عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

التطرف هو الارتهان للتراث الديني، والتعصب له، واستعادته في كل وقت وحين، والاستغراق فيه، وإخضاع الحياة المعاصرة لتعاليمه وأحكامه ونصوصه وشخوصه قسرًا وقهرًا وإكراهًا. كما يتجلى في الشعور غير العقلاني بأن الانتساب لهذا التراث والتماهي معه يمنح الفرد أو الجماعة أفضلية دينية وأخلاقية مطلقة على الآخرين، مما يؤدي إلى تجذير العنف النفسي الخفي (الكراهية الباسمة والازدراء الناعم) تجاه المختلفين والمخالفين، وتأصيل وتبرير وشرعنة العنف اللفظي والمادي ضدهم، تلميحًا وتضمينًا تارة، وتصريحًا وتدوينًا تارة أخرى، وفعلاً وممارسةً تارة ثالثة، ونهجًا وسياساتٍ تارة رابعة، وصولًا إلى تكريسه في البنى الثقافية والهياكل الاجتماعية والمؤسسات السياسية.
بناءً على ذلك، يمكن النظر إلى تصريح أحد أعضاء هيئة كبار العلماء التابعة لمشيخة الأزهر في مصر بتحريم مشاهدة مسلسل "معاوية"، الذي يُعرض خلال شهر رمضان، بسبب تجسيد الصحابة دراميًا، بوصفه نموذجًا للتطرف الممنهج، يمكن تلخيصه بالمعادلة التالية:
"مؤسسة دينية تُصدر فتوى متشددة، بدافع من رؤية متزمتة، تجاه عمل درامي يحمل بعدًا صراعيًا في سياق مشحون".
ويمكن تفكيك هذه المعادلة على النحو التالي:
1- مشيخة الأزهر تعزز الرؤية التقليدية المغلقة لأنها ترعى عمليات إعادة إنتاج واستدعاء التراث الديني وتسويقه ضمن خطاب يهدف إلى تكريس هوية دينية انعزالية، تفرض سلطتها وسطوتها على العقول والضمائر. كما يُسهم هذا الخطاب - عبر التصريح والتلميح، والسياسات المؤسسية، والسلوك الدعوي والتربوي الممنهج، والفتاوى التطبيقية - في التشكيك بإيمان كل من لا يلتزم بتعاليمه، ويؤسس لشعور بالتفوق الديني ويجذّر الكراهية ضد الهويات الأخرى.
2- فتوى تحريم مشاهدة مسلسل "معاوية" تندرج ضمن الوصاية الدينية لأنها تفرض رؤية دينية تقليدية على الجمهور، وتحد من حرية الأفراد في الاختيار والتفاعل مع المحتوى الفني.
3- الدافع وراء الفتوى يعكس نزعة تقديسية غير نقدية للتاريخ حيث ينطلق من اعتقاد بحرمة تجسيد الصحابة دراميًا، مما يضفي عليهم قداسة ترفعهم إلى مقام فوق بشري، وهو تصور يعمّق الطابع الأسطوري للتاريخ الإسلامي بدل إخضاعه للبحث العقلاني.
4- المسلسل ذاته يعكس قراءة أحادية للتاريخ تعكس وجهة نظر طرف واحد في الصراع المذهبي. ومهما حاولت هذه القراءة أن تبدو محايدة وموضوعية، فإنها تبقى قراءة صراعية لن يرضى عنها "الطرف الآخر".
5- إنتاج المسلسل يأتي ضمن سياق سياسي - ثقافي أوسع حيث يُعيد تقديم الإسلام مقترنًا بالسيف والحروب والدماء والصراع غير الأخلاقي على السلطة الروحية والسياسية. قد يُقال إن هذا هو التاريخ، نعم، لكنه ليس مجرد استدعاء انتقائي، بل هو انعكاس لسردية العنف والدم السائدة في الوعي العربي الإسلامي، والتي لم تكن يومًا محل إدانة حقيقية، لا على مستوى الجمهور ولا على مستوى النخبة السياسية. إن هذه السردية ليست مجرد أداة خطابية يتم تفعيلها وفقًا للمصلحة، بل تمثل منظومة فكرية وثقافية مترسخة في الوجدان الجمعي، يُعاد إنتاجها باستمرار عبر المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية، مما يجعلها جزءًا من البناء الهوياتي والسياسي في المنطقة.
***
همام طه

هل يُصْلِحُ العَطّارُ ما أفسده الدَّهْرُ؟

منذ بعث الرسالة المحمدية، تابع الإسلام سيره مخترقا الحدود الطبيعية والجغرافية حتى وصل شرقا إلى إيران والهند والصين وغربا إلى إسبانيا، وشمالا إلى جزر البحر الأبيض المتوسط وبلاد الأناضول وأرض روسيا، وجنوبا إلى قلب أفريقيا وسواحلها الشرقية والغربية، غير أن العالمين العربي والإسلامي لم يعيشا عيشة الجسد الواحد، ولم يعملان بدستور الإسلام، هذا ما تؤكده العديد من الكتابات، فلم يعرف التاريخ مجتمعا نشأ سليما، أبيا مثل المجتمع العربي، ذلك أن المجتمع العربي أقبل في حماسة لكل ما يجلب له الخير والنفع، لقد كان العرب منذ أن ظهروا على مسرح الأحداث العالمية أصحاب رسالة سامية يدعون فيها إلى المحبة والإخاء، غير أنهم لم يستثمروا في أفكار غيرهم، فسقطوا في وحل التطرف كانت لهم الفرصة ولا تزال، بدلا من أن يتصارعوا فيما بينهم أن يحولوا هذا الصراع نحو أعدائهم الذين يقتلون الأبرياء من أطفال فلسطين وغزة وفي البلدان الأخرى التي لا تزال تعيش تحت نير الإستعمار وتعاني من المجاعة والأمراض بسبب الفقر.
فالسيطرة الغربية اليوم تشكل تحديا مستمرا لكل الشعوب علميا وعسكريا وسياسيا وصناعيا وروحيا، وهو الأمر الأكثر خطرا من كل هذه التحديات، لأن القومية الغربية لا تزال محافظة على دينها رغم أنه دين باطل، وبعقيدتها المزعومة توسعت دائرتها، في الوقت الذي تتعرض القومية العربية إلي الذوبان، إن لم نقل لم يعد لها أثر في الساحة، بسبب التطبيع مع الكيان، لأن الغرب بقيادة أمريكا زرع الانقسامية، حيث قسّم العرب إلي مشرق عربي ومغرب عربي، وهي كما يقول مفكرون قسمة عنصرية لا علاج لها، فبقي الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا، وفي ظل هذه الانقسامية وكما يقول برهان غليون يزداد إيمان الشعوب الضعيفة بعجزها وفقر ثقافتها، ويترسخ لديها النزوع إلي الاقتداء وتقليد الغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله، وأدّي بها هذا التقليد إلي فقدان هويتها وانسلاخها عن قوميتها، والاستسلام لفكرة القبول بحتمية التخلف التاريخي والعنف والبربرية.
هذا ما قاله برهان غليون، ولم تخطئ رؤيته لأن ما شهدناه وما نشهده إلى الأن من حروب أهلية في البلدان العربية وتفرقها، لخير دلالي علي الإنهزامية التي يشهدها العالم العربي، الفارق شاسع طبعا بين القومية العربية التي تعيش اليوم الانحدار والانحطاط والانهيار والقوميات الأخرى، ذكرها بِندكت أندْرسن (أكاديمي ايرلندي) في كتابه: الجماعات المتخيلة " تأملات في أصل القومية وانتشارها " حيث أرجع الأسباب إلي الهجرات وما تنتجه من هويات، أصبح العربي يخجل من أن يقول: " أنا عربيّ"، وذكر هذا الكاتب أمثلة، كانت أسئلة طرحها علي تلامذته، وهم شباب مغتربون في أمريكا هاجروا من أجل التحصيل العلمي، فكان رد أحدهم وهو من سنغافورا وبغضب شديد: " أنا سنغافوري وأعتز بهويتي وقوميتي، اللعنة، لقد تعبتُ من الأمريكيين الذين يحسبونني صينيا، لست صينيا"، طبعا هو الإعتزاز بالهوية في قمّة أشكالها، لأن الصيني في أمريكا يحسب نفسه أمريكيا، فأمريكا ودويلاتها شكلت ما سمّاه هذا الباحث بـ: "القوميات الكريولية" وهي الأن رغم توسعها تريد التوسع أكثر.
هي في نظره "ظاهرة عالمية" ولها أثر جانبي غير متوقع، فكثير من الأمم اليوم تتقاسم اللغة الإسبانية والفرنسية والإنجليزية، والصينية وحتي اللغة العبرية، وهذه القوميات تتجه الأن نحو "القومية الرسمية" (القومية العالمية)، لأن أمريكا تريج عولمة القوميات وجمعيها في قومية واحدة بهده القضاء علي القومية العربية الإسلامية، وهذه واحدة من المخططات التي تعمل للقضاء على الإسلام كدين سماوي، حيث ظلت القومية العربية تتصارع فيما بينها (هذا شيعي وذاك سُنّي، وهؤلاء عرب مسيحيون...الخ)، واختلفوا في نوع ثقافتهم إن كانت ثقافة عربية أم ثقافة إسلامية، وراحوا يستلهمون قيمهم من ثقافات أخرى، تبنوا خطابا معاديا، غير معتدلٍ فتناحروا وكفّر بعضهم بعضا، رغم أنهم شعب واحد جمعتهم اللغة والتاريخ والجغرافيا والمصالح، لكنهم فقدوا هذه العناصر فعجزوا عن النهوض بنهضتهم التي ضيعوها في فترة ازدهارهم، لدرجة أننا نجد العربي (المسؤول) اليوم يخجلُ من أن يتكلم بلسان قومه أي لغته الأمّ (اللغة العربية الفصحي) ويخاطب بها الأخر في اللقاءات الدولية الرسمية وأمام الرأي العام الدولي، وكاميرا الصحف العالمية، فهل يصلح العطّار ما أفسده الدهرُ؟
***
علجية عيش

في لحظة من لحظات الوعي الجمعي، حين يحتدم التنافس الشريف بين الأقدام السريعة والعقول المدربة، ينبري رجال الدين ليعلنوا اعتراضهم، مطالبين بتأجيل مباراة مصيرية بين العراق والكويت. يرفعون صوتهم، كما اعتادوا، ليُذكّروا الجماهير أن الحياة لا ينبغي أن تُعاش وفق نسقها الطبيعي، بل وفق ما تمليه العمامة، وأن الرياضة، مثلها مثل السياسة والمجتمع والثقافة، يجب أن تخضع لوصايتهم.
غير أن المشهد هذه المرة لم يكن كما كان من قبل. ففي المدرجات كان هناك وعيٌ جديد، وفي الميدان إرادةٌ تتحدى، وفي الهواء صرخةُ تحررٍ لم تعد تخشى فتاوى العصور الغابرة. حين ارتفعت الكرة في السماء، وانقض عليها رأس لاعبٍ عراقيٍّ جسور، لم تكن تلك مجرد ضربةٍ في الشباك، بل كانت ضربةً في صميم الكهنوت القروسطي، الذي لم يدرك أن الزمن قد تغير، وأن الشعوب لم تعد تقبل أن تُقاد بعصا الماضي الثقيلة.
لطالما اعتبر الكهنوت نفسه المالك الشرعي للحقيقة، والمتحدث الرسمي باسم الله، والوصيّ على العقول والضمائر. في القرون الوسطى، حين كانت أوروبا تئنّ تحت نير الباباوات، لم يكن للإنسان أن يحلم إلا بمقدار ما تسمح له الكنيسة، ولم يكن له أن يسأل إلا بحدود ما تجيزه كتب اللاهوت. كان الفكر محاصراً، والعلم مكبلاً، والرياضة – إن وُجدت – محرّمةً أو مدنّسة، لأنها تُلهي عن الطاعة العمياء للسلطة الدينية. لكن النهضة جاءت، والعقل تحرر، والإنسان اكتشف أنه لا يحتاج إلى وسيط بينه وبين الحياة. انطفأت شموع المحاكم التفتيشية، وسقطت سلطة الفاتيكان على العروش، وبدأت أوروبا مسيرتها نحو الحداثة.
وفي العراق، حيث التاريخ يكرر نفسه في أزياء جديدة، يقف الكهنوت اليوم في ذات الموضع الذي وقف فيه كهنوت الكنيسة قبل قرون، متوهماً أنه قادر على إيقاف عجلة الزمن، وأنه ما زال يمتلك القوة ليقرر متى تُلعب المباريات، وكيف يفرح الناس، ومتى يتنفسون. لكنه لم يدرك بعد أن سطوته تتآكل، وأن جيل اليوم ليس هو جيل الأمس، وأن الجماهير التي ملأت ملعب البصرة لم تكن تهتف للاعبين فقط، بل كانت تهتف للحياة في وجه الموت، وللحرية في وجه القيد.
لعل أشد ما يُربك الكهنوت هو اللحظة التي يدرك فيها أنه فقد سلطته، أن الجماهير التي كانت تصغي له بانقياد باتت اليوم تضحك من فتاواه، وأن الملوك الذين كانوا يخشون سطوته باتوا اليوم يعقدون حساباتهم وصفقاتهم السياسية بعيداً عنه.
ما حدث في العراق، وما يحدث في غيره من البلدان، ليس سوى تمهيدٍ لسقوط أكبر. فحين يتجرأ الكهنوت على التدخل في أبسط تفاصيل الحياة، وحين يُصرّ على أن يكون حَكماً في مباراة لا شأن له بها، فإنه يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع وعي الجماهير، وحين تسقط هيبته في نظر "القطيع"، يصبح بقاؤه مسألة وقت ليس إلا.
لأول مرة، لم يكن على اللاعب أن ينتصر على خصمه فقط، بل كان عليه أن ينتصر على خطباء المنابر أيضاً، على ثقافة التحريم والتضييق، على سطوة الخرافة. لقد كانت المباراة، في جوهرها، أبعد من مجرد تسعين دقيقة من اللعب؛ لقد كانت معركة رمزية بين الماضي والمستقبل، بين الكهنوت والحرية، بين الوصاية والتحرر.
لا تنهض الأمم إلا حين يُعاد للدين مكانه الطبيعي في القلوب، لا في القوانين، في الضمائر، لا في الملاعب. إن الفصل بين الدين والدولة، وبين الإيمان والإدارة، هو أولى خطوات النهوض. لا يمكن لمجتمعٍ أن يتقدم، وهو لا يزال يتلقى أوامره من منابر التحريم، ولا يمكن لشعبٍ أن يبني مستقبله، وهو لا يزال يُقاد بعقلية الفتاوى التي تخشى حتى الأفراح البسيطة.
لقد أظهرت الجماهير العراقية في هذه المباراة أنها لم تعد بحاجة إلى وصاية، وأنها تستطيع أن تفرح وتحتفل دون أن تسأل رجل الدين إن كان ذلك مباحاً أم لا. لقد كانت تلك المباراة درساً لكل من يظن أنه لا يزال يمتلك مفاتيح العقول، أو أنه قادرٌ على إيقاف الزمن بعمامةٍ وخطبةٍ وموقفٍ متشنج.
لقد سقط الكهنوت القروسطي بضربة رأس.. وهذه ليست سوى البداية!
***
د. علي الطائي

 

لا تكاد تخطو خطوة في أرض الكنانة حتى تكتشف أن القرآن هنا ليس كتاباً يُتلى، بل هواءٌ يُستنشق. في حاراتها الضيقة، حيث تتعانق روائح الياسمين مع أصوات المؤذنين، تجد التلاوة حاضرة كرفيق دربٍ يومي. حتى الباعة في الأسواق يترنمون بآيات السجدة وهم ينسقون الفاكهة، وكأنهم يؤمنون بأن جمال الرزق يكمل بجمال الصوت. هنا لا تحتاج إلى مسجدٍ كبير لتسمع القرآن، فالمدينة كلها محرابٌ مفتوح، والشارع نفسه ينشد: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة".
انظر إلى جيل الشباب الذي ورث هذه الموهبة كسرٍّ سماوي. الشاب الذي يقرأ في مأتَمٍ ريفي بصوتٍ يزلزل الجدران، ثم تراه في اليوم التالي يجلس مع أقرانه في مقهى شعبي، يضحك ويحكي، وكأن ذلك الصوت العجيب جاء من عالم آخر ليمس روحه لحظة ثم يغيب. هكذا هم قراء مصر: يحملون النور بين ضلوعهم، لكنهم يخفونه تحت رداء البساطة، فلا يتعالون بالقرآن، بل ينزلون به إلى الأرض ليكون قريباً كحرارة الشمس.
الأمر أشبه بسر متوارث في دمائهم. الطفل الذي يسمع أباه يقرأ أثناء إعداد الإفطار، يتعلم دون أن يعي أن الترتيل ليس مجرد قواعد، بل إيقاع الحياة نفسها. حتى النساء هنا يُجِدنَ إدارة حنجرتهن بين التلاوة والهمس، ففي أحياء القاهرة القديمة، قد تسمع جارةً تهدي جارتها آية "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً" عبر النافذة، فتتحول الكلمات إلى تحيةٍ يومية أرق من الندى.
وإذا كانت المدن الأخرى تفخر بأساطين القراء، فإن مصر تفخر بذلك المريد المجهول الذي يقرأ في ضريح السيدة زينب، صوته يمتزج مع دوي الطبول في الموالد، فيصنع مزيجاً من القداسة والشعبية لا يعرفه إلا من عاش تفاصيلها. هنا، حتى الحزن يتحول إلى تلاوة، ففي تشييع الجنازات لا تسمع نواحاً، بل تسمع "كل من عليها فان"، تُقرأ بتؤدةٍ كأن الموتى أنفسهم يطلبون تلك الهدهدة الروحية.
قد تسأل: كيف يحافظون على هذه الروح عبر الزمن؟ الإجابة تكمن في أن مصر لا تتوقف عن العطاء. فكلما ظننت أن زمن العمالقة قد ولى، يطل عليك قارئٌ شاب من محافظة بعيدة، يقلب موازين الأصوات المعتادة، كأن الأرض هناك لا تلد إلا العظماء. إنهم لا يكتفون بتقليد من سبقوهم، بل يزرعون اللحن القديم في تربة جديدة، فينبت صوتاً مختلفاً، لكنه يحمل نفس الجذور التي امتدت من زمن الرعيل الأول.
في الليالي الرمضانية، حيث تتزين الشوارع بالمصابيح والأناشيد، يصبح التنافس بين القراء عيداً للروح. كأن المصريين يقولون للعالم: "هذا قرآننا نهديه لكم، مشفوعاً بقهوتنا وضحكتنا وحكايات أجدادنا". حتى الغريب الذي لا يفهم العربية، سيقف مبهوتاً أمام ذلك التواشيح بين الصوت والصمت، كأن التلاوة هنا لغة عالمية، لا تحتاج إلى ترجمان.
لو أغمضت عينيك وأنت تستمع إلى الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ستكاد ترى "الملكين" ينزلان يتفقدان ذلك الصوت الذي يشبه النور، أو تظن أن جبال سيناء تردد خلفه صدى "والتين والزيتون". أما الشيخ مصطفى إسماعيل، فكأنه ينسج من الحروف سجادةً من حرير، كل حرف فيها مطرَّز بإحساسٍ يذوب في الأذن كالعسل. وما إن تسمع الشيخ محمد رفعت حتى تعرف أن القرآن لم ينزل على القلب فقط، بل على الجوارح كلها، فصوته يأخذك إلى زمنٍ آخر، حيث البساطة عمق، والخشوع اتصالٌ مباشر بالسماء.
لم يأت هذا التميز من فراغ، فمصر التي احتضنت الأزهر الشريف عبر قرون، صارت منارةً لعلوم القرآن تتوارثها الأجيال كإرث مقدس. هنا يتعلم القارئ أن التلاوة ليست إتقاناً للنغمات فحسب، بل هي إحياءٌ للمعنى. حين يقرأ الشيخ الطبلاوي قوله تعالى: "وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور" ، تشعر أن الآية تُنزل أمامك كحدثٍ تراه بعين القلب، وكأن الصوت يخرج من صدر النبي نفسه.
والعجيب أن هذا السحر لا يقتصر على الأعلام الكبار، بل يمتد إلى ذلك الشيخ المجهول في قرية نائية، الذي يخطف ألباب المصلين في صلاة الفجر بتلاوةٍ كأنها ندى الصباح. حتى الأطفال هنا يتعلمون القرآن قبل إتقان المشي، فترى الصغير يقلد انفعالات الشيخ المنشاوي ببراءة، وكأنه يلعب بلغة السماء.
ربما السر يكمن في أن المصريين يعيشون القرآن كـ "حكاية" تروى، لا كنصٍّ يُتلى. حين يقرأون "ألم نشرح لك صدرك"، تسمع في صوتهم حنو الأم التي تمسح على جبين طفلها، وحين يتلون "فاصبر لحكم ربك"، تشعر بصلابة الجبال في نبراتهم. هم لا يَجودون القرآن، بل يَخلقونه من جديد كل مرة، وكأنهم يترجمون لغة السماء بلهجة الأرض.
ستظل مصر تنثر سحراً خاصاً يلامس الأعماق، كأن النيل نفسه يترنم بآيات القرآن، أو كأن أرواح الأجداد الفراعنة أورثتهم سر الجمال في النطق. هنا، حيث يتشابك التاريخ مع الروحانيات، يتربع قراء مصر على عرش التلاوة بجدارة، ليس لأنهم الأكثر عدداً، بل لأنهم الأقدر على تحويل الكلمات إلى نبض حي، يجعل السامع يعيش في فضاء الآية قبل أن يسمعها.
فيا ليت القلب يسع كل تلك الأصوات، ويا ليت الزمن يتسع لأسرارهم. لكن يكفي أن نعرف أن مصر، كلما أرادت أن تذكر العالم بجذرها الروحي، أرسلت له صوت قارئٍ جديد، ليذكره بأن القرآن لم ينزل على الأوراق فقط، بل نزل ليكون دماءً في العروق، ونغماً لا ينقطع.
كم تمنيت لو أن العمر يمتد بي لأجلس في زاوية من زوايا الأزهر، أتلقى الإجازة من أحد هؤلاء الحكماء الذين جعلوا من الحروف أجنحةً، ومن الآيات عوالم. لكني أدرك أن الإجازة الحقيقية ليست في الشهادة، بل في تلك الرحلة التي يصنعها الصوت المصري بين الأذن والقلب، رحلةٌ تبدأ بالسمع وتنتهي بالإحساس بأنك سمعت القرآن للمرة الأولى.
***
د. عبد السلام فاروق

منذ وقت مبكر قرأت كتاب (الأخلاق) لأرسطو، والظروف من حولي صعبة، لكنه كان ممتعا رغم تعقيدات أفكاره، فأسهم في إنتصاري على الواقع الذي يحاوطني.
أتذكره وأتساءل عن وجود فلسفة عربية، فعندما أتصفح أي كتاب فلسفي أو أقرأ مقالة لها علاقة بالفلسفة، أجدها مكررة ولا تخرج من قبضة الأسماء المعروفة في الفلسفة اليونانية، ولا تجد ذكرا لفلاسفتنا منذ الكندي (185 - 256) هجرية، وما بعده.
وكأننا لم ننجب فلاسفة ولا نمتلك مفاهيم فلسفية، فالحقيقة المغفولة أن معظم شعراء المعلقات فلاسفة، وخطباؤنا وحكماؤنا قبل الإسلام فلاسفة ومفكرون أجلاء.
وقبل عصر المأمون كانت في الأمة حركات فلسفية متنوعة، وأكثر الحركات والمدارس التي إنطلقت مبنية على قواعد فلسفية، بل يمكن القول حتى حركة الخوارج كانت ذات طابع فلسفي وفكري، فهي لم تندلع بإنفعالية بل على أسس فكرية ونظرة تأويلية فلسفية الأبعاد، والمعتزلة قبل ترجمات المأمون كانت منطلقاتهم فلسفية.
فلاسفتنا والمعاصرون منهم، نتجاهلهم ونتفاخر بأرسطو وأمثاله، وننكر ما عندنا من فلاسفة ومفكرين، فأين تكمن العلة؟
هل هي المشاعر الدونية المرسخة المعززة بتكرارية مقصودة؟
هل أنها التبعية المفروضة علينا؟
هل نكراننا لذاتنا وموضوعنا وهويتنا وتأريخنا يدفعنا لذلك؟
ماذا يجري في واقعنا؟
العرب عندهم فلسفة، لكنهم يطمرونها ويتبارون في النيل منها، ويبجلون ما عند الأجنبي من رؤى وتصورات وكأنهم بلا رؤوس.
منذ إقرأ وما قبلها، والأفكار الفلسفية تتوافد على مجتمعاتنا، ووضعت بخطب بليغة، وقصائد خالدة.
أ لم يكن شعراؤنا فلاسفة؟
فالشعر فيه فلسفة، وهو ديواننا!!
و"قل لمن يدعي في العلم فلسفة...حفظت شيئا وغابت عنك أشياء"
***
د. صادق السامرائي

حافظت أسعد دولة في العالم على صدارتها لمدة ثماني سنوات متتالية، بينما الوضع في الولايات المتحدة ليس مثاليًا. فقد تصدرت – فنلندا - مجددًا تصنيفات تقرير السعادة العالمي، بينما سجلت الولايات المتحدة أدنى تصنيف لها حتى الآن في المركز الرابع والعشرين في تقرير عام 2025.
يتزامن هذا الإصدار الثالث عشر من التقرير مع اليوم العالمي للسعادة الذي أقرته الأمم المتحدة في 20 مارس. وأشار التقرير إلى أن تراجع مستويات السعادة والثقة الاجتماعية في الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا ساهم بشكل كبير في زيادة الاستقطاب السياسي والتصويت ضد "النظام".
ولكن الأخبار الأكثر إشراقا، أظهرت الأبحاث العالمية أن الناس أكثر لطفاً مما نتوقع., وقال (جون هيليويل)، أحد المحررين المؤسسين لتقرير السعادة العالمي: "إن مواطني الناس أفضل مما يعتقدون، وإدراك ذلك سيجعلك أكثر سعادة بالطبع، ولكنه سيغير أيضًا الطريقة التي تفكر بها في جيرانك".
"وبالتالي، فإنك تميل أكثر إلى التفكير في الغريب في الشارع باعتباره مجرد صديق لم تقابله وليس شخصًا يشكل تهديدًا لك"، كما قال هيليويل، وهو أستاذ فخري للاقتصاد في جامعة كولومبيا البريطانية.
قال هيليويل إن هناك "مجالًا للتحسين"، إيمانًا منا بأننا جميعًا جزء من مجموعة أكبر تهتم ببعضنا البعض. وأضاف أن هذا مصدر مهم للسعادة لم نستغله كما ينبغي.
يستند التقرير إلى بيانات استطلاع –غالوب - العالمي لآراء الناس في أكثر من 140 دولة. وتُصنّف الدول بناءً على مستوى سعادتها بناءً على تقييمات متوسط العمر المتوقع خلال السنوات الثلاث السابقة، أي من عام 2022 إلى عام 2024. ويُعدّ التقرير ثمرة شراكة بين غالوب، ومركز أكسفورد لأبحاث الرفاهية، وشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، وهيئة تحرير.
يطلب الاستبيان من كل مشارك تقييم حياته ككل، ويعتمد التصنيف على هذه التقييمات. ثم يتناول التقرير ستة متغيرات رئيسية لتفسير تقييمات الحياة : الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر المتوقع الصحي، والحرية، والكرم، وإدراك الفساد.
* أسعد البلدان
فيما يتعلق بالسعادة، من الواضح أن دول الشمال الأوروبي تُحرز تقدمًا ملحوظًا في العديد من المجالات. وللسنة الثامنة على التوالي، تُعدّ فنلندا أسعد دولة في العالم، تليها الدول المجاورة لها مباشرةً.
لا تزال دول الشمال الأوروبي، مثل فنلندا، تستفيد من أنظمة رعاية صحية وتعليم ودعم اجتماعي عالية الجودة ومتاحة للجميع. كما أن مستوى التفاوت في مستوى المعيشة منخفض، وفقًا لإيلانا رون ليفي، المديرة الإدارية لمؤسسة غالوب.
وتظل فنلندا والدنمارك وأيسلندا والسويد - الدول الأربع الأولى - في نفس الترتيب كما كانت في عام 2024. كما احتلت النرويج مرة أخرى المركز السابع.
وفي حين أن أنظمة الدعم الاجتماعي التي تراقب رفاهية السكان مهمة بالنسبة لتصنيف فنلندا رقم 1، فإن الناس يلعبون دورًا أيضًا، وفقًا لهيليويل.
قال هيليويل، الباحث المخضرم في مجال المحافظ المفقودة، في إشارة إلى بيانات تُظهر أن دول الشمال الأوروبي تُصنّف من بين أفضل الدول من حيث الاسترداد المتوقع والفعلي للمحافظ المفقودة : "إن وجود دولة رفاهية لا يعني العثور على المحافظ المفقودة وإعادتها إلى أصحابها. هؤلاء أفراد يهتمون بمن يعيشون معهم".
من المرجح أن تُسهم عوامل أخرى في الأداء القوي لفنلندا. أشار هيليويل إلى أن بعض الخبراء الفنلنديين يُشيرون إلى الوحدة والثقة التي نتجت عن حرب الشتاء عامي 1939- 1940، المعروفة أيضًا بالحرب الروسية - الفنلندية.
"لم يفوزوا بتلك الحرب، ولكن ما فعلوه هو أنهم اجتمعوا وأدركوا أنه حتى في مواجهة قوة ساحقة، يمكنهم أن يفعلوا شيئًا رائعًا... في بعض الأحيان، يمكن للتحدي الذي يفرضه الخارج أن يجمعكم معًا."
وقال هيليويل إن العقلية الأقل مادية قد تكون أيضاً في صالح فنلندا.
"وفي هذه الأيام، أصبح التركيز على الأمور الشخصية بدلاً من الأمور المادية أمراً ذا أهمية متزايدة."
تدخل دولتان من أميركا اللاتينية - كوستاريكا في المرتبة السادسة والمكسيك في المرتبة العاشرة - إلى قائمة العشرة الأوائل لأول مرة في تقرير عام 2025.
وقال (رون ليفي) إن سكان البلدين لديهم "شبكات اجتماعية قوية وتصورات قوية حول اتجاه اقتصادهم وثقة في القادة والمؤسسات"... وتضم قائمة العشرة الأوائل هولندا (رقم 5)، وإسرائيل (رقم 8)، ولوكسمبورج (رقم 9).
* أدنى تصنيف للولايات المتحدة
بعد خروجها من قائمة العشرين دولة الأولى للمرة الأولى في العام الماضي 2024، احتلت الولايات المتحدة المرتبة 24 في أحدث تقرير عالمي عن السعادة.
قال رون ليفي: "يُعزى الانخفاض في الولايات المتحدة بحلول عام 2024، جزئيًا على الأقل، إلى شعور الأمريكيين الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا بسوء حالتهم. يُفيد شباب اليوم بأنهم يشعرون بانخفاض دعم الأصدقاء والعائلة، وبأنهم أقل حرية في اتخاذ قراراتهم الحياتية، وبأنهم أقل تفاؤلًا بشأن مستويات معيشتهم".
أولى تقرير العام الماضي 2024 اهتماما خاصا بالسعادة بين مختلف الفئات العمرية، مسلطا الضوء على الانخفاضات بين الشباب في العديد من البلدان.
الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة الناطقة بالإنجليزية التي تواجه تحديات في مجال السعادة. ففي المرتبة 23، سجلت المملكة المتحدة أدنى تقييم لمتوسط العمر منذ عام 2017. أما كندا، التي شهدت انخفاضًا في السعادة خلال العقد الماضي، فقد ظلت ضمن أفضل 20 دولة في المرتبة 18.
ورغم أن المتغيرات التي تساعد في تفسير تقييمات الحياة معقدة، إلا أن هناك "بلسماً" واحداً في متناول الجميع، كما يقول هيليويل.
قال هيليويل: "انظروا بجدية إلى مَن تعملون معهم، وتعيشون معهم، وفي شوارعكم، وانظروا إلى مَن تتعاملون معهم بتفاؤل. هذا سيُغيّر سلوككم في المرور، وسيُغيّر سلوككم في النقاشات السياسية، وسيُغيّر كل شيء".
* أسعد 20 دولة في العالم في عام 2025
1. فنلندا
2. الدنمارك
3. أيسلندا
4. السويد
5. هولندا
6. كوستاريكا
7. النرويج
8. إسرائيل
9. لوكسمبورغ
10. المكسيك
11. أستراليا
12. نيوزيلندا
13. سويسرا
14. بلجيكا
15. أيرلندا
16. ليتوانيا
17. النمسا
18. كندا
19. سلوفينيا
20. جمهورية التشيك
* في أسفل القائمة
أفغانستان (رقم ١٤٧) مرة أخرى في ذيل القائمة. وتحتل سيراليون (رقم ١٤٦)، ولبنان (رقم ١٤٥)، وملاوي (رقم ١٤٤)، وزيمبابوي (رقم ١٤٣) بقية المراكز الخمسة الأخيرة .. والسؤال الذي يطرحة البعض هو: متى تصل بلدانا الى السعادة وتصنف مع بلدان أوربية في أعلى القوائم المنشورة ؟.
***
شاكر عبد موسى/ باحث وكاتب/ العراق

ترتبط هذه الرياضة بفئة السياح من هواة الصيد الذين يمارسون هوايتهم المحببة هذه داخل أو خارج حدود بلادهم. وتنتشر في الدول التي تزخر بأنواع وأعداد هائلة من الحيوانات والأسماك والطيور المنتشرة في الغابات والأدغال العميقة والبراري البعيدة والسافانا والجبال والسواحل والبحيرات والأنهر والجزر وغيرعا. وقد شرعت معظم هذه البلدان القوانين واللوائح، وأصدرت الضوابط والتعليمات التي تنظم الصيد السياحي البري والنهري والبحري داخل حدودها، للحيلولة دون استنزاف واهلاك هذه الموارد الطبيعية المهمة لضمان استمرارها وديمومتها على نحو طبيعي ووفقا لقواعد الأستدامة المعروفة، لما تمثله من مغريات سياحية (مجذبات سياحية) طبيعية مهمة وفعالة في (منظومة الجذب السياحي)، وللدفع باتجاه تنمية وتطوير (منتجات سياحية مبتكرة)، تحتل مكانة هامة في (صناعة السياحة والسفر) الوطنية. وقد روعي في هذه التشريعات والضوابط عدة جوانب تخص البيئة الطبيعية والأستدامة، مثل نوعية وأعداد هذه الحيوانات، ومدى ندرتها، والتهديدات والتحديات التي تواجهها، ومناطق انتشارها، وفيما إذا كانت مقيمة أو مهاجرة، ومواسم وظروف تكاثرها، واستخداماتها بعد عمليات الصيد، والأسلحة والأدوات المستخدمة في صيدها، وفيما إذا كانت محلية أو مجلوبة من خارج الحدود من قبل السواح الأجانب، والمناطق والفترات الزمنية التي يسمح بصيدها فيها وغيرها من التفاصيل. مثل القانون رقم (2) لسنة 2006 بشأن تنظيم واستغلال الأحياء المائية وحمايتها في اليمن، والقرار رقم (6) لسنة 1997 بشأن ممارسة الصيد في ليبيا، وقانون حماية الحيوانات البرية رقم (17) لسنة 2010 في العراق، والقانون رقم (9) لسنة 1983 في شأن تنظيم صيد الطيور والحيولنات في الأمارات العربية المتحدة. وهناك شركات سياحية عالمية ووطنية تنظم سياحة الصيد والأنشطة الرياضية المرتبطة بها على ضوء الأرشادات والضوابط السائدة، وبالتنسيق مع السلطات المعنية، مثل شركات (بلان تورز تورزم وفي تور وي في تورزم وناتور تورزم وأنتونيانا تورزم ونوفوم تورزم) في تركيا التي تعمل تحت غطاء (المديرية العامة للحدائق والصيد والحياة البرية) في وزارة الغابات، ووفقا للقانون رقم (6136). أما في إيطاليا فان سياحة صيد الأسماك هي الأكثر انتشارا بين السياح، وتمارس عادة في المناطق الساحلية بطول (7.600) كلم، بالأضافة إلى البحيرات الكبرى والأنهار والبحيرات الضحلة في الداخل، مثل (تراسيمينو وجاردا وكومو وبركسيانو بولينا وايسيو ولاجو ماجينوري). وتتيح بأضافة إلى الخروج برحلات الصيد فرص الأقامة في مساكن الصيادين المتواضعة كما هي في الواقع، واعداد الوجبات الشهية من الأسماك التي يتم صيدها من قبلهم، وبالوسائل التقليدية. وتتم هذه النشاطات تحت مظلة (مؤسسة سياحة الصيد) التي تضم (300) جمعية وبرعاية (رابطة صيد الأسماك). وفي تونس تنتشر سياحة الخنزير والثعلب وابن آوى والزيردة والنمس والزرزور والترد في (توزر وقفصة وقبلي وقابس)، وفي غابة رواد وجبل برج شاكير وبحيرة رادس والغابة والكثبان الرملية برواد والحديقة الوطنية بجزيرة (زمبردة) وجزيرة (زمبرتة)، والمحمية الطبيعية بمخثردار فاطمة على وجه الخصوص، وعلى يد سياح أجانب من بريطانيا وألمانيا وفرنسا والسويد وبلجيكا وإيطاليا وسويسرا وإسبانيا ولكسسمبورغ، وسياح عرب، وبالذات من دول الخليج العربي، وباشراف وكالات سفر متخصصة ومؤسسات النزل المنظمة للصيد السياحي وتحت مظلة (المندوبية الجهورية للسياحة وإدارة الغابات)، ووفقا لقرار وزير السياحة في 28 آذار 2001. وتشير البيانات والاحصائيات الخاصة بوزارة الفلاحة والموارد المائية التونسية إلى اصطياد (2000 – 2700) خنزير بري سنويا كمعدل ضمن حملات صيد منظمة بلغت في موسم 2008 – 2009 نحو (1917) حملة، أسفرت عن اصطياد (4840) خنزيرا، بعد منح (952) رخصة صيد في عام 2008 من أصل (1884) قابلتها (1153) رخصة صيد خنازير في عام 2009 من أصل (1347) رخصة. الأمر الذي انعكس إيجابا على الوضع الاقتصادي للأفراد والأسر من الجماعات المحلية القريبة من مناطق الصيد جراء استقبال ومصاحبة هؤلاء السياح في رحلات الصيد كأدلاء. كما أسهم في رفد خزينة الدولة بايرادات متأتية من منح رخص الصيد واجازات ادخال الأسلحة والمعدات الضرورية إلى البلاد لغرض ممارسة هواية الصيد وغيرها من العائدات المالية. أما في بلغاريا فقد بلغت عائدات سياحة الصيد في عام 2010 نحو (2.1) مليون يورو و(3) ملايين يورو في عام 2011، وهي مرشحة للزيادة في العام الحالي 2012. وقد خصص يوم (6) آب من كل عام ليكون يوما وطنيا لرياضة الصيد، حيث تنطلق في الجولات السياحية من أجل صيد الحجل والسمان والحمام البري والغزال الأحمر والخنازير البرية وبعض أنواع الدببة التي يسمح القانون البلغاري بصيدها وفق شروط وضوابط معينة. وفي رومانيا شكلت سياحة الصيد المرتبطة بالسياح الأجانب (80) في المائة من اجمالي أنشطة الصيد في البلاد في عام 2009، واصبت على اصطياد الأرانب والديك البري والغزلان والثعالب والأسماك وغيرها. ومن الدول الي أصدرت تشريعات تنظم عمليات الصيد في المنطقة: الجمهورية العربية اليمنية التي صدر فيها القانون رقم (42) لسنة 1991 بشأن تنظيم صيد واستغلال الأحياء المائية وحمايتها المعدل بالقانون رقم (43) لسنة ذ997. وقانون تنظيم الصيد والطيور والزواحف البرية (4 / 2002) في دولة قطر. وقانون تنظيم الصيد واستغلال الأحياء المائية وحمايتها رقم (48) لسنة 1976 في العراق. والقانون رقم (22) لسنة 2005 بشأن تنظيم الصيد البري في أبو ظبي. وقانون الزراعة المؤقت رقم (44) لسنة 2002 في الأردن والتعليمات رقم (ز / 34) لسنة 2003 الصادرة بموجبه الخاصة بحماية الطيور والحيوانات البرية وتنظيم صيدها والاتجار بها. وقانون حماية الصيد والحظائر الأتحادية لسنة 1986 في السودان. وقانون تنظيم صيد الحيوانات والطيور والزواحف البرية (4 / 2002) في الكويت. وقانون تنظيم الصيد البري في لبنان رقم (580) لسمة 2004.
***
بنيامين يوخنا دانيال
.....................
* عن (مقالات في السياحة الرياضية) للباحث، مطبعة بيشوا، أربيل – العراق 2012.
** للمزيد من الاطلاع على التشريعات التي تخص الصيد ينظر (التشريعات السياحية في البلاد العربية) للباحث، مطبعة بيشوا، أربيل – العراق 2010.

 

في هذا الشهر الكريم، حيث تُضاء المساجد بنور الإيمان، وتعلو أصوات الدعاء، ينتظر كثيرون لحظة الفرج، التي قد تأتيهم في هيئة زكاة أو صدقة. ليس لأنهم تعودوا على الأخذ، بل لأن الله قدّر أرزاق العباد ووزعها بينهم، فجعل بعضهم في موضع العطاء، وآخرين في موضع الحاجة، ليختبر الجميع في الأخذ والعطاء.
الرزق ليس مالًا فقط..
الرزق لا يقتصر على المال، فقد يكون صحةً في البدن، أو راحةً في القلب، أو محبةً بين الناس. هناك من يملك المال، لكنه محروم من السعادة، وهناك من يعيش بالكفاف، لكنه هانئ البال مطمئن النفس.
كم من رجل ينام وبيته خالٍ من الطعام، لكنه يؤمن أن الله لن يتركه! وكم من أم تسهر والدموع في عينيها، تنتظر يدًا تمتد إليها بالخير، فتدعو لمن أعانها دون أن تراه...! هؤلاء لا يستعجلون رزقهم، بل يؤمنون أن ما كُتب لهم سيصلهم، سواء في صورة زكاة، أو عمل شريف، أو حتى باب خير يُفتح فجأة في اللحظة الأخيرة.
(لا تأكل رزق غيرك)
قد يغريك المال السهل، وقد تبرر لنفسك أخذ ما ليس لك بحجة أنك أحق به، لكن تذكر دائمًا:
"ما كان لك سيأتيك ولو كنت في قعر البحر، وما لم يكن لك، لن تناله ولو كنت بين يدي السلطان."
في الأسواق، في الوظائف، في التجارة، وحتى في الميراث، هناك من يظن أن الرزق "شطارة"، لكن الأيام تُثبت أن المال الذي جاء بغير حق، سيذهب كما جاء، وربما يجرّ خلفه ندمًا لا ينتهي. المال الحرام قد يغني صاحبه فترة، لكنه يحرم البركة، فلا يدوم ولا ينفع.
(الرزق لا يُستعجل)
الحياة مليئة بالدروس، وكل تجربة تثبت لنا أن الرزق لا يرتبط بالسعي وحده، بل يرتبط بالبركة. فكثيرون يكدّون ليل نهار، لكن لا يجدون راحة، بينما هناك من يعيش بالقليل، لكنه يشعر بسعادة تفوق الأغنياء.
الفرج قد يأتي في اللحظة الأخيرة، تمامًا كما حدث مع رجل من قريتنا، كان يعمل بجهد لكنه لم يكن يملك ما يكفيه، وفي ليلة العيد، وهو لا يعلم كيف سيواجه أطفاله بجيوب فارغة، جاءه الرزق من حيث لم يحتسب، فأعطاه رجل ثري أجرًا قديمًا نسيه، ولم يكن يدري أن هذه الأموال ستنقذ أسرة كاملة من الضيق.
فتذكر دائمًا…
الرزق مكتوب، فلا تأخذ حق غيرك ما كان لك سيأتيك في وقته
المال الحلال هو الذي تدوم بركته
الرزق ليس مالًا فقط، بل هو سعادة وراحة بال
"الرزق مكتوب لك حيث كنت، فلا تستعجله، ولا تأكل حق غيرك، ولا تيأس من رحمة الله، فإن الفرج يأتي في اللحظة التي لا تتوقعها."
***
محمد سعد عبد اللطيف - كاتب وباحث مصري

 

الأسبوع الأول في كلية الطب، كان المحاضر مصريا وإسمه "طلعت"، وكان يدرّسنا كتابه في المادة التي ندرسها، وبدأ بتعليمنا كيف نقرأه، وأوضح لنا أن المهم الأفكار الأساسية في الكتاب، وما بعدها تفصيل وإسهاب.
أستمعُ لملخصات كتب لخبراء متمرسين بالقراءات السريعة، ويمكنهم أن يقدموا الكتاب مهما كان عدد صفحاته بأقل من ساعة، والسر في ذلك أنهم يذكرون الأفكار الأساسية الكبيرة أو الجوهرية، فمعظم الكتب فيها فكرة واحدة وما عداها حشو.
وتجدنا أمام أعداد من الأسماء التي يُنسب إليها تأليف عشرات الكتب، وهي تريد الإنتساب إلى حالات معرفية متقدمة، فهل أنها كتب ذات قيمة ثقافية حقا؟
وهل تجد مَن يقرأها؟
معظم الكتب المطبوعة لا يتجاوز عددها العشرات أو بضعة مئات لا أكثر، ولا تُشترى إذا عرضت في المكتبات، ومعارض الكتب تكشف هذه العورة بوضوح.
وما يحصل أن مؤلفها يبدأ بإهدائها لمعارفه!!
فما الفائدة من طباعة كتب لا تنفع؟
يبدو أن الذين أمعنوا في التأليف من أجيال القرن العشرين، الذين يحسبون إغراق السطور بالكلمات يعبر عن ثقافة ومعرفة ستنفع الأجيال، والكتاب يُعرَف من عنوانه، وخير الكلام ما قل ودل، وكم برع أجدادنا بالتلخيص والتكثيف والتركيز، لإيصال الفكرة إلى القارئ، فحتى قبل قرون عندما كان هناك وقت عند الناس، لم تكن الكتابة بإسهاب شائعة.
وهذه من العلل التي نكررها في مسيرة الأجيال، ولا نتعلم منها، فالمهم ليس تأليف الكتاب، وإنما ما نقدمه للقارئ من أفكار وموضوعات لبناء الحياة.
المجتمعات المتطورة تهتم بتوضيح الأفكار، وإختصار ما يدل عليها بكلمات تفصح عنها بسهولة وإتقان، أما نحن فنصول على السطور كالحصان الجامح، ونحسب أننا نكتب، فهذا هو العبث!!
فهل لنا أن نكتب ما يُقرأ، وفي الإختصار فضيلة؟
و"الكتاب الجيد صديق حميم"!!
***
د. صادق السامرائي

 

ليس هذا مقالا صحفيا بل هو دراسة علمية استهدفت تشخيص صفات الحاكم من منظور الأمام علي في نص وثيقة عهده للاشتر النخعي حين ولاّه على مصر اعتمدت طريقة (تحليل المحتوى) التي تعد احدى الطرق العلمية المعتمدة لتحليل (المضمون). ولقد استعنت بمن كان طالبي الراحل الدكتور شوقي يوسف بهنام (الذي كانت رسالته للماجستير عن تحليل المحتوى)، وحددنا اهداف تحليل نص (وثيقة العهد) بثلاثة:
- معرفة القيم السيكولوجية الخاصة بشخصية الحاكم،
- الكشف عن القيم الخاصة بعلاقة (سلوك) الحاكم بالرعية،
- ومقارنة القيم في عهد الأمام علي وما عليها في عهد حكّام أحزاب الآسلام السياسي في العراق.
لماذا القيم؟
كان اختيارنا للقيم Values مقصودا، لدورها الرئيس في صناعة الانسان وتحديد سلوكه وتوجيهه، ولأنها نظام متكامل من الاحكام والقواعد الاخلاقية والمعايير يخلقه النظام السياسي والمجتمع في نسق مميز ويعمل على اعطائه اساسا عقليا يستقر في اذهان افراده، ويزودهم بمعنى الحياة والهدف الذي يجمعهم من أجل البقاء.
دلالات العهد
يتضمن عهد الإمام (ع) لمالك الأشتر النخعي حين ولاّه مصر مجموعة قيم هدف منها تحقيق ما توصل اليه علماء النفس المعاصرون في ثلاث قضايا اساسية،
الأولى:ان يتمثل الحاكم القيم الايجابية في شخصيته بوصفه القدوة التي تتماهى به الرعية وتقلده،
والثانية: ان القيم هي التي تحدد سلوك الحاكم مع الرعية، وهي التي تحدد موقف الرعية منه،
والثالثة: ان القيم هي الرابط الذي يوحّد افراد المجتمع، وبدونها يتهرأ النسيج الاجتماعي وتشيع الكراهية والعنف والعدوان.
فضلا عن ان الأمام اراد لهذا العهد ان يكون وثيقة تستقى منها المباديء التي ينبغي على الحكّام ان يهتدوا بها في كل زمان ومكان.
تحليل النتائج
اجرينا تحليلا احصائيا (للعهد) بجدولين تضمن الأول القيم الخاصة بشخصية الحاكم وكانت (16) قيمة، بينها:
تقوى الله واتباع ما أمر به،
اختيار أفضل الرعية للحكم،
الاستعانة بأهل الخبرة في طلب المشورة،
اكرام العلماء ومجالستهم،
وانتهاء بسعة الصدر وعدم التسرع في اتخاذ القرارات.
وتضمن الثاني القيم الخاصة بسلوك الحاكم مع الرعية وكانت (15) قيمة، بينها:
العدل والانصاف في التعامل،
عمارة الأرض،
اعتماد مبدأ التدرج الوظيفي،
عدم اشعار الرعية بالمنّية،
مراقبة دور الحاشية والمتملقين والمنافقين،
الأصغاء للعامة من الناس،
وانتهاء بالابتعاد عن الغضب المؤذي والقسوة.
ولدى المقارنة بين مواصفات الحاكم وسلوكه مع الرعية في عهد الامام علي وبين عهد حكّام احزاب الاسلام السياسي(2003-)، تبين ان واقع الحال هو بالضد من تلك القيم، وسنكتفي بواحدة تخص الضمير تحديدا، بوصفه الرقيب على افعال الانسان، أو القاضي الذي يحكم بالعدل، أو صوت الله في الانسان.. وفص العقيق في الخاتم الذي اذا نزعته منه صار لا يساوي شيئا.
أقبح الضمائر
مع بشاعة الضمائر الميتة، فأن أقبحها هو خيانة الأمانة التي تخص الناس حين تكون بذمّة حاكم مسؤول عن الرعية، وأوحشها حين يكون هذا الحاكم قياديا في حزب اسلامي، وافجعها حين يعلن هذا الحزب انه يقتدي بالأمام علي.
وللتاريخ فان السيد نوري المالكي يعدّ هو المسؤول الأول عن خيانة الذمة بشهادته الصريحة عبر الفضائيات:(لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لانقلب عاليها سافلها) لأنه كان على يقين بأنه ان كشف الفاسدين من الخصوم فأنهم سيفضحون حيتان فساد ..شيعة.. من حزبه.
ولم يصغ هو ومن بعده للرعية كما أمر الأمام، ولم يستجيبوا لمطالب المتظاهرين بالأصلاح التي استمرت تظاهراتهم من شباط 2011 الى انتفاضة تشرين/اكتوبر 2019، ولم يكترثوا بما نشرته الصحف من كاريكاتورات ساخرة بمرارة عن وزير هرب بأموال الناس المساكين بما يعادل ميزانية موريتانيا، وموظف كبير يستحرم أخذ الرشوة في الدائرة لأنه صائم، ويطلب من الراشي ان يأتيه بالدبس الى بيته بعد الافطار!
الحاكم..سيكولوجيا:
يقدّم العهد مآثر في فلسفة الحكم وسيكولوجية الحاكم. ففي قوله (لا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم..)، فانه يطرح مقياسا كاملا للعدالة فيه بعد سيكولوجي هو ان يضع الحاكم نفسه موضع المحكوم، فيكره له ما يكرهه لنفسه.
والتقط حقيقة سيكولوجية بثلاث مفردات في قوله (اجتنب ماتنكر أمثاله).. اي عدم فعل ما لا تحب ان يفعله الآخرون بك. ويذكّر الذين جاءوا الى السلطة من داخل الشعب انهم كانوا قبل ذلك يثيرون النقد ضد سيئات الحاكم السابق، فيدعوهم الى ان لا ينسوا مواقعهم النقدية السابقة فيصغوا الى النقد الآتي من القاعدة الشعبية.. وتلك اثمن نصيحة لم يأخذ بها من جاء بهم الشعب الى السلطة بعد التغيير، مع اننا كنّا اطلقناها في (2004 ) وموثقة في كتابنا (الشخصية العراقية بين المظهر والجوهر)لأنهم كانوا لا يستعينون بأهل الخبرة في طلب المشورة ولا يجالسون العلماء، بل انهم احاطوا انفسهم بالذين يقولون لهم ما يحبون ان يسمعوه.. ولهذا كانوا هم الأفشل والأفسد في تاريخ العراق الذي اعتبروه غنيمة لهم فتقاسموه.. والأقبح من ذلك، ان الحكّام والقادة الذين يعدون انفسهم من احفاده، ومن اخلص شيعته.. هم نقيضه وضده النوعي ..في الحكم والأخلاق ، يكفي انه قال يوم تولى الخلافة (جئتكم بجلبابي هذا وثوبي فان خرجت بغيرهما فأنا خائن)..وتعرفون بما خرجوا من خزائن يسألونها هل امتلأت تقول هل من مزيد.. ويعيشون برفاهية في قصور مشيدة.. وافقروا 13 مليون عراقي من شيعة علي في بلد هو الأغنى في المنطقة.
***
أ.د. قاسم حسين صالح

اعجز مثل غيري عن إدراك التحولات "الفلسفية" عند رئيس البرلمان محمود المشهداني وحل لغزها في فكره، ربما لا املك ملكة الفهم التي تتيح لي حل احاجي حواراته الفضائية.
محمود المشهداني الذي عشنا معه من قبل فصولاً عجيبة وغريبة، عاد الينا ليقدم لنا فصلا جديدا من فواصل المهزلة السياسية كشف فيه عن مساعيه لإصدار فتوى بتحريم رواتب أعضاء البرلمان بسبب استمرار توقف عقد الجلسات، رغم ان قطع ارزاق النواب صعب على السيد المشهداني فهو يقول بكل اريحية: " قلبي ما ينطيني”.
ولأننا شعب ناكر للجميل فأنني اقترح على البرلمان العراقي ان يصدر كتابا عن انجازات ومعجزات النواب، وان يكتب السيد المشهداني مقدمة الكتاب يقول فيها للعراقيين بأنهم كانوا غارقين في مستنقعات التخلف حتى أنقذتهم "فتاوى المشهداني" من مصير اسود في منتهى البؤس، وأتمنى عليه وهو يكتب المقدمة أن لا يغادر صغيرة وكبيرة في عصرنا السعيد هذا إلا ويسجلها إنجازا يضاف إلى الانجازات الكبيرة والعملاقة التي نفذت خلال السنوات الماضية والتي جعلت العراق يتجاوز دولاً مثل ألمانيا واليابان. الناس بحاجة إلى كتاب يقدم لهم عصور مجلس النواب الزاهية الذي اتمنى ومعي ملايين العراقيين أن يأخذ البرلمان إجازة استجمام طويلة، فربما يرتاح الناس من فوضى الخطابات والهتافات التي تفاقم أزمة الاحتقان السياسي، فما الذي سيجنيه الناس من برلمان يعيد إلى مسامعهم الخطب نفسها وتمتلئ شاشات الفضائيات بمعارك تاريخية غير مسبوقة؟ وتتحول جلساته إلى مناكفات شخصية، ويملأ أعضاؤه السماوات والأرض بتصريحات عن الوطنية ومصلحة البلاد والدفاع عن قضايا الشعوب، لكنهم يعجزون عن مناقشة قانون يصب في مصلحة الناس.
سيقول البعض ان "فتوى المشهداني" انما هي تشخيصٍ دقيق للحالة العراقيةً، منذ استولى "الروزخونية" على رئاسة البرلمان، بغطاء ديني وفرته خطب وشعارات تنتقص من الدولة المدنية وتعتبرها كفر وإلحاد.
ولا أدري هل صاحب القلب الرحيم، واقصد السيد المشهداني، وهو يساهم مع زملاء له يفتقرون الى مشروع سياسي واقتصادي أو ثقافي يناسب اللحظة التي نعيشها بمفاهيم الحياة الآن، ولهذا نجدهم يُغطون على الخراب والفساد الذي ينخر جسد العراق بمعارك وخطب عن الأخلاق والفضيلة التي ضاعت بسبب مطالبة العراقيين بالدولة المدنية.
للأسف نعيش مع طبقة حاكمة منفعية تصر على اننا لا نزال نعيش عصر فيلم “الرسالة” وأن مهمة المسؤول ليست توفير الخدمات والأمن للناس، وإنما تحشيد الجيوش لفتح بلاد الكفار ونشر نظرية مثنى السامرائي في كيف تصبح مليارديرا في أربع سنوات وأننا أصحاب رسالة تؤمن بأن الخلاص من كل المشاكل يتلخص في اصدار "فتوى" المشهداني .
***
علي حسين

 

لطالما كان التعليم حجر الزاوية في بناء الحضارات، والعلم بوابة الأمم إلى النهضة الفكرية والاجتماعية. غير أن هذه المكانة السامية التي حظي بها المعلم على مر العصور باتت اليوم موضع تآكلٍ وتراجع، ليس بفعل عوامل طبيعية، بل نتيجة انهيار منظومة القيم التي كانت تكرّس له الاحترام والتقدير. إنّ ظاهرة الاستخفاف بالمعلّم، وانحسار سلطة المعرفة أمام تمدد الفوضى، لا تمثل إشكالًا معزولًا، بل هي انعكاسٌ لأزمةٍ فكريةٍ أعمق تتجلى في صمت النخب الفكرية، وتخاذل المثقف، وتراجع دور الوعي الجمعي في صون المرجعيات العلمية والتربوية.
النكوص المعرفي المثقف بين التخاذل والانفصال عن الواقع
لطالما قدم المثقف نفسه باعتباره ضمير الأمة، وحارس الوعي، وحامل لواء التنوير في مواجهة الرداءة والجهل. ومع ذلك، نجد أن هذه الفئة، التي كان يُفترض أن تكون في طليعة الدفاع عن مكانة المعلّم، باتت في كثيرٍ من الأحيان منشغلةً بالتصورات النظرية، منعزلةً عن القضايا الحقيقية التي تمس جوهر العملية التربوية. فكيف يمكن تفسير هذا الانفصال الصارخ بين المنظّر والواقع؟ ولماذا يغيب صوت المثقف حين يتعرض أحد أعمدة الحضارة – المعلم – للإهانة والتقويض؟
إنّ السلوكيات الفوضوية التي تتجلى في بيئة الصفوف الدراسية ليست مجرد تصرفات فردية معزولة، بل هي انعكاسٌ لانحدارٍ أخلاقي وقيمي أوسع، يشترك في ترسيخه أولئك الذين يرون الجهل يتسلل إلى المؤسسات التعليمية دون أن يحركوا ساكنًا. فالمعلم الذي كان يُنظر إليه بوصفه رمزًا للهيبة بات اليوم هدفًا للسخرية، ولم يعد يمتلك سوى رفع صوته ليحظى بالإنصات، في مشهدٍ يعكس عمق الأزمة التي تعانيها المنظومة التعليمية والثقافية.
التاريخ لا يسجّل الصمت، لكنه يدينه
لطالما وثّقت كتب التاريخ سقوط الحضارات، محللةً أسباب الانهيار ومتتبعةً المسارات التي أفضت إلى ذلك. لكنّ ما لا يسجله التاريخ بالقدر ذاته هو الصمت الذي سبق هذا السقوط، والتخاذل الذي مهّد له. إنّ انهيار المؤسسات التربوية ليس مجرد نتيجة لتغيرات اجتماعية عابرة، بل هو عرضٌ من أعراض أزمةٍ فكريةٍ أعمق، قوامها تراجع دور المثقف في توجيه الرأي العام، وعزوف القارئ عن تحمّل مسؤوليته في الدفاع عن قِيَم المعرفة، وتحوّل المؤرخ إلى راصدٍ للانحطاط بدلًا من أن يكون صوتًا يُحذّر منه قبل وقوعه.
الحياد الأكاديمي بين الموضوعية والتواطؤ غير المباشر
إنّ الصمت الذي يحيط بهذه الأزمة لا يمكن اعتباره مجرد موقفٍ حيادي، بل هو في جوهره تواطؤٌ غير مباشر مع التدهور القيمي والمعرفي. فحين تتعرض أسس العملية التعليمية للاهتزاز، لا يكون الحياد الأكاديمي خيارًا مشروعًا، بل يصبح إشكاليةً في حد ذاته. فالمؤسسات العلمية والفكرية مطالَبةٌ اليوم ليس فقط بتوصيف هذه الظواهر، بل باتخاذ مواقف حاسمة إزاءها، والعمل على استعادة الدور الريادي للمعرفة في تشكيل وعي الأفراد والجماعات.
إنّ التحدي الحقيقي الذي يواجهنا لا يكمن فقط في كيفية النهوض بالمنظومة التعليمية، بل في منع انهيارها منذ البداية. فحين يفقد المجتمع احترامه لمعلميه، وحين يتراجع المثقف عن دوره في توجيه الفكر العام، وحين يتحوّل التاريخ إلى مجرد سجلٍ للخسائر دون أن يكون جرس إنذار، فإنّ السؤال الذي ينبغي طرحه ليس متى سقطت الأمم، بل لماذا سمح أبناؤها بسقوطها دون مقاومة؟
***
الكاتب سجاد مصطفى حمود

 

مَثلٌ ذكره " الميداني " المتوفي 518 هـ في كتابه الشهير (مجمع الأمثال) الذي يروي قصة اعرابي أُغِيرَ على إبله فأُخذت ، فلما تواروا صعد على تله وجعل يشتم السراق ، وحين رجع الى قومه سألوه عن ابله قال قولته (اوسعتهم سباً واودوا بالابل) أي اشبعتهم شتما لكنهم ذهبوا ظافرين بمالي وقد ذهبت مثلا لمن ليس عنده الا الكلام والشتم لسراق ثرواته ، وقيل اول من قاله كعب بن زهير بن ابي سلمى، وهذا المثل يكاد ينطبق بنسبة كبيرة على ما يدور في واقعنا العراقي وعلاقة الحاكم بالمحكوم في هذا الواقع الغريب الذي لم يتغير ايقاعه خلال عقدين من الزمن ، فرجال السلطة في الحكومات التي تعاقبت على سدة الحكم في العراق أقاموا لهم امبراطوريات مالية من أموال السرقات المباشرة والصفقات المشبوهة التي وفرتها لهم سياسة المحاصصة وتقاسم المناصب بين ثلة من المتنفذين فيما الشعب وعلى طريقة ذلك الاعرابي اكتفى بالشتم والانتقاد دون فعل حقيقي ضاغط على الحكام لتغيير طريقة ادارتهم لشؤون البلاد واجبار الحكومة على اتخاذ اجراءات جدية لمحاربة الفساد والضرب على ايدي الفاسدين ووضع حد لهدر المال العام وايقاف نزيف السرقات الهائلة باستثناء ما حدث في تشرين من انتفاضة بوجه الفساد تم اخمادها بالرصاص والهراوات والشيطنة ، والغريب ان المسؤول وبعد كل الخراب الذي شهده العراق نتيجة الأداء السيء والاستحواذ على المقدرات مازال ليل نهار يتكلم عن الانجازات ويوعد الشعب بالمستقبل الباهر الأمر الذي يضطرنا ان نقول له ما قال ابن شبرمة لإ ياس بن معاوية عندما استمر في الثرثرة والترهات: شكلي وشكلك لا يتفقان، أنت لا تشتهي أن تسكت، وأنا لا أشتهي أن أسمع .... للأسف اكتفينا بالشتم في حين هم أودوا بالابل .
***
ثامر الحاج امين

 

لقد شاع في زماننا الحالي الظلم وأصبح ممارسة شبه يومية وثقافة سائدة على نطاق واسع في حياتنا مما سبب تغيرات في المفاهيم الحياتية للفرد والمجتمع وساهم في تشقق وتصدع في أسلوب الحياة وسادت الفوضى والظلم والجور والطغيان على حقوق العامة والخاصة على حساب العدل والمساواة والمبادئ والقيم نتيجة تمادي الإنسان في طغيانه وفساده وسلب الحقوق من أصحابها ليصل إلى حد الإجرام وهذا يؤدي إلى قطع الصلة بالله تعالى الذين لا يجدون من يستمع لهم ولا يكلمهم الله وفي النار خالدين فيها من غير حساب حيث قال تعالى (قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يُرد إلى ربه فيعذبه عذابا نُكرا) (ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب)
- وما زال الظلم والجور مستمرا من قبل الإنسان فقد أفقده طريق الصواب وأعمى بصيرته زخرف الحياة وزينتها مما حولتها إلى حياة وحشية كالغابة يتصارع فيها القوي مع الضعيف لأجل البقاء وهي أخطر الصراعات الإنسانية عندما يتحول المجتمع إلى غابة موحشة يتلاشى فيها العدل والحق والمساواة والإنسانية وخصوصا الأخلاق القاعدة والمرتكز الأساس في بناء المجتمع وحضارته وقد بان أثرها على ما تبقى من حاملي المبادئ والقيم الإنسانية الذين تربوا عليها لعقود كثيرة وعلموا أبنائهم لكن التيار أصبح أكثر قوة وأشد تأثيرا على المجتمع كونهم يعلمون أن القرآن الكريم ركز على الظلم ونبذ موضوعاته وأثرها في المجتمع ب( 289) موردا على هيئة عبارات منها (العدوان – النقصان –بخس الناس أشيائهم – الشرك -الطغيان – البغي – التعدي –الحيف –الجنف) علما أن الله تعالى قد شرع للإنسان منهج حياتي مجتمعي عل نظام موحد موافق لكل العصور والأزمان للحصول على الطيبات من الرزق الحلال المتاح وفق معايير إنسانية وعقلانية .
أن الإنسان ضيع هذه الفرصة من يده بالانجرار إلى ما خُطط إليه من تدمير نفسيته وسلوكياته ونمط تعامله في مجتمعه وأسرته بأبعاده عن منهجية الدين والمبادئ الصحيحة والأخلاقيات في التعامل المجتمعي ومع بني جنسه التي رسمت له بظلم الآخرين والاستحواذ على مكتسبات دنيوية بغير وجه حق ومشروعية للمساهمة في تحويل المجتمعات إلى غابة تعج بالصراعات الدموية للحصول على مغريات دنيوية ليعرض نفسه لعقوبات في الدنيا والآخرة إلا من تاب توبة نصوحة وآب إلى ربه قبل فوات الأوان ( والذين فعلوا الفاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولا يغفر الذنوب إلا الله .........). عليه أن يعرف حق المعرفة أن هذا لن يدوم طويلا فالعاقبة سريعة بأمر من الله تعالى (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار.
***
ضياء محسن الاسدي

بين المعتقد الشعبي والتاريخ

في الرّيف المصري، حيثُ تمتزجُ الأسطورةُ بالتاريخ، ظلَّ الاعتقادُ بأنَّ الأولياءَ الصالحين هم حُرّاسُ القُرَى وأمنُها الروحيُّ مُتجذِّرًا لعقودٍ طويلة. لم تكن مقاماتُهم مجردَ أضرحةٍ لذكرى شخصياتٍ دينية، بل كانت بمثابةِ حُصونٍ رمزيةٍ تحمي القُرى من الشرورِ والمِحَن. ومع كلِّ مقامٍ يُهدَم أو يندثر، ترتفعُ أصواتُ التحذيرِ من حلولِ الخرابِ والنهبِ، كما حدثَ في قصةِ مقامِ سيدي الأزمازي، الذي ارتبطت به حكاياتٌ من نَسجِ الذاكرةِ الشعبية.
الأولياءُ الصالحون… أسطورةُ الحمايةِ والعقاب
عبرَ التاريخ، شاعت في الرّيفِ المصريِّ معتقداتٌ تربطُ بين الأولياءِ الصالحين والحمايةِ الإلهية. فكان الناسُ يؤمنونَ بأنَّ وجودَ مقامٍ لوليٍّ من أولياءِ الله الصالحين في القريةِ هو بمثابةِ درعٍ واقٍ ضدَّ الكوارثِ، سواءٌ كانت غاراتِ اللصوصِ، أو انتشارَ الأوبئة، أو حتى الفِتنِ الداخلية. وفي المقابل، كان هدمُ أو انتهاكُ حُرمةِ هذه المقاماتِ يجلبُ الغضبَ الإلهيَّ، حيثُ تنتشرُ اللّعناتُ، ويحلُّ الخرابُ على القرية.
هذا الاعتقادُ ليسَ حديثَ العهد، بل يمتدُّ إلى قرونٍ طويلةٍ، حيثُ ارتبطت الكثيرُ من المدنِ والقُرى المصريةِ بأضرحةِ مشايخَ وأولياءَ، مثل سيدي عبد الرحيم القنائي في قنا، وسيدي المرسي أبو العباس في الإسكندرية، وسيدي أبو الحجاج في الأقصر. وكان يُعتَقَدُ أنَّ هؤلاءِ الأولياءَ لا تزالُ أرواحُهم تُراقبُ المكانَ، وتحفظُهُ من الشر.
قصةُ مقامِ سيدي الأزمازي… بين الهدمِ والخوفِ من اللعنة
في قريتنا، كان مقامُ سيدي الأزمازي واحدًا من هذه الحُصونِ الروحية، حيثُ ظلَّ لسنواتٍ طويلةٍ محطَّ أنظارِ الأهالي الذين يقصدونهُ للتبرُّكِ والدعاءِ. لكنَّ الزمنَ لم يكنْ رحيمًا به، فمعَ التغيّراتِ العمرانيةِ والاجتماعيةِ، تعرّضَ للهدمِ والاندثار.
حينها، وقفَ رجلٌ من أهلِ القرية، علي الدمرداشي، رحمهُ الله، محذِّرًا من عواقبِ هذا الفعل، قائلًا: "سوف يحلُّ على القريةِ الخرابُ والنهبُ والسرقةُ لأننا هدمنا مقامَ سيدي العارفِ بالله الأزمازي!". وبالفعل، بدأ البعضُ يربطون بين الأحداثِ السلبيةِ التي وقعت لاحقًا وبينَ غيابِ المقام، في صورةٍ من صورِ الاعتقادِ الشعبيِّ الذي يرى أنَّ الأولياءَ الصالحين لا يغيبُ أثرُهم حتى بعدَ رحيلهم.
الجانبُ التاريخيُّ للمقامات… بين الدينِ والمجتمع
كانَ للأضرحةِ والمقاماتِ دورٌ بارزٌ في حياةِ المصريين منذ العصورِ الإسلاميةِ الأولى. ففي عهدِ الفاطميينَ والمماليكِ، ازدهرت ظاهرةُ بناءِ القبابِ والمقاماتِ تخليدًا للأولياءِ والمُتصوِّفةِ، وأصبحَ لكلِّ منطقةٍ وَلِيٌّ يُنسبُ إليها. ورغمَ أنَّ الإسلامَ لا يُقرُّ بمفهومِ "الحمايةِ الغيبية" للأماكنِ عبرَ الأولياء، إلا أنَّ التَّصوفَ الشعبيَّ عزَّزَ هذا الاعتقاد، حتى صارَ جزءًا لا يتجزأ من الموروثِ الثقافيِّ.
لكن مع التغيُّراتِ الحديثة، وتوسُّعِ العمران، بدأت هذهِ المقاماتُ تختفي، وبدأتِ المعتقداتُ المرتبطةُ بها تتلاشى تدريجيًا، لكنَّ آثارها لا تزالُ حاضرةً في وجدانِ الأجيالِ القديمة، ممّن نشأوا على قصصِ كراماتِ الأولياءِ وتحذيراتِهم الغامضة.
ما بين الإيمانِ والخُرافة… هل فقدتِ القُرى حُرّاسَها؟
اليوم، وبعدَ أنْ تلاشى الكثيرُ من هذهِ المقامات، يظلُّ السؤالُ مطروحًا: هل فقدتِ القُرى حُرّاسَها الروحيين؟ أم أنَّ الأمانَ لا يرتبطُ بمكانٍ أو شخص، بل بمنظومةٍ أخلاقيةٍ واجتماعيةٍ تحمي المجتمعَ من الفوضى والخراب؟
مهما كانَ الجواب، فإنَّ المعتقدَ الشعبيَّ حولَ حراسةِ الأولياءِ للقُرى سيبقى جزءًا من التراثِ الثقافي، يُروى في الليالي الرِّيفية، حيثُ تلتقي الحقيقةُ بالأسطورة، والخوفُ بالإيمان، في عالمٍ يظلُّ فيه الماضي حاضرًا في تفاصيلِ الحاضر.،،!!
***
محمد سعد عبد اللطيف - كاتب وباحث مصري

 

مع إنطلاق القرن الحادي والعشرون، بدأت البشرية تسير فوق الهواء، بعد أن كانت تمشي على الورق، وعلى مدى قرون، وكان المكتوب صراطها القويم، والقلم عنوانها الوسيم.
وبعد أكثر من عقدين وجدتنا أمام أجيال لا تعرف الكتابة بالقلم وتجيد الضرب على (الكي بورد)، فالكتابة بالقلم أصبحت من الماضيات.
ترى هل أن هذه العاصفة التي إجتاحت البشرية ستنكمش وستعود إلى بداياتها، فيستعيد القلم هيبته والورق قيمته والكتاب دوره في الحياة بدلا من الشاشات، التي إختطفت الأنظار وأسرت الناس وما عادت لديها رغبة في التفاعل مع الكتاب.
إن مسيرتنا في عوالم الإنترنيت كشفت عن مخاطر ومعارك حامية ما بين الدول، فلا يمكن حماية أجهزة الكومبيوتر في أي مكان من الهجمات التي تدمرها وتعطل أنظمتها، وتصيب الحياة بشلل خطير يترتب عليه خسائر إقتصادية هائلة.
هذه المخاطر التدميرية من الصعب الوقاية منها، لأن إختراق شبكات الإنترنيت بات سهلا ويمكن إنجازه بسرعة وبتكاليف قليلة تؤدي إلى أضرار جسيمة ومروعة.
فيمكن لشخص في بقعة ما أن يعطل أجهزة دول بضربة واحدة أو أكثر، بعد أن تمكن من إختراق أنظمتها التشغيلية.
ومهما توهمنا بأن أنظمة منع الفايروسات الإليكترونية من هجمة فتاكة قادرة على الحماية والمناعة، فأن هناك مَن يستطيع الإلتفاف عليها وتحقيق هجمة كبيرة على الهدف.
وقد بلغت الحروب الإليكترونية ذروتها في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، وصارت تديرها مراكز متطورة وذات خبرات عالية وقدرات تدميرية فظيعة.
فالدول القوية أصبحت تحت رحمة الهجمات المتوالية على شبكاتها وأجهزتها، مما يبدد طاقاتها ويربك أعمالها، ويضعها في محن تفاعلية خطيرة.
ومع تعاظم الهجمات وتأثيراتها، يحضر التساؤل الكبير الذي خلاصته، هل ستعود البشرية إلى بداياتها؟
هل ستعود إلى الورق والقلم وتتحرر من قبضة الكومبيوتر وإستبداد الإنترنيت؟!!
لا لن تعود، فالأرض تدور وتجود، وقوانينها تحكمنا وتسود، وأيامنا ذات إبراقٍ ورعود، وكلُّ جديدٍ وليدٌ يقود!!
***
د. صادق السامرائي

 

من خلال الأحداث المحلية والإقليمية والدولية، المثير منها والخطير على صعيد السياسة والدين والمجتمع والاقتصاد والأمن - منذ بداية القرن الواحد والعشرين حتى يومنا هذا - تبدو الثقافة العربية المعاصرة كطائر امتلك جناحين لكنه لم يتمكن من الطيران. فبرغم ما تنعم به الثقافة من حرية في التفكير وحرية في التعبير وحرية في النشر. وبرغم ما اتاحته حركة التطور العلمي والصناعي العالمي من تقنيات رقمية اختصرت الزمن في سرعة الإتصال والتواصل نتج عنها عنوانات كتب كثيرة جداً، وظهرت المطابع الحديثة، وازداد عدد حملة الشهادات العليا، ومضى الإعلام في تسليط أضوائه على الحركة الثقافية، وتنوعت برامج اللقاء بالمثقفين هنا وهناك، وصار لكثير من الكتاب والباحثين منصاتهم الخاصة على مواقع التواصل الإجتماعي يكتبون ويعلقون وينتقدون ويوثقون. ورغم ان أمنية الفيلسوف الفرنسي فولتير التي تمناها في القرن الثامن عشر بوجود مطبعة وعدد من الفلاسفة قد تحققت اليوم، إلا انّ اعتقاده بقدرة ذلك على إحداث ثورة في العقول لم يتحقق لحد الآن.
ترى ما بال الكتب التي اغرقها المغول في نهر دجلة في بغداد، لم تعلم الماء كيف يحيي في عروق الثقافة ظمأ الثورة كل هذه السنين.
وما بالها ضمائر القوم لم تعرق عندما ابتلت عروقهم بعد انطلاق مدفع الإفطار.
وما بال كثيرين لم يتعلموا من عطش الحسين عليه السلام في كربلاء، ان الظمأ لا يكون الى الماء حين (تستطيع بندقية يرفعها جبان ان تسحق الإنسان..)
ترى ماذا كان سيكتب عبد الرحمن الكواكبي في "طبائع الإستبداد" بعد وصول (دواعش) سوريا الى السلطة.
ترى لماذا لم تعد حقول القمح تذكّر القوم بجوع الفقراء وسلة الغذاء، ألأن لون الحبوب الذهبي قد سوّل لنفوس التافهين النظر الى سعر الذهب في السوق فشيطن تفكيرهم بالأرض فجعله تفكيراً تجارياً أرغم الزراعة على مغادرة مكانها، فأصبحت البلاد سوقاً كبيرة، والناس فيها بين مستهلٍك ومستهلَك.
اذا كان قابيل قد ندب حظه وهو يرى (غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه )، فإنه اليوم يأمر بفتح تحقيق في المجازر التي يرتكبها أتباعه بحق مدنيين وأطفال ونساء هنا وهناك، ثم يعلن أمام الإعلام رفضه واستنكاره لما يحدث في البلاد، مثلما استهجن يزيد بالأمس فعل جنوده بقتل الحسين وانصاره. لغة القوم ما تغيرت، والناس على لسان الشاعر احمد مطر يلعنون ( كل كلمة لم تنطلق من بعدها مسيرة..
ولم يخط الشعب في آثارها مصيره..)
ويلعنون ( كل شاعر ينام فوق الجمل الندية الوثيرة..
وشعبه ينام في المقابر..)
من مشاكل ثقافتنا العربية المعاصرة انها بلغت ما بلغته في مشوار حركتها في عمر الزمن، وهي مكتظة بالقلق الثقافي في شخصية العربي الذي مرّ به عصر التطور العلمي والتقني فنجح في إستخدام أدوات التقنية المتطورة وأجاد توظيفها في خدمة مجالات حياته، لكنه لم ينجح في تطوير نضجه النفسي والعقلي، التطوير الذي عوقته التغييرات والتحولات الكثيرة والمثيرة في العالم العربي كالتغيير السياسي وموجات العنف والإرهاب والإختلال الأمني والإحتلال الأمريكي وثورات الربيع العربي وعورات الخريف السياسي، والسوق العالمية، والمشروع الصهيوأمريكي، ومشروع إسلام الشرق اوسطي الأمريكي..
لا تخلو حياة كل شخص من محطات مقلقة لأسباب متعددة ومتنوعة، لكن ما يدعو الى الحيرة هو ان هذا القلق الثقافي الذي أصيبت به الشخصية العربية في العقدين الماضيين منذ بداية القرن الواحد والعشرين، لم يجد من يداويه.
لأن القوتين الأكثر فاعلية في المشهد الحياتي للمجتمع العربي، قوة الدين وقوة السياسة، لم يكن لهما دور بليغ ومؤثر في مساعدة الناس على تجاوز مرحلة القلق هذه، مما تسبب في ظهور انماط سلوكية غريبة وبعيدة كل البعد عن طبيعة المجتمع، فقد كثرت المشاكل الإجتماعية، واصبحت الأخلاق والقيم والمثل العليا مفاهيماً مهمة وضرورية متى ما استطاعت ان تحقق حضورها الذاتي فقط، في واقع انهكته الإنقسامات السياسية والنعرات الطائفية، الأمر الذي دفع بالعقل العربي المعاصر الى تشكيل خبرته الثقافية بعيداُ عن حضور هاتين القوتين بعدما ظهرت على المجتمع علامات الشعور بالضياع وضعف مقدرة المجتمع والأسرة على معالجة مشاكل الفرد ومواكبة مشاغله بكفاءة عالية كافية لحفظ توازن شخصيته في جوانبها النفسية والأخلاقية والسلوكية والفكرية والعاطفية. لذا صار لزاماً على الثقافة ان تضطلع بدور قيادي ريادي في هذه المرحلة من أجل تمكين المجتمع ثقافياً كي يفرض حضوره كقوة فاعلة مؤثرة في المشهد الحياتي اليوم الذي بات مثقلاً بكثير من الهموم والقضايا الخطيرة والكبيرة ذات المساس المباشر بقيمة وجود الإنسان المواطن.
***
عدي عدنان البلداوي

اتابع العمود الاسبوعي الذي تكتبه الصحفية والروائية إنعام كجه جي، وكنت ومازلت مغرماً بروايتها الساحرة التي تكشف لنا من خلالها عمق ارتباطها بوطنها ومحبتها التي تتعمق يوما بعد آخر بالعراق برغم سنوات الفراق.
في المقال الأخير تحكي لنا واحدة من قصص العراقيين المرتبطين بأرضهم، وهذه المرة نقرأ عن "محبة سعد القهوجي"، الفتاة العراقية الموصلية التي نافست سكان بلاد موليير ومارسيل بروست على فن الخطابة باللغة الفرنسية، وحصدت المركز الاول.
الفتاة التي ولدت بعد التغيير في عام 2003 بأشهر، تركت الموصل عام 2015 بعد ان نجت مع عائلتها من سكاكين داعش الارهابية، لتحط الرحال في فرنسا، هناك تبدأ حياة جديدة تأمل من خلالها ان تمد يد العون لأهلها في العراق.
محبة التي تفوقت في بلاد تحب الشعر والخطابة تقول لإنعام كجه جي عندما تسألها عن اللغة التي تفضل أن تحاورها بها: "العربية.. أفتخر بأنني ما زلتُ أقرأ وأكتب بها. لو لم أكن عراقية لكان حلمي أن أكون عراقية".
وأنا اقرأ عبارة محبة القهوجي وحلمها العراقي، تذكرت رجل الدين الشيخ مصطفى الانصاري الذي خرج علينا ذات يوم من على شاشة احدى الفضائيات ليقول بكل اريحية ان العراق غير مهم بالنسبة له، مثل اهمية ايران. لان العراق حسب رأي الشيخ الانصاري مشروع استعماري بريطاني، وكنت اتمنى لو يقرأ الشيخ ومعه اعضاء جمعية كارهي العراق كلمات العراقية محبة القهوجي.
تنتمي محبة إلى صف طويل من الذين يمثلون العراق الحقيقي، والذين أدركوا معنى أنهم يتباهون بانتمائهم الوطني، في مواجهة ساسة الصدفة الذين يريدون ان يتحول الى دويلات صغيرة واحدة ترفع علم السنة والاخرى تتمسك براية الشيعة.
أحزاب وتجمعات تسخر من الوطنية وتعتبرها عارًا، فيما يتنازع على حريّة الناس في العراق ومستقبلهم نوعان، الأول يشرّع قوانين للتقليل من شأن المرأة في المجتمع، والثاني يبتسم في الفضائيات وهو يخبرنا ان همه الاول ان تعيش دول الجوار برفاهية.
أخطر ما ابتلي به العراق أن تولى أمره وتحدث باسمه من لا يعرف قدره ومكانته.. بالأمس كنت ابحث في غوغل عن محبة القهوجي، فوجدتها تتحدث الى اذاعة مونت كارلو، وتقول انها بعد الغربة صارت تحب العراق اكثر: " حبي للغتي الام زاد .. حبي لثقافة العراق، فالبعد لم يغير شيئا، بالعكس البعد يُقرب " .
هذا هو وجه العراق الحقيقي، وجه صادق، أكثر اجتهاداً ومحبة لروح المواطنة، لا حديث عن الطائفة والمذهب، وإنما سجال عن عراقة العراق، ولهذا تظل محبة القهوجي نموذجاً مهيباً، في مواجهة مجاميع لا تتحدث إلا بالمنفعة ونهب الاموال.
***
علي حسين

 

مقارنة الأديان بالإمبراطوريات أمر غير صحيح

في مقابلة تلفزيونية ظهر فيها الدكتور خزعل الماجدي مع السيد خالد الرشد مقدم البرامج في تلفزيون روسيا اليوم، انتقد فيها الاثنان ما اطلقوا عليه عقدة الشعوب الصغيرة والتي يقصدون بها ان الديانات ذات الاتباع المحدودين تشعر بالنقص عندما تنظر الى عظمة الامبراطوريات الكبيرة كالفرعونية والرومانية والبابلية والاشورية الخ..
لذلك تنتقص منها وتتهمها بالفساد والفجور والرذيلة..
وفي نظري ان هذه مغالطة كبرى لأن الامبراطوريات شيء والاديان شيء آخر..
الاديان رسائل اخلاقية (بعيداً عما تتعرض له من تشويه وسوء استخدام من قبل الحكام انفسهم وتوظيفها سياسياً واقتصادياً).
اذا حاول بعض الحكام تحويل الدين الى نظام حكم ودولة فأنهم كانوا يوظفون الدين في غير وظيفته الاصلية..
لو أخذنا موسى مثلاً، فأنه قد طُلِب منه كما ورد في القران، ان يذهب الى فرعون مع أخيه ليقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر او يخشى لأنه طغى.. لم يكن الهدف الاطاحة بحكم فرعون بل تقديم النصيحة..
والنبي عيسى ايضاً لم يكن يريد اقامة دولة بدل الدولة الرومانية وانما كان يدعو الى العدالة والانسانية واتبعه بعض الناس باعتباره حزب معارض بالمعنى المعاصر.
كان هؤلاء الانبياء يدعون الى دين فيه عدالة لا توافق على

سلوك الحاكم لذلك حاربهم الحاكم لان لديه دين يسمح له ان يقوم بكل شيء لانه بمثابة أله !!
الامبراطوريات ظالمة ولا يمكن ان تقوم بدون الظلم.
لنأخذ الامبراطورية الرومانية وما ارتكبه الاباطرة من ظلم بحق البشر وكيف ان انجازاتهم الهندسية والعلمية قد قامت على جبال من جماجم البشر وكذلك الفارسية وقبلها البابلية والاشورية، (يكفي ان نراجع ما يرتكبه الآشوريون بحق البابليين وبالعكس عندما يتحاربان).
لا يحق لأحد الافتراء على التاريخ كما ان منتقدي الاديان والذين لايفوتون فرصة للاستهزاء والسخرية منها واتهام الانبياء بالكذب، هؤلاء السادة يرفضون اعتبار الانبياء كمعارضة للسلطات لهم وجهة نظر في اسلوب ادارة الدول والمجتمعات مع انهم يعلنون الآن وفي زمننا الحاضر انهم ليبراليون ويدعون الى حرية التعبير !!
قال له مقدم البرنامج السيد خالد الرشد: يبدو انها عقدة الشعوب الصغيرة؟
فأجابه د. خزعل بحماس: نعم بالضبط انها عقدة الشعوب الصغيرة !! واضاف ان موسى ومن معه كانوا اقلية وخاصة ان دينهم غير تبشيري لذلك يشعرون بالنقص إزاء عظمة الامبراطورية الفرعونية !!
ثم اضاف: لماذا لم يحددوا اي فرعون هو المقصود؟ لقد تناوب على حكم مصر حوالي ٤٠٠ فرعون من مختلف السلالات !
لقد نسي ان الرسالة كانت تستهدف نمط واسلوب حكم وادارة تعسفي ولم تكن تستهدف فرعوناً بعينه..

الدكتور خزعل الماجدي بدأ حياته شاعراً ثم تحول الى مؤرخ ثم اصبح عالم آثار ثم اصبح من اكبر محاربي الاديان..
انه ينفعل ويغضب ولا يكمل الكلمات من شدة الانفعال عندما يتحدث عن الشؤون الدينية!!
انه استاذ ويستطيع الحديث بهدوء وبطريقة حيادية وبدون تحامل مسبق يظهر على حركاته الجسدية..
انا احترمه واحترم انصرافه للكتابة والبحث الدؤوب لكني اتمنى عليه الهدوء والتأني وعدم الاندفاع في استنتاجات ينقصها البحث الدقيق.
الناس يتبعون أديان مختلفة واعدادهم بالمليارات فكيف يجوز تسفيه قناعاتهم واتهامهم بالجهل والغفلة والطعن في صحة معتقداتهم؟؟
يبدو ان البعض يعلن انه ديمقراطي ويؤمن باحترام آراء الآخرين، فقط من باب الدعاية والتظاهر.
ختاماً، اود الاعلان بانني هنا لا ادافع عن دين معين ولكني اعترض على الاسلوب في التعامل مع الفكر الديني.
المصلحون الذين تبنوا النهج العلمي في إدارة الدول لم يهاجموا الاديان ولم يقوموا بالغاء الطقوس وانما فصلوا الدين عن الدولة واعادو الدين الى دور العبادة وجعلوا الذهاب الى دور العبادة واتّباع طقوسها شأناً شخصياً. اي انهم اعادوا الدين الى طبيعته الاصلية كرسائل وعظية اختيارية دون تدخل في شؤون ادارة الدولة.. وذلك بعد اساءة استخدام الدين من قبل الحكام في مختلف العصور..
علماء في وكالة ناسا واساتذة جامعيين يذهبون الى الكنيسة بانتظام وعلماء هنود كبار يأتون لالقاء المحاضرات بعد ذهابهم
في الصباح الى معابدهم وممارسة بعض الطقوس بحيث ترى اثار تلك الطقوس على وجوههم...
ليسوا اغبياء وليسوا مستغفلين وانما لديهم قناعات شخصية لا يحق لأحد الاعتراض عليها او انتقادها.
***
صلاح حزام

 

في عالم يموج بالآراء والتوجهات المختلفة، يتساءل البعض: هل يجب على الكاتب أن يرضي الجميع...؟ وهل يمكن أن يكون الإبداع مرهونًا بقبول الآخرين له...؟ وهل كل من امتلك منصة أو حقق تفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن اعتباره مبدعًا...؟
الحقيقة أن الكتابة ليست عملًا يُقاس بعدد "الإعجابات" أو التعليقات، وليست مهمة الكاتب أن يكون بوقًا للجماهير أو أن يسعى وراء إرضاء الجميع، فهذا طريق مسدود يؤدي إلى إفراغ الإبداع من جوهره. الكاتب الحقيقي هو من يكتب بصدق، متحررًا من قيود التملق أو البحث عن القبول، فالكتابة ليست استعراضًا ولا أداة لإثارة الغيرة أو التحدي، وإنما هي صوت يحمل رؤية، حتى وإن لم يُرضِ إلا قلة قليلة.
الإبداع بين التخصص والذائقة العامة
ليس كل من قرأ كتابًا أو شاهد فيلمًا قادرًا على نقده نقدًا منهجيًا، فالنقد فن له أصوله، وليس كل قارئ ناقدًا مؤهلًا للحكم على العمل الإبداعي. لكن هذا لا يعني إلغاء رأي الجمهور، فالقارئ العادي شريك في عملية الإبداع، وهو الذي يمنح العمل قيمته الحقيقية، سواء عبر التفاعل معه أو رفضه. ومع ذلك، لا ينبغي للكاتب أن يقع تحت رحمة مزاج الجمهور أو أن يجعل كلماته أسيرة لما يطلبه القراء، فذلك يُحوِّله إلى مجرد صانع محتوى يبحث عن التفاعل بدلًا من أن يكون صاحب رؤية.
هل الكاتب مسؤول عن ردود الفعل؟
العالم مليء بالتناقضات، وكل إنجاز أو فكرة جديدة قد تثير الحسد أو الغضب عند البعض، لكن هذا ليس مسؤولية المبدع. فلو كان الناس يسعون فقط لإرضاء الآخرين، لما ظهر أي تقدم أو تغيير في المجتمعات. الكاتب الذي يسعى لإرضاء الجميع سيفقد هويته، وسيتحول إلى مجرد كاتب "فرجة ولايكات"، يكتب ما يريده الجمهور لا ما يراه هو جديرًا بالكتابة.
أخيرًا
الكاتب الحقيقي لا يكتب لإرضاء الجميع، بل ليطرح فكرًا، ويفتح أفقًا جديدًا، ويكون مرآة للواقع أو كاشفًا له. من يكتب فقط بحثًا عن الإعجاب أو الشهرة سيفقد قيمته سريعًا، بينما يظل أثر الكاتب الحقيقي ممتدًا، لأنه كتب بصدق، ولم يخضع إلا لما يراه صحيحًا، بغض النظر عن القبول أو الرفض.

***
محمد سعد عبد اللطيف – كاتب وباحث مصرى

 

المآسي تتكرر والتأريخ معطل، والتشجيع على الإنغماس في الماضيات على أشده في مجتمعات الأمة، ويُقال أن المجتمعات عندما تضعف وتهون تستحضر التأريخ وتتوهم صيروتها الخالدة فيه.
رايات الأموات مرفوعة في العديد من الأماكن، وإفتراض أنهم الأحياء وكل جيل بعدهم من الأموات، والأمم بحاضرها وتطلعاتها لمستقبلها، وتأريخها تأخذ منه العِبَر الصالحة لزمانها ومكانها، فلكل أمة أجلها، وسكة مسيرها المتناسبة مع وجودها في حينها.
إن إستحضار ما مضى وما إنقضى وفرضه على واقع بعيد عنه عدة قرون، من الجرائم والخطايا المصيرية المؤدية إلى تداعيات خسرانية فادحة.
يُذكر أن الحافين من حول الكراسي هم الذين أقنعوا سلاطين زمانهم بالإبتعاد عن العلم، لأنه بدعة وسيضعف قبضة السلطان على مصير الرعايا المرهونين بإرادته فهو رمز للدين وربه.
ويبدو أن التأريخ المسوّق بيننا ورطتنا الكبرى، ومأساتنا العظمى، لأنه إكتسب صفة القدسية والصوابية العالية، وبالتكرارية المقصودة ترسمت رؤانا وآليات إقترابنا من الواقع الذي يخنقنا، فأصبحنا نستلطف المآسي والويلات، ونتوهم بأنها جواز سفرنا إلى ما هو أفضل وأبقى بعد أن يأكلنا التراب الذي عليه ندوس وضده نعمل.
الأمم لديها تأريخها وأديانها، فلماذا شذذنا عنها، وغطسنا في الغابرات، وأنكرنا الحياة؟!
و"....أنشأكم من الأرض وإستعمركم فيها..."
و"عندما لا ندري ما هي الحياة، كيف يمكننا أن نعرف ما هو الموت"!!
***
د. صادق السامرائي

 

خاص بالمسلمين لمناسبة شهر رمضان المبارك.

قالَ خليلي وهو يُحَدِّثُني بتَرَنُّمٍ وباغتِباط:
لستُ فقيهاً، وإن أنا إلّا مسلمٌ عَلِمَ قليلاً من مناسكِ دينهِ وبها ما أحاط. وأراني مُذَبذباً في إدائِها، في حرِّ شهرِ تموزَ وفي قّرِّ شَهرِ شباط. بيدَ أنّي لن أكونَ يَـُٔوساً قَنُوطاً جلّاداً لظهري بالسِّياط، بل أظُنُّني من ثلَّةٍ "ءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا" ولا تقلْ عنّي بأنِّيَ امرؤٌ متَهَوِّرٌ شَطَّاط. بل قلْ يا صاحُ، امرؤٌ مُتَكَوِّرِ خَلَّاط.
وإذ رَجَعتُ من مسجدِ الحيِّ ذاتَ فجرٍ ربيعيٍّ نديٍّ بشغفٍ واغتباط، وإذ شَخيرُ الأنامِ كانَ ينطَلقُ مِن أسرَّةِ في الغُرُفاتِ، أو لرُبَما يتحَلَّقُ من نُوَّمٍ في الحُجُراتِ على بلاط. وكأنِّي بالشَّخيرِ كانَ مسموعاً في الطُّرقاتِ بشتَّى الأنماط، وكأنَّهُ زفافُ قبيلةٍ من قبائلِ الوُطواط . ولسوفَ يستيقظُ رجالاتُ الشَّخيرِ بعدَ هُنيهَةٍ وكأنَّ أحدَهم عليمٌ مُستنيرٌ بألفِ قِراط، وفهيمٌ مستثيرٌ يُجادلُ في اللهِ الكبيرِ المتعالِ ولا يَحتاط، ويُماطِلُ في "البخاري ومسلم"بإنخراط، ويُشَرِّحُ الصَّحيحينِ بأجرب مالديهِ مِن مِشراط، مُتناسياً أنَّ شخيرهُ قبيلَ لحظاتٍ كانَ يُغَلِّفُهُ فُساءٌ وضراط.
وبينما كنتُ أرمي الخطى هوناً ببهجةٍ وارتباط، مع دندَنَةٍ لتلاوةِ آياتِ سورةِ "براءة" برقَّةٍ وبدِقَّةِ خشيةَ الأغلاط. إذ رأيتُني أقفُ عندَ آيةِ؛ "وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا"، بخُشوعٍ وانضِبَاط. وإذ نُسِّيتُ خِتامُ هذي الآيةِ عن جَهلٍ منّي أو غُمَّ عليَّ ختامُها بإقماط، أو لعلَّ ختامَها قدِ التبسَ عليَّ بإسقاط، رُغمَ ما كانَ في خَافقي من نَشوةٍ ونَشاط. فَضَربَت صدريَ حَوبةٌ منَ ضِيقِ بِخَجل، بل نوبةٌ من زعلٍ بل إحباط. وإذاً..
فقد أضعتُ الأمرُ ما بينَ ختامٍ؛ "واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" لكلِّ متهوِّرٍ خَلَّاط، وبينَ ختامٍ؛ "إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" مَهما كانتِ الأَغْلاَط. لذلكَ رأيتُنيَ أتَوقفُ عن التلاوةِ لأتَلَقفَ دَندنةً كانَت تأزُّني تحتَ النِّياط. كانَتِ الدَّندنةُ الأخرى تلهجُ بدعاءٍ مُتَضَرِّعٍ في أن يكونَ الختامُ مؤَكداً؛ "إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، مَهما كانتِ الأَغْلاَط.
ولمَّا أن وَصَلتُ الدَّارَ تصفَّحتُ المُصحفَ بلهفٍ كلهفَةِ صَحابيٍّ مُبَشَّرٍ بعُبورِ الصِّراط. ورُغمَ أنَّ قلبي يَعرفُ ربَّهُ ومُتَيقِنٌ بختمةٍ تكونُ مُوَكدَةً ب"إنَّ" مَهما كانتِ الأوزارُ والأَغْلاَط، لكنَّ لسانَ حالِ القلبِ ساعتئذٍ كانَ يقولُ بانضِغَاط: " بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" بإحتِيَاط. ثُمَّ إنَّك يا قلبُ تُريدُ حِفظاً دقيقَ المباني يضعُ الحروفَ على النِّقاط، لئلَّا يَحيدَ عن رقيقِ المعانيَ وما احتوَت من بُشرَياتٍ وأنواط. فلمَّا قرأتُ الآيةَ المباركةَ كانَ ختامُها؛ "وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" ، لكلِّ خَلَّاط، مَهما كانتِ آثامُهُ وأوزارُهُ وذنوبُهُ ومعاصيهِ والأغلاط.
ثمَّ تبسَّمَ لي خليلي قائلاً بتَرَنُّمٍ وباغتِباط:
ألا فأبشِرْ أيُّها الخَلّاط؛ "إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".
***
علي الجنابي

الشعر في حقيقته تسطير لمسيرة العرب منذ ما يسمى (العصر الجاهلي)، حتى أصبح ديوانهم الحاوي على مآثرهم ومثالبهم وقصص حياتهم في أزمنتها المتعاقبة.
فلكي تقرأ التأريخ بموضوعية لابد أن تطلع على ما كتبه الشعراء في الفترة المعينة.
وفي بلادنا برز عدد من الشعراء في القرن العشرين، وفي مقدمتهم معروف الرصافي، الزهاوي والجواهري، الذين رسموا صورة الحياة بأشعارهم، ويمكن القول بأن الجواهري خصوصا قد دوّن تأريخ القرن العشرين بشعره وصوّر الحياة العراقية والعربية والعالمية بأروع ما يمكن.
والرصافي برع في الكتابة عن معاناة الشعب ومواجهاته مع الحكومة وما عاناه منها، ولديه العديد من أبيات الشعر المتداولة:
"علمٌ ودستورٌ ومجلس "نائبٍ"...كلٌ عن المعنى الصحيح محرّف"
"لا يخدعنك هتاف القوم بالوطن...فالقوم في السر غير القوم في العلن"
ويستطيع الباحث الجاد أن يسطر ما دونه الشعراء عن أحوال زمانهم ويقدم للأجيال صورة تقريبية للواقع التأريخي آنذاك، وما دار من الأحداث في حينه.
أي دراسة تأريخية لا تطلع على مدونات الشعراء في الفترة التي تبحث فيها، لن تقدم صورة متكاملة عن الحياة بعواملها المتفاعلة.
إذ يمكن القول بأن معظم الشعر توثيقي ومعبر عن نبض الحياة الحقيقي، أكثر من الكتابات التأريخية البحتة، وفي كلا الحالتين هناك ما يؤكد المساومة والمتاجرة بالقلم.
وعندما نتساءل أين السياسة، فقول الرصافي يختصرها، ولازلنا على سكة ما قال نسير.
فأين السيادة، وإرادة تقرير المصير، والشعوب تنام على الحصير؟!!
***
د. صادق السامرائي

 

في مرحلة مبكرة من الدراسة المتوسطة قرأت كتاب (تأريخ البشرية) بجزأيه، للمؤرخ (أرنولد توينبي)، وبقيت في ذاكرتي مفاهيم لا أدركها، منها، أن العلاقات بين الدول، كعلاقات المخلوقات في الغاب، وأن الإبتكارات ستتنامى بإزدياد عدد البشر وعمره، وكذلك كتاب (مجمع الأحياء) من تأليف (عباس محمود العقاد).
ومضيت لا أفهم ما ترسخ في ذاكرتي من أفكار، وبعد أن دارت السنون بتحدياتها وأحداثها، وغرقنا في الفيضان المعلوماتي، ومعطيات التواصل الإجتماعي، بدأت تتضح الصورة وتتجسم، فالدنيا التي تجاوز عدد البشر فيها الثمانية مليارات، صارت تضخ المبتكرات التي تسابق الخيال، وكذلك الصراعات بينها، محكومة بقانون القوة التي تفترس الضعيف.
أسود وقرود وثعالب وذئاب وأرانب تسمى دول، في مجمع الأحياء العقّادية، تجتمع مخلوقات الغاب الدولية، ووفقا لمنطلقات أرنولد توينبي، علينا أن نقارن بين كل دولة والحيوان الذي تمثله.
الأسود قليلة والغزلان والأرانب كثيرة، والأسود لا تأكل الأسود، ولكي تكون أسدا عليك أن تمتلك السلاح النووي الفتاك وأبعد، ومن لا يصنع سلاحه ولا يُطعم نفسه يكون من فصيلة الغزلان والأرانب.
تلك مسرحية الحياة على خشبة التراب، وبعض الدول متفرجة، وأخرى تجيد التمثيل وغيرها الإخراج وبعضها التسويق، وما أعجز المتفرجين المغفلين، الذين يضحكون ويهرّجون والممثلون يعدّونهم لوليمتهم الشهية بعد إسدال الستار على فصول المسرحية.
عجائب سلوكية، بها تملأ بطونها الدول الثرية، التي لا تعرف الإنسانية، في عالم يتباهى بالنزاعات العسكرية، ويرفع رايات الحرية، في وسائله الإعلامية، والأفعال عدوانية!!
وكل مَن عليها خار، ومن فوقها طار، وتحول إلى غبار، أو إندفن في الدار، وتسعّرت في أركان وجوده النار، وتناثرت الأحجار، فالضعف إنسجار، والقوة إقتدار، والإعصار يتلوه إعصار، والناس تأكلها المخاوف والأخطار، فإلى أين الفرار؟!!
أسدٌ أنت وأنت الظالمُ...وكذئبٍ وبصيدٍ ينعمُ
لا تكن ظبيا خنوعا مبلسا...بمروجٍ اصطفاها الغانم
***
د. صادق السامرائي

 

خطوات التربية الذكية (3)

سابعا: الحوار:
إذا كانت التربية التقليدية تعتمد على فرض الرأي على الأطفال دون مناقشة أو حوار و لا تهتم بما يريده الطفل فإن التربية الذكية تعتمد على الحوار البناء بين أفراد الأسرة و هو أفضل وسيلة للتواصل بالحوار له فوائد كثيرة ذكرها خبراء التربية منها :
- يساعد على تفريغ طاقة الطفل وإخراج المشاعر المكبوتة خاصة السلبية.
- يساعدنا على معرفة المشكلات التي يعاني منها الطفل حتى يمكنتا مساعدته وإيجاد الحلول المناسبة.
-يساعد على بناء شخصية سليمة للطفل من خلال توجيهه و إرشاده إلى الطريق الصحيح.
- يتعلم عن طريق الحوار احترام آراء الآخرين ولا يفرض رأيه فقط ..
ثامنا: ضرورة الصبر
إن المربي الذكي وهو يمارس دوره التربوي ورسالته النبيلة لابد أن يتحلى بالصبر فلا بتعصب ولا يغضب ولا يجعل السلوكات السيئة الصادرة من الطفل تفقده أعصابه وتوازنه فيلجأ إلى التهديد والضرب والتوبيخ بل يعالج أخطاء الصغير بحكمة و اناة..
تاسعا: عدم تذكير الطفل بأخطاء الماضي
دائما المربي الذكي يركز على إيجابيات الطفل ولا يذكره بأخطائه الماضية حتى لا يضعف ثقته بنفسه وهذا من الحكمة التربوية.
***
الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

 

من الواضح في دراسات التأريخ وتعليمه للأجيال، التركيز على إقرانه برموز يُضفى عليها ما ليس فيها، وتتصل بطولاتها بالعنف وسفك الدماء، وفي هذا تضليل وتأهيل للموت العبثي والدمار الممنهج، وتعطيل العقول ورهنها بالعدوانية والشرور.
التأريخ مسيرة طويلة للأمم والشعوب، فيها السيئ والجيد، الخير والشر، فالذي يصنعه البشر بما فيهم وما عليهم، وسلوكهم نابع من شمائلهم، وبعضهم تأثر سلوكه بما يعتقده، والكثيرون ما غيرت طبائعهم أي العقائد.
فليس من الموضوعية النظر للتأريخ من طرف واحد، وإهمال الطرف الآخر، فيجب أن يكون الإستحضار متوازنا ومحايدا، ومعظم ما وردنا في المدونات مبني على آليات قال وذكر، ولم يكن مدوّن بأقلام عاصرته، وإنما بعد عدة عقود وربما قرون.
وأكثر المؤرخين يسجلون رأيهم ووجهات نظرهم، وما يقومون به صناعة يبتغون من ورائها مالا، فهي مصدر عيشهم وسبب مكانتهم، فلا يُعقل أن يروّجوا لبضاعة لا تخدم الكرسي الفاعل في زمانهم، كما أن معظم كتب التأريخ مهداة للمقتدرين في الدولة، مما يعني أنها ذات دوافع تسول وتقرب للحكام.
وفي مجتمعات محنطة بتأريخها، لضعفها وعدم قدرتها على المواكبة والمنافسة، يتطلب التفاعل مع التأريخ عقولا ناقدة وبعلمية ومنهجية، حاضرة في زمن الحدث، لآ أن تستحضر الحدث لزمانها.
التاريخ يؤرقنا، ولا يزيدنا عبرة وقدرة على التواصل الواعي الرشيد، ذلك أن المعنيين بكتابته أتخذوه صنعة، كشعراء زمانهم الذين صار المديح مصدر عيشتهم ومكانتهم.
فلذلك يكون التمحيص المعرفي العلمي المنهجي من ضرورات وعي التأريخ، والإقتناع بأن الغابرين كانوا بشرا وليس أكثر!!
فلماذا يطغى تأريخ الدم ويغيب تأريخ العلم؟!!
"ولكل دهر دولة ورجال"!!
و"إن العلماء ورثة الأنبياء"!!
***
د. صادق السامرائي

 

خطوات التربية الذكية (2)

4. تحديد عواقب مخالفة القواعد:
عندما تضع قواعد للطفل ينبغي عليه أن يلتزم بها وإلا تعرض إلى عقاب غير بدني كحرمانه من الأشياء التي يحبها وعلى المربي أن لا يستسلم عند بكاء الطفل فيخضع ويترك هذه الوسيلة العقابية فهذا خطأ تربوي فادح يقع فيه الآباء والمربون، التطبيق بصرامة ودون عواطف...
5. وجود مرجعية ثابتة:
مما يساعد على التربية الذكية بشكل صحيح هو وجود مرجعية ثابتة داخل الأسرة فلا نأمر الطفل بشيء ونحن لا نفعله كأن نحثه على احترام الوقت وهو يشاهدنا نضيع أوقاتنا بالساعات أمام الهاتف أو الرائي (التلفزيون).
فالطفل يتعلم بالقدوة، عندما يرى والديه يصليان هذا يساعده على الصلاة فيقبل عليها دون أن نكرهه على ذلك.
6. غرس الصفات الحميدة:
يبدأ هذا من الوالدين فالتزامهما بالأخلاق الحميدة وأداء واجباتهما الدينية و إشاعة جو من الحب والتفاهم داخل الأسرة والحرص على تربية الأطفال على الأخلاق الحميدة و قراءة لهم قصص الشخصيات التي تتسم بهذه الصفات، سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم و قصص الصحابة والتابعين و العلماء الربانيين حتى تنغرس فيه هذه الصفات وتصير ملازمة له في حياته..
***
الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

 

التمسك بحرية التعبير مهم للغاية لفتح مجتمعات تحترم حقوق الإنسان، ولكن بعضنا يتخذ من حرية الرأي وسيلة لبث الكراهية، وزرع مساوئ التشرذم في مجتمعاتنا، ومع هذا تحظر معاهدات حقوق الإنسان الخطاب المسيء عندما يشكل خطرًا أو تهديدًا للآخرين، من المخاطر التي تهدد وتقوّض حياة أمم وأقوام، تفشي ظاهرة الكراهية بين الأفراد، لأسباب تتعلق بالمعتقدات الدينية أو الاختلافات السياسية، أو الفوارق الاجتماعية، وقد تكون بين الإخوة والزملاء، تتمثل في تبادل حوار أو خطاب تغذّيه العنصرية والاحتقار والتقليل من قيمة ومكانة الآخرين.
للاسف - وقد يكون شائعاً لمجرد الاختلاف في الرأي، فتتزايد نبرة التشاحن بين المختلفين على منصات التواصل الاجتماعي، سواء لرأي، أو توجه مجتمعي، مثل مشجعي الأندية الرياضية والتحقير والتسفيه من كل فريق للفرق الأخرى، فتعلو نبرة الاستعلاء والاحتقار، وهذا ما يطلق عليه اصطلاحاً، خطاب الكراهية، الذي نبهتنا إليه قيمنا الدينية، وأخلاقنا وموروثاتنا الثقافية والتراثية، وأزعم أن خطاب الكراهية في مجتمعاتنا أقل كثيراً مما يتواجد في الخارج.
وعلينا ان ندق ناقوس الخطر، خاصة مع زيادة الفرقة الاجتماعية؛ نتيجة لوسائل التواصل الاجتماعي والثقافة التي تفرضها علينا فرضاً، ولا نستطيع منها فكاكاً، فقد أضحت اللغة المتداولة خطراً يهدد المجتمعات وسلامها الاجتماعي، وأمنها الداخلي، فالأمر أخطر من مجرد شعارات ننادي بها، بل قيم نريد أن نعيدها إلى طاولة الاهتمام من جديد.
إن التمسك بحرية التعبير مهم للغاية لفتح مجتمعات تحترم حقوق الإنسان، ولكن بعضنا يتخذ من حرية الرأي وسيلة لبث الكراهية، وزرع مساوئ التشرذم في مجتمعاتنا، ومع هذا تحظر معاهدات حقوق الإنسان الخطاب المسيء عندما يشكل خطرًا أو تهديدًا للآخرين.
يعد اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية مبادرة تستند إلى استراتيجية وخطة عمل الأمم المتحدة بشأن خطاب الكراهية التي تم إطلاقها في 18 حزيران 2019. توفر هذه المبادرة الأولى على نطاق منظومة الأمم المتحدة المصممة لمعالجة خطاب الكراهية إطارًا أساسيًا لكيفية قيام المنظمة دعم جهود الدول واستكمالها، حيث تؤكد الاستراتيجية على ضرورة مواجهة الكراهية بشكل شامل وفي ظل الاحترام الكامل لحرية الرأي والتعبير، مع العمل بالتعاون وسائل الإعلام وشركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي.
بعد الاحتلال انتشرت الطائفية والمحاصصة، وعمدت الاحزاب لتعميق مفاهيم لا تتناسب مع القيم الإسلامية السمحة، وطغت ملامح التطرف والكراهية والعنف، ورغم تلك الاجواء الضبابة، بقيت ثقافة الطيبين تنادي بالاعتدال ومكافحة الفكر المتطرف وتحجيم خطاب الكراهية، ومازال هناك رواد يطلقون مبادرات التسامح والتحاور، بدلاً من الصدام والتناحر، ويسعون لتعزيز الامن والاستقرار، لانهم يدركون بايمان راسخ بأن التسامح بين الناس أساس للتعايش، ومنهج حياة، ومن المبادئ الجامعة بين الأفراد،
ونؤكد ان وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، وتشجيع الناس للإبلاغ عن جرائم الكراهية، وتعزيز دور التربية والتعليم تجاه مكافحة خطاب الكراهية ودعم ثقافة التعايش الإنساني، وقبول التعددية ودعم المواطنة المشتركة بين الدول،، كلها من مهام واجبات الاعلام والمنظمات المجتمعية، هذه المفاهيم وترسيخها وجعلها جزءاً أصيلاً من ثقافة المجتمع، والعمل على تحجيم خطاب الكراهية ومحاصرة دعاته من خلال تجفيف منابع الكراهية وتعزيز التسامح والمحبة وعدم الانقياد لاهداف الاحزاب والشخصيات الحاقدة في تحريضهم على العنف، وتقويض التماسك الاجتماعي والتسامح والتسبب في أذى نفسي وعاطفي وجسدي للمتضررين، فلا يؤثر خطاب الكراهية على الأفراد والجماعات المستهدفة فحسب، بل يؤثر أيضًا على المجتمعات ككل.
***
نهاد الحديثي

غالب الناس لا ينتقدك وجهاً لوجه وانما يعيب عليك سلوكك خلفك، وبذلك تفوته كثير من الحقائق والتوضيحات والنصائح. فرب ملوم لاذنب له. بينما الانتقاد وجهاً لوجه هو شكل من اشكال النصيحة وشجاعة رأي وكذلك يعد تقبلها من المُنتقد شجاعة ايضاً وشيئاً من صلاح النفس ولطفها.
وهي ولاشك تقلل من النزاعات وسوء الفهم والعداوات، بينما التعييب والانتقاد خلفك هو جُبنْ في حقيقته ومعناه وطعناً في الخلف ويجر الى العداوات والنزاعات واغلب المشاكل تبدأ من كلمة قيلت في ظهرك ...
وهي ايضاً غِيبة، والغِيبَة هي ذكر الشخص بما يكره من العيوب التي فيه في غَيْبَته بلفظٍ، أو إشارةٍ، أو محاكاةٍ، وهي خُلق نهي عنه الإسلام.
ولكن كما قيل بحق: "إنك ان نصحت الجاهل عاداك وان نصحت الحكيم قدرك". وهذا راجع الى اسباب تاريخية موضوعية وغير موضوعية من عناصرها الجهل والعصبية والنرجسية الفارغة.
وعزاؤنا في ذلك قول الامام علي (عليه السلام): العالم يعرف الجاهل لانه كان جاهلا، والجاهل لا يعرف العالم لانه لم يكن عالما. وبما ان الشئ بالشئ يذكر نذكر مقولة القائد الاسكندر المقدوني، حيث قال:
(لقد استفدت من أعدائى أكثر مما انتفعت من أصدقائى، لأن أعدائى كانوا يعايروننى ويكشفون لى عن عيوبى، وبذلك أتنبه إلى الخطأ فأستدركه، أما أصدقائى فإنهم كانوا يزينون لى الخطأ ويشجعوننى عليه). وهذا يعطينا معلومة اضافية ان (التزلف) قديمة وتاريخية وانها من اهم اسباب الفشل السياسي لدى قادتنا الأشاوس في الماضر والحاضر.
***
فارس حامد عبد الكريم

 

هذه الخطوات تساعدك على التربية الذكية بشكل صحيح وتكون على بينة من أمرك..
1: تحديد السلوكات السيئة للطفل:
هي أهم خطوة يركز عليها المربي إذا أراد أن يصوب أخطاء من يربيه وهنا نفرق بين خطأ يرتكبه الطفل بشكل عفوي ولمرة واحدة وبين خطأ مكرّر لافت للانتباه..
ومن هذه السلوكات الخاطئة التي يرتكبها الطفل:
- السرقة.
- الكذب.
- التأخر في العودة إلى المنزل.
- مشاهدة التلفاز أو اليوتيوب أو تصفح الهاتف أو اللوحة لساعات طويلة..
- الفحش في الكلام والسخرية من زملائه.
العدوانية تجاه الآخرين -
- عدم الاهتمام بترتيب غرفته ومكانه.
عدم الإهتمام بنظافة ملابسه.
2. وضع قواعد تمنع السلوكات الخاطئة:
عندما تحدد كمربي بعض السلوكات الخاطئة لطفلك، تأتي المرحلة الثانية المهمة وهي وضع قواعد تمنع هذه السلوكات الخاطئة تطبيقها بحزم فإذا طلبت من ابنك ترتيب غرفته أو مكان لعبه أو النوم في ساعة محددة وإلا تعرض لعقاب كحرمانه من أشياء يحبها...
3. اعتماد نظام الحوافز:
الطفل إذا التزم بالنظام الذي وضعته له قم بتحفيزه وهذا يختلف من طفل إلى آخر حسب المرحلة العمرية فمثلا طفل بعمر أربع سنوات إذا نام في الوقت المحدد يمكن أن تكافئه بحلوى يحبها أما الطفل بعمر الثالثة عشرة سنة إذا التزم بالعودة إلى البيت في الوقت المحدد يمكن أن تسمح له بزيارة صديقه..
***
الكاتب علي شدري معمر
.......................
هوامش
1- مفهوم التربية الذكية وأهم الخطوات لتطبيقها بشكل صحيح، النجاح نت.

 

في المثقف اليوم