ترجمات أدبية

هاروكي موراكامي: كهف الرياح

بقلم: هاروكي موراكامي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

حينما بلغت الخامسة عشرة، ماتت أختي الصغيرة. حدث ذلك فجأة. وهي في الثانية عشرة، وفي الصف الأول من المدرسة الإعدادية. فقد كانت مولودة بعجز خلقي في القلب، ولكن منذ آخر جراحة، وهي في الصفوف العليا من المدرسة الابتدائية، لم تظهر عليها الأعراض، وشعرت عائلتنا بالثقة، وتمسكنا بأمل ضعيف أن حياتها ستتواصل بدون أحداث. غير أنه في أيار من ذلك العام، أصبحت دقات قلبها غير منتظمة، وكانت حالتها تسوء بالأخص حين تستلقي، وعانت من عدم النوم في الليل عدة مرات. خضعت لفحوصات في مستشفى الجامعة، ولكن مهما كانت الفحوص مفصلة لم يلاحظ الأطباء أي تبدل في حالتها الفيزيائية. فالمشكلة الأساسية تم علاجها ظاهريا بالجراحات، ووقع الأطباء بالحيرة. قال لها طبيبها: "تجنبي التمارين المجهدة واتبعي روتينا منتظما، وستستقر أمورك سريعا". وربما هذا كل ما أمكنه أن يقول. وكتب لها وصفة من عدة أدوية. ولكن اضطراب قلبها لم يخف. جلست أمامها على طاولة الطعام وكنت أسترق النظر مرارا من صدرها وأتخيل القلب الذي في داخله. كان صدرها قد بدأ بالنمو على شكل ملحوظ. ولكن داخل هذا الصدر كان قلب أختي عليلا. وحتى المختص لم يتمكن من تحديد المشكلة. وهذه الحقيقة وحدها جعلت دماغي باضطراب دائم. أنفقت أيام مراهقتي بحالة من القلق، مع الخوف من إمكانية فقدان أختي الصغيرة في أي لحظة. طلب مني والداي أن أعتني بها، باعتبار أن جسمها ضعيف. وحينما كنا في نفس المدرسة الابتدائية، احتفظت بعيني عليها. وإن لزم الأمر كنت جاهزا للمخاطرة بحياتي لحمايتها، وحماية قلبها الصغير. ولكن لم تسنح الفرصة. كانت في أحد الأيام في طريقها من المدرسة إلى البيت حينما انهارت. فقدت الوعي وهي تصعد السلالم في محطة سيبو شينجوكو، وأسرعت بها الإسعاف إلى أقرب غرفة طوارئ. وحينما سمعت بالخبر، جريت إلى المستشفى، ولكن خلال الوقت اللازم لوصولي كان قلبها قد توقف. كل ذلك حصل بطرفة عين. في صباح ذلك اليوم تناولنا الإفطار معا، وودعت كل منا الأخرى عند الباب الأمامي، أنا توجهت إلى المدرسة الثانوية، وهي ذهبت إلى الإعدادية. ولم أشاهدها لاحقا إلا وقلبها يمتنع عن التنفس. كانت عيناها الواسعتان مغلقتين إلى الأبد، وفمهما مفتوحان قليلا، وكأنها على وشك أن تقول شيئا.

ثم رأيتها فيما بعد وهي في التابوت. مرتدية ثوبها المخملي الأسود المفضل، مع لمسة مساحيق تجميل، وكان شعرها ممشطا بأناقة، وكانت ترتدي حذاءها الجلدي الأسود، وممددة، وجهها نحو الأعلى في تابوت متواضع الحجم. وكان للثوب ياقة بيضاء مطرزة، ويبدو بياضها غير طبيعي للناظر. وهي مستلقية هناك، كانت تبدو نائمة بسلام. وعلى ما يظهر لو حركتها قليلا تستيقظ. ولكن هذا وهم. حركها كما تشاء - لن تنهض ثانية أبدا. لم أرغب أن يحشر جسم أختي الصغيرة في ذلك الصندوق الضيق والخانق. وشعرت أنه يجب تسجية جسمها ليرتاح في مجال أوسع. في وسط المرج، على سبيل المثال. وسنزورها صامتين، ونشق طريقنا عبر العشب الأخضر الغزير ونحن نمضي. وستنوح الرياح ببطء بين الأعشاب، وستصفر الحشرات وتغرد الطيور من حولها. وستملأ الهواء رائحة الزهور البرية، وتنتشر حبات الطلع. وعندما يهبط الليل، ستلوح نقاط مضيئة لا تعد ولا تحصى في السماء، وهي النجوم الفضية. لكن في الصباح ستتشكل قطرات الندى على أنصال العشب بفعل إشراق الشمس، وستلمع كالجواهر. ومع ذلك في الحقيقة تمت تعبئتها ونقلها بعيدا بتابوت سخيف. وكانت الزينة الوحيدة حول تابوتها زهورا بيضاء لا تدعو للتفاؤل، وقد قطعت وحشرت في فازات. وكان في الغرفة الضيقة إضاءة فلوريسانت محرومة من اللون. وجاء من مكبر صوت صغير مثبت بالسقف موسيقا أورغن صناعي متوتر. ولم أتمكن من الصمود حتى رؤية حرقها. وعندما تم إغلاق غطاء التابوت وقفله، غادرت الغرفة. ويئست حينما وضعت عائلتي عظامها داخل علبة باحتفال طقوسي. غادرت إلى باحة المحرقة وبكيت بصمت ولنفسي. وخلال حياتها القصيرة جدا، لم أقدم المساعدة لأختي الصغيرة على الإطلاق، وهي فكرة طالما عذبت جوارحي. بعد وفاة أختي، تبدلت عائلتنا. أصبح الوالد أكثر عزلة، وأمي أكثر عصبية وتسرعا. أما أنا فقد احتفظت بشكل أساسي بأسلوب حياتي الدائم. انتسبت إلى نادي تسلق الجبال في المدرسة، وأصبحت مشغولا، وحينما لم أكن أفعل ذلك بدأت بالرسم الزيتي. ونصحني معلم الفنون أن أجد مدربا جيدا لأدرس الرسم. وحينما حضرت أخيرا حصص الفن أصبح اهتمامي حقيقيا. توقعت أنني أحاول أن أشغل نفسي كي لا أفكر بأختي الميتة. احتفظ والداي لفترة طويلة - لست متيقنا من عدد سنواتها - بغرفتها كما كانت بالضبط. كتب دراسية وكتب إرشاد مدرسية، أقلام، ممحايات، ودبابيس ورق مكومة على الطاولة، ملاءات، أغطية، ووسائد على سريرها، بيجاماتها المغسولة والمطوية، بذة مدرستها الإعدادية معلقة في الخزانة - وكلها لم تلمسها يد. التقويم على الجدار ويحمل ملاحظات عن خططها المبرمجة بخطها الناعم. وكان التقويم متوقفا في اليوم الذي توفيت به، كما لو أن الزمن تجمد كالجليد الصلب عند تلك النقطة. وشعرت كأن الباب يمكن أن ينفتح في أية لحظة لتدخل منه. وحينما لا يكون أحد في البيت، أدخل أحيانا إلى غرفتها، وأجلس بهدوء على السرير المرتب بأناقة، وأتلفت حولي. ولكنني لم ألمس أي شيء. لم أود أن أحرك، ولو بدرجة قليلة، أيا من الأشياء الصامتة المتروكة وراءها، لأنها المؤشر على أن أختي كانت في يوم من الأيام بين الأحياء. ومرارا حاولت أن أتخيل نوع الحياة التي ستعيشها أختي لو أنها لم تمت وهي بالثانية عشرة. ولكن لا توجد طريقة لمعرفة ذلك. لم يكن يمكنني تخيل صورة حياتي، ولذلك لم تكن عندي أي فكرة عن شكل مستقبل حياتها. ولكنني أعرف لو أنها لم تكن تعاني من مشكلة مع أحد صمامات القلب لكبرت وأصبحت إنسانة بالغة جذابة وقادرة. وأنا متيقن أن العديد من الرجال سيحبونها، وسيحضنونها بين أذرعهم. ولكن لم أتخيل أي شيء من ذلك بالتفصيل. وبالنسبة لي، كانت أختي الصغيرة إلى الأبد. أصغر مني بثلاث سنوات، وتحتاج لحمايتي. ولبعض الوقت بعد موتها، رسمت صورها مرات ومرات. وأعدت إنتاج ذاكرتي عن وجهها في دفاتر الرسم ومن عدة زوايا، كي لا أنساها. ليس لأنني كنت على وشك أن أنسى وجهها. فهو موجود، ويتململ، في ذهني حتى يوم مماتي. ما كنت أبحث عنه أن لا أنسى الوجه الذي أتذكره كما كان في آخر لحظة قبل موتها. ولأفعل ذلك، كان علي أن أمنحه شكلا بواسطة الرسم. وكنت حينها بالخامسة عشرة، وكان هناك الكثير جدا مما لا أعرفه عن الذاكرة، والرسم، وتدفق الزمن. ولكن كنت متيقنا من شيء واحد أنني بحاجة لإجراء يضمن لي الاحتفاظ بسجل دقيق عنها في ذاكرتي. ولكن إذا أهملت الأمر سيختفي. مهما كانت الذاكرة حية، ومهما قويت سلطة الزمن. وأعرف ذلك بالغريزة. كنت أجلس في غرفتها على سريرها، وأرسمها. حاولت أن أرسمها على ورق أبيض مستفيدا من هيئتها كما أراها بذهني. ولكن كنت بلا خبرة، وبلا المهارات الفنية المطلوبة، ولذلك لم يكن عملا سهلا. كنت أرسم، وأمزق عملي، أرسم وأمزق بلا نهاية. وعندما أنظر الآن إلى الرسوم التي احتفظت بها (ولا زلت أحافظ على دفاتر الرسم العائدة لتلك الفترة)، يمكنني أن أرى أنها ممتلئة بإحساس أصيل بالفجيعة. ربما هي غير ناضجة فنيا، ولكنها نتيجة جهد صادق، كانت روحي تحاول إيقاظ روح أختي. وكلما نظرت إلى تلك التخطيطات كنت أبكي. رسمت رسومات لا تحصى منذئذ، ولكن أي صورة لم تدفعني للانفجار بالدموع. ترك موت أختي أثرا آخر علي: أطلق شرارة كلوستروفوبيا حادة. منذ أن رأيتها موضوعة في ذلك التابوت الصغير المزدحم، وبعد إغلاق الغطاء وإحكام رتاجه، ونقله إلى المحرقة، لم أعد قادرا على الدخول في أمكنة مغلقة وضيقة. ولفترة طويلة، لم أتمكن من استعمال المصاعد. كنت أقف أمام المصعد، وكل ما يمكنني التفكير به، أنه قد ينهار تلقائيا من جراء هزة أرضية، وأنا محجوز في داخل ذلك المكان المحدود. ويكفي التفكير بذلك لتوليد إحساس مروع بالفزع. لم تظهر هذه الأعراض فور وفاة أختي. ولكنها احتاجت لثلاث سنوات كي تطفو على السطح. بعد الشروع بدراسة الفن تعرضت لموجة رعب لأول مرة، وحينها كنت أعمل جزئيا مع شركة نقليات. كنت مساعد سائق شاحنة مغلقة، تحمل الصناديق وتذهب بها، وفي إحدى المرات حجزت نفسي بالخطأ في شاحنة فارغة. يومها انتهى وقت العمل، ونسي السائق أن يتفقد الشاحنة، وأغلق الباب الخلفي من الخارج. ومرت ساعتان ونصف الساعة قبل فتح الباب لأزحف وأخرج منه. وطيلة وقت الاحتجاز كنت في مكان مغلق وشديد الإظلام.لم تكن شاحنة مبردة أو ما شابه ذلك، ولذلك كانت مزودة بثقوب ليتسرب منها الهواء. لو فكرت بالأمر بهدوء، لعلمت أنني لن أختنق. ومع ذلك أحكم خوف فظيع قبضته علي. كان هناك الكثير من الأوكسجين، ولكن مهما تنفست بعمق لم أكن جاهزا لاستنشاقه. وأصبح تنفسي أكثر كللا وبدأت أتنفس بسرعة. ثم شعرت بالدوار. قلت لنفسي: "حسنا. اهدأ. ستتمكن من الخروج حالا. ومن المستحيل أن تختنق هنا". ولكن لم ينفع المنطق. لم يكن في ذهني غير أختي، محشورة في تابوت ضيق ومحمولة إلى المحرقة. وبسبب الخوف طرقت على جدران الشاحنة. وكانت في باحة سيارات الشركة، والموظفون أنهوا يوم عملهم، وانصرفوا إلى بيوتهم. ولم يلاحظ أحد غيابي. طرقت كالمجنون، ولا يبدو أنني بلغت سمع أحد. وأدركت، إن خانني الحظ، أنني قد أستمر محجوزا هناك حتى الصباح. وشعرت حيال هذه الفكرة كما لو أن كل عضلاتي على وشك أن تنهار وتتفكك. ثم سمع رجل الأمن الليلي في واحدة من جولاته على موقف السيارات الضجيج الذي تسببت به، وحرر قفل الباب. وحينما لاحظ مبلغ اهتياجي وتعبي، مددني على سرير في غرفة استراحة الشركة، وقدم لي فنجان شاي. لا أعرف كم استلقيت هناك. ولكن في النهاية انتظمت أنفاسي ثانية. واقترب الفجر، فشكرت الحارس واستقليت أول قطار في ذلك اليوم لأعود إلى البيت. وتسللت إلى سريري الخاص واستلقيت هناك، وأنا أرتعش كالمجنون لفترة طويلة. ومنذ تلك اللحظة، تسبب لي ركوب المصاعد بنفس الخوف. لا بد أن الحادث أيقظ المخاوف التي تتململ في داخلي. ولدي القليل من الشكوك أنها كانت من ذكريات أختي الميتة. ولم أكن أعاني من المصاعد فقط ولكن من أي مجال مغلق. ولم يعد بمقدوري مشاهدة أفلام تعرض مشاهد عن الغواصات والدبابات. وأن أتخيل نفسي أنني محجوز في مساحات محدودة مثلها - أتخيلها فقط - جعلني غير قادر على التنفس. وغالبا ما كنت أنهض وأغادر الصالة. ولذلك نادرا ما ذهبت إلى مشاهدة الأفلام برفقة أي شخص. وعندما كنت بالثالثة عشرة وأختي بالعاشرة، سافر كلانا منفردين إلى منطقة ياماناشي في عطلة الصيف. كان شقيق الوالدة يعمل في مخبر بحوث في جامعة ياماناشي، فمكثنا لديه. وتلك هي أول رحلة نقوم بها نحن الصغيران بمفردنا. كانت أختي حينها بحالة جيدة، ولذلك سمح لنا والدانا بالسفر دون مرافقة. كان خالنا عازبا (ولا يزال أعزب، حتى الآن)، وقد بلغ الثلاثين للتو، على ما أظن. وكان مجاله بحوث الجينات (ولا يزال)، وهو هادئ وحالم، ولكنه شخص منفتح، ومستقيم. ويحب القراءة ويعرف كل شيء عن الطبيعة. ويستمتع بالمشي في الجبال أكثر من سواها، وكما قال، لهذا السبب قبل بعمل جامعي في جبال ياماناشي الريفية. وقد أحببت أنا وأختي خالنا كثيرا. ركبنا متن قطار سريع في محطة شينجوكو والحقائب على ظهورنا، متجهين إلى ماتسوموتو، وهبطنا منه في كوفو. جاء خالنا ليستقبلنا في محطة كوفو. كان طويلا بشكل مدهش، ولذلك تعرفنا عليه مباشرة حتى في المحطة المزدحمة. كان يستأجر بيتا صغيرا في كوفو ويتقاسمه مع صديق من أصدقائه، وكان شريكه غائبا، ولذلك حصلنا على غرفة خاصة بنا لننام فيها. مكثنا في ذلك البيت لمدة أسبوع. وتقريبا كنا نخرج يوميا بنزهة مع خالنا لنتجول في الجبال القريبة. وخلالها علمنا أسماء كل أنواع الزهور والحشرات. وكنا نستمتع بذكريات ذلك الصيف. في أحد الأيام ابتعدنا أكثر من المعتاد وزرنا كهف الرياح القريب من جبل فيوجي. وهو أكبر كهف من بين عدد كبير من كهوف الريح المحيطة بجبل فيوجي. أخبرنا خالنا كيف تشكلت هذه الكهوف. كانت منحوتة من البازلت، وقال: لذلك لا تسمع في داخلها أي صدى إلا بصعوبة. وحتى في الصيف تبقى الحرارة منخفضة. في الماضي كان الناس يخزنون في الكهوف الجليد الذي حصلوا عليه في الشتاء. وشرح لنا الفرق بين نوعين من الكهوف: فوكيتسو وهو الأكبر واتساعه يسمح للناس بالدخول فيه، و كازا -انا، الأصغر والذي لا يمكن للناس أن يدخلوا إليه. والكلمتان هما قراءة بالتبادل لحروف صينية واحدة، تعني "ريح" و"حفرة". توقعنا أن خالنا يعرف كل شيء. في كهف الرياح الكبير، عليك أن تدفع رسم دخول وتدخل. ولم يرافقنا خالي لزيارته. فقد شاهده مرارا، عدا أنه طويل جدا وسقف الكهف منخفض جدا ويسبب له آلام الظهر. قال: "لكنه ليس خطيرا. ويمكنكما الذهاب. وسأنتظر عند الباب وأقرأ كتابا". عند المدخل قدم الحارس لكل منا مصباحا يدويا واعتمرنا بخوذتين صفراوين. كانت توجد مصابيح في سقف الكهف ومع ذلك كان داخله مظلما جدا. وكلما تعمقنا في الكهف، انخفض السقف. ولهذا السبب لا غرابة أن خالنا الطويل بقي وراءنا. أشعلت أنا وأختي الصغيرة المصباحين وأضأنا موقع أقدامنا ونحن نتابع. كنا في منتصف الصيف - الحرارة بلغت في الخارج تسعين درجة فهرنهايت. كان داخل الكهف باردا، ودون الخمسين. تبعنا نصيحة خالنا، وارتدى كلانا دراعات قوية أتينا بها معنا. قبضت أختي على يدي بإحكام، إما لأنها تطلب حمايتي أو لأمر آخر. أنها تأمل أن تحميني (أو ربما لم ترغب أن نفترق وفقط). وكانت تلك اليد الصغيرة والدافئة طيلة وقت تواجدنا في الكهف بيدي. وكان الزوار الآخرون الوحيدون زوجا بأواسط العمر. ولكنهما غادرا حالا، وبقينا نحن كلانا فحسب.

اسم أختي الصغيرة كوميشي، ولكن كل أفراد العائلة يدعونها كومي. أما صديقاتها فينادونها ميشي أو ميشان. وحسب علمي لا يناديها أحد باسمها الكامل، كوميشي. وهي بنت صغيرة ونحيفة. لها شعر أسود بدون تجاعيد، ومقصوص بأناقة حتى كتفيها. وعيناها واسعتان بالنسبة لمساحة وجهها (بمقلتين كبيرتين)، وهو ما جعلها تشبه كائنا خرافيا. وفي ذلك اليوم كانت ترتدي قميصا أبيض بدون ياقة، وجينزا باهت اللون، وخفين زهريين. بعد أن تابعنا طريقنا إلى عمق الكهف، اكتشفت أختي كهفا صغيرا جانبيا متفرعا قليلا عن الممر المقرر. كانت فتحته مختفية في ظل الصخور. اهتمت أختي كثيرا بذلك الكهف الصغير. سألتني: "ألا تعتقد أنه يشبه وجار أرنب أليس؟". كانت أختي من أشد المعجبات بكتاب "أليس في بلاد العجائب" للويس كارول. لا أعلم كم مرة أجبرتني على تلاوة ذلك الكتاب لها. على الأقل مائة مرة. كانت قادرة على القراءة منذ صغرها، ولكنها أرادت أن أقرأه لها بصوت مسموع. وهي تحفظ القصة عن ظهر قلب، ومع ذلك كلما قرأتها لها تشعر بالتشويق. والفقرة المفضلة لديها هي القريدس الراقص. وحتى الآن أتذكر تلك الفقرة، كلمة بكلمة.

قلت لها: "مع ذلك لا توجد أرانب".

قالت: "غير أنني سأمد رأسي فيه قليلا".

قلت: "خذي حذرك".

كانت فتحة ضيقة حقا (أقرب لكازانا بتعبير خالي)، ولكن تمكنت أختي من التسلل عبرها بدون مشاكل. وأصبح معظمها في الداخل، وبقي الجزء السفلي من ساقيها في الخارج. ولاحظت أنها أشعلت مصباحها في داخل الوجار. ثم ببطء انسحبت إلى الخارج، وأخبرتني: "إنه عميق فعلا من الخلف. والأرض تنحدر بشدة. مثل وجار أرنب أليس. أنا مزمعة على تفقد نهاياته الأخيرة".

قلت: "كلا. لا تفعلي ذلك. هذا خطير جدا".

"حسنا. أنا صغيرة ويمكنني الخروج بسلام ".

تخلصت من دراعتها، واحتفظت بارتداء قميصها الخفيف، ومدت يدها لي بالجاكيت مع الخوذة. وقبل أن أحتج بكلمة واحدة، ضغطت نفسها في الكهف، والمصباح في يدها. وخلال لحظة اختفت.

مر وقت طويل، ولم تخرج. ولم يمكنني سماع أي صوت. ناديت في الحفرة: "كومي. كومي! هل أنت على ما يرام؟".

لم ترد بأي جواب. امتص الظلام صوتي بدون صدى. وبدأت بالقلق. لربما علقت في الحفرة، ولم يمكنها التحرك إلى الأمام أو الخلف. وربما تعرضت لنوبة هناك وفقدت وعيها. ولو حصل ذلك لن يكون بمقدوري مساعدتها. كل أشكال السيناريوهات المفزعة تسابقت في رأسي، وشعرت بالاختناق من العتمة المحيطة بي. إذا اختفت أختي حقا في الحفرة، ولم ترجع إلى هذا العالم، كيف سأشرح ذلك لوالدي؟. هل أجري وأخبر خالي، الذي ينتظر خارج المدخل؟. أم أجلس بمكاني بانتظار ظهورها؟. قبعت وأنا أحملق بالحفرة. ولكن حزمة نور مصباحي لم تذهب بعيدا. كانت حفرة ضيقة، مغمورة بالظلام. ناديت ثانية: "كومي". ما من إجابة. ناديت بصوت أعلى: "كومي". أيضا بدون جواب. ارتعشت حتى العظام من موجة هواء بارد. ربما فقدت أختي إلى الأبد. ربما ابتلعها وجار أليس، وأصبحت في عالم السلحفاة الساخرة، أو القطة المتبسمة، أوملكة القلوب. مكان لا ينطبق عليه المنطق. وفكرت: لم يكن علينا أن نأتي إلى هنا. في النهاية عادت أختي. لم تخرج كالسابق بنصفها السفلي وزحفت بدءا من رأسها. برز شعرها الأسود من الحفرة أولا، ثم كتفاها وذراعاها، وأخيرا خفاها الزهريان. وقفت أمامي، بدون أي كلمة، وتمطت، وأخذت نفسا عميقا وبطيئا، ونفضت التراب عن جينزها. مددت يدي ورتبت لها شعرها المبعثر. على ما يبدو هناك تراب وغبار وشوائب أخرى لم أشاهدها تماما في الضوء الضعيف داخل الكهف، والآن هي ملتصقة بقميصها الأبيض الخفيف. وضعت عليها الدراعة، وقدمت لها الخوذة الصفراء. وقلت وأنا أجرها وأحضنها: "لم أتوقع أن تعودي".

"هل قلقت؟".

"كثيرا".

قبضت على يدي بإحكام. وقالت بصوت منفعل: "تمكنت من ضغط نفسي في الجزء الضيق، وتوغلت فيه، وفجأة أصبح منخفضا، ومنذ تلك النقطة أصبح على شاكلة غرفة صغيرة. غرفة مستديرة، كالكرة. السقف دائري، والجدران دائرية، والأرض أيضا. وهناك صمت شديد، شديد، ولو فتشت كل العالم لن تجد أي مكان صامت مثله. كأنني في قاع المحيط، في حفرة عميقة. أطفأت المصباح، فساد الظلام، ولكن لم أشعر بالرعب أو الوحدة. تلك الغرفة كانت مكانا خاصا لا يسمح فيه إلا لي فقط. غرفة لي وحسب. ولا أحد يستطيع أن يصلها. ولا حتى أنت تستطيع الدخول كذلك". "لأنني ضخم الحجم".

مدت أختي الصغيرة رأسها قائلة: "حسنا. أنت أكبر من أن تدخل. وما يدهشني بذلك المكان حقا أنه مظلم أكثر من أي شيء آخر. مظلم جدا حتى أنك حينما تغلق المصباح تشعر كأنك موشك على القبض على العتمة بيديك. كأن جسمك يتمزق ويتلاشى بالتدريج. ولكن لأنه مظلم لا يسعك أن ترى ما يحصل. ولا تعلم إذا كنت لا تزال تحتفظ بجسمك أم لا. ولنقل حتى إذا اختفى كامل جسمي، سأبقى هناك. مثل قهقهة القطة الضاحكة التي تستمر ولو اختفت القطة. عجيب جدا. أليس كذلك؟. ولكن حينما كنت هناك لم أتوقع أن ذلك عجيب على الإطلاق. أريد أن أنتظر هناك إلى الأبد. ولكن توقعت أنك ستقلق. لذلك خرجت".

قلت لها: "دعينا نخرج من هنا". كانت منفعلة جدا ويبدو كأنها ستتابع الكلام دون توقف، وكان علي أن أضع نهاية لذلك. فقلت لها: "لا يمكنني أن أتنفس هنا كما يجب".

سألتني بتلهف: "هل أنت على ما يرام؟".

"أنا على ما يرام. أريد أن أخرج فقط".

تماسكنا بالأيدي وتوجهنا إلى المخرج.

قالت أختي بصوت ضعيف لا يسمعه أحد ونحن نمشي: "هل تعلم أن أليس موجودة فعلا. هي ليست محض اختلاق. ولكنها حقيقية. والقط البري مارش، وهاتير المجنون، والقط الضاحك، وجنود بطاقات اللعب - كلهم حقيقيون".

قلت: "ربما".

خرجنا من كهف الريح، عائدين إلى العالم المشرق الحقيقي. كانت هناك طبقة رقيقة من الغيوم في السماء في تلك الأمسية، ولكنني تذكرت كم كانت الشمس تبدو ساطعة جدا. كان صفير الجداجد يعلو، مثل زعيق مرتفع يغرق فيه كل شيء آخر. وكان خالي جالسا على مقعد قرب المدخل، مندمجا مع كتابه. وحينما شاهدنا، ابتسم ووقف.

بعد عامين ماتت أختي. وسجيت في تابوت ضيق وأحرقت. كنت بالخامسة عشرة، وهي بالثانية عشرة. وحينما كانت تحترق نأيت بنفسي عن بقية العائلة، وجلست على مقعد في باحة الفرن، وتذكرت ما حصل في كهف الريح ذاك: ثقل الوقت وأنا أنتظر خروج أختي الصغيرة، كثافة العتمة التي تغلفني، البرد القارس الذي شعرت به. وشعرها الأسود البارز من الحفرة، ثم كتفاها. وكل التراب والغبار العشوائي الملتصق بقميصها الأبيض الخفيف. في ذلك الوقت، واتتني فكرة: ربما قبل أن يعلن الطبيب في المستشفى موتها رسميا بعد الحادثة بسنتين، ضاعت منها حياتها وهي في أعماق الكهف. وفي النهاية اقتنعت بالفكرة. أنها ضاعت تماما في ذلك الكهف، وغادرت هذا العالم، ولكنني وعلى سببل الخطأ فكرت أنها لا تزال حية، وأنا أرافقها على متن القطار عائدين إلى طوكيو، ممسكا يدها بقوة. فقد عشنا كأخ وأخت لسنتين إضافيتين. ولكنها لم تكن سوى فترة مباركة عائمة. بعد سنتين، زحف الموت من ذلك الكهف ليقبض على روح أختي. وكأنما حان وقتها، وأصبح من الضروري أن ندفع لقاء ما وهب لنا، وجاء المالك الحقيقي ليسترد ما كان له. بعد سنين، حينما كبرت وأصبحت بالغا، أدركت أن ما قالته لي أختي بصوت هادئ في كهف الريح ذاك كان حقيقيا. أليس موجودة فعليا في العالم الحقيقي.

القط مارش، وهاتير المجنون، والقطة الضاحكة - كلها مخلوقات لها وجود حقيقي.

***

........................

* ترجمها عن اليابانية فيليب غابرييل Philip Gabriel

* هاروكي موراكامي Haruki Murakami روائي ياباني.

 

في نصوص اليوم