عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

قصيدة نثر وتعليق

بقلم: نايومي شهاب ناي

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 **

حياته- قصيدة نثر

لا اعلم عما يفكر فيه. ليلا سرداب وجهه ينغلق عليه. يمكن ان يكون تحت الأرض. يمكن ان يكون كنزا مدفونا. يمكن ان يكون حمارا محتجزا في "منجم بيزبي"، تم انزاله منذ زمن طويل بالبكرات والسيور، وهو يرفس، حتى يتلاشى فراؤه الناعم وتعمى عيناه. كانوا يجعلون الحمير تجر العربات الصغيرة المحملة بالمعدن الخام من شق لشق. ليلا حين يضع آخر الرجال اقدامهم في المصعد الذي يصدر صريرا، كانت الحمير تبكي. بعضها عاش لمدة سبعة عشر عاما هناك في الأسفل. لا يزال عمال المنجم يشعرون بالسوء حيال ذلك. كانوا سيسحبونهم الى الخارج كي يتنفسوا هواءا حقيقيا في الأماسي، الا ان النفق كان عميقا جدا وما كانوا قط ليستطيعوا ان يدخلوهم بالقوة مرة ثانية.

***

تعليق

تدعونا قصائد النثر الى ان نقفز قفزات دراماتيكية او غريبة نوعا ما نحو الأغوار العميقة—دونما توسع في البناء او كلمة تقديم او خاتمة. تعجبني مباشرتها. يعجبني ايمانها بنا—بأننا، ان حالفنا الحظ، او استحوذ علينا على نحو مشابه، نتتبع تجوالها داخل منطقة آسرة معينة. في "حياته" انظر الى شخص عليّ ان اعرفه جيدا لكنني لا اعرفه جيدا، ثم (من اجل الارتياح؟) اغوص في منجم قديم في بيزبي بولاية اريزونا كنت قد زرته مؤخرا،مستعيدة في ذاكرتي ما قاله عامل منجم سابق يعمل الآن مرشدا سياحيا لمجموعتنا بعد ان امطرناه بالأسئلة (وعيناه مغرورقتان بالدموع فيمسحهما). بعد ان ينتهي المشوار، اتأمل حيوات، سواء أ كانت حيوانية او بشرية، انفقت في اوضاع مقيدة، ولكن هل عليّ ان اعبر عن ذلك بتعابير لا لبس فيها؟ كلا، كلا، كلا ! ثمة شيء مقنع بشكل لانهائي في الشكل الكتلوي لقصيدة النثر، بعد كل الزوايا الحادة والفضائية الرحبة للشكل الشعري الشاقولي. قصائد النثر مادة منعشة، واحة على طريق القراءة الطويل. المداخل والمخارج مؤشرة بوضوح. يسهل الشعور بالمشاركة. شكل قصيدة النثر يوحي ايضا بجيوب وطاولات (البليارد). ومن اللافت كيف ينتابني شعور بالارتياح بمجرد ان ارى واحدة تظهر امامي في مكان ما. تعود بي الذكريات الى ذلك الوقت القصير في صف الدراسة الأول حين يدعونا (معلمنا المكفهر، كما في حالتي) كي "ننشيء فقرات"—بعد ان نكون قد اتقنا فن "الجملة" الدقيق والصعب. يا للعجب ! الربط البسيط للأسطر للتحول الى اشكال بيتية صغيرة ذات نوافذ وابواب ونقاط ومماسح ارجل... طوال حياتي في المدرسة كنت انتظر ان أُدعى لانشاء "فقرة" مرة ثانية. لكن لم يكن الأمر كافيا قط لأي شخص.

***

.............................

نايومي شهاب ناي: شاعرة وروائية فلسطينية أميركية ولدت في فلسطين عام 1952 لأب فلسطيني وأم أميركية. بدأت النشر مبكرا تحت تأثير أمها وأصدرت كتيبين شعريين في عامي 1977 و 1978 تحت عنوان (اذرع موشومة) و(من العين إلى الأذن)، إلا أن أول مجموعة شعرية مكتملة صدرت لها عام 1980 تحت عنوان (طرق مختلفة للصلاة) توالت بعدها عدة مجموعات منها (القفاز الأصفر) 1986، (الحقيبة الحمراء) 1994، و(وقود: قصائد) 1998، (نحلة العسل: قصائد وقطع نثرية قصيرة) وغيرها. نال شعر ناي جوائز عديدة وشغلت مناصب فخرية كثيرة.

بقلم: روبرت بلاي

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

صدفة محار

الصدفة متقرحة، كأنها قعر نهر متدفق، تخدشه الاشجار الكبيرة اثناء انجرافها. احيانا يكون كلسها الضارب الى البياض قد انطوى على نفسه، مثل الصخر المذاب حين ينساب خارجا؛ لذا فان شيئا لا يزال غاضبا. حين نقلبها، نشعر ان الصدفة من الداخل اشد تكتما، اشد اكتمالا، اشد بشرية. اصابعنا تتحسس الداخل الناعم وتعلم عن ثمار العنبية، المتعة المكتسبة، العزلة الحلوة للرجل العجوز في وقت متأخر من الليل، حين تواصل الملائكة البحث عنه في الفجر الباكر، وهم ينادون عبر الحقول التي يكسوها الثلج.

***

وردة متفتحة

لماذا نقول ان الوردة متفتحة؟ انها تنفتح مثلما ينفتح الطريق امام المسافر، مثلما ينفتح الماء لهنيهة بعد ان يكون الغطاس قد اختفى... يتغذى الأسد سرا في الأعشاب العالية بينما هو لا يزال نائما في الكهف. الجوف المعشب لا يزال مختفيا تقودنا اليه الخشخاشات الحمراء على المنحدر... ليس سوى رأس التدرج يبرز فوق اعشاب اكتوبر التي تهب عليها الريح الجديدة. ان رأيت الماء يعلو حافة صخرية، فما يحفزني هو ان اتبعه (نسمع بتلك الحوادث المميتة بعد موت الصديق ببضع شهور). اشعر بعزلة "ذلك الذي ليس معنا"—ذلك المكان البعيد داخل الماء الملتف، بعيدا داخل بتلات الوردة. حيث تذهب اذهب...

***

كوز الصنوبر

كوز الصنوبر الذي طوله حوالي ثماني بوصات يبدو كأنه جذع لم ينمُ لها رأس. جذع الكوز يحمل ذراعين صامتتين متيبستين. حين نرفعه نحو الأنف، فالعطر يوحي بالحانات الريفية، المناقشات في اماكن وقوف السيارات، الأقزام الذين اخترعوا وقودا. ولكن ان امتد اللسان فالنسغ يغلف اللسان المعقوص؛ الشفتان تلتصقان ببعضهما. نشعر بصعوبة التحرر من حالات الصمت... الرجل الأجير في الغرفة الاحتياطية... ما حدث في ذلك الربيع. لا تقلق. عائلتنا كلها كذلك.

***

الفتى الذي كان لديه فكرة واحدة

يحكى انه في سالف الزمان كان هناك فتى يحمل في داخله فكرة واحدة فقط، فكرة الحماية، وكان يتفكر بها ليلا ونهارا. انها حقل اخضر يجري عبره نهر صغير. مشى الفتى يوما ودخل الغابة ثم جلس تحت شجرة. قالت الريح: "الدجاجة الحاضنة تخفي بيضها في الأيكة." قالت الغيمة: "البجعة الأم تطعم صغارها من دمها." فجأة ارتفع نحو الشجرة واصبح ورقة؛ اصبح ذراعاه مخددين لذلك تغلف في توقه النباتي. في هذه الأثناء تنفست الخيول تحت نفسها المنغولي، واعدت الدجاجات الغينية بحوثها الكيميائية، واستلقى الكبش والنعاج بين الأحجار. ونفث الصيف نفسه. في احد الأيام خرجت الأسنان من الرمل المتيبس، وعلقت البلورات على جانب خزان الماء. في تلك الليلة، تزلج اللقلق الأب فوق حافة البركة. الآن تأمل الفتى فكرته الثانية وسقط.

***

............................

روبرت بلاي: شاعر وكاتب وناشط اميركي من مواليد ولاية منيسوتا عام 1926 لوالدين من اصول نرويجية. تلقى تعليمه في كلية القديس اولاف وجامعة هارفرد ثم بجامعة ايوا. حصل على منحة فلبرايت للسفر الى النرويج لغرض ترجمة الشعر النرويجي الى الانكليزية فاطلع على شعراء عالميين لم يكونوا معروفين في الولايات المتحدة حينها مما دفعه لتأسيس مجلة لترجمة الشعر العالمي وتقديمه للجمهور الأميركي. ارتبط اسم بلاي بـ (حركة الشعراء الاسطوريين الرجالية) التي بدأها مع مجموعة من الشعراء بعد نشره عام 1990 اهم مجموعاته الشعرية وأوسعها انتشارا (جون الحديدي: كتاب عن الرجال). كما اسس عام 1965 جمعية (شعراء اميركيين ضد حرب فيتنام). نشر العديد من المجموعات الشعرية نذكر في ادناه بضع عناوين منها: (صمت في الحقول الثلجية) 1962؛ (الضوء حول الجسد) 1967 (حازت على جائزة الكتاب الوطني)؛ (عجوز يفرك عينيه) 1974؛ (الوقوع في غرام امرأة في عالمين) 1986؛ (تأملات في الروح النهمة) 1994؛ (تناول عسل الكلمات: قصائد جديدة ومختارة) 1999؛ (دافع السفر لمسافات طويلة) 2005 و (التحدث في اذن حمار: قصائد) 2011.

قصة: سيمون كولينجز

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

الرحلة مزدحمة، والركاب القلائل الذين صعدوا للتو يبحثون عن أماكن لتخزين أمتعتهم اليدوية. المرأة الآسيوية الجالسة بجواري في أواخر العشرينيات من عمرها، ربما تسافر للعمل. تضع عطراً غالي الثمن يبدو مألوفاً، لكنني لا أستطيع تحديد نوعه تماماً. كنت أتساءل إن كان ينبغي لي التحدث إليها عندما ظهر الرجل الجالس في المقعد المجاور للنافذة، واضطررنا لإفساح المجال له. استقرت هي في المقعد الأوسط. وعندما حاولت إعادة ربط حزام الأمان، اكتشفت أنها التقطت مشبك الحزام الخاص بي بالخطأ، ونظرنا إلى بعضنا وضحكنا.

سألتها: "ماذا كنتِ تفعلين في بنغالور؟"

"مكتبي هناك. هذا هو مقر عملي."

كان لديها لكنة شمال أمريكية دون أثر للإنجليزية كما تُنطق في شبه القارة الهندية. أخبرتني أنها تعمل لصالح شركة متعددة الجنسيات تصنع الملابس، وأنها في طريقها إلى تايلاند. عليها زيارة بعض المصانع ومقابلة بعض الزملاء من الشركة. كما أنها تحاول إكمال أطروحة الدكتوراه الخاصة بها، والتي توجد على جهاز لابتوب وضعته تحت المقعد أمامها. كانت تلبس خاتماً فضياً لطيفا في إصبعها الثالث من يدها اليسرى. أثناء حديثها، وضعت جواز سفرها في حقيبتها، ورأيت أنها تحمل الجنسية الكندية.

سألتني عمّا أعمل، فأخبرتها. ثم سألتها المزيد عن وظيفتها، فحدثتني عنها باستفاضة. في هذه الأثناء، كانت الطائرة قد أقلعت وصارت في مرحلة الصعود نحو ارتفاع التحليق. الكابينة هادئة، الأضواء لا تزال خافتة، وصوت التكييف الهوائي خفيف، مع همسات المحادثات. تستغرق الرحلة إلى سنغافورة ثلاث ساعات ونصف. لم أستطع أن أقرر إن كنت سأحاول النوم. تقترب الساعة من منتصف الليل، ويبدو أن النوم لن يكون ذا جدوى. الرجل في المقعد المجاور للنافذة وضع قناع العينين، ولفّ وسادة منتفخة حول عنقه. انزلق في المقعد برأس مائل إلى جانب، وبطانيته مشدودة إلى صدره. أما المرأة فتبدو غير ميّالة للنوم، لذا سألتها عن المكان الذي نشأت فيه.

أخبرتني أن والدها طبيب وأنه ذهب إلى كندا قبل ولادتها. قضوا بضع سنوات في مونتريال، لكن معظم الوقت عاشت في ساسكاتشوان. "كان الأمر جيداً"، قالت. "تحدث أشياء هناك، ليست مملة كما قد تظن." أخبرتني أنه أحياناً في الشتاء تنخفض درجات الحرارة إلى ناقص ستين.

قالت: في الواقع كانت ناقص ثلاثين ،  لكن عامل برودة الرياح جعلها تبدو وكأنها ناقص ستين. أذكر أنهم قالوا في النشرة الجوية: ’اللحم البشري يتجمد في 1.4 ثانية.‘ أو أشياء من هذا القبيل."

2

قلت: " لم أزر مكانًا بهذا القدر من البرودة من قبل،"

ردّت قائلة: "رغم ذلك، لم تكن البرودة بهذا السوء. كانت برودة جافة. عندما تشرق الشمس، لا يبدو الجو شديد البرودة. تشعر بشيء أشبه بالوخز في جلدك. كنا نلعب في الخارج حتى في هذه الأجواء. يمكن أن تصل إلى حد البرودة الشديدة دون أن تدرك ذلك. وعندما تعود إلى الداخل، يبدأ وجهك ويداك في الألم مع عودة الدم إلى الأطراف. أظن أن هذا ما يحدث لمستكشفي القطب، حيث يفقدون أصابع أقدامهم لأنهم لا يدركون مدى البرودة التي أصابتهم."

أجبتها قائلاً: "ربما يكون الأمر كذلك."

ثم توقفت المحادثة للحظات، وأخذت أفكر في ما يمكنني قوله لاحقًا.

أضفت: "أعتقد أنك تعيشين النقيض تمامًا في الهند."

أجابت: "بنغالور جيدة، لكننا نحتاج إلى المطر. الجفاف حاليًا في جنوب الهند سيئ للغاية."

علّقت قائلاً: "سمعت مؤخرًا أن بعض المزارعين انتحروا بسبب حدة الجفاف."

ردّت: "نعم، بالنسبة للبعض الوضع مأساوي للغاية."

أضاء طاقم الطائرة الأنوار وأطفأوا إشارات أحزمة الأمان. بدأ الركاب في فك أحزمتهم، وتحرك بعضهم نحو الحمامات. انشغل طاقم الطائرة بتجهيز الخدمة. مرت مضيفة عبر الممر تحمل صينية مليئة بمناشف دافئة تفوح منها رائحة البخار. أخذت منشفة ومسحت بها وجهي وعنقي، محاولًا إزالة آثار تعب اليوم.

سألتني المرأة عن بداية عملي الحالي، فبدأت أحكي لها عن حياتي. رويت القصة التي صغتها مع الوقت لتصبح ما أصفه بحياتي. انتقيت تفاصيل الحديث، متجنبًا ذكر زواجي أو العلاقة التي أعيشها مع امرأة أخرى منذ أكثر من عام. لم أكن أتجنب الموضوع بقصد الخداع، بل لأنني لم أعرف كيف أتحدث عنه. حين بدأت العلاقة، ظننت أنني سأترك زوجتي، لكن الأمر لم يكن بتلك البساطة. شعرت بأن حياتي تفلت من بين يدي. أردت أن أكون شخصًا آخر. الآن أجد نفسي عالقًا في حالة من التردد، لا تفيد أيًّا منا. الوضع برمته أشبه بفوضى.

*

وزّع طاقم الطائرة وجبة العشاء. كانت الساعة قد بلغت الواحدة صباحًا، ولم يرغب معظم الركاب في تناول الطعام. اختلطت رائحة الطعام المطهو برائحة الطائرة، مزيج من روائح بشرية وصناعية. طلبت كأسًا من النبيذ الأحمر، فيما طلبت رفيقتي في السفر وجبة طعام وكأسًا من النبيذ أيضًا.

3

بينما كانت تفتح علبة وجبة "كورما الدجاج"، سألتني عمّا أفعله عندما لا أكون منشغلاً بالعمل، فأخبرتها عن عزفي على الساكسفون وحبي لموسيقى الجاز، رغم أن الفرص التي أجدها للعزف أصبحت نادرة هذه الأيام. أخبرتني أن هذا مذهل لأنها تعزف البيانو أيضًا وتحب الجاز، لكنها لم تعزف منذ قرابة العام. بدأنا نتبادل أسماء بعض الموسيقيين المفضلين لدينا.

قالت: "حاولت العزف منذ أيام، لكن الأمر صعبا. تحتاج الأصابع إلى مرونة كبيرة، وتفقد هذه المرونة إذا لم تعزف بانتظام."

أجبتها: "أنا أيضًا أفقد مهارتي إذا توقفت لفترة."

بدأت في تناول طعامها، وتركتها تكمل وجبتها بصمت. لاحظت سيدتين ممتلئتين تجلسان في الصفوف الأمامية، وكانت السيدة في المقعد الأوسط تحاول النهوض للذهاب إلى الحمام. تناور السيدة في المقعد الخارجي بحمل صينيتين، واحدة فوق الأخرى، بينما تتحرك صديقتها للخروج. بعد أن غادرت الصديقة، بقيت السيدة الأخرى واقفة وهي تحمل الصواني، وكأنها ترى أن محاولة الجلوس مجددًا ستكون مجهدة. ربما تعتقد أنه بحلول الوقت الذي تتمكن فيه من الجلوس، ستحتاج إلى النهوض مرة أخرى. عندما مرت المضيفة مرة أخرى طلبت كأسًا آخر من النبيذ.

*

سألتني: "متى تعتقد أنك ستعود إلى الهند؟"

أجبتها: "لا أدري، ربما خلال العام المقبل."

قالت: "يجب أن تبقى فترة أطول. هناك الكثير لتراه. هل زرت مادوراي من قبل؟"

أخبرتها أنني لم أزرها، لكنني أرغب في ذلك.

وأضافت: "وقصر تيبو سلطان ليس بعيدًا."

قلت: "القصر الذي يحتوي على النمر الموسيقي؟"

أجابت: "نعم، هذا هو."

قلت: "رأيته مرة، إنه موجود في متحف بلندن."

قالت: "قصره يبعد فقط ساعتين جنوب بنغالور."

سألتها إن كانت تستطيع أن تقترح عليّ كتابًا هنديًا يمكنني قراءته. ذكرت لي بعض الكتّاب الذين لم أسمع عنهم من قبل. تحدثت معها عن بعض الكتّاب الذين قرأت لهم، ووجدنا أننا نتشارك حبًّا لبعض الأسماء. بدا وكأن لدينا العديد من الاهتمامات المشتركة.

4

سألتني: "هل تقرأ الكثير من الأدب الروائي؟"

فأجبت: "قليلًا، أحب أن أتعرف على الأماكن التي أزورها، والأدب الروائي وسيلة جيدة لذلك. القصص تنقل إحساسًا بالمكان أكثر مما تفعله الحقائق."

قالت: "وهي أسهل كثيرًا في القراءة. الصفحات المليئة بالحقائق تجعلني أنام."

أضفت: "أحب الأماكن التي تقع خارج مسارات السياح المعتادة."

ابتسمت وقالت: "تحتاج إلى صديق محلي ليأخذك في جولة."

كانت الأضواء الخافتة والنبيذ وتأخر الوقت قد جعلتني أشعر بحالة من السكينة، وكأن الحوار بات أشبه بحلم. شعرت بالاطمئنان، وكان صوتها الناعم يضيف إلى ذلك الشعور بالهدوء. خفتت الأنوار مجددًا، وبدت أغلب المقاعد غارقة في السكون، فيما غط الركاب في النوم. الرجل الجالس بجوار النافذة فتح فمه وبدأ يشخر بخفة.

قالت: "يجب أن تخبرني عندما تعود إلى الهند في المرة القادمة."

فأجبتها: "بالتأكيد سأفعل."

وأضافت: "من المفترض أن أزور إنجلترا بعد شهرين لمناقشة أطروحتي. عليّ أن أنتهي من كتابتها خلال الأسابيع المقبلة. ربما أمكث بضعة أيام في لندن."

قلتُ مشجعًا: "هذا رائع."

كنت أعلم في داخلي أنني سأضطر إلى إخبارها عن لويز وكلوديا وعن الفوضى التي تعصف بحياتي الشخصية، لكن في هذه اللحظة كنت أشعر بالراحة برفقتها، ولم أرغب في فقدان هذا الشعور. ليس الآن.

سألتها وأنا ألتفت نحوها: "ما اسمك؟"

فأجابت بخفض رأسها وكأنها تكشف عن سر خاص: "عائشة."

ثم بادرت بسؤالي عن اسمي.

استلقت بجواري، أغمضت عينيها، ورأسها مائل نحوي. تأملت ملامحها تحت الضوء الخافت في المقصورة المظلمة، واستنشقت عطرها. هنا وهناك، كانت بعض المقاعد مضاءة بأضواء صغيرة حيث كان الركاب يقرأون. تسللت أفكاري نحو حياتي، نحو صعوبة التعايش مع الآخرين، ونحو الأنانية التي نحملها في أعماقنا.

بدت عائشة مستغرقة في النوم، بينما كنت قد تجاوزت تلك المرحلة. الشاشة أمامي عرضت خريطة للطائرة وهي تقترب من وجهتها. كانت صورة الطائرة تتمايل قليلًا على مسارها المحدد مسبقًا. المسافة المقطوعة ظهرت بخط متصل، بينما المسافة المتبقية تجلت كخط منقط. تغيرت الكتابة على الشاشة إلى اللغة الصينية.

(تمت)

***

........................

الكاتب: سيمون كولينجز/ Simon Collings يعيش سيمون كولينجز في جزيرة أوسني في أكسفورد بالمملكة المتحدة. عمل في مجال التنمية الدولية طوال معظم حياته المهنية ويكتب مراجعات وقصص موسيقية في وقت فراغه.

https://www.eastoftheweb.com/short-stories/UBooks/NighFlig927.shtml

قصة: ناعومي وود

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

كان القلق هو الشيء الذي يميز ديبورا. في الواقع، كان القلق هو صديقتها. في يناير، كانت قد شعرت بالقلق من الجائحة قبل أي شخص آخر: كانت قد خزّنت حليب الأطفال وصابون العنبر الذي كان له رائحة قوية من ديتول. وعندما ظهرت الجائحة أخيرًا، شعرت ديبورا بإحساس غريب من الرضا والتأكيد:

- مرحباً. ها أنا هنا.

- لقد كنت أنتظر قدومك. ربما طوال حياتي.

اتضح أن الفيروس كان—وكما كان يُشتبه فيه—في كل مكان: على أرجوحة الأطفال، على الزر في إشارات المرور، على الكلب الذي جاء ليبصق سخيفًا على يدي ابنتها النظيفتين.

لكن عندما وصلت الجائحة، تراجع قلقها بشكل غريب. كانت قد قرأت عن كيفية أن الأشخاص العصبيين أصبحوا أقل عصبية خلال فترة القصف في الحرب العالمية الثانية لأن الهجمات الجوية كانت تؤكد ما كانوا يشكون فيه طوال الوقت: العالم مخيف؛ العالم سيء.

وأيضًا: "كنت أعرف أنني على صواب بهذا، طوال الوقت."

لم تشعر ديبورا قط بأن رؤيتها للعالم كانت متوافقة مع الواقع كما شعرت الآن. الآن، كانت مثل الجميع. أو—ها ها!—الجميع كان لديهم الحظ السيء ليكونوا مثلها.

في ذلك الشهر من مارس، قررت ديبورا أن تجعل منزلهم غير قابل للاختراق. كانوا يخرجون فقط إلى الحديقة، أو عندما بدأ الأطفال يفقدون عقلهم، كان كال يأخذهم إلى ملعب قريب. كانوا يغسلون مشترياتهم. يرشون البريد. وكل أصدقائهم كانوا يفعلون الشيء نفسه. كان كال قد أصيب بالتهاب رئوي قبل ثلاث سنوات. رجال مثله—في أواخر الأربعينات، في حالة جيدة—كانوا يموتون في وحدات العناية المركزة.

على الرغم من حداثة هذه التجربة، فقد كانت هذه التجربة مألوفة للغاية. لقد كانت ديبوراه خبيرة بالفعل في رفض الملذات. كانت قادرة على اتباع نظام غذائي لشهور، وبدلاً من إعادة دمج الأطعمة في نظامها الغذائي، كانت تتجنب المزيد من الأطعمة: لا سكر، ثم لا فاكهة؛ ولا كربوهيدرات، ثم لا كحول. وكانت قادرة على حرمان نفسها من الأشياء اللطيفة لفترة أطول من غيرها من الناس.اكتشفت أنها ببساطة لم ترغب في الأشياء بقدر ما كان الآخرون يريدونها.

في أحد الصباحات، أخذت ديبورا الأطفال إلى الحديقة. راقبت الطفل بينما كان يفرغ محتويات أصص الزهور على أرضية الفناء. كان هناك خطان يوضحان المكان الذي بللت فيه حفاضته. بدا الطفل ضخمًا وفظًّا؛ لا شيء يناسبه. أمسكت هاتفها وبحثت على الإنترنت عن "ما حجم الطفل في عمر السنة؟" ونقرت على صور لأطفال متنقلين بأحزمة خصر نحيفة. تساءلت إن كانت تشعر بالملل. في البداية، كانت مخلصة لفكرة حبسهم في المنزل، لكن مرت أسابيع منذ أن وضعت قدمها خارج الباب الأمامي.

سمعت جارها يفتح بوابته وسرعان ما ظهرت خصلات شعر أندريه الكستنائية من خلال السياج المشبك.  كان هو وزوجته برازيليين. كان منشغلاً بمكالمة عمل؛ أندريه يعمل في مجال التسويق. قبل الإغلاق، كانت ديبورا قد رأته ذات مرة يتمايل برشاقة لتجنب كومة من فضلات الكلاب على الطريق. بدا وسيماً، مفعماً بالحيوية.

احتفظت ديبورا بصورة جسده في ذهنها وكأنه تذكار. في الحقيقة، لم تعد تتذكر إذا كانت قد وجدته جذابًا حقًا أم لا: ربما اختلقت الأمر الآن، بعدما باتت حياتها السابقة تحمل سحرًا جنسيًا عاجزًا، مثل سحر حلم منسي. على أية حال، لم تكن ديبورا تتحدث مع أندريه إلا من مسافة عشرة أقدام خلف السور المشترك، كي يتسنى لأنفاسه أن تتناثر في الهواء مع الريح.

تساءلت ديبورا إن كانت جوليا وأندريه قد سمعا يومًا أصواتهما أثناء ممارسة الجنس. لكنها لم تسمع أصواتهما أبدًا. وعندما فكرت في الأمر، أدركت أنها لم تسمع أصوات الجيران في الجانب الآخر أيضًا. كانت ديبوراه تشك في أنهما يمتلكان منزلًا ثانيًا وكانا يتبادلان الأدوار. كانت تعتقد أن المثليات سيكونن أكثر صوابًا، لكن ربما كانت هذه طريقة تفكير أخرى مغايرة للمثليين. كان لديهما صور مرسومة يدويًا لقوس قزح في النوافذ، على الرغم من حقيقة أنهما لم يكن لديهما أطفال.

"  قال أندريه بعد أن أنهى مكالمته: "كيف الحال؟"

قالت ديبورا:"أوه، كما ترى ،  الأمور تسير."

ابتسم الطفل لها بابتسامة خالية من الأسنان، وقامت ديبورا بمداعبة ظهره.

"كيف حال جوي؟"

"إنه بخير. الآن لم يعد حتى يطلب الخروج!"

" الأمر نفسه مع زارا."

كان من الصعب في البداية الفصل بين جوي وزارا. كان الأمر أشبه بعائلة مونتيجو وعائلة كابوليت! لكن الآن يحدق الأطفال في بعضهم البعض من خلال النوافذ.

قال أندريه:

"يمكننا أن نلعب تنس الريشة. ذات يوم، فوق السياج".

قالت ديبوراه وهي تتتبع قوس الريشة المسببة للأمراض:

"نعم". "سيكون ذلك لطيفًا".

تجولت زارا في الحديقة وهي تحمل عدستها المكبرة. في الآونة الأخيرة، كانت تدّعي أنها جاسوسة.

كانت ترتدي ملابس السباحة، وهو أمر خطير، لأن نسيجها الفائق النعومة كان يجعلها تشعر بالدوار. كانت طفلة حسّاسة بشكل محرج، ميالة للرقص الإباحي في نافذة غرفتها، وهو ما كان جوي يراقبه أحيانًا من على ترامبولينه. كانت ديبورا ترغب في أن تخبر ابنتها البالغة من العمر ست سنوات بالتوقف عن ذلك، لكنها لم تكن تعرف إن كان هذا سيفاقم المشكلة. قالت لها: "مرحبًا، حبيبتي"، وهي تضع يدها تحت ذقن زارا، مقاومةً الرغبة في تقبيلها، فربما يكون كل هذا التقبيل هو المشكلة.

رفعت زارا العدسة المكبرة وقالت: "أستطيع رؤيتك، أستطيع رؤية كل شيء".

وفي الغرفة المجاورة بدأت جدران الترامبولين الشبكية تهتز. قالت زارا:

"أوه، لم أكن أعلم أن جوي كان هناك".

قال جوي، وشعره يتناثر على قمة قفزته: "زارا!"

قال أندريه:

"هل تريدين دزينة من البيض؟ لدي عدة منصات من البيض."

صرخ جوي: "أنا هنا! أنا هنا!"

قالت ديبورا لأندريه: "لا، شكرًا."

"لا تذهبي، زارا! لا تذهبي!"

لكن زارا ضحكت بخفة ودخلت إلى الداخل، بينما جذب الطفل نبتة من التربة. فكرت ديبورا في الفنادق الفاخرة، النظيفة والمثيرة، التي لا تحمل أي أثر للتاريخ.

اتخذ الطقس في أبريل طابعًا غريبًا في لوس أنجلوس: السماء زرقاء لامعة، وضوء لا ينتهي، وغرف حارة تفتقر إلى الغموض. شعرت أن كال كان يشعر بالملل أيضًا، رغم أنه كان يتحمل الحجز المنزلي بشكل أفضل: فقد وجد له نظامًا رياضيًا، وأزهرت الحديقة، وكان يقضي وقتًا أطول مع الأطفال. وكلما ازدهر – من الناحية الصوتية والجسدية والروحية – كلما زاد إحباطها.

كانت ديبورا تعمل في إدارة الموارد البشرية. في بداية الإغلاق، كان شركتها مرنة مع طلباتها للعمل من المنزل، ولكن مؤخرًا بدأوا يتعبون من ذلك وطلبوا منها العودة للعمل بدوام كامل. الآن، كانت هي وكال يتبادلان العمل ورعاية الأطفال في سلسلة مرهقة من نوبات العمل لمدة ساعتين. كان هناك دائمًا شخص يحاول تهدئة الطفل للنوم.

ظنت أنها ستتمكن من التحمل لعدة أشهر، لكنها بدأت تشعر بالإرهاق. بصراحة، كانت قد اكتفت من الفرح والتلاحم، وتعبت من كل ذلك. المشكلة كانت في الدورة التلقائية للتنظيف والطهي والرعاية. المشكلة كانت في غياب التغيير: في اليوم الذي لا يحمل تاريخًا، لا يوجد شيء جديد لفعله، حتى عندما كان السماء تحترق، كحمام أزرق.

**

من دون قص شعر، أصبح لحية كال أكثر كثافة؛ بدأ يدهنها بالقرنفل. كان لديه شعر طويل وعيون داكنة، شبيهة بعيني شامان. كثيرًا ما كان الناس يظنون أنه عربي. في ضوء الشمس، كان قد اكتسب سمرة عميقة، وأصبحت يداه خشنة من العمل في الحديقة. بدا أفضل من أي وقت مضى، لكن ديبورا شعرت أن انجذابها إليه بدأ يقل. قالت صديقتها إنها تحب الإغلاق لأن زوجها كان يجامعها خلال استراحة الغداء. لكن كال وديبورا لم يكن لديهما الكثير من الجماع. وكذلك الحال مع جوليا وأندريه، أو المثليات اللواتي عدن فجأة.

قالت ديبورا، أثناء العشاء: "توفي تسعمائة وواحد وثلاثون شخصًا البارحة." كانت كل مساء تخبر كال بعدد الضحايا اليومي.

كانت ديبورا دائمًا تتابع الأخبار لأنها كانت تدفعها نحو الحقيقة أنهم يفعلون كل هذا من أجل غاية أخلاقية. عندما كانت تشاهد الرسوم البيانية في البث الإخباري، كانت تكره نفسها لأنها لا تستطيع أن تحزن بما فيه الكفاية على القتلى، ولكن كان من الصعب أن تحبس في ذهنها عشرات الآلاف من الأشخاص في وقت واحد. كانت تتخيل القتلى في الحافلات، في قاعات الحفلات، في الملاعب. وكان ذلك يجعلها تشعر بالذنب أيضًا: كانت ترغب في أن تكون أكثر فزعًا، لكن كلما حاولت أن تتخيلهم، كان عليها أن تذهب نحو استعارة أكبر، وكلما حاولت ذلك، زاد استحالة تصورهم.

نظرت ديبورا إلى عشاءها: الكراث المحمص، القرنبيط، الأرز. ثم عرفت أن الخضروات لا يمكن أن ترتقي إلى ما هو مطلوب منها.

كان كال نباتيًا. لم يكن هناك الكثير مما يمكن فعله حيال ذلك أيضًا.

صدر صوت من السماء. لم يسمعوا طائرة منذ فترة. كانوا يعيشون في المدينة، لكن المدينة كانت مصابة، كانت هادئة.

قالت ديبورا: "هل تعتقد أن أفضل شيء هو أن تستلقي وتتحمل؟"

قال كال: "تتحمل ماذا؟"

"مثلًا، توقف عن النضال؟ كن أكثر بوذيًا، وقبل الاستسلام: أن الرغبة في الأشياء لا تؤدي إلا إلى الحزن. وهكذا؟"

نظر إليها كال بتعبير خال. "ماذا تريدين؟"

قالت: "لا أعرف"، رغم أنها فكرت: ليس هذا.

لم يتحدثا لفترة بينما كان كال يراجع رسائل واتساب. أما هي، فلم تكن تنظر إلى هاتفها على الطاولة. وفي النهاية، كانت تكره واتساب. كانت الرسائل المستمرة تجعلها تشعر بأنها محاصرة.

قالت ديبورا: "تحدثت مع ساتومي البارحة. قالت لزوجها: 'أعطني الفيروس! ضعه في عروقي! لا أستطيع قضاء لحظة أخرى مع أطفالي!'"

"أليست ساتومي بوذية؟"

"لا أعرف. ربما تكون."

واصلا تناول الطعام. كانا يستخدمان الطعام ضد الملل، والآن كانت تشعر بالليونة، وكأنها منتفخة. نظرت ديبورا حول غرفة الطعام. كانا قد اشتريا منزلهما للتو، وتساءلت إن كان سيكون قابلًا للتجديد، أم أنه سيظل يذكرهما برعب هذا العام وخموله. كانت تعلم أنهما من المحظوظين: غرفة نوم لكل طفل، حديقة، ولكن تذكيرها بحظها لم يساعد على رفع مزاجها. "كل هذا. لماذا لا يبدو ذا علاقة؟ كل تلك الأشياء، أعني" – تراكم صدى صوتها – "المشارح المؤقتة، الجنائز الصغيرة، لماذا لا يجعل كل ذلك" – أشارت إلى النافذة – "يجعل هذا أكثر احتمالًا؟"

قال كال: "هذا صعب."

قالت ديبورا: "لطالما اعتقدت أنني ملكة التحمل. التحمل." ظنت أن الأمر سيكون كما هو في التوقف عن السجائر، السكر، والكحول. "اتضح أنني لست كذلك. أنا في الواقع هشة للغاية. ضعيفة."

جذبها كال إلى حضنه. لمست لحيته وسوادها القاتم مثل نجم الموت. كان يبدو أكثر وسامة من أي وقت مضى. كانت تحبه، ومع ذلك كانت تريد المزيد منه. بدا وكأنه كان سيقول شيئًا آخر، لكن الطفل بكى، فذهبت إليه بدلاً من ذلك.

في الطابق العلوي، هدأت الطفل بسهولة. لم يقاومها، لذلك لم يكن هناك شيء من تلك اللحظة مع التردد المعتاد. قبّلته بينما كان نائمًا، قبّلته مرات عديدة حتى كادت أن توقظه، ثم أقنعت نفسها بإعادته إلى السرير.

أطلت من خلف الستارة. كانت النافذة مفتوحة، ورأت أندريه، في مكالمة أخرى، يتحدث البرتغالية. تساءلت عن نوع المرأة التي قد يخون زوجته معها. نظر إليها مبتسمًا.

وضعت إصبعها على شفتيها.

أشار أندريه بإيماءة "مذنب"، مختبئًا إلى الخارج نحو المخزن، رغم أنها لم تكن تقصد أن تعاتبه. في الأسفل، سمعت كال وهو يغسل الصحون بينما يشاهد مقاطع فيديو للركم على هاتفه. كانت تسمع صوت شرارات الافتتاح، ثم صوت عجلات الألواح. أحيانًا، في المساء، كل ما يمكنهما فعله هو التفاعل مع هواتفهما. كانا يضيعان الأمسيات لأنه لم يكن لديهما الطاقة. في الأمسيات، كانا منهكين.

سحب النسيم الستارة وأضأ الغرفة بالضوء، وكان هذا هو ما أيقظ الطفل. فكرت ديبورا في الوقت الذي طارت فيه أربع عشرة ساعة، من طوكيو إلى لندن، وكان الضوء من نافذة الطائرة بعد الظهر مستمرًا إلى الأبد. نعم، هذا الانجراف، هذا الانتظار، هذا الأكل المهمل.

***

.............................

* مقتطف من "تسوية المنحنى"، هذه هي الأسباب التي تجعلنا لا نستطيع الحصول على أشياء جميلة للكاتبة نعومي وود.

* الكاتبة: ناعومي وود / Naomi Wood (مواليد 1983) هي روائية وكاتبة قصص قصيرة بريطانية، وأستاذة مشاركة في الكتابة الإبداعية بجامعة إيست أنجليا.وُلدت وود عام 1983 ونشأت في يوركشاير وهونغ كونغ. درست الأدب الإنجليزي في جامعة كامبريدج وحصلت على درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية والدكتوراه من جامعة إيست أنجليا. كانت روايتها السيدة همنجواي جزءًا من أطروحتها للدكتوراه (2013) التي حملت عنوان "السيدة همنغواي: رواية؛ ما ضاع: المخطوطات ومعنى الفقد في أعمال إرنست همنجواي".

3142 caraبقلم: كارا بلو أدامز

ترجمة: صالح الرزوق


عملت هي وأختها معا بصمت. لم تكن توجد حاجة للكلام. وركزتا تفكيرهما على الكلب، وكانتا تتعاملان معه كأنه فراش. كان نصف كولي، ونصف ألماني، ونصف كلب رعاة، ويبلغ وزنه ثمانين رطلا. وكانتا تتعاونان معا على جر قدميه الأماميتين على السلالم كي يصعد إلى الطابق الثاني من البيت. وخلالها ينوح بهدوء كلما رفعتا ساقه ليتمطى باتجاه السماء.

وضعت طبق طعام الكلب قرب فمه. السابع. هذا سابع يوم لم يتمكن من تناول الطعام بشكل مناسب، وبلعومه امتنع عن أداء عمله، وتوجب عليها وعلى أختها أن تمسكا به بطريقة تساعد الجاذبية على إلقاء الطعام في بلعومه ليستقر في بطنه. وهكذا لا يتضور من الجوع إلا بالتدريج. انتشرت رائحة لحوم قوية من الطبق الذي وضعته قرب أنفه. ونبح الكلب بضعف بالغ، ثم نقر الأرض بقوائمه، وكشر لها. لو تركت له الحق بالاختيار لتوقف عن الطعام منذ أيام، ولسمح لضعفه أن يتحكم به، ولغاب عن عينيها في مكان لا تعرفه: الغياب عن الوعي ثم الموت. الموت: يمكنها أن تذكره، لكنه لا يعرف كيف ينطق، وتساءلت، لفترة قصيرة، كيف امتلكت هذا الكلب لتقاوم به زوجها السابق، حتى الموت، ولذلك لن تتخلى عنه ولو حاولت الطبيعة أن تعدمه بطريقتها المسالمة. قال لها البيطري في إحدى المرات: الكلب لا يشعر بالألم مثلنا. وبالتأكيد هو يعني أن الكلب لا  يتأمل نفسه، ولا يتساءل كيف سيتصرف إذا تطفل عليه غريب، وبمن سيضحي - بحياتها، أم بزوجها السابق، أم بابنتهما، أم بحياته - ومن سيكون الثاني والثالث والرابع ومن سيحل في المرتبة الأخيرة - إن الاستلقاء والذهن متيقظ وتدور فيه هذه الأفكار ليس مصدرا للألم عند الكلاب. والكلب لا يمكنه أن يعتاد على الألم، ولا يستطيع أن يرى أنه ضيف محتمل ومحترم. وكلما أطعمت الكلب بهذه الطريقة، كانت تؤلمه مع أنها تبذل جهدها لجره بلطف من صدره العظمي النحيل على السلالم المكسوة بالسجاد، وحتى لو تركته قريبا من أحضانها، كان ينظر إليها بعينيه البراقتين نظرة تقول: لم أتوقع كل هذا منك.

بعد أن انتهى الكلب من الطعام، شعر بالتعب بخلاف أمس وهذا الصباح - وأراح مقدمة فمه على الطبق، وترك نصف المحتويات من الطعام المهروس مكوما تحت أنفه - ثم تعاونت مع أختها لحمله على السلالم. عرج نحو النافذة، ودار حول نفسه ثلاث مرات، ثم انهار مع تنهيدة على الغطاء القديم الذي فرشته من أجله. تحامل الكلب على نفسه بكرامة ولكن دون اعتزاز، واستلقى كما لو أنه يتخذ وضعا لنفسه فوق البقعة التي سيرتاح عليها للمرة الأخيرة. كانت تفكر باستعمال لحافها القطني - فهو على الأقل يستحقه - لكن لم يكن بمقدورها شراء آخر جديد، والكلب لا يعرف الفرق بين نعومة غطاء ولحاف. نقلت ثقلها من وركها الأيمن المتورم لوركها الأيسر، وهي تمعن بالتفكير. وفي الخارج كانت شجرة البتولا تخشخش وتلمع بألوانها الخريفية. تحرك خيال فوق ذيل الكلب ثم تراجع. ورسمت الشمس شكل حدوة حصان على شعره الغزير. يمكنها تأجيل موته ليوم آخر لو أرادت أو يومين. ولها الحق بالاختيار. غير أنه عليها أن تسرع باختيارها، إنما لا توجد لديها فرصة مع القدر، بل مع الوقت فقط. وحينما غادرت أختها، ومعها البنتان لتناول كوكتيل الحليب ثم النوم. طبعت كل منهما قبلة على رأس الكلب، وثانية، والشعر الطويل والأسود يلامس الغطاء. ثم عانقتاه وربتتا على أقدامه. وأخيرا حل الهدوء على البيت. فاستدعت البيطري للبيت. وجاء فعلا في وقت متأخر من تلك الأمسية. 

من هذا المطبخ، سمعت صوت شاحنته تدوس على الممر المفروش بالحصى. هو رجل كبير ووسيم. وقفت قرب النافذة بعيدا عن الأنظار تراقب قدومه. كان فمه مطبقا كأنها تهم بتقبيله، وكلما اقترب، كانت تسمع صفيره. تسلق السلالم الخشبية التي جهزها زوجها السابق ولكنه تردد عليها قليلا، وتراجع، وتوقف، وفحص المواضع الضعيفة. كانت قد انتبهت لبداية تعفنات، واستعارت كتابا من المكتبة العامة يشرح صيانة المنازل. وهي تحتفظ بهذا المشروع لوقت آخر. حينما لا يجافيها النوم. وهي لا تثق بنفسها والمنشار الكهربائي بيدها. وصلت إلى الباب قبل أن يقرعه.

قالت: ”شكرا لأنك أتيت، ولا سيما أنه يوم أحد”.

كانت تعيش على أطراف طريق ترابي، وبعيد عن العيادة. وكان يعمل ويسكن في عيادته. فشقته فوقها في الطابق الثاني.

ابتسم البيطري. هز منكبيه. وقال:”لم أكن مشغولا. أمرر الوقت فقط”.

قادته لغرفة المعيشة.

سألها:”هنا أم في الخارج؟”.

قالت:”هنا”. سألها إن كانت تفضل أن تكون مع الكلب فقالت: ”نعم”. جلست القرفصاء. وشعر الكلب بألمها فاضطرب. لحس وجهها بغيظ. وفك البيطري علبة أدواته، وعبس بالإبرة التي جهزها حتى يستقر السائل في الأنبوب. واستعمل الكلب قائمتيه الأماميتين ليجر جسمه نحو الأمام حتى أصبح نصفه في أحضانها.

قالت: ”وداعا”. وربتت على أذنتيه الناعمتين، وتحسست مفاصله وهي تجر أذنيه للخلف بالطريقة التي يحبها، بمحاولة لترافق هذا المخلوق، وهو يغادر وعيه الرقيق دون أن يفقد الطمأنينة المعتادة التي تشعر بها دائما بسهولة. ولكنها فشلت. ولم تكن تفكر إلا بنفسها. وجد البيطري شرايينه، نبح الكلب، وتوتر، ثم تراخى، وبقيت عيناه مثبتتين عليها بقلق. كأنه لا يزال يسأل: ما هذا؟. ماذا يقلقك؟.

وطبعا كانت تعرف أن البيطري سيحمل معه جثمان الكلب بعيدا كما طلبت منه. وحينما سألها: ”جاهزة؟”. لم تفهم ماذا يقصد. هزت رأسها بكل الأحوال، واستوعبت الموضوع حينما رفع الكلب بين ذراعيه بحركة واحدة. وبعد أن وقفت، حرك البيطري الكلب بيده ليخفف من ثقله. وبدل جثمان الكلب موضعه بخمود كأنه كيس يضم ترابا مفككا.

قالت: ”شكرا”. لم تكن متيقنة لمن توجه شكرها. ولماذا.

فتحت الباب الأمامي للبيطري.

قال البيطري موجها كلامه للكلب: ”حان الوقت لتعود إلى بيتك أيها الرجل الطاعن بالسن”. ثم قال لها: ”سأرسل لك الفاتورة”.

قالت مجددا: ”شكرا”.

راقبت البيطري يحمل الكلب إلى شاحنته، وآمنت أن الأسوأ قد انتهى، هذه الأمسية على الأقل. ولكن البيطري توقف فجأة، وفتح الكلب فمه، وانسكب منه على الأرض سائل أبيض. ولاحظت اسوداد التراب. وانتظر البيطري حتى انتهى التقيؤ ثم تابع مع الكلب بقية الطريق إلى شاحنته. وألقى الجثة في الخلف.

نادت من الباب: ”انتظر”.

وأسرعت على السلالم، ثم عادت ومعها اللحاف. حملته إلى الشاحنة، وهي تقول لنفسها: أنا امرأة حمقاء.

سألته: ”هل هناك مانع؟”. نفض البيطري رأسه. وتراجع، وسمح لها أن تغطي الكلب باللحاف. كانت أقدامه متناثرة بطريقة غير ودودة كأنه ينام على أرض رطبة. وكان جسمه قد تصلب. وبعد أن لفت بإحكام أطراف اللحاف حول خصره، لم تستسلم لها مؤخرته. قالت لنفسها أيضا: أقدم كل شيء في الوقت غير المناسب.  وللشخص غير المناسب. في الغد، حينما تأتي البنتان، ستخبرهما أن الكلب رحل. وستغضبان لأنها لم تخبرهما من قبل لتتمكنا من توديعه. وستقضم الكبرى شعرها، وستضربها الصغرى كما حصل حينما أخبرتهما أنهما لن تلتقيا بأبيهما لبعض الوقـت. وسألتاها: بماذا أخطأت معه؟. ولكن لا يزال أمامها وقت حتى الغد. الآن هي وحدها. وعليها أن تدع الدجاجة المتجمدة أن تذوب لتحضير الغداء، وأن تغسل اللحاف القديم الذي استلقى عليه الكلب قبل ساعة عندما زحف الظلام على البيت، وجر وراءه برد الليل، غير أنها بالتأكيد ستكون آمنة.

سلحت جهاز الإنذار بإضافة الرمز السري بضربات من أصابعها. وغسلت طبق الكلب في المغسلة. وتركت الماء ينسكب حتى ارتفعت حرارته، ووضعت يديها تحته. وأشعلت النور وهي تدخل إلى الغرفة. وأطفأته وهي تغادرها. وأغلقت الستائر بوجه الظلمات.كارا بلو أدامز CARA BLUE ADAMS: كاتبة أمريكية مولودة في هامبشير الجديدة. عملت بتدريس فن الرواية في جامعة أريزونا. تعيش حاليا في لويزيانا. أصدرت أول كتاب لها بعنوان “لن تستعيدها أبدا” في نهاية عام 2021 وحازت به على جائزة جون سيمونز للقصة القصيرة. 

 

 

خيري حمدانبقلم: كالويان خريستوف

ترجمة: خيري حمدان


разговор

حديث

عندما يتوقّفُ المطر

يظهرُ الحمامُ للعيان.

نادرًا ما يلحظه أحد

لكنّ الحمامَ لا يفتأ يذكّرُ بحضوره.

وأنا أريدُ مثله

أن أتربّع بين غصونِ الصمت،

المغطّاة بماءِ المطر

لأذكّرك بين الحين والآخر

أهميّة الاستماعِ لصوتك.

وأذكّرك أن الوقتَ ما بعدَ المطر

حين يملأ الدفْء الأنحاءَ ثانية

بطيفٍ من خيوطِ الذكريات،

لن يكرّرَ المشهد ذاته

إذا لم يتماهى صوتك مع رحابةِ الفضاء

**

دعنا نتحدّث. 

Церква

كنيسة

تُقرعُ الأجراسُ عندَ اكتمالِ الساعة.

رائحة البخّور،

رائحة الفتيل المنطفئ.

تُضاءُ الشموعُ

تلمعُ الأعينُ الرطبة.

الأبسطةُ المغبرّة ترحّبُ

بخطواتِ المصلّين.

شخصٌ ما يقف في المدخل الخارجي

في العتمة.

يتردّد، هل يدخلُ الكنيسة؟

تُقرعُ الأجراسُ عند اكتمالِ الساعة.

**

съвпадения

مصادفات

تصادفتْ خطواتهم

في طرق عديدة

توقّفت أنظارُهُم

في أماكنَ واحدةٍ

متماثلة.

لكنّ حواسهم

لم تلتقِ

أبدًا. 

**

Крепост

حصن

غصنانِ منكسران

حجارةٌ متساقطة

رأسُ مالٍ مهدور.

وهناك عند المدخلِ

ما بين الحجارةِ المرصوفة

انبثقتْ شجرةُ جوزِ هند

بلغَ جذرُها القرنَ الرابعِ الميلادي

وأوراقها تبثُّ

فيلمًا تاريخيًا

في ظلال المدخل.

**

Гара

محطّة

انطلقَ رصيفُ المحطّة

وبقي القطار.

ابتعدت باقةُ الورد

ولم تظهر اليدان.

وسكّةُ الحديد تراقب صدأها الكامن

بخجل.

***

.....................

* ولد الشاعر كالويان خريستوف عام 1997، أنهى دراسته الثانوية في مدينة غابروفو في قسم اللغة البلغارية والآداب. درس الأدب البلغاري في جامعة صوفيا "القديس كليمنت أوخريدسكي" ويعدّ أحد مؤسّسي الموقع الأدبي “Tetradkata.com”. نشرت قصائده في "الصحيفة الأدبية"، مجلة "الشعر الاجتماعي"، "عالم الأدب"، المناخ "زورنيتسا" وغيرها. كتب القصائد المغنّاة. صدر له ديوان "مبارزات ودّيّة" عام 2018، "مصادفات" عام 2018، "جزيئات مالحة" عام 2020. فاز بالجائزة الوطنية "نيكولا فابتساروف" عام 2019.   

 

في نصوص اليوم