أقلام حرة
صادق السامرائي: سامراء والخزف!!
كانت جدتي تحدثني كثيرا عن "تل الصوان"، ومن حكاياتها التي أذكرها كانت تقول:" يابة الإنكليز ينبشون بالتل، وما أدري إشياخذون منه"، البعض كان يقول أنهم يعثرون على مجوهرات، وتحف ذهبية. وجدتي كانت تصر على أن تل الصوان فيه خزينة!!
ومع الأيام قرأت كثيرا عن "تل الصوان"، وتبين أنه متحف أثري، يحوي شواهد عن حضارة سامراء (5500- 4800 قبل الميلاد) التي سبقت جميع الحضارات في بلاد الرافدين، وإستمرت لما يقرب من (700) سنة.
والغوص في هذا الموقع الأثري يستدعي المزيد من الدراسات والتنقيبات والبحوث الأكاديمية الرصينة، ومن الواضح أن الذي دلنا عليه في بداية القرن العشرين هو الأثاري الألماني (أرنست هرتسفيلد)!!
ففي المدينة كانت صناعة الخزف والزجاج في ذروتها، و"تل الصوان" يضم عينات متنوعة منها، وتم العثور على أشياء مرمرية وكلسية وفخارية وتماثيل من الرخام والأواني المنقوشة، والتي تشير إلى أنها كانت توضع في أفران.
ودل المنقبون على وجود قرية متطورة في أنظمتها الدفاعية والعمرانية، وبنظام الإرواء وزراعة الحنطة والذرة والشعير والكتان وتربية الحيوانات وصيدها.
ويبدو أن صناعة الخزف كانت سائدة في حينها، وتمثل مصدرا إقتصاديا مهما، إذ يتم بيع المنتجات الخزفية والإتجار بها.
ومن الخزافين المعاصرين المعروفين إبن سامراء الأستاذ ماهر لطيف السامرائي، الذي عمل أستاذا للنحت الفخاري في أكاديمية الفنون الجميلة جامعة بغداد، تخرج منها عام 1974 وأصبح معيدا فيها، وحصل على الماجستير في الفنون والنحت الفخاري والتزجيج.
وهو من الخزافين البارزين والمتميزين، أعرفه منذ الصبا، وكان في غاية الخُلق والطيبة والألفة والمحبة والأدب.
وله العديد من الأعمال الخزفية الرائعة، ذات القدرة على المنافسة العالمية، وأملي أن يترك أثرا خالدا معبرا عن روح المدينة الحضارية.
وفي المدينة طاقات شبابية إبداعية واعدة بعطاءاتها المتميزة الأصيلة في الخزف والنحت والرسم، وأثبتت دورها الفعال في الساحة الفنية، وبعضها يمتلك مواصفات عالمية، وقدرات فذة في الإبداع الفائق المواصفات.
وما ينقص العديد من الأعمال الفنية غياب روح سامراء الحضارية ومؤثراتها الروحية والفكرية الخلاقة، فهي التي قادت أكبر ثورة عمرانية، وأثرت في سلوك الدنيا المعماري، وفيها من الإرث الحضاري ما يميزها عن غيرها من مدن الدنيا.
تآلفتِ العصورُ بما عَلاها
وأوقدتِ الضياءَ بمُرتقاها
مَدينةُ أمّةٍ رفعتْ لِواها
وسامقتِ الزمانَ وما كفاها
تلوّى رمزُها لعنانِ مَجدٍ
لأكوانٍ سَعى ونَضى حَجاها
جمالُ عيونِها أشقى مَهاها
إذا نظرتْ أصابتْ مُبتغاها
بسامرّا بديعٌ مِن خَيالٍ
يُجسّد فكرةً عَرفتْ أباها
أسائلُها وروحُ العرشِ فيضٌ
يُساقينا بدائعَ مُحتواها
***
د. صادق السامرائي







