بقلم: إيما كلاين
ترجمة: صالح الرزوق
***
قالت ماري: "لا يوجد أشياء كثيرة في البيت. آسفة".
تلفتت كايلا ونفضت كتفيها: "حتى أنني لست جائعة".
جهزت ماري الطاولة، ووضعت أواني فيستاوير(1) في أمكنتها بجانب فوط قماشية مشرشرة. وأكلوا بيتزا مطهية بالميكرويف.
قال دينيس خليل ماري بانشراح وهو يأخذ أوراق السبانخ من علبة بلاستيكية ويكومها على الببتزا: "علينا أن نجد شيئا طازجا قليلا". وبدا أنه مسرور بعبثه. أكلت كايلا السبانخ، وقضمت عدة لقمات من القشرة. صبت ماري لكايلا المزيد من الماء.
وحينما طلبت كايلا البيرة شاهدت ماري ودينيس يتبادلان النظر.
قالت ماري: "بالتأكيد يا عزيزتي. هل لدينا بيرة يا دينيس؟ ربما في ثلاجة المرآب".
وشربت كايلا كأسين على وجبة آخر اليوم، ثم ثالثة على الشرفة خارج جدران البيت، وساقاها مضمومتان في الغطاء الكبير الذي أخذته من غرفة ابن ماري. جعلت الباحة الخلفية غير المنظمة كل شيء تبدو أكثر من شيء مزيف: في الأسفل خط أفق المدينة، ثم النجوم. كان الجو فظيعا في عمق هذا الوادي. كان بإمكانها أن تحاول المشي بقرب الطريق مجددا، بجوار سور الجيران، ولكن قد تلاحظها ماري وتعلق بكلمة. أمكنها الشعور بدينيس وماري وهما يراقبانها من داخل المطبخ، متتبعتين لمعان شاشتها. ماذا سوف تفعلان، هل ستقتنصان هاتفها منها؟. بحثت عن اسم رافي، ثم بحثت عن اسمها. ظهرت الأرقام. يا له من كابوس حسابي، حينما تتضاعف النتائج ثلاث مرات بنزق، وكم هو غريب أن ترى اسمها بهذا الشكل، والصفحات تنقلب الواحدة بإثر الأخرى، وتظهر وسط لغات أجنبية، وهي تحوم فوق صور وجه رافي المألوف.
**
قبل يوم الثلاثاء لم يشاهد أحد كايلا، بقي منها مجرد صفحة قديمة لجمع التبرعات من الطلبة لتحرير التيبت، ومنتدى إلكتروني يديره ابنة خال ثانية مع صور من لم شمل عائلة قديم، حيث كانت كايلا المراهقة بفم مليء بأسلاك تقويم الأسنان، وفي يدها صحن ورقي مثقل بالشواء. اتصلت أمها بابنة الخال وطلبت منها إزالة الصور، ولكن حينها كانت قد دخلت عمليا في الذاكرة الدائمة للإنترنت (جمار الإنترنت). هل هناك أي أخبار؟. نقبوا عن سور كايلا المختبئة وراء رافي وجيسيكا، وبيدها يد هنري الصغيرة. رافي المحتشم وبالجينز، المحاط بالنساء والأولاد. كانت الصور الوحيدة التي جمعت كايلا مع رافي. ذلك أمر غريب، أليس كذلك؟. صادفت صورة - تظهر فيها على ما يرام. سروال جينز ما كانت تحبه، ولكن رأت أنه ليس جذابا كما تخيلته. احتفظت بالصورة في هاتفها كي تتمكن من تكبيرها لاحقا. أغلقت كايلا نتائج البحث، وسمحت باستعادة رسائلها القصيرة. استراحة عابرة ثانية يمكنها أن تعتقد فيها أن القوى الكونية تجر شيئا من رافي باتجاهها. كانت تعلم أنه قبل أن يكتمل التحميل لن يتبقى أي شيء يهم.
**
"هل تحتاجين لشيء يا عزيزتي؟".
وقفت ماري في باب الشرفة، مثل شبح أسود فقط. وقالت: "سأشعل لك النور. ولكن في الواقع لا يوجد مصباح هنا".
كانت ماري شريكة أمها في السكن الجامعي، وحاليا هي مشرفة على مشاكل المخدرات والكحول. أرادت أم كايلا منها أن تعود إلى بيتها - قالت سأشتري لك تذكرة طيارة، ثم هبطت الصور على بيت مزرعتها في كولورادو سبرنغز.
انتظرت كايلا. اتصلت أمها بماري، شريكتها في سكن الجامعة، ماري، كانت الشاهدة على عرس البيت الصغير، عرس تبعه الطلاق السريع. كان من السهل أن نتصور كيف تفكر ماري عن كايلا. ربما تعتقد أنها نفايات. فكايلا تبلغ أربعا وعشرين عاما، وها نحن هنا الآن. فكرت ماري ربما هذه هي نتيجة غياب الأب، وانهماك الأم بالعمل. ولكن كيف بمقدور كايلا أن تشرح الموضوع؟. شعرت أن هذا صحيح، الميزان الصحيح للأشياء. توقعت كايلا دائما أن يحدث لها شيء من هذا القبيل. قالت كايلا بصوت يبدو مهذبا جدا: "أنا بخير".
قالت ماري: "نحن على وشك مشاهدة هذا الفلم التسجيلي. عن أول مربية صقور في منغوليا". صمتت. وعندما ام ترد كايلا تابعت: "من المفترض أن يكون جيدا جدا".
ماري، بقميصها الكتاني الفضفاض، وحذائها أوكسفورد الفضي، كانت نوعا من النساء الكبيرات اللواتي تقول عنهن الشابات دائما أنهن يرغبن بأن يحذو حذوهن. ماري ذات البيت الكبير في الوادي، وبخشبه السبعيني غير الملموس. ربما سمحت لابنها المراهق أن يناديها باسمها الأول. أدركت كايلا أن ماري إنسانة لطيفة ولكنها لم تكن مقتنعة تماما. فقد كانت ماري تثير أعصابها.
قالت كايلا: "بالفعل أنا متعبة جدا. سأذهب إلى السرير حالا".
هل أرادت ماري أن تقول شيئا آخر؟. بالتأكيد تقريبا.
قالت كايلا: "شكرا ثانية لأنك سمحت لي بالبقاء. سأحاول أن أنام".
قالت ماري: "بكل سرور". وترددت. ترددت. ربما جمعت أطرافها لتلقي حكمة قوية، آية مخمورين سابقة. قبل أن تتمكن من الكلام، ابتسمت لها كايلا، ابتسامة محترف. أدهش ذلك ماري، واستغلت كايلا تلك اللحظة لتحمل بيرتها وهاتفها، وأن تتخطى ماري، وتشق طريقها إلى غرفة النوم. لف ابن ماري بابه بشريط لاحق تحسبا، وألصق عليه لافتة: خطر: ابتعد. لصاقة ترمز لنشاط نووي. نعم. نعم. قالت كايلا لنفسها: وصلنا إلى ذلك. أنت صغير قذر ملوث.
**
كان ابن ماري مع ابنه في عطلة المدرسة، وحاولت ماري بشكل واضح أن تجعل الغرفة مرتبة: تركت لكايلا رزمة من المناشف الطازجة، وقطعة صابون صغيرة للفنادق، وأفضل المقالات الأمريكية، لعام 1993 على طاولة بجانب السرير. ومع ذلك كانت رائحتها كالمراهقات، تفوح منها عطور أولد سبايس، ومطريات رخيصة عادية، وأدوات رياضية غير نظيفة مهملة في الخزانة. استلقت كايلا على السرير المرتب. وصور التزلج على الماء موزعة على كل الجدران وتبرز صور رجال بحلمات وردية ولون برونزي، وهم على الألواح في وسط أمواج عملاقة وتقريبا شفافة. كانت الصور تقريبا عارية وزرقاء اللون.
لم يصل شيء من رافي. ماذا تفعل غير أن تتابع وجودك؟. إحساس غير واقعي يتداخل مع كل ثانية، رعب غير سلبي على وجه الإطلاق. وجدت نفسها تختبر الكلمات، وتتخيل كيف تصف إحساسها لرافي إذا اتصل بها. شعر بالزهو لهذه العبارة، كان الأمر كأنني مقتلعة من حياتي الشخصية. قالت بصمت بالغ لنفسها، ودق قلبها بإيقاع أسرع. شيء دراماتيكي. ما دامت نائمة، تشعر أنها بحالة ممتازة، ما دام هناك خيار لتجنب الأمور - ولا يزال لديها القليل من حبوب رافي المنومة، وقد وصفت له تحت اسم آخر. أخرجت كيس زيبلوك من حقيبتها وسحبت منه حلويات سوناتا وقضمت قطعة مرة. الأفضل أن تغلفها، وتحتفظ ببعضها لوقت آخر. غمست أصبعا رطبة في الكيس ليلتصق بها الفتات، ثم يئست، وابتلعت النصف الثاني مع آخر رشفة من البيرة. لم يكن هناك مهم لتبحث عنه في سحابات ابن ماري - العلب مغلقة بإحكام، قمصتن خفيفة من مخيمات صيفية مختلفة، خصوصياتها مختلة نفسية وباضطراد - مخيم نجم روك، مخيم نجم تصميم. علبة سيغار مليئة بالقطع النقدية وزوج من الأزرار المصنوعة من حروف آلة الطباعة، كتاب سنوي كتبت فيه البنات فقط. قلبت في الكتاب السنوي: ظهر أن الولد ذهب إلى مدرسة حيث تعلم الجميع عادة تناول وصفات الأمفيتامين عوضا عن غيرها. رسالة قوية المعنى من معلم احتل صفحة كاملة في النهاية. وانتابها الشك أن الصبي كلف نفسه قراءة ذلك. جلست على طرف السرير المفرد - كان يتحرك بغرابة، وربما كان السبب هو السوناتا وإيقاعها، وتأثيرها على أفكارها التي ذهبت باتجاه بطيء، وبلوغ النهاية التي شرعت بالتباطؤ.
ماكس: أنا فخور بك جدا وكل ما أنجزته في هذا العام. ألا يمكنك أن تنتظر لتشاهد ما سوف تفعله في هذا العالم!. أنت شخص متميز جدا - لا تنس ذلك. أمكنها أن تسمع، من غرفة المعيشة، صوت الفيلم التسجيلي، وارتفاع وتيرة الموسيقا المغولية والتي تأخذ منحى ملحا. يمكنها أن تكون أي شيء كانت ماري تمزقه الآن، مهزومة أمام مرأى صقر محلق أو لقطة مقربة ليدي رجل مسن، والريح تعصف بالسهل المغولي. تعرفت كايلا على فتاة في الجامعة وعي متبناة من منغوليا. كان اسمها دي دي، وكل ما تذكره كايلا أنها تميل للاستحمام والستائر مفتوحة، وأنها ترتب وجهها في المغسلة، وتترك وراءها شذرات من ذرات ناعمة فوق المرآة. أين دي دي الآن؟.
تعبت كايلا. عليها أن تنهض وتطفئ النور، وتتخلص من عدساتها اللاصقة، ثم حمالة صدرها. لا تتحرك. هل تتذكرها دي دي؟ هل سمعت الأخبار؟. فكرت كايلا بسرها: أنت إنسانة متميزة جدا. إنسانة. متميزة. جدا.
**
كان دينيس هو الذي نقلها. فكايلا لا تمتلك سيارة خاصة بها، واتكلت على ما لدى رافي وجيسيكا. وهذه إحدى الأمور المقلقة حيال العمل، السيارة، مع أنها تبدو الآن شيئا بمنتهى الغباء أمر آخر ربط حياتها بأولئك الناس. راقبت كايلا دينيس بقترب بالفولفو - توجب عليه أن يقترب من بين صور المدخل الرئيسي. توقف عند البوابة، وانتظر أن يفتح له. كان يرتدي صدارة تآكلت أطرافها بسبب التقادم، وهي صدارة صوفية مطرزة بشعار شركة فيتامين. بدا حيوانا حزينا ومرهقا، وهو يمر من بين البوابات الأمنية، شعرت كايلا، لبرهة، أنها اقترفت شيئا فظيعا. أن تستدعي شخصا مثل دينيس إلى مكان مثل هذا. ولأسباب كهذه. لكن لم تكن فظيعة حقا، أليس كذلك؟. الحياة طويلة، قالت لنفسها، وهي تفتح باب السيارة. الناس يرددون هذا الكلام دائما، الحياة طويلة.
قال دينيس: "هل هذا كل ما لديك؟".
"نعم".
حقيبة يد واحدة، وحقيبة ظهرها. أخذت كل شيء، حتى القرطين التي قدمتهما لها جيسيكا، والثوب لا تزال عليه لصاقته. محتويات حقائب الهدايا اللامتناهية، عطر ومواد تجميل، الكثير من المطريات، أدوات التجميل، أشياء تبحث عنها كايلا في الإنترنت، حتى تجد سعر اامبيع المحدد، وتضيف الأرقام حنى تشعر بالقليل من السكر. لا تشعر كايلا بالذنب، ليس بعد. هل ستشعر على الإطلاق؟. كانو كاميرات المراقبة تسجل دخولها في سيارة دينيس. هل ستشاهد جيسيكا هذا المشهد؟ هل سيشاهده رافي؟ حاولت أن تحتفظ بابتسامة معتدلة على زجهها، تحسبا للظروف
**
في المقابلة قابلت جيسيكا لأول مرة، بعد أن وافقت المؤسسة عليها. جاءت جيسيكا متأخرة، وجلست وراء الطاولة. شردت جيسيكا: وعلقت قلادتها ببلوزتها الفضفاضة.
"هل يمكنك فقط.." قالت جيسيكا وأشارت إلى كايلا، فاقتربت منها، وحررت القفل، وحاولت أن لا تتمسك به كي لا تترهل البلوزة. انحنت قرب وجه جيسيكا: بشرتها لوحتها الشمس قليلا، شعرها بنفس اللون تقريبا، وكل معالمها ناعمة ومتناسقة وبصعوبة نحت كايلا نظرها عنها، مستغرقة بجمال جيسيكا الباهر. شعرت كايلا بالتمادي الفضولي - كم أهدرت من وقت لتصبح جميلة، مع أنه من الواضح، حاليا، استحالة ذلك. الاقتناع راحة تقريبا. قالت كايلا "ها هو" وأعادت العقد إلى مكانه، ولونه بلون بيرة الجذور. لمست جيسيكا السلسلة بدون تركيز، وابتسمت لها قائلة: "أنت حلوة".
**
آخر الأخبار أن رسائل وافي القصيرة متصلة بآي باد الأولاد، وهكذا اكتشفتها جيسيكا، وكان من المدهش أن تتخيل مصدر المعلومات، وكيف وجدت هذه الحقائق طريقها للنور. ولأن ذلك كان صحيحا، أهملت كارلا الكتابة إلى رافي، في النهاية، وإذا صدف ورد عليها بأوقات نادرة، ستعلم جيسيكا على الفور بما يجري. كانت لعبة هنري المفضلة بالآي باد قد أخذت مكانها في مطعم افتراضي ما حيث يمكنك تحضير الهات دوغ (النقانق)، والهامبورغر، والساعة تدق حتى تبلغ الزيرو. حاولت كايلا أن تلعب لها مرة، لكنها أغرقت قميصها بالعرق، فقد جعلتها مضطربة ومستثارة جدا. كان البورغر يحترق، وآلة الصودا تعطل. وكان الزبائن يستشيطون من الغضب ويغادرون. أخذ هنري منها الآي باد بصبر بالغ.
قال لها: "هي بسيطة. لا تلتقطي النقود مباشرة. وهكذا يتوفر لك مزيد من الوقت".
سألته: "لكن أليس الهدف كسب الكثير من النقود؟".
قال هنري وكان يشعر بالأسف عليها: "هكذا سيسرع الوقت. إنها خدعة".
**
في عيد ميلاده الثامن قدمت كايلا إلى هنري آلة تكربن الماء، وكتابا كانت تحبه في طفولتها. كانت تقرأه بصوت جهوري بينما هنري يحملق بالسقف. ويبدو أنه أعجب بالكتاب، ولكن أدهشتها اانهاية، فهي لا تتذكر أن العجوز مات بعنف، وأن اليتيم كبر ولم يكن سعيدا جدا. في الأماسي بعد ذهاب مدبرة المنزل وتواجد هنري في المدرسة، يرق الهواء كما يبدو. كان غريبا أن تتجول بين الغرف، وتفتح الخزائن. تلمس الثياب المعلقة، وسراويل رافي، والبلوزات المطوية في الورق. كانت فتاة ذكية. درست تاريخ الفن. وأول حصة لها، حينما أطفأ الأستاذ هونيسون النور وجلسوا جميعا في للظلام - كانوا ثمانية عشر، ومعظمهم لا زالوا أطفالا، لا زالوا أولادا ناموا طيلة أعمارهم في بيوتهم. ثم هدر جهاز الإسقاط، وحامت على الشاشة بقع من ضوء ولون، وكربعات جميلة. وحينذاك شعرت أنه نوع من السحر، حينما كان هذا الشعور الذهني لا يسبب الارتباك. كم يبدو الأمر غامضا أحيانا - فقد كانت في وقت ما مهتمة أو قادرة على إنهاء الأوراق بما يكفي. جيوتو وما تبقى من نصوص دي فورغين (2) في لوحاته الجدارية. تحديات رودين لأهداف الأيقونات المثبتة في التفكير الكلاسيكي، أجسام مايكل أنجلو على اعتبار أنها وعاء لمشيئة الرب. كان الأمر كما لو أنها في السابق تكلمت لغة أخرى بطلاقة، ولكن نسيتها الآن.
قبل أن يتناول هنري الغداء، حصل على عجينة زيت السمك بشكل نجوم، كانت كايلا تحبها أيضا - واحدة له واثنتان لها. وكانت مغطاة بالسكر ولكن يفترض أن تتجاهل ذلك، وتركز على دهن السمك الذي ينفخ في رأسك ويجعله ورديا وذكيا. بالنسبة للغداء، جهزت كايلا شطائر جبنة مشوية، بخبز أسمر، مع شرائح التفاح. أكلا في الخارج، مستعينين بورق التنشيف. بعد الطعام، استلقيا تحت الشمس صامتين، وكان هنري لا يزال بثوب السباحة، وكايلا بثياب من قطعة واحدة مع الحرص على أن لا يكون مدعاة للإثارة الجنسية. في إحدى المرات جر رافي بذة السباحة من بين فخذيها جانبا ليضع أصبعا محدبة في داخلها. هل كان ذلك ثاني أو ثالث مرة؟ تخيلت كايلا أنها شخص من نوع يسجل تفاصيل على هذه الشاكلة في المفكرة. وكان لديها الكثير من ذلك: أراد رافي أن يغفو وهو يضع أحد ذراعيه فوق رأسه. كان لرافي ندوب على ظهره بسبب حب شباب يعود لأيام المراهقة، ولكنه أخبرها أنها ناجمة عن حادث تعرض له خلال تسلق الصخور. من الغريب كيف أن هذه الحقائق كانت تعني للآخرين شيئا، أيضا، لأغراب لا يعرفونه. لو فتشته ستجد كل شيء هناك - تحسسه، طوله التقريبي، صوره في شبابه. تظاهرت أنها لم تشاهد أي شيء من ذلك. كان ذلك دائما بينهما، التظاهر بعدم المعرفة. لا بد أنها ثالث مرة، حادثة بذة السباحة. كانت للملاءات على سرير بيت البركة رائحة تشبه الطلاء الواقي من الشمس. وضع رافي يده عليها تحت الملاءة، وعيناه مغلقتان. نظرت كايلا إلى وجهه الأنيق المهدئ - كان لمسه أمرا غريبا دائما، مثل لمس ذكريات شخص ما.
سألته: "كيف بدأت التمثيل؟". كان صوتها مخدرا وخفيضا، ولم يكن أحدهما مستيقظا تماما.
قال رافي: "كنت في الواقع شابا جدا". كان هناك ممثل زائر من مدرسة الفنون وجاء ليؤدي دورا في هذه الحصة، كما أخبرها.
قال: "عليك أن تتذكر. هذه آيوا، في كانون الثاني". كان ذلك قبل أن تقرأ كل مقالاته - روى رافي القصة بتأثير عميق، وافترضت أنها أسرارية نوعا ما، شيء ثمين خرجت من أعماقه السيكوباثية. من الواضح أن الممثل الزائر فتح كل نوافذ قاعة الصف، ربما ليهيئ مستوى مناسبا للدراما، وكان الهواء المثلج يتدفق وهو يذرع المكان بخطواته أمام المقاعد وينشد هاملت.
قال رافي: "فعليا. عصف بدماغي".
قالت وهي تتصور رافي بطفولته متأثرا بصفات البالغين: "ظريف".
في إحدى الأمسيات في وجبة العشاء، علقت قطعة من الطعام بين أسنانه - ومنحها مرآه قلقا إيروتيكيا تقريبا حتى مدت جيسيكا في النهاية يدها وانتزعتها. لم تتمكن من تفسير هذا. كرهته كايلا وأحبته في نفس الوقت، وربما جزء من الأسباب كان غباؤه. ولاحقا قرأت قصة هاملت تقريبا كلمة بكلمة وفي العديد من المقابلات المختلفة.
**
غاب رافي بعيدا حوالي شهر، ليصور على مسافة تفصله عنا ثماني ساعات، ولكن ما أن بلغ هنري عطلة الشتاء، جاء هو وجيسيكا بالطيارة لمقابلته، وجاءت كايلا أيضا، تضاعف أجرها. كانت غرفتها في الفندق قريبة من الجماعة والتجهيزات. وخارج النافذة، ووراء جدران الفندق البيضاء، كانت شاحنات الغازولين تذهب وتأتي في الشوارع الترابية. بعد وصولهم بالكاد نظر رافي إليها. قالت لنفسها: هذا يصنع معنى. كانت جيسيكا دائما موجودة، أو مساعد طبيب ما يحمل اللاسلكي ويبدو أنه "يدعو" رافي للجلوس. لم تتم "دعوة" رافي ليقوم بأمور من المفترض أن يقوم بها. في عشاء الممثلين، قرص حلمتيها، بقوة، وذلك وهما في الممر الخلفي للمطعم، وكانت أنفاسه تفوح برائحة البيرة المحلية، المنكهة بثمار الكولا والأفسنتين. ضحكت حينها، مع أن الندل على ما يبدو لاحظوا، برفقة على الأقل أحد المنتجين، وتأكيد ذلك تقطيب وجهه. ولم ينفردا في الحقيقة غير مرة. أرسلت جيسيكا كايلا إلى غرفتهم لتأتي بالواقي الشمسي لهنري. فتحت باب الغرفة، واستعملت بطاقة جيسيكا، فوجدت رافي، يشاهد مباراة ملاكمة في التلفزيون، والستائر مسدلة. قالت وهي موشكة أن تقبله: "هاي، أنت". ارتبك وهو يقبلها بشفتين مطبقتين. هل احمر وجهه؟. كان شيئا غريبا. ثم مارسا الجنس، بسرعة، ثوبها مرفوع إلى الأعلى، وأغطية السرير مرتبة إلا قليلا. ذهبت إلى ااحمام لتنظف نفسها، وحاذرت أن لا تجرف ورق التواليت. وحافظت على حذرها. هناك الواقي الشمسي على الرف. لدى عودتها إلى غرفة النوم، والواقي الشمس في يدها، كان رافي مندمجا بالتلفزيون، وجهه فارغ، وأغطية السرير ممهدة، كما لو أن شيئا لم يحصل على الإطلاق.
**
حان موعد يوم عطلة كايلا. رافقت جيسيكا هنري إلى بلدة جبلية في فترة ما بعد الظهيرة. غفت كايلا في غرفة باردة، تحت شبكة البعوض التي جعلت كل شيء يبدو وكأنه مكفن بالبخار. شعرت في أول بضعة أيام أنها بحالة جيدة، ولكنها تأخرت بالاستجابة لـ اللقاحات المطلوبة، أصبح بياض عينيها حليبيا، وتسربت الأحلام إلى حياتها في اليقظة. شربت ماء القوارير طيلة اليوم، ومع ذلك كان بولها بلون بني غير طبيعي، وكان كثيفا وله رائحة الكبريت.
استيقظت من الغفوة مخدرة وحارة، وحروقها الشمسية تؤلم. الطبيب المعالج قال لها أن تواصل شرب الماء، وأن تحترس من التفكير الضبابي. هل كان هذا التفكير الضبابي، هو الشبح المتوهج باغز باني (3) في غرفة الفندق؟.
قال: أنت فتاة جميلة.
باغز يقول هذه الأشياء ولا يحرك فمه. كانت أفكارا تسقط من ذهنه مباشرة نحو كايلا، تتراقص في الفضاء الفاصل بينهما. أحيانا كان يتنحنح من جانب إلى آخر، حركة بطيئة لحذاء رقيق. كل شيء يفعله بطيء. باغز باني. ابتسمت في السرير. لا يوجد مكان آخر ليتواجد فيه باغز. وهو لا يقول هذا عمليا بكلمات متتالية، ولكنها فهمته، كانت للعاطفة موجودة في عينيه الكبيرتين العائمتين - وسيبقى معها في غرفة الفندق هذه طيلة اليوم. إذا كان هذا ما تريد.
يجب أن أذهب لرؤية رافي، ألا تعتقد ذلك؟. قالت هذا أو فكرت بهذا.
طرف باغز بعينيه وقال: لا أعلم. هل هذا ما ترغبين به؟. كان باغز ذكيا جدا.
يجب أن أذهب. حاولت أن تأتي بفكرة أخرى من ذهنها الملتهب. علي أن أذهب. يجب أن أرى رافي.
انحنى باغز قليلا - انحناءة بطيئة وسائلة. وقال: إن كان هذا ما تحتاجين له.
**
بدلت كايلا ملابسها بثوب وشربت عصير الأناناس والفودكا في بار الفندق. كانوا يصورون عند السفح في ذلك اليوم، وهو مكان قريب يمكن لكايلا أن تبلغه مشيا بعشر دقائق عبر الكثبان الرملية المليئة ببرغش الرمل وبراز الجياد. تسرب العرق من ثوبها حينما وصلت إلى مكان العمل. كان الجميع واقفين هناك. أومأ لها رافي ولكنها لم تذهب لتحييه. كان يبدو كئيبا. وكانوا قد جعلوا حاجبيه شديدي السواد. وكانوا كالمهرجين. بما يبدون على ما يرام على الشاشة. وأمكنها أن تقول إنه متحسس، وجائع، وقلق، ويحتاج لحمام، ولشراب. شعرت مقدما أن رافي سيسعل، حتى قبل أن يحك أنفه. هل يعرف هذا الشعور؟. هذا المستوى من التناغم الدقيق والسيكوباثي تقريبا مع شخص آخر؟.
سأل أحد عمال الإضاءة: لماذا توقفوا؟.
بالكاد تعرف عليها ثم قال: وجدوا شيئا في البوابة.
- آه. البوابة؟.
دقق الشاب النظر حتى منتصف المسافة، وهز كتفيه. هل كانت تتخيل أنه متوتر؟. كلا. الطاقم لا يود أن يكلمها بعد الآن. وهذه هي أول إشارة. لدى الناس غريزة حيوانية للسلطة، ويمكنهم الإحساس أن نفعها في نهايته. استقرت كايلا على كرسي تحت مظلة مؤقتة خارج الخط. غسلت الشمس كل شيء ولذلك بدت خطاطة، غير تامة. وجعلت حروق الشمس جلدها يشعر بالضيق. حكت كاحلها، برقة. لو أنها احترقت بالشمس فقط، سيكون للأمر عاديا، ولكنها تورمت، أيضا، والدليل هذه اللدغات المحمرة والمنتفخة. حكت بكاحلها الكاحل الآخر. بلطف، بلطف. لم يكن يبدو أن شيئا يحصل، ولكن كان الجميع مشدودين. كان مدقق النص يحل الكلمات المتقاطعة بهاتفه. أرادت من فتاة المكياج أن تسرع وتضع على جبين رافي منديلا ورقيا. استسلم لها بصبر واسع. في النهاية كان ممثلا جيدا. أبعدت كايلا ثوبها عن إبطيها، ولكن بلا جدوى - القماش سيتبقع، طبعا سيتبقع.
**
التصوير الحقيقي كان بعيدا جدا عن خيمة كايلا، ولم تسمع شيئا. راقبت رافي يقول شيئا، وراقبته يرفع رأسه نحو السماء. أعادوا المشهد ثانية. أي مشهد كان هذا؟. كانت بانتظارهم لتصوير المشاهد الافتتاحية. أخبرها المخرج، أثناء العشاء حينما كان الجميع دمثين معها، وحينما كان من الواضح أنها تعاشر رافي، أن تنتظر ذلك. قال: "بعض المخرجين يصورونها مباشرة. منذ البداية. ولكن الممثلين لم يجهزوا بعد كما ترين. إذا انتظرت طويلا جدا يكره الجميع بعضهم البعض، فهم يودون أن ينتهوا منها. مثل السنة الأخيرة في المدرسة. حينها ينسجم الشخص مع شخصيته ويظهرها".
كان هذا ثاني فيلم للمهرج فقط. وقدم له الأستوديو مبالغ طائلة. كان يبدو كأنه بعمر عشرين عاما. وتابع إلقاء النكات عن نفسه، وأنه لا يعرف كيف يقوم بعمله توقف التصوير ثانية. كان رافي يقترب منها. تمطت ووقفت على قدميها. كان يتعرق، ووجهه أحمر.
قال لها: "أنت تجلسين في مجال نظري. لا يمكنني أداء المشهد إذا رفعت بصري ورأيتك هناك".
قالت: "أنا لست أمامك". أمكنها الشعور بفتاة المكياج ترمقهما.
قال رافي: "لا تعتقدين أنك قبالتي. ولكن هذا خط نظري. تلك هي الفكرة. هو ما أراه. وليس ما ترينه أنت. ماذا ترين الآن. ماذا أرى أنا. أنا أراك".
- "حسنا".
اتسعت عيناه، وأوشك أن يقول شيئا، ثم ظهر أنه تراخى.
-"لماذا لا تذهبين للسباحة في بركة الفندق؟ وتحصلين على غداء؟".
قالت: "نعم". كان صوتها ضعيفا.
"تلك فكرة جيدة".
كانت تعلم أن رافي لا يريدها أن تشارك بالمشهد. وهي لن تفعل. ابتسمت إلى اللاشيء، نحو للأفق الفارغ. كانت الأرض فقيرة وغير جميلة، ليس كما تخيلتها أبدا. في الحقيقة كانت هذه أول مرة لها خارج البلاد
**
لم تفارق كايلا ماري لثلاثة أيام. في المرة الوحيدة التي قصدت فيها المتجر، التقط شخص ما صورها وهي تملأ سيارة ماري بالبنزين في طريق العودة. كانت كايلا في الصور ترتدي لباس الطيران وتبدو شقية. شفتاها رقيقتان، وشعرها نحاسي ومغسول بإفراط. ولم تكن جميلة مثل جيسيكا. كان ذلك الكلام واضحا على ألسنة الناس، ولم تكن كايلا لا تعرف أيضا أنه صحيح، ولكنها لم تعلم ماذا جعل الناس حانقين منها جدا، ومستفزين للغاية شخصيا. توفر لكايلا مقابلة بالتلفزيون. كان هذا تعويضا جعلها تشرب ماء الفيتامين حينما ظهرت علنا في مناسبة تالية. مقابلة في البلاي بوي، أيضا، ولكن من الواضح أنهم لم يكونوا يصورون مشاهد التعري.
نقرت ماري برشاقة على إطار الباب.
"هل أنت بحالة طيبة؟".
جلست كايلا وقالت: " أنا بخير". ثم وضعت هاتفها على السرير، وشاشته نحو الأسفل.
قالت ماري: "أنا ودينيس ذاهبان الليلة إلى عشاء مع أصدقاء. عليك أن تأتي معنا".
قالت كايلا: "آه. لا بأس. حقا. يمكنني أن أنتظر هنا".
قالت ماري: "يجب أن لا تكوني وحيدة. سأشعر بالارتباك. كأنك في الفخ".
"ولكن لا بأس".
غضنت ماري جبينها، وقطبت فمها. وقالت: "ستتحسنين. هم أناس طيبون. وهي تختبر وصفة لكتاب الطبخ، أما هو فيدرس في مدرسة شرقية. سنكون جماعة منسجمة".
أسعدت كلمة نعم ماري، كان دينيس منحنيا، أيضا، حينما تكوموا في السيارة، حتى هذه الخطط الثانوية تختزله. تدفق ببريق وردي، وكما قميص الغولف القصيران يتدليان بعد كوعيه. قادت ماري على طول طرقات الوادي الضيقة، ودينيس بجانبها على المقعد، وأحد ذراعيه حول ماري. فقد تزوج من قبل - هل كان له أولاد؟ كايلا لا تعلم. كان يبدو موجودا في مدار ماري فقط، الخليل يقطف الليمون من الباحة الخلفية ويأتي بها إلى الحفلة. واصلا النظر إلى كايلا من خلال المرآة الأمامية. كانت تجلس في المقعد الخلفي بجانب حقيبة التسوق الممتلئة بالليمون، وزجاجة نبيذ أحمر. كانت كايلا تلبس الثوب الذي قدمته لها جيسيكا، وقميص ابن ماري، وشعرها معقود بشكل ذيل حصان بسيط. كان نسيج الثوب جيدا، مزيج من الكتان والحرير، وبلون الإسفلت - تلمست النسيج، الذي تدل على ركبتيها، بتكاسل. كانت جيسيكا لطيفة معها. ولكن لم يمنحها أحد في الحفلة اهتماما ملموسا.
كانوا جميعا أكبر بالسن مشغولين بشؤون حياتهم، وبأولاد يخرجون ويدخلون كالسهم، أحدهم يلهو بغيتار صغير، والآخر يعد بالفرنسية بصوت مرتفع. كانت هذه أول مرة تفكر بها كايلا كما يلي - بالطبع يوجد آخرون في العالم لا يهتمون برافي أو جيسيكا. كان الطعام على الطاولة جاهزا، والضيوف يحومون بأطباقهم. في الردهة مرت بجماعة تتخلص من بقايا شرابهم وتلقيه في أصيص للنباتات. لكنها لم تعرفهم. في الخارج كان الجو أفضل. كانت البركة راكدة، وتشع ببريق يفيض منه الضوء. لم يكن هناك أحد. كانت الهضاب كتلة معتمة، وأحيانا يتخللها بيوت. أممن كايلا أن تشم رائحة الأرض الباردة، والأعشاب المتراصة التي تحيط بالبركة، وصوت النافورة التي لا تراها. جلست القرفصاء لتغمس يدها: كانت حرارة الماء مثل حرارة الهواء. جلست كايلا متقاطعة الساقين، وكأسها في حضنها. تفحصت رسائلها القصيرة. كانت الأخيرات من جيسيكا منذ أسبوعين، وكلها داعمة. نظرت في مخزون صورها، صور عامة لرافي، بذراعين متقاطعين. لم تشاهدها من قبل، كم يبدو منزعجا، محبطا، محاصرا بجيسيكا وكايلا وهنري، أشخاص يحتاجون لأشياء يمتلكها. هنري المسكين. بكتفيه الصغيرين وشعره المصفف. وبوجهه المفتوح والمتطلب. أنهت ما تبقى من نبيذها. فتح شخص ما الباب. كانت ابنة المضيفين. صوفي أو صوفيا.
قالت كايلا: "هاي". قرفصت صوفي ولكن لم تجلس. أمكن لكايلا أن تشم أنفاسها الطفولية اللاذعة.
سألت صوفي: "هل تشعرين بالبرد؟".
قالت كايلا: "لا. ليس بعد".
لزما الهدوء للحظة طويلة. كان الصمت رائعا. بدت صوفي أصغر من هنري. ولمنخريها محيط طفولي مخاطي.
أخيرا سألت كايلا: "في أي صف أنت؟".
"الثاني".
"جيد".
هزت صوفي منكبيها، هزة بالغين، وشرعت بالنهوض.
لمست كايلا إحدى ركبتي صوفي قائلة: "إلى أين ذاهبة؟". تنحنحت الفتاة أثناء التلامس ولكن لم تكن منزعجة.
"غرفتي".
"هل يمكن أن أرافقك؟".
هزت صوفي منكبيها ثانية.
**
كانت غرفة صوفي غير مرتبة، وفانوس بشكل نجمة يتدلى فوق السرير. أشارت صوفي إلى دميتين على هيئة باربي، كانتا عاريتين ومكشوفتين لكن تحت منشفة ورقية، وأصابعهما ملتحمة وبينها أخاديد قليلا. قالت صوفي وهي تشير إلى رف كتب: "جهزت هذا البيت لهم". رف يحمل صندوق رزمة إسعافات بجوار باربي المستلقية على أحد جانبيها بثوب ضيق ولماع.
قالت صوفي: "هذه غرف الحفلة. انظري". ضغطت على زر موجود في سلسلة مفاتيح بشكل زهرة بلاستيكية وبدأت تدور عبر أضواء مختلفة ملونة. قالت: "انتظري". وأسرعت لتطفئ ضوء فوق الرأس. وقفت كايلا وصوفي بصمت، وخلفهما ضجيج الحفلة، بينما غرفة صوفي تتدرج كن الأحمر فالأصفر ثم التركواز.
قالت كايلا: "إنها جميلة".
كانت صوفي من النوع التجاري. قالت: "أعلم".
ضغطت لإطفاء الزهرة البلاستيكية، وأعادت إضاءة ضوء السقف. حينما لم تنطق كايلا بأي شيء، شغلت الفتاة نفسها بصندوق في الزاوية. سحبت قناعا ورقيا ورفعته نحو وجهها، قناع الجراحة ويفترض أن تضعه لمنع الأمراض التنفسية SARS وعلمت كايلا أنها ستتركه هكذا هناك حتى تقول لها شيئا.
قالت كايلا: " ما هذا؟".
قالت صوفي: "أحتاج له. فأنا أعاني من الكلوستروفوبيا".
قالت كايلا: "نعم. كان علي حتى أن أستعمله في المدرسة".
"أنت تمزحين".
سمحت كايلا بانخفاض القناع وابتسمت.
قالت كايلا: "مع ذلك هي طرفة جيدة".
جلست كايلا على حافة سرير صوفي. كانت الشراشف نظيفة على ما يبدو ويأتي منها برودة القطن النفيس. نقلت صوفي الباربي من رف إلى آخر، وهي تهمس لنفسها. كان من السهل على كايلا أن تتخلى عن صندلها. وأخفت ساقيها العاريتين تحت الشراشف، ورفعتهما فوق قامتها. قالت صوفي: "هل ازمعت على النوم؟".
"كلا. أشعر بالبرد".
قالت صوفي بصوت مشرق: "أنت مريضة وأنا ممرضة". في الحقيقة أنا أميرة، ولكن اضطررت لأكون ممرضة".
"هممم".
"أنت ابنتي. وأنت بغاية المرض".
قالت كايلا بعينين مغلقتين: "ربما سأموت".
سمعت كايلا صوت تخبط صوفي في الغرفة، وصوت سحابات وعلب. فتحت عينيها حينما شعرت بشيء طري يضغط على فمها. كانت كعكة من القماش، منقطة بسكر من القماش.
قالت صوفي: "وجدتها في الغابة. عليك أن تأكليها". وكان لصوتها نبرة مخيفة وخافتة.
قالت كايلا: "شكرا". فتحت فمها وتذوقت الخليط القماشي.
قالت صوفي: "أعتقد أنك نجحت".
قالت كايلا: "لا أعلم. أعتقد يجب أن أرتاح قليلا".
قالت صوفي: "حسنا يا عزيزتي". وربتت على خدها بلطف. كان أمرا رائعا. شعرت كايلا، وعيناها مغلقتان، أن الفتاة تلقي على وجهها فوطة ورقية، أصبحت الفوطة حارة بسبب أنفاس كايلا. وارتاحت حينما سمعت حركة صوفي في الغرفة، وأن تشم رائحة فمها.
**
"كايلا".
قبل أن تفتح عينيها، اعتقدت أن الصوت يعود للبروفيسور هانيسون. لماذا ارتاحت لذلك؟. كان يعلم أنها هنا. طرفت بعينيها كثيرا وابتسمت. جاء ليراها. تمنى أن تكون على ما يرام.
"كايلا".
فتحت كايلا عينيها. كان دينيس، دينيس بقميصه الشبيه بالبلوزة، وبساعده المغطى بالشعر. قال دينيس: "عليك أن تنهضي. ماري تبحث عنك. كانت قلقة. نحن عائدان إلى البيت". نظرت كايلا إلى ما وراء دينيس، ولكن كانت صوفي قد انصرفت. والغرفة فارغة.
قال دينيس: "هيا بنا". وتابع النظر إلى الباب. أراد أن يرحل. شعرت كايلا أنها غريبة. وكانت تحلم. قالت: "أين صوفي؟".
-"حان وقت الانصراف. هيا بنا. لنتحرك". طرفت نحوه من مكانها بجوار الوسادة.
قال دينيس وهو يجر الغطاء: "تعالي يا كايلا". كان ثوب كايلا قد ارتفع وظهرت ثيابها الداخلية.
قال: "يا للمسيح". وألقى الأغطية فوقها. كان وجهه أحمر.
قالت كايلا وهي تنهض: "آسفة". جرت ثوبها إلى الأسفل. وبحثت عن صندلها.
-"وأنت؟".
أدهشتها نبرة صوته - حينما رمقته، تعمد أن ينظر إلى الأرض. شعرت كايلا بالغرفة التي كانت حولها، وصندلها الرخيص في يدها. قالت: "أنا لا أشعر بالعار، إن كان هذا ما تفكر به".
بدأ دينيس يضحك، ولكنه بدا مرهقا. وقال وهو يفرك عينيه: "يا للمسيح. أنت فتاة رائعة".
وأضاف: "أعلم أنك إنسانة شريفة".
السخط الذي انتابها بعدئذ، كان أقرب للبغضاء - "ربما أنا لست كذلك".
ابتلت عينا دينيس، وغلبهما الألم. قال: "طبعا أنت كذلك. أنت أكثر من هذا الشيء وحده". مسح دينيس وجه كايلا، وعينيها، وفمها، وأمكنها أن تقول إنه يرى ما يريد، وأنه يجد التأكيد على القصة التبريرية التي أقنع نفسه بها عنها. كان مظهر دينيس حزينا وبلغ أرذل العمر. وذات يوم، وهذه حقيقة، ستبلغ أرذل العمر مثله أيضا. وسيفنى جسدها. سيغيب وجهها. وماذا بعد؟. هي تعلم، مسبقا، أنها لن تتمكن من التعامل مع ذلك على نحو مقبول.
كانت فتاة متعبة وسخيفة. وليست جيدة في أي شأن. المسألة أنها كانت تعرف من قبل رودين، وشارتر. كل ذلك ذهب وتلاشى. هل هناك عالم تعود فيه إلى تلك الأشياء؟. لم تكن لبقة بما فيه الكفاية، حقا. وحتى فيما بعد. كسولة وتبحث عن طرق مختصرة. كانت أطروحتها تتعفن في مكتبة جامعتها، وهي مائة صفحة من العذاب عن طرد جواكيم من المعبد. ولم تتقن اختيار الهوامش وحجم الحرف حتى جهزت بصعوبة بالغة عدد الصفحات المطلوب. وفكرت هل يفكر البروفيسور هونيسون بي ولو على نحو بائس؟. قادت دينيس كايلا في آخر لحظات الحفلة، نحو الباب الأمامي. في أي موقع وجد الكعكة في طريقه؟ قدمها لها، ملفوفة في فوطة. ربما شعر بالسقوط. هزت كايلا رأسها. بدأ دينيس يقول شيئا، ثم أوقف نفسه. هز منكبيه وقضم لقمة من الكعكة ولاكها بشهية. نظر في هاتفه.
قال دينيس: "ماري تأتي بالسيارة. وهكذا بمقدورنا أن ننتظر هنا". امتلأ فمه، وتجاهل تساقط الفتافيت أمامه، والتصاقها بأسنانه. حينما شاهد دينيس كايلا تراقبه، عاد إليه وعيه. أنهى الكعكة بلقمة وواحدة، ونظف شفتيه بالفوطة. على الأقل أقلع عن فكرة إلقاء المحاضرات عليها. لإقناعها أن هناك عظة ما في كل ذلك. العالم لا يعمل هكذا، وليست مأساة محدودة أن دينيس لا يعرف ذلك حتى الآن؟. ابتسمت كايلا وابتلعت بطنها، فقط تحسبا - من يعلم هذا؟. ربما هناك مصور يختبئ هناك في الظلام، شخص ما يراقبها، شخص تبعها حتى هنا، شخص ما ينتظرها بصبر حتى تظهر.
***
.......................
هوامش:
1- أطباق مصنوعة من البورسلان.
2- مؤرخ إيطالي وأرشبيشوب جنوا.
3- شخصية كرتونية اخترعتها وورنير براذيرز في الثلاثينات.
* إيما كلاين Emma Cline: كاتبة أمريكية معاصرة. من أهم أعمالها: سويسراتي 2026، المرشحة للبوكر في لندن، وتتكلم عن الموت الرحيم في سويسرا. أما القصة فهي من مجموعتها "أبي" الصادرة عام 2020 عن راندوم هاوس.








