نصوص أدبية

جميل حسين الساعدي: المسافر الغريب

أهدي هذه القطعة النثرية الى روح الصديق صباح النواب أخ الشاعر مظفر النواب، الذي رافقني في معظم أسفاري

 ***

من سفرٍ إلى سفرٍ، ومن رحيلٍ إلى رحيلٍ. خطواتٌ تتبعُها خطواتٌ، مدنٌ وقرى تمتدُّ امتداد َالافقِ، ومدىً يختفي في الظلام، ومدىً يتكشّفُ شيئا ً فشيئا ً مع إطلالةِ النورِ. وهذا الفتى العربيّ المولعُ بالسفرِ، يُنزلُ أمتعتهُ عن كاهلهِ، ويُلقي بجسدهِ المتعبِ على رمالِ سواحلِكَ الذهبيّة، يُغمضُ عينيهِ قليلا ً ثمَّ يفتحُها، ليتأمّلَ امواجَكَ، التي تقاذفتْها المسافاتُ من سواحلِ نخيلِ التمرِ إلى سواحلِ جوزِ الهند.

ماذا تقولُ أمواجكَ أيّها البحرُ لرمال الشواطئِ؟ وما الذي تنشدُه الرياحُ في آذانِ النخيلِ؟ ليتني استطيعُ فكَّ رموزَ لغتِكَ لأعرفَ كُنْهكَ وأسبرَ غورَ اسراركَ! فأنا لا اعرفُ عنكَ سوى أنك تُدعى بالبحرِ العربي لماذا سمّوكَ بالبحر العربي؟ لا أعلمُ.. ربّما لأنَّ الشواطئَ، التي انطلقتْ منها أمواجُكَ الأولى كانت عربيّة ً، أو ربّما لأنَّ العربَ أوّلُ منْ امتطى أمواجك َ وليكنْ مايكونُ.. المهمُّ أنَّ اسمكَ استوقفني، فأنزلتُ رحالي، وكعادة ِ العربيّ حينَ يمرُّ بطللٍ، يقفُ طويلا ً، يتأمّلُ الحجارةَ، وكأنّها قمْقم ٌ، حُبِسَتْ فيهِ أرواحُ أحبّائه ِ وخلّانهِ. ها أنا أيّها البحْرُ أمامك َ وجْه ٌيتمعّنُ، يستفهمُ، يتطلّعُ بعينينِ حائرتين إلى امتداداتِك، يرتسمُ عليه ِ ألفُ سؤالٍ وسؤال.. وأنتَ أيّها البحرُ صفحاتٌ مُلأتْ بالأسرارِ! ولكنْ كيفَ يتسنّى لي أن أقرأَ أبجديّة لمْ أتعلمْها، وأنّى لِي أنْ أنْطقَ أصواتا ً ما عرفتْها أوتارُ حنجرتي .

معذرة ً أيّها البحرُ.. لقد كانَ فضولي كبيرا ً، ولمّا تمرُّ إلّا بضْعُ ساعاتٍ على لقائنا. لكنْ هكذا هيَ عادةُ الشعراء والعشاقِ: أسئلةٌ مُلحّةٌ وفضولٌ يستحثّهُ شوقٌ.

معذرةً أيّها البحر، فصدري لمْ تبقَ فيهِ فضْلة ٌ تتّسعُ لشكوى.

آهِ لو كانَ لي مثلُ صدْرِكَ! آهِ لو منحتني بعضَ صبرِكَ!

سلاما ً أيّها البحرُ.. ولتكنْ مصافحتنا أن أنزلَ إلى مياهكَ، وأغتسلَ فيها من غبارِ السفرِ، وأنفضَ عن جسدي روائحَ الباصاتِ والقطاراتِ والعرباتِ، التي أنهكَ خيولها التعبُ. ثمَّ لتسمحْ لَي بعدَ ذلك َ أن أسْمِعكَ حَدِيثي، وأبثَكَ ما في صدري. فيا طالما قد سمعتَ أحاديثَ، وشهدتَ وقائع َ.. محِبّونَ وثّقوا عهودَ ودّهمْ على شواطئِكَ.. سوّاحٌ دفعَهُمْ الضجرُ والمللُ إليكَ، فنصبوا خيمَهم تحتَ نخيلِكَ.. غزاة ٌ شتّى عبروكَ طلبا ً للمالِ والمجدِ.. قراصنةٌ بحثوا عن ضحاياهم فوقَ أمواجِك َ..

معذرة ً أيّها البحْرُ.. لستُ من أولئكَ، الذينَ يذرعونَ شواطئكَ نهارا ً وليلا ً، يكدّرونّ مياهكَ بفضلاتِهم، ويستعلونَ على الحياةِ بأوراقِهِم النقدية. أولئك ذوو الأرواحِ القَزِمة، التي تحاولُ دونَ حياءٍ، أنْ تتعملق َ أمام َ نخيلكَ المتعالي. الطيورُ  أيّها البحرُ  تهاجرُ بعيدا ً، ثمّ تعودُ إلى أوطانِها، لكنَّ روحي طائرٌ لا كالطيورِ.. يُهاجرُ ويهاجرُ، ولا ينتهي من رحيل ٍ إلّا ليبتدأ َ رحيلا ً آخر َ.

وكما تعلو الموجة ُ الموجة َ، يستحثُّ الهاجسُ الهاجس َ، فتندفعُ الروحُ كمُهْرة ٍعربيّة ٍ، تنهبُ الآفاق َ، خيّالُها ذلكَ الشوقُ المشرئبّ دوما ً إلى اللانهاياتِ.. آهِ أيّها البحرُ.. كم هو َ مُحزنٌ أن يتمّ الفراق بينَ المُهْرة ِ والخيّال ِ. مُنْذُ زمانٍ بعيدٍ لمْ يَعُدْ الإثنانِ صديقين كما من قبلُ. فالمهْرةُ العربيّةُ لمْ تَعُدْ تنهبُ الآفاقَ، والخيّالُ اعتراهُ الوهنُ، فتركَ الميدانَ وانزوى كسيرَ الخاطر.

لحظات ويختفي كلّ شئ ٍ أيّها البحرُ، وتخلعُ الروحُ كلَّ الثياب ِ، التي ارتدتها عبر َ رحلاتها.. وأنتَ أيّها البحْرُ مرآة ٌ، أتلمسُ فيها الخطوطَ اللامرئية لذلك الجوهر، الذي غطّى عليهِ غبارُ الوقائعِ وضجيجُ الزمن ِ. آه ِ.. لو تُصغي الأمواجُ لذلكَ النداء البعيد، المنبعث ِمن اللامكانِ ومن كلِّ مكانٍ.. كم أتمنى لو تستطيعُ الرموزُ بكلِّ ما تمتلكُ من قوّةِ الإيحاءِ، أن تنقلَ ولو بعضا ً من تلك الذبذبات ِ، التي عبرتْ بوّابات الأزمنة لتتمترسَ أخيرا ً في نقطةٍ، كما يتمترسُ الحلزونُ في المحارة ِ.

آهِ منكِ أيّتُها اللغةُ.. هلْ يستطيعُ أن يتجمّعَ اللامحدودُ في المحدودِ؟

هلْ بإمكانِ جغرافيّةُ الأرضِ أن تستوعبَ جغرافيّةَ السماءِ؟ كمْ بودّي أنْ أرى الأشواقَ تنزلُ من سمائها، وتتجسّدُ لأولئك الذينَ لمْ يفقهوا فحواها.

أيّها البحرُ.. أنا الغريبُ.. غريبُ الروحِ والجسدِ. ليسَ لإبحاري نهايةٌ. أشرعتي ستظلُّ منشورةَ، وبوصلتي ستظلُّ تُشيرُ إلى لا إتّجاه..

المرافئُ تتكررُ، والوجوهُ والألوانُ تتكررُ، وفي النهايةِ سيكونُ للأشياءِ نفسُ النكْهةِ، ويعودُ المسافرُ يمسكُ بأمتعتهِ مِنْ جديدٍ، فهذا العالمُ ببلدانهِ ومدنهِ، ليسَ سوى محطاتِ انتظارٍ للمسافرِ الغريب.

***

جميل حسين الساعدي

..........................

* صورة الشاعر الساعدي مع المرحوم صباح النواب التقطت في كوبا

في نصوص اليوم