، وقد جمعت حذاءيها المطاطيين معًا، وهي تعيد ترتيب محتويات حقيبتها.

أما الثانية، فكانت امرأة بدينة ترتدي فستانًا زاهي الألوان يشبه الكيس، وكانت عيناها الصغيرتان الجامحتان مصفرتين. حملت حقيبتها وكأنها سلاح.

أما الأخير، فكان رجلًا يجلس ويدير رأسه بقلق وكأنه يحاول فصله عن جسده. كان صوته يتعالى من داخل مكتب المحامي، وعندما غادر، خرج المحامي وقال: "إنه مجنون تمامًا"، وطلب مني كتابة فاتورة له بمبلغ خمسمائة دولار.

بدا كل من جلس في غرفة الانتظار غريبًا وغير مرحب به. كانوا جميعًا يتململون. حتى الكراسي القديمة الأنيقة والأرائك المنجدة الوثيرة بدت غريبة في حداثة غرفة الانتظار الجامدة. كان مكتبي الثقيل المصنوع من خشب البلوط يبدو غريبًا وهو يقف أمام جدار مغطى بالجص. أما النباتات الذابلة أمامي، فقد بدت ثقيلة الوزن بشكل مبالغ فيه بالنسبة للنباتات، على الرغم من أن إحداها كانت نبتة صغيرة ذات أوراق كثيفة.

استغربتُ أن يمتلك شخصٌ كالمحامي، الذي يبدو منظمًا ذهنيًا ومتزنًا، مكتبًا كهذا. لكنني شعرتُ بالراحة فيه. كان فوضويًا كعشٍّ من الخرق المتناثرة المُجمّعة بإحكام للتدفئة. قضيت أول أسبوعين في هدوء.. استمتعتُ برتابة الأيام، وتكرار الإجراءات، والتفاعلات المقتضبة والمهذبة بيني وبين المحامي. استمتعتُ بشعوري به وهو يفرض عليّ ثقته المفرطة بنفسه. كان يقول: "اكتبي هذا الخطاب"، فتتقلص مشاعري حتى تجد مفاهيم الإنجاز والإنتاج تعبيرًا لها في كتابة الرسالة. كنت أشعر أن لي دورًا مفيدًا.

كانت أمي تأتي لتقلّني كل يوم. عادةً ما نتوقف عند متجر المخبوزات قبل العودة إلى المنزل لنشتري رغيفًا من الخبز الفرنسي الأبيض، وبيرة، وسجق الكيلباسا لوالدي. وعندما نصل إلى المنزل، كنت أصعد إلى غرفتي، أخلع التنورة والبلوزة، وأرميهما على الأرض. ثم أزحف إلى سريري، وسط بطانياتي المبعثرة، بملابسي الداخلية والجوارب الطويلة، وأستمع إلى صراخ والدي على أمي حتى أغفو. كنت أستيقظ عندما تضرب دونا على بابي وتصرخ: "العشاء!"

كنت أنزل معها بعدها وأجلس إلى الطاولة. كنا جميعًا نشاهد الأخبار على التلفاز أثناء تناولنا الطعام. كانت أمي تبدو بملامح منكمشة وشاردة. أما والدي، فكان ينحني فوق طبقه مثل حيوان يلتهم طعامه.

بعد العشاء، كنت أصعد إلى غرفتي لأستمع إلى الأسطوانات، أكتب في دفتر يومياتي، أو ألعب "بارتشيزي" مع دونا حتى يحين وقت الاستعداد للنوم. كنت أنام كل ليلة وأنا أنظر إلى تمثال الكلب الخزفي الذي يُفترض أن يغيّر لونه إلى الوردي أو الأزرق أو الأخضر بحسب حالة الطقس، لكنه تحول إلى الرمادي فقط وثبت على كذلك.

كنت أسمع والدي في الحمام، وصوت المذياع المتقطع، وخرير المياه، وطنين الكأس وهو يوضع على الأرض، ثم صوت صرير الباب ونقرة خزانة الأدوية عندما يغلقها. كانت دونا تقف خارج بابي، تنتظر والدي ليخرج، تتمتم بكلمات مثل "تبًا" أو شيء من هذا القبيل.

عندما أستعيد تلك الأيام الآن، لا أفهم تمامًا لماذا شعرت بالرضا خلالها، لكنني شعرت بذلك بالفعل.

***

في اليوم الأول من الأسبوع الثالث، خرج المحامي من مكتبه، متوترًا أكثر من المعتاد، وعيناه تلمعان بنظرة غريبة، كأنها تتربص بي. كان يحمل إحدى رسائلي. وضعها على مكتبي، أمامي مباشرةً. قال:

"انظر إليها".

نظرتُ.

"هل ترين ذلك؟"

سألت:

"ماذا؟".

"هذه الرسالة تحتوي على ثلاثة أخطاء في الكتابة، أحدها، على ما أعتقد، خطأ إملائي."

قلت معتذرة:

"أنا آسفة."

قال:

"وليس هذا الخطأ الأول أيضًا. لقد كانت هناك أخطاء أخرى تجاهلتها لأنك كنت في أسابيعك الأولى. لكن هذا لا يمكن أن يستمر. هل تعرفين كيف تجعلينني أبدو أمام الأشخاص الذين يتلقون هذه الرسائل؟"

نظرت إليه فى ذهول. كان هناك كارثة مختبئة بين طيات ارتياحي على مدى الأسبوعين الماضيين، ولم يخبرني عنها حتى الآن. بدا الأمر غير عادل، لكن عندما فكرت في الأمر فهمت تردده، وربما حتى شعوره بالحرج من لفت انتباهي إلى شيء بهذه الدرجة من الإزعاج السخيف. قال:

"اكتبيها من جديد."

فعلت ذلك، لكنني كنت مضطربة للغاية لدرجة أنني ارتكبت المزيد من الأخطاء.قال لي:"أنت تضيعين وقتي"، وسلمها لي مرة أخرى. كتبتها بشكل صحيح في المرة الثالثة، لكنه بقي غاضبًا في مكتبه لبقية اليوم.

استمر هذا النوع من المواقف طوال الأسبوع. في كل مرة، كان غضب المحامي وعدم تصديقه يتزايدان. بالإضافة إلى ذلك، شعرتُ بشيءٍ آخر ينمو بداخله، وخيطٌ خفيٌّ يتسلّل من إحدى زواياه المظلمة، يُغذي شعورًا بأنه قد اكتشف شيئًا عني.

كنت مكتئبة جدًا بسبب الوضع. عندما كنت أعود إلى المنزل في المساء، لم أستطع النوم. كنت أستلقي هناك، أنظر إلى تمثال الكلب الرمادي، وأتخيل إجراء محادثة مع المحامي تشرح كل شيء وتوضح له أنني كنت أحاول بذل قصارى جهدي. كان يبدو وكأنه يعتقد أنني أرتكب الأخطاء عمدًا.

في نهاية الأسبوع، بدأ يشتكي من الطريقة التي أجيب بها على الهاتف. قال: "أنتِ مثل الآلة،" وأضاف: "صوتكِ وكأنكِ في منطقة الظلام. لا تفكرين عندما تردين على الناس."

عندما طلب مني أن أدخل إلى مكتبه في نهاية اليوم، ظننت أنه سيفصلني. كانت الفكرة تخفف عني، ولكنها كانت تخديرًا في ذات الوقت. . جلستُ، وحدّق بي بنظرةٍ مُتأملة، لكنها لطيفة، بالنسبة له. استند إلى كرسيه براحة، ويده مُتدلية من معصمه. ولدهشتي، بدأ يُحدّثني عن مشاكلي، كما يراها.

" أشعر أنكِ شخص لطيف جدًا ولكن معقد، لديك تقلبات مزاجية شديدة تخفينها. أنتِ تغلقين المنزل وتتصرفين وكأن لا أحد فيه."

قلت: "هذا صحيح، أفعل ذلك."

قال: "حسنًا، لماذا؟ لمَ لا تنفتح قليلًا؟ ربما يُحسّن ذلك من سرعة كتابتك."

فكرت أن ذلك ليس من شأنه حقًا.

قال: "عليك أن تحاولي التحدث أكثر. أعلم أنني صاحب عملك وأن علاقتنا رسمية، لكن لا تترددين في مناقشة مشاكلك معي."

كانت فكرة التحدث عن مشاكلي معه سخيفة. قلت:

"من الصعب التفكير في إجراء تلك المناقشة معك."

ترددت قليلاً.أضفت:

"لديك شخصية قوية و... عندما أواجه شخصية مثل هذه، أميل إلى التراجع لأنني لا أعرف كيف أتعامل معها."

كان واضحًا أنه سعيد بهذه الإجابة، لكنه قال:

"لا يجب أن تكوني خجولة هكذا."

عندما فكرت في هذه المحادثة لاحقًا، بدا من جهة أن هذا المحامي كان مجرد أحمق. من جهة أخرى، كانت تعليقاته غريبة لدرجة أنها أثرت فيّ وجعلتني أشعر بحساسية مفرطة. لم يسبق لأحد أن أدلى بمثل هذه التعليقات الشخصية لي من قبل.

في اليوم التالي ارتكبت خطأ آخر. بدا أن حميمية اليوم السابق جعلت الخطأ أكثر نفورًا بالنسبة له لأنه غضب أكثر من المعتاد. كنت أرغب في أن يطردني. كنت سأقترح ذلك، لكنني صمتّ فجأة. جلست وأخذت أحدق في الرسالة بينما كان يصرخ.

"ما الذي يجري معك؟!"

قلت."أنا آسفة"

وقف بهدوء للحظة. ثم قال:

"تعالي إلى مكتبي. وأحضري تلك الرسالة."

تبعته إلى مكتبه.

قال: "ضعي تلك الرسالة على مكتبي،"

فعلت.

" الآن انحني لكي تنظري إليها مباشرة. ضعي مرفقيك على المكتب ووجهك قريب جدًا من الرسالة."

بين الارتباك والحيرة، فعلت ما قاله.

"الآن، قومي بقراءة الرسالة لنفسك. استمري في قراءتها مرارًا وتكرارًا..."

قرأت:

"عزيزي السيد غارفي: أنا ممتنة جدًا لك لإحالتك..."

بدأ في ضرب مؤخرتي عندما قلت "إحالتك". والشيء الغريب هو أنني لم أكن حتى مندهشة. في الواقع، واصلت قراءة الرسالة، رغم أن فهمي لها لم يكن واضحًا. بدأت في البكاء عليها، مما جعل الحبر يتلطخ. كلمة "إهانة" تبادرت إلى ذهني بقوة لدرجة أنها حجبت كل الكلمات الأخرى. علاوة على ذلك، شعرت أن المفهوم الذي تمثله قد كان في الواقع قوة رئيسية في حياتي لفترة طويلة.

ضربني لمدة عشر دقائق تقريبًا، على ما أعتقد. قرأت الرسالة حوالي خمس مرات فقط، وذلك لأن الحبر أصبح ملطخا والكلمات غائمة لدرجة أنه لم يعد قابلًا للقراءة. عندما توقفت قال:

"الآن، قفي بشكل مستقيم واذهبي لكتابة الرسالة مرة أخرى."

ذهبت إلى مكتبي. أغلق باب المكتب خلفه. جلست، وتمخطت ومسحت وجهي. حدقت في الفراغ لعدة دقائق، بين الحين والآخر أركز على الإحساس بالوخز في مؤخرتي. كتبت الرسالة مرة أخرى وأدخلتها إلى مكتبه. لم يرفع رأسه عندما وضعتها على مكتبه.

عدت إلى الخارج وجلست، وأنا أخطط للغرق في حالة من البلادة من نوع ما. لكن عميلاً دخل، لذا لم أستطع. كان علي أن أتصل بالمحامي وأخبره أن العميل قد وصل. قال باقتضاب: "دعيه ينتظر."

عندما طلبتُ من العميل الانتظار، اقترب من مكتبي وبدأ يتحدث معي. قال:

"لقد جئتُ إلى هنا مرتين من قبل. ألا تعرفينني؟"

أجبتُ: "نعم، بالطبع".

كان رجلاً نحيفاً، يبدو عليه التوتر، في منتصف العمر، ذو يدين صغيرتين مضطربتين، وندبة باهتة تمتد على شفته وذقنه. لم تُضفِ عليه الندبة مظهراً قوياً؛ كان قلقاً للغاية لدرجة أنه لم يستطع إظهار ذلك.

قال: "لم أتخيل أبدًا أن يحدث شيء كهذا لي. لم أتخيل أنني سأكون في مكتب محام ولو مرة واحدة، والآن أنا هنا ثلاث مرات. ولم يتم إنجاز أي شيء على الإطلاق. كنت دائمًا أكره المحاميين."

بدا وكأنه يتوقع مني أن أغضب.

قلت:

" الكثير من الناس يشعرون بذلك."

"  كان الخيار إما هذا أو كنت سأطلق النار على أولئك الجيران الملعونين، وكان عليّ أن أبحث عن محامي ليدافع عني على أية حال. هل تعرفين القصة؟"

كنت أعرفها. كان يقاضي جيرانه لأن لديهم كلبًا "ينبح طوال اليوم اللعين". استمعت إليه وهو يتحدث. أدهشني كيف أعادت هذه المحادثة القصيرة رباطة جأشي بسرعة. بدا كل شيء طبيعيًا تمامًا عندما خرج المحامي من مكتبه لاستقبال العميل. لاحظت أنه كان يحمل رسالتي في يده.. وقبل أن يستدير ليصطحب العميل، ناولني إياها مبتسمًا" قال:  "رسالة جيدة"

عندما عدت إلى المنزل تلك الليلة، كان كل شيء على حاله. لم يتغير مسار حياتي بسبب ذلك الحدث، باستثناء زيادة طفيفة في المسافة بيني وبين عائلتي. حتى أن مؤخرتي لم تكن حمراء عندما نظرت إليها في مرآة الحمام.

لكن عندما استلقيت في الفراش وفكرت في الأمر، شعرتُ بإثارة شديدة. في الواقع، كانت إثارتي أشدّ من أي وقت مضى في حياتي. لم يُفاجئني ذلك أيضًا. شعرتُ بخدرٍ في جسدي؛ شعرتُ أنني لن أستطيع إجراء محادثة طبيعية مع أي شخص مرة أخرى. مارستُ العادة السرية ببطء، لأؤجل النشوة قدر الإمكان. لكن لم يحدث ذلك، على الرغم من محاولتي لفترة طويلة. ثم لم أستطع النوم.

تكرر الأمر مرتين أخريين خلال الأسبوع ونصف الأسبوع التاليين. في الأسبوع الذي يليه، عندما ارتكبتُ خطأً في الكتابة، لم يضربني. بدلًا من ذلك، طلب مني أن أنحني فوق مكتبه، وألقي نظرة على الخطأ المطبعي وأكرر "أنا غبية" لعدة دقائق.

لم تتغير علاقتنا فيما عدا ذلك. كان لا يزال نشيطًا وودودًا في الصباح. ولأنه بدا واثقًا من نفسه، لم أستطع إلا أن أتعامل معه كما لو كان لا يزال ذلك المدير المتسلط والودود في الوقت نفسه. مع ذلك، لم يدعني أبدًا لمناقشة مشاكلي معه مرة أخرى.

بدأت أحلم به بشكل متكرر. في أحد الأحلام، وهو الأكثر تكرارًا، كنت أسير معه في حقل من الخشخاش الأحمر الزاهي الكبير. كان اليوم رائعًا ودافئًا. كنا نبتسم لبعضنا البعض، وكان هناك شعور هائل بالراحة وحسن النية بيننا. نظر إلي وقال، "لقد فهمتك الآن، ديبي". ثم تشابكت أيدينا.

كان هناك وقت شعرت فيه بالانزعاج مما يحدث في المكتب. كان ذلك قبل العشاء مباشرة، وكان والدي منزعجًا بسبب شيء حدث له في العمل. كنت أسمعه يصرخ في غرفة المعيشة بينما كانت والدتي تحاول تهدئته. كان يصرخ: "أفضل العمل في السيرك!" في أحد تلك الأماكن حيث تضع رأسك في حفرة ويدفع الناس مقابل رمي القمامة عليك!

قالت أمي: "لم يعد أي سيرك يفعل ذلك الآن. توقف عن ذلك، شِيب."

عندما نزلتُ لتناول العشاء، كان كل شيء على ما يرام. نظرتُ إلى والدي وشعرتُ بمزيجٍ غريب من الحب والازدراء والذعر.

في المرة الأخيرة التي ارتكبت فيها خطأ مطبعيًا واستدعاني المحامي إلى مكتبه، حدث أمران غريبان. الأول أنه بعد أن انتهى من ضربي، طلب مني أن أرفع تنورتي. انتابني خوف شديد، تقلصت معدتي وارتفعت نحو صدري. أدرت رأسي وحاولت النظر إليه.

قال:

" أنت لست قلقة من أنني سأغتصبك، أليس كذلك؟  لا تقلقي. أنا لست مهتما بهذا على الإطلاق. ارفعي تنورتك.

أدرت رأسي بعيدًا عنه. فكرت، ليس عليّ أن أفعل هذا. يمكنني التوقف الآن. يمكنني أن أعتدل وأخرج. لكنني لم أفعل. رفعت تنورتي.

"انزعي جواربكِ الداخلية وملابسكِ الداخلية."

شعرتُ بغثيان شديد.

"لقد أخبرتك أنني لن أمارس الجنس معك. افعلي ما أقوله."

كان جلد وجهي وحلقي ساخنًا، لكن أطراف أصابعي كانت باردة على ساقيّ وأنا أنزل ملابسي الداخلية وجواربي. تشوّهت الرسالة أمامي لدرجة يصعب معها التعرّف عليها. ظننتُ أنني سأُغمى عليّ أو أتقيأ، لكنني لم أفعل. شعرتُ بدوارٍ يُعيقني، كالدوار الذي ينتابني في الأحلام حيث أستطيع الطيران، ولكن فقط إذا كنت في وضع غريب.

في البداية، بدا وكأنه لا يفعل شيئًا. ثم شعرتُ بنشاطٍ محمومٍ خلفي. تخيلتُ حيوانًا صغيرًا شرسًا يحفر التراب بجنونٍ بمخالبه وأسنانه الصغيرة. تناثر وحل ساخن لزج على وركيّ.

قال:

"اذهبي ونظفي نفسك، ثم أعيدي كتابة تلك الرسالة."

نهضتُ ببطء وشعرتُ بتنورتي تسقط على المادة اللزجة. فتح الباب بسرعة وخرجتُ من الغرفة، دون أن أرفع حتى جواربي الداخلية وملابسي، لأنني كنتُ سأذهب إلى الحمام على أية حال. أغلق الباب خلفي، وحدث الأمر الغريب الثاني. كانت سوزان، المساعدة القانونية، تقف في غرفة الانتظار وثمة نظرة غريبة على وجهها. كانت شقراء ترتدي كنزات قصيرة صوفية ومجوهرات ذهبية مقلدة حول رقبتها. في ألطف حالاتها، كان صوتها متذمرًا وجافًا. الآن، بالكاد تستطيع أن تقول مرحبًا. كانت شفتاها الممتلئتان مفتوحتين بشكل غريب.

قلت:

"مرحباً، لحظة من فضلكِ"

لاحظتْ ارتباكي في المشي بسبب جواربي الداخلية المتدلية.

ذهبت إلى الحمام ومسحت نفسي. لم أشعر بالحرج. بل شعرتُ وكأنني آلة. أردتُ التخلص من تلك المساعدة القانونية الغبية من المكتب لأعود إلى الحمام وأمارس العادة السرية.

أنهت سوزان مهمتها وغادرت. مارستُ العادة السرية. أعدتُ كتابة الرسالة. بقي المحامي جالساً في مكتبه طوال اليوم.

عندما جاءت أمي لاصطحابي بعد الظهر، سألتني إن كنتُ بخير.

"لماذا تسألين؟"

"لا أعرف، تبدين غريبة بعض الشيء."

"أنا بخير كعادتي."

" هذا لا يبدو جيداً يا عزيزتي."

لم أُجب. حركت أمي يديها على عجلة القيادة، تضغط عليها بقلق. قالت:

"ربما تودين المرور على المخبز الفرنسي وشراء بعض فطائر آذان الفيل".

"لا أريد أي فطائر آذان فيل".

كان صوتي حادًا بشكل غير متوقع، ويكاد يُبكيني.

قالت أمي:

"حسنًا".

***

عندما استلقيت على سريري لأخذ قيلولة، شعرت بجسدي كثيفًا وثقيلًا، وكأنني سأجد صعوبة بالغة في التحرك مرة أخرى، وهو ما كان جيدًا، لأنني لم أشعر بالرغبة في التحرك. عندما طرقت دونا بابي وصرخت "العشاء!" لم أجب. أدخلت رأسها وسألتني إن كنت نائمة، فأخبرتها أنني لا أشعر بالرغبة في تناول الطعام. شعرت بالخمول الشديد، وظننت أنني سأخلد إلى النوم، لكنني لم أستطع. بقيتُ مستيقظة على أصوات الجدال والتلفاز ودخول الجميع إلى الحمام. حلّ وقت النوم، وسمعتُ صوت فتح وإغلاق الأدراج، وارتطام الأبواب، وغرق والدي في النوم على أنغام الراديو. أشارت الأرقام البرتقالية على ساعتي إلى الواحدة والنصف. فكرتُ: يجب أن أخلع هذا الجورب وأرتدي ملابس داخلية. جلستُ ونظرتُ إلى الشارع الرمادي البارد. بدت الشجيرات على العشب المقابل متجمدة وبائسة. تذكرتُ تلك الفترة من العام الماضي حين لم أستطع النوم بسبب خوفي الدائم من اقتحام أحدهم المنزل وقتل الجميع. لكن مع مرور الوقت، زال هذا الخوف وعدتُ إلى النوم. استلقيتُ دون أن أخلع ملابسي، ولففتُ نفسي ببطانية خفيفة. فكرتُ: عاجلاً أم آجلاً، سأنام. كان علي فقط الانتظار.

لكنني لم أنم، على الرغم من أنني أصبحت مشوشة الذهن لفترات طويلة ومؤلمة. مرت ساعات، وتحولت الغرفة إلى اللون الرمادي. سمعت أصوات الصباح؛ صوت المرحاض، والسعال، وهمهمات دونا العدائية. في الماضي، كنت أستيقظ مبكرًا وأستلقي في السرير أستمع إلى عائلتي وهي تحاول جاهدةً تنظيم نفسها ليومها. غالبًا ما كانت أصواتهم تُشعرني بكراهية لا مبرر لها. أما هذا الصباح، فقد شعرت باليأس والشوق إليهم، واليقين بأننا لن نكون قريبين ما حييت. امتلأت جيبوبي الأنفية بالدموع التي لم تصل إلى عيني.

طرقت أمي الباب.

"عزيزتي، ألن تتأخري؟"

" لن أذهب إلى العمل. أشعر بالغثيان. سأتصل بهم."

"سأفعل ذلك من أجلك، فقط ابقي في السرير."

"لا، سأتصل. يجب أن أتصل بنفسي ."

لم أتصل. ولم يتصل المحامي بالمنزل. لم أذهب أو أتصل في اليوم التالي أو الذي بعده. لم يتصل المحامي أيضًا. لقد تألمت قليلاً بسبب عدم اتصاله، لكن ارتياحي كان أعظم بكثير من ألمي.

بعد أن مكثتُ في المنزل أربعة أيام، سألني والدي إن كنتُ قلقةً بشأن أخذ إجازة طويلة. أخبرته أنني استقلت، أمام دونا وأمي. كان مذهولًا. قال:

"لم يكن هذا تصرفًا حكيمًا. ماذا ستفعلين الآن؟"

قلت: " لا يهمني. كان ذلك المحامي وقحًا.".

بدأت في البكاء مما أثار انزعاج الجميع. غادرت الغرفة، وشاهدوني جميعًا وأنا أتوقف على الدرج.

في اليوم التالي أثناء العشاء قال والدي:

"لا تيأسي لأن وظيفتنا الأولى لم تنجح. هناك الكثير من الفرص الأخرى."

"لا أريد أن أفكر في وظيفة أخرى الآن".

كان الاستياء يخيم على المكان. قال أبي:

"هيا يا ديبي، لا تُضيّعي كل ما بذلتِ من جهد في دورة الطباعة".

قالت دونا:

"لا ألومها. لقد سئمت العمل مع هؤلاء الأوغاد"

قال والدي:

"يا إلهي! لو تركتُ كل وظيفةٍ عملتُ بها لهذا السبب، لكنتم جميعًا متّم جوعًا.   ربما كان هذا ما كان ينبغي لي أن أفعله".

قالت أمي: "ماذا حدث يا ديبي؟".

قلت: "لا أريد التحدث عن هذا"

ثم غادرت الغرفة مرة أخرى.

بعد ذلك، ربما شعروا، بحدسهم تجاه البؤس، أن شيئًا فظيعًا قد وقع. لذا قرروا أن يتركوني وشأني.

استلمتُ راتبي الأخير من المحامي عبر البريد. كان مرفقًا برسالة مطوية تقول: "أنا آسف جدًا لما حدث بيننا. لقد أدركتُ فداحة خطئي معكِ. أتمنى أن تتفهمي الأمر، وألا تُفاقمي الوضع المؤسف أصلًا بمناقشته مع الآخرين. مع أطيب التمنيات." وفي الختام، أكد لي أنه يُمكنني الاعتماد عليه للحصول على توصيات ممتازة. أرفق شيكًا بمبلغ ثلاثمائة وثمانين دولارًا، أي أكثر بقليل من مائتي دولار مما كان يدين لي به.

فكرت في تمزيق الشيك، أو إرساله مرة أخرى إلى المحامي. لكنني لم أفعل ذلك. كان مئتي دولار أكثر قيمة حينها مما هي عليه الآن. ومع الأموال التي كانت في حسابي البنكي، كانت تكفي لدفع دفعة أولى لشقة، مع بقاء بعض المال. صعدت إلى الأعلى وكتبت "380" في جانب الإيداع في كشف حسابي البنكي. لم أشعر بأنني عاهرة أو أي شيء من هذا القبيل. شعرت أنني أفعل الشيء الصحيح. نظرت إلى الرقم الإجمالي في رصيدي بمشاعر من الرضا. ثم نزلت إلى الطابق السفلي وسألتُ أمي إن كانت ترغب في شراء بعض فطائر أذن الفيل.

خلال الأسبوعين التاليين، نسيتُ فكرة العمل والانتقال من منزل والديّ. نمتُ نومًا عميقًا متجاهلة ضجيج الصباح حتى الظهر. استيقظتُ وتناولتُ حبوب الإفطار الباردة وشغّلتُ غسالة الصحون. شاهدتُ حلقات المسلسلات الكوميدية القديمة المملة على التلفاز. حللتُ الكلمات المتقاطعة. استلقيتُ على سريري ملفوففة ببطانية وغطاء ناعم، ومارستُ العادة السرية مرتين أو ثلاث أو أربع مرات متتالية، وأنا أفكر في الأمر طوال الوقت.

كنت لا أزال في هذه المرحلة عندما ألقى والدي الصحيفة تحت أنفي وقال: "هل رأيت ما الذي يفعله رئيسك القديم؟" كان هناك مقال صغير عن الانتخابات البلدية القادمة في ويستلاند. كان يترشح لمنصب العمدة. أخذت الصحيفة من يدي والدي الممدوتين لي. للمرة الأولى، شعرت بالاشمئزاز البسيط تجاه المحامي. كان ويستلاند لا شيء سوى مولات وأكشاك مخبوزات ومسرح قبيح ضخم مع بركان صناعي أمامه. أي نوع من الحمقى يريد أن يكون عمدة لويستلاند؟ مرة أخرى، تركت الغرفة.

في الأسبوع التالي، تلقيت مكالمة هاتفية. كان صوت رجل، صوت ناعم فضوليٌّ، ومواس.    قال:

" آنسة رو؟ آمل أن تسامحيني على هذه المكالمة غير المتوقعة. أنا مارك تشارمينج من مجلة ديترويت".

لم أرد على الفور. استمر الصوت بتردد أكبر.

"هل أنتِ متفرغة للحديث، آنسة رو؟"

لم يكن أحد في المطبخ، وكانت والدتي تشغل المكنسة الكهربائية في الغرفة المجاورة. أجبت:

"عن ماذا؟" .

" عن صاحب العمل السابق لك."

أصبح الصوت جادا قليلاً عند قوله لهذه الكلمات، ثم عاد بسرعة إلى نبرة المواساة.

"أرجو ألا تصابي بالدهشة أو الضيق. أعلم أن هذه المكالمة قد تكون مزعجة بالنسبة لك، ومن المؤكد أنها قد تبدو تدخلًا غير مريح."

توقف للحظة، كأنما ينتظر مني أن أضحك أو شيء من هذا القبيل. لم أفعل، فازداد الحذر في صوته.

"الموضوع هو أننا نعد تقريرًا عن صاحب العمل السابق لك في سياق ترشحه لمنصب العمدة. وللتعبير عن الأمر بشكل معتدل، نعتقد أنه ليس من المناسب له أن يترشح للمنصب العام. نعتقد أنه سيكون ضارًا جدًا لمنطقة ديترويت بأكملها. لديه سمعة سيئة جدًا، آنسة رو، وهذا قد لا يفاجئك."

كانت هناك وقفة أخرى حذرة لم أستغلها.

"آنسة رو، هل ما زلتِ معي؟"

"نعم."

" ما أريد أن أقوله هو أنه لدينا سبب للاعتقاد بأنك قد تكشفين معلومات عن صاحب العمل السابق لك قد تضر به. هذه المعلومات لن ترتبط باسمك أبدًا. سنستخدم اسمًا مستعارًا. سيتم حماية خصوصيتك تمامًا."

توقفت المكنسة الكهربائية، وخيّم الصمت من حولي، شعرتُ بانقباض في حلقي.

"هل تريدين وقتًا للتفكير فى الأمر يا آنسة رو؟"

"لا أستطيع التحدث الآن"، قلت ذلك وأغلقت الهاتف.

لم أستطع المرور عبر غرفة المعيشة دون أن تسألني أمي عمن كان على الهاتف، لذا نزلت إلى الطابق السفلي. جلست على الأريكة المترهلة، ملتفة حول نفسي، غير مبالية بالحشرات. أسندت ذقني على ركبتي وحدقت في صناديق كتب والدي القديمة وعلب دمى باربي البلاستيكية المكتظة بأدوات باربي التي اعتدت أنا ودونا اللعب بها على الشرفة الأمامية. برزت قدم وساق بيضاء متصلبة من علبة زرقاء سماوية، عاجزة ومتصلبة بشكل مثير للشفقة.

لسبب ما، تذكرت المرة التي أخذتني فيها أمي لرؤية طبيب نفسي قبل بضع سنوات. كان أحد الأسئلة البديهية التي طرحها عليّ: "ديبي، هل تشعرين أحيانًا وكأنك خارج نفسك، كما لو كنتِ تشاهدين نفسك من مكان آخر؟" لم أشعر بذلك حينها، لكنني أشعر به الآن. ولم يكن شعورًا سيئًا على الإطلاق.

النهاية.

***

......................

المؤلفة: ماري جيتسكيل / Mary Gaitskill (من مواليد 11 نوفمبر 1954)  كاتبة رواية ومقالة وقصة قصيرة أمريكية. ظهرت أعمالها في مجلة "نيويوركر"، مجلة "هاربر"، مجلة "إسكواير"، "أفضل القصص القصيرة الأمريكية" (1993، 2006، 2012، 2020)، وقصص جائزة أو. هنري (1998، 2008). تشمل كتبها مجموعة القصص القصيرة "سلوك سيء" (1988) ورواية "فيرونيكا" (2005)، التي تم ترشيحها لجائزة الكتاب الوطنية في فئة الرواية وجائزة دائرة نقاد الكتب الوطنية في فئة الرواية. ولدت جايتسكيل في ليكسينجتون، كنتاكي. عاشت في مدينة نيويورك، وتورونتو، وسان فرانسيسكو، ومقاطعة مارين، وبنسلفانيا، والتحقت بجامعة ميشيجان حيث حصلت على درجة البكالوريوس في عام 1981 وفازت بجائزة هوبوود. باعت الزهور في سان فرانسيسكو كمراهقة هاربة. قالت جايتسكيل إنها اختارت أن تصبح كاتبة في سن 18 لأنها كانت "غاضبة من الأشياء - كان ذلك الإحساس النموذجي للمراهق بأن 'الأشياء خاطئة في العالم ويجب أن أقول شيئًا.'"تزوجت من الكاتب بيتر تراختنبرج في عام 2001؛ ثم تطلقت في 2010. قامت جايتسكيل بالتدريس في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وجامعة هيوستن، وجامعة نيويورك، والمدرسة الجديدة، وجامعة براون، وجامعة سيراكيوز، وفي برنامج الماجستير في الفنون الجميلة بجامعة تمبل. وكانت قد شغلت سابقًا منصب كاتبة مقيمة في كليات هوبرت وويليام سميث وكليات باروخ. اعتبارًا من عام 2020، جايتسكيل هي أستاذة زائرة للأدب في كلية كليرمونت ماكننا.

إليسا ماسيا: قصائد من ايطاليا

 للشاعرة: إليسا ماسيا

ترجمة: د. كريم عبد الله

***

 دعِ السعادةَ تأتي

طلبت من الشمسِ أن تهديني شعاعًا، فجاءتني بالشمسِ كلِّها، لا بشعاعٍ واحد. أُحبُّ هذا الكرم، وما هو إلا بدايةٌ لتُعلنَ بها صدقَ حبِّكَ ونقاءَه.

وكتبتَ في رسالتكَ: "لم يَعُدْ شيءٌ مجرَّدَ سراب." فكلُّ ما سيحمله الفكرُ منذ هذه اللحظة، اعتبريه إرثًا لكِ، إلى أن يأتي اليوم الذي أصلُ فيه إليكِ ممتطيًا جوادي.

وقبل أن يُزهرَ الربيعُ كلَّ ثنيةٍ في روحكِ، ويغرسَ على وجهكِ بذورَ السعادة، ويمحو آخرَ أثرٍ لحزنٍ أو دمعة، سيأتيكِ من أقاصي البعد حبيبُكِ، وقد حوَّل الأحلامَ إلى حقيقةٍ مفعمةٍ بالفرح.

***

نظرة

إنَّ عينيكَ تترجمان، بجميع لغات الأرض، ذلك الفنَّ السامي المنقوش في روحك؛ التجلّي الحيّ للكتابة السومرية، من انعكاس الحروف المسمارية إلى الرسوم التصويرية العريقة، تلك الرسائل القادمة من أعماق آلاف السنين. ويدُك المباركة، بأصابعها الرشيقة المسترخية، كأنّها من نحتِ معلّمٍ عظيم، تستقرّ فوق أجفانٍ نصفِ مغمضة، كي لا تُفكَّ شيفرةُ ما يختبئ فيها ممّن يحاول التلصّص على خفايا المشاعر، أهي وليدةُ فرحٍ... أم ثمرةُ وجع؟ وشفتان مطبقتان ترسمان هيئةَ قلب، لكنّهما تخونان الحقيقةَ التي لا سبيل إلى إنكارها، والرغبةَ الجامحة التي لا يمكن كبحها، في الانطلاق أسرعَ من الريح. وحين يلتقي النور، يعثر الزمن، في جزءٍ من الثانية، على فرصةٍ لتنكشف الغيوم المعلّقة بخفّة، السريعة والعذبة، الحاملة لمطرٍ يبعث الحياة من جديد. ترتفع اليد... فيعود الصفاء بعد العاصفة، ويُعلن قوسُ قزح بشارةَ السلام.

***

الشِّعر

جالسًا على قممِ الصخورِ الشامخة، يرتقي نحو السماءِ ليكتبَ بأشعةِ الشمسِ على زرقةِ الأفق أبياتًا شعرية، تحملها الرياحُ فتتبدّدُ في أرجاءِ الكون، لتغدو بلسمًا شافيًا للروحِ المتألّمة. يمتطي الأمواجَ الرقيقةَ كما العاتية، فتداعبُ القلبَ وتسكّنُ روعَه حين تعصفُ به عاصفةٌ كارثية، حتى في وجهِ التسونامي الذي لا يُقهَر. الشعرُ سحرٌ يوحِّدُ الأرواحَ من غيرِ لقاء، عبر المكانِ والزمان، مكتوبٌ بحبرٍ لا يمّحي، كونيٌّ... ونبوئيّ. كلماتٌ تُداوي الجراح، صاغها أساتذةُ النقشِ والإبداع، فتستقطبُ الأرواحَ المتعاطفة، لتتساندَ، وتجدَ في بعضها البعض عزاءً وطمأنينة. يتحدّى لهيبَ الروحِ المتقدةِ بالحب، في النَّفَسِ الروحيِّ لشهيقِ الأرضِ وزفيرِها، ليغدو رمادًا للانبعاث، وتجددًا للروحِ المقدسة، واستقبالًا لعناقٍ جديدٍ ينبضُ بالصمود.

***

كريم عبد الله

بغداد - العراق

 

كلمات تهمس في اذن طفل تحت الحصار

بقلم: جوزيف فسانو

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

كلمات تهمس في اذن طفل تحت الحصار

كلا، لن نموت.

الأصوات التي تسمعها

تقرع النوافذ وتفتت الطلاء

من على السقف،

تلك لعبة يلعبها العالم.

مهمتنا ان نجثم في الظلام قدر ما نستطيع

ونعد دقات قلبينا.

جيد. هكذا. ضع يدك على قلبي

وسوف اضع يدي على قلبك.

الذي سيفوز بيننا

هو من يحب اللعبة أكثر

بينما هي تستمر.

اجل، انها ستستمر.

بإمكانك ان تستعمل اذنك بدلا من يدك.

هنا، على قلبي.

لماذا يدق أسرع؟ من اجلك. هذا كل ما في الأمر.

لطالما اردتك ان تولد

وكذلك أراد العالم.

كلا، ليست هذه آثار جِزم شخص غريب في المنزل.

اجل، انني هنا. نحن بأمان.

أ تتذكر الشطرنج؟

أ تتذكر الغميضة؟

الأغنية التي غنتها أمك؟ لنغن تلك الأغنية.

أمك لا زالت معنا، اجل. ولكن عليك ان تغني

دون ان تطلق صوتا. كان ذلك سيعجبها.

كلا، لم تكن تلك آثار جزم.

غنِّ. غنِّ بصوت اعلى.

تلك ليست آثار جزم.

تلك ليست صفارات انذار.

تلك ليست نيران.

أغمض عينيك. مثل الشطرنج. مثل الغميضة.

***

.......................

جوزيف فسانو: شاعر وروائي أميركي من مواليد عام 1982. تلقى تعليمه في جامعتي هارفرد وكولومبيا. ظهرت قصائده في عدد من الدوريات والمجلات المهمة في الولايات المتحدة وحازت مجموعته الشعرية الأولى وهي بعنوان "فيوغ لأيد أخرى" على جائزة مطبعة سيدر لعام 2011 كما رشحت بعد ذلك هي ومجموعاته الشعرية الأخرى لجوائز عديدة. من عناوين مجموعاته الشعرية: "ميراث" 2014؛ "فنسنت" 2015؛ "العبور" 2018؛ و"آخر أغنيات العالم" 2024.

قصة: ماري جيكتسيل

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

كانت تُدعى الآنسة بيترا كراستينسكي، أو ببساطة الآنسة كراستي بيتر. لكنها كانت لطيفة في ذلك الوقت. كانت أول سيدة أعجبت بها رغم أنها لم تكن جميلةً حقًا، لكنني مع ذلك أحببتها. كان لديها شعرًا داكنًا، خشنًا، لامعًا يتطاير لأعلى، وفكٌ بارزٌ كفك كلبٍ مقاتل، مع بعض البثور الصغيرة عليه التي بدَتْ لطيفةً، لا أعرف لماذا. لم يكن صدرها كبيرًا، لكنه كان بارزًا كالمخروط، وكان يجعلك ترغب في لمسه - انظر، حتى الآن أرفع يدي عندما أتحدث عنه، حتى الآن أتذكر خطوط حمالة صدرها وكيف بدَتْ تلك الحمالات مُزخرفةً بالدانتيل.

وكان لديها ساقان جميلتان. في الطقس الدافئ، كانت تظهر ساقيها عاريتين. كانت المدرسة مبنية بالطوب الأحمر، ولم يكن هناك مكيف هواء، فقط مراوح صاخبة، وكان الهواء كثيفًا كالشراب. أثناء وقت القراءة، عندما كنا نجلس على الأرض وتقرأ لنا من كتاب، كانت ترفع كاحلها ببطء على ركبتها لتفصل بين ساقيها الملتصقتين، وإذا جلستَ في المكان المناسب، كان بإمكانك أن ترى سروالها الداخلي. أحد الكتب كان عن رجل مع كلابه في الغابة ليلًا في الشتاء، وكانوا محاطين بالذئاب؛ كانت هناك ذئبةٌ واحدة، خدعت الكلاب واحدًا تلو الآخر لتأتي وتلعب معهم ، ثم قتلتهم جميعًا بمساعدة الذئاب. كان كل ذلك يمتزج: سروالها الداخلي، وصوتها، وعيناها البنيتان، وهي ترفع نظرها إلى أعيننا كلما ذهب كلبٌ إلى الذئبة وهي تضرب بكفّيها الأرض. كنت أكره الكتب، لكنني أحببت الكتب عندما كانت تقرأها. وعندما كانت تمشي بين مقاعدنا لتتأكد أننا ننجز عملنا، كنت تشعر بجسدها الناعم وتشم رائحتها الشخصية. أحيانًا كانت تتوقف عند مقعدي وتضع يدها على كتفي. كانت يدها دافئة على قميصي، وأفكر في ساقيها وسروالها الداخلي. كانت تقول: "عمل جيد، مارك"، وتُبتسم لي.

أستطيع أن أقول إنها كانت تحبني. على الرغم من أنني كنت أقع في المشاكل كثيرًا. كنت متأخرًا دراسيًا، لذا كنت في التاسعة بينما كان الجميع في الثامنة، وكنت أكبر حجمًا أيضًا. مما يعني أنني كنت أستطيع ضربهم في الملعب، خاصة ذلك الطفل الصغير. اضطرت أن تعاقبني وترسلني إلى المدير. لكن حتى في تلك اللحظات، كنت أرى أنها تحبني وأن إرسالي كان يحزنها. أعتقد أنني حتى سمعتها تقول مرة: "أشعر بالأسف عليه حقًا". لكنني لا أتذكر لمن قالتها. أو حتى إذا كانت تعنيني أنا. لكني أعتقد أنها كانت تعنيني.

لربما لم أكن لأتذكر أيًّا من هذا لولا ما حدث لاحقًا. عندما كنت في الثالثة عشرة وانتسبت إلى صفوف التربية الخاصة، أصبحت هي معلمتي مرة أخرى. كان ذلك مفاجأة سارة لأنها كانت في منطقة تعليمية مختلفة ونظام تعليمي مختلف، لذا لم أكن أتوقع رؤيتها. ولكنها كانت أيضًا مفاجأة سيئة لأنها أصبحت قاسية جدًا.

***

أخيرًا تم اختيار مويرا م. لتكون ضمن مجموعة المحلفين. كانت قد نجحت في تجنب واجب المحلفين حتى بلغت الخامسة والخمسين من عمرها. لم تشارك في التصويت حتى الواحدة والثلاثين، عندما استيقظت كما لو كانت في غفوة لتدرك أن الرئيس كان أحمق فاسدًا، وأن الشيء الوحيد الذي يمكنها فعله حيال ذلك هو التصويت. وهكذا صوتت، لكن ذلك لم يغير شيئًا؛ أعيد انتخاب الأحمق، وتم استدعاء مويرا لأداء واجب المحلفين. لم تكن تدرك أن هذا قد يكون نتيجة للتصويت، فاستشاطت غضبًا. أجلت أداء الواجب لأطول فترة ممكنة بحجج اعتلال صحتها وصعوبة العمل الحر (كانت تعمل كمصممة جرافيك مستقلة بالإضافة إلى عملها كنادلة)، لكن أخيرًا، بعد عامين من التصويت، لم تستطع التهرب من الأمر. أخبرها أحدهم أنه إذا بدَت غير مستقرة أو صعبة المراس بأي شكل، أو حتى عبّرت عن آراء غريبة، فقد يتم استبعادها مبكرًا. فصبغت شعرها وحواجبها باللون الأزرق، وأعلنت بصوت عالٍ اعتقادها بأنه يجب تقنين المخدرات، وقالت إن الناس يرتكبون الجرائم بسبب التحكم الذهني من قبل الحكومة، وزعمت أنها تعرضت للاضطهاد من قبل السود واللاتينيين. تم استبعادها بعد ثلاثة أيام، ولم تصوت مرة أخرى حتى أصبح شخص آخر تكرهه رئيسًا.

وهكذا، في الخامسة والخمسين، أدركها النظام. قال لها صديقها المقرب: "لماذا لا تنهي الأمر فحسب؟ ستؤديه ولن يتم استدعاؤك مرة أخرى لعشر سنوات أو ما شابه. قد يكون الأمر مثيرًا للاهتمام حتى!"

على الأقل، تم اختيارها في "هيئة المحلفين الكبرى"، مما يعني أنها لم تكن مضطرة للحضور يوميًا، لكنها كانت مجبرة على الاتصال كل صباح لمعرفة ما إذا كان عليها الحضور أم لا. في ذلك الوقت، لم يكن لديها هي وشريكها إدي سوى سيارة واحدة، وبينما كان بإمكانه أن يوصلها إلى عملها الجديد قبل الذهاب إلى عمله (كان يعمل بعقود، وكان مشروعه الحالي يبعده ساعة عن المنزل)، إلا أنه لم يستطع قطع الطريق كله إلى مقر المحكمة في مركز المقاطعة لإيصالها إلى ذلك المبنى الكئيب ثم يعود لاصطحابها مرة أخرى في المساء. لحسن الحظ، وجدت مويرا من يقلها مع محلفة أخرى.

في متجر البقالة، صادفت المرأة التي تدير منظمة خيرية للأطفال، والتي كانت مويرا قد شاركت معها في العام السابق (مشروع فني للأطفال في مخيم للمحرومين والمرضى نفسيًا)، واكتشفت أن ابنة أخت تلك المرأة قد تم استدعاؤها للواجب في نفس الوقت والمكان تمامًا. قالت السيدة الخيرية: "ستكون سعيدة بأن تقلك معها!" وقبلت مويرا — التي كانت تفضّل الاعتماد على نفسها عادةً — العرض بغير ارتياح.

في الواقع، جاءت ابنة الأخت اللطيفة (آنا) إلى منزل مويرا لاصطحابها؛ حتى أنها أحضرت القهوة والمعجنات لتتشاركها معها في السيارة. تحدثت مويرا مع آنا عن العمل الذي قامت به مع خالتها؛ تضمن المشروع عنصرًا مثاليًا يتمثل في جلب أطفال محرومين من المدينة لقضاء وقت مع أطفال محليين من ذوي الاضطرابات النفسية في نفس المعسكر. قالت مويرا: "لقد كان الأمر ساحرًا. لا أحظى بقضاء الكثير من الوقت مع الأطفال، ولم أدرك كم كنت بحاجة إلى ذلك." ربما كان هذا القول غير صادق إلى حد ما، إذ وجدت مويرا التجربة مبهجة ومزعجة بنفس القدر، لكن ذلك لم يهم؛ لقد كانت طريقة للتواصل. كانت آنا عزباء، وعلى الرغم من أنها لم تقل ذلك صراحة، إلا أن مويرا تخيلت أنها تبحث عن زوج؛ فهي شابة جميلة في الثانية والثلاثين من عمرها، وكانت تعبّر بحرية عن رغبتها في تكوين أسرة.

كان الحوار بينهما خياليًا وحزينًا بينما كانتا تسيران بسرعة على الطريق الخلفي المتفرع من الطريق 30، متجاوزتين مطاعم مهجورة وحانات متداعية ومراكز لياقة مشبوهة. كان متجر " كابينتس تو جو"، - حيث اشترت هي وزوجها السابق ذات يوم خزانة جميلة بأرفف وأدراج، كل منها مطلية بلون مختلف - ما زال يعمل في نفس الأرض الترابية، وخز منظره مويرا بأمل مفاجئ غريزي كان أشبه بذكرى أكثر منه شعورًا حقيقيًا. كانا قد اشتريا تلك الخزانة قبل ثلاثين عامًا تقريبًا عندما انتقلا إلى أول منزل يستأجرانه (بدلًا من شقة)، مليئين بخطط للشراء في النهاية. وقد اشتريا. وخسرا.

فقدا تانيا قبل أن تبلغ عامها الثاني؛ وجهها الصغير ذو الشفتين الدقيقتين، الذي كان يومًا ما حيًّا بوضوح في ذاكرة مويرا، أصبح الآن ضبابًا من الحلاوة والألم، لا يمكن تمييز أحدهما عن الآخر، إلى درجة أن مويرا لم تعد قادرة على فصل ذكرى طفلتها عمّا جرى لها. كان عقلها ينحرف ببساطة مبتعدًا عن تلك البقعة... ثم التقت بإيدي في منزل السيدة بوتشي، وانهار زواجها تمامًا.على الأقل، بقي لها شيء من المال من بيع المنزل.

لكم ظل هذا الطريق القديم؛ على حاله عبر السنين: الملمس الخشن، واللافتات البالية ("احتفظوا بيسوع في الميلاد")، والخضرة الكثيفة التي تندفع عبر كل بقعة خالية، والشعور الملموس بوجود الحيواناتكم صمد هذا المكان أمام الزمن! ربما، فكرت مويرا، ستكون هذه التجربة مفيدة. لعل التركيز على مشاكل الآخرين، كتغيير، سيكون أمرًا مُثريًا.

***

كان التعليم الخاص مقززًا، ولم أكن حتى جزءًا منه معظم الوقت، فقط في بعض الأحيان كانوا يسحبونني من الصف العادي ويلقون بي في عالم المعاقين. كانت الغرفة ضيقة جدًا، ولم تكن مخصصة لتلاميذ الصف السادس فقط - بل كانوا يضعون تلاميذ الرابع والخامس والسادس معًا - وكانت فوضى مطلقة.

كلن لدى المعلمة مساعدة، مما يعني أنك لا تستطيع فعل أي شيء، وباقي الأطفال كانوا متخلفين وقبيحين ما عدا كريس، تلك الطفلة من الصف الخامس بأنف دهني كبير وابتسامة وسخة وقوام مثير. وهناك أيضًا تايرون، ذلك الفتى الرائع. كان أكبر مني سنًا وأضخم من الجميع، وأخوه أحرق لسانه بحمض وهو صغير فبدا ممزقًا ومروعًا.

لم أعرفها في البداية. كانت مختلفة: أكثر شراسة، أكثر قسوة. لا تزال لديها ثديان مخروطيَّان، لكن انسى موضوع الدانتيل، وكانت تبدو وكأنها ستضربك لو لمستهما. كان ذلك مثيرًا وقتها، لكن ساقيها لم تكونا عاريتين. بدت وكأنها ترتدي سروالًا داخليًا مصنوعًا من خيمة عسكرية. تظاهرت بعدم رؤيتي، ربما لأنها فعلًا لم ترني.

طلبت منا أن نختار حيواننا المفضل: كلاب، قطط، خيول، أو هامستر.

قال تايرون:

- ثعابين .

سألت إذا كان أيٌّ منا يحب الثعابين، فرفعت يدي، لكن إحدى البنات قالت إنها خائفة من الثعابين، فقررت كرستي ألا يكون هناك ثعابين ذلك اليوم.

جعلتنا نتجمع في مجموعات حسب الحيوانات التي اخترناها. وكأننا تلاميذ صف ثالث!

الذكور اختاروا 'الكلاب'، والبنات اخترن 'الخيول' أو 'القطط'.

قالت:

- أترون؟ لدينا جميعًا شيء مشترك.

كان الأمر غبيًا، لكن على الأقل حظيت بفرصة التحدث مع تايرون عن الكلاب. في النهاية، اقتربت منها وذكّرتها بالكتاب الذي قرأته لنا عن الذئاب التي تخدع الكلاب. نظرت إليّ وكأن مخاطًا يسيل من أنفي. ثم فجأة ابتسمت وبدت كما كانت في الماضي.قالت:

- مارك! مارك كارتر من جانجويش! هذا صحيح، تقصد الناب الأبيض! كم هو رائع أنك ما زلت تتذكر ذلك!

(أقولها بصوت أخرق لأن هكذا نطقتها هي).

***

لم تكن الأيام الأولى لهيئة المحلفين الكبرى مُثمرة بشكل خاص. شاهدوا فيلمًا تعليميًا، ثم انتظروا بضع ساعات قبل استدعائهم إلى القاعة – غرفة عادية بلا نوافذ، تفوح منها روائح بشرية عالقة في الأثاث القديم المُتآكل. قيل لهم بأنه يجب عليهم الجلوس في المقاعد نفسها كل يوم دون تبديل.

كان الرجل الذي جلس بجانب آنا في الستينيات من عمره، ضخمًا وجذابًا، وهو النوع الذي تفضله مويرا تحديدًا لأنه كان مثيرًا رغم قبحه. بطنه الكبير كان ينطق بـ"الشهية"، وفمه العريض الراضي كان يهمس بـ"الاكتفاء"، أما عيناه فكانتا تقولان بوضوح: "أنا أراك". حين جلست آنا، ألقى عليها نظرة خاطفة كرجل نبيل، ورأت مويرا الشابة تُمسك ببطنها وتجلس بشكلٍ أكثر استقامة. فكرت مويرا: "يا للهول!" "ها نحن ذا!"

لكن ليس على الفور، بالطبع.

قضوا الصباح في إصدار قرارات اتهام ضد سائقين ثملين (أحدهم خرج من سيارته وهرب إلى الغابة، وتمكن من الإفلات مؤقتًا عندما أسقط الشرطي مصباحه وتعثر في منحدرٍ التوى كاحله)، وتجار مخدرات في مواقف السيارات، ومشاجرة في حانة تضمنت إطلاق نار. الحادثة الأخيرة وقعت في أثرى بلدة في المقاطعة – البلدة التي اعتادت عائلة مويرا زيارتها أيام الأحد لمجرد التفرج على المنازل الفاخرة. كان والدها يقول: "أستطيع العيش هنا، ماذا عنكم؟" لم يعتقدوا يومًا أنهم سيسكنون هناك حقًا، لكن ذلك لم يقلل من استمتاعهم أبدًا. كانوا يتأملون المنازل، وربما يزورون أقدم مدينة ملاهي في الولاية، ثم يتناولون الآيس كريم في مطعم البيتزا قبل العودة إلى المنزل. لم تستطع مويرا تخيل حدوث إطلاق نار هناك، وفي ليلة الحادث، لم يُصب أحد. فقد تشاجر رجلان في منتصف العمر حول السياسة، وتدحرجا على الأرض يلكمان بعضهما حتى طُردا، ثم أطلق أحدهما رصاصة تجاه الآخر بالخطأ.

ضحك الجميع عندما وصف المدعي العام المشهد، وقال الرجل الجذاب:

- يا للهول! يا لهما من أحمقين!

لكنهم مع ذلك قرروا اتهام مطلق النار.

بعد ذلك، ذهبت مويرا وآنا لتناول الغداء في مقهى يقع في ساحة صغيرة قرب محطة قطارات مهجورة. تحدثتا عن مشاجرة الحانة السخيفة، وكأنه من الطبيعي أن يكون "المحافظ" هو من أطلق النار وليس "الليبرالي". تذكرت مويرا كيف كانت البلدة مختلفة أيام زياراتهم القديمة، حين كان بإمكانك الجلوس على مقعد خارج مطعم البيتزا لخمس دقائق كاملة دون أن تمر سيارة واحدة، أما الآن بالكاد تستطيع عبور الشارع رغم إضاءة التقاطع الجديدة.

***

لم تكن المشاجرة مشكلة بهذا السوء. "الأولاد يتشاجرون!" كانت أمي تقول إن الأولاد أفضل من البنات لأنهم يتعاركون ثم يصبحون أصدقاء بعد ذلك، أما البنات فهنَّ حقودات يطعنّ بعضهن في الظهر. لكني كنت أيضًا أتجول في الفصل أثناء الاستراحة وأسرق وجبات الأطفال الخفيفة. كنت أصرخ وأعدو في الأرجاء.

حدث شيء ما في الحمام مع فتاة، لكنني لا أتذكر ذلك جيدًا؛ كانت فتاة تقف وحدها في الملعب. كانت هناك أيضًا صفعة للمعلمة، وكان ذلك خطأها هي. أمسكت بي بينما كنت أعبث أمام الجميع، وجذبتني بقوة حتى التصقت بها، ثم صفعت مؤخرتي، فالتففت وصفعت مؤخرتها بدوري. ضحك الفصل كله بشدة، فاستمررت في فعل ذلك، وتشبثت بها حين حاولت دفعي بعيدًا. كنت في عمر يكفي لأن يصبح لدي انتصاب، وشعرت بلذة شديدة حتى اضطرت أن تسحب شعري وتصفعني على وجهي كي أفلتها. لو حدث هذا الآن لفقدت وظيفتها، لكن في ذلك الوقت لم يكن مسموحًا للأطفال بالإفلات من عقاب مثل هذه التصرفات، ولا ينبغي لهم ذلك.

كنا نذهب كثيرًا إلى مكتب المدير، وكان والدي يقول عند مغادرتنا:

- حسنًا يا بطل!

على أية حال، بحلول الثالثة عشرة أصبحت رسميًا "مشاكسًا خطيرًا". لكنني لم أكن كذلك في الحقيقة. كان تايرون هو من يفعل الأشياء السيئة حقًا، أما أنا فكنت فقط برفقته.

أدركت جيني - أعني بيتريسنسكي - ذلك. قالت للمدير: "إنه تابع وليس محرضًا"، وكنت ترى أن والدي لم يعجبه ذلك. لكنه كان صحيحًا. حتى أنني كنت لطيفًا مع ذلك الصبي الذي كنا نؤذيه. ذات مرة لم أكن على وفاق مع تايرون، فغادرت المدرسة من الباب الخلفي بالقرب من البوابة الصغيرة، ورأيت ذلك الصبي يمشي وحده إلى المنزل. حاول أن يهرب مني، لكنني أمسكته وكنت لطيفًا معه حقًا. رأيت مدى خوفه، وشعرت برغبة في التصرف بشكل مختلف. مشيت معه وتحدثنا عن سيارات "هوت ويلز" و"وولفرين".

لكن ذلك جعل الأمر أسوأ عندما أجبره تايرون وطفل آخر على خلع حذائه ووضع حصى بداخله ثم الركض في الملعب. كان ينظر إليّ كما لو كان يتوقع مني المساعدة، ولم أكن فقط لم أساعده، بل ضحكت عليه وناديته "هوت ويلز".

كانت بيتريسنسكي دائمًا تقول: "لا أعرف لماذا تتصرف بهذه الطريقة، أنت طفل طيب". كان هناك شيء ما في طريقة قولها ذلك: صوتها يشبه موسيقى الأفلام التي تخبرك أن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث بقطع النظر عما تفعله. كان ذلك بطريقة ما أسوأ من صراخها في الفصل (توقف عن فعل هذا، توقف عن فعل ذاك)، وهي تكمش فمها كأنه حفرة مليئة بالكراهية.

لكنها بعد ذلك أوصت بي للعمل مع والدها. أو ربما لم توصِ بي، لكنها لم تخبره بعدم توظيفي. حدث ذلك بعد سنوات من تخرجي، ربما خمس سنوات. دخلت المكتب في منتصف حديثي مع والدها، وتوقفت فجأة. مرت سنوات لكنها تذكرتني تلك المرة. اتسعت عيناها وابتسمت وقالت: "مارك، هل هذا أنت؟" في اليوم التالي اتصل بي والدها وأخبرني أنني حصلت على الوظيفة.

***

كانت بقية أيام الأسبوع في المحكمة تدور حول قضايا قيادة تحت تأثير الكحول، واقتحام منزل، وحادثة اعتداء وسرقة ارتكبها مراهقان ضد رجل أبيض مسن، وأجبراه خلالها على ترديد عبارة "القوة للبيض!" دار نقاش حول ما إذا كان ينبغي تصنيف الحادثة كجريمة كراهية أم لا. رأى العضوان الأسودان في هيئة المحلفين أنها لا تُعد كذلك، بحجة صغر سن الجناة. أما آنا فلم تكن متأكدة. أما مويرا فقالت:

- فكّري في الأمر. لو كان العكس هو الحاصل—أولاد بيض يضربون رجلاً أسود ويجبرونه على قول 'القوة للسود'—هل كان سيتردد في بالك أي شك؟

هزّ الرجل العجوز الجذاب رأسه موافقًا بإعجاب. وفي النهاية، صوّتت آنا مع الأغلبية، على أن الحادثة بالفعل تُعد جريمة كراهية.

***

لقد حذروني من مارك كارتر حتى قبل أن أقابله، حين علمت أنه سيكون في صف الثالث الابتدائي الذي أدرّسه. كان قد لكم معلمته في الصف الثاني في بطنها بقوة أخرجت أنفاسها، أي طفل في السابعة يفعل ذلك؟

أخذوه إلى مكتب المدير، وهناك تفوه بألفاظ لا تتوقعها إلا من مراهق بذيء. اضطروا لتهديده باستدعاء الشرطة، وأظن أن هذا أخافه؛ قالوا إنه بكى وتوسل إليهم ألا يفعلوا. ومع ذلك، كنت أشك. كان طفلاً ضخم الجسد، ناعم الملامح، بعينين عميقتين وفم متكلف مليء بالدهاء، كأنه ولد أكبر سنًا.

والغريب أنه لم يبد مدللاً. أهله كانوا يلبسونه ملابس رثة حتى بمقاييس الفقراء، وكان خجولاً بالكاد يرفع عينيه لينظر إلى أحد. لكنه مع ذلك كان مهذباً، يعرف كيف يقول "شكراً" و"عفواً".قلت له:

- ماذا تريد يا مارك؟ هل تريد أن يكون هذا الفصل تجربة جيدة أم سيئة؟

خفض عينيه وفكر. ثم تحدث بصوت خافت بالكاد تسمعه، وكأنه يبتلع نصف الكلمات. قال:

- أريدها أن تكون جيدة .

فقلت:

- وأنا أيضاً.

فهمس بالكاد:

- شكراً، آنسة بيتريسنسكي.

لمس صوته وكلماته قلبي. بدا لي كطفل صغير، كولد حساس يحاول أن يظهر بمظهر القاسي. لم يكن ذكياً، وكان يعاني من مشاكل انضباطية. لم يستطع الجلوس ساكناً أو التركيز، كان أحياناً يقفز في مقعده ويقرع على الطاولة أو يصرخ إذا حمّسَه شيء.لم يكن متنمراً بالمعنى الكامل، لكنه كان قاسياً إذا شعر أنه لن يتحمل العواقب. ثم إذا أشرت إلى أنه آلم مشاعر أحد، كان يعتذر بسرعة بصوته الصغير الناعم.

حاولت أن أعطيه تعليقات إيجابية، لكن الأمر كان صعباً لأنه لم ينجح في أي شيء أكاديمي. ومع ذلك، كنت أثني عليه لمجرد جلوسه بهدوء ومحاولته، أو لوصوله في الوقت المحدد، أو لقيامه بعمل لطيف لأحد. لم يكن من النوع الذي يظهر رد فعل كبير، لكنه كان يستجيب. كان يرفع عينيه لينظر إلى وجهي، وحين يرى ابتسامتي، كانت عيناه تلمعان قبل أن يخفضهما مرة أخرى.

عندما أضع يدي على كتفه، كنت أشعر أن جسده يمتص اللطف كما لو كان عطشاناً حتى لهذه الكمية القليلة.كنت أشعر بالأسف عليه. حتى عندما كان يتصرف بشكل فظيع. كنت أشعر أنه طفل طيب محبوس في جسد طفل شقي.

***

بعد الجلسة، دعا "سكسي جي" مويرا وآنا إلى الغداء – بدأ حديثًا عابرًا في الممر مع مويرا أولاً، ثم دعاهما معًا عندما ظهرت آنا القادمة حديثًا من الحمام. اقترح مكانًا أكثر أناقة من المقهى الذي زاروه سابقًا – بار رياضي راق يقدم أطباقًا فاخرة مثل شوربة الجبن بالبيرة، وتمرًا محشوًا بالجبن الأزرق والمغلف باللحم المقدد، وطبقًا غريبًا يُسمى "بيض في الجحيم".

قال سكسي جي إنه سيدفع الحساب؛ فهو يحتاج إلى استراحة من تناول الطعام وحيدًا في كافتيريا المحكمة البائسة، بالإضافة إلى أنه حقق أسبوعًا مهنيا ناجحًا للغاية. ابتسمت آنا ووافقت بحركة صغيرة من كتفها مع إيماءة رأس لطيفة؛ ولاحظت مويرا للمرة الأولى كم كان عنقها جميلًا، وعظام الترقوة أيضًا.كما لاحظت كيف تستخدم يديها بإتقان بينما يتصفحون القوائم ويخرجون أدوات المائدة من المناديل السميكة، وكيف تلعب بشعرها العسلي، وكأنها تحك جانب أنفها الصغير بدقة بأظافر إصبعها الأنيق!

كان سكسي جي منجذبًا بوضوح، لكنه كان ذكيًا بما يكفي ليوزع تواصله البصري بينهما وهو يتحدث عن نجاحاته في العمل (يمتلك متجرًا للأثاث المصنوع حسب الطلب في بيتسبرج) ويشرح وجهة نظره حول قوانين جرائم الكراهية. فكرت مويرا: "ربما يتخيل أنها تغازله، لكنها في الحقيقة مجرد مهذبة وتنتظر بفارغ الصبر التمر المغلف باللحم المقدد؛ إنها تستمتع بالاهتمام، لكنه أكبر منها بكثير."

قال سكسي جي:

- أنا لست عنصريًا، لكن...

فردت آنا بصوت يحمل نبرة استعلاء خفيفة:

- هذا ما يقوله الجميع. 'أنا لست عنصريًا، لكن...

قالت مويرا في محاولة لتغيير الموضوع:

- واو، هذا يبدو رائعًا!

بينما وُضعت الأطباق أمامهم: التمر باللحم المقدد، وشطيرة السلمون باللحم المقدد والخس والطماطم، وكتلة حارة من البيض والفلفل الحار.

قال سكسي جي وهو يستعيد توازنه:

- أجل.

التقط منديله ووضعه داخل قميصه قبل أن يواصل الحديث:

- أعرف ما تقصدينه يا آنا. لكنني لست من هؤلاء، حسنًا؟

بينما كانت مويرا تستمتع بطبقها الحار، انصرف انتباهها عن المحادثة وتجول في أرجاء المكان. من الناحية البصرية، كان يمكن أن تكون في أي مكان راقٍ من ماضيها، قبل عشرين أو حتى ثلاثين عامًا: الخشب الداكن الثقيل يحيط بالنوافذ الكبيرة التي تضبب زجاجها بسبب الصابون الممسوح بشكل سيئ؛ سيدة كبيرة في السن تجلس بجوارهم تضع نظارتها لقراءة القائمة؛ أمام مويرا مباشرة، رجل مسن يتكئ بثقة أمام امرأة شابة؛ ضحكات عالية مشوشة تأتي من مكان غير مرئي؛ البار القديم والشخصية الجريئة خلفه؛ الزبائن المنهكون أمامه؛ التلفزيون الصامت فوقه، يبث صورًا متلاحقة بلا صوت؛ الرؤوس المومئة؛ والسياسي الذي يظهر على الشاشة.

لكن هذا الرجل بالتأكيد لم يكن ليظهر على الشاشة قبل عشرين عامًا.

أطفأت مويرا حرقة فمها بمشروبها الأخضر الحلو، واخترق رأسها فجأة لحن أغنية، بصوت المغني العالي، المتحرر، والمبتهج:

"It goes on and on and on and on..."

قال سكسي جي فجأة:

- كافانو. ما رأيكما به، سيداتي؟

أجابت آنا وهي تزم شفتيها الرقيقتين:

- فظيع. متعجرف، فظ، ومغتصب في الأساس.

قالت مويرا:

- أنا لا أوافق.

استغرب جي:

- حقًا؟

سألت آنا:

- لماذا؟

ردت مويرا:

- أولًا، بقطع النظر عما حدث، كان عمره سبعة عشر عامًا. هل تريدين أن يُحكم عليكِ بشيء غبي فعلتيه في هذا العمر؟ لأنني شخصيًا لا أرى ذلك."

أبدت آنا تعبيرًا وجهيًا بما يعني "هذا غير ذي صلة"، بينما بدا جي مندهشًا فحسب. وأضافت مويرا:

- ثانيًا، لا أعتقد أنهم كانوا يحاولون اغتصابها حقًا.

سأل جي وهو ينظر إليها بتركيز للمرة الأولى، مع ميلان فكه المليء بالندوب والشعر نحوها، وعيناه البنيتان الغائرتان تنفذان فيها بنظرة حيوانية:

- ما دليلك على ذلك؟

قالت مويرا:

- انظري، كانوا اثنين مقابلها هي، وكلاهما أقوى منها. لو أرادا اغتصابها، لفعلا ذلك. ما كان بإمكانها أن 'تهرب بسهولة .

حدق جي فيها بتركيز. بينما وضعت آنا شوكتها ونظرت إلى الطاولة بجدية.

رفعت مويرا عينيها نحو التلفزيون. كانت تلك المرأة – كامالا أو أيًا كان اسمها – تهاجم كافانو. "إنها مثل تلك المعلمة في المدرسة التي تريد صفعها"، كما قال إدي ذات مرة. وهي فعلًا كانت كذلك.

قالت مويرا بعد صمت:

- أنا آسفة. هذه فقط وجهة نظري .

ثم توقفت قليلاً وأضافت بمزحة جافة:

- لن نصل إلى حد العراك بالأيدي، أليس كذلك؟

***

مرت أربع سنوات قبل أن يظهر في صفي للتعليم الخاص. لقد حصلت أخيرًا على الاعتماد لتدريس ذلك، والسخرية أن ذلك كان بسبب خبرتي مع أطفال مثل مارك. أقول "سخرية" لأنني عندما رأيت مارك، لم أعرفه. كانت المدرسة في مدينة أخرى، ولم أكن أعرف أن عائلته انتقلت إلى هناك، واسم "مارك كارتر" شائع جدًا لدرجة أنني لم أعتقد أنه هو. كما أنني لم أميزه لأنه كان مختلفًا جدًا حتى مع مرور السنوات. كان ما يزال ضخم الجثة، لكن هالة النعومة الطفولية قد اختفت. في سن الثالثة عشرة، كان لديه بالفعل شعر على وجهه، وكان هناك شيء غير متوقع في جسده، شيء مظلم وموحل. سلوكه القاسي أصبح أكثر صلابة، مثل قناع يلتصق بالجلد. كان ما يزال ينظر إلى الأرض، لكن مع ذلك، كانت عيناه تلتهم كل فتاة في الغرفة، بقلق ويأس، مجرد يأس. نظرت إليه مرة ولم يعجبني؛ كان مشكلة واضحة — هو وذلك الغليظ الأشقر الكبير المسمى تايرون الذي اقترن به على الفور. يا إلهي، كان هذان الولدان قبيحين معًا، متنمرين حقيقيين، رغم أن تايرون كان بالتأكيد أسوأ بكثير.

لكن مارك كان ما يزال قابلاً للسيطرة ومتاحا. كان الأمر خفيًا لكنه واضح لي، الطريقة التي كان يجلس بها منتصبًا ويبدو جادًا عندما أتحدث عن مواضيع معينة — خاصة الحيوانات أو قصص المغامرات. لا أتذكر السبب، لكن ذات مرة أخبرتهم قصة حقيقية عن رجل مريض عقليًا ذهب ليعيش مع الدببة في إقليم يوكون. لقد تقبلته الدببة لدرجة أنه كان يستطيع الزحف بينها والاقتراب من صغارها، لكن بالطبع انتهت القصة بشكل مأساوي؛ أكل دب شرس الرجل المسكين بينما حاولت صديقته المرعوبة صدّه بمقلاة. عندما سألتهم عن رأيهم في القصة، قال تايرون: "كان غبيًا". فقلت شيئًا مثل: "ليس غبيًا، بل مريضا عقليًا. وأيضًا كان مستعدًا لأن يذهب إلى النهاية من أجل ما يؤمن به، وكان يؤمن بهذه الحيوانات الجميلة. وصديقته أيضًا كانت مستعدة لأن تذهب إلى النهاية من أجل شخص أحبته". انحنى تايرون على مؤخرته وابتسم بسخرية، لكن مارك جلس منتصبًا ونظر إليّ، منصتًا. حتى أنه لم يلاحظ عندما حاول تايرون لفت انتباهه.

بسبب لحظات مثل هذه، كنت أبذل جهدًا معه. كانت مقالاته فظيعة، غير مترابطة، مكتوبة بخط متقطع وعنيف بالكاد يتبع السطور على الورق. وكان يرسم في الهوامش، رسومات تقليدية في الغالب، لأبطال خارقين ورجال ضخام العضلات يرفعون أوزانًا — إلا أن رسوماته كانت أنيقة ودقيقة، يصعب ربطها بخطه الرديء. كانت هناك ورقة واحدة طُلِب منهم فيها الكتابة عن شخص مميز في حياتهم. كان من المفترض أن يصفوا سبب تميز ذلك الشخص. هو كتب عن خمسة أشخاص، وجمل مشوشة عنهم جميعًا: والده ("إنه ممتع وقوي، لكمهم عندما أتوا على الباب")؛ تايرون ("تايرون رائع، لسانه به حمض")؛ وشخص آخر غامض جدًا لم أستطع تمييزه؛ وكلب له يبدو أنه لقي نهاية سيئة. أنهى الورقة برسم جميل ودقيق لوجه كلب، وبأحرف كبيرة ثلاثية الأبعاد غير متقنة، كلمات "الناب الأبيض". كان ذلك مفجعًا.

وهكذا حاولتُ. أكثر من مرة أخذته جانبًا وأعطيته فرصةً لمراجعة مقال سيء بشكل خاص كي لا يرسب. أعطيته مهمة خاصة تتضمن الرسم، مثل كتاب مصور. أدى ذلك بشكل مقبول، لكنه شعر بأنه مضطهد بسببها. لم يبدُ أنه فهم أنني كنت في الواقع أمنحه تسهيلات. كان مقال "الشخص المميز" آخر مرة حاولت فيها. كانت مراجعته سيئة جدًا لدرجة أنني لم أستطع قبولها. عندما سلمته إياها، انتزعها مني وابتعد، مُصدرًا صوتًا يشبه الحيوان وهو يسب بصوت عالٍ بينما يبتعد.

لذا توقفت عن فعل ذلك. كنت أرسم وجوهًا مبتسمة بجانب رسوماته وأنجحه بدرجة "د" كلما أمكن. ربما كان عليّ أن أرسبه، لكنه كان متأخرًا بالفعل عامين. من الصعب التأكد من حدسك مع الأولاد في ذلك العمر، وكان صعبًا للغاية.

***

قال سيكسي جي:

- لا، سيدتي، سأكون خائفًا من قتالكِ - لربما تكونين مسلحة!

ضحكوا – ضحكت مويرا وسيكسي - وغيّروا الموضوع. انتهى الغداء على نحو جيد إلى حد ما، وعادت مويرا لتتصالح مع آنا في طريق العودة إلى المنزل.

قالت آنا:

- ما زلت لا أفهم لماذا لا تعتقدين أنهم حاولوا اغتصابها، لا أعرف لماذا لا تصدقينها ببساطة.

قالت مويرا:

- انظري .. ليس الأمر أنني أعتقد أنهم كانوا أبرياء تمامًا. كانوا أولادًا سكارى. ما أعتقده هو أنها كانت بالنسبة لهم فتاةً غريبة الأطوار، فتاةً جميلةً ذات نظارات. لذا، كما تعرفين... عبثوا معها كما يعبثون مع فتى غريب الأطوار في غرفة الملابس.

- أذلوها؟ تنمروا عليها؟

- نعم، يمكنكِ قول ذلك..

- رائع .

- لا، ليس رائعًا. لكنه ليس اغتصابًا.

نظرت مويرا من النافذة إلى لافتة "السيدة بوتشي" البالية، شكلها المتآكل من الصدأ ما زال أنيقًا رغم تساقط نصف الطلاء، ما زالت هناك على عمودها البالي لا تبالي. النادي الليلي الذي كانت تعلن عنه احترق منذ زمن بعيد، لكنهم لم ينزعوا اللافتة بعد . قالت مويرا:

- لم يغتصبوها، حتى هي لا تقول إنهم فعلوا ذلك فعلا، وكان بإمكانهم ذلك لو كانوا جادين.

ساروا في صمت. كانت مويرا تقترب من الأربعين عندما التقت بإيدي في نادي "بوتشي"، وهو كان لا بد في الخمسين: دخلت من الباب، وبذلك الفعل البسيط، مزقت ثقبًا متعرجًا في نسيج الحياة العادية، تمزقًا كبيرًا في منتصف الصفحة المملة المؤلمة، ومن ذلك المكان الممزق انسكبت الموسيقى الشجية، وصواني المشروبات المتلألئة، والرقص، والفجور في الحمام (نساء يجلسن على الأحواض لتخفيف أنفسهن بينما أخريات يضعن المكياج لعيونهن، يضحكن ويتحدثن)، وكرة الديسكو تلقي ضوءًا مجنونًا متقطعًا على كل جسم مشوش ووجه ضبابي. هي في الأربعين وهو في الخمسين، لكنهما كانا مثل مراهقين يخرجان إلى موقف السيارات، متجهين إلى سيارته، وهو يمسك بيدها كي لا تتعثر في الكعب العالي الذي لم تكن تلبسه منذ أن كانت في الخامسة والعشرين ربما.

قالت آنا:

- تحدثت عن الأمر مع قريبتي الصغيرة ذات الاثني عشر عامًا. شاهدته على التلفاز وقالت إنه أخافها. قالت: "من المفترض أن هؤلاء الرجال يحموننا، وهم يسمحون له بالدخول؟ الأمر مثل رجال الشرطة الذين يطلقون النار على السود دون سبب، لكن على مستوى أعلى"

- أنا آسفة.

قالت مويرا ذلك. وقد كانت بالفعل آسفة. كانت بشرة آنا وخالتها مثل البيض، لذا نسيت مويرا: إنهن بورتوريكيات. لون بشرتهن فاتح، لكن ربما بعض عائلاتهن ليس كذلك؛ بطبيعة الحال سيشعرن بالأمر أكثر عندما تكون الشرطة سريعة في إطلاق النار على شخص أسود. بالإضافة إلى ذلك، الطريقة التي كررت بها آنا كلمات الفتاة البريئة أثرت في مويرا وأزعجتها. هي حتى لم تعرف لماذا تحدثت بهذا الشكل أثناء الغداء. حسنًا، لكنها عرفت؛ كانت تحاول لفت انتباه سيكسي جي. قالت:

- انظري، أعتقد أن الرجل أحمق. لا يعجبني طريقة تعامله مع كل هذا. لكنني فقط ...

- إذا تقدمتِ بطلب للعمل في 'تي جيه ماكس' وتصرفتِ بهذه الطريقة في المقابلة، لن يوظفوك .

قالت مويرا:

- هذا عادل، أنتِ محقة في ذلك.

لقد أرادت فى الواقع إنهاء الأمر.

تحدثت مويرا عن الموضوع بعد العشاء مع إيدي وصديقه رود، الذي زارهما لاحتساء الجعة. كانوا جالسين على الشرفة الخلفية؛ أبدى رود إعجابه بشجيرات الليلك التي زرعتها منذ زيارته الأخيرة، وكذلك حديقة الخضروات الصغيرة التي بدأتها. كما أعجب بالطريقة المضحكة التي أخبرتهما بها عن مواجهة كافانو — كلاهما (هو وإيدي) ضحكا من الأمر. قال إيدي:

- يا كلبة الصيد العجوز. لا بد أنكِ أرعبتِ تلك الكلبة الصغيرة الحمقاء. وأراهن أن الرجل يوافقك الرأي. هو فقط يحاول الوصول إلى سروال الفتاة.

في تلك اللحظة ابتسمت وقالت: "بالتأكيد!". لكن عندما غادر رود، قالت: "لا تنادني بهذا أمام الآخرين. يبدو وقحًا". لم تقل: "ولا تنعت آنا بأنها كلبة صغيرة حمقاء — لماذا تنعتها هكذا؟". لكنها فكرت بذلك .

احتضنها إيدي من الخلف وقال:

- أنتِ تعلمين أنني أعنيها كتعبير عن المودة، المودة الخالصة. هو يعلم ذلك أيضًا.

وقبل رأسها فنسيت الأمر.

ولأن موقع عمل إيدي تغير بشكل غير متوقع خلال عطلة نهاية الأسبوع، اتفقا على أن الأسبوع المقبل ستوصله إلى العمل وتأخذ السيارة، لالتقاط آنا من منزلها. بهذه الطريقة، لن تكون مويرا مدينة على الأقل. وهو ما كان جيدًا على الأرجح نظرًا لأن القضية الأولى كانت قضية اغتصاب.

كانت الضحية امرأة في الثالثة والستين من عمرها. تعيش وحدها في شقة فوق متجر لقطع غيار التدفئة والتكييف كان يملكه والدها المتوفى سابقًا. في مساء أحد الأيام، دخل رجل شقتها واغتصبها. حاولت الاختباء في الحمام، لكنه كسر الباب وسحبها خارجًا. كان يرتدي قناع كلب من النيوبرين يغطي رأسه بالكامل، ولم يتكلم. على أمل أنه جاء لسرقتها، أخبرته أن حقيبتها في غرفة المعيشة. لكنه بدلًا من ذلك أجبرها على ارتداء سروال داخلي مفتوح وصديرية من الدانتيل ثم اغتصبها، مرارًا. ربما لأنها كانت مرعوبة لم تدرك أنها تعرفه. هو في الواقع كان يعمل في متجر قطع غيار التدفئة والتكييف؛ كان قد عمل لدى والدها لسنوات. غادر المدينة لأسباب غير واضحة ثم عاد، ورغبة في العمل لدى والدها مرة أخرى، تم توظيفه في نفس المتجر.

كانت هناك صور عُرضت على الشاشة. صورة لباب حمامها المحطم؛ بدا وكأنه مصنوع من شيء يشبه الورق المقوى. صورة للغطاء الرقيق على سريرها؛ يمكنك رؤية الحشو يخرج منه. أخذوا صورًا له كي يتمكن المحلفون من رؤية الدم عليه. كما أخذوا صورًا لأعضاء المرأة الحميمة، التي كانت ممزقة ونازفة أيضًا.

قالت المرأة الجالسة بجانب مويرا.

- يا إلهي!

***

كانت أختي تنتقدني طوال الوقت—في أشياء كثيرة، لكن أكثر شيء كانت تهاجمني بسببه هو أنني "أُسهّل الأمور" للآخرين، وأتصرّف كـ"شهيدة" أو "حمقاء" لأني أدرّس الأطفال "الأغبياء" في المدارس المحلية، بينما كان بإمكاني، لو أردت، أن أفعل ما هو أفضل.

وحين كنت صغيرة، كانت تسخر مني لأني دائمًا "جيدة" و"لطيفة أكثر من اللازم". كانت تتهمني بأن لي دوافع خفية. قالت إنني أفعل كل ذلك لأجعل أبي وأمي يحبانني أكثر. ربما كان ذلك جزءًا من ديناميكية العائلة. أتذكر أنها تحدّثت مرة عن خبر في الجريدة، عن أستاذ أبيض في كلية "بورترفيلد" المجتمعية، كوَّن صداقة مع طالب أسود سابق يعاني من مشاكل نفسية.

ساعده في العثور على وظيفة، وأقرضه مالًا، بل واشترى له ملابس من أجل مقابلة العمل. وعندما حصل على الوظيفة ثم فقدها، ساعده الأستاذ مرة أخرى، حتى أنه اشترى له حاسوبًا.

لكن رغم كل هذا، ساءت أحوال الطالب، ويبدو أنه ألقى باللوم على أستاذه، لأنه اشترى مسدسًا وقتله.

قالت أختي بمرارة:" كان ذلك الأحمق يستحق الموت، فقد كان تصرفه غبياً ومهيناً. لقد قدّم نفسه أمام ذلك الطفل المسكين المضطرب كأنه شخص قادر على حل كل مشاكله، ويملك كل الإجابات. تصرف وكأن الطفل الأسود لا يتحمل أي مسؤولية، وكأنه، الرجل الأبيض الكبير، هو الوحيد القادر على إنجاز الأمور. من المنطقي تماماً أن يأخذ شخص مضطرب هذا الكلام حرفياً، وأن يحمّل ذلك الغبي المسؤولية بدلاً من نفسه."

أختي ذكية ومتسلطة. حتى أنني كدت أوافقها الرأي في تلك القصة. لكنني لم أكن أتعامل مع بالغين مرضى عقلياً. كنت أعمل مع أطفال. كان عملي مساعدتهم. نعم، ذهبت لأبعد من الحدود مع بعضهم. اشتريت لهم مستلزمات، وحقيبة ظهر مرة، وقفازات أكثر من مرة، ووشاحاً. وزعت وجبات خفيفة صحية تحسباً لعدم تناولهم الفطور. أخطأت أحياناً، وهذا صحيح؛ أحياناً يستغل الأطفال الموقف. يمكن أن يغضب الأهل منك لمساعدتك. لكنني لم أفعل ذلك مع مارك. ساعدته لكن دون تجاوز الحدود. ربما ليس حتى بالقدْر الذي كان ينبغي. لأنني شعرت بالأسف عليه، لكنني لم أحبه. يبدو هذا فظيعاً لأنه كان مجرد طفل. لكن الأطفال أشخاص. وبعض الأشخاص ببساطة لا يعجبونك.

لم أساعده في الحصول على العمل في المحل. أنا فقط لم أمنع حدوث ذلك أيضاً. كانت محض صدفة أن زرت المحل ذلك اليوم. عندما سألني والدي عن نوعية الطالب الذي كان عليه، أخبرته الحقيقة، أنه كان مشاكلاً وأعتقد أنه مضطرب. لكنه في الأساس طفل جيد، لا بد أنني قلت ذلك أيضاً. لكنني ما زلت لا أعرف لماذا عينه والدي. سوى أنه كان يعتقد أنني فتاة مثالية زيادة عن اللزوم. فإذا قلتُ إن صبيًا ما كان مشاغبًا، فربما فهم من ذلك أنه طبيعي.

***

شَهِدَت خطيبة المغتصب قبل الغداء. حين دخلت القاعة، تبادلت مويرا وآنا نظرة صامتة مليئة بالدهشة. كانت امرأة جذابة في منتصف الثلاثينيات تقريباً، بشعر أنيق وساقين طويلين، كانت ترتدي فستانًا أنيقًا وحذاءً بكعب عالٍ، وتتصرف بوقار وهدوء. كان سؤال عينيها واضحاً: هل تصدقين أن هذا الوحش لديه صديقة طبيعية؟

سألها المدعي العام عن مدة علاقتها بصديقها وكيف تعرفت عليه. ردت: "منذ ثلاث سنوات في حفلة". ثم سألها إن كانت تعرف المرأة التي اغتصبها خطيبها، أو إن كان قد ذكرها أمامها قط، فأجابت بالنفي. سألها عن مكان خطيبها أثناء وقوع الجريمة، فقالت إنها ظنته عند صديقه جاك. ثم سألها عما وجدته في سلة المهملات مساء ذلك اليوم، فأجابت: "سروال داخلي مثير عليه آثار لزجة". وعندما سألها إن كان خطيبها يطلب منها ارتداء ملابس داخلية "مثيرة"، أجابت بنعم، وكأنها تكتشف - في ذلٍّ وحيرة - أنها مخطوبة لرجل اعتدى على عجوز.

أثناء توجههما لتناول الغداء في المقهى، لوحت مويرا وآنا خفيةً لـ"سيكسي جي". شعرتا بالشفقة على خطيبة المغتصب، وتساءلتا: كيف كان يعاملها؟ وكيف تتخطى معرفتها أن الرجل الذي خطبها أجبر عجوزاً على ارتداء سروال مفتوح، اغتصبها، ثم عاد ليلقي الأدلة في سلة مهملاتها لتكتشفها؟

قالت مويرا:

- الأرجح أنه لم يفكر حتى في احتمال رؤيتها لها .

أجابت آنا:

- لا بد أنه غبي حقاً .

أحست مويرا أن آنا شعرت بالارتياح لأنها لم تبرر فعل المغتصب هذه المرة - لم تقل مثلاً أن المعلمة المتقاعدة والعاهرة ربما كانا يلعبان لعبة عنيفة. تحول هذا الارتياح بسهولة إلى حديث عن بنات أخت مويرا ومسلسل رعب أثار ضجة.

لكن بينما كانتا تتناولان السندويشات وتتصفحان هواتفهما، كانت مويرا تفكر فيما سيقوله إيدي. نعم ، ربما تكون الخطيبة جميلة، لكن إن كانت في أواخر الثلاثينيات أو حتى في الأربعين، فإن "قيمتها في سوق الجنس" (كما يسميه البعض) قد انخفضت بشدة، وعليها أن تقبل بما يتاح لها. والسؤال الأهم: لماذا يلاحق هذا الرجل عجوزاً ذابلة وهو قادر على الحصول على شيء أفضل؟ لم يكن إيدي ليتحدث بهذه الفجاجة معها عادة، لكنها سمعته يتحدث بهذه اللغة مع رود، ورأت مقالات مشابهة على حاسوبه - يالصدفة - تصنف النساء: "تحت العشرين = الأفضل، الثلاثينات والأربعينات = نساء من الدرجة الثانية، فوق الأربعين = انتهى عمرها".

على الرغم من اعتراضها السطحي ("ما هذا الهراء الذي تقرأه؟")، فإنها في العمق تدرك واقعية هذه الأفكار. كان يقول إنه لا يأخذها بجدية، لكنها "مثيرة للاهتمام". وأضاف: "الحياة أكثر تعقيداً، فيها الحب. يبدو أن بعض هؤلاء الرجال لا يفهمون ذلك". جلسا بهدوء لبرهة طويلة، وانتبهت مويرا لحفيف الأصوات الآتية من الخارج، والروائح الخافتة الداكنة، والعطر العميق لزهور الليلك. كان ذلك يمنحها شعورًا بالانسجام، بإحساس أنها تتقبل ما تعجز نساء أخريات عن تقبله: غرائز الحياة القاسية. مد إيدي يده من كرسيه وأمسك بيدها، فشعرت بألفة اللمسة ذاتها بعد كل هذه السنوات.

***

أسوأ ما حدث في الصف لم يكن بفعل مارك. لكنه جعلني أشعر بشيء ما تجاهه مرة أخرى، شعوراً ظل عالقاً في نفسي وربما أثر عليّ عندما سألني والدي عنه.

كنت قد كلفتهم بواجب يتطلب منهم الانقسام إلى أزواج وإجراء مقابلات مع بعضهم البعض، ولم أسمح لـ"تايرون" أن يكون زميلاً لمارك لأن آخر مرة فعلا ذلك كانت كارثية. غضب تايرون وشعر بالإحراج لأنه لم يرد أحد أن يكون شريكه. بدأ يصرخ أمام الفصل، وعندما طلبت منه الذهاب إلى مكتب المدير، تقدم نحوي بطريقة تهديدية لدرجة أنني رفعت يديّ وكأنني سأقاتله. كان ذلك رد فعل غريزيًا ولم يكن ذكياً؛ فقد جعله ذلك يندفع نحوي بقوة أكبر.

انفجر الصف كله في ضجة خائفة، لكن ما سمعته بوضوح كان صوت مارك، مرتفعاً وناعماً كما كان حين كان صغيراً، يقول: "تايرون، لا!" لكن تايرون استمر في التقدم؛ دفعني بقوة بجسده. حاولت ضربه، لا أتذكر حتى إن كنت أصبته. ثم انقض عليه ولدان وسحباه بعيداً عني، وانتهى الأمر. لم يكن مارك أحد هذين الولدين. لكنه هو، صوته، هو ما أتذكره أكثر من أي شيء آخر.

تحدثت مع معلم آخر عن الحادث، وقال لي شيئاً بقي عالقاً في ذهني أيضاً. لا أستطيع أن أنقل كلماته بالضبط، لكنه كان شيئاً مثل: "أولاد مثل مارك لديهم القدرة على أن يصبحوا أسوأ بكثير من شخص مثل تايرون. تايرون ليس معقداً؛ كل شيء فيه على السطح. أنتِ محقة بشأن مارك؛ في داخله طيف. إذا شعر أن لا بأس في أن يكون هكذا، سينفصل عن جوهره. سيفعل ذلك ليبقى على قيد الحياة. لكنه سيكون ضائعاً، بلا مركز، بلا خريطة. سيسير في طريق سيء حقاً."

لا أعرف لماذا ما زلت أسترجع هذا الماضي. وفي الحقيقة، أنا لا أفكر بذلك. هذه الأشياء تومض في ذهني فجأة. ربما أحاول أن أفسر الأمر لنفسي. أو أحاول أن أشعر بتحسن، بتذكره كطفل صغير. لكن ذلك لا يجدي نفعاً.

***

بعد الغداء، أدلى جاك، صديق المغتصب، بشهادته. كان رجلاً حسن المظهر في الأربعينات من عمره، ويبدو أنه كان مدركًا لذلك تمامًا: دخل إلى قاعة المحكمة مرتديًا بنطال جينز أسود ضيقًا وسترة جلدية سوداء، متبخترًا بخفة وبابتسامة صبيانية. كان هو الشخص الذي تولى إدارة المتجر بعد وفاة والد الضحية، والذي أعاد لاحقًا توظيف مارك كارتر، واصفًا إياه بأنه "رجل عظيم".

سأله المدعي العام عمّا إذا كان السيد كارتر قد زاره فعلًا مساء يوم السبت الذي تعرّضت فيه الآنسة بيتريسنسكي للهجوم. تظاهر جاك بالتفكير وقال: "ربما نعم، ربما لا، أنا لا أفكر جيدًا في مساء السبت"، وابتسم ابتسامة عريضة ناظرًا إلى هيئة المحلفين عند قوله ذلك.

سأله المدعي العام عمّا إذا كان هو ومارك على علاقة طيبة مع الآنسة بيتريسنسكي — هل كانت العلاقة ودية؟ هز جاك كتفيه وقال: " أكيد، باستثناء أنها كانت أحيانًا تتذمر من السيارات التي تسد مدخل سيارتها". وأضاف أن صراخها على قطتها كان يزعجهما أحيانًا، وكذلك صوت التلفاز المرتفع إلى درجة أنه كان يعرف ما يجري في برنامج "ذا باتشلور" من دون أن يراه — ونظر مجددًا إلى هيئة المحلفين بابتسامة خبيثة وكأنه يتشارك معهم مزحة معروفة.

سأله المدعي عمّا إذا كان على علم بأي تاريخ سابق أو عداء بين مارك كارتر والآنسة بيتريسنسكي. أجاب: " قليل من نعم، وقليل من لا". قال إن مارك ذكر ذات مرة أنها كانت معلمته، لكن ذلك كان "منذ مئة سنة"، ولم يتحدثا في الأمر.

ثم سأله: هل كان يعلم إن كان مارك كارتر يمتلك قناع كلب من مادة النيوبرين؟ أجاب ضاحكًا: " نعم، مارك كان عنده قناع كلب، وكان مرعبًا بحق! لونه أسود بالكامل وشكله رائع. أحيانًا، بعد إغلاق المتجر، كنا نشرب ونستمع إلى موسيقى ديث ميتال، وكان مارك يرتدي القناع ويطاردني في المتجر وهو ينبح!"ابتسم مجددًا، وعيناه الماكرة تجولان على هيئة المحلفين.

أطلق "سيكسي جي" صوتًا خافتًا من الذهول وعدم التصديق.

***

بعد وفاة والدنا، تدهورت صحتي. كنت في التاسعة والخمسين من عمري، أعاني من السكري والألم العضلي الليفي ومتلازمة شوجرين وآلام العمود الفقري، وكلها تفاقمت ذلك العام. تقاعدت بإعاقة، لكن المعاش لم يكن كافياً. كانت أختي تعيش في الشقة فوق محل والدي منذ أن فقدت وظيفتها في شركة "باير"، وكان يكتفي بتحصيل الإيجار بما يكفي لتغطية فواتير الماء والخدمات، وهذا كان جيداً لأنها لم تجد عملاً سوى كعاملة تعبئة بضائع في متجر بقالة. عندما توفي والدي، تولى إدارة المحل أحد أصدقائه أولاً، فلم يرفع الإيجار كثيراً عما كانت تدفعه، لكنها مع ذلك كانت سعيدة بانضمامي للعيش معها. خاصةً أن مشاركتي في الإيجار مكنتها في النهاية من شراء حاسوب رخيص للبحث عن رجال عبر الإنترنت - وكان عمرها خمسة وخمسين عاماً! كانت تقضي وقتاً طويلاً على ذلك الجهاز، وكنت أظنها تثير سخرية الآخرين، لكنها نجحت في النهاية: اختارت من رأت أنهم يستحقون المحاولة، ثم قضت بعد الظهر في "ستاربكس" لإجراء مقابلات معهم. أخيراً، وجدت رجلاً لطيفاً يدعى ميك، وانتقلت للعيش في منزله في ميلفيل. بعد ذلك بفترة، تقاعد صديق والدي وتولى ابن أخيه جاك إدارة المحل. أقنعه والده بعدم رفع الإيجار، وظل الأمر كذلك لفترة طويلة. ثم عاد مارك للظهور، وارتفع الإيجار خمسين دولاراً. فكرت في الانتقال، لكنني لم أجد شيئاً في متناول يدي.

الآن أنا أعيش مع أختي في ميلفيل، أنام على سرير صغير قابل للطي في غرفة المرافق؛ لدى قطتي زيلفا وعاء طعامها وصندوق فضلاتها في الزاوية. تنام معي تحت البطانية كل ليلة، تخرخر بعصبية وتدلكني بمخالبها. بقيت في ميلفيل لمدة أسبوع قبل أن أتمكن حتى من العودة لجلب أغراضي. ذهبت مع أختي وصديقها. اخترنا يوم الجمعة لأن الحادث وقع يوم السبت. كنت أعرف أن جاك سيكون هناك، لكنني لم أتخيل مدى صعوبة رؤيته. ربما لم أفكر في الأمر لأنني عادةً ما كنت أتجنب رؤيته أيام الجمعة - فهو يكون مشغولاً بالعمل داخل المحل.

لكن عندما وصلنا، خرج فجأة. ظهر عند الباب بينما كنا نصعد الدرج. قال مخاطباً صديق أختي وكأنه لم يرني:

- هل يمكنني مساعدتكم؟

ثم قال:

- أوه، مرحباً، الآنسة بي، هل عدتِ؟

بدأت أرتعش. ابتسم كطفل مؤذٍ. لم يفهم ميك الموقف بعد، فقال:

- اعذرنا.

وواصلنا الصعود، لكن ارتعاشي كان شديداً لدرجة أن أختي اضطرت لمساعدتي. قالت:

- ساعدها يا ميك.

فأمسك بذراعي.

***

قلت لجاك أنها كانت معلمتي، وأنني كنت أتلصص على ما تحت تنورتها وهي تقرأ. ضحك حتى كاد يسقط من شدة الضحك، وأصبحت هذه القصة موضوعاً نتندر به، خاصة عندما كنا نشعر بالملل ونقتل الوقت بعد إغلاق المحل، بينما كان صوت برنامج "ذا باخيلور" يخترق السقف من الشقة العلوية. كان يسخر مني لأنني أنجذب للنساء الأكبر سناً، ويقول إن صديقتي المثيرة أصغر مني بكثير. كنا نتحدث عن مدى قذارة النظر تحت تنورتها الآن، وكان يقول لي: "هيا، تعرف أنك تريد ذلك، أتحداك أن تصعد وتضاجعها!" كان الأمر مجرد مزحة!

لكن الحقيقة أنني بدأت أفكر في الآنسة بيترسينسكي عندما كنت مع ليندي. لا أقصد أن أتخيل نفسي أفعلها بها، لكنني كنت أتخيلها واقفة في الزاوية مرتدية ملابس داخلية مثيرة، تتعمد إثارتي. أحياناً كنت أتخيلها كما كانت تبدو في الماضي. وأحياناً أخرى كنت أتخيلها كما هي الآن.

***

ما إن دخلنا شقتي حتى شعرت بالحاجة إلى دخول الحمام. حاولت أختي أن ترافقني إلى الداخل، لكنني أبعدتها قبل أن نصل إلى غرفة النوم. كان الباب المضروب لا يزال مخلوعًا من أحد مفاصله، وبقايا من شريط الشرطة الأصفر كانت عالقة في الخشب. استخدمت المرحاض دون أي شعور بالخصوصية. غسلت يديّ وتذكّرت قبضته وهي تخترق الباب. نظرت إلى المغسلة وفكرت أنني لن أستعمل فرشاة أسناني هنا مرة أخرى، ولن أغسل وجهي وأطفئ النور وأذهب إلى النوم في سريري القديم.

كنت أضع جهاز السمع، فسمعت ما كانوا يقولونه في الغرفة الأخرى. قال ميك:

- أعتقد أنني سأذهب لأخبر ذلك اللعين في الطابق السفلي أن يبقى في جحره عندما ننزل مرة أخرى.

وأضاف:

- لو كنت أصغر سنًا، لكنت ضربته حتى سال دمه.

تلك كانت كلمات أبي. هذا ما كان أبي سيفعله.

تخيلت أبي واقفًا هناك، يشيح بوجهه، مدركًا أن هذا حدث في بيته، وأن لا شيء بوسعه فعله. عندها شعرت بالغضب.

***

وأخيرًا، أدلت المرأة العجوز بشهادتها. كانت تبدو مسنّة حقًا، أكبر من ثلاثة وستين عامًا—لعل مويرا كانت ستُخمِّن أنها أكبر بعشر سنوات على الأقل. كان ظهرها منحنياً، وكانت تتعثر أكثر مما تمشي. لكن وجهها كان صلبًا؛ كانت تصبغ شعرها بلون بني داكن وتصفّفه بطريقة قصة "الصبي" الكلاسيكية. كان ذقنها مدبباً ومربعاً في آنٍ واحد، أشبه بصخرة. وصوتها كان صلباً. لقد تأثرت مويرا بصلابتها.

قالت العجوز إنها لم يخطر ببالها للحظة أن الرجل الذي اقتحم بابها كان هناك ليغتصبها؛ ظنت أنه جاء ليسرق مالها. أخبرته بمكان حقيبتها، وفي تلك اللحظة أخرج قطعًا من الملابس الداخلية المكرمشة. حدّقت فيها بدهشة؛ لم تصدق أنه كان يلمّح بيديه أنها يجب أن ترتديها. لأن القناع المرعب كان يغطي رأسه بالكامل ولأنه لم ينطق بكلمة، لم تتعرف عليه.

سألها المدعي العام:

- هل تعرفين من هو الآن؟ هل يمكنكِ ذكر اسمه؟

اعتدلت العجوز في جلستها، ودوّى صوتها في القاعة عندما قالت: "مارك كارتر"، وانعقدت شفتاها بازدراء وهي تنطق الاسم.

- اسمه مارك كارتر، وقد اغتصبني على أرض أبي.

آخر من ظهر كان مارك كارتر نفسه. لم يحضر شخصياً. المحقق الذي استجوبه أحضر تسجيلاً صوتياً لاعترافه وعرضه عليهم. كان التسجيل ردئ الجودة، لكن الصوت كان واضحاً جداً. بدا ودوداً ومرحاً. بدا أصغر بكثير من عمره الحقيقي (الخمسين). بدا كمراهق. لم يعرض المحقق التسجيل كاملاً، فقط الجزء الأخير. سمعت هيئة المحلفين المحقق يسأل مارك:

- أريد فقط أن أتأكد أن الجميع يعرف. عاملناكَ بشكل جيد، أليس كذلك؟ لم نُجبرك على قول أي شيء أو حتى نضغط عليك، صحيح؟

أجاب مارك بحماس:

- لا، لا. كنتم لطيفين جداً معي.

- كنت جائعاً، فأحضرنا لكَ بيتزا....

- نعم، وكوكاكولا!

- حتى أننا سمحنا لكَ بالخروج لتدخين سيجارة، أليس كذلك؟

- نعم، كنتم رائعين !

- إذاً أنت تتحدث الآن لأنك تريد ذلك .

- نعم. نعم، أريد ذلك.

- كانت معلمتك، أليس كذلك؟

- نعم، كانت كذلك. أخفقت كثيراً في صفها. وأخفقت أكثر الآن. يا رجل، أنا آسف.

-أعلم أنك آسف. وأعلم أنك تريد إصلاح الأمر. من أجلها. من أجل الآنسة بيترسينسكي.

- نعم. هذا ما أريد فعله. من أجلها. من أجل جيني.

الطريقة التي نطق بها اسمها—بحنان. جعلت جلد مويرا يقشعر. لأن الأمر كان غير منطقي. وكان واضحاً لا لبس فيه.

***

تحدثت آنا ومويرا عن الأمر قليلاً فقط في طريق العودة إلى المنزل. قالت آنا:

- من أين يأتي هؤلاء الناس؟ "

فأجابت مويرا:

- لا أريد أن أعرف حتى.

قالت آنا:

- كان غبياً لدرجة أنك شعرت بالشفقة تجاهه.

فقالت مويرا بحدة:

- لم أشعر بالشفقة. إنه حيوان منحرف.

قالت آنا بسرعة:

- أعرف، أعرف... لكن... لا أدري. أتفق معك.

سادت لحظة من الصمت ثم بدأتا تتحدثان عن أشياء أخرى:عن كم كانت مس بوتشي ممتعة في السابق؛ عن تلك الليلة التي التقت فيها مويرا بإدي هناك؛ عن الفروق في التوقعات الاجتماعية بين الرجال والنساء في ذلك الوقت. تناولتا الحديث عن "سيكسي جي"، الذي - بحسب ما لم تعد مويرا تتذكر إن كانت عرفته من قبل - اسمه الحقيقي كان جوناثان. رأت آنا أنه غير مستقر نفسيًا؛ لم يتزوج قط، لكنه أنجب طفلين من امرأتين مختلفتين.

قالت:

- أعتقد أنه من النوع الذي يدخل في شجارات دائمة مع جيرانه.

عندما عادت مويرا إلى المنزل، كان لديها متسع من الوقت لإعداد العشاء، لكن المكونات كانت محدودة: سباجيتي، وعلبة صلصة طماطم، ولحسن الحظ بصلة جيدة وبعض النقانق في الفريزر، بالإضافة إلى جبن بارميزان. وأخيرًا، بعض الريحان من الحديقة. شعرت أن إدي كان راضيًا. تناولا طعامهما وهما يتنقلان بين القنوات، بالكاد يتبادلان الحديث. كانت تعرف تقلبات مزاجه، وتلك النظرة المركزة في عينيه عندما يكون غارقًا في شعور قوي لا يريد الحديث عنه. الرجل الذي يعمل لديه قد يكون وغدًا، رغم أنه كان صديقًا قديمًا.

انتظرت حتى الفاصل الإعلاني لتحدثه عن قضية الآنسة بيتريسينسكي ومارك كارتر. لم تكن تنوي الحديث عنها، ليس فقط بسبب القاعدة التي تمنع ذلك، بل لأنها ظنت أنه سيعلّق تعليقًا ساخرًا عن "عجوز مثيرة". لكنه لم يفعل. عندما أعادت عليه كلمات المرأة:

"لقد اغتصبني على أرض أبي"

ظل صامتًا، لكن تعبير وجهه تغيّر، وشعرت أنه تأثّر بكرامة العبارة. قال أخيرًا:

- سفاح مريض... يفعل ذلك بعجوز!

قالت:

- نعم... لكن كان هناك شيء آخر أيضًا. شعرتُ أن بينهما ماضٍ، شيء مظلم يعود إلى سنين بعيدة. كانا يعرفان بعضهما. كان واضحًا من طريقة حديثهما، من الطريقة التي نطق بها اسمها.

ثم أعادت على مسامعه الطريقة التي نطق بها مارك كارتر اسم المرأة، بلهجة مفعمة بالمودّة. قال إيدي:

- اللعنة! إنها قصة حب! تلك العجوز منحته أفضل جنس في حياته، يستحق كل دقيقة يقضيها في السجن! هذا الوغد المريض!

ثم عاد البرنامج التلفزيوني للظهور، واستمرت الليلة. لم تعترض مويرا على كلماته في تلك اللحظة. حتى أنها شعرت بحقيقة غريبة فيها، شيء معقّد وقوي برق للحظة ثم اختلط مع نسيج الحياة اليومي. لكن لاحقاً، عندما كانا في السرير، أعادت فتح الحديث. قالت:

- ما قلته ليس صحيحًا، بخصوص القضية اليوم. هي لم تُعطه شيئًا. هو انتزع ذلك منها عنوة.

في البداية لم يعرف إدي عما تتحدث. ثم قال:

- أعرف. كانت مجرد طريقة في الكلام. لا تدققي في كلماتي.

ثم التفت كل منهما إلى جهته لينام.

لكن مويرا بقيت مستيقظة. أخيراً، في الثالثة صباحاً، ارتدت رداءها ونزلت إلى الطابق السفلي. رغم البرد، خرجت إلى الشرفة المسيجة وجلست هناك، تسمع صوت مارك كارتر الطفولي الغريب يقابل ازدراء العجوز المهيب، كلماتها الملحمية. جسدها الممزق. قصة حب.  شعرت بموجة من شيء لا يمكن تحديده، يتصاعد داخلها بقوة مخيفة. مرة أخرى عادت إليها رائحة الليل: ريحانها الشهي، ليلكها المتقد، وتعقيد الأشياء غير المرئية. لكن هذه الأشياء لم تهدئها. وفجأة، تذكرت تانيا، طفلتها الصغيرة، إحساس جسدها، يديها الصغيرتين وأظافرها الدقيقة. تذكرت فرح حبها وخوفها القاتل من هشاشة الطفلة. قفزت الدموع إلى عينيها وانحدرت على وجهها. حب عاجز، وخوف نبوئي؛ وفي انعطافة حادة، اختلط هذان الشعوران بغضب جارف، دفعها إلى الوقوف فجأة، والدم يندفع في عروقها أرادت أن تحطم شيئًا أو أحدًا. لكن من؟ من تستهدف؟ تخيلت نفسها تضرب المغتصب على وجهه وجسده، لكنها لم تشعر بالرضا. كلا، لم تكن تريد أن تحطم ذلك الرجل الحزين الغبي. إذاً من؟ ماذا؟ جلست في البرد، تتنفس بعمق وتنتظر أن يزول هذا الشعور. بقيت جالسة لفترة طويلة.

(النهاية)

***

.....................

الكاتبة: ماري جيتسكيل / Mary Gaitskill روائية وكاتبة مقالات وقصص قصيرة حائزة على جوائز مرموقة. رُشِّحت أعمالها لجائزة الكتاب الوطني، وجائزة دائرة نقّاد الكتاب الوطني، وجائزة بين/فوكنر. وقد نُشرت كتاباتها في مجلات بارزة مثل النيويوركر، وهاربرس، وإسكواير، بالإضافة إلى سلسلتي أفضل القصص القصيرة الأمريكية وقصص جائزة أو. هنري.

 

للشاعر النرويجي: أرنولف اوفرلاند

ترجمة سهيل الزهاوي

***

لو كنتُ شجرة،

لو كنتُ شجرة،

لكانت لي أفراحٌ صامتة.

لأتتني تلك السعادةُ من أماكن بعيدة.

لو أنني فقط أفسحتُ لها السبيل.

*

لتسكنني الطيورُ وتبني فيَّ أعشاشها،

وأقفُ على جانب الطريق؛

فيقصدني أبناءُ البشر المُرهَقون،

ويلتمسون السكينةَ في ظلي؛

وكان كلُّ شيءٍ سيأتي إليَّ.

*

ريحٌ لكانت تهدرُ فيَّ،

ونحلٌ يحملُ لقاحي،

تمضي الأيامُ من حولي،

وتسكبُ الليالي نداها فوق أوراقي.

*

فوق هذه الأرض تمضي الفصول،

تخترقني جميعًا في مسيرها،

تُثقلني الثمارُ بفيضها،

وتتساقطُ أوراقي،

ثم يعودُ الربيعُ فيبعثُ فيَّ الحياةَ من جديد.

*

تحتَ النجومِ الصامتة،

كنتُ لأرقدَ رقدتي في الثلج،

لو كنتُ شجرةً!

***

.....................

* أرنولف أوفرلاند وقصيدة "لو كنتُ شجرة": فلسفة الصمود في زمن الاضطراب

في تاريخ الأدب النرويجي، تبرز قصيدة "لو كنتُ شجرة" (Var jeg et tre) للشاعر أرنولف أوفرلاند كعلامة فارقة، ليس فقط لجمالها الغنائي، بل لكونها "مانيفستو" صامتاً للسكينة في عصر كان يضج بالتحولات الكبرى. نُشرت هذه القصيدة عام 1927 ضمن مجموعته الشهيرة "الجبل الأزرق" (Berget det blå)، لتمثل ذروة مرحلة "الغنائية التأملية" في مسيرة شاعر سيتحول لاحقاً إلى صوت المقاومة الأول في بلاده.

سياق عاصف ورمزية صلبة

لم يكن اختيار أوفرلاند لرمزية "الشجرة" في عام 1927 محض صدفة جمالية. فقد كان المجتمع النرويجي آنذاك يغلي فوق صفيح ساخن من الاضطرابات العمالية والصراعات الطبقية الحادة. وسط هذا الضجيج السياسي والفوضى الاجتماعية، لجأ أوفرلاند إلى الطبيعة، لا هروباً منها، بل بحثاً عن "نموذج للصمود". الشجرة في قصيدته ليست مجرد نبات ساكن، بل هي كائن أخلاقي، ثابت في مكانه، يقف على قارعة الطريق ليمنح ظله وأمانه للجميع دون تمييز؛ إنها تجسيد لليوتوبيا (المدينة الفاضلة) التي عجزت الأيديولوجيات عن تحقيقها.

لغة "السهل الممتنع" وحرب الهويات

"... خاض أوفرلاند في تلك الفترة معارك ثقافية طاحنة، أبرزها "حرب اللغات" في النرويج. وباعتباره المدافع الأول عن لغة "الريكس مول" (Riksmål) — وهي النسخة الأدبية الكلاسيكية والرصينة التي تطورت لتصبح لغة "البوكمول" (Bokmål) المستخدمة رسمياً اليوم — أراد أوفرلاند من خلال هذه القصيدة أن يبرهن على أن هذه اللغة قادرة على ملامسة أعمق الشجون الإنسانية بأقل عدد من الكلمات. لقد صاغ القصيدة في قمة صفائها اللغوي؛ مكثفة، واضحة، وخالية من الحشو، فيما يُعرف أدبياً بـ "السهل الممتنع"، حيث الكلمة البسيطة تحمل خلفها عمقاً وجودياً هائلاً

الواقعية الروحية في قلب الراديكالية

رغم انخراط أوفرلاند في حركة  باتجاه الفجر "Mot Dag" اليسارية الراديكالية، إلا أن قصيدة "لو كنت شجرة" كشفت عن جانب إنساني شفيف بعيد عن النبرة الثورية الصاخبة. القصيدة تنتمي إلى تيار "الواقعية الروحية" الذي ساد في أوروبا بعد أهوال الحرب العالمية الأولى؛ وهو تيار حاول استعادة التوازن النفسي للإنسان من خلال إعادة الارتباط بالطبيعة. لقد قدم أوفرلاند الشجرة كـ "ملجأ داخلي"، وصورة مثالية للإنسان الذي يطمح أن يكونه: كائناً يتحمل ثقل الحياة (الثمار) وقسوة الزمن (الفصول) بكرامة صامتة، بعيداً عن ضجيج "بني البشر" وقلقهم الوجودي وخوفهم من الغيبيات.

الخاتمة: الشجرة كبيان للكرامة

بهذه القصيدة، ثبّت أرنولف أوفرلاند مكانته كشاعر للروح والواقع معاً. لقد علّمنا أن الأمان والعدالة لا يحتاجان دائماً إلى صراخ، بل يحتاجان أحياناً إلى "رسوخ الأشجار". "لو كنتُ شجرة" ليست مجرد أمنية طفولية بالراحة، بل هي دعوة ناضجة للتحلي بصلابة الطبيعة ونقائها، وهي تذكير دائم بأن أسمى أشكال النضال قد تكمن في القدرة على البقاء صامداً، مثمراً، ومانحاً للطمأنينة وسط عواصف الحياة.

ضمن مجموعته الشهيرة "الجبل الأزرق" 1927

بقلم: أماليا أولمان

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

بدأت الأمور عندما نفذت وزارة المساواة "برنامج التنوع". كنت عاطلاً عن العمل منذ زمن طويل، وجعل القانون الجديد تنويع الموظفين إلزاميًا على جميع الشركات. كانت الأمور تزداد يأسًا، فانجذبت على الفور إلى أول إعلان رأيته على الموقع الحكومي:

" هل تبحث عن وظيفة مرنة في الهواء الطلق؟ تحب المشي؟ اربح المال وأنت تمدد ساقيك.

تفاجأت أن شركة "إل كوبرادور ديل فراك" ما زالت موجودة، لأنه مرّ وقت طويل منذ أن رأيت أحد محصلي ديونهم - أولئك الرجال ببدلات الفراك والقبعات العالية. على أية حال، كان هذا أفضل من أن أكون أمينة صندوق في سوبرماركت، أجلس طوال اليوم، أعاني من الصداع بسبب الأضواء الفلورية والثرثرة عن القسائم والتخفيضات الموسمية. لذا تقدمت للوظيفة.

في يوم المقابلة، كنت شديدة التوتر. ولم يُساعد في تهدئتي أن الجدران كانت مغطاةً بجوائز صيد. في كل اتجاه ألتفت إليه، أرى حيوانًا ميتًا: ماعز، أسود، أرانب، وحتى ثور. قال المدير بيدرو - وأنا أحدق في أنفه لأنه كان أحول -:

- المدير التنفيذي صياد ناجح.

كانت المقابلة سريعةً للغاية. لم تكن أي من النساء الأخريات اللواتي حضرن يمتلكن رخصة قيادة، لذا منحوْني الوظيفة على الفور. هنأني بيدرو قائلًا إنني أول امرأة في التاريخ تصبح "كوبرادور ديل فراك" - أو في حالتي، "كوبرادورا". قال مبتسمًا:

- أنتِ تُصنعين التاريخ!

شرح بيدرو كل التفاصيل: في يومي الأول، سأحضر لأرتدي الزي الرسمي، وأدرس ملفات "الفرد" -المدين في الواقع- الذي يجب أن أتعقبه، ثم آخذ مفاتيح إحدى سيارات الشركة. لاحظت أنهم يستخدمون كلمة "الفرد" بدلًا من "المدين"، مما أضحكني، لكني توقفت عندما رأيت أن ذلك يزعج بيدرو. لم أرد أن يظن أني أضحك عليه... بسبب عينيه، كما تعلم.

كان الزي الرسمي أكثر ما حمّسني، لكن عندما سألت عنه، أخبرني بيدرو أن علينا شراءه بأنفسنا. قال لي: "اعتبريه استثمارًا، أداةً في المهنة". ولاحظ خيبة أملي، فاقترح إعارتي واحدًا مؤقتًا. غادرنا مكتبه ومررنا بقاعة كبيرة مملوءة بمكاتب موظفين، حتى وصلنا إلى خزانة تحوي أقلامًا ترويجية ومنشورات وقبعات رفيعة احتياطية. بينما كان جميع الموظفين يحدقون بي. لسبب ما، بدوا شاحبي الوجوه، حزينين، وكأنهم منهزمون. لا أعتقد أنهم سعداء برؤيتي. لقد كان هذا المكان حكرًا على الرجال منذ تأسيسه عام ١٩٧٨. وجودي هنا كان إعلانًا عن بداية النهاية. لم ألومهم. كانوا مُحِقّين.

كان الزيّ الوحيد المتاح بمقاس XXL، لكن بيدرو قال إنه لا يهم طالما لم أتعثر بالسروال وأن القبعة العالية لا تحجب رؤيتي. بالإضافة إلى ذلك، قال، بعد أن أحصل على العمولة من "أول صيد"، سأتمكّن من شراء واحد يناسبني- ربما بمقاس الأطفال، والذي كان أرخص على أية حال. قال:

- النساء دائمًا يكنّ الأسهل حظًا

كنت على وشك أن أقول له أن هذا غير صحيح، لكن اكتفيت بالإيماء وقلت:

-   شكرًا.

- تذكّري، أنتِ الأولى! أنتِ تصنعين التاريخ!

خرجت من المكاتب إلى شارع أورينسي أشعر وكأنني على قمة العالم.

وكان هذا كل شيء لذلك اليوم. ثبتّ أطراف السروال ومارست المشي حول شقتي مرتدية الزيّ. طاردت قطتي "ليلا" وأخبرتها بأنها مدينة لي بالمال، وأنها لم تدفع الإيجار طوال حياتها اللعينة.

في تلك الليلة، بالكاد استطعت النوم. كان معدتي مليئة بالفراشات، تمامًا كما قبل أول يوم دراسي بعد صيف طويل. في الصباح، استيقظت قبل أن يرن المنبّه.

وصلت إلى المكتب في اليوم التالي، ارتديت البدلة، التقطت أوراق "الفرد"، وانطلقت بسيارة الشركة. لم يكن لدي أية معلومات عن المدين سوى عنوانه واسم شركة غامضة تدعى "فارسوفيا ذ.م.م". وما إن وصلت حتى لاحظت أن العنوان ليس سوى واجهة متجر بائسة، زجاجها مغطى بطبقات من ملصقات النوافذ اللاصقة، مما لمل يبشر بخير. إذا لم يظهر "الفرد"، سأكون عالقة في الانتظار طوال الدوام – وهذا أمرٌ فظيع.

أثناء تجوالي في الشارع، أدركت سريعًا أن أحد أسوأ أجزاء الوظيفة هو أن الجميع يكرهونني. دخلت مقهى لاستخدام الحمام، فطردوني على الفور إلى الشارع مطاردين بمكنسة، مما اختبر قدرتي على الجري بهذه البدلة الضخمة. ارتداء زي المحصل جعلني كالأبرص. لا أحد أراد الاقتراب مني. كان الأطفال يخرجون ألسنتهم في وجهي، وأمهاتهم يسرعن بالمرور. معظم الناس خافوا أن أكون مطاردة لهم. من الفتاة التي سرقت فستانًا من "زارا" إلى السيدة التي نسيت دفع فاتورة الكهرباء، الجميع هرب مني.

كنت أتأمل لساعات أنماط الملصقات اللاصقة على النافذة عندما حدث ذلك، عندما سمعت فجأة شخصًا يعبث بقفل المتجر. بووم. فتح الباب، وقفز قلبي. خرج رجل قصير يرتدي قبعة بيسبول زرقاء. كنت متوترة لدرجة أنني حين حاولت الصراخ في وجهه، خرج صوت صفير خافت بدلاً من ذلك. مرتعشة، ركضت خلفه ولمست كتفه. استدار وهو في حيرة. أما أنا؟ وقفت هناك، مصدومة. "فارسوفيا ذ.م.م" كان مانو  -  معلم اللغة الألمانية. وقفنا هناك، متجمدين. بلا كلمات.

في عام ٢٠٠٤، كنتُ في الصف الثالث الثانوي. كانت تلك أيامًا رائعة. أنا وصديقتي المفضلة راشيل كنا غريبتي الأطوار، لكن لم يتنمر علينا أحد. كنا جذابتين، نشرب الكحول ونمارس الجنس، مما جعلنا رائعتين في أعين الجميع- حتى وقع "الحادث" بالطبع. كنا متلازمتين مثل الظل، نجلس معًا في كل الحصص. ولضمان استمرار الأمور على هذا النحو، اخترنا لغةً لا يريد أحد أن يدرسها: الألمانية.

بدت الحصص في البداية مثالية. كان لدينا ذلك المعلم الوسيم الجذاب الذي يحكي لنا النكات والقصص عن سفرياته. كان ممشوق القوام، أسمر البشرة، فصيحًا.  أحبه الجميع. كان أروع رجل في العالم. كل شيء فيه كان مثاليًا إلا قلبه. وعندما غادر لإجراء عملية زراعة قلب، حل محله رجل قصير غريب الأطوار، دائم السخط:  مانو.  خاب أمل الجميع. وكأننا نناصر معلمنا السابق، بدأ الجميع يطلقون على مانو ألقابًا مهينة. كان هناك "بيبي باندا" بسبب الهالات السوداء تحت عينيه، و"الفأس" بسبب رائحة عرقه النفاذة. في النهاية استقر الجميع على "٣ في ١" لأن شخصيته كانت مزيجًا من ثلاثة من الأقزام السبعة: النعسان، الغضبان، والخجول.

لقد حولوا حياته إلى جحيم. كل صباح كان يظهر أكثر انهزامًا من اليوم السابق، وهذا زاد من قسوتهم جميعا إلا أنا. ما لم يعرفه أحد، حتى راحيل، هو أنني كنتُ مغرمةً تمامًا بــ"٣ في ١". كلما دخل الفصل وهو نعسان، يجر قدميه الصغيرتين، تمنيتُ أن أقع عليه وأغطيه بملايين القبلات.

بدأ كل شيء في اليوم الذي ارتديت فيه قميصًا بنقوش "بانك" من برشكا. سألني إن كنت أحب جووي ديفيجن. لم أفهم ما قاله، لأنه بمجرد اقترابه كفاية ليتحدث، شممتُ رائحة شعره وتجمدت في مكاني. أعجبتني رائحته. قال إنه سيُحضر لي أسطوانة حتى لا أرتدي قميص فرقة لم أسمع موسيقاها أبدًا. هززت رأسي. لم أعرف ماذا أقول. قالت راحيل بعد خروجنا من الفصل.

- يا إلهي، رائحته كريهة جدًا.

عندما ظهر بالأسطوانة، لم أصدق عيني. ظننتُ أنه سينساني تمامًا، لذا حين جاءني بعد الحصة وأخرجها من حقيبته الجيشية "الرائعة" التي يحملها بشكل متقاطع، كدت أذوب من الخجل. "أوه! سأضطر لإحراق هذه الأشياء عندما أعود للمنزل، إنها ملوثة تمامًا!" كذبتُ على راشيل في محاولة لإخفاء مشاعري.

في ذلك اليوم، عندما عدت إلى المنزل، استمعت إلى الأسطوانة مرارًا وتكرارًا. توقفت فقط للذهاب إلى حصة السباحة. لكن حتى هناك، في حمام السباحة، كنت أطفو بلا هدف، أفكر فيه. نظرت إلى جسدي العاري في مرآة غرفة الملابس وتساءلت إن كان سيعجب بجسدي رغم أنني لم يكن لدي صدر بعد. قلت في نفسي: لا يفهمون شيئاً حين يلقبونه بـ'3 في 1'. هذا الرجل استثنائي، يهتم بأمور مهمة كالفن والسينما. هم ببساطة لا يستوعبون ذلك."

بعد يومين، اقترب مني بعد حصة اللغة الألمانية ليسألني عن رأيي في الأسطوانة. أخبرته أن أغاني ذا كلاش كانت المفضلة لدي، بينما أثارت فرقة كورتاتو شيئاً من القلق لدي بسبب مواقفهم المناصرة للانفصاليين الباسك والإرهاب،  لكنها تبقى رائعة. قام بنسخ المزيد من الأسطوانات وبقي بعد الحصة لمناقشتها معي. قلت لراشيل:  "يا إلهي، يبدو مهووسًا بي. هذا مخيف حقا!"، ، بينما في الحقيقة كنت مغرمة به بشدة ومستعدة للزواج منه.

استمر في إعطائي أسطوانات حتى توقف فجأة. لاحظت التغيير. انتظرت بضعة أسابيع لكنه بدا وكأنه يتجاهلني عمدًا. شعرت بالحزن والارتباك. لماذا يفعل هذا؟ قالت راشيل: "لا بد أنه حصل على صديقة، لكلٍّ طريقته كما تعلمين" حتى أنها لاحظت الأمر! هذا أثار غضبي. كنتُ أتوق لجذب انتباهه مجدداً:غيرت من أسلوبي في الملابس لجذب انتباهه. أصبحت أكثر "بانك". اشتريت مجموعة من الرقع والأزرار من متجر الكتب الأناركي. أصبحت أكثر "بانك". قصصت شعري بأشكال مختلفة. لا شيء. صبغته باللون البنفسجي. لكنه تجاهلني تمامًا. شعرت أنني أريد الموت.

انفجرت غضبًا وبدأت أناديه "3 في 1" مثل الجميع. لكني كنت مهووسة. غاضبة. أردت أن ألعب بمشاعره كما لعب بمشاعري. أردت الانتقام. قررت أن أُغويه بأي وسيلة ممكنة. خطرت لي فكرة: سأتظاهر بالمرض في يوم الامتحان حتى أضطر لأجريه في يوم آخر بعد المدرسة. بمفردي. معه.

عندما حان ذلك اليوم، ارتديت سروال جينز منخفض جدًا يظهر حزام ملابسي الداخلية الوردي. وكنت أتظاهر بإسقاط القلم على الأرض كي أنحني وأظهره. لا بد أن المشهد كان مثيراً للإحراج، لأنه في النهاية انفجر..:

- أمايا، توقفي! ما هذا الذي تفعلينه؟

قالها بغضب تقريباً، وأخبرني أنه يستطيع رؤية ملابسي الداخلية.

نطقت فجأة:

- أليس هذا ما يُسمى موضة؟

أكملت الامتحان وقدمته إليه، وأنا أسحب قدميَّ بامتعاض. في تلك اللحظة، كنت قد فقدت كل أمل، لكن عندما وضعت الورقة على مكتبه، أمسك بيدي فوق الورقة محدّقاً في عينيّ.

- لدي المزيد من الأقراص الموسيقية في المنزل.

قالها وهو ينظر إلى الأرض

أما ما حدث بعد ذلك، فقد أصبح من الماضي. كنت أذهب إلى منزله مرة في الأسبوع لأستمع إلى الموسيقى، وأدخن الحشيش، ونمارس الجنس. كنتُ أعشق الذهاب إليه. كان يحدثني عن كل شيء، وأنا أحدّق فيه مفتونة بكل ما يقوله عن القصص المصوّرة السرية. في أحد الأيام قال لي إنه يحبني. فأجبته بأنني أحبه أيضًا، تمامًا كما في الأفلام. كنتُ في حالة ضبابية. كنت في الخامسة عشرة وأدركتُ أنني لا أعرف شيئًا عن الحب أو النشوة الجنسية، لكنني كنت معجبةً به حقًا. لذا حتى لو كنتُ أكذب، فقد كان كذبي غير كامل. ربما لم أكن أفهم تمامًا ما أعنيه بكلمة "حب"، لكنني كنت أعرف أنني أشعر بشيءٍ ما، شيء لم أعرف له اسمًا آخر.

بعد شهرين، تم كشف أمرنا وتحول كل شيء إلى فوضى. قاموا بفصله على الفور وبعد بضعة أشهر إضافية، اضطررت إلى الانتقال إلى مدرسة أخرى لأن الجميع استمروا في مناداتي بـ "سنو وايت". لم أره مرة أخرى بعد ذلك، ولكن الأسوأ من ذلك كله أن راشيل كانت غاضبة مني لأنني أخفيت عنها سري. لن أنسى أبدًا خيبة أملها. على عكس البقية، لم تكن تنتقدني بشأن الأمر بل حتى اعترفت بأنها لو كانت في حالة سكر كافية، لربما ضاجعته هي أيضًا. لقد آلمها أنني خنت ثقتها. إذن أجل، هذا ما أعنيه بـ "الحادث".

تصرف الجميع كما لو أنه قد أساء إليّ. وأنا أتفهم ذلك، فقد كان في الثلاثين من عمره. لكن عندما قالوا إنه استغلني، كنت أتذكر كيف كنت أسقط قلمي عمدًا وأحني ظهري لأريه سروالي الداخلي الوردي، وهذا جعلني أشعر بالأسف الشديد تجاهه. إذا كان فاشلًا وضعيفًا كما وصفه الجميع، ألم أكن أنا من أغوته؟ كيف تحول فجأة إلى ذلك الرجل القوي والمتلاعب المسيطر عليّ؟ بكيتُ لأسابيع. قال لي معالجي النفسي إنني بكيت لأنني تعرضت لصدمة نفسية، لكنني بكيت لأنني شعرت بالذنب. لو لم أفعل شيئًا، لكان مانو قد توقف ببساطة عن إحضار الأقراص الموسيقية لي. لقد دمرتُ حياته إلى الأبد، وكان كل ذلك خطأي.

*

وقفنا هناك، متجمدين في أماكننا. عاجزين عن الكلام. في النهاية احتضنته وانهمرت دموعي. قادني إلى المتجر الخالي وأجلَسني على أريكة "إيكيا" قديمة. جلسنا هناك لحظة، نتبادل النظرات. ثم قطع الصمت ليسألني منذ متى وأنا أعمل في "هذا النوع" من الوظائف. أخبرته أنه أول يوم لي. فضحك ثم احتضنني بحرارة. ظللنا جالسين في أحضان بعضنا حتى لاحظت أنه منتصب. قلت له: "أنت منتصب". أطلق سراحي، محرجًا بعض الشيء، فجذبته إليّ مجددًا ومارستُ الجنس معه على الأرض البلاستيكية. لم يكن الأمر مختلفًا كثيرًا عن أيام المدرسة، إلا أنني الآن أعرف كيف أصل إلى النشوة.

بعد ممارسة الجنس، تحدثنا لوقت طويل. أخبرني أنه بعد "الحادثة"، مُنِعَ من العمل كمُدرِّس إلى الأبد ووقع في اكتئاب شديد. في النهاية، تعرَّف على أمينة مكتبة من كوبا، وقع في حبها، تزوّجا، ورُزقا بطفل. قال إن هذه كانت طريقته لمحاولة نسيان كل ما حدث بيننا بأسرع ما يمكن. ولهذا تزوّج بسرعة، دون أن يكون متأكدًا تمامًا. أخبرته أن الأمر لا بأس به إذا كان حقًّا واقعًا في الحب، وأن هذا لن يجعلني أشعر بالغيرة. فقال إن الأمر لا علاقة له بي، وهذا جعلني أشعر بالغباء قليلًا.

في الواقع، كانت الأمور بينه وبين الكوبية تسير على ما يرام حتى كبر طفلهما رافيتا قليلاً، وأدركا أن هناك شيئًا غير طبيعي. أصبح الطفل صعب المراس مع تقدمه في العمر، يصرخ طوال الوقت ويكسر الأشياء. أخذاه إلى أخصائي، وقال الأطباء إن رافيتا مصاب بالتوحد. بدون تفسير واضح، غادرت الكوبية، وتورط مانو في رعاية ابنهما. كان رافيتا يبلغ الآن 13 عامًا وقد طُرد من كل مدرسة التحق بها، لذا اضطر مانو للعمل من المنزل. كان يعمل مُشغّلًا لخط ساخن يُقدّم الاستشارات للنساء اللواتي خضعن للإجهاض أو الإجهاض التلقائي. قال مانو إن هذا ساعده في التغلب على اكتئابه لأنه ذكّره بأن هناك أناسًا يعانون من ظروف أسوأ بكثير من ظروفه. وأنه حتى لو كان ابنه متعبًا أحيانًا،  ففي النهاية، كانا معا.

كان يروي لي كل هذا بينما نستلقي عاريَين على الأرض، وأنا أعبث بخصلات شعره. لم يتغير شيء بيننا. ساد المتجر الخالي هدود لذيذ. لم يعد لدينا ما نقوله. ذابت كلماتنا في صمت الضوء الذهبي الذي كنّا نستحم فيه مثل صغيرين في راحة. حتى انعكس شعاع شمس من إبريق قهوة مباشرةً على وجهي، فأنهضني من غفوتي.

- كم الساعة الآن؟ عليّ أن أعيد سيارة الشركة!

أفسدتُ الهدوء كإعصار. بدأ عقلي يعدو بجنون. المدين هو مانو خاصتي! ماذا سأقول لهم عندما أعود إلى المكتب؟ صرختُ وأنا أبحث عن سروالي الداخلي:

-    إذن أنت تعيش هنا؟

نعم، مانو يسكن في واجهة متجر تجاري لأن الإيجار أرخص. صرختُ من الحمام:

- وكيف صرت مدينا بمبلغ  7000 يورو ؟

أجاب مانو:

- كنت أنا ورافيتا في متجر 'ميدياماركت' عندما صدر صوت صفير من إحدى الأجهزة فأفزعه، فأسقط أحد تلك الشاشات المسطحة العملاقة على الأرض.

قبلته وهرعت خارج المحل لأقود السيارة عائدةً إلى مدريد. كنت سعيدةً لدرجة أنني كنت سأصطدم بسيارتي بعمود إنارة.عند وصولي إلى المكتب، تفحصت نفسي في مرآة الرواق وأدركت أنني أبدو في حالة يرثى لها. مثل ممثلة في غرفة تغيير الملابس قبل الصعود إلى المسرح، عدّلت ربطة عنقي وأصلحت مظهري قدر استطاعتي واستعددت للكذب:

- لم يظهر الشخص المعني في العنوان المذكور في التقرير.

قال بيدرو إن الأمر ليس بالأمر الجلل - من الطبيعي ألا يعثر المرء على الشخص من المحاولة الأولى. كان علي فقط أن أعود في اليوم التالي. وهذا بالضبط ما فعلته. عدت كل يوم لمدة أسبوع حتى بدأت أبدل قليلاً في مواعيدي لكي لا أكشف أمري. أحيانًا كنت أصل إلى ليغانيس وأقضي اليوم كله بملابسي المدنية، أتسكع مع مانو ورافيتا في الحديقة أو في مول إيسلازول، نتفرج على الملابس التي لا نستطيع شراءها. أصبحت حياتي تدور حولهما بالكامل، بينما توقفت حياتي خارج هذا العالم الصغير تمامًا. شعرت وكأنني لم أزر شقتي منذ سنوات، كل شيء في ثلاجتي كان متعفنًا وقطتي ليلا كانت تكرهني. كنت مهووسة بمانو، بإنقاذه، بإعادة ما سلبته منه. عندما كنا وحدنا، كنت أقضي اليوم عارية. أحياناً كان مانو يعمل على خط الإجهاض الساخن بينما ألمس نفسي في الجانب الآخر من المحل الفارغ، أراقبه. كنا نصنع وجوهاً مضحكة ونضحك على بعضنا. أتمنى لو أستطيع وصف بعض اللحظات الأكثر سعادة، لكني في الحقيقة لا أتذكر الكثير. تتسرب السعادة دائمًا من بين الأصابع.. كل ما أردته حقاً كان القفز إلى السرير مع مانو والاقتراب منه لدرجة أن يتحول كل شيء آخر إلى ضباب.

للأسف، كنت بحاجة إلى المال، وبما أن عملي كان يعتمد على العمولة، فإن الأيام التي لم أذهب فيها إلى ليغانيس كان علي أن أعمل بجد، بزيي الرسمي، ألاحق "الأشخاص المستهدفين" الآخرين. في إحدى المرات، استدار أحد هؤلاء الأشخاص وصفعني مباشرة على وجهي، لكنه اعتذر بشدة عندما أدرك أنني امرأة. شعر بالسوء الشديد لدرجة أنه وافق على تسوية كل ما عليه في نفس اليوم. وعند عودتي إلى المكتب، احتفلنا. كانت هذه أول عملية ناجحة لي. وبينما كنت أضغط الثلج على عيني، سلمت النقود إلى بيدرو. هذا الأسلوب أصبح جزءًا من طريقتي لاحقًا. كنت أتابع أهدافي، محاوِلةً التصرف بأكبر قدر ممكن من الذكورة، حتى أتعرض للاعتداء منهم، ثم أبكي، وأكشف أنني امرأة، وأجعلهم يشعرون بالذنب لدفع ما عليهم. والغريب أن الخدعة كانت تنجح في كل مرة.

بعد شهرٍ من هذا العذاب،  صرت منهكة تماما، مغطاة بالكدمات وأشعر بالألم في كل جسدي. كنت أرغب في التوقف عن الكذب والتعرض للضرب من قبل الغرباء، لكنني ما زلت بحاجة إلى المال. لم أكن أعرف ماذا أفعل. كنتُ غارقةً في الرغبة، والشعور بالذنب، ومحاولة إنقاذ مانو. لكن في النهاية، كان عليّ الاستقالة. لم يكن هناك خيار آخر. كنت أنتظر من مانو أن يرشدي، أن يعطيني إشارة ويخبرني بما يجب علي فعله، لكن اليقين الوحيد الذي كنت أحصل عليه منه هو أنه سيكون في انتظاري في منزله وسيحتضنني إذا حضرت. كما كان عدم حماسه هذا مصدر خلافاتنا المستمرة. كان سلبياً لدرجة تدفعني للجنون أحياناً. لكنه كان يحتضنني فتهدأ أعصابي. لم أستطع كرهه حقاً.قد لا يبدو الأمر كبيراً، لكن جسده أصبح مصدر راحتي الوحيد. شعرتُ وكأنني مدمنةٍ تتجه مراراً وتكراراً إلى أوكار الأفيون.

في النهاية، كانت "ليلا" هي من قدمت لي الإنذار النهائي. لقد أهملت شقتي لدرجة أنني نسيت تنظيف صندوق فضلاتها، فلم يكن أمامها خيار سوى التبول على سريري. صعقتني رائحة الأمونيا القوية وأعادتني إلى الواقع. رميت الملاءات في سلة المهملات وقضيت الليل على المرتبة العارية، أحدق في السقف وأخطط لطريقي للخروج، وأتدرب على ما سأقوله لـ"بيدرو" في الصباح.

لكن الأمور لم تسر كما خططت. في طريقي إلى المكتب، عازمة على الاستقالة، وجدت نفسي أمام مجموعة من العملاء الغاضبين يحتشدون عند المدخل يصرخون. كانوا يزعمون أن "إل كوبرادور ديل فراك" قد استرد أموالهم من المدينين، لكنهم لم يعيدوا تلك الأموال أبداً إلى العملاء.

بينما كنت أشق طريقي بين الحشد، صعدت الدرج وأنا في حالة من الحيرة. وعندما دخلت المكتب، اصطدمت بـ"بيدرو" المثقل بالهموم، الذي توسل إلي أن أتحدث مع المحتجين. وقال إنه بما أنني امرأة سأكون أكثر لباقة من "بقية أولئك الحمقى"، مشيرًا إلى الرجال في المكتب. كانت الخطة هي سداد جميع المبالغ في نفس اليوم قبل وصول الصحفيين بكاميراتهم. سألته:

- هل هذا صحيح؟

- ماذا؟ أنهم مجموعة من الحمقى؟

- لا! أنتم تمتلكون الأموال حقاً؟

- الأموال دائماً هنا، في الخزنة، قبل أن تُحول إلى ماربيا في نهاية الشهر.

أجاب وهو يفتح الخزنة.

- تعالي، سأريك.

وسط كل هذه الفوضى، لم أتمكن من إخبار بيدرو برغبتي في المغادرة. لم أنم تلك الليلة، لأنني لم أستطع التوقف عن قراءة الآلاف من التقييمات السلبية للشركة على الإنترنت. لقد تم خداع آلاف الأشخاص. هناك مثل إسباني يقول: "مَنْ يسرق لصاً، ينال مئة عام من الغفران". لقد أخطأ بيدرو حين أراني مكان حفظ الأموال.

منذ ذلك اليوم، بدأت أراقب ما يحدث في المكتب عن كثب. صرت أصل مبكراً قليلاً كل صباح لأطلع على ملفات زملائي وأقدّر حجم الديون التي يجمعونها. حسبت أن هناك حوالي 20 ألف يورو في الخزنة بنهاية كل شهر. كانت راكيل قد انتقلت إلى برلين ويمكنها أن توفر لي عملاً في مطعم بيتزا هات الذي تديره هناك.

قلت لمانو لنذهب إلى برلين!. في ألمانيا، سيحصل رافيتا على تعليم أفضل، ويمكن لمانو العودة إلى التدريس.

- هيا بنا، سنبدأ من الصفر.

بينما كنت أفتح أزرار قميصه، بدأ فجأة يقلد صوت ليونارد كوهين الغليظ وهو يغني: "أولاً سنستولي على مانهاتن، ثم نغزو برلين!" ضحكتُ وقلت له إننا لم نزر نيويورك في حياتنا، فقفز فوقي وبدأ يدغدغني بمرح.

لسنوات كنت أعطيه التعليمات قبل، وأثناء، وبعد العلاقة الحميمة.

"في التاسع والعشرين من أبريل، ستقابلني في المطار، أمام مطعم ماكدونالدز الذي يقع مباشرة بعد نقطة التفتيش الأمني. حين نرى بعضنا، سنسير معاً نحو بوابة المغادرة مع المحافظة على  على مسافة بيننا، ونصعد الطائرة بشكل منفصل. سنطير إلى برلين حيث ستنتظرنا راشيل. سنعيش حياة هادئة في البداية، لكننا سنبني حياة جديدة معاً. أنت، رافيتا، ليلى وأنا. ستكون حياة رائعة، أعدك. أحضر معك الضروريات فقط، واترك كل شيء خلفك. أحبك."

ثم كنت أبلغ ذروتي، مُتَحَمِّسة لمستقبل جديد. مجرد كلمة "مطار" كانت تثيرني. أصبحت هذه كلماتي المثيرة الجديدة، ويبدو أن مانو كان يستمتع بها. كنت أريه شوارع برلين على "خرائط جوجل" فكان يبتسم وهو مفعم بالأمل بينما يلف سيجارة حشيش. كتبت كل التعليمات بدقة، وضعتها في مظروف أزرق أنيق وتركته فوق السرير وهو نائم.. في اليوم التالي، اشترى لي زهورًا.

حلّ يوم التاسع والعشرون. أنهيتُ نوبتي وانتظرت في الحمام حتى يغادر الجميع المكتب. كان من المفاجئ أن الحصول على النقود كان سهلاً، رغم أنها كانت أقل بكثير مما توقعت. وعلى الرغم من أن "إل كوبرادور ديل فراك" كانوا أنفسهم نصّابين ، كانت طرقهم ما تزال تقليدية جدًا. لا كاميرات، لا أثر رقمي. مجرد ابتزاز، قوة خام، وخوف.

ذهبتُ إلى شقتي، وضعتُ ليلا في حاملها وركبتُ سيارة أجرة إلى المطار. ألقيتُ هاتفي من النافذة كي لا يتم تعقبي. وانتهى الأمر. لم يكن هناك مجال للعودة. بحلول وقت وصولنا إلى صالة المغادرة، كان قلبي ينبض بسرعة وبقوة وبصوت عالٍ لدرجة جعلتني أتساءل إذا كنتُ بحاجة إلى عملية زرع قلب أيضاً، تماماً مثل معلمنا الألماني الأول، الوسيم. كانت الأمور تسير ببطء شديد وتتسارع في الوقت ذاته. ضباب من الشاشات، وجداول المواعيد، والمغادرات والوصول. لم أكن أعلم كم هو مرهقٌ أن تحمل هذا القدر من النقود. ظلت "ليلا" صامتة وكأنها تعرف ما سيحدث. بالطبع، كانت تعرف. انتظرتُ مانو أمام مطعم ماكدونالدز بعد نقطة التفتيش الأمنية مباشرة، تمامًا كما أخبرته ليلة الأمس، لكنه لم يظهر أبداً. بحثتُ عن هاتف عمومي، ، لكنه لم يعد موجودًا. طلبت من أحد الأشخاص استعارة هاتفه، لكن محاولتيْن ذهبتا مباشرة إلى بريده الصوتي. وصلت إلى البوابة وهم على وشك إغلاقها، وقد نفد صبري، ودخلت الطائرة.

عندما جلستُ، بدوتُ متوتراة جداً لدرجة أن المرأة الجالسة بجانبي اعتقدت أنني أخاف من الطيران وأمسكت بيدي. وما أن شعرت بلمستها، بدأت أبكي. كانت تحاول مواساتي، لكن بعد ذلك بكيت بشكل عشوائي لدرجة أننا انتهينا نحن الاثنان بالضحك. وضحكنا بشدة حتى بدأ المسافرون الآخرون يضحكون أيضًا. وعندما توقفنا أخيرًا وحل الصمت المحرج، اجتاحتني موجة هائلة من الارتياح: كنت حرة أخيرًا.

هبطنا في برلين، واجتزتُ الجمارك دون مشاكل. كانت راشيل تنتظرني على الجانب الآخر. تحمل لافتةً على شكل قلب مكتوب عليها: "أمايا + ليلا إلى الأبد".

قالت، بابتسامة عريضة:

- ما الذي أخرك ؟

(تمت)

***

.........................

الكاتبة: أماليا أولمان/ Amalia Ulman: أماليا أولمان (مواليد 1989) هي فنانة ومخرجة أرجنتينية-إسبانية تعيش وتعمل بين نيويورك ولوس أنجلوس. يستكشف عملها متعدد التخصصات، من خلال السرد القصصي الخيالي، التوترات بين العولمة والنزعة الاستهلاكية والصورة العامة والرغبات الخاصة. وُلدت أولمان في الأرجنتين عام 1989، ثم هاجرت مع عائلتها إلى مدينة خيخون في مقاطعة أستورياس الإسبانية، حيث عاشت سنواتها الأولى. في 2009، انتقلت إلى لندن لدراسة الفن في كلية سنترال سانت مارتنز، وتخرجت منها عام 2011. في 2013، تعرضت لحادث حافلة خطير تركها بإعاقة دائمة.

رابط النص الأصلي:

https://www.guernicamag.com/the-german-teacher/

 

بقلم: هيلين مورت

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

ميزان

وزني

أربع سلوقيات،

*

لاعبا جمباز صينيان،

نصف رامي ثقل.

*

يمكن قياسه

بأكياس سكر، مرطبانات مربى،

*

ريش يكفي لستين وسادة،

او سرب طيور ميتة

*

ولكن في بعض الأيام

يزيد على المنزل،

*

بطول طريق "بلير آثول".

انا "البرج الملتوي"

*

ملتفا ومنحنيا

فوق المدينة.

*

اقيس نفسي

على السماء بمعطفها الشتوي،

*

آثار نبات متحلل في الماء،

هواء محبوس في المشعات ليلا،

*

إزاء نـَفـَسي المحبوس،

او جملك غير المكتملة،

*

يدك على ظهري

مثل راكب

*

يلمس واجهة السيارة

حين يفرمل السائق،

*

كأن بإمكانه ان يبطئ الأشياء.

اقيس نفسي

*

على الحب – أثقل، أخف

من كلينا.

***

.................

هيلين مورت: شاعرة وروائية بريطانية من مواليد مدينة شفيلد لعام 1985. تلقت تعليمها في كلية كرايست ونالت شهادة الدكتوراه من جامعة شفيلد حيث تعمل أستاذة للكتابة الإبداعية فيها. نشرت مجموعتها الشعرية الأولى عام 2013 تحت عنوان "شارع التقسيم" وفي عام 2016 نشرت مجموعتها الثانية "لم تستطع اية خراط ارشادهم." نالت الشاعرة جائزة فويل للشعراء الشباب خمس مرات، ونالت جوائز أخرى عديدة او رشحت لنيلها.

بقلم: دامون غالغوت

ترجمة: صالح الرزوق

***

لم نكن لا نحبه (المقصود بهذا الكلام رجال تحترمهم: يمكننا أن نكون أشرارا، ودجالين وعنيفين بدون قصد، ولكن إذا دعت الظروف، يمكننا التفاهم مع بعضنا البعض). كان صبيا برأس أحمر واضح، وسن أمامي فقد لونه. اسمه دانييلز، وجاء من بارل Paarl. كنا اثني عشر شخصا في تلك الخيمة ولشهرين. وانتشرنا هنا، بعد تدريبات أساسية، كما هو حال الحياة العسكرية في كل أرجاء العالم، في قواعد ومواضع تشمل كل البلد، وأصبحنا سكانا مؤقتين في أكواخ للحراسة، وغرف خشبية للمراقبة، وثكنات، وتجمعات. وأخبرونا أن فترة سنتين مدة قصيرة لخدمة بلدنا. ولكنها تكفي لتتجول خلالها بين الكثير من الأماكن وأنت بحالة انتظار. (وهي كافية لتموت، ولكن هذا موضوع آخر). تم نقلي بين ثلاث معسكرات مختلفة قبل هذا الموضع: فالابوروا في ترانسفال الشرقية، وبيت لحم في البلاد الحرة، ويوبينغتون في كيب. وفي آخر عامي الأول انتقلت مجددا: في هذه المرة إلى الشمال بالقرب من الحدود. وطبعا هي حدود جنوب غربي إفريقيا، وكانت مشهورة في السابق بأنها مكان الحروب الحقيقية، وسبقها ملايين الحدود الأخرى التي ترتسم الآن داخل البلد (وطبعا أنا أشير للعلاقات المحلية، ولكن ذلك أيضا موضوع آخر). لا يزال الناس يموتون هنا، ولكن موتهم بعيد عنا. أقمنا في معسكر صغير، بعيدا عن القواعد الكبيرة التي تتخلل الغابة. ونمنا في خيم وتبرزنا في حفر حفرناها. كان هناك شيء بدائي حول وجودنا، كما لو أننا اقتربنا من الطبيعة. حتى ملابسنا - البنية المعهودة - مموهة. وكنا لبعض الوقت ننتشر في طبيعة صعبة. ولو أخذنا الكلمة بمنحاها الغريب، كنا بعيدين جدا عن الحضارة، كانت محنتنا ميتافيزيقية: وأصبحت أشعر بالمسافة والوقت. ولكن كنت أعلم سبب وجودي، أنا وجميعنا. وهو الحرب، والموت والألم. وهذا يعطينا هدفا ما في النهاية. نام دانييلز في سرير يفصله عني سريران. وقد أرسل من معسكر قرب بلومفونتين. وكما أخبرني مجددا، كان نقله عقوبة على مخالفة افتراضية. كان حضوره في الخيمة صامتا: يحيط به الهدوء والحياد. والنشاط الوحيد الذي يعزله عن البقية هو هوسه بالشطرنج، وعلى ما يبدو أنه يلعب ضد نفسه، دون أي غاية، وذلك على رقعة شطرنج باهتة. ذهبت إليه وسألته: "هل تريد أن تشاركني اللعب؟". رفع نظرته الجامدة وسألني: "هل ترغب بذلك؟". قلت له: "نعم. قليلا. كان أخي ماهرا به". جهز الرقعة. وخسرت.

بعد ذلك لعبنا مرارا. كان لاعبا أفضل مني، وغالبا ما هزمني. وبطبيعتي لم أكن خاسرا طيبا. ولكنني لا أحقد بعد الخسارة. الهدف أن نلعب. لحقنا الضجر هناك، في مملكتنا هذه ذات السهول المترامية الأطراف. لم يكن هناك شيء يخفف من الملل، من المعنى الغامض لأن تكون حيا. كنا نحرس بين وقت وآخر. ونشارك بالدوريات. ولكن بنظر البقية كنا جنودا نؤدي الواجب، وأنفقنا وقتتا كما ينفقه الجنود: نسكر، ونتبادل النكات، وكانت لدي أشياء أخرى تشغلني. إذ أنه لدي طموحات شعرية: أردت أن أكتب قصيدة. كل ليلة أتحدى جمود زملائي الأميين (بعضهم يبتعدون صامتين في رهانهم للتهرب من الكلام)، أدون الشعر على دفتر بنابض صغير أحتفظ به لهذه الغاية في خزانتي. لم تكن قصيدتي جيدة. وكنت أنا والقصيدة نعرف ذلك عن ظهر قلب: وفي تلك الأيام لم أكن وحيدا تماما. كنت أنا ودانييلز رفيقين. وأستعمل الكلمة بمعناها غير المباشر. لا توجد صداقات عند الحدود، ولم نتشارك بالأسرار. (حتى أنني نسيت اسمه الأول، إذا كنت أعرفه جدلا). ولكننا ترافقنا في المهمات الصغيرة الكثيرة ومنها الاستمرار بالحياة في ظروف الغابة: غسيل الملابس، والحراسة. وفي إحدى المرات سمح لي برؤية صورة عشيقته، بنت طويلة ونحيفة بمقوم أسنان. وكانت لا تزال في المدرسة الثانوية. لم نكن نرفضه. فقد كان في الخيمة أشخاص أغرب منه، ولكن حتى تجاه أولئك لم نظهر العداء. القوانين الطبيعية لا تعمل في الغابة. كلنا تم إرسالنا إلى هنا لفترات مختلفة بغاية العقوبة، ولم يكن لدينا خيار غير تحمل بعضنا البعض. لم يكن هناك حب، ولكن هناك تفاهم. وهكذا كنا جميعا شهودا على معركة غير محتملة. حينما وصلت إلى المعسكر أول الأمر، كانت خيمتنا تحت أمرة رجل بدين وبدون بطن، اسمه حينها ريتيف. العريف ريتيف كان على وشك أن ينهي عقدا مدته أربع سنوات (في القوات الدائمة)، فقد بقي له شهر واحد. لم يكن لديه اهتمام بالانضباط، وكان ينظر للعالم من خلال عينين صغيرتين يخيم عليهما الغموض. لم نتحمل التفتيش. في الليل يتسلل العريف ريتيف المخمور إلى الخيمة. ويوازن نفسه على ساقين مرتجفتين، ويحني جسمه المترنح على سرير قريب وينعم علينا بقصص من ماضيه. ومع أنها غالبا كئيبة أيضا، تذكرنا بعالم غير هذا العالم، حيث يرتدي الناس ثيابا مدنية ولا يحملون البواريد. وقد ارتفعت معنوياتنا في ظل هيمنة بدون هدف. تراكم الغبار في خزاناتنا. وكنا ننام في أسرتنا، وفي الصباح نعيد ترتيبها، بلامبالاة كما لو أننا في بيوتنا. ولم نتصور أنه سيأتي يوم ويرحل. ولكنه غادرنا: في أحد الأيام رحل العريف ريتيف وهو محمل بعلب من الويسكي، وأخلى المعسكر بسيارة داكوتا مضعضعة وثقيلة ولا تسر النظر مثله. وفي الليلة التالية وصل بمكانه العريف كلوت. واسمحوا لي بوصف هذا الرجل. له بنية صغيرة، ونحيلة، وعلى خده ندبة براقة. عيناه متقاربتان جدا، وغائرتان في جمجمته. وشعره المحمر مصفف إلى الخلف ابتداء من جبينه. أسنانه مزدحمة وكبيرة وكاملة، وحينما يبتسم، تسطع في وجهه. أما يداه - ولسبب ما فهي ما يبقى من ملامحه في الذاكرة - رقيقة وصغيرة، وكأنها يدا عازف بيانو. ولكنه لم يكن عازفا. وكان على الحدود لعدة سنوات مضت، وخلال تلك الفترة، تسلل إلى روحه جزء من الغابة المظلمة، ولم يتركه أبدا. يمكنك رؤية ذلك على وجهه. تلك العينان المتقاربتان تحدقان بنظرة واحدة لا تطرف، وكأنهما عين سيكلوب. كان يزدرينا، على ما أظن. ليس لأننا تبعيته، ولكن لأننا أحياء. ومنذ لحظة وصوله، أصبحت خيمتنا مكانا آخر. كل صباح في الخامسة فجرا، نقف للتفتيش. يبرز في الوقت المحدد متنبها ومتيقظا كرجل أفاق منذ ساعات. وبقدرات شيطانية ومتأهبة يمر من بين صفوفنا، وهو يتمعن بكل شيء حتى أصغر ذرة غبار. وبواريدنا المنظفة حديثا، مفكوكة ومرتبة على أسرتنا. ومع أن أبواطنا نظيفة، وقمصاننا منشاة، يحرص على أن يجد، في شق لا تصل إليه أصابعنا، أثر حبة غبار لتكون خطأنا القاتل. حينها يرفع صوته العالي والصافي ليصيح: "رياضة". فنسرع جميعا في العتمة نصف المطبقة لنتخبط ونرتدي الشورت والقميص. وتحت الشمس الصاعدة نتجمع متسائلين باضطراب شديد عما سنعاني منه. سوف نكون طيلة ساعتين متواصلتين بدون انقطاع تحت أمره: نجري حول الخيم، نتدحرج على الأرض، نؤدي تمرينات الدفع. وهو واقف بجوارنا بدون حراك، ليراقب كدحنا البائس وكأنه إله. وفي الختام يسمح لنا، بعد أن نلنا كفايتنا من الرضوض والخدوش، ونحن نسبح بالعرق، بالعودة إلى خيمتنا. كان يعرف دانييلز من قبل. في أول ليلة له - ليلة وصوله- جاء يمشي على طول ممر الخيمة، بين الأسرة، حيث وقفنا بانتباه واستعداد، ثم توقف أمام دانييلز. مرت لحظة صامتة قبل أن يضحك، بنعومة، لنفسه.

قال له: "أنت. أنت".

"نعم أيها العريف".

"ماذا أتى بك إلى هنا؟".

"تمت تعبئتي هنا أيها العريف".

قال كلوت: "آه. آها". ثم اقترب مني، وهو يمتص أسنانه الجميلة. وبعد أن غادر، واختفى في سواد الليل مثل شبح، اجتمعنا حول دانييلز لنسأله: "من أين تعرفه؟ كيف هي شخصيته". لكن لم يرد علينا. واكتفى بأن قال: "كان يعيش مثلي في بال، وانكفأ على رقعة شطرنجه، ليلعب بمفرده في هذه الليلة. وبعد ذلك بقليل حينما قمنا بالحراسة معا عند بوابة المعسكر، ركل دانييلز حجرة كانت في الطريق وقال:" أريد أن أسألك سؤالا".

"نعم؟".

"هل تؤمن بالانتقام؟".

قلت له: "ماذا تعني بكلمة تؤمن؟".

"هل تعتقد أنه شيء له علاقة بالسماء؟".

قلت له: "لا. لا".

لم أفهم ماذا يقصد. كان القمر في تلك الليلة مكتملا (لأن نوبتنا متأخرة). وسطع علينا، بلون أبيض بارد ونقي. كانت الغابة حولنا: لا تنام وسوداء، فهي جلد القارة الهامس. كان كلوت يمقت دانييلز. المقت الذي يحمله لنا من النوع العام: النفور الجماعي الذي يحمله تجاه كل الجنس البشري كشكل من أشكال الرحمة. ولكنه كره دانييلز كراهية خاصة وذاتية جدا. كان يصيح أثناء التدريبات: "دانييلز يرتخي يا أولاد". أو: "دانييلز لا يتمرن بطريقة مناسبة يا رجال. عليكم جميعا القيام بدورة جريا حول المعسكر". ولم يوجه كلامه لدانييلز بشكل مباشر. والعقوبات التي طبقها عليه طبقها علينا جميعا. وكلما أشار له، يفعل ذلك بصيغة الغائب، كما لو أنه غير موجود. مثلا: "دانييلز لا يجهز نفسه للتفتيش". أو: "دانييلز لم يحلق كما يجب. سأفرض عشر قفزات عالية لكل شعرة أجدها على ذقنه". وحينها بدأنا ننظر إلى دانييلز على أنه مصدر سوء حظنا. في الخيمة ليلا، حينما يأوي كلوت إلى غرفته، نناغيه قائلين: "هيا يا دانييلز... حرك نفسك يا رجل. لا تطمرنا بالبراز يا دانييلز". وحتى أنا، شريكه في الشطرنج، أشارك بالحفلة. وأقول له: "عليك أن تحسن أداءك". نظر لي بمرارة وقال: "سأحاول".

قلت له بصوت ضعيف: "أعلم. ولكن عليك أن تحاول جهدك. انظر. نحن نعلم جميعا أنك لست السبب. هو يحمل عليك، ويمكننا رؤية ذلك. ولكن عليك أن تكون أفضل منا كي لا يتمكن من إلقاء اللوم عليك".

قال دانييلز: "ولكنه سيلقي اللوم علي. وسيحاول أن يلقي علي اللوم بكل طاقاته". لا بد أن دانييلز أضر به في السابق. وهذا واضح للجميع. شيء فظيع وقع بينهما ولذلك يريد العريف كلوت أن ينتقم منه. حاولت أن أتخيل ماذا وقع بينهما. دانييلز تسبب بشلل أخيه. دانييلز سرق سيارته. كلما جاءت هذه الأفكار في ذهني، أنظر عبر الخيمة إلى دانييلز - أراه جالسا على سريره، وحده مع أفكاره، وأقرر أن ذلك غير ممكن. فأتخيل دهشتي حينما أكتشف أن سبب انتقامه المتواصل مجرد فتاة نحيلة وشاحبة رأيتها في صورة عرضها علي. اعترف لي في إحدى الليالي ونحن نعود من البار: " إنها ليانا. هي المشكلة". قبل ثلاث سنوات، سرق دانييلز ليانا من بين براثن العريف كلوت - وحينها لم يكن عريفا، ولكن مجرد صبي في الشارع، وبعمر دانييلز نفسه. ولم ينس ستيفان، وهو الاسم الأول لكلوت، كما علمت منه، ذلك. كان أمرا عبثيا: اثنا عشر رجلا منا، تورطوا هنا في هذا القفر، وعانوا من اضطهاد بلا نهاية، فقط لأجل بنت المدرسة الثانوية هذه، والتي لم نتشرف بمقابلتها. وناح دانييلز يقول: "حتى أنني لم أكن أحبها". تابعنا مشينا معا في الظلام. ثم حان موعد الدورية. قمنا بجولة معا. وهي السبب الطبيعي لوجودنا في المعسكر. انطلقنا محملين بجعبة وجهاز لاسلكي وكيس نوم وبارودة وبمجموعات صغيرة لنمشط المرج. مشينا بصمت وبرتل جانبي ولأميال عبر أعشاب وصلت إلى خصرنا. في الليل نمنا بدوائر، والعريف في نقطة المركز. وتلك كانت المهمات الطويلة - استغرقت أسبوعا في بعض الأحيان - وكنا نعود دوما، إلى المعسكر مرهقين، ومضعضعين، ومجوفين ولكن يملأنا الخوف. وحتى القيادة اللطيفة للعريف ريتيف لم تخفف من أثقالنا: لو قابلناهم ونحن نقوم بالدورية، ليس أمامنا غير أن تقتل أو تكون قتيلا. فجأة أصبح العدو موجودا، وله وجه، وبذة تشبه ما لدينا. في الواقع شاهدت وجه هذا العدو عدة مرات: بين حين وآخر تعود دورية يتقدمها سجناء تدفعهم بالحراب. هؤلاء -السجناء - شباب سود، يتعرقون كما كان يحصل معنا تحت وهج الشمس. أياديهم مرفوعة إلى الأعلى، ووجوههم فارغة، ويكونون بطريقهم إلى زنزانة في قلب المعسكر. وهناك وراء جدران من حديد بارد، يخضعون للاستجواب الواحد بعد الآخر. ويمكن سماع الصراخ من الزنزانة، حين يتردد صداه المكتوم عبر الفولاذ. لم يكن مكانا طيبا. وأحيانا كان هؤلاء الرجال يأتون وهم جثث هامدة. تحوم الحوامات فوق الأشجار كالطيور، تأتي وتذهب بشحنتها المقبضة. وقد رأيت هذا أيضا: جثث ممزقة، جمدها الموت، تهبط من المروحية كالخنازير. وتعبأ بأكياس سود وتنقل بعيدا، ولم أعرف إلى أين. لم أتصل بأحد أثناء الدورية. وكنت أبغض هذا: تبادل الإطلاق مع مجهولين في الظلام. كنت شاعرا، ولكن لم أحب الاقتراب من الموت.

في أول دورية لكلوت. قال وهو يقطب وجهه بمرح: "ليرافقني ستة منكم". بعد يومين صعدنا على متن مروحية، وتوجهنا جوا إلى الشمال الغربي. وعبرنا الحدود إلى بلد غريب. وطبعا كان دانييلز معنا. جلس بجانبي في الطائرة، وركبته بملامسة ركبتي. أعتقد أنه كان يرتجف. صاح كلوت: "هل أنت jy bang * يا دانييلز خائف؟ هل أنت خائف؟".

همهم دانييلز: "كلا أيها العريف". تابعنا الطيران. هبطنا بالطائرة على بعد عشرين كيلو مترا في أنغولا، في منطقة شهدت معارك عشوائية في الأسبوع الماضي. ما أن أقلعت المروحية، وصوتها يتبعها، انفتح العالم الواسع من حولنا، وهو ينبض بصوت الحشرات والحر. استلقيت حيث كنت أختبئ بين الأعشاب بعد الهبوط، ضغطت خدا واحدا على بيت نمل. وفكرت: من فضلك يا ربي. لا تدعني أفقد حياتي. قال كلوت: "حسنا أيها الصبيان. لنتحرك". بطابور واحد وبأقدام ترتدي البوط، تقدمنا على أطراف أصابعنا في المروج مثل راقصات.

بعد ثلاثة أيام وقبل عدة ساعات من موعد عودتنا المقررة: رفعت بصري إلى الأفق، رأيت فوقه خيطا صاعدا من الدخان مثل بخار من فرن ساحرة. ثم زمجر جهاز اللاسلكي. مخيم أعداء فاجأته خططنا. حصل ذلك قبل عشر دقائق تقريبا. كنا متجهين جنوبا، نحو البلد والأمان. ولكن لم يكن من المقرر أن يحصل هذا الآن. وكان ذلك بعد الفجر مباشرة. كان الهواء باردا. والقمر مشرقا، كأنه بصمة إبهام في السماء. بواريدنا ملتصقة بصدورنا. جرينا من أيكة إلى أيكة. وانحنينا حتى انطوينا على أنفسنا. ونحن نحمل على ظهورنا وزن الموت غير المرئي. وكان دانييلز بجواري. ومثل اجتماعنا الليلي، كانوا على هيئة دائرية. بهذا الشكل كأنهم في ذروة طقس غامض ما، حينما ماتوا. وكما ذكرت لم يكن هذا أول منظر جثث بالنسبة لي. ولكنه أول لقاء لي مع الموت أواجهه مؤخرا، كانت الأرض لا تزال تطلق الدخان. استلقوا بين الأشجار، مكومين ومتخشبين كما يبدو، كأنهم فحم خرج من باطن الأرض. رجل واحد (كدت أتعثر به) ولا يزال في كيس نومه، تجمع على نفسه كجنين في وضعه الأبدي. وكان الهواء مشحونا برائحة كريهة. ارتعش صوت دانييلز في الفضاء وهو يقول: "هنا يوجد أحدهم على قيد الحياة أيها العريف".

"لا تدعه يتحرك".

وأنا أقترب من جسد مسجى آخر رأيت فيه الحياة: يد سوداء تزحف كالسرطان بين الحجارة. صرخت وأنا أرفع بارودتي: " أنت". تبادلنا النظر من وراء الفولاذ. كان ممزقا. جريحا. وجسمه محمر من الأسفل. عيناه المستديرتان نوعا ما، كانتا في رأسه مصفرتين، مثل صفار البيض. صحت أقول: "وآخر هنا".

"لا تدعه يتحرك".

وقفت كالتمثال، في الضوء القاسي، وأنا أقبض على بارودتي بين يدي. كان الرجل تحتي جامدا. وقد استلقى متكئا على ذراع واحدة. كما لو أنه يتقلب في فراشه، راقب وجهي بتلك العينين الصفراوين المدهشتين. وراء ظهري، توقفت الحركة. نظفنا المنطقة ولم نجد أحدا بالجوار. بدأت القصائد تنتعش في داخلي، وتجهز ما رأيت بشكل شبكة من الكلمات. جاء كلوت باتجاهي. ركع بجواري، ليدقق بوجه الرجل الأسود. نظر إلى أسفل يفحص ساقه. انغلقت العينان أمامي لحظة، مثل ضوء ينكسر. نهض كلوت. أخرج مسدسه من حامله. حرر الصمام. وأطلق على الرجل في وسط جبينه. (سأرى هذا دائما: الجسد يهوي إلى الخلف، والدماغ ناصع كالمرجان). وقفت مخدرا. وبارودتي غير الضرورية تسدد نحوه، تابعت النظر نحو شيء فارقنا بدون مشاعر، شيء رحل. لم يتمكن صوت الطلقة من النفاذ في جمجمتي. قال كلوت: "كان جرحه بليغا". انتقل إلى الأسير الآخر، المستلقي عند قدمي دانييلز مثل أسيري. ركع هنا أيضا. قام بالفحص الشامل. وقف مجددا. ولا يزال المسدس بيده. سدده. توقف. وخفضه مجددا. وقال: "أطلق عليه يا دانييلز".

قال دانييلز: "كلا".

كان كلوت قد استدار، مبديا اللا مبالاة. توقف بمنتصف خطوته، وظهره لدانييلز.

قال: "أطلق عليه".

"من فضلك أيها العريف".

"هذا أمر".

واجها بعضهما البعض. ووقفنا حولهما بدائرة، صامتين، نراقبهما. كرر كلوت قوله بثبات: "أطلق عليه". ضغط دانييلز بارودته على جبين الرجل. وأطلق. خرج طير من أحد الأشجار القريبة خائفا، وهو يرفرف نحو السماء. تركناهم هناك كما وجدناهم، وأسرعنا عبر الغابة. قلت لنفسي: هذا لا يهم، لا شيء يهم أبدا. حيواتنا إشارات محفورة في الفراغ. مثل ألعاب نارية نطلقها في الليل، سفينتنا تحترق وتلتهب لبعض الوقت، ثم تحتضر بسرعة، وتنطفئ. الانتقام حساب. فقد انتهى كلوت من دانييلز. بعد ذلك الحادث في أول دورية (والذي لم نتكلم عنه)، الاضطهاد انتهى. تابعنا الوقوف للتفتيش، وتابعنا المعاناة من عقوبات التمارين التدريبية. ولكن لم تكن الآن بسبب دانييلز. عدوانية العريف كلوت لم تتغير. ولكنها أصبحت غير شخصية عنجهية موجهة علينا. طبعا قمنا بدوريات متكررة بعد ذلك. وشاهدت العمل الذي أمقته، فقد كان رجلا جريحا. ولكن في هذه الحالات كنا نأسر سجاءنا أحياء، ونسوقهم أمامنا إلى المعسكر بنهايات بواريدنا. لم ألعب الشطرنج مع دانييلز ثانية. وفي الحقيقة لماما ما تكلمنا بعد ذلك. ولكن استيقظت مرة في الليل، وسمعته يبكي. الزمن هو القس الذي يستوعبنا جميعا: مرت السنة مثل فصل ووجدنا أنفسنا، مشتتين مرة أخرى، في الجنوب، وأصبحنا مدنيين في غضون ليلة. قابلت دانييلز بعد سنة أو اثنتين، في بار في بلدة ترانسفالية صغيرة، وكان يعمل فيها مساعد بائع وتوجب علي التوقف ليلا للاستراحة خلال سفرياتي. أخبرني أنه تزوج وطلق. سألته: "هل هي ليانا؟". طرف بعينيه وقال: "من؟. آه. هي. لا. لا. بل إنسانة أخرى". شربنا معا. وتكلمنا عن حياتنا في الشمال. كتبت القصائد لبعض الوقت، بعضها نشرته مجلات أدبية في جوهانسبورغ. وإحداها - أول 'قصيدة' ناجحة لي كانت عن دانييلز، وعن أول دورية لنا مع كلوت. انشرح صدري ونحن نشرب فدونتها على قفا فوطة خدمة ومررتها له. قرأها، وقطب وجهه، ثم أعادها لي وهو يقول: "لا. لم يكن الحال كذلك". كنت مخمورا ومتوترا، وافترقنا بدون أن نتفق. وكما أذكر، اختفى في الطريق تحت المطر، وتململمت في الخلف، لأخبره أن القصيدة تتجاو شخصيته لأنها شعر. ولكن أشتبه حتى حينذاك أنه كان محقا: لم يحصل ذلك كما كتبته، هناك أشياء في الحياة لا يمكن للكلمات أن تحيط بها.

***

....................

* باللغة الأفريقانية.

* دامون غالغوت Damon Galgut كاتب من جنوب إفريقيا. والقصة مترجمة من مجلة "حكايات الشتاء - وينترز تيلز". العدد الخامس. ص35-48.

 

(السيادة للذكر)

قصة: ماتيلدا مرواني

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

قال الأولاد والبنات إن أمى عاهرة، كانوا أربعة: بنتين وولدين، لم يتحدثوا الإنجليزية، فقط الفرنسية، ولذا لم أفهم جيداً الكلمة الأخيرة، الكلمة السيئة، لم تعلمنى أمى تلك الكلمة.

قال بابتيست:

- إنها تعنى سيدة لطيفة جداً جداً.

ضحك الآخرون، وقالت أليس:

- لا. عاهرة، تعنى امرأة تمارس الحب من أجل المال لأنها قذرة، عاهرة فى الشارع.

كنت فد فهمت ذلك، فى البداية جعلتنى اللغة وعمرهم أعتقد أننى قد كذبت، كنت دائما على استعداد أن يتغير العالم، لكى يكتشف شخص ما الحقيقة التى كانت مخبأة حتى ذلك الحين فى أمان تام. تخيلت الحقيقة كشئ قادم.

للحظة ظننت أننى لا أعرف وظيفة أمى. إنها تكسب لقمة العيش بدون ملابس، بل عارية.

قالوا كلمات أخرى أتبوعها بالضحك: مومس، كلبة، دائرة، قذرة، قحبة.أعرف الكلمة الأخيرة.لقد سمعت قحبات فى كلام أمى عندما تكون مستاءة أو منزعجة أو إغاضبة وهى معتقدة أنها وحدها ولا يسمعها أحد، إن الكلمات الأخرى كانت بنفس المعنى أو مثلها أيضا.

قال بابتيست:

- انظروا إلى وجهها.

فضحكوا من جديد.

قالت أليس:

- لا داعى للبكاء. والدة مييفا عاهرة أيضاً.

كنت مشوشة، ليس فقط لأن مييفا لم تبدى إنزعاجها لأن والدتها عاهرة، ولكن لأننى علمت أنه من الغريب أن تعمل عاهرة فى قرية كهذه. حيث تعيش العاهرات فى المدن وينتظرن على الأرصفة.

قلت فى هدوء وثقة:

- أمى ليست عاهرة.

قال نيكولاس:

- نعم إنها عاهرة، لقد خدعت أباك، أليس كذلك؟ مع الرجال المتزوجين مثلا والدة مييفا، هذا ما قالته أمى لى.

قالت أليس:

- لقد أخبرتنى أمى بذلك أيضاً.

قال بابتست:

- وأبى أيضاً، قال إن والدتك حضرت إلى فرنسا لأنها كانت سيئة ولا أحد يريد أن يكون صديقاً لها فى انجلترا، لأنها خدعت والدك مع كثير من الرجال.

سألت:

- كيف عرفتم أنهم كلهم لا يكذبون؟

ضحكوا من جديد.

- إنها لا تعرف حتى كيف تتحدث اللغة الفرنسية، إنها فرنسية ولا تعرف كيف تتكلم الفرنسية.

قالو لى (لقد قلنا لك كل شئ تحتاجين لمعرفته عن كل شئ).

قلت:

- لكن هناك امرأتان ورجل واحد.

قال نيكولاس:

- لا يغير ذلك من الأمر شيئاً، المذكر يسود.

قالت أليس:

- نعم، المذكر يسود.

كنا جالسين أمام الكنيسة، وجميعنا يشعر بالدفء فى الشمس قالت لى أمى أنهم أطفال صديقاتها وإنهم يودون أن يلعبوا معى.عندما كررت تلك الحقيقة، قالت مييفا: نحن لا نلعب، و لسنا أطفالاً.وقالت أليس: إذا اشتريت لنا مصاصات يمكنك أن تبقى معنا. بطعم الكوكولا واضح. لذلك ركضت عائدة إلى منزل جدتى وأخذت ورقة نقدية بخمسة يورو من بيرطمان. واشتريت لهم أربع مصاصات ثلج، وكان ذلك عندما قالوا لى أن والدتى عاهرة تقوم بمص مصاصات الثلج؟

عندما انتهوا من الحديث عن العاهرات، سألونى كم عمرى، قلت أنا فى التاسعة، كانت الفتاتان فى العاشرة، قلت لهما تبدوان أكبر منى، أنهما فى الثانية عشرة من عمرهما، وقالت الفتاتان إنهما لم يبلغا أثنى عشر عاماً أبداً، بل أحد عشر عاما فقط، وإنها دائما كاذبتان، ثم طلبوا منى أن أغنى أغنية باللغة الانجليزية، لم يسعنى إلا التفكير فى الشحوم، غنيت أغنية: ’ ليالى الصيف ‘؟

قال نيكولاس:

- أخبرينا الأن ماذا تعنى تلك؟

حاولت أن أترجم لهم يبد أنهم لم يتوقفوا عن الضحك.

قالت أليس:

- الإنجليز أغبياء جداً.

قالت بابتيست:

- نعم، والامريكان خاصة، ببنادقهم الكبيرة وسيارتهم الضخمة.

- نعم وأعلامهم؟

- نعم وجراحاتهم التجميلية.

تدربت على جملتى فى رأسى لذلك صارت لهجتى واضحة وقلت:

- هذا صحيح. فى انجلترا يقول الجميع أن الفرنسيين أذكياء، ومثيرين جنسياً.

ابتسمت أليس:

- ماذا يقولون أيضاً يا لحمة مشوية؟

قلت:

- يقولون إن الفرنسين يأكلون الضفادع.

همست أليس بشئ فى إذن مييفا، حدقت كلتاهما فى وجهى.

قالت أليس:

- يمكنك القدوم معنا إلى النهر غداً، نحن فى ورطة الأن. سترين إذا ما كنا نأكل الضفادع.

عندما عدت إلى منزل جدتى، قالت لى أمى:

- هل استمتعت بوقتك ياحبيبتى؟

أجبت أننى لم أعد أرغب فى التحدث باللغة الانجليزية، لكن فقط الفرنسية، كان لدينا سلطة كبيرة للعشاء، سألتنى أمى إذا ما كنت أريد نقانق أيضاً، فقالت جدتى: نقانق مع السلطة؟ أنت مجنونة ! أدارت أمى عينيها نحوى وقلدت جدتى من خلف ظهرها، وهى تقول: أنت مجنونة. وعندما رفعت ذرلعها لتربت على رأسها انزلق كمها وظهرت كدمات صفراء وزرقاء، عند ذلك فضحكت.

توجهت إلى الثلاجة للحصول على مكعبات ثلج لتكسيرها فى أكوابنا، طلبت منى جدتى أن أترك بعضها فى منشفة حتى تتمكن من وضعها على جبينها الدافىء. لاحظت أن أمى ترتدى سروالاً.

فى سريرى تلك الليلة. تساءلت أية ملابس سباحة أرتدى. أحضرت قطعتين من ذوات القطعة الواحدة، واحدة مرسوم عليها كلاب والأخرى مرسوم عليها زهور، لم أستطع النوم. أخذت أحدق فى صورة طويلة داخل إطار لجدى المتوفى فوق التسريحة.

***

التقيت بهم أيام الكنيسة وسرنا إلى النهر وإلى الشجرة وحبل القفز، جاريتهم فى السير، كان ذراعى الذى يحمل منشفتى مخدراً تقريبا.

قام والد بابتست بابتست بتركيب الحبل، لذلك طالب بابتست بالدفع كلما أرادات الفتيات القفز. وقف بابتست بالقرب من الحبل، إنه يعطيه فقط لمييفا وأليس بعد أن يمدا ساعديهما، قالتا: لا يؤلم. وعندما جاء دورى قلت: إنه لا يؤلمنى.

انتظرت قليلاً والحبل على جسدى، شاهدونى جميعاً من أدنى النهر. قالت أليس:

- هل أنت دجاجة متبلة؟

صاح بابتست:

- هى فتاة صغيرة.

قفزت. لعله الشئ فقط الأسوأ من أن أكون عاهرة هو فتاة صغيرة.

فى النهر كنا نحبس أنفاسنا تحت الماء، تظاهرت الفتاتان بالغرق وتظاهر الفتيان بإنقاذهما، ثم قام الفتيان بسحب الجزء السفلى من البكينى لكل من مييفا وأليس إلى أسفل، صرخت الفتاتان عليهم لكى يعيدهما، ثم حلت أليس الجزء العلوى من بكينى مييفا وصرخت ’’ انظروا ثديى مييفا، وفعلت مييفا الشئ نفسه مع أليس. وقال نيكولاس يبدوان مسطحين مثل ألواح الخبز. عندما ضحكت بدا أنهم قد تذكروا أن الهيئة الموجودة فى الماء كانت فتاة.نظروا إلى وتحدثوا بسرعة، يعلمون أننى لن أفهم إذا كانت أفواهم مغلقة والسنتهم سريعة جداً. بعد دقيقة من الكلام الخفى والضحك المكتوم. سألتنى أليس:

- ماذا يمكن ان تفعلى؟

- ماذا؟

- بالنسبة لى يمكننى الوقوف على يدى تحت الماء. أنت.ماذا يمكنك أن تفعلى؟

قلت أستطيع أن أقوم بتمرين الضغط، عند ذلك صاحوا أن بأن يروا.

قال بابتست وهو يقطع بعض الحشائش من الضفة:

- إذا بقيت أكث من عشر ثوان، سيكون عليك أن تأكلى هذا.

كنت ما أزال ألعب حتى اثنى عشرة ثانيىة، حشا بابتست العشب فى فمى.

كررنا دورة القفز بنفس الترتيب: نيكولاس ثم البنات ثم باتبيست. طلبت منى مييفا أن أغنى أغنية ’’ الشحوم ‘‘ مرة أخرى، ورقصت الفتاتان ووصفتا أنفسهما بالسباحتين المتوافقين.

- تخيلوا أن هناك جمهور. تخيلوا الأضواء.

أعطاهما الفتيان سبعة من عشرة، فقامت برشهما أليس بالماء.

لقد سئمنا من القفز، استلقينا على صخرة كبيرة وتركنا أجسادنا تجف فى الشمس، تخيلت نفسى فلفلاً وتخيلت بشرتى تتقشر وأردت أن أضحك.

سألتنى أليس:

- كيف كانت تقابل أمك عشاقها؟

كنت فى المنتصف بين مييفا وأليس، أدارت كل منهما رأسها نحوى.

قلت:

- ومع ذلك أنت تعرفين، لابد أن تكون تكونى قد رأيتهما أو سمعت مكالمة هاتفية.

قلت:

- نعم، سمعت مكالمة هاتفية.

فتحت عينيها على اتساعهما، ابتسمت جلس الصبيان ونظرا إلى، التقت نحو أليس ورأيت ابتسامتها المنتظرة.قلت:

- هى... هى تحدثت إلى رجل. من عملها، كان متزوجاً. من امرأة. وكانت المرأة غاضبة. وخربت أمى. لكمتها ثم أمسكت ذراعيها. لأن زوجها خانها مع أمى. وهى... قالت إنها عاهرة.

قال بابتست:

- ماذا عن الآخرين؟

قلت:

- نعم.كان هناك رجال آخرون. على سبيل المثال: طبيب طلب من أمى خلع ملابسها، ثم طلب منى مغادرة الحجرة والانتظار بالخارج. وقال أيضاً أنه فى حاجة إلى التقاط صور.

سألت أليس:

- وهل سمعتيها يمارسان الحب؟

- نعم. سمعتهما يمارسان الحب. لقد أحدثا ضجة كبيرة.

سأل نيكولاس:

- هل شاهدتِ؟

- نعم. كانا عاربين. وكان يواجه ظهرها وقال أنها عاهرة وصرخت.

قال بابتست:

- أمثل ذلك؟

وتأوه وضحكنا جميعا، وضحكت الشمس وضحك النهر.

ذهبنا إلى النهر كل يوم لمدة أسبوعين. اشتريت لهم الأيس كريم أو مصاصات الثلج. سرقت المال من البرطمان ومن محفظة أمى ومن درج طاولة جدتى.

فى اليوم الثالث أحضرت أليس ماكينة حلاقة والدها وحلقت ساقى. و قال الفتيان أننى جميلة.

اكتشفنا جزءاً شديد التيار من النهر، جلسنا جنبا إلى جنب والسيقان مفتوحة فى مواجهة التيار، ممسكين أيدينا بعضنا البعض، كان الهدف من ذلك الثبات ومواجهة اندفاع الماء، كنت دائماً أول من ينجرف بعيداً.

فى اليوم اليوم السابع أحضرت مييفا بيكنى قديماً لأختها وطلبت منى أن أرتديه ذهبت نحو الشجرة، فقالت أليس: لا. هنا.

فى الماء حاول بابتيست أن ينزل إلى أسفل الجزء السفلى من البكينى، فركلته وجعلته أنفه ينزف، دعانى: سالوب (عاهرة بالفرنسية). قالت مييفا:

- إذا لم تقومى بركلهم فسوف يعيدونها....

اعتذرت وقبلت بابتيست فى خده وقلت له إننى لم أدرك كنت أنت الذى فعل.

فى اليوم العاشر، سألتنى أمى إذا ما كنت أسرق. فقلت لا. فقالت إذا كنت فى حاجة إلى المال اطلبى. لكننا لا تسرق الأشياء التى ليست لنا " أردت أن أسميها منافقة لكننى لم أكن متأكدة من أنها نفس الكلمة باللغة الفرنسية.

فى اليوم الخامس عشر هطل المطر وبقيت فى المنزل، أعدت لى جدتى فطيرة تفاح بالشيكولاتة الساخنة. وقالت:

- كوبك المفضل.

عندما غادرت الحجرة، كشطت كل القلوب الوردية التى على الكوب بسكين.

أمطرت السماء لمدة أسبوع، شاهدت المطر وراقبت أمى، تساءلت ما الأجزاء منها التى كانت أجزاء عاهرة، تساءلت عما إذا كان يمكن تحديد ذلك من شكل الشفة.إذا تساءلت إذا ما كان خصرها خصر عاهرة. تساءلت إذا كانت قد أصابتنى بمرضها.

كانت مييفا قد أعطتنى رقم هاتفها. اتصلت بها.سألتها:

- كيف يمكنك معرفة إذا ما كان شخص ما عاهرة حقاً؟

قالت:

- تعرفين لو كان لديها نقرتان فى أسفل ظهرها، مثل فتحتين صغيرتين فى بشرتها. إنها علامتى قرن الشيطان.

- وماذا بعد؟

- تعرفين إذا ما كانت هناك عاهرة من خلال طريقتها فى النظر إلى للرجال.وإذا ما كانت تلعق شفتيها كثيراً، وإذا كانت تضع الكثير من المكياج وطلاء أظافر أحمر بلون الدم.وإذا كانت ترتدى حمالة الصدر المخرمة. وأيضاً فى الطريقة التى تمشى بها. وإذا حركت وركيها كثيراً.

فتشت فى حقيبة مكياج أمى.حاولت ان أنظر إلى أسفر ظهرها عندما تنحنى أمامى. راقبت شفتيها، راقبتها وهى تشاهد الممثلين الذكور على شاشة التلفزيون.

قالت:

- هذا براد بيت، إنه وسيم حقاً، ألا تعتقدين ذلك!

قلت:

- لا، إنه مقرف.

أسرعت إلى الطابق العلوى وفتشت فى درج ملابسها الداخلية.عندما استيقظت فى اليوم التالى خلعت بيجامتى ونظرت إلى أسفل ظهرى عبر المرأة.

زاد المطر وصار أكثر غزارة. جعل الأيام بطيئة والتلفزيون مزعجاً، وكان من المستحيل الرؤية خارج النافذة. اتصلت بمييفا مرة أخرى. سألتها:

- هل تعتقدين أن والدى يظن اننى عاهرة أيضاً لأننى ابنتها؟ وهل تعتقدين أن هذا هو السبب فى أنه لا يريد أن يرانى؟

قالت:

- ربما.اسأليها عن موعد قدومه، وبعد ذلك ستعرفين إذا كان هو من لا يريد رؤيتك أم أنها هى التى لا تريدك أن تريه.

تناولنا على العشاء البطاطا المقلية والمحار فى ذلك المساء.وظلت أمى تلعق شفتيها.قلت لها: كفى عن ذلك.وأخدت الفوطة من حجرها ووضعتها على فمها.فتساءلت بنصف ضحكة:

- ماذا جرى؟ هل كل شئ على ما يرام؟

سالت أنا:

- متى يأتى أبى إلى هنا؟

وقفت جدتى واعلنت أنها ذاهبة إلى النوم.

قالت أمى:

- إنه يقيم فى لندن.

- لكن متى سأراه؟

قالت بالانجيليزية:

- لقد تحدثنا عن ذلك يا حبيبتى.

حدجتها بنظرة منكرةوكررت جملتها بالفرنسية.أصبحت مثل البرغوث.

سألت:

- هل سيعيش معنا عندما نعود إلى انجلترا؟

- نحن نقضى الصيف هنا، وبعد ذلك سنرى. حسناً.

أرادت أن تمسك يدى على المائدة ولكننى سحبتها بعيداً.سألت:

- لماذا لا يريد أبى أن يعيش معنا؟

تنهدت، وقفت، نظفت المائدة، قالت:

- الأمر معقد.هل يمكنك تجهيز الحمام لى؟ أنا متعبة للغاية أخبرينى عندما تكون درجة الحرارة مناسبة.أوكيه؟

عندما ابتعدت حدقت فى ظهرها وهمست، ذلك لأنك عاهرة، لأنك عاهرة، فهذا كله خطأك، لماذا ينبغى أن تكونى عاهرة؟

صعدت إلى الطابق العلوى وقمت بتشغيل صنبور الماء الساخن فى الحمام. فقط الصنبور الساخن.صعدت فى السلم وقلت: إنه جاهز.

أغلقت على نفسى فى غرفتى.انتظرت.سمعتها تصرخ:" قحبة".وفكرت: ذلك هو تعليمها.

(تمت)

***

.........................

المؤلفة: ماتيلدا مروانى/ Mathilde Merouani كاتبة فرنسية من مدينة تولوز الفرنسية، تكتب بالانجليزية وتترجم مقالات ميشيل بوتور إلى الانجليزية، فازت قصصها القصيرة فى مسابقات دولية عديدة.تعيش الكاتبة فى باريس. يمكن الاطلاع على النص الأصلى على موقع الكاتبة من خلال الرابط التالى / https://www.mathildemerouani.com

بقلم: فرانسيس هـ. كينغ

ترجمة: صالح الرزوق

***

كان لدي كابينة مفردة في الطبقة السفلية من العبارة الأوكرانية. بينما كان لدى صاني وجوي، وهما زوجان ثريان، "جناح واسع" وهو أحد أربع أجنحة في الأعلى، كل منها مجهز بمساحة خاصة من أجل حمامات الشمس. حينما لا يكون ثلاثتنا على الشاطئ نلجأ إلى هذه المساحة.  وكان حضور جوي ملحوظا ومريحا دوما، فهي تعمل على مطرزاتها أو تقرأ فصلا من بيوغرافيا تاريخية. أما صاني فيتكلم عن الفن والسياسة أو الحياة عموما، بنفس الإتقان المسرحي، والمرتكز غالبا على معلومات غير مناسبة أو جهل تام، وقد استعمل ذلك مرة لإنهاء مقالته الأسبوعية، حينما كنا كلانا ندرس اللغة الإنكليزية، ونتشارك بمدرب واحد في أوكسفورد. حينما توقفت السفينة، اعتدنا أن ننظر إلى كل النشاطات التي تجري تحتنا وكأننا ننظر على نحو واحد من عش نسر.  غمامة من الهباب الرصاصي والحامض تعلقت فوق زابورجيا. علقنا قبالة شاطئ ضيق وطويل، من بيوت الطين، المزدحم بالمستحمين. يمكنني تذوق الهباب بلساني. وذلك جعلني أشعر بالتعب من الربو الذي أعاني منه حتى شملتني الرحمة وتحررت من الرحلة. سألني صاني بحصافة وهو يقرأ لائحة برنامجنا: "من يريد زيارة 'مهد القوزاق'؟.

سألت جوي: "هل لدينا خيار آخر؟".

أضاف صاني: "القراءة. الكلام...الشراب". وآخر شيء، الشراب، كان يقوم به على نحو مضطرد في الأسبوع الأخير.

انطلق كل المسافرين، باستثناء عدد محدود، بحافلات سياحية نحو جزيرة القوزاق، ولكن بعد احتجاج مختصر من جوي، تخلف ثلاثتنا، واستلقينا على مقاعد في مساحتنا المفضلة. التمع دلو من الجليد بجوار صاني. وحينما أوشكت أن أغط بالنوم، اشتدت ريح باردة لتنظف غمامة الهباب، حتى أصبح كل شيء متوهجا - التمع نحاس السفينة، وتلألأ البحر بسهام النور، وأصبحت السماء زرقاء صافية. بدأنا ننظر نحو الشباب في الأسفل، كان بينهم حفنة من البنات ولكنهم غالبا من الصبيان، وكانوا يغطسون في المياه القذرة، من جهة الرصيف حيث تعوم السفينة وسط المياه بجوار جسر معلق يصل الرصيف بالشاطئ مرورا بالنهر العريض والمتعرج. قالت لي جوي: "أعتقد أنهم سيصابون بالتيفوئيد".

"بالتأكيد إذا غطسنا في ذلك الوحل".

التقط صاني كاميرا الفيديو اليابانية، ومال على السور الحديدي،  وبدأ بتصوير أحد الغطاسين، ثم آخر - ذكر لي أحد المسافرين القريببن، وهو محام متقاعد، وبكثير من الحسد، إنها إحدى أغلى الأنواع في السوق. في خاتمة المطاف أدرك الغطاسون ما يفعل، وبدأوا بالتنافس فيما بينهم، وباشروا بالصعود لمسافة أعلى من قوس الجسر المعلق، قبل إلقاء أنفسهم بجرأة في الماء، المختلط بالنفط والملوث بالنفايات.

همهم صاني: "يا لها من شيء جميل في مكان قذر ". فقد برزت أمامنا شابة طويلة بشعر غسلته الشمس وجعلته أبيض تقريبا، ورمتنا بنظرة، وفي النهاية انضم إليها صبي مربوع القامة بوجه بدائي كالقردة، وساقين قصيرتين، وصدر  منتفخ. بعد ذلك تقدم صاني بخفه ودخل إلى الصالة ليبرز منها ومعه علبة نصف ممتلئة من سجائر 'كاميل' وكان مدمنا على تدخينها، حتى أنه صبغ شاربه المشذب بلون برتقالي مائل للرمادي. وبعد ذلك كلما أدى غطاس حركة مبهرة أو جريئة يترك كاميرته جانبا ويلقي علبة سجائر نحو الرصيف. ودائما يعرف الغطاسون على ما يبدو لمن هذه الجائزة. ولذلك وعلى نحو يدعو للدهشة، لم يرافق الأمر لا التدافع ولا التخبط. وكان الصبي الممتلئ ذو الوجه البدائي الأفضل بينهم. ولم يكن عمره أكثر من ثلاث أو أربع عشرة عاما. ولكن من الواضح أنه بطل وحتى بعين أصدقائه الأكبر منه. وحينما أدى حركة مبهرة حقا، صفقوا له، بدون تهكم ولكن بإعجاب بريء، فألقى صاني علبة أخرى من سجائر 'كاميل'. وبدأ الحارسان، اللذان وقفا للمراقبة بجانب الجسر حينما كنا في المرفأ، بين وقت وآخر يحدقان بنا. هل كانا يقطبان هكذا بسبب الوهج أو عدم الموافقة، أم كانا يشعران بالغيرة من كرم وهدايا صاني؟. بعد أن قام الصبي الممتلئ بغطسة من أعلى نقطة في قوس الجسر المعلق، تلقى استحسان زملائه، ثم قرر أن يجد ما هو مدعاة لقدر أكبر من المخاطرة والتحدي. أسرع على طول الرصيف استجابة لفورة مفاجئة، وبقفزة محلقة، أصبح على حافة سور السطح الرئيسي. جرى الحارسان نحوه ولكن كبحهما بصيحة منتصرة، تبعها بريق من جانب السفينة، حينما وجد موطء قدم حرج هنا وهناك، إلى أن استقر على السطح التالي. ثم أسرع على طول سطح قارب بجوارنا. وجرى نحو أحد قوارب النجاة، وتعلق بطرف رافعة فوق الماء الموحل، وكشف عن أسنانه بتكشيرة واضحة، ثم قفز عليه.  حدق بنا بما يبدو أنها نية بالتحدي. ترك صاني الكاميرا على الطاولة، والتي استقرت عليها زجاجة الفودكا والكؤوس، وأخرج محفظته من الجيب الخلفي لسرواله الكتان. سحب ورقة بخمسين دولارا ورفعها عاليا. تبادل مع الصبي نظرة تفاهم متبادل. لوح صاني بالورقة إلى الخلف والأمام. ومررها لي ثم مال على الكاميرا. أمكنني سماع صوت خطوات الحارسين على المعبر. كانا يتصايحان بصوت لم يبلغ مسامعنا، ولكنه مفهوم عند الولد، الذي استدار، وتأهب. كانت أصابع قدميه الملتوية تتمسك بطرف القارب، وذراعاه مرفوعان فوق كتلة قامته، ثم غطس. غطسة مثالية،كما أذكر، فكرت بها مهتما كعهدي دائما، وخلفي مؤهلات رياضي حتى في صباي. ثم كما يبدو أنه يد خفية وغامضة امتدت ودفعت الصبي الغطاس جانبا - وهكذا عوضا عن الهبوط كالسهم في المياه العكرة، انحنى بزاوية بسيطة وتحطم على الرصيف. صاحت جوي بقربي. وصاح الآخرون من تحتنا، أيضا.  كان كأنه خوار متألم يأتي من صاني: "يا للمسيح". التقى أول الحارسين في قمة المعبر، فدفع الرجل جانبا، وأسرع بالهبوط.

وضعت جوي، المذرعورة مثلي، يدا على ذراعي قائلة: "هل تعتقد..؟".

تنهدت باستسلام. فكرت لحظة أنني على وشك أن أتقيأ. وحسمت أمري أن الصبي مات بالفعل. حدق كلانا بالأسفل، تقاطر الحشد، الذي كان قوامه إلى جانب الغطاسين، ناس على الشاطئ، ومعهم حشد كان على الطريق الممتد خلفه، وقد تجمعوا كلهم وتزاحموا حول الجسم المستسلم والهامد على التيار. وفجأة ظهر في المشهد طبيب السفينة - طبيب نسائية روسي متقاعد بقدمين ضخمتين ولحية بيضاء كثيفة على هيئة جاروفة. قبض عليه صاني من ذراعه، وقال له شيئا. نحى الطبيب صاني، وانحنى على الصبي، ورفع ذراعه ليجس نبضه. كان وجه الصبي مضطربا بشكل غير طبيعي. والعين الظاهرة منه مغلقة. وشيء داكن ولماع يرسم بركة مثلثية على طرف واحد.  قلت لجوي: "يا لها من محاولة جنونية".

أجابت: "وشجعه صاني. آه يا إلهي. كانت غلطته. يا له من أحمق".

ثم وصلت سيارة إسعاف أثرية بجرس يرن، حمل مسعفان الجسم الممدد على نقالة، المسعفان رجل متوسط العمر ونحيل، وصبية مرهقة، وكلاهما بمعطف أبيض طويل. صعد الطبيب إلى السيارة والتفت لينحي البنت الغطاسة الطويلة - ذات الشعر المبيض من الشمس - والتي كانت تنوح ببكاء هستيري - وتحاول أن تتبعه. وأدهشني أن صاني حاول أيضا الركوب في سيارة الإسعاف. عوى الطبيب بكلام ما، فهز صاني رأسه بعنف، ورد بصياح مماثل. دخلا في جدال لبعض الوقت.  واختفى كلاهما في السيارة. رن الجرس مجددا، والتفت السيارة نحو الجسر، وانطلقت فوقه، وهي تزيد من سرعتها.

سألتني جوي: "هل يظن هذا الأحمق أن له دورا نافعا؟".

بالعادة تكون نبرتها هادئة. ولكنها أدهشتني بنغمة خشنة ممزوجة بالغضب، حينما وجهت السؤال.

تنهدت قائلا: "أفترض أنه يشعر بالمسؤولية على نحو ما".

"طبعا يشعر بالمسؤولية. عليه أن يشعر بالمسؤولية. لو أنه لم يشجع ذلك الولد... عموما هو الآن ميت. هذا واضح. لقد مات".

وفجأة انثنت على نفسها وانخرطت بالنحيب بفورة حمقاء. ثم جرت إلى الصالة وتركتني وحدي. ذهبت إلى السور وحدقت بالحشود في الأسفل. بدأ عدد منهم يأخذ بالتزايد وبالنظر لي بعدائية صامتة وراكدة. كما لو أنني أنا الذي رفع فخ ورقة الخمسين دولارا. أخيرا عاد صاني، وتوقعت أنه سيكون مصدوما ويرتعش لأنه أدرك أنه تسبب بالوفاة ولو بغير عمد. وبدواعي دهشتي صرح أن الصبي لا يعاني من شيء أسوأ من ارتجاج دماغ وكسر بعظم خده. توقعت أنه يظهر نعمة التخفف من الذنب. ولكن ما لم أتوقعه حالة الحيرة الغبية. فقد عبس أمام الشاطئ المهجور الآن، وكانت ظلال أشجار مبعثرة تتطاول خلفها بينما الشمس العملاقة تغيب، وأجاب على كل سؤال من أسئلتنا -  هل المستشفى بعيد؟ هل يحتاج خده المكسور لعمل جراحي؟ متى يتوقعون خروج الصبي من الإغماء؟- كانت ردوده بكلمتين ملتصقتين أو ثلاث.  وكأنه يحاول حل مسألة صعبة ولا يريد المقاطعة .  وفي الخاتمة رن الجرس بنعومة مؤذنا بوقت العشاء. حمل زجاجته الأنيقة المعبأة بالفودكا - لا بد أنها الرابعة أو الخامسة بعد عودته - وقال: "اذهبا كلاكما  ليس لدي شهية للطعام".

ما أن تقدمنا من بهو الإطعام حتى قالت جوي: "يا له من أمر مريح. ما كان سيعيش لو مات الولد؟".

"ولكنه أمر مذهل. كنت متأكدا أنه كسر رقبته؟".

أزمعت السفينة أن تبحر بمنتصف الليل.  مشيت برفقة صاني على طول المرفأ المهجور، ولمحت فجأة ذلك المثلث الدامي، ولكنه لم يكن يبرق جدا وتحول إلى لون أسود تقريبا.

"توقعت أنه مات. توقعت فعلا أنه مات". توقف صاني والتفت نحوي. مع أن الليل كان باردا وكنا نتقدم باتجاه واحد، رشحت قطرات من العرق على جبينه. ثم قال: "لقد مات. ولم ألاحظ ذلك. أخبرني الطبيب أنه مات. كان ميتا".

"لم يترك الطبيب عندي أي انطباع أنه متمكن".

"كان ميتا؟".

"حسنا. إنها معجزة أنه بعد سقطة من ذلك النوع..."

"نعم. نعم". وتوقف مجددا وقبض على ذراعي وأردف: "معجزة. لكن كان ما كان".

اعترفت بقولي: "ما أن نظرت إلى الأسفل. تمنيت أن لا يموت - تمنيت ذلك. تمنيت. ولكن اكتشفت أنه حينما أتمنى لا تتحقق أمنياتي".

هز رأسه وقال: "لبعض الوقت توقعت أنني أتمنى هذا أيضا - ولكن حينما جلست بقربه في سيارة الإسعاف. لم أمنع نفسي عن ذلك. توسلت - دعوت - أحدا كي لا يموت. ولكن لمن توسلت ودعوت؟ هذا شيء غريب. فمن سمعني وحقق تلك المعجزة؟".

وحينما لبيت دعوة جوي، ليس صاني، فقد زرت عدة مرات بيتها الواسع والمزدحم بالأثاث في ساحة برومبتون، لم يكن صاني حاضرا. وقررت: إما أنه اختبأ في غرفته أو غادر عمدا ليتجنبني. ارتبكت جوي وغلبها القلق، واخترعت بعض الأعذار - في آخر لحظة توجب عليه الاهتمام ببعض الأقارب القادمين بزيارة من الولايات المتحدة، أو أنه انشغل بعمل في باريس، أو فاته القطار. وفي مناسبة واحدة، تجاهلت العذر الذي اخترعته للتو، وسألتها: "هل هناك مشكلة يعاني منها؟".

خجلت وترددت وقالت: "آه. كلا. كلا. هو - حسنا...". وبدأ وجهها يحمر.  ثم فقدنا التواصل فيما بيننا. دعتني جوي مرتين، على فترتين متباعدتين، ولأسباب مشروعة تماما، كان علي أن أرفض. وتوقفت عن الزيارة، على غرار ما كنت أفعل في السابق كلما أتيت إلى المنطقة للتسوق.  ولم أوجه لهما دعوة بالمثل. للصداقة دورة طبيعية تنتهي غالبا بالذبول وبعد ذلك تذوب نهائيا. وكنت أفكر دوما، وربما بقسوة، من غير المفيد أن تحتفظ بالصداقات طيلة العمر بعد نهاية وقت صلاحيتها الطبيعي. في الأسبوع الماضي، وفي حفل العشاء، وجدت نفسي أجلس قبالة رجل مسن، كما أذكر، قابلته منذ سنوات في حفل كوكتيل صاخب ومتنوع، من النمط الذي يعقده صاني وجوي. كان هو سمسار صاني. وحكما سألته عن الزوجين. قال لي بصوته المعدني الحاسم " يبدو صاني حاليا غير مهتم بكل ما كان يهمه من قبل، لا يزور المسارح. لا يلعب الغولف، لا يشارك بالحفلات، ولا يدعو إلى حفلات. لا يصطاد النساء، ولا يقامر. هل تستطيع أن تتخيل ذلك؟. أن صاني توقف عن مطاردة ذوات التنانير، وأنه توقف عن لعب القمار. منذ قبل سنتين أو ثلاث كان يتابع هذه أو تلك، ولديه الاستعداد لخسارة عشرين ألفا على الطاولة في الليل".

سألته: "وبرأيك ما هو سبب التغيير؟".

هز الرجل كتفيه وقال: " أحيانا أتساءل إن لم يتعرض لانهيار من نوع ما".

حدقت به محتارا. كان صاني دائما يبدو لي محصنا جدا ضد الانهيار من الناحية العقلية والعاطفية.

قال: "الناس كما تعلم تنهار. والأغنياء جدا أكثر بكثير من الفقراء جدا. ولكن - وهذا ما يدهش - يبدو لي أنه سعيد. وكما لو أنه تلقى بعض الأنباء الرائعة والتي لا يمكنه إخبارنا عنها. ولذلك ربما لم يكن انهيارا عصبيا. لعله شيء آخر يمكننا أن نخمن به فقط. من يعلم؟".

وكنت للتو في نزهة بالقرب من هولاند بارك. هناك مجلس بمقعد طويل حيث يجتمع المخمورون. بالعادة أتجنب المرور من ذلك الطريق، لأنه يربكني كلما طلبوا مني النقود بصوت مرتفع. اليوم اجتمع اثنان على طرف واحد من المقعد، وهما يرتعشان، ويشربان  بوجهين محمرين. على مقعد آخر وغير بعيد، رأيت عجوزا بشعر أبيض ومشتت، وببذة رثة وحذاء مهترئ، وقد انحنى مرتكزا بيديه المنتفختين على ركبتيه، ومدد ساقيه. ربما تعتقد أنه مخمور آخر. كانت عيناه مغلقتين، ووجهه المبقع والمحفور بالأخاديد مرفوع نحو الشمس. كان يبتسم، ليس لي ولا لأي شخص آخر، وبرضا ملائكي. وفاجأني أنه صاني. توقفت، وحدقت به. استمر بإغلاق عينيه. واتسعت ابتسامته. ثم شعرت، لا أستطيع أن أقول لماذا، أنه دخل منطقة، لا يمكن، حتى لأقرب الأصدقاء، ومنهم أنا، وربما جوي، أن نتبعه إليها. لذلك هربت مسرعا.

***

.......................

* من مجموعته: ضوء الشمس على الحديقة. ص 97 -105.

* فرانسيس كينغ Francis King: روائي بريطاني.

 

بقلم: الشاعر الكبير وليام شكسبير

ترجمة: د. إسماعيل مكارم

***

هل لي أن أشبّهَ جَمالكِ بيَوم صَيفْ؟

غير أنكِ أبهى وألطفُ وأكثرُ جَمالاً،

الرّياح القوية تعصفُ ببراعم أيار الفتية.

إنّ مَوسِمَ الدّفء لدينا أيامُه قليلة،

تارة عينُ الشمس ِ تشرقُ وتمنحنا الدّفءَ والبَهجَة،

تارة يَختبئ قرصُ الشمس ِ الذهبيّ خلف الغيوم.

الرّوعَة بطبيعتها تفقدُ جَمالها يومًا ما

بسَبَب ِ الصّدفةِ، أو لأمر يَعودُ إلى أسرار الطبيعة.

ولكنَّ صَيفكِ الأبديّ لن يذوي،

أو يفقد ما لدَيهِ من الرّوعة والحسنْ

وظلالُ الموتِ لن تخفيَ هذا الجَمال،

كونك ستعيشين أبدا في سطور قصيدتي الخالدة،

وستبقين دوما بين الناس الأحياء،

ما دامت لدَيهم القدرة على الرّؤية، وعلى التنفس.

***

..............................

* كتبت هذه السطور من قبل الشاعر الكبير في القرن السادس عشر بين أعوام 1590 – 1598، وتم نشرها عام 1609. من المعروف أنه كانت لدى معاصري شكسبير قناعة تقول أن لدى الموت ظلالا، وحين يخطف الموت إنسانا ما يصبح في ظلال الموت، وهذه الفكرة وردت في الكتاب المقدس. من هنا فإنّ الشاعر في السطر الحادي عشر يحاول الإشارة إلى هذا المفهوم.

بقلم: بول بيكرنغ

ترجمة: صالح الرزوق

***

صفر مانفريد في المطبخ بينما زوجته تستلقي بجسمها الأبيض البدين على السرير الوردي في الطابق الأعلى ضمن بيت سخيف برخام أخضر مشيد على الطراز الإيطالي وعلى مقربة من غرونوولد. كان مانفريد يحب امتلاك بيت على أن يكون خلفه مباشرة الحديقة العامة. وكان يحب رؤية الأولاد يلعبون. ويحب مراقبتهم على الأرجوحة وأن يلاحظ ابتساماتهم في تلك اللحظة العابرة. السيقان تركل بسعادة، قبل أن يتراجعوا نحو القوس المثبت بالأرض بواسطة السلاسل. وكان يسعده النظر باستقامة إلى أشجار البتولا الغامضة ونرجس فصل الربيع. ولكن كان مانفريد وأولريكِ على بعد شارع منها، على بعد صف من البيوت عن الجنة، وعلى أحد الجوانب القرقعة الناجمة عن تفرعات قطار إس بهان (قطار سريع يربط المدينة بالضواحي*). وكانت توقظه كل صباح حينما تمر القطارات القذرة الملونة بالأحمر والأبيض وهي تشق طريقها من شرق برلين، لتؤدي واجبها اليومي في الغرب، ولكنها في هذه الأيام تنقل كبار المواطنين إلى غرونوولد، أو للالتقاء مع مسنين بلغوا السبعين من أعمارهم في الشرق. لكن القطارات لا توقظ أولريك. كان الصباح مشرقا. ومانفريد يصفر بصوت مرتفع. صفر بنغمة عالية جدا لكن حبسها الهواء في شاربه وجعلها تمر من بين الزوايا كما لو أنها تطير بأجنحة. في الأيام السابقة اعتاد أن يقول إنه بمقدور تلك الأجنحة أن تنقل أفكاره حيثما أراد. كانت أولريك تضحك وتبعد شعرها الصبباني المنسدل عن عينيها. وتقول له إنه صغير جدا ليكون له شارب، حتى لو سمح له بأن يحلم. كانت تضحك وتهرب من بين الأشجار، وكان يقبض عليها، ويحضن وجهها المثالي بين يديه. كان يعرف كل انحاناءاته وفتحاته. وبمرور السنوات توقف وجه أولريك عن أن يكون جميلا. كان الوجه جزءا منه، وهو يصفر في ذلك الصباح المشرق، ثم بدأ بالبكاء. سقطت دموع ما نفريد على التفاحة التي يقطعها. حينما تكون طفلا ومتفائلا تتواصل الأحلام. أحلامنا تسبقنا وتصعد إلى السماء التي تنادينا. ولكن في عمر السابعة والعشرين المخادع تخلى شباب مانفريد عنها. لم تعد أحلامه تتقافز بين الغيوم. جاء مانفريد إلى مطبخه ليحلم، بمعزل عن العالم. والآن يحلم بإغلاق أبوابه وليس فتحها. وعزاؤه الوحيد وراء باب المطبخ الخشبي الثقيل. مطبخ أحلامه. في مطبخه أحدث الأدوات التي ظهرت في الخمس سنوات الأخيرة. ومثل كل مطبخ في المدينة مطبخه معبد للغرب والسوق الحر. وأيضا تذكير لمانفريد وأولريك بيوم زفافهما. كان يضحك في حديقة بيت أمه الكائن في ووبيرتال (مدينة في ألمانيا الغربية). فقد سافرا برحلة شهر العسل إلى الكاريبي حيث هطلت أمطار حارة. قالت أولريك بعد ثلاثة أسابيع من العودة: "لم أكن أعلم أنك تحب الطهي. دعنا من العشاء ولنذهب إلى الفراش. المحاسب يطبخ السجلات (بمعنى أنه يزور ويتلاعب بها)...". صرف مانفريد نظره عنها وهي تقف عارية في عتبة الباب. ضحكت وأخبرته أن لا يتصرف كولد صغير. لماذا هو بريء لهذه الدرجة؟. ضغطت على ما بين فخذيه بيديها القويتين. قام مانفريد بمهمة الطهي. ولكنه لم يطبخ أي سجل (لم يزور في السجلات). الأحلام تأتي بالبراءة المستفزة. براءة تحمي نفسها بالرعب... من بعيد حام صقر فوق غرونوولد بحثا عن فراء رمادي متحرك أو لمحة من أنف وردي مختبئ تحت أوراق الخريف. كانت السكين في يد مانفريد. اشترى السكين من متاجر كوفهاوس دي ويستينز (متجر مشهور في أوروبا وعلامة من علامات مدينة برلين) وهو يفخر بها. والسكين مستوردة من فرنسا. القبضة سوداء وثقيلة ولها ملمس العظام. والنصل حاد ويمكنك أن تشطر به الشعرة إلى شطرين. وحينما يطبخ يخرج سكينه دوما من غمدها البلاستيكي والمطاطي، ويرتدي مريوله. المريول أزرق وأبيض، وقد نقعه مانفريد بالنشاء، وحافظ على نظافته، وكان يعلقه وراء باب ثقيل. والباب من السنديان القديم ومصدره مزرعة أم مانفريد. لكن بقية بيت مانفريد وأولريك على الطراز الحديث المجهز بسجاد بيج سميك وكروم عازل. كان البيت مثل رجل بريء في محفل سياسي. تأمل مانفريد صورته المطبوعة على نوافذ المطبخ. رأى نفسه يضع في يديه قفازات مطاطية سوداء. القفازات سميكة وثقيلة ومن النوع الذي يستعمله الصيادون في البحر القطبي البارد ليفرغوا بها صيدهم. وقد حصل على القفازات من صديقه. وأحب مانفريد استعمالها في المطبخ. قالت له أولريك في إحدى الليالي وهي تدخل إلى المطبخ: "تبدو مثل قس عالي المقام في المعبد. وتبدو كأنه عليك أن تضحي بهذه الحيوانات المسكينة والصغيرة".

انزلق طرف الكعب العالي على رخام أرض المطبخ الأبيض والأسود. كانت في الخارج تسلي الزبائن في مطعم صاخب في كيودام (زقاق مشهور في برلين. اسمه الكامل كورفوريستندام). عملت في شركة مرسيدس وبدأت تحسن من ملبسها. وأفرطت باستعمال المكياج وأكثرت من إضافة الكحل إلى رموش عينيها قبل الخروج ليلا. من قبل لم تكن تفضل الكعب العالي، وحاليا تقول إن الشباب يتوقعون هذا الزي. وأصبحت تنورتها أقصر. وارتدت الجوارب بدل السروال الضيق قائلة: "هل يضر إذا كسبت بعض العملاء؟ لن يستغرق ذلك غير وقت قصير يا عزيزي. ويمكننا توفير النقود ثم نباشر تجارة خاصة بنا. وسترى. لا تقلق. لم يلمسني أي منهم بأصبعه...". وفي تلك الأمسيات حين تقبله سيلاحظ أن نفسها مشبع بالنبيذ الغازي الحلو. وسرعان ما أصبح كعب أولريك عاليا مثل توقعاتها. أصبحت ثيابها أغلى. وقالت: أصبح لديها حساب في الشركة. وأكدت اللصاقات الموجودة على بذاتها السود الأنيقة أنها من باريس. وقد مكثت ليلة في دسلدورف. وسرعان ما بدأت بإحضار شركاء العمل إلى البيت، وكان مانفريد يطبخ بينما أولريك تجري مكالماتها الرقيقة، وهي تضع شفتيها الحمراوين أمام ضوء الشموع. وفي إحدى المرات أحضر مانفريد طبقا من الدجاج مع الكمأة - الترجمة الفرنسية الحرفية للاسم هو دجاج في نصف الطريق للعزاء - ولكنه لم يتعرف على أولريك. ولم يدعم إيمانه بتلك المرأة غير عظام وجنتيها تلك وذلك الوجه بالشعر الصبياني المنسدل، وبالطبع، تلك الطاقة والعزيمة في صوتها المرتعش، وقد ساعدته تلك العلامات للتعرف على زوجته في هذه المرأة ذات الثوب الأسود والمخمورة قليلا. قالت له: "آه يا مانفريد. تبدو مضحكا بمريولك. ألا يبدو مضحكا بمريوله؟ وذلك الشارب... شارب لرجل بني الشعر، ما هذا؟". ضحكت صديقتها، وتراجع مانفريد إلى المطبخ. مطبخ حلمه. في البداية كانت أحلامه جيدة جدا. كان يصنع كريم الكراميل بالتوت (كعكة من الكاستير المغطاة بسائل الكراميل)، وكان السائل ينساب على أصابعه. وفكر بلون عيني أولريك الأزرق. كانت عيناها تقريبا زرقاوين جدا. كانت أمها طبيبة، وجعلت البنت الصغيرة تضع عدسات في أول ثلاثين يوما من حياتها. قالت: بتلك الطريقة، لم تبدل العينان لونهما. ولم تصبحا بنيتين باهتتين، لون معاطف المتسولين. كانت أولريك تكره أمها، وتوفي أبوها في السجن. وذكرتها عيناها الزرقاوان بالجدل اللامتناهي مع أمها. بالنسبة لمانفريد كانت عيناها الزرقاوان تتبدلان إلى طيرين أزرقين، وكان يود الطيران مع أولريك فوق برلين حتى يبلغا الغابة المسحورة حيث كل البيوت مصنوعة من حلوى المرزبان (لوز وسكر)، وحيث النساء اللطيفات كبيرات السن تشوين الجبنة بشوكات طويلة وتصنعن شراب الشوكولا. ولكن كن جميعا مفتونات بجمال أولريك. حتى حيوانات الغابة البرية. جرحت السكين أصبعه. فاستيقظ مانفريد من حلمه. قال شخص ببذة رمادية وتفوح منه رائحة عطر الحلاقة نفسها: "ماذا تعمل الآن يا مانفريد؟. أنت لا تنفق كل وقتك بالطبخ. أليس كذلك؟. لا أظن أنه يشغل وقته بالطهي يا أولريك؟. أنت لا تحتفظين بالرجل المسكين مغلولا بالسلاسل في المطبخ؟. هل تسيئين معاملته يا أولريك".

ضحكوا جميعا. ولم تكن ضحكاتهم لطيفة. الصوت لم يكن بريئا ومرحا كما هو في أكواخ المرزبان داخل الغابة المسحورة. تصور مانفريد أوراق الأشجار العملاقة وهو يقطف البقدونس.

قالت له: "هو محاسب".

"محاسب في أي شركة؟".

"في مجمع الكيمياء القديم...".

قال مانفريد دفاعا عن النفس: "يصنعون فيه المواد الطبية". وضع الطبق من يده على طاولة بزجاج مدخن. كانت في يده سكين. ويداه بقفازين مطاطيين سميكين.

قال له:"ربما بمقدورك معاونتنا يا مانفريد؟".

"ربما ننتفع منه بشيء ما؟".

"أعتقد ذلك...؟".

نظرت أولريك إليه متسائلة. وكانت على وشك أن تغادر عملها بسيارة الشركة. أرادت أن تبدأ عملها الخاص. وهو ذو علاقة بهؤلاء الرجال أصحاب البذات السود والذين تلمع عيونهم حينما يرمقونها. ولكنهم لم يحضروا زوجاتهم معهم أبدا. تجادل مانفريد مع أولريك. فكسرت كوبا وأقسمت أن لا تنفق حياتها في ذلك البيت الصغير قرب غرونوولد وبجوار قعقعة خط إس بهان. حيث صوت الانحدار والهبوط. أغنية الشرق البائس. كان بوده أن يخدمها، وارتاح للفكرة قليلا. سيطبخ لها. كان مانفريد يطبخ معظم الأوقات. ولكنه لم يطبخ الكتب أبدا. كان لسانها يدور ببطء في فمها مثل عقرب الساعة. تقترب أولريك على أطراف أناملها. تتعرى. وتشعر بمرور الهواء بين ساقيها وعلى يديها. كانت ساقاها متينتين. وكان مستعدا لأداء أي خدمة لأجلها. فهي لا تنتمي للرجال أصحاب البذة... ولكنها تنتمي له. ما فائدة النقود لعصفورين أزرقين؟. حينما قابلوها أول مرة ازدرت النقود. كانت تزدري الأشياء. واجهت معه الأمريكيين، ووقفت ضد الفساد في الحكومة المحلية وضد القوة النووية. لمست وجهه ونظرت بعمق عينيه. قال لها: "سيكون المستقبل مختلفا وسترين ذلك". وها هو يرى الآن. شاهدها تفك جوربها من المشد. المستقبل مختلف أكثر مما يمكن لمانفريد، حبيبها الجميل، أن يتخيل. كانا في السابق نباتيين. التزم بالحمية النباتية قبلها بعام، وبعد قيامه بزيارة مع صديق مزارع إلى مسلخ. كان مانفريد على علم ببعض الوصفات النباتية وكان يشغل نفسه بالطبخ طيلة وقته. وسمحت له أولريك بذلك.

قالت: "أود لو تنتظرني. أود لو ينتظرني رجل عطوف ولطيف". وخططا للحياة في الريف. والآن لا تظهر قدراتها قبل منتصف الليل.

"أحبك يا أولريك...".

ولكن مؤخرا باشر بشراء اللحم الطازج. وأحب مانفريد تقطيع اللحم الأحمر بسكين مشحوذة مصنوعة خصيصا للطهاة الفرنسيين. كم يحب التقطيع الدقيق. وأحب ملمس الفولاذ الصلب وهو يخدش لوح خشب السنديان تحته. اشترى أرنبا وسلخه بنفسه، ارتدى القفاز المطاطي والمريول حينما كانت أولريك في دسلدورف برحلة عمل. بادله الرأس النظر من المغسلة. وشعر بفراء أذني المخلوق الناعم. وكان بإمكانه شم رائحة الفجر في منخريه ومشاركته طعم العشب بين أسنانه البيض الحادة. رغب مانفريد أن يحلم بعودة الأرنب إلى الحياة.

"أحبك يا أولريك. كم أحبك".

حينما قطع اللحم كان فارسا أبيض نقيا، يمتطي فرسه ويتقدم جيشا رماديا خياليا قوامه مواكب من الرجال الزاحفة. دق الأقدام، بالتزامن، يمكن سماعه من مدينة إلى مدينة تليها في هواء راكد تعلق فوق السهل الألماني. غلبته رائحة الدم والنار. ومرارا أراد أن يقذف شريحة لحم نيء في فمه كأنها حبة سكاكر. أشكال شركاء أولريك الرقيقة كانت تعصف أمامه مثل النحل ثم تسقط، الكثير من قطرات الدم. كان عليه أن يمتطي فرسه. وأن يحميها. وحينما بادلته النظر، لم تتجاوز أحلامه المطبخ. لعقت شفتيه بعد طهي الشرائح لأجلها في تلك الليلة.

"أنت تفعل كل شيء من أجلي. أليس كذلك يا مانفريد؟".

"أي شيء يا عزيزتي...".

"هل يمكن أن تأتي لي بهذا؟. أعلم أنهم يصنعونه في شركتك. أحد العملاء لدينا... لديه عيادة. ويحتاج للدواء. وهو مخدر، كما أظن. لكن الحكومة متشددة جدا تجاه هذه الأشياء. وهو غير مسجل في الرخصة الطبية. كما ترى".

كان مانفريد طباخا. ولكنه لا يستطيع التزوير. ولم يزور حتى يوم تهيئة البيانات. أشار إلى زجاجات سود على أحد الرفوف.

"ما هذه؟".

"يا إلهي يا مانفريد. هل تعلم أنك سألت سؤالا عن عقاقيري؟. هذه أول مرة في أربع سنوات. علينا أن نحتفل".

ابتسم مانفريد والصيدلي. لعبا معا في عطلة الأسبوع ضمن فريق كرة القدم قبل أن تنجب زوجة الصيدلي طفلا. أراد مانفريد من أولريك أن تنجب ولدا. سيحمل الطفل إلى غرونوولد، ليلعب بالأرجوحة.

"بجدية. ما هي؟".

"بلا مزاح؟".

"نوع من أنواع المخدر؟".

ضحك الصيدلي.

"آه، لن تشعر بأي شيء إن تناولت جرعة من ذلك. التأثير مثل جرعة مفرطة من الإنسولين. ستدخل في غيبوبة. نشاط البدن يتابع دورته. والمركب يتكون أصلا من سم يستعمله دبور المؤونة Laeder Wasp ليشل به عناكب الرتيلاء tarantula spider ليسهل على صغاره افتراسها... شيء مرعب فعلا".

"ولكن لأي غاية تستعمله؟".

"حسنا، صدق أو لا تصدق، يجربونه بكميات قليلة جدا من أجل أمراض القلب... والحقيقة يا مانفريد أنا لا أعلم...".

"لا يمكن شراؤه؟".

"لماذا يود أي إنسان شراء سم الرتيلاء؟. هيا يا مانفريد. دعنا نتابع حياتنا". كان مانفريد يطبخ، لكنه لم يطبخ السجلات. على الأقل ليس حتى ذلك اليوم الذي حمل فيه زجاجتين قديمتين سوداوين ومعهما فواتير وسجلات كومبيوتر. كان خزان السموم في الشركة الكيميائية واسعا. وبنيا في الحرب الأخيرة. هنا تمت صناعة بلورات زيكلون بي، والغاز الذي استعملوه ضد اليهود. ثماني عبوات في الشركة كانت في الطرف الآخر من الخزان. عرضها العمال المستجدون كما لو أنها من الأعاجيب. كانت الزجاجتان في جيبه وهو يبحث عن دبور المؤونة في المكتبة الأمريكية. جعلته الحقيقة يرتجف. قالت أولريك المتحمسة في تلك الليلة: "هذا بول يا مانفريد. هو رئيس مجموعتتا الصغيرة. أنا متأكدة أنه لديك الكثير من الكلام". كانت ليلتها جميلة جدا. وقد شعر بالغيرة. صافح مانفريد اليد الصغيرة وتمنى فورا تقريبا لو أنه يرتدي القفازات السود السميكة التي يستعملها في المطبخ. كانت اليد طرية وباردة. كان للرجل وجه أبيض وديع ورأس أصلع تماما. ولكن كانت عيناه تبرقان بحماس فولاذي. وهو يرتدي ثيابا رسمية أكثر من ثياب مدير مصرف. ومع ذلك لا يمكن لأحد مقابلة تلك العينين وإنكار أن ذلك الرجل قائد. وقد أرعبت العينان مانفريد. شاهدت أولريك مانفريد يعبس فقبلته قبلة خفيفة على خده. كانت لها رائحة عطر غالي الثمن.

قال بول بنغمة جازمة: "أنا بعلاقة عمل مع زوجتك". وكان يحمل سيجارة بلقان سوبراني (سجائر جاءت إلى لندن من شرق أوروبا. سوبراني كلمة روسية تعني الجماعة) كما لو أنها سهم.

"شكرا للمعروف الذي أديته لنا". ولفت أولريك بذراعها مانفريد.

سأل: "لماذا تريدها؟".

قال بول: "آه. هذا سر. نحن الأطباء نحب أن نخفي أوراق اللعب بصدورنا".

لاحقا سأل مانفريد أولريك: "ما اختصاصه الطبي؟".

"لا تكن مملا يا عزيزي. دعنا نمتع أنفسنا.. يا عزيزي قد أسافر مع بول بمهمة عمل إلى فرنسا. لا أظن أنك تمانع. أليس كذلك؟".

وحينما كانت بعيدة في فرنسا قرأ مانفريد قصصا عن زرع الخلايا. وكانت التفاصيل منشورة في بيلد زيتونغ (جريدة ألمانية) وهي عن تخدير أولاد صغار من الغجر لدرجة اقتربوا بها من مفارقة الحياة، ثم تم إلقاؤهم أمام أبواب المستشفى بدون كلية. استعمل الخاطفون عقارا نادرا لإنهاك فريستهم. وهو مركب مشابه لسم بعض الحشرات. طبخ مانفريد. ولكنه طبخ السجلات (تلاعب بها) مرة واحدة. كان يعتقد أنه فارس بريء على ظهر حصانه، ومعه سيف وامض. وكان يخسر أولريك. لدى عودتها من فرنسا علم أنها تبتعد عنه. كان يلاحظ كيف تلامس كوع جاكيت بول المصنوع من التويد. نسي كل مخاوفه... عن مقالة البيلد زيتونغ. كان بول مزمعا على السفر برحلة إلى تركيا.

قال له:"أريد من زوجتك الجميلة أن تبدل تسريحة شعرها. حينما أعود سأقنعها بتصفيفه على شكل جدائل ملفوفة. سيبدو أفضل كثيرا لو أنه أجعد. ألا تعتقد ذلك يا مانفريد..؟".

لم يكن في هذه الأيام يفعل أي شيء في المطبخ غير التفكير. التفكير والحلم. ولكنه لم يعد قادرا على أن يحلم بأولريك بعد الآن. لم تعد عيناها تتحولان إلى عصفورين أزرقين. فقد امتلكها شخص آخر. "آه يا مانفريد كل شيء ينحو نحو الاكتمال. وسريعا سيكون لدينا نقود تكفي لنغادر هذا البيت الصغير البائس. وربما نستطيع الانتقال إلى دسلدورف..".

"طالما أردت بيتا في الشارع المجاور قرب باحة ألعاب الأطفال".

"آه. لا يا عزيزي. لماذا كل هذه البراءة ولدينا خبرة أعمق. لم أفكر يوما بالثراء يا عزيزي. وكل ما نحتاجه القليل من الجسارة. يا عزيزي أنت لا تأكل وجبة السلمون المتاحة. وتكلف نفسك الكثير من المتاعب".

لكنها في اليوم التالي سقطت بغيبوبة. اتصل بطبيب العائلة فنقلها الرجل إلى المستشفى. أجروا لها الفحوص ولم يجدوا شيئا. ولم يفهموا لماذا لا تحتاج للتنفس الصناعي. سأل مانفريد إذا كان بمقدورها العودة إلى البيت فسمحوا لها. كانت الممرضة تزورها يوميا. اتصل بول ولم يخبره مانفريد عن الغيبوبة. لم يعاود بول الاتصال. فقد كان بعيدا في رحلة أخرى. وبعد أسبوعين بدأت أولريك تنزف تحت الجلد. كانا أسبوعين مجيدين. جلس مانفريد ينظر لجسمها العاري، ويحلم بالوقت الذي أمضياه معا. وكان بإمكانه أن يفتح جفنيها حتى يشبع من عينيها الزرقاوين. أمكن لمانفريد وأولريك أن يكونا عصفورين أزرقين ثانية. ولكن لم يستمر ذلك إلى الأبد. طبخ مانفريد وطبخ السجلات مرة واحدة وتوجب عليه دفع الثمن لقاء كل شيء. وقد أخبرته أمه بذلك. كانت أولريك تتنفس. أنفاسا عميقة لطفل نائم. ثم جاءت في ذهنه الفكرة. فيما مضى كان التقليد في وقت الكرنفال يقضي أن تصنع أقنعة مزيفة من قشرة معجنات حلوة قصيرة. وتكون الأقنعة وجه فطائر فواكه صغيرة يأكلها المحتفلون حينما يعودون إلى البيت من الحفلات. والعاشق يأكل قناعا على شكل محبوبته. طبخ مانفريد. ولكنه في هذه المرة لن يطبخ السجلات. مزج السكر مع الزبدة والطحين وبسطه على لوح من الخشب. اليوم لم يحلم. ارتدى قفازه الأسود، وصنع شكل قلب من العجين بواسطة سكين ذات قبضة سوداء، مصنوعة في باريس. حمل مانفريد العجينة أمامه وهو يصعد على الدرج ببطء. لآخر مرة نظر إلى الوجه الجميل. رأى هنا خطوطا تبدو ناعمة في الجامعة. ولكن الآن لن تكبر. في إحدى المرات توسلت إليه ليقتلها إذا غدرت بالقيم والمثل. وقدمت له برعم وردة. وهو منحها زهرة ليلك. بهدوء غطى الوجه بالعجين وسقطت دمعة وهو يتمسك بالعجين فوق الأنف والفم. تمسك بالعجين حتى خمدت الأنفاس. ارتجف جفنا أولريك وهي تموت. بالنسبة لمانفريد هذا يعني أن العصفورين الأزرقين يطيران بحرية. لن تكون بعد الآن تحت رحمة الرجال الذين يدخنون الشيروت السويسري (سيجار بدون فلتر)، وتنبعث منهم رائحة عطر الحلاقة نفسه الذي اشترياه من السوق الحرة في المطارات الدولية. ستكون له ثانية. سيكون بمقدورهما الحلم حتى الأبد. خارج نافذة المطبخ شاهد صقرا يحوم ثم يبتعد فوق غرونوولد. غيوم بيض كالصوف اندفعت نحو الأعلى. أغلق باب السنديان المتين خلفه بعد أن وضع قناع العجين بحذر على قشرة الموبيليا. كان قد جهز العجينة قبل يومين وطبخها بدون عينين في فرن حار، ووضع عليها البقوليات كي لا تنتفخ. والآن قلبها مع التوت. أصبح طعمها طازجا. ذكرته بعينيها. كانت حلوة المذاق كشفتيها. وكانت تسبقه على طول زقاق كورفيرستيندام (شارع معروف في برلين) وهي تضحك. المستقبل بين أيدبهما. ببطء انتزع فلينة السم. مقدار ملعقة يتسبب بالشلل. سكب باقي الزجاجة على الفطيرة. طبخ ما نفريد. ولكنه في هذه المرة لم يزمع على طهي السجلات. لبعض الوقت اضطرب من العمل الشرير برفقة أولاد الغجر ثم محا من ذهنه الرؤية المخزية. فكر بالعصافير الزرق فقط. كانت الفطيرة في الفرن. حسب الدقائق بساعة الفرن. بقي لديه وقت لترتيب وثائقهما. سيترك بطاقتي التطوع بالأعضاء للشرطة. وسبق لمانفريد أن أرسل رسالة يخبرهم فيها ماذا سوف يفعل. شعر ببالغ الهدوء. أخيرا الفطيرة جاهزة. حقق بها النجاح. يمكنه رؤية ملامحها بها كاملة. كان مانفريد مهتما بالعينين خشية أن ينقصهما التفاصيل. كان خداها بمحلهما. وكل ما ينقص خصلة صبيانية من الشعر. كان أكل الفطيرة تدنيسا لها تقريبا. ولكنه أكلها. ومع كل لقمة حلوة رأى وجهها. شاهد وجهها وتذوق المرارة مع طعم التوت. وبعد أن انتهى من آخر لقمة رن الهاتف.

 "آه أنت مانفريد. معك بول".

"اعتقدت أنك لا تزال مسافرا...".

شعر مانفريد بتوتر في قفا يده. وضع السكين الثقيلة على طاولة الهاتف وتخلص من أحد القفازين، وهو يقبض على السماعة تحت ذقنه. لسعته شفتاه. كأنه طفل ويجرب لأول مرة المثلجات الأمريكية. كان بول متحمسا.

قال: "توقعت أنني أول من سيخبرك".

"عن زراعة الخلايا؟".

لم يكن هناك هدف من الكتمان.

"أي زراعة خلايا؟ لا. أردت أن أكون أول من يبلغ أولريك عن نجاح مشروعنا. هل هي معك؟ الكيميائيات التي حصلت عليها. هل تتذكر..؟. وجدنا شفاء للصلع. لا تخبر أحدا أن السم هو أحد المكونات. بكميات صغيرة وآمنة، انتبه. الأمر لا يهم بالنهاية. الشخص الوحيد الذي بعرف كامل الصيغة هو أولريك. وهي في رأسها الصغير والجميل. يا لها من بنت ذكية. شعري ينمو. ولا أحتاج لزراعة شعر. فهو ينمو حقا. وسنكون جميعا أثرياء... يمكنك أن تطبخ الآن ما تريد يا مانفريد. ويمكنك أن تشتري أشياء أكبر من أحلامك الواسعة. لدينا قناعة أن الصيغة جيدة ولكننا بحاجة لتجارب في تركيا... سنصبح أغنياء...".

في تلك اللحظة أدرك مانفريد أنه يريد أولريك فقط. وستغفر له. هو يعلم أنها ستغفر له. وأنه أنقذها. لم يسمع بول وهو يتكلم حينما سقط على الأرض. مانفريد وأولريك الآن عصفورين أزرقين يحلقان عاليا فوق برلين، في حدود الغابة المسحورة، وفي سبيل كل وصفة لأطعمة مطبخ الأحلام.

***

.......................

* كل ملاحظة وردت بين قوسين هي للمترجم. ولشرح بعض المفردات غير الشائعة. والترجمة عن مجلة وينترز تيل - حكايات الشتاء. عدد 5. ص149-162.

* بول بيكرنغ Paul Pickering روائي ومسرحي بريطاني. تلقى تعليمه في ليستر. كان كاتب عمود في التايمز، والصنداي تايمز، ولندن إيفننغ ستاندارد، وبانش. يعمل بالصحافة الدولية. من أهم أعماله الروائية: الغابة تحيط بهاري 1985، بوابة بابل الزرقاء 1989، الفيل 2021، ومن مسرحياته: العودة إلى البيت 2019، وغيرها...

 

بقلم: ريموند كارفر

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

غرابي

حط غراب على الشجرة خارج نافذتي.

لم يكن غراب تد هيوز، او غراب غالوي.

او غراب فروست، او غراب باسترناك، او غراب لوركا.

او احد غربان هوميروس، محشوا بدم متخثر،

بعد المعركة. كان هذا مجرد غراب.

لم ينسجم مع أي مكان في حياته،

او يفعل شيئا يستحق الذكر.

جثم هناك على الغصن بضع دقائق.

ثم نقر شيئا وحلق خارجا من حياتي

على نحو جميل.

***

..................

ريموند كارفر (1938-1988): قاص وشاعر أميركي من مواليد كلاتسكاني بولاية اوريغون، ونشأ تلقى تعليمه في ياكيما بولاية واشنطن. يعد كارفر من ابرز كتاب القصة القصيرة في القرن العشرين. نشر ما يربو على ست مجموعات قصصية نالت استحسانا نقديا وشعبيا كبيرا وحازت على جوائز كثيرة، كما نشر عددا من المجموعات الشعرية منها "قرب كلاماث" 1968؛ "ارق الشتاء" 1970؛ "حرائق" 1983؛ "حيث يمتزج الماء بماء آخر" 1985؛ و "طريق جديد الى الشلال" 1989.

قصة قصيرة جداً لإيفان بونين

نقلها عن النص الروسي: جودت هوشيار

***

استيقظ ابن الشماس ــ وهو طالب لاهوتي جاء إلى القرية لقضاء الإجازة عند والديه ــ في ليلة حارة مظلمة وقد استبدت به إثارة جسدية عارمة. ظلّ يتقلب في فراشه، ثم أخذ يؤجج رغباته بخياله؛ فقد كان قد رأى نهارًا، قبيل العشاء، من خلال أشجار الصفصاف على ضفة النهر الساكن، الفتيات العائدات من العمل وهنّ يلقين قمصانهن فوق رؤوسهن، كاشفات عن أجساد بيضاء متعرقة، ثم يندفعن وسط الضحك والصخب إلى الماء الدافئ المتلألئ، رافعات وجوههن إلى السماء، مقوسات ظهورهن في مرح الشباب.

لم يستطع الطالب أن يقاوم نفسه. نهض من فراشه، وتسلل عبر المدخل المعتم إلى المطبخ، الذي كان خانق الحرارة كأنه فرن. مدّ يديه في الظلام وتلمّس السرير الذي تنام عليه الطاهية، وهي فتاة فقيرة بلا مأوى، كان أهل القرية يصفونها بالحمقاء. باغتها حضوره حتى إنها لم تصرخ من الخوف.

ومنذ ذلك الحين عاش معها طوال الصيف، وأنجبت له ولدًا كبر إلى جانبها في المطبخ. وكان الشماس وزوجته والكاهن نفسه، بل وأفراد أسرته جميعًا، وصاحب المتجر وزوجته، والشرطي وزوجته، يعرفون جيدًا مَن والد ذلك الطفل. أما الطالب اللاهوتي، فكان يعجز حتى عن النظر إليه خجلًا من ماضيه؛ فقد عاش يومًا مع حمقاء.

وحين أنهى دراسته ــ «بتفوّق!» كما كان الشماس يردد بفخر أمام الجميع ــ عاد إلى والديه لقضاء الصيف قبل دخوله الأكاديمية الدينية. وفي أول عطلة دعوا الأقارب والجيران إلى حفل شاي، ليعرضوا عليهم الأكاديمي المستقبلي. تحدّث الضيوف عن مستقبله الزاهر، وشربوا الشاي، وتذوقوا أصناف المربّى المختلفة، بينما كان الشماس السعيد يدير أسطوانة الجرامافون التي كانت تصدر أزيزًا حادًا قبل أن تنطلق منها الموسيقى.

ساد الصمت، وأخذ الجميع يصغون مبتسمين إلى أنغام أغنية هادئة، وفجأة اندفع ابن الطاهية إلى الغرفة، وراح يرقص رقصًا أخرق خارج الإيقاع، ضاربًا الأرض بقدميه. كانت أمه تظن أن منظره سيسرّ الحاضرين، فهتفت له بسذاجة:

ــ اركض وارقص يا حبيبي!

أُخذ الجميع على حين غرّة. أما ابن الشماس فهبّ من مكانه كالنمر، واحمرّ وجهه حتى صار أرجوانيًا، ثم أمسك بالصبي وقذفه خارج الغرفة بعنف، فتدحرج الطفل على رأسه إلى الردهة.

وفي اليوم التالي طلب من والديه طرد الطاهية. كان الشماس وزوجته طيبين رحيمين، وقد ألفا المرأة المسكينة وأحباها لتواضعها وطاعتها، وحاولا بكل وسيلة أن يستعطفا ابنهما، لكنه أصرّ على موقفه، ولم يجرآ على مخالفته.

وعند المساء غادرت الطاهية الفناء وهي تبكي بصمت، تحمل صرّتها في يد، وتمسك بيد طفلها في الأخرى.

ومنذ ذلك اليوم أخذت تجوب معه القرى والبلدات، تستجدي الصدقات باسم المسيح. كانت رثة الثياب، منهكة القوى، قد أحرقتها الشمس ولسعتها الرياح حتى لم يبق منها سوى الجلد والعظم، لكنها لم تعرف التوقف. كانت تمشي حافية القدمين، وعلى كتفها كيس من الخيش، تتوكأ على عصا طويلة، وتنحني بصمت أمام كل كوخ تمر به.

أما الصبي فكان يسير خلفها، وعلى كتفه كيس صغير هو الآخر، منتعلًا حذاءها القديم المتشقق المتصلب. كان قبيح الهيئة؛ رأسه كبير ومفلطح، تغطيه خصلات خشنة تشبه شعر الخنزير الأحمر، وأنفه عريض مفلطح، وعيناه عسليتان لامعتان على نحو لافت. ومع ذلك، فما إن كان يبتسم حتى يبدو لطيفًا إلى حد يثير الشفقة.

***

 

بقلم: أ. س. بايات

ترجمة: صالح الرزوق

***

في سالف العصر والأوان، في قرية تقع في أحد الأودية التي تحاصرها جبال شاهقة، عاشت عائلة مع ابنين، هما هاري وجاك، وابنة هي إيف. كانت القرية في أسفل جزء من المرتفعات، وكان في حوض القرية العميق بحيرة، شواطئها صافية كالكريستال، لكن وسطها الأعمق أسود كالحبر. وفي ظل جوانب الجبل غابة صنوبريات، أما القرية فهي وسط مروج وبساتين مزهرة، وحقول ذرة، وإن كانت غير كثيفة، تكفي احتياجات القرويين. أما قمم الجبال فليست مفتوحة، ويخيم عليها ظل جليد مزرق وحقول تغطيها ثلوج براقة. وكانت تتخلل جوانب الجبل قنوات طويلة متحدرة، كأنها أثلام محراث عملاق. في إنكلترا تعزى الدوائر المرسومة حول بعض التلال ليد تنانين مضمومة قديمة ذات أصابع ملتوية. وقد انتشرت حكاية في ذلك البلد أنه في وقت من الأوقات قام نسل دودة عملاقة بحفر القنوات ابتداء من الذروة. وفي الليل، وبجانب النار، يسعد الآباء أن يرعبوا أبناءهم بحكايات عن نسل تنانين هائجة تطلق اللهيب. لم يشعر هاري وجاك وإيفا بالخوف من تنانين، ولكن بطريقة مختلفة، كانوا ينفرون من الضجر. فالحياة في تلك القرية تكرر نفسها، جيلا بعد جيل. كانوا يولدون ويعشقون، ويصبحوا جدودا، ثم يموتون. كانوا، والحقيقة تقال، نسل منغلق، والعالم الخارجي بعيد عنهم، ويصعب بلوغه، ولا يأتي ويذهب غير حفنة من التجار، في أشهر الصيف، وعلى نحو غير منتظم. كان القرويون ينسجون نوعا تقليديا من السجاد بالمغزل اليدوي، وبنطاق محدود من الألوان المستخلصة من أصبغة الخضار المصنعة يدويا - أحمر دموي، وأزرق داكن مع ظل أخضر، وأصفر رملي، وأسود كالفحم. ولديهم تصاميم تقليدية معدودة، لا تتنوع إلا قليلا: شجرة متفرعة، ذات ثمار تشبه الرمان، وطيور مذكرة، تشبه التدرج قليلا، أو تصميم هندسي تجريدي، بأقراص من لون واحد تتوالى على شكل شبكة متقاطعة من أقراص متتالية على أرضية خط أقراص ثالث. والسجاد على نحو عام من صناعة النساء، اللواتي تطبخن وتغسلن أيضا. أما الرجال كانوا يهتمون بقطيع الحيوانات، ويعتنون بالحقول ويعزفون الموسيقا. كانت لديهم أداتهم الموسيقية، وهي الناي الذي ينوح، ولم يكن يوجد مثله في أي مكان آخر، مع أن معظمهم لم يسافر لمسافة بعيدة كي يعرف ذلك. عمل هاري برعي الخنازير، وجاك بالفلاحة في الحقول، البذار والحصاد. صادق جاك خنزيرا ما، وهو خنزير صغير يدعى بوريس، وكان مخلوقا ناشزا، يمكر ويهرب ويجد أنواعا غير متوقعة من الفطور. ولكن لم يكن عبث بوريس يكفي للتأثير بضجر هاري المتصاعد. حلم بمدن عظيمة وراء الجبال، يتدفق عليها حشد من الناس المتعجلين على اختلاف مشاربهم ومشاغلهم الكثيرة. أراد جاك أن يشاهد الذرة وهي تنمو، والنباتات الخضر وهي تبرز من الأرض السوداء، وكان يعلم أين يجد الفطر الناضج والعسل الأسود، ولكن هذا النشاط لم يؤثر إلا قليلا بضجره المهيمن. وحلم بحدائق للزينة وراء جدران مرتفعة تحيط بقصور رحبة. وحلم بأطعمة شهية، كالبهارات والكحول الملتهبة غير المعروفة في الوادي. وحلم أيضا برقصات عنيفة، وأجساد تترنح حوله بحرية، على أنغام موسيقا لم يكن يعرفها إلا في غيبوبته: القانون، طبلة البونغو، والبيانو الكبير، والأجراس الإنبوبية. بالمقابل انشغلت إيفا بنسج السجاد. كانت تعتقد أنها تستطيع أن تنسج في نومها، وقد فعلت ذلك، وحين تستيقظ تجد نفسها مشغولة بتصاميم متشابة ومتنوعة، وبثني الخيوط والتبديل بين السداة واللحمة. حلمت بألوان مجهولة، البنفسجي والزئبقي والأزرق والبرتقالي، ألوان الورود والريش، والحرير الناعم، والقطن الخشن. حلمت بإيفا الكبيرة، المجللة بالأحمر والفضي. وحلمت بالبحر، والذي لم يمكنها تخيله، وحلمت بالماء المالح وتذوقت طعم دموعها المالحة والتي نفد صبرها. لم تحسن الحياكة، فقد كانت الخيوط شديدة التوتر، وتصاميمها خانقة، ولكن هذا هو عملها. فهي نساجة. غير أنها تفضل أن تكون رحالة، وبحارة، وطبيبة متدربة، ومغنية أوبرا أمام الأضواء البراقة وهدير المشاهدين. أما أول إشارة عن التغيير فقد كانت تقرير الصيادين عن انهيار الثلج في غير موعده على الجبال الشاهقة. أو ربما كان، كما زعم لاحقا بعضهم، أن الفجر كان ورديا جدا، بينما الغروب كان يلمع بلون قرمزي ساطع. ثم تناهى لسمعهم زمجرة غريبة وتشققات تأتي من هناك، من فوق حدود المنطقة المثلجة، وناقشوا ذلك، كما ناقشوا كل صوت غريب ومعتاد، وكرروا تعليقاتهم والتي جعلت أسنان جاك وهاري تصطك من الحنق بسبب تشابهها كلها. وبعد قليل أصبح من الواضح أن ذروة الجبال المشرفة مباشرة على القرية، وفي الليل والنهار، تلمع وتتراقص بطيف ناري، ودخان له لون السلمون الوردي، الذي ينفجر هنا وهناك بطيف قرمزي وذهبي. كانت الألوان جميلة حقا، واتفقوا وهم يشاهدونها من عتبات بيتهم، أن شريط الألوان يومض من بين دخان هواء أزرق رمادي، ثم ينحسر. وتحت الذروة الملتهبة كان بياض الثلج يفسح للناظر كي يرى صخرة مبلولة رمادية رقيقة، لها لمعة، ونعم، لها بخار - المياه الجديدة. لا بد أن يخافوا من هذه البداية: كان بمقدورهم رؤية التبدلات الواسعة التي تحصل، والمترافقة مع حركة شملت كل شيء، الأرض والهواء، النار والماء. ولكن امتزج الخوف بقدر كبير من الاهتمام والإثارة، وحتى بمتعة الشيء الجديد، ومتعة الجمال، وهو ما سوف يدفع العديد منهم لاحقا للشعور بالخزي. استمر الصيادون بمتابعة هذه الظواهر، وعادوا لتقديم تقرير مفاده أن الهضبة تتحرك على ما يبدو، وهي تغلي وتحترق، ومن الصعب أن ترى من خلال سحب الرماد والدخان والبخار التي تنتشر فوقها. لكن الجبل لم يكن بركانيا، وكما يعلم الجميع، حياة الإنسان قصيرة بالمقارنة مع الصخور والحجارة، لذلك استمر الرجال بالتساؤل والمناقشة. بعد بعض الوقت شاهدوا الأفق على صورة كتل تشبه عقد سلاميات قبضة عملاقة، ست كتل، في أمكنة فارغة، كتل بعيدة قد ترمز لأشياء بحجم أكواخ كبيرة أو بيوت صغيرة، وبعد عدة أسابيع تقدمت الكتل، ومعها دخان وشرارات تتطاير، وزحفت بانتظام وبطء باتجاه أسفل السفوح، جنبا إلى جنب، بدون تلكؤ أو انحراف. وخلف كل كتلة أنبوب طويل لا ينثني، كما لو أنه حافة أخدود أو شيء من الأرض، كان يفيض من قمة الجبل، ويخرج من جوفه، وينسكب ببطء نحو الأسفل. بعض الشجعان خرجوا للاستطلاع، ولكن أجبروا على العودة بسبب غيوم البخار العنيفة ومطر النثار المحترق. صديقان وكلاهما صياد شجاع، خرجا ولم يعودا. وفي أحد الأيام قالت امرأة تقف في حديقتها: " كما لو أنه ليس انهيارا أرضيا ولكنها مخلوقات، ديدان هائلة الحجم برؤوس كبيرة، وتزحف نحونا. رؤوس صلعاء وكبيرة جدا وتهتز، وعليها قبضات وتفريعات وحلازين وطوافات، وعيون قبيحة ومبتلة وحارة ترقد في محاجر ضخمة داخل جسمها الموحل، وتلمع بلون أحمر كالدم، اثنتا عشر عينا، هل ترونها، واثنا عشر منخارا مشعرا على أنف متطاول من الطين الرمادي". بعد حوار ومقارنة وإشارات ووصف أمكن الجميع رؤية ذلك، وكانوا كما قالت، ست رؤوس كبيرة متأرجحة ومقرفة، يتبعها أجسام ثقيلة وطويلة بطول الطريق الذي يقود من قريتهم إلى القرية التالية، أجسام تتلوى بصعوبة، وبمشقة مؤلمة، كما يبدو، ولكن ببطء مميت ولا يستكين. وحينما اقتربت - وكان بطء تقدمها كالحلم، وغير واقعي - أمكن رؤية فكوكها، فكوك عريضة تشبه ما للحيتان ومسلحة بمنجل متقرن أو حافة مشحوذة كمنقار مرعب، وبه تحفر وتبتلع طبقة من الأرض وكل ما عليها - الأدغال والأسوار والقش وأشجار الفاكهة وزوجا من الماعز وديكا أبيض وأسود وبركة بط وما يعيش فيها. حلبوا وحصدوا مع ضجة مسموعة، وبصقوا الرماد الناعم، أو أنه انحدر من شفاه محفورة في فكوك مضطربة، واستقر على كل شيء. وهم يقتربون، ظهرت غمامة من الرماد أمامهم، وحطت على كل موجودات البيوت والحدائق، وغلفت النوافذ، وغطت الجدران بطبقة رقيقة. انتشرت من الرماد رائحة كريهة، وكانت خانقة لدرجة يصعب وصفها. في البداية دمدموا ونظفوا الغبار، ثم يئسوا من مسح الغبار، لعدم تحقيق الغاية المرجوة، وجللهم الخوف. كل شيء تم ببطء شديد ومرت مرحلة من خوف خرافي ونصف غامر، قبل تمكن الخوف المرضي والحقيقي والذي يشل الحركة، وحينها اقتربت المخلوقات من الرجال والنساء ورأوا عيونها، وكانت تحيط بها إفرازات صمغية، مثل مطاط ذائب، وكانت ألسنتها من اللهب. لم تكن ألسنة اللهب تشبه الرايات الحمر الشجاعة للتنانين المرسومة في الكنائس، ولا سيوف الملائكة المشتعلة. كانت منصهرة ومتأرجحة، مغطاة بجلد شفاف سميك مليء بالثآليل القرمزية وبراعم الذوق المتوهجة كالجمر، وهي بحجم الملفوف، وتسيل منها مادة لاصقة كبريتية وتفوح رائحة اليأس والتحلل الأبدي الذي لن يزول طيلة الحياة. كانت أجسادها مقززة، تنحني وتزحف وتسحق، بطيئة ورمادية وعشوائية. ووجوهها كبيرة جدا بحيث لا يمكن التعرف عليها كوجوه - فقط يمكن التعرف عليها بالتدريج من أجزاء متتالية. لكن الرائحة الكريهة أسوأ شيء، وقد أثارت الخوف، ثم الذعر، ثم رعشة مشلولة مستسلمة، مثل أرنب أمام ابن عرس، أو فأر أمام الأفاعي. ناقش القرويون لفترة طويلة احتمالات تدمير القرية. كما ناقشوا وسائل تحويل مسار الديدان أو إتلافها، لكن ذلك كان عديم الجدوى، ولم يسفر عن شيء. ناقشوا أيضا مسار تقدم المخلوقات؛ هل ستعبر القرية، أم ستمر بها من جانب أو آخر. بعد ذلك كان من السهل الاتفاق على أن القرية تقع في مسار انحدارها الرهيب، لكن الأمل يضلل، والجمود يضلل، ومن الصعب تخيل اختفاء ما يبدو كالحجر الراسخ. لذا، تأخر القرويون في وضع خطة لإخلاء قريتهم، وفي النهاية غادروها على عجل وبشكل فوضوي، وهم يركضون هنا وهناك في ظل رائحة ودخان تلك الرائحة الكريهة، ليجمعوا ممتلكاتهم، ويضعونها أرضا، ثم ليأتوا بغيرها، وكأنهم عش نمل مهتاج. ركضوا إلى الغابة حاملين أكياس الذرة وأواني المطبخ، وأسرة الريش وشرائح لحم الخنزير المقدد، والحيرة تغلبهم بسبب وجود تلك المخلوقات البغيضة. لم يكن واضحًا ما إذا كانت الديدان قد رأت البشر بالفعل. لم يكن البشر على مقياسهم، لأن المخلوقات الصغيرة التي تسكن فروة رؤوسنا، أو التي تحفر في أوراق السلطة التي نأكلها، غير مرئية، ولا نضعها في الحسبان. أصبحت حياة القرويين في الغابة رتيبة، بل مملة، فالملل لدى البشر ممكن ولا سيما في اللحظات الرتيبة التي تقع بين بذل الجهد والرعب. وعانوا من برد قارس، خاصة في الليل، وجاعوا، واضطربت بطونهم باستمرار، وخافوا من طعامهم القليل. كانوا يعلمون أنهم بعيدين عن أنفاس الديدان، ومع ذلك شموا رائحتها الكريهة، في أحلامهم، وفي دخان نيرانهم، وفي أوراق الشجر المتعفنة. وشكلوا فصيلا من المراقبين، في أماكن تمكنهم من رؤية حدود القرية من بعيد، فشاهدوا صفوف الرؤوس الضخمة تتقدم ببطء، ورأوا ألسنة اللهب المفاجئة وانفجارات الدخان الكثيف الذي لا بد أنه شرارات تأتي من المنازل. وشاهدوا عالمهم يتهدم، ومع ذلك شعروا بنوع من الضجر هو علامة على بقية الضيق الذي يعانون به. قد تتساءل: أين ذهب الفرسان؟ أين المحاربون الذين يجب أن يتصدوا على الأقل لتلك العيون الدامعة بسهم أو رصاصة؟ دار الحديث حول هذا الأمر قرب نيران المخيم، لكن لم يظهر أي بطل، وربما كان هذا دليلا على الحكمة، فالمخلوقات محصنة ضد وخزة أي سلاح بشري. قال الشيوخ من الأفضل ترك الأمور كما هي، لأن تلك الأجسام الضخمة الصاخبة والمميتة كانت حية وسط القرية. قالت العجائز إن الحكايات القديمة تروي أن أنفاس التنانين تشل الإرادة، لكن عندما طلب منهن نصيحة عملية، لم يكن لديهن ما ينفع. اكتشفت إيفا أنه قد يرغب المرء في الانتحار إذا كان ينام على جذر شجرة، أو على أرض صلبة، تضغط على جسده وتؤلمه ألاما مبرحة، يسعر بها بحاستيه. - أخيرا ذهب هاري وجاك مع بعض الشبان، باتجاه القرية، ليروا عن كثب طبيعة الدمار ومدى انتشاره. وجدوا أنهم يسيرون نحو جدار كامل من الدخان واللهب ذي الرائحة الكريهة، الذي يمتد عبر أفدنة من المراعي وحقول الذرة، وخلفه أمكنهم رؤية النتوءات الصخرية الضخمة للرؤوس، وقد تباعدت، لتتحرك مثل شلالات المياه الهادرة في مصب دلتا غزير. قال جاك لهاري هذا الانتشار في المسارات لا يترك فرصة تذكر لبقاء أي شيء في القرية، فأجاب هاري وهو مشتت الذهن أن هناك أشكالا من نوع ما تتحرك في الدخان، ثم قال إنها خنازير، تركض هنا وهناك، وتصرخ. اندفع خنزير من بين الدخان، يلهث ويصرخ، فصاح هاري: "بوريس". وبدأ يركض خلف خنزيره، الذي شخر بشراسة وانطلق عائدا إلى الظلام، وتبعه هاري. رأى جاك الخنزير والإنسان في صورة ظليلة سوداء قبل أن يسمع صوت بزل مرعب، وزفير أبخرة ساخنة، وأنفاسا نارية كثيفة خانقة جعلته يترنح ويفقد وعيه. عندما استعاد وعيه، كان جلده مغطى بطبقة سميكة من الرماد اللزج، وبدا له أنه يسمع السوائل تغلي وتحترق في بطن الدودة. للحظة، ظن أنه سيبقى مستلقيا هناك، في مسار ذلك الفك، ويجرف مع حقل الذرة والسياج. ثم قرر أن يتدحرج، وشيئا فشيئا، تدحرج وزحف وتسلق، حتى أصبحت هناك مسافات بينه وبين الدودة. استلقى لساعات عديدة، منهكا ومريضا، تحت شجرة شوك، قبل أن ينهض بصعوبة، ويعود إلى المخيم في الغابة. كان يأمل أن يعود هاري أيضا، لكنه لم يتفاجأ، لم يتفاجأ حقا، عندما لم يعد. - وهكذا استمر الأمر لأسابيع وشهور، والهواء مليء بالرماد والجمر المتساقط، وأشبعت ملابسهم وأجسادهم بتلك الرائحة الكريهة، حتى جاءت الأجساد الطويلة البغيضة وتقدمت، تدريجيا، عبر الحقول والمروج، تاركة وراءها نفس الأخاديد على السطح الصخري، بعد أن جرفت منها الحياة والنمو. ومن نقطة مرتفعة، رأوا المخلوقات، جنبا إلى جنب، تعبر الشاطئ الرملي للبحيرة، ودون تغيير أو تردد في سرعتها، تقدمت عبر المياه الضحلة، كما لو كانت مدفوعة بصورة ميكانيكية، أو تحت إلحاح حاجة عضوية مثل عودة الضفادع أو السلاحف دوريا إلى العالم المائي للتكاثر. وقد انخفضت الرؤوس الكبيرة لتلتقي بسطح البحيرة، وعندما حصل ذلك، غلى الماء وتصاعد منه البخار وتناثر مثل مرجل عظيم. ثم غرقت الرؤوس تحت السطح، الذي كان يغلي ويضطرب ويفور، بينما كانت الأجسام الطويلة والبطيئة تنحني وتنزلق، يوما بعد يوم، فوق الرمال وعبر الماء إلى الأعماق، حتى لم يتبق في النهاية سوى مؤخرات قبيحة غير حادة، تحت المياه الضحلة، ثم في يوم من الأيام، وبقدر ما كان قدومها غير مؤكد، أصبح من الواضح أن رحيلها قد انتهى، وأن الديدان قد انغمست في البحيرة، وأصبحت فيها، تحتها، ولم تترك سوى العلامات القاسية لوزن أجسامها وأنفاسها المحترقة في التربة والصخور والعالم النباتي المسحوق والذابل.

عندما عاد القرويون ليتفقدوا قريتهم من بعيد، بدا الدمار واحدا: البيوت مسواة بالأرض، والأشجار مقتلعة، والأرض مجرحة، تملأها الأخاديد، ويغطيها الرماد، وتتصاعد منها الأدخنة. تجولوا بين الأنقاض، يفتشون بين الطوب والألواح، ووجد بعضهم، كما هو الحال دائمًدا، كنوزا وأشياء تافهة مفقودة بين الرماد، كعملة معدنية، أو نصف كتاب، أو قدر طهي مشوه. وعاد بعض الذين اختفوا في الفوضى الأولى، بحواجب محترقة أو وجوه مشوهة، بينما لم يعد آخرون. عاد جاك وإيفا معا، وللحظة لم يستطيعا تحديد الاتجاه الذي يبحثان فيه عن أنقاض منزلهما السابق. ثم، عندما دارا حول كومة من الأنقاض المتساقطة، رأياه هناك، لم يمسه شيء. مر أحد هياكل التنين على مبعدة، ووازى سياج الحديقة، لكن السياج لم يسقط، وداخل السياج كانت الحديقة والشرفة والأبواب والنوافذ كما هي، باستثناء الرماد المتطاير. رفع جاك الحجر الذي كان يحفظ تحته المفتاح دائما، فوجده هناك، في مكانه المعتاد. دخل جاك وإيفا إلى المنزل، فوجدا الطاولات والكراسي، والمدفأة وخزانة الكتب، ونول إيفا، ملقى في النافذة الخلفية للمنزل، التي تشرف على المنحدرات ثم على قمم الجبال. وسمع صوت ارتطام قوي بالباب الخلفي، ففتحه جاك. وحينها وجد الخنزير بوريس، مطأطئ الرأس قليلا، تفوح منه رائحة لحم الخنزير المشوي، وجلده المتفحم خال من الشعيرات، لكن عينيه الصغيرتين الغائرتين تعكسان السرور والتعرف. ولما شاهدا أن الخنزير نجا بأعجوبة، أو بفضل الحظ، من أنفاس التنين وألسنته النارية، رغبا، بالطبع، أن يعود هاري أيضا. انتظرا عودته لأيام وشهور، بل ولسنوات، خلافا للتوقعات. لكنه لم يعد. نفضت إيفا الغبار عن سجادتها المغطاة بطبقة خفيفة من الرماد، لأنها كانت في الجزء الخلفي من المنزل، وكانت النوافذ متينة الصنع. رأت الألوان - الأحمر والأزرق والأصفر والأسود - كما لو أنها لم تر لونا من قبل، ومع ذلك شعرت بمتعة ممزوجة بالانزعاج من ألفة هذه الألوان. لو عثر عالم آثار على هذه الغرفة، وعلى هذه السجادة وهي على هذا النول، بعد ألفي عام مثلا، لربما شعر بإثارة شديدة لأن هذه الأشياء سليمة بشكل عجيب، وسيغلبه فضول شديد حيال هذه الصنعة، وحتى حول الحياة اليومية التي يمكن تخيلها وهي تتطور قرب هذه القطع الأثرية التي عثر عليها. شعرت إيفا بدهشة بالغة، تجاه عملها، وتجاه صمود الخشب والصوف والعظم ، أو حتى الشجرة غير المكتملة بطيورها الجاثمة ورمانها الممتلئ. شعرت أيضا بتأثر عميق واضطراب داخلي، من أسلوب ماضيها، وماضي والدتها وجدتها، ومن آثار لحظات كفاءتها المتدفقة، وفترات انطوائها وتوترها وقلقها وارتباكها. شعر جاك أيضا بالبهجة والدهشة، وهو يمشي مرارا وتكرارا ويعبر المنزل من خلال النوافذ التي واجهت الدمار المتصاعد، ليصل إلى تلك التي ترى من خلالها الجبال الثابتة. عانق الاثنان بوريس، الذي استعاد عافيته ونجا، وشعرا بأنفه المبلل وجوانبه الدافئة. مثل هذه الدهشة، مثل هذه الدهشة، هي عكس الملل بالضبط، وكثير من الناس لا يعرفونها إلا بعد الخوف والفقدان. بمجرد معرفتها، لن يمكنك نسيانها؛ فهي تترك لمحات وفيضانات من نور فردوسي في أماكن غريبة وفي أوقات غريبة. أعاد القرويون بناء قريتهم، ووقفت الأشياء التي تم إنقاذها بين البيوت الجديدة التي نبتت في حدائقها أزهار وخضراوات جديدة، وغرست فيها شتلات جديدة. بدأ الناس يروون حكايات عن قدوم الديدان من الجبل، وكانت تلك الحكايات نقيض الملل. فقد جعلت من الرماد ورائحة الفم الكريهة، والسحق والابتلاع، أمورا شيقة ومثيرة، بل تكاد تكون جميلة. بعض الأشياء تحولت إلى حكايات، وبعضها الآخر لم يرد ذكره. روى جاك عن شجاعة هاري وتهوره، فقد اندفع وسط الدخان المتصاعد لإنقاذ خنزيره، ولم يروِ أحد أي شيء عن البؤس اليومي المصاحب لأمل عودته الذي يتلاشى ببطء. احتفلوا بمهارة الخنزير وقدرته على التعافي، ولكن لم يحتفلوا بمصيره المحتوم في تلك الأيام العصيبة. وهذه الحكايات، التي نسجت من دهشة هؤلاء الناجين، أصبحت مع مرور الوقت تعويذات ضد الملل لأبنائهم وأحفادهم، تحمل في طياتها تلميحات غامضة عن العلاقات الحقيقية بين السلام والجمال والرعب.

س. أ. بايات A S Byatt  روائية بريطانية. حازت على البوكر عن روايتها "حيازة". تعيش في لندن. من أهم أعمالها: حكاية كاتب السيرة، كتاب الأطفال، كاحل ميدوزا. تهتم في أعمالها بالبنية النفسية للشخصيات والطبيعة المحيطة وعلاقة الذات بالعالم. وتعتبر من أبرز أدباء موجة ما بعد الحداثة في الأدب الإنكليزي المعاصر.

***

..................

* تمت الاستعانة ببرامج الترجمة الآلية جزئيا.

 

بقلم: هاربر لي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

من موقع جلوسها في باحة المدرسة، اعتقدت آبي أنها ترى سماء وحقولا محترقة تتلألأ تحت النظر. الجو حار جدا بالنسبة لحفلة راقصة. صدر عنها أنين وهي تمد ساقيها الصلبتين بين الأعشاب الصفراء، وتساءلت لماذا أصابعها الكبيرة كبيرة هكذا - ولا تتناسب مع بقية حجم قدميها. لم تكن طفلة يرغب أحد بالاقتراب منها ولمسها: أظافر أصابعها المحدبة متآكلة، وعدة ندوب حمراء على عقدها الخشنة - الجلد مثل ذلك الذي على ركبتيها. وشعرها الأشقر مبعثر على جبينها، وخصل منه طويلة جدا، وعيناها الواسعتان جدا غائرتان في جمجمتها، وبجفون ثقيلة جدا حتى أنها تبدو كأنها نصف مفتوحة. كانوا يقولون عنها ذات مظهر بليد. تحلقت حولها مجموعة كبيرة من الفتيات، بأقدام حافية وبثياب قطنية ملونة وباهتة. وكان هناك بنات الشعبة الثانية من الصف السادس، تتراوح أعمارهن بين الخامسة والسادسة عشر عاما وكنّ يقطفن القطن نصف العام ويفكرن بما يمكنهن أن يفعلن في النصف الثاني: فتيات بكواحل غليظة ووجوه محمرة، وأياد وردية لماعة وشعر متهدل. هذا العام كانت صويحبات آبي من الشعبة الثانية، وكلهن مغتربات عن بقية بنات القرية، وهذا ما فتن آبي بهن. والاغتراب من جراء خطابات وحكمة المزرعة المتعبة. قدمت آبي لهن بحماقة ما يريد لهن آباؤهن: صديقة محلية يمكنها أن تدخل إلى الجامعة وأن تتزوج في أحد الأيام من طبيب أسنان أو محام، أو على الأقل أن تعود إلى بيتها وتصبح سكرتيرة في مصرف منطقة مايبين. نفخت أضخم الفتيات أنفاسها من رئتيها وزحفت نحو آبي قائلة: "أفسحي لي. الأرض حارة جدا ولا يمكنني الجلوس عليها". جرت مايبيل نفسها على المقعد الحجري الرمادي، وشمت آبي رائحة عطر وعرق هوايت وقالت: "من الأفضل أن لا تشم الآنسة ناش رائحتك يا هوكنز". نخرت مايبيل تقول: "هي لا تريد أن نتبرج لأنها تريد ريموند والترز لنفسها". كان ريموند أطول وأكبر الأولاد في ابتدائية مقاطعة مايبين: يبلغ سبعة عشر عاما بطول ست أقدام. جاءت الشعبة الثانية إلى المدرسة في تلك السنة والبنات بشعر أجعد وقوام مكتنز، وفكرت الآنسة ناش أنه يجب أن توقف ذلك فورا. قالت في أحد تعليقاتها الكثيرة والخاصة: "كل الصغيرات تنظرن إليكن أيتها البنات الكبيرات. وسيكون لكن تأثير كبير عليهن سواء خيرا أو شرا. فليكن نحو الخير. موافقات؟".

قالت مايبيل بتشنج: "لن يمكنها أن تبدلني. سأضربها على مؤخرتها بالمذراة". وضحكت البنات.

"حسنا، من الأفضل أن تبتعدي عنها اليوم. رأيتها تأكل ذلك الطعام الأبيض مجددا، وأتوقع أن يصيبها عسر الهضم".

التمعت عينا مايبيل الزرقاوان وهي تقول: "يمكن للآنسة ناش أن تذهب وترى بنفسها. هل سمعت ما يدور حول لويس فينلي؟. الجميع كن يتكلمن عن ذلك في الحافلة صباحا".

"كلا. من هي؟".

لوحت مايبيل بأصبع زهري نحو المدرسة الثانوية وقالت: "هي في الصف التاسع. أقصد أخت ملدريد الكبيرة".

أومأت آبي. كانت ملدريد فينلي ذات عينين جاحظتين من بنات الصف الرابع ومن المكسيك، وخلقت جوا حولها منذ أول يوم لها في المدرسة لأنها لا تعرف كيف تستعمل ماء خزان دورة المياه.

سألت آبي: "نعم؟ ماذا بشأنها؟".

اقتربت ذات رداء القطن العرجاء قائلة: "حسنا - مرحبا جميعا، استيقظن. هل تود أي منكن الاستماع لأخبار لويس فينلي؟". انحنت مايبيل عليهن وقالت: "سترزق لويس فينلي بمولود. وأنا أعرف من هو الأب".

صاحت الفتيات، واطمأنت مايبيل للنتيجة. وضعت ذراعها الممتلئ على قبعات البنات المتسائلات من أخبرك وأين سمعت حتى أخمدت الأسئلة. ثم قالت: "علاوة على ذلك سترسل لويس غدا إلى بيت خاص بالأمهات غير المتزوجات في موبايل. وبالتأكيد أرسل والدها قائد الشرطة ليقبض على ابن عائلة إدوارد، فهو من فعلها. وبالمناسبة اكتشف السيد فينلي أن لويس أخبرت الدكتور سيمونز بالأمر، فنقل الخبر له، وسمعت أنا وأخي الوالد يخبر الوالدة. وأرادت الوالدة أن تحطم الجرة وقالت إن المسيحي يخجل من هذا التصرف، وعلى الدولة أن تعاقب آل فينلي، وأضافت إنه خطأ السيد فينلي، فقد سمح لتلك البنت أن تعيش على هواها في كل مكان، وقالت إن السيد فينلي لن يتمكن من رفع رأسه بعد الآن". لعقت مايبيل شفتيها وقالت ببطء: "سأخبرك بشيء. على ميلدريد ولويس فينلي أن لا يظهرا في ميكسيا* بعد الآن. فهما عار على المجتمع، وهذه هي الخلاصة".

شعرت آبي بالغثيان وقالت: "لويس بعمرك. اليس كذلك؟".

"نعم. أصغر بعدة شهور. على ما أظن".

احتارت آبي فاتسعت عيناها وحكت مؤخرة رأسها. وقالت: " لا يمكن للويس أن تلد طفلا. فهي غير متزوجة يا مايبيل".

قطبت مايبيل وجهها أمام الفتيات وقالت: " بل يمكنها أيتها الغبية". أخذت نفسا عميقا وأضافت همسا: " اسمعي يا حلوة. يمكنك إنجاب ولد في أي وقت بعد بلوغ الثانية عشرة. يا للجحيم. بمقدوري أنا الإنجاب في الحادية عشرة... أنت تفكرين بعقلية رجل متعصب - وأنت يا آبي ألم تحيضي بعد؟".

"نعم. الشهر الماضي".

"حسنا. يجب أن تعرفي كيف هو الأمر إذا".

"ماذا تعنين يا مايبيل؟ أعلم ماذا؟". ثنت يدا آبي المتعرقتان أطراف ثوبها بشكل لفة قذرة. قرقرت بطنها وزحف ثقل غامض على كتفيها. وبدت خصل شعر مايبيل الأشقر بعكس السماء على نحو ملحوظ، وتحرك قليلا مبنى المدرسة وراءها.

تأرجحت الخصل وهي تقول: "حسنا. اسمعي هذا واسمعي جيدا: إذا لمسك رجل بعد حيضك ستنجبين ولدا كاملا". ضربت مايبيل راحتها على المقعد. غار اللون من وجه آبي، وسمعت صوتها يأتي من داخل مبنى المدرسة يقول: " أنت تقصدين أنه إذا طلب منك ولد أن..؟".

اهتزت خصلات الشعر بقوة وهي تقول: "هذا صحيح. وإذا فعلت ذلك ستحملين بطفل".

“وذلك حال لويس فينلي - إه، هذا هو حال حكايتها؟".

استيقظت، وعلى وجهها غطاء مبلول، وأنفاس الآنسة ناش تهب على جفنيها. شعرت آبي أنها تنسحب عن الأرض، قالت الآنسة ناش: "سأرسلك إلى البيت في بقية اليوم". عادت النبرة لما كانت عليه وقالت: "هل يمكنك العودة إلى البيت بمفردك؟".

"نعم يا سيدتي". كانت آبي تعيش وراء المدرسة، على بعد مشوار قصير.

قالت الآنسة ناش وطقم أسنانها البيضاء والصلبة تلمع أمامها: "أخبري أمك أن حرارتك ارتفعت هنا قليلا".

انتظرت السيدة هندرسون وذراعاها على وركيها حتى صعدت آبي على الدرج ودخلت في الممر البارد والمعتم. سألتها: "هل تورطت بالعراك مجددا؟. كلمتني الآنسة ناش وقالت إنك في طريقك إلى البيت، وأنك ستخبرينني بما جرى".

وجرتها السيدة هندرسون في الممر.

"أغمي علي يا أمي".

اختفت غضون أمها. ثم قالت: "آه. من الأفضل أن آتيك بشيء ما. اذهبي وارتاحي".

بصقت معظم السائل المر والماء في الكوب، وانقلبت على بطنها واستلقت بصمت حتى غادرت السيدة هندرسون الغرفة.

حالما صر الباب وهو ينطبق أغلقت آبي عينيها. ارتجفت بعنف تحت الملاءة، وكتلة متماسكة صعدت في قصبتها الهوائية، ففتحت فمها لتسمح لها بالخروج. صلت تقول: آه يا إلهي. لا تتخل عني. لا تتخل عني. سأفعل ما تريد إن لم تتخل عني. زحف الحمل الذي يثقل على كاهلها حتى ذراعيها. فتوجعت ركبتاها وفخذاها. من فضلك يا ربي. أريد أن أموت. لم أقصد ما فعلت. لم أكن أعرف. آه يا ربي. سوف يرسلونها إلى موبايل ولن تراهم بعد الآن ثانية. كان معها ابنة إميس. لكن عائلة إميس غادرت مقاطعة مايبين ولن يعود أحد منهم أبدا. كل المقاطعة تعرف آل هندرسون. سوف يرحلون إلى باربور. كلا. العم ديك بعيش هنا بالفعل. ماذا سيكون حالهم بدونها؟. شاهدت والدها عائدا من عمله إلى البيت، يبحث في الشارع عن آبي كي تسرع إليه وتشاهد معه متجر برانتلي فقط. دخل إلى البيت وتخلى عن قبعة القش. قال: أين الوالدة. قالت: هي في المطبخ يا جيم. حينما لمسها السيد هندرسون انخرطت بالبكاء. جلسا وحيدين في غرفة المعيشة ليلة بعد ليلة يتساءلان ماذا حصل لآبي في موبايل. زمجرت آبي وأطلقت كتلة أخرى من قصبتها الهوائية. كل كلمة قذرة تعرفها رنت في ذهنها. ماذا يريدون؟ ها هي: تشرف على إنجاب ولد، حسنا. يا إلهي. ماذا سيقول أبوها وأمها؟.

وماذا عن إيد دينيس؟ لم يتعمد ذلك. لم يكن ليفعل لو لديه علم مسبق. حتى اليوم كانت قد نسيت إيد دينيس بسرواله المفتوح وهو يعانقها، مر على ذلك فترة طويلة. كلا. كان ذلك في مساء الثلاثاء الماضي. كانا يلعبان كرة القدم في الباحة الخلفية، تعبا، استلقيا على الأرض وراء غرفة السيارة. فقال لها: "آبي. دعيني أراك. أريد أن أرى كيف يكون شكل البنات".

لو اكتشفوا ما جرى سيودعه الآمر في سجن البلدة المليء بالجرذان. وهذا بسببها. مسكين إد. لا يعاني من أي خطأ. تعارفا منذ ولادتهما، وحينذاك مرر إد ساقه حتى خصر آبي فتلقته - وأعلن عن حضوره فيها. فكرت بكل شيء عن إد دينيس: والده يدير محطة كاسا لوما للوقود على أطراف البلدة، ويعاني من فقدان أصبعين في يده. أما أمه فهي من أتباع الناصري المسيح. وله أختان كبيرتان....

انحنت للخلف وحدقت بالثقوب في السقف الخشبي الأزرق. عدت الشقوق، وفكرت، مثل تلك المرة هاجمتك الحمى القرمزية. عدي الشقوق وستجدين أنها عدد الأيام. وسيولد الطفل وسيلقى القبض عليك... ستسرع السيدة دي بيفي في الطرف الآخر من الشارع لتخبر السيدة بيركيت عن عار آل هندرسون وسيرمقون والدك كلما جاء إلى البيت من المكتب... وفجأة ضحكت وجلست منتصبة.

ركلت الغطاء ونهضت: لن يحدث ذلك قبل أسبوع على الأقل، وحينها ستخبئه تحت المنزل قرب المدخنة! نادت: "أمي، أشعر بتحسن الآن، هل يمكنني النهوض؟".

قال صوت السيدة هندرسون من أعماق المطبخ: "لا، ابقي مكانك قليلا."

استلقت على السرير. توترت أطراف أصابعها، وجعلتها متعبة. لكن سرعان ما غطت في نوم عميق.غير أن طمأنينتها لم تستمر طويلا. في المدرسة، كانت المناقشات اليومية مع الشعبة الثانية تؤكد ذلك: إذا أنجبت فتاة طفلا ليس من المفترض أن تربيه، لأنه سيرسل بقوة القانون إلى دار رعاية، وسيخسر والده عمله. ولن يتمكن من الحصول على وظيفة أينما ذهب لأن ما حدث سيطارده دائما. أطفال؟ أوه، إنهم ينمون داخل بطنك ويولدون عندما تذهبين إلى الحمام. إنه مؤلم جدا. أجل، أي فتى فوق الثانية عشرة يمكنه أن ينجب لك واحدا.

أقسم والدها أنه لا يعرف ما بها. لماذا أصبحت متوعكة في غضون أسبوع؟ عندما لا تكون مكتئبة، تجلس في نهاية المرآب. وعندما يناديها باسمها، تنظر إليه وكأنها تتوقع أن يضربها.

قالت السيدة هندرسون: "أوه، أنت تعرف ما الأمر يا جيم. لم يمر على التدريب فترة طويلة، ولم تعتد عليه بعد".

"لكنك شرحت كل شيء، أليس كذلك؟". ظن جيم هندرسون أنه يعرف الفتيات، لكنه لم ير قط فتاة تتحمل الأمر مثل آبي.

قالت والدتها: "كنت أظن ذلك."

عندما حدث ذلك، الحيض، كان رد فعلها الأول هو عدم التصديق، ثم الرعب. وضعتها والدتها في السرير وأخبرتها أنها ستعاني من ذلك كل شهر. كانت آبي خائفة جدا من طرح الكثير من الأسئلة، ولم تفعل والدتها أكثر من الإجابة عليها. ضحك جيم هندرسون عندما تذكر كيف جاءت آبي إليه لتتأكد. لقد عانى كثيرا ليقنعها أن الأمر طبيعي، وأن جميع الفتيات يعانين منه، وأنها لن تضطر إلى التوقف عن لعب الكرة، بل عليها فقط أن تخفف من اللعب من الآن فصاعدا. ثم قال: "على أي حال، يا آبي، أنت تكبرين."

صرخت قائلة: "لا أريد أن أكبر إذا كان هذا ما يحدث كل الوقت!"، وركضت إلى الخارج. في ذلك المساء، وجدها جيم هندرسون جاثمة خلف المرآب، ملتصقة بالجدار. لقد كان من الصعب إقناعها بالدخول. ومما زاد الطين بلة، أن الجميع في المدرسة يعرفن سبب غيابها ليوم واحد: عندما رفضت لعب الكرة في الاستراحة، ابتسم إد دينيس وقال شيئا لريموند والترز. فضحك ريموند ونظر نحو آبي. الآن، كانت تجلس كل يوم في غرفة الدراسة تحدق بذهول في بعض القصاصات البرتقالية التي ألصقها طلاب الصف السادس على السبورة. كانت تنورتها ملطخة دائما بالتراب من كثرة احتكاكها بها، ولم تتوقف راحتا يديها عن التعرق. وفي تلك الفترة الانتقالية بين اليقظة والنوم، كانت تجد السكينة، ولكن عندما تستيقظ، تعود السكينة وتحيط بها. أحيانا خلال النهار، عندما يكون هناك درس تاريخي شيق أو مباراة كرة قدم مثيرة، تنسى الأمر لبرهة. كل سبت بعد الظهر، عندما تلعب دور هوت جيبسون، تنسى، لكن الأمر يظهر على الشاشة عندما تتلاشى اللقطات الأخيرة. قالت مايبيل يوجد طبيب في المقاطعة يضعك على طاولة المطبخ ويجري لك عملية جراحية مقابل خمسين دولارا، ولكن من هذا الذي لديه خمسون دولارا؟. تذكرت يوم الأحد الذي ألقى فيه السيد ك. و. تاتوم موعظة عن الفتيات المعروضات للبيع، وكيف قال: "أيتها الأمهات، حذرن بناتكن! أيتها البنات، أطعن أمهاتكن".

كانت آبي تطمئن على الجنين في كل صباح عند استيقاظها، وتدعو الله أن يخرج عندما تضغط على بطنها. وسرعان ما جمعت المزيد من المعلومات من الشعبة الثانية. أحيانا كانت تصلها أخبار مشجعة: البطن تنتفخ ويرافق ذلك الألم أحيانا. كانت بطن آبي مسطحة لدرجة أن عظام وركيها بارزة. وباستثناء شعور دائم بالانزعاج قرابة أضلاعها، كانت تشعر أنها بخير. وعلمت أن البنات تذهبن أحيانا إلى المستشفى لإخراج الجنين والتخلص منه، لكن الثريات فقط من تستطعن تحمل التكاليف. وقد يستغرق الأمر تسعة أو عشرة أشهر ليولد الطفل، وأحيانا سنة: وهذا أكثر شيء مشجع حتى الآن - لأن لديها متسعا من الوقت.

على حد علمها، لم يشك والداها في أي شيء. يمكنها أن تتخيل النظرة المرعبة على وجه والدها لو أخبرته - ربما يحبسها في المرآب حتى تموت، أو يخبر الشرطة أنها ضلت طريقها ولم يعثر عليها إلا بعد ثلاثة أيام. ربما يخنقها بوسادة - لا، لن يفعل ذلك. سيرسلها بعيدا.

قالت ذات ظهيرة وهي تأخذ نقودها اليومية لأجل الآيس كريم وبعد أن بحثت عنه في كتاب قانون ولاية ألاباما الموجود على رفوف المكتب: "بابا، ماذا نقول عن قتل طفل رضيع؟".

"جريمة قتل".

وأفلت جيم هندرسون الجريدة وحدق في آبي.

"وهل يسجن المرء بسببها، أليس كذلك؟".

"بالطبع، إن لم يصعق بالكهرباء". وظهر خط بين حاجبيه الكثيفين الأسودين وتابع: "أنت تعلمين ذلك يا آبي. قتل طفل كقتل رجل بالغ."

"معك حق. وردت الفكرة في ذهني..."

قال: "يبدو أنك تفكرين بأمور غريبة هذه الأيام يا آبي". ثم قرر أن يصارحها. فقال: "ولكن ما بك؟ أنت كئيبة منذ أسابيع. لا تأكلين، وتبدين كالفزاعة، ولسانك سليط مع والدتك ولا تفعلين شيئا مما تطلبه منك. إن لم تتلافي ذلك، سأدهنك بالزيت وأضربك بحزامي على مؤخرتك.". وانثنت الجريدة وهو يلتقطها، ويقول لنفسه: يا لها من طفلة غريبة الأطوار.

قالت آبي وهي تنظر إلى الأرض: "مفهوم".

"حسنا، انصرفي الآن. فأنا مشغول."

سارت عبر الساحة الخضراء الصغيرة إلى عيادة الدكتور سيمونز. وقفت عند المدخل، ولعبت بالستارة ذهابا وإيابا. ثم قالت: "مرحبا، عمي تشارلي".

استدار الدكتور سيمونز فجأة وقال: “لقد وصلت لتعتني بالعيادة في الوقت المناسب تماما يا آبي. لدي زيارة واجب مع الآنسة ميتس".

لمست آبي أنفها بأصبعها قائلة: "هل ستتأخر؟".

"لا أعرف. إذا لم نعد بحلول الخامسة أغلقي الباب". نقب الدكتور سيمونز في جيبه، ووجد ربع دولار، ألقاه على المكتب وهو يقول: "مع السلامة. لا تعبثي بأي شيء". وعندما ركب الدكتور سيمونز وممرضته السيارة، قفزت آبي من كرسي الخيزران. كانت تحب التفتيش في أدراج الضمادات البيضاء، والأدوات اللامعة، والأنابيب الموجودة في الخزانة الزجاجية، لكنها في ذلك اليوم أخذت كتابا مغلفا بالجلد الأحمر وعنوانه "أمراض النساء" وبدأت تقلب في صفحاته. شاهدت أمامها صور نساء منتفخات ملفوفات بملاءات بيض، وأشياء تشبه ملاقط الثلج، وسكاكين طويلة رفيعة، وجروحا مفتوحة تنزف. ألقت بالكتاب على الأرض، وركضت إلى الباب الخلفي، وخفضت رأسها على السلالم. مسحت فمها، ثم ركضت على طول الطريق إلى المنزل، وجلست خلف المرآب حتى حلول الظلام.

خطرت لها الفكرة في الظهيرة عندما أرسلتها السيدة هندرسون إلى مخزن الثلج. حينما كانت آبي تجر عربتها على الطريق، رفعت نظرها إلى خزان مياه البلدة، وهو أطول بناء في مقاطعة مايبن. عبست للحظة، ثم لمست بطنها. قالوا إنها تستطيع سماع نبضات قلبها - نبضها ينتفض تحت يدها. كان موجودا، لا جدوى من إنكاره. لا شيء سيزيله: وحاولت ضرب معدتها مرات عديدة، لكنها لم تأت إلا عندما أصبحت جاهزة تماما. قالت مايبيل إنه يمكنك معرفة متى تبدأ الولادة، ولكنها لن تحصل إذا...

نظرت بإمعان إلى الخزان، كان وردي اللون وفضيا تحت شمس العصر المتأخرة: كتب عليه، وهو يتمايل في السماء "شركة مايبن لخدمات المياه".  سحبت عربتها نحو قاعدته وقفزت إلى الدرجة السفلية من سلم الخزان. تشبثت بجوانبه الفولاذية الرقيقة وصعدت بسرعة؛ ستظهر علامات حمراء على قدميها إن لم تسرع، فالدرجات ساخنة. في منتصف الطريق، نظرت إلى الأسفل: كانت الأرض تتحرك. نظرت إلى الأعلى: الخزان لا يزال يتمايل. أغمضت آبي عينيها وصعدت حتى اصطدم رأسها بسور الرصيف. كانت المدينة بأكملها تحتها: قبة المحكمة البيضاء ترتفع فوق أشجار السنديان المنهكة؛ سقف مكتب عمها المصنوع من الإسمنت يتشقق ويتصدع من شدة الحرارة؛ مباني المتاجر المكللة بسقف من الصفيح تبدو بشكل مجموعة حول الساحة. كان منزلها من جهة اليسار، وأشجار التوت الصيني في الباحة الخلفية الرملية، ثم مستودع السيارات القديم وبجانبه غرفة ساعات فراغها. اعتقدت أنها تستطيع رؤية السيد بن واتس وهو يسير في الشارع، لكنها لم تكن متأكدة. جاء في ذهنها قول مايبيل إن بطنها ستؤلمها قبل أن يأتي. عندما يأتي، سيكون لدي وقت لأعود إلى هنا، ربما. سيفتقدونني، لكنني لا أطيق الذهاب إلى موبايل. ضحكت ضحكة مكتومة: جعلت دموع عينيها الساحة تبدو مشتتة ومهتزة، فمسحت عينيها. ارتطمت بخدها حشرة تطير بأقصى سرعة. فقالت: "يا للهول"، ومسحت البقايا الخضراء من كمها. ستمتلئ الكنيسة الميثودية عن آخرها في جنازتها، فآل هندرسون يعرفون الجميع. سيغطي سميلاكس جوقة الترانيم - في العلية لإخفاء الآنسة إيفا كيلباتريك والأرغن عن المصلين، وسيلقي السيد ك. و. تاتوم عظته بصوت خافت. ستسير العائلة بهدوء أمام النعش المفتوح لرؤيتها للمرة الأخيرة، وستغلق حركة تصدر من والدها غطاء النعش. كان أبناء عمومتها يحملونها من الكنيسة، ويجمع حاملو النعش المحترمون الزهور، وينهض المصلون ويغادرون، لكنهم سيتذكرونها دائما.

آبي كاثرين هندرسون

مواليد 1926

توفيت 1938

أحبها يسوع.

هل تكون ميتة وهي تسقط أم عندما ترتطم بالأرض؟.

عند ارتطامك بالأرض بالتأكيد. بدت بقايا العشب الأخضر والأصفر ناعمة كقطعة قماش ممدودة على الأرض. عجيب كيف ينمو العشب في دوائر حول حفر الرمال. بدأت السماء تعتم وهي تهبط. لم تسمع سوى أنفاسها الثقيلة وصوت خطواتها الخفيفة على كل درجة. عندما وصلت إلى الأرض، قفزت ببطء بقدم ثم بأخرى لتخفف من صدمة الأرض على أصابع قدميها وساقيها. وابتسمت وهي تتجه نحو المنزل. قالت مايبيل إنه سينبهها عندما يقترب قدومه، وسيكون لديها متسع من الوقت. التقطت بعض الحجارة الرقيقة وقذفت واحدة على الأرض. رأت كلبا بنيا فضربته بحجر. ضحكت عندما عوى، ثم تنهدت بعمق. في النهاية، لا داعي للتفكير في أي شيء وأنت تسقطين.

***

.............................

* بلدة في تكساس الأمريكية.

* تمت الاستعانة جزئيا ببرنامج الذكاء الصناعي.

* ها بر لي Harper Lee كاتبة أمريكية. مشهورة بروايتها الحائزة على البوليتزر "أن تقتل عصفورا متكلما". القصة من كتاب صدر بعد وفاتها.

بقلم: حنيف قريشي

ترجمة: صالح الرزوق

***

كانت تثلج. عاد إلى البيت، نظر في ساعته، ورأى أنه تأخر، فأسرع إلى بار  معروف في نهاية الشارع. دفع الباب فقفز  نحوه كلب ألسازي (*) مربوط بسلسلة وهو يعوي. هناك أطفال صغار، أحدهم يعاني من رض ملحوظ، يطاردون بعضهم البعض على الأرض المبلولة، ويتعثرون بأقدام الكبار. علبة الموسيقا مرتفعة الصوت، وكذلك التلفزيون وأصوات المخمورين. لم يدخل إلى هنا منذ شهور، ومع ذلك رأى نفس الأشخاص. تراجع حينما صاح الساقي: "ألان. مرحبا بك. أين كنت يا صاحبي". وسكب لأجله مكيالا من الجعة. جلس ألان على كرسي في البار، وأشعل سيجارة، وشرب نصف كأسه. إذا انتهى منها بسرعة لربما يحصل على مكيال آخر . وهذا يعني أنه بدون نقود، ولكنه لماذا يحتاج الليلة للنقود؟. كان بعمر أربعة عشر عاما حينما شارك في مسرحية مدرسية عن ولادة المسيح وأنشد مع الجوقة، وقد حضرها والد أقرب أصدقائه، وكان منقوعا بالكحول، ولم ينتبه أن ربطة عنقه مبتلة بالنبيذ الأحمر، ولا تزال تنقط. أشار الأولاد له بالبنان ضاحكين، وغمر ابنه الخجل. بإيماءة شكر ألان الساقي الذي وضع المكيال الثاني بجانب الأول. كان ابن ألان صغيرا جدا ولا يعرف الخجل. في الحقيقة بدأ مايكي يقدس أباه. واحتاج ألان أن يهدئ نفسه. أما ميلاني، خليلته الحالية، والتي يعيش برفقتها لعدة سنوات، فقد تبعته  في الشارع بعد أن غادر الشقة، وقبضت على يده وألحت أن لا يذهب. وكان قد أخبرها مرارا أنه وعد ابنه بحضور المسرحية المحلية. فقد قال له مايكي: "كل الآباء سيكونون هناك". ورد ألان: "وكذلك سيكون حال أبيك وسأحضر". وبعد الكثير من الصياح ترك ألان ميلاني واقفة في الثلج. والله يعلم بأية حال سيراها بعد عودته إلى البيت، إذا كانت موجودة أصلا. عمل ألان في المسرح، ولكن ليس بصفة ممثل. وشعر اليوم أنه يأخذ دور مجرم، دور لم يكن جاهزا لتأديته. أنهى ألان الشرابين ونهض للانصراف. ستكون أول مرة يخرج فيها مع زوجته وابنه كعائلة واحدة منذ أن رحل قبل ثمانية عشر شهرا. وربما تواصل مع ميلاني بواسطة مشاعر الخوف. لكنه غير متأكد أن كلمة خوف مفردة مناسبة. وفي الطريق حاول أن يحدد مشاعره. لم يكن النفور. وتبادر لذهنه الآن وهو يقترب من البيت أنه اللوعة. شكلت كتلة ثقيلة لم يهضمها لوعة في صدره.   كان الولد يقف على كرسي بجوار النافذة. وحينما شاهد والده قفز نحو الأعلى والأسفل، وهو يصيح: "أبي. أبي. أبي" ويطرق على الزجاج المسود. مر أسبوع منذ أن رأى ألان مايكي، واعتاد أن يتوقع تغيرات تطرأ عليه. ومع ذلك كان يجد أن زيارة ابنه أمر غريب كأنه يعرج على أحد أقاربه ليشرب الشاي معه. وأكثر شيء ارتاح له هو صحبة مايكي في المقاهي. أحيانا يترك الولد مقعده ويعدو في أرجاء المكان ليريه ارتفاع قفزاته، ولكنهما غالبا يجلسان ويعقدان محادثة مثل صديقين، وخلالها يوجه له مايكي أصعب الأسئلة.

قالت له آن عند الباب: "لقد تأخرت. وكنت تشرب". وارتجفت واتسعت عيناها بنظرة ثابتة. كان يعرف هذه التصرفات الوجيزة. نوبة الغضب المفاجئ التي انتابتها في يومها، وبالعادة حينما يتوجب عليها أن تطلب شيئا. مر ألان من جوارها وهو يقول: "شجرة عيد ميلاد جميلة". أقعى وألقى مايكي نفسه بين ذراعيه. كان يرتدي بنطالا بالدانتيلا وبلوزة تريكو. قدم لألان قبعة بنية من الصوف. ذهبت آن لتأتي بمعطفها. جر ألان القبعة لتغطي وجه مايكي، ثم حمله وهو يكافح ويصيح، ودفن وجهه في بطنه. لم يكن ألان يحب الشارع، ولا المنطقة ولا البيت. كانت تترك عليه نوعا من الإحساس بالذنب. حينما يزور المكان يشعر أن عليه أن يصعد إلى الطابق العلوي، ويستلقي على السرير، ويغلق عينيه ويتابع حياته القديمة، كما لو أنها قدر وواجب مفروض. آن لا تزال تلومه على رحيله، ولكن  لا يرى ألان لماذا لا تستوعب أن هذا أفضل لكليهما. قال مايكي حينما انضمت آن لهما: "خذ منها قبلة. قبلها".

"ماذا؟".

"قبّل ماما".

نظر ألان إلى زوجته. كانت قد خسرت بعض وزنها، وأصبح وجهها مدببا عند ذقنها لأول مرة منذ سنوات. كانت تلتزم بحمية، كما يبدو أنها تفرض الجوع على نفسها. كان وجهها ملطخا بمستحضرات أو مساحيق بيضاء. وشفتاها حمراوان. لم يسمح لها باستعمال طلاء الشفاه، فهو لا يحب أن تلوث به وجهه. لاحظ أن ثيابها أفضل، ومن المفترض أنها تنفق من نقوده. لم تكن تنام في البيت كثيرا، وهو يعلم ذلك. وكانت أمها تمكث مع مايكي، بدون أن تعرف - أو أن آن لا تقول لها - متى ستعود. ضغط شفتيه على شفتي آن لدقيقة. فلمست بعطرها ومضة من ذكريات لا يتحكم بها، ودعته للارتجاف. حاول أن يفكر بآخر مرة لمس فيها أحدهما الآخر. لا بد أن ذلك حصل قبل شهرين من رحيله. وتذكر أنه توقع حينها أنها ستكون آخر مرة. كان الجو معتما حينما غادروا. أمسك مايكي أيديهما وهما يؤرجحانه ببنهما. واستحسن ألان أنه كان يثرثر. خارج المدرسة برز الآباء المتأنقين من سياراتهم ومروا من البوابة في الطقس المثلج. لاحظ ألان بدهشة بالغة كيف كان الأطفال مبتهجين وكيف كانت تنطلق ضحكاتهم بيسر وسهولة، بينما تبادل الآباء المجاملات الضرورية فقط. هل كان شخصا كئيبا على نحو خاص؟. أكدت خليلته ذلك فرد عليها: "إذا كنت كذلك فهذا بسببك". بالتأكيد تنتابه مشاعر الكآبة. ربما نتيجة عمره. في الداخل الجو دافئ ومشرق، حتى المعلمين كانوا مبتسمين. تبسم ألان لنفسه، وتخيل كيف يفكر الآخرون، وهم يرونه برفقة آن. في هذه الأيام كان من غير المعتاد رؤية زوج وزوجة معا.  تبادل معها عدة كلمات دافئة كاستعراض أمام الحضور. أدى العرض أولاد بعمر ثماني وتسع سنوات، مع أطفال أصغر بدور الرعاة وكذلك الأشجار والنجوم. علقت سماء ملونة بين أيدي مكانس قصيرة رفعها ولدان صغيران. أما الملائكة فقد كانوا بأجنحة من الورق المقوى وبأزياء مصنوعة من شبكة من الستائر. في العام التالي سيبلغ مايكي عمرا كافيا ليشارك بالعرض.  منذ عدة أسابيع سأل المعلم ألان عن رأيه حول عرض المسرحية. كان ألان مديرا في جماعة مسرحية جوالة صغيرة. أحب التقارب العاطفي الذي ساد بين الممثلين.  ولا يزال يحب بهجة "العرض"، وذلك الترابط الدافئ بين الزملاء على الخشبة من جهة وأولئك المتحمسين الذين غادروا بيوتهم للمشاهدة من جهة. كان هناك نوع من الخوف المحسوس الذي وحدهم جميعا، والذي جعل المسرح شيئا مختلفا عن السينما. كان أجره في عمله شحيحا، بالطبع. وبعض الممثلين الذين عمل معهم ظهروا في التلفزيون: تزوج المخرج من امرأة غنية. أما ألان فلم يكن يتقاضى أجرا آخر. وكانت خليلته ميلاني ممثلة. كانت حاملا وقريبا لن تتمكن من العمل لبعض الوقت. عندما بدأ العرض فحص ألان جيبه. كان قد أحضر معه منديلا، قطعة قماش مناسبة أعطتها له آن، بدون تفسير، منذ سنوات. ولكنه لم يخرج ومنديل جيب معه منذ آخر عام له في المدرسة. وكان طيلة فترة ما بعد الظهيرة يخشى أن يسبب له صوت الأولاد الانهيار. وليحسن من معنوياته فكر بوالده، في الكنيسة في عيد الميلاد - ولكنه لم يذهب إلى الكنيسة غير مرة واحدة - وهناك أنشد بأعلى صوته ولم يهتم أنه تجاوز نغمة الآخرين. قال له الأب إنهم يحتفلون، ولا يسجلون إسطوانة لشركة دويتشي غرامافون. صاح الآباء وضحكوا خلال العرض، والصغار مثل ابن ألان هتفوا بمرح وحبور. قارن ألان نفسه مع من يعرفهم هناك. حياه عند الباب رجل قال له: "يمكنني أن أشرب كأسا أيضا، ولكنني ممنوع عنه". ثم ذكره الرجل بشخص اعتنى من أجله بسيارته مرتين، ولكنه لم يتعرف عليه، فقد كان نحيلا وضعيفا، وبرأس حليق. قال له الرجل: "على الأقل تبدو بحالة طيبة، تبدو بحالة طيبة". ابتعد ألان دون أن يشعر بالراحة، وحينما أصبح على الخشبة انتبه أن الرجل مريض. جلست هناك امرأة في الصف المجاور. وسمع ألان في وقت مبكر من السنة من أحد المعارف أنها ألقت بنفسها عارية من النافذة، وهشمت وجهها وكسرت أضلاعها، قبل أن تنقل إلى المستشفى بقميص المجانين. جلست امرأة غيرها بعدها في نفس الصف، وتجاهلته، أو لعلها لم تشاهده. وقد رافقته كثيرا في الحديقة، حينما كان أولادهما يلعبون. وأخبرته أنها ستنفصل عن زوجها. كان قرنا مجرما، ولكن هنا في هذه الزاوية المريحة من الأرض، وبمعجزة، سلم معظمهم من الأذى. وأنشد لأجل هذه المنة، وهو يتساءل، رغم كل شيء لماذا هم غير سعداء. لم تحمل ميلاني لفترة طويلة، ومع ذلك تبدل جسمها، وفقدت روحها المؤنثة البسيطة. مع خصرها البدين شعرت بالثقل وزعمت أنها مجبرة على المشي كما لو أنها 'تتبختر'. لم تكن في ذلك الوقت تعمل، ولذلك لم يكن يهم أنه عليها أن تعود إلى سريرها في الصباح. حينما لا يتخاصمان يجلس معها، ويتناول إفطاره. حصلت على موعد في اليوم التالي، لأجل الإجهاض. وعليه أن يلتقي بها ويقلها في اليوم الذي بعده. قبل وقت طويل تورط بإجهاضين آخرين. تجنب الأول بالانفصال ومرافقة امرأة أخرى. من الثاني يتذكر فقط كيف استلقت المرأة على الأرض وانخرطت بعد ذلك بالبكاء. ويذكر أنه جلس أمامها في الغرفة وعيناه مغلقتان، وهو يعد من الألف حتى الصفر. وعلى الفور انتهت العلاقة. وحياته مع ميلاني ستنتهي كذلك. يبدو أن استمرارها بلا معنى. لماذا من المهم استمرار العلاقات؟. في مساء الغد سيتحطم أمله. لا يمكنه أن ينتقل من امرأة لغيرها بعد الآن. أصبحت نقاشاتهما مريرة والمصالحة لم تعد حلوة الطعم. فطردها من الشقة، وألقت هي إلى الخارج صورة أعطته إياها زوجته. فألقى ألان بعض ممتلكاتها في الشارع. لعدة أسابيع وهما يتعاركان، ويخرجان إلى العالم كما لو أنهما هربا من النار، جلدهما مسود، عيونهما تحدق، دون معرفة بما يجري. هل سيمكثان معا إلى الأبد أم حتى الغد؟. نظر نظرة جانبية إلى زوجته، من فوق رأس الصبي الذي ربطهما معا حتى الأبد، وكان ألان يعلم أنه لن يرتكب غلطة مماثلة ثانية. خلال فترات المزاج الأفضل كان يتكلم هو وميلاني مع الطفلة التي كانت في رحمها وينتقيان أسماء لها. وعقدا العزم على إنجاب طفلة بغضون سنوات.  ولكن الطفلة ليس ثلاجة يمكنك أن تشتريها إذا أردت، أو حينما يكون لديك ثمنها. لكن للطفلة التي في بطنها وجه منذ الآن. أمام المدرسة، وحينما كان الثلاثة يمشون، شاهد ألان عربة سوبرماركت.  وعلى الفور حمل مايكي، وألقاه فيها، وجرى معه على طول الممشى. في عتمة المساء الباكر ترددت صيحات الطفل السعيد الذي جلس القرفصاء في العربة وهي تقعقع وتلتف عند المنعطفات وتقفز في الحفر، ومعها صيحات آن التي تعدو خلفهما بمحاولة للحاق بهما. وصلوا سريعا إلى البيت ضاحكين ومقطوعي الأنفاس وحرارتهم مرتفعة. أغلقت آن أغطية النوافذ وأشعلت أضواء شجرة عيد الميلاد. تبدلت الغرفة بعد زيارته الأخيرة. ليس فيها غير أشيائها. ولم يتبق شيء منه. سكبت لألان كأس براندي. ابتلع ألان عصيره. وقالت له آن إنه بإمكانه تناول لوح شوكولاتة من الشجرة بشرط أن يتقاسمه معهما. وهم يتكلمون عن مسرحية ميلاد المسيح لاحظ ألان أن ابنه قلق وغير واثق، كما لو أنه غير متأكد من عليه أن يختار من بين والديه، وشعر أنه لا يستطيع تفضيل أحدهما دون إزعاج الآخر. وفي النهاية نهض ألان ليغادر. 

قالت آن: "آه. نسيت. اشتريت بعض فطائر اللحمة وزبدة البراندي. لا أعلم لم أتعبت نفسي ولكن فعلت ذلك. أنت لا زلت تحبها. أليس كذلك؟. سأضعها في طبق واحد لتتقاسمها مع مايكي. هل يناسبك ذلك؟". ذهبت لتسخينها. أخبر ألان ميلاني أنه لن يتأخر. وتوجب عليه أن يعود إليها. كم أن آلة التخيل مرعبة. إذا كانت مزعجة اليوم قد يرتكبان غدا أمرا لا يمكن تصحيحه. وخشي أن يكون ذهنها قد عقد عزمه وانتهى الأمر. قالت آن بعد عودتها: "يبدو كأنك على عجلة". فقال: "سأنهي شرابي وأتناول واحدة من هذه الفطائر، ثم أنصرف".

قالت: "هل ستأتي في يوم عيد الميلاد؟".

هز رأسه. قالت: "ولا حتى لمدة ساعة؟ لا يمكنها أن تفترق عنك أبدا. أليس كذلك؟".

أجاب: "أنت تعلمين كيف هي".

نظرت إليه بحنق وقالت: "كيف يبدو الأمر وأنت لا تستطيع إنفاق بعض الوقت مع ابنك؟".

لم يقدر أن يقول أن ميلاني تريد منه أن يخصص يوم عيد الميلاد لها، وإلا ستنفصل عنه. لزم مايكي الهدوء، وراقبهما. قالت: "طال الوقت مع هذه المرأة. هذا وقت طويل بالنسبة لك".

"نعم. الأمور تمضي بشكل جيد. وسننجب طفلة أيضا".

قالت بعد فترة: "أفهم ذلك".

فقال: "وأنا بغاية السعادة".

أخبرت ميلاني عددا من صديقاتها أنها حامل، وتابعت الكلام عن الموضوع بالهاتف. لكن كانت آن أول من أخبرها.

قالت: "كان بمقدورك أن تتريث".

قال: "لماذا؟. للأسف لم أتمكن من التريث. وأنت تعرفين مثل هذه الظروف".

"لماذا تكرر هذا الكلام؟".

"ولكنها الحقيقة. وها أنت تتعايشين معها".

قالت: "سأفعل ذلك. شكرا". ثم أضافت: "لن ترغب بعدها برؤية مايكي كثيرا".

"بل يجب أن أراه".

"لماذا؟".

قال: "ولم لا؟".

"لأنك تركتنا. ولم يبق لي سواه. أما هي فلديها كل شيء".

"من؟".

"خليلتك".

قال: "اسمعي. سنناقش ذلك فيما بعد".

ونهض وخرج إلى الردهة. عند الباب تمسّك الولد بذيل معطف ألان قائلا: "ابق هنا معنا إلى أبد الآبدين آمين".

قبله ألان وقال: "سأعود قريبا".

قال مايكي: "يمكنك أن تنام في سرير ماما".

"افعل ذلك عوضا عني".

وضع مايكي قطعة شوكولا في يده وقال: "إذا جعت وأنا نائم ستنفعك". وأردف: "سأكلمك خلال غيابك. سأكلمك وستنقل الأرض كلامي".

قال له ألان: "وسأسمعك".

وقف ابنه وراء النافذة، وهو يلوح له ويصيح. وأمكنه رؤية زوجته واقفة خلفه في الغرفة، وكانت تراقب ابتعاده.

من البيت ذهب إلى البار. وطلب البيرة والعصير. ولم يتذكر أنه بدون نقود إلا بعد أن وضعهما الساقي أمامه. اعتذر ومع أن الساقي بدأ يهمهم استدار وانصرف. وكان الطقس باردا. كل شيء متجمد. معدن السيارة، النسغ في النباتات، الأرض بذاتها. مر من شوارع مألوفة، لكنها تبدو غير مألوفة بسبب الثلوج. العديد من البيوت مظلمة، بدأ الناس بالسفر. ومع تزايد الثلج، هبط أيضا صمت نادر وغير معتاد على المدينة. أسرع بالحركة، ملوحا بذراعيه داخل معطفه ليشعر بالدفء. فكر بالرجل المحتضر الذي قابله عند باب المدرسة، وبالحالة المزعجة بسبب عدم تعرفه عليه. وأراد أن يراه ليقول له، كلنا نتبدل ويلحق بنا التغيير، يوميا. وهذا يعني هذا فقط.  وبالتأكيد اعتقد ألان أنه فهم شيئا عن نفسه بعد تبدله. من نقطة ما أصبح العالم رمادا. ويمكنك كذلك أن تتحول إلى تراب إذا أحرقت كل أمل لك، وكل شهية ورغبة. ولكن لتحيا، بمعنى ما، يعني أن تؤمن بالمستقبل. لا يمكنك أن تستمر بالعودة إلى نفس المكان القذر. جرى على الدرج نحو البيت. كان الضوء مشعا. يعلم أن الأمور على ما يرام إذا كانت بالثوب الذي قدمه لها. في المطبخ كانت تسخن فطيرة كويشي فرنسية وتجهز السلطة. نظرت إليه بدون عداء. لكنها لم تتكلم ولم يتكلم أيضا. راقبها، ولكنه صمم أن لا يستسلم لها. اعتقد أنه إذا تخلى عن رغبته بها، يمكنه أن يعيش. وفي نفس الوقت أدرك أنه بدون رغبة لا يوجد شيء. جلس هناك، وهو يفكر أنه لم يدرك قبل الآن أنه الحياة قد تصبح مؤلمة جدا. وأدرك أيضا أنه لا يمكن لأي كمية من الشراب و لا المخدرات ولا التأمل أن تحسن الأمور إلى الأبد. وتذكر عبارة لسقراط تعلمها في الجامعة وهي: " لا يمكن للرجل الطيب أن يعاني من الشر، لا في الحياة ولا بعد الممات". وتكلم فتغنشتاين على سبيل التعقيب عن مشاعره "بالأمان التام". سيتأكد من ذلك. ربما فيها شيء له، بعض "الأمان الداخلي" النهائي. ارتديا الثياب الليلية وفي الختام وصلا إلى مكانه المفضل، سريرهما. فتح ثوبها ووضع يده على بطنها وعانقها. لبعض الوقت استسلمت لذراعيه وهو يلمسها. ثم لمسته برفق، قبل أن تستدير وتغط بالنوم. بدأ يفكر بابنه النائم، كما يفعل دائما في هذا الوقت. وتساءل إن استيقظ مايكي وهو يكلمه حاليا "ويرسل كلامه عبر الأرض". وأراد أن يذهب ويقبل ابنه قبلة تصبح على خير، كما يفعل بقية الآباء. ربما سينجب ابنا آخر، وسيكون مختلفا. تلفت في الغرفة. لم يجد فراغا يكفي خزانة، كانت ثيابهما مكومة على طرف السرير. وعلى كرسي بجانبه يضيئه نور مائل، نسخة من "آمال عظيمة"، وزجاجة زيل للتدليك يغلفها طبقة من الغبار، ونظارته الخاصة بالقراءة، وكوب فيها بقايا نبيذ، ودفتر ملاحظات. كانت حياته وذهنه مشغولين وفكرة الجلوس في السرير ليكتب يومياته، أو ليقرأ، أشبه برفاهية لا يمكن بلوغها، عبارة عن أمثولة عن الهدوء المستحيل. ولكن أيضا يبدو ذلك النوع من العزلة مثل انتظار شي سيبدأ. أراد أن يكون قلقا، وتحقق ذلك. وهو يعلم أن نفورهما عميق ويواصل التعمق. ولكن كان هو وميلاني خائفين وليسا متآمرين. وبطريقتهما الحمقاء كل منهما يقاتل ليحمي نفسه. يمكن للحب أن يتبدد في لحظة، مثل ضرب شبكة عنكبوت بعصا. ولكن الحب مزيج، ولا يمكنه أن يكون نقيا. وهو متأكد من وجود ما يكفي من الحب والدماثة بينهما، ولا يمكن لأي حب أن يضيع.

***

.......................

* كلب الراعي الألماني.

* حنيف قريشي :Hanif Kureishi كاتب بريطاني من أب باكستاني.  بدأ حياته بنقد حياة الضواحي والطبقات الشعبية واللاجئين، ثم بدأ بالتدريج يميل لموضوعات فلسفية عن مشاكل الهجونة والحضارة والسوق في الغرب. لا يزال يرفع صوته ضد السياسة الاستعمارية والتمييز بين الأعراق. من آخر أعماله "ممزق"، وهو مذكراته عن صراعه مع مرض الشلل. من أعماله المشهورة "بوذا الضواحي" رواية، "مغسلتي الجميلة" سيناريو، "جسد" نوفيلا، وغير ذلك.

 

بقلم: الكساندر بوشكين

ترجمة: الدكتور إسماعيل مكارم

***

مقطوعة

نافورة قصر بختشي سراي

***

آهٍ يا نافورة الحُب، أيتها النافورة الرائعة!

جَلبتُ لكِ وردَتيْ جوري كهدية.

آهٍ كم أحِبّ حديثك ِ الذي لا ينقطع

وأعشقُ هذه الدّموع الشاعرية.

**

أمّا رذاذك اللجيني

فهو يَرشني بهذا الندى البارد.

آهٍ أيها النبعُ، هيا رشني برذاذكَ العذب ِ.

وَدَدْتُ سَماعَ خريرك الجميل ليحدثني عن الماضي.

**

يا نافورة الحب، أيتها النافورة الحزينة !

لقد ساءلتُ حَجَرَ الرّخام هنا

قرأتُ فيه مَديحا لتلك البلادِ البعيدة،

غير أنك تلتزمين الصّمت، لا تتكلمين عن ماريا...

**

يا نجمة َ نِساء هذا القصر! (1)

ترى هل أنتِ اليومَ مَنسية هنا؟

أم أنّ ماريا وزاريما

هما صورتانِ لأمنيات ٍ سَعيدة؟

**

أو كلّ هذا حلم أوجده الخيالُ،

رَسَمه في ظلمةٍ خالية،

مُعبرا عن رؤى خاطفة

لنبراس ٍ غامض ٍ لأجل الرّوحْ؟

***

ضيعة ميخائيلوفسكويه

1824

....................

* دون الكساندر بوشكين كما نرى هذه المقطوعة أثناء إقامته في منفاه الأخير في ضيعة ميخائيلوفسكويه. ما هي حكاية هذه القصيدة؟

تعتبر هذه القصيدة من روائع الكساندر بوشكين في عالم الشعر الرومانسي، إذ تتضمن القصيدة صورا عن حكاية حب كانت بين أمير جزيرة القرم وإثنتين من ساكنات قصره من الجواري هما ماريا وزاريما.

لقد زار بوشكين قصر بختشي سراي الواقع في جزيرة القرم عام

1820، حيث توجد نافورة هذا القصر، وتعددت مسميات هذه النافورة....

إذ حسب الروايات المحلية سميت نافورة الحب، وسماها البعض نافورة الدموع، بينما في زمن حكم الأمير التتري للجزيرة سموها نافورة السلسبيل. أثناء زيارته لهذا القصر تقدم الكساندر بوشكين نحو حافة النافورة ووضع وردتي جوري كهدية ترمز الى ماريا، وزاريما، حيث تذكرهما الحكايا الشعبية، كانت زاريما المرأة المشتهاة لأمير الجزيرة، وهي من أصول قوقازية، تقول الحكايا أنها كانت من جورجيا، بينما ماريا فهي أميرة بولونية وقعت في الأسر عند غزو امير الجزيرة وزلمه لأراضي بولونيا.وفيما بعد احتلت ماريا المكانة الأولى لدى حاكم الجزيرة أمير قصر بختشي سراي.

الكساندر بوشكين طبعا لم ير القصر بابهته، وعظمته، وجماله كما ورد في الحكايا الشعبية، بل شاهد أثرا لصالات هذا القصر، وأثرا لتلك النافورة. لذا نراه من جديد من صتع خياله يعيد ذكرى هذا القصر وذكرى الجاريتين ماريا وزاريما من نساء هذا القصر، الذي أصبح تاريخا... ما لفت نظري هي التسمية القديمة لهذه النافورة (السلسبيل).

** في السادس من شهر حزيران تصادف ذكرى ولادة الشاعر الروسي الكبير الكساندر بوشكين لعام 1799 لذا في نشركم لهذه القصيدة إنما تشاركون جميع المهتمين بعالم الشعر والإبداع بإحياء هذه الذكرى الجميلة. لكم إحترامي.

هوامش ومصادر:

1. في النص الروسي يستعمل بوشكين كلمة (الحريم) إذ يقول: يا نجمة هذا الحريم...

2. تمت ترجمة القصيدة من النص الروسي الأصلي. حافظنا على عدد السطور والمقاطع، وحافظنا على روح النص الروسي.

 

 

 إيليا ليونارد فايفر (هولندا)

ترجمة مهدي النفري (هولندا)

***

في البنفسجِ كانت عروسيَ المشتهاة، وفي الأحمرِ استلقتْ على الأريكةِ يلتفُّ حولها جنونٌ غامضٌ كأنه لبلابٌ بري، وفي الأزرقِ كانت تجلسُ على الفراشِ ساكنةً كصورةٍ يُؤطّرها الغياب، وما رأيتُ ثغرَها بَاسماً بأصدقَ مما كان عليه في الأصفر، أصفرَ غازل البرتقاليَّ فاشتعلَ دفئاً، فإذا اعتمرتْ قُبّعةً غدتْ خطراً يُتقى، وإذا ارتدتْ فستانَها الأخضرَ مالتْ اتكاءً على شُرفاتِ (أمالفي)* الحجرية يرتدُّ خلفَها أزرقُ بحرٍ هو أصفى ما رأيتُ في عمري وهي تلتفتُ إليّ بنظرةٍ أُودِعتْ سرَّها وحدَها، وفي السوادِ كانتْ شفافة كأنها طيفٌ من نور، وفي جلدِ الفهدِ كانت دانيةً كفَرِيسةٍ تترقّب، وفي الأبيضِ كانت هي الصيفَ بكبريائهِ وتستحقُّ ارقى رشفة مما حَوَتهُ الكؤوس، بَخَطَواتِ تنّورتِها كانت تُثخِنُ في القلبِ جراحاً، وببنطالِها القصيرِ كانت تقفُ شَامخةً كصَرحِ مَعبد، لم ترتدِ البنيَّ قط ولكنّ الجزماتِ. يا الهي كم كان يَعلو بها البهاءُ حين تنتعلُها كأنها آنيةٌ من بلّورٍ صُبّتْ لزهرةِ أوركيد، كانت تبدو ككائنٍ رشيقٍ لم تخلقهُ إلّا مخيّلتُها، وكانتِ الريحُ تشرقُ شَقراءَ حَيثما حلَّتْ، وأنا. ما كنتُ لأرتوي ولا كان بَصري يكتفي من طُولِ التأمُّلِ في فِتْنَتِها.

***

......................

* أمالفي (Amalfi) هي بلدة ساحلية تاريخية تقع في جنوب إيطاليا(المترجم)

إيليا ليونارد فايفر (1968) هو شاعر وروائي وباحث كلاسيكي هولندي بارز ويُعد من أهم الأصوات الأدبية المعاصرة في هولندا. يشتهر بأسلوبه الغني والمكثف، وحازت روايته الشهيرة غراند الفندق الكبير (Grand Hotel Europa) على إشادة عالمية واسعة.

سوزان ويليامز

عن الإنجليزية: سوران محمد

***

أنا...

جبلٌ شامخ في الأفق البعيد،

وادٍ يعتلي ضبابه النهر الصامت،

شلالٌ يتهادى بين الصخور بعنفوانٍ ،

وجدولٌ يهمس فوق حصى النهر الملساء،

غابةٌ عتيقة، مظلمة، تختزن أسرار الزمن،

ومرجٌ ذهبي، يرقص مع أنفاس الريح.

*

لكن قبل كل شيء...

أنا

شفاهُ ضوء القمر على وجهك،

وأصابعُ نسيم الليل البارد تداعب شعرك.

*

أنا

الشمسُ التي تشرق في عينيك مع أول الفجر،

وتسكن دفءَ النهار في قلبك.

*

أنا

الفكرة التي تطوف في ذهنك بلا استئذان،

والذكرى التي تعانق أحلامك كل مساء،

والحلم الذي لا يزول، مهما طال الزمان.

بقلم: حنيف قريشي

ترجمة: صالح الرزوق

***

بدأ الأب يفتش غرفة نوم ابنه وهو بغاية التشاؤم. كان يجلس هناك ساعات، يجهد نفسه بالبحث عن أدلة فقط. ما حيره أن علي أصبح مرتبا. وعوضا عن كومة الثياب والكتب ومضارب الكريكيت وألعاب الفيديو أصبحت الغرفة أنيقة ومرتبة، وظهرت المساحات الفارغة بدل الفوضى المعتادة في السابق. أول الأمر أسعد ذلك برويز: كان ابنه يخرج من حالة مراهقته. ولكن في أحد الأيام وجد برويز بجانب علبة النفايات، حقيبة ممزقة تحتوي على الدمى القديمة، بالإضافة إلى أقراص كومبيوتر، وأشرطة فيديو، وكتب جديدة وثياب عصرية أحضرها الولد قبل عدة شهور. وبدون تفسير أيضا، انفصل علي عن صديقته الإنكليزية التي اعتادت أن تأتي مرارا إلى البيت. وتوقف أصدقاؤه القدماء عن مخابرته. لعدة أسباب لم يفهم برويز ما يجري، ولم يتمكن من فتح موضوع السلوك غير المعتاد مع علي. ولكنه أدرك أنه خائف قليلا على ابنه، والذي أصبح لسانه حادا إلى جانب فترات الصمت الطويلة. ومما قاله برويز ما يلي: "أنت لا تعزف على الغيتار منذ مدة". ونجم عن ذلك التعليق رد غامض ونهائي فقد قال له: "لدي أشياء أهم تنتظر الإنجاز".

شعر برويز بغرابة ابنه كما لو أنه ظلم مسلط عليه. كان دائما يفكر بالسقطات التي يتورط فيها أبناء الرجال الآخرين في إنكلترا. وكان يجهد نفسه من أجل علي بساعات عمل طويلة وينفق الكثير من النقود لقاء تعليمه حتى يصبح محاسبا. اشترى له بذات جيدة، وكل الكتب التي طلبها بالإضافة إلى كومبيوتر. ولكن الولد رمى كل ممتلكاته الآن في قارعة الطريق. وتبع الغيتار التلفزيون ومجموعة الموسيقا. وسرعان ما أصبحت غرفته عمليا عارية. حتى الجدران الشقية حملت ندوبا في مكان صور علي التي تمت إزالتها. امتنع النوم على برويز. وبدأ يميل لزجاجة الويسكي، حتى وهو يؤدي عمله. وأدرك أنه من غير المجدي مناقشة الموضوع مع أي شخص يتعاطف معه. كان برويز سائق سيارة أجرة لعشرين عاما. عمل نصف المدة بخدمة نفس الشركة. ومثله كان معظم السائقين من البنجاب. يفضلون العمل في الليل، فالطرق تكون أقل ازدحاما والأجر أعلى. ينامون في النهار، ويتجنبون زوجاتهم. وفي مكتب السيارات يعيشون حياة الذكور الصغار تقريبا، يلعبون الورق ويتبادلون فكاهات عادية، والقصص المستهجنة، ويأكلون من طبق واحد، ويناقشون السياسة وما يعترضهم من مشاكل. ولكن لم يكن برويز قادرا على مفاتحة أصدقائه بهذا الموضوع. فقد غلبه الخجل. والخوف أيضا من أن يلوموه على المنعطف الخاطئ الذي أخذه ابنه، مثلما انتقد الآباء الآخرين الذين اعتاد أبناؤهم على العبث مع البنات السيئات، والتخلي عن المدرسة والانضمام للعصابات. لسنوات وبرويز يفتخر أمام الآخرين بعلي وإتقانه للعبة الكريكيت، والسباحة، وكرة القدم، وكيف تفوق في علومه، وحصل على درجة (أ) طويلة في معظم المواد. والآن يبدو حصوله على عمل جيد والزواج من فتاة مناسبة لتأسيس عائلة، وكأنه طلب ثقيل؟. ما أن يتحقق ذلك سيكون برويز سعيدا. وستتحول أحلامه بالنجاح في إنكلترا إلى حقيقة واقعية.

أين الخطأ؟.

ولكنه كسر صمته في إحدى الليالي، وهو في مكتب سيارات الأجرة، جالسا على الكراسي المنهكة مع أقرب صديقين له، لمشاهدة فيلم سيلفستر ستالوني. انفجر قائلا: " لا يمكنني أن أفهم. كل شيء تلاشى من غرفته. ولا يمكنني أن أتكلم معه. لم نكن أبا وابنه - كنا أخوين!. أين ذهب ذلك؟. لماذا يعذبني هكذا؟". ثم دفن برويز رأسه بين يديه. وحتى وهو يشرح التفاصيل هز الرجلان رأسيهما ومنحاه نظرات تدل على الفهم. ومن نظراتهما المحبطة أدرك برويز أنهما استوعبا موقفه. فألح قائلا: "أخبراني بحقيقة ما يجري".

كان الجواب تقريبا مؤثرا. فقد تكهنا بوجود خطأ ما. وهو ينجلي له الآن. والخلاصة أن علي يتناول المخدرات ويبيع ممتلكاته ليسدد الثمن. ولهذا السبب تحولت غرفة نومه إلى حجرة فارغة.

قال: "ماذا يجب أن أفعل إذا؟".

نصحه صديقاه بمراقبة علي عن قرب، وأن يكون واضحا وحادا معه، قبل أن يصيب الولد الجنون، أو يتناول جرعة زائدة، أو يرتكب جناية قتل. تخبط برويز في هواء الصباح الباكر المنعش، والخوف يغمره لو صح هذا الكلام. ابنه - مدمن مخدرات وقاتل. وأراحه أن يجد بتينا جالسة في سيارته. بالعادة آخر الزبائن في الليل هم من 'السوداوات' المحليات أو العاهرات. كان السائق يعرفهن جيدا، وغالبا يقودهن إلى مواعيدهن. وفي خاتمة أعمالهن، ينقلهن إلى بيوتهن. وأحيانا تنضم النساء إلى جلسة ااشراب في المكتب. وفي بعض الأوقات يرافق السائقون البنات. وهو ما يسمى 'توصيلة مقابل توصيلة'. تعرفت باتينا على برويز منذ ثلاث سنوات. عاشت على مشارف المدينة وفي رحلتها الطويلة إلى بيتها، كانت لا تجلس في كرسي الركاب ولكن إلى جانب برويز، وكان كلاهما يتبادلان الكلام عن حياتهما وآمالهما. وكانا يتقابلان في معظم الليالي. كان يكلمها عن أشياء لا يمكنه مناقشتها مع زوجته نفسها. وبدورها تخبره باتينا دائما عن نشاطاتها الليلية. وكان يحب أن يعلم أين كانت وبرفقة من. وفي إحدى المرات أنقذها من زبون متوحش، ومنذئذ والواحد منهما يعتني بالآخر. ومع أن باتينا لم تشاهد ابنه علي، سمعت عنه باستمرار. في تلك الليلة المتأخرة، حينما أخبر باتينا أنه يشتبه بإدمان علي على المخدرات، لم تحكم لا على الابن ولا أبيه، وأصبحت مثل امرأة عملية وأخبرته كيف يجب أن يراقبه. قالت: "كل شيء موجود في العينين". قد تكونان محمرتين، والحدقتان قد تكونان واسعتين، وربما يبدو مرهقا. ويمكنه أن يكون جاهزا للتعرق، أو يتعرض لتبدل مفاجئ بالمزاج. وأنهت كلامها: "هل فهمتني؟".

بدأ برويز ينتبه وهو ممتن لها. الآن يعرف أين المشكلة، وتحسنت مشاعره. وتوقع بالتأكيد أن الأمور لا يمكنها أن تتطور كثيرا؟. وبمساعدة باتينا سيتمكن من حل الموضوع. باشر بمراقبة كل لقمة يملأ بها الولد فمه. وكان يجلس بجانبه كلما سنحت الفرصة وينظر بعينيه مباشرة. وكلما أمكنه يلتقط يد الصبي، ليقدر حرارته. وحينما لا يكون الولد في البيت يتحرر برويز من كافة قيوده، وينظر تحت السجادة، في أدراج ابنه، وخلف الخزانات، ويشم الهواء ويفحص كل زاوية وينبش في كل مكان. كان يعرف عما يبحث: فقد رسمت له باتينا شكل المضغوطات والحقن والحبوب والمساحيق والقطع الصلبة. وكانت تنتظره كل ليلة لتستمع لما لديه من أخبار ومشاهدات. بعد عدة أيام من المراقبة المستمرة، أمكن برويز أن يؤكد أن الولد تخلى عن ممارسة الرياضة، ولكنه يبدو معافى، بعينين صافيتين. ولم يكن يرتجف أمام نظرات أبيه من الشعور بالذنب حسب التوقعات. وفي الحقيقة كان مزاج الصبي حذرا ولكنه مستقر بمعنى من المعاني: بالإضافة إلى تماسكه كان متيقظا جدا. يرد على نظرة والده بشيء يتجاوز النقد، والمواجهة أيضا، وبدأ برويز يشعر أنه هو الطرف المخطئ، وليس الولد.

سألته باتينا: "ولم تلاحظ شيئا آخر مختلفا؟".

فكر برويز لحظة وقال: "كلا. عدا أنه أطلق لحيته".

في إحدى الليالي بعد جلسة استغرقت طيلة الليل برفقة باتينا في مقهى، عاد برويز إلى البيت متأخرا على غير عادته. وقد تخلى هو وباتينا قسرا عن التفسير الوحيد لما يجري، نظرية المخدرات، فبرويز لم يجد شيئا يشبه المخدرات في غرفة علي. كما أن علي لم يكن يبيع مقتنياته. ولكنه تخلى عنها ورماها في الشارع، أو تبرع بها لمتاجر النذور والإعانات. كان برويز في الصالة حينما رن صوت جرس المنبه في ساعة ابنه. أسرع إلى غرفة نومه وكانت زوجته لا تزال مستيقظة، تحيك وهي في سريرها. طلب منها أن تبقى جالسة وتلزم الهدوء، مع أنها لم تقف ولم تنطق بكلمة. من هذا الموضع وعينها تراقبه بفضول شاهد برويز ابنه من شق في الباب. رأى الولد في طريقه إلى الحمام ليغتسل. وبعد عودته إلى غرفته قفز برويز إلى الصالة ووضع أذنه على باب علي. بلغه صوت همهمة من الداخل. غلبت الحيرة برويز ولكنها كانت ممزوجة بالراحة. وبعد هذا المؤشر تابع برويز ابنه فيما بعد. وفهم أنه يصلي. حينما كان في بلاده لم يتخلف عن الصلاة، وكان يصلي خمس مرات في اليوم. عاش برويز شبابه في لاهور وهناك تعلم كل الأولاد قراءة القرآن. وليمنعه المولوي من النوم أثناء الدراسة كان يدلي حبلا من السقف ويربطه بشعر برويز، وكلما سقط رأسه نحو الأمام يستيقظ مباشرة. وبعد هذا الخزي تجنب برويز الأديان. ولم يكن لدى بقية سائقي سيارات الأجرة المزيد من الاحترام. في الحقيقة كانوا يسخرون من الملالي المحليين الذين يتجولون بعماماتهم ولحاهم، وهم يعتقدون أن بمقدورهم التحكم بحياة الناس، وفي نفس الوقت كانت تحوم عيونهم على الغلمان، ويحكمون قبضاتهم على البنات. أخبر برويز باتينا باكتشافه. ونقل الخبر لزملائه في مكتب سيارات الأجرة. لكن لزم الصمت الأصدقاء الذين يتحلون بالفضول. ولم يكونوا جاهزين لإدانة إيمان الصبي. قرر برويز أن يطلب إجازة ليلية ليرافق ابنه. ولكنهما لم يتكلما مع بعضهما البعض إلا بصعوبة. أراد أن يسمع كيف هي أحواله في الجامعة، ورغب أن يخبره بقصص من حياة عائلته في باكستان. وفوق ذلك كان مهتما بمعرفة الطريقة التي اهتدى بها علي إلى 'الجانب الروحي' كما كانت تقول باتينا. ولدهشة برويز رفض الولد مرافقته. وادعى أنه مرتبط بموعد. أصر برويز أن هذه المواعيد ليست أهم من التزام الابن بأبيه. في اليوم التالي ذهب برويز مباشرة إلى الشارع الذي وقفت فيه باتينا تحت المطر. كانت ترتدي حذاء بكعب عال، وتنورة قصيرة، ومعطفا طويلا، يمكنها أن تفتحه للسيارات المارة. قال لها: "اركبي. اركبي".

قادها عبر بقع تسبح فيها المياه، ثم توقف في موضع ينعم في الأيام الأفضل بمنظر مفتوح لعدة أميال ولا تجد فيه غير الغزالان والجياد البرية، تمددا هناك، بعيون نصف مغمضة، وهما يقولان: "هذه هي الحياة". في هذه المرة ارتعش برويز. أحاطته باتينا بذراعها. وسألته: "ماذا يجري؟".

قال: " للتو مررت بأسوأ تجربة في حياتي".

وحينما دلكت باتينا جبينه، أخبرها أنه ذهب في الأمسية السابقة مع علي إلى مطعم. وبينما هما يتأملان لائحة الطعام، أحضر له النادل الذي يعرفه الوسكي والماء كالعادة. كان برويز متوترا ولديه سؤال جاهز. كان يريد أن يسأل علي إذا كانت للامتحانات تقلقه فقد أصبحت على الأبواب. ولكن ليرتاح فك ربطة عنقه، وقضم فطيرة مقلية مع رشفة طويلة. وقبل أن تسنح الفرصة لبرويز بالكلام قطب علي وجهه وقال: "ألا تعلم أن شرب الكحول خطأ؟".

أضاف برويز لباتينا: "كان يكلمني بلسان حاد. وأوشكت أن أعنف الولد لقلة تهذيبه، ولكنني تدبرت أمري وتماسكت".

شرح لعلي بصبر أنه لسنوات وهو يعمل أكثر من عشر ساعات في اليوم، ولم يكن لديه غير القليل من المسرات والهوايات، ولم ينعم بعطلة. وبالتأكيد ليست جريمة أن يشرب حينما يرغب بذلك؟.

قال الولد: "ولكنه حرام".

قال برويز وهو يتنهد: "أعلم ذلك".

"وكذلك القمار. هل أنت معي ؟".

"نعم. ولكننا بالتأكيد نحن بشر".

في كل مرة يأخذ فيها برويز رشفة يغمز الولد، أو يدلهم وجهه كما لو أن هذا يسبب ذاك. وكان برويز يزدرد شرابه بسرعة أكبر. وكان النادل يريد أن يسعد صديقه، فأتى بكوب ويسكي آخر. وعلم برويز أنه بدأ يسكر. ولكنه لم يتمالك نفسه. ظهرت على وجه علي ملامح فظيعة، حافلة بالقرف والتيقظ كما لو أنه يكره والده. وفي منتصف الوجبة فقد برويز أعصابه فجأة وألقى طبقا على الأرض. وانتابه الشعور بالرغبة في انتزاع غطاء الطاولة، ولكن كان النادل وبقية الحاضرين ينظرون نحوه. ومع ذلك لم يحتمل أن يعلمه ابنه ما هو الفرق بين الصواب والخطأ. كان يعلم أنه ليس رجلا سيئا، ولديه ضمير. وهناك أشياء قليلة يخجل منها، ولكن بشكل عام حياته مستقيمة.

قال لعلي يسأله: "برأيك متى ارتكبت المعاصي؟".

رد الولد بصوت منغم منخفض أنه، في الواقع، عاش حياة طيبة، وكسر عددا لا يحصى من القواعد المذكورة في القرآن.

سأله برويز: "مثل ماذا؟".

لم يكن علي بحاجة لوقت للتفكير. كما لو أنه بانتظار هذه اللحظة، وسأل والده إذا لم يستمتع بفطيرة خنزير؟.

"حسنا...".

لم يتمكن برويز من إنكار حبه للنقانق المقرمشة والمرفقة بالفطر مع الخردل والمحشوة بين رقائق الخبز المشوي. وفي الحقيقة تناولها على الفطور في هذا الصباح. ثم ذكره علي أنه أمر زوجته بطهي نقانق الخنزير، قائلا لها: "أنت لست في القرية الآن. هذه إنكلترا. وعلينا أن ننسجم مع بوتقتها".

انزعج برويز واحتار من هذا الهجوم وطلب المزيد من المشروب. فقال الصبي: "المشكلة كما يلي". ومال على الطاولة. ولأول مرة في تلك الليلة اشتعلت عيناه وهو يتابع: "أنت مهتم كثيرا بالحضارة الغربية". تجشأ برويز واعتقد أنه سيختنق. ثم قال: "مهتم. ولكننا نعيش هنا".

قال علي: "الغربيون الماديون يكرهوننا. كيف يمكنك يا بابا أن تحب شيئا يكرهك؟".

قال برويز بهوان: "وما هو الجواب برأيك إذا؟".

رد علي بطلاقة على أبيه، كما لو أن برويز بين جماهير محتشدة وعليه إفهامه وإقناعه. وقال له إن الشريعة الإسلامية تحكم العالم. وسيحترق جلد الكفار مرارا وتكرارا، وستعاد تربية اليهود والمسيحيين. الغرب بلد المنافقين، والزناة، والمثليين، ومدمني المخدرات والبغايا. كان علي يتكلم، وبرويز ينظر من النافذة كما لو أنه يريد أن يتأكد أنهما لا يزالان في لندن.

قال الابن: "تحمل شعبي الكفاية. إن لم يتوقف الاضطهاد سيبدأ الجهاد. وأنا ومعي الملايين سنقدم أرواحنا بسرور في سبيل قضيتنا".

أجاب برويز: "ولكن لماذا. لماذا؟".

"بالنسبة لنا الثواب سيكون في الجنة".

"الجنة".

في النهاية امتلأت عينا برويز بالدموع. فنصحه ابنه أن يحسن طريقه.

سأله برويز: "وكيف يكون ذلك ممكنا؟".

قال علي: "صل. صل معي".

طلب برويز الفاتورة ودل ابنه على طريق الخروج من المطعم حالما أمكنه ذلك. لم يكن قادرا على سماع المزيد. وكان صوت علي كأنه ابتلع صوت شخص غيره. في طريقه إلى البيت جلس الصبي في مقعد سيارة الأجرة الخلفي، كأنه زبون.

سأله برويز وهو يشعر بالخوف من أن يقع اللوم على عاتقه: " ماذا جعلك على هذه الصورة؟ هل تأثرت بحادث معين مر بك؟".

" تأثرت بحياتي في هذا البلد".

قال برويز: " ولكنني أحب إنكلترا". وراقب ابنه بالمرآة وهو يضيف: "فهم يسمحون لك بأي شيء تريده تقريبا".

أجاب: "هذه هي المشكلة".

لأول مرة خلال سنوات لم يتمكن برويز من رؤية شيء أمامه. فقد ارتطم بجانب شاحنة، وفقد المرآة الجانبية. وحالفهما الحظ لأن الشرطة لم توقفهما: وإلا لضاعت رخصة برويز، وبالتالي مهنته. غادرا السيارة أمام البيت، وهناك تعثر برويز وسقط على الطريق، وخدش يديه ومزق سرواله. ولكنه تدبر الأمر وجر نفسه. ولم يقدم له الولد يده.

أخبر برويز باتينا أنه يرغب بأداء فريضة الصلاة، لو أن هذا يرضي ابنه، ويلغي النظرة القاسية من عينيه. وأضاف: "ولكن ما لا يريحني هو تهديد ابني لي بأن آخرتي ستكون في جهنم".

وذبح برويز أن ابنه عازم على الاستقالة من المحاسبة. وحينما سأله برويز عن السبب الموجب، قال علي ساخرا السبب واضح. وتابع: "الثقافة الغربية تحرض على الحياة ضد الدين".

وحسب مفهوم علي يمكنك، في عالم المحاسبين، أن تقابل النساء وتشرب الكحول وتعمل بالربا.

جادله برويز: "ولكنه عمل جيد الأجر. وكنت تجهز نفسك له منذ سنوات".

قال له علي إنه عازم على العمل في السجون، مع فقراء المسلمين الذين يكافحون للمحافظة على نقائهم أمام هذا الفساد. وأخيرا، في نهاية الأمسية، بينما كان علي في طريقه إلى السرير، سأل والده لماذا ليست له لحية، أو على الأقل شارب.

قال برويز لباتينا: "أشعر كأنني فقدت ابني. لا أحتمل أن ينظر أحد لي كأنني مجرم. وقد قررت كيف أتصرف".

"كيف؟".

"سأخبره أن يحمل سجادة صلاته ويغادر هذا البيت. وهو أصعب قرار اتخذته، ولكنني سأفعل ذلك الليلة".

قالت باتينا: "ولكنك لن تتخلى عنه. العديد من الشباب يتورطون مع جماعات الطقوس والروحانيات المتشائمة. وهذا لا يعني أنهم سيتابعون بهذا الأسلوب على الدوام". وطلبت من برويز أن يبقى مع ابنه، ويدعمه، حتى يخرج من هذه الأزمة.

اقتنع برويز أنها محقة، مع أنه لم يشعر أنه يربد أن يمنح ابنه المزيد من المحبة، ولا سيما أنه لم يتلق الشكر على ما قدمه له حتى الآن.

حاول برويز أن يتحمل نظرة وموقف ابنه. وحاول أن يفتح حوارا يناقش فيه إيمانه. ولكن إذا أعرب برويز عن أي انتقاد، كان علي دائما يرد بجفاء. وفي إحدى المرات أدان علي برويز أنه "يتملق" البيض. بالمقابل أكد له أنه ليس "أدنى" منهم، وفي العالم مجال أوسع من الغرب، لكن الغرب يعتقد أنه الأفضل.

قال برويز: "وكيف وصلت لهذه النتيجة؟ وأنت لم تغادر إنكلترا؟".

رد علي بنظرة اشمئزاز. في إحدى الليالي بعد أن تأكد برويز من خلو أنفاسه من رائحة الكحول، جلس مع علي على طاولة المطبخ. وتمنى لو أنه يقدر لحيته التي تنمو، لكن لم يظهر أن علي يلاحظ ذلك. في اليوم السابق كان برويز يخبر باتينا أنه يعتقد أن الناس في الغرب أحيانا يشعرون بالفراغ الداخلي، ويحتاجون لفلسفة تعينهم على الحياة. قالت باتينا: "نعم. هذا هو الحال. يجب أن تخبرهم ما هي فلسفتك في الحياة. ليفهموا أنه توجد عقائد مختلفة".

بعد بعض التفكير المؤلم، أصبح برويز جاهزا للبداية. راقبه الصبي كأنه لا يتوقع شيئا. بطريقة مؤثرة قال برويز إنه على الناس أن يعاملوا بعضهم البعض باحترام، وعلى نحو خاص أن يكونوا أولادا لآبائهم. ولبعض الوقت بدل ذلك من تفكير الولد على ما يبدو. تابع برويز قلبيا أن هذه الحياة برأيه هي كما هي، وحينما تموت تتعفن في باطن الأرض. "تخرج الأعشاب والزهور منك، ولكن شيئا مني يعيش-".

"كيف؟".

"من خلال الآخرين. سأستمر - من خلالك". وفي هذه اللحظة طرأ القليل من القلق على الصبي. فأضاف برويز للتفصيل "ومن خلال أحفادك. ولكن حينما أكون على هذه الأرض أود أن أستغلها بقدر المستطاع. وكذلك أريدك أن تستفيد أنت أيضا".

سأل الصبي: "ماذا تعني 'أن أستغلها بقدر المستطاع'؟".

قال برويز: "حسنا. في البداية... عليك أن تمتع نفسك. نعم. استمتع بدون أن تضر الآخرين".

قال علي إن المتعة "بئر بلا قرار".

قال برويز: "لكنني لا أعني هذا النوع من المتعة. ولكن أقصد جمال الحياة".

كان جواب الصبي: "في كل العالم شعبنا يتعرض للاضطهاد".

رد برويز دون أن يعرف تماما من هم شعبنا: "أعلم ذلك. لكن - الحياة موجودة لتعيشها".

قال علي: " الأخلاق الحقيقية موجودة منذ مئات السنين. حول العالم ملايين وملايين الناس الذين أشاركهم معتقداتي. هل تقول إنك على حق والجميع على خطأ؟".

نظر علي إلى والده بثبات عدائي منع برويز من إضافة المزيد لكلامه.

في إحدى الأمسيات كانت باتينا في سيارة برويز، بعد زيارة من أحد الزبائن، ومرا من جانب صبي في الشارع. قال برويز فجأة: "ذلك ابني".

كانا في الجانب الآخر من المدينة، في منطقة فقيرة، حيث يوجد مسجدان.

تصلب وجه برويز. التفتت باتينا لتراه. وقالت: "تمهل إذا. تمهل. كم هو جميل الطلعة. يذكرني بك. ولكن وجهه أوضح منك. من فضلك هل يمكنك أن تتوقف؟".

"لماذا؟".

"أود أن أكلمه".

استدار برويز بالسيارة وتوقف بجانب الصبي.

سأله برويز: "عائد إلى البيت؟. ولكن طريقك بعيد". هز الولد العنيد منكبيه وجلس في المقعد الخلفي. جلست باتينا في الأمام. انتبه برويز لتنورة باتينا القصيرة، ولخواتمها اللماعة، وظل عيونها الأزرق الجليدي. وانتبه لرائحة عطرها المحبب الذي ملأ السيارة، بعد ذلك فتح النافذة. وبينما يقود برويز السيارة بأسرع ما يمكنه، قالت باتينا بدماثة لعلي: "أين كنت؟".

قال: "في المسجد".

"وكيف أحوالك في الجامعة؟ هل تبذل قصارى جهدك؟".

قال وهو ينظر من النافذة: "ومن أنت لتسأليني هذه الأسئلة؟"

ثم بلغا زحاما مروريا فتوقفت السيارة. حينها وضعت باتينا بلا قصد يدها على كتف برويز وقالت: " أبوك رجل طيب، وشديد القلق عليك. وأنت تعلم أنه يحبك أكثر من حياته".

قال الصبي: "أنت تقولين إنه يحبني".

قالت باتينا: "نعم".

"إذا لماذا يسمح لامرأة مثلك أن تلمسه هكذا؟".

إذا كانت نظرة باتينا للصبي غاضبة، فقد كان في نظرته لها ضعف ذلك السخط البارد.

قالت له: "أي نوع من النساء أنا لأستحق أن تكلمها بهذه الطريقة؟".

قال: "أنت تعلمين. اسمحي لي بالخروج الآن".

رد برويز" أبدا".

قالت باتينا: "لا تقلق. أنا سأخرج".

قال برويز" كلا. ولا أنت". ولكن مع أن السيارة تحركت فتحت الباب، وألقت بنفسها في الخارج، وركضت عبر الطريق. صاح بها برويز عدة مرات، ولكنها كانت قد ذهبت. تابع برويز مع علي إلى البيت، بدون أن يضيف المزيد من الكلام. ذهب علي فورا إلى غرفته. لم يتمكن برويز من قراءة الجريدة، أو مشاهدة التلفزيون، أو حتى الجلوس. وتابع سكب الشراب لنفسه. أخيرا صعد إلى الطابق العلوي وذرع الفسحة أمام غرفة علي ذهابا وإيابا. وحينما فتح الباب في خاتمة المطاف كان علي يصلي. ولكن الصبي لم يطرف له جفن نحوه. ركله برويز. ثم جره من قميصه وضربه. سقط الصبي إلى الخلف. ضربه برويز مرة ثانية. لوث وجه الصبي الدم. كان برويز يلهث. وأدرك أن الولد لم يتأثر. ومع ذلك لطمه. لم يحمِ الصبي نفسه ولم ينتقم. ولم يظهر الرعب في عينيه. ولكنه قال فقط من خلال شفته المشقوقة: "من المتطرف إذا برأيك؟".

***

........................

* حنيف قريشي Hanif Kureishi: كاتب بريطاني من أب باكستاني وأم إنكليزية. من جيل الثمانينات. بدأ نشاطه برواية "بوذا الضواحي" 1990. وختم مشواره الأدبي بحادثة سقوط مروع في إيطاليا، وقد تكلم عنها في كتابه الأخير "الممزق" والذي صدر عام 2024.

 

بقلم: إيون لي

ترجمة: صالح الرزوق

***

كانت ورشة روزي لصيانة المركبات وخدمات الوقود الشاملة تعمل طيلة إقامة مورين في هذه البلدة من نيوجرسي. وهي آخر عمل لكسب الرزق في كل المكان. بعدها تجد شارعا بدون اسم، معروف باسم الطريق السريع، وحاليا يحده صف من الأبنية المعدة للسكن. ويوجد على رصيف بجوار محطة الوقود مقعد وضعه شخص لا تعرفه مورين، ويبدو أنها الوحيدة المنتفعة منه. وأضيف حاليا تمثال معدني أخضر لبروس سبرينغستين1، وهو تحية من فنان محلي لأحد أعظم النيوجرسيين، وتراه منتصبا بجوار المقعد. تذكرت مورين السنوات التي سبقت وصول بروس بوضوح أكبر من السنوات التي أعقبتها. كانت في الثامنة والثمانين، ولكنها لم تعلن ذلك. كانت تكره كلام الممرضات في كل مؤسسة صحية والذي يبدأ بطلب تأكيد يوم مولدها. ذكر التاريخ يجعلها تشعر بتقدم السن، كما لو أن أحدا يستغرب – من مظهرها المتناسق كما يبدو، أو من تواضع أخلاقها، وكانت تشعر أنها مضطرة لاستعمال كلمات مهذبة. الحماقة بعمرها ليست مقبولة ولا تكسب. فقط حين تجلس بجوار منحوتة بروس، الذي يرتدي عباءة من المحار وزبد البحر، تسمح لمشاعرها أن تعبر عن نفسها بحرية – تفصح عنها بحوار داخلي، طبعا، لأنها لا تريد أن يضبطها أحد وهي تتكلم بصوت مرتفع. وكانت تقول محولة انتباه بروس لمتسكع أجبر سيارة على التوقف فجأة: "انظر إلى ذلك الأحمق. بعض الناس لا يستطيعون انتظار حتفهم". أو أن تقول عن رجل وامرأة يدخلان في مقهى على الطرف الآخر من الشارع: " متزوجان لكن ليس من بعضهما البعض. وضع بليد. وكلاهما بدون أي مؤهلات".

 تعيش مورين في مجمع شقق قريب، ويتميز بالخدمات الراقية، التي لا تستفيد منها، ولكنها تحبذ مظهره المتميز. ليس لأن أي شقة في هذه البلدة رخيصة – يا إلهي كلا – ولكن إذا رغب أحد التقليل من شأن الآخر عليه أن لا يكون غدارا. قالت مورين في أحد الأيام لبروس: "لتعيش حسب ما تسمح به قدراتك يتطلب أن تكون ذكيا". بالنسبة لها الناس الذين يتساقطون وينجون ويتدبرون حياة وضيعة هم حمقى مثل الناس الذين يورطون أنفسهم بالديون. المبالغة بقيمة الإنسان أو التبخيس منها، مثل امتلاك أنا مضخمة أو قزمة، كلاهما حماقات متشابهة. لا تشارك مورين هذه الأفكار مع أي شخص آخر على الإطلاق في حياتها: ليس مع بنات أخواتها الثلاثة وابني أخويها، ولا مع فلورا، التي جاءت أربع مرات في أسبوع واحد لتعتني بالمنزل وتطبخ، أو هنري الذي قادها بالسيارة إلى مواعيد طبية وتسريح الشعر، أو كارل البواب الذي يعمل بالخدمات البسيطة كلما دعت الحاجة. علاقة مورين مع هؤلاء الأشخاص، مع أنها ودية، فهي وظيفية. قد يتوقع بنات وأبناء أخوتها كسب شيء بعد موتها. يا للمفاجأة!. فكرت مورين بالروايات الروسية والإنكليزية من القرن التاسع عشر، التي قرأتها منذ مليون سنة. لدى الأموات من المراتب العالية غالبا بعض الخدع المخبأة في أكمامهم. كانت مورين تحتفظ بهذه المفاجأة بعد الممات في يوم غائم من تشرين الأول، وذلك حينما شاهدت إحدى الشخصيات المألوفة تتقدم منها. كانت المرأة تبدو شبحية غالبا - ليس بسبب ثيابها ولا مكياجها ولكن لأنها تتصرف كأنها نسيت أن المرأة، في الفضاء العام، تكون نهبا للأنظار. وبعكس معظم الأيام، نسيت أن تخص بروس بنظرة للتحية.

قالت مورين: "أنت!. لا تدعي العالم يأخذ تلك الثقة من خطواتك". ويبدو أن المرأة استغرقت بعض الوقت لتلاحظ أنها المقصودة بالكلام. فقالت: "آسفة. هل قلت شيئا؟".

"قلت لا تدعي العالم يأخذ منك تلك الثقة من خطواتك".

نظرت المرأة بعين الشك لقدميها. كان هناك بطء بنظرها وهو ما لم توافق عليه مورين. مدت مورين إحدى يديها وقالت: " مرحبا. اسمي مورين". نظرت المرأة لعكاز مورين كأنها تفكر بمصاعب المصافحة. ربتت مورين على الفراغ الذي أمامها. وقالت للمرأة كجواب وهي تنظر إلى ساعة يدها: " تفضلي واجلسي قليلا. الساعة الحادية عشرة إلا عشر دقائق". من مكان جلوسها، أمكنها رؤية الساعة الموجودة خارج المصرف وقالت: "أفترض أن موعدك في الحادية عشرة؟".

في كل اثنين، تدخل هذه المرأة في بناء رمادي بجوار محطة الوقود قبل الحادية عشرة بقليل وتغادر قبل الظهيرة. علاج. لاحظت مورين وجود أربع محللين نفسيين من عدة أعمار يعملون في ذلك البناء وانتبهت لقدوم وخروج بعض مرضاهم. وفهمت بعض الأمور في الأربعين عاما المنصرمة، من العيون التي بثتها هناك، ست عيون. الأول عمل على كشف علاقات فريد (بلغت ثلاث علاقات). البقية بعد طلاقها من فريد، عملوا على مراقبة زيجاته المتلاحقة (اثنتان). لكن فريد مات قبل أحد عشر عاما - أم لعلها اثنتا عشرة؟.

لم تترك للمرأة أي خيار. جلست. وقالت: "اسمي ليليان". وصافحت يد مورين.

"أعلم. أنت واحدة منهن".

كان المقصود أن تنطق بعبارة كاملة، لكن نظرت ليليان بنظارات مورين السود وسألت: "واحدة منهن... ماذا يعني؟".

في يوم الاثنين ذاك، كان شعور ليليان خريفيا. لم يكن السبب طقس نيوجيرسي، فهو مشمس مثل يوم من أيام أواخر الصيف، وكان يكفنها بالكآبة ولكنه مزاج متنقل مصدره الأسبوع السابق، حينما كانت هي وزوجها ترحلان في أرجاء ألمانيا، لاختبار ما يقولان عنه الشرود الجغرافي. شعرت ليليان غالبا بالقلق منذ وفاة ابنها الأصغر، جودي، وهو شعور لم تمر به بعد موت ابنها الأكبر أوسكار، قبل عدة سنوات. وفي تلك الأيام كانت تمرر وقتها بدراسة خرائط غوغل. آخر مرة استفزتها الجغرافيا حينما وصلت إلى الصف الثالث، في بكين. أحضر أبوا زميلتها في الصف خريطة للعالم بحجم بوستر. من أجل ابنتهما. كان ذلك رفاهية في عام 1981. عقدت ليليان صداقة مع البنت كي تدعوها لرؤية الخريطة. ولكن صديقتها فقدت اهتمامها بالجغرافيا سريعا، وكانت ليليان أقل غراما بمجموعة البنت من الأقلام الميكانيكية والمماحي المعطرة المستوردة من اليابان. وتقطعت الصداقة، ولم تترك أثرا يؤلم أو يحرج. وعليه فكرت ليليان أنهما تتمتعان بقلة التحسس. القليل من علاقات البشر تذوب بدون أن تسبب الألم والهوان والمرارة. والأقل بعد القطيعة يضعون إحساسا بالنهاية والختام. موت الأطفال يضع الآباء في حالة ختامية - ولم يفاجئ ذلك ليليان. ولكن ماذا بعد الختام؟. هل يوجد شيء يمكنه أن يتبعه؟. كان طقس برلين قبل أسبوع مقززا، وباردا، مع رياح قوية وأمطار تجلد الأرض. حينما سافرا جنوبا إلى ميونيخ، كانت الحرارة ألطف، ولكن خيم عليهما الجو الضبابي. وفي أحد الصباحات، نظرت ليليان إلى الأسفل من شرفة الفندق نحو الباحة - كانت فارغة بسبب نهاية موسم السياحة، ورطبة، باعتبار أنها تمطر - وشعرت بالحاجة لرفع صوتها. لأن تقول شيئا، أو حتى أن تصرخ. ولكن ماذا تقول، وتصرخ على من؟. مشكلة الفورة المفاجئة، أنه ما أن توجه عدة طلبات، لا تجد الفورة أي رد فعل معقول، وتتحول إلى درب مسدود. أصغت ليليان إلى اليمامات التي تهدل على السطح، بنفس الطريقة التي كان أولاد أعمامها يهدلون في بلفاست أو بروغيس2 أو برشلونة. لا بد أنها تهدل هكذا منذ ألف عام، ولا ترفع صوتها أبدا - على الأقل لا ترفع أصواتها فوق تراجيديات بقية الأنواع، أو على موت اليمامات الأخرى. في ذلك اليوم خططت ليليان وزوجها لزيارة داشو. سألت نفسها: " هل كان ذلك المكان في يوم رمادي مماثل مؤلما جدا؟". سؤال تعلم أنه بلا معنى، لا يوجد أي مقدار من الشمس يمكنه أن يقلل من سواد الشر. تراجعت ليليان التي اعتبرت أن القوة هي طبيعتها الثانية، وأكدت على مقولة لطفل وردت في رواية ريببكا ويست: " الصفات التي تلائم حقا البالغين هي 'كبد بنفسجي بلون الزنبق' و'قلب دجاجة خائرة'". عوضا عن ذلك استقلا القطار إلى فوسين، وسارا عبر المدينة، وتنزها في الجبال. كان الأثر مغطى بأوراق متساقطة، ومنقوعة بالمطر، وملتصقة بالأرض الزلقة. ومع ذلك سارت ليليان وزوجها بسرعة وبخطوات واثقة. كانت القلاع والأديرة القريبة والبعيدة، بيضاء بسقوف حمراء كالصدأ، ونهر ليخ المتدفق بسرعة والأخضر كالزبرجد جميلا بما يكفي ليستولي على اهتمامك. لم يكن هناك العديد من الناس - فقد كان يوم عمل. ومن قابلوهم كانوا متعالين بتهذيب بالطريقة الألمانية. منح ذلك ليليان السلوان بعد مسيرة في حياة غير مألوفة وخارج السياق. ولكن السلوان كما ترى كان داعما. الرغبة في أن تكون حرا من الارتباطات تأتي دوما في ظل شعار غير متحقق، حيث توجد الحياة الحقيقية. بعد مسافة من النزهة عبرا الحدود إلى النمسا. التقطت ليليان صورة للوحة، خط عمودي يفصل حرفين كبيرين، "دي" و"أو". تذكرت الرحلة التي قامت بها مع زوجها بعد الزواج مباشرة - في بيت بأيوا، بدون ورود وبدون رفاهيات شهر العسل، فقد كانا من طلاب الجامعة ولديهما فيزا من نوع إف - 1. ولأجل الحفلة تساهلا مع ميزانية خبز الأسبوع، ورفعاها من كيس خبز أبيض بتسع وعشرين سنتا، إلى كيس خبز أبيض محسن بتسع وأربعين سنتا. واعتبرا يوم الجمعة عطلة، للقيام برحلة طويلة في السيارة في نهاية الأسبوع، وذلك عبر ويسكونسن إلى بنسلفانيا العليا. وفي الريف الشمالي، حيث لم يشاهدا سيارة أخرى على امتداد أميال، شعرا بالخطر حينما اتجهت شاحنة صغيرة نحوهما في طريق ذهاب وإياب. ثم توقفت فجأة بعد أن تجاوزتهما. بالمرآة الصغيرة أمكنهما رؤية الشاحنة تلتف. تذكرت ليليان خوفها بينما كان زوجها يسرع بسيارة نيسان سنترا المستعملة على طول طريق متعرج عبر الغابة، وكان مبتلا بعد يوم ماطر المطر، ويغلفه الضباب مع أن طقس هذا اليوم مشمس. هل كان يتعقبهما أحد؟ هل هما بخطر؟. كانت واحدة من تلك الحوادث التي يتذكرها الإنسان في حفلة عشاء مع رعشة خفيفة وضحكة عالية. تكلمت ليليان عن الغابة على كلا طرفي الحدود وعن ذكرياتها عنها.

تفحص زوجها هاتفه وهو يقول: "كما تعلمين تلك ذكريات".

قالت ليليان بدون أن تعد: "حتى هذا اليوم؟ كم سنة مضت عليها؟".

"ست وعشرون". لم يفكرا بطول فترة زواجهما أو كيف أمكنهما نسيان التاريخ: التساؤل مع الاستغراب نوع من التمثيل أو التظاهر والنفاق. بعد موت ولديهما، أصبحت الحياة أبسط. بعض المضامين أصبحت مختصرة بشكل قشور مضامين. وبعض المشاعر كانت ظلالا لمشاعر قديمة. أضف لذلك أن هذه البساطة، مثل الختام، تطلبت أن تكون مفهومة، مع أن ذلك غير ممكن. كان من السهل أن تتذوق الفرق بين خبز التسعة والعشرين سنتا وخبز التسعة والأربعين سنتا. وكان من المستحيل أن تفهم أعمتق ما أصبح حقيقة معروفة لديهما، أنهما الآن أبوان بدون أولاد.

حينما عادا إلى فوسين ذهبا إلى متجر، واشتريا من سوق المزارعين قبعة قش كبيرة ثمنها يكفي لإطعام شخصين. كانت خيارا عشوائيا للاحتفال بالذكرى، ولكن أي مشتريات غيرها ستكون عشوائية بالمثل. دونت امرأة متوسطة العمر تجلس وراء الكونتور الفاتورة يدويا، وسألت ليليان من أين هما. قالت ليليان: "من أمريكا".

شهقت المرأة وقالت وهي تضع يدها على قلبها: "أتمنى أن تمر الانتخابات لديكم بدون مشاكل".

قالت ليليان: "نتمنى ذلك أيضا".

قالت المرأة مع أنها بمفردها ولا يوجد زبائن آخرون: "لا يمكننا التنفس بحرية. ليس قبل نهاية انتخاباتكم".

كان المتجر في زقاق ومزدحما بما يمكن رؤيته في أي متجر هدايا - صابون وفوط ومناديل ودفاتر وأقلام وبطاقات معايدة وأشياء غيرها، كلها جميلة، وغير ضرورية للحياة. كانت المرأة ذات أطراف طويلة، وشعر منسدل ومكياج قليل، وتجلس قرب نافذة تشرف على باحة خلفية مغلقة، حيث تضيء مصابيح ملونة بشكل نجوم، وقناديل مشدودة فوق حديقة خريفية. ذوت أزهار الهايدرانجيا وتحولت إلى لون الغبار الأبيض أو البني النحاسي، وغطى الطحلب الممر بلون أخضر لماع، وفي النهاية البعيدة تبرعم حاجز من أزهار الخريف، وهي آخر موجة أزهار قبل الشتاء. وجدت ليليان أنه من السهل تخيل نفسها في هذه الحياة: الجلوس في متجر في بلدة بافايارية هادئة، تبيع أشياء جميلة وكمالية، ولكن ربما يريدها شخص يكلف نفسه عبء الدخول إلى المتجر. وصل هذا التخيل الذي حل فجأة إلى طريق مسدود. هناك أشخاص كثيرون يمكن أن تشغل حياتهم خيالها - وهم من التقت بهم. من ماتوا منذ مدة وبقيوا أحياء في ذاكرتها، ومن اخترعتهم - وفي النهاية ما الفرق بين التخيل والفانتازيا؟. كلاهما للصغار، غير المجربين، ولأشخاص واقعهم بليد بما يكفي وصلب بما يكفي ليجعلوا الفانتازيا والتخيل هروبا محبذا أو طريقة ضرورية. شعرت ليليان أنها تقدمت لمسافة طويلة في حياتها ووصلت نقطة تفقد فيها الأفكار والفرضيات والآمال والأحلام إغراءها كله: والبدائل الموجودة بدائل مخزية. وربما هذا هو معنى الختام. ليس هناك حاجة لتخيل القابل للتخيل أو غير المتخيل. حياتها وجود يرتكز على نقطة واحدة، وحولها ما يسميه والاس ستيفينز "هذا الألم الذي يحاصرك".

لم يمكثا في المتجر طويلا. حملت ليليان حقيبة القش، وأسرعا ليلحقا بالقطار، الذي سيعود بهما إلى ميونيخ في الثامنة. ولكن بعد دقائق من بداية الرحلة توقف القطار. وبعد فترة طويلة، اعتذر رجل بمكبر الصوت باللغة الألمانية ثم بالإنكليزية عن التأخير. كان هناك "عطل" على السكة، وكانوا بانتظار التعليمات لمتابعة المسير. ولم تكن هذه أول مرة يتأخران بها. بعد عامين من انتحار أوسكار، حينما كانا مسافرين بين أمستردام وبروكسل، ألغيت مواعيد القطارات، الواحد بعد الآخر، لخمس ساعات. لكن كان جودي حيا، وبرفقتهما في الرحلة. بحثت ليليان عن عامل في المحطة للاستعلام، وكتمت عن جودي سبب التأخير - عطل قرب نوتردام. ولكن في النهاية ما الهدف من كتمان هذه التفاصيل؟. فكرت ليليان: هذه البساطة الجديدة هو ما تحتاج له كي لا تعتمد على أي تفصيلات أو أي تفاصيل متداخلة. تابع القطار حركته المترددة - يقف جامدا، ثم يتقدم، ثم يتحرك بالاتجاه المعاكس، ثم يتوقف ثانية. لم يناقش زوج ليليان التأخير. في ذلك الصباح كانا يأملان بقلب صفحة داشو لأنه خيار حكيم. في عصر ذلك اليوم كانا ينتقيان حقائب القش التذكارية، ويستمعان لأمنية بائع ألماني عن الانتخابات الأمريكية القادمة. في مناسبتين مختلفتين، بوجود نساء ورجال آخرين في القطار في نيو جيرسي، تأخرا بسبب الأعطال، وهو أمر غير مناسب فقط. تعجبت ليليان إذا ما كانت هي وزوجها، حتى في هذه الحياة البسيطة والجديدة، يلفتان النظر بطريقة ما، ثم ضحكت على شعورها بالأهمية الشخصية. بعد عدة أسابيع من وفاة أوسكار، ذهبت ليليان إلى فرع البنك المحلي لإغلاق حسابه. نظر ت أمينة الصندوق إلى اسمه وانفجرت بالدموع - فقد قرأت خبر موته، كما قالت، وهي أم أيضا. بعد ذلك تجنبت ليليان الفرع، واختارت آخر في بلدة أخرى. غير موت جودي مشاعر ليليان. كان العالم أقل اتساعا مما تأمل، وكانت هي أقل استيعابا مما ترغب، ولكن ما أهمية أن تكون مرئية ومعروفة؟. ومن يعرف قصتها لا يعرفون شيئا أكثر من حفنة من المعلومات. ولذلك لم تستغرب ولم تنزعج حينما قالت المرأة المسنة المعروفة باسم مورين إنها تعرف من هي ليليان. لاحظت ليليان مورين من قبل، هذه المرأة التي ارتدت بشكل أفضل مما يتطلبه مقعد على طرف الطريق. كانت ببذة شانيل في بعض الأيام، وفي غيرها بثوب ينساب بشكل متناسق، مع لفاحة هيرميس التي تزين رقبتها الرقيقة. ولأنها ارتدت دائما نظارة سوداء ولأن وجهها بدون تعابير، لم تشعر ليليان بواجب إلقاء التحية. في إحدى المناسبات تساءلت ما إذا كانت المرأة عمياء وإذا كان حارس المقابر لن يأتي ليستعيدها بعد عدة ساعات من الهواء المنعش. ولكن كان فضول ليليان عائما. ولم تتوقع أن تهتم مورين بها. وحينما ذكرت مورين رتبتها الاستشارية في الجامعة وكل اسمها، اعتقدت ليليان أنها تعرفت عليها قليلا - فهي عالمة محترمة في حقل غير مألوف لليليان. واعتذرت لأنها لا تعرف عمل مورين.

قالت موربن: "آه الناس ينسون. بسهولة فائقة، أو أنهم لا يهتمون. وفي أحد الأيام ستمرين بهذه التجربة".

في يوم آخر، ابتسمت ليليان ولم تنطق بحرف. ولكن في ذلك الصباح شعرت كما لو أنها لا تزال على متن القطار البافاري، تراقب بيت المزرعة والحظائر على الهضاب، المنارة كيفما اتفق، والقمر يصعد فوق السهول. ورغبت لو أنها سألت أي شخص كان: كم مرة في حياتك وجدت نفسك جالسا في قطار يتوقف بسبب عطل قاهر؟ مرة، اثنتين، ولا أي مرة؟.

نظرت ليليان عبر النظارة السوداء إلى عيني مورين غير الملحوظتين تقريبا، بدون تركيز وقالت: "وإذا؟ لا أستطيع أن أنتظر".

قالت مورين: "لا تستطيعين انتظار ماذا. أكملي جملتك".

هزت ليليان كتفيها. فقد أكملت جملتها.

أعطت مورين يوم الاثنين التالي فلورا قائمة المشتريات - مكونات سلطة نيقوسي، نصف رغيف خبز (حبوب قديمة)، إجاصتان (زبدة فرنسية)، وثلاث زهور أقحوان. مر وقت منذ استضافت مورين زائرا، ولكن فلورا تدربت جيدا على يد مورين، ويمكن الوثوق بها لتجعل كل شيء يبدو مناسبا. حتى في الأيام التي تأكل فيها بمفردها - معظم وقتها حاليا - كانت تكوي فوطة ورقعة لتصبحا رقيقتين، فتظهر الوجبة بوضع لائق جماليا. لم تسأل مورين ليليان إذا كانت تتبع أي حمية - وقالت مورين لبروس: "لنأمل أنها لا تعاني من قلق بالطعام. في كل الأحوال هناك الأجاص. يصعب أن يسممك الأجاص".

لم تكن أول مرة تنادي فيها مورين شخصا ليتناول معها الغداء. ولم تعتبر أنها دعوة، لأن الدعوة، مثل الحب، مثل النصيحة، مثل النية الطيبة، يمكن أن ترفض. خلال لقائها الموجز مع ليليان قبل أسبوع، قالت مورين: "أرى أنك لست بالمزاج المناسب للحوار. لماذا لا أرتب غداء بسيطا لكلينا في الاثنين المقبل؟ يمكنك المجيء إلى شقتي بعد العلاج مباشرة. لا تحاولي أن تختلقي العذر. لا أعتقد أنك ستندمين على مجيئك، وأعدك أن لا ندخل بصداقة روتينية يتخللها تبادل الدعوات، إن كنت خائفة من ذلك".

السر في أن تحصلي على ما تريدين أن تكوني متطلبة، بطريقة واضحة، وأن تحرضي الأسباب للرفض. لم يفاجئ ذلك مورين - ولكنها كانت ممتنة - لأن ليليان وافقت. في إحدى المرات، رفض بعض الناس نداء مورين ميلر، في هذه الأيام من الأفضل أن لا تختبر سلطتها مرارا وتكرارا. على سبيل المثال لدى بنات وأبناء أعمامها، على ما يبدو، ودائما، برامج حافلة. ولكن كيف يمكنهم أن يكونوا مشغولين في حياتهم المتواضعة؟. قررت مورين أن تنتظر ليليان على المقعد، كي لا يوجد أي فرصة لتبديل النوايا في اللحظة الأخيرة. سيتمشيان حتى شقة مورين معا، على أن تبطئ ليليان من خطواتها لتوائم خطوات مورين. في الداخل ستسمح مورين لليليان أن تتأمل وتبدي إعجابها بمخططات مودلياني وماتيس المعلقة على الجدار قبل أن تلفت انتباه ليليان لمجموعة الكتب النادرة. وهناك القليل الذي تريد مورين معرفته عن ليليان - يا إلهي. كلا. مورين ليست فضولية فيما يتعلق بحياة الآخرين، المأساوية أو غير ذلك. ولكن هناك القليل الذي يمكنها أن تسرده عن ليليان. مورين متأكدة أنه لا توجد دعوات غداء إضافية. ولا دعوات متبادلة. الضيف المهم لا يمكث طويلا. أرادت مورين أن تبدو زائرة غير عادية، وتدخل على حياة ليليان وتقدم لها شيئا تفكر به وتتذكره. ما هو أول شيء تقوله لليليان؟. "أعلم أنك ضيعت ابناءك، ولكن يجب أن تعلمي أنك لست الوحيدة التي تعانين من هذا المصير". تصورت مورين نفسها تقول هذا وهي تفتح أول طبعة من دافيد هيوم - المجلد 1 من "مقالة عن الطبيعة البشرية"، ربما - وتعرضها على ليليان. كيف سترد؟. افترضت مورين أنه لا يوجد كلام تقوله عدا الإعراب عن الموافقة. ثم ستضع الكتاب الثمين جانبا، وتذكر بحرص شديد أنها، أيضا، فقدت ابنا. وعلى ليليان أن تقول إنها متأسفة لسماع ذلك، ولكن مهما فعلت لم تهتم مورين بالتفكير به. "مات ابني في أواخر ثلاثيناته. ولذلك القضية مختلفة عن قضيتك. هي مخدرات على ما أخشى. ولكنني لست أمه بالولادة. تبنيته حينما كان عمره أربع شهور. أمه بالولادة مدمنة على العقاقير. كانت في التاسعة عشرة حينما ولدته، ولم يكن ابنها الأول. ولا شك أنه كان مهيأ لنفس الأمر".

من المهم الكشف عن هذه الحقائق لليليان، بعد أن كشفت مورين عنها في الماضي لمستمعات أخريات. لو أن إيان من دمها لعاش حياة مختلفة. ولكن بزواجها من فريد لم تكن قادرة أن تحمل. زعم فريد أنه ليس عليهما التمسك بالتقاليد، ولكن بعد أن غطى نشاطها العلمي على عمله، بدأ بالبحث عن علاقات مع نساء أصغر بالعمر. إحداهن، طالبة تدعى هايلي، لديها جمال متوحش وحيواني حملت منه بغباء. وتسببت الفضيحة بالطلاق، وتبع ذلك نقل فريد إلى كلية من في الساحل الغربي. وهي من الطبقة الثانية - كل شيء كان متوقعا، وجامدا مثل خبز الأسبوع الماضي. لم تهتم مورين وراقبت ذلك الزواج عن مقربة بواسطة مصادر خاصة وبواسطة أخبار كانت تأتيها من المعارف المشتركين.

"فكرت: بما أنهما أنجبا ابنا لماذا أنا لا يمكنني أن أكون أما؟. كنت شابة. وامرأة قادرة وذكية. يجب أن أنجب طفلا أيضا. ويجب أن أربيه بنفسي". وخلال السنوات فكرت مورين بقرارها، وأعربت عن هذا الرأي لبروس، وكان متكتما واحتفظ بكل شيء لنفسه. هل عليها أن تخبر ليليان؟. وجاء في ذهن مورين أن هذا غير ضروري. فقد رتبت الكلمات ولكن في اللحظة المناسبة كانت الكلمات تهرب منها. ولم تلق اللوم على نفسها. الحكاية كاليدوسكوب وعليها أن تترك مجالا وفرصة لوجهات النظر، مثل خرزة فضية تسقط في المركز أو قطعة من ورق ألومنيوم ذهبي ينكمش في الزاوية. وكشأنها دوما سألت ليليان في ذلك الصباح نفسها لماذا وافقت على الغداء بحق الآلهة. يمكنها أن تزعم أنه غلبها الفضول لتلقي نظرة على حياة عالمة مشهورة بلغت سن التقاعد. (لم يكن هذا هو الحال حقا). ويمكنها القول أن نوعية مورين من النساء اللواتي ترتحن للتلاعب بليليان، لأن ليليان تبدو متساهلة. (لماذا لا تسمح للناس بالاستفادة من تجريب أبوتهم الوهمية عليها؟). بل ويمكنها القول إنها أرادت أن ترى لون عيني مورين حينما تتخلى عن نظارتها السوداء. عموما الأجوبة التي تعطى بسهولة ليست هي الأجوبة الحقيقية.

قالت مورين حينما دخلتا الشقة: "هذا المنظر ليس رائعا مثل الذي أراه من مكتب الكامبوس. وهم يعدونك بمكتب دائم ولكن بعد قليل يجدون كل الأعذار لطردك منه". كانت نافذة عريضة تشرف على موقف سيارات، وكانت وراء موقع بناء تسد فيه الرافعات والمنارات والأبراج مشهد أبنية الكامبوس. حاولت ليليان أن لا تبدو ضجرة. هؤلاء أكاديميون ومكاتبهم - النوافذ، السجاجيد، الكراسي، الإنارة، لون الجدران - خلال فترة قصيرة في دور إداري ثانوي، جمعت ما يكفي من القصص عن المتملقين الذين يمكن أن يسكنوا في "بيت موحش"3 معاصر. قادت مورين ليليان إلى المكتب، وعرضت عليها مكتبتها في الغرفة بدون فتح أي باب زجاجي. قالت مورين: "يا لها من مسؤولية مزعجة لدرجة مقلقة. في إحدى المرات - مضى على ذلك سنوات كثيرة، حينما كنت لا أزال أعيش في بيت - استضفت حفل إفطار لزميلة شابة مشرفة على الولادة. بعد ذلك لاحظت اختفاء الطبعة الأولى من كتاب عزيز علي جدا".

شهقت ليليان، بطريقة دراماتيكية أكثر مما يتطلبه الصدق. هزت مورين رأسها. وقالت: "كما ترين. ماذا يمكنني أن أفعل؟ لا يمكنني سؤال كل ضيفة إذا ما انعطفت ودخلت إلى مكتبي حينما كانت تستعمل الحمام. لكن تعلمت درسي".

تساءلت ليليان إذا كان للدرس علاقة بإضافة أقفال إلى المكتبة. غداء مع غريبة لا يكون ضارا مثل نزهة في غابة بافارية. الشجرة لا تتطلب من المارة إبداء الإعجاب. نهر وتلال على الضفة الأخرى، أثناء الرسم، لا تهتم إذا ما كان الفنان وهو أمام حامل اللوحة معلما أم هاويا. الطبيعة لا تحفل بالمشاهد، ولكنها أيضا لا تحفل باللامبالين. منطق اللامبالاة البشرية لا يريح: لدي الحق أن لا أبذل اهتماما بك، لأنني بحاجة، لكل اهتمامك وأستحق ذلك. لم يفاجئ ليليان أن مورين، وهي تمرر الزبدة، ذكرت أيضا أنها فقدت ابنا. أصبحت ليليان معتادة على سماع قصص من أمهات مفجوعات. وليس مفاجأة أن أم الولد بالولادة - ويجب أن تكون أكبر من ليليان، كما تكهنت، لو أنها حية - تعتبر مسؤولة عن حياة الرجل الضائعة الذي ربته مورين بعناية وحب. رسمت ليليان بشوكتها دوائر ببطء على طبقها بدون أن تلتقط شيئا. وهي تعلم أنه لا يهم إذا أكلت أم لا. كانت مورين عجيبة وهو ما انتبهت له ليليان: غريبة، وبحضور الأغراب لا يمكن للراوية أن تألف الماضي أو الحاضر. وربما لذلك وجدت أنه من السهل أن تتخيل نفسها مالكة متجر في فوسين - وهو شيء عار عن الصحة سواء في الماضي أو المستقبل أيضا. وعلمت ليليان أشياء عن زوج مورين السابق ("ميت الآن، كما يمكن أن تتوقعي"، و" لم تكن له سمعة بين العلماء")، وأسعدها قليلا أن تسمع أن الزوجة الشابة هايلي تعرضت للغدر أيضا، بنفس الطريقة، حينما نام معها فريد وتزوج لاحقا من طالبة أصغر منه بثلاثين عاما (" أنفقت أفضل سنوات عمرها زوجة له، غير أنها لم تكن أرملته المفجوعة"). تابعت مورين الكلام، وتذكرت ليليان خدعة قامت بها أختها في طفولتهما. كانت العائلة فقيرة، وكانت كل منهما تتلقى قطعة بسكويت على شكل حيوان كوجبة للعصر. كانت أختها يوميا تضع بحرص البسكويت في كوب من الماء. وسريعا ينتفخ الأرنب أو السمكة أو الخنزير. كان السر في أن تنتظر ما يكفي دون إطالة، لينتفخ البسكويت بقدر الإمكان، ولا يتفكك بسبب الغمر بالماء ويتحول إلى لا شيء. فكرت ليليان: عليها أن تصبر وأن لا تكون جشعة، وتأملت جفون مورين الباهتة. وتساءلت هل أخطأت مورين بالحسابات، وحصلت على كوب من الماء الضبابي، فيه بقايا بسكويت حيواني الشكل وليس له شكل صلب وملموس.

قالت مورين: " هذه القصص القديمة ليست سبب دعوتي لك. هي فقط تمهيد، ولكن بدونها لن أتمكن من أن أقول ما تحتاجين لسماعه".

وافقت ليليان. وأمكنها رؤية أختها تسكب بهدوء أرنبا بدينا بالملعقة. مثل التهام قطعتي بسكويت، كما قالت أختها، وهذا يشبعك. كانت ليليان في الثالثة وأبدت إعجابها بذكاء أختها.

"قبل أن أتابع مع القصة، دعيني أسألك: من كتب أول رسالة بقلم مسموم في التاريخ؟".

سألت ليليان: " هل هو اختراع لأجاثا كريستي؟". في السنوات ما بين موت أوسكار وجودي، اتبعت هي وزوجها عادة مشاهدة برامج مسلية عن جرائم وقعت في المملكة المتحدة. كان المفضل لدى ليليان "جرائم ميدسومير". وقد وردت فيها الكثير من رسائل الأقلام المسمومة والكثير من الجرائم، ولكن لم يكن هناك ألغاز كثيرة ورافقها النذر اليسير من الألم.

"علمت أنك ستقولين ذلك. ولكن كلا. على أجاثا كريستي وبقية كتاب قصص الجرائم أن يتعلموا من الناس الحقيقيين. الخيال محدود وآمل أن تفهمي ذلك".

"بالتأكيد".

"وقعت أول حالة رسالة بقلم مسموم في إليزابيث، نيوجرسي".

قالت ليليان: "آه". بالنسبة لها، كانت إليزابيث مجرد محطة على سكة القطار في طريقها إلى نيوجيرسي. وتلك هي ميدسومير التابعة لنيوجيرسي.

"دراما".

"متى كان ذلك؟".

قالت مورين: " في عام 1909 قبل أجاثا كريستي. مؤلفة رسائل القلم المسموم تلك ألهمت عددا من الحالات المشابهة. امرأة من إليزابيث، نيوجيرسي، قدمت للعالم طريقة جديدة لارتكاب جريمة - من يعلم. إيه؟. إحدى ضحايا رسائل القلم المسموم صديقة لجدتي. كانت حياتها عبارة عن أنقاض".

شعرت ليليان بالحاجة لتعلن أنه من المحتمل أن كاتب رسائل القلم المسموم هو جدة مورين. ولكنها عوضا عن ذلك سألت: "من كتبها؟".

"فكري بالقضية وتابعيها شخصيا. هذا لا علاقة له بما سأقول. لم أخبرك كيف أن زواج فريد وهايلي تصدع".

"لقد خدعها. أليس كذلك؟".

"آه، يمكنك أن تقولي إن ذلك نتيجة جانبية لزواجهما الفاشل. وما حصل هكذا: الولد الذي حملت به خلال زواجه مني، ذلك الولد مات وهو بعمر ثماني سنوات".

حاولت ليليان أن تحتفظ بتعابيرها سطحية. لم تحب قصص مورين. ولاحقا أدركت أن مورين تعترف بلعب دور في موت الولد.

"مأساة حقيقية. ولا يقع اللوم على أحد بها. كان الولد ينزه كلبه وأفلت الزمام. جرى الكلب بعرض الشارع. فطارده الولد ولم يشاهد السيارة القادمة من خلف المنعطف".

بما أن لدى ليليان قلب دجاجة وعزيمة وردة نرجس رقيقة، كان يجب أن تحتج، قائلة إنها حصلت على ما يكفي من الطعام وما يكفي من القصص المزعجة، وأنها تود العودة إلى البيت. ولكنها لم تحرك ساكنا. وراقبت مورين عن قرب وأدركت أن عيني العجوز زرقاوين شفافتين.

قالت مورين: " بالمناسبة لم يتعرض الكلب للضرر. إن كنت قلقة بشأنه. لكنه مات منذ فترة طويلة".

"بالطبع".

" طبعا. انفطر قلب فريد وهايلي. موت طفل، وربما انتبهت لذلك، قاد إلى الطلاق. ولكن تلك العبارة لا تصمد أمام البيانات. معدل الطلاق بين الأزواج الذين فقدوا أولادهم هو في الحقيقة أقل مما هو عليه بين العامة".

قالت ليليان: " لا أعلم". ولم تردف بقولها أنا لا أهتم. هي وزوجها يعيشان بعيدا عن البيانات. لا يمكن للبيانات أن تريحها أو تقلقها.

"في حالة فريد وهايلي كانا شابين كفاية. ويمكنهما إنجاب المزيد من الأطفال، ونظريا يمكن إنقاذ زواجهما. لماذا لم يحصل ذلك معهما؟ ربما لا تجدي أنه من الضروري أن تتساءلي عن ذلك".

" أعتقد أن الأمور لا تنجح دائما".

" واظبت على الاتصال بهما بعد المأساة. ليس بانتظام، ولكن مرة في السنة كنت أرسل لهما باقة كبيرة في عيد ميلاد الولد".

رفعت ليليان الفوطة لتلمس بها فمها، لتمرر الوقت. كانت تعلم أن مورين تأمل بسؤال أو تعليق منها. قالت: " كنت ترسلين إليهما سنويا رسائل القلم المسموم".

قالت مورين وهي تنظر لحظة بشرود: " كلا. أزهار فقط. مع ملاحظة ودية تنم عن التعاطف وأوقعها باسمي. كما ترين، يمكن تمزيق أو حرق رسالة أو بطاقة، لكن الأزهار تختلف. ولكن لم يهتما بهديتي".

احتارت ليليان. كان بمقدورها أن تقول لمورين: " يا لك من إنسانة مزعجة وشريرة"، ولكن هذا لن يصنع فرقا. وفكرت بمن سبقها من الذين سمعوا الحكاية. لا يمكن لليليان أن تكون الشخص الوحيد التي دعتها مورين لتستمتع ثانية ببهجة الانتقام، والتي هي أقل عذوبة باعتبار أنها سر بينها وبين عدوتيها. "لماذا تسألينني عن رسائل القلم المسموم ما دامت الزهور ليست كذلك؟".

" كنت اليوم صباحا أفكر بصديقة جدتي المسكينة. أتساءل ماذا فعلت لتدفع المرأة الأخرى لجريمة لا يمكن تخيلها. لا أعرف التفاصيل. ولكن يوجد درس عام".

نظرت ليليان إلى طبقها، الذي لم تلمسه إلا قليلا. هل يعتبر قلة أدب أن تقول إنها ممتلئة؟.

قالت مورين: "ما أقصده أن هناك درسا عاما يهمك.لقد تأخر الوقت بالنسبة لي. لا تقولي أبدا أنك تعرفين حقيقة القلب البشري".

قالت ليليان: " أعرف ذلك".

" أنت سمعت بمقولة هنري جيمس، ولكن هل تعرفين ماذا تعني؟".

هزت ليليان كتفيها. كانت تعيش على هدف واحد كانت تسميه نهايتها. ماذا يهم إذا بقي قلب شخص آخر غير معروف؟.

سألت مورين مع أنها لم تكن مهتمة أن تسمع من ليليان: " لماذا تعتقدين أنني أرسلت الزهور؟. حينما أرسلت الزهور أردت أن يعلما أنهما ليس وحدهما من يفكر بابنهما في عيد ميلاده. يمكنهما رؤية هديتي كعلامة تعاطف أو نية شريرة، ولكن كما ترين، إذا نظرا لإرسال الزهور كدليل ضدي، سيبقى في جزء منهم بعض الشك. ربما تصرفت بمبالغة، ولنكون عادلين ربما فقدوا توازنهم بسبب الفجيعة. فعل يتصف باللطافة وآخر بالخشونة والتوحش. من بمقدوره أن يخبرنا بالفرق؟.

وجدت ليليان أنه من الصعب عليها أن تتنفس. وفكرت لهذا السبب وافقت على الغداء. ثم قالت: " هل توقفت عن إرسال الزهور بعد الطلاق؟".

قالت مورين: " أرسلت باقتين بعد ذلك، واحدة لكل منهما، حتى مات كلاهما. كانت غير سعيدة بدون شك. وماتت قبل موت فريد".

جلست مورين والتي لم يكن لديها شخص آخر ترسل له الزهور على سبيل انتقام مهذب. وجلست ليليان التي اعتقدت أن القليل من الحياة يمكنه مفاجأتها بعد الآن. ولم تعتقد أن لدى مورين أي شيء مهم تقوله لها، ولكن كانت مورين محقة حين قالت إن ليليان لن تندم لقدومها. الختام يحمي الشخص مما لا يفهم، ومع ذلك الخشونة البشرية الحقيقية توجد في عالم ما يمكن التعبير عنه: مؤلفو رسائل القلم المسموم لا يتخبطون في أفعالهم الضارة وجلادو داشو (وتناسخاتهم في المستقبل الحافل بالرعب) يعلمون تماما ماذا يريدون أن يفعلوا.

قالت: " هل تريدين إجاصة للتحلية؟. هذا أفضل فصل للأجاص، وهي الأفضل بشكل خاص".

قالت ليليان: " أخشى أنه حان وقت انصرافي". صنعت إشارة تدل على المشاركة بالتنظيف، لكن أخبرتها مورين أن مدبرة المنزل ستعتني بذلك لاحقا. شكرت ليليان مورين، ثم قالت إنها ستجد طريقها إلى الباب. الوداع أحيانا رحمة بعد لقاء اثنين في ذروة التفهم النهائي. انتقت مورين أجاصة وشمتها، واستمتعت بالعطر الليموني - حسنا، تلك مبالغة، ولكنها كانت تستمتع بذاكرة العطر. من المؤسف أن ليليان، المنزعجة، لم تكن جاهزة لتدع غداءهما يتماشى مع الإتيكيت والرفاهية المسترخية. ستحترم مورين ليليان قليلا لو تعاملت مع الفاكهة وكأنها شيء منتظر ومن جمال الطبيعة. وفكرت مورين: لكن ليليان ستستعيد عافيتها. وحينما عادت مورين إلى بيتها، ربما بدأت البحث عن تاريخ أول حالة قلم مسموم، ثم ثاني حالة. هناك الكثير من رسائل الأقلام المسمومة المدونة في الحياة والتاريخ - وكر أرنب قد يوفر بعض النسيان لامرأة مفجوعة. عندما جاء يوم الاثنين ثانية، علمت مورين أنها ستجلس ساكنة ونظارتها السوداء على عينيها بينما ليليان تمر من أمامها. دع ليليان تبطئ وتتردد قبل أن تلقي التحية - وستتظاهر مورين أنها لم تسمعها ولم تشاهدها.

أعادت مورين الأجاصة إلى صديقتها. وفيما بعد طلبت من فلورا أن تحمل الأجاص إلى أولادها، مع أن شكلها الناعم ونكهتها لا تهم الصغار. كانت زبدة الأجاص الفرنسية مفضلة لدى أم مورين، التي تحب مورين وشقيقيها، والتي خصصت لهم حياة طويلة مليئة بالتضحيات الأمومية الخالية من الأنانية. لم تكن مورين تتصور امرأة أكمل منها، ومع ذلك، حتى هذا الكمال لم يكن خاليا من العيوب. في أواخر حياة أم مورين كانت تبكي بأوقات متقطعة، بيأس وبدون مجال للسلوان على أمها هي. في تلك الليلة وبحنق شاهدت مورين ميلر - الباحثة المرموقة، والأستاذة الجامعية، والمطلقة، وأم ابن على قيد الحياة لكنه ليس من صلبها - أمها وهي تنحدر باتجاه الموت. ستة وستون عاما من الزواج السعيد، وثماني سنوات من الترمل الهانئ، وثلاثة أحفاد محترمين، وكل ما يمكن أن يتمناه المرء من أجاص الزبدة الفرنسية لتزيين مائدة الطعام وكأنها لوحات فنية رائعة قبل تقديمها بشكل حلويات لذيذة بعد العشاء: ألا يعتقد أن هذا يكفي لحياة هانئة؟. ومع ذلك لم تكن جاهزة لمغادرة العالم دون أن تستعيد أولا قلب طفلة غير معروفة لمورين وذات قلب مفطور.

***

.............................

1 - كاتب أغنيات وموسيقي ومغن أمريكي. معروف بلقب المعلم.

2 - مدينة في بلجيكا.

3 - إشارة إلى رواية ديكنز Bleak House.

* القصة منشورة في النيويوركير عدد حزيران 23، 2025.

إيون لي Yiyun Li كاتبة أمريكية من أصل صيني. من مؤلفاتها "ابن يوم الأربعاء - قصص"، أشياء تنمو بسعادة في الطبيعة -مذكرات"، "المتشردون، رواية"، "حيث تنتهي الأسباب، رواية"، وغيرها.

​فِي خَلوةِ الضَّوءِ الشَّفيفِ..

تَتساقطُ الأَعمارُ عَن كَتفِ المدى

لا العُمرُ قيدٌ

لا التَّجاعيدُ التي رَسَمَت

خُطوطَ الشَّوقِ تَمْنَعُنا الندى

نحنُ انعتاقُ الظلِّ من جسَدِ المجازِ

ونحنُ صَحوةُ عارِفٍ

وجدَ الحقيقةَ

في المَغيبِ وما هَدى

​تَتَغاصَنُ الأَرواحُ فِينَا

دُونَ لَمْسٍ..

دُونَ قُرْبٍ يخدِشُ الطُّهرَ المُعَلَّى في

التَّرقِّي

إِنَّهُ حُبٌّ بَريءٌ من نَوايا

الرَّغام

يَسمُو ثُمَّ يَبقَى

يَشحَذُ مِنَ النَّسيمِ هُبوبَهُ

ومِن السَّحابِ عُلوَّهُ

ومِنَ المرايَا رَعشةَ المَعنى النَّقي

​يا مَن مَلأتَ الفَجوةَ الكُبرى

بِفَيضٍ مِن فُضولِ النُّورِ

هَل تَدري بأنَّ الوجدَ حَالٌ

ليسَ يدرِكُهُ سِوانا؟

مَكنونُ الرُّوحِ صَمتٌ..

واشتعالٌ ..

وفِي مِحنةِ الأشواقِ نَغدو بَحرِينا

فَلا مَوجٌ يَمَسُّ خِيامَنا

ولا سُفُنٌ تُدَنِّسُ ما بَنَاهُ صَفاؤنا..

نحنُ العُلُوُّ

إذا تهاوى الناسُ في وَهمِ اللِّقاءِ..

نحنُ اتِّحادُ النَّورِ

حينَ يَغيبُ ضوءُ المُمكِناتِ

نَتَرَفَّعُ

وانْتِظارُ العِطرِ

في جَسدِ السُّؤالِ

نَذوبُ في المَعنى

فَلا نَحتاجُ تأويلَ الوِصالِ

مَا مَسَّنا كَدَر

ولكنْ..

كُلُّما اشْتَدَّ التَّغاصنُ بَيننا

سَالَ الجَلالُ على الجَلالِ

***

مرشدة جاويش

بقلم: ماتياس ماكسيمليان غوت

Matthias Maximilian Gut

ترجمة: قاسم طلاع

***

صوت ينادي

يتبعه الآخر،

الآخر الذي يرقص، أيضا، حول القبور

يمتص دماء الاحياء،

يأكل لحومهم، ويعيش على جهلهم

إذا نادى هذا الصوت.

(1)

تريد العبور

تقف

تبقى واقفا

حتى تصل الى نقطة،

نقطة الصفر.

*

زقاق مغلق

عند نهاية السور

الجدار عاليا جدا

وشائك.

*

كيف...؟

ماذا...؟

لماذا...؟

لا يمكن الوصول إلى الجانب الآخر

هل تصدق...؟

*

انها النهاية،

في النهاية،

سوى زقاق مغلق

السور له اسلاك شائكة

الجدار عاليا جدا...؟؟؟

*

(2)

لن أبكي

أبدا، لكني سأبكي

لو كانت دموعي لازالت عندي،

سأشكي بمرارة آلامي باكيا

إلا إنها ليس عندي.

استهلكت كل قطرة...

دموعا للمعاناة والألم

ودموعا للألم أيضا

لا... أبدا

سوف لن أبكي

لكن سأبكي

إذا كان في استطاعتي أن أفعل هذا.

(3)

الحيطان

باهتة اللون، باردة، وفارغة

الحجر مطلي باللون الأبيض

بارد يقف هنا

طريق مسدود

لا يمكن تحديد نهايته

مع طرق ملتوية أخرى

لا وجود لعودة

كل شيء مظلم

في هذه الشوارع،

في الرأس.

الفم يريد الصراخ

يريد أن يزأر،

إلا إنه يبقى صامت.

لم يبق شيئا،

عدا طرق مغلوقه،

تقود إلى طرق أخرى متشابهة

مغلوقه

مغبرة

قذرة

باردة وكئيبة

مملوءة بالبشر

مملوءة بالحزن، بالغضب

لكنها معزولة

ووحيدة

قبل كل شيء.

(4)

برقة يبدأ الصباح بالظهور

لازلت أقف في الظل

اتطلع في البرد إلى المساء

دون حركة

في الظاهر لم أتأثر

في داخلي شيء من الاحساس

*

اشجار تتمايل في الريح

اشعر بالبرد

اشعر بالبرد في داخلي

الصمت يسلب مني وعي

يريني الالم

يقودني، كل مرة، الى هناك، إليك،

في رحلة فكرية.

*

صمت

صمت مطبق

صوت من الصراخ في داخلي

يبكي... يتوسل

وفمي يبقى صامتا.

*

أسير متنقلا من مكان إلى آخر

ببطء

وحيدا

مقطوعا

حشود من الناس

تمرق.

في كل وجه من وجوههم أرى فيهم عيونكِ

في خيالي

لا زالت

عيونك

ابتسامتك

ونحن كلانا

سوية

*

لا زلت اسمع صوتك ينادي

يقودني إلى الخارج

خارج خوفي

يرافقني في طريقي

حبك الأبدي

يخفف عني الألم

لكنه ليس كل الألم أبدا

*

… ونحن

فإذا كنا لا زلنا موجودين

لا تتركيني لوحدي

أنت كل ما أحتاجه

انت الضوء الذي يرافقني في طريقي

عانقيني الآن

خذي بيدي كل صباح

وسيري معي إلى الضوء

كي تكف الدموع في داخلي.

***

...................

* ماتياس ماكسيمليان غوت (Matthias Maximilian Gut) شاعر ولد في مدينة فيننا عاصمة النمسا عام ١٩٨١. لم يصدر له غير ديوان واحد يحمل عنوان أفكار تكون طليقة في عام ٢٠٠٠ وكان آنذاك لم يتجاوز عمره التاسعة عشر. لم يكتب أي شيء عن حياته، سوى إنه يشير إلى عمله كموديل (Model). أما حول نشاطاته الأدبية فيذكر أيضا، بأنه لازال يكتب وينشر نصوصا شعرية في بعض من المجلات والصحف الأدبية. 

النصوص أعلاه مأخوذة من ديوانه المذكور أعلاه.

من الأدب الكردي

بقلم: محمد البدري

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

جنون

عزيزتي.. يقولون:

إن الجنون

نوع من التمرد

إنه مرحلة ليس إلا

يقول بعضهم:

إنه الفناء

إنه الإغماء

يقول بعضهم:

إنه عنقاء العتق

والانطلاق

عندما تصالحينه بصدق

تتجلى لك الحياة

على حقيقتها

وتكتشفين كم هي دامسة

ومعتمة

وكالحة الوجه..

أنا أيضا، أقول..

أيتها الحبيبة المدللة

لو تلازمينه

عندها ستعرفين: ما لون

فردوس الجنون

في عالم الاكتشاف

بكلمة أخرى:

المحظوظ في هذا العصر

من يقال له.. مجنون!!

***

........................

محمد البدري: شاعر كردي غزير الإنتاج. ولد عام 1937 في (بدرة – واسط) . أصدر ثمانية أعمال شعرية ونثرية خلال الفترة (1969 – 1985).

- يعتبر واحدا من أبرز شعراء المرحلة الرابعة والأخيرة من مراحل الشعر الكردي بعد (بابا طاهر الهمداني) حسب تقسيمات الدكتور (نافع عقراوي) في دراسته التحليلية (جولة سريعة في رحاب الأدب الكردي) المنشورة في مجلة (الأديب الكردي) عدد خاص (1 / 1986). ومن الأسماء اللامعة التي تضمنتها: حسيب قرداغي، كاكه ى فلاح، جمال شاربازيري، لطيف هلمت، صلاح شوان، عبدالله المزوري، نوزاد رفعت، مدحت بيخو، عثمان شيدا، وأزي كوران وغيرهم.

- يقول السيد (يوسف الحيدري) في كتابه (صفحات ملونة من الأدب الكردي): (يمتاز شعر محمد البدري بالشفافية والبساطة والوضوح، وهي من سمات الشعر الجيد والأصيل... هذا الشعر الذي يدخل الأعماق دون أي تعقيد أو افتعال.. وفي شعره تتمازج الرومانسية الملونة والرمز والفلسفة أحيانا مع الشعور القومي المتدفق).

: أما أعماله المشار اليها أعلاه فهي -

رذاذ الصدأ 1969

أجنحة الصمت 1969

رباعيات باباطاهر 1969

كلمات من كردستان 1970

أه.. كم أحبك 1979

أغنية حب لنوروز 1079

حب الحياة 1985

مختارات من عادات وتقاليد الشعوب 1985

(56/ 2001) ومن شعره هذه القصيدة المترجمة عن مجلة (رامان) العدد -

- عن (من مشكاة الشعر: قصائد مختارة) للمترجم، أربيل – العراق 2002.

للشاعرة اليابانية روميكو كورا

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

يقولون إن الأمة ستحتفل

تكريما لضحايا الحرب

ويقولون أيضا إنها ستتضرع لأجلهم

في ضريح ياسوكوني*

ما هو الحدث الذي يطلبون منا

إحياء ذكراه؟

فما من ضحايا للحرب هنا

في الواقع

بل فقط توابيت خشبية خالية

و جافة، تشتكي

في مهب الريح الشتائية

و تعود بالضحايا إلى حيث ولدوا

بالقرب من ذرى الجبال

و شطوف الأنهار

حيث مواقد أسرهم

و الحارات المعتادة

و أركان الشوارع التي يعرفونها

على مقربة من الذين يفكرون بهم

دون أن توفر هذه الأمة

السفن اللازمة والوقود الضروري

لتسهيل عودتهم

لقد خذلتهم هذه الأمة

و تركتهم لمصيرهم

في الوحل والدم

على السواحل النائية

للبحار الجنوبية

***

.......................

* ضريح ياسوكوني: معبد شنتو أقيم في طوكيو عام 1869 تكريما لنحو (2،5) مليون ياباني من ضحايا المعارك من أجل الإمبراطورية اليابانية.

- روميكو كورا (1932 طوكيو – 2021)، روائية وكاتبة مقالات وشاعرة وناقدة ومترجمة يابانية معروفة من فترة ما بعد الحرب، ومن رائدات الحركة النسوية. ابنة الناشط والسياسي (تومي كورا). عاشت ظروف الكساد الكبير وحرب آسيا والمحيط الهادي والاحتلال الأمريكي. حاصلة على شهادة من جامعة (كيو). من مؤلفاتها (الصمت المكسور: أصوات الحركة النسوية اليابانية 1997) بالاشتراك مع (سايتو تشيو، أوتشياي كيكو، ناكانيشي تويوكو) وغيرهن. من أشهر قصائدها (أم تتحدث، عالم بين الأشجار، الشجرة، الخريف، صحوة، الصديق، لقاء، تأمل، وقتلى الحرب)، و(البرعم) التي تقول فيها: (لأن من يصنعون الكلمات يحكمون العالم). ترجمت إلى اللغة اليابانية العديد من القصائد لشعراء من أفريقيا وآسيا. منحت عدة جوائز. ترجمت لها إلى الإنكليزية (جودي هاليبسكي) و(أياكو تاكاهاشي) و(ميتشيكو نون تسوشيما). منحت عدة جوائز. مترجمة عن الإنكليزية.

جرت الأحداث في بلدة كبيرة من مستعمرة فرنسية، حوالي عام 1928. في بعد الظهيرة من يوم الأحد، رغبت بعض بنات مدرسة باربيه الداخلية بالخروج. تلك البنات - تلك البنات اللواتي لديهن 'أوصياء' في البلدة. وعدن أدراجهن في المساء، منتشيات بالسينما، وبحفلة الشاي في 'الباغودا'، وبالسباحة في المسبح، وبالرحلة في السيارة، وبلعبة التنس. لم يكن لي وصي. لذلك كنت أمكث مع ميلي باربيه طيلة الأسبوع وفي أيام الآحاد. وكنا نزور الحدائق النباتية. فهي بالمجان، وتسمح للآنسة باربيه أن تطلب من أمي نفقات إضافية تحت اسم "نزهات الأحد".  وكنا نحب أن نشاهد أفعى البوا وهي تبتلع دجاجات يوم الأحد. خلال أيام الأسبوع لا تتناول الأفعى وجبتها. كان يقدم لها اللحم الميت والدجاج المريض. ولكن في الآحاد كان الدجاج جيدا وحيا، لأن البقية يفضلونه بتلك الطريقة. وكنا أيضا نزور التماسيح الآسيوية. قبل عشرين عاما، تمساح آخر - عم كبير أو ربما والد أولئك الذين كانوا هناك في عام 1928 - قطع ساق ضابط في القوات الاستعمارية. قطعها من جذورها، وهكذا أفسد مستقبل هذا العسكري المسكين، الذي غامر ولمس فمه بساقه، دون أن يفهم أن التمساح إذا لعب فهو يلعب معك بدم بارد. منذئذ، تم إضافة سور حول بركة التماسيح، وبمقدور الإنسان أن يراها الآن تنعم بالأمان، نائمة بعيون نصف مغلقة وتحلم بكل جناياتها وجرائمها السابقة. كنا نحب أيضا أن نرى قرود الجيبون وهي تمارس العادة السرية، أو الفهود السود القادمة من مستنقعات المانغروف، وهي تعاني وتحترق على الأرض الإسمنتية، دون أن تنظر  من خلال السور الحديدي بوجوه الرجال المستمتعين بمعاناتها على نحو سادي، وعوضا عن ذلك تفضل رؤية دلتا الأنهار الآسيوية الخضراء التي يزيد بهاؤها بوجود القرود. وإذا وصلنا متأخرتين، نشاهد أفعى البوا نائمة على فراش من ريش الدجاج. وهكذا نقف لفترة طويلة أمام قفصها. لم يكن هناك شيء نراه، ولكننا نعلم بما حصل قبل دقيقة من الوقت، فتقف كلتانا أمام البوا، ضائعتين في زحام أفكارنا. هذا الهدوء بعد تلك الجريمة. هذه الجريمة المروعة، التي ترتكب بين الثلوج الحارة لذلك الريش، والذي يضفي لمسة حقيقية فاتنة على براءة الدجاج. جريمة بدون دم، من غير أي أثر للدم المراق، وبلا أي ندم. هذا الهدوء، بعد تلك الكارثة، يسوده سلام في غرفة الجريمة. فنرى البو ملتفة حول نفسها، سوداء، تلمع بقطر ندى أنقى من الندى المترسب على زهور الهوثورن، بشكلها الذي يأسر الإعجاب، ممتلئة ومستديرة، وناعمة لكن مدعومة بالعضلات، مثل عمود من الرخام، ثم تتدحرج فجأة بسبب الكسل والتعب، ثم تلتف أخيرا حول نفسها، قبل أن تهمل كبرياءها الثقيل، وتزحف متموجة ببطء وبقوة حلزونية، وهكذا تبتلع الدجاجة وتهضمها بيسر تتحكم به، مثلما يفعل رمل الصحراء المحترق حين يمتص الماء، شكل من أشكال تحويل المادة وهو يتحقق بهدوء إلهي. في هذا الصمت المهيب والمخيم، تدخل الدجاجة في الثعبان. وببهجة تسبب النعاس، يتدفق جسمها الأسطواني زاحفا، على شكل أنبوب طويل ومستمر. شكل لا يشبه سواه، مستدير ويسبب الحيرة، بدون قبضة مرئية على جوانبه، ومع ذلك يكون محسوسا أكثر من أي مخلب، أو يد، أو ظفر، أو قرن أو ناب، عدا أنه أعزل كالماء ولا يشبه بعريه أي نوع من بقية الأنواع. لم تهتم الآنسة باربيه بالبوا بسبب عمرها والحالة المتقدمة لعذريتها. شخصيا كان لها تأثير ملحوظ علي. أصبح مرآها شغلي الشاغل. وبما أنني أنعم بذهن نبيه ومهذب وبروح تهتم بالتفاصيل وبقلب عطوف وكبير أعتقد انها ألهمتني أن أعيد التعرف على الرب الخالق والقسمة التامة للعالم بين قوى الشر وقوى الخير، فكلاهما صفة أبدية، والتعرف على النزاع ببنهما، والذي تجده في أصل كل الأشياء. أو بالاستطراد لرفض ازدراء الجرائم وتقدير البراءة. حينما عدنا إلى المدرسة الداخلية، بأسرع مما كنت أفضل كالعادة دائما، كان بانتظارنا في غرفة نوم الآنسة باربيه كوب شاي وموزة. أكلنا بصمت. ثم ذهبنا إلى غرفتي. وبعد قليل من الوقت دعتني الآنسة باربيه إليها. لم أرد فورا. فألحت بقولها: "تعالي لحظة وشاهدي...". كنت أعقد عزمي. عليها أن تأتي لتصحبني. ولكن كنت أعود إلى غرفة نوم الآنسة باربيه. ودائما أجدها في نفس المكان، أمام نافذتها، مبتسمة، بثوب خفيف زهري، وكتفاها عاريان. فأقف قبالتها وأنظر إليها كما يفترض أن أفعل، ونتفق إذا كانت حالتها طيبة أن تأخذني لمشاهدة البوا.

قالت لي الآنسة باربيه: "كما ترين. هذا ثوب داخلي ممتاز...".

قلت: "أرى ذلك. هو ثوب داخلي فعلا. أنا أرى ذلك..".

تنهدت وقالت: "اشتريته بالأمس. أحب الثياب الداخلية الرقيقة. كلما كبرت بالعمر، زاد حبي لها...".

نصبت قامتها أمامي لأبدي إعجابي به، وخفضت نظرتها التي تفيض بالإعجاب لمرآها. كانت نصف عارية. لم تعرض نفسها هكذا أمام أحد في حياتها، باستثنائي. كان الوقت متأخرا جدا. فهي في الخامسة والسبعين من العمر، ولا يسعها أن تكشف نفسها لأي شخص آخر عداي. كانت تكشف نفسها لي في كل أرجاء المكان، ودائما بعد الظهيرة من يوم الأحد، حينما تكون جميع المقيمات في الخارج، وبعد زيارة حديقة الحيوان. وكنت أنظر إليها بقدر ما تسمح لي.

قالت: "لماذا أنا متعلقة بها هكذا. عما قريب سينفد طعامي وأجوع..".

من جسم الآنسة باربيه تفوح رائحة فظيعة.  لا يمكنك أن تخطئيها. أول مرة كشفت نفسها لي عرفت سر تلك الرائحة الفظيعة التي عمت في أرجاء المكان، وتعرفت عليها، وهي رائحة تأتي من عبير القرنفل الذي تغرق نفسها به، رائحة تجتاح الخزانة، وتختلط مع رطوبة الحمامات، والتي تلسع بعدائية وتحمل آثار روائح عشرين عاما، داخل ممرات المدرسة، وفي وقت الراحة، تتدفق كأنها تعبر من بوابات أحد السدود المفتوحة. ومن خلال بلوزة دانتيلا أسود ترتديها الآنسة باربيه، كلما سقطت بالنوم في غرفة المعيشة بعد الغداء.

"الثياب الداخلية الجيدة شيء مهم. افهمي هذا. أنا أدركت الأمر بوقت متأخر جدا".

فهمتها مباشرة. كان كل البيت يفوح برائحة الموت. العذرية المدنية للآنسة باربيه.

"لمن أعرض ثيابي الداخلية إن لم يكن عليك؟ عليك أنت التي تفهمينني؟".

"فهمت".

ناحت تقول: "لكن تأخر الوقت".

لم أرد. انتظرت لحظة، ولكن لم أتمكن من الرد.

انتظرت لحظة وأضافت: "أضعت وقتي. لأنه لم يأت أبدا...".

فتك بها ذلك الغياب، غياب الذي لم يأت أبدا. غطاها الثوب الزهري الخفيف، المدبج بدانتيلا "ثمينة"، وكأنه كفن، ونفخها كالبالون، وضغط على وسطها بالمشد. كنت الوحيدة التي كشفت لها هذا الجسم المستنزف. الأخريات ستخبرن آباءهن. بالنسبة لي، حتى لو أخبرت أمي، لن يهمها الأمر. فالآنسة باربيه قبلتني في مدرستها على سبيل المنة لأن أمي ألحت كثيرا. لن يوافق أحد في البلدة على قبول ابنة معلمة محلية خشية الإساءة لمدارسهم. لدى الآنسة باربيه قلب طيب. كنا متفاهمتين، هي وأنا. لم أنطق بكلمة. وهي لم تذكر أن والدتي كانت ترتدي نفس الثوب لعامين، وأنها ترتدي الجوارب القطنية، وأنها باعت مجوهراتها لتغطي أقساطي السنوية. وهكذا، وبما أننا لم نقابل أمي أبدا، وبما أنني لم أناقش برنامج يوم الأحد - تلك النزهات المجانية التي أصبحت مدفوعة القيمة ليوم الأحد - وبما أنني لم أكن أشتكي، أصبحت بنظر الآنسة باربيه بمكانة أعلى.

"الحمد لله أنك هنا...". 

كتمت أنفاسي. ومع ذلك كان لديها قلب طيب. انتشرت سمعتها في البلدة، وكانت مثالية على شاكلة عذرية حياتها. قلت ذلك لنفسي، وقلت لنفسي إنها عجوز. ولم يصنع ذلك أي فرق. فكتمت تنفسي.

تنهدت تقول: "يا له من وجود..".

لأنتهي من الموضوع، سأخبرها أنه رفيع المستوى، أنه ثوب داخلي رائع وبالنسبة للأخريات، قد لا يكون مهما، كما هي تظن الآن، وأنه لا يسبب الندم.. لم ترد. تنهدت بعمق وارتدت بلوزتها السوداء الدانتيلا، والتي كانت طيلة الأسبوع دليلا على الاحترام. تحركت ببطء. وعندما أكملت ارتداء أكمام بلوزتها، علمت أن الموضوع انتهى. وأنني سأعيش بسلام لمدة أسبوع. وسأعود إلى غرفة نومي. وسأجلس على الشرفة في الخارج. وسأتنفس. تتابعت هاتان المشاهدتان، زيارة حديقة الحيوان وتأملات الآنسة باربيه، وأشعلت بالضرورة في داخلي نوعا من الحماسة السلبية.

امتلأ الشارع بأشعة الشمس وألقت أشجار التمر الهندي بظلالها الضخمة على البيوت وشاحا واسعا من العبير الأخضر. مر بنا جنود من القوات الاستعمارية. ابتسمت لهم على أمل أن يميل أحدهم لي، ويأتيني، ويطلب مني أن أتبعه. لكن انتظرت هناك لفترة طويلة. أحيانا يبتسم لي جندي، ولكن لم يقترب مني أحد. وحينما يأتي المساء، أعود إلى ذلك البيت وأنا أشعر بالدوار والمرض من رائحة الندم الفاسد. هذا شيء مؤلم. لم ينجذب أي رجل لي بعد. شيء مؤلم. بلغت الثالثة عشرة، استغرقت وقتا طويلا جدا قبل أن أغادر ذلك المكان. ما أن عدت إلى غرفتي، حتى حبست نفسي فيها، وتخليت عن بلوزتي، ونظرت إلى نفسي بالمرآة. كان صدري ناعما وأبيض. وذلك هو الشيء الوحيد الذي كنت أستمتع برؤيته خلال حياتي في ذلك المنزل. خارج المنزل، استمتعت بالبوا، لكن هنا يوجد صدري. بكيت. وفكرت بجسم أمي، التي أشقت نفسها، واعتاش على تعبها أربع أولاد، وفاحت منها رائحة الفانيلا، مثل كل بوصة من أمي الملتفة بثيابها. كانت الوالدة تخبرني أنها تفضل الموت على أن تراني أعاني من طفولة مريعة مثل طفولتها، وأن تجد لي زوجا وتتفهمه، وأن أكون قادرة على عزف البيانو، وأن أتقن عدة لغات، وأن أتقن التصرف في الصالونات، لكن كانت الآنسة باربيه بوضع أفضل منها ومؤهلة لتعلمني تلك الأشياء. آمنت بوالدتي. كنت أتناول طعامي أمام الآنسة باربيه ثم أسرع بالصعود إلى غرفتي لأتفادى العودة مع بقية الطالبات. وأفكر بالبرقية التي سأرسلها في اليوم التالي للوالدة وأخبرها فيها أنني أحبها. ومع ذلك لم أرسل تلك البرقية أبدا. وهكذا مكثت في بيت الآنسة باربيه لعامين، بمحاولة للمصالحة بين ربع ما تدفعه أمي مع ظروف عذرية تلك المرأة السبعينية، حتى جاء اليوم الرائع، حينما وجدت أمي نفسها غير قادرة على المتابعة مع التكلفة الشهرية، فجاءت يدفعها اليأس، لأرافقها، وهي مقتنعة أن الانقطاع عن التعليم قد يعني البقاء معها طيلة حياتها. استمر ذلك لعامين. كل يوم أحد. ولعامين، مرة في الأسبوع، كنت أعتز أنني أول من تشاهد افتراسا عنيفا، بأطواره التي تسبب الدوار، وبتضاريسه الدقيقة، ثم الافتراس الآخر، وهذا بطيء، وبدون شكل، وأسود. كل ذلك بين عامي الثالث عشر وعامي الخامس عشر. وقد تطلب مني الأمر أن أكون موجودة في التوقيتين، كنت أشعر بالألم لأنني لا أتلقى التعليم المناسب، ولأنني "أقترب من سقوطي وسقوط أمي"، ولا سيما أنني لن أجد زوجا مناسبا، إلخ...

كانت الأفعى تفترس وتهضم الدجاجة، بينما الأسف يفترس ويهضم الآنسة باربيه، وهذان الافتراسان كان أحدهما يتبع الآخر، ويأخذ في عيني معنى جديدا، وبالضبط لأن أحدهما يلي الآخر دوما. وبما أنني كنت أواجه الأول كمشاهدة، وهو مشهد الدجاجة والبوا، اعتبرت دائما أن البوا مسؤولة بمرارة مرعبة عن العذاب الذي يجب تحمله، بخيالي، وأنا أضع نفسي بمكان الدجاجة. هذا احتمال. وبالمثل بما أنني كنت أرى الآنسة باربيه وحدها، كنت أدرك بدون شك: أن الحياة البشرية حافلة بالبؤس الثقيل، الذي لا مهرب منه، كما هي حافلة بعدم التوازن في نظام المجتمع، والأشكال المتداخلة من الهوان الناجم عن ذلك. ولكن كلا. كنت أنظر للمسألتين باستثناءات نادرة فقط، الواحد بعد الآخر، وفي نفس اليوم، ودائما بنفس الترتيب. وبسبب هذا الترتيب، مرأى الآنسة باربيه أعادني إلى ذكرى البوا، البوا الجميلة، والتي كانت برائعة النهار، وبصحة متوحشة، تفترس الدجاجة، وبالمقارنة، كانت الحادثة تجري بترتيب مدهش وبساطة ساطعة وبراعة أصلية.

تماما كما تحولت الآنسة باربيه —بعد أن رأيت البوا— إلى تجسيد للرعب المطلق؛ رعب أسود، باطني، ومخادع. لم يكن المرء يرى افتراس براءتها وهي تحدث، بل كان يرى آثارها فقط ويشم رائحتها؛ المرعبة والخبيثة، المضللة، والجبانة، وقبل كل شيء، المترعة بالغرور. كيف كان لي أن أبقى غير مبالية بتتابع هذين المشهدين اللذين ربطت بينهما بدافع قدر مجهول؟ كنت ألهث يائسة، عاجزة عن الهروب من عالم الآنسة باربيه المغلق، ذلك الوحش الليلي، ودون أن أتمكن من بلوغ العالم الذي أحسست على نحو غامض بفضل البوا، ذلك الوحش النهاري. تخيلت هذا العالم الحر والقاسي، وتصورت أنه حديقة نباتية شاسعة، وفيها وسط النافورات والبرك المنعشة، وفي ظلال أشجار التمر هندي الكثيفة التي تتخللها بقع الضوء الساطعة، تجري مبادلات جسدية لا حصر لها؛ تتراوح ببن الالتهام والهضم، مع قران يجمع بين الصخب والهدوء — ذلك الهدوء الذي يغلف الأشياء تحت الشمس وفي قلب الضوء، بهدوء وصفاء ورعشة بسيطة مذهلة.  وكنت انتظر على شرفتي، وامكث عند التقاء هذين الحدين الأخلاقيين، وأبتسم لعساكر القوات الاستعمارية الذين كانوا الرجال الوحيدين المتواجدين دوماً حول قفص البوا، لأن ذلك لم يكن يكلفهم شيئاً، هم الذين لم يكونوا يملكون أي شيء أيضاً. لذا كنت أبتسم، مثل عصفور يختبر جناحيه دون دراية، مؤمنا أن هذه هي الطريقة الصحيحة للوصول إلى الفردوس الأخضر لتلك البوا المجرمة. هكذا استطاعت تلك البوا، التي كانت ترعبني أيضا، أن تعيد لي وحدها جرأتي وجسارتي. لقد تدخلت في حياتي مثل مبدأ تربوي يطبق بانتظام، أو إذا فضلت، بدقة حاسمة تشبه "رنّة الشوكة الرنانة" حيال الرعب؛ مما جعلني لا أشعر بنفور حقيقي إلا أمام نوع معين من الرعب، يمكن وصفه بالرعب الأخلاقي: رعب الأفكار الخفية، والرذائل المستترة، وأيضا المرض غير المعترف به، وكل ما يحمل خجلا وفي عزلة. وفي المقابل، لم أشعر بالرعب تجاه القتلة مثلا؛ بل على العكس، كنت أتألم لأولئك الذين أُودعوا السجن منهم، لا من أجل كيانهم الجسدي تماما، بل من أجل طبعهم السخي المغمور الذي توقف في مساراته المهلكة. فكيف لي ألا أعزو إلى "البوا" هذا الميل الذي كان لدي للاعتراف بالجانب القاتل في الطباع، وهي التي كانت في عيني التجسيد الكامل لذلك؟ التي بدت لي جميعها كضرورة سيمفونية، لدرجة أن فقدان نوع واحد منها كان كفيلا بتشويه الكل بشكل لا يمكن إصلاحه. صرت أرتاب بالأشخاص الذين يملكون الجرأة على إطلاق أحكام على تلك الأنواع التي تعتبر "فظيعة"، وعلى الثعابين "الباردة والصامتة"، والقطط "المنافقة والقاسية"، وما إلى ذلك... فئة واحدة فقط من البشر بدت لي أنها تنتمي حقاً إلى هذا المفهوم الذي شكلته عن "النوع"، وهن بالطبع المومسات. تماما مثل القتلة، كانت المومسات (اللواتي تخيلتهن مشتتات عبر غابة العواصم الكبرى، يطاردن فرائسهن ويلتهمنها بذاك الكبرياء والتبجح اللذين يصاحبان الطبائع القدرية) يثرن في الإعجاب ذاته، وكنت أتألم لأجلهن أيضا بسبب الجهل الذي يحطن به. وعندما أعلنت أمي أنها لا تعتقد أنها ستجد من يتزوجني، مثلت "الآنسة باربيه" أمام عيني فورا، فواسيت نفسي بفكرة أنه لا يزال هناك "الماخور"، الذي ولحسن الحظ سيبقى موجوداً دائماً إذا تطلب الأمر. تخيلته كنوع من "معبد فض البكارة" حيث تذهب الفتيات اللواتي في مثل وضعي، واللواتي لم يكتب لهن الزواج، ليكشفن عن أجسادهن لغرباء، لرجال من صنفهن نفسه، وذلك بمنتهى النقاء (إذ لم أفهم الجانب التجاري للبغاء إلا لاحقا). كنوع من معبد التبجح، كان على الماخور أن يكون صامتا، لا يتحدث فيه أحد، حيث يتم ترتيب كل شيء بحيث لا يكون هناك سبب لنطق ولو كلمة واحدة؛ غمر مقدس للأسماء. وتخيلت أن الفتيات يضعن أقنعة على وجوههن للدخول إلى هناك، بلا شك لاكتساب مجهولية نوعهن، محاكاة للغياب المطلق لـ "الشخصية" لدى البوا (تلك النموذجية التي ترتدي قناعا عاريا وعذريا)، حيث يتحمل نوعهن ببراءة وحده كل مسؤولية الجريمة، تلك الجريمة التي تخرج ببساطة من الجسد كما تخرج الزهرة من النبتة. هذا الماخور، المطلي باللون الأخضر، بذات الخضرة الطبيعية التي تكتنف افتراس "البوا"، وبخضرة أشجار التمر الهندي العالية التي  تغمر شرفة يأسي بظلالها، بصفوف غرفه المتجاذبة حيث تمنح المرأة نفسها للرجال، كان يشبه نوعا من أحواض السباحة التي يذهب المرء إليها ليغتسل، ليتطهر من عذريته، وليُنزع شبح الوحدة عن جسده. يجب أن أتحدث الآن عن ذكرى من طفولتي لم تزد هذا المنظور للأمور إلا ترسيخا. حين كنت في الثامنة على ما أظن، سألني أخي، الذي كان في العاشرة، يوما أن أريه "كيف" يبدو الأمر. رفضت، فأعلن بغضب أن الفتيات "قد يمتن من عدم استخدامه، وأن إخفاءه يسبب الاختناق وأمراضا خطيرة جدا". لم أطاوعه، لكني عشت لسنوات في شكّ مضن، زاد من وطأته أني لم أفض بسري لأحد. وعندما تجلت لي "الآنسة باربيه" بحالها ذاك، رأيت فيها تأكيدا لما قاله لي أخي. صرت واثقة أن "الآنسة باربيه" لم تكن عجوزا إلا لهذا السبب، لأنها لم تكن يوما ذات نفع، لا للأطفال الذين بوسعهم الرضاعة من هناك، ولا للرجل الذي يكشف عنه. لقد كان "تآكلا للوحدة" يتجنبه المرء بلا شك عبر الكشف عن جسده. إن ما جرى استخدامه، استخدامه لأي شيء – ليكون مَحطا للأنظار مثلا – كان مصونا. ففي اللحظة التي يصبح فيها الثدي ذا نفع لرجل، حتى ولو لمجرد السماح له بالنظر إليه، وتأمل شكله واستدارته وقوامه، في اللحظة التي يشعل فيها هذا الثدي رغبة الرجل، فإنه ينجو من ذلك التحلل. ومن هنا نبع الأمل الكبير الذي علقته على "الماخور"، بوصفه المكان الأسمى لتجلي الأجساد وانكشافها. ولم تكن "البوا" لتؤكد هذا الاعتقاد بأقل من هذا الشكل الباهر. بالطبع، كانت البوا ترعبني بافتراسها، تماما كما كان يرعبني ذلك الافتراس الآخر الذي وقعت "الآنسة باربيه" فريسة له، لكن البوا لم تكن تملك إلا أن تلتهم الدجاجة بتلك الطريقة. وبالمثل، لم تكن المومسات يملكن إلا أن يكشفن عن أجسادهن. أما "الآنسة باربيه" فقد مدت بؤسها إلى حقيقة أنها تهربت من هذا القانون القاهر، وفشلت في الفهم، فشلت في – كشف – جسدها. وهكذا، انفتح العالم، ومعه حياتي، على ممر مزدوج شكل خيارا جليا: فمن جهة، كان هناك عالم "الآنسة باربيه"؛ ومن جهة أخرى، كان هناك العالم القاهر، العالم الفتاك، ذاك الذي يعتبر نوعا من القدر، وهو عالم المستقبل المشرق والمحترق، الصاخب والمنادي، ذو الجمال العسير الذي كان لزاما على المرء أن يعتاد قسوته كي يبلغه، تماما كما كان لزاما عليه أن يعتاد مشهد افتراس الأفاعي. ورأيت عالم حياتي المستقبلية يرتفع أمامي، المستقبل الوحيد الممكن لحياة ما؛ رأيته ينفتح بنغمية وطهر أفعى تنفرد طياتها، وبدا لي أنني حين أعرفه أخيرا، وف يظهر لي هكذا، في امتداد من الاستمرارية المهيبة، حيث ستقبض حياتي وتقبض من جديد، وتقاد إلى منتهاها، في نوبات من الرعب، والنشوة، بلا راحة، وبلا كلل.

***

.......................

* ترجمها إلى الإنكليزية ويل ماكموران  Will McMorran.

* مارغريت دوراس Marguerite Duras   روائية فرنسية حازت على الغونكور عن روايتها "العاشق". من أعلام الرواية الفرنسية الجديدة.

* تمت الاستعانة جزئيا ببرامج الترجمة الآلية. اقتضى التنويه.

Александр Пушкин

Зимний вечер

ترجمة: د. إسماعيل مكارم

***

مَساءٌ شتويّ

إنها العاصِفة ُ الثلجيّة ُ تحجبُ السّماءَ ببساطٍ مُعتِم،

حيثُ تشتدُّ الأعاصيرُ الثلجيّة،

تراها تارة تعوي كالوَحش ِ المُفترسْ،

تارة تبكي كأنها طِفلة،

تارة تصدِرُ الصّوتَ

مُمْسِكة بقصَلات ِ سقف ِ بيتِنا العَتيق ِ،

تارة كأنها عابر سبيل ٍ قد دَهَمَهُ الليلُ،

يَطرق شباكنا هذا المساء .

**

في هذا الكوخ المُتداعي

يلقاكَ الأسى والظلمَة.

ما بك ِ أ يا عَجوزتي

تقفين ساكتة ً قربَ النافِذة؟

ربما لشدة العاصِفةِ

أراكِ يا صَديقتي مُتعبة َ،

ربما قد أخذكِ النعاسُ

على نغم المغزل ِ بينَ يَدَيكِ .

**

يا صَديقة َ شبابي المُتعَثر، صَديقتي الخيّرة،

دعينا نشرب الخمْرَ،

دعينا نشرب، لنطرُدَ هذا الأسى، أين الكأسْ؟

فللقلبِ سَيجلب الكأسُ المَسَرّة.

غني لي عن طائر الزّمّير

كيف عاشَ بأمان، هناكَ وراءَ البَحرْ،

رددي تلك الإغنية عن تلك الصّبيةِ،

التي كانت تذهَبُ في الصّباح إلى المَنهَلْ.

**

إنها العاصِفة ُالثلجية تحجبُ السّماءَ ببساطِ مُعتِم،

حيثُ تشتدُّ الأعاصيرُ الثلجيّة،

تراها تارةً تعوي كالوَحش المُفترس،

تارةً تبكي كأنها طِفلة،

تارة تصدِرُ الصّوتَ

مُمْسِكة بقصَلات ِ سقف ِ بيتِنا العَتيق ِ*

تارة كأنها عابر سبيل قد دَهَمَهُ الليلُ،

يَطرقُ شباكنا هذا المَساءْ .

1825

***

Зимнее утро

صَباحٌ شتويّ

ما أحلى هذ الصّباح، حَيثُ الصّقيعُ والشّمسُ

لا تزالين نائمة يا صَديقتي الحَسناء،

هيا استيقظي، حان الوقتُ يا جَميلة،

إفتحي عينيكِ المُغمَضَتينِ يغمرهما الهَناء،

وانهضي لاستقبال أورورا الشّمال،*

وكوني نجمةَ الشّمال ِ الرائعة .

**

أتذكرين كيف كان المَساءُ، إذ غضبتِ العاصفة الثلجيّة،

وفي الأفقِ المعتم سادَ جوّ سَديمي

أما القمرُ فكان نقطة باهتة،

كان يلوحُ بلونِه الشاحِب من خلال ِ الغيوم السّوداء.

وكنتِ جالسة يغمركِ الحُزنُ.

والآن .. أنظري من الشباك:

**

تحت هذي السّموات ِ الزّرقاء،

تحت هذا الغطاء الجميل الرّائع

هاهو الثلجُ يشعّ بنور الشّمس،

والغابةُ بأشجارها العارية وحدها سوداءْ

أما أشجارُ الشوح، رغم الندى الثلجي، تزدادُ اخضرارا،

والنهر تحتَ الجليدِ يُرسلُ بَريقهُ الجَميل.

**

الغرفة ُ تشع بنور الكهرمان الجَميل

والموقد يكسرُ الصّمتَ

بفرقعات الحَطبِ، الذي يَشتعلْ.

أمر ممتاز أن تفكرَ وأنتَ على الأريكة !

أتدرين، هل نأمر بأن يُسخّروا لنا

الفرسَ ذات اللون الأحمر الدّاكن ِ للسير في مَركبةِ الثلج؟

**

إذ أنّ الإنزلاق على الثلج في الصّباح،

يا صديقتي يسمح لنا أن نتنزهَ

بمركبة تجرها فرسٌ غير عجول..

سَنزورُ تلك السّهول الفسيحَة،

والغاباتِ الغنية، الكثيفة،

وشاطئا عزيزا على قلبي.

1829

***

.......................

* كتبت القصيدة الأولى أثناء تواجد الشاعر ألكساندر بوشكين في منفاه الشمالي، في ضيعة ميخايلوفسكويه، في مزرعة والدته، أو في عزبة الوالدة إذا ما استعملنا التعبير المصري. في هذه الفترة كان الشاعر الروسي قد أصبح صاحب شهرة واسعة في بلاده روسيا، و كانت السلطة تراقب بحذر كل كلمة يكتبها الشاعر.

عند عودته من منفاه الجنوبي إلى العاصمة الروسية بطرس بورغ وجدت الجاندارما لديه رسالة لم تعجب السلطات، فتم نفيه من جديد، وهذه المرّة، إلى مزرعة والدته في شمال غرب روسيا – ضيعة ميخايلوفسكويه. هنا شعر الشاعر الشاب بالوحدة بعيدا عن حياة العاصمة، وعن معشر زملائه وأصدقائه.

من الجدير بالذكر إنّ تواجد الشاعر في منفاه الأخير في شمال غرب البلاد قد أنقذه من الإعتقال والسجن لمدة طويلة.نحن نعلم من التاريخ أن إنتفاضة الديسمبريين تفجرت في عام 1825 في شهر كانون الأول – ديسمبر، وكانت الجمعية السرية الشمالية هي التي نظمت هذا الإنقلاب. حدث ذلك بعد وفاة القيصر الكساندر الأول، وقبيل تنصيب نيكولاي الأول على العرش. عدد من المشاركين في الإنتفاضة قد قتل، والقسم الآخر دخل السجن ورحّل إلى سيبيريا. وكان الشاعر الكساندر بوشكين متعاطفا مع أعضاء هذه الجمعية.

مصادر وهوامش:

* في روسيا القيصرية كانت تتبع عادة صناعة القرميد الخشبي المغطى بحزم من القش او القصل لتمنع تسرب مياه المطر والثلج في فصل الشتاء، وتحجب حرارة الشمس في فصل الصيف.

أورورا هي إلهة الفجر حسب التقويم الروماني. Aurora

* تمت الترجمة من النص الروسي الأصلي. راجع

Александр Пушкин. Евгений Онегин. Стихотворения. Проза. – Москва : Эксмо. 2020 г.

للشاعر الكبير وليام شكسبير

ترجمة: د. إسماعيل مكارم إسماعيل مكارم

***

اه كم اود الرحيل الى جوار الرب، شاقة اصبحت الحياة.

ها هو الشر يسود في كل الأنحاء،

لقد اعلن حربه ضد الخير،

واصبح للساقط قول وسلطان،

ها هي الحماقة تعطينا دروسا في الأصول،

بينما نرى فاقدي الكرامة سعداء تاخذهم الغبطة.

فتحت الأبواب على مصراعيها امام الوضيع،

لا مكان عندنا للجميل وما هو رائع،

لقد امسى محاصرا، ممنوعا.

ارايتم كيف ترفع القبعات امام الكفرة، اولئك من تلاعبوا بأمور الدين.

لقد اصبح العمل الشريف في قفص الاتهام،

وقد استبيحت كل الخيرات!!!

**

سهلا علي سيكون الرحيل.

لكن كيف لي ان ارحل عمن احبته الروح.

***

تمت الترجمة عام 2014

........................

* كلام شكسبير هنا يبدو كأنه يتكلم عن ما حصل في وطني سورية في أواخر عام 2024

(بمناسبة يوم الكتاب العالمي)

بقلم: براين بيلستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

في آخر يوم خميس من كل شهر تأسس مجموعة الكتاب،

تجتمع فيها الكتب لمناقشة براين.

*

"لم يعد ثمة لهو هنا،" هكذا علق (المنزل الكئيب) مكتئبا.

"لماذا لا يقرأنا؟" انتحبت (عناقيد الغضب). "ذلك يغضبني كثيرا."

قال (يوليسيس) متذمرا، في تيار من الوعي بالذات:

"انني متأكد انه اشتراني فقط ليتباهى بي امام أصدقائه،"

*

"اراهن انه لا يستطيع حتى ان يتذكر اسمي، (الأبله)،"

هكذا همهم صوت قادم من قسم الأدب الروسي.

"ذلك لأنه يتجنبك مثل (الطاعون)،" هكذا قال آخر.

"صحيح!" انطلقت صرخة بذلك. "كأنني لست موجودا."

*

"دعونا لا نفقد ثقتنا به رغم ذلك." كان ذلك (عالم رائع جديد.)

بعد شي من (الاقناع)، قرروا ان يعطوه فرصة أخيرة واحدة.

"اهدأ!" هكذا صاح (بانتظار غودو) مع (الآمال الكبيرة).

"ها هو يأتي الآن"!

*

دخل براين الغرفة، بيده تلفونه.

جلس وشاهد بضع فيديوهات عن صغار الباندا تفقد توازنها وتسقط.

بعد ساعة او نيف، بدأ البحث في غوغل عن قطط ترتدي ملابس المشاهير.

على الرف، كانت الكتب تنتظر بظهور غير مكسورة،

صمتها ينطق بالمجلدات.

***

.......................

براين بيلستن: شاعر وكاتب بريطاني من مواليد برمنغهام لعام 1970 واسمه الحقيقي بول ميليتشيب. تلقى تعليمه في جامعة ويلز وبدأ نشر قصائده على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما وعرف بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر). ظهرت له المجموعات الشعرية الآتية: (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) 2016؛ (يا أليكسا، ماذا هنالك لنتعلمه حول الحب؟) 2021؛ (50 طريقة لتسجيل هدف) 2021؛ (أيام كهذه: دليل بديل عن العام في 366 قصيدة) 2022؛ و(واذاُ فهذا هو عيد الميلاد) 2023، كما نشر رواية بعنوان (يوميات احدهم) في عام 2019. يواظب بيلستن على نشر قصائده على مواقع التواصل على نحو شبه يومي.

في نصوص اليوم