لا يقدم هذا المقال دراسة بحثية كافية للعقائد الهندوسية، وهو لا يقصد ذلك، ولكنه يقارب المسألة من وجهة نظر ثيولوجية، ويحاول أن يحفزنا للبحث في هذه المسألة من زاوية أنثروبولوجية بحتة.
هل الهندوس يعبدون البقر؟؟......
إن الجواب السائد هو الإيجاب بالطبع والدليل وجود أشرطة فيديو لأشخاص يمارسون ذلك، والأهم من ذلك هو وجود رغبة لدينا بأن يكون الأمر كذلك، فهذا الجواب مريح وسهل، ويقطع باب الحوار كله.
ولكن، كيف لنا أن نتصور شعباً عظيماً يزيد عن مليار يحمل وعياً غبياً كهذا؟
لقد شدني للوعي بالهندوسية ما كتبه المؤرخ العظيم البيروني مطلع القرن الحادي عشر، وأعتقد انه النص الوحيد الذي يمكن الاطمئنان إليه من تراثنا الإسلامي، وسأشرح ما قاله بعد قليل.
الهنود شعب إنساني عظيم فيهم مئات الآلاف من المهندسين والأطباء والخبراء وفيهم غاندي وطاغور وشانكارا ورامانوجا وفيفكاندا، وعدد كبير من الفلاسفة الإنسانيين، يجب علينا احترامهم وتقديرهم، وهم كالمسلمين أمة من الأمم وخلق من الخلق، وهم من عيال الله، فطرهم الله على التوحيد ونفخ فيهم من روحه وبعث فيهم الأنبياء، ولعلهم أهل كتاب، ولعل أنبياءهم ممن لم يقصص علينا الله، ومن يعمل منهم مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.
والهندوسية ليست ديناً واحداً بل هي أديان كثيرة..
بخلاف ما تعلمناه وعلمناه.. فإن الهندوس في الأًصل أهل توحيد ومعرفة بالله.. وإيمانهم بالله تعالى عظيم، ومكان الفطرة فيهم لا زال عميقاً ومتيناً، خاصة بين حكمائهم وعلمائهم، وهم يبالغون في تنزيه الله تعالى حتى إنهم يقولون بالضبط: كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك، ويقولون بالضبط: العجز عن الإدراك إدراك والبحث في ذات الله إشراك......
ويسمونه البراهما، ويرون أن الخالق له أسماء كثيرة أكثر من ورق الشجر وأكثر من زبد البحر وأكثر من قطر المطر... وأن لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق، ويصفونه بأنه رب الأرباب وإله الآلهة وأحسن الخالقين.
هذا بالضبط ما يمكن فهمه من نصوص الفيدا المقدسة التي تتحدث عن أصل العقائد الهندوسية كما تقرؤها في باكتي يوغ ديفوشن 12 وهو أشهر ترنيمات العقائد الهندوسية، وهو أحد المبادئ الجوهرية والمسارات الرئيسية الأربعة للتحرر الروحي في العقيدة الهندوسية
The Yog of devotion - Chapter 12: Bhakti Yog
إنها تتحدث عن الخالق، بوصفه الذات المقدسة الغامضة المليئة بالأسرار، الأم التي لا تتشكل على صورة، والتي تمارس حضورها وأثرها وإنعامها في الخلق جميعاً، دون أن يتمكن الخلق من اكتشاف كنهها وجوهرها.
O Mother, Savior of the helpless.
In you there are three values: balance, passion. and imbalance
You created the world.
Earth, water, air, and fire are you, and you are the sky,
أيتها الذات الإلهية، أم كل شيء، أنت خلقت العالم
أنت الأرض والماء والنار والهواء، أنت السماء
O Mother of the Absolute!
Forever .. We seek to know you.
and know your own nature.
Abraham – Noua, Moses, Jesus, try to discover you.
But none of them has found you out.
You are free of limitations, beginningless and without end,
The terrors of this world, hope you remove, and dwell
Alike in present, past, and future.
أنت الأم أنت المطلق
إننا نبحث عنك من الأزل للأبد من دون أن نعرف كنهك
إبراهيم وموسى والمسيح حاولوا أن يكتشفوك، ولكن لا أحد منهم وصل إليك
أنت مطلقة بلا قيود، أنت الأزل وأنت الأبد
أنت موجودة على الدوام في الماضي والحاضر والمستقبل
You appear with form, to whom loves you as a Person.
You are the Absolute, to whom worships formless Truth.
There are who speak alone of the Great Brahman.
Even this, O Blissful Mother, is nothing else but You!
Each man, according to his measure, makes his image of the Truth,
Calling it the Highest Brahman.
إنها الحقيقة ... تتجلى لمن يريدها كذات مرئية
وتبقى في المطلق والمثال لمن يعبد الحقيقة المنزهة عن كل صورة
وهناك مَن لا يتحدثونَ إلَّا عن "براهما" العظيم، هؤلاء لا يعبدون غيرك
كل إنسان يصوغ معبوده على تصوره
ويطلق عليه اسم براهما الأسمى
وفي النص بيان واضح أنه الواحد الأزلي، الأول من غير ابتداء والآخر من غير انتهاء، والمختار في فعله القادر الحكيم المدبر، المنفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد.....
وهذا الوعي الذي أنقله اليوم عن مصادر فيدية، سبق إليه إمام عظيم كتب عن الهند وهو الإمام البيروني، وكما أشرنا فإنه كان من صحب السلطان محمود الغزنوي فاتح الهند، وتعلم السنسكريتية وأتقنها بدقة، وتفرغ لدراسة عقائد الهند وتاريخها وأصدر بعد خمسة عشر عامأً أمضاها في الهند كتابه الشهير: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة وفي ذلك يؤكد البيروني أن حكماء الهند يقفون بجلال وهيبة أمام حضـرة الله تعالى، ويسمونه البراهما، ولا يقدمون له أي وصف أو تمثال، ويقولون نحن أقل من أن نتوجه إليه وهو أكبر من أن يصغي إلينا، والعجز عن الإدراك إدراك والبحث في ذات الله إشراك..
وفي عبارة دقيقة يكتب البيروني شارحاً المعتقدات الهندوسية بقوله: ذكر اعتقادهم في الله سبحانه:
إنّما اختلف اعتقاد الخاصّ والعامّ في كلّ أمّة بسبب أنّ طباع الخاصّة ينازع المعقول ويقصد التحقيق في الأصول، وطباع العامّة يقف عند المحسوس ويقتنع بالفروع ولا يروم التدقيق وخاصّة فيما افتنّت فيه الآراء ولم يتّفق عليه الأهواء؛ واعتقاد الهند في الله سبحانه أنه الواحد الأزلي، من غير ابتداء ولا انتهاء المختار في فعله القادر الحكيم الحيّ المحيي المدبّر المبقي الفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء؛ ولنورد في ذلك شيئا من كتبهم لئلا تكون حكايتنا كالشيء المسموع فقط، قال السائل في كتاب «باتنجل» : من هذا المعبود الذي ينال التوفيق بعبادته؟ قال المجيب: هو المستغني بأوّليّته «1» ووحدانيّته عن فعل لمكافاة عليه براحة تؤمّل وترتجي أو شدّة تخاف وتتّقي، والبريء عن الأفكار لتعاليه عن الأضداد المكروهة والأنداد المحبوبة، والعالم بذاته سرمدا إذ العلم الطارئ يكون لما لم يكن بمعلوم وليس الجهل بمتّجه عليه في وقت ما أو حال؛ ثمّ يقول السائل بعد ذلك: فهل له من الصفات غير ما ذكرت؟ ويقول المجيب: له العلوّ التامّ في القدر لا المكان فإنّه يجلّ عن التمكّن، وهو الخير المحض التامّ الذي يشتاقه كلّ موجود، وهو العلم الخالص عن دنس السهو والجهل".
(البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة) ص 23 طبع عالم الكتب.
ثم ينقل البيروني صفة الله عندهم عن كتاب من كتبهم يسميه باتنجل: " وهو وإن غاب عن الحواسّ فلم تدركه فقد عقلته النفس وأحاطت بصفاته الفكرة وهذه هي عبادته الخالصة وبالمواظبة عليها ينال السعادة؛ فهذا كلامهم في هذا الكتاب المشهور" (البيروني، تحقيق ما للهند، ص 23)
وبجهد بسيط يمكنك أن تصل إلى هذه النصوص المهمة من الفيدات والأوبانيشادات الموجودة اليوم والمتوفرة باللغة الإنجليزية، في وصف الخالق الأعلى، وكلها قابلة للوصول إليها عبر بوابة الكتب في غوغل، برقم الجزء والصفحة:
- “لا صورة له”
[yajurveda ، 32/3]
- “هو طاهر وغير متجسد”
[yajurveda 40/8]
-“اهدنا الصـراط القويم واغفر الذنوب التي تجعلنا نضل ونضيع” [yajurveda ، 40/16]
- “أيها الأصدقاء لا تعبدوا سواه، القدوس، ادعوه هو وحده” [Rigveda ، 8/ 1]
- “واحد أحد لا ثاني له”
[Chandogya ، 6/2]
- “لا والدين له ولا سيد فوقه”
[Shvetashvatara، 6/9]
- “لا يمكن رؤيته ولا تجسيده”.
[Shvetashvatara، 4/9]
وعلى الرغم من هذه الأصول العقدية الصارمة فإننا لا نستطيع الدفاع عن الممارسات الهندوسية اليوم، فعبادة الآلهة شيفا وفشنو وسمارتي والإله الفيل شائعة جداً، ولا يمكن بحال من الأحوال تبريرها على قواعد التوحيد، ولكن ما يمكن فعله أن ننظر إلى هذه الممارسات على أنها انحراف عن روح الهندوسية الأولى، وأن ندعو إلى كلمة سواء، تبني على الأصول المشتركة، وتنشر المحبة والإخاء.
نعم إن اعتقاد التوحيد الذي يظهر في الفيدات تغير مع الأيام، ودفعتهم التصورات الحرفية للنصوص إلى افتراض طبقات من الآلهة تحت الإله الكبير.. ويبدؤون من تصور الإله الكبير براهما والآلهة الصغيرة فشنا وسيفو وغيرها...
والحقيقة أن وعيهم بهذه الكائنات يشبه وعي المسلمين بفئة الملائكة فهم جنود الله واعوانه وهناك ملاك الرعد وآخر للمطر وثالث للموت ورابع النفخ في الصور ولكن من المؤسف أن لغتهم تترجم هذه الفئة من المخلوقات إلى آلهة وليس كملائكة
ويتعلقون بكائنات من الطبيعة يحبونها ويعظمونها، ويعبدها جهالهم، ويرون أنها قريبة من الله تعالى، ويؤلفون في ذلك الحكايات والأساطير..
أما البقرة فقد دعاهم حكماؤهم لإجلالها واحترامها لأن الهند مجتمع زراعي والبيت الذي فيه بقرة لا يجوع ولا يعطل، ولا يوجد عاقل في الدنيا يعتقد ان البقرة تخلق وترزق وتحيي وتميت، وليست هذه قطعاً عقيدة الهنود.
لا أكتب لأثبت إسلامهم، ولكن تؤلمني هذه الكراهية البائسة بين حضارتين عظيمتين، وأخشى أن تصبح روح المسلم مطبوعة على كراهية الأمم وازدراء أديانها.
على كل حال فأنصح قبل الرد بقراءة ما كتبه عن عقيدتهم كل من العلماء المسلمين الراسخين في العلم: البيروني في كتابه: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، وقد نشرنا طرفاً منها هنا، وقد قرأها بأصولها السنسكريتية وخاصة بهاغوت غيتا والمهاباهاراتا وبهاغها فاديتا، وكذلك شمس الدين المقدسي في كتابيه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، والبدء والتاريخ، وقد نقل 17 نصا عنهم في التوحيد....
وفي بحث تخصصي نشرته مجلة نداء الهند عدد5 عام2012 تقدم الباحثان غسان طه ياسين وأزهار فاضل ببحث علمي بعنوان: التوحيد عند الهندوس:
"يتنازع الوعي الهندوسي فيما يخص الإله نزعتان مختلفتان تمام الاختلاف، وهما النزعة التوحيدية ونزعة التعدد....... ونزعة التعدد أكثر انتشاراً وأقوى تأثيراً.
وقد بدأت الهندوسية على التوحيد ثم ما لبثت شأنها شأن الديانات الأخرى أن انحرفت عن التوحيد نحو الوثنية والإشراك بالله، وفي شريعة مانو مهاريشا فإن الإله الحق هو اللطيف ا لخفي الذي لا يدرك بالعقل وحده والمحيط بجميع مخلوقاته وأظهر ذاته بذاته.
إن الاسم الذي يطلقه الهندوس على الحقيقة المطلقة هو الذات الإلهية أو هو البرهمان في السنسكريتية أو الإله الكبير وهو الوجود والوعي والنعيم والحقيقة المطلقة والوعي المطلق والذات التي هي فوق كل إدراك" (المصدر بحث: التوحيد عند الهندوس في المصادر الإسلامية- ياسين وفاضل، نشر الجامعة الإسلامية في ماليزيا)
أما ما قدمه ابن النديم والشهرستاني والمسعودي في مروج الذهب فهو لا يتجاوز الانطباع الشعبي العام دون الدخول في المنهج الموضوعي القائم على دراسة نصوصهم وتعليلها.
نحاول أن نبني الوعي وأن نقول للناس إن العالم بيت الجميع، وإن علينا أن نعيد تصوراتنا عن الناس، وعلى الأقل أن نسن بهم سنة أهل الكتاب.
يجب أن ينتهي هذا الوعي الانفعالي التائه، أليس عاراً أن يقول رجال الدين باسم مليار إنسان عن مليار آخر بأنهم مجانين يعبدون البقر، فيجيبهم مليار آخر بل أنتم مجانين تعبدون الحجر!!!
الإنسان أخو الإنسان، والبشر عائلة الله........ وقل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون...
نعمل من أجل دين بين الأديان وليس ديناً فوق الأديان، وأمة بين الأمم وليس أمة فوق الأمم، أو كما قال رسول الله: نبي بين الأنبياء وليس نبياً فوق الأنبياء.....
***
د. محمد حبش








