عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حوارات عامة

عندما تكون الكاتبة الروائية واثقةً الخطى رصينةً الأدوات.. هكذا تكون الإجابات

حيث التقيتها إثر صدور روايتها الثانية (توقيت آخر للحياة) عن دار الحكمة- لندن- 2026، وبعد صدور روايتها الاولى (المواطنة ٢٤٧) في العام 2023، فكان لنا هذا اللقاء:

- لو افترضنا أن روايتيكِ.. المواطنة ٢٤٧ والتي اعدت كتجربة تجاوزتِ من خلالها ما نحن عليه من زمن مالوف.. وانت تعيدين مديات الوجود ولكن عبر منظور مختلف.. وروايتك الاخيرة.. توقيت آخر للحياة.. اقول: وعلى فرض انهنّ.. ليستا نصين منفصلين.. . بل رواية واحدة انشطرت إلى كتابين.. فأين يقع الجرح الذي سبّب هذا الانشطار؟

بشرى الهلالي: ربما آلمني موت آمنة.. آلمني كفاحها لتجد مكانا في فوضى المكان والزمان فولدت ملك لتكمل الرحلة.

- ما الشخصية التي تعتقدين أنها كتبتكِ أنتِ من الداخل أكثر مما كتبتِها أنتِ على الورق؟

بشرى الهلالي: آمنة في الموطنة 247 رسمت ملامحها رغما عني.. لم أتدخّل كي لا أضعها في قالب يلغي براءتها.

- هل تنظرين إلى الرواية بناءً للمعنى أم تخريباً للمعاني الجاهزة التي يحملها القارئ معه؟

بشرى الهلالي: ما فائدة الكتابة أصلا إن كانت استمرارًا للمعاني الجاهزة! الكتابة فعل.. والفعل تحريك للسكون.

- في زمن الذكاء الاصطناعي وتضخم السرديات الرقمية.. ما الذي ما زال يجعل الرواية قادرة على إنتاج دهشة لا تستطيع الشاشة إنتاجها؟

بشرى الهلالي: قد تختصر الصورة حوارا وقد تجسد حالة انسانية، لكنها ستظل قاصرة عن التحليل النفسي للحدث، والوصول الى أدق المشاعر الانسانية.

- لو حُذفت الحبكة بالكامل من إحدى روايتيكِ.. ما العنصر الذي سيبقي النص حياً.. هل هو اللغة أم الذاكرة أم الصوت السردي؟

بشرى الهلالي: كلها مجتمعة.. اللغة وسيلة، والذاكرة مفتاح، والصوت السردي بناء هرمي.

- ما الفكرة التي كنتِ تؤمنين بها أثناء كتابة الرواية الأولى ثم خانتكِ الرواية الثانية وأجبرتكِ على مراجعتها؟

بشرى الهلالي: البطولة.. مفهوم البطولة التقليدي لدى آمنة لم يسعفها، وفهم الواقع والذات أسعفا ملك، فألغت مفهوم البطولة.

- هل شعرتِ في لحظة ما بأن شخصياتكِ تبحث عن الحرية داخل النص.. أم أنها تبحث عن مؤلفٍ أقل سلطة عليها؟

بشرى الهلالي: لو لم أمنحها الحرية لتحولت الى نسخ مني، يجب أن يخرج الكاتب من الخاص الى العام، لذا أظنها كانت راضية.

- لو أتيح لكِ أن تضيفي فصلاً ثالثاً غير مكتوب يربط الروايتين معاً.. فهل سيكون خاتمة لهما أم محاكمة ؟

بشرى الهلالي: سيكون بداية لرواية ثالثة لا علاقة لها بهما، وأرى أن كل منهما مستقلة بذاتها، ماقد كتبته.. قد كتبته كما قال بيلاطس البنطي.

وبعد جولة الأسئلة القصيرة هذه، أضافت:

بشرى الهلالي: في هذا الوطن، كتبتُ (لن تشفى مني)، لا لأُجمّل الألم، بل لأعترف به، لأدوّنه كأثرٍ من روحي، وأمنحه صوتاً حين يخنقنا الصمت وحين تتكسّر المدن تحت أقدام الحرب. ربما كنتُ أكتب لأتذكّر، وربما لأنسى. وربما فقط.. لأقول: إننا نستحق الحياة، حتى في قلب الدمار.

- وكتبت إشارة حمراء أشبه ببانوراما للحياة العراقية في أقسى فترة عبرها الإنسان العراقي وقد تهدّلت أكتافه وجحظت عيناه لكثرة ما تحمّل ورأى من فضائع الحرب الأهلية والانفجارات والحياة المشحونة بالقلق.

- إستدعتني (المواطنة 247) واستجبت للغة الإشارات التي يرسلها الله فكتبتها محض الهام. خمس سنوات، كنت كلما حاولت إكمالها تمنّعت، حتى اختارت أن تخرج الى النور بعد خمس سنوات. في المواطنة 247، كان البحث عن الخلاص أكبر من أن تسعه الكتابة، ولم تكن الصورة قد اتضحت بعد، حيث خرج البلد من مخاض حروب عسير. كنت أثير السؤال حول القادم، فآمنة التي عبرت الحصار وحرب الاحتلال او السقوط، وهنت قواها، وغزاها المرض والوهن، فلم تعد قادرة على اكمال المسيرة، وربما تموت دون أن تشهد زمن السلام الذي غادر مع حبيبها سلام.

- رواية (توقيت آخر للحياة) أشبه بمحاكمة لكل مايحيطنا، الوطن، الثورة، الحب، الماضي، المستقبل، التقاليد والأعراف، المسميات التي تقنّن الحرية وتعيق الوعي. كأنني كنت أريد أن أقول كل شئ دفعة واحدة، أرهقتني أكثر مما يجب، حتى أني أِعر بأني سآخذ وقتا طويلا قبل أن أتجاوزها وأكتب رواية أخرى.

- الكتابة ولدت لدي كموهبة لم أدركها مبكرا، وحين تلقفت خيوطها الأولى عملت بجد واستثمرتها في كتابة الدراما التلفزيونية ثم في عالم الصحافة. ومن ضغط العمل الصحفي ومشاهدات الحياة اليومية المضمخّة بالدم والقلق، ولد الشعر كاستراحة محارب، مساحة راحة واسترخاء، واجتمع في كتاب في العام 2017 تحت عنوان (لن تشفى مني).

- أؤمن بالانسان، والانسانية رسالتي في الكتابة والحياة، وأحترم من يمتلكها فهي مقياسي في الحكم على الناس والحياة والعلاقات. لذا لم أؤمن بالمساواة بين الناس، إمرأة ورجل، غني وفقير، عبد وسيد. ربما هذه النظرة كانت السبب في أنني لم أقتنع يوما بأن على المرأة أن تتبنى قضية المساواة مع الرجل، فمجرد المطالبة بالمساواة كما أرى، هو اعتراف ضمني بأنها أٌقل منزلة من الرجل. وأرى أن قضية المرأة مع نفسها، ففي اليوم الذي تعرف فيه ما تمتلكه من امكانيات وما تستطيع فعله، ستكون قادرة على قيادة مصيرها وبذلك لن تحتاج الى المساواة ولن تشعر بالتهميش. العلاقة بين الر جل والمرأة يجب أن تبنى على التكامل والدعم المتبادل.

***

حاورها: ياس الركابي / بغداد

أرشيف اللايقين وثنائية المحو والذاكرة

التقى في هذا الحوار الناقد والقاص أحمد بن إبراهيم بالشاعر والقاص التونسي سعيف علي الظريف ضمن فعاليات الصالون الادبي الهادي نعمان بالمركب الثقافي في مدينة المنستير التونسية، في مكاشفة نقدية تغوص في تفاصيل مجموعته القصصية "أرشيف الرماد". لا يقف هذا الحوار عند حدود تفكيك النصوص. انه يمتد ليمثّل وثيقة فكرية حول فلسفة الهامش، وجدلية الجنون كمسؤولية أخلاقية ضد النسيان القسري. كما يضيء اللقاء تجربة الكاتب في ارتحاله الأجناسي من سطوة القصيدة وكثافتها (كما في دواوينه نصف بيمول من مقام الرست وتمطر الآن في يدي المتوج بجائزة الشعر في معرض تونس الدولي للكتاب 2025) إلى رحابة السرد، مستكشفاً ما يسميه "المقام الوسيط" وزمن اللايقين الجميل.

أحمد بن إبراهيم: مرحبا سعيف. قرأت مجموعتك "أرشيف الرماد". أسلتك عن سبب هذا العنوان المركب الذي يجمع بين النظام (أي الأرشيف) والرماد.

سعيف علي الظريف: ولد العنوان من رحم حريق حقيقي. دار الثقافة في مسقط رأسي احترقت أثناء الثورة، وكان وضعت هناك بعض قصاصاتي الأولى فاحترقت. شعرت بعدها بأن كل ما أكتبه معرض للنار، فقررت أن جعل من الرماد نفسه موضوعا للأرشيف. الرماد عادة يُكنس ويُرمى، لكنني أرى فيه وثيقة، فهو آخر ما تبقى من الجسد المحترق للنص. أرشيف الرماد محاولة لالتقاط ما لا يريد أن يتذكره أحد. إنه فعلا طائر الفينيق.

* أريد قبل مواصلة السؤال أن اشير الى المعنى الاسطوري لهذا الرماد. الست تضعنا في حضرة طائر الفينيق أو طائر العنقاء، اي الولادة من الرماد؟ لا اريد هنا أّن احول مسار الاسئلة لكن اردت ان أشير الى هذه الثيمة. اذا الأرشيف مؤسسة سلطوية تنتقي ما تحفظ. ألست تفعل الأمر نفسه باختيارك القصص التي تضمها المجموعة؟

- أرشيفي لا يدعي الحياد. هو أرشيف شخصي بل طفولي أحيانا، مثل الأطفال في القصة الأخيرة الذين يجمعون الرماد في علب عينات طبية فارغة ويخفونه في تلفاز معطل. هذا أرشيف سخيف من ناحية رسمية لكنه ثمين من ناحية إنسانية. أنا لا أكتب تاريخا، بل أكتب ذاكرة هامشية، ذاكرة من لا مكان لهم في السجلات الرسمية: جندي مجنون، خياط في رواية، أم مطلقة تشتري دميتين، أطفال يقطفون الخوخ المسموم.

* أسرتني شخصية الهادي ناقوز.  جندي نجا من خندق انهار على رفاقه لكنه يعود إلى قريته ليعيش في مربط الحيوانات ويضرب ناقوسا نحاسيا في الشوارع ويصرخ باسمه. لماذا جعلته بهذه الدرجة من الجنون؟

-  يريد العقلاء النسيان. المجتمع يريد الصفحة الجديدة والمصالحة وطي الماضي. أما المجانين مثل الهادي فيعرفون أن الموتى لا ينامون إذا لم يذكروا. الهادي يضرب الناقوس لأن صوته وحده القادر على إبقاء رفاقه الأحد عشر يتنفسون لحظة في صدره قبل أن يعودوا إلى التراب. الجنون هنا ليس مرضا. انه مسؤولية أخلاقية، رفض للنسيان القسري. وهذا هو دور الأديب أيضا، أن يكون مزعجا بعض الشيء، أن يذكر بما يراد طمسه.

* أنت تؤطر كلّ قصة كوثيقة من صندوق أرشيف برقم مرجعي. أهذه سخرية من اللّغة البيروقراطية أم محاولة لمنح الخيال شرعية التوثيق؟

- الأمران معا. أنا أعشق الأوراق الإدارية وأرقامها وطوابعها وهرطقاتها، لكنني أعرف أنّها غالبا ما تكون فارغة أو كاذبة، قررت أن أسرق لغتها لأغراض أخرى. عندما يقرأ القارئ الوثيقة رقم كذا، ينتبه وكأن شيئا مهما سيأتي. هذه خدعة سينمائية تشبه مستند حقيقي، لكنه في النهاية خيال. وأنا أعتقد أن الخيال هو أصدق وثيقة عندما تفشل الوثائق الحقيقية.

* قصة مانيفستو الخياط تجريبية بامتياز. خياط يدرك أنه يعيش داخل رواية ويقرر أن يتمرد على كاتبه فيحذف مشهدا دراميا ويفسد عليه النص. أهذا تمرد الشخصية على خالقها أم استعارة لعلاقتك أنت بنصوصك؟

 - هي لعبة لكنها ليست مجرد لعبة. أنا أؤمن بأن النص بمجرد أن يكتب تبدأ له حياة مستقلة، وشخصياتي تصبح أحيانا أكثر ذكاء مني. الخياط كان فكرة ثانوية ثم بدأ يكبر ويتكلم ويتشكى، فقال لي إنني أحشره في رواية مليئة بروائح الدجاج والمشاهد المبتذلة، فأجبته أن يفعل ما يشاء. هذا التمرد هو حلم كل مقهور بأن يقلب الطاولة على من يتحكم في سرده. في المجتمعات العربية، الكل تقريبا مقهور من السرد الكبير، خطاب السلطة وخطاب الدين الرسمي وخطاب التقاليد. الخياط الصغير يقول لهم إنه سيحذف مشهدهم الدرامي وسيكتب مكانه فراغا أبيض وسيقول إن حدثا آخر حدث لم يستطع الكاتب كتابته. هذا هو أرشيف المقاومة الصغرى.

* هناك قصص واقعية جدا مثل قاعدة فرنسية والزيتوني. الأولى تتحدث عن غازات سامة من مخلفات القاعدة الفرنسية القديمة تسمم أطفال مدينة صغيرة، والثانية عن مهاجر إفريقي يحاول العبور إلى أوروبا. لماذا اخترت هذين الموضوعين؟

 - لأنهما يمثلان استمرارا للاستعمار والعنف لكن بطريقة غير مباشرة. الاستعمار الفرنسي لم ينته سنة 1956، بقي في الأرض كغازات وفي القوانين وفي العلاقات الدولية. عبارة "الموضوع معقد" كما يقول المسؤولون في نهاية القصة هي عين الجريمة. أما الزيتوني فهو عن المهاجر الذي يأتي إلى تونس، وهي بدورها مهاجرة إلى أوروبا، ليحلم بحياة أفضل. الحلم يتحول إلى كابوس، يسرقه صديق وقوارب الموت، لكن الزيتوني يصل في النهاية وربما لم يصل لان في الامر مخاتلة. هذه القصة إهداء إلى روح لا تستسلم. أرشيف الرماد ليس كئيبا فقط، فيه أمل عنيد مثل الخوخة التي تبقى في الصندوق ثلاثين سنة أو الصغار الذين يجمعون الرماد رغم طفولية الفعل.

8 تعتمد لغتك جملاً قصيرة متقطعة أحيانا تتحول فجأة إلى فيض من الصور. أهذا التذبذب مقصود؟

- هذا مقصود. لأن الذاكرة ليست خطا مستقيما، الذاكرة تهتز وترتجف وتتسارع أحيانا وتبطئ أحيانا أخرى. جملتي القصيرة المتتالية تحاكي لهاث الحفظ، مثل من يلتقط رمادا يطير في الهواء، ثم فجأة تهدأ الجملة وتطول وتسبح، وهذه لحظة التأمل. الذاكرة تحتاج إلى التنفس، وأريد أن يشعر القارئ بأنه يلهث معي أحيانا ويغفو معي أحيانا أخرى.

* تحمل المجموعة رائحة الموت والفقد والغازات والرصاص والطلاق، لكن في نهاية قصة أرشيف الرماد يتحول الرماد إلى هواء تتنفسه المدينة الجديدة. أهذا يعني أن الأرشيف الحقيقي هو أن نستنشق الماضي دون أن نختنق به؟

ـ هذا خلاصة ما أريد قوله. لا أريد لرمادي أن يدفن في صندوق مغلق، أريده أن يطير ويدخل في رئات الناس ويصبح جزءا من دمائهم. الذاكرة الحية ليست تابوتا هي تنفس. الاأطفال في القصة لم يبنوا نصبا تذكاريا للثورة لكن  جمعوا رمادا في علب صغيرة ثم صبوه تحت جذور شجرة حتى لا يسرقها الكبار.كبرت الشجرة وأصبح الناس يتنفسون هواءها. أرشيف الرماد كتاب عن التحول، فالرماد ليس نهاية. هو بداية شكل آخر من الوجود، كالقصص التي تحترق ثم تعود رمادا ثم تنمو كأشجار.

*عرفتك شاعرا قبل أن تكون قاصا. ديوانك نصف بيمول من مقام الرست وتمطر الآن في يدي يحملان حساسية شعرية عالية، زد اليهما باب الذي لا يرى المتوج  بجائزة معرض الكتاب الدولي بتونس 2025، لكنّك في هذه المجموعة تقتحم عالم القص بجسد مختلف. كيف ترى العلاقة بين زمن الشاعر وزمن القاص في تجربتك؟ أيمكن اعتبار هذا الكتاب مغامرة سردية بمعنى التحول من لغة إلى أخرى أم هو امتداد طبيعي؟

- في زمن الشاعر تعرف وادرك أن القصيدة تكفي، لأنّ القصيدة تقول الكثير بالقليل وتضرب في العمق بسرعة. لكنني  اعرف أن بعض الجروح تحتاج إلى مساحة وتمدّد وأنفاس أطول. الرماد لا يمكن حشره في بيت شعري واحد، فالرماد يحتاج إلى قصة وإلى شخصيات تلمسه وإلى أمكنة تحترق ثم تروى. أقول عدت الى ما كنت قد بدأته أي الى السرد فانا سارد قديم سيد احمد وأول تتويج صغير كان في قصة احترقت تحصلت عليها في ملتقى محمد البشروش ولا اريد ان ازيد.

* اذا هو تحول؟

ـ لست ممن يؤمنون بأن الكاتب يولد مرة واحدة. أعتقد أننا نولد كلما غيرنا جنسا كتابيا. انتقالي من الشعر إلى القص كان نوعا من الغربة الطوعية. في الشعر، اللغة سيدة، أما في القص فاللغة خادمة للشخصيات والحكاية. كان عليّ أن أتعلم التواضع، أن أترك للحكيم وهو الخياط أن يتكلم بوقاحة، وأن أترك للحمار أن يرفس الجدار، وأن أترك للخوخة المجففة أن تكون بطلة. هذا لم يكن سهلا لمن تعود على سلطان القصيدة.

* لكن القصص تحمل طابعا شعريا واضحا، تكثيفا وإيقاعا وصورا غريبة. أليس هذا هو زمن الشاعر يتسلل إلى زمن القاص؟

ـ هو كذلك ولا أراه عيبا لكنه ورد بقدر محسوب ومنضبط. كل قاص جيد يحمل شاعرا بداخله، وكل شاعر جيد يحمل قاصا بداخله. لا أريد أن أقتل الشاعر في داخلي. أريد أن يتحول إلى رئتي الثالثة في عالم السرد لكنني مارست عليه قمعا وجعلت جملي قصيرة حتى اتخلص من سطوته وقبلت منه ما خدم النص ورميت الكثير لذلك بامكاني القول أنني تخلصت منه في هذه المجموعة وما بقي هو العالم الشاعري أو الشعرية وهذا امر يخص جميع الكتاب. هناك جملة في الهادي ناقوز تقول إنه رأى النجمة التي سقطت في ليلة الانهيار ولم يرها أحد سواه، وهذه الجملة قصيدة في حد ذاتها لكنها تخدم القصة لأنها تمنح الهادي خصوصية نبوءة واستبصار تبرر جنونه. يمنح زمن الشاعر زمن القاص كثافة الحلم، وزمن القاص يمنح زمن الشاعر جسدا يمشي على الأرض.

* أفضل تسمية هذا مغامرة سردية بدلا من تحول، لأن التحول يوحي بترك شيء بينما المغامرة توحي بإضافة شيء.

ـ نعم، مغامرة سردية. عندما بدأت الكتابة القصصية كنت أخاف من كيفية ملء كل هذه الصفحات بالحكايات، لكن المغامرة كانت مدهشة، فكلما تقدمت كانت الحكايات تأتيني من حيث لا أدري، وكأنّ الرماد نفسه كان يروي نفسه، وكأن شخصياتي كانت تنتظرني خلف كل صندوق أرشيف وهمي.

* هل هذه المجموعة وثيقة تحولك من شاعر إلى قاص أم هي مقام وسيط؟

ـ ساجيبك ما دمت تصر على هذا الارتحال. هي المقام الوسيط وربما هو أصدق مقام لي.. أنا كاتب رماد، أكتب عند حافة الاحتراق وأجمع ما تبقى. زمني ليس زمن الشعر ولا زمن القص، بل زمن اللايقين الجميل الذي يسمح للغتين بالتداخل دون أن تذوب إحداهما في الأخرى.

* إذا، أرشيف الرماد هو أرشيف هذا اللايقين.

ـ هو أرشيف مقامه في ألا أكون واحدا، ودعوة مبطنة للقراء أن يغامروا هم أيضا، أن يقرؤوا ببطء وأن يسمحوا للجملة القصصية أن تشبه قصيدة وللصورة الشّعرية أن تروي حكاية.

* سعيف، طفنا طويلا حول هذه الصناديق. رسمت لنا خارطة لبلاد تتنفس من ثقب إبرة الخياط، وتائهين يطوفون بنواقيس جرحى. لكن دعني أواجهك بالمنطقة التي تتحاشى الغوص فيها علنا: ألا ترى أنك في أرشيف الرماد لم تكن مجرد موثق لآلام هؤلاء. كنت جلادا سرديا آخر؟ لقد حشرت الخياط في طابق سابع لرواية، وتركت الهادي ناقوز يعفن في زريبة، وسقت محمد الصغير إلى الرازي باسم الفرح. لماذا هذا الإصرار على سلب أبطالك التذكرة المؤكدة للنجاة؟ هل تصفية الحسابات هنا هي مع الواقع التونسي، أم مع الكتابة نفسها؟

- سيد أحمد، أنت تقرأ الأرشيف كقاضي تحقيق، بينما أنا مجرد حارس للمقبرة التي نسيها الجميع. النجاة في واقعنا المعاصر أصبحت تهمة، أو على الأقل شبهة. عندما وضعت الخياط في عمارة يائسة تعاني من ديستوبيا خانقة، لم أكن أمارس عليه سادية أدبية، بل كنت أعيد صياغة روتيننا اليومي. الخياط يمثلنا جميعا حين نكتشف فجأة أننا نتحرك وفق نص مكتوب سلفا في كواليس السياسة، أو الاقتصاد، أو حتى الخيبات الاجتماعية المتوارثة. تمرد الخياط علي واختراقه لحاسوبي لم يكن هزيمة لي ككاتب، بل كان أقصى أمنياتي. أنا لا أسلبهم النجاة، أنا أمنحهم فرصة الرفض الهستيري حين تصبح الحلول العقلانية ضربا من العبث.

- لكنك في قصة السيد محا، جعلت من شخص يحمل اسما يشبه اسمك مع فارق الفاء سعيد علي هو الأداة التي فضحت الخصوصية واغتالت الرجل رقميا على الواتساب. أليست هذه إدانة مبطنة ليدك التي تكتب؟ أنت لا تحرس المقبرة يا سعيف، أنت تشعل الرماد الذي يختنق به هؤلاء. خذ عندك ثنائية عثمان وأحمد سالم، بدلا من أن ينتشل العاقل المجنون، جعلت العقل ينهار ويتماهى مع هذيان حرق القرية. هل وصلت النخبة أو الوعي التونسي إلى هذا الحد من الإفلاس الذي يرى في الرماد والحرائق المخرج الوحيد؟

ـ سيد أحمد، عندما يتساوى الصحو مع الهذيان، يصبح الجنون هو الفعل الأخلاقي الوحيد المتبقي. أحمد سالم لم ينقد وراء عثمان عبثا، لقد اكتشف أن القرية التي تعيش على كذبة مقاطعة الخوخ لثلاثين عاما لأن أحدهم مات مسموما بمبيد رشه أبوه، كما في قصة عبد العظيم، هي قرية قائمة على الزيف. نعم، سميت العابث بخصوصية السيد محا باسم يشبه اسمي، لأن الكاتب ليس نبيا مبرأ. نحن جميعا متواطئون. نقتات على حكايات الضحايا، نلتقط صورا لندوب المهاجر الغابوني الزيتوني ونحللها في الصالونات الثقافية بينما هو ينتظر قارب الموت. أرشيف الرماد ليس لجلد الشخصيات، بل لجلد هذه الرفاهية المزعومة التي نجلس فيها أنا وأنت الآن، نناقش جماليات الألم بينما ناقوس الهادي يرن في الخارج ولا يترك أحدا ينام.

* إذا كان هذا الأرشيف هو صرخة جلد لضمائرنا جميعا، ما الذي تنتظره من القارئ الذي سيفتح هذه الصناديق؟ هل تريد منه أن يتواطأ كمراقب القطار ويمرر الخديعة صامتا؟ أم تريده أن يفعل مثل ذلك المشاهد الذي اخترق الشاشة ليموت مع أمل في شوارع المطاردة؟

 - أريد منه أن يتوقف عن كونه قارئا باردا يقلب الصفحات. أريده أن يتسخ برماده. أن يضيق صدره فجأة في غرفته المريحة، وأن يشك في كل استعارة جميلة كتبتها. أريده أن يغضب على الهادي لأنه أيقظ موتاه، ثم يغضب على نفسه لأنه ظل نائما كل هذه السنوات. أريد منه أن يفتح الصندوق الخشبي لعم علي، لا ليبكي فقط، بل ليسأل: هل لي يد في هذا السم؟ أريد القارئ الذي يغادر الكتاب ويذهب إلى النافذة، يرى شارعا عاديا، فيتذكر أن كل شجرة نمت على رماد، وأن كل هواء يتنفسه يحمل ذرات حريق قديم. هذا القارئ سيكون قد تحول إلى جزء من الأرشيف، ليس لأنني أمسكته، بل لأنه قرر أخيرا أن يختنق قليلا ليعرف كيف يتنفس حقا.

*  اعترف أنّ  نصوصًا أخرى مثل "وشم" و"جرح في اللوحة" و"السجين" تبدو أقل حضورًا في النقاش لاسباب تخص المقام ربما او توارد الأفكار، مع أنها تضيف طبقات أخرى إلى عالم أرشيف الرماد. هل كنت ترى المجموعة مجموعة قصص متجاورة، أم مشروعا سرديا واحدا تتكامل فيه جميع النصوص

-  لم أفكر في القصص باعتبارها وحدات مستقلة فقط.  اعتبرتها وثائق داخل الأرشيف نفسه. صحيح أن بعض النصوص مثل الهادي ناقوز أو مانيفستو الخياط تستوقف القارئ  بسبب غرابة بنائها أو صخبها، لكنني لا أرى أن هناك قصة مركزية وأخرى هامشية. فـ"وشم" مثلا تشتغل على الذاكرة التي تنتقل عبر العلامة، و"جرح في اللوحة على التلصص والجرح الداخلي، و"السجين"على معنى الحرية داخل القيود، وكلها تتجاور لتشكّل رؤية واحدة. أفضل أن تُقرأ أرشيف الرماد ككتاب واحد متعدد الوجوه، وكمجموعة يمكن فصل قصصها عن بعضها؛. قد يبدو هذا تناقضا لكن ما لا تقوله قصة، تكمله قصة أخرى وقد لا تكمله.نعم هذا مقصدي..

 * شكرا سعيف.

***

حاوره: احمد بن إبراهيم

 

- المكتبة هي بوابة المعرفة..

- أكتب الشعر حين أبحث عن الاختزال، وأكتب الرواية حين أذهب إلى الحلم

- من يلهث وراء الجوائز سيصاب بالاكتئاب!

أنور الخطيب.. سيرة ثقافية

- روائي وشاعر وإعلامي فلسطيني، ولد في لبنان

حصل على ليسانس التعليم في اللغات الأجنبية، تخصّص لغة إنجليزية من جامعة قسنطينة في الجزائر، ويقيم حاليا في لبنان.

* جوائز

- فائز بالمرتبة الثانية في مسابقة القصة القصيرة لصحيفة الرأي العام الكويتية في العام 1980

- فائز بالمرتبة الأولى لجائزة غانم غباش في دبي القصة القصيرة في العام 1991.

- فاز بلقب شاعر صحيفة (مقال) الإلكترونية الأول لعام 2011

- فاز بالمركز الأول في مسابقة (دبي أيقونة العالم) مجلد الوصل 2016

كتبوا عنه

كتب كُتاب كبار عن روايات أنور الخطيب مثل: الفلسطيني د. جبرا إبراهيم جبرا، والإماراتي عبد الحميد أحمد، وحارب الظاهري، واللبناني عبده وازن، واليمني فضل النقيب، والمصري محمود الغيطاني، والسوري عزّت عمر، والفلسطيني د. يوسف الحطيني، والكاتب المسرحي الفلسطيني غنّام غنّام، والفلسطينية د. سهام أبو العمرين، واللبناني د. علي نسر، والفلسطيني الفرنسي صلاح صلاح "رحمه الله"، والسورية الأمريكية كلاديس مطر، وآخرون. تُرجمت بعض أشعاره إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والفارسية.

* المؤلفات

الروايات

1 - الأرواح تسكن المدينة// 2- رحلة الجذور// 3- رائحة النار// 4- صراخ الذاكرة// 5- أبابيل// 6- ند القمر // 7- المدّثر// 8- مندل// 9- مس من الحب // 10 - فتنة كارنيليان// 11- سماء أولى جهة سابعة// 12 - وردة عيسى// 13- الكبش// 14- شوق مزمن// 15 - رقصة الفيلسوف16// ناي على جسد

مجموعات قصص قصيرة: خازوق// مزايدات// مطر في موسم البرتقال

دواوين شعرية: 1ـالفة متوحشة// 2- سيدة التعب // 3- مرّي كالغريبة بي // 4- شجر ذاهب للريح // 5- كلّي عاشق ونصفي غريب// 6- لست الذي في المرايا// 7- آيتي أن أكلم الناس// 8- المغيّب الناجي من التأويل. 9- صلاة الحمام 10- كثير الشوق 11- حنوناً كياسمين الظهيرة

نص الحوار

س1: لسنوات التنشئة الحياتية الأولى أثرها على التركيبتين السايكولوجية والابداعية، القسنطينة مثالا، حدثنا عن تلك الحقبة.

ج1: أولاً، أنا سعيد بلقائك أستاذ محمد بعد انقطاع دام لسنوات ولدينا ذكريات مشتركة في الكويت في السبعينات، ثانياً، أشكر لك جهودك في عالم الإعلام الثقافي والأدبي، ثالثاً، جميل أن تذكر مدينة قسنطينة الجزائرية، حيث تلقيت تعليمي الجامعي، وهي مرحلة زاخرة بالأحداث التي ساهمت في تهيئتي في مجال الكتابة، ولكن اسمح لي أن أمر بسرعة على مرحلة التنشئة الأولى، ولا بأس من اختزالها، مرحلة التنشئة في لبنان، حيث الفكرة الأولى والقبلة الأولى والنص الأول والطلقة الأولى، والوعي الأول المبكّر في المخيم الفلسطيني، والمحاولة الأولى لفهم المكان والجغرافيا، أي المنفى والغربة واللجوء. حملت كل ذلك إلى مدينة قسنطينة في الشرق الجزائري، حيث تلقيت التعليم الجامعي وحصلت على ليسانس التعليم في اللغات الأجنبية، تخصص لغة إنجليزية، وهناك في قسنطينة، التقيت بالدكتور عبد الرحمن الكيالي، رحمه الله، وهو أكاديمي وتربوي وناقد ومثقف كبير، وهو أول من اطلع على قصصي القصيرة، وشجعني وفتح مكتبته لي، وقد عوضني الدكتور الكيالي عن نقص في مكتبة المنزل والمدرسة، ويمكنني القول أنه من فتح آفاق المعرفة أمامي، وفرش لي سهل الأدب بالنصائح والتوجيهات. تلك المرحلة، حيث زاد وعيي بالمنفى وقدرتي على التعبير عنه، وزادت معرفتي بنفسي وقدراتي، فكتبت أولى قصصي القصيرة، ونصوصي الشعرية، وترجمت عدداً من القصائد، وفي مدينة قسنطينة نشرت أولى قصصي القصيرة أيضاً، من المؤكد أنني ظلمت تلك المرحلة بهذه العجالة.

س2: للمكتبة دور بالغ في تشكيل ذهنية الكاتب. نتذكر تجربة بورخس في هذا الفضاء، هل من إضاءات؟

ج2: تجربة بورخيس في القراءة وإدارة المكتبة والضوء والظلام تجربة خاصة قلّما تتكرّر، ولا شك أن المكتبة هي بوابة المعرفة، والشرفة التي تطل على كل الجهات، ولا كتابة من دون قراءة، ولا كاتب من دون مكتبة، لكن لكلٍ ظرفه وخصوصيته. لقد تنقلت كثيراً ولم أعرف الاستقرار إلا قليلاً، لذلك كان من الصعب بناء مكتبة حقيقية، فحين يتسنّى لك بناء مكتبة فأنت تشرع في بناء وطن حقيقي، وإنسان منفتح. لقد كان من حسن حظي أنني لم أُسجن في مكتبة واحدة، أعني في إطار محتوى واحد، وتوصّلت إلى قناعة تقول: القارئ عرضة للتأثّر بما يقرأ، والكاتب في سنيه الأولى عرضة للتأثر بمن يقرأ. ولا بأس من قراءة من لا تتفق معهم، ومن تكرههم أحياناً، ولا يوجد مبدع لم يتأثر بغيره، لكن إن كانت تجربته أصيله، سيصل إلى أسلوبه الخاص. الكتب جعلتني مفكراً وفيلسوفاً مرة ومتطرفاً مرة، وجعلتني مؤمناً أحياناً وملحداً أخرى، هي القراءة النهمة الأولى تفعل ذلك، والوصول إلى الفكر الخاص مسألة حتمية لمن أراد.

س 3: تكتب الشعر وتؤلف في السرد الروائي. هل واجهت بعض التحديات التي رافقت هذا الانشطار. وأي النوعين الادبيين تجده اقرب اليك؟

ج3: أكتب الشعر (أو ما كنت أحسبه شعراً) منذ الصغر، والبداية كانت مع الشعر، ثم انتقلت إلى القصة القصيرة ثم الرواية، ومع كل رحلة جديدة، يكون الشعر نديمي في الكتابة، إن كان من خلال اللغة الشعرية أو الرؤية المختزلة، أو جماليات السرد، لذلك لا أعدّه انشطاراً بل دورة إبداعية تكتمل. مرة واحدة حاولت الابتعاد عن اللغة الشعريةـ وذلك في رواية رقصة الفيلسوف، لأنها كانت معرفية تاريخية جدلية معلوماتية، وحتى الآن أكتب الشعر حين أبحث عن الاختزال، وأكتب الرواية حين أذهب إلى الحلم..

س 4: في أحد لقاءاتك تحدثت عن تعزيز الهوية الفلسطينية متمثلاً بتجربة الانتماء الى لبنان هل من مزيد لتفسير هذه المعادلة؟

ج4: طول البقاء يورث الاستئناس، وعدم الترحال يقود إلى المواطنة، وفي حالة اللاجئ، يقود إلى وهم المواطنة. أنا مولود في لبنان، وقضيت ردحاً من الزمن في مدنه وقراه، ولبنان بلد يشبه فلسطين، في اللغة والتراث والغناء والعادات والتقاليد، لكنني لست لبنانياً، ولا يجب أن أدّعي ذلك. كلامي في الواقع كان موجّهاً للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وغالبيتهم يتصرف كأنه في وطنه، لهذا يخطئ كثيراً، بحق نفسه وحق البلد المضيف. كلنا عرب من حيث القومية، لكننا ننتمي إلى بقع وبلدان مختلفة. كمحصّلة، أنا كلاجئ يجب ألا أعتبر أي بلد وطني باستثناء فلسطين، لأنها هي الوطن الحقيقي.

س5: ماذا عن تجربتك في كتابة القصة القصيرة بدءًا من (خازوق)؟

ج5: مجموعة خازوق هي المجموعة القصصية الأولى وقد صدرت في الكويت، وقد تشرفت باهتمامكم بها حيث كنتم اول من كتب عنها ورحّب بها، ثم انتقلت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، فنشرت مجموعتين قصصيتين، مزايدات، ومطر في موسم البرتقال، ثم أخذتني الرواية، فكتبت 16 رواية حتى الآن، وبين فترة وأخرى أحن إلى هذه النوع القريب إلى قلبي، أي القصة القصيرة، فأكتب وأحتفظ، ربما، هكذا أعتقد، أنني ابتعدت عن كتابة القصة القصيرة لأنني أكتبها في داخل الرواية، من حيث التكثيف والدهشة والإيجاز، هناك مطارح أضطر فيها كروائي أن أكتب بنفس قصصي، لكن هذا لا يعوّضني أبداً.. وفي الواقع، أعود بين فترة وأخرى إلى قراءة تلك البواكير، فأحبها كثيراً لما فيها من مغامرة وتلقائية وشجاعة..

س 6: فزت بأكثر من جائزة. وأرى انها سلاح ذو حدين. كيف تنظر اليها؟

ج6: في الواقع جوائزي قليلة، مرة حصلت على المركز الثالث في مسابقة صحيفة الرأي العام في الكويت، ومرة فزت بالمركز الأول في مسابقة غانم غباش في القصة القصيرة في دبي، الإمارات العربية المتحدة، ثم شاركت في مسابقة الرواية العربية البوكر وللصدفة التقيت بأحد أعضاء لجنة التحكيم، فعرفني وذكر لي رواية وردة عيسى التي شاركت فيها، وقال لي أنها كانت محط أنظار اللجنة، لكن لسبب ما لم تفز، ولم يكن السبب فنّياً أو إبداعياً، ومنذ ذلك الحين توقفت عن المشاركة في المسابقات. أرى أنه لا توجد لدينا في العالم العربي جائزة أدبية موضوعية، دائما تؤثر العلاقات والسياسة وغيرها، لهذا أعتقد أن من يلهث وراء الجوائز سيصاب بالاكتئاب إن لم يفز..وسيتراجع وهج إبداعه.

س7: مازلتُ اتذكر مقولة لزميل عملت معه في الصحافة الكويتية وهو يصف الصحافة بأنها " تشبه جهنم.. كلما اعطيتها قالت هل من مزيد.. ! " ماذا عن تجربتك الشخصية؟

ج7: ويسمونها أيضاً (محرقة)، بسبب استهلاكها وجشعها إذا صح التعبير، وفي الواقع، ليست الصحافة هي التي تستهلك وتقول هل من مزيد، إنما القارئ هو المستهلك، وهو الذي يبحث عن الجديد في كل المجالات، ويستطع التعرّف على المحتوى المكرّر أو الجديد أو المبتكر. لقد عملت في الصحافة الثقافية وفي مجال التحقيقات العامة في أبوظبي، وفي الحالتين كنتُ مطالباً بتقديم الجديد، محتوى يختلف عما قدّمته في الأمس، وأزعم أن المادة الثقافية قابلة للعيش أكثر من غيرها، لأن طريقة استهلاكها تختلف من قارئ لآخر، وهي تشبه القصيدة أو النص الإبداعي الذي يمكن تأويله وفق أكثر من معنى، ولو نشرت مادة الملحق الثقافي ذاتها بعد أسبوع، سيستقبلها القارئ بطريقة مختلفة، وهذا لا يحدث مع الخبر أو التحقيق الصحفي أو حتى المقالة السياسية. وهذا يدلّ على أن المادة الثقافية الصحفية لا تبلى مع الزمن. أما من حيث الدورة العملية فالعمل الصحفي مرهق والصحافة محرقة وجوفها كبير جداً. ومن جهة أخرى، يمكن لأي عمل أن يكون محرقة، على سبيل المثال، عملت في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وكان الدكتور جمال السويدي، مدير المركز آنذاك، يرفض مقولة: ليس لدي عمل اليوم. وكان يطالب دائماً بالبحث والابتكار والتوصل إلى أفكار جديدة، كالصحافة تماماً وأنا أوافقه الرأي..

س8: لدى أي كاتب أكثر من تماس مع التجارب العالمية. أي الأسماء أقرب إليك شعرياً وسردياً؟

ج8: خلال دراستي الجامعية تأثرت بالمدرسة الرومنسيية وروادها أمثال ووردزورث ولورد بايرون وشيلي وغيرهم، خاصة في تعاملهم مع الطبيعة والطفولة والفروسية، واطلعت على تجربة شعراء السريالية الفرنسية وخاصة لوتريامون، ثم شدني بودلير، وبعدها جذبني الشاعر الغرناطي غارثيا لوركا، حتى أنني كتبت نصاّ شعرياً بعنوان لوركا الفلسطيني. وعلى الصعيد السردي أعجبت بتجربتيّ الكاتبين الإنجليزيين تشارلز ديكنز ودي أتش لورنس، ثم اطلعت على روايات الكاتب الكولومبي غابرييل ماركيز، وتعرفت منذ سنوات قليلة على تجربة الكاتب الياباني هاروكي موراكامي خاصة في روايتي كافكا على الشاطىء ورواية الغابة الدانمركية. وفي الواقع، كان احتكاكي بالآداب الآجنبية مثمراً وملهماً لي أكثر من الإبداعات العربية، شعراً وسرداً، ولا أعيد ذلك إلى الأسبقية بقدر ما أعيدها إلى الاحتراف والانهماك والإخلاص، إضافة إلى البيئة القارئة. أنا أرى أنه لا بد لكل كاتب عربي الاطلاع على الآداب الأجنبية.

س 9: في ضوء إيصال القضية الفلسطينية الى العالم، هل استطاع الحراك الثقافي الفلسطيني تحقيق نوع من النجاح؟ وما أبرز معرقلات هذا التوجه؟

ج9: لا أدري إن كانت القضية الفلسطينية قد وصلت إلى العالم، لأنها لو وصلت لتغيّر المزاج العالمي وانتهى النزوح الفلسطيني، أقول هذا الكلام رغم ما يقال أن ما حدث في السابع من أكتوبر 2023 عرّف العالم على القضية الفلسطينية، إذن، ماذا كان الفلسطينيون يعملون طول سبعين عاما؟ في الواقع، تعرّف العالم على الدم الفلسطيني وليس القضية الفلسطينية، وفي هذا، لا فضل للمثقفين الفلسطينيين في ذلك. إن من أهم أسباب الفشل يعود إلى الانقسام الفلسطيني، ولا أعني به بين حركة فتح وحركة حماس، لأن الفلسطينيين منقسمون منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي، شعب صغير توزّع على عشرة تنظيمات وأكثر، ولكل أيديولوجيته وانتماؤه وتحالفاته. وكل تنظيم كان يعرّف بنفسه وليس بفلسطين. ومن ناحية أخرى، المثقف الفلسطيني مقيّد من قِبَل المؤسسات الرسمية والتنظيمات، أي أنه ليس مستقلاً. وفي ظل هذا الواقع وجدنا المثقف الفلسطيني يروّج لنفسه أكثر من القضية الفلسطينية (اتحاد الكتاب الفلسطينيين نموذجاً). وأستطيع القول الآن، إنه لا يوجد حراك ثقافي فلسطيني حر، لهذا تعود القضية الفلسطينية إلى نقطة الصفر بين فترة وأخرى.. إنه موضوع مؤلم يا صديقي.. !

س 10: لشبكة التواصل الاجتماعي تأثيراتها الايجابية والسلبية. ما وجهة نظرك ازاءها؟

ج10: وسائل التواصل الاجتماعي هي ثمرة التقدم التكنولوجي والتقني العالمي الذي لم يكن للعرب فيه مساهمة تُذكر. فنحن نستورد كل شيء بما فيها تلك الوسائل التواصلية الاجتماعية. والبعض يراها وسائل تدميرية بينما يراها البعض الاخر، وسائل ذات فائدة. وفي الواقع فإن طريقة استخدام الإنسان لتلك الوسائل، أو أي منتج آخر، عي التي تقوده إلى الخير أو الشر. بالنسبة لي، أرى وسائل التواصل الاجتماعي أو السوشال ميديا، عوامل مساعدة تخدم المبدع في نشر أعماله، والتعبير عن رأيه، والاحتكاك مع قرائنه وقرائه، هي منصّات تفاعلية ثقافية، وقد أفادتني كثيراً، ويعود لها الفضل في لقائي بك من جديد. ومن جهة أخرى، يستخدمها البعض بطريقة خبيثة تدميرية، لهذا السبب هناك توجه لمنع القُصر في أوروبا من الوصول إليها واستخدامها، نتيجة لاستخدامات خاطئة.

***

اجرى الحوار: مـحمـد سهـيل احـمد

القصة القصيرة جدا كتابة ضد الفائض والتكرار

نعيمة الحمامي: شاعرة وقاصة تونسية، عضوة فاعلة في المركز الثقافي “ريدار “، ومن مؤسسي الملتقى الوطني للقصة القصيرة جدا بمنزل تميم، هذا إلى مساهمتها النقدية.

صدر لها ديوان شعر بعنوان” حي على الرقص”، وبمناسبة صدور مجموعتها القصصية القصيرة جدا التي اختارت لها “ رغيف ساخن “ اسما، كان لنا معها هذا الحوار:

س- من تكون نعيمة الحمامي شاعرة وقاصة في هذا العالم الذي يروم السرعة والتكثيف؟

ج - سؤال جميل… سياقه ينسجم تمامًا مع انشغالي بالق. ق. ج. نقدا وكتابة.

انا نعيمة الحمامي التوايتي شاعرة وقاصّة تونسية، اضطلعت المدرسة العمومية أوّلا وكذلك المكتبة العمومية بمسقط راسي منزل تميم، بدورٍ محوري في غرس عادة القراءة وحبّ المطالعة في أعماقها منذ سنّها الحليبي. مؤسّسات حاضنة لم تقتصر وظيفتهما على توفير الكتب والفضاءات المخصّصة للقراءة فحسب، بل خلقت مناخٍ ثقافيّ يوقظ الفضول المعرفي ويغذّي الرغبة في الاكتشاف. فالمدرسة، عبر المعلمين وأنشطة التعليم والتعلُّم كانت بوابة أولى نحو عالم الكتاب. في حين مثّلت المكتبة العمومية بمنزل تميم امتدادا طبيعيا لهذا الدور عبر الأنشطة الثقافية والمسابقات القرائية، وبما تتيحه من إمكانية الولوج المجاني إلى مصادر المعرفة. كمايبرز حرص العائلة، حتى وإن كان المستوى التعليمي للأبوين محدودًا جدّا، على تحفيز الأبناء على التعلّم والمطالعة، من خلال التشجيع المعنوي، وتوفير الوقت الهادئ للقراءة، وترسيخ قناعة بأن المعرفة سبيلٌ /للارتقاء الفردي والاجتماعي. وهكذا تضافرت جهود المدرسة والمكتبة والأسرة ليتشكّل مثلثً تربويً وثقافيً أسهم في بناء علاقة مبكّرة ومتينة مع الكتاب. علاقة سرعان ما تطوّرت في اتجاهٍ إيجابي مع مرور السنوات والدراسة الجامعية. فتحوّلت القراءة من عادةٍ مدرسية إلى شغفٍ معرفيّ، ثم إلى مشروعٍ إبداعيّ واعٍ، أثمر أديبة جمعت بين الشعر والسرد والدراسات النقدية. اديبة انفتحت في كتابتها على مختلف القضايا الإنسانية والاجتماعية والثقافية، مستغلة أيضا تكوينها الأكاديمي العميق في اختصاص شعبة التاريخ بالجامعة التونسية، متفاعلًة مع تحوّلات واقعها ومشاغل عصرها.

ومع بروز زمنٍ يتّسم بالسرعة، وتراجع الإقبال على النصوص الطويلة، واختزال الزمن القرائي، اتّجهت نعيمة الحمّامي التّوايتي إلى أشكال التعبير الوجيز، مسايرة لإيقاع العصر دون التفريط في العمق الدلالي والجمالي. وعيا بظرورة التوفيق بين متعة النصّ وضرورات اللحظة الحضارية.

تجسّرت العلاقة بالقصّة القصيرة جدّا فجعلت من نعيمة الحمّامي كائنا لغويّا يقيم في المسافة الضيّقة بين الصمت والكلمة في عالمٍ تتسارع فيه الوقائع وتختزل فيه المسافات والمعاني في إشارات خاطفة.

فالقصة القصيرة جدًا هي... كتابة ضدّ الفائض، ضدّ التكرار، ضدّ الاستهلاك... ومن هنا يتشكّل وعي القاصّ المعاصر: أن يصنع من القليل عالمًا، ومن اللقطة سردًا مكتملًا.

فيكتب ضدّ الترهّل، وأن يجعل كل جملة ضرورة سردية. على راي الأكاديمي والناقد التونسي احمد السماوي

س- من أين جئتَ أنتَ القصّة القصيرة جدًا، وأنت الشاعرة القاصّة في هذا العالم الذي يروم السرعة؟

ج- لم يكن دخولي إلى عالم القصة القصيرة جدًا حدثًا معزولًا أواختيارًا فجائيًا، ولم يكن وليد الممارسة وحدها، بل تأسّس على وعيٍ قرائيّ ونقديّ سبق الكتابة ورافقها. ضمن سياق ثقافي ومعرفي متكامل أسهم في تشكيل وعيي بهذا الجنس الأدبي.

فقد أتاحت لي ورشات الكتابة التي شاركت فيها، واللقاءات الأدبية والنقدية التي تابعتها، والملتقيات المتخصّصة، ولا سيما الملتقى الوطني للقصة القصيرة جدًا في تونس الذي يقام سنويا في الرواق الثقافي "ريدآر" بمدينتي منزل تميم وهو فضاءً حيً للحوار وتبادل التجارب والاحتكاك المباشر بالكتّاب والنقّاد المهتمّين بهذا الفن.

منصّات التواصل الإجتماعي، مصافحة ماكتب من مقالات وكتب عن الوجازة آخرها "كتاب الأدب الوجيز وإشكالية التجنيس" (أعمال الدورة الأولى الملتقى العلمي الدولي للأدب الوجيز 2023، سوسة) تنسيق الدكتورة الاديبة إلهام بوصفّارة...

هذا السّياق الثقافي أتاح لي فرصة الانفتاح على النصوص المرجعية في الدّراسات السردية الوجيزة والتي أرست ملامح هذا الجنس السردي وحدّدت مقوّماته الأساسية من تكثيفٍ لغويّ، وإيحاءٍ دلاليّ، وبناءٍ على الفجوات النصيّة، وقفلةٍ تُراهن على المفارقة والانزياحات. وفهم رهاناتها الجمالية.

وفي مقدّمة هذه النصوص المرجعية، النص المنسوب إلى إرنست همنغواي: "للبيع: حذاء طفل، لم يُلبس قط".

وهو نصّ قصير للغاية، من ستّ كلمات، لكنه يؤسس عالمًا حكائيًا كاملًا عبر الإيحاء والفراغ الدلالي، ويُعدّ نموذجًا تطبيقيًا على قدرة القصة القصيرة جدًا على بناء الحكاية بالصمت أكثر من الكلام.

نصّ من ست كلمات فقط كشف لي كيف يمكن لجملة واحدة أن تُقيم عالمًا سرديًا كاملًا بالإيحاء لا بالتصريح.

كما أسهمت مختارات عالمية جمعت نماذج في القصة القصيرة جدًا، من ثقافات متعددة وقدّمت مقدمات تنظيرية حول مقومات هذا الفن، في ترسيخ حضوره في ذهني بوصفه جنسًا أدبيًا عابرًا للغات والحدود. في المشهد الأنجلوسكسوني، مثلا رسّخت تجارب كتّاب مثل شيري فليك تقنيات الفلاش فيكشن، حيث تتحوّل الجملة المكثّفة إلى وحدة سردية مشحونة بالدلالة.

في السياق العربي، تابعت تجارب روّاد السرد المكثّف ممن راهنوا على القصة الوجيزة كأفق تعبيري جديد، يقوم على الاختزال والتكثيف، واعتبر النقاد نصوصهم إرهاصات لولادة القصة القصيرة جدًا عربيًا، حتى قبل استقرار المصطلح.مثل نصوص السوري زكرياء تامر...

وفي المغرب الأقصى يعدّ “أحمد بوزفور" و" عزّ الدين الماعزيّ” من أهمّ رواد القِصّة القصيرة جدًّا إلى جانب حسن برطال، نذكر فاطمة بوزيان، وعبد الله المتّقي ومصطفى لغتيريّ وآخرين…

انفتاح قراءتي على هذه التجارب المختلفة عزّز ادراكي بتنوّع أساليب الق. ق. ج. وتعدّد طرائق القبض على اللحظة الإنسانية الخاطفة. كما أسهم، في بناء خلفية نظرية رافقت الممارسة الإبداعية.

هذه المناخات المتنوعة جذبني تدريجيًا إلى عالم القصة القصيرة جدًا، لا بوصفها ممارسة كتابية فحسب، بل كأفقً للكتابة والنقد معًا، يواكب إيقاع العصر ويستجيب لتحوّلات الذائقة القرائية المعاصرة. التي أعادت النظر في مفاهيم الحكاية والزمن والشخصية والحدث.

تكاد أغلب المقاربات تجمع على أنّ هذا الشكل لا يُختزل في قِصر الحجم فحسب، بل في تحويل الاختزال إلى قيمة جمالية، حيث تُستبدل الوفرة الحكائية بالإشارة، ويُعوَّض السرد الخطي بالإيحاء، وتُبنى الدلالة في المسكوت عنه أكثر مما تُبنى في المنطوق.

كما أبرزت علاقة القصة القصيرة جدًا بثقافة العصر الرقمي؛ فوسائط التواصل الاجتماعي أسهمت في ترسيخ الحاجة إلى نصوص خاطفة ذات أثر فوري، دون أن يعني ذلك تفريطًا في العمق الجمالي. وبذلك غدت القصة القصيرة جدًا شكلًا سرديًا يستجيب لتحوّل أنماط القراءة، ويعيد تعريف مفهوم "الحكاية" بوصفها ومضة معنى لا سردًا ممتدًا

هكذا تداخل المرجعي بالنصي، والنظري بالتطبيقي، والذاتي بالجماعي، ليصوغ سياقًا كاملاً جعل دخولي إلى عالم القصة القصيرة جدًا دخولًا واعيًا، لا بوصفها ممارسة كتابية فحسب، بل مشروعًا سرديًا ونقديًا يسعى إلى التقاط المعنى في زمنٍ يتقاصر، والقول في مساحةٍ تتقلّص، والكتابة في عصرٍ يطلب الومضة لا النصّ الطويل.

س- ما هو تصورك للقصّة القصيرة جدّا وكيف ترين مستقبلها في السّنوات القادمة؟

ج- القصة القصيرة جدًا هي نصّ سرديّ بالغ التكثيف، يقوم على:

* الاختزال دون فقدان المعنى.

* الدهشة باعتبارها جوهر الأثر الجمالي.

* المفارقة كآلية توليد الدلالة.

* القفلة الصادمة التي تعيد قراءة النص كله.

* اقتصاد الشخصيات والزمان والمكان إلى الحد الادنى

* اقتصاد لغوي يُحوّل اللغة إلى فعل سرديّ مكثّف لا وصفيّ.

إنّها كتابة تُشبه "الشرارة":صغيرة في حجمها، كبيرة في طاقتها الدلالية.

هي أقرب إلى "قصيدة سردية خاطفة"، لكنها لا تتخلى عن جوهر الحكاية مهما صغرت.

أرى أن مستقبلها واعد جدًا لعدة أسباب:

أولًا: التحوّل الرقمي

زمن القراءة السريعة ومنصّات التواصل يجعل النصوص الوجيزة أكثر توافقًا مع إيقاع الحياة الحديثة. القصة القصيرة جدًا ستصبح جنسًا مركزيًا في النشر الرقمي.

ثانيًا: تحوّل الذائقة

القارئ المعاصر يميل إلى النصوص التي تمنحه أثرًا فوريًا وعميقًا في وقت قصير. وهذا بالضبط ما تحققه القصة القصيرة جدّا.

ثالثًا: اتساع التجريب بظهور فضاءات تعبيرية جديدة، وليدة التحوّلات التكنولوجية والوسائط الحديثة.

فتداخل القصة القصيرة جدًا مع الصورة ومع اللوحة التشكيلية وقد ترافقها خلفية موسيقية إو صوت قرائي إو لقطة سينمائية خاطفة وهذا يخلق نوعًا من السرد البصري الذي يناسب طبيعة القصة القصيرةجدّا القائمة على اللقطة الخاطفة.

كما أنّ ظهور النصوص التفاعلية تجعل من الق. ق. ج. أقرب إلى لعبة سردية" متعدّدة المسارات، غير مغلقة على قفلة واحدة تجعل القارئ يشارك في بناء مسار القراءة، ولا يكون متلقيا سلبيًا. وهكذا تنتقل القصة القصيرة جدًا: من القراءة الصامتة إلى تجربة حسّية كاملة. متعدّدة الوسائط لها القدرة على التعبير عن روح العصر.

كما يشكّل ترسّخ النقد والتنظير أحد العوامل الحاسمة في تثبيت القصة القصيرة جدًا بوصفها جنسًا سرديًا مستقلًا له خصوصياته الجمالية، وجهاز مفاهيمي يحدّد خصائصه مثل التكثيف، المفارقة، القفلة، ووظيفة العتبات. ولم يعد التعامل مع القصة القصيرة جدًا قائمًا على الانطباع القرائي فقط، بل على مقاربات منهجية تُفرز النصوص وفق معايير جمالية دقيقة، وتؤسّس وعيًا نقديًا يرسّخ شرعية هذا الجنس داخل الحقل الأكاديمي.

برز في العالم العربي صوت إبداعي مميّز في كتابة القصة القصيرة جدًا، خاصة في المغرب وتونس والعراق وسوريا ولبنان، حيث أعادت التجارب العربية تشكيل هذا الجنس وفق خصوصيات اللغة العربية وإيقاعها الشعري وحمولتها الثقافية والاجتماعية. وبذلك تحوّلت إلى مختبر سردي ينتج هويته الخاصة، ويعبّر عن حساسية عربية معاصرة تجمع بين الومضة السردية والعمق الدلالي. ولم تعد مجرّد استنساخ لنموذج عالمي،.

. تصوّري في ختام إجابتي عن هذا السؤال انّ القصة القصيرة جدًا ليست "نصًا قصيرًا" فحسب، بل رؤية للعالم عبر ومضة.

مستقبلها هو مستقبل الكتابة نفسها في عصر السرعة:

كلما تسارعت الحياة، ازدادت الحاجة إلى فنّ الومضة.

س- بم اوحى لك (رغيف ساخن)، وانت تختارينه ثريا تعلقينه على سقف الغلاف؟

ج- عندما يوضع "رغيف ساخن" في أعلى الغلاف، فإنه يتحوّل إلى عتبة أيقونية (بتعبير بيرس). والأيقونة علامة تقوم على المشابهة بين الدال والمدلول أي علامة تشبه موضوعها بصريًا وتستدعيه حسّيًا.

فصورة الرغيف لا تشير إلى الخبز فحسب، بل تستدعي حسيًّا رائحته وحرارته وملمسه.

ومن ثمّ تتولد شبكة إيحائية متعددة المستويات:

اليومي: بما أنّ الرغيف هو رمز الحياة اليومية والخبز الضروري

الدفء: رغيف ساخن يوحي بالبحث عن الحنان والأمان

الحاجة إليه، تحيل إلى الجوع المادي والروحي.

اقتسامه، يشير إلى التضامن والانتماء والجماعة.

ورائحته، تحيل إلى الذاكرة، البيت والطفولة والأم.

على مستوى العتبة:

إنه يَعد القارئ بنصوص دافئة في ظاهرها، لكنها مُخاتلة لأنها تُخفي بين طياتها جوعًا داخليًا. وهنا يتحقق التفاعل بين العتبة البصرية وأفق انتظار القارئ.

بهذا المعنى لا يعود الغلاف مجرد إطار للنصوص، بل يوجّه أفق التلقي نحو قصص تحتفي باليومي البسيط، لكنها تخفي خلفه توتر (الحاجة والحرمان...). وهنا يتحقق ما تسميه جوليا كريستيفا "تداخل النصوص والعلامات" حيث يتكامل البصري واللغوي في إنتاج الدلالة.

يتيح حرف الفاء في عتبة "رغيف ساخن" قراءة سيميائية بصرية، حيث يتحول القوس العلوي إلى سقف يحتضن الحرارة، وتغدو النقطة حبة قمح، فتتشكل أيقونة رغيف داخل بنية الحرف ذاته. هكذا تتجاوز العتبة وظيفتها الإخبارية لتؤسس مشهدًا حسّيًا يسبق النص ويقترح أفق تلقي قوامه الدفء والجوع والحياة

س- ما القواعد التي التزمت بها وانت تكتبين قصيصاتك الخاطفة؟

ج - تقوم كتابة القصيصات الخاطفة على جملة من القواعد الفنية والضوابط الجمالية التي تميّزها عن باقي الأجناس السردية، لعلّ أبرزها مبدأ التكثيف الدلالي، حيث لا يُقاس النص بقصره الشكلي بل بقدرته على ضغط الحكاية والمعنى في أقل عدد ممكن من الكلمات دون الإخلال بوظيفة السرد. ويقترن بذلك اعتماد وحدة الحدث، إذ تُبنى القصة على لحظة سردية واحدة أو واقعة مفردة تُقدَّم في شكل ومضة خاطفة، مع اقتصاد صارم في عدد الشخصيات التي غالبًا ما تُلمَّح ولا تُوصَف. وتنهض اللغة بدور إيحائي يتجاوز التقرير المباشر، فتراهن على الصورة والرمز والتلميح، بما يجعل النص مفتوحًا على تأويلات متعددة. كما تُعدّ المفارقة آلية مركزية في بناء القصة القصيرة جدًا، سواء أكانت مفارقة حدثية أم نفسية أم دلالية، إذ تؤدي وظيفة قلب التوقع وإحداث الانزياح. وتكتمل بنية النص عبر القفلة التي لا تُشكّل نهاية سردية تقليدية، بل لحظة صدمة أو إدهاش تعيد توجيه القراءة بأكملها. ويظل الحذف عنصرًا بنائيًا ملازمًا لهذا الجنس، حيث تُترك فراغات دلالية يضطلع القارئ بملئها، فيتحوّل إلى شريك في إنتاج المعنى. أما العنوان فيتجاوز وظيفة التسمية ليغدو عتبة نصيّة فاعلة تساهم في بناء التوقّع أو تضليله أو استكمال الدلالة. فهي فنًّ سرديً يقوم على البرق لا على الامتداد.

ولعل القاعدة الأساس تقول:

أن القصة القصيرة جدًا كتب بالممحاة أكثر مما تُكتب بالقلم، لأن جوهرها ليس الإضافة بل الحذف الذكي.

س-: الكتابة حين تواتيك، كيف تُلبين نداءها... هل من طقس معيّن؟

ج- إذا كان الشعر، كما تقول سونيا الفرجاني، كامنًا يتمدّد كالحب، فإن القصة القصيرة جدًا هي ومضة هذا الكامن حين يلتقط لحظة انكشاف. طقس كتابتها لا يقوم على التخطيط المسبق بقدر ما يقوم على استعداد داخلي لالتقاط الشرارة السردية قبل انطفائها. إنّها كتابة تقوم على التربّص بالمعنى وهو يمرّ خاطفًا.

طقوس كتابة القصة القصيرة جدًا هي طقوس التقاط لا طقوس بناء، طقوس حذف لا طقوس إضافة، طقوس إصغاء لا طقوس إملاء. إنّها كتابة تُشبه اصطياد لحظة بارقة: لحظة خاطفة، مكثفة، تضيء ثم تختفي، لكن أثرها يبقى في عين القارئ طويلًا.

س- قصيصاتك بديعة وجميلة، قرأتها باعجاب، وتمنيت لو انا صاحبها... هل من وصفة أدبية لهذا التميّز لديك؟*

ج- لا أؤمن بالوصفة الجاهزة، لأن التميّز لا يُطبخ على نار واحدة.

ما أفعله أقرب إلى الاصرار على قنص التفاصيل الهاربة: لحظة عابرة، حركة يد، ارتجافة معنى. ألتقطها ثم أعرّضها للتكثيف وللمحو حتى أجرّدها من الزوائد، وأختبر قدرتها على الوقوف وحدها، بلا سند.

القصة القصيرة جدًّا نصّ دقيق البنية: كل كلمة يجب أن تبرّر وجودها،

وكل صمت يجب أن يقول ما تعجز عنه العبارة.

أكتب الحكاية وأراقبها وهي تتقلّص حتى تبلغ حبلها السردي: يعني تصبح حدثا خاطفا، مفارقة خفيّة، قفلة لا تغلق المعنى بل تفتحه على تأويل. عندها فقط أترك النص يخرج إلى القارئ.

س- ماحكاية هذا الحضور للجدار والزنزاتة والسّجان في اكثر من قصيصة؟

ج- إن تواتر الجدار والزنزانة والسجّان لا يدلّ على فقر في المخيّلة، بل على إصرار جمالي وفكري على جعل السرد فضاءً لاختبار معنى الحرية داخل شروط القهر، وبناء شعرية للحصار تكشف، عن توقٍ دائم إلى الانفلات والتحرّر.

إنّ تواتر هذا الحضور في أكثر من قصيصة في مجوعتي "رغيف ساخن" يكتسبُ قيمة تتجاوز التكرار الوصفي، ليغدو بنية رمزية مهيمنة تؤسّس عالَمًا، فيه من الواقع ومن التخييل، تُصاغ داخله أسئلة الحرية والقهر والوجود. فعناصر مثل الجدار، زنزانة لا تعمل بوصفها مكوّنات مكانية محايدة، بل تتحوّل إلى علامات دلالية متراكبة، تشتغل داخل النصوص باعتبارها "بؤر توتّر" تكثّف الرؤية الفكرية والجمالية لمجموعة " رغيف ساخن".

من منظور غاستون باشلار، لا يُفهم المكان في الأدب بوصفه إطارًا خارجيًا للأحداث، بل باعتباره مخزن الذاكرة والخيال. غير أنّ الفضاء هنا ينقلب من فضاء "حميم" إلى نقيضه العدائي: الزنزانة بوصفها بيتًا مسلوب الحميمية، وجدارًا يقطع علاقة الذات بالعالم الخارجي. بذلك تتحوّل وظيفة المكان من احتضان إلى حصار، ومن حماية إلى نفي. وهذا الانقلاب يمنح الفضاء السجني وظيفة نفسية عميقة: إنه إسقاط لحالة الذات المعاصرة التي فقدت مأواها الرمزي.

في المقابل، السجن عند ميشال فوكو ليس مؤسسة عقابية فحسب، بل نموذج مصغّر لعالم حديث يقوم على المراقبة والسيطرة على الأجساد. إن حضور السجّان المتكرّر في النصوص لا يرمز إلى فرد بعينه، بل إلى آلية السلطة ذاتها، التي تراقب وتحاصر وتقمع... وبذلك تتجاوز القصيصات بعدها الفردي لتقترح رؤية نقدية لمجتمع مراقب، تتحوّل فيه السلطة إلى بنية غير مرئية لكنها فاعلة في كلّ تفصيل في الزنزانة ووراء الجدران المغلقة يُجبر الانسان على مواجهة مسؤوليته في عالم لا يقدّم خلاصًا جاهزًا. هل تستسلم الذات للقيد أم تعيد بناء حريتها في الداخل؟ يبقى سؤالا وجوديًا مطروحا

س- من أين اتيت بهذه السخرية السوداء التي تسللت إلى بعض من قصصك؟

ج- لا تتسلّل الكوميديا السوداء إلى قصيصاتي بوصفها اختيارًا أسلوبيًا عابرًا، بل تسلّلت عبر ثلاثة معابر دلالية وجمالية كبرى:

أولا: وعيٌ بعبثية العالم؛ حيث يتحوّل الضحك إلى شكلٍ من أشكال المقاومة الرمزية في وجه واقعٍ فقد منطقه. في هذا المستوى تتقاطع القصيصة مع ما نظّر له هنري برغسون في كتاب الضحك، حين اعتبر الكوميديا آلية اجتماعية لكشف الاختلال في السلوك الإنساني، ولفضح هشاشة المعنى ذاته.

ثانيا: بناءٌ سرديّ قائم على التكثيف والمفارقة؛ إذ يفرض اقتصاد القصة القصيرة جدًّا اختزال الحدث إلى أقصى درجاته، فتغدو الجملة الأخيرة قفلة صاعقة تتجاور فيها الضحكة مع الطعنة. هنا تقترب الكوميديا السوداء من مفهوم باختين عن "الكرنفالية المعكوسة": عالم مقلوب، لا يحتفل بانقلاب القيم بل يبتسم ساخرا من نظامٍ فقد شرعيته. ويسخر ايضا من وضع الإنسان ذاته في هذا العالم

ثالثا واقع اجتماعي مأزوم، يتجلّى في البيروقراطية والعزلة والتهميش وتصحّر العلاقات الإنسانية. فيتحوّل الضحك إلى تهكّم لاذع يعرّي الواقع الجمعي وينتقده، ويؤدّي في الآن نفسه وظيفة تحرير الطاقة النفسية المكبوتة، وفق ما بيّنه فرويد في نظريته عن النكتة واللاوعي.

هكذا تتشكّل الكوميديا السوداء في هذه القصيصات من تفاعل العبث الوجودي، والاقتصاد السردي المفارق، والوعي النقدي بالواقع الاجتماعي، لتغدو ضحكًا مرًّا يضيء الفاجعة بدل أن يبدّدها.

س- ما المنابع التي تستمدين منها كبسولاتك القصصية؟

ج- لا أستمدّ قصيصاتي من مصدر بعينه، بل من توتّر دائم بين الواقع واللغة، ومن فجوة في المعنى، من صمتٍ أطول من الجملة. كتبت من اليومي حين يتكثّف ومن القاع الهامشيّ حين ينكسر.

كتبتُ من الذاكرة حين تُعيد ترتيب نفسها كحكاية ناقصة. القصّة القصيرة جدّا ليست اختزالًا للحكي، بقدر ما هي تقطيرٌ له، حيث تتحوّل التجربة إلى ومضة دلالية مشحونة.

س- ماذا عن الغلاف الزمني لكتابة القصة القصيرة جدًا؟

ج- زمن كتابة القصة القصيرة جدًا زمنٌ مُخادع ومُراوغ؛ قد تولد في لحظة زمنية، لكنها تتخمّر طويلًا في الداخل.

الق.ق.ج. هي لحظة انبثاق بعد نضج خفي أحيانًا تُكتب في ومضة، وأحيانًا يستغرق حذفُها زمنًا أطول من كتابتها لانها تُكتب أيضا بالممحاة. فهذا الجنس لا يحتمل الترهّل، بل يراهن على ما يُقال وما يُحذف معًا، لأن اساسها التكثيف، والاقتصاد لغتها.

فهي فنًّ سرديً يقوم على اللحظة الخاطفة لا على الامتداد.

ولعل القاعدة الأساس تقول:

أن القصة القصيرة جدًا تُكتب بالممحاة أكثر مما تُكتب بالقلم، لأن جوهرها ليس الإضافة بل الحذف.

وعليه، تُكتب "القصة القصيرة جدًا في لحظة، لكنها تُصاغ في زمن طويل. زمنها -الحقيقي ليس زمن الكتابة، بل زمن الحذف والتكثيف."

س- ماهو رايك بحاضر الومضة القصصية في تونس؟

ج- حضور الوجازة عموما والومضة القصصية خصوصا في تونس يمكن ان يُفهم ضمن تحوّلين متداخلين:

تحوّل سياقي-ثقافي أعقب سنة 2011، وتحوّل مرتبط بانتشار الفضاء الرقمي.

فمرحلة ما بعد 2011 افرزت انفجارًا في التعبير وتحرّرًا من الأطر الرقابية والمؤسّسية، ما أتاح للأصوات الشابة والكتابة الهامشية أن تتقدّم إلى الواجهة.

في هذا المناخ، وجدت الادب الوجيز ومنه القصة القصيرة جدًا، بوصفها جنسًا مفتوحًا ومقتصدًا، ارضية ملائمة للانتشار، لأنها تستجيب لرهان السرعة، وتلتقط اليوميّ والهشّ والعابر في لحظة توتّر دلالي مكثّف.

ومن جهة ثانية، أعادت وسائط التواصل الاجتماعي تشكيل علاقة الكاتب بالنصّ والقارئ معًا. فقد أصبح النصّ القصير الوامض قابل للتداول السريع والمشاركة، تحوّلت الومضة إلى شكلٍ تعبيري يتقاطع مع منطق "التدفق" و"الاختزال" الذي تفرضه الصورة.

غير أنّ هذا الانتشار الكمي لا يوازيه بعدُ تأصيل نقدي كافٍ؛ إذ ما يزال هذا الجنس يعاني من هشاشة في التحديد النظري ومن تردّد في الاعتراف به داخل المؤسّسة الأدبية، وهو ما يطرح إشكال الشرعية الجمالية والمعرفية.

القصّة القصيرة جدّا في تونس تعيش اليوم طورًا انتقاليًا وازدهارًا في الممارسة مقابل تأخّر في التقعيد، واتساعًا في التداول مقابل محدودية في التأطير النقدي رغم بعض المحاولات.

وعليه، إنّ القصّة القصيرة جدّا في تونس، رغم انّ ارهاصاتها الأولي التي ظهرت منذ سبعنات القرن الماضي مع ساسي حمام وصالح الدمس وغيرهما إلّ أنّها تبقى وليدة لحظة ما بعد سنة 2011 وابنة الإنفجار التّواصلي الرّقمي، ازدهرت في مناخ الحريّات... لكنها لا تزال تنتظر إعترافا نقديا يوازي انتشارها.

***

حاورها: عبد الله المتقي

 

ديواني صرخة داخلية تنبش في أحشائي

عماد بوعزيزي: شاعر مغربي، يكتب كي ينشر التحاب وكل قيم الجمال، ينتشي حينا بالحزن، وحينا آخر بالفرح، يكتب للمرأة والحب والوطن.. على هامش احتفاء جمعية ناقوس للثقافة والتراث والفن بمدينة تطوان بديوانه “ سمان الليل” كان لنا معه هذا الحوار:

س: ما معنى أن تكون شاعرا والقارئ تبتلعه مباريات البارسا والريال، أو الفايس كل الوقت؟

ج: الكلمات الصادقة والأشياء الجميلة تمور في حضرة الثقافة، وفي دوامة صراعها مع البقاء، وتتناسل صور إثبات الذات وأشكال المقاومة للتردي، وتشيع لغة الابتذال، ويتسيد الغزو الثقافي المشهد بكل تمثلاته، وتنتشر أسباب الاستلاب الهوياتي بمختلف مظاهره، وتجد الفنون الأصيلة نفسها في عزلة فرضتها لغة اللهو التي استأسدتي الوقت الذي تتصارع فيه، الأسئلة الوجودية، وتمور مورا في دوامة صراعها مع البقاء، وتتناسل صور إثبات الذات وأشكال المقاومة للتردي، وتشيع لغة الابتذال، ويتسيد الغزو الثقافي المشهد بكل تمثلاته، وتنتشر أسباب الاستلاب الهوياتي بمختلف مظاهره، وتجد الفنون الأصيلة نفسها في عزلة فرضتها لغة اللهو التي استأسدت مورا في دوامة صراعها مع البقاء، وتتناسل صور إثبات الذات وأشكال المقاومة للتردي، وتشيع لغة الابتذال، ويتسيد الغزو الثقافي المشهد بكل تمثلاته، وتنتشر أسباب الاستلاب الهوياتي بمختلف مظاهره، وتجد الفنون الأصيلة نفسها في عزلة فرضتها لغة اللهو التي استأسدت وأضحت لسان كل حال، وحديث كل شأن، حتى بات فن الشعر غريبا، وأضحى الشاعر يحمل على كتفه مهمة ثقيلة، ومسؤولية جسيمة، تسائله في وجوده وحضوره، وتدعوه أن يعيد رسم خارطة معنى أن تكون شاعرا.

بالنسبة لي، أن أكون شاعرا سيدي، أن أكون مقاوما لذاتي اولا من تردي الواقع، وأكون حصنا بمبادئي، من الانجراف نحو ذلك التيار الذي يهوي بكل الانشغالات خارج اهتماماتك واولوياتك التي نشأت في أحضانها.

أن تكون شاعرا، أن تكون حاملا لرسالة كبرى، في إشاعة الجمال، ونشر قيم الرقي والحب بين الناس.

أن تكون شاعرا، معناه أن تقاوم كل ما يبدد أسباب وجودك، ويقيم حارسا على أفكارك ومبادئك، وان تقيم صرحا بمشاعر الحرية، مناضلا عن قيمتها.

أن تكون شاعرا، أن تبقي على الإنساني فيك، وتكون للٱخرين عند ابتعادهم، قريبا منهم، قصائدك هي جزء من همومهم، تحمل في طياتها أسماءهم ووهوياتهم.

س: الإصدار الأول، شبيه بالمولود الأول، وكلا الولادتين واحدة، فرح وبهجة، فهلا قربتنا من بهجتك وأنت تتسلم النسخة الأولى من ديوانك الأول (سمان الليل) من الناشر؟

ج: إصدار هذا الديوان وولادته، عرف مخاضا عسيرا، قبل أن يرى النور، لذلك كان تلقيه بالنسبة لي وهو على هيئته تلك، شكل لي صدمة في بادئ الأمر، لعدة أسباب تتعلق بظروف النشر والرقن، - لأنه تزامن مع جائحة كورونا- ورغم ذلك كان مجرد إصداره قد شكل لي، حدثا وتحولا في مساري الشعري.

كيف ذاك؟ ربما، الإجابة عن هذا التساؤل، هو في حد ذاته جواب مضمر، لأن المنجز الشعري الأول، باكورة العمل - كما تحب- هي بالنسبة للشاعر تحمل عليه، مسؤولية العبور إلى الضفة الأخرى، أو بتعبير ٱخر، يصبح أكثر حرصا في اختياراته للقصائد التي سينقلها للقارئ، وأكثر دقة في رسالته، وكتابته ونظمه، التي سيستقبلها بلا شك متلق متذوق، وحامل لمرجعيات أدبية وثقافية مختلفة.

لهذا الأمر، فالتأني والتردد مطلوب في هذه المرحلة، حتى ينضج العمل ويأخذ وقته من التأمل والاجتهاد والإخراج.

س: ما سبب اختيارك للسمان والليل عنوانا، وجملة اسمية علقتها في سقف هذه المدونة الشعرية؟

ج: إذا تأملت معي نصوص الديوان، فستألفها قصائد للحب وللمرأة وللوطن، تناثرت تيماتها من ذاكرتي بهذا الشكل، ولم أختر ما أكتبه من شعر، بل هو من سقط الأحاسيس التي توقظ مشاعري، وانتشائي بالحزن والأسى والفرح أحيانا،

وهي عناوين كبرى، تجد في طائر السمان والليل حضنا لها، ورمزا تلتئم فيه إعصاراتها، وتهدأ قرب هذا السمان الذي كنت ألازمه ليلا في منفاي.

واختياري للسمان ولليل، نابع من تجربة مرت معي، وأحببت أن تتقاسمها جميع القصائد والومضات التي حواها الديوان. السمان بالنسبة لي هو النهار /الأمل الذي ابحث عنه، والنور الذي قد يتلألأ في جوف وعتمة ليل غربة كنت أكابدها، وأبحث عن منجا لعزلتي وغربتي، بعد أن بارحت موطني كهذا الطائر. وهذا الطائر هو من الطيور المهاجرة، التي تريد البحث عن وطن آمن لها يؤمن لها حريتها، ويمنح لها الكرامة والطمأنينة في عيشها. وهذا إحساس مجرب لدي عشته اضطراريا خلال فترة أثناء مزاولتي للعمل في البادية وعند قمم الجبال. إحساس بالاغتراب والعزلة وهجرة الأحباب والحبيبة، بعيدا من أجل لقمة العيش، والليل أعتبره أكثر الأوقات دلالة على الحزن، وأنسبها ميلا للإنسان للتعبير عن المرارة والوجع... السمان والليل، وجع صرخة للحب وللوطن.. يعج تجارب حياتية شخصية ومواقف إنسانية قد يتقاسم معي مرارتها أناس كثيرون طالما أننا نحتسي من نفس الكاس التي تروى كل نفس تعيش الحياة وتقاسي التجارب وتكابر الواقع. وتحاول معاندة الأقدار الحزينة. طبعا، نحن نؤمن بالقدر ولا نجاريه بل نحاول تغييره ونناضل من أجل كرامة العيش وننعم بالحرية في كل شيء. وهو حلم كل إنسان على وجه هذه الأرض دون اعتبار لجنسية أو دين.، أو انتماء...  أتمنى صديقي، أن أكون قد اقتربت من وصف عتبة الديوان.

س: تحضر المرأة في أكثر من قصيدة، فهل هي امرأة حقيقية؟ إم لا تعدو أن تكون امرأة شعرية ومتخيلة؟

ج: أصدقك القول سيدي، إنها امرأة شعرية متخيلة، إنها المرأة التي أجد فيها ذاتي، وأحمل معها أحلامي وأفكاري، وأتصورها شبيهة لروحي، لا أبتغي غيرها بديلا، مهما تقدمت في السن، أو ظللت وحيدا في حياتي، أحبها امرأة مناضلة على كل الجبهات، رفيقة وحبيبة. وليس معنى هذا أنني أريدها امرأة مثالية، فمدينة افلاطون الفاضلة والمثالية لا وجود لها في عالم الواقع، فذاك عالم المثل.

أريدها، كما تريدني، وسوف أفتش عنها بين دروب الزمن- كما قلت في إحدى قصائد ديواني سمان الليل- وستفتش هي الأخرى عني، وقد نلتقي وقد لا نلتقي.

س: ما رأيك إن قلت لها إنها امرأة حقيقية، إنها (دونا) التي حرفت اسمها؟

ج: ٱه، يا صديقي، انت تشاغب ذكرياتي، وتحفر في ذاتي حفرا عميقا، وتبحث في اسرار هذه المرأة الشعرية عندي، وهي دونا، الحقيقية عندك في مرٱة شعري.

دونا، حاضرة في هذا الديوان، وستكون حاضرة في أعمال مقبلة - إن شاء الله- وهي كانت حاضرة وموجودة، بل قد ولدت قبل وجودي، لغز كما ترى أليس كذلك؟!

دونا، قصة طويلة قد اختصرها لك في كلمات قليلة، انظر معي: الوالدة ـ يحفظه الله- وقد كانت صغيرة، كانت كمثيلاتها من بنات جيلها - المحظوظات طبعا منهن- بعد أن يفرغن من الدراسة، يتوجهن إلى بعض دور ما يسمى بالمعلمات، لتلقي تعليم الطرز وغيره، وقد كانت "مْعَلْمة" أمي تدعى دونا، وهي يهودية الديانة، وقد كانت بارعة في صناعتها، بشهادة الجميع.

وهكذا، ولدت دونا، في مخيلتي، ونقش اسمها في قلبي وذاكرتي، كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟

فارتضيتها، حبيبة، وارتضيتها رمزا حاضرا في ذهني وشعري وحياتي. فهي كما ترى امرأة شعرية متخيلة، وامرأة حقيقية، وكفى.!

س: الرحيل، الغياب، الحنين، الخيبة... ما حكاية هذا القاموس الجارح؟

ج: ديواني المتواضع، أعتبره صرخة داخلية، تنبش في أحشائي، كل إعصار مؤرق، وتسعر كل إحساس يجيش فيَ بوحا وانتفاضا ضد كل ما تعتصره مشاعري ودواخلي، وما تحمله ذاتي وذاكرتي من ومضات تشوبها جروحا ومواقفا،

ديوان للمرأة وللوطن، وهما دلالاتان لا تنفصلان ولا تتناقضان، بل في فهمي البسيط تتكاملان وتتحدان. لأنه متى يذكر الوطن، ارتبط ذكره بالحب/ المرأة، والمرأة هي الوطن.

ومتى تحدثنا عن الحب نبحث عن القلب/ المكان/ الوطن، فإن لكل محب موطنا ومكانا يرتبط به. وفي موروثنا الشعري الجاهلي قصائد عدة تحفل بذكر الديار. دلالة على الأمكنة، واعتبرها دلالة على الأوطان، وكل رموز للحب.. إذا لاحظت معي تلك القصائد، ستلحظ كيف أن الشعراء لا يمكن لهم أن يتحدثوا عن الحبيب وعن الحب دون أن تذكر الأوطان ويستحضرون الغياب، والغربة، والحنين، والأمانة الشاهدة على هذا الحب، وقد أنشد الشاعر الجاهلي امرؤ القيس في هذا الصدد، في بيت من معلقته المشهورة، وهو يقدم للحديث عن حبيبته:

قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل

يسقط اللوى بين الدخول فحومل

وذكر الغياب والحنين والخيبة هي مرارات الشاعر، وديدنه في الإفصاح عن أحاسيسه، التي يحملها شعره غالبا، ولن أبالغ إذا قلت أنه قلّ أن تجد شعرا لم يتضمن هذه التيمات، ربما كل شاعر قد يغلب على شعره تيمة دون أخرى، ولكني أستاذي عبد الله، أميل من بداياتي في اختياراتي الفنية والأدبية إلى كل ما هو حزين، وهذه قصة أخرى لي سواء مع تدرجي منذ صباي في درس الموسيقا، حيث كنت أهوى كل أغاني اللحن الحزين، أي الموسيقار فريد الأطرش، والشعر بعده وجدتني أكتب الحزن والجراج وكل الخيبات.

والحزن هو شعور إنساني يمنحنا إنسانيتنا ويثبتها، وشاعرنا الكبير نزار قباني جعل الحزن هو الإنسان، وقد أنشد في إحدى قصائده المغناة: لم أعرف أبداً أن الدمع هو الإنسان،

أن الإنسان بلا حزنٍ ذكرى إنسان".

أتعتقد ان غير دونا هو سبب حزني، والجرح العميق الذي يملأ جوارحي بعد هذا الذي ذكرته لك؟!

أربع سنوات والقارئ ينتظر (كتاب لظى الحروف) ورواية (دونا) والكتاب النقدي في الإبداع .

وعليه، ما مصير هذا الذي أعلنت عنه خلف الدفة الثانية من غلاف ديوانك (سمان الليل)؟

قد ذكرت لك عند بداية حديثنا، أنني عند ما تلقيت خبر ولادة السمان والليل، بذاك المخاض العسير، بدأت أتردد في الإقبال على النشر، لعدة أسباب من أهمها: التريث في إخراج العمل، فلا أتسرع في ذلك إلا إذا كان يليق مضمونا وشكلا، أحترم فيه ذوق المتلقي أولا، ثم العمل على تجويد المنجز الإبداعي أو النقدي، وإخراجه في حلة تكون إضافة المكتبة العربية.

سبب ٱخر، يرجع إلى التزامات علمية، وانشغالات أخرى، وأعد القارئ بقرب انتهائي من طبع ونشر الديوان الثاني، وعمل شعري ٱخر قريبا.

أما رواية دونا، فهي تعيش مخاضا، بعد أن رغبت في ترك الوقت الكافي لإخراجها، أما الكتب النقدية فهناك مشروعان جاهزان، لا ينتظر ان سوى مراجعات وتحقيقات وتدقيق علمي.

س: بم يتهم عماد بو عزيزي؛ عماد بو عزيزي؟

ج: سؤال مشاغب جدا، ولا يصدر إلا عن ناقد جهبذ مثلك، بكل اختصار عماد بوعزيزي، يتهم عماد بوعزيزي عند محكمة الحياة، أنه مقصر من ناحيته، أعطى الحيز المهم من عمره لأشياء وأشياء، نسي عماد بوعزيزي، نسي ذاته، حتى تاهت عنه دونا، وضاع من عمره ليس قليلا.

ربما لأنه قد نسي، وربما لأنه لم يك محظوظا، وربما قد يكون قد ظلمته وخانته الكلمات.

س: أمامك مجموعة من الكلمات، أجبني بكلمة

الحب: مستحيل

البحر: حلم

الحرب: مأساة

الحبر: نضال

***

حاوره: عبد الله المتقي

- في البداية، نود أن تشرح لنا مفهوم «ولاية الفقيه» بشكل مبسط؟

- بالنسبة لبداية المعلم بالمذهب والمدرسة، هناك أمور فيما يتعلق بجانب الفقاهة من حيث علاقته بالله سبحانه وتعالى وعلاقته بالآخر، وما يتعلق بقضية الحكامة، وهل الحكامة في الحقيقة لها علاقة بالجانب الاهوتي أم هي جانب بشري متحرك كأي جانب آخر، وكذلك ما هي محدودية ما يتعلق بقضية الحكامة، وهل هي متعلقة بالجانب الغيبي أو متعلقة بالجانب البشري الظرفي المتحرك.

ولعل القضية الكبرى المتعلقة بخصوصية المدرسة الشيعية الاثني عشرية أن الأرض لا تخلو من إمام ولهذا حاول الكركي في القرن العاشر الهجري أن يقدم نظرية ما يسمى بولاية الفقيه، ولكنها محدودة، وتطورت هذه النظرية إلى الفترة الأخيرة مع الخميني، ودخل فيها البعد العقائدي بشكل كبير، فأصبح على أن الفقيه ينوب عن الإمام الغائب، ليس فقط فيما يتعلق بجوانب الفقاهة أو ما يتعلق بالشأن العام كالقضاء والحدود وإقامة الأعياد وغير ذلك، وإنما يدخل حتى في قضية النيابة عن إدارة الشأن العام للمسلمين.

- ما الدور الذي لعبه الخميني في تطوير هذه النظرية، خصوصاً أنه كان يلقى معارضة شديدة من فقهاء الشيعة في ذلك الوقت؟

- أتصور بداية ولاية الفقيه مرت بثلاث مراحل رئيسية، أولاً هي مرحلة ما بعد التأسيس، وربما في القرن الرابع أو الخامس الهجري، فيما بعد الغيبة الصغرى، وخصوصاً مع المفيد وكذلك مع المرتضى، وهؤلاء في هذه المرحلة رأوا أن الفقيه ينوب عن الإمام، وإن كان لم يكن ذلك المصطلح الظاهر بالشكل الكبير، ولكن في القضايا الفقهية العامة حتى فيما يتعلق بقضايا الفتوى والقضاء.

ثم جاء كما قلت المحقق الكركي العاملي في القرن التاسع الهجري في الدولة الصفوية، لما قامت الدولة الصفوية وهي دولة دينية تعمّق فيها البعد الخصوصي داخل الطائفة الإمامية، وهي انتشرت في إيران بشكل كبير، فهنا ظهر ما يسمى بولاية الفقيه، ولكن تكون له صلاحية أكبر من كونه فقط في القضايا الفقهية، فيدخل في قضايا أكبر وأوسع من ذلك وربما أوسع حتى من قضية القضاء.

وهنا بدأت تتشكل قضية ما يسمى بالمرجعيات والتي تطورت إلى يومنا هذا، ثم جاء محمد مهدي النراقي، وهذا الرجل هو الذي قال بالنيابة العامة في ولاية الفقيه، وهو جاء في القرن التاسع الهجري وأعطى النيابة الكبرى للفقيه، إلى أن جاء الإمام الخميني وجعل له نيابة مطلقة، وربما الصورة الكبرى التي قدمها الخميني أن ولاية الفقيه لا تتحدد بصورة جغرافية معينة، بل صورتها أوسع، ولكن ما هي هذه الصورة الأوسع؟

هل هي متعلقة بالاتباع فقط أم بالأمة كلها؟ هنا الآن الانغلاق اللاهوتي الأول بهذه النظرية، ومن ثم أيضاً ما يسمى بالتصدير في الناحية الأخرى التي أوجدت فيها هذا الشيء من الخلل، والذي يحتاج اليوم إلى مراجعات، وحدثت طبعاً ردة فعل داخل المدرسة الشيعية سواء في إيران أو حتى خارج إيران، لأنه غالب المراجع الموجودة خارج إيران لا ترى بهذه النظرية، ووجدت أيضاً نظريات أخرى داخل المدرسة الشيعية كمدرسة محمد مهدي شمس الدين، وهي نظرية ولاية الأمة على نفسها، أو نظرية محمد حسين فضل الله وهي دولة الإنسان، وكذلك الآن عند السيستاني الدولة الوطنية أو الدولة المدنية التي تسع الجميع، ولكن هذه النظرية داخل إيران وجد لها معارضون مثل شريعة مداري وكذلك أيضاً حسين منتظري ومجموعة من الفقهاء، وعموماً عند الشيعة الإمامية، آنذاك الإمام الخوئي أيضاً عارض تلك النظرية بالشكل الكبير، ولكن مساحة النقد لهذه النظرية داخل المجتمع الإيراني ضعف بالشكل الكبير، خصوصاً بعد الثورة الإيرانية عام 1997، لذلك لا توجد كتب تنتقد هذه النظرية بقدر ما وجت كتب تأصل لهذه النظرية.

ولكن خارج الإطار الجغرافي الإيراني وجدت داخل المدرسة الإيرانية نفسها نظريات تنقد مثل الذي قدمه أحمد الكاتب أو الذي قدمه ماجد غرباوي وغيرهم من المفكرين، وحتى من الأصوليين الإسلاميين داخل المدرسة الشيعية نفسها.

- كيف كان تقبل الحوزات العلمية لهذه النظرية خارج إيران بعد قيام الثورة عام 1979؟

- أتصور أن نظرية ولاية الفقيه غير متقبلة في حوزة النجف وحتى اليوم من الإمام الخوئي، وحتى الإمام السيستاني، لم تتقبل بهذه الصورة، أيضاً كما ذكرت توجد قراءات نقدية كبيرة خارج الدائرة الإيرانية.

وطبعاً الحالة الشيعية ليست حالة واحدة، وإنما هناك صور متعددة فيما يتعلق بالمرجعيات، هناك مدرستان: المدرسة الأصولية والمدرسة الإخبارية، فالإخبارية أساساً ترفض بشكل عام فكرة المرجعيات لهذه الصورة التي ظهرت في الدولة الصفوية، والمدارس الأصولية أيضاً لها قراءاتها، وأغلب التيارات الأصولية إلى اليوم في الحقيقة هي ترفض ولاية الفقيه بهذه الصورة المطلقة، بمعنى النيابة العامة عن الإمام المهدي أو عن الإمام، فحسب علمي أنها ترفض مثل هذه النظرية.

- هل يمكن أن يكون المرشد عربياً أم أن المنصب حكر على الإيرانيين؟

- طبعاً هذه النظرية لا علاقة لها في العرق من حيث الأصل، وأول من طرحها هو الكركي، وأصوله تعود إلى جبل عامل أي إلى لبنان، وهو من أصول عربية، ولكن طبيعياً أن يمثل المرشد الحاكم رمزية الدولة، فمن الطبيعي أن يكون كأي دولة قطرية أخرى بأن يكون المرشد من ذات الدولة.

ولكن أيضاً علينا أن ننتبه هنا إلى أن إيران في الحقيقة ليست على حالة عرقية واحدة، لأن العرق الفارسي في إيران لا يتجاوز في الحقيقة 40%، وهناك أعراق مختلفة، هناك الأذر وهناك اللوز، والعرب وهناك البلوش وهناك أكراد أيضاً، أعراق لها امتداد ربما أوسع من العرق الفارسي. وأيضاً فيما يتعلق باللغات، فهي ليست على لغة واحدة.

- كيف انتشرت نظرية ولاية الفقيه ونجحت بأن تنتقل إلى دولة أخرى وأن تنتشر؟

- العقلية الشيعية عموماً كأي عقلية إسلامية أخرى هي متعددة ومختلفة، ولها اتجاهات فيما بينها، منها اتجاهات أصولية متشددة، واتجاهات عقلانية منفتحة، واتجاهات وسطية، تحاول أن تراعي الخصوصيات القطرية، كأي اتجاهات إسلامية أخرى.

وربما الإشكالية الكبرى في ولاية الفقيه أنه قد يكون هناك تصدير، تصدير فيما يتعلق بتصدير ولائي، أي أن تكون الولاية للولي الفقيه، ولكن تبقى إشكالية: هل كل فقيه هو نائب في الحقيقة عن الإمام الحجة إذا وصل إلى درجة الأعلمية؟

أيضاً هل هذا الفقيه عندما يكون نائباً عن الإمام الحجة، هل هو باعتبار شخصي؟

وهل هذا الشخص له علاقة فقط بمنطقة معينة، اللي هي إيران، أو أن يكون هذا الشخص من أي دولة أخرى؟ هذه إشكالية أو جدلية أخرى، بالإضافة إلى ما هي طبيعة هذه العلاقة أو النيابة بينه وبين هذا الإمام الحجة؟

وهل أيضاً الطاعة تقتصر على بضاعة الفقاهة فقط، أو أنها طاعة شمولية حتى فيما يتعلق بالجوانب المدنية والسياسية والاجتماعية، التي قد تتعارض بين الإنسان وبين دولته الوطنية بطبيعة الحال؟ هذه أيضاً إشكالية كبرى فيما يتعلق بنظرية ولاية الفقيه.

والشق الآخر الذي ربما هو الأخطر، ما يتعلق بالطاعة الثورية، يعني هل هذا التصدير كان تصديراً خطابياً، تصديراً أحكامياً، تصديراً لعلاقات عامة تقليدية؟ وهذه قد تجدها بشكل قد يكون غير حرفي حتى مع المدارس الإسلامية، أي التقليد الديني الذي هو أحياناً خارج المدرسة، وتكون هناك أقليات دينية تقلد بعض رموزها في دول أخرى، ولكن لا تتجاوز الجانب التشريعي والجانب العام.

ولكن الاتجاه الآخر، اللي هو التصدير الثوري، هنا تكمن الخطورة، وبالتالي هذا قد يهدد الاستقرار المدني والاستقرار الجغرافي في دول أخرى.

وأتصور هناك في إيران أيضاً حدثت لديهم مراجعات حتى فيما يتعلق بتصدير الثورة في جوها، طبعاً العسكري والثوري، وليس في الجانب التشريعي، فأصبحوا اليوم ليسوا على صورة واحدة.

هناك من يرفض هذه النظرية أساساً حتى داخل ما يتعلق بولاية الفقيه، ويعتبرها جانباً قطرياً لا يتجاوز الحدود الإيرانية، ومنهم من يرى أنها جانب أشمل من ذلك، باعتبار أن الإمام هو نائب عن الإمام الحجة، والإمام الحجة ليس متعلقاً بالجغرافيا الإيرانية.

أتصور نحتاج إلى مراكز بحثية ودراسات أكبر في تفكيك مثل هذه النظريات أو غيرها من النظريات، ويكون منطلقها منطلقاً إنسانياً ومعرفياً بحثياً، لا يتوقف فقط عند الأوضاع الآنية كالحكم أو غير ذلك.

- هل يمكن اعتبار ولاية الفقيه أو نموذج ولاية الفقيه كمنافس عابر للحدود للدولة الوطنية؟

- إذا اعتبرناه في الجانب الولائي المطلق، حتى في الجانب القانوني، المدني، أو حتى الثوري أو العسكري، فسيؤثر بطبيعة الحال على هذه الدولة الوطنية، لأن الدولة الوطنية تقوم على الأفراد، وتقوم على الدولة القطرية التي تتشكل فيها جميع المكونات، لأن أي دولة قطرية فيها انتماءات، وفيها قانون أو دستور أو أنظمة عامة، وهذه الأنظمة العامة مرتبطة بالفرد في الحقيقة، وليست مرتبطة بالانتماءات، بمعنى أن القيم الكبرى في أي دولة مثل كرامة الإنسان، المساواة، العدالة، الحقوق، هذه مرتبطة بالإنسان، وليست مرتبطة بالانتماءات أياً كانت تشكلاتها.

- هل تشكل هذه النظرية تهديداً للدولة الوطنية؟

- طبعاً. في الحقيقة الدولة الوطنية، تحقق هذه المبادئ الكلية، كما من حيث العلة الكلية في أي مجتمع كان، يُتصور أن تضيف في العقل الجمعي مثل هذه النظريات الخارجية، وبالتالي يُستطاع دراستها بهذا الشكل.

ولكن إذا تم تصديرها بالشكل الأوسع، قد يكون هناك خلل داخلي يحتاج إلى علاج، وقد يكون هناك أيضاً خلل فكري وثقافي لا بد من معالجته، حتى لا يتطور هذا الأمر، لأن العلاقة المبنية مع خارج هذه الدولة إذا كان في الجانب الخصوصي شعائري أو ديني أو حتى ثقافي، فهذا لا يؤثر على الدولة الوطنية، بل بالعكس الدولة الوطنية تحافظ على مثل هذه الخصوصيات والشخصيات.

ولكن إذا تعدّى إلى جانب عملي، فإنه يؤثر سلباً في استقرار الدولة، كجانب مثلاً عسكري أو تسليحي أو جانب ولائي أو جانب تمييزي واضح على مستوى هذه الدولة، يؤدي إلى خطابات أخرى، إلى خطابات الكراهية، إلى خطابات الإثنية بشكل واضح، فهذا بلا شك يحتاج إلى مراجعة حتى لا يؤثر على استمرار هذه الدولة الوطنية، أياً كانت هذه الدولة الوطنية.

كيف يمكن التعامل مع هذه النظرية فكرياً في دول الخليج؟

- أتصور أن دول الخليج العربي بحاجة إلى مراكز محلية ثقافية جادة تناقش مثل هذه القضايا بأبعادها الثقافية، لأن ما نراه اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي أو حتى في بعض الطروحات السياسية المقدمة، هناك حالة حقيقية من اللغط، وهناك حالة من التبسيط، وربما لا أسميها كما يسميها بعض المتقدمين «الجهل المركب»، ولكن هناك حالة من حالات التبسيط الثقافي أو الفكري في مناقشة مثل هذه الأمور.

نحن بحاجة في دول الخليج العربي إلى مراكز بحثية ثقافية حقيقية، وحتى مراكز بحثية تعنى بالشأن العام أو بتفكيك المنظومات أو بعض الجوانب مثل هذه النظرية، سواء كانت دينية أو ثقافية أو حتى جوانب أخرى.

والأمر الثاني، أن هذا يؤدي إلى عملية إنشاء وعي، ويخلق وعياً حتى نصل بهذه الأطياف المختلفة إلى فهم هذه القضايا، وتمدد الوعي على المستوى الأبعد نتيجة مثل هذه الدراسات وهذا الانفتاح.

ولا يقتصر الأمر عند الجانب النقدي الرأسي فقط، بل يتمدد كحالة أفقية تخلق وعياً، يستطيع الإنسان بعد مدة معينة من الزمن أن يكون لديه وعي يميز بين الانتماء الخاص والانتماء الوطني العام، وكذلك ما بين ما يدخل في الخصوصيات وما بين ما هو إنساني متحرك يتعلق بالدولة والدساتير والأنظمة.

وهذا حتى لا تدخل علينا من جديد إشكاليات تتعلق بالجوانب التكفيرية أو الجوانب الصراعية لأسباب مذهبية أو طائفية، لأن هذه الأمور أحياناً تؤدي إلى صراعات ذات إثنيات وهمية في الحقيقة لا تخدم هذه المنطق.

وهذه المنطقة في الواقع تشكل حالة جميلة من التعايش والوئام، يُضرب بها المثل على المستوى الإقليمي، ومنطقة الخليج تحديداً استطاعت أن تقدم حالة من التقدم والانفتاح والاستمرار، وأصبحت قبلة للعديد في الشرق وكذلك في الغرب، فينبغي أن نحافظ على مثل هذا الأمر، ونبني عليه حتى يستمر ويتطور إلى المدى الأبعد.

- كيف ترى مستقبل هذه النظرية في ظل الوضع الراهن في إيران؟

- هناك مراجعات خارج الإطار الإيراني، الشيعة الإمامية عموماً هم ليسوا كحالة واحدة، وأنا طبعاً هنا أتمنى أن لا ينقاد إلى صناعة إثنية أخرى، يعني إثنية مذهبية في مثل هذه الجوانب التي نعيشها، وإنما تُقرأ في سياقها الطبيعي، وفي سياقها الجغرافي المعين، ولا تتحول إلى حالة طائفية إثنية، حتى لا نكون طائفيين أو مذهبيين أو ما شابه ذلك.

وأتصور أن هناك داخل المجتمع الإيراني ستكون هناك مراجعات أعمق، وهناك سيكون أكثر انفتاحاً لنقد مثل هذه الظاهرة أو مثل هذه القضية، وربما سيكون هناك أكثر انفتاحاً على الدولة الوطنية بشكل أعمق، وهذا ما نتمناه جميعاً، ولجميع التبعات الإنسانية أن تعيش حالة من الاستمرار وحالة من الود والتعايش وتحقيق الدول الوطنية، وهذا نفع بلا شك على الجميع، سواء كان على القريب أو حتى على البعيد.

لأن الصراع وعدم الاحترام وغير ذلك، الكل خسران فيه سواء كانت إيران أو غيرها، لأن هذه الحالة تؤدي إلى حالات أخرى من التخلف، ومن الجهل وغير ذلك، ولعل تجربة الغرب خصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى والثانية حالة تستحق في الحقيقة الدراسة.

فنحن ينبغي اليوم حقيقة أن تكون لنا منظومات في المراجعات أيضاً على مستوى دول الخليج الخاصة بنا، والتي توجد كما من مراكزنا البحثية الداخلية ذاتها، والذي أتمنى من دول الخليج أن تشتغل عليها في المستقبل، على أن تكون هناك مراكز بحثية مشتركة، سواء كانت ثقافية أو فكرية أو حتى فيما يتعلق بالشأن الديني والاجتماعي.

***

حاوره: زيد أيمن – جريدة الوطن

 

سيواصل الصالون نشاطه وكلنا أمل أن يعود الإشعاع للثقافة

هاجر ريدان: شاعرة وفنانة تشكيلية تونسية، ومديرة المركز الثقافي ريدآر بمنزل تميم، وصديقة للأطفال، ترى اللوحة شغفا يوميا وشكلا من أشكال الخلاص والمقاومة، وكي تكون حرة، أما فراشتها الشعرية بأوان متنوعة، أما البحر فمؤنسها وملهمها ويظل، ولأنها شبيهة بإرم ذات العناد الذي لم يخلق مثلها في منزل تميم، ظلت مصرة على تنظيم الملتقى الوطني للقصة القصيرة جدا رغم غياب الدعم، ومؤخرا كانت نسخته الثالثة تكريما لصالح الدمس أحد مؤسسي كتابة القصة القصيرة جدا والذي لقي نجاحا باهرا

1- من تكون هاجر ريدان في خضم العولمة والاحتجاجات والحروب التي تشغل الدنيا؟

- حين يرهقنا الوعي بفعل محاولات الفهم للإنسان والحياة والكون يصبح الفن ضرورة ويصير نوعا من الخلاص وشكلا من أشكال المقاومة ويتحول إلى هاجس يومي وشغف متواصل به نتجاوز حيرتنا ونؤثث عزلتنا فتثمر. نحن لا نختار ما نكون في البداية لكن الظروف قد ترمي بك في مسارات متنوعة حينها تختار من بين هذه الطرق طريقا يخفف عليك وطأة ما يعيشه الإنسان من مشاغل في عصر العولمة والاحتجاجات والحروب وهاجر ريدان ليست سوى هذا الإنسان الذي يحاول أن يكون حرّا -ناهيك أنها امرأة في مجتمع ذكوري بامتياز - في عالم يعيش اللاّمعنى لأنّ اللاّمعنى يكتسح ثقافتنا اليوم كما يقول عالم الإجتماع الطاهر اللبيب. بالفن نحاول أن نعود بالدّال إلى مدلوله فقد ابتعد الإنسان عن إنسانيته وصار مغتربا محاصرا غارقا في التفاهة التي اكتسحت كل شيء مستلبا في عمله تفزعه الحروب وتطوح به الاحتجاجات المتواصلة.

2- أصدرت ديوانك الثالث "شغف الفراشة" فما نوع فراشتك كبريتية خطافية الذيل أم هي فراشة شعرية وكفى؟

- فراشتي هي كل أنواع الفراشات كبريتية خطافية الذيل وألوانها متنوعة لكنها شعرية المنحى رسمتها على المجاز فقد نسبت إليها الشغف لتصير كائنا بأبعاد رمزية متنوعة متراكمة متناقضة تشبه الإنسان عموما والمبدع تحديدا في أبعاده وثنائياته المتعددة. فالفنان كائن رقيق حساس يبحث عن الجمال ويتصيده في ذاته وفي العالم المحيط به وهو يشبه الفراشة في مراحل تحولها من بيضة إلى شرنقة إلى دودة قز إلى فراشة وهي مراحل مكابدة بالنسبة إلى المبدع ومع قصر عمر الفراشة يسعى الفنان من خلال هذا البحث عن الجمال إلى الخلود ففعل الموت فعل مدمر للإنسان لا نقاومه إلاّ بالفن.

3- ما الذي بقي في ذاكرتك من حلاوة قصب السكّر وروائح الياسمين؟

- التجارب الأولى لها طعم خاص ومميز طعم البدايات والبحث عن طريق مخصوص وأسلوب مخصوص بعيدا عن قراءاتنا وشغفنا بهذا الشاعر أو ذاك هي مرحلة نريد أن نكون فيها ذواتنا التي تضيف. والبدايات صعبة دائما فقد لا نجد من يرشدنا من يقرأ لنا ويسعفنا برأي قد لا نجد من ينشر لنا فأنت مضطر إذن لخوض المغامرة بنفسك متسلحا بشجاعة فريدة وشغف عنيد. فديواني الأول "قصب السكر " الصادر سنة 2002 يشبه الحبيب الأول فيه اكتشاف للذات والعالم الصغير المحيط بنا هو ديوان قريب إلى قلبي جمعت فيه نصوص مرحلة الجامعة وبدايات العمل في التدريس. فقد كانت نصوصه في غاية الصدق والشفافية وجودية ووجدانية بامتياز بسيطة لا تكترث لردود الفعل.كما قال الأستاذ عادل الحداد في مقال له عن الديوان:

" الشاعرة مولعة بتعرية العالم. مغرمة بأحاديث الفضائح. لا تتستر على شيء. كلماتها مباشرة بسيطة وشفافة أنيقة لكن في تواضع. تضع بين يديك الأشياء وتمضي لا تهمها ردود الأفعال. تضع بين يديك قليلا من القصب وكثيرا من السكر".

أما ديواني الثاني "كزهر الياسمين " الصادر سنة 2011 فقد جاءت جل نصوصه بطعم الحلم وقد كتب أغلبها قبل الأحداث التي عرفتها بلادنا في 2010 والتحقت بها نصوص أخرى في تلك الفترة. وكان الأمل يحدونا لنعيش حلم الحرية ويفوح عطر الياسمين لكن الثورات التي تحاك من الخارج لا تنجح. ورغم كل شيء يبقى الشاعر متفائلا يقظا فهو ضمير الشعب وصانع الحلم. وتظل حلاوة ما نكتب طعاما لذيذا للذاكرة.

4- أين تجد هاجر هاجر في لوحاتها وكائناتها التشكيلية أم في دواوينها؟

- أجد نفسي مع الألوان أساسا ومع كائناتي العجيبة أمّا الشعر فهو منقذي من تعب التشكيل الذي يبقى عملا مكلفا جسديا وماديا لذلك أجدني ابحث عن الراحة في أحضان الكلمة فكتابة الشعر لا تتطلب منك سوى جهد فكري وحس وفكرة ولغة تسرقها من المجاز وقلم وورقة أو هاتف جوال. أما التشكيل فأنت أمام أدوات ومحامل وألوان ومرسم مخصص للغرض لا يتنقل هذا الجهد المالي نضيف إليه الجهد البدني. فأنا أكتب نصوصي شعرا أو سردا بين لوحة ولوحة أو بين جزء من اللوحة وجزءها الآخر أو حين تعوزي الأموال أو ربما حين يلح علي الشعر إلحاحا.

5- ما أسباب نزول هذه الكائنات التشكيلية في الكثير من لوحاتك؟

- هذه الكائنات تشكلت تدريجيا خلال تجربتي التي انطلقت منذ سنوات وتكاثرت كائناتي واقتحمت فضائي التشكيلي خلال فترة الكوفيد حين باتت العزلة قدر الإنسان في العالم. فقد كانت هذه الكائنات الغريبة تعبيرا عن تشكل عالم جديد سيجعل الإنسان تجاه الطبيعة أكثر شقاء وحيرة. كائنات من عجين الغرائز ونفوق العقل وانحسار القيم الإنسانية أمام طبيعة تفقد توازنها بفعل تدخل سافر للإنسان المدمّر.

6- ما أسباب حضور تيمة البحر في الكثير من نصوصك؟

- أنا بنت البحر ولدت على ضفافه وركضت على شواطئه الرملية وكابدت المشي على صخوره وأحببت ألوانه وأصواته وامتداده وعمقه وأحببت خوفي منه زمن الغموض وعشقي له زمن العشق أحببته صيفا وشتاء أحببته في كل فصول السنة. فالبحر ملهمي ومؤنسي يفتح لي دائما جناحين من أمل كلما لجأت إليه.

7- بصفتك مديرة لفضاء ثقافي أولا حبذا سيرة مقتضبة عن صالون ريدار بمنزل تميم ثانيا ما الأهداف التي تتوخينها من هذا الفضاء الجمالي؟

- انطلق نشاط المركز الثقافي ريدآر بمنزل تميم في 9 أوت 2014 بعد أن صار فضاء "نادي عبّاد الشمس للفنون التشكيلية" الذي فتحه سنة 2001 غير كاف لاحتضان أنشطة عديدة ومتنوعة في الموسيقى والمسرح وغيرها. ومن أهدافنا في فضاء ريدآر أن نساهم في الحراك الثقافي والفني والأدبي في المدينة وفي الجهة ولم لا على المستوى الوطني وأن نعمل على تشجيع المواهب عند الأطفال والشباب والإحاطة بهم حتى لا ينساقوا وراء الانحراف. وقد عمل الفضاء على بعث نوادي وورشات في كل الفنون منها ورشات الرسم للأطفال والشباب والكهول والتي تختتم في آخر شهر جوان من كل سنة بمعرض جماعي للأعمال المنجزة وورشة الكتابة التي تهتم بالكتابة والكتاب لتساهم في ترويجه والحث على القراءة من خلال توقيعات الكتب ومعارض الكتب وانجاز الملتقيات من أهمها الملتقى الوطني للقصة القصيرة جدا الذي وصل إلى دورته الثالثة هذه السنة والتي ستكون أيام 8و9و10 ماي 2026 لتكرم رائدا من رواد القصة القصيرة جدا الكاتب صالح الدمس. إضافة إلى الدورات التكوينية في المسرح والسينما واللقاءات الموسيقية المتنوعة.

8- ماذا عن ضيوف الصالون تونسيا ومحليا؟

- بعد إثنى عشر سنة من النشاط المستمر استطاع الفضاء أن يكسب جملة من الصداقات الجميلة والمتينة من تونس والمغرب والأردن في مختلف الفنون وخاصة منها ما تعلق بالكتاب وقد زار الفضاء ضيوف احتفينا بإصداراتهم ونشأت بيننا وبينهم شراكات وأنجزنا كتبا مشتركة. من تونس لنا أصدقاء وصديقات مبدعين ومبدعات في الأدب والسينما ساهموا في التعريف بالفضاء ومساندته لن اذكر الأسماء بل أحييهم جميعا لعرفانهم وودهم ودعمهم المتواصل. ومن بين الأصدقاء من خارج تونس الكاتب الأردني جلال برجس الكاتب المغربي عبد الله المتقي ومن المغرب أيضا د. العالية ماء العينين والشاعر والفنان نور الدين ضرار.

9- الصالون باب مفتوح للكبار والصغار، فما الذي قدمه لهذه الطفولة¨؟

- في البداية كانت الورشات المخصصة للأطفال كالمسرح والرسم والشطرنج والكتابة والموسيقى تستقطب عددا لا بأس به من المنخرطين لكن تدريجيا بدأ العدد يتقلص وتعود الأسباب ربما إلى تقلص اهتمام الأسر بالثقافة والفنون نتيجة اكتساح وسائل التواصل الاجتماعي حياتنا اليومية أو ربما وإضافة إلى ذلك ما تعيشه الطبقات الفقيرة والمتوسطة من انخفاض رهيب في القدرة الشرائية وتدهور مستوى العيش عموما.

10- ما الذي أنتجته هذه الورشات التشكيلية والقصصية؟

- الورشات التشكيلية كان لها الفضل الكبير في اكتشاف المواهب وصقلها والتعريف بالأعمال المنجزة فقد نظم نادي عباد الشمس أولا ثم رواق الفنون ريدآر ما يقارب 24 معرضا تشكيليا جماعيا وأطر مئات من المنخرطين والمنخرطات عدد هام منهم صارت لهم اليوم مكانة في الساحة الفنية. أما ورشة الكتابة فإلى جانب نشاطها المستمر في تقديم وتوقيع الكتب بحضور كتابها فإنها أنجزت ثلاث كتب جماعية في الشعر والقصة بالتعاون مع رابطة الكتاب الأحرار / فرع الوطن القبلي وورشة نصر سامي في القصة وهي:

"قطاف الورشات "سنة 2017 صدر بتونس/ "عبق لاحق" سنة 2020 صدر بالأردن/

"غرف العزلة" سنة 2023 صدر بتونس.

11- وماذا عن تنظيم النسخة الثالثة للملتقى الوطني للقصّة القصيرة جدّا، لهذا احتفاء بالقص الوجيز وبالكتاب عموما؟

 - انتهت النسخة الثالثة للملتقى الوطني للقصة القصيرة جدا بإصدار كتاب “ جمالاية القصة القصيدة جدا “ وتكريما للمبدع الرائد صالح الدمس، بعد كتابين للدورتين الأول بعنوان الإقامة في القصّة القصيرة جدّا في تونس، تكريما للكاتب محمد بوحوش، والثاني بعنوان القصّة القصيرة جدّا تصوّرات ومقاربات تكريما للكاتبة فتحية دبش، وكلها إصدارات جمعت فيهما مداخلات الدورات، مع تنظيم مسابقات للشباب التونسي، ومعارض للكتاب والتشكيل.

12- سابعا ما أحلام الصالون في الأيام المقبلة؟

- سيواصل الصالون نشاطه وكلنا أمل أن يعود إلى الثقافة الإشعاع الذي يليق بها فلا خلاص للمجتمعات التي ترزح تحت التقليد والجمود إلا من خلال الانفتاح على الفنون والثقافة والعلوم لتحرير العقول وبناء حياة راقية تليق بالإنسان.

13- ماذا عن الدعم بعد هذا التراكم من المناشط الثقافية والتشكيلية:

- سنوات من النشاط بلا أي دعم تقريبا وكل ما نقوم به هو مجهود ذاتي ولو لا الشغف لما تواصل هذا النشاط ولو لا أيضا المساندة الدائمة لبعض الأصدقاء لتركنا الساحة وانسحبنا.

14- كلمتك الأخيرة

- كشاعرة أحلم بالقصيد الذي سيحملني على جناحي فراشة قبل الاحتراق بالضوء وأحلم وكفنانة تشكيلية أحلم باللوحة التي توصل هموم الإنسان ومظاهر قهره وصموده ضد كل أنواع القهر. وكمديرة لفضاء ثقافي أحلم باكتساح الناس لكل الفضاءات الثقافية وانخراط كل فئات المجتمع في المشهد الثقافي والفني بعيدا عن المهاترات والنفاق والحقد في عالم يسوده الحب وتسوده والحرية.

***

حاورها: عبدالله المتقي

 

- ثقافة السوق فرضت نفسها وأجهضت إلى حدّ كبير الحركة الفكرية

- أوربا لم تعد تلك التي عرفناها سابقًا، كثير من المفاهيم تغيّرت

- نلاحظ تضييقًا متزايدًا على الحريات وصعودًا للحركات اليمينية المتطرفة

***

سؤال: برأيك، هل يمكن الحديث اليوم عن وجود حركة فكرية وثقافية عربية فاعلة ومؤثرة؟

جواب: نعم، يمكن القول إن هناك حركة فكرية، لكنها في الفترة الأخيرة أصبحت خاضعة لهيمنة ما يُسمّى بثقافة السوق. فوسائل الإعلام، للأسف، لم تعد تشجّع أو تفسح المجال للثقافات التي تتعارض مع مفاهيم السوق.

انتشار الأدب والثقافة بات مرتبطًا بالنشر ووسائل الإعلام المرئية وغير المرئية، أي بمدى قدرة الفكرة على الوصول، لكن ما حدث هو أن ثقافة السوق فرضت نفسها وأجهضت إلى حدّ كبير الحركة الفكرية، خصوصًا إذا نظرنا إلى أوروبا وخارجها

نلاحظ اليوم غياب التوازن؛ فلا يوجد توازٍ بين التطور على الصعيد المادي من جهة، والتطور على الصعيد الثقافي والفكري والقيمي من جهة أخرى. هناك اختلال واضح، وانحياز أحادي الجانب نحو المادة

نعم، هذا واضح.

إضافة إلى ذلك، لاحظتُ أن أوروبا لم تعد تلك التي عرفناها سابقًا. كثير من المفاهيم تغيّرت، حتى مفاهيم الديمقراطية والحرية. بدأ نوع من التنصّل منها بطرق غير محسوسة، لكنها في النهاية تؤدي إلى فقدان الإنسان لجزء كبير من حريّته بسبب التضييق وكثرة القوانين. بدأنا نرى تآكلا ً في الأنظمة، التي كانت معروفة في أوربا. مثل حريّة التعبير، وحقوق الإنسان وخصوصية الفرد.

خصوصًا مع صعود الحركات الشعبوية، مثل حزب البديل” في ألمانيا، حيث باتت هناك نزعة إلى تحميل “الآخر” مسؤولية تردّي الأوضاع. وفي الأزمات الاقتصادية دائمًا ما يُبحث عن كبش فداء، وغالبًا ما يكون من الفئات الأضعف (وكبش الفداء Sündenbock في الألمانية يستخدم كمصطلح).

اليوم، سواء في ألمانيا أو في دول أوروبية أخرى، نلاحظ تضييقًا متزايدًا على الحريات وصعودًا للحركات اليمينية المتطرفة. وهذا، بصراحة، يقود إلى كارثة، وأنا لا أتحدث هنا كمهاجر أو كإنسان أجنبي، بل بما تتحدث به الشعوب الأوروبية نفسها

عدم إفساح المجال للرأي الآخر، ومحاولة شيطنة الأفكار المخالفة، سيقود إلى مجتمعات منغلقة، وإلى صعود نوع من الديكتاتورية، قد تكون أسوأ من ديكتاتوريات العالم الثالث.

سؤال: استاذ جميل، ما الحل إذن؟ هل هناك ضوء في نهاية النفق؟

جواب: الأمل موجود دائمًا. الحل يكمن في المثقفين والمفكرين أنفسهم، إذ يجب أن ينهضوا بدورهم في نشر الفكر وخلق الوعي..

خصوصًا أن وسائل التواصل الاجتماعي متاحة، ومجانية، وتحت سيطرة الأفراد. هناك مجال حقيقي أمام المثقفين لخلق وعي حقيقي وسدّ الطريق أمام ما أراه جهلًا سياسيًا.

برأيي، الحركات المتطرفة هي نتيجة جهل وضيق أفق وعدم نضج. فالمثقف الحقيقي، والإنسان الذي يتبنى فكرًا إنسانيًا، من المستحيل أن يكون متطرفًا أو أن يضطهد الآخرين..

التطرف نتيجة قصور في الوعي، ومع الأسف نرى أن كثيرًا من الأحزاب السياسية مليئة بمستويات غير مؤهلة للقيادة، حتى في أكبر الدول. وغالبًا مانرى ونسمع أنّ من يقود التطرف ويدعو له هم أشخاص لا يفهمون الثقافات الأخرى ولا يحترمون الأديان المختلفة.2797 jamil

سؤال: بعض المثقفين العرب من الرواد اليوم يبدو أنهم منغلقون ومنعزلون، وقد قطعوا جسور التواصل مع الأجيال اللاحقة. هل هو فقدان إيمان بالأجيال، أم تعب، أم خوف؟

جواب: أعتقد أن السبب هو الخوف واليأس. القبضة الحديدية الخانقة أجهضت كثيرًا من المحاولات، كما أن اليأس من التغيير للأفضل لعب دورًا كبيرًا، إذ شهدنا حركات عديدة أُجهضت. غاب التوازن، وأحيانًا تأتي جهة تحاول التغيير لكنها مع الوقت تقع في المطبات نفسها

بعد الحرب العالمية الثانية، في ألمانيا مثلًا، كان هناك مفكرون واعون، وحاولوا إيجاد طريق وسط بين المعسكرات المتصارعة، ونجحوا إلى حدّ ما. السؤال اليوم: هل يمكننا إيجاد هذا الطريق الوسط بين أقصى اليمين وأقصى اليسار؟

برأيي، المشكلة تكمن في غياب مفكرين بالمستوى المطلوب، لأن الحركات السياسية الحالية أقصت المثقفين، إذ تعتبر الفكر والثقافة عبئًا، رغم أن التغيير الحقيقي يأتي منهما

في السابق، كانت الأحزاب تضم مفكرين يحاولون إيجاد حلول وسط للحفاظ على المجتمعات، أما اليوم فالعالم يسير نحو التطرف، والأزمات والحروب تتكاثر، والمستقبل بات مجهولًا، ما يخلق قلقًا ومخاوف على مصير البشرية.

المشكلة أن من يقود النظام العالمي اليوم أشخاص مغامرون، سطحيون، وماديون. قد يأتي رئيس دولة يعمل في مجال العقارات، فينظر إلى العالم كله كصفقة ربح وخسارة، دون فهم لحضارات الشعوب أو لاحتياجاتها الاجتماعية.

سؤال: أستاذ جميل هل أنت على تواصل مع الوطن؟ وكيف ترى الحركة الثقافية هناك؟

نعم، هناك حركة ثقافية، لكنها متباطئة ومتراجعة مقارنة بما كان عليه الوضع في السبعينيات. توجد محاولات، لكنها لا تشبه الزخم الثقافي الذي كنا نعيشه آنذاك.

سؤال: هل زرت العراق مؤخرًا؟

نعم، زرته قبل فترة قصيرة. زرت شارع المتنبي وسوق السراي. للأسف، كنت في منطقة بعيدة عن بغداد، لكن في زيارتي الأولى ذهبت إلى هناك.

أتذكر أن بغداد كانت أجمل في السابق، وشارع الرشيد لم يعد كما كان. كنا نشتري الكتب، خصوصًا الإنجليزية، من مكتبات معروفة مثل “أورزدي باك”، التي كانت توفر ترجمات وأعمالًا أدبية مهمة، مثل أعمال جون كيتس ووردزورث

سؤال: استاذ جميل.. هل ممكن أن تعرف نفسك لقراء الدليل؟

جواب: ولدت في بغداد، كتبت الشعر صغيراً ولم أبلغ الرابعة عشر بعد ونشرت العديد من القصائد في الصحف العراقية المعروفة حتى لقّبت بالجواهري الصغير.

نلتُ الجائزة الأولى في مسابقة أجرتها ثانويات القطر العراقي عام 1969.

صدر ديواني الشعري الأول “اللواهب” عن دار الحوادث في بغداد عام 1975

شاركت في العديد من المهرجانات الشعرية المحلية وأصبحت عضواً في اتحاد الأدباء العراقيين.

صدر ديواني الشعري الثاني “رسائل من وراء الحدود” في بيروت عام 1980 عن دار المعارف، وقد ترجم إلى اللغة الألمانية ومنها إلى البولونية عام 1982

حصلت عام 1988 على شهادة الماجستير في الأدب الألماني في الجامعة الحرة ـ برلين

صدرت الطبعة الأولى من روايتي “تركة لاعب الكريات الزجاجية” باللغة الألمانية عام 1990 عن دار النشر إيرلن فلاك، وباللغة العربية عام 1995 عن دار برديات، كما نشرت مجموعتي الشعرية (رسائل من وراء الحدود).

وقد صدرت عن واحدة من كبريات دور النشر في بيروت ــ دار المعارف ـا وهي المجموعة الشعرية الوحيدة لي بالشعر الحر، او ما يسمى بشعر التفعيلة وتمت ترجمتها الى الالمانية والبولونية، وكما ترين هذه نسخ قديمة من مجموعتي الشعرية الاولى بدون أغلفة تضم بواكير موهبتي الشعرية في العراق عندما كنت في الرابعة عشر وحتى سن العشرين وقد نشرتها في بغداد سنة 1975

وعندي ترجمات عديدة منها ترجمة لأشعار مقفاة وموزونة منها لأمير الشعر الغنائي الألماني ـ كما يسميه الألمان ـ هاينرش هاينه وترجمت أيضا لهيرمان هسه والعديد من الشعراء الألمان القدماء، وترجمت الى العربية لعدد من الشعراء البرتغاليين، ولا يخلو رصيدي الادبي من لقاءات ادبية في صحف المانية وهولندية وايضا اذاعية

لدي مجموعات شعرية عدة، منها:

(أناشيد زورق)، (طقوس)، (فواتح سفرالغربة)، وجميعها صدرت في القاهرة، عن دار غريب مع اعادة نشر روايتي تركة لاعب الكريات الزجاجية بالعربية في نفس الدار

أما في العراق فقد صدرت مجموعتي الشعرية اللواهب وفي بيروت مجموعتي الشعرية (رسائل من وراء الحدود).

لدي أيضًا ترجمات من الأدب الألماني، منها ترجمة فاوست لغوته ترجمة شعرية موزونة، وترجمات لشعراء ألمان كبار، وكذلك ترجمات من الشعر البرتغالي.

سؤال: هل لديك كلمة أخيرة تود توجيهها لقراء مجلة “الدليل”؟

جواب: كلمتي الأخيرة هي أن الإنسان يجب ألا ييأس، فالأمل موجود دائمًا. وهذا الأمل يتحقق من خلال تطوير الوعي، ونشر الكلمة الحرة، ونقل الحقيقة بصدق ومن دون خوف، مع الالتزام بالأمانة الفكرية.

أعتقد أن هذا واجب كل المثقفين، سواء في ألمانيا أو في أي مكان آخر، من عرب وغير عرب، من أجل مصلحة الجميع.

شكرًا جزيلًا، سعدنا كثيرًا بهذا اللقاء.

وأنا أيضًا، شكرًا لكم.

***

أجرى الحوار: عبير حميد مناجد

..................

نشر في مجلة الدليل البرلينية

أكتب عن الطفل الذي بداخلي

نورالدين بن بوبكر خريج كلية الآداب والعلوم الانسانية بالقيروان، ومدير نادي "أقلام" لأدب الطفل بدار الثقافة بالرديف مدرس لغة فرنسية وعضو اتحاد الكتاب التونسيين، يكتب القصة والرواية والمسرحية باللغتين العربية والفرنسية صدرت له مسرحيات وروايات لليافعين وقصص للأطفال. حاصل على الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل (2018) وجائزة الوطنية للقصّة القصيرة بمساكن (2019) والجائزة الجهوية لأفضل نص مسرحي (2019) وجائزة كتارا للرواية العربية فئة روايات الفتيان (2019)، حول تجربته الإبداعية كان لنا معه هذا الحوار:

أوّلًا: من أين جاءت الكتابة للأطفال واليافعين؟ وهل تكتب معهم أم عنهم؟

- الكتابة للأطفال واليافعين اختيار أملاه عليّ ذلك الطفل الذي ينام في زاوية دافئة من قلبي وينتظر من يغازله ويدغدغ مشاعره ويثير دهشته. هي عودةٌ غير معلنة إلى نفسي الأولى. حين بدأتُ أكتب، اكتشفت أن اللغة التي تطاوعني أكثر، والصور التي تلحّ عليّ، والأسئلة التي لا تكفّ عن الطرق، تنتمي كلّها إلى عالم الطفولة: الدهشة، الخوف، الفضول، الرغبة في الفهم، والبحث عن معنى الأشياء الكبيرة بعيون صغيرة.

أنا لا أكتب عن الأطفال من علٍ، ولا أضعهم موضوعًا للخطاب، بل أكتب معهم، أجلس إلى مستواهم، أستمع إلى أسئلتهم، وأتخلّى – قدر الإمكان – عن يقين الراشد. الطفل في نصوصي ليس متلقيًا سلبيًا، بل شريكٌ في بناء المعنى، قارئٌ ذكيّ قادر على التأويل والمساءلة، لا يحتاج إلى وصاية لغوية أو فكرية.

ثانيًا: ما جدوى الكتابة لهذه الفئة في عصر الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية؟

- الكتابة للطفل اليوم لم تعد ترفًا ثقافيًا، بل أصبحت ضرورة مقاومة. في عالمٍ تسرق فيه الشاشات الزمن والانتباه، تصبح الكلمة المكتوبة فعلَ إنقاذٍ بطيئًا، لكنه عميق الأثر. الكتاب لا ينافس الهاتف في الإبهار، لكنه يتفوّق عليه في شيء أخطر وأجمل: فهو يُدرّب الخيال بدل استهلاكه، ويعلّم الصّبر بدل التلقّي السريع، ويبني علاقة حميمة بين القارئ وذاته.

تكمن جدوى الكتابة للطفل اليوم في كونها تُعيد للطفل حقّه في التفكير الحرّ، وفي اكتشاف العالم دون وساطة الخوارزميات. وحين يقرأ الطفل يجنّح بخياله ويحوّل النصّ إلى فيلم يخرجه ويضع له الأضواء والموسيقى التصويرية والممثلين والديكور. ليست المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب التوازن، والكتاب هو أحد أدوات استعادة هذا التوازن.

ثالثًا: هل تكتب عن الطفل الذي بداخلك أم للطفل الذي يريده المجتمع؟

- أكتب أوّلًا عن الطفل الذي بداخلي، ذاك الذي لم يتصالح تمامًا مع العالم، والذي ما زال يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وإلى متى؟

هذا الطفل الداخلي هو بوصلتي الأخلاقية والجمالية، وهو الذي يمنعني من السقوط في الوعظ أو التلقين.

لكنني في الوقت نفسه لا أتجاهل الطفل الذي يريده المجتمع: طفل حرّ، قَلِق، يفكّر، يطرح الأسئلة وقد يخطئ. أؤمن أن الأدب يمكن أن يصنع لنا طفلا قادرا على التغيير.

رابعًا: كيف أرى واقع النشر التونسي في أدب الطفل واليافع؟ ومن خلال تجربتك الشخصية؟

- واقع النشر التونسي في أدب الأطفال واليافعين واقعٌ متناقض. من جهة، هناك وعيٌ متزايد بأهمية هذا الأدب، وهناك مبادرات جادّة، وكتّاب يشتغلون بضمير. ومن جهة أخرى، لا يزال هذا المجال يُعامل – في كثير من الأحيان – بوصفه أدبًا ثانويًا أو مدرسيًا، وبالتّالي لا يحظى بالأهميّة اللازمة.

من خلال تجربتي الشخصية، اصطدمتُ بـضعف المغامرة لدى بعض دور النشر، وفي كثير من الأحيان من هيمنة النظرة التجارية السّريعة، وكذلك من الخلط بين أدب الطفل والكتاب التعليمي.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود فسحات أمل، خصوصًا حين يلتقي الكاتب بناشر يؤمن بالنص لا بعدد نسخه فقط. المشكلة ليست في الطفل القارئ، بل في المنظومة التي لم تحسم بعدُ موقفها من هذا الأدب: هل هو فنّ أم وسيلة؟

خامسًا: حضور المنجم وعمّال المناجم في رواياتك… ما الحكاية؟

- الكاتب هو ابن بيئته منها ينطلق وإليها يعود، يعيش فيها وتعيش فيه. أنا ابن منطقة منجميّة وأرى أنّ المنجم ليس مجرّد مكان، بل رمز كثيف. هو العمق، الظلمة، الخطر، والعمل الصامت الذي لا يراه أحد. عمّال المناجم هم الوجوه المنسيّة للتاريخ، أولئك الذين يبنون العالم بأجسادهم دون أن تُكتب أسماؤهم.

حضور المنجم في رواياتي مرتبط بطفولتي، وبالذاكرة الجماعية، وبسؤالي الدائم عن العدالة والكرامة. أردتُ أن أعرّف الطفل على عالمٍ غالبًا ما يُقصى عن الأدب الموجّه له، وأن أقول له: العالم ليس فقط حدائقَ وألعابًا، بل تعبٌ ونضال، وأناس يعملون في العتمة كي نعيش نحن في الضوء. المنجم في النهاية صورة للإنسان نفسه: نحمل في داخلنا نورًا، لكن الوصول إليه يمرّ أحيانًا عبر الظلمة.

كما أنّ هذا المكان هو منجم للأفكار. يكفي فقط أن نحفر في وجع الأرض كي نستخرج الصّوت القابع في الأتربة المتراكمة ونحوّله إلى صرخة إبداع.

سادسًا: من يكون حسّان، الشخصية الرئيسية والدائمة في ثلاثيتك الروائية؟

- حسّان ليس مجرّد بطلٍ سرديّ يتحرّك داخل الحكاية، بل هو جسرٌ يصل بيني وعالم الطفولة بوصفها موقفًا من الحياة لا مرحلةً عُمريّة فحسب. حسّان فتى شغوف بالمعرفة، لا تمرّ أمامه فكرةٌ دون أن يتوقّف عندها، ولا سؤالٌ دون أن يحاول اقتفاء أثره. ينهل من معين العلم كلّما سنحت له الفرصة بدافع دهشةٍ أصيلة ورغبةٍ صادقة في الفهم. المعرفة عنده رحلةٌ تفتح له نوافذ جديدة على عالم تتداخل فيه الحقيقة بالغرابة، والواقع بالحلم، والبراءة بالوعي المبكّر. حسّان يطرح السؤال، ويفتح الاحتمال ويكتشف العالم عبر التجربة لا عبر الوصايا، فتتحوّل المعرفة في مساره السردي إلى فعل اكتشاف ومقاومة للجهل، لا إلى درسٍ مدرسيّ مُعلّب.

اخترتُ أن يكون حسّان حاضرًا عبر الثلاثية لأنني أؤمن بأن الشخصية التي تنمو مع القارئ تُشبهه أكثر.

سابعًا: تعليقك على قول بدر الدين هوشاتي (عوالمك يمتزج فيها الواقع بالخيال، ضمن مشهدية كرنفاليّة ممتعة)، ما تعليقك؟

- أجد في هذا الوصف دقّةً جميلة. أنا لا أؤمن بحدود صارمة بين الواقع والخيال، خصوصًا في الكتابة للطفل. الواقع، كما يراه الطفل، ليس صلبًا ولا نهائيًا، إنه قابل للتّحوّل، وللتّشخيص، وللدّهشة.

أما المشهدية الكرنفالية، فهي خيار جمالي مقصود: لأنّني أؤمن أنّ الأدب فعل إبداعي جمالي يعاد فيه تخييل الواقع ومنحه عمقًا إنسانيّا يجعل القارئ اليافع يرى العالم بعيون أخرى. هذا الامتزاج ليس للزينة، بل ليقول للطفل إن الواقع يمكن مساءلته، وإن الخيال ليس هروبًا بل أداة فهم.

ثامنًا: ماذا تعني هذه الرحلات العجائبية التي تحتفل بها كتاباتك؟

- الرّحلة العجائبية هي، في جوهرها، رحلة وعي. إنها انتقال من الجهل إلى السؤال، ومن الخوف إلى التّجربة، ومن السّكون إلى الحركة. أنا أحتفي بهذه الرحلات لأن الطفل يتعلّم عبرها دون أن يشعر بأنه يتعلّم.

العجائبي يمنحني حرية كسر المألوف، وتجاوز المباشر، والاقتراب من القضايا الكبرى – كالعدالة، والحرية، والهوية – بلغة رمزية قادرة على حماية حساسية الطفل دون تفريغ المعنى من عمقه.

تاسعًا: ما الذي منحتك كتاباتك الموجّهة للطفل؟ وما الذي أعطيتها؟

- منحتني هذه الكتابة تواضع اللغة، وصدق السؤال، والعودة الدائمة إلى جوهر الأشياء. جعلتني أكتب بوعيٍ أخلاقي أعلى، لأن الطفل قارئ لا يغفر الزيف ولا يتسامح مع الادّعاء ولا يقبل الازدراء أو الاستنقاص من قدرته على الفهم.

أما أنا فقد أعطيتُها تجربتي الإنسانية، وقلقي وأسئلتي، وإيماني بأن الأدب يمكن أن يكون جميلًا ومُربكًا في آن

عاشرًا وختامًا: ما رسالتك لكل من يهتم بأدب الأطفال واليافعين؟

- رسالتي بسيطة في ظاهرها: احترموا عقل الطفل واكتبوا له بعمقٍ لا بتعقيد، وبجمالٍ لا بتسطيح. لا تجعلوا من أدب الطفل أداة ترويض، بل مساحة حريّة. ولا تخافوا من القضايا الكبرى، فالطفل قادر على فهمها بطريقته الخاصة. وأخيرًا، تذكّروا أنّ الطفل الذي نكتب له اليوم، هو القارئ، والمواطن، والإنسان الذي سيُعيد كتابة العالم غدًا.

***

حاوره: عبد الله المتقي

مقابلة خاصة مع المفكر العربي الدكتور فوزي البدوي المتخصص في الدراسات اليهودية حول الديانة الابراهيمية والاسئلة العميقة هل "الديانة الإبراهيمية" مشروع روحي أم هندسة سياسية للنظام الدولي الجديد؟ هل كانت الحضارة الإسلامية فعلًا العصر الذهبي لليهود؟ أم أن هذا الوصف يحتاج إلى مراجعة تاريخية؟

من "المسألة اليهودية" في أوروبا إلى "المسألة الصهيونية" في الشرق الأوسط: كيف تغيّر السياق التاريخي؟ ____من الألفية الدينية إلى قيام إسرائيل: كيف أثرت العقيدة الألفانية في السياسة الغربية

* لماذا نجح الإسلام تاريخيًا في دمج اليهود ضمن المجتمعات، بينما فشلت أوروبا وأنتجت المسألة اليهودية؟

- في الحقيقة، يجب تنسيب هذا الكلام، والصواب هو القول إن اليهود كانوا أكثر اندماجًا في المجتمعات الإسلامية منهم في المجتمعات الأوروبية. والتاريخان الإسلامي والأوروبي مختلفان بسبب اختلاف المرجعيات الدينية في التعامل مع اليهود واليهودية. فالإسلام حفظ الوضعية القانونية بأنهم اعتُبروا أهل ذمة، والوضعية العقدية بأنهم اعتُبروا أهل كتاب، ولم يُحمِّلهم مطلقًا لا دمَ المسيح ولا دمَ الرسول عند من خاض فيما عُرف برواية الشاة المسمومة. ولذلك عرفوا فترات ازدهار كبيرة فيما يُعرف بالحضارة الإسلامية، وعرفوا عصرهم الذهبي في الأندلس وغيرها. ولكن هذا لا يمنع أنهم كانوا في وضعية الذمة، وهي ليست وضعية المسلم، وعانوا أحيانًا تطبيقات مجحفة لما عُرف بالشروط العمرية، وإن كانت منحولة، وعرفوا أحيانًا تعاملًا مهينًا بسبب تفسير سيئ لمفهوم الصَّغار في مسألة إعطاء الجزية وهو صاغرون. كما عرفوا بعض فترات التوتر كما في عهد الحاكم بأمر الله والموحدين، ولكن عمومًا كان حالهم أفضل كثيرًا من نظرائهم في الممالك المسيحية، إلى حين ظهور نظام المواطنة الذي سينهي عمليًا نظامَ الذمة المتهالك.

* هل يمكن للإسلام أن يقدم اليوم بديلًا عن "المشترك الإبراهيمي" يُبنى على العدالة لا على التطبيع؟

- لا أؤمن بوجود شيء اسمه المشترك الإبراهيمي، فالمشترك الإبراهيمي بضاعةٌ سياسية تروّج لأهداف سياسية لا تعنيني ولست مقتنعًا بها. وما تُسمّيه بالمشترك الإبراهيمي أو أسميه بالرصيد السامي المشترك، أعاد الإسلامُ تأويلَه وفهمَه بكيفية تفصله عن التوراة وإبراهيم والأرض والميثاق، وهي الأسس التي تتفرع عن القول بأن إبراهيم هو الجد المشترك. وقد سبق لي أن عبّرت عن هذه الصفقة السياسية الفاسدة بقولي إن الإبراهيمية عملية نصب من إبراهام التوراتي للتحايل على إبراهيم القرآني، ولي محاضرات في تفصيل ذلك. إذا كان هناك من يريد أن يتحرك في المجال السياسي فليترك الدين جانبًا، فهو لا يُسعفه البتة. إن هناك خطرًا حقيقيًا لا يُقدّره المسلمون والعرب حق قدره، وهو المتمثل في ضرورة الوعي بالخلفيات النظرية والضمنيات والمسلّمات التي تقف خلف هذه الدعوى الإبراهيمية التي تحكم تحالف الصهيونية واليمين الديني المسيحي الصهيوني في الولايات المتحدة بالأساس. وهم مطالبون بإعادة التفكير في هذا الخطر وتدبّره والاحتياط منه، وهو يتمثل في تلك الفرضية التي تريد أن ترى أن الحل هو في جعل الإسلام غريبًا عن الحضارة المسيحية اليهودية نشأةً ومسارًا، وغريبًا أيضًا عن الحضارة الإغريقية الرومانية. وهذا هو أخطر ما في هذه الدعوى، وهو مصادرة على المطلوب يمكن اعتبارها نموذجًا على النصب والاحتيال التاريخي، إذ يبدو أن الصراع صيغةٌ معدَّلة لذلك الجدل الديني القديم، يحاول تغييب صلة الإسلام بالحلقة المسيحية اليهودية المفقودة. وهو قول يجد غايته في النازية والمحرقة من حيث هي فصل نهائي بين اليهودية والمسيحية من ناحية، وفي الحروب الصليبية من حيث فصل الإسلام عن المسيحية من ناحية أخرى. كما يجد غايته في فصل الإسلام عن اليهودية مع قيام إسرائيل، ثم في ظهور صياغة جديدة هي الاتصال الجديد بين المسيحية واليهودية فيما يُعرف بالمسيحية الصهيونية، وإقصاء الإسلام باعتباره غريبًا عن التراث المسيحي اليهودي في صياغته المعاصرة.

* مسؤولية الفاتيكان في إصلاح إرث الحروب الصليبية ومعاداة السامية، وأين يقف اليوم من القضية الفلسطينية؟

- الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية عمومًا لا تزالان واعيتين بتعقّد الموقف في فلسطين، ولم تسيرا بنفس وتيرة الكنائس الإنجيلية والبروتستانتية ذات المنحى الصهيوني لأسباب عقدية تتعلق بالموقف من الألفانية. ثمة دوافع دينية، ما في ذلك شك، تُحرّكها عقيدة راسخة وتغذّيها قراءات معينة لقسم من التوراة اليهودية، وخصوصًا سفرَي دانيال والمزامير. والعقيدة الاسترجاعية القائلة بضرورة «إعادة توطين» اليهود في فلسطين —The Restoration of the Jews to Palestine— هي مصدر المذهب المعروف بالإرجاعي أو الاسترجاعي، ومعناه العمل على جمع اليهود من العالم وإعادة توطينهم في فلسطين. ولهذا السبب سيغرق الإنجيليون المسيحيون في التراث القبّالي اليهودي كما غرق فيه من قبلهم اليهود، في عمليات حسابية معقدة لمعرفة تاريخ قيامة المسيح، استعدادًا لملاقاته والتسريع في جمع اليهود وتوطينهم في فلسطين من جديد. وكان هناك اعتماد على تأويل الآية التوراتية الواردة في سفر المزامير، الآية الرابعة من المزمور التسعين، التي شغلت الأوساط الألفية والمشيحانية والقبّالية من قبله، وفيها: «لأَنَّ أَلْفَ سَنَةٍ فِي عَيْنَيْكَ مِثْلُ يَوْمِ أَمْسِ بَعْدَ مَا عَبَرَ وَكَهَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ». وكذلك ما جادت به النصوص المسيحية الواردة في سفر يوحنا الرؤيوي من الإصحاح السابع. والحقيقة أن هذه العقيدة الألفية ظهرت وظلت حية طيلة القرون المسيحية الثلاثة الأولى، بتأثير من المسيهودية الأولى وبتأثير من التصورات البولسية وبعض آباء الكنيسة الأوائل أمثال القديس إيرينيوس والقديس ميلتون ساردس، إلا أن الفضل يرجع إلى القديس أوريجن والقديس أوغسطين تحديدًا في قمع هذه العقيدة والتشديد على ملكوت المسيح السماوي وأورشليم السماوية ومبدأ الخلاص الفردي. وشدّد القديس أوغسطين على أن عبارة الألف سنة الواردة في سفر يوحنا الرؤيوي لا تعني سوى «زمن الكنيسة» وأورشليم السماوية. وقد ظلّت هذه العقيدة خافتةً إلى أن استيقظت من سباتها في القرن الثامن عشر، عصر الأنوار، وياللمفارقة، على يد اثنين من كبار اللاهوتيين المسيحيين هما: يواكيم الفلوري وبيك دولا ميروندول. غير أنه لا ينبغي تناسي مسألة ثانية بالغة التعقيد، وهي أن الفاتيكان الحالي لا يزال يعاني من إرث البابا بيوس الثاني عشر المتعلق بعلاقة الفاتيكان في عهده بالنازية، وهي علاقة غامضة أثارت وتُثير الكثير من الإشكاليات التاريخية والسياسية، بالرغم مما قامت به الكنيسة الكاثوليكية من ترميم لهذه العلاقة فيما عُرف بوثيقة نوسترا أيتاتي الصادرة عن المجمع الفاتيكاني الثاني.

* كيف نفرّق بين "حوار الأديان" كخطاب روحي وبين توظيفه كأداة سياسية في النظام العالمي الجديد؟

- لا أؤمن بحوار الأديان، خصوصًا إذا كانت الغاية منه هي تبويس اللِّحى وأن يأتي كل طرف ليغنّي على ليلاه كما يقولون، أو للبحث عن المشترك وتغييب الفوارق أو إخفائها. بل أؤمن بضرورة دراسة الأديان واحترامها من موقع العالِم، وضمان وصفها وتحليلها وتأويلها وفق شروط علم الأديان الثالث، بغية الكشف عن الإنسان المتديّن وبنى المقدس. أما الحوار فهو من شأن السياسيين ورجال الدين، سواء أكانوا مسلمين، أم يهودًا، أم مسيحيين، أم غيرهم، لغايات لا علاقة لها بالعلم، بل بمتطلبات السياسة والسلم الأهلي أو غير ذلك.

* هل الحروب الدينية الجديدة تعبير عن عودة الاستعمار بثوب ديني، أم عن فشل الأديان نفسها في مواجهة التسييس؟

- سؤالك يطرح إشكالية مركّبة تتقاطع فيها أبعاد جيوسياسية ودينية وثقافية. الإجابة الأدق أن الحروب الدينية المعاصرة ليست تعبيرًا حصريًا عن أحد الاحتمالين، بل هي نتاج تشابك بين توظيف استعماري وسياسي للدين وبين فشل المؤسسات الدينية في صدّ هذا التوظيف. فمن الناحية التاريخية، لعب الدين دورًا محوريًا في تسهيل المشاريع الاستعمارية؛ إذ عمل المبشرون المسيحيون جنبًا إلى جنب مع الإدارات الاستعمارية، حيث استُخدم الكتاب المقدس لإخضاع الشعوب روحيًا بينما كانت الآلة العسكرية تتكفل بالإخضاع المادي.

أما فيما يتعلق بالحروب الدينية الراهنة، فهي تختلف جوهريًا عن حروب أوروبا الدينية (1524- 1648) التي انتهت بصلح ويستفاليا. فالصراعات المعاصرة قائمة على «كراهية دينية قومية» لم تكن موجودة في حقبة ما قبل الاستعمار التي كانت تميل للتعايش والتبادل التجاري. وهذه الأصوليات القومية الدينية ظهرت أولًا في عشرينيات القرن العشرين ووصلت اليوم إلى أروقة السلطة في عدد كبير من الدول

وأما فيما يتعلق بعلاقة الدين بالسياسة، فإن تسييس الدين يُعدّ من أخطر مظاهر تداخل المقدس بالسياسي، إذ يتحول الدين من منظومة روحية إلى أداة تبرير للسلطة أو المعارضة. ويحدث التسييس عادة عندما تُستخدم الرموز الدينية والسرديات المقدسة لشرعنة الحركات السياسية أو أعمال العنف، مما يُنتج «دينًا قوميًا» يُحرّك الجماهير ويُؤطّر الصراع. وتتجلى آليات هذا التسييس في إقصاء الخصوم عبر ثنائيات «المؤمن ضد الكافر» و«معنا أو ضدنا»، واستغلال الشعائر والمناسبات الدينية للحشد الجماهيري والدعاية السياسية، وتحويل الصراعات الوطنية إلى حروب دينية تُلغي الطابع القومي للنزاع،

ويمكن القول، بشيء من المجازفة، إن الحروب الدينية الجديدة تجد جذورها في نفي الأديان من المجال العام الذي نادى به البعض؛ بعض الأنظمة كان تأمل أن تختفي الأديان، لكن هذا الكبت أدى إلى مزيد من التلاعب بالأجندات السياسية للأغلبيات العرقية. في المقابل، أخفقت القيادات الدينية في حماية الدين من التوظيف السياسي، مما أدى إلى تقويض استقلاليته وإفراغ مضمونه الروحي. وأعتقد أن الحل يكمن في مقاربة مركّبة: على العلمانيين تعلّم استيعاب الدين في المجال العام دون إقصائه، وعلى القيادات الدينية إدانة العنف المرتكب باسم دياناتهم والموازنة بين الدور العام للدين ودوره الروحاني. وأعتقد أنه يجب إعادة مراجعة المقررات التعليمية لتتضمن محتوى إنسانيًا يُعالج الجهل بنقاط تلاقي الأديان وعدم التقبّل. وإعطاء مجال أكبر لتدريس الدين وفق مناهج تاريخ الأديان فالمشكلة ليست في الأديان ذاتها، كما تُظهر آلاف الأمثلة التاريخية على التعايش السلمي، بل في تأثير المشاريع السياسية المتطرفة على الأديان.

* لماذا يُقدّم القرآن موسى قائدًا لتحرير المستضعفين، بينما في التوراة هو قائد عسكري لشعب الله المختار؟

- لست متأكدًا أن الصورة هي على هذا النحو من القطع، ولكن عمومًا يمكن القول إن الاختلاف يأتي من الغرض الرسالي: فالقرآن يصحح الروايات السابقة ويُعمِّم الدرس الأخلاقي ليتناسب مع الدعوة الجديدة العالمية، بينما تُركّز التوراة على بناء هوية قومية يهودية في سياق تاريخي من الاضطهاد، بحسب السردية التوراتية، مما يجعل موسى نموذجًا للقيادة الإلهية في الصراع. والتراث اليهودي، خصوصًا في جانبه المدراشي، يتحدث عن تجربة الخروج من مصر بقيادة موسى كتجربة للحرية أيضًا. ولذلك يجب تنسيب هذا الكلام بحسب النصوص والأزمنة وحاجات التأويل في كل مرحلة تاريخية، سواء في الإسلام أو اليهودية.

* كيف يمكن التمييز بين "التاريخ الديني" كما ورد في التوراة وبين "التاريخ الفعلي" الذي توصلت إليه الأبحاث الأثرية؟

- الأمر موكول إلى القدرة على التحول من الدراسة الدينية إلى تاريخ الأديان الذي يقدم دراسة تحريرية، وهو القادر على الفصل بين التاريخ المقدس والتاريخ الديني من خلال اعتماد المقاربة التاريخية النقدية والنظر إلى الدين في بعده التاريخي والاجتماعي، وهو أمر صار مسلَّمًا به منذ القرن التاسع عشر، ولم تبقَ إلا المجتمعات التقليدية رافضةً لهذا المنحى. والبحث الأركيولوجي هو جزء من هذه الدراسة التاريخية النقدية للأديان، وهو القادر على تصحيح الكثير من الأوهام فيما يتعلق بالأديان عمومًا نشأةً ومسارًا وتحوّلًا.

* هناك إشكالية في العالم الإسلامي في الرد على الخطاب الصهيوني الاستعماري؛ إنه خطاب تبريري لم يرتقِ إلى مستوى الرد.

- المسلمون محتاجون قبل الردود إلى الفهم، وهذا الشرط مرتبط بوجود مؤسسات علمية تشتغل وفق شروط العلم المعاصر، وتكوين الأطر البحثية والإعلامية وفق أعلى المواصفات، بغية فهم الظاهرة الصهيونية التي هي، بالمناسبة، وليدة التاريخ الأوروبي، والتي لا يُصلح التاريخ اليهودي في ديار الإسلام في فهمها؛ فاليهودية القديمة التي عرفها العرب والمسلمون غير قادرة على فهم الصهيونية وتحولاتها وأفعال إسرائيل وردود أفعالها. ولذا وجب تأسيس الفهم الصحيح للتخلص من ردود الأفعال الانفعالية.

* * *  

تقديم ومحاورة: أورنيلا سكر

...........................

* نشرت في جريدة الزمان العراقية

س: ما يُغرس في الطفولة يُثمر في الشخصية. حديثنا عن طفولتكِ في دمشق؟

-طُفولتي في دِمَشق كانت النَّغمةَ الأولى في موسيقى العُمر… بيتُنا الصغير وبحرة الدار في حَيٍّ دِمَشقيٍّ عَتيقٍ كان يعبقُ برائحةِ الياسمين وصوتِ الحكايات. كُنتُ أستيقظُ على تراتيلِ أُمِّي وأغفو على دفءِ أبي، وبينهما تَعلَّمتُ أنَّ الحياةَ لا تُقاسُ بما نملك، بل بما نحلمُ به. في أزقَّةِ دمشقَ وشبابيكها التي تتعانق بحب وكرامة وصوت نواقيس كنيسة المريمية تعزف سيمفونية ألفة وسلام معَ تكبير الجامع الأموي، كل هذا نسجَ أولَ خُيوطِ خيالي، وتعلَّمتُ أنَّ الكلمةَ يُمكن أن تكونَ جناحاً، حتى لِطِفلةٍ لم تعرف بعدُ معنى الطيران.

س: كيف أسهمت أسرتكِ في تشكيل ملامح شخصيّتكِ الإبداعيّة وصقل موهبتك؟

-أسرتي كانت الحاضنةَ الأولى لبذورِ الحُلم. والدي عَلَّمني أنَّ الصمتَ أحيانًا أبلَغُ من الكلام، وأنَّ الفكرَ لا يكتملُ إلّا بالصِّدق مع الذات. أمّا أُمِّي فكانت القصيدةَ الأولى التي حفِظتُها، بكلِّ حنانِها وصبرِها وعمقِها الإنسانيّ. إخوتي كانوا مرآةَ التَّجربة، نتقاسمُ الخيالاتِ والأحلام. في دفءِ العائلةِ اكتشفتُ أنَّ الموهبةَ لا تكبرُ في العزلة، بل في محيطٍ يُؤمنُ بكِ قبل أن تؤمني أنتِ بنفسكِ.

س: في حياتكِ ومسيرتكِ الأدبية، كيف كان حضورُ الرجل — أباً، أخاً، أو زوجًاً؟ وهل كان هذا الحضور دعماً أم تحدّياً؟

-الرجلُ في حياتي كان حضوراً مُتنوِّعَ الوجوه: كان أبي نبعَ الأمانِ والحكمة، وأخي صديقَ الفكرِ والحوار، وزوجي مرآةَ الشَّغفِ والدَّعم. لم يكن حضورُ الرجلِ عائقًا، بل مساحةً للتَّكامل. نعم، وُجِدَتْ تحدّيات، لكنَّني آمنتُ أنَّ المرأةَ التي تمتلكُ وعيَها لا تُصادَرها التَّجارب، بل تُصقِلُها. الرَّجلُ الحقيقيُّ في حياتي كان من يُؤمنُ أنَّ الضَّوءَ يتَّسِعُ لنا معًا. حضور الرجل في مسيرة المرأة الإبداعية في العالم العربي هو سيف ذو حدين:

يمكن أن يكون دعماً حقيقياً حين يتحرر من فكرة السيطرة، ويتعامل مع المرأة كشريك متكامل في الإنسانية والإبداع.

ويمكن أن يتحول إلى تحدٍّ مستمر حين يحاول حصرها في أدوار نمطية أو تهميش طاقتها باسم العادات أو الغيرة أو الخوف من التغيير.

س: من الرياضيات إلى الشعر، كيف وجدتِ التوازن بين دِقّة العلم ودِفءِ العاطفة؟

-الرياضياتُ علَّمَتني أنَّ في كلِّ معادلةٍ منطقًا خفيًّا يُشبهُ الشِّعر، وأنَّ النِّظامَ لا يُلغي الجمال. بينما علَّمَني الشِّعرُ أنَّ العاطفةَ ليست فوضى، بل هندسةُ الرُّوح. وجدتُ التوازنَ حين أدركتُ أنَّ كِلا العالَمين يبحثان عن الحقيقة، ولكن كلٌّ منهما بلغته: الأرقامُ تنشدُ اليقين، والكلماتُ تنشدُ المعنى. لكل شيء اساس منطقي، فإن كان للشعر قواعده و فلسفته فللرياضيات مساحة كبيرة من التأمل والتفكير ومن هنا فهو يشترك مع الشعر ولا يبتعد عنه كثيراً..

ان الشعر علم و وزن وفلسفة والرياضيات كذلك وهذا منحنى دقة القياس والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة للمفردة و النص، ففي علم الحساب والرياضيات لا اهمال لأي قيمة رقمية او عددية وهكذا الشعر فأنا لا أهمل اي جانب مهما كان بسيطا، فلكل رقم او جزء منه قيمته و ثقله العددي وهكذا المفردة.2463 fairoz

س: هل تتذكّرين أول نصٍّ كتبتهِ؟ وما الذي دفعكِ حينها إلى الكتابة؟

-نعم، كان نصّاً صغيراً كتبتهُ في سِنّ المراهقةِ بعدَ أن فقدتُ صديقةً قريبةً إلى قلبي. كان الألمُ هو الحِبرَ الأوّل، و الورقَ الذي احتملَ نَزفَ المشاعر. منذ ذلك الحين أدركتُ أنَّ الكتابةَ ليست ترفاً، بل نَجاة.

س: المواقفُ الصعبةُ تصنعُ منّا نُسخاً أقوى وأكثر وعياً بالحياة. ما أبرزُ المواقفِ التي شكّلت نقطةَ تحوّلٍ في حياتك؟

-مررتُ بمحطّاتٍ قاسيةٍ كالفقدِ والغُربةِ والخذلان، لكنها جميعها كانت معابرَ نحو وعيٍ أعمق. تعلّمتُ أنَّ الألمَ حين يُروَّضُ يتحوّلُ إلى ضوء، وأنَّ السقوطَ ليس نهايةً بل بدايةُ طريقٍ جديدٍ نحو الذات. كلُّ موقفٍ صعبٍ كان مرآةً كشفتْ لي وجهي الحقيقيّ.

س: في الغربةِ تتبدّلُ الملامح وتختبر الأرواحُ قُدرتها على التكيّف. كيف واجهتِ كامرأةٍ مغتربةٍ التحدّيات الاجتماعية والثقافية؟

-الغُربةُ ليست مجرد ابتعاد عن المكان، الغُربةُ امتحانُ الرُّوح. حين جئتُ إلى السويد شعرتُ أوّلَ الأمر أنني بين لغتين لا تعرفان بعضَهما. لكنني آمنتُ أنَّ الجسورَ تُبنى بالحبِّ والمعرفة. لم أقاومِ الاختلاف، بل احتضنتُه، وتعلّمتُ أنَّ الانتماءَ ليس جغرافيا بل وِجداناً. كامرأةٍ عربيةٍ في المهجر، حملتُ جذوري معي فحافظتُ على لغتي وذاكرتي الثقافية لأزرعَها في أرضٍ جديدة، فالوحدة والانغلاق من أخطر تحديات الغربة لذلك عملت على المشاركة والانضمام إلى جمعيات وأندية ثقافية، فالإبداع الحقيقي يتغذى على التنوع فكل ثقافة تضيفُ لوناً جديداًإلى لوحة الإبداع.

س: أعمالُكِ الشِّعرية تجاوزتِ العشرةَ دواوين، ما الخيطُ الذي يجمعُ بينها؟

-الخيطُ الذي يجمعُها هو الإنسانُ — بضعفِه وقوّتِه، بحُلمِه وحنينِه. كلُّ ديوانٍ كان محاولةً لفهمِ معنى الوجودِ من زاويةٍ مختلفة: الحبّ، الفقد، الوطن، الغُربة، الذات. لغتي تغيّرت، لكن نبضي واحد: نبضُ أنثى تبحثُ عن المعنى وسطَ ضجيجِ العالم.

س: ترأّستِ منتدياتٍ ومجلّاتٍ أدبية عديدة. كيف تنظرين إلى دورِ هذه التجارب؟

-العملُ الثقافيُّ منحَني أفقاً أوسعَ من حدودِ النصّ. حين تتعاملين مع الأقلامِ الأخرى، تتعلّمين أنَّ الإبداعَ ليس انعزالاً بل حواراً. هذه التّجاربُ جعلتني أعي أنَّ الكلمةَ جسرٌ لا جدار، وأنَّ الثّقافةَ مسؤوليّةٌ تتجاوزُ الذاتَ إلى الوعي الجمعيّ.

س: بصفتكِ مسؤولةً ثقافيةً في جمعياتٍ ومبادراتٍ، كيف تقيّمين واقعَ المرأةِ العربيةِ في المهجر؟

-المرأةُ العربيةُ في المهجرِ تعيشُ بين نقيضَين: التحدّي والفُرصة. البعضُ ما زال يُصارعُ صُوَراً نمطية، والبعضُ الآخر أثبتَ وجودَهُ بوعيٍ وثقة. ما أراه اليوم مُبشّر، لأنَّ الوعيَ النِّسائيَّ في تصاعد، والإيمانَ بالقدرةِ على التغييرِ صار واقعاً لا حُلماً.

س: حدّثينا عن منتدى “آفاق الفكر والثقافة” الذي تُديرينه حاليًّا في السويد.

-منتدى "آفاق الفكر والثقافة" هو مساحةٌ للحوار المفتوح بين المبدعين من الشرق والغرب، هدفُه أن نلتقي على أرضِ الفكر لا على حدودِ الاختلاف. نحاولُ أن نربطَ الأدبَ بالحياة، وأن نجعلَ من الكلمة طاقةَ بناءٍ لا مجرّدَ احتفاءٍ لغويّ. ولابد من التنويه أني وصديقتي الأديبة ريما آل كلزلي أجتمعنا على فكرة إنشاء هذا المنتدى ونعمل معاً وبدأب على الارتقاء بالمشهد الثقافي من خلال هذا المنتدى

في هذا المنتدى نسلط الضوء على كل أنواع الأدب، مناقشة روايات، قراءات لمجموعات قصصية، قراءات في مجموعات ودواوين شعرية وَ وندوات في المسرح والفن التشكيلي، وَ ونتعرض أَيُّضاً للكثير الكثير من المواضيع الأدبيّة، وكل ذلك بحضور قامات أدبية ونقاد مميزين في الوطن العربي.

س: من وجهة نظركِ، كيف يُمكن للثقافة والفكر أن يُسهما في تمكين المرأة؟

-الثقافي تغيير الذهنيات وَ والفكر يغير القناعات وعندما يتكاملان تنشأ بيئة تحتضن المرأة.

الثقافةُ والفكرُ هما السلاحانِ الأكثرُ نقاءً في معركةِ الوعي. حين تمتلكُ المرأةُ فكراً حرّاً، تصبحُ قادرةً على رفضِ كلِّ قيد. فالتمكينُ الحقيقيُّ يبدأُ من الوعي، لا من المنصب. الفكرُ يمنحها القُدرةَ على الاختيار، والثقافةُ تمنحها الثّقةَ بأنَّ صوتَها ضرورةٌ لا زينة.

س: هل تواجهُ المرأةُ المبدعةُ في المجتمعاتِ العربيةِ تمييزًا حتى اليوم؟

-نعم، التّمييزُ ما زال موجودًا، وإن كان حدته يختلف من بلد إلى آخر، ومن مجال إلى آخر، فأحياناً يشكك في إبداعها وينسب هذا النجاح إلى المساعدة أو الظروف وليس من موهبتها وجهدها، بعض المبدعات يواجهن رقابة عائلية أو مجتمعية على كتاباتهن وهذا يدفع بعضهن إلى الكتابة بأسماء مستعارة،

 لكنه لم يعُد قادراً على كسرِ الإرادة كما في السّابق.و وسائل التواصل الاجتماعي فتحت مساحات حرة مكنت المرأة من الوصول بشكل مباشر إلى الجمهور، هناك مقاومةٌ صامتةٌ تُمارَسُ ضدّ النساءِ المبدعات، لكنّنا نتجاوزُها بالوعي والإصرار. كلُّ أنثى تكتبُ اليوم هي شمعةٌ في طريقِ التَّحرر.

س: ما القضايا التي تشعرين أنها ما زالت تُثقِل كاهلَ المرأةِ العربية؟

-ما يُثقِلُ كاهلَ المرأةِ العربيةِ اليوم ليس الظُّلمُ الاجتماعيُّ فحسب، بل الإرثُ الثقافيُّ العميقُ الذي يحدُّ من رؤيتِها لذاتها. هناك قيدٌ خفيٌّ ما زال يُكبّلُ وعيها: قيدُ التوقّعاتِ التي تُرسمُ لها قبل أن تختارَ هي مَن تكون.

تعيشُ صراعًا يوميًّا بين ذاتِها الحقيقيةِ وصورتِها المفروضة، بين رغبتِها في الانطلاقِ وضرورةِ إرضاءِ المجتمع.

قضاياها لا تختصرُ في المساواةِ الشكليةِ أو المشاركةِ الرمزية، بل في الحقِّ في الوعي والاختيار.

نحتاجُ إلى خطابٍ ثقافيٍّ جديدٍ يُعيدُ بناءَ الوعي منذ الطفولة، يُعلّمُ الفتاةَ أنَّ صوتَها لا يقلّ عن أيِّ صوتٍ آخر، وأنَّ الفكرَ ليس حكرًا على جنسٍ دون آخر.

التعليمُ هو المفتاحُ الأول، والثقةُ بالنّفس البابُ الثاني. أمّا الخطرُ الأكبرُ، فهو العنفُ الرمزيُّ حين تُختزلُ المرأةُ في المظهرِ أو في الأدوارِ النمطية.

لقد آن الأوانُ أن ننتقلَ من مرحلةِ الدفاعِ إلى مرحلةِ الفعل — من المطالبةِ بالحقِّ إلى ممارستِه بثقةٍ ووعي.

المرأةُ العربيةُ لا تحتاجُ إلى مَن يُنقذها، بل إلى مَن يُؤمنُ بها.

س: يُثارُ كثيرٌ من الجدلِ حولَ مصطلحِ "الأدبِ النّسويّ". كيف تنظرين إليه؟

-الأدبُ النّسويُّ في نظري ليس خندقاً معزولًا عن الأدبِ الإنسانيّ، بل ضوءٌ يُسلّطُ على زوايا ظَلَّت طَويلًا مُهمَّشةً في التجربةِ البشرية.

حين تكتبُ المرأةُ، فهي لا تكتبُ فقط لتُعبّرَ عن ذاتِها الأنثوية، بل لتُعيدَ طرحَ الأسئلةِ الكبرى من زاويةٍ أكثر حسّاً وصدقاً.

وإن كان الأدبُ النّسويُّ قد وُلد من الحاجةِ إلى استعادةِ التوازن، فإنّ جوهرَه ليس الصراعَ بل التكامل.

إنَّه مساحةٌ تقولُ فيها المرأةُ ما لم يُتحْ لها قولُهُ لقرون، تُدوّنُ تفاصيلَها الصغيرة التي هي في جوهرِها قضايا إنسانيةٌ كبرى: الحُب، الحرية، الوجود، والفقد.

لكنّني أرفضُ أن يُختزَل هذا الأدبُ في كونهِ صرخةً احتجاجيّةً فحسب؛ فقيمةُ النّصّ لا تُقاسُ بجنسِ كاتبِه، بل بقدرته على لمسِ الإنسانِ فينا.

لذلك أراه أدبًا إنسانيًّا تُضفي عليه المرأةُ نكهةَ التجربةِ ودفءَ الرؤيةِ وجرأةَ البوح.

فالأدبُ لا جنسَ له، لكنّه لا يكتملُ دون صوتِ المرأة.

س: "الأحلامُ هي البذورُ التي تنبتُ منها ملامحُ الغد." ما الأعمالُ التي تتطلّعين إليها؟

-أحلمُ بإصدارِ عملٍ شعريٍّ مختلفٍ في بنائِه، يمزجُ بين السّردِ والفلسفة. كما أعملُ على كتابٍ نثريٍّ يوثّقُ تجربتي بين الشرقِ والغرب. أريدُ أن أتركَ أثراً يذكّرُ الناسَ بأنَّ الحلمَ لا يشيخ، وأنَّ الكلمةَ قادرةٌ على تجاوزِ المسافات.

س: من خلالِ تجربتكِ ومسيرتكِ، ما الرسالةُ التي تتمنّين أن تصلَ إلى كلِّ امرأةٍ عربية؟

-أن تُؤمنَ بنفسها أوّلًا، وألّا تنتظرَ اعترافَ العالمِ بها. الطريقُ صعبٌ، لكنَّ الخطوةَ الأولى هي شجاعةُ النهوض. على المرأةِ أن تكتبَ حكايتَها بيدِها، لا أن تكونَ سطراً في روايةِ أحدٍ غيرِها.

س: لو كانت أمامكِ فتاةٌ تحملُ قلمَها لأوّل مرّة، ما الكلماتُ التي تهمسين بها لها؟

-أقولُ لها: اكتبي… ولا تخافي من البداياتِ المتعثّرة. لا تخافي من الأخطاء فالقلم في البداية يتلعثم مثل طفل يتعلم الكلام فدعيه يخطئ ويتعثر الكتابةُ تُشبِهُ الحياةَ، فأكتبي لأنك تريدين أنْ تفهمي نفسك والعالم لا لأنك مضطرة لإبهار أحد، دَعي قلبَكِ يقودُكِ، وكوني صادقةً مع نفسكِ، فالكلمةُ الصادقةُ تعيشُ أكثرَ من أصحابِها.

أهمس لك بمحبة: القراءة هي الوقود والكتابة هي الشرارة، اقرئي كل شيءٍ حتى التغريدات اليومية فكل قراءة قد توقظ فكرة.

***

حاورتها: د. آمال طرزان مصطفى

 

أصدرنا مجلة صدى العرب الشهرية، وصحيفة صدى الناس الأسبوعية، وأطلقنا سلسلة إلكترونية ثقافية مؤخرا.

 أقمنا ورش عمل ودورات تدريبية في كتابة الخبر الصحفي، والتقرير الإخباري، وتصميم الصحف والمجلات، وفنون التصوير.

 دأب مركزنا على التعريف بنساء مبدعات، كاتبات، شاعرات، خطاطات، تشكيليات، طبيبات، مهندسات، روائيات، مخرجات معروفات.

.........................

س1: متى تأسس مركزكم، وما هي الرؤية والرسالة والهدف من تأسيسه، ولا سيما وأن شعاره يزاوج بين الثقافة والإعلام والفنون، ويوائم بينها مجتمعة؟

ج: تأسس مركزنا أول مرة عام 2004، ولقد حرصنا ومنذ الانطلاقة الأولى على أن يكون حاضنة وصوتا صادحا بالحق دفاعا عن المثقفين والإعلاميين والفنانين مع تسليط الأضواء على حقوقهم وكل ما يؤرقهم، والعمل على إزاحة كل ما يقف حجر عثرة وعقبة كؤود في طريق إبداعهم وتألقهم، فكل مؤلف وكاتب وأديب وقاص وشاعر وروائي فهذا هو مركزه وبيته، كل خطاط ومصور ورسام ونحات ومسرحي وإذاعي وتلفزيوني فهذا هو مركزه وبيته، كل صحفي صاحب قضية وقلم حر رصين، كذلك كل مقدم ومعد برامج مقروءة ومرئية ومسموعة محترم، وكل محرر أخبار موضوعي، وكل مراسل مخلص ومجد في عمله يسعى الى نقل الحقيقة الى المؤسسة التي يعمل لصالحها بكل شفافية وحيادية بعيدا عن التحيز والتعصب، وكل صانع محتوى إعلامي هادف يتناول القضايا الإنسانية، وأبرز الملفات الإجتماعية التي تهم الجميع فمركزنا ولا شك هو حاضنته وبيته.

فإذا كانت الصحافة حرة وهذا ما يتوجب أن تكون عليه واقعا، وإذا كان بإمكان الجميع القراءة فسيعم السلم المجتمعي ويتحقق الأمان، كما نوه الى ذلك توماس جفرسون، وأما عن الثقافة وكما قال الحكماء فإنها تغذي العقل والروح، وتهذب النفوس وتصلح القلوب، وعلى نحوها فنون الخط والزخرفة والشعر والرسم والمسرح الجاد والفن الرصين والموسيقى الهادفة.

ولا يفوتني الإشارة الى أن مركزنا سبق وأن أصدر مجلة صدى العرب الشهرية، صحيفة صدى الناس الأسبوعية، وكنت أنا رئيسا لتحريرها، والاستاذ خالد ستار رئيس تحرير تنفيذى، زيادة على إقامة دورات تدريبية وورش عمل وندوات و مؤتمرات في مجال كتابة الخبر الصحفي، وكتابة التقرير الإخباري، وتصميم الصحف والمجلات، والتصوير الفوتوغرافي والفيديوي وكان الإقبال عليها لافتا.

فيما أطلقنا سلسلة إلكترونية ثقافية وتوعوية مؤخرا استهلت وبمناسبة قرب حلول شهر رمضان 1447 هـ، بكتاب " الورد والريحان في آداب شهر رمضان" باللغتين العربية والفرنسية، كذلك كتاب "مشاهير أجانب أسلموا تأثرا بالوصايا النبوية الشريفة " لمعدها الأستاذ أحمد جود الخير، ترجمة وتصميم الأستاذ قبس العاني، على أن نستكمل هذه السلسلة المباركة بعيد انقضاء الشهر الفضيل لتتناول مواضيع مهمة وقضايا شائكة وآفات اجتماعية وأخلاقية مختلفة كآفة الإبتزاز الالكتروني، التنمر، الإنتحار، المخدرات، الاتجار بالبشر، التسول، البطالة الاختيارية والمقنعة، الرشوة، التزوير، العنف الأسري، التهريب، عمالة الاطفال، الأمية الابجدية والتقنية، التسرب المدرسي، وما يماثلها من مخاطر وآفات جمة تهدد السلم الأهلي، وتفكك النسيج المجتمعي.

س2: معلوم بأنه و بين الفينة والأخرى يتم اختيار مدينة أو محافظة عراقية لتدرج إما ضمن قائمة اليونسكو، أو قائمة الإيسيسكو، أو قائمة الألكسو، وكلها معنية بالتربية والثقافة والعلوم، عاصمة للسياحة، أو الثقافة العربية والإسلامية، وأخيرها وليس آخرها اختيار بغداد عاصمة للسياحة العربية لعام 2024 وذلك بالتزامن مع ترشيح سامراء لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية، فما هي اسهاماتكم في هذا المجال الحيوي لتعريف العرب والعالم بحضارة العراق الضاربة في القدم؟

ج2: قطعا أن المعالم والآثار العراقية هي جزء لا يتجزأ من خططنا وبرامج عملنا السنوية و مركزنا يواظب على تسليط الضوء من خلال اللقاءات والمقالات والحوارات والندوات والتحقيقات الصحفية على معالم وآثار العراق، كذلك على متاحفه ومناطقه التراثية والسياحية والفلكلورية، كملوية سامراء، بيت الحكمة، زقورة اور، القشلة، شارع الرشيد، المتنبي، آثار الحضر، الأهوار، بحيرة ساوه، سوق السراي، المقبرة الملكية، مساجد وساعات بغداد والمحافظات الاثرية، ومثلها المتحف العراقي، المتحف البغدادي، متحف التاريخ الطبيعي ونحوها لما لهذه المعالم من أهمية تراثية وتاريخية، اضافة الى كونها عناصر جذب ثقافية وسياحية لا يمكن الذهول عنها البتة.

س3- حدثنا قليلا عن مكانة المرأة العراقية سواء ضمن أنشطة المركز الدورية، أو ضمن تغطياتكم الصحفية.

ج3: للمرأة وهي نصف المجتمع، بل ونصف القمر المنير في سمائه، حصة الأسد في ذلك ولقد دأب مركزنا على التعريف بنساء عراقيات مبدعات ومتميزات في شتى المجالات (كاتبات، شاعرات، خطاطات، تشكيليات، طبيبات، مهندسات، مسرحيات، مخرجات معروفات) أمثال زها حديد، ونازك الملائكة، جنة عدنان، انعام كججي، ميسلون هادي، زهرة الربيعي، هناء الداغستاني، كروان الاذاعة العراقية كلادس يوسف، ونحوهن وقد أجرى قسم الإعلام التابع لمركزنا العديد من الحوارات الصحفية المهمة مع كثير من مبدعاتنا داخل العراق وخارجه وبما تم نشره في العديد من المجلات والصحف الورقية والإلكترونية، العراقية والعربية وحقق أصداء طيبة وانتشارا واسعا في معظمها.2334 center

س4- تحدثنا عن المبدعات العراقيات، فماذا عن المبدعين العراقيين؟

ج4- لاغرو أن مؤلفاتنا وبحوثنا وحواراتنا ومقالاتنا ولقاءاتنا الصحفية، وعندما أتحدث بصيغة الجمع هاهنا فأعني بذلك كل إعلاميي ومؤسسي المركز وكتابه ومثقفيه، وكل واحد منهم له بصمة مشهود لها في استعراض مسيرة مبدعين من بلادي، من السابقين واللاحقين، الأحياء والأموات، وبما سلط ويسلط الضوء على شخصيات عراقية فذة كان لها حضور عربي ومحلي بارز في شتى العلوم والمعارف نحو الرصافي، السياب، الزهاوي، جلال الحنفي، بهجت الاثري، بهنام ابو الصوف، مؤيد البدري، كامل الدباغ، منير بشير، جواد سليم، اسماعيل فتاح الترك، محمد غني حكمت، حافظ الدروبي، هاشم الخطاط، فائق حسن، عماد عبد السلام رؤوف، محيي هلال السرحان، جميل ابراهيم حبيب وأمثالهم من النخيل العراقية الباسقة التي يفتخر ويتفاخر بها العراقيون والعرب والعالم بأسره، ولمسؤول قسم الدراسات والبحوث في مركزنا الاستاذ خضر البدري، العديد من المؤلفات بهذا الصدد، أذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر، كتابه المميز (قارىء الطين) الذي يتناول سيرة عالم الآثار العراقي الكبير، وخبير اللغات الآرامية و السومرية والاكدية " طه باقر "هذا الرجل الذي عرف بترجمته لـ "ملحمة جلجامش"من الاكدية الى العربية، إضافة الى اكتشافه (قانون أشنونا) المتقدم على قانون"حمورابي" وبما يقرب من قرنين من الزمن فضلا على اكتشاف وتنقيب طه باقر، في العديد من المواقع البابلية والسومرية القديمة، واكتشافه"تل حرمل"المعروف قديما بـ (شادوبوم).

ولا أذهل عن كتابه الثاني "ينابيع المعرفة" بـ (466) صفحة سلطت الضوء على أربع شخصيات عراقية بارزة؛ هي كل من (مصطفى جواد، أحمد سوسة، الأب انستاس الكرملي، عبد الرزاق الحسني)، وعلى منواله كتاب "من سفر الخالدين " الذي تناول سيرة حياة عالم الاجتماع الكبير علي الوردي، صاحب المؤلفات الشهيرة "مهزلة العقل البشري"، "وعاظ السلاطين"، "خوارق اللاشعور"، " لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ".

س5: نود من جنابك الكريم أن توجز لنا آليات عمل مركزكم.

ج5- أبرز آليات ومهام مركزنا هو تنسيق العمل مع الجهات المناظرة، وتعريف الجمهور العريض بأنشطته المختلفة على مدار العام وذلك عبر الإعلام المرئي والمقروء والمسموع التابع للمركز ومن خلال منصاته على فيس بوك، انستغرام، تيك توك، تليغرام، إكس (تويتر سابقا)، زيادة على دور قسم العلاقات العامة التابع للمركز نشاطه المهم في الانفتاح على الجهات ذات العلاقة، وتوطيد العلاقات المثمرة مع المؤسسات والنقابات والاتحادات والروابط ومنظمات المجتمع المدني وعمادات الكليات ورئاسات الجامعات كافة بهدف تبادل الخبرات، وتنظيم المؤتمرات، وإقامة الندوات، وإنجاح المهرجانات، إنضاج ورش العمل ذات الاهتمام المشترك ولاسيما في المناسبات الدولية وأهمها(يوم اليتيم العالمي، يوم الطفل العالمي، عيد الأم، عيد المرأة، عيد العمال العالمي، عيد المعلم، ونحوها).

س6: هل يولي مركزكم اهتماما بالمشهد الرياضي الحافل في العراق خاصة، والمنطقة العربية عامة؟

ج6- معلوم للجميع بأن الرياضة تعد جزءا لا يتجزأ من اهتمامات مركزنا وبالأخص ما يتعلق بسيرة ومسيرة الشخصيات الرياضية الرائدة، ومثلها الأندية الرياضية العريقة، اضافة الى متابعة وتوثيق الأوسمة الملونة والإنجازات القياسية للرياضيين العراقيين في مختلف البطولات الاولمبية والبارالمبية، العربية منها والاقليمية، مع الحرص على استضافة وإجراء لقاءات وحوارات موسعة بشكل دوري مع العديد من الشخصيات الرياضية المعروفة على مر الأجيال.

س 7: وماذا عن مجمل أنشطتكم في مجال الفنون ولاسيما وأنكم تحملون اسمها؟

ج7- اهتمامنا في المجال الفني ينصب على متابعة وتوثيق الحركة الفنية عامة تزامنا مع المشاركة الفاعلة والحضور المؤثر في مختلف أنشطة المسرح، السينما، الدراما العراقية، المعارض التشكيلية، معارض الصور، فن الستاند اب كوميدي، فن البانتومايم، فن السايكو دراما، معارض الخط العربي والزخرفة، زيادة على إجراء اللقاءات والحوارات بشكل دائم مع أهم القامات الفنية العراقية المتميزة وفي مختلف الفنون، سواء تلك الشخصيات الفذة التي تعيش داخل العراق أو خارجه، والعراق وكما هو معلوم للقاصي والداني زاخر بالمواهب والقامات الفنية الباسقة التي يشار إليها بالبنان وبما يغنينا عن الاستفاضة في ذكرها مع حفظ الألقاب.

س8- في معرض تعريفكم للمركز قلتم بأنه مهتم بالقضايا الإنسانية والإجتماعية البارزة التي تهم المواطنين، فضلا وليس أمرا اطلاعنا على بعضها.

ج8: يهتم مركزنا بتسليط الضوء على معاناة المتقاعدين ولا سيما من شريحة المثقفين والإعلاميين والفنانين.

كذلك المعاناة الكبرى لمرضى غسيل الكلى ممن يعانون الأمرين، ومرضى الثلاسيميا " فقر دم البحر الابيض المتوسط " ممن يحتاجون الى تزويدهم بالدم كل 3- 4 اسابيع، اضافة الى إبر الدسفيرال، وحبوب الفوليك أسيد، ومأساة الأطفال من ضحايا مرض” ضمور العضلات الشوكي”الذي يفتك بالمئات من أطفالنا من دون علاج يذكر ما عدا حقنة “Zolgensma”الأغلى ثمنا في العالم والتي يبلغ سعر الحقنة الواحدة منها 2.1 مليون دولار، أو بعمليات زرع النخاع باهظة الكلفة، ومن أشهر ضحايا هذا المرض الوراثي "رسامة القدم "جنات الجميلي التي توفيت بسببه قبل خمسة أعوام تقريبا، على منوالهم معاناة ذوي الإعاقات البدنية وأصحاب الإعاقات الحسية والذهنية، ومتلازمة داون (المنغول)، وأطفال التوحد.

ومرضى السرطان وتصلب اﻷعصاب المتعدد، وتأسيسا على ما تقدم فنحن حريصون أشد الحرص على الإسهام في كتابة الأعمدة الصحفية، واجراء الحوارات والتحقيقات الصحفية، والاشراف على إعداد وتحرير الصفحات المعنية بالأسرة والمجتمع والطفل والصحة في العديد من الصحف والمجلات العراقية الثقافية والمجتمعية.

س9: شخصيا هل خضت تجارب مسرحية وسينمائية على مستوى الإخراج والتمثيل؟

ج9- بالتأكيد فلقد مثلت في مسرحيات متعددة منها "أصدقاء" للمؤلف هربرت فارجيون، ومسرحية " كوريو لاين" اخراج عوني كرومي، وفي مسرح الطفل " الباص القديم عنتر " للمخرج الألماني هانز، مسرحية " رغبة تحت شجرة الدردار"، أما في مجال السينما فقد أخرجت أفلاما روائية ذات ملامح تسجيلية وأخرى تسجيلية فازت في مهرجانات محلية ودولية، أذكر منها فيلم " تأهيل " وفيلم " عطاء " وفيلم " الجامع " وفيلم " كن رجلا ولا تتبعني " لغوتيه، وأفلام لصالح التلفزيون منها " بابل بابلونيا " و" عالمه فضة "، وأما على مستوى الإذاعة فكنت أعد برنامج " صباح الخير ياعراق "ولعامين متتالين، أما في التلفزيون فـ " ابيض واسود " كمساعد مخرج مع فارس مهدي.

س10: بعد أن أبدعت في الحوارات والتحقيقات الصحفية، مخرت سفينتك عباب بحر السلطة الرابعة لتستقر في مرفأ العمود الصحفي والمقالة، لماذا اخترت هذا اللون من دون سواه؟

ج10- أحمد الله على أنني قد تدرجت مهنيا وأعتقد أنه ومن القلائل في هذه المهنة من وجد نفسه ملتزما بالانتقال من موقع الى آخر، فقد تدرجت من المحرر الى مسؤول صفحة الى سكرتير تحرير تنفيذي ومن ثم مدير تحرير وصولا الى رئيس تحرير وبرغم مهنيتي إلا أنني درست الصحافة أكاديميا، وكانت محطاتي كثيرة ومنها مجلة وادي الرافدين، مجلة السراج، اﻷوقات العراقية، صحيفة شيحان اﻷردنية، السينما والناس المصرية، الاتحاد الاماراتية، ومن ثم رئيسا لتحرير جريدة "اﻷرض الطيبة " و" الحق المشروع " و" الغد الاسبوعية "، مجلة صوت الجامعة، ومجلة ألق شبعاد، ومجلة توقد، وقبل ذلك كله مجلة أوروك السياحية.

س11: لنتوقف قليلا عند اوروك السياحية، ماذا تمثل لك صحفيا وسياحيا؟

ج11- القدر هو الذي وضعني في مجال كنت أحبه ولكنني كحلم وردي وجدت نفسي في مكان شغل فكري طويلا ﻷجد نفسي في مجلة " وادي الرافدين" السياحية، ليتحول اسمها الى اوروك نسبة الى العراق القديم و بموضوعات شتى وإخراج صحفي متميز برفقة زملاء بعقلية سياحية، منهم أنور الهاشمي، ووجدان ادور، وآخرون لننتقل من المواضيع التقليدية الى نظيراتها غير مطروقة محليا مثل الباص السياحي، حفلات الزواج الجماعي، ندوات حول التراث والآثار، ومهرجانات التزيين، ومهرجان الفواكه والثمار، مسابقات الطيور الزاجلة، ومسابقات جماهيرية مبتكرة، و يوم في حياة فنان، وغيرها الكثير ما لا يتسع المجال لذكرها مع تأسيس نقابة للسياحيين هي اﻷولى عراقيا.

س12: بما أن المسرح يقع ضمن اهتمامات مركزكم الثقافية فنود من جنابك أن تطلعنا على أسباب مرور المسرح العراقي بفترات مختلفة تتراوح بين صعود وهبوط، وماهو تقييمك لواقع المسرح اليوم ومن وجهة نظر أكاديمية بحتة؟!

ج12- كما يعلم الجميع بأن المسرح هو أبو الفنون ولذلك إن تحدثنا عن المسرح العراقي فلابد لنا من الاشارة الى محطات مضيئة في سفر تأريخ هذا المسرح العريق، برغم أن المسرح مر بفترات صعود وفترات أفول فقد ظهرت تجارب متجددة حداثوية منها مسرح الصورة، لصلاح القصب الذي يختلف من حيث تكنيك المسرح وجغرافيته عن المسرحيات الكلاسيكية، وجماعة المسرح الفني الحديث، وجماعة الستين كرسي بمسرحيات تركت أثرا لدى المهتمين والمتابعين لحركة المسرح وفي مقدمهم " سامي عبد الحميد، بدري حسون فريد، جاسم العبودي فظهرت لنا كلكامش وعطيل، وإذا أردنا أن نتحدث عن تجارب حداثوية فعوني كرومي، ترك بصمة في ذلك كمسرحية كريولاين، وفي فترة الستينات بلغ النضج المسرحي أوجه بدليل أن المسرحات التي عرضت وقتئذ تبنتها الفرقة القومية للتمثيل والمسرح الحديث، لتأتي بعدها تجربة الجماهير التي تبناها محسن العلي ضمن المسرح العسكري " وقدمت روائع مثل بيت وخمس بيبان، المحطة، بيت الطين، وغيرها " وهناك مسرحيات استلت بعض نصوصها من المسرح العالمي، وتم تعريقها وقد جسد أدوارها نخبة من الفنانين العراقيين " طالب الفراتي، قائد النعماني، سعدية الزيدي، فوزية عارف، يوسف العاني، وجدي العاني، ابراهيم جلال، قاسم محمد، عماد بدن، كاظم عبد الجبار، وقدموا لنا أعمالا لنصوص مميزة وبرؤية اخراجية متميزة، وبأداء مبهر أسهم بشكل وبآخر بالتخفيف عن وطأة معاناة المرحلة، وقد غلفت بطابع كوميدي مع إيصال رسالة ضمنية فيها الكثير من المعاني المستترة إختلفت في تأطيرها، بعضها يحمل من الكوميديا وبعضها يحمل من التراجيديا، وبعضها يحمل الجانبين كونه ينطوي على وجهي الصراع، الخير والشر، وهناك نصوص قدمت من خلال كليات ومعاهد الفنون الجميلة حافظت على تقديمها وفق القاعدة الارسطية وصاغها اساتذة مميزون، عزيز جبمر، وحامد خضر، لتظهر بعدها أشكال من المسرح أطلق عليه المسرح الاستعراضي واﻵخر المسرح الشعبي، وبما يطلق عليه بعض النقاد مصطلح المسرح التجاري، بعضها وللأسف كان يستخدم ألفاظا ويقدم عروضا لاتتناسب وحجم المشاهدة من قبل العوائل العراقية من خلال مسارح عديدة في العاصمة بغداد، ونحن كمتتبعين لحركة المسرح ولكون المسرح العراقي الرائد عربيا واقليميا، فنحن ميالون الى المسرح صاحب الرسالة الذي يطرح موضوعا معاصرا ليستنهض همم المتلقي بغية الإصلاح والتطوير والتنوير.

س13: بصفتكم أحد الدارسين في المدارس اﻷوربية ومتابعة كل ما يتعلق بالدراما والسينما فما هو تقييمكم لواقع السينما العراقية بين اﻷمس واليوم؟

ج13- في الحقيقة سؤالك جميل إذ أن المتطلع إلى تأريخ السينما العراقية وهي بالحسابات الفنية كجامعة للفنون وأسماها، أنها مرت بمراحل متعدد وبرغم عراقتها بعد مصر، إﻻ أنها وللاسف لم تأخذ نصيبها من الإهتمام، ويرجع ذلك الى أسباب كثيرة يأتي في مقدمتها غياب الاهتمام الفعلي وتأثير الفيلم العراقي على الجمهور من النواحي التربوية والنفسية والاجتماعية وتتعدى ذلك حتى الاخلاقية، وكما نعلم ان السينما فن وتجارة وصناعة، لذلك لايمكن إغفال أي جانب من تلك الجوانب، فالتكنولوجيا عامل مهم في التأثير على المشاهد ومتابعته للحدث الدرامي للفيلم، ولذلك من اشكالات السينما العراقية ان الفيلم بحاجة الى المال، والى التسويق وهذا ضعيف على المستوى المحلي، علاوة على الافتقار الى شروط اللجان التحكيمية في مدة الفيلم وموضوعه، افتقار الممثل في هذا المجال الى دورات تطويرية عالمية وضعف الصناعة السينمائية في العراق بصورة عامة، فضلا عن عدم وجود نصوص لتكون عملا سينمائيا، فنجيب محفوظ على سبيل المثال كان يكتب روايات تصلح للسينما، وﻻيفوتني أن أنوه الى من أسباب انحسار السينما العراقية يكمن في عدم وجود معهد متخصص لكتابة السيناريو مع وجود تجارب ابداعية شكلت محطة مضيئة في السينما العراقية " كفيلم الأسوار، الظامئون، سعيد افندي، الحارس، الجابي ".

س14: وما هو تقييمكم للإنتاج المشترك، وهل شكل قفزة في عالم السينما العراقية؟

ج14- بلاشك أن الانتاج المشترك يمنح البلدين تناقل خبرات ويعمل على تلاقحها، ومن نتاجها فيلم المسألة الكبرى، بابل حبيبتي، القادسية، القاهرة بغداد، قطار الشرق، لقد أنتجنا 100 فيلم، قبل أن تباغتنا على حين غرة موجة الأفلام السكرين التي أفقدت رونق وجمالية وسحر الشاشة الكبيرة وطردت جمهورها، لينتهي بعدها عصر السينما العراقية اضافة الى غياب صالات السينما محليا وعزوف اﻷسرة العراقية عنها ﻷسباب عديدة، بعد أن كانت هناك دور عرض متميزة تضاهي نظيراتها الأوروبية كسينما اطلس، الخيام، بابل، النصر، غرناطة، سميراميس، النجوم، أفلت كلها وتحول معظمها بعد تقطيعها الى أسواق ومخازن ومحال لبيع قطع الغيار وما شاكل.

س15: مرت الدراما العراقية بمراحل متعددة منها ماحققت شهرة ومنها ما أصبح في ضمير الغيب، أين تضع الدراما المحلية بين مثيلاتها العربية؟

ج15- في أغلب الوسائل المرئية أمر طبيعي أن تعاني الدراما من مراحل صعود و هبوط في المستوى والأداء وهذا راجع الى عوامل كثيرة، منها ثيمة العمل وواقعيته والاستخدام التقني للدراما فضلا عن وجود شخصيات محبوبة لدى الجمهور، اضافة الى كاتب السيناريو المميز، فلو قارنا منصفين بين الدراما العراقية وبين نظيراتها المصرية والسورية نجد أن هناك بونا شاسعا بينها ﻷن عامل التشويق المهم للتواصل مع أحداث المسلسل ضعيف محليا، أسامة انور عكاشة على سبيل المثال عندما يكتب فإنه يكتب بلغة الصورة، ويحاول أن يجعل المتلقي في تشويق دائم لما سيحدث، ليهيم المشاهد بحلقاته الى نهاية المسلسل خلال 30 حلقة وما يرفع من رصيد المسلسل لدى المتلقي وجود ممثلين من صناع الدراما، بخلاف المسلسل العراقي إذا ما استثنينا (الذئب وعيون المدينة، و النسر وعيون المدينة) وفتاة في العشرين والدواسر وأمثالها، نجد أعمالا و قد تبذلت فيها جهودا كبيرة من ناحية استخدام الكاميرا، المونتاج السريع، اللغة التلفزيونية التي تتعامل مع الصورة، إلا أن الفشل يكمن في عناصر التشويق والجذب لعدم توظيف الممثلين مع وجود التصنع والمبالغة في تجسيد اﻷدوار وباﻷخص في المسلسلات التاريخية، ومعظمنا يتصور بأن الصراخ والعويل هو الفيصل الفاصل في نجاح المممثل والعمل، اضافة الى المكياج والتعبير الذي لم يستخدم بالطرق المثلى !

س16: على ذكر المكياج ترى لماذا لم يكن المحلي منه على وفق اﻷساليب العالمية التي تمنح المشاهد الثقة بأن هذه الشخصية حقيقية وليست مصطنعة؟

ج16– للأسف لم نستفد من تجربة، مؤيد داود وهبي، أستاذ التعبير وفن المكياج وهو خريج ايطاليا في اكاديمية الفنون ومحاولة إبراز معالم الشخصية الانسانية وتحويل شاب بمقتبل العمر الى رجل بعمر السبعين، حيث ظل استخدام اللحى الصناعية بطريقة ساذجة، مع عدم استخدام الأقنعة كما في مسلسل (فارس بلا جواد) وبطله محمد صبحي الذي ظهر بأكثر من قناع مقنع للجمهور، لقد نجح ابراهيم عبد الجليل في إبراز مواهب جميع الممثلين العراقيين، فيما أخفق غيره في أعمال وارتقوا في أخرى ولا نعمم، وهناك مسلسلات تفتقر الى البنية الدرامية وتسلسل اﻷحداث فضلا عن الإستخدام اﻷمثل للتكنيك التلفزيوني، بخلاف المسلسل اﻷجنبي إذ أن المشاهد لا يمكنه الإحجام عن المشاهدة ﻷنه و في كل ثانية يفاجأ بحدث جديد مرتبط بالذي سبقه والذي يليه وفق تسلسل درامي بحبكة جيدة يبدعها السيناريست بشكل جيد وهذا ما نفتقد إليه في أعمالنا الدرامية لعدم وجود معهد متخصص كما في فرنسا لكتاب السيناريو الذين يتمتعون بمخيلة خصبة في كتابة الدراما على مستوى التلفزيون والسينما والاذاعة.

س17: على ذكر الإذاعة فلقد كان لصوت الجماهير واذاعة بغداد حضور فاعل من قبل الجمهور طغى في كثير من اﻷحيان على التلفزيون، لماذا برأيك؟

ج17– لايختلف إثنان على ان إذاعات العراق كانت متميزة، لوجود تخطيط مدروس منذ نشأتها في زمن الملكية، و اذاعة قصر الزهور التي كان يشرف عليها الملك غازي، فضلا عن وجود ملاك عامل مميز لأغلبهم ممن لاينتقل الى التلفزيون إﻻ بعد مروره بالإذاعة لكونها تمثل مختبرا جيدا للمذيعين بوجود مركز متخصص لإختبار قدرة المذيع في سلامة اللغة واتقان مخارج الحروف والتوقفات المعلقة والدائمة والصوت الرخيم ومن يجتاز تلك الدورات فإنه محظوظ بمواصفات معينة ﻻ تقبل الوساطات ولا المحسوبيات والمنسوبيات بعيدا عن كل التدخلات حيث كان الجيد يفرض نفسه فكان هناك جيل من المذيعين والمذيعات امثال كلادس يوسف وامل المدرس وهالة عبد القادر، والمذيعين كحافظ قباني، موفق العاني، مشتاق طالب، غازي فيصل، بهجت عبد الواحد، سعاد الهمرزي، ونهاد نجيب عج بهم المشهد الثقافي، كما أن الدراما الاذاعية كانت بمثابة دراما تعتمد على الاستخدام الامثل للمؤثرات الصوتية والموسيقية وكان هناك مخرجون قد أبدعوا في نتاجاتهم الاذاعية كمهند الانصاري، وحافظ مهدي ماجد، محمد زهير حسام، اضافة الى التنوع في البرامج وفق الظرف المتاح كبرامج ‘ صباح الخير ياعراق، وبرنامج ما يطلبه المستمعون ‘سكن الليل، الفيروزيات، ولا يفوتني ذكر برنامج " سلام الله عليكم "للدكتور حارث عبود، وغيرها كثير، حيث كان هناك دورة برامجية تحدد فيها البرامج بتوقيتاتها، وهناك هيكلية قوامها مجموعة من الأقسام التي تمتلك الصلاحية الكاملة في صلاحية العمل من عدمها، وهناك قسم الموسيقى والانشاد الذي تعاقب عليه فاروق هلال، وديع خندة، وطالب القرغولي، وكانوا معنيين باختبار الاصوات التي تخضع الى لجنة متخصصة لإختبار قدرة وقابلية أداء المطرب من ناحية الكلمات غير الخادشة للحياء، واللحن، وهناك قسم للتخطيط وقسم للمنوعات وقسم للدراما، تتولى تكليف أحد المخرجين بأعمال فنية منتقاة من حيث الثيمة والحبكة.

ولا يختلف الحال مع التلفزيون العراقي الرائد على مستوى الوطن العربي، ولعل الكثير من برامجه تركت بصمات لا تمحى في الذائقة والذاكرة العربية، منها برنامج ‘ الرياضة في اسبوع ‘ لمؤيد البدري، وبرنامج ‘ العلم للجميع ‘ لكامل الدباغ، والسينما والناس، سينما الاطفال، المرسم الصغير، استراحة الظهيرة، زيادة على البرامج الرائدة في مجال التربية والتعليم التي كان يقدمها ويعدها ويشرف عليها مؤسس التلفزيون التربوي الدكتور جاسم الصافي، ناهيك عن الدراما التلفزيونية والسهرات والتمثيليات والمسلسلات وبقية البرامج المطعمة بكاريزما وإمكانات معدي ومقدمي نشراته الإخبارية، وبرامجه الثقافية والتربوية.

س18: بإعتبارك أحد مؤسسي رابطة الفنانين التشكيليين العراقيين والخطاطين الشباب، ما هي إسهاماتكم في هذين المجالين؟

ج18-الكل يعلم أن الشباب عماد المستقبل وهم القلب النابض وقد خططنا أنا ومجموعة من اﻷساتذة الفنانين من ذوي الإختصاص لتشكيل رابطة تجمع الشباب من ذوي المواهب والقدرات الفنية، سواء كانت في التشكيل أم الخط والزخرفة لتفجير طاقاتهم واحتضان مواهبهم فكان للفنانين الشباب الدور المتميز في ممارسة أعمالهم الفنية وأقمنا مخيما فنيا في ديالى وبابل وبغداد جهزناها بالمستلزمات الفنية كافة استثمرنا جمال الطبيعة لرسم اللوحات ومن ثم عملنا منها معرضا ﻻقى صدى إعلاميا واسعا، وكذا الحال للخط الزخرفة إذ تسابق الخطاطون الشباب لإبداع لوحات جميلة مازجت بين فن الارابيسك والخط العربي بأنواعه المتعددة، الكوفي، الثلث، الرقعة، النسخ الديواني، الاجازة.

س19: لقد سجلت الحركة التشكيلية في العراق منعطفا كبيرا على المستوى العربي والإقليمي والعالمي وأنجبت قامات سامقة طرزت تأريخ الفن بأحرف من نور، برأيكم هل حافظ الفن التشكيلي على ألقه أم أنه قد شهد تراجعا شأنه شأن بقية الفنون؟

ج19– لقد عانى التشكيل بصفته فنا فرديا راقيا كبقية الفنون اﻷخرى من انحسار لعدة عوامل، منها صعوبة نقل اللوحات والمشاركة بها في معارض عالمية، اضافة الى اضمحلال دور وزارة الثقافة في دعم الفنان واغفاله، كانت هناك في السابق معارض نوعية ومعارض شخصية، وكل مجموعة ‘ كجماعة الاربعة ‘ على سبيل المثال تقيم معارض خاصة بهم، فضلا عن وجود قاعات نابضة بالحياة كقاعة الصراف والاورفلي، ولكنها تلاشت ما دفع الكثير من الفنانين الى الرحيل، إما بسبب الضائقة المالية أوالظروف اﻷمنية، الساحة الفنية العراقية ولادة أنجبت الكبار كالنحاتين جواد سليم، بنصبه الشهير (نصب الحرية) في ساحة التحرير، عبد الحميد سعيد، اسماعيل فتاح الترك بروائعه النحتية (تمثال معروف الرصافي، الشاعر عبد المحسن الكاظمي، أبو نواس، تمثال الرسام يحيى بن محمود الواسطي) وكلها في بغداد، وكذلك النحات محمد غني حكمت، المتأثر بالنحت السومري والذي ابدع بوابة اليونسكو والامم المتحدة، تِمثال شهريار وَشهرزاد، اضافة الى نَصب كهرمانة وَسط بغداد، ونصب علي بابا والأربعين حرامي وجِدارية مدينة الطب وتمثال أبو الطَيب المُتنبي، وغيرها، وكذلك النحات عطا صبري، ونداء كاظم الذي نحت تمثال بدر شاكر السياب، و تمثال أبي تمام في الموصل، وتمثال الفراهيدي في البصرة، ومحمد ميران السعدي مبدع نصب ساحة النسور، وسهيل الهنداوي، وخالد الرحال بنصبيه الجندي المجهول وقوس النصر، وعلاء الحمداني، اما على صعيد الرسم فهناك أسماء ﻻمعة كفائق حسن، حافظ الدروبي، وداد الاورفلي، ليلى العطار، اسماعيل الشيخلي، كاظم حيدر، ومحمد الكناني وغيرهم الكثير.

وأنوه الى ظهور جيل ثان تتلمذوا على أيدي هؤلاء العمالقة و تأثروا بمنهجهم، الواقعية والانطباعية والسوريالية والتكعيبية وغيرها، محي خلفية تأثر بفائق حسن وأغلب لوحاته يغلب عليها منظر الخيول، موفق احمد إختط طريقة جديدة لرسم لوحاته بالسكين، ولكن ولشديد الاسف وعلى خطى أساتذتهم أضطر هؤلاء الى الهجرة والاغتراب لذات الظروف العصيبة – المادية والامنية – اضافة الى بعض التقاليد الاجتماعية التي قيدت حركتهم واثنت عزيمتهم.

س20: تلمست حزنا في بريق عينيك وحسرة تملأ صدرك وأنت تتحدث عن هجرة الفنانين و اغترابهم !

ج20 – ومن ينسى زملاء الدراسة والمهنة ممن أبعدتهم المسافات كرها أو طوعا، كان وجودهم في العراق من شأنه ان يحافظ على ديمومة المتوارث عن جيل الجهابذة ليطوره وينقله الى الاجيال القادمة، فمن ينسى أصدقاء مثل كنعان علي،، والنجم بهجت الجبوري، و القيصر كاظم الساهر، والموسيقار نصير شمة، والرسام محمد فرادي، والمخرجة سعاد السامر، والمخرجة السينمائية سؤدد جورج، وظافر وعاتكة الخطيب، والمخرج المسرحي محسن العلي، وحمودي الحارثي (عبوسي)، والفنانة الاكاديمية فوزية الشندي.

س21: لو رشحت الى منصب ما فماذا ستقدم الى جمهورك؟

ج21 – ﻷنني جزء من الحالة التي يعيشها كل عراقي لم تنجح المغريات بدفعي الى مغادرة بلدي الحبيب فقطعا سأناضل لكي أحقق تطلعات الجمهور وتلبية حاجاته وفق المتاح بما حباني الله به من حب للاخرين وخدمتهم ورعايتهم ﻷن المسؤولية تكليف لا تشريف ولذلك سأسعد عندما أمسح على رأس يتيم وأمسح دمعة أرملة ورفع الحيف عن المظلومن وأعمل على متابعة قضاياهم بحسن العلاقات واستثمارها في إغاثة الملهوفين والتخفيف عن كاهل المهمومين وسأجعل من الكتاب ضالة الإنسان مسترشدا بالحكمة التي تقول ‘ اقرأ كتابا تهزم 10 أعداء’ والعمل جاهدا على إختصار الزمن فأنا ضد الروتين كوني مؤمن والابتكار واكتشاف المبدعين ورعاية الموهوبين في مختلف المجالات، والعمل ﻷستحداث مدارس للمتميزين والمخترعين بكافة التخصصات.

ودعت الدكتور خالد القيسي على أمل اللقاء به مجددا متأبطا أوراقي وحملت نفسي بعيدا وأنا أحث الخطى قدما تجاه مبدع آخر تزخر بهم بلادي ﻷسلط الضوء على الجانب المشرق من هذه اﻷرض المعطاء التي علمت البشرية القراءة والكتابة منذ فجر التأريخ.

***

حاوره: أحمد مكتبجي

حين أعود بذاكرتي إلى البدايات الأولى في رحلتي مع الفلسفة، لا يمكن أن أنسى تلك اللحظة التي سمعت فيها أول محاضرة في الفلسفة اليونانية، حيث انفتحت أمامي آفاق الفكر والعقل والدهشة. كان ذلك الصوت الذي قادني إلى أعماق الحكمة هو صوت أستاذي الجليل، الذي أعدّه مُعلِّمي الأول بحق؛ فقد غرس فيّ حب التساؤل، وأشعل شرارة البحث عن الحقيقة، لا في الكتب وحدها، بل في أعماق الذات والعقل. حواري اليوم ليس مجرد حوار صحفي، بل هو عودة إلى الجذور، إلى من علّمنا أن الفلسفة ليست علمًا جامدًا، بل نبض حياة، وطريق حرية، ومسؤولية فكرية تجاه العالم.

يسعدني أن أستضيف في هذا الحوار قامة فكرية وإنسانية استثنائية، الأستاذ الدكتور محمود مراد – وكيل كلية الآداب بجامعة سوهاج، أستاذ الفلسفة اليونانية وعضو اللجنة الدائمة للترقيات – الذي أصفه دائمًا بأنه "المعلم الأول" في عيني وضميري. نتحاور اليوم معه لنعيد فتح النوافذ على الفكر، ونتأمل معًا قضايا المرأة من منظور فلسفي وإنساني.

س-  كتاب الفيلسوفة الأمريكية ماري إيلين ويث المعنون " تاريخ النساء الفلاسفة" الذي قمتم بترجمته إلي العربية ونشره يسلط الضوء على فيلسوفات مهمشات. ما الدافع وراء اختياركم لهذا الموضوع؟ وما أكثر ما فاجأكم أثناء البحث؟

بداية: أرحّب بكم دكتورة آمال طرزان وأشكركم شكرا لا حد له على هذه الكلمات الطيبات في حقي، وأرجو من الله أن أكون أهلا لها، وهي وإن دلت على شيء فإنها تدل على نبل أخلاقكم ورقي تعاملكم.

الواقع أن لترجمتي لهذا الكتاب واقعة طريفة ترجع لأكثر من ربع قرن، فقد كنت أشترك أثناء جمعي للمادة العلمية لرسالتي الماجستير والدكتوراه بمكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة التي كانت آنذاك بالمقر القديم للجامعة بالتحرير، وأدفع مقابلا ماليا كبيرا لاستخراج كارنيه هذا الاشتراك. فراعني أثناء تصفح أرفف الكتب بهذه المكتبة الثرية أن وقع بصري على مؤلف بعنوان: History of the Women Philosophers في ثلاثة اجزاء من وضع مجموعة من أساتذة الجامعات الأمريكية بأشراف ماري إيلين ويث M. A. Waith فدهشت من العنوان، وجعلتنى الدهشة اقف امام الكتاب فترة طويلة لا اصدق العنوان. فهذه أول مرة في حياتي أسمع عن نساء فلاسفة. واخذت اسأل نفسي: أحقًا هناك نساء فلاسفة؟ أم هذه تقليعة من تقاليع الغرب؟ وإذا كانت هناك نساء فلاسفة ولهم تاريخ ممتد مثل تاريخ الرجال الفلاسفة فلماذا هذا التجاهل لهن في الكتب العربية؟ ولماذا لا يوجد لهن موضوعات في المناهج التي تدرس بأقسام الفلسفة عندنا؟! فتركت ما كنت ذاهبا إلى المكتبة من اجله وامسكت بالمجلدات الثلاث بين يدي وجلست على أقرب مقعد وجدته خلفى واخذت في مطالعة الجزء الاول من السلسلة فوجدته يتحدث عن النساء الفلاسفة في العصرين اليوناني والروماني: نساء فلاسفة عظام لا يقللن مكانة عن الفلاسفة الرجال، نساء فلاسفة يرجعن إلي المدرسة الفيثاغورية، ووجدت أسبازيا زوج بريكليس حاكم اثينا الشهير ومعلمته، وديوتيما معلمة سقراط وغيرهن كثيرات. فاستغرقت في المطالعة ولم اشعر بالوقت ونسيت تماما المهمة التي حضرت من الصعيد من اجلها. كان موضوع الكتاب جديدا ومشوقا، واسلوبه سلسا جذابا، وحتى محرراته اللائي كتبن مادته العلمية كن غاية في الواقعية والتواضع، فلا هن بالغن في الثناء والإشادة بالنساء الفلاسفة، ولا هن عرضن أفكار هؤلاء الفلاسفة النساء بشكل يجعلهن أعلى مكانة من الفلاسفة الرجال. بل كن حريصات دوما على ربط الفيلسوفة المرأة بفيلسوف قرين لها من الرجال: فوجدتهن يربطن النساء الفيثاغوريات بشخصية فيثاغورس، وأسبازيا بشخصيتي أنكساجوراس وبريكليس، وديوتيما بسقراط ... وهكذا. ولم تنته جلستي في هذا اليوم بمكتبة الجامعة الأمريكية الا بقرار اتخذته بيني وبين نفسي: أنني يجب أن أترجم هذا الكتاب إلى العربية ويكون بكورة تعريف أبناء العربية بالفلاسفة النساء. وقد كان . وقد تم نشر الطبعة الأولى من الترجمة عن دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر بالإسكندرية عام 2000م.

من هنا كان دافعي الأول لترجمة هذا الكتاب إشباع الفضول الشديد لدي لكي أعرف هذا التاريخ المجهول-  أو لنقل المسكوت عنه-  من الفكر الفلسفي. في حين كانت الرغبة في تعريف القارئ العربي بهذا التاريخ الدافع الثاني وراء الترجمة. ففد شعرت أن من واجبي المهني والإنساني اطلاع هذا القارئ على اسهام سكتت عنه لدهور طويلة كتب وتورايخ الفلسفة العربية، لأني كنت على ثقة أن توسيع مدارك اوعي القارئي العربي ليعرف هذا الجانب المجهول سوف يسهم اساهما كبيرا في تغيير النظرة الدونية إلي المرأة التي لا زالت تسيطر على الاذهان حتى وقتنا الحالي.2313 mahmod morad

س-  من بين الفيلسوفات اللاتي تناولهن الكتاب، هل أثرت فيك شخصية بعينها؟ ولماذا؟

- هناك فيلسوفة في هذا الكتاب سيطرت على كل تفكيري، وأثرت في تأثيرا شديدا ولا يزال تأثيرها قائما حتى يومنا هذا رغم مرور ربع قرن على ترجمة الكتاب. إنها هيباثيا(370م-  415م) Hypathia فيلسوفة الإسكندرية، وشهيدة الفلسفة الأولى. عروس العلم وسيدة شهدائه. كانت هيباثيا فيلسوفة وعالمة رياضيات يونانية شابة عاشت في القرن الرابع الميلادي، ذلك القرن الذي كان مسرحا لأقسى فترات التعصب الديني والصراع المذهبي الدموي في التاريخ، فقد شهد صراعا طائفيا بين الديانة المسيحية والديانات اليونانية الوثنية، فقد كانت المسيحية تحاول فيه كسب أرض ومؤمنين جدد، وكانت الديانات الوثنية تقاوم هذا التمدد الطائفي للمسيحية بكل ما لديها من قوة ونفوذ، لأنها كانت على يقين أن انتصار المد المسيحي وسيطرته يعني الموت والفناء لهذه الديانات.

كانت هيباثيا وريثة لبيت علم وفلسفة، فقد كان والدها ثيون عالما رياضيا ومديرا لمكتبة الإسكندرية القديمة، وهو الذي علمها وجذبها إلى الرياضيات والطبيعيات والفلك والفلسفة، فنشأت وترعرعت بين المكتبة والمتحف في مدينة العلم وعاصمة الحضارة اليونانية آنذاك وهي مدينة الاسكندرية. كانت تتلقى العلم والفلسفة بحب وشغف، وسرعان ما تفوقت على الآخرين فصارت أعلم أهل عصرها بالرياضيات والفلسفة اليونانية، وخاصة فلسفة أفلاطون والأفلاطونة المحدثة. ورغم جمالها الأخّاذ إلا أنها كرست حياتها ووقتها للعلم والفلسفة وقررت أن تترهبن في محراب العلم المقدس فلم تتزوج. وأخذت تلفى المحاضرات في متحف مكتبة الإسكندرية شارحة لنظريات الرياضيات المعقدة، ومبسطة لفلسفات أفلاطون وأرسطو من زاوية الأفلاطونية المحدثة. فكان يحرص على حضور محاضراتها المئات من كل مكان في العالم، يشدهم إليها فكرها الراقي، وقوة إقناعها، عذوبة صوتها وبساطة أسلوبها في العرض والتحليل، وقبل كل ذلك ما كان في فكرها من تسامح وتقبل للمعارضين . وقد حازت شهرة كبيرة بين الناس. وكان حاكم مدينة الإسكندرية الروماني أورستوس من أشد المناصرين لها والحريصين على حضور محاضراتها. وقد أضحت وهي في الرابعة والعشرين من عمرها عام 404م رئيسا لمدرسة الأفلاطونية المحدثة.

غير أن هيباثيا الشابة المتنسكة في محراب العلم والفكر دفعت حياتها ثمنا للصراع السياسي والديني الدموي الذي كان مسترعا بين البابا كيرلس وبين الحاكم الروماني للإسكندرية أورستوس. ففي شهر مارس عام 415 ميلادية تربص بها مجموعة من رهبان دير وادي النطرون فهجموا عليها وهي خارجة من منزلها لتذهب إلي المكتبة فأنزلوها عن مركبتها وقاموا بجرِّها لمسافة طويلة على الرمال والأحجار ثم قاموا بتجريدها من ثيابها تماما وقتلها بوحشية شديدة، ولم يكتفوا بذلك، بل قاموا بعمل يندى لها جبين البشرية، ويخجل أشد الحيوانات فتكا أن يوقعه بخصمه فقد استعملوا – في مشهد دموي قاسي وصادم -  قطع الخزف المدببة في فصل لحم جسمها الميت عن عظامها. وتبلغ المأساة ذروتها عندما قاموا بتجميع أشلاء هيباثيا المتناثرة في حفرة ووضعوا عليها كمية كبيرة من الحطب وقاموا بحرقها تماما !!

إن ما أثار إعجابي وانبهاري في شخصية الفيلسوفة هيباثيا ليس فقط ثباتها العجيب والفريد على الحق، وشدة تمسكها بالعلم والفلسفة، ولا كونها فقط أول شهيدة للفلسفة من النساء كما كان سقراط أول شهيد للفلسفة من الرجال، بل أيضا انبهرت بدعوتها إلي التسامح الفكري والديني وتقبل الآخر في ظل هذا المناخ الطائفي المليء بالتعصب والإرهاب الديني والفكري. إنني كلما تذكرت وقفتها الثابتة الشجاعة وسط الحشود تنشر النظريات العلمية والأفكار الفلسفية الرصينة، وتبث فيهم روح التسامح والإخاء رغم علمها التام بما يحيط بها من مؤامرات وتهديدات، كلما تذكرت هذا المشهد كلما سيطرت على ذهني الأسئلة المحيرة وطاردت نومي وراحتي: كيف يمكن لامرأة في هذا العصر المنفلت طائفيا وسياسيا أن تقف بمفردها في وجه كل هذا التعصب والانغلاق الفكري؟ لماذا لم تفرّ كما فر غيرها من الرجال الفلاسفة وغادروا الاسكندرية ولجئوا إلي مدن بعيدة في سوريا مثل أنطاكيا والرها ونصبين مثلا طلبا للأمن والسلامة وتنجو بحياتها؟؟ لماذا لم تتخفَّ عن الأنظار وتعمل بمبدأ التقيّة والممالأة؟ لماذا كل هذه الثقة في الذات وهذا الشعور الغريب بالأمان لدرجة أنها لم تتخذ حرّاسًا يحرسونها بل حتى لم تقاوم المعتدين عليها ولو حتى بالصراخ وطلب النجدة؟ لماذا لم تطلب الحراسة وتوفير الحماية لها من الحاكم الروماني للإسكندرية وقد كان من أشياعها وطلاب العلم على يدها؟!! لماذا وقد تيقنت بالموت على أيديهم حتى لم تعلن أمام المهاجمين تخليها عن فكرها وديانتها ولو من باب التحايل من أجل النجاة؟

كم كانت هيباثيا عظيمة إذن، وكم كانت شجاعة، وكم كانت مثالا للحكمة اليونانية الراقية والثبات على المبدأ. لقد كانت امرأة استطاعت أن تفعل ما يعجز عنه معظم الرجال . .

س-  غالبًا ما ارتبطت حكمة المرأة في العصور الوسطى بالمتصوفات والقديسات أكثر من الفيلسوفات العقلانيات. لماذا برأيكم؟

- غالبًا ما يكون المفكر ابنا للبيئة التي يظهر فيها، وصنيعًا للعصر الذي يعيش فيه، والعلاقة بين الفيلسوف والبيئة التي يظهر فيها علاقة حوار – إن جاز لنا هذا التعبير. حيث يدخل المفكر في حوار مفتوح مع عصره، والنصر بينهما سجال، فتارة ما ينتصر العصر فيترك بصمته على الفيلسوف، فنقول عن فلسفة هذا الفيلسوف إنها فلسفة محافظة، كما هو الحال مثلًا مع أرسطو، وتارة أخرى الفيلسوف هو الذي ينتصر بفكره على عصره، فيصطبغ هذا العصر بفكر الفيلسوف فنقول على فلسفته إنها فلسفة تنويرية ثورية .كما حدث مثلًا مع سقراط وأفلاطون وفلاسفة عصر التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر. وتصدق نفس القاعدة على فلاسفة العصر الوسيط سواء كانوا رجالا أو نساءً. فقد كانوا فلاسفة محافظين. كان العصر الوسيط في أوربا عصر هيمنة الدين والكنيسة على كل مظاهر الحياة آنذاك، كان التعليم يتم داخل الاديرة والمدارس الملحقة بالأديرة. وحتى عندما نشأت جامعة باريس-  منتصف القرن الثاني عشر الميلادي – ظلت طيلة العصر الوسيط تحت الوصاية العلمية والسيطرة الدينية للكنيسة. فكان من الطبيعي والحال هكذا أن يكون النساء الفلاسفة في العصر الوسيط من اصحاب نزعات التصوف والزهد. كن راهبات انقطعن للعلم والدين يقمن داخل الاديرة ويعكفن على العبادة والدراسة والعمل التطوعي والخدمي وقد هجرن كل مظاهر وأنشطة الحياة الدنيوية خارج الأديرة.

من ابرز الفلاسفة النساء في العصر الوسيط كانت جوليانا النرويجية، وهيلفارد دبنجن، ومارجرى كامبا والقديسة كاترين السينيةCatherine of Sinnea (1348- 1380م) وغيرهن. وقد كانت الأخيرة هذه فيلسوفة صوفية تهتم بالباطن اكثر من الاهتمام بالظاهر. التحقت بدير الإخوة الدومنيكان ووضعت العديد من المؤلفات وكانت حياتها مقسمة بين العبادة والدعوة الروحية إلي معرفة الله من خلال التجربة الصوفية الباطنية. لم تكن تدعو إلي معرفة الله بالنظر إلى الأشياء الخارجية كما فعل القديس أوغسطين مثلا، بل اتخذت من المنهج السقراطي " اعرف نفسك" منهجا لها في الحياة.

تمتعت الفيلسوفة كاترين السينية بموهبة فريدة، إذ كانت ذات قدرة كبيرة على التعبير الباطني القائم على الخبرة الروحية. وعاشت في حياتها تجربة صوفية روحانية حاولت نقلها الآخرين من خلال كتاباتها المتنوعة. كانت تجربتها الصوفية تقوم على مبدأ أن معرفتنا بالله وبالحقائق المختلفة تعتمد في المقام الأول على استبطان النفس والغوص في بواطنها. حيث قالت إنها لا تحصل الحكمة من الأشياء المكتسبة عن الله، وإنما من خلال الحياة الروحية. ونادت بأن اكتساب الحكمة لا يكون إلا من خلال معرفتنا الباطنية بالله. فالله هو المعلم الحقيقي لنا . ومن اقوالها المأثورة " لا ينبغي أن يكون التكفير عن الذنوب هو اعتمادنا الأساسي، بل يجب أن يكون هدفنا اكتساب الفضيلة، وكيفية بنائها في داخلنا لاستقبال الحياة " التوبة والتكفير عن الذنوب ى تكون بصكوك الغفران، ولا بالاعتراف أمام الكاهن، بل يكون بتنمية الروح، وتغيتها بالفضائل. كما نادت بأن تسود بين البشر قيم التواضع والحب والسلام بين جميع البشر فهذه هي طرق اكتساب الفضيلة الروحية.

س- ما مدى تأثير التصورات الخاطئة عن المرأة في التراث الفكري والديني على وضعها الاجتماعي والثقافي اليوم، وفقًا لوجهة نظركم؟ وكيف يمكن مواجهة هذه التصورات؟

- لا يعرف التاريخ الحضاري للبشر ما يسمى بالقطيعة المعرفية. فلم توجد حضارة من الحضارات قديما أو حديثا وجدت من لا شيء، او جاءت من الفراغ، بل لا توجد حضارة إلا وأخذت من الحضارة التي سبقتها، وورثت بعض أفكارها للحضارة التي تليها. هكذا كانت حركة تاريخ الحضارات حركة تأثير وتأثر. مثلا الحضارة اليونانية أخذت الكثير من حضارات الشرق القديم، والحضارة الاسلامية أخذت الكثير من الحضارة اليونانية وغيرها. وبناءً على ذلك جاءت نظرتنا المعاصرة إلي المرأة مبنية على موروث ثقافي وديني طويل المدى عبر التاريخ . فنحن ورثنا من آباءنا وأجدانا تراثًا وقيمًا وعادات اجتماعية دونيّة النظرة إلي المرأة ممتدة عبر مئات السنين ومن الصعب تغييرها بين يوم وليلة. أضف إلي هذا ما يعترف به علماء الاجتماع بأن التغير الاجتماعي عكس التغير الكيميائي يحتاج إلي عقود وعقود لكي يتحقق. لكل ذلك من المنطقي أن تكون للتصورات الدونية للمرأة والمتوارثة من تراثنا الفكري والديني بصمتها القوية على وضع المرأة الاجتماعي والثقافي اليوم.

لنضرب بعض الأمثلة على ذلك: ما نراه اليوم من هضم وظلم للمرأة فيما يتعلق بحقها الشرعي في الميراث خاصة في المجتمعات الريفية والصعيدية، فهناك عائلات لا تورث البنات تماما، والبعض الآخر يكتفى بمنحهم مبلغا زهيدا من المال (ترضية) مقابل التنازل عن حقهم في الميراث، فهذا موروث اجتماعي ورثناه من أسلافنا الذين كانوا يعتبرون ممتلكات الأسر من أراضي زراعية وعقارات هي عرض وشرف لهذه الأسر، وبالتالي لا يجوز للغرباء (أزواج البنات) امتلاكه والسيطرة عليه باي حال من الأحوال. مثال ثاني: انتشار ظاهرة الزواج المبكر وما فيه من قتل لطفولة الفتاة وحرمان لها من الاستمتاع بطفولتها مثل الذكور وتحميلها مسؤولية رعاية زوج وأسرة وأبناء، رغم أنها هي نفسها تحتاج إلي من يرعاها في هذه السن المبكرة، هذا الصنيع وليد لموروث اجتماعي وثقافي قديم متنقل عبر الأجيال كان ينظر إلي إنجاب البنات على أنه عار يلحق بالأسرة، أو لنقل نقيصة وموضع تأسف، (لا يزال يُقال لأبي البنات حتى اليوم الحاضر: ربنا يعوض عليك!! وكأنه لم ينجب مع أنه قد يكون معه ستة أو سبعة من البنات. ولا يزال أيضًا يجد الناس عيبًا وحرجا في كنية الرجل باسم ابنته الكبرى عند النداء عليه إذا لم يكن لديه ذكور يُكنّى بهم فيقال له: يا أبا فلان باسم أبيه هو عوضًا عن كنيته باسم ابنته) وبالتالي فمن الافضل للأسر التي رُزقت بالبنات أن تتخلص سريعا من هذا العار أو عقدة النقص التي لديها. هذا الموروث المتخلف بدأ بعادة وأد البنات في الجاهلية مرورًا بحبس الفتاة في البيت أيًّا كان سواء بيت أبيها أو زوجها ومنعها من الخروج إلا مرتين الخروج لبيت الزوج وقت الزواج، والخروج إلي المقبرة وقت الموت. ومرورًا كذلك بالعادات والتقاليد التي كانت تفرض نوعًا معينًا من الثياب على المرأة تحجبها تمامًا عن الأنظار باعتبارها عارًا ونقصًا يجب على الأسرة أن تُخفيه عن العيون خجلًا وخوفًا من الفضيحة، وانتهاءً بصور الحبس المنزلي والمنع والقيود الصارمة على المرأة مثل منعها من الخروج للدراسة أو للعمل أو حتى لأداء الفريضة المقدسة بدون محرم من الرجال. مثالٌ آخر على ذلك التأثير القوي للعادات والتقاليد الموروثة في نظرتنا الدونية للمرأة: انتشار عادة ختان الإناث في مجتمعنا خاصةً في محافظات الصعيد اعتقادًا خطئًا من الأهالي أن في ذلك عصمةً للمرأة وحمايتها من الانحراف، هذه العادة السيئة نتاج موروث حضاري يرجع إلي الفراعنة في أساسه، وكذلك إلي نظرتنا الدونية المتوارثة التي تعتبر المرأة ناقصة من الناحية العقلية والدينية وبالتالي يجب فرض الحماية عليها فرضًا خارجيًا؛ لأنها بحكم طبيعتها الناقصة هذه من السهل لها أن تنحرف لو تُرك أمرها لنفسها. إلي آخر هذه الممارسات والتجاوزات في حق المرأة، والتي تتم تحت تأثير العادات والتقاليد المتوارثة سواء أكان هذا بشكل مباشر أو غير مباشر.

وفي اعتقادي أن عبء ومسؤولية مواجهة هذه التصورات الظالمة للمرأة، ومعالجة هذه الممارسات الاجتماعية الخاطئة في حق المرأة، لا يقعان على جهة محددة بعينها في الدولة، مثل الأسرة مثلا أو المؤسسة التعليمية، بل لابد من تكاتف كل الجهات والمؤسسات المسؤولة سواء كانت رسمية أو شعبية في مجابهة هذه التصورات والعادات. حيث تتكاتف الاسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والعلمية والتعليمية ووسائل الإعلام التقليدية والرقمية والمركز القومي للمرأة والمركز القومي للطفولة والأمومة ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها مع مجلس الوزراء المصري بكل الوزارات الممثلة فيه لوضع خطة طويلة المدى لأحداث هذا التغيير الاجتماعي في النظرة المجتمعية للمرأة، ومعالجة التجاوزات الظالمة لحقوقها. ويكون هناك دور محدد ومرسوم لكل مؤسسة من هذه المؤسسات يتم تقييمه رقميا كل فترة من فترات الخطة. فالمسؤولية مشتركة بين الجميع.

س-  كيف يمكن فهم مفهوم القوامة في الإسلام فهمًا متوازنًا يحفظ حقوق المرأة والرجل معًا؟

- يؤسفني أشدَّ الأسف ما ينتشر بيننا اليوم من فهم معوّج للآية الكريمة التي نصّت على القوامة؛ للأسف هناك كثير من الرجال يفهمون القوامة بمنطق من يقرأ الآية الكريمة:" يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة.." ويسكت ولا يُكمل الآية. يا سادة القوامة التي أوصى بها الإسلام قوامة مشروطة ونسبية، وليست قوامة مطلقة ولا كاملة تصدق في كل زمان ومكان . هناك فرق كبير بين ما دعت إليه الآية، وبين الحجر على عقل وشخص المرأة، وجعلها تحت الوصاية الكاملة للرجل، وتجريدها من كل حقوقها الطبيعية. هناك فرق كبير بين القِوامة والتسلّط. تقول الآية الكريمة ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ...﴾ [النساء: 34]. الآية اشترطت شروطًا للقِوامة، إذا سقط منها شرط سقط معه المشروط، ومن ثم فهي ليست مطلقة ولا دائمة، فضلًا عن أن الآية الكريمة، إلي جانب جعلها القوامة مشروطة بشروط، جعلتها نسبية كذلك؛ فقالت: " بعضهم على بعض" ولم تقل بتفضيل كامل وقطعي لجنس الرجال على جنس النساء. فقالت كلهم على كل. وعلى ذلك إذا تخلى الرجل عن ميزته التي ميزه الله تعالى بها فلم ينفق على امرأته وبيته وأولاده، ولم يكسهم، ولم يوفر الأمن والأمان والاستقرار لهم فإن ذلك يسلبه حق القوامة علي المرأة، ويعطيها هي الحق في القيام بفسخ النكاح بالوسائل المشروعة، هذا هو ما يقتضيه تعليل القوامة في الآية الكريمة بالإنفاق، وهو ما فهمه منها المالكية والشافعية.

أقول: القِوامة في الإسلام مشروطة ونسبية، وهذا ما أُشدِّد على التأكيد عليه. إن تفضيل الرجال على النساء المذكور في الآية الكريمة المراد منه تفضيل جنس الرجال على جنس النساء، وليس المراد منه تفضيل جميع أفراد الرجال على جميع أفراد النساء؛ وإلا فكم من امرأة تَفْضُل زوجها في العلم والدين والعمل والرأي وغير ذلك. ولا تعني القِوامة السيطرة أو التسلّط أو الإلغاء، فهذا ليس من الشرع في شيء، بل هو تحميلٌ للآية ما لا تحتمل. القوامة في اللغة: القيام على الشيء بما يصلحه؛ أي: رعاية، مسؤولية، إصلاح، وإنفاق. القِوامة تكليف للرجل بالمسؤولية، لا تشريف للسلطة، وهي مبنية على النفقة وتحمُّل أعباء الأسرة، لا على الأفضلية المطلقة. فالرجل مكلّف بأن يكون قائمًا على شؤون المرأة بالعدل، وليس متسلطًا عليها بالهوى. والمرأة مكرّمة، شريكة، لها رأيها ومكانتها، لا تابعة لا تُرى. ليس في الإسلام تهميش للمرأة، بل فيه توازنٌ دقيق بين الحقوق والواجبات، قائم على العدل، لا الجَوْر. نعم، على المرأة أن تطيع زوجها بالمعروف، لكن حين يكون الرجل ضعيفًا، فإن المرأة ليست في حاجة إلى نصيحة حتى تقود هي الأسرة، فهي تقوم بذلك تلقائيًا. وكم يوجد في عصرنا من أُسَر تقوم عليها النساء فيما يُعرف باسم "المرأة المعيلة".

س-  ما رأيك في اقتراح قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي يمنح المرأة حق الاعتراض على تعدد الزوجات؟

- عندما أباح الإسلام تعدد الزوجات جعله تعددًا مشروطًا بشروط كثيرة، أبرزها: تحقيق العدل وتوفر الاستطاعة المادية والجسمية وإعلام الزوجة به، وليس مطلقًا أو متروكًا لمزاج الرجل ونزواته. فالأصل في الإسلام الزوجة الواحدة، أما التعدد فهو الاستثناء وليس القاعدة. فإذا غاب شرط العدل، أو ضعفت القدرة والاستطاعة لدى الرجل، بطل الاستثناء وسادت القاعدة. وهناك آيات كثيرة تُوصي الرجال بالرفق واللين بالمرأة ومراعاة حقوقها ومشاعرها. فإنه في ضوء ذلك كله لو منح قانون الأحوال الشخصية الجديد المرأة حق الاعتراض على تعدد الزوجات، فإنني لا أراه متجنيًا على الرجل، ولا سالبًا لحقه في التعدد.

أنا أؤمن بأنه إذا كان العدل يقول بأن من حق الرجل أن تكون زوجته مخلصة له هو وحده ولا ترى في هذه الحياة رجلا سواه، وأنه هو الرجل الوحيد في حياتها، إنه من العدل بالمثل أن يكون من حق المرأة كذلك أن يكون زوجها مخلصا اخلاصا كاملا لها، ولا يرى في هذه الحياة امرأة سواها، وأنها المرأة الوحيدة في حياته. هذا هو العدل الذي أعرفه. عهد وثقة متبادلة بين الطرفين في أن كل واحد منهما لا يرى في هذه الحياة إلا الآخر.

وقد وصف القرآن الكريم هذا العهد بأنه ميثاق غليظ، فقال تعالى: " وأخذنا منكم ميثاقا غليظا" (النساء: اية21) . فإذا أخلّ أحد الطرفين بهذا العهد (الميثاق الغليظ)، جاز للطرف الآخر أن يعترض ويرفض هذا العمل. وإلا فلماذا لا يرضى الرجل من زوجته أن ينشغل قلبها برجل غيره أو ترى عينها رجلًا غيره، ولا يُعطى زوجته هذا الحق أيضًا في الاعتراض عليه إذا انشغل قلبه بامرأة أو رأت عينيه امرأةً غيرها؟!

نقطة أخرى هامة وفاصلة في الأمر: لقد تعلمنا من فقهاء الإسلام قاعدة أن الضرورة تُقدَّر بقدرها، وأن تطبيق القاعدة الفقهية لابد أن يُراعي ظروف الزمان والمكان للمجتمع، ونحن جميعا نتذكر كيف اجتهد الخليفة العادل عمر بن الخطاب في عام الرمادة، فأوقف تطبيق حد (تخيلي حدّ من حدود الله) السرقة في هذا الوقت. فإذا كان هذا حال الخليفة العادل ثاني الخلفاء الراشدين، يقدر الضرورة بقدرها في ظل ظروف الزمان والمكان، فالأدعي علينا نحن في هذا العصر الذي نمر به من ظروف اقتصادية قاسية، وارتفاع معدلات الفقر، وزيادة نسب البطالة تلك الظروف أدَّت إلى حدوث أزمات اجتماعية طاحنة تعصف باستقرار واركان المجتمع المصري، أقول أليس الأدعى بنا نحن الآن أن نعيد النظر في تطبيق، لا أقول حدًّا من الحدود كما فعل سيدنا عمر، بل استثناء لقاعدة عامة تقول بوحدانية الزوجة . فدرء المفاسد مقدم بلا شك على جلب المنافع .

لكل ما سبق فانا أؤيد وبشدة صدور مثل هذا القانون الذي يحافظ على قيمة العدل بين الزوجين، ولا أرى فيه تجاوزًا أو انقاصًا من حق الرجل في التعدد؛ لأنه - كما قلت-  استثناءً وليس قاعدة .

س-  هل تستطيع القوانين والتشريعات وحدها أن تغيّر واقع المرأة للأفضل؟

- أجيبك على هذا السؤال بالابتسام. حقا أنا لا أنكر ما للقوانين من قوةٍ على الردع، ولا أنكر صرامة تنفيذها في مصرنا الحبيبة، ولكنَّ الأمر له زاويةٌ أُخرى، هي طبيعة وأفعال الإنسان. فكلّنا يعلم أن الإنسان بوجهٍ عام - وليس الإنسان المصري وحده-  له ظاهرٌ وله باطن. هناك أفعال يفعلها هذا الإنسان في العلن من الممكن أن تحكمها القوانين وتضبطها، لكن كيف يمكن للقوانين أن تضبط الأفعال التي يفعلها الإنسان في السر؟!

إنَّ من المقولات القديمة التي تعلمناها: أنه كلما زاد عدد القوانين كلما ازداد عدد اللصوص والمجرمين! والأمر ببساطة شديدة أنَّ معظم القوانين التي تصدر تأتي لكي تعالج نتائج فقط، ولا تعالج الأسباب والجذور التي أدَّت إلي خروج هذا المرض. كالدواء الذي أُعِدَّ لعلاج المرض، ولكنه لم يُعَدّ للقضاء على أسبابه اجتذاذ جذوره. وبالتالي سوف يظهر المرض نفسه مرات ومرات رغم وجود الدواء. فوجود الدواء لا يعني بالضرورة اختفاء المرض.

لنضرب أمثلة على ذلك: كم يوجد من القوانين في مصر تُجرِّم زواج القاصرات؟ لا شك يوجد الكثير، وهناك هيئات ومنظمات تسهر على محاربة هذه الظاهرة، ولكن هل اختفت هذه الظاهرة تمامًا من بيننا؟! اختفت في العلن، ولكن تُمارَس في السر بطرق غير قانونية. أيضًا كم من القوانين لدنيا تُجرِّم ممارسات العنف ضد المرأة؟! فهل منعت هذه القوانين ارتكاب هذه الجرائم في السر وخلف الأبواب المغلقة؟ كم من القوانين لدنيا تُجرِّم الاتجار بالبشر، خاصة الأطفال والفتيات الصغيرات؟ فهل أدَّت هذه القوانين والتشريعات إلي اختفاء هذه الجرائم من بيننا؟!

ما نحتاجه لتغيير واقع المرأة المصرية للأفضل في رأيي ليس فقط قوانين تصدر بين الحين والآخر تجرم الإساءة للمرأة والتقليل من كفاءتها والمعاقبة على الممارسات التي تهضمها حقوقها الطبيعية والمكتسبة، ولا فقط إلي وجود منظمات وهيئات حكومية ومدنية وأهلية قوية تدافع عن حقوق المرأة في كافة المحافل. نحتاج إلي جانب كل هذا إلي الأهم: وهو رفع نسبة الوعي في المجتمع عند الطرفين بحقوق المرأة: رفع نسبة الوعي لدى الرجل والمرأة. المرأة لكي تعي وتفهم ما لها من حقوق فتطالب بها، والرجل لكي يتخلى نهائيا عن أنانيته ونرجسيته وعن تلك الأفكار الرجعية المتوارثة من أسلافنا التي تهين المرأة وتقلل من كفاءتها وقدراتها. نحتاج إلي ثورة تصحيح حقيقية للمفاهيم والأفكار المعششة في عقول الرجال من مئات السنين، ثورة تجعل الرجل يدرك ويقتنع باطنيًا أن معطيات العصر قد اختلفت وبالتالي ينبغي أن تختلف معها القناعات والأفكار والممارسات.

القوانين – وهي الوازع الخارجي-  لها دور ولا شك في التصحيح، لكنه ليس الدور الأهم. إنما الدور الأكبر على الوازع الباطني. لكي نقضي على التجاوزات المعلنة والمستترة لحقوق المرأة. فيكون المنع الخارجي مقومًا للممارسات الخارجية الظالمة للمرأة، ويتكفل الوازع الباطني بالقضاء على الممارسات المستترة.

س-  كيف يمكن تحليل الطلاق كظاهرة أخلاقية تتعلق بالحرية والمسؤولية؟ وكيف يمكن تغيير النظرة السلبية نحو المطلقات؟

- عندما أباح الدين الطلاق وجعله بيد الرجل قيده بقيود صارمة حتى لا يكون عرضة للهوى والمزاج. فلم يُعطِ الرجل الحق المطلق في التطليق بسبب ومن غير سبب، بل جعله مقيَّدًا بشروط وفرض حقوقا للمرأة المطلقة على الزوج أن يفي بها حتى لا يكون آثما. فضلا عن أن الدين الحنيف أعطي المرأة الحق في طلب الطلاق للضرر واستحالة العشرة، بل وأعطاها الحق في الخلع بالتنازل عن صداقها. ومن ثمَّ فلم يترك أمر الطلاق للهوي ولا للمزاج المتقلب واسماه أبغض الحلال عند الله سبحانه وتعالي. لقد جعل الدين الطلاق أخفَّ الضررين، جعله بديلًا للوقوع في جريمة أشنع وأقسي وطأة.

ففي الحالات التي تصبح العشرة بالمعروف فيها مستحيلة بين الزوجين، وأنه لو استمرت العلاقة الزوجية فيها لترتب على ذلك جريمة منكرة، هنا أباح الشرع الشريف الطلاق رحمة للطرفين، وحفظًا للأمن والسلام الاجتماعي. لكن للأسف ما نراه اليوم صادمًا؛ أصبح الطلاق عبثًا في عبث واستهتارًا عجيبًا بآيات الله وأحكامه. أصبحنا نرى الطلاق يقع لأتفه الأسباب وأهونها. دون أي تفكير في العواقب والنتائج المترتبة عليه. لو أدرك الرجل الإدراك الصحيح لأمور الحياة، وأعمل عقله ووعيه، لما وقعت 90% من حالات الطلاق التي نشاهدها حولنا. لو أدرك الرجل أن كل ابن آدم خطَّاء، لو أدرك أنه لا يوجد بيننا الإنسان الكامل المبرَّأ من العيوب، وأننا كل واحد فينا عنده ما ينقصه. لو وعي إلى ما فيه هو نفسه من عيوبٍ ومثالب، لو أدرك أن حالة التأزُّم بينه وبين شريكة حياته قد تكون لأسباب أخرى خارجية لا دخل للمرأة بها مثل الحالة الاقتصادية وضغوط العمل وغير ذلك، أقول لو أدرك الرجل كل هذا لما تسرع في التطليق، ولتردَّد ألف مرة قبل أخذ هذه الخطوة.

إذن تزايد حالات الطلاق بصورةٍ مفزعة يرجع في المقام الأول إلي قلة الوعي لدى الطرفين، وخاصة لدى الرجل. وقلة الوعي هذه أيضًا، وإلي جانبها ذلك الموروث الثقافي والاجتماعي الرجعي والمتخلف هما السبب في النظرة السلبية للمرأة المطلقة. تناقضٌ عجيب في التفكير يعاني منه كل من ينظر إلي المطلقة هذه النظرة السلبية. كيف يكون الطلاق مسؤولية الرجل وهو صاحب القرار الأوحد فيه، ومع ذلك يتم إلقاء اللوم فيه على المرأة المطلقة، رغم أنها لا ذنب لها في ذلك؟! المرأة المطلقة لا هي ناقصة، ولا هي مجرمة ارتكبت جريمة حتى يتم عقابها بالحبس الجسدي داخل الجدران، وتقييد حريتها، ولا بالاغتيال المعنوي من خلال نظرات الشماتة والريبة أو الطعن فيها من المحيطين بها . منطقٌ معوج يبرِّئ ساحة الرجل المطلق رغم أنه صاحب القرار، ويحمِّل المسؤولية كاملة عن الطلاق وما يترتب عليه من كوارث خاصة بالأطفال الصغار للمرأة المطلقة !!

تغيير النظرة السلبية للمرأة المطلقة المنتشرة بيننا اليوم يكون برفع درجة الوعي لدى الجميع، مع تصحيح المفاهيم والتصورات الخاطئة المُعَشِّشة في العقول . فالمرأة المطلقة ليست مجرمة فنحبسها ونحجر على حريتها، وليست خطرًا أو مرضًا معديًا لنا فنبتعد عنها ونتحاشى التعامل معها، وليست فريسة سهلة لمنحرفي المزاج وقللي الشرف من الرجال.

س-  مع تزايد نسب الطلاق في مجتمعاتنا، ما الدور الذي يمكن أن تؤدِّيه الجامعات في الحد من هذه الظاهرة؟

الواقع أليم وصادم فالأرقام والإحصائيات في السنوات الأخيرة كانت صادمة فعلًا في مصر. يكفي أن نعلم أنه وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء: إنه في عام 2024 وقعت في مصر 273.8ألف حالة طلاق، بمعدل 739 حالة طلاق في اليوم الواحد، وبمعدل 32 حالة طلاق كل ساعة، وحالة طلاق واحدة كل 117 ثانية، اي في أقل من دقيقتين. وكانت نسب توزيع حالات الطلاق 58% في الحضر و42% للريف. الأمر الذي أثار قلق القيادة السياسية والأجهزة المختلفة في مصر، فتم إطلاق البرنامج القومي للحفاظ على كيان الأسرة المصرية والذي انبثقت منه مبادرة "مودة"، وهي مبادرة تسعى إلى وحدة الأسرة المصرية، والحد من نسب الطلاق التي ارتفعت بهذا الشكل الملحوظ خلال السنوات الأخيرة. تهدف المبادرة إلى تزويد المقبلين على الزواج، بالتأهيل النفسي والاجتماعي الكافي لتشكيل الأسرة الناجحة والسعيدة، مع تسليحهم بالأدوات والآليات الكفيلة بحل أي خلافات محتملة قد تعترض حياتهم الأسرية في المستقبل. وقد شاركت الجامعة مشاركة فعالة في هذه المبادرة الطموحة باعتبارها واجبًا وطنيًا . فقامت الجامعة على مدى العامين الماضيين بتنظيم العديد من الدورات وورش العمل لتأهيل طلاب وطالبات الجامعة المُقبِلين على الزواج، وقد التحق بهذه الدورات مئات الطلاب والطالبات، فضلًا عن حملات التوعية والقوافل الثقافية والندوات التي نظمتها الجامعة في هذا الصدد.

لكنني أرى أن كل هذه الجهود غير كافية؛ لأنها تعالج العَرَض لكنها لا تُجفِّف منابعه، ولا تقتلع جذوره. يجب أن يتواكب مع هذه الحملات التوعوية والمبادرات إصلاحات اقتصادية واجتماعية تقضي على الجهل والتخلف والبطالة، وتُخفِّض معدلات الفقر في المجتمع المصري؛ لأن هذه هي الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع معدلات الطلاق في السنوات الأخيرة في مصر. الطلاق مجرد عَرَض لأمراض خطيرة تنخر في جسد المجتمع المصري، وتُزلزل كيانه واستقراره. وهذه الأمراض هي: الفقر والبطالة والجهل والتخلف، وانعدام التربية .

س-  إلى أي مدى تؤثِّر العادات والتقاليد على مكانة المرأة في المجتمع الصعيدي؟ وما أبرز المشكلات التي تواجهها هناك؟

لا أحد يستطيع أن يُنكر ما حدث في الصعيد من تغييرات اجتماعية وحضارية وثقافية طيبة ومبشرة في الآونة الأخيرة بفضل هذ الانتشار الكبير للتعليم بالصعيد وما تم استحداثه من جامعات حكومية وأهلية وخاصة بكل محافظة من محافظات الصعيد، فضلا عن ثورة الاتصالات والمعلومات والتكنولوجيا الرقمية التي غزت الوجه القبلي بنفس درجة انتشارها في الوجه البحري. فلم يعد الصعيد مهمشًا كما كان في الحقب الماضية. وقد انعكس كل هذا على مكانة المرأة في المجتمع الصعيدي فأصبحت تحتل مكانة أفضل وتلقى معاملة أحسن عن ذي قبل. فأصبحنا نرى في الصعيد حاليًا وزيرات ونواب في المجالس النيابية من نساء الصعيد وعُمدة امرأة ورؤساء جامعات نساء وعميدات للكليات وعضوات هيئات تدريس في الجامعات ورؤساء مدن ورؤساء أحياء من النساء.

لكن رغم ذلك تظل هناك مشكلات اجتماعية واقتصادية وثقافية تُكبِّل المرأة المصرية بوجه عام، والمرأة في الصعيد بشكل خاص. لا تزال توجد هناك قيود من التعصب للعادات والتقاليد والأعراف التي تظلم المرأة الصعيدية، وتصادر حقوقها الطبيعية التي كفلها لها القانون، خاصة في الصعيد الجواني. تأتي على رأس هذه المشكلات: مشكلة الثأر ومشكلة الزواج المبكر، ارتفاع نسبة الأمية بين الإناث، الحرمان من استكمال التعليم خاصة التعليم العالي، التعصب القبلي الشديد الذي يمنع الفتاة من الزواج إلا من رجل من نفس العائلة أو القبيلة وغير ذلك من مشكلات . وهي مشكلات لا يزال هناك وقت طويل حتى تستطيع المرأة في الصعيد أن تنتصر عليها وتتغلب على ظروفها. والأمر مرهون، كما قلتُ، بزيادة معدل الوعي والفكر المستنير عند أولياء الأمور.

س-  هل الطبيعة البيولوجية للمرأة مبرر لتقييد أدوارها في المجتمع؟

بدايةً أود التأكيد على حقيقة لا يمكن إنكارها، ألا وهي أن الاختلاف هو أساس الوجود، فالله سبحانه وتعالى عندما خلق البشر خلقهم مختلفين في التكوين والسمات والصفات الجسدية والنفسية، وهذا من عظمة الإبداع الإلهي. الإعجاز يكون في إبداع مليارات البشر، وكل واحدٍ فيهم له سمات تميزه عن الآخر. ولو كان الله قد خلق البشر جميعًا نُسخًا متشابهة في كل شيء لتحولت عملية الخلق إلي فعلٍ آلي كجهاز تصنيع آلي يخرج مليارات من سلعة واحدة. قال تعالى:"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ." (هود: اية ١١٨) ويقول سبحانه في سورة فاطر آية 28(وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذلِكَ ۗ).

بناءً على هذه الحقيقة الكونية جاء تكوين المرأة مختلفًا بيولوجيًا ونفسيًا عن تكوين الرجل، لكن هذا الاختلاف التكويني لا يعني دونية المرأة وتميُّز الرجل، بل يعني أن كل جنس خُلق متميزًا عن الآخر ليناسب هذا التكوين وظيفته المرسومة له في المخطط الكوني، ليؤدي دوره الطبيعي في الكون بكل سلاسةٍ ويُسر. وقد ورد في الحديث الشريف أن رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، كانَ ذَاتَ يَومٍ جَالِسًا وفي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ به، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: ما مِنكُم مِن نَفْسٍ إلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفلا نَتَّكِلُ؟ قالَ: لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له." إن السر الإلهي وراء اختلاف التكوين البيولوجي بين الرجل والمرأة هو من أجل تكامل الجنسين وتشارُكهما في عمارة الكون وفي تحمُّل المسؤولية وليس للتفاضل والتمايز. خُلِقت المرأة لأداء وظيفة كونية يعجز عنها الرجل، ولن يستطيع الرجل نفسه الخروج إلي هذه الحياة دون وجود امرأة تؤدي الوظيفة البيولوجية التي جاء تكوينها الجسمي والنفسي مناسبا لها. وبالتالي فتكوين المرأة البيولوجي المختلف له الفضل في وجودك انت أيها الرجل فعلم هذا الغرور والشعور بالأفضلية والتميُّز؟!

أعتقد أن نظرات الاستعلاء على المرأة، وأنها أدني من الرجل جسديًا وعقليًا، والتي تسيطر على تفكير بعض الرجال بيننا - ولا أقول كلهم-  أعتقد أنها من رواسب العادات والتقاليد البالية التي سبق الحديث عنها. لقد حان الوقت للتحرر من هذه الأفكار الخاطئة التي لا تستند على أي أساس من العلم ولا من الدين. اختلاف التكوين البيولوجي والنفسي للمرأة ليس نقطة نقص فيها تحرمها من مساواة الرجال في الحقوق التي كفلها الدستور والقانون. لقد خلق الله البشر مختلفين حقًا في التكوين البيولوجي والنفسي والعقلي لكنه سبحانه جعلهم سواسية في الحقوق. وأقر الدستور المصري التمييز البيولوجي بين الجنسين ولكنه في ذات الوقت أفرد حقوقًا متساوية لهما أمام القانون. فللمرأة ما للرجل من حقوق، وعليها ما عليه من واجبات. ومن ثم فإن تقييد أدوار المرأة في المجتمع بدعوى أنها ناقصة عن الرجل في تكوينها البيولوجي وأنها أضعف من أن تتولى المسؤولية التي يتولاها الرجال، تقييدٌ ظالم لا يستند إلى أساس صحيح من العلم ولا من الدين، وعلينا التخلص منه سريعًا؛ لأنه رواسب لعادات وتقاليد عفى عليها الزمن، وتجاوزتها الأحداث .

س-  هناك جدل بين من يدعو إلى المساواة المطلقة ومن يؤمن بالتكامل بين الجنسين، كيف يمكن للفلسفة أن تقدم رؤية أكثر توازنًا؟

دعونا نتفق بداية على أن الدعوة إلي المساواة المطلقة بين الجنسين في كل شيء دعوة خيالية وغير منطقية، لما سبق أن قلناه من إعجاز الخلق الإلهي، أن جاء البشر جميعًا مختلفين في تكوينهم البيولوجي والنفسي والعقلي. خُلق الجنسان مختلفين اختلافًا جوهريًا وطبيعيًا ليؤدي كل جنس منهما الوظيفة المناسبة له، والتي لن تتم عمارة الأرض بدونها. وبالتالي فالمنطق والعقل، وقبلهما العلم، يفرضون علينا القول بالتمييز التكاملي بين وظيفة كل جنس من الجنسين، وهذا التمييز ك- ما سبق أن قلنا-  لا يعني المفاضلة بين جنس أدني وجنس أعلى، وإنما يعني تكامل الوظيفتين جنبًا إلي جنب.

ومن الناحية الفلسفية العقلية، هناك نظرية للتطور أو النشوء والارتقاء في الكون، قال بها كثير من الفلاسفة والعلماء بدءًا من الفيلسوف اليوناني أمبادوقليس في القرن الخامس قبل الميلاد، وانتهاءً بتشارلز دارون في القرن التاسع عشر الميلادي، تقول بأن البقاء والاستمرار في الوجود لا يكون إلا للأصلح. فالكائنات التي استطاعت أن تقاوم وتتغلب على تقلبات الطقس والظروف الطبيعية القاسية هي التي بقيت وتطورت واستمرت في الوجود، في حين اندثرت الكائنات الضعيفة التي عجزت عن التكيُّف. والسؤال هنا: لو كانت المرأة أضعف وأوهن من الرجل بيولوجيًا ونفسيًا وعقليًا لماذا لم تنقرض كما انقرضت غيرها من الكائنات الضعيفة، واستمر في الوجود جنس الرجال فقط باعتبارهم الأقوى والقدر على التكيف مع تقلبات الطبيعة؟! أليس بقاء جنس المرأة في الوجود طوال هذه الالآف من السنين دليلًا على تميزها وتفوقها، وأنها لا تقل عن الرجل في شيء؟ّ!

وكم كان أفلاطون جميلًا ورائعًا عندما عبَّر عن هذا التكامل بين الجنسين في محاورة المأدبة، عندما ذكر على لسان أرستوفانيس الكاتب المسرحي اليوناني العظيم، قصة جميلة وشيقة أقرب إلي الأسطورة منها إلي التاريخ؛ حيث روى أن الإنسان في بداية ظهوره على الأرض كان كائنًا ثنائي التكوين: ذكرًا وأنثى في ذات الوقت، وكان الذكر ملتصقًا بالأنثى من ناحية الظهر. وقد كان هذا الآدمي شديد القوة والجبروت، لدرجة أن ركبه الغرور، فأقدم على اقتحام السماء وخلع الآلهة من عرشها وتنصيب نفسه إلها مكانها. فما كان من الآلهة إلا أن انتقمت منه، وذلك بشطره إلي شطرين، فجعلت الرجل منفصلًا عن الأنثى . وبهذا ضعف ووهن وعجز عن مطاولة الآلهة. وعقب شطر هذا الكائن الأدمي شطرين، أخذ كل شطرٍ يبحث عن شطره الآخر، فإذا وجده يظل معانقًا له حتى الموت جوعًا. لذلك ولأجل حفظ بقاء الإنسان، ولتحقيق الاتصال المنشود، خلقت الآلهة الحب بين البشر. وُلد الحب الذي يحسُّه الناس بعضهم البعض، الحب الذي يعيدنا إلي حالتنا الأولى؛ لأنه يجعل من الشطرين المنفصلين كائنًا كاملًا، فتندمل الجروح التي لا يزال يئن منها البشر. فالبشر جميعًا، في تصور أفلاطون شطر من كائن كامل، وكل منا يبحث دائمًا عن شطره الآخر، فإذا وجده التصق به ولا يفترق عنه أبدًا.

إذن التكامل بين الجنسين، القائم على مبدأ الاحترام والحب المتبادل، هو الوضع الذي ينبغي أن يسود بين الرجل والمرأة . قوة الرجل وقدرته على التكييف مع البيئة وعمارة الأرض تعتمد على وجود المرأة إلي جانبه، وقيامها بأداء وظيفتها البيولوجية التي خلقها الله لها، والعكس أيضًا صحيح؛ قوة المرأة وقدرتها على مقاومة الانقراض ونجاحها في التكيُّف مع تقلبات الزمن تعتمد على وجود الرجل معها وتكامل دوره مع دورها.

س-  كيف تستعد مصر اليوم لتمكين المرأة في ظل التحول الرقمي والثورة الصناعية الرابعة؟

- الواقع أن مصر لم تخطط وتستعد فقط لهذا التمكين، بل بدأت تتخذ بالفعل خطوات واسعة في هذا المجال. ليس فقط من خلال التوسع في إنشاء الكليات والمعاهد المتخصصة في الحاسبات والمعلومات وفي الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وفي الجامعات التكنولوجية، وإتاحة القبول بها لكل الجنسين لتمكينهما من اللحاق بسوق العمل المحلية والخارجية، وتأهيل الشباب المصري من الجنسين لهذه الأعمال الواعدة مستقبليا، بل وبدأت مصر منذ سنوات في إعداد الخطط واتخاذ التدابير اللازمة لتمكين المرأة المصرية خاصة والشباب المصري عامة لهذه المستجدات المتسارعة على الساحة العلمية والعالمية. فوضعت الدولة شرط الحصول على دورات التحول الرقمي كشرط ضروري ولازم للحصول على أي شهادة جامعية، خاصة في مرحلة الدراسات العليا، كما جعلت الحصول على شهادة التحول الرقمي شرطا للالتحاق بأي وظيفة من الوظائف الحكومية. إضافة إلي التوسع في إنشاء المدارس الثانوية للمتفوقين في العلوم والتكنولوجيا STEM بكل محافظات مصر تقريبًا، فضلًا عن مبادرات الحكومة المصرية من خلال وزارة الاتصالات لتمكين الخريجين والخريجات من التأهيل لسوق العمل، والتي منها: مبادرة رواد مصر الرقمية، ومبادرة مستقبلنا الرقمي، ومبادرة بناء مصر الرقمية، ومراكز إبداع مصر الرقمية CREATIVA التي تنتشر في معظم الجامعات المصرين لتمويل الأعمال والمشاريع وريادة الأعمال للطلاب وللخريجين.

س-  ما المهارات التي تحتاجها المرأة المصرية في القرن الحادي والعشرين؟ وكيف تسعى الجامعة لتأهيلها؟

- ما تحتاجه المرأة المصرية في القرن الواحد والعشرين هو نفسه ما يحتاج إلي التسلح به الرجال، تحتاج أولًا إلى تعليم عصري جيد يُنَمِّي معلوماتها في تخصص معين، ويُحَفِّز في ذات الوقت على هويتها ووعيها القيمي والنفسي. تحتاج ثانيًا: إلي تنمية الذات علميًا وثقافيًا بمعلومات عامة حول محيطها الجغرافي وتاريخ أمتها، تحتاج ثالثًا: إلى صقل مواهبها اللغوية من خلال تعلم وإتقان لغة أجنبية واحدة على الأقل تساعدها على الوقوف على أحدث ما وصل إليه العالم المتقدم من نظريات في مجال تخصص المرأة، أيًّا كان هذا التخصص. تحتاج رابعًا: إلى التسلح بمهارات التحول الرقمي من إجادة تامة لبرامج الحاسب الآلي واستعمالاتها فهذه لغة العصر الحالي، ومن لم يتقن هذه اللغة تخلف سنوات ضوئية عن العالم المحيط به.

تحتاج إلي كل هذا، لكنها هي أحوج ما تكون إلى الثقة في النفس؛ هي بحاجة إلى الإيمان بقدراتها والثقة في أنها تستطيع . فهي لا تقل شيئًا عن الرجل، وفرصتها في النجاح وتحقيق الذات تساوي فرصة الرجل، بل أن الأسلحة التي توجد لديها لشق طريقها في هذا العالم قد تتفوق على أسلحة الرجل. كل ما ينقصها فقط الثقة في قدرتها على النجاح. أخيرًا تحتاج المرأة المصرية المعاصرة إلى التحرر من سيطرة عقدة النقص عليها. فلا تستسلم للموروث الثقافي والاجتماعي الذي ينظر إليها على أنها كائن ناقص، بل عليها أن تثبت لنفسها أولًا ثم للعالم المحيط بها أنها تستطيع.

الجامعة تبذل الكثير من الجهود في سبيل صقل وتنمية مهارات الطالبات ليخرجن إلى المجتمع قادرات على تحقيق النجاح في حياتهن العملية والمهنية. وعلى تحمل المسؤولية مثلهن في ذلك مثل الرجال سواء بسواء . فإلى جانب ما تقوم به الجامعة من تعليم نظامي متخصص للطالبات تقوم في ذات الوقت من خلال إدارات رعاية الشباب في كل كلية من كليات الجامعة بوضع برنامجًا سنويًا من الأنشطة الطلابية الرياضية والفنية والعلمية والثقافية التي تستثمر فيها طاقات الطلاب بلا تمييز، فضلًا عن دورات التدريب المختلفة وبرامج التدريب المجاني التي تضعها الجامعة للطلاب سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا للتدريب على مختلف المهارات التقنية والعلمية والتكنولوجية. الجديد أن الجامعة في السنوات الأخيرة استحدثت مقررًا إجباريًا يدرسه كل طلاب وطالبات الجامعة الفرقة الأولي كمقرر نجاح ورسوب هو مقرر اللياقة البدنية والصحة والذي جاء تنفيذاَ لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية، وقرار المجلس الأعلى للجامعات بتعميم مقرر اللياقة البدنية والصحية على الجامعات المصرية. كما جاء ترجمة للاهتمام الشديد الذي تبديه جامعة سوهاج بالأنشطة الطلابية وممارسة الرياضة، من أجل الارتقاء بصحة طلاب الجامعة ذكورا وإناثا وتوسيع قاعدة الممارسة الرياضية لتكون أسلوب حياة. ويهدف المقرر لتزويد الطلاب والطالبات على السواء بالمعارف والمهارات اللازمة لتبني نمط حياة صحي، يغطي مفاهيم أساسية في الصحة الشخصية والغذائية والوقائية، وتطوير مكونات اللياقة البدنية مثل القوة والتحمل والمرونة، مع التركيز على التطبيق العملي وتصميم برامج لياقة خاصة، ويساعد في تحسين الرفاهية الشاملة للطالب جسديًا وعقليًا واجتماعيًا.

هذا عن الجديد أما الاجدد فقد أطلقت جامعة سوهاج منذ العام الجامعي الماضي ولأول مرة في التاريخ وذلك بتوجيهات ثاقبة من معالي الأستاذ الدكتور حسان النعماني رئيس الجامعة عقد دورات منتظمة على مدار العام في التربية الوطنية والعسكرية لطالبات الفرق الأولى من مختلف الكليات بالجامعة، والتي تنظمها إدارة التربية العسكرية بالجامعة، وذلك تنفيذًا لبروتوكول التعاون الذي تم توقيعه بين قيادة قوات الدفاع الشعبي والعسكري ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بهدف تطوير مناهج التربية الوطنية وتنفيذ الأنشطة التوعوية والتثقيفية المشتركة لتعميق روح الولاء والانتماء لدى طالبات الجامعة، وتعريفهم بحجم التحديات التي تحيط بالدولة المصرية. كما تهدف هذه الدورات البرنامج مساعدة الطالبات على بناء شخصيات قوية ومنضبطة، مع تعزيز شعورهن بالمسؤولية الوطنية، إلى جانب إعدادهن للقيام بدورهن الوطني والمجتمعي بشكل فعال، من خلال تعليمهن المهارات الحياتية التي تعزز من قدراتهن الذهنية والنفسية.

س-  وأخيرًا، ما الرسالة التي توجهونها للشباب الجامعي حول دعم المرأة وبناء وعي مجتمعي جديد؟

- أقول لشباب الجامعة ذكورًا كانوا أو إناثًا: مصر شركة مساهمة مشتركة بينكم، ونجاح الشركة متوقف-  بالتأكيد -  على التفاهم المشترك والتقدير المتبادل والثقة التامة بين الشركاء، فإما أن يكسبوا جميعا أو يخسروا جميعا لا قدر الله.

***

حاورته: د. آمال طرزان مصطفى

حول التغيرات الجذرية في المنطقة العربية والخريطة السياسية للتوازنات بين القوى في العالم والثورة الرقمية والإنسانية الخارقة والذكاء الاصطناعي والتحديات الايكولوجية المعاصرة والقراءة المستقبلية.

د. زهير الخويلدي هو فيلسوف وباحث أكاديمي تونسي بارز، يُعد أحد أبرز الأصوات في الفكر الفلسفي العربي المعاصر. ولد في تونس، ويحمل درجة الدكتوراه في الفلسفة المعاصرة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، حيث ركز أطروحته على "تقاطع السردي والإيتيقي من خلال أعمال بول ريكور". يعمل أستاذًا جامعيا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، وهو عضو في جملة من الهيئات العلمية لعدة مجلات ومؤسسات فكرية للدراسات والأبحاث. يتقن ثلاث لغات (العربية، الفرنسية، والإنجليزية)، ويُعرف بجهوده في ترجمة ونشر الأفكار الفلسفية الغربية مع نقدها من منظور عربي إسلامي. شارك في برامج تلفزيونية مثل "القنديل"، ولديه حضور رقمي نشط على منصات مثل فيسبوك ويوتيوب، حيث يناقش قضايا فلسفية معاصرة. يُوصف د. الخويلدي بأنه "أحد أبرز المكافحين العرب المسلمين" الذين ساهموا في إثراء الفكر الفلسفي العربي الإسلامي، من خلال مقاربة كفاحية تجمع بين التنوير والمقاومة، مستلهمًا فلاسفة مثل بول ريكور، إدغار موران، وإدوارد سعيد. أعماله تشمل كتبًا مثل "معان فلسفية" (2009)، "تشريح العقل العربي الإسلامي" (2013)، و"لم نحتاج الفلسفة في زمن الذكاء الاصطناعي؟" (2025)، بالإضافة إلى مقالات عديدة تناولت فلسفة الدين، الحداثة، والترجمة. يرى في الفلسفة أداة للتحرر والتقدم، محذرًا من أزماتها الراهنة، ومؤكدًا على دورها في النقد، الاستيعاب، والتوجيه. اذ يتميز د. الخويلدي بمواقف ملتزمة تجاه قضايا الحداثة والتنوير، مستندًا إلى رؤية فلسفية تغييرية تربط بين التراث العربي الإسلامي والفكر العالمي. يرى في الفلسفة عنوان اليقظة وبوصلتها، ويؤكد أن العرب يحتاجون إليها "كحاجتهم للهواء"، لتحقيق التقدم والكونية من خلال الإبداع الفكري والحوار الثقافي. كما يُقارب د. الخويلدي الحداثة كفترة أزمة وتحول، حيث يدعو إلى "إعادة بناء الأروقة المعرفية على دعائم معاصرة"، مستلهمًا بول ريكور الذي يرى الحداثة "تقترب من تعريف نفسها عن طريق تعارضها مع نفسها عينها". ينتقد "الحداثة السائلة" و"ما بعد الحداثة"، محذرًا من رفض السرديات الكبرى والمحاكاة الساخرة، ويدعو إلى عودة إلى الأصول الفلسفية للتوفيق بين التراث والحداثة. في مقالته "عن أية حداثة تخصنا يمكن أن نتحدث حسب بول ريكور؟"، يؤكد على الحداثة كأداة للتحرر من الهيمنة الثقافية، مع التركيز على الإصلاح التعليمي وتثوير البحوث الدينية لتناسب روح العصر. يرى في الحداثة فرصة لـ"تحويل التقدم المادي إلى تقدم روحي"، خاصة في مواجهة العولمة التي ترجمت "الفشل الذريع للتنوير الصناعي". على هذا النحو يُعتبر التنوير محورًا في فكر د. الخويلدي، حيث يدعو إلى "نقد المجتمع وتنوير الحشود وتدريب الناس على إيجاد حلول لمشاكلهم بأنفسهم". يفرق بين دور الفيلسوف كموجّه نقدي والكاهن كمستشار، ويؤكد أن التنوير يحقق التقدم ويجعل "كل خطوة إلى الخلف أمرًا غير معقول". في مقاربته الفلسفية للتنوير والتراصف والمقاومة، يراه كإحياء للفكر العربي الإسلامي عبر الهرمينوطيقا والفينومينولوجيا، لتحرير العقل العربي من الاستبداد الداخلي والسيطرة الخارجية. يدعو إلى تنوير عقلاني من خلال إصلاح التعليم، إنسانية الخطاب الديني، ودمج الفلسفة في المناهج لمكافحة التطرف. يقول: "نحن في عصر يسير نحو التنوير"، ويؤكد أن الفلاسفة العرب ساهموا مباشرة في تشكل التنوير الغربي، مقترحًا محاور مثل الترجمة والحوار لإنارة العقول المستقيلة. كما يرى د. الخويلدي التقدم كعملية علمية وتقنية ضرورية، لكنه ينتقد المادية الفجة ويدعو إلى "النظرية الحيوية" كأقرب إلى المعقول، مع التركيز على السببية لتحقيق التقدم التقني. يحذر من النظريات الجبرية التي تفترض إمكانية التنبؤ بالمستقبل، ويؤكد على الاحتمالية والنمذجة. في سياق العربي، يدعو إلى ثورة ثقافية جذرية عبر التفكير النقدي والعدالة الاجتماعية، لتحقيق تقدم روحي يتجاوز المادي. يقول: "إذا كانت العولمة قد ترجمت الفشل الذريع للتنوير الصناعي، فكيف يمكن تحويل التقدم المادي إلى تقدم روحي؟"، مشددًا على دور الفلسفة في إنقاذ القيم وتحرير الحياة. يُدافع د. الخويلدي عن الكونية كدرء للتعارض بين الكلي والخاص، معتبرًا الفلسفة "علمًا بالكلي" منذ أرسطو. يدعو إلى بناء خطاب فلسفي عربي كوني يعيد إحياء مساهمات ابن سينا والفارابي، مع ترجمة فلاسفة غربيين مثل كانط وروسو للحوار الحضاري. في مقاله "صدع فكرة الكونية في ظل تفجر الصراع بين أنماط الكلي"، يناقش التنوير بين الكونية والنسبية، محذرًا من تهديدات العولمة، ومؤكدًا أن "الإنسان هو كائن آدمي مزدوج، ينخره التمزق بين الوجود في ذاته والوجود لذاته". يرى في الكونية أداة للتعارف العادل والتضامن الإنساني، خاصة في مواجهة الهشاشة الإنسانية والأزمات البيئية، مع التركيز على الدين كعامل سواسية عالمي. في المجمل، يمثل د. زهير الخويلدي نموذجًا للفيلسوف الملتزم الذي يجمع بين النقد والأمل، مساهمًا في بناء جسر بين الشرق والغرب لتحقيق استنارة عربية حديثة.

في هذا الحوار التقييمي، يتم طرح أسئلة دقيقة مستمدة من التحولات الراهنة في المنطقة العربية خلال عام 2025، معتمدًا على تحليلات فلسفية وجيوسياسية. أصور إجابات د. زهير الخويلدي كإجابات موسعة ومسترسلة، مستوحاة من أسلوبه الفلسفي الذي يجمع بين النظرية والواقع، مع التركيز على مفاهيم مثل الثورة المعرفية، التوازنات العالمية، والتحديات الإيكولوجية. الحوار يربط التغييرات الجذرية بمواضيع أوسع مثل الثورة الرقمية، الإنسانية الخارقة، والذكاء الاصطناعي.

السؤال الأول: د. الخويلدي، كيف تفسرون التغييرات الجذرية في المنطقة العربية خلال 2025، مثل ما يحدث في سوريا والسودان واليمن والصومال وليبيا، والتحولات في لبنان وغزة، من منظور فلسفي جيوسياسي؟ هل تمثل هذه التغييرات نهاية لـ"الاستعمار" والاستبداد ودخولًا في عصر استنارة جديد؟

الإجابة: أيها السائل، إن التغييرات الجذرية في المنطقة العربية خلال عام 2025 ليست مجرد حوادث تاريخية عفوية، بل هي تجليات لديالكتيك هيغلي يعبر عن صراع القوى الاجتماعية والجيوسياسية نحو تركيب جديد. أما في غزة، فإن اتفاق وقف الحرب بعد "حرب الـ12 يومًا" واستهداف قادة حماس في قطر يشير إلى إعادة رسم الحدود، مع دفع الفلسطينيين نحو الأردن وسيناء، مما يعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية. فلسفيًا، هذه التغييرات تذكرنا بأفلاطون في "الجمهورية"، حيث يخرج السجناء من المغارة إلى النور، لكن الألم الناتج عن التكيف يولد صراعًا جديدًا. الاستنارة هنا ليست كانطية بحتة – خروج من القصور العقلي – بل هي ثورة معرفية تغييرية، تتطلب إعادة بناء الهوية العربية بعيدًا عن الدوغمائية السياسية والاستعمارية. ومع ذلك، في ظل التوترات الإقليمية، قد تؤدي هذه التحولات إلى مزيد من الفوضى حيث تتنافس بعض القوى الدولية والمحاور الاقليمية التابعة على امتلاك التحكم والنفوذ في المنطقة العربية.

السؤال الثاني: في سياق الخريطة السياسية العالمية، كيف تؤثر هذه التغييرات العربية على توازنات القوى بين الولايات المتحدة، الصين، روسيا، وإيران؟ هل نرى تحولًا نحو نظام متعدد الأقطاب يعزز الإنسانية الخارقة؟

الإجابة: التغييرات في المنطقة العربية ليست معزولة عن السياق العالمي؛ إنها جزء من إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية، حيث يتراجع الهيمنة الأمريكية تدريجيًا أمام صعود الصين وروسيا. في 2025، أدى ضعف إيران – مع أزمة اقتصادية حادة ووقف برنامجها النووي جزئيًا – إلى إعادة توازن القوى، مع توسع اتفاقيات إبراهيم لتشمل موريتانيا وعمان، مدعومًا من السعودية والإمارات لمواجهة الفراغ الإيراني.  الولايات المتحدة، تحت إدارة ترامب الثانية، تعزز تحالفاتها مع إسرائيل والخليج، لكن الصين تكسب أرضًا من خلال استثماراتها في الطاقة والتكنولوجيا، كما في اتفاقها مع إيران. روسيا، بدورها، تحافظ على نفوذها في سوريا رغم السقوط، مستفيدة من الفوضى لتعزيز دورها كوسيط. هذا التوازن يشير إلى نظام متعدد الأقطاب، حيث تبرز "الإنسانية الخارقة" كمفهوم نيتشوي – الإنسان الذي يتجاوز حدود الطبيعة عبر التكنولوجيا. في المنطقة، يعكس ذلك رؤية 2030 السعودية، مع إصلاحات اجتماعية مثل تمكين المرأة وزيادة السياحة، تحولًا من الاقتصاد النفطي إلى المعرفي، لكن مع مخاطر الاستبداد الرقمي. الإنسانية الخارقة هنا ليست تحررية، بل قد تكون أداة للسيطرة، كما في استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة الاحتجاجات في المغرب أو السعودية.

 فلسفيًا، يتطلب هذا التوازن ثورة معرفية لتجاوز الاستعمار الجديد، حيث يصبح الإنسان العربي "خارقًا" عبر الابتكار لا التبعية.

السؤال الثالث: كيف تندمج الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي في هذه التغييرات، خاصة مع تنويع الاقتصادات الخليجية وتحديات الاستدامة الإيكولوجية؟

الإجابة: الثورة الرقمية في 2025 هي محرك رئيسي للتغييرات الجذرية، حيث تحول المنطقة العربية من اقتصاد نفطي إلى رقمي، كما في نمو الإمارات والسعودية بنسبة 5.1% و4.6% على التوالي، مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي والتنويع.

الذكاء الاصطناعي يعزز "الإنسانية الخارقة"، كما في استخدامه للكشف العلمي والروبوتات، لكنه يثير مخاوف من فقاعة استثمارية وفقدان وظائف. فلسفيًا، يذكرنا هيدغر بـ"التقنية كإطار"، حيث يحول الذكاء الاصطناعي الإنسان إلى مورد، خاصة في مواجهة التحديات الإيكولوجية مثل ذروة الانبعاثات وأزمات المياه في إيران والمغرب. في المنطقة، يتطلب التنويع استدامة، كما في المبادرة السعودية الخضراء، لكن الفجوات في التمويل تعمق التوترات بين الشمال والجنوب. الثورة الرقمية، إذن، هي سيف ذو حدين: تحرر معرفي أو سيطرة جديدة، يتطلب ثورة فلسفية لضمان أن تكون أداة للاستنارة لا الاستغلال.

السؤال الرابع: ما هي التحديات الإيكولوجية المعاصرة في المنطقة، وكيف ترتبط بتلك التغييرات الجذرية؟ هل يمكن للثورة المعرفية أن تواجهها؟

الإجابة: التحديات الإيكولوجية في 2025، مثل الجفاف بسبب انحباس تساقط الامطار وتزايد مخاطر الشح المائي و ربما حدوث الفيضانات نتيجة التغيرات المناخية الكارثية واستخدام غير المدروس لتقنية الاستمطار، تتفاقم مع التغييرات السياسية، حيث يؤدي الصراعات في الدول العربية إلى استنزاف الموارد. في شمال أفريقيا، يعاني الساحل من "دوامة ايكولوجية" تزيد من المشاكل البيئية على غرار التلوث والاختناق والتصحر والانجراف مما يعيق امكانية الإصلاحات، بينما يدفع الاحترار الكوكبي إلى هجرة جماعية.

 فلسفيًا، هذه التحديات تذكرنا بميرلو-بونتي في فينومينولوجيا الإدراك، حيث يلتقي الجسد بالعالم عمليًا، لكن الثورة المعرفية – كتغيير جذري في الوعي – يمكن أن تواجهها عبر الابتكار الرقمي، مثل إزالة الكربون في الخليج. ومع ذلك، بدون توازن اجتماعي، قد تؤدي إلى استعمار إيكولوجي جديد. الاستنارة الحقيقية تكمن في دمج الإنسانية الخارقة مع الاستدامة، لتحويل الظلام الإيكولوجي إلى نور معرفي.

ماهي قراءتكم المستقبلية في نهاية 2025 و بداية 2026 بين آفاق التحولات العالمية والإقليمية؟

الإجابة: مع نهاية عام 2025، يبرز عام 2026 كعام انتقالي حاسم، يجمع بين فرص النمو الاقتصادي المعتدل والتحديات الجيوسياسية المتصاعدة، مدفوعًا بتسارع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتصاعد الضغوط الإيكولوجية. هذه القراءة المستقبلية تستند إلى تحليلات خبراء اقتصاديين وجيوسياسيين حديثة، تتوقع نموًا عالميًا يتراوح بين 2.8% و3.2%، مع هبوط ناعم للاقتصادات المتقدمة، لكن مع مخاطر من التوترات التجارية والتغير المناخي. يبدو أن الاقتصاد العالمي يشهد نموا قويا مع مخاطر تجزئة ويتوقع خبراء مثل غولدمان ساكس ومورغان ستانلي نموًا عالميًا بنسبة 3.1-3.2% في 2026، مدعومًا بانخفاض التضخم وتخفيضات الفائدة من البنوك المركزية. الولايات المتحدة قد تشهد تسارعًا إلى 2.6% بفضل التحفيز المالي، بينما الصين تحافظ على 4.5-5% رغم أزمة العقارات. أما الأسواق الناشئة، فتتجاوز 4%. ومع ذلك، تشكل التعريفات الجمركية الأمريكية تحت إدارة ترامب الثانية خطرًا رئيسيًا، قد تؤدي إلى إعادة توجيه التجارة وتجزئة الاقتصاد العالمي. في المنطقة العربية، قد يستفيد الخليج من استقرار أسعار النفط، لكن التوترات الإقليمية تهدد الاستثمارات.

من الناحية الجيوسياسية يحدث تصعيد مخاطر مع فرص ديبلوماسية ويُتوقع عام 2026 عامًا من التوترات المتزايدة، خاصة في الشرق الأوسط، حيث قد يشهد يقظة في إيران أو تصعيدًا مع إسرائيل. الصراعات في غزة وسوريا ولبنان قد تستمر، مع ضغوط على الاستقرار في السودان واليمن بسبب المنافسة السعودية-الإماراتية. عالميًا، المنافسة الأمريكية-الصينية على التكنولوجيا والمعادن النادرة ستشتد، مع إمكانية قمة بين ترامب وشي جين بينغ حول تايوان. في أوروبا، الضغط على أوكرانيا مستمر، بينما يبرز كأس العالم الفيفا2026  (في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك) كحدث يعزز الوحدة الثقافية رغم التوترات. من هذا المنظور تتراوح الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي من التبشير إلى التقييم وسيكون 2026 عام "التقييم" للذكاء الاصطناعي، مع انتقال من النماذج الكبيرة إلى الوكلاء الاذكياء الذين يؤدون مهام معقدة بشكل مستقل. توسع خدمات الروبوتاكسي (مثل وايمو) وتكامل الذكاء الاصطناعي في الاكتشاف العلمي (فيزياء، كيمياء، بيولوجيا) متوقع، لكن مخاوف من فقاعة استثمارية وتأثير على الوظائف ستبرز. السيادة الرقمية ستكتسب زخمًا، مع دول تسعى للاستقلال عن الشركات الأمريكية الكبرى. أما التحديات الإيكولوجية فتحوم حول ذروة الانبعاثات مع مخاطر متزايدة ورغم توقع ذروة الانبعاثات العالمية، ستشتد الظواهر المتطرفة (موجات حر، جفاف، فيضانات)، مع تسريع استنزاف المياه الجوفية وفقدان التنوع البيولوجي. عام 2026 قد يشهد تقدمًا في إزالة الكربون والطاقة الحرارية الأرضية، لكن الفجوات في التمويل المناخي ستعمق التوترات بين الشمال والجنوب العالمي. في المنطقة العربية، أزمات المياه في إيران والمغرب العربي ستكون حادة. لذلك يعد عام الفرص المختلطة بالمخاطر بداية 2026 ستكون امتدادًا للتحولات الجذرية في 2025، مع نمو اقتصادي مرن لكن هش أمام الجيوسياسية والمناخ. الذكاء الاصطناعي والأحداث الرياضية الكبرى قد توفر دفعة إيجابية، لكن الاستقرار يعتمد على إدارة التوترات التجارية والإقليمية. في المنطقة العربية، فرص الإعمار غزة ممكنة إذا نجحت الديبلوماسية. عام يدعو إلى الحذر والتكيف السريع. فمتى تشرق الشمس على المنطقة العربية والاسلامية وتستفيق الشعوب من سباتها؟

***

كاتب فلسفي

 

خرابٌ هائلٌ في النفوس وكل شيء إلى هاوية

"قبل الموجة الثانية"، عنوان المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر اللبناني المقيم في استراليا شوقي مسلماني، وفيها يكمل تجربته التي تقوده أكثر صوب النصّ الشامل الذي بدأه مع «محور مائل». مؤخّراً زار لبنان بعد غياب ثلاثين سنة. هنا حوار معه:

- سنبدأ من زيارتك الأخيرة لبيروت. بعد سنين عديدة من الإقامة في أستراليا جئت الربيع الماضي في زيارة. كيف كان لقاؤك بالمدينة؟.

- لا بدّ من القول، وفي إطار تجربتي على الأقل، أنّ اغترابي عن وطني بعد حرب السنتين الداميتين، وتحديداً سنة 1977، إلى أستراليا قد أدخلني في ما يمكن أن أسمّيه «غيبوبة الزمن». لبنان كلّه في ذاكرتي هو لبنان الذي عرفته كما هو، كنت أفترض تغيّراً، وكنت أقرأ، وأسمع من أصدقاء، كنت أصدِّق ثمّ أنسى تماماً ما صدّقته، فما في الذاكرة عليه ختم بالشمع الأحمر. وبعد انقضاء أكثر من ثلاثة عـقود، وفي ظروف ملتبسة، وجدتني في ربيع 2012 وجهاً لوجه مع لبنان وبيروت، وجهاً لوجه مع الواقع، مع الحقيقة. عقلي وقلبي يقولان لي إنّي في وطني الأم، وعيناي تقولان لي إنّي على سطح المرّيخ. انكسرتُ كثيراً من ثقل سذاجتي. كنت أهجس بخوفي من خراب الصورة مفضِّلاً عليها لبنان الذي عرفت. ذهبتُ إلى لبنان مرافقاً جنازة صديق الطفولة الدكتور محمّد موسى حمّود لأجد في انتظاري جنازة ذاكرتي. ساحة الشهداء أين هي؟ ساحة رياض الصلح؟ أسواق «البلد»؟ أنا أتحدّث عن قلب العاصمة. أي بلقع مهجور هي ساحة الشهداء مثالاً لا حصراً. مشهد غريب، محزن، مؤسف، صادم. كان التعب كثيراً لكنّ الحياة كانت كثيرة. ما آلت إليه ساحة الشهداء التي أحتفظ لها بصورة كبيرة في صدر بيتي في سيدني تختصر الحكاية. لا أزال أتحدّث عن «الحجر» في الجوهر. ويا للفوضى العارمة على كلّ صعيد. السمكة فاسدة من رأسها إلى ذيلها. خراب هائل في النفوس من فوق إلى تحت وبالعكس كأن كلّ شيء إلى هاوية بلا قرار.

- استدراك في الفترة الأخيرة بدأ صدور مجموعاتك بالتواتر. كنت مقلاً في النشر، واليوم تبدو كأنّك تستدرك زمناً ما عبر تواتر النشر؟.

ـ ـ قبل انطفاء الشمعة يصرخ فيها ضوء ويهمد. وأظنّ أنّ المرء عندما يبلغ سنّاً معيّنة ويجلّله الشيب وتسارع إليه العلل يحدس أنّه ليس خالداً، وأنّه صاعد نزولاً ملاقياً غير بعيد حالته الأخيرة الأبديّة. ومثل الشمعة يصدر منه ذلك الوهج. أو يختلي إلى ذاته ويحصي أمواله وينظر في الورثة. وقد يعمل عملي: يفتح الجوارير والصناديق المغلقة على الشمس. وشخصيّاً لديّ من القديم البعيد والقريب الكثير: خواطر وقصص ونصوص وما شابه. وأنا أكيد أنّ ما لفتك هو أنّي في العام 2012 صدرت لي مجموعتان «لكلّ مسافة سكّان أصليّون» و«محور مائل»، ثمّ مع بداية 2013 أي العام الجاري صدرت لي «قبل الموجة التالية». ولا أبتعد عمّا سبق من قولي فمجموعة «لكلّ مسافة سكّان أصليّون»، هي من ملامح كانت راقدة في أحد تلك المغاليق، أمّا «محور مائل» فقد كتبته قبل ثلاث سنوات وهو الفصل الثاني من نصّ واحد استغرق أربعة فصول، كلّ منها كتاب. وكان لهذا النصّ أن يطول بعد، لكنّي عن صواب أو خطأ ألزمت نفسي بالاكتفاء، وجعلتُ للمنجَز مقدّمة وخاتمة، وقلت عن صحّ أو خطأ مجدّداً: لا انكفاءَ عن تحبيذ هذه النصوص في مجموعات لا تزيد على سبعين إلى ثمانين صفحة استدراجاً للقارئ بأن هذه القراءة لن تستغرقه طويلاً إذا ما كانت عابرة. واقتطعتُ الفصل الثاني وصدر باسم «محور مائل». قلت: فليكن النصّ كلّه في إصدار واحد وأنتهي من هذا الأمر. وأرسلته للنشر وصدر تحت اسم "قبل الموجة التالية". لم تجانب الحقيقة عندما قلتَ بالإقلال، أمّا الإكثار فمن الخداع البصري فقط. ولأنّي من وجهة نظري بلغت تلك السنّ، وجلّلني الشيب، ويسارع إليّ الاعتلال، ولأنّي أحدس وأهجس فأنا في حيّز شبيه بذاك الحيّز أو ما تسمّيه ذاتك «الاستدراك»، وأظنّ أنّ هذا حقّ إنساني عام ولكنّه حق مسؤول.

- ثمّة افتراق في تجربتك الأخيرة، بدءاً من الشكل، إذ تدخل في كتابة نصّ طويل مفتوح على شتّى الاحتمالات. هل من رغبة في الافتراق عن التجربة الماضية، أم هو تطوّر طبيعي لما كتبت سابقاً؟.

- أنا عمليّاً لا يد لي في ذلك، فأنا ليس لديّ قالب محدّد، وإذا ما انوجد سرعان ما أنساه بلا إرادة كليّاً. لستُ في محلّ لأطلّ كاشفاً على هذه التجربة الإنسانيّة. أنا في «حيث الذئب» غيري نسبيّاً في «من نزع وجه الوردة»؟ وأنا غيري الآن. أعرف ذلك. ربّما هي ثقة زائدة مذمومة، ربّما تهوّر أو جرأة على اقتحام المجهول أو يقين مسبق أنّ الشكل أشكال، والحقّ أني فقط مستجيب لتشكّلات الداخل والتي هي ذاتها تفرض شكلها وحتى مضمونها ما دام الشكل والمضمون مفتوحين على بعضـهما، وإذا قلـتُ أنا «هذا حسن» يكون الأمر قد قضي، وإلاّ فلن يمرّ، بمعنى آخر أنا المسؤول، وعـندي من الشـجاعة لأن أتقبّل النتائج. إذن فإنّ ما يبدو افتراقاً عن التجربة الماضية لا يعدو أن يكون افتراقاً مؤسِّساً، أو هو من ضمن سياق التجربة، وافتراض الافتراق والتطوّر الطبيعي يحسن في مسمعي، وأرجو أن يكون كذلك شرط أن يكون تطوّراً بالمعنى الإيجابي.

ـ شعار ثمّة حيّز لا تغادره في الكتابة. اقتراب قصيدتك من مناخ سياسي، والسياسة هنا بمعناها الفكري بالطبع. هل يمكن القول إنّ ثمّة التزاماً ما لا تزال تحافظ عليه؟.

- بما أنّي أعيش زماني على قدري فلا يمكنني ألاّ ألاحظ خير وشرّ ما يجري حولي وفي العالم. أتذكّر، وأنا طفل، أنّي وقعت على تسجيل لمقتل الإمام الحسين، وذرفتُ دمعة. ورأت أمّي منّي ذلك، فكيف لطفل أن يعي ما يُقال إلى درجة أن يبذل دمعة؟ والحقيقة هي أنّي استشعرت أنّ الإمام لم يكن ليصاب بهذه النكبة لو لم يقع عليه ظلم فظـيع. وكرهت الظلم والظالمين. وكانت الماركسيّة، في السبعينيّات من القرن الفائت، أعلى صوتاً وأبلغ إنسانيّاً في مكافحة الظـلم. وكان يجدر بي أن ألتفت ناحية ذاك الصوت النبيل. كيف لإنسان إنسان، وعربي، ألاّ ترعده نكبة الشعب الفلسطيني وضياع فلسطين، وألاّ ترعده هذه التجزئة الكارثيّة للعالم العـربي، وألاّ يرعبه هذا الدم المسفوح في مناطق كثيرة من العـالم أو هذا الفقر المدقع الذي يصيب أوطاناً بأكملها والقائمة تطول والألم يحفر عميقاً. لم أشأ أن أظلّ وراء نافذة، بل تبعتُ الحكـيم جورج حبش والقول «بئس من أدرك الفكرة وتخلّى عنها» أي لم أتعـالَ إنّما حاولت، وكلّ ذلك بمـثابة فرض عـين على ما أنصّه. قيل إنّ الوعاء ينضح بما هو فيه. أنا شخصيّاً لا أصدِّق من خلا نتاجه من هذا الواقع، فهو يدّعي أنّ السياسة، ولو بمعناها الفكري، تضرّ بالنصّ. لا، فالأمر ليس على هذا النحو من التبسيط. والواقع أنّي، وتحديداً في «قبل الموجة التالية» أنثر كلّ حياتي وتجربتي وآرائي، متحدّثاً مرّة عنّي شخصيّاً ومرّة عن كلّ هذا العالم، وبمنظور اثنين في واحد. والسياسة بمعناها الفكري كما تشير في نصوصي فإنّي لم أتركها لقطّاع الطرق، ولا يجب لمن يحترم نفسه أن يتركها لقطّاع الطرق. وبهذا المعنى أنا ملتزم جانب الطبقات المسحوقة والأمم المغلوبة من دون أن أنسى واقع المرأة التي على كتفيها ثقل مجرّة، بسبب هذه الظلاميّة التي لا تزال تسود بلداناً كثيرة من العالم ومنها البلدان العربيّة. شعاري هو إيّاه الذي رفعه مرّة ضمير الأمّة الراحل الكبير جورج حبش: "لا خيار للتحرير واستعادة الحقوق إلاّ بالمقاومة بكلّ أشكالها".

***

أجرى الحوار: إسكندر حبش

مسيرة أديبة تحدّت المجتمع الذكوري ووصلت للقمة"

في إطار سلسلة "نساء رائدات في الوطن العربي"، نسلط الضوء على مسيرة الأديبة المكرمة إيمان أحمد يوسف، التي توّجت مؤخرًا بتكريمها في الدورة 41 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط. من حي الشاطبي بالإسكندرية إلى أرفع المحافل الدولية، تحكي لنا إيمان عن رحلتها الملهمة مع الأدب والإبداع، وكيف كسرت حواجز المجتمع الذكوري محققةً التوازن النادر بين النجاح الأسري والإنجاز المهني. تستعرض الأديبة في هذا الحوار الخاص رؤيتها الثاقبة لدور المرأة كصانعة للحضارة، مستلهمةً سيرة النساء العظيمات في التاريخ الإسلامي، ومؤكدةً أن النجاح سلاح للمقاومة ضد التهميش.

في البداية نود التعرف على الأستاذة إيمان أحمد من حيث المولد والنشأة والتعليم؟

- وُلدتُ في مدينة الإسكندرية بحي الشاطبي، كان الوالد يعمل رئيس قسم في إحدى الشركات الحكومية، ووالدتي ربة منزل حرصت على أن تُغرس فيَّ وفي إخوتي المبادئ السامية والقيم الأصيلة والعادات والتقاليد الراسخة، كانت دائمًا تُحدثنا عن أهمية التقرب إلى الله عز وجل، مؤكدةً أن الدعاء والالتزام بشرع الله هو الطريق الذي يُوصِّل الإنسان إلى كل خير، ومن هذا المنطلق، تشبَّعتُ بقناعةٍ راسخةٍ بأن أحلامي ستتحقق يومًا ما، على الرغم من صغر سني في ذلك الوقت وحداثة تجربتي في معترك الحياة. حصلت على بكالوريس إعلام جامعة القاهرة ودبلوم في العلاقات العامة لقصور الثقافة.

س- حديثنا عن مرحلة الطفولة في حياة الأديبة إيمان أحمد: ما أبرز المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتك حتى الآن؟

- كان والدي يرغبُ في إنجاب مولوده الأول ذكرًا، ولكن وُلدت أنثى، وهي أنا ’ لذلك كنتُ بالنسبة له مفاجأة ؛ لأنه كان يرغب في ولدٍ يحمل اسم العائلة يَتحمَّلُ المسؤولية، خاصة أن جدي (والد أبي) توفي صغيرًا وترك أبي واثنين من الصبية، وكان لديهما أربع أخوات بنات. فتحمّل الصبية مسؤولية رعاية اخواتهما البنات، وكان هذا هو السبب الرئيسي وراء رغبة والدي الشديدة في إنجاب ذكر، خوفًا من أن يحدث له مكروه ولا يجد من يتحمل مسؤولية العائلة. ولكن أنجب ثلاث بنات، وكنتُ أنا الكُبرى بينهن لذلك، كان عليَّ الاجتهاد منذ الصغر.

ومن المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتي من مرحلة الطفولة، أنني ذهبت في الفترة الأولى من حياتي إلى بيت جدي (والد والدتي)، كان جدي ميسور الحال، وكان هناك خدم يعتنون بي، حيث اعْتَنَى بي جدي وجدتي وأخوات أمي في جو مليء بالحب، وكنتُ الطفلة المدللة. وبعد فترة، طلب أبي عَوْدَتِي إلى المنزل في سن السادسة لبدء الدراسة في بيت أبي. في تلك اللحظة، شعرتُ بالاغتراب، بسبب اختلاف نمط الحياة عن بيت جدي؛ فكانت أمي توزع المهام المنزلية بيني وبين أخواتي، في حين كنتُ في بيت جدي مدللة، ويقدم لي الخدم كل احتياجاتي، ومنذ ذلك الوقت بدأت أَتَعَلَّمُ تحمل المَسْؤُولِيَّةِ.2094 iman ahmad

س- كيف كان دور الرجل في حياة الشاعرة إيمان أحمد؟ هل كان يمثل لها السند والدعم، أم كان رمزًا للقهر والاستبداد في مسيرتها الشخصية والمهنية؟

- الرجل في حياتي كان يمثل السند والدعم من ناحية، ففي البداية، لم يكن والدي يُشَجِّعُنِي على القراءة والكتابة، رغم أنه كان يمتلك مكتبة عامرة بكتب متنوعة المجالات في المنزل، وكان هو نفسه محبًا للقراءة. لكن عندما لاحظ شغفي بالمعرفة، ووجدني أقرأ مقالات محمد حسنين هيكل في جريدة الأهرام وأَطْلُبُ منه شرحها، بينما لم يهتم إخوتي بذلك، بدأت تَتَشَكَّل بيننا صداقة قائمة على حب المعرفة والقراءة.

أما الزوج، فقد كان زميلًا لي في العمل، وكان زواجنا من نوع زيجات الصالونات. لاحظ زوجي أنني متميزة عن الأخريات. من حيث التريث والعقلانية والنضج الفكري، مما أثار إعجابه بي. في حياتي الزوجية، كنت أَقُومُ بدوري في رعاية المنزل وتربية الأبناء، دون أن أَتَخَلَّى عن هواياتي واهتماماتي الأدبية. هذا ما دفع زوجي لِتَشْجِيعِي ودعمي في استكمال مسيرتي الأدبية والمهنية.

س- حديثينا عن أهم الجوائز التي حصلتي عليها؟

- لقد حَصَلْتُ على جوائز دولية عديدة منها جائزة أكاديمية التميز بالهند ومركز ضمان الجودة الداخلية بكلية أنوار الإسلام العربية للبنات بمونجام بولاية كيرلا بالهند عام ٢.٢. رائدة الإبداع والأدب بمصر ..وَجَوَائِزَ أخرى متعددة من فرنسا - الرابطة الدولية للإبداع الفكري والثقافي- برئاسة الدكتورة جيهان جادو وذلك في احتفالية عيد المرأة، وقصائدي الفائزة عن المرأة المصرية (أنا بنت مصر المحروسة) وقصيدة (أنا مصرية) وقصيدة (مصرية بتاج الحرية)، وكانت الاحتفالية بحضور الدكتور فاروق الباز العالم الجليل - نائب رئيس مجلس إدارة الرابطة - وكَوْكَبَةٍ من الأدباء والكتَّاب، وأَيْضًا جائزة من - الرابطة الدولية للإبداع الفكري والثقافي- بفرنسا في احتفالية أول أبريل يوم اليتيم وقصص الأطفال (حكايات ماما إيمان)، وأَيْضًا جائزة من ألمانيا وجوائز أخرى عالمية وشهادات التقدير والدروع من - الهيئة العامة لقصور الثقافة- واتحاد كتاب مصر والجامعات المصرية وجمعية الكاتبات المصريات ومعرض القاهرة الدولي للكتاب ومعرض الإسكندرية الدولي للكتاب وأَيْضًا من مكتبة الإسكندرية ومعية أصدقاء المكتبة.

س- حديثنا عن شعورك عند فوزك بلقب "الأم المثالية" مرتين، الأولى في عام 2016 من اتحاد نقابات عمال مصر واتحاد نقابات عمال الجيزة، والثانية في عام 2021 من نادي الأوليمبي في الإسكندرية؟

- بكل فخر واعتزاز، أشعر بسعادة غامرة نتيجة تقدير المجتمع لي، وهو ثمرة اجتهادي وقدرتي على تحقيق التوازن بين الحياة العائلية والمهنية. فقد تم تكريمي مرتين بلقب "الأم المثالية" لعام 2016 ممن قِبل اتحاد نقابات عمال مصر واتحاد نقابات الجيزة، والثانية في عام 2021 من نادي الأولمبي في الإسكندرية. ولقد جاء هذا التكريم بسبب انخراطي في دعم وتشجيع المسابقات الأدبية، واكتشاف المواهب الشابة، وتنظيم ورش عمل مخصصة للنشء والمرأة المصرية العظيمة. وكذلك لمشاركتي في توعية المجتمع بأهمية العمل التطوعي، وتعزيز حب القراءة والفنون لما لها من دور في تهذيب النفوس، وبناء الشخصية، وتطوير الذات، وزيادة الثقة بالقدرات الذاتية. إلى جانب إدارة وتنظيم ورش عمل متخصصة للأطفال والنشء، بهدف صقل مهاراتهم وتنمية مواهبهم في بيئة محفزة وإبداعية.

ولقد حاولت جاهدة أن أحقق معادلة النجاح والْحِفَاظِ على منزلي وواتِّزَانِهِ أيضًا، وعى نجاح وتَفَوُّقِ أولادي، حيث تخرجت ابنتي من كلية الهندسة – جامعة الإسكندرية، وابني حصل علي ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية، وزوجي أصبح مديراً للحاسب الآلي بالشركة التي كان يعمل بها.

س- كيف أثر تعليمك في الإعلام والدراسات الإسلامية على كتاباتك وأسلوبك الأدبي؟

- لقد أثرت دراستي على نواحي الفكر والإبداع وتطوير الذات، وكذلك في تعاملي مع الآخرين بوعي وفكر ناضج، حيث درست الفلسفة الإسلامية على يد الدكتور "حمدي زقزوق" رحمه الله، ودرست علم الحديث تحت إشراف الدكتور أحمد عمر هاشم، بالإضافة إلى فقه العبادات وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرها من المناهج المختلفة التي تركت أثرًا عميقًا في كتاباتي وشخصيتي، هذا ما دفعني إلى البحث والكتابة عن مشاركة المرأة في الإسلام في الحياة العامة والسياسية، مُسْتَلْهَمَةً سيرة السيدة خديجة والسيدة عائشة رضي الله عنهما، ودور المرأة في الإسلام.

فالسيدة خديجة رضي الله عنها كانت سندًا قويًا للرسول صَلَّى الله عليه وسلم في بداية دعوته، حيث قدمت له الدعم المالي والمعنوي، وكانت أول من آمن به، مما يجعلها نموذجًا للمرأة القوية الفاعلة في المجتمع.

أما السيدة عائشة رضي الله عنها، فقد كانت عَالِمَةً فَقِيهَةً وَمُحَدِّثَةً، وساهمت في نشر العلم الشرعي، وأصبحت مرجعًا للصحابة والتابعين في فهم الدين.

ولاحظت أن المشكلة تكمن في العادات والتقاليد الخاطئة التي تُقَصِّرُ دور المرأة على الحياة الأسرية فقط، بينما الإسلام أعطى المرأة مكانة عظيمة وأتاح لها المشاركة الفاعلة في مختلف مجالات الحياة، بما في ذلك السياسة والعلم والعمل الاجتماعي.

س- ما أهم الكتب والقراءات والشخصيات التي أثرت في وعيك وفكرك؟

كل كتاب قرأته منذ الطفولة وما بعدها وحتى الآن فعندي شغف وعشق لأصحاب الأقلام من المبدعات والإعلاميات النساء وأيضا الرجال ومتابعة المقالات بجريدة الأهرام والأخبار والجمهورية ومجلات الأطفال والاذاعة والتليفزيون؛ لأن والدي ووالدتي من عشاق القراءة.. رحمة الله عليهما. حيث كان لدينا مكتبة بالمنزل..لأن الثقافة والفنون والقراءة هم أبطال الحماية الاجتماعية والثقافية والفنية للإنسان المصري العبقري... كان للدكتور الجليل مصطفى محمود وكتبه وبرنامج العلم والإيمان دور كبير في حياتي وطموحاتي حَلُمْتُ كَثِيرًا به وتمنيت ان أزور منزله ومسجده حتى منحنى الله تحقيق الحلم عام ٢..٨ ومن حسن حظي ان المعهد العالي للدراسات الإسلامية بالقاهرة بالمهندسين سَفِنْكْس كان قَرِيبًا من مسجد الدكتور مصطفى محمود ...وكان مزاراً دائماً لي بعد المحاضرات التي أضافت لي الكثير.

س- حدثينا عن مؤلفاتك؟ وما أبرز التحديات التي واجهتها خلال عملك الأدبي والمهني؟

- الفت 25 كتاب ما بين الشعر والقصة وقصص الأطفال والسيرة الذاتية جميعهم بمكتبة الإسكندرية العريقة والمكتبات العامة. أما عن التحديات فمواجهة المجتمع الذكوري تمثل تَحَدِّيًا كبيرًا، خاصة عندما نواجه أنماطاً من الأدباء والشعراء الذين يفضلون أن تكون لهم الأولوية على النساء. لذلك، كنت أشعر بأنني في مواجهة حرب دائمة لإثبات الذات، محاربةً الوقت، وتحمل المسؤوليات والالتزامات، والسعي لتحقيق التوازن بين حياتي العائلية والمهنية وهواياتي. بالإضافة إلى ذلك، كنت أحارب من أجل كسر حاجز عدم تقبل المجتمع الذكوري لنجاح المرأة في المجال العام. طوال الوقت، كنت أرغب في أن أُثْبِتَ لنفسي وللجميع بأنني قادرة على المشاركة الفاعلة وتحقيق النجاح في مختلف المجالات.

س: أرجو أن تحديثنا عن تجربة مهمة في حياتك؟

- بادرت في شركتي التي أعمل بها بالدعوة إلى إنشاء مكتبة كبيرة تُلَبِّي احتياجات العاملين وأسرهم، بالإضافة إلى تنظيم أنشطة متنوعة لهم ولأبنائهم. كما طرحت فكرة إقامة مسابقات متعددة تشمل مجالات القراءة، والقصة، والفنون التشكيلية، والرسم، بهدف تنشيط المشاركات وتشجيع الإبداع.

وقد تم بالفعل تنفيذ مسابقات للأطفال حول موضوع حب مصر ونهر النيل العظيم، إضافة إلى مسابقات كتابة الأبحاث المتعلقة بحب الوطن. أَسْهَمَتْ هذه المبادرات بشكل كبير في تعزيز روح الانتماء والعمل الجماعي، وكانت السبب الرئيسي في ترشيحي للتكريم من قبل جهة عملي تقديراً لهذه الجهود المتميزة.

س- لديك 25 مؤلفًا، ما هو الكتاب الذي يعتبر الأقرب إلى قلبك ولماذا؟

- “الأقرب هو الأول: تنهيدة صبية” صدر هذا العمل ضمن سلسلة "إشراقات أدبية" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في 11 سبتمبر 1994. وكانت المصادفة أن الكتاب الأول صدر مع يوم مولدي.أما ديواني الشعري "احتواء الانتظار" فقد صدر عام 2006 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالتعاون مع اتحاد كتاب مصر، وبعد ذلك توالت الإصدارات الأدبية من الشعر والقصة وقصص الأطفال والسيرة الذاتية والدراسات النقدية.

س- ما أبرز الأعمال التي تعتبرينها علامة فارقة في مسيرتك الأدبية؟

- أحدث الإصدارات كتاب (٣. عام من الإبداع) - دار نشر المفكر العربي عام ٢.٢٤- يحتوي على دراسات نقدية وآراء الكتاب والمثقفين والإعلاميين والأكاديميين في أعمالي الإجمالية ومسيرتي الأدبية والمهنية في الإسكندرية العريقة الساحرة العروس التي تتألق دوماً حتى تم انتقالي للقاهرة عام ٢..٨، وأيضا كان لكتابى (مصريات ناجحات)١.. امرأة مصرية ناجحة داخل مصر وخارجها وبعد تحقيق نجاح كبير لهذا الكتاب تم إصدار كتاب (ناجحات حول العالم ١..) امرأة عربية ومصرية ناجحة وسيتم إصدار الجزء الثاني بإذن الله تعالى ...تم مناقشة أعمالي في مكتبة الإسكندرية واتحاد كتاب مصر والعديد من القنوات الفضائية والإذاعات المصرية وصوت العرب وتناولت الأقلام الصحفية القديرة متابعة المؤلفات وتأثيرها على المجتمع المعرفي الإعلامي والأدبي الثقافي والاجتماعي وقد تم اختياري ضمن كتاب (نساء عربيات مبدعات) الذي صدر عام ٢.١٩ بقلم الأديبة الدكتورة سعدية العادلي ..وكتاب (١.. إبداع عربي) صدر عام ٢.١٩ بالإمارات العربية بإشراف الأديبة زينة الكندي من الإمارات والإعلامي المبدع حمدي مرزوق من مصر وأيضاً موسوعة الأدب والفن النسوي في الوطن العربي للأستاذ الدكتور عديّ على كاظم الأستاذ بجامعة العراق ....والحمدلله رب العالمين.

س- كيف ترى الأدبية إيمان أحمد دور المرأة المصرية في الحياة المعاصرة عامة والمجال الادبي خاصة؟

- ومن المؤكد أن المرأة صانعة الحضارة والإنسانية، المرأة..الأمل.. الحياة.. والعصر الحديث به نتائج إيجابية صنعتها المرأة على غرار ما سبق من كلمات ودلائل واستدلالات وفلسفات، المرأة شاركت بجهدها وعملها، حلمها وكيانها، تضحياتها وعطائها، ثقافتها وطموحها، أبعاد نظرياتها وكفاحها من أجل تحقيق الإنجازات العظيمة على كل المستويات.

 المرأة جنبًا إلى جنب مع الرجل وكل الْإِحْصَاءَاتِ ونتائج الاستبيان والفلسفات أثبتت دور المرأة وأشادت بجدارتها على جميع المجالات والأصعدة، وقدرتها على تطويع الحياة والخروج بحريتها وحقها في الحياة بالعلم والعمل لتحقيق التطور التدريجي لفكرة الحرية وتحقيق الذات في هذه المرحلة الحياتية الكادحة وتصحيح المفاهيم المغلوطة في قولبة العادات والتقاليد، لتحقيق الوعي الإنساني والحركة الدؤوبة الواثقة من النجاح؛ لأن النجاح فكرة لأيقونة السعادة. قال أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب " عندما أعجب إعجابًا شديدًا بامرأة انتقدته قال قولته الشهيرة: (أصابت امرأة وأخطأ عمر) هنا العدل يتمم الفكر السوىّ، نحتاج أحياناً إلى كلمات تشبه قطرات الماء لتروى قلوبًا صامتة من شجون أحداث زائفة وحروب تسللت إلى واقعنا وأراضينا ليكون (النجاح) هو السلاح للمقاومة ولردع القهر والتهميش المتعمد وردع قولبة المرأة بين قوسين (الأسرة - الرجل)، يَتَّفِقُ وَعِي التَّحَدِّي ومحاولات المرأة للخروج إلى المشاركة المجتمعية والنهوض بالذات والبحث عن سماوات التفاؤل وطيور الإبداع والعمل الدؤوب الثقافي الأدبي، نولد مرارًا وتكرارًا مع تحقيق الهدف وتحويل الأحلام إلى حقائق ملموسة على أرض الواقع، تُحَقِّقُ معادلة التطوير والتنمية المستدامة للفكر والأدب بالنهضة الذاتية، نحن نجوب العالم بأفكارنا وكما قال أرسطو (الدهشة أم الفلسفة) والمرأة المعاصرة تعيش عصرها الذهبي (وتحقيق مقولة الزعيم الراحل مصطفى كامل: لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس).

حصلت المرأة المصرية على مكاسب وإنجازات ومشاركات مجتمعية بدعم من كل المسؤولين في القيادة العليا للبلاد وتم تعديل الدستور لصالح المرأة لمشاركتها في كل الدوائر حتي تصنع التقدم وتبني صرح النهوض والوعى البنّاء على المستوى الثقافي والاجتماعي والعلمي والأدبي والبرلماني والقضائي.

س- ما الدور الذي يوديه الأدب والفن في النهوض بقضايا المرأة ومناهضة العنف ضدها اليوم؟

- (بالشعر والكتاب والمسرح والفن وإطلاق مبادرة الوعى) لأن لِلْوَعْيِ دور هام بمشاركة الإبداع لتكوين قوالب ثقافية تفرض أصولها الموضوعية المنفتحة على ثقافات مجتمعاتنا تتناسب مع عادات وتقاليد الماضي والحاضر والمستقبل وهذا يتم في قصور الثقافة والمنتديات الأدبية لبعض دوائر الإبداع وصياغة التصور الذهني بين المشهد والآخر وتوثيق التاريخ لِمُعَبِّرِ الزمن لمواكبة المتغيرات العالمية وتنمية الفكر لِلنَّشْءِ والطفل والمرأة في ربوع القرى والمدن بتصحيح الأفكار السابقة لِتَنْفَتِحَ الآفاق ووجهات النظر عن طريق إقامة ورش عمل توعوية دائمة في مراكز الشباب والمدارس والنوادي وعقد سلسلة لقاءات بين الأدباء والفنانين التشكيليين أَيْضًا وعرض فنون المسرح الحديث بأسلوب لائق لتحصين المجتمع من آفات التخلف والعادات والتقاليد الظالمة للمرأة لتصحيح المفاهيم السابقة.

س- ما الهدف من تأسيس ملتقى "مصريات ناجحات"؟

- الهدف من تأسيس ملتقى "مصريات ناجحات" يتمثل في تفعيل كتابين مهمين هما كتاب (مصريات ناجحات) 100 امرأة مصرية ناجحة داخل مصر وخارجها، والذي يتناول من خلال المحاضرة مفاهيم النجاح والاجتهاد وكيفية المشاركة المجتمعية، وكتاب (ناجحات حول العالم) 100 امرأة مصرية وعربية ناجحة حول العالم ، تمت مناقشة هذه الموضوعات في إطار فعاليات أقيمت في قصور الثقافة، وبالتعاون مع اتحاد كتاب مصر وجمعية الكاتبات المصريات.

س – ما هي الشخصيات التي أثرت في حياة الأديبة إيمان أحمد يوسف؟

- شخصية الزعيم جمال عبد الناصر، وَأَيْضًا شخصية الضباط الأحرار، حيث كان ضمن هذه الشخصيات (قائد أسراب: حسن إبراهيم) ابن خالة جدتي وكان منصبه (نائب الرئيس جمال عبد الناصر) والذي كان له كاريزما خاصة توصف بالشجاعة والحكمة، ونحن صغار كانت جدتي لأمي وجميع العائلة نذهب إلي شارع الكورنيش بالإسكندرية لنشاهد ونتابع موكب الرئيس جمال عبد الناصر ونفتخر دوماً أن من العائلة (قائد أسراب: حسن إبراهيم) ضمن الضباط الأحرار الذين قادوا ثورة 1950، وأيضاً من عائلتي المؤرخ الموسيقي والملحن (خليل المصري) الذي لحن أربع أغنيات لثورة 1952 تغني بها كبار المطربات والمطربين وكانت كلمات الأغنيات علي الموقع الْإِلِكْتْرُونِيِّ الخاص بالزعيم جمال عبد الناصر بمكتبة الإسكندرية العريقة.

وأَيْضًا خالي (سعيد المصري) مدير الإنتاج الفني بشركة اسطوانات القاهرة للصوتيات والمرئيات، وكان مهندس الصوت المصاحب لسيدة الغناء العربي (أم كلثوم).

س – اذكري بعض الذكريات الهامة في حياتك؟

- من أبرز الذكريات التي أعتز بها في حياتي حصولي على وسام العمل عام ٢.١٥ من وزارة القوى العاملة، حيث تشرفت بإلقاء قصيدتي "جيش بلادنا المحروسة" و"أنا مصرية" في حفل هيئة قناة السويس بحضور اللواء مميش. ولا أنسى مشاركتي المميزة في جامعة سنجور بالإسكندرية عام ٢..٧ حيث أَلَقَتْ قصيدتي "أطفال العالم باعتين جوابات" المترجمة للفرنسية على مسرح قصر الثقافة، في احتفالية مؤثرة دعت للسلام. كما أفتخر بحصولي على ثلاث ميداليات تكريمية عام ١٩٩٨؛ من المنطقة الشمالية العسكرية، ومحافظة شمال سيناء، والفرقة الثالثة مشاة ميكانيكي، تقديراً لإسهاماتي الشعرية في احتفالات نصر أكتوبر المجيد.

***

حاورتها: د. آمال طرزان

 

أعمال التشكيلي التونسي أمير الشلّي.. عوالم نحتيّة حالمة تقوم على الخيال والمفارقة

 يدعونا الفنان التشكيلي التونسي أمير الشلّي من خلال لوحاته إلى الإرتحال داخل عوالم عجائبية تسكنها شخوص خرافية ذات توليفة نحتية تجتمع الغامض بالمألوف. حيث تتبدى شخوصه كوحوش طفوليّة تتكاثف فوق رؤوسها كتل من الغيوم الزرقاء والورديّة، يرتدي بعضها أجنحة ملائكيّة وينبثق من بعضها الآخر مجموعة من الدعاسيق والفراشات ذات الألوان الربيعيّة. هي شخوص تفـرز الدهـشة في نفس من يتلقاها، مجسدة رؤية فنيّة تتعدى حدود المستحيل. ومن أجل ذلك لُقب أمير الشلّي بفنان المستحيل لأنه يحقق بواسطة خياله عالماً تتلاقى فيه المفارقات، عالمًا غريبًا وغامضًا نرتـاده بتمعن وفضول.

 وقد تحصل أمير الشلّي على الماجستير في الفنون البصريّة من المعهد العالي للفنون الجميلة بمدينة سوسة. ثم على درجة الدكتوراه في جماليات الفنون وممارستها في نفس الجامعة. شارك أمير في عديد المعارض الجماعية والفرديّة داخل تونس وخارجها. وفي محترفه الفني بمدينة المنستير، كان هذا هو الحوار الذي خصنا به؛ حيث تحدثنا عن مسيرته الفنية وخصوصية تجربته النحتية.61 amer alshili

* لنتحدث عن أحدث نشاطاتك الفنيّة والأعمال التي أنجزتها في الآونة الأخيرة.

- لقد دُعيت مؤخرًا من طرف المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية لِإنجاز عمل فني يهدف إلى تثمين قصر برج البكوش؛ وهو معلم تاريخي يقع في ولاية أريانة شمال تونس العاصمة. فأنجزت تنصيبة تتكون من مجموعة من الدعاسيق المصنوعة من الجبس إجمالي -1000 قطعة- وضعتها في الفناء الخارجي للقصر بطريقة تبدو فيها هذه الحشرات وكأنها تتدفق من إحدى الأشجار متجهة إلى داخل القصر. ترمز هذه الحشرة إلى الحماية والتعافي فرغم صغر حجمها فهي مفيدة لأنها تأكل الحشرات الضارة. أثمن من خلال إستخدامي المجازيّ لهذه المخلوقات النافعة المساعي المبذولة لإعادة إحياء القصر وترميمه. وفيما يتعلق بالأعمال التي أشرع في إنجازها فأنا أتابع مغامرة التشكيل محاولاً التنويع في إنتاجتي سواء على مستوى الشكل أو المضمون .65 amer alshili

 * يلحظ في أعمالك وجود وحوش بوجوه رقيقة وألوان بديعة ترمقنا بنظرات غامضة وأحيانا مخيفة. ما سرّ هذه الشخوص وإلى ماذا ترمز؟

- هي شخوص صغتها إنطلاقا من مفهوم "وحدة الأضداد" والذي هو أساس منطق الخيال. أحاول من خلال أعمالي تجاوز الصورة النمطيّة المنطبعة في أذهاننا عن الوحش عبر تقديمه ضمن سياقات حالمة وطفولية. أعتقد أنه إذا شرحت ما تعبر عنه هذه الشخوص سأكون قد جردتها من الغموض الذي يميزها. كما سأكون قد فرضت على المتلقي رؤية معينة مضيّقا بذلك من آفاقه التأويلية، لذلك أريد إبقاء أعمالي مفتوحة التأويل فيكون بإستطاعة كل شخص أن يفسرها من منظوره الذاتي. أستخدم المجاز في أعمالي، ولكنني لا أريد المتلقي أن يكتفِ بمشاهدة المعنى حتى لا يفوت على نفسه التمتع بالشحنة الجمالية والنفسية التي أحاول إستحضارها في أعمالي.63 amer alshili

* تقول أن مسلسلات الأنمي اليابانيّة قادتك بطريقة غير مباشرة إلى مجال الفنون التشكيلية. كيف ذلك؟

- لقد شهدت مسلسلات وحوش الأنمي في أواخر التسعينات وبداية الألفينات إنتشارا واسعا على المحطات التلفزيونية؛ وكنت كغيري من أبناء جيلي قد كونت رابطا عاطفيا قويا تجاه هذه الشخصيات التي كنت أنتظر أوقات عرضها بفارغ الصبر. إن الطريقة التي تعبث بها هذه القصص بالمنطق تروقني وتلهمني؛ وقد قادتني بطريقة ما إلى مجال الفن التشكيلي. فقد حلمت منذ صغري في أن أعمل في مجال صناعة الأنمي حتى أتمكن من خلق شخوصي الخاصة، وبسب عدم وجود جامعات تعنى بهذه الصناعة إرتدت المعهد العالي للفنون الجميلة كونه الأقرب إلى هذا التخصص. وبعد تعلمي لأساسيات الرسم والنحت وتعمقي في دراسة الوحوش من منظور فني ومفاهيمي، إستثمرت كل ما تعلمته في تطوير أسلوبي الفنيّ .

* في معرضك الشخصي الذي أقمته في رواق السنترال عرضت أعمالك الفنيّة وفق منهج سينوغرافيّ غير تقليديّ. ماذا أردت أن توحي للمشاهد؟

- لم أشأ عرض أعمالي بالصورة النمطية التي تتبعها غالبية الأروقة الفنيّة؛ لهذا أحطت منحوتاتي بالصوف والأغصان والنباتات، هي مساحات طبيعيّة يتعيّن على المتلقي المرور بينها وحولها حتى يتعرف على الخصوصيّة الفيزيولوجيّة لكل قطعة نحتيّة. هو منهج إستوحيته من متاحف التاريخ الطبيعي التي تحيط مُجسمات الحيوانات المنقرضة بالصخور والأشجار والنباتات وذلك ليتعرف المتلقي على البيئة المكانيّة التي عاشت فيها تلك الكائنات. من خلال تطبيقي لنفس المنهج السينوغرافيّ أردت إعطاء مخلوقاتي صيْرورة حياتية لها نظامها ومنطقها الخاص. وبهذا الشكل يجد المتلقي نفسه في خضم تجربة جماليّة تثير خياله وتحفز حواسه.64 amer alshili

* كيف تصمم أعمالك وماهي التحديات التي تعترضك أثناء مرحلة التشكيل؟

- عندما أريد إنشاء منحوتة جديدة، فإني أتخيلها في ذهني أولا ثم أنتقل إلى مرحلة التصميم، حيث أرسم إسكتشات مختلفة على الورق ثم أحاول إيجاد النسخة الأكثر طرافة. بعدها أنتقل إلى مرحلة التشكيل بواسطة الطين. إن الوقت الذي أستغرقه في صنع منحوتاتي يمثل تحديًا كبيرًا. لدي العديد من الأفكار التي أود تجسيدها، لكن تقنيتي التي تأخذ مني الكثير من الوقت تجبرني على تأجيل بعض المشاريع إلى وقت لاحق.66 amer alshili

 * من أين تستمد إلهامك؟

 أبحث دائما عن مصادر إلهام مختلفة. لذلك تجدني أجمع وأخزن الكثير من الأشياء مثل الكتب والألعاب والنماذج القوطية؛ كما لدي مجموعة متنوعة من الكتب الفنيّة. يلهمني الفنانون القادمى أكثر من المعاصرين. لذا فإن معضم كتبي عن فنانين أمثال "جيروم بوش " و"فرانشيسكو دي غويا" و "ساشا شنايدر"، وعدد قليل من المعاصرين مثل "باتريسيا بيتشينيني" و "يايوي كوساما"..

***

حاورته: حاورته إيمان بن سالم – دكتورة في جماليات الفنون

حوار مع فيلسوف القيم الأستاذ الدكتور بهاء درويش أستاذ الفلسفة ونائب رئيس اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا باليونسكو – باريس

من الأصوات التي تضع القيم الإنسانية في صميم النقاش الفلسفي والاجتماعي، إذ يرى أن الفلسفة ليست ترفًا فكريًا، بل هي وعيٌ بالحياة وبالعلاقات الإنسانية في أعمق معانيها.

في هذا الحوار، يتحدث الدكتور درويش عن صورة المرأة في الفكر والمجتمع، وتحديات الأسرة في العصر الرقمي، وأسباب تصاعد معدلات الطلاق في المجتمعات العربية، مؤكدًا أن القيم الإنسانية تظل حجر الأساس في بناء إنسانٍ أكثر وعيًا وعدلًا في عالمٍ سريع التغير.

س: أريد أن أتوقف عند آراء بعض الفلاسفة حول المرأة -على سبيل المثال- "أرسطو" رأى أن المرأة لم تُخلق لا للعلم ولا للحكمة، وإنما لإشباع غرائز الرجل. كما أن "كانط" اعتبر عقل المرأة لا يرقى إلى عقل الرجل. هل ما زال هذا الموروث الفكري يسيطر على العقل الجمعي، على الرغم من تأكيد الأديان السماوية على مكانة المرأة ومنزلتها؟

الرد: بداية، لماذا نرتكن في الدعاوى إلى فلاسفة ومفكرين غربيين؟ هذا السؤال في صياغته دليل على هيمنة الفكر الغربي على فكرنا وهو ما لا يصح أن يحدث. لا أتصور أن هذه النظرة ما زالت موجودة عن المرأة، فعدد الطالبات في الجامعات أكثر من الطلاب، وزاد عدد الوزيرات في الحكومة عما قبل وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأهالي بدأت تهتم بتعليم المرأة كما أن النساء أصبحن يخرجن وحدهن ويعشن وحدهن وزادت استقلالية المرأة بطريقة يمكن معها القول أن هذا المفهوم لم يعد موجوداً في مجتمعنا.

س- من وجهة نظر فيلسوف القيم، ما المبررات التي استند عليها الفكر الذكوري لفرض هيمنته على تفكيرنا وقراراتنا ومؤسساتنا وثقافتنا؟

الرد: يمكن القول أن هذه الهيمنة كانت موجودة سابقا نتيجة ما أسميه الدين الشعبي وهو سيطرة مفاهيم وقيم تنسب خطأ للدين وهي ليست من الدين، لأنها لو كانت من الدين لما عرفنا أن السيدة عائشة كانت تخرج مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزواته، وما كان ليطلب من المسلمين أن يأخذوا دينهم ويتعلموه منها.

س- هل تعتقد أن الاختلافات البيولوجية والطبيعية بين الرجال والنساء يمكن أن تكون مبررًا لتفوق الرجال عن النساء؟ أم أن هذه الاختلافات ليس لها تأثير على القدرات الفكرية والاجتماعية؟

الرد: الرجال ليسوا متفوقين على النساء. من قال هذا؟ انظري إلى قائمة الأوائل في الثانوية العامة والجامعات ستبين لك أن التفوق لا صلة له بالجنس.

س- من منظور ا. د بهاء درويش هل ما زالت الهيمنة الذكورية تفرض ذاتها على المرأة في عالمنا اليوم؟

الرد: لا أرى هيمنة ذكورية لا في عالمنا العربي ولا خارجه.

س- برأي الأستاذ الدكتور "بهاء درويش " أيهما أفضل للمرأة الدعوة إلى المساواة المطلقة بين الجنسين أم الدعوة للتكامل بينهما؟

الرد: وجود المرأة في كل القطاعات الآن ربما كان حافزاً للرجال أن يطلبوا المساواة مع النساء اللاتي شغلن كل المناصب وارتدين لباس الرجل وتواجدن في كل مكان وأصبحن لاعبات كرة قدم وتجديهن في كل القطاعات. ما تبقى هو هيمنة بعض كبار السن: كالأب أو الأم الذين ينتميان إلى جيل قديم، يمكن أن يكون لهم سيطرة على بنات العائلة نتيجة وراثتهم لهذه الأفكار القديمة.

س- من منظور فيلسوف القيم، ما أبرز التحديات التي تواجه النساء في عالمنا المعاصر؟

الرد: ربما كانت مسألة الإرث في الصعيد والقرى هي إحدى هذه التحديات إذ يمكن للأخوة الذكور أن يمتنعوا عن إعطاء أخواتهم نصيبهن. والنساء يصمتن لا عن جهل بحقوقهن ولكن عن حياء وتماسك عائلي مازلن يتمسكن به.

س- أريد الانتقال للحديث عن الزواج بوصفه اللبنة الأساسية لبناء علاقات أسرية مترابطة تنبض بالمودة والمحبة، فهو النواة الأولى التي تساهم في تأسيس المجتمع.

نحن في القرن الحادي والعشرين، عصر السموات المفتوحة هل تعتقد أن الزواج التقليدي (جواز الصالونات) يمكن أن يكون ناجحًا أم الزواج التعارف القائم على التعارف والانجذاب العاطفي؟

الرد: نعم يمكن جدا أن يكون ناجحًا. ما الذي يمنع أن يقوم أحد أصدقاء الأسرة مثلا بتعريف أسرة فتاة على شاب معين يراه متميزًا؟

س - كيف تؤثر ثقافة المجتمع والعادات والتقاليد على اختيار شريك الحياة؟

الرد: تؤثر ثقافة المجتمع والعادات والتقاليد على كل قرارات المرء.

س-هل تعتقد أن الضغوط الاجتماعية مثل ارتفاع سن الزواج، تؤدي دورًا كبيرًا في عملية الاختيار؟

الرد: أحيانًا

س- من وجهة نظر فيلسوف القيم ما القيم التي يجب أن يتحلى بها الزوجان لتأسيس أسرة مترابطة يسودها الود والانسجام؟

الرد: التراحم والرغبة الصادقة في التعايش انطلاقا من محاولة مساعدة كل منهما الآخر في كل أمور الحياة.

س-كيف يمكن تحقيق التوازن بين الحرية الشخصية والالتزامات الزوجية وتحمل المسئوليات الأسرية؟ وهل يؤثر الزواج سلبا على الإبداع بسبب تحمل المسئوليات؟

الرد: تحقيق التوازن يختلف من فرد لفرد. لا يؤثر الزواج في الإبداع. نجيب محفوظ أب لفتاتين وحصل على جائزة نوبل.

س - ما موقف فيلسوف القيم من قضية تعدد الزوجات؟ وما الأسباب الرئيسية التي تدفع الرجال لتعدد الزوجات في المجتمعات العربية؟

الرد: في بعض المجتمعات، يكون الاعتقاد أن تعدد الزوجات متاح دينيًا دون قيد أو شرط والاتاحة المالية هما سببا تعدد الزوجات.

س- أود التطرق مع فيلسوف القيم حول موضوع الأسرة والعصر الرقمي ما المخاطر التي يمكن أن يفرضها العصر الرقمي على العلاقات الأسرية؟

الرد: بالطبع تغيرت القيم وطرق التعارف إذ أصبح الزواج والصداقة والطلاق من الممكن أن يحدث من خلال الواقع الافتراضي. ولكني لا أراه يختلف عنه في الواقع الفيزيقي بمعنى أن زواجا من خلال التعارف من خلال وسائل التواصل قد يكون أكثر تماسكًا من زواج تقليدي.

س- هل تفتقر مجتمعاتنا للوعي حول موضوع الزواج؟ وما الدور الذي يمكن أن توديه الجامعات المصرية في تقديم الدعم والتوجيه للشباب المقبلين على الزواج؟

الرد: الاستقلالية المادية للفتيات جعلتهن يعتقدن أن هذا هو فقط المطلوب من الزواج وبالتالي لم يعد لديهن مانعًا من الانفصال في الشهور الأولى من الزواج وبمساعدة الأهل مع الأسف.

ننتقل معا إلى قضية غاية في الأهمية؛ لأنها تهدد مجتمعاتنا العربية قضية الطلاق:

س- ما الأسباب الرئيسية التي تؤدي لتزايد معدلات الطلاق في مجتمعاتنا العربية عامة، وفي مصر بشكل خاص من وجهة نظركم؟

الرد: الإجابة على هذا السؤال في حاجة إلى بحث علمي يقدم لنا إحصائيات ومع ذلك يمكن القول أن سببه هو تغير القيم واعتقاد المرأة أنها بما أنها استقلت ماديا فلم يعد لديها حاجة للزواج.

س- كيف يمكن للوعي بأسباب الطلاق أن يساعد الأزواج في تجنب الانفصال؟

الرد: السؤال يجيب على نفسه. الوعي بأسباب الطلاق يساعد على تجنب الانفصال.

س- كيف يمكن أن ننظر إلى الطلاق من زاوية فلسفة الأخلاق؟ هل يُعتبر فشل أخلاقيا أم قرارًا إنسانيًا مشروعًا، خصوصا عندما يكون له تأثير على مستقبل الأبناء؟

الرد: لا يمكن التعميم. يختلف من حالة لأخرى.

س - هل يعتقد فيلسوف القيم أن للدين الدور الأهم والأساسي في الحد من ظاهرة الطلاق، أم أن هناك عوامل أخرى أكثر تأثيرًا في معالجة هذه مشكلة؟

الرد: للدين الدور الأساسي في فهم معنى الأسرة وأهمية تماسكها وبالتالي قد يحد من معدلات الطلاق

س - كيف يمكن أن نغير الصورة النمطية السلبية عن المرأة المطلقة في المجتمع العربي؟

الرد: لم يعد يهم المرأة ولا الأسر هذه الصورة السلبية.

س- موقف الأستاذ الدكتور بهاء درويش من الحركة النسوية ؟ وما التحديات التي تواجه الحركات النسوية في مجتمعاتنا العربية؟

الرد: لا أرى حركات نسوية في مصر خلاف المجلس القومي للمرأة. يعمل بشكل علمي واستطاع أن يحصل للمرأة المصرية على مكاسب مثل قانون تجريم حرمانها من ميراثها.

***

حاورته: د. آمال طرزان

الروائي الذي يجسد نهاية العالم يُصرّ على واقعية الحاضر

تقديم وحوار: هاري كونزرو

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

في آخر مرة رأيت فيها لازلو كراسناهوركاي، أعلن حبه لي. بالطبع، كان يستخدم ذلك كوسيلة بلاغية للإشارة إلى أسلوبه النثري الفريد، وكنا نتحدث أمام جمهور في معرض فني، لكن ذلك لم يمنع الشعور بالبهجة.

يُعَد كراسناهوركاي واحدًا من أبرز الكُتّاب المجريين، وصاحب أعمال روائية استثنائية جعلته مرشحًا دائمًا لجائزة نوبل. أما تعاونه مع المخرج بيلا تار، فقد منح جمهور السينما حول العالم إحساسًا مباشرًا بجو الكآبة والقلق الوجودي الذي يغلّف أعماله الأولى. نصوصه تتدفق عبر جُملٍ طويلة غير منقطعة، ذات مرونة شبه لا نهائية، تتنقل بسلاسة بين تأملات فلسفية متشعبة وبين فكاهة ساخرة.

يرى كراسناهوركاي أن التجارب الكبرى—مثل الحب، خصوصًا ذاك الذي يتطلب الوقت والشجاعة للتعبير عنه—لا يمكن أن تُحصر في عبارات قصيرة. وقد صرّح ذات مرة بأن "نقطة النهاية تنتمي إلى الله"، وأن تدفق كتاباته يحمل نزعة إنسانية عميقة. فهو لا يعتمد ذلك التيار الداخلي المجزأ الذي كان يسود "تيار الوعي" عند الحداثيين القدامى، بل يعكس فضولًا شاملًا تجاه العالم، يدفع القارئ للانجراف في تياره.

وُلِد لازلو كراسناهوركاي في المجر عام 1954. اتسمت بدايات مسيرته بعدم قدرته على السفر، إذ صادرت الشرطة السرية جواز سفره. تعكس رواياته، مثل تانجو الشيطان وحزن المقاومة، التي تفيض بشعور خانق لا يطاق. بعد سقوط الستار الحديدي، وجد كراسناهوركاي نوعًا من الخفة الفكرية، ظهرت بوضوح في أعمال مثل سيوبو هناك في الأسفل، التي تتعمق في الفلسفة والفن الآسيوي، وخصوصًا البوذية. أما روايته الأخيرة هيرشت 07769، فتضع باخ في مواجهة النازية الجديدة في ألمانيا. وفي قصته الجديدة "ملاك مرّ من فوقنا " التي نُشرت في The Yale Review، يعقد مقارنة صارخة بين خنادق الحرب الطينية في أوكرانيا والوعود الخيالية للعولمة التكنولوجية.

تحاورتُ مع كراسناهوركاي عبر البريد الإلكتروني خلال الأسبوع الذي شهد تنصيب ترامب رئيسًا. وقد تم تحرير الحوار من أجل الإيجاز والوضوح.

هاري كونزرو: قصتك "ملاك مرّ من فوقنا" تدور أحداثها في أوكرانيا. ماذا تعني لك الحرب هناك؟ باعتبارك أوروبيًا، مجريًا، وأحد المقيمين في ألمانيا من فترة طويلة، سيكون من المثير سماع وجهة نظرك.

لازلو كراسناهوركاي: ألا يبدو أن الحرب العالمية الأولى تعيد نفسها؟! ماذا يمكنني أن أقول؟

إنه رعب مطلق. المجر دولة مجاورة لأوكرانيا، وما يفعله نظام أوربان لا سابقة له في التاريخ المجري تقريبًا. في السابق، كنّا دائمًا الضحايا، الطرف الذي يتعرض للغزو والخسارة. لم أتصور يومًا أن القيادة المجرية ستتحدث عن "الحياد" في مثل هذا السياق!

كيف يمكن لدولة أن تظل محايدة بينما تغزو روسيا دولة مجاورة؟ ألا يكفي أنهم يقتلون الأوكرانيين منذ قرابة ثلاث سنوات؟ ماذا يعني القول "إنها مجرد مسألة داخلية سلافية" كما يزعم رئيس الوزراء المجري؟ كيف يمكن أن تكون "داخلية" بينما البشر يُقتلون؟

ونحن نتحدث عن رئيس بلدٍ عانى عبر تاريخه من غزوات متكررة، أحدها من الروس أنفسهم! والروس الذين يغزون أوكرانيا اليوم هم نفس الروس الذين اجتاحوا المجر من قبل.

ما يفعله النظام المجري حالة مرضية نفسية. إنه حساب بارد وخبيث: ربما قتلوا ابنتي بالفعل، لكني سأقبل ذلك طالما أنهم لم يؤذوا أمي بعد. لكنهم سيؤذونها. سيقتلون الاثنتين. هل يصعب فهم ذلك؟

هاري كونزرو: أيضا في قصتك الأخيرة " ملاك مرّ من فوقنا " تسلط الضوء على جنديين يحتضران في خندق. أحدهما يروي للآخر قصة خرافية عن عجائب العولمة، مما يخلق تناقضًا صارخًا بين واقع الحرب الدامي والأحلام التكنولوجية المتسارعة. لماذا اخترت هذا التناقض تحديدًا؟

لازلو كراسناهوركاي: لأنني أرى حربًا قذرة ووحشية تتكشف أمام عينيّ، وقد بدأ العالم يعتاد عليها. لكنني لا أستطيع التعود على ذلك. لا أستطيع قبول فكرة أن البشر يقتلون بعضهم البعض. ربما أنا أيضًا حالة مرضية نفسية. إنه الجنون بعينه. ففي حين تشتعل حرب تعود إلى القرن العشرين، يتحدث أحدهم عن أننا سوف نصل قريباً إلى المريخ. وآمل أن يكون بوتن وأنصاره أول الركاب على متن هذه الرحلة.

هاري كونزرو: يؤكد راويك أنه "ليس محللًا للمستقبل، بل دارسًا للاتجاهات والبيانات والحقائق". إنه ينفر من المستويات الكونية والنفسية الفردية، ويفضل التعامل مع المستوى الاجتماعي. هل المعرفة بالمستقبل شيءٌ أكثر روحانية أو ميتافيزيقية مقارنةً بهذه المعرفة التجريبية المستندة إلى البيانات؟

كراسناهوركاي: إنه سؤال غير مريح إلى حد كبير. ففي هذه القصة، لا تجري الأحداث ضمن سياق عام، بل نجد جنديًا مصابًا يحاول إبقاء رفيقه المحتضر على قيد الحياة في أحد الخنادق، عبر منحه أملًا زائفًا. إنه يخبره بقصة عن عالم رقمي مُشرق حيث كل شيء سيكون رائعًا. ليس لأنه يؤمن بذلك، ولكن لأن غريزة البقاء تدفعه إلى الكذب، لإبقاء الآخر يقاوم الموت قليلًا بعد. حتى عندما يعرف الاثنان أن لا أحد سيعود لإنقاذهما. إذن، هذه القصة ليست تأملًا روحانيًا أو ميتافيزيقيًا. إنها محاولة إنسانية بائسة لمواجهة حتمية الفناء.

هاري كونزرو: إن هذه الخلفية—خطوط المواجهة في حرب خنادق وحشية—تبدو مألوفة في كتاباتك. أعلم أن وصف سوزان سونتاغ لك بـ"سيد نهاية العالم" يلاحقك دائمًا. لكن إذا كان عملك الأدبي يدور حول تجربة نهاية العالم، فهي لا تبدو كحدث مفاجئ، بل كشيء بطيء ومستنزف. ما علاقتنا بالمستقبل؟ هل نعيش نهاية الأزمنة؟ أم أننا نعيش في أعقاب حدثٍ كارثي؟

لازلو كراسناهوركاي: نهاية العالم ليست لحظة واحدة، بل عملية ممتدة منذ زمن طويل، وستستمر كذلك. نحن نعيش في القيامة الآن. إنها ليست نبوءة عن الحساب الأخير، بل دينونة مستمرة. لا يمكننا سوى أن نخدع أنفسنا بالمستقبل؛ فالأمل دائمًا ينتمي إلى المستقبل. لكن المستقبل لا يصل أبدًا، فهو دائمًا على وشك أن يأتي، لكنه لا يأتي. وحده الحاضر هو الموجود. نحن لا نعرف شيئًا عن الماضي، لأن ما نعتبره ماضيًا ليس سوى قصة تُروى عنه. وفي الحقيقة، الحاضر نفسه ليس سوى قصة أيضًا، فهو يضم بين طياته حكاية الماضي، والمستقبل الذي لن يأتي أبدًا. لكن على الأقل، ما نعيشه كحاضر موجود. وهذا وحده هو الموجود. الجحيم والجنة كلاهما هنا، على هذه الأرض، وهما موجودان الآن. لسنا بحاجة إلى انتظارهما. ومع ذلك، فإننا ننتظر، مستندين إلى وهم الأمل.

هاري كونزرو: لقد كتبت كثيرًا، خصوصًا في سيوبو هناك في الأسفل، عن الفن. ما هو دور الفن في المستقبل؟ هل يمكن أن يحمل الفن خلاصًا أو فداءً؟

لازلو كراسناهوركاي: الفن هو استجابة البشرية الاستثنائية لشعور الضياع الذي هو قدرنا. الجمال موجود. لكنه يقبع وراء حدٍّ لا يمكننا تجاوزه؛ لا يمكننا الإمساك به أو لمسه—يمكننا فقط التحديق فيه من هذا الحدّ والاعتراف بأنه، نعم، هناك بالفعل شيء ما هناك، بعيدًا في الأفق. الجمال هو بناء، تركيب معقد من الأمل والنظام الأسمى.

هاري كونزرو: لقد تحدثنا من قبل عن الطريقة التي تأتي بها الشخصيات الأدبية إلى الوجود كحضور يتجلى من خلال الكتاب في العالم. في مقابلة مع مجلة باريس ريفيو ، قلت إن "كل شخصية في ما يسمى بالخيال الأبدي جاءت من خلال أشخاص عاديين. هذه عملية سرية، لكنني متأكد تمامًا من أنها حقيقية". هل يمكنك التوسع في هذا؟

لازلو كراسناهوركاي: لأن الإنسان العادي هو وحده الحقيقي. وهو مقدّس.

***

....................

هاري كونزرو: ومؤلف سبع روايات، آخرها رواية الخراب الأزرق. وهو مساهم منتظم في مجلات هاربر، ونيويورك ريفيو أوف بوكس، ونيويورك تايمز بوك ريفيو.

* نشرت المقابلة فى دورية The Yale Review بتاريخ 24 فبراير 2025 .

https://yalereview.org/article/l%C3%A1szl%C3%B3-krasznahorkai_interview?utm_source=Sailthru&utm_medium=email&utm_campaign=Lit%20Hub%20Weekly:%20March%201%2C%202025&utm_term=lithub_weekly_master_list

من أرض الكنانة، حيث تُنسج أقوى الحكايات، يأتي الكاتب مدحت شنن ليُضيف إلى تراث مصر الأدبيّ صوتاً سردياً متميزاً. فمنذ نعومة أظفارنا، ألفنا سحر الكلمة المصرية التي تسكننا عبر عمالقة الأدب، وها هو شنن يخطو بثبات على دربهم، ليترك في كلّ بيتٍ - داخل مصر وخارجها - بصمةً ساحرةً من خلال أعماله التي تنبض بالواقعية والعمق، مثل: "الوهم"، و"ترنيمة آتون"، و"وادي الموت" وغيرها⸳ وفي هذا الحوار الأدبي، نتعمق أكثر في عالم الكاتب مدحت شنن الإبداعي، لنكتشفه أكثر⸳

سهام حمودة: الأستاذ مدحت شنن، في الحوارات التي تتناولك، هل تُفضِّل أن يُشار إليك كـكاتب أم حقوقي في ضوء عملك كمستشار قانوني؟ أم أن الصفتين متكافئتان لديك؟

مدحت شنن: أعتبرهما جناحين أُحلِّق بهما في فضاء واحد. حيث أن عملي كمحامٍ ومستشار قانوني أمدني بفيض من القصص الإنسانية التي أرها يوميا سواء في أروقة المحاكم أو التي تُعرض على في مكتبي. تلك القصص منحتني خبرة فريدة في التحليل والمواجهة، وأتاحت لي فهم الواقع الإنساني والاجتماعي من زاوية قانونية دقيقة، من خلال التعامل المباشر مع تفاصيل حياة الناس ومشاكلهم اليومية، فضلا على أن المحاماة وضعتني وجهًا لوجه مع أعماق التجربة الإنسانية، عُقدها وإشكالياتها وصراعاتها وأطماعها وآمالها. هذه المشاهد ليست باردة كما يراها القانون في نصوصه الجافة، لكنها مشبعة بالدماء والنبض والمشاعر، وهذا ما يغذي الجانب الأدبي داخلي⸳

أما الكتابة فهي متنفس الروح. والترجمة الحقيقية ليومياتي كمحامي، حيث أستثمر هذه الخبرة القانونية والإنسانية لأصوغ من خلالها نصوصًا تحمل بعدًا نفسيًا وفكريًا، وتأملًا في الطبيعة البشرية وصراعاتها. فحين أعود من عملي، مثقلًا بما رأيت من قصص إنسانية، أجد في القلم فرصة لترجمة هذه الخبرات إلى أدب يتجاوز الواقعة الفردية ليعكس همًّا إنسانيًّا أوسع. من هنا لا أستطيع أن أقول إنني أفضّل لقب "الكاتب" على "الحقوقي"، أو العكس؛ لأن كلًّا منهما يُكمل الآخر⸳

ويحضرني قول للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو أن: "الإنسان يولد حرًا، لكنه في كل مكان مقيد بقيوده". هذه الفكرة أجد صداها في عملي القانوني وفي كتاباتي الأدبية، حيث أسعى لفهم هذه القيود، سواء كانت اجتماعية أو قانونية، وكيف يمكن للفرد أن يجد مساحة للحرية والكرامة. لذلك، أرى أن الصفتين ليستا مجرد أدوار متساوية، بل هما منظومة واحدة تغذي بعضها البعض: القانون يمنحني الثراء القصصي وأدوات التحليل والمنطق، والأدب يمنحني القدرة على رؤية الإنسان بكل أبعاده النفسية والفكرية فضلا على ترجمة هذا الثراء في صور أدبية مختلفة سواء رواية أو قصة قصيرة أو نص مسرحي أو سينيمائي⸳

سهام حمودة: إذا كان الكاتب والحقوقي يشتركان في اعتبار الكلمة سلاحاً لهما، وشهدنا كيف يمكن للخبرة القانونية أن تثري النص الأدبي كما في حالة جون غريشام الذي أبدع في تحويل وقائع المحاكم إلى روايات مشوّقة، فلماذا إذن يظل الأدب القانوني العربي نادراً مقارنةً بنظيره الغربي؟ ما الذي يفسر هذه الفجوة في رأيكم؟

مدحت شنن: الفجوة بين الأدب القانوني الغربي ونظيره العربي ليست مسألة قدر أو نقص في الموهبة، بل هي نتاج عدة عوامل اجتماعية وثقافية وتاريخية. في الغرب، كانت المحاكم والتشريعات جزءًا من الحياة العامة منذ قرون، وأصبحت مادة خصبة للخيال الأدبي، كما في حالة جون غريشام الذي استطاع تحويل واقعات المحاكم إلى روايات مشوّقة تصل إلى الجمهور العريض. هناك تقدير واسع للقانون كجزء من الثقافة العامة، وهذا يفتح المجال للأدب القانوني ليزدهر⸳

أما في العالم العربي، فالقصص القانونية غالبًا ما تظل محصورة في إطار النصوص الأكاديمية أو المذكرات القضائية، والحديث عنها في شكل أدبي يواجه تحديات كبيرة، منها الحساسيات الاجتماعية والسياسية، والافتقار إلى ثقافة واسعة لتداول القضايا القانونية بين الجمهور العام، وكذلك ضعف التدريب الأدبي بين أصحاب الخبرة القانونية. كما قال الأديب المصري الكبير توفيق الحكيم: "إن الأدب مرآة المجتمع، فإذا كانت المرايا ضبابية فإن الانعكاس يظل مشوشًا"؛ وهذا ينطبق على علاقتنا بالقانون والأدب في الوقت ذاته⸳

وفي رأيي، الجسر بين القانون والأدب في العالم العربي موجود، لكنه يحتاج إلى إرادة ثقافية لتقديم القضايا القانونية في سياق إنساني وفكري، وليس مجرد سرد للوقائع. فالكتابة القانونية الأدبية ليست مجرد سرد للقانون، بل هي محاولة لفهم الإنسان داخل منظومة العدالة، وإعطاء صوت لمن لا صوت له⸳

سهام حمودة: بين ثلاث أدوار للكاتب: محرّك للتغيير كما في أعمال ديستويفسكي التي تستفزّ القارئ لتأمّل أعماقه، أو كاشف للقبح كتشومسكي حين يفضح آلية السلطة، أو مُلبٍّ لاحتياجات الجمهور كخيال علمي يعالج هواجس العصر — أيّها ترى أنه الأجدر بالكتابة الجادّة؟

مدحت شنن: أرى أن الكاتب الجاد لا يمكن أن يقتصر على دور واحد فقط، فالأدب في جوهره مساحة متعددة الأبعاد، تجمع بين التحريك والتأمل، وبين كشف القبح وبين تلبية فضول القارئ واحتياجاته الفكرية. ومن وجهة نظري الشخصية أن هذه الأدوار تدور في إطار الواقعية. الواقعية في الطرح والحل ولا مانع من الخيال الذي قد يكون مستقبله حقيقة. لكون الخيال من جنس الواقع⸳

وبالتالي فالكاتب النموذج في نظري يجمع بين الأدوار الثلاثة، فهو مثل ديستويفسكي، يحرك أعماق القارئ ويستفزه للتأمل في النفس الإنسانية والصراعات الأخلاقية، وفي الوقت نفسه، يفعل كما يفعل تشومسكي، واعيًا للقوى التي تشكل المجتمع، وأن يفضح آليات السلطة والظلم. وأيضًا، تلبية حاجات الجمهور ليست مجرد تسلية، بل هي وسيلة لإيصال أفكار جادة عبر سرد جذاب، كما في بعض أعمال الخيال العلمي التي تعكس مخاوف العصر وتفتح النقاش حول المستقبل⸳

وبالتالي فإن التكامل بين الأدوار الثلاثة هو أمر جوهري وضروري، وهو ما أكده الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو حين قال: "أن الأدب الحقيقي هو مقاومة للعبث، وهو محاولة لفهم الإنسان في مواجهة ما يهدد وجوده". وبالتالي فإن الأديب الجاد هو من يقدر أن يوازن بين تحريك الفكر، وكشف الحقائق، وخلق نصوص تصل إلى وجدان القارئ، لتصبح الكتابة قوة مزدوجة تؤثر في المجتمع والفرد في آن واحد⸳

سهام حمودة: يتميّز الكاتب مدحت شنن بتنقّله الماهر بين أنواع الكتابة الإبداعية، كما في روايته "الوهم" التي تدمج بين العناصر البوليسية، النفسية، الاجتماعية، السياسية، وحتى الفلسفية. برأيك، هل يجب على الكاتب الجيد أن يُتقنَ كافة أنواع الكتابة الإبداعية، أم يكفي أن يُبدعَ في نوعٍ واحدٍ فقط؟

مدحت شنن: في رأيي، إتقان الكاتب لكافة أنواع الكتابة الإبداعية ليس شرطًا للجودة، لكنه بلا شك يمنحه قدرا كبيرا من التميز، والوصول لذلك يحتاج امتلاك الكاتب لأدوات جوهرية مثل القراءات المتعددة في المجالات المختلفة فضلا على القدرة اللغوية في الصياغة والتعبير عن الفكرة من خلال امتلاكه لمفردات ثرية وجميلة⸳

والكاتب الجيد يجب أن يعرف حدود قوته ونقاط تميزه، ويبدأ بالإبداع في النوع الذي يجد نفسه فيه، لكنه في الوقت نفسه لا يجب أن يغلق الباب أمام التجربة والتنوع⸳

كما قال الأديب الروسي ليو تولستوي: "الفن ليس معرفة كل شيء، بل القدرة على رؤية شيء واحد بعمق"؛ وهذا يفسر أن الإبداع الحقيقي يأتي من التعمق في تجربة محددة، مع الانفتاح على أدوات وأنماط أخرى لتوسيع مدارك النصوص وتنوعها. في روايتي "الوهم"، حاولت الدمج بين البوليسي والاجتماعي والفلسفي ليس لمجرد تعدد الأنواع، بل لأن الحياة نفسها متعددة الأبعاد، والإنسان في صراعه الداخلي والخارجي يحتاج إلى نصوص تعكس هذا التنوع⸳

سهام حمودة: في عصر العولمة الأدبية، هل يُعتبر إتقان الكاتب للغاتٍ عالميةٍ كالإنجليزية أو الإسبانية شرطًا أساسيًا لاختراق الحدود والوصول إلى قراء جُدد، أم أن تميُّز النصّ الأدبي كافٍ ليجذب المترجمين ويصبح رسالةً عالميةً دون حاجةٍ إلى الكتابة بلغاتٍ أخرى؟

مدحت شنن: أعتقد أن تميّز النص الأدبي يظل العامل الأهم في جعله عالميًا. اللغة وسيلة، وليست غاية؛ فالقصة التي تحمل رؤى إنسانية صادقة وصراعات عميقة قادرة على الانطلاق واختراق الحدود حيث تصل إلى القارئ أينما كان، كما قال الكاتب الياباني هاروكي موراكامي: "القصص الجيدة تجد قارئها مهما كانت اللغة التي كُتبت بها⸳"

غير أن إتقان لغات عالمية هي ميزة تضاف للكاتب حيث تمنحه قدرة على التواصل المباشر مع جمهور أوسع والتغريد خارج السرب⸳

لكن هذه الميزة ليست شرطا أساسيا في ظل وجود مترجمون مبدعون يسدون هذا النقص لاسيما وأنهم قادرون على نقل روح وفكر الكاتب للآخر. وهو ما يجعل النص يتحول إلى رسالة عالمية بفضل المؤلف والمترجم. في النهاية، ما يجذب القارئ في أي مكان هو صدق التجربة الإنسانية داخل النص، وعمق الفكر والرؤية، وليس اللغة وحدها⸳

سهام حمودة: إلى أي مدى يمكن اعتبار الجوائز الأدبية المحلية كدرع نادي القصة الذي حصل عليه مدحت شنن، جسراً للانتشار العالمي، مقارنةً بدور الترجمة أو الجوائز الدولية؟ وهل تكفي الجوائز المحلية لصناعة شهرة عابرة للحدود دون وجود آليات دعم أخرى؟

مدحت شنن: الجوائز الأدبية المحلية مهمة جدًا لأنها تمنح الكاتب اعترافًا بقيمته الفنية وتشجيعًا للاستمرار، وتشبه بمثابة الشرارة الأولى التي تضيء طريق الانتشار. وهو الأمر الذي حدث بمجرد حصولي جائزة درع نادي القصة؛ فقد كانت تقديرًا لجهودي ومكسبًا معنويًا مهمًا، لكنها في حد ذاتها لا تكفي لصناعة شهرة عالمية. ذلك لأن الانتشار خارج الحدود يحتاج إلى عناصر أخرى: الترجمة الماهرة، وجود ناشر دولي مهتم، المشاركة في مهرجانات أدبية عالمية، وحتى التفاعل مع القراء عبر المنصات الرقمية. كما يقول الكاتب الفرنسي مارك ليبارد: "الجوائز تصنع الأسماء محليًا، لكن الترجمة تصنعها عالميًا"؛ وهذا يوضح أن الجوائز المحلية هي بداية الطريق، لكنها ليست نهاية الرحلة، بل هي جسر يمكن أن يؤدي إلى آفاق أوسع إذا رافقها دعم مؤسسي وثقافي مناسب⸳

سهام حمودة: كيف تفسر أن بعض الفائزين بجوائز عربية مرموقة مثل كاتب ياسين ظلوا مجهولين عالميًا رغم فوزهم، بينما انتشر آخرون كأمين معلوف عبر الترجمة أولاً؟

مدحت شنن: الجوائز مهمة كاعتراف بالجهد والإبداع، لكنها بدون ترجمة ونشر عالمي تصبح إشارات محلية، بينما الترجمة تحول النص إلى رسالة تصل إلى القراء أينما كانوا. ذلك لأن الأدب الذي لا يُقرأ خارج حدوده يبقى كظل على الجدار. تلك الحقيقة هي التي تفسر هذا التناقض وتعكس دور الترجمة والانتشار المؤسسي المهم بالمقارنة بالجوائز وحدها. لأن الترجمة هي الجسر الذي يحول الجوائز المحلية إلى شهرة عالمية. وهو ما يفسر بقاء كاتب ياسين -رغم جودته وفوزه بجوائز عربية مرموقة - مجهولًا عالميًا لأن أعماله لم تُترجم بشكل واسع أو لم تحظَ بدعم نشر دولي يتيح الوصول إلى القراء خارج الوطن العربي. وعلى العكس حظي أمين معلوف، بفرصة الترجمة المبكرة وبدعم الناشرين الدوليين، ما جعل نصوصه تتخطى الحدود وتصل إلى جمهور عالمي.

سهام حمودة: بعد مسيرة إبداعية حافلة مثل مسيرة مدحت شنن، والتي تزخر بإصدارات متنوعة بين الرواية والقصة، كيف يمكن للقارئ الناقد أن يُميّز بين مرحلة الإبداع المبكر (ما قبل النضج) ومرحلة النضج الفني؟ وهل تعتقد أن هناك أعمالاً مبكرة في مشوار أي كاتب -بما في ذلك شنن- تستحق إعادة الكتابة لو أتيحت له الفرصة؟ مع العلم أن أعمالاً مثل رواية "الوهم" تُعتبر علامة فارقة في مشواره، فما العوامل التي صنعت هذا التميّز: هل هي خبرة الكاتب الإنسانية المتراكمة، أم تطور أدواته الفنية.

مدحت شنن: تمييز مرحلة الإبداع المبكر عن مرحلة النضج الفني يعتمد غالبًا على العمق والاتساق والرؤية المتكاملة في النصوص. في الأعمال المبكرة، قد نجد أفكارًا رائعة ونبرة صادقة، لكنها أحيانًا تفتقد الانضباط الفني أو التماسك البنائي، بينما الأعمال الناضجة تعكس وعي الكاتب بتقنيات السرد، وتنوع أدواته وثرائها، وتظهر قدرته على المزج بين الفكرة والأسلوب والعمق الإنساني بشكل متقن.

بالنسبة لإعادة الكتابة، أرى أن كل كاتب، بما في ذلك أنا، ينظر إلى أعماله المبكرة بعين النقد والتأمل، وقد يرى أنه لو أتيحت له الفرصة لتطويرها، لكان قد أضاف لها عناصر أكثر قوة أو صقل أسلوبها. أو أتقن حبكتها، لكن، في الوقت نفسه، هذه الأعمال المبكرة جزء من رحلة النمو الفني، وهي التي تشكل الأساس لتجارب لاحقة مثل رواية "الوهم".

أما ما صنع تميّز "الوهم"، هو صدق التجربة، القائم على عاملين رئيسيين: الخبرة الإنسانية المتراكمة التي تمنحني القدرة على فهم الشخصيات وصراعاتها النفسية والاجتماعية، وتطور الأدوات الفنية من حيث بناء الحبكة، استخدام الرموز، والمزج بين العناصر البوليسية والنفسية والسياسية والفلسفية. هذه الخبرات، صعودًا وهبوطًا، هي التي صقلت قدراتي وجعلت من "الوهم" علامة فارقة في مساري الإبداعي.

سهام حمودة: إذا طُلب من شنن اختيار عمل واحد من إنتاجه لإعادة كتابته، أي عمل تظن أنه سيختار، ولماذا؟

مدحت شنن: لو طُلب مني اختيار عمل لإعادة كتابته، ربما أختار أحد أعمالي المبكرة التي كتبتها قبل أن أكتسب الخبرة الفنية والعمق الإنساني الذي أملكه اليوم. ليس لأن النص سيء، بل لأنني أرى فيه بذورًا لأفكار قوية لم تُستغل بالكامل بعد، وهناك مساحة لإعادة الصقل والبناء ليعكس رؤيتي الأدبية الحالية بشكل أفضل.

هذا يعني أن الكتابة تجربة مستمرة، مرنة ليست عصية على التطوير، والاستفادة من تراكم الخبرات وزخم التجارب. ومسألة التأمل في النصوص السابقة وإعادة صياغتها ليس مجرد تصحيح، بل هو تطوير للنضج الفني، وتجربة لإظهار ما كان يمكن أن يكون أفضل، مع الاحتفاظ بالروح الأصلية للعمل. وهذا الأمر مررت به في أكثر من عمل فقد سبق وأن أعدت صياغة مسرحية (منشار خسبون) وهي مسرحية ساخرة تعبر عن واقع القضية الفلسطينية. وكذلك أوبريت (القدس عربية) وأوبريت (سيناء أرض البطولات).

سهام حمودة: في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي (مثل ChatGPT وبرامج توليد النصوص)، هل تعتقد أن العالم سيستغني عن الكاتب البشري في المستقبل؟

مدحت شنن: الكتابة ليست مهنة بل طريقة حياة، وهذه الطريقة في الحياة لا يمكن أن تُنتج في معمل أو تُبرمج في خوارزمية. بل تصاغ من خلال الكاتب البشري الذي يمنح النص روحه، لأنه وحده من يعرف كيف يلتقط أنفاس الحياة في الكلمات⸳

لذلك أعتقد أن الذكاء الاصطناعي وإن كان سيلعب دورًا متزايدًا في تسريع إنتاج النصوص وتوليد الأفكار، لكنه لن يستغني عن الكاتب البشري. ذلك لأن الإبداع الأدبي ليس مجرد تركيب كلمات أو بناء حبكات، بل ملكة وتجربة إنسانية معيشة، ممتزجة بالمشاعر والتناقضات والجرح الداخلي والذاكرة الفردية والجمعية. هذه الطبقات الإنسانية لا يمكن لآلة أن تحاكيها بالكامل، حتى لو نجحت في تقليد الأسلوب أو اللغة. لكن ذلك لا يمنع من أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة للكاتب – كمنح أفكار أو تبسيط بحث أو تنظيم نص – لكنه لن يحلّ محل الكاتب الحقيقي الذي يعيش التجربة ويعيد صياغتها في نص حيّ⸳

سهام حمودة: كيف يُجيب الكاتب مدحت شنن على السؤال المتكرر: "كيف أكتب قصصًا جيدة؟" – خاصةً للكتّاب الصغار الذين يخطون أولى خطواتهم في عالم السرد؟

مدحت شنن: هناك عنصرا مفترضا أوليا وهو الموهبة بعدها تأتي مسألة تطويرها وصقلها من خلال القراءات المتعددة لكُتاب متنوعين، حتى يستطيع الكاتب هضم تلك القراءات والانفراد بأسلوبه. ونصيحتي للكتاب المبتدئين لا تتوقفوا عن الكتابة فالاستمرارية تمنح التطور والتجويد. والقراءات المتنوعة تمنح الثقافة والمخزون⸳

سهام حمودة: بهذا نختتم حوارنا مع الأستاذ مدحت شنن، الذي أتحفنا برؤى ثرية تفتح أبوابًا جديدة للتأمل. نترك لقرائنا متعة اكتشاف أعماله، وربما العثور على إجابات أخرى بين سطورها⸳

***

حوار ﺃدبي ﺃجرته الكاتبة التونسية سهام حمّودة

أحشاء البنتوصور- البقرة الروسي

بقلم: جوشوا كوهين

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

بدأت مشاكلي قبل ليلة الموعد النهائي بوقت طويل - بل بدأت في طفولتي، عندما فشلت تمامًا في تعلّم اللغة الروسية. ورغم أن عجزي عن فهم لغة الكاتب الأصلية لم يوقفني قط ولا ينبغي أن يوقف أيًّا كان عن تقييم ترجمةٍ ما، إلا أنني أعترف أني واجهت مع تقدمي في العمر صعوبات متزايدة، منها حقيقة أنني لم أعش قط في بلدٍ يقمعني، أو أضطر لمغادرة وطن لغتي لأسكن المنفى، أو أُجبر على التكيّف مع هوية جديدة تُفرض عليّ في الغربة بوصفي ناطقًا فنيًّا باسم المعارضة السياسية. والأهم - صدّقوا أو لا تصدّقوا - أنني لم أُخطَأ قط باعتباري خزّانًا فرديًا أو تجسيدًا رمزيًّا لثقافتي الأدبية، التي تصادف أنها إحدى أعظم الثقافات الأدبية في التاريخ. أدرك الآن كم هو أسهل بكثير أن أقدّم كتابًا لكاتب بقي في وطنه المتواضع، محاطًا بناشريه الذين يحترمونه - إلى حد ما - ويطبعون أعماله، وقرّائه الذين يُعجبون به - إلى حد ما - ويقرأونه. بكلمات أخرى، كم من السهل أن أقدّم كتابًا لكاتب ميت، وهو بالمناسبة ما أشعر به أحيانًا في وجودي المنغلق داخل شقتي الإنكليزية.

أما فلاديمير سوروكين فهو حي؛ بل حيٌّ بكل معنى الكلمة. وعندما سألته كيف ولماذا - إلى جانب حفنة من الأسئلة الأكثر صدقًا - أجابني بكلامٍ يحوي كل الذكاء والدعابة المتوقّعين، ولكن أيضًا بلطفٍ ونبلٍ مفاجئين بل ومقلقين. ربما فاتني هذا الجانب في قراءاتي لعشرينيات كتبه تقريبًا، أو ربما هو عنصر جديد - مناقض تمامًا لذلك الجليد الفضائي الذي يسقط على أرض سيبيريا في ثلاثيته "الجليد" - عنصرٌ محبّ، إيجابي، بنّاء (ويجب أن أضيف أن الحديث بهذه التفاؤلية أمر جديد عليّ).

أجريت هذه المقابلة عبر البريد الإلكتروني، وبمساعدة المترجم الخارق ماكس لوتون في شتاء ٢٠٢٤-٢٠٢٥. أتمنى أن ينقل محتواها الاحترام العميق الذي أكنّه لسوروكين، أحد عمالقة النثر في جيله الروسي الاستثنائي المولود حول حقبة موت ستالين، جيلٌ يضم على الأقل فلاديميرًا آخر جديرًا بالتقدير، الراحل فلاديمير شاروف، والذي يقيم أفضل كتّابه وشعرائه الأحياء اليوم في برلين، باريس، لندن، تبليسي، يريفان، زيورخ، أثينا، روما...

المُحاوِر: عندما كنتُ أقرأ لك على مر السنين - مع التأخير الحتمي للترجمة - كنتُ دائمًا أتساءل: "هذا عبقري، لكن انتبه!" لو اضطررتُ إلى تحويل هذا الفكر/هذا الشعور إلى أسئلة، فسأسأل التالي: هل المحاكاة الساخرة أمر خطير؟هل تسهم السخرية من نظامٍ ما في نهاية المطاف في خدمته؟ربما كان عليّ أن أوجّه هذا السؤال إلى سياسي بدلًا من ذلك. هل يمكنك السخرية من شيء دون أن تمنحه قوة؟

فلاديمير سوروكين: جوشوا، أنت تطرح سؤالًا وجوديًا بالغ الأهمية. يمكنني بسهولة الانجراف إلى التأملات المفاهيمية حول هذا الموضوع لتبرير نفسي، وأظن أنني قادر على إيجاد حجج تبرر استخدامي للسخرية والفكاهة، بالاستشهاد برابليه وسويفت وهاشيك. لقد فعلت ذلك في مقابلات عديدة، كما أنني كونت جلدًا سميكًا إلى حد ما تَرتد عنه مثل هذه الأسئلة بسرعة. لكنني في حواري معك، ككاتبٍ آخر، لا أرغب في ذلك. عندما كنتُ أكتب "يوم الأوبريتشنيك" ثم "الكريملين السكري"، كان آخر ما أفكر فيه هو الفائدة أو الضرر الذي قد تُحدثه هذه النصوص في مواجهة شر الدولة أو انتصار محتمل عليها (وبالنسبة لي، فإن هرم السلطة الروسي كان دائمًا تجسيدًا للشر). عندما أبدأ في كتابة أي عمل، فإنني أريد شيئًا واحدًا فقط: أن يتحول هذا العمل إلى كتاب جيد، أي أن يكون عملًا أدبيًا مكتفيًا بذاته، غير مرتبط بقضايا الناس أو الدولة الراهنة، حتى لو كان موضوع الكتاب نفسه هو دناءة السلطة.

المُحاوِر: سألتُ هذا لأنكَ تنتمي إلى ثقافةٍ كان فيها الكُتّاب في الماضي ذوي أهميةٍ استثنائية. ولكن، ما معنى أن تكون كاتبًا روسيًا اليوم؟ هل تشعر وكأنك روسي في المنفى في ألمانيا؟ (سنتفق الآن على أن برلين هي ألمانيا).

سوروكين: سأكون صريحًا هنا—لا أعلم ما الذي يعنيه أن تكون كاتبًا روسيًا اليوم. أبسط إجابة هي أن تكون شخصًا يكتب بالروسية. على قبر نابوكوف في مونترو، نُقشت ببساطة كلمة "كاتب" (écrivain). أشعر بقرب شديد من هذه الفكرة .في الغرب، لا يزال هناك للأسف العديد من الصور النمطية عن الكتّاب الروس - الروحانية، الميتافيزيقا الخاصة بالمكان الروسي والطبيعة الروسية، والمعاناة، والحب القاتل لامرأة فاتنة وأهوال الكولاج، والشمولية، إلخ... أنا لست ضد هذه الموضوعات، لكنني ضد الصورة النمطية. تآمرت الظروف لأجد نفسي في برلين، لكن آخر شيء أرغب فيه هو اعتبار نفسي مهاجرًا كما فعل نابوكوف. على عكسه، يمكنني العودة إلى موسكو في أي وقت، فلا يوجد "ستار حديدي" اليوم. أنا ببساطة لا أرغب في الذهاب إلى موسكو بوتين حاليًا. كان وضع نابوكوف أكثر قسوة بكثير - فهو كان يفر من الموت. أما أنا فقد انتقلتُ إلى برلين. حتى قبل ذلك، كنتُ أعيش أنا وزوجتي بين موسكو وبرلين. وآمل أن أعود إلى موسكو إذا تغير الوضع وانتهت الحرب في أوكرانيا.

المُحاوِر: "الكريملين السكري"، مثل بعض أعمالك، تنتمي إلى عدة أنماط وأنواع أدبية—حكايات شعبية، نصوص مسرحية أو سينمائية، رسائل، أحلام، وأغانٍ—لكن يبدو أن هذا التعدد ليس مجرد إعادة ابتكار ما بعد حداثية أخرى للرواية، بل أقرب إلى إعلان استيقاظ من كابوس طويل مفاده أن الرواية لم تكن موجودة أصلًا. هل تتفق مع هذا التفسير؟ وماذا تعني لك الرواية؟

سوروكين: يبدو لي أن أفضل الروايات تُنتَج عندما يعمد المؤلفون إلى تفجير شكل الرواية إبداعيًا. دعونا نتذكر ببساطة " Gargantua and Pantagruel"، أو"يوليسيس"، أو "الحرب والسلام". يُشار إلى هذه الأعمال بوصفها روايات عظيمة، رغم أنها، من الناحية الشكلية، تكاد لا تكون روايات على الإطلاق. إنها ببساطة روايات كانت ملائمة لعصرها بشكل جيد، ولهذا تحوّلت إلى روايات عظيمة. العالم المعاصر معقد ومتغير لدرجة أنه لم يعد ممكنًا وصفه بنثر خطي وحشره في هيكل الرواية التقليدية. لكي أتصور العالم المعاصر، أستخدم بصريات معقدة يمكن تسميتها " "الرؤية المتعددة الأوجه" ، مثل تلك التي تمتلكها الحشرات. وإذا وضعنا في الاعتبار أن الماضي الإمبراطوري في روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي، والذي لم يُطوَ زمنيًا بعد، لا يزال يضغط على الحاضر كأنه نهر جليدي، فإن سؤال المستقبل يبقى معلقًا.كما يعترف لي شباب روس: "نحن لا نشعر بالمستقبل كمسار للحياة والتطور". هذا وضع مرضي تمامًا، ويحتاج الكاتب إلى رؤية خاصة لإعادة خلق هذا على الورق (لاحظ أنني أقول "إعادة خلق" وليس "وصف"). لهذا الغرض، أستخدم نظام مرايا مثبتًا على منصتين: واحدة تمثل الماضي والأخرى تمثل المستقبل. يمكنك تسمية هذا "ما بعد حداثة" أو "ميتا- واقعية هجائية"، لا يهمني التصنيف. لكن هجائية الحياة الروسية لم تبدأ مع روسيا ما بعد السوفيتية، فما علينا إلا أن نتذكر عوالم جوجول.

المُحاوِر: لماذا تفضل كلمة "إعادة خلق" بدلاً من "وصف"؟ وما الفرق؟ ولماذا يبدو "إعادة الخلق على الورق" ممكنًا - أو على الأقل أكثر إمكانية - من "الوصف" عندما يتعلق الأمر بالمعاصر؟ هل حدث شيء للواقعية أو للواقع نفسه؟

سوروكين: لا أحب مصطلح "وصف العالم"، فهو يحيل إلى فكرة الثانوية - إلى التوضيح المجرد. لا، على الكاتب بدلاً من ذلك أن يبتكر عوالمه الخاصة، لا أن يصف عالمًا مُخلَقًا سلفًا. لقد استطاع تولستوي وكافكا وجويس خلق عوالمهم الخاصة، ولهذا تُذهلنا نصوصهم لما فيها من أصالة فكرية حقيقية.

المُحاوِر: وماذا يعني لك الأسلوب - موسيقى جُمَلك - خاصة أن حمقى مثلي مضطرون لقراءتك مترجمًا؟ ما الذي يفوتني؟

سوروكين: جوشوا، أنا ببساطة أحمق أدبي يثق فقط بحدسه - هذا كل ما أملك. بشكل عام، نبرة الكتاب مهمة جدًا بالنسبة لي. إنها القاطرة القادرة على جر الرواية نحو آفاق جديدة، آفاق جديدة، أو إسقاطها في هاوية الرتابة. نغمة الصفحة الأولى أشبه بلحن تلتقطه—لحن يفتتح سيمفونية كاملة. ولهذا السبب، هناك كثير من الكتب لا أتم حتى قراءة عشر صفحات منها، إذ أشعر أنها "لا تعزف اللحن الصحيح". لكن، للأسف، أنا أيضًا قارئ سيء... في حياتي، كُرِّس الكثير، ولا يزال، للفنون البصرية.

المُحاوِر: بأي معنى؟ أعني، لقد سخرت للتو من فكرة "الطابع التوضيحي".

سوروكين: حتى العشرين من عمري، ظننت أنني سأكون فنانًا، وكَرَّستُ وقتًا طويلًا للرسم. في الثمانينيات، كنت أعيش من رسومات الكتب، مما سمح لي بإعالة أسرتي وكتابة النثر ليلًا. يمكنك القول إنني منذ ذلك الحين وأنا واقف بقدم واحدة في الأدب والأخرى في محيط الفن. هذا يمنحني فرصة فريدة للنظر إلى الأدب كجسم فني. لهذا أفهم تمامًا نابوكوف الذي أراد - كما قال مرة - "تحويل القارئ إلى مشاهد". الفن يساعدني على خلق فضاءات أدبية، هذه الرؤية ترافقني دائمًا، لكن شرح المبادئ التي تقوم عليها هذه الرؤية مسألة صعبة.

المُحاوِر: كيف ترى العلاقة بين الفصل المعنون هنا بـ"الطابور" وبين روايتك المبكرة المفضلة لديّ، الطابور (كما تُرجمت إلى الإنجليزية)؟ هل الطابور هو الوحدة العظمى لعصرنا - وهل هناك غير الكلمة ذاتها، أو نفاد الصبر نحو المعنى، ما يربط بين الطوابير التي ننتظر فيها والطوابير التي نقرأها؟

سوروكين: الطابور موضوع أبدي في العالم الروسي—لكنه ليس حكرًا على روسيا وحدها. أثناء الجائحة في برلين، وقفتُ أنا وزوجتي أربع ساعات تحت المطر والبرد في نوفمبر لنحصل على لقاح موديرنا. كل شيء كان منظمًا بطريقة مقززة من حيث انعدام الإنسانية. رأيت طابورًا من أناس يرتعشون من البرد، كأننا لسنا في القرن الحادي والعشرين، بل في أربعينيات أوروبا القرن العشرين! لهذا، أرى أن الطابور وحش بدائي يعيش في داخلنا، ويمكن أن يظهر بسهولة في أي لحظة، غير آبهٍ بالزمن أو بالقرن.

المُحاوِر: إذًا لقد تلقيت اللقاح! وهذا يقودني إلى أسئلة تتعلق بجنون الارتياب ونظريات المؤامرة. أشعر أن الروائيين، خاصة في ما يسمى بالغرب، كانوا يواجهون الشكوك والرعب بالسؤال: "هل هذا حقيقي؟" أما اليوم، في زمن يمكن فيه لأي شيء—بل كل شيء—أن يكون "ممكنًا وصحيحًا"، فالسؤال الجديد أصبح: "هل يمكننا أن نتعايش مع هذا؟" كيف تغيّرت الرواية مع ازدياد جرأة الثقافة على نسج الخيال الذاتي؟

سوروكين: "هل هذا حقيقي حقًا؟" سؤال أبدي في عالمنا حيث يتكاثر الزيف كل دقيقة. لكنني، كما في السابق، أعتمد على حدسي. تجربتي في الحياة، وشعوري الداخلي، هما كل ما أملك حين أقيّم ظاهرة، أو شخصًا، أو حدثًا. يبدو لي أننا لا نملك غير ذلك.فأن تصدّق شيئًا على عماه في زمننا هذا أمر بالغ الخطورة

المُحاوِر: السياسة في هذا الكتاب مباشرة تمامًا. فالملك، الذي يحكم بسلطان، ويبني الجدار، هو أيضًا "جرذ مجاري"، سلطته مزيج من الحقبة الثورية السوفيتية وروسيا الجديدة في المستقبل القريب. ما الذي يربط بين تلك الحقبة التاريخية والعصر القادم؟ أم أنه لا يوجد فرق، سوى بعض الاختراقات التكنولوجية ومأكولات صينية أفضل خارج الصين؟

سوروكين: في روسيا، ترتبط جميع العصور بأمر واحد: هرم السلطة. بناه إيفان الرهيب في القرن السادس عشر، ولم يتغير جذريًا منذ ذلك الحين. تغيرت لغة الروس في القرن السادس عشر، لكن نظام السلطة لم يتغير! هذا الهرم عتيق، غامض، لا يمكن التنبؤ بمساره، غير إنساني، وشرّير تمامًا تجاه الشعب المحيط به.وفي قمة هذا الهرم يجلس شخص واحد يملك كل السلطة لنفسه—القوانين التي تنطبق على المواطنين العاديين لا تنطبق عليه. جميع علل روسيا هي نِتاج لهذا الهرم.لقد كان هذا البناء ملائمًا في القرن الثامن عشر، بل حتى في القرن التاسع عشر، لكنه في القرن العشرين أنجب نظامًا شموليًا وحشيًا، وفي القرن الحادي والعشرين، أصبح مجرّد أثر تاريخي متكلّس، يعوق تطوّر البلاد ويرعب جيرانها. وقد باتت عواقب هذا الهرم الآن واضحة أمام العالم أجمع. هرم السلطة هذا أشبه بمفاعل للطاقة الإمبراطورية، يُنتج إشعاعًا قويًا. ومن يجلس على قمّته يتعرّض لتحوّل—يفقد كل صفاته الإنسانية، ويتحوّل إلى عبدٍ لفكرة الإمبراطورية .كما في "سيد الخواتم".

المُحاوِر: هل هرم السلطة الروسي في جوهره مقبرة، مثل سابقه المصري، أم نوع من المسالخ المعيّنة من الآلهة، كما في أهرامات أمريكا الوسطى؟ وكيف يتوافق الهرم الروسي - أو على الأقل استخدامك له - مع هرم الطبقات عند ماركس؟ أو هرم فريتاج السردي؟ لماذا كل هذه الأهرامات؟ وما نوع الهرم الذي يمثّله "كرملين" كتابك؟

سوروكين: هرم السلطة الروسي هو كيان غيبي. تم تشكيله على مر القرون، بدءًا من القرن السادس عشر. وقد توحّدت فيه المبادئ السلطوية لكلٍّ من الحُقبة الذهبية للمغول وبيزنطة، إلى جانب المعتقدات الوثنية لدى الروس. في روسيا، احتلت السلطة مكان الإله، وقد تجلّى هذا بوضوح خاص في زمن الاتحاد السوفيتي،حين صار ستالين إلهًا حيًّا، ولينين إلهًا ميتًا، مومياء وُضعت داخل هرم يشبه معبدًا أثريًا في الساحة الحمراء.وقد عبدَ الشعب السوفيتي تلك المومياء.

المُحاوِر: هذا هو المقطع المفضّل لدي من هذا الكتاب:

"قبل ستة عشر شهرًا، أُلقي القبض على ستة أعضاء من الطائفة الصوفية المعادية لروسيا المسماة "ياروسفِت". بعد أن رسموا خريطة روسيا على بقرة بيضاء، قاموا بطقس سحري معين، ثم شرعوا في تقطيع البقرة، وأخذوا أجزاء من جسدها إلى مناطق نائية من الدولة الروسية لإطعامها للأجانب. نُقلت مؤخرة البقرة إلى الشرق الأقصى، وسُلقت، وأُطعمت للمستوطنين اليابانيين، بينما حُولت الأضلاع والجزء السفلي إلى فطائر 'بيلمني' في بارناول وأُطعمت للصينيين. وفي بيلجورود، صنعوا بورشت من صدر البقرة وأطعموه لتجار أوكرانيين أغبياء. ثم حُولت الأرجل الأمامية إلى كرات لحم للعمال الزراعيين البيلاروسيين في روسلافل، بينما حُول الرأس إلى طبق 'خولوديتس' وأُطعم لثلاث عجائز إستونيات قرب بسكوف. اعترف جميع أفراد الطائفة بأفعالهم، لكن بقيت نقطة غامضة في القضية: أحشاء البقرة."

هنا لديك ما تسميه "الطقس السحري لتقطيع روسيا" - لكن هل تقصد الدولة الروسية أم الثقافة الروسية - أم كليهما؟ وما الذي تمثّله الأحشاء في هذا الاستعارة؟ المعدة، والأمعاء، ، والقلب، والكبد، والرئتان—هل نقرأها نحن من خلال قراءتنا لك؟ أو بعبارة أخرى: إلى أي درجة تؤدّي، بوعي، طقسًا أدبيًا شبيهًا بقراءة الأحشاء في الجسد الروسي—جسدًا ونصًا؟ وإلى أي مدى تُمارسون قسوةً أدبيةً على الجثة الروسية؟

سوروكين: إذا تحدثنا عن روسيا بوصفها "بقرة مقدّسة"، فإن هذا بالفعل تصوّر قائم في أذهان كثير من مسؤولينا ووطنيّينا. لكن عند النظر إلى خريطة روسيا وحجمها، تدرك أنها ليست بقرة، بل بنتوصور. إن الخوف من أن جيران هذا البنتوصور سيعضونه من الخلف يطارد وطنيينا. ولهذا تهاجم روسيا جيرانها بشكل دوري – وهو فعل ينتهي عادةً بمأساة لروسيا. فقد انهارت روسيا الإمبراطورية بعد الحرب التي خسرتها أمام اليابان الصغيرة، كما انهار الاتحاد السوفيتي بعد حربه في أفغانستان. أما ما سيحدث الآن... فذلك ضرب من التخمين المحض. وإن أردت الحديث عن "أحشاء بنتوصور-البقرة الروسي"، فذلك ضربٌ من الميتافيزيقا الروسية الخالصة.

****

............................

* هذا الحوار مأخوذ من مقدمة مجموعة فلاديمير سوروكين القصصية القادمة "الكريملين السكري"، التي ستنشرها دار دالكي أركايف في أغسطس.

* جوشوا كوهين هو الفائز بجائزة بوليتزر للرواية عن عمله "النتانياهو: سرد لحادثة ثانوية وبالغة الضآلة في تاريخ عائلة شهيرة".

رابط المقابلة:

https://www.theparisreview.org/blog/2025/07/21/the-guts-of-the-russian-brontosaurus-cow-a-conversation-with-vladimir-sorokin/?utm_source=Klaviyo&utm_medium=campaign&utm_id=01K11HKCF76G6VSQJGW5B3AWYA&_kx=_eGnyKxvjY2rMrVvfreS1xdg_SmcF30VCoAeDX7bLW_r_9jh1wKtlgq1-Wn30M41.U5D8ER

قبل وفاته بفترة قصيرة، تحدث الكاتب الكيني لمجلة ذا نايشن عن مجموعته المقالية الأخيرة تحرير العقل من الاستعمار وأفكار ثورية أخرى.

حاورته: رودا فينج

ترجمة الحوار: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

مثّلت حياة وأعمال الروائي والكاتب المسرحي وكاتب المقال نجوجي وا ثيونجو بعضًا من أكثر الأسئلة إلحاحًا التي تواجه إفريقيا ما بعد الاستعمار - حول اللغة والذاكرة والعدالة وإرث الإمبراطوريات الثقيل. وكان الكاتب الكيني، الذي كان مرشحًا دائمًا لجائزة نوبل للآداب، قد توفي في 28 مايو/أيار في أتلانتا عن عمر يناهز 87 عامًا، وفقًا لما أعلنته ابنته وانجيكو وا نجوجي.

وُلد نجوجي عام 1938 في كاميريثو، قرية شمال نيروبي، وترعرع تحت الحكم الاستعماري البريطاني خلال ذروة تمرد الماو ماو. انضم أحد إخوته إلى المقاومة، بينما قُتل آخر، وتعرضت أمه للاعتقال والتعذيب. في مدرسة "أليانس هاي سكول" التبشيرية، حيث كان التحدث بلغته الأم "الجيكويو" يعرّض الطالب للضرب، تشرّب نجوجي ما أسماه لاحقًا "مستعمرات العقل" — نظامًا كانت فيه اللغة الإنجليزية ليست فقط لغة التعليم، بل لغة السلطة ذاتها.

درس نجوجي الأدب الإنجليزي في جامعة ماكيريري بأوغندا ثم جامعة ليدز في إنجلترا، حيث بدأ كتابة أعمال روائية تستكشف الآثار النفسية للاستعمار. رواياته المبكرة — لا تبكِ يا طفل (1964)، النهر بيننا (1965)، حبة قمح (1967) — كُتبت بالإنجليزية تحت اسم "جيمس نجوجي"، وأسست مكانته كصوت رئيسي في الأدب الإفريقي الناشئ في منتصف القرن العشرين، إلى جانب كتاب مثل تشينوا أتشيبي ووولي سوينكا. لكن النجاح النقدي لهذه الأعمال أزعجه ومن ثم لن يرضيه. فكما كتب لاحقًا في كتابه نقل المركز (1993): "كنت أعرف عمّن أكتب، لكن لمَن كنت أكتب؟" وكانت تلك التساؤلات بداية لتحول جذري في مساره.

في السبعينيات، ساهم نجوجي في تأسيس مسرح مجتمعي في كاميريثو، وقدّم مسرحية سأتزوج عندما أريد (1977)، التي كتبها بالجيكويو بالتعاون مع نجوجي وا ميري وقام بتمثيلها عمال وقرويون. تلك المسرحية، التي انتقدت نخب ما بعد الاستعمار، مُنعت من العرض، وهدّم المسرح من قبل السلطات، وسُجن نجوجي دون محاكمة. وفي زنزانته، بدأ كتابة روايته الأولى بالجيكويو" الشيطان على الصليب" على أوراق المرحاض. كانت تلك الخطوة تحدّيًا يمثل قطيعة دائمة وحاسمة مع الإنجليزية كلغة أدبية له.

فى عام 1986، نشر كتابًا يجمع بين السيرة الذاتية والنظرية بعنوان تحرير العقل من الاستعمار، وجادل فيه بأن اللغة كانت أداة محورية للسيطرة الاستعمارية، وأن استعادة اللغات الإفريقية ضروري ليس فقط للتعبير الثقافي الذاتي، بل لمقاومة الإرث النفسي للحكم الإمبراطوري. وكما كتب في أحد مقاطع الكتاب الشهيرة: "المدفع يُخضع الجسد، والمدرسة تُسحر الروح."

فى مجموعته المقالية الأحدث، تحرير اللغة وأفكار ثورية أخرى، يطور وا ثيونجو هذا الفكرة الفكري بحيوية وإصرار. ينقسم الكتاب إلى جزأين: يركز الجزء الأول على إنتاج المعرفة في الجامعات، وتأثير العولمة على الأكاديميات الإفريقية، ودور الحكومات في تنمية منظومة للغات الإفريقية (حيث يطالب بإنشاء "مكتب مركزي للغات الإفريقية" في كل دولة إفريقية). أما الجزء الثاني فيضم إشادات وذكريات عن عدد من الكتاب والمفكرين الإفريقيين مثل سوينكا وأتشيبي وجريس أوجوت.

يُحرك الكتاب إصرارٌ على أن اللغة ليست مجرد وسيلة اتصال، بل مستودعًا للمعرفة والهوية — وأن التحرر الحقيقي يبدأ باستعادة الحق في التفكير والحلم والتخيل بألسنتنا/ لغاتنا الأم.

تحدثت ذا نايشن/ The Nation مع نجوجي عبر البريد الإلكتروني الشهر الماضي حول "الإقطاعية اللغوية"، والأمر الرئاسي الأخير الذي وقعه ترامب بجعل الإنجليزية اللغة الرسمية للولايات المتحدة، وأمور أخرى. نُشر هذا الحوار بعد اختصاره وتحريره.

رودا فينج: هناك خيط قوي يربط بين أعمالك تحرير اللغة، وتحرير العقل: سياسات اللغة في الأدب الأفريقي، ونقل المركز: الصراع من أجل الحريات الثقافية، وهو دعوة الكتّاب والمفكرين الأفارقة لإنتاج أعمالهم بلغات شعوبهم. هل تُعتبر هذه الأعمال ثلاثية في نظرك؟

نجوجي وا ثيونجو: لم تُكتب كثلاثية عمدا فى الأصل، لكن يمكن اعتبارها ثلاثية بالمعنى الواسع للكلمة. فمسألة اللغة تحتل مكانة بارزة في الكتب الثلاثة. لكن جوهر قضية اللغة هو قضية المعرفة ذاتها. المعرفة تنتقل دائمًا من هنا إلى هناك في تقدم جدلي يُنير الطرفين، على عكس التعليم الاستعماري الذي يفترض أن المعرفة تسير في مسار أحادي من المركز الإمبراطوري إلى باقي الأماكن/ الأطراف. اللغة هي نقطة البداية لكل معرفة.

رودا فينج: نقدك لـ"الإقطاعية اللغوية" يُعدّ من أبرز إسهامات هذا الكتاب. كيف تتخيل نموذجًا أكثر مساواة للتبادل اللغوي – قائمًا على التكافؤ لا الهيمنة؟

نجوجي وا ثيونجو: كل اللغات مستودعات للمعرفة. فأفضل معرفة بالبيئة تكمن في لغتها الأصلية، لكن اللغات يمكنها أيضًا أن تتبادل المعرفة. الترجمة أعظم وسيلة لحوار اللغات. في كتابي لغة اللغات، وصفتُ الترجمة بأنها "اللغة المشتركة بين كل اللغات"، فهي تتيج الحوار وتشارك المعرفة بين لغات الأرض.

رودا فينج: في كتابك نقل المركز، أشرتَ إلى أن اللغات الأفريقية حُفظت بأكثر أشكالها سحرًا عبر "الأدب الشفوي". كيف ترى الأشكال الأدبية (المسرح، الأمثال، المقال) كمواقع للمقاومة؟ هل هناك شكل لم تجرّبه بعد؟

ن.و.ث.: كنتُ أود الغناء، لكن للأسف صوتي لا يسمح! المغّنون في كل الثقافات يحافظون على حياة اللغات. الغناء جزء من الأدب الشفوي، ولا يحتاج إلى نصوص مكتوبة.

ر.ف: في حوار مع LARB، ذكرتَ أن "المسرح أثّر في حياتي أكثر من الرواية، حتى في حرفتي الروائية. فمسرحية هي التي أوصلتني إلى سجن كاميتي، حيث أعيد التفكير في قضية اللغة وكتبت أول رواية لي بالجيكويو". هناك فصل في كتابك الجديد مخصّص لـ"ولي سوينكا" الذي تسميه "ضمير أفريقيا". هل كان هناك مسرحيون آخرون أثّروا فيك؟

ن.و.ث: يتبادر الى الذهن على الفور ويليام شكسبير وبرتولت بريخت، وكذلك الأيرلندي يوهان م. سينج، والمسرحيون الروس في القرن التاسع عشر مثل تشيخوف. لكني أعترف أنني لم أتابع كل المسرحيين المعاصرين.

ر.ف: هل هناك كتّاب آخرون تراهم "أصواتًا نبوية" لكنهم لم يُدرجوا في مجموعتك؟

ن.و.ث: أعتقد أن جميع الكتّاب هم أصوات نبوة. تأملي الأنبياء في الكتاب المقدس. كانوا بارعين في الكلمات. كانوا يعبرون عن رؤاهم شفهيًا. ولو كانو في عصر الكتابة، لكانوا وثوقوا رؤاهم كتابيا.

ر.ف: في كتابها "سقوط اللغة في عصر الإنجليزية" (2015)، أعربت الكاتبة اليابانية ميناي ميزومورا عن قلقها من أن التقاليد الأدبية واللغات غير الإنجليزية - مثل اليابانية الحديثة - يتم تهميشها تدريجياً بسبب الهيمنة العالمية للغة الإنجليزية. عملك أنت يؤكد أن اللغات الأفريقية لم تُستبدل فحسب، بل جُرّمت ودُفنت تحت أنظمة التعليم الاستعمارية. هل ترى أي تشابه بين عملك وعمل ميزومورا؟

ن.و.ث: أعتقد أن ونستون تشرشل هو من قال إن إمبراطوريات المستقبل ستكون إمبراطوريات لغوية. هيمنة الإنجليزية هي انعكاس للانتشار العالمي للإمبريالية البريطانية والأمريكية، فكلتاهما ناطقة بالإنجليزية.

ر.ف.: كيف ترى الجهود الأخيرة لـ"تحرير" المناهج في الجامعات الغربية من الهيمنة الاستعمارية؟ هل يمكن أن يكون هذا العمل ذا معنى إذا لم يُنفذ باللغات الأفريقية نفسها؟

ن.و.ث.: هذا جيد. الاستعمار يشمل المستعمِر والمستعمَر. التحرر الحقيقي يجب أن يشمل الطرفين. في أفريقيا، مسألة اللغة مركزية في عملية التحرر من الاستعمار. التسلسل الهرمي اللغوي يؤثر على العالم بأكمله.

ر.ف.: قسم كبير من كتابك يدافع عن حيوية لغة الجيكويو. كيف تقاوم تحويل اللغات الأفريقية إلى مجرد تحف في المتاحف، خاصة مع دخول أعمالك إلى مناهج الجامعات العالمية؟

ن.و.ث: أنادي بمساواة جميع اللغات، الكبيرة والصغيرة. اللغات كالكائنات الحية، يجب أن تنمو، لكن النمو يتضمن التخلص من الجلد الميت، ثم تأتي الزهرة التي تحمل مستقبل النبتة.

ر.ف: في مقالة عام 2018 لموقع "ليت هاب"، لاحظ ابنك موكوما وا نجوجي أن "اليوم، يستجيب المزيد من الكتّاب الأفارقة الشباب لنداء نجوجي فيما يُحسنون الاستفادة من عصر الإنترنت... بينما ورث جيلي قلق اللغة الذي عاناه جيل ماكيريري، فإن أعمال مجموعة جالادا تشير إلى جيل أكثر ثقة، غير مثقل بجماليات الاستعمار وما بعد الاستعمار". هل تتفق مع هذا التقييم؟

ن.و.ث: مسألة اللغة تظل محورية في كل هذا. جيل الشباب ما زال غارقا وخاضعا لعقلية المستعمر التي كانت لدى كتّاب جيلي. وعلى الكتّاب الشباب أن يكونوا في طليعة عملية استعادة لغاتنا.

ر.ف: ما الدور الذي يلعبه الإنترنت في نضال تحرير اللغة من الاستعمار؟ هل يتيح مساحة جديدة لازدهار اللغات الأفريقية أم يعزز هيمنة الإنجليزية كلغة للتواصل والحوار العالمية؟

ن.و.ث: على اللغات الأفريقية أن تواكب التكنولوجيا. ومن ثم فإن الإنترنت يمثل ساحة جديدة في معركة التحرر اللغوي.

ر.ف: في كتابك الجديد تكتب: "إذا عرفت كل لغات العالم ما عدا لغتك الأم، فأنت مستعبد/ أسير. أما إذا عرفت لغتك وأضفت إليها لغات العالم، فأنت متمكن/ حر. خيارنا بين عبودية فكرية وتمكين فكري". في ضوء الأمر الرئاسي الأخير الذي وقعه ترامب بجعل الإنجليزية اللغة الرسمية للولايات المتحدة، كيف ترى هذا التوجه؟

ن.و.ث.: هذه سياسة رجعية. كنت أتمنى أن يطلب تعلم إحدى لغات الأمريكيين الأصليين بالإضافة للإنجليزية. سياسة اللغة الواحدة تعيدنا إلى محاولات أوروبا القديمة لفرض هوية أحادية. بينما أمريكا تعيش واقعاً تعددياً.

ر.ف.: وصفت اللغة بأنها "ساحة حرب". كيف تحافظ على التفاؤل الثوري في معركة طويلة الأمد؟

ن.و.ث.: كما قال وليام بليك: "بدون تناقضات لا يوجد تقدم". والفكرة الهيجلية نفسها:

أطروحة > نقيض الأطروحة > التركيب.

ر.ف.: في قصيدة ابنك "صيد الكلمات مع أبي"، هناك بيت مؤثر: "صيد الكلمة هو صيد الحياة". ما الذي يثيره فيك هذا البيت اليوم؟

ن.و.ث.: أتمنى - كما أتمنى لكل كتّاب أفريقيا - أن نصطاد باللغة الأفريقية، بألفاظ أفريقية.

***

.....................

المحاورة: رودا فنج /Rhoda Feng: كتبت رودا فنج عن المسرح والكتب لصحيفة نيويورك تايمز، وملحق التايمز الأدبي، وفور كولومنز، وفريز، وفوج، ونيو ريبابليك، وبافلر.

* نجوجي وا ثيونجو وُلد باسم جيمس نجوجي؛ ( 5 يناير 1938 – 28 مايو 2025) كان كاتبًا وأكاديميًا كينيًا، وُصف بأنه أبرز روائيي شرق أفريقيا وأحد الشخصيات البارزة في الأدب الأفريقي الحديث. بدأ نجوجي كتاباته باللغة الإنجليزية، ثم تحوّل إلى الكتابة بلغة الغيكويو (لغته الأم)، وأصبح من أشد المدافعين عن الأدب المكتوب باللغات الأفريقية الأصلية. تضم أعماله: روايات و مسرحيات وقصصا قصيرة ومذكرات وأدب أطفال ومقالات نقدية تتنوع بين النقد الأدبي والاجتماعي.عُرف نجوجي بمواقفه المناهضة للاستعمار ودفاعه عن الهوية الثقافية الأفريقية. رفض التكريمات الاستعمارية، وغيّر اسمه من "جيمس نجوجي" (الاسم المسيحي) إلى "نجوجي وا ثيونجو" (الاسم الأفريقي) كرمز لرفض التبعية الثقافية. تُوفي في 28 مايو 2025، تاركًا خلفه إرثًا أدبيًا وسياسيًا يُدرس في جامعات العالم، ويظل صوته حيًا في نقاشات التحرر اللغوي والأدب كأداة للتغيير الاجتماعي.

 

نساء رائدات في الوطن العربي

عائشة بنور: حاصلة على الجائــزة الأولى دوليــا في مسابقة أدب المرأة عن هيئة اتحاد الأدباء بالولايــات المتحدة الأمريكية ماي 2017. وتم تكريمها من قبل رئيس الجمهورية الجزائرية عبد المجيد تبون.

س- نود التعرف على الكاتبة عائشة بنور من حيث المولد والنشأة،؟

- وللطفولة حكايات… من  عام 1970  وفي ليلة مقمرة فتحت عيني والناس من حولي، ووجدت صبيانا ونساء في خيمة الشاعر الكبيرة، يصل مسامعي ثغاء الخرفان وصياح الديكة وخوار الثيران والطبيعة مزهوة بعطر الربيع وهو يكسو الأرض بحلة خضراء مزينة بألوان مختلفة من بديع السموات والأرض. رأيت النور في عائلة بنور التي تتنفس القرآن الكريم وترتله ترتيلا من الجد إلى الجد وتنتسب إلى جدي الولي الصالح سيدي الحاج بن عامر بن محمد (من الأشراف).

كانت الفرحة عارمة بالبنت البكر، “بختة” ذاك اسم أمي الذي تعرفه ناحية الغرب الجزائري كما تعرف الشمس كواكبها وتغنى به شعراء الشعر الملحون في قصائدهم.. وبنت “المختار” ذاك أبي الرجل الذي غمرني بحبه الفياض، ورجل القرآن الكريم بالوراثة، أهله يتنفسون القرآن من الأجداد إلى الأحفاد وحب الفروسية. أبي معلم قرآن في قرية فلاحية اشتراكية تسمى “المعمورة” (بولاية سعيدة، الجزائر) من عهد الرئيس الراحل هواري بومدين الذي أشرف على تدشينها سنة 1973م ووزع مفاتيح السعادة على السكان.

كان عمري ثلاث سنوات عندما كانت تصل مسامعي أصوات الصبيان وهم يرتلون القرآن ترتيلا، فينتعش وجداني وتشرئب روحي بسيمفونية الخلود ونغمات الوحي.. قرأت القرآن الكريم عند أبي في (الشريعة) والشريعة هو اسم المداس القرآنية في الناحية، كانت تلازمني لوحة ومدواة (قرطاس) وقلم قصبي بهما نقشت حروفي الأولى على صدر هذه اللوحة الخشبية ..كان يعجبني كثيرا رسم أبي لحروف القرآن وكتابتها في ألواحنا..وتعجبني تلك اللوحات المزينة بتشكيلة من الرموز والألوان والخطوط كلما يختم أحدنا ربع القرآن الكريم أو نصفه، وتكون الفرحة عارمة حينما تذهب مجموعة من الأولاد يجوبون البيوت وهم يحملون لواحاتهم المنقوشة على أنهم ختموا، فتقدم لهم الهدايا بكل فرح وسرور كحبات البيض أو السكر وقطع من النقود، دون أن ينسى المحتفل به تكريم شيخه بهدية رمزية تقديرا له، كما يحظى الحافظ نفسه بالتقدير والاحترام الكبير…الخ

وأكيد أن مرحلة النشأة قد أثرت على تكويني الفكري لأنني عشت في مجتمع منغلق خاصة في الأرياف والقرى، مجتمع مازال يخطو خطوات نحو التطور بعد الاستقلال لأن الجزائر في تلك المرحلة واجهت وضعا اقتصاديا واجتماعيا معقدا نتيجة للإرث الاستعماري الفرنسي، كما أن المجتمع كان يعيش تحولات على مستوى النظام الاجتماعي الأبوي الذي  يرفض أن تتعلم فيه الفتاة، فتميزت هذه المرحلة الصعبة بالتحدي وبإصراري على مواجهة كل الصعاب ومساندة والدي ودعمه لي وفي الوقت نفسه مرحلة خصبة في تكويني المعرفي وبنشاطي الكثيف والمتميز في الدراسة خشية التعثر....كبرت وكبر معي حلم الطفولة يراقص خطواتي خطوة خطوة، وولجت عوالم المراحل الدراسية بأطوارها التي كانت مرحلة حاسمة في حياتي التعليمية ومنعطف إثبات الذات..

س- تُعد الطفولة الأساس الذي تُبنى عليه حياة الفرد، فما نزرعه فيها نحصده في الكِبَر. كيف أثرت هذه المرحلة التي نشأتِ فيها على تكوينك الفكري؟

- الطفولة... نبع الذاكرة الأول، الطفولة ليست مجرد مرحلة من العمر تمر فكل لحظة فيها تشكل جزءًا من شخصيتي، كانت طفولتي بسيطة تركت في إحساسًا دفينًا بالأمان مع والديَّ والحنين للأمكنة والتحدي من أجل مستقبل أفضل.. الطفولة ليست فقط ما عشته في صباي، بل ما لا يزال يعيش في داخلي من ذكريات، ويذكرني دائما بأن البراءة قوة، وأن الأحلام لا تُولد كبيرة، بل تكبر بنا، وما يتعلمه الطفل من والديه أو من بيئته يصبح جزءا من تكوينه، تكوين ذات إنسانية وكل لحظة منها تزرع في الذاكرة.

س- من الشخص الذي وقف بجانبك منذ البداية، وآمن بموهبتك ودعمك بكل ثقة دون تردد؟ وماذا تودي أن تقولي له؟

- أبي، يكفي أن أقول هو أبي وأنا ابنته المدللة.

س- هل كانت أسرتك تشجعك على تطوير موهبتك في الكتابة أم كانت رافضة لهذا الأمر؟

- في الحقيقة كان دور أبي وأمي هو متابعة دراستي ونجاحي، ويفرحون حينما يتابعون ما أنشره على صفحات الجرائد في الملاحق الثقافية وقتها.

س- ما أهم المواقف التي أثرت على كتاباتك؟

- المواقف كثيرة ومتعددة، والكاتبة لا تولد في عزلة من مجتمعها، وأنا مررت في حياتي بسلسلة من المواقف التي أثرت في مسيرتي الإبداعية لا يمكن حصرها أو التطرق لها في هذه العجالة سواء كانت في الطفولة أو باحتكاكي بكثير من النساء وسماع قصصهن، أمي، جدتي، نساء العائلة، الجارة،  وغيرهن، لم يكنّ بالضرورة كاتبات، لكنهن كنّ ملهمات لي بالصمت، بالصبر الأنثوي الجميل أو حتى بالانكسار سواء من محيطي أو خارجه، كنّ يتحملن دون أن يشتكين، نساء كثيرات كنّ في الظل، ولكنهنّ أضأن لي طريقي. صحيح أنهن لا يعرفن القراءة والكتابة لكنهن كنّ مثاليات وعلمنني من خلال تجاربهن التي كنت أستنطقها من قصصهن و يومياتهن ومعاناتهن وصمودهن ومقاومتهن أن الكتابة التي أعشقها ليست حبرًا يزين الورق الأبيض فقط، بل وجعًا نبيلاً.1703 banor

س- كيف استطعت تحقيق التوازن بين الحياة الأسرية والعملية؟

- تحقيق التوازن بينهما ليس بالأمر السهل، هناك أولويات يجب مراعاتها، كما أن تحقيق التوازن يتطلب الرضا ووعيًا وتنظيمًا للوقت ومرونة في التعامل والتنازل من أجل الأسرة...

المرأة، خاصة في مجتمعاتنا العربية، كثيرًا ما تجد نفسها مطالَبة بأن تكون "كل شيء في وقت واحد"، ولذلك ومن المهم أن يكون هناك وعي بالمسؤولية قبل كل شيء.

س- كيف يؤثر كون زوج الكاتبة عائشة بنور كاتبًا على حياتها الإبداعية؟

  • نحن أسرة مبدعة، مولعة بالكتابة والبحث والقراءة، لدينا مؤسسة للتأليف والنشر (دار الحضارة) وبالتالي نحن مع الكتب يوميا، نؤسس لمشروع ثقافي على المدى البعيد، زوجي الأديب رابح خدوسي له أكثر من 60 مؤلفا، منوعة، سواء في الكتابة القصصية أو الروائية أو الدراسات التاريخية…الخ، هذا من جهة ومن جهة أخرى كوننا مبدعان واهتماماتنا نفسها، نناقش أوضاعًا ثقافية، نناقش أفكارًا وحتى في كتاباتنا نتبادل الرؤى حولها وننقد بعضنا البعض قد يكون اختلافا وقد يكون توافقا، المهم أن هناك مناخ ثقافي، إبداعي، فكري، وكلانا يكمل الآخر…الخ

س- ما أبرز اللحظات التي تتذكرينها من مشاركاتك في الملتقيات الأدبية الدولية، وأي منها كان الأكثر تأثيرًا بالنسبة لك؟

- هي محطات كثيرة لا تنسى.. بصفة عامة كانت مشاركتي في الملتقيات الأدبية الدولية محطات جميلة لا تُنسى رفقة زوجي الأديب رابح خدوسي (باريس، المغرب، مصـر، الهنــد...) لأنها عمّقت إحساسي بأن الكلمة الصادقة قادرة على عبور الحدود والقلوب وأنني قبل كل شيء أمثل الجزائر ومحملة بذاكرة الوطن في كل محفل دولي، كما كنت أشعر بثقل الرسالة والمسؤولية وكذلك كصوت نسائي يكتب عن المرأة ومن أجل السلام عند توقيع أعمالي للمهتمين.

لحظات التأثير والتأثر كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر:

- زيارتي إلى الهند كضيفة الملتقى الدولي لمركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي،حول تصوير الهند في الأدب العربي سنة (2020) وأبرز نقطة أثرت في اهتمامهم باللغة العربية وإصرارهم على تعلمها رغم الصعاب وتعلم الدين الإسلامي وربط العلاقات بين العرب...الخ.

-  أما في مصر الحبيبة وأثناء حضوري المعرض الدولي للكتاب (48) بالقاهرة 2017، لتوقيع رواياتي " نساء في الجحيم-الأسيرة- " الطبعة الثانية، و" اعترافات امرأة " الطبعة الثالثة عن دار النخبة ( مصر).فقد حظيت بجلسة أدبية بمكتبة كتبخانة تحت إشراف الدكتور الأديب صالح شرف الدين وبحضور كوكبة من المثقفين والنقاد وهنا لا أنسى أبدا شهادة الدكتور والناقد الألمعي صالح شرف الدين من مصر قائلا لي: " أنه بكى وهو يقرأ روايتي " نساء في الجحيم- الأسيرة-".

س- كيف تؤثر الثقافة الجزائرية في كتاباتك، وهل تشعرين بأنك تمثلين صوتًا خاصًا لها؟

- الثقافة الجزائرية عريقة جدا وزاخرة بموروثها الثقافي المتنوع عبر مختلف أرجاء الوطن،فهي تمثل لي ذاكرة ضاربة بجذورها في التاريخ وقيمة تراثية تسكنني، وتنوع يغذي خيالي وخصوصية عميقة تميز كتاباتي ومادة خصبة أتكئ عليها في تشكيل عوالمي الروائية ممّا يجعل صوتي الأدبي متفردا ومتشبعا بالانتماء وتعززه.

س- في أعمالك الأدبية، حاولتِ تسليط الضوء على قضايا المرأة لذلك أود التطرق إلى:

- ما الأسباب التي دفعتك للاهتمام بقضايا المرأة؟

- منذ بداياتي، وجدتُ نفسي مشدودة إلى معاناة المرأة، لا كموضوع أدبي فقط، بل كهمّ إنساني وشخصي. رأيت في الطفولة وفي محيطي نساءً صابرات، مهمّشات، موهوبات صامتات، مقهورات، حقوقهن مسلوبة،عشتُ قضايا المرأة ليس من الخارج، بل من الداخل. كتبت من جرحها، من صمتها، من عنادها، ومن صمودها أيضاً.

حاولت أن أمنحها صوتا على الورق لأنها مثقلة بالأحلام وبالقيود،فاهتمامي بقضايا المرأة هو شكل من أشكال المقاومة، وسؤال مستمر عن العدالة، والكرامة، والاعتراف.

س- أذكري بعض من هذه الأعمال، وما الرسائل التي كنتِ تحاولي إيصالها حول تجارب النساء في المجتمع العربي؟

التزامي بقضايا المرأة لم يكن من موقع الشفقة بل من موقع الصدق الإنساني والوعي بالمعاناة المزدوجة التي تعيشها المرأة في المجتمع العربي: كأنثى، وكإنسانة داخل منظومة أفكار غالبًا ما تقيدها، كذلك هي صرخة في وجه الصمت والقهر الاجتماعي ومعاناتها من الحرب والإرهاب والفقر والجوع و..و..و...، فجاءت الروايات: اعترافات امرأة أو السوط والصدى  أو نساء في الجحيم – الأسيرة- أو سقوط فارس الأحلام أو الزنجية وغيرها  محملة بهذا الوجع ولتعرية هذا الألم. وكذلك مرآة لواقع عربي يحتاج إلى المصالحة مع نصفه المهمّش، وأن المرأة ليست هامشًا، بل هي الحياة ..

ورسالتي إلى كل النساء أقول أنتن الماجدات، صانعات خبز الحياة والعطاء الإنساني رغم كل شيء.

س- كيف يمكن للأعمال الأدبية أن تودي دورًا في إبراز معاناة المرأة العربية في مناطق النزاعات المسلحة، وهل يمكن أن تساهم في إيجاد حلول للتحديات التي تواجهها؟

 - بطبيعة الحال أنها تؤدي دورا كبيرا، وهذا ما حاولت الاهتمام به في أعمالي الروائية من خلال تسليط الضوء على معاناتها في مختلف السياقات: القهر، العنف، التهميش والاستغلال من خلال صرخات البطلات في العمل الروائي وقد جسدت ذلك في رواياتي ( نساء في الجحيم- الأسيرة- أو الزنجية، السوط والصدى ( هذه الروايات صدرت في عدة طبعات عربية وترجمت إلى الفرنسية والانجليزية والاسبانية وبعض من قصصي إلى الايطالية والتركية.

الأدب يعري الواقع ولا يقدم حلولًا بل يحرك القلوب والضمائر ويحرك الوعي لدى القارئ، وهو بداية لتغيير حقيقي نحو تلك القضايا وفرصة لرؤية العالم من خلال تلك التجارب الإنسانية.

س- ما رأيك في تصنيف كتاباتك ضمن الأدب النسوي؟ هل تري أن هذا التصنيف ذو فائدة أم أن له سلبيات؟

- أرفض أن يحاصر الأدب في هذا الإطار الضيق وتحاصر الكاتبة في زاوية معينة، فالكتابة لا جنس لها، إنها إنسانية بالدرجة الأولى، تخص الرجل والمرأة، قد تصنف أعمالي في هذا الجانب لأنها تتناول قضايا المرأة التي تعكس همومها، نضالها وأسئلتها الوجودية، ومعركتها من أجل الكرامة،  لكن هذا لا يعني أنها لا تبحث في جوهر الإنسان وفي التجربة البشرية بكل أبعادها الإنسانية .

أنا أكتب من منطلق إنسانيتي الطيبة التي فطرت عليها، كإنسانة تحمل في داخلها أنثى جزائرية، عربية، ذات ذاكرة وتجربة  وليست كصوت معزول وبعنوان ضيق.

س- لقد حصلتِ على العديد من الجوائز والتكريمات، حدثينا عن أثر هذه الجوائز والتكريمات على الكاتبة عائشة بنور؟

جميل أن ينال الكاتب جائزة وأن يكرم لأنه ثمرة طبيعية لمسارٍ طويل (منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي) من الإبداع والتعب والصدق في الكتابة، ولأنها تشعرني بشيء من الطمأنينة وأن ما أكتبه يصل ويُحدث أثرًا في القارئ لأعمالي.

كل تكريم هو بمثابة اعتراف ومسؤولية تجاه نصوصي الإبداعية كما يعد انتصارًا للكلمة والتي تطالبني في الوقت نفسه بأن أظل وفية لرسالتي التي أؤديها من موقع صدق والتزام، كما منحتني الجوائز دفعة معنوية كبيرة، وعزّزت إيماني بأن الكلمة الصادقة لا تضيع، وأن الكتابة الهادفة لا تمرّ مرورًا عابرًا في ظل الفوضى بل تترك أثرها.

لكن يبقى التكريم الأكبر بالنسبة لي، هو عندما تأتيني رسالة تقدير أو أسمع من قارئة تقول لي:"رأيت نفسي في روايتك" سواء في الزنجية أو اعترافات امرأة أو السوط والصدى أو الأسيرة ...أو ...أو

كذلك من أجمل لحظات العرفان التي طبعت مسيرتي الأدبية، تكريمي من طرف السيّد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون (2024) كامرأة متميزة نظير جهودي الإبداعية وهو ليس فقط تكريمًا لي كشخص، بل تقديرًا للأدب الجزائري النسوي ولصوت المرأة الكاتبة.

لقد كانت لحظة مؤثرة، شعرت فيها أن الوطن يحتضن من يكتب له ومن أجله.

كما تشرفت أيضًا بتكريم من ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز آل سعود بدعوة كريمة ضمن ضيوف خادم الحرمين الشريفين لأداء العمرة وزيارة المدينة المنورة والمعالم الثقافية (2025).هذا التكريم بمثابة جسر ثقافي رائع، أثبت أن الكلمة النزيهة والصادقة قادرة على أن توحّدنا رغم اختلاف أوطاننا ولهجاتنا.

أضيفي إلى ذلك تكريمي بالجائـزة الدوليـة لرائــدات الأدب والإبداع بالهنــد (2020)..وغيرها من التكريمات والجوائز القديرة والتي أعتبرها محطات مهمة شكلت لي دفعة قوية للاستمرار، وأكدت لي أن الكتابة الملتزمة، حتى وإن تأخّر صداها فإنها تصل في النهاية إلى حيث يجب أن تُسمع.

س- لقد شاركتِ في عدة ملتقيات ومؤتمرات أدبية دولية، كيف ترين دور الأدب في تعزيز الحوار الثقافي بين الدول؟

  • نحن في زمن تتقاطع فيه الثقافات وتتقارب فيه الشعوب رغم اختلافها وخاصة من خلال الوسائط التكنولوجية الحديثة التي كسرت البعد الجغرافي فأصبح بإمكان القارئ في أوربا أن يتعاطف مع نضال شعب عربي مثل الشعب الفلسطيني من خلال قراءة نص روائي أو سيرة ذاتية أو قصة لأنها تنقل وجدان وذاكرة جمعية، وبالتالي فإن الأدب هو جسر إنساني يتجاوز الحدود ويصبح الأدب أداة لفهم الآخر ونقل التجارب الإنسانية خاصة من خلال ترجمة الأعمال الأدبية إلى لغات أخرى وتعزيز قيم التسامح .

س- ما أبرز التحديات التي تواجه الكاتبات العربيات في العالم اليوم، وكيف يمكن التغلب عليها؟

- المرأة العربية تواجه الكثير من التحديات وفي مختلف المجالات وعلى كافة الأصعدة، وتختلف من بلد إلى آخر، لكنها تلتقي في جوهرها وهو البحث عن الاعتراف بإنسانيتها وحقوقها وبكرامتها التي حفظها لها الإسلام . والتغلب عليها يكون بالمعرفة والوعي والعلم والإرادة والصبر وأن تكون إنسانة مساهمة في بناء أسرتها ومجتمعها.

ورسالتي لكل امرأة عربية والمنتظر منها اليوم هو استيعاب الرهانات والتحولات العالمية وممارسة دورها بوعي وبنظرة مستقبلية تحافظ فيها على خصوصيتها الأنثوية وتتماشى مع عصرها والمحافظة على مقومات شخصيتها الحضارية وألّا تنقاد وراء ما يسلب أنوثتها وكرامتها وشخصيتها وأن تكون مؤثرة ايجابيا في مجتمعها.

س- ما أبرز الأعمال التي تعتبرينها علامة فارقة في مسيرتك الأدبية؟

  • كل عمل إبداعي أشتغل عليه أكتبه بروح خاصة وظرف خاص، بدءا من روايتي "سقوط فارس الأحلام إلى الزنجية، لكن بعض هذه الأعمال شكّلت بالنسبة لي منعطفًا حقيقيا، أو لحظة انكشاف جديدة مع نفسي والكتابة.

أولًا: اعترافات امرأة:

هذه الرواية مكّنتني من الغوص في أعماق الذات الأنثوية، لا كضحية فقط، بل كقوة مقاومة، تفكر، وتشعر، وتنتفض، وقد لاقت صدى قويًا لدى القارئات والمهتمين بالأدب النسوي. والتي ترجمت إلى اللغة الفرنسية وصدرت في خمس طبعات عربية.

ثانيًا: "السوط والصدى"

هي صرخة ضد الصمت، وأعتبرها مرآة فاضحة لوجع المرأة الجزائرية وحتى العربية في زمن الإرهاب والتطرف. كتبتها بحسّ توثيقي وإنساني معًا، وصدرت في ثلاث طبعات عربية.

ثالثا: "نساء في الجحيم –الأسيرة-

هذه الرواية قرّبتني من قرّاء خارج الحدود، وترجمت إلى لغات أخرى( الانجليزية والإسبانية)، وهو ما فتح أمامي آفاقًا جديدة ككاتبة، وصدرت في أربع طبعات عربية.

رابعا: "الزنجية"

أعتبرها منعطفًا وخطوة نحو الأمام و أكثر اختزالًا وتركيزًا وتأثيراً لأنني كتبتها بعد فترة من الصمت والذي لم يكن صمتا عن واقع ووضع المرأة الإفريقية ومعاناتها، صدرت الرواية في ثلاث طبعات عربية وترجمت إلى الفرنسية وقريبا إلى الانجليزية.

س- ما الرواية الخاصة بك التي تشعري أنها الأقرب إلى قلبك ولماذا؟

  • كل رواياتي هي جزء من روحي، والرواية التي أشعر أنها الأقرب إلى قلبي، والتي أعتبرها جزءًا من روحي، هي "نساء في الجحيم – الأسيرة- ليست فقط لأنها لاقت صدى واسعًا، أو لأنها تُرجمت وتناقلها القرّاء سواء داخل الوطن أو خارجه، بل لأنها تحكي نضال الشعب الجزائري والفلسطيني ووُلدت من جرح عميق وتجربة وطنية وإنسانية موجعة.

روايتي "نساء في الجحيم- الأسيرة-  كان كل من يقرؤها يعتقد أن كاتبتها فلسطينية وأذكر هنا أن سعادة السفير الفلسطيني بالجزائر الأستاذ أمين مقبول قرأها على متن الطائرة لأنه وجدها في مكتب سابقه فأخذها معه وقرأها بالطائرة من عمان إلى الجزائر دون أن يبرح قراءتها، لما تركته فيه من أثر، وقد كان يظن هو أن صاحبتها فلسطينية وقد فاجأه الأديب أحمد ختاوي والشاعر رائد ناجي أثناء زيارتهما له أنني جزائرية وعبر لهم عن إعجابه الكبير بالرواية.

س- ما الأعمال الأدبية القادمة التي تعملي عليها، وهل هناك موضوعات جديدة تودي مناقشتها في أعمالك المستقبلية خاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة؟

  • بعد صدور روايتي "الزنجية" ولله الحمد والتي حققت صدى كبير في الوسط الثقافي لما تحمله من موضوعات إنسانية مهمة وعميقة وبُعد إفريقي زاخر وعريق، أنا أعكُف حاليا على مشروع رواية جديدة، هي بالنسبة لي الحلم الذي راودني منذ سنين للاشتغال عليه، وأكيد سوف يكون لهذا العمل الروائي الجديد صدى مثل كافة أعمالي الروائية السابقة كسقوط فارس الأحلام أو اعترافات امرأة أو السوط والصدى أو نساء في الجحيم، ليست كباقي النساء، الموءودة تسأل.. فمن يجيب؟ ….الخ، لأنه مهم لجميع القراء ومهم للقارئ الجزائري خاصة والعربي عامة أن يكتشف جزءًا من الذاكرة المنسية.

س- ما النصائح التي تودين تقديمها للكتاب الصاعدين لتحقيق النجاح والتميز والإبداع؟

- اكتبوا بصدق، اقرؤوا كثيرًا فالكتابة مسؤولية ورسالة وليست شهرة فقط، والنص الحقيقي لا يموت وما الروائع الأدبية التي تعتبر ذات قيمة فنية عالية وتأثير ثقافي كبير إلّا شاهدة على ذلك.

كلمة أخيرة:

- أتمنى أن يرى القارئ في نصوصي ومتخيلي الروائي الصورة الجمالية والإنسانية، فشكرا لكل من آمن بحرفي وشكرا للقارئ، لقارئ كتابات عائشة بنور، شكرا لك عزيزتي د. آمال طرزان على مساحة الضوء هذه.

***

حاورتها د. أمال طرزان مصطفى

- انا حنين لنفسي وللذين احبهم

- بدأت بكتابة الشعر وانا في الصف الثالث

- انا من محبي الأزرق وعائلته وابنهم التركواز

- الشعراء يحلمون ويتمنون ويتملقون ويمدحون

حنين محمد.. هي امرأة مجنونة لكنها اتخذت اهم وأصعب ثلاثة قرارات في حياتها:

- ان لا ترتبط لكي لايشاركها حياتها احد

- ان لاتنجب لكي لاتعيش حزن الأمهات

- تركت التدريس لكنها احتفظت بالوظيفة

مارست الرسم بشغف حتى لاتكاد يدها ترى من غير الوان وكتبت الشعر حتى نافست الأوائل بالبكاء على الاطلال وندبت النواب وكوكب حمزة وموفق محمد حتى كأنها امهم او كل واحد فيهم صخر وهي الخنساء وفوق هذا وذاك تملك هي من الدموع ما لا يخاف شحته ومن الطيبة الكثير وقبلهم هي حنين لا ينقطع حتى تكاد تشارك فيروز حيرتها: (انا عندي حنين ما بعرف لمين).. واحاول في هذا الحوار ان اضعها تحت مرمى اسألتي

* انت حنين لمن؟

- حنين لنفسي وللذين احبهم ويحبوني

* غالبا ماتقف خلف تسمية حنين قصة.. فما هي قصة اسمك؟

- لا اعلم ولكن ذات مرة اخبرتني والدتي بأن خالي كان معجب او احب فتاة اسمها حنين فطلب منها تسميتي وتمت تسميتي حنين

* من جاء، اولا الشعر أم الرسم؟

- لا فرق بينهما الشعر رسم بالكلمات والرسم رسم بالفرشاة والالوان.. ولكن الشعر جاء اولا حيث بدأت بكتابة الشعر وانا في الصف الثالث متوسط وجاء الرسم اثناء دراستي في اكاديمية الفنون الجميلة/بابل

* بماذا يختلف احساسك عند البنفسج عن غيره من الألوان؟

- انا احب (ليل البنفسج فقط) سواء بصوت مظفر النواب او بصوت الكبير ياس خضر. ولكن انا من محبين الازرق وعائلته وبالأخص ابنهم التركواز والسمائي.

* هل ينام القلب؟ وكيف؟

- انا من اللذين مات قلوبهم اذا كيف ينام الموتى!

* متى ماتت بداخلك (حنه) الطفلة وكيف ولدت مكانها السيدة حنين؟

- المواقف هي من تقتل الانسان وتقتل الاحساس وكذلك تقتل المشاعر والأمان. مرت حنة منذ صغرها بالكثير من هذه المواقف التي اماتتها وبالوقت نفسه صنعت منها امرأة بعمر تسع سنوات ام لابيها وامها واخوتها..ومن ثم ام لزوجها وحتى لقطة الشارع التي تأتي عند وقت العشاء.

* انت تركتي التدريس فلماذا تتظاهرين مع المعلمين.. هل هي الانتهازية من اجل الحصول على قطعة أرض؟

- انا لا اريد حتى قطعة حلوى من وزارة التربية والحكومة العراقية. صحيح انا تركت مهنة التدريس ولكني مازلت من المغضوب عليهم كونِ موظفة لدى وزارة التربية.

* هل دائما الشعراء يقولون ما لا يفعلون؟

- الشعراء يحلمون ويتمنون ويتملقون ويمدحون ويذمون، الكثير منهم يشعر ولكنه جبان حين يحين وقت الفعل والتنفيذ حتى في مشاعره يكتب قصائد ودواووين وهو يتغزل بحبيته ويسرد لنا ما سوف يفعله بها ولكن حين يظفر بها يحضر بينهما (العيب والحرام).

* لمن تغازلين في شعرك؟

- لم اكتب الغزل لأحد.

* هل لديك شجاعة الاعتراف؟

- شجاعة جدا ولكن بعض الاعترافات تجرح وتأذي الاخرين ولهذا السبب التزم الصمت.

* من هن الشاعرات الأقرب إلى نفسك؟

- سيلفا بلاث.. وكل من تكتب لتحلق بعيدا عن سجن العادات والاعراف..

* هل انت قريبة من العالمية في لوحاتك؟

- لا..

* اين تجدين نفسك في الرسم او في الشعر أكثر؟

- الشعر طبعا.

* هل انت جريئة فعلا؟

- اكيد فعلا.

* سعدي.. كوكب.. موفق كلهم من الحلة فهل اعجابك بابداعهم او تعنصر لهم باعتبارهم حلاويين؟

- ابدا، سعدي الحلي صوت لايختلف عليه احد وبشهادة معلمنا ونهرنا الثالث موفق محمد. اما كوكب حمزة فهو ملحن وعازف وايضا مطرب يأسر القلب والوجدان ويرسم حزننا الحلي ويطيره لنا طيور حب حزينة. واما موفقنا العظيم فهو شاعر عالمي وصل حدود العالمية دون ان يمدح وزير او يتملق لرئيس او حتى يرشي هذه الدائرة وتلك المجلة ولم يكبد نفسه اي عناء ليكتب عنه هذا الناقد او تمدحه تلك القناة.. كان يكتب لنا نحن احفاده الصغار وطلابه الشعراء يكتب ناقما على السلطة وأهلها. واعتقد ان الجميع يحبهم ومعجب بهم حيث ان التميز والابداع يفرض نفسه على الجميع. وانا احبهم حتى وان كانوا من بلاد الصين.

* اترقصين أم تبكين على انغام اغنية كوكب.. ياطيور الطايرة؟

- اطير.

ورغم ان الأسئلة كثيرة والحوار يمكن أن يتشعب وحنين طافحة بالاجوبة وبروح مسكونة بالرضا الا ان هناك ظروفا متعبة جعلتني أوقف تدفق نهر هذه الأسئلة مع علمي ان الشاعرة تملك من الصبر الكثير لترد على اسئلتي.

***

حاورها: راضي المترفي

 

* ولدتم في البصرة وعشتم مراحل عديدة بين العراق وسورية والدنمارك وبريطانيا كيف أثّرت هذه الرحلة الطويلة على تكوينكم الأدبي والإنساني.

- أضيف إلى ما ذكرتم المغرب وليبيا حيث كنت أدرّس في الثانويّة هناك. سنتين بقيت في شمال المغرب. وأكثر من ستة أشهر في ليبيا حيث درّست أيضا في مدرسة ثانوية. العيش يختلف في المغرب وسوريا ولبنان عن العيش في أوروبا. والسبب هو علمك أنّك لن تستقرّ في هذه الدول، مستقبلك ضائع.. حالما ينتهي عقد عملك لا تدري ماذا تفعل. من الناحية النّفسية تشعر أنك تضيع.. مستقبل مبهم، مع معاناتك اليومية تعيش التناقض: جمال المغرب، الناس الطيبون، التسامح، الحبّ للآخر، احتضان الغريب، في الوقت نفسه تعيش حالات قاسية: ترى شابّا يجلس على الرصيف ينتظرك أن تنتهي من طعامك في المطعم، وحالما تنهض من على المائدة يدخل ليحمل بقايا الطعام ويلتهمه. السرقات، الحشيش، قضايا تعيشها كل يوم، لكنك تشعر بالأمان كون الناس مسالمين، في ليبيا تعيش حالة أخرى، مثلما تخرج من مكان بارد لتدخل غرفة فيها درجة الحرارة أكثر من خمسين، الناس اختلفوا عن طيبة المغرب، في ليبيا مظاهر عسكرية في كل مكان، المجتمع نفسه ينظر إلى الغرباء نظرة احتقار.. التعالي، الجيوب مليئة بالنقود لكنْ هناك روح عدائيّة للآخر لا مثيل لها، العيش في المغرب وليبيا، منحني دافعا لأن أكتب فيما بعد رواية (الرباط) طُبعت ونشرت في سورية، وهناك رواية تخص ليبيا، وقصة طويلة لم تنشرا بعد.

أمّا العيش في سوريا فقد اختلف كثيرا. المجتمع السوري قريب من المجتمع العراقي. كنت أحمل معي من العراق ثلاث روايات هي الروايات الواقعية التي كتبتها في العراق وحملت مخطوطاتها معي عندما سافرت ولم أرجع، وفي دمشق ولبنان بدأت التأليف في المرحلة الجديدة، معنى ذلك التأسيس لمرحلة فنيّة جديدة، فقد كان الكبار الذين سبقونا مثل محفوظ وغيره يكتبون على وفق نمط واحد، نمط اتباعي واقعي بحت بتقنية عالية وهي الصفة التي امتاز بها محفوظ غير أننا نحن الجيل الجديد أردنا أن نقدِّم تيارا مميّزا في الرواية . عن نفسي بدأت بتجربة الرواية القصيرة طبعت رواية (سيرة رجل في التحولات الأولى) و(شئ ما في المستنقع) وهي عن رجل يعثر على جثة مبعثرة فيجمعها ليجد أنها جثته هو، بعد معاناة من الرقيب طبعت الرواية، وهناك الرواية الساخرة (للحمار ذيل واحد لاذيلان)التي أنتقد فيها الحروب.. لقد كان وجودي في سوريا حافزا لتقديم أعمال جديدة وتيار جديد هو تقنية الرواية القصيرة الجديدة، التردد على لبنان أفادني في التقاط بعض الحالات، فكتبت القصة الطويلة (كان الهدوء يأتي متأخرا) التي حوّلّتْها بعض فصائل المعارضة العراقية من الأدباء والفنانين في رفحاء إلى تمثيلية وقدمتها في إذاعة المعارضة، ونشرتها فيما بعد مجلة الاغتراب الأدبي التي كانت تصدر من لندن وكانت هناك تجربتي في القصة القصيرة إذ نشرتُ قصصي في مجلة العربيالكويتيّة الشَّهيرة، إحدى القصص قُدِّمَتْ على شكل تمثيليّة تحاور حولها المستمعون في بثّ مباشر من قبل إذاعة دمشق.

لا أقول إن التغيير شمل في تلك الفترة الرواية فقط.. بل كانت هناك محاولات في الشّعر للإفلات من قبضة السيّاب والرواد فجاءت وأول مابدأ التغيير -قبل قصيدة النثر- في محاولات بعض شعراء التفعلية الذين خرجوا عن نظامها الذي وضعه السيّاب ونازك في نهاية السطر فقد اختلف عدد التفعيلات في كلّ سطر مع بقاء نهاية الأسطر موحّدة التفعيلات. أول خرود كان في اختلاف نهاية الأسطر الأمر الذي أزعج نازك الملائكة وذكرته في كتابها قضايا الشّعر المعاصر، وحذّرنا منه أساتذتنا في جامعة البصرة حيث سمّاه أستاذنا د زاهد العزي، فوضى نهاية الأسطر، وقد سمّاه بعض الأكاديميين فوضى الأسطر، وكانت هناك أيضا تجارب أدونيس التي يزجّ بها في كلمات نثرية خلال قصائده، أو يضع هوامش توضيحيّة لبعض القصائد ثمّ جاءت بعد هذه الفوضى قصيدة النثر التي نُسبت زورا إلى شعراء الثمانينيّات وهي في الأساس نشأت على يدي حسين مردان ومحمّد الماغوط.

* درستم الأدب العربي في البصرة ودمشق، ثم أكملتم الدكتوراه في لندن. كيف انعكست بيئات الدراسة المختلفة على أسلوبكم النقدي والإبداعي؟

 - قضية الأدب بدأت من نهاية المرحلة الابتدائيّة مع قراءة رواية الأم لغوركي، وبعدها مرحلة المتوسطة حيث روايات مثل عشاق فينيسيا وقصة مدينتين وروايات محفوظ وذنون أيوب، وتأتي المرحلة الثانوية لننهمك في قراءة الأدب الروسي المترجم والمسرحيات المترجمة، في ذلك الوقت كانت هناك االعربات والأكشاك التي تبيع الكتب العالمية المترجمة بسعر رخيص جدا يناسب مدخولنا الذي نأخذه من آبائنا، ولا تنس أيضا دَوْرَ الصرح العتيد مكتبة البصرة التي كان والدي يتردد عليها ويصحبني معه وجهود أمينها المرحوم محيي الذي زوّد المكتبة بقصص الأطفال والفتيان..

أما عن الدراسة الجامعية فأودّ أن أقول إنّ الدراسة في جامعة البصرة منحتنا زخما ثقافيا كبيرا، بخاصة في مجال الأدب والنقد والنقد الأدبي، كان في قسم اللغة العربيّة أستاذان كبيران يراعيان قضية الحداثة هما الدكتور زاهد العزي والدكتور حسن البياتي مؤسس القسم مع نازك. لقد صححت جامعة البصرة مساري الأدبي، أردت مرة أن أكتب بحثا في 15 صفحة في السنة الثانية فاخترت بحثا في اللغة (لهجة قبيلة بني أسد) فحذرني الدكتور حسن البياتي قائلا أنت شاعر وقاص (لا حظ خاطبني بما يبني شخصيتي بكل احترام) إذا تخصصت في اللغة تقضي على موهبتك، وأيده الدكتور زاهد العزّي، لذلك وقفت موقفا صحيحا أي كان اختياري حقل الأدب بدلا من اللغة، . الحق كان هناك أساتذة كبار في جامعة البصرة أمثال حسن البياتي وزاهد العزي وفؤاد معصوم الذي درّسنا علم المنطق، (الدكتور فؤاد أصبح فيما بعد رئيسا للجمهوريّة) وكان المنهج عظيما، ولا أغفل أيضا بعض الدكاترة الذين ثقافتهم صفر وهم قلّة والحمد للّه.

أمّا جامعة دمشق فقد فتحت لنا بابا جديدا في الانفتاح على النقد الأوروبي وعلم اللسانيّات اللذين كانا ضروريين لإكمال دراستنا العلميّة، في النقد الحديث والأدب المقارن كان هناك عميد السلك الدبلوماسي العربيّ المرحوم الدكتور حسام الخطيب، والدكتور المرحوم عبد الكريم اليافي الذي درّسنا علم الجمال فقد كنا نمر من قبل على مصطلحات مثل الحسن والرقة واللطف ولا نهتمّ بمعانيها، والدكتور عبد الكريم اليافي هو واضع أول نظريّة جماليّة في الأدب العربي، ويختلف مع الدكتور المرحوم مصطفى جواد في الخطأ الشائع وكتابه (قل ولا تقل) ويراه من باب الإزاحة على سبيل المثال كلمة صامد معناها الأصلي قاصد، والله الصمد أي المقصود بالعبادة لكننا عندنا الآن تعني الثابت، الشئ نفسه حدث في اللغات الأخرى مثل كلمة brave التي كانت تعني زمن شكسبير الجميل brave nights لكنها الآن تحمل معنى الشجاع وكذلك solicitor التي كانت تعني النشوة الجنسية للبغي الآن تعني المحامي المهم إنّ جامعة دمشق أخرجتنا من ببعض مخلّفات القوالب الجامدة بخاصة على يدي الدكتور أسعد عليّ في منحنا الحريّة المطلقة لنا في قول مانريد، ومثلما كان هناك أساتذة في جامعة البصرة لايفقهون وهم قلّة وجدنا مثل هؤلاء في جامعة دمشق وكانوا هم من ضمن القلّة. أمّا الدراسة في بريطانيا فأقول بصراحة إنّي حصلت على الدبلوم والماجستير في بلد عربي، لذلك يمكن أن تعدّ إكمال الدكتواره قضيّة شكليّة الإستفادة كانت من خلا دراستي للغة الدنماركيّة في كوبنهاغن واللغة الإنكليزية واحتكاكي بالمجتمعين ورغبتي في قراءة الأمثال والمصطلحات، والشعر والقصة الدنماركيّة والإنكليزيّة.

* بدأتم بالنشر المسرحي ثمّ تحوّلتم إلى الرواية والقصّة ما الذي أغواكم للانتقال من الخشبة إلى السرد؟

- هناك عدّة عوامل جعلتني أتأثر بالمسرح أوّلا، منها كثرة الكتب التي تباع في العربات، وعلى الأرصفة في شوارع البصرة، وكانت هناك سلسلة المسرح العالمي التي تأتينا من مصر، ثانيا وجود تلفزيون الكويت الذي كان يقدم باستمرار مسرحيات تشدّنا ومنها المسرحيات التي كان يقدّمها المرحوم عبد الحسين عبد الرضا، تعرف ذلك الوقت لم تكن هناك تقنية عالية لنشاهد عام 1965 تلفزيون بغداد. وصلنا تلفزيون بغداد بعام 1968 ثمّ تلفزيون البصرة وهما مسيّسان . يمكن أن تجلس ساعة يقرأ لك المذيع المرحوم رشدي المقال الافتتاحي لجربدة الثورة! لم نكن لنرغب فيهما - تلفزيون بغداد والبصرة-لذلك كانت أنتينات السطوح متجهة نحو الكويت، ثالثا الأفلام المصريّة، صحيح إنها ليست بمسرح لكنها تعتمد على الحوار والمشهد المتنقل الذي كنت أقارن بينه وبين المشهد المسرحي الثابت. في المدرسة الثانويّة حيث كتبت مسرحيّة عن العمل الفدائي بعد النكسة عام 1968، فمثلته المدرسة على مسرح بلدية البصرة وشجعني على الاستمرار في كتابة النص المسرحي المدرسون، ثمّ جاءت مرحلة جامعة البصرة التي درسنا فيها المسرحية اليونانية ضمن النقد الأوروبيّ، فكرتها والحوار فيها والمشهد وفلسفتها وطريقة الإلقاء وكونها شعيرة دينيّة، كنت مشدودا إلى مسرحيات أسخيلوس، سوفوكليس، ويوروبيدس، وسيل المسرحيات العالمية التي تأتينا مترجمة من مصر، فكتبت وأنا في المرحلة الثانوية والجامعية خمس مسرحيّات قصيرة طبعتها عام 1972 في كتاب عنوانه (الشاعر) وهو عنوان إحدى المسرحيّات الخمس، الكتاب صمم غلافه الفنان جواد الزبيدي الذي حصل على الدكتوراه فيما بعد وأصبح مخرجا وأستاذا في أكاديميّة الفنون، والذي قال عن المسرحيات إنها رائعة وقد قدمت نسخة من الكتاب للدكتور علي جواد الطاهر فقال لي إني بدأت بداية صحيحة وعليّ أن أستمرّ، لكن عندما سافرت خارج العراق وقصدت المغرب حدث تضارب بين روحي القلقة والمسرح. كنت قد صحبت معي ثلاثة دفاتر فيها ثلاث روايات هي المعبر، والمكتب والمختار، فازددت يقينا أنّي أحمل أعمالا هي أساسا للقراءة، العمل المسرحي وضع أساسا للتمثيل، حياتي ستكون متحركة لاتوصف قطّ بالثبات، اليوم هنا وغدا هناك، إضافة إلى أنّ الكاتب المسرحي غير حرّ في بدايته، الرّوائيّ يستطيع أن يبدأ روايته من أيّ مشهد، فالمسرح ثبات، وتقييد، وأنا بين الترحال، وحريّة الاختيار، إنّ الرواية والشِّعر أقرب إليّ، من أيّ فن أدبيّ آخر. قد يشدّني الحنين إلى الكتابة المسرحيّة في بعض الأحيان، هذا الحنين، جعلني أكتب بعض الروايات المهجّنة مثل رواية بهلول القصيرة، ورواية شئ ما في المستنقع التي تتألّف من فصلين الأول روائيّ، والثاني حواريّ، والثقافة المسرحيّة دفعتني إلى كتابة الرواية الموازية مثل رواية الصندوق الحديد، أو العتبات في رواية (الواقعيّة المستنيرة) كرواية الثامنة والنصف مساءً.

في روايات مثل (الشمس تقتحم مدينة الثلوج)، و(نهر جاسم) نجد حضورا قويّا للبيئة والمنفى، كيف تصنعون التوازن بين الحنين للوطن، ورؤية الواقع الجديد في المهجر؟

أنا بصفتي كاتبا أجد نفسي أمام ثلاث حالات: أحداث جرت وعشتها، وأحدث جرت ولم أعشها، وأحداث حاضرة. رواية. الأحداث التي عشتها التي جرت منذ الطفولة إلى زمن متأخز ومازالت راسخة في الذاكرة، تلك الأحداث التي ارتبطت بقضايا مهمة مثل قريتي ووجود المستر دوسن الإنكليزي فيها، و14 تموز ومجئ القوميين، والبعث، والحرب بين العراق وإيران، هذه الوقائع لايمكن أن أنساها لكني لم أستطع كتابتها في رواية مثل رواية (نهر جاسم) إلّا حين توفّر لي الاستقرار في الدنمارك فاستغرقت كتابتها أربع سنوات. أي الاستقرار والحريّة، مع ذلك تعرّضت لتشويه قليل، في أحد المشاهد بعد انقلاب 1968 هناك حوار بين البطل وصديقه: هذه المرة جاءووا ليبقوا مثلما هم باقون في سوريّة. الرواية طبعت في لبنان لكن الناشر له مصلحة تجاريّة في سورية، فخاف أن يقع عليه عقاب، فحذف هذه الجملة. وهناك أحداث جرت وأنا في الخارج فيمكن أن تكون هناك عدّة طرق أستقي منها المعلومات منها وسائل الإعلام : الصحافة والتلفاز، والأصدقاء أيضا لهم دور على سبيل المثال نهب المتحف العراقي، وتحطيم تمثال الدكتاتور، مشهدان رأيتهما في التلفاز الدنماركي بقيا مخزونين في الذاكرة، طالعت التاريخ ثمّ اتصلت بالصديق الصحفي السيد جمال هنداوي زوّدني بمعلومات عن تحطيم الجدار للمتحف ونهب بعض تحفه، وأسماء الشّوارع والتماثيل الأخرى التي عملتها المؤسسات التي كانت تتنافس في إرضاء الدكتاتور، كلّ هذه المعلومات كانت غائبة عنّي، عندما توفرت جاءت رواية (شولكي)، أما رواية الشمس تقتحم مدينة الثلوج، فهي تمثّل الحضور، أعني أنّها كُتِبت في حالة كوني بدأت أندمج بالمجتمع الدنماركي. كيف أستوعبه وبأيّة صورة. كيف أستفيد من أخطائه وحسناته، فهي رواية مهجرية. لأن أحد شخصيّاتها عربي والشخصيّات الأخرى دنماركيّة. لقد عبّرت الموجة المهجريّة الأولى عن معاناتها بالشعر، فحاولت الخروج عن هذه القاعدة. يجب أن يكون هناك استيعاب للمهجر بطريقة أخرى. زمن المهجريين الأوائل لم تكن هناك وسائل اتصالات متطوّرة نحن الآن عبر الهاتف والنت نكلّم يوميا أهلنا وأصدقاءنا يوميا، لقد تغيّر مفهوم الوطن في هذه المرحلة من أرض ومجتمع إلى صديق عزيز، الوطن أصبح بفضل التطوّر العلمي إنسانا تخاطبه وتراه كلّ يوم، فدرجة الحنين اختلفت، أمّا فيما يخصّني فأرى أن الرواية يمكن أن تستوعب هذا التحوّل النفسي أكثر من الشعر أو أيّ شكل أدبي آخر، فلو راودني الحنين للبلد الذي عشت فيه لرفعت الهاتف وتكلمت إلى قريب أو صديق، فأحسّ أنني هناك حيث تحوّلت الصداقة، والقرابة إلى بديل عن الوطن، أو لنقل الوطن أصبح إنسانا أكثر مما هو ذكريات، ونحن الذين بدأنا العيش في المهجر منذ سبعينيات القرن الماضي، كنا نشعر بالفرق مثل المهجريين الأوائل مبدعي الأدب المهجري حتى جاء النقّال والنت والكومبيوتر والستلايت، فأصبحنا نتعايش مع الوطن ونحن بعيدون عنه، ونتعايش مع المجتمع الجديد، في هذه الحالة لابدّ من الأدب الهجين الذي استطعت أن أكتبه على شكل سرد روائيّ.

* كتبتم أعمالاً من الخيال العلمي أيضًا. ماذا وجدتم في هذا النوع لم تجدوه في الرواية الواقعية؟

- الرواية الواقعيّة تعني محاكاة الواقع عن طريق السرد. طبعا المحاكاة لا تعني التقليد قطّ، بل استلهام الواقع، يرد في تعريف المأساة أنها تحاكي فعلا نبيلا تامّا، والمحاكاة التي أشار إليها التعريف القديم تختلف عن التقليد الحرفي، المحاكاة نفسها تنطبق على الرواية بالأخص الواقعيّة. والمحاكاة هي لما كان ولما هو كائن، أي الحاليّة، ولما يمكن أن يكون، وهي المستقبليّة أو المثالية، تصوّر مايكون عليه المستقبل.. أضرب مثلا لما كان برواية(الحبّ في زمن الكوليرا)، عن المحاكاة الحالية روايتي(كورونا) كتبتها في الأسبوع الأول من الوباء، والتي خصصت لها إحدى الجامعات الأردنيّة رسالة ماجستير، وهناك روايات أخرى تحاكي الحاضر مثل (النهر يلقي إليك بحجر وبعض الروايات القصيرة التي نشرت فصولا منها في صحيفة أوروك، نأتي إلى المحاكاة المثاليّة، أقول بصراحة وأنا في الصف السادس الابتدائي قرأت رواية (الأم)، وأعقبتها وأنا في المتوسطة رواىة الحرب والسلام، وروايات أخرى لبلزاك وغيره، كنت متشبّعا من الناحية الفنيّة بالروايات الواقعية ولا تنس القصص الخاصة بالأطفال والفتيان التي كنت أشتريها من المكتبات وأدمن قراءتها، عندما كبرت استفقت من حلم الواقعيّة وأثر الأدب الروسي الواقعي والفضل في ذلك يعود إلى دراستي الأكاديميّة، وأساتذة الجامعات اللذين شجّعونا على الحداثة وجماليّة النصوص، فتولّدت لديّ ردّة فعل إيجابيّة جاءت باتجاهين: الأول الخطّ الذي سمّيته الواقعيّة المستنيرة، ومن نماذجها (الساعة الثامنة والنصف) التي توازت مع التاريخ.. . عتبة من زمن النعمان بن المنذر، والعصر الحالي، و(الصندوق الحديد) التي يسبق كلّ فصل فيها عتبة من زمن ماض، و(أنا والشبيه) و(هو الذي منحني يدا) التي جاءت فيها سيرة الخطاط ابن مقلة موزعة على عتبات تسبق الفصول الخاصة ببطل الرواية الواقعي، لقد استحسن شيخ النقاد العراقيين البروفيسور عبد الرضا عليّ إطلاقي عنوان (الواقعيّة المستنيرة)، وبالتزامن مع هذه الأعمال سواء الواقعيّة أو الواقعيّة المستنيرة، التفت الناقد السوري المعروف الدكتور صالح الرزوق إلى المنهج الروائي الذي تدور ضمنه رواياتي فألّف كتابه عن تلك المحاولات الذي جاء بعنوان (الحساسيّة الجديدة في روايات قصي الشيخ عسكر) المطبوع في دمشق. أما الخط الثاني للخروج عن الواقعية التي تشبّعت بها وأنا في مرحلة الطفولة فقد جاء عن طريق روايات الخيال العلمي إذ سألت نفسي إن روايات الخيال العلمي تدور في الفضاء أو لنقل معظمها فجاءت أول رواية قصيرة عنوانها (آدم الجديد) التي تدور أحداثها على الأرض في محاكاة مثاليّة لما يمكن أن يكون عليه العالم في المستقبل، تتحدّث الرواية عن طبيب أمريكي، يجمّع خلايا لموتى في أزمان مختلفة وأماكن متفرّقة: الجزيرة العربيّة، الصين، فيتنام الولايات المتّحدة، الدنمارك، يجعل هذه الخلايا المخية الحيّة في جسد واحد، فيستفيق ذلك الإنسان ليجد نفسه متعددا يعيش في أزمان، ليتساءل ماسر هذ التناقض ومن هو. هذه الفكرة ربما -كما أخبرني بعض النقاد-قد تكون سُرِقت فيما بعد، لكن هذا لا يهم، وقد كتبت رواية هجينة قبلها طُبعت في دمشق، عن شخص يجد أجزاء جثّة في مستنقع فيجمعها وحين ينفض التراب عنها يجدها جثته هو، رواية (آدم الجديد) التي أقصد منها أن الولايات المتحدة تحاول إعادة تشكيل العالم على وفق ماترغب، ثم انفجار العالم على محاولتها تلك، جاءت في دراسة ضمن أطروحة دكتوراه في إحدى الجامعات الجزائريّة (جامعة الشاذلي بن جديد) للدكتورة الباحثة فتيحة عاشوري، كما ألّف عنها الباحث الناقد الأردني الدكتور عبد الرحيم مراشدة كتابا بعنوان (الرواية والمستقبل والنص الموازي) ثمّ جاء كتابه الثاني (تمثيلات التفاصيل في الرواية العربيّة) وهو كتاب يعالج فيه الرواية المعاصرة -محاكاة ماهو كائن- مثل رواية (نوتنغهام في علبة لشمانيا)، هذا الخطّ الروائي دفع أيضا الناقد المصري الكبير الدكتور يوسف نوفل لأن يدعمني في المضي للكتابة فيه فكتب لروايتين من رواياتي رواية (رسالة) التي يندمج بها الماضي والحاضر ورواية(النهر يلقي إليك بحجر) التي تحدثت فيها عن مأساة شط العرب، كتب مقدمتين لهما، وممن التفتوا إلى أسلوبي الروائيّ الجديد الدكتور المرحوم حسين سرمك الذي ألف كتابين عن روايتين لي هما كتاب (البطل البرئ) وكتاب (رسالة وجودنا) عن روايتي: (قصّة عائلة)و(رسالة).

* كتبتم الشعر بأنواعه المختلفة: العمودي، التفعيلي، وقصيدة النثر. أي شكل شعري وجدتموه الأقرب للتعبير عن همومكم الشخصية؟

- حبّ الرواية والقصّ ّتزامن مع حبّ الشعر. الآن البوصلة تميل للعمليّة السرديّة، قبل المدرسة حفظت أو جعلني والدي الشيخ عبد الرؤوف عسكر أحفظ الكثير من القصائد، وحين دخلت المدرسة، في زماننا كان هناك اصطفاف وطالب يقرأ قصيدة ثمّ يأمر المدير المعلمين باصطحابنا إلى الصفوف، لقد كنت ذلك التلميذ الذي يقرأ القصيدة، لا أتذكّر أيّ يوم من الأسبوع كان الاصطفاف الصباحي، وفي الأوّل المتوسط تعلّمت البحور الشّعريّة، أوّا بيت كتبته : كِلْمة قد قلتها منذ البداية أنا أهواك إلى مالا نهاية، وعندما أصبحت في الثالث المتوسط، كانت القصائد تحتشد في ذهني لكبار شعراء المعلقات، شعراء العصر الأموي بخاصة الفرزدق وجرير والمجنون، وبعض شعراء العصر العباسي، أوّل قصيدة كتبتها عن فلسطين عام 1967 بعد النكسة، جمعت فيها كلّ صنوف البلاغة من جناس وطباق، وكتبت قصائد أخرى.. . في المرحلة الجامعيّة اختلف الوضع، ملت إلى قصيدة التفعيلة لكن قصيدة العمود لم تتركني، الحالة هي التي تفرض النوع الشعري، ومازالت قصيدة العمود تفرض نفسها إلى الآن، بدأت بعد دراستي الجامعيّة أميل إلى قصيدة التفعيلة، وخلال دراستي الجامعيّة جذبتني قصيدة النثر. قصيدة النثر أحبّها قصيرة ببضعة أسطر لأنّها عندما تطول تصبح رتيبة،، إنّها تعتمد على الوشائج الخفيّة والعلاقات البعيدة بين الأشياء، فكلما كانت العلاقات التي تربط المشبه به والمشبه بعيدة في التشبيه والاستعارة كانت الصورة أبلغ، أنا لا أرى أن قصيدة النثر جديدة لأنّ العرب قبل الإسلام سموا الكلام الجميل المؤثر شعرا. القرآن ظنّوه شعرا أو فنّا من الشعر (وماهو بقول شاعر). أحيانا العقليّة العربيّة تزج بالنثر في الشعر مثل البيت المنسوب للإمام عليّ: أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا كلمة أشدد زائدة، وهو التخزيم، والخزّامة زائدة، وهناك دخول حرف زائد على البحر الطويل مثل الواو، كان ذلك منذ قرون قبل أن يدخل أدونيس كلمات نثريّة في شعره، هناك زحف من النثر على الشعر جرى في الماضي، الشئ الوحيد الذي آسف له هو أنّ الغالبية العظمى من شعراء قصيدة النثر لايعرفون البحور الشعريّة، لنفترض لو قدّم لنا رجل لا يعرف القراءة والكتابة تمثالا رائعا أو ارتجل قصيدة جميلة ماذا نقول عنه، سنقول بالتأكيد نحّات فطري، أو شاعر فطريّ، لكننا لا يمكن أن نرفض نتاجا هو السائد في الساحة الآن، الكثير منه جيد والكثير منه ردئ، أمّا عن نفسي فأقول إنّ اللحظة الانفعالية هي التي تتحكّم بي ليكون ما أكتبه عمودا أم تفعيلة أم قصيدة نثر.

* وصفكم النقاد بأنكم تجمعون بين الشعر والفلسفة واللغة والبلاغة في نصوصكم. هل تشعرون أن الشاعر اليوم مطالب بأن يكون موسوعيًا؟

- هناك مقولة تخصّ الشعر أؤمن إيمانا مطلقا بها إنّ أي عمل أدبي لابدّ أن يضمّ في ثناياه خطرات فلسفيّة وأي عمل يخلو من التأمّل الفلسفي لا حياة فيه ويكون سطحيّا ولن يخلد. لا أقصد أن ننظم الفلسفة في الشعر مثلما فعل الزهاوي عندما تحدّث عن حركة النّجوم وكما يفعل بعض المتصوّفة. قد نتساءل لماذا خلدت على مدى الدهر معلقات طرفة وامرئ القيس وزهير وشعر المتنبي وشعر السياب لأن مفهوم تلك القصائد يعالج قضيّة الإنسان في الحب والفرح والحزن والسعادة والحياة والموت، قصيدة طرفة مثلا تعالج موضوع العبث الذي هو جانب من جوانب الفلسفة، كم كتب الشعراء في الحب، فنسينا قصائدهم وبقي شعر المجنون وكثّير عزة عالقا في أذهاننا. قصيدة السياب (المومس العمياء) تعبق بالخطرات الفلسفيّة، لابدّ أن يكون هناك توازن بين الشعر والفلسفة والبلاغة فلا يطغى أيّ من هذه الحقول، لو انفردت الموسيقى وحدها لكان الكلام سطحيّا، ولو طغت البلاغة لبدا الشعر مفتعلا، ولو تجلّت الفلسفة واضحة لأصبحت القصيدة نظما. الأساس هو الموهبة، لكن أرى من الضروري أن يكون الشاعر موسوعيّ الاطلاع لكي يبدع أكثر وتلك مسألة اختلفت فيها مع بعض النقاد الذين يرون أن ليس من الضرورة أن يعرف الشاعر لغة ثانية، ويحفظ الكثير من شعر الأسلاف، يكفي أن يعبّر عن تجربته من دون أيّة مؤثّرات خارجيّة.

* ماذا تعني لكم الموسيقى الداخلية في القصيدة؟ وهل تغير إحساسكم بالإيقاع بعد الغربة والكتابة بلغات أخرى؟

- الايقاع الداخلي والمناسبة بين الحروف، هي الثنائيّة التي ترتكز عليها القصيدة العموديّة، فعندما يمدح المتنبي شجاعة سيف الدولة : تمرّ بك الأبطال.. نجده يختار البحر الطويل المناسب للنفس الملحمي في الوقت نفسه يختار الكلمات القوية حرف الراء المنفجر والكاف.. وصيغة فعّال .. في قصيدة النثر يختفي الوزن وتبقى ثنائيّة الإيقاع وتناسب الحروف هي الأساس في التوافق مع الموضوع العام، إحساسي بالغربة وسرعة العصر هما اللذان دفعاني للكتابة في قصيدة النثر فالعصر سريع الوقع سرعته أثّرت في الأديب الشاعر الأوروبي منذ منتصف القرن الثامن عشر فبدأ بقصيدة النثر نحن جئنا متأخرين، الشاعر اليوم في أوروبا لا يكتب على وفق البحور إلّا نادرا. أمّا مايخص كتاباتي الإنكايزية فلدي مجموعة قصص قصيرة ورواية (كورونا)التي بالأساس كتبت باللغة العربية، ماكتبته باللغة الإنكليزية أردت منه التواصل مع الأديب والقارئ الإنكليزي.

* أنجزتم بحوثًا عن الأساطير والخرافات الجاهلية وأثرها في الديانات. ما الذي جذبكم إلى هذا العالم الرمزي؟

- عالم الطفولة كان متناغما مع القصص الشعبي والحكايات الخرافيّة وقصص الحوريات، إنّه عالم رائع يرتبط بالعظيمات وهنّ أميّ وخالتي، وحبوبتي زوجة خالي، أكثرهن قدرة خالتي، إلى درجة أنني كنت أظلّ صاحيا في الليل فأسمعها تقص وهي نائمة، ثمّ جاءت عظمة المسرحيّة اليونانية بأساطيرها الخالدة التي فسّرت الحياةومازالت تعيش فينا، فالأسطورة فيها بعض العلم والخرافة، والتأمّل الفلسفيّ. إضافة إلى نهايتها المأساويّة التي تهدف إلى تعليمنا. أسطورة أبي الهول مثلا ولغز الزمن: الإنسان يمشي على أربع ثم اثنين فثلاث، إن الاسطورة تعلمنا كيف نختار الخير ونتصرّف تصرّفا نبيلا بغض النظر عن النتيجة التي تواجهنا. إن لم تكن نفوسنا صافية فإنّ الوباء سينتهكنا كما تقول أسطورة أودب وتلك معان نبيلة نادت بها الأديان السماوية التي حذّرت من عقاب الربّ في الدنيا قبل الآخرة إذا أصبحنا أناسا سيئين.

* في "معجم الأساطير والخرافات الجاهلية"، هل كنتم تحاولون تقديم قراءة حديثة لتراث قديم، أم فقط جمعه وتصنيفه؟

- المعجم هو عمليّة جمع، وتبويب حسب الحروف الأبجديّة. استغرقت العمليّة أكثر من عشر سنوات. كلّما وجدت أسطورة أو حكاية خرافية دونتها، والسبب هو أنّني وجدت اليونانيين والرومان والهنود والصينيين، جمعوا أساطيرهم، ولم يفكّر أحد بجمع أساطيرنا قبل الإسلام، فكانت مصادري هي الشعر، والأمثال والخطب، وسجع الكهان، وكتب التراث القديمة. المعجم طبع في الأردن، أمّا الأمر الآخر وهو الدراسة فكانت عن الأساطير العربيّة قبل الإسلام- أي أساطير المعجم نفسه-وعلاقة تلك الأساطير بالديانات القديمة، العنوان هو أطروحة الدكتوراه، خذ مثلا أحد ملوك بابل، تجد في الأخبار البابلية القديمة وليست العربيّة أنّ الملك البابلي جدّد معابد آلهة العرب ومنها الإله رضا،، ألا يدلّ الخبر على وجود علاقة روحيّة بين البابليين والعرب في الجزيرة العربية. كذلك الأمر مع الهنود والفرس واليونانيين واليهود والمسيحيين، مما يدلّ على العلاقة الواسعة بين سكان الجزيرة العربيّة والشعوب الأخرى.

* ألقيتم محاضرات في جامعة دمشق وكوبنهاغن وأسهمتم في إعداد "معجم البابطين". كيف تنظرون إلى العلاقة بين الباحث الأكاديمي والمبدع الأدبي في شخصيتكم؟

- أتذكّر أوّل محاضرة لي في معهد كارستن نيبور في كوبنهاغن كانت بدعوة من صديقي المستشرق القس الأستاذ في المعهد نفسه سفن سونوغورد، كان عنوان المحاضرة (زمن الدائرة الشعريّة العربيّة) تحدثت فيها أنّ العرب قبل الإسلام يطلقون على كلّ كلام مؤثّر شعرا، بدليل أنّهم قالوا في بدء الدعوة عن القرآن شعرا، ثم انتهيت بقصيدة النثر التي جاءت بعد تطوّر هائل مرّ به الشعر العربي حتّى وصل إلى ماهو عليه الآن. كانت لي أكثر من محاضرة، ومنها محاضرة عن القصص الوصفي، لكن الحقّ أقول حمدا لله على أن لم أنصرف كلّيّا للتعليم الجامعي، لأنّ للتعليم لغة خاصة مباشرة، فضلا عن تصحيح الدفاتر والامتحانات، والعمل الروتيني، هناك الكثيرون من الموهوبين قتلهم البحث الأكاديمي العلمي لقد قرأت شعرا جميلا للناقد الكبير الدكتور عبد الرضا علي الذي رشّحني للتدريس في الجامعة الحرّة بهولندا فقلت له لقد ربحناك أستاذا وناقدا وخسرناك شاعرا، أنا نفسي جرّبت العمل في الصحافة اشتغلت مدّة عام مراسلا لصحيفة معروفة، كنت أخرج أتابع الأحداث، والأخبار، فكان يصعب عليّ أن أكتب قصة، لأنّ أسلوبي الطاغي وقتها أصبح أقرب للصحافة، واشتغلت في قناة كوبنهاغن القسم العربي، فخضعت للأسلوب الإعلامي، واحتجت إلى جهد لكي أعود قاصّا وشاعرا.

* يرى بعض النقاد أن لديكم "حساسية جديدة" في التعامل مع النص الروائي. كيف تفهمون مصطلح "الحساسية الجديدة"؟ وما الذي يعنيه لكم على مستوى الكتابة والقراءة؟

- مصطلح الحسّاسيّة الجديدة ابتكره الناقد السوري المعروف الدكتور صالح الرّزوق وقد ألّف كتابا عن رواياتي عنوانه (الحسّاسية الجديدة في روايات قصي الشيخ عسكر)، إذ عالج في الكتاب موضوع رواية المهجر وقضايا علم النفس، والبطل، والمجتمع، وقارن بين طريقتي وطرق الكتاب الآخرين العرب والأوروبيين، لأن الناقد الدكتور صالح الرزوق واسع الإطلاع شغوف بالقراءة النقديّة والرّوائيّة باللغتين العربية والإنكليزية، فما من رواية صدرت إلا وسارع في قرائتها إضافة إلى أنه قاص وكاتب روائي، ومترجم، وقد تتبع نتاجاتي منذ المرحلة الواقعيّة، فالمرحلة الضبابية أو الزرقاء كما أحب أن أسمّيها لأنني كتبت فيهما روايتين سجلتا حضور الماء هما (سيرة رجل في التحوّلات الأولى)و (شئ ما في المستنقع) ومرحلة الواقعيّة التي أستندت فيها إلى الاستفادة من التراث مثل(شهريار يهاجر للصمت المباح)و(آخر رحلة للسندباد)وأود أن أشير إلى أن المستشرقة الألمانيّةالمرحومة (Wiebke Walther) أستاذة الأدب العربي في جامعات ألمانيا قسم الاستشراق بعثت برسالة إلى الدكتور الباحث جليل العطية -موجودة نسخة منها -تعجب فيها باستلهامي التراث في قصصي، ورواياتي بشكل ملفت للنظر كما تقول، والواقعيّة الأنيقة (نهر جاسم) والواقعيّة المستنيرة(الثامنة والنصف) و(أنا والشبيه) و(هو الذي منحني يدا)

* ما الذي ظل ثابتًا في داخلكم رغم تغير المنافي والمدن؟

- عالم الطفولة، أوعالم قرية نهر جاسم، حيث ترقد خالتي جنبي تظلّ تحكي لي حتّى أغفو، أو أمي أو حبوبتي، هنّ اللائي زرعن حب القص والرواية في نفسي، ومدرسة التنومة الابتدائيّة، ومجالس رمضان في ذلك الوقت، وعاشوراء، كنا ننتظر 11 شهرا ليطلّ رمضان، و11 شهرا ليأتي عاشوراء فنقع على هذين الشهرين الجليلين بلهفة وشوق لهفة الظمآن للماء، هل يعلم أحد أنه يمكن أن ينسى أسماء مدرسيه في الجامعة والمرحلة الثانوية، ولا ينسى أسماء معلميه في الابتدائيّة؟ هذا هو العالم الذي لم يتغيّر في داخلي.

* لو طُلب منكم أن تختاروا كتابًا واحدًا من مؤلفاتكم ليكون "سفيركم الأدبي" للعالم، أي كتاب تختارون ولماذا؟

- بصراحة ومن دون تردد رواية (نهر جاسم) أوّل رواية كتبتها في مرحلة الواقعيّة الأنيقة. أضف إلى ذلك أنها غطت من الناحية الفنية مساحة واسعة امتدت من نهاية العهد الملكي إلى بداية الحرب العراقيّة الإيرانيّة، ويلاحظ القارئ والناقد أنّني جعلت قريتي الصغيرة تتفاعل مع مايجري في مدن كبيرة مثل بغداد وواشنطن وموسكو، والسبب الأهم بطلة الرواية القويّة الشخصيّة، حين قرأت ثلاثيّة محفوظ في الصف الثاني المتوسّط أشفقت على بطلة الرواية الضعيفة الشخصيّة أم فهمي وكمال، وقرفت من شخصيّة أم ياسين المنحلّة ولكوني نشأت في أحضان نساء قويات الأم والخالة وزوجة الخال، حتى المرأة التي أرضعتني -حين تضطر أمي لجلبي لها- كانت رحمها الله قوية، النساء الأربع القويات في حياتي دفعنني لأن أكتب رواية بطلتها قويّة الشخصيّة في زمن مضطرب قلق.

* هل ترون أن المغترب كاتبٌ دائم الترحال، حتى على مستوى اللغة والأسلوب؟

- ليس ضروريا أن يكون المغترب كاتبا، لكني أستطيع أن أصنّف المغتربين الذين يمارسون الكتابة إلى مجوعتين: مجموعة تكتب عن واقعها الجديد، ولاتنسى ذكرياتها القديمة، فهي تكتب عن الحاضر الجديد ولا تنسى الماضي، ومجموعة تعتمد على الذكريات فقط، ولا يهمها الحياة الجديدة في بيوت هؤلاء صحون فضائية يراقبون المحطات العربية، يتعلمون اللغة للاحتكاك بالمجتمع ولا يتفاعلون معه كتاباتهم عن الماضي فقط.

* النقاد الذين تراهم قدموا رؤية نقديّة موضوعيّة للأدب العربي؟

- الذين دفعوا الحركة النقديّة باتجاه الموضوعيّة والإبداع النقدي وجمعوا في الوقت نفسه بين الاحتراف الأكاديمي والنقد : من العراق: علي جواد الطاهر، عبد الرضا علي، صلاح نيازي، حسين سرمك، نجم عبد الله. الأردن عبدالرحيم مراشدة، من سورية صالح الرزوق، وقاسم المقداد، جورج طرابيشي، سمر روحي الفيصل، خالدة سعيد، نعيم اليافي، مصر: جابر عصفور، يوسف نوفل. أما مانقرؤه ونعايشه يوميا فهو يندرج ضمن انطباعات، ومقالات مزاجية فيها خطرات نقديّة.

* أين اضع نتاجك بين الأعمال العراقية المعاصرة وماذا استفدت من الرعيل المبكر: جبرا والتكرلي وعبد الرحمن مجيد الربيعي؟

- الحقّ قرأت غائب طعمة فرمان، الرائد ذنون أيوب، محمود السيد، جبرا أبراهيم جبرا. قرأت للروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي أظن أكثر قراءاتي في الأدب العربي الروائي مصريّة وسوريّة حيث احتشدت في ذهني أسماء مثل عبد السلام العجيلي وفاضل السباعي وهاني الراهب وآخرين.

* مارأيك برواية الدكتاتور العراقية، وهل لها علاقة برواية الدكتاتور في أمريكا اللاتينيّة ولماذا لانقول عن رواية ستالين وهتلر إنّها عن دكتاتوريات تركت أثرا عميقا بالتاريخ العالمي؟

- في العراق صدرت روايات عن الدكتاتور فيما يشبه السيرة، مع الأسف لم أطّلع عليها لظروف ما، وأعتقد أن الكتاب العراقيين استوحوا رواياتهم عن الدكتاتور من رواية (ليس للجنرال من يكاتبه) وهو إبداع أمريكي لاتينيّ بحت، آمل أن أطلع على الروايات العراقية التي تحدّثت عن ذلك، أما عن الروايات التي كتبت عن هتلر وستالين فإن شخصيتيهما ارتبطت بالحرب العالمية الثانية ضمن حركتين متضادتين هما الفكر الشيوعي والنازي. هاتان الشخصيتان أوروبيتان وأوروبا لها رؤيتها الثقافية العامة وإبداعها النقدي ـأما الدكتاتور العربي واللاتيني فيبقى في إطار مجتمعه، لقد سمعت بيان الاستسلام الألماني الذي أذيع من الإذاعة وقتها فيه جملة: إن الفوهرر قتل وهو يدافع عن المانيا من البلشفيين. وع العلم إن الحرب بدت مع أوروبا الغربية من قبل ألمانيا وانتهت بتضحيات الروس.

***

حاوره جمال الهنداوي

....................

الحوار منشور في صحيفة اوروك ايضا

 

حوار مع مستشار رئيس مجلس النواب العراقي الدكتور زياد الضاري أهم قضايا المرأة العراقية خاصة والعربية عامة من التهميش إلى التمكين.

س/ هل تعتقد أن النظام الأبوي يساهم في تهميش دور المرأة وتقليل قيمتها داخل الأسرة والمجتمع؟

ج/ سؤال مهم ومعقد، والإجابة عليه تتطلب التمييز بين الدور الأبوي الطبيعي كأب وراعٍ داخل الأسرة، وبين السلطة الأبوية كنظام اجتماعي أو ثقافي.

إن كنا نقصد بالدور الأبوي: الدور الطبيعي للرجل كأب (أي توفير الرعاية، الحماية، التوجيه داخل الأسرة)، فهذا الدور لا يُفترض به أن يُهمّش دور المرأة. بل عندما يُمارَس هذا الدور بشكل صحي ومتوازن، سوف يعزز الشراكة داخل الأسرة، ويكمل دور الأم، وبالتالي سوف يُقصيه.

أما إن كنا نقصد بالدور الأبوي كسلطة أبوية ساهم النظام الأبوي تاريخيا في تهميش دور المرأة من خلال تجاهلها في أدوار معينة وحرمان صوتها في صنع القرار الأسري أو تقييد دورها واقتصاره في (الأمومة، العمل المنزلي) وحرمت من فرصتها في التعليم والعمل لذا فرض ذلك صورة نمطية على المرأة بأنها اقل قدرة من الرجل وهناك شواهد عدة على ذلك من بينها منعها من التصويت بالانتخابات النيابية في عدد من الدول الأوربية في أربعينيات القرن الماضي.

الدور الأبوي الصحي لا يهمش المرأة، بل يكمّل دورها، أما النظام الأبوي التقليدي فقد ساهم بشكل كبير في تهميش المرأة تاريخياً، وما زالت آثاره قائمة في بعض المجتمعات، بل ولا تزال المرأة في بعض المجتمعات بحاجة إلى موافقة ولي الأمر للسفر أو العمل، رغم كونها راشدة وقادرة على اتخاذ القرار، فالتربية غير المتوازنة التي تُفضل الذكور على الإناث تعيد إنتاج هذه النظرة من جيل إلى جيل.

س/ من وجهة نظرك ما العوامل التي تجعل ولادة الذكر مصدراً للفخر، بينما تعتبر ولادة الأنثى عبئاً في بعض الأحيان في مجتمعاتنا العربية؟ وهل تعتبر المرأة شخصاً فاعلاً أم مجرد جنس وجسد في مجتمعاتنا العربية؟

ج/ بعض الناس يستخدمون نصوصًا دينية خارج سياقها لتبرير تفضيل الذكور، مع أن الإسلام مثلاً أوصى بحسن تربية البنات، ووعد من يُحسن إليهن بالجنة.

ومن الجدير بالذكر أن هذه النظرة بدأت تتغيّر تدريجياً في كثير من المجتمعات العربية، وخاصة مع ارتفاع مستوى التعليم، وزيادة مساهمة النساء في سوق العمل، ونجاحات النساء في مختلف المجالات، مما أثبت أن الأنثى ليست عبئاً بل طاقة إنتاجية وعقلية مبدعة ومؤثرة في المجتمع ،و في الكثير من المجتمعات العربية، هناك نساء فاعلات بامتياز: في السياسة، التعليم، الطب، الأدب، الاقتصاد، والفنون ونشهد حضوراً متزايداً للمرأة في مواقع اتخاذ القرار وفي الحركات الاجتماعية والثقافية هذا دليل على أن المرأة ليست فقط "جنساً" أو "جسداً" بل عقل، إرادة، ومساهمة حقيقية في بناء المجتمعات .

رغم هذا التقدم، لا يمكن إنكار أن خطاباً واسع الانتشار لا يزال يختزل المرأة في بعدها الجسدي، ويضعها ضمن قوالب جاهزة مرتبطة بالجمال، الشرف، أو الدور التقليدي في الأسرة هذا الخطاب يظهر في الإعلام، في بعض المناهج الدراسية، وحتى في بعض الخطابات الدينية والاجتماعية التي تكرّس صوراً نمطية، فالمرأة ليست مهمّشة بطبعها، بل تُهمّش عندما تكون هناك ثقافة تُقيّد دورها أو تقيّمه بناءً على شكله أو "قواعد" مفروضة لكن هذه البُنى ليست ثابتة، وهي تتغير مع الوعي والتعليم والانفتاح.

نرى من ذلك أن المرأة في المجتمعات العربية ليست مجرد جسد، ولكن في بعض السياقات لا تزال تُعامل على هذا الأساس وهذا يختلف من بلد لآخر، ومن طبقة اجتماعية لأخرى، ومن بيئة إلى أخرى. هناك تغيرات ملحوظة في السنوات الأخيرة فالكثير من المجتمعات بدأت تُعيد النظر في هذه الأنماط الأبوية، وتشجع على تمكين المرأة، وهناك وعي متزايد بالمساواة بين الجنسين، وبذلك المرأة قادرة وفاعلة ومبدعة، لكن التحدي الأكبر يكمن في تفكيك الصور النمطية والتمكين الثقافي والاجتماعي الحقيقي لها لتأخذ مكانها الطبيعي، لا الاستثنائي، في كافة مجالات الحياة.

س/ هل تُعدّ ظاهرة ارتفاع معدلات الطلاق في العراق خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية التي تستدعي الوقوف عندها وتحليل أسبابها، لما لها من آثار مباشرة على بنية الأسرة والمجتمع؟

ج/ تشير الإحصاءات الرسمية إلى تصاعدٍ ملحوظ في أعداد حالات الطلاق، أسباب هذه الظاهرة عوامل اقتصادية وثقافية واجتماعية، فالفقر والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة تُعدّ من أبرز العوامل التي تضع ضغوطاً متزايدة على الأزواج، خاصة مع صعوبة تأمين سكن مستقل أو دخل مستقر. كما أن الزواج المبكر، المنتشر في بعض المناطق، يؤدي إلى نشوء علاقات زوجية غير ناضجة، سرعان ما تنهار أمام أول اختبار.

ولا يمكن إغفال تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيّرت شكل العلاقات الزوجية وأثّرت في أنماط الثقة والتواصل بين الشريكين، كما أن تدخل الأهل المفرط، وضعف مهارات الحوار، والعنف الأسري، كلها عوامل تغذي هذه الظاهرة.

في المقابل، تحتاج الحكومات العربية، وعلى رأسها الحكومة العراقية، إلى تفعيل جملة من الآليات للحد من الطلاق، تبدأ من توعية المقبلين على الزواج عبر برامج إلزامية، مروراً بإنشاء مراكز إرشاد أسري تساعد على حل الخلافات قبل الوصول إلى الطلاق، إلى جانب إصلاحات قانونية توازن بين حقوق الرجل والمرأة، وتضمن مصلحة الأطفال في حال الانفصال ، ولا يسعني إلا أن اذكر أن قانون الأحوال الشخصية العراقي من أفضل القوانين التي تحمي الأم وطفلها و أن التغييرات الجديدة التي تخص القانون أعلاه سيهدد بنية الأسرة العراقية ،أما فيما يخص الإصلاحات الحكومية فلابد أن تتجه السياسات الحكومية نحو دعم الأسر اقتصادياً، وتشجيع التعليم وتمكين النساء، باعتبار أن استقرار الأسرة هو أساس الأمن المجتمعي ، فالطلاق هو علامة على خلل عميق يحتاج إلى معالجة شاملة، تبدأ من الأسرة وتنتهي بمؤسسات الدولة .

س/ ما الآثار المنعكسة على المرأة في العراق جراء الحروب والصراعات؟ وإلى أي مدى يظل التأثير ممتد على حياة المرأة العراقية اليوم؟

ج/ المرأة في العراق عانت بشكل كبير جراء الحروب والنزاعات المستمرة منذ عقود، بداية من الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، مرورًا بحرب الخليج (1991)، والحصار الاقتصادي، ثم الغزو الأمريكي للعراق في 2003، وما تبعه من اضطرابات أمنية وصراعات طائفية، وصولًا إلى اجتياح تنظيم “داعش” لعدة مناطق من البلاد، وما بعده من أزمات هذه الأحداث تركت آثارًا عميقة على النساء العراقيات، ومن أبرز تلك الآثار

أولاً: الآثار السلبية المترتبة على المرأة العراقية:

- الترمّل وفقدان المعيل: كثير من النساء فقدن أزواجهن وأبنائهن في الحروب، مما اضطرهن لتحمل أعباء إعالة أسرهن في ظل غياب الدعم الحكومي الكافي.

- النزوح والتهجير القسري: آلاف النساء نزحن من مناطقهن بسبب الصراع، لاسيما بعد سيطرة "داعش"، مما عرّضهن للفقر، وانعدام الخدمات، والعيش في مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

- العنف الجنسي والانتهاكات: شهدت بعض النساء انتهاكات جسيمة خلال النزاعات، خاصة من قبل الجماعات المسلحة، كحالات العنف الجنسي والاغتصاب والاستعباد، كما حدث للأيزيديات في سنجار.

- الحرمان من التعليم: الحرب أدت إلى انقطاع آلاف الفتيات عن التعليم، إما بسبب النزوح أو العادات الاجتماعية التي تميل إلى تزويج الفتيات مبكرًا.

- الفقر والبطالة: النزاعات دمرت البنية التحتية وفرص العمل، مما أثّر بشكل خاص على النساء، خاصة الأرامل والعازبات.

- القيود الاجتماعية: الحروب عززت من الفكر المحافظ والمتشدد في بعض المناطق، مما حدّ من حركة النساء ومشاركتهن في الحياة العامة.

ثانيًا: امتداد التأثير إلى اليوم رغم تحسن الوضع الأمني نسبيًا في بعض المناطق، إلا أن آثار الحروب لا تزال تُثقل كاهل المرأة العراقية حتى اليوم. واستمرار الفقر والبطالة، مع ضعف برامج التمكين الاقتصادي للنساء.

- اتساع الفجوة التعليمية مما أدى إلى الانقطاع الطويل عن الدراسة، ولا تزال قائمة في الأجيال الشابة من النساء والعنف الأسري والمجتمعي لا يزال مرتفعًا، خاصة في المناطق التي كانت خاضعة لنفوذ الجماعات المتطرفة.

- التمثيل السياسي والمجتمعي المحدود، رغم وجود (كوتا) نسائية في البرلمان، إلا أن التأثير الفعلي للنساء في صناعة القرار لا يزال ضعيفًا، فضلا عن أن النسبة الكبرى للنساء اللواتي فزن في الانتخابات هن في قوائم حزبية لا يمتلكن حرية القرار بل يتبعن رئيس القائمة

- الوصم الاجتماعي: النساء اللواتي تعرضن لانتهاكات جنسية أو أُجبرن على الزواج من مقاتلين متطرفين غالبًا ما يُنبذن اجتماعيًا، ويواجهن تمييزًا حتى بعد عودتهن إلى مجتمعاتهن فتأثير الحروب والنزاعات على المرأة العراقية ليس مجرد حدث عابر، بل إرث ثقيل يمتد عبر الأجيال، ينعكس على الصحة النفسية، والوضع الاقتصادي، والمكانة الاجتماعية. ومع أن هناك بوادر للتغيير، فإن الطريق لا يزال طويلاً نحو تمكين حقيقي وعادل للنساء في العراق.

س/ ما الدور الذي يمكن أن توديه النساء في إعادة المجتمعات بعد الصراعات والحروب؟

ج/ أما الدور الذي يمكن أن تؤديه النساء في إعادة المجتمعات بعد الصراعات والحروب فيتمثل في قيام النساء دورًا محوريًا في إعادة بناء المجتمعات بعد الصراعات والحروب، وهو دور يتجاوز مجرد التعافي إلى الإسهام الفعّال في تحقيق السلام المستدام والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

- نقاط أمل وتحسن تدريجي:

وجود منظمات مجتمع مدني تعمل على تأهيل النساء وتقديم الدعم النفسي والاقتصادي، في ظل تصاعد الأصوات النسوية المطالبة بالعدالة والمساواة مع وجود بعض المبادرات الحكومية والدولية المتواضعة لدعم النساء في مناطق ما بعد النزاع، وإن كانت محدودة وغير كافية.

ويمكن تلخيص أبرز الأدوار التي تؤديها النساء في هذا السياق في النقاط التالية:

- صانعات سلام ووسيطات.

- النساء غالبًا ما يكنّ أكثر قدرة على بناء الجسور بين الأطراف المتنازعة، خاصة في المجتمعات المنقسمة.

- تساهم مشاركة النساء في مفاوضات السلام في جعل الاتفاقيات أكثر شمولية واستدامة، كما أثبتت تجارب دولية عديدة.

- رائدات في بناء النسيج الاجتماعي: تمتلك النساء قدرة فريدة على إصلاح الروابط الاجتماعية داخل الأسر والمجتمعات المحلية، والتي غالبًا ما تتضرر بشدة أثناء الحروب     ويقدن مبادرات المصالحة المجتمعية والتعايش السلمي، ويقمن بإحياء القيم المشتركة.

- الريادة الاقتصادية: تسهم النساء بشكل كبير بعد النزاعات، في إعادة تنشيط الاقتصاد المحلي، سواء من خلال المشروعات الصغيرة أو الزراعة أو العمل في القطاعات غير الرسمية. وفي كثير من الحالات فإن النساء يصبحن معيلات لأسرهن بسبب فقدان الرجال في الحروب، مما يدفعهن لتولي أدوار اقتصادية أكبر، وألمانيا مثال حي على ذلك فلولا النساء لما استطاعت برلين أن تنهض من براثن الحرب والدمار.

- إعادة بناء التعليم والرعاية الصحية: تشارك النساء في إعادة بناء المؤسسات التعليمية والصحية، سواء كمعلمات ممرضات، طبيبات، أو ناشطات مجتمع مدني يؤدين دورًا مهمًا في رعاية الأطفال، والناجين من الصدمات، مما يساعد في تقوية جيل ما بعد الحرب.

- المشاركة السياسية وصنع القرار: تمكين النساء سياسياً يضمن أن تكون السياسات والمشروعات الحكومية بعد الحرب أكثر استجابة لاحتياجات المجتمع ككل. النساء غالبًا ما يطرحن أولويات مرتبطة بالخدمات الأساسية وحقوق الإنسان، مما يعزز الاستقرار..

- الدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية: تلعب النساء أدوارًا قيادية في المطالبة بالعدالة والمحاسبة على الجرائم المرتكبة خلال النزاعات. يعملن في منظمات حقوقية، ويشجعن على توثيق الانتهاكات وضمان عدم تكرارها.

التحديات التي تواجهها النساء

الإقصاء من مفاوضات السلام والمناصب القيادية.

العنف القائم على النوع الاجتماعي، والذي غالباً ما يزداد خلال وبعد النزاعات.

القوالب النمطية الاجتماعية التي تقلل من دور النساء في المجال العام.

وختاما إن إشراك النساء بشكل فعّال ليس فقط ضرورة أخلاقية أو حقوقية، بل هو عامل حاسم في نجاح عمليات إعادة الإعمار وبناء السلام المستدام. المجتمعات التي تعترف بهذا الدور وتعطيه المساحة والدعم اللازم تملك فرصًا أكبر لتجاوز آثار الحروب وبناء مستقبل أكثر عدلاً واستقرارًا

س/ ما السياسات الوطنية التي تتخذها الدولة لوقف جميع أشكال العنف ضد المرأة وتوفير الحماية لها؟

ج/ تتخذ العديد من الدول سياسات وطنية متعددة لوقف جميع أشكال العنف ضد المرأة وتوفير الحماية لها، وتختلف التفاصيل من دولة إلى أخرى، لكن غالبًا ما تشمل هذه السياسات العناصر التالية:

الإطار التشريعي

سن قوانين خاصة تجرّم العنف ضد المرأة بجميع أشكاله (الجسدي، النفسي، الجنسي، الاقتصادي). تعديل قوانين العقوبات لضمان تجريم التحرش، الاغتصاب الزوجي، والعنف الأسري. تجريم الزواج القسري وختان الإناث في بعض الدول.. إصدار قوانين الحماية (مثل أوامر الحماية أو الابتعاد) للنساء المعرضات للخطر.

آليات الحماية والدعم:

إنشاء مراكز إيواء للنساء المعنّفات.

توفير خطوط هاتفية ساخنة تعمل على مدار الساعة للإبلاغ وطلب المساعدة.

تقديم الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للضحايا.

ضمان حماية هوية الضحايا أثناء التبليغ أو المحاكمة.

التدريب والتأهيل:

تدريب الشرطة والقضاة والأطباء والمعلمين على كيفية التعامل مع حالات العنف ضد المرأة.

تدريب العاملين في مؤسسات الرعاية على فهم احتياجات النساء ضحايا العنف.

التوعية والتثقيف:

تنفيذ حملات إعلامية ومجتمعية لتغيير الصور النمطية عن النساء ولنبذ العنف.إدراج التربية على المساواة بين الجنسين في المناهج التعليمية.

الإحصاءات والرصد:

- جمع البيانات الوطنية حول العنف ضد المرأة لفهم أبعاده وتصميم سياسات فعالة.

- إنشاء مرصد وطني أو وحدات مختصة لمتابعة تنفيذ السياسات وتقييم أثرها.

الشراكات.

- التعاون مع المنظمات النسوية والمجتمع المدني لتعزيز جهود الوقاية والدعم.

- التعاون مع المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وهيئات حقوق الإنسان.

- التوعية بخطورة العنف وحقوق المرأة

- عرض نماذج إيجابية لنجاح المرأة.

- محاربة الصور النمطية السلبية.

- تشجيع الحوار المجتمعي حول قضايا المرأة.

- التعاون مع مؤسسات حقوقية لنشر الوعي وتطبيق القوانين.

س/ من وجهة نظر الدكتور زياد الضاري ما أهم الموضوعات والقضايا المتعلقة بالمرأة العربية التي يتعين على الإعلام التركيز عليها في المرحلة المقبلة؟

ج/ يرى الدكتور زياد الضاري أنه على الإعلام العربي التركيز على القضايا الحقيقية التي تواجه المرأة العربية، مثل التعليم، الصحة، التمكين الاقتصادي والسياسي، بدلاً من التركيز على الجوانب الشكلية كالموضة والجمال. كما ينتقد الانتقائية والإهمال الإعلامي لهموم المرأة الواقعية ويدعو إلى دور إعلامي أكثر وعيًا ومسؤولية.

س/ هل يتسبب السياسيون الذكور بشكل عام في عرقلة تقدم المرأة وتعزيز دورها في الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية مقارنة بالرجل؟

ج/ بشكل عام، لا يمكن القول إن جميع السياسيين الذكور يعرقلون تقدم المرأة، لكن في كثير من المجتمعات التي يهيمن فيها الرجال على السلطة، تُرسَّخ سياسات وهياكل تُبطئ تقدم المرأة. ويعود ذلك غالبًا إلى الثقافة السائدة والمصالح السياسية، وليس بالضرورة إلى نية مباشرة لعرقلة النساء، ففي بعض الدول، يرفض سياسيون ذكور دعم قوانين تحمي حقوق المرأة مثل قوانين مكافحة العنف الأسري أو (الكوتا) النسائية في البرلمان، بحجة أنها “تتعارض مع القيم التقليدية” أو “تمييز إيجابي غير عادل”، مما يعيق تمكين المرأة سياسيًا واجتماعيًا

س/ ماذا عن مساهمة المرأة العراقية في الحياة السياسية اليوم؟ وكيف يمكن زيادة نسبة مشاركة النساء في المناصب السياسية وصنع القرار؟

ج/ مساهمة المرأة العراقية في الحياة السياسية شهدت تطورًا ملموسًا خلال العقود الأخيرة، رغم التحديات العديدة التي لا تزال تواجهها. وفيما يلي نظرة عامة على وضع المرأة في المشهد السياسي العراقي اليوم، وتحديد بعض المقترحات لتعزيز مشاركتها في صنع القرار:

واقع مشاركة المرأة العراقية سياسيًا اليوم

- التمثيل البرلماني: يضمن الدستور العراقي كوتا نسائية بنسبة 25% من مقاعد مجلس النواب، وهو ما يمثل مكسبًا مهمًا. في انتخابات 2021، تم انتخاب 97 امرأة من أصل 329 نائبًا، وبعضهن فزن بدون الاعتماد على الكوتا، مما يدل على تنامي الحضور السياسي الفعّال للمرأة. أما الحكومة لا تزال نسبة مشاركة النساء في المناصب الوزارية والإدارية العليا محدودة. غالبًا ما تُحصر النساء في وزارات “نمطية” مثل التعليم أو المرأة والشؤون الاجتماعية، في حين يندر تواجدهن في وزارات الأمن، الاقتصاد أو الخارجية.

المعوقات

- ثقافية واجتماعية: العادات والتقاليد الذكورية تعيق مشاركة المرأة، خاصة في المناطق الريفية.

- أمنية: الوضع الأمني والتوترات السياسية تشكّل بيئة طاردة للنساء في العمل السياسي.

- اقتصادية: ضعف الموارد والدعم المالي يمنع كثيرات من خوض الانتخابات.

- حزبية: الأحزاب السياسية لا تُعطي النساء أدوارًا قيادية حقيقية، رغم استخدامهن أحيانًا كواجهة انتخابية.

س/ كيف يمكن تعزيز مشاركة المرأة في صنع القرار؟

ج/ - تعديل وتفعيل القوانين: فرض كوتا في المناصب التنفيذية (وليس فقط التشريعية).

- تفعيل قوانين مناهضة التمييز والعنف ضد المرأة في العمل السياسي.

- تمكين اقتصادي وتعليمي: دعم المرأة المرشحة ماليًا وتدريبها على إدارة الحملات الانتخابية.

- تعزيز برامج بناء القدرات السياسية للنساء، خصوصًا الشابات.

- دعم منظمات المجتمع المدني:

- المنظمات النسوية قادرة على لعب دور محوري في التوعية والتدريب والضغط على صناع القرار.

- إصلاح داخلي داخل الأحزاب

- دفع الأحزاب لتبنّي سياسات واضحة لتمكين المرأة في مراكز القيادة.

- ربط التمويل الحزبي بنسبة إشراك النساء في المواقع القيادية.

الإعلام والتوعية:

- كسر الصور النمطية من خلال تغطية إعلامية إيجابية للنساء القياديات.

- حملات توعية على أهمية دور المرأة في الحياة السياسية كعنصر أساسي في التنمية والديمقراطية.

س/ هل من الممكن أن تحدثنا عن المشاريع والبرامج التنموية الخمسة التي أعلن عنها رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني في اليوم الوطني للمرأة العراقية، وكيف تهدف هذه المشاريع إلى دعم وتمكين المرأة العراقية؟

ج/ أعلن رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، خلال احتفالية اليوم الوطني للمرأة العراقية في 3 آذار 2025، عن خمسة مشاريع وبرامج تنموية تهدف إلى دعم وتمكين المرأة العراقية في مختلف المجالات.

إطلاق الخطة الوطنية الثالثة للمرأة والأمن والسلام: وتهدف هذه الخطة إلى تعزيز دور المرأة في بناء السلام والأمن، مع التركيز على حماية حقوقها ومشاركتها الفاعلة في المجتمع.

. إطلاق منصة البيانات الوطنية بشأن المرأة: تهدف هذه المنصة إلى جمع وتحليل البيانات المتعلقة بالمرأة العراقية، مما يسهم في وضع سياسات وبرامج تستند إلى معلومات دقيقة وموثوق في صحتها.

إطلاق الشبكة الوطنية لوسيطات السلام: تسعى هذه الشبكة إلى تمكين النساء من لعب دور الوسيطات في حل النزاعات وتعزيز السلم المجتمعي، من خلال تدريبهن وتأهيلهن للقيام بهذا الدور الحيوي.

إطلاق مبادرة الفريق الوطني للمرأة العراقية: تهدف هذه المبادرة إلى تدريب وتطوير مهارات 5000 شابة من مختلف المحافظات في مجالات متعددة، بما في ذلك الاجتماعية والاقتصادية، لخلق قيادات شابة تساهم في تطوير المجتمع.

إطلاق البرنامج التدريبي النسوي الوطني: يستهدف هذا البرنامج تدريب النساء العاملات في القطاع الخاص في مجالات مثل التسويق الرقمي، الدفع الإلكتروني، تكنولوجيا المعلومات، الذكاء الاصطناعي، التمكين الاقتصادي، الإدارة، التسويق، والمبيعات، لتعزيز قدراتهن ومهاراتهن في سوق العمل، وتأتي هذه المبادرات ضمن جهود الحكومة العراقية لتعزيز دور المرأة وتمكينها في مختلف المجالات، من خلال توفير التدريب والدعم اللازمين، وتطوير السياسات والبرامج التي تسهم في تحسين واقع المرأة العراقية.

***

حاورته الدكتورة آمال طرزان - كاتبة نسوية

لا يمكن أبداً أن تُفسد نصاً أدبياً بحيث لا يصلح تماما ونصائح أخرى

ريتشارد بوش مؤلف "مصير الآخرين" فى حوار مع موقع ليت هوب/ Lit Hub الأدبي

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

صدرت حديثاً مجموعة ريتشارد بوش القصصية "مصير الآخرين" عن دار كنوب، فسألناه عن: مشكلة جمود الكاتب الإبداعي وإعادة القراءة، والنصائح المضللة في الكتابة، غير ذلك من المواضيع.

 * متى تكتب أثناء اليوم (ولماذا)؟

- أنا محظوظ جدًا لأنني دائمًا ما أستطيع العمل في ظروف مختلفة. قد يعود هذا إلى أنني بدأت الكتابة وأنا في سلاح الجو، حيث كنت أُدرّس مهارات البقاء واستخدام معدات النجاة (مظلات الهبوط، مجموعات النجاة لطائرات المقاتلات، البقاء في البحر باستخدام قوارب النجاة المطاطية، وغير ذلك)، وأعيش في ثكنات مع آخرين من خلفيات متنوعة قدموا من أماكن بعيدة وغالبًا من دول أخرى.

كتبت روايتي الأولى "الحضور الحقيقي" في الغالب بين منتصف الليل والرابعة صباحًا، جالسًا على طاولة كبيرة في غرفة الطعام في كوخ صيد قديم تم تحويله إلى سكن. لكنني منذ ذلك الحين عملت في أوقات مختلفة: في الصباح، ومنتصف الظهيرة، والمساء، وما زلت في كثير من الأحيان أكتب في منتصف الليل.

لم أتقدم قط بطلبٍ للانضمام إلى أي نوعٍ من الإقامة الفنية أو قضاء وقتٍ في مستعمرةٍ أو منتجعٍ كتابي؛ لطالما قلتُ إنني أريد الكتابة عن الحياة، ولكي أفعل ذلك شعرتُ أنني بحاجةٍ إلى الانغماس في الحياة. ولكن من الصحيح أيضًا أنني في المرات القليلة التي انعزلتُ فيها بسبب الظروف، كما هو الحال عند الترويج لكتابٍ أو قضاء موعدٍ ككاتبٍ زائرٍ في الجامعات، وجدتُ صعوبةً في استجماع الإرادة اللازمة للكتابة.

على أية حال، باب الاستوديو الخاص بي مفتوحٌ دائمًا عندما أعمل في المنزل على شيءٍ ما، ولا أخشى المقاطعة أو التشتيت. الكتابة صعبةٌ للغاية، بالطبع - ولطالما وجدتُها كذلك، لكنني أعملُ مؤمنًا بأن جوهرها، أيًا كانت القصة أو الرواية أو القصيدة، لا يضيع أبدًا. إذا كانت الكتابة جيدةً، فستظل أعمق جوانبها موجودةً، حتى لو كانت تطفو على السطح.

* كيف تعالج الجمود الإبداعي؟

- تسعة وتسعون بالمئة من حالات الجمود الإبداعي هي في الواقع مجرد عوائق نفسية جسدية - حواجز وهمية لا أكثر. صديقي الراحل وليام ستافورد، ذلك الشاعر المتجدد الساحر والمتوهج بطريقة غريبة، قدّم أفضل إجابة سمعتها في حياتي عندما سُئل عن حل هذه المشكلة. كان ذلك خلال أمسية شعرية في جامعة جورج ميسون عام 1981، حيث دعوته كشاعر زائر. سأله أحد الحضور: "ماذا أفعل عندما أعاني من جمود إبداعي؟"

ابتسم بلطف وصبر، وأومأ برأسه وقال: "اخفض معاييرك واستمر في الكتابة". اعتبر بعض الحضور ذلك مزحة. لم تكن مزحة، بل نصيحة مثالية للغاية. (تكاد تكون مرادفة للمثل الصيني: إذا أعطيت سمكة لجائع، فقد أطعمته يومًا واحدًا؛ ولكن إذا علمته كيف يصطاد، فقد أطعمته مدى الحياة). على أية حال، لقد كررت نصيحة ستافورد مرارًا وتكرارًا. لأنه، كما أوضحت لطلابي مرارًا، لا يمكنك إفساد أي نص إلى الأبد. لا يمكنك أن تتلفه أو تحطمه أو تؤذيه تماما. إنه ليس مصنوعاً من زجاج أو حجر. في أسوأ أيامك ككاتب، كل ما يمكن أن تفعله هو أن تجعل النص بحاجة إلى مراجعة مرة أخرى. هذا هو جوهر عملية التنقيح، وهنا تكمن براعة الكاتب الحقيقية بأي حال.

في الواقع، كان "جمود همنجواي الإبداعي" الشهير انهياراً نفسياً في المقام الأول: نتيجة صدمات متكررة تعرض لها دماغه بسبب الإفراط في الكحول (كان يشرب زجاجة أو اثنتين من النبيذ الأبيض قبل الفطور، ثم يستمر خلال اليوم في شرب النبيذ الأحمر والدايكيري والويسكي أو الفودكا الصافية؛ قال إنها كانت بمثابة وقود له).

وعلاوة على ذلك، بات من الواضح تمامًا الآن أنه في النهاية الحزينة، كان يعاني من اعتلال الدماغ الرضحي المزمن - وهو مرض يصيب لاعبي كرة القدم والملاكمين. وقد أصيب بتسع ارتجاجات دماغية خطيرة على الأقل على مر السنين.

إذًا، إذا كان المرء يعاني من هذه المشاكل (مثل حالة همنجواي)، فعندها نعم، هذا الجمود الإبداعي حقيقي ومُكتسب إذا جاز التعبير. لكن في هذه الحالة بالذات، المشكلة جسدية في المقام الأول، والشخص يحتاج إلى طبيب، وليس إلى معالج نفسي أو مدرب كتابة.

أما إذا كان الجمود من النوع النفسجسدي وهو الأكثر شيوعًا، فإن المعاناة نابعة من عوائق يفرضها الكاتب على نفسه، ويمكن التغلب عليها ببساطة بالمثابرة والاستمرار. إذا شعرت أن ما تكتبه رديء ولا تعرف كيف "تصلحه"، حاول الاقتراب منه من زاوية أخرى، أو وجهة نظر مختلفة، تحرّك مع النص بدلاً من التحرك ضده.

"زر نصك كل يوم"، كما قالت لي صديقتي العزيزة ماري لي سيتل عندما كنت أعاني مع روايتي الثانية، "دعه يعرف أنك موجود". وأضيف إلى ذلك: حرك النص، تحمّل المشقة، تذكر مقولة أن العبقرية ليست سوى قدرة لا متناهية على تحمل العناء؛ دعه يُعلّمك ماهيته، ثم عد إليه وابدأ من جديد. ثم عد. وكرر ذلك إذا ما استدعى الأمر ذلك.

أؤمن أنه في كل مرة أخوض فيها هذه التجربة، أُصبح أكثر فهمًا له، كأنني أُعلّم نفسي عنه. أنا أسير نحو الهدف الأصدق: شيء يتجاوز نيّتي الواعية، منفصل عني وعن كل توتّراتي المرتبطة به؛ شيء مخلوق. كيان قائم بذاته. قصة حقيقية. القصة التي كثيرًا ما أكتشف أنني لم أكن أعلم أنني أكتبها. والقصة التي لا يمكن لأي شخص سواي أن يكتبها. لأن المفتاح الحقيقي للأصالة عند الكاتب هو الوصول إلى ذاته الحقيقية.

* ما هي أفضل أو أسوأ نصيحة كتابية تلقيتها على الإطلاق؟

- هناك نصيحتان شائعتان تتبادلهما الأوساط الأدبية، لكنهما في الواقع غير صحيحتين في كثير من الأحيان لدرجة أنهما تستحقان أن تُدرجا ضمن النصائح التي لا يجب تقديمها للكاتب المبتدئ. الأولى هي: "اكتب فقط عما تعرفه".

هذه النصيحة غذَّت تلك النزعة الحديثة المُفرطة في تبسيط الفن والثقافة الأمريكية إلى حدٍّ يُضحك — وهو أمرٌ أعتقد أن الأجيال القادمة ستسخر منّا بسببه — وهي في الحقيقة تتعارض كليًّا مع جوهر كتابة الرواية. صديقي الراحل ألين وير، الكاتب العظيم، أخبرني ذات مرة عن قراءته لمقطع من روايته "تيهاو" (التي في رأيي تنافس تولستوي)، وهو مقطع يتحدث عن غارة قام بها كومانتش بقيادة أحد شخصياته الرئيسية، محارب يُدعى "توك توكس".

بعد القراءة، وقف أستاذٌ في الأدب من بين الحضور وقال: "أتساءل كيف قررت أن تستعمر شخصياتك من الأمريكيين الأصليين بهذه الطريقة؟" فاكتفى ألين، بعد صمتٍ قصيرٍ — وكان رجلًا ودودًا — بالقول: "لا أعرف كيف أجيب على هذا إلا بالقول إنني أؤمن بقوة الخيال البشري."

إذن، كنصيحة، فإن "اكْتُبْ ما تعرفه" خاطئةٌ في النهاية. وقد بذلتُ جهدًا كبيرًا لأكتبَ متجاوزًا تعقيدات ذاتي وتجاربي لأدركَ ما لا أعرفه — أو بتعبير أدقّ، لاكتشاف ما لم أكن أعرف أنني أعرفه.

أما النصيحة الثانية السيئة فهي: "اعرض ولا تُخْبِر". هذه العبارة تتكرر بكثرة في المحاضرات وورش الكتابة، وهي صحيحة فقط في حالات محدودة. وفي تلك الحالات، عليك أن تبذل جهدًا كبيرًا لتجعلها تُظهر ما لم يُقَل صراحةً.

لكن خلال تجوالي في ورش الكتابة عبر البلاد، أرى عشرات الصفحات من النثر الرديء، مكتوبة بعناية فائقة ومليئة بحواراتٍ بلا سياقٍ بدلًا من الحوار الحقيقي، وإيماءاتٍ بلا معنى، وأفعالًا مُفصَّلةً بشكل مبالغ فيه، مع مقاطع متكلفة تُكتب تحت فكرة خاطئة مفادها أن حجب كل شيء يخلق الدراما. هذا ينبع من اعتقاد خاطئٍ جدًا بأن القارئ سيتابع القراءة بدافع الفضول وحسب، لأن الكاتب "يعرض" ولا "يُخبر".

لكن الحقيقة هي أن الفضول وحده لا يكفي أبدًا لجعل أحدهم يقلب الصفحة. فالنصُّ بلا سياقٍ يكون دائمًا مملاً، وخاليًا من التوتر الحقيقي لدرجة أن القراء المتسامحين سينصرفون عنه.

لأن الحقيقة مرة أخرى هي أن ما يخلق التشويق السردي هو ما يعرفه القارئ، لا ما يُخفى عنه. وهذا ما يولّد ذلك الفضول الذي يدفعه لمواصلة القراءة. لذا فإن أفضل نصيحة للكاتب هي ألا ينسى أبدًا أن القصة الجيدة هي مزيج من "العرض" و"الإخبار"، وعليه أن يحدد — في كل قصة، طويلة أو قصيرة — متى يستخدم هذا ومتى يستخدم ذاك.

* ما هو العمل غير الأدبي — فيلم، مسلسل، لوحة، أغنية — الذي لا تتخيل حياتك بدونه؟

- هذا البيت الجميل من أغنية شون كولفين المحبوبة:

"لو لم يكن هناك موسيقى، لما استطعتُ أن أعبر... لا أعرف السبب، لكني أعرف هذه الأشياء."

* ما الكتاب/الكتب التي تعيد قراءتها؟

- أعيد قراءة "الحرب والسلام" للمرة السادسة (قرأتها لأول مرة في التاسعة عشرة)، وأعيد قراءة "جاتسبي العظيم" للمرة السادسة والأربعين (أقرأها تقريبًا كل عام منذ 1971، عندما قرأتها لأول مرة). ومن بين الكتب الأخرى: "آنا كارنينا" (خمس مرات)، قصص ومسرحيات تشيخوف، وقصص كاثرين آن بورتر (مرارًا وتكرارًا)، وجون تشيفر (كذلك)، ويودورا ويلتي، وبيتر تايلور، وجورج جاريت، وفاسيلي أكسيونوف، وويليام ماكسويل، وماري لي سيتل، وجريس بالي، وويليام ستايرون، وجيمس بالدوين. (أقرأهم جميعا، بشكل متكرر.)

أعيد قراءة الكثير، بما في ذلك التاريخ والسير الذاتية والشعر. كل الشعراء. مرارًا وتكرارًا.

وبالطبع لدي العديد من الأصدقاء في عمري وأصغر ينبغي أواكب إنتاجهم، بدءًا من زوجتي ليزا كوبولو، التي أحدث كتابها الأول للقصص "ارحمنا" ضجةً لطيفة في المشهد الأدبي عام 2023.

زملائي وأصدقائي جميعهم مُنتجون بكثافة، وكما قال صديقي القديم ريتشارد فورد ذات مرة في مقابلة عن جيلنا من الكتّاب: "لم نضيع وقتًا في التطاول على بعضنا. نحن نحب بعضنا، ونحتفل بنجاحات بعضنا، ونحزن لخسائر بعضنا أيضًا."

وأنا شخصيًا كنت دائمًا مع توأمي المتماثل، روبرت بوش، الذي كتب روايات وقصصًا رائعة، أقرأها وأعيد قراءتها. ومن بينها: "الديك الأبيض وقصص أخرى"، والروايات مثل: "أنا القدير"، "حفرة في الأرض"، "حياة رايلي تشانس"، "في الخريف يعودون"، "بعيدًا كما ترى العين"، و"أسطورة جيسي سموك".

كما قال جون بيريمان في إحدى "أغاني الحلم" على ما أعتقد:

"العمل والأصدقاء. العمل والأصدقاء."

نعم.

***

.....................

* ريتشارد بوش/ Richard Bausch (مواليد ١٨ أبريل ١٩٤٥) روائي أمريكي، وكاتب قصص قصيرة، وأستاذ في برنامج الكتابة بجامعة تشابمان في أورانج، كاليفورنيا. نشر ثلاث عشرة رواية، وتسع مجموعات قصصية، ومجلدًا واحدًا من الشعر والنثر. صدرت له هذا الشهر مجموعة قصصية جديدة بعنوان مصير الآخرين/ The Fate of Others .

 

حاوره: سيرجيو كانتوني

ترجمة: د. زهير الخويلدي

***

سلافوي جيجيك، الفيلسوف الصريح، تحدث مع سيرجيو كانتوني من يورونيوز في ليوبليانا، سلوفينيا، ضمن برنامج "المحادثة العالمية". لا يتردد جيجيك في انتقاد أوروبا، ويعتبره الكثيرون ثوريًا بفضل أفكاره الهادفة إلى تغيير النظام الاقتصادي العالمي.

السيرة الذاتية: سلافوي جيجيك فيلسوف ومحلل نفسي سلوفيني يُعتبر يساريًا ليبراليًا، ولكنه ينتقد أيضًا الرأسمالية العالمية والليبرالية الجديدة. من خلال آخر أعماله - "ضد الابتزاز المزدوج: اللاجئون والإرهاب ومشاكل أخرى مع الجيران" - يُنظّر لصراع طبقي جديد على المستوى العالمي. باحث أول في جامعات ليوبليانا ولندن ونيويورك.

نص الحوار:

سؤال سيرجيو كانتوني:

"برأيك، العولمة هي أحد المصادر الرئيسية لأزمة الهجرة الحالية. لماذا؟"

جواب سلافوي جيجيك:

"أعتقد أن الجانب الآخر للعولمة هو ظهور جدران خفية جديدة. لدينا عاطلون عن العمل، وعمال في وضع غير مستقر، حتى هنا في سلوفينيا. قرأت في مكان ما أن ما يقرب من نصف العمال يعملون بالفعل في وضع غير مستقر. لدينا دول فاشلة، ولدينا من يعيشون في الأحياء الفقيرة، مُهمّشون. إذن، لم يعد التمييز الطبقي القديم الواضح، بل أصبح تمييزًا أكثر غموضًا بين من هم داخل الاتحاد، ويتمتعون بالأمن الأساسي والحقوق المدنية الكاملة، وما إلى ذلك، ومن هم خارجه. نحن بحاجة إلى قوة عابرة للحدود الوطنية لفرض قرارات أكثر عالمية. لا يمكن إنقاذ البيئة، ولا قضايا الهجرة بدون مثل هذه الآليات.

سؤال سيرجيو كانتوني:

"لكن على الاتحاد الأوروبي أن يتعامل مع هذه القضايا العابرة للحدود الوطنية. لكنه فشل. إنهم لا يفعلون ذلك."

جواب سلايوي جيجك:

"نعم، هذه هي مأساة الاتحاد الأوروبي. أوروبا لا تعرف ما تريد. لدينا اليوم أوروبيتان أساسيتان. إحداهما هي أوروبا التكنوقراطية التابعة لبروكسل - وحتى هم، يريدون فقط أن يكونوا جزءًا من السوق العالمية بطريقة ما، ولا يقدمون فكرة واضحة. ثم لدينا أوروبا الشعبوية المناهضة للهجرة؛ أعتقد أن هذا هو التهديد الحقيقي لأوروبا. أنا لست خائفًا حقًا من غزو واسع النطاق؛ سنتعامل معه. أنا خائف حقًا من أولئك الذين يريدون الدفاع عن أوروبا اليوم. هل ستظل أوروبا، حيث تتولى لوبان السلطة في فرنسا مثلاً، وما إلى ذلك، هي أوروبا التي نعرفها جميعاً - وآمل - أن نحبها؟ ستظل أوروبا اليوم تدافع عن قيم التحرر، كالضمان الاجتماعي والمساواة وحقوق المرأة، وما إلى ذلك.

سؤال سيرجيو كانتوني:

"لماذا تنضم الطبقات العاملة والطبقات المتوسطة الغربية الضعيفة إلى نضال الجماهير الفقيرة من قارات أخرى؟"

جواب سلايوي جيجك:

"أنت تطرح سؤالاً مفتوحاً بالغ الأهمية، يتجنبه معظم اليسار، كما تعلم. لأن... الناس العاديين الذين يخشون المهاجرين، لديهم وجهة نظر صحيحة إلى حد ما. إذا انفتحت أوروبا تماماً أمام المهاجرين، فلن يعاني الأغنياء، بل هم من سيحصلون على وظائف أقل، وربما رواتب أقل؛ وهكذا دواليك. لذا، الحل الوحيد الذي أتصوره هو إيجاد، أو توضيح، أو صياغة نوع من النضال المشترك، بحيث لا تقتصر المشكلة على الإنسانية فقط، هل سنستقبل اللاجئين أم لا؟ لكن المشكلة تكمن في وجود حالة من الغضب في أوروبا، مثل تراجع دولة الرفاه، وما إلى ذلك. ما يزعج هؤلاء المستائين في أوروبا هو جزء من الأزمة نفسها: اختلال توازن الرأسمالية العالمية. "وهذا أمر بالغ الأهمية، أن نربط صراعاتنا بصراعاتهم بطريقة ما. إذا لم نقبل هذا، وإذا بقينا على هذا المستوى - لاجئون يأتون إلى هنا، وهم عبء، وما إلى ذلك - فسنكون ضائعين. نحن بحاجة إلى كيانات عابرة للحدود الوطنية قادرة على اتخاذ قرارات حازمة للغاية."

سؤال سيرجيو كانتوني:

"مع قدرات إنفاذ القانون؟"

جواب سلافوي جيجك:

"بالتأكيد، ليس لدي أي مشكلة هنا."

سؤال سيرجيو كانتوني:

"لكن هذا هو الاتحاد الأوروبي، وهذه الفكرة مرفوضة..."

جواب سلايوي جيجيك:

"وهذا ما يُحزنني للغاية. أعني، حسنًا، إنها مرفوضة. لكن ما البديل؟ لا أرى بديلًا. لأنه إذا تخلينا عنها ولعبنا لعبة الدول القومية الأقوى مثل... هذه هي الفكرة في إنجلترا."

سؤال سيرجيو كانتوني:

"ولكن المشكلة هنا ليست بروكسل، بل العولمة..."

جواب سلايوي جيجيك:

"هذا ما قلته، ولهذا السبب لن..."

سؤال سيرجيو كانتوني:

"أزمة دولة الرفاه ليست بسبب... بروكسل هي التكيف..."

جواب سلايوي جيجيك:

"غالبًا ما يتجاهل منتقدو بروكسل أن بروكسل ليست مجرد بيروقراطية عالمية سيئة. بل تفرض أيضًا حدًا أدنى معينًا من معايير العمل، وما إلى ذلك، وساعات عمل قصوى، وما إلى ذلك. ولهذا السبب تحديدًا، ما زلت أعتقد أن المعركة يجب أن تُواصل داخل الاتحاد الأوروبي."

سؤال سيرجيو كانتوني:

"دونالد ترامب. ظاهرة دونالد ترامب. إذًا، هل تواجه الولايات المتحدة فترة ثورية؟"

جواب سلايوي جيجك:

"بالطبع، ترامب شخص مقزز، يُطلق نكاتًا عنصرية بذيئة، ويتحدث بألفاظ نابية، وما إلى ذلك. لكن في الوقت نفسه، هل لاحظتم كيف قال بعض الأمور الصحيحة جدًا عن فلسطين وإسرائيل؟ قال إنه يجب علينا أيضًا مراعاة المصالح الفلسطينية والتعامل مع الوضع بطريقة أكثر حيادية. قال إنه لا ينبغي لنا الاكتفاء باستعداء روسيا، بل يجب علينا الحوار معها. بل إنه كان يؤيد رفع الحد الأدنى للأجور. وألمح إلى أنه لا يرغب في إلغاء الرعاية الصحية الشاملة لأوباما..."

سؤال سيرجيو كانتوني:

 "إنه ليبرالي وسطي..."

جواب سلايوي جيجك:

"نعم! هذه فرضيتي الاستفزازية! إذا تجاهلنا هذا السطح السخيف، والذي أعترف أنه خطير، سنجد أنه مرشح أكثر انتهازية، وربما لن تكون سياساته الفعلية سيئة للغاية."

سؤال سيرجيو كانتوني:

"هل تمثل روسيا، والصين، نموذجًا مختلفًا للنظام الاقتصادي والتنظيم الاقتصادي والسياسي، وهو بديل يمكن أن يعادي النموذج الغربي أيضًا؟"

جواب سلايوي جيجك:

"نعم، لكنني هنا أؤيد الغرب تمامًا - باعتدال. لأنه يُمثل بديلًا، لكنه ببساطة بديل رأسمالي استبدادي فاشي بدائي. أعرف هذا جيدًا، كنت في الصين، وناقشتهم، وكل تلك المبررات الكونفوشيوسية التي تبدو خفية للنظام الشيوعي، وجهة نظرهم دائمًا واحدة: "لا نستطيع تحمل الديمقراطية، فهذا يعني انفجارًا اجتماعيًا، نحن بحاجة إلى نوع من...". يستخدمون دائمًا هذه المصطلحات الفاشية دون وعي. نحتاج إلى استقرار مؤسسي حيث يكون كل فرد في مكانه، يجب أن يكون هناك نظام يضمن التضامن، وما إلى ذلك. لذا، فهم يريدون تحديثًا محافظًا. وللأسف، الرأسمالية تتجه نحو هذا الاتجاه، كما أزعم.

سؤال سيرجيو كانتوني: "هل لي أن أسألك سؤالًا أخيرًا؛ إنه سؤال شخصي."

جواب سلايوي جيجك: "يا إلهي، أعتقد أنني لستُ إنسانًا، أنا وحش..."

سؤال سيرجيو كانتوني:

"قلتَ عن نفسك إنك إلفيس الفلسفة. أليس كذلك..."

جواب سلايوي جيجك:

"لا، لم أفعل. أكره هذا! تتحدث الآن كعدو، وعندما نستلم نحن الشعب السلطة، سنفعل... ستُسجن في معسكرات الاعتقال النازية لخمس سنوات! لخمس سنوات، أجل. هذا كله يقوله أشخاص يهاجمونني بطريقة أذكى بكثير من الهجمات المباشرة: "أنا ستاليني مجنون، مرتبك..." أنت تعلم أنهم يعترفون بأن لديّ شعبية معينة، لكن هذه الاستراتيجية... الرسالة الأساسية من هذا، أنا إلفيس، هي: "انظروا، إنه رجل مسلٍّ، يمكنكم الذهاب للاستماع إليه، لكنها فلسفة شعبية، مزحة، لا تأخذوها على محمل الجد"، وهكذا دواليك."

***

كاتب فلسفي

......................

الرابط

https://www.euronews.com/2016/06/09/the-other-side-of-globalisation-is-the-rise-of-new-invisible-walls-says

تحديات النجاح، قضايا المرأة، ورؤى للمستقبل

نماذج نسائية رائدة في الوطن العربي

***

* نود التعرف على نبذة عن حياة الدكتورة سهير عبد السلام الشخصية ومسيرتها الأكاديمية؟

- سهير عبد السلام سيرتي الشخصية متزوجة وعندي ثلاثة أبناء، صبيان وبنت. مسيرتي الأكاديمية أستاذة الفلسفة السياسية في كلية الآداب بجامعة حلوان، وعميدة الآداب سابقًا، وكيلة للجنة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار بمجلس الشيوخ المصري.

* كيف أسهم الوالدان في تشكيل شخصية الدكتورة سهير عبد السلام؟

- للوالدين دور هام جدًا في حياتي، فالأم كانت ربه منزل ولكنها كانت على درجة عالية من الثقافة، فقد كانت تقرأ لكبار الكتاب، علمتني حب المطالعة والقراءة والاطلاع والمعرفة والانفتاح على المعرفة والعلوم، أما الأب فقد كان يعمل مهندساً، من صعيد مصر تعلمت منه القيم والأخلاق الأصيلة، وكانت لديه طموحات شخصية نحو مستقبلي، كنت أضعها نصب عيني ساعية إلى تحقيقها، فكان عندما يرى الدكتورة (سهير القلماوي) في التلفزيون كان يقول لي: أتمنى أن تكوني مثلها. وقد جمعت بين أم من الإسكندرية وأب من الصعيد وولدت في الإسكندرية وعشت فيها حياتي حيث حصلت على ليسانس وماجستير ودكتوراه من جامعة الإسكندرية، ثم انتقلت إلى القاهرة عند زواجي.

* ما المواقف التي تركت أثراً كبيراً في تشكيل شخصيتك الفكرية والسياسية؟

- المواقف الفكرية: درست لفلاسفة ممن ينظرون إلى الأمور برؤية متحيزة ويتناولن القضايا الفكرية وفقا لقناعاتهم الفكرية وانتماءاتهم المعرفية ولا يتناولون الموضوع الذي يُدرس بموضوعية وشمولية الباحث، بينما درست لفلاسفة آخرين ووجدت في رؤيتهم لنظرياتهم الفكرية نظرية بانورامية شاملة تتناول الموضوع أو القضية المدروسة بقدر عالٍ من الشمولية والموضوعية، وهذا ما حرصت عليه في جميع دراستي أن أتناول أي قضية من كافة الاوجه المؤثرة بها بموضوعية تامة.

أما سياسيًا: فقد تعلمت العمل دون مقابل؛ فالعمل في خدمة الوطن وخدمة الناس من غير انتظار مكافئة أو عائد؛ لأنه تطوعي .

* في ظل الحديث عن الهيمنة الذكورية في المجتمعات العربية، ما يمثل الرجل في حياتك الشخصية والمهنية بمعني اخر هل كان الرجل يدعمك أم يعوق تقدمك نحو النجاح؟

- توجد شخصيات ذكورية في محيط كل امرأة قد تدعمها أو تعيق تقدمها في المجال العام متمثلاً في المجال الاجتماعي والسياسي والاقتصادي . ولكن إصرارها على النجاح مع استخدام اللباقة والكياسة يمكِّنها من استخلاص حقوقها بذكاء من السلطات الذكورية التي تحيط بها.بالنسبة لي على الصعيد الشخصي وجدت دعم الأب والزوج لي؛ فالأب كان داعما وكان يحثني دومًا على العلم والعمل وكذلك الزوج .

* كيف استطعتِ الموازنة بين حياتك الشخصية والمهنية كعميدة لكلية الآداب بجامعة حلوان وعضو في مجلس الشيوخ، خاصة مع التحديات المرتبطة بالإدارة والسياسة؟

- من الممكن أن يقوم الإنسان بأكثر من عمل ولكن عليه أن يظل يتعامل مع كل منصب وكل عمل يقوم به بالمقومات الأساسية المطلوبة لهذا العمل. دون تداخل بين عمل وآخر. بمعنى أن عمل كعميد الكلية كانت له متطلباته التي تختلف عن عملي كعضو مجلس الشيوخ، عن خدمة المواطنين وعن الأسرة والعلاقات العائلية، وعليها تعطي كل عمل من هذه الأعمال ما يتطلبه هذا العمل بإتقان ودقة، وأن تفصل بين شخصيتها في العمل وشخصيتها كزوجة وكأم وألا تتخلى عن أنوثتها وأمومتها في نطاقها العائلي، مع التأكيد على اهتمامي الأول بحياتي الزوجية كزوجة وأم.

 * ما أهم التحديات التي واجهتها الدكتورة سهير عبد السلام في المجال السياسي، وكيف تمكنت من التغلب عليها؟

- بالنسبة للتحديات السياسية فتتمثل في أن الممارسة السياسية كانت لفترة قريبة حكرًا على الرجال، وكان صعبًا على المرأة اقتحامه إلا نادرًا، ولكن في السنوات الاخيرة تمكنت المرأة من تقلد الكثير من الأعمال القيادية والسياسية. ولكن لا تزال هناك بعض النزعات الذكورية من وقت إلى آخر تطفو على السطح تعمل على عرقلة مسيرة المرأة. لكن بالإصرار يمكن المضي قدمًا في الطريق المنشود.

كان التحدي الثاني هو التحول من العمل الأكاديمي كمعيدة للكلية إلى العمل السياسي، والسعي كعضو مجلس شيوخ، والتواصل مع الجماهير وتحقيق قاعدة شعبية لخوض الانتخابات البرلمانية. وقد تمكنت من التغلب على تلك التحديات بفضل دور الأحزاب السياسية؛ لأنها تدعم المرشح البرلماني وتيسر له التواصل مع الجماهير، وأنا انتمي لحزب مستقبل وطن الذي له قاعدة شعبية كبيرة.

* ما الذي تغير في شخصية د. سهير بعد مواجهتها للتحديات والصعوبات المختلفة؟

- أصبحت أكثر صلابة، وقوة، ولم أعد ألتفت إلى الأمور الصغيرة أو التحديات التي يفرضها البعض سواء من الذكورأو الإناث، و التي قد تعيقني عن مواصلة مسيرتي إلى النجاح.

* حدثينا عن شعوركِ عند اختارتك من قبل أكاديمية النيل للعلوم الحديثة والتنمية البشرية ضمن أفضل الشخصيات الإبداعية المطورة على مستوى الوطن العربي.

- لقد أسعدني هذا الاختيار كثيرا وزادني شرفاً .

* كيف تنظرين إلى قضايا المساواة بين الجنسين في المجتمع المصري والعربي؟

المساواة أصبحت أمرا واقعيا في المجتمعين المصري والعربي، حيث حصلت المرأة على الكثير من الحقوق التي لم يكن معترفًا بها من قبل. ومع ذلك ستظل هناك قوة رجعية تحاول عرقلة المرأة من مواصلة النجاح. لكن دعم الدولة يساعد على تخطى هذه المعوقات، مع التأكيد على إصرار المرأة على تحقيق النجاح.

* برأيك، ما العوامل الرئيسة التي تحد من مشاركة المرأة في السياسة والمناصب القيادية في الوطن العربي؟

- تظل بعض المجتمعات العربية مجتمعات ذكورية، تعاني من صراعات سياسية يصعب فيها عمل المرأة وحصولها على حقوقها . في المقابل، تعد مصر نموذجًا يُظهر أن حقوق المرأة ودعمها وتمكنها حق اساسي في النظام السياسي المصري، الذي يعتبرها جزءًا مهمًا وداعمت الديمقراطية وحقوق الإنسان.

* هل ترين تقدمًا ملحوظًا في تمثيل المرأة في المواقع السياسية اليوم؟ إذا كان الأمر كذلك، فما هي العوامل التي ساهمت في هذا التقدم؟

- بالفعل، تمكنت المرأة من تحقيق تقدم كبير على مدار السنوات الاخيرة، حيث تولت حقائب وزارية هامة ورفيعة. كما يدعم الدستور المصري حقوق المرأة، واتُّخذت تدابير مثل "كوتا" المرأة في المجالس النيابية مما ساعدها في الدخول للبرلمان . بالإضافة إلى ذلك، تستمر جهود الدولة في دعم المرأة للوصول إلى هذه المجالس دون الاعتماد على (الكوتا) فقط، بل بفضل جهودها الشخصية.

* بصفتك عضوا في مجلس الشيوخ، ما الأهداف والمقترحات الأساسية التي تسعين لتحقيقها لدعم حقوق المرأة وتعزيز قضاياها؟

قضايا المرأة جزء من مجموعة من القضايا التي يتم طرحها في مجلس الشيوخ . وبصفتي وكيلة للجنة الثقافية والإعلام والسياحة والآثار، أركز على تنمية وعي المرأة وحقوقها وسبل تمكنها؛ لأن عمل المرأة ونجاحها يؤدي إلى نجاح الأسرة واستقرارها، وتعليم الأبناء وتحسين مستوي معيشتهم؛ وبالتالي صلاح المجتمع ككل.

* ما النصائح التي ترغبين في توجيهها للشابات اللواتي يسعين لتحقيق النجاح في الحياة العملية؟

- اعملي على تطوير ذاتك، وحددي أهدافك بدقة. وأهم نصيحة أقدمها لهن هي تحقيق التوازن ما بين الحياة الزوجية والأسرية والطموحات الشخصية. وتذكري دائماً أن السير ببطء أحيانًا قد يكون أفضل من التوقف أو التراجع.

***

حاورتها: د: آمال طرزان

 

حاوره: حسن ايت بيهي

في هذا الحوار، يؤكد الدكتور مولاي أحمد صابر، الكاتب والباحث المختص في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر والدراسات القرآنية، أن الجدل الذي خلقه معاوية راجع لكونه شكل لحظة انشطار في التاريخ الإسلامي وهو ما تسبب في ظهور الفرق الدينية خاصة السنة والشيعة، اللتان تواصلان تقديم رؤيتها حول معاوية حتى اليوم. مشيرا إلى أن مؤسس الدولة الأموية جاء في لحظة فارقة من التاريخ الإسلامي مستغلا الفطنة والدهاء اللذين ورثهما عن والده أبي سفيان الذي كان سيد قومه وزعيم المعارضة القرشية ضد الإسلام.

مولاي أحمد صابر، وفي سياق تحليله لشخصية معاوية بن أبي سفيان، أكد على ضرورة تجاوز المصادر التاريخية التي تمجده أو تقلل من شخصيته لكون كل طرف من هذه الأطراف يسعى إلى خدمة أهداف محددة، ما يؤكد الحاجة إلى نوع من الحياد في تناول هذه الشخصية، كما قام بذلك كل من المفكرين، هشام جعيط وطه حسين عندما كتبا عن مرحلة الفتنة الكبرى. ليؤكد أن بعض الجدل الذي يثار حول معاوية لا طائل منه. وفي ما يلي نص الحوار كاملا:

* بداية، من هو معاوية بن أبي سفيان، ولماذا تثير شخصيته الجدل والخلاف بين السنة والشيعة رغم مرور ما يقارب 14 قرنا على رحيله؟

- مُعاويَة بنُ أبي سُفيان بن حَرب بن أُمَيَّة بن عَبدِ شَمس بن عَبدِ مَناف القُرَشِيُّ، ينتمي إلى عائلة بارزة الحضور عند العرب، ووالده زعيم قبيلة قريش (بمكة). فمعاوية ينتمي إلى سلالة بني أمية، إلى جانب سلالة بنو هاشم من نفس القبيلة، وينحدر كل من بني هاشم وبني أمية من سلف مشترك هو عبد مناف بن قصي. وقد أخذ الهاشميون اسمهم من هاشم بن عبد مناف، بينما ينحدر الأمويون من ابن آخر هو عبد شمس بن عبد مناف وأخذوا اسمهم من ابنه أمية بن عبد شمس. وقد عرف كل من بني هاشم وبني أمية صراعا مريرا فيما بينهما قبل الإسلام، وحالة من التنافس على الزعامة.

ومن المعروف بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بعث، من نسب سلالة بني هاشم، ومن المعروف بأن أبا سفيان من سلالة بني أمية، زعيم قبيلة قريش في مكة، قاد معارضة دعوة الرسول عليه السلام، وله دور كبير في تأليب العرب. وقد استمر في معارضته تلك منذ بداية الدعوة المحمدية حتى فتح مكة، ونستحضر هنا أهم وربما آخر ما صدر من أبي سفيان من قرارات سياسية، إذ صرخ في قومه وفي الناس جميعا، يوم الفتح وهو ينقل إليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم صارخا بأعلى صوته: “يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن”.

معاوية إذن؛ ابن أكبر زعيم في قبيلة قريش في مكة، قبل الإسلام وبعده حتى فتح مكة من لدن الذين آمنوا بدعوة محمد، والزعامة من ورائها أبعاد رمزية وتجربة اجتماعية وثقافية وحضور بين الناس، أي كل ما له علاقة برأس المال المعنوي إلى جانب رأس المال المادي. لا شك بأن رأس المال هذا المادي منه والمعنوي كان له أثر بأن يكون لمعاوية دور وحضور كبير في التاريخ الإسلامي الذي انطلق بعد التحاق الرسول الكريم بالرفيق الأعلى عام 11 هجرية، ففي زمن أول خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أبو بكر الصديق، تولَّى مُعاوية قيادة الجيش تحت إمرة ولواء أخيه يزيد بن أبي سُفيان، فكان في مقدمته أثناء فتح مدن صَيْدا، وعَرقة، وجبيل، وبَيْرُوت. وبعد أن بُويع عُمَر بن الخَطَّاب خليفةً للمُسلِمين بعد أبي بَكر، عيَّنهُ والياً على الأُردُن، ثم ولاه دِمَشْق. ماذا يعني هذا؟ يعني أن هناك إرث معنوي ورمزي يرتبط بالزعامة والقيادة، ورثه معاوية من أبيه وعشيرته بني أمية، ولهذا فالتاريخ سجل لنا أنه أسس دولة بني أمية وحوَّل الخلافة الراشدة إلى ملك.

وحضوره منذ البداية كشخصية جدلية في التاريخ الإسلامي بدأ مع تفجر خلافه مع علي بن أبي طالب، فمعاوية كان ممن طالبوا بالثأر لمقتل عثمان بن عفان عام 35 هجرية، وهذا ما دفعه إلى قيادة المعارضين من داخل دمشق التي كانت مركز ولايته منذ أيام عمر بن الخطاب، حيث لم يتركها واستمر في صراعه مع علي ابن ابي طالب الخليفة الرابع، ولم يقبل بالتنازل عن ولاية الشام، وقد تسبب كل هذا في فتنة بين المسلمين، وانقسموا بين أنصار معاوية وأنصار علي، ودارت مواجهات بين الطرفين أبرزها معركة صفين بين علي ومعاوية، وهي معركة وقعت في أرض يُقال لها صفّين (منطقة قُرب الرقة السوريَّة حالياً)، سنة 37 هـ، وقد ربح معاوية معركة صفين باللجوء الى التحكيم برفع المصاحف على الرماح، وهي مسألة ساهمت في تفكك صفوف جيش علي ما بين من قبلوا بذلك ومن اعترضوا عليه.

وهناك ظهرت بذرة فرقة الشيعة الذين شايعوا عليا وفرقة الخوارج الذين خرجوا عليه. وبعد تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية عام 41 هجرية، سُمّي ذلك العام بعام الجماعة لأن المسلمين اتفقوا فيه على خليفة لهم بعد خلاف طويل دام لسنوات، وكان هذا التاريخ بداية تأسيس الدولة الأموية.

أعتقد أن الجدل القائم حول شخصية معاوية بين السنة والشيعة يرجع إلى تلك اللحظة التاريخية التي اختلف فيها معاوية مع علي بن أبي طالب، كما تعود للمعارك التي عرفتها مرحلة ما سمي بـ “الفتنة الكبرى”، وبقي ذلك الانشطار حاضرا في التاريخ الإسلامي، ولم يتوقف عنده بل امتد إلى ابنه يزيد الذي ورَّثه الحكم من بعده، ففي زمن يزيد ابن معاوية وقعت معركة كربلاء سنة 61هـ/680م، وكانت بين الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي أصبح المسلمون يطلقون عليه لقب “سيد الشهداء” ومعه أهل بيته وأصحابه، وجيش تابع ليزيد بن معاوية، حيث تعدّ معركة كربلاء من أكثر المعارك جدلًا في التاريخ الإسلامي، إذ خلفت آثار سياسية ونفسية وعقائدية بقيت موضع جدل على طول التاريخ الإسلامي.

مع الأسف، في الزمن الحاضر نجد كثيرا من الناس لم يتحرروا بعد من عقدة الماضي ويقرأون الحاضر على ضوء ما حدث بين علي ومعاوية، فهناك من مازال يفكر بعقيدة الثأر لعلي أو الثأر للحسين، ويكره أمنا عائشة لأنها خرجت ضد علي. وهناك من يرى في معاوية بأنه نزيه في كل شيء وينتصر له من خلال قراءة تحليلية ونقدية للتاريخ، ومع الأسف الكثير من المسلمين كأنهم لم يقرؤا قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)﴾ (البقرة) وهي آية تكررت مرتين في سورة البقرة.

* ما هو موقع معاوية بن أبي سفيان في التاريخ الإسلامي اليوم، وهل هو خليفة أو ملك أو مجرد شخصية سياسية استغلت ظروف ما يسمى بالفتنة الكبرى التي أعقبت مقتل سيدنا عثمان بن عفان من أجل الاستئثار بالسلطة؟

- موقع معاوية في التاريخ لا يختلف عن الموقع الذي يأخذه كل من له دور الريادة في تأسيس نظام من نظم الحكم والدولة باتخاذ مبادرات في القيادة والريادة، مثلا في التاريخ المغربي عندنا إدريس الأول ويوسف بن تاشفين والمهدي بن تومرت والمولى إسماعيل. ومعاوية هو واحد من الذين مروا في التاريخ وبصموه ببصمتهم، له ما له وعليه ما عليه.

هل كان ملكا أو خليفة؟ لا يهم إن قلنا إنه خليفة أو قلنا إنه ملك في آخر المطاف فهو حاكم باسم الخلافة أو باسم الملك، هذه مجرد ألقاب أحدثها الناس لتدبير دنياهم ولتنظيم أمورهم السياسية والاجتماعية والمؤسساتية، وما ينبغي أن ننبه إليه هنا هو أن الإسلام لم يضع نمطا معينا للسلطة السياسية، القيمة التي أكد القرآن على حضورها هي قيمة الشورى، لا يهم إن تحققت مع الخلافة أو الملك أو نظام آخر قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)﴾ (الشورى) وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾ (آل عمران). وألفت النظر أن مفردة “ملك” في القرآن الكريم قد اقترنت بالنبي داوود والنبي سليمان وغيرهما، المهم هو العمل على بسط نوع من العدالة الاجتماعية المرتبطة بالمكان والزمان.

أما بخصوص ما أوردته في الشق الثاني من السؤال حول ما إذا كان شخصا استغل الظروف للاستئثار بالسلطة، فلا يمكن الجزم بذلك، فإن نظرنا إلى الذين كانوا في الخلافة قبل معاوية، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فهم بشر لهم ما لهم وعليهم ما عليهم بالنظر لمختلف القرارات السياسية التي قاموا بها، وقد وفقوا في الكثير منها، لكن هذا لا يعني أنهم ملائكة. مثلا أبوبكر عندما خرج لقتال الذين امتنعوا عن دفع الزكاة، في ما سمي بحروب الردة، فينبغي أن نفهم اليوم بأن هذه مسألة سياسية، فأبو بكر قاتل القبائل التي تريد أن تخرج عن سلطان الدولة حينها، بتعبيرنا المعاصر، وقد نجح في تثبيت قانون الدولة، فحروب الردة هي حروب سياسية من أجل الحفاظ على ما كان يدفعه الناس للدولة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم (أي الزكاة) فهناك فرق بين ما قام به أبو بكر في لحظة زمانه، وبين طبيعة استرجاع ذلك الحدث طول التاريخ الإسلامي، فطبيعة الاسترجاع أحيانا تكون بشكل تحضر فيه خلفيات ثقافية معها نوع من تصور ومخيال سلبي أو إيجابي عن طبيعة ذلك الحدث، بهدف القياس عليه في فهم حادثة جديدة، ومشكلة أن يتحول التاريخ وأحداثه خاصة تاريخ الخلافة الراشدة إلى مصدر للقياس عليه، مشكلة كبيرة جدا، تولدت على إثرها مشاكل كثيرة جدا…

فهناك من يقيس ما يجري في الحاضر على سيرة سيدنا علي دون غيره، وهناك من يقيس ما يجري في الحاضر على تاريخ الخلفاء الراشدين. ونحن نتحدث هنا عن طبيعة تفكير العقل الجمعي أي عامة الناس وليس خاصتهم على طول التاريخ الإسلامي.

خلاصة الأمر ينبغي أن نتعامل مع كل هؤلاء بعقلية تحليلية نقدية، بمعزل عن مختلف الإسقاطات والقراءات المغلقة والطائفية لمرحلة الخلافة الراشدة، بالابتعاد عن التحيز لطرف معاوية أو لطرف علي. لقد ولى زمانهم وانتهى الأمر، كنت مع علي أو كنت مع معاوية فذلك لا يفيد في شيء في العمل الصالح في الدنيا والآخرة. وعلى الإطلاق لن يسألنا الله عن علي أو معاوية، وعلى الإطلاق لن يفيدنا معاوية أو علي في شيء في خضم زحمة العلوم والمعرفة الحديثة.

الإسلام إذن أكبر من أسطوانة علي ومعاوية وكل من معهم، إنه أكبر من الصحابة وأكبر من التاريخ الذي عاشوه. الإسلام حالة من الوعي والعقل والعلم والنظر والتذكر والفكر والتفكر. إنه حالة سبق نحو العمل الصالح. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾(العصر).

  • إنه من الحمق اليوم ومن السذاجة أن يربط البعض من الناس العمل الصالح بسؤال مفاده ما قولك في علي ومعاوية؟ مع العلم أن عليا ومعاوية كل منهما حسابه عند ربه. والرسول عليه السلام جاء على لسانه في القرآن الكريم: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)﴾( الأحقاف) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) ( الأعراف).

* من قرشي أسلم يوم فتح مكة إلى عدد من الروايات التي تقدمه كواحد من كتاب الوحي، فكيف يستقيم ذلك ومعاوية حارب الدعوة كما قيل حتى لحظة إسلام أهل مكة، وما هي الأدلة العلمية التي يمكن اعتمادها لتأكيد أنه واحد من كتاب الوحي؟

- في تقديري أنت تنطلق في سؤالك من مرجعية مغلقة تسلم تسليما كاملا برواية معتمدة، والأمر لا ينبغي أن يكون بهذا الشكل. يجب أن نفهم بأن من كانوا حول الرسول صل الله عليه وسلم يسري عليهم ما يسري على جميع الناس، والتاريخ يؤكد أنهم قد يتفقون وقد يختلفون، وبالتالي ينبغي النظر إليهم بأنهم تحكمهم سنن اجتماعية ترتبط بالثقافة التي ينتمون إليها.

التاريخ يذكر لنا بأن أمنا عائشة خرجت ضد علي في معركة الجمل، ويحفظ لنا بأن صحابة الرسول دخلوا في خلاف فيما بينهم، بعد وفاة الرسول في من يكون خليفته، وقد افتتنوا في زمن علي وهذا أمر طبيعي، والقرآن يذكرنا بهذا الأمر الذي يقتضي التدخل للإصلاح وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)﴾(الحجرات).

أن يكون معاوية من كتبة الوحي بعد فتح مكة، إذ كان عمره زمن فتح مكة في السنة الـ8 للهجرة، ما يقارب 28 سنة في زمن القليل فيه من يعرفون الكتابة، هذا أمر ممكن، ولا فائدة في إثباته أو نفيه. وهذا لا يتعارض بأن يكون له رأي سياسي مغاير من أجل الحفاظ على الجماعة التي لا بد لها ممن يرتب شؤونها ويسوسها.

لنفترض عدم وجود معاوية وبقاء الأمر بيد علي بن أبي طالب، فكيف سيتحرك التاريخ من بعده؟ هل كان سيورث الخلافة لابنه وهل سيتحرك بشكل طوباوي خال من العثرات والصدامات وهل سيتحول تاريخه إلى تاريخ ملائكي أم إلى تاريخ ملك؟!

من العبث أن نتصور بأن الولاية ستنتقل من إمام إلى إمام على طول 1400 سنة هذا حمق، والغريب أن تصف بشرا بكونهم معصومين، بدعوى أنهم أئمة، علي إمام معصوم وورث العصمة في نسله، أمر يقابله معاوية غير معصوم وورث الملك في نسله. هنا يظهر لنا مكر التاريخ عندما يتحول إلى أسطورة تستقطب الناس وتكذب عليهم باسم الدين باسم علي أو باسم معاوية.

لنفترض عدم وجود معاوية وبقاء الأمر بيد علي بن أبي طالب في مسار التاريخ. أظن أنه سيكون هو نفس التاريخ ربما بجودة أكبر أو بجودة أقل، وربما يظهر شخص على مسرح الأحداث يقوم بدور معاوية، وبالتالي لا يمكن النظر إلى شخصية معاوية بهذه العقلية الثنائية، مع أو ضد، أسود أو أبيض.

وفي الحقيقة التاريخ الإسلامي محكوم بنظرتين، الأولى طوباوية تقوم على تقديس الأشخاص وهذا هو مسلك الشيعة، حيث يتم تسليط الضوء على أخطاء المخالفين دون النظر إلى الجوانب المضيئة، ومع الأسف جماعات الإسلام السياسي في القرن الـ20 عملت على إشاعة وهم استرجاع الخلافة الراشدة، في مقابل إشاعة وهم أن معاوية أسس تجربة ملك سموه ملكا عضوضا، والغريب أنهم في الزمن القديم قد وضعوا حديثا لهذا الأمر على مقاسهم مفاده: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَتكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ ) ـ (رواه أحمد).

هذا الحديث احتفى به الإسلام السياسي على طول القرن العشرين، في كل مكان، بهدف الوصول إلى السلطة والعودة إلى زمن ما قبل معاوية، وقد ضللوا الكثير من الشباب، وساهموا في نشر وعي سياسي مبني على الوهم، والعودة إلى الماضي الذي انتهى، كما أنهم أفسدوا السياسة بهذا الوهم، لأن السياسة في جوهرها تكون ناجحة عندما تكون واقعية وعقلانية، ولهذا فمعاوية أكثر عقلانية من الإسلاميين وعلي أكثر واقعية منهم. وأسوأ نسخة للإسلام السياسي هي نسخة داعش والقاعدة.

* لم يبدأ بروز معاوية في المجال السياسي إلا بعد وفاة أخيه يزيد عام 17 هجرية، بعد توليته من طرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكيف عمل على استغلال منصبه كوال بالشام من أجل توطيد أركان حكمه، خاصة مع تولي عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة؟

- معاوية بن أبي سفيان لم يأت من فراغ كما أشرت من قبل، فهو ينتمي إلى سلالة معروفة بالسياسة أي الزعامة، فوالده كان على رأس قبيلة قريش وحتى عندما تم الصلح مع الرسول صلى الله عليه وسلم وفتحت مكة هناك أثر مفاده أن معاوية بن أبي سفيان والجيوش قادمة لفتح مكة كان إلى جانبه العباس عم الرسول حيث قال أبو سفيان للعباس “والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، فقال العباس: يا أبا سفيان إنها النبوة”. بمعنى أن أبا سفيان كان يتعامل مع الأمر ومع قصة الفتح بأنها قصة ملك وكان ينظر إلى اتساع دائرة الجغرافيا التي دخلت تحت راية الإسلام بما فيها مكة حين الفتح، بأنه اتساع لمملكة على رأسها محمد بن عبدالله، وقد صحح له العباس بأن المسألة تتعلق بالنبوة وليس بالملك. ماذا يعني هذا؟ يعني بأن عشيرة أبي سفيان من بني أمية وغيرهم بمن فيه ولده معاوية، كانوا ينظرون للدعوة وقصة الفتح من زاوية الملك، وهم أولى به، بالتالي فمعاوية لم يأت من فراغ فالمسألة لا تتعلق بشخصه فقط، هناك عشيرة متسعة ولها حضورها، والواقع أن عصبية بني أمية قامت وتوسعت واستطاعت أن تنفرد بالسلطة وحولتها إلى ملك كما كان تصور أبو سفيان.

* كان معاوية واحدا ممن رفعوا راية المطالبة بالثأر لمقتل سيدنا عثمان، فكيف استغل ذلك للتحلل من البيعة ومنازعة علي رضي الله عنه على الخلافة ومن بعده ابنه الحسن الذي تنازل له عنها؟

- هذه مسألة تعود لطبيعة التوافقات في تلك اللحظة وتعود أيضا لطبيعة انتماء معاوية لعصبية سلالة بني أمية وطبيعة تدبيرهم للمسألة. في تقديري وبمعزل عن أي قيمة فلا يمكن أن نقلل من الفعل الذي أقبل عليه معاوية وهو فعل سياسي كما لا يمكن التقليل مما قام به علي بن أبي طالب الذي لم يستطع أن يعزل معاوية، وذلك لكونه بعيدا عن المدينة المنورة، وربما هناك من يحميه من أتباعه في المدينة ومكة وفي دمشق أي أن المسألة تعود لطبيعة تركيبة المجتمع المسلم في ذلك الوقت.

وبهذا الشكل، نحن اليوم بين أيدينا عدة روايات كل واحدة تصور لنا الموقف حسب ما يخدم مصالحها وتصوراتها، وبالتالي لا يهم البحث في مدى استغلاله لمقتل عثمان أو عدم ذلك، المهم أنه قام بتأسيس دولة لها مكانتها في التاريخ الإسلامي، وللأسف إن شئنا أن نتناول هذه الفترة ونقيم المصادر التي تحدثت لنا عن هذه الحقبة في تناولها لمسار حقبة الخلفاء الراشدين وما تلاها، فهي لم تحظ بدراسات علمية وموضوعية وافية.

المراجع القديمة تجد فيها معطيات كثيرة جدا بشكل كمي ولكن تحكمها وجهات نظر مذهبية وطائفية، حيث كان الشيعة ينظرون إلى تلك الحقبة من منظارهم وعقيدتهم والسنة يرونها من زاوية أخرى، ويرون أن معاوية من كتبة الوحي ويمكن اعتباره الخليفة الراشدي الخامس الذي وسع رقعة الدولة الإسلامية، لكن الشيعة يرون أنه شخص سلب الحكم من آل البيت وأن ابنه يزيد كان سببا في مقتل أبناء علي بن أبي طالب.

وفي الزمن الحديث هناك كتابان في غاية الأهمية سلطا الضوء على هذه الحقبة وقدما رؤى وتصورات مختلفة، الأول كتاب “الفتنة الكبرى” لطه حسين، والثاني كتاب “الفتنة” لهشام جعيط وهذه كتب جديرة بالقراءة، ومن الغريب والمضحك أحيانا، أن فئة كبيرة من المسلمين الشيعة والسنة يرفضون هذه الكتب، لسبب واحد لأنها علمية وموضوعية، فيما أعتقد أن باقي المصادر التي تناولت هذه الفترة قد يكون فيها جانب من الصحة، كما يتم من خلالها الخلط بين الأسطورة والخيال.

وبالتالي فطه حسين وهشام جعيط قدما لنا قراءة اجتهاد علمي كي نقرأ هذه المرحلة ونتخلص من عبئها الثقيل. فالتحدي اليوم هو كيف نعيش واقعنا كما هو بدل الهروب والقفز إلى دائرة الماضي لنقيس عليه الحاضر، لأن ما جرى في الماضي يتعلق بحياة الآخرين وليس بحياتنا نحن. ينبغي ألا نغفل بأننا أبناء اليوم، وينبغي على الشباب أن يحتاط من دعوى تجار بائعي التذاكر للسفر نحو الماضي والهروب من الحاضر.

ومع الأسف دكاكينهم موجودة في كل مكان، تجدها على الفضائيات وداخل المساجد وفي الأسواق وفي مختلف المناسبات. تذاكر بألوان مختلفة وبلغات متعددة محلية وأجنبية. ومع الأسف هناك من يمول هذه التجارة بشكل مباشر أو غير مباشر بوعي أو بدونه.

الإسلام لا يوجد فقط في الماضي على الإطلاق، لنستورده منه، بل يوجد في الحاضر ويوجد في المستقبل، الإسلام واحد من جهة النص المؤسس وهو القرآن الكريم، ومتعدد التجارب بالنظر للتاريخ والحاضر والمستقبل، أهم شيء يؤكد عليه الإسلام هو الدعوة للتحرر من إرث ماضي الآباء والأجداد والنظر إلى الغد القريب والبعيد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)﴾(الحشر) والغد هنا تعود على الدنيا والآخرة، أي نحن مطالبين بإسلام العصر وليس اسلام الماضي والتاريخ.

* إذن كيف ترى مساهمة معاوية بن أبي سفيان في توطيد أركان الدولة الإسلامية، وما علاقة ذلك بالفطنة والذكاء اللذين أجمع الكل على أنه كان يتمتع بهما؟

- الرجل كان ذا فطنة وذكاء سياسي وحنكة ولو لم يكن كذلك ما كان له أن يؤسس دولة بني أمية، وهي تجربة لها ما لها وعليها ما عليها، وقد ساد فيها نقاش كبير لتصورات وآراء، شكلت مقدمة لما تبعها من تصورات أخرى تلتها في زمن الدولة العباسية، وكل ذلك في حاجة إلى قراءة معرفية. ينبغي ألا نفهم ذلك وكأن معاوية له قدرات خارقة مفارقة للجميع، إنه إفراز لطبيعة تركيبة المجتمع حينها، ولطبيعة مختلف الفرقاء والمتدخلين في أمر الجماعة. التاريخ هنا لا يتعلق بفرد لوحده، هناك أمور أخرى تتعلق بالجماعة والمجتمع.

* مع تولي معاوية الخلافة، سارع إلى تحويلها إلى ما يعرف بالملك الجبري بعد إجبار المسلمين على أخذ ولاية العهد لابنه يزيد، فما هو تأثير هذا التحول على مسار الخلافة الإسلامية؟

- أشير هنا لأمر يتعلق بعقيدة الجبر كرؤية تبريرية لأفعال الولاة والحكام من بني أمية، الذين كانوا يرون بأن أفعالهم مجبرون عليها لأن الله كتب عليهم ذلك، وهي أفعال تؤذي الناس، وتحد من حريتهم. فالقول بعقيدة الجبر، شكل مدخلا للنقاش في علم الكلام، هل الإنسان مسير أم مخير، وقد توسع النقاش فيما بعد إلى نقاش مرتكب الكبيرة مع المعتزلة وغيرهم من الفرق التي ظهرت على طول التاريخ الإسلامي ومنها الأشاعرة. وبالتالي ما يمكن قوله في هذا الأمر أن معاوية بالفعل هو من حول الخلافة إلى ملك، هل هو ملك جبري؟ هذا حكم قيمة إن قلنا جبري، فهناك من يقول عكس ذلك، فماذا سنربح اليوم إن قلنا بأنه ملك جبري أو نفينا عنه ذلك، لن نربح شيئا، إنه ملك وكفى، ويمكن لدارسي التاريخ أن يقفوا عند تلك التجربة لإبراز أهميتها أو سلبياتها في علاقتها بالمجتمع حينها، إنها تجربة إنسانية تتضمن الصواب والخطأ.

* لماذا لم ينجح النظام الذي وضعه معاوية لدولته الأموية بعد وفاته وما هي الأسباب التي أدت إلى سقوط الدولة بعد عقود قليلة وتحديدا عام 132 للهجرة ومجيئ العباسيين؟

- سقوط الدولة الأمية يرجعه الكثير من المؤرخين إلى عوامل داخلية وإذا كانت الدولة قد نشأت مع معاوية فالأكيد أنها سقطت في فخ ضرورة إبقاء الخلافة في العرب من بني أمية، وفي زمن الأمويين دخل الكثير من الأقوام والأجناس إلى الإسلام، بالتالي فالتعصب الأموي للعرب وطبيعة تمركز الحكام الأمويين حول الثقافة العربية جعل القوميات الأخرى من فرس وغيرهم يثورون عليهم وأدى ذلك إلى تفكك الدولة، فضلا عن العقيدة الجبرية السائدة التي كانت تبرر مختلف أنواع التسلط والجبر من طرف الولاة والحكام.

فالإمبراطورية الإسلامية حينها كانت في حاجة لقوالب واسعة لتدبير شؤن الحكم ولفهم الإسلام بشكل مؤسساتي بشكل أكبر، في حاجة إلى فقهاء يفكرون بعقل الإمبراطورية، وليس بعقلية “مع معاوية ضد علي”، وإلى ساسة يفكرون بعقلية التدبير الواقعي لأمور السياسة، وليس بعقلية السيف كما هو الحجاج ابن يوسف الثقافي وقولته المشهورة “إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأرى الدم يترقرق بين العمائم واللحى”.

ولهذا فزمن الدولة العباسية يختلف عن زمن بني أمية، ولا أقصد أن الدولة العباسية أفضل من دولة بني أمية بل كل تجربة ينبغي قراءتها قراءة علمية، وينبغي أن نتعلم من القرآن الكريم سنن وقواعد الاجتماع وحركة التاريخ. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)﴾(الرعد)، وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)﴾(مريم).

والصالحات هنا تعود على الدنيا وعلى الآخرة، ولا شك بأن الإنسانية ورثت ما تبقى من الصالحات في مجال الحضارة والإعمار سواء في زمن الخلفاء الأربعة أو في زمن بني أمية، علينا أن نكتشف اليوم ما مكث في الأرض من بعد تلك التجارب وانتفع الناس به لزمن معين أو لزمن متسع.

* جاء في طبقات ابن سعد أن أبا سفيان نظر يوما إلى ابنه معاوية وهو صغير فقال لأمه هند “إن ابني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن يسود قومه”، فقالت هند “ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة”، فما مدى صحة هذا القول، وهل هذا دليل على أنه فعلا ولد كشخصية قيادية لتسود المسلمين؟

- مثل هذه الأقوال أحيانا تكون متداولة في حق الذين كان حظهم من التاريخ باديا للعيان على مستوى السياسة والحكم، أو على مستوى العلم والمعرفة، أو على مستويات أخرى من مجالات الحياة.

مثل هذه الأقوال قد يكون بعضها صحيحا، وقد يكون البعض منها نسج لكي يلفت النظر إلى أهمية ومكانة شخص وتقديمه على آخرين، ربما تقديمه على مقربين منه كإخوته مثلا، أو لإضافة نوع مما هو عجائبي لشخص بعينه، توقع فيه غيره ما يطمح إليه، ويرى في ابنه أو المقربين منه تحقيق طموح من طموحاته، وبهذا يكون قد وجه طفلا منذ نعومة أظافره نحو وجهة معينة يكرس كل حياته من أجل تحقيقها، وجهة ترتبط باسترجاع مجد ضائع أو زعامة تم سلبها أو ثأر معين أو استنبات خير كثير يفيد البلاد والعباد.

وقد ينجح الطفل في حياته في تحقيق ما وجه نحوه، ويتحول ما قيل فيه إلى نوع من السبق في معرفة ما سيكون عليه حياة الطفل. وفي حالة إن لم يحقق شيئا فلم تعد أية قيمة لما وجه نحوه في الصغر.

يمكن أن يكون أبو سفيان قد قال ما قاله عن ولده وهو الذي عاش زعيما لقومه وبالتالي من البديهي أن يتمنى أن يرث واحد من أبنائه هذه الزعامة، وإن أمعننا النظر في الأمر من زاوية أخرى قد يكون هذا الأمر قد صنف وكتب في زمن معاوية أو بعد زمنه لكي يخلد ذكراه.

***

حاوره: حسن ايت بيهي

نشرة في الأيام أيضا: 2 أبريل 2025

الصفحة 1 من 5

في المثقف اليوم