عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

بقلم: زهرة نجاح

ترجمة: نزار سرطاوي

***

المحالُّ التجاريةُ هي ذاتُها، العامرةٌ بالثقافة،

الطرقات المزدانة بالتاريخ.

بأيدٍ ممدودة

ورؤوس مَحْنيّة

في الزوايا تقف الأشجارُ ذاتُها.

في دفق الأضواءِ المتلألئة

تتردَّد همهماتُ مدينةٍ

كنّا نعيش فيها ذات يوم.

كنتُ أحسُّ بالقلق والاضطراب،

وكان عقلُكَ ساكنًا، وكنتَ راضيًا،

ضائعًا برفقةِ ذاتِك.

وإذْ كنت أنا مُصفّدةً بالتزاماتٍ صامتة،

رحتُ أشقُّ طريقي عبرَ

غابةِ الوحدة.

ودون أن أتنبّه، تهاوت

المدينة فوقي،

بيتًا من ورق،

يتهاوي عند أدنىِ حركة.

لملمتُ شتاتَ نفسي،

وفررتُ من هنا.

*

بعد طولِ غياب

رجعتُ

إلى المدينة ذاتِها.

إلى الطرقاتِ ذاتِها التي كنتُ أذرَعُها

والحدائقِ ذاتِها التي كنتُ أسترخي في رحابها

عاداتُكُ غدتْ جزءًا مني.

عقلي ينعمُ بالسلام، أشعر بالرضا،

ضائعةً في صحبةِ ذاتي.

*

الرحلةُ بمعيةِ الآخرين

لها ثمنُها

بخلاف الدروبِ البسيطةِ المتشعبة.

***

.........................

* زهرة نجاح شاعرة وكاتبة سيناريو باكستانية برزت في خمسينيات القرن العشرين كواحدةٍ من الأصوات النسائية الرائدة في الأدب الأوردي الحديث في وقتٍ كان المشهد الأدبي فيه مقتصرًا على الرجال.

وُلدت زهرة في حيدر آباد بالهند عام 1936، وهاجرت إلى باكستان خلال التقسيم عام 1947. وكانت تنتمي إلى أسرة ذات اهتمامات أدبية وثقافية. فوالدها كان مُحبًّا للشعر، وشقيقتها الكبرى، ثريا باجيا، كاتبة، وأحد أشقائها، أنور مقصود، كاتبًا ساخرًا وخطيبًا مفوّهًا. وقد تزوجت من ماجد علي، الذي كان شغوفًا بالشعر الصوفي.

ألّفت زهرة العديد من المسلسلات التلفزيونية، وصدرت لها أربع مجموعات شعرية ونالت العديد من الجوائز.

تميّزت زهرة بأسلوبها السلس وبالعمق الوجداني، حيث تناولت في كتاباتها مواضيع الحب والانفصال والعائلة والتجارب النسائية.

تقيم زهرة في العاصمة الباكستانية كراتشي، حيث تعيش حياة هادئة، وتركز جهودها على الشعر والأدب. وعلى الرغم من حياتها البسيطة، إذ لا تستخدم الموبايل أو البريد الإلكتروني، توجّه لها الدعوات لحضور المناسبات الأدبية، كما تشاركفي مبادرات السلام.

بقلم: هاروكي موراكامي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

حينما بلغت الخامسة عشرة، ماتت أختي الصغيرة. حدث ذلك فجأة. وهي في الثانية عشرة، وفي الصف الأول من المدرسة الإعدادية. فقد كانت مولودة بعجز خلقي في القلب، ولكن منذ آخر جراحة، وهي في الصفوف العليا من المدرسة الابتدائية، لم تظهر عليها الأعراض، وشعرت عائلتنا بالثقة، وتمسكنا بأمل ضعيف أن حياتها ستتواصل بدون أحداث. غير أنه في أيار من ذلك العام، أصبحت دقات قلبها غير منتظمة، وكانت حالتها تسوء بالأخص حين تستلقي، وعانت من عدم النوم في الليل عدة مرات. خضعت لفحوصات في مستشفى الجامعة، ولكن مهما كانت الفحوص مفصلة لم يلاحظ الأطباء أي تبدل في حالتها الفيزيائية. فالمشكلة الأساسية تم علاجها ظاهريا بالجراحات، ووقع الأطباء بالحيرة. قال لها طبيبها: "تجنبي التمارين المجهدة واتبعي روتينا منتظما، وستستقر أمورك سريعا". وربما هذا كل ما أمكنه أن يقول. وكتب لها وصفة من عدة أدوية. ولكن اضطراب قلبها لم يخف. جلست أمامها على طاولة الطعام وكنت أسترق النظر مرارا من صدرها وأتخيل القلب الذي في داخله. كان صدرها قد بدأ بالنمو على شكل ملحوظ. ولكن داخل هذا الصدر كان قلب أختي عليلا. وحتى المختص لم يتمكن من تحديد المشكلة. وهذه الحقيقة وحدها جعلت دماغي باضطراب دائم. أنفقت أيام مراهقتي بحالة من القلق، مع الخوف من إمكانية فقدان أختي الصغيرة في أي لحظة. طلب مني والداي أن أعتني بها، باعتبار أن جسمها ضعيف. وحينما كنا في نفس المدرسة الابتدائية، احتفظت بعيني عليها. وإن لزم الأمر كنت جاهزا للمخاطرة بحياتي لحمايتها، وحماية قلبها الصغير. ولكن لم تسنح الفرصة. كانت في أحد الأيام في طريقها من المدرسة إلى البيت حينما انهارت. فقدت الوعي وهي تصعد السلالم في محطة سيبو شينجوكو، وأسرعت بها الإسعاف إلى أقرب غرفة طوارئ. وحينما سمعت بالخبر، جريت إلى المستشفى، ولكن خلال الوقت اللازم لوصولي كان قلبها قد توقف. كل ذلك حصل بطرفة عين. في صباح ذلك اليوم تناولنا الإفطار معا، وودعت كل منا الأخرى عند الباب الأمامي، أنا توجهت إلى المدرسة الثانوية، وهي ذهبت إلى الإعدادية. ولم أشاهدها لاحقا إلا وقلبها يمتنع عن التنفس. كانت عيناها الواسعتان مغلقتين إلى الأبد، وفمهما مفتوحان قليلا، وكأنها على وشك أن تقول شيئا.

ثم رأيتها فيما بعد وهي في التابوت. مرتدية ثوبها المخملي الأسود المفضل، مع لمسة مساحيق تجميل، وكان شعرها ممشطا بأناقة، وكانت ترتدي حذاءها الجلدي الأسود، وممددة، وجهها نحو الأعلى في تابوت متواضع الحجم. وكان للثوب ياقة بيضاء مطرزة، ويبدو بياضها غير طبيعي للناظر. وهي مستلقية هناك، كانت تبدو نائمة بسلام. وعلى ما يظهر لو حركتها قليلا تستيقظ. ولكن هذا وهم. حركها كما تشاء - لن تنهض ثانية أبدا. لم أرغب أن يحشر جسم أختي الصغيرة في ذلك الصندوق الضيق والخانق. وشعرت أنه يجب تسجية جسمها ليرتاح في مجال أوسع. في وسط المرج، على سبيل المثال. وسنزورها صامتين، ونشق طريقنا عبر العشب الأخضر الغزير ونحن نمضي. وستنوح الرياح ببطء بين الأعشاب، وستصفر الحشرات وتغرد الطيور من حولها. وستملأ الهواء رائحة الزهور البرية، وتنتشر حبات الطلع. وعندما يهبط الليل، ستلوح نقاط مضيئة لا تعد ولا تحصى في السماء، وهي النجوم الفضية. لكن في الصباح ستتشكل قطرات الندى على أنصال العشب بفعل إشراق الشمس، وستلمع كالجواهر. ومع ذلك في الحقيقة تمت تعبئتها ونقلها بعيدا بتابوت سخيف. وكانت الزينة الوحيدة حول تابوتها زهورا بيضاء لا تدعو للتفاؤل، وقد قطعت وحشرت في فازات. وكان في الغرفة الضيقة إضاءة فلوريسانت محرومة من اللون. وجاء من مكبر صوت صغير مثبت بالسقف موسيقا أورغن صناعي متوتر. ولم أتمكن من الصمود حتى رؤية حرقها. وعندما تم إغلاق غطاء التابوت وقفله، غادرت الغرفة. ويئست حينما وضعت عائلتي عظامها داخل علبة باحتفال طقوسي. غادرت إلى باحة المحرقة وبكيت بصمت ولنفسي. وخلال حياتها القصيرة جدا، لم أقدم المساعدة لأختي الصغيرة على الإطلاق، وهي فكرة طالما عذبت جوارحي. بعد وفاة أختي، تبدلت عائلتنا. أصبح الوالد أكثر عزلة، وأمي أكثر عصبية وتسرعا. أما أنا فقد احتفظت بشكل أساسي بأسلوب حياتي الدائم. انتسبت إلى نادي تسلق الجبال في المدرسة، وأصبحت مشغولا، وحينما لم أكن أفعل ذلك بدأت بالرسم الزيتي. ونصحني معلم الفنون أن أجد مدربا جيدا لأدرس الرسم. وحينما حضرت أخيرا حصص الفن أصبح اهتمامي حقيقيا. توقعت أنني أحاول أن أشغل نفسي كي لا أفكر بأختي الميتة. احتفظ والداي لفترة طويلة - لست متيقنا من عدد سنواتها - بغرفتها كما كانت بالضبط. كتب دراسية وكتب إرشاد مدرسية، أقلام، ممحايات، ودبابيس ورق مكومة على الطاولة، ملاءات، أغطية، ووسائد على سريرها، بيجاماتها المغسولة والمطوية، بذة مدرستها الإعدادية معلقة في الخزانة - وكلها لم تلمسها يد. التقويم على الجدار ويحمل ملاحظات عن خططها المبرمجة بخطها الناعم. وكان التقويم متوقفا في اليوم الذي توفيت به، كما لو أن الزمن تجمد كالجليد الصلب عند تلك النقطة. وشعرت كأن الباب يمكن أن ينفتح في أية لحظة لتدخل منه. وحينما لا يكون أحد في البيت، أدخل أحيانا إلى غرفتها، وأجلس بهدوء على السرير المرتب بأناقة، وأتلفت حولي. ولكنني لم ألمس أي شيء. لم أود أن أحرك، ولو بدرجة قليلة، أيا من الأشياء الصامتة المتروكة وراءها، لأنها المؤشر على أن أختي كانت في يوم من الأيام بين الأحياء. ومرارا حاولت أن أتخيل نوع الحياة التي ستعيشها أختي لو أنها لم تمت وهي بالثانية عشرة. ولكن لا توجد طريقة لمعرفة ذلك. لم يكن يمكنني تخيل صورة حياتي، ولذلك لم تكن عندي أي فكرة عن شكل مستقبل حياتها. ولكنني أعرف لو أنها لم تكن تعاني من مشكلة مع أحد صمامات القلب لكبرت وأصبحت إنسانة بالغة جذابة وقادرة. وأنا متيقن أن العديد من الرجال سيحبونها، وسيحضنونها بين أذرعهم. ولكن لم أتخيل أي شيء من ذلك بالتفصيل. وبالنسبة لي، كانت أختي الصغيرة إلى الأبد. أصغر مني بثلاث سنوات، وتحتاج لحمايتي. ولبعض الوقت بعد موتها، رسمت صورها مرات ومرات. وأعدت إنتاج ذاكرتي عن وجهها في دفاتر الرسم ومن عدة زوايا، كي لا أنساها. ليس لأنني كنت على وشك أن أنسى وجهها. فهو موجود، ويتململ، في ذهني حتى يوم مماتي. ما كنت أبحث عنه أن لا أنسى الوجه الذي أتذكره كما كان في آخر لحظة قبل موتها. ولأفعل ذلك، كان علي أن أمنحه شكلا بواسطة الرسم. وكنت حينها بالخامسة عشرة، وكان هناك الكثير جدا مما لا أعرفه عن الذاكرة، والرسم، وتدفق الزمن. ولكن كنت متيقنا من شيء واحد أنني بحاجة لإجراء يضمن لي الاحتفاظ بسجل دقيق عنها في ذاكرتي. ولكن إذا أهملت الأمر سيختفي. مهما كانت الذاكرة حية، ومهما قويت سلطة الزمن. وأعرف ذلك بالغريزة. كنت أجلس في غرفتها على سريرها، وأرسمها. حاولت أن أرسمها على ورق أبيض مستفيدا من هيئتها كما أراها بذهني. ولكن كنت بلا خبرة، وبلا المهارات الفنية المطلوبة، ولذلك لم يكن عملا سهلا. كنت أرسم، وأمزق عملي، أرسم وأمزق بلا نهاية. وعندما أنظر الآن إلى الرسوم التي احتفظت بها (ولا زلت أحافظ على دفاتر الرسم العائدة لتلك الفترة)، يمكنني أن أرى أنها ممتلئة بإحساس أصيل بالفجيعة. ربما هي غير ناضجة فنيا، ولكنها نتيجة جهد صادق، كانت روحي تحاول إيقاظ روح أختي. وكلما نظرت إلى تلك التخطيطات كنت أبكي. رسمت رسومات لا تحصى منذئذ، ولكن أي صورة لم تدفعني للانفجار بالدموع. ترك موت أختي أثرا آخر علي: أطلق شرارة كلوستروفوبيا حادة. منذ أن رأيتها موضوعة في ذلك التابوت الصغير المزدحم، وبعد إغلاق الغطاء وإحكام رتاجه، ونقله إلى المحرقة، لم أعد قادرا على الدخول في أمكنة مغلقة وضيقة. ولفترة طويلة، لم أتمكن من استعمال المصاعد. كنت أقف أمام المصعد، وكل ما يمكنني التفكير به، أنه قد ينهار تلقائيا من جراء هزة أرضية، وأنا محجوز في داخل ذلك المكان المحدود. ويكفي التفكير بذلك لتوليد إحساس مروع بالفزع. لم تظهر هذه الأعراض فور وفاة أختي. ولكنها احتاجت لثلاث سنوات كي تطفو على السطح. بعد الشروع بدراسة الفن تعرضت لموجة رعب لأول مرة، وحينها كنت أعمل جزئيا مع شركة نقليات. كنت مساعد سائق شاحنة مغلقة، تحمل الصناديق وتذهب بها، وفي إحدى المرات حجزت نفسي بالخطأ في شاحنة فارغة. يومها انتهى وقت العمل، ونسي السائق أن يتفقد الشاحنة، وأغلق الباب الخلفي من الخارج. ومرت ساعتان ونصف الساعة قبل فتح الباب لأزحف وأخرج منه. وطيلة وقت الاحتجاز كنت في مكان مغلق وشديد الإظلام.لم تكن شاحنة مبردة أو ما شابه ذلك، ولذلك كانت مزودة بثقوب ليتسرب منها الهواء. لو فكرت بالأمر بهدوء، لعلمت أنني لن أختنق. ومع ذلك أحكم خوف فظيع قبضته علي. كان هناك الكثير من الأوكسجين، ولكن مهما تنفست بعمق لم أكن جاهزا لاستنشاقه. وأصبح تنفسي أكثر كللا وبدأت أتنفس بسرعة. ثم شعرت بالدوار. قلت لنفسي: "حسنا. اهدأ. ستتمكن من الخروج حالا. ومن المستحيل أن تختنق هنا". ولكن لم ينفع المنطق. لم يكن في ذهني غير أختي، محشورة في تابوت ضيق ومحمولة إلى المحرقة. وبسبب الخوف طرقت على جدران الشاحنة. وكانت في باحة سيارات الشركة، والموظفون أنهوا يوم عملهم، وانصرفوا إلى بيوتهم. ولم يلاحظ أحد غيابي. طرقت كالمجنون، ولا يبدو أنني بلغت سمع أحد. وأدركت، إن خانني الحظ، أنني قد أستمر محجوزا هناك حتى الصباح. وشعرت حيال هذه الفكرة كما لو أن كل عضلاتي على وشك أن تنهار وتتفكك. ثم سمع رجل الأمن الليلي في واحدة من جولاته على موقف السيارات الضجيج الذي تسببت به، وحرر قفل الباب. وحينما لاحظ مبلغ اهتياجي وتعبي، مددني على سرير في غرفة استراحة الشركة، وقدم لي فنجان شاي. لا أعرف كم استلقيت هناك. ولكن في النهاية انتظمت أنفاسي ثانية. واقترب الفجر، فشكرت الحارس واستقليت أول قطار في ذلك اليوم لأعود إلى البيت. وتسللت إلى سريري الخاص واستلقيت هناك، وأنا أرتعش كالمجنون لفترة طويلة. ومنذ تلك اللحظة، تسبب لي ركوب المصاعد بنفس الخوف. لا بد أن الحادث أيقظ المخاوف التي تتململ في داخلي. ولدي القليل من الشكوك أنها كانت من ذكريات أختي الميتة. ولم أكن أعاني من المصاعد فقط ولكن من أي مجال مغلق. ولم يعد بمقدوري مشاهدة أفلام تعرض مشاهد عن الغواصات والدبابات. وأن أتخيل نفسي أنني محجوز في مساحات محدودة مثلها - أتخيلها فقط - جعلني غير قادر على التنفس. وغالبا ما كنت أنهض وأغادر الصالة. ولذلك نادرا ما ذهبت إلى مشاهدة الأفلام برفقة أي شخص. وعندما كنت بالثالثة عشرة وأختي بالعاشرة، سافر كلانا منفردين إلى منطقة ياماناشي في عطلة الصيف. كان شقيق الوالدة يعمل في مخبر بحوث في جامعة ياماناشي، فمكثنا لديه. وتلك هي أول رحلة نقوم بها نحن الصغيران بمفردنا. كانت أختي حينها بحالة جيدة، ولذلك سمح لنا والدانا بالسفر دون مرافقة. كان خالنا عازبا (ولا يزال أعزب، حتى الآن)، وقد بلغ الثلاثين للتو، على ما أظن. وكان مجاله بحوث الجينات (ولا يزال)، وهو هادئ وحالم، ولكنه شخص منفتح، ومستقيم. ويحب القراءة ويعرف كل شيء عن الطبيعة. ويستمتع بالمشي في الجبال أكثر من سواها، وكما قال، لهذا السبب قبل بعمل جامعي في جبال ياماناشي الريفية. وقد أحببت أنا وأختي خالنا كثيرا. ركبنا متن قطار سريع في محطة شينجوكو والحقائب على ظهورنا، متجهين إلى ماتسوموتو، وهبطنا منه في كوفو. جاء خالنا ليستقبلنا في محطة كوفو. كان طويلا بشكل مدهش، ولذلك تعرفنا عليه مباشرة حتى في المحطة المزدحمة. كان يستأجر بيتا صغيرا في كوفو ويتقاسمه مع صديق من أصدقائه، وكان شريكه غائبا، ولذلك حصلنا على غرفة خاصة بنا لننام فيها. مكثنا في ذلك البيت لمدة أسبوع. وتقريبا كنا نخرج يوميا بنزهة مع خالنا لنتجول في الجبال القريبة. وخلالها علمنا أسماء كل أنواع الزهور والحشرات. وكنا نستمتع بذكريات ذلك الصيف. في أحد الأيام ابتعدنا أكثر من المعتاد وزرنا كهف الرياح القريب من جبل فيوجي. وهو أكبر كهف من بين عدد كبير من كهوف الريح المحيطة بجبل فيوجي. أخبرنا خالنا كيف تشكلت هذه الكهوف. كانت منحوتة من البازلت، وقال: لذلك لا تسمع في داخلها أي صدى إلا بصعوبة. وحتى في الصيف تبقى الحرارة منخفضة. في الماضي كان الناس يخزنون في الكهوف الجليد الذي حصلوا عليه في الشتاء. وشرح لنا الفرق بين نوعين من الكهوف: فوكيتسو وهو الأكبر واتساعه يسمح للناس بالدخول فيه، و كازا -انا، الأصغر والذي لا يمكن للناس أن يدخلوا إليه. والكلمتان هما قراءة بالتبادل لحروف صينية واحدة، تعني "ريح" و"حفرة". توقعنا أن خالنا يعرف كل شيء. في كهف الرياح الكبير، عليك أن تدفع رسم دخول وتدخل. ولم يرافقنا خالي لزيارته. فقد شاهده مرارا، عدا أنه طويل جدا وسقف الكهف منخفض جدا ويسبب له آلام الظهر. قال: "لكنه ليس خطيرا. ويمكنكما الذهاب. وسأنتظر عند الباب وأقرأ كتابا". عند المدخل قدم الحارس لكل منا مصباحا يدويا واعتمرنا بخوذتين صفراوين. كانت توجد مصابيح في سقف الكهف ومع ذلك كان داخله مظلما جدا. وكلما تعمقنا في الكهف، انخفض السقف. ولهذا السبب لا غرابة أن خالنا الطويل بقي وراءنا. أشعلت أنا وأختي الصغيرة المصباحين وأضأنا موقع أقدامنا ونحن نتابع. كنا في منتصف الصيف - الحرارة بلغت في الخارج تسعين درجة فهرنهايت. كان داخل الكهف باردا، ودون الخمسين. تبعنا نصيحة خالنا، وارتدى كلانا دراعات قوية أتينا بها معنا. قبضت أختي على يدي بإحكام، إما لأنها تطلب حمايتي أو لأمر آخر. أنها تأمل أن تحميني (أو ربما لم ترغب أن نفترق وفقط). وكانت تلك اليد الصغيرة والدافئة طيلة وقت تواجدنا في الكهف بيدي. وكان الزوار الآخرون الوحيدون زوجا بأواسط العمر. ولكنهما غادرا حالا، وبقينا نحن كلانا فحسب.

اسم أختي الصغيرة كوميشي، ولكن كل أفراد العائلة يدعونها كومي. أما صديقاتها فينادونها ميشي أو ميشان. وحسب علمي لا يناديها أحد باسمها الكامل، كوميشي. وهي بنت صغيرة ونحيفة. لها شعر أسود بدون تجاعيد، ومقصوص بأناقة حتى كتفيها. وعيناها واسعتان بالنسبة لمساحة وجهها (بمقلتين كبيرتين)، وهو ما جعلها تشبه كائنا خرافيا. وفي ذلك اليوم كانت ترتدي قميصا أبيض بدون ياقة، وجينزا باهت اللون، وخفين زهريين. بعد أن تابعنا طريقنا إلى عمق الكهف، اكتشفت أختي كهفا صغيرا جانبيا متفرعا قليلا عن الممر المقرر. كانت فتحته مختفية في ظل الصخور. اهتمت أختي كثيرا بذلك الكهف الصغير. سألتني: "ألا تعتقد أنه يشبه وجار أرنب أليس؟". كانت أختي من أشد المعجبات بكتاب "أليس في بلاد العجائب" للويس كارول. لا أعلم كم مرة أجبرتني على تلاوة ذلك الكتاب لها. على الأقل مائة مرة. كانت قادرة على القراءة منذ صغرها، ولكنها أرادت أن أقرأه لها بصوت مسموع. وهي تحفظ القصة عن ظهر قلب، ومع ذلك كلما قرأتها لها تشعر بالتشويق. والفقرة المفضلة لديها هي القريدس الراقص. وحتى الآن أتذكر تلك الفقرة، كلمة بكلمة.

قلت لها: "مع ذلك لا توجد أرانب".

قالت: "غير أنني سأمد رأسي فيه قليلا".

قلت: "خذي حذرك".

كانت فتحة ضيقة حقا (أقرب لكازانا بتعبير خالي)، ولكن تمكنت أختي من التسلل عبرها بدون مشاكل. وأصبح معظمها في الداخل، وبقي الجزء السفلي من ساقيها في الخارج. ولاحظت أنها أشعلت مصباحها في داخل الوجار. ثم ببطء انسحبت إلى الخارج، وأخبرتني: "إنه عميق فعلا من الخلف. والأرض تنحدر بشدة. مثل وجار أرنب أليس. أنا مزمعة على تفقد نهاياته الأخيرة".

قلت: "كلا. لا تفعلي ذلك. هذا خطير جدا".

"حسنا. أنا صغيرة ويمكنني الخروج بسلام ".

تخلصت من دراعتها، واحتفظت بارتداء قميصها الخفيف، ومدت يدها لي بالجاكيت مع الخوذة. وقبل أن أحتج بكلمة واحدة، ضغطت نفسها في الكهف، والمصباح في يدها. وخلال لحظة اختفت.

مر وقت طويل، ولم تخرج. ولم يمكنني سماع أي صوت. ناديت في الحفرة: "كومي. كومي! هل أنت على ما يرام؟".

لم ترد بأي جواب. امتص الظلام صوتي بدون صدى. وبدأت بالقلق. لربما علقت في الحفرة، ولم يمكنها التحرك إلى الأمام أو الخلف. وربما تعرضت لنوبة هناك وفقدت وعيها. ولو حصل ذلك لن يكون بمقدوري مساعدتها. كل أشكال السيناريوهات المفزعة تسابقت في رأسي، وشعرت بالاختناق من العتمة المحيطة بي. إذا اختفت أختي حقا في الحفرة، ولم ترجع إلى هذا العالم، كيف سأشرح ذلك لوالدي؟. هل أجري وأخبر خالي، الذي ينتظر خارج المدخل؟. أم أجلس بمكاني بانتظار ظهورها؟. قبعت وأنا أحملق بالحفرة. ولكن حزمة نور مصباحي لم تذهب بعيدا. كانت حفرة ضيقة، مغمورة بالظلام. ناديت ثانية: "كومي". ما من إجابة. ناديت بصوت أعلى: "كومي". أيضا بدون جواب. ارتعشت حتى العظام من موجة هواء بارد. ربما فقدت أختي إلى الأبد. ربما ابتلعها وجار أليس، وأصبحت في عالم السلحفاة الساخرة، أو القطة المتبسمة، أوملكة القلوب. مكان لا ينطبق عليه المنطق. وفكرت: لم يكن علينا أن نأتي إلى هنا. في النهاية عادت أختي. لم تخرج كالسابق بنصفها السفلي وزحفت بدءا من رأسها. برز شعرها الأسود من الحفرة أولا، ثم كتفاها وذراعاها، وأخيرا خفاها الزهريان. وقفت أمامي، بدون أي كلمة، وتمطت، وأخذت نفسا عميقا وبطيئا، ونفضت التراب عن جينزها. مددت يدي ورتبت لها شعرها المبعثر. على ما يبدو هناك تراب وغبار وشوائب أخرى لم أشاهدها تماما في الضوء الضعيف داخل الكهف، والآن هي ملتصقة بقميصها الأبيض الخفيف. وضعت عليها الدراعة، وقدمت لها الخوذة الصفراء. وقلت وأنا أجرها وأحضنها: "لم أتوقع أن تعودي".

"هل قلقت؟".

"كثيرا".

قبضت على يدي بإحكام. وقالت بصوت منفعل: "تمكنت من ضغط نفسي في الجزء الضيق، وتوغلت فيه، وفجأة أصبح منخفضا، ومنذ تلك النقطة أصبح على شاكلة غرفة صغيرة. غرفة مستديرة، كالكرة. السقف دائري، والجدران دائرية، والأرض أيضا. وهناك صمت شديد، شديد، ولو فتشت كل العالم لن تجد أي مكان صامت مثله. كأنني في قاع المحيط، في حفرة عميقة. أطفأت المصباح، فساد الظلام، ولكن لم أشعر بالرعب أو الوحدة. تلك الغرفة كانت مكانا خاصا لا يسمح فيه إلا لي فقط. غرفة لي وحسب. ولا أحد يستطيع أن يصلها. ولا حتى أنت تستطيع الدخول كذلك". "لأنني ضخم الحجم".

مدت أختي الصغيرة رأسها قائلة: "حسنا. أنت أكبر من أن تدخل. وما يدهشني بذلك المكان حقا أنه مظلم أكثر من أي شيء آخر. مظلم جدا حتى أنك حينما تغلق المصباح تشعر كأنك موشك على القبض على العتمة بيديك. كأن جسمك يتمزق ويتلاشى بالتدريج. ولكن لأنه مظلم لا يسعك أن ترى ما يحصل. ولا تعلم إذا كنت لا تزال تحتفظ بجسمك أم لا. ولنقل حتى إذا اختفى كامل جسمي، سأبقى هناك. مثل قهقهة القطة الضاحكة التي تستمر ولو اختفت القطة. عجيب جدا. أليس كذلك؟. ولكن حينما كنت هناك لم أتوقع أن ذلك عجيب على الإطلاق. أريد أن أنتظر هناك إلى الأبد. ولكن توقعت أنك ستقلق. لذلك خرجت".

قلت لها: "دعينا نخرج من هنا". كانت منفعلة جدا ويبدو كأنها ستتابع الكلام دون توقف، وكان علي أن أضع نهاية لذلك. فقلت لها: "لا يمكنني أن أتنفس هنا كما يجب".

سألتني بتلهف: "هل أنت على ما يرام؟".

"أنا على ما يرام. أريد أن أخرج فقط".

تماسكنا بالأيدي وتوجهنا إلى المخرج.

قالت أختي بصوت ضعيف لا يسمعه أحد ونحن نمشي: "هل تعلم أن أليس موجودة فعلا. هي ليست محض اختلاق. ولكنها حقيقية. والقط البري مارش، وهاتير المجنون، والقط الضاحك، وجنود بطاقات اللعب - كلهم حقيقيون".

قلت: "ربما".

خرجنا من كهف الريح، عائدين إلى العالم المشرق الحقيقي. كانت هناك طبقة رقيقة من الغيوم في السماء في تلك الأمسية، ولكنني تذكرت كم كانت الشمس تبدو ساطعة جدا. كان صفير الجداجد يعلو، مثل زعيق مرتفع يغرق فيه كل شيء آخر. وكان خالي جالسا على مقعد قرب المدخل، مندمجا مع كتابه. وحينما شاهدنا، ابتسم ووقف.

بعد عامين ماتت أختي. وسجيت في تابوت ضيق وأحرقت. كنت بالخامسة عشرة، وهي بالثانية عشرة. وحينما كانت تحترق نأيت بنفسي عن بقية العائلة، وجلست على مقعد في باحة الفرن، وتذكرت ما حصل في كهف الريح ذاك: ثقل الوقت وأنا أنتظر خروج أختي الصغيرة، كثافة العتمة التي تغلفني، البرد القارس الذي شعرت به. وشعرها الأسود البارز من الحفرة، ثم كتفاها. وكل التراب والغبار العشوائي الملتصق بقميصها الأبيض الخفيف. في ذلك الوقت، واتتني فكرة: ربما قبل أن يعلن الطبيب في المستشفى موتها رسميا بعد الحادثة بسنتين، ضاعت منها حياتها وهي في أعماق الكهف. وفي النهاية اقتنعت بالفكرة. أنها ضاعت تماما في ذلك الكهف، وغادرت هذا العالم، ولكنني وعلى سببل الخطأ فكرت أنها لا تزال حية، وأنا أرافقها على متن القطار عائدين إلى طوكيو، ممسكا يدها بقوة. فقد عشنا كأخ وأخت لسنتين إضافيتين. ولكنها لم تكن سوى فترة مباركة عائمة. بعد سنتين، زحف الموت من ذلك الكهف ليقبض على روح أختي. وكأنما حان وقتها، وأصبح من الضروري أن ندفع لقاء ما وهب لنا، وجاء المالك الحقيقي ليسترد ما كان له. بعد سنين، حينما كبرت وأصبحت بالغا، أدركت أن ما قالته لي أختي بصوت هادئ في كهف الريح ذاك كان حقيقيا. أليس موجودة فعليا في العالم الحقيقي.

القط مارش، وهاتير المجنون، والقطة الضاحكة - كلها مخلوقات لها وجود حقيقي.

***

........................

* ترجمها عن اليابانية فيليب غابرييل Philip Gabriel

* هاروكي موراكامي Haruki Murakami روائي ياباني.

 

الشاعرة الباكستانية عِشرت عَفرين

ترجمة: نزار سرطاوي

***

أجساد ذهبية،

الصبايا اللواتي يكدحن في الحقول

تحولن إلى اللون الرمادي في لهيب الصيف

*

في الليل يغمرهنَّ الندى والصقيع

وفي وقت الظهيرة تلفحهنّ الشمس المشتعلة

*

هؤلاء الصبايا مختلفات

إنّهُنّ أجمل

من الصبايا الجالسات فوق المقعد الرخامي

تُكلَل رؤوسَهنَّ براعم الياسمين

ويمضغن الورود

والهستيريا حين يلمحن الألوان اللاهبة

*

الصبايا اللواتي يحصدن الشمس في الحقل

يقفن على عتبةِ حياةٍ جديدة

– تمامًا كما أولئك الأخريات –

لكن عيونهنَّ لم تبحث يومًا عن المرايا:

هؤلاء الصبايا لا يعرفن دفءَ الورود

أو لمسةَ العطر الحارقة

ملابسُهنّ تفوح منها رائحة الخردل الأخضر

وفي عيونِهنّ لمعةُ لوزات القطن.

***

.......................

تعتبر الشاعرة الباكستانية عِشرت عِفرين الناشطة في الدفاع عن حقوق المرأة، واحدة من أهم الأصوات الشعرية في اللغة الأوردية. ولعلّها تتماهى شعريًا مع الشاعرين الباكستانيين، محمد إقبال وفايز أحمد فايز. فهي تستخدم أسلوبهما التقليدي الرصين، وتعكسه في دعوتها إلى الفردية التقدمية والتمرد على التقاليد الاجتماعية الأبوية.

ولدت عِشرت في عام 1951، ونشرت أول أشعارها وعمرها 14 عامًا. وداومت بعد ذلك على الكتابة والنشر في الصحف الباكستانية والهندية. ثم عملت محررة مساعدة في مجلة أواز التي أسستها الشاعرة فهميدة رياض وفي مؤسسات إعلامية أخرى.

تزوجت عِشرت عام 1985 من محامٍ هندي، وهاجرًا إلى الولايات المتحدة عام 1990، ويقيمان حاليًا في مدينة تكساس بولاية هيوستن. وتعمل حاليًا محاضرة في برناج خاص باللغة الأوردية في جامعة تكساس في أوستن.

أصدرت عِشرت ديوانين شعريين، كما نشرت أشعارها في العديد من الأنثولوجيات الشعرية وترجمت إلى عدة لغات. وقد فازت بالعديد من الجوائز.

الشاعرة الهندية أمريتا بريتام

ترجمة نزار سرطاوي

***

ثمة الكثير من المعاصرين –

لكن "ذاتي" ليست معاصرةً لي.

*

ولادتي بدون "ذاتي"

كانت قُربانًا مُشَوّهًا في طبق الصدقات

لحظةً من لحمٍ بشري مسجونٍ في لحم بشري.

*

وحين تَرِدُ على رأس هذا اللسان اللحميّ

كلمةٌ، تقتل نفسَه.

وإن نجا من قتل نفسه،

يهبط الكلمة إلى الورق، حيث تُرتَكبُ جريمةُ قتل.

*

رصاصة –

إذا أصابتني في هانوي

تصيبني ثانيةً في براغ.

*

يطفو القليل من الدخان،

وتموت "ذاتي" مثل طفلٍ في الشهر الثامن.

فهل ستكون "ذاتي" ذاتَ يومٍ معاصرةً لي؟

***

......................

تعتبر الشاعرة والروائية أمريتا بريتام أول أديبة بنجابية بارزة، وأهم شاعرة في اللغة البنجابية في القرن العشرين ومن أشهر رموز الأدب النسوي في الهند. كتبت باللغتين البنجابية والهندية، وحظيت بحب واحترام الجانبين الباكستاني والهندي في إقليم البنجاب. نالت العديد من الجوائز تقديرًا لإبداعها الشعري والأدبي. وقد صدر لها ما يزيد عن 100 كتاب تنوعت بين الشعر والقصة والسيرة والمقالة.

ولدت أمريتا في 31 آب / أغسطس، عام 1919 . بدأت تكتب الشعر في سن مبكرة، وصدر ديوانها الأول "أمواج خالدة" عام 1936، وكان عمرها آنذاك 16 عامًا. وفي ذلك العام تزوجت من محرر صحفي يدعى بريتام سنغ، وكانت مخطوبة له منذ طفولتها. ومنذ ذلك الحين أصبح اسمها أمريتا بريتام.

نزعت أمريتا في قصائدها الأولى إلى الرومانسية، لكنها في ما بعد انجذبت إلى حركة "الكُتّاب التقدميين" التي نشأت قبل انفصال باكستان عن الهند عام 1947. وقد عاشت أمريتا تجربة الانفصال المريرة تلك وشهدت المذابح التي راح ضحيتها أكثر من مليون إنسان من المسلمين والسيخ والهندوس. وظلت التجربة تؤرقها في السنوات اللاحقة بعد أن رحلت إلى مدينة نيودلهي الهندية.

في عام 1960 انفصلت أمريتا عن زوجها بعد تجربة زوجية فاشلة امتدت قرابة ربع قرن، وذلك بعد أن وقعت في حب الشاعر ساهر لودهيانفي (1921 – 1980). لكن حين دخلت حياتَه امرأةٌ أخرى وجدت أمريتا عزاءها في علاقة جديدة مع الفنان والكاتب الشهير إمروز، الذي قضت معه السنوات الأربعين الأخيرة من حياتها.

توفيت أمريتا في 31 تشرين الأول / أكتوبر، عام 2005 بعد صراع طويل من المرض.    

بقلم: أولغا براغينا

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

في الحديقة النباتية يوم السبت رأيت شابا

ظريفا وفكرت أنه بمقدوري أن أمشي بقربه

ولكن الآن لا يمكنني ذلك طبعا.

لأنه في داخلي مادة مضادة تقلب

كل شيء. وتجعل الداخل إلى الخارج

لم أكن أعرف عن ماذا أتحدث

ولا أعرف بأي وجه من الوجوه ماذا أصنع

في هذه الحديقة

حسنا الجو هنا ساحر جدا الهواء منعش والماغنوليا

تزهر يجب أن أمشي يجب

أن ألتقط الصور

ويجب أن أكرر أننا أحياء رغم

كل شيء ويمكننا أن نحب

ولكن نظريا لأن هذه المادة بلا

مضاد -

حسنا أنا معتادة على الركوب حتى وسط البلدة

دون سماع أجراس غارات الهواء

وأنا معتادة على سماع قصص يرويها

لاجئون من خيرسون عند موقف الحافلات

وأنا معتادة أن أعتقد: هذه مدينتي هل يمكن أن هذه

مدينتي وهي حقيقية

وأنها ليست مشيدة كرمى للحرب.

***

.....................

* ترجمتها عن الروسية أولغا زلبيربورغ - عن أنومالوس بريس

* أولغا براغينا Olga Bragina  كاتبة أوكرانية. من مواليد كييف 1982. من أعمالها مجموعة استمارات 2011، إسقاط الاسم 2012، أضواء خلفية 2018.

الشاعرة الباكستانية فهميدة رياض

ترجمة: نزار سرطاوي

***

عبقُ ياسمينتي اللطيف

يطفو فوق النسيم

يداعب يد الريح

إذ يمضي باحثًا عنك.

*

عبقُ ياسمينتي اللطيف

التفّ حول رسغيَّ،

ذراعيّ، عُنقي.

نسج سلاسل من القيود حولي.

*

هو ذا يتوارى في الليل الضبابيّ.

يسري في البرد المظلم.

يهسهس عبر الغابةِ الكثيفة،

إذ يمضي باحثًا عنك.

***

......................

فهميدة رياض شاعرة وكاتبة أردية باكستانية عُرفت باتجاهها النسوي وبمعارضتها للسلطة.

ولدت فهميدة في 1945 في ميروت، بولاية أوتار براديش في الهند، وذلك قبل التقسيم. بعد انتقال والدها إلى السند – استقرت عائلتها في حيدر آباد الباكستانية. توفي والدها عندما كانت في الرابعة من عمرها، فتولت والدتها تربيتها. وبعد إتمام تعليمها، عملت مذيعةً في إذاعة باكستان. وبعد التخرج سافرت إلى بريطانيا. وهناك عملت مذيعةً لدى قسم اللغة الأردنية في البي بي سي.

بدأت الكتابة في سن مبكرة، وأدارت مطبوعة أردية خاصة بها بعنوان "آواز". لكن "آواز" أوقِفت لاحقًا بسبب كتاباتها الثورية التي تحمل وجهة نظر ليبرالية تجاه السلطات الحاكمة آنذاك. ولذا اضطرت إلى الفرار إلى الهند، حيث قضت ما يقرب من سبع سنوات في المنفى. 

شغلت فهميدا منصب المدير العام للمؤسسة الوطنية للكتاب، وعضوًا في مجلس قاموس اللغة الأردية. وقد ألّفت العديد من الكتب وأصدرت عددًا من المجموعات الشعرية. كذلك تَرجَمت المثنوي لمولانا جلال الدين الرومي من الفارسية إلى الأردية.

توفيت فهميدا في أواخر عام 2018.

الشاعرة الباكستانية بروين شاكر

ترجمة نزار سرطاوي

***

منتصف ليلِ سنواتي العابرة...

هل طرقَ أحدهم مصراعيِ الباب الأبكمين

أم أصابني الذعرُ في حلم؟

*

ما بيت الحب هذا؟

صخورٌ مرعبةٌ تتناثر من تحته،

نوافذ ما تفتأ ترتجف.

لعل الرهبة تكمن في أعماقي

أكثر من أي مكان هناك.

فَزَعي من وسامته،

ذهولي أمام عقله،

خوفي من رقصة الهُجران الجامح

أمام عينيه اللتين تلاحقانني...

مجرد تظاهر

*

لا أتمنى أن أقول: "ها هو ذا".

لِم أضيّع ما جنيت

في سنين:

الحياة الحرّة وعقلي المتحرر؟

أعلم أنني إذا وقعت في يديه

سيُحوّلني في لمح البصر إلى ذبابة.

حبيسة بين جدران رغباته،

وسأنسى أنني قد عرفت من قبلُ

مباهج النور والنسيم والعِطر.

*

نعم، أنا سعيدة أن أظلّ فراشة:

حتى وإن كانت ضرورات الحياة تتآمر عليّ

فإنّ أجنحتي على الأقل لم تزل سليمةً لم يمسسها أذى.

***

....................

تحتل الشاعرة الباكستانية بروين شاكر مكانة بارزة في الشعر الباكستاني الحديث، ويعتبرها الكثير من النقاد أهم شاعرات اللغة الأوردية على مر العصور. كما تعتبر واحدة من أبرز رائدات الحركة النسائية الباكستانية والمدافعات عن حقوق المرأة.  

ولدت بروين في 24 تشرين الثاني / نوفمبر 1952. بدأت الكتابة في سن مبكرة، فكتبت الشعر والنثر، وكانت لها مساهمات في أعمدة بعض الصحف تحت اسم مستعار هو "بينا."

بدأت بروين تكتب الشعر والنثر في سن مبكرة. وكانت لها مساهمات في أعمدة بعض الصحف تحت اسم مستعار هو "بينا." صدرت مجموعتها الشعرية الأولى "العبق" عام 1976، ونالت إعجاب القراء. بعد ذلك صدرت لها أربع مجموعات: "آذريون المستنقعات" (1980)، "مناجاة" (1990)، "إنكار" (1990)، "حافة المرآة." كما صدر لها كتاب يضم مقالاتها الصحفية بعنوان "زاوية الرؤية." كذلك صدرت أعمالها الشعرية في مجلد بعنوان "البدر" (1994). وقد حظيت أعمالها بتقدير كبير. إذ فازت مجموعتها الشعرية الأولى بجائزة آدمجي. ولاحقًا مُنحتْ جائزة "مفخرة الاداء،" التي تعتبر واحدة من أرفع الجوائز في باكستان.

تزوجت بروين من طبيب باكستاني يدعى نصير علي، ورزقا بطفل واحد. لكن زواجهما لم يدم طويلًا وانتهى بالطلاق.

في 25 كانون الأول / ديسمبر 1994، اصطدمت سيارة بروين في طريقها إلى العمل بحافلة ركاب، وأدى ذلك الحادث المروع إلى وفاتها.

الشاعرة الإيرانية فروغ فرخُزاد

ترجمة: نزار سرطاوي

***

أحسُّ بالحزن،

أحسُّ بالأسى.

*

أمضي إلى الخارجِ وأروحُ أفركُ أصابعي الباردة

على محارةِ الليلِ الصامتِ الملساء.

أرى أضواءَ التواصلِ كُلَّها مُعتِمة،

والمساراتِ التي تربطنا معًا كلَّها مسدودة.

*

لن يُعَرفّني أحدٌ إلى الشمس،

لن يأخذني أحدٌ للقاء الحمائم.

*

خلّوا رحلةَ الطيران في بالكم،

فقد يموتُ العصفور.

***

...................

تعتبر الشاعرة فروغ فرخُزاد (1935 – 1967) من أشهر شاعرات وشعراء إيران وأعظمهم تأثيرًا في القرن العشرين. فقد أسهمت إسهامًا كبيرًا في تطوير الثقافة الشعبية الإيرانية، ولعبت دورًا بارزًا في نقل الشعر الإيراني إلى الحداثة. تميزت بشجاعتها النادرة في تجاوز المحرمات الثقافية، وهذا ما منح شعرها فرادةً وتميّزًا.  كذلك عملت في الإخراج السينمائي، فكانت رائدة في الموجة الجديدة للسينما الإيرانية.

صدرت لها أربعة دواوين: الأسير  (1952)، جدار (1956)، عصيان (1958)، ولادة أخرى (1964). كما أخرجت فيلمًا وثائقيًا قصيرًا بعنوان "البيت أسود" (1962). وبعد وفاتها. ثم أصدرت بعده ديوانها الرابع ولادة أخرى (1964). وبعد وفاتها ديوانها الخامس:  لنؤمنْ ببداية الفصل البارد.

توفيت فرخُزاد في 14 كانون ثاني / يناير عام 1967 في حادث سيرٍ مريع. فقد انحرفت بسيارتها لتتجنب مركبة قادمة باتجاهها، فارتطمت بجدار. وقضت متأثرة بجراح بليغة في الرأس، ودفنت في مقبرة ظاهر الدولة في طهران. 

Samai Atoot : Two Poems

Samai Atoot

Translated by Nizar Sartawi

***

1-  A Space of Weariness

A space of weariness…

Roots driving

their feet,

their soles,

their strings

into the flesh.

Here I am

a rope of thorns

On this earth I had

a house that vanished

when I cast it

in firewood.

**

A Soothsayer

A soothsayer –

and yet she knows us not!

She only reads us in coffee cups,

but when she lays eyes on us,

she doesn’t know who we are…!

She sets for us

a place

bereft of memory,

then leaves us dead

with no address!

......................

قصيدتان

سامية العطعوط*

***

1. فَضاءٌ مِنْ تَعَب

فضاءٌ مِنْ تَعَب

جذورٌ تضربُ

أقدامَها

نعالَها

أوتارَها

في الجَسَدْ

هذا أنا

حبلٌ مِنْ مَسَد

ولي في الأرضِ

بيتٌ تلاشى

حينَ أودعتُهُ

الحَطَب

**

2. عَرّافّة

عَرّافةٌ

وَتَجْهَلُنا!

تَقرأُنا في الفنجانِ

وإذْ تَرانا

لا تَعرفُِنا.. !

تُعّدُ لَنا

مَكاناً

بِلا ذاكِرَة

وتَتْرُكُنا قَتْلى

بِلا عنوان...!

***

...................

* أديبة أردنية

 

بقلم: شارل بودلير

ترجمة: سوران محمد

***

قريباً سنغمز أنفسنا في ظلال باردة،

وستزول كل ظهيرة صيفية خلابة.

أسمع مسبقا دويّ جذوع الأشجار الميتة في الأسفل

تتساقط على حصاة الرصف والعشب.

*

سيرجع إليّ الشتاء كله:

سخرية، كراهية، ارتجاف، رعب، مشقة وسيئة،

ومنفيّ، كالشمس، إلى سجن قطبي،

ستتحجر روحي فى كتلة من الجليد الأحمر.

*

أرتجف وأنا أستمع إلى جذوع شجرة تتحطم وتصطدم:

الأصداء خافتة كطبول الجلادين.

عقلي كحصن يستسلم ببطء

لعواصف تصدم وتضرب بلاهوادة.

*

يبدو لي، وأنا أتأرجح أمام هذه الصدمات، أن أحدهم

يثبت مسامير نعش على عجل في مكان ما.

لمن؟ -- كان الصيف بالأمس؛ والآن هو الخريف

لا تزال أصداء الرحيل تتردد في الهواء.

***

............................

نبذة عن حياة الشاعر و نتاجاته:

شارل بودلير شاعر وناقد فرنسي. ١٨٢١-١٨٦٧  بدأ كتابة قصائده النثرية عام 1857 عقب نشر ديوانه أزهار الشر، الذي أثار جدلاً واسعاً عند نشره بسبب جرأة موضوعاته وتناوله للجانب المظلم من الحياة الحديثة، مدفوعا بالرغبة في شكل شعري يمكنه استيعاب العديد من تناقضات الحياة اليومية في المدن الكبري حتي يقتنص في شباكه الوجه النسبي الهارب للجمال، وجد بودلير ضالته فيما كتبه الوزيوس بيرتيران من پالادات نثرية مستوحاة من ترجمات البالادات الاسكتلندية والألمانية الي الفرنسية. والبالاد هو النص الذي يشبه الموال القصصي في العربية وهو الشكل الذي استوحاه وردزورث وكوليريدج في ثورتهما علي جمود الكلاسيكية.

وفي عام 1861 بدأ بودلير في محاولة لتدقيق اقتراحه الجمالي وتنفيذه، فكتب هذه القصائد التي تمثل المدينة أهم ملامحها، وتعتبر معينا لا ينضب من النماذج والأحلام.

يعتبر بودلير من أبرز شعراء القرن التاسع عشر ومن رموز الحداثة في العالم. ولقد كان شعر بودلير متقدما على شعر زمنه، فلم يفهم جيدا ولم يعطى حقه الا بعد وفاته سنة ١٨٧٦عن عمر ناهز ٤٦ عاما.

وكان الشاعر شارل بودلير يري ان الحياة الباريسية غنية بالموضوعات الشعرية الرائعة، وهي القصائد التي أضيفت إلي أزهار الشر في طبعته الثانية عام 1861 تحت عنوان لوحات باريسية.

لم ينشر ديوان سأم باريس في حياة بودلير، وهو الديوان الذي لم يتحمس له غوستاف لانسون وسانت ـ بيف، هذا الديوان الذي اثر تأثيرا عارما في الأجيال اللاحقة.

Poemhunter  /   المصدر

Samai Atoot

Translated by Nizar Sartawi

***

Starfish

The starfish I caught

did not light up

our darkness

but did light up my path

to you…

***

Fog Street

Like distant lamps

in the Fog Street,

we’re mere strangers

dispersed by life...

***

Mirrors

In my dream I see her as my cave

She sees me as her mirror!

Walls rise between us

and the dream loses

its mirrors!

***

A Bow

Truth has a glowing sun

and I have a sky

that has no light,

nor a bow to bend

over my corpse

and scatter colors upon it

or teach me

how to bow

***

......................

سامية العطعوط

أربع قصائد

***

نَجمةُ البَحْر

لم تضئ نجمةُ البحرِ التي اصطدتُها،

عتمتَنا

لكنّها أنارَتْ دربي إليك..

***

شارعُ الضَباب

كَضوءِ المَصابيحِ البَعيدةِ

في شارعِ الضبابِ

أغرابٌ نحنُ

تُشتّتنا الحَياة...

***

مرايا

أراها في الحلمِ لي كهفاً

تراني لها مرآة..!

تقفزُ جُدرانٌ ما بَيننا

يفقدُ الحُلُمُ

مَراياه!!!

***

انحناءَة

للحقيقةِ شمسٌ تَتَوهّج

ولي سماءٌ

بِلا ضِياء

بلا قوسٍ يَنْحني

فوقَ جثّتي

ينثرُ الألْوانَ ...

أو يُعلّمُني

كيفَ يكونُ

الانحِناء

***

شاعرة وقاصة أردنية

بقلم: جينا بيريولت

ترجمة: د. محمد غنيم

***

أخذتني أمي معها إلى تلك الحفلة لأن عيد ميلادي الثالث عشر كان بعدها بيومٍ واحد فقط، وقالت إننا نستطيع تخيلها كحفلة لي، حفلة عيد ميلاد لا يعرفها إلا نحن الاثنتان. ابتعدتُ عن أمي والأصدقاء الذين يحتضنونها، وخرجتُ وحدي إلى الغرف التي كان فيها الغرباء. كلما رفعتُ بصري، التقيتُ بنظرة، ولم يكلمني أحد مازحًا كما يفعلون مع طفل، وعندما اقترب الرجال مني، عاملوني بنوع من المعرفة، كما لو كنتُ غارقة في التجارب التي تخيلتها فحسب.

أستطيع أن أتخيل نفسي في ذاكرتي كما لو كنت أراقب فتاة أخرى من زاوية غرفة: كيف بدت في ثوب أخضر باهت يلتصق بالثديين الصغيرين والوركين المستديرين، لم يعد قماشًا مجعدًا أو مطويًا، ولا قماشًا مستقلاً بذاته، بل كان من النوع الذي يطاوع الجسد الفتي الذي كان قد بدأ للتو يعلن عن نفسه، أو رغبته، أو إرادته. وأستطيع أن أرى كيف التفت لتُغوي بنظرتها الجانبية، شعرها الأشقر قصيرًا حتى كتفيها، بلا ضفائر، ولا مشابك شعر، ويمكنني أن أسمع جزءًا من صوتها، صوتًا يتغير كصوت صبي، لكن صوتها يتغير بدافع الترقب، ليس مرتفعًا ومترددًا كصوت الطفل.

بقيتُ أنا وأمي منفصلتين. أتذكر أنني رأيتها وسط مجموعة الضيوف في غرفة أخرى بعيدة، وأتذكر أنني رغبت في أن أكون معها، لأنها، كما في طفولتي، كانت تحميني من الأشخاص الذين يربكونني، وأتذكر أيضًا أنني كنت سعيدة بتلك المسافة بيننا. وبينما تُصدر أساورها رنينًا على معصميها، كانت تُلقي التحية على المضيفة وعلى النساء وتثني على ذكاء الرجال وحكمتهم، فتُسحر الجميع.

وصل والدي متأخرًا إلى الحفلة. كنا نتشابك الأيدي ونتجول في المكان، نتناول المقبلات ونشرب ما يُقدم لنا في أكواب كثيرة ترن، وعندما شبعنا، ليس فقط من الطعام والشراب، بل من الأصوات الصاخبة ونوبات الضحك، وجدنا غرفةً خاليةً من أي أحد. جلسنا على أريكة عتيقة، ظننتُ أنها ثمينة جدًا لدرجة لا ينبغي الجلوس عليها، أريكة مخملية زرقاء داكنة، منحنية كالهلال، لكننا جلسنا هناك، ربتنا على بطوننا، وتنهدت تنهيدات طويلة من فرط المتعة. دخلت الشابة بخجل، كما لو كانت تطلب معروفًا من أشخاص لم يروها من قبل. بدت غير مستقرة على قدميها، وخمنت أن ذلك بسبب المشروبات التي تناولتها. جلست على الطرف الآخر من الأريكة، وعلى الجانب الآخر من والدي، ثم عرفت أنها لحقت بنا.

قال لها: "هذه ماري، ابنتي"

لكن كلامه كان بمثابة تحذير لا تعريف، ولم يذكر لي اسمها.

سألها: "كيف حالكِ؟"

فقالت: "أنت تعرف كيف حالي."

عند ذلك التفت والدي إليّ قائلاً، وكان في كلامه نبرة الأمر لا الرجاء: "ماري، هل ستذهبين؟ أين أمك؟"

لكنه لم يكن شخصيةً قويةً لتأمر. كان في حلقه خشونةٌ كسعالٍ مُكبوت، وعيناه مُرتعشتان. إن فقد سلطة الأب في تلك اللحظة، فقد اكتسب سلطةً أخرى، وهي سلطة الرجل الذي اكتسب خبرةً تفوق معرفة عائلته. ما كان يعرفه عن حياته ولم تكن عائلته تعرفه بدا لي وكأنه يمنحني تجاربي الخاصة التي لا تُحكى. كان الأمر كما لو أنه منحني حريةً مطلقةً في التعامل مع العالم.

لم أستطع النهوض وتركهما. ظننتُ أنني قد أفعل، لكنني لم أستطع.

لم تنتظرني حتى أرحل. قالت له بصوت خافت، ونظرتها الجانبية على يدها وهي تمسح مخمل الأريكة:

"أريد أن أسألك إن كنتَ قد أتيتَ لرؤيتي يومًا.ابتعدتُ حتى ترى عندما تأتي أنني لم أكن أنتظرك، لكن بعد أن انتقلتُ تمنيت لو بقيتُ في نفس المكان وواصلتُ الانتظار."

لم تعد تلك الشابة الخائفة التي تخشى والدي. بل كانت امرأة فاتنة، بفخذين كبيرين تحت فستانها الحريري الوردي. وعندما أدرك والدي أنني رأيتها كما رآها في الماضي، ولا بد أنه لا يزال يراها في الحاضر، نهض وابتعد عنا.

جلستُ معها لبضع دقائق، دون أن أنطق بكلمة، كما لو كنت مع صديقة أفصحت لي عن سرّها. كانت تداعب الأريكة، وتتحرك يدها في دوائر صغيرة نحو المكان الفارغ الذي كان والدي يجلس فيه.

عندما تركتها، لم أتبع والدي. أردتُ أن أجد أمي، بدلًا من ذلك، وأن أضمّها بين ذراعي طلبًا للمغفرة. شعرتُ أنني لن أستطيع النظر في عيني أمي لفترة طويلة، ولم يكن ذلك لأنني أعلم أنها تعرضت للخيانة ولم أستطع إخبارها. فبعد اكتشافي لأبي وتلك المرأة، لم أكن قد فكّرتُ فيها.

كان الضيوف يتدفّقون جماعاتٍ نحو البيانو الكبير، حيث كان الفنان يجلس ليعزف. انضممتُ إليهم، فإذا بي أُدفَع إلى الأمام قريبًا منه، شابٌّ بشعرٍ فضيّ ناعم وابتسامةٍ تكشف عن أسنانٍ صغيرة. سمعتُ أنه ابن عمّ المضيفة، مغنيٌ ذاع صيته في النوادي الليلية والحفلات الكبيرة. كانت ربطة عنقه السوداء تتمايل وهو يتبادل أطراف الحديث مع الضيوف المتجمّعين حول البيانو.

كانت الأغنية التي غناها - بصوته المتقلب كوجهه، يرتجف في لحظة، ثم يهدأ في أخرى - تدور حول ازدياد عجز العشاق عن التعبير عن رغباتهم. كان هناك خلل ما في حياة العشاق في نهاية كل مقطع، ثم كان يدق على المفاتيح ليؤكد على مآسيهم العبثية.

كانوا جميعًا متلاصقين، ثلاثة منهم في حلقة حول البيانو، وكانوا جميعًا يضحكون على كل هزيمة للحبيبين. كانت عيونهم مغمضة بشدة من شدة الضحك، أو تسبح جانبًا، وكان أحدهم يضع سيجارته بين شفتيه ليجذب الدخان جفنيه. كانوا يُشيحون بنظرهم عن أعين الآخرين.

كانت أمي بين الحشد. رأيتها على البيانو، وجهها محصور بين وجهين آخرين. كانت تُحرك عينيها وتتطقطق بلسانها وتضحك، كغيرها ممن حولها، شعرتُ بفيض من الحب والاهتمام بها. كانت تحظى بدعمٍ كبير، ولكن مهما اجتمع الناس على ذلك البيانو وفي كل مكانٍ آخر للتقليل من شأن العشاق، كنتُ أعلم أن كل المحاولات ستنتهي بالفشل.

***

.......................

الكاتبة: وُلدت جينا بيريولت/Gina Berriault في كاليفورنيا لأبوين مهاجرين يهود من روسيا. خلال مسيرتها الأدبية الطويلة، ألّفت أربع روايات وثلاث مجموعات قصصية، ونالت جوائز مرموقة، منها زمالة جوجنهايم، وجائزة بوشكارت، والعديد من جوائز أو. هنري. وحظيت بإعجاب واسع كواحدة من أعظم كاتبات القصة القصيرة الأمريكيات، وحققت نجاحًا تجاريًا في أواخر حياتها مع مجموعة "نساء في أسرّتهنّ" التي حازت على جائزة بن/فولكنر، وجائزة دائرة نقاد الكتاب الوطنية، وجائزة مؤسسة ريا. ومن بين هذه المجموعة، قصة "المرأة ذات الفستان الوردي". توفيت بيريولت في منزلها عام 1999.

* نقلا عن جريدة أخبار الأدب المصرية بتاريخ 30 نوفمبر 2025.

بقلم: ناظم حكمت

ترجمة: نزار سرطاوي

***

الإنسانية العظيمة هي التي تسافر على سطح السفينة

تركب في الدرجة الثالثة في القطار

تسير مشيًا على الأقدام فوق الجسر

الإنسانية العظيمة.

*

تذهب الإنسانية العظيمة إلى العمل في الثامنة

تتزوج في العشرين

تموت في الأربعين

الإنسانية العظيمة.

*

ثمّة ما يكفي من الخبز للجميع خَلا الإنسانية العظيمة

الأمر نفسه بالنسبة للأرزّ

للسكر

للقماش

للكتب

هناك ما يكفي للجميع خلا الإنسانية العظيمة.

*

الانسانية العظيمة ليس لا ظلَّ لها فوق ترابها

لا مصباحَ في طريقها

لا زجاجَ في نافذتها

لكن الإنسانية العظيمة لديها أمل

ليست ثمّة من يقدر أن يعيش بدون أمل.

***

...........................

* يُعدّ ناظم حكمت أول شاعر تركي حديث. ولد عام 1902 في سالونيك التي كانت في ذلك الوقت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية لكنها الآن تابعة لليونان. كان والده موظفًا في وزارة الخارجية. ولعلّ جده ناظم الذي كان شاعراً هو الذي وجهه نحو الشعر. وقد صدرت مجموعة ناظم الشعرية الأولى وهو السابعة عشر من عمره.

في تلك الفترة الزمن احتل الحلفاء وطنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فغادر ناظم مسقط رأسه في إسطنبول للالتحاق بالجامعة في موسكو. وهناك تواصل مع العديد من الكتاب والفنانين، الذين كانوا من مختلف أنحاء العالم.

في عام 1924عاد إلى تركيا بعد الاستقلال. وبدأ ينشر أشعاره ومقالاته في الصحف اليسارية وغيرها من المنشورات. غير أن ميوله اليسارية جلبت عليه الكثير من المتاعب، مما اضطره إلى العودة إلى روسيا، حيث تابع الكتابة دون الخضوع للرقابة.

في عام 1928 صدر في تركيا عفو عام، وهذا ما شجع ناظم على العودة إلى بلاده. وخلال السنوات العشر التالية ، نشر تسعة كتب شعرية منها خمس مجموعات من القصائد بالإضافة إلى أربعة قصائد مطولة أصدر كلّاَ منها في كتاب منفصل.

تعاملت الدولة التركية من ناظم بالكثير من الشكّ والعداء، ولعلّ هذا ما جعل الشعب ينظر إليه باعتباره بطلاً. وكان من بين مؤلفاته عمل بارز يدور حول أسلوب الحياة الذي التي يتمتع به رجال بلاده ونساؤها من أهل المناطق الريفية كما في البلدات والمدن، وجاء الكتاب تحت عنوان مناظر طبيعية من بلدي. ويعتبر واحداً من الأعمال الأدبية الوطنية التركية العظيمة.

تعاظمت الضغوط السياسية على ناظم مرة أخرى. إذ لم يكن تطرفه موضع ترحيب في تركيا. وكثيرا ما كان يوصف بالشيوعي الرومانسي أو الثوري رومانسي. لكن وجهات نظره كانت مخالفة للأحزاب السياسية الحاكمة في وطنه، وكثيرا ما كان يتم اعتقاله بسبب ذلك، فقضى الكثير من أيام حياته في السجن أو في المنفى حتى عام 1951، حيث غادر وطنه مرة أخرى ، ولم يعد إليه أبدًا. فقد عاش من ذلك الحين وحتى وفاته في الاتحاد السوفيتي وأجزاء متفرقة من أوروبا الشرقية.

كان ناظم متحمساً للشيوعية المثالية، وكان الجمهور يستقبل قصائده الوطنية بصورة إيجابية. إلا أنه في الفترة ألأخيرة تأثر بشكل كبير بالمدرسة المستقبلية الروسية في موسكو. وراح يتخلى عن الأشكال "التقليدية" للكتابة. وقد وحاول أن "ينزع الشعرية" عن الشعر.

كان ناظم يكتب باللغة التركية ولكن الكثير من أعماله ترجمت إلى الإنجليزية وإلى العديد من اللغات. وقد تعرض لأزمة قلبية وتوفي في موسكو عام 1963.

أنطون تشيخوف

ترجمة: نزار سرطاوي

***

ذات مساءٍ لطيف كان موظّفٌ حكومي لا يَقلُّ عن المساء لطفًا يُدعى إيفان دميتريتش تشيرفياكوف يجلس في الصف الثاني من الأكشاك مُحدّقًا من خلال نظّارته الخاصّة بالمسرح يشاهد أوبرا "أجراس كورنفيل". راح يطيلٌّ النظر وهو يحسّ أنه في ذروة النعيم. ولكن فجأةً.. وفي القصص كثيرا ما تصادفِ المرءَ عبارةُ "لكن فجأة". والمؤلفون مُحِقّون: فالحياة مليئة بالمفاجآت! لكنْ فجأة تغضّنَ وجهه، واختفت عيناه، وتوقفت أنفاسه.. انتزع النظّارة عن عينيه وانحنى و.. "أتشي !!" وعطس، كما يمكنك أن تتخيّل. ليس من المستهجن أن يعطسَ أحدٌ في أي مكان. الفلاحون يعطسون وكذلك أمناء الشرطة وحتّى المستشارون السِريّون أحيانًا. الرجال جميعًا يعطسون. لم يرتبك تشيرفياكوف على الإطلاق. مسح وجهَه بمنديله، وأجال النظر حوله، مثل أي رجل مهذّب ليرى ما إذا كان قد أزعج أحدًا بسبب عطاسه. ولكن بعد ذلك استولى عليه الارتباك. فقد رأى رجلاً عجَوزًا يجلس أمامه في الصف الأول من الأكشاك يمسح رأسَه الأصلعَ وعنقَه بقفّازِه بعناية ويغمغم شيئًا بينه وبين نفسه. عرف تشيرفياكوف الرجلَ العجوز، بريزالوف، الذي كان مديرًا عامًّا يعمل في وزارة النقل.

قال تشيرفياكوف في نفسه: "لقد رششته". هو ليس رئيس قسمي، لكنّ الأمرَ يظلُّ مُحرجًا. ينبغي أن أعتذر".

تنحنحَ تشيرفياكوف وانحنى بجسمِه كلِّه إلى الأمام، وهمس في أذن المدير العام.

"المعذرة يا صاحب السعادة. لقد رشَشْتك عن غير قصد.."

"لا يهمّ، لا يهمّ."

"بحق السماء سامحني، أنا.. أنا لم أقصد ذلك."

"أوه، رجاءً اجلس! دعني أستمع!"

شعر تشيرفياكوف بالحرج، ابتسم بغباء، وراح يحملق بالمنصة. كان يحملق بها، لكنه لم يعد يُحسّ بالبهجة. بدأ القلق يساوره. وفي فترة الاستراحة صعد إلى بريزالوف وسار بجانبه وتمتم وقد تغلب على حيائه:

"لقد رششتك، يا صاحب السعادة، سامحني.. كما ترى.. لم أفعل ذلك كي.."

"أوه، هذا يكفي.. لقد نسيتُ الأمر، وأنت لا تتوقف عن الحديث عنه!" قال المدير العام وهو يحرك شفته السفلى وقد نَفِد صبره.

قال تشيرفياكوف في نفسه وهو ينظر بعين الريبة إلى المدير العام: "لقد نسيَ، لكن ثمّةَ ضوءٌ شيطانيٌ في عينه. وهو لا يريد أن يتحدث. يتعيّن عليّ أن أشرحَ له.. أني حقًّا لم أتعمّد.. أنّ هذا هو قانون الطبيعة، وإلا فإنه سيظنّ أني قصدت أن أبصق عليه. لا يظنُّ ذلك الآن، لكنه سيظّن ذلك لاحقًا!"

عند عودة تشيرفياكوف إلى البيت، أخبر زوجته عن مخالفته للأخلاق الحميدة. وقد صدمه أن زوجتَه لم تأخذ الحادثة على محمل الجدّ. أحسّت بشئٍ من الوَجَل، لكن عندما علمت أن بريزالوف في قسم مختلف، اطمأنت.

قالت: "مع ذلك، فمن الأفضل لك أن تذهبَ وتعتذر، وإلا سيظنُّ أنك لا تعرف كيف تتصرف بصورةٍ لائقة في الأماكن العامة".

"هو ذاك! لقد اعتذرت بالفعل، لكنه تعامل مع الأمر بطريقةٍ غريبة.. لم يقل كلمة منطقية واحدة. لم يكن ثمّةَ وقتٌ للتحدث حسب الأصول".

في اليوم التالي، ارتدى تشيرفياكوف بدلةً جديدة وحلق شعره وذهب إلى مكتب بريزالوف ليشرح الأمر. دخل إلى غرفة استقبال المدير العام ورأى هناك عددًا من مُقدّمي الالتماسات وكان بينهم المدير العام نفسه، وقد شرع في مقابلتهم. بعد مقابلة عددٍ من مقدمي الالتماسات، رفع المدير العام عينيه ونظر إلى تشيرفياكوف.

"بالأمس في أركاديا، إن كنت تتذكر يا صاحب السعادة،" بدأ تشيرفياكوف، "عطست و.."

"ما هذا الهراء.. إنه فوق الاحتمال!" ثم قال المدير العام مخاطبًا مقدم الالتماس التالي: "ماذا يمكنني أن أفعل لك"،

"لن يتكلم"، قال تشرفياكوف في نفسه وقد أعتراه الشحوب. "هذا يعني أنه غاضب.. لا، لا يمكن أن يظل الأمر هكذا.. سأشرح له".

عندما أنهى الجنرال حديثه مع آخِر المُراجعين واستدار متجهًا نحو مكتبه الداخلي، تقدّم تشيرفياكوف خطوةً نحوه وتمتم:

"يا صاحب السعادة! إن جاز لي أن أزعج سعادتك، فهذا ببساطة نابعٌ من شعور بالأسف!.. لم يكن عن قصد، إن تكرّمتَ وصدقتني".

بدا الضيق على وجه المدير العام ولوّح بيده.

قال وهو يغلق الباب خلفه: "ما هذا؟ أنت ببساطة تسخر مني أيها السيد".

"أين السخرية في ذلك؟" فكّر تشيرفياكوف، "ليس هناك شيء من هذا القبيل! إنه مدير، لكنه غير قادر على الفهم. إذا كان الأمر كذلك، فلن أعتذر لهذا المُدّعي بعد الآن! فليأخذه الشيطان. سأكتب إليه رسالة، لكنني لن أذهب. لا والله، لن أذهب".

هذا ما دار في خَلَد تشيرفياكوف وهو في طريقه إلى البيت. لم يكتب رسالةً للمدير، راح يفكر ويفكر ولم يستطع أن يُؤلّف تلك الرسالة. كان لا بدّ له أن يذهب في اليوم التالي ليشرح الأمر بنفسه.

تمتم عندما رفع الجنرال عينيه المستفسرتين نحوه: "لقد غامرتُ بإزعاج سعادتك بالأمس، لا لكي أسخر، كما تفضّلت بالقول. كنت أعتذر عن رشّك بالعُطاس.. لم أفكّر بالسخرية منك حتى في الحلم. وهل أجرؤ على السخرية منك. إن اعتدنا على السخرية فلن يبقى هناك احترام للناس، سيكون هناك.."

"أخرج من هنا!" صرخ المدير العام، وتحوّل لونه بغتةً إلى الأرجواني، وراح بدنه كلّه يرتعش".

"ماذا؟" سأل تشيرفياكوف بصوت خافت.

"أخرج من هنا!" كرّرَ المدير العام وهو يضرب الارض بقدمه.

بدا أنّ شيئًا ما راح ينهار في أعماق تشيرفياكوف. لم يرَ شيئًا ولم يسمع شيئًا،. سار متمايلًا نحو الباب، وخرج إلى الشارع، ومضى مترنحًّا.. وصل إلى البيت بصورةٍ آليّة، ودون أن يخلعَ بدلته، استلقى على الأريكة ومات.

***

...............

نبذة عن الكاتب

يعتبر أنطون بافلوفيتش تشيخوف، المولود في تاغانروغ في جنوب روسيا في عام 1860، أحد كبار كُتّاب المسرح والقصة القصيرة في روسيا. كتب 17 عملًا مسرحيًا وأكثر من 500 قصة قصيرة، ورواية واحدة وسبع روايات قصيرة حظيت أربعٌ منها على الأقل بشهرة عالمية، وهي: "نورس البحر" (1895)، "العم فانيا" (1899)، "الشقيقات الثلاث" (1900)، "بستان الكرز" (1903). أما أعماله غير الأدبية فاقتصرت على عملين، أحدهما في أدبالرحلات، والثاني كتاب مذكرات. 1904 توفي في أحد فنادق مدينة بادِنْ وايلر في ألمانيا. ونُقل جثمانه إلى موسكو، حيث دفن هناك.

 

من الأدب الكردي

بقلم: شيركو بيكس

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

1 - الساعة

عندما آتيك

تنجو الساعة

من يد الزمن

و تقدم نفسها ..

و عندما نجلس معا

تقبع الساعة في يد الزمن

و تؤخر نفسها !!

***

2 - المدية

في بيروت*

خطفت المدية

حلقا ..

لانه أبى أن يشاركها

حفلتها الدموية

لانه أبى

أن يكون مسنا!!

***

.......................

* إشارة إلى الحرب الأهلية اللبنانية 1975 – 1990 

شيركو بيكس: شاعر وأديب كردي بارز. يكتب بالكردية والعربية، أبصر النور سنة 1940 في السليمانية – العراق. نذر نفسه لمذبح الشعر منذ أواسط الخمسينيات من القرن الماضيز

صدرت له في عام 1968أولى مجاميعه الشعرية، وكانت بعنوان (ضياء القصائد). ثم أصدر مجموعته الشعرية الثانية المسماة (هودج البكاء) عام 1969

من أعماله:

(كاوة الحداد – مسرحية شعرية) 1971

(أنا باللهب أرتوي) 1973

(الغزالة – مسرحية شعرية) 1978

(الغبش) 1978

(أنشودتان جبليتان) 1980

(الشيخ والبحر – ترجمة لرواية أرنست ميلر همنغواي) 1982

* عن (من الشعر الكردي الحديث: باقة قصائد) للمترجم، دار نشر كريستال، أربيل – العراق 2001 .

بقلم: لارا واس

ترجمة: صالح الرزوق

***

اقتنعت أن جدران الشقق في نيويورك رقيقة عمدا، حتى أن الحياة، مهما كانت رديئة، تبدو مثل تجربة احتفالية. في الساعتين الأخيرتين، ارتجف الجدار المجاور لطاولة ميل بضربات ملحة، كما لو أن أحدهم يعلق صورة على الطرف الآخر، ولكن المسمار يسقط، فيحمله ويعاود الكرة. كانت هذه سوزي شريكتها في المسكن. ولم تكن تعلق صورة على مسمار، ولكنها بين يدي صديقها الجديد كايل. طبعا لا تسميه سوزي بهذا الاسم. وهي لا تقول عما تفعل إنه جنس. وتسميه ممارسة الحب. التقت سوزي مع كايل مثل أي إنسان آخر، بواسطة التطبيقات. وكان حبا من أول نظرة. وهذا ما قالت عنه. أرادت ميل أن تسأل: أي نظرة؟ مرآه الرائع والمبالغ به كما يبدو في صورة ملفه، أم النسخة البليدة والحقيقية منه؟ لكنها احتفظت بهذه الفكرة لنفسها. كانت المشكلة، أن كل شخص يقوم بعمل ما في هذه الأيام. وشريكة ميل في الغرفة تمارس الحب. أما صديقتها المقربة ديانا فتنجب الأطفال. حسنا، ليس تماما، ولكنها على هذا الطريق. في آخر عطلة أسبوعية، حينما التقتا في بار قريب خارج أسوار الجامعة وترتادانه دائما، والآن سمعت به ميل، فجرت ديانا الأخبار أمامها قائلة: إنها ستتزوج ستيف. فقد تقدم إليها في أمسية ذكرى مرور سنتين على العلاقة. وهي أيضا ذكرى مرور سنتين على ليلة اقتراب ستيف من ميل في بار الجامعة وتقديم شراب لها، لكن ميل رفضت شرابه قائلة: لا. شكرا. فهي لم تكن تشعر بالعطش، أما صديقتها ديانا فأكدت امتنانها وقبلت ضيافته.

وحين كانت تخابرها أمها كل أحد لتسأل إذا ما كانت تستعيد ذكرياتها. فترد ميل: من يريد أن يتذكر إذا كان يجني النقود؟. وتضحك كلتاهما لأنها إذا كسبت النقود، لن تشارك على شقتها مهووسة بالجنس، وواهمة ومنحرفة تجمع المحنطات بالقرب من قطار رقم واحد الذي لا يتوقف عن الهدير. وإذا تابعت أمها الموضوع، تخترع ميل شيئا، وبالعادة مزيجا من الأشياء المتخيلة، وأشياء رأتها تحدث لأشخاص من حولها، وادعت بتلك الطريقة أنها قابلت بواسطة الإنترنت رجلا يدعى كايل، واعتقدت أنه حب من أول نظرة، لتكتشف بعدها حالما قابلته شخصيا أنها غير قادرة على غض نظرها عن أنفه المحني. بالفعل لكايل أنف ضخم مع عظمة كبيرة. هذا صحيح، وتخلي سوزي عن صديقها بأنفه الضخم لميل هو أقل ما يمكن أن تفعله بعد تلك الليالي المتعبة التي تخللها تعليق الصور. وربما كانت الضجة المستمرة هي التي أهابت بميل أن تقول نعم، حينما رتبت لها ديانا موعدا مع أحد أصدقاء مدرسة ستيف القدماء، وكان قد عاد مؤخرا إلى نيويورك بعد أن عاش لبعض الوقت على الساحل الغربي. قالت ديانا: إنه شاب رائع. وعلمت ميل أن هذا يعني أنه مضجر أو بشع، ولكنها أملت أن لا يصدق ذلك. وكانت قد تعلمت من جدتها الألمانية مقولة ألمانية. وهي كالتالي "الرائعة هي الأخت الأصغر لمقرفة" أو هل كانت تقول الأخ الأصغر لمقرف؟. توفيت جدتها قبل خمس سنوات، ولذلك لم تكن ميل تتكلم الألمانية، ولذلك ليس لديها طريقة لتتأكد بها. ولكنها تفترض أن الموضوع غير مهم. وأضافت ديانا: أنه أيضا لديه سيارة. وربما من الطيب أن تغادر المدينة لبعض الوقت. ولم تعترض ميل على المسألة. لساعتين وهي تكتب لصديق ستيف - تبين أن اسمه جايك. بدآ بتبادل الرسائل قرابة الوقت الذي بدأت به سوزي وكايل ممارسة الجنس.

أولا أراد أن يعرف بماذا تفكر. أرادت أن تقول: أموت من الضجر. كل دقيقة أفقد من نفسي القليل. لكن كتبت: أغسل. جعلت الإنترنت المواعيد الغرامية بلا عواطف إلى حد مقلق. يمكنها أن تلتقي بهذا الشخص ذاته، وعلى الأقل يمكنهما لاحقا التظاهر أن اللقاء طبيعي. كما لو أنهما ليسا يائسين كبيرين ضاع عمراهما في مرحلة النضج، ولم يقع اختيار أحد عليهما، وهذا فشل ذريع - كانا آخر من يقع الاختيار عليه ليكون في فريق حصة اللياقة البدنية.

ولكن. كلا في هذه الأيام عليك أن تراسل قبل أن تغادر مخبأك. ولتتأكد أنك "منسجم". أو لتتأكد أن الآخر ليس مجرما. وكانت ميل تشك أنه لا يسعها الجزم بأحد الحالتين بعد حفنة من الرسائل. كيف يكتب المجرم رسائله النصية؟.

سألها جايك: متى يكون لديها وقت فراغ ليلتقيا.

فكرت ميل بالموضوع. متى يكون لديها فراغ من أجل لقاء؟ فتحت تطبيق الروزنامة في هاتفها. رأت أمامها صفا من مقابلات عمل، ومواعيد طبيب، ومواعيد غداء مع صديقات. وكلها مرتبة مثل طابور من عساكر صغار من القصدير.

تتابع إيقاع ارتطام الجسدين المتعانقين وهز الجدار.

ما رأيك الآن حالا؟.

وصل في الموعد المحدد. في الحقيقة قبل دقيقتين. كانت ميل تنتظر في الخارج أمام بناء شقتها منذ عشر دقائق لأنها لم ترغب أن تغامر بدعوته إلى الداخل. انتابها البرد. ولم ترد أن تضع قبعة حتى لا تشوش تصفيفة شعرها، والآن لا يمكنها أن تشعر بأذنيها. توقف بسيارة قديمة مضعضعة والصدأ يزحف على أبوابها والمرآة الجانبية مثبتة بشريط لاصق. ولم يكن من السهل أن تقرر هل لونها بني أم بنفسجي بسبب ضوء الشارع الخافت. ارتجفت ميل بعد صوت قرقعة مرتفع، ثم أدركت أن المحرك ينفخ. وفكرت أن تستدير وتعود إلى غرفتها، ولكن فكرة الإصغاء لأوبرا سوزي وكايل جعلها تتردد، ثم تأخر وقت الانسحاب.

قال جايك: لا بد أن نيل العجوز ستتذمر من هذا الشخص الذي يخرج من السيارة.

صححت ميل له بقولها: اسمي ميل. وهو اختصار ميلاني.

- آه. لا نعم. أعلم. كنت أشير للسيارة. نيل هي السيارة. تيمنا باسم نيللي الذي ورد ذكره في "بيت صغير في البراري". هل تعرفينه؟.

قالت ميل: ليس تماما. أعتقد أنه سمى سيارته تيمنا بأوبريت شعبي؟.

قال جايك وهو يدور حول المقدمة وضوء المصابيح المرتفع يغسل خياله: متذمر باستمرار. وجع في المؤخرة. هذا هو نمط شخصيته. النوع الذي نحب أن نكره. أو نكره أن نحب؟. لست متأكدا.

حينما اقترب منها، مالت ميل لأجل عناق سريع، لكن ابتعد جايك ليفتح لها الباب.

سلوك قديم الطراز. سيد مع أل التعريف (وردت في الأصل: A gentleman with a capital G ) وتقريبا كادت ميل أن تضحك.

قالت: شكرا. وصعدت إلى السيارة. ازدحمت على رف السيارة الأمامي أغلفة الطعام السريع، وجعلت طيات عميقة في جلد المقاعد الكراسي تبدو مثل وجوه هرمة. وكان للهواء عطر مطر خفيف ذكرها بارتداء ثياب مبتلة لفترة طويلة. قفز جايك إلى السيارة من الطرف الآخر. ولأول مرة أخذت ميل منه نظرة كافية. لم يكن دميما. عيناه مدفونتان قليلا في عمق المحجرين، ونمش واضح يغطي أنفه مثل السمسم. وعدا ذلك ليست له ملامح وجه لافتة قد تفاقم من كراهيتها له في أحد الأيام. كانت ديانا محقة، على الأقل فيما يتعلق بمرآه. فهو يبدو مرضيا. قال جايك حينما قرقع المحرك وهو يدور: آسف لهذه الفوضى. كان علي أن أنظفها. ولكن ما ترينه كان نتيجة التعجل العفوي.

قالت ميل: أنا بنت فطرية.

ولا تعرف لماذا ادعت ذلك. فهي بدون هذه الصفة ولو بمقدار ذرة. ثم قالت: أنت توفر لشراء سيارة جديدة؟ وأشارت إلى القطع النقدية المبعثرة تحت كاحل بوطها. على الأقل وجدت المئات منها على الأقل موزعة على مفرش الأرضية، سنتات وأرباع دولارات وعشر سنتات، وكلها من نحاس وفضة تبرق بظلال مختلفة.

- كلا. كلا. كنت أضع المعادن الزائدة في كوب. ولكنه فاض بالصدفة. فتركتها كما هي. تخيلت أنها تبدو مثل قاع بئر الأمنيات. ولذلك والآن كلما وقع بيدي قطعة نقود ألقيها في هذا البئر.

ضحكت ميل. ثم كبتت ضحكتها وقالت: آه. هل أنت جاد.

- نعم، هل تريدين أن تفكري بأمنية؟.

- أعتقد أنني هكذا بحالة طيبة.

- متأكدة؟ ماذا لو نجحت الفكرة؟.

- لن تنجح.

- لن تعرفي إن لم تحاولي.

تفحصته ميل بنظرها، لتتأكد أنها ليست برفقة أحد طلابها. كان طلابها يرددون مثل هذه الأقاويل، طيلة الوقت، وينشدون شعارات يقتبسونها من روبي كوار مثل قولها "التطور يبدأ بخطوة واحدة". وقولها "الأفضل لك أن تتخبط وتتعثر من أن تقف جامدا". و"إن لم تحاول هذا يعني أنك خسرت الرهان". أقوال مأثورة فارغة. تفاهات. وقد سمعتها ميل كلها. وكانت وراء التخلف عن دروسها بحجة الأسباب النبيلة مثل الاحتجاج على تبدل المناخ واللامساواة بين الجنسين وصناعة التاريخ. وأحيانا تشعر بالدافع لتقول لهم: التاريخ الوحيد الذي يصنعونه هو تاريخ الزحام في ساعة الذروة. في الأسبوع الماضي سألتها إحدى طالباتها، وهي بنت بوجه منتظم لدرجة مقلقة، برأي ميل لا يجوز أن تكون البنت جميلة وذكية بنفس الوقت - سألتها أمام كل الصف: ما رأيها بما يجري في غزة؟. أجابت ميل: فظيع وبدلت الموضوع. الحقيقة أنها لا تعرف ماذا يجري في غزة. ولا ماذا يجري في أوكرانيا أو سوريا أو اليمن، باستثناء أن شيئا يحصل، وهو غير محبب. أنفقت ميل يوميا ساعات وهي تقرأ الأخبار لأجل مشروع بحثها الرسمي عن ردة الفعل الدولية على وباء كوفيد 19. ولكنها لا تزال عالقة في حصاد عام 2020. ولم يسعها أن تغطي أخبار هذه الأيام أيضا.

قال جايك: وإذا؟.

- وإذا ماذا؟.

- ماذا عن تلك الأمنية؟.

وببساطة تحول جايك إلى امرأة مسنة عقدت شعرها من الخلف فوق رقبتها بشكل كعكة مشدودة، وكأن ميل ترافق أمها بعد موعد مدبر. ماذا لو لم نتسرع بهذه الأمور؟ ماذا لو تبادلنا الزيارات في عطلة الأسبوع؟ ما رأيك بالتوفير؟ ما رأيك بالمواعيد المدبرة، هل من جديد؟. ماذا عن تجميد بويضاتك - لتكوني واثقة من نفسك؟. لم تسألها أمها السؤال الأخير، ولكن ميل متأكدة أنها ستفعل، عاجلا أم آجلا.

أجابت: ليس لدي نقود معدنية. وتوقعت أن هذا سينهي الموضوع.

أجاب جايك: أنت محظوظة. لدي نقود لم ألق بها من قبل. وهي كلها لك. وفتش في جيب معطفه، ويده على المقود، وأخرج قطعا معدنية. نظرت ميل إلى النقود التي في يده. ثلاث سنتات، وقطعة من عشر سنتات، وربعان. ألقى جايك العشرة على الأرض أمام مقعدها. وقال: انظري. الأمر بسيط.

تناولت ميل سنتا. إذا كان هذا سيسكته، ما الضرر منه. كان سنتا يحمل صورة لنكولن في ذكراه، وصورة إبراهام لنكولن على الوجه الأمامي، تحت عبارة: بالله نحن نؤمن.

قال جايك: عظيم. فكري بأمنية.

ألقت ميل القطعة. وسقطت على السجاد بين كعبيها بدون صوت.

- سعيد؟

- جدا.

- تهانينا. درجة أولى لهذا الحماس.

وحان الآن دور جايك للضحك. تابعا على طول جسر جورج واشنطن. في الظلام يستحيل أن تؤكد أين ينتهي الهدسون وأين تبدأ السماء. وكانت أعمدة النور على الضفة المقابلة تبدو مثل اليعاسيب. سألت ميل أين يذهبان. قال جايك: إن كانت تريد أن تعرف، عليها أن تفكر بأمنية ثانية. قالت: إذا لا أريد أن أعرف. فقال جايك: جيد. لأنه يريد أن يتركها مفاجأة. وضع شريطا في المسجلة. لا تستطيع ميل أن تتذكر آخر مرة ركبت سيارة تتوفر فيها مسجلة أشرطة كاسيت حقيقية، ربما كان أشد ما يقلقها في الماضي أن تتأكد من وجود شريط مناسب في السيارة لطريق العودة من الجامعة إلى البيت. وتعرفت على الأغنية في الحال. هاري شابن. القطة في المهد. بدأ جايك بالغناء. عرفت ميل الكلمات لكنها لم تشاركه الغناء. ليس لأنها مغنية سيئة، ولكن لأنهما ليسا طفلين، ولا حتى صديقين، وعلى كل حال، لم تكن تغني في السيارة حين تكون برفقة ديانا أيضا. ولذلك التفتت نحو النافذة وانتظرت الأغنية حتى تنتهي. ثم باشرا بالدخول في الكلام الإجباري - بدءا بالطبع من عمليهما. ولأن جايك بدأ بالسؤال باشرت ميل أولا. أخبرته أنها تدرس السياسة لطلاب المرحلة الأولى. قال جايك: إن هذا شيء محترم، فهو لا يمكنه التدريس. ويخاف من الأماكن العامة ويشغل نفسه بالشطائر في أنفاق القطار. ولذلك تحول إلى فنان بصري. سألته ميل عن الفن الذي يمتهنه. قال في معظم الأوقات لا يعرف بالضبط. ويطلب منه أخوه دائما أن يعمل بالوساطة العقارية. فهي المكان المناسب لجني النقود. وسألته ميل إن كان أخوه أصغر أم أكبر منه بالعمر. أجاب جايك بل أكبر. قالت له ميل إنها نشأت في بيت من طفل واحد، ولكن أمها مثل أختها لأن والدها رحل وهي صغيرة جدا. فرد جايك أنه يحلم أن يكون ابنا وحيدا، ولدرجة كان يتمنى فيها وقوع حادث مؤسف لشقيقه. قالت ميل هذا شيء فظيع. ووافقها جايك. فأضافت إنها كانت تحب أن يكون برفقتها إنسان يشاركها اللعب كلما ذهبت أمها إلى العمل. هز جايك رأسه. العشب دائما أشد خضارا (الناس تفضل الحالة المعاكسة). وفكرت ميل: كلا. العشب دوما ميت.

قال فجأة: لقد وصلنا. وأوقف السيارة وأطفأ المحرك وهو يقعقع كشأنه دوما. لم تشاهد ميل شيئا. كما لو أن جايك تغلغل في نفق عميق وأطفأ كل الأنوار. قال: هيا بنا.

ترددت ميل. دار جايك حول السيارة وفتح بابها. وقال: أعدك لن أقتلك.

قالت وهي تخرج: إذا صدق وعدك.

ضربت وجهها المكشوف ريح باردة. كانا في مكان مرتفع حتما، أو قرب الماء، أو الاثنين. أخذ جايك يدها وقادها عبر الباحة نحو ممر يغطيه الحصى وكان يتعرج داخل إحدى الغابات. تسلل الدفء إلى يده، وهو يحميها من الهواء. كانت هناك في نهاية أصابعه انتفاخات صغيرة. قال إنه يتعين عليه أحيانا أن يحمل أشياء من أجل تماثيله. فأجابت إنها لا تهتم للأمر. وصلا إلى مكان مفتوح. لا يزال الضوء غائم، لكن الآن لم تكن ميل بحاجة له لترى. على مبعدة، وعبر الماء، لمعت أضواء نيويورك على المياه كأنها خيط من الجواهر المعلقة على الأفق. وعكسها الهدسون بشكل متحرك ومكسور، كما لو أن ناطحات السحاب تذوب ببطء في النهر. اتخذ ميل خطوة نحو الأمام، ثم أخرى، وقدمت نفسها على نحو غريب أمام أضواء المدينة البعيدة عنها. قال جايك وهو يجر ظهرها: احذري. وحينها فقط لاحظت أنهما يقفان على حافة منحدر.

سألت: أين نحن؟.

- تسمى الأعمدة. برد شديد. أليس كذلك؟ - دعينا نجلس هنا.

جلس جايك على صخرة ذات سطح ناعم غير مريح، كما لو أنها منحوتة لتكون مقعدا مزدوجا. وتساءلت ميل كم فتاة جاء بهن إلى هنا من قبل. مد يده في جيبه، وأمكن ميل أن ترى، أنه مرت سنوات قليلة، لكن كل شيء حصل في هذه البقعة - جايك يمد يده إلى جيبه ليخرج خاتما. لكن ميل لا تريد الخاتم. وهي متأكدة لو جرت الأمور على نحو مقبول، وإذا تابعا بانسجام، ستنتهي اللعبة، أليس كذلك؟. الهدف من هذا. الالتزام. الوعد. حتى نهاية النهاية وإلى الأبد. إلى الأبد. إلى الأبد - حتى يضجر أحدهما (أو كلاهما) من العلاقة، وبعد شهور وشهور من النصائح الزوجية، ثم يقرران أنه من الأفضل لهما أن ينهيا الموضوع ويذهب كل منهما بطريقه.

قال جايك: هل يزعجك التدخين.

بدل الخاتم، أخرج علبة سجائر. لم ترد. فأشعل سيجارة. لم يكن يزعجها التدخين. في الحقيقة، والشكر لأفلام هوليود القديمة، تجد في ذلك أمرا مثيرا للغرائز. ما لا يمكنها أن تتعايش معه هو فكرة موت الناس قبلها. ولأنها امرأة وجايك رجل، فرص موته قبلها أعلى إحصائيا. ولتجعل الأمور أسوأ، كانت تعدو فقد اشتركت بالماراثون لعام. وقرأت في إحدى المرات أن من يعدو بانتظام يعيش بالمعدل ثلاث سنوات إضافية. وهو ما جعلها تقلع عن الجري.

سألها جايك: والآن أخبريني ماذا تمنيت؟.

- ماذا تمنيت؟.

- حين كنا في السيارة، ومعك النقود المعدنية.

كبتت ميل تنهيدة. ليس مجددا. وسألته: ألا يجلب هذا الكلام الحظ السيء؟.

قال جايك: بالتأكيد ستستثني سيدة الأمنيات صاحب سيارة بئر الأمنيات.

- طبعا.

- إذا؟ ورفع جايك حاجبيه كما لو أنها ماري بوبينز، وهي على وشك أن تخرج من حقيبة البساط السحري مفاجأة بمستوى المعجزات. كذبت ميل وقالت: قدمت أنا وزميلة لي ورقة بحث إلى أحد المؤتمرات. وتمنيت لو تقبل.

لم يكن هناك بحث، ولا أمنية، ولكن لسبب ما لم ترغب أن تخيب ظن جايك.

سألها: أي مؤتمر؟.

كذبت ميل مجددا: آه. مؤتمر بحوث. ولمزيد من المصداقية اخترعت اسم مؤتمر شاركت به في العام الماضي، وهو APSA.

قال جايك: رائع. حظا موفقا. وأخذ نفسا من سيجارته، وسجلت ميل في ذهنها ملاحظة، إذا التقت به ثانية بعد هذه الليلة، ستضطر لأن تقول في السياق إنهم، للأسف، لم يقبلوا البحث.

سألته: وماذا عنك؟.

قال جايك على سبيل الطرفة: لن أشارك في مؤتمر بالعلوم السياسية، ولا حتى على جثتي.

ابتسمت ميل. تعلم ماذا أقصد.

- أمنيتي؟

- نعم.

- لأكون صادقا معك لم أفكر بأمنية.

- ماذا؟.

- فعليا لا أومن بذلك، لا التمني ولا ما شابه.

- ولكن... أنت قلت في السيارة. لا أحد يعلم إن لم يجرب؟.

- لا نعلم إن لم نجرب. ولكن لا أحد يعلم حتى لو جرب أيضا. صحيح؟.

قالت ميل: في الحقيقة لست متأكدة أنني أفهمك.

- المسألة لا علاقة لها بالإيمان. وهي مجرد إلقاء قطعة نقود. هل لكلامي معنى.

فكرت ميل هل كان لكلامه معنى. في نفس الوقت تابع جايك قائلا: أعتقد أن هذا هو سبب رغبتي بالقدوم إلى هنا أحيانا. وتذكري أنني أكثر من واحد بين ثمانية ملايين. ويمكنني أن أبتعد في أي وقت. كما تعلمين؟.

حدقت به ميل، وحمل جايك السيجارة إلى فمه، وأخذ نفسا. تخيلت الدخان وهو يتحرك في أسفل بلعومه، ويمر من القصبات، ويستقر في الحويصلات الإسفنجية من رئتيه. سيكون تشييع جايك أسوأ يوم في حياتها. النعش، والزهور، والبنت الصغيرة التي تبكي. أو ربما البنت الأكبر، هذا يعتمد على فترة حياته. سيعزفون القطة في المهد في طريق الخروج من الكنيسة لأنها أغنيتهم. وبعد المراسم: تبدأ، من أشخاص لا يعرفون جايك جيدا، نغمة "التأسف" و"لا يسعني أن أتخيل" و"أخبريني حينما تحتاجين إلى شيء".

وقد يحصل العكس وترحل هي أولا. قد تصدمها سيارة غدا، صحيح؟ وسبق لميل أن أوشكت أن تسقط من حافة السفح. مالت وضغطت بشفتيها على شفتيه. تذوقت طعم التبغ والموت. تراجع جايك. هووهو، ماذا تفعلين؟.

قالت ميل: أنوي أن ألقي قطعة نقدية. وحاولت أن تقبله ثانية. لكنه ابتعد.

- تلقين قطعة نقود؟.

- رمزيا. ألم نأتي إلى هنا لأجل ذلك؟

- لا. أقصد نعم. إذا سارت الأمور على ما يرام.

- أليست كذلك؟

- أليس ماذا؟

- على ما يرام.

- آه. نعم. لكن كيف أعبر عن هذا؟ كنت، إم، آمل أن أتعرف عليك قليلا أولا.

- أنت تعلم أنني أحب هاري شابن وأدرس الفلسفة وأنا ابنة وحيدة.

- أنا متأكد أن هذا ليس كل ما يجب أن أعرف.

- وماذا لو أنه كل شيء؟.

- أنا متأكد أنه ليس كل شيء.

- وكذلك أعاني من تقرن في الجلد، وهو جلد ميت متراكم، ولا سيما في القدمين، وأحيانا أكذب بخصوص حياتي لأجد ما أخبر به أمي، ولا يهمني ما يجري في غزة.

- أنت مضحكة.

ابتلعت ميل بقسوة. وقالت: أعتقد يمكنك أن تعود بي إلى البيت الآن.

احتج جايك. لأنه لم ينافق مععا هذا لا يعني أنه عليهما أن يعودا.

أصرت ميل. فهي متعبة.

أطفأ جايك سيجارته على الصخرة، وارتفع الدخان بينهما. قاد السيارة معظم الطريق وهما صامتان. ميل تحدق من النافذة. وحينما عبرا من جسر جورج واشنطن، لاحت المدينة الواسعة ثانية. تخيلت أن البشر يبدون هكذا للنمل. قبيحون، وعمالقة، ويكبرون بالتدريج قبل أن يقضمهم المجهول. سأل جايك حالما ابتعدا عن الجسر: ومتى سأراك لاحقا؟.

قالت ميل: لن نلتقي. كانت تعلم كيف سينتهي الموضوع، وشاهدت كل شيء يجري، ثم شكرا، لا ضرورة للشكر.

- هيا. لم لا؟ كانت الأمسية جيدة حتى... لم أقصد استفزازك. ومتأسف إذا فعلت.

- الأمر ليس كذلك.

- ماذا هو إذا؟

- له علاقة بالسيارة.

- السيارة؟.

- نعم.

- ما خطب السيارة؟

- انظر إليها.

- ها أنا أنظر.

- يا لها من فوضى.

- وإذا؟

- أنت لا تعتني بها.

- ولكنها سيارة.

- بالضبط.

توقف أمام مسكنها في نفس البقعة التي حملها منها قبل ساعة فقط. شكرها على الأمسية. خرجت ميل، وبالصدفة ركلت إحدى قطع النقود. تقدمت في الممر إلى شقتها، ولكن ابتلع صوت خطواتها قعقعة المحرك وهو يدور من ورائها. كانت الغرفة من الداخل هادئة. على الأقل توقفت سوزي وكايل عن ممارسة الجنس أو الحب أو أي شيء من هذا القبيل. تفحصت ميل هاتفها. كانت قد فاتتها مكالمة من ديانا. ربما أرادت أن تسألها عن رأيها، حول شيء له علاقة بالعرس، مثل أي نوع الأفضل: بطاقات المناسبة من طراز كلاسيكي وتقليدي أم فني ومضحك؟. والأهم هل الأفضل من نوع DIY (صممه بنفسك) أم من نوع الطلبات المعدلة؟ وقررت ميل أن بإمكانها الانتظار حتى الصباح. معظم المشاغل بمقدورها أن تنتظر. لا تبدأ حصة تدريس ميل قبل العاشرة. ولكنها نهضت في السابعة. كانت بحاجة لأن تعجل بالجري قبل أن تواجه رواد التاريخ. حينئذ يمكنها على الأقل أن تقول لنفسها، حسنا، أنت تصنعين التاريخ، ولكن من قام بالجري هنا في هذا الصباح وتحدى متاعب خمسة أميال؟. جرت شمالا على طول الهدسون، كان جسر جورج واشنطن يتضخم مع كل خطوة. وفي الخلف، على الجانب الآخر من النهر، توجد الأعمدة. والآن هي مجزأة إلى شرائح بسبب هيكل الجسر. وحاولت أن تتذكر شكل المدينة من بعيد، لتنعش الصورة في خيالها، حبل من المجوهرات على عرض الأفق، والأضواء تذوب في الماء. كل ما تراه الآن فوضى من المعادن والإسمنت والسيارات. فكرت: مشهد النملة، وخفضت نظرتها إلى الرصيف. تباطأت، ثم توقفت وتمطت. وضعت يديها على السور، ومدت ذراعيها باستقامة وتراجعت إلى الوراء، خفضت نصفها الأعلى، حتى أصبح مستويا كالطاولة. ضغطت بكعبيها على الرصيف، وشدت ربلتي ساقيها وشعرت بالألم المعهود. ثم شاهدته، فقط على بعد بوصات من خلف قدميها: سنت، خامل، ملوث بالتراب، ولا يبهج الروح. كان أسفله نحو الأعلى، وتعرفت ميل على الخطوط الباهتة لتمثال لنكولن التذكاري. تلفتت حولها، كأنها تريد أن ترى الشخص الذي ألقاه، وسيكون أي شخص يفتقد إلى قطعة نقود ناشزة. لم تجد أحدا حولها باستثناء رجل ببذة، ويرافق كلبه. رفعت ميل قدما إلى الأعلى خلف ظهرها، وقبضت على كاحلها بيدها، ثم تمطت بجانبها الأيسر، وكررت ذلك بيمينها. فحصت المنطقة مجددا، ولم تجد أي شخص مهتما بالبحث عن نقوده. وبحذر شخص يعود إلى عادة قديمة بعد العديد من السنوات، حملت السنت، دسته في جيبها، وتابعت الجري.

***

........................

* لارا واس Lara Waas كاتبة قصة أمريكية. تترجم عن اللغة الألمانية. حصلت على مؤهلها العلمي من ميونيخ في ألمانيا. وعملت بتدريس اللغة الإنكليزية في غواتيمالا.

 

بقلم: أنطون تشيخوف

ترجمة: نزار سرطاوي

***

يَعبُر أوشوميلوف رئيسُ الشرطة السوقَ بمعطفه الجديد، وقد تأبطّ طردًا. يتبعه شرطيٌ أُحمرُ الشعر يحمل بين يديه بعضًا من الفاكهة المُصادَرَة. يَسودُ الصمت في الجوار. ليس ثمّة أحدٌ في السوق. أبوابُ ونوافذُ المحلاتِ التجارية والحاناتِ المفتوحة بدت وكأنها أفواهُ فاغرةٌ جائعة. لم يكن ثمّةَ أحدٌ في الجوار، ولا حتى متسوّل.

فجأة سمع أوشوميلوف شخصًا يصرخ. "إذًن أنت تعضُّ أيها الوحشُ اللعين! ليس مسموحًا للكلاب أن تعضّ في هذه الأيام. توقفْ! آهـ، آهـ!"

سُمِع نباحُ كلب. نظر شوميلوف ناحيةَ الصوت فرأى كلبًا أعرجَ بثلاثِ أرجل يعدو خارجًا من ساحة الأخشاب، يطارده رجلٌ يرتدي قميصًا أبيضَ بأزرار مفكوكة. كان الرجل يسير في إثْرِ الكلب. وفجأة تعثّر، لكنه عندما سقط وثبَ إلى الأمام وقبضَ على الكلبِ من ساقه الخلفية. سُمع نباحُ الكلب مرةً أخرى، وسُمِع الصراخ كذلك. أطلّت وجوهٌ يبدو عليها النعاس من نوافذ المحلات التجارية. وفي التوّ تجمع حشدٌ من الناس عند ساحة الأخشاب كما لو كانوا قد طلعوا من باطن الأرض.

قال الشرطي: "يبدو أنه شِجارٌ يا سيدي."

استدار أوشوميلوف وراح يخطو سريعًا نحو الحشد. على مقربةٍ من بوابة ساحة الأخشاب رأى الرجلَ ذا القميص الأبيض مفكوكِ الأزرار يحملُ يدَه اليمنى ويرفع أمام الحشد إصبعًا تنزف دمًا. بدا على وجهه الثَمِل تعبيرٌ كأنما كان يقول: "انتظرْ! سأجعلك تدفع ثمنَ هذا، أيها الشرّير!" عرف أوشوميلوف الرجل. إنه خريوكين، صائغ الذهب. وسطَ الحشد كان المجرمُ الذي تسبب بالمشكلة كلِّها يُقعي مرتعشًا من رأسه إلى أخمص قدميه، وقد مدّ رجليه الأماميتين – جروٌ أبيضُ بأنفٍ مُدبّب، وقد علت ظهرَه بقعةٌ صفراء، وبدت في عينيه الدامعتين تعابيرُ البؤس والهلع.

سأل أوشوميلوف وهو يشق طريقه وسط الحشد: "ما الامر؟ لِمَ أنت هنا؟ ماذا حدث لإصبعك؟ من الذي كان يصرخ؟"

قال خريوكين: "كنت أسير في طريقي يا سيدي، وادعًا كالحَمَل. لم أمسسْ أي إنسانٍ أو أي شيءٍ حين عضّ هذا الوحش الملعون إصبعي على حين غرة. استميحك عذرًا يا سيدي. أنا رجلٌ عامل. عليّ أن أقوم بعملٍ في غاية الدقّة، ولا بد لأحد أن يدفع لي، إذ أنني لن أتمكن من استعمال هذا الإصبع، ربما لمدة أسبوع! ليس في القانون يا سيدي ما يَنصّ على ضرورة تَحَمُّل الكلاب التي تعضّ. إذا سُمح لها بالعضّ فلن تكون للحياةُ التي نعيشها أية قيمة. "

همهم أوشوميلوف وهو يحرك حاجبيه إلى الأعلى وإلى الأسفل. "لمن يعود هذا الكلب؟ لن أدعَ هذه المسألة تمرُّ هكذا ببساطة! سأعَلّمُكم أيها الناس ألّا تتركوا كلابَكم سائبة! لقد حان الوقت لفعلِ شيءٍ بشأن أولئك الذين لا يلتزمون بالقوانين. سأعاقب صاحبَ الكلب. سأريه من أنا!" التفت إلى الشرطي. «يلديرين! أريدك أن تعرف صاحب الكلب وأن تُعِدَّ تقريرًا. سيُعْدَم الكلبُ دون إبطاء. لعلّه كلبٌ مجنون ٌعلى أيةِ حال. من هو صاحب الكلب؟"

قال أحدهم في الحشد: "إنه يشبه كلبَ الجنرال."

"الجنرال؟ آهـ! يلدرين، اخلع عني معطفي. الطقس حارٌ بصورةٍ رهيبة! سينزل المطر على الأغلب..." التفت إلى الصائغ ثم أردف: "هناك أمرٌ لا أفهمه يا خريوكين. كيف لهذا الكلب أن يعضَّك؟ فهو لا يقدر أن يصل إلى أصابعك. إنه كلبٌ صغيرٌ وأنت رجلٌ ضخم. لعلّك جرحت إصبعَك بمسمار، ثم خطرت ببالك فكرةُ الكلب والآن تحاول الحصول على بعض المال. أنا أعرف أمثالك أيها الغشاش الوغد!"

"لقد وكز وجهَ الكلب بسيجارة. ولهذا هاجمه الكلب وعضه يا سيدي."

"هذا افتراء! أنت لم ترني افعل ذلك، فَلِمَ تكذب؟ إن حضْرَتَهُ رجلٌ حكيمٌ يعرف من يقول الحقيقةَ ومن يكذب. إن كنتُ أكذب، فلندعِ المحكمة تقرر. القانون يقول إننا جميعًا في هذه الأيام متساوون. لديّ أخٌ في الشرطة. دعني أخبرك."

"توقفا عن الجدل."

قال الشرطي متفكّرًا: "لا، هذا ليس كلبَ الجنرال. ليس عند الجنرال كلاب مثل هذا. كلابه مختلفة."

"هل أنت واثقٌ من ذلك؟"

"نعم سيدي، كلّ الثقة."

"أنا نفسي أعرف ذلك أيضًا. الجنرال عنده كلاب من سلالة باهظة الثمن، أما هذا الكلب! فليس له شَعرٌ ولا شكل. لِمَ يقتني الناس كلابًا كهذا؟ هل تدري ما الذي سيحدث لو أن مثل هذا الكلب ظهر في بطرسبورغ أو موسكو؟ لن يعبأَ أحدٌ بالقانون وسيُخْنَق الكلب على الفور! أنت ضحيةٌ يا خريوكين، وقد عانيتَ كثيرًا. لن أدعَ هذه المسألة تمر هكذا ببساطة! لا بدّ أن أُلقِّنَ المالكَ درسًا!"

كان الشرطي يفكر بصوتٍ عالٍ: "ربما يكونُ كلبَ الجنرال على الرغم ذلك. قبل ايامٍ رأيت كلبًا مثلَه في ساحة بيت الجنرال."

قال صوتٌ من الحشد: "بالطبع إنه مِلك للجنرال."

"يلدرين، ساعدني في ارتداء معطفي. الطقس بارد. الريح تشتدّ. وأنا أرتعد من البرد. خذ الكلبَ إلى مقرّ الجنرال وتحرَّ عن الأمر هناك. قل إنني وجدته وأرسلته. وأخبرهم ألا يتركوا الكلبَ في الشارع. فهو على الأغلب كلبٌ باهظ الثمن، وإذا ما راح كلُ وغدٍ يكِزُه بسيجارة فسيحلُّ به الدمار عمّا قريب. الكلب مخلوقٌ رهيف. وأنت أيها الغبي أنزِلْ يدك! لا تريني إصبعك التافه هذا مرة أخرى. الخطأ خطأك.ها قد حضر طبّاخ الجنرال. فلْنسألْه. مرحبًا يا بروخور. تعال إلى هنا لحظة! انظر، هل هذا الكلب لك؟"

"أي كلب؟... لم يسبق أن كان لدينا كلبٌ كهذا أبدًا!"

قال أوشوميلوف: "لا داعي لإضاعة الوقت في السؤال. "إنه كلب ضالّ. ليس هناك ما يقال غير ذلك. إذا قلتُ إنه كلبٌ ضالّ، فهو كلبٌ ضال! لسوف يُعْدَم"

أردف بروخور: "إنه ليس كلبنا، بل يعود إلى شقيق الجنرال الذي وصل من موسكو قبل أيام. فسيّدي لا يحب هذا النوعَ من الكلاب، لكن شقيقه يحبها."

"إذًن وصل شقيقه؟" سأل أوشوميلوف وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة البهجة. "تصوّروا! ولم أكن أعلم بذلك! هل هو هنا في زيارةٍ أخرى"

"نعم سيدي، في زيارة."

"حسنا. لم أعرف بذلك أبدًا... إذًن تقول إنه كلبُه؟ رائع، كم أنا سعيد. خذه! يا له من كلبٍ صغير مليءٍ بالحيوية، كلبٍ صغيرٍ خفيفِ الحركة ينقضّ على إصبع هذا الرجل! ها ها ها ها. لِمَ ترتجف يا صغيري؟ رررر... رررر... هذا الرجل شرّير."

نادى بروخور على الكلب واصطحبه معه. ضحك الحشدُ على كريوكين.

قال أوشوميلوف متوعّدًا: "ستقع في يدي ذات يوم"، ولفَّ نفسه بمعطفه، وتابع سيره عبر السوق.

***

............................

يعتبر أنطون بافلوفيتش تشيخوف،  المولود في تاغانروغ في جنوب روسيا في عام 1860، أحد كبار كُتّاب المسرح والقصة القصيرة في روسيا. كتب 17 عملًا مسرحيًا وأكثر من 500 قصة قصيرة، ورواية واحدة وسبع روايات قصيرة  حظيت أربعٌ منها على الأقل بشهرة عالمية، وهي: نورس البحر (1895)، العم فانيا (1899)، الشقيقات الثلاث (1900)، بستان الكرز (1903). أما أعماله غير الأدبية فاقتصرت على عملين، أحدهما في أدب الرحلات، والثاني كتاب مذكرات. 1904 توفي في أحد فنادق مدينة بادِنْ وايلر في ألمانيا. ونُقل جثمانه إلى موسكو، حيث دفن هناك.

بقلم: كاترين فيبس

ترجمة: د. محمد غنيم

***

(في الدار البيضاء خلال ثلاثينيات القرن الماضي، استقطب حي مُسوَّر يُدعى بوسبير السياح الأوروبيين بوعودٍ بمتعةٍ "غريبة". لكن خلف بواباته المزخرفة، كانت مئات النساء والفتيات المغربيات مُحتجَزات من قِبل السلطات الاستعمارية الفرنسية. قصصهن محفوظة في الرسائل اليائسة للعائلات التي حاولت تحريرهن).

***

كان المساء قد حل في إحدى أمسيات سبتمبر عام 1937 عندما أدركت عائلة فاطمة أنها مفقودة. كانت الفتاة المراهقة قد انطلقت من مزرعتهم إلى السوق في "بئر الجديد"، وهي بلدة صغيرة تبعد حوالي 30 ميلاً خارج الدار البيضاء، المغرب، في وقت مبكر من اليوم ولم تعد. تخلى والدها، محمد، عن حقوله في محاولة للعثور على ابنته، متبعًا آثارها إلى الدار البيضاء، حيث بحث في الشوارع عن أي علامة لها لأيام متتالية. لكن الفتاة لم تكن في أي مكان يمكن العثور عليه. في محاولة أخيرة ويائسة، شق طريقه إلى بوابة "بوسبير"، حي بيوت الدعارة الضخم المحاط بالأسوار والذي كان يجذب الآلاف من الباحثين عن الإثارة - ومئات من الفتيات والنساء غير المدركات - إلى أزقته المتعرجة وساحاته المغطاة كل عام.

وهناك، في بيت دعارة في 26 شارع المراكشية، وجد محمد ابنته. ألقت فاطمة بنفسها على قدمي والدها، تبكي بلا حسيب وتتوسل إليه أن يغفر لها. شرحت على عجل أنها التقت بامرأة في السوق قالت إنها تعرف والدها. المرأة، التي قدمت نفسها باسم زينة، دعت فاطمة بحرارة للمجيء والبقاء معها في الدار البيضاء لبضعة أيام، وقبلت الفتاة بسذاجة. في الواقع، كانت زينة مديرة بيت دعارة، وعندما وصلتا إلى الدار البيضاء، تم اصطحاب الفتاة بسرعة إلى بوسبير وحُبست في بيت الدعارة حيث وجدها والدها.

لكن قبل أن تتمكن فاطمة من إخبار والدها ببقية القصة، اقتحمت المديرة المكان، مدركة أن الرجل ليس زبونًا، وبدأت تهدد بالاتصال بالشرطة لحبسه بتهمة اقتحام بيت الدعارة الخاص بها. خوفًا من الشرطة الاستعمارية ومما سيحدث لبقية أسرته إذا تم اعتقاله، اضطر الأب لأربعة أطفال إلى ترك ابنته في حي بيوت الدعارة حيث كانت محاصرة جنبًا إلى جنب مع مئات النساء والفتيات الأخريات. وهناك، أصبحت فاطمة البغي رقم 4921.

ولأنه أمّيّ، وغريب، ويشعر بالعجز، بحث محمد عن كاتب عرائض (ناسخ) لكتابة رسالة يتوسل فيها لإطلاق سراح فاطمة. كتب: "أنا مجرد فلاح مسكين وأعزل،" قبل أن يتضرع لطلب حريتها من المشرفين الذين سيطروا على كل عنصر من عناصر الحياة في متاهة بوسبير الكثيفة: السلطات الاستعمارية الفرنسية.

في ظل الحكم الفرنسي، سُجنت آلاف النساء والفتيات مثل فاطمة داخل بوسبير، أكبر حي دعارة في أفريقيا، والذي بنته السلطات الاستعمارية في عام 1914 كوسيلة للسيطرة على ما يُفترض أنه نظافة وصحة العاملات في الجنس وزبائنهن من خلال فحوصات دورية للأعضاء التناسلية بحثًا عن الأمراض المنقولة جنسيًا. في الواقع، أصبح بوسبير مكانًا للرقابة الاجتماعية، حيث يمكن للشرطة التي تعمل برقابة قليلة أن ترسل أو تحتجز النساء والفتيات وتجبرهن على بيع الجنس بمجرد الاشتباه في أنهن كن يمارسن الدعارة.

خافت العديد من العائلات كثيرًا من الشرطة الاستعمارية أو العار والوصم الذي يأتي مع وجود عاهرة في العائلة لدرجة أنهم لم يحاولوا إطلاق سراح زوجاتهم وبناتهم بمجرد وصولهن إلى بوسبير. لكن آخرين، مثل محمد، حاولوا لسنوات، يكتبون رسالة تلو الأخرى يناشدون السلطات الاستعمارية للإفراج عن أحبائهم. تقدم هذه الرسائل، المحفوظة في المحفوظات الفرنسية، نظرة ثاقبة وغنية على النظام الذي جعل من بوسبير عامل جذب ضخم للأجانب، ومكانًا جحيميًا للنساء والفتيات المغربيات وعائلاتهن.

جاء اسم "بوسبير" من بروسبر فيريو (Prosper Ferrieu)، وهو قنصل فرنسي كان يمتلك قطعة أرض على حافة الدار البيضاء مع عدد قليل من بيوت الدعارة عليها في حقبة ما قبل الاستعمار. في عام 1914، بعد عامين من الحماية الفرنسية، بنى المسؤولون حيًا محاطًا بالأسوار على أرض فيرييو، مما أدى إلى توسيع كبير في مساحة حي الدعارة. (تم نقل اسم بروسبر صوتيًا إلى "بروسبير"، ثم "بوسبير"، وبقي الاسم). كان الحي جزءًا من إعادة تصميم الدار البيضاء من قبل مهندسين معماريين فرنسيين مثل هنري بروست، الذي سعى لتحديث المدينة بالشوارع الواسعة والمجاري الحديثة للمقيمين الفرنسيين، بينما قام بعزل المدينة العتيقة المغربية بأسوار. كان إنشاء بوسبير جزءًا من هذا المنطق الاستعماري: الصحة والنظام للأوروبيين، والاحتواء والمراقبة للمغاربة. كانت هناك بوابة واحدة تؤدي إلى الحي وخارجه؛ وكانت تحرس على مدار الساعة من قبل الجنود الفرنسيين.

أصبح بوسبير نقطة جذب هائلة، ليس فقط للسكان المحليين في الدار البيضاء (والجنود الفرنسيين المتمركزين هناك)، ولكن للسياح الذين جاءوا من جميع أنحاء أوروبا ليخوضوا في تخيلات استشراقية. كان ما يقرب من 1000 إلى 1500 زائر يأتون يوميًا في ثلاثينيات القرن الماضي، رجال ونساء أوروبيون، وسياح وزبائن. شجعت الإدارة الفرنسية على ذلك؛ تضمنت النشرة الرسمية التي أنتجها المكتب السياحي الفرنسي في المغرب تعليمات مفصلة حول كيفية الوصول إلى حي بيوت الدعارة. كانت هناك حتى خدمة حافلات منتظمة. بطاقات بريدية لنساء عاريات الصدر مستلقيات على سجاد ووسائد تحت الأجنحة المقوسة لبوسبير تم تداولها في جميع أنحاء العالم. كانت وفيرة لدرجة أنه حتى الآن، بعد قرابة قرن من الزمان، لا يزال بإمكانك العثور على هذه "المحظيات لعلب البريد" في أسواق السلع المستعملة في باريس وروما.

لكن معظم هؤلاء الجميلات، اللاتي أثرن خيال السياح الباحثين عن الجنس الذين ترددوا على بوسبير على مدى العقود العديدة التي كان مفتوحًا فيها، إما تم استدراجهن إلى بوسبير دون علمهن أو أجبرن على التواجد فيه من قبل السلطات الاستعمارية مع القليل من الموارد للمغادرة.

ابتداءً من عام 1912 في المغرب، وقبل ذلك في الجزائر وتونس، أشرفت الدولة الاستعمارية الفرنسية على نظام صارم ومُنظّم للعمل في الجنس. كان على كل امرأة تبيع الجنس أن تكون مدرجة في سجل الدولة وتم تصنيفها رسميًا على أنها فتاة خاضعة   في المغرب وحدها، سُجِّل ما يصل إلى 5000 امرأة بحلول عام 1952. بمجرد تسجيل المرأة في السجل، يصبح ترك العمل في الجنس شبه مستحيل.

لعل رسائل محمد إلى السلطات الفرنسية تساعدنا في رسم صورة لمدى سهولة وقوع شابة في هذا النظام. كانت مديرات بيوت الدعارة - وكثيرًا ما كن عاهرات سابقات، عالقات في النظام ولكنهن تجاوزن سن العمل في الجنس - يذهبن للبحث عن مجندات جدد في البلدات والقرى الأصغر. كن يبحثن عن الفتيات والشابات اللائي يظهرن نحيفات أو قذرات، ويتسللن إليهن في الحشود التي تتجمع حول الموسيقيين ومروضي الثعابين، حيث كن يخبرنهن أنه يمكنهن تقديم حياة أفضل مع الكثير من الطعام ومكان دافئ للنوم. في إحدى رسائل محمد، يصف كيف اقتربت زينة من ابنته وتلاعبت بسذاجتها وأميتها: "وثقت ابنتي بدعوة هذه المرأة ووافقت على السفر إلى الدار البيضاء معها، لكنها صُدمت عندما وجدت أنها دخلت حي الدعارة دون أن تدرك (لعدم معرفتها بالدار البيضاء)، وبعد ذلك قامت هذه المرأة زينة على الفور باتخاذ الخطوات اللازمة للحصول على "بطاقة" ابنتي."

كان "الوضع على البطاقة" هو المصطلح المهذب للتسجيل كعاملة في الجنس، حيث كان رجال الشرطة المحليون يعطون عاملات بيوت الدعارة مثل فاطمة بطاقات هوية يحملنها تُدوّن مكان إقامة المرأة، وتحدد القواعد التي يجب أن تتبعها (بما في ذلك عدم القدرة على مغادرة بيت الدعارة دون إذن) وتسجل فحوصاتها الصحية الأسبوعية. تضمنت هذه الفحوصات عمليات تفتيش مؤلمة وتطفلية للأعضاء التناسلية باستخدام منظار مهبلي، من المفترض أنها لمنع انتشار الأمراض بين الزبائن. في الواقع، لم تقتصر على نشر الأمراض فحسب، بل جردت النساء من الكرامة والحرية.

كما لاحظ محمد، لم يتطلب الأمر الكثير لكي تقوم مديرة بيت دعارة بتسجيل فتاة: "يبدو أن هذه الإجراءات الشكلية كانت سهلة بشكل لا يصدق، مما يعني أنه ضد إرادتي بدأت ابنتي في عيش حياة الفجور من أجل مكاسب هذه المرأة." كل ما كان على المديرات فعله هو اصطحاب الفتاة إلى بيت الدعارة، وملء الأوراق مع الشرطة المحلية "لوضعها على البطاقة"، وتوقيع النموذج كذبًا الذي ينص على أنها تنضم إلى بيت الدعارة طواعية ووضع الفتاة تحت سيطرتها بموجب القانون الفرنسي. على الرغم من أنه كان من المفترض أن يكون عمر الفتيات 17 عامًا على الأقل لدخول بوسبير، إلا أن قلة قليلة من الناس في الريف كانوا يمتلكون وثائق هوية، مما سهل على المديرات تجنيد فتيات لا تتجاوز أعمارهن 12 عامًا والكذب ببساطة بشأن أعمارهن.

في بيوت الدعارة، سيطرت المديرات على تدفق الأموال. كن يأخذن حصة من الرسوم التي يدفعها الزبائن، ولكنهن كن يتقاضين أيضًا من الفتيات تحت سقفهن أسعارًا مبالغًا فيها للإيجار والطعام والملابس. إذا لم يحققن حصصهن من زيارات الزبائن أو بيع صواني الشاي، فسيتم تغريمهن. بعد عامين تقريبًا تحت سقف زينة، تعمل بدوام كامل في بيع الجنس، قيل لفاطمة إن لديها في الواقع دينًا قدره 500 فرنك يجب دفعه قبل أن يتم إطلاق سراحها. جعلت هذه الممارسة الابتزازية من المربح للغاية للمديرات إضافة المزيد من المجندات إلى المشروع، واستمر نظام خداع الفئات الأكثر ضعفًا دون هوادة.

لكن هذه لم تكن الطريقة الوحيدة التي وصلت بها الفتيات والنساء إلى بوسبير. يمكن أيضًا أن يتم اعتقالهن وإرسالهن إلى هناك من قبل الشرطة الفرنسية ضد إرادتهن.

في نظام فرنسا المهووس بتنظيم العمل في الجنس، وقعت مهمة تحديد من يبيع الجنس - وضمان السيطرة عليها بإحكام - إلى حد كبير على عاتق الشرطة الاستعمارية. كانت الشرطة الفرنسية تقوم بدوريات مستمرة في المناطق التي يُفترض أن النساء يبعن فيها الجنس بشكل غير قانوني، أي دون أن يكن مسجلات في النظام الفرنسي. لقد أجروا مراقبة مستمرة لجنسانية النساء في الشارع، وفي دور السينما، والمطاعم، والحانات، والفنادق، ويمكنهم حتى اعتقال امرأة في منزلها إذا كانت هناك شائعات بأن لديها الكثير من الضيوف الذكور. لم يكن هناك دليل مطلوب: إذا اشتبهت الشرطة فقط في أن امرأة تبيع الجنس بشكل غير قانوني، يمكن اعتقالها. بعد ثلاثة اعتقالات، ستُجبر المرأة على التسجيل كعاهرة وإرسالها إلى بيت دعارة. وجدت دراسة لحي الدعارة في عام 1951 أن ما يزيد قليلاً عن ربع جميع العاملات في الجنس في بوسبير تم إرسالهن إلى هناك من قبل الشرطة الفرنسية. وقد أدى الافتقار إلى أوراق الهوية إلى إدخال فتيات لم تتجاوز أعمارهن 12 عامًا.

يمكن اعتقال الفتيات والنساء حتى لو كن عذراوات. في الدار البيضاء عام 1935، تم اعتقال شقيقتين، فاطمة وعزة، في فندق القصر (Hotel du Palais) للاشتباه في بيعهما الجنس. فقد اقتيدتا إلى مركز الشرطة، حيث خضعتا لفحوصات حوض قسرية. وفقًا لرئيس الشرطة، "تُعرّفت عزة على أنها عذراء، وتم إطلاق سراحها على الفور ولم يتم إدخالها في السجل." ولكن كان من الواضح أنها عذراء فقط عندما تم إدخال المنظار المهبلي في جسدها، مما أضر بغشاء البكارة لديها - وآفاق زواجها المستقبلية. ولكن على الأقل سُمح لعزة بالعودة إلى المنزل. أما أختها فاطمة "فقد تم التعرف على أنها مريضة" بأمراض منقولة جنسياً "واحتُفظ بها للعلاج" في المستوصف في بوسبير، حيث أُجبرت على أن تصبح البغي رقم 4694. عملت هناك ضد إرادتها لأكثر من عامين. كتب والدها رسائل إلى السلطات الفرنسية في الدار البيضاء، تمامًا مثل محمد، لمحاولة إطلاق سراحها.

توسل والد فاطمة إليهم لإعادة النظر في سجن فاطمة. بعد أن رُفضت محاولته الأولى، حاول الرجل اليائس مرة أخرى، موضحًا أن ابنته "اعتقلت عن طريق الخطأ". في رسالته الثانية، كتب أن لديها وظيفة بأجر جيد كخادمة، بل وأرفق رسالة من رب عملها، وهو رجل أوروبي وعد بإعادة توظيفها إذا أُطلق سراحها. في محاولة لإظهار أن ابنته محترمة، قدم تفاصيل حول كيفية طلب أحد جيرانه الزواج منها، وكتب "لقد قبلت هذا العرض السعيد". وتابع موضحاً أنه في غمرة حماسه، "ذهبت لزيارة العدول [مسؤول عام، شبيه بالموثق] مع زوجها المستقبلي وأخذوا ملاحظة." لكنه سرعان ما وجد نفسه محظوراً مرة أخرى بالبيروقراطية الفرنسية، لأنه "لكتابة وثائق الزواج، يحتاج الموثقون إلى رؤية العروس ليتمكنوا من وصف وجهها"، وهي الطريقة المستخدمة قبل أن تصبح صور الهوية شائعة. لم يكن هذا ممكنًا لأن فاطمة كانت عالقة في بوسبير.

طوال محاولاته، كان والد فاطمة ثابتًا على أن كل هذا كان خطأ، ولكن ابنته ستعود قريبًا إلى الطريق الصحيح. كانت هذه الرسالة مكتوبة على الآلة الكاتبة ومهذبة باللغة الفرنسية الرسمية. لعدم قدرته على القراءة أو الكتابة، كان سيدفع لشخص يعيش في مكان قريب لترجمتها وكتابتها له، لكنه وقّعها بنفسه ببصمة إصبع حبرية. أمضى أكثر من عامين في حملة من أجل حريتها بينما رفضت السلطات الاستعمارية الفرنسية السماح لفاطمة بمغادرة بوسبير.

لا عجب أن فاطمة حاولت الهرب مرتين خلال هذين العامين، واثقةً أكثر بطريقتها في النضال من أجل حريتها من قدرة السلطات الفرنسية على إقناعها برسائل والدها. تحتوي الأرشيفات الاستعمارية على سجلاتٍ بعد اعتقالها مرتين من قبل الشرطة الفرنسية، تشير إلى أنها أُعيدت في كلتا المرتين.

على مر العقود، تظهر السجلات أن عشرات النساء حاولن الهرب من بوسبير. نظرًا لأن النساء المسجلات ببيع الجنس لم يُسمح لهن بمغادرة بيوت الدعارة دون إذن - ليس فقط إذن مديرتهن ولكن أيضًا، في حالة بوسبير، إذن الطبيب المشرف السادي الذي أجرى الفحوصات الصحية وأجرى تجارب طبية على مرضاه - فإن أولئك الذين تم العثور عليهم خارج بيت الدعارة كانوا هدفًا للشرطة وتم إعادتهم على الفور. في بعض الأحيان كن يهربن بمفردهن، وفي أوقات أخرى في مجموعات. في عام 1950، أوقفت الشرطة الفرنسية 20 امرأة حاولن الهرب من بوسبير وأُجبرن على العودة. في حادثة أخرى، ألقت دوريات الشرطة العادية في الدار البيضاء القبض على 12 امرأة يشتبه في بيعهن الجنس؛ تبين أن سبعًا منهن كن نساء فررن للتو من بوسبير. تم اعتقال هؤلاء النساء لأنه على الرغم من أنهن تمكنّ من الخروج من حي الدعارة الذي سجنهن، إلا أنهن ما زلن بحاجة إلى اللجوء إلى بيع الجنس كخيار وحيد للعثور على المال للسفر إلى مكان آخر.

في نوفمبر 1935، حاولت امرأة تبلغ من العمر 23 عامًا تدعى عائشة الهرب من بوسبير للمرة الأولى. كانت قد اعتقلت بزعم بيع الجنس في فندق البرازيل   في الدار البيضاء واقتيدت إلى بوسبير، لكنها رفضت قبول مصيرها بهدوء. فشلت محاولتاها الأوليان، في نوفمبر وديسمبر 1935. يائسة من المغادرة، حاولت تغيير اسم عائلتها لتجنب الكشف وحتى تزوجت من رجل عمل كممرض في المستشفى لإظهار أنه يمكنها بدء حياة جديدة. لم ينجح أي من ذلك. بعد ثلاث سنوات من بيع الجنس ضد إرادتها، حاولت الهرب للمرة الثالثة في أكتوبر 1938.

في ذلك اليوم من شهر أكتوبر، طلبت إجازة لبضع ساعات لزيارة والدتها، ولكن بمجرد أن غادرت بوسبير، ذهبت عائشة مباشرة إلى دار المخزن، البلاط الملكي المغربي. كانت هذه واحدة من المناطق القليلة التي كان فيها مغاربة يتمتعون ببعض النفوذ، على الرغم من أن هؤلاء البيروقراطيين كانوا لا يزالون خاضعين للدولة الاستعمارية. توسلت إليهم للقيام بأي شيء في وسعهم للمساعدة في تحريرها من نظام العمل في الجنس الاستعماري، مقدمة شكوى مفادها أنه "على الرغم من أنني متزوجة وعلى الرغم من اعتراضات زوجي والدليل الذي قدمه، أخذني مفوض الشرطة بالقوة إلى حي الدعارة." بقرار حازم، كتبت: "أطلب من المخزن [الحكومة] التدخل لتحريري من مكان الفجور هذا."

مما يبعث على الإحباط، لا توفر المحفوظات الاستعمارية أية أدلة على ما إذا كانت هذه الشكوى ناجحة أو ما إذا كانت قد أُعيدت إلى بوسبير. لا توجد وثائق تُظهر أن عائشة حاولت الهرب للمرة الرابعة؛ ومن المأمول أن يكون هذا بسبب تحريرها من بيت الدعارة، وليس لأنها ببساطة فقدت الأمل.

كان طلب إلغاء التسجيل عملية تستغرق سنوات ونادرًا ما كانت ناجحة. كانت امرأة تُدعى مسعودة على سجل العمل في الجنس بالرقم 118 لمدة 15 عامًا، تجني المال من إدارة فندق كان على الأرجح بيت دعارة، وهو فندق لوزيتانيا (Hotel Luisitania). أوضحت في رسالتها إلى السلطات المحلية: "لقد سجلت نفسي طواعية في سجل العمل في الجنس بالدار البيضاء قبل أكثر من 15 عامًا، لكن منذ ذلك الحين لم أضطر أبدًا للخضوع لأي زيارات صحية ولم أقم ببيع الجنس بنفسي". "منذ هذا التاريخ، بصفتي مالكة فندق، امتلكت العديد من الفنادق المفروشة المختلفة وأنا حاليًا مالكة مبنى في 24 شارع موكادور، حيث قمت بإنشاء فندق لوزيتانيا. لقد نسيت تمامًا أنني ما زلت في سجل العمل في الجنس، حتى ذكرتني الشرطة مؤخرًا. هل لي أن أطلب بكل لطف أن ترفعوا اسمي منه؟"

قيل لمسعودة إن هذا لن يكون ممكنًا إلا إذا باعت الفندق الذي أمضت سنوات في بنائه، على الرغم من أنه كان مصدر رزقها الوحيد. فعلت ذلك بعد أسبوع. وحتى بعد ذلك، لم تتمكن من جعل السلطات الاستعمارية تستمع إلى قضيتها إلا بعد توظيف محامٍ فرنسي لكتابة رسالة قوية بالنيابة عنها. أخيرًا، في الساعة 9 صباحًا من يوم 28 سبتمبر 1936، صوتت لجنة مكونة من ثلاثة رجال فرنسيين على أنه يجب إزالة اسمها من السجل. بعد 15 عامًا، لم تعد مسعودة البغي رقم 118. لكن نجاحات كهذه كانت الأقلية. تمكن عدد قليل جدًا من النساء من مغادرة سجن بوسبير الاستعماري، الذي أُغلق أخيرًا في عام 1955 بعد ضغط من الحركة الوطنية المغربية. وعندها فقط سُمح أخيرًا لـ 675 امرأة كن لا يزلن يعشن هناك بالمغادرة. يتلاشى الأثر مع تلاشي وجودهن في بوسبير، لأن المحفوظات صامتة عما حدث بعد تفكيك حي الدعارة. لا يمكننا إلا أن نخمن من حقيقة أن العمل في الجنس أصبح غير قانوني عند الاستقلال: كان من الصعب على النساء إما الاندماج مرة أخرى في مجتمعاتهن أو الاستمرار في بيع الجنس.

ماذا تبقى من بوسبير؟ سيجد زوار الحي في الدار البيضاء اليوم أنه لم يتغير بشكل مخيف. لا تزال هناك بوابة واحدة فقط تؤدي إلى هذه المنطقة من مرس السلطان في وسط الدار البيضاء، تمامًا كما كان عندما تم تصميمه في عشرينيات القرن الماضي. عند المشي في الشوارع الهادئة بشكل غريب لهذا الحي السكني، ستلاحظ شيئين. أولاً، العمارة لا تزال متطابقة تقريبًا مع البطاقات البريدية الاستعمارية التي تم إنتاجها قبل قرن من الزمان. يمكنك رؤية نفس السوق المركزي، ونفس الأقواس المستشرقة الجديدة التي صممها المهندسون المعماريون الفرنسيون، ونفس الخلفيات مثل البطاقات البريدية المصورة الشهيرة. ثانيًا، إذا نظرت إلى لافتات الشوارع على الحائط، ستلاحظ أن أسماء الشوارع قد تم طلاؤها بشكل رديء في محاولة لإخفاء الأسماء القديمة. شارع تازية، شارع المراكشية، شارع المكناسية: سُميت كل هذه الشوارع على اسم نساء من مدن مغربية مختلفة - تازة، مراكش، مكناس - عشن وعملن هناك. إنها تلمح إلى تاريخ هذا الجزء المسكون من الدار البيضاء، وتكشف عن الجهود المبذولة للتظاهر بأن هذه مجرد ذكرى بعيدة. آثار النساء لا تزال موجودة، محجوبة ولكن يسهل العثور عليها إذا كنت تعرف أين تبحث، تمامًا مثل مجموعة الرسائل الموجودة في المحفوظات الاستعمارية الفرنسية. تظل أصوات النساء أنفسهن غير قابلة للوصول؛ في الغالب، لا يمكن إعادة بناء حياتهن، على الأقل الأجزاء التي قضينها في بوسبير، إلا من خلال كيفية وصفهن من قبل آبائهن، أو أزواجهن، أو البيروقراطيين المستعمرين. وعما حدث لهن بعد تحريرهن، لا يُعرف شيء على الإطلاق.

(تمت)

***

....................

* الكاتبة: كاترين فيبس / مؤرخة متخصصة في النوع الاجتماعي، والجنسانية، والإمبراطورية

بقلم: أنيكا جايد ليفي

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

أخبرني أستاذ القانون أن فارق السن بيننا كان سقراطيًا: سبعة عشر عامًا. فجوة مثالية للتلقين الأيديولوجي.

كان لديه أطفال في سن المتوسطة – مُخبَّئون في مدارس داخلية على طراز القرن العشرين – وهذا جعله يبدو خبيرًا بالحياة. مع ذلك، لم أكن أنا صغيرة. فقد بدأت ثديايَّ يتدليان، لكنني كنت لا أزال أنام مع دماي المحشوة.

كان أستاذ القانون شابًا في يومٍ ما، ربما كان ماركسيًا. أخبرني أن هناك ثلاثة أنواع فقط من القصص في العالم: قصص حرب يموت فيها الرجل من أجل الشيوعية؛ وقصص حب يموت فيها الرجل من أجل الشيوعية؛ لا أستطيع أن أتذكر ما هو النوع الثالث من القصص.

أعطاني كتاب حكايات خرافية ألمانية ووجدت بداخله صورة بولارويد قديمة: كان يبدو فيها تقريباً في مثل سني، مرتديًا نفس الملابس المتعددة الطبقات المعتدلة التي كان يرتديها دائمًا – قميصٌ بقلنسوة (هودي)، ومعطفٌ بحري، وملابس من قطيفة مخططة. في الصورة، كان في منتصف الجملة وفمه مفتوح، مبتسمًا كما لو كان على وشك قول شيء مُخالف للقواعد. أردتُ أن أركض نحو هذه النسخة منه.  فجأة فهمت سبب ثقته الكبيرة بنفسه، أن سحر شبابه بقي في ثقته، وفي طريقته البسيطة في التصرف، وأن هذا كان سبب جاذبيته الجنسية التي لا يمكن تفسيرها بخلاف ذلك. بالنسبة للرجال، يبدو أن التقدم في العمر لا يتعلق كثيرًا بالضمور بقدر ما يتعلق بالتمّييع، عملية تدريجية لتخفيف هوية أساسية ما، ليصبحوا أقل من شيء ما. كان بإمكاني أن أستشعر نبرة رجعية قديمة في صوته حتى وهو يدافع عن الرئيس المسن ويتحدث عن أهمية الديمقراطية، بنفس الطريقة التي كان بإمكاني بها دائماً أن أستشعر أنه كان جذاباً بشكل مفرط في شبابه.لكنني كنت أعلم أن هذا النهج الكاريزمي في التعامل مع الشيخوخة لم ينجح مطلقًا مع النساء.

بعد أشهر من ممارسة الجنس المتقطع والمهين، وافق على أن يأخذني لتناول العشاء. التقيت به في مطعم سيء للستيك في ميدتاون، من ذلك النوع الذي ربما كان أنيقًا قبل نصف قرن. المغزى أننا لن نصادف أي أحد. دخلت من البرد وطويت معطفي الواقي من المطر على ذراعي. كنت أرتدي أحد فساتين جدتي ذات الطابع الريفي التي كانت تطلبها بالبريد، لأن مدربة حياة أسترالية على الإنترنت قالت: "عليكِ أن تُعزّزي أنوثتكِ لتجعلي الرجل يريد أن يعتني بكِ". سلمتني المضيفة إلى النادل، وسلمني النادل إلى أستاذ القانون. سأل بعد وصول أطباقنا الرئيسية. كنت في الكأس الثالثة من النبيذ.

- هل كنت تعلمين أن جي. دي. سالينجر وجويس ماينارد لم يمارسا الجنس المهبلي قط؟

قلت:

- أعتقد أنني سمعت عن هذا.

أخبرني: "لم يكن يريد أن يفسد كمال جمالها الشبابي".

فأجبت:

- إذن كانت فقط تمص قضيبه؟

أخذت قضمة من شريحة اللحم المطاطية وبصقتها في منديل قماشي.

سأل:

ما خطبك؟

قلت له:

- لا شيء خطأ بي. يبدو لي الأمر مجرد إهدار لخصوبة فتاة مراهقة.

شعرت بأنني أزداد عمراً في وجوده، أتمّيع، عملة شبابي تنهار. دون أن أستأذن، وقفت من على الطاولة وتجولت في المطعم كطفل حتى أرشدني أحد ماإلى الحمام .

جلست في الحمامات أحدق في شاشة هاتفي المكسورة. عندما مررت بإصبعي لأسفل، أحدثت شظايا زجاجية صغيرة جروحًا صغيرة في أصابعي. فتحت إنستجرام وانتظرت تحميل الإعلانات بين الصور المتلاشية لأشخاص لم أعد أعرفهم، وهم يتناولون الطعام في مطاعم أو يحضرون حفلات زفاف أو "ينفصلون بوعي". بدا المحتوى الممول أكثر واقعية من صور معارفي القدامى، الذين بدوا كإعلانات عن أنفسهم، الذين بدوا كإعلانات لأنفسهم، ولثروات الأجيال القادمة، ولصناعة الطب النفسي الأمريكية، وللإيجابية الجنسية.

أعددت قائمة في رأسي بأشياء أردتها: أردت أن أقابل شخصًا جديدًا. أردت عصا هيتاتشي السحرية ورجلاً يربطني بالسرير ويتركني أمارس العادة السرية حتى أموت. أردت كل منتج رأيته في إعلان.

أرسل لي أستاذ القانون رسالة نصية: "لا تعودي من الحمام. لقد دخل للتو شخص من قسمي."

شعرت بطبقة رقيقة من الشفقة على الذات تغطيني كجلد ثانٍ. أصبحت هذه الأنواع من الإهانات الطقسية جزءًا من روتيني. فتحت تويتر.

عندما خرجتُ من الحمام، رأيتُ أنني كنتُ أبكي، وأن دموعي قد خففت من مكياجي، وجعلته مثل عين دخانية أنيقة.

في شقته في الجانب الغربي العلوي من مانهاتن، مارسنا الجنس بشكل آلي. كنت في حالة سكر لدرجة أنني خاطرت بتوجيه يده إلى حلقي، لكنه تركها هناك بتراخٍ. كان من جيل مختلف. لم ينشأ على النوع المناسب من المواد الإباحية. على الأرجح لم يخطر بباله أنني أرغب في الاختناق لا القتل. شعرت بالغربة والوحدة بعد ذلك، وبدا وكأنه يتوق إلى زوجته.

استيقظت وأنا في حالة ضبابية، غير قادرة على تحديد الغرفة البيضاء المعقمة. لم أفهم أبداً لماذا كان أستاذ القانون يمتلك هذه الحياة الكاملة (زوجة، وأطفال، وعشيقة، ومهنة) ومع ذلك كان بيته مثل مستشفى. كل شيء كان مخزنًا في خزائن بيضاء لامعة – حتى كتبه كانت بعيدة عن الأنظار في حاوية ما. ربما كانت هذه طريقة معاصرة للإعلان عن الثراء: أن تظهر كما لو أنك لا تملك شيئًا.

استلقيت على ظهري في سرير أستاذ القانون متظاهرة بالنوم، باقية بلا حراك، لا أشعر بأي ألم، أحاول أن أقرر ما إذا كنت سأستحم قبل أن يدنسني مرة أخرى أم بعدها. تذكرت الليلة السابقة، كيف انقلب على جانبه وأمسك بهاتفه بمجرد أن انتهى، وكيف أنه بالكاد نظر إلي. صحيح أن جسدي مثالي من الناحية الشكلية، لكنني يائسة في الجنس ومحافظة في السر. عادةً ما أستلقي بلا حركة وأدرس البقع على السقف، آمله أن يشعر الرجل بالإطراء بسبب سلبيتي.

من خلف جفني، أمكنني رؤية هيئة أستاذ القانون الباهتة، منحنيًا على كرسيه المريح يقرأ من كتاب عن هتلر. مددت يدي بهدوء نحو هاتفي. كان يحب الهدوء في الصباح. كان إصبعي ينزف من التمرير على الشاشة المكسورة. كانت هناك لطخات دم صغيرة على غطاء وسادة أستاذ القانون. تساءلت إن كان أحد سيلاحظها: زوجته، مدبرة منزله، أي أحد. مصصت إبهامي حتى نظف. تذوقت مقابض الأبواب.

بدأت في الرد على بعض الرسائل النصية ثم توقفت، مددت يدي إلى حقيبتي على الأرض، ونبشت فيها بحثًا عن وعاء مصل للبشرة مكتوب على ملصقه "إعادة الـعـمـر للـخـلـف".

قال أستاذ القانون دون أن يرفع نظره عن كتاب هتلر: "ابقِ في السرير. أحبك كثيراً عندما تكونين نائمة."

خارج المبنى الحجري البني، كان الصباح أبيض قذرًا وباردًا.

***

........................

* مقتطف من رواية "الأرض المسطحة" لأنيكا جايد ليفي. ليفي كاتبة من كولورادو. وهي محررة مؤسسة لمجلة "فوريفر" وتدرِّس في برنامج الكتابة بمعهد برات. وقد نُشِرَت أعمالها القصصية والنقدية في مجلة "إنترفيو"، و"نايلون"، و"فلاونت"، و"غراند"، وغيرها. وتعد "الأرض المسطحة" روايتها الأولى.

من الأدب الكردي

ثلاث قصائد من عبد الله بشيو

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

1 - إن كنت

إن كنت تروم تعريتي

كما يفعل بالخنجر

عندما يسل..

إن كنت تريد لسمكات أسراري

غير الأليفة

أن تطفو

على سطح الماء

إن كنت تبغي

تمزيق صدري..

خذني لأقترب

من شجرة بلوط

خذني لأقترب

من ذروة جبل!!

***

2 - الامتزاج

كيف السبيل

إلى الامتزاج بك؟

قولي لي

إن كنت فردوسا

كي أسجد خاشعا

لكل الآلهة

قولي لي

إن كنت جحيما

لأملأ هذي الأرض

بالجناح

وأعيث فيها فسادا

كيف السبيل

إلى الامتزاج بك؟

افيديني..

إن كنت أرضا محتلة

لأصير جلدي بيرقا

وإن كنت غجرية

مثلي

فارسمي لي حدودي

واجعليني

وطنا.. لك!!

***

3 - الجندي المجهول

عندما يتوجه أحد الوفود

إلى مكان ما

يضع إكليلا من الورود

على ضريح

الجندي المجهول

**

غدا لو زار أحد الوفود بلادي

وسألني:

أين الجندي المجهول

لقلت لهم:

سادتي

على حافة كل ساقية

وعلى دكة كل مسجد

وبباب كل دار

كل كنيسة

كل غار

وعلى صخرة كل جبل

وعلى كل شجرة

من غابات

هذه البلاد

وعلى كل شبر من الأرض

وتحت كل بقعة

من سماء بلادي

بامكانكم أن تنحنوا

دون وجل

لتضعوا إكليلكم..

***

........................

- عبد الله بشيو: شاعر وأكاديمي. أبصر النور عام 1946 في (بيركوت) وهي قرية وادعة تقع شمال مدينة أربيل / العراق

- نذر حياته لمذبح الشعر منذ بداية الستينيات من القرن الماضي وما برح كذك

- حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب

- صدرت له في عام 1967 أولى مجاميعه الشعرية وكانت بعنوان (الدموع والجرح)

- ثم أصدر في عام 1968 مجموعته الثانية المسماة (الصنم المحطم)

- ثم المجموعة الثالثة (رسائل ليلية لشاعر ظاميء) في عام 1972

- ومن شعره هاتان القصيدتان عن مجموعته الشعرية التي وسمها ب (ما من ليلة لا أحلم فيها بكم) الصادرة عن مطبعة الأديب البغدادية عام 1980

- نشرت الترجمة في جريدة (خه بات) العراقية العدد (683) في 14 / 7 / 1993

- أما القصيدة الثالثة التي بعنوان (الجندي المجهول) فقد ترجمت من مجلة (ئه ندازيار – المهندس) عدد (صيف 2001) ويبدو انها مأخوذة من الغلاف الخلفي ل (ديوان عبدالله بشيو) الصادر في أربيل عام 2001

- عن (من الشعر الكردي الحديث: باقة قصائد) للمترجم، دار نشر كريستال، أربيل – العراق 2001

 

للشاعر النيجيري وُولي شويِنْكا

ترجمة: نزار سرطاوي

***

ثقيلةٌ يدُك أيها الليلُ على جفني.

لا أحمل قلبًا زئبقيًا كما السَحاب

حتى أقف في وجهك

محراثُكَ الماكر يمعن في تعذيبي.

ثمّةَ امرأة، تستلقي على هلال البحر كالصَدَفة.

رأيتَ عينَك الغيورةَ تُطفئُ وميضَ البحر،

ترقص على وقع الخفقان المتلاحق

للأمواج. ووقفتُ وقد استُنزفِتْ قُواي

مستسلمًا كالرمال، والدم والأُجاجُ

يشقّان طريقهما إلى الجذور. أيها الليل، لقد رحتُ تُمطرني

بظلالٍ مُسنَّنةً تنفذ من أوراقِ رطبة

فغرقْتُ في الدفق الدافئ لخلاياكَ المرقطة

حتى أوجعَتْني أحاسيسُ لا وجهً لها، صامتةٌ مثل لصوص الليل.

خَبِئْني الآن، وحين يجوبُ أطفالُ الليل الأرضَ

عليَّ ألا أسمع أحدًا! فهذه الخلايا الضبابية

ستحطّمني؛ إذ تاتي عاريةً، بلا دعوة، عند ميلاد الليل الأبكم.

.....................

Night

Your hand is heavy, Night, upon my brow.

I bear no heart mercuric like the clouds,

to dare.

Exacerbation from your subtle plough.

Woman as a clam, on the sea's crescent.

I saw your jealous eye quench the sea's

Fluorescence, dance on the pulse incessant

Of the waves. And I stood, drained

Submitting like the sands, blood and brine

Coursing to the roots. Night, you rained

Serrated shadows through dank leaves

Till, bathed in warm suffusion of your dappled cells

Sensations pained me, faceless, silent as night thieves.

Hide me now, when night children haunt the earth

I must hear none! These misted cells will yet

Undo me; naked, unbidden, at Night's muted birth.

***

..........................

* وُولي شوِينْكا: كاتبٌ مسرحي وشاعر وروائي من نيجيريا. حاز على جائزة نوبل عام 1986، فكان بذلك أول أديب أفريقي يحصل عليها.

كان من أشد المدافعين عن مسؤولية الفن والفنانين تجاه المجتمع، ومن هنا جاء نقده اللاذع للمجتمع والنظام السياسي. ونتيجة لبعض مواقفه النضالية إبّان الحرب الأهلية النيجيرية (1967 – 1970) المعروفة بحرب بيافرا، اعتُقل عام 1967 ومكث في السجن بدون محاكمة، إلى أن أفرج عنه بعد ما يقرب من عامين. 

درس اللغة الإنكليزية في جامعة إبادان في نيجيريا وجامعة ليدز في بريطانيا، التي تابع فيها دراسته العليا إلى أن حصل على الدكتوراه عام 1973. وإبّان إقامته في بريطانيا عمل لدى مسرح البلاط الملكي في لندن. وكان للخبرة التي اكتسبها في تلك الفترة أثرٌ كبير في مسرحياته.

يستلهم شوينكا أشعاره، كما مسرحياته، من الأساطير الشعبية لقبيلة اليورابا التي ينتمي إليها ومن حياته في بريطانيا وتجربته في السجن والمنفى. صدرت له عدة دواوين شعرية منها "إدانري وقصائد أخرى" (1967)، "قصائد من السجن" (1969)، "أرض مانديلا وقصائد أخرى" (1988) و "قصائد مختارة" (2001). كما صدرت له روايتان وخمسة كتب مُذكرات وعدد كبير من المسرحيات.

عمل شوينكا مُدرّسٍا في عدد من الجامعات منها جامعة كامبرج وجامعة ييل وجامعة إيموري.

يعيش سوينكا حاليًا في منزل منعزل في الغابة على مقربة من بلدة آبيوكوتا في نيجيريا.

من الجدير بالذكر أن الحكومة الأميركية أقدمت مؤخرًًا على إلغاء تأشيرته للدخول إلى الولايات المتحدة بعد أن وصف الرئيس الأميركي ترمب بأنه "عيدي أمين بوجهٍ أبيض".

بقلم: كان شيوا

ترجمة: صالح الرزوق

***

تسللت إشراقة أول شعاع من نور الصباح من نافذة غرفة المريض. كان السيد غو مستلقيا على السرير بعينين مغلقتين، وعاملة النظافة ترش المطهر في الغرفة، وقد وصلت باكرا اليوم على وجه التحديد، كما لو أنها لم تأتي للتنظيف ولكن لإزعاجه. كان غو يعلم أنه غير قادر على متابعة نومه، وكلما حصل ذلك، تقفز أفكاره وسط الرائحة القوية للمطهر لايسول. سبحت ورقة واحدة في الهواء فوق غابة أفكاره -  غابة كانت عارية تماما، فالفصل هو فصل الشتاء الآن. وكان غو يقلب سؤالا في ذهنه لعدة أيام: هل تحمر الورقة من جهة التصاقها بالساق ثم ينتشر اللون بالتدريج في كل المسطح الورقي، أم أن كامل الورقة ينتقل تدريجيا من الأحمر الباهت إلى الأحمر الداكن؟. لم يلاحظ غو قبل مرضه هذه الظاهرة. ربما لأن فرصة ذلك تفوته كل عام. فأمام بيته توجد هضاب ينمو عليها أشجار الإسفندان. ولكنه جاء إلى هنا بعد سقوطه صريع المرض. بعد خروج عاملة النظافة، ثنى غو ساقيه ودلك بنعومة بطنه المنتفخة. وتبادر إلى ذهنه: ربما يكون جسم الإنسان أنشط حين يصل مرضه إلى مراحله الأخيرة. على سبيل المثال حياته الفقيرة بلغت بالتأكيد هذه المرحلة. وقعت مأساة في الليلة الماضية في هذا الجناح: أسرع مريض بحالة حرجة، إلى الشرفة، وهو يزمجر، وقفز منها. وبعد ذلك حل السكون على العنبر مثل الموت، كما لو أن كل من استلقى هناك لم يجرؤ على التفوه بصوت واحد. هل جاءت المنظفة لتطهير الغرفة باكرا جدا لأن شخصا لقي حتفه؟. واعتقد أن هذا تصرف غير مناسب. فالرجل لم يقتل نفسه لأن حالته ساءت ولم يعد يحتمل ألمه. كان يعلم أنه يتحسن بالعلاج الكيميائي. وفي اليوم التالي سيتم نقله من عنبر الحالات الخطرة. من كان يخمن أنه سيفعل فعلته؟ ولكن هذا الشاب بالفعل أحسن اختيار تصرفه المبتكر. زادت ثقة غو بوضعه بعد المكوث في المستشفى لفترة طويلة. على انفراد كان يثني على المستشفى ويقول إنه "رائع". كان مريضا معتكفا، واعتاد أن يتحرك على طول الممر الذي يربط المباني البيض بعضها ببعض. وفي الواقع يمكنه أن يمشي ببطء دون معونة، ولكن ألح الأطباء أن يستعمل الكرسي المتحرك. جلس في كرسي متحرك، ودفعه رجل ضخم برفق نحو غرفة العلاج. واعتقد غو أن الغاية من هذه الترتيبات هي منعه من الهرب. واشتبه في البداية بالأمر، ولكنه اعتاد عليه لاحقا، وتأقلم معه قليلا. وتخيل، حينما أصبح في كرسي متحرك للمرة الثانية، أنه جنرال يقوم بفحص متمهل لميدان معركة مغطى بالجثث. كان يرتاح بعينين مغلقتين، حينما سمع فجأة المنظفة تقول: "عندما قفز الرجل كان يصيح باسم السيد غو". وحينما فتح عينيه، شاهد المنظفة تستدير وتغادر الغرفة. أثارت كلماتها السيد غو لسبب ما، وبغتة أصبح سمعه حادا جدا: مجددا سمع شخصين يتكلمان من الطابق الأخير. ثم هبطا وهما يتجادلان حول شيء ما. وحينما بلغا الطابق التاسع، وتابعا إلى السابع، ثم السادس، ارتفعت أصواتهما، كما لو أنهما يتخاصمان. توقفا عند الطابق السادس، وخفضا أصواتهما، وتحول الخصام إلى نقاش، كما لو أنهما قطتان تموءان برقة. كانت غرفة غو في الطابق الخامس. وتوجب على الشخصين الهبوط مقدار طابق إضافي فقط، ليكونا أمام بابه. ولكنهما لم يفعلا. ووقفا هناك وتابعا الكلام. وأصبحت لغتهما غير مفهومة تماما. وكلما سمع أكثر اعتقد أنه كلام قطط. وصعدت كلمة "الرجلان القطة" إلى ذهنه، وتخيل أنه يوجد في هذا المستشفى العديد من "الرجال القطط". وهم يختبئون في الزوايا المظلمة، وأحيانا يظهرون لاحتواء وحدتهم، كما يفعل الاثنان الآن. دق الطرف الأيمن من بطنه عدة مرات، وسمع السوائل وهي تقرقع. أغلق عينيه وشاهد الورقة الحمراء ثانية. كان طرف الورقة أثخن، وله إيحاء لحمي عبثي.  شعر غو بشيء يرتجف في رأسه. أطلق "الرجلين القطة" صوتا مرتفعا قبل أن يصبح صوته غير مسموع. فتح الباب. ووصل الإفطار. 

لم يكن غو جائعا ولم يرغب بتناول الطعام. وشجعه لي المريض المجاور له: "كل قليلا. وإذا تكرر حادث من هذا النوع الليلة، ستحتاج كي تتغلب عليه إلى بعض الطاقة". كان لي في مراحل مرضه الأخيرة. وقد فقد شعره منذ فترة بعيدة، ولم يتبق له في هذه الحياة غير شهر أو اثنين. وبعد أن فكر بالموضوع اضطر غو لأن يأخذ عدة رشفات من الحليب، وأن يغسل فمه بعد ذلك بالماء. وبعد أن خف غثيانه استلقى ثانية.  لاحظ معنويات لي العالية وهو يأكل بيضته. هذا الشخص؟ ولكن كيف حصل؟ كان يريد أن يتكلم مع لي بخصوص "الرجلين القطة"، ولكنه كان منهكا ولا يسعه الكلام. لماذا، بالأمس، نادى المحاسب جينغ باسمه وهو يقفز؟. كان الأمر أشبه بالعبث. وفي هذه اللحظة رفع إحدى يديه دون وعي منه، ثم سمع لي يقول: "يا سيد غو، لا تستعمل يدك. اتركها تسقط على وجهك. ربما هي منومة".

صدمه ذلك وقال: "ماذا؟".

أجاب: "أنا أتكلم عن الورقة الصغيرة. انظر. آها. لقد سقطت على لحافك".

بالتأكيد هناك ورقة ذابلة على لحافه، دخلت من النافذة. عندما ثناها بلطف، تحولت إلى مسحوق. والتصق المسحوق بيده، فنفضه عنها. ونظف يديه بمنديل. كانت عيناه نصف مغمضتين، فاتكأ على الوسادة، وسمع الأطباء الاستشاريين يدخلون من باب الغرفة. وبدا لدى، خلال المقابلة مع الطبيب، سعيدا بدرجة غير عادية، وأجاب على أسئلته بصوت مرتفع. وأعلن أنه "هزم المرض". لاحظ غو من شق عينيه التقطيبة المهينة على وجه الطبيب المسؤول. وفكر غو: "لي يوشك على الموت. وربما الليلة؟". وفجأة قال لي: "آخ" ففتح غو عينيه. شاهد عدة أطباء يثبتون جو على سريره. وكان يقاوم بقوة، ولكنهم ربطوه بسريره بشريط متين. وكان ينوح كل الوقت، وبدا كأن عينيه الجاحظتين ستقفزان من محجريهما. أخرج الأطباء مناديل لمسح عرقهم وتنهدوا دلالة على نهاية الأمر. ولسبب ما، لم يقربوا غو، وذهبوا إلى سريرين في  الجهة الغربية من الغرفة.  وبعد أن وجهوا لبعض الوقت الأسئلة، غادروا العنبر. وجعل تصرفهم غير العادي دماغ غو ينقبض ويصبح فارغا على التناوب. وبعد قليل تقيأ غو الدم. فسال على وجهه ثم تدفق على الوسادة. كان الدم بلون أحمر مسود. ولم يستمر بصراعه، ولم يكن بإمكانه المزيد من الصراع. وكان قادرا على تحريك فمه وعينيه وأنفه فقط. كلا. أذنيه أيضا. ولاحظ غو أن أذنيه تتحركان، وجعله ذلك يبدو ظريفا مثل حيوان لطيف.

تبادر لذهن غو أن يقول: "لنتعامل يا لي مع الأمر ببساطة".

فقال له: "كم أنت------ أحمق".

لزم غو الصمت. انتفض جانب بطنه الأيمن ثانية، فربت عليه.  ثم انتفض أكثر. التهبت موجات من الحرارة في داخله، وشعر بالحمى . قارن شركاؤه في الجناح الغربي من الغرفة - امرأة ورجل - حجوزات المقابر. ارتجف غو حيال موقفهما المتأني والمتحمس وشعر بالبرد. ثم شعر جزئيا بالحر وجزئيا بالبرد فلمس تلك الأجزاء وقال بنعومة: "هذا لا يشبه ما كان جسدي عليه". وعزم في سره أن يتسلل بعد قليل ويبحث عن "الرجلين القطة". بالعادة لا يجرؤ على مغادرة الجناح، لأن لي، حالما يغادر، يضغط على زر التنبيه وتسرع إليه الممرضات. نهض غو خفية، وشق طريقه بمحاذاة الجدار، وغادر الغرفة. عند الباب نظر إلى الخلف، ورأى لي يحدق به. وفجأة انتبه أن هذا مضحك، وتقريبا انفجر بالضحك. في هذا التوقيت، كان الممر خاليا، فتسلل إلى السلالم وبهدوء صعد عليها. وحينما كان يصعد، قبض على بطنه المنتفخة بكلتا يديه وتصور أنه كنغر. وعندما بلغ الطابق السادس، سمع "لغة القطط". ولكن أين "الرجلان القطة"؟. لم يجد أحدا في ممر الطابق السادس باستثناء ممرضتين كانتا بجولة لتوزيع الأدوية. بعد دقيقة استراحة، تابع غو الصعود. في الطابق السادس، كان صبي يدفع عربته لتوفير الماء.  وقف عند طرف الممر وجلس على السلالم ليدخن سيجارة. تساءل غو كيف يمكنه التدخين قرب العنابر. ربت هذا الشخص على الأرض المجاورة له ودعاه إلى الجلوس، وتدخين سيجارة برفقته. فاجأه ذلك لكنه قبل سيجارته وولاعته. كانت السيجارة قوية. لم يشاهد غو هذا النوع من قبل. ولربما لفها بنفسه. ثم لاحظ أن كيس السجائر من البلاستيك. 

قال غو بإعجاب: "أنت تعرف كيف تلف سجائرك".

أجاب ببساطة: "يا صاحبي.... نحن لدينا الأدوات الصحيحة".

شكر غو العامل بعد الانتهاء من السيجارة، ونهض وهو ينوي أن يتابع الصعود على السلالم، وحينها سمع العامل المجاور له يموء. كان صوتا خشنا جدا. ولكن حينما نظر إليه، كان يبدو كأن شيئا لم يحدث. لو أنه لم يكن مصدر الصوت، فمن يكون؟ بدل غو رأيه، كان يريد أن يرى هل سيفعل هذا الشخص شيئا آخر.  انتظر بعض الوقت، ولكن العامل لم يفعل شيئا. وضع عقب سيجارته في جيبه، ونهض، وعاد إلى عربة الماء. دفع العربة باتجاه العنبر. بدون وعي وضع غو يده في جيبه، وأخرج عقب السيجارة، ونظر إليها، ولكنه لم يشاهد شيئا غير معتاد. التفت بحركة معاكسة وسحق العقب. فشاهد حشرة ذات قشرة تزحف بين خيوط التبغ. تفحم نصف جسمها الأسفل، ولكن لم يظهر أنها مزمعة على الموت. شعر غو بالغثيان وألقى العقب على الأرض، وبدون أن ينظر إلى الخلف، تسلق حتى بلغ الطابق الثامن، فوجده مزدحما وكل شيء بحالة فوضى. ربما ساءت حالة أحدهم، لأنه رأى عربة أدوات طبية تندفع نحو العنبر. استراح غو لحظة، وتابع إلى الطابق التاسع - وهو الطابق الأخير.

وحينما وصل تقريبا إلى الطابق التاسع، رفع نظره، فأصابته دهشة بالغة، وأوشك أن يقع على السلالم. فقد وقف هناك شخص بحلة سوداء ويضع قناع أوبرا مخيفا، وكأنه كان بانتظار غو.

قال بصوت مرتفع وجهوري كأنه ناقوس كنيسة: "مرحبا يا سيد غو".

جلس غو على الأرض، يتنفس بصعوبة ودون قدرة على الكلام. فجأة شعر بالتعب وأوجعته بطنه. كان يبدو أنه لا يوجد مرضى في الطابق التاسع. وكان الممر خاويا. وتساءل غو في أي غرفة يوجد "رجلا القطة". وهل هذا المقنع "رجل قطة" أيضا؟.

قال المقنع بصوت مرتفع: "كنت تلميذك. أنا جو - الذي قفز في النهر المتجمد وأنقذ شخصا. هل نسيت؟".

"أنت جو؟ اخلع قناعك لأتمكن من رؤيتك. ها أنت موجود ولم تختف".

تخلى عن قناعه، وشاهد غو وجه رجل غريب عنه وشاحب وبأواسط العمر. كيف أمكنه أن يكون جو الذي قفز في النهر المتجمد لينقذ شخصا، ثم اختفى؟ ذاك كان صبيا طيب القلب. ولكن يوجد خطأ في عيني هذا الرجل المتوسط العمر. كان يغطيهما سائل - وربما هو ماء أبيض. ولكن لا بأس: فاضت عاطفة غو لأنه قابل طالبا كان محببا لديه في الماضي.

"كنت أبحث عنك طيلة هذه السنوات، ومنذ فترة قريبة صادفت شخصا يعرف أين أنت. وقال إنك تختبئ هنا. هذا المكان معزول تماما".

قبض جو على ذراع غو وقاده إلى غرفة لتبادل الكلام. ذهبا إلى عنبر وجلسا على سريرين. كان معتما وأغطية النوافذ مغلقة. سعل غو بسبب الغبار الذي ثار من السرير. وتساءل متعجبا كم مضى على هذه الغرفة دون أن يأوي إليها أحد. جلس جو على السرير المقابل. حينما نظر غو إليه ليأخذ فكرة عنه، بدا هذا الرجل المتوسط بالعمر وكأنه تحول إلى ظل كاذب. وراقبه جو يكابد وهو يستلقي، ويرفع اللحاف المغبر، ويغطي به نفسه. سعل غو مجددا.

قال: "أنا محظوظ جدا لأنني في نفس الغرفة مع معلم أحببته واحترمته. من فضلك اجلس على السرير وضع يدك على جبيني، حسنا؟. كنت أحلم بهذا منذ فترة طويلة".

وحينما وضع غو يمينه على جبين جو، ارتجف جسمه كأن تيارا كهربائيا مر فيه. كان من الواضح أن هذا الشخص هو جو حقا!. في ذلك اليوم طارد هو وجو ورقة حمراء حتى بلغا ذروة السفح، وكانا يتكلمان طيلة الطريق. وظهرت مدرستهما من أعلى السفح على شكل ندوب مسودة على الأشجار. وفي ذلك اليوم كشف غو لجو عن مرضه الخطير والذي لا يحب ذكر اسمه. 

حينما طرق أحدهم عدة مرات على الباب أراد غو أن ينهض ويفتح، ولكن منعه جو.

قال غو: "من عساه يكون؟".

"تجاهله. إنهم أولئك الأطباء. هم يدقون عدة مرات ليتأكدوا أن المكان هنا فارغ ثم ينصرفون".

وتأكد غو أنه سمع صوت خطوات عدة أشخاص تهبط على الدرج. لذلك وجه سؤاله إلى جو: "ألا يصعب عليك الاستلقاء هنا وسط كل هذا الغبار؟".

"المكان رائع هنا يا سيد غو. هل تتكرم وتضع يدك على جبيني ثانية؟ آه، شكرا جزيلا. المكان هنا هادئ تماما وثلاثة ديكة تعدو فوقنا".

شحذ غو ذهنه ليسترجع ماذا كانا يتكلمان حينها وتذكر ذلك في النهاية. وأفصح جو أيضا عن مرضه المسكوت عنه. وأخبره عن وجود ثقب في صدره منذ ولادته، وعن قلبه البارز من خلال ذلك الثقب. كان بإمكانه رؤية قلبه وهو يخفق. من الطبيعي أنه غطى الثقب بالشاش ثم ثبته بمكانه. وأفضى لغو أنه لا يشعر بأن هذا العيب الخلقي عجز معوق، وأضاف ببراءة "انظر، ألا أتصرف على خير ما يرام؟". ولاحقا قفز في النهر المتجمد ولم يظهر. فهل جاء إلى المستشفى وهو عازم على ذلك؟ وهل السبب الحقيقي أن حياته تقترب من نهايتها؟.

"حينما كنت أعيش بجوار غابة الإسفندان أين كنت أنت؟".

"أنا؟ أنا كنت في الغابة".

اقترح جو على غو أن يستلقي، أيضا، وفعل غو ذلك. وعندما غطى نفسه باللحاف المغبر، نبت في قلبه خيط من البهجة. وسمع صوتا يأتي من غرفته في الطابق الخامس: كانت زمرة أطباء وممرضات يبحثون عن شيء ما هناك. آه، هل يبحثون عن لي؟. قالوا إن لي، الذي كان مربوطا على سريره، اختفى. وليس هذا فقط، ولكنه قام بخدعة. فقد قيد خنزيرا على السرير. يا له من شيطان حقيقي. ولم يسمع لي حوار الأطباء فحسب، ولكن أيضا مواءهم المألوف وهو يأتي من ممر الطابق الخامس. واعتقد غو أن المواء يصدر عن "الرجال القطط". وأن "الرجال القطط" معه ليلا ونهارا. هل يمكن أن لي "رجل قطة؟ أم أن أولئك "الرجال القطة" أطلقوا سراح لي؟. نظر غو حوله في العنبر الواسع وأدهشه الفراغ والخواء. حينما كان في الأسفل اعتقد أن الطابق الأخير مشغول جدا، وحتى من الممكن أن "رجال القطة" أولئك يختبئون هنا. في ذلك اليوم، جلس في الكرسي المتحرك، ودفعه مسعف نحو السطح في الطابق التاسع. في ذلك الوقت اعتقد أنه يحتضر. دفع الرجل الضخم الكرسي المتحرك حول محيط السطح، وطلب منه أن ينظر إلى الأسفل. نظر عدة مرات: شاهد حوله موجات موحلة. ثم سمع كل أنواع الصراخ يأتي من كل مكان في البناء، كما لو أن نهاية العالم حانت. وفيما بعد وهو يزمجر ويشتم هبط به الرجل الضخم إلى الأسفل ودفعه نحو عنبره. وحينها بقي في تلك الغرفة خمسة آخرون من المرضى. وحالما دخل، وقف الجميع باحترام ونظروا إليه بعيون ملؤها الحسد. وقال أحدهم - شاب يدعى بي مينغ - "هذا يشبه ربح ورقة اليانصيب". وكان يسبح كل يومه وسط شكايات الآخرين.

قال جو: "هل رأيت قناعي يا سيد غو؟. لا بد أنني تركته على الدرج. بدونه لا يمكنني مقابلة أحد ما عداك".

غرق غو بالتفكير الطويل، ولم يفهم لماذا يتوجب على جو أن يلبس قناعا يقابل به الناس. وكان يتوق ليسأله ماذا وجد  في فترة اختفائه، ولكنه لم يتمكن من فتح الموضوع. واعتقد أنه لا يصح توجيه السؤال لطالبه قائلا: "بعد موتك، أين ذهبت؟ وما هي الأمور غير العادية التي مررت بها؟". لم يتمكن من أن يفعل ذلك. ودلك بنعومة بطنه المليئة بالسوائل، واتجهت أفكاره إلى بدايات مرضه. وشعر كأن حملا ثقيلا انزاح عن ذهنه. وبروح عالية انتقل إلى سفوح غابة الإسفندان التي أنفق فيها أياما رائعة. في الخريف، ثمل بالأوراق الحمر واستغرق بها. ولم يسبق له أن شعر بذلك الإحساس الغامر كما حصل. في فترات روحه العالية كان يشاهد النسور. الخريف فصل طويل. قال لنفسه: "الخريف طويل جدا - مثل الحياة الأبدية". أحيانا يأتي الأصدقاء القدامى لرؤيته، ولكنهم ليسوا من يريد رؤيتهم. وحينها لم يتمكن من معرفة من كان يريد أن يرى. والآن فقط، وهو يستلقي هنا، أدرك ذلك.  طيلة الوقت أراد أن يرى هذا الطالب الذي اختفى. وهو يفكر بالأمر، صدر عن سوائل بطنه صوت مريح، وانتشر في جسمه إحساس بالامتنان. سمعهم غو وهم يطلقون سراح الخنزير الألماني الذي قيده لي بالسرير. وحالما تحرر الخنزير، هرب من العنبر. تبادل النظر الأشخاص المتشحون بأثواب بيض فضفاضة بامتعاض. وقال أحدهم برقة: "لن يتبادر هذا لذهني أبدا". فكر غو: ربما تبادر هذا إلى ذهنهم قبل زمن مضى. لا شيء يمكنه أن يهزم شخصا مثل لي بسهولة. وحتى الذي قفز من النافذة في الليلة السابقة انتهى بطريقة طبيعية كما قال لي. كان جو يشخر بارتياح في السرير المجاور. وفكر غو: كيف يصالح نفسه ولا تقلقه الضجة في المبنى. وأراد غو أن يعرف إلى أي مدى بلغ تطور مرض جو. وعزم أن يسأله حين يستيقظ. لكن غو شاهد جو يقفز في النهر المتجمد، ولم يتمكن من سؤاله كيف عاد بعد غمر قلبه العاري في الماء الجليدي. وأراد فقط أن يسأله عن وضعه الراهن. كان وجهه دائما أبيض كالجير، ولا يزال. من مظهره لا يستحيل أن تخمن سوء أوضاعه. وشعر أن شكله تبدل، غير أنه لا يزال لطيفا كالسابق. ربما لأنه يرى قلبه يعرف بالتأكيد ماذا يفعل - على  سبيل المثال، القفز في الماء المتجمد.

قال غو للهواء: "لنذهب يا جو ولنشاهد الأوراق الحمر في العام المقبل. اتفقنا؟".

جاء مواء من الغرفة: كان لي يتكلم مع أحدهم. طبعا كان لي "رجلا قطة". وعلى ما يبدو وقف في الخارج ثلاثة أشخاص. لماذا لم يدخلوا؟. اتجهت المعاطف البيض الفضفاضة من الطابق الخامس إلى الأعلى، ولكن لم يهتم لا لي ولا الأخرون بالأطباء. وسمعهم غو يقولون إن الأطباء "زبالة".

وبعد أن صعد الأطباء، لم يتقابلوا مع لي والآخرين. وسمعهم غو يخططون لشيء ما - شيء يألفه غو جيدا، شيء شارك به ولكن نسيه تماما. ماذا كان؟. شعر غو أنه غير قادر على التعبير عنه باللغة. وحينما دخلت هذه المجموعة من الأشخاص إلى العنبر المقابل، أغلقوا الباب، وخلال ذلك، علقت ساق الخنزير الألماني. صاح الخنزير. فالتفت أحدهم، وأطلق سراح الخنزير الصغير المتطفل، وسمحوا له بالدخول.

بحث غو تحت وسادته عن مصباح يدوي، ربما تركه هناك مريض سابق. وتحت تأثير فورة من الحماس انتقل فورا إلى سرير جو وبيده المصباح. ولكن شاهده يغط بنوم عميق، فرفع اللحاف وأضاء صدره بالمصباح. كان جذع جو عاريا، فرأى غو على الفور قلبه ينبض. ولسبب ما كان قلبه أبيض بلون الحليب، وينبض ببطء مقارنة ببقية البشر. نظر عبر الثقب، ولاحظ أن قلبه النابض يبدل مكانه. واحتار من ذلك.  فتح جو عينيه وقال معتذرا: "هكذا بالضبط هو حال قلبي".

"هل سمعت يا جو بالاجتماع السري في العنبر المقابل؟ هل تعلم ماذا يناقشون؟".

قبض جو على المصباح وأنار به الباب. التفت غو أيضا بنظرته نحو ذلك الاتجاه. طبيب وقف هناك. ولكنه ليس من أطباء الجولة التفقدية. فغو لم يشاهده أبدا. سد الطبيب طريق أشعة المصباح بيساره وقال: "جيد أنك هناك. نحن نحضر لحالة طوارئ في أي دقيقة". ثم انصرف، وأغلق الباب وراءه. ضحك جو برقة وعلق بقولهإن هذا المستشفى "مثير للانتباه تماما". ارتدى سترته وقناع الأوبرا. سأله غو أين عثر على هذا القناع، وقال إنه فعليا لم يفقده: ولكن نسي أنه كان معلقا بخصره طيلة الوقت.  بعد أن ارتدى ثيابه، أخبر جو أنه يريد أن يذهب من الصالة "ليشارك في الاجتماع". رافقه غو وقلبه يدق. كان يشعر أن الحقيقة ستنجلي. وبدأت يداه بالارتعاش. وحينما ظهر جو في الغرفة مرتديا قناع الأوبرا، مالت رؤوس الجميع باتجاهه. فتحت أغطية النوافذ، وعمت الإضاءة، ولاحظ غو غياب غو والأطباء. كانوا جميعا أقرب أصدقائه وأقاربه، ولكن لم يتمكن من مناداة أحد باسمه. سحب أحدهم كرسيا بعجلات إلى الخارج، واعتقد غو أنه من أجله. ولكن لم يتوقع أن جو سيسبقه إليه. جلس جو في الكرسي المتحرك وظهر مخمورا وسعيدا.  حسده غو بسبب الكرسي، لأنه معتاد عليه. دفع رجلان كبيران جو، وتوقع غو أنهما عازمان على مبارحة الغرفة، ولذلك أسرع  نحوهم. لكنهم لم يغادروا. واكتفوا بدفع الكرسي في أرجاء العنبر الفارغ. قبض جو على شيء معلق في الهواء. وبدا أنه مستغرق، والناس من حوله يحيونه ويشجعونه. ثم نظر غو من النافذة. رأى المشهد الرائع للأوراق الحمر المتأرجحة في الريح. جلس بدهشة على الأرض. كيف يمكن للأوراق أن تكون محمرة في الشتاء؟ في ضوء الشمس كانت الأوراق كألسنة اللهب.

والآن - كان غو في نهاية الطابور - والجميع يتبع الكرسي الذي يدور في الغرفة. كانت أصوات الخطوات مثل زحف في استعراض علني. أصغى غو بانتباه ولكن ضاعت خطوات الجميع في موجات التفكير. تابع غو المشي دون أن ينظر من النافذة مجددا، لأن ظلا احتل هذه الدائرة. وغاص الجميع في هذا الظل الكثيف والداكن. وأخيرا قطف جو شيئا من الهواء. وأزال قناعه وشم الشيء.

بدا أنه يبكي ويقول: "يا سيد غو. يا سيد غو. وجدته".

سأله غو: "ولكن ما هو يا بني؟".

"هو الشيء الذي قفزت في النهر المتجمد من أجله".

وفجأة أصبحت خطوات الجميع غير منضبطة  في الظل القاتم الأسود. ولم يتمكن غو من أخذ نظرة جيدة من هذه الوجوه، ولا أمكنه رؤية المشهد خارج النافذة. ولكن كان بمقدوره أن يسمع جو يناديه وأن يسمع دوران الكرسي المتحرك وهي تتخطاه. اختفى الرجلان الضخمان، وبدأت الكرسي تتحرك أوتوماتيكيا. استولت عليه هبة ريح داكنة في الغرفة، وفصلته عن الدائرة. لا زال غو وهو في الممر يسمع جو يصيح: "يا سيد غو. وجدته".

عندما هبط جو السلالم، رن كل المبنى بجميع أشكال المواء. كان المواء متوحشا في كل مكان - في العنابر، المكاتب، وفي الحمامات. كان غو يعلم أنها ليست القطط ولكن "الرجال القطط" المختبئين في هذا المبنى. وربما استفزهم وصول جو. فقد مكث هنا لفترة طويلة، ولكنهم لم يتوحشوا بهذا الشكل من قبل. لا بد أن جو هو الشخصية الفارقة. ولو لم يأت ربما قلق "الرجال القطط" قليلا وحسب، ولما ظهرت الأوراق الحمر خارج النافذة في الشتاء. أسرع نحو الأسفل إلى الطابق الخامس، حيث أصابته رائحة اللايسول بالنعاس. وفكر بالرجل الذي طار إلى الأسفل من نافذة العنبر بالأمس، ربما كانت الكلمات التي صاح بها متماثلة مع الكلمات التي صاح بها جو - "سيد غو. سيد غو. لقد وجدته....".

 ***

...........................

* ترجمها عن الصينية كارين غيرنات وجين زيبينغ

كان شيوا Can Xua: كاتبة صينية طليعية تعيش في بكين. اسمها الحقيقي دينغ شيهوا. من أهم أعمالها النهر الأم، الجبهة، الحركة العمودية، وغيرها...

 

بقلم: كيت شوبان

ترجمة: نزار سرطاوي

***

راح صديقي المهندس المعماري، الذي يمكن أن نعتبره رحّالة، يعرض علينا تُحَفًا متنوعة كان قد جمعها أثناء زيارته للشرق. قال وهو يلتقط علبةً صغيرةً ويُقلّبها بيده: " هذه لكِ. أنتِ مُدَخّنة؛ خذيها معك إلى البيت. أهدانيها في القاهرة رجلٌ من الفقراء المتصوفة خُيّل إليه أنني أسديتُ إليه معروفًا".

كانت العلبة مغطاةً بورقٍ أصفرَ صقيلٍ مُلصقٍ بإتقان بحيث تبدو كأنها قطعةٌ واحدة. لم تكن تحمل أيَّ ملصقٍ أو ختمٍ – لا شيءَ يَشي بما في داخلها.

سألتُه وأنا أتناول العلبةَ وأقلّبها بغباءٍ كمن يُقلّب رسالةً مختومةً ويحاول أن يُخمّن محتواها قبل فتحها: "كيف عرفتَ أنها سجائر؟"

أجاب المهندس المعماري: "لا أعرف إلا ما قاله لي، لكنّ من السهل التأكد من صِدْقه". ناولني قطّاعة ورقٍ حادة فتحتُ بها الغطاء بحرصٍ بالغ.

كانت في العلبة ستُّ سجائر، من الجليّ أنها مصنوعة يدويًّا. الأغلفة من ورقٍ أصفرَ باهت، التبغ من اللون نفسه تقريبًا. كان أجودَ من التبغ التركي أو المصري العادي؛ خيوطُه بارزةٌ من كلا الطرفين.

سألني المهندس المعماري وهو يعرض إشعال عودَ ثقاب: "أتودّين أن تجرّبي واحدةً الآن سيدتي؟"

 أجبتُ: "ليس الآن ولا هنا، لكن بعد تناول القهوة، إن أذنْتَ لي أن أدخلَ إلى غرفة التدخين. بعضُ النساءُ هنا لا يُطِقنَ رائحة السجائر".

تقع غرفة التدخين في نهاية ممرٍّ قصيرٍ منحنٍ. أثاثها كله شرقيٌّ خالص. لها نافذة عريضة واطئة تُفْضِي إلى شُرفةٍ تطلّ على الحديقة. من الأريكة التي استلقيتُ عليها، لم يكن باديًا للعيان سوى أعالي الأشجار المتراقصة. أوراق القيقب تلمع تحت شمس الظهيرة. إلى جانب الأريكة، ثمّةَ منضدةٌ صغيرةٌ منخفضةٌ تحتوي على كل ما يحتاجه المُدَخّن. شعرت براحةٍ تامة، وهنّأت نفسي أنني فررت لبعض الوقت من ثرثرة النساء التي لا تتوقف، والتي كان صوتها يصل إليّ خافتًا.

تناولتُ سيجارةً وأشعلتها، ووضعت العلبة على المنضدة، بينما راحت الساعة الصغيرة الموضوعةُ هناك تدقُّ دقاتٍ فضيةً معلنةً الخامسة.

أخذت نفسًا عميقًا من السيجارة المصرية. تصاعد الدخان الرمادي المُخضرّ في عمود صغير منتفخٍ راح يمتد ويتسع حتى بدا كأنه يملأ الغرفة. تراءت لي أوراق القيقب باهتةً، كما لو أنّ وميضَ ضوء القمر يحجبها. تسلل تيارٌ خفيّ مزعج إلى جسدي كله وصعد إلى رأسي كأنه بخارُ نبيذٍ مثير للاضطراب. أخذت نفسًا عميقًا آخرَ من السيجارة.

"آه! لقد ألهبتِ الرمال وجنتي! استلقيت هنا طوال اليوم ووجهي في الرمال. هذه الليلةَ، عندما تحترق النجوم السرمدية، سأجرَ نفسي إلى النهر."

أبدًا لن يعود.

حتى تلك اللحظة، كنت أتبعه بقدمين طائرتين، بقدمين متعثّرتين، زاحفةً على يديّ وركبتيّ، وذراعاي ممدودتان، وها أنا ذي قد وقعتُ في الرمال.

الرمال ألهبت وجنتي؛ بل ألهبت جسدي كلَّه، والشمسُ تسحقني بعسفها الحارق. ثمّةَ ظلٌّ تحت عِذْقِ النخيل ذاك.

سأبقى هنا في الرمال حتى تأتيَ الساعةُ ويحلّ الليل.

 ضحكتُ من العرّافين وسخرتُ من النجوم حين قالت إنّني بعد نشوةِ الحياة سوف أفتح ذراعيّ وأستدعي الموت، وسوف تغمرني المياه.

أه! لقد ألهبتِ الرمالُ وجنتي! وما من دموعٍ لديّ لتُطفئ النار. النهر باردٌ والليل ليس ببعيد.

أشحت بوجهي عن الآلهة وقلت: "لا يوجد إلّا إلهٌ واحد؛ باردجا هو إلهي". كان ذلك حين تزيّنتُ بالزنابق ونسجتُ إكليلاً من الزهور، واحتضنته بقوةٍ في القيود الرقيقة الحلوة.

أبدًا لن يعود. استدار من على ظهر بعيره وهو يمضى مبتعدًا. استدار ونظر إليّ وأنا أجلس هنا، وضحك، وبانت أسنانه البيضاء اللامعة.

في كل مرةٍ كان يُقَبّلني ويمضي، كان دائمًا يعود. كلما اشتعل غضبًا، ورحل عني مردّدًا كلماتٍ جارحة، كان دائمًا يعود. لكنه اليوم لم يُقَبْلني ولم يكن غاضبًا. كلُّ ما قاله:

"آه! لقد مللت من القيود والقبلات ومنكِ. سأرحل ولن تَرَيْني مرةً أخرى. سأمضي إلى المدينة العظيمة حيث يتجمع الرجال كالنحل. سأمضي إلى ما وراءَ ذلك، حيث ترتفع الأحجار العملاقة نحو السماء نُصبًا تذكاريًا للعصور التي لم تولد بعد. آه! لقد مللت. لن تَرَيْني بعد الآن."

وانطلق على ظهر بعيره. ابتسم وبانت أسنانه البيضاء القاسية وهو يستدير لينظرَ إليّ وأنا أقبع ها هنا.

آه من الساعات وهي تزحف على مَهَل! يبدو لي أنني مكثت هنا أيامًا في الرمال، أتغذى على القنوط. القنوط مريرٌ، ويشدُّ العزيمة. أسمعُ أجنحة طائرٍ ترفرف فوق رأسي، تحلّق في دوائرَ على ارتفاعٍ خفيض.

غربتِ الشمس.

تسلّلَتِ الرمال بين شفتيَّ وأسناني وتحت لساني الجاف.

إن رفعتُ رأسي، فقد أرى نجمة المساء.

آه من ألم ذراعيّ وساقيّ! جسدي موجوعٌ ومُصابٌ بكدماتٍ كأنه مُحطّم. لِمَ لا أقوى على النهوض والجري كما فعلتُ في الصباح؟ لِمَ أجُرُّ نفسي هكذا مثل أفعى جريحة، أتلوّى وأتثنّى؟

النهر قريب من هنا. أسمعه – أراه – يا للرمال! يا للبريق! كم هو بارد! شديد البرودة!

الماء! الماء! في عينيّ، في أذنيّ، في حلقي! يخنقني! النجدة! ألن تهبَّ الآلهة لنجدتي؟

آه ما أعذب نشوةَ الراحة! ثمّة موسيقى في المعبد. وفاكهةٌ هنا لمن يريد أن يتذوقها. جاء باردجا بالموسيقى – القمر يُشرق والنسيم عليل – إكليلٌ من الزهور – هيا بنا ندخل حديقةَ الملك ونشاهد الزنبقةِ الزرقاءِ يا باردجا.

بدت أوراق القيقب كما لو أن بريقًا فضيًا قد لفَّها. لم يعد الدخان الرمادي المُخضرّ يملأ الغرفة. بالكاد استطعتُ أن أفتح جفنيّ. بدا أن ثِقل القرون يخنق روحي التي كانت تجاهد أن تفلِت، أن تُحرر نفسها وتتنفس.

لقد عرفتُ مذاق اليأس الإنساني من أعماقه.  

الساعة الصغيرة فوق المنضدة تشير إلى الخامسة والربع. السجائر ما تزال في العلبة الصفراء. لم يتبقَ سوى عقب السيجارة التي دخنتُها. ألقيتُهُ في منفضة السجائر.

وفيما أنا أنظر إلى السجائر في أغلفتها الشاحبة، تساءلتُ إن كانت ثمّة رؤىً أخرى قد تحملها إلي؛ ما الذي قد لا أجده في أدخنتها الغامضة؟ ربما رؤيةُ سلامٍ عُلويّ؛ حلمُ آمالٍ قد تحققت؛ مذاقُ نشوةٍ لم تلجْ عقلي لأدرك ماهيتها.

أخذتُ السجائر وسحقتُها بين يديّ. خطوت نحو النافذة وفتحتُ راحَتيّ. التقط النسيمُ العليلُ الخيوطََ الذهبية وحملها وهي تتلوى وتتراقص بعيدًا بين أوراق القيقب.

رفع صديقي المهندس المعماري الستارةَ ودخل حاملًا لي فنجانًا آخر من القهوة.

هتف مشفقًا: "كَمْ أنتِ شاحبة!هل تشعرين أنّكِ لست على ما يرام؟"

"أجبت: "ساء حالي بعض الشيء بسبب حلم".

***

.......................

(كيت شوبان -1850 – 1904) كاتبة نسوية أميركية تنتمي إلى أصول إيرلندية من جهة والدها وفرنسية من جهة والدتها. ولدت في سانت لويس بولاية ميسوري وعاشت لفترة غير قصيرة في مدينة نيو أورليانز بولاية لويزيانا، التي شكلت خلفية لمعظم أعمالها. كتبت الرواية والقصة القصيرة. فقد صدرت لها روايتان، أولاهما بعنوان مذنبة (1890) والثانية بعنوان اليقظة (1899)، وهي العمل الأهم الذي عُرِفت به. وبالإضافة الى ذلك كتبت ما يزيد على 100 قصة قصيرة، منها "العاصفة" (1869)، "طفل ديزيريه" (1893). "قصة ساعة" (1894)، "فيدورا" (1897)، الجوارب الحريرية" (1897) و "سيجارة مصرية" (1900).

عُنِيتْ شوبان بالثقافة الفرنسية وكذلك بالنسوية، وذلك بتشجيع من جدتها الكبرى. فكانت مصدر إلهام في كتابة أعمالها الأدبية في فترة لاحقة من حياتها. فقد تَرجمت بعض أعمال غي دي موباسان، وانعكس تأثيره في تناولها لموضوعات كالجنس والاكتئاب والتقاليد الاجتماعية. كذلك تأثرت بالروائي فلوبير، وقد قارن النقاد بين روايتها اليقظة وروايته الشهيرة مدام بوفاري. أما الروائي إميل زولا فكان صداه واضحًا في طرحها للمسائل الاجتماعية والنفسية.

لم تسلم شوبان من النُقّاد، وذلك بسبب تناولها للقضايا المثيرة للجدل، كالزواج والنسوية والانتحار، خصوصًا في روايتها اليقظة. إذ أن إحدى شخصياتها النسائية لديها حبيبان، مثل السيدة بوفاري بطلة فلوبير. وهذا ما اعتبره النقاد سلوكًا منافيًا للأخلاق. لكنْ بعد وفاتها، رأى الباحثون في رواية اليقظة عملاً إبداعياً لافتًا. كما أشاروا إلى أن أعمالها تركت أثرًا عميقًا في النقد الأدبي النسوي وفي صورة المرأة في الأدب بصورة عامة.

 

The Suitcase

Faisal Saleem Tellawi *

Translated by Nizar Sartawi

***

When I recall her, visions awaken within my mind

so bitter, so grim, like the visage of destiny

They scare me, strike my skull with pickaxes of peril 

so frightful, they pour visions in my memory

of all those who went away 

and no news was ever heard from them

I see them jostling, blocking the passageway

*

The suitcase

when I pack her up

lapses into silence

and sinks in the corner

her eyes blazing with fiery sparks

Each time I sneak a glance at her

she stares, fixing her eyes on me

and in my horror,

a whirl of dizziness sweeps through me,

a tide of paleness engulfs me,

my vision is blurred, despite the dominance of the moon

their glow is quenched

yielding its place for lesser sparks 

*

Whenever I ventured further along travel paths,

swallowed by darkness, besieged by peril, 

doves mourned 

scared by the stripping of trees

with their nakedness exposing disgrace

revealing what lurked behind the mask

Then all of a sudden, as if it were a rainstorm

poetry pours upon me

like the moment of destiny

on the wing of a cloud

I feel it fluttering, teeming down,

gushing out of my ribs

dropping like my tears

squeezed by my fingers

one rhyme after another dribbling like drops of rain

*

Whenever travel hurls me adrift 

I feel that every journey would be my last, 

that Sinbad has been betrayed

by both the paddles and the sail,

and has been spat out by a wave

that flung his broken body upon far-off shores,

he’d turn around waving a farewell:

O Hagar, has your dwelling soothed you

after I was gone? Have people leaned toward you?

and has your world been filled with fruit?

*

Tomorrow if, against my will,

my absence stretches on and on

if I disappear in the mist’s embrace

and no word of me comes your way 

and you remember me,

yet cannot find any sign of me

but see a cloud crying in grief,

Say: He’s been spellbound by travel  

....................

حقيبة السفر

شعر: فيصل سليم التلاوي

***

في خاطري من ذِكرها صُوَرْ

مَريرةٌ، عابسةٌ، كسحنةِ القَدَر

تُفزعني، تنقرُ في جمجمتي مَعاولُ الخَطر

تنثال في ذاكرتي – من روعها – رُؤىً

لكل من قد سافروا

وما أتى من صَوبهم خَبر

أراهمُ تدافعوا، وزحموا المَمَرْ

*

حقيبة السفر

دوماً إذا حَزمتُها

وغَرقت في صَمتها

وقبَعَت في ركنها

كأنما عيونها تَقدحُ بالشرر

وكلما اختلستُ لمحةً تجاهها

ألفيتها تَرمُقني، تمعنُ في النظر

داهمني من فزعي دُوار

ولفَني اصفرار

وعشيت عينايَ، رغم سَطوةِ القمر

وانطفأ البريق فيهما

مُخليّا مكانه لأوهنِ الشرر

*

وكلما أوغلتُ في مسارب السفر

وغيّبتني ظلمةٌ، وحاطني خطر

وانتَحَبت حمائمٌ

أفزعها ما كان من تَجرُدِ الشجرْ

وعُريهِ، يفضحُ كلَّ سَوأةٍ

يكشف كلَّ ما القناعُ قد سَتر

ساعتها كأنهُ المطر

يهمي عليّ الشعرُ دون موعدٍ

كلحظة القدر

على جناح غيمةٍ

أحسُهُ قد رفّ وانهمر

منبثقاً من أضلعي

منحدرًا كأدمعي

تعصرهُ أصابعي

قافيةً قافيةً ترشحُ مثل قطرة المطر

*

دوماً إذا طَوّح بي سفر

أحسُ كلَّ سفرةٍ بأنها نهايةُ المطافْ

وأن سندباد قد أسلمه الشراع والمجداف

ولفظتهُ موجةٌ

ونثرت حطامهُ على شوارد الضفاف

فأنثني ملوحًا مودعاً

هاجرُ، هل طاب لك المقرّْ

بَعدي، وهل هَوى إليك زُمًرٌ من البشر؟

وغَدقَت دُنياكِ بالثمر

*

غدًا إذا أطلتُ – رغمَ أنفيَ – الغياب

ولفني ضباب

وما أتاك طارقٌ مني ولا خبر

قولي إذا ذكرتني وما وجدتِ لي أثر

وانتحبت سحابةٌ تَسِحُّ بالمطر

قولي : لقد غيّبهُ السفر .

***

شاعر وقاص وروائي أردني

 

ثلاث قصائد

للشاعرة الأسترالية كيرلي سوندرز*

ترجمة: نزار سرطاوي

***

جمالٌ زائل

زهرةٌ واحدة

على شجرةِ كرز،

لا بد أنها تُحسُّ بالوحدة

*

إذ تسهرُ

طوالَ الليلِ

*

وتتساءلَ إن كانت

لديك

ثمّة واحدةٌ أخرى

*

تواجهُ البردَ والريحَ،

في انتظار لمسةِ حنان،

*

وقد اكتسى خداها بالحمرة

كما الخوخ.

*

تندبُ حظّ البتلاتِ

الرقيقة المألوفة،

التي لم تَلتقِ بها قطُّ

وما زالت

تفتقدها

*

عجيبٌ أن تعرفَ

أن يومَكِ

سيأتي عما قريب

*

ورغم ذلك

تُزهر.

***

– زهرةٌ برية

قطفتُ لك هذه

كي أُذكِّرَكِ

أنّ لكفاحكِ

مكانًا.

*

هذه،

التي هي أغلى الزهورِ

*

لا تطلُعُ إلا من الغبارِ

والتراب.

***

– العاقبة

حين يحترق عالمي

من حولي

*

آخذ الرماد البارد

وأسحقه

*

بين أصابعي وإبهامي

*

وأدحرجه في راحةِ يدي المقلوبة –

يدي التي ترتعش

وهي تتحرك جيئةً وذهابًا

*

باحثةً عن معتقدات جوفاء

هبطت أفكارًا

وتجسدت فِعالًا

قادتني إلى هذا الجحيم

*

أفرغ نفسي، فأرى بُقَعًا من الغبارِ الأسود

تلتصق بجلدي

لتكون بمثابةِ تذكير لي

بالتدمير الخلاق

*

أنحني

فوق الأنقاض الرمادية

على الأرضَ

*

وأعلم أن

الشمس

والماء

والزمن

*

جميعًا تحمل الوعد بالتغيير

*

أسأل البراعم الجديدة

أن تتفتح.

.................

Three Poems by Kirli Saunders

Fleeting beauty

***

Single blossom

upon cherry tree,

how lonely it must be

*

to lie awake

through the night

*

wondering

if there is another

for you.

*

Bracing cold and wind,

awaiting tender touch,

*

and the blush

of cheeks like plums.

*

To lament the fragile,

familiar petals,

never met

and ever

missed.

*

To know

that your day

will soon come

*

and to bloom

anyway.

***

Wildflower

I picked these

to remind you

*

that there is a place

for your struggles.

*

These,

the most precious of flowers

*

grow only from dust

and dirt.

***

Aftermath

When my world

burns down around me

*

I take the cold ash

and crush it

*

between my fingers and thumb

*

I roll it in my upturned palm-

a shaking hand whisking

back and forth

*

for the empty beliefs

that landed as thoughts

and manifested action

which led to this inferno

*

I empty, seeing black dust stains

stick to skin

as a reminder

of creative destruction

*

I bend

to the ashen rubble

on the earth

*

and know that only

sun

and water

and time

*

will promise change

*

I call the new shoots

to unfurl.

 ***

.....................................

* كيرلي سوندرز: شاعرة وكاتبة وفنانة ومغنية استرالية متعددة المواهب. وهي تنتمي إلى شعب غواني، وهم من سكان أستراليا الأصليين. وقد حصلت على العديد من الجوائز، ومن بينها ميدالية استراليا (2002). صدر لها العديد من الكتب والدواوين الشعرية.

بقلم: أنطون تشيخوف

ترجمة: نزار سرطاوي

***

شابان لم يمضِ على زواجهما زمنٌ طويل يسيران جيئةً وذهابًا على منصّة محطة ريفية صغيرة. ذراعُه تلتفُّ حول خصرِها، ورأسُها يكاد يستلقي على كتفه. كانا كلاهما في أوج السعادة.

أطلّ القمر متلصّصًا من بين السحب الجارية وتجهّم، إذ كان على ما يبدو يحسدُهما على سعادتهما ويتحسّرُ على عذريته المُمِلّة وغير الضرورية على الإطلاق. الهواء الساكن لا يزال مُثقلًا برائحة البنفسج والكرز البري. وفي مكانٍ بعيدٍ وراءَ سكةِ الحديد، راح طائرُ صُفردٍ ينادي.

"يا للجمال يا ساشا، يا للجمال!" تمتمت الزوجة الشابة. "كل شيءٍ يبدو كما لو كان حلمًا. انظر، كم تبدو تلك الخميلةُ الضئيلة حلوةً وجذابة! وكم هي جميلةٌ أعمدةُ التلغراف المتينة الصامتة تلك! إنها تضفي مسحةً خاصةً من الجمال على المناظرِ الطبيعية، ما يوحي بوجود الإنسانية والحضارة على مقربة من هنا.. ألا ترى مقدار المتعة حين تحمل الريحُ صوتَ القطار وهو يندفع مسرعًا؟"

"نعم.. لكن كم يداك الصغيرتان ساخنتان.. هذا لأنكِ تشعرين بالحماس، يا فاريا... ماذا لديكِ للعشاء الليلة؟"

"دجاجٌ وسلطة... دجاجةٌ تكفي لشخصين.. ثم هناك السلمون والسردين اللّذان أرسلوهما إلينا من المدينة"

خبّأ القمر وجهه خلفَ سحابةٍ كما لو كان قد استنشق قليلًا من السعوط. فالسعادة البشرية ذكّرَته بوحدته، بأريكته المنعزلةِ وراء التلالِ والوديان.

قالت فاريا: "ها قد جاء القطار. يا للروعة"

أطلّت عيونٌ ناريةٌ ثلاثُة من بعيد. خرج مديرُ المحطة إلى المِنصّة. راحت أضواءُ الإشارةِ تومضُ هنا وهناك على خط السِكّة.

قال ساشا متثائبًا: "لِنستقبلِ القطار ثم نعود إلى البيت. كم هو رائعٌ هذا الوقتُ الذي نمضيه معًا يا فاريا! لا يكاد المرءُ يصدّق أنه حقيقي!"

تسللّ الوحشُ الداكن بلا ضجيج إلى جانب المنصة وتوقف تمامًا. لمحا الوجوهَ النائمةَ والقبعاتِ والأكتافَ عند النوافذ بأضوائها الخافتة.

سمعا من إحدى العربات صوتًا: "انظروا انظروا! ها قد جاء ساشا وفاريا لاستقبالنا! ها هما!.. فاريا!.. فاريا.... انظري!"

وثبتْ فتاتان صغيرتان من القطار وتعلقتا بعنقِ فاريا، وتبعتهما سيدةٌ قوية في منتصف العمر، ورجلٌ طويلٌ هزيلٌ ذو شاربٍ رمادي؛ وجاء خلفهم تلميذان محمّلان بالحقائب وبعد التلميذين المربيةُ وبعد المربيةِ الجدّة.

شدّ الرجل ذو الشارب على يد ساشا قائلًا: "ها نحن، ها نحن، يا ولدي العزيز! أتوقع أن تكونا قد سئمتما من انتظارنا! لعلك عاتبٌ على عمك العجوز لعدم الزيارة طوال هذا الوقت! كوليا، كوستيا، نينا، فيفا.. يا أطفال! قَبِّلوا ابن عمِّكم ساشا! نحن جميعًا هنا، قبيلتنا بقضّها وقضيضها، لثلاثة أو أربعة أيام لا أكثر.. أتمنى ألا يكون عددنا كبيرًا بالنسبة لكم؟ أرجو ألا نسبِّبَ لكم أي ضيق!"

أصيب الزوجان الشّابان بالهلعِ لرؤيةِ عمهما وعائلته. وبينما كان عمّه يتحدث ويقبّلُهما، تخيّل ساشا منظرَ كوخهم الصغير: هو وفاريا يتخلّيان عن غرفهم الثلاثة الصغيرةِ والوسائدِ والفراش كلّه لضيوفهما، وهم يلتهمون السَلمون والسردين والدجاج كله في لحظةٍ واحدة، وأبناء العمومة يقطفون الأزهار في حديقتهم الصغيرة، ويسكبون الحبر، ويملأون الكوخ بالضوضاء والفوضى، وعمتهُ تتحدث بلا توقف عن أمراضها وعن أنّ أباها كان البارون فون فينتش..

نظر ساشا إلى زوجته الشابّة نظرةً فيها شيءٌ من الحقد هامسًا: "لقد جاءوا لرؤيتكِ أنتِ!.. عليهم اللعنة!"

أجابت فاريا، وقد شحب وجهها من الغضب: "لا بل لرؤيتكَ أنت، إنهم أقرباؤكَ لا أقربائي!"

ثم التفتت إلى زوّارها وقالت بابتسامة ترحيب: "أهلًا بكم في الكوخ!"

أطلّ القمر مرة أخرى. بدا كأنه يبتسم، كما لو كان سعيدًا لأنه بلا أقارب. أشاح ساشا برأسه ليخفي وجهَه الغاضب اليائس، وجَهَد في إضفاءِ مسحة ترحيب وديّة على صوته وهو يقول:

"هذا لطفٌ منكم! مرحبًا بكم في الكوخ!"

***

.........................

يعتبر أنطون بافلوفيتش تشيخوف أحد كبار كُتّاب المسرح والقصة القصيرة في روسيا. ولد في تاغانروغ في جنوب روسيا على بحر آزوف في 17 يناير 1860، لأسرة فقيرة، وكان ترتيبه الثالث بين ستة أطفال. كان والده صاحب محل بقالة، أما جده فكان من الأقنان. لكنه اشترى حريته في عام 1841.

التحق تشيخوف بالمدرسة الثانوية في تاغانروغ وفي عام 1879 التحق بكلية الطب في جامعة موسكو. وكان عليه أن يكسب المال ليتابع دراسته ويعيل أسرته. وقد استطاع أن يحقق دخلًا متواضعًا بكتابة القصص والطرائف في المجلات والصحف. وفيما بعدُ التقى بالكاتب ديمتري جريجوتوفيتش، الذي تنبّه إلى موهبته في الكتابة، فوقف إلى جانبه وساعده على تحسين جودة قصصه. ومن هنا بدأ نجم تشيخوف يسطع.

بعد تخرجه في عام 1984، وممارسته لمهنة الطب، بدأت أولى أعراض الإصابة بمرض السل تظهر عليه. لكنه تابع الكتابة، وفي عام 1886 تولت إحدى دور النشر طباعةَ كتابٍ له بعنوان قصص موتلي. وقد حقق الكتاب شهرة واسعة، ومنذ ذلك الحين ازداد تركيزه على الكتابة على حساب ممارسته مهنةَ الطب.

في عام 1988 ذهب تشيخوف إلى أوكرانيا، حيث مات شقيقه نيكولاي، وقد استوحى من تلك الزيارة روايته القصيرة "قصة كئيبة" (1989)، التي يتحدث فيها رجل عجوز عن حياته وهو في سكرات الموت، حيث يعتبرها عديمة القيمة. ثم سافر تشيخوف إلى يالطا في جزيرة القرم. وهناك التقى الروائي الروسي الشهير ليو تولستوي.

في عام 1890 قام تشيخوف برحلة إلى سجن جزيرة سخالين الواقعة في الشرق الأقصى إلى الشمال من اليابان. وبعد عودته إلى روسيا، كرّس نفسَه لأعمال الإغاثة خلال مجاعة عام 1892. ولم يلبث أن اشترى عقارًا في ميليخوفو وانتقل إليه ليعيش هناك مع أسرته، حيث استقرت أوضاعه الماليه.

كوّن تشيخوف صداقاتٍ مع الكثير من النساء الجميلات والموهوبات، لكنه لم يتقدم لخطبةِ أيٍّ منهن، إلى أن التقى الممثلةَ أولغا كنيبر، ووقع كلاهما في حب الآخر، واقترن بها في أيار/ مايو، 1901. لكنها بقيت في موسكو تعمل في التمثيل، بينما أقام هو في يالطا للنقاهة. وفي عام 1904 ساءت صحته كثيرًا وسافر إلى مدينة بادِنْ وايلر في ألمانيا. وفي 2 تموز/يوليو 1904 توفي في أحد فنادق بادِنْ وايلر. وتمّ نقل جثمانه إلى موسكو، حيث دفن هناك.

كتب تشيخوف أكثر من 500 قصة قصيرة ورواية واحدة وسبع روايات قصيرة و17 عملًا مسرحيًا، حظيت أربعٌ منها على الأقل بشهرة عالمية، وهي: نورس البحر (1895)، العم فانيا (1899)، الشقيقات الثلاث (1900)، بستان الكرز (1903). أما أعماله غير الأدبية فاقتصرت على عملين، أحدهما في أدب الرحلات، والثاني كتاب مذكرات.

بقلم: ريغوبرتو غونزاليز

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

القفص

في عالم من الخسارة

الإقرار بالفضل هو ما

اتطلبه للإبقاء

على صيد ثمين

في متناول يدي.

لا أحد يزدري

الراعي

لتجميعه قطيعه.

لا أحد يتهم

الحارس

باحتجاز

من هو في مسؤوليته.

انا مثل قراب المسدس،

او الغمد، كله عمل

ولا عنف. لا تقلق

حين ابتلعك

برمتك.

تلك القروح في احشائي

ما هي الا نوافذ،

الثقب المثقوب

في حنجرتي ما هو الا

ثقب مفتاح. لا تخجل.

ناولني

حشرجة قلبك المتوجع

وسوف اهزك في المهد،

طيرا بجناح مكسور.

دعني احبك.

سوف اربط عظامك الهشة

مع بعضها.

سوف افك منقارك

كي تستطيع الغناء.

انه عالم رحيل دائم

ولكن

بإمكانك المكوث دوما.

***

.................

ريغوبرتو غونزاليز: شاعر أميركي من السكان الأصليين (قبيلة شيكانو المكسيكية) ولد في بيكرسفيلد بولاية كاليفورنيا عام 1970 وتنقل بين المكسيك والولايات المتحدة حيث تلقى تعليمه في عدد من جامعاتها وأصبح أستاذا في جامعة رتغرز بنيويورك. نشر المجموعات الشعرية الآتية: "غالبا ما يذهب الابريق الى الما حتى ينكسر" 1999؛ "لاجئون آخرون وغرباء آخرون" 2006؛ "براعم سود" 2011؛ "جنة غير مأهولة" 2013؛ "كتاب الخراب" 2019؛ و"الفتى الذي كان ليلا" 2023. عن قصيدته هذه يقول الشاعر ما يأتي: "هذه أقرب صورة استطعت ان اصفها عن الواقع المأساوي للأطفال المفصولين عن اسرهم والمودعين في اقفاص. جربت طرقا أخرى حول الموضوع، لكن دائما يظهر زيفها، خصوصا تلك النسخ التي حاولت كتابتها من زاوية نظر الطفل. أدركت ان هؤلاء الأطفال لهم أصواتهم الخاصة بهم. لكننا لا نصغي. لذا كتبت قصيدة الشخصية (persona) تحاول فيها شخصية وغد التعتيم على الصورة المشوهة لحبس الصغار من خلال لغة مغوية تضيء بالبنزين."

لم ترغب تريزا بالرحيل. كان لديها ما يقلقها، فهي تشرد كثيرا. وفضلت أن تستسلم لألمها، وأن تعتاد على جراحها القسرية. ولذلك حينما أيقظتها بياتريس، جارتها المسنة، بعد منتصف الليل بقليل، لأجل الاحتفال بعيد الفصح وتقاسم بيضة مسلوقة حمراء بلون الدم، كانت بنفس الوقت منزعجة ومحتارة. وقالت لنفسها: أي نوع من البشر يطرق باب جيرانه في منتصف الليل لتقاسم بيضة؟.

ولكن أخبرتها بياتريس أن ابنها يريد أن يكون دليلها في رحلة تتعرف بها على تبليسي القديمة، وعلى تاريخ وثقافة المدينة التي ولد وترعرع فيها. وافقت تيريزا دون أن يخامرها الشعور بالراحة. وحذرت جارتها بقولها: "للأسف أنا متوجهة غدا إلى أمريكا. ولذلك علينا أن ننهي الجولة بوقت مبكر".

شدت بياتريس على يد تيريزا قبل أن تفترق عنها في تلك الليلة، وغمزت بمكر، وأصرت أن تأخذ بيضة أخرى قائلة: "لن أكون موجودة معك في ذلك اليوم". وأضافت وهي تتهيأ للمغادرة: "ولكنك ستستمتعين مع إيريكلي*".

قبعت تيريزا، طيلة ذلك الشهر، في شقتها تفكر. وغالبا حول رجل لم تقابله، ولكنها تعرفه أكثر من روحها. فهما يشتركان بحب الأشياء النادرة، ومنها النقش العربي، والكتابة الفارسية. وعلاوة على ذلك يتقاسمان الخبرة بالخطب الغريبة التي تبشر وتنشر الأفكار. استعان التجار السغديون من آسيا الوسطى، في وقت مبكر، بمخطوطات عربية، مدونة بخط اليد المصمم خصيصا لهذه الغاية. وكتب هؤلاء التجار، الذين لا يعرف أحد كيف يقرأ خطهم، بحبر الكوبالت الأزرق، واستعملوا خطوطا مقوسة غير منقطة، كما لو أنهم يقولون إن ماضيهم لا يمكن أن تتغلب عليه فتوحات الإسلام الجديد. وأن المحاولات الرسمية لقراءة هذه الكتابات باعتماد لغات ليست إيرانية، مثل اليعقوبية والغورية، قد أفلست. ومع أن أحدا على قيد الحياة لم يمكنه أن يفك لغز لغتهم، نجحت تيريزا، بالتعاون مع عالم فيلولوجيا، بتفسير أحد أصعب المخطوطات. ولكن بقي العديد من المخطوطات بدون تفسير. وبسبب هذه المخطوطات الغامضة، والتي لا يفهمها غيرهما، وخلال العمل المشترك والبطيء والعاطفي، وقعت بالحب. أو على وجه أدق دفعها لتقع بحبه. غير أنه لم يذكر لها أنه يبادلها الحب. وكان هناك احتمال بحبه لها. ويستحيل أن لا ترى مثل هذا الاحتمال. كيف يمكنهما الافتتان بالمخطوطات بدون حب مشترك؟. كلما أكملت العمل على ورقة معه، كانت تشعر بالنشوة العضوية والسرية. ولم يكن يقاسمهما هذه الخبرة العلمية أي إنسان آخر. ومنذ بداية صحبتهما، وحتى قبل الاسترسال بالكلام، لاحظت أنه مقدر عليها أن تسقط بحب هذا اللغوي، ولذلك لم تكن مستعدة للصدمة حينما فاجأتها. كانت علاقتهما عائمة وقلقة - وقد تطورت خلال شهور من تبادل الإيميلات، أو شهور من العواطف الإلكترونية الحميمة التي تخللها عتاب صامت. وكان موضوع الرسائل أسئلة عن لغة لا يعرفها ولا يفهمها أحد، حتى لو ذاعت معانيها. وخلالها استمتعا بأشعار حافظ وسعدي، ووقد ورد ذكر الاثنين في مخطوطات التجار السغديين. أحيانا كان التجار يضمنون كتاباتهم مقتطفات منتقاة من المؤلفات الفارسية الكلاسيكية الأصيلة. وفي بقية الأوقات، يترجمون القصائد إلى لهجاتهم، ليضاعفوا من الألسن الكثيرة المودعة في المخطوطات القديمة. ولم يكن يفهم أحد هذه اللغات مثله. ولهذا السبب أغرمت به. وتقريبا طيلة شهر، وعلى مدار اليوم، تابعت تيريزا تبادل الرسائل مع الفيلولوجي. وانصب اهتمامهما على تكوين أرشيف ليكون قاعدة معلومات. ولتوفير وقت الجيل التالي من الباحثين. وقويت العلاقة بينهما كلما أمكنهما فك قليل من الألغاز. وكانت تيريزا والفيلولوجي يتبادلان المخطوطات إلكترونيا، مع أمور أخرى، وركزت تيريزا على مواد مسحتها في زيارة علمية سابقة إلى بامريس على الطرف الطاجيكي من الحدود (فقد كانت أفغانستان بحالة حرب في عام 2008). وقارنا الاختلافات. وتبادلا الرأي حول القراءة المرجحة، وعن سبب الاختلاف بين النصوص والمخطوطات والخطوط والتصورات. ودشنا عصرا جديدا، وسافرا عبر الأزمنة بقدر ما يمكن للفيلولوجي أن يسافر في الزمن، وللمخطوطات أن تعبر من بين الجبال قبل اكتشاف الإنترنت. وهكذا عاشت تيريزا والفيلولوجي بين النصوص الإسلامية، والتي تحولت إلى موضوع علاقة بينهما، وإلى ركيزة لحبهما. ثم بعد أربع شهور من الصداقة ألقى قنبلة. فقد كتب لها رسالة أقصر من المعتاد ورد فيها: أن زوجته "وضعت طفلها للتو". ومرت الأسابيع دون أن ترد. وكان أسوأ ما في المسألة أنه على ما يبدو لم يكن يعلم ماذا يعني لها. حتى أنها لا تعرف أنه متزوج. فقد خصت نفسها به، وبالرسائل الإلكترونية، ولم يتبادر لذهنها أن تفكر بعلاقاته مع غيرها من النساء.

وبدأت رسالته التالية بقوله: "ألن تباركي لي بالمولود؟".

لم يمكنها تهنئته. طفل؟ لم تكن تعلم أن لديه زوجة. أم أنها لم تكن تريد أن تعلم؟ في الحقيقة هي لم تسأله أبدا. القنبلة التي فجرها الفيلولوجي أثبتت لها واحدة من قناعاتها الثابتة: بالتأكيد يفصل الرجال اللامعون عواطفهم الذهنية عن جوعهم الجسماني. النساء ترغبن برجال أذكياء وحذرين عاطفيا. لكن يختار الرجال تفكيرا آخر. وبنظرهم لا يوجد فرق بين النساء. وهن مشغولات بالمهنة مقابل العائلة. أو العاطفة مقابل العقل. مادونا مقابل العاهرة. والرجال يهتمون باستمناء أناهم، وليس بالمساواة العقلية. وكلما كانوا أذكى كلما تدنى مستواهم. لم ترد تيريزا على تلك الرسالة. بالتأكيد لم يكن بحاجة لتهنئتها. ولكنها ردت بمقال علمي عن تدني مستوى المرأة في البلاط الساماني. نعم، توجد استثناءات رمزية، الملكات، وخلفيات شهرزاد (وبالعادة لا تلقى الاعتبار)، والعاهرات، والمحظيات، والقيان. كانت العاهرات والقيان تؤثرن بالحكام بطرق سرية. ولكن أقوى ما في مقالتها أنه من السهل إثباتها. حتى النساء القادرات يمكنهن استعمال سلطتهن في الخفاء. النساء السامانيات لسن مثقفات مشهورات ولا تقبضن على العالم بين راحاتهن. وكانت أجسادهن مجرد سلم لرجال يبحثن عن حكم العالم. والآن ها هي علاقتها الغرامية غير المفهومة مع الفيلولوجي تنتهي قبل أن تبدأ. وقد وعدت تيريزا نفسها أن تغتنم وقتها في تبليسي. وفكرت أن تبدأ ببرنامج بحث جديد، وأن تنسى مخطوطات التجار السغديين، وأن تضعها في منطقة خلفية مظلمة من دماغها، وفي مكان لن تعود إليه قبل مرور عشرين عاما. ولكن ثبت لها أن النسيان أصعب مما راهنت عليه. وكان الأسهل لها أن تعتاد بالتدريج على الألم، وأن تتعايش معه بشكل دائم. وعوضا عن أن تذهب إلى الأرشيف كما خططت حال وصولها إلى تبليسي، كي تفك واحدا من المخطوطات التي عملت عليها بالتعاون مع الفيلولوجي، الذي ألقى قنبلته، وجدت نفسها في الفراش، ويوما بإثر آخر تخيلت نفسها تقرأ مخطوطات مع الفيلولوجي في السرير، وجسماهما متلاصقان وهما يقلبان الصفحات، ويمران على صفحة مخطوطة أكلتها الديدان، ويحومان فوق شعار نسخ جف حبره، ويحاولان فهم خط التاجر السغيدي، قبل ترجمته ونشره في العالم.

لم ترغب تيريزا بمشاهدة تبليسي القديمة. ووافقت على مرافقة إيراكلي فقط لأنها تعلم أن هذا يفيدها، ويمنحها فرصة للتهرب من الرجل الذي لن تتعرف عليه بلحمه ودمه، ومن علاقتهما الافتراضية والملتهبة بالعواطف، ومن اللغات التي وضعا لها الأساس معا، لغات، لا تزال بعد شهور من صمته، تنشب مخالبها في أعماق روحها. لم يكن لدى إيراكلي سيارة. ولسبب ما، كانت تتوقع أن يقودها إلى قمة ناريكالا، وهو حصن في تبليسي القديمة. ولا بد أنها أساءت فهم اقتراح بياتريس. فقد سارا في زقاق روستافيلي، وتجاوزا المقاهي ومنصات بيع المثلجات، ثم الهلتون، وعبرا الممرات من تحت سقف أحمر لأكبر مسرح في تبليسي، والذي يحمل اسم الشاعر القروسطي، روستافيلي. ولاحظا أنه تم ترميمه مؤخرا، وجدرانه المقلمة بلون خبز الزنجبيل تلمع تحت الشمس. كانت أسواق تبليسي الرئيسية تضج ببائعي الكتب والتجار. وأخيرا وصلا إلى مقر العمدة بجدرانه المطلية بلون أحمر. كان يوما حارا بالنسبة لمنتصف أيار. وندمت تيريزا لأنها لم تحمل معها عبوة ماء. اعتذر إيراكلي بأنه لا يتكلم الإنكليزية. أصرت تيريزا: أنه ليس هناك ما يستحق الاعتذار. فالإنكليزية لغة لا ترغب أن تتكلم بها. وهي اللغة التي وجد حبها للفيلولوجي جذورا عميقة، دون الأخذ بعين الاعتبار الألسن العديدة التي يشتركان بها. لكن كانت الروسية إحدى اللغات القليلة التي لا يتقاسمان معرفتها. ولذلك رأت أنها تصلح لتكون وسيلة لبدء حياة جديدة. اللغة الثانية التي لا يتقاسمانها هي الجورجية. والتنقل بين الروسية والجورجية مع إيراكلي، دليلها المتطوع لتعريفها بتماثيل تبليسي القديمة، أصبح طريقة للعزاء، وألهاها عن الشعور بأنها مهجورة. خرجا من زقاق روستافيلي. رافق إيراكلي تيريزا في المعابر القروسطية والممرات المعتمة طيلة الطريق من ساحة الحرية إلى ناريكالا، التي تجثم على قمة هضبة تشرف على المدينة. وشرح لها كيف كانت تناور، في القرون الماضية، عربات الأغنياء وزحافات الفقراء في المنافذ وخلال المعابر. ثم بدل القياصرة هذه الشوارع أولا، وتبعهم السوفييت، وحولوا الفنادق الضخمة إلى شقق للسكن، ووسعوا الممرات الضيقة، وأضافوا مضخات. ولكن بقي الكثير كما هو منذ عهد القياصرة أو حتى ما قبله. لم تهتم بالكنائس كثيرا، ولكن أدهشتها المياه الكبريتية في أبانوتوباني (في منطقة باث). فهي تعود بتاريخها إلى القرن السابع، وتعزى للملك هرقل، وقد أعيد تنظيمها في القرن السادس عشر على يد تجار تبليسي الفرس والأرمن والأذر، والذين حاولوا تحسين سمعتهم بإثبات حبهم لمدينتهم المختارة. وحاليا هذه الحمامات واحدة من أعظم المعالم الهندسية الفارسية المدهشة في مدينة تبليسي. على الطرف المقابل من الشارع كنيسة ميتيخي القديمة، والتي ضحى بقربها الشهيد إيبو من تبليسي بحياته في القرن الثامن لأنه رفض اعتناق الإسلام. وكان إيبو هو القديس العربي الوحيد في البانثيون الجورجي. على يمين الحمامات الكبريتية، تحوم ما يشبه المآذن فوق الحمام الأزرق. وهي مدهشة أكثر من المساجد التي تزين المخطوطات المصورة الرائعة التي عمل عليها الفيلولوجي وتيريزا معا. الرخام الأزرق والذهبي يغطي جدران الحمام الأزرق الذي يعود تاريخه لعصر ساده السلام بين مختلف الأديان، واللغات، والأعراق: ضمنا المسلمون والمسيحيون والأرمن والجورجيون والأذريون. لكن انتهت تلك الفترة منذ زمن بعيد، حتى لو أن هذه الآثار قادرة على تحريك مشاعر نوستالجية تحن للأزمنة المنصرمة. في تلك الأيام الخالية، حينما كانت تبليسي لا تزال مفترق طرق للحضارات الشرقية، كان المستحمون يهتمون فقط بدعك أجسامهم بالصابون، وأن ينظفوا أنفسهم من الأوشاب المتراكمة على جلودهم، ليتمكنوا من العودة إلى الشارع، وليبيعوا ويتاجروا ببضاعاتهم مع تجار آخرين من تبليسي القديمة. ولكن الآن وبالمقابل لم يتمكن إراكلي، دليلها المتطوع، أن يمنع نفسه من تقديم ملاحظات يتهكم بها على تدفق الأفارقة والإيرانيين الحالي في تبليسي. وكما يبدو يشكل هؤلاء الأجانب خطرا على سلامة وبقاء الشعب الجورجي. لكل بلد عيوبه، قالت تريزا لنفسها، ولكن كيف تنتعش مفارقات العنصرية هنا، من بين جميع الأماكن، في تبليسي القديمة، مع أنها كانت تعتبر لفترة طويلة نموذجا مثاليا للتسامح، على الأقل بنظر إراكلي نفسه.

تبعت تيريزا إيراكلي عن مقربة، وتسلقت السلالم إلى ناريكالا. كان الحصن القديم بشكل أنقاض، والكتابات تملأ الجدران بعدة لغات، مثل ماضي تبليسي تماما. بنى حصن ناريكالا الجورجيون، وسموه على سبيل التفاؤل شوريستسيخي (الحصن الذي لا يقهر)، ولكن سريعا ما استولى عليه الأمويون، ثم المغول، وهم من أطلق عليه اسم نارينكالا (الحصن الصغير)، وفي هذا التصغير رسالة تعبر عن قوة إمبراطوريتهم. وحينما خرج المغول من جورجيا في القرن الثالث عشر، أزيلت النون بين حرفي ناري وكالا. وهكذا أصبح الاسم: ناريكالا، وهي كلمة من بين العديد من الكلمات التي جاءت إلى اللغة الجورجية من الشرق، ولا يعرف معناها الأصلي غير حفنة قليلة من الجورجيين المعاصرين. هلكت تيريزا بعد أن صعدت نصف السلالم. ولكنها تسترت على تعبها باستنشاق الهواء. واشتاقت للعودة إلى البيت. وألح عليها الألم الناجم عن ما اكتشفته عن الفيلولوجي وموقفه الصامت منها. كيف يمكنها أن تنظر إلى مخطوط آخر من بين مخطوطات السغديين؟. كيف يمكنها متابعة عملها، بعد رحيل الفيلولوجي عن حياتها، وبعد أن أصبحت تبعيته لامرأة أخرى وولادة طفله خبرا عاما؟. الآن لا تستطيع أن تسمي عاطفتهما الافتراضية باسم آخر؟. وهي منهمكة بالتفكير في المخطوط الذي حلت لغزه مع الفيلولوجي، وجدت رخامة مغطاة بالذهب تشبه الألواح المغطاة في واجهة الحمام الأزرق. تأملها إراكلي بصمت وهي تنحني لتلتقطه. ونصحها بقوله: "احتفظي بها. قد تجلب لك الحظ".

ابتسمت تيريزا. نقرت على الرخامة بأصابعها، وقلبتها على طرفها. وامتثلت لنصيحة إراكلي، فوضعت اللوح في حقيبتها. تجولا في شارع ليسليج في طريق العودة إلى البيت. في تلك الساعة من بواكير المساء، كان ليسليج يعج بالوافدين وبأبناء جورجيا الذين اعتادوا على الرحلات والسفر، فامتزجت اللغة الإنكليزية المكسورة باللسان الجورجي الثاقب، وتخللت ذلك حروف صامتة لا يستطيع نطقها غير المواطنين. وأمكن سماع همهمة روسية تأتي من عدد من المارة. دعا إراكلي تيريزا للتوقف في مطعم يسمى سوكو (الفطر). كان سوكو تحت الأرض ومعزولا عن الزحام. والجو داخله هادئ وتقريبا مهجور، باستثناء طالب جامعة أجنبي يجلس بمفرده قرب الجدار، منحنيا على كومبيوتر محمول. وشاهدت جورجيتين بأواسط العمر تتبادلان الشكاية من خيانة زوجيهما. ومثل أي مضيف جورجي مثالي أصر إراكلي أن يدفع عن تيريزا ثمن كل صنوف الخاشابوري التي وفرها المطعم: أجارولي (مع بيضة)، أميرولي (مغمورة بالجبنة)، أوسوري (مع البطاطا)، وأشما (بطبقات مثل الكيك)، ويفانوري (لمحبي اللحوم). وطلب أيضا لوبيو (الفاصولياء الحمراء)، بيخالي (أعشاب جورجية)، وبادريجاني (الباذنجان مع حبات الرمان)، وأطباقا متعددة من الخبز المخبوز حديثا في فرن تحت الأرض، وجبنة. اقترح أيضا النبيذ، ولكنها فضلت الليمون مع الطرخون، وهو شراب جورجي خاص. كان إراكلي محبا للكلام. ولكنه لم يكن مهتما إذا ما كان المستمع له يتابع كلامه، وهذا لحسن حظ تيريزا. كان صوته كافيا. بينما ذهب ذهن تيريزا إلى مكان آخر - أو بالأحرى إلى شخص آخر. وحينما انتبهت له، لتترجم أحيانا لغته الروسية والجورجية في رأسها إلى لغة إنكليزية، علمت أشياء كثيرة. عدد إراكلي كل الكتب التي قرأها في طفولته، ومفارقات حياته في الاتحاد السوفياتي، حيث كان كل شيء جامدا لحين بلوغه نهايته، وحيث كان الأدب مراقبا وممنوعا ومكبوتا، وله لغة مفروضة بالإكراه. ثم انتقل الكلام إلى الشعر. وذكر إراكلي أنه معجب بكل إنسان يمكنه كتابة قصيدة. وقال: "من دون شعرائنا لن يكون لجورجيا قيمة".

كما لو أن تيريزا تنتظر الإشارة، أنشدت القصائد الستة من العصر الروسي الفضي والتي تحفظها عن ظهر قلب، ابتداء من ماندلشتام وأخماتوفا، وحتى باسترناك. أومأ إراكلي باهتمام، وشعرت تيريزا أن حبها للكلمة المكتوبة يلقى التقدير. وحينها سألت نفسها: هل انتبه الفيلولوجي إلى حبها للشعر؟. لقد حلا ألغاز مخطوط، وصنعا معا لغة. ولكنه تخلى عنها بسهولة، كأنه يفرقع أصابعه، أو يلطم ذبابة. جعلها رفضه السهل تشعر كما لو أنها حشرة. هل كانت أم طفله تعرف شيئا عن المخطوطات التي عملا عليها، ناهيك عن المخطوطات التي حلا ألغازها؟.

قال إراكلي بعد صمت قصير "جميل". وأضاف: "بالنسبة لي أنا عاشق للنثر". ثم ذكر روايتين من التجاه الواقعي الاشتراكي، قرأهما في طفولته، وهما الدون الهادئ، وكيف سقينا الفولاذ. قرأ النصين في المدرسة. وكانا عن تقريظ التجربة السوفييتية بدون أي انتقاد. ولا سيما المشاعية (سياسة سوفييتية تفرض على الملاك أن يتخلوا عن بيوتهم)، وأن تأوي شقق البلدية عدة عائلات معا، ويتشاركوا فيها على المطبخ والحمامات. ولكنه حينما حمل الروايتين معه إلى بيته، ليقرأهما بضوء الشمعة بينما بقية العالم يغط في النوم، اكتشف المعنى المستتر في كل نص. ورغم نوايا السرد الصادقة والحض على الالتزام بخط الحزب، انتبه كل كاتب واقعي اشتراكي للرعب المزمن من المشاعية وحياة الجماعة. وأصبح من المستحيل أن يتوصل إراكلي من مجمل الروايات السوفييتية للرسائل التي تعلم في المدرسة كيف يؤمن بها. وختم إراكلي كلامه أن المفارقة ليست في إنتاج العديد من هذه النصوص في الاتحاد السوفياتي، ولكن في نظام التعليم السوفياتي الذي استغل العديد من تلك الكتب الرصينة والشجاعة لتكون مادة إيديولوجية تتعالى عليها حتى تلك النصوص ذاتها. كان المطر يطرق على السطح حينما غادر إيراكلي وتيريزا المطعم. مرا بعدة أبنية قبل أن يتوقفا تحت مدخل حجري لكنيسة فرنسية كاثوليكية. وحسب اللوحة المثبتة على يمين المدخل أنشئت الكنيسة عام 1802، في بواكير سنوات الحكم الروسي، قبل أن يتسنى للنظام الكولونيالي إقامة المباني للاحتفال بمذهبهم. والآن بعد مرور قرنين، لا تزال بحالة ممتازة وهذا يعني أن أحدا ما دفع لقاء العناية بها وترميمها. قالت تيريزا لنفسها: نظام جورجيا المعفي من إذن الدخول يجني الثمار. كان إراكلي محبا للكلام. ويمكنه أن يتكلم بلا توقف سواء كان الموضوع في السياسة، أو الاقتصاد، أو المستقبل. ما دام موضوع الحوار الأساسي عن جورجيا. ولم تمانع تيريزا ذلاقته. بالعكس كانت ممتنة لذلك: فقد منحها عذرا لتلزم الصمت. فكرت في سرها: كنت أتمنى لو أنك الفيلولوجي. ولكنه كما تبين لها الآن هو زوج وأب، ولن تواصل معه حل شفرة مخطوطات التاجر السغدي، ولذلك اختصرته في خيالها ليكون رمزا لنفسه، ولغزا بأسلوب حياته مع النصوص، وأن يكون هو نصا بذاته. كان الفيلولوجي نصا، نصا أثارها، وآذاها أكثر من أي إنسان آخر يممنه إلحاق الأذى. ومع أنه ذلق اللسان ومكشوف، كانت تعوزه الروح الإنسانية. لم يكن يرغب بها لا بشكل نص ولا كإنسانة كما كانت ترغب به. ومع أنه طيف لم تقابله، أرادت أن تكون معه أكثر من أي شخص آخر على وجه الأرض. ولم تجد بديلا يعوض غيابه. كررت تيريزا في سرها: كم أريد أن تكون أنت الفيلولوجي الذي أحببته، بينما كان إراكلي يتابع الارتجال عن تاريخ جورجيا.

بينما كانت تيريزا منهمكة بالتفكير في الفيلولوجي، أدركت أن شريكها الجديد يحمل اسم الملك الجورجي قبل الأخير إيراكلي II الذي سلم، في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر، بلده للروس، تحت ضغط هائل. وواجه خيارا مستحيلا، أن يشاهد محبوبته تبليسي تنهب مع بقية جورجيا على يد الحاكم القاجاري أغا محمد خان أو يحكمها الروس، ومال الملك إيراكلي للخيار الأخير. وخلال عقود تالية، كتب عدد لا يحصى من شعراء جورجيا عن هذا القرار القاتل قصائد غاضبة. ومات نيكولوز باراتاشفيلي الشاعر الرومنسي بعد فترة وجيزة من نظم أهم قصيدة مشهورة له عن مصير جورجيا المأساوي. وهي بعنوان مصير جورجيا Bedi kartlisa . بعد أن وضع إراكلي جورجيا تحت الحماية الروسية عام 1795، نهب الغزاة القاجاريون البلد وسوي بالأرض، كما كان يخشى. مع أنه كان يأمل تجنب هذه النتيجة بضم جورجيا لروسيا. فقد وعدت الدولة الكولونيالية بعقود من المعونات إذا غزاها القاجاريون، لكن حينما وقع الغزو، لم يحضر الجيش الروسي. وأدرك إراكلي من هذه التجربة المريرة أنه تخلى عن سيادة بلده بالمجان. وكانت خيانة الروس عظة في تاريخ جورجيا، وهي عظة حية حتى الوقت الراهن، وهكذا سمّمَت العلاقات بين البلدين. خفف المطر سرعتهما. وكان حفيف تنورة تيريزا منقوعا بالماء ولكنها لم تلاحظ ذلك. تابع إيراكلي حكايته عن الماضي. واستدعى بذهنه كل شيء تعلمه في المدرسة الابتدائية، وهما يقفان أمام البوابات الحديدية قبالة الكنيسة. مرت بهما نساء، وكانت تنوراتهن السوداء المصنوعة من الكاليك مبتلة بالماء. والدلاء التي حملنها مغطاة بقماش مبلول. وقطرات الماء تنقط من رؤوسهن على الأرض. رجع إراكلي بذاكرته إلى الوراء، وتجاوز الصفويين والمغول واقترب من العصر الجورجي القروسطي. وقال لها: " كان هذا العصر الذهبي لجورجيا". وتلكأ حينما بلغ عصر المعمار دافيد، والملكة تامارا. وأخيرا وصل إيراكلي إلى الحدود الفاصلة بين التاريخ والأسطورة، وبدأ بأسطورة ميديا. توقفت نبرة سرد التاريخ الموضوعي وأصبحت أقرب لشخصه. وحسب النسخة الجورجية للأسطورة، كانت ميديا من كولخيس الواقعة في غرب جورجيا. قال: "العديد من البنات الجورجيات حملن اسم المرأة الغامضة التي قتلت أبناءها".

سألت تيريزا: "وهل يعتقد الناس أن قتلها لأبنائها عمل مشرف؟".

"هي حية في ذاكرتهم لأنها رفضت أن يعيش أبناؤها في ظل عار فعلة أبيهم الذي خان أمهم وتزوج من غيرها".

حافظت تيريزا على صمتها. لم توافق على الحسابات الأخلاقية التي بلورت قرار ميديا، ولم توافق أن تقتل أم أبناءها كي لا تقبل مهانة الخيانة الزوجية. وتساءلت: ألا يكون العالم أفضل إذا نام كل إنسان مع من يريد؟. ما الهدف من كل هذا الخزي؟. وعلى ما يبدو أن إراكلي شعر بتلبكها من إجابته. فأضاف: "حين تفكرين بالموضوع، وتنظرين له على أساس إنساني لن تري أنها امرأة عظيمة".

وافقت تيريزا بقولها: "كلا. الموضوع ليس في أنها طيبة أو شريرة. فمعاناتها مشتركة بين كل النساء".

احتار إراكلي. بأقل من دقيقة انتقلت تيريزا من الحنق على سلوك ميديا إلى التماهي معها. ولم يعد يعلم ما هي الإجابة الصحيحة. كان يريد فقط أن يعطيها جوابا يسعدها. سألها وهو خائف من استفزازها بسؤال لا يعرف ماذا يقول غيره: "أنت إذا تؤيدين ميديا؟".

ابتسمت تيريزا قائلة: "أنا أتعاطف مع كل النساء اللواتي تعانين من الغيرة".

ارتبك إراكلي وضغط على ذهنه ليجد جوابا يسرها. بعد صمت طويل، استسلم، وقرر ببساطة أن يعبر عن رأيه. قال: "أعتقد أن على ميديا أن تضحي طوعا بحبها مقابل سعادة أبنائها".

تحمست تيريزا للنقاش. وأرادت أن تعارضه فقط للدخول في حوار. أي شيء ينسيها فجيعتها بالفيلولوجي. قالت: "من السهل أن تعتقد أن المرأة جاهزة لأي شيء كي تنتقم".

تابع إراكلي التحديق. تساءل: ماذا يدفعها للكلام بهذه الطريقة؟. تبع ذلك صمت طويل. وخلاله كان المطر يطرق بقوة على المظلات المعدنية فوق رأسيهما. وسال الماء على الرصيف. ورش ولد صغير الماء من بركة ماء مطر حتى نادت أمه باسمه، وجرته من يده.

ثم قالت تيريزا لتنهي الصمت: "إراكلي. هل وقعت بالحب؟".

أغمض إراكلي عينيه وابتسم ابتسامة باهتة. وقال: "نعم. مرة قبل وقت طويل وقعت بحب فتاة. ذلك عام 1991، قبل تفكك الاتحاد السوفياتي مباشرة. هبطنا إلى القاع، وفقدنا نقودنا كلها. لم يعد للنقود الرسمية قيمة. وفقد معظم أصدقائي أعمالهم. وآخرون لم يحصلوا على رواتبهم. فالشركات التي يعملون فيها أفلست. والعديد من المعارف ماتوا من الجوع، وآخرون أصيبوا بأمراض القلب. وشعروا أنهم بدون مستقبل، ولم يبق شيء ليعيشوا في سبيله. وخلال تلك السنوات الصعبة، حصلت الفتاة التي أحببتها على الفرصة للسفر إلى أمريكا. دعاها أبناء عمها من نيويورك لتعيش معهم. فغادرت ولم ترجع. ولم أشاهدها ثانية".

سألت تيريزا: "هل كانت تحبك؟".

"لماذا تسألين؟".

كانت تيريزا لا تزال تفكر بالفيلولوجي. وقارنت خيبة أمل إراكلي بالحب مع كارثتها الشخصية الراهنة. بالتأكيد لم يحببها الفيلولوجي. هل اهتم بها أصلا؟. هل هجرها مثل محبوبة إراكلي، وتحت ظروف مماثلة؟.

 قالت تيريزا: "لا أعلم. فقط سألت نفسي؟".

تابع إراكلي دون أن يجيب على سؤالها: "اتخذت قراري بعد سفرها إلى أمريكا. وقطعت وعدا على نفسي أن أهب

 حياتي لأمي ومساعدتها. كانت بحاجة ماسة لي أكثر من أي امرأة سواها. ومنذ أن سافرت قاتلت أنا وأمي لتجاوز محنة سقوط الاتحاد السوفياتي. في السنوات الأخيرة القليلة تمكنا من تأسيس حياة مريحة مثل الحياة في الفترة السوفييتية. في تلك السنوات احتاجت الوالدة للعمل، ولكنها كانت أولا بحاجة لرعايتي لها. في إحدى المرات وقعت وكسرت ساقها. وأودعت المستشفى لمدة أسبوع، وكنت الشخص الوحيد الذي يزورها. والآن لا تحتاج لي كثيرا. ولكن العادة لا تزول بسهولة. فقد تخليت عن أشكال السعادة الأخرى التي حلمت بها قبل سقوط الاتحاد السوفياتي".

نظرت تيريزا إلى إراكلي. شعرت أنها تراه لأول مرة. كانت لدغة هجران الفيلولوجي لها لا تزال مغروسة في ذاكرتها وتحتل بقية جسمها، ولذلك تخيلت أن لسانها ينطق بكلام إراكلي. قالت بهدوء: "كلانا يئسنا من شريكنا. هل تعلم لماذا ينخفض معدل الولادة جدا بين المثقفين؟. لأنه كلما زادت علوم الإنسان، قل إيمانه بالمستقبل. وأن تنجب الأولاد يعني أن تؤمن حكما بالمستقبل".

بادلها إراكلي النظر، بدون أن يقرر كيف يرد. توقف المطر، ولكنهما تمهلا أمام البوابة، مستغرقين بتأملاتهما. وكان إراكلي البادئ بقطع الصمت. في النهاية قال: "لا تسيئي بي الظن بسبب تشابه الاسم. لم يكن على الملك إراكلي أن يسلم بلده لروسيا. لم يكن من حقه أن يضحي بحياة الآخرين ليحمي نفسه. كان واجبه يحتم عليه أن يموت من أجل وطنه".

قالت تيريزا: "ربما لم يكن يعي ماذا يفعل. وفي هذه الحالة هو مثل كثيرين".

فكر إراكلي. ثم قال: "ربما أنت على حق. ولكنه تسبب بضرر جسيم".

"ليس من العدل أن نحكم على قرارات الناس ما داموا لا يعرفون النتيجة".

لم يرد إراكلي. ثم قال: "من الأفضل أن نعود إلى البيت". ومد يده إلى يدها. كان ذهن تيريزا مشغولا بالفيلولوجي، فوضعت يده في يده بتعاطف فاجأها، كأنه انفجار بركان يعتقد الجميع أنه ساكن.

وقالت وهما في الطريق إلى البيت: "بعد أن ضحيت بكل شيء يا إراكلي. هل أنت نادم؟".

لم يجب. والآن أصبحت تيريزا هي المتكلمة، ولزم إراكلي جانب الصمت.

سارا في الشوارع مسكونين بإرث السوفييت. لافشيليز كوخا. بيسيكيس كوخا. غريبودوفيس كوخا. ييسينينيس كوخا. كل شارع منها يحمل اسما لتكريم أحد الشعراء الذين أنفقوا مرحلة هامة من حياتهم في هذه المدينة، ووضعوا أهم أعمالهم: لاشفيلي، بيسيكي، غيبودوف، ويزنين. العديد من الشعراء مروا في هذه الشوارع قبل اعتقالهم بوقت قصير ونقلوا إلى الغولاغ، أو ما هو أسوأ، وعذبوا وقتلوا. العديد من الشعراء خاطروا بحياتهم، وعائلاتهم، وسعادتهم في سبيل الفن، وليكتبوا القصائد التي يقتنعون بها، ولينطقوا بالحقيقة. كان مصيرهم مقدرا. مرا بلوحة تحمل اسم باولو لاشفيلي، الذي انتحر عام 1937 وهو يتوقع الاعتقال والإعدام، ثم لوحة صديقه المقرب تيسيان تابيدزي، الذي أعدم في نفس العام، بعد إدانته بالتجسس لصالح الولايات المتحدة الأمريكية. وقبل قتله بقليل، أجاب تيسيان بحنكة على طلب المحققين بالكشف عن أسماء شركائه، فقال إنه تعاون مع بيسيكي. ولم يخبر المحققين أن بيسيكي شاعر جورجي من القرن السابع عشر، وآخر صوت فارسي عظيم من عالم يتخلى عن مكانه لعالم آخر بوجه وبيئة ثقافية غربية. نقب المحققون في تبليسي عن الجاسوس الذي سماه الشاعر المتهم، ولكن لم يتمكن أحد من إخبارهم أين يعيش بيسيكي هذا. مات كلا الشاعرين لاشفيلي وتابيدزيه في السنوات التي كتبا فيها أفضل ما لديهم.

سألت تيريزا: "إذا أخطأت ميديا حين ضحت بأبنائها، وأخطأ إراكلي بالتخلي عن بلده، متى يكون الوقت مناسبا للاهتمام بنفسك؟".

أجاب إراكلي: "الوقت المناسب للاهتمام بنفسك حين لا تضر أحدا، وحينما يمكن إلغاء عواقب ما فعلت في اليوم اللاحق". تساءلت تيريزا في سرها، إن كان من الممكن أن تلتحم جسديا بالفيلولوجي مع الالتزام بمعايير إراكلي. وصلا إلى الباحة المشتركة في الشقة التي أقامت فيها تيربزا طيلة الشهر الماضي. كانت أمام بناء في شارع غريبيدوف قرب كونسرفتوار موسيقا تبليسي، وغير بعيد عن الشقة التي عاش فيها تيسيان قبل اعتقاله. وتحول الكونسرفتوار، من مكان إقامة واسع بنته الإدارة الكولونيالية بعد ضم جورجيا لروسيا عام 1801، إلى شقق شعبية تؤوي عشرين عائلة. ويبدو أن لبنائها نفس التاريخ. وبعد مرور عقد ونصف العقد على انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية خطة الإسكان التي وضعها السوفييت، انخفض عدد العائلات المقيمة هناك إلى عشر عائلات. أما بقية سكان البناء فقد ماتوا أو هاجروا إلى أمريكا. دعا إراكلي تيريزا إلى مسكنه في الشقة الشعبية، وكانت على الجانب المقابل لشقتها. كانت بياتريس مسافرة إلى الريف مع ابنة خالتها، ولذلك كانت الشقة جاهزة لهذه الأمسية النادرة، وفارغة من أي إنسان آخر. جلسا معا وهما يشربان الشاي ويتجاذبان أطراف الكلام لعدة دقائق. لم يستغرق الأمر طويلا قبل أن تنتهي المحادثة إلى تقارب من نوع آخر. تسللت يده إلى ركبتها وذكرتها بالطريقة التي قبض بها على ذراعها وهما يشقان طريقهما عبر شوارع تبليسي المنقوعة بالمطر. وخلال تهاود الصوت في المحادثة انحنى قليلا وطبع قبلة على وجنتها. فلم تنفر. وسألته: "هل هذا مسموح؟ ألن تغضب والدتك إذا علمت بالأمر؟".

ابتسم إراكلي قائلا: "سيسعدها ذلك. كانت تقول لي دائما إن كل رجل يحتاج إلى امرأة".

ثم تذكرت تيريزا غمزة بياتريس في ليلة عيد الفصح وهي تلقي باتجاه يدها البيضة الثانية. تساءلت: هل كانت تحاول ترتيب الأمور، ليكون إراكلي بجانبها كما هو الحال الآن، يده في يدي، وشفتاه على صدري؟. حينما التحم جسداهما، كان شعور تيريزا متوقعا كما بدا لها، ولكن على نحو لم تكن تنتظره. من يعتقد أن ممارسة الحب سهل جدا، ويخلو من القلق والتوقعات، ومستقل تماما عن الاحتمال الثاني، ويستغرق بالوقت الحاضر؟. باعتبار أنها لم تقابل الفيلولوجي، كانت بدون أي فكرة دقيقة عن شكله ومظهره. ولذلك كان من السهل أن تتخيل جسمه وكأنه جسم إراكلي النحيل، وهما يستلقيان في السرير معا، ويتنفسان بعمق بعد إنهاك وتوهج الجنس. وتأكدت أن إراكلي رجل طيب، ثرثار قليلا ولكنه ذكي جدا. وقارئ أدب ذكي وحساس. ومع أنه يتكلم كثيرا يحسن الإصغاء. ولكن ليست لديه عبقرية الفيلولوجي في قراءة المخطوطات القديمة، غير أنه يعرف كل الكلاسيكيات السوفييتية: تيسيان ولاشفيلي وحتى الكتاب الروس مثل مندلشتام. وإذا كان لا يلقي الشعر، مع ذلك يصغي له ويفهمه، وهو شيء مهم. ونجح بمقاومة ضغط النفاق الذي يلازم التقدم بالعمر في ظل الأنظمة القمعية. وعلى ما يبدو أنه حافظ على استقامته طيلة الوقت ولم يفقد ميوله وتذوقه للحقيقة. ووقف بوجه الدوغمائية السوفييتية ولم يتورط بكليشيهات التحول الثوري الذي انتشر بعد نهاية الاتحاد السوفياتي. والأهم على الإطلاق أنه يعرف كيف يحب المرأة. وإخلاصه لأمه علامة تؤكد ذلك. كان إراكلي، على خلاف الملك الذي حمل اسمه، لا يخون عائلته ليحمي نفسه. وأنهى علاقاته مع النساء كي لا تكون على حساب مساعدة أمه. وبسبب هذا الكرم المذكور آنفا كانت تيريزا مستعدة للوقوع في حبه لو أنها بظرف مختلف. ولكن الظروف تحكم. ولم يكن مسموحا لها التفكير بما سيأتي بعد اللحظة الراهنة. قبلت تيريزا كل زاوية من جسمه، وكل شق، وطرف، وثقب. كان الشعر يغطي ساقيه كشبكة العنكبوت، ويعكس الأعمدة القرمزية لعروقه الموجودة تحت جلده. أسرت الخطوط خيالها. فلعقتها بلسانها، حتى بلغت أصابع قدميه، فقبلتها برقة. وتساءلت: هل للفيلولوجي شعر أسود، ناعم تحت لمساتها، مثله؟. وعندما لمس إراكلي شفتيها لأول مرة، تخيلت تيريزا أنها تقبل جسم الفيلولوجي، وأن الفيلولوجي يقبلها بالمثل. وكلما زادت حرارة التقبيل، وزادت قوة لمسات يدي إراكلي لها، اختفى الفيلولوجي من وعيها. أصبحت متحدة بجسمها، حتى، فجأة بعد دقائق من ممارسة الحب، أصبح جسمها متحدا بجسم إراكلي. ولخمس دقائق وجيزة، أصبحت تيريزا جزءا متمما لإراكلي ومنفردة به وحدها. اختفى الفيلولوجي. أصبح في كوكب آخر. بسلام. وكان بعيدا مع زوجته ومولوده الجديد. ثم سقطا بالنوم، الأيدي متشابكة، وكل منهما على طرف من السرير.

استيقظت تيريزا باكرا في الصباح التالي. كان موعد رحلة العودة إلى أمريكا قد أزف في ذلك اليوم. ستعود إلى حقول الذرة في آيوا، وتبتعد عن السوفييت وغصات الاتحاد السوفييتي الذي حكم تبليسي. لديها وقت لتحزم أمتعتها. كان إراكلي مستغرقا بالنوم، ولم تود أن توقظه، ولا أن يفكر بنتائج ما قدمه جسد الواحد للآخر. فقد ساعدها على أن تنسى، مؤقتا، الفيلولوجي ومخطوطات التاجر السغيدي. قبلت أصابع قدميه للتعبير عن الامتنان، بنعومة كي لا تقاطع نومه.

كانت تيريزا جاهزة للعودة إلى المخطوطات التي لم تفك ألغازها، حتى لو هذا يعني العودة منفردة. وستنشر نتائج مراسلاتها النهائية، وتشكر الفيلولوجي حيثما يتوجب ذلك، على أن تحترم خروجه السلمي من حياتها. وهذه المنشورات ستضع حجر الأساس لسمعتها ومستقبلها في الفيلولوجيا السغيدية. وبعد ذلك سيكون لها مهنة، مع أنها ليست متأكدة أنها مهتمة بمهنة. وستمتن للفيلولوجي لأنه ساعدها على انطلاقتها العملية، وستتذكر من قلبها الكلمات التي تبادلاها، حتى لو أنها، من حين لآخر، تتمنى لو انتهت الأمور بشكل مختلف، وأنه كان لتقاربهما الافتراضي جانب واقعي. وتذكرت بيت شعر من قصيدة و. ب. ييتس "حينما تكونين مسنة" وطبقتها على نفسها، على حبها الأبدي والتراجيدي الذي لم يهدأ:

أنت تنحنين بجانب

القضبان المتوهجة،

وتهمهمين، بحزن رقيق، كيف هرب

الحب

وسار على الجبال

المرتفعة

وأخفى وجهه بين كواكب

النجوم.

كان إراكلي الآن يشخر، بنومه العميق. قبلته تيريزا للمرة الثانية، على جبينه. وتسللت على رؤوس أصابعها نحو الباب. تابع شخيره. وعندما وصلت المطبخ، فتحت جزدانها وأخرجت الرخامة الذهبية التي سقطت من البرج الذي كان في واجهة حمام تبليسي الأزرق، والتي نصحها إراكلي أن تحتفظ بها لتكون فألا حسنا. الرخامة، كما لاحظت، هشة جدا، ويسهل كسرها. ضربت طرفها على حد كونتور المطبخ، فتحطمت من منتصفها، وقسمت الزهرة الزرقاء والتي لها شكل القلب إلى قسمين. وضعت نصفا في جزدانها، وتركت الثاني وسط الطاولة، وفي مكان فارغ لتتأكد أن إراكلي سيراه. وداعا جورجيا. فكرت بسرها وهي واقفة على العتبة. وداعا جورجيا الأساطير القديمة والحلم السحري. وداعا يا مخطوطات التاجر السغيدي، والتي سأعود إليها فقط بشكل شظايا من ذاتي السابقة، يا بقايا الحضارة الميتة، التي استغرقت بها مع رجل لم يحببني. ثم برشاقة فتحت الباب قليلا وتسللت على رؤوس أصابعها منه. وكان إراكلي يتابع شخيره.

 ***

.....................................

*الترجمة الجورجية لاسم هرقل الإغريقي.

* عنوان القصة: When You Are Old. لريبيكا روث غولد Rebecca Ruth Gould أستاذة الحضارة الإسلامية والأدب المقارن في جامعة لندن، كلية الاستشراق والدراسات الإفريقية. كما أنها عضو في جمعية أصدقاء فلسطين. الترجمة من كتابها Strangers والذي سيصدر في أمريكا في نهاية هذا العام.

 

إسراء نحو فردوسها

للشاعر: يحيى السماوي

ترجمة: رياض عبد الواحد

***

The Night Journey to Her Paradise

Text by: Yahya Al-Samawi

Translated by: Riyad Abdulwahid

***

 1)

On the path toward the city of love and certainty,

I encountered an old man

As young as a day,

Or as old as two eternities,

Perhaps the radiance of two suns,

Or the very apple of paradise.

A luminous robe draped his frame.

I asked him,

Which path leads to God,

To everlasting joy,

To the heights of the heavens?

He replied,

It lies within you, yet your heedless eye cannot perceive it.

You behold the devil of doubts,

yet miss the angel.

Beware

Fleeting joys may guide you

to ruin.

 2)

Along the road to the inviolable palm tree,

trees appeared in many forms:

sharp as spears,

restless as the wind,

bearing wounds of time,

gleaming like emerald and silk.

Why did God choose her as the bridge to paradise?

My oasis clung to her waters with love,

The bed leaned upon the stone of her sleep,

My poems clung to the murmur of her cooing.

I seek refuge in her love,

and without her, where would the seeker turn?

 3)

I tried to depict the magnificent palm tree of God,

yet the lines eluded understanding.

What binds them together,

written in light upon the paper of air?

 *

Palm tree

Pure love, water,

tree of the kingdom,

new language,

cup, lantern,

Wine that brings fruits closer to the plates,

restoring warmth to the loaf,

offering the stranger a home and distant cities.

It revived the ashes of my voice,

the silence filling my throat,

and the poem began to pulse.

She is the birth and the birthing,

the newborn itself.

She is the testimony on the day I rise

from the remnants of her tender embrace.

She is the martyr.

 ....................

إسراء نحو فردوسها

للشاعر: يحيى السماوي

(1)

فـي الـدربِ نـحـو مـديـنـةِ الـعـشـقِ الـيـقـيـن ِ

رأيـتُ شــيـخـا ً عـمـرُهُ يـومـان ِ ..

أو شــهـران ِ ..

أو سـنـتـان ِ ..

أو دهـران ِ ..

أو شـمـسـان ِ ..

أو تـفـاحـة ُ الـفـردوس ..!

يـلـبـسُ بُـردة ً ضـوئـيّـة ً ..

فـســألـتـُـهُ:

أيُّ الـدروبِ الـسـهـلُ نـحو اللهِ

والـفـرح ِ الـمـؤبّـدِ

والسـمـاواتِ الـسِّـمـاكْ ؟ "**"

*

فـأجـابـنـي:

هـيَ فـيـكَ لـكـنْ عـيـنُ طـيـشِـكَ لا تـرى ..

فـرأيـتَ شــيـطـان َ الـظـنـون ِ

ولـم تـحـدِّقْ بـالـمـلاكْ!

*

فـحـذار ِ ..

بـعـضُ بـيـادر ِ الـفـرح ِ الـمـؤقـَّـتِ قـد تـقـودُ

إلـى الـهـلاكْ!

***

(2)

فـي الـدربِ نـحـو الـنـخـلـةِ الـمـعـصـومـةِ الأعـذاق ِ

صـادفـنـي مـن الـشــجـر ِ الـكـثـيـرْ:

*

بـعـضٌ لـهُ شـكـلُ الـرِّمـاح ِ ..

وبـعـضـهُ طـبـعُ الـريـاح ِ ..

وبـعـضـهُ لـونُ الـجـراح ِ ..

وبـعـضـهُ ألـقُ الـزبـرجـدِ والـحـريـرْ

*

فـلِـمَ اصـطـفـاهـا اللهُ مِـعـراجـا ً إلـى فـردوسِـهِ ؟

واحـاتـيَ اعـتـصَـمـتْ بـحـبـل ِ مـيـاهِـهـا ..

وبـحـبـل ِ حـجـرةِ نـومِـهـا اعـتـصـمَ الـسـريـرْ

*

وقـصـائـدي اعـتـصـمـتْ بـحـبـلِ هـديـلـهـا ..

فـأنـا الـمُـجـيـرُ بـعـشـقِـهـا ..

وبـغـيـرهـا فـالـمُـســتـجـيـرْ

***

(3)

حـاولـتُ أرسـمُ نـخـلـةَ اللهِ الـجـلـيـلـة َ

فـانـتـهـيـتُ إلـى سـطـور ٍ لـسـتُ أفـهـمُ

مـا الـعـلاقـة ُ بـيـنـهـا ..

مـكـتـوبـةٍ بـالـضـوءِ فـي ورق ِ الـهـواءِ ..

الـنـخـلـة ُ:

الـعـشـقُ الـحـنـيـفُ / الـمـاءُ /

سِـدرةُ واحـةِ الـمـلـكـوتِ ..

والـلـغـة ُ الـجـديـدة ْ

*

والـكـأسُ والـقـنـديـلُ ..

والـخـمـرُ الـذي

يُـدنِـي الـقـطـوفَ مـن الـصـحـون ِ ..

تـُعـيـدُ لـلـتـنـُّـور ِ عـافـيـة َ الـرغـيـفِ ..

ولـلـغـريـبِ الأهـلَ والـمُـدنَ الـبـعـيـدة ْ!

*

أحـيـتْ رمـادَ الـصـوتِ فـي

تـابـوتِ حـنـجـرتـي

وأنـبَـضَـتِ الـقـصـيـدة ْ

*

فـهـيَ الـولادة ُ .. والـوَلـودة ُ ..

والـولـيـدة ْ

*

وهـي الـشـهـادة ُ يـوم أُبْـعَــثُ

مـن رمـيـم ِ سـريـرهـا ..

وهـيَ الـشـهـيـدة ْ!

***

قصيدتان

بقلم. إيمان عبد الهادي

ترجمة: نزار سرطاوي

 ***

Two Poems

Eman Abdelhadi

Translated by Nizar Sartawi

***

An Aperture

No one knows now how often I have died.

I have acquired the tongue of never revealing

but through words!

I have sought haven

in the fantasy of dreaming,

interpreting a vision:

I saw as though the poem

was devouring my own head

and sipping the liquor of my bones

I lived in abodes with a boundless sea

As if the rhymes – despite their imperfection –

had hoarded empty shells for my perfection...!

***

Home

We have been walking

along a long long road

I’ve already stepped past my mid-thirties.

*

But we have not reached home as yet

- There is a home, you say

- Is there a home? The question lingered on my lips

But my voice trailed beyond the desertland.

*

- Take me back home – if there be one –

Take me… take me back home!

or back to the words

.....................

قصيدتان

د. إيمان عبدالهادي*

***

كُوَّة

ليس

من أحدٍ يعرفُ اليومَ كم مِتُّ

عُلّمت منطقَ ألَّا أبوحَ سوى: بالكلامِ!

احتميتُ بوهمِ المنامِ

بتأويلِ رؤيا:

رأيتُ كأنَّ القصيدةَ تأكلُ رأسي

وتشرَبُ خَمرَ عظامي

سكنتُ منازلَ لا حدَّ للبحرِ فيها

كأنّ القوافي – على نقصِها –

حشدتْ صَدَفَاً فارِغاً لتمامي...!

**

البيت

مشينا طريقاً طويلاً

تجاوزتُ (نصفَ الثلاثين) في خطواتي

*

ولم نصِلِ البيتَ بعدُ

- هنالِكَ بيتٌ ! ... تقولُ

-  هنالِكَ بيتٌ؟ أردتُ سؤالَكَ

لكنَّ صوتي تراجعَ خلفَ الفلاةِ

*

- أعِدني إلى البيتِ – إن كانَ ثمّةَ بيتٌ –

أعِدني... إلى البيتِ !

أو فلتُعِدني إلى الكلماتِ

***

* شاعرة أردنية

 

في نصوص اليوم