عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيف: الإطلاق والاختزال والجَزم والغَلْق.. رباعيةُ آفات الوعي

الجميلُ قد يَفسُد، والرَّونق قد يذبُل، والبريق قد يتوارى، والبهيّ قد يذوي، والغَضُّ قد يَنْزوي، قانونٌ يسري على كل شيء، ليس بسبب الزمن وحده بل بتأثير عوامل شتّى، والوعي ليس بمَعزِل عن هذا القانون القاسي، إذْ إنّ الوعي رغم سموّه غير أنه لا بد من اعتبار محدِّداته، حتى لا يُفضي إلى عكس المراد منه وما نتوخّاه، بل يظل مُتوهّجا بَرّاقا أبعد ما يكون وأعمق، ولعل من أبرز هذه المحدّدات هي أضداد آفاتٍ أربع: الإطلاق والاختزال والجَزم والغَلْق، والمنشأ الطبيعي - عصبيًا -  لها هو اسْتِرْواح الدماغ للسيطرة على جزئيات المعرفة بحُكمٍ يُلَمْلم شتاتها، إنْ إطلاقا أو اختزالا أو جزما أو غَلْقًا.

ينتصبُ الإطلاقُ واحدا من أعتى الآفات التي تنسف الوعي، والمراد بالإطلاق هو تبني المفهوم بشمولية لا تحترم الحدود، ولا تعترف بتبايُنات السياق، ولا تُلقي بالًا للمتغيرات، بل تزُجّ بكل موضوعات المفهوم - على شدّة تنوّعها - في خانة واحدة، وهذا - كما هو جليّ - بعيدٌ كل البعد عن مقتضيات الواقع وحيثيّاته، ومثال ذلك أنّ يتبنّى المرءُ مفهوما يقضي بوجوب تجاوز الماضي، فيقوم بإسقاط هذا المفهوم على كل جزئياته، بلا تفرِقة  بين سياق وآخر، وحالة وأخرى، ولا مُمايَزَةٍ بين ما ينبغي تجاوزه، وبين ما يجب مواجهته وتفكيكه، وبهذا يتبيّن أن خطر الإطلاق كامنٌ في أنه يشمل في الحكم ما هو غير مشمول، فيقع في المحذور؛ جراء تشوّه حكم عام واختلالٌ في تَمَثُّل جانب من الجزئيات، وتحسبُ أنّك واعٍ، فيفجَؤكَ الإطلاقُ مُقوّضًا تطبيقك المفاهيم في أرض الواقع، على أنّ نقيض الإطلاق، هو التقييد، فكلما كثُرت المقيّدات عند تبنّي المفاهيم، أضحت - أي المفاهيم - أكثر مرونة، وألصق باستجابة فاعلة لتطبيقاتها في الحياة.

وثاني آفات الوعي، الاختزال، ولعله المقابِل المتطرّف للإطلاق، ويعني قَصْرُ الحكم على أمر واحد أو بضعة أمور ليس إلا، وعادةً ما يحدث في سياق الأسباب والنتائج، ومثال ذلك أن يتبنّى المرءُ مفهوم متطرّفا في اختزال سبب التحديات الشخصية في صدمات الطفولة، أو اختزال الميل لمساعدة الآخرين في الهوس بالاعتراف الاجتماعي، وخطورة الاختزال أنه يدفع المرء إلى تجاهل تعدُّد الأسباب للنتيجة الواحدة، وتعدُّد النتائج للسبب الواحد؛ نتيجة حصرها في بعض منها، وفي ساحة الاختزال يَنْشط المتغيّر الدخيل أو المُربك (Confounding Factor) أيْ عامل خفي في علاقة السببية يتم تجاهله؛ الأمر الذي يُحدِث شَرخا فاضحا في فهمنا للصلة المعطاة بين السبب والنتيجة، وهذا من شأنه أن يصنع نظرةً قاصرة مضلّلة في الحياة، وتاليا إسقاطات منحازة إلى جانب دون آخر؛ محدثا اختلالا واضحا في اتزاننا في تَمثُّل الحياة من ناحية، والتعاطي معها من ناحية أخرى، ونقيض الاختزال هو الاعتراف باحتمال ورود المزيد، أسبابا ونتائج، وهذا يتجسّد في عبارات من قبيل: هذه هي الأسباب - أو النتائج - التي نعرفها حتى الآن وفق المتاح، أما عبارة: السبب الأوحد - ولا شيء غيره - لكذا فهو كذا، فهذا إنما يخرج من مِشكاة آفة الاختزال.

وثالث آفات الوعي، الجزم، وهو الاحتفاء المغالي بمفهوم ما؛ بسبب موروث أو أيديولوجيا أو بيئة حاضنة، إلى غير ذلك، فيُدخله المرء في حَيّز اليقينيات، التي لا يمكن التشكيك فيها أو حتى قبول مراجعتها أو الاقتراب من الأسئلة المتجهة صَوبَ أساساتها، فيمنحه وسام التسليم المطلق، ومثاله كل مفهوم! حيث يمكن أن يقع المرء في فخ الجزم من خلال أي مفهوم، حينما يتشبّث به بقوة شديدة، ومن هنا كان الجزم مادة خصبة تغذي العصبية الرَّعناء والحَميّة الهَوجاء والنظرة العمياء، وخطورته أن المرء - لا إراديا - يتراخى مع ويستسهل ما يوافق المفهوم - الذي منحه صفة الجزم - ويتمنّع عن تَمَعُّن القرائن والحجج المخالفة اللاحقة، ففي غَمْرة الاحتفاء المبالغ فيه نقع ضحايا للجزم، ناسين أنّ كل ما نملك - على وجه الدقة - هو الترجيح بين الخيارات المحتملة، ليس إلا، فنقيض الجزم هو النسبية، على أنه من الطبيعي أن تتفاوت النسبية في التبني بين مفهوم وآخر، غير أنها لا تصل إلى حدّ الجزم واليقين.

ورابع آفات الوعي، الغَلْق، وهو امتدادٌ لليقين أو - إنْ شئت فقل - استسلام يائس للراهن! إذْ يتم تبنّي المفهوم بوصفه النقطة نهاية السطر، والبَعد الذي لا بَعد بَعده! ومثال ذلك أن يعتنق المرءُ إجابة في حقل معرفي يرى أنها إجابة ختامية، وفي هذا السياق عبارةٌ نبيهةٌ - ذكرتُها مِرارا وتكرارا، ولا أملّ من ترديدها - سمعتُها من الدكتورة نور الهدى باديس، التي تشرّفت بالتتلمذ على يدها إبّان دراستي الماجستير في تونس الخضراء: "أيُّ علم لا يخلق بذورَ تجاوزه فهو ليس علما" على أنّ خطورة الغَلْق لا يكمن فحسب في وَأْد الاحتمالات الكامنة في الفكرة حتى تتطوّر، بل يقف كذلك سدًا منيعا إِزاءَ الأفكار المستنيرة الأخرى، لا لشيء سوى أنها مخالفة، فلا تستطيع أن تنفذ داخل قبة الغَلْق، على أنّ نقيض الغلق هو الاستعداد الجاد للانفتاح على الضِّفف الأخرى لموضوع المفهوم.

ومهما يكن، فإذا كان من جامع يجمع رباعية آفات الوعي، وقاسم مشترك يتوسَّطُها فسيكون الغلوّ في تبني المفهوم إنْ إطلاقا بتوسيع مظلته لتشمل كل جزئيات موضوع المفهوم، وإنْ اختزالًا بتركيزه المُخِلّ في جزئية محددة، وإنْ جَزْما برفع مستوى اسْتِئناس النفس إلى أقصى درجاتها، أو غَلْقا باعتبارها الإجابة النهائية غير المستعدة على استقبال إجابة أخرى، على أنّ نقطة الارتكاز في مجابهة رباعية آفات الوعي هي أن نَعِيَ كيف نتبنّى المفاهيم بالهُوَينى والرَّوِيَّة في التمثُّل، لا أعني السرعة بل التَغوّل.

***

محمـــد سيـــف

في المثقف اليوم